######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shia_002616Vols #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: القرطبي #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 671 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: تفسير القرطبي #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: مصادر التفسير عند السنة #META# 022.BookVOLS :: 20 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shia_002616Vols #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/2616_تفسير-القرطبي-القرطبي-ج-1 #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: تصحيح : أحمد عبد العليم البردوني #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #####SUBJECT#BIBLIOGRAPHY# #META#Header#End# # الجامع لاحكام القرآن لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي الجزء ~~الأول أعاد طبعه دار احياء التراث العربي بيروت - لبنان 1405 ه‍ - 1985 م ~~PageV01P001 # بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة الطبعة الثانية لعلنا في غير حاجة إلى ~~تعريف القراء بهذا التفسير العظيم، بعد أن عرفوه في طبعته الأولى فأقبلوا ~~عليه إقبالا منقطع النظير. إذ لم يكد يخرج منه جزء حتى تهافت عليه الجمهور، ~~ممن عرفوا فضل القرطبي وعلمه وأدبه، ودقته في تأويل كتاب الله تعالى، وعرض ~~أقوال الأئمة من جهابذة المحققين، وأولي البصر بكتاب الله من أعلام ~~المجتهدين. # ولقد رأى القراء حين طلع عليهم تفسير القرطبي مبلغ ما بذله مؤلفه من جهد ~~كبير، وعناية فائقة، يدلان على عمقه في البحث، ومقدرته على فهم كتاب الله، ~~وإلمامه بأصول علوم الشريعة وفروعها، من لغة وأدب وبلاغة. يتجلى كل أولئك ~~في استنباطه الأحكام الشرعية من نصوص الآيات الكريمة، حتى ليكاد يستغني به ~~القارئ عن دراسة كتب الفقه، ثم في استشهاده بكثير من النصوص الأدبية من لغة ~~العرب شعرها ونثرها، مما يشهد له بطول الباع وسعة الأفق. # وإن أخذ عليه شئ فليس إلا هنات يسيرة، لا تنقص من مقداره، ولا تغض من ~~قيمته، فقد ينبو الحسام، وقد يكبد الجواد. # فمن ذلك أنه خالف أحيانا ما اشترطه على نفسه في مقدمة كتابه إذ يقول: ~~"... وأضرب عن كثير من قصص المفسرين وأخبار المؤرخين، إلا ما لا بد منه، ~~ولا غنى عنه للتبيين... " PageV0MP003 # فليس مما لا بد منه أو لا غنى عنه ما ينقله عن كعب الأحبار: " أن إبليس ~~تغلغل إلى الحوت الذي على ظهره الأرض كلها، فألقى في قلبه فقال: هل تدري ما ~~على ظهرك يا لوثيا (1) من الأمم والشجر والدواب والناس والجبال! لو نفضتهم ~~ألقيتهم عن ظهرك أجمع. قال: # فهم لوثيا بفعل ذلك، فبعث الله دابة فدخلت في منخره، فعج إلى الله منها ~~فخرجت (2).... ". # وليس مما لا بد منه: " أن الحية كانت خادم آدم عليه السلام في الجنة ~~فخانته بأن مكنت عدو الله من نفسها ms0001 وأظهرت له العداوة هناك، فلما هبطوا ~~تأكدت العداوة وجعل رزقها التراب (3) ". # وليس مما لا بد منه ما يرويه عن ابن عباس قال: " سألت اليهود النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن الرعد ما هو؟ قال: ملك من الملائكة معه مخاريق من نار ~~يسوق بها السحاب حيث شاء الله (4) ". # وليس مما لا بد منه ما ذكره عن كلب أصحاب الكهف والاختلاف في لونه وفي ~~اسمه (5). # ولا ما يرويه عن الزهري في قوله تعالى " جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة ~~مثنى وثلاث ورباع ": أن جبريل عليه السلام قال له: يا محمد لو رأيت إسرافيل ~~إن له لاثني عشر ألف جناح، منها جناح بالمشرق، وجناح بالمغرب، وإن العرش ~~لعلى كاهله، وإنه في الأحايين ليتضاءل لعظمة الله حتى يعود مثل الوصع ~~(6).... ". # ولا ما ذكره في قوله تعالى: " ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ": أن ~~فوق السماء السابعة ثمانية أوعال (7) بين أظلافهن وركبهن مثل ما بين سماء ~~إلى سماء، وفوق ظهورهن العرش (8) ". # PageV0MP004 # إلى غير ذلك من الأمثلة التي ترد في مناسبات مختلفة، جارى فيها من سبقه ~~من المفسرين الذين ينقلون عن الإسرائيليات ولا يتحرون الدقة في المعلومات ~~الكونية، خصوصا في الكلام على خلق السماوات والأرض، وتأويل الآيات التي ~~تتعرض للظواهر الطبيعية، أو تشير إلى المسائل العلمية. # وللمؤلف في ذلك كثير من العذر، لأنه - رحمه الله - تابع فيه ثقافة عصره، ~~وما تجري به ألسنة العلماء في ذلك الزمان. # وقد رأت الدار - بعد أن تحققت حاجة الناس إلى هذا الكتاب، ورغبة الكثير ~~من العلماء في الأقطار الاسلامية في ذيوعه - أن تقرر إعادة طبعها تعميما ~~للفائدة. # هذا وسيرى القارئ أننا حرصنا على أن تكون هذه الطبعة موافقة لسابقتها في ~~أجزائها وصفحاتها وأرقامها، إلا في تفاوت يسير، يستطيع القارئ أن يدركه في ~~الصفحة التالية أو السابقة. # كما أننا نبهنا في هذه الطبعة إلى أمر لم يكن في سابقتها، فعندما يذكر ~~المؤلف عبارة: # (على ما يأتي بيانه) نوضح ذلك في الهامش، مبينين موضعه من الكتاب حتى ~~يسهل على القارئ متابعة الدراسة، وربط ms0002 الكلام بعضه ببعض، دون جهد أو عناء. # ولا يفوتني أن أنوه بفضل حضرات الزملاء الذين اشتركوا معي في تصحيح هذا ~~الكتاب في طبعته الأولى بعد جزئه الرابع، وهم السادة: الشيخ إبراهيم أطفيش، ~~والشيخ بشندي خلف الله، والشيخ محمد محمد حسنين. # والله المسؤول أن ينفع بهذا التفسير الجليل، وأن يجزي مؤلفه خير الجزاء، ~~وأن يعين القائمين بنشر التراث الاسلامي من أمثال هذا الكتاب العظيم. وأن ~~يوفق " الدار " في تأدية رسالتها حتى تنهض بهذا العبء الكبير، وتقدم للعالم ~~أجمع خير تراث تركه الأقدمون. # وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد، وعلى آله وصحابته أجمعين. # مصححه أحمد عبد العليم البردوني 16 من المحرم سنة 1372 (6 من أكتوبر سنة ~~1952). PageV0MP005 # ترجمة أبي عبد الله القرطبي مؤلف هذا التفسير (1) أبو عبد الله محمد بن ~~أحمد بن أبي بكر بن فرح (بإسكان الراء وبالحاء المهملة)، الأنصاري الخزرجي ~~الأندلسي القرطبي المفسر، كأم من عباد الله الصالحين، والعلماء العارفين، ~~الورعين الزاهدين في الدنيا، المشغولين بما يعنيهم من أمور الآخرة. أوقاته ~~معمورة ما بين توجه وعبادة وتصنيف. # مؤلفاته - جمع في تفسير القرآن كتابا كبيرا في اثني عشر مجلدا، سماه كتاب ~~" الجامع لاحكام القرآن، والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان " وهو من ~~أجل التفاسير وأعظمها نفعا، أسقط منه القصص والتواريخ، وأثبت عوضها أحكام ~~القرآن، واستنباط الأدلة، وذكر القراءات والاعراب والناسخ والمنسوخ (وهو ~~هذا التفسير). وله كتاب " الأسنى، في شرح أسماء الله الحسنى ". وكتاب " ~~التذكار، في أفضل الأذكار ". وضعه على طريقة التبيان للنووي، لكن هذا أتم ~~منه وأكثر علما. وكتاب " التذكرة، بأمور الآخرة ". وكتاب " شرح التقصي ". ~~وكتاب " قمع الحرص بالزهد والقناعة، ورد ذل السؤال بالكتب والشفاعة ". # قال ابن فرحون: لم أقف على تأليف أحسن منه في بابه. وله " أرجوزة جمع ~~فيها أسماء النبي صلى الله عليه وسلم ". وله تواليف وتعاليق مفيدة غير هذا. ~~وكان مطرحا للتكلف، يمشي بثوب واحد وعلى رأسه طاقية. قال صاحب نفح الطيب: ~~إنه من الراحلين من الأندلس. # PageV0MP006 # شيوخه - سمع من الشيخ أبي العباس أحمد بن عمر القرطبي ms0003 بعض شرحه " المفهم، ~~لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ". # وحدث عن الحافظ أبي علي الحسن بن محمد بن محمد البكري، وحدث أيضا عن ~~الحافظ أبي الحسن علي بن محمد بن علي بن حفص اليحصبي وغيرهما. # وكان مستقرا بمنية ابن خصيب، وتوفي ودفن بها في ليلة الاثنين التاسع من ~~شوال سنة 671، رحمه الله ورضي عنه. PageV0MP007 # بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه ~~وسلم تسليما. # قال الشيخ الفقيه الامام العالم العامل العلامة المحدث أبو عبد الله محمد ~~بن أحمد بن أبي بكر فرح الأنصاري الخزرجي الأندلسي ثم القرطبي، رضي الله ~~عنه: # الحمد لله المبتدئ بحمد نفسه قبل ان يحمده حامد، واشهد أن لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له، الرب الصمد الواحد، الحي القيوم الذي لا يموت، ذو ~~الجلال والاكرام، والمواهب العظام، والمتكلم بالقرآن، والخالق للانسان، و ~~المنعم عليه بالايمان، والمرسل رسوله بالبيان، محمدا صلى الله عليه وسلم ما ~~اختلف الملوان (1)، وتعاقب الجديدان، أرسله بكتابه المبين، الفارق بين الشك ~~واليقين، الذي أعجزت الفصحاء معارضته، وأعيت الألباء مناقضته، وأخرست ~~البلغاء مشاكلته، فلا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا. جعل أمثاله ~~عبرا لمن تدبرها، وأوامره هدى لمن استبصرها، وشرح فيه واجبات الأحكام، وفرق ~~فيه بين الحلال والحرام، وكرر فيه المواعظ والقصص للأفهام، وضرب فيه ~~الأمثال، وقص فيه غيب الأخبار، فقال تعالى " ما فرطنا في الكتاب من شئ (12) ~~". وخاطب به أولياءه ففهموا، وبين لهم فيه مراده فعلموا. فقرءة القرآن حمله ~~سر الله المكنون، وحفظة علمه المخزون، وخلفاء أنبيائه وأمناؤه، وهم أهله ~~وخاصته وخيرته وأصفياؤه، قال رسول الله صلى اله عليه وسلم: " إن لله أهلين ~~منا (3) " قالوا: يا رسول الله، من هم؟ قال: " هم أهل القرآن أهل الله ~~وخاصته " أخرجه ابن ماجة في سننه، وأبو بكر البزار في مسنده. فما أحق من ~~علم كتاب الله أن يزدجر بنواهيه، ويتذكر # PageV01P001 # ما شرح له فيه، ويخشى الله ويتقيه، ويراقبه ويستحييه. فإنه حمل أعباء ~~الرسل، وصار شهيدا في القيامة على من ms0004 خالف من أهل الملل، قال الله تعالى: " ~~وكذلك جعلناكم أمه وسطا لتكونوا شهداء على الناس (1) ". ألا وإن الحجة على ~~من علمه فأغفله، أوكد منها على من قصر عنه وجهله. ومن أوتى علم القرآن فلم ~~ينتفع، وزجرته نواهيه فلم يرتدع، وارتكب من المآثم قبيحا، ومن الجرائم ~~فضوحا، كان القرآن حجه عليه، وخصما لديه، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " القرآن حجه لك أو عليك " خرجه مسلم. فالواجب على من خصه الله بحفظ ~~كتابه أن يتلوه حق تلاوته، ويتدبر حقائق عبارته، ويتفهم عجائبه، ويتبين ~~غرائبه، قال الله تعالى: " كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته (2) ". ~~وقال الله تعالى: # " أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها (3) ". جعلنا الله ممن يرعاه ~~حق رعايته، ويتدبره حق تدبره، ويقوم بقسطه، ويفي بشرطه، ولا يلتمس الهدى في ~~غيره، وهدانا لأعلامه الظاهرة، وأحكامه القاطعة الباهرة، وجمع لنا به خير ~~الدنيا والآخرة، فإنه أهل التقوى وأهل المغفرة. ثم جعل إلى رسوله صلى الله ~~عليه وسلم بيان ما كان منه مجملا، وتفسير ما كان منه مشكلا، وتحقيق ما كان ~~منه محتملا، ليكون له مع تبليغ الرسالة ظهور الاختصاص به، ومنزلة التفويض ~~إليه، قال اله تعالى: " وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم (4) ~~". # ثم جعل إلى العلماء بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم استنباط ما نبه على ~~معانيه، وأشار إلى أصوله ليتوصلوا باجتهاد فيه إلى علم المراد، فيمتازوا ~~بذلك عن غيرهم، ويختصوا بثواب اجتهادهم، قال الله تعالى: " يرفع الله الذين ~~آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات (5) ". # فصار الكتاب أصلا والسنة له بيانا، واستنباط العلماء له إيضاحا وتبيانا. ~~فالحمد لله الذي جعل صدورنا أوعية كتابه، وآذاننا موارد سنن نبيه، وهممنا ~~مصروفة إلى تعلمهما والبحث عن معانيهما وغرائبهما، طالبين بذلك رضا رب ~~العالمين، ومتدرجين به إلى علم الملة والدين. # (وبعد * فلما كان كتاب الله هو الكفيل بجمع علوم الشرع، الذي استقل ~~بالسنة والفرض، ونزل به أمين السماء إلى أمين الأرض، رأيت أن أشتغل به مدى ~~عمري، وأستفرغ # PageV01P002 # فيه منتى (1)، بأن أكتب ms0005 تعليقا وجيزا، يتضمن نكتا من التفسير واللغات، ~~والاعراب والقراءات، والرد على أهل الزيغ والضلالات، وأحاديث كثيرة شاهدة ~~لما نذكره من الأحكام ونزول الآيات، جامعا بين معانيهما، ومبينا ما أشكل ~~منهما، بأقاويل السلف، ومن تبعهم من الخلف. وعملته تذكرة لنفسي، وذخيرة ~~ليوم رمسي، وعملا صالحا بعد موتي. # قال الله تعالى: " ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر (2) ". وقال تعالى: " ~~علمت نفس ما قدمت وأخرت (3) ". وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا ~~مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد ~~صالح يدعو له ". # وشرطي في هذا الكتاب: إضافة الأقوال إلى قائليها، والأحاديث إلى مصنفيها، ~~فإنه يقال: # من بركة العلم أن يضاف القول إلى قائله. وكثيرا ما يجئ الحديث في كتب ~~الفقه والتفسير مبهما، لا يعرف من أخرجه إلا من اطلع على كتب الحديث، فيبقى ~~من لا خبرة له بذلك حائرا، لا يعرف الصحيح من السقيم، ومعرفة ذلك علم جسيم، ~~فلا يقبل منه الاحتجاج به، ولا الاستدلال حتى يضيفه إلى من خرجه من الأئمة ~~الأعلام، والثقات المشاهير من علماء الإسلام. ونحن نشير إلى جمل من ذلك في ~~هذا الكتاب، والله الموفق للصواب. وأضرب عن كثير من قصص المفسرين، وأخبار ~~المؤرخين، إلا مالا بد منه ولا غنى عنه للتبيين، واعتضت من ذلك تبيين آي ~~الاحكام، بمسائل تفسير عن معناها، وترشد الطالب إلى مقتضاها، فضمنت كل آية ~~لتضمن حكما أو حكمين فما زاد، مسائل نبين فيها ما تحتوي عليه من أسباب ~~النزول والتفسير الغريب والحكم، فإن لم تتضمن حكما ذكرت ما فيها من التفسير ~~والتأويل، هكذا إلى آخر الكتاب. # وسميته ب‍ (الجامع لأحكام القرآن، والمبين لما تضمنه من السنة وآي ~~الفرقان)، جعله الله خالصا لوجهه، وأن ينفعني به ووالدي ومن أراده بمنه، ~~إنه سميع الدعاء، قريب مجيب، آمين. # PageV01P003 # باب ذكر جمل من فضائل القرآن، والترغيب فيه، وفضل طالبه وقارئه ومستمعه ~~والعامل به اعلم أن هذا الباب واسع كبير، ألف فيه العلماء كتبا كثيرة، نذكر ~~من ذلك نكتا تدل ms0006 على فضله، وما أعده الله لأهله، إذا أخلصوا الطلب لوجهه. ~~وعملوا به. فأول ذلك أن يستشعر المؤمن من فضل القرآن أنه كلام رب العالمين، ~~غير مخلوق، كلام من ليس كمثله شئ، وصفة من ليس له شبيه ولا ند، فهو من نور ~~ذاته جل وعز، وأن القراءة أصوات القراء ونغماتهم، وهي أكسابهم التي يؤمرون ~~بها في حال إيجابا في بعض العبادات، وندبا في كثير من الأوقات، ويزجرون (1) ~~عنها إذا أجنبوا، ويثابون عليها ويعاقبون على تركها. وهذا مما أجمع عليه ~~المسلمون أهل الحق، ونطقت به الآثار، ودل عليها المستفيض من الأخبار، ~~ويتعلق الثواب والعقاب إلا بما هو من اكتساب العباد، على ما يأتي بيانه. ~~ولولا أنه - سبحانه - جعل في قلوب عباده من القوة على حمله ما جعله، ~~ليتدبروه وليعتبروا به، وليتذكروا ما فيه من طاعته وعبادته، يقول - تعالى ~~جده - وقوله الحق: " لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من ~~خشية الله (2) ". فأين قوت القلوب من قوة الجبال! ولكن الله تعالى رزق ~~عباده من القوة على حمله ما شاء أن يرزقهم، فضلا منه ورحمة. # وأما ما جاء من الآثار في هذا الباب - فأول ذلك ما خرجه الترمذي عن أبي ~~سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يقول الرب تبارك وتعالى من ~~شغله القرآن وذكري عن مسألتي أعطيته ما أعطي السائلين - قال: - وفضل كلام ~~الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه ". قال: هذا حديث حسن غريب. وروى ~~أبو محمد الدارمي السمرقندي في مسنده عن عبد الله قال: السبع الطول مثل ~~التوراة، والمئون مثل الإنجيل، والمثاني مثل الزبور، وسائر القرآن بعد فضل. ~~وأسند عن الحارث # PageV01P004 # عن علي رضي الله عنه وخرجه الترمذي قال: سمعت (1) رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: # " ستكون فتن كقطع الليل المظلم. قلت يا رسول الله وما المخرج منها؟ قال: ~~كتاب الله تبارك وتعالى فيه نبأ من قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم هو ~~الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله ومن ابتغى ms0007 الهدى في غيره أصله ~~الله هو حبل الله المتين ونوره المبين والذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم ~~وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسنة ولا تتشعب معه الآراء ~~ولا يشبع من العلماء ولا يمله الأتقياء ولا يخلق على كثرة الرد ولا تنقضي ~~عجائبه وهو الذي لم تنته الجن إذ سمعته أن قالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا من ~~علم علمه سبق ومن قال به صدق ومن حكم به عدل ومن عمل به أجر ومن دعا إليه ~~هدى إلى صراط مستقيم خذها إليك يا أعور (2) ". # " الحارث " رماه الشعبي بالكذب وليس بشئ، ولم يبن من الحارث كذب، وإنما ~~نقم عليه إفراطه في حب على وتفضيله له على غيره. ومن هاهنا - والله أعلم - ~~كذبه الشعبي، لأن الشعبي يذهب إلى تفضيل أبي بكر، وإلى أنه أول من أسلم. ~~قال أبو عمر عبد البر: # وأظن الشعبي عوقب لقوله في الحارث الهمداني: حدثني الحارث وكان أد ~~الكذابين. # وأسند أبو بكر محمد بن القاسم بن بشار بن محمد الأنباري النحوي اللغوي في ~~كتاب " الرد على من خالف مصحف عثمان " عن عبد الله بن مسعود قال قال: رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " إن هذا القرآن مأدبة الله فتعلموا من مأدبته ما ~~استطعتم إن هذا القرآن حبل الله وهو النور المبين والشفاء النافع عصمة من ~~تمسك به ونجاة من اتبعه لا يعوج فيقوم ولا يزيغ فيستعيب ولا تنقضي عجائبه ~~ولا يخلق عن كثرة الرد فاتلوه فإن الله يأجركم على تلاوته بكل حرف عشرة ~~حسنات أما إني لا أقول ألم حرف ولا ألفين أحدكم واضعا إحدى رجليه يدع أن ~~يقرأ سورة البقرة فإن الشيطان يفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة وإن ~~أصفر البيوت من الخير البيت الصفر من كتاب الله ". وقال أبو عبيد في غريبة ~~عن عبد الله قال: إن هذا القرآن مأدبة # PageV01P005 # الله فمن دخل فيه فهو آمن. قال: وتأويل الحديث أنه مثل، شبه القرآن بصنيع ~~صنعه الله عز وجل للناس، لهم فيه الخير ومنافع، ms0008 ثم دعاهم إليه. يقال: مأدبة ~~ومأدبة، فمن قال: # مأدبة، أراد الصنيع يصنعه الإنسان فيدعو إليه الناس. ومن قال: مأدبة، ~~فأنه يذهب به إلى الأدب، يجعله مفعلة من الأدب، ويحتج بحديثه الآخر: " إن ~~هذا القرآن مأدبة الله عز وجل فتعلموا من مأدبته ". وكان الأحمر يجعلها ~~لغتين بمعنى واحد، ولم أسمع أحدا يقول هذا غيره. [قال:] والتفسير الأول ~~أعجب إلى. # وروى البخاري عن عثمان بن عفان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " خيركم ~~من تعلم القرآن وعلمه ". وروى مسلم عن أبي موسى قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب ومثل ~~المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة لا ريح لها وطعمها حلو ومثل المنافق ~~الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر ومثل المنافق الذي لا ~~يقرأ القرآن كمثل الحنظلة لا يرح لها وطعمها مر ". وفي رواية: " مثل الفاجر ~~" بدل المنافق ". وقال البخاري: " مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل ~~الأترجة طعمها طيب وريحها طيب ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل ~~التمرة... " وذكر الحديث. # وذكر أبو بكر الأنباري: وقد أخبرنا أحمد بن يحيى الحلواني حدثنا يحيى بن ~~عبد الحميد حدثنا هشيم (1)، ح. وأنبأنا إدريس حدثنا خلف حدثنا هشيم عن ~~العوام بن حوشب: أن أبا عبد الرحمن # PageV01P006 # السلمي كان إذا ختم عليه الخاتم القرآن أجلسه بين يديه ووضع يده على رأسه ~~وقال له: # يا هذا، اتق الله! فما أعرف أحدا خيرا منك إن عملت بالذي علمت. وروى ~~الدارمي عن وهب الذماري قال: من آتاه الله القرآن فقام به آناء الليل وآناء ~~النهار، وعمل بما فيه ومات على طاعة، بعثه الله يوم القيامة مع السفرة ~~والأحكام. قال سعيد (1 2): السفرة الملائكة، والأحكام (2) الأنبياء. # وروى مسلم عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الماهر ~~بالقرآن مع السفرة الكرام البررة والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه ~~شاق له أجران ". التتعتع: # التردد في الكلام عيا وصعوبة، وإنما كان له ms0009 أجران من حيث التلاوة ومن حيث ~~المشقة، ودرجات الماهر فوق ذلك كله، لأنه قد كان القرآن متعتعا عليه، ثم ~~ترقى عن ذلك إلى أن شبه بالملائكة. والله أعلم. وروى الترمذي عن عبد الله ~~بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من قرأ حرفا من كتاب ~~الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول آلم حرف ولكن ألف حرف ولام ~~حرف وميم حرف ". قال: حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه، وقد روى موقوفا. ~~وروى مسلم عن عقبة بن عامر قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ونحن في الصفة، فقال: " أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان أو إلى العقيق ~~فيأتي منه بناقتين كوماوين (3) في غير إثم ولا قطع رحم " فقلنا: يا رسول ~~الله، كلنا نحب ذلك، قال: " أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيعلم (4) أو يقرأ ~~آيتين من كتاب الله عز وجل خير له من ناقتين وثلاث خير له من ثلاث وأربع ~~خير له من أربع ومن أعدادهن من الإبل ". # وعن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من نفس عن مسلم ~~كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن يسر على معسر ~~يسر الله عليه # PageV01P007 # في الدنيا والآخرة ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة والله في ~~عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله ~~له طريقا إلى الجنة وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ~~ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة ~~وذكرهم الله فيمن عنده ومن أبطأ به علمه لم يسره به نسبه ". # وروى أبو داود والنسائي والدارمي والترمذي عن عقبة بن عامر قال سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: " الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة والمسر ~~بالقرآن كالمسر بالصدقة ". # قال الترمذي: حديث حسن غريب. وروى الترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ms0010 قال: " يجئ القرآن (1) يوم القيامة فيقول يا رب حله فيلبس ~~تاج الكرامة ثم يقول يا رب زده فيلبس حلة الكرامة ثم يقول يا رب ارض عنه ~~فيرضى عنه فيقال له اقرأ وارق ويزاد بكل آية حسنة ". قال: حديث صحيح. وروى ~~أبو داود عن عبد الله بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يقال ~~لصاحب القرآن اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر ~~آية تقرؤها ". وأخرجه ابن ماجة في سننه عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " يقال لصاحب القرآن إذا دخل الجنة اقرأ واصعد ~~فيقرأ ويصعد بكل آية درجة حتى يقرأ آخر شئ معه ". # وأسند أبو بكر الأنباري عن أبي أمامة الحمصي قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " من أعطى ثلث القرآن فقد أعطى ثلث النبوة ومن أعطى ثلثي القرآن أعطى ~~ثلثي النبوة ومن قرأ القرآن كله فقد أعطى النبوة كلها غير أنه لا يوحى إليه ~~ويقال له يوم القيامة اقرأ وارق فيقرأ آية ويصعد درجة حتى ينجز ما معه من ~~القرآن ثم يقال له اقبض فيقبض ثم يقال له أتدري ما في يديك فإذا في يده ~~اليمنى الخلد وفي اليسرى النعين ". # حدثنا إدريس بن خلف حدثنا إسماعيل بن عياش عن تمام عن الحسن قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " من أخذ ثلث القرآن وعمل به فقد أخذ ثلث النبوة ~~ومن أخذ # PageV01P008 # نصف القرآن وعمل به فقد أخذ نصف النبوة ومن أخذ القرآن كله فقد أخذ ~~النبوة كلها. قال: وحدثنا محمد بن يحيى المروزي أنبأنا محمد وهو ابن سعدان ~~حدثنا الحسن بن محمد عن حفص عن كثير بن زياد عن عاصم بن ضمرة عن علي رضي ~~الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من قرأ القرآن وتلاه ~~وحفظه أدخله الله الجنة وشفعه في عشرة من أهل بيته كل قد وجبت له النار ". ~~وقالت أو الدرداء: دخلت على عائشة رضي الله عنه ms0011 فقلت لها: ما فضل من قرأ ~~القرآن على من لم يقرأه ممن دخل الجنة؟ فقالت عائشة رضي الله عنه : إن عدد ~~اي القرآن على عدد درج الجنة، فليس أحد دخل الجنة أفضل ممن قرأ القرآن. ~~ذكره أبو محمد مكي. وقال ابن عباس: من قرأ القرآن واتبع ما فيه هداه الله ~~من الضلالة، ووقاه يوم القيامة سوء الحساب، وذلك بأن الله تبارك وتعالى ~~يقول " فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى (1) ". قال ابن عباس: فضمن الله لمن ~~اتبع القرآن ألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة وذكره مكي أيضا. وقال ~~الليث يقال ما الرحمة إلى أحد بأسرع منها إلى مستمع القرآن، لقول الله جل ~~ذكره: " وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون (2) ". و " لعل ~~" من الله واجبة. # وفي مسند أبي داود الطيالسي - وهو مستند ألف في الإسلام - عن عبد الله بن ~~عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من قام بعشر آيات لم يكتب من ~~الغافلين ومن قالم بمائة آية كتب من القانتين ومن قام بألف آية كتب من ~~المقنطرين " والآثار في معنى هذ الباب كثيرة، وفيما ذكرنا كفاية، والله ~~الموفق للهداية. # PageV01P009 # باب كيفية التلاوة لكتاب الله تعالى، وما يكره منها وما يحرم، واختلاف ~~الناس في ذلك روى البخاري عن قتادة قال: سألت رسول الله صلى عليه وسلم ~~فقال: # كان يمد مدا [إذا] قرأ بسم الله الرحمن الرحيم، يمد بسم الله، ويمد ~~بالرحمن، ويمد بالرحيم. # وروى الترمذي عن أم سلمة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقطع ~~قراءته يقول: " الحمد لله رب العالمين " ثم يقف " الرحمن الرحيم " ثم يقف، ~~وكان يقرؤها " ملك يوم الدين ". قال: حديث غريب. وأخرجه أبو داود بنحوه. # وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " أحسن الناس صوتا من إذا قرأ ~~رأيته (1) يخشى الله تعالى ". وروى عن زياد النميري أنه جاء مع القراء إلى ~~أنس بن مالك فقيل له: # اقرأ. فرقع صوته وطرب، وكان رفيع الصوت، فكشف أنس عن وجهه، ms0012 وكان على وجهه ~~خرقة سوداء فقال: يا هذا، ما هكذا كانوا يفعلون! وكان إذا رأى شيئا ينكره ~~كشف الخرقة عن وجهه. وروى عن قيس بن عبادة أنه قال: كان أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يكرهون رفع الصوت عند الذكر. وممن روى عنه كراهة رفع ~~الصوت عند قراءة القرآن سعيد ين المسيب وسعيد بن جبير والقاسم بن محمد ~~والحسن وابن سيرين والنخعي وغيرهم، وكرهه مالك بن أنس وأحمد بن حنبل، كلهم ~~كره رفع الصوت بالقرآن والتطريب فيه. روى عن سعيد بن المسيب أنه سمع عمر بن ~~عبد العزيز ئ م الناس فطرب في قراءته، فأرسل إليه سعيد يقول: أصلحك الله! ~~إن الأئمة لا تقرأ هكذا. فترك عمر التطريب بعد. # وروى عن القاسم بن محمد: أن رجلا قرأ في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ~~فطرب، فأنكر ذلك القاسم وقال يقول الله عز وجل: " وإنه لكتاب عزيز. لا ~~يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه (2) " الآية. # وروى عن مالك أنه سئل عن النبر في قراءة القرآن في الصلاة، فأنكر وكرهه ~~كراهة شديدة، وأنكر رفع الصوت به. وروى ابن القاسم عنه أنه سئل عن الألحان ~~في الصلاة # PageV01P010 # فقال: لا يعجبني، وقال: إنما هو غناء يتغنون به ليأخذوا عليه الدراهم. ~~وأجازت طائفة رفع الصوت بالقرآن والتطريب به، وذلك لأنه إذا حسن الصوت به ~~كان أوقع في النفوس وأسمع في القلوب، واحتجوا بقوله عليه السلام: " زينوا ~~القرآن بأصواتكم " رواه البراء بن عازب. أخرجه أبو داود والنسائي. وبقوله ~~عليه السالم: " ليس منا من لم يتغن بالقرآن " أخرجه مسلم. وبقول أبي موسى ~~للنبي صلى الله عليه وسلم: لو أعلم أنك تستمع لقراءتي لحبرته لك تحبيرا. ~~وبما رواه عبد الله بن مغفل قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم عام ~~الفتح في مسير له سورة " الفتح " على راحلته فرجع في قراءته. وممن ذهب إلى ~~هذا أبو حنيفة وأصحابه والشافعي وابن المبارك والنظر بن شميل، وهو اختيار ~~أبي جعفر الطبري وأبي الحسن بن بطال والقاضي ms0013 أبي بكر بن العربي وغيرهم. # قلت: القول الأول أصح لما ذكرناه ويأتي. وأما ما احتجوا به من الحديث ~~الأول فليس على ظاهره وإنما هو من باب المقلوب، أي زينوا أصواتكم بالقرآن. ~~قال الخطابي: # وكذا فسره غير واحد من أئمة الحديث: زينوا أصواتكم بالقرآن، وقالوا هو من ~~باب المقلوب، كما قالوا: عرضت الحوض على الناقة، وإنما هو عرضت الناقة على ~~الحوض. # قال: ورواه معمر عن منصور عن طلحة، فقدم الأصوات على القرآن، وهو صحيح. # قال الخطابي: ورواه طلحة عن عبد الرحمن بن عوسجة عن البراء أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: " زينوا القرآن بأصواتكم " أي الهجوا بقراءته ~~واشغلوا به أصواتكم. اتخذوه شعارا وزينة، وقيل: معناه الحض على قراءة ~~القرآن والدءوب عليه. وقد روى عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: " زينوا أصواتكم بالقرآن ". وروى عن عمر أنه ~~قال: " حسنوا أصواتكم بالقرآن ". # قلت: وإلى هذا المعنى يرجع قوله عليه السلام: " وليس منا من لم يتغن ~~بالقرآن " أي ليس منا من لم يحسن صوته بالقرآن، كذلك تأوله عبد الله بن أبي ~~مليكة. قال عبد الجبار ابن الورد: سمعت ابن أبي مليكة يقول: قال عبد الله ~~بن أبي يزيد: مر بنا أبو لبابة فاتبعناه PageV01P011 # حتى دخل بيته، فإذا رجل رث الهيئة، فسمعته يقول: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول، " ليس منا من لم يتغن بالقرآن ". قال فقلت لابن أبي مليكة: ~~يا أبا محمد، أرأيت إذا لم يكن حسن الصوت؟ قال: يحسنه ما استطاع. ذكره أبو ~~داود، وإليه يرجع أيضا قول أبي موسى للنبي صلى الله عليه وسلم: إني لو علمت ~~أنك تستمع لقراءتي لحسنت صوتي بالقرآن، وزينته ورتلته. وهذا يدل [على] أنه ~~كان يهذ (1) في قراءته مع حسن الصوت الذي جبل عليه. والتحبير: التزيين ~~والتحسين، فلو علم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسمعه لمد في قراءته ~~ورتلها، كما كان يقرأ على النبي صلى الله عليه وسلم، فيكون ذلك زيادة في ms0014 ~~حسن صوته بالقراءة. ومعاذ الله أن يتأول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أن يقول: إن القرآن يزين بالأصوات أو بغيرها، فمن تأول هذا فقد واقع أمرا ~~عظيما أن يحوج القرآن إلى من يزينه، وهو النور والضياء والزين الأعلى لمن ~~ألبس بهجته واستنار بضيائه. وقد قيل: إن الامر بالتزيين اكتساب القراءات ~~وتزيينها بأصواتنا وتقدير ذلك، أي زينو القراءة بأصواتكم، فيكون القرآن ~~بمعنى القراءة، كما قال تعال " وقران الفجر (2) " أي قراءة الفجر، وقوله: # " فإذا قرأناه فاتبع قرآنه (3) " أي قراءته. وكما جاء في صحيح مسلم عن ~~عبد الله بن عمرو قال: # إن في البحر شياطين مسجونة أوثقها سليمان عليه السلام، ويوشك أن تخرج ~~فتقرأ على الناس قرآنا، أي قراءة. وقال الشاعر (4) في عثمان رضي الله عنه: # ضحوا بأشمط (5) عنوان السجود به * يقطع الليل تسبيحا وقرآنا أي قراءة ~~فيكون معناه على هذا التأويل صحيحا إلا أن يخرج القراءة التي هي التلاوة عن ~~حدها - على ما نبينه - فيمتنع. وقد قيل: إن معنى يتغنى به، يستغنى به من ~~الاستغناء الذي هو ضد الافتقار، لا من الغناء، يقال: تغنيت وتغانيت بمعنى ~~استغنيت. وفي الصحاح: تغنى # PageV01P012 # الرجل بمعنى استغنى، وأغناه الله. وتغانوا أي استغنى بعضهم عن بعض. قال ~~المغيرة بن حبناء التميمي: # كلانا غنى عن أخيه حياته * ونحن إذا متنا أشد تغانيا وإلى هذا التأويل ~~ذهب سفيان بن عيينة ووكيع بن الجراح، ورواه سفيان عن سعد بن أبي وقاص. وقد ~~روى عن سفيان أيضا وجه آخر ذكره إسحاق بن راهويه، أي يستغني به عما سواه من ~~الأحاديث. والى هذا التأويل ذهب البخاري محمد بن إسماعيل لإتباعه الترجمة ~~بقوله تعالى " أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم (1) ". ~~والمراد الاستغناء بالقرآن عن علم أخبار الأمم، قاله أهل التأويل. وقيل: إن ~~معنى يتغنى به، يتحزن به، أي يظهر على قارئه الحزن الذي هو ضد السرور عند ~~قراءته وتلاوته، وليس من الغنية، لأنه لو كان من الغنية لقال: يتغانى به، ~~ولم يقل يتغنى به ذهب إلى هذا جماعة ms0015 من العلماء: منهم الإمام أبو محمد ابن ~~حبان البستي، واحتجوا بما رواه مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه قال: ~~رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى ولصدره أزيز كأزيز المرجل من ~~البكاء. الأزيز (بزايين): # صوت الرعد وغليان القدر. قالوا: ففي هذا الخبر بيان واضح على أن المراد ~~بالحديث التحزن، وعضدوا هذا أيضا بما رواه الأئمة عن عبد الله قال قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " اقرأ على " فقرأت عليه سورة " النساء " حتى ~~إذا بلغت " فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا " ~~فنظرت إليه فإذا عيناه تدمعان. فهذه أربع تأويلات، ليس فيها ما يدل على ~~القراءة بالألحان والترجيع فيها. وقال أبو سعيد بن الأعرابي في قوله صلى ~~الله عليه وسلم: " ليس منا من لم يتغن بالقرآن " قال: كانت العرب تولع ~~بالغناء والنشيد في أكثر أقوالها، فلما نزل القرآن أحبوا أن يكون القرآن ~~هجيراهم (3) مكان الغناء، فقال: " ليس منا من لم يتغن بالقرآن ". # التأويل الخامس - ما تأوله من استدل به على الترجيع والتطريب، فذكر عمر ~~بن شبة قال: ذكرت لأبي عاصم النبيل تأول ابن عيينة في قوله: " يتغن " ~~يستغنى، فقال: # PageV01P013 # لم يضع ابن عيينة شيئا. وسئل الشافعي عن تأويل ابن عيينة فقال: نحن أعلم ~~بهذا، ولو أراد النبي صلى الله عليه وسلم الاستغناء لقال: من لم يستغن، ~~ولكن قال " يتغن " علمنا أنه أراد التغني. قال الطبري: المعروف عندنا في ~~كلام العرب أن التغني إنما هو الغناء الذي هو حسن الصوت بالترجيع. وقال ~~الشاعر: # تغن بالشعر مهما كنت قائله * إن الغناء بهذا الشعر مضمار قال: وأما ادعاء ~~الزاعم أن تغنيت بمعنى استغنيت فليس في كلام العرب وأشعارها، ولا نعلم أحد ~~من أهل العلم قاله، وأما احتجاجه بقول الأعشى: # وكنت امرأ زمنا بالعراق * عفيف المناخ طويل التغن وزعم أنه أراد ~~الاستغناء فإنه غلط منه، وإنما عنى الأعشى في هذا الموضع الإقامة، من قول ~~العرب: غني فلان بمكان كذا أي أقام، ومنه قوله تعالى: " كأن لم يغنوا ms0016 فيه ~~(1) " وأما استشهاده بقوله: * ونحن إذا متنا أشد تغانيا * فإنه إغفال منه، ~~وذلك أن التغاني تفاعل من نفسين إذا استغنى كل واحد منهما عن صاحبه، كما ~~يقال: تضارب الرجلان، إذا ضرب كل واحد منهما صاحبه. ومن قال هذا في فعل ~~الاثنين لم يجز أن يقول مثله في الواحد، فغير جائز أن يقال: تغانى زيد ~~وتضارب عمرو، وكذلك غير جائز أن يقال: تغنى بمعنى استغنى. # قلت: ما ادعاه الطبري من أنه لم يرد في كلام العرب تغنى بمعنى استغنى، ~~فقد ذكره الجوهري كما ذكرنا، وذكره الهروي أيضا. وأما قوله: إن صيغة فاعل ~~إنما تكون من اثنين فقد جاءت من واحد في مواضيع كثيرة، منها قول ابن عمر: ~~وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام. # وتقول العرب: طارقت النعل وعاقبت اللص وداويت العليل، وهو كثير، فيكون ~~تغانى منها. # وإذا احتمل قوله عليه الصلاة والسلام: " يتغن " الغناء والاستغناء فليس ~~حمله على أحدهما بأولى من الآخر، بل حمله على الاستغناء أولى لو لم يكن لنا ~~تأويل غيره، لأنه مروي عن # PageV01P014 # صحابي كبير كما ذكر سفيان. وقد قال ابن وهب في حق سفيان: ما رأيت أعلم ~~بتأويل الأحاديث من سفيان بن عيينة، ومعلوم أنه رأى الشافعي وعاصره. # وتأويل سادس - وهو ما جاء من الزيادة في صحيح مسلم عن أبي هريرة حسن ~~الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به ". قال الطبري ولو كان كما قال ابن عيينة لم ~~يكن لذكر حسن الصوت والجهر به معنى. قلنا قوله: " يجهر به " لا يخلو أن ~~يكون من قول النبي صلى الله عليه وسلم، أو من قول أبي هريرة أو غيره، فإن ~~كان الأول وفيه بعد، فهو دليل على عدم التطريب والترجيع، لأنه لم يقل: يطرب ~~به، وإنما قال: يجهر به: أي يسمع نفسه ومن يليه، بدليل قوله عليه السلام ~~للذي سمعه وقد رفع صوته بالتهليل: " أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإنكم ~~لستم تدعون أصم ولا غائبا.... " الحديث، وسيأتي. وكذلك إن كان من صحابي أو ~~غيره فلا حجة فيه على ما راموه، وقد اختار ms0017 هذا التأويل بعض علمائنا فقال: ~~وهذا أشبه، لأن العرب تسمي كل من رفع صوته ووالى به غانيا، وفعله ذلك غناء ~~وإن لم يلحنه بتلحين الغناء. قال: وعلى هذا فسره الصحابي، وهو أعلم بالمقال ~~وأقعد بالحال. # وقد احتج أبو الحسن لمذهب الشافعي فقال: وقد رفع الإشكال في هذه المسألة ~~ما رواه ابن أبي شيبة قال حدثنا زيد بن الحباب قال حدثنا موسى بن علي بن ~~رباح عن أبيه عن عقبة بن عامر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~تعلموا القرآن وغنوا به واكتبوه فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفصيا (3) من ~~المخاض من العقل ". قال علمائنا: وهذا الحديث وإن صح سنده فيرده ما يعلم ~~على القطع والبتات من أن قراءة القرآن بلغتنا متواترة عن كافة المشايخ، ~~جبيلا فجيلا إلى العصر الكريم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس فيها ~~تلحين # PageV01P015 # ولا تطريب، نع كثرة المتعمقين في مخارج الحروف وفئ المد والإدغام ~~والإظهار وغير ذلك من كيفية القراءات. ثم إن في الترجيع والتطريب همز ما ~~ليس بمهموز ومد ما ليس بممدود، فترجع الألف الواحدة ألفات والواو الواحدة ~~واوات والشبهة (1) الواحدة شبهات، فيؤدي ذلك إلى زيادة في القرآن وذلك ~~ممنوع، وإن وافق ذلك موضع نبر وهمز صيروها نبرات وهمزات، والنبرة حيثما ~~وقعت من الحروف فإنما هي همزة واحدة لاغير، إما ممدودة وإما مقصورة. فإن ~~قيل: فقد روى عبد الله بن مغفل قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~مسير له سورة " الفتح " على راحلته فرجع في قراءته، وذكره البخاري وقال في ~~صفة الترجيع: آء آء آء، ثلاث مرات. # قلنا: ذلك محمول على إشباع المد فئ موضعه، ويحتمل أن يكون صوته عند هز ~~الراحلة، كما يعتري رافع صوته إذا كان راكبا من انضغاط صوته وتقطيعه لأجل ~~هز المركوب، وإذا احتمل هذا فلا حجة فيه. وقد خرج أبو محمد عبد الغني بن ~~سعيد الحافظ من حديث قتادة عبد الرحمن بن أبي بكر عن أبيه قال: كانت قراءة ~~رسول الله صلى الله ms0018 عليه وسلم المد ليس فيها ترجيع وروى ابن جريح عن عطاء ~~عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذن يطرب، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " إن الأذان سهل سمح فإذا كان أذانك سمحا سهلا ~~وإلا فلا تؤذن ". أخرجه الدارقطني في سننه فإذا كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم قد منع ذلك في الأذان فأحرى ألا يجوزه في القرآن الذي حفظه الرحمن، ~~فقال وقوله الحق: # " إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون (2) ". وقال تعالى: " لا يأتيه ~~الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد (3) ". # قلت: وهذا الخلاف إنما هو ما لم يفهم معنى القرآن بترديد الأصوات وكثرة ~~الترجيعات، فإن زاد الأمر على ذلك لا يفهم معناه فذلك حرام باتفاق، كما ~~يفعل القراء بالديار المصرية الذين يقرءون أمام الملوك والجنائز، ويأخذون ~~على ذلك الأجور والجوائز، ضل سعيهم، وخاب # PageV01P016 # عملهم، فيستحلون بذلك تغيير كتاب الله، ويهونون على أنفسهم الاجتراء على ~~الله بأن يزيدوا في تنزيله ما ليس فيه، جهلا بدينهم، ومروقا عن سنة نبيهم، ~~ورفضا لسير الصالحين فيه من سلفهم، ونزوعا إلى ما يزين لهم الشيطان من ~~أعمالهم، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، فهم في غيهم يترددون، وبكتاب الله ~~يتلاعبون، فإنا لله وإنا إليه راجعون! لكن أخبر الصادق أن ذلك يكون، فكان ~~كما أخبر صلى الله عليه وسلم. # ذكر الامام الحافظ أبو الحسين رزين وأبو عبد الله الترمذي الحكيم في " ~~نوادر الأصول " من حديث حذيفة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ~~اقرءوا القرآن بلحون العرب وأصواتها وإياكم ولحون أهل العشق ولحون أهل ~~الكتابين وسيجئ بعدي قوم يرجعون بالقرآن ترجيع الغناء والنوح لا يجاوز ~~حناجرهم مفتونة قلوبهم وقلوب الذين يعجبهم شأنهم ". اللحون: # جمع لحن، وهو التطريب وترجيع الصوت وتحسينه بالقراءة والشعر والغناء. # قال علمائنا: ويشبه أن يكون هذا الذي يفعله قراء زماننا بين يدي الوعاظ ~~وفي المجالس من اللحون الأعجمية التي يقرءون بها، ما نهى عنه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. والترجيع ms0019 في القراءة: ترديد الحرف كقراءة النصارى. ~~والترتيل في القراءة هو التأني فيها والتمهل وتبيين الحروف والحركات تشبيها ~~بالثغر المرتل، وهو المشبه بنور الأقحوان، وهو المطلوب في قراءة القرآن، ~~قال الله تعالى: " ورتل القرآن ترتيلا (1) ". وسئلت أم سلمة عن قراءة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وصلاته، فقالت: مالكم وصلاته! [كان يصلي ثم ينام ~~قدر ما صلى، ثم يصلي قدر ما نام، ثم ينام قدر ما صلى حتى يصبح (2)، ثم نعتت ~~قراءته، فإذا هي تنعت قراءة مفسرة حرفا حرفا. أخرجه النسائي وأبو دائد ~~والترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب. # باب تحير أهل القرآن والعلم من الرياء وغيره قال الله تعالى: " واعبدوا ~~الله ولا تشركوا به شيئا (4) ". روى مسلم عن أبي هريرة # PageV01P017 # قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن أول الناس يقضى عليه ~~يوم القيامة رجل استشهد فأتى به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها قال ~~قاتلت فيك حتى استشهدت قال كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال جرئ فقد قيل ثم أمر ~~به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن ~~فأتى به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها قال تعلمت العلم وعلمته وقرأت ~~فيك القرآن قال كذبت ولكنك تعلمت العلم ليقال علام وقرأت القرآن ليقال هو ~~قارئ فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ورجل وسع الله ~~عليه وأعطاه من أنصاف المال كله فأتى به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت ~~فيها قال ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك قال كذبت ~~ولكنك فعلت ليقال هو جواد فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي في ~~النار ". وقال الترمذي في هذا الحديث: # ثم ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ركبتي فقال: " يا أبا هريرة ~~أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة ". أبو هريرة اسمه ~~عبد الله، وقيل: عبد الرحمن، وقال: كنيت أبا هريرة لأني ms0020 حملت هرة في كمي، ~~فرآني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " ما هذه "؟ قلت: هرة، فقال: " ~~يا أبا هريرة ". قال ابن عبد البر: وهذا الحديث فيمن لم يرد بعمله وعلمه ~~وجه الله تعالى. وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من طلب العلم ~~لغير الله أو أراد به غير الله فليتبوأ مقعده من النار ". # وخرج ابن المبارك في رقائقه عن العباس بن عبد المطلب قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: " يظهر هذا الدين حتى يجاوز البحار وحتى يخاض البحار ~~بالخيل في سبيل الله تبارك وتعالى ثم يأتي أقوام يقرءون القرآن فإذا قرءوه ~~قالوا من أقرأ منا من أعلم منا " ثم التفت إلى أصحابه فقال: " هل ترون في ~~أولئكم من خير " قالوا: لا. قال: " أولئك منكم وأولئك من هذه الأمة وأولئك ~~هم وقود النار ". وروى أبو داود والترمذي عن أبي هريرة قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: " من تعلم علما مما يبتغي به وجه لله لا يتعلمه إلا ~~ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة ". يعني ريحها. قال ~~الترمذي: حديث PageV01P018 # حسن. وروى عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تعوذوا ~~بالله من جب الحزن " قالوا: يا رسول الله وما جب الحزن؟ قال: " واد في جهنم ~~تتعوذ منه جهنم في كل يوم مائة مرة " قيل: يا رسول الله ومن يدخله؟ قال: " ~~القراء المراءون بأعملهم " قال: هذا حديث غريب. وفي كتاب أسد بن موسى أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن في جهنم لواديا إن جهنم لتتعوذ من ذلك الوادي كل يوم سبع مرات وإن ~~في ذلك الوادي لجبا إن جهنم وذلك الوادي ليتعوذون بالله من شر ذلك الجب وإن ~~في الجب لحية وإن جهنم والوادي والجب ليتعوذون بالله من شر تلك الحية سبع ~~مرات أعدها الله للأشقياء من حملة القرآن الذين يعصون الله ". فيجب على ~~حامل القرآن وطالب العلم أن يتقي الله في نفسه ويخلص العمل ms0021 لله، فإن كان ~~تقدم له شئ مما يكره فليبادر التوبة التوبة والإنابة، وليبتدئ الإخلاص في ~~الطلب. عمله. فالذي يلزم حامل القرآن من التحفظ أكثر مما يلزم غيره، كما أن ~~له من الأجر ما ليس لغيره. وروى الترمذي عن أبي الدرداء قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " أنزل اله في بعض الكتب - أو أوحى - إلى بعض الأنبياء قل للذين يتفقهون ~~لغير الدين ويتعلمون لغير العمل ويطلبون الدنيا بعمل الآخر يلبسون للناس ~~مسوك (1) الكباش وقلوبهم كقلوب الذئاب ألسنتهم أحلى من العسل وقلوبهم أمر ~~من الصبر إياي يخادعون وبي يستهزئون لأتيحن لهم فتنة تذر الحليم فيهم حيران ~~". # وخرج الطبري في كتاب آداب النفوس: حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء حدثنا ~~المحاربي عن عمرو بن عامر البجلي عن ابن صدقة عن رجل من أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم أو من حدثه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا ~~تخادع الله فإنه من يخادع الله يخدعه الله ونفسه يخدع لو يشعر ". قالوا يا ~~رسول الله، وكيف يخادع الله؟ قال: " تعمل بما أمرك الله به وتطلب به غيره ~~واتقوا الرياء فإنه الشرك وإن المرائي يدعى يوم القيامة على رؤوس الأشهاد ~~بأربعة أسماء ينسب إليها يا كافر يا خاسر يا غادر يا فاجر ضل عملك وبطل # PageV01P019 # أجرك فلا خلاق لك اليوم فالتمس أجرك ممن كنت تعمل له يا مخادع. وروى ~~علقمة عن عبد الله بن مسعود قال: كيف أنتم! لبستكم فتنة يربو فيها الصغير، ~~ويهرم الكبير، وتتخذ سنة مبتدعة يجري عليها الناس فإذا غير منها شئ قيل: ~~غيرت السنة. قيل: متى ذلك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: إذا كثر قراؤكم. قل ~~فقهائكم، وكثر أمراؤكم، وقل أمناؤكم، والتمست الدنيا بعمل الآخرة، وتفقه ~~لغير الدين. وقال سفيان بن عيينة: بلغنا عن ابن عباس أنه قال: لو إن حملة ~~القرآن أخذوه بحقه وما ينبغي لأحبهم الله، ولكن ي لبوا به الدنيا فأبغضهم ~~الله، وهانوا على الناس. وروى عن أبي جعفر محمد بن علي في قول ms0022 الله تعالى: # " فكبكبوا (1) فيها هم والغاوون " قال: قوم وصفوا الحق والعدل بألسنتهم، ~~وخالفوه إلى غيره. # . سيأتي لهذا الباب مزيد بيان في أثناء الكتاب إن شاء الله تعالى. # باب ما ينبغي لصاحب القرآن إن يأخذ نفسه به ولا يغفل عنه فأول ذلك أن ~~يخلص في طلبه لله عز وجل كما ذكرنا، وأن يأخذ نفسه بقراءة القرآن في ليله ~~ونهاره، في الصلاة أو في غير الصلاة لئلا ينساه. وروى مسلم عن ابن عمر أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل ~~المعقلة إن عاهد عليها أمسكها وإن أطلقها ذهبت وإذا قام صاحب القرآن فقرأه ~~بالليل والنهار ذكره وإذا لم يقم به نسيه وينبغي له أن يكون لله حامدا، ~~ولنعمه شاكرا، وله ذاكرا، وعليه متوكلا، وبه مستعينا وإليه راغبا، وبه ~~معتصما، وللموت مستعدا. وينبغي له أن يكون خائفا من ذنبه، راجيا عفو ربه، ~~ويكون الخوف في صحته أغلب عليه، إذا لا يعلم بما يختم له، ويكون الرجاء عند ~~حضور أجله أقوى في نفسه، لحسن الظن بالله، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن بالله الظن ". أي أنه يرحمه ويغفر له. ~~وينبغي له أن يكون عالما بأهل زمانه، متحفظا من سلطانه، ساعيا في خلاص ~~نفسه، ونجاة مهجته، مقدما بين يديه ما يقدر عليه من عرض دنياه، مجاهدا ~~لنفسه في ذلك ما استطاع. وينبغي له أن يكون أهم أموره عنده الورع في دينه، ~~واستعمال تقوى الله ومراقبته فيما أمره به ونهاه عنه. # PageV01P020 # وقال ابن مسعود: ينبغي لقارئ القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون، ~~وبنهاره إذا الناس مستيقضون، وببكائه إذ الناس يضحكون، وبصمته إذا الناس ~~يخوضون، وبخضوعه إذا الناس يختالون، وبحزنه إذا الناس يفرحون. وقال عبد ~~الله بن عمرو: لا ينبغي لحامل القرآن أن يخوض مع من يخوض، ولا يجهل مع من ~~يجهل، ولكن يعفو ويصفح لحق القرآن، لأن في جوفه كلام الله تعالى. وينبغي له ~~أن يأخذ نفسه بالتصاون عن طرق ms0023 الشبهات، ويقل الضحك والكلام في مجالس القرآن ~~وغيرها بما لا فائدة فيه، ويأخذ نفسه بالحلم والوقار. # وينبغي له أن يتواضع للفقراء، ويتجنب التكبر والإعجاب، ويتجافى عن الدنيا ~~وأبنائها إن خاف على نفسه الفتنة، ويترك الجدال والمراء، ويأخذ نفسه بالرفق ~~والأدب. وينبغي له أن يكون ممن يؤن شره، ويرجى خيره ويسلم من ضره، وألا ~~يسمع ممن نم عنده، ويصاحب من يعاونه على الخير ويدله على الصدق ومكارم ~~الأخلاق ويزينه ولا يشينه، وينبغي له أن يتعلم أحكام القرآن، فيفهم عن الله ~~مراده وما فرض عليه، فينتفع بما يقرأ ويعمل بما يتلو، فكيف يعمل بما لا ~~يفهم معناه، وما أقبح أن يسأل عن فقه ما يتلوه ولا يدريه، فما مثل من هذه ~~حالته إلا كمثل الحمار يحمل أسفارا. وينبغي له أن يعرف المكي من المدني ~~ليفرق بذلك بين ما خاطب الله به عباده في أول الإسلام، وما ندبهم إليه في ~~آخر الإسلام، وما افترض الله في أول الإسلام، وما زاد عليه من الفرائض في ~~آخره. فالمدني هو الناسخ للمكي في أكثر القرآن، ولا يمكن أن ينسخ المكي ~~المدني، لأن المنسوخ هو المتقدم في النزول قبل الناسخ له. ومن كماله أن ~~يعرف الإعراب والغريب، فذلك مما يسهل عليه معرفة ما يقرأ، ويزيل عنه الشك ~~فيما يتلو. وقد قال أبو جعفر الطبري سمعت الجرمي يقول: أنا منذ ثلاثين سنة ~~أفتي الناس في الفقه من كتاب سيبويه. قال محمد بن يزيد: وذلك أن أبا عمر ~~الجرمي كان صاحب حديث، فلما علم كتاب سيبويه تفقه في الحديث، إذ كان كتاب ~~سيبويه يتعلم منه النظر والتفسير. ثم في السنن المأثورة الثابتة عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، PageV01P021 # فيما يصل إلى مراد الله عز وجل في كتابه وهي تفتح له أحكام القرآن فتحا، ~~وقد قال الضحاك في قوله تعالى: " ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون ~~الكتاب (1) ". قال: # حق على كل من تعلم القرآن أن يكون فقيها. # وذكر ابن أبي الجوزي قال: أتينا فضيل بن عياض سنة خمس وثمانين ms0024 ومائة ونحن ~~جماعة، فوقفنا على الباب فلم يأذن لنا بالدخول، فقال بعض القوم: إن كان ~~خارجا لشئ فسيخرج لتلاوة القرآن، فأمرنا قارئا فقرأ فاطلع علينا من كوة، ~~فقلنا: السلام عليك ورحمة الله، فقال وعليكم السلام، فقلنا: كيف أنت يا أبا ~~علي، وكيف حالك؟ فقال: # أنا من الله في عافية ومنكم في أذى، وإن ما أنتم فيه حديث في الإسلام، ~~فإنا لله وإنا إليه راجعون! ما هكذا كنا نطلب العلم، ولكنا كنا نأتي ~~المشيخة فلا نرى أنفسنا أهلا للجلوس معهم، فنجلس دونهم ونسترق السمع، فإذا ~~مر الحديث سألناهم إعادته وقيدناه، وأنتم تطلبون العلم بالجهل، وقد ضيعتم ~~كتاب الله، ولو طلبتم كتاب الله لوجدتم فيه شفاء لما تريدون، قال: قلنا قد ~~تعلمنا القرآن، قال: إن في تعلمكم القرآن شغلا لأعماركم وأعمار أولادكم، ~~قلنا: كيف يا أبا علي؟ قال: لن تعلموا القرآن حتى تعرف. ا إعرابه، ومحكمه ~~من متشابهه، وناسخه من منسوخه، إذا عرفتم ذلك استغنيتم عن كلام فضيل وابن ~~عيينة،، ثم قال: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله ~~الرحمن الرحيم " يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في ~~الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين. قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير ~~مما يجمعون (2) ". # قلت: فإذا حصلت هذه المراتب لقارئ القرآن كان ماهرا بالقرآن، وعالما ~~بالفرقان، وهو قريب على من قربه عليه، ولا ينتفع بشئ مما ذكرنا حتى يخلص ~~النية فيه لله جل ذكره عند طلبه أو بعد طلبه كما تقدم. فقد يبتدئ الطالب ~~للعلم يريد به المباهاة والشرف في الدنيا، فلا يزال به فهم العلم حتى يتبين ~~أنه على خطأ في اعتقاده فيتوب من ذلك ويخلص النية لله تعالى فينتفع بذلك ~~ويحسن حاله. قال الحسن: كنا نطلب العلم للدنيا فجرنا إلى الآخرة. وقاله ~~سفيان الثوري. وقال بن أبي ثابت: طلبنا هذا الأمر وليس لنا فيه نية ثم جاءت ~~النية بعد. # PageV01P022 # باب ما جاء في إعراب القرآن وتعليمه والحث عليه، وثواب من قرأ القرآن ~~معربا قال أبو بكر ms0025 الأنباري: جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه ~~وتابعيهم رضوان الله عليهم - من تفضيل إعراب القرآن، والحصن على تعليمه، ~~وذم اللحن وكراهيته - ما وجب به على قراء القرآن أن يأخذوا أنفسهم ~~بالاجتهاد في تعلمه. # من ذلك ما حدثنا يحيى بن سليمان الضبي قال حدثنا محمد - يعني ابن سعيد - ~~قال حدثنا أبو معاوية عن عبد الله بن سعيد المقبري عن أبيه عن جده عن أبي ~~هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أعربوا القرآن والتمسوا غرائبه ~~". حدثني أبي قال حدثنا إبراهيم ابن الهيثم قال حدثنا آدم - يعني ابن إياس ~~- قال حدثنا أبو الطيب المروزي قال حدثنا عبد الغزيز بن أبي رواد عن نافع ~~عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ القرآن فلم يعربه وكل به ملك يكتب له كما أنزل بكل حرف عشر ~~حسنات فإن أعرب بعضه وكل به ملكان يكتبان له بكل حرف عشرين حسنة فإن أعربه ~~وكل به أربعة أملاك يكتبون له بكل حرف سبعين حسنة ". وروى جويبر عن الضحاك ~~قال قال عبد الله ابن مسعود: جودوا القرآن وزينوه بأحسن الأصوات، وأعربوه ~~فإنه عربي، والله يحب ان يعرب به. وعن مجاهد عن ابن عمر قال: أعربوا ~~القرآن. وعن محمد بن عبد الرحمن ابن زيد قال قال أبو بكر وعمر رضي الله ~~عنهما: لبعض إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ حروفه. وعن الشعبي قال قال عمر ~~رحمه الله: من قرأ القرآن فأعربه كان له عند الله اجر شهيد. وقال مكحول: ~~بلغني أن من قرأ بإعراب كان له من الأجر ضعفان ممن قرأ بغير إعراب. وروى ~~ابن جريح عن عطاء عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أحبوا العرب لثلاث لأني عربي والقرآن عربي وكلام أهل الجنة عربي ". ~~وروى سفيان عن أبي حمزة قال قيل للحسين في قوم يتعلمون العربية قال: ~~أحسنوا، يتعلموا لغة نبيهم صلى الله عليه وسلم. وقيل للحسن: إن لنا أماما ~~يلحن، قال: أخروه. PageV01P023 # وعن ms0026 ابن أبي مليكه قال: قدم أعرابي في زمان عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~فقال: # من يقرئني مما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم؟ قال: فأقرأه رجل " ~~براءة "، فقال: " إن الله برئ من المشركين ورسوله ". بالجر فقال الأعرابي: ~~أوقد برئ الله من رسوله؟ فإن يكن الله برئ من رس. له فأنا أبرأ منه، فبلغ ~~عمر مقالة الأعرابي: فدعاه فقال: يا أعرابي أتبرأ من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم؟ فقال يا أمير المؤمنين، إني قدمت المدينة ولا علم لي بالقرآن، ~~فسألت من يقرئني، فأقرأني هذا سورة " براءة " فقال: " إن الله برئ من ~~المشركين ورسوله "، فقلت أو قد برئ الله من رسوله، أن يكن الله برئ من ~~رسوله فأنا إبرأ منه، فقال عمر: ليس هكذا يا أعرابي، قال: فكيف هي يا أمير ~~المؤمنين؟ قال " أن الله برئ من المشركين ورسوله " فقال الأعرابي: وأنا ~~أبرأ مما برئ الله ورسوله منه، فأمر عمر ابن الخطاب رضي الله عنه ألا يقرئ ~~الناس إلا عالم باللغة، وأمر أبا الأسود (1) فوضع النحو. # وعن علي بن الجعد قال سمعت شعبة يقول: مثل صاحب الحديث الذي لا يعرف ~~العربية مثل الحمار عليه مخلاة لا علف فيها. وقال حماد بن سلمة: من طلب ~~الحديث ولم يعلم النحو - أو قال العربية - فهو كمثل الحمار تعلق عليه مخلاة ~~ليس فيها شعير. قال ابن عطية: # إعراب القرآن أصل في الشريعة، لأن بذلك تقوم معانيه التي هي الشرع. # قال ابن الأنباري: وجاء عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وتابعيهم ~~رضوان الله عليهم، من الاحتجاج على غريب القرآن ومشكله باللغة والشعر ما ~~بين صحة مذهب النحويين في ذلك، وأوضح فساد مذهب من أنكر ذلك عليهم. من ذلك ~~ما حدثنا عبيد بن عبد الواحد بن شريك البزاز قال حدثنا ابن أبي مريم قال: ~~أنبأنا ابن فروخ قال أخبرني أسامة قال أخبرني عكرمة أن ابن عباس قال: إذا ~~سألتموني عن غريب القرآن فالتمسوه في الشعر، فإن الشعر ديوان العرب. # وحدثنا إدريس بن عبد الكريم ms0027 قال حدثنا خلف قال حدثنا حماد بن زيد عن علي ~~بن زيد بن جدعان قال سمعت سعيد بن جبير ويوسف بن مهران يقولان: سمعنا ابن ~~عباس يسأل عن الشئ بالقرآن، فيقول فيه هكذا وهكذا، أما سمعتم الشاعر يقول ~~كذا وكذا. وعن عكرمة # PageV01P024 # عن ابن عباس، وسأله رجل عن قول الله عز وجل: " وثيابك فطهر (1) " قال: لا ~~تلبس ثيابك على غدر، وتمثل بقول غيلان الثقفي: # فإني بحمد الله لا ثوب غادر * لبست ولا من سوءة أتقنع (2) وسأل رجل عكرمة ~~عن الزنيم قال: هو ولد الزنى، وتمثل ببيت شعر: # زنيم ليس يعرف من أبوه * بغى الأم ذو حسب لئيم وعنه أيضا الزنيم: الداعي ~~الفاحش اللئيم، ثم قال: # زنيم تداعاه الرجال زيادة * كما زيد في عرض الأديم الأكارع (3). # وعنه في قوله تعالى: " ذواتا أفنان (4) " قال: ذواتا ظل وأغصان، ألم تسمع ~~إلى قول الشاعر: ما هاج شوقك من هديل حمامة * تدعو على فنن الغصون حماما - ~~تدعو أبا فرخين صادف طائرا * ذا مخلبين من الصقور قطاما وعن عكرمة عن ابن ~~عباس في قوله تعالى: " فإذا هم بالساهرة (5) " قال: الأرض، قاله ابن عباس. ~~وقال أمية بن أبي الصلت، " عندهم (6) لحم بحر ولحم ساهرة ". قال ابن ~~الأنباري: والرواة يروون هذا البيت: # وفيها لحم ساهرة وبحر * وما فاهوا به لهم مقيم وقال نافع بن الأزرق لابن ~~عباس: أخبرني عن قول الله عز وجل: " لا تأخذه سنة ولا نوم " ما السنة؟ قال: ~~النعاس، قال زهير بن أبي سلمى: # لا سنة في طول الليل تأخذه * ولا ينام ولا في أمره فند (7) # PageV01P025 # باب ما جاء في فضل تفسير القرآن وأهله قال علماؤنا رحمة الله عليهم: وأما ~~ما جاء في فضل التفسير عن الصحابة والتابعين، فمن ذلك: أن علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه ذكر جابر بن عبد الله ووصفه بالعلم، فقال له رجل: جعلت فداءك! ~~تصف جابر بالعلم وأنت أنت! فقال: إنه كان يعرف تفسير قوله تعالى " إن الذي ~~فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد (1) ". وقال مجاهد: أحب الخلق إلى ms0028 الله ~~تعالى أعلمهم بما أنزل. وقال الحسن: والله ما أنزل الله آية إلا أحب أن ~~يعلم فيما أنزلت وما يعني بها. وقال الشعبي: رحل مسروق إلى البصرة في تفسير ~~آية، فقيل له: إن الذي يفسرها رحل إلى الشام: فتجهز ورحل إلى الشام حتى علم ~~تفسيرها. وقال عكرمة في قوله عز وجل: " ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ~~ورسوله (2) " طلبت اسم هذا الرجل [الذي خرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ~~(3)] أربع عشرة سنة حتى وجدته. وقال ابن عبد البر: # هو ضمرة بن حبيب، وسيأتي. وقال ابن عباس: مكثت سنتين أريد أن أسأل عمر عن ~~المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول الله صلى اله عليه وسلم، ما يمنعني إلا ~~مهابته، فسألته فقال: هي حفصة وعائشة. وقال أياس بن معاوية: مثل الذين ~~يقرءون القرآن وهم لا يعلمون تفسيره، كمثل قوم جاءهم كتاب من ملكهم ليلا ~~وليس عندهم مصباح، فتداخلتهم روعة ولا يدرون ما في الكتاب، ومثل الذي يعرف ~~التفسير كمثل رجل جاءهم بمصباح فقرءوا ما في الكتاب. # باب ما جاء في حامل القرآن ومن هو، وفيمن عاداه قال أبو عمر: روى من وجوه ~~فيها لين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من تعظيم جلال الله إكرام ~~ثلاثة: الإمام المقسط وذي الشيبة وحامل القرآن غير الغالي فيه ولا الجافي ~~عنه ". وقال أبو عمر: وحملة القرآن هم العالمون بأحكامه، وحلاله وحرامه، ~~والعاملون بما فيه. وروى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " القرآن ~~أفضل من كل شئ فمن وقر القرآن فقد وقر الله ومن استخف بالقرآن استخف بحق ~~الله تعالى حملة القرآن هم المحفوفون برحمة الله المعظمون كلام الله ~~الملبسون نور الله فمن والهم فقد والى الله ومن عاداهم فقد استخف بحق الله ~~تعالى ". # PageV01P026 # باب ما يلزم قارئ القرآن وحامله من تعظيم القرآن وحرمته قال الترمذي ~~الحكيم أبو عبد الله في نوادر الأصول: " فمن حرمة القرآن ألا يمسه إلا ~~طاهرا. # ومن حرمته أن يقرأه على طهارة. ومن حرمته أن يستاك ويتحلل ms0029 فيطيب فاه، إذ ~~هو طريقه. - قال يزيد بن أبي مالك: إن أفواهكم طرق من طرق القرآن، فطهروها ~~ونظفوها ما استطعتم. - ومن حرمته أن يتلبس (1) كما يتلبس للدخول على الأمير ~~لأنه مناج. ومن حرمته أن يستقبل القبلة لقراءته. - وكان أبو العالية إذا ~~قرأ اعتم ولبس وارتدى واستقبل القبلة. - ومن حرمته أن يتمضمض كلما تنخع ~~(2). روى شعبة عن أبي حمزة عن ابن عباس: أنه كان يكون بين يديه تور (3) إذا ~~تنخع مضمض، ثم أخذ في الذكر، وكان كلما تنخع مضمض. ومن حرمته إذا تثائب أن ~~يمسك عن القراءة لأنه إذا قرأ فهو مخاطب ربه ومناج، والتثاؤب من الشيطان. - ~~قال مجاهد: إذا تثاءبت وأنت تقرأ القرآن فأمسك عن القرآن تعظيما حتى يذهب ~~تثاؤبك. # وقاله عكرمة. يريد أن في ذلك الفعل إجلالا للقرآن -. ومن حرمته أن يستعيذ ~~بالله عند ابتدائه للقراءة من الشيطان الرجيم، ويقرأ بسم الله الرحمن ~~الرحيم إن كان ابتدأ قراءته من أول السورة أو من حيث بلغ. ومن حرمته إذا ~~أخذ في القراءة لم يقطعها ساعة فساعة بكلام الآدميين من غير ضرورة. ومن ~~حرمته أن يخلو بقراءته حتى لا يقطع عليه أحد بكلام فيخلطه بجوابه، لأنه إذا ~~فعل ذلك زال عنه سلطان الاستعاذة الذي استعاذ في البدء. ومن حرمته أن يقرأه ~~على تؤدة وترسيل وترتيل. ومن حرمته أن يستعمل فيه ذهنه وفهمه حتى يعقل ما ~~يخاطب به. # ومن حرمته أن يقف على آية الوعد فيرغب إلى الله تعالى ويسأله من فضله، ~~وأن يقف على آية الوعيد فيستجير بالله منه. ومن حرمته أن يقف على أمثاله ~~فيمتثلها. ومن حرمته أن يلتمس غرائبه (4). ومن حرمته أن يؤدي لكل حرف حقه ~~من الأداء حتى يبرز الكلام باللفظ تماما، فإن بكل حرف عشر حسنات. ومن حرمته ~~إذا انتهت قراءته أن يصدق ربه، ويشهد بالبلاغ # PageV01P027 # لرسوله صلى الله عليه وسلم، ويشهد على ذلك أنه حق، فيقول: صدقت ربن وبلغت ~~رسلك، ونحن على ذلك من الشاهدين، اللهم اجعلنا من شهداء الحق، القائمين ~~بالقسط، ثم يدعو بدعوات. ومن ms0030 حرمته إذا قرأه ألا يلتقط الآي من كل سورة ~~فيقرأها، فإنه روى لنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه مر ببلال وهو ~~يقرأ من كل سورة شيئا، فأمره أن يقرأ السورة كلها أو كما قال عليه السلام. ~~ومن حرمته إذا وضع المصحف ألا يتركه منشورا، وألا يضع فوقه شيئا من الكتب ~~حتى يكون أبدا عاليا لسائر الكتب، علما كان أو غيره. ومن حرمته أن يضعه في ~~حجره إذا قرأه أو على شئ بين يديه ولا يضعه بالأرض. ومن حرمته ألا يمحوه من ~~اللوح بالبصاق ولكن يغسله بالماء. ومن حرمته إذا غسل بالماء أن يتوقى ~~النجاسات من المواضع، والمواقع التي توطأ، فإن لتلك الغسالة حرمة، وكان من ~~قبلنا من السلف منهم من يستشفى بغسالته. ومن حرمته ألا يتخذ الصحيفة إذا ~~بليت ودرست وقاية للكتب، فإن ذلك جفاء عظيم، ولكن يمحوها بالماء. ومن حرمته ~~ألا يخلى يوما من أيامه من النظر في المصحف مرة، وكان أبو موسى يقول: إني ~~لأستحيي ألا أنظر كل يوم في عهد ربي مرة. ومن حرمته أن يعطي عينيه حظهما ~~من، فإن العين نؤدي إلى النفس، وبين النفس والصدر حجاب، والقرآن في الصدر، ~~فإذا قرأه عن ظهر قلب فإنما يسمع أذنه فتؤدي إلى النفس، فإذا نظر في الخط ~~كانت العين والاذن قد اشتركتا في الأداء وذلك أوفر للأداء، وكان قد أخذت ~~العين حظها كالأذن. روى زيد ابن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أعطوا أعينكم حظها من العبادة " قالوا: يا رسول الله وما حظها من ~~العبادة؟ قال: " النظر في المصحف والتفكر فيه والاعتبار عند عجائبه ". وروى ~~مكحول عن عبادة بن الصامت قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أفضل ~~عبادة أمتي قراءة القرآن نظرا ". ومن حرمته ألا يتأوله عندما يعرض له شئ من ~~أمر الدنيا. - حدثنا عمرو بن زياد الحنظلي قال حدثنا هشيم بن بشير عن ~~المغيرة عن إبراهيم قال: كان يكره أن يتأول ms0031 شئ من القرآن عند ما يعرض له شئ ~~من أمر الدنيا، - والتأويل مثل قولك للرجل إذا جاءك: جئت على قدر ~~PageV01P028 # يا موسى، ومثل قوله تعالى: " كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام ~~الخالية (1) " هذا عند حضور الطعام وأشباه هذا. ومن حرمته ألا يقال: سورة ~~كذا، كقولك: سورة النحل وسورة البقرة والنساء، ولكن يقال: السورة التي يذكر ~~فيها كذا. - قلت: هذا يعارضه قوله صلى الله عليه وسلم: " الآيتان من آخر ~~سورة البقرة من قرأ بهما في ليلة كفتاه " خرجه البخاري ومسلم من حديث عبد ~~الله بن مسعود. - و. من حرمته ألا يتلى منكوسا كفعل معلمي الصبيان، يلتمس ~~أحدهم بذلك أن يرى الحذق من نفسه والمهارة، فإن تلك مخالفة. ومن حرمته ألا ~~يقعر في قراءته كفعل هؤلاء الهمزيين المبتدعين المتنطعين في إبراز الكلام ~~من تلك الأفواه المنتنة تكلفا، فإن ذلك محدث ألقاه إليهم الشيطان فقبلوه ~~عنه. ومن حرمته ألا يقرأه بألحان الغناء كلحون أهل الفسق، ولا بترجيع ~~النصارى ولا نوح الرهبانية، فإن ذلك كله زيغ وقد تقدم. ومن حرمته أن يجلل ~~تخطيطه إذا خطه. وعن أبي حكيمة أنه كان يكتب المصاحف بالكوفة، فمر علي رضي ~~الله عنه فنظر إلى كتابته فقال له: أجل قلمك، فأخذت القلم فقططته من طرفه ~~قطا، ثم كتبت وعلي رضى الله قائم ينظر إلى كتابتي، فقال: هكذا، نوره كما ~~نوره الله عز وجل. ومن حرمته ألا يجهر بعض على بعض في القراءة فيفسد عليه ~~حتى يبغض إليه ما يسمع ويكون كهيئة المغالبة. ومن حرمته ألا يمارى ولا ~~يجادل فيه في القراءات، ولا يقول لصاحبه: ليس هكذا هو، ولعله أن تكون تلك ~~القراءة صحيحة جائزة من القرآن، فيكون قد جحد كتاب الله. ومن حرمته ألا ~~يقرأ في الأسواق ولا في مواطن اللغط واللغو ومجمع السفهاء، ألا ترى أن الله ~~تعالى ذكر عباد الرحمن وأثنى عليهم بأنهم إذا مروا باللغو مروا كراما، هذا ~~لمروره بنفسه، فكيف إذا مر بالقرآن الكريم تلاوة بين ظهراني أهل اللغو ~~ومجمع السفهاء. ومن حرمته ألا ms0032 يتوسد المصحف ولا يعتمد عليه، ولا يرمي به ~~إلى صاحبه إذا أراد أن يناوله. ومن حرمته ألا يصغر المصحف، روى الأعمش عن ~~إبراهيم عن علي رضي الله عنه قال: لا يصغر المصحف. # قلت: وروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه رأى مصحفا في يد رجل فقال: ~~من كتبه؟ قال: أنا، فضربه بالدرة، وقال: عظموا القرآن. وروى عن رسول # PageV01P029 # الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن يقال: مسيجد أو مصيحف. - ومن حرمته ~~ألا يخلي فيه مليس منه. ومن حرمته ألا يحلى بالذهب ولا يكتب بالذهب فتخلط ~~به زينة الدنية: # وروى مغيرة عن إبراهيم: أنه كان يكره أن يحلى المصحف أو يكتب بالذهب أو ~~يعلم عند رؤوس الآي أو يصغر. وعن أبي الدرداء قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " إذا زخرفتم مساجدكم وحليتم مصاحفكم فالدبار (1) عليكم ". وقال ~~ابن عباس وقد رأى مصحفا زين بفضة: # تغرون به السارق وزينته في جوفه. ومن حرمته ألا يكتب على الأرض ولا على ~~حائط كما يفعل به في المساجد المحدثة. حدثنا محمد بن علي الشقبقي عن أبيه ~~عن عبد الله بن المبارك عن سفيان عن محمد بن الزبير قال: سمعت عمر بن عبد ~~العزيز يحدث قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتاب في أرض، فقال لشاب ~~من أهل هذيل: " ما هذا: قال: من كتاب الله كتبه يهودي، فقال: " لعن الله من ~~فعل هذا لا تضعوا كتاب الله إلا موضعه ". # قال محمد بن الزبير: رأى عمر بن عبد العزيز ابنا له يكتب القرآن على حائط ~~فضربه. ومن حرمته أنه إذا اغتسل بكتابته مستشفيا من سقم ألا يصبه على ~~كناسة، ولا في موضع نجاسة، ولا على موضع يوطأ، ولكن ناحية من الأرض في بقعة ~~لا يطؤه الناس، أو يحفر حفيرة في موضع طاهر حتى ينصب من جسده في تلك ~~الحفيرة ثم يكبسها، أو في نهر كبير يختلط بمائه فيجري. ومن حزمته أن يفتتحه ~~كلما ختمه حتى لا يكون كهيئة المهجور، ولذلك كان ms0033 رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إذا ختم يقرأ من أول القرآن قدر خمس آيات، لئلا يكون في هيئة المهجور. ~~وروى ابن عباس قال جاء رجل فقال: يا رسول الله، أي العمل أفضل؟ # قال: " عليك بالحال المرتحل " قال: وما الحال المرتحل؟ قال: " صاحب ~~القرآن يضرب من أوله حتى يبلغ آخره ثم يضرب في أوله كلما حل أر تحل ". - ~~قلت: ويستحب له إذا ختم القرآن أن يجمع أهله. وذكر أبو بكر الأنباري أنبأنا ~~إدريس حدثنا حلف حدثنا وكع عم معسر عن قتادة: أن أنس بن مالك كان إذا ختم ~~القرآن جمع. # PageV01P030 # أهله ودعا. وأخبرنا إدريس حدثنا جرير عن منصور عن الحكم قال: كان مجاهد ~~وعبدة بن لبابة وقوم يعرضون المصاحف، فإذا أرادوا ان يختموا وجهوا إلينا: ~~أحضرونا، فإن الرحمة تنزل عند ختم القران. وأخبرنا إدريس حدثنا خلف حدثنا ~~هشيم عن العوام عن إبراهيم التيمي قال: من ختم القران أول النهار صلت عليه ~~الملائكة حتى يمسى ومن ختم أول الليل صلت عليه الملائكة حتى يصبح، قال: ~~فكانوا يستحبون ان يختموا أول الليل وأول النهار. - ومن حرمته الا يكتب ~~التعاويذ منه ثم يدخل به في الخلاء الا ان يكون في غلاف من ادم أو فضة أو ~~غيره، فيكون كأنه في صدرك ومن حرمته إذا كتبه وشربه سمى الله على كل نفس ~~وعظم النية فيه فان الله يؤتيه على قدر نيته. روى ليث عن مجاهد قال: # لا بأس ان تكتب القرآن ثم تسقيه المريض. وعن أبي جعفر قال: من وجد في ~~قلبه قساوة فليكتب " يس " في جام بزعفران ثم يشربه. # قلت: ومن حرمته الا يقال: سورة صغيرة وكره أبو العالية ان يقال: سورة ~~صغيرة أو كبيرة وقال لمن سمعه قالها: أنت أصغر منها، واما القران فكله ~~عظيم، ذكره مكي رحمه الله. # قلت: وقد روى أبو داود ما يعارض هذا من حديث عمر بن شعيب عن أبيه عن جده ~~انه قال: مامن المفصل سورة صغيرة ولا كبيرة الا قد سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه ms0034 وسلم يؤم بها الناس في الصلاة. # باب ما جاء من الوعيد في تفسير القران بالرأي، والجرأة على ذلك، ومراتب ~~المفسرين روى عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يفسر من كتاب الله الا آيا بعدد: علمه إياهن جبريل. قال ابن عطية: ~~ومعنى هذا الحديث في مغيبات القران، وتفسير مجمله ونحوا هذا، مما لا سبيل ~~إليه الا بتوفيق من الله تعالى، ومن جملة مغيباته ما لم يعلم الله به، كوقت ~~قيام الساعة ونحوها مما يستقرى من ألفاظه، كعدد PageV01P031 # النفخات في الصور، وكرتبة خلق خلق السماوات والأرض. روى الترمذي عن ابن ~~عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اتقوا الحديث على الا ما علمتم فمن ~~كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ومن قال في القران برأيه فليتبوأ ~~مقعده من النار. وروى أيضا عن جندب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~من قال في القران برأيه فأصاب فقد أخطأ. قال: هذا حديث غريب. وأخرجه أبو ~~داود وتكلم في أحد رواته. (1) وزاد رزين: # ومن قال برأيه فأخطأ فقد كفر. قال أبو بكر محمد بن القاسم بن بشار بن ~~محمد الأنباري النحوي اللغوي في كتاب الرد: فسر حديث ابن عباس تفسيرين، ~~أحدهما - من قال في مشكل القران بما لا يعرف من مذهب الأوائل من الصحابة ~~والتابعين فهو متعرض لسخط الله. # والجواب الاخر - وهو أثبت القولين وأصحهما معنى -: من قال القران قولا ~~يعلم أن الحق غيره فليتبوأ مقعده من النار. ومعنى يتبوأ: ينزل ويحل، قال ~~الشاعر: # وبوئت في صميم معشرها * فتم في قومها مبوؤها (2) وقال في حديث جندب: فحمل ~~بعض أهل العلم هذا الحديث على أن الرأي معنى به الهوى، من قال في القران ~~قولا يوافق هواه، لم يأخذه عن أئمة السلف فأصاب فقد أخطأ، لحكمه على القران ~~بما لا يعرف أصله، ولا يقف على مذهب أهل الأثر والنقل فيه. وقال ابن عطية: ~~" ومعنى هذا ان يسأل الرجل عن معنى في كتاب الله عز وجل ms0035 فيتسور عليه برأيه ~~دون نظر فيما قال العلماء، واقتضته قوانين العلم كالنحو والأصول، وليس يدخل ~~في هذا الحديث ان يفسر اللغويون لغته والنحويون نحوه والفقهاء معانيه، ~~ويقول كل واحد باجتهاده المبنى على قوانين علم ونظر، فإن القائل على هذه ~~الصفة ليس قائلا بمجرد رأيه ". # PageV01P032 # قلت: هذا صحيح وهو الذي اختاره غير واحد من العلماء، فإن من قال فيه بما ~~سنح في وهمه وخطر على باله من غير استدلال عليه بالأصول فهو مخطئ، وان من ~~استنبط معناه بحمله على الأصول المحكمة المتفق على معناها فهو ممدوح. # وقال بعض العلماء: ان التفسير موقوف على السماع، لقوله تعالى: " فإن ~~تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول " (1) وهذا فاسد لأن النهي عن تفسير ~~القران لا يخلو: اما ان يكون المراد به الاقتصار على النقل والمسموع وترك ~~الاستنباط، أو المراد به أمرا اخر. وباطل ان يكون المراد به الا يتلكم أحد ~~في القران الا بما سمعه، فإن الصحابة رضي الله عنهم قد قرؤوا القران ~~واختلفوا في تفسيره على وجوه، وليس كل ما قالوه سمعوه من النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فان كان التأويل مسموعا كالتنزيل فما فائدة تخصيصه بذلك! وهذا ~~بين لا اشكال فيه، وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة " النساء " إن شاء الله ~~تعالى، وانما النهي يحمل على أحد وجهين: # أحدهما - ان يكون له في الشئ رأي، واليه ميل من طبعه وهواه، فيتأول ~~القران على وفق رأيه وهواه، ليحتج على تصحيح غرضه، ولو لم يكن له ذلك الرأي ~~والهوى لكان لا يلوح له من القران ذلك المعنى. وهذا النوع يكون تارة مع ~~العلم كالذي يحتج ببعض آيات القران على تصحيح بدعته، وهو يعلم أن ليس ~~المراد بالآية ذلك، ولكن مقصوده ان يلبس على خصمه، وتارة يكون مع الجهل، ~~وذلك إذا كانت الآية محتملة فيميل فهمه إلى الوجه الذي يوافق غرضه، ويرجح ~~ذلك الجانب برأيه وهواه، فيكون قد فسر برأيه اي رأيه حمله على ذلك التفسير، ~~ولولا رأيه لما كان يترجح عنده ذلك الوجه. وتارة ms0036 يكون له غرض صحيح فيطلب له ~~دليلا من القران ويستدل عليه بما يعلم أنه ما أريد به، كمن يدعو إلى مجاهدة ~~القلب القاسي فيقول قال الله تعالى: " اذهب إلى فرعون انه طغى " (2) ويشير ~~إلى قلبه، ويومئ إلى أنه المراد بفرعون، هذا الجنس قد يستعمله بعض الوعاظ ~~في المقاصد الصحيحة تحسينا للكلام وترغيبا للمستمع، وهو ممنوع لأنه قياس في ~~اللغة، وذلك غير جائز. وقد تستعمله # PageV01P033 # الباطنية في المقاصد الفاسدة لتغرير الناس ودعوتهم إلى مذاهبهم الباطلة، ~~فينزلون القران على وفق رأيهم ومذهبهم على أمور يعلمون قطعا انها غير ~~مرادة. فهذه الفنون أحد وجهي المنع من التفسير بالرأي. # الوجه الثاني - ان يتسارع إلى تفسير القران بظاهر العربية، من غير ~~استظهار بالسماع والنقل فيما يتعلق بغرائب القران وما فيه من الألفاظ ~~المبهمة والمبدلة (1)، وما فيه من الاختصار والحذف والاضمار والتقديم ~~والتأخير، فمن لم يحكم ظاهر التفسير وبادر إلى استنباط المعاني بمجرد فهم ~~العربية كثر غلطه، ودخل في زمرة من فسر القران بالرأي، والنقل والسماع لا ~~بدله منه في ظاهر التفسير أولا ليتقى به مواضع الغلط، ثم بعد ذلك يتسع ~~الفهم والاستنباط. # والغرائب التي لا تفهم الا بالسماع كثيرة، ولا مطمع في الوصل إلى الباطن ~~قبل احكام الظاهر، الا ترى ان قوله تعالى: " واتينا ثمود الناقة مبصرة ~~فظلموا بها " (2) معناه آية مبصرة فظلموا أنفسهم بقتلها، فالناظر إلى ظاهر ~~العربية يظن أن المراد به ان الناقة كانت مبصرة، ولا يدري بماذا ظلموا، ~~وانهم ظلموا غيرهم وأنفسهم، فهذا من الحذف والاضمار، وأمثال هذا في القران ~~كثير، وما عدا هذين الوجهين فلا يتطرق النهى إليه. والله أعلم. # قال ابن عطية: " وكان جلة من السلف الصالح كسعيد بن المسيب وعامر الشعبي ~~وغيرهما يعظمون تفسير القران ويتوقفون عنه تورعا واحتياطا لأنفسهم مع ~~ادراكهم وتقدمهم ". قال أبو بكر الأنباري: وقد كان الأئمة من السلف الماضي ~~يتورعون عن تفسير المشكل من القران، فبعض يقدر ان الذي يفسره لا يوافق مراد ~~الله عز وجل فيحجم عن القول. وبعض يشفق من أن يجعل في ms0037 التفسير إماما يبني ~~على مذهبه ويقتفي طريقه. # فلعل متأخرا ان يفسر حرفا برأيه ويخطئ فيه ويقول: إمامي في تفسير القران ~~رضي الله عنه عن تفسير حرف من القران فقال: اي سماء تظلني، وأي ارض تقلني! ~~وأين أذهب! كيف أصنع! إذا قلت في حرف من كتاب الله بغير ما أراد تبارك ~~وتعالى. # PageV01P034 # قال ابن عطية " وكان جلة من السلف كثير عددهم يفسرون القران وهم أبقوا ~~(1) على المسلمين في ذلك رضي الله عنهم، فأما صدر المفسرين والمؤيد فيهم ~~فعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، ويتلوه عبد الله بن عباس وهو تجرد للامر ~~وكمله، وتبعه العلماء عليه كمجاهد وسعيد بن جبير وغيرهما، والمحفوظ عنه في ~~ذلك أكثر من المحفوظ على على ". وقال ابن عباس: ما اخذت من تفسير القران ~~لعن علي بن أبي طالب. وكان على رضي الله عنه يثني على تفسير ابن عباس ويحض ~~على الاخذ عنه، وكان ابن عباس يقول: نعم ترجمان القران عبد الله بن عباس. # وقال عنه على رضي الله عنه: ابن عباس كأنما ينظر إلى الغيب من ستر رقيق. ~~ويتلوه عبد الله ابن مسعود وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمرو بن ~~العاص. وكل ما اخذ عن الصحابة فحسن مقدم لشهودهم التنزيل ونزوله بلغتهم. ~~وعن عامر بن واثلة قال: شهدت علي بن أبي طالب رضي الله عنه يخطب فسمعته ~~يقول في خطبته: سلوني، فوالله لا تسألوني عن شئ يكون إلى يوم القيامة الا ~~حدثتكم به، سلوني عن كتاب الله، فوالله ما من آية الا انا اعلم أبليل نزلت ~~اما بنهار، أم في سهل نزلت أم في جبل، فقام إليه ابن الكواء (2) فقال: # يا أمير المؤمنين، ما الذاريات ذروا؟ وذكر الحديث. وعن المنهال بن عمرو ~~قال قال عبد الله ابن مسعود: لو اعلم أحدا اعلم بكتاب الله منى تبلغه المطي ~~لأتيته، فقال له الرجل: اما لقيت علي بن أبي طالب؟ فقال: بلى، قد لقيته. ~~وعن مسروق قال: وجدت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم مثل ms0038 الإخاذ يروى الواحد ~~والإخاذ يروى الاثنين، والإخاذ لو ورد عليه الناس أجمعون لأصدرهم، وان عبد ~~الله بن مسعود من تلك الآخاذ (3). ذكر هذه المناقب أبو بكر الأنباري في ~~كتاب الرد، وقال: الإخاذ عند العرب: الموضع الذي يحبس الماء كالغدير. # قال أبو بكر: حدثنا أحمد بن الهيثم بن خالد حدثنا أحمد بن عبد الله بن ~~يونس حدثنا سلام عن # PageV01P035 # زيد العمى (1) عن أبي الصديق الناجي عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " ارحم أمتي بها أبو بكر وأقواهم في دين الله عمر ~~وأصدقهم حياء عثمان وأقضاهم علي وأفرضهم زيد وأقرؤهم لكتاب الله عز وجل أبي ~~بن كعب وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ ابن جبل وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن ~~الجرح وأبو هريرة وعاء من العلم وسلمان بحر من علم لا يدرك وما أظلت ~~الخضراء ولا أقلت الغبراء - أو قال البطحاء - من ذي لهجة أصدق من أبي ذر ". # قال ابن عطية: " ومن المبرزين في التابعين الحسن البصري ومجاهد وسعيد بن ~~جبير وعلقمة. # قرأ مجاهد على ابن عباس قراءة تفهم ووقوف عند كل آية، ويتلوهم عكرمة ~~والضحاك وان كان لم يلق ابن عباس، وانما اخذ عن ابن جبير، واما السدى فكان ~~عامر الشعبي يطعن عليه وعلى أبى صالح، لأنه يراهما مقصرين في النظر ". # قلت: وقال يحيى بن معين: الكلبي ليس بشئ. وعن يحيى بن سعيد القطان عن ~~سفيان قال قال الكلبي قال أبو صالح: كل ما حدثتك كذب. وقال حبيب بن أبي ~~ثابت: # كنا نسميه الدروغ زن (2) - يعني أبا صالح مولى أم هانئ - والدروغ زن: هو ~~الكذاب بلغة الفرس. ثم حمل تفسير كتاب الله تعالى عدول كل خلف، كما قال صلى ~~الله عليه وسلم: # " يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال ~~المبطلين وتأويل الجاهلين ". خرجه أبو عمر وغيره. قال الخطيب أبو بكر أحمد ~~بن علي البغدادي: وهذه شهادة من رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنهم اعلام ~~الدين وأئمة المسلمين لحفظهم الشريعة من ms0039 التحريف، والانتحال للباطل، ورد ~~تأويل الأبله الجاهل، وانه يجب الرجوع إليهم، والمعول في امر الدين عليهم، ~~رضي الله عنهم. # PageV01P036 # قال ابن عطية: " وألف الناس فيه كعبد الرزاق والمفضل وعلي بن أبي طلحة ~~والبخاري وغيرهم. ثم إن محمد بن جرير - رحمه الله - جمع على الناس أشتات ~~التفسير، وقرب البعيد منها وشفى في الاسناد ومن المبرزين من المتأخرين أبو ~~إسحاق الزجاج وأبو علي الفارسي، واما أبو بكر النقاش وأبو جعفر النحاس ~~فكثير ما استدرك الناس عليهما. وعلى سننهما مكي بن أبي طالب رضي الله عنه. ~~وأبو العباس المهدوي متقن التأليف، وكلهم مجتهد مأجور رحمهم الله، ونضر ~~وجوههم ". # باب تبيين الكتاب بالسنة، وما جاء في ذلك قال الله تعالى: " وأنزلنا إليك ~~الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم " (1). وقال تعالى: # " فليحذر الذين يخلفون عن امره ان تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب اليم " ~~(2). وقال تعالى: # " وانك لتهدي إلى صراط مستقيم " (3) وفرض طاعته في غير آية من كتابه ~~وقرنها بطاعته عز وجل، وقال تعالى: " وما اتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا " (4) ذكر ابن عبد البر في كتاب العلم له عن عبد الرحمن بن زيد: ~~انه رأى محرما عليه ثيابه فنهى المحرم، فقال: # إيتني بآية من كتاب الله تنزع ثيابي، قال: فقرأ عليه " وما اتاكم الرسول ~~فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ". وعن هشام بن حجير قال: كان طاوس يصلى ~~ركعتين بعد العصر، فقال ابن عباس: اتركهما، فقال: انما نهى عنهما ان تتخذا ~~سنة، فقال ابن عباس: قد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة بعد ~~العصر، فلا أدري أتعذب عليهما أم تؤجر، لان الله تعالى قال: " وما كان ~~لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا ان يكون لهم الخيرة من أمرهم " ~~(5). وروى أبو داود عن المقدام بن معد يكرب عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم انه قال: " الا واني قد أوتيت الكتاب ومثله معه الا يوشك رجل شعبان ~~على أريكته يقول عليكم بهذا القران فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم ms0040 ~~فيه من حرام فحرموه # PageV01P037 # الا يحل لكم الحمار الأهلي ولا كل ذي ناب من السباع ولا لقطة معاهد الا ~~ان يستغني عنها صاحبها ومن نزل بقوم فعليهم ان يقروه فإن لم يقروه فله ان ~~يعقبهم بمثل قراه ". # قال الخطابي: قوله " أوتيت الكتاب ومثله معه " يحتمل وجهين من التأويل: ~~أحدهما - ان معناه انه اوتى من الوحي الباطن غير المتلو، مثل ما اعطى من ~~الظاهر المتلو. والثاني - انه اوتى الكتاب وحيا يتلى، واوتى من البيان ~~مثله، اي اذن له ان يبين ما في الكتاب فيعم ويخص ويزيد عليه ويشرع ما في ~~الكتاب، فيكون في وجوب العمل به ولزوم قبوله كالظاهر المتلو من القران. ~~وقوله: " يوشك رجل شبعان " الحديث. يحذر بهذا القول من مخالفة السنن التي ~~سنها مما ليس له في القران ذكر على ما ذهبت إليه الخوارج والروافض، فإنهم ~~تعلقوا بظاهر القران وتركوا السنن التي قد ضمنت بيان الكتاب، قال: فتحيروا ~~وضلوا، قال والأريكة: السرير، ويقال: انه لا يسمى أريكة حتى يكون في حجلة ~~(1)، قال: وانما أراد بالأريكة أصحاب الترفه والدعة الذين لزموا البيوت لم ~~يطلبوا العلم من مظانه. وقوله: # " الا ان يستغنى عنها صاحبها " معناه ان يتركها صاحبها لمن اخذها استغناء ~~عنها، كقوله: # " فكفروا وتولوا واستغنى الله (2) معناه تركهم الله استغناء عنهم. وقوله: ~~" فله ان يعقبهم بمثل قراه هذا في حال المضطر الذي لا يجد طعاما ويخاف ~~التلف على نفسه، فله ان يأخذ من مالهم بقدر قراه عوض ما حرموه من قراه. " ~~ويعقبهم " يروى مشددا ومخففا من المعاقبة، ومنه قوله تعالى: " وان عاقبتم " ~~(3) اي فكانت الغلبة لكم فغنمتم منهم، وكذلك لهذا ان يغنم من أموالهم بقدر ~~قراه. قال: وفي الحديث دلالة على أنه لا حاجة بالحديث إلى أن يعرض على ~~الكتاب، فإنه مهما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان حجة بنفسه، ~~قال: # فأما ما رواه بعضهم انه قال: " إذا جاءكم الحديث فاعرضوه على كتاب الله ~~فان وافقه فخذوه وان لم يوافقه فردوه " فإنه حديث لا أصل له. # ثم ms0041 البيان منه صلى الله عليه وسلم على ضربين: بيان لمجمل في الكتاب، ~~كبيانه للصلوات الخمس في مواقيتها وسجودها وركوعها وسائر أحكامها، وكبيانه ~~لمقدار الزكاة ووقتها وما الذي # PageV01P038 # تؤخذ منه من الأموال، وبيانه لمناسك الحج، قال صلى الله عليه وسلم إذ حج ~~بالناس: " خذوا عنى مناسككم ". وقال: " صلوا كما رأيتموني أصلي ". أخرجه ~~البخاري. وروى ابن المبارك عن عمران بن حصين انه قال لرجل أحمق، أتجد الظهر ~~في الكتاب الله أربعا لا يجهر فيها بالقراءة! ثم عدد عليه الصلاة الزكاة ~~ونحو هذا، ثم قال: أتجد هذا في كتاب الله مفسرا! # ان كتاب الله تعالى أبهم هذا، وان السنة تفسر هذا. # وروى الأوزاعي عن حسان بن عطية قال: كان الوحي ينزل على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ويحضره جبريل بالسنة التي تفسر ذلك. وروى سعيد بن منصور: ~~حدثنا عيسى ابن يونس عن الأوزاعي عن مكحول قال: القران أحوج إلى السنة من ~~السنة إلى القران. # وبه عن الأوزاعي قال قال يحيى بن أبي كثير: السنة قاضية على الكتاب، وليس ~~الكتاب بقاض على السنة. قال الفضل بن زياد: سمعت أبا عبد الله - يعني أحمد ~~بن حنبل - وسئل عن هذا الحديث الذي روى أن السنة قاضية على الكتاب فقال: ما ~~أجسر على هذا ان أقوله، ولكني أقول: ان السنة تفسر الكتاب وتبينه. # وبيان اخر وهو زيادة على حكم الكتاب كتحريم نكاح المرأة على عمتها ~~وخالتها، وتحريم الحمر الأهلية وكل ذي ناب من السباع، والقضاء باليمين مع ~~الشاهد وغير ذلك، على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. # باب كيفية التعلم والفقه لكتاب الله تعالى، وسنة نبيه صلى الله عليه ~~وسلم، وما جاء انه سهل على من تقدم العمل به دون حفظه ذكر أبو عمرو الداني ~~في كتاب البيان له بإسناده عن عثمان وابن مسعود وأبى: ان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كان يقرئهم العشر فلا يجاوزونها إلى عشر أخرى حتى يتعلموا ~~ما فيها من العمل، فيعلمنا القران والعمل جميعا. وذكر عبد الرزاق عن معمر ms0042 ~~عن عطاء ابن السائب عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: كنا إذا تعلمنا عشر آيات ~~من القران لم نتعلم العشر التي بعدها حتى نعرف حلالها وحرامها وأمرها ~~ونهيها. وفى موطأ مالك: انه بلغه ان عبد الله PageV01P039 # ابن عمر مكث على سورة البقرة ثماني سنين يتعلمها. وذكر أبو بكر أحمد بن ~~علي بن ثابت الحافظ في كتابه المسمى (1) " أسماء من روى عن مالك ": عن ~~مرداس بن محمد أبى بلال الأشعري قال: حدثنا مالك عن نافع عن ابن عمر قال: ~~تعلم عمر البقرة في اثنتي عشرة سنة، فلما ختمها نحر جزورا. وذكر أبو بكر ~~الأنباري: حدثني محمد بن شهريار حدثنا حسين بن الأسود حدثنا عبيد الله بن ~~موسى عن زياد بن أبي مسلم أبي عمرو عن زياد بن مخراق قال قال عبد الله بن ~~مسعود: انا صعب علينا حفظ ألفاظ القران، وسهل علينا العمل به، وان من بعدنا ~~يسهل عليهم حفظ القران، ويصعب عليهم العمل به. # حدثنا إبراهيم بن موسى حدثنا يوسف بن موسى حدثنا الفضل بن دكين حدثنا ~~إسماعيل ابن إبراهيم بن المهاجر عن أبيه عن مجاهد عن ابن عمر قال: كان ~~الفضل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدر هذه الأمة لا يحفظ من ~~القران الا السورة أو نحوها، ورزقوا العمل بالقران، وان اخر هذه الأمة ~~يقرءون القران منهم الصبي والأعمى ولا يرزقون العمل به. # حدثني حسن بن عبد الوهاب أبو محمد بن أبي العنبر حدثنا أبو بكر بن حماد ~~المقرئ قال: # سمعت خلف بن هشام البزار يقول: ما أظن القران الا عارية في أيدينا، وذلك ~~انا روينا ان عمر بن الخطاب حفظ البقرة في بضع عشرة سنة، فلما حفظها نحر ~~جزورا شكرا لله، وان الغلام في دهرنا هذا يجلس بين يدي فيقرأ ثلث القران لا ~~يسقط منه حرفا، فما أحسب القران الا عارية في أيدينا. وقال أهل العلم ~~بالحديث: لا ينبغي لطالب الحديث ان يقتصر على سماع الحديث وكتبه، دون ~~معرفته وفهمه، فيكون قد أتعب نفسه ms0043 من غير أن يظفر بطائل، ولكن تحفظه للحديث ~~على التدريج قليلا قليلا مع الليالي والأيام. وممن ورد عنه ذلك من حفاظ ~~الحديث شعبة وابن علية ومعمر، قال معمر: سمعت الزهري يقول: من طلب العلم ~~جملة فاته جملة، وانما يدرك العلم حديثا وحديثين، والله أعلم. وقال معاذ بن ~~جبل: اعلموا ما شئتم ان تعلموا فلن يأجركم بعلمه حتى تعلموا. وقال ابن عبد ~~البر: وروى النبي صلى الله عليه وسلم # PageV01P040 # مثل قول معاذ من رواية عباد بن عبد الصمد، وفيه زيادة: ان العلماء همتهم ~~الدراية، وان السفهاء همتهم الرواية. وروى موقوفا وهو أولى من رواية من ~~رواه مرفوعا، وعباد بن عبد الصمد ليس ممن يحتج به. ولقد أحسن القائل في ~~نظمه في فضل العلم وشرف الكتاب العزيز والسنة والغراء: # ان العلوم وان جلت محاسنها * فتاجها ما به الايمان قد وجبا هو الكتاب ~~العزيز الله يحفظه * وبعد ذلك علم فرج الكربا فذاك فاعلم حديث المصطفى فبه ~~* نور النبوة سن الشرع والادبا وبعد هذا علوم لا انتهاء لها * فاختر لنفسك ~~يامن آثر الطلبا والعلم كنز نجده في معادنه * يا أيها الطالب ابحث وانظر ~~الكتبا واتل بفهم كتاب الله فيه أتت * كل العلوم تدبره تر العجبا واقرأ ~~هديت حديث المصطفى وسلن * مولاك ما تشتهى يقضى لك الأربا من ذاق طعما لعلم ~~الدين سربه * إذا تزيد منه قال واطربا باب معنى قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: " ان هذا القران انزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه " روى مسلم ~~عن أبي بن كعب: ان النبي صلى الله عليه وسلم كان عند أضاة (1) بني غفار، ~~فأتاه جبريل عليه السلام فقال: ان الله يأمرك ان تقرأ أمتك القران على حرف، ~~فقال: # " اسأل الله معافاته ومغفرته وان أمتي لا تطيق ذلك ". ثم اتاه الثانية ~~فقال: ان الله يأمرك ان تقرأ أمتك القران على حرفين، فقال: " اسأل الله ~~معافاته ومغفرته وان أمتي لا تطيق ذلك ". ثم جاءه الثالثة فقال: ان الله ~~يأمرك ان تقرأ القران على ثلاثة أحرف، فقال: ms0044 # " اسأل الله معافاته ومغفرته وان أمتي لا تطيق ذلك ". ثم جاءه الرابعة ~~فقال: ان الله يأمرك # PageV01P041 # ان تقرأ أمتك القران على سبعة أحرف فأيما حرف قرؤوا عليه فقد أصابوا. ~~وروى الترمذي عنه فقال: لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل فقال: " يا ~~جبريل بعثت إلى أمة أمية منهم العجوز والشيخ والكبير والغلام والجارية ~~والرجل الذي لا يقرأ كتابا قط فقال لي يا محمد ان القران انزل على سبعة ~~أحرف ". قال هذا: حديث صحيح. وثبت في الأمهات: # البخاري ومسلم والموطأ وأبي داود والنسائي وغيرها من المصنفات والمسندات ~~قصة عمر مع هشام بن حكيم، وسيأتي بكماله في اخر الباب مبينا إن شاء الله ~~تعالى. # وقد اختلف العلماء في المراد بالأحرف السبعة على خمسة وثلاثين قولا ذكرها ~~أبو حاتم محمد بن حبان البستي، نذكر منها في هذا الكتاب خمسة أقوال: # الأول - وهو الذي عليه أكثر أهل العلم كسفيان بن عيينة وعبد الله بن وهب ~~والطبري والطحاوي وغيرهم: ان المراد سبعة أوجه من المعاني المتقاربة بألفاظ ~~مختلفة، نحو اقبل وتعال وهلم. قال الطحاوي: وأبين ما ذكر في ذلك حديث أبي ~~بكرة قال: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال اقرأ على حرف، فقال ~~ميكائيل: استرده، فقال: اقرأ على حرفين، فقال ميكائيل: استرده، حتى بلغ إلى ~~سبعة أحرف، فقال: اقرأ فكل شاف كاف الا ان تخلط اية رحمة بآية عذاب، أو آية ~~عذاب بآية رحمة، على نحو هلم وتعال واقبل واذهب وأسرع وعجل. وروى ورقاء عن ~~ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس عن أبي بن كعب ان كان يقرأ " للذين ~~امنوا انظرونا " (1): للذين آمنوا أمهلونا، للذين آمنوا أخرونا، للذين ~~آمنوا ارقبونا. وبهذا الاسناد عن أبي انه كان يقرأ " كلما أضاء لهم مشوا ~~فيه " (2): مروا فيه، سعوا فيه. # وفي البخاري ومسلم قال الزهري: انما هذه الأحرف في الامر الواحد ليس ~~يختلف في حلال ولا حرام. # قال الطحاوي: انما كانت السعة للناس في الحروف لعجزهم عن اخذ القران على ~~غير لغاتهم، لأنهم ms0045 كانوا أميين لا يكتب الا القليل منهم، فلما كان يشق على ~~كل ذي لغة ان يتحول إلى غيرها من اللغات، ولو رام ذلك لم يتهيأ له الا ~~بمشقة عظيمة، فوسع لهم # PageV01P042 # في اختلاف الألفاظ إذ كان المعنى متفقا، فكانوا كذلك حتى كثر منهم من ~~يكتب وعادت لغاتهم إلى لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقدروا بذلك على ~~تحفظ ألفاظه، فلم يسعهم حينئذ ان يقرءوا بخلافها. قال ابن عبد البر: فبان ~~بهذا ان تلك السبعة الأحرف انما كان في وقت خاص لضرورة دعت إلى ذلك، ثم ~~ارتفعت تلك الضرورة فارتفع حكم هذه السبعة الأحرف، وعاد ما يقرأ به القران ~~على حرف واحد. # روى أبو داود عن أبي قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا أبي ~~اني أقرئت القران فقيل لي على حرف أو حرفين فقال الملك الذي معي قل على ~~حرفين فقيل لي على حرفين أو ثلاثة فقال الملك الذي معي قل على ثلاثة حتى ~~بلغ سبعة أحرف ثم قال ليس منها إلا شاف كاف ان قلت سميعا عليما عزيزا حكيما ~~ما لم تخلط آية عذاب برحمة أو آية رحمة بعذاب ". واسند ثابت بن قاسم نحو ~~هذا الحديث عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر من كلام ابن ~~مسعود نحوه. قال القاضي ابن الطيب (1): وإذا ثبت هذه الرواية - يريد حديث ~~أبي - حمل على أن هذه كان مطلقا ثم نسخ، فلا يجوز للناس ان يبدلوا اسما ~~الله تعالى في موضع بغيره مما يوافق معناه أو يخالف. # القول الثاني - قال قوم: هي سبع لغات في القران على لغات العرب كلها، ~~يمنها ونزارها، لان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجهل شيئا منها، وكان ~~قد اوتى جوامع الكلم، وليس معناه ان يكون في الحرف الواحد سبعة أوجه، ولكن ~~هذه اللغات السبع متفرقة في القران، فبعضه بلغة قريش، وبعضه بلغة هذيل، ~~وبعضه بلغة هوازن، وبعضه بلغة اليمن. قال الخطابي: على أن في القران ما قد ~~قرئ بسبعة ms0046 أوجه، وهو قوله: " وعبد الطاغوت " (2). وقوله: " أرسله معنا غدا ~~يرتع ويلعب " (3) وذكر وجوها، كأنه يذهب إلى أن بعضه انزل على سبعة أحرف لا ~~كله. والى هذا القول - بأن القران انزل على سبعة أحرف، على سبع لغات - ذهب ~~أبو عبيد القاسم بن سلام واختاره ابن عطية. قال أبو عبيد: وبعض الاحياء # PageV01P043 # أسعد وأكثر حظا فيها من بعض، وذكر حديث ابن شهاب عن انس ان عثمان قال لهم ~~حين أمرهم ان يكتبوا المصاحف: ما اختلفتم وزيد فاكتبوه بلغة قريش، فإنه نزل ~~بلغتهم. ذكره البخاري وذكر حديث ابن عباس قال: نزل القران بلغة الكعبين، ~~كعب قريش وكعب خزاعة. قيل: وكيف ذلك؟ قال: لأن الدار واحدة. قال أبو عبيد: # يعني ان خزاعة جيران قريش فأخذوا بلغتهم. # قال القاضي ابن الطيب رضي الله عنه: معنى قول عثمان نزل بلسان قريش، يريد ~~معظمه وأكثره، ولم تقم دلالة قاطعة على أن القران بأسره منزل بلغة قريش ~~فقط، إذ فيه كلمات وحروف هي خلاف لغة قريش، وقد قال الله تعالى: " انا ~~جعلناه قرانا عربيا " (1) ولم يقل قرشيا، هذا يدل على أنه منزل بجميع لسان ~~العرب، وليس لاحد ان يقول: انه أراد قريشا من العرب دون غيرها، كما أنه ليس ~~له ان يقول: أراد لغة عدنان دون قحطان، أو ربيعة دون مضر، لان اسم العرب ~~يتناول جميع هذه القبائل تناولا واحدا. # وقال ابن عبد البر: قول من قال إن القران نزل بلغة قريش معناه عندي في ~~الأغلب والله أعلم، لان غير لغة قريش موجودة في صحيح القراءات من تحقيق ~~الهمزات ونحوها، وقريش لا تهمز. وقال ابن عطية: معنى قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم " انزل القران على سبعة أحرف " اي فيه عبارة سبع قبائل بلغة ~~جملتها نزل القران، فيعبر عن المعنى فيه مرة بعبارة قريش، ومرة بعبارة ~~هذيل، ومرة بغير ذلك بحسب الأفصح والأوجز في اللفظ، الا ترى ان " فطر " ~~معناه عند غير قريش: ابتدأ (خلق الشئ وعمله) (2) فجاءت في القران فلم تتجه ~~لابن عباس، حتى اختصم إليه أعرابيان ms0047 في بئر فقال أحدهما: انا فطرتها، قال ~~ابن عباس: # ففهمت حينئذ موضع قوله تعالى " فاطر السماوات والأرض ". وقال أيضا: ما ~~كنت أدري معنى حينئذ موضع قوله تعالى " ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق) ~~(3) حتى سمعت بنت ذي يزن تقول لزوجها: " تعال أفاتحك، اي أحاكمك. وكذلك قال ~~عمر بن الخطاب وكان لا يفهم معنى قوله تعالى " أو يأخذهم على تخوف " (4) اي ~~على تنقص لهم. وكذلك اتفق لقطبة بن مالك إذ # PageV01P044 # سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الصلاة: " والنخل باسقات " (1) ~~ذكره مسلم في باب (القراءة في صلاة الفجر) إلى غير ذلك من الأمثلة. # القول الثالث: ان هذه اللغات السبع انما تكون في مضر، قاله قوم، واحتجوا ~~بقول عثمان: نزل القران بلغة مضر، وقالوا: جائز ان يكون منها لقريش، ومنها ~~لكنانة، ومنها لأسد، ومنها لهذيل، ومنها لتيم، ومنها لضبة، ومنها لقيس، ~~قالوا: هذه قبائل مصر تستوعب سبع لغات على هذه المراتب، وقد كان ابن مسعود ~~يحب ان يكون الذين يكتبون المصاحف من مضر. وأنكر آخرون ان تكون كلها من ~~مضر، وقالوا: في مضر شواذ لا يجوز ان يقرأ القرآن بها، مثل كشكشة قيس ~~وتمتمة تميم، فأما كشكشة قيس فإنهم يجعلون كاف المؤنث شينا فيقولون في " ~~جعل ربك تحتك سريا " (2): جعل ربش تحتش سريا، واما تمتمة تميم فيقولون في ~~الناس: النات، وفي أكياس: أكيات. قالوا: هذه لغات يرغب عن القران بها، ولا ~~يحفظ عن السلف فيها شئ. # وقال آخرون: اما ابدال الهمزة عينا وابدال حروف الحلق بعضها من بعض ~~فمشهور عن الفصحاء، وقد قرأ به الجلة، واحتجوا بقراءة ابن مسعود: ليسجننه ~~عتى حين، ذكرها أبو داود، وبقول ذي الرمة: # فعناك عيناها وجيدك جيدها * ولونك الا عنها غير طائل يريد الا انها. # القول الرابع: ما حكاه صاحب الدلائل عن بعض العلماء، وحكى نحوه القاضي ~~ابن الطيب قال: تدبرت وجوه الاختلاف في القراءة فوجدتها سبعا: منها ما ~~تتغير حركته، ولا يزول معناه ولا صورته، مثل: " هن أطهر لكم " واطهر، " ~~ويضيق صدري " ويضيق. ومنها مالا ms0048 تتغير صورته ويتغير معناه بالاعراب، مثل: " ~~ربنا باعد بين أسفارنا " وباعد. ومنها ما تبقى صورته ويتغير معناه باختلاف ~~الحروف، مثل قوله: " ننشزها " وننشرها. ومنها ما تتغير صورته ويبقى معناه: ~~" كالعهن المنفوش " وكالصوف المنفوش. # PageV01P045 # ومنها ما تتغير صورته ومعناه، مثل: " وطلح منضود " وطلع منضود. ومنها ~~بالتقديم والتأخير كقوله: " وجاءت سكرة الموت بالحق " وجاءت (سكرة الحق) ~~الحق بالموت. ومنها بالزيادة والنقصان، مثل قوله: تسع وتسعون نعجة أنثى، ~~وقوله: واما الغلام فكان كافرا وكان أبواه مؤمنين، وقوله: فان الله من بعد ~~اكراههن لهن غفور رحيم. # القول الخامس: ان المراد بالأحرف السبعة معاني كتاب الله تعالى، وهي امر ~~ونهي ووعد ووعيد وقصص ومجادلة وأمثال. قال ابن عطية وهذا ضعيف لان هذا لا ~~يسمى أحرفا، وأيضا فالاجماع على أن التوسعة لم تقع في تحليل حلال ولا في ~~تغير شئ من المعاني. # وذكر القاضي ابن الطيب في هذا المعنى حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~ثم قال: ولكن ليست هذه هي التي أجاز لهم القراءة بها، وانما الحرف في هذه ~~بمعنى الجهة والطريقة، منه قوله تعالى: " ومن الناس من يعبد الله على حرف " ~~(1) فكذلك معنى هذا الحديث على سبع طرائق من تحليل وتحريم وغير ذلك. وقد ~~قيل: ان المراد بقوله عليه السلام " انزل القران على سبعة أحرف " القراءات ~~السبع التي قرأ بها القراء السبعة، لأنها كلها صحت عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وهذا ليس بشئ لظهور بطلانه على ما يأتي. # (فصل) قال كثير من علمائنا كالداوودي وابن أبي صفرة وغيرهما: هذه ~~القراءات السبع التي تنسب لهؤلاء القراء السبعة، ليست هي الأحرف السبعة ~~التي اتسعت الصحابة في القراءة بها، وانما هي راجعة إلى حرف واحد من تلك ~~السبعة، وهو الذي جمع عليه عثمان المصحف، ذكره ابن النحاس وغيره. وهذه ~~القراءات المشهورة هي اختيارات أولئك الأئمة القراء، وذلك أن كل واحد منهم ~~اختار فيما روى وعلم وجهه من القراءات ما هو الأحسن عنده والأولى، فالتزمه ~~طريقة ورواه واقرأ به واشتهر عنه، وعرف به ونسب إليه، ms0049 فقيل: # حرف نافع، وحرف ابن كثير، ولم يمنع واحد منهم اختار الاخر ولا أنكره بل ~~سوغه وجوزه، وكل واحد من هؤلاء السبعة روى عنه اختار ان أو أكثر، وكل صحيح. ~~وقد أجمع المسلمون في هذه الاعصار على الاعتماد على ما صح عن هؤلاء الأئمة ~~مما رووه ورأوه من القراءات وكتبوا # PageV01P046 # في ذلك مصنفات، فاستمر الاجماع على الصواب، وحصل ما وعد الله به من حفظ ~~الكتاب، وعلى هذا الأئمة المتقدمون والفضلاء المحققون كالقاضي أبي بكر بن ~~الطيب والطبري وغيرهما. # قال ابن عطية: ومضت الاعصار والأمصار على قراءة السبعة وبها يصلى لأنها ~~ثبتت بالاجماع، واما شاذ القراءات فلا يصلى له لأنه لم يجمع الناس عليه، ~~اما ان المروى منه عن الصحابة رضي الله عنهم وعن علماء التابعين فلا يعتقد ~~فيه الا انهم رووه، واما ما يؤثر عن أبي السمال (1) ومن قارنه فإنه لا يوثق ~~به. قال غيره: اما شاذ القراءة عن المصاحف المتواترة فليست بقران، ولا يعمل ~~بها على انها منه، وأحسن محاملها ان تكون بيان تأويل مذهب من نسبت إليه ~~كقراءة ابن مسعود: فصيام ثلاثة أيام متتابعات. فأما لو صرح الراوي بسماعها ~~من رسول الله صلى الله عليه وسلم فاختلف العلماء في العمل بذلك على قولين: ~~النفي والاثبات، وجه النفي ان الراوي لم يروه في معرض الخبر بل في معرض ~~القران، ولم يثبت فلا يثبت. والوجه الثاني انه وان لم يثبت كونه قرانا فقد ~~ثبت كونه سنة، وذلك يوجب العمل كسائر اخبار الآحاد. # فصل في ذكر معنى حديث عمر وهشام. قال ابن عطية: أباح الله تعالى لنبيه ~~عليه السلام هذه الحروف السبعة، وعارضه بها جبريل عليه السلام في عرضاته ~~على الوجه الذي فيه الاعجاز وجودة الرصف، ولم تقع الإباحة في قوله عليه ~~السلام: " فاقرءوا ما تيسر منه " بأن يكون كل واحد من الصحابة إذا أراد ان ~~يبدل اللفظة من بعض هذه اللغات جعلها من تلقاء نفسه، ولو كان هذا لذهب ~~اعجاز القران، وكان معرضا ان يبدل هذا وهذا حتى يكون غير ms0050 الذي نزل من عند ~~الله، وانما وقعت الإباحة في الحروف السبعة للنبي صلى الله عليه وسلم ليوسع ~~بها على أمته، فأقرأ مرة لأبي بما عارضه به جبريل، ومرة لابن مسعود بما ~~عارضه به أيضا، وعلى هذا تجئ قراءة عمر بن الخطاب لسورة " الفرقان " وقراءة # PageV01P047 # هشام بن حكيم لها، والا فكيف يستقيم ان يقول النبي صلى الله عليه وسلم في ~~كل قراءة منهما وقد اختلفا: " هكذا أقرأني جبريل " هل ذلك الا انه أقرأه ~~مرة بهذه ومرة بهذه، وعلى هذا يحمل قول انس حين قرأ: " ان ناشئة الليل هي ~~أشد وطأ وأصوب قيلا " فقيل له: # انما نقرأ " وأقوم قيلا ". فقال انس: وأصوب قيلا، وأقوم قيلا وأهيأ، ~~واحد، فإنما معنى هذا انها مروية عن النبي صلى الله عليه وسلم، والا فلو ~~كان هذا لاحد من الناس ان يضعه لبطل معنى قوله تعالى: " انا نحن نزلنا ~~الذكر وانا له لحافظون " (1). روى البخاري ومسلم وغيرهما عن عمر بن الخطاب: ~~قال سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة " الفرقان " على غير ما أقرؤها، وكان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أقرأنيها، فكدت ان أعجل عليه، ثم أمهلته حتى انصرف ~~ثم لببته (2) بردائه، فجئت به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول ~~الله، اني سمعت هذا يقرأ سورة " الفرقان " على غير ما أقرأتنيها! فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " أرسله اقرأ " (3) فقرأ القراءة التي سمعته يقرأ، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " هكذا أنزلت " ثم قال لي: " اقرأ " فقرأت فقال: " هكذا ~~أنزلت ان هذا القران انزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه ". # قلت: وفى معنى حديث عمر هذا، ما رواه مسلم عن أبي بن كعب قال: كنت في ~~المسجد فدخل رجل يصلى، قراءة أنكرتها عليه، ثم دخل اخر فقرأ قراءة سوى ~~قراءة صاحبه، فلما قضينا الصلاة دخلنا جميعا على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقلت: ان هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه، ودخل اخر فقرأ سوى قراءة صاحبه، ~~فأمرهما النبي صلى الله عليه ms0051 وسلم فقرأ، فحسن النبي صلى الله عليه وسلم ~~شأنهما، فسقط في نفسي من التكذيب ولا إذ كنت في الجاهلية، فلما رأى النبي ~~صلى الله عليه وسلم ما قد غشيني، ضرب في صدري ففضت عرقا، وكأنما انظر إلى ~~الله تعالى فرقا، فقال لي: " يا أبي ارسل إلى أن اقرأ القران على حرف فرددت ~~إليه ان هون على أمتي فرد إلى الثانية أقرأه على حرفين فرددت إليه ان هون ~~على أمتي # PageV01P048 # فرد إلى الثالثة أقرأه على سبعة أحرف فلك بكل ردة رددتكها مسألة فقلت ~~اللهم اغفر لامتي اللهم اغفر لامتي وأخرت الثالثة ليوم يرغب إلى فيه الخلق ~~كلهم حتى إبراهيم عليه السلام ". # قول أبي رضي الله عنه: " فسقط في نفسي " معناه اعترتني حيرة ودهشة، اي ~~اصابته نزعة من الشيطان ليشوش عليه حاله، ويكدر عليه وقته، فأنه عظم عليه ~~من اختلاف القراءات ما ليس عظيما في نفسه، والا فأي شئ يلزم من المحال ~~والتكذيب من اختلاف القراءات ولم يلزم ذلك والحمد لله في النسخ الذي هو ~~أعظم، فكيف بالقراءة! # ولما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما اصابه من ذلك الخاطر نبهه بأن ضربه ~~في صدره، فأعقب ذلك بأن نشرح صدره وتنور باطنه، حتى آل به الكشف والشرح إلى ~~حالة المعاينة، ولما ظهر له قبح ذلك الخاطر من الله تعالى وفاض بالعرق ~~استحياء من الله تعالى، فكان هذا الخاطر من قبيل ما قال فيه النبي صلى الله ~~عليه وسلم - حين سألوه: انا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا ان يتكلم به - ~~قال: " وقد وجدتموه "؟: نعم، قال: # " ذلك صريح الايمان ". أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة. وسيأتي الكلام عليه ~~في سورة " الأعراف " إن شاء الله تعالى. # باب ذكر جمع القران، وسبب كتب عثمان المصاحف واحراقه ما سواها، وذكر من ~~حفظ القران من الصحابة رضي الله عنهم في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~القران في مدة النبي صلى الله عليه وسلم متفرقا في صدور الرجال، وقد كتب ~~الناس منه في صحف وفي جريد ms0052 وفي لحاف وظرر وفي خزف وغير ذلك - قال الأصمعي: ~~اللخاف: # حجارة بيض رقاق، واحدتها. والظرر: حجر له حد كحد السكين، والجمع ظرار، ~~مثل رطب ورطاب، وربع ورباع، وظران أيضا مثل صرد وصردان - فلما استحتر (1) ~~القتل # PageV01P049 # بالقراءة يوم اليمامة في زمن الصديق رضي الله عنه، وقتل منهم في ذلك ~~اليوم فيما قيل سبعمائة، أشار عمر بن الخطاب على أبي بكر الصديق رضي الله ~~عنهما بجمع القران مخافة ان يموت أشياخ القراء، كأبي وابن مسعود وزيد، ~~فندبا زيد بن ثابت إلى ذلك، فجمعه غير مرتب السور، بعد تعب شديد، رضي الله ~~عنه. روى البخاري عن زيد بن ثابت قال: ارسل إلى أبو بكر مقتل أهل اليمامة ~~وعنده عمر، فقال أبو بكر: ان عمر اتاني فقال إن القتل قد استحر يوم اليمامة ~~بالناس، وانى أخشى ان يستحر القتل بالقراء في المواطن، فيذهب كثير من ~~القران الا ان تجمعوه، واني لأرى ان تجمع القران، قال أبو بكر: فقلت لعمر ~~كيف افعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: هو والله خير، ~~فلم يزل يراجعني حتى شرح الله لذلك صدري، ورأيت الذي رأى عمر. قال زيد: ~~وعنده عمر جالس لا يتكلم، فقال لي أبو بكر: انك رجل شاب عاقل ولا نتهمك، ~~كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتتبع القران، فأجمعه، ~~فوالله لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل على مما امرني به من جمع ~~القران، قلت: كيف تفعلان شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال ~~أبو بكر: هو الله خير، فلم أزل أراجعه حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر ~~أبي بكر وعمر، فقمت فتتبعت القران أجمعه من الرقاع والأكتاف (1) والعسب (2) ~~وصدور الرجال، حتى وجدت من سورة " التوبة " آيتين مع خزيمة الأنصاري لم ~~أجدهما مع غيره " لقد جاءكم رسول من أنفسكم " إلى اخرها. فكانت الصحف التي ~~جمع فيها القران عند أبي بكر حتى توفاه الله ثم عند عمر حتى توفاه الله ثم ~~عند ms0053 حفصة بن عمر. وقال الليث حدثني عبد الرحمن ابن غالب عن ابن شهاب وقال: ~~مع أبي خزيمة الأنصاري. وقال أبو ثابت حدثنا إبراهيم وقال: مع خزيمة أو أبي ~~خزيمة " فإن تولوا فقل حسبي الله لا اله الا هو عليه توكلت وهو رب العرش ~~العظيم ". # PageV01P050 # وقال الترمذي في حديثه عنه: فوجدت آخر سورة براءة مع خزيمة بن ثابت " لقد ~~جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم. ~~فإن تولوا فقل حسبي الله لا اله الا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم ". ~~قال: حديث حسن صحيح. # وفي البخاري عن زيد بن ثابت قال: لما نسخنا الصحف في المصاحف فقدت آية من ~~سورة " الأحزاب " كنت اسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها، لم أجدها ~~مع أحد الا مع خزيمة الأنصاري (1) - الذي جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~شهادته بشهادة رجلين - " رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ". وقال الترمذي ~~عنه: فقدت آية من سورة " الأحزاب " كنت اسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقرؤها " من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ~~ومنهم من ينتظر " فالتمستها فوجدتها عند خزيمة بن ثابت أو أبى خزيمة، ~~فألحقتها في سورتها. # قلت: فسقطت الآية الأولى من اخر " براءة " في الجمع الأول، على ما قاله ~~البخاري والترمذي، وفي الجمع الثاني فقدت آية من سورة " الأحزاب ". وحكى ~~الطبري: ان آية " براءة " سقطت في الجمع الأخير، والأول أصح والله أعلم. ~~فإن قيل: فما وجه جمع عثمان الناس على مصحفه، وقد سبقه أبو بكر إلى ذلك ~~وفرغ منه، قيل له: ان عثمان رضي الله عنه لم يقصد بما صنع جمع الناس على ~~تأليف المصحف، الا ترى كيف ارسل إلى حفصة: ان أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في ~~المصاحف ثم نردها إليك، على ما يأتي. وانما فعل ذلك عثمان لان الناس ~~اختلفوا في القراءات بسبب تفرق الصحابة في البلدان واشتد الامر في ذلك وعظم ~~اختلافهم وتشبثهم، ووقع بين أهل الشام والعراق ما ms0054 ذكره حذيفة رضي الله عنه. # وذلك انهم اجتمعوا في غزوة أرمينية فقرأت كل طائفة بما روى لها، فاختلفوا ~~وتنازعوا وأظهر بعضهم اكفار بعض والبراءة منه وتلاعنوا، فأشفق حذيفة مما ~~رأى منهم، فلما قدم حذيفة المدينة - فيما ذكر البخاري والترمذي - دخل إلى ~~عثمان قبل ان يدخل إلى بيته، فقال: أدرك هذه الأمة قبل ان تهلك! قال: ~~فيماذا؟ قال: في كتاب الله، اني حضرت # PageV01P051 # هذه الغزوة، وجمعت ناسا من العراق والشام والحجاز، فوصف له ما تقدم وقال: ~~اني أخشى عليهم ان يختلفوا في كتابهم كما اختلف اليهود والنصارى. # قلت: وهذا أدل دليل على بطلان من قال: امن المراد بالأحرف السبعة قراءات ~~القراء السبعة، لأن الحق لا يختلف فيه، وقد روى سويد بن غفلة عن علي بن أبي ~~طالب ان عثمان قال: ما ترون في المصاحف؟ فان الناس قد اختلفوا في القراء ~~حتى أن الرجل ليقول: # قراءتي خير من قراءتك، وقراءتي أفضل من قراءتي. وهذا شبيه بالكفر، قلنا: ~~ما الرأي عندك يا أمير المؤمنين؟ قال: الرأي رأيك يما أمير المؤمنين، فأرسل ~~عثمان إلى حفصة: # ان أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك، فأرسلت بها إليه ~~فأمر زيد ابن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاصي وعبد الرحمن بن ~~الحارث به هشام فنسخوها في المصاحف. وقال عثمان للرهط القرشيين: إذا ~~اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شئ من القران فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل ~~بلسانهم، ففعلوا. حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة، ~~وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وامر بما سوى ذلك من القران في كل صحيفة ~~أو مصحف ان يحرق. وكان هذا من عثمان رضي الله عنه بعد أن جمع المهاجرين ~~والأنصار وجلة أهل الاسلام وشاورهم واطراح ما سواها، واستصوبوا رأيه وكان ~~رأيا سديدا موقفا، رحمة الله عليه وعليهم أجمعين. وقال الطبري فيما روى: ان ~~عثمان قرن بزيد أبان بن سعيد بن العاصي وحده، وهذا ضعيف. وما ذكره البخاري ~~والترمذي وغيرهما أصح. وقال الطبري ms0055 أيضا: ان الصحف التي كانت عند حفصة جعلت ~~إماما في هذا الجمع الأخير، وهذا صحيح. # وقال ابن شهاب: وأخبرني عبيد الله بن عبد الله ان عبد الله بن مسعود كره ~~لزيد بن ثابت نسخ المصاحف، وقال يا معشر المسلمين، اعزل عن نسخ المصاحف ~~ويتولاه رجل، PageV01P052 # والله لقد أسلمت وانه لفي صلب رجل كافر! يريد زيد بن ثابت ولذلك قال عبد ~~الله ابن مسعود: يأهل العراق، اكتموا المصاحف التي عندكم وغلوها فإن الله ~~عز وجل يقول: # " ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة " فألقوا الله بالمصاحف خرجه الترمذي. ~~وسيأتي الكلام في هذا في سورة " آل عمران " (1) إن شاء الله تعالى. # قال أبو بكر الأنباري: ولم يكن الاختيار لزيد من جهة أبي بكر وعمر وعثمان ~~على عبد الله ابن مسعود في جمع القران، وعبد الله أفضل من زيد، وأقدم في ~~الاسلام، وأكثر سوابق، وأعظم فضائل، الا لأن زيدا كان احفظ للقران من عبد ~~الله إذ وعاه كله ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي، والذي حفظ منه عبد ~~الله في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم نيف وسبعون سورة، ثم تعلم ~~الباقي بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، فالذي ختم القران وحفظه ورسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حي أولى بجمع المصاحف وأحق بالايثار ولاختيار. ولا ~~ينبغي ان يظن جاهل ان في هذا طعنا على عبد الله بن مسعود، لأن زيدا إذا كان ~~احفظ للقران منه فليس ذلك موجبا لتقدمه عليه، لأن أبا بكر وعمر رضي الله ~~عنهما كان زيد احفظ منهما للقرآن، وليس هو خيرا منهما ولا مساويا لهما في ~~الفضائل والمناقب. قال أبو بكر: وما بدا من عبد الله بن مسعود من نكير ذلك ~~فشئ نتجه الغضب، ولا يعمل به ولا يؤخذ به، ولا يشك في أن رضي الله عنه قد ~~عرف بعد زوال الغضب عنه حسن اختيار عثمان ومن معه من أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وبقى على موافقتهم وترك الخلاف لهم. فالشائع الذائع ~~المتعالم ms0056 عند أهل الرواية والنقل: ان عبد الله بن مسعود تعلم بقية القران ~~بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد قال بعض الأئمة: مات عبد الله ~~بن مسعود قبل ان يختم القران. قال يزيد بن هارونه المعوذتان بمنزلة البقرة ~~وآل عمران، من زعم انهما ليستا من القران فهو كافر بالله العظيم، فقيل له: ~~فقول عبد الله بن مسعود فيهما؟ فقال: لا خلاف بين المسلمين في أن عبد الله ~~بن مسعود مات وهو لا يحفظ القران كله. # قلت: هذا فيه نظر، وسيأتي. وروى إسماعيل بن إسحاق وغيره قال حماد - أظنه ~~عن انس بن مالك، قال: كانوا يختلفون في الآية فيقولون اقرأها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # PageV01P053 # فلان بن فلان، فعسى ان يكون من المدينة على ثلاث ليال فيرسل إليه فيجاء ~~به، فيقال: # كيف أقرأك رسول الله صلى الله عليه وسلم آية كذا وكذا؟ فيكتبون كما قال. ~~قال ابن شهاب: # واختلفوا يومئذ في التابوت، فقال زيد: التابوه. وقال ابن الزبير وسعيد بن ~~العاصي: # التابوت، فرفع اختلافهم إلى عثمان فقال: اكتبوه بالتاء، فإنه نزل بلسان ~~قريش. # أخرجه البخاري والترمذي. قال ابن عطية: قرأه زيد بالهاء والقرشيون ~~بالتاء، فأثبتوه بالتاء، وكتبت المصاحف على ما هو عليه غابر الدهر، ونسخ ~~منها عثمان نسخا. قال غيره: قيل سبعة، وقيل أربعة وهو الأكثر، ووجه بها إلى ~~الآفاق، فوجه للعراق والشام ومصر بأمهات، فاتخذها قراء الأمصار معتمد ~~اختياراتهم، ولم يخالف أحد منهم مصحفه على النحو الذي بلغه، وما وجد بين ~~هؤلاء القراء السبعة من الاختلاف في حروف يزيدها بعضهم وينقصها بعضهم فذلك ~~لان كلا منهم اعتمد على ما بلغه في مصحفه ورواه، إذ قد كان عثمان كتب تلك ~~المواضع في بعض النسخ ولم يكتبها في بعض اشعارا بأن كل ذلك صحيح، وان ~~القراء بكل منها جائزة. # قال ابن عطية: ثم إن عثمان امر بما سواها من المصاحف ان تحرق أو تخرق، ~~تروى بالحاء غير منقوطة وتروى بالخاء على معنى ثم تدفن، ورواية الحاء غير ~~منقوطة أحسن. ms0057 # وذكر أبو بكر الأنباري في كتاب الرد عن سويد بن غفلة قال: سمعت علي بن ~~أبي طالب كرم الله وجه يقول: يا معشر الناس، اتقوا الله! وإياكم والغلو في ~~عثمان، وقولكم: حراق المصاحف، فوالله ما حرقها الا عن ملا منا أصحاب محمد ~~صلى الله عليه وسلم. وعن عمير بن سعيد قال قال علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه: لو كنت الوالي وقت عثمان لفعلت في المصاحف مثل الذي فعل عثمان. قال ~~أبو الحسن بن بطال: وفي امر عثمان بتحريق المصحف والمصاحف حين جمع القران ~~جواز تحريق الكتب التي فيها أسماء الله تعالى، وان ذلك اكرام لها وصيانة عن ~~الوطء بالاقدام، وطرحها في ضياع من الأرض. روى معمر عن ابن طاوس عن أبيه: # انه كان يحرق الصحف إذا اجتمعت عنده الرسائل فيها بسم الله الرحمن ~~الرحيم. وحرق عروة ابن الزبير وكتب فقه عنده يوم الحرة، وكره إبراهيم ان ~~تحرق الصحف إذا كان فيها PageV01P054 # ذكر الله تعالى، وقول من حرقها أولى بالصواب، وقد فعله عثمان. وقد قال ~~القاضي أبو بكر لسان الأمة: جائز للامام تحريق الصحف التي فيها القران، إذا ~~أداه الاجتهاد إلى ذلك. # فصل - قال علماؤنا رحمة الله عليهم: وفي فعل عثمان رضي الله عنه رد على ~~الحيلولة (1) والحشوية القائلين بقدم الحروف والأصوات، وان القراءة ~~والتلاوة القديمة، وان الايمان قديم، الروح قديم، وقد أجمعت الأمة وكل أمة ~~من النصارى واليهود والبراهمة يل كل ملحد وموحد ان القديم لا يفعل ولا ~~تتعلق به قدرة قادر بوجه ولا بسبب، ولا يجوز العدم على القديم وان القديم ~~لا يصير محدثا، والمحدث لا يصير قديما، وان القديم ما لا أول لوجوده، وان ~~المحدث هو ما كان بعد أن لم يكن، وهذه الطائفة خرقت اجماع العقلاء من أهل ~~الملل وغيرهم، فقالوا: # يجوز ان يصير المحدث قديما، وان العبد إذا قرأ كلام الله تعالى فعل كلاما ~~لله قديما، وكذلك إذا نحت حروفا من الاجر والخشب، أو صاغ أحرفا من الذهب ~~والفضة، أو نسج ثوبا فنقش عليه ms0058 اية من كتاب الله فقد فعل هؤلاء كلام الله ~~قديما، وصار كلامه منسوجا قديما ومنحوتا قديما ومصوغا قديما، فيقال لهم: ما ~~تقولون في كلام الله تعالى، أيجوز ان يذاب ويمحى ويحرق؟ فان قالوا: نعم، ~~فارقوا الدين، وان قالوا: لا، قيل لهم: فما قولكم في حروف مصورة آية من ~~كتاب الله تعالى من شمع، أو ذهب أو فضه أو خشب أو كاغد فوقعت في النار ~~فذابت واحترقت، فهل تقولون: ان كلام الله احترق؟ فإن قالوا: نعم، تركوا ~~قولهم، وان قالوا: لا، قيل لهم أليس قلتم، ان هذه الكتابة كلام الله وقد ~~احترقت! وقلتم: # ان هذه الأحرف كلامه وقد ذابت، فإن قالوا: احترقت الحروف وكلامه تعالى ~~باق، رجعوا إلى الحق والصواب ودانوا بالجواب، وهو الذي قاله النبي صلى الله ~~عليه وسلم، منها على ما يقول أهل الحق: ولو كان القران في اهاب ثم وقع في ~~النار ما احترق. وقال عز وجل: # " أنزلت عليك كتابا لا يغسله تقرؤه نائما ويقظان " الحديث، أخرجه مسلم. ~~فثبت بهذا # PageV01P055 # ان كلامه سبحانه ليس بحرف ولا يشبه الحروف. والكلام في هذه المسألة يطول، ~~وتتميمها في كتب الأصول، وقد بيناها في (الكتاب الأسنى، في شرح أسماء الله ~~الحسنى). # فصل - وقد طعن الرافضة - قبحهم الله تعالى - في القران، وقالوا: ان ~~الواحد يكفي في نقل الآية والحرف كما فعلتم فإنكم أثبتم بقول رجل واحد وهو ~~خزيمة بن ثابت وحده اخر سورة " براءة " وقوله: " من المؤمنين رجال ". ~~فالجواب ان خزيمة رضي الله عنه لم جاء بهما تذكرهما كثير من الصحابة، وقد ~~كان زيد يعرفهما، ولذلك قال: فقدت آيتين من اخر سورة " التوبة ". ولو لم ~~يعرفهما لم يدر هل فقد شيئا أو لا، فالآية انما ثبتت بالاجماع لا بخزيمة ~~وحده. جواب ثان - انما ثبتت بشهادة خزيمة وحده لقيام الدليل على صحتها في ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فهي قرينة تغني عن طلب شاهد آخر بخلاف آية ~~" الأحزاب " فإن تلك ثبتت بشهادة زيد وأبي خزيمة لسماعهما إياها من النبي ~~صلى الله عليه وسلم. ms0059 قال معناه المهلب، وذكر أن خزيمة غير أبي خزيمة، وأن ~~أبا خزيمة الذي وجدت معه آية التوبة معروف من الأنصار، وقد عرفه أنس وقال: ~~نحن ورثناه، والتي في الأحزاب وجدت مع خزيمة بن ثابت فلا تعارض، والقضية ~~غير القضية لا إشكال فيها ولا التباس. وقال ابن عبد البر " أبو خزيمة لا ~~يوقف على صحة اسمه وهو مشهور بكنيته، وهو أبو خزيمة بن أوس بن زيد بن أصرم ~~بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار، شهد بدرا وما بعدها من المشاهد، وتوفى ~~في خلافة عثمان بن عفان، وهو أخو مسعود بن أوس. قال ابن شهاب عن عبيد بن ~~السباق عن زيد بن ثابت: وجدت آخر التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري وهو هذا، ~~وليس بينه وبين الحارث بن خزيمة أبي خزيمة نسب إلا اجتماعهما في الأنصار، ~~أحدهما أوسي والآخر خزرجي ". وفي مسلم والبخاري عن أنس بن مالك قال: جمع ~~القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم أربعة كلهم من الأنصار: أبي بن ~~كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد وقلت لأنس: من أبو زيد؟ قال: ~~أحد عمومتي. وفي البخاري أيضا عن أنس قال: مات النبي صلى الله عليه وسلم ~~ولم يجمع القرآن غير أربعة: أبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، PageV01P056 # وزيد، وأبو زيد، [قال (1)] : ونحن ورثناه. وفي أخرى قال: مات أبو زيد ولم ~~يترك عقبا، وكان بدريا، واسم أبي زيد سعد بن عبيد. قال ابن الطيب رضي الله ~~عنه: لا تدل هذه الآثار على أن القرآن لم يحفظه في حياة النبي صلى الله ~~عليه وسلم ولم يجمعه غير أربعة من الأنصار كما قال أنس بن مالك، فقد ثبت ~~بالطرق المتواترة أنه جمع القرآن عثمان وعلي وتميم الداري وعبادة بن الصامت ~~وعبد الله بن عمرو بن العاص. فقول أنس لم يجمع القرآن غير أربعة، يحتمل أنه ~~لم يجمع القرآن وأخذه تلقينا من رسول صلى الله عليه وسلم غير تلك الجماعة، ~~فإن أكثرهم أخذ بعضه عنه وبعضه من غيره، وقد تظاهرت ms0060 الروايات بأن الأئمة ~~الأربعة جمعوا القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم لأجل سبقهم إلى ~~الإسلام وإعظام الرسول صلى الله عليه وسلم لهم. # قلت: لم يذكر القاضي، عبد الله بن مسعود وسالما مولى أبي حذيفة رضي الله ~~عنهم فيما رأيت، وهما ممن جمع القرآن. روى جرير عن عبد الله بن يزيد ~~الصهباني عن كميل قال قال عمر بن الخطاب: كنت مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ومعه أبو بكر ومن شاء الله، فمررنا بعبد الله بن مسعود وهو يصلي، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من هذا الذي يقرأ القرآن ". فقيل له: هذا ~~عبد الله بن أم عبد، فقال: " إن عبد الله يقرأ القرآن غضا كما أنزل " ~~الحديث. قال بعض العلماء: معنى قوله: " غضا كما أنزل " أي إنه كان يقرأ ~~الحرف الأول الذي أنزل عليه القرآن دون الحروف السبعة التي رخص لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في قراءته عليها بعد معارضة جبريل عليه السلام القرآن ~~إياه في كل رمضان. وقد روى وكيع وجماعة مع عن الأعمش عن أبي ظبيان قال قال ~~لي عبد الله بن عباس: أي القراءتين تقرأ؟ قلت: القراءة الأولى قراءة ابن أم ~~عبد، فقال لي: بل هي الآخرة، إن رسول الله صلى الله عليهم وسلم كان يعرض ~~القرآن على جبريل في كل عام مرة، فلما كان العام الذي قبض فيه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عرضه عليه مرتين، فحضر ذلك عبد الله فعلم ما نسخ من # PageV01P057 # ذلك وما بدل. وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو قال سمعت رسول الله صلى ~~اله عليه وسلم يقول: " خذوا القرآن من أربعة من ابن أم علد - فبدأ به - ~~ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وسالم مولى أبي حذيفة ". # قلت: هذه الأخبار تدل على أن عبد الله جمع القرآن في حياة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم خلاف ما تقدم، والله أعلم. وقد ذكر أبو بكر الأنباري في ~~كتاب الرد: حدثنا محمد بن شهريار حدثنا ms0061 حسين بن الأسود حدثنا يحيى بن آدم ~~عن أبي بكر عن أبي إسحاق قال قال عبد الله بن مسعود: قرأت من في رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم اثنتين وسبعين سورة - أو ثلاثا وسبعين سورة - وقرأت ~~عليه من البقرة إلى قوله تعالى " إن الله يجب التوابين ويحب المتطهرين (1) ~~". قال أبو إسحاق: وتعلم عبد الله بقية القرآن من مجمع بن حارثة الأنصاري. # قلت: فإن صح هذا، الإجماع الذي ذكره يزيد بن هارون، فلذلك لم يذكره ~~القاضي أبو بكر الأنباري: حدثني إبراهيم بن موسى (2) الخوزي حدثنا يوسف بن ~~موسى حدثنا مالك بن إسماعيل حدثنا زهير عن أبي إسحاق قال: سألت الأسود ما ~~كان عبد الله يصنع بسورة الأعراف؟ فقال: ما كان يعلمها حتى قدم الكوفة، قال ~~وقد قال بعض أهلم العلم: مات عبد الله بم مسعود رحمة الله قبل أن يتعلم ~~المعوذتين، فلهذه العلة لم توجدا في مصحفه، وقيل غير هذا على ما يأتي بيانه ~~آخر الكتاب عند ذكر " المعوذتين " إن شاء الله تعالى. # قال أبو بكر: والحديث الذي حدثناه إبراهيم بن موسى حدثنا يوسف بن موسى ~~حدثنا عمر بن هارون الخراساني عن ربيعة بن عثمان عن محمد بن كعب القرظي ~~قال: كان ممن ختم القرآن ورسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عثمان بن عفان ~~وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود، حديث ليس بصحيح هند أهل العلم، إنما ~~هو مقصور على محمد بن كعب، فهو مقطوع لا يؤخذ به ولا يعول عليه. # PageV01P058 # قلت: قوله عليه السلام " خذوا القرآن من أربعة من ابن أم عبد " يدل على ~~صحته، ومما يبين لك ذلك أن أصحاب القراءات من أهل الحجاز والشام والعراق كل ~~منهم عزا قراءته التي اختارها إلى رجل من الصحابة قرأها على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، لم يستثن من جملة القرآن شيئا، فأسند عاصم قراءته إلى علي ~~وابن مسعود، وأسند ابن كثير قراءته إلى أبي، وكذلك أبو عمرو بن العلاء أسند ~~قراءته إلى أبي، وأما عبد الله بن ms0062 عامر فإنه أسند قراءته إلى عثمان وهؤلاء ~~كلهم يقولون: قرأنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأسانيد هذه ~~القراءات متصلة ورجالها ثقات. قاله الخطابي. # باب ما جاء في ترتيب سور القرآن وآياته، وشكله ونقطه، وتحزيبه وتعشيره، ~~وعدد حروفه وأجزائه وكلماته وآية قال ابن الطيب: إن قال قائل قد اختلف ~~السلف في ترتيب سور القرآن، فمنهم من كتب في مصحفه السور على تاريخ نزولها، ~~وقدم المكي على المدني، ومنهم من جعل في أول مصحفه الحمد، ومنهم من جعل في ~~أوله: " اقرأ باسم ربك " وهذا أول مصحف علي رضي الله عنه . وأما مصحف ابن ~~مسعود فإن أوله " مالك يوم الدين " ثم البقرة ثم النساء، على ترتيب مختلف. ~~ومصحف أبي كان أوله: الحمد لله، ثم النساء ثم آل عمران ثم الأنعام ثم ~~الأعراف ثم المائدة، ثم كذلك على اختلاف شديد. قال القاضي أبو بكر بن ~~الطيب: فالجواب أنه يحتمل أن يكون ترتيب السور على ما هي عليه اليوم في ~~المصحف كان على وجه الاجتهاد من الصحابة. وذكر ذلك مكي رحمه الله في تفسير ~~سورة " براءة " وذكر أن ترتيب الآيات في السور ووضع البسملة في الأوائل هو ~~من النبي صلى الله عليه وسلم، ولما لم يأمر بذلك في أول سورة " براءة " ~~تركت بلا بسملة، هذا أصح ما قيل في ذلك، وسيأتي (1). # وذكر ابن وهب في جامعه قال: سمعت سليمان بن بلال يقول سمعت ربيعة يسأل: ~~لم قدمت البقرة وآل عمران، وقد نزل قبلهما بضع وثمانون سورة وإنما نزلتا ~~بالمدينة؟ فقال # PageV01P059 # ربيعة: قال قدمتا وألف القرآن على علم ممن ألفه، وقد اجتمعوا على علم ~~بذلك، فهذا مما ننتهي إليه، ولا نسأل عنه. وقد ذكر سنيد قال حدثنا معتمر عن ~~سلام بن مسكين عن قتادة قال قال ابن مسعود: من كان منكم متأسيا فليتأس ~~بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبا، ~~وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، وأقومها هديا، وأحسنها حالا، اختارهم الله ~~لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم وإقامة دينه، ms0063 فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم ~~في آثارهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم. وقال قوم من أهل العلم: إن ~~تأليف سور القرآن على ما هو عليه في مصاحفنا كان عن توقيف من النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وأما ما روى من اختلاف مصحف أبي وعلي وعبد الله فإنما كان ~~قبل العرض الأخير، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم رتب لهم تأليف السور ~~بعد أن لم يكن فعل ذلك. روى يونس عن ابن وهب قال سمعت مالكا يقول: إنما ألف ~~القرآن على ما كانوا يسمعونه من رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وذكر أبو بكر الأنباري في كتاب الرد: أن الله تعالى أنزل القرآن جملة إلى ~~سماء الدنيا، ثم فرق على النبي صلى الله عليه وسلم في عشرين سنة، وكانت ~~السورة تنزل في أمر يحدث، والآية جوابا لمستخبر يسأل، ويوقف جبريل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على موضع السورة والآية، فاتساق السور كاتساق ~~الآيات والحروف، فكله عن محمد خاتم النبيين عليه السلام، عن رب العالمين، ~~فمن أخر سورة مقدمة أو قدم أخرى مؤخرة فهو كمن أفسد نظم الآيات، وغير ~~الحروف والكلمات، ولا حجة على أهل الحق في تقديم البقرة على الأنعام، ~~والأنعام نزلت قبل البقرة لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ عنه هذا ~~الترتيب، وهو كان يقول: " ضعوا هذه السورة موضع كذا وكذا من القرآن ". وكان ~~جبريل عليه السلام يقف على مكان الآيات. # حدثنا حسن بن الحباب حدثنا أبو هشام حدثنا أبو بكر عياش عن أبي إسحاق عن ~~البراء قال: # اخر ما نزل من القرآن: " يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة (1) ". عن ~~ابن عباس قال: آخر ما نزل من القرآن: " واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم ~~توفى كل نفس ما كسبت وهم # PageV01P060 # لا يظلمون ". فقال جبريل للنبي عليهما السلام: يا محمد ضعها في رأس ~~ثمانين ومائتين من البقرة. # قال أبو الحسن بن بطال: ومن قال بهذا القول لا يقول إن تلاوة القرآن في ~~الصلاة والدرس يجب أن تكون ms0064 مرتبة على حسب الترتيب الموقف عليه في المصحف، ~~بل إنما يجب تأليف سورة في الرسم والخط خاصة، ولا يعلم أن أحدا منهم قال: ~~إن ترتيب ذلك واجب في الصلاة وفي قراءة القرآن ودرسه، وأنه لا يحل لأحد أن ~~يتلقن الكهف قبل البقرة ولا الحج قبل الكهف، الا ترى قول عائشة رضي الله ~~عنها للذي سألها: لا يضرك أية قرأت قبل، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقرأ في الصلاة السورة في ركعة، ثم يقرأ في ركعة أخرى بغير السورة التي ~~تليها. وأما ما روى عن ابن مسعود وابن عمر أنهما كرها أن يقرأ في القرآن ~~منكوسا، وقالا: ذلك منكوس القلب، فإنما عنيا بذلك من يقرأ السورة منكوسة، ~~ويبتدئ من اخرها إلى أولها لأن ذلك حرام محظور، ومن الناس من يتعاطى هذا في ~~القرآن والشعر ليذلل لسانه بذلك ويقدر على الحفظ، وهذا حظره الله تعالى ~~ومنعه في القرآن، لأنه إفساد لسورة ومخالفة لما قصد بها. # ومما يدل على أنه لا يجب إثباته في المصاحف على تاريخ نزوله ما صح وثبت ~~أن الآيات كانت تنزل بالمدينة فتوضع في السورة المكية، ألا ترى قول عائشة ~~رضي الله عنه: وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده - تعني بالمدينة ~~- وقد قدمتا في المصحف على ما نزل قبلهما من القرآن بمكة، ولو ألفوه على ~~تاريخ النزول لوجب أن ينتقض ترتيب آيات السور. # قال أبو بكر الأنباري: حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي حدثنا حجاج بن ~~منهال حدثنا همام عن قتادة قال: نزل بالمدينة من القرآن البقرة، وآل عمران، ~~والنساء، والمائدة، والأنفال، وبراءة، والرعد، والنحل، والحج، والنور، ~~والأحزاب، ومحمد، والفتح، والحجرات، والرحمن، والحديد، والمجادلة، والحشر، ~~والممتحنة، والصف، والجمعة، والمنافقون، والتغابن، والطلاق، PageV01P061 # ويا أيها النبي لم تحرم إلى رأس العشر، وإذا زلزلت، وإذا جاء نصر الله، ~~هؤلاء السور نزلن بالمدينة، وسائر القرآن بمكة. # قال أبو بكر: فمن عمل على ترك الأثر والإعراض عن الإجماع ونظم السور على ~~منازلها بمكة والمدينة، لم يدر أين تقع الفاتحة، لاختلاف الناس ms0065 في موضع ~~نزولها، ويضطر إلى تأخير الآية التي في رأس خمس وثلاثين ومائتين من البقرة ~~إلى رأس الأربعين، ومن أفسد نظم القرآن فقد كفر به، ورد على محمد صلى الله ~~عليه وسلم ما حكاه عن ربه تعالى. وقد قيل إن علة تقديم المدني على المكي هو ~~أن الله تعالى خاطب العرب بلغتها، وما تعرف من أفانين خطابها ومحاورتها، ~~فلما كان فن من كلامهم مبنيا على تقديم المؤخر وتأخير المقدم خوطبوا بهذا ~~المعنى في كتاب الله تعالى الذي لو فقدوه من القرآن لقالوا: ما باله عرى من ~~هذا الباب الموجود في كلامنا المستحلى من نظامنا. قال عبيد بن الأبرص: # أن بدلت منهم وحوشا * وغيرت حالها الخطوب - عيناك دمعهما سروب * كأن ~~شأنيهما شعيب أراد عيناك دمعهما سروب لأن تبدلت من أهلها وحوشا، فقدم ~~المؤخر وأخر المقدم، ومعنى سروب: منصب على وجه الأرض. ومنه للذاهب على وجهه ~~في الأرض، قال الشاعر (1): # * أني سربت وكنت غير سروب * وقوله: شأنيهما، الشأن واحد الشؤون، وهي ~~مواصل الرأس وملتقاها، ومنها يجئ الدمع. شعيب: متفرق. # PageV01P062 # (فصل) - وأما شكل المصحف ونقطه فروى أن عبد الملك بن مروان أمر به وعمله، ~~فتجرد لذلك الحجاج بواسط وجد فيه وزاد تحزينه، وأمر وهو والى العراق الحسن ~~ويحيى بن يعمر بذلك، وألف إثر ذلك بواسط كتابا في القراءات جمع فيه ما روى ~~من اختلاف الناس فيما وافق الخط، ومشى الناس على ذلك زمانا طويلا، إلى أن ~~ألف ابن مجاهد كتابه في القراءات. # وأسند الزبيدي في كتاب الطبقات إلى المبرد أن أول من نقط المصحف أبو ~~الأسود الدؤلي، وذكر أيضا أن ابن سيرين كان له مصحف نقطه له يحيى بن يعمر. # (فصل) - وأما وضع الأعشار فقال ابن عطية: مر بي في بعض التواريخ أن ~~المأمون العباسي أمر بذلك، وقيل: إن الحجاج فعل ذلك. وذكر أبو عمرو الداني ~~في كتاب البيان له عن عبد الله بن مسعود أنه كره التعشير في المصحف، وأنه ~~كان يحكه. وعن مجاهد أنه كره التعشير والطيب في المصحف. وقال أشهب: ms0066 سمعت ~~مالكا وسئل عن العشور التي تكون في المصحف بالحمرة وغيرها من الألوان، فكره ~~ذلك وقال: تعشير المصحف بالحبر لا بأس به، وسئل عن المصاحف يكتب فيها خواتم ~~السور في كل سورة ما فيها من آية، قال: إني أكره ذلك في أمهات المصاحف ن ~~يكتب فيها شئ أو يشكل، فأما ما يتعلم به الغلمان من المصاحف فلا أرى بذلك ~~بأسا. قال أشهب: ثم أخرج إلينا مصحفا لجده، كتبه إذ كتب عثمان المصاحف، ~~فرأينا خواتمه من حبر على عمل السلسلة في طول السطر، ورأيته معجوم الآي ~~بالحبر. وقال قتادة: بدؤا فنقطوا ثم خمسوا ثم عشروا. وقال يحيى بن أبي كثير ~~كان القرآن مردا في المصاحف، فأول ما أحدثوا فيه النقط على الباء والتاء ~~والثاء، وقالوا: لا بأس به، هو نور له، ثم أحدثوا نقطا عند منتهى الآي، ثم ~~أحدثوا الفواتح والخواتيم. وعن أبي حمزة قال: رأى إبراهيم النخعي في مصحفي ~~فاتحة سورة كذا وكذا، فقال لي: امحه فإن عبد الله بن مسعود قال: لا تخلطوا ~~في كتبا الله ما ليس فيه. وعن أبي بكر السراج قال قلت لأبي رزين: أأكتب في ~~مصحفي سورة كذا وكذا، قال: إني أخاف أن ينشأ قوم لا يعرفونه فيظنونه من ~~القرآن. PageV01P063 # قال الداني رضي الله عنه: وهذه الأخبار كلها تؤذن بأن التعشير والتخميس ~~وفواتح السور ورؤوس الآي من عمل الصحابة رضي الله عنهم، قادهم إلى عمله ~~الاجتهاد، وأرى أن من كره ذلك منهم ومن غيرهم إنما كره أن يعمل بالألوان ~~كالحمرة والصفرة وغيرها، والحرج والخطأ مرتفعان عنهم فيما أطبقوا عليه إن ~~شاء الله. # (فصل) - وأما عدد حروفه وأجزائه فروى سلام أبو محمد الحماني أن الحجاج بن ~~يوسف جمع القراء والحفاظ والكتاب، فقال: أخبروني عن القرآن كله كم من حرف ~~هو؟. قال: # وكنت فيهم، فحسبنا فأجمعنا على أن القرآن ثلاثمائة ألف حرف وأربعون ألف ~~حرف وسبعمائة حرف وأربعون حرفا وقال: فأخبروني إلى أي حرف ينتهي نصف ~~القرآن؟ فإذا هو الكهف " وليتلطف " في الفاء. قال: فأخبروني بأثلاثه، فإذا ms0067 ~~الثلث الأول رأس مائة من براءة، والثلث الثاني رأس مائة أو إحدى ومائة من ~~طسم الشعراء، والثلث الثالث ما بقى من القرآن. # قال فأخبروني بأسباعه على الحرف، فإذا أول سبع في النساء " فمنهم من آمن ~~به ومنهم من صد " في الدال، والسبع الثاني في الأعراف " أولئك حبطت " في ~~التاء، والسبع الثالث في الرعد " أكلها دائم " في الألف من آخر أكلها، ~~والسبع الرابع في الحج " ولكل أمة جعلنا منسكا " في الألف، والسبع الخامس ~~في الأحزاب " وما كان لمؤمن ولا مؤمنة " في الهاء، والسبع السادس في الفتح ~~" الظانين بالله ظن السوء " في الواو، والسبع السابع ما بقي من القرآن. # قال سلام أبو محمد: علمناه في أربعة أشبر، وكان الحجاج يقرأ في كل ليلة ~~ربعا، فأول ربعه خاتمة الأنعام. والربع الثاني في الكهف " وليتلطف "، ~~والربع الثالث خاتمة الزمر، والربع الرابع ما بقي من القرآن. وفي هذه ~~الجملة خلاف مذكور في كتاب البيان لأبي عمرو الداني، من أراد الوقوف عليه ~~وجده هناك. # (فصل) - وأما عدد القرآن في المدني الأول، فقال محمد بن عيسى: جمع عدد آي ~~القرآن في المدني ستة آلاف آية. قال عمرو: وهو العدد الذي رواه أهل الكوفة ~~عن أهل المدينة، ولم يسموا في ذلك أحد بعينه يسندونه إليه. PageV01P064 # وأما المدني الأخير فهو قول إسماعيل بن جعفر: ستة آلاف آية ومئتان آية ~~وأربع عشرة آية. وقال الفضل: عدد أي القرآن في قول المكيين ستة آلاف ومئتا ~~آية وتسع عشرة آية. قال محمد بن عيسى: وجميع عدد آي القرآن في قول الكوفيين ~~ستة آلاف آية ومئتا آية وثلاثون وست آيات، وهو العدد الذي رواه سليم (1) ~~والكسائي عن حمزة، وأسنده الكسائي إلى على رضي الله عنه. قال محمد: وجميع ~~عدد آي القرآن في عدد البصريين ستة آلاف ومئتان وأربع آيات، وهو العدد الذي ~~مضى عليه سلفهم حتى الآن. وأما عدد أهل الشام فقال يحيى بن الحارث الذماري: ~~ستة آلاف ومئتان وست وعشرون. في رواية ستة آلاف ومئتان ومئتان وخمس وعشرون، ~~نقص آية. قال ابن ms0068 ذكوان: فظنت أن يحيى لم يعد " بسم الله الرحمن الرحيم ". ~~قال أبو عمرو: فهذه الأعداد التي يتداولها الناس تأليفا، ويعدون بها في ~~سائر الآفاق قديما وحديثا. # وأما كلماته فقال الفضل بن شاذان: جميع كلمات القرآن - في قول عطاء بن ~~يسار - سبعة وسبعون ألفا وأربعمائة وتسع وثلاثون كلمة، وحروفه ثلاثمائة ألف ~~وثلاثة وعشرون ألفا وخمسة عشر حرفا. # قلت: هذا يخالف ما تقدم عن الحماني قبل هذا. وقال عبد الله بن كثير عن ~~مجاهد قال: هذا ما أحصينا من القرآن، وهو ثلاثمائة ألف حرف وأحد وعشرون ألف ~~حرف ومائة وثمانون حرفا، وهذا يخالف ما ذكره قبل هذا الحماني من عد حروفه. # باب ذكر معنى السورة والآية والكلمة والحرف معنى السورة في كلام العرب ~~الإبانة لها من سورة أخرى وانفصالها عنها، وسميت بذلك لأنه يرتفع فيها من ~~منزلة. قال النابغة: ألم تر أن الله أعطاك سورة * ترى كل ملك دونها يتذبذب ~~أي منزلة شرف ارتفعت إليها عن منزل الملوك. وقيل سميت لشرفها وارتفاعها كما ~~يقال لما ارتفع من الأرض سور. وقيل سميت بذلك لإن قارئها يشرف على ما لم ~~يكن # PageV01P065 # عنده كسور الباناء بغير همزة. وقيل سميت بذلك، لأنها قطعت من القرآن على ~~حد، من قول العرب للبقية: سؤر، وجاء أسآر الناس أي بقاياهم، فعلى هذا يكون ~~الأصل سؤرة بالهمزة ثم خففت فأبدلت واوا لانضمام ما قبلها. وقيل سميت بذلك ~~لتمامها وكمالها من قول العرب للناقة التامة: سورة، وجمع سورة سور بفتح ~~الواو. وقال الشاعر (1): # * سود المحاجر لا يقرأن بالسور ويجوز أن يجمع على سورات وسورات. # وأما الآية فهي العلامة: بمعنى أنها علامة لانقطاع الكلام قبلها من الذي ~~بعدها وانفصاله، آي هي بائنة من أختها ومنفردة. وتقول العرب: بيني وبين ~~فلان آية، أي علامة، ومن ذلك قوله تعالى " إن آية ملكه (2) ". وقال ~~النابغة: # توهمت آيات لها فعرفته * لستة أعوام وذا العام سابع وقيل: سميت آية لأنها ~~جماعة حروف من القرآن وطائفة منه، كما يقال: خرج القوم بآياتهم أي ~~بجماعتهم. قال برج بن مسهر ms0069 الطائي: # خرجنا من النقبين لاحى مثلنا * بآياتنا نزجى اللقاح المطافلا وقيل: سميت ~~آية لأنها عجب يعجز البشر عن التكلم بمثلها. واختلف النحويون في أصل آية، ~~فقال سيبويه: أيية على فعله مثل أكمه وشجرة، فلما تحركت الياء وانفتح ما ~~قبلها انقلبت ألفا فصارت آية بهمزة بعدها مدة. وقال الكسائي: أصلها آيية ~~على وزن فاعلة مثل آمنة فقلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ثم ~~حذفت لالتباسها بالجمع. وقال الفراء: أصلها أيية بتشديد الياء الأولى فقلبت ~~ألفا كراهة التشديد فصارت آية وجمعها آي وآيات وآياء (3). # وأنشد أبو زيد: # لم يبق الدهر من آيائه * غير أثافيه وأرمدائه # PageV01P066 # وأما الكلمة فهي الصورة القائمة بجميع ما يختلط بها من الشبهات (1) أي ~~الحروف، وأطول الكلم في كتاب الله عز وجل ما بلغ عشرة أحرف، نحو قوله ~~تعالى: " ليستخلفنهم (2) ". # و " أنلزمكموها (3) " وشبههما، فأما قوله " فأسقيناكموه (4) " فهو عشرة ~~أحرف (5) في الرسم وأحد عشر في اللفظ. وأقصرهن ما كان على حرفين نحو ما ولا ~~وله، وما أشبه ذلك. ومن حروف المعاني ما هو على كلمة واحدة، مثل همزة ~~الاستفهام وواو العطف، إلا أنه لا ينطق به مفردا. وقد تكون الكلمة وحدها ~~آية تامة نحو قوله تعالى: " والفجر ". " والضحى ". # " والعصر ". وكذلك " آلم ". و " المص ". و " طه ". و " يس ". و " حم " في ~~قول الكوفيين، وذلك في فواتح السور، فأما ما في حشوهن فال. قال أبو عمرو ~~الداني: ولا أعلم كلمة هي وحدها آية إلا قوله في الرحمن " مدهامتان (6) " ~~لاغير. وقد أتت كلمتان متصلتان وهما آيتان، وذلك في قوله تعالى " حم عسق " ~~على قول الكوفيين لاغير. وقد تكون الكلمة في غير هذا: الآية التامة، ~~والكلام القائم بنفسه، وإن كان أكثر أو أقل، قال الله عز وجل: " وتمت (7) ~~كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا " قيل: إنما يعني بالكلمة هاهنا ~~قوله تبارك وتعالى: # " ونريد أن نمن على الذين استضعفوا (8) في الأرض " إلى آخر الآيتين، وقال ~~عز وجل " وألزمهم (9) كلمة التقوى ". قال مجاهد لا إله إلا الله. قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: ms0070 " كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان ~~حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ". وقد تسمى العرب ~~القصيدة بأسرها، والقصة كلها، كلمة فيقولون: قال قس في كلمته كذا، أي في ~~خطبته، وقال زهير في كلمته كذا، أي في قصيدته، وقال فلان في كلمته يعني في ~~رسالته، فتسمى جملة الكلام كلمة إذ كانت الكلمة منها، على عادتهم في ~~تسميتهم الشئ باسم ما هو منه وما قاربه وجاوره، وكان بسبب منه، مجازا أو ~~اتساعا. # وأما الحرف فهو الشبهة القائمة وحدها من الكلمة، وقد يسمى الحرف كلمة ~~والكلمة حرفا على ما بيناه من الاتساع والمجاز. قال أبو عمرو الداني: فإن ~~قيل فكيف يسمى ما جاء من # PageV01P067 # حروف الهجاء في الفواتح على حرف واحد نحو " ص " و " ن " حرفا أو كلمة؟ ~~قلت: # كلمة لا حرفا، ولذلك من جهة أن الحرف لا يسكت عليه، ولا ينفرد وحده في ~~الصورة ولا ينفصل مما يختلط به، وهذه الحروف مسكوت عليها منفردة منفصلة ~~كانفراد الكلم وانفصالها، فلذلك سميت كلمات لا حروفا. قال أبو عمرو: وقد ~~يكون الحرف في غير هذا: # المذهب والوجه، قال الله عز وجل " ومن الناس من يعبد الله على حرف " أي ~~على وجه ومذهب، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: " أنزل القرآن على ~~سبعة أحرف " أي سبعة أوجه من اللغات، والله أعلم. # باب هل ورد في القرآن كلمات خارجة عن لغات العرب أولا لا خلاف بين الأئمة ~~أنه ليس في القرآن كلام مركب على أساليب غير العرب، وأن فيه أسماء أعلاما ~~لمن لسانه غير العرب، كإسرائيل وجبريل وعمران ونوح ولوط. # واختلفوا هل وقع فيه ألفاظ غير أعلام مفردة من كلام غير العرب، فذهب ~~القاضي أبو بكر بن الطيب والطبري وغيرهما إلى أن ذلك لا يوجد فيه، وأن ~~القرآن عربي صريح، وما وجد فيه من الألفاظ التي تنسب إلى سائر اللغات إنما ~~اتفق فيها أن تواردت اللغات عليها فتكلمت بها العرب والفرس والحبشة وغيرهم، ~~وذهب بعضهم إلى وجودها فيه، وأن تلك الألفاظ ms0071 لقلتها لا تخرج القرآن عن كونه ~~عربيا مبينا، ولا رسول الله عن كونه متكلما بلسان قومه، فالمشكاة: الكوة ~~ونشأ: قام من الليل، ومنه " إن ناشئة الليل " و " يؤتكم كفلين " أي ضعفين. ~~و " فرت من قسورة " أي الأسد، كله بلسان الحبشة. والغساق: # البارد المنتن بلسان الترك. والقسطاس: الميزان، بلغة الروم. والسجيل: ~~الحجارة والطين بلسان الفرس. والطور الجبل. واليم البحر بالسريانية. ~~والتنور: وجه الأرض بالعجمية. # قال ابن عطية: " فحقيقة العبارة عن هذه الألفاظ أنها في الأصل أعجمية لكن ~~استعملتها العرب وعربتها فهي عربية بهذا الوجه. وقد كان العرب العاربة التي ~~نزل القرآن بلسانها بعض مخالطة لسائر الألسنة تحارت، وبرحلتي قريش، وكسفر ~~مسافر بن أبي عمرو إلى الشام، PageV01P068 # وكفر عمر بن الخطاب وكسفر عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد إلى أرض ~~الحبشة، وكسفر الأعشى إلى الحيرة وصحبته لنصاراها مع كونه حجة في اللغة ~~فعلقت العرب بهذا كله ألفاظا أعجمية غيرت بعضها بالنقص من حروفها، وجرت إلى ~~تخفيف ثقل العجمة، واستعملتها في أشعارها ومحاوراتها، حتى جرت مجرى العربي ~~الصحيح، ووقع بها البيان، وعلى هذا الحد نزل بها القرآن. فإن جهلها عربي ما ~~فكجهله الصريح بما في لغة غيره، كما لم يعرف ابن عباس معنى " فاطر " إلى ~~غير ذلك. قال ابن عطية: " وما ذهب إليه الطبري رحمه الله من أن اللغتين ~~اتفقتا في لفظة فذلك بعيد، بل إحداهما أصل والأخرى فرع في الأكثر، لأنا لا ~~ندفع أيضا جواز الاتفاق قليلا شاذا ". # قال غيره: والأول أصح. وقوله: هي أصل في كلام غيرهم دخيلة في كلامهم، ليس ~~بأولى من العكس، فإن العرب لا يخلو أن تكون تخاطب بها أولا، فإن كان الأول ~~فهي من كلامهم، إذا لا معنى للغتهم وكلامهم إلا ما كان كذلك عندهم، ولا ~~يبعد أن يكون غيرهم قد وافقهم على بعض كلماتهم، وقد قال ذلك الإمام الكبير ~~أبو عبيدة. # فإن قيل: ليست هذه الكلمات على أوزان كلام العرب فلا تكون منه. قلنا: ومن ~~سلم لكم أنكم حصرتم أوزانهم حتى تخرجوا هذه منها، فقد بحث ms0072 القاضي عن أصول ~~أوزان كلام العرب ورد هذه الأسماء إليها على الطريقة النحوية، وأما إن لم ~~تكن العرب تخاطبت بها ولا عرفتها استحال أن يخاطبهم الله بما لا يعرفون، ~~وحينئذ لا يكون القرآن عربيا نبينا، ولا يكون الرسول مخاطبا لقومه بلسانهم، ~~والله أعلم. # باب ذكر في إعجاز القرآن وشرائط المعجزة وحقيقتها المعجزة واحدة معجزات ~~الأنبياء الدالة على صدقهم صلوات الله عليهم، وسميت معجزة لأن البشر يعجزون ~~عن الإتيان بمثلها، وشرائطها خمسة فإن اختل منها شرط لا تكون معجزة. # PageV01P069 # فالشرط الأول من شروطها أن تكون مما لا يقدر عليها إلا الله سبحانه. ~~وإنما وجب حصول هذا الشرط للمعجزة لأنه أتى آت في زمان يصح فيه مجئ الرسل ~~وادعى الرسالة وجعل معجزته أن يتحرك ويسكن ويقوم ويقعد لم يكن هذا الذي ~~ادعاه معجزة له، ولا دالا على صدقه لقدرة الخلق على مثله، وإنما يجب أن ~~تكون المعجزات كفلق البحر، وانشقاق القمر، وما شاكلها مما لا يقدر عليها ~~البشر. # والشرط الثاني هو أن تخرق العادة. وإنما وجب اشتراط ذلك لأنه لو قال ~~المدعى للرسالة: آيتي مجئ الليل بعد النهار وطلوع الشمس من مشرقها، لم يكن ~~فيما ادعا معجزة، لأن هذه الأفعال وإن كان لا يقدر عليها إلا الله، فلم ~~تفعل من أجله، وقد كانت قبل دعواه على ما هي عليه في حين دعواه، ودعواه في ~~دلالتها على نبوته كدعوى غيره، فبان أنه لاوجه له يدل على صدقه، والذي ~~يستشهد به الرسول عليه السلام له وجه يدل على صدقه، وذلك أن يقول: الدليل ~~على صدقي أن يخرق الله تعالى العادة من أجل دعواي عليه الرسالة، فيقلب هذه ~~العصا ثعبانا، ويشق الحجر ويخرج من وسطه ناقة، أو ينبع الماء من بين أصابعي ~~كما ينبعه من العين، أو ما سوى ذلك من الآيات الخارقة للعادات، التي ينفرد ~~بها جبار الأرض والسماوات، فتقوم له هذه العلامات مقام قول الرب سبحانه، لو ~~أسمعنا كلامه العزيز وقال: صدق، أنا بعثته و. مثال هذا المسألة - ولله ~~ولرسوله المثل الأعلى - ما ms0073 لو كانت جماعة بحضرة ملك من ملوك الأرض، وقال ~~أحد رجاله وهو بمرأى منه والملك يسمعه: # الملك يأمركم أيها الجماعة بكذا وكذا، ودليل ذلك أن الملك يصدقني بفعل م ~~أفعاله، وهو أن يخرج خاتمه من يده قاصدا بذلك تصديقي، فإذا سمع الملك كلامه ~~لهم ودعواه فيهم، ثم عمل ما استشهد به على صدقه، قام ذلك مقام قوله لو قال: ~~صدق فيما ادعاه على. # فكذلك إذا عمل عملا لا يقدر عليه إلا هو، وخرق به العادة على يد الرسول، ~~قام ذلك الفعل مقام كلامه تعالى لو أسمعناه وقال: صدق عبدي في دعواي ~~الرسالة، وأنا أرسلته إليكم فاسمعوا له وأطيعوا. PageV01P070 # والشرط الثالث هو أن يستشهد بها مدعى الرسالة على الله عز وجل، فيقول: ~~آيتي أن يقلب الله سبحانه هذا الماء زيتا أو يحرك الأرض عند قولي لها، ~~تزلزلي، فإذا فعل الله سبحانه ذلك حصل المتحدي به. # الشرط الرابع هو أن تقع على وفق دعوى المتحدي بها المستشهد بكونها معجزة ~~له، وإنما وجب اشتراط هذا الشرط لأنه لو قال المدعى للرسالة: آية نبوتي ~~ودليل حجتي أن تنطق يدي أو هذه الدابة فنطقت يده أو الدابة بأن قالت: كذب ~~وليس هو نبي فإن هذا الكلام الذي خلقه الله تعالى دال كذب المدعى للرسالة، ~~لأن ما فعله الله لم يقع على وفق دعواه. وكذلك ما يروى أن مسيلمة الكذاب ~~لعنه الله تفل في بئر ليكثر ماؤها فغارت البئر وذهب ما كان فيها من الماء، ~~فما فعل الله سبحانه من هذا، كان من الآيات المكذبة لمن ظهرت على يديه، ~~لأنها وقعت على خلاف ما أراده المتنبئ الكذاب. # والشرط الخامس من شروط المعجزة ألا يأتي أحد بمثل ما أتى به المتحدي على ~~وجه المعارضة، فإن تم الأمر المتحدي به المستشهد به على النبوة على هذا ~~الشرط مع الشروط المتقدمة فهي معجزة داله على نبوة من ظهرت على يده، فإن ~~أقام الله تعالى من يعارضه حتى يأتي بمثل ما أتى به ويعمل مثل ما عمل بطل ~~كونه نبيا، ms0074 وخرج عن كونه معجزا ولم يدل على صدقه، ولهذا قال المولى سبحانه: ~~" فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين " وقال: # " أم يقولون افتراه قل فاتوا بعشر سور مثله مفتريات ". كأنه يقول: إن ~~ادعيتم أن هذا القرآن من نظم محمد صلى الله عليه وسلم وعمله فاعملوا عشر ~~سور من جنس نظمه، فإذا عجزتم بأسركم عن ذلك فاعلموا أنه ليس من نظمه ولا من ~~عمله. # لا يقال، إن المعجزات المقيدة بالشروط الخمسة لا تظهر إلا على أيدي ~~الصادقين، وهذا المسيخ الدجال فيما رويتم عن نبيكم صلى الله عليه وسلم يظهر ~~على يديه من الآيات العظام، والأمور الجسام، ما هو معروف مشهور، فإنا نقول: ~~ذلك يدعى الرسالة، وهذا يدعى الربوبية وبينهما من الفرقان ما بين البصراء ~~والعميان، وقد قام الدليل العقلي على أن بعثه بعض الخلق PageV01P071 # إلى بعض غير ممتنعة ولا مستحيلة، فلم يبعد أن يقيم الله تعالى الأدلة على ~~صدق مخلوق أتى عنه بالشرع والملة. # ودلت الأدلة العقلية أيضا على أن المسيخ الدجال فيه التصوير والتغيير من ~~حال إلى حال، وثبت أن هذه الصفات لا تليق إلا بالمحدثات، تعالى رب البريات ~~عن أن يشبه شيئا أو يشبهه شئ ليس كمثله شئ وهو السميع البصير. # فصل - إذا ثبت هذا فاعلم أن المعجزات على ضربين: الأول - ما اشتهر نقله ~~وانقرض عصره بموت النبي صلى الله عليه وسلم. والثاني - ما تواترت الأخبار ~~بصحته وحصوله، واستفاضت بثبوته ووجوده، ووقع لسامعها العلم بذلك ضرورة، ومن ~~شروطه أن يكون الناقلون له: خلقا كثيرا وجما غفيرا، وأن يكونوا عالمين بما ~~نقلوه علما ضروريا، وأن يستوى في النقل أولهم وآخرهم ووسطهم في كثرة العدد، ~~حتى يستحيل عليهم التواطؤ على الكذب، وهذه صفة نقل القرآن، ونقل وجود النبي ~~عليه الصلاة والسلام، لأن الأمة رضي الله عنها لم تزل تنقل القرآن خلفا عن ~~سلف والسلف عن سلفه إلى أن يتصل ذلك بالنبي عليه السلام المعلوم وجوده ~~بالضرورة، وصدقه بالأدلة المعجزات، والرسول أخذه عن جبريل عليه السلام عن ~~ربه عز وجل، فنقل القرآن في ms0075 الأصل رسولان معصومان من الزيادة والنقصان، ~~ونقله إلينا بعدهم أهل التواتر الذين لا يجوز عليهم الكذب فيما ينقلونه ~~ويسمعونه، لكثرة العدد ولذلك وقع لنا العلم الضروري بصدقهم فيما نقلوه من ~~وجود محمد صلى الله عليه وسلم، ومن ظهور القرآن على يديه وتحديه به. ونظير ~~ذلك من علم الدنيا علم الإنسان بما نقل إليه من وجود البلدان، كالبصرة ~~والشام والعراق وخراسان والمدينة ومكة، وأشباه ذلك من الأخبار الكثيرة ~~الظاهرة المتواترة، فالقران معجزة نبينا صلى الله عليه وسلم الباقية بعده ~~إلى يوم القيامة، ومعجزة كل نبي انقرضت بانقراضه، أو دخلها التبديل ~~والتغير، كالتوراة والإنجيل. PageV01P072 # ووجوه إعجاز القرآن عشرة: منها النظم البديع المخالف لكل نظم معهود في ~~لسان العرب وفى غيرها، لأن نظمه ليس من نظم الشعر في شئ، وكذلك قال رب ~~العزة الذي تولى نظمه: " وما علمناه الشعر وما ينبغي له ". وفي صحيح مسلم ~~أن أنيسا أخا أبي ذر قال لأبي ذر: لقيت رجلا بمكة على دينك يزعم أن الله ~~أرسله، قلت: فما يقول الناس؟ قال يقولون: شاعر، كاهن، ساحر، وكان أنيس أحد ~~الشعراء، قال أنيس: لقد سمعت قول الكهنة، فما هو بقولهم، ولقد وضعت قوله ~~على أقراء (1) الشعر فلم يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر، والله إنه لصادق ~~وإنهم لكاذبون. # وكذلك أقر عتبة بن ربيعة أنه ليس بسحر ولا بشعر لما قرأ عليه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: " حم " فصلت، على ما يأتي بيانه هناك (2)، فإذا اعترف ~~عتبة على موضعه من اللسان وموضعه من الفصاحة والبلاغة، بأنه ما سمع مثل ~~القرآن قط كان في هذا القول مقرا باعجاز القرآن له ولضربائه من المتحققين ~~بالفصاحة والقدرة على التكلم بجميع أجناس القول وأنواعه. # ومنها: الأسلوب المخالف لجميع أساليب العرب. # ومنها: الجزالة التي لا تصح من مخلوق بحال، وتأمل ذلك في سورة " ق ~~والقرآن المجيد (3) " إلى آخرها، وقوله سبحانه: " والأرض جميعا قبضته يوم ~~القيامة (4) " إلى آخر السورة، وكذلك قوله سبحانه: " ولا تحسبن الله غافلا ~~عما يعمل الظالمون (5) " إلى آخر السورة. قال ابن ms0076 الحصار: # فمن علم أن الله سبحانه وتعالى هو الحق، علم أن مثل هذه الجزالة لا تصح ~~في خطاب غيره، . لا يصح من أعظم ملوك الدنيا أن يقول: " لمن الملك اليوم ~~(6) " ولا أن يقول: " ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء (7) ". # قال ابن الحصار: وهذه الثلاثة من النظم، والأسلوب، والجزالة، لازمة كل ~~سورة، بل هي لازمة كل آية، وبمجموع هذه الثلاثة يتميز مسموع كل آية وكل ~~سورة عن سائر كلام البشر، وبها وقع التحدي والتعجيز، ومع هذا فكل سورة ~~تنفرد بهذه الثلاثة، من غير أن # PageV01P073 # ينضاف إليها أمر آخر من الوجوه العشر: فهذه سورة " الكوثر " ثلاث آيات ~~قصار، وهي أقصر سورة في القرآن، وقد تضمنت الإخبار عن مغيبين: أحدهما - ~~الإخبار عن الكوثر وعظمه وسعته وكثرة أوانيه، وذلك يدل على أن المصدقين به ~~أكثر من أتباع سائر الرسل. والثاني - الإخبار عن الوليد بن المغيرة، وقد ~~كان عند نزول الآية ذا مال وولد، على ما يقتضيه قوله الحق: " ذرني ومن خلقت ~~وحيدا. وجعلت له مالا ممدودا. وبنين شهودا. ومهدت له تمهيدا (1) " ثم أهلك ~~الله - سبحان - ماله وولده، وانقطع نسله. # ومنها التصرف في لسان العرب على وجه لا يستقل به عربي، حتى يقع منهم ~~الاتفاق من جميعهم على إصابته في وضع كل كلمة وحرف موضعه. # ومنها: الإخبار عن الأمور التي تقدمت في أول الدنيا إلى وقت نزوله من أمي ~~ما كان يتلو من قبله من كتاب، ولا يخطه بيمينه، فأخبر بما كان من قصص ~~الأنبياء مع أممها، والقرون الخالية في دهرها، وذكر ما سأله أهل الكتاب ~~عنه، وتحدوه به من قصص أهل الكهف، وشأن موسى والخضر عليهما السلام، وحال ذي ~~القرنين، فجاءهم - وهو أمي من أمة أمية، ليس لها بذلك علم - بما عرفوا من ~~الكتب السالفة صحته، فتحققوا صدقه. # قال القاضي ابن الطيب: ونحن نعلم ضرورة - أن هذا مما لا سبيل إليه إلا عن ~~تعلم، وإذا كان معروفا أنه لم يكن ملابسا لأهل الآثار، وحملة، الأخبار، ~~والا مترددا إلى المتعلم منهم، ولا كان منن يقرأ ms0077 فيجوز أن يقع إليه كتاب ~~فيأخذ منه، علم أنه لا يصل إلى علم ذلك إلا بتأييد من جهة الوحي. # ومنها: الوفاء بالوعد، المدرك بالحسن في العيان، في كل ما وعد الله ~~سبحان، وينقسم: إلى أخباره المطلقة، كوعده بنصر رسوله عليه السلام، وإخراج ~~الذين أخرجوه من وطنه. وإلى وع مقيد بشرط، كقوله: " ومن يتوكل على الله فهم ~~حسبه (2) " " ومن يؤمن بالله يهد قلبه (3) " " ومن يتق الله يجعل له مخرجا ~~(4) " و " إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبون مائتين (5)، وشبه ذلك ومنها: ~~الإخبار عن المغيبات في المستقبل التي لا يطلع عليها إلا بالوحي، فمن ذلك: # PageV01P074 # ما وعد الله نبيه عليه السلام أنه سيظهر دينه على الأديان بقوله تعالى " ~~هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق (1) " الآية. ففعل ذلك. وكان أبو بكر ~~رضي الله عنه إذا أغزى جيوشه عرفهم ما وعدهم الله في إظهار دينه، ليثقوا ~~بالنصر، وليستيقنوا بالنجح، وكان عمر يفعل ذلك: فلم يزل الفتح يتوالى شرقا ~~وغربا، برا وبحرا، قال الله تعالى: " وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا ~~الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم (2) " وقال: # " لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله ~~آمنين ". وقال " وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم (4) " وقال: " ~~ألم. غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون (5) ". فهذه كلها ~~أخبار عن الغيوب التي لا يقف عليها إلا رب العالمين ، أو من أوقفه عليها رب ~~العالمين، فدل على أن الله تعالى قد أوقف عليها رسوله لتكون دلالة على ~~صدقه. # ومنها: ما تضمنه القرآن من العلم الذي هو قوام جميع الأنام، في الحلال ~~والحرام، وفي سائر الأحكام. # ومنها الحكم البالغة التي لم تجر العادة بأن تصدر في كثرتها وشرفها من ~~آدمي. # ومنها: التناسب في جميع ما تضمنه ظاهرا وباطنا من غير اختلاف: قال الله ~~تعالى: # " ولو كان من عند غير اله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا (6) ". # قلت: فهذه عشرة أوجه ذكرها علماؤنا رحمة الله عليهم، ووجه حادي عشر قاله ~~النظام وبعض ms0078 القدرية: أن وجه الإعجاز هو المنع من معارضته، والصرفة عند ~~التحدي بمثله. وأن المنع والصرفة هو المعجزة دون ذات القرآن، وذلك أن الله ~~تعال صرف هممهم عن معارضته مع تحديهم بأن يأتوا بسورة من مثله. وهذا فاسد، ~~لأن إجماع الأمة قبل حدوث المخالف أن القرآن هو المعجز، فلوا قلنا إن المنع ~~والصرفة هو المعجز لخرج القرآن عن أن كونه معجزا، وذلك خلاف الإجماع، وإذ ~~كان كذلك علم أن نفس القرآن هو المعجز، لأن فصاحته وبلاغته أمر خارق ~~للعادة، إذ لم يوجد قط كلام على هذا الوجه، فلما لم يكن ذلك الكلام مألوفا ~~معتادا منهم دل على أن المنع والصرفة لم يكن معجزا. واختلف من قال بهذا ~~الصرفة # PageV01P075 # على قولين: أحدهما: - أنهم صرفوا على القدرة عليه، ولو تعرضوا له لعجزوا ~~عنه. الثاني - أنهم صرفوا عن التعرض له مع كونه في مقدورهم، ولو تعرضوا له ~~لجاز أن يقدروا عليه. # قال ابن عطية: " وجه التحدي في القرآن إنما هو بنظمه وصحة معانيه، وتوالي ~~فصاحة ألفاظه. ووجه إعجازه: أن الله تعالى قد أحاط بكل شئ علما، وأحاط ~~بالكلام كله علما، فعلم بإحاطته أي لفظه تصلح أن تلي الأولى، وتبين المعنى ~~بعد المعنى، ثم كذلك من أول القرآن إلى آخره، والبشر معهم الجهل والنسيان ~~والذهول، ومعلوم ضرورة أن بشرا لم يكن محيطا قط، بهذا جاء نظم القرآن في ~~الغاية القصوى من الفصاحة. وبهذا النظر يبطل قوال من قال: إن العرب كان في ~~قدرتها إن تأتي بمثل القرآن في الغاية القصوى من الفصاحة، فلما جاء محمد ~~صلى الله عليه وسلم صرفوا عن ذلك، وعجزوا عنه. والصحيح أن الإتيان بمثل ~~القرآن لم يكن قط في قدرة أحد من المخلوقين، ويظهر لك قصور البشر في أن ~~الفصيح منهم يضع خطبة أو قصيدة يستفرغ فيها جهده، ثم لا يزال ينقحها حولا ~~كاملا، ثم تعطى لآخر بعده فيأخذها بقريحة جامة فيبدل فيها وينقح، ثم لا ~~تزال بعد ذلك فيها مواضيع للنظر والبدل، وكتاب الله تعالى لو نزعت منه ~~لفظه، ثم ms0079 أدير لسان العرب أن يوجد أحسن منها لم يوجد ". # ومن فصاحة القرآن أن اله تعالى جل ذكره، ذكر في آية واحدة أمرين، ونهيين، ~~وخبرين، وبشارتين وهو قوله تعالى: " وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه (1) ~~الآية. وكذلك فاتحة سورة المائدة: أمر بالوفاء ونهى عن النكث، وحلل تحليلا ~~عاما، ثم استثنى استثناء بعد استثناء، ثم أخبر عن حكمته وقدرته، وذلك مما ~~لا يقدر عليه إلا الله سبحانه، وأنبأ سبحانه عن الموت، وحسرة الفوت، والدار ~~الآخرة وثوابها وعقابها، وفوز الفائزين، وتردى المجرمين، والتحذير من ~~الاغترار بالدنيا، ووصفها بالقلة بالإضافة إلى دار البقاء بقوله تعالى: # " كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة (2) " الآية. وأنبأ ~~أيضا عن قصص الأولين والآخرين ومآل المترفين، وعواقب المهلكين، في شطر آية ~~وذلك في قوله تعالى: " فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ~~ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم # PageV01P076 # من أغرقنا (1) ". وأنبأ جل وعز عن أمر السفينة وإجرائها وإهلاك الكفرة، ~~واستقرار السفينة واستوائها، وتوجيه أوامر التسخير إلى الأرض والسماء بقوله ~~عز وجل " وقال اركبوا فيها بسم الله مجريها ومرساها " إلى قوله: " وقيل ~~بعدا للقوم الظالمين " إلى غير ذلك. # فلما عجزت قريش عن الإتيان بمثله وقالت: إن النبي صلى الله عليه وسلم ~~تقوله، أنزل الله تعالى: " أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون. فليأتوا بحديث ~~مثله إن كانوا صادقين (2) ". # ثم أنزل تعجيزا أبلغ من ذلك فقال: " أم يقولون افتراه قل فاتوا لعشر سور ~~مثله مفتريات (3) ". # فلما عجزوا حطهم عن هذا المقدار، إلى مثل سورة من السور القصار، فقال جل ~~ذكره: # " وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله (4) ". ~~فأفحموا عن الجواب، وتقطعت بهم الأسباب، وعدلوا إلى الحروب والعناد، وآثروا ~~سبي الحريم والأولاد، ولو قدروا على المعارضة لكان أهون كثيرا، وأبلغ في ~~الحجة وأشد تأثيرا. هذا مع كونهم أرباب البلاغة واللحن (5)، وعنهم تؤخذ ~~الفصاحة واللسن (6). # فبلاغة القرآن في أعلى طبقات الإحسان، وأرفع درجات الإيجاز والبيان، بل ~~تجاوزت حد الإحسان والإجادة إلى حيز الإرباء والزيادة. هذا ms0080 رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مع ما أوتي من جوامع الكلم، واختص به من غرائب الحكم، إذا ~~تأملت قوله صلى الله عليه وسلم في صفة الجنان، وإن كان في نهاية الإحسان، ~~وجدته منحطا عن رتبة القرآن، وذلك في قوله عليه السلام: " فيها مالا عين ~~رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فأين ذلك من قوله عز وجل " وفيها ما ~~تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ". وقوله " فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة ~~أعين ". هذا أعدل وزنا، وأحسن تركيبا، وأعذب لفظا، وأقل حروفا، على أنه لا ~~يعتبر إلا في مقدار سورة أو أطول آية، لأن الكلام كلما طال اتسع فيه مجال ~~المتصرف، وضاق المقال على القاصر المتكلف، وبهذا قامت الحجة على العرب، إذ ~~كانوا أرباب الفصاحة، ومظنة المعارضة، كما قامت الحجة في معجزة عيسى عليه ~~السلام على الأطباء، ومعجزة موسى # PageV01P077 # عليه السلام على السحرة، فإن الله سبحانه إنما جعل معجزات الأنبياء عليهم ~~السلام بالوجه الشهير أبرع ما يكون في زمان النبي الذي أراد إظهاره، فكان ~~السحرة في زمان موسى عليه السلام قد انتهى إلى غايته، وكذلك الطب في زمن ~~عيسى عليه السلام، والفصاحة في زمن محمد صلى الله عليه وسلم. # باب التنبيه على أحاديث وضعت في فضل سور القرآن وغيره لا التفات لما وضعه ~~الواضعون، وغير ذلك من فضائل الأعمال، قد ارتكبها جماعة كثيره اختلفت ~~أغراضهم ومقاصدهم في ارتكابها، فمن قوم من الزنادقة م ث ل: المغيرة بن سعيد ~~الكوفي، ومحمد بن سعيد الشامي المصلوب في الزندقة، وغيرهما، وضعوا أحاديث ~~وحدثوا بها ليوقعوا بذلك الشك في قلوب الناس، فمما رواه محمد بن سعيد عن ~~أنس بن مالك في قوله صلى الله عليه وسلم: " أنا خاتم الأنبياء لا نبي بعدي ~~إلا ما شاء الله " فزاد هذا الاستثناء لما كان يدعو إليه من الإلحاد ~~والزندقة. # قلت: وقد ذكر ابن عبد البر في كتاب (التمهيد) ولم يتكلم عليه، بل تأول ~~الاستثناء على الرؤيا، فالله أعلم. # ومنهم قوم وضعوا الحديث لهوى يدعون ms0081 الناس إليه، قال شيخ من شيوخ الخوارج ~~بعد أن تاب: إن هذه الأحاديث دين، فانظروا ممن تأخذون دينكم فإنا كنا إذا ~~هوينا أمرا صيرناه حديثا. # ومنهم جماعة وضعوا الحديث حسبة كما زعموا، يدعون الناس إلى فضائل ~~الأعمال، كما روى عن أبي عصمة نوح بن أبي مريم المروزي، ومحمد بن عكاشة ~~الكرماني، وأحمد بن عبد الله الجويباري، وغيرهم. قيل لأبي عصمة: من أين لك ~~عن عكرمة عن ابن عباس في فضل سور القرآن سورة سورة؟ فقال: إني رأيت الناس ~~قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي محمد بن إسحاق، فوضعت ~~هذا الحديث حسبة. قال أبو عمرو عثمان بن PageV01P078 # الصلاح في كتاب (علوم الحديث) له: وهكذا الحديث الطويل الذي يروى عن أبي ~~بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضل القرآن سورة سورة، وقد بحث باحث ~~عن مخرجه حتى انتهى إلى من اعترف بأنه وجماعة وضعوه، وإن أثر الوضع عليه ~~لبين. وقد أخطأ الواحدي المفسر ومن ذكره من المفسرين في إيداعه تفاسيرهم. # ومنهم قوم من السؤال والمكدين يقفون في الأسواق والمساجد، فيضعون على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث بأسانيد صحاح قد حفظوها، فيذكرون ~~الموضوعات بتلك الأسانيد، قال جعفر بن محمد الطيالسي: صلى أحمد بن حنبل ~~ويحيى بن معين، في مسجد الرصافة، فقام بين أيديهما قاص فقال: حدثنا أحمد بن ~~حنبل ويحيى بن معين قلا أنبأنا عبد الرزاق قال أنبأنا معمر عن قتادة عن أنس ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قال لا إله إلا الله يخلق من كل ~~كلمة منها طائر منقاره من ذهب وريشه مرجان. وأخذ في قصته نحو من عشرين ~~ورقة، فجعل أحمد ينظر إلى يحيى ويحيى ينظر إلى أحمد، فقال: أنت حدثته بهذا؟ ~~فقال: والله ما سمعت به إلا هذه الساعة، قال فسكتا جميعا حتى فرغ من قصصه، ~~فقال له يحيى من حدثك بهذا الحديث؟ فقال: أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، فقال ~~أنا ابن معين، وهذا أحمد بن حنبل، ms0082 ما سمعنا بهذا قط في حديث رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فإن كان ولابد من الكذب فعلى غيرنا، فقال له: أنت يحيى بن ~~معين؟ قال: نعم، قال: لم أزل أسمع أن يحيى بن معين أحمق، وما علمته إلا هذه ~~الساعة، فقال له يحيى: وكيف علمت أني أحمق؟ قال: كأنه ليس في الدنيا يحيى ~~بن معين وأحمد بن حنبل غيركما، كتبت عن سبعة عشر أحمد بن حنبل غير هذا. قال ~~فوضع أحمد كمه على وجهه وقال: دعه يقوم، فقام كالمستهزئ بهما. فهؤلاء ~~الطوائف كذبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن يجرى مجراهم. يذكر أن ~~الرشيد كان يعجبه الحمام واللهو به، فأهدى إليه حمام وعنده أبو البختري (1) # PageV01P079 # القاضي فقال: روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ~~لاسبق إلا في خف أو حافر أو جناح " فزاد: أو جناح، وهي لفظة وضعها للرشيد، ~~فأعطاه جائزة سنية، فلما خرج قال الرشيد: والله لقد علمت أنه كذاب، وأمر ~~بالحمام أن يذبح، فقيل له: وما ذنب الحمام؟ قال: من أجله كذب على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فترك العلماء حديثه لذلك، ولغيره من موضوعاته، فلا ~~يكتب العلماء حديثه بحال. قلت: فلو اقتصر الناس على ما ثبت في الصحاح ~~والمسانيد وغيرهما من المصنفات التي تداولها العلماء، ورواها الأئمة ~~الفقهاء، لكتن لهم في ذلك غنية، وخرجوا عن تحذيره صلى الله عليه وسلم حيث ~~قال: " اتقوا الحديث عني إلا ما علمتم فممن كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده ~~من النار " الحديث. فتخويفه صلى الله عليه وسلم أمته بالنار على الكذب، ~~دليل على أنه كان يعلم أنه سيكذب عليه. فحذار مما وضعه أعداء الدين، ~~وزنادقة المسلمين، في باب الترغيب والترهيب وغير ذلك، وأعظمهم ضررا أقوم من ~~المنسوبين إلى الزهد، وضعوا الحديث حسبة فيما زعموا، فتقبل الناس ~~موضوعاتهم، ثقة منهم بهم، وركونا إليهم فضلوا وأضلوا. # باب ما جاء من الحجة في الرد على من طعن في القرآن وخالف مصحف عثمان ~~بالزيادة والنقصان لا خلاف بين ms0083 الأمة ولابين الأئمة أهل السنة، أن القرآن ~~اسم لكلام الله تعالى الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم معجزة له - على ~~نحو ما تقدم - وأنه محفوظ في الصدور، مقروء بالألسنة، مكتوب في المصاحف، ~~معلومة على الاضطرار سوره وآياته، مبرأة من الزيادة عليه أو نقصانا منه، ~~فقد أبطل الإجماع، وبهت الناس، ورد ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من ~~القرآن المنزل عليه ورد قوله تعالى: " قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن ~~يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا (1) " ~~وأبطل آية رسوله # PageV01P080 # عليه السلام، لأنه إذ ذاك يصير مقدورا عليه 7 حين شيب الباطل، ولما قدر ~~عليه لم يكن حجة ولا آية، وخرج عن أن كون معجزا. # فالقائل: بأن القرآن فيه زيادة ونقصان راد لكتاب الله ولما جاء به ~~الرسول، وكان كمن قال: الصلوات المفروضات خمسون صلاة، وتزويج تسع من النساء ~~حلال، وفرض الله أياما مع ظهر رمضان، إلى غير ذلك مما لم يثبت في الدين، ~~فإذا رد هذا بالإجماع، كان الإجماع على القرآن أثبت وآكد وألزم وأوجب. # قال الإمام أبو بكر محمد بن القاسم بن بشار بن محمد الأنباري: ولم يزل ~~أهل الفضل والعقل يعرفون من شرف القرآن وعلو منزلته، ما يوجبه الحق ~~والإنصاف والديانة، وينفون عنه قول المبطلين، وتمويه الملحدين وتحريف ~~الزائغين، حتى نبع في زماننا هذا زائغ زاغ عن الملة وهجم على الأئمة بما ~~يحاول به إبطال الشريعة التي لا يزال الله يؤيدها، ويثبت أسها، وينمي ~~فروعها، ويحرسها من معايب أولى الجنف والجور، ومكايد أهل العداوة والكفر. # فزعم أن المصحف الذي جمعة عثمان رضى اله عنه - باتفاق أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على تصويبه فيما فعل - لا يشتمل على جمع القرآن، إذ كان ~~قد سقط منه خمسمائة حرف، قد قرأت ببعضها وسأقرأ ببقيتها، فمنها: " والعصر ~~ونوائب الدهر " فقد سقط من القرآن على جماعة المسلمين " ونوائب الدهر ". ~~ومنها: " حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها ms0084 ~~أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس وما كان الله ~~ليهلكها إلا بذنوب أهلها ". فادعى هذا الإنسان أنه سقط على أهل الإسلام من ~~القرآن: " وما كان الله ليهلكها إلا بذنوب أهلها "، وذكر مما يدعى حروفا ~~كثيرة. # وادعى أن عثمان والصحابة رضي الله عنهم زادوا في القرآن ما ليس فيه، فقرأ ~~في صلاة الفرض والناس يسمعون: " الله الواحد الصمد " فأسقط من القرآن " قل ~~هو " وغير لفظ PageV01P081 # " أحد " وادعى أن هذا هو الصواب عليه الناس هو الباطل والمحال، وقرأ في ~~صلاة الفرض " قل للذين كفروا لا أعبد ما تعبدون " وطعن في قراءة المسلمين. # وادعى أن المصحف الذي ف يأيدينا اشتمل على تصحيف حروف مفسدة مغيرة، منها: # " إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم (1) " ~~فادعى أن الحكمة والعزة لا يشاكلان المغفرة، وأن الصواب: " وإن تغفر لهم ~~فإنك أنت الغفور الرحيم ". وترامى به الغى في هذا وأشكاله حتى ادعى أن ~~المسلمين يصحفون: " وكان عند الله وجيها " والصواب الذي لم يغير عنده: " ~~وكان عبدا لله وجيها "، وحتى قرأ في صلاة مفترضة على ما أخبرنا جماعة سمعوه ~~وشهدوه: " لا تحرك به لسانك أن علينا جمعه وقراءته فإذا قرأناه فاتبع ~~قراءته ثم إن علينا نبأ به ". وحكى لنا آخرون عن آخرين أنهم سمعوه يقرأ: " ~~ولقد نصركم الله ببدر بسيف علي وأنتم أذلة ". وروى هؤلاء أيضا لنا عنه قال: ~~" هذا صراط على مستقيم ". وأخبرونا أنه أدخل في آية من القرآن مالا يضاهى ~~فصاحة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يدخل في لسان قومه الذين قال الله ~~عز وجل فيهم: " وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه " فقرأ: " أليس قلت ~~للناس " في موضع: " أأنت قلت للناس " وهذا لا يعرف في نحو المعربين، ولا ~~يحمل على مذاهب النحويين، لأن العرب لم تقل: ليس قمت، فأما: لست قمت، ~~بالتاء فشاذ قبيح خبيث ردئ، لأن ليس لا تجحد الفعل الماضي، ولم يوجد مثل ~~هذا إلا في قولهم: أليس قد خلق الله مثلهم، وهو ms0085 لغة شاذة لا يحمل كتاب الله ~~عليها. # وادعى أن عثمان رضى اله عنه لما أسند جمع القرآن إلى زيد بن ثابت لم يصب، ~~لأن عبد الله بن مسعود وأبى بن كعب كانا أولى بذلك من زيد لقول النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " أقرأ أمتي أبي بن كعب " ولقوله عليه السلام: " من سره أن يقرأ القرآن ~~غضا كما أنزل فليقرأه بقراءة ابن أم عبد ". وقال هذا القائل: لي أن أخالف ~~مصحف عثمان كما خالفه أبو عمرو بن العلاء، فقرأ: " إن هذين (2) "، " فأصدق ~~وأكون "، وبشر عبادي الذين " بفتح الياء، " فما أتاني الله " بفتح الياء. ~~والذي في المصحف: " إن هذان (2) " بالألف، # PageV01P082 # " فأصدق وأكن " بغير واو، " فبشر عباد "، " فما أتان الله " بغير ياءين ~~في الموضعين. # . كما خالف ابن كثير ونافع وحمزة والكسائي مصحف عثمان فقرأوا: " كذلك حقا ~~علينا ننج المؤمنين " بإثبات نونين، يفتح الثانية بعضهم ويسكنها بعضهم، وفي ~~المصحف نون واحدة (1)، وكما خالف حمزة المصحف فقرأ: " أتمدون بمال " بنون ~~واحدة ووقف على الياء، وفي المصحف نونان ولا ياء بعدهما، وكما خالف حمزة ~~أيضا المصحف فقرأ: " ألا إن ثمودا كفروا ربهم " بغير تنوين، وإثبات الألف ~~يوجب التنوين، وكل هذا الذي شنع به على القراء ما يلزمهم به خلاف للمصحف. # قلت: قد أشرنا إلى العد فيما تقدم مما اختلف فيه المصاحف، وسيأتي بيان ~~هذه المواضع في مواضعها من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى. # قال أبو بكر: وذكر هذا الإنسان أن أبي بن كعب هو الذي قرأ " كأن لم تغن ~~بالأمس وما كان الله ليهلكها إلا بذنوب أهلها " وذلك باطل، لأن عبد الله بن ~~كثير قرأ على مجاهد، ومجاهد قرأ على ابن عباس، وابن عباس قرأ القرآن على ~~أبي بن كعب " حصيدا كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات "، في رواية وقرأ ~~أبي القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الإسناد متصل بالرسول ~~عليه السلام نقله أهل العدالة والصيانة، وإذا صح عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أمر لم يؤخذ بحديث يخالفه. وقال ms0086 يحيى بن المبارك اليزيدي: قرأت ~~القرآن على أبي عمرو بن العلاء، وقرأ أبي عمرو على مجاهد، وقرأ مجاهد على ~~ابن عباس، وقرأ ابن عباس على أبي بن كعب، وقرأ أبي على النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وليس فيها " وما كان الله ليهلكها إلا بذنوب أهلها " فمن جحد أن هذه ~~الزيادة أنزلها الله تعالى على نبيه عليه السلام فليس بكافر ولا آثم. # حدثني أبي نبأنا نصر بن الصاغاني نبأنا أبو عبيد قال: ما يروى من الحروف ~~التي تخالف المصحف الذي عليه الإجماع من الحروف التي يعرف أسانيدها الخاصة ~~دون العامة فيما نقلوا عن أبي: " وما كان الله ليهلكها إلا بذنوب أهلها "، ~~وعن ابن عباس " ليس # PageV01P083 # عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم في مواسم الحج ". ومما يحكون عن عمر ~~بن الخطاب أنه قرأ: " غير المغضوب عليهم وغير الضالين " مع نظائر لهذه ~~الحروف كثيرة لم ينقلها أهل العلم على أن الصلاة بها تحل، ولا على أنها ~~معارض بها مصحف عثمان، لأنها حروف لو جحدها جاحد أنها من القرآن لم يكن ~~كافرا، والقرآن الذي جمعه عثمان بموافقة الصحابة له لو أنكر بعضه منكر كان ~~كافرا، حكمه حكم المرتد يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه. وقال أبو عبيد: # لم يزل صنيع عثمان رضي الله عنه في جمعه القرآن يعتد له بأنه من مناقبه ~~العظام، وقد طعن عليه فيه بعض أهل الزيغ فانكشف عواره، ووضحت فضائحه. قال ~~أبو عبيد: وقد حدثت عن يزيد بن زريع عن عمران بن جرير عن أبي مجلز قال: طعن ~~قوم على عثمان رحمه الله - بحمقهم - جمع القرآن، ثم قرأوا بما نسخ. قال أبو ~~عبيد: يذهب أبو مجلز إلى أن عثمان أسقط الذي أسقط بعلم كما أثبت الذي أثبت ~~بعلك. قال أبو بكر: وفي قوله تعالى " أنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ~~" دلالة على كفر هذا الإنسان، لأن الله عز وجل قد حفظ القرآن من التغيير ~~والتبديل، والزيادة والنقصان، فإذا قرأ قارئ: " تبت يدا أبي لهب وقد تب ما ~~أغنى ms0087 عنه ماله وما كسب سيصلى نارا ذات لهب ومريته حمالة الحطب في جيدها حبل ~~من ليف " فقد كذب على الله جل وعلا وقوله ما لم يقل، وبدل كتابه وحرفه، ~~وحاول ما قد حفظه منه ومنع من اختلاطه به، وفي هذا الذي أتاه توطئة الطريق ~~لأهل الإلحاد، ليدخلوا في القرآن ما يحلون به عرا الإسلام، وينسبونه إلى ~~قوم كهؤلاء القوم الذين أحالوا هذا بالأباطيل عليهم. وفيه إبطال الإجماع ~~الذي به يحرس الإسلام، وبثباته تقام الصلوات، وتؤدي الزكوات وتتحرى ~~المتعبدات. وفي قول الله تعالى: " الر كتاب أحكمت آياته " دلالة على بدعة ~~هذا الإنسان وخروجه إلى الكفر، لأن معنى " أحكمت آياته ": منع الخلق من ~~القدرة على أن يزيدوا فيها، أو ينقصوا منها أو يعارضوها بمثلها، وقد وجدنا ~~هذا الإنسان زاد فيها: # وكفى الله المؤمنين القتال بعلي وكان الله قويا عزيزا. فقال في القرآن ~~هجرا، وذكر عليا في مكان لو سمعه يذكره فيه لأمضى عليه الحد، وحكم عليه ~~بالقتل. وأسقط من كلام الله PageV01P084 # " قل هو " وغير " أحد " فقرأ: الله الواحد الصمد. وإسقاط ما أسقطه نفي له ~~وكفر، ومن كفر بحرف من القرآن فقد كفر به كله وأبطل معنى الآية، لأن أهل ~~التفسير قالوا: # نزلت الآية جوابا لأهل الشرك لما قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~صف لنا ربك، أمن ذهب أم من نحاس أم من صفر؟ فقال الله جل وعز ردا عليهم: " ~~قل هو الله أحد " ففي " هو " دلالة على موضع الرد ومكان الجواب، فإذا سقط ~~بطل معنى الآية، ووضح الافتراء على الله عز وجل، والتكذيب لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. ويقال لهذا الإنسان ومن ينتحل نصرته: أخبرونا عن القرآن ~~الذي نقرؤه ولا نعرف نحن ولا من كان قبلنا من أسلافنا سواه، هل هو مشتمل ~~على جميع القرآن من أوله إلى آخره، صحيح الألفاظ والمعاني عار عن الفساد ~~والخلل؟ أم هو واقع على بعض القرآن والبعض الآخر غائب عنا كما غاب عن ~~أسلافنا والمتقدمين من أهل ملتنا؟ فإن أجابوا بأن القرآن الذي ms0088 معنا مشتمل ~~على جميع القرآن لا يسقط منه شئ، صحيح اللفظ والمعاني، سليمها من كل زلل ~~وخلل، فقد قضوا على أنفسهم بالكفر حين زادوا فيه " فليس له اليوم هاهنا ~~حميم وليس له شراب إلا من غسلين من عين تجري من تحت الجحيم " فأي زيادة في ~~القرآن أوضح من هذه، وكيف تخلط بالقرآن وقد حرسه الله منها ومنع كل مفتر ~~ومبطل من أن يلحق به مثلها، وإذا تؤملت وبحث عن معناها وجدت فاسدة غير ~~صحيحة، لا تشاكل كلام الباري تعالى ولا تخلط به، ولا توافق معناه، وذلك أن ~~بعدها " لا يأكله إلا الخاطئون " فكيف يؤكل الشراب، والذي أتى به قبلها: ~~فليس له اليوم هاهنا حميم وليس له شراب إلا من غسلين من عين تجري من تحت ~~الجحيم لا يأكله إلا الخاطئون. # فهذا متناقض يفسد بعضه بعضا، لأن الشراب لا يؤكل، ولا تقول العرب: أكلت ~~الماء، لكنهم يقولون: شربته وذقته وطعمته، ومعناه فيما أنزل الله تبارك ~~وتعالى على الصحة في القرآن الذي من خالف حرفا منه كفر. " ولا طعام إلا من ~~غسلين " لا يأكل الغسلين إلا الخاطئون أو لا يأكل الطعام إلا الخاطئون. ~~والغسلين: ما يخرج من أجوافهم من شحم وما يتعلق به من الصديد وغيره، فهذا ~~طعام يؤكل عند البلية والنقمة، والشراب محال أن PageV01P085 # يؤكل. فإن ادعى هذا الإنسان أن الباطل الذي زاده من قوله " من عين تجري ~~من تحت الجحيم " ليس بعدها " لا يأكله إلا الخاطئون " ونفى هذه الآية من ~~القرآن لتصح له زيادته، فقد كفر لما جحد آية من القرآن. وحسبك بهذا لقوله ~~ردا لقوله، وخزيا لمقاله. وما يؤثر عن الصحابة والتابعين أنهم قرأوا بكذا ~~وكذا أنما ذلك على جهة البيان والتفسير، لا أن ذلك قرآن يتلى، وكذلك ما نسخ ~~لفظه وحكمه أو لفظه دون حكمه ليس بقرآن، على ما يأتي بيانه عند قوله تعالى: ~~" ما ننسخ من اية (1) إن شاء الله تعالى. # القول في الاستعاذة وفيها اثنتا عشرة مسألة: # الأولى - أمر الله تعالى بالاستعاذة عند أول كل قراءة ms0089 فقال تعالى: " فإذا ~~قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم " أي إذا أردت أن تقرأ، فأوقع ~~الماضي موقع المستقبل كما قال الشاعر: # وإني لآتيكم لذكرى الذي مضى * من الود واستئناف ما كان في غد أذاد ما ~~يكون في غد، وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، وأن كل فعلين تقاربا في المعنى ~~جاز تقديم أيهما شئت، كما قال تعالى: " ثم دنى فتدلى " المعنى فتدلى ثم ~~دنى، ومثله: " اقتربت الساعة وانشق القمر " وهو كثير. # الثانية - هذا الأمر على الندب في قول الجمهور في كل قراءة في غير ~~الصلاة. # واختلفوا فيه في الصلاة. حكى النقاش عن عطاء: أن الاستعاذة واجبة. وكان ~~ابن سيرين والنخعي وقوم يتعوذون في الصلاة كل ركعة، ويمتثلون أمر الله في ~~الاستعاذة على العموم، وأبو حنيفة والشافعي يتعوذان في الركعة الأولى من ~~الصلاة ويريان قراءة الصلاة كلها كقراءة واحدة، ومالك لا يرى التعوذ في ~~الصلاة المفروضة ويراه في قيام رمضان. # الثالثة - أجمع العلماء على أن التعوذ ليس من القرآن ولا آية منه، وهو ~~قول القارئ: # أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وهذا اللفظ هو الذي عليه الجمهور من ~~العلماء في التعوذ لأنه # PageV01P086 # لفظ كتاب الله تعالى. وروى عن ابن مسعود أنه قال: قلت أعوذ بالله السميع ~~العليم من الشيطان الرجيم، فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: " يا بن أم ~~عبد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم هكذا أقرأني جبريل عن اللوح المحفوظ عن ~~القلم ". # الرابعة - روى أبو داود وابن ماجة في سننهما عن جبير بن مطعم أنه رأى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة فقال عمرو (1): لا أدري أي صلاة ~~هي؟ فقال: " الله أكبر كبيرا الله أكبر كبيرا - ثلاثا - الحمد لله كثيرا ~~الحمد لله كثيرا - ثلاثا - وسبحان الله بكرة وأصيلا - ثلاثا - أعوذ بالله ~~من الشيطان من نفخه ونفثه وهمزه ". قال عمرو همزه المؤتة، ونفثه الشعر، ~~ونفخه الكبر. وقال ابن ماجة، المؤتة يعني الجنون. والنفث: نفخ الرجل من فيه ~~من غير أن يخرج ريقه. والكبر: التيه. وروى أبو داود عن أبي ms0090 سعيد الخدري ~~قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل كبر ثم يقول: " ~~سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك - ثم يقول: - لا ~~إله إلا الله - ثلاثا ثم يقول: - الله أكبر كبيرا - ثلاثا - أعوذ بالله ~~السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه "، ثم يقرأ. # وروى سليمان بن سالم عن ابن القاسم (2) رحمه الله أن الاستعاذة: أعوذ ~~بالله العظيم من الشيطان الرجيم إن الله هم السميع العليم بسم الله الرحمن ~~الرحيم، قال ابن عطية: " وأما المقرئون فأكثروا في هذا من تبديل الصفة في ~~اسم الله تعالى وفي الجهة الأخرى، كقول بعضهم: أعوذ بالله المجيد، من ~~الشيطان المريد، ونحو هذا مما لا أقول فيه: نعمت البدعة، ولا أقول: # إنه لا يجوز ". # الخامسة - قال المهدوي: أجمع القراء على إظهار الاستعاذة في أول قراءة ~~سورة " الحمد " إلا حمزة فإنه أسرها.. روى السدي (2) عن أهل المدينة أنهم ~~كانوا يفتحون القراءة بالبسملة. وذكر أبو الليث السمرقندي عن بعض المفسرين ~~أن التعوذ فرض، فإذا نسيه # PageV01P087 # القارئ وذكره في بعض الحزب قطع وتعوذ، ثم ابتدأ من أوله. وبعضهم يقول: ~~يستعيذ ثم يرجع إلى موضعه الذي وقف فيه، وبالأول قال أسانيد الحجاز ~~والعراق، وبالثاني قال أسانيد الشام ومصر. # السادسة - حكى الزهراوي قال: نزلت الآية في الصلاة وندبنا إلى الاستعاذة ~~في غير الصلاة وليس بفرض. قال غيره: كانت فرضا على النبي صلى الله عليه ~~وسلم وحده، ثم تأسينا به. # السابعة - روى عن أبي هريرة أن الاستعاذة بعد القراءة، وقاله داود. قال ~~أبو بكر بن العربي: " انتهى العي بقوم إلى أن قالوا: إذا فرغ القارئ من ~~قراءة القرآن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ". وقد روى أبو سعيد الخدري ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ في صلاته قبل القراءة، وهذا نص. فإن ~~قيل: فما الفائدة في الاستعاذة من الشيطان الرجيم وقت القراءة؟ قلنا: ~~فائدتها امتثال الأمر، ليس للشرعيات فائدة إلا القيام بحق الوفاء لها في ~~امتثالها أمرا أو اجتنابها نهيا، وقد ms0091 قيل: فائدتها امتثال الأمر بالاستعاذة ~~من وسوسة الشيطان عند القراءة، كما قال تعالى: " وما أرسلنا من قبلك من ~~رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته (1) ". قال ابن العربي: ~~" ومن أغرب ما وجدناه قول مالك في المجموعة في تفسير هذه الآية: " فإذا ~~قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم (2) " قال: ذلك بعد قراءة أم ~~القرآن لمن قرأ في الصلاة، وهذا قول لم يرد به أثر، ولا يعضده نظر، فإن كان ~~هذا كما قال بعض الناس: إن الاستعاذة بعد القراءة كان تخصيص ذلك بقراءة أم ~~القرآن في الصلاة دعوى عريضة، ولا تشبه أصل مالك ولا فهمه، فالله أعلم بسر ~~هذه الرواية ". # الثامنة - في فضل التعوذ. روى مسلم عن سليمان بن صرد قال: استب رجلان عند ~~النبي صلى الله عليه وسلم فجعل أحدهما يغضب ويحمر وجهه وتنتفخ أوداجه، فنظر ~~إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب ذا ~~عنه أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ". فقام إلى الرجل ممن سمع النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال: هل تدري ما قال # PageV01P088 # رسول الله صلى الله عليه وسلم آنفا؟ قال: " إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب ~~ذا عنه أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ". فقال له الرجل: أمجنونا تراني! ~~أخرجه البخاري أيضا. وروى مسلم أيضا عن عثمان بن أبي العاص الثقفي أنه أتى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن الشيطان قد حلا بيني وبين ~~صلاتي وقراءتي يلبسها علي، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ذاك ~~شيطان يقال له خنزب (1) فإذا أحسسته فتعوذ منه واتفل عن يسارك ثلاثا " قال: ~~ففعلت فأذهبه الله عني. وروى أبو داود عن ابن عمر قال: كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إذا سافر فأقبل عليه الليل قال: " يا أرض ربي وربك الله ~~أعوذ بالله من شرك ومن شر ما خلق فيك ومن شر ما يدب عليك ومن أسد وأسود ومن ~~الحية والعقرب ومن ساكني البلد ووالد وما ولد. ms0092 وروت خولة بنت حكيم قالت: ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من نزل منزلا ثم قال أعوذ ~~بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شئ حتى يرتحل ". وأخرجه الموطأ ~~ومسلم والترمذي وقال: حديث حسن غريب صحيح. وما يتعوذ منه كثيرا ثابت في ~~الأخبار، والله المستعان. # التاسعة - معنى الاستعاذة في كلام العرب، الاستجارة والتحيز إلى الشئ ~~على، معنى الامتناع به من المكروه، يقال: عذت بفلان واستعذت به، أي لجأت ~~إليه. وهو عياذي، أي ملجئ. وأعذت غيري به وعوذته بمعنى. ويقال: عوذ بالله ~~منك، أي أعوذ بالله منك، قال الراجز: # قالت وفيها حيدة وذعر * عوذ بربي منكم وحجر والعرب تقول عند الأمر [تنكره ~~(2)]: حجرا له (بالضم) أي دفعا، وهو استعاذة من الأمر. # والعوذة والمعاذة والتعويذ كله بمعنى. وأصل أعوذ نقلت الضمة إلى العين ~~لاستثقالها على الواو فسكنت. # PageV01P089 # العاشرة - الشيطان واتحد الشياطين، على التكسير والنون أصلية، لأنه من ~~شطن إذا بعد عن الخير. وشطنت داره أي بعدت، قال الشاعر (1): # نأت بسعاد عنك نوى شطون * فبانت والفؤاد بها رهين وبئر شطون أي بعيدة ~~القعر. والشطن: الحبل، سمى به لبعد طرفيه وامتداده. ووصف أعرابي فرسا [لا ~~يحفى (2)] فقال: كأنه شيطان في أشطان. وسمى الشيطان شيطانا لبعده عن الحق ~~وتمرده، وذلك أن كل عات متمرد من الجن والإنس والدواب شيطان، قال جرير: # أيام يدعونني الشيطان من غزل * وهن يهوينني إذ كنت شيطانا وقيل: إن ~~شيطانا مأخوذ من شاط يشيط إذا هلك (3)، فالنون زائدة. وشاط إذا احترق. # وشيطت اللحم إذا دخنته ولم تنصحه. واشتاط الرجل إذا احتد غضبا. وناقة ~~مشياط التي يطير فيها السمن. واشتاط إذا هلك، قال الأعشى: # قد نضخب العير من مكنون فائله (4) * وقد يشيط على أرماحنا البطل أي يهلك. ~~ويرد على هذه الفرقة أن سيبويه حكى أن العرب تقول: تشيطن فلان إذا فعل ~~أفعال الشياطين، فهذا بين إنه تفعيل من شطن، ولو كان من شاط لقالوا: تشيط، ~~ويرد عليهم أيضا بيت أمية بن أبي الصلت: # أيما شاطن عصاه عكاه (5) * ورماه ms0093 في السجن والأغلال فهذا شاطن من شطن ~~لاشك فيه. # الحادية عشر - الرجيم أي المبعد من الخير المهان. وأصل الرجم الرمي ~~بالحجارة، وقد رجمته أرجمه، فهو رجيم ومرجوم. والرجم: القتل واللعن والطرد ~~والشتم، وقد قيل هذا كله ف يقوله تعالى: " لئن تنته يا نوح لتكونن من ~~المرجومين ". وقول أبي إبراهيم: # " لئن لم تنته لأرجمنك ". وسيأتي (6) إن شاء اله تعالى. # PageV01P090 # الثانية عشر - روى الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله قال قال علي بن أبي ~~طالب عليه السلام: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم عند الصفا وهو مقبل على ~~شخص في صورة الفيل وهو يلعنه، قلت: ومن هذا الذي تلعنه يا رسول الله؟ قال: ~~" هذا الشيطان الرجيم " فقلت: # يا عدو الله: والله لأقتلنك ولأريحن الأمة منك، قال: ما هذا جزائي منك، ~~قلت: وما جزاؤك مني يا عدو الله؟ قال: والله ما أبغضك أحد قط إلا شركت أباه ~~في رحم أمه. # البسملة وفيها سبع وعشرون مسألة: # الأولى - قال العلماء: " بسم الله الرحمن الرحيم " قسم من ربنا أنزله عند ~~رأس كل سورة، يقسم لعباده إن هذا الذي وضعت لكم يا عبادي في هذه السورة حق، ~~وإني أوفي لكم بجميع ما ضمنت في هذه السورة من وعدي ولطفي وبري. و " بسم ~~الله الرحمن الرحيم " مما أنزله الله تعالى في كتابنا وعلى هذه الأمة خصوصا ~~بعد سليمان عليه السلام. وقال بعض العلماء: # إن " بسم الله الرحمن الرحيم " تضمنت جميع الشرع، لأنها تدل على الذات ~~وعلى الصفات، وهذا صحيح. # الثانية - قال سعيد بن أبي سكينة: بلغني أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ~~نظر إلى رجل يكتب " بسم الله الرحمن الرحيم " فقال له: جودها فإن رجلا ~~جودها فغفر له. # قال سيعد: وبلغني أن رجلا نظر إلى قرطاس فيه " بسم الله الرحمن الرحيم " ~~فقبله ووضعه على عينيه فغفر له. ومن هذا المعنى قصة بشر الحافي، فإنه لما ~~رفع الرقعة التي فيها بسم الله وطيبها طيب اسمه (1)، ذكره القشيري. وروى ~~النسائي عن أبي المليح عن ردف رسول الله ms0094 # PageV01P091 # صلى الله عليه وسلم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا ~~عثرت بك الدابة فلا تقل تعس الشيطان فإنه يتعاظم حتى يصير مثل البيت ويقول ~~بقوته صنعته ولكن قل بسم الله الرحمن الرحيم فإنه يتصاغر حتى مثل الذباب ". ~~وقال على بن الحسين في تفسير قوله تعالى " بسم الله الرحمن الرحيم ". وروى ~~وكيع عن الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله ابن مسعود قل: من أراد أن ينجيه ~~الله من الزبانية التسعة عشر فليقرأ " بسم الله الرحمن الرحيم " ليجعل الله ~~تعالى له بكل حرف منها جنة من كل واحد. فالبسملة تسعة عشر حرفا على عدد ~~ملائكة أهل النار الذين قال الله فيهم: " عليها تسعة عشر " وهم يقولون في ~~كل أفعالهم: # " بسم الله الرحمن الرحيم " فمن هناك هي قوتهم، وببسم الله استضلعوا. قال ~~ابن عطية: # ونظير هذا قولهم في ليلة القدر: إنها ليلة سبع وعشرين، مراعاة للفظة " هي ~~" من كلمات سورة " إنا أنزلناه " ونظيره أيضا قولهم في عدد الملائكة الذين ~~ابتدروا قول القائل: ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، فإنها ~~بضعة وثلاثون حرفا، فلذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " لقد رأيت بضعا وثلاثين ملكا يبتدرونها أيهم يكتبها أول ". قال ابن ~~عطية: وهذا من ملح التفسير وليس من متين العلم. # الثالثة - روى الشعبي والأعمش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكتب ~~" باسمك اللهم " حتى أمر أن يكتب " بسم الله " فكتبها، فلما نزلت: " قل ~~ادعوا الله أو ادعوا الرحمن " كتب " بسم الله الرحمن " فلما نزلت: " إنه من ~~سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم " كتبها. وفي مصنف أبي داود قال الشعبي ~~وأبو مالك وقتادة وثابت بن عمارة: # إن النبي صلى اله عليه وسلم لم يكتب بسم الله الرحمن الرحيم حتى نزلت ~~سورة " النمل ". # الرابعة - روى عن جعفر الصادق رضي الله عنه أنه قال: البسملة تيجان ~~السور. # قلت: وهذا يدل على أنها ليست بآية من الفاتحة ولاغيرها. وقد اختلف ~~العلماء في هذا # PageV01P092 # (الأول) ليست بآية من الفاتحة ولاغيرها، ms0095 وهو قول مالك. # (الثاني) أنها آية من كل سورة، وهو قول عبد الله بن المبارك. # (الثالث) قال الشافعي: هي آية في الفاتحة، وتردد قوله في سائر السور، ~~فمرة قال: # هي آية من كل سورة، ومرة قال: ليست بآية إلا في الفاتحة وحدها. ولا خلاف ~~بينهم في أنها آية من القرآن في سورة النمل. # واحتج الشافعي بما رواه الدارقطني من حديث أبي بكر الحنفي عن عبد الحميد ~~(1) بن جعفر عن نوح بن أبي بلال عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا قرأتم الحمد لله رب العالمين ~~فاقرءوا بسم الله الرحمن الرحيم إنها أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني ~~وبسم الله الرحمن الرحيم أحد آياتها ". رفع هذا الحديث عبد الحميد ابن ~~جعفر، وعبد الحميد هذا وثقه أحمد بن حنبل ويحيى بن سعيد ويحيى بن معين، ~~وأبو حاتم يقول فيه: محله الصدق، وكان سفيان الثوري يضعه ويحمل عليه. ونوح ~~بن أبي بلال ثقة مشهور. # وحجة ابن المبارك وأحد ق. لي الشافعي ما رواه مسلم عن أنس قال: بينا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه ~~متبسما، فقلنا: # ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: " نزلت على آنفا سورة فقرأ " بسم الله ~~الرحمن الرحيم: # إنا أعطيناك الكوثر. فصل لربك وانحر. إن شانئك هو الأبتر ". وذكر الحديث، ~~وسيأتي بكماله في سورة الكوثر إن شاء الله تعالى (2). # الخامسة - الصحيح من هذه الأقوال قول مالك، لأن القرآن لا يثبت بأخبار ~~لآحاد وإنما طريقة التواتر القطعي الذي لا يختلف فيه. قال ابن العربي: " ~~ويكفيك أنها # PageV01P093 # ليست من القرآن اختلاف الناس فيها، والقرآن لا يختلف فيه ". والأخبار ~~الصحاح التي لا مطعن فيها دالة على أن البسملة ليست بآية من الفاتحة ~~ولاغيرها إلا في النمل وحدها. # روى مسلم عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى اله عليه وسلم يقول: " ~~قال الله عز وجل قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما ms0096 سأل فإذا قال ~~" الحمد لله رب العالمين " قال الله تعالى حمدني عبدي وإذا قال العبد " ~~الرحمن الرحيم " قال الله تعالى أثنى علي عبدي وإذا قال العبد " مالك يوم ~~الدين " قال مجدني عبدي - وقال مرة ف. ض إلى عبدي - فإذا قال " إياك نعبد ~~وإياك نستعين " قال هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل فإذا قال " اهدنا ~~الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين " ~~قال هذا لعبدي ولعبدي ما سأل ". فقوله سبحانه: " قسمت الصلاة " يريد ~~الفاتحة، وسماها صلاة لأن الصلاة لا تصح إلا بها، فجعل الثلاث الآيات الأول ~~لنفسه، واختص بها تبارك اسمه، ولم يختلف المسلمون فيها ثم الآية الرابعة ~~جعلها بينه وبين عبده، لأنها تضمنت تذلل العبد وطلب الاستعانة منه، وذلك ~~يتضمن تعظيم الله تعالى، ثم ثلاث آيات تتمة سبع آيات. # ومما يدل على أنها ثلاث قوله: " هؤلاء لعبدي " أخرجه مالك، ولم يقل: ~~هاتان، فهذا يدل على أن " أنعمت عليهم " آية. قال ابن بكير قال مالك: " ~~أنعمت عليهم " آية، ثم الآية السابعة إلى آخرها. فثبت بهذه القسمة التي ~~قسمها الله تعالى وبقوله عليه السلام لأبي: # " كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة " قال: فقرأت " الحمد لله رب العالمين " ~~حتى أتيت على آخرها - أن البسملة ليست بآية منها، وكذا عد أهل المدينة وأهل ~~الشام وأهل البصرة، وأكثر القراء عدوا " أنعمت عليهم " اية، وكذا روى قتادة ~~عن أبي نضرة عن أبي هريرة قال: # الآية السادسة " أنعمت عليهم ". وأما أهل الكوفة من القراء والفقهاء ~~فإنهم عدوا فيها " بسم الله الرحمن الرحيم " ولم يعدوا " أنعمت عليهم ". # فإن قيل: فإنها ثبتت في المصحف وهي مكتوبة بخطه ونقلت، كما نقلت في ~~النمل، وذلك متواتر عنهم وقلنا: ما ذكرتموه صحيح، ولكن لكونها قرآنا، أو ~~لكونها فاصلة بين السور PageV01P094 # كما روى عن الصحابة: كنا لا نعرف انقضاء السورة حتى تنزل " بسم الله ~~الرحمن الرحيم " أخرجه أبو داود - أو تبركا بها، كما قد اتفقت الأمة على ~~كتابتها في أوائل الكتب والرسائل؟ # كل ذلك محتمل. وقد قال الجريري (1): سئل ms0097 الحسن عن " بسم الله الرحمن ~~الرحيم " قال: # في صدور الرسائل. وقال الحسن أيضا: لم تنزل " بسم الله الرحمن الرحيم " ~~في شئ من القرآن إلا في " طس " " إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن ~~الرحيم ". والفيصل أن القرآن لا يثبت بالنظر والاستدلال، وإنما يثبت بالنقل ~~المتواتر القطعي الاضطراري. ثم قد اضطرب قول الشافعي فيها في أول كل سورة ~~فدل على أنها ليست بآية من كل سورة، والحمد لله. # فإن قبل: فقد روى جماعة قرآنيتها، وقد تولى الدارقطني جمع ذلك في جزء ~~صححه. # قلنا: لسنا ننكر الرواية بذلك وقد أشرنا إليها، ولنا أخبار ثابتة في ~~مقابلتها، رواها الأئمة الثقات والفقهاء الأثبات. روت عائشة في صحيح مسلم ~~قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة ~~بالحمد لله رب العالمين، الحديث. وسيأتي بكماله. # وروى مسلم أيضا عن أنس بن مالك قال: صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأبي بكر وعمر، فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين، لا يذكرون " بسم ~~الله الرحمن الرحيم " لا في أول قراءة ولا في آخرها. # ثم إن مذهبنا يترجح في ذلك بوجه عظيم، وهو المعقول، وذلك أن مسجد النبي ~~صلى الله عليه وسلم بالمدينة انقضت عليه العصور، ومرت عليه الأزمنة ~~والدهور، من لدن رسول الله صلى اله عليه وسلم إلى زمان مالك، ولم يقرأ أحد ~~فيه قط " بسم الله الرحمن الرحيم " اتباعا للسنة، وهذا يرد أحاديثكم. # بيد أن أصحابنا استحبوا قراءتها في النفل، وعليه تحمل الآثار الواردة في ~~قراءتها أول على السعة في ذلك. قال مالك: ولا بأس أن يقرأ بها في النافلة ~~ومن يعرض القرآن عرضا. # PageV01P095 # وجملة مذهب مالك وأصحابه: أنها ليست عندهم آية من فاتحة الكتاب ولاغيرها، ~~ولا يقرأ بها المصلي في المكتوبة ولا في غيرها سرا ولا جهرا، ويجوز أن ~~يقرأها في النوافل. # هذا هو المشهور من مذهبه عند أصحابه. وعنه رواية أخرى أنها تقرأ أول ~~السور في النوافل، ولا تقرأ أول أم القرآن. وروى عنه ابن نافع ابتداء ~~القراءة بها في ms0098 الصلاة الفرض والنفل ولا تترك بحال. ومن أهل المدينة من ~~يقول: إنه لابد فيها من " بسم الله الرحمن الرحيم " منهم ابن عمر، وابن ~~شهاب، وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد. وهذا يدل على أن ~~المسألة مسألة اجتهادية لا قطعية، كما ظنه بعض الجهال من المتفقهة الذي ~~يلزم على قوله تكفير المسلمين، وليس كما ظن لوجود الاختلاف المذكور، والحمد ~~لله. # وقد ذهب جمع من العلماء إلى الإسرار بها مع الفاتحة، منهم أبو حنيفة ~~والثوري، وروى ذلك عن عمر وعلي وابن مسعود وعمار وابن الزبير، وهو قول ~~الحكم وحماد، وبه قال أحمد ابن حنبل وأبو عبيد، وروى عن الأوزاعي مثل ذلك، ~~حكاه أبو عمر بن عبد البر في (الاستذكار). واحتجوا من الأثر في ذلك بما ~~رواه منصور بن زاذان عن أنس بن مالك قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فلم يسمعنا قراءة " بسم الله الرحمن الرحيم ". # وما رواه عمار بن رزيق (1) عن الأعمش عن شعبة عن ثابت عن أنس قال: صليت ~~خلف النبي صلى الله عليه وسلم وخلف أبي بكر وعمر، فلم أسمع أحد منهم يجهر ~~ببسم الله الرحمن الرحيم. # قلت: هذا قول حسن، وعليه تتفق الآثار عن أنس ولا تتضاد ويخرج به من ~~الخلاف في قراءة البسملة. وقد روى عن سعيد بن جبير قال: كان المشركون ~~يحضرون بالمسجد، فإذا قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بسم الله الرحمن ~~الرحيم " قالوا: هذا محمد يذكر رحمان اليمامة - يعنون مسيلمة - فأمر أن ~~يخافت ببسم الله الرحمن الرحيم، ونزل: " ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت به ". ~~قال الترمذي الحكيم أبو عبد الله: فبقى ذلك إلى يومنا هذا على # PageV01P096 # ذلك الرسم وإن زالت العلة، كما بقى الرمل في الطواف وإن زالت العلة، ~~وبقيت المخافتة في صلاة النهار وإن زالت العلة. # السادسة - اتفقت الأمة على جواز كتبها في أول كتاب من كتب العلم ~~والرسائل، فإن كان الكتاب ديوان شعر فر. ى مجالد عن الشعبي قال: أجمعوا ألا ~~يكتبوا أمام الشعر " بسم ms0099 الله الرحمن الرحيم ". وقال الزهري: مضت السنة ألا ~~يكتبوا في الشعر " بسم الله الرحمن الرحيم ". وذهب إلى رسم التسمية في أول ~~كتب الشعر سعيد بن جبير، وتابعه على ذلك أكثر المتأخرين. قال أبو بكر ~~الخطيب: هو الذي نختاره ونستحبه. # السابعة - قال الماوردي ويقال لمن قال بسم الله: مبسمل، وهي لغة مولدة، ~~وقد جاءت في الشعر، قال عمر بن أبي ربيعة: # لقد بسملت ليلى غذاة لقيتها * فيا حبذا ذلك الحبيب المبسمل قلت: المشهور ~~عن أهل اللغة بسمل. قال يعقوب بن السكيت والمطرز والثعالبي وغيرهم من أهل ~~اللغة: بسمل الرجل، إذا قال: بسم الله. يقال: قد أكثرت من البسملة، أي من ~~قول بسم الله. ومثله حوقل الرجل، إذا قال: لا حول ولا قوة إلا بالله. وهلل، ~~إذا قال: لا إله إلا الله. وسبحل، إذا قال: سبحان الله. وحمدل، إذا قال: ~~الحمد لله. # وحيصل، إذا قال: حي على الصلاة. وجعفل إذا قال: جعلت فداك. وطبقل، إذا ~~قال: # أطال الله بقاءك. ودمعز، إذا قال: أدام الله عزك. وحيفل، إذا قال: حي على ~~الفلاح. # ولم يذكر المطرز: الحيصلة، إذا قال: حي على الصلاة. وجعفل، إذا قال: جعلت ~~فداك. # وطبقل، إذا قال: أطال الله بقاءك. ودمعز، إذا قال أدام الله عزك. # الثامنة - ندب الشرع إلى ذكر البسملة في أول كل فعل، كالأكل والشرب ~~والنحر، والجماع والطهارة وركوب البحر، وإلى غير ذلك من الأفعال، قال الله ~~تعالى: " فكلوا مما ذكر اسم الله عليه ". " وقال اركبوا فيها بسم الله ~~مجريها ومرساها ". وقال رسول الله صلى الله PageV01P097 # عليه وسلم: " أغلق بابك واذكر اسم الله وأطفئ مصباحك واذكر اسم الله وخمر ~~(1) إناءك واذكر اسم الله وأوك سقاءك واذكر اسم الله ". وقال: " لو أن ~~أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب ~~الشيطان ما رزقتنا فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره شيطان أبدا ". ~~وقال لعمر بن أبي سلمة: " يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك " وقال ~~" إن الشيطان ليستحل الطعام ألا ms0100 يذكر اسم الله عليه " وقال: " من لم يذبح ~~فليذبح باسم الله ". وشكا إليه عثمان بن أبي العاص وجعا يجده في جسده منذ ~~أسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ضع يدك على الذي تألم من ~~جسدك وقل بسم الله ثلاثا وقل سبع مرات أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد ~~وأحاذر ". هذا كله ثابت في الصحيح. وروى ابن ماجة والترمذي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: " ستر ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخل الكنيف أن ~~يقول بسم الله ". وروى الدارقطني عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إذا مس طهوره سمى الله تعالى، ثم يفرغ الماء على يديه. # التاسعة - قال علماؤنا: وفيها رد على القدرية وغيرهم ممن يقول: إن ~~أفعالهم مقدورة لهم. وموضع لاحتجاج عليهم من ذلك أن الله سبحانه أمرنا عند ~~الابتداء بكل فعل أن نفتتح بذلك، كما ذكرنا. # فمعنى " بسم الله "، أي بالله. ومعنى " بالله " أي بخلقه وتقديره يوصل ~~إلى ما يوصل إليه. وسيأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله تعالى. وقال بعضهم: ~~معنى قوله " بسم الله " يعني بدأت بعون الله وتوفيقه وبركته، وهذا تعليم من ~~الله تعالى عباده، ليذكروا اسمه عند افتتاح القراءة وغيرها، حتى يكون ~~الافتتاح ببركة الله جل وعز. # العاشرة - ذهب أبو عبيد معمر بن المثني إلى أن " اسم " صلة زائدة واستشهد ~~بقول لبيد: # إلى الحول ثم اسم السلام عليكما * ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر # PageV01P098 # فذكر " اسم " زيادة، وإنما أراد: ثم السلام عليكما. # وقد استدل علماؤنا بقول لبيد هذا على أن الاسم هو المسمى. وسيأتي الكلام ~~فيه في هذا الباب وغيره، إ ن شاء الله تعالى. # الحادية عشر - اختلف في معنى زيادة " اسم " فقال قطرب: زيدت لإجلال ذكره ~~تعالى وتعظيمه. وقال الأخفش: زيدت ليخرج بذكرها من حكم القسم إلى قصد ~~التبرك، لإن أصل الكلام: بالله. # الثانية عشر - اختلفوا أيضا في معنى دخول الباء عليه، هل دخلت على معنى ~~الأمر؟ # والتقدير: ابدا بسم الله. أو على ms0101 معنى الخبر؟ والتقدير: ابتدأت بسم الله، ~~قولان: الأول للقراء، والثاني للزجاج. ف‍ " بسم الله " في موضع نصب على ~~التأويلين. وقيل: المعنى ابتدائي بسم الله، ف‍ " بسم الله " في موضع رفع ~~خبر الابتداء. وقيل: الخبر محذوف، أي ابتدائي مستقر أو ثابت بسم الله، فإذا ~~أظهرته كان " بسم الله " في موضع نصب بثابت أو مستقر، وكان بمنزلة قولك: ~~زيد في الدار. وفي التنزيل " فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي " ف‍ ~~" عنده " في موضع نصب، روى هذا عن نحاة أهل البصرة. وقيل التقدير ابتدائي ~~ببسم الله موجود أو ثابت، ف‍ " باسم " في موضع نصب بالمصدر الذي هو ~~ابتدائي. # الثالثة عشر - " بسم الله "، تكتب بغير ألف استغناء عنها بباء الإلصاق في ~~اللفظ والخط لكثرة الاستعمال، بخلاف قوله: " اقرأ باسم ربك " فإنها تحذف ~~لقلة الاستعمال. # . اختلفوا في حذفها مع الرحمن والقاهر، فقال الكسائي وسعيد الأخفش: تحذف ~~الألف. # وقال يحيى بن وثاب: لا تحذف إلا مع " بسم الله " فقط، لأن الاستعمال إنما ~~كثر فيه. # الرابعة عشر - واختلف في تخصيص باء الجر بالكسر على ثلاثة معان، فقيل: # ليناسب لفظها عملها. وقيل لما كانت الباء لا تدخل إلا على الأسماء خصت ~~بالخفض PageV01P099 # الذي لا يكون إلا في الأسماء. الثالث: ليفرق بينها وبين ما قد يكون من ~~الحروف اسما، نحو الكاف في قول الشاعر (1): # * ورحنا بكابن الماء يجنب وسطنا * أي بمثل ابن الماء أو ما كان مثله. # الخامسة عشر - أيم، وزنه افع، والذاهب منه الواو لأنه من سموت، وجمعه ~~أسماء، وتصغيره سمى. واختلف في تقدير أصله، فقيل: فعل، وقيل: فعل. قال ~~الجوهري: # وأسماء يكون جمعا لهذا الوزن، وهو مثل جذع وأجذاع، وقفل وأقفال، وهذا لا ~~تدرك صيغته إلا بالسماع. وفيه أربع لغات: اسم بالكسر، واسم بالضم. قال أحمد ~~بن يحيى: # من ضم الألف أخذه من سموت أسمو، ومن كسر أخذ من سمت أسمى. ويقال: سم وسم، ~~وينشد: والله أسماك سما مباركا * اثرك الله به إيثاركا وقال آخر: # وعامنا أعجبنا مقدمه * يدعي أبا السمح وقرضاب سمه - مبتركا ms0102 (2) لكل عظم ~~يلحمه قرصب الرجل: إذا أكل شيئا يابسا، فهو قرضاب. " سمه " بالضم والكسر ~~جميعا. # ومنه قول الآخر: # * باسم الذي في كل سورة سمه * وسكنت السين من " باسم " اعتلالا (3) على ~~غير قياس، وألفه ألف وصل، وربما جعلها الشاعر ألف قطع للضرورة، كقول ~~الأحوص: # وما أنا بالمخسوس في جذم مالك * ولا من تسمى ثم يلتزم الإسما (4) # PageV01P100 # السادسة عشر - تقول العرب في النسب إلى الاسم: سموى، وإن شئت اسمى، تركته ~~على حاله، وجمعه أسماء وجمع الأسماء أسام. وحكى الفراء: أعيذك بأسماوات ~~الله. # السابعة عشر - اختلفوا في اشتقاق الاسم على وجهين، فقال البصريون: هو ~~مشتق من السمو وهو العلو والرفعة، فقيل: اسم لأن صاحبه بمنزلة المرتفع به. ~~وقيل لأن الاسم يسمو بالمسمى فيرفعه عن غيره. وقيل إنما سمى الاسم اسما ~~لأنه علا بقوته على قسمي الكلام: الحرف والفعل، والاسم أقوى منهما بالإجماع ~~لأنه الأصل، فلعلوه عليهما سمى اسما فهذه ثلاثة أقوال. # وقال الكوفيون: إنه مشتق من السمة وهي العلامة، لأن الاسم علامة لمن وضع ~~له، فأصل اسم على هذا " وسم ". والأول أصح، لأنه يقال في التصغير سمى وفي ~~الجمع أسماء، والجمع والتصغير يردان الأشياء إلى أصولها، فلا يقال: وسيم ~~ولا أوسام. ويدل على صحته أيضا فائدة الخلاف وهي: # الثامنة عشر - فإن من قال الاسم مشتق من العلو يقول: لم يزل الله سبحانه ~~موصوفا قبل وجود الخلق وبعد وجودهم وعند فنائهم، ولا تأثير لهم في أسمائه ~~ولا صفاته، وهذا قول أهل السنة. ومن قال الاسم مشتق من السمة يقول: كان ~~الله في الأزل بال اسم ولا صفة، فلما خلق الخلق جعلوا له أسماء وصفات، فإذا ~~أفناهم بقى بال اسم ولا صفة، وهذا قول المعتزلة وهو خلاف ما أجمعت عليه ~~الأمة، وهو أعظم في الخطأ من قولهم: إن كلامه مخلوق، تعالى الله عن ذلك! ~~وعلى هذا الخلاف وقع الكلام في الاسم والمسمى وهي: # التاسعة عشر - فذهب أهل الحق - فيما نقل القاضي أبو بكر بن الطيب - إلى ~~أن الاسم هو المسمى، وارتضاه ابن فورك، وهو قول ms0103 أبي عبيدة وسيبويه. فإذا ~~قال قائل: # الله عالم، فقوله دال على الذات الموصوفة بكونه عالما، فالاسم كونه عالما ~~وهو المسمى بعينه. # وكذلك إذا قال: الله خالق، فالخالق هو الرب، وهو بعينه الاسم. فالاسم ~~عندهم هو المسمى بعينه من غير تفصيل. PageV01P101 # قال ابن الحصار: من ينفي الصفات من المبتدعة يزعم أن لا مدلول للتسميات ~~إلا الذات، ولذلك يقولون الاسم غير المسمى، ومن يثبت الصفات يثبت للتسميات ~~مدلولات هي أوصاف الذات وهي غير العبارات وهي الأسماء عندهم. وسيأتي لهذه ~~مزيد بيان في " البقرة " و " الأعراف " إن شاء الله تعالى. # الموفية عشرين - قوله: " الله " هذا الاسم أكبر أسمائه سبحانه وأجمعها، ~~حتى قال بعض العلماء: إنه اسم الله الأعظم ولم يتسم به غيره، لذلك لم يثن ~~ولم يجمع، وهو أحد تأويلي قوله تعالى " هل تعلم له سميا " أي من تسمى باسمه ~~الذي هو " الله ". فالله اسم للموجود الحق الجامع لصفات الإلهية، المنعوت ~~بنعوت الربوبية، المنفرد بالوجود الحقيقي، لا إله إلا هو سبحانه. وقيل: ~~معناه الذي يستحق أن يعبد. وقيل: معناه واجب الوجود الذي لم يزل ولا يزال، ~~والمعنى واحد. # الحادية والعشرون - واختلفوا في هذا الاسم هل هو مشتق أو موضوع للذات ~~علم؟. # فذهب إلى الأول كثير من أهل العلم. واختلفوا في اشتقاقه وأصله، فروى ~~سيبويه عن الخليل أن أصله إلاه، مثل فعال، فأدخلت الألف واللام بدلا من ~~الهمزة. قال سيبويه: مثل الناس أصله أناس. وقيل: أصل الكلمة " لاه " وعليه ~~دخلت الألف واللام للتعظيم، وهذا اختيار سيبويه. وأنشد: # لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب * عني ولا أنت دياني فتخزوني كذا الرواية: ~~فتخزوني، الخاء المعجمة ومعناه: تسوسني. # وقال الكسائي والفراء: معنى " بسم الله " بسم الإله، فخذوا الهمزة ~~وأدغموا اللام الأولى في الثانية فصارتا لاما مشددة، كما قال عز وجل: " ~~لكنا هو الله ربي " ومعناه، لكن أنا، كذلك قرأها الحسن. ثم قيل: هو مشتق من ~~" وله " إذا تحير، والوله: ذهاب العقل. # يقال: رجل وله وامرة والهة وواله، وماء موله (1): أرسل في الصحاري. فالله ~~سبحانه تتحير # PageV01P102 # الألباب ms0104 وتذهب في حقائق صفاته والفكر في معرفته. فعلى هذا أصل " إلاه " " ~~ولاه " وأن الهمزة مبدلة من واو كما أبدلت في إشاح ووشاح، وإسادة ووسادة، ~~وروى عن الخليل. # وروى عن الضحاك أنه قال: إنما سمى " الله " إلها لأن الخلق يتألهون إليه ~~في حوائجهم، ويتضرعون إليه عند شدائدهم. وذكر عن الخليل بن أحمد أنه قال: ~~لأن الخلق يألهون إليه (بنصب اللام) ويألهون أيضا (بكسرها) وهما لغتان. ~~وقيل إنه مشتق من الارتفاع، فكانت العرب تقول لكل شئ مرتفع: لاها فكانوا ~~يقولون إذا طلعت الشمس: لاهت. # وقيل: هو مشتق من أله الرجل إذا تنسك، ومن ذلك قوله تعالى: " ويذرك ~~وإلاهتك " على هذه القراءة، فإن ابن عباس وغيره قالوا: وعبادتك. # قالوا: فاسم الله مشتق من هذا، فالله سبحانه معناه المقصود بالعبادة، ~~ومنه قول الموحدين: لا إله إلا الله، معناه لا معبود غير الله. و " إلا " ~~في الكلمة بمعنى غير، لا بمعنى الاستثناء. وزعم بعضهم أن الأصل فيه " الهاء ~~" التي هي الكناية عن الغائب، وذلك أنهم أثبتوه موجدا في فطر عقولهم ~~فأشاروا إليه بحرف الكناية ثم زيدت فيه لام الملك إذ قد علموا أنه خالق ~~الأشياء ومالكها فصار " له " ثم زيدت فيه الألف واللام تعظيما وتفخيما. # القول الثاني: ذهب إليه جماعة من العلماء أيضا منهم الشافعي وأبو المعالي ~~والخطابي والغزالي والمفضل وغيرهم، وروى عن الخليل وسيبويه: أن الألف ~~واللام لازمة له لا يجوز حذفها منه. قال الخطابي: والدليل على أن الألف ~~واللام من بنية هذا الاسم، ولم يدخلا للتعريف، ألا ترى أنك لا تقول: يا ~~الرحمن ولا يا الرحيم، كما تقول: # يا لله، فدل على أنهما من بنية الاسم. والله أعلم. # الثانية والعشرون - واختلفوا أيضا في اشتقاق اسمه الرحمن، فقال بعضهم: لا ~~اشتقاق له لأنه من الأسماء المختصة به سبحانه، ولأنه لو كان مشتقا من ~~الرحمة لا تصل بذكر المرحوم، فحاز أن يقال: الله رحمن بعباده، كما يقال: ~~رحيم بعباده. وأيضا لو كان مشتقا من الرحمة PageV01P103 # لم تنكره العرب حين سمعوه، إذ كانوا لا ينكرون رحمة ms0105 ربهم، وقد قال الله ~~عز وجل: # " وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن " الآية. ولما كتب على ~~رضي الله عنه في صلح الحديبية بأمر النبي صلى الله عليه وسلم: " بسم الله ~~الرحمن الرحيم " قال سهيل بن عمرو: # أما " بسم الله الرحمن الرحيم " فما ندري ما " بسم الله الرحمن الرحيم "! ~~ولكن اكتب ما نعرف: # باسمك اللهم، الحديث. قال ابن العربي: إنما جهلوا الصفة دون الموصوف، ~~واستدل على ذلك بقولهم: وما الرحمن؟ ولم يقولوا: ومن الرحمن؟ قال ابن ~~الحصار: وكأنه رحمه الله لم يقرأ الآية الأخرى: " وهم يكفرون بالرحمن ". ~~وذهب الجمهور من الناس إلى أن " الرحمن " مشتق من الرحمة مبني على ~~المبالغة، ومعناه ذو الرحمة الذي لا نظير له فيها، فلذلك لا يثني ولا يجمع ~~كما يثنى " الرحيم " ويجمع. # قال ابن الحصار: ومما يدل على الاشتقاق ما خرجه الترمذي وصححه عن عبد ~~الرحمن ابن عوف أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " قال الله عز ~~وجل أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي فمن وصلها وصلته ومن ~~قطعها قطعته ". وهذا نص في الاشتقاق، فلا معنى للمخالفة والشقاق، وإنكار ~~العرب له لجهلهم بالله وبما وجب له. # الثالثة والعشرون - زعم المبرد فيما ذكر ابن الأنباري في كتاب " الزاهر " ~~له: أن " الرحمن " اسم عبراني فجاء معه ب‍ " الرحيم ". وأنشد (1): # لن تدركوا المجد أو تشروا عباءكم * بالخز أو تجعلوا الينبوت ضمرانا - أو ~~تتركون (2) إلى القسين هجرتكم * ومسحكم صلبهم رحمان قربانا قال أبو إسحاق ~~الزجاج في معاني القرآن: وقال أحمد بن يحيى: " الرحيم " عربي و " الرحمان " ~~عبراني، فلهذا جمع بينهما. وهذا القول مرغوب عنه. # وقال أبو العباس: النعت قد يقع للمدح، كما تقول: قال جرير الشاعر. وروى ~~مطرف عن قتادة في قوله عز وجل: " بسم الله الرحمن الرحيم " قال: مدح نفسه. ~~قال أبو إسحاق: # PageV01P104 # وهذا قول حسن. وقال قطرب: يجوز أن يكون جمع بينهما للتوكيد. قال أبو ~~إسحاق: # وهذا قول حسن، وفي التوكيد أعظم الفائدة، وهو كثير في كلام العرب، ~~ويستغني عن ms0106 الاستشهاد، والفائدة في ذلك ما قاله محمد بن يزيد: إنه تفضل بعد ~~تفضل، وإنعام بعد إنعام، وتقوية لمطامع الراغبين، ووعد لا يخيب آمله. # الرابعة والعشرون - واختلفوا هل هما بمعنى واحد أو بمعنيين؟ فقيل: هما ~~بمعنى واحد، كندمان ونديم. قاله أبو عبيدة وقيل: ليس بناء فعلان كفعيل، فإن ~~فعلان لا يقع إلا على مبالغة الفعل، نحو قولك: رجل غضبان، للمتلئ غضبا. ~~وفعيل قد يكون بمعنى الفاعل والمفعول. قال عملس (1): # فأما إذا عضت بك الحرب عضة * فإنك معطوف عليك رحيم ف‍ " الرحمن " خاص ~~الاسم عام الفعل. و " الرحيم " عام الاسم خاص الفعل. هذا قول الجمهور. # قال أبو على الفارسي: " الرحمن " اسم عام في جميع أنواع الرحمة، يختص به ~~الله. " والرحيم " إنما هو في جهة المؤمنين، كما قال تعالى " وكان ~~بالمؤمنين رحيما ". وقال العرزمي (2): " الرحمن " بجميع خلقه في الأمطار ~~ونعم الحواس والنعم العامة، و " الرحيم " بالمؤمنين في الهداية لهم، واللطف ~~بهم. وقال ابن المبارك: " الرحمن " إذا سئل أعطى، و " الرحيم " إذا لم يسأل ~~غضب. وروى ابن ماجة في سننه والترمذي في جامعه عن أبي صالح عن أبي هريرة ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من لم يسأل الله يغضب عليه " لفظ ~~الترمذي. وقال ابن ماجة: # " من لم يدع الله سبحانه غضب عليه ". وقال: سألت أبا زرعة عن أبي صالح ~~هذا، فقال: # هو الذي يقال له: الفارسي وهو خوزي (3) ولا أعرف اسمه. وقد أخذ بعض ~~الشعراء هذا المعنى فقال: # PageV01P105 # الله يغضب إن تركت سؤله * وبني آدم حين يسأل يغضب وقال ابن عباس: هما ~~اسمان رقيقان، أحدهما أرق من الآخر، أي أكثر رحمة. # قال الخطابي: وهذا مشكل، لأن الرقة لا مدخل لها في شئ من صفات الله ~~تعالى. # وقال الحسين بن الفضل البجلي: هذا وهم من الراوي، لأن الرقة ليست من صفات ~~الله تعالى في شئ، وإنما هما اسمان رفيقان أحدهما أرفق من الآخر، والرفق من ~~صفات الله عز وجل، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن الله رفيق يحب الرفق ~~ويعطي على ms0107 الرفق ما لا يعطى على العنف ". # الخامسة والعشرون - أكثر العلماء على أن " الرحمن " مختص بالله عز وجل، ~~لا يجوز أن يسمى به غيره، ألا تراه قال: " قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن ~~(1) " فعادل الاسم الذي لا يشركه فيه غيره. وقال: " واسأل من أرسلنا من ~~قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون (2) " فأخبر أن " الرحمن " ~~هو المستحق للعبادة جل وعز. وقد تجاسر مسيلمة الكذاب - لعنه الله - فتسمى ~~برحمان اليمامة، ولم يتسم به حتى قرع مسامعه نعت الكذاب فألزمه الله تعالى ~~نعت الكذاب لذلك، وإن كان كل كافر كاذبا، فقد صار هذا الوصف لمسيلمة علما ~~يعرف به، ألزمه الله إياه. وقد قيل في اسمه الرحمن: إنه اسم الله الأعظم، ~~ذكره ابن العربي. # السادسة والعشرون - ا " الرحيم " صفة للمخلوقين، ولما في " الرحمن " من ~~العموم " قدم في كلامنا على " الرحيم " مع موافقة التنزيل، قاله المهدوي. ~~وقيل: إن معنى " الرحيم " أي بالرحيم وصلتم إلى الله، ف‍ " الرحيم " نعت ~~محمد صلى الله عليه وسلم، وقد نعته تعالى بذلك فقال: " رؤوف رحيم " فكأن ~~المعنى أن يقول: بسم الله الرحمن وبالرحيم، أي وبمحمد صلى الله عليه وسلم ~~وصلتم إلى، أي باتباعه وبما جاء به وصلتم إلى ثوابي وكرامتي والنظر إلى ~~وجهي، والله أعلم. # PageV01P106 # السابعة والعشرون - روى عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه قال في ~~قوله " بسم الله " إنه شفاء من كل داء، وعون على كل دواء. وأما " الرحمن " ~~فهو عون لكل من آمن به، وهو اسم لم يسم به غيره. وأما " الرحيم " فهو لمن ~~تاب وآمن وعمل صالحا. # وقد فسره بعضهم على الحروف، فروى عن عثمان بن عفان أنه سأل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن تفسر " بسم الله الرحمن الرحيم " فقال: " أما الباء ~~فبلاء الله وروحه ونضرته وبهاؤه وأما السين فسناء الله وأما الميم فملك ~~الله وأما الله فلا إله غيره وأما الرحمن فالعاطف على البر والفاجر من خلقه ~~وأما الرحيم فالرفيق بالمؤمنين خاصة ". وروى عن كعب الأحبار أنه قال: الباء ms0108 ~~بهاؤه والسين سناؤه فلا شئ أعلى منه والميم ملكه وهو على كل شئ قدير فلا شئ ~~يعازه. وقد قيل أن كل حرف هو افتتاح اسم من أسمائه، فالباء مفتاح اسمه ~~بصير، والسين مفتاح اسمه سميع، والميم مفتاح اسمه مليك، والألف مفتاح اسمه ~~الله، واللام مفتاح اسمه لطيف، والهاء مفتاح اسمه هادي، والراء مفتاح اسمه ~~رازق، والحاء مفتاح اسمه حلم، والنون مفتاح اسمه نور، ومعنى هذا كله دعاء ~~الله تعلى عند افتتاح كل شئ. # الثامنة والعشرون - واختلف في وصل " الرحيم " ب‍ " الحمد لله "، فروى عن ~~أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم: " الرحيم. الحمد " يسكن الميم ويقف ~~عليها، ويبتدئ بألف مقطوعة. # وقرأ به قوم من الكوفيين. وقرأ جمهور الناس: " الرحيم آلحمد "، تعرب " ~~الرحيم " بالخفض وبوصل الألف من " الحمد ". وحكى الكسائي عن بعض العرب أنها ~~تقرأ " الرحيم الحمد " بفتح الميم وصلة الألف، كأنه سكنت الميم وقطعت الألف ~~ثم ألقيت حركتها على الميم وحذفت. قال ابن عطية: ولم ترو هذه القراءة عن ~~أحد فيما علمت. وهذا نظر يحيى بن زياد في قوله تعالى: # " ألم الله ". PageV01P107 # تفسير سورة الفاتحة " بحول الله وكرمه " وفيها أربعة أبواب: # الباب الأول - في فضائلها وأسمائها وفيه سبع مسائل الأولى: روى الترمذي ~~عن أبي بن كعب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # (ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل مثل أم القرآن وهي السبع ~~المثاني وهي مقسومة (1) بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل). أخرج مالك عن ~~العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب: أن أبا سعيد مولي [عبد الله بن] عامر بن ~~كريز أخبره أن رسول الله صلى الله عليه سلم نادى أبي بن كعب وهو يصلي، فذكر ~~الحديث. قال ابن عبد البر: أبو سعيد لا يوقف له على اسم وهو معدود في أهل ~~المدينة، روايته عن أبي هريرة وحديثه هذا مرسل، وقد روى هذا الحديث عن أبي ~~سعيد بن المعلى رجل من الصحابة لا يوقف على اسمه أيضا، رواه عنه حفص بن ~~عاصم، وعبيد بن حنين. ms0109 # قلت: كذا قال في التمهيد: (لا يوقف له على اسم). وذكر في كتاب الصحابة ~~الاختلاف في اسمه. والحديث خرجه البخاري عن أبي سعيد بن المعلي قال: كنت ~~أصلي في المسجد فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أجبه، فقلت: يا ~~رسول الله إني كنت أصلي، فقال: # (ألم يقل الله " استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم " (2) [الأنفال: 24] - ~~ثم قال - (إني لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد ~~ثم أخذ بيدي، فلما أراد أن يخرج قلت له: ألم تقل لأعلمنك سورة هي أعظم سورة ~~في القرآن؟ قال: (الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم ~~الذي أوتيته). قال ابن عبد البر وغيره: أبو سعيد بن المعلي # PageV01P108 # من جلة الأنصار، وسادات الأنصار، تفرد به البخاري، واسمه رافع، ويقال: ~~الحارث بن نفيع بن المعلى، ويقال: أوس بن المعلى، ويقال: أبو سعيد بن أوس ~~بن المعلى، توفي سنة أربع وسبعين وهو ابن أربع وستين (1) [سنة]، وهو أول من ~~صلى إلى القبلة حين حولت، وسيأتي (2). وقد أسند حديث بن أبي يزيد بن زريع ~~قال: حدثنا روح بن القاسم عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة ~~قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي وهو يصلي، فذكر الحديث ~~بمعناه. # وذكر ابن الأنباري في كتاب الرد له: حدثني أبي حدثني أبو عبيد الله ~~الوراق حدثنا أبو داود حدثنا شيبان عن منصور عن مجاهد قال: إن إبليس - لعنه ~~الله - رن أربع رنات: حين لعن، وحين أهبط من الجنة، وحين بعث محمد صلى الله ~~عليه وسلم، وحين أنزلت فاتحة الكتاب، وأنزلت بالمدينة. # الثانية: اختلف العلماء في تفصيل بعض السور والآي على بعض، وتفضيل بعض ~~أسماء الله تعالى الحسنى على بعض، فقال قوم: لا فضل لبعض على بعض، لان الكل ~~كلام الله، وكذلك أسماؤه لا مفاضلة بينها. ذهب إلى هذا الشيخ أبو الحسن ~~الأشعري، والقاضي أبو بكر بن الطيب، وأبو حاتم محمد بن حبان البستي، وجماعة ~~من الفقهاء. وروى معناه ms0110 عن مالك. قال يحيى بن يحيى: تفضيل بعض القرآن على ~~بعض خطأ، وكذلك كره مالك أن تعاد سورة أو تردد دون غيرها. وقال عن مالك في ~~قول الله تعالى: " نأت بخير منها أو مثلها " [البقرة: 106] قال: محكمة مكان ~~منسوخة. وروى ابن كنانة مثل ذلك كله عن مالك. # واحتج هؤلاء بأن قالوا: إن الأفضل يشعر بنقص المفضول، والذاتية في الكل ~~واحدة، وهي كلام الله، وكلام الله تعالى لا نقص فيه. قال البستي: ومعنى هذه ~~اللفظة (ما في التوراة ولا في الإنجيل مثل أم القرآن): أن الله تعالى لا ~~يعطى لقارئ التوراة والإنجيل من الثواب مثل # PageV01P109 # ما يعطي لقارئ أم القرآن، إذ الله بفضله فضل هذه الأمة على غيرها من ~~الأمم، وأعطاها من الفضل على قراءة كلامه أكثر مما أعطى غيرها من الفضل على ~~قراءة كلامه، وهو فضل منه لهذه الأمة. قال ومعنى قوله: (أعظم سورة) أراد به ~~في الاجر، لا أن بعض القرآن أفضل من بعض. وقال قوم بالتفضيل، وأن ما تضمنه ~~قوله تعالى " وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم " [البقرة: 163] ~~وآية الكرسي، وآخر سورة الحشر، وسورة الاخلاص من الدلالات على وحدانيته ~~وصفاته ليس موجودا مثلا في " تبت يدا أبي لهب " [المسد: 1] وما كان مثلها. # والتفضيل إنما هو بالمعاني العجيبة وكثرتها، لا من حيث الصفة، وهذا هو ~~الحق. وممن قال بالتفضيل إسحاق بن راهويه (1) وغيره من العلماء والمتكلمين، ~~وهو اختيار القاضي أبي بكر بن العربي وابن الحصار، لحديث أبي سعيد بن ~~المعلى وحديث أبي بن كعب أنه قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا ~~أبي أي آية معك في كتاب الله أعظم) قال فقلت: # " الله لا إله إلا هو الحي القيوم " [البقرة: 255]. قال: فضرب في صدري ~~وقال: (ليهنك العلم يا أبا المنذر) أخرجه البخاري ومسلم. # قال ابن الحصار: عجبي ممن يذكر الاختلاف مع هذه النصوص. # وقال ابن العربي: قوله: (ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل ولا في ~~القرآن مثلها) وسكت عن سائر الكتب، ms0111 كالصحف المنزلة والزبور وغيرها، لان هذه ~~المذكورة أفضلها، وإذا كان الشئ أفضل الأفضل، صار أفضل الكل. كقولك: زيد ~~أفضل العلماء فهو أفضل الناس. # وفي الفاتحة من الصفات ما ليس لغيرها، حتى قيل: إن جميع القرآن فيها. وهي ~~خمس وعشرون كلمة تضمنت جميع علوم القرآن. ومن شرفها أن الله سبحانه قسمها ~~بينه وبين عبده، ولا تصح القربة إلا بها، ولا يلحق عمل بثوابها، وبهذا ~~المعنى صارت أم القرآن العظيم، # PageV01P110 # كما صارت " قل هو الله أحد " تعدل ثلث القرآن، إذ القرآن توحيد وأحكام ~~ووعظ، و " قل هو الله أحد " فيها التوحيد كله، وبهذا المعنى وقع البيان في ~~قوله عليه السلام لأبي. # (أي آية في القرآن أعظم) قال: " الله لا إله إلا هو الحي القيوم " ~~[البقرة: 255]. وإنما كانت أعظم آية لأنها توحيد كلها كما صار قوله: (أفضل ~~ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له) أفضل ~~الذكر، لأنها كلمات حوت جميع العلوم في التوحيد، والفاتحة تضمنت التوحيد ~~والعبادة والوعظ والتذكير، ولا يستبعد ذلك في قدرة الله تعالى. # الثالثة: روى علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: (فاتحة الكتاب، وآية الكرسي، وشهد الله أنه لا إله إلا هو، وقل ~~اللهم مالك الملك، هذه الآيات معلقات بالعرش ليس بينهن وبين الله حجاب). ~~أسنده أبو عمرو الداني في كتاب البيان له. # الرابعة: في أسمائها، وهي اثنا عشر اسما: # (الأول): الصلاة (1)، قال الله تعالى (2): (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي ~~نصفين) الحديث. وقد تقدم. # (الثاني): [سورة] الحمد، لان فيها ذكر الحمد، كما يقال: سورة الأعراف، ~~والأنفال، والتوبة، ونحوها. # (الثالث): فاتحة الكتاب، من غير خلاف بين العلماء، وسميت بذلك لأنه تفتتح ~~قراءة القرآن بها لفظا، وتفتتح بها الكتابة في المصحف خطا، وتفتتح بها ~~الصلوات. # (الرابع): أم الكتاب، وفي هذا الاسم خلاف، جوزه الجمهور، وكرهه أنس ~~والحسن وابن سيرين. قال الحسن: أم الكتاب الحلال والحرام، قال الله تعالى: ~~" آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات " [آل ms0112 عمران: 7]. وقال أنس وابن ~~سيرين: أم الكتاب اسم اللوح المحفوظ. # قال الله تعالى: " وإنه في أم الكتاب ". [الزخرف: 4]. # PageV01P111 # (الخامس): أم القرآن، واختلف فيه أيضا، فجوزه الجمهور، وكرهه أنس وابن ~~سيرين، والأحاديث الثابتة ترد هذين القولين. روى الترمذي عن أبي هريرة قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الحمد لله أم القران وأم الكتاب والسبع ~~المثاني) قال: هذا حديث حسن صحيح. وفي البخاري قال: وسميت أم الكتاب لأنه ~~يبتدأ بكتابتها في المصاحف، ويبدأ بقراءتها في الصلاة. وقال يحيى بن يعمر: ~~أم القرى: مكة، وأم خراسان: مرو، وأم القرآن: سورة الحمد. وقيل: سميت أم ~~القرآن لأنها أوله ومتضمنة لجميع علومه، وبه سميت مكة أم القرى لأنها أول ~~الأرض ومنها دحيت، ومنه سميت الام أما لأنها أصل النسل، والأرض أما، في قول ~~أمية بن أبي الصلت: # فالأرض معقلنا وكانت أمنا * فيها مقابرنا وفيها نولد ويقال لراية الحرب: ~~أم، لتقدمها واتباع الجيش لها. وأصل أم أمهة، ولذلك تجمع على أمهات، قال ~~الله تعالى: " وأمهاتكم ". ويقال أمات بغير هاء. قال: # * فرجت الظلام بأماتكا * وقيل: إن أمهات في الناس، وأمات في البهائم، ~~حكاه ابن فارس في المجمل. # (السادس): المثاني، سميت بذلك لأنها تثنى في كل ركعة. وقيل: سميت بذلك ~~لأنها استثنيت لهذه الأمة فلم تنزل على أحد قبلها ذخرا لها. # (السابع): القرآن العظيم، سميت بذلك لتضمنها جميع علوم القرآن، وذلك أنها ~~تشتمل على الثناء على الله عز وجل بأوصاف كماله وجلاله، وعلى الامر ~~بالعبادات والاخلاص فيها، والاعتراف بالعجز عن القيام بشئ منها إلا بإعانته ~~تعالى، وعلى الابتهال إليه في الهداية إلى الصراط المستقيم، وكفاية أحوال ~~الناكثين، وعلى بيانه عاقبة الجاحدين. # (الثامن): الشفاء، روى الدارمي عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: (فاتحة الكتاب شفاء من كل سم) (1). # PageV01P112 # (التاسع): الرقية، ثبت ذلك من حديث أبي سعيد الخدري وفيه: أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال للرجل، الذي رقى سيد الحي: (ما أدراك أنها رقية) ~~فقال: يا رسول الله شئ ألقى ms0113 في روعي، الحديث. خرجه الأئمة، وسيأتي بتمامه. # (العاشر): الأساس، شكا رجل إلى الشعبي وجع الخاصرة، فقال: عليك بأساس ~~القرآن فاتحة الكتاب، سمعت ابن عباس يقول: لكل شئ أساس، وأساس الدنيا مكة، ~~لأنها منها دحيت، وأساس السماوات عريبا (1)، وهي السماء السابعة، وأساس ~~الأرض عجيبا، وهي الأرض السابعة السفلى، وأساس الجنان جنة عدن، وهي سرة ~~الجنان عليها أسست الجنة، وأساس النار جهنم، وهي الدركة السابعة السفلى ~~عليها أسست الدركات، وأساس الخلق آدم، وأساس الأنبياء نوح، وأساس بني ~~إسرائيل يعقوب، وأساس الكتب القرآن، وأساس القرآن الفاتحة، وأساس الفاتحة ~~بسم الله الرحمن الرحيم، فإذا اعتللت أو اشتكيت فعليك بالفاتحة تشفى (2). # (الحادي عشر): الوافية، قاله سفيان بن عيينة، لأنها لا تتنصف ولا تحتمل ~~الاختزال، ولو قرأ من سائر السور نصفها في ركعة، ونصفها الآخر في ركعة ~~لأجزأ، ولو نصفت الفاتحة في ركعتين لم يجز. # (الثاني عشر): الكافية، قال يحيى بن أبي كثير: لأنها تكفي عن سواها ولا ~~يكفي سواها عنها. يدل عليه ما روى محمد بن خلاد الإسكندراني قال قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: # (أم القرآن عوض من غيرها وليس غيرها منها عوضا). # الخامسة: قال المهلب: إن موضع الرقية منها إنما هو " إياك نعبد وإياك ~~نستعين " [الفاتحة: الآية 5]. # وقيل: السورة كلها رقية، لقوله عليه السلام للرجل لما أخبره: (وما أدراك ~~أنها رقية) ولم يقل: أن فيها رقية، فدل هذا على أن السورة بأجمعها رقية، ~~لأنها فاتحة الكتاب ومبدؤه، ومتضمنة لجميع علومه، كما تقدم والله أعلم. # PageV01P113 # السادسة: ليس في تسميتها بالمثاني وأم الكتاب ما يمنع من تسمية غيرها ~~بذلك، قال الله عز وجل: " كتابا متشابها مثاني " [الزمر: 23] فأطلق على ~~كتابه: مثاني، لان الاخبار تثنى فيه. # وقد سميت السبع الطول أيضا مثاني، لان الفرائض والقصص تثنى فيها. قال ابن ~~عباس: # أوتى رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعا من المثاني، قال: السبع الطول. ~~ذكره النسائي، وهي من " البقرة " إلى " الأعراف " ست، واختلفوا في السابعة، ~~فقيل: يونس، وقيل: # الأنفال والتوبة، وهو قول مجاهد وسعيد بن جبير. وقال ms0114 أعشى همدان: # فلجوا المسجد وادعوا ربكم * وادرسوا هذي المثاني والطول وسيأتي لهذا مزيد ~~بيان في سورة " الحجر " (1) إن شاء الله تعالى. # السابعة: المثاني جمع مثنى، وهي التي جاءت بعد الأولى، والطول جمع أطول. # وقد سميت الأنفال من المثاني لأنها تتلو الطول في القدر. وقيل: هي التي ~~تزيد آياتها على المفصل وتنقص عن المئين. والمئون: هي السور التي تزيد كل ~~واحدة منها على مائة آية. # [الباب الثاني - في نزولها وأحكامها، وفيه عشرون مسألة الأولى: أجمعت ~~الأمة على أن فاتحة الكتاب سبع آيات، إلا ما روى عن حسين الجعفي: أنها ست، ~~وهذا شاذ. وإلا ما روى عن عمرو بن عبيد أنه جعل " إياك نعبد " آية، وهي على ~~عدة ثماني آيات، وهذا شاذ. وقول تعالى: " ولقد آتيناك سبعا من المثاني " ~~[الحجر: 87]، وقوله: (قسمت الصلاة) الحديث، يرد هذين القولين. # وأجمعت الأمة أيضا على أنها من القرآن. فإن قيل: لو كانت قرآنا لأثبتها ~~عبد الله بن مسعود في مصحفه، فلما لم يثبتها دل على أنها ليست من القرآن، ~~كالمعوذتين عنده. # فالجواب ما ذكره أبو بكر الأنباري قال: حدثنا الحسن بن الحباب حدثنا ~~سليمان بن الأشعث حدثنا ابن أبي قدامة حدثنا جرير عن الأعمش قال: أظنه عن ~~إبراهيم قال: # PageV01P114 # قيل لعبد الله بن مسعود: لم لم تكتب فاتحة الكتاب في مصحفك؟ قال: لو ~~كتبتها لكتبتها مع كل سورة. قال أبو بكر: يعني أن كل ركعة سبيلها أن تفتتح ~~بأم القرآن قبل السورة المتلوة بعدها، فقال: اختصرت بإسقاطها، ووثقت بحفظ ~~المسلمين لها، ولم أثبتها في موضع فيلزمني أن أكتبها مع كل سورة، إذ كانت ~~تتقدمها في الصلاة. # الثانية: اختلفوا أهي مكية أم مدنية؟ فقال ابن عباس وقتادة وأبو العالية ~~الرياحي - واسمه رفيع - وغيرهم: هي مكية. وقال أبو هريرة ومجاهد وعطاء بن ~~يسار والزهري وغيرهم: هي مدنية. ويقال: نزل نصفها بمكة، ونصفها بالمدينة. ~~حكاه أبو الليث نصر بن محمد بن إبراهيم السمرقندي في تفسيره. والأول أصح ~~لقوله تعالى: " ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم " [الحجر: 87] ~~والحجر مكية ms0115 بإجماع. ولا خلاف أن فرض الصلاة كان بمكة. وما حفظ أنه كان في ~~الاسلام قط صلاة بغير " الحمد لله رب العالمين "، يدل على هذا قوله عليه ~~السلام: (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب). وهذا خبر عن الحكم، لا عن الابتداء، ~~والله أعلم. # وقد ذكر القاضي ابن الطيب اختلاف الناس في أول ما نزل من القرآن، فقيل: ~~المدثر، وقيل: اقرأ، وقيل: الفاتحة. وذكر البيهقي في دلائل النبوة عن أبي ~~ميسرة عمرو بن شرحبيل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لخديجة: (إني ~~إذا خلوت وحدي سمعت نداء وقد والله خشيت أن يكون هذا أمرا) قالت: معاذ ~~الله! ما كان الله ليفعل بك، فوالله إنك لتؤدي الأمانة، وتصل الرحم، وتصدق ~~الحديث. فلما دخل أبو بكر - وليس رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم - ذكرت ~~خديجة حديثه له، قالت: يا عتيق، اذهب مع محمد إلى ورقة بن نوفل. # فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ أبو بكر بيده، فقال: أنطلق ~~بنا إلى ورقة، فقال: # (ومن أخبرك). قال: خديجة، فانطلقا إليه فقصا عليه، فقال: (إذا خلوت وحدي ~~سمعت نداء خلفي يا محمد يا محمد فأنطلق هاربا في الأرض) فقال: لا تفعل، إذا ~~أتاك فأثبت حتى تسمع ما يقول ثم ائتني فأخبرني. فلما خلا ناداه: يا محمد، ~~قل " بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين - PageV01P115 # حتى بلغ - ولا الضالين "، قل: لا إله إلا الله. فأتى ورقة فذكر ذلك له، ~~فقال له ورقة: # أبشر ثم أبشر، فأنا أشهد أنك الذي بشر به عيسى بن مريم، وأنك على مثل ~~ناموس موسى، وأنك نبي مرسل، وأنك سوف تؤمر بالجهاد بعد يومك هذا، وإن ~~يدركني ذلك لأجاهدن معك. فلما توفى ورقة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~(لقد رأيت القس في الجنة عليه ثياب الحرير لأنه آمن بي وصدقني) يعني ورقة. ~~قال البيهقي رضي الله عنه: هذا منقطع. # يعني هذا الحديث، فإن كان محفوظا فيحتمل أن يكون خبرا عن نزولها بعد ما ~~نزل عليه " اقرأ ms0116 باسم ربك " [العلق: 1] و " يا أيها المدثر " [المدثر: 1]. # الثالثة: قال ابن عطية: ظن بعض العلماء أن جبريل عليه السلام لم ينزل ~~بسورة الحمد، لما رواه مسلم عن ابن عباس قال: بينما جبريل قاعد عند النبي ~~صلى الله عليه وسلم سمع نقيضا (1) من فوقه، فرفع رأسه فقال: هذا باب من ~~السماء فتح اليوم لم يفتح قط إلا اليوم، فنزل منه ملك، فقال: هذا ملك نزل ~~إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم، فسلم وقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم ~~يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ بحرف منهما ~~إلا أعطيته. قال ابن عطية: وليس كما ظن، فإن هذا الحديث يدل على أن جبريل ~~عليه السلام تقدم الملك إلى النبي صلى الله عليه وسلم معلما به وبما ينزل ~~معه، وعلى هذا يكون جبريل شارك في نزولها، والله أعلم. # قلت: الظاهر من الحديث يدل على أن جبريل عليه السلام لم يعلم النبي صلى ~~الله عليه وسلم بشئ من ذلك. وقد بينا أن نزولها كان بمكة، نزل بها جبريل ~~عليه السلام، لقوله تعالى: " نزل به الروح الأمين " [الشعراء: 193] وهذا ~~يقتضي جميع القرآن، فيكون جبريل عليه السلام نزل بتلاوتها بمكة، ونزل الملك ~~بثوابها بالمدينة. والله أعلم. وقد قيل: إنها مكية مدنية، نزل بها جبريل ~~مرتين، حكاه الثعلبي. وما ذكرناه أولى. فإنه جمع بين القرآن والسنة، ولله ~~الحمد والمنة. # PageV01P116 # الرابعة: قد تقدم أن البسملة ليست بآية منها على القول الصحيح، وإذا ثبت ~~ذلك فحكم المصلي إذا كبر أن يصله بالفاتحة ولا يسكت، ولا يذكر توجيها ولا ~~تسبيحا لحديث عائشة وأنس المتقدمين وغيرهما، وقد جاءت أحاديث بالتوجيه ~~والتسبيح والسكوت، قال بها جماعة من العلماء، فروي عن عمر بن الخطاب وعبد ~~الله بن مسعود رضي الله عنهما أنهما كانا يقولان إذا افتتحا الصلاة: سبحانك ~~اللهم وبحمدك، تبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك. وبه قال سفيان وأحمد ~~وإسحاق وأصحاب الرأي. وكان الشافعي يقول بالذي روى عن علي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه كان إذا ms0117 افتتح الصلاة كبر ثم قال: # (وجهت وجهي) الحديث، ذكره مسلم، وسيأتي بتمامه في آخر سورة الأنعام، ~~وهناك يأتي القول في هذه المسألة مستوفى إن شاء الله (1). # قال ابن المنذر: ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا كبر في ~~الصلاة سكت هنيهة قبل أن يقرأ يقول: (اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما ~~باعدت بين المشرق والمغرب اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من ~~الدنس اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد) واستعمل ذلك أبو ~~هريرة. وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن: للامام سكتتان فاغتنموا فيهما ~~القراءة. وكان الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز وأحمد بن حنبل يميلون إلى حديث ~~النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب. # الخامسة: واختلف العلماء في وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة، فقال مالك ~~وأصحابه: هي متعينة للامام والمنفرد في كل ركعة. قال ابن خويز منداد البصري ~~المالكي: # لم يختلف قول مالك أنه من نسيها في صلاة ركعة من صلاة ركعتين أن صلاته ~~تبطل ولا تجزيه. واختلف قوله فيمن تركها ناسيا في ركعة من صلاة رباعية أو ~~ثلاثية، فقال مرة: # يعيد الصلاة، وقال مرة أخرى: يسجد سجدتي السهو، وهي رواية ابن عبد الحكم ~~وغيره عن مالك. قال ابن خويز منداد وقد قيل: إنه يعيد تلك الركعة ويسجد ~~للسهو بعد السلام. # قال ابن عبد البر: الصحيح من القول إلغاء تلك الركعة ويأتي بركعة بدلا ~~منها، كمن # PageV01P117 # أسقط سجدة سهوا. وهو اختيار ابن القاسم. وقال الحسن البصري وأكثر أهل ~~البصرة والمغيرة بن عبد الرحمن المخزومي المدني: إذا قرأ بأم القرآن مرة ~~واحدة في الصلاة أجزأه ولم تكن عليه إعادة، لأنها صلاة قد قرأ فيها بأم ~~القرآن، وهي تامة لقوله عليه السلام: # (لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن) وهذا قد قرأ بها. # قلت: ويحتمل لا صلاة لمن لم يقرأ بها في كل ركعة، وهو الصحيح على ما ~~يأتي. # ويحتمل لا صلاة لمن لم يقرأ بها في أكثر عدد الركعات، وهذا هو سبب الخلاف ~~والله أعلم. ms0118 # وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي: إن تركها عامدا في صلاته كلها وقرأ ~~غيرها أجزأه، على اختلاف عن الأوزاعي في ذلك. وقال أبو يوسف ومحمد بن ~~الحسن: أقله ثلاث، آيات أو آية طويله كآية الدين. وعن محمد بن الحسن أيضا ~~قال: أسوغ الاجتهاد في مقدار آية ومقدار كلمة مفهومة، نحو: " الحمد لله " ~~ولا أسوغه في حرف لا يكون كلاما. # وقال الطبري: يقرأ المصلى بأم القرآن في كل ركعة، فإن لم يقرأ بها لم ~~يجزه إلا مثلها من القرآن عدد آيها وحروفها. قال ابن عبد البر: وهذا لا ~~معنى له، لان التعيين لها والنص عليها قد خصها بهذا الحكم دون غيرها، ومحال ~~أن يجئ بالبدل منها من وجبت عليه فتركها وهو قادر عليها، وإنما عليه أن يجئ ~~بها ويعود إليها، كسائر المفروضات المتعينات في العبادات. # السادسة - وأما المأموم فإن أدرك الامام راكعا فالامام يحمل عنه القراءة، ~~لاجماعهم على أنه إذا أدركه راكعا أنه يكبر ويركع ولا يقرأ شيئا وإن أدركه ~~قائما فإنه يقرأ، وهي المسألة: # السابعة - ولا ينبغي لاحد أن يدع القراءة خلف إمامه في صلاة السر، فإن ~~فعل فقد أساء، ولا شئ عليه عند مالك وأصحابه. وأما إذا جهر الامام وهي ~~المسألة: # الثامنة - فلا قراءة بفاتحة الكتاب ولا غيرها في المشهور من مذهب مالك، ~~لقول الله تعالى: " وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا " [الأعراف: 204]، ~~وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: # (ما لي أنازع القرآن)، وقوله في الامام: (إذا قرأ فأنصتوا)، وقوله: (من ~~كان له إمام فقراءة الامام له قراءة). PageV01P118 # وقال الشافعي فيما حكى عنه البويطي وأحمد بن حنبل: لا تجزئ أحدا صلاة حتى ~~يقرأ بفاتحة الكتاب في كل ركعة، إماما كان أو مأموما، جهر إمامه أو أسر. ~~وكان الشافعي بالعراق يقول في المأموم: يقرأ إذا أسر ولا يقرأ إذا جهر، ~~كمشهور مذهب مالك. وقال بمصر: # فيما يجهر فيه الامام بالقراءة قولان: أحدهما أن يقرأ والآخر يجزئه إلا ~~يقرأ ويكتفي بقراءة الامام. حكاه ابن المنذر. وقال ابن وهب وأشهب وابن عبد ms0119 ~~الحكم وابن حبيب والكوفيون: # لا يقرأ المأموم شيئا، جهر إمامه أو أسر، لقوله عليه السلام: (فقراءة ~~الامام له قراءة) وهذا عام، ولقول جابر: من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم ~~القرآن فلم يصل إلا وراء الامام. # التاسعة: الصحيح من هذه الأقوال قول الشافعي وأحمد ومالك في القول الآخر، ~~وأن الفاتحة متعينة في كل ركعة لكل أحد على العموم، لقوله صلى الله عليه ~~وسلم: (لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب)، وقوله: (من صلى صلاة لم ~~يقرأ فيها بأم القران فهي خداج) ثلاثا. وقال أبو هريرة: أمرني رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أن أنادي أنه: (لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب فما ~~زاد) أخرجه أبو داود. كما لا ينوب سجود ركعة ولا ركوعها عن ركعة أخرى، ~~فكذلك لا تنوب قراءة ركعة عن غيرها، وبه قال عبد الله بن عون وأيوب ~~السختياني وأبو ثور وغيره من أصحاب الشافعي وداود بن علي، وروي مثله عن ~~الأوزاعي، وبه قال مكحول. # وروى عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عباس وأبي هريرة وأبي بن كعب وأبى ~~أيوب الأنصاري وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبادة بن الصامت وأبي سعيد ~~الخدري وعثمان بن أبي العاص وخوات بن جبير أنهم قالوا: لا صلاة إلا بفاتحة ~~الكتاب. وهو قول ابن عمر والمشهور من مذهب الأوزاعي، فهؤلاء الصحابة بهم ~~القدوة، وفيهم الأسوة، كلهم يوجبون الفاتحة في كل ركعة. # وقد أخرج الإمام أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجة القزويني في سننه ما ~~يرفع الخلاف ويزيل كل احتمال فقال: حدثنا أبو كريب حدثنا محمد بن فضيل، ~~وحدثنا سويد بن سعيد PageV01P119 # حدثنا علي بن مسهر جميعا عن أبي سفيان السعدي عن أبي نضرة عن أبي سعيد ~~الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا صلاة لمن لم يقرأ في كل ~~ركعة بالحمد لله وسورة في فريضة أو غيرها). وفى صحيح مسلم عن أبي هريرة أنه ~~عليه السلام قال للذي علمه الصلاة: (وأفعل ذلك في صلاتك كلها) ms0120 وسيأتي. ومن ~~الحجة في ذلك أيضا ما رواه أبو داود عن نافع بن محمود بن الربيع الأنصاري ~~قال: أبطأ عبادة بن الصامت عن صلاة الصبح، فأقام أبو نعيم المؤذن الصلاة ~~فصلى أبو نعيم بالناس، وأقبل عبادة بن الصامت وأنا معه حتى صففنا خلف أبي ~~نعيم، وأبو نعيم يجهر بالقراءة، فجعل عبادة يقرأ بأم القرآن، فلما انصرف ~~قلت لعبادة: سمعتك تقرأ بأم القرآن وأبو نعيم يجهر؟ قال: أجل! صلى بنا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بعض الصلوات التي يجهر فيها بالقراءة فالتبست ~~عليه، فلما انصرف أقبل علينا بوجهه فقال: (هل تقرؤون إذا جهرت بالقراءة) ~~فقال بعضنا: إنا نصنع ذلك، قال: # (فلا. وأنا أقول ما لي ينازعني القرآن فلا تقرأوا بشئ من القرآن إذا جهرت ~~إلا بأم القرآن). # وهذا نص صريح في المأموم. وأخرجه أبو عيسى الترمذي من حديث محمد بن إسحاق ~~بمعناه، وقال: حديث حسن. والعمل على هذا الحديث في القراءة خلق الامام عند ~~أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين، وهو قول مالك ~~بن أنس وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق، يرون القراءة خلف الإمام. ~~وأخرجه أيضا الدارقطني وقال: هذا إسناد حسن، ورجاله كلهم ثقات، وذكر أن ~~محمود بن الربيع كان يسكن إيلياء (1)، وأن أبا نعيم أول من أذن في بيت ~~المقدس. وقال أبو محمد عبد الحق: ونافع بن محمود لم يذكره البخاري في ~~تاريخه ولا ابن أبي حاتم، ولا أخرج له البخاري ومسلم شيئا. وقال فيه أبو ~~عمر: # مجهول. وذكر الدارقطني عن يزيد بن شريك قال: سألت عمر عن القراءة خلف ~~الإمام، فأمرني أن أقرأ، قلت: وإن كنت أنت؟ قال: وإن كنت أنا، قلت: وإن ~~جهرت؟ # قال: وإن جهرت. قال الدارقطني: هذا إسناد صحيح. وروى عن جابر بن عبد الله # PageV01P120 # قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الامام ضامن فما صنع فاصنعوا). ~~قال أبو حاتم: # هذا يصح لمن قال بالقراءة خلف الامام، وبهذا أفتى أبو هريرة الفارسي أن ~~يقرأ بها في نفسه حين قال ms0121 له: إني أحيانا أكون وراء الامام، ثم استدل بقول ~~تعالى: (1) (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي ~~ولعبدي ما سأل). قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اقرأوا يقول العبد ~~الحمد لله رب العالمين) الحديث. # العاشرة - أما ما استدل به الأولون بقوله عليه السلام: (وإذا قرأ ~~فأنصتوا) أخرجه مسلم من حديث أبي موسى الأشعري، وقال: وفى حديث جرير عن ~~سليمان عن قتادة من الزيادة (وإذا قرأ فأنصتوا) قال الدارقطني: هذه اللفظة ~~لم يتابع سليمان التيمي فيها عن قتادة، وخالفه الحفاظ من أصحاب قتادة فلم ~~يذكروها، منهم شعبة وهشام وسعيد بن أبي عروبة وهمام وأبو عوانة ومعمر وعدي ~~بن أبي عمارة. قال الدارقطني: فإجماعهم يدل على وهمه. # وقد روى عن عبد الله بن عامر عن قتادة متابعة التيمي، ولكن ليس هو ~~بالقوي، تركه القطان. وأخرج أيضا هذه الزيادة أبو داود من حديت أبي هريرة ~~وقال: هذه الزيادة (إذا قرأ فأنصتوا) ليست بمحفوظة. وذكر أبو محمد عبد ~~الحق: أن مسلما صحح حديث أبي هريرة وقال: هو عندي صحيح. # قلت: ومما يدل على صحتها عنده إدخالها في كتابه من حديث أبي موسى وإن ~~كانت مما لم يجمعوا عليها. وقد صححها الإمام أحمد بن حنبل وابن المنذر. ~~وأما قول تعالى: " وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا " [الأعراف: 204] ~~فإنه نزل بمكة، وتحريم الكلام في الصلاة نزل بالمدينة - كما قال زيد بن ~~أرقم فلا حجة فيها، فإن المقصود كان المشركين، على ما قال سعيد بن المسيب. # وقد روى الدارقطني عن أبي هريرة أنها نزلت في رفع الصوت خلف رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في الصلاة. وقال: عبد الله بن عامر ضعيف. وأما قوله ~~عليه السلام: (ما لي أنازع القرآن) فأخرجه مالك عن ابن شهاب عن ابن أكيمة ~~الليثي، واسمه فيما قال مالك: عمرو، # PageV01P121 # وغيره يقول عامر، وقيل يزيد، وقيل عمارة، وقيل عباد، يكني أبا الوليد ~~توفي سنة إحدى ومائة وهو ابن تسع وسبعين سنة، لم يرو عنه الزهري إلا هذا ~~الحديث الواحد، ms0122 وهو ثقة، وروى عنه محمد بن عمرو وغيره. والمعنى في حديثه: ~~لا تجهروا إذا جهرت فإن ذلك تنازع وتجاذب وتخالج، اقرأوا في أنفسكم. يبينه ~~حديث عبادة وفتيا الفاروق وأبي هريرة الراوي للحديثين. # فلو فهم المنع جملة من قوله: (ما لي أنازع القرآن) لما أفتى بخلافه، وقول ~~الزهري في حديث ابن أكيمة: فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فيما جهر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقراءة، حين سمعوا ~~ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم، يريد بالحمد على ما بينا، وبالله ~~توفيقنا. # وأما قوله صلى الله عليه وسلم: (من كان له إمام فقراءة الامام له قراءة) ~~فحديث ضعيف أسنده الحسن بن عمارة وهو متروك، وأبو حنيفة (1) وهو ضعيف، ~~كلاهما عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد عن جابر. أخرجه الدارقطني ~~وقال: رواه سفيان الثوري وشعبة وإسرائيل ابن يونس وشريك وأبو خالد الدالاني ~~وأبو الأحوص وسفيان بن عيينة وجرير بن عبد الحميد وغيرهم، عن موسى بن أبي ~~عائشة عن عبد الله بن شداد مرسلا عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو الصواب. ~~وأما قول جابر: من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصل إلا وراء ~~الامام، فرواه مالك عن وهب بن كيسان عن جابر قوله. قال ابن عبد البر: ورواه ~~يحيى ابن سلام صاحب التفسير عن مالك عن أبي نعيم وهب بن كيسان عن جابر عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وصوابه موقوف على جابر كما في الموطأ. وفيه من ~~الفقه إبطال الركعة التي لا يقرأ فيها بأم القرآن، وهو يشهد لصحة ما ذهب ~~إليه ابن القاسم ورواه عن مالك في إلغاء الركعة والبناء على غيرها ولا يعتد ~~المصلي بركعة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب. وفيه أيضا أن الامام قراءته لمن ~~خلفه قراءة، وهذا مذهب جابر وقد خالفه فيه غيره. # PageV01P122 # الحادية عشرة - قال ابن العربي: لما قال صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة ~~لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) واختلف ms0123 الناس في هذا الأصل هل يحمل هذا النفي ~~على التمام والكمال، أو على الاجزاء؟ اختلفت الفتوى بحسب اختلاف حال ~~الناظر، ولما كان الأشهر في هذا الأصل والأقوى أن النفي على العموم، كان ~~الأقوى من رواية مالك أن من لم يقرأ الفاتحة في صلاته بطلت. ثم نظرنا في ~~تكرارها في كل ركعة، فمن تأول قول النبي صلى الله عليه وسلم: # (افعل ذلك في صلاتك كلها) لزمه أن يعيد القراءة كما يعيد الركوع والسجود. ~~والله أعلم. # الثانية عشرة - ما ذكرناه في هذا الباب من الأحاديث والمعاني في تعيين ~~الفاتحة يرد على الكوفيين قولهم في أن الفاتحة لا تتعين، وأنها وغيرها من ~~أي القرآن سواء. وقد عينها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله كما ذكرناه، وهو ~~المبين عن الله تعالى مراده في قوله: " وأقيموا الصلاة ". وقد روى أبو داود ~~عن أبي سعيد الخدري قال: أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر. فدل هذا ~~الحديث على أن قوله عليه السلام للاعرابي: (اقرأ ما تيسر معك من القرآن) ما ~~زاد على الفاتحة، وهو تفسير قوله تعالى: " فاقرءوا ما تيسر منه " [المزمل: ~~20] وقد روى مسلم عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~" لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القران - زاد في رواية - فصاعدا ". وقوله عليه ~~السلام: (هي خداج - ثلاثا - غير تمام) أي غير مجزئة بالأدلة المذكورة. ~~والخداج: النقص والفساد. قال الأخفش: # خدجت الناقة، إذا ألقت ولدها لغير تمام، وأخدجت إذا قذفت به قبل وقت ~~الولادة وإن كان تام الخلق. # والنظر يوجب في النقصان ألا تجوز معه الصلاة، لأنها صلاة لم تتم، ومن خرج ~~من صلاته وهي لم تتم فعليه إعادتها كما أمر، على حسب حكمها. ومن أدعى أنها ~~تجوز مع إقراره بنقصها فعليه الدليل، ولا سبيل إليه من وجه يلزم، والله ~~أعلم. # الثالثة عشرة - روى عن مالك أن القراءة لا تجب في شئ من الصلاة، وكذلك ~~كان الشافعي يقول بالعراق فيمن نسيها، ثم رجع عن هذا بمصر فقال: لا تجزئ ~~صلاة ms0124 من يحسن PageV01P123 # فاتحة الكتاب إلا بها، ولا يجزئه أن ينقص حرفا منها، فإن لم يقرأها أو ~~نقص منها حرفا أعاد صلاته وإن قرأ بغيرها. وهذا هو الصحيح في المسألة وأما ~~ما روي عن عمر رحمه الله أنه صلى المغرب فلم يقرأ فيها، فذكر ذلك له فقال: ~~كيف كان الركوع والسجود قالوا: # حسن، قال: لا بأس إذا، فحديث منكر اللفظ منقطع الاسناد، لأنه يرويه ~~إبراهيم بن الحارث التيمي عن عمر، ومرة يرويه إبراهيم عن أبي سلمة بن عبد ~~الرحمن عن عمر، وكلاهما منقطع لا حجة فيه، وقد ذكره مالك في الموطأ، وهو ~~عند بعض الرواة وليس عند يحيى وطائفة معه، لأنه رماه مالك من كتابه بأخرة ~~(1)، وقال ليس عليه العمل لان النبي صلى الله عليه وسلم قال: # (كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج) وقد روي عن عمر أنه أعاد تلك ~~الصلاة، وهو الصحيح عنه. روى يحيى بن يحيى النيسابوري قال: حدثنا أبو ~~معاوية عن الأعمش عن إبراهيم النخعي عن همام بن الحارث أن عمر نسي القراءة ~~في المغرب فأعاد بهم الصلاة. قال ابن عبد البر: وهذا حديث متصل شهده همام ~~من عمر، روي ذلك من وجوه. وروى أشهب عن مالك قال: سئل مالك عن الذي نسي ~~القراءة، أيعجبك ما قال عمر؟ فقال: أنا أنكر أن يكون عمر فعله - وأنكر ~~الحديث - وقال: يرى الناس عمر يصنع هذا في المغرب ولا يسبحون به! أرى أن ~~يعيد الصلاة من فعل هذا. # الرابعة عشرة: أجمع العلماء على أن لا صلاة إلا بقراءة، على ما تقدم من ~~أصولهم في ذلك. وأجمعوا على أن لا توقيت في ذلك بعد فاتحة الكتاب، إلا أنهم ~~يستحبون ألا يقرأ مع فاتحة الكتاب إلا سورة واحدة لأنه الأكثر مما جاء عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم. قال مالك: وسنة القراءة أن يقرأ في الركعتين ~~الأوليين بأم القرآن وسورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب. وقال الأوزاعي: ~~يقرأ بأم القرآن فإن لم يقرأ بأم القرآن وقرأ بغيرها أجزأه، وقال: # وإن نسي ms0125 أن يقرأ في ثلاث ركعات أعاد. وقال الثوري: يقرأ في الركعتين ~~الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، ويسبح في الأخريين إن شاء، وإن شاء قرأ، وإن ~~لم يقرأ ولم يسبح جازت # PageV01P124 # صلاته، وهو قول أبي حنيفة وسائر الكوفيين. قال ابن المنذر: وقد روينا عن ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: اقرأ في الأوليين وسبح في الأخريين، ~~وبه قال النخعي. # قال سفيان: فإن لم يقرأ في ثلاث ركعات أعاد الصلاة لأنه لا تجزئه قراءة ~~ركعة. قال: وكذلك إن نسي أن يقرأ في ركعة من صلاة الفجر. وقال أبو ثور: لا ~~تجزئ صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب في كل ركعة، كقول الشافعي المصري، وعليه ~~جماعة أصحاب الشافعي وكذلك قال ابن خويز منداد المالكي، قال: قراءة الفاتحة ~~واجبة عندنا في كل ركعة، وهذا هو الصحيح في المسألة. روى مسلم عن أبي قتادة ~~قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بنا فيقرأ في الظهر والعصر في ~~الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورتين، ويسمعنا الآية أحيانا، وكان يطول ~~في الركعة الأولى من الظهر ويقصر الثانية، وكذلك في الصبح. وفي رواية: ~~ويقرأ في الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب، وهذا نص صريح وحديث صحيح لما ~~ذهب إليه مالك، ونص في تعين الفاتحة في كل ركعة، خلافا لمن أبى ذلك، والحجة ~~في السنة لا فيما خالفها. # الخامسة عشرة - ذهب الجمهور إلى أن ما زاد على الفاتحة من القراءة ليس ~~بواجب، لما رواه مسلم عن أبي هريرة قال: في كل صلاة قراءة، فما أسمعنا ~~النبي صلى الله عليه وسلم أسمعناكم، وما أخفى منا أخفينا منكم، فمن قرأ بأم ~~القرآن فقد أجزأت عنه، ومن زاد فهو أفضل. وفي البخاري: وإن زدت فهو خير. ~~وقد أبى كثير من أهل العلم ترك السورة لضرورة أو لغير ضرورة، منهم عمران بن ~~حصين وأبو سعيد الخدري وخوات بن جبير ومجاهد وأبو وائل وابن عمر وابن عباس ~~وغيرهم، قالوا: لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب وشئ معها من ~~القرآن، فمنهم من حد ms0126 آيتين، ومنهم من حد آية، ومنهم من لم يحد، وقال: شئ من ~~القرآن معها، وكل هذا موجب لتعلم ما تيسر من القرآن على كل حال مع فاتحة ~~الكتاب، لحديث عبادة وأبي سعيد الخدري وغيرهما. وفي المدونة: وكيع عن ~~الأعمش عن خيثمة قال: # حدثني من سمع عمر بن الخطاب يقول: لا تجزئ صلاة من لم يقرأ فيها بفاتحة ~~الكتاب وشئ معها. واختلف المذهب في قراءة السورة على ثلاثة أقوال: سنة، ~~فضيلة، واجبة. PageV01P125 # السادسة عشرة: من تعذر ذلك عليه بعد بلوغ مجهوده فلم يقدر على تعلم ~~الفاتحة أو شئ من القرآن ولا علق منه بشئ، لزمه أن يذكر الله في موضع ~~القراءة بما أمكنه من تكبير أو تهليل أو تحميد أو تسبيح أو تمجيد أو لا حول ~~ولا قوة إلا بالله، إذا صلى وحده أو مع إمام فيما أسر فيه الامام، فقد روى ~~أبو داود وغيره عن عبد الله بن أبي أوفى قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال: إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئا، فعلمني ما يجزئني ~~منه، قال: (قل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ~~ولا قوة إلا بالله)، قال: يا رسول الله، هذا لله، فما لي؟ قال: (قل اللهم ~~ارحمني وعافني واهدني وارزقني). # السابعة عشرة: فإن عجز عن إصابة شئ من هذا اللفظ فلا يدع الصلاة مع ~~الامام جهده، فالامام يحمل ذلك عنه إن شاء الله، وعليه أبدا أن يجهد نفسه ~~في تعلم فاتحة الكتاب فما زاد، إلى أن يحول الموت دون ذلك وهو بحال ~~الاجتهاد فيعذره الله. # الثامنة عشرة: من لم يواته لسانه إلى التكلم بالعربية من الاعجمين وغيرهم ~~ترجم له الدعاء العربي بلسانه الذي يفقه لإقامة صلاته، فإن ذلك يجزئه إن ~~شاء الله تعالى. # التاسعة عشرة: لا تجزئ صلاة من قرأ بالفارسية وهو يحسن العربية في قول ~~الجمهور. # وقال أبو حنيفة: تجزئه القراءة بالفارسية وإن أحسن العربية، لان المقصود ~~إصابة المعنى. # قال ابن المنذر: لا يجزئه ms0127 ذلك، لأنه خلاف ما أمر الله به، وخلاف ما علم ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وخلاف جماعات المسلمين. ولا نعلم أحدا وافقه على ~~ما قال. # الموفية عشرين: من افتتح الصلاة كما أمر وهو غير عالم بالقراءة، فطرأ ~~عليه العلم بها في أثناء الصلاة، ويتصور ذلك بأن يكون سمع من قرأها فعلقت ~~بحفظه من مجرد السماع فلا يستأنف الصلاة، لأنه أدى ما مضى على حسب ما أمر ~~به، فلا وجه لابطاله. قاله في كتاب ابن سحنون. PageV01P126 # الباب الثالث - في التأمين، وفيه ثمان مسائل الأولى: ويسن لقارئ القرآن ~~أن يقول بعد الفراغ من الفاتحة بعد سكتة على نون " ولا الضالين ": آمين، ~~ليتميز ما هو قرآن مما ليس بقرآن. # الثانية: ثبت في الأمهات من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: (إذا أمن الامام فأمنوا فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر ~~له ما تقدم من ذنبه). # قال علماؤنا رحمة الله عليهم: فترتبت المغفرة للذنب على مقدمات أربع ~~تضمنها هذا الحديث، الأولى: تأمين الامام، الثانية: تأمين من خلفه، ~~الثالثة: تأمين الملائكة، الرابعة: موافقة التأمين، قيل في الإجابة، وقيل ~~في الزمن، وقيل في الصفة من إخلاص الدعاء، لقوله عليه السلام: (ادعوا الله ~~وأنتم موقنون بالإجابة واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه). # الثالثة - روى أبو داود عن أبي مصبح المقرائي قال: كنا نجلس إلى أبي زهير ~~النميري وكان من الصحابة، فيحدث أحسن الحديث، فإذا دعا الرجل منا بدعاء ~~قال: اختمه بآمين، فإن آمين مثل الطابع على الصحيفة. قال أبو زهير: ألا ~~أخبركم عن ذلك، خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فأتينا ~~على رجل قد ألح في المسألة، فوقف النبي صلى الله عليه وسلم يسمع منه، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: (أوجب إن ختم) فقال له رجل من القوم: بأي شئ ~~يختم؟ قال: (بآمين فإنه ختم بآمين فقد أوجب) فانصرف الرجل الذي سأل النبي ~~صلى الله عليه وسلم، فأتى الرجل فقال له: اختم ms0128 يا فلان وأبشر. قال ابن عبد ~~البر: أبو زهير النميري اسمه يحيى بن نفير روى عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: (لا تقتلوا الجراد فإنه جند الله الأعظم). وقال وهب بن منبه: آمين ~~أربعة أحرف يخلق الله من كل حرف ملكا يقول: اللهم اغفر من قال آمين. وفي ~~الخبر (لقنني جبريل آمين عند PageV01P127 # فراغي من فاتحة الكتاب وقال إنه كالخاتم على الكتاب) وفي حديث آخر: (آمين ~~خاتم رب العالمين). قال الهروي قال أبو بكر: معناه أنه طابع الله على ~~عباده، لأنه يدفع [به عنهم] (1) الآفات والبلايا، فكان كخاتم الكتاب الذي ~~يصونه، ويمنع من إفساده وإظهار ما فيه. # وفي حديث آخر (آمين درجة في الجنة). قال أبو بكر: معناه أنه حرف يكتسب به ~~قائله درجة في الجنة. # الرابعة: معنى آمين عند أكثر أهل العلم: اللهم استجب لنا، وضع موضع ~~الدعاء. # وقال قوم: هو اسم من أسماء الله، روي عن جعفر بن محمد ومجاهد وهلال بن ~~يساف ورواه ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يصح، قاله ابن ~~العربي. وقيل معنى آمين: كذلك فليكن، قاله الجوهري. وروى الكلبي عن أبي ~~صالح عن ابن عباس قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما معنى آمين؟ ~~قال: (رب افعل). وقال مقاتل: هو قوة للدعاء، واستنزال للبركة. وقال ~~الترمذي: معناه لا تخيب رجاءنا. # الخامسة: وفي آمين لغتان: المد على وزن فاعيل كياسين. والقصر على وزن ~~يمين. # قال الشاعر في المد: # يا رب لا تسلبني حبها أبدا * ويرحم الله عبدا قال آمينا وقال آخر: # آمين آمين لا أرضى بواحدة * حتى أبلغها ألفين آمينا وقال آخر في القصر: # تباعد مني فطحل إذ سألته * أمين فزاد الله ما بيننا بعدا وتشديد الميم ~~خطأ، قال الجوهري. وقد روي عن الحسن وجعفر الصادق التشديد، وهو قول الحسين ~~بن الفضل، من أم إذا قصد، أي نحن قاصدون نحوك، ومنه قوله: " ولا آمين # PageV01P128 # البيت الحرام " [المائدة: 2]. حكاه أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم ~~القشيري. قال الجوهري: # وهو مبني ms0129 على الفتح مثل أين وكيف، لاجتماع الساكنين. وتقول منه: أمن فلان ~~تأمينا. # السادسة - اختلف العلماء هل يقولها الامام وهل يجهر بها، فذهب الشافعي ~~ومالك في رواية المدنيين إلى ذلك. وقال الكوفيون وبعض المدنيين: لا يجهر ~~بها. وهو قول الطبري، وبه قال ابن حبيب من علمائنا. وقال ابن بكير: هو ~~مخير. وروى ابن القاسم عن مالك أن الامام لا يقول آمين وإنما يقول ذلك من ~~خلفه، وهو قول ابن القاسم والمصريين من أصحاب مالك. وحجتهم حديث أبي موسى ~~الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبنا فبين لنا سنتنا وعلمنا ~~صلاتنا فقال: (إذا صليتم فأقيموا صفوفكم ثم ليؤمكم أحدكم فإذا كبر فكبروا ~~وإذا قال غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا آمين يجبكم الله) وذكر ~~الحديث، أخرجه مسلم. ومثله حديث سمي عن أبي هريرة، وأخرجه مالك. والصحيح ~~الأول لحديث وائل بن حجر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ " ~~ولا الضالين " قال: # " آمين " يرفع بها صوته، أخرجه أبو داود والدارقطني، وزاد " قال أبو بكر: ~~هذه سنة تفرد بها أهل الكوفة، هذا صحيح والذي بعده ". وترجم البخاري " باب ~~جهر الامام بالتأمين ". # وقال عطاء: " آمين " دعاء، أمن ابن الزبير ومن وراءه حتى إن للمسجد للجة ~~(1). قال الترمذي: # وبه يقول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن ~~بعدهم، يرون أن يرفع الرجل صوته بالتأمين لا يخفيها. وبه يقول الشافعي ~~وأحمد وإسحاق. وفى الموطأ والصحيحين قال ابن شهاب: وكان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول " آمين ". وفي سنن ابن ماجة عن أبي هريرة قال: ترك الناس ~~آمين، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال: # " غير المغضوب عليهم ولا الضالين " قال: " آمين " حتى يسمعها أهل الصف ~~الأول فيرتج بها المسجد. وأما حديث أبي موسى وسمي فمعناهما التعريف بالموضع ~~الذي يقال فيه آمين، وهو إذا قال الامام: " ولا الضالين " ليكون قولهما ~~معا، ولا يتقدموه بقول: آمين، # PageV01P129 # لما ذكرناه، والله أعلم. ولقوله عليه السلام: (إذا أمن ms0130 الامام فأمنوا). ~~وقال ابن نافع في كتاب ابن الحارث: لا يقولها المأموم إلا أن يسمع الامام ~~يقول: " ولا الضالين ". # وإذا كان ببعد لا يسمعه فلا يقل. وقال ابن عبدوس: يتحرى قدر القراءة ~~ويقول: آمين. # السابعة - قال أصحاب أبي حنيفة: الاخفاء بآمين أولى من الجهر بها لأنه ~~دعاء، وقد قال الله تعالى: " ادعوا ربكم تضرعا وخفيه " [الأعراف: 5]. ~~قالوا: والدليل عليه ما روي في تأويل قول تعالى: " قد أجيبت دعوتكما " ~~[يونس: 89]. قال: كان موسى يدعو وهارون يؤمن، فسماهما الله داعيين. # الجواب: أن إخفاء الدعاء إنما كان أفضل لما يدخله من الرياء. وأما ما ~~يتعلق بصلاة الجماعة فشهودها إشهار شعار ظاهر، وإظهار حق يندب العباد إلى ~~إظهاره، وقد ندب الامام إلى إشهار قراءة الفاتحة المشتملة على الدعاء ~~والتأمين في آخرها، فإذا كان الدعاء مما يسن الجهر فيه فالتأمين على الدعاء ~~تابع له وجار مجراه، وهذا بين. # الثامنة - كلمة آمين لم تكن قبلنا إلا لموسى وهارون عليهما السلام. ذكر ~~الترمذي الحكيم في (نوادر الأصول): حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد قال ~~حدثنا أبي قال حدثنا رزين مؤذن مسجد هشام بن حسان قال حدثنا أنس بن مالك ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله أعطى أمتي ثلاثا لم تعط ~~أحدا قبلهم السلام وهو تحية أهل الجنة وصفوف الملائكة وآمين إلا ما كان من ~~موسى وهارون) قال أبو عبد الله: معناه أن موسى دعا على فرعون، وأمن هارون، ~~فقال الله تبارك اسمه عندما ذكر دعاء موسى في تنزيله: # " قد أجيبت دعوتكما " [يونس: 89] ولم يذكر مقالة هارون، وقال موسى: ربنا، ~~فكان من هارون التأمين، فسماه داعيا في تنزيله، إذ صير ذلك منه دعوة. وقد ~~قيل: إن آمين خاص لهذه الأمة، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: (ما حسدتكم اليهود على شئ ما حسدتكم على السلام والتأمين) أخرجه ابن ~~ماجة من حديث حماد بن سلمة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن عائشة أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال....، ms0131 الحديث. وأخرج أيضا من PageV01P130 # حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما حسدتكم اليهود على ~~شئ ما حسدتكم على آمين فأكثروا من قول آمين). قال علماؤنا (1) رحمة الله ~~عليهم: إنما حسدنا أهل الكتاب لان أولها حمد لله وثناء عليه ثم خضوع له ~~واستكانة، ثم دعاء لنا بالهداية إلى الصراط المستقيم، ثم الدعاء عليهم مع ~~قولنا آمين. # الباب الرابع - فيما تضمنته الفاتحة من المعاني والقراءات والاعراب وفضل ~~الحامدين، وفيه ست وثلاثون مسألة الأولى - قوله سبحانه وتعالى: (الحمد لله) ~~روى أبو محمد عبد الغني بن سعيد الحافظ من حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قال العبد الحمد لله قال صدق عبدي ~~الحمد لي). وروى مسلم عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: (إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الاكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة ~~فيحمده عليها). وقال الحسن: ما من نعمة إلا والحمد لله أفضل منها. وروى ابن ~~ماجة عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما أنعم الله ~~على عبد نعمة فقال الحمد لله إلا كان الذي أعطاه أفضل مما أخذ). وفي (نوادر ~~الأصول) عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو أن ~~الدنيا كلها بحذافيرها بيد رجل من أمتي ثم قال الحمد لله لكانت الحمد لله ~~أفضل من ذلك). قال أبو عبد الله: معناه عندنا أنه قد أعطي الدنيا، ثم أعطي ~~على أثرها هذه الكلمة حتى نطق بها، فكانت هذه الكلمة أفضل من الدنيا كلها، ~~لان الدنيا فانية والكلمة باقية، هي من الباقيات الصالحات، قال [الله ~~تعالى: # " والباقيات الصالحات] (2) خير عند ربك ثوابا وخير أملا " [مريم: 76]. ~~وقيل في بعض الروايات: لكان ما أعطى أكثر مما أخذ. فصير الكلمة إعطاء من ~~العبد، والدنيا أخذا من الله، فهذا # PageV01P131 # في التدبير (1). كذاك يجري في الكلام أن هذه الكلمة من العبد، والدنيا من ~~الله، وكلاهما من الله ms0132 في الأصل، الدنيا منه والكلمة منه، أعطاه الدنيا ~~فأغناه، وأعطاه الكلمة فشرفه بها في الآخرة. وروى ابن ماجة عن ابن عمر أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثهم: # (أن عبدا من عباد الله قال يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم ~~سلطانك فعضلت بالملكين فلم يدريا كيف يكتبانها فصعدا إلى السماء وقالا يا ~~ربنا إن عبدك قد قال مقالة لا ندري كيف نكتبها قال الله عز وجل وهو أعلم ~~بما قال عبده ماذا قال عبدي قالا يا رب إنه قد قال يا رب لك الحمد كما ~~ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك فقال الله لهما اكتباها كما قال عبدي حتى ~~يلقاني فأجزيه بها). # قال أهل اللغة: أعضل الامر: اشتد واستغلق، والمعضلات (بتشديد الضاد): ~~الشدائد. # وعضلت المرأة والشاة: إذا نشب ولدها فلم يسهل مخرجه، بتشديد الضاد أيضا، ~~فعلى هذا يكون: أعضلت الملكين أو عضلت الملكين بغير باء. والله أعلم. وروي ~~عن مسلم عن أبي مالك الأشعري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~(الطهور شطر الايمان والحمد لله تملأ الميزان وسبحان الله والحمد لله تملآن ~~أو تملأ ما بين السماء والأرض) وذكر الحديث. # الثانية - اختلف العلماء أيما أفضل، قول العبد: الحمد لله رب العالمين، ~~أو قول لا إله إلا الله؟ فقالت طائفة: قوله الحمد لله رب العالمين أفضل، ~~لان في ضمنه التوحيد الذي هو لا إله إلا الله، ففي قوله توحيد وحمد، وفي ~~قوله لا إله إلا الله توحيد فقط. # وقالت طائفة: لا إله إلا الله أفضل، لأنها تدفع الكفر والاشراك، وعليها ~~يقاتل الخلق، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى ~~يقولوا لا إله إلا الله). # واختار هذا القول ابن عطية قال: والحاكم بذلك قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: (أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك ~~له). # PageV01P132 # الثالثة - أجمع المسلمون على أن الله محمود على سائر نعمه، وأن مما أنعم ~~الله به الايمان، فدل على ms0133 أن الايمان فعله وخلقه، والدليل على ذلك قوله: " ~~رب العالمين ". والعالمون جملة المخلوقات، ومن جملتها الايمان، لا كما قال ~~القدرية: إنه خلق لهم، على ما يأتي بيانه. # الرابعة - الحمد في كلام العرب معناه الثناء الكامل، والألف واللام ~~لاستغراق الجنس من المحامد، فهو سبحانه يستحق الحمد بأجمعه إذ له الأسماء ~~الحسنى والصفات العلا، وقد جمع لفظ الحمد جمع القلة في قول الشاعر: # وأبلج محمود الثناء خصصته * بأفضل أقوالي وأفضل أحمدي فالحمد نقيض الذم، ~~تقول: حمدت الرجل أحمده حمدا فهو حميد ومحمود، والتحميد أبلغ من الحمد. ~~والحمد أعم من الشكر، والمحمد: الذي كثرت خصال المحمودة. قال الشاعر: # * إلى الماجد القرم الجواد المحمد * وبذلك سمي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. وقال الشاعر: (1) فشق له من اسمه ليجله * فذو العرش محمود وهذا محمد ~~والمحمدة: خلاف المذمة. وأحمد الرجل: صار أمره إلى الحمد. وأحمدته: وجدته ~~محمودا، تقول: أتيت موضع كذا فأحمدته، أي صادفته محمودا موافقا، وذلك إذا ~~رضيت سكناه أو مرعاه. ورجل حمدة - مثل همزة - يكثر حمد الأشياء ويقول فيها ~~أكثر مما فيها. # وحمدة النار - بالتحريك -: صوت التهابها. # الخامسة - ذهب أبو جعفر الطبري وأبو العباس المبرد إلى أن الحمد والشكر ~~بمعنى واحد سواء، وليس بمرضى. وحكاه أبو عبد الرحمن السلمي في كتاب " ~~الحقائق " له عن جعفر الصادق وابن عطاء. قال ابن عطاء: معناه الشكر لله، إذ ~~كان منه الامتنان على تعليمنا إياه حتى حمدناه. واستدل الطبري على أنهما ~~بمعنى بصحة قولك: الحمد لله شكرا. قال ابن عطية: # وهو في الحقيقة دليل على خلاف ما ذهب إليه، لان قولك شكرا، إنما خصصت به ~~الحمد، لأنه على نعمة من النعم. وقال بعض العلماء: إن الشكر أعم من الحمد، ~~لأنه باللسان وبالجوارح # PageV01P133 # والقلب، والحمد إنما يكون باللسان خاصة. وقيل: الحمد أعم، لان فيه معنى ~~الشكر ومعنى المدح، وهو أعم من الشكر، لان الحمد يوضع موضع الشكر ولا يوضع ~~الشكر موضع الحمد. # وروي عن ابن عباس أنه قال: الحمد لله كلمه كل شاكر، وإن آدم عليه السلام ~~قال ms0134 حين عطس: الحمد لله. وقال الله لنوح عليه السلام: " فقل الحمد لله الذي ~~نجانا من القوم الظالمين " (1) وقال إبراهيم عليه السلام: " الحمد لله الذي ~~وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحق " (2). وقال في قصة داود وسليمان: " وقالا ~~الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين " (3). وقال لنبيه صلى ~~الله عليه وسلم: " وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا " (4). وقال أهل الجنة: ~~" الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن " (5). " وآخر دعواهم أن الحمد لله رب ~~العالمين " (6) . فهي كلمة كل شاكر. # قلت: الصحيح أن الحمد ثناء على الممدوح بصفاته من غير سبق إحسان، والشكر ~~ثناء على المشكور بما أولى من الاحسان (7). وعلى هذا الحد قال علماؤنا: ~~الحمد أعم من الشكر، لان الحمد يقع على الثناء وعلى التحميد وعلى الشكر، ~~والجزاء مخصوص إنما يكون مكافأة لمن أولاك معروفا، فصار الحمد أعم في الآية ~~لأنه يزيد على الشكر. ويذكر الحمد بمعنى الرضا، يقال: # بلوته فحمدته، أي رضيته. ومنه قول تعالى: " مقاما محمودا " (8). وقال ~~عليه السلام: (أحمد إليكم غسل الإحليل) أي أرضاه لكم. ويذكر عن جعفر الصادق ~~في قوله " الحمد لله ": # من حمده بصفاته كما وصف نفسه فقد حمد، لان الحمد جاء وميم ودال، فالحاء ~~من الوحدانية، والميم من الملك، والدال من الديمومية، فمن عرفه بالوحدانية ~~والديمومية والملك فقد عرفه، وهذا هو حقيقة الحمد لله. وقال شقيق بن ~~إبراهيم في تفسير " الحمد لله " قال: هو على ثلاثة أوجه: أولها إذا أعطاك ~~الله شيئا تعرف من أعطاك. والثاني أن ترضى بما أعطاك. والثالث ما دامت قوته ~~في جسدك ألا تعصيه، فهذه شرائط الحمد. # PageV01P134 # السادسة - أثنى الله سبحانه بالحمد على نفسه، وافتتح كتابه بحمده، ولم ~~يأذن في ذلك لغيره، بل نهاهم عن ذلك في كتابه وعلى لسان نبيه عليه السلام ~~فقال: " فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى " (1). وقال عليه السلام: ~~(احثوا في وجوه المداحين التراب) رواه المقداد. # وسيأتي القول فيه في " النساء " (2) إن شاء الله تعالى. # فمعنى " الحمد لله رب العالمين " أي سبق الحمد مني لنفسي أن ms0135 يحمدني أحد ~~من العالمين، وحمدي نفسي لنفسي في الأزل لم يكن بعلة، وحمدي الخلق مشوب ~~بالعلل. قال علماؤنا: # فيستقبح من المخلوق الذي لم يعط الكمال أن يحمد نفسه ليستجلب لها المنافع ~~ويدفع عنها المضار. # وقيل: لما علم سبحانه عجز عباده عن حمده، حمد نفسه بنفسه لنفسه في الأزل، ~~فاستفراغ طوق عباده هو محل العجز عن حمده. ألا ترى سيد المرسلين كيف أظهر ~~العجز بقوله: (لا أحصى ثناء عليك). وأنشدوا: # إذا نحن أثنينا عليك بصالح * فأنت كما نثني وفوق الذي نثني وقيل: حمد ~~نفسه في الأزل لما علم من كثره نعمه على عباده وعجزهم عن القيام بواجب حمده ~~فحمد نفسه عنهم، لتكون النعمة أهنأ لديهم، حيث أسقط عنهم به ثقل المنة. # السابعة - وأجمع القراء السبعة وجمهور الناس على رفع الدال من " الحمد ~~لله ". # وروي عن سفيان بن عيينة ورؤبة بن العجاج: " الحمد لله " بنصب الدال، وهذا ~~على إضمار فعل. ويقال: " الحمد لله " بالرفع مبتدأ وخبر، وسبيل الخبر أن ~~يفيد، فما الفائدة في هذا؟ # فالجواب أن سيبويه قال: إذا قال الرجل الحمد لله بالرفع ففيه من المعنى ~~مثل ما في قولك: # حمدت الله حمدا، إلا أن الذي يرفع الحمد يخبر أن الحمد منه ومن جميع ~~الخلق لله، والذي ينصب الحمد يخبر أن الحمد منه وحده لله. وقال غير سيبويه. ~~إنما يتكلم بهذا تعرضا لعفو الله ومغفرته وتعظيما له وتمجيدا، فهو خلاف ~~معنى الخبر وفيه معنى السؤال. وفي الحديث: (من شغل بذكري عن مسألتي أعطيته ~~أفضل ما أعطي السائلين). وقيل: إن مدحه عز وجل لنفسه وثناءه عليها ليعلم ~~ذلك عباده، فالمعنى على هذا: قولوا الحمد لله. قال الطبري: " الحمد لله " # PageV01P135 # ثناء أثنى به على نفسه، وفى ضمنه أمر عباده أن يثنوا عليه، فكأنه قال: ~~قولوا الحمد لله، وعلى هذا يجئ قولوا إياك. وهذا من حذف العرب ما يدل ظاهر ~~الكلام عليه، كما قال الشاعر: # وأعلم أنني سأكون رمسا * إذا سار النواعج (1) لا يسير فقال السائلون لمن ~~حفرتم * فقال القائلون لهم وزير المعنى: المحفور ms0136 له وزير، فحذف لدلالة ظاهر ~~الكلام عليه، وهذا كثير. وروي عن ابن أبي عبلة: # " الحمد لله " بضم الدال واللام على اتباع الثاني الأول، وليتجانس اللفظ، ~~وطلب التجانس في اللفظ كثير في كلامهم، نحو: أجوءك، وهو منحدر من الجبل، ~~بضم الدال والجيم. قال: # * أضرب الساقين أمك هابل * بضم النون لأجل ضم الهمزة. وفي قراءة لأهل مكة ~~" مردفين " بضم الراء اتباعا للميم، وعلى ذلك " مقتلين " بضم القاف. ~~وقالوا: لإمك، فكسروا الهمزة اتباعا للام، وأنشد للنعمان بن بشير: # ويل أمها في هواء الجو طالبة * ولا كهذا الذي في الأرض مطلوب (2) الأصل: ~~ويل لأمها، فحذفت اللام الأولى واستثقل ضم الهمزة بعد الكسرة فنقلها للام ~~ثم أتبع اللام الميم. وروي عن الحسن بن أبي الحسن وزيد بن علي: " الحمد لله ~~" بكسر الدال على اتباع الأول الثاني. # الثامنة - قوله تعالى: رب العالمين (2) أي مالكهم، وكل من ملك شيئا فهو ~~ربه، فالرب: المالك. وفي الصحاح: والرب اسم من أسماء الله تعالى، ولا يقال ~~في غيره إلا بالإضافة، وقد قالوه في الجاهلية للملك، قال الحارث بن حلزة: # وهو الرب والشهيد على يو * م الحيارين (3) والبلاء بلاء # PageV01P136 # والرب: السيد، ومنه قوله تعالى: " اذكرني عند ربك " (1). وفي الحديث: (أن ~~تلد الأمة ربتها) أي سيدتها، وقد بيناه في كتاب (التذكرة). والرب: المصلح ~~والمدبر والجابر والقائم. قال الهروي وغيره: يقال لمن قام بإصلاح شئ ~~وإتمامه: قد ربه يربه فهو رب له وراب، ومنه سمي الربانيون لقيامهم بالكتب. ~~وفي الحديث: (هل لك من نعمة تربها عليه) أي تقوم بها وتصلحها. والرب: ~~المعبود، ومنه قول الشاعر: # أرب يبول الثعلبان برأسه * لقد ذل من بالت عليه الثعالب ويقال على ~~التكثير (2): رباه ورببه وربته، حكاه النحاس. وفي الصحاح: ورب فلان ولده ~~يربه ربا ورببه وترببه بمعنى أي رباه. والمربوب: المربى. # التاسعة - قال بعض العلماء: إن هذا الاسم هو اسم الله الأعظم، لكثرة دعوة ~~الداعين به، وتأمل ذلك في القرآن، كما في آخر " آل عمران " (3) وسورة " ~~إبراهيم " (4) وغيرهما، ولما يشعر به هذا الوصف من الصلاة بين الرب ms0137 ~~والمربوب، مع ما يتضمنه من العطف والرحمة والافتقار في كل حال. # واختلف في اشتقاقه، فقيل: إنه مشتق من التربية، فالله سبحانه وتعالى مدبر ~~لخلقه ومربيهم، ومنه قوله تعالى: " وربائبكم اللاتي في حجوركم " (5). فسمى ~~بنت الزوجة ربيبة لتربية الزوج لها. # فعلى أنه مدبر لخلقه ومربيهم يكون صفة فعل، وعلى أن الرب بمعنى المالك ~~والسيد يكون صفة ذات. # العاشرة - متى أدخلت الألف واللام على " رب " اختص الله تعالى به، لأنها ~~للعهد، وإن حذفنا منه صار مشتركا بين الله وبين عباده، فيقال: الله رب ~~العباد، وزيد رب الدار، فالله سبحانه رب الأرباب، يملك المالك والمملوك، ~~وهو خالق ذلك ورزقه، وكل رب سواه غير خالق ولا رازق، وكل مملوك فمملك بعد ~~أن لم يكن، ومنتزع ذلك من يده، وإنما # PageV01P137 # يملك شيئا دون شئ، وصفة الله تعالى مخالفة لهذه المعاني، فهذا الفرق بين ~~صفة الخالق والمخلوقين. # الحادية عشرة - قوله تعالى - (العالمين) اختلف أهل التأويل في " العالمين ~~" اختلافا كثيرا، فقال قتادة: العالمون جمع عالم، وهو كل موجود سوى الله ~~تعالى، ولا واحد له من لفظه مثل رهط وقوم. وقيل: أهل كل زمان عالم، قاله ~~الحسين بن الفضل، لقول تعالى: # " أتأتون الذكران من العالمين " أي من الناس. وقال العجاج: # * فخندف هامة هذا العالم (2) * وقال جرير بن الخطفي: # تنصفه البرية وهو سام * ويضحي العالمون له عيالا وقال ابن عباس: العالمون ~~الجن والإنس، دليله قوله تعالى: " ليكون للعالمين نذيرا " (3) ولم يكن ~~نذيرا للبهائم. وقال الفراء وأبو عبيدة: العالم عبارة عمن يعقل، وهم أربعة ~~أمم: # الإنس والجن والملائكة والشياطين. ولا يقال للبهائم: عالم، لان هذا الجمع ~~إنما هو جمع من يعقل خاصة. # قال الأعشى: # * ما إن سمعت بمثلهم في العالمينا * وقال زيد بن أسلم: هم المرتزقون، ~~ونحوه قول أبي عمرو بن العلاء: هم الروحانيون. # وهو معنى قول ابن عباس أيضا: كل ذي روح دب على وجه الأرض. وقال وهب بن ~~منبه: إن لله عز وجل ثمانية عشر ألف عالم، الدنيا عالم منها. وقال أبو سعيد ~~الخدري: # إن لله أربعين ألف ms0138 عالم، الدنيا من شرقها إلى غربها عالم واحد. وقال ~~مقاتل: العالمون ثمانون ألف عالم، أربعون ألف عالم في البر، وأربعون ألف ~~عالم في البحر. وروى الربيع ابن أنس عن أبي العالية قال: الجن عالم، والانس ~~عالم، وسوى ذلك للأرض أربع زوايا في كل زاوية ألف وخمسمائة عالم، خلقهم ~~لعبادته. # PageV01P138 # قلت: والقول الأول أصح هذه الأقوال، لأنه شامل لكل مخلوق وموجود، دليله ~~قوله تعالى: " قال فرعون وما رب العالمين (1). قال رب السماوات والأرض وما ~~بينهما " [الشعراء: 23] ثم هو مأخوذ من العلم والعلامة، لأنه يدل على ~~موجده. كذا قال الزجاج قال: العالم كل ما خلقه الله في الدنيا والآخرة. ~~وقال الخليل: العلم والعلامة والمعلم: ما دل على الشئ، فالعالم دال على أن ~~له خالقا ومدبرا، وهذا واضح. وقد ذكر أن رجلا قال بين يدي الجنيد: # الحمد لله، فقال له: أتمها كما قال الله، قل: رب العالمين، فقال الرجل: ~~ومن العالمين حتى تذكر مع الحق؟ قال: قل يا أخي؟ فإن المحدث إذا قرن مع ~~القديم لا يبقى له أثر. # الثانية عشرة - يجوز الرفع والنصب في " رب " فالنصب على المدح، والرفع ~~على القطع، أي هو رب العالمين. # الثالثة عشرة - قوله تعالى: الرحمن الرحيم (3) وصف نفسه تعالى بعد " رب ~~العالمين "، بأنه " الرحمن الرحيم "، لأنه لما كان في اتصافه ب‍ " - رب ~~العالمين " ترهيب قرنه ب‍ " - الرحمن الرحيم "، لما تضمن من الترغيب، ليجمع ~~في صفاته بين الرهبة منه، والرغبة إليه، فيكون أعون على طاعته وأمنع، كما ~~قال: " نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم (2). وأن عذابي هو العذاب الأليم ~~". وقال: " غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول " (3). # وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لو ~~يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد ولو يعلم الكافر ما ~~عند الله من الرحمة ما قنط من جنته أحد). وقد تقدم ما في هذين الاسمين من ~~المعاني، فلا معنى لإعادته. # الرابعة عشرة - قوله تعالى: مالك يوم الدين (4) قرأ محمد بن ms0139 السميقع بنصب ~~مالك، وفيه أربع لغات: مالك وملك وملك - مخففة من ملك - ومليك. قال الشاعر: ~~(4) وأيام لنا غر طوال * عصينا الملك فيها أن ندينا # PageV01P139 # وقال آخر: (1) فاقنع بما قسم المليك فإنما * قسم الخلائق بيننا علامها ~~الخلائق: الطبائع التي جبل الانسان عليها. وروي عن نافع إشباع الكسرة في " ~~ملك " فيقرأ " ملكي " على لغة من يشبع الحركات، وهي لغة للعرب ذكرها ~~المهدوي وغيره. # الخامسة عشرة - اختلف العلماء أيما أبلغ: ملك أو مالك؟ والقراءتان ~~مرويتان عن النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر. ذكرهما الترمذي، فقيل: ~~" ملك " أعم وأبلغ من " مالك " إذ كل ملك مالك، وليس كل مالك ملكا، ولأن ~~أمر الملك نافذ على المالك في ملكه، حتى لا يتصرف إلا عن تدبير الملك، قال ~~أبو عبيدة والمبرد. وقيل: " مالك " أبلغ، لأنه يكون مالكا للناس وغيرهم، ~~فالمالك أبلغ تصرفا وأعظم، إذ إليه إجراء قوانين الشرع، ثم عنده زيادة ~~التملك. # وقال أبو علي: حكى أبو بكر بن السراج عن بعض من اختار القراءة ب‍ " - ملك ~~" أن الله سبحانه قد وصف نفسه بأنه مالك كل شئ بقوله: " رب العالمين " فلا ~~فائدة في قراءة من قرأ " مالك " لأنها تكرار. قال أبو على: ولا حجة في هذا، ~~لان في التنزيل أشياء على هذه الصورة، تقدم العام ثم ذكر الخاص كقوله: " هو ~~الله الخالق البارئ المصور " فالخالق يعم. وذكر المصور لما فيه من التنبيه ~~على الصنعة ووجود الحكمة، وكما قال تعالى: " وبالآخرة هم يوقنون " بعد ~~قوله: " الذين يؤمنون بالغيب ". والغيب يعم الآخرة وغيرها، ولكن ذكرها ~~لعظمها، والتنبيه على وجوب اعتقادها، والرد على الكفرة الجاحدين لها، وكما ~~قال: " الرحمن الرحيم " فذكر " الرحمن " الذي هو عام وذكر " الرحيم " بعده، ~~لتخصيص المؤمنين به في قوله: " وكان بالمؤمنين رحيما ". وقال أبو حاتم: إن ~~مالكا أبلغ في مدح الخالق من " ملك "، و " ملك " أبلغ في مدح المخلوقين من ~~مالك، والفرق بينهما أن المالك من المخلوقين قد يكون غير ملك وإذا كان الله ~~تعالى مالكا كان ملكا، واختار هذا القول القاضي أبو بكر ms0140 بن العربي وذكر ~~ثلاثة # PageV01P140 # أوجه، الأول: أنك تضيفه إلى الخاص والعام، فتقول: مالك الدار والأرض ~~والثوب، كما تقول: مالك الملوك. الثاني: أنه يطلق على مالك القليل والكثير، ~~وإذا تأملت هذين القولين وجدتهما واحدا. والثالث: أنك تقول: مالك الملك، ~~ولا تقول: ملك الملك. قال ابن الحصار: إنما كان ذلك لان المراد من " مالك " ~~الدلالة على الملك - بكسر الميم - وهو لا يتضمن " الملك " - بضم الميم - و ~~" ملك " يتضمن الامرين جميعا فهو أولى بالمبالغة. ويتضمن أيضا الكمال، ~~ولذلك استحق الملك على من دونه، ألا ترى إلى قوله تعالى: " إن الله اصطفاه ~~(1) عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم "، ولهذا قال عليه السلام: (الإمامة ~~في قريش) وقريش أفضل قبائل العرب، والعرب أفضل من العجم وأشرف. ويتضمن ~~الاقتدار والاختيار وذلك أمر ضروري في الملك، إن لم يكن قادرا مختارا نافذا ~~حكمه وأمره، قهره عدوه وغلبه غيره وازدرته رعيته، ويتضمن البطش والامر ~~والنهي والوعد والوعيد، ألا ترى إلى قول سليمان عليه السلام: " ما لي لا ~~أرى الهدهد أم كان من الغائبين. لأعذبنه عذابا شديدا " (2) إلى غير ذلك من ~~الأمور العجيبة والمعاني الشريفة التي لا توجد في المالك. # قلت: وقد احتج بعضهم على أن مالكا أبلغ لان فيه زيادة حرف، فلقارئه عشر ~~حسنات زيادة عمن قرأ ملك. قلت: هذا نظر إلى الصيغة لا إلى المعنى، وقد ثبتت ~~القراءة بملك، وفيه من المعنى ما ليس في مالك، على ما بينا والله أعلم. # السادسة عشرة - لا يجوز أن يتسمى أحد بهذا الاسم ولا يدعى به إلا الله ~~تعالى، روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: (يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه ثم يقول أنا الملك ~~أين ملوك الأرض) وعنه أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن أخنع اسم ~~عند الله رجل تسمى ملك الأملاك - زاد مسلم - لا مالك إلا الله عز وجل) قال ~~سفيان (3): " مثل: شاهان شاه. وقال # PageV01P141 # أحمد بن حنبل: سألت أبا عمرو الشيباني عن أخنع، فقال: أوضع. ms0141 وعنه قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أغيظ رجل على الله يوم القيامة وأخبثه ~~رجل [كان] يسمى ملك الأملاك لا ملك إلا الله سبحانه). قال ابن الحصار: ~~وكذلك " ملك يوم الدين " و " مالك الملك " لا ينبغي أن يختلف في أن هذا ~~محرم على جميع المخلوقين كتحريم ملك الأملاك سواء، وأما الوصف بمالك وملك ~~وهي: # السابعة عشرة - فيجوز أن يوصف بهما من اتصف بمفهومهما، قال الله العظيم: # " إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا " (1). وقال صلى الله عليه وسلم: (ناس ~~من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله يركبون ثبج (2) هذا البحر ملوكا على ~~الأسرة أو مثل الملوك على الأسرة). # الثامنة عشرة - إن قال قائل: كيف قال " مالك يوم الدين " ويوم الدين لم ~~يوجد بعد، فكيف وصف نفسه بملك ما لم يوجده قيل له: اعلم أن مالكا اسم فاعل ~~من ملك يملك، واسم الفاعل في كلام العرب قد يضاف إلى ما بعده وهو بمعنى ~~الفعل المستقبل ويكون ذلك عندهم كلاما سديدا معقولا صحيحا، كقولك: هذا ضارب ~~زيد غدا، أي سيضرب زيدا. وكذلك: هذا حاج بيت الله في العام المقبل، تأويله ~~سيحج في العام المقبل، أفلا ترى أن الفعل قد ينسب إليه وهو لم يفعله بعد، ~~وإنما أريد به الاستقبال، فكذلك قوله عز وجل: " مالك يوم الدين " على تأويل ~~الاستقبال، أي سيملك يوم الدين أو في يوم الدين إذا حضر. # ووجه ثان: أن يكون تأويل المالك راجعا إلى القدرة، أي إنه قادر في يوم ~~الدين، أو على يوم الدين وإحداثه، لان المالك للشئ هو المتصرف في الشئ ~~والقادر عليه، والله عز وجل مالك الأشياء كلها ومصرفها على إرادته، لا ~~يمتنع عليه منها شئ. # والوجه الأول أمس بالعربية وأنفذ في طريقها، قال أبو القاسم الزجاجي. # PageV01P142 # ووجه ثالث: فيقال لم خصص يوم الدين وهو مالك يوم الدين وغيره؟ قيل له: ~~لان في الدنيا كانوا منازعين في الملك، مثل فرعون ونمرود وغيرهما، وفي ذلك ~~اليوم لا ينازعه أحد في ملكه، وكلهم خضعوا له، ms0142 كما قال تعالى: " لمن الملك ~~اليوم " (1) فأجاب جميع الخلق: # " لله الواحد القهار " فلذلك قال: مالك يوم الدين، أي في ذلك اليوم لا ~~يكون مالك ولا قاض ولا مجاز غيره، سبحانه لا إله إلا هو. # التاسعة عشرة - إن وصف الله سبحانه بأنه ملك كان ذلك من صفات ذاته، وإن ~~وصف بأنه مالك كان ذلك من صفات فعله. # الموفية العشرين - اليوم: عبارة عن وقت طلوع الفجر إلى وقت غروب الشمس، ~~فاستعير فيما بين مبتدأ القيامة إلى وقت استقرار أهل الدارين فيهما. وقد ~~يطلق اليوم على الساعة منه، قال الله تعالى: " اليوم أكملت لكم دينكم " (2) ~~وجمع يوم أيام، وأصله أيوام فأدغم، وربما عبروا عن الشدة باليوم، يقال: يوم ~~ايوم، كما يقال: ليلة ليلاء. # قال الراجز: (3) * نعم أخو الهيجاء في اليوم اليمي * (4) وهو مقلوب منه، ~~أخر الواو وقدم الميم ثم قلبت الواو ياء حيث صارت طرفا، كما قالوا: # أدل في جمع دلو. # الحادية والعشرون - الدين: الجزاء على الأعمال والحساب بها، كذلك قال ابن ~~عباس وابن مسعود وابن جريج وقتادة وغيرهم، وروي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، ويدل عليه قوله تعالى: " يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق " (5) أي ~~حسابهم. وقال: " اليوم تجزى كل نفس بما كسبت " [غافر: 17] و " اليوم تجزون ~~ما كنتم تعملون " (6) وقال: " أئنا لمدينون " (7) أي مجزيون محاسبون. وقال ~~لبيد: # PageV01P143 # حصادك يوما ما زرعت وإنما * يدان الفتى يوما كما هو دائن آخر: # إذا ما رمونا رميناهم * ودناهم مثل ما يقرضونا آخر: # وأعلم يقينا (1) أن ملكك زائل * وأعلم بأن كما تدين تدان وحكى أهل اللغة: ~~دنته بفعله دينا (بفتح الدال) ودينا (بكسرها) جزيته، ومنه الديان في صفة ~~الرب تعالى أي المجازي، وفي الحديث: (الكيس من دان نفسه) أي حاسب. # وقيل: القضاء. روي عن ابن عباس أيضا، ومنه قول طرفة: # لعمرك ما كانت حمولة (2) معبد * على جدها (3) حربا لدينك من مضر ومعاني ~~هذه الثلاثة متقاربة. والدين أيضا: الطاعة، ومنه قول عمرو بن كلثوم: # وأيام لنا غر طوال * عصينا الملك فيها أن ندينا فعلى هذا هو لفظ ms0143 مشترك ~~وهي: # الثانية والعشرون - قال ثعلب: دان الرجل إذا أطاع، ودان إذا عصى، ودان ~~إذا عز، ودان إذا ذل، ودان إذا قهر، فهو من الأضداد. ويطلق الدين على ~~العادة والشأن، كما قال: # * كدينك من أم الحويرث قبلها * وقال المثقب [يذكر ناقته]: # تقول إذا درأت لها وضيني (4) * أهذا دينه أبدا وديني # PageV01P144 # والدين: سيرة الملك. قال زهير: # لئن حللت بجو في بني أسد * في دين عمرو وحالت بيننا فدك (1) أراد في موضع ~~طاعة عمرو. والدين: الداء، عن اللحياني. وأنشد: # * يا دين قلبك من سلمى وقد دينا * الثالثة والعشرون - قوله تعالى: " إياك ~~نعبد " رجع من الغيبة إلى الخطاب على التلوين، لان من أول السورة إلى هاهنا ~~خبرا عن الله تعالى وثناء عليه، كقوله " وسقاهم (2) ربهم شرابا طهورا ". ثم ~~قال: " إن هذا كان لكم جزاء ". وعكسه: " حتى إذا كنتم (3) في الفلك وجرين ~~بهم " [يونس: 22] على ما يأتي. # و " نعبد " معناه نطيع، والعبادة الطاعة والتذلل. # وطريق معبد إذا كان مذللا للسالكين، قاله الهروي. ونطق المكلف به إقرار ~~بالربوبية وتحقيق لعبادة الله تعالى، إذ سائر الناس يعبدون سواه من أصنام ~~وغير ذلك. " وإياك نستعين " أي نطلب العون والتأييد والتوفيق. # قال السلمي في حقائقه: سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول: سمعت أبا ~~حفص الفرغاني يقول: من أقر ب‍ " إياك نعبد وإياك نستعين " فقد برئ من الجبر ~~والقدر. # الرابعة والعشرون - إن قيل: لم قدم المفعول على الفعل؟ قيل له: قدم ~~اهتماما، وشأن العرب تقديم الأهم. يذكر أن أعرابيا سب آخر فأعرض المسبوب ~~عنه، فقال له الساب: # إياك أعني: فقال له الآخر: وعنك أعرض، فقدما الأهم. وأيضا لئلا يتقدم ذكر ~~العبد والعبادة على المعبود، فلا يجوز نعبدك ونستعينك، ولا نعبد إياك ~~ونستعين إياك، فيقدم الفعل على كناية المفعول، وإنما يتبع لفظ القرآن. وقال ~~العجاج: # إياك أدعو فتقبل ملقي * واغفر خطاياي وكثر ورقي # PageV01P145 # ويروى: وثمر. وأما قول الشاعر (1): # * إليك حتى بلغت إياكا * فشاذ لا يقاس عليه. والورق بكسر الراء من ~~الدراهم، وبفتحها المال. وكرر الاسم لئلا يتوهم إياك ms0144 نعبد ونستعين غيرك. # الخامسة والعشرون - الجمهور من القراء والعلماء على شد الياء من " إياك " ~~في الموضعين. # وقرأ عمرو بن قائد: " إياك " بكسر الهمزة وتخفيف الياء، وذلك أنه كره ~~تضعيف الياء لثقلها وكون الكسرة قبلها. وهذه قراءة مرغوب عنها، فإن المعنى ~~يصير: شمسك نعبد أو ضوءك، وإياة الشمس (بكسر الهمزة): ضوءها، وقد تفتح. ~~وقال: # سقته إياة الشمس إلا لثاته * أسف فلم تكدم عليه بإثمد فإن أسقطت الهاء ~~مددت. ويقال: الإياة للشمس كالهالة للقمر، وهي الدارة حولها. # وقرأ الفضل الرقاشي: " أياك " (بفتح الهمزة) وهي لغة مشهورة. وقرأ أبو ~~السوار الغنوي: # " هياك " في الموضعين، وهي لغة، قال: # فهياك والامر الذي إن توسعت * موارده ضاقت عليك مصادره السادسة والعشرون ~~- " وإياك نستعين " (5) عطف جملة على جملة. وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش: " ~~نستعين " بكسر النون، وهي لغة تميم وأسد وقيس وربيعة، ليدل على أنه من ~~استعان، فكسرت النون كما تكسر ألف الوصل. وأصل " نستعين " نستعون، قلبت ~~حركة الواو إلى العين فصارت ياء، والمصدر # PageV01P146 # استعانة، والأصل استعوان، قلبت حركة الواو إلى العين فانقلبت ألفا ولا ~~يلتقي ساكنان فحذفت الألف الثانية لأنها زائدة، وقيل الأولى لان الثانية ~~للمعنى، ولزمت الهاء عوضا. # السابعة والعشرون - قوله تعالى: اهدنا الصراط المستقيم (6) اهدنا دعاء ~~ورغبة من المربوب إلى الرب، والمعنى: دلنا على الصراط المستقيم وأرشدنا ~~إليه، وأرنا طريق هدايتك الموصلة إلى أنسك وقربك. قال بعض العلماء: فجعل ~~الله جل وعز عظم الدعاء وجملته موضوعا في هذه السورة، نصفها فيه مجمع ~~الثناء، ونصفها فيه مجمع الحاجات، وجعل هذا الدعاء الذي في هذه السورة أفضل ~~من الذي يدعو به [الداعي] لان هذا الكلام قد تكلم به رب العالمين، فأنت ~~تدعو بدعاء هو كلامه الذي تكلم به، وفي الحديث: # (ليس شئ أكرم على الله من الدعاء). وقيل المعنى: أرشدنا باستعمال السنن ~~في أداء فرائضك، وقيل: الأصل فيه الإمالة، ومنه قوله تعالى: " إنا هدنا ~~إليك (1) " [الأعراف: 156] أي ملنا، وخرج عليه السلام في مرضه يتهادى بين ~~اثنين، أي يتمايل. ومنه الهدية، لأنها تمال من ملك إلى ملك. ms0145 ومنه الهدي ~~للحيوان الذي يساق إلى الحرم، فالمعنى مل بقلوبنا إلى الحق. وقال الفضيل بن ~~عياض: # " الصراط المستقيم " طريق الحج، وهذا خاص والعموم أولى. قال محمد بن ~~الحنفية في قوله عز وجل " اهدنا الصراط المستقيم ": هو دين الله الذي لا ~~يقبل من العبادة غيره. وقال عاصم الأحول عن أبي العالية: " الصراط المستقيم ~~" رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه من بعده. قال عاصم فقلت للحسن: إن ~~أبا العالية يقول: " الصراط المستقيم " رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وصاحباه، قال: صدق ونصح. # الثامنة والعشرون - أصل الصراط في كلام العرب الطريق، قال عامر بن ~~الطفيل: # شحنا أرضهم بالخيل حتى * تركناهم أذل من الصراط وقال جرير: # أمير المؤمنين على صراط * إذا أعوج الموارد مستقيم وقال آخر: # * فصد عن نهج الصراط الواضح * # PageV01P147 # وحكى النقاش: الصراط الطريق بلغة الروم، قال ابن عطية: وهذا ضعيف جدا. # وقرئ: السراط (بالسين) من الاستراط بمعنى الابتلاع، كأن الطريق يسترط من ~~يسلكه. # وقرئ بين الزاي والصاد. وقرئ بزاي خالصة والسين الأصل. وحكى سلمة عن ~~الفراء قال: # الزراط بإخلاص الزاي لغة لعذرة وكلب وبني القين، قال: وهؤلاء يقولون [في ~~أصدق]: # أزدق. وقد قالوا: الأزد والأسد ولسق به ولصق به. و " الصراط " نصب على ~~المفعول الثاني، لان الفعل من الهداية يتعدى إلى المفعول الثاني بحرف جر، ~~قال الله تعالى: " فاهدوهم (1) إلى صراط الجحيم ". [الصافات: 23]. وبغير ~~حرف كما في هذه الآية. " المستقيم " صفة ل‍ " - لصراط "، وهو الذي لا ~~اعوجاج فيه ولا انحراف، ومنه قوله تعالى: " وأن هذا صراطي مستقيما (2) ~~فاتبعوه " [الانعام: 153] وأصله مستقوم، نقلت الحركة إلى القاف وانقلبت ~~الواو ياء لانكسار ما قبلها. # التاسعة والعشرون - صراط الذين أنعمت عليهم. # صراط بدل من الأول بدل الشئ من الشئ، كقولك: جاءني زيد أبوك. ومعناه: (3) ~~أدم هدايتنا، فإن الانسان قد يهدي إلى الطريق ثم يقطع به. وقيل: هو صراط ~~آخر، ومعناه العلم بالله عز وجل والفهم عنه، قال جعفر بن محمد. ولغة القرآن ~~" الذين " في الرفع والنصب والجر، وهذيل تقول: اللذون في الرفع، ومن العرب ~~من ms0146 يقول: اللذو (4)، ومنهم من يقول الذي (5) وسيأتي. # وفي " عليهم " عشر لغات، قرئ بعامتها: " عليهم " بضم الهاء وإسكان الميم. ~~" وعليهم " بكسر الهاء وإسكان الميم. و " عليهمي " بكسر الهاء والميم ~~وإلحاق ياء بعد الكسرة. # و " عليهمو " بكسر الهاء وضم الميم وزيادة واو بعد الضمة. و " عليهمو " ~~بضم الهاء والميم كلتيهما وإدخال واو بعد الميم و " عليهم " بضم الهاء ~~والميم من غير زيادة واو. وهذه الأوجه الستة مأثورة عن الأئمة من القراء. ~~وأوجه أربعة منقولة عن العرب غير محكية عن القراء: # PageV01P148 # " عليهمي " بضم الهاء وكسر الميم وإدخال ياء بعد الميم، حكاها الحسن (1) ~~البصري عن العرب. # و " عليهم " بضم الهاء وكسر الميم من غير زيادة ياء. و " عليهم " بكسر ~~الهاء وضم الميم من غير إلحاق واو. و " عليهم " بكسر الهاء والميم ولا ياء ~~بعد الميم. وكلها صواب، قاله ابن الأنباري. # الموفية الثلاثين - قرأ عمر بن الخطاب وابن الزبير رضي الله عنهما " صراط ~~من أنعمت عليهم ". واختلف الناس في المنعم عليهم، فقال الجمهور من ~~المفسرين: إنه أراد صراط النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. وانتزعوا ~~ذلك من قوله تعالى: " ومن يطع الله والرسول فأولئك الذين أنعم الله عليهم ~~من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا (2) " [النساء: ~~69]. فالآية تقتضي أن هؤلاء على صراط مستقيم، وهو المطلوب في آية الحمد، ~~وجميع ما قيل إلى هذا يرجع، فلا معنى لتعديد الأقوال والله المستعان. # الحادية والثلاثون - وفي هذه الآية رد على القدرية والمعتزلة والامامية، ~~لأنهم يعتقدون أن إرادة الانسان كافية في صدور أفعاله منه، طاعة كانت أو ~~معصية، لان الانسان عندهم خالق لأفعاله، فهو غير محتاج في صدورها عنه إلى ~~ربه، وقد أكذبهم الله تعالى في هذه الآية إذ سألوه الهداية إلى الصراط ~~المستقيم، فلو كان الامر إليهم والاختيار بيدهم دون ربهم لما سألوه ~~الهداية، ولا كرروا السؤال في كل صلاة، وكذلك تضرعهم إليه في دفع المكروه، ~~وهو ما يناقض الهداية حيث قالوا: " صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب ~~عليهم ولا الضالين " [الفاتحة: الآية]. فكما سألوه أن يهديهم سألوه ألا ms0147 ~~يضلهم، وكذلك يدعون فيقولون: " ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا (3) " [آل ~~عمران: 8] الآية. # الثانية والثلاثون - غير المغضوب عليهم ولا الضالين (7) اختلف في " ~~المغضوب عليهم " و " الضالين " من هم فالجمهور أن المغضوب عليهم اليهود، ~~والضالين النصارى، وجاء ذلك مفسرا عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عدي ~~بن حاتم وقصة إسلامه، أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده، والترمذي في ~~جامعه. وشهد لهذا التفسير # PageV01P149 # أيضا قوله سبحانه في اليهود: " وباءوا بغضب من الله " [البقرة: 61 وآل ~~عمران: 112]. وقال: " (1) وغضب الله عليهم " [الفتح: 6] وقال في النصارى: " ~~قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل (2) " [المائدة: 77]. ~~وقيل: # " المغضوب عليهم " المشركون. و " الضالين " المنافقون. وقيل: " المغضوب ~~عليهم " هو من أسقط فرض هذه السورة في الصلاة، و " الضالين " عن بركة ~~قراءتها. حكاه السلمي في حقائقه والماوردي في تفسيره، وليس بشئ. قال ~~الماوردي: وهذا وجه مردود، لان ما تعارضت فيه الاخبار وتقابلت فيه الآثار ~~وانتشر فيه الخلاف، لم يجز أن يطلق عليه هذا الحكم. # وقيل: " المغضوب عليهم " باتباع البدع، و " الضالين " عن سنن الهدى. # قلت: وهذا حسن، وتفسير النبي صلى الله عليه وسلم أولى وأعلى وأحسن. و " ~~عليهم " في موضع رفع، لان المعنى غضب عليهم. والغضب في اللغة الشدة. ورجل ~~غضوب أي شديد الخلق. والغضوب: الحية الخبيثة لشدتها. والغضبة: الدرقة من ~~جلد البعير يطوى بعضها على بعض، سميت بذلك لشدتها. ومعنى الغضب في صفة الله ~~تعالى إرادة العقوبة، فهو صفة ذات، وإرادة الله تعالى من صفات ذاته، أو نفس ~~العقوبة، ومنه الحديث: (إن الصدقة لتطفئ غضب الرب) فهو صفة فعل. # الثالثة والثلاثون - " ولا الضالين " الضلال في كلام العرب هو الذهاب عن ~~سنن القصد وطريق الحق، ومنه: ضل اللبن في الماء أي غاب. ومنه: " أئذا ضللنا ~~في الأرض " [السجدة: 10] أي غبنا بالموت وصرنا ترابا، قال: # ألم تسأل فتخبرك الديار * عن الحي المضلل أين ساروا والضلضلة: حجر أملس ~~يردده الماء في الوادي. وكذلك الغضبة: صخرة في الجبل مخالفة لونه، قال: # * أو غضبة في هضبة ما ms0148 أمنعا * الرابعة والثلاثون - قرأ عمر بن الخطاب ~~وأبي بن كعب " غير المغضوب عليهم وغير الضالين " وروي عنهما في الراء النصب ~~والخفض في الحرفين، فالخفض على البدل من " الذين " # PageV01P150 # أو من الهاء والميم في " عليهم "، أو صفة للذين والذين معرفة ولا توصف ~~المعارف بالنكرات ولا النكرات بالمعارف، إلا أن الذين ليس بمقصود قصدهم فهو ~~عام، فالكلام بمنزلة قولك: # إني لأمر بمثلك فأكرمه، أو لان " غير " تعرفت لكونها بين شيئين لا وسط ~~بينهما، كما تقول: # الحي غير الميت، والساكن غير المتحرك، والقائم غير القاعد، قولان: الأول ~~للفارسي، والثاني للزمخشري. والنصب في الراء على وجهين: على الحال من ~~الذين، أو من الهاء والميم في عليهم، كأنك قلت: أنعمت عليهم لا مغضوبا ~~عليهم. أو على الاستثناء، كأنك قلت: # إلا المغضوب عليهم. ويجوز النصب بأعنى، وحكى عن الخليل. # الخامسة والثلاثون - " لا " في قوله " ولا الضالين " اختلف فيها، فقيل هي ~~زائدة، قاله الطبري. ومنه قوله تعالى: " ما منعك ألا تسجد (1) " [الأعراف: ~~12]. وقيل: هي تأكيد دخلت لئلا يتوهم أن الضالين معطوف على الذين، حكاه مكي ~~والمهدوي. وقال الكوفيون: " لا " بمعنى غير، وهي قراءة عمر وأبي، وقد تقدم. # السادسة والثلاثون - الأصل في " الضالين ": الضاللين حذفت حركة اللام ~~الأولى ثم أدغمت اللام في اللام فاجتمع ساكنان مدة الألف واللام المدغمة. ~~وقرأ أيوب السختياني: # " ولا الضألين " بهمزة غير ممدودة، كأنه فر من التقاء الساكنين وهي لغة. ~~حكى أبو زيد قال: # سمعت عمرو بن عبيد - يقرأ: " فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان " ~~[الرحمن: 39] فظننته قد لحن حتى سمعت من العرب: دأبة وشأبة. قال أبو الفتح: ~~وعلى هذه اللغة قول كثير: # * إذا ما العوالي بالعبيط احمأرت (3) نجز تفسير سورة الحمد، ولله الحمد ~~والمنة. # PageV01P151 # تفسير سورة البقرة (بحول الله وكرمه، لا رب سواه) وأول مبدوء به الكلام ~~في نزولها وفضلها وما جاء فيها، وهكذا كل سورة إن وجدنا لها ذلك، فنقول: # سورة البقرة مدنية، نزلت في مدد شتى. وقيل: هي أول سورة نزلت بالمدينة، ~~إلا قوله تعالى: " واتقوا يوما ترجعون فيه ms0149 (1) إلى الله " [البقرة: 281] ~~فإنه آخر آية نزلت من السماء، ونزلت يوم النحر في حجة الوداع بمنى، وآيات ~~الربا أيضا من أواخر ما نزل من القرآن. # وهذه السورة فضلها عظيم وثوابها جسيم. ويقال لها: فسطاط القرآن، قاله ~~خالد بن معدان. وذلك لعظمها وبهائها، وكثرة أحكامها ومواعظها. وتعلمها عمر ~~رضي الله عنه بفقهها وما تحتوي عليه في اثنتي عشرة سنة، وابنه عبد الله في ~~ثماني سنين كما تقدم. # قال ابن العربي: سمعت بعض أشياخي يقول: فيها ألف أمر وألف نهي وألف حكم ~~وألف خبر. وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثا وهم ذوو عدد وقدم عليهم ~~أحدثهم سنا لحفظه سورة البقرة، وقال له: (اذهب فأنت أميرهم) أخرجه الترمذي ~~عن أبي هريرة وصححه. وروى مسلم عن أبي أمامة الباهلي قال سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: # (اقرأوا سورة البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا يستطيعها البطلة)، ~~قال معاوية: (2) بلغني أن البطلة: السحرة. وروي أيضا عن أبي هريرة أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تجعلوا بيوتكم مقابر إن الشيطان ينفر من ~~البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة). # وروى الدارمي عن عبد الله قال: ما من بيت يقرأ فيه سورة البقرة إلا خرج ~~منه الشيطان وله ضراط. وقال: إن لكل شئ سناما وإن سنام القرآن سورة البقرة، ~~وإن لكل شئ لبابا وإن لباب القرآن المفصل. قال أبو محمد الدارمي. اللباب: ~~الخالص. وفي صحيح البستي # PageV01P152 # عن سهل بن سعد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن لكل شئ سناما ~~وإن سنام القرآن سورة البقرة ومن قرأها في بيته ليلا لم يدخل الشيطان بيته ~~ثلاث ليال ومن قرأها نهارا لم يدخل الشيطان بيته ثلاثة أيام). قال أبو حاتم ~~البستي: قوله صلى الله عليه وسلم: # (لم يدخل الشيطان بيته ثلاثة أيام) أراد: مردة الشياطين. وروى الدارمي في ~~مسنده عن الشعبي قال قال عبد الله: من قرأ عشر آيات من سورة البقرة في ليلة ~~لم يدخل ذلك البيت شيطان تلك ms0150 الليلة حتى يصبح، أربعا من أولها وآية الكرسي ~~وآيتين بعدها وثلاثا خواتيمها، أولها: " لله ما في السماوات " [البقرة: ~~284]. وعن الشعبي عنه: لم يقربه ولا أهله يومئذ شيطان ولا شئ يكرهه، ولا ~~يقرأن على مجنون إلا أفاق. وقال المغيرة بن سبيع - وكان من أصحاب عبد الله ~~-: لم ينس القرآن. وقال إسحاق بن عيسى: لم ينس ما قد حفظ. قال أبو محمد ~~الدارمي: منهم من يقول: المغيرة بن سميع. # وفي كتاب الإستيعاب لابن عبد البر: وكان لبيد بن ربيعة [بن عامر (1)] بن ~~مالك بن جعفر ابن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة من شعراء الجاهلية، أدرك ~~الاسلام فحسن إسلامه وترك قول الشعر في الاسلام، وسأله عمر في خلافته عن ~~شعره واستنشده، فقرأ سورة البقرة، فقال: إنما سألتك عن شعرك، فقال: ما كنت ~~لأقول بيتا من الشعر بعد إذ علمني الله البقرة وآل عمران، فأعجب عمر قوله، ~~وكان عطاؤه ألفين فزاده خمسمائة. وقد قال كثير من أهل الأخبار : إن لبيدا ~~لم يقل شعرا منذ أسلم. وقال بعضهم: لم يقل في الاسلام إلا قوله: # الحمد لله إذ لم يأتني أجلي * حتى اكتسيت من الاسلام سربالا قال ابن عبد ~~البر: وقد قيل إن هذا البيت لقردة بن نفاثة السلولي، وهو أصح عندي. # وقال غيره: بل البيت الذي قاله في الاسلام: # ما عاتب المرء الكريم كنفسه * والمرء يصلحه القرين الصالح وسيأتي ما ورد ~~في آية الكرسي وخواتيم البقرة (2)، ويأتي في أول سورة آل عمران (3) زيادة ~~بيان لفضل هذه السورة، إن شاء الله تعالى. # PageV01P153 # بسم الله الرحمن الرحيم (رب يسر وأعن) قوله تعالى: آلم (1) ذلك الكتاب لا ~~ريب فيه هدى للمتقين (2) اختلف أهل التأويل في الحروف التي في أوائل السور، ~~فقال عامر الشعبي وسفيان الثوري وجماعة من المحدثين: هي سر الله في القرآن، ~~ولله في كل كتاب من كتبه سر. فهي من المتشابه الذي انفرد الله تعالى بعلمه، ~~ولا يجب (1) أن يتكلم فيها، ولكن نؤمن بها ونقرأ كما جاءت. وروي هذا القول ~~عن أبي بكر الصديق ms0151 وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما. # وذكر أبو الليث السمرقندي عن عمر وعثمان وابن مسعود أنهم قالوا: الحروف ~~المقطعة من المكتوم الذي لا يفسر. وقال أبو حاتم: لم نجد الحروف المقطعة في ~~القرآن إلا في أوائل السور، ولا ندري ما أراد الله عز وجل بها. # قلت: ومن هذا المعنى ما ذكره أبو بكر الأنباري: حدثنا الحسن بن الحباب ~~حدثنا أبو بكر بن أبي طالب حدثنا أبو المنذر الواسطي عن مالك بن مغول عن ~~سعيد بن مسروق عن الربيع بن خثيم (2) قال: إن الله تعالى أنزل هذا القرآن ~~فاستأثر منه بعلم ما شاء، وأطلعكم على ما شاء، فأما ما أستأثر به لنفسه ~~فلستم بنائليه فلا تسألوا عنه، وأما الذي أطلعكم عليه فهو الذي تسألون عنه ~~وتخبرون (3) به، وما بكل القرآن تعلمون، ولا بكل ما تعلمون تعملون. قال أبو ~~بكر: # فهذا يوضح أن حروفا من القرآن سترت معانيها عن جميع العالم، اختبارا من ~~الله عز وجل وامتحانا، فمن آمن بها أثيب وسعد، ومن كفر وشك أثم وبعد. حدثنا ~~أبو يوسف بن يعقوب القاضي حدثنا محمد بن أبي بكر حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ~~عن سفيان عن الأعمش عن عمارة عن حريث بن ظهير عن عبد الله قال: ما آمن مؤمن ~~أفضل من إيمان بغيب، ثم قرأ: # " الذين يؤمنون بالغيب " [البقرة: 3]. # PageV01P154 # قلت: هذا القول في المتشابه وحكمه، وهو الصحيح على ما يأتي بيانه في (آل ~~عمران) إن شاء الله تعالى (1). وقال جمع من العلماء كبير: بل يجب أن نتكلم ~~فيها، ونلتمس الفوائد التي تحتها، والمعاني التي تتخرج عليها، واختلفوا في ~~ذلك على أقوال عديدة، فروي عن ابن عباس وعلي أيضا: أن الحروف المقطعة في ~~القرآن اسم الله الأعظم، إلا أنا لا نعرف تأليفه منها. وقال قطرب والفراء ~~وغيرهما: هي إشارة إلى حروف الهجاء أعلم الله بها العرب حين تحداهم بالقرآن ~~أنه مؤتلف من حروف هي التي منها بناء كلامهم، ليكون عجزهم عنه أبلغ في ~~الحجة عليهم إذ لم يخرج عن كلامهم. ms0152 قال قطرب: كانوا ينفرون عند استماع ~~القرآن، فلما سمعوا: " ألم " و " المص " استنكروا هذا اللفظ، فلما أنصتوا ~~له صلى الله عليه وسلم أقبل عليهم بالقرآن المؤتلف ليثبته في أسماعهم ~~وآذانهم ويقيم الحجة عليهم. وقال قوم: روي أن المشركين لما أعرضوا عن سماع ~~القرآن بمكة وقالوا: " لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه (2) " [فصلت: 26] ~~نزلت ليستغربوها فيفتحون لها أسماعهم فيسمعون القرآن بعدها فتجب عليهم ~~الحجة. وقال جماعة: هي حروف دالة على أسماء أخذت منها وحذفت بقيتها، كقول ~~ابن عباس وغيره: # الألف من الله، واللام من جبريل، والميم من محمد صلى الله عليه وسلم. ~~وقيل: الألف مفتاح اسمه الله، واللام مفتاح اسمه لطيف، والميم مفتاح اسمه ~~مجيد. وروى أبو الضحى عن ابن عباس في قوله: " ألم " قال: أنا الله أعلم، " ~~الر " أنا الله أرى، " المص " أنا الله أفصل. فالألف تؤدي عن معنى أنا، ~~واللام تؤدي عن اسم الله، والميم تؤدي عن معنى أعلم. واختار هذا القول ~~الزجاج وقال: اذهب إلى أن كل حرف منها يؤدي عن معنى، وقد تكلمت العرب ~~بالحروف المقطعة نظما لها ووضعا بدل الكلمات التي الحروف منها، كقوله: # * فقلت لها قفي فقالت قاف * أراد: قالت وقفت. وقال زهير: # * بالخير خيرات وإن شرا فا * ولا أريد الشر إلا أن تا أراد: وإن شرا فشر. ~~وأراد: إلا أن تشاء. # PageV01P155 # وقال آخر: # نادوهم ألا الجموا ألا تا * قالوا جميعا كلهم ألا فا أراد: ألا تركبون، ~~قالوا: ألا فاركبوا. وفي الحديث: (من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة) قال ~~شقيق: هو أن يقول في أقتل: أق، كما قال عليه السلام (كفى بالسيف شا) معناه: ~~شافيا. # وقال زيد بن أسلم: هي أسماء للسور. وقال الكلبي: هي أقسام أقسم الله ~~تعالى بها لشرفها وفضلها، وهي من أسمائه، عن ابن عباس أيضا ورد بعض العلماء ~~هذا القول فقال: # لا يصح أن يكون قسما لان القسم معقود على حروف مثل: إن وقد ولقد وما، ولم ~~يوجد ها هنا حرف من هذه الحروف، فلا يجوز أن يكون يمينا. والجواب ms0153 أن يقال: ~~موضع القسم قوله تعالى: " لا ريب فيه " فلو أن إنسانا حلف فقال: والله هذا ~~الكتاب لا ريب فيه، لكان الكلام سديدا، وتكون " لا " جواب القسم. فثبت أن ~~قول الكلبي وما روي عن ابن عباس سديد صحيح. # فإن قيل: ما الحكمة في القسم من الله تعالى، وكان القوم في ذلك الزمان ~~على صنفين: # مصدق، ومكذب، فالمصدق يصدق بغير قسم، والمكذب لا يصدق مع القسم؟. قيل له: # القرآن نزل بلغة العرب، والعرب إذا أراد بعضهم أن يؤكد كلامه أقسم على ~~كلامه، والله تعالى أراد أن يؤكد عليهم الحجة فأقسم أن القرآن من عنده. ~~وقال بعضهم: " ألم " أي أنزلت عليك هذا الكتاب من اللوح المحفوظ. وقال ~~قتادة في قوله: " ألم " قال اسم من أسماء القرآن. وروي عن محمد بن علي ~~الترمذي أنه قال: إن الله تعالى أودع جميع ما في تلك السورة من الاحكام ~~والقصص في الحروف التي ذكرها في أول السورة، ولا يعرف ذلك إلا نبي أو ولي، ~~ثم بين ذلك في جميع السورة ليفقه الناس. وقيل غير هذا من الأقوال، فالله ~~أعلم. # والوقف على هذه الحروف على السكون لنقصانها إلا إذا أخبرت عنها أو عطفتها ~~فإنك تعربها. واختلف: هل لها محل من الاعراب؟ فقيل: لا، لأنها ليست أسماء ~~متمكنة، ولا أفعالا مضارعة، وإنما هي بمنزلة حروف التهجي فهي محكية. هذا ~~مذهب الخليل وسيبويه. PageV01P156 # ومن قال: إنها أسماء السور فموضعها عنده الرفع على أنها عنده خبر ابتداء ~~مضمر، أي هذه " الم‍ "، كما تقول: هذه سورة البقرة. أو تكون رفعا على ~~الابتداء والخبر ذلك، كما تقول: # زيد ذلك الرجل. وقال ابن كيسان النحوي: " ألم " في موضع نصب، كما تقول: ~~اقرأ " ألم " أو عليك " ألم ". وقيل: في موضع خفض بالقسم، لقول ابن عباس: ~~إنها أقسام أقسم الله بها. # قوله تعالى: (ذلك الكتاب) قيل: المعنى هذا الكتاب. و " ذلك " قد تستعمل ~~في الإشارة إلى حاضر، وإن كان موضوعا للإشارة إلى غائب، كما قال تعالى في ~~الاخبار عن نفسه جل وعز: " ذلك عالم الغيب ms0154 والشهادة العزيز الرحيم (1) "، ~~ومنه قول خفاف بن ندبة: # أقول له والرمح يأطر (2) متنه * تأمل خفافا إنني أنا ذلكا أي أنا هذا. ف‍ ~~" ذلك " إشارة إلى القرآن، موضوع موضع هذا، تلخيصه: ألم هذا الكتاب لا ريب ~~فيه. وهذا قول أبي عبيدة وعكرمة وغيرهما، ومنه قوله تعالى: " وتلك حجتنا ~~آتيناها (3) إبراهيم " " تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق (4) " أي هذه، ~~لكنها لما أنقضت صارت كأنها بعدت فقيل تلك. وفي البخاري " وقال معمر ذلك ~~الكتاب هذا القرآن ". " هدى للمتقين " بيان ودلالة، كقوله: " ذلكم حكم الله ~~يحكم بينكم " (5) هذا حكم الله. # قلت: وقد جاء " هذا " بمعنى " ذلك "، ومنه قوله عليه السلام في حديث أم ~~حرام: (يركبون ثبج (6) هذا البحر) أي ذلك البحر، والله أعلم. وقيل: هو على ~~بابه إشارة إلى غائب. # واختلف في ذلك الغائب على أقوال عشرة، فقيل: " ذلك الكتاب " أي الكتاب ~~الذي كتبت على الخلائق بالسعادة والشقاوة والأجل والرزق لا ريب فيه، أي لا ~~مبدل له. وقيل: # ذلك الكتاب، أي الذي كتبت على نفسي في الأزل (أن رحمتي سبقت غضبي). وفي ~~صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لما قضى ~~الله الخلق كتب في كتابه على نفسه فهو موضوع عنده أن رحمتي تغلب غضبي) في ~~رواية: (سبقت). وقيل: # PageV01P157 # إن الله تعالى قد كان وعد نبيه عليه السلام أن ينزل عليه كتابا لا يمحوه ~~الماء، فأشار إلى ذلك الوعد كما في صحيح مسلم من حديث عياض بن حمار ~~المجاشعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله نظر إلى أهل الأرض ~~فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب وقال إنما بعثتك لأبتليك ~~وأبتلي بك وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء تقرؤه نائما ويقظان) الحديث. ~~وقيل: الإشارة إلى ما قد نزل من القرآن بمكة. وقيل: إن الله تبارك وتعالى ~~لما أنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم بمكة: " إنا سنلقي عليك (1) قولا ~~ثقيلا " لم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مستشرفا لانجاز هذا الوعد من ms0155 ~~ربه عز وجل، فلما أنزل عليه بالمدينة: # " ألم. ذلك الكتاب لا ريب فيه " [البقرة: 1 - 2] كان فيه معنى هذا القرآن ~~الذي أنزلته عليك بالمدينة، ذلك الكتاب الذي وعدتك أن أوحيه إليك بمكة. ~~وقيل: إن " ذلك " إشارة إلى ما في التوراة والإنجيل. و " ألم " اسم للقرآن، ~~والتقدير هذا القرآن ذلك الكتاب المفسر في التوراة والإنجيل، يعني أن ~~التوراة والإنجيل يشهدان بصحته ويستغرق ما فيهما ويزيد عليهما ما ليس ~~فيهما. وقيل: إن " ذلك الكتاب " إشارة إلى التوراة والإنجيل كليهما، ~~والمعنى: ألم ذانك الكتابان أو مثل ذلك الكتابين، أي هذا القرآن جامع لما ~~في ذينك الكتابين، فعبر ب‍ " - ذلك " عن الاثنين بشاهد من القرآن، قال الله ~~تبارك وتعالى: " إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك " [البقرة: 68] أي ~~عوان بين تينك: الفارض والبكر، وسيأتي (2). وقيل: إن " ذلك " إشارة إلى ~~اللوح المحفوظ. وقال الكسائي: " ذلك " إشارة إلى القرآن الذي في السماء لم ~~ينزل بعد. وقيل: إن الله تعالى قد كان وعد أهل الكتاب أن ينزل على محمد صلى ~~الله عليه وسلم كتابا، فالإشارة إلى ذلك الوعد. قال المبرد: المعنى هذا ~~القرآن ذلك الكتاب الذي كنتم تستفتحون به على الذين كفروا. # وقيل: إلى حروف المعجم في قول من قال: " ألم " الحروف التي تحديتكم ~~بالنظم منها. # والكتاب مصدر من كتب يكتب إذا جمع، ومنه قيل: كتيبة، لاجتماعها. وتكتبت ~~الخيل صارت كتائب. وكتبت البغلة: إذا جمعت بين شفري رحمها بحلقة أو سير، ~~قال: # لا تأمنن فزاريا حللت به * على قلوصك واكتبها بأسيار # PageV01P158 # والكتبة (بضم الكاف): الخرزة، والجمع كتب. والكتب: الخرز. قال ذو الرمة: # وفراء غرفية أثأى خوارزها * مشلشل ضيعته بينها الكتب (1) والكتاب: هو خط ~~الكاتب حروف المعجم مجموعة أو متفرقة، وسمي كتابا وإن كان مكتوبا، كما قال ~~الشاعر: # تؤمل رجعة مني وفيها * كتاب مثل ما لصق الغراء والكتاب: الفرض والحكم ~~والقدر، قال الجعدي: # يا بنة عمي كتاب الله أخرجني * عنكم وهل أمنعن الله ما فعلا قوله تعالى: ~~(لا ريب) نفي عام، ولذلك نصب الريب به. وفي ms0156 الريب ثلاثة معان: # أحدها - الشك، قال عبد الله بن الزبعري: # ليس في الحق يا أميمة ريب * إنما الريب ما يقول الجهول وثانيها - التهمة، ~~قال جميل: # بثينة قالت يا جميل أربتني * فقلت كلانا يا بثين مريب وثالثها: الحاجة، ~~قال: (2) قضينا من تهامة كل ريب * وخيبر ثم أجمعنا السيوفا فكتاب الله ~~تعالى لا شك فيه ولا ارتياب، والمعنى: أنه في ذاته حق وأنه منزل من عند ~~الله، وصفة من صفاته، غير مخلوق ولا محدث، وإن وقع ريب للكفار. وقيل: هو ~~خبر ومعناه النهي، أي لا ترتابوا، وتم الكلام كأنه قال ذلك الكتاب حقا. ~~وتقول: رابني هذا الامر إذا أدخل عليك شكا وخوفا. وأراب: صار ذا ريبة، فهو ~~مريب. ورابني أمره. وريب الدهر: صروفه. # قوله تعالى: (فيه هدى للمتقين) فيه ست مسائل: # PageV01P159 # الأولى - قوله تعالى: " فيه " الهاء في " فيه " في موضع خفض بفي، وفيه ~~خمسة أوجه، أجودها: فيه هدى ويليه فيه هدى (بضم الها بغير واو (1)) وهي ~~قراءة الزهري وسلام أبي المنذر. ويليه فيهى هدى (بإثبات الياء) وهي قراءة ~~ابن كثير. ويجوز فيهو هدى (بالواو). # ويجوز فيه هدى (مدغما) وارتفع " هدى " على الابتداء والخبر " فيه ". ~~والهدى في كلام العرب معناه الرشد والبيان، أي فيه كشف لأهل المعرفة ورشد ~~وزيادة بيان وهدى. # الثانية - الهدى هديان: هدى دلالة، وهو الذي تقدر عليه الرسل وأتباعهم، ~~قال الله تعالى: " ولكل قوم هاد (2) " [الرعد: 7]. وقال: " وإنك لتهدي إلى ~~صراط مستقيم (3) " [الشورى: 52] فأثبت لهم الهدى الذي معناه الدلالة ~~والدعوة والتنبيه، وتفرد هو سبحانه بالهدى الذي معناه التأييد والتوفيق، ~~فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: " إنك لا تهدي (4) من أحببت " [القصص: 56] ~~فالهدى على هذا يجئ بمعنى خلق الايمان في القلب، ومنه قوله تعالى: " أولئك ~~على هدى من ربهم " [البقرة: 5] وقوله: # " ويهدي من يشاء " [فاطر: 8] والهدى: الاهتداء، ومعناه راجع إلى معنى ~~الارشاد كيفما تصرفت. # قال أبو المعالي: وقد ترد الهداية والمراد بها إرشاد المؤمنين إلى مسالك ~~الجنان والطرق المفضية إليها، من ذلك قوله تعالى في صفة المجاهدين: " فلن ~~يضل أعمالهم (5). سيهديهم ms0157 " [محمد: 4 - 5] ومنه قوله تعالى: " فاهدوهم إلى ~~صراط الجحيم (6) " [الصافات: 23] معناه فاسلكوهم إليها. # الثالثة - الهدى لفظ مؤنث قال الفراء: بعض بني أسد تؤنث الهدى فتقول: # هذه هدى حسنة. وقال اللحياني: هو مذكر، ولم يعرب لأنه مقصور والألف لا ~~تتحرك، ويتعدى بحرف وبغير حرف وقد مضى في " الفاتحة (7) "، تقول: هديته ~~الطريق وإلى الطريق والدار وإلى الدار، أي عرفته. الأولى لغة أهل الحجاز، ~~والثانية حكاها الأخفش. وفي التنزيل: # " اهدنا الصراط المستقيم (7) " و " الحمد لله الذي هدانا لهذا (8) " ~~[الأعراف: 43] وقيل: إن الهدى اسم من أسماء النهار، لان الناس يهتدون فيه ~~لمعايشهم وجميع مأربهم، ومنه قول ابن مقبل: # PageV01P160 # [(1) حتى استبنت الهدى والبيد هاجمة * يخشعن في الآل غلفا أو يصلينا] ~~الرابعة - قوله تعالى: " للمتقين " خص الله تعالى المتقين بهدايته وإن كان ~~هدى للخلق أجمعين تشريفا لهم، لأنهم آمنوا وصدقوا بما فيه. وروي عن أبي روق ~~أنه قال: # " هدى للمتقين " أي كرامة لهم، يعني إنما أضاف إليهم إجلالا لهم وكرامة ~~لهم وبيانا لفضلهم. # وأصل " للمتقين ": للموتقيين بياءين مخففتين، حذفت الكسرة من الياء ~~الأولى لثقلها ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين وأبدلت الواو تاء على أصلهم ~~في اجتماع الواو والتاء وأدغمت التاء في التاء فصار للمتقين. # الخامسة: التقوى يقال أصلها في اللغة قلة الكلام، حكاه ابن فارس. قلت: # ومنه الحديث: (التقي ملجم والمتقي فوق المؤمن والطائع) وهو الذي يتقي ~~بصالح عمله وخالص دعائه عذاب الله تعالى، مأخوذ من اتقاء المكروه بما تجعله ~~حاجزا بينك وبينه، كما قال النابغة: # سقط النصيف (2) ولم ترد إسقاطه * فتناولته واتقتنا باليد وقال آخر: # فألقت قناعا دونه الشمس واتقت * بأحسن موصولين كف ومعصم وخرج أبو محمد ~~عبد الغني الحافظ من حديث سعيد بن زربي أبي عبيدة عن عاصم بن بهدلة عن زر ~~بن حبيش عن ابن مسعود قال قال يوما لابن أخيه: يا بن أخي ترى الناس ما ~~أكثرهم؟ قال: نعم، قال: لا خير فيهم إلا تائب أو تقي ثم قال: يا بن أخي ترى ~~الناس ما أكثرهم؟ قلت: بلى، قال: لا خير فيهم ms0158 إلا عالم أو متعلم. وقال أبو ~~يزيد البسطامي: المتقي من إذا قال قال لله، ومن إذا عمل عمل لله. وقال أبو ~~سليمان الداراني: # المتقون الذين نزع الله عن قلوبهم حب الشهوات. وقيل: المتقي الذي اتقى ~~الشرك وبرئ من النفاق. قال ابن عطية: وهذا فاسد، لأنه قد يكون كذلك وهو ~~فاسق. وسأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه أبيا عن التقوى، فقال: هل أخذت ~~طريقا ذا شوك؟ قال: نعم، # PageV01P161 # قال فما عملت فيه؟ قال: تشمرت وحذرت، قال: فذاك التقوى. وأخذ هذا المعنى ~~ابن المعتز فنظمه: # خل الذنوب صغيرها * وكبيرها ذاك التقى واصنع كماش فوق أر * ض الشوك يحذر ~~ما يرى لا تحقرن صغيرة * إن الجبال من الحصى السادسة - التقوى فيها جماع ~~الخير كله، وهي وصية الله في الأولين والآخرين، وهي خير ما يستفيده ~~الانسان، كما قال أبو الدرداء وقد قيل له: إن أصحابك يقولون الشعر وأنت ما ~~حفظ عنك شئ، فقال: # يريد المرء أن يؤتى مناه * ويأبى الله إلا ما أرادا يقول المرء فائدتي ~~ومالي * وتقوى الله أفضل ما استفادا وروى ابن ماجة في سننه عن أبي أمامة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: # (ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيرا له من زوجة صالحة إن أمرها أطاعته ~~وإن نظر إليها سرته وإن أقسم عليها أبرته وإن غاب عنها نصحته في نفسها ~~وماله). # والأصل في التقوى: وقوى على وزن فعلى فقلبت الواو تاء من وقيته أقيه أي ~~منعته، ورجل تقي أي خائف، أصله وقي، وكذلك تقاة كانت في الأصل وقاة، كما ~~قالوا: تجاه وتراث، والأصل وجاه ووراث. # قوله تعالى: الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون (3) ~~فيها ست وعشرون مسألة: # الأولى - قوله: (الذين) في موضع خفض نعت " للمتقين "، ويجوز الرفع على ~~القطع أي هم الذين، ويجوز النصب على المدح. (يؤمنون) يصدقون. والايمان في ~~اللغة: # التصديق، وفي التنزيل: " وما أنت (1) بمؤمن لنا " أي بمصدق، ويتعدى ~~بالباء واللام، كما قال: " ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم (2) " " فما آمن ~~لموسى ms0159 (3) " وروى حجاج بن حجاج # PageV01P162 # الأحول - ويلقب بزق العسل - قال سمعت قتادة يقول: يا بن آدم، إن كنت لا ~~تريد أن تأتي الخير إلا عن نشاط فإن نفسك مائلة إلى السآمة والفترة والملة، ~~ولكن المؤمن هو المتحامل (1)، والمؤمن هو المتقوى، والمؤمن هو المتشدد، وإن ~~المؤمنين هم العجاجون (2) إلى الله الليل والنهار، والله ما يزال المؤمن ~~يقول: ربنا ربنا في السر والعلانية حتى استجاب لهم في السر والعلانية. # الثانية - قوله تعالى: (بالغيب) الغيب في كلام العرب كل ما غاب عنك، وهو ~~من ذوات الياء، يقال منه: غابت الشمس تغيب، والغيبة معروفة. وأغابت المرأة ~~فهي مغيبة إذا غاب عنها زوجها، ووقعنا في غيبة وغيابة، أي هبطة من الأرض، ~~والغيابة: # الأجمة، وهي جماع الشجر يغاب فيها، ويسمى المطمئن من الأرض: الغيب، لأنه ~~غاب عن البصر. # الثالثة - واختلف المفسرون في تأويل الغيب هنا، فقالت فرقة: الغيب في هذه ~~الآية: الله سبحانه. وضعفه ابن العربي. وقال آخرون: القضاء والقدر. وقال ~~آخرون: # القرآن وما فيه من الغيوب. وقال آخرون: الغيب كل ما أخبر به الرسول عليه ~~السلام مما لا تهتدي إليه العقول من أشراط الساعة وعذاب القبر والحشر ~~والنشر والصراط والميزان والجنة والنار. قال ابن عطية: وهذه الأقوال لا ~~تتعارض بل يقع الغيب على جميعها. # قلت: وهذا هو الايمان الشرعي المشار إليه في حديث جبريل عليه السلام حين ~~قال للنبي صلى الله عليه وسلم: فأخبرني عن الايمان. قال: (أن تؤمن بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره). قال: صدقت. ~~وذكر الحديث. وقال عبد الله بن مسعود: ما آمن مؤمن أفضل من إيمان بغيب، ثم ~~قرأ: " الذين يؤمنون بالغيب " [البقرة: 3]. # قلت: وفي التنزيل: " وما كنا غائبين (3) " وقال: " الذين يخشون ربهم ~~بالغيب (4) ". # فهو سبحانه غائب عن الابصار، غير مرئي في هذه الدار، غير غائب بالنظر ~~والاستدلال، # PageV01P163 # فهم يؤمنون أن لهم ربا قادرا يجازي على الأعمال، فهم يخشونه في سرائرهم ~~وخلواتهم التي يغيبون فيها عن الناس، لعلمهم باطلاعه عليهم، وعلى هذا تتفق ~~الآي ولا تتعارض، والحمد لله. ms0160 # وقيل: " بالغيب " أي بضمائرهم وقلوبهم بخلاف المنافقين، وهذا قول حسن. ~~وقال الشاعر: # وبالغيب أمنا وقد كان قومنا * يصلون للأوثان قبل محمد الرابعة - قوله ~~تعالى: (ويقيمون الصلاة) معطوف جملة على جملة. وإقامة الصلاة أداؤها ~~بأركانها وسننها وهيئاتها في أوقاتها، على ما يأتي بيانه. يقال: قام الشئ ~~أي دام وثبت، وليس من القيام على الرجل، وإنما هو من قولك: قام الحق أي ظهر ~~وثبت، قال الشاعر: # * وقامت الحرب بنا على ساق * وقال آخر: # وإذا يقال أتيتم لم يبرحوا * حتى تقيم الخيل سوق طعان وقيل: " يقيمون " ~~يديمون، وأقامه أي أدامه، وإلى هذا المعنى أشار عمر بقوله: # من حفظها وحافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع. # الخامسة - إقامة الصلاة معروفة، وهي سنة عند الجمهور، وأنه لا إعادة على ~~تاركها. # وعند الأوزاعي وعطاء ومجاهد وابن أبي ليلى هي واجبة وعلى من تركها ~~الإعادة، وبه قال أهل الظاهر، وروى عن مالك، واختاره ابن العربي قال: لان ~~في حديث الأعرابي (وأقم) فأمره بالإقامة كما أمره بالتكبير والاستقبال ~~والوضوء. # قال: فأما أنتم الآن وقد وقفتم على الحديث فقد تعين عليكم أن تقولوا ~~بإحدى روايتي مالك الموافقة للحديث وهي أن الإقامة فرض. قال ابن عبد البر ~~قوله صلى الله عليه وسلم: # (وتحريمها التكبير) دليل على أنه لم يدخل في الصلاة من لم يحرم، فما كان ~~قبل الاحرام فحكمه ألا تعاد منه الصلاة إلا أن يجمعوا على شئ فيسلم للاجماع ~~كالطهارة والقبلة والوقت ونحو ذلك. وقال بعض علمائنا: من تركها عمدا أعاد ~~الصلاة، وليس ذلك لوجوبها إذ لو كان ذلك لاستوى سهوها وعمدها، وإنما ذلك ~~للاستخفاف بالسنن، والله أعلم. PageV01P164 # السادسة - واختلف العلماء فيمن سمع الإقامة هل يسرع أولا؟ فذهب الأكثر ~~إلى أنه لا يسرع وإن خاف فوت الركعة لقوله عليه السلام: (إذا أقيمت الصلاة ~~فلا تأتوها تسعون وأتوها تمشون وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم ~~فأتموا). رواه أبو هريرة أخرجه مسلم. وعنه أيضا قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: (إذا ثوب بالصلاة فلا يسع ms0161 إليها أحدكم ولكن ليمشي وعليه السكينة ~~والوقار صل ما أدركت واقض ما سبقك). # وهذا نص. ومن جهة المعنى أنه إذا أسرع انبهر (1) فشوش عليه دخوله في ~~الصلاة وقراءتها وخشوعها. وذهب جماعة من السلف منهم ابن عمر وابن مسعود على ~~اختلاف عنه أنه إذا خاف فواتها أسرع. وقال إسحاق: يسرع إذا خاف فوات ~~الركعة، وروي عن مالك نحوه، وقال: لا بأس لمن كان على فرس أن يحرك الفرس، ~~وتأوله بعضهم على الفرق بين الماشي والراكب، لان الراكب لا يكاد أن ينبهر ~~كما ينبهر الماشي. # قلت: واستعمال سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل حال أولى، فيمشي ~~كما جاء الحديث وعليه السكينة والوقار، لأنه في صلاة ومحال أن يكون خبره ~~صلى الله عليه وسلم على خلاف ما أخبره، فكما أن الداخل في الصلاة يلزم ~~الوقار والسكون كذلك الماشي، حتى يحصل له التشبه به فيحصل له ثوابه. ومما ~~يدل على صحة هذا ما ذكرناه من السنة، وما خرجه الدارمي في مسنده قال: حدثنا ~~محمد بن يوسف قال حدثنا سفيان عن محمد بن عجلان عن المقبري عن كعب بن عجرة ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا توضأت فعمدت إلى المسجد فلا ~~تشبكن بين أصابعك فإنك في صلاة). فمنع صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث ~~وهو صحيح مما هو أقل من الاسراع وجعله كالمصلي، وهذه السنن تبين معنى قوله ~~تعالى: # " فاسعوا إلى ذكر الله " (2) وأنه ليس المراد به الاشتداد على الاقدام، ~~وإنما عنى العمل والفعل، هكذا فسره مالك. وهو الصواب في ذلك والله أعلم. # PageV01P165 # السابعة - واختلف العلماء في تأويل قوله عليه السلام: (وما فاتكم فأتموا) ~~وقوله: # (واقض ما سبقك) هل هما بمعنى واحد أو لا؟ فقيل: هما بمعنى واحد وأن ~~القضاء قد يطلق ويراد به التمام، قال الله تعالى: " فإذا قضيت الصلاة " (1) ~~وقال: " فإذا قضيتم (2) مناسككم ". وقيل: معناهما مختلف وهو الصحيح، ويترتب ~~على هذا الخلاف خلاف فيما يدركه الداخل هل هو أول صلاته أو أخرها؟ فذهب إلى ~~الأول جماعة ms0162 من أصحاب مالك - منهم ابن القاسم ولكنه يقضي ما فاته بالحمد ~~وسورة، فيكون بانيا في الافعال قاضيا في الأقوال. قال ابن عبد البر: وهو ~~المشهور من المذهب. وقال ابن خويز منداد: وهو الذي عليه أصحابنا، وهو قول ~~الأوزاعي والشافعي ومحمد بن الحسن وأحمد بن حنبل والطبري وداود ابن علي. ~~وروى أشهب وهو الذي ذكره ابن عبد الحكم عن مالك، ورواه عيسى عن ابن القاسم ~~عن مالك، أن ما أدرك فهو آخر صلاته، وأنه يكون قاضيا في الافعال والأقوال، ~~وهو قول الكوفيين. قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب: وهو مشهور مذهب مالك. ~~قال ابن عبد البر: من جعل ما أدرك أول صلاته فأظنهم راعوا الاحرام، لأنه لا ~~يكون إلا في أول الصلاة، والتشهد والتسليم لا يكون إلا في أخرها، فمن هاهنا ~~قالوا: إن ما أدرك فهو أول صلاته، مع ما ورد في ذلك من السنة من قوله: ~~(فأتموا) والتمام هو الآخر. # واحتج الآخرون بقوله: (فاقضوا) والذي يقضيه هو الفائت، إلا أن رواية من ~~روى " فأتموا " أكثر، وليس يستقيم على قول من قال: إن ما أدرك أول صلاته ~~ويطرد، إلا ما قاله عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون والمزني وإسحاق وداود ~~من أنه يقرأ مع الامام بالحمد وسورة إن أدرك ذلك معه، وإذا قام للقضاء قرأ ~~بالحمد وحدها، فهؤلاء أطرد على أصلهم قولهم وفعلهم، رضي الله عنهم. # الثامنة - الإقامة تمنع من ابتداء صلاة نافلة، قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة) خرجه مسلم وغيره، فأما إذا شرع ~~في نافلة # PageV01P166 # فلا يقطعها، لقوله تعالى: " ولا تبطلوا أعمالكم " (1) وخاصة إذا صلى ركعة ~~منها. وقيل: # يقطعها لعموم الحديث في ذلك. والله أعلم. # التاسعة - واختلف العلماء فيمن دخل المسجد ولم يكن ركع ركعتي الفجر ثم ~~أقيمت الصلاة، فقال مالك: يدخل مع الامام ولا يركعهما، وإن كان لم يدخل ~~المسجد فإن لم يخف فوات ركعة فليركع خارج المسجد، ولا يركعهما في شئ من ~~أفنية المسجد - التي تصلي فيها الجمعة - اللاصقة ms0163 بالمسجد، وإن خاف أن تفوته ~~الركعة الأولى فليدخل وليصل معه، ثم يصليهما إذا طلعت الشمس إن أحب، ولإن ~~يصليهما إذا طلعت الشمس أحب إلي وأفضل من تركهما وقال أبو حنيفة وأصحابه: ~~إن خشي أن تفوته الركعتان ولا يدرك الامام قبل رفعه من الركوع في الثانية ~~دخل معه، وإن رجا أن يدرك ركعة صلى ركعتي الفجر خارج المسجد، ثم يدخل مع ~~الامام وكذلك قال الأوزاعي، إلا أنه يجوز ركوعهما في المسجد ما لم يخف فوت ~~الركعة الأخيرة. وقال الثوري: إن خشي فوت ركعة دخل معهم ولم يصلهما وإلا ~~صلاهما وإن كان قد دخل المسجد. وقال الحسن بن حي ويقال ابن حيان: إذا أخذ ~~المقيم في الإقامة فلا تطوع إلا ركعتي الفجر. وقال الشافعي: من دخل المسجد ~~وقد أقيمت الصلاة دخل مع الامام ولم يركعهما لا خارج المسجد ولا في المسجد. ~~وكذلك قال الطبري وبه قال أحمد بن حنبل وحكي عن مالك، وهو الصحيح في ذلك، ~~لقوله عليه السلام. # (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة). وركعتا الفجر إما سنة، وإما ~~فضيلة، وإما رغيبة، والحجة عند التنازع حجة السنة. ومن حجة قول مالك ~~المشهور وأبي حنيفة ما روي عن ابن عمر أنه جاء والامام يصلي صلاة الصبح ~~فصلاهما في حجرة حفصة، ثم إنه صلى مع الامام. ومن حجة الثوري والأوزاعي ما ~~روي عن عبد الله بن مسعود أنه دخل المسجد. وقد أقيمت الصلاة فصلى إلى ~~أسطوانة (2) في المسجد ركعتي الفجر، ثم دخل الصلاة بمحضر من حذيفة وأبي ~~موسى رضي الله عنهما. قالوا: (وإذا جاز أن يشتغل بالنافلة عن # PageV01P167 # المكتوبة خارج المسجد جاز له ذلك في المسجد)، روى مسلم عن عبد الله بن ~~مالك ابن بحينة (1) قال: أقيمت صلاة الصبح فرأى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم رجلا يصلي والمؤذن يقيم، فقال: (أتصلي الصبح أربعا) وهذا إنكار منه ~~صلى الله عليه وسلم على الرجل لصلاته ركعتي الفجر في المسجد والامام يصلي، ~~ويمكن أن يستدل به أيضا على أن ركعتي الفجر إن وقعت في ms0164 تلك الحال صحت، لأنه ~~عليه السلام لم يقطع عليه صلاته مع تمكنه من ذلك، والله أعلم. # العاشرة - الصلاة أصلها في اللغة الدعاء، مأخوذة من صلى يصلي إذا دعا، ~~ومنه قوله عليه السلام: (إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب فإن كان مفطرا ~~فليطعم وإن كان صائما فليصل) أي فليدع. وقال بعض العلماء: إن المراد الصلاة ~~المعروفة، فيصلي ركعتين وينصرف، والأول أشهر وعليه من العلماء الأكثر. ولما ~~ولدت أسماء عبد الله بن الزبير أرسلته إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قالت ~~أسماء: ثم مسحه وصلى عليه، أي دعا له. # وقال تعالى: " وصل عليهم " (2) أي ادع لهم. # وقال الأعشى: # تقول بنتي وقد قربت مرتحلا * يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا عليك مثل ~~الذي صليت فاغتمضي * نوما فإن لجنب المرء مضطجعا وقال الأعشى أيضا: # وقابلها الريح في دنها * وصلى على دنها وارتسم ارتسم الرجل: كبر ودعا، ~~قاله في الصحاح. وقال قوم: هي مأخوذة من الصلا وهو عرق في وسط الظهر ويفترق ~~عند العجب فيكتنفه، ومنه أخذ المصلي في سبق الخيل، لأنه يأتي في الحلبة ~~ورأسه عند صلوى السابق، فاشتقت الصلاة منه، إما لأنها جاءت ثانية للايمان ~~فشبهت بالمصلي من الخيل، وإما لان الراكع تثنى صلواه. والصلاة: مغرز الذنب ~~من الفرس، # PageV01P168 # والاثنان صلوان. والمصلي: تالي السابق، لان رأسه عند صلاه. وقال علي رضي ~~الله عنه: # سبق رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى أبو بكر وثلث عمر. وقيل: هي ~~مأخوذة من اللزوم، ومنه صلي بالنار إذا لزمها، ومنه " تصلى نارا حامية " ~~[الغاشية: 4]. وقال الحارث بن عباد: # لم أكن من جناتها علم الله * وإني بحرها اليوم صال أي ملازم لحرها، وكأن ~~المعنى على هذا ملازمة العبادة على الحد الذي أمر الله تعالى به. # وقيل: هي مأخوذة من صليت العود بالنار إذا قومته ولينته بالصلاء. ~~والصلاء: صلاء النار بكسر الصاد ممدود، فإن فتحت الصاد قصرت، فقلت صلا ~~النار، فكأن المصلي يقوم نفسه بالمعاناة فيها ويلين ويخشع، قال الخارزنجي: ~~(2) فلا تعجل بأمرك واستدمه * فما صلى عصاك كمستديم (3) والصلاة: ms0165 الدعاء ~~والصلاة: الرحمة، ومنه: (اللهم صل على محمد) الحديث. والصلاة: # العبادة، ومنه قوله تعالى: " وما كان صلاتهم عند البيت " (4) [الأنفال: ~~35] الآية، أي عبادتهم. والصلاة: # النافلة، ومنه قوله تعالى: " وأمر أهلك بالصلاة " (5) [طه: 132]. والصلاة ~~التسبيح، ومنه قوله تعالى: # " فلولا أنه كان من المسبحين " (6) [الصافات: 143] أي من المصلين. ومنه ~~سبحة الضحى. وقد قيل في تأويل " نسبح بحمدك " (7) [البقرة: 30] نصلي. ~~والصلاة: القراءة، ومنه قوله تعالى: " ولا تجهر بصلاتك " (8) [الاسراء: ~~110] فهي لفظ مشترك. والصلاة: بيت يصلي فيه، قاله ابن فارس. وقد قيل: إن ~~الصلاة اسم علم وضع لهذه العبادة، فإن الله تعالى لم يخل زمانا من شرع، ولم ~~يخل شرع من صلاة، حكاه أبو نصر القشيري. # قلت: فعلى هذا القول لا اشتقاق لها، وعلى قول الجمهور وهي: - الحادية ~~عشرة - اختلف الأصوليون هل هي مبقاة على أصلها اللغوي الوضعي الابتدائي، ~~وكذلك الايمان والزكاة والصيام والحج، والشرع إنما تصرف بالشروط والاحكام، ~~أو # PageV01P169 # هل تلك الزيادة من الشرع تصيرها موضوعة كالوضع الابتدائي من قبل الشرع. ~~هنا اختلافهم والأول أصح، لان الشريعة ثبتت بالعربية، والقرآن نزل بها ~~بلسان عربي مبين، ولكن للعرب تحكم في الأسماء، كالدابة وضعت لكل ما يدب، ثم ~~خصصها العرف بالبهائم فكذلك لعرف الشرع تحكم في الأسماء، والله أعلم. # الثانية عشرة - واختلف في المراد بالصلاة هنا، فقيل: الفرائض. وقيل: ~~الفرائض والنوافل معا، وهو الصحيح، لان اللفظ عام والمتقي يأتي بهما. # الثالثة عشرة - الصلاة سبب للرزق، قال الله تعالى: " وأمر أهلك بالصلاة " ~~[طه: 132] الآية، على ما يأتي بيانه في " طه " (1) إن شاء الله تعالى. ~~وشفاء من وجع البطن وغيره، روى ابن ماجة عن أبي هريرة قال: هجر (2) النبي ~~صلى الله عليه وسلم فهجرت فصليت ثم جلست، فالتفت إلي النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال: (أشكمت درده) قلت: نعم يا رسول الله، قال: (قم فصل فإن في ~~الصلاة شفاء). في رواية: (أشكمت درد) يعني تشتكي بطنك بالفارسية، وكان عليه ~~الصلاة والسلام إذا حزبه (3) أمر فزع إلى الصلاة. # الرابعة عشرة - الصلاة لا تصح إلا بشروط وفروض، فمن شروطها: ms0166 الطهارة، ~~وسيأتي بيان أحكامها في سورة النساء (4) والمائدة (5). وستر العورة، يأتي ~~في الأعراف (6) القول فيها إن شاء الله تعالى. # وأما فروضها: فاستقبال القبلة، والنية، وتكبيرة الاحرام والقيام لها، ~~وقراءة أم القرآن والقيام لها، والركوع والطمأنينة فيه، ورفع الرأس من ~~الركوع والاعتدال فيه، والسجود والطمأنينة فيه، ورفع الرأس من السجود، ~~والجلوس بين السجدتين والطمأنينة فيه، والسجود الثاني والطمأنينة فيه. ~~والأصل في هذه الجملة حديث أبي هريرة في الرجل الذي علمه النبي صلى الله ~~عليه وسلم الصلاة لما أخل بها، فقال له: (إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ~~ثم استقبل القبلة ثم كبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم اركع حتى تطمئن ~~راكعا ثم ارفع # PageV01P170 # حتى تعتدل قائما ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم ارفع حتى تطمئن جالسا ثم ~~افعل ذلك في صلاتك كلها) خرجه مسلم. ومثله حديث رفاعة بن رافع، أخرجه ~~الدارقطني وغيره. # قال علماؤنا: فبين قوله صلى الله عليه وسلم أركان الصلاة، وسكت عن ~~الإقامة ورفع اليدين وعن حد القراءة وعن تكبير الانتقالات، وعن التسبيح في ~~الركوع والسجود، وعن الجلسة الوسطى، وعن التشهد وعن الجلسة الأخيرة وعن ~~السلام. أما الإقامة وتعيين الفاتحة فقد مضى الكلام فيهما (1). وأما رفع ~~اليدين فليس بواجب عند جماعة العلماء وعامة الفقهاء، لحديث أبي هريرة وحديث ~~رفاعة بن رافع. وقال داود وبعض أصحابه بوجوب ذلك عند تكبيرة الاحرام. وقال ~~بعض أصحابه: الرفع عند الاحرام وعند الركوع وعند الرفع من الركوع واجب، وإن ~~من لم يرفع يديه فصلاته باطلة، وهو قول الحميدي، ورواية عن الأوزاعي. # واحتجوا بقوله عليه السلام: (صلوا كما رأيتموني أصلي) أخرجه البخاري. ~~قالوا: فوجب علينا أن نفعل كما رأيناه يفعل، لأنه المبلغ عن الله مراده. ~~وأما التكبير ما عدا تكبيرة الاحرام فمسنون عند الجمهور للحديث المذكور. ~~وكان ابن قاسم صاحب مالك يقول: من أسقط من التكبيرة في الصلاة ثلاث تكبيرات ~~فما فوقها سجد للسهو قبل السلام، وإن لم يسجد بطلت صلاته، وإن نسي تكبيرة ~~واحدة أو اثنتين سجد أيضا للسهو، فإن لم ms0167 يفعل في شئ عليه، وروي عنه أن ~~التكبيرة الواحدة لا سهو على من سها فيها. وهذا يدل على أن عظم التكبير ~~وجملته عنده فرض، وأن اليسير منه متجاوز عنه. وقال أصبغ بن الفرج وعبد الله ~~بن عبد الحكم: ليس على من لم يكبر في الصلاة من أولها إلى آخرها شئ إذا كبر ~~تكبيرة الاحرام، فإن تركه ساهيا سجد للسهو، فإن لم يسجد فلا شئ عليه، ولا ~~ينبغي لاحد أن يترك التكبير عامدا، لأنه سنة من سنن الصلاة، فإن فعل فقد ~~أساء ولا شئ عليه وصلاته ماضية. # قلت: هذا هو الصحيح، وهو الذي عليه جماعة فقهاء الأمصار من الشافعيين ~~والكوفيين وجماعة أهل الحديث والمالكيين غير من ذهب مذهب ابن القاسم. وقد ~~ترجم البخاري # PageV01P171 # رحمه الله (باب إتمام التكبير في الركوع والسجود) وساق حديث مطرف بن عبد ~~الله قال: # صليت خلف علي بن أبي طالب أنا وعمران بن حصين، فكان إذا سجد كبر، وإذا ~~رفع رأسه كبر، وإذا نهض من الركعتين كبر، فلما قضى الصلاة أخذ بيدي عمران ~~بن حصين فقال: # لقد ذكرني هذا صلاة محمد صلى الله عليه وسلم، أو قال: لقد صلى بنا صلاة ~~محمد صلى الله عليه وسلم. وحديث عكرمة قال: رأيت رجلا عند المقام يكبر في ~~كل خفض ورفع، وإذا قام وإذا وضع، فأخبرت ابن عباس فقال: أو ليس تلك صلاة ~~النبي صلى الله عليه وسلم لا أم لك (1)! # فدلك البخاري رحمه الله بهذا الباب على أن التكبير لم يكن معمولا به ~~عندهم. روى أبو إسحاق السبيعي عن يزيد بن أبي مريم عن أبي موسى الأشعري ~~قال: صلى بنا علي يوم الجمل صلاة أذكرنا بها صلاة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، كان يكبر في كل خفض ورفع، وقيام وقعود، قال أبو موسى: فإما نسيناها ~~وإما تركناها عمدا. # قلت: أتراهم أعادوا الصلاة! فكيف يقال من ترك التكبير بطلت صلاته! ولو ~~كان ذلك لم يكن فرق بين السنة والفرض، والشئ إذا لم يجب أفراده لم يجب ~~جميعه، وبالله التوفيق. ms0168 # الخامسة عشرة - وأما التسبيح في الركوع والسجود فغير واجب عند الجمهور ~~للحديث المذكور، وأوجبه إسحاق بن راهويه، وأن من تركه أعاد الصلاة، لقوله ~~عليه السلام: # (أما الركوع فعظموا فيه الرب وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن ~~يستجاب لكم). # السادسة عشرة - وأما الجلوس والتشهد فاختلف العلماء في ذلك، فقال مالك ~~وأصحابه: # الجلوس الأول والتشهد له سنتان. وأوجب جماعة من العلماء الجلوس الأول ~~وقالوا: هو مخصوص من بين سائر الفروض بأن ينوب عنه السجود كالعرايا (2) من ~~المزابنة (3)، والقراض (4) من الإجارات، وكالوقوف بعد الاحرام لمن وجد ~~الامام راكعا. واحتجوا بأنه لو كان سنة ما كان # PageV01P172 # العامد لتركه تبطل صلاته كما لا تبطل بترك سنن الصلاة. احتج من لم يوجبه ~~بأن قال: # لو كان من فرائض الصلاة لرجع الساهي عنه إليه حتى يأتي به، كما لو ترك ~~سجدة أو ركعة، ويراعى فيه ما يراعى في الركوع والسجود من الولاء والرتبة، ~~ثم يسجد لسهوه كما يصنع من ترك ركعة أو سجدة وأتى بهما. وفي حديث عبد الله ~~بن بحينة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام من ركعتين ونسي أن يتشهد ~~فسبح الناس خلفه كيما يجلس فثبت قائما فقاموا، فلما فرغ من صلاته سجد سجدتي ~~السهو قبل التسليم، فلو كان الجلوس فرضا لم يسقطه النسيان والسهو، لان ~~الفرائض في الصلاة يستوي في تركها السهو والعمد إلا في المؤتم. # واختلفوا في حكم الجلوس الأخير في الصلاة وما الغرض من ذلك. وهي: - ~~السابعة عشرة - على خمسة أقوال: # أحدها: أن الجلوس فرض والتشهيد فرض والسلام فرض. وممن قال ذلك الشافعي ~~وأحمد بن حنبل في رواية، وحكاه أبو مصعب في مختصره عن مالك وأهل المدينة، ~~وبه قال داود. قال الشافعي: من ترك التشهد الأول والصلاة على النبي صلى ~~الله عليه وسلم فلا إعادة عليه وعليه سجدتا السهو لتركه. وإذا ترك التشهد ~~الأخير ساهيا أو عامدا أعاد. واحتجوا بأن بيان النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الصلاة فرض، لان أصل فرضها مجمل يفتقر إلى البيان إلا ما خرج ms0169 بدليل وقد قال ~~صلى الله عليه وسلم: (صلوا كما رأيتموني أصلي). # القول الثاني: أن الجلوس والتشهد والسلام ليس بواجب، وإنما ذلك كله سنة ~~مسنونة، هذا قول بعض البصريين، وإليه ذهب إبراهيم بن علية، وصرح بقياس ~~الجلسة الأخيرة على الأولى، فخالف الجمهور وشذ، إلا أنه يرى الإعادة على من ~~ترك شيئا من ذلك كله. ومن حجتهم حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: (إذا رفع الامام رأسه من آخر سجدة في صلاته ثم ~~أحدث فقد تمت صلاته) وهو حديث لا يصح على ما قاله أبو عمر، وقد بيناه في ~~كتاب المقتبس (1). وهذا اللفظ إنما يسقط السلام لا الجلوس. # PageV01P173 # القول الثالث: إن الجلوس مقدار التشهد فرض، وليس التشهد ولا السلام بواجب ~~فرضا. # قاله أبو حنيفة وأصحابه وجماعة من الكوفيين. واحتجوا بحديث ابن المبارك ~~عن الإفريقي عبد الرحمن بن زياد وهو ضعيف، وفيه أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: (إذا جلس أحدكم في آخر صلاته فأحدث قبل أن يسلم فقد تمت صلاته). ~~قال ابن العربي: وكان شيخنا فخر الاسلام ينشدنا في الدرس: # ويرى الخروج من الصلاة بضرطة * أين الضراط من السلام عليكم قال ابن ~~العربي: وسلك بعض علمائنا من هذه المسألة فرعين ضعيفين، أما أحدهما: # فروى عبد الملك عن عبد الملك أن من سلم من ركعتين متلاعبا، فخرج البيان ~~أنه إن كان على أربع أنه يجزئه، وهذا مذهب أهل العراق بعينه. وأما الثاني: ~~فوقع في الكتب المنبوذة أن الامام إذا أحدث بعد التشهد متعمدا وقيل السلام ~~أنه يجزئ من خلفه، وهذا مما لا ينبغي أن يلتفت إليه في الفتوى، وإن عمرت به ~~المجالس للذكرى. # القول الرابع: إن الجلوس فرض والسلام فرض، وليس التشهد بواجب. وممن قال ~~هذا مالك بن أنس وأصحابه وأحمد بن حنبل في رواية. واحتجوا بأن قالوا: ليس ~~شئ من الذكر يجب إلا تكبيرة الاحرام وقراءة أم القرآن. # القول الخامس: أن التشهد والجلوس واجبان، وليس السلام بواجب، قاله جماعة ~~منهم إسحاق بن راهويه، ms0170 واحتج إسحاق بحديث ابن مسعود حين علمه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم التشهد وقال له: (إذا فرغت من هذا فقد تمت صلاتك وقضيت ما ~~عليك). # قال الدارقطني: قوله (إذا فرغت من هذا فقد تمت صلاتك) أدرجه بعضهم عن ~~زهير في الحديث، ووصله بكلام النبي صلى الله عليه وسلم، وفصله شبابة عن ~~زهير وجعله من كلام ابن مسعود، وقوله أشبه بالصواب من قول من أدرجه في حديث ~~النبي صلى الله عليه وسلم. وشبابة ثقة. وقد تابعه غسان بن الربيع على ذلك، ~~جعل آخر الحديث من كلام ابن مسعود ولم يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم. ~~PageV01P174 # الثامنة عشرة - واختلف العلماء في السلام، فقيل: واجب، وقيل: ليس بواجب. # والصحيح وجوبه لحديث عائشة وحديث علي الصحيح خرجه أبو داود والترمذي ~~ورواه سفيان الثوري عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن محمد بن الحنفية عن علي ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها ~~التكبير وتحليلها التسليم) وهذا الحديث أصل في إيجاب التكبير والتسليم، ~~وأنه لا يجزئ عنهما غيرهما كما لا يجزئ عن الطهارة غيرها باتفاق. قال عبد ~~الرحمن بن مهدي: لو افتتح رجل صلاته بسبعين اسما من أسماء الله عز وجل ولم ~~يكبر تكبيرة الاحرام لم يجزه، وإن أحدث قبل أن يسلم لم يجزه، وهذا تصحيح من ~~عبد الرحمن بن مهدي لحديث علي، وهو إمام في علم الحديث ومعرفة صحيحه من ~~سقيمه. # وحسبك به! # وقد اختلف العلماء في وجوب التكبير عند الافتتاح وهي: # التاسعة عشرة - فقال ابن شهاب الزهري وسعيد بن المسيب والأوزاعي وعبد ~~الرحمن وطائفة: تكبيرة الاحرام ليست بواجبة. وقد روي عن مالك في المأموم ما ~~يدل على هذا القول، والصحيح من مذهبه إيجاب تكبيرة الاحرام وأنها فرض وركن ~~من أركان الصلاة، وهو الصواب وعليه الجمهور، وكل من خالف ذلك فمحجوج ~~بالسنة. # الموفية عشرين - واختلف العلماء في اللفظ الذي يدخل به في الصلاة، فقال ~~مالك وأصحابه وجمهور العلماء: لا يجزئ إلا التكبير، لا يجزئ منه تهليل ms0171 ولا ~~تسبيح ولا تعظيم ولا تحميد. # هذا قول الحجازيين وأكثر العراقيين، ولا يجزئ عند مالك إلا " الله أكبر " ~~لا غير ذلك. # وكذلك قال الشافعي وزاد: ويجزئ " الله الأكبر " و " الله الكبير " والحجة ~~لمالك حديث عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح الصلاة ~~بالتكبير، والقراءة ب‍ " - الحمد لله رب العالمين ". وحديث علي: وتحريمها ~~التكبير. وحديث الأعرابي: فكبر. وفي سنن ابن ماجة حدثنا أبو بكر بن أبي ~~شيبة وعلي بن محمد الطنافسي قالا: حدثنا أبو أسامة قال حدثني عبد الحميد بن ~~جعفر قال حدثنا محمد بن عمرو بن عطاء قال سمعت أبا حميد الساعدي ~~PageV01P175 # يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة استقبل ~~القبلة ورفع يديه وقال: # " الله أكبر " وهذا نص صريح وحديث صحيح في تعيين لفظ التكبير، قال ~~الشاعر: # رأيت الله أكبر كل شئ * محاولة وأعظمه جنودا ثم إنه يتضمن القدم، وليس ~~يتضمنه كبير ولا عظيم، فكان أبلغ في المعنى، والله أعلم. # وقال أبو حنيفة: إن افتتح بلا إله إلا الله يجزيه، وإن قال: اللهم اغفر ~~لي لم يجزه، وبه قال محمد بن الحسن. وقال أبو يوسف: لا يجزئه إذا كان يحسن ~~التكبير. وكان الحكم ابن عتيبة يقول: إذا ذكر الله مكان التكبير أجزأه. قال ~~ابن المنذر: ولا أعلمهم يختلفون أن من أحسن القراءة فهلل وكبر ولم يقرأ أن ~~صلاته فاسدة، فمن كان هذا مذهبه فاللازم له أن يقول لا يجزيه مكان التكبير ~~غيره، كما لا يجزئ مكان القراءة غيرها. وقال أبو حنيفة: # يجزئه التكبير بالفارسية وإن كان يحسن العربية. قال ابن المنذر: لا يجزيه ~~لأنه خلاف ما عليه جماعات المسلمين، وخلاف ما علم النبي صلى الله عليه وسلم ~~أمته، ولا نعلم أحدا وافقه على ما قال. والله أعلم. # الحادية والعشرون - واتفقت الأمة على وجوب النية عند تكبيرة الاحرام إلا ~~شيئا روي عن بعض أصحابنا يأتي الكلام عليه في آية الطهارة، وحقيقتها قصد ~~التقرب إلى الآمر بفعل ما أمر به على الوجه المطلوب منه. ms0172 قال ابن العربي: ~~والأصل في كل نية أن يكون عقدها مع التلبس بالفعل المنوي بها، أو قبل ذلك ~~بشرط استصحابها، فإن تقدمت النية وطرأت غفلة فوقع التلبس بالعبادة في تلك ~~الحالة لم يعتد بها، كما لا يعتد بالنية إذا وقعت بعد التلبس بالفعل، وقد ~~رخص في تقديمها في الصوم لعظم الحرج في اقترانها بأوله. قال ابن العربي: # وقال لنا أبو الحسن القروي بثغر عسقلان: سمعت إمام الحرمين يقول: يحضر ~~الانسان عند التلبس بالصلاة النية، ويجرد النظر في الصانع وحدوث العالم ~~والنبوات حتى ينتهي نظره إلى نية الصلاة، قال: ولا يحتاج ذلك إلى زمان ~~طويل، وإنما يكون ذلك في أوحى (1) لحظة، لان # PageV01P176 # تعليم الجمل يفتقر إلى الزمان الطويل، وتذكارها يكون في لحظة، ومن تمام ~~النية أن تكون مستصحبة على الصلاة كلها، إلا أن ذلك لما كان أمرا يتعذر ~~عليه سمح الشرع في عزوب النية في أثنائها. سمعت شيخنا أبا بكر الفهري ~~بالمسجد الأقصى يقول قال محمد بن سحنون: # رأيت أبي سحنونا ربما يكمل الصلاة فيعيدها، فقلت له ما هذا؟ فقال: عزبت ~~نيتي في أثنائها فلأجل ذلك أعدتها. # قلت: فهذه جملة من أحكام الصلاة، وسائر أحكامها يأتي بيانها في مواضعها ~~من هذا الكتاب بحول الله تعالى، فيأتي ذكر الركوع وصلاة الجماعة والقبلة ~~والمبادرة إلى الأوقات، وبعض صلاة الخوف في هذه السورة، ويأتي ذكر قصر ~~الصلاة وصلاة الخوف، في " النساء " (1) والأوقات في " هود (2) وسبحان (3) ~~والروم (4) " وصلاة الليل في " المزمل (5) " وسجود التلاوة في " الأعراف ~~(6) " وسجود الشكر في " ص (7) " كل في موضعه إن شاء الله تعالى. # الثانية والعشرون - قوله تعالى: (ومما رزقناهم ينفقون) رزقناهم: ~~أعطيناهم، والرزق عند أهل السنة ما صح الانتفاع به حلالا كان أو حراما، ~~خلافا للمعتزلة في قولهم: # إن الحرام ليس برزق لأنه لا يصح تملكه، وإن الله لا يرزق الحرام وإنما ~~يرزق الحلال، والرزق لا يكون إلا بمعنى الملك. # قالوا: فلو نشأ صبي مع اللصوص ولم يأكل شيئا إلا ما أطعمه اللصوص إلى أن ~~بلغ وقوي وصار لصا، ثم لم يزل ms0173 يتلصص ويأكل ما تلصصه إلى أن مات، فإن الله ~~لم يرزقه شيئا إذ لم يملكه، وإنه يموت ولم يأكل من رزق الله شيئا. # وهذا فاسد، والدليل عليه أن الرزق لو كان بمعنى التمليك لوجب ألا يكون ~~الطفل مرزوقا، ولا البهائم التي ترتع في الصحراء، ولا السخال من البهائم، ~~لان لبن أمهاتها ملك لصاحبها دون السخال. # ولما اجتمعت الأمة على أن الطفل والسخال والبهائم مرزوقون، وأن الله ~~تعالى يرزقهم مع كونهم غير مالكين علم أن الرزق هو الغذاء ولأن الأمة مجمعة ~~على أن العبيد والإماء مرزوقون، # PageV01P177 # وأن الله تعالى يرزقهم مع كونهم غير مالكين، فعلم أن الرزق ما قلناه لا ~~ما قالوه. والذي يدل على أنه لا رازق سواه قوله الحق: " هل من خالق غير ~~الله يرزقكم (1) من السماء والأرض " [فاطر: 3] وقال: " إن الله هو الرزاق ~~(2) ذو القوة المتين " [الذاريات: 58] وقال: " وما من دابة (3) في الأرض ~~إلا على الله رزقها " [هود: 6] وهذا قاطع، فالله تعالى رازق حقيقة وابن آدم ~~رازق تجوزا، لأنه يملك ملكا منتزعا كما بيناه في الفاتحة (4)، مرزوق حقيقة ~~كالبهائم التي لا ملك لها، إلا أن الشئ إذا كان مأذونا له في تناوله فهو ~~حلال حكما، وما كان منه غير مأذون له في تناوله فهو حرام حكما، وجميع ذلك ~~رزق. # وقد خرج بعض النبلاء من قوله تعالى: " كلوا من رزق ربكم (5) واشكروا له ~~بلدة طيبة ورب غفور " [سبأ: 15] فقال: ذكر المغفرة يشير إلى أن الرزق قد ~~يكون فيه حرام. # الثالثة والعشرون - قوله تعالى: " ومما رزقناهم " الرزق مصدر رزق يرزق ~~رزقا ورزقا، فالرزق بالفتح المصدر، وبالكسر الاسم، وجمعه أرزاق، والرزق: ~~العطاء. والرازقية: # ثياب كتان [بيض] (6). وارتزق الجند: أخذوا أرزاقهم. والرزقة: المرة ~~الواحدة، هكذا قال أهل اللغة. وقال ابن السكيت: الرزق بلغة أزد شنوءة: ~~الشكر، وهو قوله عز وجل: # " وتجعلون (7) رزقكم أنكم تكذبون " [الواقعة: 82] أي شكركم التكذيب. ~~ويقول: رزقني أي شكرني. # الرابعة والعشرون - قوله تعالى: " ينفقون " ينفقون: يخرجون. والانفاق: ~~إخراج المال من اليد، ومنه نفق البيع: أي خرج من يد البائع ms0174 إلى المشتري. ~~ونفقت الدابة: # خرجت روحها، ومنه النافقاء لجحر اليربوع الذي يخرج منه إذا أخذ من جهة ~~أخرى. ومنه المنافق، لأنه يخرج من الايمان أو يخرج الايمان من قلبه. ونيفق ~~السراويل معروفة وهو مخرج الرجل منها. ونفق الزاد: فنى وأنفقه صاحبه. وأنفق ~~القوم: فني زادهم، ومنه قوله تعالى: # " إذا لأمسكتم خشية الانفاق (8) " [الاسراء: 100]. # PageV01P178 # الخامسة والعشرون - واختلف العلماء في المراد بالنفقة هاهنا، فقيل: ~~الزكاة المفروضة - روي عن ابن عباس - لمقارنتها الصلاة. وقيل: نفقة الرجل ~~على أهله - روي عن ابن مسعود - لان ذلك أفضل النفقة. روى مسلم عن أبي هريرة ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دينار أنفقته في سبيل الله ودينار ~~أنفقته في رقبة ودينار تصدقت به على مسكين ودينار أنفقته على أهلك أعظمها ~~أجرا الذي أنفقته على أهلك). وروي عن ثوبان قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: (أفضل دينار ينفقه الرجل دينار ينفقه على عياله ودينار ينفقه ~~الرجل على دابته في سبيل الله عز وجل ودينار ينفقه على أصحابه في سبيل ~~الله) قال أبو قلابة (1): # وبدأ بالعيال [ثم] قال أبو قلابة: وأي رجل أعظم أجرا من رجل ينفق على ~~عيال صغار يعفهم أو ينفعهم الله به ويغنيهم. وقيل: المراد صدقة التطوع - ~~روي عن الضحاك نظرا إلى أن الزكاة لا تأتي إلا بلفظها المختص بها وهو ~~الزكاة، فإذا جاءت بلفظ غير الزكاة احتملت الفرض والتطوع، فإذا جاءت بلفظ ~~الانفاق لم تكن إلا التطوع. قال الضحاك: كانت النفقة قربانا يتقربون بها ~~إلى الله عز وجل على قدر جدتهم حتى نزلت فرائض الصدقات والناسخات (2) في " ~~براءة ". وقيل: إنه الحقوق الواجبة العارضة في الأموال ما عدا الزكاة، لان ~~الله تعالى لما قرنه بالصلاة كان فرضا، ولما عدل عن لفظها كان فرضا سواها. # وقيل: هو عام وهو الصحيح، لأنه خرج مخرج المدح في الانفاق مما رزقوا، ~~وذلك لا يكون إلا من الحلال، أي يؤتون ما ألزمهم الشرع من زكاة وغيرها مما ~~يعن في بعض الأحوال مع ما ندبهم إليه. وقيل: الايمان ms0175 بالغيب حظ القلب. ~~وإقام الصلاة حظ البدن. # ومما رزقناهم ينفقون حظ المال، وهذا ظاهر. وقال بعض المتقدمين في تأويل ~~قوله تعالى: # " ومما رزقناهم ينفقون " أي مما علمناهم يعلمون، حكاه أبو نصر عبد الرحيم ~~بن عبد الكريم القشيري. # PageV01P179 # قوله تعالى: والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم ~~يوقنون (4) قيل: المراد مؤمنو أهل الكتاب، كعبد الله بن سلام وفيه نزلت، ~~ونزلت الأولى في مؤمني العرب. وقيل: الآيتان جميعا في المؤمنين، وعليه ~~فإعراب " الذين " خفض على العطف، ويصح أن يكون رفعا على الاستئناف أي وهم ~~الذين. ومن جعلها في صنفين فإعراب " الذين " رفع بالابتداء، وخبره " أولئك ~~على هدى " ويحتمل الخفض عطفا. # قوله تعالى: (بما أنزل إليك) يعني القرآن (وما أنزل من قبلك) يعني الكتب ~~السالفة، بخلاف ما فعله اليهود والنصارى حسب ما أخبر الله عنهم في قوله: " ~~وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله (1) قالوا نؤمن بما أنزل علينا " ~~[البقرة: 91] الآية. ويقال: لما نزلت هذه الآية: " الذين يؤمنون بالغيب " ~~قالت اليهود والنصارى: نحن آمنا بالغيب، فلما قال: " ويقيمون الصلاة " ~~[البقرة: 3] قالوا: نحن نقيم الصلاة، فلما قال " ومما رزقناهم ينفقون " ~~قالوا: نحن ننفق ونتصدق، فلما قال: " والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل ~~من قبلك " نفروا من ذلك. # وفي حديث أبي ذر قال قلت: يا رسول الله كم كتابا أنزل الله؟ قال: (مائة ~~كتاب وأربعة كتب أنزل الله على شيث خمسين صحيفة وعلى أخنوخ (2) ثلاثين ~~صحيفة وعلى إبراهيم عشر صحائف وأنزل على موسى قبل التوراة عشر صحائف وأنزل ~~التوراة والإنجيل والزبور والفرقان). # الحديث أخرجه الحسين الآجري وأبو حاتم البستي. # وهنا مسألة: إن قال قائل: كيف يمكن الايمان بجميعها مع تنافي أحكامها؟ ~~قيل له فيه جوابان: أحدهما - أن الايمان بأن جميعها نزل من عند الله، وهو ~~قول من أسقط التعبد بما تقدم من الشرائع. الثاني - أن الايمان بما لم ينسخ ~~منها، وهذا قول من أوجب التزام الشرائع المتقدمة، على ما يأتي بيانه إن شاء ~~الله تعالى. # قوله تعالى: (وبالآخرة هم يوقنون) ms0176 أي وبالبعث والنشر هم عالمون. واليقين: ~~العلم دون الشك، يقال منه: يقنت الامر (بالكسر) يقنا، وأيقنت واستيقنت ~~وتيقنت كله بمعنى، # PageV01P180 # وأنا على يقين منه. وإنما صارت الياء واوا في قولك: موقن، للضمة قبلها، ~~وإذا صغرته رددته إلى الأصل فقلت مييقن والتصغير يرد الأشياء إلى أصولها ~~وكذلك الجمع. وربما عبروا باليقين عن الظن، ومنه قول علمائنا في اليمين ~~اللغو: هو أن يحلف بالله على أمر يوقنه ثم يتبين له أنه خلاف ذلك فلا شئ ~~عليه، قال الشاعر: (1) تحسب هواس وأيقن أنني * بها مفتد من واحد لا أغامره ~~يقول: تشمم الأسد ناقتي، يظن أنني مفتد بها منه، وأستحمي نفسي فأتركها له ~~ولا أقتحم المهالك بمقاتلته فأما الظن بمعنى اليقين فورد في التنزيل وهو في ~~الشعر كثير، وسيأتي. # والآخرة مشتقة من التأخر لتأخرها عنا وتأخرنا عنها، كما أن الدنيا مشتقة ~~من الدنو، على ما يأتي. # قوله تعالى: أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون (5) قال النحاس ~~أهل نجد يقولون: ألاك، وبعضهم يقول: ألا لك، والكاف للخطاب. قال الكسائي: ~~من قال أولئك فواحده ذلك، ومن قال ألاك فواحده ذاك، وألالك مثل أولئك، ~~وأنشد ابن السكيت: # ألا لك قومي لم يكونوا أشابة (2) * وهل يعظ الضليل إلا ألالكا وربما ~~قالوا: أولئك في غير العقلاء، قال الشاعر: # ذم المنازل بعد منزلة اللوى * والعيش بعد أولئك الأيام وقال تعالى: " إن ~~السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا (3) " [الاسراء: 36] وقال ~~علماؤنا: إن في قوله تعالى: " من ربهم " ردا على القدرية في قولهم: يخلقون ~~إيمانهم وهداهم، تعالى الله عن قولهم ولو كان كما قالوا لقال: " من أنفسهم ~~"، وقد تقدم الكلام فيه (4) وفي الهدى (5) فلا معنى لإعادة ذلك. # (وأولئك هم المفلحون) " هم " يجوز أن يكون مبتدأ ثانيا وخبره " المفلحون ~~"، والثاني وخبره خبر الأول، ويجوز أن تكون " هم " زائدة - يسميها البصريون ~~فاصلة والكوفيون عمادا - و " المفلحون " خبر " أولئك ". # PageV01P181 # والفلح أصله في اللغة الشق والقطع، قال الشاعر: # * إن الحديد بالحديد يفلح * أي يشق، ومنه فلاحة الأرضين إنما هو شقها ~~للحرث، قال ms0177 أبو عبيد. ولذلك سمي الأكار (1) فلاحا. ويقال للذي شقت شفته ~~السفلى أفلح، وهو بين الفلحة، فكأن المفلح قد قطع المصاعب حتى نال مطلوبه. ~~وقد يستعمل في الفوز والبقاء، وهو أصله أيضا في اللغة، ومنه قول الرجل ~~لامرأته: استفلحي بأمرك، معناه فوزي بأمرك، وقال الشاعر: # لو كان حي مدرك الفلاح * أدركه ملاعب الرماح وقال الأضبط بن قريع السعدي ~~في الجاهلية الجهلاء: # لكل هم من الهموم سعه * والمسي والصبح لا فلاح معه يقول: ليس مع كر الليل ~~والنهار بقاء. وقال آخر: # نحل بلادا كلها حل قبلنا * ونرجو الفلاح بعد عاد وحمير أي البقاء: وقال ~~عبيد: # أفلح بما شئت فقد يدرك بالضعف * وقد يخدع الأريب أي أبق بما شئت من كيس ~~وحمق فقد يرزق الأحمق ويحرم العاقل. فمعنى " وأولئك هم المفلحون ": أي ~~الفائزون بالجنة والباقون فيها. وقال ابن أبي إسحاق: المفلحون هم الذين ~~أدركوا ما طلبوا ونجوا من شر ما منه هربوا، والمعنى واحد. وقد استعمل ~~الفلاح في السحور، ومنه الحديث: حتى كاد يفوتنا الفلاح مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. قلت: وما الفلاح؟ # قال: السحور. أخرجه أبو داود. فكأن معنى الحديث أن السحور به بقاء الصوم ~~فلهذا سماه فلاحا. والفلاح (بتشديد اللام): المكاري في قول القائل: (2) لها ~~رطل تكيل الزيت فيه * وفلاح يسوق لها حمارا ثم الفلاح في العرف: الظفر ~~بالمطلوب، والنجاة من المرهوب. # PageV01P182 # مسألة: إن قال قائل كيف قرأ حمزة: عليهم وإليهم ولديهم، ولم يقرأ من ربهم ~~ولا فيهم ولا جنتيهم؟ فالجواب أن عليهم وإليهم ولديهم الياء فيه منقلبة من ~~ألف، والأصل علاهم ولداهم وإلاهم فأقرت الهاء على ضمتها، وليس ذلك في فيهم ~~ولا من ربهم ولا جنتيهم، ووافقه الكسائي في " عليهم الذلة " و " إليهم ~~اثنين " على ما هو معروف من القراءة عنهما. # قوله تعالى: إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ~~(6) لما ذكر المؤمنين وأحوالهم ذكر الكافرين ومآلهم. والكفر ضد الايمان وهو ~~المراد في الآية. وقد يكون بمعنى جحود النعمة والاحسان، ومنه قوله عليه ~~السلام ms0178 في النساء في حديث الكسوف: (ورأيت النار فلم أر منظرا كاليوم قط ~~أفظع ورأيت أكثر أهلها النساء) قيل: بم يا رسول الله؟ قال: (بكفرهن)، قيل ~~أيكفرن بالله؟ قال: (يكفرن العشير ويكفرن الاحسان لو أحسنت إلى إحداهن ~~الدهر كله ثم رأت منك شيئا قالت ما رأيت منك خيرا قط) أخرجه البخاري وغيره. # وأصل الكفر في كلام العرب: الستر والتغطية، ومنه قول الشاعر: # * في ليلة كفر النجوم غمامها * أي سترها. ومنه سمي الليل كافرا، لأنه ~~يغطي كل شئ بسواده، قال الشاعر: (1) فتذكرا ثقلا رثيدا بعدما * ألقت ذكاء ~~يمينها في كافر ذكاء (بضم الذال والمد): اسم للشمس، ومنه قول الآخر: # فوردت قبل انبلاج الفجر * وابن ذكاء كامن في كفر أي في ليل. والكافر ~~أيضا: البحر والنهر العظيم. والكافر: الزارع، والجمع كفار، قال الله تعالى: ~~" كمثل غيث أعجب الكفار نباته (2) " [الحديد: 20]. يعني الزراع لأنهم يغطون ~~الحب. ورماد # PageV01P183 # مكفور: سفت الريح عليه التراب. والكافر من الأرض: ما بعد عن الناس لا ~~يكاد ينزله ولا يمر به أحد، ومن حل بتلك المواضع فهم أهل الكفور. ويقال ~~الكفور: القرى. # قوله تعالى: (سواء عليهم) معناه معتدل عندهم الانذار وتركه، أي سواء ~~عليهم هذا. # وجئ بالاستفهام من أجل التسوية، ومثله قوله تعالى: " سواء علينا أوعظت أم ~~لم تكن من الواعظين (1) " [الشعراء: 136]. وقال الشاعر: (2) وليل يقول ~~الناس من ظلماته * سواء صحيحات العيون وعورها قوله تعالى: (أأنذرتهم) ~~الانذار الابلاغ والاعلام، ولا يكاد يكون إلا في تخويف يتسع زمانه ~~للاحتراز، فإن لم يتسع زمانه للاحتراز كان إشعارا ولم يكن إنذارا، قال ~~الشاعر: # أنذرت عمرا وهو في مهل * قبل الصباح فقد عصى عمرو وتناذر بنو فلان هذا ~~الامر إذا خوفه بعضهم بعضا. # واختلف العلماء في تأويل هذه الآية، فقيل: هي عامة ومعناها الخصوص فيمن ~~حقت عليه كلمة العذاب، وسبق في علم الله أنه يموت على كفره. أراد الله ~~تعالى أن يعلم أن في الناس من هذه حاله دون أن يعين أحدا. وقال ابن عباس ~~والكلبي: نزلت في رؤساء اليهود، منهم حيي بن أخطب ms0179 وكعب بن الأشرف ~~ونظراؤهما. وقال الربيع بن أنس: نزلت فيمن قتل يوم بدر من قادة الأحزاب، ~~والأول أصح، فإن من عين أحدا فإنما مثل بمن كشف الغيب عنه بموته على الكفر، ~~وذلك داخل في ضمن الآية. # قوله تعالى " لا يؤمنون " موضعه رفع خبر " إن " أي إن الذين كفروا لا ~~يؤمنون. وقيل: # خبر " إن " " سواء " وما بعده يقوم مقام الصلة، قاله ابن كيسان. وقال ~~محمد بن يزيد: " سواء " رفع بالابتداء، " أأنذرتهم أم لم تنذرهم " الخبر، ~~والجملة خبر " إن ". قال النحاس: أي إنهم تبالهوا فلم تغن فيهم النذارة ~~شيئا. واختلف القراء في قراءة " أأنذرتهم " فقرأ أهل المدينة وأبو عمرو # PageV01P184 # والأعمش وعبد الله بن أبي إسحاق: " أأنذرتهم " بتحقيق الأولى وتسهيل ~~الثانية، واختارها الخليل وسيبويه، وهي لغة قريش وسعد بن بكر، وعليها قول ~~الشاعر (1): # أيا ظبية الوعساء بين جلاجل * وبين النقا أنت أم أم سالم هجاء " آنت " ~~ألف واحدة. وقال آخر: # تطاللت فاستشرفته فعرفته * فقلت له آنت زيد الأرانب وروى عن ابن محيصن ~~أنه قرأ: " أنذرتهم أم لم تنذرهم " بهمزة لا ألف بعدها، فحذف لالتقاء ~~الهمزتين، أو لان أم تدل على الاستفهام، كما قال الشاعر: # تروح من الحي أم تبتكر * وماذا يضيرك لو تنتظر أراد: أتروح، فاكتفى بأم ~~من الألف. وروي عن ابن أبي إسحاق أنه قرأ: " أأنذرتهم " فحقق الهمزتين ~~وأدخل بينهما ألفا لئلا يجمع بينهما. قال أبو حاتم: ويجوز أن تدخل بينهما ~~ألفا وتخفف الثانية، وأبو عمرو ونافع يفعلان ذلك كثيرا. وقرأ حمزة وعاصم ~~والكسائي بتحقيق الهمزتين: " أأنذرتهم " وهو اختيار أبي عبيد، وذلك بعيد ~~عند الخليل. وقال سيبويه: # يشبه في الثقل ضننوا. قال الأخفش: ويجوز تخفيف الأولى من الهمزتين وذلك ~~ردئ، لأنهم إنما يخففون بعد الاستثقال، وبعد حصول الواحدة. قال أبو حاتم: ~~ويجوز تخفيف الهمزتين جميعا. فهذه سبعة أوجه من القراءات، ووجه ثامن يجوز ~~في غير القرآن، لأنه مخالف للسواد (2). قال الأخفش سعيد: تبدل من الهمزة ~~هاء تقول: هأنذرتهم، كما يقال هياك وإياك، وقال الأخفش في قوله تعالى: " ها ~~أنتم " [آل عمران: 66] إنما ms0180 هو أاأنتم. # قوله تعالى: ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشوة ولهم عذاب ~~عظيم (7) فيها عشر مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (ختم الله) بين سبحانه في هذه الآية المانع لهم من ~~الايمان بقوله: " ختم الله ". والختم مصدر ختمت الشئ ختما فهو مختوم ومختم، ~~شدد للمبالغة، ومعناه # PageV01P185 # التغطية على الشئ والاستيثاق منه حتى لا يدخله شئ، ومنه: ختم الكتاب ~~والباب وما يشبه ذلك، حتى لا يوصل إلى ما فيه، ولا يوضع فيه غير ما فيه. # وقال أهل المعاني: وصف الله تعالى قلوب الكفار بعشرة أوصاف: بالختم ~~والطبع والضيق والمرض والرين والموت والقساوة والانصراف والحمية والانكار. ~~فقال في الانكار: # " قلوبهم منكرة وهم مستكبرون (1) " [النحل: 22]. وقال في الحمية: " إذ ~~جعل الذين كفروا في قلوبهم (2) الحمية ". [الفتح: 26] وقال في الانصراف: " ~~ثم انصرفوا صرف (3) الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون " [التوبة: 127]. # وقال في القساوة: " فويل للقاسية (4) قلوبهم من ذكر الله " [الزمر: 22]. ~~وقال: " ثم قست قلوبكم (5) من بعد ذلك " [البقرة: 74]. وقال في الموت: " أو ~~من كان (6) ميتا فأحييناه " [الانعام: 122]. وقال: " إنما يستجيب الذين ~~يسمعون والموتى (7) يبعثهم الله " [الانعام: 36]. وقال في الرين: " كلا بل ~~ران (8) على قلوبهم ما كانوا يكسبون ". [المطففين: 14]. وقال في المرض: " ~~في قلوبهم مرض ". [محمد: 29] وقال في الضيق: " ومن يرد أن يضله يجعل صدره ~~ضيقا (9) حرجا ". [الانعام: 125]. وقال في الطبع: " فطبع على قلوبهم (10) ~~فهم لا يفقهون " [المنافقون: 3]. # وقال: " بل طبع الله عليها بكفرهم (11) " [النساء: 155]. وقال في الختم: ~~" ختم الله على قلوبهم ". [البقرة: 7]. وسيأتي بيانها كلها في مواضعها إن ~~شاء الله تعالى. # الثانية - الختم يكون محسوسا كما بينا، ومعنى كما في هذه الآية. فالختم ~~على القلوب: # عدم الوعي عن الحق - سبحانه - مفهوم مخاطباته والفكر في آياته. وعلى ~~السمع: عدم فهمهم للقرآن إذا تلي عليهم أو دعوا إلى وحدانيته. وعلى ~~الابصار: عدم هدايتها للنظر في مخلوقاته وعجائب مصنوعاته، هذا معنى قول ابن ~~عباس وابن مسعود وقتادة وغيرهم. # الثالثة - في هذه الآية أدل دليل وأوضح سبيل على أن الله سبحانه خالق ~~الهدى والضلال، والكفر والايمان، فاعتبروا ms0181 أيها السامعون، وتعجبوا أيها ~~المفكرون من عقول القدرية القائلين بخلق إيمانهم وهداهم، فإن الختم هو ~~الطبع فمن أين لهم الايمان ولو جهدوا، # PageV01P186 # وقد طبع على قلوبهم وعلى سمعهم وجعل على أبصارهم غشاوة، فمتى يهتدون، أو ~~من يهديهم من بعد الله إذا أضلهم وأصمهم وأعمى أبصارهم " ومن يضلل (1) الله ~~فما له من هاد "! [الزمر: 23] وكان فعل الله ذلك عدلا فيمن أضله وخذله، إذ ~~لم يمنعه حقا وجب له فتزول صفة العدل، وإنما منعهم ما كان له أن يتفضل به ~~عليهم لا ما وجب لهم. # فإن قالوا: إن معنى الختم والطبع والغشاوة التسمية والحكم والاخبار بأنهم ~~لا يؤمنون، لا الفعل. قلنا: هذا فاسد، لان حقيقة الختم والطبع إنما هو فعل ~~ما يصير به القلب مطبوعا مختوما، لا يجوز أن تكون حقيقته التسمية والحكم، ~~ألا ترى أنه إذا قيل: فلان طبع الكتاب وختمه، كان حقيقة أنه فعل ما صار به ~~الكتاب مطبوعا ومختوما، لا التسمية والحكم. هذا ما لا خلاف فيه بين أهل ~~اللغة، ولأن الأمة مجمعة على أن الله تعالى قد وصف نفسه بالختم والطبع على ~~قلوب الكافرين مجازاة لكفرهم، كما قال تعالى: " بل طبع الله عليها بكفرهم " ~~[النساء: 155]. وأجمعت الأمة على أن الطبع والختم على قلوبهم من جهة النبي ~~عليه السلام والملائكة والمؤمنين ممتنع، فلو كان الختم والطبع هو التسمية ~~والحكم لما امتنع من ذلك الأنبياء والمؤمنون، لأنهم كلهم يسمون الكفار ~~بأنهم مطبوع على قلوبهم، وأنهم مختوم عليها وأنهم في ضلال لا يؤمنون، ~~ويحكمون عليهم بذلك. فثبت أن الختم والطبع هو معنى غير التسمية والحكم، ~~وإنما هو معنى يخلقه الله في القلب يمنع من الايمان به، دليله قوله تعالى: # " كذلك نسلكه في قلوب المجرمين (2). لا يؤمنون به " [الحجر: 12]. وقال: " ~~وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه (2) " [الانعام: 25]. أي لئلا يفقهوه، ~~وما كان مثله. # الرابعة - قوله: (على قلوبهم) فيه دليل على فضل القلب على جميع الجوارح. ~~والقلب للانسان وغيره. وخالص كل شئ وأشرفه قلبه، فالقلب موضع الفكر. وهو في ~~الأصل مصدر قلبت الشئ ms0182 أقلبه قلبا إذا رددته على بداءته. وقلبت الاناء: ~~رددته على وجهه. ثم نقل هذا اللفظ فسمي به هذا العضو الذي هو أشرف الحيوان، ~~لسرعة الخواطر إليه، ولترددها عليه، كما قيل: # ما سمي القلب إلا من تقلبه * فاحذر على القلب من قلب وتحويل # PageV01P187 # ثم لما نقلت العرب هذا المصدر لهذا العضو الشريف التزمت فيه تفخيم قافه، ~~تفريقا بينه وبين أصله. روى ابن ماجة عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: (مثل القلب مثل ريشة تقلبها الرياح بفلاة). ولهذا ~~المعنى كان عليه الصلاة والسلام يقول: (اللهم يا مثبت القلوب ثبت قلوبنا ~~على طاعتك). فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوله مع عظيم قدره وجلال ~~منصبه فنحن أولى بذلك اقتداء به، قال الله تعالى: # " واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه " [الأنفال: 24]. وسيأتي (1). # الخامسة - الجوارح وإن كانت تابعة للقلب فقد يتأثر القلب - وإن كان ~~رئيسها وملكها - بأعمالها للارتباط الذي بين الظاهر والباطن، قال صلى الله ~~عليه وسلم: (إن الرجل ليصدق فتنكت في قلبه نكتة بيضاء وإن الرجل ليكذب ~~الكذبة فيسود قلبه) وروى الترمذي وصححه عن أبي هريرة: (أن الرجل ليصيب ~~الذنب فيسود قلبه فإن هو تاب صقل قلبه). قال: وهو الرين الذي ذكره الله في ~~القرآن في قوله: " كلا بل ران على (2) قلوبهم ما كانوا يكسبون " [المطففين: ~~14]. وقال مجاهد: القلب كالكف يقبض منه بكل ذنب إصبع، ثم يطبع. # قلت: وفي قول مجاهد هذا، وقوله عليه السلام: (إن في الجسد مضغة إذا صلحت ~~صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب -) دليل على أن الختم ~~يكون حقيقيا، والله أعلم. وقد قيل: إن القلب يشبه الصنوبرة، وهو يعضد قول ~~مجاهد، والله أعلم. # وقد روى مسلم عن حذيفة قال حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثين قد ~~رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر: حدثنا (أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال ~~ثم نزل القرآن فعلموا من القرآن وعلموا من السنة). ثم حدثنا عن رفع الأمانة ~~قال: (ينام ms0183 الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل الوكت ثم ~~ينام النومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل المجل كجمر دحرجته على ~~رجلك فنفط فتراه منتبرا وليس فيه شئ - ثم أخذ حصى فدحرجه على رجله فيصبح ~~الناس يتبايعون لا يكاد أحد يؤدي الأمانة حتى يقال إن # PageV01P188 # في بني فلان رجلا أمينا حتى يقال للرجل ما أجلده ما أظرفه ما أعقله وما ~~في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان ولقد أتى علي زمان وما أبالي أيكم ~~بايعت لئن كان مسلما ليردنه علي دينه ولئن كان نصرانيا أو يهوديا ليردنه ~~علي ساعيه (1) وأما اليوم فما كنت لأبايع منكم إلا فلانا وفلانا). # ففي قوله: (الوكت) وهو الأثر اليسير. ويقال للبسر إذا وقعت فيه نكتة من ~~الأرطاب: # قد وكت، فهو موكت. وقوله: (المجل)، وهو أن يكون بين الجلد واللحم ماء، ~~وقد فسره النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (كجمر دحرجته) أي دورته على رجلك ~~فنفط. (فتراه منتبرا) أي مرتفعا - ما يدل على أن ذلك كله محسوس في القلب ~~يفعل فيه، وكذلك الختم والطبع، والله أعلم. # وفي حديث حذيفة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (تعرض الفتن ~~على القلوب كالحصير عودا عودا فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء وأي قلب ~~أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء حتى يصير على قلبين على أبيض مثل الصفا فلا تضره ~~فتنة ما دامت السماوات والأرض والآخر أسود مرباد (2) كالكوز مجخيا لا يعرف ~~معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه...) وذكر الحديث (مجخيا): يعني ~~مائلا. # السادسة - القلب قد يعبر عنه بالفؤاد والصدر، قال الله تعالى: " كذلك ~~لنثبت به فؤادك (3) " [الفرقان: 32] وقال: " ألم نشرح لك صدرك (4) " ~~[الشرح: 1] يعني في الموضعين قلبك. وقد يعبر به عن العقل، قال الله تعالى: ~~" إن في ذلك لذكرى (5) لمن كان له قلب " [ق: 37] أي عقل، لان القلب محل ~~العقل في قول الأكثرين. والفؤاد محل القلب، والصدر محل الفؤاد، والله أعلم. # السابعة - قوله تعالى: (وعلى سمعهم) استدل بها من ms0184 فضل السمع على البصر ~~لتقدمه عليه، وقال تعالى: " قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم (6) وأبصاركم " ~~[الانعام: 46]. وقال: " وجعل لكم (7) السمع والابصار والأفئدة " [السجدة: ~~9]. قال: والسمع يدرك به من الجهات الست، وفي النور والظلمة، ولا يدرك ~~بالبصر إلا من الجهة المقابلة، وبواسطة من ضياء وشعاع. وقال أكثر المتكلمين # PageV01P189 # بتفضيل البصر على السمع، لان السمع لا يدرك به إلا الأصوات والكلام، ~~والبصر يدرك به الأجسام والألوان والهيئات كلها. قالوا: فلما كانت تعلقاته ~~أكثر كان أفضل، وأجازوا الادراك بالبصر من الجهات الست. # الثامنة - إن قال قائل: لم جمع الابصار ووحد السمع؟ قيل له: إنما وحده ~~لأنه مصدر يقع للقليل والكثير يقال: سمعت الشئ أسمعه سمعا وسماعا، فالسمع ~~مصدر سمعت، والسمع أيضا اسم للجارحة المسموع بها سميت بالمصدر. وقيل: إنه ~~لما أضاف السمع إلى الجماعة دل على أنه يراد به أسماع الجماعة، كما قال ~~الشاعر: (1) بها جيف الحسرى فأما عظامها * فبيض وأما جلدها فصليب إنما يريد ~~جلودها فوحد، لأنه قد علم أنه لا يكون للجماعة جلد واحد. # وقال آخر (2) في مثله: # لا تنكر القتل وقد سبينا * في حلقكم عظم وقد شجينا يريد في حلوقكم، ومثله ~~قول الآخر: # كأنه وجه تركيين قد غضبا * مستهدف لطعان غير تذبيب وإنما يريد وجهين، ~~فقال وجه تركيين، لأنه قد علم أنه لا يكون للاثنين وجه واحد، ومثله كثير ~~جدا. وقرئ: " وعلى أسماعهم " ويحتمل أن يكون المعنى وعلى مواضع سمعهم، لان ~~السمع لا يختم وإنما يختم موضع السمع، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه ~~مقامه. وقد يكون السمع بمعنى الاستماع، يقال: سمعك حديثي - أي استماعك إلى ~~حديثي - يعجبني، ومنه قول ذي الرمة يصف ثورا تسمع إلى صوت صائد وكلاب: # وقد توجس ركزا مقفر ندس * بنبأة الصوت ما في سمعه كذب # PageV01P190 # أي ما في استماعه كذب، أي هو صادق الاستماع. والندس: الحاذق. والنبأة: ~~الصوت الخفي، وكذلك الركز. والسمع (بكسر السين وإسكان الميم): ذكر الانسان ~~بالجميل، يقال: # ذهب سمعه في الناس أي ذكره. والسمع أيضا: ولد الذئب من الضبع. والوقف ~~هنا: # " وعلى سمعهم ms0185 ". و " غشاوة " رفع على الابتداء وما قبله خبر. والضمائر في ~~" قلوبهم " وما عطف عليه لمن سبق في علم الله أنه لا يؤمن من كفار قريش، ~~وقيل من المنافقين، وقيل من اليهود، وقيل من الجميع، وهو أصوب، لأنه يعم. ~~فالختم على القلوب والاسماع. والغشاوة على الابصار. # والغشاء: الغطاء. وهي: # التاسعة - ومنه غاشية السرج، وغشيت الشئ أغشيه. قال النابغة: # هلا سألت بنى ذبيان ما حسبي * إذا الدخان تغشى الأشمط (1) البرما وقال ~~آخر (2): # صحبتك إذ عيني عليها غشاوة * فلما انجلت قطعت نفسي ألومها قال ابن كيسان: ~~فإن جمعت غشاوة قلت: غشاء بحذف الهاء. وحكى الفراء: غشاوى مثل أداوى. وقرئ: ~~" غشاوة " بالنصب على معنى وجعل، فيكون من باب قوله: # * علفتها تبنا وماء باردا * وقول الآخر (3): # يا ليت زوجك قد غدا * متقلدا سيفا ورمحا المعنى وأسقيتها ماء، وحاملا ~~رمحا، لان الرمح لا يتقلد. قال الفارسي: ولا تكاد تجد هذا الاستعمال في حال ~~سعة واختيار، فقراءة الرفع أحسن، وتكون الواو عاطفة جملة على جملة. # قال: ولم أسمع من الغشاوة فعلا متصرفا بالواو. وقال بعض المفسرين: ~~الغشاوة على الاسماع والابصار، والوقف على " قلوبهم ". وقال آخرون: الختم ~~في الجميع، والغشاوة هي الختم، فالوقف على هذا على " غشاوة ". وقرأ الحسن " ~~غشاوة " بضم الغين، وقرأ أبو حياة بفتحها، وروي عن # PageV01P191 # أبي عمرو: غشوة، رده إلى أصل المصدر. قال ابن كيسان: ويجوز غشوة وغشوة ~~وأجودها غشاوة، كذلك تستعمل العرب في كل ما كان مشتملا على الشئ، نحو عمامة ~~وكنانة وقلادة وعصابة وغير ذلك. # العاشرة - قوله تعالى: (ولهم) أي للكافرين المكذبين (عذاب عظيم) نعته. # والعذاب مثل الضرب بالسوط والحرق بالنار والقطع بالحديد، إلى غير ذلك مما ~~يؤلم الانسان. # وفي التنزيل: " وليشهد عذابهما طائفة (1) من المؤمنين " [النور: 2] وهو ~~مشتق من الحبس والمنع، يقال في اللغة: أعذبه عن كذا أي أحبسه وأمنعه، ومنه ~~سمي عذوبة الماء، لأنها قد أعذبت. # واستعذب بالحبس في الوعاء ليصفو ويفارقه ما خالطه، ومنه قول علي رضي الله ~~عنه: أعذبوا نساءكم عن الخروج، أي أحبسوهن. وعنه رضي الله عنه وقد ms0186 شيع سرية ~~فقال: أعذبوا عن ذكر النساء [أنفسكم] فإن ذلك يكسركم عن الغزو، وكل من ~~منعته شيئا فقد أعذبته، وفي المثل: # " لألجمنك لجاما معذبا " أي مانعا عن ركوب الناس. ويقال: أعذب أي امتنع. ~~وأعذب غيره، فهو لازم ومتعد، فسمي العذاب عذابا لان صاحبه يحبس ويمنع عنه ~~جميع ما يلائم الجسد من الخير ويهال عليه أضدادها. # قوله تعالى: ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين ~~(8) فيه سبع مسائل: # الأولى - روى ابن جريج عن مجاهد قال: نزلت أربع آيات من سورة البقرة في ~~المؤمنين، واثنتان في نعت الكافرين، وثلاث عشرة في المنافقين. وروى أسباط ~~عن السدي في قوله: # " ومن الناس " قال: هم المنافقون. وقال علماء الصوفية: الناس اسم جنس، ~~واسم الجنس لا يخاطب به الأولياء. # الثانية - واختلف النحاة في لفظ الناس، فقيل: هو اسم من أسماء الجموع، ~~جمع إنسان وإنسانة، على غير اللفظ، وتصغيره نويس. فالناس من النوس وهو ~~الحركة، يقال: ناس ينوس أي تحرك، ومنه حديث أم زرع: " أناس من حلي أذني ". ~~وقيل: أصله من نسي، فأصل # PageV01P192 # ناس نسي قلب فصار نيس تحركت الياء فانفتح ما قبلها فانقلبت ألفا، ثم دخلت ~~الألف واللام فقيل: الناس. قال ابن عباس: نسي آدم عهد الله فسمي إنسانا. ~~وقال عليه السلام: # (نسي آدم فنسيت ذريته). وفي التنزيل: " ولقد عهدنا إلى آدم (1) من قبل ~~فنسي " [طه: 115] وسيأتي. # وعلى هذا فالهمزة زائدة، قال الشاعر: # لا تنسين تلك العهود فإنما * سميت إنسانا لأنك ناسي وقال آخر: # فإن نسيت عهودا منك سالفة * فاغفر فأول ناس أول الناس وقيل: سمي إنسانا ~~لأنسه بحواء. وقيل: لأنسه بربه، فالهمزة أصلية، قال الشاعر: # وما سمي الانسان إلا لأنسه * ولا القلب إلا أنه يتقلب الثالثة - لما ذكر ~~الله جل وتعالى المؤمنين أولا، وبدأ بهم لشرفهم وفضلهم، ذكر الكافرين في ~~مقابلتهم، إذ الكفر والايمان طرفان. ثم ذكر المنافقين بعدهم وألحقهم ~~بالكافرين قبلهم، لنفي الايمان عنهم بقوله الحق: " وما هم بمؤمنين ". ففي ~~هذا رد على الكرامية حيث قالوا: إن الايمان قول باللسان ms0187 وإن لم يعتقد ~~بالقلب، واحتجوا بقوله تعالى: " فأثابهم الله (2) بما قالوا " [المائدة: ~~85]. ولم يقل: بما قالوا وأضمروا، وبقوله عليه السلام: (أمرت أن أقاتل ~~الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم). ~~وهذا منهم قصور وجمود، وترك نظر لما نطق به القرآن والسنة من العمل مع ~~القول والاعتقاد، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الايمان معرفة ~~بالقلب وقول باللسان وعمل بالأركان). أخرجه ابن ماجة في سننه. فما ذهب إليه ~~محمد بن كرام السجستاني وأصحابه هو النفاق وعين الشقاق، ونعوذ بالله من ~~الخذلان وسوء الاعتقاد. # الرابعة - قال علماؤنا رحمة الله عليهم: المؤمن ضربان: مؤمن يحبه الله ~~ويواليه، ومؤمن لا يحبه الله ولا يواليه، بل يبغضه ويعاديه، فكل من علم ~~الله أنه يوافي بالايمان، فالله محب له، موال له، راضي عنه. وكل من علم ~~الله أنه يوافي بالكفر، فالله مبغض له، ساخط # PageV01P193 # عليه، معاد له، لا لأجل إيمانه، ولكن لكفره وضلاله الذي يوافي به. ~~والكافر ضربان: # كافر يعاقب لا محالة، وكافر لا يعاقب. فالذي يعاقب هو الذي يوافي بالكفر، ~~فالله ساخط عليه معاد له. والذي لا يعاقب هو الموافي بالايمان، فالله غير ~~ساخط على هذا ولا مبغض له، بل محب له موال، لا لكفره لكن لايمانه الموافي ~~به. فلا يجوز أن يطلق القول وهي: - الخامسة - بأن المؤمن يستحق الثواب، ~~والكافر يستحق العقاب، بل يجب تقييده بالموافاة، ولأجل هذا قلنا: إن الله ~~راضي عن عمر في الوقت الذي كان يعبد الأصنام، ومزيد لثوابه ودخوله الجنة، ~~لا لعبادته الصنم، لكن لايمانه الموافي به. وإن الله تعالى ساخط على إبليس ~~في حال عبادته، لكفره الموافي به. # وخالفت القدرية في هذا وقالت: إن الله لم يكن ساخطا على إبليس وقت ~~عبادته، ولا راضيا عن عمر وقت عبادته للصنم. وهذا فاسد، لما ثبت أن الله ~~سبحانه عالم بما يوافي به إبليس لعنه الله، وبما يوافي به عمر رضي الله عنه ~~فيما لم يزل، فثبت أنه كان ساخطا على إبليس محبا لعمر. ms0188 ويدل عليه إجماع ~~الأمة على أن الله سبحانه وتعالى غير محب لمن علم أنه من أهل النار، بل هو ~~ساخط عليه، وأنه محب لمن علم أنه من أهل الجنة، وقد قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: (وإنما الأعمال بالخواتيم) ولهذا قال علماء الصوفية: ليس ~~الايمان ما يتزين به العبد قولا وفعلا، لكن الايمان جرى السعادة في سوابق ~~الأزل، وأما ظهوره على الهياكل فربما يكون عاريا، وربما يكون حقيقة. # قلت: هذا كما ثبت في صحيح مسلم وغيره عن عبد الله بن مسعود قال حدثنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: (إن أحدكم يجمع خلقه في ~~بطن أمه أربعين يوما ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك ثم يكون في ذلك مضغة مثل ~~ذلك ثم يرسل الله الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه وأجله ~~وعمله وشقي أو سعيد فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ~~ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار ~~فيدخلها وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع ~~فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها). فإن قيل وهي: - ~~PageV01P194 # السادسة - فقد خرج الامام الحافظ أبو محمد عبد الغني بن سعيد المصري من ~~حديث محمد بن سعيد الشامي المصلوب في الزندقة، وهو محمد بن أبي قيس، عن ~~سليمان بن موسى وهو الأشدق، عن مجاهد بن جبر عن ابن عباس أخبرنا أبو رزين ~~العقيلي قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لأشربن أنا وأنت يا أبا ~~رزين من لبن لم يتغير طعمه) قال قلت: # كيف يحيي الله الموتى؟ قال: (أما مررت بأرض لك مجدبة ثم مررت بها مخصبة ~~ثم مررت بها مجدبة ثم مررت بها مخصبة) قلت: بلى. قال: (كذلك النشور) قال ~~قلت: كيف لي أن أعلم أني مؤمن؟ قال: (ليس أحد من هذه الأمة - قال ابن أبي ~~قيس: أو قال من أمتي - عمل حسنة وعلم أنها ms0189 حسنة وأن الله جازيه بها خيرا أو ~~عمل سيئة وعلم أنها سيئة وأن الله جازيه بها شرا أو يغفرها إلا مؤمن). # قلت: وهذا الحديث وإن كان سنده ليس بالقوي فإن معناه صحيح وليس بمعارض ~~لحديث ابن مسعود، فإن ذلك موقوف على الخاتمة، كما قال عليه السلام: (وإنما ~~الأعمال بالخواتيم). وهذا إنما يدل على أنه مؤمن في الحال، والله أعلم. # السابعة: قال علماء اللغة: إنما سمي المنافق منافقا لاظهاره غير ما يضمر، ~~تشبيها باليربوع، له جحر يقال له: النافقاء، وآخر يقال له: القاصعاء. وذلك ~~أنه يخرق الأرض حتى إذا كاد يبلغ ظاهر الأرض أرق التراب، فإذا رابه ريب دفع ~~ذلك التراب برأسه فخرج، فظاهر جحره تراب، وباطنه حفر. وكذلك المنافق ظاهره ~~إيمان، وباطنه كفر، وقد تقدم هذا المعنى. # قوله تعالى: يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون ~~(9) قال علماؤنا: معنى " يخادعون الله " أي يخادعونه عند أنفسهم وعلى ظنهم. ~~وقيل: # قال ذلك لعملهم عمل المخادع. وقيل: في الكلام حذف، تقديره: يخادعون رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، عن الحسن وغيره. وجعل خداعهم لرسوله خداعا له، ~~لأنه دعاهم برسالته، وكذلك إذا خادعوا المؤمنين فقد خادعوا الله. ~~ومخادعتهم: ما أظهروه من الايمان PageV01P195 # خلاف ما أبطنوه من الكفر، ليحقنوا دماءهم وأموالهم، ويظنون أنهم قد نجوا ~~وخدعوا، قاله جماعة من المتأولين. وقال أهل اللغة: أصل المخدع في كلام ~~العرب الفساد، حكاه ثعلب عن ابن الأعرابي. وأنشد: # أبيض اللون لذيذ طعمه * طيب الريق إذا الريق خدع (1) قلت: ف‍ " - يخادعون ~~الله " على هذا، أي يفسدون إيمانهم وأعمالهم فيما بينهم وبين الله تعالى ~~بالرياء. وكذا جاء مفسرا عن النبي صلى الله عليه وسلم على ما يأتي. وفي ~~التنزيل: " يراءون الناس (2) ". [النساء: 142] وقيل: أصله الاخفاء، ومنه ~~مخدع البيت الذي يحرز فيه الشئ، حكاه ابن فارس وغيره. وتقول العرب: انخدع ~~الضب في جحره. # قوله تعالى: (وما يخادعون إلا أنفسهم) نفي وإيجاب، أي ما تحل عاقبة الخدع ~~إلا بهم. # ومن كلامهم: من خدع من لا يخدع فإنما يخدع نفسه. ms0190 وهذا صحيح، لان الخداع ~~إنما يكون مع من لا يعرف البواطن، وأما من عرف البواطن فمن دخل معه في ~~الخداع فإنما يخدع نفسه. ودل هذا على أن المنافقين لم يعرفوا الله إذ لو ~~عرفوه لعرفوا أنه لا يخدع، وقد تقدم من قوله عليه السلام أنه قال: (لا ~~تخادع الله فإنه من يخادع الله يخدعه الله ونفسه يخدع لو يشعر) قالوا: يا ~~رسول الله، وكيف يخادع الله؟ قال: (تعمل بما أمرك الله به وتطلب به غيره). ~~وسيأتي بيان الخدع من الله تعالى كيف هو عند قوله تعالى: " الله يستهزئ بهم ~~" [البقرة: 15]. # وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو: " يخادعون " في الموضعين، ليتجانس ~~اللفظان. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي وابن عامر: " يخدعون " الثاني. والمصدر ~~خدع (بكسر الخاء) وخديعة، حكى ذلك أبو زيد. وقرأ مورق العجلي: " يخدعون ~~الله " (بضم الياء وفتح الخاء وتشديد الدال) على التكثير. وقرأ أبو طالوت ~~عبد السلام بن شداد والجارود بضم الياء وإسكان الخاء وفتح الدال، على معنى ~~وما يخدعون إلا عن أنفسهم، فحذف حرف الجر، كما قال تعالى: " واختار موسى ~~قومه " [الأعراف: 155] أي من قومه. # PageV01P196 # قوله تعالى: (وما يشعرون) أي يفطنون أن وبال خدعهم راجع عليهم، فيظنون ~~أنهم قد نجوا بخدعهم وفازوا، وإنما ذلك في الدنيا، وفي الآخرة يقال لهم: " ~~ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا " [الحديد: 13] على ما يأتي (1). قال أهل ~~اللغة: شعرت بالشئ أي فطنت له، ومنه الشاعر لفطنته، لأنه يفطن لما لا يفطن ~~له غيره من غريب المعاني. ومنه قولهم: ليت شعري، أي ليتني علمت. # قوله تعالى: في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا ~~يكذبون (10) قوله تعالى: (في قلوبهم مرض) ابتداء وخبر. والمرض عبارة ~~مستعارة للفساد الذي في عقائدهم. وذلك إما أن يكون شكا ونفاقا، وإما جحدا ~~وتكذيبا. والمعنى: قلوبهم مرضى لخلوها عن العصمة والتوفيق والرعاية ~~والتأييد. قال ابن فارس اللغوي: المرض كل ما خرج به الانسان عن حد الصحة من ~~علة أو نفاق أو تقصير في امر. والقراء مجمعون على فتح الراء من " مرض ms0191 " إلا ~~ما روى الأصمعي عن أبي عمرو أنه سكن الراء. # قوله تعالى: (فزادهم الله مرضا) قيل: هو دعاء عليهم. ويكون معنى الكلام: ~~زادهم الله شكا ونفاقا جزاء على كفرهم وضعفا عن الانتصار وعجزا عن القدرة، ~~كما قال الشاعر: # يا مرسل الريح جنوبا وصبا * إذ غضبت زيد فزدها غضبا أي لا تهدها على ~~الانتصار فيما غضبت منه. وعلى هذا يكون في الآية دليل على جواز الدعاء على ~~المنافقين والطرد لهم، لأنهم شر خلق الله. وقيل: هو إخبار من الله تعالى عن ~~زيادة مرضهم، أي فزادهم الله مرضا إلى مرضهم، كما قال في آية أخرى: " ~~فزادتهم رجسا إلى رجسهم (2) " [التوبة: 125]. وقال أرباب المعاني: " في ~~قلوبهم مرض " أي بسكونهم إلى الدنيا وحبهم لها وغفلتهم عن الآخرة وإعراضهم ~~عنها. وقوله: " فزادهم الله مرضا " أي وكلهم إلى أنفسهم، وجمع عليهم هموم ~~الدنيا فلم يتفرغوا من ذلك إلى اهتمام بالدين. " ولهم عذاب أليم " بما يفنى ~~عما يبقى. وقال الجنيد: علل القلوب من اتباع الهوى، كما أن علل الجوارح من ~~مرض البدن. # PageV01P197 # قوله تعالى: (ولهم عذاب أليم) " أليم " في كلام العرب معناه مؤلم أي ~~موجع، مثل السميع بمعنى المسمع، قال ذو الرمة يصف إبلا: # ونرفع من صدور شمردلات * يصك وجوهها وهج أليم (1) وآلم إذا أوجع. ~~والايلام: الايجاع. والألم: الوجع، وقد ألم يألم ألما. والتألم: # التوجع. ويجمع أليم على الماء مثل كريم وكرماء، وآلام مثل أشراف. # قوله تعالى: (بما كانوا يكذبون) ما مصدرية، أي بتكذيبهم الرسل وردهم على ~~الله عز وجل وتكذيبهم بآياته، قاله أبو حاتم. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي ~~بالتخفيف، ومعناه بكذبهم وقولهم آمنا وليسوا بمؤمنين. # مسألة: واختلف العلماء في إمساك النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل ~~المنافقين مع علمه بنفاقهم على أربعة أقوال: # القول الأول - قال بعض العلماء: إنما لم يقتلهم لأنه لم يعلم حالهم أحد ~~سواه. وقد اتفق العلماء على بكرة (2) أبيهم على أن القاضي لا يقتل بعلمه، ~~وإنما اختلفوا في سائر الأحكام. # قال ابن العربي: وهذا منتقض، فقد قتل بالمجذر بن زياد الحارث ms0192 بن سويد بن ~~الصامت، لان المجذر قتل أباه سويدا يوم بعاث (3)، فأسلم الحارث وأغفله يوم ~~أحد فقتله، فأخبر به جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فقتله به، لان قتله ~~كان غيلة (4)، وقتل الغيلة حد من حدود الله. # قلت: وهذه غفلة من هذا الامام، لأنه إن ثبت الاجماع المذكور فليس بمنتقض ~~بما ذكر، لان الاجماع لا ينعقد ولا يثبت إلا بعد موت النبي صلى الله عليه ~~وسلم وانقطاع الوحي، وعلى هذا فتكون تلك قضية في عين بوحي، فلا يحتج بها أو ~~منسوخة بالاجماع. والله أعلم. # PageV01P198 # القول الثاني: قال أصحاب الشافعي: إنما لم يقتلهم لان الزنديق وهو الذي ~~يسر الكفر ويظهر الايمان يستتاب ولا يقتل. قال ابن العربي: وهذا وهم، فإن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لم يستتبهم ولا نقل ذلك أحد، ولا يقول أحد إن ~~استتابة الزنديق واجبة (1) وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم معرضا عنهم مع ~~علمه بهم. فهذا المتأخر من أصحاب الشافعي الذي قال: إن استتابة الزنديق ~~جائزة (2) قال قولا لم يصح لاحد. # القول الثالث: إنما لم يقتلهم مصلحة لتأليف القلوب عليه لئلا تنفر عنه، ~~وقد أشار صلى الله عليه وسلم إلى هذا المعنى بقوله لعمر: (معاذ الله أن ~~يتحدث الناس أني أقتل أصحابي) أخرجه البخاري ومسلم. وقد كان يعطي للمؤلفة ~~قلوبهم مع علمه بسوء اعتقادهم تألفا، وهذا هو قول علمائنا وغيرهم. قال ابن ~~عطية. وهي طريقة أصحاب مالك رحمه الله في كف رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن المنافقين، نص على هذا محمد بن الجهم والقاضي إسماعيل والأبهري وابن ~~الماجشون، واحتج بقوله تعالى: " لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم ~~مرض (3) " [الأحزاب: 60] إلى قوله: " وقتلوا تقتيلا " [الأحزاب: 61]. قال ~~قتادة: معناه إذا هم أعلنوا النفاق. قال مالك رحمه الله: النفاق في عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الزندقة فينا اليوم، فيقتل الزنديق إذا ~~شهد عليه بها دون استتابة، وهو أحد قولي الشافعي. قال مالك: وإنما كف رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن المنافقين ليبين ms0193 لامته أن الحاكم لا يحكم ~~بعلمه، إذ لم يشهد على المنافقين. قال القاضي إسماعيل: لم يشهد على عبد ~~الله (4) ابن أبي إلا زيد بن أرقم وحده، ولا على الجلاس (5) بن سويد إلا ~~عمير بن سعد ربيبه، ولو شهد على أحد منهم رجلان بكفره ونفاقه لقتل. وقال ~~الشافعي رحمه الله محتجا للقول الآخر: السنة فيمن شهد عليه بالزندقة فجحد # PageV01P199 # وأعلن بالايمان وتبرأ من كل دين سوى الاسلام أن ذلك يمنع من إراقة دمه. ~~وبه قال أصحاب الرأي وأحمد والطبري وغيرهم. قال الشافعي وأصحابه. وإنما منع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من قتل المنافقين ما كانوا يظهرونه من ~~الاسلام مع العلم بنفاقهم، لان ما يظهرونه يجب ما قبله. وقال الطبري: جعل ~~الله تعالى الاحكام بين عباده على الظاهر، وتولى الحكم في سرائرهم دون أحد ~~من خلقه، فليس لأحد أن يحكم بخلاف ما ظهر، لأنه حكم بالظنون، ولو كان ذلك ~~لاحد كان أولى الناس به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد حكم للمنافقين ~~بحكم المسلمين بما أظهروا، ووكل سرائرهم إلى الله. وقد كذب الله ظاهرهم في ~~قوله: " والله يشهد إن المنافقين لكاذبون " [المنافقون: 1] قال ابن عطية: ~~ينفصل المالكيون عما لزموه من هذه الآية بأنها لم تعين أشخاصهم فيها وإنما ~~جاء فيها توبيخ لكل مغموص (1) عليه بالنفاق، وبقي لكل واحد منهم أن يقول: ~~لم أرد بها وما أنا إلا مؤمن، ولو عين أحد لما جب كذبه شيئا. # قلت: هذا الانفصال فيه نظر، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم أو ~~كثيرا منهم بأسمائهم وأعيانهم بإعلام الله تعالى إياه، وكان حذيفة يعلم ذلك ~~بإخبار النبي عليه السلام إياه حتى كان عمر رضي الله عنه يقول له: يا حذيفة ~~هل أنا منهم؟ فيقول له: لا. # القول الرابع: وهو أن الله تعالى كان قد حفظ أصحاب نبيه عليه السلام ~~بكونه ثبتهم أن يفسدهم المنافقون أو يفسدوا دينهم فلم يكن في تبقيتهم ضرر، ~~وليس كذلك اليوم، لأنا لا نأمن من الزنادقة أن يفسدوا عامتنا وجهالنا. ms0194 # قوله تعالى: وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون (11) ~~(إذا) في موضع نصب على الظرف والعامل فيها " قالوا "، وهي تؤذن بوقوع الفعل ~~المنتظر. قال الجوهري: " إذا " اسم يدل على زمان مستقبل، ولم تستعمل إلا ~~مضافة إلى # PageV01P200 # جملة، تقول: أجيئك إذا أحمر البسر، وإذا قدم فلان. والذي يدل على أنها ~~اسم وقوعها موقع قولك: آتيك يوم يقدم فلان، فهي ظرف وفيها معنى المجازاة. ~~وجزاء الشرط ثلاثة: # الفعل والفاء وإذا، فالفعل قولك: إن تأتني آتك. والفاء: إن تأتني فأنا ~~أحسن إليك. وإذا كقوله تعالى: " وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا (1) هم ~~يقنطون " [الروم: 36]. ومما جاء من المجازاة بإذا في الشعر قول قيس بن ~~الخطيم: # إذا قصرت أسيافنا كان وصلها * خطانا إلى أعدائنا فنضارب (2) فعطف " ~~فنضارب " بالجزم على " كان " لأنه مجزوم، ولو لم يكن مجزوما لقال: # فنضارب، بالنصب. وقد تزاد على " إذا " " ما " تأكيدا، فيجزم بها أيضا، ~~ومنه قول الفرزدق: # فقام أبو ليلى إليه ابن ظالم * وكان إذا ما يسلل السيف يضرب قال سيبويه: ~~والجيد ما قال كعب بن زهير: # وإذا ما تشاء تبعث منها * مغرب الشمس ناشطا مذعورا (3) يعني أن الجيد ألا ~~يجزم بإذا، كما لم يجزم في هذا البيت. وحكي عن المبرد أنها في قولك في ~~المفاجأة: خرجت فإذا زيد، ظرف مكان، لأنها تضمنت جثة. وهذا مردود، لان ~~المعنى خرجت فإذا حضور زيد، فإنما تضمنت المصدر كما يقتضيه سائر ظروف ~~الزمان، ومنه قولهم: " اليوم خمر وغدا أمر " فمعناه وجود خمر ووقوع أمر. # قوله: (قيل) من القول وأصله قول، نقلت كسرة الواو إلى القاف فانقلبت ~~الواو ياء. # ويجوز: " قيل لهم " بإدغام اللام في اللام وجاز الجمع بين ساكنين، لان ~~الياء حرف مد ولين. # قال الأخفش: ويجوز " قيل " بضم القاف والياء. وقال الكسائي: ويجوز إشمام ~~القاف الضم ليدل على أنه لما لم يسم فاعله، وهي لغة قيس وكذلك جئ وغيض وحيل ~~وسيق وسئ # PageV01P201 # وسيئت. وكذلك روى هشام عن ابن عباس (1)، ورويس (2) عن يعقوب. وأشم منها ~~نافع سئ وسيئت ms0195 خاصة. وزاد ابن ذكوان: حيل وسيق، وكسر الباقون في الجميع. ~~فأما هذيل وبنود دبير من أسد وبني فقعس فيقولون: " قول " بواو ساكنة. # قوله: (لا تفسدوا) " لا " نهى. والفساد ضد الصلاح، وحقيقته العدول عن ~~الاستقامة إلى ضدها. فسد الشئ يفسد فسادا وفسودا وهو فاسد وفسيد. والمعنى ~~في الآية: لا تفسدوا في الأرض بالكفر وموالاة أهله، وتفريق الناس عن ~~الايمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن. # وقيل: كانت الأرض قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم فيها الفساد، ~~ويفعل فيها بالمعاصي، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم ارتفع الفساد ~~وصلحت الأرض. فإذا عملوا بالمعاصي فقد أفسدوا في الأرض بعد إصلاحها، كما ~~قال في آية أخرى: " ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها (3) " [الأعراف: 56]. # قوله: " في الأرض " الأرض مؤنثة، وهي اسم جنس، وكان حق الواحدة منها أن ~~يقال أرضة، ولكنهم لم يقولوا. والجمع أرضات، لأنهم قد يجمعون المؤنث الذي ~~ليست فيه هاء التأنيث بالتاء كقولهم: عرسات. ثم قالوا أرضون فجمعوا بالواو ~~والنون، والمؤنث لا يجمع بالواو والنون إلا أن يكون منقوصا كثبة وظبة، ~~ولكنهم جعلوا الواو والنون عوضا من حذفهم الألف والتاء وتركوا فتحة الراء ~~على حالها، وربما سكنت. وقد تجمع على أروض. وزعم أبو الخطاب أنهم يقولون: ~~أرض وآراض، كما قالوا: أهل وآهال. والأراضي أيضا على غير قياس، كأنهم جمعوا ~~آرضا. وكل ما سفل فهو أرض. وأرض أريضة، أي زكية بينة الأراضة. # وقد أرضت بالضم، أي زكت. قال أبو عمرو: نزلنا أرضا أريضة، أي معجبة ~~للعين، ويقال: # لا أرض لك، كما يقال: لا أم لك. والأرض: أسفل قوائم الدابة، قال حميد يصف ~~فرسا: # ولم يقلب أرضها البيطار * ولا لحبليه بها حبار # PageV01P202 # أي أثر والأرض: النفضة والرعدة. روى حماد بن سلمة عن قتادة عن عبد الله ~~بن الحارث قال: زلزلت الأرض بالبصرة، فقال ابن عباس: والله ما أدري! أزلزلت ~~الأرض أم بي أرض؟ أي أم بي رعدة، وقال ذو الرمة يصف صائدا: # إذا توجس ركزا من سنابكها * أو كان صاحب أرض أو ms0196 به الموم (1) والأرض: ~~الزكام. وقد آرضه الله إيراضا، أي أزكمه فهو مأروض. وفسيل مستأرض، وودية ~~مستأرضة (بكسر الراء) وهو أن يكون له عرق في الأرض، فأما إذا نبت على جذع ~~النخل فهو الراكب. والإراض (بالكسر): بساط ضخم من صوف أو وبر. ورجل أريض، ~~أي متواضع خليق للخير. قال الأصمعي يقال: هو آرضهم أن يفعل ذلك، أي أخلقهم. ~~وشئ عريض أريض اتباع له، وبعضهم يفرده ويقول: جدي أريض أي سمين. # قوله: " نحن " أصل " نحن " نحن قلبت حركة الحاء على النون وأسكنت الحاء، ~~قاله هشام بن معاوية النحوي. وقال الزجاج: " نحن " لجماعة، ومن علامة ~~الجماعة الواو، والضمة من جنس الواو، فلما اضطروا إلى حركة " نحن " لالتقاء ~~الساكنين حركوها بما يكون للجماعة. # قال: لهذا ضموا واو الجمع في قوله عز وجل: " أولئك الذين اشتروا الضلالة ~~" [البقرة: 16] وقال محمد بن يزيد: " نحن " مثل قبل وبعد، لأنها متعلقة ~~بالاخبار عن اثنين وأكثر، ف‍ " - أنا " للواحد " نحن " للتثنية والجمع، وقد ~~يخبر به المتكلم عن نفسه في قوله: نحن قمنا، قال الله تعالى: " نحن قسمنا ~~(2) بينهم معيشتهم " [الزخرف: 32]. والمؤنث في هذا إذا كانت متكلمة بمنزلة ~~المذكر، تقول المرأة: قمت وذهبت، وقمنا وذهبنا، وأنا فعلت ذاك، ونحن فعلنا. ~~هذا كلام العرب فأعلم. # قوله تعالى: " مصلحون " اسم فاعل من أصلح. والصلاح: ضد الفساد. وصلح الشئ ~~(بضم اللام وفتحها) لغتان، قال ابن السكيت. والصلوح (بضم الصاد) مصدر صلح ~~(بضم اللام)، قال الشاعر: # PageV01P203 # فكيف بإطراقي إذا ما شتمتني * وما بعد شتم الوالدين صلوح وصلاح من أسماء ~~مكة. والصلح (بكسر الصاد): نهر. # وإنما قالوا ذلك على ظنهم، لان إفسادهم عندهم إصلاح، أي أن ممالأتنا ~~للكفار إنما نريد بها الاصلاح بينهم وبين المؤمنين. قال ابن عباس وغيره. # قوله تعالى: ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون (12) قوله عز وجل: (ألا ~~إنهم هم المفسدون) ردا عليهم وتكذيبا لقولهم. قال أرباب المعاني: من أظهر ~~الدعوى كذب، ألا ترى أن الله عز وجل يقول: " ألا إنهم هم المفسدون " وهذا ~~صحيح. وكسرت " إن " لأنها مبتدأة، قال النحاس. ms0197 وقال علي بن سليمان. يجوز ~~فتحها (1)، كما أجاز سيبويه: حقا أنك منطلق، بمعنى ألا. و " هم " يجوز أن ~~يكون مبتدأ و " المفسدون " خبره والمبتدأ وخبره خبر " إن ". ويجوز أن تكون ~~" هم " توكيدا للهاء والميم في " إنهم ". ويجوز أن تكون فاصلة - والكوفيون ~~يقولون عمادا - و " المفسدون " خبر " إن "، والتقدير ألا إنهم المفسدون، ~~كما تقدم في قوله: " وأولئك هم المفلحون " [لقمان: 5]. # قوله تعالى: (ولكن لا يشعرون) قال ابن كيسان يقال: ما على من لم يعلم أنه ~~مفسد من الذم، إنما يذم إذا علم أنه مفسد ثم أفسد على علم، قال: ففيه ~~جوابان: أحدهما - أنهم كانوا يعملون الفساد سرا ويظهرون الصلاح وهم لا ~~يشعرون أن أمرهم يظهر عند النبي صلى الله عليه وسلم. والوجه الآخر: أن يكون ~~فسادهم عندهم صلاحا وهم لا يشعرون أن ذلك فساد، وقد عصوا الله ورسوله في ~~تركهم تبيين الحق واتباعه. " ولكن " حرف تأكيد واستدراك ولا بد فيه من نفي ~~وإثبات، إن كان قبله نفي كان بعده إيجاب، وإن كان قبله إيجاب كان بعده نفي. ~~ولا يجوز الاقتصار بعده على اسم واحد إذا تقدم الايجاب، ولكنك تذكر جملة # PageV01P204 # مضادة لما قبلها كما في هذه الآية، وقولك: جاءني زيد لكن عمرو لم يجئ، ~~ولا يجوز جاءني زيد لكن عمرو ثم تسكت، لأنهم قد استغنوا ببل في مثل هذا ~~الموضع عن لكن، وإنما يجوز ذلك إذا تقدم النفي كقولك: ما جاءني زيد لكن ~~عمرو. # قوله تعالى: وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن ~~السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون (13) قوله تعالى: " وإذا قيل ~~لهم " يعني المنافقين في قول مقاتل وغيره. " آمنوا كما آمن الناس " أي ~~صدقوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وشرعه، كما صدق المهاجرون والمحققون (1) من ~~أهل يثرب. وألف " آمنوا " ألف قطع، لأنك تقول: يؤمن، والكاف في موضع نصب، ~~لأنها نعت لمصدر محذوف، أي إيمانا كإيمان الناس. # قوله تعالى: (قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء) يعني أصحاب محمد صلى الله ~~عليه وسلم، عن ابن عباس. ms0198 وعنه أيضا: مؤمنو أهل الكتاب. وهذا القول من ~~المنافقين إنما كانوا يقولونه في خفاء واستهزاء فأطلع الله نبيه والمؤمنين ~~على ذلك، وقرر أن السفه ورقة الحلوم وفساد البصائر إنما هي في حيزهم وصفة ~~لهم، وأخبر أنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون للرين الذي على قلوبهم. وروى ~~الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنها نزلت في شأن اليهود، أي وإذا قيل لهم ~~- يعني اليهود - آمنوا كما آمن الناس: عبد الله بن سلام وأصحابه، قالوا ~~أنؤمن كما آمن السفهاء يعني الجهال والخرقاء. وأصل السفه في كلام العرب: ~~الخفة والرقة، يقال: ثوب سفيه إذا كان ردئ النسج خفيفه، أو كان باليا ~~رقيقا. وتسفهت الريح الشجر: مالت به، قال ذو الرمة: # مشين كما اهتزت رماح تسفهت * أعاليها مر الرياح النواسم (2) # PageV01P205 # وتسفهت الشئ: استحقرته. والسفه: ضد الحلم. ويقال: إن السفه أن يكثر الرجل ~~شرب الماء فلا يروى. ويجوز في همزتي السفهاء (1) أربعة أوجه، أجودها أن ~~تحقق الأولى وتقلب الثانية واوا خالصة، وهي قراءة أهل المدينة والمعروف من ~~قراءة أبي عمرو. # وإن شئت خففتهما جميعا فجعلت الأولى بين الهمزة والواو وجعلت الثانية ~~واوا خالصة. # وإن شئت خففت الأولى وحققت الثانية. وإن شئت حققتهما جميعا. # قوله تعالى: (ولكن لا يعلمون) مثل " ولكن لا يشعرون "، وقد تقدم. والعلم ~~معرفة المعلوم على ما هو به، تقول: علمت الشئ أعلمه علما عرفته، وعالمت ~~الرجل فعلمته أعلمه (بالضم في المستقبل). غلبته بالعلم. # قوله تعالى: وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم ~~قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزءون (14) قوله تعالى: (وإذا لقوا الذين آمنوا ~~قالوا آمنا) أنزلت هذه الآية في ذكر المنافقين. # أصل لقوا: لقيوا، نقلت الضمة إلى القاف وحذفت الياء لالتقاء الساكنين. ~~وقرأ محمد بن السميقع اليماني: " لاقوا الذين آمنوا ". والأصل لاقيوا، ~~تحركت الياء وقبلها فتحة انقلبت ألفا، اجتمع ساكنان آلاف والواو فحذفت ~~الألف لالتقاء الساكنين ثم حركت الواو بالضم. # وإن فيل: لم ضمت الواو في لاقوا في الادراج وحذفت من لقوا؟ فالجواب: أن ~~قبل الواو التي ms0199 في لقوا ضمة فلو حركت الواو بالضم لثقل على اللسان النطق ~~بها فحذفت لثقلها، وحركت في لاقوا لان قبلها فتحة. # قوله تعالى: (وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم) إن قيل: لم وصلت " ~~خلوا " ب‍ " إلى " وعرفها أن توصل بالباء؟ قيل له: " خلوا " هنا بمعنى ~~ذهبوا وانصرفوا، ومنه قول الفرزدق: # كيف تراني قالبا مجنى * [أضرب أمري ظهره لبطن] (2) * قد قتل الله زيادا ~~عني * # PageV01P206 # لما أنزله منزلة صرف. وقال قوم: " إلى " بمعنى مع، وفيه ضعف. وقال قوم: " ~~إلى " بمعنى الباء، وهذا يأباه الخليل وسيبويه. وقيل: المعنى وإذا خلوا من ~~المؤمنين إلى شياطينهم، ف‍ " إلى " على بابها. والشياطين جمع شيطان على ~~التكسير، وقد تقدم القول في اشتقاقه ومعناه في الاستعاذة (1). واختلف ~~المفسرون في المراد بالشياطين هنا، فقال ابن عباس والسدي: هم رؤساء الكفر. ~~وقال الكلبي: هم شياطين الجن. وقال جمع من المفسرين: هم الكهان. ولفظ ~~الشيطنة الذي معناه البعد عن الايمان والخير يعم جميع من ذكر. والله أعلم. # قوله تعالى: (إنما نحن مستهزئون) أي مكذبون بما ندعى إليه. وقيل: ساخرون. # والهزء: السخرية واللعب، يقال: هزئ به واستهزأ، قال الراجز: (2) قد هزئت ~~مني أم طيسله * قالت أراه معدما لا مال له وقيل: أصل الاستهزاء: الانتقام، ~~كما قال الآخر: # قد استهزءوا منهم بألفي مدجج * سراتهم وسط الصحاصح جثم (3) قوله تعالى: ~~الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون (15) قوله تعالى: (الله يستهزئ ~~بهم) أي ينتقم منهم ويعاقبهم، ويسخر بهم ويجازيهم على استهزائهم، فسمى ~~العقوبة باسم الذنب. هذا قول الجمهور من العلماء، والعرب تستعمل ذلك كثيرا ~~في كلامهم، من ذلك قول عمرو بن كلثوم: # ألا لا يجهلن أحد علينا * فنجهل فوق جهل الجاهلينا فسمى انتصاره جهلا، ~~والجهل لا يفتخر به ذو عقل، وإنما قال ليزدوج الكلام فيكون أخف على اللسان ~~من المخالفة بينهما. وكانت العرب إذا وضعوا لفظا بإزاء لفظ جوابا له وجزاء ~~ذكروه بمثل لفظه وإن كان مخالفا له في معناه، وعلى ذلك جاء القرآن والسنة. ~~وقال # PageV01P207 # الله عز وجل: " وجزاء سيئة سيئة مثلها " [الشورى: ms0200 40]. وقال: " فمن اعتدى ~~عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " [البقرة: 194]. والجزاء لا يكون ~~سيئة. والقصاص لا يكون اعتداء، لأنه حق وجب، ومثله: " ومكروا ومكر الله " ~~[آل عمران: 54]. و " إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا " [الطارق: 15 - 16]. و " ~~إنما نحن مستهزئون. الله يستهزئ بهم " وليس منه سبحانه مكر ولا هزء ولا ~~كيد، إنما هو جزاء لمكرهم واستهزائهم وجزاء كيدهم، وكذلك " يخادعون الله ~~وهو خادعهم " [النساء: 142]. " فيسخرون منهم سخر الله منهم " [التوبة: 79]. ~~وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا يمل حتى تملوا ولا يسأم ~~حتى تسأموا). قيل: حتى بمعنى الواو أي وتملوا. وقيل المعنى وأنتم تملون. ~~وقيل: المعنى لا يقطع عنكم ثواب أعمالكم حتى تقطعوا العمل. وقال قوم: إن ~~الله تعالى يفعل بهم أفعالا هي في تأمل البشر هزء وخدع ومكر، حسب ما روى: ~~(إن النار تجمد كما تجمد الإهالة (1) فيمشون عليها ويظنونها منجاة فتخسف ~~بهم). وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله تعالى: " وإذا لقوا ~~الذين آمنوا قالوا آمنا " هم منافقو أهل الكتاب، فذكرهم وذكر استهزاءهم، ~~وأنهم إذا خلوا إلى شياطينهم يعني رؤساءهم في الكفر - على ما تقدم قالوا: ~~إنا معكم على دينكم " إنما نحن مستهزئون " بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. ~~" الله يستهزئ بهم " في الآخرة، يفتح لهم باب جهنم من الجنة، ثم يقال لهم: ~~تعالوا، فيقبلون يسبحون في النار، والمؤمنون على الأرائك - وهي السرر - في ~~الحجال ينظرون إليهم، فإذا انتهوا إلى الباب سد عنهم، فيضحك المؤمنون منهم، ~~فذلك قول الله عز وجل: " الله يستهزئ بهم " أي في الآخرة، ويضحك المؤمنون ~~منهم حين غلقت دونهم الأبواب، فذلك قوله تعالى: " فاليوم الذين آمنوا من ~~الكفار يضحكون (2). على الأرائك ينظرون " [المطففين: 34 - 35] إلى أهل ~~النار " هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون " [المطففين: 36]. وقال قوم: الخداع ~~من الله والاستهزاء هو استدراجهم بدرور النعم الدنيوية عليهم، فالله سبحانه ~~وتعالى يظهر لهم من الاحسان في الدنيا خلاف ما يغيب عنهم، ويستر عنهم من ~~عذاب الآخرة، فيظنون أنه راض عنهم، ms0201 وهو تعالى # PageV01P208 # قد حتم عذابهم، فهذا على تأمل البشر كأنه استهزاء ومكر وخداع، ودل على ~~هذا التأويل قوله صلى الله عليه وسلم (إذا رأيتم الله عز وجل يعطي العبد ما ~~يحب وهو مقيم على معاصيه فإنما ذلك منه استدراج). ثم نزع بهذه الآية: " ~~فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شئ حتى إذا فرحوا بما أوتوا ~~أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون (1) فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله ~~رب العالمين " [الانعام: 44 - 45]. وقال بعض العلماء في قوله تعالى: " ~~سنستدرجهم من (2) حيث لا يعلمون ": [الأعراف: 182] كلما أحدثوا ذنبا أحدث ~~لهم نعمة. # قوله تعالى: (ويمدهم) أي يطيل لهم المدة ويمهلهم ويملي لهم، كما قال: " ~~إنما نملي (3) لهم ليزدادوا إثما " [آل عمران: 178] وأصله الزيادة. قال ~~يونس بن حبيب: يقال مد لهم في الشر، وأمد في الخير، قال الله تعالى: " ~~وأمددناكم بأموال وبنين (4) ". [الاسراء: 6]. وقال: " وأمددناهم بفاكهة (5) ~~ولحم مما يشتهون " [الطور: 22]. وحكى عن الأخفش: مددت له إذا تركته، ~~وأمددته إذا أعطيته. وعن الفراء واللحياني: مددت، فيما كانت زيادته من ~~مثله، يقال: مد النهر [النهر] (6)، وفي التنزيل: # " والبحر يمده (7) من بعده سبعة أبحر " [لقمان: 27]. وأمددت، فيما كانت ~~زيادته من غيره، كقولك: # أمددت الجيش بمدد، ومنه: " يمددكم (8) ربكم بخمسة آلاف من الملائكة ". ~~[آل عمران: 125]. وأمد الجرح، لان المدة من غيره، أي صارت فيه مدة. # قوله تعالى: (في طغيانهم) كفرهم وضلالهم. وأصل الطغيان مجاوزة الحد، ومنه ~~قوله تعالى: " إنا لما طغى (9) الماء " [الحاقة: 11] أي ارتفع وعلا وتجاوز ~~المقدار الذي قدرته الخزان. # وقوله في فرعون: " إنه طغى " (10) [طه: 24] أي أسرف في الدعوى حيث قال: " ~~أنا ربكم الاعلى " [النازعات: 24]. # والمعنى في الآية: يمدهم بطول العمر حتى يزيدوا في الطغيان فيزيدهم في ~~عذابهم. # قوله تعالى: (يعمهون) يعمون. وقال مجاهد: أي يترددون متحيرين في الكفر. # وحكى أهل اللغة: عمه الرجل يعمه عموها وعمها فهو عمه وعامه إذا حار، ~~ويقال رجل عامه # PageV01P209 # وعمه: حائر متردد، وجمعه عمه. وذهبت إبله العمهى إذا لم يدر أين ذهبت. ~~والعمى في العين، والعمه في ms0202 القلب وفي التنزيل: " فإنها لا تعمى الابصار ~~ولكن تعمى القلوب التي في الصدور (1) " [الحج: 46] قوله تعالى: أولئك الذين ~~اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين (16) قوله تعالى: ~~(أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى) قال سيبويه: ضمت الواو في " اشتروا " ~~فرقا بينها وبين الواو الأصلية، نحو: " وأن لو استقاموا على الطريقة ". ~~[الجن: 16]. وقال ابن كيسان: الضمة في الواو أخف من غيرها لأنها من جنسها. ~~وقال الزجاج: حركت بالضم كما فعل في " نحن ". وقرأ ابن أبي إسحاق ويحيى بن ~~يعمر (2) بكسر الواو على أصل التقاء الساكنين. # وروى أبو زيد الأنصاري عن قعنب أبي السمال العدوي أنه قرأ بفتح الواو ~~لخفة الفتحة وإن كان (3) ما قبلها مفتوحا. وأجاز الكسائي همز الواو وضمها ~~كأدؤر. واشتروا: من الشراء. والشراء هنا مستعار. والمعنى استحبوا الكفر على ~~الايمان، كما قال: " فاستحبوا العمى على الهدى " [فصلت: 17] فعبر عنه ~~بالشراء، لأن الشراء إنما يكون فيما يحبه مشتريه. فأما أن يكون معنى شراء ~~المعاوضة فلا، لان المنافقين لم يكونوا مؤمنين فيبيعون إيمانهم. وقال ابن ~~عباس: أخذوا الضلالة وتركوا الهدى. ومعناه استبدلوا واختاروا الكفر على ~~الايمان. وإنما أخرجه بلفظ الشراء توسعا، لأن الشراء والتجارة راجعان إلى ~~الاستبدال، والعرب تستعمل ذلك في كل من استبدل شيئا بشئ. قال أبو ذؤيب: # فإن تزعميني كنت أجهل فيكم * فإني شريت (4) الحلم بعدك بالجهل # PageV01P210 # وأصل الضلالة: الحيرة. ويسمى النسيان ضلالة لما فيه من الحيرة، قال عز ~~وجل: # " فعلتها إذا وأنا من الضالين " (1) [الشعراء: 20] أي الناسين. ويسمى ~~الهلاك ضلالة، كما قال عز وجل: # " وقالوا أئذا ضللنا في الأرض (2) " [السجدة: 10]. # قوله تعالى: (فما ربحت تجارتهم) أسند تعالى الربح إلى التجارة على عادة ~~العرب في قولهم: ربح بيعك، وخسرت صفقتك، وقولهم: ليل قائم، ونهار صائم، ~~والمعنى: ربحت وخسرت في بيعك، وقمت في ليلك وصمت في نهارك، أي فما ربحوا في ~~تجارتهم. وقال الشاعر: # نهارك هائم وليلك نائم * كذلك في الدنيا تعيش البهائم ابن كيسان: ويجوز ~~تجارة وتجائر، وضلالة وضلائل. # قوله تعالى: (وما كانوا مهتدين) في اشترائهم الضلالة. وقيل: ms0203 في سابق علم ~~الله. # والاهتداء ضد الضلال، وقد تقدم (3). # قوله تعالى: مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله ~~بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون (17) قوله تعالى: (مثلهم كمثل الذي ~~استوقد نارا) فمثلهم رفع بالابتداء والخبر في الكاف، فهي اسم، كما هي في ~~قول الأعشى: # أتنتهون ولن ينهى ذوي شطط * كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل (4) وقول امرئ ~~القيس: # ورحنا بكابن الماء يجنب وسطنا * تصوب فيه العين طورا وترتقي (5) # PageV01P211 # أراد مثل الطعن، وبمثل ابن الماء. ويجوز أن يكون الخبر محذوفا، تقديره ~~مثلهم مستقر كمثل، فالكاف على هذا حرف. والمثل والمثل والمثيل واحد ومعناه ~~الشبيه. والمتماثلان: # المتشابهان، هكذا قال أهل اللغة. # قوله " الذي " يقع للواحد والجمع. قال ابن الشجري هبة الله بن علي: ومن ~~العرب من يأتي بالجمع بلفظ الواحد، كما قال: # وإن الذي حانت بفلج دماؤهم * هم القوم كل القوم يا أم خالد (1) وقيل في ~~قول الله تعالى " والذي (2) جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون " [الزمر: ~~33]: إنه بهذه اللغة، وكذلك قوله: " مثلهم كمثل الذي " قيل: المعنى كمثل ~~الذين استوقدوا، ولذلك قال: # " ذهب الله بنورهم "، فحمل أول الكلام على الواحد، وآخره على الجمع. فأما ~~قوله تعالى: # " وخضتم كالذي (3) خاضوا " [التوبة: 69] فإن الذي هاهنا وصف لمصدر محذوف ~~تقديره وخضتم كالخوض الذي خاضوا. وقيل: إنما وحد " الذي " و " استوقد " لان ~~المستوقد كان واحدا من جماعة تولى الايقاد لهم، فلما ذهب الضوء رجع عليهم ~~جميعا فقال " بنورهم ". واستوقد بمعنى أوقد، مثل استجاب بمعنى أجاب، فالسين ~~والتاء زائدتان، قاله الأخفش، ومنه قول الشاعر: (4) وداع دعا يا من يجيب ~~إلى الندى * فلم يستجبه عند ذاك مجيب أي يجبه. واختلف النحاة في جواب لما، ~~وفي عود الضمير من " نورهم "، فقيل: جواب لما محذوف وهو طفئت، والضمير في " ~~نورهم " على هذا للمنافقين، والاخبار بهذا عن حال تكون في الآخرة، كما قال ~~تعالى: " فضرب بينهم بسور له باب (5) " [الحديد: 13]. وقيل: جوابه " ذهب "، ~~والضمير في " نورهم " عائد على " الذي "، وعلى هذا القول يتم تمثيل المنافق ~~بالمستوقد، لان ms0204 بقاء المستوقد في ظلمات لا يبصر كبقاء المنافق في حيرته ~~وتردده. والمعنى المراد بالآية ضرب مثل للمنافقين، # PageV01P212 # وذلك أن ما يظهرونه من الايمان الذي تثبت لهم به أحكام المسلمين من ~~المناكح والتوارث والغنائم والامن على أنفسهم وأولادهم وأموالهم بمثابة من ~~أوقد نارا في ليلة مظلمة فاستضاء بها ورأى ما ينبغي أن يتقيه وأمن منه، ~~فإذا طفئت عنه أو ذهبت وصل إليه الأذى وبقي متحيرا، فكذلك المنافقون لما ~~آمنوا اغتروا بكلمة الاسلام، ثم يصيرون بعد الموت إلى العذاب الأليم - كما ~~أخبر التنزيل: " إن المنافقين (1) في الدرك الأسفل من النار " [النساء: ~~145] - ويذهب نورهم، ولهذا يقولون: " انظرونا نقتبس (2) من نوركم " ~~[الحديد: 13]. وقيل: إن إقبال المنافقين إلى المسلمين وكلامهم معهم كالنار، ~~وانصرافهم عن مودتهم وارتكاسهم عندهم كذهابها. وقيل غير هذا. # قوله: " نارا " النار مؤنثة وهي من النور وهو أيضا الاشراق. وهي من ~~الواو، لأنك تقول في التصغير: نويرة، وفي الجمع نور وأنوار ونيران، انقلبت ~~الواو ياء لكسر ما قبلها. # وضاءت وأضاءت لغتان، يقال: ضاء القمر يضوء ضوءا وأضاء يضئ، يكون لازما ~~ومتعديا. وقرأ محمد بن السميقع: ضاءت بغير ألف، والعامة بالألف، قال ~~الشاعر: # أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم * دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه (3) (ما ~~حوله) " ما " زائدة مؤكدة. وقيل: مفعولة بأضاءت. و " حوله " ظرف مكان، ~~والهاء في موضع خفض بإضافته إليها. # و (ذهب) وأذهب لغتان من الذهاب، وهو زوال الشئ. # (وتركهم) أي أبقاهم. (في ظلمات) جمع ظلمة. وقرأ الأعمش: " ظلمات " بإسكان ~~اللام على الأصل. ومن قرأها بالضم فللفرق بين الاسم والنعت. وقرأ أشهب ~~العقيلي: " ظلمات " بفتح اللام. قال البصريون: أبدل من الضمة فتحة لأنها ~~أخف. وقال الكسا؟ ي: " ظلمات " جمع الجمع، جمع ظلم. (لا يبصرون) فعل مستقبل ~~في موضع الحال، كأنه قال: غير مبصرين، فلا يجوز الوقف على هذا على " ظلمات ~~". # قوله تعالى: صم بكم عمى فهم لا يرجعون (18) # PageV01P213 # قوله تعالى: (صم بكم عمى) " صم " أي هم صم، فهو خبر ابتداء مضمر. وفي ~~قراءة عبد الله ابن مسعود وحفصة: صما بكما عميا، فيجوز النصب ms0205 على الذم، كما ~~قال تعالى: " ملعونين (1) أينما ثقفوا " [الأحزاب: 61]، وكما قال: " ~~وامرأته حمالة (2) الحطب " [المسد: 4]، وكما قال الشاعر: (3) سقوني الخمر ~~ثم تكنفوني * عداة الله من كذب وزور فنصب " عداة الله " على الذم. فالوقف ~~على " يبصرون " على هذا المذهب صواب حسن. # ويجوز أن ينصب صما ب‍ " - تركهم "، كأنه قال: وتركهم صما بكما عميا، فعلى ~~هذا المذهب لا يحسن الوقف على " يبصرون ". والصمم في كلام العرب: الانسداد، ~~يقال: قناة صماء إذا لم تكن مجوفة. وصممت القارورة إذا سددتها. فالأصم: من ~~انسدت خروق مسامعه. والأبكم: # الذي لا ينطق ولا يفهم، فإذا فهم فهو الأخرس. وقيل: الأخرس والأبكم واحد. ~~ويقال: # رجل أبكم وبكيم، أي أخرس بين الخرس والبكم، قال: # فليت لساني كان نصفين منهما * بكيم ونصف عند مجرى الكواكب والعمى: ذهاب ~~البصر، وقد عمي فهو أعمى، وقوم عمي، وأعماه الله. وتعامى الرجل: # أرى ذلك من نفسه. وعمي عليه الامر إذا التبس، ومنه قوله تعالى: " فعميت ~~عليهم الانباء يومئذ (4) " [القصص: 66]. وليس الغرض مما ذكرناه نفي ~~الادراكات عن حواسهم جملة، وإنما الغرض نفيها من جهة ما، تقول: فلان أصم عن ~~الخنا. ولقد أحسن الشاعر حيث قال: # * أصم عما ساءه سميع * وقال آخر: # وعوراء الكلام صممت عنها * ولو أني أشاء بها سميع وقال الدارمي: # أعمى إذا ما جارتي خرجت * حتى يواري جارتي الجدر # PageV01P214 # وقال بعضهم في وصاته لرجل يكثر الدخول على الملوك: # أدخل إذا ما دخلت أعمى * وأخرج إذا ما خرجت أخرس وقال قتادة: " صم " عن ~~استماع الحق، " بكم " عن التكلم به، " عمى " عن الابصار له. # قلت: وهذا المعنى هو المراد في وصف النبي صلى الله عليه وسلم ولاة آخر ~~الزمان في حديث جبريل (وإذا رأيت الحفاة العراة الصم البكم ملوك الأرض فذاك ~~من أشراطها). والله أعلم. # قوله تعالى: (فهم لا يرجعون) أي إلى الحق لسابق علم الله تعالى فيهم. ~~يقال: رجع بنفسه رجوعا، ورجعه غيره، وهذيل تقول: أرجعه غيره. وقوله تعالى: ~~" يرجع بعضهم إلى بعض القول (1) " [سبأ: 31] أي يتلاومون فيما بينهم، حسب ~~ما بينه التنزيل في ms0206 سورة " سبأ (1) ". # قوله تعالى: أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في ~~آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين (19) قوله تعالى (أو ~~كصيب من السماء) قال الطبري: " أو " بمعنى الواو، وقاله الفراء. # وأنشد: # وقد زعمت ليلى بأني فاجر * لنفسي تقاها أو عليها فجورها (2) وقال آخر: ~~(3) نال الخلافة (4) أو كانت له قدرا * كما أتى ربه موسى على قدر أي وكانت. ~~وقيل: " أو " للتخيير أي مثلوهم بهذا أو بهذا، لا على الاقتصار على أحد ~~الامرين، والمعنى أو كأصحاب صيب. والصيب: المطر. واشتقاقه من صاب يصوب إذا ~~نزل، قال علقمة: # فلا تعدلي بيني وبين مغمر * سقتك روايا المزن حيث تصوب (5) # PageV01P215 # وأصله: صيوب، اجتمعت الياء والواو وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء ~~وأدغمت، كما فعلوا في ميت وسيد وهين ولين. وقال بعض الكوفيين: أصله صويب ~~على مثال فعيل. قال النحاس: " لو كان كما قالوا لما جاز إدغامه، كما لا ~~يجوز إدغام طويل. # وجمع صيب صيايب. والتقدير في العربية: مثلهم كمثل الذي استوقد نارا أو ~~كمثل (1) صيب ". # قوله تعالى: " من السماء " السماء تذكر وتؤنث، وتجمع على أسمية وسموات ~~وسمي، على فعول، قال العجاج: # * تلفه الرياح والسمي (2) والسماء: كل ما علاك فأظلك، ومنه قيل لسقف ~~البيت: سماء. والسماء: المطر، سمي به لنزوله من السماء. قال حسان بن ثابت: # ديار من بني الحسحاس قفر * تعفيها الروامس والسماء وقال آخر: (3) إذا سقط ~~السماء بأرض قوم * رعيناه وإن كانوا غضابا ويسمى الطين والكلأ أيضا سماء، ~~يقال: ما زلنا نطأ السماء حتى أتيناكم. يريدون الكلأ والطين. ويقال لظهر ~~الفرس أيضا سماء لعلوه، قال: (4) وأحمر كالديباج أما سماؤه * فريا وأما ~~أرضه فمحول والسماء: ما علا. والأرض: ما سفل، على ما تقدم. # قوله تعالى: " فيه ظلمات " ابتداء وخبر " ورعد وبرق " معطوف عليه. وقال: # ظلمات بالجمع إشارة إلى ظلمة الليل وظلمة الدجن، وهو الغيم، ومن حيث ~~تتراكب وتتزايد جمعت. وقد مضى ما فيه من اللغات (5) فلا معنى للإعادة، وكذا ~~كل ما تقدم إن شاء الله تعالى. # PageV01P216 # واختلف العلماء في ms0207 الرعد، ففي الترمذي عن ابن عباس قال: سألت اليهود ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن الرعد ما هو؟ قال: (ملك من الملائكة [موكل (1) ~~بالسحاب] معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب حيث شاء الله). فقالوا: فما ~~هذا الصوت الذي نسمع؟ قال: # (زجره بالسحاب إذا زجره حتى ينتهي إلى حيث أمر الله) قالوا: صدقت. الحديث ~~بطوله. # وعلى هذا التفسير أكثر العلماء. فالرعد: اسم الصوت المسموع، وقاله علي ~~رضي الله عنه، وهو المعلوم في لغة العرب، وقد قال لبيد في جاهليته: # فجعني الرعد والصواعق بال‍ * - فارس يوم الكريهة النجد وروي عن ابن عباس ~~أنه قال: الرعد ريح تختنق بين السحاب فتصوت ذلك الصوت. # واختلفوا في البرق، فروي عن علي وابن مسعود وابن عباس رضوان الله عليهم: ~~البرق مخراق حديد بيد الملك يسوق به السحاب. # قلت: وهو الظاهر من حديث الترمذي. وعن ابن عباس أيضا هو سوط من نور بيد ~~الملك يزجر به السحاب. وعنه أيضا البرق ملك يتراءى. # وقالت الفلاسفة: الرعد صوت اصطكاك أجرام السحاب. والبرق ما ينقدح من ~~اصطكاكها. وهذا مردود لا يصح به نقل، والله أعلم. ويقال: أصل الرعد من ~~الحركة، ومنه الرعديد للجبان. وارتعد: اضطرب، ومنه الحديث: (فجئ بهما ترعد ~~فرائصهما) الحديث. أخرجه أبو داود. والبرق أصله من البريق والضوء، ومنه ~~البراق: دابة ركبها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسرى به وركبها ~~الأنبياء عليهم السلام قبله. ورعدت السماء من الرعد، وبرقت من البرق. ورعدت ~~المرأة وبرقت: تحسنت وتزينت. ورعد الرجل وبرق: تهدد وأوعد، قال ابن أحمر: # يا جل ما بعدت عليك بلادنا * وطلابنا فابرق بأرضك وارعد # PageV01P217 # وأرعد القوم وأبرقوا: أصابهم رعد وبرق. وحكى أبو عبيدة وأبو عمرو: أرعدت ~~السماء وأبرقت، وأرعد الرجل وأبرق إذا تهدد وأوعد، وأنكره الأصمعي. واحتج ~~عليه بقول الكميت: # أبرق وأرعد يا يزيد * فما وعيدك لي بضائر فقال: ليس الكميت بحجة. # فائدة: روى ابن عباس قال: كنا مع عمر بن الخطاب في سفرة بين المدينة ~~والشام ومعنا كعب الأحبار، قال: فأصابتنا ريح وأصابنا رعد ms0208 ومطر شديد وبرد، ~~وفرق الناس. قال فقال لي كعب: إنه من قال حين يسمع الرعد: سبحان من يسبح ~~الرعد بحمده والملائكة من خيفته، عوفي مما يكون في ذلك السحاب والبرد ~~والصواعق. قال: فقلتها أنا وكعب، فلما أصبحنا واجتمع الناس قلت لعمر: يا ~~أمير المؤمنين، كأنا كنا في غير ما كان فيه الناس. # قال: وما ذاك؟ قال: فحدثته حديث كعب. قال: سبحان الله! أفلا قلتم لنا ~~فنقول كما قلتم! # في رواية فإذا (1) بردة قد أصابت أنف عمر فأثرت به. وستأتي هذه الرواية ~~في سورة " الرعد " (2) إن شاء الله. ذكر الروايتين أبو بكر أحمد بن علي بن ~~ثابت الخطيب في روايات الصحابة عن التابعين رحمة الله عليهم أجمعين. وعن ~~ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سمع الرعد والصواعق قال: ~~(اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك). # قوله تعالى: (يجعلون أصابعهم في آذانهم) جعلهم أصابعهم في آذانهم لئلا ~~يسمعوا القرآن فيؤمنوا به وبمحمد عليه السلام، وذلك عندهم كفر والكفر موت. ~~وفي واحد الأصابع خمس لغات: إصبع بكسر الهمزة وفتح الباء، وأصبع بفتح ~~الهمزة وكسر الباء، ويقال بفتحهما جميعا، وضمهما جميعا، وبكسرهما جميعا، ~~وهي مؤنثة. وكذلك الاذن وتخفف وتثقل وتصغر، فيقال: أذينة. ولو سميت بها ~~رجلا ثم صغرته قلت: أذين، فلم تؤنث لزوال التأنيث عنه بالنقل إلى المذكر. ~~فأما قولهم: أذينة في الاسم العلم فإنما سمي به مصغرا، والجمع آذان. وتقول: # أذنته إذا ضربت أذنه. ورجل أذن: إذا كان يسمع كلام كل أحد، يستوي فيه ~~الواحد # PageV01P218 # والجمع. وأذاني: عظيم الاذنين. ونعجة أذناء، وكبش آذن. وأذنت النعل ~~وغيرها تأذينا: إذا جعلت لها أذنا. وأذنت الصبي: عركت أذنه. # قوله تعالى: (من الصواعق) أي من أجل الصواعق. والصواعق جمع صاعقة. قال ~~ابن عباس ومجاهد وغيرهما: إذا اشتد غضب الرعد الذي هو الملك طار النار من ~~فيه وهي الصواعق. وكذا قال الخليل، قال: هي الواقعة الشديدة من صوت الرعد، ~~يكون معها أحيانا قطعة نار تحرق ما أتت عليه. وقال أبو زيد: ms0209 الصاعقة نار ~~تسقط من السماء في رعد شديد. وحكى الخليل عن قوم: الساعقة (بالسين). وقال ~~أبو بكر النقاش: يقال صاعقة وصعقة وصاقعة بمعنى واحد. وقرأ الحسن: من " ~~الصواقع " (بتقديم القاف)، ومنه قول أبي النجم: # يحكون بالمصقولة القواطع * تشقق البرق عن الصواقع قال النحاس: وهي لغة ~~تميم وبعض بني ربيعة. ويقال: صعقتهم السماء إذا ألقت عليهم الصاعقة. ~~والصاعقة أيضا صيحة العذاب، قال الله عز وجل: " فأخذتهم صاعقة (1) العذاب ~~الهون " [فصلت: 17] ويقال: صعق الرجل صعقة وتصعاقا، أي غشي عليه، وفي قوله ~~تعالى: # " وخر موسى صعقا (2) " [الأعراف: 143] فأصعقه غيره. قال ابن مقبل: # ترى النعرات الزرق تحت لبانه * أحاد ومثنى أصعقتها صواهله (3) وقوله ~~تعالى: " فصعق (4) من في السماوات ومن في الأرض " [الزمر: 68] أي مات. وشبه ~~الله تعالى في هذه الآية أحوال المنافقين بما في الصيب من الظلمات والرعد ~~والبرق والصواعق. فالظلمات مثل لما يعتقدونه من الكفر، والرعد والبرق مثل ~~لما يخوفون به. وقيل: مثل الله تعالى القرآن بالصيب لما فيه من الاشكال ~~عليهم، والعمى هو الظلمات، وما فيه من الوعيد والزجر هو الرعد، وما فيه من ~~النور والحجج الباهرة التي تكاد أحيانا أن تبهرهم هو البرق. والصواعق، # PageV01P219 # مثل لما في القرآن من الدعاء إلى القتال في العاجل والوعيد في الآجل. ~~وقيل: الصواعق تكاليف الشرع التي يكرهونها من الجهاد والزكاة وغيرهما. # قول: (حذر الموت) حذر وحذار بمعنى، وقرئ بهما. قال سيبويه: هو منصوب، ~~لأنه موقوع له أي مفعول من أجله، وحقيقته أنه مصدر، وأنشد سيبويه: # وأغفر عوراء الكريم ادخاره * وأعرض عن شتم اللئيم تكرما (1) وقال الفراء: ~~هو منصوب على التمييز والموت: ضد الحياة. وقد مات يموت، ويمات أيضا، قال ~~الراجز: # بنيتي سيدة البنات * عيشي ولا يؤمن أن تماتي فهو ميت وميت، وقوم موتى ~~وأموات وميتون وميتون. والموات (بالضم): الموت. والموات (بالفتح): ما لا ~~روح فيه. والموات أيضا: الأرض التي لا مالك لها من الآدميين ولا ينتفع بها ~~أحد. والموتان (بالتحريك): خلاف الحيوان، يقال: اشتر الموتان، ولا تشتر ~~الحيوان، أي اشتر الأرضين والدور، ولا تشتر الرقيق ms0210 والدواب. والموتان ~~(بالضم): موت يقع في الماشية، يقال: وقع في المال موتان. وأماته الله ~~وموته، شدد للمبالغة. وقال: # فعروة مات موتا مستريحا * فهأنذا أموت كل يوم وأماتت الناقة إذا مات ~~ولدها، فهي مميت ومميتة. قال أبو عبيد: وكذلك المرأة، وجمعها مماويت. قال ~~ابن السكيت: أمات فلان إذا مات له ابن أو بنون. والمتماوت من صفة الناسك ~~المرائي وموت مائت، كقولك: ليل لائل، يؤخذ من لفظه ما يؤكد به. والمستميت ~~للامر: المسترسل له، قال رؤبة: # PageV01P220 # وزبد البحر له كتيت * والليل فوق الماء مستميت (1) المستميت أيضا: ~~المستقتل الذي لا يبالي في الحرب من الموت، وفي الحديث: # (أرى القوم مستميتين) وهم الذين يقاتلون على الموت. والموتة (بالضم): جنس ~~من الجنون والصرع يعتري الانسان، فإذا أفاق عاد إليه كمال عقله كالنائم ~~والسكران. ومؤتة (بضم الميم وهمز الواو): اسم أرض (2) قتل بها جعفر بن أبي ~~طالب عليه السلام. # قوله تعالى: (والله محيط بالكافرين) ابتداء وخبر، أي لا يفوتونه. يقال: ~~أحاط السلطان بفلان إذا أخذه أخذا حاصرا من كل جهة، قال الشاعر: # أحطنا بهم حتى إذا ما تيقنوا * بما قد رأوا مالوا جميعا إلى السلم ومنه ~~قول تعالى: " وأحيط (3) بثمره " [الكهف: 42]. وأصله محيط، نقلت حركة الياء ~~إلى الحاء فسكنت. # فالله سبحانه محيط بجميع المخلوقات، أي هي في قبضته وتحت قهره، كما قال: ~~" والأرض جميعا قبضته يوم القيامة (4) " [الزمر: 67]. وقيل: " محيط ~~بالكافرين " أي عالم بهم. دليله: " وأن الله قد أحاط بكل شئ علما (5) " ~~[الطلاق: 12]. وقيل: مهلكهم وجامعهم. دليله قوله تعالى: " إلا أن يحاط بكم ~~(6) " [يوسف: 66] أي إلا أن تهلكوا جميعا. وخص الكافرين بالذكر لتقدم ذكرهم ~~في الآية. والله أعلم. # قوله تعالى: يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم ~~عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شئ قدير ~~(20) # PageV01P221 # قوله تعالى: (يكاد البرق يخطف أبصارهم) " يكاد " معناه يقارب، يقال: كاد ~~يفعل كذا إذا قارب ولم يفعل. ويجوز في غير القرآن: يكاد أن يفعل، كما قال ~~رؤبة: # * قد كاد من طول ms0211 البلى أن يمصحا (1) مشتق من المصح وهو الدرس. والأجود أن ~~تكون بغير " أن "، لأنها لمقاربة الحال، و " أن " تصرف الكلام إلى ~~الاستقبال، وهذا متناف، قال الله عز وجل: " يكاد سنا برقه (2) يذهب ~~بالابصار " [النور: 43]. ومن كلام العرب: كاد النعام يطير، وكاد العروس ~~يكون أميرا، لقربهما من تلك الحال. وكاد فعل متصرف على فعل يفعل. وقد جاء ~~خبره بالاسم وهو قليل، قال: # " وما كدت (3) آئبا ". ويجري مجرى كاد كرب وجعل وقارب وطفق، في كون خبرها ~~بغير " أن "، قال الله عز وجل: " وطفقا (4) يخصفان عليهما من ورق الجنة " ~~[الأعراف: 22] لأنها كلها بمعنى الحال والمقاربة، والحال لا يكون معها " أن ~~"، فأعلم. # قوله تعالى: " يخطف أبصارهم " الخطف: الاخذ بسرعة، ومنه سمي الطير خطافا ~~لسرعته. فمن جعل القرآن مثلا للتخويف فالمعنى أن خوفهم مما ينزل بهم يكاد ~~يذهب أبصارهم. ومن جعله مثلا للبيان الذي في القرآن فالمعنى أنهم جاءهم من ~~البيان ما بهرهم. # ويخطف ويخطف لغتان قرئ بهما. وقد خطفه (بالكسر) يخطفه خطفا، وهي اللغة ~~الجيدة، واللغة الأخرى حكاها الأخفش: خطف يخطف. الجوهري: وهي قليلة رديئة ~~لا تكاد تعرف. وقد قرأ بها يونس في قوله تعالى " يكاد البرق يخطف أبصارهم " ~~وقال النحاس: # في " يخطف " سبعة أوجه، القراءة الفصيحة: يخطف. وقرأ علي بن الحسين ويحيى ~~بن وثاب: # يخطف بكسر الطاء، قال سعيد الأخفش: هي لغة. وقرأ الحسن وقتادة وعاصم ~~الجحدري وأبو رجاء العطاردي بفتح الياء وكسر الخاء والطاء. وروي عن الحسن ~~أيضا أنه قرأ بفتح الخاء. قال الفراء: وقرأ بعض أهل المدينة بإسكان الخاء ~~وتشديد الطاء. قال الكسائي والأخفش والفراء: يجوز " يخطف " بكسر الياء ~~والخاء والطاء. فهذه ستة أوجه موافقة للخط. # PageV01P222 # والسابعة حكاها عبد الوارث قال: رأيت في مصحف أبي بن كعب " يتخطف "، وزعم ~~سيبويه والكسائي أن من قرأ " يخطف " بكسر الخاء والطاء فالأصل عنده يختطف، ~~ثم أدغم التاء في الطاء فالتقى ساكنان فكسرت الخاء لالتقاء الساكنين. قال ~~سيبويه: ومن فتح الخاء ألقى حركة التاء عليها. وقال الكسائي: ومن كسر الياء ~~فلان الألف في اختطف مكسورة. ms0212 فأما ما حكاه الفراء عن أهل المدينة من إسكان ~~الخاء والادغام فلا يعرف ولا يجوز، لأنه جمع بين ساكنين. قال النحاس وغيره. # قلت: وروي عن الحسن أيضا وأبي رجاء " يخطف ". قال ابن مجاهد: وأظنه غلطا، ~~واستدل على ذلك بأن " خطف الخطفة (1) " لم يقرأه أحد بالفتح. # " أبصارهم " جمع بصر، وهي حاسة الرؤية. والمعنى: تكاد حجج القرآن ~~وبراهينه الساطعة تبهرهم. ومن جعل " البرق " مثلا للتخويف فالمعنى أن خوفهم ~~مما ينزل بهم يكاد يذهب أبصارهم. # قوله تعالى: (كلما أضاء لهم مشوا فيه) " كلما " منصوب لأنه ظرف. وإذا كان ~~" كلما " بمعنى " إذا " فهي موصولة والعامل فيه " مشوا " وهو جوابه، ولا ~~يعمل فيه " أضاء "، لأنه في صلة ما. والمفعول في قول المبرد محذوف، التقدير ~~عنده: كلما أضاء لهم البرق الطريق. وقيل: يجوز أن يكون فعل وأفعل بمعنى، ~~كسكت وأسكت، فيكون أضاء وضاء سواء فلا يحتاج إلى تقدير حذف مفعول. قال ~~الفراء: يقال ضاء وأضاء، وقد تقدم. والمعنى أنهم كلما سمعوا القرآن وظهرت ~~لهم الحجج أنسوا ومشوا معه، فإذا نزل من القرآن ما يعمون فيه ويضلون به أو ~~يكلفونه " قاموا " أي ثبتوا على نفاقهم، عن ابن عباس. وقيل: المعنى كلما ~~صلحت أحوالهم في زروعهم ومواشيهم وتوالت النعم قالوا: دين محمد دين مبارك، ~~وإذا نزلت بهم مصيبة وأصابتهم شدة سخطوا وثبتوا في نفاقهم، عن ابن مسعود ~~وقتادة. قال النحاس: وهذا قول حسن، ويدل على صحته: " ومن الناس من يعبد ~~الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه (2) " ~~[الحج: 11]. وقال علماء الصوفية: هذا مثل ضربه الله تعالى لمن لم تصح له ~~أحوال الإرادة بدءا، فارتقى من # PageV01P223 # تلك الأحوال بالدعاوي إلى أحوال الأكابر، كأن تضئ عليه أحوال الإرادة لو ~~صححها بملازمة آدابها، فلما مزجها بالدعاوي أذهب الله عنه تلك الأنوار وبقي ~~في ظلمات دعاويه لا يبصر طريق الخروج منها. وروي عن ابن عباس أن المراد ~~اليهود، لما نصر النبي صلى الله عليه وسلم ببدر طمعوا وقالوا: هذا والله ~~النبي الذي بشرنا به موسى ms0213 لا ترد له راية، فلما نكب بأحد ارتدوا وشكوا، ~~وهذا ضعيف. والآية في المنافقين، وهذا أصح عن ابن عباس، والمعنى يتناول ~~الجميع. # قوله تعالى: (ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم) " لو " حرف تمن وفيه ~~معنى الجزاء، وجوابه اللام. والمعنى: ولو شاء الله لأطلع المؤمنين عليهم ~~فذهب منهم عز الاسلام بالاستيلاء عليهم وقتلهم وإخراجهم من بينهم. وخص ~~السمع والبصر لتقدم ذكرهما في الآية أولا، أو لأنهما أشرف ما في الانسان. ~~وقرئ " بأسماعهم " على الجمع، وقد تقدم الكلام في هذا (1). # قوله تعالى: (إن الله على كل شئ قدير) عموم، ومعناه عند المتكلمين فيما ~~يجوز وصفه تعالى بالقدرة عليه. وأجمعت الأمة على تسمية الله تعالى بالقدير، ~~فهو سبحانه قدير قادر مقتدر. والقدير أبلغ في الوصف من القادر، قاله ~~الزجاجي. وقال الهروي: والقدير والقادر بمعنى واحد، يقال: قدرت على الشئ ~~أقدر قدرا وقدرا ومقدرة ومقدرة وقدرانا، أي قدرة. والاقتدار على الشئ: ~~القدرة عليه. فالله عز وجل قادر مقتدر قدير على كل ممكن يقبل الوجود ~~والعدم. فيجب على كل مكلف أن يعلم أن الله تعالى قادر، له قدرة بها فعل ~~ويفعل ما يشاء على وفق علمه واختياره. ويجب عليه أيضا أن يعلم أن للعبد ~~قدرة يكتسب بها ما أقدره الله تعالى عليه على مجرى العادة، وأنه غير مستبد ~~بقدرته. وإنما خص هنا تعالى صفته التي هي القدرة بالذكر دون غيرها، لأنه ~~تقدم ذكر فعل مضمنه الوعيد والإخافة، فكان ذكر القدرة مناسبا لذلك. والله ~~أعلم. # فهذه عشرون آية على عدد الكوفيين، أربع آيات في وصف المؤمنين، ثم تليها ~~آيتان في ذكر الكافرين، وبقيتها في المنافقين. وقد تقدمت الرواية فيها عن ~~ابن جريج، وقاله مجاهد أيضا. # PageV01P224 # قوله تعالى: يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم ~~تتقون (21) قوله سبحانه وتعالى: (يا أيها الناس اعبدوا ربكم) قال علقمة ~~ومجاهد: كل آية أولها " يا أيها الناس " فإنما نزلت بمكة، وكل آية أولها " ~~يا أيها الذين آمنوا " فإنما نزلت بالمدينة. # قلت: وهذا يرده أن هذه السورة والنساء ms0214 مدنيتان وفيهما يا أيها الناس. ~~وأما قولهما في " يا أيها الذين آمنوا " [النساء: 19] فصحيح. وقال عروة بن ~~الزبير: ما كان من حد أو فريضة فإنه نزل بالمدينة، وما كان من ذكر الأمم ~~والعذاب فإنه نزل بمكة. وهذا واضح. # و " يا " في قوله: " يا أيها " حرف نداء " أي " منادى مفرد مبني على ~~الضم، لأنه منادي في اللفظ، و " ها " للتنبيه. " الناس " مرفوع صفة لأي عند ~~جماعة النحويين، ما عدا المازني فإنه أجاز النصب قياسا على جوازه في: يا ~~هذا الرجل. وقيل: ضمت " أي " كما ضم المقصود المفرد، وجاءوا ب‍ " ها " عوضا ~~عن ياء أخرى، وإنما لم يأتوا بياء لئلا ينقطع الكلام فجاءوا ب‍ " ها " حتى ~~يبقى الكلام متصلا. قال سيبويه: كأنك كررت " يا " مرتين وصار الاسم بينهما، ~~كما قالوا: ها هو ذا. وقيل لما تعذر عليهم الجمع بين حرفي تعريف أتوا في ~~الصورة بمنادي مجرد عن حرف تعريف، وأجروا عليه المعرف باللام المقصود ~~بالنداء، والتزموا رفعه، لأنه المقصود بالنداء، فجعلوا إعرابه بالحركة التي ~~كان يستحقها لو باشرها النداء تنبيها على أنه المنادي، فاعلمه. # واختلف من المراد بالناس هنا على قولين: أحدهما: الكفار الذين لم يعبدوه، ~~يدل عليه قوله " وإن كنتم في ريب " [البقرة: 23]. الثاني - أنه عام في جميع ~~الناس، فيكون خطابه للمؤمنين باستدامة العبادة، وللكافرين بابتدائها. وهذا ~~حسن. # قوله تعالى: " اعبدوا " أمر بالعبادة له. والعبادة هنا عبارة عن توحيده ~~والتزام شرائع دينه. وأصل العبادة الخضوع والتذلل، يقال: طريق معبدة إذا ~~كانت موطوءة بالاقدام. PageV01P225 # قال طرفة: # * وظيفا وظيفا فوق مور معبد * (1) والعبادة: الطاعة. والتعبد: التنسك. ~~وعبدت فلانا: اتخذته عبدا. # قوله تعالى: (الذي خلقكم) خص تعالى خلقه لهم من بين سائر صفاته إذ كانت ~~العرب مقرة بأن الله خلقها، فذكر ذلك حجة عليهم وتقريعا لهم. وقيل: ليذكرهم ~~بذلك نعمته عليهم. وفي أصل الخلق وجهان: أحدهما: التقدير، يقال: خلقت ~~الأديم للسقاء إذا قدرته قبل القطع، قال الشاعر: (2) ولأنت تفري ما خلقت ~~وبعض * القوم يخلق ثم لا يفري وقال الحجاج: ما خلقت إلا فريت، ولا ms0215 وعدت إلا ~~وفيت. الثاني: الانشاء والاختراع والابداع، قال الله تعالى: " وتخلقون إفكا ~~" (3) [العنكبوت: 17]. # قوله تعالى: (والذين من قبلكم) فيقال إذا ثبت عندهم خلقهم ثبت عندهم خلق ~~غيرهم، فالجواب: أنه إنما يجري الكلام على التنبيه والتذكير ليكون أبلغ في ~~العظة، فذكرهم من قبلهم ليعلموا أن الذي أمات من قبلهم وهو خلقهم يميتهم، ~~وليفكروا فيمن مضى قبلهم كيف كانوا، وعلى أي الأمور مضوا من إهلاك من أهلك، ~~وليعلموا أنهم يبتلون كما ابتلوا. # والله أعلم. # قوله تعالى: (لعلكم تتقون) " لعل " متصلة باعبدوا لا بخلقكم، لان من ذرأه ~~الله لجهنم لم يخلقه ليتقي. وهذا وما كان مثله فيما ورد في كلام الله تعالى ~~من قوله: " لعلكم تعقلون، لعلكم تشكرون، لعلكم تذكرون، لعلكم تهتدون " فيه ~~ثلاث تأويلات. # PageV01P226 # الأول: أن " لعل " على بابها من الترجي والتوقع، والترجي والتوقع إنما هو ~~في حيز البشر، فكأنه قيل لهم: افعلوا ذلك على الرجاء منكم والطمع أن تعقلوا ~~وأن تذكروا وأن تتقوا. هذا قول سيبويه ورؤساء اللسان قال سيبويه في قوله عز ~~وجل: " اذهبا إلى فرعون إنه طغى. فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى " ~~(1) [طه: 43 - 44] قال معناه: اذهبا على طمعكما ورجائكما أن يتذكر أو يخشى. ~~واختار هذا القول أبو المعالي. # الثاني - أن العرب استعملت " لعل " مجردة من الشك بمعنى لام كي. فالمعنى ~~لتعقلوا ولتذكروا ولتتقوا، وعلى ذلك يدل قول الشاعر: # وقلتم لنا كفوا الحروب لعلنا * نكف ووثقتم لنا كل موثق فلما كففنا الحرب ~~كانت عهودكم * كلمع سراب في الملا متألق المعنى: كفوا الحروب لنكف، ولو ~~كانت " لعل " هنا شكا لم يوثقوا لهم كل موثق، وهذا القول عن قطرب والطبري. # الثالث - أن تكون " لعل " بمعنى التعرض للشئ، كأنه قيل: افعلوا ذلك ~~متعرضين لان تعقلوا، أو لان تذكروا أو لان تتقوا. والمعنى في قوله " لعلكم ~~تتقون " أي لعلكم أن تجعلوا بقبول ما أمركم الله به وقاية بينكم وبين ~~النار. وهذا من قول العرب: اتقاه بحقه إذا استقبله به، فكأنه جعل دفعه حقه ~~إليه وقاية له من المطالبة، ومنه قول ms0216 علي رضي الله عنه: كنا إذا احمر البأس ~~اتقينا بالنبي صلى الله عليه وسلم، أي جعلناه وقاية لنا من العدو. # وقال عنترة: # ولقد كررت المهر يدمى نحره * حتى اتقتني الخيل بابني حذيم قوله تعالى: ~~الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من ~~الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون (22) # PageV01P227 # قوله تعالى: (الذي جعل لكم الأرض فراشا) فيه ست مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " الذي جعل " معناه هنا صير لتعديه إلى مفعولين: ~~ويأتي بمعنى خلق، ومنه قوله تعالى: " جعل الله من (1) بحيرة ولا سائبة " ~~[المائدة: 103] وقوله: " وجعل الظلمات والنور " [الانعام: 1] ويأتي بمعنى ~~سمى، ومنه قوله تعالى: " حم. والكتاب المبين. # إنا جعلناه (2) قرآنا عربيا " [الزخرف: 1 - 3]. وقوله: " وجعلوا (2) له ~~من عباده جزءا " [الزخرف: 15]. " وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن ~~إناثا (2) " [الزخرف: 19] أي سموهم. ويأتي بمعنى أخذ، كما قال الشاعر: (3) ~~وقد جعلت نفسي تطيب لضغمة * لضغمهما ها يقرع العظم نابها وقد تأتي زائدة، ~~كما قال الآخر: # وقد جعلت أرى الاثنين أربعة * والواحد اثنين لما هدني الكبر وقد قيل في ~~قوله تعالى " وجعل الظلمات والنور ": إنها زائدة. وجعل واجتعل بمعنى واحد، ~~قال الشاعر: (4) ناط أمر الضعاف واجتعل الليل * كحبل العادية الممدود " ~~فراشا " أي وطاء يفترشونها ويستقرون عليها. وما ليس بفراش كالجبال والأوعار ~~والبحار فهي من مصالح ما يفترش منها، لان الجبال كالأوتاد كما قال: " ألم ~~نجعل (5) الأرض مهادا. والجبال أوتادا " [النبأ: 6 - 7]. والبحار تركب إلى ~~سائر منافعها كما قال: " والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس " (6) ~~[البقرة: 164] الثانية - قال أصحاب الشافعي: لو حلف رجل ألا يبيت على فراش ~~أو لا يستسرج بسراج فبات على الأرض وجلس في الشمس لم يحنث، لان اللفظ لا ~~يرجع إليهما عرفا. # PageV01P228 # وأما المالكية فبنوه على أصلهم في الايمان أنها محمولة على النية أو ~~السبب أو البساط الذي جرت عليه اليمين، فإن عدم ذلك فالعرف. # الثالثة - قوله تعالى: (والسماء بناء) السماء للأرض كالسقف للبيت، ولهذا ~~قال وقوله الحق " وجعلنا السماء سقفا محفوظا ms0217 (1) " [الأنبياء: 32] وكل ما ~~علا فأظل قيل له سماء، وقد تقدم القول (2) فيه والوقف على " بناء " أحسن ~~منه على " تتقون "، لان قوله: " الذي جعل لكم الأرض فراشا " نعت للرب. ~~ويقال: بنى فلان بيتا، وبنى على أهله - بناء فيهما - أي زفها. والعامة ~~تقول: بنى بأهله، وهو خطأ، وكأن الأصل فيه أن الداخل بأهله كان يضرب عليها ~~قبة ليلة دخوله بها، فقيل لكل داخل بأهله: بان. وبنى (مقصورا) شدد للكثرة، ~~وابتنى دارا وبنى بمعنى، ومنه بنيان الحائط، وأصله وضع لبنة على أخرى حتى ~~تثبت. # وأصل الماء موه، قلبت الواو ألفا لتحركها وتحرك ما قبلها فقلت ماه، ~~فالتقى حرفان خفيان فأبدلت من الهاء همزة، لأنها أجلد، وهي بالألف أشبه، ~~فقلت: ماء، الألف الأولى عين الفعل، وبعدها الهمزة التي هي بدل من الهاء، ~~وبعد الهمزة ألف بدل من التنوين. قال أبو الحسن: لا يجوز أن يكتب إلا ~~بألفين عند البصريين، وإن شئت بثلاث، فإذا جمعوا أو صغروا ردوا إلى الأصل ~~فقالوا: مويه وأمواه ومياه، مثل جمال وأجمال. # الرابعة - قوله تعالى: (فأخرج به من الثمرات رزقا لكم) الثمرات جمع ثمرة. # ويقال: ثمر مثل شجر. ويقال ثمر مثل خشب. ويقال: ثمر مثل بدن. وثمار مثل ~~إكام جمع ثمر. وسيأتي لهذا مزيد بيان في " الانعام " إن (3) شاء الله. ~~وثمار السياط: عقد أطرافها. # والمعنى في الآية أخرجنا لكم ألوانا من الثمرات، وأنواعا من النبات. " ~~رزقا " طعاما لكم، وعلفا لدوابكم، وقد بين هذا قوله تعالى: " إنا صببنا ~~الماء صبا. ثم شققنا الأرض شقا. # فأنبتنا فيها حبا وعنبا وقضبا وزيتونا ونخلا. وحدائق غلبا. وفاكهة وأبا. ~~متاعا لكم ولأنعامكم (4) " [عبس: 25 - 32] وقد مضى الكلام في الرزق مستوفى ~~(5) والحمد لله. # PageV01P229 # فإن قيل: كيف أطلق اسم الرزق على ما يخرج من الثمرات قبل التملك؟ قيل له: ~~لأنها معدة لان تملك ويصح بها الانتفاع، فهي رزق. # الخامسة - قلت: ودلت هذه الآية على أن الله تعالى أغنى الانسان عن كل ~~مخلوق، ولهذا قال عليه السلام مشيرا إلى هذا المعنى: (والله لان يأخذ أحدكم ~~حبله فيحتطب على ms0218 ظهره خير له من أن يسأل أحدا أعطاه أو منعه). أخرجه مسلم. ~~ويدخل في معنى الاحتطاب جميع الاشغال من الصنائع وغيرها، فمن أحوج نفسه إلى ~~بشر مثله بسبب الحرص والأمل والرغبة في زخرف الدنيا فقد أخذ بطرف من جعل ~~لله ندا. وقال علماء الصوفية: أعلم الله عز وجل في هذه الآية سبيل الفقر، ~~وهو أن تجعل الأرض وطاء والسماء غطاء، والماء طيبا والكلأ طعاما، ولا تعبد ~~أحدا في الدنيا من الخلق بسبب الدنيا، فإن الله عز وجل قد أتاح (1) لك ما ~~لابد لك منه، من غير منة فيه لاحد عليك. وقال نوف البكالي: رأيت علي بن أبي ~~طالب خرج فنظر إلى النجوم فقال: يا نوف، أراقد أنت أم رامق؟ قلت: بل رامق ~~يا أمير المؤمنين، قال: طوبى للزاهدين في الدنيا والراغبين في الآخرة، ~~أولئك قوم اتخذوا الأرض بساطا، وترابها فراشا، وماءها طيبا، والقرآن ~~والدعاء دثارا وشعارا، فرفضوا الدنيا على منهاج المسيح عليه السلام... وذكر ~~باقي الخبر، وسيأتي تمامه في هذه السورة عند قوله تعالى: # " أجيب دعوة الداع (2) " [البقرة: 186] إن شاء الله تعالى. # السادسة - قوله تعالى: (فلا تجعلوا) نهى. (لله أندادا) أي أكفاء وأمثالا ~~ونظراء، واحدها ند، وكذلك قرأ محمد بن السميقع " ندا "، قال الشاعر: # نحمد الله ولا ند له * عنده الخير وما شاء فعل وقال حسان: # أتهجوه ولست له بند * فشركما لخيركما الفداء # PageV01P230 # ويقال: ند ونديد ونديدة على المبالغة، قال لبيد: # لكيلا يكون السندري نديدتي * وأجعل أقواما عموما عماعما (1) وقال أبو ~~عبيدة " أندادا " أضدادا. النحاس: " أندادا " مفعول أول، و " لله " في موضع ~~الثاني. الجوهري: والند (بفتح النون): التل المرتفع في السماء. والند من ~~الطيب ليس بعربي. وند البعير يند ندا وندادا وندودا: نفر وذهب على وجهه، ~~ومنه قرأ بعضهم " يوم التناد (2) ". وندد به أي شهره وسمع به. # السابعة - قوله تعالى: (وأنتم تعلمون) ابتداء وخبر، والجملة في موضع ~~الحال، والخطاب للكافرين والمنافقين، عن ابن عباس. # فإن قيل: كيف وصفهم بالعلم وقد نعتهم بخلاف ذلك من الختم والطبع والصمم ~~والعمى. # فالجواب من ms0219 وجهين: أحدهما - " وأنتم تعلمون " يريد العلم الخاص بأن الله ~~تعالى خلق الخلق وأنزل الماء وأنبت الرزق، فيعلمون أنه المنعم عليهم دون ~~الأنداد. الثاني - أن يكون المعنى وأنتم تعلمون وحدانيته بالقوة والامكان ~~لو تدبرتم ونظرتم، والله أعلم. وفي هذا دليل على الامر باستعمال حجج العقول ~~وإبطال التقليد. وقال ابن فورك: يحتمل أن تتناول الآية المؤمنين، فالمعنى ~~لا ترتدوا أيها المؤمنون وتجعلوا لله أندادا بعد علمكم الذي هو نفي الجهل ~~بأن الله واحد. # قوله تعالى: وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله ~~وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين (23) قوله تعالى: (وإن كنتم في ~~ريب) أي في شك. (مما نزلنا) يعني القرآن، والمراد المشركون الذين تحدوا، ~~فإنهم لما سمعوا القرآن قالوا: ما يشبه هذا كلام الله، # PageV01P231 # وإنا لفي شك منه، فنزلت الآية. ووجه اتصالها بما قبلها أن الله سبحانه ~~لما ذكر في الآية الأولى الدلالة على وحدانيته وقدرته ذكر بعدها الدلالة ~~على نبوة نبيه، وأن ما جاء به ليس مفترى من عنده. # قوله: (على عبدنا) يعني محمدا صلى الله عليه وسلم. والعبد مأخوذ من ~~التعبد وهو التذلل، فسمى المملوك - من جنس ما يفعله - عبدا لتذلله لمولاه، ~~قال طرفة: # إلى أن تحامتني العشيرة كلها * وأفردت إفراد البعبر المعبد أي المذلل. ~~قال بعضهم: لما كانت العبادة أشرف الخصال والتسمي بها أشرف الخطط، سمى نبيه ~~عبدا، وأنشدوا: # يا قوم قلبي عند زهراء * يعرفه السامع والرائي لا تدعني إلا بيا عبدها * ~~فإنه أشرف أسمائي (فأتوا بسورة) الفاء جواب الشرط، ائتوا مقصور لأنه من باب ~~المجئ، قاله ابن كيسان. وهو أمر معناه التعجيز، لأنه تعالى علم عجزهم عنه. ~~والسورة واحدة السور. وقد تقدم الكلام فيها (1) وفي إعجاز (2) القرآن، فلا ~~معنى للإعادة. " ومن " في قوله " من مثله " - زائدة، كما قال " فأتوا بسورة ~~مثله " والضمير في " مثله " عائد على القرآن عند الجمهور من العلماء، ~~كقتادة ومجاهد وغيرهما. وقيل: يعود على التوراة والإنجيل. فالمعنى فأتوا ~~بسورة من كتاب مثله فإنها تصدق ما فيه. وقيل: ms0220 يعود على النبي صلى الله عليه ~~وسلم. # المعنى: من بشر أمي مثله لا يكتب ولا يقرأ. فمن على هذين التأويلين ~~للتبعيض والوقف على " مثله " ليس بتام، لان " وادعوا " نسق عليه. # قوله تعالى: (وادعوا شهداءكم) معناه أعوانكم ونصراءكم. الفراء: آلهتكم. ~~وقال ابن كيسان: فإن قيل كيف ذكر الشهداء هاهنا، وإنما يكون الشهداء ~~ليشهدوا أمرا، أو ليخبروا بأمر شهدوه، وإنما قيل لهم: " فأتوا بسورة من ~~مثله "؟ فالجواب: أن # PageV01P232 # المعنى استعينوا بمن وجدتموه من علمائكم، وأحضروهم ليشاهدوا ما تأتون به، ~~فيكون الرد على الجميع أوكد في الحجة عليهم. # قلت: هذا هو معنى قول مجاهد. قال مجاهد: معنى: " وادعوا شهداءكم " أي ~~ادعوا ناسا يشهدون لكم، أي يشهدون أنكم عارضتموه. النحاس: " شهداءكم " نصب ~~بالفعل جمع شهيد، يقال: شاهد وشهيد، مثل قادر وقدير. وقوله: (من دون الله) ~~أي من غيره، ودون نقيض فوق، وهو تقصير عن الغاية، ويكون ظرفا. والدون: ~~الحقير الخسيس، قال: # إذا ما علا المرء رام العلاء * ويقنع بالدون من كان دونا ولا يشتق منه ~~فعل، وبعضهم يقول منه: دان يدون دونا. ويقال: هذا دون ذاك، أي أقرب منه. ~~ويقال في الاغراء بالشئ: دونكه. قالت تميم للحجاج: أقبرنا (1) صالحا - وكان ~~قد صلبه - فقال: دونكموه. # قوله تعالى: (إن كنتم صادقين) فيما قلتم من أنكم تقدرون على المعارضة، ~~لقولهم في آية أخرى: " لو نشاء لقلنا (2) مثل هذا " [الأنفال: 31] والصدق: ~~خلاف الكذب، وقد صدق في الحديث. # والصدق: الصلب من الرماح. ويقال: صدقوهم القتال. والصديق: الملازم للصدق. # ويقال: رجل صدق، كما يقال: نعم الرجل. والصداقة مشتقة من الصدق في النصح ~~والود. # قوله تعالى: فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس ~~والحجارة أعدت للكافرين (24) قوله تعالى: (فإن لم تفعلوا) يعني فيما مضى ~~(ولن تفعلوا) أي تطيقوا ذلك فيما يأتي. # والوقف على هذا على " صادقين " تام. وقال جماعة من المفسرين: معنى الآية ~~وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين ولن تفعلوا، فإن لم تفعلوا ~~فاتقوا النار. فعلى هذا التفسير لا يتم الوقف على " صادقين ". # PageV01P233 # فإن قيل: ms0221 كيف دخلت " إن " على " لم " ولا يدخل عامل على عامل؟ فالجواب أن ~~" إن " ها هنا غير عاملة في اللفظ فدخلت على " لم " كما تدخل على الماضي، ~~لأنها لا تعمل في " لم " كما لا تعمل في الماضي، فمعنى إن لم تفعلوا إن ~~تركتم الفعل. # قوله تعالى " ولن تفعلوا " نصب بلن، ومن العرب من يجزم بها، ذكره أبو ~~عبيدة، ومنه بيت النابغة: # * فلن (1) أعرض أبيت اللعن بالصفد * وفي حديث ابن عمر حين ذهب به إلى ~~النار في منامه: فقيل لي " لن ترع ". هذا على تلك اللغة. وفي قوله: " ولن ~~تفعلوا " إثارة لهممهم، وتحريك لنفوسهم، ليكون عجزهم بعد ذلك أبدع، وهذا من ~~الغيوب التي أخبر بها القرآن قبل وقوعها. وقال ابن كيسان: " ولن تفعلوا " ~~توقيفا لهم على أنه الحق، وأنهم ليسوا صادقين فيما زعموا من أنه كذب، وأنه ~~مفترى وأنه سحر وأنه شعر، وأنه أساطير الأولين، وهم يدعون العلم ولا يأتون ~~بسورة من مثله. # وقوله: (فاتقوا النار) جواب " فإن لم تفعلوا " أي اتقوا النار بتصديق ~~النبي صلى الله عليه وسلم وطاعة الله تعالى. وقد تقدم معنى التقوى (2) فلا ~~معنى لإعادتها. ويقال: إن لغة تميم وأسد " فتقوا النار ". وحكى سيبويه: تقى ~~يتقي، مثل قضى يقضي. " النار " مفعولة. " التي " من نعتها. وفيها ثلاث ~~لغات: التي واللت (بكسر التاء) واللت (بإسكانها). وهي اسم مبهم للمؤنث وهي ~~معرفة، ولا يجوز نزع الألف واللام منها للتنكير، ولا تتم إلا بصلة. وفي ~~تثنيتها ثلاث لغات أيضا: اللتان واللتا (بحذف النون) واللتان (بتشديد ~~النون). وفي جمعها خمس لغات: # PageV01P234 # اللاتي، وهي لغة القرآن. واللات (بكسر التاء بلا ياء). واللواتي. واللوات ~~(بلا ياء)، وأنشد أبو عبيدة: # من اللواتي واللتي واللاتي * زعمن أن قد كبرت لداتي واللوا (بإسقاط ~~التاء)، هذا ما حكاه الجوهري. وزاد ابن الشجري: اللائي (بالهمز وإثبات ~~الياء). واللاء (بكسر الهمزة وحذف الياء). واللا (بحذف الهمزة) فإن جمعت ~~الجمع قلت في اللاتي: اللواتي وفي اللائي: اللوائي. قال الجوهري: وتصغير ~~التي اللتيا (بالفتح والتشديد)، قال الراجز (1): # بعد اللتيا واللتيا والتي * إذا علتها ms0222 أنفس تردت وبعض الشعراء أدخل على " ~~التي " حرف النداء، وحروف النداء لا تدخل على ما فيه الألف واللام إلا في ~~قولنا: يا الله، وحده. فكأنه شبهها به من حيث كانت الألف واللام غير ~~مفارقتين لها، وقال: # من أجلك يا التي تيمت قلبي * وأنت بخيلة بالود عني ويقال: وقع فلان في ~~اللتيا والتي، وهما اسمان من أسماء الداهية. والوقود (بالفتح): # الحطب. وبالضم: التوقد. و " الناس " عموم، ومعناه الخصوص فيمن سبق عليه ~~القضاء أنه يكون حطبا لها، أجارنا الله منها. " والحجارة " هي حجارة ~~الكبريت الأسود - عن ابن مسعود والفراء - وخصت بذلك لأنها تزيد على جميع ~~الأحجار بخمسة أنواع من العذاب: # سرعة الاتقاد، نتن الرائحة، كثرة الدخان، شدة الالتصاق بالأبدان، قوة ~~حرها إذا حميت. # وليس في قوله تعالى: " وقودها الناس والحجارة " دليل على أن ليس فيها غير ~~الناس والحجارة، بدليل ما ذكره في غير موضع من كون الجن والشياطين فيها. ~~وقيل: المراد بالحجارة الأصنام، لقوله تعالى: " إنكم وما تعبدون من دون ~~الله حصب (2) جهنم " [الأنبياء: 98] أي حطب جهنم. وعليه فتكون الحجارة ~~والناس وقودا للنار، وذكر ذلك تعظيما للنار أنها تحرق الحجارة مع إحراقها ~~للناس. # PageV01P235 # وعلى التأويل الأول يكونون معذبين بالنار والحجارة. وقد جاء الحديث عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (كل مؤذ في النار). وفي تأويله وجهان: ~~أحدهما - أن كل من آذى الناس في الدنيا عذبه الله في الآخرة بالنار. الثاني ~~- أن كل ما يؤذي الناس في الدنيا من السباع والهوام وغيرها في النار معد ~~لعقوبة أهل النار. وذهب بعض أهل التأويل إلى أن هذه النار المخصوصة ~~بالحجارة هي نار الكافرين خاصة. والله أعلم. # روى مسلم عن العباس بن عبد المطلب قال قلت: يا رسول الله، إن أبا طالب ~~كان يحوطك وينصرك، فهل نفعه ذلك؟ قال: (نعم وجدته في غمرات من النار ~~فأخرجته إلى ضحضاح (1) - في رواية - ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من ~~النار). " وقودها " مبتدأ. # " الناس " خبره. " والحجارة " عطف عليهم. وقرأ الحسن ومجاهد وطلحة بن ~~مصرف: # " وقودها " (بضم الواو). ms0223 وقرأ عبيد بن عمير: " وقيدها الناس ". قال ~~الكسائي والأخفش: # الوقود (بفتح الواو): الحطب، و (بالضم): الفعل، يقال: وقدت النار تقد ~~وقودا (بالضم) ووقدا وقدة [ووقيدا (2) ووقدا] ووقدانا، أي توقدت. وأوقدتها ~~أنا واستوقدتها أيضا. والاتقاد مثل التوقد، والموضع موقد، مثل مجلس، والنار ~~موقدة. والوقدة: شدة الحر، وهي عشرة أيام أو نصف شهر. قال النحاس: يجب على ~~هذا ألا يقرأ إلا " وقودها " [بفتح (3) الواو] لان المعنى حطبها، إلا أن ~~الأخفش قال: وحكى أن بعض العرب يجعل الوقود والوقود بمعنى الحطب والمصدر. # قال النحاس: وذهب إلى أن الأول أكثر، قال: كما أن الوضوء الماء، والوضوء ~~المصدر. # قوله تعالى: (أعدت للكافرين) ظاهره أن غير الكافرين لا يدخلها وليس كذلك، ~~بدليل ما ذكره في غير موضع من الوعيد للمذنبين وبالأحاديث الثابتة في ~~الشفاعة، على ما يأتي. # وفيه دليل على ما يقوله أهل الحق من أن النار موجودة مخلوفة، خلافا ~~للمبتدعة في قولهم: # إنها لم تخلق حتى الآن. وهو القول الذي سقط فيه القاضي منذر بن سعيد ~~البلوطي الأندلسي. # روى مسلم عن عبد الله (4) بن مسعود قال كنا مع رسول الله إذ سمع وجبة ~~(5)، # PageV01P236 # فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (تدرون ما هذا) قال قلنا: الله ورسوله ~~أعلم، قال: # (هذا حجر رمي به في النار منذ سبعين خريفا فهو يهوى في النار الآن حتى ~~انتهى إلى قعرها). # وروى البخاري عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (احتجت ~~النار والجنة فقالت هذه يدخلني الجبارون والمتكبرون وقالت هذه يدخلني ~~الضعفاء والمساكين فقال الله عز وجل لهذه: أنت عذابي أعذب بك من أشاء وقال ~~لهذه أنت رحمتي أرحم بك من أشاء ولكل واحدة منكما ملؤها). وأخرجه مسلم (1) ~~بمعناه. يقال: احتجت بمعنى تحتج، للحديث المتقدم حديث ابن مسعود (2)، ولأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قد أريهما في صلاة الكسوف، ورآهما أيضا في إسرائه ~~ودخل الجنة، فلا معنى لما خالف ذلك. وبالله التوفيق. و " أعدت " يجوز أن ~~يكون حالا للنار على معنى معدة، وأضمرت معه قد، كما ms0224 قال: " أو جاءوكم حصرت ~~صدورهم (3) " [النساء: 90] فمعناه قد حصرت صدورهم، فمع " حصرت " قد مضمرة ~~لان الماضي لا يكون حالا إلا مع قد، فعلى هذا لا يتم الوقف على " الحجارة ~~". # ويجوز أن يكون كلاما منقطعا عما قبله، كما قال: " وذلكم ظنكم الذي ظننتم ~~بربكم أرداكم (4) " [فصلت: 23]. # وقال السجستاني: " أعدت للكافرين " من صلة " التي " كما قال في آل عمران: # " واتقوا النار التي أعدت للكافرين (5) " [آل عمران: 131]. ابن الأنباري: ~~وهذا غلط، لان التي في سورة البقرة قد وصلت بقوله: " وقودها الناس " فلا ~~يجوز أن توصل بصلة ثانية، وفي آل عمران ليس لها صله غير " أعدت ". # قوله تعالى: وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا ~~به متشابها ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون (25) # PageV01P237 # قوله تعالى: (وبشر الذين آمنوا) فيه ثلاث مسائل: # الأولى - لما ذكر الله عز وجل جزاء الكافرين ذكر جزاء المؤمنين أيضا. ~~والتبشير الاخبار بما يظهر أثره على البشرة - وهي ظاهر الجلد - لتغيرها ~~بأول خبر يرد عليك، ثم الغالب أن يستعمل في السرور مقيدا بالخير المبشر به، ~~وغير مقيد أيضا. ولا يستعمل في الغم والشر إلا مقيدا منصوصا على الشر ~~المبشر به، قال الله تعالى " فبشرهم بعذاب أليم " [الانشقاق: 24]. # ويقال: بشرته وبشرته - مخفف ومشدد - بشارة (بكسر الباء) فأبشر واستبشر. ~~وبشر يبشر إذا فرح. ووجه بشير إذا كان حسنا بين البشارة (بفتح الباء). ~~والبشرى: ما يعطاه المبشر. وتباشير الشئ: أوله. # الثانية - أجمع العلماء على أن المكلف إذا قال: من بشرني من عبيدي بكذا ~~فهو حر، فبشره واحد من عبيده فأكثر فإن أولهم يكون حرا دون الثاني. ~~واختلفوا إذا قال: # من أخبرني من عبيدي بكذا فهو حر فهل يكون الثاني مثل الأول، فقال أصحاب ~~الشافعي: # نعم، لان كل واحد منهم مخبر. وقال علماؤنا: لا، لان المكلف إنما قصد خبرا ~~يكون بشارة، وذلك يختص بالأول، وهذا معلوم عرفا فوجب صرف القول إليه. وفرق ~~محمد ابن الحسن بين ms0225 قوله: أخبرني، أو حدثني، فقال: إذا قال الرجل أي غلام ~~لي أخبرني بكذا، أو أعلمني بكذا وكذا فهو حر - ولا نية له - فأخبره غلام له ~~بذلك بكتاب أو كلام أو رسول فإن الغلام يعتق، لان هذا خبر. وإن أخبره بعد ~~ذلك غلام له عتق، لأنه قال: # أي غلام أخبرني فهو حر. ولو أخبروه كلهم عتقوا، وإن كان عنى - حين حلف - ~~بالخبر كلام مشافهة لم يعتق واحد منهم إلا أن يخبره بكلام مشافهة بذلك ~~الخبر. قال: وإذا قال أي غلام لي حدثني، فهذا على المشافهة، لا يعتق واحد ~~منهم. # الثالثة - قوله تعالى: (وعملوا الصالحات) رد على من يقول: إن الايمان ~~بمجرده يقتضي الطاعات، لأنه لو كان ذلك ما أعادها، فالجنة تنال بالايمان ~~والعمل الصالح. # وقيل: الجنة تنال بالايمان، والدرجات تستحق بالاعمال الصالحات. والله ~~أعلم. PageV01P238 # (أن لهم) في موضع نصب ب‍ " - بشر " والمعنى وبشر الذين آمنوا بأن لهم، أو ~~لان لهم، فلما سقط الخافض عمل الفعل. وقال الكسائي وجماعة من البصريين: " ~~أن " في موضع خفض بإضمار الباء. # (جنات) في موضع نصب اسم " أن "، " وأن وما عملت فيه في موضع المفعول ~~الثاني. والجنات: البساتين، وإنما سميت جنات لأنها تجن من فيها أي تستره ~~بشجرها، ومنه: المجن والجنين والجنة. # (تجرى) في موضع النعت لجنات وهو مرفوع، لأنه فعل مستقبل فحذفت الضمة من ~~الياء لثقلها معها. # (من تحتها) أي من تحت أشجارها، ولم يجر لها ذكر، لان الجنات دالة عليها. # (الأنهار) أي ماء الأنهار، فنسب الجري إلى الأنهار توسعا، وإنما يجري ~~الماء وحده فحذف اختصارا، كما قال تعالى: " واسئل القرية (1) " [يوسف: 82] ~~أي أهلها. وقال الشاعر: (2) نبئت أن النار بعدك أوقدت * واستب بعدك يا كليب ~~المجلس أراد: أهل المجلس، فحذف. والنهر: مأخوذ من أنهرت، أي وسعت، ومنه قول ~~قيس ابن الخطيم: # ملكت (3) بها كفي فأنهرت فتقها * يرى قائم من دونها ما وراءها أي وسعتها، ~~يصف طعنة. ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما أنهر الدم وذكر اسم الله ~~عليه فكلوه). معناه: ما وسع الذبح حتى ms0226 يجري الدم كالنهر. وجمع النهر: نهر ~~وأنهار. ونهر نهر: كثير الماء، قال أبو ذؤيب: # أقامت به فابتنت خيمة * على قصب وفرات نهر (4) # PageV01P239 # وروي: أن أنهار الجنة ليست في أخاديد، إنما تجري على سطح الجنة منضبطة ~~بالقدرة حيث شاء أهلها. والوقف على " الأنهار " حسن وليس بتام، لان قوله: ~~(كلما رزقوا منها من ثمرة) من وصف الجنات. # (رزقا) مصدره، وقد تقدم القول في الرزق (1). ومعنى (من قبل) يعني في ~~الدنيا، وفيه وجهان: أحدهما - أنهم قالوا هذا الذي وعدنا به في الدنيا. ~~والثاني - هذا الذي رزقنا الدنيا، لان لونها يشبه لون ثمار الدنيا، فإذا ~~أكلوا وجدوا طعمه غير ذلك وقيل: # " من قبل " يعني في الجنة لأنهم يرزقون ثم يرزقون، فإذا أتوا بطعام وثمار ~~في أول النهار فأكلوا منها، ثم أتوا منها في آخر النهار قالوا: هذا الذي ~~رزقنا من قبل، يعني أطعمنا في أول النهار، لان لونه يشبه ذلك، فإذا أكلوا ~~منها وجدوا لها طعما غير طعم الأول. # (وأتوا) فعلوا من أتيت. وقرأه الجماعة بضم الهمزة والتاء. وقرأ هارون ~~الأعور " وأتوا " بفتح الهمزة والتاء. فالضمير في القراءة الأولى لأهل ~~الجنة، وفي الثانية للخدام. # (به متشابها) حال من الضمير في " به "، أي يشبه بعضه بعضا في المنظر ~~ويختلف في الطعم. قاله ابن عباس ومجاهد والحسن وغيرهم. وقال عكرمة: يشبه ~~ثمر الدنيا ويباينه في جل الصفات. ابن عباس: هذا على وجه التعجب، وليس في ~~الدنيا شئ مما في الجنة سوى الأسماء، فكأنهم تعجبوا لما رأوه من حسن الثمرة ~~وعظم خلقها. وقال قتادة: خيارا لا رذل فيه، كقوله تعالى: " كتابا متشابها " ~~[الزمر: 23] وليس كثمار الدنيا التي لا تتشابه، لان فيها خيارا وغير خيار. # (ولهم فيها أزواج) ابتداء وخبر. وأزواج: جمع زوج. والمرأة: زوج الرجل. ~~والرجل زوج المرأة. قال الأصمعي: ولا تكاد العرب تقول زوجة. وحكى الفراء ~~أنه يقال: زوجة، وأنشد الفرزدق: # وإن الذي يسعى ليفسد زوجتي * كساع إلى أسد الشرى يستبيلها (2) # PageV01P240 # وقال عمار بن ياسر في شأن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: والله إني ~~لاعلم ms0227 أنها زوجته في الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلاكم. ذكره البخاري، ~~واختاره الكسائي. # (مطهرة) نعت للأزواج. ومطهرة في اللغة أجمع من طاهرة وأبلغ، ومعنى هذه ~~الطهارة من الحيض والبصاق وسائر أقذار الآدميات. ذكر عبد الرازق قال أخبرني ~~الثوري عن ابن أبي نجيح عن مجاهد: " مطهرة " قال: لا يبلن ولا يتغوطن ولا ~~يلدن ولا يحضن ولا يمنين ولا يبصقن. وقد أتينا على هذا كله في وصف أهل ~~الجنة وصفة الجنة ونعيمها من كتاب التذكرة. والحمد لله. # (وهم فيها خالدون) " هم " مبتدأ. " خالدون " خبره، والظرف ملغى. ويجوز في ~~غير القرآن نصب خالدين على الحال. والخلود: البقاء ومنه جنة الخلد. وقد ~~تستعمل مجازا فيما يطول، ومنه قولهم في الدعاء: خلد الله ملكه أي طوله. قال ~~زهير: # ألا لا أرى على الحوادث باقيا * ولا خالدا إلا الجبال الرواسيا وأما الذي ~~في الآية فهو أبدي حقيقة. # قوله تعالى: إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما ~~الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد ~~الله بهذا مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين (26) ~~قوله تعالى: (إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا) قال ابن عباس في رواية أبي ~~صالح: لما ضرب الله سبحانه هذين المثلين للمنافقين: يعني " مثلهم كمثل الذي ~~استوقد نارا " [البقرة: 17] وقوله: " أو كصيب من السماء " [البقرة: 19] ~~قالوا: الله أجل وأعلى من أن يضرب الأمثال، فأنزل الله هذه الآية. وفي ~~رواية عطاء عن ابن عباس قال: لما ذكر الله آلهة المشركين فقال: " وإن ~~يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه (1) منه " [الحج: 73] وذكر كيد الآلهة # PageV01P241 # فجعله كبيت العنكبوت، قالوا: أرأيت حيث ذكر الله الذباب والعنكبوت فيما ~~أنزل من القرآن على محمد، أي شئ يصنع؟ فأنزل الله الآية. وقال الحسن ~~وقتادة: لما ذكر الله الذباب والعنكبوت في كتابه وضرب للمشركين به المثل، ~~ضحكت اليهود وقالوا: ما يشبه هذا كلام الله، فأنزل الله الآية. # و " ويستحيي " أصله يستحيي، عينه ولامه حرفا علة، أعلت اللام ms0228 منه بأن ~~استثقلت الضمة على الياء فسكنت. واسم الفاعل في هذا: مستحي، والجمع مستحيون ~~ومستحيين. وقرأ ابن محيصن " يستحي " بكسر الحاء وياء واحدة ساكنة، وروى عن ~~ابن كثير، وهي لغة تميم وبكر ابن وائل، نقلت فيها حركة الياء الأولى إلى ~~الحاء فسكنت، ثم استثقلت الضمة على الثانية فسكنت، فحذفت إحداهما للالتقاء، ~~واسم الفاعل مستح، والجمع مستحون ومستحين. # قاله الجوهري. واختلف المتأولون في معنى " يستحيي " في هذه الآية فقيل: ~~لا يخشى، ورجحه الطبري، وفي التنزيل: " وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه (1) ~~" [الأحزاب: 37] بمعنى تستحي. وقال غيره: # لا يترك. وقيل: لا يمتنع. وأصل الاستحياء الانقباض عن الشئ والامتناع منه ~~خوفا من مواقعة القبيح، وهذا محال على الله تعالى. وفي صحيح مسلم عن أم ~~سلمة رضي الله عنها قالت: # جاءت أم سليم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن الله ~~لا يستحيي من الحق. المعنى لا يأمر بالحياء فيه، ولا يمتنع من ذكره. # قوله تعالى: " أن يضرب مثلا ما " " يضرب " معناه يبين، و " أن " مع الفعل ~~في موضع نصب بتقدير حذف من. " مثلا " منصوب بيضرب " بعوضة " في نصبها أربعة ~~أوجه: # الأول - تكون " ما " زائدة، و " بعوضة " بدلا من " مثلا ". # الثاني - تكون " ما " نكرة في موضع نصب على البدل من قوله: " مثلا ". و " ~~بعوضة " نعت لما، فوصفت " ما " بالجنس المنكر لإبهامها لأنها بمعنى قليل، ~~قاله الفراء والزجاج وثعلب. # PageV01P242 # الثالث - نصبت على تقدير إسقاط الجار، المعنى أن يضرب مثلا ما بين بعوضة، ~~فحذفت " بين " وأعربت بعوضة بإعرابها، والفاء بمعنى إلى، أي إلى ما فوقها. ~~وهذا قول الكسائي والفراء أيضا، وأنشد أبو العباس: # يا أحسن الناس ما قرنا إلى قدم * ولا حبال محب واصل تصل أراد ما بين قرن، ~~فلما أسقط " بين " نصب. # الرابع - أن يكون " يضرب " بمعنى يجعل، فتكون " بعوضة " المفعول الثاني. # وقرأ الضحاك وإبراهيم بن أبي عبلة ورؤبة بن العجاج " بعوضة " بالرفع، وهي ~~لغة تميم. # قال أبو الفتح: ووجه ذلك أن " ما " اسم بمنزلة الذي، و " بعوضة " رفع على ~~إضمار ms0229 المبتدأ، التقدير: لا يستحيي أن يضرب الذي هو بعوضة مثلا، فحذف ~~العائد على الموصول وهو مبتدأ. ومثله قراءة بعضهم: " تماما على الذي أحسن " ~~أي على الذي هو أحسن. # وحكى سيبويه: ما أنا بالذي قائل لك شيئا، أي هو قائل. قال النحاس: والحذف ~~في " ما " أقبح منه في " الذي "، لان " الذي " إنما له وجه واحد والاسم معه ~~أطول. ويقال: # إن معنى ضربت له مثلا، مثلت له مثلا. وهذه الأبنية على ضرب واحد، وعلى ~~مثال واحد ونوع واحد والضرب النوع. والبعوضة: فعولة من بعض إذا قطع اللحم، ~~يقال: # بضع وبعض بمعنى، وقد بعضته تبعيضا، أي جزأته فتبعض. والبعوض: البق، ~~الواحدة بعوضة، سميت بذلك لصغرها. قاله الجوهري وغيره. # قوله تعالى: (فما فوقها) قد تقدم أن الفاء بمعنى إلى، ومن جعل " ما " ~~الأولى صلة زائدة ف‍ " - ما " الثانية عطف عليها. وقال الكسائي وأبو عبيدة ~~وغيرهما: معنى " فما فوقها " - والله أعلم - ما دونها، أي إنها فوقها في ~~الصغر. قال الكسائي: وهذا كقولك في الكلام: أتراه قصيرا؟ فيقول القائل: أو ~~فوق ذلك، أي هو أقصر مما ترى. وقال قتادة وابن جريج: المعنى في الكبر. ~~والضمير في " أنه " عائد على المثل أي أن المثل حق. # PageV01P243 # والحق خلاف الباطل. والحق: واحد الحقوق. والحقة (بفتح الحاء) أخص منه، ~~يقال: هذه حقتي، أي حقي. # قوله تعالى: (وأما الذين كفروا) لغة بني تميم وبني عامر في " أما " أيما، ~~يبدلون من إحدى الميمين ياء كراهية التضعيف، وعلى هذا ينشد بيت عمر بن أبي ~~ربيعة: # رأت رجلا أيما إذا الشمس عارضت * فيضحى وأيما بالعشي فيخصر (1) قوله ~~تعالى: (فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا) اختلف النحويون في " ماذا "، ~~فقيل: هي بمنزلة اسم واحد بمعنى أي شئ أراد الله، فيكون في موضع نصب ب‍ " - ~~أراد ". # قال ابن كيسان: وهو الجيد. وقيل: " ما " اسم تام في موضع رفع بالابتداء، ~~و " ذا " بمعنى الذي وهو خبر الابتداء، ويكون التقدير: ما الذي أراده الله ~~بهذا مثلا، ومعنى كلامهم هذا: الانكار بلفظ الاستفهام. و " مثلا " منصوب ~~على القطع، التقدير: ms0230 أراد مثلا، قاله ثعلب. وقال ابن كيسان: هو منصوب على ~~التمييز الذي وقع موقع الحال. # قوله تعالى: (يضل به كثيرا ويهدى به كثيرا) قيل: هو من قول الكافرين، أي ~~ما مراد الله بهذا المثل الذي يفرق به الناس إلى ضلالة وإلى هدى. وقيل: بل ~~هو خبر من الله عز وجل، وهو أشبه، لأنهم يقرون بالهدى أنه من عنده، ~~فالمعنى: قل يضل الله به كثيرا ويهدي به كثيرا، أي يوفق ويخذل، وعليه فيكون ~~فيه رد على من تقدم ذكرهم من المعتزلة وغيرهم في قولهم: إن الله لا يخلق ~~الضلال ولا الهدى. قالوا: ومعنى " يضل به كثيرا " التسمية هنا، أي يسميه ~~ضالا، كما يقال: فسقت فلانا، يعني سميته فاسقا، لان الله تعالى لا يضل ~~أحدا. هذا طريقهم في الاضلال، وهو خلاف أقاويل المفسرين، وهو غير محتمل في ~~اللغة، لأنه يقال: ضلله إذا سماه ضالا، ولا يقال: أضله إذا سماه ضالا، ولكن ~~معناه ما ذكره المفسرون أهل التأويل من الحق أنه يخذل به كثيرا من الناس ~~مجازاة لكفرهم. ولا خلاف أن قوله: # PageV01P244 # " وما يضل به إلا الفاسقين " أنه من قول الله تعالى. و " الفاسقين " نصب ~~بوقوع الفعل عليهم، والتقدير: وما يضل به أحدا إلا الفاسقين الذين سبق في ~~علمه أنه لا يهديهم. # ولا يجوز أن تنصبهم على الاستثناء لان الاستثناء لا يكون إلا بعد تمام ~~الكلام. وقال نوف البكالي: قال عزير فيما يناجي ربه عز وجل: إلهي تخلق خلقا ~~فتضل من تشاء وتهدي من تشاء. قال فقيل: يا عزير أعرض عن هذا! لتعرضن (1) عن ~~هذا أو لأمحونك من النبوة، إني لا أسأل عما أفعل وهم يسألون. والضلال أصله ~~الهلاك، يقال منه: ضل الماء في اللبن إذا استهلك، ومنه قوله تعالى: " أئذا ~~ضللنا في الأرض (2) " [السجدة: 10] وقد تقدم في الفاتحة (3). # والفسق أصله في كلام العرب الخروج عن الشئ، يقال: فسقت الرطبة إذا خرجت ~~عن قشرها، والفأرة من جحرها. والفويسقة: الفأرة، وفي الحديث: (خمس فواسق ~~يقتلن في الحل والحرم الحية والغراب الأبقع والفأرة والكلب العقور ms0231 ~~والحديا). روته عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم، أخرجه مسلم. وفي رواية ~~(العقرب) مكان (الحية). فأطلق صلى الله عليه وسلم عليها اسم الفسق لأذيتها، ~~على ما يأتي بيانه في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى. # وفسق الرجل يفسق ويفسق أيضا - عن الأخفش - فسقا وفسوقا، أي فجر. فأما ~~قوله تعالى: # " ففسق عن أمر ربه " فمعناه خرج. وزعم ابن الأعرابي أنه لم يسمع قط في ~~كلام الجاهلية ولا في شعرهم (4) فاسق. قال: وهذا عجب، وهو كلام عربي حكاه ~~عنه ابن فارس والجوهري. # قلت: قد ذكر أبو بكر الأنباري في كتاب " الزاهر " له لما تكلم على معنى ~~الفسق قول الشاعر: # يذهبن في نجد وغورا (5) غائرا * فواسقا عن قصدها جوائرا # PageV01P245 # والفسيق: الدائم الفسق. ويقال في النداء: يا فسق ويا خبث، يريد: يا أيها ~~الفاسق، ويأيها الخبيث. والفسق في عرف الاستعمال الشرعي: الخروج من طاعة ~~الله عز وجل، فقد يقع على من خرج بكفر وعلى من خرج بعصيان. # قوله تعالى: الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به ~~أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون (27) فيه سبع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (الذين) " الذين " في موضع نصب على النعت للفاسقين، ~~وإن شئت جعلته في موضع رفع على أنه خبر ابتدا محذوف، أي هم الذين. وقد تقدم ~~(1). # الثانية - قوله تعالى: (ينقضون) النقض: إفساد ما أبرمته من بناء أو حبل ~~أو عهد. والنقاضة. ما نقض من حبل الشعر. والمناقضة في القول: أن تتكلم بما ~~تناقض معناه. والنقيضة في الشعر: ما ينقض به. والنقض: المنقوض. واختلف ~~الناس في تعيين هذا العهد، فقيل: هو الذي أخذه الله على بني آدم حين ~~استخرجهم من ظهره. وقيل: # هو وصية الله تعالى إلى خلقه، وأمره إياهم بما أمرهم به من طاعته، ونهيه ~~إياهم عما نهاهم عنه من معصيته في كتبه على ألسنة رسله، ونقضهم ذلك ترك ~~العمل به. وقيل: بل نصب الأدلة على وحدانيته بالسموات والأرض وسائر الصنعة ~~هو بمنزلة العهد، ونقضهم ترك النظر في ذلك. وقيل: ms0232 هو ما عهده إلى من أوتي ~~الكتاب أن يبينوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ولا يكتموا أمره. فالآية ~~على هذا في أهل الكتاب. قال أبو إسحاق الزجاج: عهده عز وجل ما أخذه على ~~النبيين ومن اتبعهم ألا يكفروا بالنبي صلى الله عليه وسلم. ودليل ذلك: # " وإذ أخذ الله ميثاق (2) النبيين " [آل عمران: 81] إلى قوله تعالى: " ~~وأخذتم على ذلكم إصري " [آل عمران: 81] أي عهدي. # قلت: وظاهر ما قبل وما بعد يدل على أنها في الكفار. فهذه خمسة أقوال، ~~والقول الثاني يجمعها. # PageV01P246 # الثالثة - قوله تعالى: (من بعد ميثاقه) الميثاق: العهد المؤكد باليمين، ~~مفعال من الوثاقة والمعاهدة، وهي الشدة في العقد والربط ونحوه. والجمع ~~المواثيق على الأصل، لان أصل ميثاق موثاق، صارت الواو ياء لانكسار ما قبلها ~~- والمياثق والمياثيق أيضا، وأنشد ابن الأعرابي: # حمى لا يحل الدهر إلا بإذننا * ولا نسأل الأقوام عهد (1) المياثق ~~والموثق: الميثاق. والمواثقة: المعاهدة، ومنه قوله تعالى: " وميثاقه الذي ~~واثقكم به ". # الرابعة - قوله تعالى: (ويقطعون) القطع معروف، والمصدر - في الرحم - ~~القطيعة، يقال: قطع رحمه قطيعة فهو رجل قطع وقطعة، مثال همزة. وقطعت الحبل ~~قطعا. وقطعت النهر قطوعا. وقطعت الطير قطوعا وقطاعا وقطاعا إذا خرجت من بلد ~~إلى بلد. وأصاب الناس قطعة: إذا قلت مياههم. ورجل به قطع: أي انبهار (2). # الخامسة - قوله تعالى: (ما أمر الله به أن يوصل) " ما " في موضع نصب ب‍ " ~~- يقطعون ". و " أن " إن شئت كانت بدلا من " ما " وإن شئت من الهاء في " به ~~" وهو أحسن. ويجوز أن يكون لئلا يوصل، أي كراهة أن يوصل. واختلف ما الشئ ~~الذي أمر بوصله؟ فقيل: صلة الأرحام. وقيل: أمر أن يوصل القول بالعمل، ~~فقطعوا بينهما بأن قالوا ولم يعملوا. وقيل: أمر أن يوصل التصديق بجميع ~~أنبيائه، فقطعوه بتصديق بعضهم وتكذيب بعضهم. وقيل: الإشارة إلى دين الله ~~وعبادته في الأرض، وإقامة شرائعه وحفظ حدوده. فهي عامة في كل ما أمر الله ~~تعالى به أن يوصل. هذا قول الجمهور، والرحم جزء من هذا. # السادسة - قوله تعالى: (ويفسدون في الأرض) ms0233 أي يعبدون غير الله تعالى ~~ويجورون في الافعال، إذ هي بحسب شهواتهم، وهذا غاية الفساد. # PageV01P247 # (أولئك هم الخاسرون) ابتداء وخبر. و " هم " زائدة، ويجوز أن تكون " هم " ~~ابتداء ثان، " الخاسرون " خبره، والثاني وخبره خبر الأول كما تقدم (1). ~~والخاسر: الذي نقص نفسه حظها من الفلاح والفوز. والخسران: النقصان، كان في ~~ميزان أو غيره، قال جرير: # إن سليطا في الخسار إنه * أولاد قوم خلقوا أقنه (2) يعني بالخسار ما ينقص ~~من حظوظهم وشرفهم. قال الجوهري: وخسرت الشئ (بالفتح) وأخسرته نقصته. ~~والخسار والخسارة والخيسرى: الضلال والهلاك. فقيل للهالك: # خاسر، لأنه خسر نفسه وأهله يوم القيامة ومنع منزله من الجنة. # السابعة - في هذه الآية دليل على أن الوفاء بالعهد والتزامه وكل عهد جائز ~~ألزمه المرء نفسه فلا يحل له نقضه سواء أكان بين مسلم أم غيره، لذم الله ~~تعالى من نقض عهده. # وقد قال: " أوفوا (3) بالعقود " [المائدة: 1] وقد قال لنبيه عليه السلام: ~~" وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء " [الأنفال: 58] فنهاه عن ~~الغدر، وذلك لا يكون إلا بنقض العهد على ما يأتي بيانه في موضعه (4) إن شاء ~~الله تعالى. # قوله تعالى: كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ~~ثم إليه ترجعون (28) " كيف " سؤال عن الحال، وهي اسم في موضع نصب ب‍ " - ~~تكفرون "، وهي مبنية على الفتح وكان سبيلها أن تكون ساكنة، لان فيها معنى ~~الاستفهام الذي معناه التعجب فأشبهت الحروف، واختير لها الفتح لخفته، أي ~~هؤلاء ممن يجب أن يتعجب منهم حين كفروا وقد ثبتت عليهم الحجة. # فإن قيل: كيف يجوز أن يكون هذا الخطاب لأهل الكتاب وهم لم يكفروا بالله؟ # فالجواب ما سبق من أنهم لما لم يثبتوا أمر محمد عليه السلام ولم يصدقوه ~~فيما جاء به فقد # PageV01P248 # أشركوا، لأنهم لم يقروا بأن القرآن من عند الله. ومن زعم أن القرآن كلام ~~البشر فقد أشرك بالله وصار ناقضا للعهد. وقيل: " كيف " لفظه لفظ الاستفهام ~~وليس به، بل هو تقرير وتوبيخ، أي كيف تكفرون نعمه عليكم وقدرته هذه! قال ~~الواسطي: ms0234 وبخهم بهذا غاية التوبيخ، لان الموات والجماد لا ينازع صانعه في ~~شئ، وإنما المنازعة من الهياكل الروحانية. # قوله تعالى: (وكنتم أمواتا) هذه الواو واو الحال، وقد مضمرة. قال الزجاج: # التقدير وقد كنتم، ثم حذفت قد. وقال الفراء: " أمواتا " خبر " كنتم ". # " فأحياكم ثم يميتكم " هذا وقف التمام، كذا قال أبو حاتم. ثم قال: " ثم ~~يحييكم " واختلف أهل التأويل في ترتيب هاتين الموتتين والحياتين، وكم من ~~موتة وحياة للانسان؟ # فقال ابن عباس وابن مسعود: أي كنتم أمواتا معدومين قبل أن تخلقوا فأحياكم ~~- أي خلقكم - ثم يميتكم عند انقضاء آجالكم، ثم يحييكم يوم القيامة. قال ابن ~~عطية: وهذا القول هو المراد بالآية، وهو الذي لا محيد للكفار عنه لاقرارهم ~~بهما، وإذا أذعنت نفوس الكفار لكونهم أمواتا معدومين، ثم للاحياء في ~~الدنيا، ثم للإماتة فيها قوي عليهم لزوم الاحياء الآخر وجاء جحدهم له دعوى ~~لا حجة عليها. قال غيره: والحياة التي تكون في القبر على هذا التأويل في ~~حكم حياة الدنيا. وقيل: لم يعتد بها كما لم يعتد بموت من أماته في الدنيا ~~ثم أحياه في الدنيا. وقيل: كنتم أمواتا في ظهر آدم، ثم أخرجكم من ظهره ~~كالذر، ثم يميتكم موت الدنيا ثم يبعثكم. وقيل: كنتم أمواتا - أي نطفا - في ~~أصلاب الرجال وأرحام النساء، ثم نقلكم من الأرحام فأحياكم، ثم يميتكم بعد ~~هذه الحياة، ثم يحييكم في القبر للمسألة، ثم يميتكم في القبر، ثم يحييكم ~~حياة النشر إلى الحشر، وهي الحياة التي ليس بعدها موت. # قلت: فعلى هذا التأويل هي ثلاث موتات، وثلاث إحياءات. وكونهم موتى في ظهر ~~آدم، وإخراجهم من ظهره والشهادة عليهم غير كونهم نطفا في أصلاب الرجال ~~وأرحام النساء، فعلى هذا تجئ أربع موتات وأربع إحياءات. وقد قيل: إن الله ~~تعالى أوجدهم قبل خلق آدم عليه السلام كالهباء ثم أماتهم، فيكون على هذا ~~خمس موتات، وخمس إحياءات. وموتة سادسة PageV01P249 # للعصاة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم إذا دخلوا النار، لحديث أبي سعيد ~~الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه ms0235 وسلم: (أما أهل النار الذي هم ~~أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم - أو ~~قال بخطاياهم - فأماتهم الله إماتة حتى إذا كانوا فحما أذن في الشفاعة فجئ ~~بهم ضبائر ضبائر فبثوا على أنهار الجنة ثم قيل يأهل الجنة أفيضوا عليهم ~~فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل). فقال رجل من القوم: كأن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قد كان يرعى بالبادية (1). أخرجه مسلم. # قلت: فقوله (فأماتهم الله) حقيقة في الموت، لأنه أكده بالمصدر، وذلك ~~تكريما لهم. # وقيل: يجوز أن يكون (أماتهم) عبارة عن تغييبهم عن آلامها بالنوم، ولا ~~يكون ذلك موتا على الحقيقة، والأول أصح. وقد أجمع النحويون على أنك إذا ~~أكدت الفعل بالمصدر لم يكن مجازا، وإنما هو على الحقيقة، ومثله: " وكلم ~~الله موسى تكليما " [النساء: 164] على ما يأتي بيانه (2) إن شاء الله ~~تعالى. وقيل: المعنى وكنتم أمواتا بالخمول فأحياكم بأن ذكرتم وشرفتم بهذا ~~الدين والنبي الذي جاءكم، ثم يميتكم فيموت ذكركم، ثم يحييكم للبعث. # قوله تعالى: (ثم إليه ترجعون) أي إلى عذابه مرجعكم لكفركم. وقيل: إلى ~~الحياة وإلى المسألة، كما قال تعالى: " كما بدأنا أول خلق نعيده (3) " ~~[الأنبياء: 104] فإعادتهم كابتدائهم، فهو رجوع. # و " ترجعون " قراءة الجماعة. ويحيى بن يعمر وابن أبي إسحاق ومجاهد وابن ~~محيصن وسلام ابن يعقوب يفتحون حرف المضارعة ويكسرون الجيم حيث وقعت. # قوله تعالى: هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء ~~فسواهن سبع سماوات وهو بكل شئ عليم (29) # PageV01P250 # قوله تعالى: (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا) فيه عشر مسائل: # الأولى: " خلق " معناه اخترع وأوجد بعد العدم. وقد يقال في الانسان: " ~~خلق " عند إنشائه شيئا، ومنه قول الشاعر: # من كان يخلق ما يقو * ل فحيلتي فيه قليله وقد تقدم (1) هذا المعنى. وقال ~~ابن كيسان: " خلق لكم " أي من أجلكم. وقيل: المعنى أن جميع ما في الأرض ~~منعم به عليكم فهو لكم. وقيل: إنه دليل على التوحيد والاعتبار. # قلت: وهذا هو الصحيح على ما ms0236 نبينه. ويجوز أن يكون عني به ما هم إليه ~~محتاجون من جميع الأشياء. # الثانية - استدل من قال إن أصل الأشياء التي ينتفع بها الإباحة بهذه ~~الآية وما كان مثلها - كقوله: " وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض ~~جميعا منه (2) " [الجاثية: 13] الآية - حتى يقوم الدليل على الحظر. وعضدوا ~~هذا بأن قالوا: إن المآكل الشهية خلقت مع إمكان ألا تخلق فلم تخلق عبثا، ~~فلا بد لها من منفعة. وتلك المنفعة لا يصح رجوعها إلى الله تعالى لاستغنائه ~~بذاته، فهي راجعة إلينا. ومنفعتنا إما في نيل لذتها، أو في اجتنابها لنختبر ~~بذلك، أو في اعتبارنا بها. ولا يحصل شئ من تلك الأمور إلا بذوقها، فلزم أن ~~تكون مباحة. # وهذا فاسد، لأنا لا نسلم لزوم العبث من خلقها إلا لمنفعة، بل خلقها كذلك ~~لأنه لا يجب عليه أصل المنفعة، بل هو الموجب. ولا نسلم حصر المنفعة فيما ~~ذكروه، ولا حصول بعض تلك المنافع إلا بالذوق، بل قد يستدل على الطعوم بأمور ~~أخر كما هو معروف عند الطبائعيين. # ثم هو معارض بما يخاف أن تكون سموما مهلكة، ومعارضون بشبهات أصحاب الحظر. # وتوقف آخرون وقالوا: ما من فعل لا ندرك منه حسنا ولا قبحا إلا ويمكن أن ~~يكون حسنا في نفسه، ولا معين قبل ورود الشرع، فتعين الوقف إلى ورود الشرع. ~~وهذه الأقاويل الثلاثة للمعتزلة. وقد أطلق الشيخ أبو الحسن وأصحابه وأكثر ~~المالكية والصيرفي في هذه # PageV01P251 # المسألة القول بالوقف. ومعناه عندهم أن لا حكم فيها في تلك الحال، وأن ~~للشرع إذا جاء أن يحكم بما شاء، وأن العقل لا يحكم بوجوب ولا غيره وإنما ~~حظه تعرف الأمور على ما هي عليه. قال ابن عطية: وحكى ابن فورك عن ابن ~~الصائغ أنه قال: لم يخل العقل قط من السمع، ولا نازلة إلا وفيها سمع، أو ~~لها تعلق به، أو لها حال تستصحب. قال: فينبغي أن يعتمد على هذا، ويغني عن ~~النظر في حظر وإباحة ووقف. # الثالثة - الصحيح في معنى قوله تعالى: " خلق لكم ما في الأرض ms0237 " الاعتبار. ~~يدل عليه ما قبله وما بعده من نصب العبر: الاحياء والإماتة والخلق ~~والاستواء إلى السماء وتسويتها، أي الذي قدر على إحيائكم وخلقكم وخلق ~~السماوات والأرض، لا تبعد منه القدرة على الإعادة. # فإن قيل: إن معنى " لكم " الانتفاع، أي لتنتفعوا بجميع ذلك، قلنا المراد ~~بالانتفاع الاعتبار لما ذكرنا. فان قيل: وأي اعتبار في العقارب والحيات، ~~قلنا: قد يتذكر الانسان ببعض ما يرى من المؤذيات ما أعد الله للكفار في ~~النار من العقوبات فيكون سببا للايمان وترك المعاصي، وذلك أعظم الاعتبار. ~~قال ابن العربي: وليس في الاخبار بهذه القدرة عن هذه الجملة ما يقتضي حظرا ~~ولا إباحة ولا وقفا، وإنما جاء ذكر هذه الآية في معرض الدلالة والتنبيه ~~ليستدل بها على وحدانيته. # وقال أرباب المعاني في قوله: " خلق لكم ما في الأرض جميعا " لتتقووا به ~~على طاعته، لا لتصرفوه في وجوه معصيته. وقال أبو عثمان: وهب لك الكل وسخره ~~لك لتستدل به على سعة جوده، وتسكن إلى ما ضمن لك من جزيل عطائه في المعاد، ~~ولا تستكثر كثير بره على قليل عملك، فقد ابتدأك بعظيم النعم قبل العمل وهو ~~التوحيد. # الرابعة - روى زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أن ~~رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله أن يعطيه، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # (ما عندي شئ ولكن ابتع علي فإذا جاء شئ قضينا) فقال له عمر: هذا أعطيت ~~إذا كان PageV01P252 # عندك فما كلفك الله ما لا تقدر. فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم قول ~~عمر، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله، * أنفق ولا تخش من ذي العرش ~~إقلالا * فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعرف السرور في وجهه لقول ~~الأنصاري. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بذلك أمرت). قال علماؤنا ~~رحمة الله عليهم: فخوف الاقلال من سوء الظن بالله، لان الله تعالى خلق ~~الأرض بما فيها لولد آدم، وقال في تنزيله: " خلق لكم ما في الأرض ms0238 جميعا " " ~~وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه " [الجاثية: 13]. فهذه ~~الأشياء كلها مسخرة للآدمي قطعا لعذره وحجة عليه، ليكون له عبدا كما خلقه ~~عبدا، فإذا كان العبد حسن الظن بالله لم يخف الاقلال لأنه يخلف عليه، كما ~~قال تعالى: " وما أنفقتم من شئ فهو يخلقه وهو خير الرازقين (1) " [سبأ: 39] ~~وقال: " فإن ربي (2) غني كريم " [النمل: 40]، وقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال الله تعالى: " سبقت رحمتي غضبي يا بن آدم أنفق أنفق عليك يمين ~~الله ملاى (3) سحا لا يغيضها شئ الليل والنهار). # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ~~وملكان ينزلان فيقول أحدهما اللهم أعط منفقا خلفا ويقول الآخر اللهم أعط ~~ممسكا تلفا). وكذا في المساء عند الغروب يناديان أيضا، وهذا كله صحيح رواه ~~الأئمة والحمد لله. فمن استنار صدره، وعلم غنى ربه وكرمه أنفق ولم يخف ~~الاقلال، وكذلك من ماتت شهواته عن الدنيا واجتزأ باليسير من القوت المقيم ~~لمهجته، وانقطعت مشيئته لنفسه، فهذا يعطي من يسره وعسره ولا يخاف إقلالا. ~~وإنما يخاف الاقلال من له مشيئة في الأشياء، فإذا أعطي اليوم وله غدا مشيئة ~~في شئ خاف ألا يصيب غدا، فيضيق عليه الامر في نفقة اليوم لمخافة إقلاله. ~~روى مسلم عن أسماء بنت أبي بكر قالت قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~(انفحي أو انضحي (4) أو أنفقي ولا تحصى فيحصي الله عليك ولا توعى (5) فيوعى ~~عليك). وروى النسائي عن عائشة قالت: دخل علي # PageV01P253 # سائل مرة وعندي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمرت له بشئ ثم دعوت به ~~فنظرت إليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما تريدين ألا يدخل بيتك ~~شئ ولا يخرج إلا بعلمك) قلت: نعم، قال: (مهلا يا عائشة لا تحصي فيحصي الله ~~عز وجل عليك). # الخامسة: قوله تعالى: " ثم استوى " " ثم " لترتيب الاخبار لا لترتيب ~~الامر في نفسه. والاستواء في اللغة: الارتفاع والعلو على الشئ، قال الله ~~تعالى: " فإذا استويت أنت ms0239 ومن معك على الفلك " [المؤمنون: 28]، وقال " ~~لتستووا على ظهوره " [الزخرف: 13]، وقال الشاعر: # فأوردتهم ماء بفيفاء قفرة * وقد حلق النجم اليماني فاستوى أي ارتفع وعلا، ~~واستوت الشمس على رأسي واستوت الطير على قمة رأسي، بمعنى علا. # وهذه الآية من المشكلات، والناس فيها وفيما شاكلها على ثلاثة أوجه قال ~~بعضهم: نقرؤها ونؤمن بها ولا نفسرها، وذهب إليه كثير من الأئمة، وهذا كما ~~روى عن مالك رحمه الله أن رجلا سأله عن قوله تعالى: " الرحمن على العرش (1) ~~استوى " [طه: 5] قال مالك: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والايمان ~~به واجب، والسؤال عنه بدعة، وأراك رجل سوء! # أخرجوه. وقال بعضهم: نقرؤها ونفسرها على ما يحتمله ظاهر اللغة. وهذا قول ~~المشبهة. # وقال بعضهم: نقرؤها ونتأولها ونحيل حملها على ظاهرها. وقال الفراء في ~~قوله عز وجل: # " ثم استوى إلى السماء فسواهن " قال: الاستواء في كلام العرب على وجهين، ~~أحدهما: # أن يستوي الرجل وينتهي شبابه وقوته، أو يستوي عن اعوجاج. فهذان وجهان. ~~ووجه ثالث أن تقول: كان (2) فلان مقبلا على فلان ثم استوى علي وإلي ~~يشاتمني. على معنى أقبل إلي وعلي. فهذا معنى قوله: " ثم استوى إلى السماء " ~~والله أعلم. قال وقد قال ابن عباس: # ثم استوى إلى السماء صعد. وهذا كقولك: كان قاعدا فاستوى قائما، وكان ~~قائما فاستوى قاعدا، وكل ذلك في كلام العرب جائز. وقال البيهقي أبو بكر ~~أحمد بن علي بن الحسين: قوله: # PageV01P254 # " استوى " بمعنى أقبل صحيح، لان الاقبال هو القصد إلى خلق السماء، والقصد ~~هو الإرادة، وذلك جائز في صفات الله تعالى. ولفظة " ثم " تتعلق بالخلق لا ~~بالإرادة. وأما ما حكى عن ابن عباس فإنما أخذه عن تفسير الكلبي، والكلبي ~~ضعيف. وقال سفيان بن عيينة وابن كيسان في قوله " ثم استوى إلى السماء ": ~~قصد إليها، أي بخلقه واختراعه، فهذا قول. وقيل: # على دون تكييف ولا تحديد، واختاره الطبري. ويذكر عن أبي العالية الرياحي ~~في هذه الآية أنه يقال: استوى بمعنى أنه ارتفع. قال البيهقي: ومراده من ذلك ~~- والله أعلم - ارتفاع أمره، وهو بخار ms0240 الماء الذي وقع منه خلق السماء. ~~وقيل: إن المستوى الدخان. # وقال ابن عطية: وهذا يأباه وصف الكلام. وقيل: المعنى استولى، كما قال ~~الشاعر: (1) قد استوى بشر على العراق * من غير سيف ودم مهراق قال ابن عطية: ~~وهذا إنما يجئ في قوله تعالى: " الرحمن على العرش استوى " [طه: 5]. # قلت: قد تقدم في قول الفراء علي وإلي بمعنى. وسيأتي لهذا الباب مزيد بيان ~~في سورة " الأعراف (2) " إن شاء الله تعالى. والقاعدة في هذه الآية ونحوها ~~منع الحركة والنقلة. # السادسة - يظهر من هذه الآية أنه سبحانه خلق الأرض قبل السماء، وكذلك في ~~" حم السجدة (3) ". وقال في النازعات: " أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها ~~(4) " [النازعات: 27] فوصف خلقها، ثم قال: " والأرض بعد ذلك دحاها " ~~[النازعات: 30]. فكأن السماء على هذا خلقت قبل الأرض، وقال تعالى " الحمد ~~لله الذي خلق السماوات والأرض (5) " [الانعام: 1] وهذا قول قتادة: إن ~~السماء خلقت أولا، حكاه عنه الطبري. وقال مجاهد وغيره من المفسرين: إنه ~~تعالى أيبس الماء الذي كان عرشه عليه فجعله أرضا وثار منه دخان فارتفع، ~~فجعله سماء فصار خلق الأرض قبل خلق السماء، ثم قصد أمره إلى السماء فسواهن ~~سبع سماوات، ثم دحا (6) الأرض بعد ذلك، وكانت إذ خلقها غير مدحوة. # PageV01P255 # قلت: وقول قتادة يخرج على وجه صحيح إن شاء الله تعالى، وهو أن الله تعالى ~~خلق أولا دخان السماء ثم خلق الأرض، ثم استوى إلى السماء وهي دخان فسواها، ~~ثم دحا الأرض بعد ذلك. # ومما (1) يدل على أن الدخان خلق أولا قبل الأرض ما رواه السدي عن أبي ~~مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله عز وجل: " هو الذي خلق لكم ما ~~في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات " [البقرة: 29] قال: ~~إن الله تبارك وتعالى كان عرشه على الماء ولم يخلق شيئا قبل الماء، فلما ~~أراد أن يخلق الخلق أخرج من الماء دخانا فارتفع فوق الماء، فسما عليه، ms0241 ~~فسماه سماء، ثم أيبس الماء فجعله أرضا واحدة، ثم فتقها فجعلها سبع أرضين في ~~يومين، في الأحد والاثنين. فجعل الأرض على حوت - والحوت هو النون الذي ذكر ~~الله تبارك وتعالى في القرآن بقوله: " ن والقلم (2) " [القلم: 1] والحوت في ~~الماء و [الماء (3)] على صفاة (4)، والصفاة على ظهر ملك، والملك على ~~الصخرة، والصخرة في الريح - وهي الصخرة التي ذكر لقمان: ليست في السماء ولا ~~في الأرض - فتحرك الحوت فاضطرب، فتزلزلت الأرض، فأرسل عليها الجبال فقرت، ~~فالجبال تفخر على الأرض، وذلك قوله تعالى: # " وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم (5) " [النحل: 15] وخلق الجبال فيها، ~~وأقوات أهلها وشجرها، وما ينبغي لها في يومين، في الثلاثاء والأربعاء، وذلك ~~حين يقول: " قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ~~ذلك رب العالمين. وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها ~~في أربعة أيام سواء للسائلين (6) " [فصلت: 9، 10] يقول: من سأل فهكذا ~~الامر، " ثم استوى إلى السماء وهي دخان " وكان ذلك الدخان من تنفس الماء ~~حين تنفس، فجعلها سماء واحدة، ثم فتقها فجعلها سبع سماوات في يومين، في ~~الخميس والجمعة، وإنما سمي يوم الجمعة لأنه جمع # PageV01P256 # فيه خلق السماوات والأرض، " وأوحى في كل سماء أمرها " [فصلت: 12] قال: ~~خلق في كل سماء خلقها من الملائكة والخلق الذي فيها من البحار وجبال البرد ~~وما لا يعلم، ثم زين السماء الدنيا بالكواكب، فجعلها زينة وحفظا تحفظ من ~~الشياطين. فلما فرغ من خلق ما أحب استوى على العرش، قال فذلك حين يقول: " ~~خلق السماوات والأرض في ستة أيام " [الحديد: 4] ويقول: # " كانتا رتقا ففتقناهما (1) " [الأنبياء: 30] وذكر القصة في خلق آدم عليه ~~السلام، على ما يأتي بيانه في هذه السورة إن شاء الله تعالى. وروى وكيع عن ~~الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس قال: # إن أول ما خلق الله عز وجل من شئ " القلم " فقال له اكتب. فقال: يا رب ~~وما اكتب؟ # قال: اكتب القدر. فجرى بما هو كائن من ذلك اليوم إلى قيام الساعة. قال: ~~ثم خلق ms0242 النون فدحا الأرض عليها، فارتفع بخار الماء ففتق منه السماوات، ~~واضطرب النون فمادت الأرض فأثبتت بالجبال، فإن الجبال تفخر على الأرض إلى ~~يوم القيامة. ففي هذه الرواية خلق الأرض قبل ارتفاع بخار الماء الذي هو ~~الدخان، خلاف الرواية الأولى. والرواية الأولى عنه وعن غيره أولى، لقوله ~~تعالى: " والأرض بعد ذلك دحاها (2) " [النازعات: 30] والله أعلم بما فعل، ~~فقد اختلفت فيه الأقاويل، وليس للاجتهاد فيه مدخل. # وذكر أبو نعيم عن كعب الأحبار أن إبليس تغلغل إلى الحوت الذي على ظهره ~~الأرض كلها، فألقى في قلبه، فقال: هل تدري ما على ظهرك يا لوثيا من الأمم ~~والشجر والدواب والناس والجبال! لو نفضتهم ألقيتهم عن ظهرك أجمع. قال: فهم ~~لوثيا بفعل ذلك، فبعث الله دابة فدخلت في منخره، فعج إلى الله منها فخرجت. ~~قال كعب: والذي نفسي بيده، إنه لينظر إليها بين يديه وتنظر إليه إن هم بشئ ~~من ذلك عادت حيث كانت. # السابعة - أصل خلق الأشياء كلها من الماء لما رواه ابن ماجة في سننه، ~~وأبو حاتم البستي في صحيح مسنده عن أبي هريرة قال قلت: يا رسول الله، إذا ~~رأيتك طابت نفسي وقرت عيني، أنبئني عن كل شئ. قال: (كل شئ خلق من الماء) ~~فقلت: أخبرني عن # PageV01P257 # شئ إذا عملت به دخلت الجنة. قال: (أطعم الطعام وأفش السلام وصل الأرحام ~~وقم الليل والناس نيام تدخل الجنة بسلام). قال أبو حاتم قول أبي هريرة: " ~~أنبئني عن كل شئ " أراد به عن كل شئ خلق من الماء. والدليل على صحة هذا ~~جواب المصطفى عليه السلام إياه حيث قال: (كل شئ خلق من الماء) وإن لم يكن ~~مخلوقا. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه كان يحدث أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: (إن أول شئ خلقه الله القلم وأمره فكتب كل شئ يكون) ويروى ~~ذلك أيضا عن عبادة بن الصامت مرفوعا. # قال البيهقي: وإنما أراد - والله أعلم - أول شئ خلقه بعد خلق الماء ~~والريح والعرش " القلم ". وذلك بين في حديث عمران ms0243 بن حصين، ثم خلق السماوات ~~والأرض. وذكر عبد الرزاق بن عمر بن حبيب المكي عن حميد بن قيس الأعرج عن ~~طاوس قال: جاء رجل إلى عبد الله بن عمرو بن العاص فسأله: مم خلق الخلق؟ ~~قال: من الماء والنور والظلمة والريح والتراب. قال الرجل: فمم خلق هؤلاء؟ ~~قال: لا أدري. قال: ثم أتى الرجل عبد الله بن الزبير فسأله، فقال مثل قول ~~عبد الله بن عمرو. قال: فأتى الرجل عبد الله بن عباس فسأله، فقال: مم خلق ~~الخلق؟ قال: من الماء والنور والظلمة والريح والتراب. # قال الرجل: فمم خلق هؤلاء؟ فتلا عبد الله بن عباس: " وسخر لكم ما في ~~السماوات وما في الأرض جميعا منه (1) " [الجاثية: 13] فقال الرجل: ما كان ~~ليأتي بهذا إلا رجل من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. قال البيهقي: ~~أراد أن مصدر الجميع منه، أي من خلقه وإبداعه واختراعه. # خلق الماء أولا، أو الماء وما شاء من خلقه لا عن أصل ولا على مثال سبق، ~~ثم جعله أصلا لما خلق بعد، فهو المبدع وهو البارئ لا إله غيره ولا خالق ~~سواه، سبحانه عز وجل. # الثامنة - قوله تعالى: " فسواهن سبع سماوات " ذكر تعالى أن السماوات سبع. # ولم يأت للأرض في التنزيل عدد صريح لا يحتمل التأويل إلا قوله تعالى: " ~~ومن الأرض مثلهن (2) " [الطلاق: 12] وقد اختلف فيه، فقيل: ومن الأرض مثلهن ~~أي في العدد، لان الكيفية والصفة مختلفة بالمشاهدة والاخبار، فتعين العدد. ~~وقيل: " ومن الأرض مثلهن " أي في غلظهن # PageV01P258 # وما بينهن. وقيل: هي سبع إلا أنه لم يفتق بعضها من بعض، قال الداودي. ~~والصحيح الأول، وأنها سبع كالسماوات سبع. روى مسلم عن سعيد بن زيد قال سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من أخذ شبرا من الأرض ظلما طوقه إلى ~~سبع أرضين). وعن عائشة رضي الله عنها مثله، إلا أن فيه " من " بدل " إلى ". ~~ومن حديث أبي هريرة: # (لا يأخذ أحد شبرا من الأرض بغير حقه إلا طوقه الله إلى سبع أرضين [يوم ~~القيامة (1)] ". # وروى ms0244 النسائي عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~(قال موسى عليه السلام يا رب علمني شيئا أذكرك به وأدعوك به قال يا موسى قل ~~لا إله إلا الله قال موسى يا رب كل عبادك يقول هذا قال قل لا إله إلا الله ~~قال لا إله إلا أنت إنما أريد شيئا تخصني به قال يا موسى لو أن السماوات ~~السبع وعامرهن غيري والأرضين السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة مالت ~~بهن لا إله إلا الله). وروى الترمذي عن أبي هريرة قال: بينما نبي الله صلى ~~الله عليه وسلم جالس وأصحابه إذ أتى عليهم سحاب، فقال نبي الله صلى الله ~~عليه وسلم: # (هل تدرون ما هذا) فقالوا: الله ورسوله أعلم، قال: (هذا العنان هذه روايا ~~الأرض يسوقه الله إلى قوم لا يشكرونه ولا يدعونه - قال - هل تدرون ما ~~فوقكم) قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: (فإنها الرقيع (2) سقف محفوظ وموج ~~مكفوف - ثم قال - هل تدرون كم بينكم وبينها) قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ~~(بينكم وبينها [مسيرة (3)] خمسمائة عام - ثم قال: - هل تدرون ما فوق ذلك) ~~قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ([فإن فوق (3) ذلك] سماءين بعد ما بينهما ~~[مسيرة (3)] خمسمائة سنة) ثم قال كذلك حتى عد سبع سماوات ما بين كل سماءين ~~ما بين السماء والأرض. ثم قال: (هل تدرون ما فوق ذلك) قالوا: الله ورسوله ~~أعلم، قال (فإن فوق ذلك العرش وبينه وبين السماء بعد ما بين السماءين - ثم ~~قال: - هل تدرون ما الذي تحتكم) قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: (فإنها ~~الأرض - ثم قال: - هل تدرون ما تحت ذلك) قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ~~(فإن تحتها الأرض الأخرى # PageV01P259 # بينهما مسيرة خمسمائة سنة) حتى عد سبع أرضين، بين كل أرضين مسيرة خمسمائة ~~سنة، ثم قال: (والذي نفس محمد بيده لو أنكم دليتم بحبل إلى الأرض السفلى ~~لهبط على الله - ثم قرأ - هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شئ ~~عليم). قال أبو عيسى: قراءة رسول الله ms0245 صلى الله عليه وسلم الآية تدل على ~~أنه أراد: لهبط على علم الله وقدرته وسلطانه، [علم الله وقدرته وسلطانه ~~(1)] في كل مكان وهو على عرشه كما وصف نفسه في كتابه. قال: # هذا حديث غريب، والحسن لم يسمع من أبي هريرة. والآثار بأن الأرضين سبع ~~كثيرة، وفيما ذكرنا كفاية. وقد روى أبو الضحى - واسمه مسلم - عن ابن عباس ~~أنه قال: # " الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن " [الطلاق: 12] قال: سبع ~~أرضين في كل أرض نبي كنبيكم، وآدم كآدم، ونوح كنوح، وإبراهيم كإبراهيم، ~~وعيسى كعيسى. قال البيهقي: إسناد هذا عن ابن عباس صحيح، وهو شاذ بمرة لا ~~أعلم لأبي الضحى عليه دليلا (2)، والله أعلم. # التاسعة - قوله تعالى: " هو الذي خلق لكم ما في الأرض " ابتداء وخبر. " ~~ما " في موضع نصب. " جميعا " عند سيبويه نصب على الحال " ثم استوى " أهل ~~نجد يميلون ليدلوا على أنه من ذوات الياء، وأهل الحجاز يفخمون. " سبع " ~~منصوب على البدل من الهاء والنون، أي فسوى سبع سماوات. ويجوز أن يكون ~~مفعولا على تقدير يسوي بينهن سبع سماوات، كما قال الله عز وجل: " واختار ~~موسى قومه سبعين رجلا " [الأعراف: 155] أي من قومه، قال النحاس. وقال ~~الأخفش: انتصب على الحال. " وهو بكل شئ عليم " ابتداء وخبر. والأصل في " هو ~~" تحريك الهاء، والاسكان استخفاف. # والسماء تكون واحدة مؤنثة، مثل عنان، وتذكيرها شاذ، وتكون جمعا لسماوة في ~~قول الأخفش، وسماءة في قول الزجاج، وجمع الجمع سماوات وسماءات. فجاء " ~~سواهن " إما على أن السماء جمع وإما على أنها مفرد اسم جنس. ومعنى سواهن ~~سوى سطوحهن بالاملاس. # وقيل: جعلهن سواء. # PageV01P260 # العاشرة - قوله تعالى: (وهو بكل شئ عليم) أي بما خلق وهو خالق كل شئ، ~~فوجب أن يكون عالما بكل شئ، وقد قال: " ألا يعلم من خلق (1) " [الملك: 14] ~~فهو العالم والعليم بجميع المعلومات بعلم قديم أزلي واحد قائم بذاته، ~~ووافقنا المعتزلة على العالمية دون العلمية. وقالت الجهمية: عالم بعلم قائم ~~لا في محل، تعالى الله عن قول أهل الزيغ والضلالات، والرد على هؤلاء في ms0246 كتب ~~الديانات. وقد وصف نفسه سبحانه بالعلم فقال: " أنزله بعلمه والملائكة ~~يشهدون (2) " [النساء: 166]، وقال: " فاعلموا أنما أنزل بعلم الله " [هود: ~~14]، وقال: " فلنقصن عليهم بعلم " [الأعراف: 7]، وقال: " وما تحمل من أنثى ~~ولا تضع إلا بعلمه " [فاطر: 11]، وقال: " وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا ~~هو " [الانعام: 59] الآية. وسندل على ثبوت علمه وسائر صفاته في هذه السورة ~~عند قوله: " يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر (4) " [البقرة: 185] ~~إن شاء الله تعالى. وقرأ الكسائي وقالون عن نافع بإسكان الهاء من: هو وهي، ~~إذا كان قبلها فاء أو واو أو لام أو ثم، وكذلك فعل أبو عمرو إلا مع ثم. # وزاد أبو عون عن الحلواني عن قالون إسكان الهاء من " أن يمل هو " ~~والباقون بالتحريك. # قوله تعالى: وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل ~~فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما ~~لا تعلمون (30) قوله تعالى: (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض ~~خليفة) فيه سبع عشرة مسألة: # الأولى: قوله تعالى " وإذ قال ربك للملائكة " إذ وإذا حرفا توقيت، فإذ ~~للماضي، وإذا للمستقبل، وقد توضع إحداهما موضع الأخرى. وقال المبرد: إذا ~~جاء " إذ " مع مستقبل كان معناه ماضيا، نحو قوله: " وإذ يمكر بك " ~~[الأنفال: 30] " وإذ تقول للذي أنعم الله عليه " [الأحزاب: 37] معناه إذ ~~مكروا، وإذ قلت. وإذا جاء " إذا " مع الماضي كان معناه مستقبلا، كقوله ~~تعالى: " فإذا جاءت الطامة " [النازعات: 34] " فإذا جاءت الصاخة " [عبس: ~~33] و " إذا جاء نصر الله " [النصر: 1] # PageV01P261 # أي يجئ. وقال معمر بن المثنى أبو عبيدة: " إذ " زائدة، والتقدير: وقال ~~ربك، واستشهد بقول الأسود بن يعفر: # فإذ (1) وذلك لا مهاة لذكره * والدهر يعقب صالحا بفساد وأنكر هذا القول ~~الزجاج والنحاس وجميع المفسرين. قال النحاس: وهذا خطأ، لان " إذ " اسم وهي ~~ظرف زمان ليس مما تزاد. وقال الزجاج: هذا اجترام من أبي عبيدة، ذكر الله عز ~~وجل خلق الناس وغيرهم، فالتقدير وابتدأ خلقكم إذ قال، فكان هذا من المحذوف ~~الذي دل ms0247 عليه الكلام، كما قال: # فإن المنية من يخشها * فسوف تصادفه أينما يريد أينما ذهب. ويحتمل أن تكون ~~متعلقة بفعل مقدر تقديره واذكر إذ قال. وقيل: # هو مردود إلى قوله تعالى: " اعبدوا ربكم الذي خلقكم " [البقرة: 21] ~~فالمعنى الذي خلقكم إذ قال ربك للملائكة. وقول الله تعالى وخطابه للملائكة ~~متقرر قديم في الأزل بشرط وجودهم وفهمهم. # وهكذا الباب كله في أوامر الله تعالى ونواهيه ومخاطباته. وهذا مذهب الشيخ ~~أبي الحسن الأشعري، وهو الذي ارتضاه أبو المعالي. وقد أتينا عليه في كتاب ~~الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى وصفات الله العلى. # والرب: المالك والسيد والمصلح والجابر، وقد تقدم (2) بيانه. # الثانية: قوله تعالى " للملائكة " الملائكة واحدها ملك. قال ابن كيسان ~~وغيره: # وزن ملك فعل من الملك. وقال أبو عبيدة، هو مفعل من لاك إذا أرسل. ~~والألوكة والمألكة والمألكة: الرسالة، قال لبيد: # وغلام أرسلته أمه * بألوك فبذلنا ما سأل وقال آخر (3): # أبلغ النعمان عني مالكا * إنني قد طال حبسي وانتظاري # PageV01P262 # ويقال: ألكني أي أرسلني، فأصله على هذا مالك، الهمزة فاء الفعل فإنهم ~~قلبوها إلى عينه فقالوا: ملاك، ثم سهلوه فقالوا ملك. وقيل أصله ملاك من ملك ~~يملك، نحو شمال من شمل، فالهمزة زائدة عن ابن كيسان أيضا، وقد تأتي في ~~الشعر على الأصل، قال الشاعر: # فلست لإنسي ولكن لملاك * تنزل من جو السماء يصوب وقال النضر بن شميل. لا ~~اشتقاق للملك عند العرب. والهاء في الملائكة تأكيد لتأنيث الجمع، ومثله ~~الصلادمة. والصلادم: الخيل الشداد، واحدها صلدم. وقيل: هي للمبالغة، كعلامة ~~ونسابة. وقال أرباب المعاني: خاطب الله الملائكة لا للمشورة ولكن لاستخراج ~~ما فيهم من رؤية الحركات والعبادة والتسبيح والتقديس، ثم ردهم إلى قيمتهم، ~~فقال عز وجل: # " اسجدوا لآدم " [البقرة: 34]. # الثالثة: قوله تعالى: " إني جاعل في الأرض خليفة " " جاعل " هنا بمعنى ~~خالق، ذكره الطبري عن أبي روق، ويقضي بذلك تعديها إلى مفعول واحد، وقد ~~تقدم. والأرض قيل إنها مكة. روى ابن سابط عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~(دحيت الأرض من مكة) ولذلك سميت أم ms0248 القرى، قال: وقبر نوح وهود وصالح وشعيب ~~بين زمزم والركن والمقام. و " خليفة " يكون بمعنى فاعل، أي يخلف من كان ~~قبله من الملائكة في الأرض، أو من كان قبله من غير الملائكة على ما روى. ~~ويجوز أن يكون " خليفة " بمعنى مفعول أي مخلف، كما يقال: ذبيحة بمعنى ~~مفعولة. والخلف (بالتحريك) من الصالحين، وبتسكينها من الطالحين، هذا هو ~~المعروف، وسيأتي له مزيد بيان في " الأعراف (1) " إن شاء الله. و " خليفة " ~~بالفاء قراءة الجماعة، إلا ما روي عن زيد بن علي فإنه قرأ " خليقة " ~~بالقاف. والمعنى بالخليفة هنا - في قول ابن مسعود وابن عباس وجميع أهل ~~التأويل - آدم عليه السلام، وهو خليفة الله في إمضاء أحكامه وأوامره، لأنه ~~أول رسول إلى الأرض، كما في حديث أبي ذر، قال قلت: # يا رسول الله أنبيا كان مرسلا؟ قال: (نعم) الحديث ويقال: لمن كان رسولا ~~ولم يكن # PageV01P263 # في الأرض أحد؟ فيقال: كان رسولا إلى ولده، وكانوا أربعين ولدا في عشرين ~~بطنا في كل بطن ذكر وأنثى، وتوالدوا حتى كثروا، كما قال الله تعالى: " ~~خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء (1) " ~~[النساء: 1]. وأنزل عليهم تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير. # وعاش تسعمائة وثلاثين سنة، هكذا ذكر أهل التوراة. وروي عن وهب بن منبه ~~أنه عاش ألف سنة، والله أعلم. # الرابعة - هذه الآية أصل في نصب إمام وخليفة يسمع له ويطاع، لتجتمع به ~~الكلمة، وتنفذ به أحكام الخليفة. ولا خلاف في وجوب ذلك بين الأمة ولا بين ~~الأئمة إلا ما روي عن الأصم (2) حيث كان عن الشريعة أصم، وكذلك كل من قال ~~بقوله واتبعه على رأيه ومذهبه، قال: إنها غير واجبة في الدين بل يسوغ ذلك، ~~وأن الأمة متى أقاموا حجهم وجهادهم، وتناصفوا فيما بينهم، وبذلوا الحق من ~~أنفسهم، وقسموا الغنائم والفئ والصدقات على أهلها، وأقاموا الحدود على من ~~وجبت عليه، أجزأهم ذلك، ولا يجب عليهم أن ينصبوا إماما يتولى ذلك. ودليلنا ~~قول الله تعالى: " إني جاعل في الأرض خليفة " [البقرة: 30]، وقوله تعالى: ms0249 # " يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض " [ص: 26]، وقال: " وعد الله الذين ~~آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض " [النور: 55] أي يجعل ~~منهم خلفاء، إلى غير ذلك من الآي. # وأجمعت الصحابة على تقديم الصديق بعد اختلاف وقع بين المهاجرين والأنصار ~~في سقيفة بني ساعدة في التعيين، حتى قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، ~~فدفعهم أبو بكر وعمر والمهاجرون عن ذلك، وقالوا لهم: إن العرب لا تدين إلا ~~لهذا الحي من قريش، ورووا لهم الخبر في ذلك، فرجعوا وأطاعوا لقريش. فلو كان ~~فرض الإمامة غير واجب لا في قريش ولا في غيرهم لما ساغت هذه المناظرة ~~والمحاورة عليها، ولقال قائل: إنها ليست بواجبة لا في قريش ولا في غيرهم، ~~فما لتنازعكم وجه ولا فائدة في أمر ليس بواجب ثم إن الصديق رضي الله عنه ~~لما حضرته الوفاة عهد إلى عمر في الإمامة، ولم يقل له أحد هذا أمر غير # PageV01P264 # واجب علينا ولا عليك، فدل على وجوبها وأنها ركن من أركان الدين الذي به ~~قوام المسلمين، والحمد لله رب العالمين. # وقالت الرافضة: يجب نصبه عقلا، وإن السمع إنما ورد على جهة التأكيد لقضية ~~العقل، فأما معرفة الامام فإن ذلك مدرك من جهة السمع دون العقل. وهذا فاسد، ~~لان العقل لا يوجب ولا يحظر ولا يقبح ولا يحسن، وإذا كان كذلك ثبت أنها ~~واجبة من جهة الشرع لا من جهة العقل، وهذا واضح. # فإن قيل وهي: # الخامسة - إذا سلم أن طريق وجوب الإمامة السمع، فحبرونا هل يجب من جهة ~~السمع بالنص على الامام من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم، أم من جهة ~~اختيار أهل الحل والعقد له، أم بكمال خصال الأئمة فيه، ودعاؤه مع ذلك إلى ~~نفسه كاف فيه؟. # فالجواب أن يقال: اختلف الناس في هذا الباب، فذهبت الإمامية وغيرها إلى ~~أن الطريق الذي يعرف به الامام هو النص من الرسول عليه السلام ولا مدخل ~~للاختيار فيه. وعندنا: # النظر طريق إلى معرفة الامام، وإجماع أهل الاجتهاد طريق أيضا إليه، ~~وهؤلاء الذين قالوا ms0250 لا طريق إليه إلا النص بنوه على أصلهم أن القياس والرأي ~~والاجتهاد باطل لا يعرف به شئ أصلا، وأبطلوا القياس أصلا وفرعا. ثم اختلفوا ~~على ثلاث فرق: فرقة تدعي النص على أبي بكر، وفرقة تدعي النص على العباس، ~~وفرقة تدعي النص على علي بن أبي طالب رضي الله عنهم. # والدليل على فقد النص وعدمه على إمام بعينه هو أنه صلى الله عليه وسلم لو ~~فرض على الأمة طاعة إمام بعينه بحيث لا يجوز العدول عنه إلى غيره لعلم ذلك، ~~لاستحالة تكليف الأمة بأسرها طاعة الله في غير معين، ولا سبيل لهم إلى ~~العلم بذلك التكليف، وإذا وجب العلم به لم يخل ذلك العلم من أن يكون طريقه ~~أدلة العقول أو الخبر، وليس في العقل ما يدل على ثبوت الإمامة لشخص معين، ~~وكذلك ليس في الحبر ما يوجب العلم بثبوت إمام معين، لان ذلك الخبر إما أن ~~يكون تواترا أوجب العلم ضرورة أو استدلالا، أو يكون من أخبار الآحاد، ولا ~~يجوز أن يكون PageV01P265 # طريقه التواتر الموجب للعلم ضرورة أو دلالة، إذ لو كان كذلك لكان كل مكلف ~~يجد من نفسه العلم بوجوب الطاعة لذلك المعين وأن ذلك من دين الله عليه، كما ~~أن كل مكلف علم أن من دين الله الواجب عليه خمس صلوات، وصوم رمضان، وحج ~~البيت ونحوها، ولا أحد يعلم ذلك من نفسه ضرورة، فبطلت هذه الدعوى، وبطل أن ~~يكون معلوما بأخبار الآحاد لاستحالة وقوع العلم به. وأيضا فإنه لو وجب ~~المصير إلى نقل النص على الامام بأي وجه كان، وجب إثبات إمامة أبي بكر ~~والعباس، لان لكل واحد منهما قوما ينقلون النص صريحا في إمامته، وإذا بطل ~~إثبات الثلاثة بالنص في وقت واحد - على ما يأتي بيانه - كذلك الواحد، إذ ~~ليس أحد الفرق أولى بالنص من الآخر. وإذا بطل ثبوت النص لعدم الطريق الموصل ~~إليه ثبت الاختيار والاجتهاد. فإن تعسف متعسف وادعى التواتر والعلم الضروري ~~بالنص فينبغي أن يقابلوا على الفور بنقيض دعواهم في النص على أبي بكر ms0251 ~~وبأخبار في ذلك كثيرة تقوم أيضا في جملتها مقام النص، ثم لا شك في تصميم من ~~عدا الامامية على نفي النص، وهم الخلق الكثير والجم الغفير. والعلم الضروري ~~لا يجتمع على نفيه من ينحط عن معشار أعداد مخالفي الامامية، ولو جاز رد ~~الضروري في ذلك لجاز أن ينكر طائفة بغداد والصين الأقصى وغيرهما. # السادسة - في رد الأحاديث التي احتج بها الامامية في النص على علي رضي ~~الله عنه، وأن الأمة كفرت بهذا النص وارتدت، وخالفت أمر الرسول عنادا، منها ~~قوله عليه السلام: # (من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه). قالوا: ~~والمولى في اللغة بمعنى أولى، فلما قال: (فعلي مولاه) بفاء التعقيب علم أن ~~المراد بقوله " مولى " أنه أحق وأولى. فوجب أن يكون أراد بذلك الإمامة وأنه ~~مفترض الطاعة، وقوله عليه السلام لعلي: # (أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي). قالوا: ومنزلة ~~هارون معروفة، وهو أنه كان مشاركا له في النبوة ولم يكن ذلك لعلي، وكان أخا ~~له ولم يكن ذلك لعلي، وكان خليفة، فعلم أن المراد به الخلافة، إلى غير ذلك ~~مما احتجوا به على ما يأتي ذكره في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى. ~~PageV01P266 # والجواب عن الحديث الأول: أنه ليس بمتواتر، وقد اختلف في صحته، وقد طعن ~~فيه أبو داود السجستاني وأبو حاتم الرازي، واستدلا على بطلانه بأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: (مزينة وجهينة وغفار وأسلم موالي دون الناس كلهم ~~ليس لهم مولى دون الله ورسوله). # قالوا: فلو كان قد قال: (من كنت مولاه فعلي مولاه) لكان أحد الخبرين ~~كذبا. # جواب ثان - وهو أن الخبر وإن كان صحيحا رواه ثقة عن ثقة فليس فيه ما يدل ~~على إمامته، وإنما يدل على فضيلته، وذلك أن المولى بمعنى الولي، فيكون معنى ~~الخبر: من كنت وليه فعلي وليه، قال الله تعالى: " فإن الله هو مولاه " ~~[التحريم: 4] أي وليه. وكان المقصود من الخبر أن يعلم الناس أن ظاهر علي ~~كباطنه، وذلك فضيلة ms0252 عظيمة لعلي. # جواب ثالث - وهو أن هذا الخبر ورد على سبب، وذلك أن أسامة وعليا اختصما، ~~فقال علي لأسامة: أنت مولاي. فقال: لست مولاك، بل أنا مولى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (من كنت مولاه فعلي ~~مولاه). # جواب رابع: وهو أن عليا عليه السلام لما قال للنبي صلى الله عليه وسلم في ~~قصة الإفك في عائشة رضي الله عنها: النساء سواها كثير. شق ذلك عليها، فوجد ~~أهل النفاق مجالا فطعنوا عليه وأظهروا البراءة منه، فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم هذا المقال ردا لقولهم، وتكذيبا لهم فيما قدموا عليه من البراءة ~~منه والطعن فيه، ولهذا ما روي عن جماعة من الصحابة أنهم قالوا: ما كنا نعرف ~~المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ببغضهم لعلي عليه ~~السلام. وأما الحديث الثاني فلا خلاف أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد ~~بمنزلة هارون من موسى الخلافة بعده، ولا خلاف أن هارون مات قبل موسى عليهما ~~السلام - على ما يأتي من بيان وفاتيهما في سورة " المائدة (1) " - وما كان ~~خليفة بعده وإنما كان الخليفة يوشع بن نون، فلو أراد بقوله: (أنت مني ~~بمنزلة هارون من موسى) الخلافة لقال: أنت مني بمنزلة يوشع من موسى، فلما لم ~~يقل هذا دل على أنه لم يرد هذا، وإنما أراد أني استخلفتك على أهلي في حياتي ~~وغيبوبتي عن أهلي، كما كان هارون خليفة موسى على قومه لما خرج إلى مناجاة # PageV01P267 # ربه. وقد قيل: إن هذا الحديث خرج على سبب، وهو أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لما خرج إلى غزوة تبوك استخلف عليا عليه السلام في المدينة على أهله ~~وقومه، فأرجف به أهل النفاق وقالوا: إنما خلفه بغضا وقلى له، فخرج علي فلحق ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم وقال له: # إن المنافقين قالوا كذا وكذا! فقال: (كذبوا بل خلفتك كما خلف موسى ~~هارون). وقال: # (أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى). وإذا ثبت أنه ms0253 أراد ~~الاستخلاف على زعمهم فقد شارك عليا في هذه الفضيلة غيره، لان النبي صلى ~~الله عليه وسلم استخلف في كل غزاة غزاها رجلا من أصحابه، منهم: ابن أم ~~مكتوم، ومحمد بن مسلمة وغيرهما من أصحابه، على أن مدار هذا الخبر على سعد ~~بن أبي وقاص وهو خبر واحد. وروي في مقابلته لأبي بكر وعمر ما هو أولى منه. ~~وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أنفذ معاذ بن جبل إلى اليمن قيل له: ~~ألا تنفذ أبا بكر وعمر؟ فقال: (إنهما لا غنى بي عنهما إن منزلتهما مني ~~بمنزلة السمع والبصر من الرأس). وقال: (هما وزيراي في أهل الأرض). وروي عنه ~~عليه السلام أنه قال: (أبو بكر وعمر بمنزلة هارون من موسى). وهذا الخبر ورد ~~ابتداء، وخبر علي ورد على سبب، فوجب أن يكون أبو بكر أولى منه بالإمامة، ~~والله أعلم. # السابعة: واختلف فيما يكون به الامام إماما وذلك في ثلاث طرق، أحدها: ~~النص، وقد تقدم الخلاف فيه، وقال به أيضا الحنابلة وجماعة من أصحاب الحديث ~~والحسن البصري وبكر ابن أخت عبد الواحد وأصحابه وطائفة من الخوارج. وذلك أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم نص على أبي بكر بالإشارة، وأبو بكر على عمر. فإذا ~~نص المستخلف على واحد معين كما فعل الصديق، أو على جماعة كما فعل عمر، وهو ~~الطريق الثاني، ويكون التخيير إليهم في تعيين واحد منهم كما فعل الصحابة ~~رضي الله عنهم [في تعيين (1) عثمان بن عفان رضي الله عنه]. الطريق الثالث: ~~إجماع أهل الحل والعقد، وذلك أن الجماعة في مصر من أمصار المسلمين إذا مات ~~إمامهم ولم يكن لهم إمام ولا استخلف فأقام أهل ذلك المصر الذي هو حضرة ~~الامام وموضعه إماما لأنفسهم اجتمعوا عليه ورضوه فإن كل من خلفهم وأمامهم ~~من المسلمين في الآفاق يلزمهم الدخول في طاعة ذلك الامام، إذا لم يكن ~~الامام معلنا بالفسق والفساد، لأنها دعوة # PageV01P268 # محيطة بهم تجب إجابتها ولا يسع أحد التخلف عنها لما في إقامة إمامين من ~~اختلاف الكلمة وفساد ms0254 ذات البين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاث ~~لا يغل (1) عليهن قلب مؤمن إخلاص العمل لله ولزوم الجماعة ومناصحة ولاة ~~الامر فإن دعوة المسلمين من ورائهم محيطة). # الثامنة: فإن عقدها واحد من أهل الحل والعقد فذلك ثابت ويلزم الغير فعله، ~~خلافا لبعض الناس حيث قال: لا تنعقد إلا بجماعة من أهل الحل والعقد ودليلنا ~~أن عمر رضي الله عنه عقد البيعة لأبي بكر ولم ينكر أحد من الصحابة ذلك، ~~ولأنه عقد فوجب ألا يفتقر إلى عدد يعقدونه كسائر العقود. قال الإمام أبو ~~المعالي: من انعقدت له الإمامة بعقد واحد فقد لزمت، ولا يجوز خلعه من غير ~~حدث وتغير أمر، قال: وهذا مجمع عليه. # التاسعة: فإن تغلب من له أهلية الإمامة وأخذها بالقهر والغلبة فقد قيل إن ~~ذلك يكون طريقا رابعا، وقد سئل سهل بن عبد الله التستري: ما يجب علينا لمن ~~غلب على بلادنا وهو إمام؟ قال: تجيبه وتؤدي إليه ما يطالبك من حقه، ولا ~~تنكر فعاله ولا تفر منه، وإذا ائتمنك على سر من أمر الدين لم تفشه. وقال ~~ابن خويز منداد: ولو وثب على الامر من يصلح له من غير مشورة ولا اختيار ~~وبايع له الناس تمت له البيعة، والله أعلم. # العاشرة: واختلف في الشهادة على عقد الإمامة، فقال بعض أصحابنا: إنه لا ~~يفتقر إلى الشهود، لان الشهادة لا تثبت إلا بسمع قاطع، وليس ها هنا سمع ~~قاطع يدل على إثبات الشهادة. ومنهم من قال: يفتقر إلى شهود، فمن قال بهذا ~~احتج بأن قال: لو لم تعقد فيه الشهادة أدى إلى أن يدعى كل مدع (2) أنه عقد ~~له سرا، وتؤدي إلى الهرج والفتنة، فوجب أن تكون الشهادة معتبرة ويكفي فيها ~~شاهدان، خلافا للجبائي حيث قال باعتبار أربعة شهود وعاقد ومعقود له، لان ~~عمر حيث جعلها شورى (3) في ستة دل على ذلك. ودليلنا أنه لا خلاف بيننا # PageV01P269 # وبينه أن شهادة الاثنين معتبرة، وما زاد مختلف فيه ولم يدل عليه الدليل ~~فيجب ألا يعتبر. # الحادية عشرة: في شرائط ms0255 الامام، وهي أحد عشر: # الأول: أن يكون من صميم قريش، لقوله صلى الله عليه وسلم: (الأئمة من ~~قريش). # وقد اختلف في هذا الثاني: أن يكون ممن يصلح أن يكون قاضيا من قضاة ~~المسلمين مجتهدا لا يحتاج إلى غيره في الاستفتاء في الحوادث، وهذا متفق ~~عليه. # الثالث: أن يكون ذا خبرة ورأي حصيف بأمر الحرب وتدبير الجيوش وسد الثغور ~~وحماية البيضة (1) وردع الأمة والانتقام من الظالم والاخذ للمظلوم. # الرابع: أن يكون ممن لا تلحقه رقة في إقامة الحدود ولا فزع من ضرب الرقاب ~~ولا قطع الابشار. والدليل على هذا كله إجماع الصحابة رضي الله عنهم، لأنه ~~لا خلاف بينهم أنه لا بد من أن يكون ذلك كله مجتمعا فيه، ولأنه هو الذي ~~يولي القضاة والحكام، وله أن يباشر الفصل والحكم، ويتفحص أمور خلفائه ~~وقضاته، ولن يصلح لذلك كله إلا من كان عالما بذلك كله قيما به. والله أعلم. # الخامس: أن يكون حرا، ولا خفاء باشتراط حرية الامام وإسلامه وهو السادس. # السابع: أن يكون ذكرا، سليم الأعضاء وهو الثامن. وأجمعوا على أن المرأة ~~لا يجوز أن تكون إماما وإن اختلفوا في جواز كونها قاضية فيما تجوز شهادتها ~~فيه. # التاسع والعاشر: أن يكون بالغا عاقلا، ولا خلاف في ذلك. # الحادي عشر: أن يكون عدلا، لأنه لا خلاف بين الأمة أنه لا يجوز أن تعقد ~~الإمامة لفاسق، ويجب أن يكون من أفضلهم في العلم، لقوله عليه السلام: ~~(أئمتكم شفعاؤكم فانظروا # PageV01P270 # بمن تستشفعون). وفي التنزيل في وصف طالوت: " إن الله اصطفاه عليكم وزاده ~~بسطة في العلم والجسم (1) " [البقرة: 247] فبدأ بالعلم ثم ذكر ما يدل على ~~القوة وسلامة الأعضاء. وقوله: " اصطفاه " معناه اختاره، وهذا يدل على شرط ~~النسب. وليس من شرطه أن يكون معصوما من الزلل والخطأ، ولا عالما بالغيب، ~~ولا أفرس الأمة ولا أشجعهم، ولا أن يكون من بني هاشم فقط دون غيرهم من ~~قريش، فإن الاجماع قد انعقد على إمامة أبي بكر وعثمان وليسوا من بني هاشم. # الثانية عشرة: يجوز نصب المفضول مع وجود ms0256 الفاضل خوف الفتنة وألا يستقيم ~~أمر الأمة، وذلك أن الامام إنما نصب لدفع العدو وحماية البيضة وسد الخلل ~~واستخراج الحقوق وإقامة الحدود وجباية الأموال لبيت المال وقسمتها على ~~أهلها. فإذا خيف بإقامة الأفضل الهرج والفساد وتعطيل الأمور التي لأجلها ~~ينصب الامام كان ذلك عذرا ظاهرا في العدول عن الفاضل إلى المفضول، ويدل على ~~ذلك أيضا علم عمر وسائر الأمة وقت الشورى بأن الستة فيهم فاضل ومفضول، وقد ~~أجاز العقد لكل واحد منهم إذا أدى المصلحة إلى ذلك واجتمعت كلمتهم عليه من ~~غير إنكار أحد عليهم، والله أعلم. # الثالثة عشر: الامام إذا نصب ثم فسق بعد انبرام العقد فقال الجمهور: إنه ~~تنفسخ إمامته ويخلع بالفسق الظاهر المعلوم، لأنه قد ثبت أن الامام إنما ~~يقام لإقامة الحدود واستيفاء الحقوق وحفظ أموال الأيتام والمجانين والنظر ~~في أمورهم إلى غير ذلك مما تقدم ذكره، وما فيه من الفسق يقعده عن القيام ~~بهذه الأمور والنهوض بها. فلو جوزنا أن يكون فاسقا أدى إلى إبطال ما أقيم ~~لأجله، ألا ترى في الابتداء إنما لم يجز أن يعقد للفاسق لأجل أنه يؤدي إلى ~~إبطال ما أقيم له، وكذلك هذا مثله. وقال آخرون: لا ينخلع إلا بالكفر أو ~~بترك إقامة الصلاة أو الترك إلى دعائها أو شئ من الشريعة، لقوله عليه ~~السلام في حديث عبادة: # (وألا ننازع الامر أهله [قال (2)] إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله ~~فيه برهان). # PageV01P271 # وفي حديث عوف بن مالك: (لا ما أقاموا فيكم الصلاة) الحديث. أخرجهما مسلم. ~~وعن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنه يستعمل عليكم أمراء ~~فتعرفون وتنكرون فمن كره فقد برئ ومن أنكر فقد سلم ولكن من رضي وتابع - ~~قالوا: يا رسول الله ألا نقاتلهم؟ # قال: - لا ما صلوا). أي من كره بقلبه وأنكر بقلبه. أخرجه أيضا مسلم. # الرابعة عشرة: ويجب عليه أن يخلع نفسه إذا وجد في نفسه نقصا يؤثر في ~~الإمامة. # فأما إذا لم يجد نقصا فهل له أن يعزل نفسه ويعقد لغيره؟ اختلف ms0257 الناس فيه، ~~فمنهم من قال: ليس له أن يفعل ذلك وإن فعل لم تنخلع إمامته. ومنهم من قال: ~~له أن يفعل ذلك. # والدليل على أن الامام إذا عزل نفسه انعزل قول أبي بكر الصديق رضي الله ~~عنه: أقيلوني أقيلوني. وقول الصحابة: لا نقيلك ولا نستقيلك، قدمك رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لديننا فمن ذا يؤخرك! رضيك رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لديننا فلا نرضاك! فلو لم يكن له أن يفعل ذلك لأنكرت الصحابة ذلك عليه ~~ولقالت له: ليس لك أن تقول هذا، وليس لك أن تفعله. فلما أقرته الصحابة على ~~ذلك علم أن للامام أن يفعل ذلك، ولأن الامام ناظر للغيب (1) فيجب أن يكون ~~حكمه حكم الحاكم، والوكيل إذا عزل نفسه. فإن الامام هو وكيل الأمة ونائب ~~عنها، ولما اتفق على أن الوكيل والحاكم وجميع من ناب عن غيره في شئ له أن ~~يعزل نفسه، وكذلك الامام يجب أن يكون مثله. والله أعلم. # الخامسة عشرة: إذا انعقدت الإمامة باتفاق أهل الحل والعقد أو بواحد على ~~ما تقدم وجب على الناس كافة مبايعته على السمع والطاعة، وإقامة كتاب الله ~~وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. ومن تأبى عن البيعة لعذر عذر، ومن تأبى ~~لغير عذر جبر وقهر، لئلا تفترق كلمة المسلمين. وإذا بويع لخليفتين فالخليفة ~~الأول وقتل الآخر، واختلف في قتله هل هو محسوس أو معنى فيكون عزله قتله ~~وموته. والأول أظهر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # (إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما). رواه أبو سعيد الخدري أخرجه ~~مسلم. # PageV01P272 # وفي حديث عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمعه يقول: ~~(ومن بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه أن استطاع فإن جاء آخر ~~ينازعه فاضربوه عنق الآخر). # رواه مسلم أيضا، ومن حديث عرفجة: (فاضربوه بالسيف كائنا من كان). وهذا ~~أدل دليل على منع إقامة إمامين، ولأن ذلك يؤدي إلى النفاق والمخالفة ~~والشقاق وحدوث الفتن وزوال النعم، لكن إن تباعدت الأقطار وتباينت كالأندلس ms0258 ~~وخراسان جاز ذلك، على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. # السادسة عشرة: لو خرج خارجي على إمام معروف العدالة وجب على الناس جهاده، ~~فإن كان الامام فاسقا والخارجي مظهر للعدل لم ينبغ للناس أن يسرعوا إلى ~~نصرة الخارجي حتى يتبين أمره فيما يظهر من العدل، أو تتفق كلمة الجماعة على ~~خلع الأول، وذلك أن كل من طلب مثل هذا الامر أظهر من نفسه الصلاح حتى إذا ~~تمكن رجع إلى عادته من خلاف ما أظهر. # السابعة عشرة: فأما إقامة إمامين أو ثلاثة في عصر واحد وبلد واحد فلا ~~يجوز إجماعا لما ذكرنا. قال الإمام أبو المعالي: ذهب أصحابنا إلى منع عقد ~~الإمامة لشخصين في طرفي العالم، ثم قالوا: لو اتفق عقد الإمامة لشخصين نزل ~~ذلك منزلة تزويج وليين امرأة واحدة من زوجين من غير أن يشعر أحدهما بعقد ~~الآخر. قال: والذي عندي فيه أن عقد الإمامة لشخصين في صقع واحد متضايق ~~الخطط والمخاليف (1) غير جائز وقد حصل الاجماع عليه. # فأما إذا بعد المدى وتخلل بين الامامين شسوع النوى فللاحتمال في ذلك مجال ~~وهو خارج عن القواطع. وكان الأستاذ أبو إسحاق يجوز ذلك في إقليمين متباعدين ~~غاية التباعد لئلا تتعطل حقوق الناس وأحكامهم. وذهبت الكرامية إلى جواز نصب ~~إمامين من غير تفصيل، ويلزمهم إجازة ذلك في بلد واحد، وصاروا إلى أن عليا ~~ومعاوية كانا إمامين. قالوا: وإذا كانا اثنين في بلدين أو ناحيتين كان كل ~~واحد منهما أقوم بما في يديه وأضبط لما يليه، ولأنه # PageV01P273 # لما جاز بعثة نبيين في عصر واحد ولم يؤد ذلك إلى إبطال النبوة كانت ~~الإمامة أولى، ولا تؤدي ذلك إلى إبطال الإمامة. والجواب أن ذلك جائز لولا ~~منع الشرع منه، لقوله: (فاقتلوا الآخر منهما) ولأن الأمة عليه. وأما معاوية ~~فلم يدع الإمامة لنفسه وإنما ادعى ولاية الشام بتولية من قبله من الأئمة. ~~ومما يدل على هذا إجماع الأمة في عصرهما على أن الامام أحدهما، ولا قال ~~أحدهما إني إمام ومخالفي إمام. فإن قالوا: العقل لا يحيل ms0259 ذلك وليس في السمع ~~ما يمنع منه. وقلنا: أقوى السمع الاجماع، وقد وجد على المنع. # قوله تعالى: (قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها) قد علمنا قطعا أن الملائكة ~~لا تعلم إلا ما أعلمت ولا تسبق بالقول، وذلك عام في جميع الملائكة، لان ~~قوله: " لا يسبقونه بالقول " خرج على جهة المدح لهم، فكيف قالوا: " أتجعل ~~فيها من يفسد فيها "؟ فقيل: المعنى أنهم لما سمعوا لفظ خليفة فهموا أن في ~~بني آدم من يفسد، إذ الخليفة المقصود منه الاصلاح وترك الفساد، لكن عمموا ~~الحكم على الجميع بالمعصية، فبين الرب تعالى أن فيهم من يفسد ومن لا يفسد ~~فقال تطييبا لقلوبهم: " إني أعلم " وحقق ذلك بأن علم آدم الأسماء، وكشف لهم ~~عن مكنون علمه. وقيل: إن الملائكة قد رأت وعلمت ما كان من إفساد الجن ~~وسفكهم الدماء. وذلك لان الأرض كان فيها الجن قبل خلق آدم فأفسدوا وسفكوا ~~الدماء، فبعث الله إليهم إبليس في جند من الملائكة فقتلهم وألحقهم بالبحار ~~ورؤوس الجبال، فمن حينئذ دخلته العزة. فجاء قولهم: " أتجعل فيها " على جهة ~~الاستفهام المحض: هل هذا الخليفة على طريقة من تقدم من الجن أم لا؟ قال ~~أحمد بن يحيى ثعلب. وقال ابن زيد وغيره. إن الله تعالى أعلمهم أن الخليفة ~~سيكون من ذريته قوم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء، فقالوا لذلك هذه ~~المقالة، إما على طريق التعجب من استخلاف الله من يعصيه أو من عصيان الله ~~من يستخلفه في أرضه وينعم عليه بذلك، وإما على طريق الاستعظام والاكبار ~~للفصلين جميعا: الاستخلاف والعصيان. وقال قتادة: كان الله أعلمهم أنه إذا ~~جعل في الأرض خلقا أفسدوا وسفكوا الدماء، فسألوا حين قال تعالى: " إني جاعل ~~في الأرض خليفة " أهو الذي أعلمهم أم غيره. PageV01P274 # وهذا قول حسن، رواه عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن قتادة في قوله " ~~أتجعل فيها من يفسد فيها " قال: كان الله أعلمهم أنه إذا كان في الأرض خلق ~~أفسدوا فيها وسفكوا الدماء، فلذلك قالوا: " أتجعل فيها من يفسد فيها ". وفي ~~الكلام حذف على ms0260 مذهبه، والمعنى إني جاعل في الأرض خليفة يفعل كذا ويفعل ~~كذا، فقالوا: أتجعل فيها الذي أعلمتناه أم غيره؟ # والقول الأول أيضا حسن جدا، لان فيه استخراج العلم واستنباطه من مقتضى ~~الألفاظ وذلك لا يكون إلا من العلماء، وما بين القولين حسن، فتأمله. وقد ~~قيل: إن سؤاله تعالى للملائكة بقوله: (كيف تركتم عبادي) - على ما ثبت في ~~صحيح مسلم وغيره - إنما هو على جهة التوبيخ لمن قال: أتجعل فيها، وإظهار ~~لما سبق في معلومه إذ قال لهم: " إني أعلم ما لا تعلمون ". # قوله: " من يفسد فيها " " من " في موضع نصب على المفعول بتجعل والمفعول ~~الثاني يقوم مقامه " فيها ". " يفسد " على اللفظ، ويجوز في غير القرآن ~~يفسدون على المعنى. وفي التنزيل: # " ومنهم من يستمع إليك " [الانعام: 25] على اللفظ، " ومنهم من يستمعون " ~~على المعنى. (ويسفك) عطف عليه، ويجوز فيه الوجهان. وروى أسيد عن الأعرج أنه ~~قرأ: " ويسفك الدماء " بالنصب، يجعله جواب الاستفهام بالواو كما قال (1): # ألم أك جاركم وتكون بيني * وبينكم المودة والاخاء والسفك: الصب. سفكت ~~الدم أسفكه سفكا: صببته، وكذلك الدمع، حكاه ابن فارس والجوهري. والسفاك: ~~السفاح، وهو القادر على الكلام. قال المهدوي: # ولا يستعمل السفك إلا في الدم، وقد يستعمل في نثر الكلام يقال سفك الكلام ~~إذا نثره. وواحد الدماء دم، محذوف اللام. وقيل: أصله دمي. وقيل: دمي، ولا ~~يكون اسم على حرفين إلا وقد حذف منه، والمحذوف منه ياء وقد نطق به على ~~الأصل، قال الشاعر: # فلو أنا على حجر ذبحنا * جرى الدميان بالخبر اليقين # PageV01P275 # قوله تعالى: (ونحن نسبح بحمدك) أي ننزهك عما لا يليق بصفاتك. والتسبيح في ~~كلامهم التنزيه من السوء على وجه التعظيم، ومنه قول أعشى بني ثعلبة: # أقول لما جاءني فخره * سبحان من علقمة الفاخر أي براءة من علقمة. وروى ~~طلحة بن عبيد الله قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تفسير سبحان ~~الله فقال: (هو تنزيه الله عز وجل عن كل سوء). وهو مشتق من السبح وهو الجري ~~والذهاب، قال الله تعالى: " إن لك ms0261 في النهار سبحا (1) طويلا " [المزمل: 7] ~~فالمسبح جار في تنزيه الله تعالى وتبرئته من السوء. وقد تقدم الكلام في " ~~نحن " (2)، ولا يجوز إدغام النون في النون لئلا يلتقي ساكنان. # مسألة: واختلف أهل التأويل في تسبيح الملائكة، فقال ابن مسعود وابن عباس: # تسبيحهم صلاتهم، ومنه قول الله تعالى: " فلولا أنه كان من المسبحين (3) " ~~[الصافات: 143] أي المصلين. وقيل: # تسبيحهم رفع الصوت بالذكر، قاله المفضل، واستشهد بقول جرير: # قبح الاله وجوه تغلب كلما * سبح (4) الحجيج وكبروا إهلالا وقال قتادة: ~~تسبيحهم: سبحان الله، على عرفه في اللغة، وهو الصحيح لما رواه أبو ذر أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: أي الكلام أفضل؟ قال: (ما اصطفى الله ~~لملائكته [أو لعباده (5)] سبحان الله وبحمده). أخرجه مسلم. وعن عبد الرحمن ~~بن قرط أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسرى به سمع تسبيحا في ~~السماوات العلا: سبحان العلي الاعلى سبحانه وتعالى ذكره البيهقي. # PageV01P276 # قوله تعالى: " بحمدك " أي وبحمدك نخلط التسبيح بالحمد ونصله به. والحمد: ~~الثناء، وقد تقدم (1). ويحتمل أن يكون قولهم: " بحمدك " اعتراضا بين ~~الكلامين، كأنهم قالوا: ونحن نسبح ونقدس، ثم اعترضوا على جهة التسليم، أي ~~وأنت المحمود في الهداية إلى ذلك. والله أعلم. # قوله تعالى: (ونقدس لك) أي نعظمك ونمجدك ونطهر ذكرك عما لا يليق بك مما ~~نسبك إليه الملحدون، قال مجاهد وأبو صالح وغيرهما. وقال الضحاك وغيره: ~~المعنى نطهر أنفسنا لك ابتغاء مرضاتك وقال قوم منهم قتادة: " نقدس لك " ~~معناه نصلي. # والتقديس: الصلاة. قال ابن عطية: وهذا ضعيف. # قلت: بل معناه صحيح، فإن الصلاة تشتمل على التعظيم والتقديس والتسبيح، ~~وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه وسجوده: (سبوح قدوس رب ~~الملائكة والروح). # روته عائشة أخرجه مسلم. وبناء " قدس " كيفما تصرف فإن معناه التطهير، ~~ومنه قوله تعالى: # " ادخلوا الأرض المقدسة (2) " [المائدة: 21] أي المطهرة. وقال: " الملك ~~القدوس (3) " [الحشر: 23] يعني الطاهر، ومثله: # " بالواد المقدس (4) طوى " [طه: 12] وبيت المقدس سمي به لأنه المكان الذي ~~يتقدس فيه من الذنوب أي يتطهر، ومنه قيل للسطل: قدس، ms0262 لأنه يتوضأ فيه ~~ويتطهر، ومنه القادوس. وفي الحديث: # (لا قدست أمة لا يؤخذ لضعيفها من قويها). يريد لا طهرها الله، أخرجه ابن ~~ماجة في سننه. فالقدس: الطهر من غير خلاف، وقال الشاعر: (5) فأدركنه يأخذن ~~بالساق والنسا * كما شبرق الولدان ثوب المقدس أي المطهر. فالصلاة طهرة ~~للعبد من الذنوب، والمصلي يدخلها على أكمل الأحوال لكونها أفضل الأعمال، ~~والله أعلم. # PageV01P277 # قوله تعالى: (إني أعلم ما لا تعلمون) " أعلم " فيه تأويلان، قيل: إنه فعل ~~مستقبل. # وقيل: إنه اسم بمعنى فاعل، كما يقال: الله أكبر، بمعنى كبير، وكما قال ~~(1): # لعمرك ما أدري وإني لأوجل * على أينا تعدو المنية أول فعلى أنه فعل تكون ~~" ما " في موضع نصب بأعلم، ويجوز إدغام الميم في الميم. وإن جعلته اسما ~~بمعنى عالم تكون " ما " في موضع خفض بالإضافة. قال ابن عطية: ولا يصح فيه ~~الصرف بإجماع من النحاة، وإنما الخلاف في " أفعل " إذا سمي به وكان نكرة، ~~فسيبويه والخليل لا يصرفانه، والأخفش يصرفه. قال المهدوي: يجوز أن تقدر ~~التنوين في " أعلم " إذا قدرته بمعنى عالم، وتنصب " ما " به، فيكون مثل ~~حواج بيت الله. قال الجوهري: ونسوة حواج بيت الله، بالإضافة إذا كن قد ~~حججن، وإن لم يكن حججن قلت: حواج بيت الله، فتنصب البيت، لأنك تريد التنوين ~~في حواج. # قوله تعالى " ما لا تعلمون " اختلف علماء التأويل في المراد بقوله تعالى: # " ما لا تعلمون ". فقال ابن عباس: كان إبليس - لعنه الله - قد أعجب ودخله ~~الكبر لما جعله خازن السماء وشرفه، فاعتقد أن ذلك لمزية له، فاستخف الكفر ~~والمعصية في جانب آدم عليه السلام. وقالت الملائكة: " ونحن نسبح بحمدك ~~ونقدس لك " [البقرة: 30] وهي لا تعلم أن في نفس إبليس خلاف ذلك، فقال الله ~~تعالى لهم: " إني أعلم ما لا تعلمون " [البقرة: 30]. وقال قتادة: # لما قالت الملائكة " أتجعل فيها " [البقرة: 30] وقد علم الله أن فيمن ~~يستخلف في الأرض أنبياء وفضلاء وأهل طاعة قال لهم " إني أعلم ما لا تعلمون ~~". # قلت: ويحتمل أن يكون المعنى إني أعلم ما لا تعلمون مما ms0263 كان ومما يكون ~~ومما هو كائن، فهو عام. # PageV01P278 # قوله تعالى: وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني ~~بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين (31) فيه سبع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (وعلم آدم الأسماء كلها) " علم " معناه عرف. ~~وتعليمه هنا إلهام علمه ضرورة. ويحتمل أن يكون بواسطة ملك وهو جبريل عليه ~~السلام على ما يأتي. # وقرئ: " وعلم " غير مسمى الفاعل. والأول أظهر، على ما يأتي. قال علماء ~~الصوفية: علمها بتعليم الحق إياه وحفظها بحفظه عليه ونسي ما عهد إليه، لان ~~وكله فيه إلى نفسه فقال: # " ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما (1) ". [طه: 115]. ~~وقال ابن عطاء: لو لم يكشف لآدم علم تلك الأسماء لكان أعجز من الملائكة في ~~الاخبار عنها. وهذا واضح. # وآدم عليه السلام يكنى أبا البشر. وقيل: أبا محمد، كنى بمحمد خاتم ~~الأنبياء صلوات الله عليهم، قاله السهيلي. وقيل: كنيته في الجنة أبو محمد، ~~وفي الأرض أبو البشر. وأصله بهمزتين، لأنه أفعل إلا أنهم لينوا الثانية، ~~فإذا احتجت إلى تحريكها جعلتها واوا فقلت: # أوادم في الجمع لأنه ليس لها أصل في الياء معروف، فجعلت الغالب عليها ~~الواو، عن الأخفش. # واختلف في اشتقاقه، فقيل: هو مشتق من أدمة الأرض وأديمها وهو وجهها، فسمى ~~بما خلق منه، قال ابن عباس. وقيل: إنه مشتق من الأدمة وهي السمرة. واختلفوا ~~في الأدمة، فزعم الضحاك أنها السمرة، وزعم النضر أنها البياض، وأن آدم عليه ~~السلام كان أبيض، مأخوذ من قولهم: ناقة أدماء، إذا كانت بيضاء. وعلى هذا ~~الاشتقاق جمعه أدم وأوادم، كحمر وأحامر، ولا ينصرف بوجه. وعلى أنه مشتق من ~~الأدمة جمعه آدمون، ويلزم قائلو هذه المقالة صرفه. # قلت: الصحيح أنه مشتق من أديم الأرض. قال سعيد بن جبير: إنما سمي آدم ~~لأنه خلق من أديم الأرض، وإنما سمي إنسانا لأنه نسي، ذكره ابن سعد في ~~الطبقات. وروى # PageV01P279 # السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن ~~مسعود في قصة خلق آدم عليه ms0264 السلام قال: فبعث الله جبريل عليه السلام إلى ~~الأرض ليأتيه بطين منها، فقالت الأرض: أعوذ بالله منك أن تنقص (1) مني أو ~~تشينني، فرجع ولم يأخذ وقال: # يا رب إنها عاذت بك فأعذتها. فبعث مكائيل فعاذت منه فأعاذها، فرجع فقال ~~كما قال جبريل، فبعث ملك الموت فعاذت منه فقال: وأنا أعوذ بالله أن أرجع ~~ولم أنفذ أمره. # فأخذ من وجه الأرض وخلط، ولم يأخذ من مكان واحد، وأخذ من تربة حمراء ~~وبيضاء وسوداء، فلذلك خرج بنو آدم مختلفين - ولذلك سمي آدم لأنه أخذ من ~~أديم الأرض - فصعد به، فقال الله تعالى له: (أما رحمت الأرض حين تضرعت ~~إليك) فقال: رأيت أمرك أوجب من قولها. فقال: (أنت تصلح لقبض أرواح ولده) ~~قبل التراب حتى عاد طينا لازبا، اللازب: هو الذي يلتصق بعضه ببعض، ثم ترك ~~حتى أنتن، فذلك حيث يقول: # " من حمإ مسنون " [الحجر: 26] قال: منتن. ثم قال للملائكة: " إني خالق ~~بشرا من طين. فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين (2) " [ص: 71 - ~~72]. فخلقه الله بيده لكيلا يتكبر إبليس عنه. يقول: # أتتكبر عما خلقت بيدي ولم أتكبر أنا عنه! فخلقه بشرا فكان جسدا من طين ~~أربعين سنة من مقدار يوم الجمعة، فمرت به الملائكة ففزعوا منه لما رأوه ~~وكان أشدهم منه فزعا إبليس فكان يمر به فيضربه فيصوت الجسد كما يصوت الفخار ~~تكون له صلصلة، فذلك حين يقول: # " من صلصال كالفخار (3) " [الرحمن: 14]. ويقول لأمر ما خلقت!. ودخل من ~~فمه وخرج من دبره، فقال إبليس للملائكة: لا ترهبوا من هذا فإنه أجوف ولئن ~~سلطت عليه لأهلكنه. ويقال: إنه كان إذا مر عليه مع الملائكة يقول: أرأيتم ~~هذا الذي لم تروا من الخلائق يشبهه إن فضل عليكم وأمرتم بطاعته ما أنتم ~~فاعلون! قالوا: نطيع أمر ربنا فأسر إبليس في نفسه لئن فضل علي فلا أطيعه، ~~ولئن فضلت عليه لأهلكنه، فلما بلغ الحين الذي أريد أن ينفخ فيه الروح # PageV01P280 # قال للملائكة: إذا نفخت فيه من روحي فاسجدوا له، فلما نفخ فيه الروح فدخل ms0265 ~~الروح في رأسه عطس، فقالت له الملائكة: قل الحمد لله، فقال: الحمد لله، ~~فقال الله له: رحمك ربك، فلما دخل الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنة، فلما ~~دخل في جوفه اشتهى الطعام فوثب قبل أن يبلغ الروح رجليه عجلان إلى ثمار ~~الجنة، فذلك حين يقول: " خلق الانسان من عجل (1) " [الأنبياء: 37] " فسجد ~~الملائكة كلهم أجمعون، إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين (2) " [الحجر: 30 ~~- 31] وذكر القصة. # وروى الترمذي عن أبي موسى الأشعري قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # (إن الله عز وجل خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على ~~قدر الأرض فجاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك والسهل والحزن ~~والخبيث والطيب). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. أديم: جمع أدم، قال ~~الشاعر: # الناس أخياف (3) وشتى في الشيم * وكلهم يجمعهم وجه الادم فآدم مشتق من ~~الأديم والأدم لا من الأدمة، والله أعلم. ويحتمل أن يكون منهما جميعا. # وسيأتي لهذا الباب مزيد بيان في خلق آدم في " الانعام (4) " وغيرها إن ~~شاء الله تعالى. # و " آدم " لا ينصرف. قال أبو جعفر النحاس: " آدم لا ينصرف في المعرفة ~~بإجماع النحويين، لأنه على أفعل وهو معرفة، ولا يمتنع شئ من الصرف عند ~~البصريين إلا لعلتين. # فإن نكرته ولم يكن نعتا لم يصرفه الخليل وسيبويه، وصرفه الأخفش سعيد، ~~لأنه كان نعتا وهو على وزن الفعل، فإذا لم يكن نعتا صرفه. قال أبو إسحاق ~~الزجاج: القول قول سيبويه، ولا يفرق بين النعت وغيره لأنه هو ذاك بعينه ". # الثانية - قوله تعالى: " الأسماء كلها " " الأسماء " هنا بمعنى العبارات، ~~فإن الاسم قد يطلق ويراد به المسمى، كقولك: زيد قائم، والأسد شجاع. وقد ~~يراد به التسمية ذاتها، كقولك: أسد ثلاثة أحرف، ففي الأول يقال: الاسم هو ~~المسمى بمعنى يراد به المسمى، وفي الثاني لا يراد به المسمى، وقد يجرى اسم ~~في اللغة مجرى ذات العبارة وهو الأكثر من # PageV01P281 # استعمالها، ومنه قوله تعالى: " وعلم آدم الأسماء كلها " [البقرة: 31] على ~~أشهر التأويلات، ومنه ms0266 قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن لله تسعة وتسعين ~~اسما). ويجري مجرى الذات، يقال: ذات ونفس وعين واسم بمعنى، وعلى هذا حمل ~~أكثر أهل العلم قوله تعالى: " سبح اسم ربك الاعلى (1) " [الاعلى: 1] " ~~تبارك اسم ربك " [الرحمن: 78] " إن هي إلا أسماء سميتموها " [النجم: 23]. # الثالثة - واختلف أهل التأويل في معنى الأسماء التي علمها لآدم عليه ~~السلام، فقال ابن عباس وعكرمة وقتادة ومجاهد وابن جبير: علمه أسماء جميع ~~الأشياء كلها جليلها وحقيرها. # وروى عاصم بن كليب عن سعد مولى الحسن بن علي قال: كنت جالسا عند ابن عباس ~~فذكروا اسم الآنية واسم السوط، قال ابن عباس: " وعلم آدم الأسماء كلها ". # قلت: وقد روي هذا المعنى مرفوعا على ما يأتي، وهو الذي يقتضيه لفظ " كلها ~~" إذ هو اسم موضوع للإحاطة والعموم، وفي البخاري من حديث أنس عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: (ويجتمع المؤمنون يوم القيامة فيقولون لو استشفعنا إلى ~~ربنا فيأتون آدم فيقولون أنت أبو الناس خلقك الله بيده وأسجد لك ملائكته ~~وعلمك أسماء كل شئ) الحديث. قال ابن خويز منداد: في هذه الآية دليل على أن ~~اللغة مأخوذة توقيفا، وأن الله تعالى علمها آدم عليه السلام جملة وتفصيلا. ~~وكذلك قال ابن عباس: علمه أسماء كل شئ حتى الجفنة والمحلب. # وروى شيبان عن قتادة قال: علم آدم من الأسماء أسماء خلقه ما لم يعلم ~~الملائكة، وسمي كل شئ باسمه وأنحى (2) منفعة كل شئ إلى جنسه. قال النحاس: ~~وهذا أحسن ما روي في هذا. # والمعنى علمه أسماء الأجناس وعرفه منافعها، هذا كذا، وهو يصلح لكذا. وقال ~~الطبري: # علمه أسماء الملائكة وذريته، واختار هذا ورجحه بقوله: (ثم عرضهم على ~~الملائكة). وقال ابن زيد: علمه أسماء ذريته، كلهم. الربيع ابن خثيم (3): ~~أسماء الملائكة خاصة. القتبي: # أسماء ما خلق في الأرض. وقيل: أسماء الأجناس والأنواع. # قلت: القول الأول أصح، لما ذكرناه آنفا ولما نبينه إن شاء الله تعالى. # PageV01P282 # الرابعة - واختلف المتأولون أيضا هل عرض على الملائكة أسماء الأشخاص أو ~~الأسماء دون الأشخاص، فقال ابن مسعود ms0267 وغيره: عرض الأشخاص لقوله تعالى: " ~~عرضهم " وقوله: " أنبئوني بأسماء هؤلاء ". وتقول العرب: عرضت الشئ فأعرض، ~~أي أظهرته فظهر. ومنه: عرضت الشئ للبيع. وفي الحديث (إنه عرضهم أمثال ~~الذر). وقال ابن عباس وغيره: عرض الأسماء. وفي حرف ابن مسعود: " عرضهن "، ~~فأعاد على الأسماء دون الأشخاص، لان الهاء والنون أخص بالمؤنث. وفي حرف ~~أبي: " عرضها ". مجاهد: أصحاب الأسماء. فمن قال في الأسماء إنها التسميات ~~فاستقام على قراءة أبي: " عرضها ". وتقول في قراءة من قرأ " عرضهم ": إن ~~لفظ الأسماء يدل على أشخاص، فلذلك ساغ أن يقال للأسماء: " عرضهم ". وقال في ~~" هؤلاء " المراد بالإشارة: إلى أشخاص الأسماء، لكن وإن كانت غائبة فقد حضر ~~ما هو منها بسبب وذلك أسماؤها. قال ابن عطية: والذي يظهر أن الله تعالى علم ~~آدم الأسماء وعرضهن عليه مع تلك الأجناس بأشخاصها، ثم عرض تلك على الملائكة ~~وسألهم عن تسمياتها التي قد تعلمها، ثم إن آدم قال لهم: هذا اسمه كذا، وهذا ~~اسمه كذا. # وقال الماوردي: وكان الأصح توجه العرض إلى المسمين. ثم في زمن عرضهم ~~قولان: # أحدهما أنه عرضهم بعد أن خلقهم. الثاني - أنه صورهم لقلوب الملائكة ثم ~~عرضهم. # الخامسة - واختلف في أول من تكلم باللسان العربي، فروي عن كعب الأحبار: # أن أول من وضع الكتاب العربي والسرياني والكتب كلها وتكلم بالألسنة كلها ~~آدم عليه السلام. وقاله غير كعب الأحبار. # فإن قيل: قد روي عن كعب الأحبار من وجه حسن قال: أول من تكلم بالعربية ~~جبريل عليه السلام وهو الذي ألقاها على لسان نوح عليه السلام وألقاها نوح ~~على لسان ابنه سام، ورواه ثور بن زيد عن خالد بن معدان عن كعب. وروى عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أول من فتق لسانه بالعربية المبينة ~~إسماعيل وهو ابن عشر سنين). وقد روى أيضا: أن أول من تكلم بالعربية يعرب بن ~~قحطان، وقد روي غير ذلك. قلنا: الصحيح أن PageV01P283 # أول من تكلم باللغات كلها من البشر آدم عليه السلام، والقرآن يشهد له قال ~~الله تعالى: " وعلم آدم الأسماء ms0268 كلها " [البقرة: 31] واللغات كلها أسماء ~~فهي داخلة تحته وبهذا جاءت السنة، قال صلى الله عليه وسلم: (وعلم آدم ~~الأسماء كلها حتى القصعة والقصيعة) وما ذكروه يحتمل أن يكون المراد به أول ~~من تكلم بالعربية من ولد إبراهيم عليه السلام إسماعيل عليه السلام. وكذلك ~~إن صح ما سواه فإنه يكون محمولا على أن المذكور أول من تكلم من قبيلته ~~بالعربية بدليل ما ذكرنا والله أعلم. وكذلك جبريل أول من تكلم بها من ~~الملائكة وألقاها على لسان نوح بعد أن علمها الله آدم أو جبريل، على ما ~~تقدم، والله أعلم. # قوله تعالى: (هؤلاء) لفظ مبني على الكسر. ولغة تميم وبعض قيس وأسد فيه ~~القصر، قال الأعشى: # هؤلاء ثم هؤلاء كلا أعطيت * نعالا محذوة بمثال ومن العرب من يقول: هؤلاء، ~~فيحذف الألف والهمزة (1). # السادسة - قوله تعالى: (إن كنتم صادقين) شرط، والجواب محذوف تقديره: # إن كنتم صادقين أن بني آدم يفسدون في الأرض فأنبئوني، قاله المبرد. ومعنى ~~" صادقين " عالمين، ولذلك لم يسغ للملائكة الاجتهاد وقالوا: " سبحانك "! ~~حكاه النقاش قال: ولو لم يشترط عليهم إلا الصدق في الانباء لجاز لهم ~~الاجتهاد كما جاز للذي أماته الله مائة عام حين قال له: " كم لبثت " فلم ~~يشترط عليه الإصابة، فقال ولم يصب ولم يعنف، وهذا بين لا خفاء فيه. وحكى ~~الطبري وأبو عبيد: أن بعض المفسرين قال إن معنى " إن كنتم ": # إذ كنتم، وقالا: هذا خطأ. و " أنبئوني " معناه أخبروني. والنبأ: الخبر، ~~ومنه النبئ بالهمز، وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى (2). # السابعة - قال بعض العلماء: يخرج من هذا الامر بالانباء تكليف ما لا يطاق ~~لأنه علم أنهم لا يعلمون. وقال المحققون من أهل التأويل: ليس هذا على جهة ~~التكليف وإنما # PageV01P284 # هو على جهة التقرير والتوقيف. وسيأتي القول في تكليف ما لا يطاق - هل وقع ~~التكليف به أم لا - في آخر السورة (1) إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم ~~الحكيم (32) قوله تعالى: (قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ms0269 ما علمتنا) فيه ثلاث ~~مسائل: # الأولى: قوله تعالى: " سبحانك " أي تنزيها لك عن أن يعلم الغيب أحد سواك. # وهذا جوابهم عن قوله: " أنبئوني " فأجابوا أنهم لا يعلمون إلا ما أعلمهم ~~به ولم يتعاطوا ما لا علم لهم به كما يفعله الجهال منا. و " ما " في " ما ~~علمتنا " بمعنى الذي، أي إلا الذي علمتنا، ويجوز أن تكون مصدرية بمعنى إلا ~~تعليمك إيانا. # الثانية - الواجب على من سئل عن علم أن يقول إن لم يعلم: الله أعلم ولا ~~أدري، اقتداء بالملائكة والأنبياء والفضلاء من العلماء، لكن قد أخبر الصادق ~~أن بموت العلماء يقبض العلم، فيبقى ناس جهال يستفتون فيفتون برأيهم فيضلون ~~ويضلون. وأما ما ورد من الاخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ~~والتابعين بعدهم في معنى الآية فروى البستي (2) في المسند الصحيح له عن ابن ~~عمر أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي البقاع شر؟ قال: (لا ~~أدرى حتى أسأل جبريل) فسأل جبريل، فقال: لا أدري حتى أسأل ميكائيل، فجاء ~~فقال: خير البقاع المساجد، وشرها الأسواق. وقال الصديق للجدة: ارجعي حتى ~~أسأل الناس. وكان علي يقول: وأبردها على الكبد، ثلاث مرات. قالوا وما ذلك ~~يا أمير المؤمنين؟ قال: أن يسأل الرجل عما لا يعلم فيقول: الله أعلم. وسأل ~~ابن عمر رجل عن مسألة فقال: لا علم لي بها، فلما أدبر الرجل. قال ابن عمر: ~~نعم ما قال ابن عمر، سئل عما لا يعلم فقال لا علم لي به! ذكره الدارمي في ~~مسنده. وفي صحيح مسلم عن أبي عقيل # PageV01P285 # يحيى بن المتوكل صاحب بهية (1) قال: كنت جالسا عند القاسم بن عبيد الله ~~ويحيى بن سعيد، فقال يحيى للقاسم: يا أبا محمد إنه قبيح على مثلك عظيم أن ~~يسأل عن شئ من أمر هذا الدين فلا يوجد عندك منه علم ولا فرج، أو علم ولا ~~مخرج؟ فقال له القاسم: وعم ذاك؟ قال: لأنك ابن إمامي هدى: ابن أبي بكر ~~وعمر. قال يقول له القاسم: أقبح من ذاك عند من ms0270 عقل عن الله أن أقول بغير ~~علم أو آخذ عن غير ثقة. فسكت فما أجابه. وقال مالك بن أنس: سمعت ابن هرمز ~~يقول: ينبغي للعالم أن يورث جلساءه من بعده لا أدري حتى يكون أصلا في ~~أيديهم، فإذا سئل أحدهم عما لا يدري قال: لا أدري. وذكر الهيثم بن جميل ~~قال: # شهدت مالك بن أنس سئل عن ثمان وأربعين مسألة فقال في اثنتين وثلاثين ~~منها: لا أدري. # قلت: ومثله كثير عن الصحابة والتابعين وفقهاء المسلمين. وإنما يحمل على ~~ترك ذلك الرياسة وعدم الانصاف في العلم. قال ابن عبد البر: من بركة العلم ~~وآدابه الانصاف فيه، ومن لم ينصف لم يفهم ولم يتفهم. روى يونس بن عبد ~~الاعلى قال سمعت ابن وهب يقول سمعت مالك بن أنس يقول: ما في زماننا شئ أقل ~~من الانصاف. # قلت: هذا في زمن مالك فكيف في زماننا اليوم الذي عم فينا الفساد وكثر فيه ~~الطغام! # وطلب فيه العلم للرياسة لا للدراية، بل للظهور في الدنيا وغلبة الاقران ~~بالمراء والجدال الذي يقسي القلب ويورث الضغن، وذلك مما يحمل على عدم ~~التقوى وترك الخوف من الله تعالى. # أين هذا مما روي عن عمر رضي الله عنه وقد قال: لا تزيدوا في مهور النساء ~~على أربعين أوقية ولو كانت بنت ذي العصبة - يعني يزيد بن الحصين الحارثي - ~~فمن زاد ألقيت زيادته في بيت المال، فقامت امرأة من صوب النساء طويلة فيها ~~فطس (3) فقالت: ما ذلك لك! # PageV01P286 # قال: ولم؟ قالت لان الله عز وجل يقول: " وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا ~~منه شيئا " [النساء: 20] فقال عمر: امرأة أصابت ورجل أخطأ! وروى وكيع عن ~~أبي معشر عن محمد بن كعب القرظي قال: سأل رجل عليا رضي الله عنه عن مسألة ~~فقال فيها، فقال الرجل: ليس كذلك يا أمير المؤمنين، ولكن كذا وكذا، فقال ~~علي: أصبت وأخطأت، وفوق كل ذي علم عليم. # وذكر أبو محمد قاسم بن أصبغ قال: لما رحلت إلى المشرق نزلت القيروان ~~فأخذت على بكر ابن حماد حديث مسدد، ms0271 ثم رحلت إلى بغداد ولقيت الناس، فلما ~~انصرفت عدت إليه لتمام حديث مسدد، فقرأت عليه فيه يوما حديث النبي صلى الله ~~عليه وسلم: (أنه قدم عليه قوم من مضر من مجتابي (1) التمار) فقال: إنما هو ~~مجتابي الثمار، فقلت إنما هو مجتابي النمار، هكذا قرأته على كل من قرأته ~~عليه بالأندلس والعراق، فقال لي: بدخولك العراق تعارضنا وتفخر علينا! # أو نحو هذا. ثم قال لي: قم بنا إلى ذلك الشيخ - لشيخ كان في المسجد - فإن ~~له بمثل هذا علما، فقمنا إليه فسألناه عن ذلك فقال: إنما هو مجتابي النمار، ~~كما قلت. وهم قوم كانوا يلبسون الثياب مشققة (2)، جيوبهم أمامهم. والنمار ~~جمع نمرة (3). فقال بكر بن حماد وأخذ بأنفه: رغم أنفي للحق، رغم أنفي للحق. ~~وانصرف. وقال يزيد بن الوليد بن عبد الملك فأحسن: # إذا ما تحدثت في مجلس * تناهى حديثي إلى ما علمت ولم أعد علمي إلى غيره * ~~وكان إذا ما تناهى سكت الثانية: قوله تعالى: " سبحانك " " سبحان " منصوب ~~على المصدر عند الخليل وسيبويه، يؤدي عن معنى نسبحك تسبيحا. وقال الكسائي: ~~هو منصوب على أنه نداء مضاف. و (العليم) فعيل للمبالغة والتكثير في ~~المعلومات في خلق الله تعالى. و " الحكيم " معناه الحاكم، وبينهما مزيد ~~المبالغة. وقيل معناه المحكم ويجئ الحكيم على هذا من صفات الفعل، صرف عن ~~مفعل إلى فعيل، كما صرف عن مسمع إلى سميع ومؤلم إلى أليم، قاله ابن # PageV01P287 # الأنباري. وقال قوم: (الحكيم) المانع من الفساد، ومنه سميت حكمة اللجام، ~~لأنها تمنع الفرس من الجري والذهاب في غير قصد. قال جرير: # أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم * إني أخاف عليكم أن أغضبا أي امنعوهم من ~~الفساد. وقال زهير: # القائد الخيل منكوبا دوابرها (1) * قد أحكمت حكمات القد والابقا القد: ~~الجلد. والأبق: القنب (2). والعرب تقول: أحكم اليتيم عن كذا وكذا، يريدون ~~منعه. # والسورة المحكمة: الممنوعة من التغيير وكل التبديل، وأن يلحق بها ما يخرج ~~عنها، ويزاد عليها ما ليس منها، والحكمة من هذا، لأنها تمنع صاحبها من ~~الجهل. ويقال: أحكم الشئ إذا أتقنه ms0272 ومنعه من الخروج عما يريد. فهو محكم ~~وحكيم على التكثير. # قوله تعالى: قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم ~~أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون (33) ~~قوله تعالى: (قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم) فيه خمس مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " أنبئهم بأسمائهم " أمره الله أن يعلمهم بأسمائهم ~~بعد أن عرضهم على الملائكة ليعلموا أنه أعلم بما سألهم عنه تنبيها على فضله ~~وعلو شأنه، فكان أفضل منهم بأن قدمه عليهم وأسجدهم له وجعلهم تلامذته ~~وأمرهم بأن يتعلموا منه. فحصلت له رتبة الجلال والعظمة بأن جعله مسجودا له، ~~مختصا بالعلم. # الثانية - في هذه الآية دليل على فضل العلم وأهله، وفي الحديث: (وإن ~~الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم) أي تخضع وتتواضع وإنما تفعل ذلك ~~(3) لأهل العلم خاصة # PageV01P288 # من بين سائر عيال (1) الله، لان الله تعالى ألزمها ذلك في آدم عليه ~~السلام فتأدبت بذلك الأدب. # فكلما ظهر لها علم في بشر خضعت له وتواضعت وتذللت إعظاما للعلم وأهله، ~~ورضا منهم (2) بالطلب له والشغل به. هذا في الطلاب منهم فكيف بالأحبار فيهم ~~والربانيين منهم! جعلنا الله منهم وفيهم، إنه ذو فضل عظيم. # الثالثة - اختلف العلماء من هذا الباب، أيما أفضل الملائكة أو بنو آدم ~~على قولين: # فذهب قوم إلى أن الرسل من البشر أفضل من الرسل من الملائكة، والأولياء من ~~البشر أفضل من الأولياء من الملائكة. وذهب آخرون إلى أن الملأ الأعلى أفضل. ~~احتج من فضل الملائكة بأنهم " عباد مكرمون. لا يسبقونه بالقول وهم بأمره ~~يعملون " [الأنبياء: 26 - 27] " لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ~~" [التحريم: 6]. وقوله: " لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة ~~المقربون (3) " [النساء: 172] وقوله: " قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا ~~أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك (4) " [الانعام: 50]. وفي البخاري: (يقول ~~الله عز وجل: " من ذكرني في ملا ذكرته في ملا خير منهم). # وهذا نص. احتج من فضل بني آدم بقوله تعالى: " إن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات أولئك ms0273 هم خير البريئة (5) " [البينة: 7] بالهمز، من برأ الله ~~الخلق. وقوله عليه السلام: (وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضي لطالب العلم) ~~الحديث. أخرجه أبو داود، وبما جاء في أحاديث من أن الله تعالى يباهي بأهل ~~عرفات الملائكة، ولا يباهي إلا بالأفضل، والله أعلم. وقال بعض العلماء: # ولا طريق إلى القطع بأن الأنبياء أفضل من الملائكة، ولا القطع بأن ~~الملائكة خير منهم، لان طريق ذلك خبر الله تعالى وخبر رسوله أو إجماع ~~الأمة، وليس ها هنا شئ من ذلك، خلافا للقدرية والقاضي أبي بكر رحمه الله ~~حيث قالوا: الملائكة أفضل. قال: وأما من قال من أصحابنا والشيعة: إن ~~الأنبياء أفضل لان الله تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم، فيقال لهم: ~~المسجود له لا يكون أفضل من الساجد، ألا ترى أن الكعبة مسجود لها والأنبياء ~~والخلق يسجدون نحوها، ثم إن الأنبياء خير من الكعبة باتفاق الأمة. ولا خلاف ~~أن السجود # PageV01P289 # لا يكون إلا لله تعالى، لان السجود عبادة، والعبادة لا تكون إلا لله، ~~فإذا كان كذلك فكون السجود إلى جهة لا يدل على أن الجهة خير من الساجد ~~العابد وهذا واضح. وسيأتي له مزيد بيان في الآية بعد هذا. # الرابعة - قوله تعالى: (إني أعلم غيب السماوات والأرض) دليل على أن أحدا ~~لا يعلم من الغيب إلا ما أعلمه الله كالأنبياء أو من أعلمه من أعلمه الله ~~تعالى، فالمنجمون والكهان وغيرهم كذبة. وسيأتي بيان هذا في " الانعام (1) " ~~إن شاء الله تعالى عند قوله تعالى: # " وعند مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو " الخامسة - قوله تعالى: (وأعلم ما ~~تبدون) أي من قولهم: " أتجعل فيها من يفسد فيها " حكاه مكي والماوردي. وقال ~~الزهراوي: ما أبدوه هو بدارهم بالسجود لآدم. # (وما كنتم تكتمون) قال ابن عباس وابن مسعود وسعيد بن جبير: المراد ما ~~كتمه إبليس في نفسه من الكبر والمعصية. قال ابن عطية: وجاء " تكتمون " ~~للجماعة، والكاتم واحد في هذا القول على تجوز العرب واتساعها، كما يقال ~~لقوم قد جنى سفيه منهم: أنتم فعلتم كذا. # أي منكم فاعله، وهذا مع ms0274 قصد تعنيف، ومنه قوله تعالى: " إن الذين ينادونك ~~من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون (2) " [الحجرات: 4] وإنما ناداه منهم ~~عيينة، وقيل الأقرع. وقالت طائفة: الابداء والمكتوم ذلك على معنى العموم في ~~معرفة أسرارهم وظواهرهم أجمع. وقال مهدي بن ميمون: # كنا عند الحسن فسأله الحسن بن دينار ما الذي كتمت الملائكة؟ قال: إن الله ~~عز وجل لما خلق آدم رأت الملائكة خلقا عجبا، وكأنهم دخلهم من ذلك شئ، قال: ~~ثم أقبل بعضهم على بعض وأسروا ذلك بينهم، [فقالوا (3): و] ما يهمكم من هذا ~~المخلوق! إن الله لم يخلق خلقا إلا كنا أكرم عليه منه. و " ما " في فوله: " ~~ما تبدون " يجوز أن ينتصب ب‍ " - أعلم " على أنه فعل، ويجوز أن يكون بمعنى ~~عالم وتنصب به " ما " فيكون مثل حواج بيت الله، وقد تقدم. # (4) # PageV01P290 # قوله تعالى: وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لادم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر ~~وكان من الكافرين (34) فيه عشر مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (وإذ قلنا) أي واذكر. وأما قول أبى عبيدة: إن " إذ ~~" زائدة فليس بجائز، لان إذ ظرف وقد تقدم (1). وقال " قلنا " ولم يقل قلت ~~لان الجبار العظيم يخبر عن نفسه بفعل الجماعة تفخيما وإشادة بذكره. ~~والملائكة جمع ملك، وقد تقدم (2). وتقدم القول أيضا في آدم واشتقاقه (3) ~~فلا معنى لإعادته. وروي عن أبي جعفر بن القعقاع أنه ضم تاء التأنيث من ~~الملائكة اتباعا لضم الجيم في " اسجدوا ". ونظيره " الحمد لله ". # الثانية - قوله تعالى (اسجدوا) السجود معناه في كلام العرب التذلل ~~والخضوع، قال الشاعر: # يجمع تضل البلق في حجراته * ترى الأكم فيها سجدا للحوافر الأكم: الجبال ~~الصغار. جعلها سجدا للحوافر لقهر الحوافر إياها وأنها لا تمتنع عليها. وعين ~~ساجدة، أي فاترة عن النظر، وغايته وضع الوجه بالأرض. قال ابن فارس: سجد إذا ~~تطامن، وكل ما سجد فقد ذل. والاسجاد: إدامة النظر. قال أبو عمرو: وأسجد إذا ~~طأطأ رأسه، قال: (4) فضول أزمتها أسجدت * سجود النصارى لأحبارها قال أبو ~~عبيدة: وأنشدني أعرابي من بني أسد: # * وقلن له أسجد لليلى فأسجدا * يعني البعير إذا ms0275 طأطأ رأسه. ودراهم ~~الاسجاد: دراهم كانت عليها صور كانوا يسجدون لها، قال: # * وافى بها كدراهم الاسجاد * # PageV01P291 # الثالثة - استدل من فضل آدم وبنيه بقوله تعالى للملائكة: " اسجدوا لآدم ~~". # قالوا: وذلك يدل على أنه كان أفضل منهم. والجواب أن معنى " اسجدوا لآدم " ~~اسجدوا لي مستقبلين وجه آدم. وهو كقوله تعالى: " أقم الصلاة لدلوك الشمس " ~~[الاسراء: 78] أي عند دلوك الشمس وكقوله: " ونفخت فيه من روحي فقعوا له ~~ساجدين " [ص: 72] أي فقعوا لي عند إتمام خلقه ومواجهتكم إياه ساجدين. وقد ~~بينا أن المسجود له لا يكون أفضل من الساجد بدليل القبلة. # فإن قيل: فإذا لم يكن أفضل منهم فما الحكمة في الامر بالسجود له؟ قيل له: ~~إن الملائكة لما استعظموا بتسبيحهم وتقديسهم أمرهم بالسجود لغيره ليريهم ~~استغناءه عنهم وعن عبادتهم. # وقال بعضهم: عيروا آدم واستصغروه ولم يعرفوا خصائص الصنع به فأمروا ~~بالسجود له تكريما. ويحتمل أن يكون الله تعالى أمرهم بالسجود له معاقبة لهم ~~على قولهم: " أتجعل فيها من يفسد فيها " لما قال لهم: " إني جاعل في الأرض ~~خليفة " [البقرة: 30] وكان علم منهم أنه إن خاطبهم أنهم قائلون هذا، فقال ~~لهم: " إني خالق بشرا من طين " [ص: 71] وجاعله خليفة، فإذا نفخت فيه من ~~روحي فقعوا له ساجدين. والمعنى: ليكون ذلك عقوبة لكم في ذلك الوقت على ما ~~أنتم قائلون لي الآن. # فإن قيل: فقد استدل ابن عباس على فضل البشر بأن الله تعالى أقسم بحياة ~~رسوله صلى الله عليه وسلم فقال: " لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون (1) " ~~[الحجر: 72]. وأمنه من العذاب بقوله: # " ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر (2) " [الفتح: 2]. وقال ~~للملائكة: " ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم (3) " ~~[الأنبياء: 29]. قيل له: إنما لم يقسم بحياة الملائكة كما لم يقسم بحياة ~~نفسه سبحانه، فلم يقل: لعمري. وأقسم بالسماء والأرض، ولم يدل على أنهما ~~أرفع قدرا من العرش والجنان السبع. وأقسم بالتين والزيتون. وأما قول ~~سبحانه: " ومن يقل منهم إني إله من دونه " [الأنبياء: 29] فهو نظير قوله ~~لنبيه عليه السلام: " لئن ms0276 أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين " [الزمر: ~~65] فليس فيه إذا دلالة، والله أعلم. # PageV01P292 # الرابعة - واختلف الناس في كيفية سجود الملائكة لآدم بعد اتفاقهم على أنه ~~لم يكن سجود عبادة، فقال الجمهور: كان هذا أمرا للملائكة بوضع الجباه على ~~الأرض، كالسجود المعتاد في الصلاة، لأنه الظاهر من السجود في العرف والشرع، ~~وعلى هذا قيل: كان ذلك السجود تكريما لآدم وإظهارا لفضله، وطاعة لله تعالى، ~~وكان آدم كالقبلة لنا. ومعنى " لآدم ": # إلى آدم، كما يقال صلى للقبلة، أي إلى القبلة. وقال قوم: لم يكن هذا ~~السجود المعتاد اليوم الذي هو وضع الجبهة على الأرض ولكنه مبقى على أصل ~~اللغة، فهو من التذلل والانقياد، أي اخضعوا لآدم وأقروا له بالفضل. ~~(فسجدوا) أي امتثلوا ما أمروا به. # واختلف أيضا هل كان ذلك السجود خاصا بآدم عليه السلام فلا يجوز السجود ~~لغيره من جميع العالم إلا لله تعالى، أم كان جائزا بعده إلى زمان يعقوب ~~عليه السلام، لقوله تعالى: # " ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا (1) " [يوسف: 100] فكان آخر ما ~~أبيح من السجود للمخلوقين؟ والذي عليه الأكثر أنه كان مباحا إلى عصر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وأن أصحابه قالوا له حين سجدت له الشجرة والجمل: ~~نحن أولى بالسجود لك من الشجرة والجمل الشارد، فقال لهم: # (لا ينبغي أن يسجد لاحد إلا لله رب العالمين). روى ابن ماجة في سننه ~~والبستي في صحيحه عن أبي واقد قال: لما قدم معاذ بن جبل من الشام سجد لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما هذا) ~~فقال: يا رسول الله، قدمت الشام فرأيتهم يسجدون لبطارقتهم وأساقفتهم، فأردت ~~أن أفعل ذلك بك، قال: (فلا تفعل فإني لو أمرت شيئا أن يسجد لشئ لأمرت ~~المرأة أن تسجد لزوجها لا تؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها حتى لو ~~سألها نفسها وهي على قتب لم تمنعه). لفظ البستي. ومعنى القتب أن العرب يعز ~~عندهم وجود كرسي للولادة فيحملون نساءهم على القتب (2) عند ms0277 الولادة. وفي ~~بعض طرق معاذ: ونهى عن السجود للبشر وأمر بالمصافحة. # PageV01P293 # قلت: وهذا السجود المنهي عنه قد اتخذه جهال المتصوفة عادة في سماعهم وعند ~~دخولهم على مشايخهم واستغفارهم، فيرى الواحد منهم إذا أخذه الحال بزعمه ~~يسجد للاقدام (1) لجهله سواء أكان للقبلة أم غيرها جهالة منه، ضل سعيهم ~~وخاب عملهم. # الخامسة - قوله: (إلا إبليس) نصب على الاستثناء المتصل، لأنه كان من ~~الملائكة على قول الجمهور: ابن عباس وابن مسعود وابن جريج وابن المسيب ~~وقتادة وغيرهم، وهو اختيار الشيخ أبي الحسن، ورجحه الطبري، وهو ظاهر الآية. ~~قال ابن عباس: وكان اسمه عزازيل وكان من أشراف الملائكة وكان من الأجنحة ~~الأربعة ثم أبلس بعد. روى سماك ابن حرب عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان ~~إبليس من الملائكة فلما عصى الله غضب عليه فلعنه فصار شيطانا. وحكى ~~الماوردي عن قتادة: أنه كان من أفضل صنف من الملائكة يقال لهم الجنة. وقال ~~سعيد بن جبير: إن الجن سبط من الملائكة خلقوا من نار وإبليس منهم، وخلق ~~سائر (2) الملائكة من نور. وقال ابن زيد والحسن وقتادة أيضا: إبليس أبو ~~الجن كما أن آدم أبو البشر ولم يكن ملكا، وروى نحوه عن ابن عباس وقال: اسمه ~~الحارث. وقال شهر ابن حوشب وبعض الأصوليين: كان من الجن الذين كانوا في ~~الأرض وقاتلتهم الملائكة فسبوه صغيرا وتعبد مع الملائكة وخوطب، وحكاه ~~الطبري عن ابن مسعود. والاستثناء على هذا منقطع، مثل قوله تعالى: " ما لهم ~~به من علم إلا اتباع الظن " [النساء: 157] وقوله: " إلا ما ذكيتم " ~~[المائدة: 3] في أحد القولين، وقال الشاعر: # ليس عليك عطش ولا جوع * إلا الرقاد والرقاد ممنوع واحتج بعض أصحاب هذا ~~القول بأن الله عز وجل وصف الملائكة فقال: " لا يعصون الله ما أمرهم ~~ويفعلون ما يؤمرون " [التحريم: 6]، وقوله تعالى: " إلا إبليس كان من الجن " ~~[الكهف: 50] والجن غير الملائكة. أجاب أهل المقالة الأولى بأنه لا يمتنع أن ~~يخرج إبليس من جملة الملائكة لما سبق في علم الله بشقائه عدلا منه، لا يسأل ~~عما يفعل، وليس ms0278 في خلقه من نار ولا في تركيب الشهوة حين غضب عليه ما يدفع ~~أنه من الملائكة. وقول من قال: إنه كان من جن الأرض فسبي، # PageV01P294 # فقد روي في مقابلته أن إبليس هو الذي قاتل الجن في الأرض مع جند من ~~الملائكة، حكاه المهدوي وغيره. وحكى الثعلبي عن ابن عباس: أن إبليس كان من ~~حي من أحياء الملائكة يقال لهم الجن خلقوا من نار السموم، وخلقت الملائكة ~~من نور، وكان اسمه بالسريانية عزازيل، وبالعربية الحارث، وكان من خزان ~~الجنة وكان رئيس ملائكة السماء الدنيا وكان له سلطانها وسلطان الأرض، وكان ~~من أشد الملائكة اجتهادا وأكثرهم علما، وكان يسوس ما بين السماء والأرض، ~~فرأى لنفسه بذلك شرفا وعظمة، فذلك الذي دعاه إلى الكفر فعصى الله فمسخه ~~شيطانا رجيما. فإذا كانت خطيئة الرجل في كبر فلا ترجه، وإن كانت خطيئته في ~~معصية فارجه، وكانت خطيئة آدم عليه السلام معصية، وخطيئة إبليس كبرا. ~~والملائكة قد تسمى جنا لاستتارها، وفي التنزيل: " وجعلوا بينه وبين الجنة ~~نسبا (1) " [الصافات: 158]، وقال الشاعر (2) في ذكر سليمان عليه السلام: # وسخر من جن الملائك تسعة * قياما لديه يعملون بلا أجر وأيضا لما كان من ~~خزان الجنة نسب إليها فاشتق اسمه من اسمها، والله أعلم. وإبليس وزنه إفعيل، ~~مشتق من الابلاس وهو اليأس من رحمة الله تعالى. ولم ينصرف، لأنه معرفة ولا ~~نظير له في الأسماء فشبه بالأعجمية، قاله أبو عبيدة وغيره. وقيل: هو أعجمي ~~لا اشتقاق له فلم ينصرف للعجمة والتعريف، قاله الزجاج وغيره. # السادسة - قوله تعالى: (أبى) معناه امتنع من فعل ما أمر به، ومنه الحديث ~~الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا قرأ ابن آدم السجدة ~~[فسجد (3)] اعتزل الشيطان يبكي يقول يا ويله - وفي رواية: يا ويلي - أمر ~~ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار). خرجه ~~مسلم. يقال: أبى يأبى إباء، وهو حرف نادر جاء على فعل يفعل ليس فيه حرف من ~~حروف الحلق، وقد قيل: إن الألف مضارعة لحروف الحلق. ms0279 قال الزجاج: سمعت ~~إسماعيل بن إسحاق القاضي يقول: القول # PageV01P295 # عندي أن الألف مضارعة لحروف الحلق. قال النحاس: ولا أعلم أن أبا إسحاق ~~روى عن إسماعيل نحوا غير هذا الحرف. # السابعة - قوله تعالى: (واستكبر) الاستكبار: الاستعظام فكأنه كره السجود ~~في حقه واستعظمه في حق آدم، فكان ترك السجود لآدم تسفيها لأمر الله وحكمته. ~~وعن هذا الكبر عبر عليه السلام بقوله: (لا يدخل الجنة من [كان (1)] في قلبه ~~مثقال حبة من خردل من كبر). في رواية فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه ~~حسنا ونعله حسنة. # قال: (إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس). أخرجه مسلم. ~~ومعنى بطر الحق: تسفيهه وإبطاله. وغمط الناس: الاحتقار لهم والازدراء بهم. ~~ويروى: " وغمص " بالصاد المهملة، والمعنى واحد، يقال: غمصه يغمصه غمصا ~~واغتمصه، أي استصغره ولم يره شيئا. وغمص فلان النعمة إذا لم يشكرها. وغمصت ~~عليه قولا قاله، أي عبته عليه. وقد صرح اللعين بهذا المعنى فقال: " أنا خير ~~منه خلقتني من نار وخلقته من طين (2) " [ص: 76]. " أأسجد لمن خلقت طينا " ~~[الاسراء: 61]. " لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون " [الحجر: ~~33] فكفره الله بذلك. فكل من سفه شيئا من أوامر الله تعالى أو أمر رسوله ~~عليه السلام كان حكمه حكمه، وهذا ما لا خلاف فيه. وروى ابن القاسم عن مالك ~~أنه قال بلغني أن أول معصية كانت الحسد والكبر، حسد إبليس آدم، وشح آدم في ~~أكله من الشجرة. وقال قتادة: حسد إبليس آدم، على ما أعطاه الله من الكرامة ~~فقال: أنا ناري وهذا طيني. وكان بدء الذنوب الكبر، ثم الحرص حتى أكل آدم من ~~الشجرة، ثم الحسد إذ حسد ابن آدم أخاه. # الثامنة - قوله تعالى: (وكان من الكافرين) قيل: كان هنا بمعنى صار، ومنه ~~قوله تعالى: " فكان من المغرقين ". وقال الشاعر: (3) بتيهاء قفر والمطي ~~كأنها * قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها # PageV01P296 # أي صارت. وقال ابن فورك. " كان " هنا بمعنى صار خطأ ترده الأصول. وقال ~~جمهور المتأولين: المعنى أي كان في علم ms0280 الله تعالى أنه سيكفر، لان الكافر ~~حقيقة والمؤمن حقيقة هو الذي قد علم الله منه الموافاة. # قلت: وهذا صحيح، لقوله صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري: (وإنما ~~الأعمال بالخواتيم). وقيل: إن إبليس عبد الله تعالى ثمانين ألف سنة، وأعطي ~~الرياسة والخزانة في الجنة على الاستدراج، كما أعطى المنافقون شهادة أن لا ~~إله إلا الله على أطراف ألسنتهم، وكما أعطي بلعام (1) الاسم الأعظم على طرف ~~لسانه، فكان في رياسته والكبر في نفسه متمكن. # قال ابن عباس: كان يرى لنفسه أن له فضيلة على الملائكة بما عنده، فلذلك ~~قال: أنا خير منه، ولذلك قال الله عز وجل: " ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي ~~أستكبرت أم كنت من العالين (2) " [ص: 75] أي استكبرت ولا كبر لك، ولم أتكبر ~~أنا حين خلقته بيدي والكبر لي! فلذلك قال: " وكان من الكافرين ". [ص: 74]. ~~وكان أصل خلقته من نار العزة، ولذلك حلف بالعزة فقال: # " فبعزتك لأغوينهم أجمعين " [ص: 82] فالعزة أورثته الكبر حتى رأى الفضل ~~له على آدم عليه السلام. # وعن أبي صالح قال: خلقت الملائكة من نور العزة وخلق إبليس من نار العزة. # التاسعة - قال علماؤنا - رحمة الله عليهم -: ومن أظهر الله تعالى على ~~يديه ممن ليس بنبي كرامات وخوارق للعادات فليس ذلك دالا على ولايته، خلافا ~~لبعض الصوفية والرافضة حيث قالوا: إن ذلك يدل على أنه ولي، إذ لو لم يكن ~~وليا ما أظهر الله على يديه ما أظهر. ودليلنا أن العلم بأن الواحد منا ولي ~~لله تعالى لا يصح إلا بعد العلم بأنه يموت مؤمنا، وإذا لم يعلم أنه يموت ~~مؤمنا لم يمكنا أن نقطع على أنه ولي لله تعالى، لان الولي لله تعالى من علم ~~الله تعالى أنه لا يوافي إلا بالايمان. ولما اتفقنا على أننا لا يمكننا أن ~~نقطع على أن ذلك الرجل يوافي بالايمان، ولا الرجل نفسه يقطع على أنه يوافي ~~بالايمان، علم أن ذلك ليس # PageV01P297 # يدل على ولايته لله. قالوا: ولا نمنع أن يطلع الله بعض أوليائه على حسن ~~عاقبته ms0281 وخاتمة عمله وغيره معه، قال الشيخ أبو الحسن الأشعري وغيره. وذهب ~~الطبري إلى أن الله تعالى أراد بقصة إبليس تقريع أشباهه من بني آدم، وهم ~~اليهود الذي كفروا بمحمد عليه السلام مع علمهم بنبوته، ومع قدم نعم الله ~~عليهم وعلى أسلافهم. # العاشرة - واختلف هل كان قبل إبليس كافر أو لا؟ فقيل: لا، وإن إبليس أول ~~من كفر. وقيل: كان قبله قوم كفار وهم الجن وهم الذين كانوا في الأرض. ~~واختلف أيضا هل كفر إبليس جهلا أو عنادا على قولين بين أهل السنة، ولا خلاف ~~أنه كان عالما بالله تعالى قبل كفره. فمن قال إنه كفر جهلا قال: إنه سلب ~~العلم عند كفره. ومن قال كفر عنادا قال: كفر ومعه علمه. قال ابن عطية: ~~والكفر [عنادا (1)] مع بقاء العلم مستبعد، إلا أنه عندي جائز لا يستحيل مع ~~خذل الله لمن يشاء. # قوله تعالى: وقلنا يا آدم أسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ~~ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين (35) فيه ثلاث عشرة مسألة: # الأولى - قوله تعالى -: (وقلنا يا آدم أسكن) لا خلاف أن الله تعالى أخرج ~~إبليس عند كفره وأبعده عن الجنة، وبعد إخراجه قال لآدم: أسكن، أي لازم ~~الإقامة واتخذها مسكنا، وهو محل السكون. وسكن إليه يسكن سكونا. والسكن: ~~النار، قال الشاعر: # * قد قومت بسكن وأدهان * والسكن: كل ما سكن إليه. والسكين معروف سمي به ~~لأنه يسكن حركة المذبوح، ومنه المسكين لقلة تصرفه وحركته. وسكان (2) ~~السفينة عربي، لأنه يسكنها عن الاضطراب. # PageV01P298 # الثانية - في قوله تعالى: " أسكن " تنبيه على الخروج، لان السكنى لا تكون ~~ملكا، ولهذا قال بعض العارفين: السكنى تكون إلى مدة ثم تنقطع، فدخولهما في ~~الجنة كان دخول سكنى لا دخول إقامة (1). # قلت: وإذا كان هذا فيكون فيه دلالة على ما يقوله الجمهور من العلماء: إن ~~من أسكن رجلا مسكنا له أنه لا يملكه بالسكنى، وأن له أن يخرجه إذا انقضت ~~مدة الاسكان. وكان الشعبي يقول: إذا قال الرجل داري لك سكنى حتى تموت فهي ~~له ms0282 حياته وموته، وإذا قال: # داري هذه اسكنها حتى تموت فإنها ترجع إلى صاحبها إذا مات. ونحو من السكنى ~~العمرى، إلا أن الخلاف في العمرى أقوى منه في السكنى. وسيأتي الكلام في ~~العمرى في " هود (2) " إن شاء الله تعالى. قال الحربي: سمعت ابن الأعرابي ~~يقول: لم يختلف العرب في أن هذه الأشياء على ملك أربابها ومنافعها لمن جعلت ~~له العمرى والرقبى والافقار والاخبال والمنحة والعرية والسكنى والاطراق. ~~وهذا حجة مالك وأصحابه في أنه لا يملك شئ من العطايا إلا المنافع دون ~~الرقاب، وهو قول الليث بن سعد والقاسم بن محمد، ويزيد بن قسيط. # والعمري: هو إسكانك الرجل في دار لك مدة عمرك أو عمره. ومثله الرقبى: وهو ~~أن يقول: إن مت قبلي رجعت إلي وإن مت قبلك فهي لك، وهي من المراقبة. ~~والمراقبة: # أن يرقب كل واحد منهما موت صاحبه، ولذلك اختلفوا في إجازتها ومنعها، ~~فأجازها أبو يوسف والشافعي، وكأنها وصية عندهم. ومنعها مالك والكوفيون، لان ~~كل واحد منهم يقصد إلى عوض لا يدري هل يحصل له، ويتمنى كل واحد منهما موت ~~صاحبه. وفي الباب حديثان أيضا بالإجازة والمنع ذكرهما ابن ماجة في سننه، ~~الأول رواه جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~(العمرى جائزة لمن أعمرها والرقبى جائزة لمن أرقبها) ففي هذا الحديث ~~التسوية بين العمرى والرقبى في الحكم. الثاني رواه ابن عمر قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: (لا رقبى فمن أرقب شيئا فهو له حياته ومماته). ~~قال: والرقبى أن # PageV01P299 # يقول هو للآخر: مني ومنك موتا. فقوله: (لا رقبى) نهي يدل على المنع، ~~وقوله: (من أرقب شيئا فهو له) يدل على الجواز، وأخرجهما أيضا النسائي. وذكر ~~عن ابن عباس قال: العمرى والرقبى سواء. وقال ابن المنذر: ثبت أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: (العمرى جائزة لمن أعمرها والرقبى جائزة لمن ~~أرقبها). فقد صحح الحديث ابن المنذر، وهو حجة لمن قال بأن العمرى والرقبى ~~سواء. وروي عن علي وبه قال الثوري ms0283 وأحمد، وأنها لا ترجع إلى الأول أبدا، ~~وبه قال إسحاق. وقال طاوس: من أرقب شيئا فهو سبيل الميراث. # والافقار مأخوذ من فقار الظهر. أفقرتك ناقتي: أعرتك فقارها لتركبها. ~~وأفقرك الصيد إذا أمكنك من فقاره حتى ترميه. ومثله الاخبال، يقال: أخبلت ~~فلانا إذا أعرته ناقة يركبها أو فرسا يغزو عليه، قال زهير: # هنالك إن يستخبلوا المال يخبلوا * وإن يسئلوا يعطوا وإن ييسروا يغلوا ~~والمنحة: العطية. والمنحة: منحة اللبن. والمنيحة: الناقة أو الشاة يعطيها ~~الرجل آخر يحتلبها ثم يردها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (العارية ~~مؤداة والمنحة مردودة والدين مقضي والزعيم غارم). رواه أبو أمامة، أخرجه ~~الترمذي والدارقطني وغيرهما، وهو صحيح. # والاطراق: إعارة الفحل، استطرق فلان فلانا فحله: إذا طلبه ليضرب في إبله، ~~فأطرقه إياه، ويقال: أطرقني فحلك أي أعرني فحلك ليضرب في إبلي. وطرق الفحل ~~الناقة يطرق طروقا أي قعا عليها. وطروقة الفحل: أنثاه، يقال: ناقة طروقة ~~الفحل للتي بلغت أن يضربها الفحل. # الثالثة - قوله تعالى: (أنت وزوجك) " أنت " تأكيد للمضمر الذي في الفعل، ~~ومثله " فاذهب أنت وربك ". ولا يجوز أسكن وزوجك، ولا اذهب وربك، إلا في ~~ضرورة الشعر، كما قال: # قلت إذ أقبلت وزهر تهادى * كنعاج الملا تعسفن رملا (1) # PageV01P300 # ف " زهر " معطوف على المضمر في " أقبلت " ولم يؤكد ذلك المضمر. ويجوز في ~~غير القرآن على بعد: قم وزيد. # الرابعة - قوله تعالى: " وزوجك " لغة القرآن " زوج " بغير هاء، وقد تقدم ~~القول فيه (1). وقد جاء في صحيح مسلم: " زوجة " حدثنا عبد الله بن مسلمة بن ~~قعنب قال حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أنس أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان مع إحدى نسائه فمر به رجل فدعاه فجاء فقال: (يا فلان هذه ~~زوجتي فلانة): فقال يا رسول الله، من كنت أظن به فلم أكن أظن بك، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: (إن الشيطان يجري من الانسان مجرى الدم). وزوج ~~آدم عليه السلام هي حواء عليها السلام، وهو أول من سماها بذلك حين خلقت من ~~ضلعه ms0284 (2) من غير أن يحس آدم عليه السلام بذلك، ولو ألم بذلك لم يعطف رجل ~~على امرأته، فلما انتبه قيل له: من هذه؟ قال: امرأة قيل: وما اسمها؟ قال: ~~حواء، قيل: ولم سميت امرأة؟ قال: لأنها من المرء أخذت، قيل: ولم سميت حواء؟ ~~قال: لأنها خلقت من حي. روي أن الملائكة سألته عن ذلك لتجرب علمه، وأنهم ~~قالوا له: أتحبها يا آدم؟ قال: نعم، قالوا لحواء: أتحبينه يا حواء؟ قالت: ~~لا، وفي قلبها أضعاف ما في قلبه من حبه. قالوا: فلو صدقت امرأة في حبها ~~لزوجها لصدقت حواء. وقال ابن مسعود وابن عباس: لما أسكن آدم الجنة مشى فيها ~~مستوحشا، فلما نام خلقت حواء من ضلعه القصرى من شقه الأيسر ليسكن إليها ~~ويأنس بها، فلما انتبه رآها فقال: من أنت؟ قالت: امرأة خلقت من ضلعك لتسكن ~~إلي، وهو معنى قوله تعالى: " هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ~~ليسكن إليها " (3) [الأعراف: 189]. قال العلماء: ولهذا كانت المرأة عوجاء، ~~لأنها خلقت من أعوج وهو الضلع. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # (إن المرأة خلقت من ضلع - في رواية: وإن أعوج شئ في الضلع أعلاه - لن ~~تستقيم # PageV01P301 # لك على طريقة واحدة فإن استمتعت بها استمتعت [بها] (1) وبها عوج وإن ذهبت ~~تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها). وقال الشاعر: # هي الضلع العوجاء ليست تقيمها * ألا إن تقويم الضلوع انكسارها أتجمع ضعفا ~~واقتدارا على الفتى * أليس عجيبا ضعفها واقتدارها ومن هذا الباب استدل ~~العلماء على ميراث الخنثى المشكل إذا تساوت فيه علامات النساء والرجال من ~~الحية والثدي والمبال بنقص الأعضاء. فإن نقصت أضلاعه عن أضلاع المرأة أعطي ~~نصيب رجل - روي ذلك عن علي رضي الله عنه - لخلق حواء من أحد أضلاعه، وسيأتي ~~في المواريث بيان هذا إن شاء الله تعالى (2). # الخامسة - قوله تعالى: (الجنة) الجنة: البستان، وقد تقدم القول (3) فيها. # ولا التفات لما ذهبت إليه المعتزلة والقدرية من أنه لم يكن في جنة الخلد ~~وإنما كان في جنة ms0285 بأرض عدن. واستدلوا على بدعتهم بأنها لو كانت جنة الخلد ~~لما وصل إليه إبليس، فإن الله يقول: " لا لغو فيها (4) ولا تأثيم " [الطور: ~~23] وقال " لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا (5) " [النبأ: 35] وقال: " لا ~~يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما. إلا قيلا سلاما (6) " [الواقعة: 25 - 26]. ~~وأنه لا يخرج منها أهلها لقوله: " وما هم منها بمخرجين (7) " [الحجر: 48]. ~~وأيضا فإن جنة الخلد هي دار القدس، قدست عن الخطايا والمعاصي تطهيرا لها. ~~وقد لغا فيها إبليس وكذب، وأخرج منها آدم وحواء بمعصيتهما. # قالوا: وكيف يجوز على آدم مع مكانه من الله وكمال عقله أن يطلب شجرة ~~الخلد وهو في دار الخلد والملك الذي لا يبلى؟ فالجواب: أن الله تعالى عرف ~~الجنة بالألف واللام، ومن قال: أسأل الله الجنة، لم يفهم منه في تعارف ~~الخلق إلا طلب جنة الخلد. ولا يستحيل في العقل دخول إبليس الجنة لتغرير ~~آدم، وقد لقي موسى آدم عليهما السلام فقال له موسى: # أنت أشقيت ذريتك وأخرجتهم من الجنة، فأدخل الألف واللام ليدل على أنها ~~جنة الخلد # PageV01P302 # المعروفة، فلم ينكر ذلك آدم، ولو كانت غيرها لرد على موسى، فلما سكت آدم ~~على ما قرره موسى صح أن الدار التي أخرجهم الله عز وجل منها بخلاف الدار ~~التي أخرجوا إليها. # وأما ما احتجوا به من الآي فذلك إنما جعله الله فيها بعد دخول أهلها فيها ~~يوم القيامة، ولا يمتنع أن تكون دار الخلد لمن أراد الله تخليده فيها وقد ~~يخرج منها من قضي عليه بالفناء. وقد أجمع أهل التأويل على أن الملائكة ~~يدخلون الجنة على أهل الجنة ويخرجون منها، وقد كان مفاتيحها بيد إبليس ثم ~~انتزعت منه بعد المعصية، وقد دخلها النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الاسراء ~~ثم خرج منها وأخبر بما فيها وأنها هي جنة الخلد حقا. وأما قولهم: إن الجنة ~~دار القدس وقد طهرها الله تعالى من الخطايا فجهل منهم، وذلك أن الله تعالى ~~أمر بني إسرائيل أن يدخلوا الأرض المقدسة وهي الشام، وأجمع أهل الشرائع على ~~أن الله تعالى ms0286 قدسها وقد شوهد فيها المعاصي والكفر والكذب ولم يكن تقديسها ~~مما يمنع فيها المعاصي، وكذلك دار القدس. قال أبو الحسن بن بطال: وقد حكى ~~بعض المشايخ أن أهل السنة مجمعون على أن جنة الخلد هي التي أهبط منها آدم ~~عليه السلام، فلا معنى لقول من خالفهم. وقولهم: كيف يجوز على آدم في كمال ~~عقله أن يطلب شجرة الخلد وهو في دار الخلد، فيعكس عليهم ويقال: كيف يجوز ~~على آدم وهو في كمال عقله أن يطلب شجرة الخلد في دار الفناء! هذا ما لا ~~يجوز على من له أدنى مسكة من عقل، فكيف بآدم الذي هو أرجح الخلق عقلا، على ~~ما قال أبو أمامة على ما يأتي. # السادسة - قوله تعالى: (وكلا منها رغدا حيث شئتما) قراءة الجمهور " رغدا ~~" بفتح الغين. وقرأ النخعي وابن وثاب بسكونها. والرغد: العيش الدار الهني ~~الذي لا عناء فيه، قال: # بينما المرء تراه ناعما * يأمن الاحداث في عيش رغد (1) ويقال: رغد عيشهم ~~ورغد (بضم الغين وكسرها). وأرغد القوم: أخصبوا وصاروا في رغد من العيش. وهو ~~منصوب على الصفة لمصدر محذوف، وحيث وحيث وحيث، وحوث وحوث وحاث، كلها لغات، ~~ذكرها النحاس وغيره. # PageV01P303 # السابعة - قوله تعالى: " ولا تقربا هذه الشجرة " أي لا تقرباها بأكل، لان ~~الإباحة (1) فيه وقعت. قال ابن العربي: سمعت الشاشي في مجلس النضر [بن ~~شميل] (2) يقول: # إذا قيل لا تقرب (بفتح الراء) كان معناه لا تلبس بالفعل، وإذا كان (بضم ~~الراء) فإن معناه لا تدن منه. وفي الصحاح: قرب الشئ يقرب قربا أي دنا. ~~وقربته (بالكسر) أقربه قربانا أي دنوت منه. وقربت أقرب قرابة - مثل كتبت ~~أكتب كتابة - إذا سرت إلى الماء وبينك وبينه ليلة، والاسم القرب. قال ~~الأصمعي: قلت لاعرابي: ما القرب؟ فقال: سير الليل لورد الغد. وقال ابن ~~عطية: قال بعض الحذاق: إن الله تعالى لما أراد النهي عن أكل الشجرة نهى عنه ~~بلفظ يقتضي الاكل وما يدعو إليه العرب وهو القرب. قال ابن عطية: # وهذا مثال بين في سد الذرائع. وقال بعض أرباب ms0287 المعاني قوله: " ولا تقربا ~~" إشعار بالوقوع في الخطيئة والخروج من الجنة، وأن سكناه فيها لا يدوم، لان ~~المخلد لا يحظر عليه شئ ولا يؤمر ولا ينهى. والدليل على هذا قوله تعالى " ~~إني جاعل في الأرض خليفة " [البقرة: 30] فدل على خروجه منها. # الثامنة - قوله تعالى: " هذه الشجرة " الاسم المبهم ينعت بما فيه الألف ~~واللام لا غير، كقولك: مررت بهذا الرجل وبهذه المرأة وهذه الشجرة. وقرأ ابن ~~محيصن: # " هذي الشجرة " بالياء وهو الأصل، لان الهاء في هذه بدل من ياء ولذلك ~~انكسر ما قبلها، وليس في الكلام هاء تأنيث قبلها كسرة سواها، وذلك لان ~~أصلها الياء. # PageV01P304 # والشجرة والشجرة والشيرة، ثلاث لغات وقرئ " الشجرة " بكسر الشين. والشجرة ~~والشجرة: ما كان على ساق من نبات الأرض. وأرض شجيرة وشجراء أي كثيرة ~~الأشجار، وواد شجير، ولا يقال: واد أشجر. وواحد الشجراء شجرة، ولم يأت من ~~الجمع على هذا المثال إلا أحرف يسيرة: شجرة وشجراء، وقصبة وقصباء، وطرفة ~~وطرفاء، وحلفة وحلفاء. وكان الأصمعي يقول في واحد الحلفاء: حلفة، بكسر ~~اللام مخالفة لأخواتها. وقال سيبويه: الشجراء واحد وجمع، وكذلك القصباء ~~والطرفاء والحلفاء. والمشجرة: موضع الأشجار. وأرض مشجرة، وهذه الأرض أشجر ~~من هذه أي أكثر شجرا، قال الجوهري. # التاسعة - واختلف أهل التأويل في تعيين هذه الشجرة التي نهي عنها فأكل ~~منها، فقال ابن مسعود وابن عباس وسعيد بن جبير وجعدة بن هبيرة: هي الكرم، ~~ولذلك حرمت علينا الخمر. وقال ابن عباس أيضا وأبو مالك وقتادة: هي السنبلة، ~~والحبة منها ككلى البقر، أحلى من العسل وألين من الزبد، قاله وهب بن منبه. ~~ولما تاب الله على آدم جعلها غذاء لبنيه. وقال ابن جريج عن بعض الصحابة: هي ~~شجرة التين، وكذا روى سعيد (1) عن قتادة، ولذلك تعبر في الرؤيا بالندامة ~~لآكلها من أجل ندم آدم عليه السلام على أكلها، ذكره السهيلي. # قال ابن عطية: وليس في شئ من هذا التعيين ما يعضده خبر، وإنما الصواب أن ~~يعتقد أن الله تعالى نهى آدم عن شجرة فخالف هو إليها وعصى في الاكل ms0288 منها. ~~وقال القشيري أبو نصر: # وكان الامام والدي رحمه الله يقول: يعلم على الجملة أنها كانت شجرة ~~المحنة. # العاشرة - واختلفوا كيف أكل منها مع الوعيد المقترن بالقرب وهو قوله ~~تعالى: # " فتكونا من الظالمين "، فقال قوم: أكلا من غير التي أشير إليها فلم ~~يتأولا النهي واقعا على جميع جنسها، كأن إبليس غره [بالأخذ] (2) بالظاهر ~~قال ابن العربي: وهي أول معصية عصى الله بها على هذا القول. قال: " وفيه ~~دليل على أن من حلف ألا يأكل من هذا الخبز فأكل من جنسه حنث. وتحقيق ~~المذاهب فيه أن أكثر العلماء قالوا: لا حنث فيه. وقال # PageV01P305 # مالك وأصحابه: إن اقتضى بساط اليمين تعيين المشار إليه لم يحنث بأكل ~~جنسه، وإن اقتضى بساط اليمين أو سببها أو نيتها الجنس حمل عليه وحنث بأكل ~~غيره، وعليه حملت قصة آدم عليه السلام فإنه نهي عن شجرة عينت له وأريد بها ~~جنسها، فحمل القول على اللفظ دون المعنى. # وقد اختلف علماؤنا في فرع من هذا، وهو أنه إذا حلف ألا يأكل هذه الحنطة ~~فأكل خبزا منها على قولين، قال في الكتاب: يحنث، لأنها هكذا تؤكل. وقال ابن ~~المواز: لا شئ عليه، لأنه لم يأكل حنطة وإنما أكل خبزا فراعى الاسم والصفة ~~ولو قال في يمينه: لا آكل من هذه الحنطة لحنث بأكل الخبز المعمول منها ". ~~وفيما اشترى بثمنها من طعام وفيما أنبتت خلاف. وقال آخرون: تأولا النهي على ~~الندب. قال ابن العربي: وهذا وإن كان مسألة من أصول الفقه فقد سقط ذلك ها ~~هنا، لقوله: " فتكونا من الظالمين " [البقرة: 35] فقرن النهي بالوعيد، ~~وكذلك قوله سبحانه: " فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى " (1) [طه: 117]. وقال ~~ابن المسيب: # إنما أكل آدم بعد أن سقته حواء الخمر فسكر وكان في غير عقله. وكذلك قال ~~يزيد بن قسيط، وكانا يحلفان بالله أنه ما أكل من هذه الشجرة وهو يعقل. قال ~~ابن العربي: وهذا فاسد نقلا وعقلا، أما النقل فلم يصح بحال، وقد وصف الله ~~عز وجل خمر الجنة فقال: " لا فيها غول ". وأما العقل ms0289 فلان الأنبياء بعد ~~النبوة معصومون عما يؤدي إلى الاخلال بالفرائض واقتحام الجرائم. # قلت: قد استنبط بعض العلماء نبوة آدم عليه السلام قبل إسكانه الجنة من ~~قوله تعالى: # " فلما أنبأهم بأسمائهم " [البقرة: 33] فأمره الله تعالى أن ينبئ ~~الملائكة بما ليس عندهم من علم الله عز وجل. # وقيل: أكلها ناسيا، ومن الممكن أنهما نسيا الوعيد. # قلت: وهو الصحيح لاخبار الله تعالى في كتابه بذلك حتما وجزما فقال: " ~~ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما (1) " [طه: 115]. ولكن لما ~~كان الأنبياء عليهم السلام يلزمهم من التحفظ والتيقظ لكثرة معارفهم وعلو ~~منازلهم ما لا يلزم غيرهم كان تشاغله عن تذكر النهي تضييعا صار به عاصيا، ~~أي مخالفا. قال أبو أمامة: لو أن أحلام بني آدم منذ خلق الله الخلق إلى يوم ~~القيامة وضعت في كفة ميزان ووضع حلم آدم في كفة أخرى لرجحهم، وقد قال الله ~~تعالى: " ولم نجد له عزما ". # PageV01P306 # قلت: قول أبي أمامة هذا عموم في جميع بني آدم. وقد يحتمل أن يخص من ذلك ~~نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه كان أوفر الناس حلما وعقلا. وقد يحتمل ~~أن يكون المعنى لو أن أحلام بني آدم من غير الأنبياء. والله أعلم. # قلت: والقول الأول أيضا حسن، فظنا أن المراد العين وكان المراد الجنس، ~~كقول النبي صلى الله عليه وسلم حين أخذ ذهبا وحريرا فقال: (هذان حرامان على ~~ذكور أمتي). # وقال في خبر آخر: (هذان مهلكان أمتي). وإنما أراد الجنس لا العين. # الحادية عشرة - يقال: إن أول من أكل من الشجرة حواء بإغواء إبليس إياها - ~~على ما يأتي بيانه - وإن أول كلامه كان معها لأنها وسواس المخدة، وهي أول ~~فتنة دخلت على الرجال من النساء، فقال: ما منعتما هذه الشجرة إلا أنها شجرة ~~الخلد، لأنه علم منهما أنهما كانا يحبان الخلد، فأتاهما من حيث أحبا - " ~~حبك الشئ يعمي ويصم " - فلما قالت حواء لآدم أنكر عليها وذكر العهد، فألح ~~على حواء وألحت حواء على آدم، إلى أن قالت: أنا آكل ms0290 قبلك حتى إن أصابني شئ ~~سلمت أنت، فأكلت فلم يضرها، فأتت آدم فقالت: كل فإني قد أكلت فلم يضرني، ~~فأكل فبدت لهما سوآتهما وحصلا في حكم الذنب، لقول الله تعالى: # " ولا تقربا هذه الشجرة " فجمعهما في النهي، فلذلك لم تنزل بها العقوبة ~~حتى وجد المنهي عنه منهما جميعا، وخفيت على آدم هذه المسألة، ولهذا قال بعض ~~العلماء: إن من قال لزوجتيه أو أمتيه: إن دخلتما الدار فأنتما طالقتان أو ~~حرتان، إن الطلاق والعتق لا يقع بدخول إحداهما. وقد اختلف علماؤنا في ذلك ~~على ثلاثة أقوال، قال ابن القاسم: لا تطلقان ولا تعتقان إلا باجتماعهما في ~~الدخول، حملا على هذا الأصل وأخذا بمقتضى مطلق اللفظ. # وقاله سحنون. وقال ابن القاسم مرة أخرى: تطلقان جميعا وتعتقان جميعا ~~بوجود الدخول من إحداهما، لان بعض الحنث حنث، كما لو حلف ألا يأكل هذين ~~الرغيفين فإنه بحنث بأكل أحدهما بل بأكل لقمة منهما. وقال أشهب: تعتق وتطلق ~~التي دخلت وحدها، لان دخول PageV01P307 # كل واحدة منهما شرطا في طلاقها أو عتقها. قال ابن العربي: وهذا بعيد، لان ~~بعض الشرط لا يكون شرطا إجماعا. # قلت: الصحيح الأول، وإن النهي إذا كان معلقا على فعلين لا تتحقق المخالفة ~~إلا بهما، لأنك إذا قلت: لا تدخلا الدار، فدخل أحدهما ما وجدت المخالفة ~~منهما، لان قول الله تعالى " ولا تقربا هذه الشجرة " [البقرة: 35] نهي لهما ~~" فتكونا من الظالمين " [البقرة: 35] جوابه، فلا يكونا من الظالمين حتى ~~يفعلا، فلما أكلت لم يصبها شئ، لان المنهي عنه ما وجد كاملا. وخفي هذا ~~المعنى على آدم فطمع ونسي هذا الحكم، وهو معنى قوله تعالى: " ولقد عهدنا ~~إلى آدم من قبل فنسي " [طه: 115] وقيل: # نسي قوله: " إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى " [طه: ~~117]. والله أعلم. # الثانية عشرة - واختلف العلماء في هذا الباب هل وقع من الأنبياء - صلوات ~~الله عليهم أجمعين - صغائر من الذنوب يؤاخذون بها ويعاتبون عليها أم لا - ~~بعد اتفاقهم على أنهم معصومون من الكبائر ومن كل رزيلة فيها شين ms0291 ونقص ~~إجماعا عند القاضي أبي بكر (1)، وعند الأستاذ أبي إسحاق (2) أن ذلك مقتضى ~~دليل المعجزة، وعند المعتزلة أن ذلك مقتضى دليل العقل على أصولهم -، فقال ~~الطبري وغيره من الفقهاء والمتكلمين والمحدثين: تقع الصغائر منهم. # خلافا للرافضة حيث قالوا: إنهم معصومون من جميع ذلك، واحتجوا بما وقع من ~~ذلك في التنزيل وثبت من تنصلهم من ذلك في الحديث، وهذا ظاهر لا خفاء فيه. ~~وقال جمهور من الفقهاء من أصحاب مالك وأبي حنيفة والشافعي: إنهم معصومون من ~~الصغائر كلها كعصمتهم من الكبائر أجمعها، لأنا أمرنا باتباعهم في أفعالهم ~~وآثارهم وسيرهم أمرا مطلقا من غير التزام قرينة، فلو جوزنا عليهم الصغائر ~~لم يمكن الاقتداء بهم، إذ ليس كل فعل من أفعالهم يتميز مقصده من القربة ~~والإباحة أو الحظر أو المعصية، ولا يصح أن يؤمر المرء بامتثال أمر لعله ~~معصية، لا سيما على من يرى تقديم الفعل على القول إذا تعارضا من الأصوليين. ~~قال # PageV01P308 # الأستاذ أبو إسحاق الأسفرايني: واختلفوا في الصغائر، والذي عليه الأكثر ~~أن ذلك غير جائز عليهم، وصار بعضهم إلى تجويزها، ولا أصل لهذه المقالة. ~~وقال بعض المتأخرين ممن ذهب إلى القول الأول: الذي ينبغي أن يقال إن الله ~~تعالى قد أخبر بوقوع ذنوب من بعضهم ونسبها إليهم وعاتبهم عليها، وأخبروا ~~بها عن نفوسهم وتنصلوا منها وأشفقوا منها وتابوا، وكل ذلك ورد في مواضع ~~كثيرة لا يقبل التأويل جملتها وإن قبل ذلك آحادها، وكل ذلك مما لا يزري ~~بمناصبهم، وإنما تلك الأمور التي وقعت منهم على جهة الندور وعلى جهة الخطأ ~~والنسيان، أو تأويل دعا إلى ذلك فهي بالنسبة إلى غيرهم حسنات وفي حقهم ~~سيئات، [بالنسبة] إلى مناصبهم وعلو أقدارهم، إذ قد يؤاخذ الوزير بما يثاب ~~عليه السائس، فأشفقوا من ذلك في موقف القيامة مع علمهم بالأمن والأمان ~~والسلامة. قال: وهذا هو الحق. ولقد أحسن الجنيد حيث قال: حسنات الأبرار ~~سيئات المقربين. فهم - صلوات الله وسلامه عليهم - وإن كان قد شهدت النصوص ~~بوقوع ذنوب منهم فلم يخل ذلك بمناصبهم ولا قدح في ms0292 رتبهم، بل قد تلافاهم ~~واجتباهم وهداهم ومدحهم وزكاهم واختارهم واصطفاهم، صلوات الله عليهم ~~وسلامه. # الثالثة عشرة - قوله تعالى: (فتكونا من الظالمين) الظلم أصله وضع الشئ في ~~غير موضعه. والأرض المظلومة: التي لم تحفر قط ثم حفرت. قال النابغة. # وقفت فيها أصيلا لا وأسائلها * عيت جوابا وما بالربع من أحد إلا الأواري ~~لأيا ما أبينها * والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد (1) ويسمى ذلك التراب ~~الظليم. قال الشاعر: # فأصبح في غبراء بعد إشاحة (2) * على العيش مردود عليها ظليمها # PageV01P309 # وإذا نحر البعير من غير داء به فقد ظلم، ومنه: *... ظلامون للجزر (1) * ~~ويقال: سقانا ظليمة طيبة، إذا سقاهم اللبن قبل إدراكه. وقد ظلم (2) وطبه، ~~إذا سقى منه قبل أن يروب ويخرج زبده. واللبن مظلوم وظليم. قال: # وقائلة ظلمت لكم سقائي * وهل يخفى على العكد الظليم (3) ورجل ظليم: شديد ~~الظلم. والظلم: الشرك، قال الله تعالى: " إن الشرك لظلم عظيم " (4) [لقمان: ~~13]. # قوله تعالى: (وكلا منها رغدا) حذفت النون من (كلا) لأنه أمر وحذفت الهمزة ~~لكثرة الاستعمال وحذفها شاذ. قال سيبويه: من العرب من يقول أؤكل، فيتم. ~~يقال منه: # أكلت الطعام أكلا ومأكلا. والأكلة (بالفتح): المرة الواحدة حتى تشبع. ~~والأكلة (بالضم): اللقمة تقول: أكلت أكلة واحدة، أي لقمة وهي القرصة أيضا. ~~وهذا الشئ أكلة لك أي طعمة لك. والاكل أيضا ما أكل. ويقال: فلان ذو أكل إذا ~~كان ذا حظ من الدنيا ورزق واسع. (رغدا) نعت لمصدر محذوف أي أكلا رغدا. # قال ابن كيسان: ويجوز أن يكون مصدرا في موضع الحال. وقال مجاهد: (رغدا) ~~أي لا حساب عليهم. والرغد في اللغة: الكثير الذي لا يعنيك ويقال: أرغد ~~القوم إذا وقعوا في خصب وسعة. وقد تقدم (5) هذا المعنى. و (حيث) مبنية على ~~الضم لأنها خالفت أخواتها الظروف في أنها لا تضاف فأشبهت قبل وبعد إذا ~~أفردتا فضمت. قال الكسائي: # لغة قيس وكنانة الضم ولغة تميم الفتح. قال الكسائي: وبنو أسد يخفضونها في ~~موضع الخفض وينصبونها في موضع النصب قال الله تعالى: (سنستدرجهم من حيث لا ~~يعلمون (6) وتضم وتفتح. (ولا تقربا ms0293 هذه الشجرة) الهاء من (هذه) بدل من ياء ~~الأصل لان الأصل هذى. قال النحاس: ولا أعلم في العربية هاء تأنيث مكسورا ما ~~قبلها # PageV01P310 # إلا هاء (هذه). ومن العرب من يقول: هاتا هند ومنهم من يقول: هاتي هند. # وحكى سيبويه: هذه هند بإسكان الهاء. وحكى الكسائي عن العرب: ولا تقربا ~~هذى الشجرة. وعن شبل بن عباد قال: كان ابن كثير وابن محيصن لا يثبتان الهاء ~~في (هذه) في جميع القرآن. وقراءة الجماعة (رغدا) بفتح الغين. وروى عن ابن ~~وثاب والنخعي أنهما سكنا الغين. وحكى سلمة عن الفراء قال يقال: هذه فعلت ~~وهذى فعلت فإثبات ياء بعد الذال. وهذا فعلت بكسر الذال من غير إلحاق ياء ~~ولا هاء. وهاتا فعلت. قال هشام ويقال: تافعلت. وأنشد: # خليلي لولا ساكن الدار لم أقم * بتا الدار إلا عابر ابن سبيل قال ابن ~~الأنباري: وتا بإسقاط ها بمنزله ذي بإسقاط ها من هذى وبمنزلة ذه بإسقاط ها ~~من هذه. وقد قال الفراء: من قال هذه قامت لا يسقط ها لان الاسم لا يكون على ~~ذال واحدة. # " فتكونا " عطف على " تقربا " فلذلك حذفت النون. وزعم الجرمي (1) أن ~~الفاء هي الناصبة، وكلاهما جائز. # قوله تعالى: فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا ~~بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين (36) قوله تعالى: ~~(فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه) فيه عشر مسائل: # الأولى: قوله تعالى: " فأزلهما الشيطان عنها " قرأ الجماعة " فأزلهما " ~~بغير ألف، من الزلة وهي الخطيئة، أي استزلهما وأوقعهما فيها. وقرأ حمزة " ~~فأزالهما " بألف، من التنحية، أي نحاهما. يقال: أزلته فزال. قال ابن كيسان: ~~فأزالهما من الزوال، أي صرفهما عما كانا عليه من الطاعة إلى المعصية. # قلت: وعلى هذا تكون القراءتان بمعنى، إلا أن قراءة الجماعة أمكن في ~~المعنى. يقال منه: # أزللته فزل. ودل على هذا قوله تعالى: " إنما استزلهم الشيطان ببعض ما ~~كسبوا (2) " [آل عمران: 155]، وقوله: # PageV01P311 # " فوسوس لهما الشيطان " والوسوسة إنما هي إدخالهما في الزلل بالمعصية، ~~وليس للشيطان قدرة على زوال أحد ms0294 من مكان إلى مكان إنما قدرته [على] إدخاله ~~في الزلل، فيكون ذلك سببا إلى زواله من مكان إلى مكان يذنبه. وقد قيل: إن ~~معنى أزلهما من زل عن المكان إذا تنحى، فيكون في المعنى كقراءة حمزة من ~~الزوال. قال امرؤ القيس: # يزل الغلام الخف عن صهواته * ويلوي بأثواب العنيف المثقل (1) وقال أيضا: # كميت يزل اللبد عن حال متنه * كما زلت الصفواء بالمتنزل (2) الثانية - ~~قوله تعالى: " فأخرجهما مما كانا فيه " إذا جعل أزال من زال عن المكان ~~فقوله: " فأخرجهما " تأكيد وبيان للزوال، إذ قد يمكن أن يزولا عن مكان كانا ~~فيه إلى مكان آخر من الجنة، وليس كذلك، وإنما كان إخراجهما من الجنة إلى ~~الأرض، لأنهما خلقا منها، وليكون آدم خليفة في الأرض. ولم يقصد إبليس - ~~لعنه الله - إخراجه منها وإنما قصد إسقاطه من مرتبته وإبعاده كما أبعد هو، ~~فلم يبلغ مقصده ولا أدرك مراده، بل ازداد سخنة (3) عين وغيظ نفس وخيبة ظن. ~~قال الله جل ثناؤه: " ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى " (4) [طه: 122] فصار ~~عليه السلام خليفة الله في أرضه بعد أن كان جارا له في داره، فكم بين ~~الخليفة والجار! صلى الله عليه وسلم. ونسب ذلك إلى إبليس، لأنه كان بسببه ~~وإغوائه. ولا خلاف بين أهل التأويل وغيرهم أن إبليس كان متولي إغواء آدم، ~~واختلف في الكيفية، فقال ابن مسعود وابن عباس وجمهور العلماء أغواهما ~~مشافهة، ودليل ذلك قوله تعالى: " وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين " ~~والمقاسمة ظاهرها المشافهة. وقال بعضهم، وذكره عبد الرزاق عن وهب بن منبه،: ~~دخل الجنة في فم الحية وهي ذات أربع كالبختية من أحسن دابة خلقها الله ~~تعالى بعد أن عرض # PageV01P312 # نفسه على كثير من الحيوان فلم يدخله إلا الحية، فلما دخلت به الجنة خرج ~~من جوفها إبليس فأخذ من الشجرة التي نهى الله آدم وزوجه عنها فجاء بها إلى ~~حواء فقال: انظري إلى هذه الشجرة، ما أطيب ريحها وأطيب طعمها وأحسن لونها! ~~فلم يزل يغويها حتى أخذتها حواء فأكلتها. ثم أغوى آدم، وقالت له ms0295 حواء: كل ~~فإني قد أكلت فلم يضرني، فأكل منها فبدت لهما سوآتهما وحصلا في حكم الذنب، ~~فدخل آدم في جوف الشجرة، فناداه ربه: أين أنت؟ # فقال: أنا هذا يا رب، قال: ألا تخرج؟ قال أستحي منك يا رب، قال: أهبط إلى ~~الأرض التي خلقت منها. ولعنت الحية وردت قوائمها في جوفها وجعلت العداوة ~~بينها وبين بني آدم، ولذلك أمرنا بقتلها، على ما يأتي بيانه. وقيل لحواء: ~~كما أدميت الشجرة فكذلك يصيبك الدم كل شهر وتحملين وتضعين كرها تشرفين به ~~على الموت مرارا. زاد الطبري والنقاش: # وتكوني سفيهة وقد كنت حليمة. وقالت طائفة: إن إبليس لم يدخل الجنة إلى ~~آدم بعد ما أخرج منها وإنما أغوى بشيطانه وسلطانه ووسواسه التي أعطاه الله ~~تعالى، كما قال صلى الله عليه وسلم: (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى ~~الدم). والله أعلم. وسيأتي في الأعراف (1) أنه لما أكل بقي عريانا وطلب ما ~~يستتر به فتباعدت عنه الأشجار وبكتوه بالمعصية، فرحمته شجرة التين، فأخذ من ~~ورقه فاستتر به، فبلي بالعري دون الشجر. والله أعلم. # وقيل: إن الحكمة في إخراج آدم من الجنة عمارة الدنيا. # الثالثة: يذكر أن الحية كانت خادم آدم عليه السلام في الجنة فخانته بأن ~~مكنت عدو الله من نفسها وأظهرت العداوة له هناك، فلما أهبطوا تأكدت العداوة ~~وجعل رزقها التراب، وقيل لها: أنت عدو بني آدم وهم أعداؤك وحيث لقيك منهم ~~أحد شدخ رأسك. # روى ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (خمس يقتلهن المحرم) ~~فذكر الحية فيهن. وروي أن إبليس قال لها: أدخليني الجنة وأنت في ذمتي، فكان ~~ابن عباس يقول: # أخفروا (2) ذمة إبليس. وروت ساكنة بنت الجعد عن سراء (3) بنت نبهان ~~الغنوية قالت: سمعت # PageV01P313 # رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (اقتلوا) الحيات صغيرها وكبيرها ~~وأسودها وأبيضها فإن من قتلها كانت له فداء من النار ومن قتلته كان شهيدا). ~~قال علماؤنا: وإنما كانت له فداء من النار لمشاركتها إبليس وإعانته على ضرر ~~آدم وولده، فلذلك كان من ms0296 قتل حية فكأنما قتل كافرا. وقد قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: (لا يجتمع كافر وقاتله في النار أبدا). # أخرجه مسلم وغيره. # الرابعة - روى ابن جريج عن عمرو بن دينار عن أبي عبيدة (1) بن عبد الله ~~بن مسعود قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم: بمنى فمرت حية فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # (اقتلوها) فسبقتنا إلى حجر فدخلته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~(هاتوا بسعفة ونار فأضرموها عليه نارا). قال علماؤنا: وهذا الحديث يخص نهيه ~~عليه السلام عن المثلة وعن أن يعذب أحد بعذاب الله تعالى، قالوا: فلم (2) ~~يبق لهذا العدو حرمة حيث فاته حتى أوصل إليه الهلاك من حيث قدر. # فإن قيل: قد روي عن إبراهيم النخعي أنه كره أن تحرق العقرب بالنار، وقال: ~~هو مثلة. قيل له: يحتمل أن يكون لم يبلغه هذا الأثر عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وعمل على الأثر الذي جاء: (لا تعذبوا بعذاب الله) فكان على هذا سبيل ~~العمل عنده. # فإن قيل: فقد روى مسلم عن عبد الله بن مسعود قال: كنا مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم في غار وقد أنزلت عليه: " والمرسلات عرفا " [المرسلات: 1] فنحن ~~نأخذها من فيه رطبة، إذ خرجت علينا حية، فقال: (اقتلوها)، فابتدرناها ~~لنقتلها فسبقتنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # (وقاها الله شركم كما وقاكم شرها). فلم يضرم نارا ولا احتال في قتلها. ~~قيل له: يحتمل أن يكون لم يجد نارا فتركها، أو لم يكن الجحر بهيئة ينتفع ~~بالنار هناك مع ضرر الدخان وعدم وصوله إلى الحيوان. والله أعلم. وقوله: ~~(وقاها الله شركم) أي قتلكم إياها (كما وقاكم شرها) أي لسعها. # PageV01P314 # الخامسة: الامر بقتل الحيات من باب الارشاد إلى دفع المضرة المخوفة من ~~الحيات، فما كان منها متحقق الضرر وجبت المبادرة إلى قتله، لقوله: (اقتلوا ~~الحيات واقتلوا ذا الطفيتين (1) والأبتر فإنهما يخطفان البصر ويسقطان ~~الحبل). فخصهما بالذكر مع أنهما دخلا في العموم ونبه على ذلك بسبب عظم ~~ضررهما. وما لم ms0297 يتحقق ضرره فما كان منها في غير البيوت قتل أيضا لظاهر ~~الامر العام، ولأن نوع الحيات غالبه الضرر، فيستصحب ذلك فيه، ولأنه كله ~~مروع بصورته وبما في النفوس من النفرة عنه، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: ~~(إن الله يحب الشجاعة ولو على قتل حية). فشجع على قتلها. وقال فيما خرجه ~~أبو داود من حديث عبد الله بن مسعود مرفوعا: (اقتلوا الحيات [كلهن] (2) فمن ~~خاف ثأرهن فليس مني). والله أعلم. # السادسة: ما كان من الحيات في البيوت فلا يقتل حتى يؤذن ثلاثة أيام، ~~لقوله عليه السلام: (إن بالمدينة جنا قد أسلموا فإذا رأيتم منهم شيئا ~~فأذنوه ثلاثة أيام). وقد حمل بعض العلماء هذا الحديث على المدينة وحدها ~~لاسلام الجن بها، قالوا: ولا نعلم هل أسلم من جن غير المدينة أحد أو لا، ~~قاله ابن نافع. وقال مالك: نهى عن قتل جنان (3) البيوت في جميع البلاد. وهو ~~الصحيح، لان الله عز وجل قال: " وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون ~~القرآن " (4) [الأحقاف: 29] الآية. وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أتاني داعي الجن فذهبت معهم فقرأت عليهم ~~القرآن) وفيه: وسألوه الزاد وكانوا من جن الجزيرة، الحديث. وسيأتي بكماله ~~في سورة " الجن " (5) إن شاء الله تعالى. # وإذا ثبت هذا فلا يقتل شئ منها حتى يحرج (6) عليه وينذر، على ما يأتي ~~بيانه إن شاء الله تعالى. # PageV01P315 # السابعة: روى الأئمة عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة أنه دخل على أبي ~~سعيد الخدري في بيته، قال: فوجدته يصلي، فجلست أنتظره حتى يقضي صلاته، ~~فسمعت تحريكا في عراجين ناحية البيت، فالتفت فإذا حية، فوثبت لأقتلها، ~~فأشار إلي أن أجلس فجلست، فلما انصرف أشار إلى بيت في الدار فقال: أترى هذا ~~البيت؟ فقلت نعم، فقال: كان فيه فتى منا حديث عهد بعرس، قال: فخرجنا مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخندق، فكان ذلك الفتى يستأذن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بأنصاف النهار فيرجع إلى أهله، ms0298 فاستأذنه يوما، فقال له ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم (خذ عليك سلاحك فإني أخشى عليك قريظة). # فأخذ الرجل سلاحه ثم رجع، فإذا امرأته بين البابين قائمة فأهوى إليها ~~بالرمح ليطعنها به وأصابته غيرة، فقالت له: اكفف عليك رمحك، وادخل البيت ~~حتى تنظر ما الذي أخرجني! # فدخل فإذا بحية عظيمة منطوية على الفراش، فأهوى إليها بالرمح فانتظمها ~~به، ثم خرج فركزه في الدار فاضطربت عليه، فما يدرى أيهما كان أسرع موتا، ~~الحية أم الفتى! قال: فجئنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك ~~له، وقلنا: ادع الله يحييه [لنا] (1)، فقال: # (استغفروا لأخيكم (2) - ثم قال: - إن بالمدينة جنا قد أسلموا فإذا رأيتم ~~منهم شيئا فأذنوه ثلاثة أيام فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فإنما هو شيطان). ~~وفي طريق أخرى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن لهذه البيوت عوامر ~~(3) فإذا رأيتم شيئا منها فحرجوا عليها ثلاثا فإن ذهب وإلا فاقتلوه فإنه ~~كافر - وقال لهم: - اذهبوا فادفنوا صاحبكم). قال علماؤنا رحمة الله عليهم: ~~لا يفهم من هذا الحديث أن هذا الجان الذي قتله هذا الفتى كان مسلما وأن ~~الجن قتلته به قصاصا، لأنه لو سلم أن القصاص مشروع بيننا وبين الجن لكان ~~إنما يكون في العمد المحض، وهذا الفتى لم يقصد ولم يتعمد قتل نفس مسلمة، إذ ~~لم يكن عنده علم من ذلك، وإنما قصد إلى قتل ما سوغ قتل نوعه شرعا، فهذا قتل ~~خطأ ولا قصاص فيه. فالأولى # PageV01P316 # أن يقال: إن كفار الجن أو فسقتهم قتلوا الفتى بصاحبهم عدوا وانتقاما. وقد ~~قتلت سعد ابن عبادة رضي الله عنه، وذلك أنه وجد ميتا في مغتسله وقد اخضر ~~جسده، ولم يشعروا بموته حتى سمعوا قائلا يقول ولا يرون أحدا: # قد قتلنا سيد الخز * رج سعد بن عباده ورميناه بسهمين * فلم نخط فؤاده ~~وإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن بالمدينة جنا قد أسلموا) ليبين ~~طريقا يحصل به التحرز من قتل المسلم منهم ويتسلط به على قتل الكافر منهم. ~~روي ms0299 من وجوه أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قتلت جانا فأريت في ~~المنام أن قائلا يقول لها: لقد قتلت مسلما، فقالت: لو كان مسلما لم يدخل ~~على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ما دخل عليك إلا وعليك ثيابك. ~~فأصبحت فأمرت باثني عشر ألف درهم فجعلت في سبيل الله. وفي رواية: # ما دخل عليك إلا وأنت مستترة، فتصدقت وأعتقت رقابا. وقال الربيع بن بدر: ~~الجان من الحيات التي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتلها هي التي تمشي ~~ولا تلتوي، وعن علقمة نحوه. # الثامنة - في صفة الانذار، قال مالك: أحب إلي أن ينذروا ثلاثة أيام. ~~وقاله عيسى بن دينار، وإن ظهر في اليوم مرارا. ولا يقتصر على إنذاره ثلاث ~~مرار في يوم واحد حتى يكون في ثلاثة أيام. وقيل: يكفي ثلاث مرار، لقوله ~~عليه السلام: (فليؤذنه ثلاثا)، وقوله: (حرجوا عليه ثلاثا) ولأن ثلاثا للعدد ~~المؤنث، فظهر أن المراد ثلاث مرات. # وقول مالك أولى، لقوله عليه السلام: (ثلاثة أيام). وهو نص صحيح مقيد لتلك ~~المطلقات، ويحمل ثلاثا على إرادة ليالي الأيام الثلاث، فغلب الليلة على ~~عادة العرب في باب التاريخ فإنها تغلب فيها التأنيث. قال مالك: ويكفي في ~~الانذار أن يقول: أحرج عليك بالله واليوم الآخر ألا تبدوا لنا ولا تؤذونا. ~~وذكر ثابت البناني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنه ذكر عنده حياة البيوت ~~فقال: إذا رأيتم منها شيئا في مساكنكم فقولوا: أنشدكم بالعهد الذي أخذ ~~عليكم نوح PageV01P317 # عليه السلام، وأنشدكم بالعهد الذي أخذ عليكم سليمان عليه السلام، فإذا ~~رأيتم منهن شيئا بعد فاقتلوه. # قلت: وهذا يدل بظاهره أنه يكفي في الاذن مرة واحدة، والحديث يرده. والله ~~أعلم. # وقد حكى ابن حبيب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يقول: (أنشدكن بالعهد ~~الذي أخذ عليكن سليمان - عليه السلام - ألا تؤذيننا وألا تظهرن علينا). # التاسعة - روى جبير عن نفير عن أبي ثعلبة الخشني - واسمه جرثوم - أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: (الجن على ثلاثة أثلاث ms0300 فثلث لهم أجنحة يطيرون ~~في الهواء وثلث حياة وكلاب وثلث يحلون ويظعنون). وروى أبو الدرداء - واسمه ~~عويمر - قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خلق الجن ثلاثة أثلاث فثلث ~~كلاب وحيات وخشاش الأرض وثلث ريح هفافة وثلث كبني آدم لهم الثواب وعليهم ~~العقاب وخلق الله الانس ثلاثة أثلاث فثلث لهم قلوب لا يفقهون بها وأعين لا ~~يبصرون بها وأذان لا يسمعون بها إن هم إلا كالانعام بل هم أضل سبيلا وثلث ~~أجسادهم كأجساد بني آدم وقلوبهم قلوب الشياطين وثلث في ظل الله يوم لا ظل ~~إلا ظله). # العاشرة - ما كان من الحيوان أصله الإذاية فإنه يقتل ابتداء، لأجل إذايته ~~من غير خلاف، كالحية والعقرب والفأر والوزغ، وشبهه. وقد قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # (خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم...). وذكر الحديث. # فالحية أبدت جوهرها الخبيث حيث خانت آدم بأن أدخلت إبليس الجنة بين ~~فكيها، ولو كانت تبرزه ما تركها رضوان تدخل به. وقال لها إبليس أنت في ~~ذمتي، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتلها وقال: (اقتلوها ولو كنتم ~~في الصلاة) يعني الحية والعقرب. # والوزغة (1) نفخت على نار إبراهيم عليه السلام من بين سائر الدواب فلعنت. ~~وهذا من نوع ما يروى في الحية. وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: (من قتل وزغة فكأنما # PageV01P318 # قتل كافرا). وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: ~~(من قتل وزغة في أول ضربة كتبت له مائة حسنة وفي الثانية دون ذلك وفي ~~الثالثة دون ذلك) وفي راوية أنه قال: (في أول ضربة سبعون حسنة). # والفأرة أبدت جوهرها بأن عمدت إلى حبال سفينة نوح عليه السلام فقطعتها. ~~وروى عبد الرحمن بن أبي نعم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: (يقتل المحرم الحية والعقرب والحدأة والسبع العادي والكلب العقور ~~والفويسقة). واستيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أخذت فتيلة لتحرق ~~البيت فأمر رسول الله صلى الله عليه ms0301 وسلم بقتلها. # والغراب أبدى جوهره حيث بعثه نبي الله نوح عليه السلام من السفينة ليأتيه ~~بخبر الأرض فترك أمره وأقبل على جيفة. هذا كله في معنى الحية، فلذلك ~~ذكرناه. وسيأتي لهذا الباب مزيد بيان في التعليل في " المائدة " (1) وغيرها ~~إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: (وقلنا اهبطوا بعضكم البعض عدو) فيه سبع مسائل: # الأولى - قوله تعالى " وقلنا اهبطوا " حذفت الألف من " اهبطوا " في اللفظ ~~لأنها ألف وصل. وحذفت الألف من " قلنا " في اللفظ لسكونها وسكون الهاء ~~بعدها. # وروى محمد بن مصفى عن أبي حياة ضم الباء في " اهبطوا "، وهي لغة يقويها ~~أنه غير متعد والأكثر في غير المتعدي أن يأتي على يفعل. والخطاب لآدم وحواء ~~والحية والشيطان، في قول ابن عباس. وقال الحسن: آدم وحواء والوسوسة. وقال ~~مجاهد والحسن أيضا: # بنو آدم وبنو إبليس. والهبوط: النزول من فوق إلى أسفل، فأهبط آدم بسرنديب ~~في الهند بجبل يقال له " بوذ " (2) ومعه ريح الجنة فعلق بشجرها وأوديتها ~~فامتلأ ما هناك طيبا، فمن ثم يؤتي بالطيب من ريح آدم عليه السلام. وكان ~~السحاب يمسح رأسه فأصلع، فأورث ولده الصلع. وفي البخاري عن أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خلق الله آدم # PageV01P319 # وطوله ستون ذراعا) الحديث وأخرجه مسلم وسيأتي. وأهبطت حواء بجدة وإبليس ~~بالأبلة (1)، والحية ببيسان (2)، وقيل: بسجستان (3). وسجستان أكثر بلاد ~~الله حياة، ولولا العربد (4) الذي يأكلها ويفني كثيرا منها لأخليت سجستان ~~من أجل الحيات، ذكره أبو الحسن المسعودي. # الثانية - قوله تعالى " بعضكم لبعض عدو " " بعضكم " مبتدأ، " عدو " خبره ~~والجملة في موضع نصب على الحال، والتقدير وهذه حالكم. وحذفت الواو من و " ~~بعضكم " لان في الكلام عائدا، كما يقال: رأيتك السماء تمطر عليك. والعدو: ~~خلاف الصديق، وهو من عدا إذا ظلم. وذئب عدوان: يعدو على الناس. والعدوان: ~~الظلم الصراح. وقيل: هو مأخوذ من المجاوزة، من قولك: لا يعدوك هذا الامر، ~~أي لا يتجاوزك. وعداه إذا جاوزه، فسمي عدوا لمجاوزة الحد في مكروه صاحبه، ~~ومنه العدو بالقدم لمجاوزة الشئ، والمعنيان متقاربان، فإن ms0302 من ظلم فقد ~~تجاوز. # قلت: وقد حمل بعض العلماء قوله تعالى: " بعضكم لبعض عدو " [البقرة: 36] ~~على الانسان نفسه، وفيه بعد وإن كان صحيحا معنى. يدل عليه قوله عليه ~~السلام: (إن العبد إذا أصبح تقول جوارحه للسانه اتق الله فينا فإنك إذا ~~استقمت استقمنا وإن اعوججت اعوججنا). فإن قيل: # كيف قال " عدو " ولم يقل أعداء، ففيه جوابان أحدهما: أن بعضا وكلا يخبر ~~عنهما بالواحد على اللفظ وعلى المعنى، وذلك في القرآن، قال الله تعالى: " ~~وكلهم آتيه (5) يوم القيامة فردا " [مريم: 95] على اللفظ، وقال تعالى: " ~~وكل أتوه داخرين " (6) [النمل: 87] على المعنى. والجواب الآخر: أن عدوا ~~يفرد في موضع الجمع، قال الله عز وجل: " وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا " ~~(7) [الكهف: 50] بمعنى أعداء، وقال تعالى: " يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو ~~" (8) [المنافقون: 4]. وقال ابن فارس: العدو اسم جامع للواحد والاثنين ~~والثلاثة والتأنيث، وقد يجمع. # PageV01P320 # الثالثة - لم يكن إخراج الله تعالى آدم من الجنة وإهباطه منها عقوبة له ~~لأنه أهبطه بعد أن تاب عليه وقبل توبته وإنما أهبطه إما تأديبا وإما تغليظا ~~للمحنة. والصحيح في إهباطه وسكناه في الأرض ما قد ظهر من الحكمة الأزلية في ~~ذلك وهي نشر نسله فيها ليكلفهم ويمتحنهم ويرتب على ذلك ثوابهم وعقابهم ~~الأخروي إذ الجنة والنار ليستا بدار تكليف فكانت تلك الاكلة سبب إهباطه من ~~الجنة. ولله أن يفعل ما يشاء. وقد قال " إني جاعل في الأرض خليفة ". وهذه ~~منقبة عظيمة وفضيلة كريمة شريفة وقد تقدمت الإشارة إليها مع أنه خلق من ~~الأرض. وإنما قلنا إنما أهبطه بعد أن تاب عليه لقوله ثانية: # " قلنا أهبطوا " وسيأتي (1). # الرابعة - قوله تعالى: (ولكم في الأرض مستقر) ابتداء وخبر، أي موضع ~~استقرار. قاله أبو العالية وابن زيد. وقال السدي: " مستقر " يعني القبور. # قلت: وقول الله تعالى: " جعل لكم الأرض (2) قرارا " [غافر: 64] يحتمل ~~المعنيين. والله أعلم. # الخامسة - قوله تعالى: (ومتاع) المتاع ما يستمتع به من أكل ولبس وحياة ~~وحديث وأنس وغير ذلك، ومنه سميت متعة النكاح لأنها يتمتع بها. وأنشد سليمان ~~بن عبد ms0303 الملك حين وقف على قبر ابنه أيوب إثر دفنه: # وقفت على قبر غريب بقفرة * متاع قليل من حبيب مفارق السادسة - قوله ~~تعالى: (إلى حين) اختلف المتأولون في الحين على أقوال، فقالت فرقة إلى ~~الموت وهذا قول من يقول: المستقر هو المقام في الدنيا. وقيل: إلى قيام ~~الساعة، وهذا قول من يقول: المستقر هو القبور وقال الربيع: " إلى حين " إلى ~~أجل والحين: الوقت البعيد فحينئذ تبعيد من قولك الآن قال خويلد: # كأبي (3) الرماد عظيم القدر جفنته * حين الشتاء كحوض المنهل اللقف لقف ~~الحوض لقفا، أي تهور من أسفله واتسع. وربما أدخلوا عليه التاء قال أبو ~~وجزة: # العاطفون تحين ما من عاطف * والمطعمون زمان أين المطعم # PageV01P321 # والحين أيضا: المدة ومنه قوله تعالى: " هل أتى على الانسان حين من الدهر ~~" (1) [الانسان: 1] والحين: الساعة قال الله تعالى: " أو تقول حين ترى ~~العذاب " (2) [الزم 58] قال ابن عرفة: الحين القطعة من الدهر كالساعة فما ~~فوقها. وقوله " فذرهم في غمرتهم حتى حين (3) " [المؤمنون: 54] أي حتى تفنى ~~آجالهم وقول تعالى " تؤتي أكلها كل حين " (4) [إبراهيم: 25] أي كل سنة ~~وقيل: بل كل ستة أشهر وقيل: بل غدوة وعشيا قال الأزهري: الحين اسم كالوقت ~~يصلح لجميع الأزمان كلها طالت أو قصرت. والمعنى أنه ينتفع بها في كل وقت ~~ولا ينقطع نفعها البتة. قال: والحين يوم القيامة. والحين: الغدوة والعشية ~~قال الله تعالى " فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون " (5) [الروم: 17] ~~ويقال: عاملته محاينة من الحين وأحينت بالمكان إذا أقمت به حينا. # وحان حين كذا أي قرب. قالت بثينة: # وإن سلوى عن جميل لساعة * من الدهر ما حانت ولا حان حينها السابعة - لما ~~اختلف أهل اللسان في الحين اختلف فيه أيضا علماؤنا وغيرهم فقال الفراء: ~~الحين حينان: حين لا يوقف على حده والحين الذي ذكر الله جل ثناؤه: # " تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها " (5) [إبراهيم: 25] ستة أشهر قال ابن ~~العربي: الحين المجهول لا يتعلق به حكم والحين المعلوم هو الذي تتعلق به ~~الاحكام ويرتبط به التكليف وأكثر المعلوم سنة. ومالك يرى في ms0304 الاحكام ~~والايمان أعم الأسماء والأزمنة. والشافعي يرى الأقل. وأبو حنيفة توسط فقال ~~ستة أشهر. ولا معنى لقوله لان المقدرات عنده لا تثبت قياسا وليس فيه نص عن ~~صاحب الشريعة وإنما المعول على المعنى بعد معرفة مقتضى اللفظ لغة فمن نذر ~~أن يصلي حينا فيحمل على ركعة عند الشافعي لأنه أقل النافلة قياسا على ركعة ~~الوتر. وقال مالك وأصحابه: أقل النافلة ركعتان فيقدر الزمان بقدر الفعل ~~وذكر ابن خويز منداد في أحكامه: أن من حلف ألا يكلم فلانا حينا أو لا يفعل ~~كذا حينا أن الحين سنة قال: # واتفقوا في الاحكام أن من حلف ألا يفعل كذا حينا أولا يكلم فلانا حينا أن ~~الزيادة على سنة لم تدخل في يمينه # PageV01P322 # قلت: هذا الاتفاق إنما هو في المذهب قال مالك رحمه الله: من حلف ألا يفعل ~~شيئا إلى حين أو زمان أو دهر، فذلك كله سنة. وقال عنه ابن وهب: إنه شك في ~~الدهر أن يكون سنة وحكى ابن المنذر عن يعقوب وابن الحسن: أن الدهر ستة ~~أشهر. وعن ابن عباس وأصحاب الرأي وعكرمة وسعيد بن جبير وعامر الشعبي وعبيدة ~~في قوله تعالى. # " تؤتى أكلها كل حين بإذن ربها " [إبراهيم: 25] أنه ستة أشهر. وقال ~~الأوزاعي وأبو عبيد الحين ستة أشهر وليس عند الشافعي في الحين وقت معلوم ~~ولا للحين غاية قد يكون الحين عنده مدة الدنيا. وقال: لا نحنثه أبدا، ~~والورع أن يقضيه قبل انقضاء يوم وقال أبو ثور وغيره الحين والزمان على ما ~~تحتمله اللغة يقال: قد جئت من حين ولعله لم يجئ من نصف يوم. # قال الكيا الطبري الشافعي وبالجملة الحين له مصارف ولم ير الشافعي تعيين ~~محمل من هذه المحامل لأنه مجمل لم يوضع في اللغة لمعنى معين. وقال بعض ~~العلماء في قول تعالى: # " إلى حين " فائدة بشارة إلى آدم عليه السلام ليعلم أنه غير باق فيها ~~ومنتقل إلى الجنة التي وعد بالرجوع إليها وهي لغير آدم دالة على المعاد ~~فحسب والله أعلم قوله تعالى: فتلقى آدم من ربه ms0305 كلمات فتاب عليه إنه هو ~~التواب الرحيم (3) قوله تعالى: (فتلقى آدم من ربه كلمات) فيه ثمان مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " فتلقى آدم من ربه كلمات " تلقى قيل معناه: فهم ~~وفطن. # وقيل: قبل وأخذ وكان عليه السلام يتلقى الوحي أي يستقبله ويأخذه ويتلقفه ~~تقول: # خرجنا نتلقى الحجيج أي نستقبلهم وقيل: معنى تلقى تلقن. وهذا في المعنى ~~صحيح ولكن لا يجوز أن يكون التلقي من التلقن في الأصل لان أحد الحرفين إنما ~~يقلب ياء إذا تجانسا مثل تظنى من تظنن وتقصى من تقصص ومثله تسريت من تسررت ~~وأمليت من أمللت وشبه ذلك ولهذا لا يقال: تقبى من تقبل ولا تلقى من تلقن ~~فاعلم وحكى مكي أنه ألهمها فانتفع بها وقال الحسن: قبولها تعلمه لها وعمله ~~بها PageV01P323 # الثانية - واختلف أهل التأويل في الكلمات فقال ابن عباس والحسن وسعيد ابن ~~جبير والضحاك ومجاهد هي قوله " ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا ~~لنكونن من الخاسرين (1) " [الأعراف: 23]. وعن مجاهد أيضا: سبحانك اللهم لا ~~إله إلا أنت ربي ظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم. وقالت طائفة: ~~رأى مكتوبا على ساق العرش " محمد رسول الله " فتشفع بذلك فهي الكلمات وقالت ~~طائفة: المراد بالكلمات البكاء والحياء والدعاء. وقيل الندم والاستغفار ~~والحزن قال ابن عطية: وهذا يقتضي أن آدم عليه السلام لم يقل شيئا إلا ~~الاستغفار المعهود. وسئل بعض السلف عما ينبغي أن يقوله المذنب فقال: # يقول ما قاله أبواه: " ربنا ظلمنا أنفسنا " الآية وقال موسى " رب أنى ~~ظلمت نفسي فاغفر لي " (2) [القصص: 16] وقال يونس " لا إله إلا أنت سبحانك ~~إني كنت من الظالمين " (3) [الأنبياء: 87]. وعن ابن عباس ووهب بن منبه: أن ~~الكلمات " سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت عملت سوءا وظلمت نفسي فاغفر ~~لي إنك خير الغافرين سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت عملت سوءا وظلمت ~~نفسي فتب علي إنك أنت التواب الرحيم " وقال محمد بن كعب هي قوله " لا إله ~~إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءا وظلمت نفسي فتب علي إنك أنت ms0306 التواب ~~الرحيم. لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءا وظلمت نفسي فارحمني إنك ~~أنت الغفور الرحيم. لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءا وظلمت نفسي ~~فارحمني إنك أرحم الراحمين " وقيل: الكلمات قوله حين عطس: " الحمد لله ". ~~والكلمات جمع كلمة والكلمة تقع على القليل والكثير. وقد تقدم (4). # الثالثة - قوله تعالى: (فتاب عليه) أي قبل توبته، أو وفقه للتوبة. وكان ~~ذلك في يوم عاشوراء في يوم جمعة على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. وتاب ~~العبد: رجع إلى طاعة ربه وعبد تواب: كثير الرجوع إلى الطاعة وأصل التوبة ~~الرجوع يقال: # تاب وثاب وآب وأناب: رجع. # PageV01P324 # الرابعة - إن قيل: لم قال " عليه " لم يقل عليهما وحواء مشاركة له في ~~الذنب بإجماع وقد قال: " ولا تقربا هذه الشجرة " [البقرة: 35] و " قالا ~~ربنا ظلمنا أنفسنا " [الأعراف: 23] فالجواب: أن آدم عليه السلام لما خوطب ~~في أول القصة بقوله: " أسكن " خصه بالذكر في التلقي فلذلك كملت القصة بذكره ~~وحده. وأيضا فلان المرأة حرمة ومستورة فأراد الله الستر لها ولذلك لم ~~يذكرها في المعصية في قوله: " وعصى آدم ربه فغوى " [طه: 121]. وأيضا لما ~~كانت المرأة تابعة للرجل في غالب الامر لم تذكر كما لم يذكر فتى موسى مع ~~موسى في قوله: " ألم أقل لك " [الكهف: 75]. # وقيل: إنه دل بذكر التوبة عليه أنه تاب عليها إذ أمرهما سواء قاله الحسن. ~~وقيل: # إنه مثل قوله تعالى: " وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا (1) إليها " ~~[الجمعة: 11] أي التجارة لأنها كانت مقصود القوم فأعاد الضمير عليها ولم ~~يقل إليهما والمعنى متقارب. وقال الشاعر: (2) رماني بأمر كنت منه ووالدي * ~~بريئا ومن فوق (3) الطوي رماني وفي التنزيل " والله ورسوله أحق أن يرضوه " ~~(4) [التوبة: 62] فحذف إيجازا واختصارا الخامسة - قوله تعالى: (إنه هو ~~التواب الرحيم) وصف نفسه سبحانه وتعالى بأنه التواب وتكرر في القرآن معرفا ~~ومنكرا واسما وفعلا. وقد يطلق على العبد أيضا تواب قال الله تعالى: " إن ~~الله يحب التوابين ويحب المتطهرين (5) " [البقرة: 222]. قال ابن العربي: ~~ولعلمائنا في وصف الرب بأنه تواب ثلاثة ms0307 أقوال أحدها: أنه يجوز في حق الرب ~~سبحانه وتعالى فيدعى به كما في الكتاب والسنة ولا يتأول. وقال آخرون: هو ~~وصف حقيقي لله سبحانه وتعالى وتوبة الله على العبد رجوعه من حال المعصية ~~إلى حال الطاعة. وقال آخرون توبة الله على العبد قبول توبته وذلك يحتمل أن ~~يرجع إلى قوله سبحانه وتعالى: قبلت توبتك وأن يرجع إلى خلقه الإنابة ~~والرجوع في قلب المسئ وإجراء الطاعات على جوارحه الظاهرة # PageV01P325 # السادسة - لا يجوز أن يقال في حق الله تعالى: تائب اسم فاعل من تاب يتوب ~~لأنه ليس لنا أن نطلق عليه من الأسماء والصفات إلا ما أطلقه هو على نفسه أو ~~نبيه عليه السلام أو جماعة المسلمين وإن كان في اللغة محتملا جائزا. هذا هو ~~الصحيح في هذا الباب على ما بيناه في (الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله ~~الحسنى). قال الله تعالى: " لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار " ~~(1) [التوبة: 117] وقال: " وهو الذي يقبل التوبة عن عباده " (2) [التوبة: ~~104]. وإنما قيل لله عز وجل: تواب لمبالغة الفعل وكثرة قبوله توبة عباده ~~لكثرة من يتوب إليه. # السابعة - اعلم أنه ليس لأحد قدرة على خلق التوبة لان الله سبحانه وتعالى ~~هو المنفرد بخلق الأعمال خلافا للمعتزلة ومن قال بقولهم. وكذلك ليس لأحد أن ~~يقبل توبة من أسرف على نفسه ولا أن يعفو عنه. قال علماؤنا: وقد كفرت اليهود ~~والنصارى بهذا الأصل العظيم في الدين " اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من ~~دون الله " [التوبة: 31] عز وجل وجعلوا لمن أذنب أن يأتي الحبر أو الراهب ~~فيعطيه شيئا ويحط عنه ذنوبه " افتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين " ~~(3) [الانعام: 140]. # الثامنة - قرأ ابن كثير: " فتلقى آدم من ربه كلمات ". والباقون برفع " ~~آدم " ونصب " كلمات ". والقراءتان ترجعان إلى معنى لان آدم إذا تلقي ~~الكلمات فقد تلقته. وقيل: لما كانت الكلمات هي المنقذة لآدم بتوفيق الله ~~تعالى له لقبول إياها ودعائه بها كانت الكلمات فاعلة وكأن الأصل على هذه ~~القراءة " فتلقت آدم من ربه كلمات " ولكن لما بعد ما بين ms0308 المؤنث وفعله حسن ~~حذف علامة التأنيث. وهذا أصل يجري في كل القرآن والكلام إذا جاء فعل المؤنث ~~بغير علامة ومنه قولهم: حضر القاضي اليوم امرأة. وقيل: إن الكلمات لما لم ~~يكن تأنيثه حقيقيا حمل على معنى الكلم فذكر. وقرأ الأعمش: " آدم من ربه " ~~مدغما. وقرأ أبو نوفل بن أبي عقرب: " أنه " بفتح الهمزة على معنى لأنه وكسر ~~الباقون على الاستئناف. وأدغم الهاء في الهاء أبو عمرو وعيسى وطلحة فيما ~~حكى أبو حاتم عنهم. وقيل: لا يجوز # PageV01P326 # لان بينهما واوا في اللفظ لا في الخط. قال النحاس: أجاز سيبويه أن تحذف ~~هذه الواو وأنشد: # له زجل كأنه صوت حاد * إذا طلب الوسيقة أو زمير (1) فعلى هذا يجوز ~~الادغام وهو رفع بالابتداء " التواب " خبره والجملة خبر " إن ". # ويجوز أن يكون " هو " توكيدا للهاء ويجوز أن تكون فاصلة، على ما تقدم. # وقال سعيد بن جبير لما أهبط آدم إلى الأرض لم يكن فيها شئ غير النسر في ~~البر والحوت في البحر فكان النسر يأوي إلى الحوت فيبيت عنده فلما رأى النسر ~~آدم قال: # يا حوت لقد أهبط اليوم إلى الأرض شئ يمشى على رجليه ويبطش بيديه! فقال ~~الحوت: # لئن كنت صادقا ما لي منه في البحر منجى ولا لك في البر منه مخلص!. # قوله تعالى: قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم منى هدى فمن تبع هداي ~~فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (38) قوله تعالى: (قلنا اهبطوا) كرر الامر على ~~جهة التغليظ وتأكيده، كما تقول لرجل: # قم قم. وقيل: كرر الامر لما علق بكل أمر منهما حكما غير حكم الآخر فعلق ~~بالأول العداوة وبالثاني إتيان الهدى. وقيل: الهبوط الأول من الجنة إلى ~~السماء والثاني من السماء إلى الأرض. وعلى هذا يكون فيه دليل على أن الجنة ~~في السماء السابعة كما دل عليه حديث الاسراء على ما يأتي. # (2) (جميعا) نصب على الحال. وقال وهب بن منبه: لما هبط آدم عليه السلام ~~إلى الأرض قال إبليس للسباع: إن هذا عدو لكم فأهلكوه فاجتمعوا وولوا أمرهم ~~إلى ms0309 الكلب # PageV01P327 # وقالوا: أنت أشجعنا وجعلوه رئيسا فلما رأى ذلك آدم عليه السلام تحير في ~~ذلك فجاءه جبريل عليه السلام وقال له: امسح يدك على رأس الكلب ففعل فلما ~~رأت السباع أن الكلب ألف آدم تفرقوا. واستأمنه الكلب فأمنه آدم فبقى معه ~~ومع أولاده. وقال الترمذي الحكيم نحو هذا وأن آدم عليه السلام لما أهبط إلى ~~الأرض جاء إبليس إلى السباع فأشلاهم (1) على آدم ليؤذوه وكان أشدهم عليه ~~الكلب فأميت فؤاده فروي في الخبر أن جبريل عليه السلام أمره أن يضع يده على ~~رأسه فوضعها فاطمأن إليه وألفه فصار ممن يحرسه ويحرس ولده ويألفهم. ويموت ~~فؤاده يفزع من الآدميين فلو رمى بمدر ولى هاربا ثم يعود إلفا لهم. # ففيه شعبة من إبليس وفيه شعبة من مسحة آدم عليه السلام فهو بشعبة إبليس ~~ينبح ويهر ويعدو على الآدمي وبمسحة آدم مات فؤاده حتى ذل وانقاد وألف به ~~وبولده يحرسهم ولهثه (2) على كل أحواله من موت فؤاده ولذلك شبه الله سبحانه ~~وتعالى العلماء السوء بالكلب على ما يأتي بيانه في " الأعراف " (3) إن شاء ~~الله تعالى. ونزلت عليه تلك العصا التي جعلها الله آية لموسى فكان يطرد بها ~~السباع عن نفسه. # قوله تعالى: (فإما يأتينكم منى هدى) اختلف في معنى قوله " هدى " فقيل: # كتاب الله قاله السدي. وقيل: التوفيق للهداية. وقالت فرقة: الهدى الرسل ~~وهي إلى آدم من الملائكة وإلى بنيه من البشر كما جاء في حديث أبي ذر وخرجه ~~الآجري. # وفى قوله " منى " إشارة إلى أن أفعال العباد خلق لله تعالى خلافا للقدرية ~~وغيرهم كما تقدم (4) وقرأ الجحدري " هدى " وهو لغة هذيل يقولون: هدي وعصي ~~ومحيي. # وأنشد النحويون لأبي ذؤيب يرثي بنيه سبقوا هوي وأعنقوا لهواهم * فتخرموا ~~ولكل جنب مصرع (5) # PageV01P328 # قال النحاس: وعلة هذه اللغة عند الخليل وسيبويه أن سبيل ياء الإضافة أن ~~يكسر ما قبلها فلما لم يجز أن تتحرك الألف أبدلت ياء وأدغمت و " ما " في ~~قوله " إما " زائدة على " إن " التي للشرط وجواب الشرط الفاء مع الشرط ~~الثاني في قوله ms0310 " فمن تبع ". # و " من " في موضع رفع بالابتداء و " تبع " في موضع جزم بالشرط. " فلا خوف ~~" جوابه. # قال سيبويه: الشرط الثاني وجوابه هما جواب الأول. وقال الكسائي: " فلا ~~خوف عليهم " جواب الشرطين جميعا. # قوله تعالى: (فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) الخوف هو الذعر ولا يكون إلا ~~في المستقبل. وخاوفني فلان فخفته أي كنت أشد خوفا منه والتخوف: التنقص ومنه ~~قوله تعالى: " أو يأخذهم على تخوف " (1) [النحل: 47]. وقرأ الزهري والحسن ~~وعيسى بن عمر وابن أبي إسحاق ويعقوب: " فلا خوف " بفتح الفاء على التبرئة. ~~والاختيار عند النحويين الرفع والتنوين على الابتداء لان الثاني معرفة لا ~~يكون فيه إلا الرفع لان " لا " لا تعمل في معرفة فاختاروا في الأول الرفع ~~أيضا ليكون الكلام من وجه واحد. ويجوز أن تكون " لا " في قولك: # فلا خوف بمعنى ليس. # والحزن والحزن: ضد السرور ولا يكون إلا على ماض. وحزن الرجل (بالكسر) فهو ~~حزن وحزين وأحزنه غيره وحزنه أيضا مثل أسلكه وسلكه ومحزون بنى عليه. قال ~~اليزيدي: حزنه لغة قريش وأحزنه لغة تميم وقد قرئ بهما. واحتزن وتحزن بمعنى. ~~والمعنى في الآية: فلا خوف عليهم فيما بين أيديهم من الآخرة ولا هم يحزنون ~~على ما فاتهم من الدنيا. # وقيل: ليس فيه دليل على نفي أهوال يوم القيامة وخوفها على المطيعين لما ~~وصفه الله تعالى ورسوله من شدائد القيامة إلا أنه يخففه عن المطيعين وإذا ~~صاروا إلى رحمته فكأنهم لم يخافوا. والله أعلم قوله تعالى: والذين كفروا ~~وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (39) # PageV01P329 # قوله تعالى: " والذين كفروا " أي أشركوا، لقوله: (وكذبوا بآياتنا أولئك ~~أصحاب النار " الصحبة: الاقتران بالشئ في حالة ما في زمان ما فان كانت ~~الملازمة والخلطة فهو كمال الصحبة وهكذا هي صحبة أهل النار لها. وبهذا ~~القول ينفك الخلاف في تسمية الصحابة رضي الله عنهم إذ مراتبهم متباينة على ~~ما نبينه في " براءة " (1) إن شاء الله. وباقي ألفاظ الآية تقدم معناها ~~والحمد لله. # قوله تعالى: يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم ms0311 وأوفوا بعهدي ~~أوف بعهدكم وإياي فارهبون (40) قوله تعالى: (يا بني إسرائيل) نداء مضاف ~~علامة النصب فيه الياء وحذفت منه النون للإضافة. الواحد ابن والأصل فيه بنى ~~وقيل: بنو فمن قال: المحذوف منه واو احتج بقولهم: البنوة. وهذا لا حجة فيه ~~لأنهم قد قالوا: الفتوة وأصله الياء. وقال الزجاج: المحذوف منه عندي ياء ~~كأنه من بنيت. الأخفش: اختار أن يكون المحذوف منه الواو لان حذفها أكثر ~~لثقلها. ويقال: ابن بين البنوة والتصغير بنى. قال الفراء: يقال: # يا بنى ويا بني لغتان مثل يا أبت ويا أبت وقرئ بهما. وهو مشتق من البناء ~~وهو وضع الشئ على الشئ والابن فرع للأب وهو موضوع عليه. # وإسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام. قال أبو الفرج ~~الجوزي: # وليس في الأنبياء من له اسمان غيره إلا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ~~فإن له أسماء كثيرة. # ذكره في كتاب " الآثار " له. # قلت: وقد قيل في المسيح أنه اسم علم لعيسى عليه السلام غير مشتق وقد سماه ~~الله روحا وكلمة، وكانوا يسمونه أبيل الأبيلين ذكره الجوهري في الصحاح. ~~وذكر البيهقي في " دلائل النبوة " عن الخليل بن أحمد: خمسة من الأنبياء ذوو ~~أسمين محمد وأحمد نبينا صلى الله عليه وسلم وعيسى والمسيح وإسرائيل ويعقوب ~~ويونس وذو النون وإلياس وذو الكفل صلى الله عليهم وسلم # PageV01P330 # قلت: ذكرنا أن لعيسى أربعة أسماء وأما نبينا صلى الله عليه وسلم فله ~~أسماء كثيرة بيانها في مواضعها. # وإسرائيل: اسم أعجمي ولذلك لم ينصرف وهو في موضع خفض بالإضافة. وفيه سبع ~~لغات: إسرائيل وهي لغة القران وإسرائيل بمدة مهموزة مختلسة حكاها شنبوذ عن ~~ورش. وإسراييل بمدة بعد الياء من غير همز وهي قراءة الأعمش وعيسى بن عمر ~~وقرأ الحسن والزهري بغير همز ولا مد. وإسرائيل بغير ياء بهمزة مكسورة. ~~وإسراءل بهمزة مفتوحة. وتميم يقولون: إسرائين بالنون. ومعنى إسرائيل: عبد ~~الله. قال ابن عباس: # إسرا بالعبرانية هو عبد وإيل هو الله. وقيل: إسرا هو صفوة الله وإيل هو ~~الله. وقيل: # إسرا من ms0312 الشد فكأن إسرائيل الذي شده الله وأتقن خلقه ذكره المهدوي وقال ~~السهيلي سمي إسرائيل لأنه أسرى ذات ليلة حين هاجر إلى الله تعالى فسمي ~~إسرائيل أي أسرى إلى الله ونحو هذا فيكون بعض الاسم عبرانيا وبعضه موافقا ~~للعرب والله أعلم قوله تعالى: (اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم) الذكر اسم ~~مشترك، فالذكر بالقلب ضد النسيان والذكر باللسان ضد الانصات. وذكرت الشئ ~~بلساني وقلبي ذكرا. وأجعله منك على ذكر (بضم الذال) أي لا تنسه قال ~~الكسائي: ما كان بالضمير فهو مضموم الذال وما كان باللسان فهو مكسور الذال. ~~وقال غيره: هما لغتان يقال: ذكر وذكر، ومعناهما واحد. والذكر (بفتح الذال) ~~خلاف الأنثى والذكر أيضا الشرف ومنه قوله: # " وإنه لذكر لك ولقومك (1) " [الزخرف 44]. قال ابن الأنباري: والمعنى في ~~الآية اذكروا شكر نعمتي فحذف الشكر اكتفاء بذكر النعمة وقيل: إنه أراد ~~الذكر بالقلب وهو المطلوب أي لا تغفلوا عن نعمتي التي أنعمت عليكم ولا ~~تناسوها وهو حسن. والنعمة هنا اسم جنس فهي مفرده بمعنى الجمع قال الله ~~تعالى: " وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها (2) " [إبراهيم: 34] أي نعمه. ومن ~~نعمه عليهم أن أنجاهم من آل فرعون وجعل منهم أنبياء وأنزل عليهم الكتب ~~والمن والسلوى وفجر لهم # PageV01P331 # من الحجر الماء إلى ما أستودعهم من التوراة التي فيها صفة محمد صلى الله ~~عليه وسلم ونعته ورسالته. والنعم على الآباء نعم على الأبناء لأنهم يشرفون ~~بشرف آبائهم. # تنبيه - قال أرباب المعاني: ربط سبحانه وتعالى بني إسرائيل بذكر النعمة ~~وأسقطه عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى ذكره فقال " اذكروني (1) ~~أذكركم " [البقرة 52 1] ليكون نظر الأمم من النعمة إلى المنعم ونظر أمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم من المنعم إلى النعمة. # قوله تعالى: (وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم) أمر وجوابه. وقرأ الزهري " أوف " ~~(بفتح الواو وشد الفاء) للتكثير. واختلف في هذا العهد ما هو فقال الحسن ~~عهده قوله " خذوا ما آتيناكم بقوة " (2) [البقرة: 63] وقوله: " ولقد أخذ ~~الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا " (3) [المائدة: 12]. ~~وقيل هو ms0313 قوله: " وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا ~~تكتمونه (4) " [آل عمران: 187]. وقال الزجاج: " أوفوا بعهدي " الذي عهدت ~~إليكم في التوراة من اتباع محمد صلى الله عليه وسلم " أوف بعهدكم " بما ~~ضمنت لكم على ذلك إن أوفيتم به فلكم الجنة. وقيل: # " أوفوا بعهدي " في أداء الفرائض على السنة والاخلاص " أوف " بقبولها ~~منكم ومجاراتكم عليها. وقال بعضهم: " أوفوا بعهدي " في العبادات " أوف ~~بعهدكم " أي أوصلكم إلى منازل الرعايات. وقيل " أوفوا بعهدي " في حفظ آداب ~~الظواهر " أوف بعهدكم " بتزيين سرائركم وقيل: هو عام في جميع أوامره ~~ونواهيه ووصاياه فيدخل في ذلك ذكر محمد صلى الله عليه وسلم الذي في التوراة ~~وغيره. هذا قول الجمهور من العلماء وهو الصحيح. # وعهده سبحانه وتعالى هو أن يدخلهم الجنة. # قلت: وما طلب من هؤلاء من الوفاء بالعهد هو مطلوب منا قال الله تعالى: " ~~أوفوا بالعقود " [المائدة: 1] " أوفوا بعهد الله " [النحل: 91]، وهو كثير. ~~ووفاؤهم بعهد الله أمارة لوفاء الله تعالى لهم لا علة له بل ذلك تفضل منه ~~عليهم. # قوله تعالى: (وإياي فارهبون) أي خافون. والرهب والرهب والرهبة الخوف. # ويتضمن الامر به معنى التهديد. وسقطت الياء بعد النون لأنها رأس أية. ~~وقرأ ابن # PageV01P332 # أبي إسحاق " فارهبوني " بالياء وكذا " فاتقوني " على الأصل. " وإياي " ~~منصوب بإضمار فعل وكذا الاختيار في الأمر والنهي والاستفهام التقدير: وإياي ~~ارهبوا فارهبون. ويجوز في الكلام وأنا فارهبون على الابتداء والخبر. وكون " ~~فارهبون " الخبر على تقدير الحذف المعنى وأنا ربكم فارهبون. # قوله تعالى: وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به ولا ~~تشتروا بآياتي ثمنا قليلا وإياي فاتقون (41) قوله تعالى: (وآمنوا بما ~~أنزلت) أي صدقوا، يعني بالقرآن. (مصدقا) حال من الضمير في " أنزلت "، ~~التقدير بما أنزلته مصدقا، والعامل فيه أنزلت. ويجوز أن يكون حالا من ما ~~والعامل فيه آمنوا التقدير امنوا بالقرآن مصدقا. ويجوز أن تكون مصدرية ~~التقدير آمنوا بإنزال. (لما معكم) يعني من التوراة. # قوله تعالى: (ولا تكونوا أول كافر به) الضمير في " به " قيل هو عائد على ~~محمد ms0314 صلى الله عليه وسلم، قاله أبو العالية. وقال ابن جريج: هو عائد على ~~القرآن إذ تضمنه قوله: " بما أنزلت ". وقيل: على التوراة، إذ تضمنها قوله: ~~" لما معكم ". # فإن قيل: كيف قال " كافر " ولم يقل كافرين قيل: التقدير ولا تكونوا أول ~~فريق كافر به. وزعم الأخفش والفراء أنه محمول على معنى الفعل لان المعنى ~~أول من كفر به. # وحكى سيبويه هو أظرف الفتيان وأجمله وكان ظاهر الكلام هو أظرف فتى ~~وأجمله. # وقال: " أول كافر به " وقد كان قد كفر قبلهم كفار قريش فإنما معناه من ~~أهل الكتاب إذ هم منظور إليهم في مثل هذا لأنهم حجة مظنون بهم علم. و " أول ~~" عند سيبويه نصب على خبر كان. وهو مما لم ينطق منه بفعل وهو على أفعل عينه ~~وفاؤه واو. وإنما لم ينطق منه بفعل لئلا يعتل من جهتين: العين والفاء وهذا ~~مذهب البصريين. وقال الكوفيون: هو من وأل إذا نجا فأصله أوأل ثم خففت ~~الهمزة وأبدلت واوا وأدغمت PageV01P333 # فقيل أول كما تخفف همزة خطيئة. قال الجوهري: " والجمع الأوائل والأولى ~~أيضا على القلب. وقال قوم: أصله وول على فوعل فقلبت الواو الأولى همزة ~~وإنما لم يجمع على أواول لاستثقالهم اجتماع الواوين بينهما ألف الجمع ". ~~وقيل: هو أفعل من آل يئول فأصله أول قلب فجاء أعفل مقلوبا من أفعل فسهل ~~وأبدل وأدغم. # مسألة - لا حجة في هذه الآية لمن يمنع القول بدليل الخطاب، وهم الكوفيون ~~ومن وافقهم، لان المقصود من الكلام النهي عن الكفر أولا وآخرا، وخص الأول ~~بالذكر لان التقدم (1) فيه أغلظ، فكان حكم المذكور والمسكوت عنه واحدا، ~~وهذا واضح. # قوله تعالى: (ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا) فيه أربع مسائل: # الأولى: قوله تعالى: " ولا تشتروا " معطوف على قوله: " ولا تكونوا ". ~~نهاهم عن أن يكونوا أول من كفر وألا يأخذوا على آيات الله ثمنا أي على ~~تغيير صفة محمد صلى الله عليه وسلم رشى. وكان الأحبار يفعلون ذلك فنهوا عنه ~~قاله قوم من أهل التأويل منهم الحسن وغيره. وقيل: كانت لهم مآكل يأكلونها ms0315 ~~على العلم كالراتب فنهوا عن ذلك. وقيل: # إن الأحبار كانوا يعلمون دينهم بالأجرة فنهوا عن ذلك. وفى كتبهم: يا بن ~~آدم علم مجانا كما علمت مجانا أي باطلا بغير أجرة قاله أبو العالية. وقيل: ~~المعنى ولا تشتروا بأوامري ونواهي وآياتي ثمنا قليلا يعني الدنيا ومدتها ~~والثمن الذي هو نزر لا خطر له فسمي ما اعتاضوه عن ذلك ثمنا لأنهم جعلوه ~~عوضا فانطلق عليه اسم الثمن وإن لم يكن ثمنا. # وقد تقدم هذا المعنى. وقال الشاعر: # إن كنت حاولت ذنبا أو ظفرت به * فما أصبت بترك الحج من ثمن قلت: وهذه ~~الآية وإن كانت خاصة ببني إسرائيل فهي تتناول من فعل فعلهم. فمن أخذ رشوة ~~على تغير حق أو إبطاله أو امتنع من تعليم ما وجب عليه أو أداء ما علمه # PageV01P334 # وقد تعين عليه حتى يأخذ عليه أجرا فقد دخل في مقتضى الآية. والله أعلم. ~~وقد روى أبو داود عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من ~~تعلم علما مما يبتغى به وجه الله عز وجل لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من ~~الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة) يعنى ريحها. # الثانية - وقد اختلف العلماء في أخذ الأجرة على تعليم القرآن والعلم - ~~لهذه الآية وما كان في معناها - فمنع ذلك الزهري وأصحاب الرأي وقالوا: لا ~~يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن لان تعليمه واجب من الواجبات التي يحتاج ~~فيها إلى نية التقرب والاخلاص فلا يؤخذ عليها أجرة كالصلاة والصيام. وقد ~~قال تعالى: " ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ". # وروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (معلمو صبيانكم شراركم ~~أقلهم رحمة باليتيم وأغلظهم على المسكين) روى أبو هريرة قال: قلت يا رسول ~~الله ما تقول في المعلمين؟ # قال: (درهمهم حرام وثوبهم سحت وكلامهم رياء) وروى عبادة بن الصامت قال: # علمت ناسا من أهل الصفة القرآن والكتابة، فأهدى إلي رجل منهم قوسا فقلت: ~~ليست بمال وأرمي عنها في سبيل الله فسألت عنها رسول الله صلى الله ms0316 عليه ~~وسلم فقال: (إن سرك أن تطوق بها طوقا من نار فاقبلها). وأجاز أخذ الأجرة ~~على تعليم القرآن مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور وأكثر العلماء لقوله عليه ~~السلام في حديث ابن عباس - حديث الرقية -: # (إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله). أخرجه البخاري وهو نص يرفع ~~الخلاف فينبغي أن يعول عليه. # وأما ما احتج به المخالف من القياس على الصلاة والصيام ففاسد لأنه في ~~مقابلة النص ثم إن بينهما فرقانا وهو أن الصلاة والصوم عبادات مختصة ~~بالفاعل وتعليم القرآن عبادة متعدية لغير المعلم فتجوز الأجرة على محاولته ~~النقل كتعليم كتابة القرآن. قال ابن المنذر: # وأبو حنيفة يكره تعليم القرآن بأجرة ويجوز أن يستأجر الرجل يكتب له لوحا ~~أو شعرا أو غناء معلوما بأجر معلوم فيجوز الإجارة فيما هو معصية ويبطلها ~~فيما هو طاعة. PageV01P335 # وأما الجواب عن الآية - فالمراد بها بنو إسرائيل، وشرع من قبلنا هل هو ~~شرع لنا، فيه خلاف، وهو لا يقول به. # جواب ثان - وهو أن تكون الآية فيمن تعين عليه التعليم فأبى حتى يأخذ عليه ~~أجرا. # فأما إذا لم يتعين فيجوز له أخذ الأجرة بدليل السنة في ذلك وقد يتعين ~~عليه إلا أنه ليس عنده ما ينفقه على نفسه ولا على عياله فلا يجب عليه ~~التعليم وله أن يقبل على صنعته وحرفته. # ويجب على الامام أن يعين لإقامة الدين إعانته وإلا فعلى المسلمين لان ~~الصديق رضي الله عنه لما ولي الخلافة وعين لها لم يكن عنده ما يقيم به أهله ~~فأخذ ثيابا وخرج إلى السوق فقيل له في ذلك فقال: ومن أين أنفق على عيالي! ~~فردوه وفرضوا له كفايته. وأما الأحاديث فليس شئ منها يقوم على ساق ولا يصح ~~منها شئ عند أهل العلم بالنقل. أما حديث ابن عباس فرواه سعيد بن طريف عن ~~عكرمة عنه وسعيد متروك. وأما حديث أبي هريرة فرواه علي بن عاصم عن حماد بن ~~سلمة عن أبي جرهم عنه وأبو جرهم مجهول لا يعرف ولم يرو حماد بن سلمة عن أحد ms0317 ~~يقال له أبو جرهم وإنما رواه عن أبي المهزم وهو متروك الحديث أيضا وهو حديث ~~لا أصل له. وأما حديث عبادة بن الصامت فرواه أبو داود من حديث المغيرة بن ~~زياد الموصلي عن عبادة بن نسي عن الأسود بن ثعلبة عنه والمغيرة معروف عند ~~(1) أهل العلم ولكنه له مناكير هذا منها قاله أبو عمر. ثم قال: وأما حديث ~~القوس فمعروف عند أهل العلم لأنه روي عن عبادة من وجهين وروي عن أبي بن كعب ~~من حديث موسى بن علي عن أبيه عن أبي وهو منقطع. وليس في الباب حديث يجب ~~العمل به من جهة النقل وحديث عبادة وأبي يحتمل التأويل لأنه جائز أن يكون ~~علمه لله ثم أخذ عليه أجرا. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~(خير الناس وخير من يمشي على جديد الأرض المعلمون كلما خلق الدين جددوه ~~أعطوهم ولا تستأجروهم فتحرجوهم فان المعلم إذا قال للصبي قل بسم الله ~~الرحمن الرحيم فقال الصبي بسم الله الرحمن الرحيم كتب الله براءة للصبي ~~وبراءة للمعلم وبراءة لأبويه من النار) # PageV01P336 # الثالثة: واختلف العلماء في حكم المصلي بأجرة فروي أشهب عن مالك أنه سئل ~~عن الصلاة خلف من استؤجر في رمضان يقوم للناس فقال: أرجو ألا يكون به بأس ~~وهو أشد كراهة له في الفريضة. وقال الشافعي وأصحابه وأبو ثور: لا بأس بذلك ~~ولا بالصلاة خلفه. وقال الأوزاعي: لا صلاة له. وكرهه أبو حنيفة وأصحابه على ~~ما تقدم. قال ابن عبد البر: وهذه المسألة معلقة من التي قبلها واصلها واحد. # قلت: ويأتي لهذا أصل آخر من الكتاب في " براءة " إن شاء الله تعالى. وكره ~~ابن القاسم أخذ الأجرة على تعليم الشعر والنحو. وقال ابن حبيب: لا بأس ~~بالإجارة على تعليم الشعر والرسائل وأيام العرب ويكره من الشعر ما فيه ~~الخمر والخنا والهجاء. قال أبو الحسن اللخمي: ويلزم على قوله أن يجيز ~~الإجارة على كتبه ويجيز بيع كتبه. وأما الغناء والنوح فممنوع على كل حال ~~الرابعة: روى الدارمي أبو محمد ms0318 في مسنده أخبرنا يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا ~~محمد ابن عمر بن الكميت قال حدثنا على بن وهب الهمداني قال أخبرنا الضحاك ~~بن موسى قال: # مر سليمان بن عبد الملك بالمدينة - وهو يريد مكة - فأقام بها أياما فقال: ~~هل بالمدينة أحد أدرك أحدا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟ قالوا له: ~~أبو حازم فأرسل إليه فلما دخل عليه قال له: يا أبا حازم ما هذا الجفاء؟ قال ~~أبو حازم: يا أمير المؤمنين وأي جفاء رأيت منى؟ قال: أتاني وجوه أهل ~~المدينة ولم تأتني! قال يا أمير المؤمنين أعيذك بالله أن تقول ما لم يكن ما ~~عرفتني قبل هذا اليوم ولا أنا رأيتك! قال: فالتفت إلى محمد ابن شهاب الزهري ~~فقال: أصاب الشيخ وأخطأت. قال سليمان: يا أبا حازم ما لنا نكره الموت؟! ~~قال: لأنكم أخربتم الآخرة وعمرتم الدنيا فكرهتم أن تنتقلوا من العمران إلى ~~الخراب قال أصبت يا أبا حازم فكيف القدوم غدا على الله تعالى؟ قال: أما ~~المحسن فكالغائب يقدم على أهله وأما المسئ فكالآبق يقدم على مولاه. فبكى ~~سليمان وقال: ليت شعري! ما لنا عند الله؟ قال: اعرض عملك على كتاب الله. ~~قال: وأي مكان أجده؟ قال: PageV01P337 # " إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم " (1) [الانفطار: 13 - 14]. ~~قال سليمان: فأين رحمة الله يا أبا حازم؟ قال أبو حازم: رحمة الله قريب من ~~المحسنين قال له سليمان: يا أبا حازم فأي عباد الله أكرم؟ # قال: أولو المروءة والنهى. قال له سليمان: فأي الأعمال أفضل؟ قال أبو ~~حازم أداء الفرائض مع اجتناب المحارم. قال سليمان: فأي الدعاء أسمع؟ قال ~~دعاء المحسن إليه للمحسن. # فقال: أي الصدقة أفضل؟ قال: للسائل البائس وجهد المقل (2) ليس فيها من ~~ولا أذى. # قال: فأي القول أعدل؟ قال: قول الحق عند من تخافه أو ترجوه. قال: فأي ~~المؤمنين أكيس؟ قال: رجل عمل بطاعة الله ودل الناس عليها. قال: فأي ~~المؤمنين أحمق؟ قال: # رجل انحط في هوى أخيه وهو ظالم فباع آخرته بدنيا غيره قال له ms0319 سليمان: ~~أصبت فما تقول فيما نحن فيه؟ قال يا أمير المؤمنين أو تعفيني؟ قال له ~~سليمان: لا! ولكن نصيحة تلقيها إلي. قال: يا أمير المؤمنين إن آباءك قهروا ~~الناس بالسيف وأخذوا هذا الملك عنوة على غير مشورة من المسلمين ولا رضاهم ~~حتى قتلوا منهم مقتلة عظيمة فقد ارتحلوا عنها فلو شعرت ما قالوه وما قيل ~~لهم!. فقال له رجل من جلسائه: بئس ما قلت يا أبا حازم! قال أبو حازم: كذبت ~~إن الله أخذ ميثاق العلماء ليبيننه للناس ولا تكتمونه. قال له سليمان: # فكيف لنا أن نصلح؟ قال: تدعون الصلف وتمسكون بالمرؤة وتقسمون بالسوية. ~~قال له سليمان: فكيف لنا بالمأخذ به؟ قال أبو حازم: تأخذه من حله وتضعه في ~~أهله. قال له سليمان: هل لك يا أبا حازم أن تصحبنا فتصيب منا ونصيب منك؟ ~~قال أعوذ بالله! # قال له سليمان: ولم ذاك؟ قال: أخشى أن أركن إليكم شيئا قليلا فيذيقني ~~الله ضعف الحياة وضعف الممات. قال له سليمان ارفع إلينا حوائجك قال: تنجيني ~~من النار وتدخلني الجنة. # قال له سليمان: ليس ذاك إلي! قال له أبو حازم: فما لي إليك حاجة غيرها. ~~قال: فادع لي. # قال أبو حازم: اللهم إن كان سليمان وليك فيسره لخير الدنيا والآخرة وإن ~~كان عدوك فخذ بناصيته إلى ما تحب وترضى قال له سليمان قط! قال أبو حازم: قد ~~أوجزت وأكثرت # PageV01P338 # إن كنت من أهله وإن لم تكن من أهله فما ينبغي أن أرمي عن قوس ليس لها وتر ~~قال له سليمان أوصني قال سأوصيك وأوجز: عظم ربك ونزهه أن يراك حيث نهاك أو ~~يفقدك حيث أمرك. فلما خرج من عنده بعث إليه بمائة دينار وكتب [إليه] (1) أن ~~أنفقها ولك عندي مثلها كثير قال فردها عليه وكتب إليه يا أمير المؤمنين ~~أعيذك بالله أن يكون سؤالك إياي هزلا أو ردي عليك بذلا (2) وما أرضاها لك ~~فكيف [أرضاها] (1) لنفسي! إن موسى بن عمران لما ورد ماء مدين وجد عليه رعاء ~~يسقون ووجد من دونهم جاريتين تذودان ms0320 [فسألهما فقالتا لا نسقي حتى يصدر ~~الرعاء وأبونا شيخ كبير] (1) فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما ~~أنزلت إلي من خير فقير وذلك أنه كان جائعا خائفا لا يأمن فسأل ربه ولم يسأل ~~الناس فلم يفطن الرعاء وفطنت الجاريتان فلما رجعتا إلى أبيهما أخبرتاه ~~بالقصة وبقوله. فقال أبوهما وهو شعب عليه السلام هذا رجل جائع. # فقال إحداهما: اذهبي فادعيه. فلما أتته عظمته وغطت وجهها وقالت إن أبى ~~يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا فشق على موسى حين ذكرت " أجر ما سقيت لنا " ~~ولم يجد بدا من أن يتبعها لأنه كان بين الجبال جائعا مستوحشا. فلما تبعها ~~هبت الريح فجعلت تصفق ثيابها على ظهرها فتصف له عجيزتها - وكانت ذات عجز - ~~وجعل موسى يعرض مرة ويغض أخرى فلما عيل صبره ناداها: يا أمة الله كوني خلفي ~~وأريني السمت بقولك. فلما دخل على شعيب إذ هو بالعشاء مهيأ فقال له شعيب ~~اجلس يا شاب فتعشى فقال له موسى عليه السلام أعوذ بالله! فقال له شعيب: لم؟ ~~أما أنت جائع؟ قال بلى ولكني أخاف أن يكون هذا عوضا لما سقيت لهما وأنا من ~~أهل بيت لا نبيع شيئا من ديننا بملء ء الأرض ذهبا فقال له شعيب لا يا شاب. ~~ولكنها عادتي وعادة آبائي: نقري الضيف ونطعم الطعام فجلس موسى فأكل فإن ~~كانت هذه المائة دينار عوضا لما حدثت فالميتة والدم ولحم الخنزير في حال ~~الاضطرار أحل من هذه وإن كان لحق في بيت المال فلي فيها نظراء فان ساويت ~~بيننا وإلا فليس لي فيها حاجة # PageV01P339 # قلت: هكذا يكون الاقتداء بالكتاب والأنبياء انظروا إلى هذا الإمام الفاضل ~~والحبر العالم كيف لم يأخذ على عمله عوضا ولا على وصيته بدلا ولا على ~~نصيحته صفدا (1) بل بين الحق وصدع ولم يلحقه في ذلك خوف ولا فزع. قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم (لا يمنعن أحدكم هيبة أحد أن يقول أو يقوم بالحق ~~حيث كان). وفي التنزيل " يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون ms0321 لومة لائم " (2) ~~[المائدة 54]. # قوله تعالى: (وإياي فاتقون) قد تقدم معنى التقوى (3) وقرئ " فاتقوني " ~~بالياء وقد تقدم. وقال سهل بن عبد الله قوله " وإياي فاتقون " قال موضع ~~علمي السابق فيكم. " وإياي فارهبون " قال موضع المكر والاستدراج (4) لقول ~~الله تعالى: # " سنستدرجهم من حيث لا يعلمون " (5) [الأعراف: 182] وقوله: " فلا يأمن ~~مكر الله إلا القوم الخاسرون " (5) [الأعراف: 99] فما استثنى نبيا ولا ~~صديقا. # قوله تعالى: ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون (42) ~~قوله تعالى: (ولا تلبسوا الحق بالباطل) اللبس: الخلط. لبست عليه الامر ~~ألبسه، إذا مزجت بينه بمشكلة وحقه بباطله قال الله تعالى " وللبسنا عليهم ~~ما يلبسون " (6) [الانعام: 9]. وفى الامر لبسة أي ليس بواضح. ومن هذا ~~المعنى قول علي رضي الله عنه للحارث بن حوط يا حارث إنه ملبوس عليك، إن ~~الحق لا يعرف بالرجال، اعرف الحق تعرف أهله. وقالت الخنساء: # ترى الجليس يقول الحق تحسبه * رشدا وهيهات فانظر ما به التبسا صدق مقالته ~~واحذر عداوته * والبس عليه أمورا مثل ما لبسا # PageV01P340 # وقال العجاج: # لما لبسن الحق بالتجني * غنين واستبدلن زيدا مني روى سعيد عن قتادة في ~~قوله: " ولا تلبسوا الحق بالباطل " [البقرة: 42]، يقول: لا تلبسوا اليهودية ~~والنصرانية بالاسلام وقد علمتم أن دين الله - الذي لا يقبل غيره ولا يجزئ ~~إلا به - الاسلام وأن اليهودية والنصرانية بدعة وليست من الله. والظاهر من ~~قول عنترة: # * وكتيبة لبستها بكتيبة * أنه من هذا المعنى، ويحتمل أن يكون من اللباس. ~~وقد قيل هذا في معنى الآية، أي لا تغطوا. ومنه لبس الثوب يقال لبست الثوب ~~ألبسه ولباس الرجل زوجته وزوجها لباسها قال الجعدي إذا ما الضجيع ثنى جيدها ~~* تثنت عليه فكانت لباسا وقال الأخطل: # وقد لبست لهذا الامر أعصره * حتى تجلل رأسي الشيب فاشتعلا واللبوس: كل ما ~~يلبس من ثياب ودرع قال الله تعالى " وعلمناه صنعة لبوس لكم " (1) ~~[الأنبياء: 80]. # ولابست فلانا حتى عرفت باطنه وفي فلان ملبس أي مستمتع قال: # ألا إن بعد العدم للمرء قنوة (2) * وبعد المشيب طول عمر وملبسا ولبس ~~الكعبة والهودج ما عليهما من لباس ms0322 (بكسر اللام). # قوله تعالى " بالباطل " الباطل في كلام العرب خلاف الحق ومعناه الزائل ~~قال لبيد * ألا كل شئ ما خلا الله باطل * وبطل الشئ يبطل بطلا وبطولا ~~وبطلانا [ذهب ضياعا وخسرا] (3) وأبطله غيره. # ويقال ذهب دمه بطلا أي هدرا والباطل الشيطان والبطل الشجاع سمي بذلك لأنه ~~يبطل شجاعة صاحبه. قال النابغة: # لهم لواء بأيدي ماجد بطل * لا يقطع الخرق إلا طرفه سامي # PageV01P341 # والمرأة بطلة. وقد بطل الرجل (بالضم) يبطل بطولة وبطالة (1) أي صار شجاعا ~~وبطل الأجير (بالفتح) بطالة أي تعطل فهو بطال واختلف أهل التأويل في المراد ~~بقوله " الحق بالباطل " فروي عن ابن عباس وغيره لا تخلطوا ما عندكم من الحق ~~في الكتاب بالباطل وهو التغيير والتبديل. وقال أبو العالية قالت اليهود ~~محمد مبعوث ولكن إلى غيرنا فإقرارهم ببعثه حق وجحدهم أنه بعث إليهم باطل ~~وقال ابن زيد المراد بالحق التوراة والباطل ما بدلوا فيها من ذكر محمد عليه ~~السلام وغيره وقال مجاهد لا تخلطوا اليهودية والنصرانية بالاسلام. وقاله ~~قتادة وقد تقدم. # قلت: وقول ابن عباس أصوب لأنه عام فيدخل فيه جميع الأقوال والله المستعان ~~قوله تعالى: (وتكتموا الحق) يجوز أن يكون معطوفا على " تلبسوا " فيكون ~~مجزوما ويجوز أن يكون منصوبا بإضمار أن التقدير لا يكن منكم لبس الحق ~~وكتمانه أي وأن تكتموه. قال ابن عباس: يعني كتمانهم أمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم وهم يعرفونه. وقال محمد بن سيرين: نزل عصابة من ولد هارون يثرب ~~لما أصاب بني إسرائيل ما أصابهم من ظهور العدو عليهم والذلة وتلك العصابة ~~هم حملة التوراة يومئذ فأقاموا بيثرب يرجون أن يخرج محمد صلى الله عليه ~~وسلم بين ظهرانيهم وهم مؤمنون مصدقون بنبوته فمضى أولئك الآباء وهم مؤمنون ~~وخلف الأبناء وأبناء الأبناء فأدركوا محمدا صلى الله عليه وسلم فكفروا به ~~وهم يعرفونه وهو معنى قوله تعالى " فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به " (2) ~~[البقرة: 89] قوله تعالى: (وأنتم تعلمون) جملة في موضع الحال أي أن محمدا ~~عليه السلام حق فكفرهم كان كفر عناد ولم يشهد تعالى ms0323 لهم بعلم وإنما نهاهم ~~عن كتمان ما علموا. ودل هذا على تغليظ الذنب على من واقعه على علم وأنه ~~أعصى من الجاهل. وسيأتي بيان هذا عند قوله تعالى " أتأمرون الناس بالبر " ~~(3) [البقرة: 44] الآية قوله تعالى: وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا ~~مع الراكعين (43) فيه أربع وثلاثون مسألة: # PageV01P342 # الأولى - قوله تعالى: (وأقيموا الصلاة) أمر معناه الوجوب ولا خلاف فيه، ~~وقد تقدم القول في معنى إقامة الصلاة واشتقاقها وفي جملة من أحكامها (1)، ~~والحمد لله. # الثانية - قوله تعالى: (وآتوا الزكاة) أمر أيضا يقتضي الوجوب والايتاء ~~الاعطاء. أتيته: أعطيته قال الله تعالى " لئن آتانا من فضله لنصدقن " ~~[التوبة: 75]. وأتيته - بالقصر من غير مد - جئته فإذا كان المجئ بمعنى ~~الاستقبال مد ومنه الحديث: # (ولآتين رسول الله صلى الله عليه وسلم فلأخبرنه) وسيأتي. # الثالثة - الزكاة مأخوذة من زكا الشئ إذا نما وزاد يقال زكا الزرع والمال ~~يزكو إذا كثر وزاد. ورجل زكي أي زائد الخير. وسمي الاخراج من المال زكاة ~~وهو نقص منه من حيث ينمو بالبركة أو بالاجر الذي يثاب به المزكي ويقال زرع ~~زاك بين الزكاء. وزكأت الناقة بولدها تزكأ به إذا رمت به من بين رجليها. ~~وزكا الفرد إذا صار زوجا بزيادة الزائد عليه حتى صار شفعا قال الشاعر: # كانوا خسا أو زكا من دون أربعة * لم يخلقوا وجدود الناس تعتلج جمع جد وهو ~~الحظ والبخت تعتلج أي ترتفع. اعتلجت الأرض طال نباتها فخسا الفرد وزكا: ~~الزوج. # وقيل: أصلها الثناء الجميل ومنه زكى القاضي الشاهد. فكأن من يخرج الزكاة ~~يحصل لنفسه الثناء الجميل وقيل: الزكاة مأخوذة من التطهير كما يقال: زكا ~~فلان أي طهر من دنس الجرحة والاغفال (2) فكأن الخارج من المال يطهره من ~~تبعة الحق الذي جعل الله فيه للمساكين ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~سمى ما يخرج من الزكاة أوساخ الناس وقد قال تعالى " خذ من أموالهم صدقة ~~تطهرهم وتزكيهم بها " (3) [التوبة: 103] الرابعة - واختلف في المراد ~~بالزكاة هنا فقيل: الزكاة المفروضة لمقارنتها بالصلاة وقيل: صدقة الفطر ~~قاله مالك في ms0324 سماع ابن القاسم # PageV01P343 # قلت: فعلى الأول وهو قول أكثر العلماء - فالزكاة في الكتاب مجملة بينها ~~النبي صلى الله عليه وسلم فروى الأئمة عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال (ليس في حب ولا تمر صدقة حتى يبلغ خمسة أوسق (1) ولا ~~فيما دون خمس ذود (2) صدقة ولا فيما دون خمس أواق صدقة) وقال البخاري (خمس ~~أواق من الورق) وروى البخاري عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~(فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريا (3) العشر وما سقي بالنضح (4) نصف ~~العشر) وسيأتي بيان هذا الباب في " الانعام " (5) إن شاء الله تعالى. # ويأتي في " براءة " زكاة العين والماشية وبيان المال الذي لا يؤخذ منه ~~زكاة عند قوله تعالى " خذ من أموالهم صدقة " (6) [التوبة: 103] وأما زكاة ~~الفطر فليس لها في الكتاب نص عليها إلا ما تأوله مالك هنا وقوله تعالى " قد ~~أفلح من تزكى (7) وذكر اسم ربه فصلى " [الاعلى: 15]. والمفسرون يذكرون ~~الكلام عليها في سورة " الاعلى "، ورأيت الكلام عليها في هذه السورة عند ~~كلامنا على آي الصيام لان رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر في ~~رمضان الحديث. # وسيأتي فأضافها إلى رمضان. # الخامسة - قوله تعالى: (واركعوا) الركوع في اللغة الانحناء بالشخص وكل ~~منحن راكع. قال لبيد. # أخبر أخبار القرون التي مضت * أدب كأني كلما قمت راكع وقال ابن دريد: ~~الركعة الهوة في الأرض لغة يمانية وقيل الانحناء يعم الركوع والسجود ~~ويستعار أيضا في الانحطاط في المنزلة قال ولا تعاد الضعف علك أن * تركع ~~يوما والدهر قد رفعه # PageV01P344 # السادسة - واختلف الناس في تخصيص الركوع بالذكر فقال قوم: جعل الركوع لما ~~كان من أركان الصلاة عبارة عن الصلاة قلت: وهذا ليس مختصا بالركوع وحده فقد ~~جعل الشرع القراءة [عبارة] (1) عن الصلاة والسجود عبارة عن الركعة بكمالها ~~فقال " وقرآن الفجر " أي صلاة الفجر وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من ~~أدرك سجدة من الصلاة فقد أدرك الصلاة) وأهل الحجاز يطلقون على الركعة سجدة. ~~وقيل إنما خص الركوع ms0325 بالذكر لان بني إسرائيل لم يكن في صلاتهم ركوع. وقيل: ~~لأنه كان أثقل عل القوم في الجاهلية حتى لقد قال بعض من أسلم أظنه عمران بن ~~حصين للنبي صلى الله عليه وسلم: على ألا أخر إلا قائما. فمن تأويله على ألا ~~أركع فلما تمكن الاسلام من قلبه اطمأنت بذلك نفسه وأمتثل ما أمر به من ~~الركوع السابعة - الركوع الشرعي هو أن يحني الرجل صلبه ويمد ظهره وعنقه ~~ويفتح أصابع يديه ويقبض على ركبتيه ثم يطمئن راكعا يقول سبحان ربي العظيم ~~ثلاثا وذلك أدناه روى مسلم عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين وكان إذا ركع ~~لم يشخص رأسه ولم يصوبه (2) ولكن بين ذلك. # وروى البخاري عن أبي حميد الساعدي قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إذا كبر جعل يديه حذو منكبيه وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه ثم هصر (3) ~~ظهره الحديث. # الثامنة - الركوع فرض، قرآنا وسنة، وكذلك السجود لقوله تعالى في آخر الحج ~~" اركعوا واسجدوا " (4) [الحج: 77]. وزادت السنة الطمأنينة فيهما والفصل ~~بينهما وقد تقدم القول في ذلك وبينا صفة الركوع آنفا. وأما السجود فقد جاء ~~مبينا من حديث أبي حميد الساعدي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد ~~مكن جبهته وأنفه من الأرض ونحى يديه عن جنبيه ووضع كفيه حذو منكبيه. خرجه ~~الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وروى مسلم عن أنس قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: (اعتدلوا في السجود ولا يبسط أحدكم ذراعيه # PageV01P345 # انبساط الكلب). وعن البراء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا ~~سجدت فضع كفيك وارفع مرفقيك). وعن ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ~~قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجد خوى بيديه - يعني جنح حتى ~~يرى وضح إبطيه من ورائه - وإذا قعد اطمأن على فخذه اليسرى. # التاسعة - واختلف العلماء فيمن وضع جبهته في السجود دون أنفه أو أنفه دون ~~جبهته، فقال مالك: يسجد ms0326 على جبهته وأنفه، وبه قال الثوري وأحمد، وهو قول ~~النخعي. # قال أحمد: لا يجزئه السجود على أحدهما دون الآخر، وبه قال أبو خيثمة (1) ~~وابن أبي شيبة. # قال إسحاق: إن سجد على أحدهما دون الآخر فصلاته فاسدة. وقال الأوزاعي ~~وسعيد بن عبد العزيز، وروي عن ابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة وعبد الرحمن ~~بن أبي ليلى كلهم أمر بالسجود على الانف. وقالت طائفة: يجزئ أن يسجد على ~~جبهته دون أنفه، هذا قول. # عطاء وطاوس وعكرمة وابن سيرين والحسن البصري، وبه قال الشافعي وأبو ثور ~~ويعقوب ومحمد. قال ابن المنذر: وقال قائل: إن وضع جبهته ولم يضع أنفه أو ~~وضع أنفه ولم يضع جبهته فقد أساء وصلاته تامة، هذا قول النعمان. قال ابن ~~المنذر: ولا أعلم أحدا سبقه إلى هذا القول ولا تابعه عليه. # قلت: الصحيح في السجود وضع الجبهة والأنف، لحديث أبي حميد، وقد تقدم. # وروى البخاري عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أمرت ~~أن أسجد على سبعة أعظم على الجبهة - وأشار بيده إلى أنفه - واليدين ~~والركبتين وأطراف القدمين ولا نكفت (2) الثياب والشعر). وهذا كله بيان ~~لمجمل الصلاة فتعين القول به. والله أعلم وروي عن مالك أنه يجزيه أن يسجد ~~على جبهته دون أنفه، كقول عطاء والشافعي. والمختار عندنا قوله الأول ولا ~~يجزئ عند مالك إذا لم يسجد على جبهته. # PageV01P346 # العاشرة - ويكره السجود على كور العمامة، وإن كان طاقة أو طاقتين مثل ~~الثياب التي تستر الركب والقدمين فلا بأس، والأفضل مباشرة الأرض أو ما يسجد ~~عليه. فإن كان هناك ما يؤذيه أزاله قبل دخوله في الصلاة، فإن لم يفعل ~~فليمسحه مسحة واحدة. # وروى مسلم عن معيقيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في الرجل يسوي ~~التراب حيث يسجد قال (إن كنت فاعلا فواحدة) وروي عن أنس بن مالك قال: كنا ~~نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شدة الحر فإذا لم يستطع أحدنا أن ~~يمكن جبهته من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه. ms0327 # الحادية عشرة - لما قال تعالى: " اركعوا واسجدوا " [الحج: 77] قال بعض ~~علمائنا وغيرهم يكفي منها ما يسمى ركوعا وسجودا، وكذلك من القيام. ولم ~~يشترطوا الطمأنينة في ذلك فأخذوا بأقل الاسم في ذلك وكأنهم لم يسمعوا ~~الأحاديث الثابتة في إلغاء الصلاة. قال ابن عبد البر: ولا يجزي ركوع ولا ~~سجود ولا وقوف بعد الركوع ولا جلوس بين السجدتين حتى يعتدل راكعا وواقفا ~~وساجدا وجالسا. وهو الصحيح في الأثر وعليه جمهور العلماء وأهل النظر وهي ~~رواية ابن وهب وأبي مصعب عن مالك. وقال القاضي أبو بكر بن العربي: وقد ~~تكاثرت الرواية عن ابن القاسم وغيره بوجوب الفصل وسقوط الطمأنينة وهو وهم ~~عظيم لان النبي صلى الله عليه وسلم فعلها وأمر بها وعلمها. فإن كان لابن ~~القاسم عذر أن كان لم يطلع عليها فما لكم أنتم وقد انتهى العلم إليكم وقامت ~~الحجة به عليكم! روى النسائي والدارقطني وعلي بن عبد العزيز عن رفاعة بن ~~رافع قال: كنت جالسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل فدخل ~~المسجد فصلى، فلما قضى الصلاة جاء فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وعلى القوم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ارجع فصل فإنك لم تصل) ~~وجعل يصلي وجعلنا نرمق صلاته لا ندري ما يعيب منها فلما جاء فسلم على النبي ~~صلى الله عليه وسلم وعلى القوم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم (وعليك ~~أرجع فصل فإنك لم تصل). قال همام (1): فلا ندري أمره بذلك مرتين أو ثلاثا ~~فقال له الرجل: # PageV01P347 # ما ألوت فلا أدري ما عبت علي من صلاتي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم (إنه لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله فيغسل وجهه ~~ويديه إلى المرفقين ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين ثم يكبر الله تعالى ~~ويثني عليه ثم يقرأ أم القرآن وما أذن له فيه وتيسر ثم يكبر فيركع فيضع ~~كفيه على ركبتيه حتى تطمئن مفاصله ويسترخي ثم يقول سمع الله لمن حمده ~~ويستوي قائما ms0328 حتى يقيم صلبه ويأخذ كل عظيم مأخذه ثم يكبر فيسجد فيمكن وجهه ~~- قال همام: وربما قال: جبهته - من الأرض حتى تطمئن مفاصله ويسترخى ثم يكبر ~~فيستوي قاعدا على مقعده ويقيم صلبه - فوصف الصلاة هكذا أربع ركعات حتى فرغ ~~ثم قال - لا تتم صلاة أحدكم حتى يفعل ذلك) ومثله حديث أبي هريرة خرجه مسلم ~~وقد تقدم. # قلت: فهذا بيان الصلاة المجملة في الكتاب بتعليم النبي عليه السلام ~~وتبليغه إياها جميع الأنام فمن لم يقف عند هذا البيان وأخل بما فرض عليه ~~الرحمن ولم يمتثل ما بلغه عن نبيه عليه السلام كان من جملة من دخل في قوله ~~تعالى " فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات " [مريم: 59] على ~~ما يأتي بيانه هناك (1) إن شاء الله تعالى روى البخاري عن زيد بن وهب قال ~~رأى حذيفة رجلا لا يتم الركوع ولا السجود فقال: ما صليت ولو مت لمت على غير ~~الفطرة التي فطر الله عليها محمدا صلى الله عليه وسلم) الثامنة عشرة - قوله ~~تعالى: (مع الراكعين) " مع " تقتضي المعية والجمعية ولهذا قال جماعة من أهل ~~التأويل بالقرآن: إن الامر بالصلاة أولا لم يقتض شهود الجماعة فأمرهم بقوله ~~" مع " شهود الجماعة وقد اختلف العلماء في شهود الجماعة على قولين فالذي ~~عليه الجمهور أن ذلك من السنن المؤكدة ويجب على من أدمن التخلف عنها من غير ~~عذر العقوبة. # وقد أوجبها بعض أهل العلم فرضا على الكفاية قال ابن عبد البر: وهذا قول ~~صحيح لاجماعهم على أنه لا يجوز أن يجتمع على تعطيل المساجد كلها من ~~الجماعات فإذا قامت الجماعة في المسجد فصلاة المنفرد في بيته جائزة لقوله ~~عليه السلام (صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ (2) بسبع وعشرين درجة) أخرجه ~~مسلم من حديث ابن عمر. وروى عن أبي هريرة رضي الله # PageV01P348 # عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (صلاة الجماعة أفضل من صلاة ~~أحدكم وحده بخمسة وعشرين جزءا). وقال داود: الصلاة في الجماعة فرض على كل ~~أحد في خاصته كالجمعة واحتج بقوله عليه ms0329 السلام: (لا صلاة لجار المسجد إلا ~~في المسجد) خرجه أبو داود وصححه أبو محمد عبد الحق، وهو قول عطاء بن أبي ~~رباح وأحمد بن حنبل وأبي ثور وغيرهم. وقال الشافعي: لا أرخص لمن قدر على ~~الجماعة في ترك إتيانها إلا من عذر حكاه ابن المنذر. # وروى مسلم عن أبي هريرة قال أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل أعمى فقال ~~يا رسول الله إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد فسأل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن يرخص له فيصلي في بيته فرخص له فلما ولى دعاه فقال: " [هل] ~~(1) تسمع النداء بالصلاة " قال نعم قال (فأجب) وقال أبو داود في هذا الحديث ~~(لا أجد لك رخصة). خرجه من حديث ابن أم مكتوم وذكر أنه كان هو السائل وروي ~~عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من سمع ~~النداء فلم يمنعه من إتيانه عذر - قالوا: # وما العذر؟ قال خوف أو مرض - لم تقبل منه الصلاة التي صلى). قال أبو محمد ~~عبد الحق: هذا يرويه مغراء العبدي والصحيح موقوف على ابن عباس (من سمع ~~النداء فلم يأت فلا صلاة له) على أن قاسم بن أصبغ ذكره في كتابه فقال حدثنا ~~إسماعيل بن إسحاق القاضي قال حدثنا سليمان بن حرب حدثنا شعبة عن حبيب بن ~~أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (من ~~سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر) وحسبك بهذا الاسناد صحة ومغراء ~~العبدي روى عنه أبو إسحاق وقال ابن مسعود: # ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق. وقال عليه السلام ~~(بيننا وبين المنافقين شهود العتمة والصبح لا يستطيعونهما) قال ابن المنذر ~~ولقد روينا عن غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم قالوا (من ~~سمع النداء فلم يجب من غير عذر فلا صلاة له) منهم ابن مسعود وأبو موسى ~~الأشعري. وروى أبو داود عن أبي هريرة ms0330 قال قال رسول # PageV01P349 # الله صلى الله عليه وسلم: (لقد هممت أن امر فتيتي فيجمعوا حزما من حطب ثم ~~أتى قوما يصلون في بيوتهم ليست لهم علة فأحرقها عليهم). هذا ما احتج به من ~~أوجب الصلاة في الجماعة فرضا وهي ظاهرة في الوجوب وحملها الجمهور على تأكيد ~~أمر شهود الصلوات في الجماعة بدليل حديث ابن عمر وأبي هريرة وحملوا قول ~~الصحابة وما جاء في الحديث من أنه (لا صلاة له) على الكمال والفضل وكذلك ~~قوله عليه السلام لابن أم مكتوم (فأجب) على الندب. وقوله عليه السلام (لقد ~~هممت) لا يدل على الوجوب الحتم لأنه هم ولم يفعل وإنما مخرجه مخرج التهديد ~~والوعيد للمنافقين الذين كانوا يتخلفون عن الجماعة والجمعة. # يبين هذا المعنى ما رواه مسلم عن عبد الله قال (من سره أن يلقى الله غدا ~~مسلما فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن، فإن الله شرع لنبيكم صلى ~~الله عليه وسلم سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم ~~كما يصلى هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم، ولو ~~تركتم سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم لضللتم، وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور ~~ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة ~~ويرفعه بها درجة ويحط عنه بها سيئة ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق ~~معلوم النفاق ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين (1) حتى يقام في ~~الصف). فبين رضي الله عنه في حديثه أن الاجتماع سنة من سنن الهدى وتركه ~~ضلال، ولهذا قال القاضي أبو الفضل عياض: اختلف في التمالؤ على ترك ظاهر ~~السنن، هل يقاتل عليها أولا، والصحيح قتالهم، لان في التمالؤ عليها ~~إماتتها. # قلت: فعلى هذا إذا أقيمت السنة وظهرت جازت صلاة المنفرد وصحت. روى مسلم ~~عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (صلاة الرجل في جماعة ~~تزيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه بضعا وعشرين درجة وذلك ms0331 أن أحدهم إذا ~~توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى المسجد لا ينهزه (2) إلا الصلاة لا يريد إلا ~~الصلاة فلم يخط خطوة إلا رفع له بها درجة # PageV01P350 # وحط عنه بها خطيئة حتى يدخل المسجد فإذا دخل المسجد كان في الصلاة ما ~~كانت الصلاة هي تحبسه والملائكة يصلون على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلى ~~فيه يقولون اللهم أرحمه اللهم اغفر له اللهم تب عليه ما لم يؤذ فيه ما لم ~~يحدث فيه). قيل لأبي هريرة: ما يحدث؟ # قال: يفسو أو يضرط. # الثالثة عشرة - واختلف العلماء في هذا الفضل المضاف للجماعة هل لأجل ~~الجماعة فقط حيث كانت أو إنما يكون ذلك الفضل للجماعة التي تكون في المسجد ~~لما يلازم ذلك من أفعال تختص بالمساجد كما جاء في الحديث قولان والأول أظهر ~~لان الجماعة هو الوصف الذي علق عليه الحكم والله أعلم وما كان من إكثار ~~الخطا إلى المساجد وقصد الاتيان إليها والمكث فيها فذلك زيادة ثواب خارج عن ~~فضل الجماعة والله أعلم الرابعة عشرة - واختلفوا أيضا هل تفضل جماعة جماعة ~~بالكثرة وفضيلة الامام؟ فقال مالك: لا. وقال ابن حبيب نعم لان النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال (صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده وصلاته مع ~~الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل وما كثر فهو أحب إلى الله) رواه أبي بن كعب ~~وأخرجه أبو داود وفي إسناده لين الخامسة عشرة - واختلفوا أيضا فمن صلى في ~~جماعة هل يعيد صلاته تلك في جماعة أخرى؟ فقال مالك وأبو حنيفة والشافعي ~~وأصحابهم إنما يعيد الصلاة في جماعة مع الامام من صلى وحده في بيته وأهله ~~أو في غير بيته وأما من صلى في جماعة وإن قلت فإنه لا يعيد في جماعة أكثر ~~منها ولا أقل وقال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وداود بن علي: # جائز لمن صلى في جماعة ووجد جماعة أخرى في تلك الصلاة أن يعيدها معهم إن ~~شاء لأنها نافلة وسنة. وروي ذلك عن حذيفة بن اليمان وأبي موسى الأشعري وأنس ms0332 ~~بن مالك وصلة بن زفر والشعبي والنخعي وبه قال حماد بن زيد وسليمان بن حرب. # احتج مالك بقوله صلى الله عليه وسلم (لا تصلى صلاة في يوم مرتين) ومنهم ~~من يقول لا تصلوا رواه سليمان بن يسار عن ابن عمر واتفق أحمد وإسحاق على أن ~~معنى PageV01P351 # هذا الحديث أن يصلي الانسان الفريضة ثم يقوم فيصليها ثانية ينوي بها ~~الفرض مرة أخرى فأما إذا صلاها مع الامام على أنها سنة أو تطوع فليس بإعادة ~~الصلاة وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للذين أمرهم بإعادة الصلاة في ~~جماعة (إنها لكم نافلة) من حديث أبي ذر وغيره السادسة عشرة - روى مسلم عن ~~أبي مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله ~~فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم ~~هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلما ولا يؤمن الرجل الرجل في ~~سلطانه ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه) وفي رواية (سنا) مكان ~~(سلما) وأخرجه أبو داود وقال: قال شعبة: فقلت لإسماعيل ما تكرمته؟ قال: ~~فراشه وأخرجه الترمذي وقال: حديث أبي مسعود حديث حسن صحيح والعمل عليه عند ~~أهل العلم قالوا: أحق الناس بالإمامة أقرؤهم لكتاب الله وأعلمهم بالسنة ~~وقالوا صاحب المنزل أحق بالإمامة وقال بعضهم إذا أذن صاحب المنزل لغيره فلا ~~بأس أن يصلي به. # وكرهه بعضهم وقالوا: السنة أن يصلي صاحب البيت. قال ابن المنذر روينا عن ~~الأشعث ابن قيس أنه قدم غلاما وقال إنما أقدم القرآن وممن قال يؤم القوم ~~أقرؤهم ابن سيرين والثوري وإسحاق وأصحاب الرأي قال ابن المنذر بهذا نقول ~~لأنه موافق للسنة وقال مالك يتقدم القوم أعلمهم إذا كانت حاله حسنة وإن ~~للسن حقا وقال الأوزاعي يؤمهم أفقههم وكذلك قال الشافعي وأبو ثور إذا كان ~~يقرأ القرآن وذلك لان الفقيه أعرف بما ينوبه من الحوادث في الصلاة وتأولوا ~~الحديث بأن الأقرأ من الصحابة كان الأفقه لأنهم كانوا يتفقهون في القرآن ~~وقد كان من ms0333 عرفهم الغالب تسميتهم الفقهاء بالقراء واستدلوا بتقديم النبي ~~صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه أبا بكر لفضله وعلمه. # وقال إسحاق إنما قدمه النبي صلى الله عليه وسلم ليدل على أنه خليفته بعده ~~ذكره أبو عمر في التمهيد. وروى أبو بكر البزار بإسناد حسن عن أبي هريرة قال ~~قال رسول الله صلى الله PageV01P352 # عليه وسلم (إذا سافرتم فليؤمكم أقرؤكم وإن كان أصغركم وإذا أمكم فهو ~~أميركم) قال: # لا نعلمه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من رواية أبي هريرة بهذا ~~الاسناد. # قلت: إمامة الصغير جائزة إذا كان قارئا ثبت في صحيح البخاري عن عمر بن ~~سلمة قال: كنا بماء (1) ممر الناس وكان يمر بنا الركبان فنسألهم ما للناس؟ ~~ما هذا الرجل؟ فيقولون: # يزعم أن الله أرسله أوحى إليه كذا! أوحى إليه كذا! فكنت أحفظ ذلك الكلام ~~فكأنما يقر (2) في صدري وكانت العرب تلوم (3) بإسلامها فيقولون أتركوه ~~وقومه فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق فلما كانت وقعة الفتح بادر كل قوم ~~بإسلامهم وبدر أبي قومي بإسلامهم فلما قدم قال: جئتكم والله من عند نبي ~~الله حقا، قال: (صلوا صلاة كذا في حين كذا فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم ~~وليؤمكم أكثركم قرانا). فنظروا فلم يكن أحد أكثر منى قرآنا لما كنت أتلقى ~~من الركبان فقدموني بين أيديهم وأنا ابن ست أو سبع سنين وكانت علي بردة إذا ~~سجدت تقلصت عني فقالت امرأة من الحي: ألا تغطون (4) عنا است قارئكم! # فاشتروا فقطعوا لي قميصا فما فرحت بشئ فرحي بذلك القميص. وممن أجاز إمامة ~~الصبي غير البالغ الحسن البصري وإسحاق بن راهويه واختاره ابن المنذر إذا ~~عقل الصلاة وقام بها لدخوله في جملة قوله صلى الله عليه وسلم (يؤم القوم ~~أقرؤهم) ولم يستثن ولحديث عمرو ابن سلمة وقال الشافعي في أحد قوليه يؤم في ~~سائر الصلوات ولا يؤم في الجمعة وقد كان قبل يقول ومن أجزأت إمامته في ~~المكتوبة أجزأت إمامته في الأعياد غير أنى أكره فيها إمامة غير ms0334 الوالي وقال ~~الأوزاعي: لا يؤم الغلام في الصلاة المكتوبة حتى يحتلم إلا أن يكون قوم ليس ~~معهم من القرآن شئ فإنه يؤمهم الغلام المراهق وقال الزهري إن اضطروا إليه ~~أمهم. ومنع ذلك جملة مالك والثوري وأصحاب الرأي. # السابعة عشرة - الاتمام بكل إمام بالغ مسلم حر على استقامة جائز من غير ~~خلاف إذا كان يعلم حدود الصلاة ولم يكن يلحن في أم القرآن لحنا يخل بالمعنى ~~مثل أن يكسر الكاف # PageV01P353 # من " إياك نعبد " [الفاتحة: 5] ويضم التاء في " أنعمت " ومنهم من راعى ~~تفريق الطاء من الضاد وإن لم يفرق بينهما لا تصح إمامته لان معناهما يختلف. ~~ومنهم من رخص في ذلك كله إذا كان جاهلا بالقراءة وأم مثله ولا يجوز الاتمام ~~بامرأة ولا خنثى مشكل ولا كافر ولا مجنون ولا أمي ولا يكون واحد من هؤلاء ~~إماما بحال من الأحوال عند أكثر العلماء على ما يأتي ذكره إلا الأمي لمثله ~~قال علماؤنا: لا تصح إمامة الأمي الذي لا يحسن القراءة مع حضور القارئ له ~~ولا لغيره وكذلك قال الشافعي. فإن أم أميا مثله صحت صلاتهم عندنا وعند ~~الشافعي. وقال أبو حنيفة إذا صلى الأمي بقوم يقرءون وبقوم أميين فصلاتهم ~~كلهم فاسدة. وخالقه أبو يوسف فقال صلاة الامام ومن لا يقرأ تامة وقالت فرقة ~~صلاتهم كلهم جائزة لان كلا مؤد فرضه وذلك مثل المتيمم يصلي بالمتطهرين ~~بالماء والمصلي قاعدا يصلي بقوم قيام صلاتهم مجزئة في قول من خالفنا لان ~~كلا مؤد فرضي نفسه. # قلت: وقد يحتج لهذا القول بقول عليه السلام (ألا ينظر المصلي [إذا صلى] ~~(1) كيف يصلي فإنما يصلي لنفسه) أخرجه مسلم وإن صلاة المأموم ليست مرتبطة ~~بصلاة الامام والله أعلم وكان عطاء بن أبي رباح يقول إذا كانت امرأته تقرأ ~~كبر هي وتقرأ هي فإذا فرغت من القراءة كبر وركع وسجد وهي خلفه تصلى وروي ~~هذا المعنى عن قتادة. # الثامنة عشرة - ولا بأس بإمامة الأعمى والأعرج والأشل والأقطع والخصي ~~والعبد إذا كان كل واحد منهم عالما بالصلاة وقال ابن وهب لا ms0335 أرى أن يؤم ~~الأقطع والأشل لأنه منتقص عن درجه الكمال وكرهت إمامته لأجل النقص. وخالفه ~~جمهور أصحابه وهو الصحيح لأنه عضو لا يمنع فقده فرضا من فروض الصلاة فجازت ~~الإمامة الراتبة مع فقده كالعين وقد روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~استخلف ابن أم مكتوم يؤم الناس وهو أعمى،) وكذا الأعرج والأقطع والأشل ~~والخصي قياسا ونظرا والله أعلم وقد روي عن أنس بن مالك أنه قال في الأعمى: ~~(وما حاجتهم إليه! وكان ابن عباس وعتبان ابن مالك يؤمان وكلاهما أعمى، ~~وعليه عامة العلماء. # PageV01P354 # التاسعة عشرة - واختلفوا في إمامة ولد الزنى فقال مالك أكره أن يكون ~~إماما راتبا وكره ذلك عمر بن عبد العزيز وكان عطاء بن أبي رباح يقول له أن ~~يؤم إذا كان مرضيا وهو قول الحسن البصري والزهري والنخعي وسفيان الثوري ~~والأوزاعي وأحمد وإسحاق وتجزئ الصلاة خلفه عند أصحاب الرأي وغيره أحب إليهم ~~وقال الشافعي أكره أن ينصب إماما راتبا من لا يعرف أبوه ومن صلى خلفه أجزأه ~~وقال عيسى بن دينار لا أقول بقول مالك في إمامة ولد الزنى وليس عليه من ذنب ~~أبويه شئ ونحوه قال ابن عبد الحكم إذا كان في نفسه أهلا للإمامة قال ابن ~~المنذر يؤم لدخوله في جملة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (يؤم القوم ~~أقرؤهم) وقال أبو عمر ليس في شئ من الآثار الواردة في شرط الإمامة ما يدل ~~على مراعاة نسب وإنما فيها دلالة على الفقه والقراءة والصلاح في الدين ~~الموفية عشرين - وأما العبد فروى البخاري عن ابن عمر قال: لما قدم ~~المهاجرون الأولون العصبة - موضع بقباء - قبل مقدم النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان يؤمهم سالم مولى أبي حذيفة وكان أكثرهم قرآنا. وعنه قال: كان سالم ~~مولى أبي حذيفة يؤم المهاجرين الأولين وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في ~~مسجد قباء فهم أبو بكر وعمر وزيد وعامر ابن ربيعة وكانت عائشة يؤمها عبدها ~~ذكوان من المصحف. قال ابن المنذر: وأم أبو سعيد مولى أبي أسيد ms0336 وهو عبد نفرا ~~من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم حذيفة وأبو مسعود. # ورخص في إمامة العبد النخعي والشعبي والحسن البصري والحكم والثوري ~~والشافعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي وكره ذلك أبو مجلز. وقال مالك لا يؤمهم ~~إلا أن يكون العبد قارئا ومن معه من الأحرار لا يقرءون إلا أن يكون في عيد ~~أو جمعة فان العبد لا يؤمهم فيها ويجزئ عند الأوزاعي إن صلوا وراءه قال ابن ~~المنذر العبد داخل في جملة قول النبي صلى الله عليه وسلم (يؤم القوم ~~أقرؤهم). # الحادية والعشرون - وأما المرأة فروى البخاري عن أبي بكرة قال: لما بلغ ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهل فارس قد ملكوا بنت كسرى قال (لن يفلح ~~قوم ولوا أمرهم PageV01P355 # امرأة). وذكر أبو داود عن عبد الرحمن بن خلاد عن أم ورقه بنت عبد الله ~~قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزورها في بيتها قال وجعل لها ~~مؤذنا يؤذن لها وأمرها أن تؤم أهل دارها قال عبد الرحمن: فأنا رأيت مؤذنها ~~شيخا كبيرا. قال ابن المنذر: # والشافعي يوجب الإعادة على من صلى من الرجال خلف المرأة. وقال أبو ثور لا ~~إعادة عليهم. # وهذا قياس قول المزني. # قلت: وقال علماؤنا لا تصح إمامتها للرجال ولا للنساء. وروى ابن (1) أيمن ~~جواز إمامتها للنساء. وأما الخنثى المشكل فقال الشافعي: لا يؤم الرجال ويؤم ~~النساء. وقال مالك: # لا يكون إماما بحال، وهو قول أكثر الفقهاء. # الثانية والعشرون - الكافر المخالف للشرع كاليهودي والنصراني يؤم ~~المسلمين وهم لا يعلمون بكفره. وكان الشافعي وأحمد يقولان لا يجزئهم ~~ويعيدون وقاله مالك وأصحاب لأنه ليس من أهل القربة. وقال الأوزاعي: يعاقب. ~~وقال أبو ثور والمزني لا إعادة على من صلى خلفه ولا يكون بصلاته مسلما عند ~~الشافعي وأبي ثور. وقال أحمد: يجبر على الاسلام الثالثة والعشرون - وأما ~~أهل البدع من أهل الأهواء كالمعتزلة والجهمية وغيرهما فذكر البخاري عن ~~الحسن صل وعليه بدعته وقال أحمد: لا يصلي خلف أحد من أهل الأهواء إذا كان ms0337 ~~داعية إلى هواه وقال مالك ويصلى خلف أئمة الجور ولا يصلي خلف أهل البدع من ~~القدرية وغيرهم. وقال ابن المنذر كل من أخرجته بدعته إلى الكفر لم تجز ~~الصلاة خلفه ومن لم يكن كذلك فالصلاة خلفه جائزة ولا يجوز تقديم من هذه ~~صفته. # الرابعة والعشرون - وأما الفاسق بجوارحه كالزاني وشارب الخمر ونحو ذلك ~~فاختلف المذهب فيه فقال ابن حبيب من صلى وراء من شرب الخمر فإنه يعيد أبدا ~~إلا أن يكون الوالي الذي تؤدي إليه الطاعة فلا إعادة على من صلى خلفه إلا ~~أن يكون حينئذ سكران. قاله # PageV01P356 # من لقيت من أصحاب مالك وروي من حديث جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال على المنبر (لا تؤمن امرأة رجلا ولا يؤمن أعرابي مهاجرا ~~ولا يؤمن فاجر برا إلا أن يكون ذلك ذا سلطان) قال أبو محمد عبد الحق هذا ~~يرويه علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب والأكثر يضعف علي بن زيد وروى ~~الدارقطني عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن سركم أن ~~تزكوا صلاتكم فقدموا خياركم) في إسناده أبو الوليد خالد بن إسماعيل ~~المخزومي وهو ضعيف قال الدارقطني. # وقال فيه أبو أحمد بن عدي كان يضع الحديث على ثقات المسلمين وحديثه هذا ~~يرويه عن ابن جريج عن عطاء عن أبي هريرة وذكر الدارقطني عن سلام بن سليمان ~~عن عمر عن محمد بن واسع عن سعيد بن جبير عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # (اجعلوا أئمتكم خياركم فإنهم وفد فيما بينكم وبين الله) قال الدارقطني ~~عمر هذا هو عندي عمر بن يزيد قاضي المدائن وسلام بن سليمان أيضا مدائني ليس ~~بالقوي قاله عبد الحق. # الخامسة والعشرون - روى الأئمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~(إنما جعل الامام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه فإذا كبر فكبروا وإذا ركع ~~فاركعوا وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا اللهم ربنا ولك الحمد وإذا سجد ms0338 ~~فاسجدوا وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون) وقد اختلف العلماء فيمن وكع أو ~~خفض قبل الامام عامدا على قولين: أحدهما: أن صلاته فاسدة إن فعل ذلك فيها ~~كلها أو في أكثرها وهو قول أهل الظاهر وروى عن ابن عمر. ذكر سنيد قال: ~~حدثنا ابن علية عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي الورد الأنصاري قال صليت إلى ~~جنب ابن عمر فجعلت أرفع قبل الامام وأضع قبله فلما سلم الامام أخذ ابن عمر ~~بيدي فلو اني وجذبني فقلت مالك! قال من أنت؟ قلت: فلان بن فلان قال: # أنت من أهل بيت صدق! فما يمنعك أن تصلى؟ قلت: أوما رأيتني إلى جنبك! قال: # قد رأيتك ترفع قبل الامام وتضع قبله وإنه لا صلاة لمن خالف الامام. وقال ~~الحسن بن حي فيمن ركع أو سجد قبل الامام ثم رفع من ركوعه أو سجوده قبل أن ~~يركع الامام أو يسجد: PageV01P357 # لم يعتد بذلك ولم يجزه. وقال أكثر الفقهاء: من فعل ذلك فقد أساء ولم تفسد ~~صلاته لان الأصل في صلاة الجماعة والائتمام فيها بالأئمة سنة حسنة فمن ~~خالفها بعد أن أدى فرض صلاته بطهارتها وركوعها وسجودها وفرائضها فليس عليه ~~إعادتها وإن أسقط بعض سننها لأنه لو شاء أن ينفرد فصلى قبل إمامه تلك ~~الصلاة أجزأت عنه وبئس ما فعل في تركه الجماعة قالوا: ومن دخل في صلاة ~~الامام فركع بركوعه وسجد بسجوده ولم يكن في ركعة وإمامه في أخرى فقد اقتدى ~~وإن كان يرفع قبله ويخفض قبله لأنه بركوعه يركع وبسجوده يسجد ويرفع وهو في ~~ذلك تبع له إلا أنه مسئ في فعله ذلك لخلافه سنة المأموم المجتمع عليها. # قلت: ما حكاه ابن عبد البر عن الجمهور ينبئ على أن صلاة المأموم عندهم ~~غير مرتبطة بصلاة الامام لان الاتباع الحسى والشرعي مفقود وليس الامر هكذا ~~عند أكثرهم والصحيح في الأثر والنظر القول الأول فإن الامام إنما جعل ليؤتم ~~به ويقتدى به بأفعاله ومنه قوله تعالى " إني جاعلك للناس إماما " (1) ~~[البقرة: 124] أي يأتمون بك على ms0339 ما يأتي بيانه هذا حقيقة الامام لغة وشرعا ~~فمن خالف إمامه لم يتبعه ثم أن النبي صلى الله عليه وسلم بين فقال: (إذا ~~كبر فكبروا) الحديث. فأتى بالفاء التي توجب التعقيب وهو المبين عن الله ~~مراده. ثم أوعد من رفع أو ركع قبل وعيدا شديدا فقال (أما يخشى الذي يرفع ~~رأسه قبل الامام أن يحول الله رأسه رأس حمار أو صورته صورة حمار) أخرجه ~~الموطأ والبخاري ومسلم وأبو داود وغيرهم وقال أبو هريرة إنما ناصيته بيد ~~شيطان. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد) ~~يعني مردود فمن تعمد خلاف إمامه عالما بأنه مأمور باتباعه منهم عن مخالفته ~~فقد استخف بصلاته وخالف ما أمر به فواجب ألا تجزي عنه صلاته تلك والله ~~أعلم. # السادسة والعشرون - فإن رفع رأسه ساهيا قبل الامام فقال مالك رحمه الله: ~~السنة فيمن سها ففعل ذلك في ركوع أو في سجود أن يرجع راكعا أو ساجدا وينتظر ~~الامام وذلك خطأ ممن فعله لان النبي صلى الله عليه وسلم قال (إنما جعل ~~الامام ليؤتم به # PageV01P358 # فلا تختلفوا عليه) قال ابن عبد البر: ظاهر قول مالك هذا لا يوجب الإعادة ~~على من فعله عامدا لقوله: " وذلك خطأ ممن فعله "، لان الساهي عنه موضوع. # السابعة والعشرون - وهذا الخلاف إنما هو فيما عدا تكبيرة الاحرام والسلام ~~أما السلام فقد تقدم القول فيه. وأما تكبيرة الاحرام فالجمهور على أن تكبير ~~المأموم لا يكون إلا بعد تكبير الامام إلا ما روي عن الشافعي في أحد قوليه: ~~أنه إن كبر قبل إمامه تكبيرة الاحرام أجزأت عنه لحديث أبي هريرة أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم جاء إلى الصلاة فلما كبر انصرف وأومأ إليهم - أي ~~كما أنتم - ثم خرج ثم جاء ورأسه يقطر فصلى بهم فلما انصرف قال: (إني كنت ~~جنبا فنسيت أن أغتسل). ومن حديث أنس (فكبر وكبرنا معه) وسيأتي بيان هذا عند ~~قوله تعالى: " ولا جنبا " في " النساء (1) " [النساء: 43] إن شاء الله ~~تعالى. # الثامنة والعشرون ms0340 - وروى مسلم عن أبي مسعود قال: كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول (استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم ~~ليلني منكم أولو الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم). قال أبو ~~مسعود: فأنتم اليوم أشد اختلافا. # زاد من حديث عبد الله (وإياكم وهيشات (2) الأسواق). وقوله (استووا) أمر ~~بتسوية الصفوف وخاصة الصف الأول وهو الذي يلي الامام على ما يأتي بيانه في ~~سورة " الحجر (3) " إن شاء الله تعالى. وهناك يأتي الكلام على معنى هذا ~~الحديث بحول الله تعالى. # التاسعة والعشرون - واختلف العلماء في كيفية الجلوس في الصلاة لاختلاف ~~الآثار في ذلك فقال مالك وأصحابه: يفضي المصلي بأليتيه إلى الأرض وينصب ~~رجله اليمنى ويثنى رجله اليسرى، لما رواه في موطئه عن يحيى بن سعيد أن ~~القاسم بن محمد أراهم الجلوس في التشهد فنصب رجله اليمنى وثنى رجله اليسرى ~~وجلس على وركه الأيسر ولم يجلس على قدمه، ثم قال: أراني هذا عبد الله بن ~~عمر وحدثني أن أباه كان يفعل ذلك. # PageV01P359 # قلت: وهذا المعنى قد جاء في صحيح مسلم عن عائشة قالت. كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين، ~~وكان إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه ولكن بين ذلك، وكان إذا رفع رأسه من ~~الركوع لم يسجد حتى يستوي قائما وكان إذا رفع رأسه من السجدة لم يسجد حتى ~~يستوي جالسا وكان يقول في كل ركعتين التحية، وكان يفرش رجله اليسرى وينصب ~~رجله اليمنى وكان ينهى عن عقبة (1) الشيطان وينهى أن يفترش الرجل ذراعيه ~~افتراش السبع، وكان يختم الصلاة بالتسليم. # قلت: ولهذا الحديث - والله أعلم - قال ابن عمر: إنما سنة الصلاة أن تنصب ~~رجلك اليمنى وتثني اليسرى. وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه والحسن بن صالح ~~بن حي: # ينصب اليمنى ويقعد على اليسرى)، لحديث وائل بن حجر، وكذلك قال الشافعي ~~وأحمد وإسحاق في الجلسة الوسطى. وقالوا في الآخرة من الظهر أو العصر أو ~~المغرب أو العشاء كقول مالك لحديث أبي ms0341 حميد الساعدي رواه البخاري قال: رأيت ~~النبي صلى الله عليه وسلم إذا كبر جعل يديه حذو منكبيه وإذا ركع أمكن يديه ~~من ركبتيه ثم هصر ظهره فإذا رفع أستوى حتى يعود كل فقار مكانه فإذا سجد وضع ~~يديه غير مفترش ولا قابضهما وأستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة وإذا جلس في ~~الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب الأخرى وإذا جلس في الركعة الآخرة قدم ~~رجله اليسرى ونصب اليمنى وقعد على مقعدته. # قال الطبري: إن فعل هذا فحسن كل ذلك قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم. # الموفية الثلاثين - مالك عن مسلم بن أبي مريم عن علي بن عبد الرحمن ~~المعاوي أنه قال: رآني عبد الله بن عمر وأنا أعبث بالحصباء في الصلاة، فلما ~~انصرف نهاني فقال: اصنع كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع قلت ~~وكيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع؟ قال: كان (إذا جلس في الصلاة ~~وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى وقبض أصابعه # PageV01P360 # كلها وأشار بأصبعه التي تلي الابهام ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى ~~وقال: هكذا كان يفعل). قال ابن عبد البر: وما وصفه ابن عمر من وضع كفه ~~اليمنى على فخذه اليمنى وقبض أصابع يده تلك كلها إلا السبابة منها فإنه ~~يشير بها ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى مفتوحة مفروجة الأصابع، كل ذلك ~~سنة في الجلوس في الصلاة مجمع عليه لا خلاف علمته بين العلماء فيها وحسبك ~~بهذا إلا أنهم اختلفوا في تحريك أصبعه السبابة فمنهم من رأى تحريكها ومنهم ~~من لم يره وكل ذلك مروي في الآثار الصحاح المسندة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم وجميعه مباح والحمد لله. وروى سفيان بن عيينة هذا الحديث عن مسلم بن ~~أبي مريم بمعنى ما رواه مالك وزاد فيه: قال سفيان وكان يحيى بن سعيد حدثناه ~~عن مسلم ثم لقيته فسمعته منه وزادني فيه قال (هي مذبة الشيطان لا يسهو ~~أحدكم ما دام يشير بإصبعه ويقول هكذا). # قلت: روى أبو داود في ms0342 حديث ابن الزبير أنه عليه السلام كان يشير بإصبعه ~~إذا دعا ولا يحركها. وإلى هذا ذهب بعض العراقيين فمنع من تحريكها وبعض ~~علمائنا رأوا أن مدها إشارة إلى دوام التوحيد وذهب أكثر العلماء من أصحاب ~~مالك وغيرهم إلى تحريكها إلا أنهم اختلفوا في الموالاة بالتحريك على قولين ~~تأول من والاه بأن قال إن ذلك يذكر بموالاة الحضور في الصلاة وبأنها مقمعة ~~ومدفعة للشيطان على ما روى سفيان ومن لم يوال رأى تحريكها عند التلفظ ~~بكلمتي الشهادة وتأول في الحركة كأنها نطق بتلك الجارحة بالتوحيد والله ~~أعلم الحادية والثلاثون - واختلفوا في جلوس المرأة في الصلاة فقال مالك هي ~~كالرجل ولا تخالفه فيما بعد الاحرام إلا في اللباس والجهر وقال الثوري: ~~تسدل المرأة جلبابها من جانب واحد ورواه عن إبراهيم النخعي وقال أبو حنيفة ~~وأصحابه: تجلس المرأة كأيسر ما يكون لها. وهو قول الشعبي تقعد كيف تيسر ~~لها. وقال الشافعي تجلس بأستر ما يكون لها. PageV01P361 # روى مسلم عن طاوس قال قلنا لابن عباس في الاقعاء على القدمين، فقال: هي ~~السنة فقلنا له إنا لنراه جفاء بالرجل فقال ابن عباس: [بل] (1) هي سنة نبيك ~~صلى الله عليه وسلم. وقد اختلف العلماء في صفة الاقعاء ما هو فقال أبو ~~عبيد: الاقعاء جلوس الرجل على أليتيه ناصبا فخذيه مثل إقعاء الكلب والسبع. ~~قال ابن عبد البر وهذا إقعاء مجتمع عليه لا يختلف العلماء فيه وهذا تفسير ~~أهل اللغة وطائفة من أهل الفقه. # وقال أبو عبيد وأما أهل الحديث فإنهم يجعلون الاقعاء أن يجعل أليتيه على ~~عقبيه بين السجدتين قال القاضي عياض والأشبه عندي في تأويل الاقعاء الذي ~~قال فيه ابن عباس إنه من السنة الذي فسر به الفقهاء من وضع الأليتين على ~~العقبين بين السجدتين وكذا جاء مفسرا عن ابن عباس من السنة أن تمس عقبك إلى ~~أليتك رواه إبراهيم بن مسرة عن طاوس عنه ذكره أبو عمر قال القاضي: وقد روي ~~عن جماعة من السلف والصحابة أنهم كانوا يفعلونه ولم يقل بذلك عامة فقهاء ms0343 ~~الأمصار وسموه إقعاء. ذكر عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه أنه رأى ~~ابن عمر وابن عباس وابن الزبير يقعون بين السجدتين. # الثالثة والثلاثون - لم يختلف من قال من العلماء بوجوب التسليم وبعدم ~~وجوبه أن التسليمة الثانية ليست بفرض إلا ما روى عن الحسن بن حي أنه أوجب ~~التسليمتين معا. # قال أبو جعفر الطحاوي: لم نجد عن أحد من أهل العلم الذين ذهبوا إلى ~~التسليمتين أن الثانية من فرائضها غيره. قال ابن عبد البر: من حجة الحسن بن ~~صالح في ايجابه التسليمتين جميعا - وقوله: إن من أحدث بعد الأولى وقبل ~~الثانية فسدت صلاته - قوله صلى الله عليه وسلم: " تحليلها التسليم ". ثم ~~بين كيف التسليم فكان يسلم عن يمينه وعن يساره. # ومن حجة من أوجب التسليمة الواحدة دون الثانية قوله صلى الله عليه وسلم: ~~" تحليلها التسليم " قالوا: والتسليمة الواحدة يقع عليها اسم تسليم. # PageV01P362 # قلت هذه المسألة مبنية على الاخذ بأقل الاسم أو بآخره ولما كان الدخول في ~~الصلاة بتكبيرة واحدة باجماع فكذلك الخروج منها بتسليمة واحدة إلا أنه ~~تواردت (1) السنن الثابتة من حديث ابن مسعود - وهو أكثرها تواترا - ومن ~~حديث وائل بن حجر الحضرمي وحديث عمار وحديث البراء بن عازب وحديث ابن عمر ~~وحديث سعد بن أبي وقاص أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسلم تسليمتين. روى ~~ابن جريج وسليمان بن بلال وعبد العزيز ابن محمد الدراوردي كلهم عن عمرو بن ~~يحيى المازني عن محمد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع بن حبان قال قلت لابن ~~عمر: حدثني عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف كانت؟ فذكر التكبير ~~كلما رفع رأسه وكلما خفضه وذكر السلام عليكم ورحمة الله عن يمينه، السلام ~~عليكم ورحمة الله عن يساره. قال ابن عبد البر: وهذا إسناد مدني صحيح والعمل ~~المشهور بالمدينة التسليمة الواحدة وهو عمل قد توارثه أهل المدينة كابرا عن ~~كابر ومثله يصح فيه الاحتجاج بالعمل في كل بلد لأنه لا يخفى لوقوعه في كل ~~يوم مرارا. # وكذلك ms0344 العمل بالكوفة وغيرها مستفيض عندهم بالتسليمتين ومتوارث عندهم ~~أيضا. وكل ما جرى هذا المجرى فهو اختلاف في المباح كالاذان وكذلك لا يروى ~~عن عالم بالحجاز ولا بالعراق ولا بالشام ولا بمصر إنكار التسليمة الواحدة ~~ولا إنكار التسليمتين بل ذلك عندهم معروف وحديث التسليمة الواحدة رواه سعد ~~بن أبي وقاص وعائشة وأنس إلا أنها معلولة لا يصححها أهل العلم بالحديث. # الرابعة والثلاثون - روى الدارقطني عن ابن مسعود أنه قال: من السنة أن ~~يخفى التشهد. وأختار مالك تشهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو. التحيات ~~لله الزكيات لله الطيبات الصلوات لله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله ~~وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله ~~وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. وأختار الشافعي وأصحابه والليث بن سعد تشهد ~~ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا التشهد كما يعلمنا ~~السورة من القرآن فكان يقول: (التحيات المباركات الصلوات الطيبات # PageV01P363 # لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد ~~الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله) واختار ~~الثوري والكوفيون وأكثر أهل الحديث تشهد ابن مسعود الذي رواه مسلم أيضا ~~قال: كنا نقول في الصلاة خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم: السلام على ~~الله السلام على فلان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم (إن الله ~~هو السلام فإذا قعد أحدكم في الصلاة فليقل التحيات لله والصلوات والطيبات ~~السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله ~~الصالحين - فإذا قالها أصابت كل عبد [لله] (1) صالح في السماء والأرض أشهد ~~أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ثم يتخير من المسألة ما ~~شاء) وبه قال أحمد وإسحاق وداود. وكان أحمد بن خالد بالأندلس يختاره ويميل ~~إليه وروي عن أبي موسى الأشعري مرفوعا وموقوفا نحو تشهد ابن مسعود وهذا كله ~~اختلاف في مباح ليس شئ منه على الوجوب والحمد لله وحده. ms0345 فهذه جملة من أحكام ~~الإمام والمأموم تضمنها قوله عز وجل " واركعوا مع الراكعين " [البقرة: 43]. ~~وسيأتي القول في القيام في الصلاة عند قوله تعالى " وقوموا لله قانتين " ~~(2) [البقرة: 238]. # ويأتي هناك حكم الامام المريض وغيره من أحكام الصلاة ويأتي في " آل عمران ~~" حكم صلاة المريض غير الامام ويأتي في " النساء " (4) في صلاة الخوف حكم ~~المفترض خلف المتنفل ويأتي في سورة " مريم " (5) حكم الامام يصلي أرفع من ~~المأموم إلى غير ذلك من الأوقات والاذان والمساجد وهذا كله بيان لقوله ~~تعالى " وأقيموا الصلاة " وقد تقدم في أول السورة جملة من أحكامها والحمد ~~لله على ذلك. # قوله تعالى: أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا ~~تعقلون (44) فيه تسع مسائل: # PageV01P364 # الأولى - قوله تعالى: (أتأمرون الناس بالبر) هذا استفهام معناه التوبيخ ~~والمراد في قول أهل التأويل علماء اليهود. قال ابن عباس: كان يهود المدينة ~~يقول الرجل منهم لصهره ولذي قرابته ولمن بينه وبينه رضاع من المسلمين أثبت ~~على الذي أنت عليه وما يأمرك به هذا الرجل يريدون محمدا صلى الله عليه وسلم ~~فإن أمره حق فكانوا يأمرون الناس بذلك ولا يفعلونه. وعن ابن عباس أيضا: كان ~~الأحبار يأمرون مقلديهم وأتباعهم باتباع التوراة وكانوا يخالفونها في جحدهم ~~صفة محمد صلى الله عليه وسلم. وقال ابن جريج كان الأحبار يحضون في طاعة ~~الله وكانوا هم يواقعون المعاصي وقالت فرقة كانوا يحضون على الصدقة ويبخلون ~~والمعنى متقارب وقال بعض أهل الإشارات المعنى أتطالبون الناس بحقائق ~~المعاني وأنتم تخالفون عن ظواهر رسومها! # الثانية - في شدة عذاب من هذه صفته روى حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن ~~أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ليلة أسرى بي مررت على ناس تقرض ~~شفاههم بمقاريض من نار فقلت يا جبريل من هؤلاء؟ قال هؤلاء الخطباء من أهل ~~الدنيا (1) يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا ~~يعقلون) وروى أبو أمامة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الذين ~~يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم يجرون قصبهم ms0346 (2) في نار جهنم فيقال لهم ~~من أنتم؟ فيقولون نحن الذين كنا نأمر الناس بالخير وننسى أنفسنا). # قلت: وهذا الحديث وإن كان فيه لين، لان في سنده الخصيب بن جحدر كان ~~الإمام أحمد يستضعفه وكذلك ابن معين يرويه عن أبي غالب عن أبي أمامة صدي بن ~~عجلان الباهلي وأبو غالب هو فيما حكى يحيى بن معين حزور القرشي مولى خالد ~~بن عبد الله ابن أسيد وقيل: مولى باهلة وقيل: مولى عبد الرحمن الحضرمي كان ~~يختلف إلى # PageV01P365 # الشام في تجارته. قال يحيى بن معين: هو صالح الحديث فقد رواه مسلم في ~~صحيحه بمعناه عن أسامة بن زيد قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~(يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه فيدور بها كما ~~يدور الحمار [بالرحى] (1) فيجتمع إليه أهل النار فيقولون يا فلان ما لك ألم ~~[تكن] (1) تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر فيقول بلى قد كنت آمر بالمعروف ~~ولا آتيه وأنهى عن المنكر وآتيه). # القصب (بضم القاف) المعى وجمعه أقصاب. والأقتاب: الأمعاء واحدها قتب. ~~ومعنى " فتندلق ": فتخرج بسرعة. وروينا " فتنفلق ". # قلت: فقد دل الحديث الصحيح وألفاظ الآية على أن عقوبة من كان عالما ~~بالمعروف وبالمنكر وبوجوب القيام بوظيفة كل واحد منهما أشد ممن لم يعلمه ~~وانما ذلك لأنه كالمستهين بحرمات الله تعالى ومستخف بأحكامه وهو ممن لا ~~ينتفع بعلمه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أشد الناس عذابا يوم ~~القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه). أخرجه ابن ماجة في سننه. # الثالثة - اعلم وفقك الله تعالى أن التوبيخ في الآية بسبب ترك فعل البر ~~لا بسبب الامر بالبر ولهذا ذم الله تعالى في كتابه قوما كانوا يأمرون ~~بأعمال البر ولا يعملون بها وبخهم به توبيخا يتلى على طول الدهر إلى يوم ~~القيامة فقال " أتأمرون الناس بالبر " الآية. وقال منصور الفقيه فأحسن: # إن قوما يأمرونا * بالذي لا يفعلونا لمجانين وإن هم * لم يكونوا يصرعونا ~~وقال أبو العتاهية: # وصفت التقى حتى كأنك ذو تقى * وريح الخطايا من ثيابك ms0347 تسطع # PageV01P366 # وقال أبو الأسود الدؤلي: # لا تنه عن خلق وتأتي مثله * عار عليك إذا فعلت عظيم وابدأ بنفسك فانهها ~~عن غيها * فإن انتهت عنه فأنت حكيم فهناك يقبل إن وعظت ويقتدى * بالقول منك ~~وينفع التعليم وقال أبو عمرو بن مطر: حضرت مجلس أبي عثمان الحيري الزاهد ~~فخرج وقعد على موضعه الذي كان يقعد عليه للتذكير، فسكت حتى طال سكوته، ~~فناداه رجل كان يعرف بأبي العباس: # ترى أن تقول في سكوتك شيئا؟ فأنشأ يقول: # وغير تقي يأمر الناس بالتقى * طبيب يداوي والطيب مريض قال: فارتفعت ~~الأصوات بالبكاء والضجيج. # الرابعة - قال إبراهيم النخعي: إني لأكره القصص لثلاث آيات، قوله تعالى: # " أتأمرون الناس بالبر " [البقرة: 44] الآية، وقوله: " لم تقولون ما لا ~~تفعلون " (1) [الصف: 2]، وقوله: " وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه " ~~(2) [هود: 88]. وقال سلم بن عمرو (3): # ما أقبح التزهيد من واعظ * يزهد الناس ولا يزهد لو كان في تزهيده صادقا * ~~أضحى وأمسى بيته المسجد إن رفض الدنيا فما باله * يستمنح الناس ويسترفد ~~والرزق مقسوم على من ترى * يناله (4) الأبيض والأسود وقال الحسن لمطرف بن ~~عبد الله: عظ أصحابك، فقال إني أخاف أن أقول ما لا أفعل، قال: يرحمك الله! ~~وأينا يفعل ما يقول! ويود الشيطان أنه قد ظفر بهذا، فلم يأمر أحد بمعروف ~~ولم ينه عن منكر. وقال مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن سمعت سعيد بن جبير ~~يقول: لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه ~~شئ، ما أمر # PageV01P367 # أحد بمعروف ولا نهى عن منكر. قال مالك: وصدق، من ذا الذي ليس فيه (1) ~~شئ!. # الخامسة - قوله تعالى: (بالبر) البر هنا الطاعة والعمل الصالح. والبر: ~~الصدق. # والبر: ولد الثعلب. والبر: سوق الغنم، ومنه قولهم: " لا يعرف هرا من بر " ~~أي لا يعرف دعاء الغنم من سوقها. فهو مشترك، وقال الشاعر: # لا هم رب إن بكرا (2) دونكا * يبرك الناس ويفجرونكا أراد بقوله " يبرك ~~الناس ": أي يطيعونك. ويقال: إن البر الفؤاد في قوله: # أكون مكان البر منه ms0348 ودونه (3) * واجعل ما لي دونه وأوامره والبر (بضم ~~الباء) معروف، و (بفتحها) الاجلال والتعظيم، ومنه ولد بر وبار، أي يعظم ~~والديه ويكرمهما. # السادسة - قوله تعالى: (وتنسون أنفسكم) أي تتركون. والنسيان (بكسر النون) ~~يكون بمعنى الترك، وهو المراد هنا، وفي قوله تعالى: " نسوا الله فنسيهم " ~~(4) [التوبة: 67]، وقوله: " فلما نسوا ما ذكروا به " (5) [الانعام: 44]، ~~وقوله: " ولا تنسوا الفضل بينكم " (6) [البقرة: 237]. ويكون خلاف الذكر ~~والحفظ، ومنه الحديث: (نسي آدم فنسيت ذريته). وسيأتي. يقال: رجل نسيان ~~(بفتح النون): كثير النسيان للشئ. وقد نسيت الشئ نسيانا، ولا تقل نسيانا ~~(بالتحريك)، لان النسيان إنما هو تثنية نسا العرق. وأنفس: جمع نفس، جمع ~~قلة. والنفس: الروح، يقال: خرجت نفسه، قال أبو خراش: # نجا سالم والنفس منه بشدقه * ولم ينج إلا جفن سيف ومئزرا أي بجفن سيف ~~ومئزر. ومن الدليل في أن النفس الروح قوله تعالى: " الله يتوفى الأنفس حين ~~موتها " (7) [الزمر: 42] يريد الأرواح في قول جماعة من أهل التأويل على ما ~~يأتي. وذلك # PageV01P368 # بين في قول بلال للنبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن شهاب: أخذ بنفسي ~~يا رسول الله الذي أخذ بنفسك. وقوله عليه السلام في حديث زيد بن أسلم (إن ~~الله قبض أرواحنا ولو شاء لردها إلينا في حين غير هذا). رواهما مالك وهو ~~أولى ما يقال به. والنفس أيضا الدم يقال سالت نفسه قال الشاعر (1): # تسيل على حد السيوف (2) نفوسنا * وليست على غير الظبات تسيل وقال إبراهيم ~~النخعي ما ليس له نفس سائلة فإنه لا ينجس الماء إذا مات فيه. والنفس أيضا ~~الجسد قال الشاعر (3): # نبئت أن بني سحيم أدخلوا * أبياتهم تامور نفس المنذر والتامور أيضا: ~~الدم. # السابعة - قوله تعالى: (وأنتم تتلون الكتاب) توبيخ عظيم لمن فهم. " ~~وتتلون ": # تقرؤون. " الكتاب ": التوراة. وكذا من فعل فعلهم كان مثلهم وأصل التلاوة ~~الاتباع ولذلك استعمل في القراءة لأنه يتبع بعض الكلام ببعض في حروفه حتى ~~يأتي على نسقه يقال: تلوته إذا تبعته تلوا وتلوت القرآن تلاوة. وتلوت الرجل ~~تلوا إذا خذلته. والتلية والتلاوة (بضم التاء): البقية ms0349 يقال: تليت لي من ~~حقي تلاوة وتلية أي بقيت. وأتليت: # أبقيت. وتتليت حقي إذا تتبعته حتى تستوفيه قال أبو زيد: تلى الرجل إذا ~~كان بآخر رمق. # الثامنة - قوله تعالى: (أفلا تعقلون) أي أفلا تمنعون أنفسكم من مواقعة ~~هذه الحال المردية لكم. والعقل: المنع ومنه عقال البعير لأنه يمنع عن ~~الحركة ومنه العقل للدية لأنه يمنع ولي المقتول عن قتل الجاني ومنه اعتقال ~~البطن واللسان ومنه يقال للحصن: معقل. والعقل. نقيض الجهل والعقل ثوب أحمر ~~تتخذه نساء العرب تغشي به الهوادج قال علقمة: # عقلا ورقما تكاد الطير تخطفه * كأنه من دم الأجواف مدموم # PageV01P369 # المدموم (بالدال المهملة) الأحمر وهو المراد هنا. والمدموم الممتلئ شحما ~~من البعير وغيره ويقال: هما ضربان من البرود. قال ابن فارس: والعقل من شيات ~~الثياب ما كان نقشه طولا وما كان نقشه مستديرا فهو الرقم. وقال الزجاج: ~~العاقل من عمل بما أوجب الله عليه فمن لم يعمل فهو جاهل. # التاسعة - اتفق أهل الحق على أن العقل كائن موجود ليس بقديم ولا معدوم ~~لأنه لو كان معدوما لما اختص بالانصاف به بعض الذوات دون بعض وإذا ثبت ~~وجوده فيستحيل القول بقدمه، إذ الدليل قد قام على أن لا قديم إلا الله ~~تعالى على ما يأتي بيانه في هذه السورة وغيرها إن شاء الله تعالى. # وقد صارت الفلاسفة إلى أن العقل قديم ثم منهم من صار إلى أنه جوهر لطيف ~~في البدن ينبث شعاعه منه بمنزلة السراج في البيت يفصل به بين حقائق ~~المعلومات. ومنهم من قال إنه جوهر بسيط أي غير مركب. ثم اختلفوا في محله ~~فقالت طائفة منهم: # محله الدماغ لان الدماغ محل الحس. وقالت طائفة أخرى محله القلب لان القلب ~~معدن الحياة ومادة الحواس. وهذا القول في العقل بأنه جوهر فاسد من حيث إن ~~الجواهر متماثلة فلو كان جوهر عقلا لكان كل جوهر عقلا. وقيل: إن العقل هو ~~المدرك للأشياء على ما هي عليه من حقائق المعاني. وهذا القول وإن كان أقرب ~~مما قبله فيبعد عن الصواب ms0350 من جهة أن الادراك من صفات الحي والعقل عرض ~~يستحيل ذلك منه كما يستحيل أن يكون ملتذا ومشتهيا وقال الشيخ أبو الحسن ~~الأشعري والأستاذ أبو إسحاق الأسفرايني وغيرهما من المحققين العقل هو العلم ~~بدليل أنه لا يقال عقلت وما علمت أو علمت وما عقلت وقال القاضي أبو بكر ~~العقل علوم ضرورية بوجوب الواجبات وجواز الجائزات واستحالة المستحيلات وهو ~~اختيار أبى المعالي في الارشاد واختار في البرهان أنه صفة يتأتى بها درك ~~العلوم واعترض على مذهب القاضي واستدل على فساد مذهبه وحكي في البرهان عن ~~المحاسبي أنه قال العقل غريزة وحكى الأستاذ PageV01P370 # أبو بكر عن الشافعي وأبي عبد الله بن مجاهد أنهما قالا العقل آلة التمييز ~~وحكى عن أبي العباس القلانسي أنه قال العقل قوة التمييز وحكي عن المحاسبي ~~أنه قال العقل أنوار وبصائر ثم رتب هذه الأقوال وحملها على محامل فقال ~~والأولى ألا يصح هذا النقل عن الشافعي ولا عن ابن مجاهد فان الآلة إنما ~~تستعمل في الآلة المثبتة (1) واستعمالها في الاعراض مجاز. وكذلك قول من قال ~~إنه قوة فإنه لا يعقل من القوة إلا القدرة والقلانسي أطلق ما أطلقه توسعا ~~في العبارات وكذلك المحاسبي. والعقل ليس بصورة ولا نور ولكن تستفاد به ~~الأنوار والبصائر وسيأتي في هذه السورة بيان فائدته في آية (2) التوحيد إن ~~شاء الله تعالى. # قوله تعالى: واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين ~~(45) فيه ثمان مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (واستعينوا بالصبر والصلاة) الصبر: الحبس في اللغة ~~وقتل فلان صبرا أي أمسك وحبس حتى أتلف وصبرت نفسي على الشئ حبستها. # والمصبورة التي نهي عنها في الحديث هي المحبوسة على الموت وهي المجثمة. ~~وقال عنترة فصبرت عارفة لذلك حرة * ترسو إذا نفس الجبان تطلع الثانية - أمر ~~تعالى بالصبر على الطاعة وعن المخالفة في كتابه فقال " واصبروا " يقال فلان ~~صابر عن المعاصي وإذا صبر عن المعاصي فقد صبر على الطاعة هذا أصح ما قيل ~~قال النحاس: ولا يقال لمن صبر على المصيبة: صابر إنما يقال صابر على كذا. ms0351 # فإذا قلت صابر مطلقا فهو على ما ذكرنا قال الله تعالى " إنما يوفى ~~الصابرون أجورهم بغير حساب (3) " [الزمر: 10] الثالثة - قوله تعالى: " ~~والصلاة " خص الصلاة بالذكر من بين سائر العبادات تنويها بذكرها وكان عليه ~~السلام إذا حزبه (4) أمر فزع إلى الصلاة ومنه ما روي أن عبد الله # PageV01P371 # ابن عباس نعي له أخوه قثم - وقيل بنت له - وهو في سفر فاسترجع وقال: عورة ~~سترها الله، ومؤنة كفاها الله، وأجر ساقه الله. ثم تنحى عن الطريق وصلى ثم ~~أنصرف إلى راحلته وهو يقرأ: " واستعينوا بالصبر والصلاة ") فالصلاة على هذا ~~التأويل هي الشرعية. # وقال قوم: هي الدعاء على عرفها في اللغة فتكون الآية على هذا التأويل ~~مشبهة لقوله تعالى " إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله " [الأنفال 45] ~~لان الثبات هو الصبر والذكر هو الدعاء وقول ثالث قال مجاهد: الصبر في هذه ~~الآية الصوم ومنه قيل لرمضان شهر الصبر فجاء الصوم والصلاة على هذا القول ~~في الآية متناسبا في أن الصيام يمنع من الشهوات ويزهد في الدنيا والصلاة ~~تنهى عن الفحشاء والمنكر وتخشع ويقرأ فيها القرآن الذي يذكر الآخرة والله ~~أعلم. # الرابعة - الصبر على الأذى والطاعات من باب جهاد النفس وقمعها عن شهواتها ~~ومنعها من تطاولها وهو من أخلاق الأنبياء والصالحين قال يحيى بن اليمان ~~الصبر ألا تتمنى حالة سوى ما رزقك الله والرضا بما قضى الله من أمر دنياك ~~وآخرتك. وقال الشعبي قال علي رضي الله عنه الصبر من الايمان بمنزلة الرأس ~~من الجسد قال الطبري وصدق علي رضي الله عنه وذلك أن الايمان معرفة بالقلب ~~وإقرار باللسان وعمل بالجوارح فمن لم يصبر على العمل بجوارحه لم يستحق ~~الايمان بالاطلاق. فالصبر على العمل بالشرائع نظير الرأس من الجسد للانسان ~~الذي لا تمام له إلا به. # الخامسة - وصف الله تعالى جزاء الأعمال وجعل لها نهاية وحدا فقال " من ~~جاء بالحسنة فله عشر أمثالها " (1) [الانعام 160] وجعل جزاء الصدقة في سبيل ~~الله فوق هذا فقال " مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة " (2) ~~[البقرة: 261] الآية. وجعل أجر ms0352 الصابرين بغير حساب ومدح أهله فقال " إنما ~~يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب " [الزمر: 10] وقال " ولمن صبر وغفر إن ذلك ~~لمن عزم الأمور " (3) [الشورى: 43] وقد قيل: أن المراد بالصابرين في قوله " ~~إنما يوفى الصابرون " [الزمر: 10] أي الصائمون لقوله تعالى في صحيح السنة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم: # (الصيام لي وأنا أجزى به) فلم يذكر ثوابا مقدرا كما لم يذكره في الصبر. ~~والله أعلم. # PageV01P372 # السادسة - من فضل الصبر وصف الله تعالى نفسه به كما في حديث أبي موسى عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال (ليس أحد أو ليس شئ أصبر على أذى سمعه من ~~الله تعالى إنهم ليدعون له ولدا وإنه ليعافيهم ويرزقهم) أخرجه البخاري. قال ~~علماؤنا: # وصف الله تعالى بالصبر إنما هو بمعنى الحلم ومعنى وصفه تعالى بالحلم هو ~~تأخير العقوبة عن المستحقين لها ووصفه تعالى بالصبر لم يرد في التنزيل ~~وانما ورد في حديث أبي موسى وتأوله أهل السنة على تأويل الحلم قاله ابن ~~فورك وغيره. وجاء في أسمائه " الصبور " للمبالغة في الحلم عمن عصاه. # السابعة - قوله تعالى: (وإنها لكبيرة) اختلف المتأولون في عود الضمير من ~~قوله: # " وإنها "، فقيل: على الصلاة وحدها خاصة لأنها تكبر على النفوس ما لا ~~يكبر الصوم والصبر هنا: الصوم فالصلاة فيها سجن النفوس والصوم إنما فيه منع ~~الشهوة فليس من منع شهوة واحدة أو شهوتين كمن منع جميع الشهوات. فالصائم ~~إنما منع شهوة النساء والطعام والشراب ثم ينبسط في سائر الشهوات من الكلام ~~والمشي والنظر إلى غير ذلك من ملاقاة الخلق فيتسلى بتلك الأشياء عما منع. ~~والمصلى يمتنع من جميع ذلك فجوارحه كلها مقيدة بالصلاة عن جميع الشهوات. ~~وإذا كان ذلك كانت الصلاة أصعب على النفس ومكابدتها أشد فلذلك قال " وإنها ~~لكبيرة " وقيل: عليهما ولكنه كنى عن الأغلب وهو الصلاة كقوله " والذين ~~يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله " (1) [التوبة: 34] وقوله: ~~" وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها " (2) [الجمعة: 11] فرد الكناية ~~إلى الفضة لأنها الأغلب والأعم وإلى التجارة لأنها الأفضل والاهم وقيل: ms0353 إن ~~الصبر لما كان داخل في الصلاة أعاد عليها كما قال " والله ورسوله أحق أن ~~يرضوه " (3) [التوبة: 62] ولم يقل: يرضوهما لان رضا الرسول داخل في رضا ~~الله عز وجل ومنه قول الشاعر (4): # إن شرخ الشباب والشعر الأسود * ما لم يعاص كان جنونا # PageV01P373 # ولم يقل يعاصيا، رد إلى الشباب لان الشعر داخل فيه. وقيل: رد الكناية إلى ~~كل واحد منهما لكن حذف اختصارا قال الله تعالى " وجعلنا ابن مريم وأمه آية ~~(1) " [المؤمنون: 50] ولم يقل آيتين ومنه قول الشاعر (2): # فمن يك أمسى بالمدينة رحله * فإني وقيار بها لغريب وقال آخر: (3) لكل هم ~~من الهموم سعه * والصبح والمسي لا فلاح معه أراد: لغريبان، لا فلاح معهم ~~وقيل: على العبادة التي يتضمنها بالمعنى ذكر الصبر والصلاة. # وقيل: على المصدر وهي الاستعانة التي يقتضيها قوله " واستعينوا " وقيل ~~على إجابة محمد عليه السلام لان الصبر والصلاة مما كان يدعو إليه وقيل على ~~الكعبة لان الامر بالصلاة أنما هو إليها " وكبيرة " معناه ثقيلة شاقة خبر " ~~إن " ويجوز في غير القرآن: # وانه لكبيرة " إلا على الخاشعين " فإنها خفيفة عليهم. قال أرباب المعاني ~~إلا على من أيد في الأزل بخصائص الاجتباء والهدى. # الثامنة - قوله تعالى: (على الخاشعين) الخاشعون جمع خاشع وهو المتواضع. # والخشوع: هيئة في النفس يظهر منها في الجوارح سكون وتواضع. وقال قتادة: ~~الخشوع في القلب وهو الخوف وغض البصر في الصلاة قال الزجاج: الخاشع الذي ~~يرى أثر الذل والخشوع عليه كخشوع الدار بعد الاقواء هذا هو الأصل قال ~~النابغة: # رماد ككحل العين لأيا أبينه * ونؤي كجذم الحوض أثلم خاشع ومكان خاشع: لا ~~يهتدى له. وخشعت الأصوات أي سكنت. وخشعت خراشي صدره إذا ألقى بصاقا لزجا. ~~وخشع ببصره إذا غضه. والخشعة: قطعة من الأرض رخوة وفي الحديث: (كانت خشعة ~~على الماء ثم دحيت بعد (4)) وبلدة خاشعة: مغبرة لا منزل # PageV01P374 # بها قال سفيان الثوري سألت الأعمش عن الخشوع فقال يا ثوري أنت تريد أن ~~تكون إماما للناس ولا تعرف الخشوع! سألت إبراهيم النخعي عن الخشوع فقال: ~~أعيمش! تريد أن ms0354 تكون إماما للناس ولا تعرف الخشوع! ليس الخشوع بأكل الخشن ~~ولبس الخشن وتطأطؤ الرأس! لكن الخشوع أن ترى الشريف والدنئ في الحق سواء ~~وتخشع لله في كل فرض أفترض عليك ونظر عمر بن الخطاب إلى شاب قد نكس رأسه ~~فقال يا هذا! ارفع رأسك فإن الخشوع لا يزيد على ما في القلب. وقال علي بن ~~أبي طالب: الخشوع في القلب، وأن تلين كفيك للمرء المسلم وألا تلتفت في ~~صلاتك. وسيأتي هذا المعنى مجودا عند قوله تعالى: # " قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون " (1) [المؤمنون: 1 - 2] ~~فمن أظهر للناس خشوعا فوق ما في قلبه فإنما أظهر نفاقا علو نقاق قال سهل بن ~~عبد الله لا يكون خاشعا حتى تخشع كل شعرة على جسده لقول الله تبارك وتعالى ~~" تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم " (2) [الزمر: 23]. # قلت: هذا هو الخشوع المحمود لان الخوف إذا سكن القلب أوجب خشوع الظاهر ~~فلا يملك صاحبه دفعه فتراه مطرقا متأدبا متذللا وقد كان السلف يجتهدون في ~~ستر ما يظهر من ذلك وأما المذموم فتكلفه والتباكي ومطأطأة الرأس كما يفعله ~~الجهال ليروا بعين البر والاجلال وذلك خدع من الشيطان وتسويل من نفس ~~الانسان. روى الحسن أن رجلا تنفس عند عمر بن الخطاب كأنه يتحازن فلكزه عمر ~~أو قال لكمه. وكان عمر رضي الله عنه إذا تكلم أسمع وإذا مشى أسرع وإذا ضرب ~~أوجع وكان ناسكا صدقا وخاشعا حقا وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال الخاشعون ~~هم المؤمنون حقا. # قوله تعالى: الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون (46) قوله ~~تعالى: (الذين يظنون) " الذين " في موضع خفض على النعت للخاشعين، ويجوز ~~الرفع على القطع. والظن هنا في قول الجمهور بمعنى اليقين ومنه قوله تعالى " ~~إني ظننت أني ملاق حسابيه " (3) [الحاقة: 20] وقوله: " فظنوا أنهم مواقعوها ~~" (4) [الكهف: 53]. قال دريد بن الصمة: # فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج * سراتهم في الفارسي المسرد # PageV01P375 # وقال أبو داود: # رب هم فرجته بغريم * وغيوب كشفتها بظنون وقد قيل: إن الظن في الآية يصح ~~أن يكون ms0355 على بابه ويضمر في الكلام بذنوبهم فكأنهم يتوقعون لقاءه مذنبين ذكر ~~المهدوي والماوردي قال ابن عطية: وهذا تعسف. # وزعم الفراء أن الظن قد يقع بمعنى الكذب ولا يعرف ذلك البصريون. وأصل ~~الظن وقاعدته الشك مع ميل إلى أحد معتقديه وقد يوقع موقع اليقين كما في هذه ~~الآية وغيرها لكنه لا يوقع فيما قد خرج إلى الحس لا تقول العرب في رجل مرئي ~~حاضر أظن هذا إنسانا وإنما تجد الاستعمال فيما لم يخرج إلى الحس بمعنى كهذه ~~الآية والشعر وكقوله تعالى " فظنوا أنهم مواقعوها " وقد يجئ اليقين بمعنى ~~الظن وقد تقدم بيانه أول السورة وتقول سؤت به ظنا وأسأت به الظن يدخلون ~~الألف إذا جاءوا بالألف واللام. ومعنى (ملاقو ربهم) جزاء ربهم. وقيل: جاء ~~على المفاعلة وهو من واحد، مثل عافاه الله. (وأنهم) بفتح الهمزة عطف على ~~الأول ويجوز " وإنهم " بكسرها على القطع. # (إليه) أي إلى ربهم وقيل إلى جزائه. (راجعون) إقرار بالبعث والجزاء ~~والعرض على الملك الاعلى. # قوله تعالى: يا بني إسرائيل أذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم ~~على العالمين (47) قوله تعالى: (يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت ~~عليكم) تقدم (1) و (وأني فضلتكم على العالمين) يريد على عالمي زمانهم، وأهل ~~كل زمان عالم. وقيل: على كل العالمين بما جعل فيهم من الأنبياء وهذا خاصة ~~لهم وليست لغيرهم. # قوله تعالى: واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ~~ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون (48) # PageV01P376 # قوله تعالى: (واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا) أمر معناه الوعيد وقد ~~مضى الكلام في التقوى (1). " يوما " يريد عذابه وهوله وهو يوم القيامة. ~~وانتصب على المفعول ب‍ " - اتقوا " ويجوز في غير القرآن يوم لا تجزى على ~~الإضافة. وفى الكلام حذف بين النحويين فيه اختلاف. قال البصريون: التقدير ~~يوما لا تجزى فيه نفس عن نفس شيئا ثم حذف فيه كما قال: # * يوما شهدناه سليما وعامرا (2) * أي شهدنا فيه وقال الكسائي هذا خطأ لا ~~يجوز حذف " فيه " ولكن التقدير واتقوا ms0356 يوما لا تجزيه نفس ثم حذف الهاء ~~وإنما يجوز حذف الهاء لان الظروف عنده لا يجوز حذفها قال لا يجوز أن تقول ~~هذا رجلا قصدت ولا رأيت رجلا أرغب وأنت تريد قصدت إليه وأرغب فيه قال ولو ~~جاز ذلك لجاز الذي تكلمت زيد بمعنى تكلمت فيه زيد. وقال الفراء يجوز أن ~~تحذف الهاء وفيه وحكى المهدوي أن الوجهين جائزان عند سيبويه والأخفش ~~والزجاج ومعنى " لا تجزي نفس عن نفس شيئا ": أي لا تؤاخذ نفس بذنب أخرى ولا ~~تدفع عنها شيئا تقول جزى عني هذا الامر يجزي كما تقول قضى عني واجتزأت ~~بالشئ اجتزاء إذا اكتفيت به قال الشاعر: # فإن الغدر في الأقوام عار * وأن الحر يجزأ بالكراع أي يكتفي بها. وفي ~~حديث عمر (إذا أجريت الماء على الماء جزى عنك) يريد إذا صببت الماء على ~~البول في الأرض فجرى عليه طهر المكان ولا حاجة بك إلى غسل ذلك الموضع ~~وتنشيف الماء بخرقة أو غيرها كما يفعل كثير من الناس وفي صحيح الحديث عن ~~أبي بردة بن نيار في الأضحية: (لن تجزي عن أحد بعدك) أي لن تغني فمعنى لا ~~تجزي: # لا تقضي ولا تغني ولا تكفي إن لم يكن عليها شئ فإن كان فإنها تجزي وتقضي ~~وتغني # PageV01P377 # بغير اختيارها من حسناتها ما عليها من الحقوق كما في حديث أبي هريرة أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه أو شئ ~~فليتحلله منه اليوم قبل ألا يكون دينار ولا درهم إن كان له عمل صالح أخذ ~~منه بقدر مظلمته وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه). خرجه ~~البخاري. ومثله حديثه الآخر في المفلس وقد ذكرناه في التذكرة خرجه مسلم ~~(1). وقرى " تجزئ " بضم التاء والهمز. ويقال: # جزى وأجزى بمعنى واحد. وقد فرق بينهما قوم فقالوا جزى بمعنى قضى وكافأ ~~وأجزى بمعنى أغنى وكفى أجزأني الشئ يجزئني أي كفاني قال الشاعر: # وأجزأت أمر العالمين ولم يكن * ليجزئ إلا كامل وابن كامل الثالثة ms0357 (2) - ~~قوله تعالى: (ولا يقبل منها شفاعة) الشفاعة مأخوذة من الشفع وهما الاثنان ~~تقول كان وترا فشفعته شفعا والشفعة منه لأنك تضم ملك شريكك إلى ملكك. ~~والشفيع صاحب الشفعة وصاحب الشفاعة وناقة شافع إذا اجتمع لها حمل وولد ~~يتبعها تقول منه: شفعت الناقة شفعا وناقة شفوع وهي التي تجمع بين محلبين في ~~حلبة واحدة. واستشفعته إلى فلان: سألته أن يشفع لي إليه. وتشفعت إليه في ~~فلان فشفعني فيه فالشفاعة إذا ضم غيرك إلى جاهك ووسيلتك فهي على التحقيق ~~إظهار لمنزلة الشفيع عند المشفع وإيصال منفعته للمشفوع. # الرابعة - مذهب أهل الحق أن الشفاعة حق وأنكرها المعتزلة وخلدوا المؤمنين ~~من المذنبين الذين دخلوا النار في العذاب. والاخبار متظاهرة بأن من كان من ~~العصاة المذنبين الموحدين من أمم النبيين هم الذين تنالهم شفاعة الشافعين ~~من الملائكة والنبيين والشهداء والصالحين. وقد تمسك القاضي عليهم في الرد ~~بشيئين أحدهما الأخبار الكثيرة التي تواترت في المعنى. والثاني الاجماع من ~~السلف على تلقي هذه الأخبار بالقبول ولم يبد من # PageV01P378 # أحد منهم في عصر من الاعصار نكير فظهور روايتها وإطباقهم على صحتها ~~وقبولهم لها دليل قاطع على صحة عقيدة أهل الحق وفساد دين المعتزلة فإن ~~قالوا قد وردت نصوص من الكتاب بما يوجب رد هذه الأخبار مثل قوله " ما ~~للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع " [غافر: 18]. قالوا: وأصحاب الكبائر ~~ظالمون. وقال: # " من يعمل سوءا يجز به " (1) [النساء: 123] " ولا يقبل منها شفاعة " ~~[البقرة: 48] قلنا ليست هذه الآيات عامة في كل ظالم والعموم لا صيغة له فلا ~~تعم هذه الآيات كل من يعمل سوءا وكل نفس وإنما المراد بها الكافرون دون ~~المؤمنين بدليل الأخبار الواردة في ذلك وأيضا فان الله تعالى أثبت شفاعة ~~لأقوام ونفاها عن أقوام فقال في صفة الكافرين " فما تنفعهم شفاعة الشافعين ~~" (2) [المدثر: 48] وقال " ولا يشفعون إلا لمن ارتضى " (3) [الأنبياء: 28] ~~وقال " ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له " (4) [سبأ: 23]. فعلمنا بهذه ~~الجملة أن الشفاعة إنما تنفع المؤمنين دون الكافرين وقد أجمع المفسرون على ~~أن المراد بقوله تعالى ms0358 " واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئا ولا يقبل ~~منها شفاعة " النفس الكافرة لا كل نفس. ونحن وإن قلنا بعموم العذاب لكل ~~ظالم عاص فلا نقول إنهم مخلدون فيها بدليل الاخبار التي رويناها وبدليل ~~قوله " ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " (5) [النساء: 48] وقوله " إنه لا ييأس ~~من روح الله إلا القوم الكافرون " [يوسف: 87]. # فإن قالوا: فقد قال تعالى " ولا يشفعون إلا لمن ارتضى " والفاسق غير ~~مرتضى قلنا لم يقل لمن لا يرضى وإنما قال " لمن ارتضى " ومن ارتضاه الله ~~للشفاعة هم الموحدون بدليل قوله " لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند ~~الرحمن عهدا (6) " [مريم 87]. وقيل للنبي صلى الله عليه وسلم: ما عهد الله ~~مع خلقه قال (أن يؤمنوا ولا يشركوا به شيئا). # وقال المفسرون: إلا من قال لا إله إلا الله. # فإن قالوا المرتضى هو التائب الذي اتخذ عند الله عهدا بالإنابة إليه ~~بدليل أن الملائكة استغفروا لهم وقال " فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك " ~~[غافر: 7] وكذلك شفاعة الأنبياء عليهم السلام إنما هي لأهل التوبة دون أهل ~~الكبائر قلنا: عندكم يجب على الله تعالى قبول التوبة # PageV01P379 # فإذا قبل الله توبة المذنب فلا يحتاج إلى الشفاعة ولا إلى الاستغفار. ~~وأجمع أهل التفسير على أن المراد بقوله " فاغفر للذين تابوا " أي من الشرك ~~" واتبعوا سبيلك " أي سبيل المؤمنين. سألوا الله تعالى أن يغفر لهم ما دون ~~الشرك من ذنوبهم كما قال تعالى " ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " [النساء: 48] ~~فإن قالوا جميع الأمة يرغبون في شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم فلو كانت ~~لأهل الكبائر خاصة بطل سؤالهم. # قلنا: إنما يطلب كل مسلم شفاعة الرسول ويرغب إلى الله في أن تناله ~~لاعتقاده أنه غير سالم من الذنوب ولا قاسم لله سبحانه بكل ما افترض عليه بل ~~كل واحد معترف على نفسه بالنقص فهو لذلك يخاف العقاب ويرجو النجاة وقال صلى ~~الله عليه وسلم (لا ينجو أحد إلا برحمة الله تعالى فقيل ولا أنت يا رسول ~~الله؟ فقال: ولا أنا إلا أن يتغمدني ms0359 الله برحمته) الخامسة - قوله تعالى: " ~~ولا يقبل " قرأ ابن كثير وأبو عمرو " تقبل " بالتاء لان الشفاعة مؤنثة. ~~وقرأ الباقون بالياء على التذكير لأنها بمعنى الشفيع. وقال الأخفش: حسن ~~التذكير لأنك قد فرقت كما تقدم في قوله " فتلقى آدم من ربه كلمات " (1) ~~[البقرة: 37] السادسة - قوله تعالى: (ولا يؤخذ منها عدل) أي فداء والعدل ~~(بفتح العين) الفداء و (بكسرها) المثل يقال عدل وعديل للذي يماثلك في الوزن ~~والقدر ويقال عدل الشئ هو الذي يساويه قيمة وقدرا وإن لم يكن من جنسه ~~والعدل (بالكسر) هو الذي يساوي الشئ من جنسه وفى جرمه وحكى الطبري: أن من ~~العرب من يكسر العين من معنى الفدية فأما واحد الاعدال فبالكسر لا غير قوله ~~تعالى: (ولا هم ينصرون) أي يعانون. والنصر العون والأنصار الأعوان ومنه ~~قوله " من أنصاري إلى الله " (2) [آل عمران: 52] أي من يضم نصرته إلى نصرتي ~~وأنتصر الرجل: # أنتقم والنصر: الاتيان يقال: نصرت أرض بني فلان أتيتها قال الشاعر (3): # PageV01P380 # إذا دخل الشهر الحرام فودعي * بلاد تميم وانصري أرض عامر والنصر المطر ~~يقال نصرت الأرض مطرت والنصر العطاء قال: # إني وأسطار سطرن سطرا * لقائل يا نصر نصرا نصرا وكان سبب هذه الآية فيما ~~ذكروا أن بني إسرائيل قالوا نحن أبناء الله وأحباؤه وأبناء أنبيائه وسيشفع ~~لنا آباؤنا فأعلمهم الله تعالى عن يوم القيامة أنه لا تقبل فيه الشفاعات ~~ولا يؤخذ فيه فدية. وإنما خص الشفاعة والفدية والنصر بالذكر لأنها هي ~~المعاني التي اعتادها بنو آدم في الدنيا فان الواقع في الشدة لا يتخلص إلا ~~بأن يشفع له أو ينصر أو يفتدي قوله تعالى: وإذ نجيناكم من آل فرعون ~~يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبنائكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم ~~عظيم (49) فيه ثلاث عشرة مسألة: # الأولى - قوله تعالى: (وإذ نجيناكم من آل فرعون) " إذ " في موضع نصب عطف ~~على " اذكروا نعمتي ". وهذا وما بعده تذكير ببعض النعم التي كانت له عليهم ~~أي اذكروا نعمتي بإنجائكم من عدوكم وجعل الأنبياء فيكم والخطاب للموجودين ~~والمراد من سلف من ms0360 الآباء كما قال " إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية ~~" (1) [الحاقة: 11] أي حملنا آباءكم وقيل إنما قال " نجيناكم " لان نجاة ~~الآباء كانت سببا لنجاة هؤلاء الموجودين ومعنى " نجيناكم " ألقيناكم على ~~نجوة من الأرض وهي ما ارتفع منها هذا هو الأصل ثم سمى كل فائز ناجيا. ~~فالناجي من خرج من ضيق إلى سعة وقرئ " وإذ نجيتكم " على التوحيد. # الثانية - قوله تعالى: (من آل فرعون) " آل فرعون " قومه وأتباعه وأهل ~~دينه. # وكذلك آل الرسول صلى الله عليه وسلم من هو على دينه وملته في عصره وسائر ~~الاعصار سواء كان نسيبا له أو لم يكن. ومن لم يكن على دينه وملته فليس من ~~آله ولا أهله وإن كان نسيبه وقريبه خلافا للرافضة حيث قالت إن آل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فاطمة # PageV01P381 # والحسن والحسين فقط. دليلنا قوله تعالى " وأغرقنا آل فرعون " [البقرة: ~~50] " أدخلوا آل فرعون أشد العذاب " (1) [غافر: 46] أي آل دينه إذ لم يكن ~~له ابن ولا بنت ولا أب ولا عم ولا أخ ولا عصبة. # ولأنه لا خوف أن من ليس بمؤمن ولا موحد فإنه ليس من آل محمد وإن كان ~~قريبا له ولأجل هذا يقال إن أبا لهب وأبا جهل ليسا من آله ولا من أهله وإن ~~كان بينهما وبين النبي صلى الله عليه وسلم قرابة ولأجل هذا قال الله تعالى ~~في ابن نوح " إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح " (2) [هود: 46]. وفي صحيح ~~مسلم عن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم جهارا غير ~~سر يقول [ألا] (3) إن آل أبي - يعني فلانا (4) ليسوا [لي] (3) بأولياء إنما ~~وليي الله وصالح المؤمنين) وقالت طائفة آل محمد أزواجه وذريته خاصة لحديث ~~أبي حميد الساعدي أنهم قالوا يا رسول الله كيف نصلي عليك؟ قال (قولوا اللهم ~~صل على محمد وعلى أزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد ~~وعلى أزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد) رواه مسلم ~~وقالت طائفة من أهل العلم ms0361 الأهل معلوم والآل الاتباع والأول أصح لما ذكرناه ~~ولحديث عبد الله بن أبي أوفى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أتاه ~~قوم بصدقتهم قال (اللهم صل عليهم) فأتاه أبي بصدقته فقال (اللهم صل على آل ~~أبي أوفى) الثالثة - اختلف النحاة هل يضاف الآل إلى البلدان أو لا؟ فقال ~~الكسائي إنما يقال آل فلان وآل فلانة ولا يقال في البلدان هو من آل حمص ولا ~~من آل المدينة. قال الأخفش إنما يقال في الرئيس الأعظم نحو آل محمد صلى ~~الله عليه وسلم وآل فرعون لأنه رئيسهم في الضلالة. قال وقد سمعناه في ~~البلدان قالوا: أهل المدينة وآل المدينة. # PageV01P382 # الرابعة - واختلف النحاة أيضا هل يضاف الآل إلى المضمر أو لا؟ فمنع من ~~ذلك النحاس والزبيدي والكسائي فلا يقال إلا اللهم صل على محمد وآل محمد ولا ~~يقال وآله والصواب أن يقال: أهله. وذهبت طائفة أخرى إلى أن ذلك يقال منهم ~~ابن السيد وهو الصواب لان السماع الصحيح يعضده فإنه قد جاء في قول عبد ~~المطلب: # لا هم إن العبد يمنع * رحله فامنع حلالك (1) وانصر على آل الصليب * ~~وعابديه اليوم آلك وقال ندبة: # أنا الفارس الحامي حقيقة والدي * وآلي كما تحمي حقيقة آلكا الحقيقة ~~(بقافين): ما يحق على الانسان أن يحميه أي تجب عليه حمايته. # الخامسة - واختلفوا أيضا في أصل آل فقال النحاس أصله أهل ثم أبدل من ~~الهاء ألفا فإن صغرته رددته إلى أصله فقلت: أهيل. وقال المهدوي: أصله أول. # وقيل: أهل قلبت الهاء همزة ثم أبدلت الهمزة ألفا. وجمعه آلون وتصغيره ~~أويل فيما حكى الكسائي. وحكى غيره أهيل وقد ذكرناه عن النحاس. وقال أبو ~~الحسن بن كيسان: # إذا جمعت ألا قلت آلون فإن جمعت آلا الذي هو السراب قلت آوال مثل مال ~~وأموال. # السادسة - قوله تعالى: (فرعون) " فرعون " قيل إنه اسم ذلك الملك بعينه. # وقيل اسم كل ملك من ملوك العمالقة مثل كسرى للفرس وقيصر للروم والنجاشي ~~للحبشة وأن اسم فرعون موسى قابوس في قول أهل الكتاب. وقال ms0362 وهب أسمه الوليد ~~ابن مصعب بن الريان ويكنى أبا مرة وهو من بني عمليق بن لاوذ بن إرم بن سام ~~بن نوح عليه السلام. قال السهيلي وكل من ولى القبط ومصر فهو فرعون. وكان ~~فارسيا من أهل إصطخر. قال المسعودي لا يعرف لفرعون تفسير بالعربية. قال ~~الجوهري: فرعون لقب الوليد بن مصعب ملك مصر وكل عات فرعون والعتاة الفراعنة ~~وقد تفر عن # PageV01P383 # وهو ذو فرعنة أي دهاء ونكر. وفى الحديث (أخذنا فرعون هذه الأمة). " ~~وفرعون " في موضع خفض إلا أنه لا ينصرف لعجمته السابعة - قوله تعالى: ~~(يسومونكم) قيل: معناه يذيقونكم ويلزمونكم إياه. # وقال أبو عبيدة: يولونكم يقال: سامه خطة خسف إذا أولاه إياها ومنه قول ~~عمرو ابن كلثوم إذا ما الملك سام الناس خسفا * أبينا أن نقر الخسف فينا ~~وقيل: يديمون تعذيبكم. والسوم: الدوام ومنه سائمة الغنم لمداومتها الرعي. ~~قال الأخفش: وهو في موضع رفع على الابتداء (1) وإن شئت كان في موضع نصب غلى ~~الحال أي سائمين لكم. # الثامنة - قوله تعالى: (سوء العذاب) مفعول ثان ل‍ " يسومونكم " ومعناه ~~أشد العذاب. ويجوز أن يكون بمعنى سوم العذاب. وقد يجوز أن يكون نعتا بمعنى ~~سوما سيئا. # فروى أن فرعون جعل بني إسرائيل خدما وخولا وصنفهم في أعماله فصنف يبنون ~~وصنف يحرثون ويزرعون وصنف يتخدمون وكان قومه جندا ملوكا ومن لم يكن منهم في ~~عمل من هذه الأعمال ضربت عليه الجزية فذلك سوء العذاب التاسعة - قوله ~~تعالى: (يذبحون أبناءكم) " يذبحون " بغير واو على البدل من قوله: # " يسومونكم " كما قال أنشده سيبويه متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا * تجد ~~حطبا جزلا ونارا تأججا قال الفراء وغيره " يذبحون " بغير واو على التفسير ~~لقوله " يسومونكم سوء العذاب " [البقرة: 49] كما تقول أتاني القوم زيد ~~وعمرو فلا تحتاج إلى الواو في زيد ونظيره: " ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف ~~له العذاب " (2) [الفرقان: 68 - 69] وفي سورة إبراهيم " ويذبحون " بالواو ~~لان المعنى # PageV01P384 # يعذبونكم بالذبح وبغير الذبح فقوله " ويذبحون أبناءكم " جنس آخر من ~~العذاب لا تفسير لما قبله. والله أعلم. # قلت: ms0363 قد يحتمل أن يقال: إن الواو زائدة بدليل سورة " البقرة " والواو قد ~~تزاد كما قال: # * فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى * أي قد انتحى وقال آخر: # إلى الملك القرم وابن الهمام * وليث الكتيبة في المزدحم أراد إلى الملك ~~القرم ابن الهمام ليث الكتيبة وهو كثير العاشرة - قوله تعالى: (يذبحون) ~~قراءة الجماعة بالتشديد على التكثير وقرأ ابن محيضن " يذبحون " بفتح الباء. ~~والذبح: الشق. والذبح: المذبوح. والذباح: تشقق في أصول الأصابع وذبحت الدن ~~بزلته أي كشفته وسعد الذابح: أحد السعود. والمذابح: # المحاريب. والمذابح: جمع مذبح وهو إذا جاء السيل فخد في الأرض فما كان ~~كالشبر ونحوه سمي مذبحا فكان فرعون يذبح الأطفال ويبقي البنات وعبر عنهم ~~باسم النساء بالمال وقالت طائفة " يذبحون أبناءكم " يعني الرجال وسموا ~~أبناء لما كانوا كذلك وأستدل هذا القائل بقوله " نساءكم " والأول أصح لأنه ~~الأظهر والله أعلم. # الحادية عشرة - نسب الله تعالى الفعل إلى آل فرعون وهم إنما كانوا يفعلون ~~بأمره وسلطانه لتوليهم ذلك بأنفسهم وليعلم أن المباشر مأخوذ بفعله. قال ~~الطبري ويقتضي أن من أمره ظالم بقتل أحد فقتله المأمور فهو المأخوذ به. # قلت: وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال يقتلان جميعا هذا ~~بأمره والمأمور بمباشرته هكذا قال النخعي وقاله الشافعي ومالك في تفصيل ~~لهما قال الشافعي: # إذا أمر السلطان رجلا بقتل رجل والمأمور يعلم أنه أمر بقتله ظلما كان ~~عليه وعلى الامام القود كقاتلين معا وإن أكرهه الامام عليه وعلم أنه يقتله ~~ظلما كان على الامام القود وفى المأمور PageV01P385 # قولان أحدهما أن عليه القود والآخر لا قود عليه وعليه نصف الدية حكاه ابن ~~المنذر وقال علماؤنا لا يخلو المأمور أن يكون ممن تلزمه طاعة الآمر ويخاف ~~شره كالسلطان والسيد لعبده فالقود في ذلك لازم لهما أو يكون ممن لا يلزمه ~~ذلك فيقتل المباشر وحده دون الآمر وذلك كالأب يأمر ولده أو المعلم بعض ~~صبيانه أو الصانع بعض متعلميه إذا كان محتلما فان كان غير محتلم فالقتل على ~~الآمر وعلى عاقلة الصبي نصف الدية وقال ms0364 ابن نافع: لا يقتل السيد إذا أمر ~~عبده وإن كان أعجميا بقتل إنسان قال ابن حبيب وبقول ابن القاسم أقول إن ~~القتل عليهما فأما أمر من لا خوف على المأمور في مخالفته فإنه لا يلحق ~~بالاكراه بل يقتل المأمور دون الآمر ويضرب الآمر ويحبس. وقال أحمد في السيد ~~يأمر عبده أن يقتل رجلا: يقتل السيد. وروي هذا القول عن علي بن أبي طالب ~~وأبي هريرة رضي الله عنهما. وقال علي ويستودع العبد السجن. وقال أحمد ويحبس ~~العبد ويضرب ويؤدب وقال الثوري يعزر السيد وقال الحكم وحماد يقتل العبد ~~وقال قتادة: # يقتلان جميعا. وقال الشافعي إن كان العبد فصيحا يعقل قتل العبد وعوقب ~~السيد وإن كان العبد أعجميا فعلى السيد القود وقال سليمان بن موسى لا يقتل ~~الآمر ولكن تقطع يديه ثم يعاقب ويحبس وهو القول الثاني ويقتل المأمور ~~للمباشرة. كذلك قال عطاء والحكم وحماد والشافعي وأحمد وإسحاق في الرجل يأمر ~~الرجل بقتل الرجل وذكره ابن المنذر وقال زفر لا يقتل واحد منهما وهو القول ~~الثالث حكاة أبو المعالي في البرهان ورأى أن الآمر والمباشر ليس كل واحد ~~منهما مستقلا في القود فلذلك لا يقتل واحد منهما عنده والله أعلم الثانية ~~عشرة - قرأ الجمهور " يذبحون " بالتشديد على المبالغة وقرأ ابن محيصن " ~~يذبحون " بالتخفيف والأولى أرجح إذ الذبح متكرر وكان فرعون على ما روي قد ~~رأى في منامه نارا خرجت من بيت المقدس فأحرقت بيوت مصر فأولت له رؤياه أن ~~مولودا من بني إسرائيل ينشأ فيكون خراب ملكه على يديه وقيل غير هذا والمعنى ~~متقارب. PageV01P386 # الثالثة عشرة - قوله تعالى: (وفي ذلكم) إشارة إلى جملة الامر إذ هو خبر ~~فهو كمنفرد حاضر أي وفي فعلهم ذلك بكم بلاء أي امتحان واختبار و " بلاء " ~~نعمة ومنه قوله تعالى: # " وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا " [الأنفال: 17] قال أبو الهيثم البلاء ~~يكون حسنا ويكون سيئا وأصله المحنة والله عز وجل يبلو عبده بالصنع الجميل ~~ليمتحن شكره ويبلوه بالبلوى التي يكرهها ليمتحن صبره فقيل للحسن بلاء ~~وللسيئ بلاء ms0365 حكاه الهروي وقال قوم الإشارة ب‍ " ذلكم " إلى التنجية فيكون ~~البلاء على هذا في الخير أي تنجيتكم نعمة من الله عليكم وقال الجمهور: # الإشارة إلى الذبح ونحوه والبلاء هنا في الشر والمعنى: وفى الذبح مكروه ~~وامتحان. وقال ابن كيسان ويقال في الخير أبلاه الله وبلاه وأنشد جزى الله ~~بالاحسان ما فعلا بكم * وأبلاهما خير البلاء الذي يبلو (1) فجمع بين ~~اللغتين والأكثر في الخير أبليته وفي الشر بلوته وفى الاختبار ابتليته ~~وبلوته قاله النحاس. # قوله تعالى: وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم ~~تنظرون (50) قوله تعالى: (وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم) " إذ " في موضع ~~نصب و " فرقنا " فلقنا فكان كل فرق كالطود العظيم أي الجبل العظيم. وأصل ~~الفرق الفصل ومنه فرق الشعر ومنه الفرقان لأنه يفرق بين الحق والباطل أي ~~يفصل ومنه " فالفارقات فرقا " (2) [المرسلات: 4] يعنى الملائكة تنزل بالفرق ~~بين الحق والباطل ومنه " يوم الفرقان " (3) [الأنفال: 41]] يعنى يوم بدر ~~كان فيه فرق بين الحق والباطل ومنه " وقرآنا فرقناه " (4) [الاسراء: 106] ~~أي فصلناه وأحكمناه وقرأ الزهري: # " فرقنا " بتشديد الراء أي جعلناه فرقا ومعنى " بكم " أي لكم فالباء ~~بمعنى اللام وقيل الباء في مكانها أي فرقنا البحر بدخولكم إياه أي صاروا ~~بين الماءين فصار الفرق بهم وهذا أولى يبينه " فانفلق " # PageV01P387 # قوله تعالى: (البحر) البحر معروف سمي بذلك لاتساعه. ويقال: فرس بحر إذا ~~كان واسع الجري أي كثيره. ومن ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~مندوب فرس أبى طلحة (وإن وجدناه لبحرا) والبحر: الماء الملح. ويقال: أبحر ~~الماء: ملح قال نصيب: # وقد عاد ماء الأرض بحرا فزادني * إلى مرضى أن أبحر المشرب العذب والبحر: ~~البلدة يقال: هذه بحرتنا أي بلدتنا. قاله الأموي. والبحر: السلال (1) يصيب ~~الانسان. ويقولون: لقيته صحرة بحرة أي بارزا مكشوفا. وفى الخبر عن كعب ~~الأحبار قال: إن لله ملكا يقال له: صندفاييل البحار كلها في نقرة إبهامه. ~~ذكره أبو نعيم عن ثور ابن يزيد عن خالد بن معدان عن كعب قوله تعالى: ~~(فأنجيناكم) أي أخرجناكم منه يقال ms0366 نجوت من كذا نجاء ممدود ونجاة مقصور ~~والصدق منجاة وأنجيت غيري ونجيته وقرئ بهما " وإذ نجيناكم " " فأنجيناكم ". # قوله تعالى: (وأغرقنا آل فرعون) يقال: غرق في الماء غرقا فهو غرق وغارق ~~أيضا ومنه قول أبي النجم: # * من بين مقتول وطاف غارق (2) * وأغرقه غيره وغرقه فهو مغرق وغريق. ولجام ~~مغرق بالفضة أي محلى. والتغريق: # القتل قال الأعشى: # * ألا ليت قيسا غرقته القوابل * وذلك أن القابلة كانت تغرق المولود في ~~ماء السلى عام القحط ذكرا كان أو أنثى حتى يموت ثم جعل كل قتل تغريقا ومنه ~~قول ذي الرمة # PageV01P388 # إذا غرقت أرباضها ثنى بكرة * بتيهاء لم تصبح رءوما سلوبها والأرباض: ~~الحبال. والبكرة: الناقة الفتية وثنيها: بطنها الثاني وإنما لم تعطف على ~~ولدها لما لحقها من التعب القول في اختلاف العلماء في كيفية إنجاء بني ~~إسرائيل فذكر الطبري أن موسى عليه السلام أوحى إليه أن يسري من مصر ببني ~~إسرائيل فأمرهم موسى أن يستعيروا الحلي والمتاع من القبط وأحل الله ذلك ~~لبني إسرائيل فسرى بهم موسى من أول الليل فأعلم فرعون فقال: لا يتبعهم أحد ~~حتى تصيح الديكة فلم يصح تلك الليلة بمصر ديك وأمات الله تلك الليلة كثيرا ~~من أبناء القبط فاشتغلوا في الدفن وخرجوا في الاتباع مشرقين كما قال تعالى ~~" فأتبعوهم مشرقين " (1) [الشعراء: 60]. وذهب موسى إلى ناحية البحر حتى ~~بلغه. # وكانت عدة بني إسرائيل نيفا على ستمائة ألف وكانت عدة فرعون ألف ألف ~~ومائتي ألف. # وقيل: إن فرعون اتبعه في ألف ألف حصان سوى الإناث وقيل دخل إسرائيل - وهو ~~يعقوب عليه السلام مصر في ستة وسبعين نفسا من ولده وولد ولده فأنمى الله ~~عددهم وبارك في ذريته حتى خرجوا إلى البحر يوم فرعون وهم ستمائة ألف من ~~المقاتلة سوى الشيوخ والذرية والنساء وذكر أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي ~~شيبة قال حدثنا شبابة بن سوار عن يونس بن أبي إسحاق عن أبي إسحاق عن عمرو ~~بن ميمون عن عبد الله بن مسعود أن موسى عليه السلام حين أسرى إسرائيل بلغ ms0367 ~~فرعون فأمر بشاة فذبحت ثم قال: لا والله لا يفرغ من سلخها حتى تجتمع لي ~~ستمائة ألف من القبط قال: فانطلق موسى حتى انتهى إلى البحر فقال له أفرق ~~فقال له البحر: لقد استكبرت يا موسى! وهل فرقت لاحد من ولد آدم فأفرق لك! ~~قال: ومع موسى رجل على حصان له قال فقال له ذلك الرجل أين أمرت يا نبي ~~الله؟ قال ما أمر ت إلا بهذا الوجه قال: فأقحم فرسه فسبح فخرج. # فقال أين أمرت يا نبي الله؟ قال ما أمرت إلا بهذا الوجه قال: والله ما ~~كذبت ولا كذبت ثم أقتحم الثانية فسبح به حتى خرج فقال أين أمرت يا نبي ~~الله؟ فقال ما أمرت # PageV01P389 # إلا بهذا الوجه قال: والله ما كذبت ولا كذبت قال فأوحى الله إليه " أن ~~اضرب بعصاك البحر " [الأعراف 160] فضربه موسى بعصاه " فانفلق فكان كل فرق ~~كالطود العظيم " [الشعراء 63] فكان فيه أثنا عشر فرقا لاثني عشر سبطا لكل ~~سبط طريق يتراءون وذلك أن أطواد الماء صار فيها طيقانا وشبابيك يرى منها ~~بعضهم بعضا فلما خرج أصحاب موسى وقام أصحاب فرعون التطم البحر عليهم ~~فأغرقهم ويذكر أن البحر هو بحر القلزم وأن الرجل الذي كان مع موسى على ~~الفرس هو فتاه يوشع بن نون. وأن الله تعالى أوحى إلى البحر أن انفرق لموسى ~~إذا ضربك فبات البحر تلك الليلة يضطرب فحين أصبح ضرب البحر وكناه (1) أبا ~~خالد. ذكره ابن أبي شيبة أيضا. وقد أكثر المفسرون في قصص هذا المعنى وما ~~ذكرناه كاف وسيأتي في سورة " يونس والشعراء " (2) زيادة بيان أن شاء الله ~~تعالى فصل - ذكر الله تعالى الانجاء والاغراق ولم يذكر اليوم الذي كان ذلك ~~فيه فروى مسلم عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة ~~فوجد اليهود صياما يوم عاشوراء فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم (ما ~~هذا اليوم الذي تصومونه) فقالوا هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه ~~وغرق فرعون وقومه فصامه موسى شكرا فنحن نصومه. ms0368 فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم (فنحن أحق وأولى بموسى منكم) فصامه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأمر بصيامه. وأخرجه البخاري أيضا عن أبن عباس وأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال لأصحابه (أنتم أحق بموسى منهم فصوموا). # مسألة - ظاهر هذه الأحاديث تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما صام ~~عاشوراء وأمر بصيامه اقتداء بموسى عليه السلام على ما أخبر به اليهود وليس ~~كذلك لما روته عائشة رضي الله عنها قالت كان يوم عاشوراء تصومه قريش في ~~الجاهلية وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه في الجاهلية فلما قدم ~~المدينة صامه وأمر بصيامه فلما فرض رمضان ترك صيام يوم عاشوراء فمن شاء ~~صامه ومن شاء تركه أخرجه البخاري ومسلم # PageV01P390 # فإن قيل يحتمل أن تكون قريش إنما صامته بإخبار اليهود لها لأنهم كانوا ~~يسمعون منهم لأنهم كانوا عندهم أهل علم فصامه النبي عليه السلام كذلك في ~~الجاهلية أي بمكة فلما قدم المدينة ووجد اليهود يصومونه قال (نحن أحق وأولى ~~بموسى منكم) فصامه أتباعا لموسى (وأمر بصيامه) أي أوجبه وأكد أمره حتى ~~كانوا يصومونه الصغار. قلنا: # هذه شبهة من قال إن النبي صلى الله عليه وسلم لعله كان متعبدا بشريعة ~~موسى وليس كذلك على ما يأتي بيانه في " الانعام (1) " عند قول تعالى " ~~فبهداهم اقتده " [الانعام: 90]. # مسألة: اختلف في يوم عاشوراء هل هو التاسع من المحرم أو العاشر؟ فذهب ~~الشافعي إلى أنه التاسع لحديث الحكم بن الأعرج قال: انتهيت إلى ابن عباس ~~رضي الله عنهما وهو متوسد رداءه في زمزم فقلت له: أخبرني عن صوم عاشوراء ~~فقال إذا رأيت هلال المحرم فاعدد وأصبح يوم التاسع صائما. قلت: هكذا كان ~~محمد صلى الله عليه وسلم يصومه؟ قال نعم خرجه مسلم. وذهب سعيد بن المسيب ~~والحسن البصري ومالك وجماعة من السلف إلى أنه العاشر. وذكر الترمذي حديث ~~الحكم ولم يصفه بصحة ولا حسن ثم أردفه: أنبأنا قتيبة أنبأنا عبد الوارث عن ~~يونس عن الحسن عن ابن عباس قال أمر رسول ms0369 الله صلى الله عليه وسلم بصوم ~~عاشوراء يوم العاشر. قال أبو عيسى: حديث ابن عباس حديث حسن صحيح. قال ~~الترمذي: وروي عن ابن عباس أنه قال: صوموا التاسع والعاشر وخالفوا اليهود. ~~وبهذا الحديث يقول الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق. قال غيره وقول ابن عباس ~~للسائل: (فاعدد وأصبح يوم التاسع صائما) ليس فيه دليل على ترك صوم العاشر ~~بل وعد أن يصوم التاسع مضافا إلى العاشر. قالوا: فصيام اليومين جمع بين ~~الأحاديث. # وقول ابن عباس للحكم لما قال له: هكذا كان محمد صلى الله عليه وسلم ~~يصومه؟ قال نعم معناه أن لو عاش وإلا فما كان النبي صلى الله عليه وسلم صام ~~التاسع قط. يبينه ما خرجه ابن ماجة في سننه ومسلم في صحيحه عن ابن عباس قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # (لئن بقيت إلى قابل لأصومن اليوم التاسع). # PageV01P391 # فضيلة - روى أبو قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (صيام يوم ~~عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله) أخرجه مسلم والترمذي وقال ~~لا نعلم في شئ من الروايات أنه قال (صيام يوم عاشوراء كفارة سنة) إلا في ~~حديث أبي قتادة. # قوله تعالى: (وأنتم تنظرون) جملة في موضع الحال ومعناه بأبصاركم فيقال إن ~~آل فرعون طفوا على الماء فنظروا إليهم يغرقون وإلى أنفسهم ينجون ففي هذا ~~أعظم المنة وقد قيل إنهم أخرجوا لهم حتى رأوهم فهذه منة بعد منة وقيل ~~المعنى " وأنتم تنظرون " أي ببصائركم الاعتبار لأنهم كانوا في شغل عن ~~الوقوف والنظر بالابصار وقيل المعنى وأنتم بحال من ينظر لو نظر كما تقول ~~هذا الامر منك بمرأى ومسمع أي بحال تراه وتسمعه إن شئت. وهذا القول والأول ~~أشبه بأحوال بني إسرائيل لتوالي عدم الاعتبار فيما صدر من بني إسرائيل بعد ~~خروجهم من البحر وذلك أن الله تعالى لما أنجاهم وغرق عدوهم قالوا يا موسى ~~إن قلوبنا لا تطمئن إن فرعون قد غرق! حتى أمر الله البحر فلفظه فنظروا ~~إليه. # ذكر أبو بكر بن أبي شيبة ms0370 عن قيس بن عباد أن بني إسرائيل قالت: ما مات ~~فرعون وما كان ليموت أبدا! قال فلما أن سمع (1) الله تكذيبهم نبيه عليه ~~السلام رمى به على ساحل البحر كأنه ثور أحمر يتراءاه بنو إسرائيل فلما ~~اطمأنوا وبعثوا من طريق البر إلى مدائن فرعون حتى نقلوا كنوزه وغرقوا في ~~النعمة رأوا قوما يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما ~~لهم آلهة حتى زجرهم موسى وقال أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على ~~العالمين أي عالمي زمانه. ثم أمرهم أن يسيروا إلى الأرض المقدسة التي كانت ~~مساكن آبائهم ويتطهروا من أرض فرعون. وكانت الأرض المقدسة في أيدي الجبارين ~~قد غلبوا عليها فاحتاجوا إلى دفعهم عنها بالقتال فقالوا أتريد أن تجعلنا ~~لحمة للجبارين! فلو أنك تركتنا في يد فرعون كان خيرا لنا قال " يا قوم ~~ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم " [المائدة: 21] إلى قول " قاعدون ~~" حتى دعا عليهم وسماهم فاسقين فبقوا في التيه أربعين سنة عقوبة ثم رحمهم ~~فمن عليهم بالسلوى وبالغمام على ما يأتي بيانه ثم سار موسى إلى طور سيناء # PageV01P392 # ليجيئهم بالتوراة فاتخذوا العجل - على ما يأتي بيانه (1) - ثم قيل لهم: ~~قد وصلتم إلى بيت المقدس فأدخلوا الباب سجدا وقولوا حطه على ما يأتي وكان ~~موسى عليه السلام شديد الحياء ستيرا فقالوا: إنه آدر (2). فلما أغتسل وضع ~~على الحجر ثوبه فعدا الحجر بثوبه إلى مجالس بني إسرائيل وموسى على أثره ~~عريان وهو يقول يا حجر ثوبي! فذلك قول تعالى " يا أيها الذين آمنوا لا ~~تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا " [الأحزاب: 69] على ما يأتي ~~بيانه (3) ثم لما مات هارون قالوا له: أنت قتلت هارون وحسدته حتى نزلت ~~الملائكة بسريره وهارون ميت عليه - وسيأتي في المائدة (4) - ثم سألوه أن ~~يعلموا أية في قبول قربانهم فجعلت نار تجئ من السماء فتقبل قربانهم ثم ~~سألوه أن بين لنا كفارات ذنوبنا في الدنيا فكان من أذنب ذنبا أصبح على بابه ~~مكتوب (عملت كذا وكفارته قطع عضو من ms0371 أعضائك) يسميه له ومن أصابه بول لم ~~يطهر حتى يقرضه ويزيل جلدته من بدنه ثم بدلوا التوراة وافتروا على الله ~~وكتبوا بأيديهم واشتروا به عرضا ثم صار أمرهم إلى أن قتلوا أنبياءهم ~~ورسلهم. فهذه معاملتهم مع ربهم وسيرتهم في دينهم وسوء أخلاقهم. وسيأتي بيان ~~كل فصل من هذه الفصول مستوفى في موضعه إن شاء الله تعالى. وقال الطبري: # وفي أخبار القرآن على لسان محمد عليه السلام بهذه المغيبات التي لم تكن ~~من علم العرب ولا وقعت إلا في حق بني إسرائيل دليل واضح عند بني إسرائيل ~~قائم عليهم بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم. # قوله تعالى: وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم أتخذتم العجل من بعده وأنتم ~~ظالمون (51) فيه ست مسائل: # PageV01P393 # الأولى - قوله تعالى: (وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة) قرأ أبو عمرو " ~~وعدنا " بغير ألف، واختاره أبو عبيد ورجحه وأنكر " واعدنا " قال: لان ~~المواعدة إنما تكون من البشر فأما الله عز وجل فإنما هو المنفرد بالوعد ~~والوعيد. على هذا وجدنا القرآن، كقوله عز وجل: " وعدكم وعد الحق " (1) ~~(إبراهيم: 22) وقوله: " وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات " (2) ~~(الفتح: 29) وقوله: " وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم " [الأنفال: ~~7]. قال مكي: وأيضا فإن ظاهر اللفظ فيه وعد من الله تعالى لموسى، وليس فيه ~~وعد من موسى، فوجب حمله على الواحد، لظاهر النص أن الفعل مضاف إلى الله ~~تعالى وحده، وهي قراءة الحسن وأبي رجاء وأبي جعفر وشيبة وعيسى بن عمر، وبه ~~قرأ قتادة وابن أبي إسحاق. قال أبو حاتم: قراءة العامة عندنا " وعدنا " ~~بغير ألف، لان المواعدة أكثر ما تكون بين المخلوقين والمتكافئين، كل واحد ~~منهما يعد صاحبه. قال الجوهري: الميعاد: المواعدة والوقت والموضع. قال مكي: ~~المواعدة أصلها من اثنين، وقد تأتي المفاعلة من واحد في كلام العرب، قالوا: ~~طارقت النعل، وداويت العليل، وعاقبت اللص، والفعل من واحد. فيكون لفظ ~~المواعدة من الله خاصة لموسى كمعنى وعدنا، فتكون القراءتان بمعنى واحد. ~~والاختبار " واعدنا " بالألف لأنه بمعنى " وعدنا " في أحد معنييه، ولأنه ~~لابد لموسى ms0372 من وعد أو قبول يقوم مقام الوعد فتصح المفاعلة. قال النحاس: ~~وقراءة " واعدنا " بالألف أجود وأحسن، وهي قراءة مجاهد والأعرج وابن كثير ~~ونافع والأعمش وحمزة والكسائي، وليس قوله عز وجل: " وعد الله الذين آمنوا ~~منكم وعملوا الصالحات " من هذا في شئ، لآن " واعدنا موسى " إنما هو من باب ~~الموافاة، وليس هذا من الوعد والوعيد في شئ، وإنما هو من قولك: موعدك يوم ~~الجمعة، وموعدك موضع كذا. والفصيح في هذا أن يقال: واعدته. قال أبو إسحاق ~~الزجاج: " واعدنا " ها هنا بالألف جيد، لان الطاعة في القبول بمنزلة ~~المواعدة، فمن الله عز وجل وعد، ومن موسى قبول واتباع يجري مجرى المواعدة. ~~قال ابن عطية. ورجح أبو عبيدة " وعدنا " وليس بصحيح، لان قبول موسى لوعد ~~الله والتزامه وارتقابه يشبه المواعدة. # PageV01P394 # الثانية - قوله تعالى: (موسى) موسى اسم أعجمي لا ينصرف للعجمة والتعريف. # والقبط على - ما يروي - يقولون للماء: مو، وللشجر: شا (1). فلما وجد موسى ~~في التابوت عند ماء وشجر سمى موسى. قال السدي: لما خافت عليه أمه جعلته في ~~التابوت وألقته في اليم - كما أوحى الله إليها - فألقته في اليم بين أشجار ~~عند بيت فرعون، فخرج جواري آسية امرأة فرعون يغتسلن فوجدنه، فسمي باسم ~~المكان. وذكر النقاش وغيره: أن اسم الذي التقطته صابوث. قال ابن إسحاق: ~~وموسى هو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث ابن لاوي بن يعقوب إسرائيل الله ~~(2) بن إسحاق بن إبراهيم عليه السلام. # الثالثة - قوله تعالى: " أربعين ليلة " أربعين نصب على المفعول الثاني، ~~وفي الكلام حذف قال الأخفش: التقدير وإذ واعدنا موسى تمام أربعين ليلة كما ~~قال " واسئل القرية " والأربعون كلها داخلة في الميعاد. # والأربعون في قول أكثر المفسرين ذو القعدة وعشرة من ذي الحجة وكان ذلك ~~بعد أن جاوز البحر وسأل قومه أن يأتيهم بكتاب من عند الله فخرج إلى الطور ~~في سبعين من خيار بني إسرائيل وصعدوا الجبل وواعدهم إلى تمام أربعين ليلة ~~فعدوا فيما ذكر المفسرين عشرين يوما وعشرين ليلة وقالوا قد أخلفنا موعده. ~~فاتخذوا العجل وقال ms0373 لهم السامري: # هذا إلهكم وإله موسى فاطمأنوا إلى قوله ونهاهم هارون وقال " يا قوم إنما ~~فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري. قالوا لن نبرح عليه ~~عاكفين حتى يرجع إلينا موسى " (3) (طه: 90). # فلم يتبع هارون ولم يطعه في ترك عبادة العجل إلا أثنا عشر ألفا فيما روي ~~في الخبر. وتهافت في عبادته سائرهم وهم أكثر من ألفي ألف فلما رجع موسى ~~ووجدهم على تلك الحال ألقى الألواح فرفع من جملتها ستة أجزاء وبقي جزء واحد ~~وهو الحلال والحرام وما يحتاجون وأحرق العجل وذراه في البحر فشربوا من مائه ~~حبا للعجل فظهرت على شفاههم صفرة # PageV01P395 # وورمت بطونهم فتابوا ولم تقبل توبتهم دون أن يقتلوا أنفسهم فذلك قوله ~~تعالى: # " فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم " [البقرة: 54] فقاموا بالخناجر ~~والسيوف بعضهم إلى بعض من لدن طلوع الشمس إلى ارتفاع الضحى فقتل بعضهم بعضا ~~لا يسأل والد عن ولده ولا ولد عن والده ولا أخ عن أخيه ولا أحد عن أحد كل ~~من أستقبله ضربه بالسيف وضربه الآخر بمثله حتى عج موسى إلى الله صارخا: يا ~~رباه قد فنيت بنو إسرائيل! فرحمهم الله وجاد عليهم بفضله فقبل توبة من بقي ~~وجعل من قتل في الشهداء على ما يأتي. # الرابعة - إن قيل لم خص الليالي بالذكر دون الأيام؟ قيل له: لان الليلة ~~أسبق من اليوم فهي قبله في الرتبة ولذلك وقع بها التاريخ فالليالي أول ~~الشهور والأيام تبع لها. # الخامسة - قال النقاش: في هذه الآية إشارة إلى صلة الصوم لأنه تعالى لو ~~ذكر الأيام لأمكن أن يعتقد أنه كان يفطر بالليل فلما نص على الليالي اقتضت ~~قوة الكلام أنه عليه السلام واصل أربعين يوما بلياليها. قال ابن عطية: سمعت ~~أبي يقول: # سمعت الشيخ الزاهد الامام الواعظ أبا الفضل الجوهري رحمه الله يعظ الناس ~~في الخلوة بالله والدنو منه في الصلاة ونحوه وأن ذلك يشغل عن كل طعام وشراب ~~ويقول أين حال موسى في القرب من الله! ووصال ثمانين من الدهر من قول حين ~~سار إلى ms0374 الخضر لفتاه في بعض يوم " آتنا غداءنا " [الكهف: 62]. # قلت: وبهذا أستدل علماء الصوفية على الوصال وأن أفضله أربعون يوما. ~~وسيأتي الكلام في الوصال في أي الصيام (1) من هذه السورة إن شاء الله ~~تعالى. ويأتي في " الأعراف " (2) زيادة أحكام لهذه الآية عند قوله تعالى " ~~وواعدنا موسى ثلاثين ليلة " [الأعراف: 142] ويأتي لقصة العجل ببان في ~~كيفيته وخواره وفي " طه " (3) إن شاء الله تعالى. # السادسة - قوله تعالى: (ثم أتخذتم العجل من بعده) أي اتخذتموه إلها من ~~بعد موسى. وأصل اتخذتم ائتخذتم من الاخذ ووزنه افتعلتم سهلت الهمزة الثانية ~~لامتناع همزتين فجاء ايتخذتم فاضطربت الياء في التصريف جاءت ألفا في ياتخذ ~~وواوا في موتخذ # PageV01P396 # فبدلت بحرف جلد ثابت من جنس ما بعدها وهي التاء وأدغمت ثم أجلبت ألف ~~الوصل للنطق وقد يستغنى عنها إذا كان معنى الكلام التقرير كقوله تعالى " قل ~~اتخذتم عند الله عهدا " [البقرة: 80] فاستغنى عن ألف الوصل بألف التقرير ~~قال الشاعر: (1) استحدث الركب عن أشياعهم خبرا * أم راجع القلب من أطرابه ~~طرب ونحوه في القرآن " أطلع الغيب " [مريم: 78] " أصطفى البنات " [الصافات: ~~153] " أستكبرت أم كنت " [ص: 75]. # ومذهب أبي علي الفارسي أن " اتخذتم " من تخذلا من أخذ. (وأنتم ظالمون) ~~جملة في موضع الحال. وقد تقدم معنى الظلم (2). والحمد لله. # قوله تعالى: ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون (52) فيه أربع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (ثم عفونا عنكم) العفو: عفو الله عز وجل عن خلقه ~~وقد يكون بعد العقوبة وقبلها بخلاف الغفران فإنه لا يكون معه عقوبة البتة. ~~وكل من أستحق عقوبة فتركت له فقد عفي عنه فالعفو: محو الذنب أي محونا ~~ذنوبكم وتجاوزنا عنكم مأخوذ من قولك: عفت الريح الأثر أي أذهبته وعفا الشئ ~~كثر فهو من الأضداد ومنه قوله تعالى " حتى عفوا ". [الأعراف 95]. # الثانية - قوله تعالى: (من بعد ذلك) أي من بعد عبادتكم العجل. وسمي العجل ~~عجلا لاستعجالهم عبادته. والله أعلم. والعجل ولد البقرة. والعجول مثله ~~والجمع العجاجيل والأنثى عجلة. عن أبي الجراح. # الثالثة - قوله تعالى: (لعلكم تشكرون) كي تشكروا عفو ms0375 الله عنكم. وقد تقدم ~~معنى لعل (3). وأما الشكر فهو في اللغة الظهور من قول دابة شكور إذا ظهر ~~عليها من السمن فوق ما تعطى من العلف وحقيقته الثناء على الانسان بمعروف ~~يوليكه. كما تقدم # PageV01P397 # في الفاتحة (1) قال الجوهري: الشكر: الثناء على المحسن بما أولاكه من ~~المعروف يقال: # شكرته وشكرت له وباللام أفصح. والشكران: خلاف الكفران. وتشكرت له مثل ~~شكرت له. وروى الترمذي وأبو داود عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال (لا يشكر الله من لا يشكر الناس) قال الخطابي هذا الكلام يتأول على ~~معنيين أحدهما أن من كان من طبعه كفران نعمة الناس وترك الشكر لمعروفهم كان ~~من عادته كفران نعمة الله عز وجل وترك الشكر له. والوجه الآخر أن الله ~~سبحانه لا يقبل شكر العبد على إحسانه إليه إذ كان العبد لا يشكر إحسان ~~الناس إليه ويكفر معروفهم لاتصال أحد الامرين بالآخر. # الرابعة - في عبارات العلماء في معنى الشكر فقال سهل بن عبد الله: الشكر: # الاجتهاد في بذل الطاعة مع الاجتناب للمعصية في السر والعلانية وقالت ~~فرقة أخرى: # الشكر هو الاعتراف في تقصير الشكر للمنعم ولذلك قال تعالى " اعملوا آل ~~داود شكرا " (2) [سبأ: 13] فقال داود: كيف أشكرك يا رب والشكر نعمة منك! ~~قال: الآن قد عرفتني وشكرتني إذ قد عرفت أن الشكر مني نعمة قال يا رب فأرني ~~أخفى نعمك علي قال يا داود تنفس فتنفس داود فقال الله تعالى من يحصي هذه ~~النعمة الليل والنهار. وقال موسى عليه السلام: كيف أشكرك وأصغر نعمة وضعتها ~~بيدي من نعمك لا يجازى بها عملي كله! # فأوحى الله إليه يا موسى الآن شكرتني وقال الجنيد حقيقة الشكر العجز عن ~~الشكر وعنه قال كنت بين يدي السري السقطي ألعب وأنا ابن سبع سنين وبين يديه ~~جماعة يتكلمون في الشكر فقال لي يا غلام ما الشكر؟ فقلت ألا يعصى الله ~~بنعمه فقال لي: أخشى أن يكون حظك من الله لسانك. قال الجنيد فلا أزال أبكي ~~على هذه الكلمة التي قالها ms0376 السري لي. وقال الشبلي الشكر التواضع والمحافظة ~~على الحسنات ومخالفة الشهوات وبذل الطاعات ومراقبة جبار الأرض والسماوات ~~وقال ذو النون المصري أبو الفيض الشكر لمن فوقك بالطاعة ولنظيرك بالمكافأة ~~ولمن دونك بالاحسان والافضال # PageV01P398 # قوله تعالى: وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون (53) " إذا " ~~اسم للوقت الماضي و " إذا " اسم للوقت المستقبل و " آتينا " أعطينا. # وقد تقدم جميع هذا (1). والكتاب: التوراة بإجماع من المتأولين. واختلف في ~~الفرقان فقال الفراء وقطرب: المعنى آتينا موسى التوراة ومحمدا عليه السلام ~~الفرقان قال النحاس: # هذا خطأ الاعراب والمعنى أما الاعراب فإن المعطوف على الشئ مثله وعلى هذا ~~القول يكون المعطوف على الشئ خلافه. وأما المعنى فقد قال تعالى " ولقد ~~آتينا موسى وهارون الفرقان ". قال أبو إسحاق الزجاج: يكون الفرقان هو ~~الكتاب أعيد ذكره ياسمين تأكيدا. وحكي عن الفراء ومنه قول الشاعر: # وقدمت (2) الأديم لراهشيه * وألفى قولها كذبا ومينا وقال أخر (3): # ألا حبذا هند وأرض بها هند * وهند أتى من دونها النأي والبعد فنسق البعد ~~على النأي والمين على الكذب لاختلاف اللفظين تأكيدا ومنه قول عنترة حييت من ~~طلل تقادم عهده * أقوى وأقفر بعد أم الهيثم قال النحاس وهذا إنما يجئ في ~~الشعر وأحسن ما قيل في هذا قول مجاهد فرقا بين الحق والباطل أي الذي علمه ~~إياه. وقال ابن زيد: الفرقان انفراق البحر له حتى صار فرقا فعبروا. وقيل: ~~الفرقان الفرج من الكرب لأنهم كانوا مستعبدين مع القبط ومنه قوله تعالى: " ~~إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا " [الأنفال: 29] أي فرجا ومخرجا. وقيل: إنه ~~الحجة والبيان. # قاله ابن بحر. وقيل الواو صلة والمعنى آتينا موسى الكتاب الفرقان والواو ~~قد تزاد في النعوت كقولهم فلان حسن وطويل وأنشد: # إلى الملك القرم وابن الهمام * وليث الكتيبة في المزدحم # PageV01P399 # أراد إلى الملك القرم ابن الهمام ليث الكتيبة ودليل هذا التأويل قوله عز ~~وجل: " ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن وتفصيلا لكل شئ " (1) ~~[الانعام: 154] أي بين الحرام والحلال والكفر والايمان والوعد والوعيد وغير ~~ذلك. وقيل: الفرقان الفرق بينهم ms0377 وبين قوم فرعون أنجى هؤلاء وأغرق أولئك. ~~ونظيره: " يوم الفرقان ". فقيل: يعنى به يوم بدر نصر الله فيه محمدا صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه وأهلك أبا جهل وأصحابه. (لعلكم تهتدون) لكي تهتدوا ~~من الضلالة وقد تقدم. # (2) قوله تعالى: وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم ~~العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب ~~عليكم إنه هو التواب الرحيم (54) قوله تعالى: (وإذ قال موسى لقومه) القوم: ~~الجماعة الرجال دون النساء قال الله تعالى " لا يسخر قوم من قوم " ~~[الحجرات: 11] ثم قال " ولا نساء من نساء " [الحجرات: 11] وقال زهير: # وما أدري وسوف إخال أدري * أقوم آل حصن أم نساء وقال تعالى " ولوطا إذ ~~قال لقومه " [الأعراف: 80] أراد الرجال دون النساء. وقد يقع القوم على ~~الرجال والنساء قال الله تعالى " إنا أرسلنا نوحا إلى قومه " [نوح: 1] وكذا ~~كل نبي مرسل إلى النساء والرجال جميعا قوله تعالى: (يا قوم) منادى مضاف ~~وحذفت الياء في " يا قوم " لأنه موضع حذف والكسرة تدل عليها وهي بمنزلة ~~التنوين فحذفتها كما تحذف التنوين من المفرد ويجوز في غير القرآن إثباتها ~~ساكنة فتقول يا قومي لأنها اسم وهي في موضع خفض وإن شئت فتحتها وإن شئت ~~ألحقت معها هاء فقلت يا قوميه. وإن شئت أبدلت منها ألفا لأنها أخف فقلت يا ~~قوما وإن شئت قلت يا قوم بمعنى يا أيها القوم وإن جعلتهم نكرة نصبت ونونت ~~وواحد القوم امرؤ على غير اللفظ وتقول قوم وأقوام وأقاوم جمع الجمع. ~~والمراد هنا بالقوم عبدة العجل وكانت مخاطبته عليه السلام لهم بأمر من الله ~~تعالى. # PageV01P400 # قوله تعالى: (إنكم ظلمتم أنفسكم) استغنى بالجمع القليل عن الكثير والكثير ~~نفوس وقد يوضع الجمع الكثير موضع جمع القلة والقليل موضع الكثرة قال الله ~~تعالى " ثلاثة قروء " " البقرة: 228] وقال " وفيها ما تشتهيه الأنفس " ~~[الزخرف: 71]. ويقال لكل من فعل فعلا يعود عليه ضرره: # إنما أسأت إلى نفسك. وأصل الظلم وضع الشئ في غير موضعه. ثم قال تعالى: ~~(باتخاذكم العجل) قال بعض ms0378 أرباب المعاني عجل كل إنسان نفسه فمن أسقطه وخالف ~~مراده فقد برئ من ظلمه. والصحيح أنه هنا عجل على الحقيقة عبدوه كما نطق به ~~التنزيل والحمد لله قوله تعالى: (فتوبوا إلى بارئكم) لما قال لهم: فتوبوا ~~إلى بارئكم قالوا: # كيف؟ قال " فاقتلوا أنفسكم " قال أرباب الخواطر: ذللوها بالطاعات وكفوها ~~عن الشهوات. والصحيح أنه قل على الحقيقة هنا. والقتل: إماتة الحركة. وقتلت ~~الخمر: # كسرت شدتها بالماء. قال سفيان بن عيينة: التوبة نعمة من الله أنعم الله ~~بها على هذه الأمة دون غيرها من الأمم وكانت توبة بني إسرائيل القتل. ~~وأجمعوا على أنه لم يؤمر كل واحد من عبدة العجل بأن يقتل نفسه بيده قال ~~الزهري لما قيل لهم " فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم " قاموا صفين وقتل ~~بعضهم بعضا حتى قيل لهم كفوا فكان ذلك شهادة للمقتول وتوبة للحي على ما ~~تقدم وقال بعض المفسرين أرسل الله عليهم ظلاما ففعلوا ذلك وقيل وقف الذين ~~عبدوا العجل صفا ودخل الذين لم يعبدوه عليهم بالسلاح فقتلوهم وقيل: قام ~~السبعون الذين كانوا مع موسى فقتلوا إذ لم يعبدوا العجل من عبد العجل. ~~ويروى أن يوشع بن نون خرج عليهم وهم محتبون فقال ملعون من حل حبوته أو مد ~~طرفه إلى قاتله أو أتقاه بيد أو رجل فما حل أحد منهم حبوته حتى قتل منهم ~~يعنى من قتل وأقبل الرجل يقتل من يليه. ذكره النحاس وغيره. وإنما عوقب ~~الذين لم يعبدوا العجل بقتل أنفسهم على القول الأول لأنهم لم يغيروا المنكر ~~حين عبدوه وإنما اعتزلوا وكان الواجب عليهم أن يقاتلوا من عبده. وهذه سنة ~~الله في عباده إذا فشا المنكر ولم يغير عوقب الجميع. روى جرير قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم (ما من قوم يعمل فيهم PageV01P401 # بالمعاصي هم أعز منهم وأمنع لا يغيرون إلا عمهم الله بعقاب). أخرجه ابن ~~ماجة في سننه. # وسيأتي الكلام في هذا المعنى إن شاء الله تعالى. فلما استحر (1) فيهم ~~القتل وبلغ سبعين ألفا عفا الله عنهم قاله ابن ms0379 عباس وعلي رضي الله عنهما. ~~وإنما رفع الله عنهم القتل لأنهم أعطوا المجهود في قتل أنفسهم فما أنعم ~~الله على هذه الأمة نعمة بعد الاسلام هي أفضل من التوبة. # وقرأ قتادة: فأقيلوا أنفسكم من الإقالة أي استقبلوها من العثرة بالقتل. # قوله تعالى: " بارئكم " البارئ: الخالق وبينهما فرق وذلك أن البارئ هو ~~المبدع المحدث. والخالق هو المقدر الناقل من حال إلى حال. والبرية الخلق ~~وهي فعيلة بمعنى مفعولة غير أنها لا تهمز وقرأ أبو عمرو " بارئكم " بسكون ~~الهمزة ويشعركم وينصركم ويأمركم. واختلف النحاة في هذا فمنهم من يسكن الضمة ~~والكسرة في الوصل وذلك في الشعر. وقال أبو العباس المبرد: لا يجوز التسكين ~~مع توالي الحركات في حرف الاعراب في كلام ولا شعر وقراءة أبي عمرو لحن قال ~~النحاس وغيره وقد أجاز ذلك النحويون القدماء الأئمة وأنشدوا: # إذا اعوججن قلت صاحب قوم * بالدو أمثال السفين العوم (2) وقال امرؤ ~~القيس: # فاليوم أشرب غير مستحقب * إثما من الله ولا واغل (3) وقال آخر: # * قالت سليمى أشتر لنا سويقا * وقال الآخر: # رحت وفي رجليك ما فيهما * وقد بدا هنك من المئزر # PageV01P402 # فمن أنكر التسكين في حرف الاعراب فحجته أن ذلك لا يجوز من حيث كان علما ~~للأعراب. # قال أبو على: وأما حركة البناء فلم يختلف النحاة في جواز تسكينها مع ~~توالي الحركات. وأصل برأ من تبري الشئ من الشئ وهو انفصاله منه. فالخلق قد ~~فصلوا من العدم إلى الوجود ومنه برأت من المرض برءا (بالفتح) كذا يقول أهل ~~الحجاز. وغيرهم يقول برئت من المرض برءا (بالضم) وبرئت منك ومن الديون ~~والعيوب براءة ومنه المبارأة للمرأة. وقد بارأ شريكه وامرأته قوله تعالى: ~~(فتاب عليكم) في الكلام حذف تقديره ففعلتم فتاب عليكم أي فتجاوز عنكم أي ~~على الباقين منكم. (أنه هو التواب الرحيم) تقدم (1) معناه والحمد لله. # قوله تعالى: وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم ~~الصاعقة وأنتم تنظرون (55) ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون (56) فيه ~~خمس مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (وإذ ms0380 قلتم) معطوف " يا موسى " نداء مفرد " لن نؤمن ~~لك " أي نصدقك " حتى نرى الله جهرة " قيل: هم السبعون الذين اختارهم موسى ~~وذلك أنهم لما أسمعهم كلام الله تعالى قالوا له بعد ذلك " لن نؤمن لك " ~~[البقرة: 55] والايمان بالأنبياء واجب بعد ظهور معجزاتهم فأرسل الله عليهم ~~نارا من السماء فأحرقهم ثم دعا موسى ربه فأحياهم كما قال تعالى " ثم ~~بعثناكم من بعد موتكم " [البقرة: 56] وستأتي قصة السبعين في الأعراف (2) إن ~~شاء الله تعالى قال ابن فورك يحتمل أن تكون معاقبتهم لاخراجهم طلب الرؤية ~~عن طريقة بقولهم لموسى " أرنا الله جهرة " [النساء: 153] وليس ذلك من مقدور ~~موسى عليه السلام. # وقد اختلف في جواز رؤية الله تعالى فأكثر المبتدعة على إنكارها في الدنيا ~~والآخرة. # وأهل السنة والسلف على جوازها فيهما ووقوعها في الآخرة فعلى هذا لم ~~يطلبوا من الرؤية # PageV01P403 # محالا وقد سألها موسى عليه السلام وسيأتي الكلام في الرؤية في " الانعام ~~" و " الأعراف " (1) إن شاء الله تعالى الثانية - قوله تعالى: (جهرة) مصدر ~~في موضع الحال ومعناه علانية وقيل عيانا قاله ابن عباس. وأصل الجهر الظهور ~~ومنه الجهر بالقراءة إنما هو إظهارها. والمجاهرة بالمعاصي: المظاهرة بها. ~~ورأيت الأمير جهارا وجهرة أي غير مستتر بشئ وقرأ ابن عباس " جهرة " بفتح ~~الهاء. وهما لغتان مثل زهرة وزهرة. وفي الجهر وجهان: أحدهما - أنه صفة ~~لخطابهم لموسى أنهم جهروا به وأعلنوا فيكون في الكلام تقديم وتأخير ~~والتقدير: # وإذ قلتم جهرة يا موسى. الثاني - أنه صفة لما سألوه من رؤية الله تعالى ~~أن يروه جهرة وعيانا فيكون الكلام على نسقه لا تقديم فيه ولا تأخير. وأكد ~~بالجهر فرقا بين رؤية العيان ورؤية المنام. # الثالثة - قوله تعالى: (فأخذتكم الصاعقة) قد تقدم في أول السورة معنى ~~الصاعقة (2) وقرأ عمر وعثمان وعلي " الصعقة " وهي قراءة ابن محيصن في جميع ~~القرآن. # (وأنتم تنظرون) جملة في موضع الحال. ويقال: كيف يموتون وهم ينظرون؟ # فالجواب أن العرب تقول: دور آل فلان تراءى أي يقابل بعضها بعضا وقيل ~~المعنى " تنظرون " أي إلى حالكم وما نزل بكم ms0381 من الموت وآثار الصعقة. # الرابعة - قوله تعالى: (ثم بعثناكم من بعد موتكم) أي أحييناكم قال قتادة ~~ماتوا وذهبت أرواحهم ثم ودوا لاستيفاء آجالهم قال النحاس وهذا احتجاج على ~~من لم يؤمن بالبعث من قريش واحتجاج على أهل الكتاب إذ خبروا بهذا والمعنى " ~~لعلكم تشكرون " ما فعل بكم من البعث بعد الموت وقيل ماتوا موت همود يعتبر ~~به الغير ثم أرسلوا وأصل البعث الارسال. وقيل: بل أصله إثارة الشئ من محله ~~يقال: بعثت الناقة: # أثرتها أي حركتها قال أمرؤ القيس: # PageV01P404 # وفتيان صدق قد بعثت بسحرة (1) * فقاموا جميعا بين عاث ونشوان وقال عنترة: # وصحابة شم الأنوف بعثتهم * ليلا وقد مال الكرى بطلاها (2) وقال بعضهم " ~~بعثناكم من بعد موتكم " [البقرة: 56] علمناكم من بعد جهلكم. # قلت: والأول أصح لان الأصل الحقيقة، وكان موت عقوبة ومنه قوله تعالى: # " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله ~~موتوا ثم أحياهم " على ما يأتي (3) [البقرة: 243]. # الخامسة - قال الماوردي: واختلف في بقاء تكليف من أعيد بعد موته ومعاينة ~~الأحوال المضطرة إلى المعرفة على قولين: أحدهما - بقاء تكليفهم لئلا يخلو ~~عاقل من تعبد. # الثاني: سقوط تكليفهم معتبرا بالاستدلال دون الاضطرار. # قلت: والأول أصح فإن بني إسرائيل قد رأوا الجبل في الهواء ساقطا عليهم ~~والنار محيطة بهم وذلك مما اضطرهم إلى الايمان وبقاء التكليف ثابت عليهم ~~ومثلهم قوم يونس. # ومحال أن يكونوا غير مكلفين. والله أعلم. # قوله تعالى: وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من ~~طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (57) فيه ثماني ~~مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (وظللنا عليكم الغمام) أي جعلناه عليكم كالظلة. ~~والغمام جمع غمامة كسحابة وسحاب قاله الأخفش سعيد. قال الفراء: ويجوز غمائم ~~وهي السحاب لأنها تغم السماء أي تسترها وكل مغطى فهو مغموم ومنه المغموم ~~على عقله. وغم الهلال # PageV01P405 # إذا غطاه الغيم والغين مثل الغيم ومنه قوله عليه السلام: (إنه ليغان على ~~قلبي). قال صاحب العين: غين عليه: غطى عليه. والغين: شجر ملتف. وقال السدي: ms0382 ~~الغمام السحاب الأبيض. وفعل هذا بهم ليقيهم حر الشمس نهارا وينجلي في آخره ~~ليستضيئوا بالقمر ليلا. وذكر المفسرون أن هذا جرى في التيه بين مصر والشام ~~لما امتنعوا من دخول مدينة الجبارين وقتالهم وقالوا لموسى " فاذهب أنت وربك ~~فقاتلا " (1) [المائدة: 24]. فعوقبوا في ذلك الفحص (2) أربعين سنة يتيهون ~~في خمسة فراسخ أو ستة. روي أنهم كانوا يمشون النهار كله وينزلون للمبيت ~~فيصبحون حيت كانوا بكرة أمس. وإذا كانوا بأجمعهم في التيه قالوا لموسى: # من لنا بالطعام! فأنزل الله عليهم المن والسلوى. قالوا: من لنا من حر ~~الشمس! فظلل عليهم الغمام. قالوا: فبم نستصبح! فضرب لهم عمود نور في وسط ~~محلتهم وذكر مكي عمود من نار. قالوا من لنا بالماء! فأمر موسى بضرب الحجر ~~قالوا من لنا باللباس! فأعطوا ألا يبلى لهم ثوب ولا يخلق ولا يدرن وأن تنمو ~~صغارها حسب نمو الصبيان. والله أعلم. # الثانية - قوله تعالى: (وأنزلنا عليكم المن والسلوى) اختلف في المن ما هو ~~وتعيينه على أقوال فقيل الترنجبين (3) - بتشديد الراء وتسكين النون ذكره ~~النحاس ويقال الطرنجبين بالطاء وعلى هذا أكثر المفسرين وقيل صمغة حلوة وقيل ~~عسل: وقيل شراب حلو. وقيل: خبز الرقاق عن وهب بن منبه. وقيل: " المن " مصدر ~~يعم جميع ما من الله به على عباده من غير تعب ولا زرع ومنه قول رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في حديث سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل (الكمأة من المن ~~الذي أنزل الله على بني إسرائيل وماؤها شفاء للعين) في رواية (من المن الذي ~~أنزل الله على موسى) رواه مسلم قال علماؤنا: وهذا الحديث يدل على أن الكمأة ~~مما أنزل الله على بني إسرائيل أي مما خلقه الله لهم في التيه. قال أبو ~~عبيد: # إنما شبهها بالمن لأنه لا مؤونة فيها ببذر ولا سقي ولا علاج فهي منه أي ~~من جنس من # PageV01P406 # بني إسرائيل في أنه كان دون تكلف. روى أنه كان ينزل عليهم من طلوع الفجر ~~إلى طلوع الشمس كالثلج فيأخذ الرجل ما يكفيه ليومه ms0383 فإن ادخر منه شيئا فسد ~~عليه إلا في يوم الجمعة فإنهم كانوا يدخرون ليوم السبت فلا يفسد عليهم لان ~~يوم السبت يوم عبادة وما كان ينزل عليهم يوم السبت شئ. # الثالثة - لما نص عليه السلام على أن ماء الكمأة شفاء للعين قال بعض أهل ~~العلم بالطب: أما لتبريد العين من بعض ما يكون فيها من الحرارة فتستعمل ~~بنفسها مفردة واما لغير ذلك فمركبة مع غيرها. وذهب أبو هريرة رضي الله عنه ~~إلى استعمالها بحتا في جميع مرض العين. وهذا كما أستعمل أبو وجزة العسل في ~~جميع الأمراض كلها حتى في الكحل على ما يأتي بيانه في سورة " النحل " (1) ~~إن شاء الله تعالى. وقال أهل اللغة: الكم ء واحد وكمأن اثنان وأكمؤ ثلاثة ~~فإذا زادوا قالوا - كمأة - بالتاء - على عكس شجرة وشجر. والمن اسم جنس لا ~~واحد له من لفظه الخير والشر قاله الأخفش. # الرابعة - قوله تعالى: (والسلوى) اختلف في السلوى فقيل هو السماني بعينه ~~قاله الضحاك. قال ابن عطية: السلوى طير بإجماع المفسرين وقد غلط الهذلي (2) ~~فقال: # وقاسمها بالله جهدا لأنتم * ألذ من السلوى إذا ما نشورها ظن السلوى ~~العسل. # قلت: ما ادعاه من الاجماع لا يصح وقد قال المؤرج (3) أحد علماء اللغة ~~والتفسير: إنه العسل وأستدل ببيت الهذلي وذكر أنه كذلك بلغة كنانة سمى به ~~لأنه يسلى به ومنه عين السلوان (4)، وأنشد: # لو أشرب السلوان ما سليت * ما بي غنى عنك وإن غنيت (5) # PageV01P407 # وقال الجوهري: والسلوى العسل وذكر بيت الهذلي: # * ألذ من السلوى إذا ما نشورها * ولم يذكر غلطا. والسلوانة (بالضم): خرزة ~~كانوا يقولون إذا صب عليها ماء المطر فشربه العاشق سلا قال: # شربت على سلوانة ماء مزنة * فلا وجديد العيش يامي ما أسلو واسم ذلك الماء ~~السلوان. وقال بعضهم: السلوان دواء يسقاه الحزين فيسلو والأطباء يسمونه ~~المفرح. يقال: سليت وسلوت لغتان. وهو في سلوة من العيش أي في رغد عن أبي ~~زيد. # الخامسة - واختلف في السلوى هل هو جمع أو مفرد فقال الأخفش: جمع لا واحد ~~له من ms0384 لفظه مثل الخير والشر وهو يشبه أن يكون واحده سلوى مثل جماعته كما ~~قالوا: دفلى (1) للواحد والجماعة وسماني وشكاعي (2) في الواحد والجميع. ~~وقال الخليل: # واحده سلواة وأنشد: # وإني لتعروني لذكرك هزة (3) * كما انتفض السلواة من بلل القطر وقال ~~الكسائي: السلوى واحدة وجمعه سلاوي. # السادسة - " السلوى " عطف على " المن " ولم يظهر فيه الاعراب لأنه مقصور. # ووجب هذا في المقصور كله لأنه لا يخلو من أن يكون في آخره ألف. قال ~~الخليل: والألف حرف هوائي لا مستقر له فأشبه الحركة فاستحالت حركته. وقال ~~الفراء: لو حركت الألف صارت همزة. # السابعة - قوله تعالى: (كلوا من طيبات ما رزقناكم) " كلوا " فيه حذف ~~تقديره وقلنا كلوا فحذف اختصار الدلالة الظاهر عليه. والطيبات هنا قد جمعت ~~الحلال واللذيذ. # PageV01P408 # الثامنة - قوله تعالى: (وما ظلمونا) يقدر قبله فعصوا ولم يقابلوا النعم ~~بالشكر. # (ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) لمقابلتهم النعم بالمعاصي. # قوله تعالى: وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا ~~وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين (58) فيه ~~تسع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية) حذفت الألف من " قلنا ~~" لسكونها وسكون الدال بعدها والألف التي يبتدأ بها قبل الدال ألف وصل لأنه ~~من يدخل. # الثانية - قوله تعالى: (هذه القرية) أي المدينة سميت بذلك لأنها تقرت أي ~~اجتمعت ومنه قريت الماء في الحوض أي جمعته واسم ذلك الماء قرى (بكسر القاف) ~~مقصور. وكذلك ما قري به الضيف قاله الجوهري. والمقراة للحوض. والقري لمسيل ~~الماء. والقرا للظهر ومنه قوله (1): # * لاحق بطن بقرا سمين * والمقاري: الجفان الكبار قال: # * عظام المقاري ضيفهم لا يفزع * وواحد المقاري مقراة وكله بمعنى الجمع ~~غير مهموز. والقرية (بكسر القاف) لغة اليمن. # واختلف في تعيينها فقال الجمهور: هي بيت المقدس. وقيل: أريحاء من بيت ~~المقدس. # قال عمر بن شبة: كانت قاعدة ومسكن ملوك. ابن كيسان الشام. الضحاك: الرملة ~~والأردن وفلسطين وتدمر. وهذه نعمه أخرى وهي أنه أباح لهم دخول البلدة وأزال ~~عنهم التيه. # PageV01P409 # الثالثة - قوله تعالى (فكلوا) إباحة. و (رغدا) ms0385 كثيرا واسعا وهو نعت لمصدر ~~محذوف أي أكلا رغد. ويجوز أن يكون في موضع الحال على ما تقدم وكانت أرضا ~~مباركة عظيمة الغلة فلذلك قال " رغدا " الرابعة - قوله تعالى: (وأدخلوا ~~الباب سجدا) الباب يجمع أبوابا وقد قالوا: # أبوبة للازدواج قال الشاعر (1): # هتاك أخبية ولاج أبوبة * يخلط بالبر منه الجد واللينا ولو أفرده لم يجز. ~~ومثله قول عليه السلام: (مرحبا بالقوم - أو بالوفد - غير خزايا ولا ندامى). ~~وتبوبت بوابا اتخذته وأبواب مبوبة كما قالوا أصناف مصنفة. وهذا شئ من بابتك ~~أي يصلح لك. وقد تقدم معنى السجود (2) فلا معنى لإعادته. والحمد لله. # والباب الذي أمروا بدخول هو باب في بيت المقدس يعرف اليوم ب‍ " - باب حطه ~~" عن مجاهد وغيره. وقيل: باب القبة التي كان يصلي إليها موسى وبنو إسرائيل ~~و " سجدا " قال ابن عباس: منحنين ركوعا. وقيل متواضعين خشوعا لا على هيئة ~~متعينة. # الخامسة - قوله تعالى: (وقولوا) عطف على أدخلوا. (حطة) بالرفع قراءة ~~الجمهور على إضمار مبتدأ أي مسألتنا حطة أو يكون حكاية. قال الأخفش: وقرئت ~~" حطة " بالنصب على معنى أحطط عنا ذنوبنا حطة. قال النحاس: الحديث (3) عن ~~ابن عباس أنه قيل لهم: قولوا لا إله إلا الله وفي حديث آخر عنه قيل لهم ~~قولوا مغفرة تفسير للنصب أي قولوا شيئا يحط ذنوبكم كما يقال قل خيرا ~~والأئمة من القراء على الرفع وهو أولى في اللغة لما حكى عن العرب في معنى ~~بدل قال أحمد بن يحيى: يقال بدلته أي غيرته ولم أزل عينه. وأبدلته أزلت ~~عينه وشخصه كما قال: (4) * عزل الأمير للأمير المبدل * # PageV01P410 # وقال الله عز وجل " قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله ~~" [يونس: 15]. وحديث (1) ابن مسعود قالوا " حطة " تفسير على الرفع. هذا كله ~~قول النحاس. وقال الحسن وعكرمة: # " حطه " بمعنى حط ذنوبنا أمروا أن يقولوا: لا إله إلا الله ليحط بها ~~ذنوبهم وقال ابن جبير: معناه الاستغفار. أبان بن تغلب: التوبة قال الشاعر: # فاز بالحطة التي جعل الله * بها ذنب عبده مغفورا وقال ابن ms0386 فارس في المجمل ~~" حطة " كلمة أمر بها بنو إسرائيل لو قالوها لحطت أوزارهم. # وقاله الجوهري أيضا في الصحاح. # قلت: يحتمل أن يكونوا تعبدوا بهذا اللفظ بعينه وهو الظاهر من الحديث روى ~~مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (قيل لبني إسرائيل ~~أدخلوا الباب سجدا وقولوا حطة يغفر لكم خطاياكم [فبدلوا] (2) فدخلوا الباب ~~يزحفون على أستاههم وقالوا حبة في شعرة). وأخرجه البخاري وقال (فبدلوا ~~وقالوا حطة حبة في شعرة). # في غير الصحيحين " حنطة في شعر ". وقيل: قالوا هطا سمهاثا. وهي لفظة ~~عبرانية تفسيرها: حنطة حمراء حكاها ابن قتيبة وحكاه الهروي عن السدي ~~ومجاهد. وكان قصدهم خلاف ما أمرهم الله به فعصوا وتمردوا واستهزءوا فعاقبهم ~~الله بالرجز وهو العذاب. وقال ابن زيد: كان طاعونا أهلك منهم سبعين ألفا. ~~وروي أن الباب جعل قصيرا ليدخلوه ركعا فدخلوه متوركين على أستاههم. والله ~~أعلم. # السادسة - استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن تبديل الأقوال المنصوص ~~عليها في الشريعة لا يخلو أن يقع التعبد بلفظها أو بمعناها فإن كان التعبد ~~وقع بلفظها فلا يجوز تبديلها لذم الله تعالى من بدل ما أمره بقوله. وإن وقع ~~بمعناها جاز تبديلها بما يؤدي إلى ذلك المعنى ولا يجوز تبديلها بما يخرج ~~عنه. # PageV01P411 # وقد اختلف العلماء في هذا المعنى فحكي عن مالك والشافعي وأبي حنيفة ~~وأصحابهم أنه يجوز للعالم بمواقع الخطاب البصير بآحاد كلماته نقل الحديث ~~بالمعنى لكن بشرط المطابقة للمعنى بكمال وهو قول الجمهور. ومنع ذلك جمع ~~كثير من العلماء منهم ابن سيرين والقاسم بن محمد ورجاء بن حياة. وقال ~~مجاهد: انقص من الحديث إن شئت ولا تزد فيه. وكان مالك بن أنس يشدد في حديث ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في التاء والياء ونحو هذا. وعلى هذا جماعة من ~~أئمة الحديث لا يرون إبدال اللفظ ولا تغييره حتى إنهم يسمعون ملحونا ~~ويعلمون ذلك ولا يغيرونه. وروى أبو مجلز عن قيس بن عباد قال قال عمر بن ~~الخطاب: من سمع حديثا فحدث به ms0387 كما سمع فقد سلم. وروى نحوه عن عبد الله بن ~~عمرو وزيد بن أرقم. وكذا الخلاف في التقديم والتأخير والزيادة والنقصان فإن ~~منهم من يعتد بالمعنى ولا يعتد باللفظ ومنهم من يشدد في ذلك ولا يفارق ~~اللفظ. وذلك هو الأحوط في الدين والأتقى والأولى ولكن أكثر العلماء على ~~خلافه والقول بالجواز هو الصحيح إن شاء الله تعالى وذلك أن المعلوم من سيرة ~~الصحابة رضي الله عنهم هو أنهم كانوا يروون الوقائع المتحدة بألفاظ مختلفة ~~وما ذاك إلا أنهم كانوا يصرفون عنايتهم للمعاني ولم يلتزموا التكرار على ~~الأحاديث ولا كتبها وروي عن واثلة بن الأسقع أنه قال: ليس كل ما أخبرنا به ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم نقلناه إليكم حسبكم المعنى. وقال قتادة عن ~~زرارة بن أوفى: لقيت عدة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فاختلفوا علي ~~في اللفظ واجتمعوا في المعنى. وكان النخعي والحسن والشعبي رحمهم الله يأتون ~~بالحديث على المعاني وقال الحسن: إذا أصبت المعنى أجزأك. وقال سفيان الثوري ~~رحمه الله: إذا قلت لكم إني أحدثكم كما سمعت فلا تصدقوني إنما هو المعنى. ~~وقال وكيع رحمه الله إن لم يكن المعنى واسعا فقد هلك الناس. واتفق العلماء ~~على جواز نقل الشرع للعجم بلسانهم وترجمته لهم وذلك هو النقل بالمعنى. وقد ~~فعل الله ذلك في كتابه فيما قص من أنباء ما قد سلف فقص قصصا ذكر بعضها في ~~مواضع بألفاظ مختلقة والمعنى واحد ونقلها من ألسنتهم إلى اللسان العربي وهو ~~مخالف لها في التقديم والتأخير والحذف والالغاء PageV01P412 # والزيادة والنقصان وإذا جاز إبدال العربية بالعجمية فلان يجوز بالعربية ~~أولى. احتج بهذا المعنى الحسن والشافعي وهو الصحيح في الباب. # فإن قيل: فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (نضر الله أمرا سمع مقالتي ~~فبلغها كما سمعها) وذكر الحديث. وما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه أمر ~~رجلا أن يقول عند مضجعه في دعاء علمه (آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي ~~أرسلت) فقال الرجل: # ورسولك الذي أرسلت فقال النبي صلى ms0388 الله عليه وسلم (ونبيك الذي أرسلت). ~~قالوا: # أفلا ترى أنه لم يسوغ لمن علمه الدعاء مخالفة اللفظ وقال: (فأداها كما ~~سمعها). قيل لهم: # أما قوله (فأداها كما سمعها) فالمراد حكمها لا لفظها لان اللفظ غير معتد ~~به. ويدلك على أن المراد من الخطاب حكمه قوله (فرب حامل فقه غير فقيه ورب ~~حامل فقه إلى من هو أفقه منه). ثم إن هذا الحديث بعينه قد نقل بألفاظ ~~مختلفة والمعنى واحد وإن أمكن أن يكون جميع الألفاظ قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم في أوقات مختلفة لكن الأغلب أنه حديث واحد نقل بألفاظ مختلفة ~~وذلك أدل دليل على الجواز. وأما رده عليه السلام الرجل من قوله (ورسولك إلى ~~قوله ونبيك) لان لفظ النبي صلى الله عليه وسلم أمدح ولكل نعت من هذين ~~النعتين موضع. ألا ترى أن اسم الرسول يقع على الكافة واسم النبي لا يستحقه ~~إلا الأنبياء عليهم السلام! وإنما فضل المرسلون من الأنبياء لأنهم جمعوا ~~النبوة والرسالة. فلما قال: # (ونبيك) جاء بالنعت الأمدح ثم قيده بالرسالة بقوله (الذي أرسلت). وأيضا ~~فإن نقله من قوله: (ورسولك إلى قوله ونبيك) ليجمع بين النبوة والرسالة. ~~ومستقبح في الكلام أن تقول: هذا رسول فلان الذي أرسله وهذا قتيل زيد الذي ~~قتله لأنك تجتزئ بقولك: رسول فلان وقتيل فلان عن إعادة المرسل والقاتل إذ ~~كنت لا تفيد به إلا المعنى الأول. وإنما يحسن أن تقول: هذا رسول عبد الله ~~الذي أرسله إلى عمرو وهذا قتيل زيد الذي قتله بالأمس أو في وقعة كذا. والله ~~ولي التوفيق. PageV01P413 # فإن قيل: إذا جاز للراوي الأول تغيير ألفاظ الرسول عليه السلام جاز ~~للثاني تغير ألفاظ الأول ويؤدي ذلك إلى طمس الحديث بالكلية لدقة الفروق ~~وخفائها. قيل له: الجواز مشروط بالمطابقة والمساواة كما ذكرنا فإن عدمت لم ~~يجز. قال ابن العربي: الخلاف في هذه المسألة إنما يتصور بالنظر إلى عصر ~~الصحابة والتابعين لتساويهم في معرفة اللغة الجبلية الذوقية وأما من بعدهم ~~فلا نشك في أن ذلك لا يجوز إذ الطباع ms0389 قد تغيرت والفهوم قد تباينت والعوائد ~~قد اختلفت وهذا هو الحق. والله أعلم. # قال بعض علمائنا: لقد تعاجم ابن العربي رحمه الله فإن الجواز إذا كان ~~مشروطا بالمطابقة فلا فرق بين زمن الصحابة والتابعين وزمن غيرهم ولهذا لم ~~يفصل أحد من الأصوليين ولا أهل الحديث هذا التفصيل. نعم لو قال: المطابقة ~~في زمنه أبعد كان أقرب والله أعلم. # السابعة - قوله تعالى: (نغفر لكم خطاياكم) قراءة نافع بالياء مع ضمها. ~~وابن عامر بالتاء مع ضمها وهي قراءة مجاهد. وقرأها الباقون بالنون مع نصبها ~~وهي أبينها لان قبلها " وإذ قلنا ادخلوا " فجرى " نغفر " على الاخبار عن ~~الله تعالى والتقدير وقلنا ادخلوا الباب سجدا نغفر ولأن بعده " وسنزيد " ~~بالنون. و " خطاياكم " أتباعا للسواد وأنه على بابه. ووجه من قرأ بالتاء ~~أنه أنث لتأنيث لفظ الخطايا لأنها جمع خطيئة على التكسير. ووجه القراءة ~~بالياء أنه ذكر لما حال بين المؤنث وبين فعله على ما تقدم في قوله " فتلقى ~~آدم من ربه كلمات " [البقرة: 37]. وحسن الياء والتاء وإن كان قبله إخبار عن ~~الله تعالى في قوله " وإذ قلنا " لأنه قد علم أن ذنوب الخاطئين لا يغفرها ~~إلا الله تعالى فاستغنى عن النون ورد الفعل إلى الخطايا المغفورة. # الثامنة - واختلف في أصل خطايا جمع خطيئة بالهمزة فقال الخليل: الأصل في ~~خطايا أن يقول: خطايئ ثم قلب فقيل: خطائي بهمزة بعدها ياء ثم تبدل من الياء ~~ألفا بدلا لازما فتقول: خطاءا فلما اجتمعت ألفان بينهما همزة والهمزة من ~~جنس الألف صرت كأنك جمعت بين ثلاث ألفات فأبدلت من الهمزة ياء فقلت: خطايا. ~~وأما سيبويه فمذهبه أن الأصل مثل الأول خطايئ ثم وجب بهذه أن تهمز الياء ~~كما همزتها في مدائن فتقول: PageV01P414 # خطائئ ولا تجتمع همزتان في كلمة فأبدلت من الثانية ياء فقلت: خطائي ثم ~~عملت كما عملت في الأول. وقال الفراء: خطايا جمع خطية بلا همز، كما تقول: ~~هدية وهدايا. # قال الفراء: ولو جمعت خطيئة مهموزة لقلت: خطاءا. وقال الكسائي: لو جمعتها ~~مهموزة أدغمت الهمزة في الهمزة ms0390 كما قلت: دواب. # التاسعة - قوله تعالى: (وسنزيد المحسنين) أي في إحسان من لم يعبد العجل. # ويقال: يغفر خطايا من رفع المن والسلوى للغد وسنزيد في إحسان من لم يرفع ~~للغد. # ويقال: يغفر خطايا من هو عاص وسيزيد في إحسان من هو محسن أي نزيدهم ~~إحسانا على الاحسان المتقدم عندهم وهو اسم فاعل من أحسن. والمحسن من صحح ~~عقد توحيده وأحسن سياسة نفسه وأقبل على أداء فرائضه وكفى المسلمين شره. وفى ~~حديث جبريل عليه السلام (ما الاحسان قال أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن ~~تراه فإنه يراك قال صدقت) وذكر الحديث. خرجه مسلم. # قوله تعالى: فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ~~ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون (59) فيه أربع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (فبدل الذين ظلموا قولا) " الذين " في موضع رفع أي ~~فبدل الظالمون منهم قولا غير الذي قيل لهم. وذلك أنه قيل لهم: قولوا حطة ~~فقالوا حنطة على ما تقدم فزادوا حرفا في الكلام فلقوا من البلاء ما لقوا ~~تعريفا أن الزيادة في الدين والابتداع في الشريعة عظيمة الخطر شديدة الضرر. ~~هذا في تغيير كلمة هي عبارة عن التوبة أوجبت كل ذلك من العذاب فما ظنك ~~بتغيير ما هو من صفات المعبود! هذا والقول أنقص من العمل فكيف بالتبديل ~~والتغيير في الفعل. # الثانية - قوله تعالى: (فبدل) تقدم معنى بدل وأبدل وقرئ " عسى ربنا أن ~~يبدلنا " على الوجهين. قال الجوهري: وأبدلت الشئ بغيره. وبدله الله من ~~الخوف PageV01P415 # أمنا. وتبديل الشئ أيضا تغييره وإن لم يأت ببدل. واستبدل الشئ بغيره ~~وتبدله به إذا أخذه مكانه. والمبادلة التبادل. والابدال: قوم من الصالحين ~~لا تخلو الدنيا منهم إذا مات واحد منهم أبدل الله مكانه بآخر. قال ابن ~~دريد: الواحد بديل. والبديل: البدل. # وبدل الشئ: غيره يقال: بدل وبدل لغتان مثل شبه وشبه ومثل ومثل ونكل ونكل ~~قال أبو عبيد (1): لم يسمع في فعل وفعل غير هذه الأربعة الأحرف. والبدل: ~~وجع يكون في اليدين والرجلين. وقد بدل ms0391 (بالكسر) يبدل بدلا الثالثة - قوله ~~تعالى: (فأنزلنا على الذين ظلموا) كرر لفظ " ظلموا " ولم يضمره تعظيما ~~للامر. والتكرير يكون على ضربين أحدهما استعماله بعد تمام الكلام كما في ~~هذه الآية وقوله " فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم " [البقرة: 79] ثم قال ~~بعد " فويل لهم مما كتبت أيديهم " ولم يقل مما كتبوا وكرر الويل تغليظا ~~لفعلهم ومنه قول الخنساء: # تعرقني الدهر نهسا وحزا (2) * وأوجعني الدهر قرعا وغمزا أرادت أن الدهر ~~أوجعها بكبريات نوائبه وصغرياتها. والضرب الثاني: مجئ تكرير الظاهر في موضع ~~المضمر قبل أن يتم الكلام كقوله تعالى " الحاقة. ما الحاقة " [الحاقة: 1 - ~~2] و " القارعة. # ما القارعة " [القارعة: 1 - 2] كان القياس لولا ما أريد به من التعظيم ~~والتفخيم: الحاقة ما هي والقارعة ما هي ومثله " فأصحاب الميمنة ما أصحاب ~~الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة ". # كرر " أصحاب الميمنة " تفخيما لما ينيلهم من جزيل الثواب وكرر لفظ " ~~أصحاب المشأمة " لما ينالهم من أليم العذاب. ومن هذا الضرب قول الشاعر: # ليت الغراب غداة ينعب دائبا * كان الغراب مقطع الأوداج وقد جمع عدي بن ~~زيد المعنيين فقال: # PageV01P416 # لا أرى الموت يسبق الموت شئ * نغص الموت ذا الغنى والفقيرا فكرر لفظ ~~الموت ثلاثا وهو من الضرب الأول ومنه قول الآخر: # ألا حبذا هند وأرض بها هند * وهند أتى من دونها الناي والبعد فكرر ذكر ~~محبوبته ثلاثا تفخيما لها الرابعة - قوله تعالى: (رجزا) قراءة الجماعة " ~~رجزا " بكسر الراء وابن محيصن بضم الراء. والرجز: العذاب (بالزاي) و ~~(بالسين): النتن والقذر ومنه قول تعالى " فزادتهم رجسا إلى رجسهم، [التوبة: ~~125] أي نتنا إلى نتنهم قال الكسائي. وقال الفراء: الرجز هو الرجس قال أبو ~~عبيد كما يقال السدغ والزدغ وكذا رجس ورجز بمعنى. قال الفراء: وذكر بعضهم ~~أن الرجز (بالضم) اسم صنم كانوا يعبدونه وقرئ بذلك في قول تعالى " والرجز ~~فاهجر " (1) والرجز (بفتح الراء والجيم): نوع من الشعر وأنكر الخليل أن ~~يكون شعرا. وهو مشتق من الرجز وهو داء يصيب الإبل في أعجازها فإذا ثارت ~~ارتعشت أفخاذها. (بما كانوا يفسقون) أي بفسقهم. ms0392 والفسق الخروج وقد تقدم ~~(2). وقرأ ابن وثاب والنخعي: # " يفسقون " بكسر السين. # قوله تعالى: وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه ~~اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا ~~في الأرض مفسدين (60) فيه ثمان مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (وإذ استسقى موسى لقومه) كسرت الذال لالتقاء ~~الساكنين. # والسين سين السؤال مثل: استعلم واستخبر واستنصر ونحو ذلك أي طلب وسأل ~~السقي لقومه. والعرب تقول: سقيته وأسقيته لغتان بمعنى، قال: (3) # PageV01P417 # سقى قومي بني مجد وأسقى * نميرا والقبائل من هلال وقيل: سقيته من سقى ~~الشفة وأسقيته دللته على الماء. # الثانية - الاستسقاء إنما يكون عند عدم الماء وحبس القطر وإذا كان كذلك ~~فالحكم حينئذ إظهار العبودية والفقر والمسكنة والذلة مع التوبة النصوح. وقد ~~استسقى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فخرج إلى المصلى متواضعا متذللا ~~متخشعا مترسلا متضرعا وحسبك به! فكيف بنا ولا توبة معنا إلا العناد ومخالفة ~~رب العباد فأنى نسقى! لكن قد قال صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر (ولم ~~يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا) ~~الحديث. وسيأتي بكماله إن شاء الله. # الثالثة - سنة الاستسقاء الخروج إلى المصلى - على الصفة التي ذكرنا - ~~والخطبة والصلاة وبهذا قال جمهور العلماء. وذهب أبو حنيفة إلى أنه ليس من ~~سنته صلاة ولا خروج وإنما هو دعاء لا غير. واحتج بحديث أنس الصحيح أخرجه ~~البخاري ومسلم. # ولا حجة له فيه فإن ذلك كان دعاء عجلت إجابته فاكتفي به عما سواه ولم ~~يقصد بذلك بيان سنة ولما قصد البيان بين بفعله حسب ما رواه عبد الله بن زيد ~~المازني قال: # خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المصلى فاستسقى وحول رداءه ثم صلى ~~ركعتين. رواه مسلم. وسيأتي من أحكام الاستسقاء زيادة في سورة " هود " (1) ~~إن شاء الله. # الرابعة - قوله تعالى: (فقلنا اضرب بعصاك الحجر) العصا: معروف وهو اسم ~~مقصور مؤنث وألفه منقلبة عن واو، قال: (2) * على عصويها (3) سابري مشبرق * # PageV01P418 # والجمع عصى ms0393 وعصى، وهو فعول وإنما كسرت العين لما بعدها من الكسرة وأعص ~~أيضا مثله مثل زمن وأزمن وفي المثل " العصا من العصية " أي بعض الامر من ~~بعض. # وقولهم " ألقى عصاه " أي أقام وترك الاسفار وهو مثل. قال: # فألقت عصاها وأستقر بها النوى * كما قر عينا بالإياب المسافر وفى التنزيل ~~" وما تلك بيمينك يا موسى. قال هي عصاي أتوكأ عليها " [طه: 17 - 18]. وهناك ~~(1) يأتي الكلام في منافعها إن شاء الله تعالى قال الفراء أول لحن سمع ~~بالعراق هذه عصاتي. وقد يعبر بالعصا عن الاجتماع والافتراق ومنه يقال في ~~الخوارج: قد شقوا عصا المسلمين أي اجتماعهم وائتلافهم. وانشقت العصا أي وقع ~~الخلاف قال الشاعر: # إذا كانت الهيجاء وانشقت العصا * فحسبك والضحاك سيف مهند أي يكفيك ويكفي ~~الضحاك. وقولهم: لا ترفع عصاك عن أهلك براد به الأدب. # والله أعلم. # والحجر معروف وقياس جمعه في أدنى العدد أحجار وفي الكثير حجار وحجارة ~~والحجارة نادر. وهو كقولنا: جمل وجمالة وذكر وذكارة كذا قال ابن فارس ~~والجوهري. # قلت: وفي القرآن " فهي كالحجارة " [البقرة: 74]. " وإن من الحجارة " ~~[البقرة: 74]. " قل كونوا حجارة " [الاسراء: 50]. # " ترميهم بحجارة " [الفيل: 4]. " وأمطرنا عليهم حجارة " [الحجر: 74] فكيف ~~يكون نادرا إلا أن يريدا أنه نادر في القياس كثير في الاستعمال فصيح. والله ~~أعلم. # قوله تعالى: (فانفجرت) في الكلام حذف تقديره فضرب فانفجرت. وقد كان تعالى ~~قادرا على تفجير الماء وفلق الحجر من غير ضرب لكن أراد أن يربط المسببات ~~بالأسباب حكمة منه للعباد في وصولهم إلى المراد وليرتب على ذلك ثوابهم ~~وعقابهم في المعاد. والانفجار: # الانشقاق ومنه انشق الفجر. وانفجر الماء انفجارا انفتح. والفجرة: موضع ~~تفجر الماء والانبجاس أضيق من الانفجار لأنه يكون انبجاسا ثم يصير انفجارا. ~~وقيل: انبجس وتبجس وتفجر وتفتق بمعنى واحد حكاه الهروي وغيره # PageV01P419 # الخامسة - قوله تعالى: (اثنتا عشرة عينا) " اثنتا " في موضع رفع ب‍ " - ~~انفجرت " وعلامة الرفع فيها الألف وأعربت دون نظائرها لان التثنية معربة ~~أبدا لصحة معناها. " عينا " نصب على البيان. وقرأ مجاهد وطلحة وعيسى " عشرة ~~" بكسر الشين وهي لغة بني ms0394 تميم وهذا من لغتهم نادر لان سبيلهم التخفيف. ~~ولغة أهل الحجاز " عشرة " وسبيلهم التثقيل. # قال جميعه النحاس. والعين من الأسماء المشتركة يقال: عين الماء وعين ~~الانسان وعين الركبة (1) وعين الشمس. والعين: سحابة تقبل من ناحية القبلة. ~~والعين: مطر يدوم خمسا أو ستا لا يقلع. وبلد قليل العين أي قليل الناس وما ~~بها عين محركة الياء (2) والعين: # الثقب في المزادة. والعين من الماء مشبهة بالعين من الحيوان لخروج الماء ~~منها كخروج الدمع من عين الحيوان. وقيل: لما كان عين الحيوان أشرف ما فيه ~~شبهت به عين الماء لأنها أشرف ما في الأرض. # السادسة - لما استسقى موسى عليه السلام لقومه أمر أن يضرب عند استسقائه ~~بعصاه حجرا قبل: مربعا طوريا (من الطور) على قدر رأس الشاة يلقى في كسر ~~جوالق ويرحل به فإذا نزلوا وضع في وسط محلتهم وذكر أنهم لم يكونوا يحملون ~~الحجر لكنهم كانوا يجدونه في كل مرحلة في منزلته من المرحلة الأولى وهذا ~~أعظم في الآية والاعجاز. وقيل: إنه أطلق له اسم الحجر ليضرب موسى أي حجر ~~شاء وهذا أبلغ في الاعجاز. وقيل: إن الله تعالى أمره أن يضرب حجرا بعينه ~~بينه لموسى عليه السلام ولذلك ذكر بلفظ التعريف. قال سعيد بن جبير هو الحجر ~~الذي وضع عليه موسى ثوبه لما اغتسل وفر بثوبه حتى برأه الله مما رماه به ~~قومه. قال ابن عطية: ولا خلاف أنه كان حجرا منفصلا مربعا تطرد من كل جهة ~~ثلاث عيون إذا ضربه موسى وإذا استغنوا عن الماء ورحلوا جفت العيون. # PageV01P420 # قلت: ما أوتى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من نبع الماء وانفجاره من ~~يده وبين أصابعه أعظم في المعجزة فإنا نشاهد الماء يتفجر من الأحجار آناء ~~الليل وآناء النهار ومعجزة نبينا عليه السلام لم تكن لنبي قبل نبينا صلى ~~الله عليه وسلم يخرج الماء من بين لحم ودم! # روى الأئمة الثقات والفقهاء الاثبات عن عبد الله قال: كنا مع النبي صلى ~~الله عليه وسلم فلم نجد ماء فأتي بتور (1) فأدخل يده ms0395 فيه: فلقد رأيت الماء ~~يتفجر من بين أصابعه ويقول (حي على الطهور). قال الأعمش: فحدثني سالم بن ~~أبي الجعد قال قلت لجابر كم كنتم يومئذ؟ # قال: ألفا وخمسمائة. لفظ النسائي. # السابعة - قوله تعالى: (قد علم كل أناس مشربهم) يعني أن لكل سبط منهم ~~عينا قد عرفها لا يشرب من غيرها. والمشرب موضع الشرب. وقيل: المشروب. ~~والأسباط في بني إسرائيل كالقبائل في العرب وهم ذرية الاثني عشر أولاد ~~يعقوب عليه السلام وكان لكل سبط عين من تلك العيون لا يتعداها. قال عطاء: ~~كان للحجر أربعة أوجه يخرج من كل وجه ثلاث أعين لكل سبط عين لا يخالطهم ~~سواهم. وبلغنا أنه كان في كل سبط خمسون ألف مقاتل سوى خيلهم ودوابهم. قال ~~عطاء: كان يظهر على كل موضع من ضربة موسى مثل ثدي المرأة على الحجر فيعرق ~~أولا ثم يسيل. # الثامنة - قوله تعالى: (كلوا واشربوا) في الكلام حذف تقديره وقلنا لهم ~~كلوا المن والسلوى وأشربوا الماء المتفجر من الحجر المنفصل. (ولا تعثوا) أي ~~لا تفسدوا. # والعيث: شدة الفساد نهاهم عن ذلك. يقال: عث يعثى عثيا وعثا يعثو عثوا ~~وعاث يعيث عيثا وعيوثا ومعاثا والأول لغة القرآن. ويقال: عث يعث في ~~المضاعف: أفسد ومنه العثة وهي السوسة التي تلحس الصوف. و (مفسدين) حال ~~وتكرر المعنى تأكيدا لاختلاف اللفظ. وفي هذه الكلمات إباحة النعم وتعدادها ~~والتقدم في المعاصي والنهي عنها. # PageV01P421 # قوله تعالى: وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج ~~لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون ~~الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة ~~والمسكنة وباءوا بغضب من الله ذك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون ~~النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (61) قوله تعالى: (وإذ قلتم ~~يا موسى لن نصبر على طعام واحد) كان هذا القول منهم في التيه حين ملوا المن ~~والسلوى وتذكروا عيشهم الأول بمصر. قال الحسن: كانوا نتاني أهل كراث وأبصال ms0396 ~~وأعداس فنزعوا إلى عكرهم (1) عكر السوء واشتاقت طباعهم إلى ما جرت عليه ~~عادتهم فقالوا: لن نصبر على طعام واحد. وكنوا عن المن والسلوى بطعام واحد ~~وهما اثنان لأنهم كانوا يأكلون أحدهما بالآخر فلذلك قالوا: طعام واحد. ~~وقيل: لتكرارهما في كل يوم غذاء كما تقول لمن يداوم على الصوم والصلاة ~~والقراءة هو على أمر واحد لملازمته لذلك. وقيل المعنى لن نصبر على الغنى ~~فيكون جميعنا أغنياء فلا يقدر بعضنا على الاستعانة ببعض لاستغناء كل واحد ~~منا بنفسه. وكذلك كانوا فهم أول من اتخذ العبيد والخدم. # قوله تعالى: (على طعام) الطعام يطلق على ما يطعم ويشرب قال الله تعالى " ~~ومن لم يطعمه فإنه منى " وقال " ليس على الذين امنوا وعملوا الصالحات جناح ~~فيما طعموا " [المائدة: 93] أي ما شربوه من الخمر على ما يأتي بيانه (2). ~~وإن كان السلوى العسل - كما حكى المؤرج - فهو مشروب أيضا. وربما خص بالطعام ~~البر والتمر كما في حديث أبي سعيد الخدري قال: # كنا نخرج صدقة الفطر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعا من طعام ~~أو صاعا من # PageV01P422 # شعير، الحديث. والعرف جار بأن القائل: ذهبت إلى سوق الطعام فليس يفهم منه ~~إلا موضع بيعه دون غيره مما يؤكل أو يشرب. والطعم (بالفتح) هو ما يؤديه ~~الذوق يقال طعمه مر. والطعم أيضا: ما يشتهى منه يقال ليس له طعم وما فلان ~~بذي طعم إذا كان غثا. والطعم (بالضم): الطعام قال أبو خراش: # أرد شجاع البطن لو (1) تعلمينه * وأوثر غيري من عيالك بالطعم وأغتبق ~~الماء القراح فانتهى * إذا الزاد أمسى للمزلج (2) ذا طعم أراد بالأول ~~الطعام وبالثاني ما يشتهى منه وقد طعم يطعم فهو طاعم إذا أكل وذاق ومنه ~~قوله تعالى " ومن لم يطعمه فإنه مني " [البقرة: 249] أي من لم يذقه. وقال " ~~فإذا طعمتم فانتشروا " [الأحزاب: 53] أي أكلتم. وقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في زمزم (إنها طعام طعم وشفاء سقم) (3). واستطعمني فلان الحديث ~~إذا أراد أن تحدثه. وفي الحديث (إذا استطعمكم الامام فأطعموه). يقول: إذا ~~أستفتح ms0397 فافتحوا عليه. وفلان ما يطعم النوم إلا قائما. وقال الشاعر: # نعاما بوجرة صفر الخدو * د ما تطعم النوم إلا صياما (4) قوله تعالى: ~~(فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض) لغة بني عامر " فادع " بكسر العين ~~لالتقاء الساكنين يجرون المعتل مجرى الصحيح ولا يراعون المحذوف. و " يخرج " ~~مجزوم في معنى سله وقل له: أخرج يخرج. وقيل: هو على معنى الدعاء على تقدير ~~حذف # PageV01P423 # اللام وضعفه الزجاج و " من " في قوله " مما " زائدة في قول الأخفش وغير ~~زائدة في قول سيبويه لان الكلام موجب قال النحاس وإنما دعا الأخفش إلى هذا ~~لأنه لم يجد مفعولا ل‍ " يخرج " فأراد أن يجعل " ما " مفعولا والأولى أن ~~يكون المفعول محذوفا دل عليه سائر الكلام التقدير: يخرج لنا مما تنبت الأرض ~~مأكولا. ف‍ " من " الأولى على هذا للتبعيض والثانية للتخصيص. و (من بقلها) ~~بدل من " ما " بإعادة الحرف. والبقل (وقثائها) عطف عليه وكذا ما بعده ~~فاعلمه. والبقل معروف وهو كل نبات ليس له ساق والشجر: # ما له ساق. والقثاء أيضا معروف وقد تضم قافه وهي قراءة يحيى بن وثاب ~~وطلحة ابن مصرف لغتان والكسر أكثر وقيل في جمع قثاء قثائي مثل علباء وعلابي ~~إلا أن قثاء من ذوات الواو تقول: أقثأت القوم أي أطعمتهم ذلك. # [وقثأت (1) القدر سكنت غليانها بالماء قال الجعدي: # تفور علينا قدرهم فنديمها * ونفثئوها عنا إذا حميها غلا وقثأت الرجل إذا ~~كسرته عنك بقول أو غيره وسكنت غضبه. وعدا حتى أفثأ أي أعيا وانبهر. وأفثأ ~~الحر أي سكن وفتر. ومن أمثالهم في اليسير من البر قولهم: إن الرثيئة تفثأ ~~في الغضب ". وأصله أن رجلا كان غضب على قوم وكان مع غضبه جائعا فسقوه رثيئة ~~فسكن غضبه وكف عنهم. الرثيئة: اللبن المحلوب على الحامض ليخثر رثأت اللبن ~~رثأ إذا حلبته على حامض فخثر والاسم الرثيئة. ورتثأ اللبن خثر]. # وروى ابن ماجة حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا يونس بن بكير حدثنا ~~هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: كانت أمي ms0398 تعالجني للسمنة تريد أن ~~تدخلني على رسول الله صلى الله عليه وسلم فما استقام لها ذلك حتى أكلت ~~القثاء بالرطب فسمنت كأحسن سمنة. # وهذا إسناد صحيح. # PageV01P424 # قوله تعالى: (وفومها) اختلف في الفوم فقيل هو الثوم لأنه المشاكل للبصل. # رواه جويبر عن الضحاك. والثاء تبدل من الفاء كما قالوا مغافير ومغاثير ~~(1). وجدث وجدف للقبر. وقرأ ابن مسعود " ثومها " بالثاء المثلثة وروي ذلك ~~عن ابن عباس. وقال أمية ابن أبي الصلت: # كانت منازلهم إذ ذال ظاهرة * فيها الفراديس والفومان والبصل الفراديس ~~واحدها فرديس. وكرم مفردس أي معرش. # وقال حسان: # وأنتم أناس لئام الأصول * طعامكم الفوم والحوقل يعني الثوم والبصل وهو ~~قول الكسائي والنضر بن شميل. وقيل: الفوم الحنطة روى عن ابن عباس أيضا ~~وأكثر المفسرين واختاره النحاس قال: وهو أولى ومن قال به أعلى وأسانيده ~~صحاح وليس جويبر بنظير لروايته وإن كان الكسائي والفراء قد اختارا القول ~~الأول لابدال العرب الفاء من الثاء والابدال لا يقاس عليه وليس ذلك بكثير ~~في كلام العرب. وأنشد ابن عباس لمن سأله عن الفوم وأنه الحنطة قول أحيحة بن ~~الجلاح: # قد كنت أغنى الناس شخصا واجدا * وود المدينة عن زراعة فوم وقال أبو إسحاق ~~الزجاج وكيف يطلب القوم طعاما لا بر فيه والبر أصل الغذاء! # وقال الجوهري أبو نصر الفوم الحنطة وأنشد الأخفش قد كنت أحسبني كأغنى ~~واجد * نزل المدينة عن زراعة فوم (2) وقال ابن دريد: الفومة السنبلة وأنشد: # وقال ربيئهم (3) لما أتانا * بكفه فومة أو فومتان # PageV01P425 # والهاء في " كفه " غير مشبعة وقال بعضهم الفوم الحمص لغة شامية وبائعه ~~فأمي، مغير عن فومي لأنهم قد يغيرون في النسب، كما قالوا سهلي ودهري. ~~ويقال: # فوموا لنا أي اختبزوا. قال القراء: هي لغة قديمة. وقال عطاء وقتادة: ~~الفوم كل حب يختبز. # مسألة - اختلف العلماء في أكل البصل والثوم وما له رائحة كريهة من سائر ~~البقول. # فذهب جمهور العلماء إلى إباحة ذلك، للأحاديث الثابتة في ذلك. وذهبت طائفة ~~من أهل الظاهر القائلين بوجوب الصلاة في الجماعة فرضا - إلى المنع، ms0399 وقالوا: ~~كل ما منع من إتيان الفرض والقيام به فحرام عمله والتشاغل به. واحتجوا بأن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم سماها خبيثة، والله عز وجل قد وصف نبيه عليه ~~السلام بأنه يحرم الخبائث. ومن الحجة للجمهور ما ثبت عن جابر أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أتى ببدر فيه (1) خضرات من بقول فوجد لها ريحا، قال: فأخبر ~~بما فيها من البقول، فقال (قربوها) إلى بعض أصحابه كان معه فلما رآه كره ~~أكلها، قال: (كل فإني أناجي من لا تناجي). أخرجه مسلم وأبو داود. فهذا بين ~~في الخصوص له والإباحة لغيره. وفي صحيح مسلم أيضا عن أبي أيوب أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم نزل على أبي أيوب، فصنع للنبي صلى الله عليه وسلم طعاما فيه ~~ثوم، فلما رد إليه سأل عن موضع أصابع النبي صلى الله عليه وسلم، فقيل له: ~~لم يأكل. ففزع وصعد إليه فقال: # أحرام هو؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا ولكني أكرهه). قال فإني ~~أكره ما تكره أو ما كرهت، قال: وكان النبي صلى الله عليه وسلم يؤتى (يعني ~~يأتيه الوحي) فهذا نص على عدم التحريم. وكذلك ما رواه أبو سعيد الخدري عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم حين أكلوا الثوم زمن خيبر وفتحها: (أيها الناس ~~إنه ليس لي تحريم ما أحل الله ولكنها شجرة أكره ريحها). فهذه الأحاديث تشعر ~~بان الحكم خاص به، إذ هو المخصوص بمناجاة الملك. # لكن قد علمنا هذا الحكم في حديث جابر بما يقتضي التسوية بينه وبين غيره ~~في هذا الحكم حيث قال: (من أكل من هذه البقلة الثوم وقال مرة: من أكل البصل ~~والثوم # PageV01P426 # والكراث فلا يقربن مسجدنا فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم). ~~وقال عمر ابن الخطاب رضي الله عنه في حديث فيه طول: إنكم أيها الناس تأكلون ~~شجرتين لا أراهما إلا خبيثتين، هذا البصل والثوم. ولقد رأيت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إذا وجد ريحهما من الرجل في المسجد أمر به فاخرج إلى ms0400 ~~البقيع، فمن أكلهما فليمتهما طبخا. # خرجه مسلم. # قوله تعالى: (وعدسها وبصلها) العدس معروف. والعدسة: بثرة تخرج بالانسان، ~~وربما قتلت. وعدس: زجر للبغال، قال: # عدس ما لعباد عليك إمارة * نجوت وهذا تحملين طليق (1) والعدس: شدة الوطئ، ~~والكدح أيضا، يقال: عدسه. وعدس في الأرض: # ذهب فيها. وعدست إليه المنية أي سارت، قال الكميت: # أكلفها هول الظلام ولم أزل * أخا الليل معدوسا إلي وعادسا أي يسار إلي ~~بالليل. وعدس: لغة في حدس، قاله الجوهري. ويؤثر عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم من حديث على أنه قال: (عليكم بالعدس فإنه مبارك مقدس وإنه يرق القلب ~~ويكثر الدمعة فإنه بارك فيه سبعون نبيا آخرهم عيسى ابن مريم)، ذكره الثعلبي ~~وغيره. # وكان عمر بن عبد العزيز يأكل يوما خبزا بزيت، ويوما بلحم (2)، ويوما ~~بعدس. قال الحليمي: # والعدس والزيت طعام الصالحين، ولو لم يكن له فضيلة إلا أنه ضيافة إبراهيم ~~عليه السلام في مدينته لا تخلو منه لكان فيه كفاية. وهو مما يخفف البدن ~~فيخف للعبادة، ولا تثور منه الشهوات كما تثور من اللحم. والحنطة من جملة ~~الحبوب وهي الفوم على الصحيح، والشعير قريب منها وكان طعام أهل المدينة، ~~كما كان العدس من طعام قرية إبراهيم عليه السلام، فصار لكل واحد من الحبتين ~~بأحد النبيين عليهما السلام فضيلة. وقد روي أن النبي صلى الله # PageV01P427 # عليه وسلم لم يشبع هو وأهله من خبز بر ثلاثة أيام متتابعة منذ قدم ~~المدينة إلى أن توفاه الله عز وجل. # قوله تعالى: (قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير) الاستبدال: وضع ~~الشئ موضع الآخر، ومنه البدل، وقد تقدم. و " أدنى " مأخوذ عند الزجاج من ~~الدنو أي القرب في القيمة، من قولهم: ثوب مقارب، أي قليل الثمن. وقال علي ~~بن سليمان: # هو مهموز من الدنئ البين الدناءة بمعنى الأخس، إلا أنه خفف همزته. وقيل: ~~هو مأخوذ من الدون أي الأحط، فأصله أدون، أفعل، قلب فجاء أفلع، وحولت الواو ~~ألفا لتطرفها. # وقرئ في الشواذ " أدنى " (1). ومعنى الآية: أتستبدلون البقل والقثاء ~~والفوم والعدس والبصل ms0401 الذي هو أدنى بالمن والسلوى الذي هو خير. # واختلف في الوجوه التي توجب فضل المن والسلوى على الشئ الذي طلبوه وهي ~~خمسة: # الأول - أن البقول لما كانت لا خطر لها بالنسبة إلى المن والسلوى كانا ~~أفضل، قاله الزجاج. # الثاني - لما كان المن والسلوى طعاما من الله به عليهم وأمرهم بأكله وكان ~~في استدامة أمر الله وشكر نعمته أجر وذخر في الآخرة، والذي طلبوه عار من ~~هذه الخصائل كان أدنى في هذا الوجه. # الثالث - لما كان ما من الله به عليهم أطيب وألذ من الذي سألوه، كان ما ~~سألوه أدنى من هذا الوجه لا محالة. # الرابع - لما كان ما أعطوا لا كلفة فيه ولا تعب، والذي طلبوه لا يجئ إلا ~~بالحرث والزراعة والتعب كان أدنى. # الخامس - لما كان ما ينزل عليهم لا مرية في حله وخلوصه لنزوله من عند ~~الله، الحبوب والأرض يتخللها البيوع والغصوب وتدخلها الشبه، كانت أدنى من ~~هذا الوجه. # PageV01P428 # مسألة: في هذه الآية دليل على جواز أكل الطيبات والمطاعم المستلذات، وكان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يحب الحلوى والعسل، ويشرب الماء البارد العذب، ~~وسيأتي هذا المعنى في " المائدة " (1) و " النحل " (2) إن شاء الله مستوفى. # قوله تعالى: (اهبطو مصرا) تقدم معنى الهبوط (3)، وهذا أمر معناه التعجيز، ~~كقوله تعالى: " قل كونوا حجارة أو حديدا " [الاسراء: 50] لأنهم كانوا في ~~التيه وهذا عقوبة لهم. وقيل: إنهم أعطوا ما طلبوه. و " مصرا " بالتنوين ~~منكرا قراءة الجمهور، وهو خط المصحف. قال مجاهد وغيره: فمن صرفها أراد مصرا ~~من الأمصار غير معين. وروى عكرمة عن ابن عباس في قوله: " أهبطوا مصرا " ~~قال: مصرا من هذه الأمصار. وقالت طائفة ممن صرفها أيضا: أراد مصر فرعون ~~بعينها. استدل الأولون بما اقتضاه ظاهر القرآن من أمرهم دخول القرية، وبما ~~تظاهرت به الرواية أنهم سكنوا الشام بعد التيه. واستدل الآخرون بما في ~~القرآن من أن الله أورث بني إسرائيل ديار آل فرعون وآثارهم، وأجازوا صرفها. ~~قال الأخفش والكسائي: لخفتها وشبهها بهند ودعد، وأنشد: # لم تتلفع بفضل مئزرها * دعد ولم ms0402 تسق دعد في العلب فجمع بين اللغتين. ~~وسيبويه والخليل والفراء لا يجيزون هذا، لأنك لو سميت امرأة بزيد لم تصرف. ~~وقال غير الأخفش: أراد المكان فصرف. وقرأ الحسن وأبان بن تغلب وطلحة: # " مصر " بترك الصرف. وكذلك هي في مصحف أبي بن كعب وقراءة ابن مسعود. ~~وقالوا: # هي مصر فرعون. قال أشهب قال لي مالك: هي عندي مصر قريتك مسكن فرعون، ذكره ~~ابن عطية والمصر أصله في اللغة الحد. ومصر الدار: حدودها. قال ابن فارس ~~ويقال: # إن أهل هجر يكتبون في شروطهم " اشترى فلان الدار بمصورها " أي حدودها، ~~قال عدي: # وجاعل الشمس مصرا لا خفاء به * بين النهار وبين الليل قد فصلا # PageV01P429 # قوله تعالى: (فإن لكم ما سألتم) " ما " نصب بإن، وقرأ ابن وثاب والنخعي " ~~سألتم " بكسر السين، يقال: سألت وسلت بغير همز. وهو من ذوات الواو، بدليل ~~قولهم: # يتساولان. ومعنى (ضربت عليهم الذلة والمسكنة) أي ألزموهما وقضى عليهم ~~بهما، مأخوذ من ضرب القباب، قال الفرزدق في جرير: # ضربت عليك العنكبوت بنسجها * وقضى عليك به الكتاب المنزل وضرب الحاكم على ~~اليد، أي حمل وألزم. والذلة: الذل والصغار. والمسكنة: الفقر. # فلا يوجد يهودي وإن كان غنيا خاليا من زي الفقر وخضوعه ومهانته. وقيل: ~~الذلة فرض الجزية، عن الحسن وقتادة. والمسكنة الخضوع، وهي مأخوذة من ~~السكون، أي قلل الفقر حركته، قاله الزجاج. وقال أبو عبيدة: الذلة الصغار. ~~والمسكنة مصدر المسكين. # وروى الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس: " وضربت عليهم الذلة والمسكنة " قال: ~~هم أصحاب القبالات (1). # قوله تعالى: (وباءوا) أي انقلبوا ورجعوا، أي لزمهم ذلك. ومنه قول عليه ~~السلام في دعائه ومناجاته: (أبوء بنعمتك علي) أي أقر بها وألزمها نفسي. ~~وأصله في اللغة الرجوع، يقال باء بكذا، أي رجع به، وباء إلى المباءة وهي ~~المنزل أي رجع. والبواء: # الرجوع بالقود. وهم في هذا الامر بواء، أي سواء، يرجعون فيه إلى معنى ~~واحد. وقال الشاعر: (2) ألا تنتهي عنا ملوك وتتقي * محارمنا لا يبؤؤ الدم ~~بالدم أي لا يرجع الدم بالدم في القود. وقال: # فأبوا بالنهاب ms0403 وبالسبايا * وأبنا بالملوك (3) مصفدينا أي رجعوا ورجعنا. ~~وقد تقدم معنى الغضب في الفاتحة (4). # PageV01P430 # قوله تعالى: (ذلك) " ذلك " تعليل. (بأنهم كانوا يكفرون) أي يكذبون - ~~بآيات الله) أي بكتابه ومعجزات أنبيائه، كعيسى ويحيى وزكريا ومحمد عليهم ~~السلام. (ويقتلون النبيين) معطوف على " يكفرون ". وروي عن الحسن " يقتلون " ~~وعنه أيضا كالجماعة. وقرأ نافع " النبيئين " بالهمز حيث وقع في القرآن إلا ~~في موضعين: في سورة الأحزاب: " إن وهبت نفسها للنبي إن أراد " (1) ~~[الأحزاب. 50]. و " لا تدخلوا بيوت النبي إلا " [الأحزاب: 53] فإنه قرأ بلا ~~مد ولا همز. وإنما ترك همز هذين لاجتماع همزتين مكسورتين. وترك الهمز في ~~جميع ذلك الباقون. فأما من همز فهو عنده من أنبأ إذا أخبر، واسم فاعله ~~منبئ. ويجمع نبئ أنبياء، وقد جاء في جمع نبي نباء، قال العباس بن مرداس ~~السلمي يمدح النبي صلى الله عليه وسلم: # يا خاتم النبآء إنك مرسل * بالحق كل هدى السبيل هداكا هذا معنى قراءة ~~الهمز. واختلف القائلون بترك الهمز، فمنهم من اشتق اشتقاق من همز، ثم سهل ~~الهمز. ومنهم من قال: هو مشتق من نبا ينبو إذا ظهر. فالنبي من النبوة وهو ~~الارتفاع، فمنزلة النبي رفيعة. والنبي بترك الهمز أيضا الطريق، فسمي الرسول ~~نبيا لاهتداء الخلق به كالطريق، قال الشاعر: (2) لأصبح رتما دقاق الحصى * ~~مكان النبي من الكاثب رتمت الشئ: كسرته، يقال: رتم أنفه ورثمه، بالتاء ~~والثاء جميعا. والرتم أيضا المرتوم أي المكسور. والكاثب اسم جبل. فالأنبياء ~~لنا كالسبل في الأرض. ويروى أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: السلام ~~عليك يا نبئ الله، وهمز. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # (لست بنبئ الله - وهمز - ولكني نبي الله) ولم يهمز. قال أبو علي: ضعف سند ~~هذا الحديث، ومما يقوي ضعفه أنه عليه السلام قد أنشده المادح: * يا خاتم ~~النبآء... * ولم يؤثر في ذلك إنكار. # PageV01P431 # قوله تعالى: (بغير الحق) تعظيم للشنعة والذنب الذي أتوه. # فإن قيل: هذا دليل على أنه قد يصح أن يقتلوا بالحق، ومعلوم أن الأنبياء ~~معصومون من أن يصدر منهم ما يقتلون ms0404 به. قيل له: ليس كذلك، وإنما خرج هذا ~~مخرج الصفة لقتلهم أنه ظلم وليس بحق، فكان هذا تعظيما للشنعة عليهم، ومعلوم ~~أنه لا يقتل نبي بحق، ولكن يقتل على الحق، فصرح قوله: " بغير الحق " عن ~~شنعة الذنب ووضوحه، ولم يأت نبي قط بشئ يوجب قتله. # فإن قيل: كيف جاز أن يخلى بين الكافرين وقتل الأنبياء؟ قيل: ذلك كرامة ~~لهم وزيادة في منازلهم، كمثل من يقتل في سبيل الله من المؤمنين، وليس ذلك ~~بخذلان لهم. قال ابن عباس والحسن: لم يقتل نبي قط من الأنبياء إلا من لم ~~يؤمر بقتال، وكل من أمر بقتال نصر. # قوله تعالى: (ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون) " ذلك " رد على الأول وتأكيد ~~للإشارة إليه. والباء في " بما " باء السبب. قال الأخفش: أي بعصيانهم. ~~والعصيان: خلاف الطاعة. واعتصت النواة إذا اشتدت. والاعتداء: تجاوز الحد في ~~كل شئ، وعرف في الظلم والمعاصي. # قوله تعالى: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن ~~بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون (62) فيه ثماني مسائل: # الأولى قوله تعالى: (إن الذين آمنوا) أي صدقوا بمحمد صلى الله عليه وسلم. # وقال سفيان: المراد المنافقون. كأنه قال: الذين آمنوا في ظاهر أمرهم، ~~فلذلك قرنهم باليهود والنصارى والصابئين، ثم بين حكم من آمن بالله واليوم ~~الآخر من جميعهم. # الثانية - قوله تعالى: (والذين هادوا) معناه صاروا يهودا، نسبوا إلى ~~يهوذا وهو أكبر ولد يعقوب عليه السلام، فقلبت العرب الذال دالا، لان ~~الأعجمية إذا عربت غيرت PageV01P432 # عن لفظها. وقيل: سموا بذلك لتوبتهم عن عبادة العجل. هاد: تاب. والهائد: # التائب، قال الشاعر: # * إني امرؤ من حبه هائد * أي تائب. وفى التنزيل: " إنا هدنا إليك " ~~[الأعراف: 156] أي تبنا. وهاد القوم يهودون هودا وهيادة إذا تابوا. وقال ~~ابن عرفة: " هدنا إليك " أي سكنا إلى أمرك. والهوادة السكون والموادعة. ~~قال: ومنه قول تعالى: " إن الذين آمنوا والذين هادوا ". وقرأ أبو السمال: # " هادوا " بفتح الدال. # الثالثة - قوله تعالى: (والنصارى) جمع واحده نصراني. وقيل: ms0405 نصران بإسقاط ~~الياء، وهذا قول سيبويه. والأنثى نصرانة، كندمان وندمانة. وهو نكرة يعرف ~~بالألف واللام، قال الشاعر (1): # صدت كما صد عما لا يحل له * ساقي نصارى قبيل الفصح (2) صوام فوصفه ~~بالنكرة. وقال الخليل: واحد النصارى نصري، كمهري ومهارى. وأنشد سيبويه ~~شاهدا على قوله: # تراه إذا دار العشا متحنفا * ويضحى لديه وهو نصران شامس وأنشد: # فكلتاهما خرت وأسجد رأسها * كما أسجدت نصرانة لم تحنف (3) يقال: أسجد إذا ~~مال. ولكن لا يستعمل نصران ونصرانة إلا بياءي النسب، لأنهم قالوا: # رجل نصراني وامرأة نصرانية. ونصره: جعله نصرانيا. وفى الحديث: (فأبواه ~~يهودانه أو ينصرانه). وقال عليه السلام: (لا يسمع بي أحد من هذه الأمة ~~يهودي ولا نصراني # PageV01P433 # ثم لم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار). وقد جاءت جموع على ~~غير ما يستعمل واحدها، وقياسه النصرانيون. ثم قيل: سموا بذلك لقرية تسمى " ~~ناصرة " كان ينزلها عيسى عليه السلام فنسب إليها فقيل: عيسى الناصري، فلما ~~نسب أصحابه إليه قيل النصارى، قاله ابن عباس وقتادة. وقال الجوهري: ونصران ~~قرية بالشام ينسب إليها النصارى، ويقال ناصرة. وقيل: سموا بذلك لنصرة بعضهم ~~بعضا، قال الشاعر: # لما رأيت نبطا أنصارا * شمرت عن ركبتي الازارا * كنت لهم من النصارى جارا ~~* وقيل: سموا بذلك لقوله: " من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار ~~الله " [آل عمران: 52]. # الرابعة - قوله تعالى: (والصابئين) جمع صابئ، وقيل: صاب، ولذلك اختلفوا ~~في همزه، وهمزه الجمهور إلا نافعا. فمن همزه جعله من صبأت النجوم إذا طلعت، ~~وصأبت ثنية الغلام إذا خرجت. ومن لم يهمز جعله من صبا يصبو إذا مال. ~~فالصابئ في اللغة: من خرج ومال من دين إلى دين، ولهذا كانت العرب تقول لمن ~~أسلم قد صبأ. # فالصابئون قد خرجوا من دين أهل الكتاب. # الخامسة - لا خلاف في أن اليهود والنصارى أهل كتاب ولأجل كتابهم جاز نكاح ~~نسائهم وأكل طعامهم - على ما يأتي بيانه في المائدة (1) - وضرب الجزية ~~عليهم، على ما يأتي في، سورة " براءة " (2) إن شاء الله. وأختلف في ~~الصابئين، فقال السدي: هم ms0406 فرقة من أهل الكتاب، وقاله إسحاق بن راهويه. قال ~~ابن المنذر وقال إسحاق: لا بأس بذبائح الصابئين لأنهم طائفة من أهل الكتاب. ~~وقال أبو حنيفة: لا بأس بذبائحهم ومناكحة نسائهم. وقال الخليل: # هم قوم يشبه دينهم دين النصارى، إلا أن قبلتهم نحو مهب الجنوب، يزعمون ~~أنهم على دين نوح عليه السلام. وقال مجاهد والحسن وابن أبي نجيح: هم قوم ~~تركب دينهم بين اليهودية والمجوسية، لا تؤكل ذبائحهم. ابن عباس: ولا تنكح ~~نساؤهم. وقال الحسن أيضا وقتادة هم قوم يعبدون الملائكة ويصلون إلى القبلة ~~ويقرءون الزبور ويصلون الخمس، رآهم زياد # PageV01P434 # ابن أبي سفيان فأراد وضع الجزية عنهم حين عرف أنهم يعبدون الملائكة. ~~والذي تحصل من مذهبهم - فيما ذكره بعض علمائنا - أنهم موحدون معتقدون تأثير ~~النجوم وأنها فعالة، ولهذا أفتى أبو سعيد الإصطخري القادر بالله بكفرهم حين ~~سأله عنهم. # السادسة - قوله تعالى: (من آمن) أي صدق. و " من " في قوله: " من آمن " في ~~موضع نصب بدل من " الذين ". والفاء في قوله " فلهم " داخلة بسبب الابهام ~~الذي في " من ". و " لهم أجرهم " ابتداء وخبر في موضع خبر إن. ويحسن أن ~~يكون " من " في موضع رفع بالابتداء، ومعناها الشرط. و " آمن " في موضع جزم ~~بالشرط، والفاء الجواب. و " لهم أجرهم " خبر " من "، والجملة كلها خبر " إن ~~"، والعائد على " الذين " محذوف، تقديره من آمن منهم بالله. وفي الايمان ~~بالله واليوم الآخر اندارج الايمان بالرسل والكتب والبعث. # السابعة - إن قال قائل: لم جمع الضمير في قول تعالى: " لهم أجرهم " و " ~~آمن " لفظ مفرد ليس بجمع، وإنما كان يستقيم لو قال: له أجره. فالجواب أن " ~~من " يقع على الواحد والتثنية والجمع، فجائز أن يرجع الضمير مفردا ومثنى ~~ومجموعا، قال الله تعالى: " ومنهم من يستمعون إليك " [يونس: 42] على ~~المعنى. وقال: " ومنهم من يستمع إليك " على اللفظ. وقال الشاعر: # ألما بسلمى عنكما إن عرضتما * وقولا لها عوجي على من تخلفوا وقال ~~الفرزدق: # تعال فإن عاهدتني لا تخونني * نكن مثل من يا ذئب يصطحبان فحمل على المعنى ~~ولو حمل على ms0407 اللفظ لقال: يصطحب وتخلف. وقال تعالى: " ومن يطع الله ورسوله ~~يدخله جنات " فحمل على اللفظ. ثم قال: " خالدين " فحمل على المعنى، ولو ~~راعى اللفظ لقال: خالدا فيها. وإذا جرى ما بعد " من " على اللفظ فجائز أن ~~يخالف به بعد على المعنى كما في هذه الآية. وإذا جرى ما بعدها على المعنى ~~لم يجز أن يخالف به بعد على اللفظ لان الالباس يدخل في الكلام. وقد مضى ~~الكلام في قوله تعالى: # (فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) (1). والحمد لله. # PageV01P435 # الثامنة - روى عن ابن عباس أن قوله: (إن الذين آمنوا والذين هادوا " ~~[الحج: 17] الآية. # منسوخ بقوله تعالى: " يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه " [آل عمران: ~~85] الآية. وقال غيره: # ليست بمنسوخة. وهي فيمن ثبت على إيمانه من المؤمنين بالنبي عليه السلام. # قوله تعالى: وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة ~~واذكروا ما فيه لعلكم تتقون (63) ثم توليتم من بعد ذلك فلولا فضل الله ~~عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين (64) قوله تعالى: (وإذ أخذنا ميثاقكم ~~ورفعنا فوقكم الطور) هذه الآية تفسر معنى قوله تعالى " وإذ نتقنا الجبل ~~فوقهم كأنه ظلة " (1) [الأعراف: 171]. قال أبو عبيدة: المعنى زعزعناه ~~فاستخرجناه من مكانه. قال: وكل شئ قلعته فرميت به فقد نتقته. وقيل: نتقناه ~~رفعناه. قال ابن الأعرابي: الناتق الرافع، والناتق الباسط، والناتق الفاتق. ~~وامرأة ناتق ومنتاق: كثيرة الولد. وقال القتبي: أخذ ذلك من نتق السقاء، وهو ~~نفضه حتى تقتلع الزبدة منه. قال وقوله: " وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة " ~~قال: قلع من أصله. # واختلف في الطور، فقيل: الطور اسم للجبل الذي كلم الله عليه موسى عليه ~~السلام وأنزل عليه فيه التوراة دون غيره، رواه ابن جريج عن ابن عباس. وروى ~~الضحاك عنه أن الطور ما أنبت من الجبال خاصة دون ما لم ينبت. وقال مجاهد ~~وقتادة: أي جبل كان. إلا أن مجاهدا قال: هو اسم لكل جبل بالسريانية، وقاله ~~أبو العالية. وقد مضى الكلام هل وقع في القرآن ألفاظ مفردة غير معربة من ~~غير كلام ms0408 في مقدمة الكتاب (2). والحمد لله. وزعم البكري أنه سمى بطور بن ~~إسماعيل عليه السلام، والله تعالى أعلم. # القول في سبب رفع الطور وذلك أن موسى عليه السلام لما جاء بني إسرائيل من ~~عند الله بالألواح فيها التوراة قال لهم: خذوها والتزموها. فقالوا: لا! إلا ~~أن يكلمنا الله بها كما كلمك. فصعقوا ثم أحيوا. # فقال لهم: خذوها. فقالوا لا. فأمر الله الملائكة فاقتلعت جبلا من جبال ~~فلسطين طوله # PageV01P436 # فرسخ في مثله، وكذلك كان عسكرهم، فجعل عليهم مثل الظلة، وأتوا ببحر من ~~خلفهم، ونار من قبل وجوههم، وقيل لهم: خذوها وعليكم الميثاق ألا تضيعوها، ~~وإلا سقط عليكم الجبل. فسجدوا توبة لله وأخذوا التوراة بالميثاق. قال ~~الطبري عن بعض العلماء: # لو أخذوها أول مرة لم يكن عليهم ميثاق. وكان سجودهم على شق، لأنهم كانوا ~~يرقبون الجبل خوفا، فلما رحمهم الله قالوا: لا سجدة أفضل من سجدة تقبلها ~~الله ورحم بها عباده، فأمروا سجودهم على شق واحد. قال ابن عطية: والذي لا ~~يصح سواه أن الله تعالى اخترع وقت سجودهم الايمان [في قلوبهم] (1) لا أنهم ~~آمنوا كرها وقلوبهم غير مطمئنة بذلك. # قوله تعالى: (خذوا) أي فقلنا خذوا، فحذف. (ما آتيناكم) أعطيناكم. (بقوة) ~~أي بجد واجتهاد، قاله ابن عباس وقتادة والسدي. وقيل: بنية وإخلاص. مجاهد: # القوة العمل بما فيه. وقيل: بقوة، بكثرة درس. (واذكروا ما فيه) أي تدبروه ~~واحفظوا أوامره ووعيده، ولا تنسوه ولا تضيعوه. # قلت: هذا هو المقصود من الكتب، العمل بمقتضاها لا تلاوتها باللسان ~~وترتيلها، فإن ذلك نبذ لها، على ما قاله الشعبي وابن عيينة، وسيأتي قولهما ~~عند قوله تعالى: " نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب " (2) [البقرة: 101]. ~~وقد روى النسائي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~(إن من شر الناس رجلا فاسقا يقرأ القرآن لا يرعوي إلى شئ منه). # فبين صلى الله عليه وسلم أن المقصود العمل كما بينا. وقال مالك: قد يقرأ ~~القرآن من لا خير فيه. فما لزم إذا من قبلنا وأخذ عليهم لازم لنا ms0409 وواجب ~~علينا. قال الله تعالى: " واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم " (3) ~~[الزمر: 55] فأمرنا باتباع كتابه والعمل بمقضاه، لكن تركنا ذلك، كما تركت ~~اليهود والنصارى، وبقيت أشخاص الكتب والمصاحف لا تفيد شيئا، لغلبة الجهل ~~وطلب الرياسة وأتباع الأهواء. روى الترمذي عن جبير بن نفير عن أبي الدرداء ~~قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، فشخص ببصره إلى السماء ثم قال: (هذا ~~أوان # PageV01P437 # يختلس فيه العلم من الناس حتى لا يقدروا منه على شئ). فقال زياد بن لبيد ~~الأنصاري: # كيف يختلس منا وقد قرآنا القرآن! فوالله لنقرأنه ولنقرئنه نساءنا ~~وأبناءنا. فقال: (ثكلتك أمك يا زياد أن كنت لأعدك من فقهاء المدينة هذه ~~التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى فماذا تغني عنهم) وذكر الحديث، ~~وسيأتي. وخرجه النسائي من حديث جبير بن نفير أيضا عن عوف بن مالك الأشجعي ~~من طريق صحيحة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لزياد: # (ثكلتك أمك يا زياد هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى). وفي ~~الموطأ عن عبد الله بن مسعود قال لانسان: " إنك في زمان كثير فقهاؤه، قليل ~~قراؤه، تحفظ فيه حدود القرآن وتضيع حروفه، قليل من يسأل، كثير من يعطي، ~~يطيلون الصلاة ويقصرون فيه الخطبة، يبدءون فيه أعمالهم قبل أهوائهم. وسيأتي ~~على الناس زمان قليل فقهاؤه، كثير قراؤه، تحفظ فيه حروف القرآن، وتضيع ~~حدوده، كثير من يسأل، قليل من يعطي، يطيلون فيه الخطبة، ويقصرون الصلاة، ~~يبدءون فيه أهواءهم قبل أعمالهم ". وهذه نصوص تدل على ما ذكرنا. وقد قال ~~يحيى: سألت ابن نافع عن قوله: يبدءون أهواءهم قبل أعمالهم؟ # قال يقول: يتبعون أهواءهم ويتركون العمل بالذي افترض عليهم. وتقدم القول ~~في معنى قوله: " لعلكم تتقون " (1). فلا معنى لإعادته. # قوله تعالى: (ثم توليتم) تولى تفعل، وأصله الاعراض والادبار عن الشئ ~~بالجسم، ثم استعمل في الاعراض عن الأوامر والأديان والمعتقدات اتساعا ~~ومجازا. وقوله: # (من بعد ذلك) أي من بعد البرهان، وهو أخذ الميثاق ورفع الجبل. وقوله: ~~(فلولا فضل الله عليكم) " فضل " مرفوع بالابتداء عند سيبويه والخبر محذوف ~~لا ms0410 يجوز إظهاره، لان العرب استغنت عن إظهاره، إلا أنهم إذا أرادوا إظهاره ~~جاءوا بأن، فإذا جاءوا بها لم يحذفوا الخبر. والتقدير فلولا فضل الله ~~تدارككم. (ورحمته) عطف على " فضل " أي # PageV01P438 # لطفه وإمهاله. (لكنتم) جواب " لولا ". (من الخاسرين) خبر كنتم. والخسران: # النقصان، وقد تقدم (1). وقيل: فضله قبول التوبة، و " رحمته " العفو. ~~والفضل: الزيادة على ما وجب. والافضال: فعل ما لم يجب. قال ابن فارس في ~~المجمل: الفضل الزيادة والخير، والافضال: الاحسان. # قوله تعالى: ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة ~~خاسئين (65) فيه سبع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت) " علمتم " ~~معناه عرفتم أعيانهم. وقيل: علمتم أحكامهم. والفرق بينهما أن المعرفة ~~متوجهة إلى ذات المسمى. والعلم متوجه إلى أحوال المسمى. فإذا قلت: عرفت ~~زيدا، فالمراد شخصه. وإذا قلت: علمت زيدا، فالمراد به العلم بأحواله من فضل ~~ونقص. فعلى الأول يتعدى الفعل إلى مفعول واحد، وهو قول سيبويه: " علمتم " ~~بمعنى عرفتم. وعلى الثاني إلى مفعولين. # وحكى الأخفش: ولقد علمت زيدا ولم أكن أعلمه. وفي التنزيل: " لا تعلمونهم ~~الله يعلمهم " [الأنفال: 60]. كل هذا بمعنى المعرفة، فاعلم. " الذين اعتدوا ~~منكم في السبت " [البقرة: 65] صلة " الذين ". والاعتداء. التجاوز، وقد تقدم ~~(2). # الثانية - روى النسائي عن صفوان بن عسال قال: قال يهودي لصاحبه: اذهب بنا ~~إلى هذا النبي. فقال له صاحبه: لا تقل نبي لو سمعك! فإن له أربعة أعين. # (3) فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألاه عن تسع آيات بينات، فقال ~~لهم: (لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي ~~حرم الله إلا بالحق ولا تمشوا ببرئ إلى سلطان ولا تسحروا ولا تأكلوا الربا ~~ولا تقذفوا المحصنة ولا تولوا يوم الزحف وعليكم خاصة يهود ألا تعدوا في ~~السبت). فقبلوا يديه ورجليه وقالوا: نشهد أنك نبي. قال: (فما # PageV01P439 # يمنعكم أن تتبعوني)!. قالوا: إن داود دعا بألا يزال من ذريته نبي وإنا ~~نخاف إن اتبعناك أن تقتلنا يهود. وخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. ~~وسيأتي ms0411 لفظه في سورة " سبحان " (1) إن شاء الله تعالى. # الثالثة - (في السبت) معناه في يوم السبت، ويحتمل أن يريد في حكم السبت. # والأول قول الحسن وأنهم أخذوا فيه الحيتان على جهة الاستحلال. وروى أشهب ~~عن مالك قال: زعم أبن رومان أنهم كانوا يأخذ الرجل منهم خيطا ويضع فيه وهقة ~~(2) وألقاها في ذنب الحوت، وفي الطرف الآخر من الخيط وتد وتركه كذلك إلى ~~الأحد، ثم تطرق الناس حين رأوا من صنع لا يبتلى، حتى كثر صيد الحوت ومشى به ~~في الأسواق، وأعلن الفسقة بصيده. فقامت فرقة فنهت وجاهرت بالنهي واعتزلت. ~~ويقال: إن الناهين قالوا: # لا نساكنكم، فقسموا القرية بجدار. فأصبح الناهون ذات يوم في مجالسهم ولم ~~يخرج من المعتدين أحد، فقالوا: إن للناس لشأنا، فعلوا على الجدار فنظروا ~~فإذا هم قردة، ففتحوا الباب ودخلوا عليهم، فعرفت القردة أنسابها من الانس، ~~ولا يعرف الانس أنسابهم من القردة، فجعلت القردة تأتي نسيبها من الانس فتشم ~~ثيابه وتبكي، فيقول: ألم ننهكم! فتقول برأسها نعم. قال قتادة: صار الشبان ~~قردة، والشيوخ خنازير، فما نجا إلا الذين نهوا وهلك سائرهم. وسيأتي في " ~~الأعراف " (3) قول من قال: إنهم كانوا ثلاث فرق. وهو أصح من قول من قال: ~~إنهم لم يفترقوا إلا فرقتين. والله أعلم. # والسبت مأخوذ من السبت وهو القطع، فقيل: إن الأشياء فيه سبتت وتمت ~~خلقتها. # وقيل: هو مأخوذ من السبوت الذي هو الراحة والدعة. # واختلف العلماء في الممسوخ هل ينسل على قولين. قال الزجاج: قال قوم يجوز ~~أن تكون هذه القردة منهم. واختاره القاضي أبو بكر بن العربي. وقال الجمهور: ~~الممسوخ لا ينسل وإن القردة والخنازير وغيرهما كانت قبل ذلك، والذين مسخهم ~~الله قد هلكوا # PageV01P440 # ولم يبق لهم نسل، لأنه قد أصابهم السخط والعذاب، فلم يكن لهم قرار في ~~الدنيا بعد ثلاثة أيام. قال ابن عباس: لم يعش مسخ قط فوق ثلاثة أيام، ولم ~~يأكل ولم يشرب ولم ينسل. # قال ابن عطية: وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم وثبت أن الممسوخ لا ينسل ~~ولا يأكل ms0412 ولا يشرب ولا يعيش أكثر من ثلاثة أيام. # قلت: هذا هو الصحيح من القولين. وأما ما احتج به ابن العربي وغيره على ~~صحة القول الأول من قوله صلى الله عليه وسلم: (فقدت أمة من بني إسرائيل لا ~~يدرى ما فعلت ولا أراها إلا الفأر ألا ترونها إذا وضع لها ألبان الإبل لم ~~تشربه وإذا وضع لها ألبان الشاء شربته). # رواه أبو هريرة أخرجه مسلم، وبحديث الضب رواه مسلم أيضا عن أبي سعيد ~~وجابر، قال جابر: أتى النبي صلى الله عليه وسلم بضب فأبى أن يأكل منه، ~~وقال: (لا أدري لعله من القرون التي مسخت) فمتأول على ما يأتي. قال ابن ~~العربي: وفي البخاري عن عمرو بن ميمون أنه قال: رأيت في الجاهلية قردة قد ~~زنت فرجموها فرجمتها معهم. ثبت في بعض نسخ البخاري وسقط في بعضها، وثبت في ~~نص الحديث " قد زنت " وسقط هذا اللفظ عند بعضهم. # قال ابن العربي: فإن قيل: وكأن البهائم بقيت فيهم معارف الشرائع حتى ~~ورثوها خلفا عن سلف إلى زمان عمرو؟ قلنا: نعم كذلك كان، لان اليهود غيروا ~~الرجم فأراد الله أن يقيمه في مسوخهم (1) حتى يكون أبلغ في الحجة على ما ~~أنكروه من ذلك وغيروه، حتى تشهد عليهم كتبهم وأحجارهم ومسوخهم (1)، حتى ~~يعلموا أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون، ويحصى ما يبدلون وما يغيرون، ~~ويقيم عليهم الحجة من حيث لا يشعرون وينصر نبيه عليه السلام وهم لا ينصرون. # قلت: هذا كلامه في الاحكام، ولا حجة في شئ منه. وأما ما ذكره من قصة عمرو ~~فذكر الحميدي في جمع الصحيحين: حكى أبو مسعود الدمشقي أن لعمرو بن ميمون ~~الأودي في الصحيحين حكاية من رواية حصين عنه قال: رأيت في الجاهلية قردة ~~أجتمع عليها قردة # PageV01P441 # فرجموها فرجمتها معهم. كذا حكى أبو مسعود ولم يذكر في أي موضع أخرجه ~~البخاري من كتابه، فبحثنا عن ذلك فوجدناه في بعض النسخ لا في كلها، فذكر في ~~كتاب أيام الجاهلية. # وليس في رواية النعيمي عن الفربري أصلا شئ من ms0413 هذا الخبر في القردة، ~~ولعلها من المقحمات في كتاب البخاري. والذي قال البخاري في التاريخ الكبير: ~~قال: لي نعيم بن حماد أخبرنا هشيم عن أبي بلج وحصين عن عمرو بن ميمون قال: ~~رأيت في الجاهلية قردة اجتمع عليها قرود فرجموها فرجمتها معهم. وليس فيه " ~~قد زنت ". فإن صحت هذه الرواية فإنما أخرجها البخاري دلالة على أن عمرو بن ~~ميمون قد أدرك الجاهلية ولم يبال بظنه الذي ظنه في الجاهلية. وذكر أبو عمر ~~في الاستيعاب عمرو بن ميمون وأن كنيته أبو عبد الله " معدود في كبار ~~التابعين من الكوفيين، وهو الذي رأى الرجم في الجاهلية من القردة إن صح ~~ذلك، لان رواته مجهولون. # وقد ذكره البخاري عن نعيم عن هشيم عن حصين عن عمرو بن ميمون الأودي ~~مختصرا قال: # رأيت في الجاهلية قردة زنت فرجموها - يعنى القردة - فرجمتها معهم. ورواه ~~عباد بن العوام عن حصين كما رواه هشيم مختصرا. وأما القصة بطولها فإنها ~~تدور على عبد الملك بن مسلم عن عيسى بن حطان، وليسا ممن يحتج بهما. وهذا ~~عند جماعة أهل العلم منكر إضافة الزنى إلى غير مكلف، وإقامة الحدود في ~~البهائم. ولو صح لكانوا من الجن، لان العبادات في الإنس والجن دون غيرهما ~~". وأما قوله عليه السلام في حديث أبي هريرة: (ولا أراها إلا الفأر) وفى ~~الضب: (لا أدري لعله من القرون التي مسخت) وما كان مثله، فإنما كان ظنا ~~وخوفا لان يكون الضب والفأر وغيرهما مما مسخ، وكان هذا حدسا منه صلى الله ~~عليه وسلم قبل أن يوحى إليه أن الله لم يجعل للمسخ نسلا، فلما أوحى إليه ~~بذلك زال عنه ذلك التخوف، وعلم أن الضب والفأر ليسا مما مسخ، وعند ذلك ~~أخبرنا بقوله صلى الله عليه وسلم لمن سأله عن القردة والخنازير: هي مما ~~مسخ؟ فقال: (إن الله لم يهلك قوما أو يعذب قوما فيجعل لهم نسلا وإن القردة ~~والخنازير كانوا قبل ذلك). وهذا نص صريح صحيح رواه عبد الله بن مسعود أخرجه ~~مسلم في كتاب القدر. وثبتت ms0414 النصوص بأكل الضب بحضرته وعلى مائدته ولم ينكر، ~~PageV01P442 # فدل على صحة ما ذكرنا. وبالله توفيقنا. وروي عن مجاهد في تفسير هذه الآية ~~أنه إنما مسخت قلوبهم فقط، وردت أفهامهم كأفهام القردة. ولم يقله غيره من ~~المفسرين فيما أعلم، والله أعلم. # قوله تعالى: (فقلنا لهم كونوا قردة) " قردة " خبر كان. " خاسئين " نعت، ~~وإن شئت جعلته خبرا ثانيا لكان، أو حالا من الضمير في " كونوا ". ومعناه ~~مبعدين. يقال: # خسأته فخسأ وخسئ، وانخسأ أي أبعدته فبعد. وقوله تعالى: " ينقلب إليك ~~البصر خاسئا " (1) [الملك: 4] أي مبعدا. وقوله: " اخسئوا فيها " (2) ~~[المؤمنون: 108] أي تباعدوا. تباعد سخط. قال الكسائي: خسأ الرجل خسوءا، ~~وخسأته خسأ. ويكون الخاسئ بمعنى الصاغر القمئ. يقال: قمؤ الرجل قماء وقماءة ~~صار قميئا، وهو الصاغر الذليل. وأقمأته: صغرته وذللته، فهو قمئ على فعيل ~~قوله تعالى: فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين (66) ~~قوله تعالى: (فجعلناها نكالا) نصب على المفعول الثاني. وفى المجعول نكالا ~~أقاويل، قيل: العقوبة. وقيل: القرية، إذ معنى الكلام يقتضيها. وقيل: الأمة ~~التي مسخت. # وقيل: الحيتان، وفيه بعد. والنكال: الزجر والعقاب. والنكل والانكال: ~~القيود. # وسميت القيود أنكالا لأنها ينكل بها، أي يمنع. ويقال للجام الثقيل: نكل ~~(3) ونكل، لان الدابة تمنع به. ونكل عن الامر ينكل، ونكل ينكل إذا أمتنع. ~~والتنكيل: إصابة الأعداء بعقوبة تنكل من وراءهم، أي تجبنهم. وقال الأزهري: ~~النكال العقوبة. ابن دريد: # والمنكل: الشئ الذي ينكل بالانسان، قال: (4) * فارم على أقفائهم بمنكل * # PageV01P443 # قوله: (لما بين يديها) قال ابن عباس والسدي: لما بين يدي المسخة ما قبلها ~~من ذنوب القوم. (وما خلفها) لمن يعمل مثل تلك الذنوب. قال الفراء: جعلت ~~المسخة نكالا لما مضى من الذنوب، ولما يعمل بعدها ليخافوا المسخ بذنوبهم. ~~قال ابن عطية: وهذا قول جيد، والضميران للعقوبة. وروى الحكم عن مجاهد عن ~~ابن عباس: لمن حضر معهم ولمن يأتي بعدهم. واختاره النحاس، قال: وهو أشبه ~~بالمعنى، والله أعلم. وعن ابن عباس أيضا: " لما بين يديها وما خلفها " من ~~القرى. وقال قتادة: " لما بين يديها " من ذنوبهم ms0415 " وما خلفها " من صيد ~~الحيتان. # قوله تعالى: (وموعظة للمتقين) عطف على نكال، ووزنها مفعلة من الاتعاظ ~~والانزجار. والوعظ: التخويف. والعظة الاسم. قال الخليل: الوعظ التذكير ~~بالخير فيما يرق له القلب. قال الماوردي: وخص المتقين وإن كانت موعظة ~~للعالمين لتفردهم بها عن الكافرين المعاندين. قال ابن عطية: واللفظ يعم كل ~~متق من كل أمة. وقال الزجاج " وموعظة للمتقين " لامة محمد صلى الله عليه ~~وسلم أن ينتهكوا من حرم الله عز وجل ما نهاهم عنه، فيصيبهم ما أصاب أصحاب ~~السبت إذ انتهكوا حرم الله في سبتهم. # قوله تعالى: وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا ~~أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين (67) قوله تعالى: (وإذ ~~قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة) فيه أربع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (إن الله يأمركم) حكي عن أبي عمرو أنه قرأ " يأمركم ~~" بالسكون، وحذف الضمة من الراء لثقلها. قال أبو العباس المبرد: لا يجوز ~~هذا لان الراء حرف الاعراب، وإنما الصحيح عن أبي عمرو أنه كان يختلس ~~الحركة. " أن تذبحوا " في موضع نصب ب‍ " يأمركم " أي بأن تذبحوا. " بقرة " ~~نصب ب‍ " تذبحوا ". وقد تقدم (1) معنى الذبح فلا معنى لإعادته. # PageV01P444 # الثانية - قوله تعالى: (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة) مقدم في التلاوة ~~وقوله: # " قتلتم نفسا " مقدم في المعنى على جميع ما أبتدأ به من شأن البقرة. ~~ويجوز أن يكون قوله: # " قتلتم " في النزول مقدما، والام بالذبح مؤخرا. ويجوز أن يكون ترتيب ~~نزولها على حسب تلاوتها، فكأن الله أمرهم بذبح البقرة حتى ذبحوها ثم وقع ما ~~وقع من أمر القتل، فأمروا أن يضربوه ببعضها، ويكون " وإذ قتلتم " مقدما في ~~المعنى على القول الأول حسب ما ذكرنا، لان الواو لا توجب الترتيب. ونظيره ~~في التنزيل في قصة نوح بعد ذكر الطوفان وانقضائه في قوله: " حتى إذا جاء ~~أمرنا وفار التنور قلنا أحمل فيها من كل زوجين اثنين " إلى قوله " إلا قليل ~~" (1) [هود: 40]. فذكر إهلاك من هلك منهم ثم عطف عليه بقوله: ms0416 " وقال اركبوا ~~فيها بسم الله مجريها ومرساها " [هود: 41]. فذكر الركوب متأخرا في الخطاب، ~~ومعلوم أن ركوبهم كال قبل الهلاك. # وكذلك قوله تعالى: " الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له ~~عوجا قيما " (2) [هود: 19]. وتقديره: # أنزل على عبده الكتاب قيما ولم يجعل له عوجا، ومثله في القرآن كثير. # الثالثة - لا خلاف بين العلماء أن الذبح أولى في الغنم، والنحر أولى في ~~الإبل، والتخير في البقر. وقيل: الذبح أولى، لأنه الذي ذكره الله، ولقرب ~~المنحر من المذبح. قال ابن المنذر: لا أعلم أحدا حرم أكل ما نحر مما يذبح، ~~أو ذبح مما ينحر. وكره مالك ذلك. # وقد يكره المرء الشئ ولا يحرمه. وسيأتي في سورة " المائدة " أحكام الذبح ~~والذابح وشرائطهما عند قوله تعالى: " إلا ما زكيتم " [المائدة: 3] مستوفى ~~(3) إن شاء الله تعالى. قال الماوردي: وإنما أمروا - والله أعلم - بذبح ~~بقرة دون غيرها، لأنها من جنس ما عبدوه من العجل ليهون عندهم ما كان يرونه ~~من تعظيمه، وليعلم بإجابتهم ما كان في نفوسهم من عبادته. وهذا المعنى علة ~~في ذبح البقرة، وليس بعلة في جواب السائل، ولكن المعنى فيه أن يحيا القتيل ~~بقتل حي، فيكون أظهر لقدرته في اختراع الأشياء من أضدادها. # الرابعة - قوله تعالى: (بقرة) " بقرة " البقرة اسم للأنثى، والثور اسم ~~للذكر مثل ناقة وجمل وامرأة ورجل. وقيل: البقرة واحد البقر، الأنثى والذكر ~~سواء. وأصله من قولك: # PageV01P445 # بقر بطنه، أي شقه، فالبقرة تشق الأرض بالحرث وتثيره. ومنه الباقر لأبي ~~جعفر محمد بن علي زين العابدين، لأنه بقر العلم وعرف أصله، أي شقه. ~~والبقيرة: ثوب يشق فتلقيه المرأة في عنقها من غير كمين. وفي حديث ابن عباس ~~في شأن الهدهد (فبقر الأرض). قال شمر: بقر نظر موضع الماء، فرأى الماء تحت ~~الأرض. قال الأزهري: البقر اسم للجنس وجمعه (1) باقر. ابن عرفة: يقال بقير ~~وباقر وبيقور. وقرأ عكرمة وابن يعمر " إن الباقر ". # والثور: واحد الثيران. والثور: السيد من الرجال. والثور القطعة من القط. ~~والثور: # الطحلب. وثور: جبل. وثور: قبيلة من العرب. وفي ms0417 الحديث: (ووقت العشاء ما ~~لم يغب ثور الشفق) يعنى انتشاره، يقال: ثار يثور ثورا وثورانا إذا انتشر في ~~الأفق. # وفي الحديث: (من أراد العلم فليثور القرآن). قال شمر: تثوير القرآن ~~قراءته ومفاتشة العلماء به. # قوله تعالى: (قالوا أتتخذنا هزوا) هذا جواب منهم لموسى عليه السلام لما ~~قال لهم: # " إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة " [البقرة: 67] وذلك أنهم وجدوا قتيلا ~~بين أظهرهم قيل: أسمه عاميل - واشتبه أمر قاتله عليهم، ووقع بينهم خلاف، ~~فقالوا: نقتتل ورسول الله بين أظهرنا، فأتوه وسألوه البيان - وذلك قبل نزول ~~القسامة (2) في التوراة، فسألوا موسى أن يدعو الله - فسأل موسى عليه السلام ~~ربه فأمرهم بذبح بقرة، فلما سمعوا ذلك من موسى وليس في ظاهره جواب عما ~~سألوه عنه واحتكموا فيه عنده، قالوا: أتتخذنا هزؤا؟ والهزء: # اللعب والسخرية، وقد تقدم (3). وقرأ الجحدري " أيتخذنا " بالياء، أي قال ~~ذلك بعضهم لبعض فأجابهم موسى عليه السلام بقوله: " أعوذ بالله أن أكون من ~~الجاهلين " [البقرة: 67] لان الخروج عن جواب السائل المسترشد إلى الهزء ~~جهل، فاستعاذ منه عليه السلام، لأنها صفة تنتفي عن الأنبياء. والجهل نقيض ~~العلم. فاستعاذ من الجهل، كما جهلوا في قولهم: أتتخذنا هزؤا، # PageV01P446 # لمن يخبرهم عن الله تعالى، وظاهر هذا القول يدل على فساد اعتقاد من قاله. ~~ولا يصح إيمان من قال لنبي قد ظهرت معجزته، - وقال: إن الله يأمرك بكذا -: ~~أتتخذنا هزؤا؟ # ولو قال ذلك اليوم أحد عن بعض أقوال النبي صلى الله عليه وسلم لوجب ~~تكفيره. وذهب قوم إلى أن ذلك منهم على جهة غلظ الطبع والجفاء والمعصية، على ~~نحو ما قال القائل للنبي صلى الله عليه وسلم في قسمة غنائم حنين: إن هذه ~~لقسمة ما أريد بها وجه الله. وكما قال له الآخر: اعدل يا محمد. وفي هذا كله ~~أدل دليل على قبح الجهل، وأنه مفسد للدين. # قوله تعالى: " هزوا " مفعول ثان، ويجوز تخفيف الهمزة تجعلها بين الواو ~~والهمزة. # وجعلها حفص واوا مفتوحة، لأنها همزة مفتوحة قبلها ضمة فهي تجري على ~~البدل، كقوله: # " السفهاء ولكن ". ويجوز حذف ms0418 الضمة من الزاي كما تحذفها من عضد، فتقول: ~~هزؤا، كما قرأ أهل الكوفة، وكذلك " ولم يكن له كفؤا أحد ". وحكى الأخفش عن ~~عيسى بن عمر أن كل اسم على ثلاثة أحرف أوله مضموم ففيه لغتان: التخفيف ~~والتثقيل، نحو العسر واليسر والهزء. ومثله ما كان من الجمع على فعل ككتب ~~وكتب، ورسل ورسل، وعون وعون. وأما قوله تعالى: " وجعلوا له من عباده جزءا " ~~[الزخرف: 15] فليس مثل هزء وكف ء، لأنه على فعل من الأصل. على ما يأتي في ~~موضعه (1) إن شاء الله تعالى. # مسألة: في الآية دليل على منع الاستهزاء بدين الله ودين المسلمين ومن يجب ~~تعظيمه، وأن ذلك جهل وصاحبه مستحق للوعيد. وليس المزاح من الاستهزاء بسبيل، ~~ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمزح والأئمة بعده. قال ابن خويز ~~منداد: وقد بلغنا أن رجلا تقدم إلى عبيد الله بن الحسن وهو قاضي الكوفة ~~فمازحه عبيد الله فقال: # جبتك هذه من صوف نعجة أو صوف كبش؟ فقال له: لا تجهل أيها القاضي! فقال له ~~عبيد الله: وأين وجدت المزاج جهلا! فتلا عليه هذه الآية، فأعرض عنه عبيد ~~الله، لأنه رآه جاهلا لا يعرف المزح من الاستهزاء، وليس أحدهما من الآخر ~~بسبيل. # PageV01P447 # قوله تعالى: قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال إنه يقول إنها بقرة لا ~~فارض ولا بكر عوان بين ذلك فافعلوا ما تؤمرون (68) قوله تعالى: (قالوا ادع ~~لنا ربك) هذا تعنيت منهم وقلة طواعية، ولو امتثلوا الامر وذبحوا أي بقرة ~~كانت لحصل المقصود، لكنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، قاله ابن عباس ~~وأبو العالية وغيرهما. ونحو ذلك روى الحسن البصري عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم. ولغة بنى عامر " ادع ". وقد تقدم (1). و (يبينن) مجزوم على جواب ~~الامر (ما هي) ابتداء وخبر. وماهية الشئ: حقيقته وذاته التي هو عليها. # قوله تعالى: (قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك) في ~~هذا دليل على جواز النسخ قبل وقت الفعل، لأنه لما ms0419 أمر ببقرة اقتضى أي بقرة ~~كانت، فلما زاد في الصفة نسخ الحكم الأول بغيره، كما لو قال: في ثلاثين من ~~الإبل بنت مخاض، ثم نسخه بابنة لبون أو حقة. وكذلك ها هنا لما عين الصفة ~~صار ذلك نسخا للحكم المتقدم. # والفارض: المسنة. وقد فرضت تفرض فروضا، أي أسنت. ويقال للشئ القديم فارض، ~~قال الراجز: # شيب أصداغي فرأسي أبيض * محامل (2) فيها رجال فرض يعنى هرمى، قال آخر: # لعمرك (3) قد أعطيت جارك فارضا * تساق إليه ما تقوم على رجل أي قديما، ~~وقال آخر: # يا رب ذي ضغن على فارض * له قروء كقروء الحائض # PageV01P448 # أي قديم. و " لا فارض " رفع على الصفة لبقرة. " ولا بكر " عطف. وقيل: " ~~لا فارض " خبر مبتدأ مضمر، أي لا هي فارض وكذا " لا ذلول "، وكذلك " لا تسق ~~الحرث " وكذلك " مسلمة " فاعلمه. وقيل: الفارض التي قد ولدت بطونا كثيرة ~~فيتسع جوفها لذلك، لان معنى الفارض في اللغة الواسع، قاله بعض المتأخرين. ~~والبكر: الصغيرة التي لم تحمل. # وحكى القتبي أنها التي ولدت. والبكر: الأول من الأولاد، قال: # يا بكر بكرين ويا خلب الكبد * أصبحت منى كذراع من عضد والبكر أيضا في ~~إناث البهائم وبني آدم: ما لم يفتحله الفحل، وهي مكسورة الباء. وبفتحها ~~الفتى من الإبل. والعوان: النصف التي قد ولدت بطنا أو بطنين، وهي أقوى ما ~~تكون من البقر وأحسنه، بخلاف الخيل، قال الشاعر يصف فرسا: # كميت بهيم اللون ليس بفارض * ولا بعوان ذات لون مخصف فرس أخصف: إذا ارتفع ~~البلق من بطنه إلى جنبه. وقال مجاهد: العوان من البقرة هي التي قد ولدت مرة ~~بعد مرة. وحكاه أهل اللغة. ويقال: إن العوان النخلة الطويلة، وهي فيما ~~زعموا لغة يمانية. وحرب عوان: إذا كان قبلها حرب بكر، قال زهير: # إذا لقحت حرب عوان مضرة * ضروس تهر (1) الناس أنيابها عصل أي لا هي صغيرة ~~ولا هي مسنة، أي هي عوان، وجمعها " عون " بضم العين وسكون الواو وسمع " عون ~~" بضم الواو كرسل. وقد تقدم. وحكى الفراء من العوان عونت تعوينا. # قوله ms0420 تعالى: (فافعلوا ما تؤمرون) تجديد للامر وتأكيد وتنبيه على ترك ~~التعنت فما تركوه. وهذا يدل على أن مقتضى الامر الوجوب كما تقوله الفقهاء، ~~وهو الصحيح على ما هو مذكور في أصول الفقه، وعلى أن الامر على الفور، وهو ~~مذهب أكثر الفقهاء أيضا. # ويدل على صحة ذلك أنه تعالى استقصرهم حين لم يبادروا إلى فعل ما أمروا به ~~فقال: # PageV01P449 # " فذبحوها وما كادوا يفعلون " [البقرة: 71]. وقيل: لا، بل على التراخي، ~~لأنه لم يعنقهم على التأخير والمراجعة في الخطاب. قال ابن خويز منداد. # قوله تعالى: قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة ~~صفراء فاقع لونها تسر الناظرين (69) قوله تعلى: (قالوا ادع لنا ربك يبين ~~لنا ما لونها) " ما " استفهام مبتدأة و " لونها " الخبر. ويجوز نصب " لونها ~~" ب‍ " - يبين "، وتكون " ما " زائدة. واللون واحد الألوان وهو هيئة ~~كالسواد والبياض والحمرة. واللون: النوع. وفلان متلون: إذا كان لا يثبت على ~~خلق واحد وحال واحد، قال: # كل يوم تتلون * غير هذا بك أجمل ولون البسر تلوينا: إذا بدا فيه أثر ~~النضج. واللون: الدقل، وهو ضرب من النخل. # قال الأخفش: هو جماعة، واحدها لينة. # قوله: (صفراء) جمهور المفسرين أنها صفراء اللون، من الصفرة المعروفة. قال ~~مكي عن بعضهم: حتى القرن والظلف. وقال الحسن وابن جبير: كانت صفراء القرن ~~والظلف فقط. وعن الحسن أيضا: " صفراء " معناه سوداء، قال الشاعر: (1) تلك ~~خيلي منه وتلك ركابي * هن صفر أولادها كالزبيب قلت: والأول أصح لأنه ~~الظاهر، وهذا شاذ لا يستعمل مجازا إلا في الإبل، قال الله تعالى: " كأنه ~~جمالة صفر " [المرسلات: 33] وذلك أن السود من الإبل سوادها صفرة. ولو أراد ~~السواد لما أكده بالفقوع، وذلك نعت مختص بالصفرة، وليس يوصف السواد بذلك ~~تقول العرب: # أسود حالك وحلكوك وحلكوك، ودجوجي وغربيب، وأحمر قانئ، وأبيض ناصع ولهق ~~ولهاق ويقق، وأخضر ناضر، وأصفر فاقع، هكذا نص نقلة اللغة عن العرب. قال # PageV01P450 # الكسائي: يقال فقع لونها يفقع فقوعا إذا خلصت صفرته. والافقاع: سوء ~~الحال. # وفواقع الدهر بوائقه. وفقع بأصابعه ms0421 إذا صوت، ومنه حديث ابن عباس: نهى عن ~~التفقيع في الصلاة، وهي الفرقعة، وهي غمز الأصابع حتى تنقض (1). ولم ينصرف ~~" صفراء " في معرفة ولا نكرة، لان فيها ألف التأنيث وهي ملازمة فخالفت ~~الهاء، لان ما فيه الهاء ينصرف في النكرة، كفاطمة وعائشة. # قوله تعالى: (فاقع لونها) يريد خالصا لونها لا لون فيها سوى لون جلدها. ~~(تسر الناظرين) قال وهب: كأن شعاع الشمس يخرج من جلدها، ولهذا قال ابن ~~عباس: # الصفرة تسر النفس. وحض على لباس النعال الصفر، حكاه عنه النقاش. وقال علي ~~ابن أبي طالب رضي الله عنه: من لبس نعلي جلد أصفر قل همه، لان الله تعالى ~~يقول: # " صفراء فاقع لونها تسر الناظرين " حكاه عنه الثعلبي. ونهى ابن الزبير ~~ومحمد بن أبي كثير عن لباس النعال السود، لأنها تهم. ومعنى " تسر " تعجب. ~~وقال أبو العالية: معناه في سمتها ومنظرها فهي ذات وصفين، والله أعلم. # قوله تعالى: قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا ~~إن شاء الله لمهتدون (70) قوله تعالى: (إن البقر تشابه علينا) سألوا سؤالا ~~رابعا، ولم يمتثلوا الامر بعد البيان. # وذكر البقر لأنه بمعنى الجمع، ولذلك قال: " إن البقر تشابه علينا " فذكره ~~للفظ تذكير البقر. قال قطرب: جمع البقرة باقر وباقور وبقر. وقال الأصمعي: ~~الباقر جمع باقرة، قال: # ويجمع بقر على باقورة، حكاه النحاس. وقال الزجاج: المعنى إن جنس البقر. ~~وقرأ الحسن فيما ذكر النحاس، والأعرج فيما ذكر الثعلبي " إن البقر تشابه " ~~بالتاء وشد الشين، جعله فعلا مستقبلا وأنثه. والأصل تتشابه، ثم أدغم التاء ~~في الشين. وقرأ مجاهد " تشبه " كقراءتهما، # PageV01P451 # إلا أنه بغير ألف. وفى مصحف أبي " تشابهت " بتشديد الشين. قال أبو حاتم: ~~وهو غلط، لان التاء في هذا الباب لا تدغم إلا في المضارعة. وقرأ يحيى بن ~~يعمر " إن الباقر يشابه " جعله فعلا مستقبلا، وذكر البقر وأدغم. ويجوز " إن ~~البقر تشابه " بتخفيف الشين وضم الهاء، وحكاها الثعلبي عن الحسن. النحاس: ~~ولا يجوز " يشابه " بتخفيف الشين والياء، وإنما جاز في التاء لان ms0422 الأصل ~~تتشابه فحذفت لاجتماع. التائين. والبقر والباقر والبيقور والبقير لغات ~~بمعنى، والعرب تذكره وتؤنثه، وإلى ذلك ترجع معاني القراءات في " تشابه ". ~~وقيل: # إنما قالوا: " إن البقر تشابه علنا " لان وجوه البقر تتشابه، ومنه حديث ~~حذيفة بن اليمان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر (فتنا كقطع الليل ~~تأتي كوجوه البقر). يريد أنها يشبه بعضها بعضا. ووجوه البقر تتشابه، ولذلك ~~قالت بنو إسرائيل: إن البقر تشابه علينا. # قوله تعالى: (وإنا إن شاء الله لمهتدون) استثناء منهم، وفي استثنائهم في ~~هذا السؤال الأخير إنابة ما وانقياد، ودليل ندم على عدم موافقة الامر. وروي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لو ما استثنوا ما اهتدوا إليها ~~أبدا) (1). وتقدير الكلام وإنا لمهتدون إن شاء الله. فقدم على ذكر الاهتداء ~~اهتماما به. و " شاء " في موضع جزم بالشرط، وجوابه عند سيبويه الجملة " إن ~~" وما عملت فيه. وعند أبي العباس المبرد محذوف. # قوله تعالى: قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقى الحرث ~~مسلمة لاشية فيها قالوا الآن جئت بالحق فذبحوها وما كادوا يفعلون (71) قوله ~~تعالى: (قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول) قرأ الجمهور " لا ذلول " بالرفع ~~على الصفة لبقرة. قال الأخفش: " لا ذلول " نعته ولا يجوز نصبه. وقرأ أبو ~~عبد الرحمن السلمي " لا ذلول " بالنصب على النفي والخبر مضمر. ويجوز لا هي ~~ذلول، لا هي تسقى الحرث، هي مسلمة. ومعنى " لا ذلول " لم يذللها العمل، ~~يقال: بقرة مذللة بينة الذل (بكسر الذال). # ورجل ذليل بين الذل (بضم الذال). أي هي بقرة صعبة غير ريضة لم تذلل ~~بالعمل. # PageV01P452 # قوله تعالى: (تثير الأرض) " تثير " في موضع رفع على الصفة للبقرة أي هي ~~بقرة لا ذلول مثيرة. قال الحسن: وكانت تلك البقرة وحشية ولهذا وصفها الله ~~تعالى بأنها لا تثير الأرض ولا تسقى الحرث أي لا يسنى بها لسقي الزرع ولا ~~يسقى عليها. والوقف ها هنا حسن. وقال قوم: " تثير " فعل مستأنف والمعنى ~~إيجاب الحرث لها وأنها كانت تحرث ولا تسقى. ms0423 والوقف على هذا التأويل " لا ~~ذلول " والقول الأول أصح لوجهين: أحدهما: ما ذكره النحاس عن علي بن سليمان ~~أنه قال: لا يجوز أن يكون " تثير " مستأنفا، لان بعده " ولا تسقي الحرث "، ~~فلو كان مستأنفا لما جمع بين الواو و " لا ". الثاني أنها لو كانت تثير ~~الأرض لكانت الإثارة قد ذللتها، والله تعالى قد نفى عنها الذل بقوله: " لا ~~ذلول ". # قلت: ويحتمل أن تكون " تثير الأرض " في غير العمل مرحا ونشاطا، كما قال ~~أمرؤ القيس: # يهيل ويذري تربه ويثيره * إثارة نباث (1) الهواجر مخمس فعلى هذا يكون " ~~تثير " مستأنفا، " ولا تسقي " معطوف عليه، فتأمله. وإثارة الأرض: # تحريكها وبحثها، ومنه الحديث: (أثيروا القرآن فإنه (2) علم الأولين ~~والآخرين) وفي رواية أخرى: (من أراد العلم فليثور القرآن) وقد تقدم (3). ~~وفي التنزيل: " وأثاروا الأرض " [الروم: 9] أي قلبوها للزراعة. والحرث: ما ~~حرث وزرع. وسيأتي. # مسألة: في هذه الآية أدل دليل على حصر الحيوان بصفاته، وإذا ضبط بالصفة ~~وحصر بها جاز السلم فيه. وبه قال مالك وأصحابه والأوزاعي والليث والشافعي. ~~وكذلك كل ما يضبط بالصفة، لوصف الله تعالى البقرة في كتابه وصفا يقوم مقام ~~التعيين، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تصف المرأة المرأة لزوجها ~~حتى كأنه ينظر إليها). أخرجه مسلم. فجعل النبي صلى الله عليه وسلم الصفة ~~تقوم مقام الرؤية، وجعل صلى الله عليه وسلم دية الخطأ في ذمة من أوجبها ~~عليه دينا إلى أجل ولم يجعلها على الحلول. وهو يرد قول # PageV01P453 # الكوفيين أبي حنيفة وأصحابه والثوري والحسن بن صالح حيث قالوا: لا يجوز ~~السلم في الحيوان. # وروي عن ابن مسعود وحذيفة وعبد الرحمن بن سمرة، لان الحيوان لا يوقف على ~~حقيقة صفته من مشى وحركة، وكل ذلك يزيد في ثمنه ويرفع من قيمته. وسيأتي حكم ~~السلم وشروطه في آخر السورة في آية الدين (1)، إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: (مسلمة) أي هي مسلمة. ويجوز أن يكون وصفا، أي أنها بقرة ~~مسلمة من العرج وسائر العيوب، قاله قتادة وأبو العالية. ولا يقال: مسلمة من ~~العمل ms0424 لنفى الله العمل عنها. وقال الحسن: يعنى سليمة القوائم لا أثر فيها ~~للعمل. # قوله تعالى: (لاشية فيها) أي ليس فيها لون يخالف معظم لونها، هي صفراء ~~كلها لا بياض فيها ولا حمرة ولا سواد، كما قال: " فاقع لونها ". وأصل " شية ~~" وشي حذفت الواو كما حذفت من يشى، والأصل يوشى، ونظيره الزنة والعدة ~~والصلة. والشية مأخوذة من وشي الثوب إذا نسج على لونين مختلفين. وثور موشى: ~~في وجهه وقوائمه سواد. قال ابن عرفة: الشية اللون. ولا يقال لمن نم: واش، ~~حتى يغير الكلام ويلونه فجعله ضروبا ويزين منه ما شاء. والوشي: الكثرة. ~~ووشى بنو فلان: كثروا. ويقال: فرس أبلق، وكبش أخرج، وتيس أبرق، وغراب أبقع، ~~وثور أشيه. كل ذلك بمعنى البلقة، هكذا نص أهل اللغة. # وهذه الأوصاف في البقرة سببها أنهم شددوا فشدد الله عليهم، ودين الله ~~يسر، والتعمق في سؤال الأنبياء وغيرهم من العلماء مذموم، نسأل الله ~~العافية. وروي في قصص هذه البقرة روايات تلخيصها: أن رجلا من بني إسرائيل ~~ولد له ابن، وكانت له عجلة فأرسلها في غيضة وقال: اللهم إني أستودعك هذه ~~العجلة لهذا الصبي. ومات الرجل، فلما كبر الصبي قالت له أمه وكان برا بها: ~~إن أباك استودع الله عجلة لك فاذهب فخذها، فذهب فلما رأته البقرة جاءت إليه ~~حتى أخذ بقرنيها وكانت مستوحشة فجعل يقودها نحو أمه، فلقيه بنو إسرائيل ~~ووجدوا بقرة على الصفة التي أمروا بها، فساموه فاشتط عليهم. وكان قيمتها ~~على # PageV01P454 # ما روي عن عكرمة ثلاثة دنانير، فأتوا به موسى عليه السلام وقالوا: إن هذا ~~اشتط علينا، فقال لهم: أرضوه في ملكه، فاشتروها منه بوزنها مرة، قاله ~~عبيدة. السدي: بوزنها عشر مرات. وقيل: بملء ء مسكها دنانير. وذكر مكي: أن ~~هذه البقرة نزلت من السماء ولم تكن من بقر الأرض فالله أعلم. # قوله تعالى: (قالوا الآن جئت بالحق) أي بينت الحق، قاله قتادة. وحكى ~~الأخفش: # " قالوا الآن " قطع ألف الوصل، كما يقال: يا ألله. وحكى وجها آخر " قالوا ~~لان " بإثبات الواو. نظيره قراءة أهل ms0425 المدينة وأبى عمرو " عادا لولى " وقرأ ~~الكوفيون " قالوا الآن " بالهمز. وقراءة أهل المدينة " قال لان " بتخفيف ~~الهمز مع حذف الواو لالتقاء الساكنين. # قال الزجاج: " الآن " مبني على الفتح لمخالفته سائر ما فيه الألف واللام، ~~لان الألف واللام دخلتا لغير عهد، تقول: أنت إلى الآن هنا، فالمعنى إلى هذا ~~الوقت. فبنيت كما بنى هذا، وفتحت النون لالتقاء الساكنين. وهو عبارة عما ~~بين الماضي والمستقبل. # قوله تعالى: (وما كادوا يفعلون) أجاز سيبويه: كاد أن يفعل، تشبيها بعسى. ~~وقد تقدم أول السورة (1). وهذا إخبار عن تثبيطهم في ذبحها وقلة مبادرتهم ~~إلى أمر الله. وقال القرظي محمد بن كعب: لغلاء ثمنها. وقيل: خوفا من ~~الفضيحة على أنفسهم في معرفة القاتل منهم، قاله وهب بن منبه. # قوله تعالى: وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون ~~(72) قوله تعالى: (وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها) هذا الكلام مقدم على أول ~~القصة، التقدير: وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها. فقال موسى: إن الله يأمركم ~~بكذا. وهذا كقوله: # " الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا. قيما " [الكهف: ~~1 - 2] أي أنزل على عبده الكتاب قيما ولم يجعل له عوجا، ومثله كثير، وقد ~~بيناه أول القصة. # PageV01P455 # وفي سبب قتله قولان: أحدهما: لابنة له حسناء أحب أن يتزوجها ابن عمها ~~فمنعه عمه، فقتله وحمله من قريته إلى قرية أخرى فألقاه هناك. وقيل: ألقاه ~~بين قريتين. # الثاني: قتله طلبا لميراثه، فإنه كان فقيرا وادعى قتله على بعض الأسباط. ~~قال عكرمة: كان لبني إسرائيل مسجد له أثنا عشر بابا لكل باب قوم يدخلون ~~منه، فوجدوا قتيلا في سبط من الأسباط، فادعى هؤلاء على هؤلاء، وادعى هؤلاء ~~على هؤلاء، ثم أتوا موسى يختصمون إليه فقال: " إن الله يأمركم أن تذبحوا ~~بقرة " [البقرة: 67] الآية. ومعنى " ادارأتم " [البقرة: 72] الآية. اختلفتم ~~وتنازعتم، قاله مجاهد. وأصله تدارأتم ثم أدغمت التاء في الدال، ولا يجوز ~~الابتداء بالمدغم، لأنه ساكن فزيد ألف الوصل. # " والله مخرج " ابتداء وخبر. " ما كنتم " في موضع نصب ب‍ " مخرج "، ويجوز ~~حذف ms0426 التنوين على الإضافة. " تكتمون " جمله في موضع خبر كان والعائد محذوف ~~التقدير تكتمونه. # وعلى القول بأنه قتله طلبا لميراثه لم يرث قاتل عمد من حينئذ، قاله عبيدة ~~السلماني. # قال ابن عباس: قتل هذا الرجل عمه ليرثه. قال ابن عطية: وبمثله جاء شرعنا. ~~وحكى مالك رحمه الله في " موطئه " أن قصة أحيحة بن الجلاح في عمه هي كانت ~~سبب ألا يرث قاتل، ثم ثبت ذلك الاسلام كما ثبت كثيرا من نوازل الجاهلية. ~~ولا خلاف بين العلماء أنه لا يرث قاتل العمد من الدية ولا من المال، إلا ~~فرقة شذت عن الجمهور كلهم أهل بدع. # ويرث قاتل الخطأ من المال ولا يرث من الدية في قول مالك والأوزاعي وأبي ~~ثور والشافعي، لأنه لا يهتم على أنه قتله ليرثه ويأخذ ماله. وقال سفيان ~~الثوري وأبو حنيفة وأصحابه، والشافعي في قول له آخر: لا يرث القاتل عمدا ~~ولا خطأ شيئا من المال ولا من الدية. وهو قول شريح وطاوس والشعبي والنخعي. ~~ورواه الشعبي عن عمر وعلي وزيد قالوا: لا يرث القاتل عمدا ولا خطا شيئا. ~~وروي عن مجاهد القولان جميعا. وقالت طائفة من البصريين: # يرث قاتل الخطأ من الدية ومن المال جميعا، حكاه أبو عمر. وقول مالك أصح، ~~على ما يأتي بيانه في آية المواريث (1) إن شاء الله تعالى. # PageV01P456 # قوله تعالى: فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته ~~لعلكم تعقلون (73) قوله تعالى: (فقلنا اضربوه ببعضها) قيل: باللسان لأنه ~~آلة الكلام. وقيل: # بعجب الذنب، إذ فيه يركب خلق الانسان. وقيل: بالفخذ. وقيل: بعظم من ~~عظامها، والمقطوع به عضو من أعضائها، فلما ضرب به حيى وأخبر بقاتله ثم عاد ~~ميتا كما كان. # مسألة: استدل مالك رحمه الله في رواية ابن وهب وابن القاسم على صحة القول ~~بالقسامة بقول المقتول: دمى عند فلان، أو فلان قتلني. ومنعه الشافعي وجمهور ~~العلماء، قالوا: وهو الصحيح، لان قول المقتول: دمي عند فلان، أو فلان ~~قتلني، خبر يحتمل الصدق والكذب. ولا خلاف أن دم المدعى عليه معصوم ممنوع ~~إباحته ms0427 إلا بيقين، ولا يقين مع الاحتمال، فبطل اعتبار قول المقتول دمى عند ~~فلان. وأما قتيل بني إسرائيل فكانت معجزة وأخبر تعالى أنه يحييه، وذلك ~~يتضمن الاخبار بقاتله خبرا جزما لا يدخله احتمال، فافترقا. قال ابن العربي: ~~المعجزة كانت في إحيائه، فلما صار حيا كان كلامه كسائر كلام الناس كلهم في ~~القبول والرد. وهذا فن دقيق من العلم لم يتفطن له إلا مالك، وليس في القرآن ~~أنه إذا أخبر وجب صدقه، فلعله أمرهم بالقسامة معه واستبعد ذلك البخاري ~~والشافعي وجماعة من العلماء فقالوا: كيف يقبل قوله في الدم وهؤلاء لا يقبل ~~قوله في درهم. # مسألة: اختلف العلماء في الحكم بالقسامة، فروي عن سالم وأبى قلابة وعمر ~~بن عبد العزيز والحكم بن عيينة (1) التوقف في الحكم بها. وإليه مال ~~البخاري، لأنه أتى بحديث القسامة في غير موضعه. وقال الجمهور: الحكم ~~بالقسامة ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم اختلفوا في كيفية الحكم ~~بها، فقالت طائفة: يبدأ فيها المدعون بالايمان فإن حلفوا] استحقوا، وإن ~~نكلوا حلف المدعى عليهم خمسين يمينا وبرءوا. هذا قول أهل المدينة والليث ~~والشافعي وأحمد وأبي ثور. وهو مقتضى حديث حويصة ومحيصة، خرجه الأئمة مالك ~~وغيره. وذهبت # PageV01P457 # طائفة إلى أنه يبدأ بالايمان المدعى عليهم فيحلفون ويبرؤون. روي هذا عن ~~عمر بن الخطاب والشعبي والنخعي، وبه قال الثوري والكوفيون، واحتجوا بحديث ~~شعبة بن عبيد عن بشير ابن يسار، وفيه: فبدأ بالايمان المدعى عليهم وهم ~~اليهود. وبما رواه أبو داود عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن رجال ~~من الأنصار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لليهود وبدأ بهم: (أيحلف منكم ~~خمسون رجلا). فأبوا، فقال للأنصار: (استحقوا) فقالوا: # نحلف على الغيب يا رسول الله! فجعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم دية ~~على يهود، لأنه وجد بين أظهرهم. وبقوله عليه السلام: (ولكن اليمين على ~~المدعى عليه) فعينوا (1). قالوا: وهذا هو الأصل المقطوع به في الدعاوي الذي ~~نبه الشرع على حكمته بقوله عليه السلام (لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ms0428 ناس ~~دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه (2) رد عليهم أهل المقالة ~~الأولى فقالوا: حديث سعيد بن عبيد في تبدية اليهود وهم عند أهل الحديث، وقد ~~أخرجه النسائي وقال: ولم يتابع سعيد في هذه الرواية فيما أعلم، وقد أسند ~~حديث بشير عن سهل أن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ بالمدعين يحيى بن سعيد ~~وابن عيينة وحماد بن زيد وعبد الوهاب الثقفي وعيسى بن حماد وبشر بن المفضل، ~~فهؤلاء سبعة. وإن كان أرسله مالك فقد وصله جماعة الحفاظ، وهو أصح من حديث ~~سعيد بن عبيد. قال أبو محمد الأصيلي: # فلا يجوز أن يعترض بخبر واحد على خبر جماعة، مع أن سعيد بن عبيد قال في ~~حديثه: فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة من إبل الصدقة، والصدقة لا ~~تعطى في الديات ولا يصالح بها عن غير أهلها، وحديث أبي داود مرسل فلا تعارض ~~به الأحاديث الصحاح المتصلة، وأجابوا عن التمسك بالأصل بأن هذا الحكم أصل ~~بنفسه لحرمة الدماء. قال ابن المنذر: # ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل البينة على المدعي واليمين على ~~المدعى عليه، والحكم بظاهر ذلك يجب، إلا أن يخص الله في كتابه أو على لسان ~~نبيه صلى الله عليه وسلم حكما في شئ من الأشياء فيستثنى من جملة هذا الخبر. ~~فمما دل عليه الكتاب إلزام القاذف حد المقذوف إذا لم يكن معه أربعة شهداء ~~يشهدون له على صدق ما رمى به المقذوف وخص # PageV01P458 # من رمى زوجته بأن أسقط عنه الحد إذا شهد أربع شهادات. ومما خصته السنة ~~حكم النبي صلى الله عليه وسلم بالقسامة. وقد روي ابن جريج عن عطاء عن أبي ~~هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (البينة على من ادعى واليمين على ~~من أنكر إلا في القسامة). خرجه الدارقطني. وقد احتج مالك لهذه المسألة في ~~موطئه بما فيه كفاية، فتأمله هناك. # مسالة: واختلفوا أيضا في وجوب القود بالقسامة، فأوجبت طائفة القود بها، ~~وهو قول مالك والليث وأحمد وأبي ثور، ms0429 لقوله عليه السلام لحويصة ومحيصة وعبد ~~الرحمن: # (أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم). وروى أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن ~~جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل رجلا بالقسامة من بنى نضر بن مالك. ~~قال الدارقطني: # نسخة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده صحيحة، وكذلك أبو عمر بن عبد البر يصحح ~~حديث عمرو بن شعيب، ويحتج به، وقال البخاري: رأيت علي بن المديني وأحمد بن ~~حنبل والحميدي وإسحاق بن راهويه يحتجون به قاله الدارقطني في السنن. وقالت ~~طائفة: لا قود بالقسامة، وإنما توجب الدية. روي هذا عن عمر وابن عباس، وهو ~~قول النخعي والحسن، وإليه ذهب الثوري والكوفيون الشافعي وإسحاق، واحتجوا ~~بما رواه مالك عن ابن أبي ليلى بن عبد الله عن سهل بن أبي حثمة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قوله للأنصار: (إما أن يدوا صاحبكم وإما أن يؤذنوا ~~بحرب). قالوا: وهذا يدل على الدية لا على القود، قالوا: ومعنى قوله عليه ~~السلام: (وتستحقون دم صاحبكم) دية دم قتيلكم لان اليهود ليسوا بأصحاب لهم، ~~ومن استحق دية صاحبه فقد استحق دمه، لان الدية قد تؤخذ في العمد فيكون ذلك ~~استحقاقا للدم. # مسألة: الموجب للقسامة اللوث ولا بد منه. واللوث: أمارة تغلب على الظن ~~صدق مدعى القتل، كشهادة العدل الواحد على رؤية القتل، أو يرى المقتول يتشحط ~~(1) في دمه، والمتهم نحوه أو قربه عليه آثار القتل. وقد اختلف في اللوث ~~والقول به، فقال مالك: هو قول المقتول دمى عند فلان. والشاهد العدل لوث. ~~كذا في رواية ابن القاسم عنه. # PageV01P459 # وروى أشهب عن مالك أنه يقسم مع الشاهد غير العدل ومع المرأة. وروى ابن ~~وهب أن شهادة النساء لوث. وذكر محمد عن ابن القاسم أن شهادة المرأتين لوث ~~دون شهادة المرأة الواحدة. # قال القاضي أبو بكر بن العربي: اختلف في اللوث اختلافا كثيرا، مشهور ~~المذهب أنه الشاهد العدل. وقال محمد: هو أحب إلي. قال: وأخذ به ابن القاسم ~~وابن عبد الحكم. وروي عن عبد الملك بن مروان: ms0430 أن المجروح أو المضروب إذا ~~قال دمى عند فلان ومات كانت القسامة. وبه قال مالك والليث بن سعد. واحتج ~~مالك بقتيل بني إسرائيل أنه قال: # قتلني فلان. وقال الشافعي: اللوث الشاهد العدل، أو يأتي ببينة وإن لم ~~يكونوا عدولا. # وأوجب الثوري والكوفيون القسامة بوجود القتيل فقط، واستغنوا عن مراعاة ~~قول المقتول وعن الشاهد، قالوا: إذا وجد قتيل في محلة قوم وبه أثر حلف أهل ~~ذلك الموضع أنهم لم يقتلوه ويكون عقله عليهم، وإذا لم يكن به أثر لم يكن ~~على العاقلة شئ إلا أن تقوم البينة على واحد. وقال سفيان: وهذا مما أجمع ~~عليه عندنا، وهو قول ضعيف خالقوا فيه أهل العلم، ولا سلف لهم فيه، وهو ~~مخالف للقرآن والسنة، ولأن فيه إلزام العاقلة مالا بغير بينة ثبتت عليهم ~~ولا إقرار منهم. وذهب مالك والشافعي إلى أن القتيل إذا وجد في محلة قوم أنه ~~هدر، لا يؤخذ به أقرب الناس دارا، لان القتيل قد يقتل ثم يلقى على باب قوم ~~ليلطخوا به، فلا يؤاخذ بمثل ذلك حتى تكون الأسباب التي شرطوها في وجوب ~~القسامة. وقد قال عمر بن عبد العزيز: هذا مما يؤخر فيه القضاء حتى يقضى ~~الله فيه يوم القيامة. # مسأله: قال القاسم بن مسعدة قلت للنسائي: لا يقول مالك بالقسامة إلا ~~باللوث، فلم أورد حديث القسامة ولا لوث فيه؟ قال النسائي: أنزل مالك ~~العداوة التي كانت بينهم وبين اليهود بمنزلة اللوث، وأنزل اللوث أو قول ~~الميت بمنزلة العداوة. قال ابن أبي زيد: # وأصل هذا في قصة بني إسرائيل حين أحيا الله الذي ضرب ببعض البقرة فقال: ~~قتلني فلان، وبأن العداوة لوث. قال الشافعي: ولا نرى قول المقتول لوثا، كما ~~تقدم. قال الشافعي: PageV01P460 # إذا كان بين قوم وقوم عداوة ظاهرة كالعداوة التي كانت بين الأنصار ~~واليهود، ووجد قتيل في أحد الفريقين ولا يخالطهم غيرهم وجبت القسامة فيه. # مسألة: واختلفوا في القتيل بوجد في المحلة التي أكراها أربابها، فقال ~~أصحاب الرأي: هو على أهل الخطة وليس على السكان شئ، فإن ms0431 باعوا دورهم ثم وجد ~~قتيل فالدية على المشتري وليس على السكان شئ، وإن كان أرباب الدور غيبا وقد ~~أكروا دورهم فالقسامة والدية على أرباب الدور الغيب وليس على السكان الذين ~~وجد القتيل بين أظهرهم شئ. # ثم رجع يعقوب من بينهم عن هذا القول فقال: القسامة والدية على السكان في ~~الدور. # وحكى هذا القول عن ابن أبي ليلى، واحتج بأن أهل خيبر كانوا عمالا سكانا ~~يعملون فوجد القتيل فيهم. قال الثوري ونحن نقول: هو على أصحاب الأصل، يعني ~~أهل الدور. وقال أحمد: # القول قول ابن أبي ليلى في القسامة لا في الدية. وقال الشافعي: وذلك كله ~~سواء، ولا عقل ولا قود إلا ببينة تقوم، أو ما يوجب القسامة فيقسم الأولياء. ~~قال ابن المنذر: وهذا أصح. # مسالة: ولا يحلف في القسامة أقل من خمسين يمينا، لقوله عليه السلام في ~~حديث حويصة ومحيصة: (يقسم خمسين منكم على رجل منهم). فإن كان المستحقون ~~خمسين حلف كل واحد منهم يمينا واحدة، فإن كانوا أقل من ذلك أو نكل منهم من ~~لا يجوز عفوه ردت الايمان عليهم بحسب عددهم. ولا يحلف في العمد أقل من ~~اثنين من الرجال، لا يحلف فيه الواحد من الرجال ولا النساء، يحلف الأولياء ~~ومن يستعين بهم الأولياء من العصبة خمسين يمينا. هذا مذهب مالك والليث ~~والثوري والأوزاعي وأحمد وداود. وروى مطرف عن مالك أنه لا يحلف مع المدعى ~~عليه أحد ويحلف هم أنفسهم كما لو كانوا واحدا فأكثر خمسين يمينا يبرئون بها ~~أنقسهم، وهو قول الشافعي. قال الشافعي: لا يقسم إلا وارث، كان القتل عمدا ~~أو خطأ. ولا يحلف على مال ويستحقه إلا من له الملك لنفسه أو من جعل الله له ~~الملك من الورثة، والورثة يقسمون على قدر مواريثهم. وبه قال أبو ثور ~~واختاره ابن المنذر وهو الصحيح، لان من لم يدع عليه لم يكن له سبب يتوجه ~~عليه فيه يمين. ثم مقصود هذه PageV01P461 # الايمان البراءة من الدعوى ومن لم يدع عليه برئ. وقال مالك في الخطأ: ~~يحلف فيها الواحد ms0432 من الرجال والنساء، فمهما كملت خمسين يمينا من واحد أو ~~أكثر أستحق الحالف ميراثه، ومن نكل لم يستحق شيئا، فإن جاء من غاب حلف من ~~الايمان ما كان يجب عليه لو حضر بحسب ميراثه. هذا قول مالك المشهور عنه، ~~وقد روى عنه أنه لا يرى في الخطأ قسامة. # وتتميم مسائل القسامة وفروعها وأحكامها مذكور في كتب الفقه والخلاف، ~~وفيما ذكرناه كفاية، والله الموفق. # مسألة: في قصة البقرة هذه دليل على أن شرع من قبلنا شرع لنا، وقال به ~~طوائف من المتكلمين وقوم من الفقهاء، واختاره الكرخي ونص عليه ابن بكير ~~القاضي من علمائنا، وقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب: هو الذي تقتضيه أصول ~~مالك ومنازعه في كتبه، وإليه مال الشافعي، وقد قال الله: " فبهداهم اقتده " ~~[الانعام: 90] على ما يأتي (1) إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: (كذلك يحيى الله الموتى) أي كما أحيا هذا بعد موته كذلك يحيى ~~الله كل من مات فالكاف في موضع نصب، لأنه نعت لمصدر محذوف. (ويريكم آياته) ~~أي علاماته وقدرته. (لعلكم تعقلون) كي تعقلوا. وقد تقدم (2). أي تمتنعون من ~~عصيانه. وعقلت نفسي عن كذا أي منعتها منه والمعاقل: الحصون. # وقوله تعالى: ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من ~~الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها ~~لما يهبط من خشية الله وما الله بغافل عما تعملون (74) قوله تعالى: (ثم قست ~~قلوبكم من بعد ذلك) القسوة: الصلابة والشدة واليبس وهي عبارة عن خلوها من ~~الإنابة والاذعان لآيات الله تعالى. قال أبو العالية وقتادة وغيرهما: # PageV01P462 # المراد قلوب جميع بني إسرائيل. وقال ابن عباس: المراد قلوب ورثة القتيل، ~~لأنهم حين حيي وأخبر بقاتله وعاد إلى موته أنكروا قتله، وقالوا: كذب، بعد ~~ما رأوا هذه الآية العظمى، فلم يكونوا قط أعمى قلوبا، ولا أشد تكذيبا ~~لنبيهم منهم عند ذلك، لكن نفذ حكم الله بقتله. # روى الترمذي عن عبد الله بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه ms0433 وسلم: ~~(لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب ~~وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي). وفى مسند البزار عن أنس قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أربعة من الشقاء جمود العين وقساء (1) ~~القلب وطول الامل والحرص على الدنيا). # قوله تعالى: (فهي كالحجارة أو أشد قسوة) " أو " قيل: هي بمعنى الواو كما ~~قال: # " آثما أو كفورا " [الانسان: 24]. " عذرا أو نذرا " وقال الشاعر: # * نال الخلافة أو كانت له قدرا * أي وكانت. وقيل: هي بمعنى بل، كقوله ~~تعالى: " وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون " (2) [الصافات: 147] المعنى بل ~~يزيدون. وقال الشاعر: # بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى * وصورتها أو أنت في العين أملح (3) أي ~~بل أنت وقيل: معناها الابهام على المخاطب، ومنه قول أبي الأسود الدؤلي أحب ~~محمدا حبا شديدا * وعباسا وحمزة أو عليا فإن يك حبهم رشدا أصبه * ولست ~~بمخطئ إن كان غيا ولم يشك أبو الأسود أن حبهم رشد ظاهر، وإنما قصد الابهام. ~~وقد قيل لأبي الأسود حين قال ذلك: شككت! قال: كلا، ثم استشهد بقوله تعالى: ~~" وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين " (4) [سبأ: 24] وقال: أو كان ~~شاكا من أخبر بهذا! وقيل: معناها التخيير، أي شبهوها بالحجارة # PageV01P463 # تصيبوا، أو بأشد من الحجارة تصيبوا، وهذا كقول القائل: جالس الحسن أو ابن ~~سيرين، وتعلم الفقه أو الحديث أو النحو. وقيل: بل هي على بابها من الشك، ~~ومعناها عندكم أيها المخاطبون وفي نظركم أن لو شاهدتم قسوتها لشككتم: أهي ~~كالحجارة أو أشد من الحجارة؟ وقد قيل هذا المعنى في قوله تعالى: " إلى مائة ~~الف أو يزيدون " [الصافات: 147]. وقالت فرقة: إنما أراد الله تعالى أن فيهم ~~من قلبه كالحجر،. وفيهم من قلبه أشد من الحجر. فالمعنى هم فرقتان. # قوله تعالى: (أو أشد) " أشد " مرفوع بالعطف على موضع الكاف في قوله " ~~كالحجارة "، لان المعنى فهي مثل الحجارة أو أشد. ويجوز أو " أشد " بالفتح ~~عطف على الحجارة. # و " قسوة " نصب على التمييز. وقرأ أبو حياة ms0434 " قساوة " والمعنى واحد. # قوله تعالى: (وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق ~~فيخرج منه الماء) قد تقدم معنى الانفجار (1). ويشقق أصله يتشقق، أدغمت ~~التاء في الشين، وهذه عبارة عن العيون التي لم تعظم حتى تكون أنهارا، أو عن ~~الحجارة التي تتشقق وإن لم يجر ماء منفسح. وقرأ ابن مصرف " ينشقق " بالنون، ~~وقرأ " لما يتفجر " " لما يتشقق " بتشديد " لما " في الموضعين. وهي قراءة ~~غير متجهة. وقرأ مالك بن دينار " ينفجر " بالنون وكسر الجيم. # قال قتادة: عذر الحجارة ولم يعذر شقي بني آدم. قال أبو حاتم: يجوز لما ~~تتفجر بالتاء، ولا يجوز لما تتشقق بالتاء، لأنه إذا قال تتفجر أنثه بتأنيث ~~الأنهار، وهذا لا يكون في تشقق. قال النحاس: يجوز ما أنكره على المعنى، لان ~~المعنى وأن منها لحجارة تتشقق، وأما يشقق فمحمول على لفظ ما. والشق واحد ~~الشقوق، فهو في الأصل مصدر، تقول: # بيد فلان ورجليه شقوق، ولا تقل: شقاق، إنما الشقاق داء يكون بالدواب، وهو ~~تشقق يصيب أرساغها وربما أرتفع إلى وظيفها (2)، عن يعقوب. والشق: الصبح. و ~~" ما " في قوله: # PageV01P464 # " لما يتفجر " في موضع نصب، لأنها اسم إن واللام للتأكيد. " منه " على ~~لفظ ما، ويجوز منها على المعنى، وكذلك " وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء ~~". وقرأ قتادة " وإن " في الموضعين، مخففة من الثقيلة قوله تعالى: (وإن ~~منها لما يهبط من خشية الله) يقول إن من الحجارة ما هو أنفع من قلوبكم، ~~لخروج الماء منها وترديها. قال مجاهد: ما تردى حجر من رأس جبل، ولا تفجر ~~نهر من حجر، ولا خرج منه ماء إلا من خشية الله، نزل بذلك القرآن الكريم. ~~ومثله عن ابن جريج. وقال بعض المتكلمين في قوله: " وإن منها لما يهبط من ~~خشية الله ": البرد الهابط من السحاب. وقيل: لفظة الهبوط مجاز، وذلك أن ~~الحجارة لما كانت القلوب تعتبر بخلقها، وتخشع بالنظر إليها، أضيف تواضع ~~الناظر إليها، كما قالت العرب: ناقة تاجرة، أي تبعث من يراها على شرائها. ~~وحكى الطبري عن فرقة أن ms0435 الخشية للحجارة مستعارة، كما استعيرت الإرادة ~~للجدار في قوله: " يريد أن ينقض " وكما قال زيد الخيل: (1) لما أتى خبر ~~الزبير تواضعت * سور المدينة والجبال الخشع وذكر ابن بحر أن الضمير في قوله ~~تعالى: " وإن منها " راجع إلى القلوب لا إلى الحجارة أي من القلوب لما يخضع ~~من خشيه الله. # قلت: كل ما قيل يحتمله اللفظ، والأول صحيح، فإنه لا يمتنع أن يعطى بعض ~~الجمادات المعرفة فيعقل، كالذي روي عن الجذع الذي كان يستند إليه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إذا خطب، فلما تحول عنه حن، وثبت عنه أنه قال: (إن حجرا ~~كان يسلم علي في الجاهلية # PageV01P465 # إني لأعرفه الآن). وكما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (قال لي ~~ثبير (1) اهبط فإني أخاف أن يقتلوك على ظهري فيعذبني الله). فناداه حراء: ~~إلي يا رسول الله. وفى التنزيل: # " إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال " (2) [الأحزاب: 72] ~~الآية. وقال: " لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية ~~الله " (3) [الحشر: 21] يعني تذللا وخضوعا، وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة ~~" سبحان " (4) إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: (وما الله بغافل عما تعملون) " بغافل " في موضع نصب على لغة ~~أهل الحجاز، وعلى لغة تميم في موضع رفع. والياء توكيد. " عما تعملون " أي ~~عن عملكم حتى لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا يحصيها عليكم، " فمن يعمل مثقال ~~ذرة خيرا يره. ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره " (5) [الزلزلة: 7، 8]. ولا ~~تحتاج " ما " إلى عائد إلا أن يجعلها بمعنى الذي فيحذف العائد لطول الاسم، ~~أي عن الذي تعملونه. وقرأ ابن كثير " يعملون " بالياء، والمخاطبة على هذا ~~لمحمد عليه السلام. # تم الجزء الأول من تفسير القرطبي يتلوه إن شاء الله تعالى الجزء الثاني، ~~وأوله قوله تعالى: (أفتطمعون أن يؤمنوا لكم) الآية. # PageV01P466 # الجامع لاحكام القرآن لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي الجزء ~~الثاني أعاد طبعه دار احياء التراث العربي بيروت - لبنان 1405 ه‍ 1985 م ~~بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: أفتطمعون أن يؤمنوا ms0436 لكم وقد كان فريق ~~منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون (75) فيه ~~أربع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " أفتطمعون أن يؤمنوا لكم " هذا استفهام فيه معنى ~~الانكار، كأنه أيأسهم من إيمان هذه الفرقة من اليهود، أي إن كفروا فلهم ~~سابقة في ذلك. والخطاب لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. وذلك أن الأنصار ~~كان لهم حرص على إسلام اليهود للحلف والجوار الذي كان بينهم. وقيل: الخطاب ~~للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة، عن ابن عباس. # أي لا تحزن على تكذيبهم إياك، وأخبره أنهم من أهل السوء الذين مضوا. و " ~~أن " في موضع نصب، أي في أن يؤمنوا، نصب بأن، ولذلك حذفت منه النون. # يقال: طمع فيه طمعا وطماعية - مخفف - فهو طمع، على وزن فعل. وأطمعه فيه ~~غيره. ويقال في التعجب: طمع الرجل - بضم الميم - أي صار كثير الطمع. ~~والطمع: # رزق الجند، يقال: أمر لهم الأمير بأطماعهم، أي بأرزاقهم. وامرأة مطماع: ~~تطمع ولا تمكن. # الثانية - قوله تعالى: " وقد كان فريق منهم " الفريق اسم جمع لا واحد له ~~من لفظه، وجمعه في أدنى العدد أفرقة، وفي الكثير أفرقاء. " يسمعون " في ~~موضع نصب خبر " كان ". ويجوز أن يكون الخبر " منهم "، ويكون " يسمعون " ~~نعتا لفريق، وفيه بعد. # " كلام الله " قراءة الجماعة. وقرأ الأعمش " كلم الله " على جمع كلمة. ~~قال سيبويه: وأعلم أن ناسا من ربيعة يقولون " منهم " بكسر الهاء اتباعا ~~لكسرة الميم، ولم يكن المسكن حاجزا حصينا عنده. " كلام الله " مفعول ب " ~~يسمعون ". والمراد السبعون الذين اختارهم موسى عليه PageV02P001 # السلام، فسمعوا كلام الله فلم يمتثلوا أمره، وحرفوا القول في إخبارهم ~~لقومهم. هذا قول الربيع وابن إسحاق، وفي هذا القول ضعف. ومن قال: إن ~~السبعين سمعوا ما سمع موسى فقد أخطأ، وأذهب بفضيلة موسى واختصاصه بالتكليم. ~~وقد قال السدي وغيره: لم يطيقوا سماعه، واختلطت أذهانهم ورغبوا أن يكون ~~موسى يسمع ويعيده لهم، فلما فرغوا وخرجوا بدلت طائفة منهم ما سمعت من كلام ~~الله على لسان نبيهم موسى عليه السلام، كما قال تعالى: ms0437 # " وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله " (1). # فإن قيل: فقد روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أن قوم موسى سألوا موسى ~~أن يسأل ربه أن يسمعهم كلامه، فسمعوا صوتا كصوت الشبور: (2) " إني أنا الله ~~لا إله إلا أنا الحي القيوم أخرجتكم من مصر بيد رفيعة وذراع شديدة ". # قلت: هذا حديث باطل لا يصح، رواه ابن مروان عن الكلبي وكلاهما ضعيف لا ~~يحتج به، وإنما الكلام شئ خص به موسى من بين جميع ولد آدم، فإن كان كلم ~~قومه أيضا حتى أسمعهم كلامه فما فضل موسى عليهم، وقد قال وقوله الحق: " إني ~~اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي " (3). وهذا واضح. # الثالثة - واختلف الناس بماذا عرف موسى كلام الله ولم يكن سمع قبل ذلك ~~خطابه، فمنهم من قال: إنه سمع كلاما ليس بحروف وأصوات، وليس فيه تقطيع ولا ~~نفس، فحينئذ علم أن ذلك ليس هو كلام البشر وإنما هو كلام رب العالمين. وقال ~~آخرون: إنه لما سمع كلاما لا من جهة، وكلام البشر يسمع من جهة من الجهات ~~الست، علم أنه ليس من كلام البشر. وقيل: إنه صار جسده كله مسامع حتى سمع ~~بها ذلك الكلام، فعلم أنه كلام الله. وقيل فيه: إن المعجزة دلت على أن ما ~~سمعه هو كلام الله، وذلك أنه قيل له: ألق عصاك، فألقاها فصارت ثعبانا، فكان ~~ذلك علامة على صدق الحال، وأن الذي يقول له: # " إني أنا ربك " (4) هو الله عز وجل. وقيل: إنه قد كان أضمر في نفسه شيئا ~~لا يقف عليه # PageV02P002 # إلا علام الغيوب، فأخبره الله تعالى في خطابه بذلك الضمير، فعلم أن الذي ~~يخاطبه هو الله جل وعز. وسيأتي في سورة " القصص " بيان معنى قوله تعالى: " ~~نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة " (1) إن شاء ~~الله تعالى. الرابعة - قوله تعالى: " ثم يحرفونه " قال مجاهد والسدي: هم ~~علماء اليهود الذين يحرفون التوراة فيجعلون الحرام حلالا والحلال حراما ~~اتباعا لأهوائهم. " من بعد ما عقلوه " أي عرفوه وعلموه. وهذا ms0438 توبيخ لهم، أي ~~إن هؤلاء اليهود قد سلفت لآبائهم أفاعيل سوء وعناد، فهؤلاء على ذلك السنن، ~~فكيف تطمعون في إيمانهم!. # ودل هذا الكلام أيضا على أن العالم بالحق المعاند فيه بعيد من الرشد، ~~لأنه علم الوعد والوعيد ولم ينهه ذلك عن عناده. قوله تعالى: وإذا لقوا ~~الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح ~~الله عليكم ليحاجوكم به ى عند ربكم أفلا تعقلون (76) أو لا يعلمون أن الله ~~يعلم ما يسرون وما يعلنون (77) قوله تعالى - " وإذا لقوا الذين آمنوا آمنا ~~" هذا المنافقين. وأصل " لقوا " لقيوا، وقد تقدم (2). " وإذ خلا بعضهم إلى ~~بعض " الآية في اليهود، وذلك أن ناسا منهم أسلموا ثم نافقوا، فكانوا يحدثون ~~المؤمنين من العرب بما عذب به آباؤهم، فقالت لهم اليهود: # " أتحدثونهم بما فتح الله عليكم " أي حكم الله عليكم من العذاب، ليقولوا ~~نحن أكرم على الله منكم، عن ابن عباس والسدي. وقيل: إن عليا لما نازل قريظة ~~يوم خيبر سمع سب رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى فانصرف إليه وقال: يا ~~رسول الله، لا تبلغ إليهم، وعرض له، فقال: " أظنك سمعت شتمي منهم لو رأوني ~~لكفوا عن ذلك " ونهض إليهم، فلما رأوه أمسكوا، فقال لهم: (أنقضتم العهد يا ~~إخوة القردة والخنازير أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته) فقالوا: # PageV02P003 # ما كنت جاهلا يا محمد فلا تجهل علينا، من حدثك بهذا؟ ما خرج هذا الخبر ~~إلا من عندنا! # روي هذا المعنى عن مجاهد. # قوله تعالى: " وإذا خلا " الأصل في " خلا " خلو، قلبت الواو ألفا لتحركها ~~وانفتاح ما قبلها، وتقدم معنى " خلا " في أول السورة (1). ومعنى " فتح " ~~حكم. والفتح عند العرب: # القضاء والحكم، ومنه قوله تعالى: " ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق ~~وأنت خير الفاتحين " (2) أي الحاكمين، والفتاح: القاضي بلغة اليمن، يقال: ~~بيني وبينك الفتاح، قيل ذلك لأنه ينصر المظلوم على الظالم. والفتح: النصر، ~~ومنه قوله: " يستفتحون على الذين كفروا "، (3)، وقوله: " إن تستفتحوا فقد ~~جاءكم الفتح " (4). ويكون بمعنى الفرق بين الشيئين. # قوله تعالى: " ليحاجوكم ms0439 " نصب بلام كي، وإن شئت بإضمار أن، وعلامة النصب، ~~حذف النون. قال يونس: وناس من العرب يفتحون لام كي. قال الأخفش: لان الفتح ~~الأصل. قال خلف الأحمر: هي لغة بني العنبر. ومعنى " ليحاجوكم " ليعيروكم، ~~ويقولوا نحن أكرم على الله منكم. وقيل: المعنى ليحتجوا عليكم بقولكم، ~~يقولون كفرتم به بعد أن وقفتم على صدقه. وقيل: إن الرجل من اليهود كان يلقي ~~صديقه من المسلمين فيقول له: تمسك بدين محمد فإنه نبي حقا. " عند ربكم " ~~قيل في الآخرة، كما قال: " ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون " (5). ~~وقيل: عند ذكر ربكم. وقيل: " عند " بمعنى " في " أي ليحاجوكم به في ربكم، ~~فيكونوا أحق به منكم لظهور الحجة عليكم، وروي عن الحسن. والحجة: الكلام ~~المستقيم على الاطلاق، ومن ذلك محجة الطريق. وحاججت فلانا فحججته، أي غلبته ~~بالحجة. ومنه الحديث: (فحج آدم موسى). " أفلا تعقلون " قيل: هو من قول ~~الأحبار للاتباع. وقيل: هو خطاب من الله تعالى للمؤمنين، أي أفلا تعقلون أن ~~بني إسرائيل لا يؤمنون وهم بهذه الأحوال. ثم وبخهم توبيخا يتلى فقال: " ~~أولا يعلمون " الآية. فهو استفهام معناه التوبيخ والتقريع. وقرأ الجمهور " ~~يعلمون " بالياء، وابن محيصن بالتاء، خطابا للمؤمنين. والذي أسروه كفرهم، ~~والذي أعلنوه الجحد به. # PageV02P004 # قوله تعالى. ومنهم أميون لا يعلمون الكتب إلا أماني وإن هم إلا يظنون ~~(87). # فيه أربع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " ومنهم أميون " أي من اليهود. وقيل: من اليهود ~~والمنافقين أميون، أي من لا يكتب ولا يقرأ، واحدهم أمي، منسوب إلى الأمة ~~الأمية التي هي على أصل ولادة أمهاتها لم تتعلم الكتابة ولا قراءتها، ومنه ~~قوله عليه السلام: (إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب) الحديث. وقد قيل لهم ~~إنهم أميون لأنهم لم يصدقوا بأم الكتاب، عن ابن عباس. وقال أبو عبيدة: إنما ~~قيل لهم أميون لنزول الكتاب عليهم، كأنهم نسبوا إلى أم الكتاب، فكأنه قال: ~~ومنهم أهل الكتاب لا يعلمون الكتاب. عكرمة والضحاك: # هم نصارى العرب. وقيل: هم قوم من أهل الكتاب، رفع كتابهم لذنوب ارتكبوها ~~فصاروا أميين. ms0440 علي رضي الله عنه: هم المجوس. # قلت: والقول الأول أظهر، والله أعلم. # الثانية - قوله تعالى " لا يعلمون الكتاب إلا أماني " " إلا " ها هنا ~~بمعنى لكن، فهو استثناء منقطع، كقوله تعالى: " وما لهم به من علم إلا اتباع ~~الظن " (1). وقال النابغة: # حلفت يمينا غير ذي مثنوية (2) * ولا علم إلا حسن ظن بصاحب وقرأ أبو جعفر ~~وشيبة والأعرج " إلا أماني " خفيفة الياء، حذفوا إحدى الياءين استخفافا. # قال أبو حاتم: كل ما جاء من هذا النحو واحده مشدد، فلك فيه التشديد ~~والتخفيف، مثل أثافي وأغاني وأماني، ونحوه. وقال الأخفش: هذا كما يقال في ~~جميع مفتاح: مفاتيح ومفاتح، وهي ياء الجمع. قال النحاس: الحذف في المعتل ~~أكثر، كما قال الشاعر (3): # وهل يرجع التسليم أو يكشف العمى * ثلاث الأثافي والرسوم البلاقع (4) # PageV02P005 # والأماني جمع أمنية وهي التلاوة، وأصلها أمنوية على وزن أفعولة، فأدغمت ~~الواو في الياء فانكسرت النون من أجل الياء فصارت أمنية، ومنه قوله تعالى: ~~" إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته (1) " أي إذا تلا ألقى الشيطان في ~~تلاوته. وقال كعب بن مالك: # تمنى كتاب الله أول ليلة * وآخره لاقى حمام المقادر وقال آخر: # تمنى كتاب الله آخر ليله * تمني داود الزبور على رسل والأماني أيضا ~~الأكاذيب، ومنه قول عثمان رضي الله عنه: ما تمنيت منذ أسلمت، أي ما كذبت. ~~وقول بعض العرب لابن دأب وهو يحدث: أهذا شئ رويته أم شئ تمنيته؟ # أي افتعلته. وبهذا المعنى فسر ابن عباس ومجاهد " أماني " في الآية. ~~والأماني أيضا ما يتمناه الانسان ويشتهيه. قال قتادة: " إلا أماني " يعني ~~أنهم يتمنون على الله ما ليس لهم. وقيل: # الأماني التقدير، يقال: مني له أي قدر، قال الجوهري، وحكاه ابن بحر، ~~وأنشد قول الشاعر: لا تأمنن وإن أمسيت في حرم * حتى تلاقي ما يمني لك ~~ألماني (2) أي يقدر لك المقدر. # الثالثة - قوله تعالى " وإن هم إلا يظنون " " إن " بمعنى ما النافية، كما ~~قال تعالى: " إن الكافرون إلا في غرور ". و " يظنون " يكذبون ويحدثون، ~~لأنهم لا علم لهم بصحة ما يتلون، وإنما ms0441 هم مقلدون لأحبارهم فيها يقرءون به. # قال أبو بكر الأنباري: وقد حدثنا أحمد بن يحيى النحوي أن العرب تجعل الظن ~~علما وشكا وكذبا، وقال: إذا قامت براهين العلم فكانت أكثر من براهين الشك ~~فالظن يقين، وإذا اعتدلت براهين اليقين وبراهين الشك فالظن شك، وإذا زادت ~~براهين الشك على براهين اليقين فالظن كذب، قال الله عز وجل " وإن هم إلا ~~يظنون " أراد إلا يكذبون. # الرابعة - قال علماؤنا رحة الله عليهم: نعت الله تعالى أحبارهم بأنه ~~يبدلون ويحرقون فقال وقوله الحق: " فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم " ~~الآية. وذلك أنه لما درس # PageV02P006 # الامر فيهم، وساءت رعية علمائهم، وأقبلوا على الدنيا حرصا وطمعا، طلبوا ~~أشياء تصرف وجوه الناس إليهم، فأحدثوا في شريعتهم وبدلوها، وألحقوا ذلك ~~بالتوراة، وقالوا لسفهائهم: # هذا من عند الله، ليقبلوها عنهم فتتأكد رياستهم وينالوا به حطام الدنيا ~~وأوساخها. وكان مما أحدثوا فيه أن قالوا: ليس علينا في الأميين سبيل، وهم ~~العرب، أي ما أخذنا من أموالهم فهو حل لنا. وكان مما أحدثوا فيه أن قالوا: ~~لا يضرنا ذنب، فنحن أحباؤه وأبناؤه، تعالى الله عن ذلك! وإنما كان في ~~التوراة " يا أحباري ويا أبناء رسلي " فغيروه وكتبوا " يا أحبائي ويا ~~أبنائي " فأنزل الله تكذيبهم: " وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله ~~وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم (1) ". فقالت: لن يعذبنا الله، وإن عذبنا ~~فأربعين يوما مقدار أيام العجل، فأنزل الله تعالى: " وقالوا لن تمسنا النار ~~إلا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا (2) ". # قال ابن مقسم: يعني توحيدا، بدليل قوله تعالى: " إلا من اتخذ عند الرحمن ~~عهدا (3) " يعني لا إله إلا الله " فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ~~ما لا تعلمون ". ثم أكذبهم فقال: # " بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون. ~~والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون (4) ". ~~فبين تعالى أن الخلود في النار والجنة إنما هو بحسب الكفر والايمان، لا بما ~~قالوه. قوله تعالى: فويل للذين يكتبون الكتب بأيديهم ثم يقولون هذا ms0442 من عند ~~الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتب أيديهم وويل لهم مما يكسبون ~~(79) فيه خمس مسائل: الأولى - قوله: " فويل " اختلف في الويل (5) ما هو، ~~فروى عثمان بن عفان عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه جبل من نار. وروى ~~أبو سعيد الخدري أن الويل واد في جهنم بين # PageV02P007 # جبلين يهوى فيه الهاوي أربعين خريفا. وروى سفيان وعطاء بن يسار: أن الويل ~~في هذه الآية واد يجرى بفناء جهنم من صديد أهل النار. وقيل: صهريج في جهنم. ~~وحكى الزهراوي عن آخرين: أنه باب من أبواب جهنم. وعن ابن عباس: الويل ~~المشقة من العذاب. # وقال الخليل: الويل شدة الشر (1). الأصمعي: الويل تفجع، والويح ترحم. ~~سيبويه: ويل لمن وقع في الهلكة، وويح زجر لمن أشرف على الهلكة. ابن عرفة: ~~الويل الحزن، يقال: # تويل الرجل إذا دعا بالويل، وإنما يقال ذلك عند الحزن والمكروه، ومنه ~~قوله، " فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ". وقيل: أصله الهلكة، وكل من ~~وقع في هلكة دعا بالويل، ومنه قوله تعالى: " يا ويلتنا مال هذا الكتاب (2) ~~". وهي الويل والويلة، وهما الهلكة، والجمع الويلات، قال: # * له الويل إن أمسى ولا أم هاشم * وقال أيضا: * فقالت لك الويلات إنك مر ~~جلى * وارتفع " ويل " بالابتداء، وجاز الابتداء به وإن كان نكرة لان فيه ~~معنى الدعاء. قال الأخفش: ويجوز النصب على إضمار فعل، أي ألزمهم الله ويلا. ~~وقال الفراء: الأصل في الويل " وي " أي حزن، كما تقول: وي لفلان، أي حزن ~~له، فوصلته العرب باللام وقدروها منه فأعربوها. والأحسن فيه إذا فصل عن ~~الإضافة الرفع، لأنه يقتضى الوقوع. # ويصح النصب على معنى الدعاء، كما ذكرنا. # قال الخليل: ولم يسمع على بنائه إلا ويح وويس وويه وويك وويل وويب، وكله ~~يتقارب في المعنى. وقد فرق بينها انتصاب المصادر ويله وعوله وويحه وويسه، ~~إذا أدخلت اللام رفعت فقلت: ويل له، وويح له. # الثانية - قوله تعالى: " للذين يكتبون " الكتابة معروفة. وأول من كتب ~~بالقلم وخط به إدريس عليه السلام، وجاء ذلك في حديث أبي ms0443 ذر، خرجه الآجري ~~وغيره. وقد قيل: إن آدم عليه السلام أعطى الخط فصار وراثة في ولده. # PageV02P008 # الثالثة - قوله تعالى: " بأيديهم " تأكيد، فإنه قد علم أن الكتب لا يكون ~~إلا باليد، فهو مثل قوله: " ولا طائر يطير بجناحيه "، وقوله " يقولون ~~بأفواههم " وقيل: فائدة " بأيديهم " بيان لجرمهم وإثبات لمجاهرتهم، فإن من ~~تولى الفعل أشد مواقعة ممن لم يتوله وإن كان رأيا له. وقال ابن السراج: " ~~بأيديهم " كناية عن أنهم من تلقائهم دون أن ينزل عليهم، وإن لم تكن حقيقة ~~في كتب أيديهم. # الرابعة - في هذه الآية والتي قبلها التحذير من التبديل والتغيير ~~والزيادة في الشرع، فكل من بدل وغير أو ابتدع في دين الله ما ليس منه ولا ~~يجوز فيه فهو داخل تحت هذا الوعيد الشديد، والعذاب الأليم، وقد حذر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أمته لما قد علم ما يكون في آخر الزمان فقال: (ألا ~~من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين ملة وإن هذه الأمة ~~ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة) الحديث، وسيأتي. ~~فحذرهم أن يحدثوا من تلقاء أنفسهم في الدين خلاف كتاب الله أو سنته أو سنة ~~أصحابه فيضلوا به الناس، وقد وقع ما حدره وشاع،. كثر وذاع، فإنا لله وإنا ~~إليه راجعون. الخامسة - قوله تعالى: " ليشتروا به ثمنا قليلا " وصف الله ~~تعالى ما يأخذونه بالقلة، إما لفنائه وعدم ثباته، وإما لكونه حراما، لان ~~الحرام لا بركة فيه ولا يربو عند الله. قال ابن إسحاق والكلبي: كانت صفة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتابهم ربعة أسمر، فجعلوه آدم سبطا طويلا، ~~وقالوا لأصحابهم وأتباعهم: انظروا إلى صفة النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~الذي يبعث في آخر الزمان ليس يشبهه نعت هذا، وكانت للأحبار والعلماء رياسة ~~ومكاسب، فخافوا إن بينوا أن تذهب مآكلهم ورياستهم، فمن ثم غيروا. ثم قال ~~تعالى: " فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون " قيل من المآكل. ~~وقيل من المعاصي. وكرر الويل تغليظا لفعلهم. PageV02P009 # قوله تعالى: وقالوا ms0444 لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله ~~عهدا فلن يحلف الله عهده - أم تقولون على الله مالا تعلمون (80) فيه ثلاث ~~مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " وقالوا " يعني اليهود. " لن تمسنا النار إلا ~~أياما معدودة " اختلف، في سبب نزولها، فقيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال لليهود: (من أهل النار). # قالوا: نحن، ثم تخلفونا أنتم. فقال: (كذبتم لقد علمتم أنا لا نخلفكم) ~~فنزلت هذه الآية، قال ابن زيد. وقال عكرمة عن ابن عباس: قدم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم المدينة واليهود تقول: إنما هذه الدنيا سبعة آلاف، وإنما ~~يعذب الناس في النار لكل ألف سنة من أيام الدنيا يوم واحد في النار من أيام ~~الآخرة، وإنما هي سبعة أيام، فأنزل الله الآية، وهذا قول مجاهد. # وقالت طائفة: قالت اليهود إن في التوراة أن جهنم مسيرة أربعين سنة، وأنهم ~~يقطعون في كل يوم سنة حتى يكملوها وتذهب جهنم. ورواه الضحاك عن ابن عباس. ~~وعن ابن عباس: # زعم اليهود أنهم وجدوا في التوراة مكتوبا أن ما بين طرفي جهنم مسيرة ~~أربعين سنة إلى أن ينتهوا إلى شجرة الزقوم. وقالوا: إنما نعذب حتى ننتهي ~~إلى شجرة الزقوم فتذهب جهنم وتهلك. # وعن ابن عباس أيضا وقتادة: أن اليهود قالت إن الله أقسم أن يدخلهم النار ~~أربعين يوما عدد عبادتهم العجل، فأكذبهم الله، كما تقدم. # الثانية - في هذه الآية رد على أبي حنيفة وأصحابه حيث استدلوا بقوله عليه ~~السلام: # (دعي الصلاة أيام أقرائك) في أن مدة الحيض ما يسمى أيام الحيض، وأقلها ~~ثلاثة وأكثرها عشرة، قالوا: لان ما دون الثلاثة يسمى يوما ويومين، وما زاد ~~على العشرة يقال فيه أحد عشر يوما ولا يقال فيه أيام، وإنما يقال أيام من ~~الثلاثة إلى العشرة، قال الله تعالى: # " فصيام ثلاثة أيام في الحج (1) " " تمتعوا في داركم ثلاثة أيام (2) "، " ~~سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما (3) " # PageV02P010 # فيقال لهم: فقد قال الله تعالى في الصوم: " أياما معدودات " يعني جميع ~~الشهر، وقال: " لن تمسنا النار إلا أياما ms0445 معدودات (1) " يعني أربعين يوما. ~~وأيضا فإذا أضيفت الأيام إلى عارض لم يرد به تحديد العدد، بل يقال: أيام ~~مشيك وسفرك وإقامتك، وإن كان ثلاثين وعشرين وما شئت من العدد، ولعله أراد ~~ما كان معتادا لها، والعادة ست أو سبع، فخرج الكلام عليه، والله أعلم. # الثالثة - قوله تعالى " قل أتخذتم " تقدم القول في " أتخذ (1) " فلا معنى ~~لإعادته " عند الله عهد " أي أسلفتم عملا صالحا فآمنتم وأطعتم تستوجبون ~~بذلك الخروج من النار أو هل عرفتم ذلك بوحيه الذي عهده إليكم " فلن يحلف ~~الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعملون " توبيخ وتقريع. # قوله تعالى: بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم ~~فيها خالدون (81) والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها ~~خالدون (82) فيه ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " بلى " أي الامر كما ذكرتم. قال سيبويه: ليس " بلى ~~" و " نعم " اسمين. وإنما هما حرفان مثل " بل " وغيره، وهي رد لقولهم: إن ~~تمسنا النار. # وقال الكوفيون: أصلها بل التي للاضراب عن الأول، زيدت عليها الياء ليحسن ~~الوقف، وضمنت الياء معنى الايجاب والانعام. ف " بل " تدل على رد الجحد، ~~والياء تدل على الايجاب لما بعد. قالوا: ولو قال قائل: ألم تأخذ دينارا؟ ~~فقلت: نعم، لكان المعنى لا، لم آخذ، لأنك حققت النفي وما بعده. فإذا قلت: ~~بلى، صار المعنى قد أخذت. قال الفراء: إذا قال الرجل لصاحبه: ما لك علي شئ، ~~فقال الاخر: نعم، كان ذلك تصديقا، لان لا شئ # PageV02P011 # له عليه، ولو قال: بلى، كان ردا لقوله، وتقديره: بلى لي عليك. وفي ~~التنزيل " ألست بربكم قالوا بلى (1) " ولو قالوا نعم لكفروا. # الثانية - قوله تعالى: " سيئة " السيئة الشرك. قال ابن جريج قلت لعطاء: " ~~من كسب سيئة "؟ قال: الشرك، وتلا " ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار ~~(2) ". # وكذا قال الحسن وقتادة، قالا: والخطيئة الكبيرة. # الثالثة - لما قال تعالى: " بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته " دل على ~~أن المعلق على شرطين لا يتم بأقلهما، ومثله قوله تعالى: " إن الذين قالوا ms0446 ~~ربنا الله ثم استقاموا (3) " وقوله عليه السلام لسفيان بن عبد الله الثقفي ~~وقد قال له: يا رسول الله، قل لي في الاسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك. ~~قال: (قل آمنت بالله ثم استقم). # رواه مسلم. وقد مضى القول في هذا المعنى وما للعلماء فيه عند قوله تعالى ~~لادم وحواء: # " ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين (4) ". وقرأ نافع " خطيئاته " ~~بالجمع، الباقون بالافراد، والمعنى الكثرة، مثل قوله تعالى: " وإن تعدوا ~~نعمة الله لا تحصوها (5) ". # قوله تعالى: وإذا أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين ~~إحسانا وذي القربى واليتامى والمسكين وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون (83) فيه عشر مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " وإذا أخذنا ميثاق بني إسرائيل " تقدم الكلام في ~~بيان هذه الألفاظ (6). واختلف في الميثاق هنا، فقال مكي: هو الميثاق الذي ~~أخذ عليهم حين أخرجوا من صلب آدم كالذر. وقيل: هو ميثاق أخذ عليهم وهم ~~عقلاء في حياتهم على ألسنة أنبيائهم. # PageV02P012 # وهو قوله: " لا تعبدون إلا الله " وعبادة الله إثبات توحيده، وتصديق ~~رسله، والعمل بما أنزل في كتبه. # الثانية - قوله تعالى: " لا تعبدون " قال سيبويه: " لا تعبدون " متعلق ~~بقسم، والمعنى وإذ استخلفناهم والله لا تعبدون، وأجازه المبرد والكسائي ~~والفراء. وقرأ أبي وابن مسعود " لا تعبدوا " على النهي، ولهذا وصل الكلام ~~بالامر فقال: " وقوموا، وقولوا، وأقيموا، وآتوا ". وقيل: هو في موضع الحال، ~~أي أخذنا ميثاقهم موحدين، أو غير معاندين، قاله قطرب والمبرد أيضا. وهذا ~~إنما يتجه على قراءة ابن كثير وحمزة والكسائي " يعبدون " بالياء من أسفل. ~~وقال الفراء والزجاج وجماعة: المعنى أخذنا ميثاقهم بألا يعبدوا إلا الله، ~~وبأن يحسنوا للوالدين، وبألا يسفكوا الدماء، ثم حذفت أن والباء فارتفع ~~الفعل لزوالهما، كقوله تعالى: " أفغير الله تأمروني (1) ". قال المبرد: هذا ~~خطأ، لان كل ما أضمر في العربية فهو يعمل عمله مظهرا، تقول: وبلد قطعت، أي ~~رب بلد. # قلت: ليس هذا بخطأ، بل هما وجهان صحيحان وعليهما أنشد سيبويه: # ألا أيها ذا الزاجري أخضر ms0447 الوغى * وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي (2) ~~بالنصب والرفع، فالنصب على إضمار أن، والرفع على حذفها. # الثالثة - قوله تعالى: " وبالوالدين إحسانا " أي وأمرناهم بالوالدين ~~إحسانا. # وقرن الله عز وجل في هذه الآية حق الوالدين بالتوحيد، لان النشأة الأولى ~~من عند الله، والنش ء الثاني - وهو التربية - من جهة الوالدين، ولهذا قرن ~~تعالى الشكر لهما بشكره فقال: # " أن اشكر لي ولوالديك (3) ". والاحسان إلى الوالدين: معاشرتهما ~~بالمعروف، والتواضع لهما، وامتثال أمرهما، والدعاء بالمغفرة بعد مماتهما، ~~وصلة أهل ودهما، على ما يأتي بيانه مفصلا في " الاسراء (4) " إن شاء الله ~~تعالى. # PageV02P013 # الرابعة - قوله تعالى: " وذي القربى " عطف ذي القربى على الوالدين. ~~والقربى: # بمعنى القرابة، وهو مصدر كالرجعى والعقبى، أي وأمرناهم بالاحسان إلى ~~القرابات بصلة أرحامهم. وسيأتي بيان هذا مفصلا في سورة " القتال (1) " إن ~~شاء الله تعالى. # الخامسة - قوله تعالى: " واليتامى " اليتامى عطف أيضا، وهو جمع يتيم، مثل ~~ندامى جمع نديم. واليتم في بني آدم بفقد الأب، وفي البهائم بفقد الام. وحكى ~~الماوردي أن اليتيم يقال في بني آدم في فقد الام، والأول المعروف. وأصله ~~الانفراد، يقال: صبي يتيم، أي منفرد من أبيه. وبيت يتيم: أي ليس قبله ولا ~~بعده شئ من الشعر. ودرة يتيمة: ليس لها نظير. وقيل: أصله الابطاء، فسمي به ~~اليتيم، لان البر يبطئ عنه. ويقال: يتم ييتم يتما، مثل عظم يعظم. ويتم ييتم ~~يتما ويتما، مثل سمع يسمع، ذكر الوجهين الفراء. وقد أيتمه الله. # ويدل هذا على الرأفة باليتيم والحض على كفالته وحفظ ماله، على ما يأتي ~~بيانه في " النساء (2) ". # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كافل اليتيم له أو لغيره أنا وهو ~~كهاتين في الجنة). # وأشار مالك (3) بالسبابة والوسطى، رواه أبو هريرة أخرجه مسلم. وخرج ~~الامام الحافظ أبو محمد عبد الغني بن سعيد من حديث الحسن بن دينار أبي سعيد ~~البصري وهو الحسن بن واصل (4) قال حدثنا الأسود بن عبد الرحمن عن هصان (5) ~~عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما قعد يتيم مع قوم ms0448 ~~على قصعتهم فيقرب قصعتهم الشيطان). وخرج أيضا من حديث حسين بن قيس وهو أبو ~~علي الرحبي (6) عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: (من ضم يتيما من بين ملمين إلى طعامه وشرابه حتى يغنيه الله عز وجل ~~غفرت له ذنوبه ألبتة إلا أن يعمل عملا لا يغفر ومن أذهب الله كريمتيه فصبر ~~واحتسب غفرت له ذنوبه - قالوا: وما كريمتاه؟ قال: - عيناه ومن كان له ثلاث ~~بنات أو ثلاث أخوات فأنفق عليهن وأحسن إليهن حتى يبن (7) أو يمتن غفرت له ~~ذنوبه ألبتة # PageV02P014 # إلا أن يعمل عملا لا يغفر) فناداه رجل من الاعراب ممن هاجر فقال: يا رسول ~~الله أو اثنتين؟ # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أو اثنتين). فكان ابن عباس إذا حدث ~~بهذا الحديث قال: هذا والله من غرائب الحديث وغرره. # السادسة - السبابة من الأصابع هي التي تلي الابهام، وكانت في الجاهلية ~~تدعى بالسبابة، لأنهم كانوا يسبون بها، فلما جاء الله بالاسلام كرهوا هذا ~~الاسم فسموها المشيرة، لأنهم كانوا يشيرون بها إلى الله في التوحيد. وتسمى ~~أيضا بالسباحة، جاء تسميتها بذلك في حديث وائل بن حجر وغيره، ولكن اللغة ~~سارت بما كانت تعرفه في الجاهلية فغلبت. # وروي عن أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المشيرة منها كانت أطول ~~من الوسطى، ثم الوسطى أقصر منها، ثم البنصر أقصر من الوسطى. روى يزيد بن ~~هارون قال: أخبرنا عبد الله بن مقسم الطائفي قال حدثتني عمتي سارة بنت مقسم ~~أنها سمعت ميمونة بنت كردم قالت: خرجت في حجة حجها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته وسأله أبي عن أشياء، ~~فلقد رأيتني أتعجب وأنا جارية من طول أصبعه التي تلي الابهام على سائر ~~أصابعه. فقوله عليه السلام: (أنا وهو كهاتين في الجنة)، وقوله في الحديث ~~الاخر: (أحشر أنا وأبو بكر وعمر يوم القيامة هكذا) وأشار بأصابعه الثلاث، ~~فإنما أراد ذكر المنازل والاشراف على الخلق فقال: نحشر ms0449 هكذا ونحن مشرفون، ~~وكذا كافل اليتيم تكون منزلته رفيعة. فمن لم يعرف شأن أصابع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم صلى حمل تأويل الحديث على الانضمام والاقتراب بعضهم من بعض ~~في محل القربة. وهذا معنى بعيد، لان منازل الرسل والنبيين والصديقين ~~والشهداء والصالحين مراتب متباينة، ومنازل مختلفة. # السابعة - قوله تعالى " والمساكين " " المساكين " عطف أيضا أي وأمرناهم ~~بالاحسان إلى المساكين، وهم الذين أسكنتهم الحاجة وأذلتهم. وهذا يتضمن الحض ~~على الصدقة والمؤاساة وتفقد أحوال المساكين والضعفاء. روى مسلم عن أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الساعي على الأرملة والمسكين ~~كالمجاهد في سبيل الله - وأحسبه قال - PageV02P015 # وكالقائم لا (1) يفتر وكالصائم لا يفطر). قال ابن المنذر: وكان طاوس يرى ~~السعي على الأخوات أفضل من الجهاد في سبيل الله. # الثامنة - قوله تعالى: " وقولوا للناس حسنا " " حسنا " نصب على المصدر ~~على المعنى، لان المعنى ليحسن قولكم. وقيل: التقدير وقولوا للناس قولا ذا ~~حسن، فهو مصدر لا على المعنى. وقرأ حمزة والكسائي " حسنا " بفتح الحاء ~~والسين. قال الأخفش: هما بمعنى واحد، مثل البخل والبخل، والرشد والرشد. ~~وحكى الأخفش: " حسنى " بغير تنوين على فعلى. قال النحاس: " وهذا لا يجوز في ~~العربية، لا يقال من هذا شئ إلا بالألف واللام، نحو الفضلى والكبرى ~~والحسنى، هذا قول سيبويه وقرأ عيسى بن عمر " حسنا " بضمتين، مثل " الحلم ". ~~قال ابن عباس: المعنى قولوا لهم لا إله إلا الله ومروهم بها. ابن جريج: ~~قولوا للناس صدقا في أمر محمد صلى الله عليه وسلم وتغيروا نعته. سفيان ~~الثوري: مروهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر. أبو العالية: قولوا لهم الطيب ~~من القول، وجازوهم بأحسن ما تحبون أن تجازوا به. # وهذا كله حض على مكارم الأخلاق، فينبغي للانسان أن يكون قول للناس لينا ~~ووجهه منبسطا طلقا مع البر والفاجر، والسني والمبتدع، من غير مداهنة، ومن ~~غير أن يتكلم معه بكلام يظن أنه يرضي مذهبه، لان الله تعالى قال لموسى ~~وهارون: " فقولا له قولا لينا (2) ". فالقائل ليس بأفضل من موسى وهارون، ~~والفاجر ليس بأخبث من ms0450 فرعون، وقد أمرهما الله تعالى باللين معه. وقال طلحة ~~بن عمر: قلت لعطاء إنك رجل يجتمع عندك ناس ذوو أهواء مختلفة، وأنا رجل في ~~حدة فأقول لهم بعض القول الغليظ، فقال: لا تفعل! يقول الله تعالى: # " وقولوا للناس حسنا ". فدخل في هذه الآية اليهود والنصارى فكيف بالحنيفي ~~(3). وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعائشة: (لا تكوني فحاشة ~~فإن الفحش لو كان رجلا لكان رجل سوء). وقيل: أراد بالناس محمدا صلى الله ~~عليه وسلم، كقوله: " أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله (4) " ~~فكأنه قال: قولوا للنبي صلى الله عليه وسلم حسنا. وحكى # PageV02P016 # المهدوي عن قتادة أن قوله: " وقولوا للناس حسنا " منسوخ بآية السيف. ~~وحكاه أبو نصر عبد الرحيم (1) عن ابن عباس. قال ابن عباس: نزلت هذه الآية ~~في الابتداء ثم نسختها آية السيف. قال ابن عطية: وهذا يدل على أن هذه الأمة ~~خوطبت بمثل هذا اللفظ في صدر الاسلام، وأما الخبر عن بني إسرائيل وما أمروا ~~به فلا نسخ فيه، والله أعلم. # التاسعة - قوله تعالى: " وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة " تقدم (2) القول ~~فيه. والخطاب لبني إسرائيل. قال ابن عطية: وزكاتهم هي التي كانوا يضعونها ~~فتنزل النار على ما يتقبل، ولا تنزل على ما لم يتقبل، ولم تكن كزكاة أمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم. # قلت: وهذا يحتاج إلى نقل، كما ثبت ذلك في الغنائم. وقد روي عن ابن عباس ~~أنه قال: الزكاة التي أمروا بها طاعة الله والاخلاص. # العاشرة - قوله تعالى: " ثم توليتم " الخطاب لمعاصري محمد صلى الله عليه ~~وسلم، وأسند إليهم تولي أسلافهم إذ هم كلهم بتلك السبيل في إعراضهم عن الحق ~~مثلهم، كما قال: # " شنشنة (3) أعرفها من أخزم ". " إلا قليلا " كعبد الله بن سلام وأصحابه. ~~و " قليلا " نصب على الاستثناء، والمستثنى عند سيبويه منصوب، لأنه مشبه ~~بالمفعول. وقال محمد ابن يزيد: هو مفعول على الحقيقة، المعنى استثنيت ~~قليلا. " وأنتم معرضون " ابتداء وخبر. والاعراض والتولي بمعنى واحد، مخالف ~~بينهما في اللفظ. وقيل: التولي بالجسم، والاعراض بالقلب. ms0451 قال المهدوي: " ~~وأنتم معرضون " حال، لان التولي فيه دلالة على الاعراض. # PageV02P017 # قوله تعالى: وإذا أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من ~~دياركم ثم أقررتم تشهدون (84) فيه مسئلتان: # الأولى - قوله تعالى: " وإذا أخذنا ميثاقكم " تقدم القول فيه (1). " لا ~~تسفكون دماءكم " المراد بنو إسرائيل، ودخل فيه بالمعنى من بعدهم. " لا ~~تسفكون " مثل " لا تعبدون " (2) في الاعراب. وقرأ طلحة بن مصرف وشعيب بن ~~أبي حمزة بضم الفاء وهي لغة، وأبو نهيك " تسفكون " بضم التاء وتشديد الفاء ~~وفتح السين. والسفك: # الصب. وقد تقدم (3). " ولا تخرجون " معطوف. " أنفسكم " النفس مأخوذة من ~~النفاسة، فنفس الانسان أشرف ما فيه. والدار: المنزل الذي فيه أبنية المقام ~~بخلاف منزل الارتحال. # وقال الخليل: كل موضع حله قوم فهو دار لهم وإن لم تكن فيه أبنية. وقيل: ~~سميت دارا لدورها على سكانها، كما سمي الحائط حائطا لإحاطته على ما يحويه. ~~و " أقررتم " من الاقرار، أي بهذا الميثاق الذي أخذ عليكم وعلى أوائلكم. " ~~وأنتم تشهدون " من الشهادة، أي شهداء بقلوبكم على هذا وقيل: الشهادة بمعنى ~~الحضور، أي تحضرون سفك دمائكم، وإخراج أنفسكم من دياركم. # الثانية - فإن قيل: وهل يسفك أحد دمه ويخرج نفسه من داره؟ قيل له لما ~~كانت ملتهم واحدة وأمرهم واحد وكانوا في الأمم كالشخص الواحد جعل قتل بعضهم ~~بعضا وإخراج بعضهم بعضا قتلا لأنفسهم ونفيا لها. وقيل: المراد القصاص، أي ~~لا يقتل أحد فيقتل قصاصا، فكأنه سفك دمه. وكذلك لا يزني ولا يرتد، فإن ذلك ~~يبيح الدم. # ولا يفسد فينفي، فيكون قد أخرج نفسه من دياره. وهذا تأويل فيه بعد وإن ~~كان صحيح المعنى. # وإنما كان الامر أن الله تعالى قد أخذ على بني إسرائيل في التوراة ميثاقا ~~ألا يقتل بعضهم بعضا، ولا ينفيه ولا يسترقه، ولا يدعه يسرق، إلى غير ذلك من ~~الطاعات. # PageV02P018 # قلت: وهذا كله محترم علينا، وقد وقع ذلك كله بالفتن فينا، فإنا لله وإنا ~~إليه راجعون! # وفى التنزيل: " أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض (1) " وسيأتي. قال ~~ابن خويز منداد: # وقد يجوز أن ms0452 يراد به الظاهر، لا يقتل الانسانية نفسه، ولا يخرج من داره ~~سفها، كم تقتل الهند أنفسها. أو يقتل الانسان نفسه من جهد وبلاء يصيبه، أو ~~يهيم في الصحراء ولا يأوى البيوت جهلا في ديانته وسفها في حلمه: فهو عموم ~~في جميع ذلك. وقد روى أن عثمان بن مظعون بايع في عشرة من أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فعزموا أن يلبسوا المسوح، وأن يهيموا في الصحراء ولا ~~يأووا البيوت: ولا يأكلوا اللحم ولا يغشوا النساء، فبلغ ذلك النبي صلى الله ~~عليه وسلم فجاء إلى دار عثمان بن مظعون فلم يجده، فقال لامرأته: (ما حديث ~~بلغني عن عثمان)؟ وكرهت أن تفشى سر زوجها، وأن تكذب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله، إن كان قد بلغك شئ فهو كما بلغك، فقال: ~~(قولي لعثمان أخلاف لسنتي أم على غير ملتي إني أصلى وأنام وأصوم وأفطر ~~وأغشى النساء وآوي البيوت وآكل اللحم فمن رغب عن سنتي فليس منى) فرجع عثمان ~~وأصحابه عما كانوا عليه. # قوله تعالى: ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديرهم ~~تظهرون عليهم بالاثم والعدوان وإن يأتوكم أسرى تفدوهم وهو محرم عليكم ~~إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا ~~خزي في الحياة الدنيا ويوم القيمة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما ~~تعملون (85) أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم ~~العذاب ولاهم ينصرون (86) قوله تعالى: " ثم أنتم هؤلاء " " أنتم " في موضع ~~رفع بالابتداء، ولا يعرب، لأنه مضمر. وضمت التاء من " أنتم " لأنها كانت ~~مفتوحة إذا خاطبت واحدا مذكرا، ومكسورة # PageV02P019 # إذا خاطبت واحدة مؤنثة، فلما ثنينت أو جمعت لم يبق إلا الضمة. " هؤلاء " ~~قال القتبي: التقدير يا هؤلاء. قال النحاس: هذا خطأ على قول سيبويه، ولا ~~يجوز هذا أقبل. وقال الزجاج: هؤلاء بمعنى الذين. و " تقتلون " داخل في ~~الصلة، أي ثم أنتم الذين تقتلون. وقيل: " هؤلاء " رفع بالابتداء، و " أنتم ~~" خبر مقدم، و " تقتلون " حال من ms0453 أولاء. وقيل: " هؤلاء " نصب بإضمار أعني. ~~وقرأ الزهري " تقتلون " بضم التاء مشددا، وكذلك " فلم تقتلون أنبياء الله ~~". وهذه الآية خطاب للمواجهين لا يحتمل رده إلى الأسلاف. نزلت في بني ~~قينقاع وقريظة والنضير من اليهود، وكانت بنو قينقاع أعداء قريظة، وكانت ~~الأوس حلفاء بني قينقاع، والخزرج حلفاء بني قريظة. والنضير والأوس والخزرج ~~إخوان، وقريظة والنضير أيضا إخوان، ثم افترقوا فكانوا يقتتلون، ثم يرتفع ~~الحرب فيفدون أساراهم، فعيرهم الله بذلك فقال: " وإن يأتوكم أسارى تفادوهم ~~". # قوله تعالى: " تظاهرون " معنى " تظاهرون " تتعاونون، مشتق من الظهر، لان ~~بعضهم يقوي بعضا فيكون له كالظهر، ومنه قول الشاعر: # تظاهرتم أستاه بيت تجمعت (1) * على واحد لا زلتم قرن واحد والاثم: الفعل ~~الذي يستحق عليه صاحبه الذم. والعدوان: الافراط في الظلم والتجاوز فيه. # وقرأ أهل المدينة وأهل مكة " تظاهرون " بالتشديد، يدغمون التاء في الظاء ~~لقربها منها، والأصل تتظاهرون. وقرأ الكوفيون " تظاهرون " مخففا، حذفوا ~~التاء الثانية لدلالة الأولى عليها، وكذا " وإن تظاهرا عليه (2) ". وقرأ ~~قتادة " تظهرون عليهم " وكله راجع إلى معنى التعاون، ومنه: " وكان الكافر ~~على ربه ظهيرا (3) " وقوله: " والملائكة بعد ذلك ظهير " فاعلمه (4). # قوله تعالى: " وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم " فيه ست ~~مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " وإن يأتوكم أسارى " شرط، وجوابه: " تفادوهم " و " ~~أسارى " نصب على الحال. قال أبو عبيد وكان أبو عمرو يقول: ما صار في أيديهم ~~فهم # PageV02P020 # الأسارى، وما جاء مستأسرا فهم الاسرى. ولا يعرف أهل اللغة ما قال أبو ~~عمرو، إنما هو كما تقول: سكارى وسكرى. وقراءة الجماعة " أسارى " ما عدا ~~حمزة فإنه قرأ " أسرى " على فعلى، جمع أسير بمعنى مأسور، والباب - في ~~تكسيره إذا كان كذلك - فعلى، كما تقول: # قتيل وقتلى، وجريح وجرحى. قال أبو حاتم: ولا يجوز أسارى. وقال الزجاج: ~~يقال أسارى كما يقال سكارى، وفعالى هو الأصل، وفعالى داخلة عليها. وحكى عن ~~محمد بن يزيد قال: يقال أسير وأسراء، كظريف وظرفاء. قال ابن فارس: يقال في ~~جمع أسير أسرى وأسارى، وقرئ بهما. وقيل: أسارى (بفتح الهمزة) وليست ~~بالعالية. # الثانية ms0454 - الأسير مشتق من الأسئار، وهو القد الذي يشد به المحمل فسمي ~~أسيرا، لأنه يشد وثاقه، والعرب تقول: قد أسر قتبه (1)، أي شده، ثم سمي كل ~~أخيذ أسيرا وإن لم يؤسر، وقال الأعشى: # وقيدني الشعر في بيته * كما قيد الأسرات الحمارا (2) أي أنا في بيته، ~~يريد ذلك بلوغه النهاية فيه. فأما الأسر في قوله عز وجل: " وشددنا أسرهم ~~(3) " فهو الخلق. وأسرة الرجل رهطه، لأنه يتقوى بهم. # الثالثة - قوله تعالى: " تفادوهم " كذا قرأ نافع وحمزة والكسائي. ~~والباقون " تفدوهم " من الفداء. والفداء: طلب الفدية في الأسير الذي في ~~أيديهم. قال الجوهري: " الفداء إذا كسر أوله يمد ويقصر، وإذا فتح فهو ~~مقصور، يقال: قم فدى لك أبى. ومن العرب من يكسر " فداء " بالتنوين إذا جاور ~~لام الجر خاصة، فيقول: فداء لك، لأنه نكرة يريدون به معنى الدعاء. وأنشد ~~الأصمعي للنابغة: # مهلا فداء لك الأقوام كلهم * وما أثمر من مال ومن ولد ويقال: فداه وفاداه ~~إذا أعطى فداءه فأنقذه. وفداه بنفسه، وفداه يفديه إذا قال جعلت فداك. ~~وتفادوا، أي فدى بعضهم بعضا ". والفدية والفدى والفداء كله بمعنى واحد. # PageV02P021 # وفاديت نفسي إذا أطلقتها بعد أن دفعت شيئا، بمعنى فديت، ومنه قول العباس ~~للنبي صلى الله عليه وسلم: فاديت نفسي وفاديت عقيلا. وهما فعلان يتعديان ~~إلى مفعولين الثاني منهما بحرف الجر، تقول: فديت نفسي بمالي وفاديته بمالي، ~~قال الشاعر: # قفي فادي أسيرك إن قومي * وقومك ما أرى لهم اجتماعا الرابعة - قوله ~~تعالى: " وهو محرم عليكم إخراجهم " " هو " مبتدأ وهو كناية عن الاخراج، و " ~~محرم " خبره، و " إخراجهم " بدل من " هو " وإن شئت كان كناية عن الحديث ~~والقصة، والجملة التي بعده خبره، أي والامر محرم عليكم إخراجهم. ف‍ " ~~إخراجهم " مبتدأ ثان. و " محرم " خبره، والجملة خبر عن " هو "، وفي " محرم ~~" ضمير ما لم يسم فاعله يعود على الاخراج. ويجوز أن يكون " محرم " مبتدأ، و ~~" إخراجهم " مفعول ما لم يسم فاعله يسد مسد خبر " محرم "، والجملة خبر عن " ~~هو ". وزعم الفراء أن " هو " عماد، وهذا عند البصريين خطأ لا ms0455 معنى له، لان ~~العماد لا يكون في أول الكلام. ويقرأ " وهو " بسكون الهاء لثقل الضمة، كما ~~قال الشاعر (1): # فهو لا تنمى (2) رميته * ما له لا عد من نفره وكذلك إن جئت باللام وثم، ~~وقد تقدم (3). قال علماؤنا: كان الله تعالى قد أخذ عليهم أربعة عهود: ترك ~~القتل، وترك الاخراج، وترك المظاهرة، وفداء أساراهم، فأعرضوا عن كل ما ~~أمروا به إلا الفداء، فوبخهم الله على ذلك توبيخا يتلى فقال: " أفتؤمنون ~~ببعض الكتاب " وهو التوراة " وتكفرون ببعض "!! # قلت: ولعمر الله لقد أعرضنا نحن عن الجميع بالفتن فتظاهر بعضنا على بعض! ~~ليت بالمسلمين، بل بالكافرين! حتى تركنا إخواننا أذلاء صاغرين يجري عليهم ~~حكم المشركين، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!. # قال علماؤنا: فداء الأسارى واجب وإن لم يبق درهم واحد. قال ابن خويز ~~منداد: # تضمنت الآية وجوب فك الاسرى، وبذلك وردت الآثار عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه # PageV02P022 # فك الأسارى وأمر بفكهم، وجرى بذلك عمل المسلمين وانعقد به الاجماع. ويجب ~~فك الأسارى من بيت المال، فإن لم يكن فهو فرض على كافة المسلمين، ومن قام ~~به منهم أسقط الفرض عن الباقين. وسيأتي (1). # الخامسة - قوله تعالى: " فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة ~~الدنيا " ابتداء وخبر. والخزي الهوان. قال الجوهري: وخزي - بالكسر - يخزي ~~خزيا إذا ذل وهان. قال ابن السكيت: وقع في بلية. وأخزاه الله، وخزي أيضا ~~يخزى خزاية إذا استحيا، فهو خزيان. وقوم خزايا وامرأة خزيا. # السادسة - قوله تعالى: " ويوم القيامة يردون " " يردون " بالياء قراءة ~~العامة، وقرأ الحسن " تردون " بالتاء على الخطاب. " إلى أشد العذاب وما ~~الله بغافل عما تعملون " تقدم القول فيه (2) وكذلك: " أولئك الذين اشتروا " ~~الآية (3)، فلا معنى للإعادة. " يوم " منصوب ب‍ " يردون ". # قوله تعالى: ولقد آتينا موسى الكتب وقفينا من بعده بالرسل وآتينا عيسى ~~ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم ~~استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون (87) قوله تعالى: " ولقد آتينا موسى ~~الكتاب " يعني التوراة. " وقفينا " أي أتبعنا. # والتقفية: ms0456 الاتباع والأرداف، مأخوذ من اتباع القفا وهو مؤخر العنق. تقول ~~استقفيته إذا جئت من خلفه، ومنه سميت قافية الشعر، لأنها تتلو سائر الكلام. ~~والقافية: القفا، ومنه الحديث: (يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم). والقفي ~~والقفاوة: ما يدخر من اللبن وغيره لمن تريد إكرامه. وقفوت الرجل: قذفته ~~بفجور. وفلان قفوتي أي تهمتي. # وقفوتي أي خيرتي. قال ابن دريد كأنه من الأضداد. قال العلماء: وهذه الآية ~~مثل قوله تعالى: " ثم أرسلنا رسلنا تترا (4) ". وكل رسول جاء بعد موسى ~~فإنما جاء بإثبات التوراة والامر # PageV02P023 # بلزومها إلى عيسى عليه السلام. ويقال: رسل ورسل لغتان، الأولى لغة ~~الحجاز، والثانية لغة تميم، وسواء كان مضافا أو غير مضاف. وكان أبو عمرو ~~يخفف إذا أضاف إلى حرفين، ويثقل إذا أضاف إلى حرف واحد. # قوله تعالى: " واتينا عيسى ابن مريم البينات " أي الحجج والدلالات، وهي ~~التي ذكرها الله في " آل عمران " و " المائدة " (1)، قاله ابن عباس. " ~~أيدناه " أي قويناه. وقرأ مجاهد وابن محيصن " آيدناه " بالمد، وهما لغتان. ~~" بروح القدس " روى أبو مالك وأبو صالح عن ابن عباس ومعمر عن قتادة قالا: ~~جبريل عليه السلام. وقال حسان: # وجبريل رسول الله فينا * وروح القدس ليس به خفاء قال النحاس: وسمي جبريل ~~روحا وأضيف إلى القدس، لأنه كان بتكوين الله عز وجل له روحا من غير ولادة ~~والد ولده، وكذلك سمي عيسى روحا لهذا. وروى غالب بن عبد الله عن مجاهد قال: ~~القدس هو الله عز وجل. وكذا قال الحسن: القدس هو الله، وروحه جبريل. وروى ~~أبو روق عن الضحاك عن ابن عباس: " بروح القدس " قال: هو الاسم الذي كان ~~يحيي به عيسى الموتى، وقاله سعيد بن جبير وعبيد بن عمير، وهو اسم الله ~~الأعظم. # وقيل: المراد الإنجيل، سماه روحا كما سمى الله القرآن روحا في قوله ~~تعالى: " وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا (2) ". والأول أظهر، والله تعالى ~~أعلم. والقدس: الطهارة. وقد تقدم (3). # قوله تعالى: " أفكلما جاءكم رسول بمالا تهوى أنفسكم " أي بما لا يوافقها ~~ويلائمها، وحذفت الهاء لطول الاسم، أي ms0457 بما لا تهواه. " استكبرتم " عن ~~إجابته احتقارا للرسل، واستبعادا للرسالة. وأصل الهوى الميل إلى الشئ، ~~وبجمع أهواء، كما جاء في التنزيل، ولا يجمع أهوية، على أنهم قد قالوا في ~~ندى أندية، قال الشاعر: # في ليلة من جمادى ذات أندية * لا يبصر الكلب في ظلمائها الطنبا (4) # PageV02P024 # قال الجوهري: وهو شاذ وسمي الهوى هوى لأنه يهوي بصاحبه إلى النار، ولذلك ~~لا يستعمل في الغالب إلا فيما ليس بحق وفيما لا خير فيه، وهذه الآية من ~~ذلك. وقد يستعمل في الحق، ومنه قول عمر رضي الله عنه في أسارى بدر: فهوي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت. وقالت عائشة ~~للنبي صلى الله عليه وسلم في صحيح الحديث: # والله ما أرى ربك إلا يسارع في هواك. أخرجهما مسلم. # قوله تعالى: " ففريقا كذبتم " " ففريقا " منصوب ب‍ " كذبتم "، وكذا " ~~وفريقا تقتلون " فكان ممن كذبوه عيسى ومحمد عليهما السلام، وممن قتلوه يحيى ~~وزكريا عليهما السلام، على ما يأتي بيانه في " سبحان (1) " إن شاء الله ~~تعالى. # قوله تعالى: وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون ~~(88) قوله تعالى: " وقالوا " يعني اليهود " قلوبنا غلف " بسكون اللام جمع ~~أغلف، أي عليها أغطية. وهو مثل قول: " قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه (2) ~~" أي في أوعية. قال مجاهد: " غلف " عليها غشاوة. وقال عكرمة: عليها طابع. ~~وحكى أهل اللغة غلفت السيف جعلت له غلافا، فقلب أغلف، أي مستور عن الفهم ~~والتمييز. وقرأ ابن عباس والأعرج وابن محيصن " غلف " بضم اللام. قال ابن ~~عباس: أي قلوبنا ممتلئة علما لا تحتاج إلى علم محمد صلى الله عليه وسلم ولا ~~غيره. وقيل: هو جمع غلاف. مثل خمار وخمر، أي قلوبنا أوعية للعلم فما بالها ~~لا تفهم عنك وقد وعينا علما كثيرا! وقيل: المعنى فكيف يعزب عنها علم محمد ~~صلى الله عليه وسلم. فرد الله تعالى عليهم بقوله: " بل لعنهم الله بكفرهم ~~فقليلا ما يؤمنون " ثم بين أن السبب في نفورهم عن الايمان إنما هو أنهم ~~لعنوا ms0458 بما تقدم من كفرهم واجترائهم، وهذا هو الجزاء على الذنب بأعظم منه. ~~وأصل اللعن في كلام العرب الطرد والابعاد. ويقال للذئب: لعين. وللرجل ~~الطريد: لعين، وقال الشماخ: # ذعرت به القطا ونفيت عنه * مقام الذئب كالرجل اللعين # PageV02P025 # ووجه الكلام: مقام الذئب اللعين كالرجل، فالمعنى أبعدهم الله من رحمته. ~~وقيل: من توفيقه وهدايته. وقيل: من كل خير، وهذا عام. " فقليلا " نعت لمصدر ~~محذوف، تقديره فإيمانا قليلا ما يؤمنون. وقال معمر: المعنى لا يؤمنون إلا ~~بقليل مما في أيديهم ويكفرون بأكثره، ويكون " قليلا " منصوب بنزع حرف ~~الصفة. و " ما " صلة، أي فقليلا يؤمنون. وقال الواقدي: معناه لا يؤمنون ~~قليلا ولا كثيرا، كما تقول: ما أقل ما يفعل كذا، أي لا يفعله ألبتة. وقال ~~الكسائي: تقول العرب مررنا بأرض قل ما تنبت الكراث والبصل، أي لا تنبت ~~شيئا. # قوله تعالى: ولما جاءهم كتب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل ~~يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على ~~الكافرين (89) قوله تعالى: " ولما جاءهم " يعني اليهود. " كتاب " يعني ~~القرآن. " من عند الله مصدق " نعت لكتاب، ويجوز في غير القرآن نصبه على ~~الحال، وكذلك هو في مصحف أبى بالنصب فيما روي. " لما معهم " يعني التوراة ~~والإنجيل يخبرهم بما فيهما. " وكانوا من قبل يستفتحون " أي يستنصرون. ~~والاستفتاح الاستنصار. استفتحت: استنصرت. # وفي الحديث: كان النبي صلى الله عليه وسلم يستفتح بصعاليك المهاجرين، أي ~~يستنصر بدعائهم وصلاتهم (1). ومنه " فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من ~~عنده (2) ". والنصر: فتح شئ مغلق، فهو يرجع إلى قولهم فتحت الباب. وروى ~~النسائي عن أبي سعيد الخدري (3) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما ~~نصر (4) الله هذه الأمة بضعفائها بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم). # وروى النسائي أيضا عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: # PageV02P026 # (أبغوني الضعيف فإنكم إنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم ". قال ابن عباس: ~~كانت يهود خيبر تقاتل غطفان فلما التقوا هزمت يهود، فعادت (1) يهود بهذا ~~الدعاء وقالوا: إنا نسألك بحق النبي ms0459 الأمي الذي وعدتنا أن تخرجه لنا في آخر ~~الزمان إلا تنصرنا عليهم. قال: فكانوا إذا التقوا دعوا بهذا الدعاء فهزموا ~~غطفان، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم كفروا، فأنزل الله تعالى: " ~~وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا " أي بك يا محمد، إلى قوله: # " فلعنة الله على الكافرين ". # قوله تعالى: " ولما جاءهم " جواب " لما " الفاء وما بعدها في قوله: " ~~فلما جاءهم ما عرفوا " في قول الفراء، وجواب " لما " الثانية " كفروا ". ~~وقال الأخفش سعيد: # جواب " لما " محذوف لعلم السامع، وقاله الزجاج. وقال المبرد: جواب " لما ~~" في قوله: # " كفروا "، وأعيدت " لما " الثانية لطول الكلام. ويفيد ذلك تقرير الذنب ~~وتأكيدا له. # قوله تعالى: بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ~~ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده فباءوا بغضب على غضب وللكافرين ~~عذاب مهين (90) قوله تعالى: " بئسما اشتروا " بئس في كلام العرب مستوفية ~~للذم، كما أن " نعم " مستوفية للمدح. وفي كل واحدة منها أربع لغات: بئس بئس ~~بئس بئس. نعم نعم نعم نعم. # ومذهب سيبويه أن " ما " فاعلة بئس، ولا تدخل إلا على أسماء الأجناس ~~والنكرات. # وكذا نعم، فتقول نعم الرجل زيد، ونعم رجلا زيد، فإذا كان معها اسم بغير ~~ألف ولام فهو نصب أبدا، فإذا كان فيه ألف ولام فهو رفع أبدا، ونصب رجل على ~~التمييز. وفي نعم مضمر على شريطة التفسير، وزيد مرفوع على وجهين: على خبر ~~ابتداء محذوف، كأنه قيل من الممدوح؟ قلت هو زيد، والاخر على الابتداء وما ~~قبله خبره. وأجاز أبو علي أن تليها " ما " موصولة وغير موصولة من حيث كانت ~~مبهمة تقع على الكثرة ولا تخص واحدا # PageV02P027 # بعينه، والتقدير عند سيبويه: بئس الشئ اشتروا به أنفسهم أن يكفروا. ف‍ " ~~أن يكفروا " في موضع رفع بالابتداء وخبره فيما قبله، كقولك: بئس الرجل زيد، ~~و " ما " على هذا القول موصولة. وقال الأخفش: " ما " في موضع نصب على ~~التمييز، كقولك: بئس رجلا زيد، فالتقدير بئس شيئا أن يكفروا. ف‍ " اشتروا ~~به أنفسهم " على ms0460 هذا القول صفة " ما ". وقال الفراء: " بئسما " بجملته شئ ~~واحد ركب كحبذا. وفي هذا القول اعتراض، لأنه يبقى فعل بلا فاعل. وقال ~~الكسائي: " ما " و " اشتروا " بمنزلة اسم واحد قائم بنفسه، والتقدير بئس ~~اشتراؤهم أن يكفروا. وهذا مردود، فإن نعم وبئس لا يدخلان على اسم معين ~~معرف، والشراء قد تعرف بإضافته إلى الضمير. قال النحاس: وأبين هذه الأقوال ~~قول الأخفش وسيبويه. قال الفراء والكسائي: " أن يكفروا " إن شئت كانت " أن ~~" في موضع خفض ردا على الهاء في به. قال الفراء: أي اشتروا أنفسهم بأن ~~يكفروا بما أنزل الله. فاشترى بمعنى باع وبمعنى ابتاع، والمعنى: بئس الشئ ~~الذي اختاروا لأنفسهم حيث استبدلوا الباطل بالحق، والكفر بالايمان. # قوله تعالى: " بغيا " معناه حسدا، قاله قتادة والسدي، وهو مفعول من أجله، ~~وهو على الحقيقة مصدر. الأصمعي: وهو مأخوذ من قولهم: قد بغى الجرح إذا فسد. ~~وقيل: أصله الطلب، ولذلك سميت الزانية بغيا. " أن ينزل الله " في موضع نصب، ~~أي لان ينزل، أي لأجل إنزال الله الفضل على نبيه صلى الله عليه وسلم. وقرأ ~~ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وابن محيصن " أن ينزل " مخففا، وكذلك سائر ما في ~~القرآن، إلا " وما ننزله " في " الحجر (1) "، وفي " الانعام " " على أن ~~ينزل آية (2) ". # قوله تعالى: " فباءوا " أي رجعوا، وأكثر ما يقال في الشر، وقد تقدم (3). ~~" بغضب على غضب " تقدم معنى غضب الله عليهم (4)، وهو عقابه، فقيل: الغضب ~~الأول لعبادتهم العجل، والثاني لكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، قاله ابن ~~عباس. وقال عكرمة: لأنهم كفروا بعيسى ثم كفروا بمحمد، يعني اليهود. وروى ~~سعيد عن قتادة: الأول لكفرهم # PageV02P028 # بالإنجيل، والثاني لكفرهم بالقرآن. وقال قوم: المراد التأييد وشدة الحال ~~عليهم، لا أنه أراد غضبين معللين بمعصيتين. و " مهين " مأخوذ من الهوان، ~~وهو ما اقتضى الخلود في النار دائما بخلاف خلود العصاة من المسلمين، فإن ~~ذلك تمحيص لهم وتطهير، كرجم الزاني وقطع يد السارق، على ما يأتي بيانه في ~~سورة " النساء (1) " من حديث أبي سعيد الخدري، إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: ms0461 وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ~~ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من ~~قبل إن كنتم مؤمنين (91) قوله تعالى: " وإذا قيل لهم آمنوا " أي صدقوا " ~~بما أنزل الله " يعني القرآن " قالوا نؤمن " أي نصدق " بما أنزل علينا " ~~يعني التوراة. " ويكفرون بما وراءه " أي بما سواه، عن الفراء. وقتادة: بما ~~بعده، وهو قول أبي عبيدة، والمعنى واحد. قال الجوهري: وراء بمعنى خلف، وقد ~~تكون بمعنى قدام. وهي من الأضداد، قال الله تعالى: # " وكان وراءهم ملك (2) " أي أمامهم، وتصغيرها وريئة (بالهاء) وهي شاذة. ~~وانتصب " وراءه " على الظرف. قال الأخفش: يقال لقيته من وراء، فترفعه على ~~الغاية إذا كان غير مضاف تجعله اسما وهو غير متمكن، كقولك: من قبل ومن بعد، ~~وأنشد: # إذا أنا لم أو من عليك ولم يكن * لقاؤك إلا من وراء وراء (3) فلت: ومنه ~~قول إبراهيم عليه السلام في حديث الشفاعة: (إنما كنت خليلا من وراء وراء). ~~والوراء: ولد الولد أيضا. قوله تعالى: " وهو الحق " ابتداء وخبر. " مصدقا " ~~حال مؤكدة عند سيبويه. # " لما معهم " ما في موضع خفض باللام، و " معهم " صلتها، و " معهم " نصب ~~بالاستقرار، ومن أسكن جعله حرفا. # PageV02P029 # قوله تعالى " قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل " رد من الله تعالى عليهم ~~في قولهم إنهم آمنوا بما أنزل عليهم، وتكذيب منه لهم وتوبيخ، المعنى: فكيف ~~قتلتم وقد نهيتم عن ذلك! فالخطاب لمن حضر محمدا صلى الله عليه وسلم والمراد ~~أسلافهم. وإنما توجه الخطاب لأبنائهم، لأنهم كانوا يتولون أولئك الذين ~~قتلوا، كما قال: " ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم ~~أولياء (1) " فإذا تولوهم فهم بمنزلتهم. وقيل: لأنهم رضوا فعلهم فنسب ذلك ~~إليهم. وجاء " تقتلون " بلفظ الاستقبال وهو بمعنى المضي لما ارتفع الاشكال ~~بقوله: " من قبل ". وإذا لم يشكل فجائز أن يأتي الماضي بمعنى المستقبل، ~~والمستقبل بمعنى الماضي، قال الحطيئة: # شهد الحطيئة يوم يلقى ربه * أن الوليد أحق بالعذر شهد بمعنى يشهد. " إن ~~كنتم ms0462 مؤمنين " أي إن كنتم معتقدين الايمان فلم رضيتم بقتل الأنبياء! وقيل: ~~" إن " بمعنى ما، وأصل " لم " لما، حذفت الألف فرقا بين الاستفهام والخبر، ~~ولا ينبغي أن يوقف عليه، لأنه إن وقف عليه بلا هاء كان لحنا، وإن وقف عليه ~~بالهاء زيد في السواد. قوله تعالى: ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم ~~العجل من بعده وأنتم ظالمون (92) قوله تعالى: " ولقد جاءكم بالبينات " ~~اللام لام القسم. والبينات قوله تعالى: # " ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات (2) " وهي العصا، والسنون، واليد، ~~والدم، والطوفان، والجراد والقمل، والضفادع، وفلق البحر. وقيل: البينات ~~التوراة، وما فيها من الدلالات. # قوله تعالى: ثم اتخذتم العجل " توبيخ، و " ثم " أبلغ من الواو في ~~التقريع، أي بعد النظر في الآيات، أو الاتيان بها اتخذتم. وهذا يدل على ~~أنهم إنما فعلوا ذلك بعد مهلة من # PageV02P030 # قوله تعالى: وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة ~~واسمعوا قالوا سمعنا وعصينا وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم قل بئسما ~~يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين (93) قوله تعالى: " وإذ أخذنا ميثاقكم ~~ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا " تقدم (1) الكلام في هذا ~~ومعنى " اسمعوا " أطيعوا، وليس معناه الامر بإدراك القول فقط، وإنما المراد ~~اعملوا بما سمعتم والتزموه، ومنه قولهم: سمع الله لمن حمده، أي قبل وأجاب. ~~قال: # دعوت الله حتى خفت ألا * يكون الله يسمع ما أقول أي يقبل، وقال الراجز: # والسمع والطاعة والتسليم * خير وأعفى لبني تميم " قالوا سمعنا وعصينا " ~~اختلف هل صدر منهم هذا اللفظ حقيقة باللسان نطقا، أو يكونوا فعلوا فعلا قام ~~مقام القول فيكون مجازا، كما قال: # امتلأ الحوض وقال قطني * مهلا رويدا قد ملأت بطني. # وهذا احتجاج عليهم في قولهم: " نؤمن بما أنزل علينا ". # قوله تعالى: " وأشربوا في قلوبهم العجل " أي حب العجل. والمعنى: جعلت ~~قلوبهم تشربه، وهذا تشبيه ومجاز عبارة عن تمكن أمر العجل في قلوبهم. وفي ~~الحديث: # (تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة ~~سوداء) الحديث، خرجه مسلم. يقال أشرب ms0463 قلبه حب كذا، قال زهير: # فصحوت عنها بعد حب داخل * والحب تشربه فؤادك داء # PageV02P031 # وإنما عبر عن حب العجل بالشرب دون الاكل لان شرب الماء يتغلغل في الأعضاء ~~حتى يصل إلى باطنها، والطعام مجاور لها غير متغلغل فيها. وقد زاد على هذا ~~المعنى أحد التابعين فقال في زوجته عثمة، وكان عتب عليها في بعض الامر ~~فطلقها وكان محبا لها: # تغلغل حب عثمة في فؤادي * فباديه مع الخافي يسير تغلغل حيث لم يبلغ شراب ~~* ولا حزن ولم يبلغ سرور أكاد إذا ذكرت العهد منها * أطير لو أن إنسانا ~~يطير وقال السدي وابن جريج: إن موسى عليه السلام برد العجل وذراه في الماء، ~~وقال لبني إسرائيل: اشربوا من ذلك الماء، فشرب جميعهم، فمن كان يحب العجل ~~خرجت برادة الذهب على شفتيه. وروي أنه ما شربه أحد إلا جن، حكاه القشيري. # قلت: أما تذريته في البحر فقد دل عليه قوله تعالى: " ثم لننسفنه في اليم ~~نسفا (1) " وأما شرب الماء وظهور البرادة على الشفاه فيرده قوله تعالى: " ~~وأشربوا في قلوبهم العجل ". # والله تعالى أعلم. # قوله تعالى: " قل بئسما يأمركم به إيمانكم " أي إيمانكم الذي زعمتم في ~~قولكم: نؤمن بما أنزل علينا. وقيل: إن هذا الكلام خطاب للنبي صلى الله عليه ~~وسلم، أمر أن يوبخهم، أي قل لهم يا محمد: بئس هذه الأشياء التي فعلتم ~~وأمركم بها إيمانكم. وقد مضى الكلام في " بئسما " والحمد (1) لله وحده. # قوله تعالى: قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس ~~فتمنوا الموت إن كنتم صادقين (94) ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم والله ~~عليم بالظالمين (95) لما ادعت اليهود دعاوى باطلة حكاها الله عز وجل عنهم ~~في كتابه، كقوله تعالى: # " لن تمسنا النار إلا أياما معدودة "، وقوله: " وقالوا لن يدخل الجنة إلا ~~من كان # PageV02P032 # هودا أو نصارى "، وقالوا: " نحن أبناء الله وأحباؤه (1) " أكذبهم الله عز ~~وجل وألزمهم الحجة فقال قل لهم يا محمد: " إن كانت لكم الدار الآخرة " يعني ~~الجنة. " فتمنوا الموت إن كنتم صادقين " في أقوالكم، ms0464 لان من اعتقد أنه من ~~أهل الجنة كان الموت أحب إليه من الحياة في الدنيا، لما يصير إليه من نعيم ~~الجنة، ويزول عنه من أذى الدنيا، فأحجموا عن تمنى ذلك فرقا من الله لقبح ~~أعمالهم ومعرفتهم بكفرهم في قولهم: " نحن أبناء الله وأحباؤه "، وحرصهم على ~~الدنيا، ولهذا قال تعالى مخبرا عنهم بقوله الحق: " ولن يتمنوه أبدا بما ~~قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين " تحقيقا لكذبهم. وأيضا لو تمنوا الموت ~~لماتوا، كما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لو أن اليهود تمنوا ~~الموت لماتوا ورأوا مقامهم (2) من النار). وقيل: # إن الله صرفهم عن إظهار التمني، وقصرهم على الامساك ليجعل ذلك آية لنبيه ~~صلى الله عليه وسلم، فهذه ثلاثة أوجه في تركهم التمني. وحكى عكرمة عن ابن ~~عباس في قوله: " فتمنوا الموت " أن المراد ادعوا بالموت على أكذب الفريقين ~~منا ومنكم: فما دعوا لعلمهم بكذبهم. # فإن قيل: فالتمني يكون باللسان تارة وبالقلب أخرى، فمن أين علم أنهم لم ~~يتمنوه بقلوبهم؟ # قيل له: نطق القرآن بذلك بقوله " ولن يتمنوه أبدا " ولو تمنوه بقلوبهم ~~لأظهروه بألسنتهم ردا على النبي صلى الله عليه وسلم وإبطالا لحجته، وهذا ~~بين. قوله تعالى: " خالصة " نصب على خبر كان، وإن شئت كان حالا، ويكون " ~~عند الله " في موضع الخبر. " أبدا " ظرف زمان يقع على القليل والكثير، ~~كالحين والوقت، وهو هنا من أول العمر إلى الموت. و " ما " في قوله " بما " ~~بمعنى الذي والعائد محذوف، والتقدير قدمته، وتكون مصدرية ولا تحتاج إلى ~~عائد. و " أيديهم " في موضع رفع، حذفت الضمة من الياء لثقلها مع الكسرة، ~~وإن كانت في موضع نصب حركتها، لان النصب خفيف، ويجوز إسكانها في الشعر. " ~~والله عليم بالظالمين " ابتداء وخبر. # PageV02P033 # قوله تعالى: ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو ~~يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر والله بصير بما يعلمون (96) ~~قوله تعالى: " ولتجدنهم أحرص الناس على حياة " يعني اليهود. " ومن الذين ~~أشركوا " قيل: المعنى وأحرص، فحذف " من الذين ms0465 أشركوا " لمعرفتهم بذنوبهم ~~وألا خير لهم عند الله، ومشركو العرب لا يعرفون إلا هذه الحياة ولا علم لهم ~~من الآخرة، ألا ترى قول شاعرهم: # تمتع من الدنيا فإنك فان * من النشوات والنساء الحسان (1) والضمير في " ~~أحدهم " يعود في هذا القول على اليهود. وقيل: إن الكلام تم في " حياة " ثم ~~استؤنف الاخبار عن طائفة من المشركين. قيل: هم المجوس، وذلك بين في ~~أدعياتهم للعاطس بلغاتهم بما معناه " عش ألف سنة ". وخص الألف بالذكر لأنها ~~نهاية العقد في الحساب. وذهب الحسن إلى أن " الذين أشركوا " مشركو العرب، ~~خصوا بذلك لأنهم لا يؤمنون بالبعث، فهم يتمنون طول العمر. وأصل سنة سنهة. ~~وقيل: سنوة. وقيل: # في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى ولتجدنهم وطائفة من الذين أشركوا أحرص ~~الناس على حياة. # قوله تعالى: " يود أحدهم لو يعمر ألف سنة " أصل " يود " يودد، أدغمت لئلا ~~يجمع بين حرفين من جنس واحد متحركين، وقلبت حركة الدال على الواو، ليدل ذلك ~~على أنه يفعل. وحكى الكسائي: وددت، فيجوز على هذا يود بكسر الواو. ومعنى ~~يود: يتمنى. # قوله تعالى: " وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر " اختلف النحاة في هو، ~~فقيل: # هو ضمير الأحد المتقدم، التقدير ما أحدهم بمزحزحه، وخبر الابتداء في ~~المجرور. " أن يعمر " فاعل بمزحزح وقالت فرقة: هو ضمير التعمير، والتقدير ~~وما التعمير بمزحزحه، والخبر في المجرور، " أن يعمر " بدل من التعمير على ~~هذا القول. وحكى الطبري عن فرقة أنها قالت: " هو " عماد. # PageV02P034 # قلت: وفيه بعد، فإن حق العماد أن يكون بين شيئين مثلا زمين، مثل قوله: " ~~إن كان هذا هو الحق (1) "، وقوله: " ولكن كانوا هم الظالمين (2) " ونحو ~~ذلك. وقيل: " ما " عاملة حجازية، و " هو " اسمها، والخبر في " بمزحزحه ". ~~وقالت طائفة: " هو " ضمير الامر والشأن. ابن عطية: وفيه بعد، فإن المحفوظ ~~عن النحاة أن يفسر بجملة سالمة من حرف جر. # وقوله: " بمزحزحه " الزحزحة: الابعاد والتنحية، يقال: زحزحته أي باعدته ~~فتزحزح أي تنحى وتباعد، يكون لازما ومتعديا، قال الشاعر في المتعدي: # يا قابض الروح من نفس إذا احتضرت * وغافر ms0466 الذنب زحزحني عن النار وأنشده ~~ذو الرمة: # يا قابض الروح عن جسم عصى زمنا * وغافر الذنب زحزحني عن النار وقال آخر ~~في اللازم: # خليلي ما بال الدجى لا يتزحزح * وما بال ضوء الصبح لا يتوضح وروى النسائي ~~عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من صام يوما ~~في سبيل الله زحزح الله وجهه عن النار سبعين خريفا). # قوله تعالى: " والله بصير بما يعملون " أي بما يعمل هؤلاء الذين يود ~~أحدهم أن يعمر ألف سنة. ومن قرأ بالتاء فالتقدير عنده. قل لهم يا محمد الله ~~بصير بما تعملون. وقال العلماء: وصف الله عز وجل نفسه بأنه بصير على معنى ~~أنه عالم بخفيات الأمور. والبصير في كلام العرب: العالم بالشئ الخبير به، ~~ومنه قولهم: فلان بصير بالطب، وبصير بالفقه، وبصير بملاقاة الرجال، قال: # فإن تسألوني بالنساء فإنني * بصير بأدواء النساء طبيب قال الخطابي: ~~البصير العالم، والبصير المبصر. وقيل: وصف تعالى نفسه بأنه بصير على معنى ~~جاعل الأشياء المبصرة ذوات إبصار، أي مدركة للمبصرات بما خلق لها من الآلة ~~المدركة والقوة، فالله بصير بعباده، أي جاعل عباده مبصرين. # PageV02P035 # قوله تعالى: قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا ~~لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين (97) سبب نزولها أن اليهود قالوا للنبي ~~صلى الله عليه وسلم: إنه ليس نبي من الأنبياء إلا يأتيه ملك من الملائكة من ~~عند ربه بالرسالة وبالوحي، فمن صاحبك حتى نتابعك؟ قال: (جبريل) قالوا: ذاك ~~الذي ينزل بالحرب وبالقتال، ذاك عدونا! لو قلت: ميكائيل الذي ينزل بالقطر ~~وبالرحمة تابعناك، فأنزل الله الآية إلى قوله: " للكافرين " أخرجه الترمذي. # وقوله تعالى: " فإنه نزله على قلبك " الضمير في " إنه " يحتمل معنيين، ~~الأول: فإن الله نزل جبريل على قلبك. الثاني: فإن جبريل نزل بالقرآن على ~~قلبك. وخص القلب بالذكر لأنه موضع العقل والعلم وتلقي المعارف. ودلت الآية ~~على شرف جبريل عليه السلام وذم معاديه. # وقوله تعالى: " بإذن الله " أي بإرادته وعلمه. " مصدقا لما بين يديه ms0467 " ~~يعني التوراة. # " وهدى وبشرى للمؤمنين " تقدم معناه (1)، والحمد لله. # قوله تعالى: من كان عدوا لله وملئكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو ~~للكافرين (98). # قوله تعالى: " من كان عدوا لله " شرط، وجوابه " فإن الله عدو للكافرين ". # وهذا وعيد وذم لمعادي جبريل عليه السلام، وإعلان أن عداوة البعض تقتضي ~~عداوة الله لهم. وعداوة العبد لله هي معصيته واجتناب طاعته، ومعادات ~~أوليائه. وعداوة الله للعبد تعذيبه وإظهار أثر العداوة عليه. # فإن قيل: لم خص الله جبريل وميكائيل بالذكر وإن كان ذكر الملائكة قد ~~عمهما؟ # قيل له: خصهما بالذكر تشريفا لهما، كما قال: " فيهما فاكهة ونخل ورمان ~~(2) ". وقيل: خصا لان اليهود ذكروهما، ونزلت الآية بسببهما، فذكرهما واجب ~~لئلا تقول اليهود: إنا لم نعاد # PageV02P036 # الله وجميع ملائكته، فنص الله تعالى عليهما لابطال ما يتأولونه من ~~التخصيص. ولعلماء اللسان في جبريل وميكائيل عليهما السلام لغات، فأما التي ~~في جبريل فعشر: # الأولى - جبريل، وهي لغة أهل الحجاز، قال حسان بن ثابت: # * وجبريل رسول الله فينا * الثانية - جبريل (بفتح الجيم) وهي قراءة الحسن ~~وابن كثير، وروي عن ابن كثير أنه قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في ~~النوم وهو يقرأ جبريل وميكائيل فلا أزال أقرؤهما أبدا كذلك. # الثالثة - جبرئيل (بياء بعد الهمزة، مثال جبرعيل)، كما قرأ أهل الكوفة، ~~وأنشدوا: # شهدنا فما تلقى لنا من كتيبة * مدى الدهر إلا جبرئيل أمامها (1) وهي لغة ~~تميم وقيس. # الرابعة - جبرئل (على وزن جبرعل) مقصور، وهي قراءة أبي بكر عن عاصم. # الخامسة - مثلها، وهي قراءة يحيى بن يعمر، إلا أنه شدد اللام. # السادسة - جبرائل (بألف بعد الراء ثم همزة) وبها قرأ عكرمة. # السابعة - مثلها، إلا أن بعد الهمزة ياء. # الثامنة - جبرييل (بياءين بغير همزة) وبها قرأ الأعمش ويحيى بن يعمر ~~أيضا. # التاسعة - جبرئين (بفتح الجيم مع همزة مكسورة بعدها ياء ونون). # العاشرة - جبرين (بكسر الجيم وتسكين الياء بنون من غير همزة) وهي لغة بني ~~أسد. # قال الطبري: ولم يقرأ بها. قال النحاس - وذكر قراءة ابن كثير -: " لا ~~يعرف في كلام العرب فعليل، ms0468 وفيه فعليل، نحو دهليز وقطمير وبرطيل، وليس ينكر ~~أن يكون في كلام العجم ما ليس له نظير في كلام العرب، وليس ينكر أن يكثر ~~تغيره، كما قالوا: إبراهيم وإبرهم وإبراهم # PageV02P037 # وإبراهام ". قال غيره: جبريل اسم أعجمي عربته العرب، فلها فيه هذه اللغات ~~ولذلك لم ينصرف. # قلت: قد تقدم في أول الكتاب (1) أن الصحيح في هذه الألفاظ عربية نزل بها ~~جبريل بلسان عربي مبين. قال النحاس: ويجمع جبريل على التكسير جباريل. # وأما اللغات التي في ميكائيل فست: # الأولى - ميكاييل، قراءة نافع. وميكائيل (بياء بعد الهمزة) قراءة حمزة. ~~ميكال، لغة أهل الحجاز، وهي قراءة أبي عمرو وحفص عن عاصم. وروي عن ابن كثير ~~الثلاثة أوجه، قال كعب بن مالك: # ويوم بدر لقيناكم لنا مدد * فيه مع النصر ميكال وجبريل وقال آخر (2): # عبدوا الصليب وكذبوا بمحمد * وبجبرئيل وكذبوا ميكالا الرابعة - ميكئيل، ~~مثل ميكعيل، وهي قراءة ابن محيصن. # الخامسة - ميكاييل (بياءين) وهي قراءة الأعمش باختلاف عنه. # السادسة - ميكاءل، كما يقال (إسراءل بهمزة مفتوحة)، وهو اسم أعجمي فلذلك ~~لم ينصرف. وذكر ابن عباس أن جبر وميكا وإسراف هي كلها بالأعجمية بمعنى: عبد ~~ومملوك. # وإيل: اسم الله تعالى، ومنه قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين سمع سجع ~~مسيلمة: هذا كلام لم يخرج من إل، وفي التنزيل: " لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ~~ذمة " في أحد التأويلين، وسيأتي (3). قال الماوردي: إن جبريل وميكائيل ~~اسمان، أحدهما عبد الله، والاخر عبيد الله، لان إيل هو الله تعالى، وجبر هو ~~عبد، وميكا هو عبيد، فكأن جبريل عبد الله، وميكائيل عبيد الله، هذا قول ابن ~~عباس، وليس له في المفسرين مخالف. # PageV02P038 # قلت: وزاد بعض المفسرين: وإسرافيل عبد الرحمن. قال النحاس: ومن تأول ~~الحديث " جبر " عبد، و " إل " الله وجب عليه أن يقول: هذا جبرئل ورأيت ~~جبرئل ومررت بجبرئل، وهذا لا يقال، فوجب أن يكون معنى الحديث أنه مسمى ~~بهذا. قال غيره: ولو كان كما قالوا لكان مصروفا، فترك الصرف يدل على أنه ~~اسم واحد مفرد ليس بمضاف. وروى عبد ms0469 الغني الحافظ من حديث أفلت بن خليفة - ~~وهو فليت العامري وهو أبو حسان - عن جسرة بنت دجاجة عن عائشة رضي الله عنها ~~قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم رب جبريل وميكايل وإسرافيل ~~أعوذ بك من حر النار وعذاب القبر). # قوله تعالى: ولقد أنزلنا إليك آيات بينت وما يكفر بها إلا الفاسقون (99) ~~قال ابن عباس رضي الله عنهما: هذا جواب لابن صوريا (1) حيث قال لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: يا محمد ما جئتنا بشئ نعرفه، وما أنزل عليك من آية ~~بينة فنتبعك بها؟ فأنزل الله هذه الآية، ذكره الطبري. # قوله تعالى: أو كلما عهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون ~~(100) قوله تعالى: " أو كلما عاهدوا عهدا " الواو واو العطف، دخلت عليها ~~ألف الاستفهام كما تدخل على الفاء في قوله: " أفحكم الجاهلية (2) "، " ~~أفأنت تسمع الصم (3) "، " أفتتخذونه وذريته (4) ". وعلى ثم كقوله: " أثم ~~إذا ما وقع (5) " هذا قول سيبويه. وقال الأخفش: الواو زائدة. ومذهب الكسائي ~~أنها أو، حركت الواو منها تسهيلا. وقرأها قوم أو، ساكنة الواو فتجئ بمعنى ~~بل، كما يقول القائل: لأضربنك، فيقول المجيب: أو يكفي الله. قال ابن عطية: ~~وهذا كله متكلف، والصحيح قول سيبويه. " كلما " نصب على الظرف، والمعني # PageV02P039 # في الآية مالك بن الصيف، ويقال فيه ابن الضيف (1)، كان قد قال: والله ما ~~أخذ علينا عهد في كتابنا أن نؤمن بمحمد ولا ميثاق، فنزلت الآية. وقيل: إن ~~اليهود عاهدوا لئن خرج محمد لنؤمن به ولنكونن معه على مشركي العرب، فلما ~~بعث كفروا به. وقال عطاء: هي العهود التي كانت بين النبي صلى الله عليه ~~وسلم وبين اليهود فنقضوها كفعل قريظة والنضير، دليله قول تعالى: " الذين ~~عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون (2) ". # قوله تعالى: " نبذه فريق منهم " النبذ: الطرح والالقاء، ومنه النبيذ ~~والمنبوذ، قال أبو الأسود: # وخبرني من كنت أرسلت إنما * أخذت كتابي معرضا بشمالكا نظرت إلى عنوانه ~~فنبذته * كنبذك نعلا أخلقت من نعالكا آخر: إن الذين أمرتهم أن يعدلوا * ~~نبذوا ms0470 كتابك واستحلوا المحرما وهذا مثل يضرب لمن استخف بالشئ فلا يعمل به، ~~تقول العرب: اجعل هذا خلف ظهرك، ودبرا منك، وتحت قدمك، أي اتركه وأعرض عنه، ~~قال الله تعالى: # " واتخذتموه وراءكم ظهريا (3) ". وأنشد الفراء: # تميم بن زيد لا تكونن حاجتي * بظهر فلا يعيا علي جوابها (4) " بل أكثرهم ~~" ابتداء. " لا يؤمنون " فعل مستقبل في موضع الخبر. # قوله تعالى: ولما جاءهم رسول من عند الله مصدقا لما معهم نبذ فريق من ~~الذين أوتوا الكتب كتب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون (101) # PageV02P040 # قوله تعالى: " ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم " نعت لرسول، ~~ويجوز نصبه على الحال. " نبذ فريق " جواب " لما ". " من الذين أوتوا الكتاب ~~كتاب الله " نصب ب‍ " نبذ "، والمراد التوراة، لان كفرهم بالنبي عليه ~~السلام وتكذيبهم له نبذ لها. قال السدي: نبذوا التوراة وأخذوا بكتاب آصف، ~~وسحر هاروت وماروت. # وقيل: يجوز أن يعني به القرآن. قال الشعبي: هو بين أيديهم يقرءونه، ولكن ~~نبذوا العمل به. وقال سفيان بن عيينة: أدرجوه في الحرير والديباج، وحلوه ~~بالذهب والفضة، ولم يحلوا حلاله ولم يحرموا حرامه، فذلك النبذ. وقد تقدم ~~بيانه مستوفى (1). " كأنهم لا يعلمون " تشبيه بمن لا يعلم إذ فعلوا فعل ~~الجاهل فيجئ من اللفظ أنهم كفروا على علم. # قوله تعالى: واتبعوا ما تتلوا الشيطين على ملك سليمن وما كفر سليمن ولكن ~~الشيطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هروت ومروت ~~وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما ~~يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ~~ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتريه ما له في الآخرة من خلق ولبئس ~~ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون (102) فيه أربع وعشرون مسألة: # الأولى - قوله تعالى: " واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان " هذا ~~إخبار من الله تعالى عن الطائفة الذين نبذوا الكتاب بأنهم اتبعوا السحر ~~أيضا، وهم اليهود. وقال السدى: عارضت اليهود محمدا صلى الله ms0471 عليه وسلم ~~بالتوراة فاتفقت التوراة والقرآن فنبذوا التوراة وأخذوا بكتاب آصف وبسحر ~~هاروت وماروت. وقال محمد بن إسحاق: لما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~سليمان في المرسلين قال بعض أحبارهم: يزعم محمد أن ابن داود # PageV02P041 # كان نبيا! والله ما كان إلا ساحرا، فأنزل الله عز وجل: " وما كفر سليمان ~~ولكن الشياطين كفروا " أي ألقت إلى بني آدم أن ما فعله سليمان من ركوب ~~البحر واستسخار الطير والشياطين كان سحرا. وقال الكلبي: كتبت الشياطين ~~السحر والنيرنجيات (1) على لسان آصف كاتب سليمان، ودفنوه تحت مصلاه حين ~~انتزع الله ملكه ولم يشعر بذلك سليمان، فلما مات سليمان استخرجوه وقالوا ~~للناس: إنما ملككم بهذا فتعلموه، فأما علماء بني إسرائيل فقالوا: # معاذ الله أن يكون هذا علم سليمان! وأما السفلة فقالوا: هذا علم سليمان، ~~وأقبلوا على تعليمه ورفضوا كتب أنبيائهم حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه ~~وسلم، فأنزل الله عز وجل على نبيه عذر سليمان وأظهر براءته مما رمي به ~~فقال: " واتبعوا ما تتلوا الشياطين ". قال عطاء: # " تتلو " تقرأ من التلاوة. وقال ابن عباس: " تتلو " تتبع، كما تقول: جاء ~~القوم يتلو بعضهم بعضا. وقال الطبري: " اتبعوا " بمعنى فضلوا. # قلت: لان كل من اتبع شيئا وجعله أمامه فقد فضله على غيره، ومعنى " تتلو " ~~يعني تلت، فهو بمعنى المضي، قال الشاعر: # وإذا مررت بقبره فاعقر به * كوم الهجان (2) وكل طرف سابح وانضح جوانب ~~قبره بدمائها * فلقد يكون أخادم وذبائح أي فلقد كان. و " ما " مفعول ب‍ " ~~اتبعوا " أي اتبعوا ما تقولته الشياطين على سليمان وتلته. وقيل: " ما " ~~نفي، وليس بشئ لا في نظام الكلام ولا في صحته، قال ابن العربي. # " على ملك سليمان " أي على شرعه ونبوته. قال الزجاج: المعنى على عهد ملك ~~سليمان. وقيل: # المعنى في ملك سليمان، يعني في قصصه وصفاته وأخباره. قال الفراء: تصلح ~~على وفي، في مثل هذا الموضع. وقال " على " ولم يقل بعد لقوله تعالى: " وما ~~أرسلنا من قبلك من رسول # PageV02P042 # ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في ms0472 أمنيته (1) " أي في تلاوته. وقد ~~تقدم معنى الشيطان واشتقاقه، فلا معنى لإعادته (2). والشياطين هنا قيل: هم ~~شياطين الجن، وهو المفهوم من هذا الاسم. وقيل: المراد شياطين الانس ~~المتمردون في الضلال، كقول جرير: # أيام يدعونني الشيطان من غزلي * وكن يهوينني إذ كنت شيطانا الثانية - ~~قوله تعالى: " وما كفر سليمان " تبرئة من الله لسليمان، ولم يتقدم في الآية ~~أن أحدا نسبه إلى الكفر، ولكن اليهود نسبته إلى السحر، ولكن لما كان السحر ~~كفرا صار بمنزلة من نسبه إلى الكفر. ثم قال: " ولكن الشياطين كفروا " فأثبت ~~كفرهم بتعليم السحر. و " يعلمون: في موضع نصب على الحال، ويجوز أن يكون في ~~موضع رفع على أنه خبر ثان. وقرأ الكوفيون سوى عاصم " ولكن الشياطين " ~~بتخفيف " لكن "، ورفع النون من " الشياطين "، وكذلك في الأنفال " ولكن الله ~~رمى (3) " ووافقهم ابن عامر. الباقون بالتشديد والنصب. و " لكن " كلمة لها ~~معنيان: نفي الخبر الماضي، وإثبات الخبر المستقبل، وهي مبنية من ثلاث ~~كلمات: لا، ك، إن. " لا " نفي، و " الكاف " خطاب، و " إن " إثبات وتحقيق، ~~فذهبت الهمزة استثقالا، وهي تثقل وتخفف، فإذا ثقلت نصبت كإن الثقيلة، وإذا ~~خففت رفعت بها كما ترفع بإن الخفيفة. # الثالثة - السحر، قيل: السحر أصله التمويه بالحيل والتخاييل، وهو أن يفعل ~~الساحر أشياء ومعاني، فيخيل للمسحور أنها بخلاف ما هي به، كالذي يرى السراب ~~من بعيد فيخيل إليه أنه ماء، وكراكب السفينة السائرة سيرا حثيثا يخيل إليه ~~أن ما يرى من الأشجار والجبال سائرة معه. وقيل: هو مشتق من سحرت الصبي إذا ~~خدعته، وكذلك إذا عللته، والتسحير مثله، قال لبيد: # فإن تسألينا فيم نحن فإننا * عصافير من هذا الأنام المسحر # PageV02P043 # آخر (1): # أرانا موضعين لأمر غيب (2) * ونسحر بالطعام وبالشراب عصافير وذبان ودود * ~~وأجرأ من مجلحة (3) الذئاب وقوله تعالى: " إنما أنت من المسحرين " يقال: ~~المسحر الذي خلق ذا سحر، ويقال من المعللين، أي ممن يأكل الطعام ويشرب ~~الشراب. وقيل: أصله الخفاء، فإن الساحر يفعله في خفية. وقيل: أصله الصرف، ~~يقال: ما سحرك عن كذا، أي ما صرفك عنه، ms0473 فالسحر مصروف عن جهته. وقيل: أصله ~~الاستمالة، وكل من استمالك فقد سحرك. وقيل في قوله تعالى: " بل نحن قوم ~~مسحورون " أي سحرنا فأزلنا بالتخييل عن معرفتنا. وقال الجوهري: السحر ~~الآخذة، وكل ما لطف مأخذه ودق فهو سحر، وقد سحره يسحره سحرا. # والساحر: العالم، وسحره أيضا بمعنى خدعه، وقد ذكرناه. وقال ابن مسعود: ~~كنا نسمي السحر في الجاهلية العضه. والعضه عند العرب: شدة البهت وتمويه ~~الكذب، قال الشاعر: # أعوذ بربي من النافثات * في عضه العاضه المعضه الرابعة - واختلف هل له ~~حقيقة أم لا، فذكر الغزنوي الحنفي في عيون المعاني له: # أن السحر المعتزلة خدع لا أصل له، وعند الشافعي وسوسة وأمراض. قال: ~~وعندنا أصله طلسم يبني على تأثير خصائص الكواكب، كتأثير الشمس في زئبق عصي ~~فرعون، أو تعظيم الشياطين ليسهلوا له ما عسر. # قلت: وعندنا أنه حق وله حقيقة يخلق الله عنده ما شاء، على ما يأتي. ثم من ~~السحر ما يكون بخفة اليد كالشعوذة. والشعوذي: البريد لخفة سيره. قال ابن ~~فارس في المجمل: # الشعوذة ليس من كلام أهل البادية، وهي خفة في اليدين وأخذة كالسحر، ومنه ~~ما يكون كلاما يحفظ، ورقى من أسماء الله تعالى. وقد يكون من عهود الشياطين، ~~ويكون أدوية وأدخنة وغير ذلك. # PageV02P044 # الخامسة - سمي رسول الله صلى الله عليه وسلم الفصاحة في الكلام واللسانة ~~فيه سحرا، فقال: (إن من البيان لسحرا) أخرجه مالك وغيره. وذلك لان فيه ~~تصويب الباطل حتى يتوهم السامع أنه حق، فعلى هذا يكون قوله عليه السلام: ~~(إن من البيان لسحرا) خرج مخرج الذم للبلاغة والفصاحة، إذ شبهها بالسحر. ~~وقيل: خرج مخرج المدح للبلاغة والتفضيل للبيان، قاله جماعة من أهل العلم. ~~والأول أصح، والدليل عليه قوله عليه السلام: # (فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض)، وقوله: (إن أبغضكم إلي ~~الثرثارون المتفيهقون). الثرثرة: كثرة الكلام وترديده، يقال: ثرثر الرجل ~~فهو ثرثار مهذار. والمتفيهق نحوه. قال ابن دريد. فلان يتفيهق في كلامه إذا ~~توسع فيه وتنطع، قال: وأصله الفهق وهو الامتلاء، كأنه ملا به فمه. ms0474 # قلت: وبهذا المعنى الذي ذكرناه فسره عامر الشعبي راوي الحديث وصعصعة بن ~~صوحان فقالا: أما قوله صلى الله عليه وسلم: (إن من البيان لسحرا) فالرجل ~~يكون عليه ألحق وهو ألحن بالحجج من صاحب الحق فيسحر القوم ببيانه فيذهب ~~بالحق وهو عليه، وإنما يحمد العلماء البلاغة واللسانة ما لم تخرج إلى حد ~~الاسهاب والاطناب، وتصوير الباطل في صورة الحق. وهذا بين، والحمد لله. # السادسة - من السحر ما يكون كفرا من فاعله، مثل ما يدعون من تغيير صور ~~الناس، وإخراجهم في هيئة بهيمة، وقطع مسافة شهر في ليلة، والطيران في ~~الهواء، فكل من فعل هذا ليوهم الناس أنه محق فذلك كفر منه، قاله أبو نصر ~~عبد الرحيم القشيري. قال أبو عمرو: # من زعم أن الساحر يقلب الحيوان من صورة إلى صورة، فيجعل الانسان حمارا أو ~~نحوه، ويقدر على نقل الأجساد وهلاكها وتبديلها، فهذا يرى قتل الساحر لأنه ~~كافر بالأنبياء، يدعي مثل آياتهم ومعجزاتهم، ولا يتهيأ مع هذا علم صحة ~~النبوة إذ قد يحصل مثلها بالحيلة. # وأما من زعم أن السحر خدع ومخاريق وتمويهات وتخييلات فلم يجب على أصله ~~قتل الساحر، إلا أن يقتل بفعله أحدا فيقتل به. PageV02P045 # السابعة - ذهب أهل السنة إلى أن السحر ثابت وله حقيقة. وذهب عامة ~~المعتزلة وأبو إسحاق الاسترآبادي من أصحاب الشافعي إلى أن السحر لا حقيقة ~~له، وإنما هو تمويه وتخييل وإيهام لكون الشئ على غير ما هو به، وأنه ضرب من ~~الخفة والشعوذة، كما قال تعالى: # " يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى (1) " ولم يقل تسعى على الحقيقة، ولكن ~~قال " يخيل إليه ". # وقال أيضا: " سحروا أعين الناس (2) ". وهذا لا حجة فيه، لأنا لا ننكر أن ~~يكون التخييل وغيره من جملة السحر، ولكن ثبت وراء ذلك أمور جوزها العقل ~~وورد بها السمع، فمن ذلك ما جاء في هذه الآية من ذكر السحر وتعليمه، ولو لم ~~يكن له حقيقة لم يمكن تعليمه، ولا أخبر تعالى أنهم يعلمونه الناس، فدل على ~~أن له حقيقة. وقوله تعالى في قصة سحرة فرعون: ms0475 # " وجاءوا بسحر عظيم " وسورة " الفلق "، مع اتفاق المفسرين على أن سبب ~~نزولها ما كان من سحر لبيد بن الأعصم، وهو مما خرجه البخاري ومسلم وغيرهما ~~عن عائشة رضي الله عنها قالت: # سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم يهودي من يهود بني زريق يقال له لبيد ~~بن الأعصم، الحديث. # وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما حل السحر: (إن الله شفاني). ~~والشفاء إنما يكون برفع العلة وزوال المرض، فدل على أن له حقا وحقيقة، فهو ~~مقطوع به بإخبار الله تعالى ورسوله على وجوده ووقوعه. وعلى هذا أهل الحل ~~والعقد الذين ينعقد بهم الاجماع، ولا عبرة مع اتفاقهم بحثالة المعتزلة ~~ومخالفتهم أهل الحق. ولقد شاع السحر وذاع في سابق الزمان وتكلم الناس فيه، ~~ولم يبد من الصحابة ولا من التابعين إنكار لاصله. وروى سفيان عن أبي الأعور ~~عن عكرمة عن ابن عباس قال: علم السحر في قرية من قرى مصر يقال لها: # " الفرما " فمن كذب به فهو كافر، مكذب لله ورسوله، منكر لما علم مشاهدة ~~وعيانا. # الثامنة - قال علماؤنا: لا ينكر أن يظهر على يد الساحر خرق العادات مما ~~ليس في مقدور البشر من مرض وتفريق وزوال عقل وتعويج عضو إلى غير ذلك مما ~~قام الدليل على استحالة كونه من مقدورات العباد. قالوا: ولا يبعد في السحر ~~أن يستدق جسم الساحر حتى يتولج في الكوات والخوخات والانتصاب على رأس قصبة، ~~والجري على # PageV02P046 # خيط مستدق، والطيران في الهواء والمشي على الماء وركوب كلب وغير ذلك. ومع ~~ذلك فلا يكون السحر موجبا لذلك، ولا علة لوقوعه ولا سببا مولدا، ولا يكون ~~الساحر مستقلا به، وإنما يخلق الله تعالى هذه الأشياء ويحدثها عند وجود ~~السحر، كما يخلق الشيع عند الاكل، والري عند شرب الماء. روى سفيان عن عمار ~~الذهبي أن ساحرا كان عند الوليد بن عقبة يمشي على الحبل، ويدخل في است ~~الحمار ويخرج من فيه، فاشتمل له جندب على السيف فقتله جندب - هذا هو جندب ~~بن كعب الأزدي ويقال البجلي - وهو ms0476 الذي قال في حقه النبي صلى الله عليه ~~وسلم: (يكون في أمتي رجل يقال له جندب يضرب ضربة بالسيف يفرق بين الحق ~~والباطل). فكانوا يرونه جندبا هذا قاتل الساحر. قال علي بن المديني: # روى عنه حارثة بن مضرب. # التاسعة - أجمع المسلمون على أنه ليس في السحر ما يفعل الله عنده إنزال ~~الجراد والقمل والضفادع وفلق البحر وقلب العصا وإحياء الموتى وإنطاق ~~العجماء، وأمثال ذلك من عظيم آيات الرسل عليهم السلام. فهذا ونحوه مما يجب ~~القطع بأنه لا يكون ولا يفعله الله عند إرادة الساحر. قال القاضي أبو بكر ~~بن الطيب: وإنما منعنا ذلك بالاجماع ولولاه لأجزناه. # العاشرة - في الفرق بين السحر والمعجزة، قال علماؤنا: السحر يوجد من ~~الساحر وغيره، وقد يكون جماعة يعرفونه ويمكنهم الاتيان به في وقت واحد. ~~والمعجزة لا يمكن الله أحدا أن يأتي بمثلها وبمعارضتها، ثم الساحر لم يدع ~~النبوة فالذي يصدر منه متميز عن المعجزة، فإن المعجزة شرطها اقتران دعوى ~~النبوة والتحدي بها، كما تقدم في مقدمة الكتاب (1). # الحادية عشرة - واختلف الفقهاء في حكم الساحر المسلم والذمي، فذهب مالك ~~إلى أن المسلم إذا سحر بنفسه بكلام يكون كفرا يقتل ولا يستتاب ولا تقبل ~~توبته، لأنه أمر يستسر به كالزنديق والزاني، ولأن الله تعالى سمى السحر ~~كفرا بقوله: " وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر " وهو ~~قول أحمد بن حنبل وأبي ثور وإسحاق والشافعي # PageV02P047 # وأبي حنيفة. وروي قتل الساحر عن عمر وعثمان وابن عمر وحفصة وأبي موسى ~~وقيس ابن سعد وعن سبعة من التابعين. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: (حد ~~الساحر ضربه بالسيف) خرجه الترمذي وليس بالقوي، انفرد به إسماعيل بن مسلم ~~وهو ضعيف عندهم، رواه ابن عيينة عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن مرسلا، ومنهم ~~من جعله عن الحسن عن جندب. قال ابن المنذر: وقد روينا عن عائشة. أنها باعت ~~ساحرة كانت سحرتها وجعلت ثمنها في الرقاب. قال ابن المنذر: وإذا أقر الرجل ~~أنه سحر بكلام يكون كفرا وجب قتله ms0477 إن لم يتب، وكذلك لو ثبتت به عليه بينة ~~ووصفت البينة كلاما يكون كفرا. وإن كان الكلام الذي ذكر أنه سحر به ليس ~~بكفر لم يجز قتله، فإن كان أحدث في المسحور جناية توجب القصاص اقتص منه إن ~~كان عمد ذلك، وإن كان مما لا قصاص فيه ففيه دية ذلك. قال ابن المنذر: وإذا ~~اختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسألة وجب اتباع أشبههم ~~بالكتاب والسنة، وقد يجوز أن يكون السحر الذي أمر من أمر منهم بقتل الساحر ~~سحرا يكون كفرا فيكون ذلك موافقا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~ويحتمل أن تكون عائشة رضي الله عنها أمرت ببيع ساحرة لم يكن سحرها كفرا. ~~فإن احتج محتج بحديث جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم: (حد الساحر ضربه ~~بالسيف) فلو صح لاحتمل أن يكون أمر بقتل الساحر الذي يكون سحره كفرا، فيكون ~~ذلك موافقا للاخبار التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا ~~يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث...) قلت: وهذا صحيح، ودماء المسلمين ~~محظورة لا تستباح إلا بيقين ولا يقين مع الاختلاف. # والله تعالى أعلم. وقال بعض العلماء: إن قال أهل الصناعة أن السحر لا يتم ~~إلا مع الكفر ولاستكبار، أو تعظيم الشيطان فالسحر إذا دال على الكفر على ~~هذا التقدير، والله تعالى أعلم. # وروي عن الشافعي: لا يقتل الساحر إلا أن يقتل بسحره ويقول تعمدت القتل، ~~وإن قال لم أتعمده لم يقتل، وكانت فيه الدية كقتل الخطأ، وإن أضربه أدب على ~~قدر الضرر. قال ابن العربي: وهذا باطل من وجهين، أحدهما: أنه لم يعلم ~~السحر، وحقيقته أنه كلام PageV02P048 # مؤلف يعظم به غير الله تعالى، وتنسب إليه المقادير والكائنات. الثاني: أن ~~الله سبحانه قد صرح في كتابه بأنه كفر فقال: " وما كفر سليمان " بقول السحر ~~" ولكن الشياطين كفروا " به وبتعليمه، وهاروت وماروت يقولان: " إنما نحن ~~فتنة فلا تكفر " وهذا تأكيد للبيان. # احتج أصحاب مالك بأنه لا تقبل توبته، لان السحر باطن ms0478 لا يظهره صاحبه فلا ~~تعرف توبته كالزنديق، وإنما يستتاب من أظهر الكفر مرتدا، قال مالك: فإن جاء ~~الساحر أو الزنديق تائبا قبل أن يشهد عليهما قبلت توبتهما، والحجة لذلك ~~قوله تعالى: " فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا (1) " فدل على أنه كان ~~ينفعهم إيمانهم قبل نزول العذاب، فكذلك هذان. # الثانية عشرة - وأما ساحر الذمة، فقيل يقتل. وقال مالك: لا يقتل إلا أن ~~يقتل بسحره ويضمن ما جنى، ويقتل إن جاء منه ما لم يعاهد عليه. وقال ابن ~~خويز منداد: # فأما إذا كان ذميا فقد اختلفت الرواية عن مالك، فقال مرة: يستتاب وتوبته ~~الاسلام. # وقال مرة: يقتل وإن أسلم. وأما الحربي فلا يقتل إذا تاب، وكذلك قال مالك ~~في ذمي سب النبي صلى الله عليه وسلم: يستتاب وتوبته الاسلام. وقال مرة: ~~يقتل ولا يستتاب كالمسلم. وقال مالك أيضا في الذمي إذا سحر: يعاقب، إلا أن ~~يكون قتل بسحره، أو أحدث حدثا فيؤخذ منه بقدره. وقال غيره: يقتل، لأنه قد ~~نقض العهد. ولا يرث الساحر ورثته، لأنه كافر إلا أن يكون سحره لا يسمى ~~كفرا. وقال مالك في المرأة تعقد زوجها عن نفسها أو عن غيرها: تنكل ولا ~~تقتل. # الثالثة عشرة - واختلفوا هل يسئل الساحر حل السحر عن المسحور، فأجازه ~~سعيد ابن المسيب على ما ذكره البخاري، وإليه مال المزني وكرهه الحسن ~~البصري. وقال الشعبي: # لا بأس بالنشرة (2). قال ابن بطال: وفي كتاب وهب بن منبه أن يأخذ سبع ~~ورقات من سدر # PageV02P049 # أخضر فيدقه بين حجرين ثم يضربه بالماء ويقرأ عليه آية الكرسي، ثم يحسو ~~منه ثلاث حسوات ويغتسل به، فإنه يذهب عنه كل ما به، إن شاء الله تعالى، وهو ~~جيد للرجل إذا حبس عن أهله. # الرابعة عشرة - أنكر معظم المعتزلة الشياطين والجن، ودل إنكارهم على قلة ~~مبالاتهم وركاكة دياناتهم، وليس في إثباتهم مستحيل عقلي، وقد دلت نصوص ~~الكتاب والسنة على إثباتهم، وحق على اللبيب المعتصم بحبل الله أن يثبت ما ~~قضى العقل بجوازه، ونص الشرع على ثبوته، قال الله تعالى: ms0479 " ولكن الشياطين ~~كفروا " وقال: " ومن الشياطين من يغوصون (1) له " إلى غير ذلك، من الآي، ~~وسورة " الجن " تقضي بذلك، وقال عليه السلام: (إن الشيطان يجري من ابن آدم ~~مجرى الدم). وقد أنكر هذا الخبر كثير من الناس، وأحالوا روحين في جسد، ~~والعقل لا يحيل سلوكهم في الانس إذا كانت أجسامهم رقيقة بسيطة على ما يقوله ~~بعض الناس بل أكثرهم، ولو كانوا كثافا لصح ذلك أيضا منهم، كما يصح دخول ~~الطعام والشراب في الفراغ من الجسم، وكذلك الديدان قد تكون في بني آدم وهي ~~أحياء. # الخامسة عشرة - قوله تعالى: " وما أنزل على الملكين " " ما " نفي، والواو ~~للعطف على قوله: " وما كفر سليمان " وذلك أن اليهود قالوا: إن الله أنزل ~~جبريل وميكائيل بالسحر، فنفى الله ذلك. وفي الكلام تقديم وتأخير، التقدير ~~وما كفر سليمان، وما أنزل على الملكين، ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس ~~السحر ببابل هاروت وماروت، فهاروت وماروت بدل من الشياطين في قوله: " ولكن ~~الشياطين كفروا ". هذا أولى ما حملت عليه الآية من التأويل، وأصح ما قيل ~~فيها ولا يلتفت إلى سواه، فالسحر من استخراج الشياطين للطافة جوهرهم، ودقة ~~أفهامهم، وأكثر ما يتعاطاه من الانس النساء وخاصة في حال طمثهن، قال الله ~~تعالى: " ومن شر النفاثات في العقد (2) ". وقال الشاعر: # أعوذ بربي من النافثات *.............. # السادسة عشرة - إن قال قائل: كيف يكون اثنان بدلا من جمع والبدل إنما ~~يكون على حد المبدل منه، فالجواب من وجوه ثلاثة، الأول: أن الاثنين قد يطلق ~~عليهما اسم # PageV02P050 # الجمع، كما قال تعالى: " فإن كان له إخوة فلأمه السدس " ولا يحجبها عن ~~الثلث إلى السدس إلا اثنان من الاخوة فصاعدا، على ما يأتي بيانه في " ~~النساء (1) ". الثاني: أنهما لما كانا الرأس في التعليم نص عليهما دون ~~اتباعهما، كما قال تعالى: " عليها تسعة عشر (2) " الثالث: إنما خصا بالذكر ~~من بينهم لتمردهما، كما قال تعالى: " فيهما فاكهة ونخل ورمان (3) " وقوله: ~~" وجبريل وميكال ". وهذا كثير في القرآن وفي كلام العرب، فقد ينص بالذكر ~~على بعض أشخاص العموم إما لشرفه وإما لفضله، ms0480 كقوله تعالى: " إن أولى الناس ~~بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي (4) " وقوله: " وجبريل وميكال "، وإما ~~لطيبه كقوله: " فاكهة ونخل ورمان "، وإما لأكثريته، كقوله صلى الله عليه ~~وسلم: (جعلت لي الأرض مسجدا وتربتها طهورا)، وإما لتمرده وعتوه كما في هذه ~~الآية، والله تعالى أعلم. وقد قيل: إن " ما " عطف على السحر وهي مفعولة، ~~فعلى هذا يكون " ما " بمعنى الذي، ويكون السحر منزلا على الملكين فتنة ~~للناس وامتحانا، ولله أن يمتحن عباده بما شاء، كما امتحن بنهر طالوت، ولهذا ~~يقول الملكان: إنما نحن فتنة، أي محنة من الله، نخبرك أن عمل الساحر كفر ~~فإن أطعتنا نجوت، وإن عصيتنا هلكت. وقد روي عن علي وابن مسعود وابن عباس ~~وابن عمر وكعب الأحبار والسدي والكلبي ما معناه: أنه لما كثر الفساد من ~~أولاد آدم عليه السلام - وذلك في زمن إدريس عليه السلام - عيرتهم الملائكة، ~~فقال الله تعالى: أما إنكم لو كنتم مكانهم، وركبت فيكم ما ركبت فيهم لعملتم ~~مثل أعمالهم، فقالوا: سبحانك! ما كان ينبغي لنا ذلك، قال: فاختاروا ملكين ~~من خياركم، فاختاروا هاروت وماروت، فأنزلهما إلى الأرض فركب فيهما الشهوة، ~~فما مر بهما شهر حتى فتنا بامرأة اسمها بالنبطية " بيدخت " وبالفارسية " ~~ناهيل (5) " وبالعربية " الزهرة " اختصمت إليهما، وراوداها عن نفسها فأبت ~~إلا أن يدخلا في دينها ويشربا الخمر ويقتلا النفس التي حرم الله، فأجاباها ~~وشربا الخمر وألما بها، فرأهما رجل فقتلاه، وسألتهما عن الاسم الذي يصعدان ~~به إلى السماء فعلماها فتكلمت به # PageV02P051 # فعرجت فمسخت كوكبا. وقال سالم عن أبيه عن عبد الله: فحدثني كعب الحبر ~~أنهما لم يستكملا يومهما حتى عملا بما حرم الله عليهما. وفي غير هذا ~~الحديث: فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة فاختارا عذاب الدنيا، فهما ~~يعذبان ببابل في سرب من الأرض. قيل: بابل العراق. وقيل: # بابل نهاوند، وكان ابن عمر فيما يروي عن عطاء أنه كان إذا رأى الزهرة ~~وسهيلا سبهما وشتمهما، ويقول: إن سهيلا كان عشارا (1) باليمن يظلم الناس، ~~وإن الزهرة كانت صاحبة هاروت وماروت. # قلنا: هذا كله ضعيف وبعيد ms0481 عن ابن عمر وغيره، لا يصح منه شئ، فإنه قول ~~تدفعه الأصول في الملائكة الذين هم أمناء الله على وحيه، وسفراؤه إلى رسله ~~" لا يعصون الله ما أمر هم ويفعلون ما يؤمرون (2) ". " بل عباد مكرمون. لا ~~يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون (3) ". # " يسبحون الليل والنهار لا يفترون (3) ". وأما العقل فلا ينكر وقوع ~~المعصية من الملائكة ويوجد منهم خلاف ما كلفوه، ويخلق فيهم الشهوات، إذ في ~~قدرة الله تعالى كل موهوم، ومن هذا خوف الأنبياء والأولياء الفضلاء ~~العلماء، ولكن وقوع هذا الجائز لا يدرك إلا بالسمع ولم يصح. ومما يدل على ~~عدم صحته أن الله تعالى خلق النجوم وهذه الكواكب حين خلق السماء، ففي ~~الخبر: (أن السماء لما خلقت خلق فيها سبعة دوارة زحل والمشتري وبهرام ~~وعطارد والزهرة والشمس والقمر ". وهذا معنى قول الله تعالى: " وكل في فلك ~~يسبحون (3) ". # فثبت بهذا أن الزهرة وسهيلا قد كانا قبل خلق آدم، ثم إن قول الملائكة: " ~~ما كان ينبغي لنا " عورة (4): لا تقدر على فتنتنا، وهذا كفر نعوذ بالله منه ~~ومن نسبته إلى الملائكة الكرام صلوات الله عليهم أجمعين، وقد نزهناهم وهم ~~المنزهون عن كل ما ذكره ونقله المفسرون، سبحان ربك رب العزة عما يصفون. # السابعة عشرة - قرأ ابن عباس وابن أبزي والضحاك والحسن: " الملكين " بكسر ~~اللام. قال ابن أبزى: هما داود وسليمان. ف‍ " ما " على هذا القول أيضا ~~نافية، وضعف هذا القول ابن العربي. وقال الحسن: هما علجان كانا ببابل ~~ملكين، ف‍ " ما " على هذا القول مفعولة غير نافية. # PageV02P052 # الثامنة عشرة - قوله تعالى: " ببابل " بابل لا ينصرف للتأنيث والتعريف ~~والعجمة، وهي قطر من الأرض، قيل: العراق وما والاه. وقال ابن مسعود لأهل ~~الكوفة: أنتم بين الحيرة وبابل. وقال قتادة: هي من نصيبين إلى رأس العين. ~~وقال قوم: هي بالمغرب. # قال ابن عطية: وهذا ضعيف. وقال قوم: هو جبل نهاوند، فالله تعالى أعلم. # واختلف في تسميته ببابل، فقيل: سمي بذلك لتبلبل الألسن بها حين سقط صرح ~~نمرود. وقيل: سمي به لان الله تعالى لما أراد ms0482 أن يخالف بين ألسنة بني آدم ~~بعث ريحا فحشرتهم من الآفاق إلى بابل، فبلبل الله ألسنتهم بها، ثم فرقتهم ~~تلك الريح في البلاد. # والبلبلة: التفريق، قال معناه الخليل. وقال أبو عمر بن عبد البر: من أخصر ~~ما قيل في البلبلة وأحسنه ما رواه داود بن أبي هند عن علباء بن أحمر عن ~~عكرمة عن ابن عباس أن نوحا عليه السلام لما هبط إلى أسفل الجودي ابتني قرية ~~وسماها ثمانين، فأصبح ذات يوم وقد تبلبلت ألسنتهم على ثمانين لغة، إحداها ~~اللسان العربي، وكان لا يفهم بعضهم عن بعض. # التاسعة عشرة - روى عبد الله بن بشر المازني قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # (اتقوا الدنيا فوالذي نفسي بيده إنها لأسحر من هاروت وماروت). قال ~~علماؤنا: إنما كانت الدنيا أسحر منهما لأنها تسحرك بخدعها، وتكتمك فتنتها، ~~فتدعوك إلى التحارص عليها والتنافس فيها، والجمع لها والمنع، حتى تفرق بينك ~~وبين طاعة الله تعالى، وتفرق بينك وبين رؤية الحق ورعايته، فالدنيا أسحر ~~منهما، تأخذ بقلبك عن الله، وعن القيام بحقوقه، وعن وعده ووعيده. وسحر ~~الدنيا محبتها وتلذذك بشهواتها، وتمنيك بأمانيها الكاذبة حتى تأخذ بقلبك، ~~ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (حبك الشئ يعمي ويصم). # الموفية عشرين - قوله تعالى: " هاروت وماروت " لا ينصرف " هاروت "، لأنه ~~أعجمي معرفة، وكذا " ماروت "، ويجمع هواريت ومواريت، مثل طواغيت، ويقال: # هوارتة وهوار، وموارتة وموار، ومثله جالوت وطالوت، فاعلم. وقد تقدم هل ~~هما ملكان أو غيرهما؟ خلاف. قال الزجاج: وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: ~~أي والذي أنزل PageV02P053 # على الملكين، وأن الملكين يعلمان الناس تعليم إنذار من السحر لا تعليم ~~دعاء إليه. قال الزجاج: وهذا القول الذي عليه أكثر أهل اللغة والنظر، ~~ومعناه أنهما يعلمان الناس على النهي فيقولان لهم: لا تفعلوا كذا، ولا ~~تحتالوا بكذا لتفرقوا بين المرء وزوجه. والذي أنزل عليهما هو النهي، كأنه ~~قولا للناس: لا تعملوا كذا، ف‍ " يعلمان " بمعنى يعلمان، كما قال: " ولقد ~~كرمنا (1) بني آدم " أي أكرمنا. # الحادية والعشرون - قوله ms0483 تعالى: " وما يعلمان من أحد " " من " زائدة ~~للتوكيد، والتقدير: وما يعلمان أحدا. " حتى يقولا " نصب بحي فلذلك حذفت منه ~~النون، ولغة هذيل وثقيف " عتى " بالعين غير المعجمة. والضمير في " يعلمان " ~~لها روت وماروت. # وفي " يعلمان " قولان، أحدهما: أنه على بابه من التعليم. الثاني: أنه من ~~الاعلام لا من التعليم، ف‍ " يعلمان " بمعنى، يعلمان، وقد جاء في كلام ~~العرب تعلم بمعنى أعلم، ذكره ابن الأعرابي وابن الأنباري. قال كعب بن مالك. # تعلم رسول الله أنك مدركي * وأن وعيدا منك كالاخذ باليد وقال القطامي: # تعلم أن بعد الغي رشدا * وأن لذلك القي انقشاعا وقال زهير: # تعلمن ها لعمر الله ذا قسما * فاقدر بذرعك وانظر أين تنسلك (2) وقال آخر: # تعلم أنه لا طير إلا * على متطير وهو الثبور " إنما نحن فتنة " لما أنبأ ~~بفتنتهما كانت الدنيا أسحر منهما حين كتمت فتنتها. " فلا تكفر " قالت فرقة ~~بتعليم السحر، وقالت فرقة باستعماله. وحكى المهدوي أنه استهزاء، لأنهما ~~إنما يقولانه لمن قد تحققا ضلاله. # PageV02P054 # الثانية والعشرون - قوله تعالى: " فيتعلمون منهما " قال سيبويه: التقدير ~~فهم يتعلمون، قال ومثله " كن فيكون ". وقيل: هو معطوف على موضع " ما يعلمان ~~"، لان قوله: " وما يعلمان " وإن دخلت عليه ما النافية فمضمنه الايجاب في ~~التعليم. وقال الفراء: # هي مردودة على قوله: " يعلمون الناس السحر " فيتعلمون، ويكون " فيتعلمون ~~" متصلة بقول " إنما نحن فتنة " فيأتون فيتعلمون. قال السدي: كانا يقولان ~~لمن جاءهما: إنما نحن فتنة فلا تكفر، فإن أبى أن يرجع قالا له: ائت هذا ~~الرماد فبل فيه، فإذا بال فيه خرج منه نور يسطع إلى السماء، وهو الايمان، ~~ثم يخرج منه دخان أسود فيدخل في أذنيه وهو الكفر، فإذا أخبرهما بما رآه من ~~ذلك علماه ما يفرقون به بين المرء وزوجه. ذهبت طائفة من العلماء إلى أن ~~الساحر ليس يقدر على أكثر مما أخبر الله عنه من التفرقة، لان الله ذكر ذلك ~~في معرض الذم للسحر والغاية في تعليمه، فلو كان يقدر على أكثر من ذلك ~~لذكره. # وقالت طائفة: ذلك خرج على الأغلب، ms0484 ولا ينكر أن السحر له تأثير في القلوب، ~~بالحب والبغض وبإلقاء الشرور حتى يفرق الساحر بين المرء وزوجه، ويحول بين ~~المرء وقلبه، وذلك بإدخال الآلام وعظيم الأسقام، وكل ذلك مدرك بالمشاهدة ~~وإنكاره معاندة، وقد تقدم هذا، والحمد لله. # الثالثة والعشرون - قوله تعالى: " وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ~~" " ما هم "، إشارة إلى السحرة. وقيل إلى اليهود، وقيل إلى الشياطين. " ~~بضارين به " أي بالسخر. " من أحد " أي أحدا، ومن زائدة. " إلا بإذن الله " ~~بإرادته وقضائه لا بأمره، لأنه تعالى لا يأمر بالفحشاء ويقضي على الخلق ~~بها. وقال الزجاج: " إلا بإذن الله " إلا بعلم الله. قال النحاس: وقول أبي ~~إسحاق " إلا بإذن الله " إلا بعلم الله غلط، لأنه إنما يقال في العلم أذن، ~~وقد أذنت أذنا. ولكن لما لم يحل فيما بينهم وبينه وظلوا يفعلونه كان كأنه ~~أباحه مجازا. # الرابعة والعشرون - قوله تعالى: " ويتعلمون ما يضرهم " يريد في الآخرة ~~وإن أخذوا بها نفعا قليلا في الدنيا. وقيل: يضرهم في الدنيا، لان ضرر السحر ~~والتفريق يعود PageV02P055 # على الساحر في الدنيا إذا عثر عليه، لأنه يؤدب ويزجر، ويلحقه شؤم السحر. ~~وباقي الآي بين لتقدم معانيها. واللام في " ولقد علموا " لام توكيد. " لمن ~~اشتراه " لام يمين، وهي للتوكيد أيضا. وموضع " من " رفع بالابتداء، لأنه لا ~~يعمل ما قبل اللام فيما بعدها. و " من " بمعنى الذي. وقال الفراء. هي ~~للمجازاة. وقال الزجاج: ليس هذا بموضع شرط، و " من " بمعنى الذي، كما تقول: ~~لقد علمت، لمن جاءك ما له عقل. " من خلاق " " من " زائدة، والتقدير ما له ~~في الآخرة خلاق، ولا تزاد في الواجب، هذا قول البصريين. وقال الكوفيون: # تكون زائدة في الواجب، واستدلوا بقوله تعالى: " يغفر لكم من ذنوبكم (1) " ~~والخلاق: النصيب، قاله مجاهد. قال الزجاج: وكذلك هو عند أهل اللغة، إلا أنه ~~لا يكاد يستعمل إلا للنصيب من الخير. وسئل عن قوله تعالى: " ولقد علموا لمن ~~اشتراه ما له في الآخرة من خلاق " فأخبر أنهم قد علموا. ثم قال: " ولبئس ما ~~شروا به ms0485 أنفسهم لو كانوا يعلمون " فأخبر أنهم لا يعلمون، فالجواب وهو قول ~~قطرب والأخفش: أن يكون الذين يعلمون الشياطين، والذين شروا أنفسهم - أي ~~باعوها - هم الانس الذين لا يعلمون. قال الزجاج وقال علي بن سليمان: الأجود ~~عندي أن يكون " ولقد علموا " للملكين، لأنهما أولى بأن يعلموا. وقال: " ~~علموا " كما يقال: # الزيدان قاموا. وقال الزجاج: الذين علموا علماء اليهود، ولكن قيل: " لو ~~كانوا يعلمون " أي فدخلوا في محل من يقال له: لست بعالم، لأنهم تركوا العمل ~~بعلمهم واسترشدوا من الذين عملوا بالسحر. # قوله تعالى: ولو أنهم أمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا ~~يعلمون (103) قوله تعالى: " ولو أنهم آمنوا واتقوا " أي اتقوا السحر. " ~~لمثوبة " المثوبة الثواب، وهي جواب " ولو أنهم آمنوا " عند قوم. وقال ~~الأخفش سعيد: ليس ل‍ " لو " هنا جواب في اللفظ ولكن في المعنى، والمعنى ~~لأثيبوا. وموضع " أن " من قوله: " ولو أنهم " موضع رفع، أي لو وقع إيمانهم، ~~لان " لو " لا يليها إلا الفعل ظاهرا أو مضمرا، لأنها بمنزلة حروف الشرط إذ ~~كان لا بدله من جواب، و " أن " يليه فعل. قال محمد بن يزيد: # PageV02P056 # وإنما لم يجاز ب‍ " لو " لان سبيل حروف المجازاة كلها أن تقلب الماضي إلى ~~معنى المستقبل، فلما لم يكن هذا في " لو " لم يجز أن يجازى بها. # قوله تعالى: يا أيها الذين أمنوا لا تقولوا رعنا وقولوا انضرنا واسمعوا ~~وللكافرين عذاب أليم (104) فيه خمس مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا " ذكر شيئا ~~آخر من جهالات اليهود والمقصود نهي المسلمين عن مثل ذلك. وحقيقة " راعنا " ~~في اللغة أرعنا ولنرعك، لان المفاعلة من اثنين، فتكون من رعاك الله، أي ~~احفظنا ولنحفظك، وارقبنا ولنرقبك. ويجوز أن يكون من أرعنا سمعك، أي فرغ ~~سمعك لكلامنا. وفي المخاطبة بهذا جفاء، فأمر المؤمنين أن يتخيروا من ~~الألفاظ أحسنها ومن المعاني أرقها. قال ابن عباس: كان المسلمون يقولون ~~للنبي صلى الله عليه وسلم: راعنا. على جهة الطلب والرغبة - من المراعاة - ~~أي التفت إلينا، وكان هذا ms0486 بلسان اليهود سبا، أي اسمع لاسمعت، فاغتنموها ~~وقالوا: كنا نسبه سرا فالآن نسبه جهرا، فكانوا يخاطبون بها النبي صلى الله ~~عليه وسلم ويضحكون فيما بينهم، فسمعها سعد بن معاذ وكان يعرف لغتهم، فقال ~~لليهود: عليكم لعنة الله! لئن سمعتها من رجل منكم يقولها للنبي صلى الله ~~عليه وسلم لأضربن عنقه، فقالوا: أو لستم تقولونها؟ # فنزلت الآية، ونهوا عنها لئلا تقتدي بها اليهود في اللفظ وتقصد المعنى ~~الفاسد فيه. # الثانية - في هذه الآية دليلان: أحدهما - على تجنب الألفاظ المحتملة التي ~~فيها التعريض للتنقيص والغض، ويخرج من هذا فهم القذف بالتعريض، وذلك يوجب ~~الحد عندنا خلافا لأبي حنيفة والشافعي وأصحابهما حين قالوا: التعريض محتمل ~~للقذف وغيره، والحد مما يسقط بالشبهة. وسيأتي في " النور (1) " بيان هذا، ~~إن شاء الله تعالى. # الدليل الثاني - التمسك بسد الذرائع (2) وحمايتها وهو مذهب مالك وأصحابه ~~وأحمد ابن حنبل في رواية عنه، وقد دل على هذا الأصل الكتاب والسنة. ~~والذريعة عبارة عن أمر # PageV02P057 # غير ممنوع لنفسه يخاف من ارتكابه الوقوع في ممنوع. أما الكتاب فهذه ~~الآية، ووجه التمسك بها أن اليهود كانوا يقولون ذلك وهي سب بلغتهم، فلما ~~علم الله ذلك منهم منع من إطلاق ذلك اللفظ، لأنه ذريعة للسب، وقوله تعالى: ~~" ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم (1) " فمنع ~~من سب آلهتهم مخافة مقابلتهم بمثل ذلك، وقوله تعالى: # " واسئلهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر (1) " الآية، فحرم عليهم ~~تبارك وتعالى الصيد في يوم السبت، فكانت الحيتان تأتيهم يوم السبت شرعا، أي ~~ظاهرة، فسدوا عليها يوم السبت وأخذوها يوم الأحد، وكان السد ذريعة ~~للاصطياد، فمسخهم الله قردة وخنازير، وذكر الله لنا ذلك في معنى التحذير عن ~~ذلك، وقوله تعالى لادم وحواء: " ولا تقربا هذه الشجرة " وقد تقدم (2). وأما ~~السنة فأحاديث كثيرة ثابتة صحيحة، منها حديث عائشة رضي الله عنها أن أم ~~حبيبة وأم سلمة رضي الله عنهن ذكرتا كنيسة رأياها بالحبشة فيها تصاوير ~~[فذكرتا (3) ذلك] لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله ms0487 صلى الله ~~عليه وسلم: (إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا ~~وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله). # أخرجه البخاري ومسلم. قال علماؤنا: ففعل ذلك أوائلهم ليتأنسوا برؤية تلك ~~الصور ويتذكروا أحوالهم الصالحة فيجتهدون كاجتهادهم ويعبدون الله عز وجل ~~عند قبورهم، فمضت لهم بذلك أزمان، ثم أنهم خلف من بعدهم خلوف جهلوا ~~أغراضهم، ووسوس لهم الشيطان أن آباءكم وأجدادكم كانوا يعبدون هذه الصورة ~~فعبدوها، فحذر النبي صلى الله عليه وسلم عن مثل ذلك، وشدد النكير والوعيد ~~على من فعل ذلك، وسد الذرائع المؤدية إلى ذلك فقال: (اشتد غضب الله على قوم ~~اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد) وقال: (اللهم لا تجعل قبري وثنا ~~يعبد). وروى مسلم عن النعمان بن بشير قال سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: # (الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور متشابهات فمن اتقى الشبهات استبرأ ~~لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك ~~أن يقع فيه (4)) الحديث، فمنع من الاقدام # PageV02P058 # على الشبهات مخافة الوقوع في المحرمات، وذلك سدا للذريعة. وقال صلى الله ~~عليه وسلم: # (لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به ~~البأس). وقال صلى الله عليه وسلم: (إن من الكبائر شتم الرجل والديه) قالوا: ~~يا رسول الله وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: (نعم يسب أبا الرجل فيسب أباه ~~ويسب أمه فيسب أمه). فجعل التعرض لسب الاباء كسب الاباء. وقال صلى الله ~~عليه وسلم: (إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم ~~الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه منكم حتى ترجعوا إلى دينكم). وقال أبو ~~عبيد الهروي: العينة هو أن يبيع الرجل من رجل سلعة بثمن معلوم إلى أجل ~~مسمى، ثم يشتريها منه بأقل من الثمن الذي باعها به. قال: فإن اشترى بحضرة ~~طالب العينة سلعة من آخر بثمن معلوم وقبضها ثم باعها من طالب العينة بثمن ~~أكثر مما اشتراه إلى أجل مسمى ms0488 ثم باعها المشتري من البائع الأول بالنقد ~~بأقل من الثمن فهذه أيضا عينة، وهي أهون من الأولى، وهو جائز عند بعضهم. ~~وسميت عينة لحصول النقد لصاحب العينة، وذلك لان العين هو المال الحاضر ~~والمشتري إنما يشتريها ليبيعها بعين حاضر يصل إليه من فوره. وروى ابن وهب ~~عن مالك أن أم ولد لزيد بن الأرقم ذكرت لعائشة رضي الله عنها أنها باعت من ~~زيد عبدا بثمانمائة إلى العطاء ثم ابتاعته منه بستمائة نقدا، فقالت عائشة: ~~بئس ما شريت، وبئس ما اشتريت! أبلغي زيدا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إن لم يتب. # ومثل هذا لا يقال بالرأي، لان إبطال الأعمال لا يتوصل إلى معرفتها إلا ~~بالوحي، فثبت أنه مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وقال عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه: دعوا الربا والريبة. ونهى ابن عباس رضي الله عنهما عن دراهم ~~بدراهم بينهما حريزة (1). # قلت: فهذه هي الأدلة التي لنا على سد الذرائع، وعليه بنى المالكية كتاب ~~الآجال وغيره من المسائل في البيوع وغيرها. وليس عند الشافعية كتاب الآجال. ~~لان ذلك عندهم # PageV02P059 # عقود مختلفة مستقلة، قالوا: وأصل الأشياء على الظواهر لا على الظنون. ~~والمالكية جعلوا السلعة محللة ليتوصل بها إلى دراهم بأكثر منها، وهذا هو ~~الربا بعينه، فاعلمه. # الثالثة - قوله تعالى: " لا تقولوا راعنا " نهي يقتضي التحريم، على ما ~~تقدم. وقرأ الحسن " راعنا " منونة. وقال: أي هجرا من القول، وهو مصدر ونصبه ~~بالقول، أي لا تقولوا رعونة. وقرأ زر بن حبيش والأعمش " راعونا "، يقال لما ~~نتأمن الجبل: رعن، والجبل أرعن. وجيش أرعن، أي متفرق. وكذا رجل أرعن، أي ~~متفرق الحجج وليس عقله مجتمعا، عن النحاس. وقال ابن فارس: رعن الرجل يرعن ~~رعنا فهو أرعن، أي أهوج. والمرأة رعناء. # وسميت البصرة رعناء لأنها تشبه برعن الجبل، قال ابن دريد ذلك، وأنشد ~~للفرزدق: # لولا ابن عتبة عمرو والرجاء له * ما كانت البصرة الرعناء لي وطنا الرابعة ~~- قوله تعالى: " وقولوا انظرنا " أمروا أن يخاطبوه صلى الله عليه ms0489 وسلم ~~بالاجلال، والمعنى: أقبل علينا وانظر إلينا، فحذف حرف التعدية، كما قال: # ظاهرات الجمال والحسن ينظر * ن كما ينظر الأراك الظباء أي إلى الأراك. ~~وقال مجاهد: المعنى فهمنا وبين لنا. وقيل: المعنى انتظرنا وتأن بنا، قال ~~(1): # فإنكما إن تنظراني ساعة * من الدهر ينفعني لدى أم جندب والظاهر استدعاء ~~نظر العين المقترن بتدبر الحال، وهذا هو معنى راعنا، فبدلت اللفظة للمؤمنين ~~وزال تعلق اليهود. وقرأ الأعمش وغيره " أنظرنا " بقطع الألف وكسر الظاء، ~~بمعنى أخرنا وأمهلنا حتى نفهم عنك ونتلقى منك، قال الشاعر (2): # أبا هند فلا تعجل علينا * وأنظرنا نخبرك اليقينا الخامسة - قوله تعالى: " ~~واسمعوا " لما نهى وأمر عز وجل، حض على السمع الذي في ضمنه الطاعة. وأعلم ~~أن لمن خالف أمره فكفر عذابا أليما. # PageV02P060 # قوله تعالى: ما يود الذين كفروا من أهل الكتب ولا المشركين أن ينزل عليكم ~~من خير من ربكم والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم (105). # قوله تعالى: " ما يود " أي ما يتمنى، وقد تقدم (1). " الذين كفروا من أهل ~~الكتاب ولا المشركين " معطوف على " أهل ". ويجوز: ولا المشركون، تعطفه على ~~الذين، قاله النحاس. # " أن ينزل عليكم من خير " " من " زائدة، " خير " اسم ما لم يسم فاعله. و ~~" أن " في موضع نصب، أي بأن ينزل. " والله يختص برحمته من يشاء " قال علي ~~بن أبي طالب رضي الله عنه: " يختص برحمته " أي بنبوته، خص بها محمدا صلى ~~الله عليه وسلم. وقال قوم: الرحمة القرآن وقيل: الرحمة في هذه الآية عامة ~~لجميع أنواعها التي قد منحها الله عباده قديما وحديثا، يقال: رحم يرحم إذا ~~رق. والرحم والمرحمة والرحمة بمعنى، قاله ابن فارس. ورحمة الله لعباده: # إنعامه عليهم وعفوه لهم. " والله ذو الفضل العظيم " " ذو " بمعنى صاحب. # قوله تعالى: ما ننسخ من اية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن ~~الله على كل شئ قدير (106). # فيه خمس عشرة مسألة: # الأولى - قوله تعالى: " ما ننسخ من آية أو ننسها " " ننسها " عطف على " ~~ننسخ " وحذفت الياء للجزم. ومن قرأ ms0490 " ننساها " حذف الضمة من الهمزة للجزم، ~~وسيأتي معناه. " نأت " جواب الشرط، وهذه آية عظمي في الاحكام. وسببها أن ~~اليهود لما حسدوا المسلمين في التوجه إلى الكعبة وطعنوا في الاسلام بذلك، ~~وقالوا: إن محمدا يأمر أصحابه بشئ ثم ينهاهم عنه، فما كان هذا القرآن إلا ~~من جهته، ولهذا يناقض بعضه بعضا، فأنزل الله: " وإذا بدلنا آية مكان آية ~~(2) " وأنزل " ما ننسخ من آية ". # PageV02P061 # الثانية - معرفة هذا الباب أكيدة وفائدته عظيمة، لا يستغني عن معرفته ~~العلماء، ولا ينكره إلا الجهلة الأغبياء، لما يترتب عليه من النوازل في ~~الاحكام، ومعرفة الحلال من الحرام. روى أبو البختري قال: دخل علي رضي الله ~~عنه المسجد فإذا رجل يخوف الناس، فقال: ما هذا؟ قالوا: رجل يذكر الناس، ~~فقال: ليس برجل يذكر الناس! لكنه يقول أنا فلان ابن فلان فاعرفوني، فأرسل ~~إليه فقال: أتعرف الناسخ من المنسوخ؟! فقال: لا، قال: فاخرج من مسجدنا ولا ~~تذكر فيه. وفي رواية أخرى: أعلمت الناسخ والمنسوخ؟ # قال: لا، قال: هلكت وأهلكت!. ومثله عن ابن عباس رضي الله عنهما. # الثالثة - النسخ في كلام العرب على وجهين: أحدهما - النقل، كنقل كتاب من ~~آخر. وعلى هذا يكون القرآن كله منسوخا، أعني من اللوح المحفوظ وإنزاله إلى ~~بيت العزة في السماء الدنيا، وهذا لا مدخل له في هذه الآية، ومنه قوله ~~تعالى: " إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون (1) " أي نأمر بنسخه وإثباته. # الثاني: الابطال والإزالة، وهو المقصود هنا، وهو منقسم في اللغة على ~~ضربين: # أحدهما: إبطال الشئ وزواله وإقامة آخر مقامه، ومنه نسخت الشمس الظل إذا ~~أذهبته وحلت محله، وهو معنى قوله تعالى: " ما ننسخ من آية أو ننسها نأت ~~بخير منها ". وفي صحيح مسلم: (لم تكن نبوة قط إلا تناسخت) أي تحولت من حال ~~إلى حال، يعني أمر الأمة. # قال ابن فارس: النسخ نسخ الكتاب، والنسخ أن تزيل أمرا كان من قبل يعمل به ~~ثم تنسخه بحادث غيره، كالآية تنزل بأمر ثم ينسخ بأخرى. وكل شئ خلف شيئا فقد ~~انتسخه، يقال: انتسخت الشمس الظل، ms0491 والشيب الشباب. وتناسخ الورثة: أن تموت ~~ورثة بعد ورثة وأصل الميراث قائم لم يقسم، وكذلك تناسخ الأزمنة والقرون. # الثاني: إزالة الشئ دون أن يقوم آخر مقامه، كقولهم: نسخت الريح الأثر، ~~ومن هذا المعنى قوله تعالى " فينسخ الله ما يلقي الشيطان (2) " أي يزيله ~~فلا يتلي ولا يثبت في المصحف بدله. # PageV02P062 # وزعم أبو عبيد أن هذا النسخ الثاني قد كان ينزل على النبي صلى الله عليه ~~وسلم السورة فترفع فلا تتلى ولا تكتب. # قلت: ومنه ما روي عن أبي بن كعب وعائشة رضي الله عنهما أن سورة " الأحزاب ~~" كانت تعدل سورة البقرة في الطول، على ما يأتي مبينا هناك (1) إن شاء الله ~~تعالى. ومما يدل على هذا ما ذكره أبو بكر الأنباري حدثنا أبي حدثنا نصر بن ~~داود حدثنا أبو عبيد حدثنا عبد الله ابن صالح عن الليث عن يونس وعقيل عن ~~ابن شهاب قال: حدثني أبو أمامة بن سهل ابن حنيف في مجلس سعيد بن المسيب أن ~~رجلا قام من الليل ليقرأ سورة من القرآن فلم يقدر على شئ منها، وقام آخر ~~فلم يقدر على شئ منها، وقام آخر فلم يقدر على شئ منها، فغدوا على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فقال أحدهم: قمت الليلة يا رسول الله لأقرأ سورة من ~~القرآن فلم أقدر على شئ منها، فقام الاخر فقال: وأنا والله كذلك يا رسول ~~الله، فقام الاخر فقال: # وأنا والله كذلك يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنها ~~مما نسخ الله البارحة). # وفي إحدى الروايات: وسعيد بن المسيب يسمع ما يحدث به أبو أمامة فلا ~~ينكره. # الرابعة - أنكرت طوائف من المنتمين للاسلام المتأخرين جوازه، وهم محجوجون ~~بإجماع السلف السابق على وقوعه في الشريعة. وأنكرته أيضا طوائف من اليهود، ~~وهم محجوجون بما جاء في توراتهم بزعمهم أن الله تعالى قال لنوح عليه السلام ~~عند خروجه من السفينة: إني قد جعلت كل دابة مأكلا لك ولذريتك، وأطلقت ذلك ~~لكم كنبات العشب، ما خلا الدم فلا تأكلوه. ثم ms0492 قد حرم على موسى وعلى بني ~~إسرائيل كثيرا من الحيوان، وبما كان آدم عليه السلام يزوج الأخ من الأخت، ~~وقد حرم الله ذلك على موسى عليه السلام وعلى غيره، وبأن إبراهيم الخليل أمر ~~بذبح ابنه ثم قال له: لا تذبحه، وبأن موسى أمر بني إسرائيل أن يقتلوا من ~~عبد منهم العجل، ثم أمرهم برفع السيف عنهم، وبأن نبوته غير متعبد بها قبل ~~بعثه، ثم تعبد بها بعد ذلك، إلى غير ذلك. وليس هذا من باب البداء بل هو نقل ~~العباد من عبادة إلى عبادة، وحكم إلى حكم، لضرب من المصلحة، إظهارا لحكمته ~~وكمال مملكته. ولا # PageV02P063 # خلاف بين العقلاء أن شرائع الأنبياء قصد بها مصالح الخلق الدينية ~~والدنيوية، وإنما كان يلزم البداء لو لم يكن عالما بمال الأمور، وأما ~~العالم بذلك فإنما تتبدل خطاباته بحسب تبدل المصالح، كالطبيب المراعي أحوال ~~العليل، فراعى ذلك في خليقته بمشيئته وإرادته، لا إله إلا هو، فخطابه ~~يتبدل، وعلمه وإرادته لا تتغير، فإن ذلك محال في جهة الله تعالى. # وجعلت اليهود النسخ والبداء شيئا واحدا، ولذلك لم يجوزوه فضلوا. قال ~~النحاس: # والفرق بين النسخ والبداء أن النسخ تحويل العبادة من شئ إلى شئ قد كان ~~حلالا فيحرم، أو كان حراما فيحلل. وأما البداء فهو ترك ما عزم عليه، كقولك: ~~امض إلى فلان اليوم، ثم تقول لا تمض إليه، فيبدو لك العدول عن القول الأول، ~~وهذا يلحق البشر لنقصانهم. # وكذلك إن قلت: ازرع كذا في هذه السنة، ثم قلت: لا تفعل، فهو البداء. # الخامسة - اعلم أن الناسخ على الحقيقة هو الله تعالى، ويسمى الخطاب ~~الشرعي ناسخا تجوزا، إذ به يقع النسخ، كما قد يتجوز فيسمى المحكوم فيه ~~ناسخا، فيقال: صوم رمضان ناسخ لصوم عاشوراء، فالمنسوخ هو المزال، والمنسوخ ~~عنه هو المتعبد بالعبادة المزالة، وهو المكلف. # السادسة - اختلفت عبارات أئمتنا في حد الناسخ، فالذي عليه الحذاق من أهل ~~السنة أنه إزالة ما قد استقر من الحكم الشرعي بخطاب وارد متراخيا، هكذا حده ~~القاضي عبد الوهاب والقاضي أبو بكر، ms0493 وزادا: لولاه لكان السابق ثابتا، ~~فحافظا على معنى النسخ اللغوي، إذ هو بمعنى الرفع والإزالة، وتحرزا من ~~الحكم العقلي، وذكر الخطاب ليعم وجوه الدلالة من النص والظاهر والمفهوم ~~وغيره، وليخرج القياس والاجماع، إذ لا يتصور النسخ فيهما ولا بهما. وقيدا ~~بالتراخي، لأنه لو اتصل به لكان بيانا لغاية الحكم لا ناسخا، أو يكون آخر ~~الكلام يرفع أوله، كقولك: قم لا تقم. # السابعة - المنسوخ عند أئمتنا أهل السنة هو الحكم الثابت نفسه لا مثله، ~~كما تقوله المعتزلة بأنه الخطاب الدال على أن مثل الحكم الثابت فيما يستقبل ~~بالنص المتقدم زائل. والذي PageV02P064 # قادهم إلى ذلك مذهبهم في أن الأوامر مرادة، وأن الحسن صفة نفسية للحسن، ~~ومراد الله حسن، وهذا قد أبطله علماؤنا في كتبهم. # الثامنة - اختلف علماؤنا في الاخبار هل يدخلها النسخ، فالجمهور على أن ~~النسخ إنما هو مختص بالأوامر والنواهي، والخبر لا يدخله النسخ لاستحالة ~~الكذب على الله تعالى. # وقيل: إن الخبر إذا تضمن حكما شرعيا جاز نسخه، كقوله تعالى: " ومن ثمرات ~~النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ". وهناك (1) يأتي القول فيه إن شاء الله ~~تعالى. # التاسعة - التخصيص من العموم يوهم أنه نسخ وليس به، لان المخصص لم ~~يتناوله العموم قط، ولو ثبت تناول العموم لشئ ما ثم أخرج ذلك الشئ عن ~~العموم لكان نسخا لا تخصيصا، والمتقدمون يطلقون على التخصيص نسخا توسعا ~~ومجازا. # العاشرة - اعلم أنه قد يرد في الشرع أخبار ظاهرها الاطلاق والاستغراق، ~~ويرد تقييدها في موضع آخر فيرتفع ذلك الاطلاق، كقوله تعالى: " وإذا سألك ~~عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان (2) ". فهذا الحكم ظاهره ~~خبر عن إجابة كل داع على كل حال، لكن قد جاء ما قيده في موضع آخر، كقوله " ~~فيكشف ما تدعون إليه إن شاء (3) ". فقد يظن من لا بصيرة عنده أن هذا من باب ~~النسخ في الاخبار وليس كذلك، بل هو من باب الاطلاق والتقييد. وسيأتي لهذه ~~المسألة زيادة بيان في موضعها إن شاء الله تعالى. # الحادية عشرة - قال علماؤنا رحمهم الله تعالى: جائز ms0494 نسخ الأثقل إلى ~~الأخف، كنسخ الثبوت لعشرة بالثبوت لاثنين (4). ويجوز نسخ الأخف إلى الأثقل، ~~كنسخ يوم عاشوراء والأيام المعدودة برمضان، على ما يأتي بيانه في آية ~~الصيام (5). وينسخ المثل بمثله ثقلا وخفة، كالقبلة. وينسخ الشئ لا إلى بدل ~~كصدقة النجوى. وينسخ القرآن بالقرآن. والسنة بالعبارة، وهذه العبارة يراد ~~بها الخبر المتواتر القطعي. وينسخ خبر الواحد بخبر الواحد. # وحذاق الأئمة على أن القرآن ينسخ بالسنة، وذلك موجود في قوله عليه ~~السلام: # (لا وصية لوارث). وهو ظاهر مسائل مالك. وأبى ذلك الشافعي وأبو الفرج ~~المالكي، # PageV02P065 # والأول أصح، بدليل أن الكل حكم الله تعالى ومن عنده وإن اختلفت في ~~الأسماء. وأيضا فإن الجلد ساقط في حد الزنى عن الثيب الذي يرجم، ولا مسقط ~~لذلك إلا السنة فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا بين. # والحذاق أيضا على أن السنة تنسخ بالقرآن وذلك موجود في القبلة، فإن ~~الصلاة إلى الشام لم تكن في كتاب الله تعالى. وفي قوله تعالى: " فلا ~~ترجعوهن إلى الكفار (1) " فإن رجوعهن إنما كان بصلح النبي صلى الله عليه ~~وسلم لقريش. # والحذاق على تجويز نسخ القرآن بخبر الواحد عقلا، واختلقوا هل وقع شرعا، ~~فذهب أبو المعالي وغيره إلى وقوعه في نازلة مسجد قباء، على ما يأتي بيانه ~~(2)، وأبى ذلك قوم. ولا يصح نسخ نص بقياس، إذ من شروط القياس ألا يخالف ~~نصا. # وهذا كله في مدة النبي صلى الله عليه وسلم، وأما بعد موته واستقرار ~~الشريعة فأجمعت الأمة أنه لا نسخ، ولهذا كان الاجماع لا ينسخ ولا ينسخ به ~~إذ انعقاده بعد انقطاع الوحي، فإذا وجدنا إجماعا يخالف نصا فيعلم أن ~~الاجماع استند إلى نص ناسخ لا نعلمه نحن، وأن ذلك النص المخالف متروك العمل ~~به، وأن مقتضاه نسخ وبقي سنة يقرأ ويروى، كما آية عدة السنة (3) في القرآن ~~تتلى، فتأمل هذا فإنه نفيس، ويكون من باب نسخ الحكم دون التلاوة، ومثله ~~صدقة النجوى. وقد تنسخ التلاوة دون الحكم كآية الرجم. وقد تنسخ التلاوة ~~والحكم معا، ومنه قول الصديق رضي الله ms0495 عنه: كنا نقرأ " لا ترغبوا عن آبائكم ~~فإنه كفر " ومثله كثير. # والذي عليه الحذاق أن من لم يبلغه الناسخ فهو متعبد بالحكم الأول، كما ~~يأتي بيانه في تحويل القبلة. # والحذاق على جواز نسخ الحكم قبل فعله، وهو موجود في قصة الذبيح، وفي فرض ~~خمسين صلاة قبل فعلها بخمس، على ما يأتي بيانه في " الاسراء (4) " و " ~~الصافات (5) "، إن شاء الله تعالى. # الثانية عشرة - لمعرفة الناسخ طرق، منها - أن يكون في اللفظ ما يدل عليه، ~~كقوله عليه السلام: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ونهيتكم عن ~~الأشربة إلا في ظروف # PageV02P066 # الادم فاشربوا في كل وعاء غير ألا تشربوا مسكرا) ونحوه. ومنها - أن يذكر ~~الراوي التاريخ، مثل أن يقول: سمعت عام الخندق، وكان المنسوخ معلوما قبله. ~~أو يقول: نسخ حكم كذا بكذا. ومنها - أن تجمع الأمة على حكم أنه منسوخ وأن ~~ناسخه متقدم. وهذا الباب مبسوط في أصول الفقه، نبهنا منه على ما فيه لمن ~~اقتصر كفاية، والله الموفق للهداية. # الثالثة عشرة - قرأ الجمهور " ما ننسخ " بفتح النون، من نسخ، وهو الظاهر ~~المستعمل على معنى: ما نرفع من حكم آية ونبقي تلاوتها، كما تقدم. ويحتمل أن ~~يكون المعنى: ما نرفع من حكم آية وتلاوتها، على ما ذكرناه. وقرأ ابن عامر " ~~ننسخ " بضم النون، من أنسخت الكتاب، على معنى وجدته منسوخا. قال أبو حاتم: ~~هو غلط: وقال الفارسي أبو علي: ليست لغة، لأنه لا يقال: نسخ وأنسخ بمعنى، ~~إلا أن يكون المعنى ما نجده منسوخا، كما تقول: أحمدت الرجل وأبخلته، بمعنى ~~وجدته محمودا وبخيلا. قال أبو علي: وليس نجده منسوخا إلا بأن ننسخه، فتتفق ~~القراءتان في المعنى وإن اختلفتا في اللفظ. وقيل: " ما ننسخ " ما نجعل لك ~~نسخه، يقال: نسخت الكتاب إذا كتبته، وانتسخته غيري إذا جعلت نسخه له. قال ~~مكي: # ولا يجوز أن تكون الهمزة للتعدي، لان المعنى يتغير، ويصير المعنى ما ~~ننسخك من آية يا محمد، وإنساخه إياها إنزالها عليه، فيصير المعنى ما ننزل ~~عليك من آية أو ننسها نأت بخير منها ms0496 أو مثلها، فيؤول المعنى إلى أن كل آية ~~أنزلت أتى بخير منها، فيصير القرآن كله منسوخا وهذا لا يمكن، لأنه لم ينسخ ~~إلا اليسير من القرآن. فلما امتنع أن يكون أفعل وفعل بمعنى إذ لم يسمع، ~~وامتنع أن تكون الهمزة للتعدي لفساد المعنى، لم يبق ممكن إلا أن يكون من ~~باب أحمدته وأبخلته إذا وجدته محمودا أو بخيلا. # الرابعة عشرة - قوله تعالى: " أو ننسها " قرأ أبو عمرو وابن كثير بفتح ~~النون والسين والهمز، وبه قرأ عمر وابن عباس وعطاء ومجاهد وأبي بن كعب ~~وعبيد بن عمير والنخعي وابن محيصن، من التأخير، أي نؤخر نسخ لفظها، أي ~~نتركه في آخر (1) أم الكتاب فلا يكون (2). وهذا قول عطاء. وقال غير عطاء: ~~معنى أو ننسأها: نؤخرها عن النسخ إلى وقت معلوم، من قولهم: # PageV02P067 # نسأت هذا الامر إذا أخرته، ومن ذلك قولهم: بعته نسأ إذا أخرته. قال ابن ~~فارس: # ويقولون: نسأ الله في أجلك، وأنسأ الله أجلك. وقد انتسأ القوم إذا تأخروا ~~وتباعدوا، ونسأتهم أنا أخرتهم. فالمعنى نؤخر نزولها أو نسخها على ما ذكرنا. ~~وقيل: نذهبها عنكم حتى لا تقرأ ولا تذكر. وقرأ الباقون " ننسها " بضم ~~النون، من النسيان الذي بمعنى الترك، أي نتركها فلا نبدلها ولا ننسخها، ~~قاله ابن عباس والسدي، ومنه قوله تعالى: " نسوا الله فنسيهم (1) " أي تركوا ~~عبادته فتركهم في العذاب. واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم، قال أبو ~~عبيد: # سمعت أبا نعيم القارئ يقول: قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم في المنام ~~بقراءة أبي عمرو فلم يغير علي إلا حرفين، قال: قرأت عليه " أرنا (2) " ~~فقال: أرنا، فقال أبو عبيد: وأحسب الحرف الاخر " أو ننسأها " فقال: " أو ~~ننسها ". وحكى الأزهري " ننسها " نأمر بتركها، يقال: أنسيته الشئ أي أمرت ~~بتركه، ونسيته تركته، قال الشاعر: # إن علي عقبة أقضيها * لست بناسيها ومنسيها (3) أي ولا آمر بتركها. وقال ~~الزجاج: إن القراءة بضم النون لا يتوجه فيها معنى الترك، لا يقال: أنسى ~~بمعنى ترك، وما روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ms0497 " أو ننسها " قال: # نتركها لا نبدلها، فلا يصح. ولعل ابن عباس قال: نتركها، فلم يضبط. والذي ~~عليه أكثر أهل اللغة والنظر أن معنى " أو ننسها " نبح لكم تركها، من نسي ~~إذا ترك، ثم تعديه. وقال أبو علي وغيره: ذلك متجه، لأنه بمعنى نجعلك ~~تتركها. وقيل: من النسيان على بابه الذي هو عدم الذكر، على معنى أو ننسكها ~~يا محمد فلا تذكرها، نقل بالهمز فتعدى الفعل إلى مفعولين: وهما النبي ~~والهاء، لكن اسم النبي محذوف. # الخامسة عشرة - قوله تعالى: " نأت بخير منها " لفظة " بخير " هنا صفة ~~تفضيل، والمعنى بأنفع لكم أيها الناس في عاجل إن كانت الناسخة أخف، وفي آجل ~~إن كانت أثقل، وبمثلها # PageV02P068 # إن كانت مستوية. وقال مالك: محكمة فكان؟ منسوخة. وقيل: ليس المراد بأخير ~~التفضيل، لان كلام الله لا يتفاضل، وإنما هو مثل قوله: " من جاء بالحسنة ~~فله خير منها (1) " أي فله منها خير، أي نفع وأجر، لا الخير الذي هو بمعنى ~~الأفضل، ويدل على القول الأول قوله: # " أو مثلها ". # قوله تعالى: ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض وما لكم من دون ~~الله من ولى ولا نصير (107). # قوله تعالى: " ألم تعلم " جزم بلم، وحروف الاستفهام لا تغير عمل العامل، ~~وفتحت " أن " لأنها في موضع نصب. " له ملك السماوات والأرض " أي بالايجاد ~~والاختراع، والملك والسلطان، ونفوذ الامر والإرادة. وارتفع " ملك " ~~بالابتداء، والخبر " له " والجملة خبر " أن ". والخطاب للنبي صلى الله عليه ~~وسلم والمراد أمته، لقوله: " وما لكم من دون الله من ولى ولا نصير " وقيل: ~~المعنى أي قل لهم يا محمد ألم تعلموا أن لله سلطان السماوات والأرض وما لكم ~~من دون الله من ولي، من وليت أمر فلان، أي قمت به، ومنه ولي العهد، أي ~~القيم بما عهد إليه من أمر المسلمين. ومعنى " من دون الله " سوى لله وبعد ~~الله، كما قال أمية بن أبي الصلت: # يا نفس ما لك دون الله من واق * وما على حدثان الدهر من باق وقراءة ~~الجماعة " ولا نصير " بالخفض عطفا على ms0498 " ولي " ويجوز " ولا نصير " بالرفع ~~عطفا على الموضع، لان المعنى ما لكم من دون الله ولي ولا نصير. # قوله تعالى: أم تريدون أن تسئلوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ومن يتبدل ~~الكفر بالأيمن فقد ضل سواء السبيل (108). # قوله تعالى: " أم تريدون " هذه " أم " المنقطعة التي بمعنى بل، أي بل ~~تريدون، ومعنى الكلام التوبيخ. " أن تسألوا " في موضع نصب ب‍ " تريدون ". " ~~كما سئل " الكاف في موضع # PageV02P069 # نصب نعت لمصدر، أي سؤالا كما. و " موسى " في موضع رفع على ما لم يسم ~~فاعله. " من قبل ": # سؤالهم إياه أن يريهم الله جهرة، وسألوا محمدا أن يأتي بالله والملائكة ~~قبيلا. عن ابن عباس ومجاهد: سألوا أن يجعل لهم الصفا ذهبا. وقرأ الحسن " ~~كما سيل "، وهذا على لغة من قال: # سلت أسأل، ويجوز أن يكون على بدل الهمزة ياء ساكنة على غير قياس فانكسرت ~~السين قبلها. قال النحاس: بدل الهمزة بعيد. والسواء من كل شئ: الوسط. قاله ~~أبو عبيدة معمر بن المثني، ومنه قوله: " في سواء الجحيم ". وحكى عيسى بن ~~عمر قال: ما زلت أكتب حتى انقطع سوائي، وأنشد قول حسان يرثي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. # يا ويح أصحاب النبي ورهطه * بعد المغيب في سواء الملحد وقيل: السواء ~~القصد، عن الفراء، أي ذهب عن قصد الطريق وسمته، أي طريق طاعة الله عز وجل. ~~وعن ابن عباس أيضا أن سبب نزول هذه الآية أن رافع بن خزيمة ووهب بن زيد ~~قالا للنبي صلى الله عليه وسلم: ائتنا بكتاب من السماء نقرؤه، وفجر لنا ~~أنهارا نتبعك. # قوله تعالى: ود كثير من أهل الكتب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا ~~من عند أنفسهم كم بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره ~~إن الله على كل شئ قدير (109). # وأقيموا الصلاة وأتو الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله إن ~~الله بما تعملون بصير (110). # قوله تعالى: " ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا ~~حسدا من عند ms0499 أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق ". فيه مسألتان: # الأولى - " ود " تمنى، وقد تقدم (1). " كفارا " مفعول ثان ب‍ " يردونكم ~~". " من عند أنفسهم " قيل: هو متعلق ي‍ " ود ". وقيل: ب‍ " حسدا "، فالوقف ~~على قوله: " كفارا ". و " حسدا " مفعول له، أي ود. ذلك للحسد، أو مصدر دل ~~على ما قبله على الفعل. ومعنى " من عند أنفسهم " أي من # PageV02P070 # تلقائهم من غير أن يجدوه في كتاب ولا أمروا به، ولفظة الحسد تعطي هذا. ~~فجاء (من عند أنفسهم " تأكيدا وإلزاما، كما قال تعالى: " يقولون بأفواههم ~~(1) "، " يكتبون الكتاب بأيديهم "، " ولا طائر يطير بجناحيه (2) ". والآية ~~في اليهود. # الثانية - الحسد نوعان: مذموم ومحمود، فالمذموم أن تتمنى زوال نعمة الله ~~عن أخيك المسلم، وسواء تمنيت مع ذلك أن تعود إليك أو لا، وهذا النوع الذي ~~ذمه الله تعالى في كتابه بقوله: " أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من ~~فضله (3) " وإنما كان مذموما لان فيه تسفيه الحق سبحانه، وأنه أنعم على من ~~لا يستحق. وأما المحمود فهو ما جاء في صحيح الحديث من قوله عليه السلام: ~~(لا حسد إلا في اثنين رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء ~~النهار ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار). وهذا ~~الحسد معناه الغبطة. # وكذلك ترجم عليه البخاري " باب الاغتباط في العلم والحكمة ". وحقيقتها: ~~أن تتمنى أن يكون لك ما لأخيك المسلم من الخير والنعمة ولا يزول عنه خيره، ~~وقد يجوز أن يسمى هذا منافسة، ومنه قوله تعالى: " وفي ذلك فليتنافس ~~المتنافسون (4) ". " من بعد ما تبين لهم الحق " أي " من بعد ما تبين لهم ~~الحق " لهم وهو محمد صلى الله عليه وسلم، والقرآن الذي جاء به. # قوله تعالى - " فاعفوا واصفحوا " فيه مسألتان: # الأولى - قوله تعالى: " فاعفوا " والأصل اعفووا حذفت الضمة لثقلها، ثم ~~حذفت الواو لالتقاء الساكنين. والعفو: ترك المؤاخذة بالذنب. والصفح: إزالة ~~أثره من النفس. # صفحت عن فلان إذا أعرضت عن ذنبه. وقد ضربت عنه صفحا إذا أعرضت عنه ~~وتركته، ومنه قوله تعالى: " أفنضرب عنكم الذكر ms0500 صفحا (5) ". # الثانية - هذه الآية منسوخة بقوله: " قاتلوا الذين لا يؤمنون " إلى قوله: # " صاغرون (6) " عن ابن عباس. وقيل: الناسخ لها " فاقتلوا المشركين (7) ". ~~قال أبو عبيدة: # PageV02P071 # كل آية فيها ترك للقتال فهي مكية منسوخة بالقتال. قال ابن عطية: وحكمه ~~بأن هذه الآية مكية ضعيف، لان معاندات اليهود إنما كانت بالمدينة. # قلت: وهو الصحيح، روى البخاري ومسلم عن أسامة بن زيد أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ركب على حمار عليه قطيفة فدكية (1) وأسامة وراءه، يعود سعد ~~بن عبادة في بني الحارث ابن الخزرج قبل وقعة بدر، فسارا حتى مرا بمجلس فيه ~~عبد الله بن أبي ابن سلول (2) - وذلك قبل أن يسلم عبد الله بن أبي - فإذا ~~في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود، وفي المسلمين ~~عبد الله بن رواحة، فلما غشيت المجلس عجاجة (3) الدابة خمر (4) ابن أبي ~~أنفه بردائه وقال: لا تغيروا علينا! فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ~~وقف فنزل، فدعاهم إلى الله تعالى وقرأ عليهم القرآن، فقال له عبد الله بن ~~أبي ابن سلول: أيها المرء، لا أحسن مما تقول إن كان حقا! فلا تؤذنا به في ~~مجالسنا، [ارجع إلى رحلك (5)] فمن جاءك فاقصص عليه. قال عبد الله بن رواحة: ~~بلى يا رسول الله، فاغشنا في مجالسنا، فإنا نحب ذلك. فاستتب المشركون ~~والمسلمون واليهود حتى كادوا يتثاورون، فلم يزل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يخفضهم حتى سكنوا، ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم دابته فسار ~~حتى دخل على سعد بن عبادة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ([يا سعد ~~(5)] ألم تسمع إلى ما قال أبو حباب - يريد عبد الله بن أبي - قال كذا وكذا) ~~فقال: أي رسول الله، بأبي أنت وأمي! اعف عنه واصفح، فوالذي أنزل عليك ~~الكتاب بالحق لقد جاءك الله بالحق الذي أنزل عليك، ولقد اصطلح أهل هذه ~~البحيرة (6) على أن يتوجوه ويعصبوه بالعصابة، فلما رد الله ذلك بالحق الذي ~~أعطاك شرق بذلك، فذلك فعل ما رأيت، فعفا عنه ms0501 رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب ~~كما # PageV02P072 # أمرهم الله تعالى، ويصبرون على الأذى، قال الله عز وجل: " ولتسمعن من ~~الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا (1) "، وقال: " ود ~~كثير من أهل الكتاب ". # فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتأول في العفو عنهم ما أمره الله به ~~حتى أذن له فيهم، فلما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرا فقتل الله به ~~من قتل من صناديد الكفار وسادات قريش، فقفل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه غانمين منصورين، معهم أسارى من صناديد الكفار وسادات قريش، قال عبد ~~الله بن أبي بن سلول ومن معه من المشركين وعبدة الأوثان: هذا أمر قد توجه ~~(2)، فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الاسلام، فأسلموا. # قوله تعالى: " حتى يأتي الله بأمره " يعني قتل قريظة وجلاء بني النضير. " ~~إن الله على كل شئ قدير. وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة " تقدم (3). والحمد ~~لله تعالى. # قوله تعالى: " وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله " جاء في الحديث ~~(أن العبد إذا مات قال الناس ما خلف وقالت الملائكة ما قدم). وخرج البخاري ~~والنسائي عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيكم مال ~~وارثه أحب إليه من ماله). # قالوا: يا رسول الله، ما منا من أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه، قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس منكم من أحد إلا مال وارثه أحب إليه من ~~ماله. مالك ما قدمت ومال وارثك ما أخرت)، لفظ النسائي. ولفظ البخاري: قال ~~عبد الله قال النبي صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم: (أيكم مال وارثه ~~أحب إليه من ماله) قالوا: يا رسول الله، ما منا أحد إلا ماله أحب إليه، ~~قال: (فإن ماله ما قدم ومال وارثه ما أخر). وجاء عن عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه أنه مر ببقيع الغرقد (4) فقال: السلام عليكم ms0502 أهل القبور، أخبار ما ~~عندنا أن نساءكم قد تزوجن، ودوركم قد سكنت، وأموالكم قد قسمت. فأجابه هاتف: ~~يا بن الخطاب أخبار ما عندنا أن ما قدمناه وجدناه، وما أنفقناه فقد ربحناه، ~~وما خلفناه فقد خسرناه. # ولقد أحسن القائل: # قدم لنفسك قبل موتك صالحا * واعمل فليس إلى الخلو سبيل # PageV02P073 # وقال آخر: # قدم لنفسك توبة مرجوة * قبل الممات وقبل حبس الألسن وقال آخر: # ولدتك إذ ولدتك أمك باكيا * والقوم حولك يضحكون سرورا فاعمل ليوم تكون ~~فيه إذا بكوا * في يوم موتك ضاحكا مسرورا وقال آخر: # سابق إلى الخير وبادر به * فإنما خلفك ما تعلم وقدم الخير فكل امرئ * على ~~الذي قدمه يقدم وأحسن من هذا كله قول أبي العتاهية: # استعد بمالك في حياتك إنما * يبقى وراءك مصلح أو مفسد وإذا تركت لمفسد لم ~~يبقه * وأخو الصلاح قليله يتزيد وإن استطعت فكن لنفسك وارثا * إن المورث ~~نفسه لمسدد " إن الله بما تعملون بصير " تقدم (1): # قوله تعالى: وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم ~~قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين (111) بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله ~~- أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (112) قوله تعالى: " وقالوا لن ~~يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى " المعنى: # وقالت اليهود لن يدخل الجنة إلا من كان يهوديا. وقالت النصارى لن يدخل ~~الجنة إلا من كان نصرانيا. وأجاز الفراء أن يكون " هودا " بمعنى يهوديا، ~~حذف منه الزائد، وأن يكون # PageV02P074 # جمع هائد. وقال الأخفش سعيد: " إلا من كان " جعل " كان " واحدا على لفظ " ~~من "، ثم قال هودا فجمع، لان معنى " من " جمع. ويجوز " تلك أمانيهم " وتقدم ~~(1) الكلام في هذا، والحمد لله. # قوله تعالى: " قل هاتوا برهانكم " أصل " هاتوا " هاتيوا، حذفت الضمة ~~لثقلها ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين، يقال في الواحد المذكر: هات، مثل ~~رام، وفى المؤنث: # هاتي، مثل رامي. والبرهان: الدليل الذي يوقع اليقين، وجمعه براهين، مثل ~~قربان وقرابين، وسلطان وسلاطين. قال الطبري: طلب الدليل هنا يقضي إثبات ~~النظر ms0503 ويرد على من ينفيه. # " إن كنتم صادقين " يعني في إيمانكم أو في قولكم تدخلون الجنة، أي بينوا ~~ما قلتم ببرهان، ثم قال تعالى: " بلى " ردا عليهم وتكذيبا لهم، أي ليس كما ~~تقولون. وقيل: إن " بلى " محمولة على المعنى، كأنه قيل أما يدخل الجنة أحد؟ ~~فقيل: " بلى من أسلم وجهه لله " ومعنى " أسلم " استسلم وخضع. وقيل: أخلص ~~عمله. وخص الوجه بالذكر لكونه أشرف ما يرى من الانسان، ولأنه موضع الحواس، ~~وفيه يظهر العز والذل. والعرب تخبر بالوجه عن جملة الشئ. ويصح أن يكون ~~الوجه في هذه الآية المقصد. " وهو محسن " جملة في موضع الحال، وعاد الضمير ~~في " وجهه " و " له " على لفظ " من " وكذلك " أجره " وعاد في " عليهم " على ~~المعنى، وكذلك في " يحزنون " وقد تقدم (2). # قوله تعالى: وقالت اليهود ليست النصارى على شئ وقالت النصارى ليست اليهود ~~على شئ وهم يتلون الكتب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم ~~بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون (113) # PageV02P075 # معناه ادعى كل فريق منهم أن صاحبه ليس على شئ، وأنه أحق برحمة الله منه. # " وهم يتلون الكتاب " يعني التوراة والإنجيل، والحملة في موضع الحال. ~~والمراد ب‍ " الذين لا يعلمون " في قول الجمهور: كفار العرب، لأنهم لا كتاب ~~لهم. وقال عطاء: المراد أمم كانت قبل اليهود والنصارى. الربيع بن أنس: ~~المعنى كذلك قالت اليهود قبل النصارى. # ابن عباس: قدم أهل نجران على النبي صلى الله عليه وسلم فأتتهم أحبار ~~يهود، فتنازعوا عند النبي صلى الله عليه وسلم، وقالت كل فرقة منهم للأخرى ~~لستم على شئ، فنزلت الآية. # قوله تعالى: ومن أظلم ممن منع مسجد الله أن يدكر فيها اسمه وسعى في ~~خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في ~~الآخرة عذاب عظيم (114). # فيه سبع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يدكر فيها اسمه " ~~" من " رفع بالابتداء، و " أظلم " خبره، والمعنى لا أحد أظلم. و " أن " في ~~موضع نصب على البدل من ms0504 " مساجد "، ويجوز أن يكون التقدير: كراهية أن يذكر، ~~ثم حذف. ويجوز أن يكون التقدير: من أن يذكر فيها، وحرف الخفض يحذف مع " أن ~~" لطول الكلام. وأراد بالمساجد هنا بيت المقدس ومحاريبه. وقيل الكعبة، ~~وجمعت لأنها قبلة المساجد أو للتعظيم. وقيل: # المراد سائر المساجد، والواحد مسجد (بكسر الجيم)، ومن العرب من يقول: ~~مسجد، (بفتحها). قال الفراء: " كل ما كان على فعل يفعل، مثل دخل يدخل، ~~فالمفعل منه بالفتح اسما كان أو مصدرا، ولا يقع فيه الفرق، مثل دخل يدخل ~~مدخلا، وهذا مدخله، إلا أحرفا من الأسماء الزموها كسر العين، من ذلك: ~~المسجد والمطلع والمغرب والمشرق والمسقط والمفرق والمجزر والمسكن والمرفق ~~(من رفق يرفق) والمنبت والمنسك (من نسك ينسك)، فجعلوا PageV02P076 # الكسر علامة للاسم، وربما فتحه بعض العرب في الاسم ". والمسجد (بالفتح): ~~جبهة الرجل حيث يصيبه ندب السجود. والاراب (1): السبعة مساجد، قاله ~~الجوهري. # الثانية - واختلف الناس في المراد بهذه الآية وفيمن نزلت، فذكر المفسرون ~~أنها نزلت في بخت نصر، لأنه كان أخرب بيت المقدس. # وقال ابن عباس وغيره: نزلت في النصارى، والمعنى كيف تدعون أيها النصارى ~~أنكم من أهل الجنة! وقد خربتم بيت المقدس ومنعتم المصلين من الصلاة فيه. ~~ومعنى الآية على هذا: التعجب من فعل النصارى ببيت المقدس مع تعظيمهم له، ~~وإنما فعلوا ما فعلوا عداوة لليهود. روى سعيد عن قتادة قال: أولئك أعداء ~~الله النصارى، حملهم إبغاض اليهود على أن أعانوا بخت نصر البابلي المجوسي ~~على تخريب بيت المقدس. وروي أن هذا التخريب بقي إلى زمن عمر رضي الله عنه. ~~وقيل: نزلت في المشركين إذ منعوا المصلين والنبي صلى الله عليه وسلم، ~~وصدوهم عن المسجد الحرام عام الحديبية. وقيل: المراد من منع من كل مسجد إلى ~~يوم القيامة، وهو الصحيح، لان اللفظ عام ورد بصيغة الجمع، فتخصيصها ببعض ~~المساجد وبعض الأشخاص ضعيف، والله تعالى أعلم. # الثالثة - خراب المساجد قد يكون حقيقيا كتخريب بخت نصر والنصارى بيت ~~المقدس على ما ذكر أنهم غزوا بني إسرائيل مع بعض ملوكهم - قيل: اسمه نطوس ~~(2) بن ms0505 اسبيسانوس الرومي فيما ذكر الغزنوي - فقتلوا وسبوا، وحرقوا التوراة، ~~وقذفوا في بيت المقدس العذرة وخربوه. # ويكون مجازا كمنع المشركين المسلمين حين صدوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن المسجد الحرام، وعلى الجملة فتعطيل المساجد عن الصلاة وإظهار شعائر ~~الاسلام فيها خراب لها. # PageV02P077 # الرابعة - قال علماؤنا: ولهذا قلنا لا يجوز منع المرأة من الحج إذا كانت ~~ضرورة (1)، سواء كان لها محرم أو لم يكن، ولا تمنع أيضا من الصلاة في ~~المساجد ما لم يخف عليها الفتنة، وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا ~~تمنعوا إماء الله مساجد الله) ولذلك قلنا: لا يجوز نقض المسجد ولا بيعه ولا ~~تعطيله وإن خربت المحلة، ولا يمنع بناء المساجد إلا أن يقصدوا الشقاق ~~والخلاف، بأن يبنوا مسجدا إلى جنب مسجد أو قربه، يريدون بذلك تفريق أهل ~~المسجد الأول وخرابه واختلاف الكلمة، فإن المسجد الثاني ينقض ويمنع من ~~بنيانه، ولذلك قلنا: لا يجوز أن يكون في المصر جامعان، ولا لمسجد واحد ~~إمامان، ولا يصلي في مسجد جماعتان. وسيأتي لهذا كله مزيد بيان في سورة " ~~براءة (2) " إن شاء الله تعالى، وفي " النور (3) " حكم المساجد وبنائها ~~بحول الله تعالى. ودلت الآية أيضا على تعظيم أمر الصلاة، وأنها لما كانت ~~أفضل الأعمال وأعظمها أجرا كان منعها أعظم إثما. # الخامسة - كل موضع يمكن أن يعبد الله فيه ويسجد له يسمى مسجدا، قال صلى ~~الله عليه وسلم: (جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا)، أخرجه الأئمة. وأجمعت الأمة ~~على أن البقعة إذا عينت للصلاة بالقول خرجت عن جملة الأملاك المختصة بربها ~~وصارت عامة لجميع المسلمين، فلو بنى رجل في داره مسجدا وحجزه على الناس ~~واختص به لنفسه لبقي على ملكه ولم يخرج إلى حد المسجدية، ولو أباحه للناس ~~كلهم كان حكمه حكم سائر المساجد العامة، وخرج عن اختصاص الأملاك. # السادسة - قوله تعالى: " أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين " " ~~أولئك " مبتدأ وما بعده خبره. " خائفين " حال، يعني إذا استولى عليها ~~المسلمون وحصلت تحت سلطانهم فلا يتمكن الكافر حينئذ من دخولها. ms0506 فإن دخلوها، ~~فعلى خوف من إخراج المسلمين لهم، وتأديبهم على دخولها. وفي هذا دليل على أن ~~الكافر ليس له دخول المسجد بحال، على ما يأتي في " براءة " إن شاء الله ~~تعالى. ومن جعل الآية في النصارى روى أنه مر زمان # PageV02P078 # بعد بناء عمر بيت المقدس في الاسلام لا يدخله نصراني إلا أوجع ضربا بعد ~~أن كان متعبدهم. # ومن جعلها في قريش قال: كذلك نودي بأمر النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا ~~لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان). وقيل: هو خبر ومقصوده ~~الامر، أي جاهدوهم واستأصلوهم حتى لا يدخل أحد منهم المسجد الحرام إلا ~~خائفا، كقوله: " وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله (1) " فإنه نهى ورد بلفظ ~~الخبر. # السابعة - قوله تعالى: " لهم في الدنيا خزي " قيل القتل للحربي، والجزية ~~للذمي، عن قتادة. السدي: الخزي لهم في الدنيا قيام المهدي، وفتح عمورية ~~ورومية وقسطنطينية، وغير ذلك من مدنهم، على ما ذكرناه في كتاب التذكرة. ومن ~~جعلها في قريش جعل الخزي عليهم في الفتح، والعذاب في الآخرة لمن مات منهم ~~كافرا. # قوله تعالى: ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله وسع ~~عليم (115). # فيه خمس مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " ولله المشرق والمغرب " " المشرق " موضع الشروق. # " والمغرب " موضع الغروب، أي هما له ملك وما بينهما من الجهات والمخلوقات ~~بالايجاد والاختراع، كما تقدم. وخصهما بالذكر والإضافة إليه تشريفا، نحو ~~بيت الله، وناقة الله، ولأن سبب الآية اقتضى ذلك، على ما يأتي. # الثانية - قوله تعالى: " فأينما تولوا " شرط، ولذلك حذفت النون، و " أين ~~" العاملة، و " ما " زائدة، والجواب " فثم وجه الله ". وقرأ الحسن " تولوا ~~" بفتح التاء واللام، والأصل تتولوا. و " ثم " في موضع نصب على الظرف، ~~ومعناها البعد، إلا أنها مبنية على الفتح غير معربة لأنها مبهمة، تكون ~~بمنزلة هناك للبعد، فإن أردت القرب قلت هنا. # الثالثة - اختلف العلماء في المعنى الذي نزلت فيه " فأينما تولوا " على ~~خمسة أقوال: # فقال عبد الله بن عامر بن ربيعة: نزلت فيمن صلى إلى غير ms0507 القبلة في ليلة ~~مظلمة، أخرجه # PageV02P079 # الترمذي عنه عن أبيه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر في ~~ليلة مظلمة فلم ندر أين القبلة، فصلى كل رجل منا على حياله، فلما أصبحنا ~~ذكرنا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت: " فأينما تولوا فثم وجه الله ". ~~قال أبو عيسى: هذا حديث ليس إسناده بذاك، لا نعرفه إلا من حديث أشعث ~~السمان، وأشعث بن سعيد أبو الربيع يضعف في الحديث. # وقد ذهب أكثر أهل العلم إلى هذا، قالوا: إذا صلى في الغيم لغير القبلة ثم ~~استبان له بعد ذلك أنه صلى لغير القبلة فإن صلاته جائزة، وبه يقول سفيان ~~وابن المبارك وأحمد وإسحاق. # قلت: وهو قول أبي حنيفة ومالك، غير أن مالكا قال: تستحب له الإعادة في ~~الوقت، وليس ذلك بواجب عليه، لأنه قد أدى فرضه على ما أمر، والكمال يستدرك ~~في الوقت، استدلالا بالسنة فيمن صلى وحده ثم أدرك تلك الصلاة في وقتها في ~~جماعة أنه يعيد معهم، ولا يعيد في الوقت استحبابا إلا من استدبر القبلة أو ~~شرق أو غرب جدا مجتهدا، وأما من تيامن أو تياسر قليلا مجتهدا فلا إعادة ~~عليه في وقت ولا غيره. وقال المغيرة والشافعي: # لا يحزيه، لان القبلة شرط من شروط الصلاة. وما قاله مالك أصح، لان جهة ~~القبلة تبيح الضرورة تركها في المسايفة، وتبيحها أيضا الرخصة حالة السفر. ~~وقال ابن عمر: نزلت في المسافر يتنفل حيثما توجهت به راحلته. أخرجه مسلم ~~عنه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وهو مقبل من مكة إلى ~~المدينة على راحلته حيث كان وجهه، قال: وفيه نزلت " فأينما تولوا فثم وجه ~~الله ". ولا خلاف بين العلماء في جواز النافلة على الراحلة لهذا الحديث وما ~~كان مثله. ولا يجوز لاحد أن يدع القبلة عامدا بوجه من الوجوه إلا في شدة ~~الخوف، على ما يأتي. # واختلف قول مالك في المريض يصلي على محمله، فمرة قال: لا يصلي على ظهر ~~البعير فريضة وإن اشتد مرضه. قال سحنون: ms0508 فإن فعل أعاد، حكاه الباجي. ومرة ~~قال: # إن كان ممن لا يصلي بالأرض إلا إيماء فليصل على البعير بعد أن يوقف له ~~ويستقبل القبلة. PageV02P080 # وأجمعوا على أنه لا يجوز لاحد صحيح أن يصلي فريضة إلا بالأرض إلا في ~~الخوف الشديد خاصة، على ما يأتي بيانه. # واختلف الفقهاء في المسافر سفرا لا تقصر في مثله الصلاة، فقال مالك ~~وأصحابه والثوري: # لا يتطوع على الراحلة إلا في سفر تقصر في مثله الصلاة، قالوا: لان ~~الاسفار التي حكي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يتطوع فيها كانت ~~مما تقصر فيه الصلاة. وقال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما والحسن بن حي ~~والليث بن سعد وداود بن علي: يجوز التطوع على الراحلة خارج المصر في كل ~~سفر، وسواء كان مما تقصر فيه الصلاة أو لا، لان الآثار ليس فيها تخصيص سفر ~~من سفر، فكل سفر جائز ذلك فيه، إلا أن يخص شئ من الاسفار بما يجب التسليم ~~له. وقال أبو يوسف: يصلي في المصر على الدابة بالايماء، لحديث يحيى بن سعيد ~~عن أنس بن مالك أنه صلى على حمار في أزقة المدينة يومئ إيماء. وقال الطبري: # يجوز لكل راكب وماش حاضرا كان أو مسافرا أن يتنفل على دابته وراحلته وعلى ~~رجليه [بالايماء]. وحكي عن بعض أصحاب الشافعي أن مذهبهم جواز التنقل على ~~الدابة في الحضر والسفر. وقال الأثرم: قيل لأحمد بن حنبل الصلاة على الدابة ~~في الحضر، فقال: أما في السفر فقد سمعت، وما سمعت في الحضر. قال ابن ~~القاسم: من تنفل في محمله تنفل جالسا، قيامه تربع، يركع واضعا يديه على ~~ركبتيه ثم يرفع رأسه. وقال قتادة: نزلت في النجاشي، وذلك أنه لما مات دعا ~~النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين إلى الصلاة عليه خارج المدينة، فقالوا: # كيف نصلي على رجل مات؟ وهو يصلي لغير قبلتنا، وكان النجاشي ملك الحبشة - ~~واسمه أصحمة وهو بالعربية عطية - يصلي إلى بيت المقدس حتى مات، وقد صرفت ~~القبلة إلى الكعبة فنزلت الآية، ونزل فيه: " وإن من ms0509 أهل الكتاب لمن يؤمن ~~بالله (1) " فكان هذا عذرا للنجاشي، وكانت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ~~بأصحابه سنة تسع من الهجرة. # وقد استدل بهذا من أجاز الصلاة على الغائب، وهو الشافعي. قال ابن العربي: ~~ومن أغرب مسائل الصلاة على الميت ما قال الشافعي: يصلي على الغائب، وقد كنت ~~ببغداد # PageV02P081 # في مجلس الامام فخر الاسلام فيدخل عليه الرجل من خراسان فيقول له: كيف ~~حال فلان؟ # فيقول له: مات، فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون! ثم يقول لنا: قوموا ~~فلأصل لكم، فيقوم فيصلي عليه بنا، وذلك بعد ستة أشهر من المدة، وبينه وبين ~~بلده ستة أشهر. # والأصل عندهم في ذلك صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على النجاشي. وقال ~~علماؤنا رحمة الله عليهم: النبي صلى الله عليه وسلم بذلك مخصوص لثلاثة ~~أوجه: # أحدها - أن الأرض دحيت له جنوبا وشمالا حتى رأى نعش النجاشي، كما دحيت له ~~شمالا وجنوبا حتى رأى المسجد الأقصى. وقال المخالف: وأي فائدة في رؤيته، ~~وإنما الفائدة في لحوق بركته. # الثاني - أن النجاشي لم يكن له هناك ولي من المؤمنين يقوم بالصلاة عليه. ~~قال المخالف: هذا محال عادة! ملك على دين لا يكون له أتباع، والتأويل ~~بالمحال محال. # الثالث - أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أراد بالصلاة على النجاشي ~~إدخال الرحمة عليه واستئلاف بقية الملوك بعده إذا رأوا الاهتمام به حيا ~~وميتا. قال المخالف: بركة الدعاء من النبي صلى الله عليه وسلم ومن سواه ~~تلحق الميت باتفاق. قال ابن العربي: والذي عندي في صلاة النبي صلى الله ~~عليه وسلم على النجاشي أنه علم أن النجاشي ومن آمن معه ليس عندهم من سنة ~~الصلاة على الميت أثر، فعلم أنهم سيدفنونه بغير صلاة فبادر إلى الصلاة ~~عليه. # قلت: والتأويل الأول أحسن، لأنه إذا رآه فما صلى على غائب وإنما صلى على ~~مرئي حاضر، والغائب ما لا يرى. والله تعالى أعلم. # القول الرابع - قال ابن زيد: كانت اليهود قد استحسنت صلاة النبي صلى الله ~~عليه وسلم إلى بيت المقدس وقالوا: ما ms0510 اهتدى إلا بنا، فلما حول إلى الكعبة ~~قالت اليهود: # ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، فنزلت: " ولله المشرق والمغرب " ~~فوجه النظم على هذا القول: أن اليهود لما أنكروا أمر القبلة بين الله تعالى ~~أن له أن يتعبد عباده بما شاء، فإن شاء أمرهم بالتوجه إلى بيت المقدس، وإن ~~شاء أمرهم بالتوجه إلى الكعبة، فعل لا حجة (1) عليه، ولا يسئل عما يفعل وهم ~~يسئلون. # PageV02P082 # القول الخامس - أن الآية منسوخة بقوله: " وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره ~~(1) " ذكره ابن عباس، فكأنه كان يجوز في الابتداء أن يصلي المرء كيف شاء ثم ~~نسخ ذلك. وقال قتادة: # الناسخ قوله تعالى: " فول وجهك شطر المسجد الحرام " أي تلقاءه، حكاه أبو ~~عيسى الترمذي. # وقول سادس - روي عن مجاهد والضحاك أنها محكمة، المعنى: أينما كنتم من شرق ~~وغرب فثم وجه الله الذي أمرنا باستقباله وهو الكعبة. وعن مجاهد أيضا وابن ~~جبير لما نزلت: # " ادعوني أستجب لكم " قالوا: إلى أين؟ فنزلت: " فأينما تولوا قثم وجه ~~الله ". وعن ابن عمر والنخعي: أينما تولوا في أسفاركم ومنصرفاتكم فثم وجه ~~الله. وقيل: هي متصلة بقوله تعالى: " ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر ~~فيها اسمه " الآية، فالمعنى أن بلاد لله أيها المؤمنون تسعكم، فلا يمنعكم ~~تخريب من خرب مساجد الله أن تولوا وجوهكم نحو قبلة الله أينما كنتم من ~~أرضه. وقيل: نزلت حين صد النبي صلى الله عليه وسلم عن البيت عام الحديبية ~~فاغتم المسلمون لذلك. فهذه عشرة أقوال. # ومن جعلها منسوخة فلا اعتراض عليه من جهة كونها خبرا، لأنها محتملة لمعنى ~~الامر. # يحتمل أن يكون معنى " فأينما تولوا فثم وجه الله ": ولوا وجوهكم نحو وجه ~~الله، وهذه الآية هي التي تلا سعيد بن جبير رحمه الله لما أمر الحجاج بذبحه ~~إلى الأرض. # الرابعة - اختلف الناس في تأويل الوجه المضاف إلى الله تعالى في القرآن ~~والسنة، فقال الحذاق: ذلك راجع إلى الوجود، والعبارة عنه بالوجه من مجاز ~~الكلام، إذ كان الوجه أظهر الأعضاء في الشاهد وأجلها قدرا. وقال ابن ms0511 فورك: ~~قد تذكر صفة الشئ والمراد بها الموصوف توسعا، كما يقول القائل: رأيت علم ~~فلان اليوم، ونظرت إلى علمه، وإنما يريد بذلك رأيت العالم ونظرت إلى ~~العالم، كذلك إذا ذكر الوجه هنا، والمراد من له الوجه، أي الوجود. # وعلى هذا يتأول قوله تعالى: " إنما نطعمكم لوجه الله (2) " لان المراد ~~به: لله الذي له الوجه، وكذلك قوله: " إلا ابتغاء وجه ربه الاعلى (3) " أي ~~الذي له الوجه. قال ابن عباس: # PageV02P083 # الوجه عبارة عنه عز وجل، كما قال: " ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام ~~(1) ". وقال بعض الأئمة: تلك صفة ثابتة بالسمع زائدة على ما توجبه العقول ~~من صفات القديم تعالى. قال ابن عطية: وضعف أبو المعالي هذا القول، وهو كذلك ~~ضعيف، وإنما المراد وجوده. وقيل: # المراد بالوجه هنا الجهة التي وجهنا إليها أي القبلة. وقيل: الوجه القصد، ~~كما قال الشاعر: # استغفر الله ذنبا لست محصيه * رب العباد إليه الوجه والعمل وقيل: المعنى ~~فثم رضا الله وثوابه، كما قال: " إنما نطعمكم لوجه الله " أي لرضائه وطلب ~~ثوابه، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: (من بنى مسجدا يبتغي به وجه لله بنى ~~الله له مثله في الجنة). وقوله: (يجاء يوم القيامة بصحف مختمة فتنصب بين ~~يدي الله تعالى فيقول عز وجل لملائكته ألقوا هذا واقبلوا هذا فتقول ~~الملائكة وعزتك يا ربنا ما رأينا إلا خيرا وهو أعلم فيقول إن هذا كان لغير ~~وجهي ولا أقبل من العمل إلا ما ابتغي به وجهي) أي خالصا لي، خرجه ~~الدارقطني. وقيل: المراد فثم الله، والوجه صلة، وهو كقوله: " وهو معكم ". ~~قاله الكلبي والقتبي، ونحوه قول المعتزلة. # الخامسة - قوله تعالى: " إن الله واسع عليم " أي يوسع على عباده في ~~دينهم، ولا يكلفهم ما ليس في وسعهم. وقيل: " واسع " بمعنى أنه يسع علمه كل ~~شئ، كما قال: # " وسع كل شئ علما (2) ". وقال الفراء: الواسع هو الجواد الذي يسع عطاؤه ~~كل شئ، دليله قوله تعالى: " ورحمتي وسعت كل شئ (3) ". وقيل: واسع المغفرة ~~أي لا يتعاظمه ذنب. # وقيل: متفضل على العباد وغني ms0512 عن أعمالهم، يقال: فلان يسع ما يسئل، أي لا ~~يبخل، قال الله تعالى: " لينفق ذو سعة من سعته (4) " أي لينفق الغني مما ~~أعطاه الله. وقد أتينا عليه في الكتاب " الأسنى " والحمد لله. # قوله تعالى: وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السماوات والأرض ~~كل له قانتون (116). # PageV02P084 # فيه خمس مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " وقالوا اتخذ الله ولدا " هذا إخبار عن النصارى في ~~قولهم: # المسيح ابن الله. وقيل عن اليهود في قولهم: عزير ابن الله. وقيل عن كفرة ~~العرب في قولهم: الملائكة بنات الله. # وقد جاء مثل هذه الأخبار عن الجهلة الكفار في " مريم (1) " و " الأنبياء ~~(1) ". # الثانية - قوله: " سبحانه بل له " الآية. خرج البخاري عن ابن عباس عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: (قال الله تعالى كذبني ابن آدم ولم يكن له ~~ذلك وشتمني ولم يكن له ذلك فأما تكذيبه إياي فزعم أني لا أقدر أن أعيده كما ~~كان وأما شتمه إياي فقوله لي ولد فسبحاني أن أتخذ صاحبة أو ولدا ". # الثالثة - " سبحان " منصوب على المصدر، ومعناه التبرئة والتنزيه ~~والمحاشاة، من قولهم: اتخذ الله ولدا، بل هو الله تعالى واحد في ذاته، أحد ~~في صفاته، لم يلد فيحتاج إلى صاحبة، " أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة ~~وخلق كل شئ " ولم يولد فيكون مسبوقا، جل وتعالى عما يقول الظالمون ~~والجاحدون علوا كبيرا! " بل له ما في السماوات والأرض " ما " رفع بالابتداء ~~والخبر في المجرور، أي كل ذلك له ملك بالايجاد والاختراع. # والقائل بأنه اتخذ ولدا داخل في جملة السماوات والأرض. وقد تقدم أن معنى ~~سبحان الله: # براءة الله من السوء (2). # الرابعة - لا يكون الولد إلا من جنس الوالد، فكيف يكون للحق سبحانه أن ~~يتخذ ولدا من مخلوقاته وهو لا يشبهه شئ، وقد قال: " إن كل من في السماوات ~~والأرض إلا آتي الرحمن عبدا (1) "، كما قال هنا: " بل له ما في السماوات ~~والأرض " فالولدية تقتضي الجنسية والحدوث، والقدم يقتضى الوحدانية والثبوت، ~~فهو سبحانه القديم الأزلي الواحد الأحد، الفرد الصمد، ms0513 الذي لم يلد ولم يولد ~~ولم يكن له كفوا أحد. ثم إن البنوة تنافى الرق والعبودية - على ما يأتي ~~بيانه في سورة " مريم (1) " إن شاء الله تعالى - فكيف يكون ولد عبدا! هذا ~~محال، وما أدى إلى المحال محال. # PageV02P085 # الخامسة - قوله تعالى: " كل له قانتون " ابتداء وخبر، والتقدير كلهم، ثم ~~حذف الهاء والميم. " قانتون " أي مطيعون وخاضعون، فالمخلوقات كلها تقنت ~~لله، أي تخضع وتطبع. والجمادات قنوتهم في ظهور الصنعة عليهم وفيهم. فالقنوت ~~الطاعة، والقنوت السكوت، ومنه قول زيد بن أرقم: كنا نتكلم في الصلاة، يكلم ~~الرجل صاحبه إلى جنبه حتى نزلت: " وقوموا لله قانتين " فأمرنا بالسكوت ~~ونهينا عن الكلام. والقنوت: # الصلاة، قال الشاعر: # قانتا لله يتلو كتبه * وعلى عمد من الناس اعتزل وقال السدي وغيره في ~~قوله: " كل له قانتون " أي يوم القيامة. الحسن: كل قائم بالشهادة أنه عبده. ~~والقنوت في اللغة أصله القيام، ومنه الحديث: (أفضل الصلاة طول القنوت) قاله ~~الزجاج. فالخلق قانتون، أي قائمون بالعبودية إما إقرارا وإما أن يكونوا على ~~خلاف ذلك، فأثر الصنعة بين عليهم. وقيل: أصله الطاعة، ومنه قوله تعالى: " ~~والقانتين والقانتات ". وسيأتي لهذا مزيد بيان عند قوله تعالى: " وقوموا ~~لله قانتين (1) ". # قوله تعالى: بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ~~(117). # فيه ست مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " بديع السماوات " فعيل للمبالغة، وارتفع على خبر ~~ابتداء محذوف، واسم الفاعل مبدع، كبصير من مبصر. أبدعت الشئ لا عن مثال، ~~فالله عز وجل بديع السماوات والأرض، أي منشئها وموجدها ومبدعها ومخترعها ~~على غير حد ولا مثال. وكل من أنشأ ما لم يسبق إليه قيل له مبدع، ومنه أصحاب ~~البدع. وسميت البدعة بدعة لان قائلها ابتدعها من غير فعل أو مقال إمام، وفي ~~البخاري (ونعمت البدعة هذه) يعني قيام رمضان. # PageV02P086 # الثانية - كل بدعة صدرت من مخلوق فلا يخلو أن يكون لها أصل في الشرع ~~أولا، فإن كان لها أصل كانت واقعة تحت عموم ما ندب الله إليه وخص رسوله ~~عليه، فهي في حيز المدح. وإن لم ms0514 يكن مثاله موجودا كنوع من الجود والسخاء ~~وفعل المعروف، فهذا فعله من الافعال المحمودة، وإن لم يكن الفاعل قد سبق ~~إليه. ويعضد هذا قول عمر رضي الله عنه: نعمت البدعة هذه (1)، لما كانت من ~~أفعال الخير وداخلة في حيز المدح، وهي وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم قد ~~صلاها إلا أنه تركها ولم يحافظ عليها، ولا جمع الناس، عليها، فمحافظة عمر ~~رضي الله عنه عليها، وجمع الناس لها، وندبهم إليها، بدعة لكنها بدعة محمودة ~~ممدوحة. وإن كانت في خلاف ما أمر لله به ورسوله فهي في حيز الذم والانكار، ~~قال معناه الخطابي وغيره. # قلت: وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم في خطبته: (وشر الأمور محدثاتها ~~وكل بدعة ضلالة) يريد ما لم يوافق كتابا أو سنة، أو عمل الصحابة رضي الله ~~عنهم، وقد بين هذا بقوله: (من سن في الاسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من ~~عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شئ ومن سن في الاسلام سنة سيئة ~~كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شئ). ~~وهذا إشارة إلى ما ابتدع من قبيح وحسن، وهو أصل هذا الباب، وبالله العصمة ~~والتوفيق، لا رب غيره. # الثالثة - قوله تعالى: " وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون " أي إذا ~~أراد إحكامه وإتقانه - كما سبق في علمه - قال له كن. قال ابن عرفة: قضاء ~~الشئ إحكامه وإمضاؤه والفراغ منه، ومنه سمي القاضي، لأنه إذا حكم فقد فرغ ~~مما بين الخصمين. # وقال الأزهري: قضى في اللغة على وجوه، مرجعها إلى انقطاع الشئ وتمامه، ~~قال أبو ذؤيب: # وعليهما مسرودتان قضاهما * داود أو صنع السوابغ تبع (2) وقال الشماخ في ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه: # قضيت أمورا ثم غادرت بعدها * بواثق في أكمامها لم تفتق # PageV02P087 # قال علماؤنا: " قضى " لفظ مشترك، يكون بمعنى الخلق، قال الله تعالى: " ~~فقضاهن سبع سماوات في يومين (1) " أي خلقهن. ويكون بمعنى الاعلام، قال الله ~~تعالى: " وقضينا إلى ms0515 بني إسرائيل في الكتاب (2) " أي أعلمنا. ويكون بمعنى ~~الامر، كقوله تعالى: " وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه (2) ". ويكون بمعنى ~~الالزام وإمضاء الاحكام، ومنه سمي الحاكم قاضيا. # ويكون بمعنى توفية الحق، قال الله تعالى: " فلما قضى موسى الاجل (3) ". ~~ويكون بمعنى الإرادة، كقوله تعالى: " فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ~~" أي إذا أراد خلق شئ. قال ابن عطية: " قضى " معناه قدر، وقد يجئ بمعنى ~~أمضى، ويتجه في هذه الآية المعنيان على مذهب أهل السنة قدر في الأزل وأمضى ~~فيه. وعلى مذهب المعتزلة أمضى عند الخلق والايجاد. # الرابعة - قوله تعالى: " أمرا " الامر واحد الأمور، وليس بمصدر أمر يأمر. # قال علماؤنا: والامر في القرآن يتصرف على أربعة عشر وجها: # الأول - الدين، قال الله تعالى: " حتى جاء الحق وظهر أمر الله (4) " يعني ~~دين الله الاسلام. # الثاني - القول، ومنه قوله تعالى: " فإذا جاء أمرنا " يعني قولنا، وقوله: # " فتنازعوا أمرهم بينهم " يعني قولهم. # الثالث - العذاب، ومنه قوله تعالى: " لما قضي الامر (5) " يعني لما وجب ~~العذاب بأهل النار. # الرابع - عيسى عليه السلام، قال الله تعالى: " إذا قضى أمرا (6) " يعني ~~عيسى، وكان في علمه أن يكون من غير أب. # الخامس - القتل ببدر، قال الله تعالى: " فإذا جاء أمر الله (7) " يعني ~~القتل ببدر، وقوله تعالى: " ليقضي الله أمرا كان مفعولا (8) " يعني قتل ~~كفار مكة. # السادس - فتح مكة، قال الله تعالى: " فتربصوا حتى يأتي الله بأمره (9) " ~~يعني فتح مكة. # PageV02P088 # السابع - قتل قريظة وجلاء بني الضير، قال الله تعالى: " فاعفوا واصفحوا ~~حتى يأتي الله بأمره (1) ". # الثامن - القيامة، قال الله تعالى: " أتى أمر الله (2) ". # التاسع - القضاء، قال الله تعالى: " يدبر الامر (3) " يعني القضاء. # العاشر - الوحي، قال الله تعالى: " يدبر الامر من السماء إلى الأرض (4) " ~~يقول: # ينزل الوحي من السماء إلى الأرض، وقوله: " يتنزل الامر بينهن (5) " يعني ~~الوحي. # الحادي عشر - أمر الخلق، قال الله تعالى: " ألا إلى الله تصير الأمور (6) ~~" يعني أمور الخلائق. # الثاني عشر - النصر، قال الله تعالى: " يقولون هل لنا من الامر من شئ (7) ~~". # يعنون النصر، " قل إن الامر كله ms0516 لله " يعني النصر. # الثالث عشر - الذنب، قال الله تعالى: " فذاقت وبال أمرها (8) " يعني جزاء ~~ذنبها. # الرابع عشر - الشأن والفعل، قال الله تعالى: " وما أمر فرعون برشيد (9) " ~~أي فغله وشأنه، وقال: " فليحذر الذين يخالفون عن أمره (10) " أي فعله. # الخامسة - قوله تعالى: " كن " قيل: الكاف من كينونه، والنون من نوره، وهي ~~المراد بقوله عليه السلام: (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق). ~~ويروي: # (بكلمة الله التامة) على الافراد. فالجمع لما كانت هذه الكلمة في الأمور ~~كلها، فإذا قال لكل أمر كن، ولكل شئ كن، فهن كلمات. يدل على هذا ما روي عن ~~أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يحكى عن الله تعالى: (عطائي كلام ~~وعذابي كلام). خرجه الترمذي في حديث فيه طول. والكلمة على الافراد بمعنى ~~الكلمات أيضا، لكن لما تفرقت الكلمة الواحدة في الأمور في الأوقات صارت ~~كلمات ومرجعهن إلى كلمة واحدة. وإنما قيل " تامة " لان أقل الكلام عند أهل ~~اللغة على ثلاثة أحرف: حرف مبتدأ، وحرف تحشى به الكلمة، وحرف يسكت عليه. ~~وإذا كان على حرفين فهو عندهم منقوص، كيد PageV02P089 # ودم وفم، وإنما نقص لعلة. فهي من الآدميين من المنقوصات لأنها على حرفين، ~~ولأنها كلمة ملفوظة بالأدوات. ومن ربنا تبارك وتعالى تامة، لأنها بغير ~~الأدوات، تعالى عن شبه المخلوقين. # السادسة - قوله تعالى: " فيكون " قرئ برفع النون على الاستئناف. قال ~~سيبويه: # فهو يكون، أو فإنه يكون. وقال غيره: هو معطوف على " يقول "، فعلى الأول ~~كائنا بعد الامر، وإن كان معدوما فإنه بمنزلة الموجود إذا هو عنده معلوم، ~~على ما يأتي بيانه. وعلى الثاني كائنا مع الامر، واختاره الطبري وقال: أمره ~~للشئ ب‍ " كن " لا يتقدم الوجود ولا يتأخر عنه، فلا يكون الشئ مأمورا ~~بالوجود إلا وهو موجود بالامر، ولا موجودا إلا وهو مأمور بالوجود، على ما ~~يأتي بيانه. قال: ونظيره قيام الناس من قبورهم لا يتقدم دعاء الله ولا ~~يتأخر عنه، كما قال " ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون (1) ". # وضعف ابن عطية هذا القول ms0517 وقال: هو خطأ من جهة المعنى، لأنه يقتضي أن ~~القول مع (2) التكوين والوجود. # وتلخيص المعتقد في هذه الآية: أن الله عز وجل لم يزل آمرا للمعدومات بشرط ~~وجودها، قادرا مع تأخر المقدورات، عالما مع تأخر المعلومات. فكل ما في ~~الآية يقتضي الاستقبال فهو بحسب المأمورات، إذ المحدثات تجئ بعد أن لم تكن. ~~وكل ما يسند إلى الله تعالى من قدرة وعلم فهو قديم لم يزل. والمعنى الذي ~~تقتضيه عبارة " كن ": هو قديم قائم بالذات. # وقال أبو الحسن الماوردي فإن قيل: ففي أي حال يقول له كن فيكون؟ أفي حال ~~عدمه، أم في حال وجوده؟ فإن كان في حال عدمه استحال أن يأمر إلا مأمورا، ~~كما يستحيل أن يكون الامر إلا من آمر، وإن كان في حال وجوده فتلك حال لا ~~يجوز أن يأمر فيها بالوجود والحدوث، لأنه موجود حادث؟ قيل عن هذا السؤال ~~أجوبة ثلاثة: # أحدها - أنه خبر من الله تعالى عن نفوذ أوامره في خلقه الموجود، كما أمر ~~في بني إسرائيل أن يكونوا قردة خاسئين، ولا يكون هذا واردا في إيجاد ~~المعدومات. # PageV02P090 # الثاني - أن الله عز وجل عالم بما هو كائن قبل كونه، فكانت الأشياء التي ~~لم تكن وهي كائنة بعلمه قبل كونها مشابهة للتي هي موجودة، فجاز أن يقول ~~لها: كوني. ويأمرها بالخروج من حال العدم إلى حال الوجود، لتصور جميعها له ~~ولعلمه بها في حال العدم. # الثالث - أن ذلك خبر من الله تعالى عام عن جميع ما يحدثه ويكونه إذا أراد ~~خلقه وإنشاءه كان، ووجد من غير أن يكون هناك قول يقوله، وإنما هو قضاء ~~يريده، فعبر عنه بالقول وإن لم يكن قولا، كقول أبي النجم: # * قد قالت الاتساع للبطن الحق * ولا قول هناك، وإنما أراد أن الظهر قد ~~لحق بالبطن، وكقول عمرو بن حممة الدوسي: # فأصبحت مثل النسر طارت فراخه * إذا رام تطيارا يقل له قع وكما قال الاخر: # قالت جناحاه لساقيه الحقا * ونجيا لحمكما أن يمزقا قوله تعالى: وقال ~~الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله ms0518 أو تأتينا آية كذلك قال الذين من قبلهم ~~مثل قولهم تشبهت قلوبهم قد بينا الآيات لقوم يوقنون (118) قوله تعالى: " ~~وقال الذين لا يعلمون قال ابن عباس: هم اليهود. مجاهد: النصارى، ورجحه ~~الطبري، لأنهم المذكورون في الآية أولا. وقال الربيع والسدي وقتادة: مشركو ~~العرب. و " لولا " بمعنى " هلا " تحضيض، كما قال الأشهب بن رميلة (1): # تعدون عقر النيب أفضل مجدكم * بني ضوطري لولا الكمي المقنعا # PageV02P091 # وليست هذه " لولا " التي تعطي منع الشئ لوجود غيره، والفرق بينهما عند ~~علماء اللسان أن " لولا " بمعنى التحضيض لا يليها إلا الفعل مظهرا أو ~~مقدرا، والتي للامتناع يليها الابتداء، وجرت العادة بحذف الخبر. ومعنى ~~الكلام هلا يكلمنا الله بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم فنعلم أنه نبي فنؤمن ~~به، أو يأتينا بآية تكون علامة على نبوته. والآية: الدلالة والعلامة، وقد ~~تقدم (1). " الذين من قبلهم " اليهود والنصارى في قول من جعل " الذين لا ~~يعلمون " كفار العرب، أو الأمم السالفة في قول من جعل " الذين لا يعلمون " ~~اليهود والنصارى، أو اليهود في قول من جعل " الذين لا يعلمون " النصارى. " ~~تشابهت قلوبهم " قيل: # في التعنيت والاقتراح وترك الايمان. وقال الفراء. " تشابهت قلوبهم " في ~~اتفاقهم على الكفر. # " قد بينا الآيات لقوم يوقنون " تقدم (2). # قوله تعالى: إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ولا تسئل عن أصحب الجحيم ~~(119). # قوله تعالى: " إنا أرسلناك بالحق بشيرا " " بشيرا " نصب على الحال، " ~~ونذيرا " عطف عليه، وقد تقدم معناهما (3). " ولا تسئل عن أصحاب الجحيم " ~~قال مقاتل: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لو أنزل الله بأسه باليهود ~~لامنوا)، فأنزل الله تعالى: " ولا تسأل عن أصحاب الجحيم " برفع تسأل، وهي ~~قراءة الجمهور، ويكون في موضع الحال بعطفه على " بشيرا ونذيرا ". والمعنى ~~إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا غير مسؤول. وقال سعيد الأخفش: # ولا تسأل (بفتح التاء وضم اللام)، ويكون في موضع الحال عطفا على " بشيرا ~~ونذيرا ". # والمعنى: إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا غير سائل عنهم، لان علم الله ~~بكفرهم بعد إنذارهم يغني عن سؤاله عنهم. هذا معنى غير سائل. ومعنى ms0519 غير ~~مسؤول لا يكون مؤاخذا بكفر من كفر بعد التبشير والانذار. وقال ابن عباس ~~ومحمد بن كعب: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم: (ليت شعري ما ~~فعل أبواي). فنزلت هذه الآية، وهذا على قراءة من قرأ " ولا تسأل " جزما على ~~النهي، وهي قراءة نافع وحده، وفيه وجهان: # PageV02P092 # أحدهما: أنه نهى عن السؤال عمن عصى وكفر من الاحياء، لأنه قد يتغير حاله ~~فينتقل عن الكفر إلى الايمان، وعن المعصية إلى الطاعة. # والثاني - وهو الأظهر، أنه نهى عن السؤال عمن مات على كفره ومعصيته، ~~تعظيما لحاله وتغليظا لشأنه، وهذا كما يقال: لا تسأل عن فلان! أي قد بلغ ~~فوق ما تحسب. # وقرأ ابن مسعود " ولن تسأل ". وقرأ أبي " وما تسأل "، ومعناهما موافق ~~لقراءة الجمهور، نفى أن يكون مسؤولا عنهم. وقيل: إنما سأل أي أبويه أحدث ~~موتا، فنزلت. # وقد ذكرنا في كتاب " التذكرة " أن الله تعالى أحيا له أباه وأمه وآمنا ~~به، وذكرنا قوله عليه السلام للرجل: (إن أبى وأباك في النار) وبينا ذلك، ~~والحمد لله. # قوله تعالى: ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى ~~الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ~~ولى ولا نصير (120). # قوله تعالى: " ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم ". فيه ~~مسألتان: # الأولى - قوله تعالى: " ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم ~~" المعنى: ليس غرضهم يا محمد بما يقترحون من الآيات أن يؤمنوا، بل لو ~~أتيتهم بكل ما يسألون لم يرضوا عنك، وإنما يرضيهم ترك ما أنت عليه من ~~الاسلام واتباعهم. يقال: # رضي يرضى رضا ورضا ورضوانا ورضوانا ومرضاة، وهو من ذوات الواو، ويقال في ~~التثنية: رضوان، وحكى الكسائي: رضيان. وحكي رضاء ممدود، وكأنه مصدر راضى ~~يراضي مراضاة ورضاء. و " تتبع " منصوب بأن ولكنها لا تظهر مع حتى، قاله ~~الخليل. # وذلك أن حتى خافضة للاسم، كقوله: " حتى مطلع الفجر " وما يعمل في الاسم ~~لا يعمل في الفعل ألبتة، ms0520 وما يخفض اسما لا ينصب شيئا. وقال النحاس: " تتبع ~~" منصوب بحتى، و " حتى " بدل من أن. والملة: اسم لما شرعه الله لعباده في ~~كتبه وعلى ألسنة رسله. PageV02P093 # فكانت الملة والشريعة سواء، فأما الدين فقد فرق بينه وبين الملة ~~والشريعة، فإن الملة والشريعة ما دعا الله عباده إلى فعله، والدين ما فعله ~~العباد عن أمره. # الثانية - تمسك بهذه الآية جماعة من العلماء منهم أبو حنيفة والشافعي ~~وداود وأحمد ابن حنبل على أن الكفر كله ملة واحدة، لقوله تعالى: " ملتهم " ~~فوحد الملة، وبقوله تعالى: " لكم دينكم ولي دين (1) "، وبقوله عليه السلام: ~~(لا يتوارث أهل ملتين) على أن المراد به الاسلام والكفر، بدليل قوله عليه ~~السلام: (لا يرث المسلم الكافر). وذهب مالك وأحمد في الرواية الأخرى إلى أن ~~الكفر ملل، فلا يرث اليهودي النصراني، ولا يرثان المجوسي، أخذا بظاهر قوله ~~عليه السلام: (لا يتوارث أهل ملتين)، وأما قوله تعالى: " ملتهم " فالمراد ~~به الكثرة وإن كانت موحدة في اللفظ بدليل إضافتها إلى ضمير الكثرة، كما ~~تقول: # أخذت عن علماء أهل المدينة - مثلا - علمهم، وسمعت عليهم حديثهم، يعني ~~علومهم وأحاديثهم. # قوله تعالى: " قل إن هدى الله هو الهدى " المعنى ما أنت عليه يا محمد من ~~هدى الله الحق الذي يضعه في قلب من يشاء هو الهدى الحقيقي، لا ما يدعيه ~~هؤلاء. # قوله تعالى: " ولئن اتبعت أهواءهم " الأهواء جمع هوى، كما تقول: جمل ~~وأجمال، ولما كانت مختلفة جمعت، ولو حمل على أفراد الملة لقال هواهم. وفي ~~هذا الخطاب وجهان: # أحدهما - أنه للرسول، لتوجه الخطاب إليه. والثاني - أنه للرسول والمراد ~~به أمته، وعلى الأول يكون فيه تأديب لامته، إذ منزلتهم دون منزلته. وسبب ~~الآية أنهم كانوا يسألون المسالمة والهدية، ويعدون النبي صلى الله عليه ~~وسلم بالاسلام، فأعلمه الله أنهم لن يرضوا عنه حتى يتبع ملتهم، وأمره ~~بجهادهم. # قوله تعالى: " من العلم " سئل أحمد بن حنبل عمن يقول: القرآن مخلوق، ~~فقال: # كافر، فقيل: بم كفرته؟ فقال: بآيات من كتاب الله تعالى: " ولئن اتبعت ~~أهواءهم من بعد ما جاءك ms0521 من العلم (2) " والقرآن من علم الله. فمن زعم أنه ~~مخلوق فقد كفر. # PageV02P094 # قوله تعالى: الذين آتيناهم الكتب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ومن ~~يكفر به فأولئك هم الخاسرون (121). # يبنى إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأنى فضلتكم على العلمين ~~(122). واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها ~~شفعة ولا هم ينصرون (123). # قوله تعالى: " الذين آتيناهم الكتاب " قال قتادة: هم أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم، والكتاب على هذا التأويل القرآن. وقال ابن زيد: هم من أسلم ~~من بني إسرائيل. # والكتاب على هذا التأويل: التوراة، والآية تعم. و " الذين " رفع ~~بالابتداء، " آتيناهم " صلته، " يتلونه " خبر الابتداء، وإن شئت كان الخبر ~~" أولئك يؤمنون به ". # واختلف في معنى " يتلونه حق تلاوته " فقيل: يتبعونه حق اتباعه، باتباع ~~الأمر والنهي ، فيحللون حلاله، ويحرمون حرامه، ويعملون بما تضمنه، قاله ~~عكرمة. قال عكرمة: أما سمعت قول الله تعالى: " والقمر إذا تلاها " أي ~~أتبعها، وهو معنى قول ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما. وقال الشاعر: # * قد جعلت دلوي تستتليني (1) * وروى نصر بن عيسى عن مالك عن نافع عن ابن ~~عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: " يتلونه حق تلاوته " قال: ~~(يتبعونه حق اتباعه). في إسناده غير واحد من المجهولين فيما ذكر الخطيب أبو ~~بكر أحمد، إلا أن معناه صحيح. وقال أبو موسى الأشعري: # من يتبع القرآن يهبط به على رياض الجنة. وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ~~هم الذين إذا مروا بآية رحمة سألوها من الله، وإذا مروا بآية عذاب استعاذوا ~~منها. وقد روي هذا المعنى عن النبي صلى الله عليه وسلم: كان إذا مر بآية ~~رحمة سأل، وإذا مر بآية عذاب # PageV02P095 # تعوذ. وقال الحسن: هم الذين يعملون بمحكمه، ويؤمنون بمتشابهه، ويكلون ما ~~أشكل عليهم إلى عالمه. وقيل: يقرءونه حق قراءته. # قلت: وهذا فيه بعد، إلا أن يكون المعنى يرتلون ألفاظه، ويفهمون معانيه، ~~فإن بفهم المعاني يكون الاتباع لمن وفق. # قوله تعالى: وإذ ابتلى إبراهيم ربه، ms0522 بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس ~~إماما ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين (124) فيه عشرون مسألة: # الأولى - لما جرى ذكر الكعبة والقبلة اتصل ذلك بذكر إبراهيم عليه السلام، ~~وأنه الذي بنى البيت، فكان من حق اليهود - وهم من نسل إبراهيم - ألا يرغبوا ~~عن دينه. # والابتلاء: الامتحان والاختبار، ومعناه أمر وتعبد. وإبراهيم تفسيره ~~بالسريانية فيما ذكر الماوردي، وبالعربية فيما ذكر ابن عطية: أب رحيم. قال ~~السهيلي: وكثيرا ما يقع الاتفاق بين السرياني والعربي أو يقاربه في اللفظ، ~~ألا ترى أن إبراهيم تفسيره أب راحم، لرحمته بالأطفال، ولذلك جعل هو وسارة ~~زوجته كافلين لأطفال المؤمنين الذين يموتون صغارا إلى يوم القيامة. # قلت: ومما يدل على هذا ما خرجه البخاري من حديث الرؤيا الطويل عن سمرة، ~~وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في الروضة إبراهيم عليه السلام ~~وحوله أولاد الناس. # وقد أتينا عليه في كتاب التذكرة، والحمد لله. # وإبراهيم هذا هو ابن تارخ بن ناخور في قول بعض المؤرخين. وفي التنزيل: " ~~وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر (1) وكذلك في صحيح البخاري، ولا تناقض في ذلك، ~~على ما يأتي في " الانعام " بيانه إن شاء الله تعالى. وكان له أربع بنين: ~~إسماعيل وإسحاق ومدين ومدائن، على ما ذكره السهيلي. وقدم على الفاعل ~~للاهتمام، إذ كون الرب تبارك وتعالى # PageV02P096 # مبتليا معلوم، وكون الضمير المفعول في العربية متصلا بالفاعل موجب تقديم ~~المفعول، فإنما بني الكلام على هذا الاهتمام، فاعلمه. وقراءة العامة " ~~إبراهيم " بالنصب، " ربه " بالرفع على ما ذكرنا. وروي عن جابر بن زيد أنه ~~قرأ على العكس، وزعم أن ابن عباس أقرأه كذلك. والمعنى دعا إبراهيم ربه ~~وسأل، وفيه بعد، لأجل الباء في قوله: " بكلمات ". # الثانية - قوله تعالى: " بكلمات " الكلمات جمع كلمة، ويرجع تحقيقها إلى ~~كلام الباري تعالى، لكنه عبر عنها عن الوظائف التي كلفها إبراهيم عليه ~~السلام، ولما كان تكليفها بالكلام سميت به، كما سمي عيسى كلمة، لأنه صدر عن ~~كلمة وهي " كن ". وتسمية الشئ بمقدمته أحد قسمي المجاز، قاله ابن العربي. # الثالثة - واختلف ms0523 العلماء في المراد بالكلمات على أقوال: أحدها - شرائع ~~الاسلام، وهي ثلاثون سهما، عشرة منها في سورة براءة: " التائبون العابدون ~~(1) " إلى آخرها، وعشرة في الأحزاب: " إن المسلمين والمسلمات (2) " إلى ~~آخرها، وعشرة في المؤمنون: " قد أفلح المؤمنون (3) " إلى قوله: " على ~~صلواتهم يحافظون " وقوله في " سأل سائل (4) ": " إلا المصلين " إلى قوله: " ~~والذين هم على صلاتهم يحافظون ". قال ابن عباس رضي الله عنهما: ما ابتلى ~~الله أحدا بهن فقام بها كلها إلا إبراهيم عليه السلام، ابتلي بالاسلام ~~فأتمه فكتب الله له البراءة فقال: " وإبراهيم الذي وفى (5) ". وقال بعضهم: ~~بالامر والنهي، وقال بعضهم: بذبح ابنه، وقال بعضهم: بأداء الرسالة، والمعنى ~~متقارب. وقال مجاهد: هي قوله تعالى: إني مبتليك بأمر، قال: تجعلني للناس ~~إماما؟ قال نعم. قال: ومن ذريتي؟ قال: لا ينال عهدي الظالمين، قال: تجعل ~~البيت مثابة للناس؟ قال نعم. قال: وأمنا؟ قال نعم. قال: # وترينا مناسكنا وتتوب علينا؟ قال نعم. قال: وترزق أهله من الثمرات؟ قال ~~نعم. وعلى هذا القول فالله تعالى هو الذي أتم. وأصح من هذا ما ذكره عبد ~~الرزاق عن معمر عن # PageV02P097 # ابن طاوس عن ابن عباس في قوله: " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن " ~~قال: ابتلاه الله بالطهارة، خمس في الرأس وخمس في الجسد: قص الشارب، ~~والمضمضة، والاستنشاق، والسواك، وفرق الشعر. وفي الجسد: تقليم الأظفار، ~~وحلق العانة، والاختتان، ونتف الإبط، وغسل مكان الغائط والبول بالماء، وعلى ~~هذا القول فالذي أتم هو إبراهيم، وهو ظاهر القرآن. وروى مطر (1) عن أبي ~~الجلد أنها عشر أيضا، إلا أنه جعل موضع الفرق غسل البراجم (2)، وموضع ~~الاستنجاء (3) الاستحداد. وقال قتادة: هي مناسك الحج خاصة. # الحسن: هي الخلال الست: الكوكب، والقمر، والشمس، والنار، والهجرة، ~~والختان. قال أبو إسحاق الزجاج: وهذه الأقوال ليست بمتناقضة، لان هذا كله ~~مما ابتلي به إبراهيم عليه السلام. # قلت: وفي الموطأ وغيره عن يحيى بن سعيد أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: ~~إبراهيم عليه السلام أول من اختتن، وأول من أضاف الضيف، وأول من استحد، ~~وأول من قلم الأظفار، وأول من قص ms0524 الشارب، وأول من شاب، فلما رأى الشيب قال: ~~ما هذا؟ # قال: وقار، قال: يا رب زدني وقارا. وذكر أبو بكر بن أبي شيبة عن سعيد بن ~~إبراهيم عن أبيه قال: أول من خطب على المنابر إبراهيم خليل الله. قال غيره: ~~وأول من ثرد الثريد، وأول من ضرب بالسيف، وأول من استاك، وأول من استنجى ~~بالماء، وأول من لبس السراويل. وروى معاذ بن جبل قال: قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: (إن أتخذ المنبر فقد اتخذه أبي إبراهيم وإن أتخذ العصا فقد ~~اتخذها أبي إبراهيم). # قلت: وهذه أحكام يجب بيانها والوقوف عليها والكلام فيها، فأول ذلك " ~~الختان " وما جاء فيه، وهي المسألة: # الرابعة - أجمع العلماء على أن إبراهيم عليه السلام أول من اختتن. واختلف ~~في السن التي اختتن فيها، ففي الموطأ عن أبي هريرة موقوفا: (وهو ابن مائة ~~وعشرين سنة وعاش # PageV02P098 # بعد ذلك ثمانين سنة). ومثل هذا لا يكون رأيا، وقد رواه الأوزاعي مرفوعا ~~عن يحيى ابن سعيد عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # (اختتن إبراهيم عليه السلام وهو ابن مائة وعشرين سنة ثم عاش بعد ذلك ~~ثمانين سنة). # ذكره أبو عمر (1). وروي مسندا مرفوعا من غير رواية يحيى من وجوه: (أنه ~~اختتن حين بلغ ثمانين سنة واختتن بالقدوم (2). كذا في صحيح مسلم وغيره " ~~ابن ثمانين سنة "، وهو المحفوظ في حديث ابن عجلان وحديث الأعرج عن أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم. # قال عكرمة: اختتن إبراهيم وهو ابن ثمانين سنة. قال: ولم يطف بالبيت بعد ~~على ملة إبراهيم إلا مختون، هكذا قال عكرمة وقاله المسيب بن رافع، ذكره ~~المروزي. و " القدوم " يروي مشددا ومخففا. قال أبو الزناد: القدوم (مشددا): ~~موضع. # الخامسة - واختلف العلماء في الختان، فجمهورهم على أن ذلك من مؤكدات ~~السنن ومن فطرة الاسلام التي لا يسع تركها في الرجال. وقالت طائفة: ذلك ~~فرض، لقوله تعالى: " أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا ". قال قتادة: هو الاختتان، ~~وإليه مال بعض المالكيين، ms0525 وهو قول الشافعي. واستدل ابن سريج (3) على وجوبه ~~بالاجماع على تحريم النظر إلى العورة، وقال: لولا أن الختان فرض لما أبيح ~~النظر إليها من المختون. وأجيب عن هذا بأن مثل هذا يباح لمصلحة الجسم كنظر ~~الطبيب، والطب ليس بواجب إجماعا، على ما يأتي في " النحل " بيانه إن شاء ~~الله تعالى. وقد احتج بعض أصحابنا بما رواه الحجاج بن أرطاة عن أبي المليح ~~عن أبيه عن شداد بن أوس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # (الختان سنة للرجال مكرمة للنساء). والحجاج ليس ممن يحتج به. # PageV02P099 # قلت: أعلى ما يحتج به في هذا الباب حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: (الفطرة خمس الاختتان...) الحديث، وسيأتي. وروى أبو داود عن ~~أم عطية أن امرأة كانت تختن النساء بالمدينة، فقال لها النبي صلى الله عليه ~~وسلم: (لا تنهكي (1) فإن ذلك أحظى للمرأة وأحب للبعل). قال أبو داود: وهذا ~~الحديث ضعيف راويه مجهول. # وفي رواية ذكرها رزين: (ولا تنهكي فإنه أنور للوجه وأحظى عند الرجل). # السادسة - فإن ولد الصبي مختونا فقد كفي مؤنة الختان. قال الميموني قال ~~لي أحمد: إن ها هنا رجلا ولد له ولد مختون، فاغتم لذلك غما شديدا، فقلت له: ~~إذا كان الله قد كفاك المؤنة فما غمك بهذا! # السابعة - قال أبو الفرج الجوزي حدثت عن كعب الأحبار قال: خلق من ~~الأنبياء ثلاثة عشر مختونين: آدم وشيث وإدريس ونوح وسام ولوط ويوسف وموسى ~~وشعيب وسليمان ويحيى وعيسى والنبي صلى الله عليه وسلم. وقال محمد بن حبيب ~~الهاشمي: # هم أربعة عشر: آدم وشيث ونوح وهود وصالح ولوط وشعيب ويوسف وموسى وسليمان ~~وزكريا وعيسى وحنظلة بن صفوان (نبي أصحاب الرس (2)) ومحمد صلى الله عليه ~~وعليهم أجمعين. # قلت: اختلفت الروايات في النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر أبو نعيم الحافظ ~~في " كتاب الحلية " بإسناده أن النبي صلى الله عليه وسلم ولد مختونا. وأسند ~~أبو عمر في التمهيد حدثنا أحمد بن محمد بن أحمد حدثنا محمد بن عيسى حدثنا ~~يحيى ms0526 بن أيوب بن بادي (3) العلاف حدثنا محمد ابن أبي السري العسقلاني حدثنا ~~الوليد بن مسلم عن شعيب عن عطاء الخراساني عن عكرمة عن ابن عباس: أن عبد ~~المطلب ختن النبي صلى الله عليه وسلم يوم سابعه، وجعل له مأدبة وسماه " ~~محمدا ". قال أبو عمر: هذا حديث مسند غريب. قال يحيى بن أيوب: طلبت # PageV02P100 # هذا الحديث فلم أجده عند أحد من أهل الحديث ممن لقيته إلا عند ابن أبي ~~السري. قال أبو عمر: وقد قيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم ولد مختونا. # الثامنة - واختلفوا متى يختن الصبي، فثبت في الاخبار عن جماعة من العلماء ~~أنهم قالوا: ختن إبراهيم إسماعيل لثلاث عثرة سنة. وختن ابنه إسحاق لسبعة ~~أيام. وروي عن فاطمة أنها كانت تختن ولدها يوم السابع، وأنكر ذلك مالك وقال ~~ذلك من عمل اليهود. # ذكره عنه ابن وهب. وقال الليث بن سعد: يختن الصبي ما بين سبع سنين إلى ~~عشر. # ونحوه روى ابن وهب عن مالك. وقال أحمد: لم أسمع في ذلك شيئا. وفي البخاري ~~عن سعيد بن جبير قال: سئل ابن عباس: مثل من أنت حين قبض رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم؟ قال: أنا يومئذ مختون. قال: وكانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك أو ~~يقارب الاحتلام. # واستحب العلماء في الرجل الكبير يسلم أن يختتن، وكان عطاء يقول: لا يتم ~~إسلامه حتى يختتن وإن بلغ ثمانين سنة. وروي عن الحسن أنه كان يرخص للشيخ ~~الذي يسلم ألا يختتن، ولا يرى به بأسا ولا بشهادته وذبيحته وحجه وصلاته، ~~قال ابن عبد البر: وعامة أهل العلم على هذا. وحديث بريدة في حج الأغلف لا ~~يثبت. وروي عن ابن عباس وجابر ابن زيد وعكرمة: أن الأغلف لا تؤكل ذبيحته ~~ولا تجوز شهادته. # التاسعة - قوله: (وأول من استحد) فالاستحداد استعمال الحديد في حلق ~~العانة. # وروت أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اطلى (1) ولى عانته ~~بيده. وروى ابن عباس أن رجلا طلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا ms0527 بلغ ~~إلى عانته قال له: اخرج عنى، ثم طلى عانته بيده. وروى أنس أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان لا يتنور، وكان إذا كثر الشعر على عانته حلقه. قال ابن ~~خويز منداد: وهذا يدل على أن الأكثر من فعله كان الحلق وإنما تنور نادرا، ~~ليصح الجمع بين الحديثين. # PageV02P101 # العاشرة - في تقليم الأظفار. وتقليم الأظفار: قصها، والقلامة ما يزال ~~منها. وقال مالك: أحب للنساء من قص الأظفار وحلق العانة مثل ما هو على ~~الرجال. ذكره الحارث ابن مسكين وسحنون عن ابن القاسم. وذكر الترمذي الحكيم ~~في " نوادر الأصول " له (الأصل التاسع والعشرون): حدثنا عمر بن أبي عمر ~~قال: حدثنا إبراهيم بن العلاء الزبيدي عن عمر بن بلال الفزاري قال: سمعت ~~عبد الله بن بشر المازني يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قصوا ~~أظافيركم وادفنوا قلاماتكم ونقوا براجمكم ونظفوا لثاتكم من الطعام وتسننوا ~~ولا تدخلوا على قخرا بخرا (1) ثم تكلم عليه فأحسن. قال الترمذي: فأما قص ~~الأظفار فمن أجل أنه يخدش ويخمش ويضر، وهو مجتمع الوسخ، فربما أجنب ولا يصل ~~الماء إلى البشرة من أجل الوسخ فلا يزال جنبا. ومن أجنب فبقي موضع إبرة من ~~جسده بعد الغسل غير مغسول فهو جنب على حاله حتى يعم الغسل جسده كله، فلذلك ~~ندبهم إلى قص الأظفار. والأظافير جمع الأظفور، والأظفار جمع الظفر. وفي ~~حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث سها في صلاته فقال: (وما لي لا أوهم ~~ورفغ (2) أحدكم بين ظفره وأنملته ويسألني أحدكم عن خبر السماء وفي أظافيره ~~الجنابة والتفث). وذكر هذا الخبر أبو الحسن علي بن محمد الطبري المعروف ~~بالكيا في " أحكام القرآن " له، عن سليمان بن فرج أبي واصل قال: أتيت أبا ~~أيوب رضي الله عنه فصافحته، فرأى في أظفاري طولا فقال: جاء رجل إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم يسأله عن خبر السماء فقال: (يجئ أحدكم يسأل عن خبر ~~السماء وأظفاره كأظفار الطير حتى يجتمع فيها الوسخ والتفث). # وأما قوله: (ادفنوا قلاماتكم) فإن جسد المؤمن ms0528 ذو حرمة، فما سقط منه وزال ~~عنه فحفظه من الحرمة قائم، فيحق عليه أن يدفنه، كما أنه لو مات دفن، فإذا ~~مات بعضه فكذلك أيضا تقام حرمته بدفنه، كي لا يتفرق ولا يقع في النار أو في ~~مزابل قذرة. وقد أمر رسول الله # PageV02P102 # صلى الله عليه وسلم بدفن دمه حيث احتجم كي لا تبحث عنه الكلاب. حدثنا ~~بذلك أبي رحمه الله تعالى قال: حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا الهنيد بن ~~القاسم بن عبد الرحمن بن ماعز قال: سمعت عامر بن عبد الله بن الزبير يقول ~~إن أباه حدثه أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحتجم، فلما فرغ ~~قال: (يا عبد الله اذهب بهذا الدم فأهرقه حيث لا يراك أحد). فلما برز عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عمد إلى الدم فشربه، فلما رجع قال: # (يا عبد الله ما صنعت به؟). قال: جعلته في أخفى مكان ظننت أنه خافيا عن ~~الناس. # قال: (لعلك شربته؟) قال نعم. قال: (لم شربت الدم، [ويل للناس منك (1) و] ~~ويل لك من الناس). حدثني أبي قال: حدثنا مالك بن سليمان الهروي قال: حدثنا ~~داود بن عبد الرحمن عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يأمر بدفن سبعة أشياء من الانسان: الشعر، والظفر، ~~والدم، والحيضة، والسن، والقلفة، والبشيمة. # وأما قوله: (نقوا براجمكم) فالبراجم تلك الغضون من المفاصل، وهي مجتمع ~~الدرن (واحدها برجمة) وهو ظهر عقدة كل مفصل، فظهر العقدة يسمى برجمة، وما ~~بين العقدتين تسمى راجبة، وجمعها رواجب، وذلك مما يلي ظهرها، وهي قصبة ~~الإصبع، فلكل أصبع برجمتان وثلاث رواجب إلا الابهام فإن لها برجمة ~~وراجبتين، فأمر بتنقيته لئلا يدرن فتبقى فيه الجنابة، ويحول الدرن بين ~~الماء والبشرة. # وأما قوله: (نظفوا لثاتكم) فاللثة واحدة، واللثات جماعة، وهي اللحمة فوق ~~الأسنان ودون الأسنان، وهي منابتها. والعمور: اللحمة القليلة بين السنين، ~~واحدها عمر. فأمر بتنظيفها لئلا يبقى فيها وضر الطعام فتتغير عليه النكهة ~~وتتنكر الرائحة، ms0529 ويتأذى الملكان، لأنه طريق القرآن، ومقعد الملكين عند ~~نابيه. وروي في الخبر في قوله تعالى: " ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ~~(2) " قال: عند نابيه. حدثنا بذلك محمد بن علي الشقيقي قال: سمعت أبي يذكر ~~ذلك عن سفيان بن عيينة، وجاد ما قال، وذلك أن اللفظ هو عمل الشفتين يلفظ # PageV02P103 # الكلام عن لسانه إلى البراز. وقوله: " لديه " أي عنده، والدي والعند في ~~لغتهم السائرة بمعنى واحد، وكذلك قولهم " لدن " فالنون زائدة. فكأن الآية ~~تنبئ أن الرقيب عتيد عند مغلظ الكلام وهو الناب. # وأما قوله: (تسننوا) وهو السواك مأخوذ من السن، أي نظفوا السن. # وقوله: (لا تدخلوا على قخرا بخرا) فالمحفوظ عندي (فحلا وقلحا). وسمعت ~~الجارود يذكر عن النضر قال: الأقلح الذي قد اصفرت أسنانه حتى بخرت من ~~باطنها، ولا أعرف القخر. والبخر: الذي تجد له رائحة منكرة لبشرته، يقال: ~~رجل أبخر، ورجال بخر. حدثنا الجارود قال: حدثنا جرير عن منصور عن أبي علي ~~عن أبي جعفر بن تمام بن العباس عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: (استاكوا، ما لكم تدخلون علي قلحا). # الحادية عشرة - في قص الشارب. وهو الاخذ منه حتى يبدو طرف الشفة وهو ~~الإطار، ولا يجزه فيمثل نفسه، قاله مالك. وذكر ابن عبد الحكم عنه قال: وأرى ~~أن يؤدب من حلق شاربه. وذكر أشهب عنه أنه قال في حلق الشارب: هذه بدع، وأرى ~~أن يوجع ضربا من فعله. وقال ابن خويز منداد قال مالك: أرى أن يوجع من حلقه ~~ضربا. كأنه يراه ممثلا بنفسه، وكذلك بنتفه الشعر، وتقصيره عنده أولى من ~~حلقه. وكذلك روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان ذا لمة، وكان أصحابه ~~من بين وافر الشعر أو مقصر، وإنما حلق وحلقوا في النسك. وروي أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كان يقص أظافره وشاربه قبل أن يخرج إلى الجمعة. وقال ~~الطحاوي: لم نجد عن الشافعي في هذا شيئا منصوصا، وأصحابه الذين رأيناهم: ~~المزني والربيع كانا يحفيان شواربهما، ويدل ms0530 ذلك أنهما أخذا ذلك عن الشافعي ~~رحمه الله تعالى. قال: وأما أبو حنيفة وزفر وأبو يوسف ومحمد فكان مذهبهم في ~~شعر الرأس والشارب أن الاحفاء أفضل من التقصير. وذكر ابن خويز منداد عن ~~الشافعي أن مذهبه في حلق الشارب كمذهب أبي حنيفة سواء. وقال أبو بكر ~~الأثرم: رأيت أحمد بن حنبل يحفي شاربه شديدا، وسمعته سئل عن السنة في إحفاء ~~الشارب فقال: يحفى كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (احفوا الشوارب). قال ~~أبو عمر: إنما في هذا الباب أصلان: PageV02P104 # أحدهما: أحفوا، وهو لفظ محتمل التأويل. والثاني - قص الشارب، وهو مفسر، ~~والمفسر يقضي على المجمل، وهو عمل أهل المدينة، وهو أولى ما قيل به في هذا ~~الباب. روى الترمذي عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقص ~~من شاربه ويقول: (إن إبراهيم خليل الرحمن كان يفعله). قال: هذا حديث حسن ~~غريب. وخرج مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الفطرة ~~خمس الاختتان والاستحداد وقص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط). وفيه عن ~~ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خالفوا المشركين أحفوا ~~الشوارب وأوفوا اللحى (1)). والأعاجم يقصون لحاهم، ويوفرون شواربهم أو ~~يوفرونهما معا، وذلك عكس الجمال والنظافة. ذكر رزين عن نافع أن ابن عمر كان ~~يحفي شاربه حتى ينظر إلى الجلد، ويأخذ هذين، يعني ما بين الشارب واللحية. ~~وفي البخاري: وكان ابن عمر يأخذ من طول لحيته ما زاد على القبضة إذا حج أو ~~اعتمر. وروى الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كان يأخذ من لحيته من عرضها وطولها. قال: هذا حديث غريب. # الثانية عشرة - وأما الإبط فسنته النتف، كما أن سنة العانة الحلق، فلو ~~عكس جاز لحصول النظافة، والأول أولى، لأنه المتيسر المعتاد. # الثالثة عشرة - وفرق الشعر: تفريقه في المفرق (2)، وفي صفته صلى الله ~~عليه وسلم: إن انفرقت عقيصته (3) فرق، يقال: فرقت الشعر أفرقه فرقا، يقول: ~~إن انفرق شعر رأسه ms0531 فرقه في مفرقه، فإن لم ينفرق تركه وفرة (4) واحدة. خرج ~~النسائي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسدل شعره، وكان ~~المشركون يفرقون شعورهم، وكان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشئ، ~~ثم فرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك، أخرجه البخاري ومسلم عن أنس. ~~قال القاضي عياض: سدل الشعر إرساله، والمراد به ها هنا عند العلماء إرساله ~~على الجبين، واتخاذه كالقصة، والفرق في الشعر سنة، لأنه الذي رجع إليه ~~النبي صلى الله عليه وسلم. وقد روي أن عمر بن عبد العزيز كان إذا انصرف من ~~الجمعة # PageV02P105 # أقام على باب المسجد حرسا يجزون ناصية كل من لم يفرق شعره. وقد قيل: إن ~~الفرق كان من سنة إبراهيم عليه السلام، فالله أعلم. # الرابعة عشرة - وأما الشيب فنور ويكره نتفه، ففي النسائي وأبي داود من ~~حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~(لا تنتفوا الشيب ما من مسلم يشيب شيبة في الاسلام إلا كانت له نورا يوم ~~القيامة وكتب الله له حسنة وحط عنه خطيئة). # قلت: وكما يكره نتفه كذلك يكره تغييره بالسواد، فأما تغييره بغير السواد ~~فجائز، لقوله صلى الله عليه وسلم في حق أبي قحافة - وقد جئ به ولحيته ~~كالثغامة (1) بياضا -: (غيروا هذا بشئ واجتنبوا السواد). ولقد أحسن من قال: # يسود أعلاها ويبيض أصلها * ولا خير في الأعلى إذا فسد الأصل وقال آخر: # يا خاضب الشيب بالحناء تستره * سل المليك له سترا من النار الخامسة عشرة ~~- وأما الثريد فهو أزكى الطعام وأكثره بركة، وهو طعام العرب، وقد شهد له ~~النبي صلى الله عليه وسلم بالفضل على سائر الطعام فقال: (فضل عائشة على ~~النساء كفضل الثريد على سائر الطعام). وفي صحيح البستي عن أسماء بنت أبي ~~بكر أنها كانت إذا ثردت غطته شيئا حتى يذهب فوره وتقول: إني سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: (إنه أعظم للبركة). # السادسة عشرة - قلت: وهذا كله ms0532 في معنى ما ذكره عبد الرزاق عن ابن عباس، ~~وما قاله سعيد بن المسيب وغيره. ويأتي ذكر المضمضة والاستنشاق والسواك في ~~سورة " النساء (2) " وحكم الاستنجاء في " براءة (3) " وحكم الضيافة في " ~~هود (4) " إن شاء الله تعالى. # وخرج مسلم عن أنس قال: وقت لنا في قص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط ~~وحلق العانة ألا نترك أكثر من أربعين ليلة، قال علماؤنا: هذا تحديد في أكثر ~~المدة، # PageV02P106 # والمستحب تفقد ذلك من الجمعة إلى الجمعة، وهذا الحديث يرويه جعفر بن ~~سليمان. قال العقيلي: في حديثه نظر. وقال أبو عمر فيه: ليس بحجة، لسوء حفظه ~~وكثرة غلطه. # وهذا الحديث ليس بالقوي من جهة النقل، ولكنه قد قال به قوم، وأكثرهم على ~~ألا توقيت في ذلك، وبالله التوفيق. # السابعة عشرة - قوله تعالى: " إني جاعلك للناس إماما " الامام: القدوة، ~~ومنه قيل لخيط البناء: إمام، وللطريق: إمام، لأنه يؤم فيه للمسالك، أي ~~يقصد. فالمعنى: # جعلناك للناس إماما يأتمون بك في هذه الخصال، ويقتدي بك الصالحون. فجعله ~~الله تعالى إماما لأهل طاعته، فلذلك اجتمعت الأمم على الدعوى فيه - والله ~~أعلم - أنه كان حنيفا. # الثامنة عشرة - قوله تعالى: " ومن ذريتي " دعاء على جهة الرغباء إلى الله ~~تعالى، أي من ذريتي يا رب فاجعل. وقيل: هذا منه على جهة الاستفهام عنهم، أي ~~ومن ذريتي يا رب ماذا يكون؟ فأخبره الله تعالى أن فيهم عاصيا وظالما لا ~~يستحق الإمامة. قال ابن عباس: سأل إبراهيم عليه السلام أن يجعل من ذريته ~~إمام، فأعلمه الله أن في ذريته من يعصي فقال: " لا ينال عهدي الظالمين ". # التاسعة عشرة - قوله تعالى: " ومن ذريتي " أصل ذرية، فعلية من الذر، لان ~~الله تعالى أخرج الخلق من صلب آدم عليه السلام كالذر حين أشهدهم على ~~أنفسهم. وقيل: # هو مأخوذ من ذرأ الله الخلق يذرؤهم ذرءا خلقهم، ومنه الذرية وهي نسل ~~الثقلين، إلا أن العرب تركت همزها، والجمع الذراري. وقرأ زيد بن ثابت " ~~ذرية " بكسر الذال و " ذرية " بفتحها. قال ابن جني أبو الفتح عثمان: يحتمل ~~أصل هذا الحرف أربعة ms0533 ألفاظ: # أحدها - ذرأ، والثاني - ذرر، والثالث - ذرو، والرابع ذري، فأما الهمزة ~~فمن ذرأ الله الخلق، وأما ذرر فمن لفظ الذر ومعناه، وذلك لما ورد في الخبر ~~(أن الخلق كان كالذر) وأما الواو والياء، فمن ذروت الحب وذريته يقالان ~~جميعا، وذلك قوله تعالى: " فأصبح هشيما تدروه الرياح (1) " وهذا للطفه ~~وخفته، وتلك حال لذر أيضا. قال الجوهري: # PageV02P107 # ذرت الريح التراب وغيره تذروه وتذرويه ذروا وذريا أي نسفته، ومنه قولهم: ~~ذرى الناس الحنطة، وأذريت الشئ إذا ألقيته، كإلقائك الحب للزرع. وطعنه ~~فأذراه عن ظهر دابته، أي ألقاه. وقال الخليل: إنما سموا ذرية، لان الله ~~تعالى ذرأها على الأرض كما ذرأ الزارع البذر. وقيل: أهل ذرية، ذرورة، لكن ~~لما كثر التضعيف أبدل من إحدى الراءات ياء، فصارت ذروية، ثم أدغمت الواو في ~~الياء فصارت ذرية. والمراد بالذرية هنا الأبناء خاصة، وقد تطلق على الاباء ~~والأبناء، ومنه قوله تعالى: " وآية لهم أنا حملنا ذريتهم (1) " يعني ~~آباءهم. # الموفية عشرين - قوله تعالى: " لا ينال عهدي الظالمين " اختلف في المراد ~~بالعهد، فروى أبو صالح عن ابن عباس أنه النبوة، وقاله السدي. مجاهد: ~~الإمامة. # قتادة: الايمان. عطاء: الرحمة. الضحاك: دين الله تعالى. وقيل: عهده أمره. ~~ويطلق العهد على الامر، قال الله تعالى: " إن الله عهد إلينا (2) " أي ~~أمرنا. وقال: " ألم أعهد إليكم يا بني آدم " يعني ألم أقدم إليكم الامر به، ~~وإذا كان عهد الله هو أوامره فقوله: # " لا ينال عهدي الظالمين " أي لا يجوز أن يكونوا بمحل من يقبل منهم أوامر ~~الله ولا (3) يقيمون عليها، على ما يأتي بيانه بعد هذا آنفا (4) إن شاء ~~الله تعالى. وروى معمر عن قتادة في قوله تعالى: " لا ينال عهدي الظالمين " ~~قال: لا ينال عهد لله في الآخرة الظالمين، فأما في الدنيا فقد ناله الظالم ~~فآمن به، وأكل وعاش وأبصر. قال الزجاج: وهذا قول حسن، أي لا ينال أماني ~~الظالمين، أي لا أؤمنهم من عذابي. وقال سعيد بن جبير: الظالم هنا المشرك. ~~وقرأ ابن مسعود وطلحة بن مصرف " لا ينال عهدي الظالمون ms0534 " برفع الظالمون. # الباقون بالنصب. وأسكن حمزة وحفص وابن محيصن الياء في " عهدي "، وفتحها ~~الباقون. # الحادية والعشرون - استدل جماعة من العلماء بهذه الآية على أن الامام ~~يكون من أهل العدل والاحسان والفضل مع القوة على القيام بذلك، وهو الذي أمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم ألا ينازعوا الامر أهله، على ما تقدم (5) من ~~القول فيه. فأما أهل الفسوق والجور والظلم # PageV02P108 # فليسوا له بأهل، لقوله تعالى: " لا ينال عهدي الظالمين " ولهذا خرج ابن ~~الزبير والحسين (1) ابن علي رضي الله عنهم. وخرج خيار أهل العراق وعلماؤهم ~~على الحجاج، وأخرج أهل المدينة بني أمية وقاموا عليهم، فكانت الحرة التي ~~أوقعها بهم مسلم بن عقبة (2). # والذي عليه الأكثر من العلماء أن الصبر على طاعة الامام الجائر أولى من ~~الخروج عليه، لان في منازعته والخروج عليه استبدال الامن بالخوف، وإراقة ~~الدماء، وانطلاق أيدي السفهاء، وشن الغارات على المسلمين، والفساد في ~~الأرض. والأول مذهب طائفة من المعتزلة، وهو مذهب الخوارج، فاعلمه. # الثانية والعشرون - قال ابن خويز منداد: وكل من كان ظالما لم يكن نبيا ~~ولا خليفة ولا حاكما ولا مفتيا، ولا إمام صلاة، ولا يقبل عنه ما يرويه عن ~~صاحب الشريعة، ولا تقبل شهادته في الاحكام، غير أنه لا يعزل بفسقه حتى ~~يعزله أهل الحل والعقد. وما تقدم من أحكامه موافقا للصواب ماض غير منقوض. ~~وقد نص مالك على هذا في الخوارج والبغاة أن أحكامهم لا تنقض إذا أصابوا بها ~~وجها من الاجتهاد، ولم يخرقوا الاجماع، أو يخالفوا النصوص. وإنما قلنا ذلك ~~لاجماع الصحابة، وذلك أن الخوارج قد خرجوا في أيامهم ولم ينقل أن الأئمة ~~تتبعوا أحكامهم، ولا نقضوا شيئا منها، ولا أعادوا أخذ الزكاة ولا إقامة ~~الحدود التي أخذوا وأقاموا، فدل على أنهم إذا أصابوا وجه الاجتهاد لم يتعرض ~~لأحكامهم. # الثالثة والعشرون - قال ابن خويز منداد: وأما أخذ الأرزاق من الأئمة ~~الظلمة فلذلك ثلاثة أحوال: إن كان جميع ما في أيديهم مأخوذا على موجب ~~الشريعة فجائز أخذه، وقد أخذت الصحابة والتابعون من يد الحجاج وغيره. وإن ms0535 ~~كان مختلطا حلالا وظلما كما في أيدي # PageV02P109 # الامراء اليوم فالورع تركه، ويجوز للمحتاج أخذه، وهو كلص في يده مال ~~مسروق، ومال جيد حلال وقد وكله فيه رجل فجاء اللص يتصدق به على إنسان فيجوز ~~أن تؤخذ منه الصدقة، وإن كان قد يجوز أن يكون اللص يتصدق ببعض ما سرق، إذا ~~لم يكن شئ معروف بنهب، وكذلك لو باع أو اشترى كان العقد صحيحا لازما - وإن ~~كان الورع التنزه عنه - وذلك أن الأموال لا تحرم بأعيانها وإنما تحرم ~~لجهاتها. وإن كان ما في أيديهم ظلما صراحا فلا يجوز أن يؤخذ من أيديهم. ولو ~~كان ما في أيديهم من المال مغصوبا غير أنه لا يعرف له صاحب ولا مطالب، فهو ~~كما لو وجد في أيدي اللصوص وقطاع الطريق، ويجعل في بيت المال وينتظر طالبه ~~بقدر الاجتهاد، فإذا لم يعرف صرفه الامام في مصالح المسلمين. # قوله تعالى: وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم ~~مصلى وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع ~~السجود (125) قوله تعالى: " وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا " فيه ~~مسألتان: # الأولى - قوله تعالى: " جعلنا " بمعنى صيرنا لتعديه إلى مفعولين، وقد ~~تقدم. " البيت " يعنى الكعبة. " مثابة " أي مرجعا، يقال: ثاب يثوب مثابا ~~ومثابة وثؤوبا وثوبانا. فالمثابة مصدر وصف به ويراد به الموضع الذي يثاب ~~إليه، أي يرجع إليه. قال ورقة بن نوفل في الكعبة (1): # مثابا لافناء القبائل كلها * تخب إليها اليعملات الذوامل وقرأ الأعمش: " ~~مثابات " على الجمع. ويحتمل أن يكون من الثواب، أي يثابون هناك. # وقال مجاهد: لا يقضي أحد منه وطرا، قال الشاعر: # جعل البيت مثابا لهم * ليس منه الدهر يقضون الوطر والأصل مثوبة، قلبت ~~حركة الواو على الثاء فقلبت الواو ألفا اتباعا لثاب يثوب، وانتصب على ~~المفعول الثاني، ودخلت الهاء للمبالغة لكثرة من يثوب أي يرجع، لأنه قل ما ~~يفارق أحد البيت إلا وهو يرى أنه لم يقض منه وطرا، فهي كنسابة وعلامة، قاله ~~الأخفش. وقال غيره: # هي هاء تأنيث المصدر وليست للمبالغة. ms0536 # PageV02P110 # فإن قيل: ليس كل من جاءه يعود إليه، قيل: ليس يختص بمن ورد عليه، وإنما ~~المعنى أنه لا يخلو من الجملة، ولا يعدم قاصدا من الناس، والله تعالى أعلم. # الثانية - قوله تعالى: " وأمنا " استدل به أبو حنيفة وجماعة من فقهاء ~~الأمصار على ترك إقامة الحد في الحرم على المحصن والسارق إذا لجأ إليه، ~~وعضدوا ذلك بقوله تعالى: # " ومن دخله كان آمنا " كأنه قال: آمنوا من دخل البيت. والصحيح إقامة ~~الحدود في الحرم، وأن ذلك من المنسوخ، لان الاتفاق حاصل أنه لا يقتل في ~~البيت، ويقتل خارج البيت. وإنما الخلاف هل يقتل في الحرم أم لا؟ والحرم لا ~~يقع عليه اسم البيت حقيقة. وقد أجمعوا أنه لو قتل في الحرم قتل به، ولو أتى ~~حدا أقيد منه فيه، ولو حارب فيه حورب وقتل مكانه. وقال أبو حنيفة: من لجأ ~~إلى الحرم لا يقتل فيه ولا يتابع، ولا يزال يضيق عليه حتى يموت أو يخرج. ~~فنحن نقتله بالسيف، وهو يقتله بالجوع والصد، فأي قتل أشد من هذا. وفي قوله: ~~" وأمنا " تأكيد للامر باستقبال الكعبة، أي ليس في بيت المقدس هذه الفضيلة، ~~ولا يحج إليه الناس، ومن استعاذ بالحرم أمن من أن يغار عليه. وسيأتي بيان ~~هذا في " المائدة (1) " إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى " فيه ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " واتخذوا " قرأ نافع وابن عامر بفتح الخاء على جهة ~~الخبر عمن اتخذه من متبعي إبراهيم، وهو معطوف على " جعلنا " أي جعلنا البيت ~~مثابة واتخذوه مصلى. وقيل هو معطوف على تقدير إذ، كأنه قال: وإذ جعلنا ~~البيت مثابة وإذ اتخذوا، فعلى الأول الكلام جملة واحدة، وعلى الثاني ~~جملتان. وقرأ جمهور القراء " واتخذوا " بكسر الخاء على جهة الامر، قطعوه من ~~الأول وجعلوه معطوفا جملة على جملة. قال المهدوي: # يجوز أن يكون معطوفا على " اذكروا نعمتي " كأنه قال ذلك لليهود، أو على ~~معنى إذ جعلنا البيت، لان معناه اذكروا إذ جعلنا. أو على معنى قوله: " ~~مثابة " لان معناه ثوبوا. # PageV02P111 # الثانية ms0537 - روى ابن عمر قال: قال عمر: وافقت ربي في ثلاث: في مقام ~~إبراهيم، وفي الحجاب، وفي أسارى بدر. خرجه مسلم وغيره. وخرجه البخاري عن ~~أنس قال: قال عمر: وافقت الله في ثلاث، أو وافقني ربي في ثلاث... الحديث، ~~وأخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده فقال: حدثنا حماد بن سلمة حدثنا علي بن ~~زيد عن أنس بن مالك قال قال عمر: وافقت ربي في أربع، قلت يا رسول الله: لو ~~صليت خلف المقام؟ فنزلت هذه الآية: " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى " وقلت: ~~يا رسول الله، لو ضربت على نسائك الحجاب فإنه يدخل عليهن البر والفاجر؟ ~~فأنزل الله: " وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب (1) "، ونزلت هذه ~~الآية: " ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين (2) "، فلما نزلت قلت أنا: ~~تبارك الله أحسن الخالقين، فنزلت: " فتبارك الله أحسن الخالقين (2) "، ~~ودخلت على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: لتنتهن أو ليبدلنه الله ~~بأزواج خير منكن، فنزلت الآية: " عسى ربه إن طلقكن (3) ". # قلت: ليس في هذه الرواية ذكر للأسارى، فتكون موافقة عمر في خمس. # الثالثة - قوله تعالى: " من مقام " المقام في اللغة: موضع القدمين. قال ~~النحاس: # " مقام " من قام يقوم، يكون مصدرا واسما للموضع. ومقام من أقام، فأما قول ~~زهير: # وفيهم مقامات حسان وجوههم (4) * وأندية ينتابها القول والفعل فمعناه: ~~فيهم أهل مقامات. واختلف في تعيين المقام على أقوال، أصحها - أنه الحجر ~~الذي تعرفه الناس اليوم الذي يصلون عنده ركعتي طواف القدوم. وهذا قول جابر ~~بن عبد الله وابن عباس وقتادة وغيرهم. وفي صحيح مسلم من حديث جابر الطويل ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى البيت استلم الركن فرمل ثلاثا، ومشى ~~أربعا، ثم تقدم (5) إلى مقام إبراهيم فقرأ: # " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى " فصلى ركعتين قرأ فيهما ب‍ " قل هو الله ~~أحد " و " قل يا أيها الكافرون ". وهذا يدل على أن ركعتي الطواف وغيرهما من ~~الصلوات # PageV02P112 # [لأهل مكة (1) أفضل و] يدل من وجه على أن الطواف للغرباء أفضل، على ما ~~يأتي. # وفي البخاري: ms0538 أنه الحجر الذي ارتفع عليه إبراهيم حين ضعف عن رفع الحجارة ~~التي كان إسماعيل يناولها إياه في بناء البيت، وغرقت قدماه فيه. قال أنس: ~~رأيت في المقام أثر أصابعه وعقبه وأخمص قدميه، غير أنه أذهبه مسح الناس ~~بأيديهم، حكاه القشيري. وقال السدي: # المقام الحجر الذي وضعته زوجة إسماعيل تحت قدم إبراهيم عليه السلام حين ~~غسلت رأسه. # وعن ابن عباس أيضا ومجاهد وعكرمة (2) وعطاء: الحج كله. وعن عطاء: عرفة ~~ومزدلفة والجمار، وقاله الشعبي. النخعي: الحرم كله مقام إبراهيم، وقاله ~~مجاهد. # فلت: والصحيح في المقام القول الأول، حسب ما ثبت في الصحيح. وخرج أبو ~~نعيم من حديث محمد بن سوقة عن محمد بن المنكدر عن جابر قال: نظر النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلى رجل بين الركن والمقام، أو الباب والمقام وهو يدعو ~~ويقول: اللهم اغفر لفلان، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (ما هذا)؟ ~~فقال: رجل استودعني أن أدعو له في هذا المقام، فقال: (ارجع فقد غفر ~~لصاحبك). قال أبو نعيم: حدثناه أحمد بن محمد بن أحمد ابن إبراهيم القاضي ~~قال حدثنا محمد بن عاصم بن يحيى الكاتب قال حدثنا عبد الرحمن بن القاسم ~~القطان الكوفي قال حدثنا الحارث بن عمران الجعفري عن محمد بن سوقة، فذكره. # قال أبو نعيم: كذا رواه عبد الرحمن عن الحارث عن محمد عن جابر، وإنما ~~يعرف من حديث الحارث عن محمد عن عكرمة عن ابن عباس. ومعنى " مصلى ". مدعى ~~يدعي فيه، قاله مجاهد. # وقيل: موضع صلاة يصلى عنده، قاله قتادة. وقيل: قبلة يقف الامام عندها، ~~قاله الحسن. # قوله تعالى: " وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين ~~والعاكفين والركع السجود " فيه ست مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " وعهدنا " قيل: معناه أمرنا. وقيل: أوحينا. " أن ~~طهرا " " أن " في موضع نصب على تقدير حذف الخافض. وقال سيبويه: إنها بمعنى ~~أي # PageV02P113 # مفسرة، فلا موضع لها من الاعراب. وقال الكوفيون: تكون بمعنى القول. و " ~~طهرا " قيل معناه: من الأوثان، عن مجاهد والزهري. وقال عبيد بن عمير وسعيد ~~بن جبير: ms0539 من الآفات والريب. وقيل: من الكفار. وقال السدي: أبنياه وأسساه ~~على طهارة ونية طهارة، فيجئ مثل قوله: " أسس على التقوى (1) ". وقال يمان: ~~بخراه وخلقاه. " بيتي " أضاف البيت إلى نفسه إضافة تشريف وتكريم، وهي إضافة ~~مخلوق إلى خالق، ومملوك إلى مالك. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق وأهل المدينة ~~وهشام وحفص: " بيتي " بفتح الياء، والآخرون بإسكانها. # الثانية - قوله تعالى: " للطائفين " ظاهره الذين يطفون به، وهو قول عطاء. # وقال سعيد بن جبير: معناه للغرباء الطارئين على مكة، وفيه بعد. # " وللعاكفين " المقيمين من بلدي وغريب، عن عطاء. وكذلك قوله: " للطائفين ~~". والعكوف في اللغة: اللزوم والاقبال على الشئ، كما قال الشاعر (2): # عكف النبيط يلعبون الفنزجا (3) وقال مجاهد: العاكفون المجاورون. ابن ~~عباس: المصلون. وقيل: الجالسون بغير طواف، والمعنى متقارب. # " والركع السجود " أي المصلون عند الكعبة. وخص الركوع والسجود بالذكر ~~لأنهما أقرب أحوال المصلي إلى الله تعالى. وقد تقدم (4) معنى الركوع ~~والسجود لغة والحمد لله. # الثالثة - لما قال الله تعالى " أن طهرا بيتي " دخل فيه بالمعنى جميع ~~بيوته تعالى، فيكون حكمها حكمه في التطهير والنظافة. وإنما خص الكعبة ~~بالذكر لأنه لم يكن هناك غيرها، أو لكونها أعظم حرمة، والأول أظهر، والله ~~أعلم. وفي التنزيل " في بيوت أذن الله أن ترفع (5) " وهناك يأتي حكم ~~المساجد إن شاء الله تعالى. وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه # PageV02P114 # سمع صوت رجل في المسجد فقال: ما هذا! أتدري أين أنت!؟ وقال حذيفة قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله أوحى إلي يا أخا المنذرين يا أخا ~~المرسلين أنذر قومك ألا يدخلوا بيتا من بيوتي إلا بقلوب سليمة وألسنة صادقة ~~وأيد نقية وفروج طاهرة وألا يدخلوا بيتا من بيوتي ما دام لاحد عندهم مظلمة ~~فإني ألعنه ما دام قائما بين يدي حتى يرد تلك الظلامة إلى أهلها فأكون سمعه ~~الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويكون من أوليائي وأصفيائي ويكون جاري مع ~~النبيين والصديقين والشهداء والصالحين). # الرابعة - استدل الشافعي وأبو حنيفة والثوري وجماعة من السلف بهذه الآية ~~على ms0540 جواز الصلاة الفرض والنفل داخل البيت. قال الشافعي رحمه الله: إن صلى ~~في جوفها مستقبلا حائطا من حيطانها فصلاته جائزة، وإن صلى نحو الباب والباب ~~مفتوح فصلاته باطلة، وكذلك من صلى على ظهرها، لأنه لم يستقبل منها شيئا. ~~وقال مالك: لا يصلي فيه الفرض ولا السنن، ويصلي فيه التطوع، غير أنه إن صلى ~~فيه الفرض أعاد في الوقت. # وقال أصبغ: يعيد أبدا. # قلت: وهو الصحيح، لما رواه مسلم عن ابن عباس قال: أخبرني أسامة بن زيد أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل البيت دعا في نواحيه كلها ولم يصل فيه ~~حتى خرج منه، فلما خرج ركع في قبل الكعبة ركعتين وقال: (هذه القبلة) وهذا ~~نص. # فإن قيل: فقد روى البخاري عن ابن عمر قال: دخل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم هو وأسامة بن زيد وبلال وعثمان بن طلحة الحجبي البيت فأغلقوا عليهم ~~الباب. فلما فتحوا كنت أول من ولج فلقيت بلالا فسألته: هل صلى فيه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم؟ # قال، نعم بين العمودين اليمانيين. وأخرجه مسلم، وفيه قال: جعل عمودين عن ~~يساره وعمودا عن يمينه وثلاثة أعمدة وراءه، وكان البيت يومئذ على ستة ~~أعمدة. قلنا: هذا يحتمل أن يكون صلى بمعنى دعا، كما قال أسامة، ويحتمل أن ~~يكون صلى الصلاة العرفية، وإذا احتمل هذا وهذا سقط الاحتجاج به. ~~PageV02P115 # فإن قيل: فقد روى ابن المنذر وغيره عن أسامة قال: رأى النبي صلى الله ~~عليه وسلم صورا في الكعبة فكنت آتية بماء في الدلو يضرب به تلك الصور. ~~وخرجه أبو داود الطيالسي قال: حدثنا ابن أبي ذئب عن عبد الرحمن بن مهران ~~قال حدثنا عمير مولى ابن عباس عن أسامة بن زيد قال: دخلت على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في الكعبة ورأى صورا قال: # فدعا بدلو من ماء فأتيته به فجعل يمحوها ويقول: (قاتل الله قوما يصورون ~~ما لا يخلقون). # فيحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم صلى في حالة مضي أسامة في طلب ms0541 ~~الماء فشاهد بلال ما لم يشاهده أسامة، فكان من أثبت أولى ممن نفى، وقد قال ~~أسامة نفسه: فأخذ الناس بقول بلال وتركوا قولي. وقد روى مجاهد عن عبد الله ~~بن صفوان قال: قلت لعمر بن الخطاب: كيف صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حين دخل الكعبة؟ قال: صلى ركعتين. # قلنا: هذا محمول على النافلة، ولا نعلم خلافا بين العلماء في صحة النافلة ~~في الكعبة، وأما الفرض فلا، لان الله تعالى عين الجهة بقوله تعالى: " فولوا ~~وجوهكم شطره " على ما يأتي بيانه (1)، وقوله صلى الله عليه وسلم لما خرج: ~~(هذه القبلة) فعينها كما عينها الله تعالى. # ولو كان الفرض يصح داخلها لما قال: (هذه القبلة). وبهذا يصح الجمع بين ~~الأحاديث، وهو أولى من إسقاط بعضها، فلا تعارض، والحمد لله. # الخامسة - واختلفوا أيضا في الصلاة على ظهرها، فقال الشافعي ما ذكرناه. ~~وقال مالك: من صلى على ظهر الكعبة أعاد في الوقت. وقد روي عن بعض أصحاب ~~مالك: # يعيدا أبدا. وقال أبو حنيفة: من صلى على ظهر الكعبة فلا شئ عليه. # السادسة - واختلفوا أيضا أيما أفضل الصلاة عند البيت أو الطواف به؟ فقال ~~مالك: الطواف لأهل الأمصار أفضل، والصلاة لأهل مكة أفضل. وذكر عن ابن عباس ~~وعطاء ومجاهد. والجمهور على أن الصلاة أفضل. وفي الخبر: (لولا رجال خشع ~~وشيوخ ركع وأطفال رضع وبهائم رتع لصببنا عليكم العذاب صبا). وذكر أبو بكر ~~أحمد بن علي بن ثابت الخطيب في كتاب (السابق واللاحق) عن عبد الله بن مسعود ~~قال: قال رسول الله صلى الله # PageV02P116 # عليه وسلم: (لولا فيكم رجال خشع وبهائم رتع وصبيان رضع لصب العذاب على ~~المذنبين صبا). لم يذكر فيه " وشيوخ ركع ". وفي حديث أبي ذر (الصلاة خير ~~موضوع فاستكثر أو استقل). خرجه الاجري. والاخبار في فضل الصلاة والسجود ~~كثيرة تشهد لقول الجمهور، والله تعالى أعلم. # قوله تعالى: وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا أمنا وارزق أهله من ~~الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم ms0542 أضطره ~~إلى عذاب النار وبئس المصير (126). # وفيه ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " بلدا آمنا " يعني مكة، فدعا لذريته وغيرهم بالأمن ~~ورغد العيش. فروي أنه لما دعا بهذا الدعاء أمر الله تعالى جبريل فاقتلع ~~الطائف من الشام فطاف بها حول البيت أسبوعا، فسميت الطائف لذلك، ثم أنزلها ~~تهامة، وكانت مكة وما يليها حين ذلك قفرا لا ماء ولا نبات، فبارك الله فيما ~~حولها كالطائف وغيرها، وأنبت فيها أنواع الثمرات، على ما يأتي بيانه في ~~سورة " إبراهيم (1) " إن شاء الله تعالى. # الثانية - اختلف العلماء في مكة هل صارت حراما آمنا بسؤال إبراهيم أو ~~كانت قبله كذلك على قولين: # أحدهما - أنها لم تزل حرما من الجبابرة المسلطين، ومن الخسوف والزلازل، ~~وسائر المثلات التي تحل بالبلاد، وجعل في النفوس المتمردة من تعظيمها ~~والهيبة لها ما صار به أهلها متميزين بالأمن من غيرهم من أهل القرى. ولقد ~~جعل فيها سبحانه من العلامة العظيمة على توحيده ما شوهد من أمر الصيد فيها، ~~فيجتمع فيها الكلب والصيد فلا يهيج الكلب الصيد ولا ينفر منه، حتى إذا خرجا ~~من الحرم عدا الكلب عليه وعاد إلى النفور والهرب. # وإنما سأل إبراهيم ربه أن يجعلها آمنا من القحط والجدب والغارات، وأن ~~يرزق أهله من الثمرات، لا على ما ظنه بعض الناس أنه المنع من سفك الدم في ~~حق من لزمه القتل، # PageV02P117 # فإن ذلك يبعد كونه مقصودا لإبراهيم صلى الله عليه وسلم حتى يقال: طلب من ~~الله أن يكون في شرعه تحريم قتل من التجأ إلى الحرم، هذا بعيد جدا. # الثاني - أن مكة كانت حلالا قبل دعوة إبراهيم عليه السلام كسائر البلاد، ~~وأن بدعوته صارت حرما آمنا كما صارت المدينة بتحريم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أمنا بعد أن كانت حلالا. احتج أهل المقالة الأولى بحديث ابن عباس ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة (إن هذا البلد حرمه الله ~~تعالى يوم خلق السماوات والأرض فهو حرام بحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة ~~وإنه لم يحل ms0543 القتال فيه لاحد قبلي ولم يحل لي إلا ساعة من نهار فهو حرام ~~بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يعضد (1) شوكه ولا ينفر صيده ولا تلتقط ~~لقطته إلا من عرفها ولا يختلي خلاها (2)) فقال العباس: يا رسول الله إلا ~~الإذخر (3) فإنه لقينهم ولبيوتهم، فقال: (إلا الإذخر). ونحوه حديث أبي ~~شريح، أخرجهما مسلم وغيره. # وفي صحيح مسلم أيضا عن عبد الله بن زيد بن عاصم أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: (إن إبراهيم حرم مكة ودعا لأهلها وإني حرمت المدينة كما حرم ~~إبراهيم مكة وإني دعوت في صاعها ومدها بمثلي ما دعا به إبراهيم لأهل مكة). ~~قال ابن عطية: " ولا تعارض بين الحديثين، لان الأول إخبار بسابق علم الله ~~فيها وقضائه، وكون الحرمة مدة آدم وأوقات عمارة القطر بإيمان. والثاني ~~إخبار بتجديد إبراهيم لحرمتها وإظهاره ذلك بعد الدثور، وكان القول الأول من ~~النبي صلى الله عليه وسلم ثاني يوم الفتح إخبارا بتعظيم حرمة مكة على ~~المؤمنين بإسناد التحريم إلى الله تعالى، وذكر إبراهيم عند تحريم المدينة ~~مثالا لنفسه، ولا محالة أن تحريم المدينة هو أيضا من قبل الله تعالى ومن ~~نافذ قضائه وسابق علمه ". وقال الطبري: كانت مكة حراما فلم يتعبد الله ~~الخلق بذلك حتى سأله إبراهيم فحرمها. # PageV02P118 # الثالثة - قوله تعالى: " وارزق أهله من الثمرات من آمن " تقدم معنى الرزق ~~(1). # والثمرات جمع ثمرة، وقد تقدم (2). " من آمن " بدل من أهل، بدل البعض من ~~الكل. # والايمان: التصديق، وقد تقدم (3). " قال ومن كفر " " من " في قوله " ومن ~~كفر " في موضع نصب، والتقدير وارزق من كفر، ويجوز أن يكون في موضع رفع ~~بالابتداء، وهي شرط والخبر " فأمتعه " وهو الجواب. # واختلف هل هذا القول من الله تعالى أو من إبراهيم عليه السلام؟ فقال أبي ~~بن كعب وابن إسحاق وغيرهما: هو من الله تعالى، وقرءوا " فأمتعه " بضم ~~الهمزة وفتح الميم وتشديد التاء. # " ثم أضطره " بقطع الألف وضم الراء، وكذلك القراء السبعة خلا ابن عامر ~~فإنه سكن الميم وخفف التاء. وحكى أبو إسحاق الزجاج أن ms0544 في قراءة أبي " ~~فنمتعه قليلا ثم نضطره " بالنون. وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة: هذا القول ~~عن إبراهيم عليه السلام. وقرأوا " فأمتعه " بفتح الهمزة وسكون الميم، " ثم ~~اضطره " بوصل الألف وفتح الراء، فكأن إبراهيم عليه السلام دعا للمؤمنين ~~وعلى الكافرين، وعليه فيكون الضمير في " قال " لإبراهيم، وأعيد " قال " ~~لطول الكلام، أو لخروجه من الدعاء لقوم إلى الدعاء على آخرين. والفاعل في " ~~قال " على قراءة الجماعة اسم الله تعالى، واختاره النحاس، وجعل القراءة ~~بفتح الهمزة وسكون الميم ووصل الألف شاذة، قال: ونسق الكلام والتفسير جميعا ~~يدلان على غيرها، أما نسق الكلام فإن الله تعالى خبر عن إبراهيم عليه ~~السلام أنه قال: " رب اجعل هذا بلدا آمنا " ثم جاء بقوله عز وجل: " وارزق ~~أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر " ولم يفصل بينه بقال، ثم ~~قال بعد: " قال ومن كفر " فكان هذا جوابا من الله، ولم يقل بعد: قال ~~إبراهيم. وأما التفسير فقد صح عن ابن عباس وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب. ~~وهذا لفظ ابن عباس: دعا إبراهيم عليه السلام لمن آمن دون الناس خاصة، فأعلم ~~الله عز وجل أنه يرزق من كفر كما يرزق من آمن، وأنه يمتعه قليلا ثم يضطره ~~إلى عذاب # PageV02P119 # النار. قال أبو جعفر: وقال الله عز وجل: " كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ~~ربك (1) " وقال جل ثناؤه: " وأمم سنمتعهم (2) ". قال أبو إسحاق: إنما علم ~~إبراهيم عليه السلام أن في ذريته كفارا فخص المؤمنين، لان الله تعالى قال: ~~" لا ينال عهدي الظالمين ". # قوله تعالى: وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا ~~إنك أنت السميع العليم (127). # قوله تعالى: (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل " القواعد: ~~أساسه، في قول أبي عبيدة والفراء. وقال الكسائي: هي الجدر. والمعروف أنها ~~الأساس. # وفي الحديث: (إن البيت لما هدم أخرجت منه حجارة عظام) فقال ابن الزبير: ~~هذه القواعد التي رفعها إبراهيم عليه السلام. وقيل: إن القواعد كانت قد ~~اندرست فأطلع الله إبراهيم عليها. ابن عباس: وضع البيت على ms0545 أركان رآها قبل ~~أن تخلق الدنيا بألفي عام ثم دحيت الأرض من تحته. والقواعد واحدتها قاعدة. ~~والقواعد من النساء واحدها قاعد. # واختلف الناس فيمن بنى البيت أولا وأسسه، فقيل: الملائكة. روي عن جعفر بن ~~محمد قال: سئل أبي وأنا حاضر عن بدء خلق البيت فقال: إن الله عز وجل لما ~~قال: # " إني جاعل في الأرض خليفة " قالت الملائكة: " أتجعل فيها من يفسد فيها ~~ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك " فغضب عليهم، فعاذوا بعرشه وطافوا ~~حوله سبعة أشواط يسترضون ربهم حتى رضي الله عنهم، وقال لهم: ابنوا لي بيتا ~~في الأرض يتعوذ به من سخطت عليه من بني آدم، ويطوف حوله كما طفتم حول عرشي، ~~فأرضي عنه كما رضيت عنكم، فبنوا هذا البيت. # وذكر عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء وابن المسيب وغيرهما أن الله عز وجل ~~أوحى إلى آدم: إذا هبطت ابن لي بيتا ثم احفف به كما رأيت الملائكة تحف ~~بعرشي الذي # PageV02P120 # في السماء. قال عطاء: فزعم الناس أنه بناه من خمسة أجبل: من حراء، ومن ~~طور سينا، ومن لبنان، ومن الجودي، ومن طورزيتا، وكان ربضه (1) من حراء. قال ~~الخليل: والربض ها هنا الأساس المستدير بالبيت من الصخر، ومنه يقال لما حول ~~المدينة: ربض. وذكر الماوردي عن عطاء عن ابن عباس قال: لما أهبط آدم من ~~الجنة إلى الأرض قال له: # يا آدم، اذهب فابن لي بيتا وطف به واذكرني عنده كما رأيت الملائكة تصنع ~~حول عرشي، فأقبل آدم يتخطى وطويت له الأرض، وقبضت له المفازة، فلا يقع قدمه ~~على شئ من الأرض إلا صار عمرانا حتى انتهى إلى موضع البيت الحرام، وأن ~~جبريل عليه السلام ضرب بجناحيه الأرض فأبرز عن أس ثابت على الأرض السابعة ~~السفلى، وقذفت إليه الملائكة بالصخر، فما يطيق الصخرة منها ثلاثون رجلا، ~~وأنه بناه من خمسة أجبل كما ذكرنا. وقد روي في بعض الاخبار: أنه أهبط لآدم ~~عليه السلام خيمة من خيام الجنة، فضربت في موضع الكعبة ليسكن إليها ويطوف ~~حولها، فلم ms0546 تزل باقية حتى قبض الله عز وجل آدم ثم رفعت. وهذا من طريق وهب ~~بن منبه. وفي رواية: أنه أهبط معه بيت فكان يطوف به والمؤمنون من ولده كذلك ~~إلى زمان الغرق، ثم رفعه الله فصار في السماء، وهو الذي يدعي البيت ~~المعمور. روي هذا عن قتادة ذكره الحليمي في كتاب " منهاج الدين " له، وقال: ~~يجوز أن يكون معنى ما قال قتادة من أنه أهبط مع آدم بيت، أي أهبط معه مقدار ~~البيت المعمور طولا وعرضا وسمكا، ثم قيل له: ابن بقدره، وتحري (2) أن يكون ~~بحياله، فكان حياله موضع الكعبة، فبناها فيه. وأما الخيمة فقد يجوز أن تكون ~~أنزلت وضربت في موضع الكعبة، فلما أمر ببنائها فبناها كانت حول الكعبة ~~طمأنينة لقلب آدم صلى الله عليه وسلم ما عاش ثم رفعت، فتتفق هذه الأخبار. ~~فهذا بناء آدم عليه السلام، ثم بناه إبراهيم عليه السلام. قال ابن جريح ~~وقال ناس: أرسل الله سحابة فيها رأس، فقال الرأس: # يا إبراهيم، إن ربك يأمرك أن تأخذ بقدر هذه السحابة، فجعل ينظر إليها ~~ويخط قدرها، ثم قال الرأس: إنه قد فعلت، فحفر فأبرز عن أساس ثابت في الأرض. ~~وروي عن علي بن # PageV02P121 # أبي طالب رضي الله عنه: أن الله تعالى لما أمر إبراهيم بعمارة البيت خرج ~~من الشام ومعه ابنه إسماعيل وأمه هاجر، وبعث معه السكينة (1) لها لسان ~~تتكلم به يغدو معها إبراهيم إذا غدت، ويروح معها إذا راحت، حتى انتهت به ~~إلى مكة، فقالت لإبراهيم: ابن علي موضعي (2) الأساس، فرفع البيت هو ~~وإسماعيل حتى انتهى إلى موضع الركن، فقال لابنه: يا بني، ابغني حجرا أجعله ~~علما للناس، فجاءه بحجر فلم يرضه، وقال: ابغني غيره، فذهب يلتمس، فجاءه وقد ~~أتى بالركن فوضعه موضعه، فقال: يا أبة، من جاءك بهذا الحجر؟ فقال: من لم ~~يكلني إليك. ابن عباس: صالح أبو قبيس (2): يا إبراهيم، يا خليل الرحمن، إن ~~لك عندي وديعة فخذها، فإذا هو بحجر أبيض من ياقوت الجنة كان آدم قد نزل به ~~من الجنة، ms0547 فلما رفع إبراهيم وإسماعيل القواعد من البيت جاءت سحابة مربعة ~~فيها رأس فنادت: أن ارفعا على تربيعي. فهذا بناء إبراهيم عليه السلام. وروي ~~أن إبراهيم وإسماعيل لما فرغا من بناء البيت أعطاهما الله الخيل جزاء عن ~~رفع قواعد البيت. روى الترمذي الحكيم حدثنا عمر بن أبي عمر حدثني نعيم بن ~~حماد حدثنا عبد الوهاب بن همام أخو عبد الرزاق عن ابن جريج عن ابن أبي ~~مليكة عن ابن عباس قال: كانت الخبيل وحشا كسائر الوحش، فلما أذن الله ~~لإبراهيم وإسماعيل برفع القواعد قال الله تبارك اسمه: (إني معطيكما كنزا ~~ادخرته لكما) ثم أوحى إلى إسماعيل أن اخرج إلى أجياد فادع يأتك الكنز. فخرج ~~إلى أجياد - وكانت وطنا - ولا يدري ما الدعاء ولا الكنز، فألهمه، فلم يبق ~~على وجه الأرض فرس بأرض العرب إلا جاءته فأمكنته من نواصيها وذللها له، ~~فاركبوها واعلفوها فإنها ميامين، وهي ميراث أبيكم إسماعيل، فإنما سمي (3) ~~الفرس عربيا لان إسماعيل أمر بالدعاء وإياه أتى. # وروى عبد المنعم بن إدريس عن وهب بن منبه، قال: أول من بنى البيت بالطين ~~والحجارة شيث عليه السلام. وأما بنيان قريش له فمشهور، وخبر الحية في ذلك ~~مذكور، وكانت تمنعهم من هدمه إلى أن اجتمعت قريش عند المقام فعجوا إلى الله ~~تعالى وقالوا: ربنا، لم ترع! # أردنا تشريف بيتك وتزيينه، فإن كنت ترضى بذلك وإلا فما بدا لك فافعل، ~~فسمعوا # PageV02P122 # خواتا من السماء - والخوات: حفيف جناح الطير الضخم - فإذا هو بطائر أعظم ~~من النسر، أسود الظهر أبيض البطن والرجلين، فغرز مخاليبه في قفا الحية، ثم ~~انطلق بها تجر ذنبها أعظم من كذا وكذا حتى انطلق بها نحو أجياد، فهدمتها ~~قريش وجعلوا يبنونها بحجارة الوادي تحملها قريش على رقابها، فرفعوها في ~~السماء عشرين ذراعا، فبينا النبي صلى الله عليه وسلم يحمل حجارة من أجياد ~~وعليه نمرة (1) فضاقت عليه النمرة فذهب يرفع النمرة على عاتقه، فترى عورته ~~من صغر النمرة، فنودي: يا محمد، خمر عورتك، فلم ير عريانا بعد. وكان بين ~~بنيان الكعبة وبين ms0548 ما أنزل عليه خمس سنين، وبين مخرجه وبنائها خمس عشرة ~~سنة. # ذكره عبد الرزاق عن معمر عن عبد الله بن عثمان عن أبي الطفيل. وذكر عن ~~معمر عن الزهري: حتى إذا بنوها وبلغوا موضع الركن اختصمت قريش في الركن، أي ~~القبائل تلي رفعه؟ حتى شجر بينهم، فقالوا: تعالوا نحكم أول من يطلع علينا ~~من هذه السكة، فاصطلحوا على ذلك، فأطلع عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وهو غلام عليه وشاح نمرة، فحكموه فأمر بالركن فوضع في ثوب، ثم أمر سيد كل ~~قبيلة فأعطاه ناحية من الثوب، ثم ارتقى هو فرفعوا إليه الركن، فكان هو يضعه ~~صلى الله عليه وسلم. # قال ابن إسحاق: وحدثت أن قريشا وجدوا في الركن كتابا بالسريانية فلم يدر ~~ما هو، حتى قرأه لهم رجل من يهود، فإذا فيه: " أنا الله ذو بكة خلقتها يوم ~~خلقت السماوات والأرض وصورت الشمس والقمر، وحففتها بسبعة أملاك حنفاء لا ~~تزول حتى يزول أخشباها (2)، مبارك لأهلها في الماء واللبن ". وعن أبي جعفر ~~محمد بن علي قال: كان باب الكعبة على عهد العماليق وجرهم وإبراهيم عليه ~~السلام بالأرض حتى بنته قريش. خرج مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: سألت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجدر (3) أمن البيت هو؟ قال : (نعم) قلت: ~~فلم لم يدخلوه [في البيت (4)]؟ قال: (إن قومك قصرت بهم النفقة). قلت: # PageV02P123 # فما شأن بابه مرتفعا؟ قال: (فعل ذلك قومك ليدخلوا من شاءوا ويمنعوا من ~~شاءوا ولولا أن قومك حديث عهدهم في الجاهلية فأخاف أن تنكر قلوبهم لنظرت أن ~~أدخل الجدر في البيت وأن ألزق بابه بالأرض). وخرج عن عبد الله بن الزبير ~~رضي الله عنه قال: # حدثتني خالتي (يعني عائشة) رضي الله عنها قالت قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: (يا عائشة لولا أن قومك حديثو عهد بشرك لهدمت الكعبة فألزقتها بالأرض ~~وجعلت لها بابين بابا شرقيا وبابا غربيا وزدت فيها ستة أذرع من الحجر فإن ~~قريشا اقتصرتها حيث بنت الكعبة). # وعن عروة عن [أبيه عن ms0549 (1)] عائشة قالت قال لي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: (لولا حداثة [عهد (1)] قومك بالكفر لنقضت الكعبة ولجعلتها على أساس ~~إبراهيم فإن قريشا حين بنت الكعبة استقصرت ولجعلت لها خلفا). وفي البخاري ~~قال هشام بن عروة: يعني بابا. # وفي البخاري أيضا: (لجعلت لها خلفين) يعني بابين، فهذا بناء قريش. ثم لما ~~غزا أهل الشام عبد الله بن الزبير ووهت الكعبة من حريقهم، هدمها ابن الزبير ~~وبناها على ما أخبرته عائشة، وزاد فيه خمسة أذرع من الحجر، حتى أبدى أسا ~~نظر الناس إليه، فبنى عليه البناء، وكان طول الكعبة ثماني عشرة ذراعا، فلما ~~زاد فيه استقصره، فزاد في طوله عشرة أذرع، وجعل لها بابين أحدهما يدخل منه، ~~والاخر يخرج منه، كذا في صحيح مسلم، وألفاظ الحديث تختلف. وذكر سفيان عن ~~داود بن شابور عن مجاهد قال: لما أراد ابن الزبير أن يهدم الكعبة ويبنيه ~~(2) قال للناس: اهدموا، قال: فأبوا أن يهدموا وخافوا أن ينزل عليهم العذاب. # قال مجاهد: فخرجنا إلى مني فأقمنا بها ثلاثا ننتظر العذاب. قال: وارتقى ~~ابن الزبير على جدار الكعبة هو بنفسه، فلما رأوا أنه لم يصبه شئ اجترأوا ~~على ذلك، قال: فهدموا. فلما بناها جعل لها بابين: بابا يدخلون منه، وبابا ~~يخرجون منه، وزاد فيه مما يلي الحجر ستة أذرع، وزاد في طولها تسعة أذرع. ~~قال مسلم في حديثه: فلما قتل ابن الزبير كتب الحجاج إلى عبد الملك ابن ~~مروان يخبره بذلك، ويخبره أن ابن الزبير قد وضع البناء على أس نظر إليه ~~العدول من أهل # PageV02P124 # مكة، فكتب إليه عبد الملك: إنا لسنا من تلطيخ ابن الزبير في شئ (1)، أما ~~ما زاد في طوله فأقره، وأما ما زاد فيه من الحجر فرده إلى بنائه، وسد الباب ~~الذي فتحه، فنقضه وأعاده إلى بنائه. في رواية: قال عبد الملك: ما كنت أظن ~~أبا خبيب (يعني ابن الزبير) سمع من عائشة ما كان يزعم أنه سمعه منها، قال ~~الحارث بن عبد الله: بلى، أنا سمعته منها، قال: سمعتها تقول ماذا؟ ms0550 قال: ~~قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن قومك استقصروا من بنيان البيت ~~ولولا حداثة عهدهم بالشرك أعدت ما تركوا منه (2) فإن بدا لقومك من بعدي أن ~~يبنوه فهلمي لأريك ما تركوا منه فأراها قريبا من سبعة أذرع). في أخرى: قال ~~عبد الملك: لو كنت سمعته قبل أن أهدمه لتركته على ما بني ابن الزبير. فهذا ~~ما جاء في بناء الكعبة من الآثار. # وروي أن الرشيد ذكر لمالك بن أنس أنه يريد هدم ما بنى الحجاج من الكعبة، ~~وأن يرده على بناء ابن الزبير لما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وامتثله ~~ابن الزبير، فقال له مالك: ناشدتك الله يا أمير المؤمنين، ألا تجعل هذا ~~البيت ملعبة للملوك، لا يشاء أحد منهم إلا نقض البيت وبناه، فتذهب هيبته من ~~صدور الناس. وذكر الوافدي: حدثنا معمر عن همام بن منبه سمع أبا هريرة ~~يقول،: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سب أسعد الحميري، وهو تبع، وهو ~~أول من كسا البيت، وهو تبع الاخر. قال ابن إسحاق: كانت تكسي القباطي (3) ثم ~~كسيت البرد، وأول من كساها الديباج الحجاج. # قال العلماء: ولا ينبغي أن يؤخذ من كسوة الكعبة شئ، فإنه مهدي إليها، ولا ~~ينقص منها شئ. روي عن سعيد بن جبير أنه كان يكره أن يؤخذ من طيب الكعبة ~~يستشفى به، وكان إذا رأى الخادم يأخذ منه قفدها قفدة (4) لا يألو أن ~~يوجعها. وقال عطاء: كان أحدنا إذا أراد أن يستشفي به جاء بطيب من عنده فمسح ~~به الحجر ثم أخذه. # PageV02P125 # قوله تعالى: " ربنا تقبل منا " المعنى: ويقولان " ربنا "، فحذف. وكذلك هي ~~في قراءة أبى وعبد الله بن مسعود: " وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت ~~وإسماعيل ويقولان ربنا تقبل منا ". # وتفسير إسماعيل: اسمع يا الله، لان " إيل " بالسريانية هو الله، وقد تقدم ~~(1). فقيل: # إن إبراهيم لما دعا ربه قال: اسمع يا إيل، فلما أجابه ربه ورزقه الولد ~~سماه بما دعاه. # ذكره الماوردي. # قوله تعالى: " إنك أنت السميع العليم ms0551 " اسمان من أسماء الله تعالى قد ~~أتينا عليهما في الكتاب " الأسنى في شرج أسماء الله الحسنى ". # قوله تعالى: ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا ~~مناسكا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم (128). # قوله تعالى: " ربنا واجعلنا مسلمين لك " أي صيرنا، و " مسلمين " مفعول ~~ثان، سألا التثبيت والدوام. والاسلام في هذا الموضع: الايمان والأعمال ~~جميعا، ومنه قوله تعالى: " إن الدين عند الله الاسلام (2) " ففي هذا دليل ~~لمن قال: إن الايمان والاسلام شئ واحد، وعضدوا هذا بقوله تعالى في الآية ~~الأخرى: " فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين. فما وجدنا فيها غير بيت من ~~المسلمين (3) ". وقرأ ابن عباس وعوف الأعرابي " مسلمين " على الجمع. # قوله تعالى: " ومن ذريتنا أمة مسلمة لك " أي ومن ذريتنا فاجعل، فيقال: # إنه لم يدع نبي إلا لنفسه ولأمته إلا إبراهيم فإنه دعا مع دعائه لنفسه ~~ولأمته ولهذه الأمة. # و " من " في قوله: " ومن ذريتنا " للتبعيض، لان الله تعالى قد كان أعلمه ~~أن منهم ظالمين. # وحكى الطبري: أنه أراد بقوله " ومن ذريتنا " العرب خاصة. قال السهيلي ~~(4): وذريتهما # PageV02P126 # العرب، لأنهم بنو نبت بن إسماعيل، أو بنو تيمن بن إسماعيل، ويقال: قيدر ~~بن نبت بن إسماعيل. أما العدنانية فمن نبت، وأما القحطانية فمن قيدر بن نبت ~~بن إسماعيل، أو تيمن على أحد القولين. قال ابن عطية: وهذا ضعيف، لان دعوته ~~ظهرت في العرب وفيمن آمن من غيرهم. والأمة: الجماعة هنا، وتكون واحدا إذا ~~كان يقتدي به في الخير، ومنه قوله تعالى: " إن إبراهيم كان أمة قانتا (1) ~~لله "، وقال صلى الله عليه وسلم في زيد بن عمرو بن نفيل: # (يبعث أمة وحده) لأنه لم يشرك في دينه غيره، والله أعلم. وقد يطلق لفظ ~~الأمة على غير هذا المعنى، ومنه قوله تعالى: " إنا وجدنا آباءنا على أمة ~~(2) " أي على دين وملة، ومنه قوله تعالى: " إن هذه أمتكم أمة واحدة (3) ". ~~وقد تكون بمعنى الحين والزمان، ومنه قوله تعالى: # " وادكر بعد أمة (4) " أي بعد حين وزمان. ويقال: هذه أمة زيد، أي أم زيد. ms0552 ~~والأمة أيضا: القامة، يقال: فلان حسن الأمة، أي حسن القامة، قال (5): # وإن معاوية الأكرمين * حسان الوجوه طوال الأمم وقيل: الأمة الشجة التي ~~تبلغ أم الدماغ، يقال: رجل مأموم وأميم. # قوله تعالى: " وأرنا مناسكا " " أرنا " من رؤية البصر، فتتعدى إلى ~~مفعولين، وقيل: # من رؤية القلب، ويلزم قائله أن يتعدى الفعل منه إلى ثلاثة مفاعيل. قال ~~ابن عطية: # وينفصل (6) بأنه يوجد معدى بالهمزة من رؤية القلب إلى مفعولين [كغير ~~المعدي (7)]، قال حطائط بن يعفر أخو الأسود بن يعفر: # أريني جوادا مات هزلا لأنني (8) * أرى ما ترين أو بخيلا مخلدا وقرأ عمر ~~بن عبد العزيز وقتادة وابن كثير وابن محيصن والسدي وروح عن يعقوب ورويس ~~والسوسي " أرنا " بسكون الراء في القرآن، واختاره أبو حاتم. وقرأ أبو عمرو ~~باختلاس كسرة # PageV02P127 # الراء، والباقون بكسرها، واختاره أبو عبيد. وأصله أرئنا بالهمز، فمن قرأ ~~بالسكون قال: # ذهبت الهمزة وذهبت حركتها وبقيت الراء ساكنة على حالها، واستدل بقول ~~الشاعر: # أرنا إداوة عبد الله نملؤها * من ماء زمزم إن القوم قد ظمئوا ومن كسر ~~فإنه نقل حركة الهمزة المحذوفة إلى الراء، وأبو عمر وطلب الخفة. وعن شجاع ~~بن أبي نصر (1) وكان أمينا صادقا أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~المنام فذاكره أشياء من حروف أبي عمرو فلم يرد عليه إلا حرفين: هذا، والاخر ~~" ما ننسخ من آية أو ننسأها " مهموزا. # قوله تعالى: " مناسكا " يقال: إن أصل النسك في اللغة الغسل، يقال منه: ~~نسك ثوبه إذا غسله. وهو في الشرع اسم للعبادة، يقال: رجل ناسك إذا كان ~~عابدا. # واختلف العلماء في المراد بالمناسك هنا، فقيل: مناسك الحج ومعالمه، قاله ~~قتادة والسدي. # وقال مجاهد وعطاء وابن جريج: المناسك المذابح، أي مواضع الذبح. وقيل: ~~جميع المتعبدات. # وكل ما يتعبد به إلى الله تعالى يقال له منسك ومسك. والناسك: العابد. قال ~~النحاس: # يقال نسك ينسك، فكان يجب أن يقال على هذا: منسك، إلا أنه ليس في كلام ~~العرب مفعل. # وعن زهير بن محمد قال: لما فرغ إبراهيم عليه السلام من ms0553 بناء البيت الحرام ~~قال: أي رب، قد فرغت فأرنا مناسكنا، فبعث الله تعالى إليه جبريل فحج به، ~~حتى إذا رجع من عرفة وجاء يوم النحر عرض له إبليس، فقال له: أحصبه، فحصبه ~~بسبع حصيات، ثم الغد ثم اليوم الثالث، ثم علا ثبيرا (2) فقال: يا عباد ~~الله، أجيبوا، فسمع دعوته من بين الأبحر ممن في قلبه مثقال ذرة من إيمان، ~~فقال: لبيك، اللهم لبيك، قال: ولم يزل على وجه الأرض سبعة مسلمون فصاعدا، ~~لولا ذلك لأهلكت الأرض ومن عليها. وأول من أجابه أهل اليمن. # وعن أبي مجلز قال: لما فرغ إبراهيم من البيت جاءه جبريل عليه السلام ~~فأراه الطواف # PageV02P128 # بالبيت - قال: وأحسبه قال: " والصفا والمروة - ثم انطلقا إلى العقبة فعرض ~~لهما الشيطان، فأخذ جبريل سبع حصيات وأعطى إبراهيم سبع حصيات، فرمى وكبر، ~~وقال لإبراهيم: # ارم وكبر، فرميا وكبرا مع كل رمية حتى أفل الشيطان. ثم انطلقا إلى الجمرة ~~الوسطى، فعرض لهما الشيطان، فأخذ جبريل سبع حصيات وأعطى إبراهيم سبع حصيات، ~~وقال: ارم وكبر، فرميا وكبرا مع كل رمية حتى أفل الشيطان. ثم أتيا الجمرة ~~القصوى فعرض لهما الشيطان، فأخذ جبريل سبع حصيات وأعطى إبراهيم سبع حصيات، ~~وقال: ارم وكبر، فرميا وكبرا مع كل رمية حتى أفل الشيطان. ثم أتيا الجمرة ~~القصوى فعرض لهما الشيطان، فأخذ جبريل سبع حصيات وأعطى إبراهيم سبع حصيات، ~~وقال: ارم وكبر، فرميا وكبرا مع كل رمية حتى أفل الشيطان. ثم أتى به جمعا ~~(1) فقال: ها هنا يجمع الناس الصلوات. ثم أتى به عرفات فقال: عرفت؟ فقال ~~نعم، فمن ثم سمي عرفات. وروي أنه قال له: # عرفت، عرفت، عرفت؟ أي مني والجمع وهذا، فقال نعم، فسمي ذلك المكان عرفات. ~~وعن خصيف بن عبد الرحمن أن مجاهدا حدثه قال: لما قال إبراهيم عليه السلام: # " وأرنا مناسكنا " أي الصفا والمروة، وهما من شعائر الله بنص القرآن، ثم ~~خرج به جبريل، فلما مر بجمرة العقبة إذا إبليس عليها، فقال له جبريل: كبر ~~وارمه، فارتفع إبليس إلى الوسطى، فقال جبريل: كبر وارمه، ms0554 ثم في الجمرة ~~القصوى كذلك. ثم انطلق به إلى المشعر الحرام، ثم أتى به عرفة فقال له: هل ~~عرفت ما أريتك؟ قال نعم، فسميت عرفات لذلك فيما قيل، قال: فأذن في الناس ~~بالحج، قال: كيف أقول؟ قال قل: يا أيها الناس، أجيبوا ربكم، ثلاث مرار، ~~ففعل، فقالوا: لبيك، اللهم لبيك. قال: فمن أجاب يومئذ فهو حاج. وفي رواية ~~أخرى: أنه حين نادى استدار فدعا في كل وجه، فلبى الناس من كل مشرق ومغرب، ~~وتطأطأت الجبال حتى بعد صوته. وقال محمد بن إسحاق: لما فرغ إبراهيم خليل ~~الرحمن صلوات الله عليه من بناء البيت الحرام جاءه جبريل عليه السلام فقال ~~له: طف به سبعا، فطاف به سبعا هو وإسماعيل عليهما السلام، يستلمان الأركان ~~كلها في كل طواف، فلما أكملا سبعا صليا خلف المقام ركعتين. قال: فقام جبريل ~~فأراه المناسك كلها: الصفا والمروة ومنى والمزدلفة. قال: # PageV02P129 # فلما دخل مني وهبط من العقبة تمثل له إبليس...، فذكر نحو ما تقدم. قال ~~ابن إسحاق: # وبلغني أن آدم عليه السلام كان يستلم الأركان كلها قبل إبراهيم عليه ~~السلام. وقال: حج إسحاق وسارة من الشام، وكان إبراهيم عليه السلام يحجه كل ~~سنة على البراق، وحجته بعد ذلك الأنبياء والأمم. وروى محمد بن سابط عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (كان النبي من الأنبياء إذا هلكت أمته ~~لحق مكة فتعبد بها هو ومن آمن معه حتى يموتوا فمات بها نوح وهود وصالح ~~وقبورهم بين زمزم والحجر). وذكر ابن وهب أن شعيبا مات بمكة هو ومن معه من ~~المؤمنين، فقبورهم في غربي مكة بين دار الندوة وبين بني سهم. وقال ابن ~~عباس: في المسجد الحرام قبران ليس فيه غيرهما، قبر إسماعيل وقبر شعيب ~~عليهما السلام، فقبر إسماعيل في الجحر، وقبر شعيب مقابل الحجر الأسود. وقال ~~عبد الله بن ضمرة السلولي: # ما بين الركن والمقام إلى زمزم قبور تسعة وتسعين نبيا جاءوا حجاجا فقبروا ~~هنالك، صلوات الله عليهم أجمعين. # قوله تعالى: " وتب علينا " اختلف في معنى قول ms0555 إبراهيم وإسماعيل عليهما ~~السلام: " وتب علينا " وهم أنبياء معصومون، فقالت طائفة: طلبا التثبيت ~~والدوام، لا أنهما كان لهما ذنب. # قلت: وهذا حسن، وأحسن منه أنهما لما عرفا المناسك وبنيا البيت أرادا أن ~~يبينا للناس ويعرفاهم أن ذلك الموقف وتلك المواضع مكان التنصل من الذنوب ~~وطلب التوبة. وقيل: # المعنى وتب على الظلمة منا. وقد مضى الكلام في عصمة الأنبياء (1) عليهم ~~السلام في قصة آدم عليه السلام، وتقدم القول في معنى قوله: " إنك أنت ~~التواب الرحيم " فأغنى عن (2) إعادته. # قوله تعالى: ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتب ~~والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم (129). # PageV02P130 # قوله تعالى: " ربنا وابعث فيهم رسولا منهم " يعني محمدا صلى الله عليه ~~وسلم. وفي قراءة أبي " وابعث في آخرهم رسولا منهم ". وقد روى خالد بن ~~معدان: أن نفرا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا له: يا رسول الله، ~~أخبرنا عن نفسك، قال: (نعم أنا دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى). و " رسولا " ~~أي مرسلا، وهو فعول من الرسالة. قال ابن الأنباري: يشبه أن يكون أصله من ~~قولهم: ناقة مرسال ورسلة، إذا كانت سهلة السير ماضية أمام النوق. ويقال ~~للجماعة المهملة المرسلة: رسل، وجمه أرسال. يقال: جاء القوم أرسالا، أي ~~بعضهم في أثر بعض، ومنه يقال للبن رسل، لأنه يرسل من الضرع. # قوله تعالى: " ويعلمهم الكتاب والحكمة " " الكتاب " القرآن و " الحكمة ": # المعرفة بالدين، والفقه في التأويل، والفهم الذي هو سجية ونور من الله ~~تعالى، قاله مالك، ورواه عنه ابن وهب، وقاله ابن زيد. وقال قتادة: " الحكمة ~~" السنة وبيان الشرائع. # وقيل: الحكم والقضاء خاصة، والمعنى متقارب. ونسب التعليم إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم من حيث هو يعطي الأمور التي ينظر فيها، ويعلم طريق النظر ~~بما يلقيه الله إليه من وحيه. " ويزكيهم " أي يطهرهم من وضر (1) الشرك، عن ~~ابن جريج وغيره. والزكاة: التطهير، وقد تقدم (2). وقيل: إن الآيات تلاوة ~~ظاهر الألفاظ. والكتاب معاني الألفاظ. والحكمة الحكم، وهو مراد الله ~~بالخطاب من مطلق ومقيد، ومفسر ومجمل، وعموم ms0556 وخصوص، وهو معنى ما تقدم، والله ~~تعالى أعلم. " والعزيز " معناه المنيع الذي لا ينال ولا يغالب. وقال ابن ~~كيسان: معناه الذي لا يعجزه شئ، دليله: " وما كان الله ليعجزه من شئ في ~~السماوات ولا في الأرض (3) ". الكسائي: " العزيز " الغالب، ومنه قوله ~~تعالى: " وعزني في الخطاب (4) ". # وفي المثل: " من عز بز " أي من غلب سلب. وقيل: " العزيز " الذي لا مثل ~~له، بيانه " ليس كمثله شئ (5) ". وقد زدنا هذا المعنى بيانا في اسمه العزيز ~~في كتاب " الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى " وقد تقدم معنى " الحكيم (6) " ~~والحمد الله. # PageV02P131 # قوله تعالى: ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في ~~الدنيا وإنه الآخرة لمن الصالحين (130). # قوله تعالى: " ومن يرغب عم ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه " " من " استفهام ~~في موضع رفع بالابتداء، و " يرغب " صلة " من ". " إلا من سفه نفسه " في ~~موضع الخبر. وهو تقريع وتوبيخ وقع فيه معنى النفي، أي وما يرغب، قاله ~~النحاس. والمعنى: # يزهد فيها وينأى بنفسه عنها، أي عن الملة وهي الدين والشرع. " إلا من سفه ~~نفسه " قال قتادة: هم اليهود والنصارى، رغبوا عن ملة إبراهيم واتخذوا ~~اليهودية والنصرانية بدعة ليست من الله تعالى. قال الزجاج: " سفه " بمعنى ~~جهل، أي جهل أمر نفسه فلم يفكر فيها. وقال أبو عبيدة: المعنى أهلك نفسه. ~~وحكى ثعلب والمبرد أن " سفه " بكسر الفاء يتعدى كسفه بفتح الفاء وشدها. ~~وحكي عن أبي الخطاب ويونس أنها لغة. وقال الأخفش: # " سفه نفسه " أي فعل بها من السفه ما صار به سفيها. وعنه أيضا هي لغة ~~بمعنى سفه، حكاه المهدوي، والأول ذكره الماوردي. فأما سفه بضم الفاء فلا ~~يتعدى، قاله المبرد وثعلب. وحكى الكسائي عن الأخفش أن المعنى جهل في نفسه، ~~فحذفت " في " فانتصب. # قال الأخفش: ومثله " عقدة النكاح (1) "، أي على عقدة النكاح. وهذا يجري ~~على مذهب سيبويه فيما حكاه من قولهم: ضرب فلان الظهر والبطن، أي في الظهر ~~والبطن. الفراء: # هو تمييز. قال ابن بحر: معناه جهل نفسه وما فيها من الدلالات والآيات ms0557 ~~الدالة على أن لها صانعا ليس كمثله شئ، فيعلم به توحيد الله وقدرته. # قلت: وهذا هو معنى قول الزجاج، فيفكر في نفسه من يدين يبطش بهما، ورجلين ~~يمشي عليهما، وعين يبصر بها، وأذن يسمع بها، ولسان ينطق به، وأضراس تنبت له ~~عند غناه عن الرضاع وحاجته إلى الغذاء ليطحن بها الطعام، ومعدة أعدت لطبخ ~~الغذاء، وكبد يصعد إليها صفوه، وعروق ومعابر ينفذ فيها إلى الأطراف، وأمعاء ~~يرسب إليها ثفل الغذاء ويبرز من أسفل البدن، فيستدل بهذا على أن له خالقا ~~قادرا عليما حكيما، وهذا معنى قوله تعالى: " # PageV02P132 # " وفي أنفسكم أفلا تبصرون " أشار إلى هذا الخطابي رحمه الله تعالى. ~~وسيأتي له مزيد بيان في سورة " والذاريات (1) " إن شاء الله تعالى. # وقد استدل بهذه الآية من قال: إن شريعة إبراهيم شريعة لنا إلا ما نسخ ~~منها، وهذا كقوله: " ملة أبيكم إبراهيم (2) "، " أن اتبع ملة إبراهيم (3) ~~". وسيأتي بيانه. # قوله تعالى: " ولقد اصطفيناه في الدنيا " أي اخترناه للرسالة فجعلناه ~~صافيا من الأدناس والأصل في " اصطفيناه " اصتفيناه، أبدلت التاء طاء ~~لتناسبها (4) مع الصاد في الاطباق. واللفظ مشتق من الصفوة، ومعناه تخير ~~الأصفى. # قوله تعالى: " وإنه في الآخرة لمن الصالحين " الصالح في الآخرة هو ~~الفائز. ثم قيل: كيف جاز تقديم " في الآخرة " وهو داخل في الصلة، قال ~~النحاس: فالجواب أنه ليس التقدير إنه لمن الصالحين في الآخرة، فتكون الصلة ~~قد تقدمت، ولأهل العربية فيه ثلاثة أقوال: منها أن يكون المعنى وإنه صالح ~~في الآخرة، ثم حذف. وقيل: " في الآخرة " متعلق بمصدر محذوف، أي صلاحه في ~~الآخرة. والقول الثالث: أن " الصالحين " ليس بمعنى الذين صلحوا، ولكنه اسم ~~قائم بنفسه، كما يقال الرجل والغلام. # قلت: وقول زابع أن المعنى وإنه في عمل الآخرة لمن الصالحين، فالكلام على ~~حذف مضاف. وقال الحسين بن الفضل: في الكلام تقديم وتأخير، مجازه ولقد ~~اصطفيناه في الدنيا والآخرة وإنه لمن الصالحين. وروى حجاج بن حجاج - وهو ~~حجاج الأسود، وهو أيضا حجاج الأحول المعروف بزق العسل - قال: سمعت معاوية ~~بن قرة يقول: اللهم إن ms0558 الصالحين أنت أصلحتهم ورزقتهم أن عملوا بطاعتك فرضيت ~~عنهم، اللهم كما أصلحتهم فأصلحنا، وكما رزقتهم أن عملوا بطاعتك فرضيت عنهم ~~فارزقنا أن نعمل بطاعتك، وأرض عنا. # PageV02P133 # قوله تعالى: إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العلمين (131). # العامل في " إذ " قوله: " اصطفيناه " أي اصطفيناه إذ قال له ربه أسلم. ~~وكان هذا القول من الله تعالى حين ابتلاه بالكوكب والقمر والشمس. قال ابن ~~كيسان والكلبي: # أي أخلص دينك لله بالتوحيد. وقيل: اخضع واخشع. وقال ابن عباس: إنما قال ~~له ذلك حين خرج من السرب (1)، على ما يأتي ذكره في " الانعام (2) ". ~~والاسلام هنا على أتم وجوهه. والاسلام في كلام العرب: الخضوع والانقياد ~~للمستسلم. وليس كل إسلام إيمانا، وكل إيمان إسلام، لان من آمن بالله فقد ~~استسلم وانقاد لله. وليس كل من أسلم آمن بالله، لأنه قد يتكلم فزعا (3) من ~~السيف، ولا يكون ذلك إيمانا، خلافا للقدرية والخوارج حيث قالوا: إن الاسلام ~~هو الايمان، فكل مؤمن مسلم، وكل مسلم مؤمن، لقوله: " إن الدين عند الله ~~الاسلام (4) " فدل على أن الاسلام هو الدين، وأن من ليس بمسلم فليس بمؤمن. # ودليلنا قوله تعالى: " قالت الاعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ~~(5) " الآية. # فأخبر الله تعالى أنه ليس كل من أسلم مؤمنا، فدل على أنه ليس كل مسلم ~~مؤمنا، وقال صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص لما قال له: أعط فلانا ~~فإنه مؤمن، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أو مسلم) الحديث، خرجه مسلم، ~~فدل على أن الايمان ليس الاسلام، فإن الايمان باطن، والاسلام ظاهر، وهذا ~~بين. وقد يطلق الايمان بمعنى الاسلام، والاسلام ويراد به الايمان، للزوم ~~أحدهما الاخر وصدوره عنه، كالاسلام الذي هو ثمرة الايمان ودلالة على صحته، ~~فاعلمه. وبالله التوفيق. # قوله تعالى: ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يبنى إن الله اصطفى لكم الدين ~~فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون (132). # PageV02P134 # قوله تعالى: " ووصى بها إبراهيم " أي بالملة، وقيل: بالكلمة التي هي ~~قوله: # " أسملت لرب العالمين " وهو أصوب، لأنه أقرب مذكور، أي قولوا أسلمنا. ms0559 ~~ووصى وأوصى لغتان لقريش وغيرهم بمعنى، مثل كرمنا وأكرمنا، وقرئ بهما. وفي ~~مصحف عبد الله " ووصى "، وفي مصحف عثمان " وأوصى " وهي قراءة أهل المدينة ~~والشام. # الباقون " ووصى " وفيه معنى التكثير. " وإبراهيم " رفع بفعله، " ويعقوب " ~~عطف عليه، وقيل: هو مقطوع مستأنف، والمعنى: وأوصى يعقوب وقال يا بني إن ~~الله اصطفى لكم الدين، فيكون إبراهيم قد وصى بنيه، ثم وصى بعده يعقوب بنيه. # وبنو إبراهيم: إسماعيل، وأمه هاجر القبطية، وهو أكبر ولده، نقله إبراهيم ~~إلى مكة وهو رضيع. وقيل: كان له سنتان، وقيل: كان له أربع عشرة سنة، والأول ~~أصح، على ما يأتي في سورة " إبراهيم (1) " بيانه إن شاء الله تعالى: وولد ~~قبل أخيه إسحاق بأربع عشرة سنة، ومات وله مائة وسبع وثلاثون سنة. وقيل: ~~مائة وثلاثون. وكان سنه لما مات أبوه إبراهيم عليهما السلام تسعا وثمانين ~~سنة. وهو الذبيح في قول. وإسحاق أمه سارة، وهو الذبيح في قول آخر، وهو ~~الأصح، على ما يأتي بيانه في سورة " والصافات (2) " إن شاء الله. ومن ولده ~~الروم واليونان والأرمن ومن يجري مجراهم وبنو إسرائيل. وعاش إسحاق مائة ~~وثمانين سنة، ومات بالأرض المقدسة ودفن عند أبيه إبراهيم الخليل عليهما ~~السلام. ثم لما توفيت سارة تزوج إبراهيم عليه السلام قنطورا بنت يقطن ~~الكنعانية، فولدت له مدين ومداين ونهشان وزمران ونشيق وشيوخ (3)، ثم توفي ~~عليه السلام. وكان بين وفاته وبين مولد النبي صلى الله عليه وسلم نحو من ~~ألفي سنة وستمائة سنة، واليهود ينقصون من ذلك نحوا من أربعمائة سنة. وسيأتي ~~ذكر أولاد يعقوب في سورة " يوسف (4) " إن شاء الله تعالى. وقرأ عمرو بن ~~فائد الأسواري وإسماعيل بن عبد الله المكي: " ويعقوب " بالنصب عطفا على # PageV02P135 # " بنيه "، فيكون يعقوب داخلا فيمن أوصى. قال القشيري: وقرئ " يعقوب " ~~بالنصب عطفا على " بنيه " وهو بعيد، لان يعقوب لم يكن فيما بين أولاد ~~إبراهيم لما وصاهم، ولم ينقل أن يعقوب أدرك جده إبراهيم، وإنما ولد بعد موت ~~إبراهيم، وأن (1) يعقوب أوصى بنيه أيضا كما فعل إبراهيم. وسيأتي تسمية ~~أولاد يعقوب إن شاء ms0560 الله تعالى. # قال الكلبي: لما دخل يعقوب إلى مصر رآهم يعبدون الأوثان والنيران والبقر، ~~فجمع ولده وخاف عليهم وقال: ما تعبدون من بعدي؟ # ويقال: إنما سمي يعقوب لأنه كان هو والعيص توأمين، فخرج من بطن أمه آخذا ~~بعقب أخيه العيص. وفي ذلك نظر، لان هذا اشتقاق عربي، ويعقوب اسم أعجمي، وإن ~~كان قد وافق العربية في التسمية به كذكر الخجل (2). عاش عليه السلام مائة ~~وسبعا وأربعين سنة ومات بمصر، وأوصى أن يحمل إلى الأرض المقدسة، ويدفن عند ~~أبيه إسحاق، فحمله يوسف ودفنه عنده. # قوله تعالى: " يا بنى " معناه أن يا بني، وكذلك هو في قراءة أبي وابن ~~مسعود والضحاك. قال الفراء: ألغيت أن لان التوصية كالقول، وكل كلام يرجع ~~إلى القول جاز فيه دخول أن وجاز فيه إلغاؤها. قال: وقول النحويين إنما أراد ~~" أن " فألغيت ليس بشئ. النحاس: " يا بني " نداء مضاف، وهذه ياء النفس لا ~~يجوز هنا إلا فتحها، لأنها لو سكنت لالتقى ساكنان، ومثله " بمصرخي (3) ". " ~~إن الله " كسرت " إن " لان أوصى وقال واحد. وقيل: على إضمار القول. " اصطفى ~~" اختار. قال الراجز: # يا بن ملوك ورثوا الا ملاكا * خلافة الله التي أعطاكا * لك اصطفاها ولها ~~اصطفاكا * " لكم الدين " أي الاسلام، والألف واللام في " الدين " للعهد، ~~لأنهم قد كانوا عرفوه. # " فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون " إيجاز بليغ. والمعنى: الزموا الاسلام ~~ودوموا عليه ولا تفارقوه # PageV02P136 # حتى، تموتوا. فأتى بلفظ موجز يتضمن المقصود، ويتضمن وعظا وتذكيرا بالموت، ~~وذلك أن المرء يتحقق أنه يموت ولا يدري متى، فإذا أمر بأمر لا يأتيه الموت ~~إلا وهو عليه، فقد توجه الخطاب من وقت الامر دائبا لازما. و " لا " نهي " ~~تموتن " في موضع جزم بالنهي، أكد بالنون الثقيلة، وحذفت الواو لالتقاء ~~الساكنين. " إلا أنتم مسلمون " ابتداء وخبر في موضع الحال، أي محسنون بربكم ~~الظن، وقيل مخلصون، وقيل مفوضون، وقيل مؤمنون. # قوله تعالى: أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من ~~بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحق إلها وحدا ms0561 ونحن له ~~مسلمون (133). # قوله تعالى: " أم كنتم شهداء " " شهداء " خبر كان، ولم يصرف لان فيه ألف ~~التأنيث، ودخلت لتأنيث الجماعة كما تدخل الهاء. والخطاب لليهود والنصارى ~~الذين ينسبون إلى إبراهيم ما لم يوص به بنيه، وأنهم على اليهودية ~~والنصرانية، فرد الله عليهم قولهم وكذبهم، وقال لهم على جهة التوبيخ: ~~أشهدتم يعقوب وعلمتم بما أوصى فتدعون عن علم، أي لم تشهدوا، بل أنتم ~~تفترون!. و " أم " بمعنى بل، أي بل أشهد أسلافكم يعقوب. والعامل في " إذ " ~~الأولى معنى الشهادة، و " إذ " الثانية بدل من الأولى. و " شهداء " جمع ~~شاهد أي حاضر. ومعنى " حضر يعقوب الموت " أي مقدماته وأسبابه، وإلا فلو حضر ~~الموت لما أمكن أن يقول شيئا. وعبر عن المعبود ب‍ " ما " ولم يقل من، لأنه ~~أراد أن يختبرهم، ولو قال " من " لكان مقصوده أن ينظر من لهم الاهتداء ~~منهم، وإنما أراد تجربتهم فقال " ما ". وأيضا فالمعبودات المتعارفة من دون ~~الله جمادات كالأوثان والنار والشمس والحجارة، فاستفهم عما يعبدون من هذه. ~~ومعنى " من بعدي " أي من بعد موتي. وحكي أن يعقوب حين خيركما تخير الأنبياء ~~اختار الموت وقال: أمهلوني حتى أوصي بني وأهلي، فجمعهم وقال لهم هذا، ~~فاهتدوا وقالوا: " نعبد إلهك " الآية. فأروه ثبوتهم على الدين ومعرفتهم ~~بالله تعالى. PageV02P137 # قوله تعالى: " قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق " " ~~إبراهيم وإسماعيل وإسحاق " في موضع خفض على البدل، ولم تنصرف لأنها أعجمية. ~~قال الكسائي: # وإن شئت صرفت " إسحاق " وجعلته من السحق، وصرفت " يعقوب " وجعلته من ~~الطير. وسمى الله كل واحد من العم والجد أبا، وبدأ بذكر الجد ثم إسماعيل ~~العم لأنه أكبر من إسحاق. # و " إلها " بدل من " إلهك " بدل النكرة من المعرفة، وكرره لفائدة الصفة ~~بالوحدانية. # وقيل: " إلها " حال. قال ابن عطية: وهو قول حسن، لان الغرض إثبات حال ~~الوحدانية. وقرأ الحسن ويحيى بن يعمر والجحدري وأبو رجاء العطاردي " وإله ~~أبيك " وفيه وجهان: # أحدهما - أن يكون أفرد وأراد إبراهيم وحده، وكره أن يجعل إسماعيل أبا ~~لأنه عم. # قال النحاس: وهذا لا ms0562 يجب، لان العرب تسمي العم أبا. # الثاني - على مذهب سيبويه أن يكون " أبيك " جمع سلامة، حكى سيبويه أب ~~وأبون وأبين، كما قال الشاعر: # * فقلنا أسلموا إن أخوكم (1) * وقال آخر: # فلما تبين أصواتنا * بكين وفديننا بالأبينا (2) قوله تعالى: " ونحن له ~~مسلمون " ابتداء وخبر، ويحتمل أن يكون في موضع الحال، والعامل " نعبد ". ~~قوله تعالى: تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما ~~كانوا يعملون (134). # PageV02P138 # قوله تعالى: " تلك أمة قد خلت " " تلك " مبتدأ، و " أمة " خبر، " قد خلت ~~" نعت لامة، وإن شئت كانت خبر المبتدأ، وتكون " أمة " بدلا من " تلك ". " ~~لها ما كسبت " " ما " في موضع رفع بالابتداء أو بالصفة على قول الكوفيين. " ~~ولكم ما كسبتم " مثله، يريد من خير وشر. وفي هذا دليل على أن العبد يضاف ~~إليه أعمال وأكساب، وإن كان الله تعالى أقدره على ذلك، إن كان خيرا فبفضله ~~وإن كان شرا فبعدله، وهذا مذهب أهل السنة، والآي في القرآن بهذا المعنى ~~كثيرة. فالعبد مكتسب لأفعاله، على معنى أنه خلقت له قدرة مقارنة للفعل، ~~يدرك بها الفرق بين حركة الاختيار وحركة الرعشة مثلا، وذلك التمكن هو مناط ~~التكليف. # وقالت الجبرية بنفي اكتساب العبد، وإنه كالنبات الذي تصرفه الرياح. وقالت ~~القدرية والمعتزلة خلاف هذين القولين، وإن العبد يخلق أفعاله. # قوله تعالى: " ولا تسئلون عما كانوا يعملون " أي لا يؤاخذ أحد بذنب أحد، ~~مثل قوله تعالى: " ولا تزر وازرة وزر أخرى " أي لا تحمل حاملة ثقل أخرى، ~~وسيأتي (1). # قوله تعالى: وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا ~~وما كان من المشركين (135). # قوله تعالى: " وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا " دعت كل فرقة إلى ما ~~هي عليه، فرد الله تعالى ذلك عليهم فقال: " بل ملة " أي قل يا محمد: بل ~~نتبع ملة، فلهذا نصب الملة. وقيل: المعنى بل نهتدي بملة إبراهيم، فلما حذف ~~حرف الجر صار منصوبا. وقرأ الأعرج وابن أبي عبلة: " بل ملة " بالرفع، ~~والتقدير بل الهدى ملة، أو ملتنا دين إبراهيم. # و ms0563 " حنيفا " مائلا عن الأديان المكروهة إلى الحق دين إبراهيم، وهو في ~~موضع نصب على الحال، قاله الزجاج. أي بل نتبع ملة إبراهيم في هذه الحالة. ~~وقال علي بن سليمان: هو منصوب على أعني، والحال خطأ، لا يجوز جاءني غلام ~~هند مسرعة. وسمي إبراهيم حنيفا لأنه # PageV02P139 # حنف إلى دين الله وهو الاسلام. والحنف: الميل، ومنه رجل حنفاء، ورجل ~~أحنف، وهو الذي تميل قدماه كل واحدة منهما إلى أختها بأصابعها. قالت أم ~~الأحنف: # والله لولا حنف برجله * ما كان في فتيانكم بن مثله وقال الشاعر: # إذا حول الظل العشي رأيته * حنيفا وفي قرن الضحى يتنصر أي الحرباء تستقبل ~~القبلة بالعشي، والمشرق بالغداة، وهو قبلة النصارى. وقال قوم: # الخنف الاستقامة، فسمي دين إبراهيم حنيفا لاستقامته. وسمي المعوج الرجلين ~~أحنف تفاؤلا بالاستقامة، كما قيل للديغ سليم، وللمهلكة مفازة، في قول ~~أكثرهم. # قوله تعالى: قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم ~~وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وما أوتى موسى وعيسى وما أوتى النبيون من ~~ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون (136) قوله تعالى: " قولوا آمنا ~~بالله " خرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: # كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل ~~الاسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تصدقوا أهل الكتاب ولا ~~تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وما أنزل) الآية. وقال محمد بن سيرين: إذا قيل ~~لك أنت مؤمن؟ فقل: " آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم ~~وإسماعيل وإسحاق " الآية. وكره أكثر السلف أن يقول الرجل: # أنا مؤمن حقا، وسيأتي بيانه في " الأنفال (1) " إن شاء الله تعالى. وسئل ~~بعض المتقدمين عن رجل قيل له: أتؤمن بفلان النبي، فسماه باسم لم يعرفه، فلو ~~قال نعم، فلعله لم يكن نبيا، فقد شهد بالنبوة لغير نبي، ولو قال لا، فلعله ~~نبي، فقد جحد نبيا من الأنبياء، فكيف يصنع؟ فقال: ينبغي أن يقول: إن كان ~~نبيا فقد آمنت به. والخطاب في هذه الآية لهذه الأمة، علمهم الايمان. قال ~~ابن ms0564 عباس: جاء نفر من اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم # PageV02P140 # فسألوه عمن يؤمن به من الأنبياء، فنزلت الآية. فلما جاء ذكر عيسى قالوا: ~~لا نؤمن بعيسى ولا من آمن به. # قوله تعالى: " وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ~~ويعقوب والأسباط " جمع إبراهيم براهيم، وإسماعيل سماعيل، قاله الخليل ~~وسيبويه، وقاله الكوفيون، وحكوا براهمة وسماعلة، وحكوا براهم وسماعل. قال ~~محمد بن يزيد: هذا غلط، لان الهمزة ليس هذا موضع زيادتها، ولكن أقول: أباره ~~وأسامع، ويجوز أباريه وأساميع. وأجاز أحمد بن يحيى براه، كما يقال في ~~التصغير بريه. وجمع إسحاق أساحيق، وحكى الكوفيون أساحقة وأساحق، وكذا يعقوب ~~ويعاقيب، ويعاقبة ويعاقب. قال النحاس: فأما إسرائيل فلا نعلم أحدا يجيز حذف ~~الهمزة من أوله، وإنما يقال أساريل، وحكى الكوفيون أسارلة وأسارل. والباب ~~في هذا كله أن يجمع مسلما فيقال: إبراهيمون وإسحاقون ويعقوبون، والمسلم لا ~~عمل فيه. # والأسباط: ولد يعقوب عليه السلام، وهم اثنا عشر ولدا، ولد لكل واحد منهم ~~أمة من الناس، واحدهم سبط. والسبط في بني إسرائيل بمنزلة القبيلة في ولد ~~إسماعيل. وسموا الأسباط من السبط وهو التتابع، فهم جماعة متتابعون. وقيل: ~~أصله من السبط (بالتحريك) وهو الشجر، أي هم في الكثرة بمنزلة الشجر، ~~الواحدة سبطة. قال أبو إسحاق الزجاج: ويبين لك هذا ما حدثنا به محمد بن ~~جعفر الأنباري قال حدثنا أبو نجيد (1) الدقاق قال حدثنا الأسود بن عامر قال ~~حدثنا إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال: كل الأنبياء من بني ~~إسرائيل إلا عشرة: نوحا وشعيبا وهودا وصالحا ولوطا وإبراهيم وإسحاق ويعقوب ~~وإسماعيل ومحمدا صلى الله عليه وسلم. ولم يكن أحد له اسمان إلا عيسى ~~ويعقوب. والسبط: الجماعة والقبيلة الراجعون إلى أصل واحد. وشعر سبط وسبط: ~~غير جعد. # لا نفرق بين أحد منهم " قال الفراء: أي لا نؤمن ببعضهم ونكفر ببعضهم كما ~~فعلت اليهود والنصارى. # PageV02P141 # قوله تعالى: فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم ~~في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم ms0565 (137). # قوله تعالى: " فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا " الخطاب لمحمد صلى ~~الله عليه وسلم وأمته. المعنى: فإن آمنوا مثل إيمانكم، وصدقوا مثل تصديقكم ~~فقد اهتدوا، فالمماثلة وقعت بين الايمانين، وقيل (1): إن الباء زائدة ~~مؤكدة. وكان ابن عباس يقرأ فيما حكى الطبري: " فإن آمنوا بالذي آمنتم به ~~فقد اهتدوا " وهذا هو معنى القراءة وإن خالف المصحف، ف‍ " مثل " زائدة كما ~~هي في قوله: " ليس كمثله شئ (2) " أي ليس كهو شئ. # وقال الشاعر (3): # * فصيروا مثل كعصف مأكول * وروى بقية حدثنا شعبة عن أبي حمزة عن ابن عباس ~~قال: لا تقولوا فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فإن الله ليس له مثل، ولكن ~~قولوا: بالذي آمنتم به. تابعه على بن نصر الجهضيمي عن شعبة، ذكره البيهقي. ~~والمعنى: أي فإن آمنوا بنبيكم وبعامة الأنبياء ولم يفرقوا بينهم كما لم ~~تفرقوا فقد اهتدوا، وإن أبوا إلا التفريق فهم الناكبون عن الدين (4) إلى ~~الشقاق " فسيكفيكهم الله ". وحكى عن جماعة من أهل النظر قالوا: ويحتمل أن ~~تكون الكاف في قوله: " ليس كمثله شئ " زائدة. قال: والذي روي عن ابن عباس ~~من نهيه عن القراءة العامة شئ ذهب إليه للمبالغة في نقي التشبيه عن الله عز ~~وجل. وقال ابن عطية: هذا من ابن عباس على جهة التفسير، أي هكذا فليتأول. ~~وقد قيل: إن الباء بمعنى على، والمعنى: # فإن آمنوا على مثل إيمانكم. وقيل: " مثل " على بابها أي بمثل المنزل، ~~دليله قوله: " وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب (5) " وقوله: " وقولوا آمنا ~~بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم (6) ". # PageV02P142 # قوله تعالى: " وإن تولوا " أي عن الايمان " فإنما هم في شقاق " قال زيد ~~بن أسلم: # الشقاق المنازعة. وقيل: الشقاق المجادلة والمخالفة والتعادي. وأصله من ~~الشق وهو الجانب، فكأن كل واحد من الفريقين في شق غير شق صاحبه. قال ~~الشاعر: # إلى كم تقتل العلماء قسرا * وتفجر بالشقاق وبالنفاق (1) وقال آخر: # وإلا فاعلموا أنا وأنتم * بغاة ما بقينا في شقاق وقيل: إن الشقاق مأخوذ ~~من فعل ما يشق ويصعب، فكأن كل واحد ms0566 من الفريقين يحرص على ما يشق على صاحبه. # قوله تعالى: " فسيكفيكهم الله " أي فسيكفي الله رسوله عدوه. فكان هذا ~~وعدا من الله تعالى لنبيه عليه السلام أنه سيكفيه من عانده ومن خالفه من ~~المتولين بمن يهديه من المؤمنين، فأنجز له الوعد، وكان ذلك في قتل بني ~~قينقاع وبني قريظة وإجلاء بني النضير. والكاف والهاء والميم في موضع نصب ~~مفعولان. ويجوز في غير القرآن: فسيكفيك [إياهم (2)]. وهذا الحرف " ~~فسيكفيكهم الله " هو الذي وقع عليه دم عثمان حين قتل بإخبار النبي صلى الله ~~عليه وسلم إياه بذلك. و " السميع " لقول كل قائل " العليم " بما ينفذه في ~~عباده ويجريه عليهم. وحكي أن أبا دلامة دخل على المنصور وعليه قلنسوة ~~طويلة، ودراعة (3) مكتوب بين كتفيها " فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم "، ~~وسيف معلق في وسطه، وكان المنصور قد أمر الجند بهذا الزي، فقال له: كيف ~~حالك يا أبا دلامة؟ قال: بشر يا أمير المؤمنين قال: وكيف ذاك؟ قال: # ما ظنك برجل وجهه في وسطه، وسيفه في استه، وقد نبذ كتاب الله وراء ظهره! ~~فضحك المنصور منه، وأمر بتغيير ذلك الزي من وقته. # PageV02P143 # قوله تعالى: صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عبدون (138). # فيه مسألتان: # الأولى - قوله تعالى: " صبغة الله " قال الأخفش وغيره: دين الله، وهو بدل ~~من " ملة ". # وقال الكسائي: وهي منصوبة على تقدير اتبعوا. أو على الاغراء أي ألزموا. ~~ولو قرئت بالرفع لجاز، أي هي صبغة الله. وروى شيبان عن قتادة قال: إن ~~اليهود تصبغ أبناءهم يهودا، وإن النصارى تصبغ أبناءهم نصارى، وإن صبغة الله ~~الاسلام. قال الزجاج: ويدلك على هذا أن " صبغة " بدل من " ملة ". وقال ~~مجاهد: أي فطرة الله التي فطر الناس عليها. قال أبو إسحاق الزجاج: وقول ~~مجاهد هذا يرجع إلى الاسلام، لان الفطرة ابتداء الخلق، وابتداء ما خلقوا ~~عليه الاسلام. وروي عن مجاهد والحسن وأبي العالية وقتادة: الصبغة الدين. ~~وأصل ذلك أن النصارى كانوا يصبغون أولادهم في الماء، وهو الذي يسمونه ~~المعمودية، ويقولون: # هذا تطهير لهم. وقال ابن ms0567 عباس: هو أن النصارى كانوا إذا ولد لهم ولد فأتى ~~عليه سبعة أيام غمسوه في ماء لهم يقال له ماء المعمودية، فصبغوه بذلك ~~ليطهروه به مكان الختان، لان الختان تطهير، فإذا فعلوا ذلك قالوا: الان صار ~~نصرانيا حقا، فرد الله تعالى ذلك عليهم بأن قال: " صبغة الله " أي صبغة ~~الله أحسن صبغة وهي الاسلام، فسمي الدين صبغة استعارة ومجازا من حيث تظهر ~~أعماله وسمته على المتدين، كما يظهر أثر الصبغ في الثوب. وقال بعض شعراء ~~ملوك همدان. # وكل أناس لهم صبغة * وصبغة همدان خير الصبغ صبغنا على ذاك أبناءنا * ~~فأكرم بصبغتنا في الصبغ وقيل: إن الصبغة الاغتسال لمن أراد الدخول في ~~الاسلام، بدلا من معمودية النصارى، ذكره الماوردي. # قلت: وعلى هذا التأويل يكون غسل الكافر واجبا تعبدا، وهي المسألة: ~~PageV02P144 # الثانية - لان معنى " صبغة الله " غسل الله، أي اغتسلوا عند إسلامكم ~~الغسل الذي أوجبه الله عليكم وبهذا المعنى جاءت السنة الثابتة في قيس بن ~~عاصم وثمامة بن أثال حين أسلما. روى أبو حاتم البستي في صحيح مسنده عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه: أن ثمامة الحنفي (1) أسر فمر به النبي صلى الله عليه ~~وسلم يوما فأسلم، فبعث به إلى حائط (2) أبي طلحة فأمره أن يغتسل فاغتسل ~~وصلى ركعتين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حسن إسلام صاحبكم). # وخرج أيضا عن قيس بن عاصم أنه أسلم، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~يغتسل بماء وسدر. ذكره النسائي وصححه أبو محمد عبد الحق. وقيل: إن القربة ~~إلى الله تعالى يقال لها صبغة، حكاه ابن فارس في المجمل. وقال الجوهري: " ~~صبغة الله " دينه. وقيل: إن الصبغة الختان، اختتن إبراهيم فجرت الصبغة على ~~الختان لصبغهم الغلمان في الماء، قاله الفراء. # ونحن له عابدون " ابتداء وخبر. # قوله تعالى: قل أتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم ولنا أعملنا ولكم ~~أعملكم ونحن له مخلصون (139). # قال الحسن: كانت المحاجة أن قالوا: نحن أولى بالله منكم، لأنا أبناء الله ~~وأحباؤه. # وقيل: لتقدم آبائنا وكتبنا، ولأنا لم نعبد الأوثان. ms0568 فمعنى الآية: قل لهم ~~يا محمد، أي قل لهؤلاء اليهود والنصارى الذين زعموا أنهم أبناء الله ~~وأحباؤه وادعوا أنهم أولى بالله منكم لقدم آبائهم وكتبهم: " أتحاجوننا " أي ~~أتجاذبوننا الحجة على دعواكم والرب واحد، وكل مجازى بعمله، فأي ثأثير لقدم ~~الدين. ومعنى " في الله " أي في دينه والقرب منه والحظوة له (3). # وقراءة الجماعة: " أتحاجوننا ". وجاز اجتماع حرفين مثلين من جنس واحد ~~متحركين، لان الثاني كالمنفصل. وقرأ ابن محصين " أتحاجونا " بالادغام ~~لاجتماع المثلين. قال النحاس: وهذا # PageV02P145 # جائز إلا أنه مخالف للسواد. ويجوز " أتحاجون " بحذف النون الثانية، كما ~~قرأ نافع " فبم تبشرون (1) " قوله تعالى: " ونحن له مخلصون " أي مخلصون ~~العبادة، وفيه معنى التوبيخ، أي ولم تخلصوا أنتم فكيف تدعون ما نحن أولى به ~~منكم!. والاخلاص حقيقته تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين، قال صلى الله ~~عليه وسلم: (إن الله تعالى يقول أنا خير شريك فمن أشرك معي شريكا فهو ~~لشريكي يا أيها الناس أخلصوا أعمالكم لله تعالى فإن الله تعالى لا يقبل إلا ~~ما خلص له ولا تقولوا هذا لله وللرحم فإنها للرحم وليس لله منها شئ ولا ~~تقولوا هذا لله ولوجوهكم فإنها لوجوهكم وليس لله تعالى منها شئ). رواه ~~الضحاك بن قيس الفهري قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم... فذكره، خرجه الدارقطني. وقال رويم: ~~الاخلاص من العمل هو ألا يريد صاحبه عليه عوضا في الدارين ولا حظا من ~~الملكين. وقال الجنيد: # الاخلاص سر بين العبد وبين الله، لا يعلمه ملك فيكتبه، ولا شيطان فيفسده، ~~ولا هوى فيميله. وذكر أبو القاسم القشيري وغيره عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: (سألت جبريل عن الاخلاص ما هو فقال سألت رب العزة عن الاخلاص ~~ما هو قال سر من سري استودعته قلب من أحببته من عبادي). # قوله تعالى: أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط كانوا ~~هودا أو نصارى قل أأنتم أعلم أم الله ومن أظلم ممن كتم شهدة عنده من الله ~~وما الله بغافل عما تعملون (140). # قوله تعالى: " أم تقولون " بمعنى ms0569 قالوا (2). وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في ~~رواية حفص " تقولون " بالتاء وهي قراءة حسنة، لان الكلام متسق، كأن المعنى: ~~أتحاجوننا في الله أم تقولون إن الأنبياء كانوا على دينكم، فهي أم المتصلة، ~~وهي على قراءة من قرأ بالياء منقطعة، فيكون # PageV02P146 # كلامين وتكون " أم " بمعنى بل. " هودا " خبر كان، وخبر " إن " في الجملة. ~~ويجوز في غير القرآن رفع " هودا " على خبر " إن " وتكون كان ملغاة، ذكره ~~النحاس. # قوله تعالى: قل أأنتم أعلم أم الله " تقرير وتوبيخ في ادعائهم بأنهم ~~كانوا هودا أو نصارى. فرد الله عليهم بأنه أعلم بهم منكم، أي لم يكونوا ~~هودا ولا نصارى. # قوله تعالى: " ومن أظلم " لفظه الاستفهام، والمعنى: لا أحد أظلم. " ممن ~~كتم شهادة " يريد علمهم بأن الأنبياء كانوا على الاسلام. وقيل: ما كتموه من ~~صفة محمد صلى الله عليه وسلم، قاله قتادة، والأول أشبه بسياق الآية. " وما ~~الله بغافل عما تعملون " وعيد وإعلام بأنه لم يترك أمرهم سدى وأنه يجازيهم ~~على أعمالهم. والغافل: الذي لا يفطن للأمور إهمالا منه، مأخوذ من الأرض ~~الغفل وهي التي لا علم بها ولا أثر عمارة. وناقة غفل: لا سمة بها. ورجل ~~غفل: لم يجرب الأمور. وقال الكسائي: أرض غفل لم تمطر. # غفلت عن الشئ غفلة وغفولا، وأغفلت الشئ: تركته على ذكر منك. # قوله تعالى: تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما ~~كانوا يعملون (141) كررها لأنها تضمنت معنى التهديد والتخويف، أي إذا كان ~~أولئك الأنبياء على إمامتهم وفضلهم يجازون بكسبهم فأنتم أحرى، فوجب ~~التأكيد، فلذلك كررها. # قوله تعالى: سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ~~قل لله المشرق والمغرب يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم (142). # فيه إحدى عشرة مسألة الأولى - قوله تعالى: " سيقول السفهاء من الناس " ~~أعلم الله تعالى أنهم سيقولون في تحويل المؤمنين من الشام إلى الكعبة، ما ~~ولاهم. و " سيقول " بمعنى قال، جعل المستقبل PageV02P147 # موضع الماضي، دلالة على استدامة ذلك وأنهم يستمرون على ذلك القول. وخص ~~بقوله: # " من الناس ms0570 " لان السفه يكون في جمادات وحيوانات. والمراد من " السفهاء " ~~جميع من قال: " ما ولاهم ". والسفهاء جمع، واحده سفيه، وهو الخفيف العقل، ~~من قولهم: ثوب سفيه إذا كان خفيف النسج، وقد تقدم (1). والنساء سقائه. وقال ~~المؤرج: السفيه البهات الكذاب المتعمد خلاف ما يعلم. قطرب: الظلوم الجهول، ~~والمراد بالسفهاء هنا اليهود الذين بالمدينة، قاله مجاهد. السدي: ~~المنافقون. الزجاج: كفار قريش لما أنكروا تحويل القبلة قالوا: قد اشتاق ~~محمد إلى مولده وعن قريب يرجع إلى دينكم، وقالت اليهود: قد التبس عليه أمره ~~وتحير. وقال المنافقون: ما ولاهم عن قبلتهم! واستهزءوا بالمسلمين. # و " ولاهم " يعني عدلهم وصرفهم. # الثانية - روى الأئمة واللفظ لمالك عن ابن عمر قال: بينما الناس بقباء ~~(2) في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل ~~عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى ~~الشام فاستداروا إلى الكعبة. وخرج البخاري عن البراء أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا، وكان يعجبه ~~أن تكون قبلته قبل البيت، وإنه صلى أول صلاة صلاها العصر (3) وصلى معه قوم، ~~فخرج رجل ممن كان صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم فمر على أهل المسجد وهم ~~راكعون فقال: أشهد بالله، لقد صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل مكة، ~~فداروا كما هم قبل البيت. وكان الذي مات على القبلة قبل أن تحول قبل البيت ~~رجال قتلوا لم ندر ما نقول فيهم، فأنزل الله عز وجل: " وما كان الله ليضيع ~~إيمانكم "، ففي هذه الرواية صلاة العصر، وفي رواية مالك صلاة الصبح. وقيل: ~~نزل ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم في مسجد بني سلمة وهو في صلاة الظهر ~~بعد ركعتين منها فتحول في الصلاة، فسمي ذلك # PageV02P148 # المسجد مسجد القبلتين. وذكر أبو الفرج أن عباد بن نهيك كان مع النبي صلى ~~الله عليه وسلم في هذه الصلاة. وذكر أبو عمر في التمهيد عن نويلة (1) بنت ~~أسلم وكانت من ms0571 المبايعات، قالت: # كنا في صلاة الظهر فأقبل عباد بن بشر بن قيظي فقال: إن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قد استقبل القبلة - أو قال: البيت الحرام - فتحول الرجال ~~مكان النساء، وتحول النساء مكان الرجال. وقيل: إن الآية نزلت في غير صلاة، ~~وهو الأكثر. وكان أول صلاة إلى الكعبة العصر، والله أعلم. وروى أن أول من ~~صلى إلى الكعبة حين صرفت القبلة عن بيت المقدس أبو سعيد بن المعلى، وذلك ~~أنه كان مجتازا على المسجد فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس ~~بتحويل القبلة على المنبر وهو يقرأ هذه الآية: " قد نرى تقلب وجهك في ~~السماء " حتى فرغ من الآية، فقلت لصاحبي: تعال نركع ركعتين قبل أن ينزل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فنكون أول من صلى فتوارينا نعما (2) ~~فصليناهما، ثم نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بالناس الظهر يومئذ. ~~قال أبو عمر: ليس لأبي سعيد بن المعلي غير هذا الحديث، وحديث: " كنت أصلى " ~~في فضل الفاتحة، خرجه البخاري، وقد تقدم (3). # الثالثة - واختلف في وقت تحويل القبلة بعد قدومه المدينة، فقيل: حولت بعد ~~ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا، كما في البخاري. وخرجه الدارقطني عن البراء ~~أيضا، قال: صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد قدومه المدينة ستة ~~عشر شهرا نحو بيت المقدس، ثم علم الله هوى نبيه فنزلت: " قد نرى تقلب وجهك ~~في السماء " الآية. ففي هذه الرواية ستة عشر شهرا من غير شك. وروى مالك عن ~~يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أن تحويلها كان قبل غزوة بدر بشهرين. قال ~~إبراهيم بن إسحاق: وذلك في رجب من سنة # PageV02P149 # اثنتين. وقال أبو حاتم البستي: صلى المسلمون إلى بيت المقدس سبعة عشر ~~شهرا وثلاثة أيام سواء، وذلك أن قدومه المدينة كان يوم الاثنين لاثنتي عشرة ~~ليلة خلت من شهر ربيع الأول، وأمره الله عز وجل باستقبال الكعبة الثلاثاء ~~للنصف من شعبان. # الرابعة - واختلف العلماء أيضا في كيفية استقباله بيت المقدس على ms0572 ثلاثة ~~أقوال، فقال الحسن: كان ذلك منه عن رأي واجتهاد، وقاله (1) عكرمة وأبو ~~العالية. الثاني - أنه كان مخيرا بينه وبين الكعبة، فاختار القدس طمعا في ~~إيمان اليهود واستمالتهم، قاله الطبري. وقال الزجاج: امتحانا للمشركين ~~لأنهم ألفوا الكعبة. الثالث - وهو الذي عليه الجمهور: ابن عباس وغيره، وجب ~~عليه استقباله بأمر الله تعالى ووحيه لا محالة، ثم نسخ الله ذلك وأمره الله ~~أن يستقبل بصلاته الكعبة، واستدلوا بقوله تعالى: " وما جعلنا القبلة التي ~~كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه " الآية. # الخامسة - واختلفوا أيضا حين فرضت عليه الصلاة أولا بمكة، هل كانت إلى ~~بيت المقدس أو إلى مكة، على قولين، فقالت طائفة: إلى بيت المقدس وبالمدينة ~~سبعة عشر شهرا، ثم صرفه الله تعالى إلى الكعبة، قاله ابن عباس. وقال آخرون: ~~أول ما افترضت الصلاة عليه إلى الكعبة، ولم يزل يصلي إليها طول مقامه بمكة ~~على ما كانت عليه صلاة إبراهيم وإسماعيل، فلما قدم المدينة صلى إلى بيت ~~المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا، على الخلاف، ثم صرفه الله إلى ~~الكعبة. قال أبو عمر: وهذا أصح القولين عندي. قال غيره: # وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة أراد أن يستألف اليهود ~~فتوجه [إلى] قبلتهم ليكون ذلك أدعى لهم، فلما تبين عنادهم وأيس منهم أحب أن ~~يحول إلى الكعبة فكان ينظر إلى السماء، وكانت محبته إلى الكعبة لأنها قبلة ~~إبراهيم، عن ابن عباس. وقيل: لأنها كانت أدعى للعرب إلى الاسلام، وقيل: ~~مخالفة لليهود، عن مجاهد. وروي عن أبي العالية # PageV02P150 # الرياحي أنه قال: كانت (1) مسجد صالح عليه السلام وقبلته إلى الكعبة، ~~قال: وكان موسى عليه السلام يصلي إلى الصخرة نحو الكعبة، وهي قبلة الأنبياء ~~كلهم، صلوات الله عليهم أجمعين. # السادسة - في هذه الآية دليل واضح على أن في أحكام الله تعالى وكتابه ~~ناسخا ومنسوخا، وأجمعت عليه الأمة إلا من شذ، كما تقدم (2). وأجمع العلماء ~~على أن القبلة أول ما نسخ من القرآن، وأنها نسخت مرتين، على ms0573 أحد القولين ~~المذكورين في المسألة قبل. # السابعة - ودلت أيضا على جواز نسخ السنة بالقرآن، وذلك أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم صلى نحو بيت المقدس، وليس في ذلك قرآن، فلم يكن الحكم إلا من جهة ~~السنة ثم نسخ ذلك بالقرآن، وعلى هذا يكون: " كنت عليها " بمعنى أنت عليها. # الثامنة - وفيها دليل على جواز القطع بخبر الواحد، وذلك أن استقبال بيت ~~المقدس كان مقطوعا به من الشريعة عندهم، ثم أن أهل قباء لما أتاهم الآتي ~~وأخبرهم أن القبلة قد حولت إلى المسجد الحرام قبلوا قوله واستداروا نحو ~~الكعبة، فتركوا المتواتر بخبر الواحد وهو مظنون. # وقد اختلف العلماء في جوازه عقلا ووقوعه، فقال أبو حاتم: والمختار جواز ~~ذلك عقلا لو تعبد الشرع به، ووقوعا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بدليل قصة قباء، وبدليل أنه كان عليه السلام ينفذ آحاد الولاة إلى الأطراف ~~وكانوا يبلغون الناسخ والمنسوخ جميعا. ولكن ذلك ممنوع بعد وفاته صلى الله ~~عليه وسلم، بدليل الاجماع من الصحابة على أن القرآن والمتواتر المعلوم لا ~~يرفع بخبر الواحد، فلا ذاهب إلى تجويزه من السلف والخلف. # احتج من منع ذلك بأنه يفضي إلى المحال وهو رفع المقطوع بالمظنون. وأما ~~قصة أهل قباء # PageV02P151 # وولاة النبي صلى الله عليه وسلم فمحمول على قرائن إفادة العلم إما نقلا ~~وتحقيقا، وإما احتمالا وتقديرا. وتتميم هذا سؤالا وجوابا في أصول الفقه. # التاسعة - وفيها دليل على أن من لم يبلغه الناسخ إنه متعبد بالحكم الأول، ~~خلافا لمن قال: إن الحكم الأول يرتفع بوجود الناسخ لا بالعلم به، والأول ~~أصح، لان أهل قباء لم يزالوا يصلون إلى بيت المقدس إلى أن أتاهم الآتي ~~فأخبرهم بالناسخ فمالوا نحو الكعبة. فالناسخ إذا حصل في الوجود فهو رافع لا ~~محالة لكن بشرط العلم به، لان الناسخ خطاب، ولا يكون خطابا في حق من لم ~~يبلغه. وفائدة هذا الخلاف في عبادات فعلت بعد النسخ وقبل البلاغ هل تعاد أم ~~لا، وعليه تنبي مسألة الوكيل في تصرفه بعد عزل موكله أو ms0574 موته وقبل علمه ~~بذلك على قولين. وكذلك المقارض (1)، والحاكم إذا مات من ولاه أو عزل. ~~والصحيح أن ما فعله كل واحد من هؤلاء ينفذ فعله ولا يرد حكمه. قال القاضي ~~عياض: ولم يختلف المذهب في أحكام من أعتق ولم يعلم بعتقه أنها أحكام حر ~~فيما بينه وبين الناس، وأما بينه وبين الله تعالى فجائزة. ولم يختلفوا في ~~المعتقة أنها لا تعيد ما صلت بعد عتقها وقبل علمها بغير ستر، وإنما اختلفوا ~~فيمن يطرأ عليه موجب بغير حكم عبادته وهو فيها، قياسا على مسألة قباء، فمن ~~صلى على حال ثم تغيرت به حاله تلك قبل أن يتم صلاته إنه يتمها ولا يقطعها ~~ويجزيه ما مضى. وكذلك كمن صلى عريانا ثم وجد ثوبا في الصلاة، أو ابتدأ ~~صلاته صحيحا فمرض، أو مريضا فصح، أو قاعدا ثم قدر على القيام، أو أمة عتقت ~~وهي في الصلاة إنها تأخذ قناعها وتبني. # قلت: وكمن دخل في الصلاة بالتيمم فطرأ عليه الماء إنه لا يقطع، كما يقوله ~~مالك والشافعي - رحمهما الله - وغيرهما. وقيل: يقطع، وهو قول أبي حنيفة ~~رحمه الله تعالى، وسيأتي. # العاشرة - وفيها دليل على قبول خبر الواحد، وهو مجمع عليه من السلف معلوم ~~بالتواتر من عادة النبي صلى الله عليه وسلم في توجيهه ولأنه ورسله آحادا ~~للآفاق، ليعلموا الناس دينهم فيبلغوهم سنة رسولهم صلى الله عليه وسلم من ~~الأوامر والنواهي. # PageV02P152 # الحادية عشرة - وفيها دليل على أن القرآن كان ينزل على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم شيئا بعد شئ وفي حال بعد حال، على حسب الحاجة إليه، حتى ~~أكمل الله دينه، كما قال: # " اليوم أكملت لكم دينكم (1) ". # قوله تعالى: " قل لله المشرق والمغرب " أقامه حجة، أي له ملك المشارق ~~والمغارب وما بينهما، فله أن يأمر بالتوجه إلى أي جهة شاء، وقد تقدم. # قوله تعالى: " يهدى من يشاء " إشارة إلى هداية الله تعالى هذه الأمة إلى ~~قبلة إبراهيم، والله تعالى أعلم. والصراط. الطريق. والمستقيم: الذي لا ~~اعوجاج فيه، وقد تقدم (2). # قوله تعالى: وكذلك جعلناكم أمة ms0575 وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون ~~الرسول عليكم شهيدا وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع ~~الرسول ممن يتقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما ~~كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرءوف رحيم (143). # فيه أربع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " وكذلك جعلنا كم أمة وسطا " المعنى: وكما أن ~~الكعبة وسط الأرض كذلك جعلناكم أمة وسطا، أي جعلناكم دون الأنبياء وفوق ~~الأمم. والوسط: # العدل، وأصل هذا أن أحمد الأشياء أوسطها. وروى الترمذي عن أبي سعيد ~~الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: " وكذلك جعلناكم أمة ~~وسطا " قال: # (عدلا). قال: هذا حديث حسن صحيح. وفي التنزيل: " قال أوسطهم (3) " أي ~~أعدلهم وخيرهم. وقال زهير: # هم وسط يرضى الأنام بحكمهم * إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم # PageV02P153 # آخر: # أنتم أوسط حي علموا * بصغير الامر أو إحدى الكبر وقال آخر: # لا تذهبن في الأمور فرطا * لا تسألن إن سألت شططا * وكن من الناس جميعا ~~وسطا * ووسط الوادي: خير موضع فيه وأكثره كلا وماء. ولما كان الوسط مجانبا ~~للغلق والتقصير كان محمودا، أي هذه الأمة لم تغل غلو النصارى في أنبيائهم، ~~ولا قصروا تقصير اليهود في أنبيائهم. وفي الحديث: (خير الأمور أوسطها). ~~وفيه عن علي رضي الله عنه: # " عليكم (1) بالنمط الأوسط، فإليه ينزل العالي، وإليه يرتفع النازل ". ~~وفلان من أوسط قومه، وإنه لواسطة قومه، ووسط قومه، أي من خيارهم وأهل الحسب ~~منهم. وقد وسط وساطة وسطة، وليس من الوسط الذي بين شيئين في شئ. والوسط ~~(بسكون السين) الظرف، تقول: صليت وسط القوم. وجلست وسط الدار (بالتحريك) ~~لأنه اسم. قال الجوهري: # وكل موضع صلح فيه " بين " فهو وسط، وإن لم يصلح فيه " بين " فهو وسط ~~بالتحريك، وربما يسكن وليس بالوجه. # الثانية - قوله تعالى: " لتكونوا " نصب بلام كي، أي لان تكونوا. " شهداء ~~" خبر كان. " على الناس " أي في المحشر للأنبياء على أممهم، كما ثبت في ~~صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ms0576 ~~(يدعي نوح عليه السلام يوم القيامة فيقول لبيك وسعديك يا رب فيقول هل بلغت ~~فيقول نعم فيقال لامته هل بلغكم فيقولون ما أتانا من نذير فيقول من يشهد لك ~~فيقول محمد وأمته فيشهدون أنه قد بلغ ويكون الرسول عليكم شهيدا فذلك قوله ~~عز وجل وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم ~~شهيدا...). وذكر هذا الحديث مطولا ابن المبارك بمعناه، # PageV02P154 # وفيه: (فتقول تلك الأمم كيف يشهد علينا من لم يدركنا فيقول لهم الرب ~~سبحانه كيف تشهدون على من لم تدركوا فيقولون ربنا بعثت إلينا رسولا وأنزلت ~~إلينا عهدك وكتابك وقصصت علينا أنهم قد بلغوا فشهدنا بما عهدت إلينا فيقول ~~الرب صدقوا فذلك قوله عز وجل وكذلك جعلناكم أمة وسطا - والوسط العدل - ~~لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا). قال ابن أنعم: فبلغني ~~أنه يشهد يومئذ أمة محمد عليه السلام، إلا من كان في قلبه جنة (1) على ~~أخيه. وقالت طائفة: معنى الآية يشهد بعضكم على بعض بعد الموت، كما ثبت في ~~صحيح مسلم عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال حين مرت به جنازة ~~فأثنى عليها خير فقال: (وجبت وجبت وجبت). ثم مر عليه بأخرى فأثنى عليها شر ~~فقال: (وجبت وجبت وجبت). فقال عمر: فدى لك أبي وأمي، مر بجنازة فأثني عليها ~~خير فقلت: (وجبت وجبت وجبت) ومر بجنازة فأثني عليها شر فقلت: # (وجبت وجبت وجبت)؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أثنيتم عليه ~~خيرا وجبت له الجنة ومن أثنيتم عليه شرا وجبت له النار أنتم شهداء الله في ~~الأرض أنتم شهداء الله في الأرض أنتم شهداء الله في الأرض). أخرجه البخاري ~~بمعناه. وفي بعض طرقه في غير الصحيحين وتلا: " لتكونوا شهداء على الناس ~~ويكون الرسول عليكم شهيدا ". وروى أبان وليث عن شهر بن حوشب عن عبادة بن ~~الصامت قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (أعطيت أمتي ثلاثا لم ~~تعط إلا الأنبياء كان الله إذا بعث نبيا قال له ms0577 ادعني أستجب لك وقال لهذه ~~الأمة ادعوني أستجب لكم وكان الله إذا بعث النبي قال له ما جعل عليك في ~~الدين من حرج وقال لهذه الأمة وما جعل عليكم في الدين من حرج وكان الله إذا ~~بعث النبي جعله شهيدا على قومه وجعل هذه الأمة شهداء على الناس). خرجه ~~الترمذي الحكيم أبو عبد الله في " نوادر الأصول ". # الثالثة - قال علماؤنا: أنبأنا ربنا تبارك وتعالى في كتابه بما أنعم ~~علينا من تفضيله لنا باسم العدالة وتولية خطير الشهادة على جميع خلقه، ~~فجعلنا أولا مكانا وإن كنا آخرا زمانا، كما قال # PageV02P155 # عليه السلام: (نحن الآخرون الأولون). وهذا دليل على أنه لا يشهد إلا ~~العدول، ولا ينفذ قول الغير على الغير إلا أن يكون عدلا. وسيأتي بيان ~~العدالة وحكمها في آخر السورة (1) إن شاء الله تعالى. # الرابعة - وفيه دليل على صحة الاجماع ووجوب الحكم به، لأنهم إذا كانوا ~~عدولا شهدوا على الناس. فكل عصر شهيد على من بعده، فقول الصحابة حجة وشاهد ~~على التابعين، وقول التابعين على من بعدهم. وإذ جعلت الأمة شهداء فقد وجب ~~قبول قولهم. ولا معنى لقول من قال: أريد به جميع الأمة، لأنه حينئذ لا يثبت ~~مجمع عليه إلى قيام الساعة. # وبيان هذا في كتب أصول الفقه. # قوله تعالى: " ويكون الرسول عليكم شهيدا " قيل: معناه بأعمالكم يوم ~~القيامة. # وقيل: " عليكم " بمعنى لكم، أي يشهد لكم بالايمان. وقيل: أي يشهد عليكم ~~بالتبليغ لكم. # قوله تعالى: " وما جعلنا القبلة التي كنت عليها " قيل: المراد بالقبلة ~~هنا القبلة الأولى، لقوله " كنت عليها ". وقيل: الثانية، فتكون الكاف ~~زائدة، أي أنت الان عليها، كما تقدم، وكما قال: " كنتم خير أمة أخرجت للناس ~~" أي أنتم، في قول بعضهم، وسيأتي (2). # قوله تعالى: إلا لنعلم من يتبع الرسول " قال علي بن أبي طالب رضي الله ~~تعالى عنه: معنى " لنعلم " لنرى. والعرب تضع العلم مكان الرؤية، والرؤية ~~مكان العلم، كقوله تعالى: " ألم تر كيف فعل ربك (3) " بمعنى ألم تعلم. ~~وقيل: المعنى إلا لتعلموا أننا نعلم، فإن المنافقين كانوا ms0578 في شك من علم ~~الله تعالى بالأشياء قبل كونها. وقيل: المعنى لنميز أهل اليقين من أهل ~~الشك، حكاه ابن فورك، وذكره الطبري عن ابن عباس. وقيل: المعنى إلا ليعلم ~~النبي وأتباعه، وأخبر تعالى بذلك عن نفسه، كما يقال: فعل الأمير كذا، وإنما ~~فعله أتباعه، ذكره المهدوي وهو جيد. وقيل: معناه ليعلم محمد، فأضاف علمه ~~إلى نفسه تعالى تخصيصا وتفضيلا، كما كنى عن نفسه سبحانه في قوله: (يا بن ~~آدم مرضت (4) فلم تعدني) # PageV02P156 # الحديث . والأول أظهر، وأن معناه علم المعاينة الذي يوجب الجزاء، وهو ~~سبحانه عالم الغيب والشهادة، علم ما يكون قبل أن يكون، تختلف الأحوال على ~~المعلومات وعلمه لا يختلف بل يتعلق بالكل تعلقا واحدا. وهكذا كل ما ورد في ~~الكتاب من هذا المعنى من قوله تعالى: # " وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء (1) "، " ولنبلونكم حتى نعلم ~~المجاهدين منكم والصابرين (2) " وما أشبه. والآية جواب لقريش في قولهم: " ~~ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها " وكانت قريش تألف الكعبة، فأراد الله ~~عز وجل أن يمتحنهم بغير ما ألفوه ليظهر من يتبع الرسول ممن لا يتبعه. وقرأ ~~الزهري " إلا ليعلم " ف‍ " من " في موضع رفع على هذه القراءة، لأنها اسم ما ~~لم يسم فاعله. وعلى قراءة الجماعة في موضع نصب على المفعول. " يتبع الرسول ~~" يعني فيما أمر به من استقبال الكعبة. " ممن ينقلب على عقبيه " يعني ممن ~~يرتد عن دينه، لان القبلة لما حولت ارتد من المسلمين قوم ونافق قوم. ولهذا ~~قال: " وإن كانت لكبيرة " أي تحويلها، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة. ~~والتقدير في العربية: وإن كانت التحويلة. # قوله تعالى: " وإن كانت لكبيرة " ذهب الفراء إلى أن " إن " واللام بمعنى ~~ما وإلا، والبصريون يقولون: هي إن الثقيلة خففت. وقال الأخفش: أي وإن كانت ~~القبلة أو التحويلة أو التولية لكبيرة. " إلا على الذين هدى الله " أي خلق ~~الهدى الذي هو الايمان في قلوبهم، كما قال تعالى: " أولئك كتب في قلوبهم ~~الايمان (3) ". # قوله تعالى: " وما كان الله ليضيع إيمانكم " اتفق العلماء على أنها نزلت ms0579 ~~فيمن مات وهو يصلي إلى بيت المقدس، كما ثبت في البخاري من حديث البراء بن ~~عازب، على ما تقدم (4). # وخرج الترمذي عن ابن عباس قال: لما وجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى ~~الكعبة قالوا: # يا رسول الله، كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟ فأنزل ~~الله تعالى: # " وما كان الله ليضيع إيمانكم " الآية، قال: هذا حديث حسن صحيح. فسمى ~~الصلاة إيمانا لاشتمالها على نية وقول وعمل. وقال مالك: إني لاذكر بهذه ~~الآية قول المرجئة: # إن الصلاة ليست من الايمان. وقال محمد بن إسحاق: " وما كان الله ليضيع ~~إيمانكم " أي # PageV02P157 # بالتوجه إلى القبلة وتصديقكم لنبيكم، وعلى هذا معظم المسلمين والأصوليين. ~~وروى ابن وهب وابن القاسم وابن عبد الحكم وأشهب عن مالك " وما كان الله ~~ليضيع إيمانكم " قال: صلاتكم. # قوله تعالى: " إن الله بالناس لرءوف رحيم " الرأفة أشد من الرحمة. وقال ~~أبو عمرو بن العلاء: الرأفة أكثر من الرحمة، والمعنى متقارب. وقد أتينا على ~~لغته وأشعاره ومعانيه في الكتاب " الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى " ~~فلينظر هناك. وقرأ الكوفيون وأبو عمرو " لرؤف " على وزن فعل، وهي لغة بني ~~أسد، ومنه قول الوليد بن عقبة: # وشر الطالبين فلا تكنه * يقاتل عمه الرؤوف الرحيم وحكى الكسائي أن لغة ~~بني أسد " لرأف "، على فعل. وقرأ أبو جعفر بن القعقاع " لروف " مثقلا بغير ~~همز، وكذلك سهل كل همزة في كتاب الله تعالى، ساكنة كانت أو متحركة. # قوله تعالى: قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضها فول وجهك ~~شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره وإن الذين أوتوا الكتب ~~ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون (144). # قال العلماء: هذه الآية مقدمة في النزول على قوله تعالى: " سيقول السفهاء ~~من الناس ". # ومعنى " تقلب وجهك ": تحول وجهك إلى السماء، قاله الطبري. الزجاج: تقلب ~~عينيك في النظر إلى السماء، والمعنى متقارب. وخص السماء بالذكر إذ هي مختصة ~~بتعظيم ما أضيف إليها ويعود منها كالمطر والرحمة والوحي. ومعنى " ترضاها " ~~تحبها. قال ms0580 السدي: كان إذا صلى نحو بيت المقدس رفع رأسه إلى السماء ينظر ما ~~يؤمر به، وكان يحب أن يصلي إلى قبل الكعبة فأنزل الله تعالى: " قد نرى تقلب ~~وجهك في السماء ". وروى أبو إسحاق عن البراء قال: كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم صلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا، وقد كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يحب أن يوجه نحو الكعبة، فأنزل الله تعالى: # " قد نرى تقلب وجهك في السماء ". وقد تقدم هذا المعنى والقول فيه، والحمد ~~لله. PageV02P158 # قوله تعالى: " فول وجهك شطر المسجد الحرام " فيه خمس مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " فول " أمر " وجهك شطر " أي ناحية " المسجد الحرام ~~" يعني الكعبة، ولا خلاف في هذا. قيل: حيال البيت كله، عن ابن عباس. وقال ~~ابن عمر: حيال الميزاب من الكعبة، قاله ابن عطية. والميزاب: هو قبلة ~~المدينة وأهل الشام، وهناك قبلة أهل الأندلس. # قلت: قد روى ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: (البيت قبلة لأهل المسجد والمسجد قبلة لأهل الحرم ~~والحرم قبلة لأهل الأرض في مشارقها ومغاربها من أمتي). # الثانية - قوله تعالى: " شطر المسجد الحرام " الشطر له محامل: يكون ~~الناحية والجهة، كما في هذه الآية، وهو ظرف مكان، كما تقول: تلقاءه وجهته. ~~وانتصب الظرف لأنه فضلة بمنزلة المفعول [به (1)]، وأيضا فإن الفعل واقع ~~فيه. وقال داود بن أبي هند: # إن في حرف ابن مسعود " فول وجهك تلقاء المسجد الحرام ". وقال الشاعر (2): # أقول لام زنباع أقيمي * صدور العيس شطر بني تميم. # وقال آخر: # وقد أظلكم من شطر ثغركم * هول له ظلم يغشاكم قطعا وقال آخر: # ألا من مبلغ عمرا رسولا * وما تغني الرسالة شطر عمرو وشطر الشئ: نصفه، ~~ومنه الحديث: (الطهور شطر الايمان). ويكون من الأضداد، يقال: شطر إلى كذا ~~إذا أقبل نحوه، وشطر عن كذا إذا أبعد منه وأعرض عنه. فأما الشاطر من الرجال ~~فلانه قد أخذ في نحو غير الاستواء، وهو ms0581 الذي أعيا أهله خبثا، وقد شطر وشطر ~~(بالضم) شطارة فيهما. وسئل بعضهم عن الشاطر، فقال: هو من أخذ في البعد عما ~~نهى الله عنه. # PageV02P159 # الثانية - لا خلاف بين العلماء أن الكعبة قبلة في كل أفق، وأجمعوا على أن ~~من شاهدها وعاينها فرض عليه استقبالها، وأنه إن ترك استقبالها وهو معاين ~~لها وعالم بجهتها فلا صلاة له، وعليه إعادة كل ما صلى ذكره أبو عمر. ~~وأجمعوا على أن كل من غاب عنها أن يستقبل ناحيتها وشطرها وتلقاءها، فإن ~~خفيت عليه فعليه أن يستدل على ذلك بكل ما يمكنه من النجوم والرياح والجبال ~~وغير ذلك مما يمكن أن يستدل به على ناحيتها. ومن جلس في المسجد الحرام ~~فليكن وجهه إلى الكعبة وينظر إليها إيمانا واحتسابا، فإنه يروى أن النظر ~~إلى الكعبة عبادة، قاله عطاء ومجاهد. # الرابعة - واختلفوا هل فرض الغائب استقبال العين أو الجهة، فمنهم من قال ~~بالأول. قال ابن العربي: وهو ضعيف، لأنه تكليف لما لا يصل (1) إليه. ومنهم ~~من قال بالجهة، وهو الصحيح لثلاثة أوجه: الأول - أنه الممكن الذي يرتبط به ~~التكليف. # الثاني - أنه المأمور به في القرآن، لقوله تعالى: " فول وجهك شطر المسجد ~~الحرام وحيث ما كنتم " يعني من الأرض من شرق أو غرب " فولوا وجوهكم شطره ". # الثالث - أن العلماء احتجوا بالصف الطويل الذي يعلم قطعا أنه أضعاف عرض ~~البيت. # الخامسة - في هذه الآية حجة واضحة لما ذهب إليه مالك ومن وافقه في أن ~~المصلي حكمه أن ينظر أمامه لا إلى موضع سجوده. وقال الثوري وأبو حنيفة ~~والشافعي والحسن بن حي. يستحب أن يكون نظره إلى موضع سجوده. وقال شريك ~~القاضي: ينظر في القيام إلى موضع السجود، وفي الركوع إلى موضع قدميه، وفي ~~السجود إلى موضع أنفه، وفي القعود إلى حجره. قال ابن العربي: إنما ينظر ~~أمامه فإنه إن حنى رأسه ذهب بعض القيام المفترض عليه في الرأس وهو أشرف ~~الأعضاء، وإن أقام رأسه وتكلف النظر ببصره إلى الأرض فتلك مشقة عظيمة وحرج. ~~وما جعل علينا في الدين من ms0582 حرج، أما إن ذلك أفضل لمن قدر عليه. # PageV02P160 # قوله تعالى: " وإن الذين أوتوا الكتاب " يريد اليهود والنصارى " ليعلمون ~~أنه الحق من ربهم " يعني تحويل القبلة من بيت المقدس. فإن قيل: كيف يعلمون ~~ذلك وليس من دينهم ولا في كتابهم؟ قيل عنه جوابان: أحدهما - أنهم لما علموا ~~من كتابهم أن محمدا صلى الله عليه وسلم نبي علموا أنه لا يقول إلا الحق ولا ~~يأمر إلا به. الثاني - أنهم علموا من دينهم جواز النسخ وإن جحده بعضهم، ~~فصاروا عالمين بجواز القبلة. # قوله تعالى: " وما الله بغافل عما يعملون " تقدم (2) معناه. وقراء ابن ~~عامر وحمزة والكسائي " تعملون " بالتاء على مخاطبة أهل الكتاب أو أمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم. وعلى الوجهين فهو إعلام بأن الله تعالى لا يهمل (2) ~~أعمال العباد ولا يغفل عنها، ضمنه الوعيد. # وقرأ الباقون بالياء من تحت. # قوله تعالى: ولئن أتيت الذين أوتوا الكتب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما أنت ~~بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك ~~من العلم إنك إذا لمن الظالمين (145). # قوله تعالى: " ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك " ~~لأنهم كفروا وقد تبين لهم الحق، وليس تنفعهم الآيات، أي العلامات. وجمع ~~قبلة في التكسير: # قبل. وفي التسليم: قبلات. ويجوز أن تبدل من الكسرة فتحة، فتقول قبلات. ~~ويجوز أن تحذف الكسرة وتسكن الباء فتقول قبلات. وأجيبت " لئن " بجواب " لو ~~" وهي ضدها في أن " لو " تطلب في جوابها المضي والوقوع، و " لئن " تطلب ~~الاستقبال، فقال الفراء و الأخفش: أجيبت بجواب " لو " لان المعنى: ولو ~~أتيت. وكذلك تجاب " لو " بجواب " لئن "، تقول: لو أحسنت أحسن إليك، ومثله ~~قوله تعالى: " ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا (3) " أي ولو أرسلنا ~~ريحا. وخالفهما سيبويه فقال: إن معنى " لئن " مخالف # PageV02P161 # لمعنى " لو " فلا يدخل واحد منهما على الاخر، فالمعنى: ولئن أتيت الذين ~~أوتوا الكتاب بكل آية لا يتبعون قبلتك. قال سيبويه: ومعنى " ولئن أرسلنا ~~ريحا فرأوه مصفرا لظلوا " ليظلن. # قوله تعالى: " وما أنت ms0583 بتابع قبلتهم " لفظ خبر ويتضمن الامر، أي فلا تركن ~~إلى شئ من ذلك. ثم أخبر تعالى أن اليهود ليست متبعة قبلة النصارى ولا ~~النصارى متبعة قبلة اليهود، عن السدي وابن زيد. فهذا إعلام باختلافهم ~~وتدابرهم وضلالهم. وقال قوم: # المعنى وما من اتبعك ممن أسلم منهم بمتبع قبلة من لم يسلم، ولا من لم ~~يسلم قبلة من أسلم. # والأول أظهر، والله تعالى أعلم. # قوله تعالى: " ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن ~~الظالمين " الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد أمته ممن يجوز أن ~~يتبع هواه فيصير باتباعه ظالما، وليس يجوز أن يفعل النبي صلى الله عليه ~~وسلم ما يكون به ظالما، فهو محمول على إرادة أمته لعصمة النبي صلى الله ~~عليه وسلم وقطعنا أن ذلك لا يكون منه، وخوطب النبي صلى الله عليه وسلم ~~تعظيما للامر ولأنه المنزل عليه. والأهواء: جمع هوى، وقد تقدم (1)، وكذا " ~~من العلم " تقدم (2) أيضا، فلا معنى للإعادة. # قوله تعالى: الذين آتيناهم الكتب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا ~~منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون (146). # قوله تعالى: " الذين آتيناهم الكتب يعرفونه أبناءهم " " الذين " في موضع ~~رفع بالابتداء والخبر " يعرفونه ". ويصح أن يكون في موضع خفض على الصفة ل‍ ~~" لظالمين "، و " يعرفون " في موضع الحال، أي يعرفون نبوته وصدق رسالته، ~~والضمير عائد على محمد صلى الله عليه وسلم، قاله مجاهد وقتادة وغيرهما. ~~وقيل: " يعرفون " تحويل القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة أنه حق، قاله ابن ~~عباس وابن جريج والربيع وقتادة أيضا. # PageV02P162 # وخص الأبناء في المعرفة بالذكر دون الأنفس وإن كانت ألصق لان الانسان يمر ~~عليه من زمنه برهة لا يعرف فيها نفسه، ولا يمر عليه وقت لا يعرف فيه ابنه. ~~وروي أن عمر قال لعبد الله بن سلام: أتعرف محمدا صلى الله عليه وسلم كما ~~تعرف ابنك؟ فقال: نعم وأكثر، بعث الله أمينه في سمائه إلى أمينه في أرضه ~~بنعته فعرفته، وابني لا أدري ما كان من أمه. # قوله تعالى: " وإن فريقا منهم ms0584 ليكتمون الحق " يعني محمدا صلى الله عليه ~~وسلم، قاله مجاهد وقتادة وخصيف. وقيل: استقبال الكعبة، على ما ذكرنا آنفا. # قوله تعالى: " وهم يعلمون " ظاهر في صحة الكفر عنادا، ومثله: " وجحدوا ~~بها واستيقنتها أنفسهم " (1) وقوله: " فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ". # قوله تعالى: الحق من ربك فلا تكونن من الممترين (147). # قوله تعالى: " الحق من ربك " يعني استقبال الكعبة، لا ما أخبرك به اليهود ~~من قبلتهم. وروي عن علي رضي الله عنه أنه قرأ " الحق " منصوبا ب‍ " يعلمون ~~" أي يعلمون الحق. ويصح نصبه على تقدير الزم الحق. والرفع على الابتداء أو ~~على إضمار مبتدأ، والتقدير هو الحق، أو على إضمار فعل، أي جاءك الحق. قال ~~النحاس: فأما الذي في " الأنبياء " " الحق فهم معرضون (2) " فلا نعلم أحدا ~~قرأه إلا منصوبا، والفرق بينهما أن الذي في سورة " البقرة " مبتدأ آية (3)، ~~والذي في الأنبياء ليس كذلك. # قوله تعالى: " فلا تكونن من الممترين " أي من الشاكين. والخطاب للنبي صلى ~~الله عليه وسلم والمراد أمته. يقال: امتري فلان [في] كذا إذا اعترضه اليقين ~~مرة والشك أخرى فدافع إحداهما بالأخرى، ومنه المراء لان كل واحد منهما يشك ~~في قول صاحبه. والامتراء في الشئ الشك فيه، وكذا التماري. وأنشد الطبري ~~شاهدا على أن الممترين الشاكون قول الأعشى: # تدر على أسؤق الممترين * من ركضا إذا ما السراب ارجحن # PageV02P163 # قال ابن عطية: ووهم في هذا، لان أبا عبيدة وغيره قال: الممترون في البيت ~~هم الذين يمرون الخيل بأرجلهم همزا لتجري كأنهم يحتلبون الجري منها، وليس ~~في البيت معنى الشك كما قال الطبري. # قلت: معنى الشك فيه موجود، لأنه يحتمل أن يختبر الفرس صاحبه هل هو على ما ~~عهد من الجري أم لا، لئلا يكون أصابه شئ، أو يكون هذا عند أول شرائه فيجريه ~~ليعلم مقدار جريه. قال الجوهري: ومريت الفرس إذا استخرجت ما عنده من الجري ~~بسوط أو غيره. والاسم المرية (بالكسر) وقد تضم. ومريت الناقة مريا: إذا ~~مسحت ضرعها لتدر. وأمرت هي إذا در لبنها، والاسم المرية (بالكسر)، والضم ~~غلط. ms0585 والمرية: # الشك، وقد تضم، وقرئ بهما. # قوله تعالى: ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات أين ما تكونوا يأت بكم ~~الله جميعا إن الله على كل شئ قدير (148). # فيه أربع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " ولكل وجهة " الوجهة وزنها فعلة من المواجهة. ~~والوجهة والجهة والوجه بمعنى واحد، والمراد القبلة، أي إنهم لا يتبعون ~~قبلتك وأنت لا تتبع قبلتهم، ولكل وجهة إما بحق وإما بهوى. # الثانية - قوله تعالى: " هو موليها " " هو " عائد على لفظ كل لا على ~~معناه، لأنه لو كان على المعنى لقال: هم مولوها وجوههم، فالهاء والألف ~~مفعول أول والمفعول الثاني محذوف، أي هو موليها وجهه ونفسه. والمعنى: ولكل ~~صاحب ملة قبلة، صاحب القبلة موليها وجهه، على لفظ كل، وهو قول الربيع وعطاء ~~وابن عباس. وقال علي بن سليمان: " موليها " أي متوليها. وقرأ ابن عباس وابن ~~عامر " مولاها " على ما لم يسم فاعله. والضمير على هذه القراءة لواحد، أي ~~ولكل واحد من الناس قبلة، الواحد مولاها أي مصروف إليها، قاله الزجاج. # ويحتمل أن يكون على قراءة الجماعة " هو " ضمير اسم الله عز وجل وإن لم ~~يجر له ذكر، إذ PageV02P164 # معلوم أن الله عز وجل فاعل ذلك، والمعنى: لكل صاحب ملة قبلة الله موليها ~~إياه. وحكى الطبري: أن قوما قرأوا " ولكل وجهة " بإضافة كل إلى وجهة. قال ~~ابن عطية: وخطأها الطبري، وهي متجهة، أي فاستبقوا الخيرات لكل وجهة ~~ولاكموها، ولا تعترضوا فيما أمركم بين هذه وهذه، أي إنما عليكم الطاعة في ~~الجميع. وقدم قوله " ولكل وجهة " على الامر في قوله: " فاستبقوا الخيرات " ~~للاهتمام بالوجهة كما يقدم المفعول، وذكر أبو عمرو الداني هذه القراءة عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما. وسلمت الواو في " وجهة " للفرق بين عدة وزنة، لان ~~جهة ظرف، وتلك مصادر. وقال أبو علي: ذهب قوم إلى أنه مصدر شذ عن القياس ~~فسلم. وذهب قوم إلى أنه اسم وليس بمصدر. وقال غير أبي علي: وإذا أردت ~~المصدر قلت جهة، وقد يقال الجهة في الظرف. # الثالثة - قوله تعالى: " فاستبقوا الخيرات " أي إلى ms0586 الخيرات، فحذف الحرف، ~~أي بادروا ما أمركم الله عز وجل من استقبال البيت الحرام، وإن كان يتضمن ~~الحث على المبادرة والاستعجال إلى جميع الطاعات بالعموم، فالمراد ما ذكر من ~~الاستقبال لسياق الآي. # والمعنى المراد المبادرة بالصلاة أول وقتها، والله تعالى أعلم. روى ~~النسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~(إنما مثل المهجر إلى الصلاة كمثل الذي يهدي البدنة ثم الذي على أثره كالذي ~~يهدي البقرة ثم الذي على أثره كالذي يهدي الكبش ثم الذي على أثره كالذي ~~يهدي الدجاجة ثم الذي على أثره كالذي يهدي البيضة). وروى الدارقطني عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أحدكم ليصلي ~~الصلاة لوقتها وقد ترك من الوقت الأول ما هو خير له من أهله وماله). وأخرجه ~~مالك عن يحيى بن سعيد قوله. وروى الدارقطني أيضا عن ابن عمر قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: (خير الأعمال الصلاة في أول وقتها). وفي حديث ابن ~~مسعود " أول وقتها " بإسقاط " في ". وروي أيضا عن إبراهيم بن عبد الملك عن ~~أبي محذورة عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أول ~~الوقت رضوان الله ووسط الوقت رحمة الله PageV02P165 # وآخر الوقت عفو الله). زاد ابن العربي: فقال أبو بكر: رضوان الله أحب ~~إلينا من عفوه، فإن رضوانه عن المحسنين وعفوه عن المقصرين، وهذا اختيار ~~الشافعي. وقال أبو حنيفة: # آخر الوقت أفضل، لأنه وقت الوجوب. وأما مالك ففصل القول، فأما الصبح ~~والمغرب فأول الوقت فيهما أفضل، أما الصبح فلحديث عائشة رضي الله عنها ~~قالت: (إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي الصبح فينصرف النساء ~~متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس) - في رواية - (متلففات). وأما المغرب ~~فلحديث سلمة بن الأكوع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي المغرب ~~إذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب، أخرجهما مسلم. وأما العشاء فتأخيرها أفضل ~~لمن قدر عليه. روى ابن عمر ms0587 قال: مكثنا [ذات (1)] ليلة ننتظر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لصلاة العشاء الآخرة، فخرج إلينا حين ذهب ثلث الليل أو ~~بعده، فلا ندري أشئ شغله في أهله أو غير ذلك، فقال حين خرج: (إنكم لتنتظرون ~~صلاة ما ينتظرها أهل دين غيركم ولولا أن يثقل على أمتي لصليت بهم هذه ~~الساعة). # وفي البخاري عن أنس قال: أخر النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء إلى ~~نصف الليل ثم صلى...، وذكر الحديث. وقال أبو برزة: كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يستحب تأخيرها. وأما الظهر فإنها تأتي الناس [على (2)] غفلة فيستحب ~~تأخيرها قليلا حتى يتأهبوا ويجتمعوا. قال أبو الفرج قال مالك: أول الوقت ~~أفضل في كل صلاة إلا للظهر في شدة الحر. وقال ابن أبي أويس: وكان مالك يكره ~~أن يصلي الظهر عند الزوال ولكن بعد ذلك، ويقول: تلك صلاة الخوارج. وفي صحيح ~~البخاري وصحيح الترمذي عن أبي ذر الغفاري قال: كنا مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم في سفر فأراد المؤذن أن يؤذن للظهر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~(أبرد) ثم أراد أن يؤذن فقال له: (أبرد) حتى رأينا فئ التلول، فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: (إن شدة الحر من فيح (3) جهنم فإذا اشتد الحر فأبردوا ~~بالصلاة). # وفي صحيح مسلم عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الظهر إذا ~~زالت الشمس. # والذي يجمع بين الحديثين ما رواه أنس أنه إذا كان الحر أبرد بالصلاة، ~~وإذا كان البرد عجل. # PageV02P166 # قال أبو عيسى الترمذي: " وقد اختار قوم [من أهل العلم (1)] تأخير صلاة ~~الظهر في شدة الحر، وهو قول ابن المبارك وأحمد وإسحاق. قال الشافعي: إنما ~~الابراد بصلاة الظهر إذا كان [مسجدا (1)] ينتاب (2) أهله من البعد، فأما ~~المصلي وحده والذي يصلي في مسجد قومه فالذي أحب له ألا يؤخر الصلاة في شدة ~~الحر. قال أبو عيسى: ومعنى من ذهب إلى تأخير الظهر (3) في شدة الحر هو أولى ~~وأشبه بالاتباع، وأما ما ذهب إليه الشافعي رحمه الله أن الرخصة ms0588 لمن ينتاب ~~من البعد وللمشقة على الناس، فإن في حديث أبي ذر رضي الله عنه ما يدل على ~~خلاف ما قال الشافعي. قال أبو ذر: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر ~~فأذن بلال بصلاة الظهر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ([يا بلال (1)] ~~أبرد ثم أبرد). فلو كان الامر على ما ذهب إليه الشافعي لم يكن للابراد في ~~ذلك الوقت معنى، لاجتماعهم في السفر وكانوا لا يحتاجون أن ينتابوا من البعد ~~". وأما العصر فتقديمها أفضل. ولا خلاف في مذهبنا أن تأخير الصلاة رجاء ~~الجماعة أفضل من تقديمها، فإن فضل الجماعة معلوم، وفضل أول الوقت مجهول ~~وتحصيل المعلوم أولى، قاله ابن العربي. # الرابعة - قوله تعالى: " أينما تكونوا " شرط، وجوابه: " يأت بكم الله ~~جميعا " يعني يوم القيامة. ثم وصف نفسه تعالى بالقدرة على كل شئ لتناسب ~~الصفة مع ما ذكر من الإعادة بعد الموت والبلى. # قوله تعالى: ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك ~~وما الله بغافل عما تعملون (149) ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام ~~وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا ~~منهم فلا تخشوهم واخشوني ولاتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون (150). # PageV02P167 # قوله تعالى: " ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام " قيل: هذا تأكيد ~~للامر باستقبال الكعبة واهتمام بها، لان موقع التحويل كان صعبا (1) في ~~نفوسهم جدا، فأكد الامر ليرى الناس الاهتمام به فيخف عليهم وتسكن نفوسهم ~~إليه. وقيل: أراد بالأول: ول وجهك شطر الكعبة، أي عاينها إذا صليت تلقاءها. ~~ثم قال: " وحيث ما كنتم " معاشر المسلمين في سائر المساجد بالمدينة وغيرها ~~" فولوا وجوهكم شطره ". ثم قال: # " ومن حيث خرجت " يعني وجوب الاستقبال في الاسفار، فكان هذا أمرا بالتوجه ~~إلى الكعبة في جميع المواضع من نواحي الأرض. # قلت: هذا القول أحسن من الأول، لان فيه حمل كل آية على فائدة. وقد روى ~~الدارقطني عن أنس بن مالك قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ms0589 كان في ~~سفر فأراد أن يصلي على راحلته استقبل القبلة وكبر ثم صلى حيث توجهت به. ~~أخرجه أبو داود أيضا، وبه قال الشافعي وأحمد وأبو ثور. وذهب مالك إلى أنه ~~لا يلزمه الاستقبال، لحديث ابن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يصلي وهو مقبل من مكة إلى المدينة على راحلته. # قال: وفيه نزل " فأينما تولوا فثم وجه الله " وقد تقدم. # قلت: ولا تعارض بين الحديثين، لان هذا من باب المطلق والمقيد، فقول ~~الشافعي أولى، وحديث أنس في ذلك حديث صحيح. ويروى أن جعفر بن محمد سئل ما ~~معنى تكرير القصص في القرآن؟ فقال: علم الله أن كل الناس لا يحفظ القرآن، ~~فلو لم تكن القصة مكررة لجاز أن تكون عند بعض الناس ولا تكون عند بعض، ~~فكررت لتكون عند من حفظ البعض. # قوله تعالى: " لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم " قال ~~مجاهد: # هم مشركو العرب. وحجتهم قولهم: راجعت قبلتنا، وقد أجيبوا عن هذا بقوله: " ~~قل لله المشرق والمغرب ". وقيل: معنى " لئلا يكون للناس عليكم حجة " لئلا ~~يقولوا لكم: # قد أمرتم باستقبال الكعبة ولستم ترونها، فلما قال عز وجل: " وحيث ما كنتم ~~فولوا # PageV02P168 # وجوهكم شطره " زال هذا. وقال أبو عبيدة: إن " إلا " ها هنا بمعنى الواو، ~~أي والذين ظلموا، فهو استثناء بمعنى الواو، ومنه قول الشاعر (1): # ما بالمدينة دار غير واحدة * دار الخليفة إلا دار مروانا كأنه قال: إلا ~~دار الخليفة ودار مروان، وكذا قيل في قوله تعالى: " إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات فلهم أجر غير ممنون (2) " أي الذين آمنوا. وأبطل الزجاج هذا القول ~~وقال: # هذا خطأ عند الحذاق من النحويين، وفيه بطلان المعاني، وتكون " إلا " وما ~~بعدها مستغني عن ذكرهما. والقول عندهم أن هذا استثناء ليس من الأول، أي لكن ~~الذين ظلموا منهم فإنهم يحتجون. قال أبو إسحاق الزجاج: أي عرفكم الله أمر ~~الاحتجاج في القبلة في قوله: " ولكل وجهة هو موليها " " ولئلا يكون للناس ~~عليكم حجة " إلا من ظلم باحتجاجه فيما قد وضح ms0590 له، كما تقول: مالك على حجة ~~إلا الظلم أو إلا أن تظلمني، أي مالك حجة البتة ولكنك تظلمني، فسمى ظلمه ~~حجة لان المحتج به سماه حجة وإن كانت داحضة. # وقال قطرب: يجوز أن يكون المعنى لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا على الذين ~~ظلموا، فالذين بدل من الكاف والميم في " عليكم ". وقالت فرقة: " إلا الذين ~~" استثناء متصل، روي معناه عن ابن عباس وغيره، واختاره الطبري وقال: نفى ~~الله أن يكون لاحد حجة على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في استقبالهم ~~الكعبة. والمعنى: لا حجة لاحد عليكم إلا الحجة الداحضة. حيث قالوا: ما ~~ولاهم، وتحير محمد في دينه، وما توجه إلى قبلتنا إلا أنا كنا أهدى منه، ~~وغير ذلك من الأقوال التي لم تنبعث إلا من عابد وثن أو يهودي أو منافق. ~~والحجة بمعنى المحاجة التي هي المخاصمة والمجادلة. وسماها الله حجة وحكم ~~بفسادها حيث كانت من ظلمة. # وقال ابن عطية: وقيل إن الاستثناء منقطع، وهذا على أن يكون المراد بالناس ~~اليهود، ثم استثنى كفار العرب، كأنه قال: لكن الذين ظلموا يحاجونكم، وقوله ~~" منهم " يرد هذا التأويل. والمعنى لكن الذين ظلموا، يعني كفار قريش في ~~قولهم: رجع محمد إلى قبلتنا # PageV02P169 # وسيرجع إلى ديننا كله. ويدخل في ذلك كل من تكلم في النازلة من غير ~~اليهود. وقرأ ابن عباس وزيد بن علي وابن زيد " ألا الذين ظلموا " بفتح ~~الهمزة وتخفيف اللام على معنى استفتاح الكلام، فيكون " الذين ظلموا " ~~ابتداء، أو على معنى الاغراء، فيكون " الذين " منصوبا بفعل مقدر. # قوله تعالى: " فلا تخشوهم " يريد الناس " واخشوني " الخشية أصلها طمأنينة ~~في القلب تبعث على التوقي. والخوف: فزع القلب تخف له الأعضاء، ولخفة ~~الأعضاء به سمي خوفا. # ومعنى الآية التحقير لكل من سوى الله تعالى، والامر باطراح أمرهم ومراعاة ~~أمر الله تعالى. # قوله تعالى: " ولاتم نعمتي عليكم " معطوف على " لئلا يكون " أي ولان أتم، ~~قاله الأخفش. وقيل: مقطوع (1) في موضع رفع بالابتداء والخبر مضمر، التقدير: ~~ولاتم نعمتي عليكم عرفتكم قبلتي، قاله الزجاج. وإتمام النعمة ms0591 الهداية إلى ~~القبلة، وقيل: دخول الجنة. قال سعيد بن جبير: ولم تتم نعمة الله على عبد ~~حتى يدخله الجنة. و " لعلكم تهتدون " تقدم (2). # قوله تعالى: كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلوا عليكم آياتنا ويزكيكم ~~ويعلمكم الكتب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون (151). # قوله تعالى: " كما أرسلنا " الكاف في موضع نصب على النعت لمصدر محذوف، ~~المعنى: # ولاتم نعمتي عليكم إتماما مثل ما أرسلنا، قاله الفراء. قال ابن عطية: ~~وهذا أحسن الأقوال، أي ولاتم نعمتي عليكم في بيان سنة إبراهيم عليه السلام ~~مثل ما أرسلنا. وقيل: المعنى ولعلكم تهتدون اهتداء مثل ما أرسلنا. وقيل: هي ~~في موضع نصب على الحال، والمعنى: ولاتم نعمتي عليكم في هذه الحال. والتشبيه ~~واقع على أن النعمة في القبلة كالنعمة في الرسالة، وأن الذكر المأمور به في ~~عظمه كعظم النعمة. وقيل: معنى الكلام على التقديم والتأخير، أي فاذكروني # PageV02P170 # كما أرسلنا روي عن علي رضي الله عنه واختاره الزجاج. أي كما أرسلنا فيكم ~~رسولا تعرفونه بالصدق فاذكروني بالتوحيد والتصديق به. والوقف على " تهتدون ~~" على هذا القول جائز. # قلت: وهذا اختيار الترمذي الحكيم في كتابه، أي كما فعلت بكم هذا من المنن ~~التي عددتها عليكم فاذكروني بالشكر أذكركم بالمزيد، لان في ذكركم ذلك شكرا ~~لي، وقد وعدتكم بالمزيد على الشكر، وهو قوله: " لئن شكرتم لأزيدنكم (1) "، ~~فالكاف في قوله " كما " هنا، وفي الأنفال " كما أخرجك ربك (2) " وفي آخر ~~الحجر " كما أنزلنا على المقتسمين " متعلقة بما بعده، على ما يأتي بيانه ~~(3). # قوله تعالى: فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون (152). # يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين (153). # قوله تعالى: " فاذكروني أذكركم " أمر وجوابه، وفيه معنى المجازاة فلذلك ~~جزم. # وأصل الذكر التنبه بالقلب للمذكور والتيقظ له. وسمي الذكر باللسان ذكرا ~~لأنه دلالة على الذكر القلبي، غير أنه لما كثر إطلاق الذكر على القول ~~اللساني صار هو السابق للفهم. # ومعنى الآية: اذكروني بالطاعة أذكركم بالثواب والمغفرة، قاله سعيد بن ~~جبير. وقال أيضا: الذكر طاعة الله، فمن لم يطعه لم يذكره ms0592 وإن أكثر التسبيح ~~والتهليل و قراءة القرآن، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: (من أطاع الله ~~فقد ذكر الله وإن أقل صلاته وصومه وصنيعه للخير ومن عصى الله فقد نسي الله ~~وإن كثر صلاته وصومه وصنيعه للخير)، ذكره أبو عبد الله محمد بن خويز منداد ~~في " أحكام القرآن " له. وقال أبو عثمان النهدي: إني لاعلم الساعة التي ~~يذكرنا الله فيها، قيل له: ومن أين تعلمها؟ قال يقول الله عز وجل: " ~~فاذكروني أذكركم ". وقال السدي: ليس من عبد يذكر الله إلا ذكره الله عز ~~وجل، لا يذكره مؤمن إلا ذكره الله برحمته، ولا يذكره كافر إلا ذكره الله ~~بعذاب. وسئل أبو عثمان فقيل له: نذكر الله ولا نجد في قلوبنا حلاوة؟ فقال: ~~احمدوا الله تعالى على أن زين جارحة من جواركم بطاعته. # وقال ذو النون المصري رحمه الله: من ذكر الله تعالى ذكرا على الحقيقة نسي ~~في جنب ذكره # PageV02P171 # كل شئ، وحفظ الله عليه كل شئ، وكان له عوضا من كل شئ. وقال معاذ بن جبل ~~رضي الله عنه: ما عمل ابن آدم من عمل أنجى له من عذاب الله من ذكر الله. ~~والأحاديث في فضل الذكر وثوابه كثيرة خرجها الأئمة. روى ابن ماجة عن عبد ~~الله بن بسر أن أعرابيا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن شرائع ~~الاسلام قد كثرت علي فأنبئني منها بشئ أتشبث به، قال: (لا يزال لسانك رطبا ~~من ذكر الله عز وجل). وخرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~(إن الله عز وجل يقول أنا مع عبدي إذا هو ذكرني وتحركت بي شفتاه). وسيأتي ~~لهذا الباب مزيد بيان عند قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا إذ كروا الله ~~ذكرا كثيرا (1) " وأن المراد ذكر القلب الذي يجب استدامته في عموم الحالات. # قوله تعالى: " واشكروا لي ولا تكفرون " قال الفراء يقال: شكرتك وشكرت لك، ~~ونصحتك ونصحت لك، والفصيح الأول (2). والشكر معرفة الاحسان والتحدث به، ~~وأصله في اللغة الظهور، وقد تقدم (3). فشكر ms0593 العبد لله تعالى ثناؤه عليه ~~بذكر إحسانه إليه، وشكر الحق سبحانه للعبد ثناؤه عليه بطاعته له، إلا أن ~~شكر العبد نطق باللسان وإقرار بالقلب بإنعام الرب مع الطاعات. # قوله تعالى: " ولا تكفرون " نهي، ولذلك حذفت منه نون الجماعة، وهذه نون ~~المتكلم. # وحذفت الياء لأنها رأس آية، وإثباتها أحسن في غير القرآن، أي لا تكفروا ~~نعمتي وأيادي. # فالكفر هنا ستر النعمة لا التكذيب. وقد مضى القول في الكفر (4) لغة، مضى ~~القول في معنى الاستعانة (5) بالصبر والصلاة، فلا معنى للإعادة. # قوله تعالى: ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموت بل أحياء ولكن لا ~~تشعرون (154) # PageV02P172 # هذا مثل قوله تعالى في الآية الأخرى: " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل ~~الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون "، وهناك (1) يأتي الكلام في الشهداء ~~وأحكامهم، إن شاء الله تعالى. # وإذا كان الله تعالى يحييهم بعد الموت ليرزقهم - على ما يأتي - فيجوز أن ~~يحيي الكفار ليعذبهم، ويكون فيه دليل على عذاب القبر. والشهداء أحياء كما ~~قال الله تعالى، وليس معناه أنهم سيحيون، إذ لو كان كذلك لم يكن بين ~~الشهداء وبين غيرهم فرق إذ كل أحد سيحيا. ويدل على هذا قوله تعالى: " ولكن ~~لا تشعرون " والمؤمنون يشعرون أنهم سيحيون. # وارتفع " أموات " على إضمار مبتدأ، وكذلك " بل أحياء " أي هم أموات وهم ~~أحياء، ولا يصح إعمال القول فيه لأنه ليس بينه وبينه تناسب، كما يصح في ~~قولك: قلت كلاما وحجة. # قوله تعالى: ولنبلونكم بشئ من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس ~~والثمرات وبشر الصابرين (155). # قوله تعالى: " ولنبلونكم " هذه الواو مفتوحة عند سيبويه لالتقاء ~~الساكنين. وقال غيره: لما ضمت إلى النون الثقيلة بني الفعل فصار بمنزلة ~~خمسة عشر. والبلاء يكون حسنا ويكون سيئا. وأصله المحنة، وقد تقدم (2). ~~والمعنى لنمتحننكم لنعلم المجاهد والصابر علم معاينة حتى يقع عليه الجزاء، ~~كما تقدم. وقيل: إنما ابتلوا بهذا ليكون آية لمن بعدهم فيعلموا أنهم إنما ~~صبروا على هذا حين وضح لهم الحق. وقيل: أعلمهم بهذا ليكونوا على يقين منه ~~أنه يصيبهم، فيوطنوا أنفسهم ms0594 عليه فيكونوا أبعد لهم من الجزع، وفيه تعجيل ~~ثواب الله تعالى على العزم وتوطين النفس. # قوله تعالى: " بشئ " لفظ مفرد ومعناه الجمع. وقرأ الضحاك " بأشياء " على ~~الجمع وقرأ الجمهور بالتوحيد، أي بشئ من هذا وشئ من هذا، فاكتفى بالأول ~~إيجازا " من الخوف " أي خوف العدو والفزع في القتال، قاله ابن عباس. وقال ~~الشافعي: هو خوف # PageV02P173 # الله عز وجل. " والجوع " يعني المجاعة بالجدب والقحط، في قول ابن عباس. ~~وقال الشافعي: هو الجوع في شهر رمضان " ونقص من الأموال " بسبب الاشتغال ~~بقتال الكفار. # وقيل: الجوائح المتلفة. وقال الشافعي: بالزكاة المفروضة. " والأنفس " قال ~~ابن عباس: # بالقتل ولموت في الجهاد. وقال الشافعي: يعني بالأمراض. " والثمرات " قال ~~الشافعي: # المراد موت الأولاد، وولد الرجل ثمرة قلبه، كما جاء في الخبر، على ما ~~يأتي. وقال ابن عباس: المراد قلة النبات وانقطاع البركات. # قوله تعالى: " وبشر الصابرين " أي بالثواب على الصبر. والصبر أصله الحبس، ~~وثوابه غير مقدر، وقد تقدم (1). لكن لا يكون ذلك إلا بالصبر عند الصدمة ~~الأولى، كما روى البخاري عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما ~~الصبر عند الصدمة الأولى). # وأخرجه مسلم أتم منه، أي إنما الصبر الشاق على النفس الذي يعظم الثواب ~~عليه إنما هو عند هجوم المصيبة وحرارتها، فإنه يدل على قوة القلب وتثبته في ~~مقام الصبر، وأما إذا بردت حرارة المصيبة فكل أحد يصبر إذ ذاك، ولذلك قيل: ~~يجب على كل عاقل أن يلتزم عند المصيبة ما لا بد للأحمق منه بعد ثلاث. وقال ~~سهل بن عبد الله التستري: لما قال تعالى: # " وبشر الصابرين " صار الصبر عيشا (2). والصبر صبران: صبر عن معصية الله، ~~فهذا مجاهد، وصبر على طاعة الله، فهذا عابد. فإذا صبر عن معصية الله وصبر ~~على طاعة الله أورثه الله الرضا بقضائه، وعلامة الرضا سكون القلب بما ورد ~~على النفس من المكروهات والمحبوبات. # وقال الخواص: الصبر الثبات على أحكام الكتاب والسنة. وقال رويم: الصبر ~~ترك الشكوى. # وقال ذو النون المصري: الصبر هو الاستعانة بالله تعالى. وقال الأستاذ أبو ms0595 ~~علي: # الصبر حده ألا تعترض على التقدير، فأما إظهار البلوى على غير وجه الشكوى ~~فلا ينافي الصبر، قال الله تعالى في قصة أيوب: " إنا وجدناه صابرا نعم ~~العبد (3) " مع ما أخبر عنه أنه قال: " مسني الضر ". # PageV02P174 # قوله تعالى: الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا وإنا إليه راجعون (156). ~~أولئك عليهم صلوت من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون (157). # فيه ست مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " مصيبة " المصيبة: كل ما يؤذي المؤمن ويصيبه، ~~يقال: # أصابه إصابة ومصابة ومصابا. والمصيبة واحدة المصائب. والمصوبة (بضم ~~الصاد) مثل المصيبة. وأجمعت العرب على همز المصائب، وأصله الواو، كأنهم ~~شبهوا الأصلي بالزائد، ويجمع على مصاوب، وهو الأصل. والمصاب الإصابة، قال ~~الشاعر: # أسليم إن مصابكم رجلا * أهدى السلام تحية ظلم وصاب السهم القرطاس يصيب ~~صبيا، لغة في أصابه. والمصيبة: النكبة ينكبها الانسان وإن صغرت، وتستعمل في ~~الشر، روى عكرمة أن مصباح رسول الله صلى الله عليه وسلم انطفأ ذات ليلة ~~فقال: " إنا لله وإنا إليه راجعون " فقيل: أمصيبة هي يا رسول الله؟ # قال: (نعم كل ما آذى المؤمن فهو مصيبة). # قلت: هذا ثابت معناه في الصحيح، خرج مسلم عن أبي سعيد وعن أبي هريرة رضي ~~الله عنهما أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما يصيب المؤمن ~~من وصب ولا نصب ولا سقم ولا حزن حتى الهم يهمه (1) إلا كفر به من سيئاته). # الثانية - خرج ابن ماجة في سننه حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع بن ~~الجراح عن هشام بن زياد عن أمه عن فاطمة بنت الحسين عن أبيها قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: (من أصيب بمصيبة فذكر مصيبته فأحدث استرجاعا وإن ~~تقادم عهدها كتب الله له من الاجر مثله يوم أصيب). # PageV02P175 # الثالثة - من أعظم المصائب المصيبة في الدين، ذكر أبو عمر عن الفريابي ~~قال حدثنا فطر بن خليفة حدثنا عطاء بن أبي رباح قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # (إذا أصاب أحدكم مصيبة فليذكر مصابه بي فإنها من أعظم المصائب). ms0596 أخرجه ~~السمرقندي أبو محمد في مسنده، أخبرنا أبو نعيم قال: أنبأنا فطر...، فذكر ~~مثله سواء. وأسند مثله عن مكحول مرسلا. قال أبو عمر: وصدق رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، لان المصيبة به أعظم من كل مصيبة يصاب بها المسلم بعده إلى ~~يوم القيامة، انقطع الوحي وماتت النبوة. # وكان أول ظهور الشر بارتداد العرب وغير ذلك، وكان أول انقطاع الخير وأول ~~نقصانه. # قال أبو سعيد: ما نفضنا أيدينا من التراب من قبر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حتى أنكرنا قلوبنا. ولقد أحسن أبو العتاهية في نظمه معنى هذا الحديث ~~حيث يقول: # اصبر لكل مصيبة وتجلد * واعلم بأن المرء غير مخلد أو ما ترى أن المصائب ~~جمة * وترى المنية للعباد بمرصد من لم يصب ممن ترى بمصيبة؟ * هذا سبيل لست ~~فيه بأوحد فإذا ذكرت محمدا ومصابه * فاذكر مصابك بالنبي محمد الرابعة - ~~قوله تعالى: " قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون " جعل الله تعالى هذه ~~الكلمات ملجأ لذوي المصائب، وعصمة للممتحنين: لما جمعت من المعاني ~~المباركة، فإن قوله: " إنا لله " توحيد وإقرار بالعبودية والملك. وقوله: " ~~وإنا إليه راجعون " إقرار بالهلك، على أنفسنا والبعث من قبورنا، واليقين أن ~~رجوع الامر كله إليه كما هو له. قال سعيد ابن جبير رحمه الله تعالى: لم تعط ~~هذه الكلمات نبيا قبل نبينا، ولو عرفها يعقوب لما قال: يا أسفي على يوسف. # الخامسة - قال أبو سنان: دفنت ابني سنانا، وأبو طلحة الخولاني على شفير ~~القبر، فلما أردت الخروج أخذ بيدي فأنشطني وقال: ألا أبشرك يا أبا سنان، ~~حدثني الضحاك عن أبي موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا مات ولد ~~العبد قال الله لملائكته أقبضتم ولد عبدي فيقولون نعم فيقول أقبضتم ثمرة ~~فؤاده فيقولون نعم فيقول فماذا قال عبدي PageV02P176 # فيقولون حمدك واسترجع فيقول الله تعالى ابنوا لعبدي بيتا في الجنة وسموه ~~بيت الحمد). # وروى مسلم عن أم سلمة قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما ~~من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره ms0597 الله عز وجل إنا لله وإنا إليه راجعون ~~اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها إلا أخلف الله له خيرا منها). ~~فهذا تنبيه على قوله تعالى: " وبشر الصابرين " إما بالخلف كما أخلف الله ~~لام سلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه تزوجها لما مات أبو سلمة ~~زوجها. وإما بالثواب الجزيل، كما في حديث أبي موسى، وقد يكون بهما. # السادسة - قوله تعالى: " أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة " هذه نعم من ~~الله عز وجل على الصابرين المسترجعين. وصلاة الله على عبده: عفوه ورحمته ~~وبركته وتشريفه إياه في الدنيا والآخرة. وقال الزجاج: الصلاة من الله عز ~~وجل الغفران والثناء الحسن. # ومن هذا الصلاة على الميت إنما هو الثناء عليه والدعاء له، وكرر الرحمة ~~لما اختلف اللفظ تأكيدا وإشباعا للمعنى، كما قال: " من البينات والهدى "، ~~وقوله " أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم ". وقال الشاعر: صلى على يحيى ~~وأشياعه * رب كريم وشفيع مطاع وقيل: أراد بالرحمة كشف الكربة وقضاء الحاجة. ~~وفي البخاري وقال عمر رضي الله عنه: # نعم العدلان ونعم العلاوة: " الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا ~~إليه راجعون. # أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون ". أراد بالعدلين ~~الصلاة والرحمة، وبالعلاوة الاهتداء. قيل: إلى استحقاق الثواب وإجزال ~~الاجر، وقيل: إلى تسهيل المصائب وتخفيف الحزن. # قوله تعالى: إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا ~~جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم (158). ~~PageV02P177 # فيه تسع مسائل: # الأولى - روى البخاري عن عاصم بن سليمان قال: سألت أنس بن مالك عن الصفا ~~والمروة فقال: كنا نرى أنهما من أمر الجاهلية، فلما كان الاسلام أمسكنا ~~عنهما، فأنزل الله عز وجل: # " إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه ~~أن يطوف بهما ". # وخرج الترمذي عن عروة قال: (قلت لعائشة ما أرى على أحد لم يطف بين الصفا ~~والمروة شيئا، وما أبالي ألا أطوف بينهما. فقالت: بئس ما قلت ms0598 يا بن أختي! ~~طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم وطاف المسلمون، وإنما كان من أهل لمناة ~~(1) الطاغية التي بالمشلل لا يطوفون بين الصفا والمروة، فأنزل الله تعالى: ~~" فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما " ولو كانت كما تقول ~~لكانت: " فلا جناح عليه ألا يطوف بهما ". قال الزهري: فذكرت ذلك لأبي بكر ~~بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فأعجبه ذلك وقال: إن هذا لعلم، ولقد سمعت ~~رجالا من أهل العلم يقولون: إنما كان من لا يطوف بين الصفا والمروة من ~~العرب يقولون إن طوافنا بين هذين الحجرين من أمر الجاهلية. وقال آخرون من ~~الأنصار: إنما أمرنا بالطواف [بالبيت (2)] ولم نؤمر به بين الصفا والمروة، ~~فأنزل الله تعالى: " إن الصفا والمروة من شعائر الله " قال أبو بكر بن عبد ~~الرحمن: فأراها قد نزلت في هؤلاء وهؤلاء. # قال: " هذا حديث حسن صحيح ". أخرجه البخاري بمعناه، وفيه بعد قوله فأنزل ~~الله تعالى " إن الصفا والمروة من شعائر الله ": " قالت عائشة وقد سن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما ~~"، ثم أخبرت أبا بكر بن عبد الرحمن فقال: إن هذا لعلم ما كنت سمعته، ولقد ~~سمعت رجالا من أهل العلم يذكرون أن الناس - إلا من ذكرت عائشة - ممن كان ~~يهل بمناة كانوا يطوفون كلهم بالصفا والمروة، فلما ذكر الله تعالى الطواف ~~بالبيت ولم يذكر الصفا والمروة في القرآن قالوا: يا رسول الله، كنا نطوف ~~بالصفا والمروة، وإن الله أنزل الطواف بالبيت فلم يذكر الصفا، فهل علينا من ~~حرج أن # PageV02P178 # نطوف بالصفا والمروة؟ فأنزل الله عز وجل: " إن الصفا والمروة من شعائر ~~الله " الآية. # قال أبو بكر: فأسمع هذه الآية نزلت في الفريقين كليهما: في الذين كانوا ~~يتحرجون أن يطوفوا في الجاهلية بالصفا والمروة، والذين يطوفون ثم تحرجوا أن ~~يطوفوا بهما في الاسلام، من أجل أن الله تعالى أمر بالطواف بالبيت، ولم ~~يذكر الصفا حتى ذكر ذلك بعد ما ذكر الطواف بالبيت ". وروى ms0599 الترمذي عن عاصم ~~بن سليمان الأحول قال: (سألت أنس بن مالك (1) عن الصفا والمروة فقال: كانا ~~من شعائر الجاهلية، فلما كان الاسلام أمسكنا عنهما، فأنزل الله عز وجل: " ~~إن الصفا والمروة بن شعائر الله قمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن ~~يطوف بهما " قال: هما تطوع، " ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم). قال: # هذا حديث حسن صحيح ". خرجه البخاري أيضا. وعن ابن عباس قال: كان في ~~الجاهلية شياطين تعزف الليل كله بين الصفا والمروة وكان بينهما آلهة، فلما ~~ظهر الاسلام قال المسلمون: # يا رسول الله، لا نطوف بين الصفا والمروة فإنهما شرك، فنزلت. وقال ~~الشعبي: كان على الصفا في الجاهلية صنم يسمى " إسافا " وعلى المروة صنم ~~يسمى " نائلة " فكانوا يمسحونهما إذا طافوا، فامتنع المسلمون من الطواف ~~بينهما من أجل ذلك، فنزلت الآية. # الثانية - أصل الصفا في اللغة الحجر الأملس، وهو هنا جبل بمكة معروف، ~~وكذلك المروة جبل أيضا، ولذلك أخرجهما بلفظ التعريف. وذكر الصفا لان آدم ~~المصطفى صلى الله عليه وسلم وقف عليه فسمي به، ووقفت حواء على المروة فسميت ~~باسم المرأة، فأنث لذلك، والله أعلم. وقال الشعبي: كان على الصفا صنم يسمى ~~" إسافا " وعلى المروة صنم يدعى " نائلة " فاطرد ذلك في التذكير والتأنيث ~~وقدم المذكر، وهذا حسن، لان الأحاديث المذكورة تدل على هذا المعنى. وما كان ~~كراهة من كره الطواف بينهما إلا من أجل هذا، حتى رفع الله الحرج في ذلك. ~~وزعم أهل الكتاب أنهما زنيا في الكعبة فمسخهما الله حجرين # PageV02P179 # فوضعهما على الصفا والمروة ليعتبر بهما، فلما طالت المدة عبدا من دون ~~الله، والله تعالى أعلم. # والصفا (مقصور): جمع صفاة، وهي الحجارة الملس. وقيل: الصفا اسم مفرد، ~~وجمعه صفى (بضم الصاد) وأصفاء على مثل أرحاء. قال الراجز (1): # كأن متنيه (2) من النفي * مواقع الطير على الصفي وقيل: من شروط الصفا ~~البياض والصلابة، واشتقاقه من صفا يصفو، أي خلص من التراب والطين. والمروة ~~(واحدة المرو) وهي الحجارة الصغار التي فيها لين. وقد قيل إنها الصلاب. ~~والصحيح أن ms0600 المرو الحجارة صليبها ورخوها الذي يتشظى وترق حاشيته، وفي هذا ~~يقال: المرو أكثر ويقال في الصليب. قال الشاعر: # وتولى الأرض خفا ذابلا * فإذا ما صادف المرو رضخ وقال أبو ذؤيب: # حتى كأني للحوادث مروة * بصفا المشقر (3) كل يوم تقرع وقد قيل: إنها ~~الحجارة السود. وقيل: حجارة بيض براقة تكون فيها النار. # الثالثة - قوله تعالى: " من شعائر الله " أي من معالمه ومواضع عباداته، ~~وهي جمع شعيرة. والشعائر: المتعبدات التي أشعرها الله تعالى، أي جعلها ~~أعلاما للناس، من الموقف والسعي والنحر. والشعار: العلامة، يقال: أشعر ~~الهدي أعلمه بغرز حديدة في سنامه، من قولك: أشعرت أي أعلمت، وقال الكميت: # نقتلهم جيلا فجيلا تراهم * شعائر قربان بهم يتقرب # PageV02P180 # الرابعة - قوله تعالى: " فمن حج البيت " أي قصد. وأصل الحج القصد، قال ~~الشاعر (1): # فأشهد من عوف حلولا (2) كثيرة * يحجون سب الزبرقان المزعفرا السب: لفظ ~~مشترك. قال أبو عبيدة: السب (بالكسر) الكثير السباب. وسبك أيضا الذي يسابك، ~~قال الشاعر (3): # لا تسبنني فلست بسبي * إن سبى من الرجال الكريم والسب أيضا الخمار، وكذلك ~~العمامة، قال المخبل السعدي: # * يحجون سب الزبرقان المزعفرا * والسب أيضا الحبل في لغة هذيل، قال أبو ~~ذؤيب: # تدلى عليها بين سب وخيطة * بجرداء مثل الوكف يكبو غرابها * والسبوب: ~~الحبال. والسب: شقة كتان رقيقة، والسبيبة مثله، والجمع السبوب والسبائب، ~~قاله الجوهري. وحج الطبيب الشجة إذا سبرها بالميل، قال الشاعر (4): # * يحج مأمومة (5) في قعرها لجف * اللجف: الخسف. تلجفت البئر: انخسف ~~أسفلها. ثم اختص هذا الاسم بالقصد إلى البيت الحرام لافعال مخصوصة. # الخامسة - قوله تعالى: " أو اعتمر " أي زار. والعمرة: الزيارة، قال ~~الشاعر (6): # لقد سما ابن معمر حين اعتمر * مغزى بعيدا من بعيد وضبر (7) # PageV02P181 # السادسة - قوله تعالى: " فلا جناح عليه " أي لا إثم. وأصله من الجنوح وهو ~~الميل، ومنه الجوانح للأعضاء لاعوجاجها. وقد تقدم تأويل عائشة لهذه الآية. ~~قال ابن العربي " وتحقيق القول فيه أن قول القائل: لا جناح عليك أن تفعل، ~~إباحة الفعل. # وقوله: لا جناح عليك ألا تفعل، إباحة لترك الفعل، فلما سمع عروة قول الله ms0601 ~~تعالى: # " فلا جناح عليه أن يطوف بهما " قال: هذا دليل على أن ترك الطواف جائز، ~~ثم رأى الشريعة مطبقة على أن الطواف لا رخصة في تركه فطلب الجمع بين هذين ~~المتعارضين. # فقالت له عائشة: ليس قوله: " فلا جناح عليه أن يطوف بهما " دليلا على ترك ~~الطواف، إنما كان يكون دليلا على تركه لو كان " فلا جناح عليه ألا يطوف ~~بهما " فلم يأت هذا اللفظ لإباحة ترك الطواف، ولا فيه دليل عليه، وإنما جاء ~~لإفادة إباحة الطواف لمن كان يتحرج منه في الجاهلية، أو لمن كان يطوف به في ~~الجاهلية قصدا للأصنام التي كانت فيه، فأعلمهم الله سبحانه أن الطواف ليس ~~بمحظور إذا لم يقصد الطائف قصدا باطلا ". # فإن قيل: فقد روى عطاء عن ابن عباس أنه قرأ " فلا جناح عليه ألا يطوف ~~بهما " وهي قراءة ابن مسعود، ويروى أنها في مصحف أبى كذلك، ويروى عن أنس ~~مثل هذا. # والجواب أن ذلك خلاف ما في المصحف، ولا يترك ما قد ثبت في المصحف إلى ~~قراءة لا يدرى أصحت أم لا، وكان عطاء يكثر الارسال عن ابن عباس من غير ~~سماع. والرواية في هذا عن أنس قد قيل إنها ليست بالمضبوطة، أو تكون " لا " ~~زائدة للتوكيد، كما قال: # وما ألوم البيض ألا تسخرا * لما رأين الشمط القفندرا (1) السابعة - روى ~~الترمذي عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم مكة فطاف بالبيت سبعا ~~فقرأ: " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى " وصلى خلف المقام، ثم أتى الحجر ~~فاستلمه ثم قال: (نبدأ بما بدأ الله به) فبدأ بالصفا وقال (2) " إن الصفا ~~والمروة من # PageV02P182 # شعائر الله " قال: هذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم أنه ~~يبدأ بالصفا قبل المروة، فإن بدأ بالمروة قبل الصفا لم يجزه ويبدأ بالصفا. # الثامنة - واختلف العلماء في وجوب السعي بين الصفا والمروة، فقال الشافعي ~~وابن حنبل: هو ركن، وهو المشهور من مذهب مالك، لقوله عليه السلام: (اسعوا ~~فإن الله كتب عليكم السعي). خرجه الدارقطني. وكتب بمعنى أوجب، ms0602 لقوله تعالى: ~~" كتب عليكم الصيام "، وقوله عليه السلام: (خمس صلوات كتبهن الله على ~~العباد). وخرج ابن ماجة عن أم ولد لشيبة قالت: رأيت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يسعى بين الصفا والمروة وهو يقول: (لا يقطع الأبطح إلا شدا (1)) ~~فمن تركه أو شوطا منه ناسيا أو عامدا رجع من بلده أو من حيث ذكر إلى مكة، ~~فيطوف ويسعى، لان السعي لا يكون إلا متصلا بالطواف. # وسواء عند مالك كان ذلك في حج أو عمرة وإن لم يكن في العمرة فرضا، فإن ~~كان قد أصاب النساء فعليه عمرة وهدي عند مالك مع تمام مناسكه. وقال ~~الشافعي: عليه هدى، ولا معنى للعمرة إذا رجع وطاف وسعى. وقال أبو حنيفة ~~وأصحابه والثوري والشعبي: ليس بواجب، فإن تركه أحد من الحاج حتى يرجع إلى ~~بلاده جبره بالدم، لأنه سنة من سنن الحج. وهو قول مالك في العتبية (2). ~~وروي عن ابن عباس وابن الزبير وأنس بن مالك وابن سيرين أنه تطوع، لقوله ~~تعالى: " ومن تطوع خيرا ". وقرأ حمزة والكسائي " يطوع " مضارع مجزوم، وكذلك ~~" فمن تطوع خيرا فهو خير له " الباقون " تطوع " ماض، وهو ما يأتيه المؤمن ~~من قبل نفسه فمن أتى بشئ من النوافل فإن الله يشكره. وشكر الله للعبد ~~إثابته على الطاعة. والصحيح ما ذهب إليه الشافعي رحمه الله تعالى لما ~~ذكرنا، وقوله عليه السلام: (خذوا عني مناسككم) فصار بيانا لمجمل الحج، ~~فالواجب أن يكون فرضا، كبيانه لعدد الركعات، وما كان مثل ذلك إذا لم يتفق ~~على أنه سنة أو تطوع. وقال طليب: رأى ابن عباس قوما يطوفون بين الصفا ~~والمروة فقال: هذا ما أورثتكم أمكم أم إسماعيل. # PageV02P183 # قلت: وهذا ثابت في صحيح البخاري، على ما يأتي بيانه في سورة " إبراهيم ~~(1) ". # التاسعة - ولا يجوز أن يطوف أحد بالبيت ولا بين الصفا والمروة راكبا إلا ~~من عذر، فإن طاف معذورا فعليه دم، وإن طاف غير معذور أعاد إن كان بحضرة ~~البيت، وإن غاب عنه أهدى. إنما قلنا ذلك لان النبي صلى الله عليه وسلم ms0603 طاف ~~بنفسه وقال: (خذوا عني مناسككم). وإنما جوزنا ذلك من العذر، لان النبي صلى ~~الله عليه وسلم طاف على بعيره واستلم الركن بمحجنه (2)، وقال لعائشة وقد ~~قالت له: إني أشتكي، فقال: (طوفي من وراء الناس وأنت راكبة). وفرق أصحابنا ~~بين أن يطوف على بعير أو يطوف على ظهر إنسان، فإن طاف على ظهر إنسان لم ~~يجزه، لأنه حينئذ لا يكون طائفا، وإنما الطائف الحامل. وإذا طاف على بعير ~~يكون هو الطائف. قال ابن خويز منداد: وهذه تفرقة اختيار، وأما الاجزاء ~~فيجزئ، ألا ترى أنه لو أغمي عليه فطيف به محمولا، أو وقف به بعرفات محمولا ~~كان مجزئا عنه. # قوله تعالى: إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بينه ~~للناس في الكتب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون (159). # فيه سبع مسائل: # الأولى - أخبر الله تعالى أن الذي يكتم ما أنزل من البينات والهدى ملعون. ~~واختلفوا من المراد بذلك، فقيل: أحبار اليهود ورهبان النصارى الذين كتموا ~~أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وقد كتم اليهود أمر الرجم. وقيل: المراد كل ~~من كتم الحق، فهي عامة في كل من كتم علما من دين الله يحتاج إلى بثه، وذلك ~~مفسر في قوله صلى الله عليه وسلم: (من سئل عن علم [يعلمه (3)] فكتمه ألجمه ~~الله يوم القيامة بلجام من نار). رواه أبو هريرة وعمرو بن العاص، أخرجه ابن ~~ماجة. ويعارضه قول عبد الله بن مسعود: ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه ~~عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة. وقال عليه السلام: (حدث الناس بما يفهمون ~~أتحبون أن # PageV02P184 # يكذب الله ورسوله). وهذا محمول على بعض العلوم، كعلم الكلام أو ما لا ~~يستوي في فهمه جميع العوام، فحكم العالم أن يحدث بما يفهم عنه، وينزل كل ~~إنسان منزلته، والله تعالى أعلم. # الثانية - هذه الآية هي التي أراد أبو هريرة رضي الله عنه في قوله: لولا ~~(1) آية في كتاب الله تعالى ما حدثتكم حديثا. وبها استدل العلماء على وجوب ~~تبليغ العلم الحق، وتبيان العلم على الجملة، ms0604 دون أخذ الأجرة عليه، إذ لا ~~يستحق الأجرة على ما عليه فعله، كما لا يستحق الأجرة على الاسلام. وقد مضى ~~القول (2) في هذا. # وتحقيق الآية هو: أن العالم إذا قصد كتمان العلم عصى، وإذا لم يقصده لم ~~يلزمه التبليغ إذا عرف أنه مع غيره. وأما من سئل فقد وجب عليه التبليغ لهذه ~~الآية وللحديث. أما أنه لا يجوز تعليم الكافر القرآن والعلم حتى يسلم، ~~وكذلك لا يجوز تعليم المبتدع الجدال والحجاج ليجادل به أهل الحق، ولا يعلم ~~الخصم على خصمه حجة يقطع بها ماله، ولا السلطان تأويلا يتطرق به إلى مكاره ~~الرعية، ولا ينشر الرخص في السفهاء فيجعلوا ذلك طريقا إلى ارتكاب ~~المحظورات، وترك الواجبات ونحو ذلك. يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: # (لا تمنعوا الحكمة أهلها فتظلموهم ولا تضعوها في غير أهلها فتظلموها). ~~وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تعلقوا الدر في أعناق الخنازير)، ~~يريد تعليم الفقه من ليس من أهله. وقد قال سحنون: إن حديث أبي هريرة وعمرو ~~بن العاص إنما جاء في الشهادة. قال ابن العربي: والصحيح خلافه، لان في ~~الحديث (من سئل عن علم) ولم يقل عن شهادة، والبقاء على الظاهر حتى يرد عليه ~~ما يزيله، والله أعلم. # الثالثة - قوله تعالى: " من البينات والهدى " يعم المنصوص عليه ~~والمستنبط، لشمول اسم الهدى للجميع. وفيه دليل على وجوب العمل بقول الواحد، ~~لأنه لا يجب عليه البيان إلا وقد وجب قبول قوله، وقال: " إلا الذين تابوا ~~وأصلحوا وبينوا " فحكم بوقوع البيان بخبرهم. # PageV02P185 # فإن قيل: إنه يجوز أن يكون كل واحد منهم منهيا عن الكتمان ومأمورا ~~بالبيان ليكثر المخبرون ويتواتر بهم الخبر. قلنا: هذا غلط، لأنهم لم ينهوا ~~عن الكتمان إلا وهم ممن يجوز عليهم التواطؤ عليه، ومن جاز منهم التواطؤ على ~~الكتمان فلا يكون خبرهم موجبا للعلم، والله تعالى أعلم. # الرابعة - لما قال: " من البينات والهدى " دل على أن ما كان من غير ذلك ~~جائز كتمه، لا سيما إن كان مع ذلك خوف ms0605 فإن ذلك آكد في الكتمان. وقد ترك أبو ~~هريرة ذلك حين خاف فقال: حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين، ~~فأما أحدهما فبثثته، وأما الاخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم. أخرجه البخاري. ~~قال أبو عبد الله (1): البلعوم مجرى الطعام. # قال علماؤنا: وهذا الذي لم يبثه أبو هريرة وخاف على نفسه فيه الفتنة أو ~~القتل إنما هو مما يتعلق بأمر الفتن والنص على أعيان المرتدين والمنافقين، ~~ونحو هذا مما لا يتعلق بالبينات والهدى، والله تعالى أعلم. # الخامسة - قوله تعالى: " من بعد ما بيناه " الكناية في " بيناه " ترجع ~~إلى ما أنزل من البينات والهدى. والكتاب: اسم جنس، فالمراد جميع الكتب ~~المنزلة. # السادسة - قوله تعالى: " أولئك يلعنهم الله " أي يتبرأ منهم ويبعد هم من ~~ثوابه ويقول لهم: عليكم لعنتي، كما قال للعين: " وإن عليك لعنتي ". وأصل ~~اللعن في اللغة الابعاد والطرد، وقد تقدم (2). # السابعة - قوله تعالى: " ويلعنهم اللاعنون " قال قتادة والربيع: المراد ~~ب‍ " اللاعنون " الملائكة والمؤمنون. قال ابن عطية: وهذا واضح جار على ~~مقتضى الكلام. وقال مجاهد وعكرمة: هم الحشرات والبهائم يصيبهم الجدب بذنوب ~~علماء السوء الكاتمين فيلعنونهم. # قال الزجاج: والصواب قول من قال: " اللاعنون " الملائكة والمؤمنون، فأما ~~أن يكون ذلك لدواب الأرض فلا يوقف على حقيقته إلا بنص أو خبر لازم ولم نجد ~~من ذينك شيئا. # PageV02P186 # قلت: قد جاء بذلك خبر رواه البراء بن عازب رضي الله عنه قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: " يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون " ~~قال: (دواب الأرض). # أخرجه ابن ماجة عن محمد بن الصباح أنبأنا عمار بن محمد عن ليث عن أبي ~~المنهال عن زاذان عن البراء، إسناد حسن. # فإن قيل: كيف جمع من لا يعقل جمع من يعقل؟. قيل: لأنه أسند إليهم فعل من ~~يعقل، كما قال: " رأيتهم لي ساجدين (1) " ولم يقل ساجدات، وقد قال: " لم ~~شهدتم علينا (2) "، وقال: " وتراهم ينظرون إليك (3) "، ومثله كثير، وسيأتي ~~إن شاء الله تعالى. # وقال البراء بن عازب وابن عباس: " اللاعنون " كل المخلوقات ما عدا ms0606 ~~الثقلين: الجن والإنس، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الكافر إذا ~~ضرب في قبره فصاح سمعه الكل إلا الثقلين ولعنه كل سامع). وقال ابن مسعود ~~والسدي: (هو الرجل يلعن صاحبه فترتفع اللعنة إلى السماء ثم تنحدر فلا تجد ~~صاحبها الذي قيلت فيه أهلا لذلك، فترجع إلى الذي تكلم بها فلا تجده أهلا ~~فتنطلق فتقع على اليهود الذين كتموا ما أنزل الله تعالى، فهو قوله: # " ويلعنهم اللاعنون " فمن مات منهم ارتفعت اللعنة عنه فكانت فيمن بقى من ~~اليهود). # قوله تعالى: إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا ~~التواب الرحيم (160). # قوله تعالى: " إلا الذين تابوا " استثنى تعالى التائبين الصالحين ~~لاعمالهم وأقوالهم المنيبين لتوبتهم. ولا يكفي في التوبة عند علمائنا قول ~~القائل: قد تبت، حتى يظهر منه في الثاني خلاف الأول، فإن كان مرتدا رجع إلى ~~الاسلام مظهرا شرائعه، وإن كان من أهل المعاصي ظهر منه العمل الصالح، وجانب ~~أهل الفساد والأحوال التي كان عليها، وإن كان من أهل الأوثان جانبهم وخالط ~~أهل الاسلام، وهكذا يظهر عكس ما كان عليه. وسيأتي بيان التوبة وأحكامها في ~~" النساء (4) " إن شاء الله تعالى. وقال بعض العلماء في قوله: # PageV02P187 # " وبينوا " أي بكسر الخمر وإراقتها. وقيل: " بينوا " يعنى ما في التوراة ~~من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ووجوب اتباعه. والعموم أولى على ما بيناه، ~~أي بينوا خلاف ما كانوا عليه، والله تعالى أعلم. " فأولئك أتوب عليهم وأنا ~~التواب الرحيم " تقدم (2) والحمد لله. # قوله تعالى: إن الذين كفروا وماتوا وهم كفارا أولئك عليهم لعنة الله ~~والملائكة والناس أجمعين (161). خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ~~ينظرون (162). فيه ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " وهم كفار " الواو واو الحال. قال ابن العربي: قال ~~لي كثير من أشياخي إن الكافر المعين لا يجوز لعنه، لان حاله عند الموافاة ~~لا تعلم، وقد شرط الله تعالى في هذه الآية في إطلاق اللعنة: الموافاة على ~~الكفر، وأما ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لعن أقواما بأعيانهم ms0607 ~~من الكفار فإنما كان ذلك لعلمه بمالهم. قال ابن العربي: # والصحيح عندي جواز لعنه لظاهر حاله ولجواز قتله وقتاله، وقد روي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: (اللهم إن عمرو بن العاص هجاني وقد علم أنى ~~لست بشاعر فالعنه واهجه عدد ما هجاني). فلعنه، وإن كان الايمان والدين ~~والاسلام مآله. وانتصف بقوله: # (عدد ما هجاني) ولم يزد ليعلم العدل والانصاف. وأضاف الهجو إلى الله ~~تعالى في باب الجزاء دون الابتداء بالوصف بذلك، كما يضاف إليه المكر ~~والاستهزاء والخديعة. سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. # قلت: أما لعن الكفار جملة من غير تعيين فلا خلاف في ذلك، لما رواه مالك ~~عن داود بن الحصين أنه سمع الأعرج يقول: ما أدركت الناس إلا وهم يلعنون ~~الكفرة في رمضان. # قال علماؤنا: وسواء كانت لهم ذمة أم لم تكن، وليس ذلك بواجب، ولكنه مباح ~~لمن # PageV02P188 # فعله، لجحدهم الحق وعداوتهم للدين وأهله، وكذلك كل من جاهر بالمعاصي ~~كشراب الخمر وأكلة الربا، ومن تشبه من النساء بالرجال ومن الرجال بالنساء، ~~إلى غير ذلك مما ورد في الأحاديث لعنه. # الثانية - ليس لعن الكافر بطريق الزجر له عن الكفر، بل هو جزاء على الكفر ~~وإظهار قبح كفره، كان الكافر ميتا أو مجنونا. وقال قوم من السلف: إنه لا ~~فائدة في لعن من جن أو مات منهم، لا بطريق الجزاء ولا بطريق الزجر، فإنه لا ~~يتأثر به. # والمراد بالآية على هذا المعنى أن الناس يلعنونه يوم القيامة ليتأثر بذلك ~~ويتضرر ويتألم قلبه، فيكون ذلك جزاء على كفره، كما قال تعالى: " ثم يوم ~~القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا (1) "، ويدل على هذا القول أن ~~الآية دالة على الاخبار عن الله تعالى بلعنهم، لا على الامر. وذكر ابن ~~العربي أن لعن العاصي المعين لا يجوز اتفاقا، لما روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه أتي بشارب خمر مرارا، فقال بعض من حضره: لعنه الله، ما أكثر ~~ما يؤتى به، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا ms0608 تكونوا عون الشيطان على ~~أخيكم) فجعل له حرمة الاخوة، وهذا يوجب الشفقة، وهذا حديث صحيح. # قلت: خرجه البخاري ومسلم، وقد ذكر بعض العلماء خلافا في لعن العاصي ~~المعين، قال: وإنما قال عليه السلام: (لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم) في ~~حق نعيمان (2) بعد إقامة الحد عليه، ومن أقيم عليه حد الله تعالى فلا ينبغي ~~لعنه، ومن لم يقم عليه الحد فلعنته جائزة سواء سمي أو عين أم لا، لان النبي ~~صلى الله عليه وسلم لا يلعن إلا من تجب عليه اللعنة ما دام على تلك الحالة ~~الموجبة للعن، فإذا تاب منها وأقلع وطهره الحد فلا لعنة تتوجه عليه. وبين ~~هذا قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد ولا يثرب ~~(3)). # PageV02P189 # فدل هذا الحديث مع صحته على أن التثريب واللعن إنما يكون قبل أخذ الحد ~~وقبل التوبة، والله تعالى أعلم. # قال ابن العربي: وأما لعن العاصي مطلقا فيجوز إجماعا، لما روي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده). # الثالثة - قوله تعالى: " أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ~~" أي إبعادهم من رحمته. وأصل اللعن: الطرد والابعاد، وقد تقدم (1). فاللعنة ~~من العباد الطرد، ومن الله العذاب. وقرأ الحسن البصري " والملائكة والناس ~~أجمعون " بالرفع. وتأويلها: # أولئك جزاءهم أن يلعنهم الله ويلعنهم الملائكة ويلعنهم الناس أجمعون، كما ~~تقول: كرهت قيام زيد وعمرو وخالد، لان المعنى: كرهت أن قام زيد. وقراءة ~~الحسن هذه مخالفة للمصاحف. # فإن قيل: ليس يلعنهم جميع الناس لان قومهم لا يلعنونهم، قيل عن هذا ثلاثة ~~أجوبة، أحدها - أن اللعنة من أكثر الناس يطلق عليها لعنة الناس تغليبا لحكم ~~الأكثر على الأقل. # الثاني - قال السدى: كل أحد يلعن الظالم، وإذا لعن الكافر الظالم فقد لعن ~~نفسه. # الثالث - قال أبو العالية: المراد به يوم القيامة يلعنهم قومهم مع جميع ~~الناس، كما قال تعالى: # " ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا (2) ". ثم قال عز ~~وجل: # " خالدين فيها " يعنى في اللعنة، أي ms0609 في جزائها. وقيل: خلودهم في اللعنة ~~أنها مؤبدة عليهم " ولا هم ينظرون " أي لا يؤخرون عن العذاب وقتا من ~~الأوقات. " و " خالدين " نصب على الحال من الهاء والميم في " عليهم "، ~~والعامل فيه الظرف من قوله: " عليهم " لان فيها معنى استقرار اللعنة. # قوله تعالى: وإلهكم إله وحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم (163). # فيه مسألتان: # الأولى - قوله تعالى: " وإلهكم إله واحد " لما حذر تعالى من كتمان الحق ~~بين أن أول ما يجب إظهاره ولا يجوز كتمانه أمر التوحيد، ووصل ذلك بذكر ~~البرهان، وعلم طريق # PageV02P190 # النظر، وهو الفكر في عجائب الصنع، ليعلم أنه لا بد له من فاعل لا يشبهه ~~شئ. قال ابن عباس رضي الله عنهما: قالت كفار قريش: يا محمد انسب لنا ربك، ~~فأنزل الله تعالى سورة " الاخلاص " وهذه الآية. وكان للمشركين ثلاثمائة ~~وستون صنما، فبين الله أنه واحد. # الثانية - قوله تعالى: " لا إله إلا هو " نفى وإثبات. أولها كفر وآخرها ~~إيمان، ومعناه لا معبود إلا الله. وحكى عن الشبلي رحمه الله أنه كان يقول: ~~الله، ولا يقول: # لا إله، فسئل عن ذلك فقال أخشى أن آخذ في كلمة الجحود ولا أصل إلى كلمة ~~الاقرار. # قلت: وهذا من علومهم الدقيقة، التي ليست لها حقيقة، فإن الله جل اسمه ذكر ~~هذا المعنى في كتابه نفيا وإثباتا وكرره، ووعد بالثواب الجزيل لقائله على ~~لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، خرجه الموطأ والبخاري ومسلم وغيرهم. وقال ~~صلى الله عليه وسلم: (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة). خرجه ~~مسلم. والمقصود القلب لا اللسان، فلو قال: # لا إله ومات ومعتقده وضميره الوحدانية وما يجب له من الصفات لكان من أهل ~~الجنة باتفاق أهل السنة. وقد أتينا على معنى اسمه الواحد، ولا إله إلا هو ~~والرحمن الرحيم في " الكتاب الأسنى، في شرح أسماء الله الحسنى ". والحمد ~~لله. # قوله تعالى: إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك ~~التي تجرى في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء ms0610 فأحيا ~~به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الريح والسحاب المسخر بين ~~السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون (164). # فيه أربع عشرة مسألة: # الأولى - قال عطاء: لما نزلت " وإلهكم إله واحد " قالت كفار قريش: كيف ~~يسع الناس إله واحد! فنزلت " إن في خلق السماوات والأرض ". ورواه سفيان عن ~~أبيه PageV02P191 # عن أبي الضحى قال: لما نزلت " وإلهكم إله واحد " قالوا هل من دليل على ~~ذلك؟ # فأنزل الله تعالى " إن في خلق السماوات والأرض " فكأنهم طلبوا آية فبين ~~لهم دليل التوحيد، وأن هذا العالم والبناء العجيب لا بد له من بان وصانع. ~~وجمع السماوات لأنها أجناس مختلفة كل سماء من جنس غير جنس الأخرى. ووحد ~~الأرض لأنها كلها تراب، والله تعالى أعلم. # فآية السماوات: ارتفاعها بغير عمد من تحتها ولا علائق من فوقها، ودل ذلك ~~على القدرة وخرق العادة. ولو جاء نبي فتحدي بوقوف جبل في الهواء دون علاقة ~~كان معجزا. ثم ما فيها من الشمس والقمر والنجوم السائرة والكواكب الزاهرة ~~شارقة وغاربة نيرة وممحوة آية ثانية. # وآية الأرض: بحارها وأنهارها ومعادنها وشجرها وسهلها ووعرها. # الثانية - قوله تعالى: " واختلاف الليل والنهار " قيل: اختلافهما بإقبال ~~أحدهما وإدبار الاخر من حيث لا يعلم. وقيل: اختلافهما في الأوصاف من النور ~~والظلمة والطول والقصر. والليل جمع ليلة، مثل تمرة وتمر ونخلة ونخل. ويجمع ~~أيضا ليالي وليال بمعنى، وهو مما شذ عن قياس الجموع، كشبه ومشابه وحاجة ~~وحوائج وذكر ومذاكر، وكأن ليالي في القياس جمع ليلاة. وقد استعملوا ذلك في ~~الشعر قال: # * في كل يوم ما وكل ليلاة * وقال آخر: # في كل يوم ما وكل ليلاه * حتى يقول كل راء إذ رآه * يا ويحه من جمل ما ~~أشقاه * قال ابن فارس في المجمل: ويقال إن بعض الطير يسمى ليلا، ولا أعرفه ~~(1). والنهار يجمع نهر وأنهرة. قال أحمد بن يحيى ثعلب: نهر جمع نهر وهو جمع ~~[الجمع (2)] للنهار، وقيل النهار اسم # PageV02P192 # مفرد لم يجمع لأنه بمعنى المصدر، كقولك الضياء، يقع على القليل والكثير. ~~والأول أكثر، قال الشاعر: ms0611 # لولا الثريدان هلكنا بالضمر * ثريد ليل وثريد بالنهر قال ابن فارس: ~~النهار معروف، والجمع نهر وأنهار. ويقال: إن النهار يجمع على النهر. # والنهار: ضياء ما بين طلوع الفجر إلى غروب الشمس. ورجل نهر: صاحب نهار. ~~ويقال: # إن النهار فرخ الحبارى. قال النضر بن شميل: أول النهار طلوع الشمس، ولا ~~يعد ما قبل ذلك من النهار. وقال ثعلب: # أوله عند العرب طلوع الشمس، استشهد بقول أمية بن أبي الصلت. # والشمس تطلع كل آخر ليلة * حمراء يصبح لونها يتورد وأنشد قول عدي بن زيد: # وجاعل الشمس مصرا (1) لاخفاء به * بين النهار وبين الليل قد فصلا وأنشد ~~الكسائي: # إذا طلعت شمس النهار فإنها * أمارة تسليمي عليك فسلمي قال الزجاج في كتاب ~~الأنواء: أول النهار ذرور الشمس. وقسم ابن الأنباري الزمن ثلاثة أقسام: ~~قسما جعله ليلا محضا، وهو من غروب الشمس إلى طلوع الفجر. وقسما جعله نهارا ~~محضا، وهو من طلوع الشمس إلى غروبها. وقسما جعله مشتركا بين النهار والليل، ~~وهو ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، لبقايا ظلمة الليل ومبادئ ضوء ~~النهار. # قلت: والصحيح أن النهار من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، كما رواه ابن فارس ~~في المجمل، يدل عليه ما ثبت في صحيح مسلم عن عدي بن حاتم قال: لما نزلت " ~~حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر " قال له عدي: يا ~~رسول الله، إني أجعل تحت وسادتي عقالين: عقالا أبيض وعقالا أسود، أعرف بهما ~~الليل من النهار. فقال # PageV02P193 # رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن وسادك لعريض إنما هو سواد الليل وبياض ~~النهار). # فهذا الحديث يقضى أن النهار من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وهو مقتضى ~~الفقه في الايمان، وبه ترتبط الاحكام. فمن حلف ألا يكلم فلانا نهارا فكلمه ~~قبل طلوع الشمس حنث، وعلى الأول لا يحنث. وقول النبي صلى الله عليه وسلم هو ~~الفيصل في ذلك والحكم. # وأما على ظاهر اللغة وأخذه من السنة فهو من وقت الاسفار إذا اتسع وقت ~~النهار، كما قال (1): # ملكت بها ms0612 كفي فأنهرا فتقها * يرى قائم من دونها ما وراءها وقد جاء عن ~~حذيفة ما يدل على هذا القول، خرجه النسائي. وسيأتي في آي الصيام (2) إن شاء ~~الله تعالى. # الثالثة - قوله تعالى: " والفلك التي تجرى في البحر " الفلك: السفن، ~~وإفراده وجمعه بلفظ واحد، ويذكر ويؤنث. وليست الحركات في المفرد تلك ~~بأعيانها في الجمع، بل كأنه بنى الجمع بناء آخر، يدل على ذلك توسط التثنية ~~في قولهم: فلكان. والفلك المفرد مذكر، قال تعالى: " في الفلك المشحون (3) " ~~فجاء به مذكرا، وقال: " والفلك التي تجري في البحر " فأنث. ويحتمل واحدا ~~وجمعا، وقال: " حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة (4) " فجمع، ~~فكأنه يذهب بها إذا كانت واحدة إلى المركب فيذكر، وإلى السفينة فيؤنث. ~~وقيل: واحده فلك، مثل أسد وأسد، وخشب وخشب، وأصله من الدوران، ومنه: فلك ~~السماء التي تدور عليه النجوم. وفلكت الجارية استدار ثديها، ومنه فلكة ~~المغزل. # وسميت السفينة فلكا لأنها تدور بالماء أسهل دور. # ووجه الآية في الفلك: تسخير الله إياها حتى تجري على وجه الماء ووقوفها ~~فوقه مع ثقلها. # وأول من عملها نوح عليه السلام كما أخبر تعالى، وقال له جبريل: أصنعها ~~على جؤجؤ (5) الطائر، فعملها نوح عليه السلام وراثة في العالمين بما أراه ~~جبريل. فالسفينة طائر مقلوب والماء في أسفلها نظير الهواء في أعلاها، قاله ~~ابن العربي. # PageV02P194 # الرابعة - هذه الآية وما كان مثلها دليل على جواز ركوب البحر مطلقا ~~لتجارة كان أو عبادة، كالحج والجهاد. ومن السنة حديث أبي هريرة قال: جاء ~~رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إنا نركب البحر ~~ونحمل معنا القليل من الماء. # الحديث. وحديث أنس بن مالك في قصة أم حرام، أخرجهما الأئمة: مالك وغيره. ~~روى حديث أنس عنه جماعة عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس، ورواه ~~بشر بن عمر عن مالك عن إسحاق عن أنس عن أم حرام، جعله من مسند أم حرام لا ~~من مسند أنس. # هكذا حدث عنه به بندار محمد بن ms0613 بشار، ففيه دليل واضح على ركوب البحر في ~~الجهاد للرجال والنساء، وإذا جاز ركوبه للجهاد فركوبه للحج المفترض أولى ~~وأوجب. وروي عن عمر ابن الخطاب وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهما المنع من ~~ركوبه. والقرآن والسنة يرد هذا القول، ولو كان ركوبه يكره أو لا يجوز لنهى ~~عنه النبي صلى الله عليه وسلم الذين قالوا له: # إنا نركب البحر. وهذه الآية وما كان مثلها نص في الغرض وإليها المفزع. ~~وقد تؤول ما روي عن العمرين في ذلك بأن ذلك محمول على الاحتياط وترك ~~التغرير بالمهج في طلب الدنيا والاستكثار منها، وأما في أداء الفرائض فلا. ~~ومما يدل على جواز ركوبه من جهة المعنى أن الله تعالى ضرب البحر وسط الأرض ~~وجعل الخلق في العدوتين (1)، وقسم المنافع بين الجهتين فلا يوصل إلى جلبها ~~إلا بشق البحر لها، فسهل الله سبيله بالفلك، قاله ابن العربي. # قال أبو عمر: وقد كان مالك يكره للمرأة الركوب للحج في البحر، وهو للجهاد ~~لذلك أكره. # والقرآن والسنة يرد قوله، إلا أن بعض أصحابنا من أهل البصرة قال: إنما ~~كره ذلك مالك لان السفن بالحجاز صغار، وأن النساء لا يقدرن على الاستتار ~~عند الخلاء فيها لضيقها وتزاحم الناس فيها، وكان الطريق من المدينة إلى مكة ~~على البر ممكنا، فلذلك كره مالك ذلك. وأما السفن الكبار نحو سفن أهل البصرة ~~فليس بذلك بأس. قال: والأصل أن الحج على كل من استطاع إليه سبيلا من ~~الأحرار البالغين، نساء كانوا أو رجالا، إذا كان الأغلب من الطريق الامن، ~~ولم يخص بحرا من بر. # PageV02P195 # قلت: فدل الكتاب والسنة والمعنى على إباحة ركوبه للمعنيين جميعا: العبادة ~~والتجارة، فهي الحجة وفيها الأسوة. إلا أن الناس في ركوب البحر تختلف ~~أحوالهم، فرب راكب يسهل عليه ذلك ولا يشق، وآخر يشق عليه ويضعف به، كالمائد ~~(1) المفرط الميد، ومن لم يقدر معه على أداء فرض الصلاة ونحوها من الفرائض، ~~فالأول ذلك له جائز، والثاني يحرم عليه ويمنع منه. لا خلاف بين أهل العلم ~~وهي: # الخامسة ms0614 - إن البحر إذا أرتج (2) لم يجز ركوبه لاحد بوجه من الوجوه في ~~حين ارتجاجه ولا في الزمن الذي الأغلب فيه عدم السلامة، وإنما يجوز عندهم ~~ركوبه في زمن تكون السلامة فيه الأغلب، فإن الذين يركبونه حال السلامة ~~وينجون لا حاصر لهم، والذين يهلكون فيه محصورون. # السادسة - قوله تعالى: " بما ينفع الناس " أي بالذي ينفعهم من التجارات ~~وسائر المآرب التي تصلح بها أحوالهم. وبركوب البحر تكتسب الأرباح، وينتفع ~~من يحمل إليه المتاع أيضا. وقد قال بعض من طعن في الدين: إن الله تعالى ~~يقول في كتابكم: # " ما فرطنا في الكتاب من شئ (3) " فأين ذكر التوابل المصلحة للطعام من ~~الملح والفلفل وغير ذلك؟ فقيل له في قوله: " بما ينفع الناس ". # السابعة - قوله تعالى: " وما أنزل الله من السماء من ماء " يعني بها ~~الأمطار التي بها إنعاش العالم وإخراج النبات والأرزاق، وجعل منه المخزون ~~عدة للانتفاع في غير وقت نزوله، كما قال تعالى: " فأسكناه في الأرض (4) ". # الثامنة - قوله تعالى: " وبث فيها من كل دابة " أي فرق ونشر، ومنه " ~~كالفراش المبثوث (5) ". ودابة تجمع الحيوان كله، وقد أخرج بعض الناس الطير، ~~وهو مردود، # PageV02P196 # قال الله تعالى: " وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها (1) " فإن ~~الطير يدب على رجليه في بعض حالاته، قال الأعشى: # * دبيب قطا البطحاء في كل منهل * وقال علقمة بن عبدة: # * صواعقها لطيرهن دبيب * التاسعة - قوله تعالى: " وتصريف الرياح " ~~تصريفها: إرسالها عقيما وملقحة، وصرا ونصرا وهلاكا، وحارة وباردة، ولينة ~~وعاصفة. وقيل: تصريفها إرسالها جنوبا وشمالا، ودبورا وصبا، ونكباء، وهي ~~التي تأتى بين مهبي ريحين. وقيل: تصريفها أن تأتى السفن الكبار بقدر ما ~~تحملها، والصغار كذلك، ويصرف عنهما ما يضربهما، ولا اعتبار بكبر القلاع ولا ~~صغرها، فإن الريح لو جاءت جسدا واحدا لصدمت القلاع وأغرقت. والرياح جمع ريح ~~سميت به لأنها تأتى بالروح غالبا. روى أبو داود عن أبي هريرة قال سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: (الريح من روح الله تأتي بالرحمة وتأتي ~~بالعذاب فإذا رأيتموها فلا تسبوها واسألوا ms0615 الله خيرها واستعيذوا بالله من ~~شرها (2)). وأخرجه أيضا ابن ماجة في سننه حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا ~~يحيى بن سعيد عن الأوزاعي عن الزهري حدثنا ثابت الزرقي عن أبي هريرة قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تسبوا الريح فإنها من روح الله تأتى ~~بالرحمة والعذاب ولكن سلوا الله من خيرها وتعوذوا بالله من شرها). وروي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تسبوا الريح فإنها من نفس الرحمن). ~~المعنى: أن الله تعالى جعل فيها التفريج والتنفيس والترويح، والإضافة من ~~طريق الفعل. والمعنى: أن الله تعالى جعلها كذلك. وفي صحيح مسلم عن ابن عباس ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # (نصرت (3) بالصبا وأهلكت عاد بالدبور). وهذا معنى ما جاء في الخبر أن ~~الله سبحانه وتعالى # PageV02P197 # فرج عن نبيه صلى الله عليه وسلم بالريح يوم الأحزاب، فقال تعالى: " ~~فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها (1) ". ويقال: نفس الله عن فلان كربة ~~من كرب الدنيا، أي فرج عنه. # وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (من نفس عن مسلم كربة من ~~كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة). أي فرج عنه. وقال ~~الشاعر: # كأن الصبا ريح إذا ما تنسمت * على كبد مهموم تجلت همومها قال ابن ~~الأعرابي: النسيم أول هبوب الريح. وأصل الريح روح، ولهذا قيل في جمع القلة ~~أرواح، ولا يقال: أرياح، لأنها من ذوات الواو، وإنما قيل: رياح من جهة ~~الكثرة وطلب تناسب الياء معها. وفي مصحف حفصة " وتصريف الأرواح ". # العاشرة - قوله تعالى: " وتصريف الرياح " قرأ حمزة والكسائي " الريح " ~~على الافراد، وكذا في الأعراف والكهف وإبراهيم والنمل والروم وفاطر والشورى ~~والجاثية، لا خلاف بينهما في ذلك. ووافقهما ابن كثير في الأعراف والنمل ~~والروم وفاطر والشورى. # وأفرد حمزة " الريح لواقح (2) ". وأفرد ابن كثير " وهو الذي أرسل الريح ~~(3) " في الفرقان. وقرأ الباقون بالجمع في جميعها سوى الذي في إبراهيم ~~والشورى فلم يقرأهما بالجمع سوى نافع، ولم يختلف السبعة فيما ms0616 سوى هذه ~~المواضع. والذي ذكرناه في الروم هو الثاني " الله الذي يرسل الرياح (4) ". ~~ولا خلاف بينهم في " الرياح مبشرات ". وكان أبو جعفر يزيد بن القعقاع يجمع ~~الرياح إذا كان فيها ألف ولام في جميع القرآن، سوى " تهوي به الريح " و " ~~الريح العقيم ". # فإن لم يكن فيه ألف ولام أفرد. فمن وحد الريح فلانه اسم للجنس يدل على ~~القليل والكثير. # ومن جمع فلاختلاف الجهات التي تهب منها الرياح. ومن جمع مع الرحمة ووجد ~~مع العذاب فإنه فعل ذلك اعتبارا بالأغلب في القرآن، نحو: " الرياح مبشرات " ~~و " الريح العقيم " فجاءت في القرآن مجموعة مع الرحمة مفردة مع العذاب، إلا ~~في يونس في قوله: " وجرين بهم بريح طيبة ". وروي أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كان يقول إذا هبت الريح: (اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا). ~~وذلك لان ريح العذاب شديدة ملتئمة الاجزاء كأنها جسم # PageV02P198 # واحد، وريح الرحمة لينة متقطعة فلذلك هي رياح. فأفردت مع الفلك في " يونس ~~"، لان ريح إجراء السفن إنما هي ريح واحدة متصلة ثم وصفت بالطيب فزال ~~الاشتراك بينها وبين ريح العذاب. # الحادية عشرة - قال العلماء: الريح تحرك الهواء، وقد يشتد ويضعف. فإذا ~~بدت حركة الهواء من تجاه القبلة ذاهبة إلى سمت القبلة قيل لتلك الريح: " ~~الصبا ". وإذا بدت حركة الهواء من وراء القبلة وكانت ذاهبة إلى تجاه القبلة ~~قيل لتلك الريح: " الدبور ". وإذا بدت حركة الهواء عن يمين القبلة ذاهبة ~~إلى يسارها قيل لها: " ريح الجنوب ". وإذا بدت حركة الهواء عن يسار القبلة ~~ذاهبة إلى يمينها قيل لها: " ريح الشمال ". ولكل واحدة من هذه الرياح طبع، ~~فتكون منفعتها بحسب طبعها، فالصبا حارة يابسة، والدبور باردة رطبة، والجنوب ~~حارة رطبة، والشمال باردة يابسة. واختلاف طباعها كاختلاف طبائع فصول السنة. ~~وذلك أن الله تعالى وضع للزمان أربعة فصول مرجعها إلى تغيير أحوال الهواء، ~~فجعل الربيع الذي هو أول الفصول حارا رطبا، ورتب فيه النش ء والنمو فتنزل ~~فيه المياه، وتخرج الأرض زهرتها وتظهر نباتها، ويأخذ الناس في غرس الأشجار ms0617 ~~وكثير من الزرع، وتتوالد فيه الحيوانات وتكثر الألبان. فإذا انقضى الربيع ~~تلاه الصيف الذي هو مشاكل للربيع في إحدى طبيعتيه وهي الحرارة، ومباين له ~~في الأخرى وهي الرطوبة، لان الهواء في الصيف حار يابس، فتنضج فيه الثمار ~~وتيبس فيه الحبوب المزروعة في الربيع. فإذا انقضى الصيف تبعه الخريف الذي ~~هو مشاكل للصيف في إحدى طبيعتيه وهي اليبس، ومباين له في الأخرى وهي ~~الحرارة، لان الهواء في الخريف بارد يابس، فيتناهى فيه صلاح الثمار وتيبس ~~وتجف فتصير إلى حال الادخار، فتقطف الثمار وتحصد الأعناب وتفرغ من جمعها ~~الأشجار. # فإذا انقضى الخريف تلاه الشتاء وهو ملائم للخريف في إحدى طبيعتيه وهي ~~البرودة، ومباين له في الأخرى وهو اليبس، لان الهواء في الشتاء بارد رطب، ~~فتكثر الأمطار والثلوج وتمهد الأرض كالجسد المستريح، فلا تتحرك إلا أن يعبد ~~الله تبارك وتعالى إليها حرارة PageV02P199 # الربيع، فإذا اجتمعت مع الرطوبة كان عند ذلك النش ء والنمو بإذن الله ~~سبحانه وتعالى. # وقد تهب رياح كثيرة سوى ما ذكرناه، إلا أن الأصول هذه الأربع. فكل ريح ~~تهب بين ريحين فحكمها حكم الريح التي تكون في هبوبها أقرب إلى مكانها وتسمى ~~" النكباء ". # الثانية عشرة - قوله تعالى: " والسحاب المسخر بين السماء والأرض " سمى ~~السحاب سحابا لانسحابه في الهواء. وسحبت ذيلي سحبا. وتسحب فلان على فلان: ~~اجترأ. والسحب: # شدة الأكل والشرب. والمسخر: المذلل، وتسخيره بعثه من مكان إلى آخر. وقيل: # تسخيره ثبوته بين السماء والأرض من غير عمد ولا علائق، والأول أظهر. وقد ~~يكون بماء وبعذاب، روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: (بينما رجل بفلاة من الأرض فسمع صوتا في سحابة اسق حديقة ~~فلان فتنحى ذلك السحاب فأفرغ ماءه في حرة فإذا شرجة (1) من تلك الشراج قد ~~استوعبت ذلك الماء كله فتتبع الماء فإذا رجل قائم في حديقته يحول الماء ~~بمسحاته فقال له يا عبد الله ما اسمك قال فلان للاسم الذي سمع في السحابة ~~فقال له يا عبد الله لم تسألني ms0618 عن اسمي فقال إني سمعت صوتا في السحاب الذي ~~هذا ماؤه يقول اسق حديقة فلان لاسمك فما تصنع [فيها (2)] قال أما إذ قلت ~~هذا فإني أنظر إلى ما يخرج منها فأتصدق بثلثه وآكل أنا وعيالي ثلثا وأرد ~~فيها ثلثه). وفي رواية " وأجعل ثلثه في المساكين والسائلين وابن السبيل). ~~وفي التنزيل: " والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت (3) ~~"، وقال: " حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبد ميت (4) " وهو في التنزيل ~~كثير. وخرج ابن ماجة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى ~~سحابا مقبلا من أفق من الآفاق ترك ما هو فيه وإن كان في صلاة حتى يستقبله ~~فيقول: (اللهم إنا نعوذ بك من شر ما أرسل به) فإن أمطر قال: (اللهم سيبا ~~نافعا) مرتين أو ثلاثة، وإن كشفه الله ولم يمطر حمد الله على ذلك. أخرجه ~~مسلم بمعناه عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم الريح والغيم عرف ذلك في وجهه # PageV02P200 # وأقبل وأدبر، فإذا مطرت سر به وذهب عنه ذلك. قالت عائشة: فسألته فقال: ~~(إني خشيت أن يكون عذابا سلط على أمتي). ويقول إذا رأى المطر: (رحمة). في ~~رواية فقال: (لعله يا عائشة كما قال قوم عاد " فلما رأوه عارضا مستقبل ~~أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا (1). فهذه الأحاديث والآي تدل على صحة القول ~~الأول وأن تسخيرها ليس ثبوتها، والله تعالى أعلم. فإن الثبوت يدل على عدم ~~الانتقال، فإن أريد بالثبوت كونها في الهواء ليست في السماء ولا في الأرض ~~فصحيح، لقوله " بين " وهي مع ذلك مسخرة محمولة، وذلك أعظم في القدرة، ~~كالطير في الهواء، قال الله تعالى: " ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو ~~السماء ما يمسكهن إلا الله (2) " وقال: # " أو لم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن (3) ". # الثالثة عشرة - قال كعب الأحبار: السحاب غربال المطر، لولا السحاب حين ~~ينزل الماء من السماء لافساد ما يقع عليه من ms0619 الأرض، رواه عنه ابن عباس. ~~ذكره الخطيب أبو بكر أحمد بن علي عن معاذ بن عبد الله بن خبيب الجهني قال: ~~رأيت ابن عباس مر على بغلة وأنا في بنى سلمة، فمر به تبيع ابن امرأة كعب ~~فسلم على ابن عباس فسأله ابن عباس: # هل سمعت كعب الأحبار يقول في السحاب شيئا؟ قال: نعم، قال: السحاب غربال ~~المطر، لولا السحاب حين ينزل الماء من السماء لافسد ما يقع عليه من الأرض. ~~قال: # سمعت كعبا يقول في الأرض تنبت العام نباتا، وتنبت عاما قابلا غيره؟ قال ~~نعم، سمعته يقول: إن البذر ينزل من السماء. # قال ابن عباس: وقد سمعت ذلك من كعب. # الرابعة عشرة - قوله تعالى: " لايات " أي دلالات تدل على وحدانيته ~~وقدرته، ولذلك ذكر هذه الأمور عقيب قوله: " وإلهكم إله واحد " ليدل بها على ~~صدق الخبر عما ذكره قبلها من وحدانيته سبحانه، وذكر رحمته ورأفته بخلقه. ~~وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ويل لمن قرأ هذه الآية فمج ~~بها) أي لم يتفكر فيها ولم يعتبرها. # فإن قيل: فما أنكرت أنها أحدثت أنفسها. قيل له: هذا محال، لأنها لو أحدثت ~~أنفسها لم تخل من أن تكون أحدثتها وهي موجودة أو هي معدومة، فإن أحدثتها ~~وهي # PageV02P201 # معدومة كان محالا، لان الاحداث لا يتأتى إلا من حي عالم قادر مريد، وما ~~ليس بموجود لا يصح وصفه بذلك، وإن كانت موجودة فوجودها يغنى عن إحداث ~~أنفسها. وأيضا فلو جاز ما قالوه لجاز أن يحدث البناء نفسه، وكذلك النجارة ~~والنسج، وذلك محال، وما أدى إلى المحال محال. ثم أن الله تعالى لم يقتصر ~~بها في وحدانيته على مجرد الاخبار حتى قرن ذلك بالنظر والاعتبار في آي من ~~القرآن، فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: " قل انظروا ماذا في السماوات ~~والأرض (1) " والخطاب للكفار، لقوله تعالى: " وما تغنى الآيات والنذر عن ~~قوم لا يؤمنون "، وقال: " أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض (2) " ~~يعني بالملكوت الآيات. وقال: " وفي أنفسكم أفلا تبصرون (3) ". يقول: أو لم ~~ينظروا ms0620 في ذلك نظر تفكر وتدبر حتى يستدلوا بكونها محلا للحوادث والتغييرات ~~على أنها محدثات، وأن المحدث لا يستغنى عن صانع يصنعه، وأن ذلك الصانع حكيم ~~عالم قدير مريد سميع بصير متكلم، لأنه لو لم يكن بهذه الصفات لكان الانسان ~~أكمل منه وذلك محال. وقال تعالى: " ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين (4) ~~" يعني آدم عليه السلام، " ثم جعلناه " أي جعلنا نسله وذريته " نطفة في ~~قرار مكين " إلى قوله: " تبعثون ". فالانسان إذا تفكر بهذا التنبيه بما جعل ~~له من العقل في نفسه رآها مدبرة وعلى أحوال شتى مصرفة. كان نطفة ثم علقة ثم ~~مضغة ثم لحما وعظما، فيعلم أنه لم ينقل نفسه من حال النقص إلى حال الكمال، ~~لأنه لا يقدر على أن يحدث لنفسه في الحال الأفضل التي هي كمال عقله وبلوغ ~~أشده عضوا من الأعضاء، ولا يمكنه أن يزيد في جوارحه جارحة، فيدله ذلك على ~~أنه في حال نقصه وأوان ضعفه عن فعل ذلك أعجز. وقد يرى نفسه شابا ثم كهلا ثم ~~شيخا وهو لم ينقل نفسه من حال الشباب والقوة إلى حال الشيخوخة والهرم، ولا ~~اختاره لنفسه ولا في وسعه أن يزايل حال المشيب ويراجع قوة الشباب، فيعلم ~~بذلك أنه ليس هو الذي فعل تلك الأفعال بنفسه، وأن له صانعا صنعه وناقلا ~~نقله من حال إلى حال، ولولا ذلك لم تتبدل أحواله بلا ناقل ولا مدبر. وقال ~~بعض الحكماء: إن كل شئ في العالم الكبير له نظير العالم الصغير، الذي هو ~~بدن الانسان، ولذلك قال تعالى: " لقد خلقنا الانسان في أحسن تقويم " وقال: ~~" وفي أنفسكم أفلا # PageV02P202 # تبصرون ". فحواس الانسان أشرف من الكواكب المضيئة، والسمع والبصر منها ~~بمنزلة الشمس والقمر في إدراك المدركات بها، وأعضاؤه تصير عند البلى ترابا ~~من جنس الأرض، وفيه من جنس الماء العرق وسائر رطوبات البدن، ومن جنس الهواء ~~فيه الروح والنفس، ومن جنس النار فيه المرة الصفراء. وعروقه بمنزلة الأنهار ~~في الأرض، وكبده بمنزلة العيون التي تستمد منها الأنهار، لان العروق تستمد ~~من الكبد. ms0621 ومثانته بمنزلة البحر، لانصباب ما في أوعية البدن إليها كما تنصب ~~الأنهار إلى البحر. وعظامه بمنزلة الجبال التي هي أوتاد الأرض. وأعضاؤه ~~كالأشجار، فكما أن لكل شجر ورقا وثمرا فكذلك لكل عضو فعل أو أثر. # والشعر على البدن بمنزلة النبات والحشيش على الأرض. ثم إن الانسان يحكى ~~بلسانه كل صوت حيوان، ويحاكي بأعضائه صنيع كل حيوان، فهو العالم الصغير مع ~~العالم الكبير مخلوق محدث لصانع واحد، لا إله إلا هو. # قوله تعالى: ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله ~~والذين آمنوا أشد حبا لله ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله ~~جميعا وأن الله شديد العذاب (165). # لما أخبر الله سبحانه وتعالى في الآية قبل ما دل على وحدانيته وقدرته ~~وعظم سلطانه أخبر أن مع هذه الآيات القاهرة لذوي العقول من يتخذ معه ~~أندادا، وواحدها ند، وقد تقدم (1). والمراد الأوثان والأصنام التي كانوا ~~يعبدونها كعبادة الله مع عجزها، قاله مجاهد. # قوله تعالى: " يحبونهم كحب الله " أي يحبون أصنامهم على الباطل كحب ~~المؤمنين لله على الحق، قاله المبرد، وقال معناه الزجاج. أي أنهم مع عجز ~~الأصنام يحبونهم كحب المؤمنين لله مع قدرته. وقال ابن عباس والسدي: المراد ~~بالأنداد الرؤساء المتبعون، يطيعونهم في معاصي الله. وجاء الضمير في " ~~يحبونهم " على هذا على الأصل، وعلى الأول جاء ضمير الأصنام # PageV02P203 # ضمير من يعقل على غير الأصل. وقال ابن كيسان والزجاج أيضا: معنى " ~~يحبونهم كحب الله " أي يسؤون بين الأصنام وبين الله تعالى في المحبة. قال ~~أبو إسحاق: وهذا القول الصحيح، والدليل على صحته: " والذين آمنوا أشد حبا ~~لله ". وقرأ أبو رجاء " يحبونهم " بفتح الياء. # وكذلك ما كان منه في القرآن، وهي لغة، يقال: حببت الرجل فهو محبوب. قال ~~الفراء: # أنشدني أبو تراب: # أحب لحبها السودان حتى * حببت لحبها سود الكلاب و " من " في قوله " من ~~يتخذ " في موضع رفع بالابتداء، و " يتخذ " على اللفظ، ويجوز في غير القرآن ~~" يتخذون " على المعنى، و " يحبونهم " على المعنى، و " يحبهم " على ms0622 اللفظ، ~~وهو في موضع نصب على الحال من الضمير الذي في " يتخذ " أي محبين، وإن شئت ~~كان نعتا للأنداد، أي محبوبة. والكاف من " كحب " نعت لمصدر محذوف، أي ~~يحبونهم حبا كحب الله. " والذين آمنوا أشد حبا لله " أي أشد من حب أهل ~~الأوثان لأوثانهم والتابعين لمتبوعهم. وقيل: # إنما قال " والذين آمنوا أشد حبا لله " لان الله تعالى أحبهم أولا ثم ~~أحبوه. ومن شهد له محبوبه بالمحبة كانت محبته أتم، قال الله تعالى: " يحبهم ~~ويحبونه ". وسيأتي بيان حب المؤمنين لله تعالى وحبه لهم في سورة " آل عمران ~~(1) " إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: " ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا ~~وأن الله شديد العذاب " قراءة أهل المدينة وأهل الشام بالتاء، وأهل مكة ~~وأهل الكوفة وأبو عمرو بالياء، وهو اختيار أبي عبيد. وفي الآية إشكال وحذف، ~~فقال أبو عبيد: المعنى لو يرى الذين ظلموا في الدنيا عذاب الآخرة لعلموا ~~حين يرونه أن القوة لله جميعا. و " يرى " على هذا من رؤية البصر. قال ~~النحاس في كتاب " معاني القرآن " له: وهذا القول هو الذي عليه أهل التفسير. # وقال في كتاب " إعراب القرآن " له: وروي عن محمد بن يزيد أنه قال: هذا ~~التفسير الذي جاء به أبو عبيد بعيد، وليست عبارته فيه بالجيدة، لأنه يقدر: ~~ولو يرى الذين ظلموا العذاب، فكأنه يجعله مشكوكا فيه وقد أوجبه الله تعالى، ~~ولكن التقدير وهو قول الأخفش: # PageV02P204 # ولو يرى الذين ظلموا أن القوة لله. و " يرى " بمعنى يعلم، أي لو يعلمون ~~حقيقة قوة الله عز وجل وشدة عذابه، ف‍ " يرى " واقعة على أن القوة لله، ~~وسدت مسد المفعولين. و " الذين " فاعل " يرى "، وجواب " لو " محذوف، أي ~~لتبينوا ضرر اتخاذهم الالهة، كما قال عز وجل. # " ولو ترى إذ وقفوا (1) على ربهم "، " ولو ترى إذ وقفوا على النار (1) " ~~ولم يأت ل‍ " لو " جواب. # قال الزهري وقتادة: الاضمار أشد للوعيد، ومثله قول القائل: لو رأيت فلانا ~~والسياط تأخذه! ومن قرأ بالتاء فالتقدير: ولو ترى يا محمد الذين ms0623 ظلموا في ~~حال رؤيتهم العذاب وفزعهم منه واستعظامهم له لأقروا أن القوة لله، فالجواب ~~مضمر على هذا النحو من المعنى وهو العامل في " أن ". وتقدير آخر: ولو ترى ~~يا محمد الذين ظلموا في حال رؤيتهم العذاب وفزعهم منه لعلمت أن القوة لله ~~جميعا. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم علم ذلك، ولكن خوطب والمراد أمته، ~~فإن فيهم من يحتاج إلى تقوية علمه بمشاهدة مثل هذا. ويجوز أن يكون المعنى: ~~قل يا محمد للظالم هذا. وقيل: " أن " في موضع نصب مفعول من أجله، أي لان ~~القوة لله جميعا. وأنشد سيبويه: # وأغفر عوراء الكريم ادخاره * وأعرض عن شتم اللئيم تكرما أي لادخاره، ~~والمعنى: ولو ترى يا محمد الذين ظلموا في حال رؤيتهم للعذاب لان القوة لله ~~لعلمت مبلغهم من النكال ولاستعظمت ما حل بهم. ودخلت " إذ " وهي لما مضى في ~~إثبات هذه المستقبلات تقريبا للامر وتصحيحا لوقوعه. وقرأ ابن عامر وحده " ~~يرون " بضم الياء، والباقون بفتحها. وقرأ الحسن ويعقوب وشيبة وسلام وأبو ~~جعفر " إن القوة، وإن الله " بكسر الهمزة فيهما على الاستئناف أو على تقدير ~~القول، أي ولو ترى الذين ظلموا إذ يرون العذاب يقولون إن القوة لله. وثبت ~~بنص هذه الآية القوة لله، بخلاف قول المعتزلة في نفيهم معاني الصفات ~~القديمة، تعالى الله عن قولهم. # قوله تعالى: إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت ~~بهم الأسباب (166). # PageV02P205 # قوله تعالى: " إذ تبرأ الذين اتبعوا " يعنى السادة والرؤساء تبرءوا ممن ~~اتبعهم على الكفر. # عن قتادة وعطاء والربيع. وقال قتادة أيضا والسدي: هم الشياطين المضلون ~~تبرءوا من الانس. # وقل: هو عام في كل متبوع. " ورأوا العذاب " يعني التابعين والمتبوعين، ~~قيل: بتيقنهم له عند المعاينة في الدنيا. وقيل: عند العرض والمسألة في ~~الآخرة. # قلت: كلاهما حاصل، فهم يعاينون عند الموت ما يصيرون إليه من الهوان، وفي ~~الآخرة يذوقون أليم العذاب والنكال. # قوله تعالى: " وتقطعت بهم الأسباب " أي الوصلات التي كانوا يتواصلون بها ~~في الدنيا من رحم وغيره، عن مجاهد وغيره. الواحد سبب ms0624 ووصلة. وأصل السبب ~~الحبل يشد بالشئ فيجذبه، ثم جعل كل ما جر شيئا سببا. وقال السدي وابن زيد: ~~إن الأسباب أعمالهم. والسبب الناحية، ومنه قول زهير: # ومن هاب أسباب المنايا ينلنه * ولو رام أسباب السماء بسلم قوله تعالى: ~~وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا كذلك يريهم ~~الله أعملهم حسرت عليهم وما هم بخرجين من النار (167). # قوله تعالى: " وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة " " أن " في موضع رفع، أي ~~لو ثبت أن لنا رجعة " فنتبرأ منهم " جواب التمني. والكرة: الرجعة والعودة ~~إلى حال قد كانت، أي قال الاتباع: لو رددنا إلى الدنيا حتى نعمل صالحا ~~ونتبرأ منهم " كما تبرءوا منا " أي تبرأ كما، فالكاف في موضع نصب على النعت ~~لمصدر محذوف. ويجوز أن يكون نصبا على الحال، تقديرها متبرئين، والتبرؤ ~~الانفصال. # قوله تعالى: كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم " الكاف في موضع رفع، ~~أي الامر كذلك. أي كما أراهم الله العذاب كذلك يريهم الله أعمالهم. و " ~~يريهم الله " قيل: PageV02P206 # هي من رؤية البصر، فيكون متعديا لمفعولين: الأول الهاء والميم في " يريهم ~~"، والثاني " أعمالهم "، وتكون " حسرات " حال. ويحتمل أن يكون من رؤية ~~القلب، فتكون " حسرات " المفعول الثالث. " أعمالهم " قال الربيع: أي ~~الأعمال الفاسدة التي ارتكبوها فوجبت لهم بها النار. وقال ابن مسعود ~~والسدي: الأعمال الصالحة التي تركوها ففاتتهم الجنة، ورويت في هذا القول ~~أحاديث. قال السدي: ترفع لهم الجنة فينظرون إليها وإلى بيوتهم فيها لو ~~أطاعوا الله تعالى، ثم تقسم بين المؤمنين فذلك حين يندمون. وأضيفت هذه ~~الأعمال إليهم من حيث هم مأمورون بها، وأما إضافة الأعمال الفاسدة إليهم ~~فمن حيث عملوها. والحسرة واحدة الحسرات، كتمرة وتمرات، وجفنة وجفنات، وشهوة ~~وشهوات. # هذا إذا كان اسما، فإن نعته سكنت، كقولك: ضخمة وضخمات، وعبلة وعبلات. ~~والحسرة أعلا درجات الندامة على شئ فائت. والتحسر: التلهف، يقال: حسرت عليه ~~(بالكسر) أحسر حسرا وحسرة. وهي مشتقة من الشئ الحسير الذي قد انقطع وذهبت ~~قوته، كالبعير إذا عيى. وقيل: هي مشتقة ms0625 من حسر إذا كشف، ومنه الحاسر في ~~الحرب: الذي لا درع معه. والانحسار. الانكشاف. # قوله تعالى: " وما هم بخارجين من النار " دليل على خلود الكفار فيها ~~وأنهم لا يخرجون منها. وهذا قول جماعة أهل السنة، لهذه الآية، ولقوله ~~تعالى: " ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط ". وسيأتي (1). # قوله تعالى: يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حللا طيبا ولا تتبعوا خطوت ~~الشيطان إنه لكم عدو مبين (168) فيه أربع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " يا أيها الناس " قيل: إنها نزلت في ثقيف وخزاعة ~~وبني مدلج فيما حرموه على أنفسهم من الانعام، واللفظ عام. والطيب هنا ~~الحلال، فهو تأكيد لاختلاف اللفظ، وهذا قول مالك في الطيب. وقال الشافعي: ~~الطيب المستلذ، فهو # PageV02P207 # تنويع، ولذلك يمنع أكل الحيوان القذر. وسيأتي بيان هذا في " الانعام " ~~(1) و " الأعراف (1) " إن شاء الله تعالى. # الثانية - قوله تعالى: " حلالا طيبا " " حلالا " حال، وقيل مفعول. وسمى ~~الحلال حلالا لانحلال عقدة الخطر عنه. قال سهل بن عبد الله: النجاة في ~~ثلاثة: أكل الحلال، وأداء الفرائض، والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم. ~~وقال أبو عبد الله الساجي واسمه سعيد بن يزيد: خمس خصال بها تمام العلم، ~~وهي: معرفة الله عز وجل، ومعرفة الحق وإخلاص العمل لله، والعمل على السنة، ~~وأكل الحلال، فإن فقدت واحدة لم يرفع العمل. # قال سهل: ولا يصح أكل الحلال إلا بالعلم، ولا يكون المال حلالا حتى يصفو ~~من ست خصال: الربا والحرام والسحت - وهو اسم مجمل - والغلول والمكروه ~~والشبهة. # الثالثة - قوله تعالى: " ولا تتبعوا " نهى " خطوات الشيطان " " خطوات " ~~جمع خطوة وخطوة بمعنى واحد. قال الفراء: الخطوات جمع خطوة، بالفتح. وخطوة ~~(بالضم): ما بين القدمين. وقال الجوهري: وجمع القلة خطوات وخطوات وخطوات، ~~والكثير خطا. والخطوة (بالفتح): المرة الواحدة، والجمع خطوات (بالتحريك) ~~وخطاء، مثل ركوة وركاء، قال امرؤ القيس: # لها وثبات كوثب الظباء * فواد خطأ وواد مطر (2) وقرأ أبو السمال العدوي ~~وعبيد بن عمير " خطوات " بفتح الخاء والطاء. وروي عن علي بن أبي طالب ~~وقتادة والأعرج وعمرو بن ميمون ms0626 والأعمش " خطؤات " بضم الخاء والطاء والهمزة ~~على الواو. قال الأخفش: وذهبوا بهذه القراءة إلى أنها جمع خطيئة، من الخطأ ~~لا من الخطو. والمعنى على قراءة الجمهور: ولا تقفوا أثر الشيطان وعمله، وما ~~لم يرد به الشرع فهو منسوب إلى الشيطان. قال ابن عباس: " خطوات الشيطان " ~~أعماله. مجاهد: خطاياه. # السدي: طاعته. أبو مجلز: هي النذور في المعاصي. # PageV02P208 # قلت: والصحيح أن اللفظ عام في كل ما عدا السنن والشرائع من البدع ~~والمعاصي. # وتقدم القول في " الشيطان " مستوفى (1). # الرابعة - قوله تعالى: " إنه لكم عدو مبين " أخبر تعالى بأن الشيطان عدو، ~~وخبره حق وصدق. فالواجب على العاقل أن يأخذ حذره من هذا العدو الذي قد أبان ~~عداوته من زمن آدم، وبذل نفسه وعمره في إفساد أحوال بني آدم، وقد أمر الله ~~تعالى بالحذر منه فقال جل من قائل: " ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو ~~مبين "، " إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون " ~~وقال: " الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء (2) " وقال: " ويريد الشيطان ~~أن يضلهم ضلالا بعيدا " وقال: " إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة ~~والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون ~~(3) " وقال: " إنه عدو مضل مبين (4) " وقال: " إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه ~~عدوا إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير (5) ". وهذا غاية في ~~التحذير، ومثله في القرآن كثير. وقال عبد الله ابن عمر: إن إبليس موثق في ~~الأرض السفلى، فإذا تحرك فإن كل شر في الأرض بين اثنين فصاعدا من تحركه. ~~وخرج الترمذي من حديث أبي مالك الأشعري وفيه: (وآمركم أن تذكروا الله فإن ~~مثل ذلك كمثل رجل خرج العدو في أثره سراعا حتى إذا أتى على حصن حصين فأحرز ~~نفسه منهم كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله) الحديث. # وقال فيه: حديث حسن صحيح غريب. # قوله تعالى: إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله مالا ~~تعلمون (169). # قوله تعالى: " إنما يأمركم بالسوء والفحشاء " سمى السوء سوءا لأنه يسوء ~~صاحبه بسوء ms0627 عواقبه. وهو مصدر ساءه يسوءه سوءا ومساءة إذا أحزنه. وسؤته فسئ ~~إذا أحزنته فحزن، قال الله تعالى: " سيئت وجوه الذين كفروا (6) ". وقال ~~الشاعر: # PageV02P209 # إن يك هذا الدهر قد ساءني * فطالما قد سرني الدهر الامر عندي فيهما واحد ~~* لذاك شكر ولذاك صبر والفحشاء أصله قبح المنظر، كما قال: # وجيد كجيد الريم (1) ليس بفاحش ثم استعملت اللفظة فيما يقبح من المعاني. ~~والشرع هو الذي يحسن ويقبح، فكل ما نهت عنه الشريعة فهو من الفحشاء. وقال ~~مقاتل: إن كل ما في القرآن من ذكر الفحشاء فإنه الزنى، إلا قوله: " الشيطان ~~يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء " فإنه منع الزكاة. # قلت: فعلى هذا قيل: السوء ما لا حد فيه، والفحشاء ما فيه حد. وحكي عن ابن ~~عباس وغيره، والله تعالى أعلم. # قوله تعالى: " وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون " قال الطبري: يريد ما ~~حرموا من البحيرة (2) والسائبة (3) ونحوها مما جعلوه شرعا. " وأن تقولوا " ~~في موضع خفض عطفا على قوله تعالى: # " بالسوء والفحشاء ". # قوله تعالى: وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا ~~عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون (170). # فيه سبع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " وإذا قيل لهم " يعني كفار العرب. ابن عباس: نزلت ~~في اليهود. الطبري: الضمير في " لهم " عائد على الناس من قوله تعالى: " يا ~~أيها الناس كلوا ". # PageV02P210 # وقيل: هو عائد على " من " في قوله تعالى: " ومن الناس من يتخذ من دون ~~الله " الآية. # وقوله تعالى: " واتبعوا ما أنزل الله " أي بالقبول والعمل. " قالوا بل ~~نتبع ما ألفينا عليه آباءنا " ألفينا: وجدنا. وقال الشاعر: # فألفيته غير مستعتب * ولا ذاكر الله إلا قليلا الثانية - قوله تعالى: " ~~أولو كان آباؤهم " الألف للاستفهام، وفتحت الواو لأنها واو عطف، عطفت جملة ~~كلام على جملة، لان غاية الفساد في الالتزام أن يقولوا: نتبع آباءنا ولو ~~كانوا لا يعقلون، فقرروا على التزامهم هذا، إذ هي حال آبائهم. # مسألة - قال علماؤنا: وقوة ألفاظ هذه الآية تعطى إبطال التقليد، ونظيرها: # " وإذا قيل لهم تعالوا ms0628 إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما ~~وجدنا عليه آباءنا " الآية. # وهذه الآية والتي قبلها مرتبطة بما قبلهما، وذلك أن الله سبحانه أخبر عن ~~جهالة العرب فيما تحكمت فيه بآرائها السفيهة في البحيرة والسائبة والوصيلة ~~(1)، فاحتجوا بأنه أمر وجدوا عليه آباءهم فاتبعوهم في ذلك، وتركوا ما أنزل ~~الله على رسوله وأمر به في دينه، فالضمير في " لهم " عائد عليهم في الآيتين ~~جميعا. # الثالثة - تعلق قوم بهذه الآية في ذم التقليد لذم الله تعالى الكفار ~~باتباعهم لآبائهم في الباطل، واقتدائهم بهم في الكفر والمعصية. وهذا في ~~الباطل صحيح، أما التقليد في الحق فأصل من أصول الدين، وعصمة من عصم ~~المسلمين يلجأ إليها الجاهل المقصر عن درك النظر. # واختلف العلماء في جوازه في مسائل الأصول على ما يأتي، وأما جوازه في ~~مسائل الفروع فصحيح. # الرابعة - التقليد عند العلماء حقيقته قبول قول بلا حجة، وعلى هذا فمن ~~قبل قول النبي صلى الله عليه وسلم من غير نظر في معجزته يكون مقلدا، وأما ~~من نظر فيها فلا يكون مقلدا. # PageV02P211 # وقيل: هو اعتقاد صحة فتيا من لا يعلم صحة قوله. وهو في اللغة مأخوذ من ~~قلادة البعير، فإن العرب تقول: قلدت البعير إذا جعلت في عنقه حبلا يقاد به، ~~فكأن المقلد يجعل أمره كله لمن يقوده حيث شاء، وكذلك قال شاعرهم: # وقلدوا أمركم لله دركم * ثبت الجنان بأمر الحرب مضطلعا الخامسة - التقليد ~~ليس طريقا للعلم ولا موصلا له، لا في الأصول ولا في الفروع، وهو قول جمهور ~~العقلاء والعلماء، خلافا لما يحكى عن جهال الحشوية والثعلبية من أنه طريق ~~إلى معرفة الحق، وأن ذلك هو الواجب، وأن النظر والبحث حرام، والاحتجاج ~~عليهم في كتب الأصول. # السادسة - فرض العامي الذي لا يشتغل باستنباط الاحكام من أصولها لعدم ~~أهليته فيما لا يعلمه من أمر دينه ويحتاج إليه أن يقصد أعلم من في زمانه ~~وبلده فيسأله عن نازلته فيمتثل فيها فتواه، لقوله تعالى: " فاسئلوا أهل ~~الذكر إن كنتم لا تعلمون (1) "، وعليه الاجتهاد في أعلم أهل وقته ms0629 بالبحث ~~عنه، حتى يقع عليه الاتفاق من الأكثر من الناس. وعلى العالم أيضا فرض أن ~~يقلد عالما مثله في نازلة خفى عليه فيها وجه الدليل والنظر، وأراد أن يجدد ~~الفكر فيها والنظر حتى يقف على المطلوب، فضاق الوقت عن ذلك، وخاف على ~~العبادة أن تفوت، أو على الحكم أن يذهب، سواء كان ذلك المجتهد الاخر صحابيا ~~أو غيره، وإليه ذهب القاضي أبو بكر وجماعة من المحققين. # السابعة - قال ابن عطية: أجمعت الأمة على إبطال التقليد في العقائد. وذكر ~~فيه غيره خلافا كالقاضي أبى بكر بن العربي وأبي عمر وعثمان بن عيسى بن ~~درباس الشافعي. قال ابن درباس في كتاب " الانتصار " له: وقال بعض الناس ~~يجوز التقليد في أمر التوحيد، وهو خطأ لقوله تعالى: " إنا وجدنا آباءنا على ~~أمة (2) ". فذمهم بتقليدهم آباءهم وتركهم اتباع الرسل، كصنيع أهل الأهواء ~~في تقليدهم كبراءهم وتركهم اتباع محمد صلى الله عليه وسلم في دينه، ولأنه ~~فرض على كل مكلف تعلم أمر التوحيد والقطع به، وذلك لا يحصل إلا من جهة ~~الكتاب والسنة، كما بيناه في آية التوحيد (3)، والله يهدي من يريد. # PageV02P212 # قال ابن درباس: وقد أكثر أهل الزيغ القول على من تمسك بالكتاب والسنة ~~أنهم مقلدون. وهذا خطأ منهم، بل هو بهم أليق وبمذاهبهم أخلق، إذ قبلوا قول ~~ساداتهم وكبرائهم فيما خالفوا فيه كتاب الله وسنة رسوله وإجماع الصحابة رضي ~~الله عنهم، فكانوا داخلين فيمن ذمهم الله بقوله: " ربنا إنا أطعنا سادتنا ~~وكبراءنا " إلى قوله: " كبيرا (1) " وقوله: " إنا وجدنا آباءنا على أمة ~~وإنا على آثارهم مقتدون (2) ". ثم قال لنبيه: " قال أولو جئتكم بأهدى مما ~~وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون (3) " ثم قال لنبيه عليه ~~السلام " فانتقمنا منهم (2) " الآية. فبين تعالى أن الهدى فيما جاءت به ~~رسله عليهم السلام. وليس قول أهل الأثر في عقائدهم: إنا وجدنا أئمتنا ~~وآباءنا والناس على الاخذ بالكتاب والسنة وإجماع السلف الصالح من الأمة، من ~~قولهم: إنا وجدنا آباءنا وأطعنا سادتنا وكبراءنا بسبيل، لان هؤلاء نسبوا ~~ذلك إلى ms0630 التنزيل وإلى متابعة الرسول، وأولئك نسبوا إفكهم إلى أهل الأباطيل، ~~فازدادوا بذلك في التضليل، ألا ترى أن الله سبحانه أثنى على يوسف عليه ~~السلام في القرآن حيث قال: " إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة ~~هم كافرون. واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك ~~بالله من شئ ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس (3) ". فلما كان آباؤه عليه ~~وعليهم السلام أنبياء متبعين للوحي وهو الدين الخالص الذي ارتضاه الله، كان ~~اتباعه آباءه من صفات المدح. ولم يجئ فيما جاءوا به ذكر الاعراض وتعلقها ~~بالجواهر وانقلابها فيها، فدل على أن لا هدى فيها ولا رشد في واضعيها. # قال ابن الحصار: وإنما ظهر التلفظ بها في زمن المأمون بعد المائتين لما ~~ترجمت كتب الأوائل وظهر فيها اختلافهم في قدم العالم وحدوثه. واختلافهم في ~~الجوهر وثبوته، والعرض وماهيته، فسارع المبتدعون ومن في قلبه زيغ إلى حفظ ~~تلك الاصطلاحات، وقصدوا بها الاغراب على أهل السنة، وإدخال الشبه على ~~الضعفاء من أهل الملة. فلم يزل الامر كذلك إلى أن ظهرت البدعة، وصارت ~~للمبتدعة شيعة، والتبس الامر على السلطان، حتى قال الأمير بخلق القرآن، ~~وجبر الناس عليه، وضرب أحمد بن حنبل على ذلك. # PageV02P213 # فانتدب رجال من أهل السنة كالشيخ أبي الحسن الأشعري وعبد الله (1) بن ~~كلاب وابن مجاهد والمحاسبي وأضرابهم، فخاضوا مع المبتدعة في اصطلاحاتهم، ثم ~~قاتلوهم وقتلوهم بسلاحهم. وكان من درج من المسلمين من هذه الأمة متمسكين ~~بالكتاب والسنة، معرضين عن شبه الملحدين، لم ينظروا في الجوهر والعرض، على ~~ذلك كان السلف. # قلت: ومن نظر الان في اصطلاح المتكلمين حتى يناضل بذلك عن الدين فمنزلته ~~قريبة من النبيين. فأما من يهجن من غلاة المتكلمين طريق من أخذ بالأثر من ~~المؤمنين، ويحض على درس كتب الكلام، وأنه لا يعرف الحق إلا من جهتها بتلك ~~الاصطلاحات فصاروا مذمومين لنقضهم طريق المتقدمين من الأئمة الماضين، والله ~~أعلم. وأما المخاصمة والجدال بالدليل والبرهان فذلك بين في القرآن، وسيأتي ~~بيانه (2) إن شاء الله تعالى. ms0631 # قوله تعالى: ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء ~~صم بكم عمى فهم لا يعقلون (171). # شبه تعالى واعظ الكفار وداعيهم وهو محمد صلى الله عليه وسلم بالراعي الذي ~~ينعق بالغنم والإبل فلا تسمع إلا دعاءه ونداءه، ولا تفهم ما يقول، هكذا ~~فسره ابن عباس ومجاهد وعكرمة والسدي والزجاج والفراء وسيبويه، وهذه نهاية ~~الايجاز. قال سيبويه: لم يشبهوا بالناعق إنما شبهوا بالمنعوق به. والمعنى: ~~ومثلك يا محمد ومثل الذين كفروا كمثل الناعق والمنعوق به من البهائم التي ~~لا تفهم، فحذف لدلالة المعنى. وقال ابن زيد: المعنى مثل الذين كفروا في ~~دعائهم الالهة الحماد كمثل الصائح في جوف الليل فيجيبه الصدى، فهو يصيح بما ~~لا يسمع، ويجيبه ما لا حقيقة فيه ولا منتفع. وقال قطرب: المعنى مثل الذين ~~كفروا في دعائهم ما لا يفهم، يعني الأصنام، كمثل الراعي إذا نعق بغنمه وهو ~~لا يدري أين هي. قال الطبري: # المراد مثل الكافرين في دعائهم آلهتهم كمثل الذي ينعق بشئ بعيد فهو لا ~~يسمع من أجل # PageV02P214 # البعد، فليس للناعق من ذلك إلا النداء الذي يتعبه وينصبه. ففي هذه ~~التأويلات الثلاثة يشبه الكفار بالناعق الصائح، والأصنام بالمنعوق به. ~~والنعيق: زجر الغنم والصياح بها، يقال: نعق الراعي بغنمه ينعق نعيقا ونعاقا ~~ونعاقا، أي صاح بها وزجرها. قال الأخطل: # انعق بضأنك يا جرير فإنما * منتك نفسك في الخلاء ضلالا قال القتبي: لم ~~يكن جرير راعى ضأن، وإنما أراد أن بني كليب يعيرون برعى الضأن، وجرير منهم، ~~فهو في جهلهم. والعرب تضرب المثل براعي الغنم في الجهل ويقولون: # " أجهل من راعى ضأن ". قال القتبي: ومن ذهب إلى هذا في معنى الآية كان ~~مذهبا، غير أنه لم يذهب إليه أحد من العلماء فيما نعلم. # والنداء للبعيد، والدعاء للقريب، ولذلك قيل للاذان بالصلاة نداء لأنه ~~للأباعد. وقد تضم النون في النداء والأصل الكسر. ثم شبه تعالى الكافرين ~~بأنهم صم بكم عمى. وقد تقدم في أول (1) السورة. # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا من طيبت ما ms0632 رزقناكم واشكروا لله إن كنتم ~~إياه تعبدون (172). # هذا تأكيد للامر الأول، وخص المؤمنين هنا بالذكر تفضيلا. والمراد بالاكل ~~الانتفاع من جميع الوجوه. وقيل: هو الاكل المعتاد. وفى صحيح مسلم عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيها الناس إن ~~الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به ~~المرسلين فقال " يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما ~~تعملون عليم " وقال: " يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم " ثم ~~ذكر (2) الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ~~ومطعمه حرام [ومشربه حرام] وملبسه حرام [وغذي بالحرام (3)] فأنى يستجاب ~~لذلك). " واشكروا لله إن كنتم " إياه تعبدون " تقدم معنى الشكر (4) فلا ~~معنى للإعادة. # PageV02P215 # قوله تعالى: إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير ~~الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم (173). # فيه أربع وثلاثون مسألة (1): # الأولى - قوله تعالى: " إنما حرم عليم الميتة " إنما " كلمة موضوعة ~~للحصر، تتضمن النفي والاثبات، فتثبت ما تناوله الخطاب وتنفى ما عداه، وقد ~~حصرت ها هنا التحريم، لا سيما وقد جاءت عقيب التحليل في قوله تعالى: " يا ~~أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم " فأفادت الإباحة على الاطلاق، ~~ثم عقبها بذكر المحرم بكلمة " إنما " الحاصرة، فاقتضى ذلك الايعاب للقسمين، ~~فلا محرم يخرج عن هذه الآية، وهي مدنية، وأكدها بالآية الأخرى التي روى ~~أنها نزلت بعرفة: " قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه " إلى ~~آخرها، فاستوفى البيان أولا وآخرا، قال ابن العربي. وسيأتي الكلام في تلك ~~في " الانعام (2) " إن شاء الله تعالى. # الثانية - " الميتة " نصب ب‍ " حرم "، و " ما " كافة. ويجوز أن تجعلها ~~بمعنى الذي، منفصلة في الخط، وترفع " الميتة والدم ولحم الخنزير " على خبر ~~" إن " وهي قراءة ابن أبي عبلة. # وفي " حرم " ضمير يعود على الذي، ونظيره قوله تعالى: " إنما صنعوا كيد ~~ساحر (3) ". وقرأ ms0633 أبو جعفر " حرم " بضم الحاء وكسر الراء ورفع الأسماء ~~بعدها، إما على ما لم يسم فاعله، وإما على خبر إن. وقرأ أبو جعفر بن ~~القعقاع أيضا " الميتة " بالتشديد. الطبري: وقال جماعة من اللغويين: ~~التشديد والتخفيف في ميت، وميت لغتان. وقال أبو حاتم وغيره: # ما قد مات فيقالان فيه، وما لم يمت بعد فلا يقال فيه " ميت " بالتخفيف، ~~دليله قوله تعالى: # " إنك ميت وإنهم ميتون (4) ". وقال الشاعر: # ليس من مات فاستراح بميت * إنما الميت ميت الاحياء # PageV02P216 # ولم يقرأ أحد بتخفيف ما لم يمت، إلا ما روى البزي عن ابن كثير " وما هو ~~بميت (1) " والمشهور عنه التثقيل، وأما قول الشاعر: # إذا ما مات ميت من تميم * فسرك أن يعيش فجئ بزاد فلا أبلغ في الهجاء من ~~أنه أراد الميت حقيقة، وقد ذهب بعض الناس إلى أنه أراد من شارف الموت، ~~والأول أشهر. # الثالثة - الميتة: ما فارقته الروح من غير ذكاة مما يذبح، وما ليس بمأكول ~~فذكاته كموته، كالسباع وغيرها، على ما يأتي بيانه هنا وفي " الانعام (2) " ~~إن شاء الله تعالى. # الرابعة - هذه الآية عامة دخلها التخصيص بقوله عليه السلام: (أحلت لنا ~~ميتتان الحوت والجراد ودمان الكبد والطحال). أخرجه الدارقطني، وكذلك حديث ~~جابر في العنبر (3) يخصص عموم القرآن بصحة سنده. خرجه البخاري ومسلم مع ~~قوله تعالى: " أحل لكم صيد البحر "، على ما يأتي بيانه هناك (4)، إن شاء ~~الله تعالى. # وأكثر أهل العلم على جواز أكل جميع دواب البحر حيها وميتها، وهو مذهب ~~مالك. # وتوقف أن يجيب في خنزير الماء وقال: أنتم تقولون خنزيرا! قال ابن القاسم: ~~وأنا أتقيه ولا أراه حراما. # الخامسة - وقد اختلف الناس في تخصيص كتاب الله تعالى بالسنة، ومع ~~اختلافهم في ذلك اتفقوا على أنه لا يجوز تخصيصه بحديث ضعيف، قاله ابن ~~العربي. وقد يستدل على تخصيص هذه الآية أيضا بما في صحيح مسلم من حديث عبد ~~الله بن أبي أوفى قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات ~~كنا نأكل الجراد معه. وظاهره أكله كيف ما ms0634 مات بعلاج أو حتف أنفه، وبهذا قال ~~ابن نافع وابن عبد الحكم وأكثر العلماء، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة ~~وغيرهما. ومنع مالك وجمهور أصحابه من أكله إن مات حتف أنفه، لأنه من صيد ~~البر، ألا ترى أن الحرم يجزئه إذا قتله، فأشبه الغزال. وقال # PageV02P217 # أشهب: إن مات من قطع رجل أو جناح لم يؤكل، لأنها حالة قد يعيش بها وينسل. ~~وسيأتي لحكم الجراد مزيد بيان في " الأعراف (1) " عند ذكره، إن شاء الله ~~تعالى. # السادسة - واختلف العلماء هل يجوز أن ينتفع بالميتة أو بشئ من النجاسات، ~~واختلف عن مالك في ذلك أيضا، فقال مرة: يجوز الانتفاع بها، لان النبي صلى ~~الله عليه وسلم مر على شاة ميمونة فقال: (هلا أخذتم إهابها) الحديث. وقال ~~مرة: جملتها محرم، فلا يجوز الانتفاع بشئ منها، ولا بشئ من النجاسات على ~~وجه من وجوه الانتفاع، حتى لا يجوز أن يسقى الزرع ولا الحيوان الماء النجس، ~~ولا تعلف البهائم النجاسات، ولا تطعم الميتة الكلاب والسباع، وإن أكلتها لم ~~تمنع. ووجه هذا القول ظاهر قوله تعالى: " حرمت عليكم الميتة والدم " ولم ~~يخص وجها من وجه، ولا يجوز أن يقال: هذا الخطاب مجمل، لان المجمل ما لا ~~يفهم المراد من ظاهره، وقد فهمت العرب المراد من قوله تعالى: " حرمت عليكم ~~الميتة "، وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تنتفعوا من الميتة ~~بشئ). # وفي حديث عبد الله بن عكيم (لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب). وهذا ~~آخر ما ورد به كتابه قبل موته بشهر، وسيأتي بيان هذه الأخبار والكلام عليها ~~في " النحل (2) " إن شاء الله تعالى. # السابعة - فأما الناقة إذا نحرت، أو البقرة أو الشاة إذا ذبحت، وكان في ~~بطنها جنين ميت فجائز أكله من غير تذكية له في نفسه، إلا أن يخرج حيا ~~فيذكى، ويكون له حكم نفسه، وذلك أن الجنين إذا خرج منها بعد الذبح ميتا جرى ~~مجرى العضو من أعضائها. ومما يبين ذلك أنه لو باع الشاة واستثنى ما في ~~بطنها لم يجز، كما ms0635 لو استثنى عضوا منها، وكان ما في بطنها تابعا لها كسائر ~~أعضائها. وكذلك لو أعتقها من غير أن يوقع على ما في بطنها عتقا مبتدأ، ولو ~~كان منفصلا عنها لم يتبعها في بيع ولا عتق. وقد روى جابر رضي الله عنه أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن البقرة والشاة تذبح، والناقة تنحر ~~فيكون في بطنها جنين ميت، فقال: (إن شئتم فكلوه لان ذكاته ذكاة أمه). خرجه ~~أبو داود بمعناه من حديث # PageV02P218 # أبى سعيد الخدري وهو نص لا يحتمل. وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة " ~~المائدة (1) " إن شاء الله تعالى. # الثامنة - واختلفت الرواية عن مالك في جلد الميتة هل يطهر بالدباغ أولا، ~~فروي عنه أنه لا يطهر، وهو ظاهر مذهبه. وروي عنه أنه يطهر، لقوله عليه ~~السلام (أيما إهاب دبغ فقد طهر). ووجه قوله: لا يطهر، بأنه جزء من الميتة ~~لو أخذ منها في حال الحياة كان نجسا، فوجب ألا يطهره الدباغ قياسا على ~~اللحم. وتحمل لاخبار بالطهارة على أن الدباغ يزيل الأوساخ عن الجلد حتى ~~ينتفع به في الأشياء اليابسة وفي الجلوس عليه، ويجوز أيضا أن ينتفع به في ~~الماء بأن يجعل سقاء، لان الماء على أصل الطهارة ما لم يتغير له وصف على ما ~~يأتي من حكمه في سورة " الفرقان (2) ". والطهارة في اللغة متوجهة نحو إزالة ~~الأوساخ كما تتوجه إلى الطهارة الشرعية، والله تعالى أعلم. # التاسعة - وأما شعر الميتة وصوفها فطاهر، لما روى عن أم سلمة رضي الله ~~عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا بأس بمسك الميتة إذا دبغ ~~وصوفها وشعرها إذا غسل). ولأنه كان طاهرا لو أخذ منها في حال الحياة فوجب ~~أن يكون كذلك بعد الموت، إلا أن اللحم لما كان نجسا في حال الحياة كان كذلك ~~بعد الموت، فيجب أن يكون الصوف خلافه في حال الموت كما كان خلافه في حال ~~الحياة استدلالا بالعكس. ولا يلزم على هذا اللبن والبيضة من الدجاجة ~~الميتة، لان اللبن عندنا طاهر بعد الموت، ms0636 وكذلك البيضة، ولكنهما حصلا في ~~وعاء نجس فتنجسا بمجاورة الوعاء لا أنهما نجسا بالموت. وسيأتي مزيد بيان ~~لهذه المسألة والتي قبلها وما للعلماء فيهما من الخلاف في سورة " النحل (3) ~~" إن شاء الله تعالى. # العاشرة - وأما ما وقعت فيه الفأرة فله حالتان: حالة تكون إن أخرجت ~~الفأرة حية فهو طاهر. وإن ماتت فيه فله حالتان: حالة يكون مائعا فإنه ينجس ~~جميعه. وحالة يكون جامدا فإنه ينجس ما جاورها، فتطرح وما حولها، وينتفع بما ~~بقي وهو على طهارته، لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الفأرة ~~تقع في السمن فتموت، فقال عليه السلام: # PageV02P219 # (إن كان جامدا فاطرحوها وما حولها وإن كان مائعا فأريقوه). واختلف ~~العلماء فيه إذا غسل، فقيل: لا يطهر بالغسل، لأنه مائع نجس فأشبه الدم ~~والخمر والبول وسائر النجاسات. # وقال ابن القاسم: يطهر بالغسل، لأنه جسم تنجس بمجاورة النجاسة فأشبه ~~الثوب، ولا يلزم على هذا الدم، لأنه نجس بعينه، ولا الخمر والبول لان الغسل ~~يستهلكهما ولا يتأتى فيه. # الحادية عشرة - فإذا حكمنا بطهارته بالغسل رجع إلى حالته الأولى في ~~الطهارة وسائر وجوه الانتفاع، لكن لا يبيعه حتى يبين، لان ذلك عيب عند ~~الناس تأباه نفوسهم. ومنهم من يعتقد تحريمه ونجاسته، فلا يجوز بيعه حتى ~~يبين العيب كسائر الأشياء المعيبة. وأما قبل الغسل فلا يجوز بيعه بحال، لان ~~النجاسات عنده لا يجوز بيعها، ولأنه مائع نجس فأشبه الخمر، ولأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم سئل عن ثمن الخمر فقال: (لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم ~~فجملوها (1) فباعوها وأكلوا أثمانها). وأن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه. ~~وهذا المائع محرم لنجاسته فوجب أن يحرم ثمنه بحكم الظاهر. # الثانية عشرة - واختلف إذا وقع في القدر حيوان، طائر أو غيره [فمات] فروى ~~ابن وهب عن مالك أنه قال: لا يؤكل ما في القدر، وقد تنجس بمخالطة الميتة ~~إياه. وروى ابن القاسم عنه أنه قال: يغسل اللحم ويراق المرق. وقد سئل ابن ~~عباس عن هذه المسألة فقال: يغسل اللحم ويؤكل. ولا مخالف ms0637 له في المرق (2) من ~~أصحابه، ذكره ابن خويز منداد. # الثالثة عشرة - فأما أنفحة الميتة ولبن الميتة فقال الشافعي: ذلك نجس ~~لعموم قوله تعالى " حرمت عليكم الميتة ". وقال أبو حنيفة بطهارتهما، ولم ~~يجعل لموضع الخلقة أثرا في تنجس ما جاوره مما حدث فيه خلقة، قال: ولذلك ~~يؤكل اللحم بما فيه من العروق، مع القطع بمجاورة الدم لدواخلها من غير ~~تطهير ولا غسل إجماعا. وقال مالك نحو قول أبي حنيفة إن ذلك لا ينجس بالموت، ~~ولكن ينجس بمجاورة الوعاء النجس وهو مما لا يتأتى فيه الغسل. # PageV02P220 # وكذلك الدجاجة تخرج منها البيضة بعد موتها، لان البيضة لينة في حكم ~~المائع قبل خروجها، وإنما تجمد وتصلب بالهواء. # قال ابن خويز منداد فإن قيل: فقولكم يؤدي إلى خلاف الاجماع، وذلك أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين بعده كانوا يأكلون الجبن وكان مجلوبا ~~إليهم من أرض العجم، ومعلوم أن ذبائح العجم وهم مجوس ميتة، ولم يعتدوا بأن ~~يكون مجمدا بأنفحة ميتة أو ذكى. قيل له: قدر ما يقع من الإنفحة في اللبن ~~المجبن يسير، واليسير من النجاسة معفو عنه إذا خالط الكثير من المائع. هذا ~~جواب على إحدى الروايتين. وعلى الرواية الأخرى إنما كان ذلك في أول ~~الاسلام، ولا يمكن أحد أن ينقل أن الصحابة أكلت الجبن المحمول من أرض ~~العجم، بل الجبن ليس من طعام العرب، فلما انتشر المسلمون في أرض العجم ~~بالفتوح صارت الذبائح لهم، فمن أين لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~والصحابة أكلت جبنا فضلا عن أن يكون محمولا من أرض العجم ومعمولا من أنفحة ~~ذبائحهم. # وقال أبو عمر: ولا بأس بأكل طعام عبدة الأوثان والمجوس وسائر من لا كتاب ~~له من الكفار ما لم يكن من ذبائحهم ولم يحتج إلى ذكاة إلا الجبن لما فيه من ~~أنفحة الميتة. وفي سنن ابن ماجة " الجبن والسمن " حدثنا إسماعيل بن موسى ~~السدي حدثنا سيف بن هارون عن سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي عن سلمان ~~الفارسي قال: سئل رسول الله صلى الله ms0638 عليه وسلم عن السمن والجبن والفراء. ~~فقال: (الحلال ما أحل الله في كتابه والحرام ما حرم الله في كتابه وما سكت ~~عنه فهو مما عفا عنه). # الرابعة عشرة - قوله تعالى: " والدم " اتفق العلماء على أن الدم حرام نجس ~~لا يؤكل ولا ينتفع به. قال ابن خويز منداد: وأما الدم فمحرم ما لم تعم به ~~البلوى، ومعفو عما تعم به البلوى. والذي تعم به البلوى هو الدم في اللحم ~~وعروقه، ويسيره في البدن والثوب يصلى فيه. # وإنما قلنا ذلك لان الله تعالى قال: " حرمت عليكم الميتة والدم "، وقال ~~في موضع آخر " قل لا أجد فيما أوحى إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ~~ميتة أو دما مسفوحا (1) ". # PageV02P221 # فحرم المسفوح من الدم. وقد روت عائشة رضي الله عنها قالت: (كنا نطبخ ~~البرمة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم تعلوها الصفرة من الدم فنأكل ~~ولا ننكره، لان التحفظ من هذا إصر وفيه مشقة، والإصر والمشقة في الدين ~~موضوع. وهذا أصل في الشرع، أن كلما حرجت الأمة في أداء العبادة فيه وثقل ~~عليها سقطت العبادة عنها فيه، ألا ترى أن المضطر يأكل الميتة، وأن المريض ~~يفطر ويتيمم في نحو ذلك. # قلت: ذكر الله سبحانه وتعالى الدم هاهنا مطلقا، وقيده في الانعام بقوله " ~~مسفوحا (1) " وحمل العلماء هاهنا المطلق على المقيد إجماعا. فالدم هنا يراد ~~به المسفوح، لان ما خالط اللحم فغير محرم بإجماع، وكذلك الكبد والطحال مجمع ~~عليه. وفي دم الحوت المزايل له اختلاف، وروي عن القابسي أنه طاهر، ويلزم ~~على طهارته أنه غير محرم. وهو اختيار ابن العربي، قال: لأنه لو كان دم ~~السمك نجسا لشرعت ذكاته. # قلت: وهو مذهب أبي حنيفة في دم الحوت، سمعت بعض الحنفية يقول: الدليل على ~~أنه طاهر أنه إذا يبس ابيض بخلاف سائر الدماء فإنه يسود. وهذه النكتة لهم ~~في الاحتجاج على الشافعية. # الخامسة عشرة - قوله تعالى: " ولحم الخنزير " خص الله تعالى ذكر اللحم من ~~الخنزير ليدل على تحريم عينه ذكى أو لم يذك، وليعم ms0639 الشحم وما هنالك من ~~الغضاريف (2) وغيرها. # السادسة عشرة - أجمعت الأمة على تحريم شحم الخنزير. وقد استدل مالك ~~وأصحابه على أن من حلف ألا يأكل شحما فأكل لحما لم يحنث بأكل اللحم. فإن ~~حلف ألا يأكل لحما فأكل شحما حنث لان اللحم مع الشحم يقع عليه اسم اللحم، ~~فقد دخل الشحم في اسم اللحم ولا يدخل اللحم في اسم الشحم. وقد حرم الله ~~تعالى لحم الخنزير فناب ذكر لحمه عن شحمه، لأنه دخل تحت اسم اللحم. وحرم ~~الله تعالى على بني إسرائيل الشحوم بقوله: " حرمنا عليهم شحومهما " فلم يقع ~~بهذا عليهم تحريم اللحم ولم يدخل في اسم الشحم، فلهذا فرق مالك بين الحالف # PageV02P222 # في الشحم والحالف في اللحم، إلا أن يكون للحالف نية في اللحم دون الشحم ~~فلا يحنث، والله تعالى أعلم. ولا يحنث في قول الشافعي وأبي ثور وأصحاب ~~الرأي إذا حلف ألا يأكل لحما فأكل شحما. وقال أحمد: إذا حلف ألا يأكل لحما ~~فأكل الشحم لا بأس به إلا أن يكون أراد اجتناب الدسم. # السابعة عشرة - لا خلاف أن جملة الخنزير محرمة إلا الشعر فإنه يجوز ~~الخرازة به. # وقد روي أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخرازة بشعر ~~الخنزير، فقال: # (لا بأس بذلك) ذكره ابن خويز منداد، قال: ولأن الخرازة على عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كانت، وبعده موجودة ظاهرة، لا نعلم أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أنكرها ولا أحد من الأئمة بعده. وما أجازه الرسول صلى الله ~~عليه وسلم فهو كابتداء الشرع منه. # الثامنة عشرة - لا خلاف في تحريم خنزير البر كما ذكرنا، وفي خنزير الماء ~~خلاف. # وأبي مالك أن يجيب فيه بشئ، وقال: أنتم تقولون خنزيرا! وقد تقدم، وسيأتي ~~بيانه في " المائدة (2) " إن شاء الله تعالى. # التاسعة عشرة - ذهب أكثر اللغويين إلى أن لفظة الخنزير رباعية. وحكى ابن ~~سيده عن بعضهم أنه مشتق من خزر العين، لأنه كذلك ينظر، واللفظة على هذا ~~ثلاثية. # وفي الصحاح: وتخازر الرجل إذا ضيق ms0640 جفنه ليحدد النظر. والخزر: ضيق العين ~~وصغرها. # رجل أخزر بين الخزر. ويقال: هو أن يكون الانسان كأنه ينظر بمؤخرها. وجمع ~~الخنزير خنازير. والخنازير أيضا علة معروفة، وهي قروح صلبة تحدث في الرقبة. # الموفية عشرين - قوله تعالى: " وما أهل به لغير الله " أي ذكر عليه غير ~~اسم الله تعالى، وهي ذبيحة المجوسي والوثني والمعطل. فالوثني يذبح للوثن، ~~والمجوسي للنار، والمعطل لا يعتقد شيئا فيذبح لنفسه. ولا خلاف بين العلماء ~~أن ما ذبحه المجوسي لناره والوثني لوثنه لا يؤكل، ولا تؤكل ذبيحتهما عند ~~مالك والشافعي وغيرهما وإن لم يذبحا لناره ووثنه، وأجازهما ابن المسيب وأبو ~~ثور إذا ذبح لمسلم بأمره. وسيأتي لهذا مزيد بيان # PageV02P223 # إن شاء الله تعالى في سورة " المائدة (1) ". والاهلال: رفع الصوت، يقال: ~~أهل بكذا، أي رفع صوته. قال ابن أحمر يصف فلاة: # يهل بالفريد ركبانها * كما يهل الراكب المعتمر وقال النابغة: # أو درة صدفية غواصها * بهج متى يرها يهل ويسجد ومنه إهلال الصبي ~~واستهلاله، وهو صياحه عند ولادته. وقال ابن عباس وغيره: المراد ما ذبح ~~للأنصاب والأوثان، لا ما ذكر عليه اسم المسيح، على ما يأتي بيانه في سورة " ~~المائدة (1) " إن شاء الله تعالى. وجرت عادة العرب بالصياح باسم المقصود ~~بالذبيحة، وغلب ذلك في استعمالهم حتى عبر به عن النية التي هي علة التحريم، ~~ألا ترى أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه راعى النية في الإبل التي نحرها ~~غالب أبو الفرزدق فقال: إنها مما أهل لغير الله به، فتركها الناس. قال ابن ~~عطية: ورأيت في أخبار الحسن بن أبي الحسن أنه سئل عن امرأة مترفة صنعت ~~للعبها عرسا فنحرت جزورا، فقال الحسن: لا يحل أكلها فإنها إنما نحرت لصنم. # قلت: ومن هذا المعنى ما رويناه عن يحيى بن يحيى التميمي شيخ مسلم قال: ~~أخبرنا جرير عن قابوس قال: أرسل أبي امرأة إلى عائشة رضي الله عنها وأمرها ~~أن تقرأ عليها السلام منه، وتسألها أية صلاة كانت أعجب إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يدوم عليها. # قالت: ms0641 كان يصلى قبل الظهر أربع ركعات يطيل فيهن القيام ويحسن الركوع ~~والسجود، فأما ما لم يدع قط، صحيحا ولا مريضا ولا شاهدا، ركعتين قبل صلاة ~~الغداة. قالت امرأة عند ذلك من الناس: يا أم المؤمنين، إن لنا أظارا من ~~العجم لا يزال يكون لهم عيد فيهدون لنا منه، أفنأكل منه شيئا؟ قالت: أما ما ~~ذبح لذلك اليوم فلا تأكلوا ولكن كلوا من أشجارهم. # الحادية والعشرون - قوله تعالى: " فمن اضطر " قرئ بضم النون للاتباع ~~وبالكسر وهو الأصل لالتقاء الساكنين، وفيه إضمار، أي فمن اضطر إلى شئ من ~~هذه # PageV02P224 # المحرمات أي أحوج إليها، فهو افتعل من الضرورة. وقرأ ابن محيصن " فمن ~~اضطر " بإدغام الضاد في الطاء. وأبو السمال " فمن اضطر " بكسر الطاء. وأصله ~~اضطرر فلما أدغمت نقلت حركة الراء إلى الطاء. # الثانية والعشرون - الاضطرار لا يخلو أن يكون بإكراه من ظالم أو بجوع في ~~مخمصة. # والذي عليه الجمهور من الفقهاء والعلماء في معنى الآية هو من صيره العدم ~~والغرث وهو الجوع إلى ذلك، وهو الصحيح. وقيل: معناه أكره وغلب على أكل هذه ~~المحرمات. قال مجاهد: # يعني أكره عليه كالرجل يأخذه العدو فيكرهونه على أكل لحم الخنزير وغيره ~~من معصية الله تعالى، إلا أن الاكراه يبيح ذلك إلى آخر الاكراه. # وأما المخمصة فلا يخلو أن تكون دائمة أو لا، فإن كانت دائمة فلا خلاف في ~~جواز الشبع من الميتة، إلا أنه لا يحل له أكلها وهو يجد مال مسلم لا يخاف ~~فيه قطعا، كالتمر المعلق وحريسة (1) الجبل، ونحو ذلك مما لا قطع فيه ولا ~~أذى. وهذا مما لا اختلاف فيه، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: بينما نحن ~~مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر إذ رأينا إبلا مصرورة (2) بعضاه ~~الشجر فثبنا إليهما فنادانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجعنا إليه ~~فقال: (إن هذه الإبل لأهل بيت من المسلمين هو قوتهم ويمنهم (3) بعد الله ~~أيسركم لو رجعتم إلى مزاودكم فوجدتم ما فيها قد ذهب به أترون ذلك عدلا) ~~قالوا ms0642 لا، فقال: (إن هذه كذلك). # قلنا: أفرأيت إن احتجنا إلى الطعام والشراب؟ فقال: (كل ولا تحمل واشرب ~~ولا تحمل). # خرجه ابن ماجة رحمه الله، وقال: هذا الأصل عندي. وذكره ابن المنذر قال: ~~قلنا يا رسول الله، ما يحل لاحدنا من مال أخيه إذا اضطر إليه؟ قال: (يأكل ~~ولا يحمل ويشرب ولا يحمل). قال ابن المنذر: وكل مختلف فيه بعد ذلك فمردود ~~إلى تحريم الله الأموال. قال أبو عمر: وجملة القول في ذلك أن المسلم إذا ~~تعين عليه رد رمق مهجة المسلم، وتوجه # PageV02P225 # الفرض في ذلك بألا يكون هناك غيره قضى عليه بنرميق تلك المهجة الآدمية. ~~وكان للممنوع منه ماله من ذلك محاربة من منعه ومقاتلته، وإن أتى ذلك على ~~نفسه، وذلك عند أهل العلم إذا لم يكن هناك إلا واحد لا غير، فحينئذ يتعين ~~عليه الفرض. فإن كانوا كثيرا أو جماعة وعددا كان ذلك عليهم فرضا على ~~الكفاية. والماء في ذلك وغيره مما يرد نفس المسلم ويمسكها سواء. إلا أنهم ~~اختلفوا في وجوب قيمة ذلك الشئ على الذي ردت به مهجته ورمق به نفسه، ~~فأوجبها موجبون، وأباها آخرون، وفي مذهبنا القولان جميعا. ولا خلاف بين أهل ~~العلم متأخريهم ومتقدميهم في وجوب رد مهجة المسلم عند خوف الذهاب والتلف ~~بالشئ اليسير الذي لا مضرة فيه على صاحبه وفيه البلغة. # الثالثة والعشرون - خرج ابن ماجة أنبأنا أبو بكر بن أبي شيبة أنبأنا ~~شبابة (ح 1) وحدثنا محمد ابن بشار ومحمد بن الوليد قالا حدثنا محمد بن جعفر ~~حدثنا شعبة عن أبي بشر جعفر بن إياس قال: سمعت عباد بن شرحبيل - رجلا من ~~بني غبر - قال: أصابنا عام مخمصة فأتيت المدينة فأتيت حائطا (2) من حيطانها ~~فأخذت سنبلا ففركته وأكلته وجعلته في كسائي، فجاء صاحب الحائط فضربني وأخذ ~~ثوبي، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال للرجل: # (ما أطعمه إذ كان جائعا أو ساغبا ولا علمته إذ كان جاهلا) فأمره النبي ~~صلى الله عليه وسلم فرد إليه ثوبه، وأمر له بوسق من طعام ms0643 أو نصف وسق. # قلت: هذا حديث صحيح اتفق على رجاله البخاري ومسلم، إلا ابن أبي شيبة فإنه ~~لمسلم وحده. وعباد بن شرحبيل الغبري اليشكري لم يخرج له البخاري ومسلم ~~شيئا، وليس له عن النبي صلى الله عليه وسلم غير هذه القصة فما ذكر أبو عمر ~~رحمه الله، وهو ينفي القطع والأدب في المخمصة. وقد روى أبو داود عن الحسن ~~عن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أتى أحدكم على ماشية فإن ~~كان فيها صاحبها فليستأذنه فإن أذن له فليحتلب وليشرب وإن لم يكن فيها ~~فليصوت ثلاثا فإن أجاب فليستأذنه فإن أذن له فليحتلب وليشرب # PageV02P226 # ولا يحمل). وذكر الترمذي عن يحيى بن سليم عن عبيد الله عن نافع عن ابن ~~عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من دخل حائطا فليأكل ولا يتخذ ~~خبنة). قال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث يحيى بن سليم. وذكر من ~~حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن ~~الثمر المعلق، فقال: (من أصاب منه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شئ عليه). ~~قال فيه: حديث حسن. وفي حديث عمر رضي الله عنه: # (إذا مر أحدكم بحائط فليأكل ولا يتخذ ثبانا). قال أبو عبيد قال أبو عمر: ~~وهو الوعاء الذي يحمل فيه الشئ، فإن حملته بين يديك فهو ثبان، يقال: قد ~~تثبنت ثبانا، فإن حملته على ظهرك فهو الحال، يقال منه: قد تحولت كسائي إذا ~~جعلت فيه شيئا ثم حملته على ظهرك. # فإن جعلته في حضنك فهو خبنة، ومنه حديث عمرو بن شعيب المرفوع (ولا يتخذ ~~خبنة). # يقال منه: خبنت أخبن خبنا. قال أبو عبيد: وإنما يوجه هذا الحديث أنه رخص ~~فيه للجائع المضطر الذي لا شئ معه يشتري به ألا يحمل إلا ما كان في بطنه ~~قدر قوته. # قلت: لان الأصل المتفق عليه تحريم مال الغير إلا بطيب نفس منه، فإن كانت ~~هناك عادة بعمل ذلك كما كان في أول ms0644 الاسلام، أو كما هو الان في بعض ~~البلدان، فذلك جائز. # ويحمل ذلك على أوقات المجاعة والضرورة، كما تقدم والله أعلم. # وإن كان الثاني (1) وهو النادر في وقت من الأوقات، فاختلف العلماء فيها ~~على قولين: # أحدهما - أنه يأكل حتى يشبع ويتضلع (2)، ويتزود إذا خشى الضرورة فيما بين ~~يديه من مفازة وقفر، وإذا وجد عنها غنى طرحها. قال معناه مالك في موطئه، ~~وبه قال الشافعي وكثير من العلماء. والحجة في ذلك أن الضرورة ترفع التحريم ~~فيعود مباحا. ومقدار الضرورة إنما هو في حالة عدم القوت إلى حالة وجوده. ~~وحديث العنبر نص في ذلك، فإن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لما رجعوا من ~~سفرهم وقد ذهب عنهم الزاد، انطلقوا إلى ساحل البحر فرفع # PageV02P227 # لهم على ساحله كهيئة الكثيب الضخم، فلما أتوه إذا هي دابة تدعى العنبر، ~~فقال أبو عبيدة أميرهم: ميتة. ثم قال: لا، بل نحن رسل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وفي سبيل الله، وقد اضطررتم فكلوا. قال: فأقمنا عليها شهرا ونحن ~~ثلاثمائة حتى سمنا، الحديث. فأكلوا وشبعوا - رضوان الله عليهم - مما ~~اعتقدوا أنه ميتة وتزودوا منها إلى المدينة، وذكروا ذلك للنبي صلى الله ~~عليه وسلم فأخبرهم صلى الله عليه وسلم أنه حلال وقال: (هل معكم من لحمه شئ ~~فتطعمونا) فأرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه فأكله. وقالت ~~طائفة. يأكل بقدر سد الرمق. وبه قال ابن الماجشون وابن حبيب وفرق أصحاب ~~الشافعي بين حالة المقيم والمسافر فقالوا: المقيم يأكل بقدر ما يسد رمقه، ~~والمسافر يتضلع ويتزود: فإذا وجد غنى عنها طرحها، وإن وجد مضطرا أعطاه ~~إياها ولا يأخذ منه عوضا، فإن الميتة لا يجوز بيعها. # الرابعة والعشرون - فإن اضطر إلى خمر فإن كان بإكراه شرب بلا خلاف، وإن ~~كان بجوع أو عطش فلا يشرب، وبه قال مالك في العتبية قال: ولا يزيده الخمر ~~إلا عطشا. # وهو قول الشافعي، فإن الله تعالى حرم الخمر تحريما مطلقا، وحرم الميتة ~~بشرط عدم الضرورة. # وقال الأبهري: إن ردت الخمر عنه جوعا ms0645 أو عطشا شربها، لان الله تعالى قال ~~في الخنزير " فإنه رجس " ثم أباحه للضرورة. وقال تعالى في الخمر إنها " رجس ~~" فتدخل في إباحة الخنزير للضرورة بالمعنى الجلي الذي هو أقوى من القياس، ~~ولا بد أن تروي ولو ساعة، وترد الجوع ولو مدة. # الخامسة والعشرون - روى أصبغ عن ابن القاسم أنه قال: يشرب المضطر الدم ~~ولا يشرب الخمر، ويأكل الميتة ولا يقرب ضوال الإبل - وقاله ابن وهب - ويشرب ~~البول ولا يشرب الخمر، لان الخمر يلزم فيها الحد فهي أغلظ. نص عليه أصحاب ~~الشافعي. # السادسة والعشرون - فإن غص بلقمة فهل يسيغها بخمر أو لا، فقيل. لا، مخافة ~~أن يدعي ذلك. وأجاز ذلك ابن حبيب، لأنها حالة ضرورة. ابن العربي: " أما ~~الغاص بلقمة PageV02P228 # فإنه يجوز له فيما بينه وبين الله تعالى، وأما فيما بيننا فإن شاهدناه ~~فلا تخفى علينا بقرائن الحال صورة الغصة من غيرها، فيصدق إذا ظهر ذلك، وإن ~~لم يظهر حددناه ظاهرا وسلم من العقوبة عند الله تعالى باطنا. ثم إذا وجد ~~المضطر ميتة وخنزيرا ولحم ابن آدم أكل الميتة، لأنها حلال في حال. والخنزير ~~وابن آدم لا يحل بحال. والتحريم المخفف أولى أن يقتحم من التحريم المثقل، ~~كما لو أكره أن يطأ أخته أو أجنبية، وطئ الأجنبية لأنها تحل له بحال. وهذا ~~هو الضابط لهذه الأحكام. ولا يأكل ابن آدم ولو مات، قاله علماؤنا، وبه قال ~~أحمد وداود. # احتج أحمد بقوله عليه السلام: (كسر عظم الميت ككسره حيا). وقال الشافعي: ~~يأكل لحم ابن آدم. ولا يجوز له أن يقتل ذميا لأنه محترم الدم، ولا مسلما ~~ولا أسيرا لأنه مال الغير. # فإن كان حربيا أو زانيا محصنا جاز قتله والاكل منه. وشنع داود على المزني ~~بأن قال: قد أبحت أكل لحوم الأنبياء! فغلب عليه ابن شريح بأن قال: فأنت قد ~~تعرضت لقتل الأنبياء إذ منعتهم من أكل الكافر. قال ابن العربي: الصحيح عندي ~~ألا يأكل الادمي إلا إذا تحقق أن ذلك ينجيه ويحييه، والله أعلم. # السابعة والعشرون - سئل مالك عن المضطر ms0646 إلى أكل الميتة وهو يجد مال الغير ~~تمرا أو زرعا أو غنما، فقال: إن أمن الضرر على بدنه بحيث لا يعد سارقا ~~ويصدق في قوله، أكل من أي ذلك وجد ما يرد جوعه ولا يحمل منه شيئا، وذلك أحب ~~إلى من أن يأكل الميتة، وقد تقدم هذا المعنى مستوفى. وإن هو خشى ألا يصدقوه ~~وأن يعدوه سارقا فإن أكل الميتة أجوز عندي، وله في أكل الميتة على هذه ~~المنزلة سعة. # الثامنة والعشرون - روى أبو داود قال حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا ~~حماد عن سماك بن حرب عن جابر بن سمرة أن رجلا نزل الحرة (1) ومعه أهله ~~وولده، فقال رجل: إن ناقة لي ضلت فإن وجدتها فأمسكها، فوجدها فلم يجد ~~صاحبها فمرضت، فقالت امرأته: # أنحرها، فأبى فنفقت. فقالت: اسلخها حتى نقدد لحمها وشحمها ونأكله، فقال: ~~حتى أسأل # PageV02P229 # رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاه فسأله، فقال: (هل عندك غنى يغنيك) ~~قال لا، قال: # (فكلوها) قال: فجاء صاحبها فأخبره الخبر، فقال: هلا كنت نحرتها فقال: ~~استحييت منك. قال ابن خويز منداد: في هذا الحديث دليلان: أحدهما: أن المضطر ~~يأكل من الميتة وإن لم يخف التلف، لأنه سأله عن الغنى ولم يسأله عن خوفه ~~على نفسه. والثاني - يأكل ويشبع ويدخر ويتزود، لأنه أباحه الادخار ولم ~~يشترط عليه ألا يشبع. قال أبو داود: # وحدثنا هارون بن عبد الله قال حدثنا الفضل بن دكين قال أنبأنا عقبة بن ~~وهب بن عقبة العامري قال: سمعت أبي يحدث عن الفجيع العامري أنه أتى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما يحل لنا الميتة؟ قال: (ما طعامكم) قلنا: ~~نغتبق ونصطبح. قال أبو نعيم (1): # فسره لي عقبة: قدح غدوة وقدح عشية. قال: (ذاك وأبي الجوع). قال: فأحل لهم ~~الميتة على هذه الحال. قال أبو داود: الغبوق من آخر النهار والصبوح من أول ~~النهار. وقال الخطابي: الغبوق العشاء، والصبوح الغداء، والقدح من اللبن ~~بالغداة، والقدح بالعشي يمسك الرمق ويقيم النفس، وإن كان لا يغذي البدن ولا ~~يشبع الشبع ms0647 التام، وقد أباح لهم مع ذلك تناول الميتة، فكان دلالته أن تناول ~~الميتة مباح إلى أن تأخذ النفس حاجتها من القوت. # وإلى هذا ذهب مالك وهو أحد قولي الشافعي. قال ابن خويز منداد: إذا جاز أن ~~يصطبحوا ويغتبقوا جاز أن يشبعوا ويتزودوا. وقال أبو حنيفة والشافعي في ~~القول الاخر: لا يجوز له أن يتناول من الميتة إلا قدر ما يمسك رمقه، وإليه ~~ذهب المزني. قالوا: لأنه لو كان في الابتداء بهذه الحال لم يجز له أن يأكل ~~منها شيئا، فكذلك إذا بلغها بعد تناولها. وروى نحوه عن الحسن. وقال قتادة: ~~لا يتضلع منها بشئ. وقال مقاتل بن حيان: لا يزداد على ثلاث لقم. والصحيح ~~خلاف هذا، كما تقدم. # التاسعة والعشرون - وأما التداوي بها فلا يخلو أن يحتاج إلى استعمالها ~~قائمة العين أو محرقة، فإن تغيرت بالاحراق فقال ابن حبيب: يجوز التداوي بها ~~والصلاة. وخففه ابن الماجشون # PageV02P230 # بناء على أن الحرق تطهير لتغير الصفات. وفي العتبية من رواية مالك في ~~المرتك (9) يصنع من عظام الميتة إذا وضعه في جرحه لا يصلي به حتى يغسله. ~~وإن كانت الميتة قائمة بعينها فقد قال سحنون: # لا يتداوى بها بحال ولا بالخنزير، لان منها عوضا حلالا بخلاف المجاعة. ~~ولو وجد منها عوض في المجاعة لم تؤكل. وكذلك الخمر لا يتداوى بها، قاله ~~مالك، وهو ظاهر مذهب الشافعي، وهو اختيار ابن أبي هريرة من أصحابه. وقال ~~أبو حنيفة: يجوز شربها للتداوي دون العطش، وهو اختيار القاضي الطبري من ~~أصحاب الشافعي، وهو قول الثوري. وقال بعض البغداديين من الشافعية: يجوز ~~شربها للعطش دون التداوي، لان ضرر العطش عاجل بخلاف التداوي. # وقيل: يجوز شربها للامرين جميعا. ومنع بعض أصحاب الشافعي التداوي بكل ~~محرم إلا بأبوال الإبل خاصة، لحديث العرنيين. ومنع بعضهم التداوي بكل محرم، ~~لقوله عليه السلام: (إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليهم)، ولقوله ~~عليه السلام لطارق بن سويد وقد سأله عن الخمر فنهاه أو كره أن يصنعها فقال، ~~إنما أصنعها للدواء، فقال: (إنه ليس ms0648 بدواء ولكنه داء). رواه مسلم في ~~الصحيح. وهذا يحتمل أن يقيد بحالة الاضطرار، فإنه يجوز التداوي بالسم ولا ~~يجوز شربه، والله أعلم. # الموفية ثلاثين - قوله تعالى: " غير باغ " " غير " نصب على الحال، وقيل: ~~على الاستثناء. وإذا رأيت " غير " يصلح في موضعه " في " فهي حال، وإذا صلح ~~موضعها " إلا " فهي استثناء، فقس عليه. و " باغ " أصله باغي، ثقلت الضمة ~~على الياء فسكنت والتنوين ساكن، فحذفت الياء والكسرة تدل عليها. والمعنى ~~فيما قال قتادة والحسن والربيع وابن زيد وعكرمة " غير باغ " في أكله فوق ~~حاجته، " ولا عاد " بأن يجد عن هذه المحرمات مندوحة ويأكلها. وقال السدي: " ~~غير باغ " في أكلها شهوة وتلذذا، " ولا عاد " باستيفاء الاكل إلى حد الشبع. ~~وقال مجاهد وابن جبير وغيرهما: المعنى " غير باغ " على المسلمين " ولا عاد ~~" عليهم، فيدخل في الباغي والعادي قطاع الطريق والخارج على السلطان ~~والمسافر في قطع الرحم والغارة على # PageV02P231 # المسلمين وما شاكله. وهذا صحيح، فإن أصل البغى في اللغة قصد الفساد، ~~يقال: بغت المرأة تبغي بغاء إذا فجرت، قال الله تعالى: " ولا تكرهوا ~~فتياتكم على البغاء (1) " [النور: 33]. وربما استعمل البغي في طلب غير ~~الفساد. والعرب تقول: خرج الرجل في بغاء إبل له، أي في طلبها، ومنه قول ~~الشاعر: # لا يمنعك من بغاء * الخير تعقاد الرتائم إن الأشائم كالأيامن * والأيامن ~~كالأشائم الحادية والثلاثون - قوله تعالى: " ولا عاد " أصل " عاد " عائد، ~~فهو من المقلوب، كشاكي السلاح وهار ولاث. والأصل شائك وهائر ولائت، من لثت ~~العمامة. فأباح الله في حالة الاضطرار أكل جميع المحرمات لعجزه عن جميع ~~المباحات كما بينا، فصار عدم المباح شرطا في استباحة المحرم. # الثانية والثلاثون - واختلف العلماء إذا اقترن بضرورته معصية، بقطع طريق ~~وإخافة سبيل، فحظرها عليه مالك والشافعي في أحد قوليه لأجل معصيته، لان ~~الله سبحانه أباح ذلك عونا، والعاصي لا يحل أن يعان، فإن أراد الاكل فليتب ~~وليأكل. وأباحها له أبو حنيفة والشافعي في القول الاخر له، وسويا في ~~استباحته بين طاعته ومعصيته. قال ابن العربي: وعجبا ممن يبيح له ذلك ms0649 مع ~~التمادي على المعصية، وما أظن أحدا يقوله، فإن قاله فهو مخطئ قطعا. # قلت: الصحيح خلاف هذا، فإن إتلاف المرء نفسه في سفر المعصية أشد معصية ~~مما هو فيه، قال الله تعالى: " ولا تقتلوا أنفسكم (29 " [النساء: 29] وهذا ~~عام، ولعله يتوب في ثاني حال فتمحو التوبة عنه ما كان. وقد قال مسروق: من ~~اضطر إلى أكل الميتة والدم ولحم الخنزير فلم يأكل حتى مات دخل النار، إلا ~~أن يعفو الله عنه. قال أبو الحسن الطبري المعروف بالكيا: وليس أكل الميتة ~~عند الضرورة رخصة بل هو عزيمة واجبة، ولو امتنع من أكل الميتة كان عاصيا، # PageV02P232 # وليس [تناول (1)] الميتة من رخص السفر أو متعلقا بالسفر بل هو من نتائج ~~الضرورة سفرا كان أو حضرا، وهو كالافطار للعاصي المقيم إذا كان مريضا، ~~وكالتيمم للعاصي المسافر عند عدم الماء. قال: وهو الصحيح عندنا. # قلت: واختلفت الروايات عن مالك في ذلك، فالمشهور من مذهبه فيما ذكره ~~الباجي في المنتقى: أنه يجوز له الاكل في سفر المعصية ولا يجوز له القصر ~~والفطر. وقال ابن خويز منداد: فأما الاكل عند الاضطرار فالطائع والعاصي فيه ~~سواء، لان الميتة يجوز تناولها في السفر والحضر، وليس بخروج الخارج إلى ~~المعاصي يسقط عنه حكم المقيم بل أسوأ حالة من أن يكون مقيما، وليس كذلك ~~الفطر والقصر، لأنهما رخصتان متعلقتان بالسفر. فمتى كان السفر سفر معصية لم ~~يجز أن يقصر فيه، لان هذه الرخصة تختص بالسفر، ولذلك قلنا: إنه يتيمم إذا ~~عدم الماء في سفر المعصية، لان التيمم في الحضر والسفر سواء. وكيف يجوز ~~منعه من أكل الميتة والتيمم لأجل معصية ارتكبها، وفي تركه الاكل تلف نفسه، ~~وتلك أكبر المعاصي، وفي تركه التيمم إضاعة للصلاة. أيجوز أن يقال له: ~~ارتكبت معصية فارتكب أخرى! أيجوز أن يقال لشارب الخمر: ازن، وللزاني: أكفر! ~~أو يقال لهما: ضيعا الصلاة؟ # ذكر هذا كله في أحكام القرآن له، ولم يذكر خلافا عن مالك ولا عن أحد من ~~أصحابه. # وقال الباجي: " وروى زياد بن عبد الرحمن الأندلسي أن ms0650 العاصي بسفره يقصر ~~الصلاة، ويفطر في رمضان. فسوى بين ذلك كله، وهو قول أبي حنيفة. ولا خلاف ~~أنه لا يجوز له قتل نفسه بالامساك عن الاكل، وأنه مأمور بالاكل على وجه ~~الوجوب، ومن كان في سفر معصية لا تسقط عنه الفروض والواجبات من الصيام ~~والصلاة، بل يلزمه الاتيان بها، فكذلك ما ذكرناه. وجه القول الأول أن هذه ~~المعاني إنما أبيحت في الاسفار لحاجة الناس إليها، فلا يباح له أن يستعين ~~بها على المعاصي وله سبيل إلى ألا يقتل نفسه. قال ابن حبيب: # وذلك بأن يتوب ثم يتناول لحم الميتة بعد توبته. وتعلق ابن حبيب في ذلك ~~بقوله تعالى: # " فمن اضطر غير باغ ولا عاد " فاشترط في إباحة الميتة للضرورة ألا يكون ~~باغيا. والمسافر # PageV02P233 # على وجه الحرابة أو القطع، أو في قطع رحم أو طالب إثم - باغ ومعتد، فلم ~~توجد فيه شروط الإباحة، والله أعلم ". # قلت: هذا استدلال بمفهوم الخطاب، وهو مختلف فيه بين الأصوليين، ومنظوم ~~الآية أن المضطر غير باغ ولا عاد لا إثم عليه، وغيره مسكوت عنه، والأصل ~~عموم الخطاب، فمن ادعى زواله لأمر ما فعليه الدليل. # الرابعة وثلاثون (1) - قوله تعالى: " فإن الله غفور رحيم " أي يغفر ~~المعاصي، فأولى لا يؤاخذ بما رخص فيه، ومن رحمته أنه رخص. # قوله تعالى: إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتب ويشترون به ثمنا ~~قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيمة ولا ~~يزكيهم ولهم عذاب أليم (174). # قوله تعالى: " إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب " يعني علماء ~~اليهود، كتموا ما أنزل الله في التوراة من صفة محمد صلى الله عليه وسلم ~~وصحة رسالته. ومعنى " أنزل ": أظهر، كما قال تعالى: " ومن قال سأنزل مثل ما ~~أنزل الله (2) " [الانعام: 93] أي سأظهر. وقيل: هو على بابه من النزول، أي ~~ما أنزل به ملائكته على رسله. " ويشترون به " أي بالمكتوم " ثمنا قليلا " ~~يعني أخذ الرشاء. وسماه قليلا لانقطاع مدته وسوء عاقبته. وقيل: لان ما ~~كانوا يأخذونه من الرشاء كان ms0651 قليلا. # قلت: وهذه الآية وإن كانت في الاخبار فإنها تتناول من المسلمين من كتم ~~الحق مختارا لذلك بسبب دنيا يصيبها، وقد تقدم (3) هذا المعنى. # قوله تعالى: " في بطونهم " ذكر البطون دلالة وتأكيدا على حقيقة الاكل، إذ ~~قد يستعمل مجازا في مثل أكل فلان أرضى ونحوه. وفي ذكر البطون أيضا تنبيه ~~على جشعهم # PageV02P234 # وأنهم باعوا آخرتهم بحظهم من المطعم الذي لا خطر له. ومعنى " إلا النار " ~~أي إنه حرام يعذبهم الله عليه بالنار، فسمي ما أكلوه من الرشاء نارا لأنه ~~يؤديهم إلى النار، هكذا قال أكثر المفسرين. وقيل: أي إنه يعاقبهم على ~~كتمانهم بأكل النار في جهنم حقيقة. فأخبر عن المآل بالحال، كما قال تعالى: ~~" إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نار (1) " ~~[النساء: 10] أي أن عاقبته تؤول إلى ذلك، ومنه قولهم: # * لدوا للموت وابنوا للخراب (2) قال: # * فللموت ما تلد الوالدة * آخر: # * ودورنا لخراب الدهر نبنيها * وهو في القرآن والشعر كثير. # قوله تعالى: " ولا يكلمهم الله " عبارة عن الغضب عليهم وإزالة الرضا ~~عنهم، يقال: # فلان لا يكلم فلانا إذا غضب عليه. وقال الطبري: المعنى " ولا يكلمهم " ~~بما يحبونه. # وفي التنزيل: " اخسئوا فيها ولا تكلمون (3) " [المؤمنون: 108]. وقيل: ~~المعنى ولا يرسل إليهم الملائكة بالتحية. # " ولا يزكيهم " أي لا يصلح أعمالهم الخبيثة فيطهرهم. وقال الزجاج: لا ~~يثني عليهم خيرا ولا يسميهم أزكياء. و " أليم " بمعنى مؤلم، وقد تقدم (4). ~~وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم ~~عذاب أليم شيخ زان وملك كذاب وعائل مستكبر). # وإنما خص هؤلاء بأليم العذاب وشدة العقوبة لمحض المعاندة والاستخفاف ~~الحامل لهم على تلك المعاصي، إذ لم يحملهم على ذلك حاجة، ولا دعتهم إليه ~~ضرورة كما تدعو من لم يكن مثلهم. ومعنى " لا ينظر إليهم " لا يرحمهم ولا ~~يعطف عليهم. وسيأتي في " آل عمران (5) " إن شاء الله تعالى. # PageV02P235 # قوله تعالى: أولئك الذين اشتروا الظللة بالهدى والعذاب ms0652 بالمغفرة فما ~~أصبرهم على النار (175). # قوله تعالى: " أولئك الذين اشتروا الظلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة " ~~تقدم (1) القول فيه. ولما كان العذاب تابعا للضلالة وكانت المغفرة تابعة ~~للهدى الذي أطرحوه دخلا في تجوز الشراء. # قوله تعالى: " فما أصبرهم على النار " مذهب الجمهور - منهم الحسن ومجاهد ~~- أن " ما " معناه التعجب، وهو مردود إلى المخلوقين، كأنه قال: اعجبوا من ~~صبرهم على النار ومكثهم فيها. وفي التنزيل: " قتل الانسان ما أكفره (2) " ~~[عبس: 17] و " أسمع بهم وأبصر (3) " [مريم: 38]. وبهذا المعنى صدر أبو علي. ~~قال الحسن وقتادة وابن جبير والربيع: ما لهم والله عليها من صبر، ولكن ما ~~أجرأهم على النار! وهي لغة يمنية معروفة. قال الفراء: أخبرني الكسائي قال: # أخبرني قاضي اليمن أن خصمين اختصما إليه فوجبت اليمين على أحدهما فحلف، ~~فقال له صاحبه: ما أصبرك على الله؟ أي ما أجرأك عليه. والمعنى: ما أشجعهم ~~على النار إذ يعملون عملا يؤدي إليها. وحكى الزجاج أن المعنى ما أبقاهم على ~~النار، من قولهم: ما أصبر فلانا على الحبس! أي ما أبقاه فيه. وقيل: المعنى ~~فما أقل جزعهم من النار، فجعل قلة الجزع صبرا. وقال الكسائي وقطرب: أي ما ~~أدومهم على عمل أهل النار. وقيل: " ما " استفهام معناه التوبيخ، قاله ابن ~~عباس والسدي وعطاء وأبو عبيدة معمر بن المثنى، ومعناه: أي أي شئ صبرهم على ~~عمل أهل النار؟! وقيل: هذا على وجه الاستهانة بهم والاستخفاف بأمرهم. # قوله تعالى: ذلك بأن الله نزل الكتب بالحق وإن الذين اختلفوا في الكتب ~~لفي شقاق بعيد (176). # PageV02P236 # قوله تعالى: " ذلك " " ذلك " في موضع رفع، وهو إشارة إلى الحكم، كأنه ~~قال: # ذلك الحكم بالنار. وقال الزجاج: تقديره الامر ذلك، أو ذلك الامر، أو ذلك ~~العذاب لهم. قال الأخفش: وخبر " ذلك " مضمر، معناه ذلك معلوم لهم. وقيل: ~~محله نصب، معناه فعلنا ذلك بهم. " بأن الله نزل الكتاب " يعني القرآن في ~~هذا الموضع " بالحق " أي بالصدق. وقيل بالحجة. " وإن الذين اختلفوا في ~~الكتاب " يعني التوراة، فادعى النصارى أن فيها صفة عيسى، وأنكر اليهود ~~صفته. وقيل: خالفوا ms0653 آباءهم وسلفهم في التمسك بها. # وقيل: خالفوا ما في التوراة من صفة محمد صلى الله عليه وسلم واختلفوا ~~فيها. وقيل: المراد القرآن، والذين اختلفوا كفار قريش، يقول بعضهم: هو سحر، ~~وبعضهم يقول: أساطير الأولين، وبعضهم: مفترى، إلى غير ذلك. وقد تقدم القول ~~في معنى الشقاق، والحمد لله (1). # قوله تعالى: ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من ~~آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي ~~القربى واليتامى والمسكين وابن السبيل والسائلين وفى الرقاب وأقام الصلاة ~~وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين ~~البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون (177). # فيه ثمان مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " ليس البر " اختلف من المراد بهذا الخطاب، فقال ~~قتادة: # ذكر لنا أن رجلا سأل نبي الله صلى الله عليه وسلم عن البر، فأنزل الله ~~هذه الآية. قال: # وقد كان الرجل قبل الفرائض إذا شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ~~ورسوله، ثم مات على ذلك وجبت له الجنة، فأنزل الله هذه الآية. وقال الربيع ~~وقتادة أيضا: الخطاب لليهود # PageV02P237 # والنصارى لأنهم اختلفوا في التوجه والتولي، فاليهود إلى المغرب قبل بيت ~~المقدس، والنصارى إلى المشرق مطلع الشمس، وتكلموا في تحويل القبلة وفضلت كل ~~فرقة توليتها، فقيل لهم: ليس البر ما أنتم فيه، ولكن البر من آمن بالله. # الثانية - قرأ حمزة وحفص " البر " بالنصب، لان ليس من أخوات كان، يقع ~~بعدها المعرفتان فتجعل أيهما شئت الاسم أو الخبر، فلما وقع بعد " ليس ": " ~~البر " نصبه، وجعل " أن تولوا " الاسم، وكان المصدر أولى بأن يكون اسما ~~لأنه لا يتنكر، والبر قد يتنكر والفعل أقوى في التعريف. وقرأ الباقون " ~~البر " بالرفع على أنه اسم ليس، وخبره " أن تولوا "، تقديره: ليس البر ~~توليتكم وجوهكم، وعلى الأول ليس توليتكم وجوهكم البر، كقوله: " ما كان ~~حجتهم إلا أن قالوا (1) " [الجاثية: 25]، " ثم كان عاقبة الذين أساءوا ~~السوءى أن كذبوا (2) " [الروم: 10] " فكان عاقبتهما أنهما في النار (3) " ~~[الحشر: 17] وما كان مثله. ويقوي قراءة الرفع ms0654 أن الثاني معه الباء إجماعا ~~في قوله: " وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها " [البقرة: 189] ولا يجوز ~~فيه إلا الرفع، فحمل الأول على الثاني أولى من مخالفته له. وكذلك هو في ~~مصحف أبي بالباء " ليس البر بأن تولوا " وكذلك في مصحف ابن مسعود أيضا، ~~وعليه أكثر القراء، والقراءتان حسنتان. # الثالثة - قوله تعالى: " ولكن البر من آمن بالله " البر ها هنا اسم جامع ~~للخير، والتقدير: ولكن البر بر من آمن، فحذف المضاف، كقوله تعالى: " واسأل ~~القرية (4) " [يوسف: 82]، " وأشربوا في قلوبهم العجل (5) " [البقرة: 93] ~~قاله الفراء وقطرب والزجاج. وقال الشاعر: # * فإنما هي إقبال وإدبار * أي ذات إقبال وذات إدبار. وقال النابغة: # * وكيف تواصل من أصبحت * * خلالته كأبي مرحب (6) # PageV02P238 # أي كخلالة أبي مرحب، فحذف. وقيل: المعنى ولكن ذا البر، كقوله تعالى: " هم ~~درجات عند الله (1) " [آل عمران: 163] أي ذوو درجات. وذلك أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة وفرضت الفرائض وصرفت القبلة إلى ~~الكعبة وحدت الحدود أنزل الله هذه الآية فقال: ليس البر كله أن تصلوا ولا ~~تعملوا غير ذلك، ولكن البر - أي ذا البر - من آمن بالله، إلى آخرها، قاله ~~ابن عباس ومجاهد والضحاك وعطاء وسفيان والزجاج أيضا. ويجوز أن يكون " البر ~~" بمعنى البار والبر، والفاعل قد يسمى بمعنى المصدر، كما يقال: رجل عدل، ~~وصوم وفطر. # وفي التنزيل: " إن أصبح ماؤكم غورا (2) " [الملك: 30] أي غائرا، وهذا ~~اختيار أبي عبيدة. وقال المبرد: # لو كنت ممن يقرأ القرآن لقرأت " ولكن البر " بفتح الباء. # الرابعة - قوله تعالى: " والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين " فقيل: # يكون " الموفون " عطفا على " من " لان من في موضع جمع ومحل رفع، كأنه ~~قال: ولكن البر المؤمنون والموفون، قاله الفراء والأخفش. " والصابرين " نصب ~~على المدح، أو بإضمار فعل. # والعرب تنصب على المدح وعلى الذم كأنهم يريدون بذلك إفراد الممدوح ~~والمذموم ولا يتبعونه أول الكلام، وينصبونه. فأما المدح فقوله: " والمقيمين ~~الصلاة (3) " [النساء: 162]. وأنشد الكسائي: # وكل قوم أطاعوا أمر مرشدهم * إلا نميرا أطاعت أمر غاويها الظاعنين ولما ~~يظعنوا أحدا * والقائلون لمن دار ms0655 نخليها وأنشد أبو عبيدة: # لا يبعدن قومي الذين هم * سم العداة وآفة الجزر (4) النازلين بكل معترك * ~~والطيبون معاقد الأزر وقال آخر: # * نحن بني ضبة أصحاب الجمل * # PageV02P239 # فنصب على المدح. وأما الذم فقوله تعالى: " ملعونين أينما ثقفوا (1) " ~~[الأحزاب: 61] الآية. وقال عروة ابن الورد: # سقوني الخمر ثم تكنفوني * عداة الله من كذب وزور وهذا مهيع (2) في ~~النعوت، لا مطعن فيه من جهة الاعراب، موجود في كلام العرب كما بينا. # وقال بعض من تعسف في كلامه: إن هذا غلط من الكتاب حين كتبوا مصحف الامام، ~~قال: والدليل على ذلك ما روي عن عثمان أنه نظر في المصحف فقال: أرى (3) فيه ~~لحنا وستقيمه العرب بألسنتها. وهكذا قال في سورة النساء " والمقيمين الصلاة ~~" [النساء: 162]، وفي سورة المائدة " والصابئون " [المائدة: 69]. والجواب ~~ما ذكرناه. وقيل: " الموفون " رفع على الابتداء والخبر محذوف، تقديره وهم ~~الموفون. وقال الكسائي: " والصابرين " عطف على " ذوي القربى " كأنه قال: # وآتى الصابرين. قال النحاس: " وهذا القول خطأ وغلط بين، لأنك إذا نصبت " ~~والصابرين " ونسقته على " ذوي القربى " دخل في صلة " من " وإذا رفعت " ~~والموفون " على أنه نسق على " من " فقد نسقت على " من " من قبل أن تتم ~~الصلة، وفرقت بين الصلة والموصول بالمعطوف ". # وقال الكسائي: وفي قراءة عبد الله " والموفين، والصابرين ". وقال النحاس: ~~" يكونان منسوقين على " ذوي القربى " أو على المدح. قال الفراء: وفي قراءة ~~عبد الله في النساء " والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة (5) " [النساء: ~~162]. وقرأ يعقوب والأعمش " والموفون والصابرون " بالرفع فيهما. وقرأ # PageV02P240 # الجحدري " بعهودهم ". وقد قيل: إن " والموفون " عطف على الضمير الذي في " ~~آمن ". # وأنكره أبو علي وقال: ليس المعنى عليه، إذ ليس المراد أن البر بر من آمن ~~بالله هو والموفون، أي آمنا جميعا. كما تقول: الشجاع من أقدم هو وعمرو، ~~وإنما الذي بعد قوله " من آمن " تعداد لافعال من آمن وأوصافهم. # الخامسة - قال علماؤنا: هذه آية عظيمة من أمهات الاحكام، لأنها تضمنت ست ~~عشرة قاعدة: الايمان بالله وبأسمائه وصفاته - وقد أتينا عليها في " الكتاب ~~الأسنى " - والنشر والحشر والميزان والصراط والحوض والشفاعة والجنة ms0656 والنار ~~- وقد أتينا عليها في كتاب " التذكرة " - والملائكة والكتب المنزلة وأنها ~~حق من عند الله - كما تقدم - والنبيين وإنفاق المال فيما يعن من الواجب ~~والمندوب وإيصال القرابة وترك قطعهم وتفقد اليتيم وعدم إهماله والمساكين ~~كذلك، ومراعاة ابن السبيل - قيل المنقطع به، وقيل: # الضيف - والسؤال وفك الرقاب. وسيأتي بيان هذا في آية الصدقات (1)، ~~والمحافظة على الصلاة وإيتاء الزكاة والوفاء بالعهود والصبر في الشدائد. ~~وكل قاعدة من هذه القواعد تحتاج إلى كتاب وتقدم التنبيه على أكثرها، ويأتي ~~بيان باقيها بما فيها في مواضعها إن شاء الله تعالى. # واختلف هل يعطى اليتيم من صدقة التطوع بمجرد اليتم على وجه الصلة وإن كان ~~غنيا، أو لا يعطى حتى يكون فقيرا، قولان للعلماء. وهذا على أن يكون إيتاء ~~المال غير الزكاة الواجبة، على ما نبينه آنفا (2). # السادسة - قوله تعالى: " وآتى المال على حبه " استدل به من قال: إن في ~~المال حقا سوى الزكاة وبها كمال البر. وقيل: المراد الزكاة المفروضة، ~~والأول أصح، لما خرجه الدارقطني عن فاطمة بنت قيس قالت قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: (إن في المال حقا سوى الزكاة) ثم تلا هذه الآية " ليس البر ~~أن تولوا وجوهكم " إلى آخر الآية. وأخرجه ابن ماجة في سننه والترمذي في ~~جامعه وقال: " هذا حديث ليس إسناده بذاك، وأبو حمزة # PageV02P241 # ميمون الأعور يضعف. وروى بيان وإسماعيل بن سالم عن الشعبي هذا الحديث ~~قوله وهو أصح ". # قلت: والحديث وإن كان فيه مقال فقد دل على صحته معنى ما في الآية نفسها ~~من قوله تعالى: " وأقام الصلاة وآتى الزكاة " فذكر الزكاة مع الصلاة، وذلك ~~دليل على أن المراد بقوله: " وآتى المال على حبه " ليس الزكاة المفروضة، ~~فإن ذلك كان يكون تكرارا، والله أعلم. واتفق العلماء على أنه إذا نزلت ~~بالمسلمين حاجة بعد أداء الزكاة فإنه يجب صرف المال إليها. قال مالك رحمه ~~الله: يجب على الناس فداء أسراهم وإن استغرق ذلك أموالهم. وهذا إجماع أيضا، ~~وهو يقوى ما اخترناه، والموفق الاله (1). # السابعة - قوله تعالى: " على حبه ms0657 " الضمير في " حبه " اختلف في عوده، ~~فقيل: # يعود على المعطى للمال، وحذف المفعول وهو المال. ويجوز نصب " ذوي القربى ~~" بالحلب، فيكون التقدير على حب المعطى ذوي القربى. وقيل: يعود على المال، ~~فيكون المصدر مضافا إلى المفعول. قال ابن عطية: ويجئ قوله " على حبه " ~~اعتراضا بليغا أثناء القول. # قلت: ونظيره قوله الحق: " ويطعمون الطعام على حبه مسكينا (1) " فإنه جمع ~~المعنيين، الاعتراض وإضافة المصدر إلى المفعول، أي على حب الطعام. ومن ~~الاعتراض قوله الحق: # " ومن يعمل منن الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك (2) " وهذا ~~عندهم يسمى التتميم، وهو نوع من البلاغة، ويسمى أيضا الاحتراس والاحتياط، ~~فتمم بقوله " على حبه " وقوله: " وهو مؤمن "، ومنه قول زهير: # من يلق يوما على علاته هرما * يلق السماحة منه والندى خلقا وقال امرؤ ~~القيس: # على هيكل يعطيك قبل سؤاله * أفانين جرى غير كز ولا وإن فقوله: " على ~~علاته " و " قبل سؤاله " تتميم حسن، ومنه قول عنترة: # أثنى على بما علمت فإنني * سهل مخالفتي إذا لم أظلم # PageV02P242 # فقوله: " إذا لم أظلم " تتميم حسن. وقال طرفة: # فسقى ديارك غير مفسدها * صوب الربيع وديمة تهمى وقال الربيع بن ضبع ~~الفزاري: # فنيت وما يفنى صنيعي ومنطقي * وكل امرئ إلا أحاديثه فأن فقوله: " غير ~~مفسدها "، و " إلا أحاديثه " تتميم واحتراس. وقال أبو هفان: # فأفنى الردى أرواحنا غير ظالم * وأفنى الندى أموالنا غير عائب فقوله: " ~~غير ظالم، و " غير عائب " تتميم واحتياط، وهو في الشعر كثير. وقيل: يعود ~~على الايتاء، لان الفعل يدل على مصدره، وهو كقوله تعالى: " ولا تحسبن الذين ~~يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم (1) " أي البخل خيرا لهم، فإذا ~~أصابت الناس حاجة أو فاقة فإيتاء المال حبيب إليهم. وقيل يعود على اسم الله ~~تعالى في قوله: " من آمن بالله ". والمعنى المقصود أن يتصدق المرء في هذه ~~الوجوه وهو صحيح شحيح يخشى الفقر ويأمن البقاء. # الثامنة - قوله تعالى: " والموفون بعهدهم إذا عاهدوا " أي فيما بينهم ~~وبين الله تعالى وفيما بينهم وبين الناس. " والصابرين في البأساء والضراء ms0658 " ~~البأساء: الشدة والفقر. والضراء: # المرض والزمانة، قاله ابن مسعود. وقال عليه السلام: (يقول الله تعالى ~~أيما عبد من عبادي ابتليته ببلاء في فراشه فلم يشك إلى عواده أبدلته لحما ~~خيرا من لحمه ودما خيرا من دمه فإن قبضته فإلى رحمتي وإن عافيته عافيته ~~وليس له ذنب) قيل: يا رسول الله، ما لحم خير من لحمه؟ # قال: (لحم لم يذنب) قيل: فما دم خير من دمه؟ قال: (دم لم يذنب) والبأساء ~~والضراء اسمان بنيا على فعلاء، ولا فعل لهما، لأنهما اسمان وليسا بنعت. " ~~وحين البأس " أي وقت الحزب (2). # قوله تعالى: " أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون " وصفهم بالصدق ~~والتقوى في أمورهم والوفاء بها، وأنهم كانوا جادين في الدين، وهذا غاية ~~الثناء. والصدق: خلاف # PageV02P243 # الكذب. ويقال: صدقوهم القتال. والصديق: الملازم للصدق، وفي الحديث: ~~(عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وما يزال ~~الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا). # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر ~~والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفى له من أخيه شئ فاتباع بالمعروف ~~وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب ~~أليم (178). # فيه سبع عشرة مسألة: # الأولى - روى البخاري والنسائي والدارقطني عن ابن عباس قال: " كان في بني ~~إسرائيل القصاص ولم تكن فيهم الدية، فقال الله لهذه الأمة: " كتب عليكم ~~القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفى له من ~~أخيه شئ " فالعفو أن يقبل الدية في العمد " فاتباع بالمعروف وأداء إليه ~~بإحسان " يتبع بالمعروف ويؤدي بإحسان " ذلك تخفيف من ربكم ورحمة " مما كتب ~~على من كان قبلكم " فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم " قتل بعد قبول الدية ~~". هذا لفظ البخاري: حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا عمرو [قال (1)] سمعت ~~مجاهدا [قال (1)] سمعت ابن عباس [يقول (1)]. وقال الشعبي في قوله تعالى: # " الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى " قال: أنزلت في قبيلتين من ~~قبائل العرب اقتتلتا ms0659 فقالوا، نقتل بعبدنا فلان بن فلان، وبأمتنا فلانة بنت ~~فلان، ونحوه عن قتادة. # الثانية - قوله تعالى: " كتب عليكم القصاص " " كتب " معناه فرض وأثبت، ~~ومنه قول عمر بن أبي ربيعة: # كتب القتل والقتال علينا * وعلى الغانيات جر الذيول # PageV02P244 # وقد قيل: إن " كتب " هنا إخبار عما كتب في اللوح المحفوظ وسبق به القضاء. ~~والقصاص مأخوذ من قص الأثر وهو اتباعه، ومنه القاص لأنه يتبع الآثار ~~والأخبار. وقص الشعر اتباع أثره، فكأن القاتل سلك طريقا من القتل فقص أثره ~~فيها ومشى على سبيله في ذلك، ومنه " فارتدا على آثارهما قصصا " [الكهف: ~~64]. وقيل: القص القطع، يقال: قصصت ما بينهما. # ومنه أخذ القصاص، لأنه يجرحه مثل جرحه أو يقتله به، يقال: أقص الحاكم ~~فلانا من فلان وأباءه به فأمثله فامتثل منه، أي اقتص منه. # الثالثة - صورة القصاص هو أن القاتل فرض عليه إذا أراد الولي القتل ~~الاستسلام لأمر الله والانقياد لقصاصه المشروع، وأن الولي فرض عليه الوقوف ~~عند قاتل وليه وترك التعدي على غيره، كما كانت العرب تتعدى فتقتل غير ~~القاتل، وهو معنى قوله عليه السلام: # (إن من أعتى الناس على الله يوم القيامة ثلاثة رجل قتل غير قاتله ورجل ~~قتل في الحرم ورجل أخذ بذحول (1) الجاهلية). قال الشعبي وقتادة وغيرهما: إن ~~أهل الجاهلية كان فيهم بغي وطاعة للشيطان، فكان الحي إذا كان فيه عز ومنعة ~~فقتل لهم عبد، قتله عبد قوم آخرين قالوا: لا نقتل به إلا حرا، وإذا قتلت ~~منهم امرأة قالوا: لا نقتل بها إلا رجلا، وإذا قتل لهم وضيع قالوا: لا نقتل ~~به إلا شريفا، ويقولون: (القتل أوقى للقتل) بالواو والقاف ، ويروي (أبقى) ~~بالباء والقاف، ويروى (أنفى) بالنون والفاء، فنهاهم الله عن البغي فقال: " ~~كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد " الآية، وقال " ولكم ~~في القصاص حياة " [البقرة: 179]. وبين الكلامين في الفصاحة والجزل بون ~~عظيم. # الرابعة - لا خلاف أن القصاص في القتل لا يقيمه إلا أولو الامر، فرض ~~عليهم النهوض بالقصاص وإقامة الحدود وغير ذلك، لان الله سبحانه خاطب ms0660 جميع ~~المؤمنين بالقصاص، ثم لا يتهيأ للمؤمنين جميعا أن يجتمعوا على القصاص، ~~فأقاموا السلطان مقام أنفسهم # PageV02P245 # في إقامة القصاص وغيره من الحدود. وليس القصاص بلازم إنما اللازم ألا ~~يتجاوز القصاص وغيره من الحدود إلى الاعتداء، فأما إذا وقع الرضا بدون ~~القصاص من دية أو عفو فذلك مباح، على ما يأتي بيانه. # فإن قيل: فان قوله تعالى " كتب عليكم " معناه فرض وألزم، فكيف يكون ~~القصاص غير واجب؟ قيل له: معناه إذا أردتم، فأعلم أن القصاص هو الغاية عند ~~التشاح. والقتلى جمع قتيل، لفظ مؤنث تأنيث الجماعة، وهو مما يدخل على الناس ~~كرها، فلذلك جاء على هذا البناء كجرحى وزمنى وحمقى وصرعى وغرقى، وشبههن. # الخامسة - قوله تعالى: " الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى " ~~الآية. اختلف في تأويلها، فقالت طائفة: جاءت الآية مبينة لحكم النوع إذا ~~قتل نوعه، فبينت حكم الحر إذا قتل حرا، والعبد إذا قتل عبدا، والأنثى إذا ~~قتلت أنثى، ولم تتعرض لاحد النوعين إذا قتل الاخر، فالآية محكمة وفيها ~~إجمال يبينه قوله تعالى: " وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس " [المائدة: ~~45]، وبينه النبي صلى الله عليه وسلم بسنته لما قتل اليهودي بالمرأة، قاله ~~مجاهد، وذكره أبو عبيد عن ابن عباس. وروي عن ابن عباس أيضا أنها منسوخة ~~بآية " المائدة (1) " وهو قول أهل العراق. # السادسة - قال الكوفيون والثوري: يقتل الحر بالعبد، والمسلم بالذمي، ~~واحتجوا بقوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى " ~~فعم، وقوله: " وكتبا عليهم فيها أن النفس بالنفس " [المائدة: 45]، قالوا: ~~والذمي مع المسلم (2) متساويان في الحرمة التي تكفي في القصاص وهي حرمة ~~الدم الثابتة على التأبيد، فإن الذمي محقون الدم على التأبيد، والمسلم ~~كذلك، وكلاهما قد صار من أهل دار الاسلام، والذي يحقق ذلك أن المسلم يقطع ~~بسرقة مال الذمي، وهذا يدل على أن مال الذمي قد ساوى مال المسلم، فدل على ~~مساواته لدمه إذ المال إنما يحرم بحرمة مالكه. واتفق أبو حنيفة وأصحابه ~~والثوري وابن أبي ليلى على أن الحر يقتل بالعبد كما يقتل العبد به، ms0661 وهو قول ~~داود، وروي ذلك عن علي وابن مسعود # PageV02P246 # رضي الله عنهما، وبه قال سعيد بن المسيب وقتادة وإبراهيم النخعي والحكم ~~بن عيينة. والجمهور من العلماء لا يقتلون الحر بالعبد، للتنويع والتقسيم في ~~الآية. وقال أبو ثور: لما اتفق جميعهم على أنه لا قصاص بين العبيد والأحرار ~~فيما دون النفوس كانت النفوس أحرى بذلك، ومن فرق منهم بين ذلك فقد ناقض. ~~وأيضا فالاجماع فيمن قتل عبدا خطأ أنه ليس عليه إلا القيمة، فكما لم يشبه ~~الحر في الخطأ لم يشبهه في العمد. وأيضا فإن العبد سلعة من السلع يباع ~~ويشترى، ويتصرف فيه الحر كيف شاء، فلا مساواة بينه وبين الحر ولا مقاومة. # قلت: هذا الاجماع صحيح، وأما قوله أولا: " ولما اتفق جميعهم - إلى قوله - ~~فقد ناقض " فقد قال ابن أبي ليلى وداود بالقصاص بين الأحرار والعبيد في ~~النفس وفي جميع الأعضاء، واستدل داود بقوله عليه السلام: (المسلمون تتكافأ ~~دماؤهم) فلم يفرق بين حر وعبد. وسيأتي بيانه في " النساء (1) " إن شاء الله ~~تعالى. # السابعة - والجمهور أيضا على أنه لا يقتل مسلم بكافر، لقوله صلى الله ~~عليه وسلم: # (لا يقتل مسلم بكافر) أخرجه البخاري عن علي بن أبي طالب. ولا يصح لهم ما ~~رووه من حديث ربيعة أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل يوم خيبر مسلما بكافر، ~~لأنه منقطع، ومن حديث ابن البيلماني وهو ضعيف عن ابن عمر عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم مرفوعا. قال الدارقطني: " لم يسنده غير إبراهيم بن أبي يحيى وهو ~~متروك الحديث. والصواب عن ربيعة عن ابن البيلماني مرسل عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وابن البيلماني ضعيف الحديث لا تقوم به حجة إذا وصل الحديث، ~~فكيف بما يرسله ". # قلت: فلا يصح في الباب إلا حديث البخاري، وهو يخصص عموم قوله تعالى: # " كتب عليكم القصاص في القتلى " الآية، وعموم قوله: " النفس بالنفس " ~~[المائدة: 45]. # الثامنة - روي عن علي بن أبي طالب والحسن بن أبي الحسن البصري أن الآية ~~نزلت مبينة حكم المذكورين، ليدل ذلك على الفرق بينهم ms0662 وبين أن يقتل حر عبدا ~~أو عبد حرا، أو ذكر أنثى أو أنثى ذكرا، وقالا: إذا قتل رجل امرأة فإن أراد ~~أولياؤها قتلوا صاحبهم ووفوا # PageV02P247 # أولياءه نصف الدية، وإن أرادوا استحيوه وأخذوا منه دية المرأة. وإذا قتلت ~~امرأة رجلا فإن أراد أولياؤه قتلها قتلوها وأخذوا نصف الدية، وإلا أخذوا ~~دية صاحبهم واستحيوها. # روى هذا الشعبي عن علي، ولا يصح، لان الشعبي لم يلق عليا. وقد روى الحكم ~~عن علي وعبد الله قالا: إذا قتل الرجل المرأة متعمدا فهو بها قود، وهذا ~~يعارض رواية الشعبي عن علي. وأجمع العلماء على أن الأعور والأشل إذا قتل ~~رجلا سالم الأعضاء أنه ليس لوليه أن يقتل الأعور، ويأخذ منه نصف الدية من ~~أجل أنه قتل ذا عينين وهو أعور، وقتل ذا يدين وهو أشل، فهذا يدل على أن ~~النفس مكافئة للنفس، ويكافئ الطفل فيها الكبير. # ويقال لقائل ذلك: إن كان الرجل لا تكافئه المرأة ولا تدخل تحت قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم: (المسلمون تتكافأ دماؤهم) فلم قتلت الرجل بها وهي لا ~~تكافئه ثم تأخذ نصف الدية، والعلماء قد أجمعوا أن الدية لا تجتمع مع ~~القصاص، وأن الدية إذا قبلت حرم الدم وارتفع القصاص، فليس قولك هذا بأصل ~~ولا قياس، قاله أبو عمر رضي الله عنه. وإذا قتل الحر العبد، فإن أراد سيد ~~العبد قتل وأعطى دية الحر إلا قيمة العبد، وإن شاء استحيا وأخذ قيمة العبد، ~~هذا مذكور عن، علي والحسن، وقد أنكر ذلك عنهم أيضا. # التاسعة - وأجمع العلماء على قتل الرجل بالمرأة والمرأة بالرجل، والجمهور ~~لا يرون الرجوع بشئ. وفرقة ترى الاتباع بفضل الديات. قال مالك والشافعي ~~وأحمد وإسحاق والثوري وأبو ثور: وكذلك القصاص بينهما فيما دون النفس. وقال ~~حماد بن أبي سليمان وأبو حنيفة: لا قصاص بينهما فيما دون النفس بالنفس ~~وإنما هو في النفس بالنفس، وهما محجوجان بإلحاق ما دون النفس بالنفس على ~~طريق الأخرى والأولى، على ما تقدم. # العاشرة - قال ابن العربي: ولقد بلغت الجهالة بأقوام إلى أن قالوا: ms0663 يقتل ~~الحر بعبد نفسه، ورووا في ذلك حديثا عن الحسن عن سمرة أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: (من قتل عبده قتلناه) وهو حديث ضعيف. ودليلنا قوله ~~تعالى: " ومن قتل PageV02P248 # مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل (1) " [الاسراء: 33] ~~والولي ها هنا السيد، فكيف يجعل له سلطان على نفسه ". وقد اتفق الجميع على ~~أن السيد لو قتل عبده خطأ أنه لا تؤخذ منه قيمته لبيت المال، وقد روى عمرو ~~بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلا قتل عبده متعمدا فجلده النبي صلى الله عليه ~~وسلم ونفاه سنة ومحا سهمه من المسلمين ولم يقده به. # فإن قيل: فإذا قتل الرجل زوجته لم لم تقولوا: ينصب النكاح شبهة في درء ~~القصاص عن الزوج، إذ النكاح ضرب من الرق، وقد قال ذلك الليث بن سعد. قلنا: ~~النكاح ينعقد لها عليه، كما ينعقد له عليها، بدليل أنه لا يتزوج أختها ولا ~~أربعا سواها، وتطالبه في حق الوطئ بما يطالبها، ولكن له عليها فضل القوامة ~~التي جعل الله له عليها بما أنفق من ماله، أي بما وجب عليه من صداق ونفقة، ~~فلو أورث شبهة لأورثها في الجانبين. # قلت: هذا الحديث الذي ضعفه ابن العربي وهو صحيح، أخرجه النسائي وأبو ~~داود، وتتميم متنه: (ومن جدعه جدعناه ومن أخصاه أخصيناه). وقال البخاري عن ~~علي بن المديني: سماع الحسن من سمرة صحيح، وأخذ بهذا الحديث. وقال البخاري: ~~وأنا أذهب إليه، فلو لم يصح الحديث لما ذهب إليه هذان الامامان، وحسبك ~~بهما!. ويقتل الحر بعبد نفسه. قال النخعي والثوري في أحد قوليه وقد قيل: إن ~~الحسن لم يسمع من سمرة إلا حديث العقيقة، والله أعلم. [واختلفوا (2) في ~~القصاص بين العبيد فيما دون النفس، هذا قول عمر بن عبد العزيز وسالم بن عبد ~~الله والزهري وقران (3) ومالك والشافعي وأبو ثور. وقال الشعبي والنخعي ~~والثوري وأبو حنيفة: لا قصاص بينهم إلا في النفس. قال ابن المنذر: الأول ~~أصح]. # الحادية عشرة - روى الدارقطني وأبو عيسى الترمذي عن سراقة ms0664 بن مالك قال: ~~حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقيد الأب من ابنه، ولا يقيد الابن من ~~أبيه. قال أبو عيسى: # " هذا حديث لا نعرفه من حديث سراقة إلا من هذا الوجه، وليس إسناده بصحيح، ~~رواه إسماعيل بن عياش عن المثنى بن الصباح، والمثنى يضعف في الحديث، وقد ~~روى هذا # PageV02P249 # الحديث أبو خالد الأحمر عن الحجاج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن عمر ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقد روي هذا الحديث عن عمرو بن شعيب مرسلا، ~~وهذا الحديث فيه اضطراب، والعمل على هذا عند أهل العلم أن الأب إذا قتل ~~ابنه لا يقتل به، وإذا قذفه لا يحد ". وقال ابن المنذر: اختلف أهل العلم في ~~الرجل يقتل ابنه عمدا، فقالت طائفة: # لا قود عليه وعليه ديته، وهذا قول الشافعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي، ~~وروي ذلك عن عطاء ومجاهد. وقال مالك وابن نافع وابن عبد الحكم: يقتل به. ~~وقال ابن المنذر: وبهذا نقول لظاهر الكتاب والسنة، فأما ظاهر الكتاب فقوله ~~تعالى: " كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد "، والثابت ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المؤمنون تتكافأ دماؤهم) ولا نعلم خبرا ~~ثابتا يجب به استثناء الأب من جملة الآية، وقد روينا فيه أخبارا غير ثابتة. ~~وحكى الكيا الطبري عن عثمان البتي أنه يقتل الوالد بولده، للعمومات في ~~القصاص. وروي مثل ذلك عن مالك، ولعلهما لا يقبلان أخبار الآحاد في مقابلة ~~عمومات القرآن. # قلت: لا خلاف في مذهب مالك أنه إذا قتل الرجل ابنه متعمدا مثل أن يضجعه ~~ويذبحه أو يصبره (1) مما لا عذر له فيه ولا شبهة في ادعاء الخطأ، أنه يقتل ~~به قولا واحدا. فأما إن رماه بالسلاح أدبا أو حنقا فقتله، ففيه في المذهب ~~قولان: يقتل به، ولا يقتل به وتغلظ الدية، وبه قال جماعة العلماء. ويقتل ~~الا جني بمثل هذا. ابن العربي (2): " سمعت شيخنا فخر الاسلام الشاشي يقول ~~في النظر: لا يقتل الأب بابنه، لان الأب كان سبب وجوده، ms0665 فكيف يكون هو سبب ~~عدمه؟ وهذا يبطل بما إذا زنى بابنته فإنه يرجم، وكان سبب وجودها وتكون هي ~~سبب عدمه، [ثم أي فقه تحت هذا، ولم لا يكون سبب عدمه إذا عصى الله تعالى في ~~ذلك (3)]. وقد أثروا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يقاد ~~الوالد # PageV02P250 # بولده) وهو حديث باطل، ومتعلقهم أن عمر رضي الله عنه قضى بالدية مغلظة في ~~قاتل ابنه ولم ينكر أحد من الصحابة عليه، فأخذ سائر الفقهاء رضي الله عنهم ~~المسألة مسجلة (1)، [وقالوا (2): لا يقتل الوالد بولده]، وأخذها مالك محكمة ~~مفصلة فقال: إنه لو حذفه بالسيف وهذه حالة محتملة لقصد القتل وعدمه، وشفقة ~~الأبوة شبهة منتصبة شاهدة بعدم القصد إلى القتل تسقط القود، فإذا أضجعه كشف ~~الغطاء عن قصده فالتحق بأصله ". قال ابن المنذر: # وكان مالك والشافعي وأحمد وإسحاق يقولون: إذا قتل الابن الأب قتل به. # الثانية عشرة - وقد استدل الإمام أحمد بن حنبل بهذه الآية على قوله: لا ~~تقتل الجماعة بالواحد، قال: لان الله سبحانه شرط المساواة ولا مساواة بين ~~الجماعة والواحد. وقد قال تعالى: " وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس ~~والعين بالعين " [المائدة: 45]. والجواب أن المراد بالقصاص في الآية قتل من ~~قتل كائنا من كان، ردا على العرب التي كانت تريد أن تقتل بمن قتل من لم ~~يقتل، وتقتل في مقابلة الواحد مائة، افتخارا واستظهارا بالجاه والمقدرة، ~~فأمر الله سبحانه بالعدل والمساواة، وذلك بأن يقتل من قتل، وقد قتل عمر رضي ~~الله عنه سبعة برجل بصنعاء وقال: لو تمالا عليه أهل صنعاء لقتلتهم به ~~جميعا. وقتل علي رضي الله عنه الحرورية (3) بعبد الله بن خباب، فإنه توقف ~~عن قتالهم حتى يحدثوا، فلما ذبحوا عبد الله بن خباب كما تذبح الشاة، وأخبر ~~على بذلك قال: الله أكبر! نادوهم أن أخرجوا إلينا قاتل عبد الله بن خباب، ~~فقالوا: كلنا قتله، ثلاث مرات، فقال علي لأصحابه: دونكم القوم، فما لبث أن ~~قتلهم على وأصحابه) خرج الحديثين الدارقطني في سننه. وفي الترمذي عن أبي ms0666 ~~سعيد وأبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لو أن أهل السماء ~~وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبهم الله في النار). وقال فيه: حديث ~~غريب. وأيضا فلو علم الجماعة أنهم إذا قتلوا الواحد لم يقتلوا لتعاون ~~الأعداء على قتل أعدائهم بالاشتراك في قتلهم وبلغوا الامل من التشفي، # PageV02P251 # ومراعاة هذه القاعدة أولى من مراعاة الألفاظ، والله أعلم. [وقال (1) ابن ~~المنذر: وقال الزهري وحبيب بن أبي ثابت وابن سيرين: لا يقتل اثنان بواحد. ~~روينا ذلك عن معاذ بن جبل وابن الزبير وعبد الملك، قال ابن المنذر: وهذا ~~أصح، ولا حجة مع من أباح قتل جماعة بواحد. وقد ثبت عن ابن الزبير ما ذكرناه ~~(1)]. # التاسعة عشرة - روى الأئمة عن أبي شريح الكعبي قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: (ألا إنكم معشر خزاعة قتلتم هذا القتيل من هذيل وإني عاقله ~~فمن قتل له بعد مقالتي هذه قتيل فأهله بين خيرتين أن يأخذوا العقل أو ~~يقتلوا)، لفظ أبي داود. وقال الترمذي: # حديث حسن صحيح. وروي عن أبي شريح الخزاعي (2) عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # (من قتل له قتيل فله أن يقتل أو يعفو أو يأخذ الدية). وذهب إلى هذا بعض ~~أهل العلم، وهو قول أحمد وإسحاق. # الرابعة عشرة - اختلف أهل العلم في أخذ الدية من قاتل العمد، فقالت ~~طائفة: ولي المقتول بالخيار إن شاء اقتص وإن شاء أخذ الدية وإن لم يرض ~~القاتل. يروى هذا عن سعيد ابن المسيب وعطاء والحسن، ورواه أشهب عن مالك، ~~وبه قال الليث والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور. وحجتهم حديث أبي ~~شريح وما كان في معناه، وهو نص في موضع الخلاف، وأيضا من طريق النظر فإنما ~~لزمته الدية بغير رضاه، لان فرضا عليه إحياء نفسه، وقد قال الله تعالى: " ~~ولا تقتلوا أنفسكم (3) " [النساء: 29]. وقوله: " فمن عفي له من أخيه شئ " ~~أي ترك له دمه، في أحد التأويلات، ورضي منه بالدية " فاتباع بالمعروف " أي ~~فعلى صاحب الدم اتباع بالمعروف في المطالبة بالدية، ms0667 وعلى القاتل أداء إليه ~~بإحسان، أي من غير مماطلة وتأخير عن الوقت " ذلك تخفيف من ربكم ورحمة " أي ~~أن من كان قبلنا لم يفرض الله عليهم غير النفس بالنفس، فتفضل الله على هذه ~~الأمة بالدية إذا رضي بها ولي الدم، على ما يأتي بيانه. وقال # PageV02P252 # آخرون: ليس لولي المقتول إلا القصاص، ولا يأخذ الدية إلا إذا رضي القاتل، ~~رواه ابن القاسم عن مالك وهو المشهور عنه، وبه قال الثوري والكوفيون. ~~واحتجوا بحديث أنس في قصة الربيع (1) حين كسرت ثنية المرأة، رواه الأئمة ~~قالوا: فلما حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقصاص وقال: (القصاص كتاب ~~الله، القصاص كتاب الله) ولم يخبر المجني عليه بين القصاص والدية ثبت بذلك ~~أن الذي يجب بكتاب الله وسنة رسوله في العمد هو القصاص، والأول أصح، لحديث ~~أبي شريح المذكور. وروى الربيع عن الشافعي قال: أخبرني أبو حنيفة ابن سماك ~~بن الفضل الشهابي قال: وحدثني ابن أبي ذئب عن المقبري عن أبي شريح الكعبي ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عام الفتح: (من قتل له قتيل فهو بخير ~~النظرين إن أحب أخذ العقل وإن أحب فله القود). فقال أبو حنيفة: فقلت لابن ~~أبي ذئب: # أتأخذ بهذا يا أبا الحارث فضرب صدري وصاح علي صياحا كثيرا ونال مني وقال: ~~أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول: تأخذ به! نعم آخذ به، وذلك ~~الفرض على وعلى من سمعه، إن الله عز وجل ثناؤه اختار محمدا صلى الله عليه ~~وسلم من الناس فهداهم به وعلى يديه، واختار لهم ما اختاره له وعلى لسانه، ~~فعلى الخلق أن يتبعوه طائعين أو داخرين، لا مخرج لمسلم من ذلك، قال: وما ~~سكت عني حتى تمنيت أن يسكت. # الخامسة عشرة - قوله تعالى: " فمن عفى له من أخيه شئ فاتباع بالمعروف ~~وأداء إليه بإحسان " اختلف العلماء في تأويل " من " و " عفي " على تأويلات ~~خمس: # أحدها - أن " من " يراد بها القاتل، و " عفي " تتضمن عافيا هو ولي الدم، ~~والأخ هو المقتول، ms0668 و " شئ " هو الدم الذي يعفى عنه ويرجع إلى أخذ الدية، ~~هذا قول ابن عباس وقتادة ومجاهد وجماعة من العلماء. والعفو في هذا القول ~~على بابه الذي هو الترك. والمعنى: # أن القاتل إذا عفا عنه ولي المقتول عن دم مقتول وأسقط القصاص فإنه يأخذ ~~الدية ويتبع بالمعروف، ويؤدي إليه القاتل بإحسان. # PageV02P253 # الثاني: وهو قول مالك أن " من " يراد به الولي " وعفي " يسر، لا على ~~بابها في العفو، والأخ يراد به القاتل، و " شئ " هو الدية، أي أن الولي إذا ~~جنح إلى العفو عن القصاص على أخذ الدية فإن القاتل مخير بين أن يعطيها أو ~~يسلم نفسه، فمرة تيسر ومرة لا تيسر. وغير مالك يقول: إذا رضي الأولياء ~~بالدية فلا خيار للقاتل بل تلزمه. وقد روي عن مالك هذا القول، ورجحه كثير ~~من أصحابه. وقال أبو حنيفة: إن معنى " عفي " بذل، والعفو في اللغة: البذل، ~~ولهذا قال الله تعالى: " خذ العفو (1) " [الأعراف: 199] أي ما سهل. وقال ~~أبو الأسود الدؤلي: # * خذي العفو مني تستديمي مودتي * [وقال (2) صلى الله عليه وسلم: (أول ~~الوقت رضوان الله وآخره عفو الله) يعني شهد الله على عباده. فكأنه قال: من ~~بذل له شئ من الدية فليقبل وليتبع بالمعروف. وقال قوم: # وليؤد إليه القاتل بإحسان، فندبه تعالى إلى أخذ المال إذا سهل ذلك من جهة ~~القاتل، وأخبر أنه تخفيف منه ورحمة، كما قال ذلك عقب ذكر القصاص في سورة ~~[المائدة] " فمن تصدق به فهو كفارة له (3) " [المائدة: 45] فندب إلى رحمة ~~العفو والصدقة، وكذلك ندب فيما ذكر في هذه الآية إلى قبول الدية إذا بذلها ~~الجاني بإعطاء الدية، ثم أمر الولي باتباع وأمر الجاني بالأداء بالاحسان]. # وقد قال قوم: إن هذه الألفاظ في المعينين الذين نزلت فيهم الآية كلها ~~وتساقطوا الديات فيما بينهم مقاصة. ومعنى الآية: فمن فضل له من الطائفتين ~~على الأخرى شئ من تلك الديات، ويكون " عفي " بمعنى فضل. # [روى (2) سفيان بن حسين بن شوعة عن الشعبي قال: كان بين حيين من العرب ~~قتال، فقتل من هؤلاء ms0669 وهؤلاء. وقال أحد الحيين: لا نرضى حتى يقتل بالمرأة ~~الرجل وبالرجل المرأة، فارتفعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال ~~عليه السلام: (القتل سواء) فاصطلحوا على الديات، ففضل أحد الحيين على ~~الاخر، فهو قوله: " كتب " إلى قوله: " فمن عفي له من أخيه شئ " يعني فمن ~~فضل له على أخيه فضل فليؤده بالمعروف، فأخبر الشعبي عن السبب في نزول ~~الآية، وذكر سفيان العفو هنا الفضل، وهو معنى يحتمله اللفظ]. # PageV02P254 # وتأويل خامس (1) - وهو قول علي رضي الله عنه والحسن في الفضل بين دية ~~الرجل والمرأة والحر والعبد، أي من كان له ذلك الفضل فاتباع بالمعروف، و " ~~عفي " في هذا الموضع أيضا بمعنى فضل. # السادسة عشرة - هذه الآية حض من الله تعالى على حسن الاقتضاء من الطالب، ~~وحسن القضاء من المؤدي، وهل ذلك على الوجوب أو الندب. فقراءة الرفع تدل على ~~الوجوب، لان المعنى فعليه اتباع بالمعروف. قال النحاس: " فمن عفي له " شرط ~~والجواب، " فاتباع " وهو رفع بالابتداء، والتقدير فعليه اتباع بالمعروف. ~~ويجوز في غير القرآن " فاتباعا "، و " أداء " بجعلهما مصدرين. قال ابن ~~عطية: وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة " فاتباعا " بالنصب. # والرفع سبيل للواجبات، كقوله تعالى: " فإمساك بمعروف (2) " [البقرة: ~~229]. وأما المندوب إليه فيأتي منصوبا، كقوله: " فضرب الرقاب (3) " [محمد: ~~4]. # السابع عشرة - قوله تعالى: " ذلك تخفيف من ربكم ورحمة " لان أهل التوراة ~~كان لهم القتل ولم يكن لهم غير ذلك، وأهل الإنجيل كان لهم العفو ولم يكن ~~لهم قود ولا دية، فجعل الله تعالى ذلك تخفيفا لهذه الأمة، فمن شاء قتل، ومن ~~شاء أخذ الدية، ومن شاء عفا. # قوله تعالى: " فمن اعتدى بعد ذلك فله " شرط وجوابه، أي قتل بعد أخذ الدية ~~وسقوط [الدم (4)] قاتل وليه. " فله عذاب أليم " قال الحسن: كان الرجل في ~~الجاهلية إذا قتل قتيلا فر إلى قومه فيجئ قومه فيصالحون بالدية فيقول ولي ~~المقتول: إني أقبل الدية، حتى يأمن القاتل ويخرج، فيقتله ثم يرمي إليهم ~~بالدية. # واختلف العلماء فيمن تقل بعد أخذ الدية، فقال جماعة من العلماء منهم مالك ~~والشافعي: ms0670 # هو كمن قتل ابتداء، إن شاء الولي قتله وإن شاء عفا عنه وعذابه في الآخرة. ~~وقال قتادة وعكرمة والسدي وغيرهم: عذابه أن يقتل البتة، ولا يمكن الحاكم ~~الولي من العفو. وروى أبو داود عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: (لا أعفى (5) من قتل بعد أخذ # PageV02P255 # الدية). وقال الحسن: عذابه أن يرد الدية فقط ويبقى إثمه إلى عذاب الآخرة. ~~وقال عمر بن عبد العزيز: أمره إلى الامام يصنع فيه ما يرى. وفي سنن ~~الدارقطني عن أبي شريح الخزاعي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: (من أصيب بدم أو خبل - والخبل عرج - فهو بالخيار بين إحدى ثلاث فإن ~~أراد الرابعة فخذوا على يديه بين أن يقتص أو يعفو أو يأخذ العقل فإن قبل ~~شيئا من ذلك ثم عدا بعد ذلك فله النار خالدا فيها مخلدا). # قوله تعالى: ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون (179). # فيه أربع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " ولكم في القصاص حياة " هذا من الكلام البليغ ~~الوجيز كما تقدم. ومعناه: لا يقتل بعضكم بعضا، رواه سفيان عن السدي عن أبي ~~مالك. والمعنى: # أن القصاص إذا أقيم وتحقق الحكم فيه ازدجر من يريد قتل آخر، مخافة أن ~~يقتص منه فحييا بذلك معا. وكانت العرب إذا قتل الرجل الاخر حمي قبيلاهما ~~وتقاتلوا، وكان ذلك داعيا إلى قتل العدد الكثير، فلما شرع الله القصاص قنع ~~الكل به وتركوا الاقتتال، فلهم في ذلك حياة. # الثانية - اتفق أئمة الفتوى على أنه لا يجوز لاحد أن يقتص من أحد حقه دون ~~السلطان، وليس للناس أن يقتص بعضهم من بعض، وإنما ذلك لسلطان أو من نصبه ~~السلطان لذلك، ولهذا جعل الله السلطان ليقبض أيدي الناس بعضهم عن بعض. # الثالثة - وأجمع العلماء على أن على السلطان أن يقتص من نفسه إن تعدى على ~~أحد من رعيته، إذ هو واحد منهم، وإنما له مزية النظر لهم كالوصي والوكيل، ~~وذلك لا يمنع القصاص، وليس بينهم وبين العامة فرق ms0671 في أحكام الله عز وجل، ~~لقوله جل ذكره: " كتب عليكم القصاص في القتلى "، وثبت عن أبي بكر الصديق ~~رضي الله عنه أنه قال لرجل شكا إليه أن عاملا قطع يده: لئن كنت صادقا ~~لأقيدنك منه. وروى النسائي عن أبي سعيد الخدري PageV02P256 # قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم شيئا إذ أكب عليه رجل، ~~فطعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرجون كان معه، فصاح الرجل، فقال له ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: [تعال] فاستقد). قال: بل عفوت يا رسول الله. ~~وروى أبو داود الطيالسي عن أبي فراس قال: # خطب عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: ألا من ظلمه أميره فليرفع ذلك إلي ~~أقيده منه. # فقام عمرو بن العاص فقال: يا أمير المؤمنين، لئن أدب رجل منا رجلا من أهل ~~رعيته لتقصنه منه؟ قال: كيف لا أقصه منه وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقص من نفسه!. # ولفظ أبي داود السجستاني عنه قال: خطبنا عمر بن الخطاب فقال: إني لم أبعث ~~عمالي ليضربوا أبشاركم ولا ليأخذوا أموالكم، فمن فعل ذلك به فليرفعه إلي ~~أقصه منه. وذكر الحديث بمعناه. # الرابعة - قوله تعالى: " لعلكم تتقون " تقدم (1) معناه. والمراد هنا " ~~تتقون " القتل فتسلمون من القصاص، ثم يكون ذلك داعية لأنواع التقوى في غير ~~ذلك، فإن الله يثيب بالطاعة على الطاعة. وقرأ أبو الجوزاء أوس بن عبد الله ~~الربعي " ولكم في القصص حياة ". قال النحاس: قراءة أبي الجوزاء شاذة. قال ~~غيره: يحتمل أن يكون مصدرا كالقصاص. وقيل: # أراد بالقصص القرآن، أي لكم في كتاب الله الذي شرع فيه القصص حياة، أي ~~نجاة. # قوله تعالى: كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين ~~والأقربين بالمعروف حقا على المتقين (180). # فيه إحدى وعشرون مسألة: # الأولى - قوله تعالى: " كتب عليكم " هذه آية الوصية، ليس في القرآن ذكر ~~للوصية إلا في هذه الآية، [وفي (2) " النساء ": " من بعد وصية (3) " ~~[النساء: 12] وفي " المائدة ": " حين الوصية (4) ". [المائدة: 106]. والتي ~~في البقرة أتمها وأكملها] ونزلت قبل ms0672 نزول الفرائض والمواريث، على ما يأتي # PageV02P257 # بيانه. وفي الكلام تقدير واو العطف، أي وكتب عليكم، فلما طال الكلام ~~أسقطت الواو. # ومثله في بعض الأقوال: " لا يصلاها إلا الأشقى. الذي كذب وتولى " (1) ~~[الليل: 15 - 16] أي والذي، فحذف. # وقيل: لما ذكر أن لولي الدم أن يقتص، فهذا الذي أشرف على من يقتص منه وهو ~~سبب الموت فكأنما حضره الموت، فهذا أوان الوصية، فالآية مرتبطة بما قبلها ~~ومتصلة بها فلذلك سقطت واو العطف. و " كتب " معناه فرض وأثبت، كما تقدم ~~(2). وحضور الموت: أسبابه، ومتى حضر السبب كنت به العرب عن المسبب، قال ~~شاعرهم: # يا أيها الراكب المزجي مطيته * سائل بني أسد ما هذه الصوت (3) وقل لهم ~~بادروا بالعذر والتمسوا * قولا يبرئكم إني أنا الموت وقال عنترة: # وإن الموت طوع يدي إذا ما * وصلت بنانها بالهندوان وقال جرير في مهاجاة ~~الفرزدق: # أنا الموت الذي حدثت عنه * فليس لهارب مني نجاء الثانية - إن قيل: لم قال ~~" كتب " ولم يقل كتبت، والوصية مؤنثة؟ قيل له: إنما ذلك لأنه أراد بالوصية ~~الايصاء. وقيل: لأنه تخلل فاصل، فكان الفاصل كالعوض من تاء التأنيث، تقول ~~العرب: حضر القاضي اليوم امرأة. وقد حكى سيبويه: قام امرأة. ولكن حسن ذلك ~~إنما هو مع طول الحائل. # الثالثة - قوله تعالى: " إن ترك خيرا " " إن " شرط، وفي جوابه لأبي الحسن ~~الأخفش قولان، قال الأخفش: التقدير فالوصية، ثم حذفت الفاء، كما قال ~~الشاعر: # من يفعل الحسنات الله يشكرها * والشر بالشر عند الله مثلان والجواب ~~الاخر: أن الماضي يجوز أن يكون جوابه قبله وبعده، فيكون التقدير الوصية ~~للوالدين والأقربين إن ترك خيرا. فإن قدرت الفاء فالوصية رفع بالابتداء، ~~وإن لم تقدر # PageV02P258 # الفاء جاز أن ترفعها بالابتداء، وأن ترفعها على ما لم يسم فاعله، أي كتب ~~عليكم الوصية. # ولا يصح عند جمهور النحاة أن تعمل " الوصية " في " إذا " لأنها في حكم ~~الصلة للمصدر الذي هو الوصية وقد تقدمت، فلا يجوز أن تعمل فيها متقدمة. ~~ويجوز أن يكون العامل في " إذا ": " كتب " والمعنى: توجه إيجاب الله إليكم ~~ومقتضى ms0673 كتابه إذا حضر، فعبر عن توجه الايجاب بكتب لينتظم إلى هذا المعنى ~~أنه مكتوب في الأزل. ويجوز أن يكون العامل في " إذا " الايصاء يكون مقدرا ~~دل على الوصية، المعنى: كتب عليكم الايصاء إذا. # الرابعة - قوله تعالى: " خيرا " الخير هنا المال من غير خلاف، واختلفوا ~~في مقداره، فقيل: المال الكثير، روي ذلك عن علي وعائشة وابن عباس وقالوا ~~سبعمائة دينار إنه قليل. قتادة عن الحسن: الخير ألف دينار فما فوقها. ~~الشعبي ما بين خمسمائة دينار إلى ألف. والوصية عبارة عن كل شئ يؤمر بفعله ~~ويعهد به في الحياة وبعد الموت. وخصصها العرف بما يعهد بفعله وتنفيذه بعد ~~الموت، والجمع وصايا كالقضايا جمع قضية. والوصي يكون الموصي والموصى إليه، ~~وأصله من وصى مخففا. وتواصى النبت تواصيا إذا اتصل. وأرض واصية: متصلة ~~النبات. وأوصيت له بشئ وأوصيت إليه إذا جعلته وصيك. والاسم الوصاية ~~والوصاية (بالكسر والفتح). وأوصيته ووصيته أيضا توصية بمعنى، والاسم ~~الوصاة. وتواصى القوم أوصى بعضهم بعضا. وفي الحديث: (استوصوا بالنساء خيرا ~~فإنهن عوان (1) عندكم). ووصيت الشئ بكذا إذا وصلته به. # الخامسة - اختلف العلماء في وجوب الوصية على من خلف مالا، بعد إجماعهم ~~على أنها واجبة على من قبله ودائع وعليه ديون. وأكثر العلماء على أن الوصية ~~غير واجبة على من ليس قبله شئ من ذلك، وهو قول مالك والشافعي والثوري، ~~موسرا كان الموصى أو فقيرا. وقالت طائفة: الوصية واجبة على ظاهر القرآن، ~~قال الزهدي وأبو مجلز، قليلا كان المال أو كثيرا. وقال أبو ثور: ليست ~~الوصية واجبة إلا على رجل عليه دين أو عنده مال # PageV02P259 # لقوم، فواجب عليه أن يكتب وصيته ويخبر بما عليه. فأما من لا دين عليه ولا ~~وديعة عنده فليست بواجبة عليه إلا أن يشاء. قال ابن المنذر: وهذا حسن، لان ~~الله فرض أداء الأمانات إلى أهلها، ومن لا حق عليه ولا أمانة قبله فليس ~~واجب عليه أن يوصي. # احتج الأولون بما رواه الأئمة عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: (ما حق امرئ ms0674 مسلم له شئ يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته ~~مكتوبة عنده) وفي رواية (يبيت ثلاث ليال) وفيها قال عبد الله بن عمر: ما ~~مرت على ليلة منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك إلا وعندي ~~وصيتي. احتج من لم يوجبها بأن قال: لو كانت واجبة لم يجعلها إلى إرادة ~~الموصي، ولكان ذلك لازما على كل حال، ثم لو سلم أن ظاهره الوجوب فالقول ~~بالموجب يرده، وذلك فيمن كانت عليه حقوق للناس يخاف ضياعها عليهم، كما قال ~~أبو ثور. وكذلك إن كانت له حقوق عند الناس يخاف تلفها على الورثة، فهذا يجب ~~عليه الوصية ولا يختلف فيه. # فإن قيل: فقد قال الله تعالى: " كتب عليكم " وكتب بمعنى فرض، فدل على ~~وجوب الوصية. قيل لهم: قد تقدم الجواب عنه في الآية قبل، والمعنى: إذا ~~أردتم الوصية، والله أعلم. وقال النخعي: مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ولم يوص، وقد أوصى أبو بكر، فإن أوصى فحسن، وإن لم يوص فلا شئ عليه. # السادسة - لم يبين الله تعالى في كتابه مقدار ما يوصى به من المال، وإنما ~~قال: # " إن ترك خيرا " والخير المال، كقوله: " وما تنفقوا من (1) خير " ~~[البقرة: 272]، " وإنه لحب الخير (2) " [العاديات: 8] فاختلف العلماء في ~~مقدار ذلك، فروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه أوصى بالخمس. # وقال علي رضي الله عنه من غنائم المسلمين بالخمس. وقال معمر عن قتادة. ~~أوصى عمر بالربع. # وذكره البخاري عن ابن عباس. وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: (لان أوصي ~~بالخمس أحب إلي من أن أوصي بالربع، ولإن أوصي بالربع أحسن إلي من أوصي ~~بالثلث). # واختار جماعة لمن ماله قليل وله ورثة ترك الوصية، روي ذلك عن علي وابن ~~عباس وعائشة رضوان الله عليهم أجمعين. روى ابن أبي شيبة من حديث ابن أبي ~~مليكة عن # PageV02P260 # عائشة قال لها: إني أريد أن أوصي: قالت: وكم مالك؟ قال: ثلاثة آلاف. ~~قالت: # فكم عيالك؟ قال أربعة. قالت: إن الله تعالى يقول: ms0675 " إن ترك خيرا " وهذا ~~شئ يسير فدعه لعيالك فإنه أفضل لك. # السابعة - ذهب الجمهور من العلماء إلى أنه لا يجوز لاحد أن يوصي بأكثر من ~~الثلث إلا أبا حنيفة وأصحابه فإنهم قالوا: إن لم يترك الموصي ورثة جاز له ~~أن يوصي بماله كله. وقالوا: إن الاقتصار على الثلث في الوصية إنما كان من ~~أجل أن يدع ورثته أغنياء، لقوله عليه السلام: (إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير ~~من أن تذرهم عالة يتكففون الناس) الحديث، رواه الأئمة. ومن لا وارث له فليس ~~ممن عني بالحديث، روي هذا القول عن ابن عباس، وبه قال أبو عبيدة ومسروق، ~~وإليه ذهب إسحاق ومالك في أحد قوليه، وروي عن علي. وسبب الخلاف مع ما ~~ذكرنا، الخلاف في بيت المال هل هو وارث أو حافظ لما يجعل فيه؟ قولان. # الثامنة - أجمع العلماء على أن من مات وله ورثة فليس له أن يوصي بجميع ~~ماله. # وروي عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه قال حين حضرته الوفاة لابنه عبد ~~الله: إني قد أردت أن أوصي، فقال له: أوص ومالك في مالي، فدعا كاتبا فأملى، ~~فقال عبد الله: # فقلت له ما أراك إلا وقد أتيت على مالي ومالك، ولو دعوت إخوتي ~~فاستحللتهم. # التاسعة - وأجمعوا أن للانسان أن يغير وصيته ويرجع فيما شاء منها، إلا ~~أنهم اختلفوا من ذلك في المدبر، فقال مالك رحمه الله: الامر المجمع عليه ~~عندنا أن الموصي إذا أوصى في صحته أو مرضه بوصية فيها عتاقة رقيق من رقيقه ~~أو غير ذلك فإنه يغير من ذلك ما بدا له ويصنع من ذلك ما شاء حتى يموت، وإن ~~أحب أن يطرح تلك الوصية ويسقطها فعل، إلا أن يدبر فإن دبر مملوكا فلا سبيل ~~له إلى تغيير ما دبر، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما حق ~~امرئ مسلم له شئ يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده). قال أبو ~~الفرج المالكي: المدبر في القياس كالمعتق إلى شهر، لأنه أجل آت PageV02P261 # لا ms0676 محالة. وأجمعوا ألا يرجع في اليمين بالعتق والعتق إلى أجل فكذلك ~~المدبر، وبه قال أبو حنيفة. وقال الشافعي وأحمد وإسحاق: هو وصية، لاجماعهم ~~أنه في الثلث كسائر الوصايا. وفي إجازتهم وطئ المدبرة ما ينقض قياسهم ~~المدبر على العتق إلى أجل، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم باع مدبرا، ~~وأن عائشة دبرت جارية لها ثم باعتها، وهو قول جماعة من التابعين. وقالت ~~طائفة: يغير الرجل من وصيته ما شاء إلا العتاقة. وكذلك قال الشعبي وابن ~~سيرين وابن شبرمة والنخعي، وهو قول سفيان الثوري. # العاشرة - واختلفوا في الرجل يقول لعبده: أنت حر بعد موتي، وأراد الوصية، ~~فله الرجوع عند مالك في ذلك. وإن قال: فلان مدبر بعد موتي، لم يكن له ~~الرجوع فيه. # وإن أراد التدبير بقوله الأول لم يرجع أيضا عند أكثر أصحاب مالك. وأما ~~الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور فكل هذا عندهم وصية، لأنه في الثلث، وكل ما ~~كان في الثلث فهو وصية، إلا أن الشافعي قال: لا يكون الرجوع في المدبر إلا ~~بأن يخرجه عن ملكه ببيع أو هبة. وليس قوله: (قد رجعت) رجوعا، وإن لم يخرج ~~المدبر عن ملكه حثى يموت فإنه يعتق بموته. وقال في القديم: يرجع في المدبر ~~كما يرجع في الوصية. واختاره المزني قياسا على إجماعهم على الرجوع فيمن ~~أوصى بعتقه. وقال أبو ثور: إذا قال قد رجعت في مدبري فقد بطل التدبير، فإن ~~مات لم يعتق. واختلف ابن القاسم وأشهب فيمن قال: # عبدي حر بعد موتي، ولم يرد الوصية ولا التدبير، فقال ابن القاسم: هو ~~وصية. وقال أشهب: هو مدبر وإن لم يرد الوصية. # الحادية - اختلف العلماء في هذه الآية هل هي منسوخة أو محكمة، فقيل: # هي محكمة، ظاهرها العموم ومعناها الخصوص في الوالدين اللذين لا يرثان ~~كالكافرين والعبدين وفي القرابة غير الورثة، قاله الضحاك وطاوس والحسن، ~~واختاره الطبري. وعن الزهري أن الوصية واجبة فيما قل أو كثر. وقال ابن ~~المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن الوصية ms0677 للوالدين اللذين ~~لا يرثان والأقرباء الذين لا يرثون جائزة. وقال ابن عباس والحسن أيضا ~~وقتادة: الآية عامة، وتقرر الحكم بها برهة من الدهر، ونسخ منها كل من كان ~~يرث بآية PageV02P262 # الفرائض. وقد قيل: إن آية الفرائض لم تستقل بنسخها بل بضميمة أخرى، وهي ~~قوله عليه السلام: (إن الله قد أعطى لكل ذي حق حقه فلا وصية لوارث). رواه ~~أبو أمامة، أخرجه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح. فنسخ الآية إنما كان ~~بالسنة الثابتة لا بالإرث، على الصحيح من أقوال العلماء. ولولا هذا الحديث ~~لأمكن الجمع بين الآيتين بأن يأخذوا المال عن المورث بالوصية، وبالميراث إن ~~لم يوص، أو ما بقي بعد الوصية، لكن منع من ذلك هذا الحديث والاجماع. ~~والشافعي وأبو الفرج وإن كانا منعا من نسخ الكتاب بالسنة فالصحيح جوازه ~~بدليل أن الكل حكم الله تبارك وتعالى ومن عنده وإن اختلفت في الأسماء، وقد ~~تقدم هذا المعنى (1). ونحن وإن كان هذا الخبر بلغنا آحادا لكن قد انضم إليه ~~إجماع المسلمين أنه لا تجوز وصية لوارث. فقد ظهر أن وجوب الوصية للأقربين ~~الوارثين منسوخ بالسنة وأنها مستند المجمعين. والله أعلم. # وقال ابن عباس والحسن: نسخت الوصية للوالدين بالفرض في سورة " النساء " ~~وثبتت للأقربين الذين لا يرثون، وهو مذهب الشافعي وأكثر المالكيين وجماعة ~~من أهل العلم. # وفي البخاري عن ابن عباس قال: كان المال للولد وكانت الوصية للوالدين، ~~فنسخ من ذلك ما أحب، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وجعل للأبوين لكل واحد ~~منهما السدس، وجعل للمرأة الثمن والربع، وللزوج الشطر والربع. # وقال ابن عمر وابن عباس وابن زيد: الآية كلها منسوخة، وبقيت الوصية ندبا، ~~ونحو هذا قول مالك رحمه الله، وذكره النحاس عن الشعبي والنخعي. وقال الربيع ~~بن خثيم (2): # لا وصية. قال عروة بن ثابت: قلت للربيع بن خثيم أوص لي بمصحفك، فنظر إلى ~~ولده وقرأ " وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله (3) " [الأنفال: ~~75]. ونحو هذا صنع ابن عمر رضي الله عنه. # PageV02P263 # الثانية عشرة - قوله تعالى: " والأقربين " الأقربون جمع أقرب. ms0678 قال قوم: # الوصية للأقربين أولى من الأجانب، لنص الله تعالى عليهم، حتى قال الضحاك: ~~إن أوصى لغير قرابته فقد ختم عمله بمعصية. وروي عن ابن عمر (1) أنه أوصى ~~لأمهات أولاده لكل واحدة بأربعة آلاف. وروي أن عائشة وصت لمولاة لها بأثاث ~~البيت. وروي عن سالم ابن عبد الله بمثل ذلك. وقال الحسن: إن أوصى لغير ~~الأقربين ردت الوصية للأقربين، فإن كانت لأجنبي فمعهم، ولا تجوز لغيرهم مع ~~تركهم. وقال الناس حين مات أبو العالية: # عجبا له! أعتقته امرأة من رياح (2) وأوصى بماله لبني هاشم. وقال الشعبي: ~~لم يكن له ذلك ولا كرامة. وقال طاوس: إذا أوص لغير قرابته ردت الوصية إلى ~~قرابته ونقض فعله، وقاله جابر بن زيد، وقد روي مثل هذا عن الحسن أيضا، وبه ~~قال إسحاق بن راهويه. وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم والأوزاعي ~~وأحمد بن حنبل: من أوصى لغير قرابته وترك قرابته محتاجين فبئسما صنع! وفعله ~~مع ذلك جائز ماض لكل من أوصى له من غني وفقير، قريب وبعيد، مسلم وكافر. وهو ~~معنى ما روي عن ابن عمر وعائشة، وهو قول ابن عمر وابن عباس. # قلت: القول الأول أحسن، وأما أبو العالية رضي الله عنه فلعله نظر إلى أن ~~بني هاشم أولى من معتقته لصحبته ابن عباس وتعليمه إياه وإلحاقه بدرجة ~~العلماء في الدنيا والأخرى. # وهذه الأبوة وإن كانت معنوية فهي الحقيقية، ومعتقته غايتها أن ألحقته ~~بالاحرار في الدنيا، فحسبها ثواب عتقها، والله أعلم. # الثالثة عشرة - ذهب الجمهور من العلماء إلى أن المريض يحجر عليه في ماله، ~~وشذ أهل الظاهر فقالوا: لا يحجر عليه وهو كالصحيح، والحديث والمعنى يرد ~~عليهم. قال سعد: عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع من وجع ~~أشفيت (3) منه على الموت فقلت يا رسول الله، بلغ بي ما ترى من الوجع، وأنا ~~ذو مال ولا يرثني إلا بنت واحدة، # PageV02P264 # أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: (لا)، قلت: أفأتصدق بشطره؟ قال: (لا، الثلث ~~والثلث كثير إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من ms0679 أن تذرهم عالة يتكففون الناس) ~~الحديث. # ومنع أهل الظاهر أيضا الوصية بأكثر من الثلث وإن أجازها الورثة. وأجاز ~~ذلك الكافة إذا أجازا الورثة، وهو الصحيح، لان المريض إنما منع من الوصية ~~بزيادة على الثلث لحق الوارث، فإذا أسقط الورثة حقهم كان ذلك جائزا صحيحا، ~~وكان كالهبة من عندهم. # وروى الدارقطني عن ابن عباس، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا ~~تجوز الوصية لوارث إلا أن يشاء الورثة). وروي عن عمرو بن خارجة قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا وصية لوارث إلا أن تجيز الورثة). # الرابعة عشرة - واختلفوا في رجوع المجيزين للوصية للوارث في حياة الموصي ~~بعد وفاته، فقالت طائفة: ذلك جائز عليهم وليس لهم الرجوع فيه. هذا قول عطاء ~~بن أبي رباح وطاوس والحسن وابن سيرين وابن أبي ليلى والزهري وربيعة ~~والأوزاعي. وقالت طائفة: لهم الرجوع في ذلك إن أحبوا. هذا قول ابن مسعود ~~وشريح والحكم وطاوس والثوري والحسن بن صالح وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وأبي ~~ثور، واختاره ابن المنذر. وفرق مالك فقال: إذا أذنوا في صحته فلهم أن ~~يرجعوا، وإن أذنوا له في مرضه حين يحجب عن ماله فذلك جائز عليهم، وهو قول ~~إسحاق. احتج أهل المقالة الأولى بأن المنع إنما وقع من أجل الورثة، فإذا ~~أجازوه جاز. وقد اتفقوا أنه إذا أوصى بأكثر من ثلثه لأجنبي جاز بإجازتهم، ~~فكذلك ها هنا. # واحتج أهل القول الثاني بأنهم أجازوا شيئا لم يملكوه في ذلك الوقت، وإنما ~~يملك المال بعد وفاته، وقد يموت الوارث المستأذن قبله ولا يكون وارثا وقد ~~يرثه غيره، فقد أجاز من لا حق له فيه فلا يلزمه شئ. واحتج مالك بأن قال: إن ~~الرجل إذا كان صحيحا فهو أحق بماله كله يصنع فيه ما شاء، فإذا أذنوا له في ~~صحته فقد تركوا شيئا لم يجب لهم، وإذا أذنوا له في مرضه فقد تركوا ما وجب ~~لهم من الحق، فليس لهم أن يرجعوا فيه إذا كان قد أنفذه لأنه قد فات. # الخامسة عشرة ms0680 - فإن لم ينفذ المريض ذلك كان للوارث الرجوع فيه لأنه لم ~~يفت بالتنفيذ، قاله الأبهري. وذكر ابن المنذر عن إسحاق بن راهويه أن قول ~~مالك في هذه المسألة PageV02P265 # أشبه بالسنة من غيره. قال ابن المنذر: واتفق قول مالك والثوري والكوفيين ~~والشافعي وأبي ثور أنهم إذا أجازوا ذلك بعد وفاته لزمهم. # السادسة عشرة - واختلفوا في الرجل يوصي لبعض ورثته بمال، ويقول في وصيته: # إن أجازها الورثة فهي له، وإن لم يجيزوه فهو في سبيل الله، فلم يجيزوه. ~~فقال مالك: إن لم تجز الورثة ذلك رجع إليهم. وفي قول الشافعي وأبي حنيفة ~~ومعمر صاحب عبد الرزاق يمضي في سبيل الله. # السابعة عشرة - لا خلاف في وصية البالغ العاقل غير المحجور عليه، واختلف ~~في غيره، فقال مالك: الامر المجمع عليه عندنا أن الضعيف في عقله والسفيه ~~والمصاب الذي يفيق أحيانا تجوز وصاياهم إذا كان معهم من عقولهم ما يعرفون ~~ما يوصون به. وكذلك الصبي الصغير إذا كان يعقل ما أوصى به ولم يأت بمنكر من ~~القول فوصيته جائزة ماضية. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا تجوز وصية الصبي. ~~وقال المزني: وهو قياس قول الشافعي، ولم أجد للشافعي في ذلك شيئا ذكره ونص ~~عليه. واختلف أصحابه على قولين: أحدهما كقول مالك، والثاني كقول أبي حنيفة. ~~وحجتهم أنه لا يجوز طلاقه ولا عتاقه ولا يقتص منه في جناية ولا يحد في قذف، ~~فليس كالبالغ المحجور عليه، فكذلك وصيته. قال أبو عمر: # قد اتفق هؤلاء على أن وصية البالغ المحجور عليه جائزة. ومعلوم أن من يعقل ~~من الصبيان ما يوصي به فحاله حال المحجور عليه في ماله، وعلة الحجر تبذير ~~المال وإتلافه، وتلك علة مرتفعة عنه بالموت، وهو بالمحجور عليه في ماله ~~أشبه منه بالمجنون الذي لا يعقل، فوجب أن تجوز وصيته مع الامر الذي جاء فيه ~~عن عمر رضي الله عنه. وقال مالك: إنه الامر المجمع عليه عندهم بالمدينة، ~~وبالله التوفيق. وقال محمد بن شريح: من أوصى من صغير أو كبير فأصاب الحق ~~فالله قضاه على ms0681 لسانه ليس للحق مدفع. # الثامنة عشرة - قوله تعالى: " بالمعروف " يعني بالعدل، لا وكس فيه ولا ~~شطط، وكان هذا موكولا إلى اجتهاد الميت ونظر الموصي، ثم تولى الله سبحانه ~~تقدير ذلك على لسان PageV02P266 # نبيه عليه السلام، فقال عليه السلام: (الثلث والثلث كثير)، وقد تقدم ما ~~للعلماء في هذا. # وقال صلى الله عليه وسلم: (إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم ~~زيادة لكم في حسناتكم ليجعلها لكم زكاة). أخرجه الدارقطني عن أبي أمامة عن ~~معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال الحسن: لا تجوز وصية إلا في ~~الثلث، وإليه ذهب البخاري واحتج بقوله تعالى: " وأن احكم بينهم بما أنزل ~~الله (1) " [المائدة: 49] وحكم النبي صلى الله عليه وسلم بأن الثلث كثير هو ~~الحكم بما أنزل الله. فمن تجاوز ما حده رسول الله صلى الله عليه وسلم وزاد ~~على الثلث فقد أتى ما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه، وكان بفعله ذلك ~~عاصيا إذا كان بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم عالما. وقال الشافعي: ~~وقوله (الثلث كثير) يريد أنه غير قليل. # التاسعة عشرة - قوله تعالى: " حقا " يعني ثابتا ثبوت نظر وتحصين، لا ثبوت ~~فرض ووجوب، بدليل قوله: " على المتقين " وهذا يدل على كونه ندبا، لأنه لو ~~كان فرضا لكان على جميع المسلمين، فلما خص الله من يتقي، أي يخاف تقصيرا، ~~دل على أنه غير لازم إلا فيما يتوقع تلفه إن مات، فيلزمه فرضا المبادرة ~~بكتبه والوصية به، لأنه إن سكت عنه كان تضييعا له وتقصيرا منه، وقد تقدم ~~هذا المعنى. وانتصب " حقا " على المصدر المؤكد، ويجوز في غير القرآن " حق " ~~بمعنى ذلك حق. # الموفية عشرين - قال العلماء: المبادرة بكتب الوصية ليست مأخوذة من هذه ~~الآية وإنما هي من حديث ابن عمر. وفائدتها: المبالغة في زيادة الاستيثاق ~~وكونها مكتوبة مشهودا بها وهي الوصية المتفق على العمل بها، فلو أشهد ~~العدول وقاموا بتلك الشهادة لفظا لعمل بها وإن لم تكتب خطا، فلو كتبها بيده ~~ولم يشهد فلم يختلف قول مالك ms0682 أنه لا يعمل بها إلا فيما يكون فيها من إقرار ~~بحق لمن لا يتهم عليه فيلزمه تنفيذه. # الحادية والعشرون - روى الدارقطني عن أنس بن مالك قال: كانوا يكتبون في ~~صدور وصاياهم (هذا ما أوصى به فلان بن فلان أنه يشهد أن لا إله إلا الله ~~وحده لا شريك له، # PageV02P267 # وأن محمدا عبده ورسوله، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من ~~في القبور. وأوصى من ترك بعده من أهله بتقوى الله حق تقاته وأن يصلحوا ذات ~~بينهم، ويطيعوا الله ورسوله إن كانوا مؤمنين، وأوصاهم بما وصى به إبراهيم ~~بنيه ويعقوب: يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون). # قوله تعالى: فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله ~~سميع عليم (181) فيه أربع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " فمن بدله " شرط، وجوابه " فإنما إثمه على الذين ~~يبدلونه " و " ما " كافة ل‍ " إن " عن العمل. و " إثمه " رفع بالابتداء، " ~~على الذين يبدلونه " موضع الخبر. والضمير في " بدله " يرجع إلى الايصاء، ~~لان الوصية في معنى الايصاء، وكذلك الضمير في " سمعه "، وهو كقوله: " فمن ~~جاءه موعظة من ربه (1) " [البقرة: 275] أي وعظ، وقوله: # " إذا حضر القسمة (2) " [النساء: 8] أي المال، بدليل قوله " منه ". ومثله ~~قول الشاعر: # * ما هذه الصوت * أي الصيحة. وقال امرؤ القيس: # برهرهة رؤدة رخصة * كخرعوبة البانة المنفطر (3) والمنفطر المنتفخ بالورق، ~~وهو أنعم ما يكون، ذهب إلى القضيب وترك لفظ الخرعوبة. # و " سمعه " يحتمل أن يكون سمعه من الوصي نفسه، ويحتمل أن يكون سمعه ممن ~~يثبت به ذلك عنده، وذلك عدلان. والضمير في " إثمه " عائد على التبديل، أي ~~إثم التبديل عائد على المبدل لا على الميت، فإن الموصي خرج بالوصية عن ~~اللوم وتوجهت على الوارث أو الولي. # وقيل: إن هذا الموصي إذا غير فترك الوصية أو لم يجزها على ما رسم له في ~~الشرع فعليه الاثم. # PageV02P268 # الثانية - في هذه الآية دليل على أن الدين إذا أوصى به الميت خرج به عن ~~ذمته وحصل الولي مطلوبا ms0683 به، له الاجر في قضائه، وعليه الوزر في تأخيره. ~~وقال القاضي أبو بكر ابن العربي: " وهذا إنما يصح إذا كان الميت لم يفرط في ~~أدائه، وأما إذا قدر عليه وتركه ثم وصى به فإنه لا يزيله عن ذمته تفريط ~~الولي فيه ". # الثالثة - ولا خلاف أنه إذا أوصى بما لا يجوز، مثل أن يوصي بخمر أو خنزير ~~أو شئ من المعاصي أنه يجوز تبديله ولا يجوز إمضاؤه، كما لا يجوز إمضاء ما ~~زاد على الثلث، قاله أبو عمر. # الرابعة - قوله تعالى: " إن الله سميع عليم " صفتان لله تعالى لا يخفى ~~معهما شئ من جنف الموصين وتبديل المعتدين. # قوله تعالى: فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه إن ~~الله غفور رحيم (182). # فيه ست مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " فمن خاف " " من " شرط، و " خاف " بمعنى خشي. # وقيل: علم. والأصل خوف، قلبت الواو ألفا لتحركها وتحرك ما قبلها. وأهل ~~الكوفة يميلون " خاف " ليدلوا على الكسرة من فعلت. " من موص " بالتشديد ~~قراءة أبي بكر عن عاصم وحمزة والكسائي، وخفف الباقون، والتخفيف أبين، لان ~~أكثر النحويين يقولون " موص " للتكثير. وقد يجوز أن يكون مثل كرم وأكرم. " ~~جنفا " من جنف يجنف إذا جار، والاسم منه جنف وجانف، عن النحاس. وقيل: الجنف ~~الميل. قال الأعشى: # تجانف عن حجر (1) اليمامة ناقتي * وما قصدت من أهلها لسوائكا وفي الصحاح: ~~" الجنف " الميل. وقد جنف بالكسر يجنف جنفا إذا مال، ومنه قوله تعالى: " ~~فمن خاف من موص جنفا ". قال الشاعر (2): # هم المولى وإن جنفوا علينا * وإنا من لقائهم لزور # PageV02P269 # قال أبو عبيدة: المولى ها هنا في موضع الموالي، أي بني العم، كقوله ~~تعالى: " ثم يخرجكم طفلا " (1). وقال لبيد: # إني امرؤ منعت أرومة عامر * ضيمي وقد جنفت على خصومي قال أبو عبيدة: ~~وكذلك الجانئ (بالهمز) وهو المائل أيضا. ويقال: أجنف الرجل، أي جاء بالجنف. ~~كما يقال: ألام، أي أتى بما يلام عليه. وأخس، أي أتى بخسيس. # وتجانف لاثم، أي مال. ورجل أجنف، أي منحني الظهر. وجنفى (على فعلى ms0684 بضم ~~الفاء وفتح العين ": اسم موضع، عن ابن السكيت. وروي عن علي أنه قرأ " حيفا ~~" بالحاء والياء، أي ظلما. وقال مجاهد: " فمن خاف " أي من خشي أن يجنف ~~الموصي ويقطع ميراث طائفة ويتعمد الأذية (2)، أو يأتيها دون تعمد، وذلك هو ~~الجنف دون إثم، فإن تعمد فهو الجنف في إثم. فالمعنى من وعظ في ذلك ورد عنه ~~فأصلح بذلك ما بينه وبين ورثته وبين الورثة في ذاتهم فلا إثم عليه. # " إن الله غفور " عن الموصى إذا عملت فيه الموعظة ورجع عما أراد من ~~الأذية. وقال ابن عباس وقتادة والربيع وغيرهم: معنى الآية من خاف أي علم ~~ورأى وأتى علمه بعد موت الموصى أن الموصى جنف وتعمد أذية بعض ورثته فأصلح ~~ما وقع بين الورثة من الاضطراب والشقاق " فلا إثم عليه "، أي لا يلحقه إثم ~~المبدل المذكور قبل. وإن كان في فعله تبديل ما ولا بد، ولكنه تبديل لمصلحة. ~~والتبديل الذي فيه الاثم إنما هو تبديل الهوى. # الثانية - الخطاب بقوله: فمن خاف " لجميع المسلمين. قيل لهم: إن خفتم من ~~موص ميلا في الوصية وعدولا عن الحق ووقوعا في إثم ولم يخرجها بالمعروف، ~~وذلك بأن يوصى بالمال إلى زوج ابنته أو لولد ابنته لينصرف المال إلى ابنته، ~~أو إلى ابن ابنه والغرض أن ينصرف المال إلى ابنه، أو أوصى لبعيد وترك ~~القريب، فبادروا إلى السعي في الاصلاح بينهم، فإذا وقع الصلح سقط الاثم عن ~~المصلح. والاصلاح فرض على الكفاية، فإذا قام أحدهم به سقط عم الباقين، وإن ~~لم يفعلوا أثم الكل. # PageV02P270 # الثالثة - في هذه الآية دليل على الحكم بالظن، لأنه إذا ظن قصد الفساد ~~وجب السعي في الصلاح. وإذا تحقق الفساد لم يكن صلحا إنما يكون حكما بالدفع ~~وإبطالا للفساد وحسما له. # قوله تعالى: " فأصلح بينهم " عطف على " خاف "، والكناية عن الورثة، ولم ~~يجر لهم ذكر لأنه قد عرف المعنى، وجواب الشرط " فلا إثم عليه ". # الرابعة - لا خلاف أن الصدقة في حال الحياة والصحة أفضل منها عند الموت، ~~لقوله عليه السلام وقد سئل: ms0685 أي الصدقة أفضل؟ فقال: (أن تصدق وأنت صحيح ~~شحيح) الحديث، أخرجه أهل الصحيح. وروى الدارقطني عن أبي سعيد الخدري أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لان يتصدق المرء في حياته بدرهم خير له ~~من أن يتصدق عند موته بمائة). وروى النسائي عن أبي الدرداء عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: (مثل الذي ينفق أو يتصدق عند موته مثل الذي يهدي بعد ~~ما يشبع). # الخامسة - من لم يضر في وصيته كانت كفارة لما ترك من زكاته. روى ~~الدارقطني عن معاوية بن قرة عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~(من حضرته الوفاة فأوصى فكانت وصيته على كتاب الله كانت كفارة لما ترك من ~~زكاته). فإن ضر في الوصية وهي: # السادسة - فقد روى الدارقطني أيضا عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: " الاضرار في الوصية من الكبائر). وروى أبو داود عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الرجل أو ~~المرأة ليعمل بطاعة الله ستين سنة ثم يحضرهما الموت فيضاران في الوصية فتجب ~~لهما النار). وترجم النسائي " الصلاة على من جنف (1) في وصيته " أخبرنا علي ~~بن حجر أنبأنا هشيم عن منصور وهو ابن زاذان عن الحسن (2) عن عمران بن حصين ~~رضي الله عنه أن رجلا أعتق ستة مملوكين له عند موته ولم يكن له مال # PageV02P271 # غيرهم، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فغضب من ذلك وقال: (لقد هممت ~~ألا أصلي عليه) [ثم دعا مملوكيه (1)] فجزأهم ثلاثة أجزاء ثم أقرع بينهم ~~فأعتق اثنين وأرق أربعة. # وأخرجه مسلم بمعناه إلا أنه قال في آخره: وقال له قولا شديدا، بدل قوله: ~~(لقد هممت ألا أصلي عليه). # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من ~~قبلكم لعلكم تتقون (183) أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة ~~من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير ms0686 له ~~وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون (184) فيه ست مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام " لما ذكر ~~ما كتب على المكلفين من القصاص والوصية ذكر أيضا أنه كتب عليهم الصيام ~~وألزمهم إياه وأوجبه عليهم، ولا خلاف فيه، قال صلى الله عليه وسلم: (بني ~~الاسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام ~~الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان والحج) رواه ابن عمر. # ومعناه في اللغة: الامساك، وترك التنقل من حال إلى حال. ويقال للصمت صوم، ~~لأنه. # إمساك عن الكلام. قال الله تعالى مخبرا عن مريم: " إني نذرت للرحمن صوما ~~(2) " [مريم: 26] أي سكوتا عن الكلام. والصوم: ركود الريح، وهو إمساكها عن ~~الهبوب. وصامت الدابة على آريها (3): قامت وثبتت فلم تعتلف. وصام النهار: ~~اعتدل. ومصام الشمس حيث تستوي في منتصف النهار، ومنه قول النابغة: # خيل صيام وخيل غير صائمة * تحت العجاج وخيل تعلك اللجما # PageV02P272 # أي خيل ثابتة ممسكة عن الجري والحركة، كما قال (1): # * كأن الثريا علقت في مصامها * أي هي ثابتة في مواضعها فلا تنتقل، وقوله: # * والبكرات شرهن الصائمة (2) * يعني التي لا تدور. # وقال امرؤ القيس: # فدعها (3) وسل الهم عنك بجسرة * ذمول إذا صام النهار وهجرا أي أبطأت ~~الشمس عن الانتقال والسير فصارت بالابطاء كالممسكة. # وقال آخر: # حتى إذا صام النهار واعتدل * وسال للشمس لعاب فنزل وقال آخر: # نعاما بوجرة صفر الخدود * دما تطعم النوم إلا صياما (4) أي قائمة. والشعر ~~في هذا المعنى كثير. # والصوم في الشرع: الامساك عن المفطرات مع اقتران النية به من طلوع الفجر ~~إلى غروب الشمس، وتمامه وكماله باجتناب المحظورات وعدم الوقوع في المحرمات، ~~لقوله عليه السلام: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن ~~يدع طعامه وشرابه). # الثانية - فضل الصوم عظيم، وثوابه جسيم، جاءت بذلك أخبار كثيرة صحاح ~~وحسان ذكرها الأئمة في مسانيدهم، وسيأتي بعضها، ويكفيك الان منها في فضل ~~الصوم أن خصه الله بالإضافة إليه، كما ثبت في الحديث عن النبي صلى ms0687 الله ~~عليه وسلم أنه قال مخبرا عن ربه: # PageV02P273 # (يقول الله تبارك وتعالى كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي ~~به) الحديث. # وإنما خص الصوم بأنه له وإن كانت العبادات كلها له لامرين باين الصوم ~~بهما سائر العبادات. # أحدهما - أن الصوم يمنع من ملاذ النفس وشهواتها ما لا يمنع منه سائر ~~العبادات. # الثاني - أن الصوم سر بين العبد وبين ربه لا يظهر إلا له، فلذلك صار ~~مختصا به. # وما سواه من العبادات ظاهر، ربما فعله تصنعا ورياء، فلهذا صار أخص بالصوم ~~من غيره. # وقيل غير هذا. # الثالثة - قوله تعالى: " كما كتب " الكاف في موضع نصب على النعت، التقدير ~~كتابا كما، أو صوما كما. أو على الحال من الصيام، أي كتب عليكم الصيام ~~مشبها كما كتب على الذين من قبلكم. وقال بعض النحاة: الكاف في موضع رفع ~~نعتا للصيام، إذ ليس تعريفه بمحض، لمكان الاجمال الذي فيه بما فسرته ~~الشريعة، فلذلك جاز نعته ب‍ " كما " إذ لا ينعت بها إلا النكرات، فهو ~~بمنزلة كتب عليكم صيام، وقد ضعف هذا القول. و " ما " في موضع خفض، وصلتها: ~~" كتب على الذين من قبلكم ". والضمير في " كتب " يعود على " ما ". # واختلف أهل التأويل في موضع التشبيه وهي: # الرابعة - فقال الشعبي وقتادة وغيرهما: التشبيه يرجع إلى وقت الصوم وقدر ~~الصوم، فإن الله تعالى كتب على قوم موسى وعيسى صوم رمضان فغيروا، وزاد ~~أحبارهم عليهم عشرة أيام ثم مرض بعض أحبارهم فنذر إن شفاه الله أن يزيد في ~~صومهم عشرة أيام ففعل، فصار صوم النصارى خمسين يوما، فصعب عليهم في الحر ~~فنقلوه إلى الربيع. واختار هذا القول النحاس وقال: وهو الأشبه بما في ~~الآية. وفيه حديث يدل على صحته أسنده عن دغفل ابن حنظلة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: (كان على النصارى صوم شهر فمرض رجل منهم فقالوا لئن شفاه ~~الله لنزيدن عشرة ثم كان آخر فأكل لحما فأوجع فاه فقالوا لئن شفاه الله ~~لنزيدن سبعة ثم كان ملك آخر فقالوا ms0688 لنتمن هذه السبعة الأيام ونجعل صومنا في ~~الربيع قال فصار خمسين). وقال مجاهد: كتب الله عز وجل صوم شهر رمضان على كل ~~أمة. وقيل: PageV02P274 # أخذوا بالوثيقة (1) فصاموا قبل الثلاثين يوما وبعدها يوما، قرنا بعد قرن، ~~حتى بلغ صومهم خمسين يوما، فصعب عليهم في الحر فنقلوه إلى الفصل الشمسي. ~~قال النقاش: وفي ذلك حديث عن دغفل بن حنظلة والحسن البصري والسدي. # قلت: ولهذا - والله أعلم - كره الان صوم يوم الشك والستة من شوال بإثر ~~يوم الفطر متصلا به. قال الشعبي: لو صمت السنة كلها لأفطرت يوم الشك، وذلك ~~أن النصارى فرض عليهم صوم شهر رمضان كما فرض علينا، فحولوه إلى الفصل ~~الشمسي، لأنه قد كان يوافق القيظ فعدوا ثلاثين يوما، ثم جاء بعدهم قرن ~~فأخذوا بالوثيقة لأنفسهم فصاموا قبل الثلاثين يوما وبعدها يوما، ثم لم يزل ~~الاخر يستن بسنة من كان قبله حتى صاروا إلى خمسين يوما فذلك قوله تعالى: " ~~كما كتب على الذين من قبلكم ". وقيل: التشبيه راجع إلى أصل وجوبه على من ~~تقدم، لا في الوقت والكيفية. وقيل: التشبيه واقع على صفة الصوم الذي كان ~~عليهم من منعهم من الأكل والشرب والنكاح، فإذا حان الافطار فلا يفعل هذه ~~الأشياء من نام. وكذلك كان في النصارى أولا وكان في أول الاسلام، ثم نسخه ~~الله تعالى بقوله: # " أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم " [البقرة: 187] على ما يأتي ~~بيانه (2)، قاله السدي وأبو العالية والربيع. وقال معاذ بن جبل وعطاء: ~~التشبيه واقع على الصوم لا على الصفة ولا على العدة وإن اختلف الصيامان ~~بالزيادة والنقصان. المعنى: " كتب عليكم الصيام " أي في أول الاسلام ثلاثة ~~أيام من كل شهر ويوم عاشوراء، " كما كتب على الذين من قبلكم " وهم اليهود - ~~في قول ابن عباس - ثلاثة أيام ويوم عاشوراء. ثم نسخ هذا في هذه الأمة بشهر ~~رمضان. وقال معاذ بن جبل: نسخ ذلك " بأيام معدودات " ثم نسخت الأيام ~~برمضان. # الخامسة - قوله تعالى: " لعلكم تتقون " " لعل " ترج في حقهم، كما تقدم ~~(3). # و " تتقون " قيل: معناه هنا ms0689 تضعفون، فإنه كلما قل الاكل ضعفت الشهوة، ~~وكلما ضعفت # PageV02P275 # الشهوة قلت المعاصي. وهذا وجه مجازي حسن. # وقيل: لتتقوا المعاصي. وقيل: هو على العموم، لان الصيام كما قال عليه ~~السلام: (الصيام جنة ووجاء (1)) وسبب تقوى، لأنه يميت الشهوات. # السادسة - قوله تعالى: " أياما معدودات " " أياما " مفعول ثان ب‍ " كتب ~~"، قاله الفراء. وقيل: نصب على الظرف ل‍ " كتب "، أي كتب عليكم الصيام في ~~أيام. والأيام المعدودات: شهر رمضان، وهذا يدل على خلاف ما روي عن معاذ، ~~والله أعلم. # قوله تعالى: " فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر " فيه ست ~~عشرة مسألة: # الأولى - قوله تعالى: " مريضا " للمريض حالتان: إحداهما - ألا يطيق الصوم ~~بحال، فعليه الفطر واجبا. الثانية - أن يقدر على الصوم بضرر ومشقة، فهذا ~~يستحب له الفطر ولا يصوم إلا جاهل. قال ابن سيرين: متى حصل الانسان في حال ~~يستحق بها اسم المرض صح الفطر، قياسا على المسافر لعلة السفر، وإن لم تدع ~~إلى الفطر ضرورة. قال طريف ابن تمام العطاردي: دخلت على محمد بن سيرين في ~~رمضان وهو يأكل، فلما فرغ قال: إنه وجعت أصبعي هذه. وقال جمهور من العلماء: ~~إذا كان به مرض يؤلمه ويؤذيه أو يخاف تماديه أو يخاف تزيده صح له الفطر. ~~قال ابن عطية: وهذا مذهب حذاق أصحاب مالك وبه يناظرون. وأما لفظ مالك فهو ~~المرض الذي يشق على المرء ويبلغ به. وقال ابن خويز منداد: # واختلفت الرواية عن مالك في المرض المبيح للفطر، فقال مرة: هو خوف التلف ~~من الصيام. # وقال مرة: شدة المرض والزيادة فيه والمشقة الفادحة. وهذا صحيح مذهبه وهو ~~مقتضى الظاهر، لأنه لم يخص مرضا من مرض فهو مباح في كل مرض، إلا ما خصه ~~الدليل من الصداع والحمى والمرضى اليسير الذي لا كلفة معه في الصيام. وقال ~~الحسن: إذا لم يقدر من المرض على الصلاة قائما أفطر، وقاله النخعي. وقالت ~~فرقة: لا يفطر بالمرض إلا من # PageV02P276 # دعته ضرورة المرض نفسه إلى الفطر، ومتى احتمل الضرورة معه لم يفطر. وهذا ~~قول ms0690 الشافعي رحمه الله تعالى. # قلت: قول ابن سيرين أعدل شئ في هذا الباب إن شاء الله تعالى. قال ~~البخاري: # اعتللت بنيسابور علة خفيفة وذلك في شهر رمضان، فعادني إسحاق بن راهويه ~~نفر من أصحابه فقال لي: أفطرت يا أبا عبد الله؟ فقلت نعم. فقال: خشيت أن ~~تضعف عن قبول الرخصة. قلت: حدثنا عبدان عن ابن المبارك عن ابن جريج قال قلت ~~لعطاء: من أي المرض أفطر؟ قال: من أي مرض كان، كما قال الله تعالى: " فمن ~~كان منكم مريضا " قال البخاري: وهذا الحديث لم يكن عند إسحاق. وقال أبو ~~حنيفة: إذا خاف الرجل على نفسه وهو صائم إن لم يفطر أن تزداد عينه وجعا أو ~~حماه شدة أفطر. # الثانية - قوله تعالى: " أو على سفر " اختلف العلماء في السفر الذي يجوز ~~فيه الفطر والقصر، بعد إجماعهم على سفر الطاعة كالحج والجهاد، ويتصل بهذين ~~سفر صلة الرحم وطلب المعاش الضروري. أما سفر التجارات والمباحات فمختلف فيه ~~بالمنع والإجازة، والقول بالجواز أرجح. وأما سفر العاصي فيختلف فيه بالجواز ~~والمنع، والقول بالمنع أرجح، قاله ابن عطية. # ومسافة الفطر عند مالك حيث تقصر الصلاة. واختلف العلماء في قدر ذلك، فقال ~~مالك: # يوم وليلة، ثم رجع فقال: ثمانية وأربعون ميلا، قال ابن خويز منداد: وهو ~~ظاهر مذهبه، وقال مرة: اثنان وأربعون ميلا، وقال مرة ستة وثلاثون ميلا، ~~وقال مرة: # مسيرة يوم وليلة، وروى عنه يومان، وهو قول الشافعي. وفصل مرة بين البر ~~والبحر، فقال في البحر مسيرة يوم وليلة، وفي البر ثمانية وأربعون ميلا، وفي ~~المذهب ثلاثون ميلا، وفي غير المذهب ثلاثة أميال. وقال ابن عمرو وابن عباس ~~والثوري: الفطر في سفر ثلاثة أيام، حكاه ابن عطية. # قلت: والذي في البخاري: وكان ابن عمر وابن عباس يفطران ويقصران في أربعة ~~برد وهي ستة عشر فرسخا. PageV02P277 # الثالثة - اتفق العلماء على أن المسافر في رمضان لا يجوز له أن يبيت ~~الفطر، لان المسافر لا يكون مسافرا بالنية بخلاف المقيم، وإنما يكون مسافرا ~~بالعمل والنهوض، والمقيم لا يفتقر إلى ms0691 عمل، لأنه إذا نوى الإقامة كان مقيما ~~في الحين، لان الإقامة لا تفتقر إلى عمل فافترقا. ولا خلاف بينهم أيضا في ~~الذي يؤمل السفر أنه لا يجوز له أن يفطر قبل أن يخرج، فإن أفطر فقال ابن ~~حبيب: إن كان قد تأهب لسفره وأخذ في أسباب الحركة فلا شئ عليه، وحكى ذلك عن ~~أصبغ وابن الماجشون، فإن عاقه عن السفر عائق كان عليه الكفارة، وحسبه أن ~~ينجو إن سافر؟. وروى عيسى عن ابن القاسم أنه ليس عليه إلا قضاء يوم، لأنه ~~متأول في فطره. وقال أشهب: ليس عليه شئ من الكفارة سافر أو لم يسافر. وقال ~~سحنون: # عليه الكفارة سافر أو لم يسافر، وهو بمنزلة المرأة تقول: غدا تأتيني ~~حيضتي، فتفطر لذلك، ثم رجع إلى قول عبد الملك وأصبغ وقال: ليس مثل المرأة، ~~لان الرجل يحدث السفر إذا شاء، والمرأة لا تحدث الحيضة. # قلت: قول ابن القاسم وأشهب في نفي الكفارة حسن، لأنه فعل ما يجوز له ~~فعله، والذمة بريئة، فلا يثبت فيها شئ إلا بيقين ولا يقين مع الاختلاف، ثم ~~إنه مقتضى قوله تعالى: # " أو على سفر ". وقال أبو عمر: هذا أصح أقاويلهم في هذه المسألة، لأنه ~~غير منتهك لحرمة الصوم بقصد إلى ذلك وإنما هو متأول، ولو كان الاكل مع نية ~~السفر يوجب عليه الكفارة لأنه كان قبل خروجه ما أسقطها عنه خروجه، فتأمل ~~ذلك تجده كذلك، إن شاء الله تعالى. وقد روى الدارقطني: حدثنا أبو بكر ~~النيسابوري حدثنا إسماعيل بن إسحاق بن سهل بمصر قال حدثنا ابن أبي مريم ~~حدثنا محمد بن جعفر أخبرني زيد بن أسلم قال: أخبرني محمد بن المنكدر عن ~~محمد ابن كعب أنه قال: أتيت أنس بن مالك في رمضان وهو يريد السفر وقد رحلت ~~دابته ولبس ثياب السفر وقد تقارب غروب الشمس، فدعا بطعام فأكل منه ثم ركب. ~~فقلت له: # سنة؟ قال نعم. وروي عن أنس أيضا قال قال لي أبو موسى: ألم أنبئنك إذا ~~خرجت خرجت صائما، وإذا دخلت دخلت صائما، ms0692 فإذا خرجت فاخرج مفطرا، وإذا دخلت ~~فادخل PageV02P278 # مفطرا. وقال الحسن البصري: يفطر إن شاء في بيته يوم يريد أن يخرج. وقال ~~أحمد: # يفطر إذا برز عن البيوت. وقال إسحاق: لا، بل حين يضع رجله في الرحل. قال ~~ابن المنذر: # قول أحمد صحيح، لأنهم يقولون لمن أصبح صحيحا ثم اعتل: إنه يفطر بقية ~~يومه، وكذلك إذا أصبح في الحضر ثم خرج إلى السفر فله كذلك أن يفطر. وقالت ~~طائفة: لا يفطر يومه ذلك وإن نهض في سفره، كذلك قال الزهري ومكحول ويحيى ~~الأنصاري ومالك والأوزاعي والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي. واختلفوا إن ~~فعل، فكلهم قال يقضي ولا يكفر. # قال مالك: لان السفر عذر طارئ، فكان كالمرض يطرأ عليه. وروي عن بعض أصحاب ~~مالك أنه يقضي ويكفر، وهو قول ابن كنانة والمخزومي، وحكاه الباجي عن ~~الشافعي، واختاره ابن العربي وقال به، قال: لان السفر عذر طرأ بعد لزوم ~~العبادة ويخالف المرض والحيض، لان المرض يبيح له الفطر، والحيض يحرم عليها ~~الصوم، والسفر لا يبيح له ذلك فوجبت عليه الكفارة لهتك حرمته. قال أبو عمر: ~~وليس هذا بشئ، لان الله سبحانه قد أباح له الفطر في الكتاب والسنة. وأما ~~قولهم " لا يفطر " فإنما ذلك استحباب لما عقده فإن أخذ برخصة الله كان عليه ~~القضاء، وأما الكفارة فلا وجه لها، ومن أوجبها فقد أوجب ما لم يوجبه الله ~~ولا رسوله صلى الله عليه وسلم. وقد روي عن ابن عمر في هذه المسألة: يفطر إن ~~شاء في يومه ذلك إذا خرج مسافرا، وهو قول الشعبي وأحمد وإسحاق. # قلت: وقد ترجم البخاري رحمه الله على هذه المسألة " باب من أفطر في السفر ~~ليراه الناس " وساق الحديث عن ابن عباس قال: خرج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من المدينة إلى مكة فصام حتى بلغ عسفان (1)، ثم دعا بماء فرفعه إلى ~~يديه ليريه الناس فأفطر حتى قدم مكة وذلك في رمضان. وأخرجه مسلم أيضا عن ~~ابن عباس وقال فيه: ثم دعا بإناء فيه شراب شربه نهارا ليراه ms0693 الناس ثم أفطر ~~حتى دخل مكة. وهذا نص في الباب فسقط ما خالفه، وبالله التوفيق. وفيه أيضا ~~حجة على من يقول: إن الصوم لا ينعقد في السفر. روي عن عمر وابن عباس # PageV02P279 # وأبي هريرة وابن عمر. قال ابن عمر: من صام في السفر قضى في الحضر. وعن ~~عبد الرحمن ابن عوف: الصائم في السفر كالمفطر في الحضر. وقال به قوم من أهل ~~الظاهر، واحتجوا بقوله تعالى: " فعدة من أيام أخر " على ما يأتي بيانه، ~~وبما روى كعب بن عاصم قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ليس من ~~البر الصيام في السفر). وفيه أيضا حجة على من يقول: # إن من بيت الصوم في السفر فله أن يفطر وإن لم يكن له عذر، وإليه ذهب ~~مطرف، وهو أحد قولي الشافعي وعليه جماعة من أهل الحديث. وكان مالك يوجب ~~عليه القضاء والكفارة لأنه كان مخيرا في الصوم والفطر، فلما اختار الصوم ~~وبيته لزمه ولم يكن له الفطر، فإن أفطر عامدا من غير عذر كان عليه القضاء ~~والكفارة. وقد روي عنه أنه لا كفارة عليه، وهو قول أكثر أصحابه إلا عبد ~~الملك فإنه قال: إن أفطر بجماع كفر، لأنه لا يقوى بذلك على سفره ولا عذر ~~له، لان المسافر إنما أبيح له الفطر ليقوى بذلك على سفره. وقال سائر ~~الفقهاء بالعراق والحجاز: إنه لا كفارة عليه، منهم الثوري والأوزاعي ~~والشافعي وأبو حنيفة وسائر فقهاء الكوفة، قال أبو عمر. # الرابعة - واختلف العلماء في الأفضل من الفطر أو الصوم في السفر، فقال ~~مالك والشافعي في بعض ما روي عنهما: الصوم أفضل لمن قوي عليه. وجل مذهب ~~مالك التخيير وكذلك مذهب الشافعي. قال الشافعي ومن اتبعه: هو مخير، ولم ~~يفصل، وكذلك ابن علية، لحديث أنس قال: سافرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~في رمضان فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم، خرجه مالك ~~والبخاري ومسلم. وروي عن عثمان بن أبي العاص الثقفي وأنس بن مالك صاحبي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ms0694 أنهما قالا: الصوم في السفر أفضل لمن قدر ~~عليه، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه. وروي عن ابن عمرو ابن عباس: الرخصة أفضل، ~~وقال به سعيد بن المسيب والشعبي وعمر بن عبد العزيز ومجاهد وقتادة ~~والأوزاعي وأحمد وإسحاق. كل هؤلاء يقولون الفطر أفضل، لقول الله تعالى: " ~~يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر " [البقرة: 185]. PageV02P280 # الخامسة - قوله تعالى: " فعدة من أيام " في الكلام حذف، أي من يكن منكم ~~مريضا أو مسافرا فأفطر فليقض. والجمهور من العلماء على أن أهل البلد إذا ~~صاموا تسعة وعشرين يوما وفي البلد رجل مريض لم يصح فإنه يقضي تسعة وعشرين ~~يوما. وقال قوم منهم الحسن بن صالح بن حي: إنه يقضي شهرا بشهر من غير ~~مراعاة عدد الأيام. قال الكيا الطبري: وهذا بعيد، لقوله تعالى: " فعدة من ~~أيام أخر " ولم يقل فشهر من أيام أخر. # وقوله: " فعدة " يقتضي استيفاء عدد ما أفطر فيه، ولا شك أنه لو أفطر بعض ~~رمضان وجب قضاء ما أفطر بعده بعدده، كذلك يجب أن يكون حكم إفطاره جميعه في ~~اعتبار عدده. # السادسة - قوله تعالى: " فعدة " ارتفع " عدة " على خبر الابتداء، تقديره ~~فالحكم أو فالواجب عدة، ويصح فعليه عدة. وقال الكسائي: ويجوز فعدة، أي ~~فليصم عدة من أيام. # وقيل: المعنى فعليه صيام عدة، فحذف المضاف وأقيمت العدة مقامة. والعدة ~~فعلة من العد، وهي بمعنى المعدود، كالطحن بمعنى المطحون، تقول: أسمع جعجعة ~~ولا أرى طحنا (1). ومنه عدة المرأة. " من أيام أخر " لم ينصرف " أخر " عند ~~سيبويه، لأنها معدولة عن الألف واللام، لان سبيل فعل من هذا الباب أن يأتي ~~بالألف واللام، نحو الكبر والفضل. وقال الكسائي: # هي معدولة عن آخر، كما تقول: حمراء وحمر، فلذلك لم تنصرف. وقيل: منعت من ~~الصرف لأنها على وزن جمع وهي صفة لأيام، ولم تجئ أخرى لئلا يشكل بأنها صفة ~~للعدة. وقيل: إن " أخر " جمع أخرى كأنه أيام أخرى ثم كثرت فقيل: أيام أخر. ~~وقيل: إن نعت الأيام يكون مؤنثا فلذلك نعتت بأخر. # السابعة - اختلف الناس في وجوب ms0695 تتابعها على قولين ذكرهما الدارقطني في " ~~سننه "، فروي عن عائشة رضي الله عنها قالت: نزلت " فعدة من أيام أخر ~~متتابعات " فسقطت (2) " متتابعات " قال هذا إسناد صحيح. وروي عن أبي هريرة ~~قال قال رسول الله صلى الله # PageV02P281 # عليه وسلم: (من كان عليه صوم من رمضان فليسرده (1) ولا يقطعه) في إسناده ~~عبد الرحمن ابن إبراهيم ضعيف الحديث. وأسنده عن ابن عباس في قضاء رمضان " ~~صمه كيف شئت ". # وقال ابن عمر: " صمه كما أفطرته ". وأسند عن أبي عبيدة بن الجراح وابن ~~عباس وأبي هريرة ومعاذ بن جبل وعمرو بن العاص. وعن محمد بن المنكدر قال: ~~بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن تقطيع صيام رمضان فقال: (ذلك ~~إليك أرأيت لو كان على أحدكم دين فقضى الدرهم والدرهمين ألم يكن قضاه فالله ~~أحق أن يعفو ويغفر). إسناده حسن إلا أنه مرسل ولا يثبت متصلا. وفي موطأ ~~مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يقول: # يصوم رمضان متتابعا من أفطره متتابعا من مرض أو في سفر (2). قال الباجي ~~في " المنتقى ": # " يحتمل أن يريد الاخبار عن الوجوب، ويحتمل أن يريد الاخبار عن ~~الاستحباب، وعلى الاستحباب جمهور الفقهاء. وإن فرقه أجزأه، وبذلك قال مالك ~~والشافعي. والدليل على صحة هذا قوله تعالى: " فعدة من أيام أخر " ولم يخص ~~متفرقة من متتابعة، وإذا أتى بها متفرقة فقد صام عدة من أيام أخر، فوجب أن ~~يجزيه ". ابن العربي: إنما وجب التتابع في الشهر لكونه معينا، وقد عدم ~~التعيين في القضاء فجاز التفريق. # الثامنة - لما قال تعالى: " فعدة من أيام أخر " دل ذلك على وجوب القضاء ~~من غير تعيين لزمان، لان اللفظ مسترسل على الأزمان لا يختص ببعضها دون بعض. ~~وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: يكون على الصوم من رمضان فما ~~أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان، الشغل (3) من رسول الله، أو برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. في رواية: وذلك لمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا ~~نص وزيادة بيان للآية. ms0696 وذلك يرد على داود قوله: # إنه يجب عليه قضاؤه ثاني شوال. ومن لم يصمه ثم مات فهو آثم عنده، وبنى ~~عليه أنه لو وجب عليه عتق رقبة فوجد رقبة تباع بثمن فليس له أن يتعداها ~~ويشتري غيرها، لان الفرض عليه أن يعتق أول رقبة يجدها فلا يجزيه غيرها. ولو ~~كانت عنده رقبة فلا يجوز له أن يشتري # PageV02P282 # غيرها، ولو مات الذي عنده فلا يبطل العتق، كما يبطل فيمن نذر أن يعتق ~~رقبة بعينها فماتت يبطل نذره، وذلك يفسد قوله. وقال بعض الأصوليين: إذا مات ~~بعد مضي اليوم الثاني من شوال لا يعصي على شرط العزم. والصحيح أنه غير آثم ~~ولا مفرط، وهو قول الجمهور، غير أنه يستحب له تعجيل القضاء لئلا تدركه ~~المنية فيبقى عليه الفرض. # التاسعة - من كان عليه قضاء أيام من رمضان فمضت عليه عدتها من الأيام بعد ~~الفطر أمكنه فيها صيامه فأخر ذلك ثم جاءه مانع منعه من القضاء إلى رمضان ~~آخر فلا إطعام عليه، لأنه ليس بمفرط حين فعل ما يجوز له من التأخير. هذا ~~قول البغداديين من المالكيين، ويرونه قول ابن القاسم في المدونة. # العاشرة - فإن أخر قضاءه عن شعبان الذي هو غاية الزمان الذي يقضى فيه ~~رمضان فهل يلزمه لذلك كفارة أو لا، فقال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق: نعم. ~~وقال أبو حنيفة والحسن والنخعي وداود: لا. # قلت: وإلى هذا ذهب البخاري لقوله، ويذكر عن أبي هريرة مرسلا وابن عباس ~~أنه يطعم، ولم يذكر الله الاطعام، إنما قال: " فعدة من أيام أخر ". # قلت: قد جاء عن أبي هريرة مسندا فيمن فرط في قضاء رمضان حتى أدركه رمضان ~~آخر قال: يصوم هذا مع الناس، ويصوم الذي فرط فيه ويطعم لكل يوم مسكينا. ~~خرجه الدارقطني وقال: إسناد صحيح. وروي عنه مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم في رجل أفطر في شهر رمضان من مرض ثم صح ولم يصم حتى أدركه رمضان آخر ~~قال: (يصوم الذي أدركه ثم يصوم الشهر الذي أفطر فيه ويطعم لكل يوم مسكينا). ms0697 ~~في إسناده ابن نافع وابن وجيه ضعيفان. # الحادية عشرة - فإن تمادى به المرض فلم يصح حتى جاء رمضان آخر، فروى ~~الدارقطني عن ابن عمر أنه يطعم مكان كل يوم مسكينا مدا من حنطة، ثم ليس ~~عليه قضاء. وروي أيضا عن أبي هريرة أنه قال: إذا لم يصح بين الرمضانين صام ~~عن هذا وأطعم عن الثاني PageV02P283 # ولا قضاء عليه، وإذا صح فلم يصم حتى إذا أدركه رمضان آخر صام عن هذا ~~وأطعم عن الماضي، فإذا أفطر قضاه، إسناد صحيح. قال علماؤنا: وأقوال الصحابة ~~على خلاف القياس قد يحتج بها. وروي عن ابن عباس أن رجلا جاء إليه فقال: ~~مرضت رمضانين؟ فقال له ابن عباس: استمر بك مرضك، أو صححت بينهما؟ فقال: بل ~~صححت، قال: صم رمضانين وأطعم ستين مسكينا. وهذا بدل من قوله: إنه لو تمادى ~~به مرضه لا قضاء عليه. وهذا يشبه مذهبهم في الحامل والمرضع أنهما يطعمان ~~ولا قضاء عليهما، على ما يأتي (1). # الثانية عشرة - واختلف من أوجب عليه الاطعام في قدر ما يجب أن يطعم، فكان ~~أبو هريرة والقاسم بن محمد ومالك والشافعي يقولون: يطعم عن كل يوم مدا. ~~وقال الثوري: # يطعم نصف صاع عن كل يوم. # الثالثة - واختلفوا فيمن أفطر أو جامع في قضاء رمضان ماذا يجب عليه، فقال ~~مالك: من أفطر يوما من قضاء رمضان ناسيا لم يكن عليه شئ غير قضائه، ويستحب ~~له أن يتمادى فيه للاختلاف ثم يقضيه، ولو أفطره عامدا أثم ولم يكن عليه غير ~~قضاء ذلك اليوم ولا يتمادى، لأنه لا معنى لكفه عما يكف الصائم ها هنا إذ هو ~~غير صائم عند جماعة العلماء لافطاره عامدا. وأما الكفارة فلا خلاف عند مالك ~~وأصحابه أنها لا تجب في ذلك، وهو قول جمهور العلماء. قال مالك: ليس على من ~~أفطر يوما من قضاء رمضان بإصابة أهله أو غير ذلك كفارة، وإنما عليه قضاء ~~ذلك اليوم. وقال قتادة: على من جامع في قضاء رمضان القضاء والكفارة. وروى ~~ابن القاسم عن مالك أن من أفطر ms0698 في قضاء رمضان فعليه يومان، وكان ابن القاسم ~~يفتي به ثم رجع عنه ثم قال: إن أفطر عمدا في قضاء القضاء كان عليه مكانه ~~صيام يومين، كمن أفسد حجه بإصابة أهله، وحج قابلا فأفسد حجه أيضا بإصابة ~~أهله كان عليه حجتان. قال أبو عمر: قد خالفه في الحج ابن وهب وعبد الملك، ~~وليس يجب القياس على أصل مختلف فيه. والصواب عندي - والله أعلم - أنه ليس ~~عليه في الوجهين إلا قضاء يوم واحد، لأنه يوم واحد أفسده مرتين. # PageV02P284 # قلت: وهو مقتضى قوله تعالى: " فعدة من أيام أخر " فمتى أتى بيوم تام بدلا ~~عما أفطره في قضاء رمضان فقد أتى بالواجب عليه، ولا يجب عليه غير ذلك، ~~والله أعلم. # الرابعة عشرة - والجمهور على أن من أفطر في رمضان لعلة فمات من علته تلك، ~~أو سافر فمات في سفره ذلك أنه لا شئ عليه. وقال طاوس وقتادة في المريض يموت ~~قبل أن يصح: يطعم عنه. # الخامسة عشرة - واختلفوا فيمن مات وعليه صوم من رمضان لم يقضه، فقال مالك ~~والشافعي والثوري: لا يصوم أحد عن أحد. وقال أحمد وإسحاق وأبو ثور والليث ~~وأبو عبيد وأهل الظاهر: يصام عنه، إلا أنهم خصصوه بالنذر، وروي مثله عن ~~الشافعي. # وقال أحمد وإسحاق في قضاء رمضان: يطعم عنه. احتج من قال بالصوم بما رواه ~~مسلم عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من مات وعليه صيام ~~صام عنه وليه). # إلا أن هذا عام في الصوم، يخصصه ما رواه مسلم أيضا عن ابن عباس قال: جاءت ~~امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن أمي قد ~~ماتت وعليها صوم نذر - وفي رواية صوم شهر - أفأصوم عنها؟ قال: (أرأيت لو ~~كان على أمك دين فقضيتيه أكان يؤدي ذلك عنها) قالت: نعم، قال: (فصومي عن ~~أمك). احتج مالك ومن وافقه بقوله سبحانه: " ولا تزر وازرة وزر أخرى (1) " ~~[الانعام: 164] وقوله: " وأن ليس للانسان إلا ما سعى " (2) [النجم: 39] ~~وقوله: " ولا تكسب كل نفس إلا عليها ms0699 " (1) [الانعام: 164] وبما خرجه ~~النسائي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يصلي أحد عن ~~أحد ولا يصوم أحد عن أحد ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مدا من حنطة). # قلت: وهذا الحديث عام، فيحتمل أن يكون المراد بقوله: (لا يصوم أحد عن ~~أحد) صوم رمضان. فأما صوم النذر فيجوز، بدليل حديث ابن عباس وغيره، فقد جاء ~~في صحيح مسلم أيضا من حديث بريدة نحو حديث ابن عباس، وفي بعض طرقه: صوم ~~شهرين أفأصوم عنها؟ قال: (صومي عنها) قالت: إنها لم تحج قط أفأحج عنها؟ ~~قال: # PageV02P285 # (جي عنها). فقولها: شهرين، يبعد أن يكون رمضان، والله أعلم. وأقوى ما ~~يحتج به لمالك أنه عمل أهل المدينة، ويعضده القياس الجلي، وهو أنه عبادة ~~بدنية لا مدخل للمال فيها فلا تفعل عمن وجبت عليه كالصلاة. ولا ينقص هذا ~~بالحج لان للمال فيه مدخلا. # السادسة عشرة - استدل بهذه الآية من قال: إن الصوم لا ينعقد في السفر ~~وعليه القضاء أبدا، فإن الله تعالى يقول: " فمن كان منكم مريضا أو على سفر ~~فعدة من أيام أخر " أي فعليه عدة، ولا حذف في الكلام ولا إضمار. [وبقوله ~~(1) عليه الصلاة والسلام: # (ليس من البر الصيام في السفر) قال: ما لم يكن من البر فهو من الاثم، ~~فيدل ذلك على أن صوم رمضان لا يجوز في السفر]. والجمهور يقولون: فيه محذوف ~~فأفطر، كما تقدم. # وهو الصحيح، لحديث أنس قال: (سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~رمضان فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم، رواه مالك عن حميد ~~الطويل عن أنس. وأخرجه مسلم عن أبي سعيد الخدري قال: (غزونا مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لست عشرة مضت من رمضان فمنا من صام ومنا من أفطر، فلم ~~يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم). # قوله تعالى: " وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير ~~له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون " فيه خمس مسائل: ms0700 # الأولى قوله تعالى: " وعلى الذين يطيقونه " قرأ الجمهور بكسر الطاء وسكون ~~الياء، وأصله يطوقونه نقلت الكسرة إلى الطاء وانقلبت الواو ياء لانكسار ما ~~قبلها. وقرأ حميد على الأصل من غير اعتلال، والقياس الاعتلال. ومشهور قراءة ~~ابن عباس " يطوقونه " بفتح الطاء مخففة وتشديد الواو بمعنى يكلفونه. وقد ~~روى مجاهد " يطيقونه " بالياء بعد الطاء على لفظ " يكيلونه " وهي باطلة ~~ومحال، لان الفعل مأخوذ من الطوق، فالواو لازمة واجبة فيه ولا مدخل للياء ~~في هذا المثال. قال أبو بكر الأنباري: وأنشدنا أحمد بن يحيى النحوي لأبي ~~ذؤيب: # فقيل تحمل فوق طوقك إنها * مطبعة (2) من يأتها لا يضيرها # PageV02P286 # فأظهر الواو في الطوق، وصح بذلك أن واضع الياء مكانها يفارق الصواب. وروى ~~ابن الأنباري عن ابن عباس " يطيقونه " بفتح الياء وتشديد الطاء والياء ~~مفتوحتين بمعنى يطيقونه، يقال: # طاق وأطاق وأطيق بمعنى. وعن ابن عباس أيضا وعائشة وطاوس وعمرو بن دينار " ~~يطوقونه " بفتح الياء وشد الطاء مفتوحة، وهي صواب في اللغة، لان الأصل ~~يتطوقونه فأسكنت التاء وأدغمت في الطاء فصارت طاء مشددة، وليست من القرآن، ~~خلافا لمن أثبتها قرآنا، وإنما هي قراءة على التفسير. وقرأ أهل المدينة ~~والشام " فدية طعام " مضافا، " مساكين " جمعا. # وقرأ ابن عباس " طعام مسكين " بالافراد فيما ذكر البخاري وأبو داود ~~والنسائي عن عطاء عنه. # وهي قراءة حسنة، لأنها بينت الحكم في اليوم، واختارها أبو عبيد، وهي ~~قراءة أبي عمرو وحمزة والكسائي. قال أبو عبيد: فبينت أن لكل يوم إطعام ~~واحد، فالواحد مترجم عن الجميع، وليس الجميع بمترجم عن واحد. وجمع المساكين ~~لا يدري كم منهم في اليوم إلا من غير الآية. وتخرج قراءة الجمع في " مساكين ~~" لما كان الذين يطيقونه جمع وكل واحد منهم يلزمه مسكين فجمع لفظه، كما قال ~~تعالى: " والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين ~~جلدة (1) " [النور: 4] أي اجلدوا كل واحد منهم ثمانين جلدة، فليست الثمانون ~~متفرقة في جميعهم، بل لكل واحد ثمانون، قال معناه أبو علي. واختار قراءة ~~الجمع النحاس قال: # وما اختاره أبو عبيد ms0701 مردود، لان هذا إنما يعرف بالدلالة، فقد علم أن معنى ~~" وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مساكين " أن لكل يوم مسكينا، فاختيار هذه ~~القراءة لترد جمعا على جمع. # قال النحاس: واختار أبو عبيد أن يقرأ " فدية طعام " قال: لان الطعام هو ~~الفدية، ولا يجوز أن يكون الطعام نعتا لأنه جوهر ولكنه يجوز على البدل، ~~وأبين من أن يقرأ " فدية طعام " بالإضافة، لان " فدية " مبهمة تقع للطعام ~~وغيره، فصار مثل قولك: هذا ثوب خز. # الثانية - واختلف العلماء في المراد بالآية، فقيل: هي منسوخة. روى ~~البخاري: # " وقال ابن نمير حدثنا [الأعمش حدثنا] عمرو بن مرة حدثنا ابن أبي ليلى ~~حدثنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: نزل رمضان فشق عليهم فكان من أطعم كل ~~يوم مسكينا ترك الصوم ممن # PageV02P287 # يطيقه ورخص لهم في ذلك فنسختها " وأن تصوموا خير لكم ". وعلى هذا قراءة ~~الجمهور " يطيقونه " أي يقدرون عليه، لان فرض الصيام هكذا: من أراد صام ومن ~~أراد أطعم مسكينا. # وقال ابن عباس: نزلت هذه الآية رخصة للشيوخ والعجزة خاصة إذا أفطروا وهم ~~يطيقون الصوم، ثم نسخت بقوله " فمن شهد منكم الشهر فليصمه " [البقرة: 185] ~~فزالت الرخصة إلا لمن عجز منهم. # قال الفراء: الضمير في " يطيقونه " يجوز أن يعود على الصيام، أي وعلى ~~الذين يطيقون الصيام أن يطعموا إذا أفطروا، ثم نسخ بقوله: "، وأن تصوموا ". ~~ويجوز أن يعود على الفداء، أي وعلى الذين يطيقون الفداء فدية. وأما قراءة " ~~يطوقونه " على معنى يكلفونه مع المشقة اللاحقة لهم، كالمريض والحامل فإنهما ~~يقدران عليه لكن بمشقة تلحقهم في أنفسهم، فإن صاموا أجزأهم وإن افتدوا فلهم ~~ذلك. ففسر ابن عباس - إن كان الاسناد عنه صحيحا - " يطيقونه " بيطوقونه ~~ويتكلفونه فأدخله بعض النقلة في القرآن. روى أبو داود عن ابن عباس " وعلى ~~الذين يطيقونه " قال: أثبتت للحبلى والمرضع. وروي عنه أيضا " وعلى الذين ~~يطيقونه فدية طعام مسكين " قال: كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة ~~وهما يطيقان الصوم أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم مسكينا، والحبلى والمرضع ~~إذا خافتا على أولادهما أفطرتا وأطعمتا. ms0702 # وخرج الدارقطني عنه أيضا قال: رخص للشيخ الكبير أن يفطر ويطعم عن كل يوم ~~مسكينا ولا قضاء عليه، هذا إسناد صحيح. وروي عنه أنه قال: " وعلى الذين ~~يطيقونه فدية طعام " ليست بمنسوخة، هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا ~~يستطيعان أن يصوما، فيطعما مكان كل يوم مسكينا، وهذا صحيح. وروي عنه أيضا ~~أنه قال لام ولد له حبلى أو مرضع: # أنت من الذين لا يطيقون الصيام، عليك الجزاء ولا عليك القضاء، وهذا إسناد ~~صحيح. # وفي رواية: كانت له أم ولد ترضع - من غير شك - فأجهدت فأمرها أن تفطر ولا ~~تقضي، هذا صحيح. # قلت: فقد ثبت بالأسانيد الصحاح عن ابن عباس أن الآية ليست بمنسوخة وأنها ~~محكمة في حق من ذكر. والقول الأول صحيح أيضا، إلا أنه يحتمل أن يكون النسخ ~~هناك PageV02P288 # بمعنى التخصيص، فكثيرا ما يطلق المتقدمون النسخ بمعناه، والله أعلم. وقال ~~الحسن البصري وعطاء بن أبي رباح والضحاك والنخعي والزهري وربيعة والأوزاعي ~~وأصحاب الرأي: الحامل والمرضع يفطران ولا إطعام عليهما، بمنزلة المريض يفطر ~~ويقضي، وبه قال أبو عبيد وأبو ثور. وحكى ذلك أبو عبيد عن أبي ثور، واختاره ~~ابن المنذر، وهو قول مالك في الحبلى إن أفطرت، فأما المرضع إن أفطرت فعليها ~~القضاء والاطعام. وقال الشافعي وأحمد: يفطران ويطعمان ويقضيان، وأجمعوا على ~~أن المشايخ والعجائز الذين لا يطيقون الصيام أو يطيقونه على مشقة شديدة أن ~~يفطروا. واختلفوا فيما عليهم، فقال ربيعة ومالك: لا شئ عليهم، غير أن مالكا ~~قال: لو أطعموا عن كل يوم مسكينا كان أحب إلى. وقال أنس وابن عباس وقيس بن ~~السائب وأبو هريرة: عليهم الفدية. وهو قول الشافعي وأصحاب الرأي وأحمد ~~وإسحاق، اتباعا لقول الصحابة رضي الله عن جميعهم، وقوله تعالى: " فمن كان ~~منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر " ثم قال: " وعلى الذين يطيقونه ~~فدية طعام مسكين " وهؤلاء ليسوا بمرضى ولا مسافرين، فوجبت عليهم الفدية. ~~والدليل لقول مالك: أن هذا مفطر لعذر موجود فيه وهو الشيخوخة والكبر فلم ~~يلزمه إطعام كالمسافر والمريض. وروي ms0703 هذا عن الثوري ومكحول، واختاره ابن ~~المنذر. الثالثة - واختلف من أوجب الفدية على من ذكر في مقدارها، فقال ~~مالك: مد بمد النبي صلى الله عليه وسلم عن كل يوم أفطره، وبه قال الشافعي. ~~وقال أبو حنيفة: كفارة كل يوم صاع تمر أو نصف صاع بر. وروي عن ابن عباس نصف ~~صاع من حنطة، ذكره الدارقطني. وروي عن أبي هريرة قال: من أدركه الكبر فلم ~~يستطع أن يصوم فعليه لكل يوم مد من قمح. وروي عن أنس بن مالك أنه ضعف عن ~~الصوم عاما فصنع جفنة من طعام ثم دعا بثلاثين مسكينا فأشبعهم. # الرابعة - قوله تعالى: " فمن تطوع خيرا فهو خير له " قال ابن شهاب: من ~~أراد الاطعام مع الصوم. وقال مجاهد: من زاد في الاطعام على المد. ابن عباس: ~~" فمن تطوع PageV02P289 # خيرا " قال: مسكينا آخر فهو خير له. ذكره الدارقطني وقال: إسناد صحيح ~~ثابت. و " خير " الثاني صفة تفضيل، وكذلك الثالث و " خير " الأول. وقرأ ~~عيسى بن عمرو ويحيى بن وثاب وحمزة والكسائي " يطوع خيرا " مشددا وجزم العين ~~على معنى يتطوع. الباقون " تطوع " بالتاء وتخفيف الطاء وفتح العين على ~~الماضي. # الخامسة - قوله تعالى: " وأن تصوموا خير لكم " أي والصيام خير لكم. وكذا ~~قرأ أبي، أي من الافطار مع الفدية وكان هذا قبل النسخ. وقيل: " وأن تصوموا ~~" في السفر والمرض غير الشاق والله أعلم. وعلى الجملة فإنه يقتضي الحض على ~~الصوم، أي فاعلموا ذلك وصوموا. # قوله تعالى: شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى ~~والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام ~~أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكلموا العدة ولتكبروا الله ~~على ما هديكم ولعلكم تشكرون (185). # فيه إحدى وعشرون مسألة: # الأولى - قوله تعالى: " شهر رمضان " قال أهل التاريخ: أول من صام رمضان ~~نوح عليه السلام لما خرج من السفينة. وقد تقدم قول مجاهد: كتب الله رمضان ~~على كل أمة (1)، ومعلوم أنه كان قبل نوح أمم، والله ms0704 أعلم. والشهر مشتق من ~~الاشهار لأنه مشتهر لا يتعذر علمه على أحد يريده، ومنه يقال: شهرت السيف ~~إذا سللته. ورمضان مأخوذ من رمض الصائم يرمض إذا حر جوفه من شدة العطش. ~~والرمضاء (ممدودة): شدة الحر، ومنه الحديث: # (صلاة (2) الأوابين إذا رمضت الفصال). خرجه مسلم. ورمض الفصال أن تحرق ~~الرمضاء أخفافها فتبرك من شدة حرها. فرمضان - فيما ذكروا - وافق شدة الحر، ~~فهو مأخوذ من الرمضاء. قال . # PageV02P290 # الجوهري: وشهر رمضان يجمع على رمضانات وأرمضاء، يقال إنهم لما نقلوا ~~أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق هذا ~~الشهر أيام رمض الحر فسمي بذلك. وقيل: إنما سمي رمضان لأنه يرمض الذنوب أي ~~يحرقها بالاعمال الصالحة، من الارماض وهو الاحراق، ومنه رمضت قدمه من ~~الرمضاء أي احترقت. وأرمضتني الرمضاء أي أحرقتني، ومنه قيل: أرمضني الامر. ~~وقيل: لان القلوب تأخذ فيه من حرارة الموعظة والفكرة في أمر الآخرة كما ~~يأخذ الرمل والحجارة من حر الشمس. والرمضاء: الحجارة المحماة. # وقيل: هو من رمضت النصل أرمضه وأرمضه رمضا إذا دققته بين حجرين ليرق. ~~ومنه نصل رميض ومرموض - عن ابن السكيت -، وسمي الشهر به لأنهم كانوا يرمضون ~~أسلحتهم في رمضان ليحاربوا بها في شوال قبل دخول الأشهر الحرم. وحكى ~~الماوردي أن اسمه في الجاهلية " ناتق " وأنشد للمفضل: # وفي ناتق أجلت لدى حومة الوغي * وولت على الادبار فرسان خثعما و " شهر " ~~بالرفع قراءة الجماعة على الابتداء، والخبر " الذي أنزل فيه القرآن ". أو ~~يرتفع على إضمار مبتدأ، المعنى: المفروض عليكم صومه شهر رمضان، أو فيما كتب ~~عليكم شهر رمضان. # ويجوز أن يكون " شهر " مبتدأ، و " الذي أنزل فيه القرآن " صفة، والخبر " ~~فمن شهد منكم الشهر ". وأعيد ذكر الشهر تعظيما، كقوله تعالى: " الحاقة ما ~~الحاقة ". [الحاقة: 1 - 2]. وجاز أن يدخله معنى الجزاء، لان شهر رمضان وإن ~~كان معرفة فليس معرفة بعينها لأنه شائع في جميع القابل، قاله أبو علي. وروي ~~عن مجاهد وشهر بن حوشب نصب " شهر "، ورواها هارون الأعور عن أبي عمرو، ~~ومعناه: الزموا شهر رمضان أو ms0705 صوموا. و " الذي أنزل فيه القرآن " نعت له، ~~ولا يجوز أن ينتصب بتصوموا، لئلا يفرق بين الصلة والموصول بخبر أن وهو " ~~خير لكم ". # الرماني: يجوز نصبه على البدل من قوله " أياما معدودات " [البقرة: 184]. # الثانية - واختلف هل يقال " رمضان " دون أن يضاف إلى شهر، فكره ذلك مجاهد ~~وقال: يقال كما قال الله تعالى. وفي الخبر: (لا تقولوا رمضان بل انسبوه كما ~~نسبه الله في القرآن PageV02P291 # فقال شهر رمضان). وكان يقول: بلغني أنه اسم من أسماء الله. وكان يكره أن ~~يجمع لفظه لهذا المعنى. ويحتج بما روي: رمضان اسم من أسماء الله تعالى، ~~وهذا ليس بصحيح فإنه من حديث أبي معشر نجيح وهو ضعيف. والصحيح جواز إطلاق ~~رمضان من غير إضافة كما ثبت في الصحاح وغيرها. روى مسلم عن أبي هريرة أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # (إذا جاء رمضان فتحت أبواب الرحمة وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين). ~~وفي صحيح البستي عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا كان رمضان ~~فتحت له أبواب الرحمة وغلقت أبواب جهنم وسلسلت الشياطين). وروي عن ابن شهاب ~~عن أنس بن أبي أنس أن أباه حدثه أنه سمع أبا هريرة يقول...، فذكره. قال ~~البستي: أنس بن أبي أنس هذا هو والد مالك بن أنس، واسم أبي أنس مالك بن أبي ~~عامر من ثقات أهل المدينة، وهو مالك ابن أبي عامر بن عمرو بن الحارث بن ~~عثمان (1) بن جثيل بن عمرو من ذي أصبح من أقيال اليمن. وروى النسائي عن أبي ~~هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتاكم رمضان شهر مبارك فرض ~~الله عز وجل عليكم صيامه تفتح فيه أبواب السماء وتغلق فيه أبواب الجحيم ~~وتغل فيه مردة الشياطين لله فيه ليلة خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد ~~حرم). # وأخرجه أبو حاتم البستي أيضا وقال: فقوله (مردة الشياطين) تقييد لقوله: ~~(صفدت الشياطين وسلسلت). وروى النسائي أيضا عن ابن عباس قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لامرأة ms0706 من الأنصار: (إذا كان رمضان فاعتمري فإن عمرة ~~فيه تعدل حجة). وروى النسائي أيضا عن عبد الرحمن بن عوف قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: (إن الله تعالى فرض صيام رمضان [عليكم] وسننت لكم ~~قيامه فمن صامه وقامه إيمانا واحتسابا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه). ~~والآثار في هذا كثيرة، كلها بإسقاط شهر. وربما أسقطت العرب ذكر الشهر من ~~رمضان. # PageV02P292 # قال الشاعر: # جارية في درعها الفضفاض * أبيض من أخت بني إباض جارية في رمضان الماضي * ~~تقطع الحديث بالايماض وفضل رمضان عظيم، وثوابه جسيم، يدل على ذلك معنى ~~الاشتقاق من كونه محرقا للذنوب، وما كتبناه من الأحاديث. # الثالثة - فرض الله صيام شهر رمضان أي مدة هلاله، وبه سمي الشهر، كما جاء ~~في الحديث: (فإن غمي عليكم الشهر) أي الهلال، وسيأتي، وقال الشاعر: # أخوان من نجد على ثقة * والشهر مثل قلامة الظفر حتى تكامل في استدارته * ~~في أربع زادت على عشر وفرض علينا عند غمة الهلال إكمال عدة شعبان ثلاثين ~~يوما، وإكمال عدة رمضان ثلاثين يوما، حتى ندخل في العبادة بيقين ونخرج عنها ~~بيقين، فقال في كتابه " وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم (1) " ~~[النحل: 44]. وروى الأئمة الاثبات عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صوموا ~~لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا العدد) في رواية (فإن غمي ~~عليكم الشهر فعدوا ثلاثين). وقد ذهب مطرف بن عبد الله بن الشخير وهو من ~~كبار التابعين وابن قتيبة من اللغويين فقالا: يعول على الحساب عند الغيم ~~بتقدير المنازل واعتبار حسابها في صوم رمضان، حتى إنه لو كان صحوا لرؤي، ~~لقوله عليه السلام: (فإن أغمي عليكم فاقدروا له) أي استدلوا عليه بمنازله، ~~وقدروا إتمام الشهر بحسابه. وقال الجمهور: معنى (فاقدروا له) فأكملوا ~~المقدار، يفسره حديث أبي هريرة (فأكملوا العدة). وذكر الداودي أنه قيل في ~~معنى قوله " فاقدروا له ": أي قدروا المنازل. وهذا لا نعلم أحدا قال به إلا ~~بعض أصحاب الشافعي أنه يعتبر في ذلك بقول المنجمين، والاجماع حجة عليهم. ~~وقد روى ms0707 ابن نافع عن مالك في الامام لا يصوم لرؤية الهلال ولا يفطر لرؤيته، ~~وإنما يصوم ويفطر على الحساب: إنه لا يقتدى به # PageV02P293 # ولا يتبع. قال ابن العربي: وقد زل بعض أصحابنا فحكى عن الشافعي أنه قال: ~~يعول على الحساب، وهي عثرة " لا لعاد لها (1) ". # الرابعة - واختلف مالك والشافعي هل يثبت هلال رمضان بشهادة واحد أو ~~شاهدين، فقال مالك: لا يقبل فيه شهادة الواحد لأنها شهادة على هلال فلا ~~يقبل فيها أقل من اثنين، أصله الشهادة على هلال شوال وذي الحجة. وقال ~~الشافعي وأبو حنيفة: يقبل الواحد، لما رواه أبو داود عن ابن عمر قال: تراءى ~~الناس الهلال فأخبرت به رسول الله صلى الله عليه وسلم أني رأيته، فصام وأمر ~~الناس بصيامه. وأخرجه الدارقطني وقال: تفرد به مروان بن محمد عن ابن وهب ~~وهو ثقة. روى الدارقطني " أن رجلا شهد عند علي بن أبي طالب على رؤية هلال ~~رمضان فصام، أحسبه قال: وأمر الناس أن يصوموا، وقال: أصوم يوما من شعبان ~~أحب إلى من أن أفطر يوما من رمضان. قال الشافعي: فإن لم تر العامة هلال شهر ~~رمضان ورآه رجل عدل رأيت أن أقبله للأثر والاحتياط. وقال الشافعي بعد: لا ~~يجوز على رمضان إلا شاهدان. قال الشافعي وقال بعض أصحابنا: لا أقبل عليه ~~إلا شاهدين، وهو القياس على كل مغيب ". # الخامسة - واختلفوا فيمن رأى هلال رمضان وحده أو هلال شوال، فروى الربيع ~~عن الشافعي: من رأى هلال رمضان وحده فليصمه، ومن رأى هلال شوال وحده ~~فليفطر، وليخف ذلك. وروى ابن وهب عن مالك في الذي يرى هلال رمضان وحده أنه ~~يصوم، لأنه لا ينبغي له أن يفطر وهو يعلم أن ذلك اليوم من شهر رمضان. ومن ~~رأى هلال شوال وحده فلا يفطر، لان الناس يتهمون على أن يفطر منهم من ليس ~~مأمونا، ثم يقول أولئك إذا ظهر عليهم: قد رأينا الهلال. قال ابن المنذر: ~~وبهذا قال الليث بن سعد وأحمد بن حنبل. # وقال عطاء وإسحاق: لا يصوم ولا يفطر. قال ابن ms0708 المنذر: يصوم ويفطر. # PageV02P294 # السادسة - واختلفوا إذا أخبر مخبر عن رؤية بلد، فلا يخلو أن يقرب أو ~~يبعد، فإن قرب فالحكم واحد، وإن بعد فلأهل كل بلد رؤيتهم، روي هذا عن عكرمة ~~والقاسم وسالم، وروي عن ابن عباس، وبه قال إسحاق، وإليه أشار البخاري حيث ~~بوب: " لأهل كل بلد رؤيتهم ". # وقال آخرون. إذا ثبت عند الناس أن أهل بلد قد رأوه فعليهم قضاء ما ~~أفطروا، هكذا قال الليث بن سعد والشافعي. قال ابن المنذر: ولا أعلمه إلا ~~قول المزني والكوفي. # قلت: ذكر الكيا الطبري في كتاب أحكام القرآن له: وأجمع أصحاب أبي حنيفة ~~على أنه إذا صام أهل بلد ثلاثين يوما للرؤية، وأهل بلد تسعة وعشرين يوما أن ~~على الذين صاموا تسعة وعشرين يوما قضاء يوم. وأصحاب الشافعي لا يرون ذلك، ~~إذ كانت المطالع في البلدان يجوز أن تختلف. وحجة أصحاب أبي حنيفة قوله ~~تعالى: " ولتكملوا العدة " وثبت برؤية أهل بلد أن العدة ثلاثون فوجب على ~~هؤلاء إكمالها. ومخالفهم يحتج بقوله صلى الله عليه وسلم: # (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته) الحديث، وذلك يوجب اعتبار عادة كل قوم في ~~بلدهم. # وحكى أبو عمر الاجماع على أنه لا تراعى الرؤية فيما بعد من البلدان ~~كالأندلس من خراسان، قال: ولكل بلد رؤيتهم، إلا ما كان كالمصر الكبير وما ~~تقاربت أقطاره من بلدان المسلمين. # روى مسلم عن كريب أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام قال: ~~فقدمت الشام فقضيت حاجتها واستهل على رمضان وأنا بالشام فرأيت الهلال ليلة ~~الجمعة ثم قدمت المدينة في آخر الشهر فسألني عبد الله بن عباس رضي الله ~~عنهما، ثم ذكر الهلال فقال: متى رأيتم الهلال؟ # فقلت: رأيناه ليلة الجمعة. فقال: أنت رأيته؟ فقلت نعم، ورآه الناس وصاموا ~~وصام معاوية. فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين ~~أو نراه. فقلت: # أولا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال لا، هكذا أمرنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. # قال علماؤنا: قول ابن عباس (هكذا أمرنا رسول الله صلى الله ms0709 عليه وسلم) ~~كلمة تصريح برفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبأمره. فهو حجة على أن ~~البلاد إذا تباعدت كتباعد الشام من الحجاز فالواجب على أهل كل بلد أن تعمل ~~على رؤيته دون رؤية غيره، وإن ثبت ذلك PageV02P295 # عند الامام الأعظم، ما لم يحمل الناس على ذلك، فإن حمل فلا تجوز مخالفته. ~~وقال الكيا الطبري: قوله (هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم) يحتمل ~~أن يكون تأول فيه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صوموا لرؤيته وأفطروا ~~لرؤيته). وقال ابن العربي: # " واختلف في تأويل [قول (1)] ابن عباس [هذا (2)] فقيل: رده لأنه خبر ~~واحد، وقيل: رده لان الأقطار مختلفة في المطالع، وهو الصحيح، لان كريبا لم ~~يشهد وإنما أخبر عن حكم ثبت بالشهادة، ولا خلاف في الحكم الثابت أنه يجزي ~~فيه خبر الواحد. ونظيره ما لو ثبت أنه أهل ليلة الجمعة بأغمات (2) وأهل ~~بأشبيلية (3) ليلة السبت فيكون لأهل كل بلد رؤيتهم، لان سهيلا (4) يكشف من ~~أغمات ولا يكشف من أشبيلية، وهذا يدل على اختلاف المطالع. # قلت: وأما مذهب مالك رحمه الله في هذه المسألة فروى ابن وهب وابن القاسم ~~عنه في المجموعة أن أهل البصرة إذا رأوا هلال رمضان ثم بلغ ذلك إلى أهل ~~الكوفة والمدينة واليمن أنه يلزمهم الصيام أو القضاء إن فات الأداء. وروي ~~القاضي أبو إسحاق عن ابن الماجشون أنه إن كان ثبت بالبصرة بأمر شائع ذائع ~~يستغنى عن الشهادة والتعديل له فإنه يلزم غيرهم من أهل البلاد القضاء، وإن ~~كان إنما ثبت عند حاكمهم بشهادة شاهدين لم يلزم ذلك من البلاد إلا من كان ~~يلزمه حكم ذلك الحاكم ممن هو في ولايته، أو يكون ثبت ذلك عند أمير المؤمنين ~~فيلزم القضاء جماعة المسلمين. قال: وهذا قول مالك. # السابعة - قرأ جمهور الناس " شهر " بالرفع على أنه خبر ابتداء مضمر، أي ~~ذلكم شهر، أو المفترض عليكم صيامه شهر رمضان. أو الصوم أو الأيام. وقيل: ~~ارتفع على أنه مفعول لم يسم فاعله ب " كتب " أي كتب عليكم ms0710 شهر رمضان. و " ~~رمضان " لا ينصرف لان النون فيه زائدة. ويجوز أن يكون مرفوعا على الابتداء، ~~وخبره " الذي أنزل في القرآن ". # وقيل: خبره " فمن شهد "، و " الذي أنزل " نعت له. وقيل: ارتفع على البدل ~~من الصيام. # فمن قال: إن الصيام في قوله " كتب عليكم الصيام " هي ثلاثة أيام وعاشوراء ~~قال هنا # PageV02P296 # بالابتداء. ومن قال: إن الصيام هناك رمضان قال هنا بالابتداء أو بالبدل ~~من الصيام، أي كتب عليكم شهر رمضان. وقرأ مجاهد وشهر بن حوشب " شهر " ~~بالنصب. قال الكسائي: المعنى كتب عليكم الصيام، وأن تصوموا شهر رمضان. وقال ~~الفراء: أي كتب عليكم الصيام أي أن تصوموا شهر رمضان. قال النحاس: " لا ~~يجوز أن ينتصب " شهر رمضان " بتصوموا، لأنه يدخل في الصلة ثم يفرق بين ~~الصلة والموصول، وكذلك إن نصبته بالصيام، ولكن يجوز أن تنصبه على الاغراء، ~~أي الزموا شهر رمضان، وصوموا شهر رمضان، وهذا بعيد أيضا لأنه لم يتقدم ذكر ~~الشهر فيغرى به ". # قلت: قوله " كتب عليكم الصيام " يدل على الشهر فجاز الاغراء، وهو اختيار ~~أبي عبيد. وقال الأخفش: انتصب على الظرف. وحكي عن الحسن وأبي عمرو إدغام ~~الراء في الراء، وهذا لا يجوز لئلا يجتمع ساكنان، ويجوز أن تقلب حركة الراء ~~على الهاء فتضم الهاء ثم تدغم، وهو قول الكوفيين. # الثامنة - قوله تعالى: " الذي أنزل فيه القرآن " نص في أن القرآن نزل في ~~شهر رمضان، وهو يبين قوله عز وجل: " حم. والكتاب المبين. إنا أنزلناه في ~~ليلة مباركة " (1) [الدخان: 1 - 3] يعني ليلة القدر، ولقوله: " إنا أنزلناه ~~في ليلة القدر (2) " [القدر: 1]. وفي هذا دليل على أن ليلة القدر إنما تكون ~~في رمضان لا في غيره. ولا خلاف أن القرآن أنزل من اللوح المحفوظ ليلة القدر ~~- على ما بيناه (3) - جملة واحدة، فوضع في بيت العزة في سماء الدنيا، ثم ~~كان جبريل صلى الله عليه وسلم ينزل به نجما نجما في الأوامر والنواهي ~~والأسباب، وذلك في عشرين سنة. وقال ابن عباس: أنزل القرآن من اللوح المحفوظ ~~جملة واحدة إلى الكتبة في سماء ms0711 الدنيا، ثم نزل به جبريل عليه السلام نجوما ~~- يعني الآية والآيتين - في أوقات مختلفة في إحدى وعشرين سنة. وقال مقاتل ~~في قوله تعالى: " شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن " قال أنزل من اللوح ~~المحفوظ كل عام في ليلة القدر إلى سماء الدنيا، ثم نزل إلى السفرة (4) من ~~اللوح المحفوظ في عشرين شهرا، ونزل به جبريل في عشرين سنة. # PageV02P297 # قلت: وقول مقاتل هذا خلاف ما نقل من الاجماع " أن القرآن أنزل جملة واحدة ~~" والله أعلم. وروى واثلة بن الأسقع عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~(أنزلت صحف إبراهيم أول ليلة من شهر رمضان والتوراة لست مضين منه والإنجيل ~~لثلاث عشرة والقرآن لأربع وعشرين). # قلت: وفي هذا الحديث دلالة على ما يقول الحسن أن ليلة القدر تكون ليلة ~~أربع وعشرين. وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان (1) هذا. # التاسعة - قوله تعالى: " القرآن " " القرآن ": اسم لكلام الله تعالى، وهو ~~بمعنى المقروء، كالمشروب يسمى شرابا، والمكتوب يسمى كتابا، وعلى هذا قيل: ~~هو مصدر قرأ يقرأ قراءة وقرآنا بمعنى. قال الشاعر: # ضحوا بأشمط عنوان السجود به * يقطع الليل تسبيحا وقرآنا أي قراءة. وفي ~~صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر أن في البحر شياطين مسجونة أوثقها سليمان ~~عليه السلام يوشك أن تخرج فتقرأ على الناس قرآنا، أي قراءة. وفي التنزيل: " ~~وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا (2) " [الاسراء: 78] أي قراءة الفجر. ~~ويسمى المقروء قرآنا على عادة العرب في تسميتها المفعول باسم المصدر، ~~كتسميتهم للمعلوم علما وللمضروب ضربا وللمشروب شربا، كما ذكرنا، ثم اشتهر ~~الاستعمال في هذا واقترن به العرف الشرعي، فصار القرآن اسما لكلام الله، ~~حتى إذا قيل: القرآن غير مخلوق، يراد به المقروء لا القراءة لذلك. وقد يسمى ~~المصحف الذي يكتب فيه كلام الله قرآنا توسعا، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ~~(لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو) أراد به المصحف. وهو مشتق من قرأت الشئ ~~جمعته. وقيل: # هو اسم علم لكتاب الله، غير مشتق كالتوراة والإنجيل، وهذا يحكى عن ~~الشافعي. والصحيح الاشتقاق ms0712 في الجميع، وسيأتي. # العاشرة - قوله تعالى: " هدى للناس " " هدى " في موضع نصب على الحال من ~~القرآن، أي هاديا لهم. " وبينات " عطف عليه. و " الهدى " الارشاد والبيان، ~~كما تقدم (3)، # PageV02P298 # أي بيانا لهم وإرشادا. والمراد القرآن بجملته من محكم ومتشابه وناسخ ~~ومنسوخ، ثم شرف بالذكر والتخصيص البينات منه، يعني الحلال والحرام والمواعظ ~~والاحكام. " وبينات " جمع بينة، من بان الشئ يبين إذا وضح. " والفرقان " ما ~~فرق بين الحق والباطل، أي فصل، وقد (1) تقدم. # الحادية عشرة - قوله تعالى: " فمن شهد منكم الشهر فليصمه " قراءة العامة ~~بجزم اللام. وقرأ الحسن والأعرج بكسر اللام، وهي لام الامر وحقها الكسر إذا ~~أفردت، فإذا وصلت بشئ ففيها وجهان: الجزم والكسر. وإنما توصل بثلاثة أحرف: ~~بالفاء كقوله " فليصمه " " فليعبدوا " [قريش: 3]. والواو كقوله: " وليوفوا ~~" [الحج: 29]. وثم كقوله: " ثم ليقضوا " [الحج: 29] و " شهد " بمعنى حضر، ~~وفيه إضمار، أي من شهد منكم المصر في الشهر عاقلا بالغا صحيحا مقيما ~~فليصمه، وهو يقال عام فيخصص بقوله: " فمن كان منكم مريضا أو على سفر " ~~الآية. # وليس الشهر بمفعول وإنما هو ظرف زمان. وقد اختلف العلماء في تأويل هذا، ~~فقال علي بن أبي طالب وابن عباس وسويد بن غفلة وعائشة - أربعة من الصحابة - ~~وأبو مجلز لاحق بن حميد وعبيدة السلماني: من شهد أي من حضر دخول الشهر وكان ~~مقيما في أوله في بلده وأهله فليكمل صيامه، سافر بعد ذلك أو أقام، وإنما ~~يفطر في السفر من دخل عليه رمضان وهو في سفر. والمعنى عندهم: من أدركه ~~رمضان مسافرا أفطر وعليه عدة من أيام أخر، ومن أدركه حاضرا فليصمه. وقال ~~جمهور الأمة: من شهد أول الشهر وآخره فليصم ما دام مقيما، فإن سافر أفطر، ~~وهذا هو الصحيح وعليه تدل الاخبار الثابتة. وقد ترجم البخاري رحمه الله ردا ~~على القول الأول " باب إذا صام أياما من رمضان ثم سافر " حدثنا عبد الله بن ~~يوسف قال أنبأنا مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن ~~عباس أن رسول الله صلى الله عليه ms0713 وسلم خرج إلى مكة في رمضان فصام حتى بلغ ~~الكديد (2) أفطر فأفطر الناس. قال أبو عبد الله: والكديد ما بين عسفان ~~وقديد (3). # PageV02P299 # قلت: قد يحتمل أن يحمل قول على رضي الله عنه ومن وافقه على السفر المندوب ~~كزيارة الاخوان من الفضلاء والصالحين، أو المباح في طلب الرزق الزائد على ~~الكفاية. وأما السفر الواجب في طلب القوت الضروري، أو فتح بلد إذا تحقق ~~ذلك، أو دفع عدو، فالمرء فيه مخير ولا يجب عليه الامساك، بل الفطر فيه أفضل ~~للتقوى، وإن كان شهد الشهر في بلده وصام بعضه فيه، لحديث ابن عباس وغيره، ~~ولا يكون في هذا خلاف إن شاء الله، والله أعلم. # وقال أبو حنيفة وأصحابه: من شهد الشهر بشروط التكليف غير مجنون ولا مغمى ~~عليه فليصمه، ومن دخل عليه رمضان وهو مجنون وتمادى به طول الشهر فلا قضاء ~~عليه، لأنه لم يشهد الشهر بصفة يجب بها الصيام. ومن جن أول الشهر وآخره ~~فإنه يقضي أيام جنونه. ونصب الشهر على هذا التأويل هو على المفعول الصريح ~~ب‍ " شهد ". # الثانية عشرة - قد تقرر أن فرض الصوم مستحق بالاسلام والبلوغ والعلم ~~بالشهر، فإذا أسلم الكافر أو بلغ الصبي قبل الفجر لزمهما الصوم صبيحة ~~اليوم، وإن كان بعد الفجر استحب لهما الامساك، وليس عليهما قضاء الماضي من ~~الشهر ولا اليوم الذي بلغ فيه أو أسلم. # وقد اختلف العلماء في الكافر يسلم في آخر يوم من رمضان، هل يجب عليه قضاء ~~رمضان كله أو لا؟ وهل يجب عليه قضاء اليوم الذي أسلم فيه؟ فقال الامام مالك ~~والجمهور: ليس عليه قضاء ما مضى، لأنه إنما شهد الشهر من حين إسلامه. قال ~~مالك: وأحب إلي أن يقضي اليوم الذي أسلم فيه. وقال عطاء والحسن: يصوم ما ~~بقي ويقضي ما مضى. وقال عبد الملك بن الماجشون: يكف عن الاكل في ذلك اليوم ~~ويقضيه. وقال أحمد وإسحاق مثله. وقال ابن المنذر: ليس عليه أن يقضي ما مضى ~~من الشهر ولا ذلك اليوم. وقال الباجي: من قال من أصحابنا أن ms0714 الكفار مخاطبون ~~بشرائع الاسلام - وهو مقتضى قول مالك وأكثر أصحابه - أوجب عليه الامساك في ~~بقية يومه. ورواه في المدونة ابن نافع عن مالك، وقاله الشيخ أبو القاسم. ~~ومن قال من أصحابنا ليسوا مخاطبين قال: لا يلزمه الامساك في بقية يومه، وهو ~~مقتضى قول أشهب وعبد الملك بن الماجشون، وقاله ابن القاسم. PageV02P300 # قلت: وهو الصحيح لقوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا " فخاطب المؤمنين ~~دون غيرهم، وهذا واضح، فلا يجب عليه الامساك في بقية اليوم ولا قضاء ما ~~مضى. وتقدم الكلام في معنى قوله: " ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام ~~أخر (1) " والحمد لله. # الثالثة عشرة - قوله تعالى: " يريد الله بكم اليسر " قراءة جماعة " اليسر ~~" بضم السين لغتان، وكذلك " العسر ". قال مجاهد والضحاك: " اليسر " الفطر ~~في السفر، و " العسر " الصوم في السفر. والوجه عموم اللفظ في جميع أمور ~~الدين، كما قال تعالى: " وما جعل عليكم في الدين من حرج " [الحج: 78]، وروي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم (دين الله يسر)، وقال صلى الله عليه وسلم: ~~(يسروا ولا تعسروا). واليسر من السهولة، ومنه اليسار للغنى. # وسميت اليد اليسرى تفاؤلا، أو لأنه يسهل له الامر بمعاونتها لليمنى، ~~قولان. وقوله: # " ولا يريد بكم العسر " هو بمعنى قوله " يريد الله بكم اليسر " فكرر ~~تأكيدا. # الرابعة عشرة - دلت الآية على أن الله سبحانه مريد بإرادة قديمة أزلية ~~زائدة على الذات. # هذا مذهب أهل السنة، كما أنه عالم بعلم، قادر بقدرة، حي بحياة، سميع ~~بسمع، بصير ببصر، متكلم بكلام. وهذه كلها معان وجودية أزلية زائدة على ~~الذات. وذهب الفلاسفة والشيعة إلى نفيها، تعالى الله عن قول الزائغين ~~وإبطال المبطلين. والذي يقطع دابر أهل التعطيل أن يقال: لو لم يصدق كونه ذا ~~إرادة لصدق أنه ليس بذي إرادة، ولو صح ذلك لكان كل ما ليس بذي إرادة ناقصا ~~بالنسبة إلى من له إرادة، فإن من كانت له الصفات الإرادية فله أن يخصص الشئ ~~وله ألا يخصصه، فالعقل السليم يقضي بأن ذلك كمال له وليس بنقصان، حتى أنه ms0715 ~~لو قدر بالوهم سلب ذلك الامر عنه لقد كان حاله أولا أكمل بالنسبة إلى حاله ~~ثانيا، فلم يبق إلا أن يكون ما لم يتصف أنقص مما هو متصف به، ولا يخفي ما ~~فيه من المحال، فإنه كيف يتصور أن يكون المخلوق أكمل من الخالق، والخالق ~~أنقص منه، والبديهة تقضي برده وإبطاله. وقد وصف نفسه جل جلاله وتقدست ~~أسماؤه بأنه مريد فقال تعالى: # PageV02P301 # " فعال لما يريد (1) " [هود: 107] وقال سبحانه: " يريد الله بكم اليسر ~~ولا يريد بكم العسر " [البقرة: 185] وقال: " يريد الله أن يخفف عنكم (2) " ~~[النساء: 28]، إذا أراد أمرا فإنما يقول له كن فيكون. ثم إن هذا العالم على ~~غاية من الحكمة والاتقان والانتظام والاحكام، وهو مع ذلك جائز وجوده وجائز ~~عدمه، فالذي خصصه بالوجود يجب أن يكون مريدا له قادرا عليه عالما به، فإن ~~لم يكن عالما قادرا لا يصح منه صدور شئ، ومن لم يكن عالما وإن كان قادرا لم ~~يكن ما صدر منه على نظام الحكمة والاتقان، ومن لم يكن مريدا لم يكن تخصيص ~~بعض الجائزات بأحوال وأوقات دون البعض بأولى من العكس، إذ نسبتها إليه نسبة ~~واحدة. قالوا: وإذ ثبت كونه قادرا مريدا وجب أن يكون حيا، إذ الحياة شرط ~~هذه الصفات، ويلزم من كونه حيا أن يكون سميعا بصيرا متكلما، فإن لم تثبت له ~~هذه الصفات فإنه لا محالة متصف بأضدادها كالعمى والطرش والخرس على ما عرف ~~في الشاهد، والبارئ سبحانه وتعالى يتقدس عن أن يتصف بما يوجب في ذاته نقصا. # الخامسة عشرة - قوله تعالى: " ولتكلموا العدة " فيه تأويلان: أحدهما - ~~إكمال عدة الأداء لمن أفطر في سفره أو مرضه. الثاني - عدة الهلال سواء كانت ~~تسعا وعشرين أو ثلاثين. قال جابر بن عبد الله قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: (إن الشهر يكون تسعا وعشرين). وفي هذا رد لتأويل من تأول قوله صلى ~~الله عليه وسلم: (شهرا عيد لا ينقصان رمضان وذو الحجة) أنهما لا ينقصان عن ~~ثلاثين يوما، أخرجه أبو داود. وتأوله جمهور العلماء على معنى أنهما ms0716 لا ~~ينقصان في الاجر وتكفير الخطايا، سواء كانا من تسع وعشرين أو ثلاثين. # السادسة عشرة - ولا اعتبار برؤية هلال شوال يوم الثلاثين من رمضان نهارا ~~بل هو لليلة التي تأتي، هذا هو الصحيح. وقد اختلف الرواة عن عمر في هذه ~~المسألة فروى الدارقطني عن شقيق قال: جاءنا كتاب عمر ونحن بخانقين قال في ~~كتابه: (إن الأهلة بعضها أكبر من بعض، فإذا رأيتم الهلال نهارا فلا تفطروا ~~حتى يشهد شاهدان أنهما رأياه بالأمس. # PageV02P302 # وذكره أبو عمر من حديث عبد الرزاق عن معمر عن الأعمش عن أبي وائل (1) ~~قال: كتب إلينا عمر...، فذكره. قال أبو عمر: وروي عن علي بن أبي طالب مثل ~~ما ذكره عبد الرزاق أيضا، وهو قول ابن مسعود وابن عمر وأنس بن مالك، وبه ~~قال مالك والشافعي وأبو حنيفة ومحمد ابن الحسن والليث والأوزاعي، وبه قال ~~أحمد وإسحاق. وقال سفيان الثوري وأبو يوسف. # إن رؤي بعد الزوال فهو لليلة التي تأتي، وإن رؤي قبل الزوال فهو لليلة ~~الماضية. وروي مثل ذلك عن عمر، ذكره عبد الرزاق عن الثوري عن مغيرة عن شباك ~~عن إبراهيم قال: # كتب عمر إلى عتبة بن فرقد " إذا رأيتم الهلال نهارا قبل أن تزول الشمس ~~لتمام ثلاثين فأفطروا، وإذا رأيتموه بعد ما تزول الشمس فلا تفطروا حتى ~~تمسوا "، وروي عن علي مثله. # ولا يصح في هذه المسألة شئ من جهة الاسناد عن علي. وروي عن سليمان بن ~~ربيعة مثل قول الثوري، وإليه ذهب عبد الملك بن حبيب، وبه كان يفتي بقرطبة. ~~واختلف عن عمر بن عبد العزيز في هذه المسألة، قال أبو عمر: والحديث عن عمر ~~بمعنى ما ذهب إليه مالك والشافعي وأبو حنيفة متصل، والحديث الذي روي عنه ~~بمذهب الثوري منقطع، والمصير إلى المتصل أولى. وقد احتج من ذهب مذهب الثوري ~~بأن قال: حديث الأعمش مجمل لم يخص فيه قبل الزوال ولا بعده، وحديث إبراهيم ~~مفسر، فهو أولى أن يقال به. # قلت: قد روي مرفوعا معنى ما روي عن عمر متصلا موقوفا روته ms0717 عائشة زوج ~~النبي صلى الله عليه وسلم قالت: أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم صائما ~~صبح ثلاثين يوما، فرأى هلال شوال نهارا فلم يفطر حتى أمسى. أخرجه الدارقطني ~~من حديث الواقدي وقال: # قال الواقدي حدثنا معاذ بن محمد الأنصاري قال: سألت الزهري عن هلال شوال ~~إذا رؤي باكرا، قال سمعت سعيد بن المسيب يقول: إن رؤي هلال شوال بعد أن طلع ~~الفجر إلى العصر أو إلى أن تغرب الشمس فهو من الليلة التي تجئ، قال أبو عبد ~~الله: وهذا مجمع عليه. # PageV02P303 # السابعة عشرة - روى الدارقطني عن ربعي بن حراش عن رجل من أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: اختلف الناس في آخر يوم من رمضان فقدم أعرابيان فشهدا ~~عند النبي صلى الله عليه وسلم لأهلا (1) الهلال أمس عشية، فأمر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم [الناس (2)] أن يفطروا وأن يغدوا إلى مصلاهم. قال ~~الدارقطني: هذا إسناد حسن ثابت. قال أبو عمر: # لا خلاف عن مالك وأصحابه أنه لا تصلى صلاة العيد في غير يوم العيد ولا في ~~يوم العيد بعد الزوال، وحكي عن أبي حنيفة. واختلف قول الشافعي في هذه ~~المسألة، فمرة قال بقول مالك، واختاره المزني وقال: إذا لم يجز أن تصلى في ~~يوم العيد بعد الزوال فاليوم الثاني أبعد من وقتها وأحرى ألا تصلى فيه. وعن ~~الشافعي رواية أخرى أنها تصلى في اليوم الثاني ضحى. وقال البويطي: لا تصلى ~~إلا أن يثبت في ذلك حديث. قال أبو عمر: لو قضيت صلاة العيد بعد خروج وقتها ~~لأشبهت الفرائض، وقد أجمعوا في سائر السنن أنها لا تقضى، فهذه مثلها. # وقال الثوري والأوزاعي وأحمد بن حنبل: يخرجون من الغد، وقال أبو يوسف في ~~الاملاء. # وقال الحسن بن صالح بن حي: لا يخرجون في الفطر ويخرجون في الأضحى. قال ~~أبو يوسف: # وأما في الأضحى فيصليها بهم في اليوم الثالث. قال أبو عمر: لان الأضحى ~~أيام عيد وهي صلاة عيد، وليس الفطر يوم عيد إلا يوم واحد، فإذا لم تصل فيه ms0718 ~~لم تقض في غيره، لأنها ليست بفريضة فتقضى. وقال الليث بن سعد: يخرجون في ~~الفطر والأضحى من الغد. # قلت: والقول بالخروج إن شاء الله أصح، للسنة الثابتة في ذلك، ولا يمتنع ~~أن يستثني الشارع من السنن ما شاء فيأمر بقضائه بعد خروج وقته. وقد روى ~~الترمذي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من لم يصل ~~ركعتي الفجر فليصلهما بعد ما تطلع الشمس). صححه أبو محمد. قال الترمذي: ~~والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وبه يقول سفيان الثوري والشافعي وأحمد ~~وإسحاق وابن المبارك. وروي عن عمر أنه فعله. # PageV02P304 # قلت: وقد قال علماؤنا: من ضاق عليه الوقت وصلى الصبح وترك ركعتي الفجر ~~فإنه يصليهما بعد طلوع الشمس إن شاء. وقيل: لا يصليهما حينئذ. ثم إذا قلنا: ~~يصليهما فهل ما يفعله قضاء، أو ركعتان ينوب له ثوابهما عن ثواب ركعتي ~~الفجر. قال الشيخ أبو بكر: # وهذا الجاري على أصل المذهب، وذكر القضاء تجوز. # قلت: ولا يبعد أن يكون حكم صلاة الفطر في اليوم الثاني على هذا الأصل، لا ~~سيما مع كونها مرة واحدة في السنة مع ما ثبت من السنة. روى النسائي قال: ~~أخبرني عمرو بن علي قال حدثنا يحيى قال حدثنا شعبة قال حدثني أبو بشر عن ~~أبي عمير بن أنس عن عمومة له: # أن قوما رأوا الهلال فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأمرهم أن يفطروا ~~بعد ما ارتفع النهار وأن يخرجوا إلى العيد من الغد. في رواية: ويخرجوا ~~لمصلاهم من الغد. # الثامنة عشرة - قرأ أبو بكر عن عاصم وأبو عمرو - في بعض ما روي عنه - ~~والحسن وقتادة والأعرج " ولتكملوا العدة " بالتشديد. والباقون بالتخفيف. ~~واختار الكسائي التخفيف، كقوله عز وجل: " اليوم أكملت لكم دينكم (1) " ~~[المائدة: 3]. قال النحاس: وهما لغتان بمعنى واحد، كما قال عز وجل: " فمهل ~~الكافرين أمهلهم رويدا (2) " [الطارق: 17]. ولا يجوز " ولتكلموا " بإسكان ~~اللام، والفرق بين هذا وبين ما تقدم أن التقدير: ويريد لان تكملوا، ولا ~~يجوز حذف أن والكسرة، هذا قول البصريين، ونحوه ms0719 قول كثير أبو صخر: # * أريد لأنسى ذكرها * أي لان أنسى، وهذه اللام هي الداخلة على المفعول، ~~كالتي في قولك: ضربت لزيد، المعنى ويريد إكمال العدة. وقيل: هي متعلقة بفعل ~~مضمر بعد، تقديره: ولإن تكملوا العدة رخص لكم هذه الرخصة. وهذا قول ~~الكوفيين وحكاه النحاس عن الفراء. قال النحاس: # وهذا قول حسن، ومثله: " وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون ~~من الموقنين (3) " [الانعام: 75] أي وليكون من الموقنين فعلنا ذلك. وقيل: ~~الواو مقحمة. وقيل: يحتمل أن تكون هذه اللام لام الامر والواو عاطفة جملة ~~كلام على جملة كلام. وقال أبو إسحاق إبراهيم # PageV02P305 # ابن السري: هو محمول على المعنى، والتقدير: فعل الله ذلك ليسهل عليكم ~~ولتكملوا العدة، قال: ومثله ما أنشده سيبويه. # بادت وغير آيهن مع البلى * إلا رواكد جمرهن هباء ومشجج أما سواء قذاله * ~~فبدا وغيب (1) ساره (2) المعزاء شاده يشيده شيدا جصصه، لان معناه بادت إلا ~~رواكد بها رواكد، فكأنه قال: وبها مشجج أو ثم مشجج. # التاسعة عشرة - قوله تعالى: " ولتكبروا الله " عطف عليه، ومعناه الحض على ~~التكبير في آخر رمضان في قول جمهور أهل التأويل. واختلف الناس في حده، فقال ~~الشافعي: # روي عن سعيد بن المسيب وعروة وأبي سلمة أنهم كانوا يكبرون ليلة الفطر ~~ويحمدون، قال: # وتشبه ليلة النحر بها. وقال ابن عباس: حق على المسلمين إذا رأوا هلال ~~شوال أن يكبروا وروي عنه: يكبر المرء من رؤية الهلال إلى انقضاء الخطبة، ~~ويمسك وقت خروج الامام ويكبر بتكبيره. وقال قوم: يكبر من رؤية الهلال إلى ~~خروج الامام للصلاة. وقال سفيان: # هو التكبير يوم الفطر. زيد بن أسلم: يكبرون إذا خرجوا إلى المصلى فإذا ~~انقضت الصلاة انقضى العيد. وهذا مذهب مالك، قال مالك: هو من حين يخرج من ~~داره إلى أن يخرج الامام. وروى ابن القاسم وعلي بن زياد: أنه إن خرج قبل ~~طلوع الشمس فلا يكبر في طريقه # PageV02P306 # ولا جلوسه حتى تطلع الشمس، وإن غدا بعد الطلوع فليكبر في طريقه إلى ~~المصلى وإذا جلس حتى يخرج الامام. والفطر والأضحى في ذلك ms0720 سواء عند مالك، ~~وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: يكبر في الأضحى ولا يكبر في الفطر، ~~والليل عليه قوله تعالى: " ولتكبروا الله " ولأن هذا يوم عيد لا يتكرر في ~~العام فسن الكبير في الخروج إليه كالأضحى. وروى الدارقطني عن أبي عبد ~~الرحمن السلمي قال: كانوا في التكبير في الفطر أشد منهم في الأضحى. # وروي عن ابن عمر: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكبر يوم الفطر ~~من حين يخرج من بيته حتى يأتي المصلى) وروي عن ابن عمر: أنه كان إذا غدا ~~يوم الأضحى ويوم الفطر يجهر بالتكبير حتى يأتي المصلى ثم يكبر حتى يأتي ~~الامام. وأكثر أهل العلم على التكبير في عيد الفطر من أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم وغيرهم فيما ذكر ابن المنذر قال: وحكى ذلك الأوزاعي عن إلياس. ~~وكان الشافعي يقول إذا رأى هلال شوال: أحببت أن يكبر الناس جماعة وفرادى، ~~ولا يزالون يكبرون ويظهرون التكبير حتى يغدوا إلى المصلى وحين يخرج الامام ~~إلى الصلاة، وكذلك أحب ليلة الأضحى لمن لم يحج. وسيأتي حكم صلاة العيدين ~~والتكبير فيهما في " سبح اسم ربك الاعلى " [الاعلى] و " الكوثر (1) " ~~[الكوثر] إن شاء الله تعالى. # الموفية عشرين - ولفظ التكبير عند مالك وجماعة من العلماء: الله أكبر ~~الله أكبر الله أكبر، ثلاثا، وروي عن جابر بن عبد الله. ومن العلماء من ~~يكبر ويهلل ويسبح أثناء التكبير. ومنهم من يقول: الله أكبر كبيرا، والحمد ~~لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا. وكان ابن المبارك يقول إذا خرج من يوم ~~الفطر: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر ولله الحمد، الله ~~أكبر على ما هدانا. قال ابن المنذر: وكان مالك لا يحد فيه حدا. وقال أحمد: ~~هو واسع. قال ابن العربي: " واختار علماؤنا التكبير المطلق، وهو ظاهر ~~القرآن وإليه أميل ". # الحادية والعشرون - قوله تعالى: " على ما هداكم " قيل: لما ضل فيه ~~النصارى من تبديل صيامهم (2). وقيل: بدلا عما كانت الجاهلية تفعله من ~~التفاخر بالاباء والتظاهر # PageV02P307 # بالأحساب وتعديد المناقب. وقيل: ms0721 لتعظموه على ما أرشدكم إليه من الشرائع، ~~فهو عام. # وتقدم معنى " ولعلكم تشكرون (1) ". # قوله تعالى: وإذا سألك عبادي عنى فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان ~~فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون (186) فيه أربع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " وإذا سألك " المعنى وإذا سألوك عن المعبود ~~فأخبرهم أنه قريب يثيب على الطاعة ويجيب الداعي، ويعلم ما يفعله العبد من ~~صوم وصلاة وغير ذلك. # واختلف في سبب نزولها، فقال مقاتل: إن عمر رضي الله عنه واقع امرأته بعد ~~ما صلى العشاء فندم على ذلك وبكى، وجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأخبره بذلك ورجع مغنما، وكان ذلك قبل نزول الرخصة، فنزلت هذه الآية: " ~~وإذا سألك عبادي عني فإني قريب ". # وقيل: لما وجب عليهم في الابتداء ترك الاكل بعد النوم فأكل بعضهم ثم ندم، ~~فنزلت هذه الآية في قبول التوبة ونسخ ذلك الحكم، على ما يأتي بيانه (2). ~~وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: قالت اليهود كيف يسمع ربنا ~~دعاءنا، وأنت تزعم أن بيننا وبين السماء خمسمائة عام، وغلظ كل سماء مثل ~~ذلك؟ فنزلت هذه الآية. وقال الحسن: سببها أن قوما قالوا للنبي صلى الله ~~عليه وسلم: أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ فنزلت. وقال عطاء وقتادة: # لما نزلت: " وقال ربكم ادعوني أستجب لكم (3) " [غافر: 60] قال قوم: في أي ~~ساعة ندعوه؟ فنزلت. # الثانية - قوله تعالى: " فإني قريب " أي بالإجابة. وقيل بالعلم. وقيل: # قريب من أوليائي بالافضال والانعام. # الثالثة - قوله تعالى: " أجيب دعوة الداع إذا دعان " أي أقبل عبادة من ~~عبدني، فالدعاء بمعنى العبادة، والإجابة بمعنى القبول. دليله ما رواه أبو ~~داود عن النعمان بن بشير عن # PageV02P308 # النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الدعاء هو العبادة قال ربكم أدعوني أستجب ~~لكم) فسمي الدعاء عبادة، ومنه قوله تعالى: " إن الذين يستكبرون عن عبادتي ~~سيدخلون جهنم داخرين (1) " [غافر: 60] أي دعائي. فأمر تعالى بالدعاء وخص ~~عليه وسماه عبادة، ووعد بأن يستجيب لهم. روى ليث عن شهر بن حوشب عن عبادة ~~بن الصامت قال ms0722 سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # (أعطيت أمتي ثلاثا لم تعط إلا الأنبياء كان الله إذا بعث نبيا قال ادعني ~~أستجب لك وقال لهذه الأمة ادعوني أستجب لكم وكان الله إذا بعث النبي قال له ~~ما جعل عليك في الدين من حرج وقال لهذه الأمة ما جعل عليكم في الدين من حرج ~~وكان الله إذا بعث النبي جعله شهيدا على قومه وجعل هذه الأمة شهداء على ~~الناس). وكان خالد الربعي يقول: عجبت لهذه الأمة في " ادعوني أستجب لكم " ~~[غافر: 60] أمرهم بالدعاء ووعدهم بالإجابة، وليس بينهما شرط. قال له قائل: # مثل ماذا؟ قال مثل قوله: " وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات (2) " ~~[البقرة: 25] فها هنا شرط، وقوله: # " وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق (3) " [يونس: 2] فليس فيه شرط العمل، ~~ومثل قوله: " فادعوا الله مخلصين له الدين (4) " [غافر: 14] فها هنا شرط، ~~وقوله: " ادعوني أستجب لكم " ليس فيه شرط. # وكانت الأمم تفزع إلى أنبيائها في حوائجهم حتى تسأل الأنبياء لهم ذلك. # فإن قيل: فما للداعي قد يدعو فلا يجاب؟ فالجواب أن يعلم أن قوله الحق في ~~الآيتين " أجيب " " أستجب " لا يقتضي الاستجابة مطلقا لكل داع على التفصيل، ~~ولا بكل مطلوب على التفصيل، فقد قال ربنا تبارك وتعالى في آية أخرى: " ~~ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين (5) " [الأعراف: 55] وكل مصر ~~على كبيرة عالما بها أو جاهلا فهو معتد، وقد أخبر أنه لا يحب المعتدين فكيف ~~يستجيب له. وأنواع الاعتداء كثيرة، يأتي بيانها هنا وفي " الأعراف " إن شاء ~~الله تعالى. # وقال بعض العلماء: أجيب إن شئت، كما قال: " فيكشف ما تدعون إليه إن شاء ~~(6) " [الانعام: 41] فيكون هذا من باب المطلق والمقيد. وقد دعا النبي صلى ~~الله عليه وسلم في ثلاث فأعطي اثنتين ومنع واحدة، على ما يأتي بيانه في " ~~الانعام " إن شاء الله تعالى. وقيل: إنما مقصود هذا الاخبار # PageV02P309 # تعريف جميع المؤمنين أن هذا وصف ربهم سبحانه أن يجيب دعاء الداعين في ~~الجملة، وأنه قريب من العبد يسمع دعاءه ويعلم اضطراره فيجيبه بما ms0723 شاء وكيف ~~شاء " ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له (1) " [الأحقاف: 5] ~~الآية. وقد يجيب السيد عبده والوالد ولده ثم لا يعطيه سؤله. فالإجابة كانت ~~حاصلة لا محالة عند وجود الدعوة، لان أجيب وأستجيب خبر لا ينسخ فيصير ~~المخبر كذابا. يدل على هذا التأويل ما روى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: (من فتح له في الدعاء فتحت له أبواب الإجابة). وأوحى الله تعالى ~~إلى داود: # أن قل للظلمة من عبادي لا يدعوني فإني أوجبت على نفسي أن أجيب من دعاني ~~وإني إذا أجبت الظلمة لعنتهم. وقال قوم: إن الله يجيب كل الدعاء، فإما أن ~~تظهر الإجابة في الدنيا، وإما أن يكفر عنه، وإما أن يدخر له في الآخرة، لما ~~رواه أبو سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من مسلم ~~يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث إما ~~أن يعجل له دعوته وإما أن يدخر له وإما أن يكف عنه من السوء بمثلها). ~~قالوا: إذن نكثر؟ قال: (لله أكثر). خرجه أبو عمر بن عبد البر، وصححه أبو ~~محمد عبد الحق، وهو في الموطأ منقطع السند. قال أبو عمر: وهذا الحديث يخرج ~~في التفسير المسند لقول الله تعالى " ادعوني أستجب لكم " [غافر: 60] فهذا ~~كله من الإجابة. وقال ابن عباس: كل عبد دعا أستجيب له، فإن كان الذي يدعو ~~به رزقا له في الدنيا أعطيه، وإن لم يكن رزقا له في الدنيا ذخر له. # قلت: وحديث أبي سعيد الخدري وإن كان إذنا بالإجابة في إحدى ثلاث فقد دلك ~~على صحة ما تقدم من اجتناب الاعتداء المانع من الإجابة حيث قال فيه: (ما لم ~~يدع بإثم أو قطيعة رحم) وزاد مسلم: (ما لم يستعجل). رواه عن أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم ~~أو قطيعة رحم ما لم يستعجل - قيل: # يا رسول الله، ما ms0724 الاستعجال؟ قال - يقول قد دعوت وقد دعوت فلم أر يستجيب ~~لي فيستحسر (2) عند ذلك ويدع الدعاء). وروى البخاري ومسلم وأبو داود عن أبي ~~هريرة أن رسول # PageV02P310 # الله صلى الله عيه وسلم قال: (يستجاب لأحدكم ما لم يعجل يقول دعوت فلم ~~يستجب لي). # قال علماؤنا رحمة الله عليهم: يحتمل قوله (يستجاب لأحدكم) الاخبار عن ~~[وجوب (1)] وقوع الإجابة، والاخبار عن جواز وقوعها، فإذا كان بمعنى الاخبار ~~عن الوجوب والوقوع فإن الإجابة تكون بمعنى الثلاثة الأشياء المتقدمة. فإذا ~~قال: قد دعوت فلم يستجب لي، بطل وقوع أحد هذه الثلاثة الأشياء وعري الدعاء ~~من جميعها. وإن كان بمعنى جواز الإجابة فإن الإجابة حينئذ تكون بفعل ما دعا ~~به خاصة، ويمنع من ذلك قول الداعي: قد دعوت فلم يستجب، لي، لان ذلك من باب ~~القنوط وضعف اليقين والسخط. # قلت: ويمنع من إجابة الدعاء أيضا أكل الحرام وما كان في معناه، قال صلى ~~الله عليه وسلم: (الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا ~~رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأني يستجاب لذلك) ~~وهذا استفهام على جهة الاستبعاد من قبول دعاء من هذه صفته، فإن إجابة ~~الدعاء لا بد لها من شروط في الداعي وفي الدعاء وفي الشئ المدعو به. فمن ~~شرط الداعي أن يكون عالما بأن لا قادر على حاجته إلا الله، وأن الوسائط في ~~قبضته ومسخرة بتسخيره، وأن يدعو بنية صادقة وحضور قلب، فإن الله لا يستجيب ~~دعاء من قلب غافل لاه، وأن يكون مجتنبا لاكل الحرام، وألا يمل من الدعاء. # ومن شرط المدعو فيه أن يكون من الأمور الجائزة الطلب والفعل شرعا، كما ~~قال: (ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم) فيدخل في الاثم كل ما يأثم به من ~~الذنوب، ويدخل في الرحم جميع حقوق المسلمين ومظالمهم. وقال سهل بن عبد الله ~~التستري: شروط الدعاء سبعة: أولها التضرع والخوف والرجاء والمداومة والخشوع ~~والعموم وأكل الحلال. وقال ابن عطاء: إن للدعاء أركانا وأجنحة وأسبابا ~~وأوقاتا، فإن وافق ms0725 أركانه قوي، وإن وافق أجنحته طار في السماء، وإن وافق ~~مواقيته فاز، وإن وافق أسبابه أنجح. فأركانه حضور القلب والرأفة والاستكانة ~~والخشوع، وأجنحته الصدق، ومواقيته الأسحار، وأسبابه الصلاة على محمد صلى ~~الله عليه # PageV02P311 # وسلم. وقيل: شرائطه أربع - أولها حفظ القلب عند الوحدة، وحفظ اللسان مع ~~الخلق، وحفظ العين عن النظر إلى ما لا يحل، وحفظ البطن من الحرام. وقد قيل: ~~إن من شرط الدعاء أن يكون سليما من اللحن، كما أنشد بعضهم: # ينادي ربه باللحن ليث * كذاك إذا دعاه لا يجيب وقيل لإبراهيم بن أدهم: ما ~~بالنا ندعو فلا يستجاب لنا؟ قال: لأنكم عرفتم الله فلم تطيعوه، وعرفتم ~~الرسول فلم تتبعوا سنته، وعرفتم القرآن فلم تعملوا به، وأكلتم نعم الله فلم ~~تؤدوا شكرها، وعرفتم الجنة فلم تطلبوها، وعرفتم النار فلم تهربوا منها، ~~وعرفتم الشيطان فلم تحاربوه ووافقتموه، وعرفتم الموت فلم تستعدوا له، ~~ودفنتم الأموات فلم تعتبروا، وتركتم عيوبكم واشتغلتم بعيوب الناس. قال علي ~~رضي الله عنه لنوف البكالي: يا نوف، إن الله أوحى إلى داود أن مر بني ~~إسرائيل ألا يدخلوا بيتا من بيوتي إلا بقلوب طاهرة، وأبصار خاشعة، وأيد ~~نقية، فإني لا أستجيب لاحد منهم، ما دام لاحد من خلقي مظلمة. يا نوف، لا ~~تكونن شاعرا ولا عريفا ولا شرطيا ولا جابيا ولا عشارا (2)، فإن داود قام في ~~ساعة من الليل فقال: إنها ساعة لا يدعو عبد إلا استجيب له فيها، إلا أن ~~يكون عريفا أو شرطيا أو جابيا أو عشارا، أو صاحب عرطبة، وهي الطنبور، أو ~~صاحب كوبة، وهي الطبل. قال علماؤنا: ولا يقل الداعي: اللهم أعطني إن شئت، ~~اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، بل يعري سؤاله ودعاءه من لفظ ~~المشيئة، ويسأل سؤال من يعلم أنه لا يفعل إلا أن يشاء. وأيضا فإن في قوله: ~~" إن شئت " نوع من الاستغناء عن مغفرته وعطائه ورحمته، كقول القائل: إن شئت ~~أن تعطيني كذا فافعل، لا يستعمل هذا إلا مع الغني عنه، وأما المضطر إليه ~~فإنه يعزم ms0726 في مسألته ويسأل سؤال فقير مضطر إلى ما سأله. روى الأئمة واللفظ ~~للبخاري عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا دعا ~~أحدكم فليعزم المسألة ولا يقولن # PageV02P312 # اللهم إن شئت فأعطني فإنه لا مستكره له). وفي الموطأ: (اللهم اغفر لي إن ~~شئت، اللهم ارحمني إن شئت). قال علماؤنا: قوله (فليعزم المسألة) دليل على ~~أنه ينبغي للمؤمن أن يجتهد في، الدعاء ويكون على رجاء من الإجابة، ولا يقنط ~~من رحمة الله، لأنه يدعو كريما. قال سفيان ابن عيينة: لا يمنعن أحدا من ~~الدعاء ما يعلمه من نفسه فإن الله قد أجاب دعاء شر الخلق إبليس، قال: رب ~~فأنظرني إلى يوم يبعثون، قال فإنك من المنظرين. وللدعاء أوقات وأحوال يكون ~~الغالب فيها الإجابة، وذلك كالسحر ووقت الفطر، وما بين الأذان والإقامة، ~~وما بين الظهر والعصر في يوم الأربعاء، وأوقات الاضطرار وحالة السفر ~~والمرض، وعند نزول المطر والصف في سبيل الله. كل هذا جاءت به الآثار، ويأتي ~~بيانها في مواضعها. وروى شهر بن حوشب أن أم الدرداء قالت له: يا شهر، ألا ~~تجد القشعريرة؟ قلت نعم. قالت: # فادع الله فإن الدعاء مستجاب عند ذلك. وقال جابر بن عبد الله: دعا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في مسجد الفتح ثلاثا يوم الاثنين ويوم الثلاثاء ~~فاستجيب له يوم الأربعاء بين الصلاتين. # فعرفت السرور في وجهه. قال جابر: ما نزل بي أمر مهم غليظ إلا توخيت تلك ~~الساعة فأدعو فيها فأعرف الإجابة. # الرابعة - قوله تعالى: " فليستجيبوا لي " قال أبو رجاء الخراساني: ~~فليدعوا لي. # وقال ابن عطية: المعنى فليطلبوا أن أجيبهم. وهذا هو باب " استفعل " أي ~~طلب الشئ إلا ما شذ، مثل استغنى الله. وقال مجاهد وغيره: المعنى فليجيبوا ~~إلي فيما دعوتهم إليه من الايمان، أي الطاعة والعمل. ويقال: أجاب واستجاب ~~بمعنى، ومنه قول الشاعر: # * فلم يستجبه عند ذاك مجيب * أي لم يجبه. والسين زائدة واللام لام الامر. ~~وكذا " وليؤمنوا " وجزمت لام الامر لأنها تجعل الفعل مستقبلا لا غير فأشبهت ~~إن ms0727 التي للشرط. وقيل: لأنها لا تقع إلا على الفعل. # والرشاد خلاف الغي. وقد رشد يرشد رشدا. ورشد (بالكسر) يرشد رشدا، لغة ~~فيه. # وأرشده الله. والمراشد: مقاصد الطرق. والطريق الأرشد: نحو الأقصد. وتقول: ~~PageV02P313 # هو لرشدة (1). خلاف قولك: لزنية. وأم راشد: كنية للفأرة: وبنو رشدان: بطن ~~من العرب، عن الجوهري. وقال الهروي: الرشد والرشد والرشاد: الهدى ~~والاستقامة، ومنه قوله: " لعلهم يرشدون ". # قوله تعالى: أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم ~~لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن ~~باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض ~~منن الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم ~~عاكفون في المساجد تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس ~~لعلهم يتقون (187) فيه ست وثلاثون مسألة: # الأولى - قوله تعالى: " أحل لكم " لفظ " أحل " يقتضي أنه كان محرما قبل ~~ذلك ثم نسخ. روى أبو داود عن ابن أبي ليلى قال وحدثنا أصحابنا قال: وكان ~~الرجل إذا أفطر (1) فنام قبل أن يأكل لم يأكل حتى يصبح، قال: فجاء عمر ~~فأراد امرأته فقالت: إني قد نمت، فظن أنها تعتل فأتاها. فجاء رجل من ~~الأنصار فأراد طعاما فقالوا: حتى نسخن لك شيئا فنام، فلما أصبحوا أنزلت هذه ~~الآية، وفيها (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ". وروى البخاري عن ~~البراء قال: كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا كان الرجل صائما فحضر ~~الافطار فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي، وأن قيس ابن ~~صرمة الأنصاري كان صائما - وفي رواية: كان يعمل في النخيل بالنهار وكان ~~صائما - فلما حضر الافطار أتى امرأته فقال لها: أعندك طعام؟ قالت لا، ولكن ~~أنطلق فأطلب لك، وكان يومه يعمل، فغلبته عيناه، فجاءته امرأته فلما رأته ~~قالت: خيبة لك! فلما # PageV02P314 # انتصف النهار غشى عليه، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه ~~الآية: " أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ms0728 " ففرحوا فرحا شديدا، ~~ونزلت: " وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من ~~الفجر ". وفي البخاري أيضا عن البراء قال: # لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله، وكان رجال يخونون ~~أنفسهم، فأنزل الله تعالى: " علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم ~~وعفا عنكم ". يقال: # خان وأختان بمعنى من الخيانة، أي تخونون أنفسكم بالمباشرة في ليالي ~~الصوم. ومن عصى الله فقد خان نفسه إذ جلب إليها العقاب. وقال القتبي: أصل ~~الخيانة أن يؤتمن الرجل على شئ فلا يؤدي الأمانة فيه. وذكر الطبري: أن عمر ~~رضي الله تعالى عنه رجع من عند النبي صلى الله عليه وسلم وقد سمر عنده ليلة ~~فوجد امرأته قد نامت فأرادها فقالت له: قد نمت، فقال لها: ما نمت، فوقع ~~بها. وصنع كعب بن مالك مثله، فغدا عمر على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ~~أعتذر إلى الله وإليك، فإن نفسي زينت لي فواقعت أهلي، فهل تجد لي من رخصة؟ # فقال لي: (لم تكن حقيقا يا عمر) فلما بلغ بيته أرسل إليه فأنبأه بعذره في ~~آية من القرآن. وذكره النحاس ومكي، وأن عمر نام ثم وقع بامرأته، وأنه أتى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك فنزلت: " علم الله أنكم كنتم تختانون ~~أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن... " الآية. # الثانية - قوله تعالى: " ليلة الصيام الرفث " " ليلة " نصب على الظرف، ~~وهي اسم جنس فلذلك أفردت. والرفث: كناية عن الجماع لان الله عز وجل كريم ~~يكني، قاله ابن عباس والسدي. وقال الزجاج: الرفث كلمة جامعة لكل ما يريد ~~الرجل من امرأته، وقاله الأزهري أيضا. وقال ابن عرفة: الرفث ها هنا الجماع. ~~والرفث: التصريح بذكر الجماع والاعراب به. قال الشاعر: # ويرين من أنس الحديث زوانيا * وبهن عن رفث الرجال نفار وقيل: الرفث أصله ~~قول الفحش، يقال: رفث وأرفث إذا تكلم بالقبيح، ومنه قول الشاعر: # ورب أسراب حجيج كظم * عن اللغا ورفث التكلم PageV02P315 # وتعدى " الرفث " بإلى في قوله تعالى جده: " الرفث إلى نسائكم ". وأنت ms0729 لا ~~تقول: رفثت إلى النساء، ولكنه جئ به محمولا على الافضاء الذي يراد به ~~الملابسة في مثل قوله: " وقد أفضى بعضكم إلى بعض (1) ". [النساء: 21]. ومن ~~هذا المعنى: " وإذا خلوا إلى شياطينهم " [البقرة: 14] كما تقدم (2). وقوله: # " يوم يحمى عليها " [التوبة: 35] أي يوقد، لأنك تقول: أحميت الحديدة في ~~النار، وسيأتي (3)، ومنه قوله: # " فليحذر الذين يخالفون عن أمره (4) " [النور: 63] حمل على معنى ينحرفون ~~عن أمره أو يروغون عن أمره، لأنك تقول: خالفت زيدا. ومثله قوله تعالى: " ~~وكان بالمؤمنين رحيما (5) " [الأحزاب: 43] حمل على معنى رؤوف في نحو " ~~بالمؤمنين رؤوف رحيم (6) " [التوبة: 128]، ألا ترى أنك تقول: رؤفت به، ولا ~~تقول رحمت به، ولكنه لما وافقه في المعنى نزل منزلته في التعدية. ومن هذا ~~الضرب قول أبي كبير الهذلي: # حملت به في ليلة مزءودة (7) * كرها وعقد نطاقها لم يحلل عدى " حملت " ~~بالباء، وحقه أن يصل إلى المفعول بنفسه، كما جاء في التنزيل: " حملته أمه ~~كرها ووضعته كرها (8) " [الأحقاف: 15]، ولكنه قال: حملت به، لأنه في معنى ~~حبلت به. # الثالثة - قوله تعالى: " هن لباس لكم " ابتداء وخبر، وشددت النون من " هن ~~" لأنها بمنزلة الميم والواو في المذكر. " وأنتم لباس لهن " أصل اللباس في ~~الثياب، ثم سمي امتزاج كل واحد من الزوجين بصاحبه لباسا، لانضمام الجسد ~~وامتزاجهما وتلازمهما تشبيها بالثوب. وقال النابغة الجعدي: # إذا ما الضجيع؟ ثنى جيدها * تداعت فكانت عليه لباسا وقال أيضا: # لبست أناسا فأفنيتهم * وأفنيت بعد أناس أناسا وقال بعضهم: يقال لما ستر ~~الشئ وداراه: لباس. فجائز أن يكون كل واحد منهما سترا لصاحبه عما لا يحل، ~~كما ورد في الخبر. وقيل: لان كل واحد منهما ستر لصاحبه فيما يكون بينهما من ~~الجماع من أبصار الناس. وقال أبو عبيد وغيره: يقال للمرأة هي لباسك وفراشك ~~وإزارك. قال رجل لعمر بن الخطاب: # PageV02P316 # ألا أبلغ أبا حفص رسولا * فدى لك من أخي ثقة إزاري قال أبو عبيد: أي ~~نسائي. وقيل نفسي. وقال الربيع: هن فراش لكم، وأنتم لحاف لهن. مجاهد: أي ~~سكن لكم، أي يسكن بعضكم إلى بعض. ms0730 # الرابعة - قوله تعالى: " علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم " يستأمر ~~بعضكم بعضا في مواقعة المحظور من الجماع والاكل بعد النوم في ليالي الصوم، ~~كقوله تعالى: " تقتلون أنفسكم " [البقرة: 85] يعني يقتل بعضكم بعضا. ويحتمل ~~أن يريد به كل واحد منهم في نفسه بأنه يخونها، وسماه خائنا لنفسه من حيث ~~كان ضرره عائدا عليه، كما تقدم. وقوله تعالى: " فتاب عليكم " يحتمل معنيين: ~~أحدهما - قبول التوبة من خيانتهم لأنفسهم. والاخر - التخفيف عنهم بالرخصة ~~والإباحة، كقوله تعالى: " علم أن لن تحصوه فتاب عليكم (1) " [المزمل: 20] ~~يعني خفف عنكم. وقوله عقيب القتل الخطأ: " فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين ~~توبة من الله (2) " [النساء: 92] يعني تخفيفا، لان القاتل خطأ لم يفعل شيئا ~~تلزمه التوبة منه، وقال تعالى: " لقد تاب الله على النبي والمهاجرين ~~والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة (3) " [التوبة: 117] وإن لم يكن من ~~النبي صلى الله عليه وسلم ما يوجب التوبة منه. وقوله تعالى: " فعفا عنكم " ~~يحتمل العفو من الذنب، ويحتمل التوسعة والتسهيل، كقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: (أول الوقت رضوان الله وآخره عفو الله) يعني تسهيله وتوسعته. # فمعنى " علم الله " أي علم وقوع هذا منكم مشاهدة " فتاب عليكم " بعد ما ~~وقع، أي خفف عنكم " وعفا " أي سهل. و " تختانون " من الخيانة، كما تقدم. ~~قال ابن العربي: " وقال علماء الزهد: وكذا فلتكن العناية وشرف المنزلة، خان ~~نفسه عمر رضي الله عنه فجعلها الله تعالى شريعة، وخفف من أجله عن الأمة ~~فرضي الله عنه وأرضاه ". # قوله تعالى: " فالآن باشروهن " كناية عن الجماع، أي قد أحل لكم ما حرم ~~عليكم. وسمي الوقاع مباشرة لتلاصق البشرتين فيه. قال ابن العربي: " وهذا ~~يدل على أن سبب الآية جماع عمر رضي الله عنه لا جوع قيس، لأنه لو كان السبب ~~جوع قيس لقال: فالآن كلوا، ابتدأ به لأنه المهم الذي نزلت الآية لأجله. # PageV02P317 # الخامسة - قوله تعالى: " وابتغوا ما كتب الله لكم " قال ابن عباس ومجاهد ~~والحكم ابن عيينة وعكرمة والحسن والسدي والربيع والضحاك: معناه وابتغوا ~~الولد، يدل عليه أنه عقيب ms0731 قوله: " فالآن باشروهن ". وقال ابن عباس: ما كتب ~~الله لنا هو القرآن. الزجاج: # أي ابتغوا القرآن بما أبيح لكم فيه وأمرتم به. وروي عن ابن عباس ومعاذ بن ~~جبل أن المعنى وابتغوا ليلة القدر. وقيل: المعنى اطلبوا الرخصة والتوسعة، ~~قاله قتادة. قال ابن عطية: # وهو قول حسن. وقيل: " ابتغوا ما كتب الله لكم " من الإماء والزوجات. وقرأ ~~الحسن البصري والحسن بن قرة " واتبعوا " من الاتباع، وجوزها ابن عباس، ورجح ~~" ابتغوا " من الابتغاء. # السادسة - قوله تعالى: " وكلوا واشربوا " هذا جواب نازلة قيس، والأول ~~جواب عمر، وقد ابتدأ بنازلة عمر لأنه المهم فهو المقدم. # السابعة - قوله تعالى: " حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من ~~الفجر " " حتى " غاية للتبيين، ولا يصح أن يقع التبيين لاحد ويحرم عليه ~~الاكل إلا وقد مضى لطلوع الفجر قدر. واختلف في الحد الذي بتبينه يجب ~~الامساك، فقال الجمهور: # ذلك الفجر المعترض في الأفق يمنه ويسرة، وبهذا جاءت الاخبار ومضت عليه ~~الأمصار. روى مسلم عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # (لا يغرنكم من سحوركم أذان بلال ولا بياض الأفق المستطيل هكذا حتى يستطير ~~(1) هكذا). # وحكاه حماد (2) بيديه قال: يعني معترضا. وفي حديث ابن مسعود: (إن الفجر ~~ليس الذي يقول (3) هكذا - وجمع أصابعه ثم نكسها إلى الأرض - ولكن الذي يقول ~~هكذا - ووضع المسبحة على المسبحة ومد يديه). وروى الدارقطني عن عبد الرحمن ~~بن عباس أنه بلغه أن رسول الله # PageV02P318 # صلى الله عليه وسلم قال: (هما فجران فأما الذي كأنه ذنب السرحان (1) فإنه ~~لا يحل شيئا ولا يحرمه وأما المستطيل الذي عارض الأفق ففيه تحل الصلاة ~~ويحرم الطعام) هذا مرسل. # وقالت طائفة: ذلك بعد طلوع الفجر وتبينه في الطرق والبيوت، روي ذلك عن ~~عمر (2) وحذيفة وابن عباس وطلق بن علي وعطاء بن أبي رباح والأعمش سليمان ~~وغيرهم أن الامساك يجب بتبيين الفجر في الطرق وعلى رؤوس الجبال. وقال ~~مسروق: لم يكن يعدون الفجر فجركم إنما كانوا يعدون الفجر الذي يملأ ms0732 البيوت. ~~وروى النسائي عن عاصم عن زر قال قلنا لحذيفة: أي ساعة تسحرت مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم؟ قال: هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع. وروى الدارقطني ~~عن طلق بن علي أن نبي الله قال: (كلوا واشربوا ولا يغرنكم الساطع المصعد ~~وكلوا واشربوا حتى يعرض لكم الأحمر). قال الدارقطني: # [قيس بن طلق (2)] ليس بالقوي. وقال أبو داود: هذا مما تفرد به أهل ~~اليمامة. قال الطبري: # والذي قادهم إلى هذا أن الصوم إنما هو في النهار، والنهار عندهم من طلوع ~~الشمس، وآخره غروبها، وقد مضى (4) الخلاف في هذا بين اللغويين. وتفسير رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله: (إنما هو سواد الليل وبياض النهار) ~~الفيصل في ذلك، وقوله " أياما معدودات " [البقرة: 184]. # وروى الدارقطني عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~(من لم يبيت الصيام قبل طلوع الفجر فلا صيام له). تفرد به عبد الله بن عباد ~~عن المفضل بن فضالة بهذا الاسناد، وكلهم ثقات. وروي عن حفصة أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: (من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له). رفعه عبد ~~الله بن أبي بكر وهو من الثقات الرفعاء، وروي عن حفصة مرفوعا من قولها. ففي ~~هذين الحديثين دليل على ما قاله الجمهور في الفجر، ومنع من الصيام دون نية ~~قبل الفجر، خلافا لقول أبي حنيفة، وهي: # الثامنة - وذلك أن الصيام من جملة العبادات فلا يصح إلا بنية، وقد وقتها ~~الشارع قبل الفجر، فكيف يقال: إن الأكل والشرب بعد الفجر جائز. وروى ~~البخاري ومسلم عن # PageV02P319 # سهل بن سعد قال: نزلت " وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من ~~الخيط الأسود " ولم ينزل " من الفجر " وكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط ~~أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود، ولا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين ~~له رؤيتهما، فأنزل الله بعد " من الفجر " فعلموا أنه إنما يعني بذلك بياض ~~النهار. وعن عدي بن حاتم قال قلت: يا رسول الله، ما الخيط ms0733 الأبيض من الخيط ~~الأسود، أهما الخيطان؟ قال: (إنك لعريض القفا (1) إن أبصرت الخيطين - ثم ~~قال - لا بل هو سواد الليل وبياض النهار). أخرجه البخاري. وسمي الفجر خيطا ~~لان ما يبدو من البياض يرى ممتدا كالخيط. قال الشاعر: # الخيط الأبيض ضوء الصبح منفلق * والخيط الأسود جنح الليل مكتوم والخيط في ~~كلامهم عبارة عن اللون. والفجر مصدر فجرت الماء أفجره فجرا إذا جرى وانبعث، ~~وأصله الشق، فلذلك قيل للطالع من تباشير ضياء الشمس من مطلعها: فجرا ~~لانبعاث ضوئه، وهو أول بياض النهار الظاهر المستطير في الأفق المنتشر، ~~تسميه العرب الخيط الأبيض، كما بينا. قال أبو دواد الأيادي: # فلما أضاءت لنا سدفة (2) * ولاح من الصبح خيط أنارا وقال آخر: # قد كاد يبدو وبدت تباشره * وسدف الليل البهيم ساتره وقد تسميه أيضا ~~الصديع، ومنه قولهم: انصدع الفجر، قال بشر بن أبي خازم أو عمرو ابن ~~معديكرب: # ترى السرحان مفترشا يديه * كأن بياض لبته صديع وشبهه الشماخ بمفرق الرأس ~~فقال: # إذا ما الليل كان الصبح فيه * أشق كمفرق الرأس الدهين # PageV02P320 # ويقولون في الامر الواضح: هذا كفلق الصبح، وكانبلاج الفجر، وتباشير ~~الصبح. # قال الشاعر: # فوردت قبل انبلاج الفجر * وابن ذكاء كامن في كفر (1) التاسعة - قوله ~~تعالى: " ثم أتموا الصيام إلى الليل " جعل الله جل ذكره الليل ظرفا للاكل ~~والشرب والجماع، والنهار ظرفا للصيام، فبين أحكام الزمانين وغاير بينهما. ~~فلا يجوز في اليوم شئ مما أباحه بالليل إلا لمسافر أو مريض، كما تقدم ~~بيانه. فمن أفطر في رمضان من غير من ذكر فلا يخلو إما أن يكون عامدا أو ~~ناسيا، فإن كان الأول فقال مالك: من أفطر في رمضان عامدا بأكل أو شرب أو ~~جماع فعليه القضاء والكفارة، لما رواه مالك في موطئه، ومسلم في صحيحه عن ~~أبي هريرة أن رجلا أفطر في رمضان فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~يكفر بعتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا، الحديث. ~~وبهذا قال الشعبي. وقال الشافعي وغيره: إن هذه الكفارة إنما تختص بمن أفطر ms0734 ~~بالجماع، لحديث أبي هريرة أيضا قال: جاء رجل إلى رسول الله فقال: هلكت يا ~~رسول الله! قال: (وما أهلكك) قال: وقعت على امرأتي في رمضان، الحديث. وفيه ~~ذكر للكفارة على الترتيب، أخرجه مسلم. وحملوا هذه القضية على القضية الأولى ~~فقالوا: هي واحدة، وهذا غير مسلم به بل هما قضيتان مختلفتان، لان مساقهما ~~مختلف، وقد علق الكفارة على من أفطر مجردا عن القيوم فلزم مطلقا. وبهذا قال ~~مالك وأصحابه والأوزاعي وإسحاق وأبو ثور والطبري وابن المنذر، وروي ذلك عن ~~عطاء في رواية، وعن الحسن والزهري. # ويلزم الشافعي القول به فإنه يقول: ترك الاستفصال مع تعارض الأحوال يدل ~~على هموم الحكم. وأوجب الشافعي عليه مع القضاء العقوبة لانتهاك حرمة الشهر. # العاشرة - واختلفوا أيضا فيما يجب على المرأة يطؤها زوجها في شهر رمضان، ~~فقال مالك وأبو يوسف وأصحاب الرأي: عليها مثل ما على الزوج. وقال الشافعي: ~~ليس عليها # PageV02P321 # إلا كفارة واحدة، وسواء طاوعته أو أكرهها، لان النبي صلى الله عليه وسلم ~~أجاب السائل بكفارة واحدة ولم يفصل. وروي عن أبي حنيفة: إن طاوعته فعلى كل ~~واحد منهما كفارة، وإن أكرهها فعليه كفارة واحدة لا غير. وهو قول سحنون بن ~~سعيد المالكي. وقال مالك: # عليه كفارتان، وهو تحصيل مذهبه عند جماعة أصحابه. # الحادية عشرة - واختلفوا أيضا فيمن جامع ناسيا لصومه أو أكل، فقال ~~الشافعي وأبو حنيفة وأصحابه وإسحاق: ليس عليه في الوجهين شئ، لا قضاء ولا ~~كفارة. وقال مالك والليث والأوزاعي: عليه القضاء ولا كفارة، وروي مثل ذلك ~~عن عطاء. وقد روي عن عطاء أن عليه الكفارة إن جامع، وقال: مثل هذا لا ينسى. ~~وقال قوم من أهل الظاهر: # سواء وطئ ناسيا أو عامدا فعليه القضاء والكفارة، وهو قول ابن الماجشون ~~عبد الملك، وإليه ذهب أحمد بن حنبل، لان الحديث الموجب للكفارة لم يفرق فيه ~~بين الناسي والعامد. # قال ابن المنذر: لا شئ عليه. # الثانية عشرة - قال مالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي: إذا أكل ناسيا ~~فظن أن ذلك قد فطره فجامع عامدا أن ms0735 عليه القضاء ولا كفارة عليه. قال ابن ~~المنذر: وبه نقول. # وقيل في المذهب: عليه القضاء والكفارة إن كان قاصدا لهتك حرمة صومه جرأة ~~وتهاونا. # قال أبو عمر: وقد كان يجب على أصل مالك ألا يكفر، لان من أكل ناسيا فهو ~~عنده مفطر يقضي يومه ذلك، فأي حرمة هتك وهو مفطر. وعند غير مالك: ليس بمفطر ~~كل من أكل ناسيا لصومه. # قلت: وهو الصحيح، وبه قال الجمهور: إن من أكل أو شرب ناسيا فلا قضاء عليه ~~وإن صومه تام، لحديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا ~~أكل الصائم ناسيا أو شرب ناسيا فإنما هو رزق ساقه الله تعالى [إليه] ولا ~~قضاء عليه - في رواية - وليتم صومه فإن الله أطعمه وسقاه). أخرجه ~~الدارقطني. وقال: إسناد صحيح وكلهم ثقات. قال أبو بكر الأثرم: سمعت أبا عبد ~~الله يسئل عمن أكل ناسيا في رمضان، PageV02P322 # قال: ليس عليه شئ على حديث أبي هريرة. ثم قال أبو عبد الله مالك: وزعموا ~~أن مالكا يقول عليه القضاء! وضحك. وقال ابن المنذر: لا شئ عليه، لقول النبي ~~صلى الله عليه وسلم لمن أكل أو شرب ناسيا: (يتم صومه) وإذا قال (يتم صومه) ~~فأتمه فهو صوم تام كامل. # قلت: وإذا كان من أفطر ناسيا لا قضاء عليه وصومه صوم تام فعليه إذا جامع ~~عامدا القضاء والكفارة - والله أعلم - كمن لم يفطر ناسيا. وقد احتج علماؤنا ~~على إيجاب القضاء بأن قالوا: المطلوب منه صيام يوم تام لا يقع فيه خرم، ~~لقوله تعالى: " ثم أتموا الصيام إلى الليل " وهذا لم يأت به على التمام فهو ~~باق عليه، ولعل الحديث في صوم التطوع لخفته. وقد جاء في صحيحي البخاري ~~ومسلم: (من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه) فلم يذكر قضاء ولا تعرض ~~له، بل الذي تعرض له سقوط المؤاخذة والامر بمضيه على صومه وإتمامه، هذا إن ~~كان واجبا فدل على ما ذكرناه من القضاء. وأما صوم التطوع فلا قضاء فيه لمن ~~أكل ناسيا، لقوله صلى ms0736 الله عليه وسلم: (لا قضاء عليه). # قلت: هذا ما احتج به علماؤنا وهو صحيح، لولا ما صح عن الشارع ما ذكرناه، ~~وقد جاء بالنص الصريح الصحيح وهو ما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: (من أفطر في شهر رمضان ناسيا فلا قضاء عليه ولا كفارة) أخرجه ~~الدارقطني وقال: تفرد به ابن مرزوق وهو ثقة عن الأنصاري، فزال الاحتمال ~~وارتفع الاشكال، والحمد لله ذي الجلال والكمال. # الثالثة عشرة - لما بين سبحانه محظورات الصيام وهي الأكل والشرب والجماع، ~~ولم يذكر المباشرة التي هي اتصال البشرة بالبشرة كالقبلة والجسة وغيرها، دل ~~ذلك على صحة صوم من قبل وباشر، لان فحوى الكلام إنما يدل على تحريم ما ~~أباحه الليل وهو الأشياء الثلاثة، ولا دلالة فيه على غيرها بل هو موقوف على ~~الدليل، ولذلك شاع الاختلاف فيه، واختلف علماء السلف فيه، فمن ذلك ~~المباشرة. قال علماؤنا: يكره لمن لا يأمن على نفسه ولا يملكها، لئلا يكون ~~سببا إلى ما يفسد الصوم. روى مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر رضي الله ~~عنهما كان PageV02P323 # ينهى عن القبلة والمباشرة للصائم، وهذا - والله أعلم - خوف ما يحدث ~~عنهما، فإن قبل وسلم فلا جناح عليه، وكذلك إن باشر. وروى البخاري عن عائشة ~~قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل ويباشر وهو صائم. وممن كره القبلة ~~للصائم عبد الله بن مسعود وعروة ابن الزبير. وقد روي عن ابن مسعود أنه يقضي ~~يوما مكانه، والحديث حجة عليهم. قال أبو عمر: ولا أعلم أحدا رخص فيها لمن ~~يعلم أنه يتولد عليه منها ما يفسد صومه، فإن قبل فأمنى فعليه القضاء ولا ~~كفارة، قاله أبو حنيفة وأصحابه والثوري والحسن والشافعي، واختاره ابن ~~المنذر وقال: ليس لمن أوجب عليه الكفارة حجة. قال أبو عمر: ولو قبل فأمذى ~~لم يكن عليه شئ عندهم. وقال أحمد: من قبل فأمذى أو أمنى فعليه القضاء ولا ~~كفارة عليه، إلا على من جامع فأولج عامدا أو ناسيا. وروى ابن القاسم عن ~~مالك فيمن ms0737 قبل أو باشر فأنعظ ولم يخرج منه ماء جملة عليه القضاء. وروى ابن ~~وهب عنه لا قضاء عليه حتى يمذي. # قال القاضي أبو محمد: واتفق أصحابنا على أنه لا كفارة عليه. وإن كان منيا ~~فهل تلزمه الكفارة مع القضاء، فلا يخلو أن يكون قبل قبلة واحدة فأنزل، أو ~~قبل فالتذ فعاود فأنزل، فإن كان قبل قبلة واحدة أو باشر أو لمس مرة فقال ~~أشهب وسحنون: لا كفارة عليه حتى يكرر. وقال ابن القاسم: يكفر في ذلك كله، ~~إلا في النظر فلا كفارة عليه حتى يكرر. وممن قال بوجوب الكفارة عليه إذا ~~قبل أو باشر أو لاعب امرأته أو جامع دون الفرج فأمنى: الحسن البصري وعطاء ~~وابن المبارك وأبو ثور وإسحاق، وهو قول مالك في المدونة. وحجة قول أشهب: أن ~~اللمس والقبلة والمباشرة ليست تفطر في نفسها، وإنما يبقى أن تؤول إلى الامر ~~الذي يقع به الفطر، فإذا فعل مرة واحدة لم يقصد الانزال وإفساد الصوم فلا ~~كفارة عليه كالنظر إليها، وإذا كرر ذلك فقد قصد إفساد صومه فعليه الكفارة ~~كما لو تكرر النظر. قال اللخمي: واتفق جميعهم في الانزال عن النظر أن لا ~~كفارة عليه إلا أن يتابع. والأصل أنه لا تجب الكفارة إلا على من قصد الفطر ~~وانتهاك حرمة الصوم، فإذا كان ذلك وجب أن ينظر إلى عادة من نزل به ذلك، ~~فإذا كان ذلك شأنه أن ينزل عن قبلة أو مباشرة مرة، أو كانت عادته مختلفة: ~~مرة ينزل، PageV02P324 # ومرة لا ينزل، رأيت عليه الكفارة، لان فاعل ذلك قاصد لانتهاك صومه أو ~~متعرض له. # وإن كانت عادته السلامة فقدر أن كان منه خلاف العادة لم يكن عليه كفارة، ~~وقد يحتمل قول مالك في وجوب الكفارة، لن ذلك لا يجري إلا ممن يكون ذلك طبعه ~~واكتفي بما ظهر منه. وحمل أشهب الامر على الغالب من الناس أنهم يسلمون من ~~ذلك، وقولهم في النظر دليل على ذلك. # قلت: ما حكاه من الاتفاق في النظر وجعله أصلا ليس كذلك، فقد حكى الباجي ms0738 ~~في المنتقى " فإن نظر نظرة واحدة يقصد بها اللذة [فأنزل] (1) فقد قال الشيخ ~~أبو الحسن: عليه القضاء والكفارة. قال الباجي: وهو الصحيح عندي، لأنه إذا ~~قصد بها الاستمتاع كانت كالقبلة وغير ذلك من أنواع الاستمتاع، والله أعلم ~~". وقال جابر بن زيد والثوري والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي فيمن ردد ~~النظر إلى المرأة حتى أمنى: فلا قضاء عليه ولا كفارة، قاله ابن المنذر. قال ~~الباجي: وروى في المدنية ابن نافع عن مالك أنه إن نظر إلى امرأة متجردة ~~فالتذ فأنزل عليه القضاء دون الكفارة. # الرابعة عشرة - والجمهور من العلماء على صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو ~~جنب. # وقال القاضي أبو بكر بن العربي: " وذلك جائز إجماعا، وقد كان وقع فيه بين ~~الصحابة كلام ثم استقر الامر على أن من أصبح جنبا فإن صومه صحيح ". # قلت: أما ما ذكر من وقوع الكلام فصحيح مشهور، وذلك قول أبي هريرة: من ~~أصبح جنبا فلا صوم له، أخرجه الموطأ وغيره. وفي كتاب النسائي أنه قال لما ~~روجع: والله ما أنا قلته، محمد صلى الله عليه وسلم والله قاله. وقد اختلف ~~في رجوعه عنها، وأشهر قوليه عند أهل العلم أنه لا صوم له، حكاه ابن المنذر، ~~وروي عن الحسن بن صالح. وعن أبي هريرة أيضا قول ثالث قال: إذا علم بجنابته ~~ثم نام حتى يصبح فهو مفطر، وإن لم يعلم حتى أصبح # PageV02P325 # فهو صائم، روي ذلك عن عطاء وطاوس وعروة بن الزبير. وروي عن الحسن والنخعي ~~أن ذلك يجزي في التطوع ويقضى في الفرض. # قلت: فهذه أربعة أقوال للعلماء فيمن أصبح جنبا، والصحيح منها مذهب ~~الجمهور، لحديث عائشة رضي الله عنها وأم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كان يصبح جنبا من جماع غير احتلام ثم يصوم. وعن عائشة رضي الله عنها ~~قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدركه الفجر في رمضان وهو جنب من ~~غير احتلام فيغتسل ويصوم، أخرجهما البخاري ومسلم. وهو الذي يفهم من ضرورة ~~قوله تعالى: " فالآن باشروهن ms0739 " الآية، فإنه لما مد إباحة الجماع إلى طلوع ~~الفجر فبالضرورة يعلم أن الفجر يطلع عليه وهو جنب، وإنما يتأتى الغسل بعد ~~الفجر. وقد قال الشافعي: ولو كان الذكر داخل المرأة فنزعه مع طلوع الفجر ~~أنه لا قضاء عليه. وقال المزني: عليه القضاء لأنه من تمام الجماع، والأول ~~أصح لما ذكرنا، وهو قول علمائنا. # الخامسة عشرة - واختلفوا في الحائض تطهر قبل الفجر وتترك التطهر حتى ~~تصبح، فجمهورهم على وجوب الصوم عليها وإجزائه، سواء تركته عمدا أو سهوا ~~كالجنب، وهو قول مالك وابن القاسم. وقال عبد الملك: إذا طهرت الحائض قبل ~~الفجر فأخرت غسلها حتى طلع الفجر فيومها يوم فطر، لأنها في بعضه غير طاهرة، ~~وليست كالجنب لان الاحتلام لا ينقض الصوم، والحيضة تنقضه. هكذا ذكره أبو ~~الفرج في كتابه عن عبد الملك. وقال الأوزاعي: تقضي لأنها فرطت في الاغتسال. ~~وذكر ابن الجلاب عن عبد الملك أنها إن طهرت قبل الفجر في وقت يمكنها فيه ~~الغسل ففرطت ولم تغتسل حتى أصبحت لم يضرها كالجنب، وإن كان الوقت ضيقا لا ~~تدرك فيه الغسل لم يجز صومها ويومها يوم فطر، وقاله مالك، وهي كمن طلع ~~عليها الفجر وهي حائض. وقال محمد بن مسلمة في هذه: تصوم وتقضي، مثل قول ~~الأوزاعي. وروي عنه أنه شذ فأوجب على من طهرت قبل الفجر ففرطت وتوانت ~~وتأخرت حتى تصبح - الكفارة مع القضاء. PageV02P326 # السادسة عشرة - وإذا طهرت المرأة ليلا في رمضان فلم تدر أكان ذلك قبل ~~الفجر أو بعده، صامت وقضت ذلك اليوم احتياطا، ولا كفارة عليها. # السابعة عشرة - روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " أفطر الحاجم ~~والمحجوم). # من حديث ثوبان وحديث شداد بن أوس وحديث رافع بن خديج، وبه قال أحمد ~~وإسحاق، وصحح أحمد حديث شداد بن أوس، وصحح علي بن المديني حديث رافع بن ~~خديج. وقال مالك والشافعي والثوري: لا قضاء عليه، إلا أنه يكره له ذلك من ~~أجل التغرير. وفي صحيح مسلم من حديث أنس أنه قيل له: أكنتم تكرهون الحجامة ~~للصائم؟ قال ms0740 لا، إلا من أجل الضعف. # وقال أبو عمر: حديث شداد ورافع وثوبان عندنا منسوخ بحديث ابن عباس أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم صائما محرما، لان في حديث شداد بن أوس ~~وغيره أنه صلى الله عليه وسلم مر عام الفتح على رجل يحتجم لثمان عشره ليلة ~~خلت من رمضان فقال: (أفطر الحاجم والمحجوم). واحتجم هو صلى الله عليه وسلم ~~عام حجة الوداع وهو محرم صائم، فإذا كانت حجته صلى الله عليه وسلم عام حجة ~~الوداع فهي ناسخة لا محالة، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يدرك بعد ذلك ~~رمضان، لأنه توفي في ربيع الأول، صلى الله عليه وسلم. # الثامنة عشرة - قوله تعالى: " ثم أتموا الصيام إلى الليل " أمروا يقتضي ~~الوجوب من غير خلاف. و " إلى " غاية، فإذا كان ما بعدها من جنس ما قبلها ~~فهو داخل في حكمه، كقولك: اشتريت الفدان إلى حاشيته، أو اشتريت منك من هذه ~~الشجرة إلى هذه الشجرة - والمبيع شجر، فإن الشجرة داخلة في المبيع. بخلاف ~~قولك: اشتريت الفدان إلى الدار، فإن الدار لا تدخل في المحدود إذ ليست من ~~جنسه. فشرط تعالى تمام الصوم حتى يتبين الليل، كما جوز الاكل حتى يتبين ~~النهار. # التاسعة عشرة - ومن تمام الصوم استصحاب النية دون رفعها، فإن رفعها في ~~بعض النهار ونوى الفطر إلا أنه لم يأكل ولم يشرب فجعله في المدونة مفطرا ~~وعليه القضاء. وفي كتاب ابن حبيب أنه على صومه، قال: ولا يخرجه من الصوم ~~إلا الافطار بالفعل وليس بالنية. PageV02P327 # وقيل: عليه القضاء والكفارة. وقال سحنون: إنما يكفر من بيت الفطر، فأما ~~من نواه في نهاره فلا يضره، وإنما يقضي استحسانا. # قلت: هذا حسن. # الموفية عشرين - قوله تعالى: " إلى الليل " إذا تبين الليل سن الفطر ~~شرعا، أكل أو لم يأكل. قال ابن العربي: وقد سئل الإمام أبو إسحاق الشيرازي ~~عن رجل حلف بالطلاق ثلاثا أنه لا يفطر على حار ولا بارد، فأجاب أنه بغروب ~~الشمس مفطر لا شئ عليه، واحتج بقوله صلى الله عليه وسلم: ms0741 (إذا جاء الليل من ~~ها هنا وأدبر النهار من ها هنا فقد أفطر الصائم). وسئل عنها الإمام أبو نصر ~~بن الصباغ صاحب الشامل فقال: لا بد أن يفطر على حار أو بارد. وما أجاب به ~~الإمام أبو إسحاق أولى، لأنه مقتضى الكتاب والسنة. # الحادية والعشرون - فإن ظن أن الشمس قد غربت لغيم أو غيره فأفطر ثم ظهرت ~~الشمس فعليه القضاء في قول أكثر العلماء. وفي البخاري عن أسماء بنت أبي بكر ~~رضي الله عنهما قالت: أفطرنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غيم ~~ثم طلعت الشمس، قيل لهشام (1): # فأمروا بالقضاء، قال: لا بد من قضاء؟. قال عمر في الموطأ في هذا: الخطب ~~يسير، وقد اجتهدنا [في الوقت] (2) يريد القضاء. وروي عن عمر أنه قال: لا ~~قضاء عليه، وبه قال الحسن البصري: لا قضاء عليه كالناسي، وهو قول إسحاق ~~وأهل الظاهر. وقول الله تعالى: # " إلى الليل " يرد هذا القول، والله أعلم. # الثانية والعشرون - فإن أفطر وهو شاك في غروبها كفر مع القضاء، قاله ~~مالك، إلا أن يكون الأغلب عليه غروبها. ومن شك عنده في طلوع الفجر لزمه ~~الكف عن الاكل، فإن أكل مع شكه فعليه القضاء كالناسي، لم يختلف في ذلك ~~قوله. ومن أهل العلم بالمدينة وغيرها من لا يرى عليه شيئا حتى يتبين له ~~طلوع الفجر، وبه قال ابن المنذر. وقال الكيا الطبري: " وقد ظن قوم أنه إذا ~~أبيح له الفطر إلى أول الفجر فإذا أكل على ظن أن الفجر لم يطلع فقد أكل ~~بإذن الشرع في وقت جواز الاكل فلا قضاء عليه، كذلك قال مجاهد وجابر # PageV02P328 # ابن زيد. ولا خلاف في وجوب القضاء إذا غم عليه الهلال في أول ليلة من ~~رمضان فأكل ثم بان أنه من رمضان، والذي نحن فيه مثله. وكذلك الأسير في دار ~~الحرب إذا أكل ظنا أنه من شعبان ثم بان خلافه. # الثالثة عشرين - قوله تعالى: " إلى الليل " فيه ما يقتضي النهي عن ~~الوصال، إذ الليل غاية الصيام، وقالته عائشة. وهذا موضع ms0742 اختلف فيه، فمن ~~واصل عبد الله بن الزبير وإبراهيم التيمي وأبو الجوزاء وأبو الحسن الدينوري ~~وغيرهم. كان ابن الزبير يواصل سبعا، فإذا أفطر شرب السمن والصبر حتى يفتق ~~أمعاءه، قال: وكانت تيبس أمعاؤه. وكان أبو الجوزاء يواصل سبعة أيام وسبع ~~ليال ولو قبض على ذراع الرجل الشديد لحطمها. وظاهر القرآن والسنة يقتضي ~~المنع، قال صلى الله عليه وسلم: (إذا غابت الشمس من ها هنا وجاء الليل من. # ها هنا فقد أفطر الصائم). خرجه مسلم من حديث عبد الله بن أبي أوفى. ونهى ~~عن الوصال، فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يوما ثم يوما ثم رأوا ~~الهلال فقال: (لو تأخر الهلال لزدتكم) كالمنكل لهم حين أبوا أن ينتهوا. ~~أخرجه مسلم عن أبي هريرة. وفي حديث أنس: (لو مد لنا الشهر لواصلنا وصالا ~~يدع المتعمقون تعمقهم). خرجه مسلم أيضا. وقال صلى الله عليه وسلم: (إياكم ~~والوصال إياكم والوصال) تأكيدا في المنع لهم منه، وأخرجه البخاري. # وعلى كراهية الوصال - لما ذكرنا ولما فيه من ضعف القوى وإنهاك الأبدان - ~~جمهور العلماء. # وقد حرمه بعضهم لما فيه من مخالفة الظاهر والتشبه بأهل الكتاب، قال صلى ~~الله عليه وسلم: # (إن فصل (1) ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر). خرجه مسلم وأبو ~~داود. # وفي البخاري عن أبي سعيد الخدري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: (لا تواصلوا فأيكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر) قالوا: فإنك ~~تواصل يا رسول الله؟ قال: # (لست كهيئتكم إني أبيت لي مطعم يطعمني وساق يسقيني). قالوا: وهذا إباحة ~~لتأخير الفطر إلى السحر، وهو الغاية في الوصال لمن أراده، ومنع من اتصال ~~يوم بيوم، وبه قال أحمد # PageV02P329 # وإسحاق وابن وهب صاحب مالك. واحتج من أجاز الوصال بأن قال: إنما كان ~~النهي عن الوصال لأنهم كانوا حديثي عهد بالاسلام، فخشي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن يتكلفوا الوصال وأعلى المقامات فيفتروا أو يضعفوا عما كان ~~أنفع منه من الجهاد والقوة على العدو، ومع حاجتهم في ذلك الوقت. ms0743 وكان هو ~~يلتزم في خاصة نفسه الوصال وأعلى مقامات الطاعات، فلما سألوه عن وصالهم ~~أبدى لهم فارقا بينه وبينهم، وأعلمهم أن حالته في ذلك غير حالاتهم فقال: # (لست مثلكم إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني). فلما كمل الايمان في قلوبهم ~~واستحكم في صدورهم ورسخ، وكثر المسلمون وظهروا على عدوهم، واصل أولياء الله ~~وألزموا أنفسهم أعلى المقامات، والله أعلم. # قلت: ترك الوصال مع ظهور الاسلام وقهر الأعداء أولى، وذلك أرفع الدرجات ~~وأعلى المنازل والمقامات، والدليل على ذلك ما ذكرناه. وأن الليل ليس بزمان ~~صوم شرعي، حتى لو شرع إنسان فيه الصوم بنية ما أثيب عليه، والنبي صلى الله ~~عليه وسلم ما أخبر عن نفسه أنه واصل، وإنما الصحابة ظنوا ذلك فقالوا: إنك ~~تواصل، فأخبر أنه يطعم ويسقى. # وظاهر هذه الحقيقة: أنه صلى الله عليه وسلم يؤتى بطعام الجنة وشرابها. ~~وقيل: إن ذلك محمول على ما يرد على قلبه من المعاني واللطائف، وإذا احتمل ~~اللفظ الحقيقة والمجاز فالأصل الحقيقة حتى يرد دليل يزيلها. ثم لما أبوا أن ~~ينتهوا عن الوصال واصل بهم وهو على عادته كما أخبر عن نفسه، وهم على عادتهم ~~حتى يضعفوا ويقل صبرهم فلا يواصلوا. وهذه حقيقة التنكيل حتى يدعوا تعمقهم ~~وما أرادوه من التشديد على أنفسهم. وأيضا لو تنزلنا على أن المراد بقوله: ~~(أطعم وأسقي) المعنى لكان مفطرا حكما، كما أن من اغتاب في صومه أو شهد بزور ~~مفطر حكما، ولا فرق بينهما، قال صلى الله عليه وسلم: (من لم يدع قول الزور ~~والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه). وعلى هذا الحد ما واصل ~~النبي صلى الله عليه وسلم ولا أمر به، فكان تركه أولى. وبالله التوفيق. # الرابعة والعشرون - ويستحب للصائم إذا أفطر أن يفطر على رطبات أو تمرات ~~أو حسوات من الماء، لما رواه أبو داود عن أنس قال: كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم PageV02P330 # يفطر على رطبات قبل أن يصلي، فإن لم تكن رطبات فعلى تمرات، فإن لم تكن ~~تمرات حسا حسوات ms0744 من ماء. وأخرجه الدارقطني وقال فيه: إسناد صحيح. وروى ~~الدارقطني عن ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أفطر قال: ~~(لك صمنا وعلى رزقك أفطرنا فتقبل منا إنك أنت السميع العليم). وعن ابن عمر ~~قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا أفطر: (ذهب الظمأ وابتلت ~~العروق وثبت الاجر إن شاء الله). خرجه أبو داود أيضا. وقال الدارقطني: تفرد ~~به الحسين بن واقد إسناده حسن. وروى ابن ماجة عن عبد الله بن الزبير قال: ~~أفطر رسول الله صلى الله عليه وسلم عند سعد بن معاذ فقال: # (أفطر عندكم الصائمون وأكل طعامكم الأبرار وصلت عليكم الملائكة). وروي ~~أيضا عن زيد بن خالد الجهني قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من فطر ~~صائما كان له مثل أجرهم من غير أن ينقص من أجورهم شيئا). وروي أيضا عن عبد ~~الله بن عمرو بن العاص قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن للصائم ~~عند فطره لدعوة ما ترد). قال ابن أبي مليكة: سمعت عبد الله بن عمرو يقول ~~إذا أفطر: اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كل شئ أن تغفر لي. وفى صحيح ~~مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم: " للصائم فرحتان يفرحهما إذا أفطر فرح ~~بفطره وإذا لقي ربه فرح بصومه ". # الخامسة والعشرون - ويستحب له أن يصوم من شوال ستة أيام، لما رواه مسلم ~~والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن أبي أيوب الأنصاري قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال كان له ~~كصيام الدهر " هذا حديث صحيح من حديث سعد بن سعيد الأنصاري المدني، وهو ممن ~~لم يخرج له البخاري شيئا، وقد جاء بإسناد جيد مفسرا من حديث أبي أسماء ~~الرحبي عن ثوبان مولى النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " جعل الله الحسنة ~~بعشر أمثالها فشهر رمضان بعشرة أشهر وستة أيام بعد الفطر تمام السنة ". ~~رواه النسائي. # واختلف في صيام هذه الأيام، فكرهها مالك ms0745 في موطئه خوفا أن يلحق أهل ~~الجهالة برمضان PageV02P331 # ما ليس منه، وقد وقع ما خافه حتى أنه كان في بعض بلاد خراسان يقومون ~~لسحورها على عادتهم في رمضان. وروى مطرف عن مالك أنه كان يصومها في خاصة ~~نفسه. واستحب صيامها الشافعي، وكرهه أبو يوسف. # السادسة والعشرون - قوله تعالى: " ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ~~" بين جل تعالى أن الجماع يفسد الاعتكاف. وأجمع أهل العلم على أن من جامع ~~امرأته وهو معتكف عامدا لذلك في فرجها أنه مفسد لاعتكافه، واختلفوا فيما ~~عليه إذا فعل ذلك، فقال الحسن البصري والزهري: عليه ما على المواقع أهله في ~~رمضان. فأما المباشرة من غير جماع فإن قصد بها التلذذ فهي مكروهة، وإن لم ~~يقصد لم يكره، لان عائشة كانت ترجل رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~معتكف، وكانت لا محالة تمس بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدها، فدل ~~بذلك على أن المباشرة بغير شهوة غير محظورة، هذا قول عطاء والشافعي وابن ~~المنذر. قال أبو عمر: وأجمعوا على أن المعتكف لا يباشر ولا يقبل. واختلفوا ~~فيما عليه إن فعل، فقال مالك والشافعي: إن فعل شيئا من ذلك فسدا اعتكافه، ~~قاله المزني. # وقال في موضع آخر من مسائل الاعتكاف: لا يفسد الاعتكاف من الوطئ إلا ما ~~يوجب الحد، واختاره المزني قياسا على أصله في الحج والصوم. # السابعة والعشرون - قوله تعالى: " وأنتم عاكفون " جملة في موضع الحال. # والاعتكاف في اللغة: الملازمة، يقال عكف على الشئ إذا لازمه مقبلا عليه. ~~قال الراجز: # * عكف النبيط يلعبون الفنزجا (1) * وقال شاعر: # وظل بنات الليل حولي عكفا * عكوف البواكي بينهن صريع ولما كان المعتكف ~~ملازما للعمل بطاعة الله مدة اعتكافه لزمه هذا الاسم. وهو في عرف الشرع: ~~ملازمة طاعة مخصوصة في وقت مخصوص على شرط مخصوص في موضع # PageV02P332 # مخصوص. وأجمع العلماء على أنه ليس بواجب، وهو قربة من القرب ونافلة من ~~النوافل عمل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأزواجه، ويلزمه إن ~~ألزمه نفسه، ويكره الدخول فيه ms0746 لمن يخاف عليه العجز عن الوفاء بحقوقه. # الثامنة والعشرون - أجمع العلماء على أن الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد، ~~لقول الله تعالى " في المساجد ". واختلفوا في المراد بالمساجد، فذهب قوم ~~إلى أن الآية خرجت على نوح من المساجد، وهو ما بناه نبي كالمساجد الحرام ~~ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم ومسجد إيلياء (1)، روى هذا عن حذيفة بن ~~اليمان وسعد بن المسيب، فلا يجوز الاعتكاف عندهم في غيرها. وقال آخرون: لا ~~اعتكاف إلا في مسجد تجمع فيه الجمعة، لان الإشارة في الآية عندهم إلى ذلك ~~الجنس من المساجد، روى هذا عن علي بن أبي طالب وابن مسعود، وهو قول عروة ~~والحكم وحماد والزهري وأبى جعفر محمد بن علي، وهو أحد قولي مالك. # وقال آخرون: الاعتكاف في كل مسجد جائز، يروى هذا القول عن سعيد بن جبير ~~وأبى قلابة وغيرهم، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة وأصهابهما. وحجتهم حمل ~~الآية على عمومها في كل مسجد له إمام ومؤذن، وهو أحد قولي مالك، وبه يقول ~~ابن علية وداود بن علي والطبري وابن المنذر. # وروى الدارقطني عن الضحاك عن حذيفة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: " كل مسجد له مؤذن وإمام فالاعتكاف فيه يصلح ". قال الدارقطني: ~~والضحاك لم يسمع من حذيفة. # التاسعة والعشرون - وأقل الاعتكاف عند مالك وأبي حنيفة يوم وليلة، فإن ~~قال: # لله على اعتكاف ليلة لزمه اعتكاف ليلة ويوم. وكذلك إن نذر اعتكاف يوم ~~لزمه يوم وليلة. # وقال سحنون: من نذر اعتكاف ليلة فلا شئ على، وقال أبو حنيفة وأصحابه: إن ~~نذر يوما فعليه يوم بغير ليلة، وإن نذر ليلة فلا شئ عليه. كما قال سحنون. ~~قال الشافعي: عليه ما نذر، إن نذر ليلة فليلة، وإن نذر يوما فيوما. قال ~~الشافعي: أقله لحظة ولا حد لأكثره. وقال بعض # PageV02P333 # أصحاب أبي حنيفة: يصح الاعتكاف ساعة. وعلى هذا القول فليس من شرطه صوم، ~~وروى عن أحمد بن حنبل في أحد قوليه، وهو قول داود بن علي وابن علية، ~~واختاره ابن المنذر وابن ms0747 العربي. واحتجوا بأن اعتكاف رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كان في رمضان، ومحال أن يكون صوم رمضان لرمضان ولغيره. ولو نوى ~~المعتكف في رمضان بصومه التطوع والفرض فسد صومه عند مالك وأصحابه. ومعلوم ~~أن ليل المعتكف يلزمه فيه من اجتناب مباشرة النساء ما يلزمه في نهاره، وأن ~~ليله داخل في اعتكافه، وأن الليل ليس بموضع صوم، فكذلك نهاره ليس بمفتقر ~~إلى الصوم، وإن صام فحسن، وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد في القول الاخر: لا ~~يصح إلا بصوم. وروى عن ابن عمر وابن عباس وعائشة رضي الله عنهم. # وفى الموطأ عن القاسم بن محمد ونافع مولى عبد الله بن عمر: لا اعتكاف إلا ~~بصيام، لقول الله تعالى في كتابه: " وكلوا واشربوا " إلى قوله: " في ~~المساجد " وقالا: فإنما ذكر الله الاعتكاف مع الصيام. قال يحيى قال مالك: ~~وعلى ذلك الامر عندنا. واحتجوا بما رواه عبد الله بن بديل عن عمر بن دينار ~~عن ابن عمر أن عمر جعل عليه [أن يعتكف (1)] في الجاهلية ليلة أو يوما [عند ~~الكعبة (1)] فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " اعتكف وصم ". # أخرجه أبو داود. وقال الدارقطني: تفرد به ابن بديل عن عمرو وهو ضعيف. وعن ~~عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا اعتكاف إلا بصيام ". قال ~~الدارقطني: # تفرد به سويد بن عبد العزيز عن سفيان بن حسين عن الزهري عن عروة عن ~~عائشة. وقالوا: # ليس من شرط الصوم عندنا أن يكون للاعتكاف، بل يصح أن يكون الصوم له ~~ولرمضان ولنذر ولغيره، فإذا نذره الناذر فإنما ينصرف نذره إلى مقتضاه في ~~أصل الشرع، وهذا كمن نذر صلاة فإنما تلزمه، ولم يكن عليه أن يتطهر لها خاصة ~~بل يجزئه أن يؤديها بطهارة لغيرها. # الموفية ثلاثين - وليس للمعتكف أن يخرج من معتكفه إلا لما لابد له منه، ~~لما روى الأئمة عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اعتكف ~~يدنى إلى رأسه PageV02P334 # فأرجله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الانسان، تريد الغائط والبول. ms0748 ولا ~~خلاف في هذا بين الأمة ولا بين الأئمة، فإذا خرج المعتكف لضرورة وما لابد ~~له منه ورجع في فوره بعد زوال الضرورة بنى على ما مضى من اعتكافه ولا شئ ~~عليه. ومن الضرورة المرض البين والحيض. # واختلفوا في خروجه لما سوى ذلك، فمذهب مالك ما ذكرنا، وكذلك مذهب الشافعي ~~وأبي حنيفة. وقال سعيد بن جبير والحسن والنخعي: يعود المريض ويشهد الجنائز، ~~وروى عن علي وليس بثابت عنه. وفرق إسحاق بين الاعتكاف الواجب والتطوع، فقال ~~في الاعتكاف الواجب: لا يعود المريض ولا يشهد الجنائز، وقال في التطوع: ~~يشترط حين يبتدئ حضور الجنائز وعيادة المرضى والجمعة. وقال الشافعي: يصح ~~اشتراط الخروج من معتكفه لعيادة مريض وشهود الجنائز وغير ذلك من حوائجه. ~~واختلف فيه عن أحمد، فمنع منه مرة، وقال مرة: أرجو ألا يكون به بأس. وقال ~~الأوزاعي كما قال مالك: لا يكون في الاعتكاف شرط. قال ابن المنذر: لا يخرج ~~المعتكف من اعتكافه إلا لما لابد له منه، وهو الذي كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يخرج له. # الحادية والثلاثون - واختلفوا في خروجه للجمعة، فقالت طائفة: يخرج للجمعة ~~ويرجع إذا سلم، لأنه خرج إلى فرض ولا ينتقض اعتكافه. ورواه ابن الجهم عن ~~مالك، وبه قال أبو حنيفة، واختاره ابن العربي وابن المنذر. ومشهور مذهب ~~مالك أن من أراد أن يعتكف عشرة أيام أو نذر ذلك لم يعتكف إلا في المسجد ~~الجامع، وإذا اعتكف في غيره لزمه الخروج إلى الجمعة وبطل اعتكافه. وقال عبد ~~الملك: يخرج إلى الجمعة فيشهدها ويرجع مكانه ويصح اعتكافه. # قلت: وهو صحيح لقوله تعالى: " وأنتم عاكفون في المساجد " فعم. وأجمع ~~العلماء على أن الاعتكاف ليس بواجب وأنه سنة، وأجمع الجمهور من الأئمة على ~~أن الجمعة فرض على الأعيان، ومتى اجتمع واجبان أحدهما آكد من الاخر قدم ~~الآكد، فكيف إذا اجتمع مندوب وواجب، ولم يقل أحد بترك الخروج إليها، فكان ~~الخروج إليها في معنى حاجة الانسان. PageV02P335 # الثانية والثلاثون - المعتكف إذا أتى كبيرة فسد اعتكافه، لان الكبيرة ضد ~~العبادة، كما ms0749 أن الحدث ضد الطهارة والصلاة، وترك حرم الله تعالى عليه أعلى ~~منازل الاعتكاف في العبادة. قاله ابن خويز منداد عن مالك. # الثالثة والثلاثون - روى مسلم عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه...، الحديث. واختلف ~~العلماء في وقت دخول المعتكف في اعتكافه، فقال الأوزاعي بظاهر هذا الحديث، ~~وروى عن الثوري والليث ابن سعد في أحد قوليه، وبه قال ابن المنذر وطائفة من ~~التابعين. وقال أبو ثور: إنما يفعل هذا من نذر عشرة أيام، فإن زاد عليها ~~فقبل غروب الشمس. وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم: إذا أوجب على ~~نفسه اعتكاف شهر، دخل المسجد قبل غروب الشمس من ليلة ذلك اليوم. قال مالك: ~~وكذلك كل من أراد أن يعتكف يوما أو أكثر. # وبه قال أبو حنيفة وابن الماجشون عبد الملك، لان أول ليلة أيام الاعتكاف ~~داخلة فيها، وأنه زمن للاعتكاف فلم يتبعض كاليوم. وقال الشافعي: إذا قال ~~لله على يوم دخل قبل طلوع الفجر وخروج بعد الغروب الشمس، خلاف قوله في ~~الشهر. وقال الليث في أحد قوليه وزفر: # يدخل قبل طلوع الفجر، والشهر واليوم عندهم سواء. وروى مثل ذلك عن أبي ~~يوسف، وبه قال القاضي عبد الوهاب، وأن الليلة إنما تدخل في الاعتكاف على ~~سبيل التبع، بدليل أن الاعتكاف لا يكون إلا بصوم وليس الليل بزمن للصوم. ~~فثبت أن المقصود بالاعتكاف هو النهار دون الليل. # قلت: وحديث عائشة يرد هذه الأقوال وهو الحجة عند التنازع، وهو حديث ثابت ~~لا خلاف في صحته. # الرابعة والثلاثون - استحب مالك لمن اعتكف العشر الأواخر أن يبيت ليلة ~~الفطر في المسجد حتى يغدو منه إلى المصلى، وبه قال أحمد. وقال الشافعي ~~والأوزاعي: يخرج إذا غابت الشمس، ورواه سحنون عن ابن القاسم، لان العشر ~~يزول بزوال الشهر، والشهر ينقضي PageV02P336 # بغروب الشمس من آخر يوم من شهر رمضان. وقال سحنون: إن ذلك على الوجوب، ~~فإن خرج ليلة الفطر بطل اعتكافه. وقال ابن الماجشون: وهذا يرده ما ذكرنا ms0750 من ~~انقضاء الشهر، ولو كان المقام ليلة الفطر من شرط صحة الاعتكاف لما صح ~~اعتكاف لا يتصل بليلة الفطر، وفى الاجماع على جواز ذلك دليل على أن مقام ~~ليلة الفطر للمعتكف ليس شرطا في صحة الاعتكاف. فهذه جمل كافية من أحكام ~~الصيام والاعتكاف اللائقة بالآيات، فيها لمن اقتصر عليها كفاية، والله ~~الموفق للهداية. # الخامسة والثلاثون - قوله تعالى: " تلك حدود الله " أي هذه الأحكام حدود ~~الله فلا تخالفوها، ف‍ " تلك " إشارة إلى هذه الأوامر والنواهي. والحدود: ~~الحواجز. والحد: # المنع، ومنه سمى الحديد حديدا، لأنه يمنع من وصول السلاح إلى البدن. وسمى ~~البواب والسجان حدادا، لأنه يمنع من في الدار من الخروج منها، ويمنع الخارج ~~من الدخول فيها. # وسميت حدود الله لأنها تمنع أن يدخل فيها ما ليس منها، وأن يخرج منها هو ~~منها، ومنها سميت الحدود في المعاصي، لأنها تمنع أصحابهما من العود إلى ~~أمثالها. ومنه سميت الحاد في العدة، لأنها تمتنع من الزينة. # السادسة والثلاثون - قوله تعالى: " كذلك يبين الله آياته للناس " أي كما ~~بين هذه الحدود يبين جميع الأحكام لتتقوا مجاوزتها. والآيات: العلامات ~~الهادية إلى الحق. # و " لعلهم " ترج في حقهم، فظاهر ذلك عموم ومعناه خصوص فيمن يسره الله ~~للهدى، بدلالة الآيات التي تتضمن أن الله يضل من يشاء. # قوله تعالى: ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالبطل وتدلوا بها إلى الحكام ~~لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالاثم وأنتم تعلمون (188) فيه ثماني مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " ولا تأكلوا أموالكم بينكم " قيل: إنه نزل في ~~عبدان ابن أشوع الحضرمي، ادعى ملا امرئ القيس الكندي واختصما إلى النبي صلى ~~الله عليه (22 - 2) PageV02P337 # وسلم، فأنكر امرؤ القيس وأراد أن يحلف فنزلت الآية، فكف عن اليمين وحكم ~~عبدان في أرضه ولم يخاصمه. # الثانية - الخطاب بهذه الآية يتضمن جميع أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ~~والمعنى: # لا يأكل بعضكم مال بعض بغير حق. فيدخل في هذا: القمار والخداع والغصوب ~~وجحد الحقوق، وما لا تطيب به نفس مالكه، أو حرمته الشريعة وإن طابت به نفس ~~مالكه، كهر ms0751 البغى وحلوان الكاهن وأثمان الخمور والخنازير وغير ذلك. ولا ~~يدخل فيه الغبن في البيع مع معرفة البائع بحقيقة ما باع لان الغبن كأنه ~~هبة، على ما يأتي بيانه في سورة " النساء (1) ". وأضيفت الأموال إلى ضمير ~~المنتهى لما كان كل واحد منهما منهيا ومنهيا عنه، كما قال: " تقتلون أنفسكم ~~(2) ". وقال قوم: المراد بالآية " ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل (3) " ~~أي في الملاهي والقيان والشرب والبطالة، فيجئ على هذا إضافة المال إلى ضمير ~~المالكين. # الثالثة - من أخذ مال غيره لا على وجه إذن الشرع فقد أكله بالباطل، ومن ~~الاكل بالباطل أن يقتضى القاضي لك وأنت تعلم أنك مبطل، فالحرام لا يصير ~~حلالا بقضاء القاضي، لأنه إنما يقضى بالظاهر. وهذا إجماع في الأموال، وإن ~~كان عند أبي حنيفة قضاؤه ينفذ في الفروج باطنا، وإذا كان قضاء القاضي لا ~~يغير حكم الباطن في الأموال فهو في الفروج أولى. # وروى الأئمة عن أم سلمة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنكم ~~تختصمون إلى ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضى له على نحو مما ~~أسمع فمن قطعت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من نار - ~~في رواية - فليحملها أو يذرها ". وعلى القول بهذا الحديث جمهور العلماء ~~وأئمة الفقهاء. وهو نص في أن حكم الحاكم على الظاهر لا يغير حكم الباطن، ~~وسواء كان ذلك في الأموال والدماء والفروج، إلا ما حكى عن أبي حنيفة في ~~الفروج، وزعم أنه لو شهد شاهدا زور على رجل بطلاق زوجته وحكم الحاكم ~~بشهادتهما لعدالتهما عنده فإن فرجها يحل لمتزوجها - ممن يعلم أن القضية ~~باطل - بعد العدة. وكذلك لو تزوجها أحد الشاهدين جاز عنده، لأنه لما حلت ~~للأزواج في الظاهر كان الشاهد وغيره # PageV02P338 # سواء، لان قضاء القاضي قطع عصمتها، وأحدث في ذلك التحليل والتحريم في ~~الظاهر والباطن جميعا، ولولا ذلك ما حلت للأزواج. واحتج بحكم اللعان وقال: ~~معلوم أن الزوجة إنما وصلت إلى فراق زوجها باللعان الكاذب، الذي لو علم ~~الحاكم كذبها فيه ms0752 لحدها وما فرق بينهما، فلم يدخل هذا في عموم قوله عليه ~~السلام: " فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه " الحديث. # الرابعة - وهذه الآية متمسك كل مؤالف ومخالف في كل حكم يدعونه لأنفسهم ~~بأنه لا يجوز، فيستدل عليه بقوله تعالى: " ولا تأكلوا أموالكم بينكم ~~بالباطل ". فجوابه أن يقال له: لا نسلم أنه باطل حتى تبينه بالدليل، وحينئذ ~~يدخل في هذا العموم، فهي دليل على أنه الباطل في المعاملات لا يجوز، وليس ~~فيها تعيين الباطل. # الخامسة - قوله تعالى: " بالباطل " الباطل في اللغة: الذاهب الزائل، ~~يقال: # بطل يبطل بطولا وبطلانا، وجمع الباطل بواطل. والأباطيل جمع البطولة. ~~وتبطل أي اتبع اللهو. وأبطل فلان إذا جاء بالباطل. وقوله تعالى: " لا يأتيه ~~الباطل " (1) قال قتادة: # هو إبليس، لا يزيد في القرآن ولا ينقض. وقوله: " ويمح الله الباطل (2) " ~~يعنى الشرك. # والبطلة: السحرة. # السادسة: قوله تعالى: " وتدلوا بها إلى الحكام " الآية. قيل: يعنى ~~الوديعة وما لا تقوم فيه بينة، عن ابن عباس والحسن. وقيل: هو مال اليتيم ~~الذي في أيدي الأوصياء، يرفعه إلى الحكام إذا طولب به ليقطع بعضه وتقوم له ~~في الظاهر حجة. وقال الزجاج: تعملون ما يوجبه ظاهر الاحكام وتتركون ما ~~علمتم أنه الحق. يقال: أدلى الرجل بحجته أو بالامر الذي يرجو النجاح به، ~~تشبيها بالذي يرسل الدلو في البئر، يقال: أدلى دلوه: أرسلها. ودلاها: # أخرجها. وجمع الدلو والدلاء: أدل ودلاء ودلى. والمعنى في الآية: لا ~~تجمعوا بين أكل المال بالباطل وبين الادلاء إلى الحكام بالحجج الباطلة، وهو ~~كقوله: " ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق (3) ". وهو من قبيل قولك: ~~لا تأكل السمك وتشرب اللبن. وقيل: # PageV02P339 # المعنى لا تصانعوا بأموالكم الحكام وترشوهم ليقضوا لكم على أكثر منها، ~~فالياء إلزاق مجرد. # قال ابن عطية: وهذا القول يترجح، لان الحكام مظنة الرشاء إلا من عصم وهو ~~الأقل. وأيضا فإن اللفظين متناسبان: تدلوا من إرسال الدلو، والرشوة من ~~الرشاء، كأنه يمد بها ليقضى الحاجة. # قلت: ويقوى هذا قوله: " وتدلوا بها " تدلوا في موضع جزم عطفا على تأكلوا ~~كما ms0753 ذكرنا. وفى مصحف أبى " ولا تدلوا " بتكرار حرف النهى، وهذه القراءة ~~تؤيد جزم " تدلوا " في قراءة الجماعة. وقيل: " تدلوا " في موضع نصب على ~~الظرف، والذي ينصب في مثل هذا عند سيبويه " أن " مضمرة. والهاء في قوله " ~~بها " ترجع إلى الأموال، وعلى القول الأول إلى الحجة ولم يجر لها ذكر: فقوى ~~القول الثاني لذكر الأموال، والله أعلم. في الصحاح: # " والرشوة معروفة، والرشوة بالضم مثله، والجمع رشى ورشى، وقد رشاه يرشوه. ~~وارتشى: # أخذ الرشوة. واسترشى في حكمه: طلب الرشوة عليه ". # قلت - فالحكام اليوم عين الرشاء لا مظنته، ولا حول ولا قوة إلا بالله!. # السابعة - قوله تعالى: " لتأكلوا " نصب بلام كي. " فريقا " أي قطعة ~~وجزاء، فعبر عن الفريق بالقطعة والبعض. والفريق: القطعة من الغنم تشذ عن ~~معظمها. وقيل: # في الكلام تقديم وتأخير، التقدير لتأكلوا أموال فريق من الناس. " بالاثم ~~" معناه بالظلم والتعدي، وسمى ذلك إثما لما كان الاثم يتعلق بفاعله. " ~~وأنتم تعلمون " أي بطلان ذلك وإثمه، وهذه مبالغة في الجرأة والمعصية. # الثامنة - اتفق أهل السنة على أن من أخذ ما وقع عليه اسم مال قل أو كثر ~~أنه يفسق بذلك، وأنه محرم عليه أخذه. خلافا لبشر بن المعتمر ومن تابعه من ~~المعتزلة حيث قالوا: # إن المكلف لا يفسق إلا بأخذ مائتي درهم ولا يفسق بدون ذلك. وخلافا لابن ~~الجباثى حيث قال: إنه يفسق بأخذ عشرة دراهم ولا يفسق بدونها. وخلافا لابن ~~الهذيل حيث قال: # يفسق بأخذ خمسة دراهم: وخلافا لبعض قدرية البصرة حيث قال: يفسق بأخذ درهم ~~فما PageV02P340 # فوق، ولا يفسق بما دون ذلك. وهذا كله مردود بالقرآن والسنة وباتفاق علماء ~~الأمة، قال صلى الله عليه وسلم: " إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام ~~" الحديث، متفق على صحته. # قوله تعالى: يسئلونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج وليس البر بأن ~~تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوبها واتقوا ~~الله لعلكم تفلحون (189). # فيه اثنتا عشرة مسألة: # الأولى - قوله تعالى: " يسئلونك عن الأهلة " هذا مما سأل عنه اليهود ~~واعترضوا به ms0754 على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال معاذ: يا رسول الله، إن ~~اليهود تغشانا ويكثرون مسألتنا عن الأهلة، فما بال الهلال يبدو دقيقا ثم ~~يزيد حتى يستوي ويستدير، ثم ينتقص حتى يعود كما كان؟ فأنزل الله هذه الآية. # وقيل: إن سبب نزولها سؤال قوم من المسلمين النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~الهلال وما سبب محاقه (1) وكماله ومخالفته لحال الشمس، قاله ابن عباس ~~وقتادة والربيع وغيرهم. # الثانية - قوله تعالى: " عن الأهلة " الأهلة جمع الهلال، وجمع وهو واحد ~~في الحقيقة من حيث كونه هلالا واحدا في شهر، غير كونه هلالا في آخر، فإنما ~~جمع أحواله من الأهلة. ويريد بالأهلة شهورها، وقد يعبر بالهلال عن الشهر ~~لحلول فيه، كما قال: # أخوان من نجد على ثقة * والشهر مثل قلامة الظفر وقيل: سمي شهرا لان ~~الأيدي تشهر بالإشارة إلى موضع الرؤية ويدلون عليه. ويطلق لفظ الهلال ~~لليلتين من آخر الشهر، وليلتين من أوله. وقيل: لثلاث من أوله. وقال ~~الأصمعي: # هو هلال حتى يحجر ويستدير له كالخيط الرقيق. وقيل: بل هو هلال حتى يبهر ~~بضوئه # PageV02P341 # السماء، وذلك ليلة سبع. قال أبو العباس: وإنما قيل له هلال لان الناس ~~يرفعون أصواتهم بالاخبار عنه. ومنه استهل الصبي إذا ظهرت حياته بصراخه. ~~واستهل وجهه فرحا وتهلل إذا ظهر فيه السرور. قال أبو كبير: # وإذا نظرت إلى أسرة وجهه * برقت كبرق العارض المتهلل ويقال: أهللنا ~~الهلال إذا دخلنا فيه. قال الجوهري: " وأهل الهلال واستهل على ما لم يسم ~~فاعله. ويقال أيضا: استهل بمعنى تبين، ولا يقال: أهل ويقال: أهللنا عن ليلة ~~كذا، ولا يقال: أهللناه فهل، كما يقال: أدخلناه فدخل، وهو قياسه ": قال أبو ~~نصر عبد الرحيم القشيري في تفسيره: ويقال: أهل الهلال واستهل وأهللنا ~~الهلال واستهللنا. # الثالثة - قال علماؤنا: من حلف ليقضين غريمه أو ليفعلن كذا في الهلال أو ~~رأس الهلال أو عند الهلال، ففعل ذلك بعد رؤية الهلال بيوم أو يومين لم ~~يحنث. وجميع الشهور تصلح لجميع العبادات والمعاملات على ما يأتي. # قوله تعالى: " قل هي مواقيت ms0755 للناس والحج " تبيين لوجه الحكمة في زيادة ~~القمر ونقصانه، وهو زوال الاشكال في الآجال والمعاملات والايمان والحج ~~والعدد والصوم والفطر ومدة الحمل والإجارات والأكرية، إلى غير ذلك من مصالح ~~العباد. ونظيره قوله الحق: # " وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة ~~لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب " [الاسراء: 12] على ما ~~يأتي (1). وقوله: " هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل ~~لتعلموا عدد السنين والحساب (2) " [يونس: 5]. وإحصاء الأهلة أيسر من إحصاء ~~الأيام. # الرابعة - وبهذا الذي قررناه يرد على أهل الظاهر ومن قال بقولهم: إن ~~المساقاة تجوز إلى الاجل المجهول سنين غير معلومة، واحتجوا بأن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عامل اليهود على شطر الزرع والنخل ما بدا لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من غير توقيت. وهذا # PageV02P342 # لا دليل فيه، لأنه عليه السلام قال لليهود: (أقركم [فيها] (1) ما أقركم ~~الله). وهذا أدل دليل وأوضح سبيل على أن ذلك خصوص له، فكان ينتظر في ذلك ~~القضاء من ربه، وليس كذلك غيره. وقد أحكمت الشريعة معاني الاجارات وسائر ~~المعاملات، فلا يجوز شئ منها إلا على ما أحكمه الكتاب والسنة، وقال به ~~علماء الأمة. # الخامسة - قوله تعالى: " مواقيت " المواقيت: جميع الميقات وهو الوقت. # وقيل: الميقات منتهى الوقت. و " مواقيت " لا تنصرف، لأنه جمع لا نظير له ~~في الآحاد، فهو جمع ونهاية جمع، إذ ليس يجمع فصار كأن الجمع تكرر فيها. # وصرفت " قوارير " في قوله: # " قواريرا " (2) [الانسان: 16] لأنها وقعت في رأس آية فنونت كما تنون ~~القوافي، فليس هو تنوين الصرف الذي يدل على تمكن الاسم. # السادسة - قوله تعالى: " والحج " بفتح الحاء قراءة الجمهور. وقرأ ابن أبي ~~إسحاق بالكسر في جميع القرآن، وفي قوله: " حج البيت في " [آل عمران: 97] في ~~" آل عمران " (3). سيبويه: الحج كالرد والشد، والحج كالذكر، فهما مصدران ~~بمعنى وقيل: الفتح مصدر، والكسر الاسم. # السابعة - أفرد سبحانه الحج بالذكر لأنه مما يحتاج فيه إلى معرفة الوقت، ~~وأنه لا يجوز النسئ فيه عن وقته، بخلاف ما رأته العرب، ms0756 فإنها كانت تحج ~~بالعدد وتبدل الشهور، فأبطل الله قولهم وفعلهم، على ما يأتي بيانه في " ~~براءة " (4) إن شاء الله تعالى. # الثامنة - استدل مالك رحمه الله وأبو حنيفة وأصحابهما في أن الاحرام ~~بالحج يصح في غير أشهر الحج بهذه الآية، لان الله تعالى جعل الأهلة كلها ~~ظرفا لذلك، فصح أن يحرم في جميعها بالحج، وخالف في ذلك الشافعي، لقوله ~~تعالى: " الحج أشهر معلومات " [البقرة: 197] على ما يأتي. وأن معنى هذه ~~الآية أن بعضها مواقيت للناس، وبعضها مواقيت للحج، وهذا كما تقول: # الجارية لزيد وعمرو، وذلك يقضي أن يكون بعضها لزيد وبعضها لعمرو، ولا ~~يجوز أن يقال: # جميعها لزيد وجميعها لعمرو. والجواب أن يقال: إن ظاهر قوله " هي مواقيت ~~للناس # PageV02P343 # والحج " يقتضي كون جميعها مواقيت للناس وجميعها مواقيت للحج، ولو أراد ~~التبعيض لقال: # بعضها مواقيت للناس وبعضها مواقيت للحج. وهذا كما تقول: إن شهر رمضان ~~ميقات لصوم زيد وعمرو. ولا خلاف أن المراد بذلك أن جميعه ميقات لصوم كل ~~واحد منهما. # وما ذكروه من الجارية فصحيح، لان كونها جمعاء لزيد مع كونها جمعاء لعمرو ~~مستحيل، وليس كذلك في مسئلتنا، فإن الزمان يصح أن يكون ميقاتا لزيد وميقاتا ~~لعمرو، فبطل ما قالوه. # التاسعة - لا خلاف بين العلماء أن من باع معلوما من السلع بثمن معلوم إلى ~~أجل معلوم من شهور العرب أو إلى أيام معروفة العدد أن البيع جائز. وكذلك ~~قالوا في السلم إلى الاجل المعلوم. واختلفوا في من باع إلى الحصاد أو إلى ~~الدياس أو إلى العطاء وشبه ذلك، فقال مالك: ذلك جائز لأنه معروف، وبه قال ~~أبو ثور. وقال أحمد: أرجو ألا يكون به بأس. وكذلك إلى قدوم الغزاة. وعن ابن ~~عمر أنه كان يبتاع إلى العطاء. وقالت طائفة. # ذلك غير جائز، لان الله تعالى وقت المواقيت وجعلها علما لآجالهم في ~~بياعاتهم ومصالحهم. # كذلك قال ابن عباس، وبه قال الشافعي والنعمان. قال ابن المنذر: قول ابن ~~عباس صحيح. # العاشرة - إذا رؤي الهلال كبيرا فقال علماؤنا: لا يعول على كبره ولا على ms0757 ~~صغره وإنما هو ابن ليلته. روى مسلم عن أبي البختري قال: خرجنا للعمرة فلما ~~نزلنا ببطن نخلة قال: تراءينا الهلال، فقال بعض القوم: هو ابن ثلاث، وقال ~~بعض القوم: هو ابن ليلتين. # قال: فلقينا ابن عباس فقلنا: إنا رأينا الهلال فقال بعض القوم هو ابن ~~ثلاث، وقال بعض القوم هو ابن ليلتين. فقال: أي ليلة رأيتموه؟ قال فقلنا: ~~ليلة كذا وكذا. فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله مده ~~للرؤية) فهو لليلة رأيتموه. # الحادية عشرة - قوله تعالى: " وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها " ~~اتصل هذا بذكر مواقيت الحج لاتفاق وقوع القضيتين في وقت السؤال عن الأهلة ~~وعن دخول البيوت من ظهورها، فنزلت الآية فيهما جميعا. وكان الأنصار إذا ~~حجوا وعادوا لا يدخلون من أبواب بيوتهم، فإنهم كانوا إذا أهلوا بالحج أو ~~العمرة يلتزمون شرعا ألا يحول بينهم وبين PageV02P344 # السماء حائل، فإذا خرج الرجل منهم بعد ذلك، أي من بعد إحرامه من بيته، ~~فرجع لحاجة لا يدخل من باب الحجرة من أجل سقف البيت أن يحول بينه وبين ~~السماء، فكان يتسنم ظهر بيته على الجدران ثم يقوم في حجرته فيأمر بحاجته ~~فتخرج إليه من بيته. فكانوا يرون هذا من النسك والبر، كما كانوا يعتقدون ~~أشياء نسكا، فرد عليهم فيها، وبين الرب تعالى أن البر في امتثال أمره. وقال ~~ابن عباس في رواية أبي صالح: كان الناس في الجاهلية وفي أول الاسلام إذا ~~أحرم رجل منهم بالحج فإن كان من أهل المدر - يعني من أهل البيوت - نقب في ~~ظهر بيته فمنه يدخل ومنه يخرج، أو يضع سلما فيصعد منه وينحدر عليه. وإن كان ~~من أهل الوبر - يعني أهل الخيام - يدخل من خلف الخيام الخيمة، إلا من كان ~~من الحمس. وروى الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم أهل زمن الحديبية ~~بالعمرة فدخل حجرته ودخل خلفه رجل أنصاري من بني سلمة، فدخل وخرق عادة ~~قومه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (لم دخلت وأنت قد أحرمت). فقال: ms0758 ~~دخلت أنت فدخلت بدخولك. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (إني أحمس " أي ~~من قوم لا يدينون بذلك. # فقال له الرجل: وأنا ديني دينك، فنزلت الآية، وقاله ابن عباس وعطاء ~~وقتادة. وقيل: # إن هذا الرجل هو قطبة بن عامر الأنصاري. # والحمس: قريش وكنانة وخزاعة وثقيف وجشم (1) وبنو عامر بن صعصعة وبنو نصر ~~ابن معاوية. وسموا حمسا لتشديدهم في دينهم. والحماسة الشدة. قال العجاج: # * وكم قطعنا من قفاف (2) حمس * أي شداد. ثم اختلفوا في تأويلها، فقيل ما ~~ذكرنا، وهو الصحيح. وقيل: إنه النسئ وتأخير الحج به، حتى كانوا يجعلون ~~الشهر الحلال حراما بتأخير الحج إليه، والشهر الحرام حلالا بتأخير الحج ~~عنه، فيكون ذكر البيوت على هذا مثلا لمخالفة الواجب في الحج وشهوره. # PageV02P345 # وسيأتي بيان النسئ في سورة [براءة] (1) إن شاء الله تعالى. وقال أبو ~~عبيدة: الآية ضرب مثل، المعنى ليس البر أن تسألوا الجهال ولكن اتقوا الله ~~واسألوا العلماء، فهذا كما تقول: # أتيت هذا الامر من بابه. وحكى المهدوي ومكي عن ابن الأنباري، والماوردي ~~عن ابن زيد أن الآية مثل في جماع النساء، أمر بإتيانهن في القبل لا من ~~الدبر. وسمي النساء بيوتا للايواء إليهن كالايواء إلى البيوت. قال ابن ~~عطية: وهذا بعيد مغير نمط الكلام. وقال الحسن: كانوا يتطيرون، فمن سافر ولم ~~تحصل حاجته كان يأتي بيته من وراء ظهره تطيرا من الخيبة، فقيل لهم: ليس في ~~التطير بر، بل البر أن تتقوا الله وتتوكلوا عليه. # قلت: القول الأول أصح هذه الأقوال، لما رواه البراء قال: كان الأنصار إذا ~~حجوا فرجعوا لم يدخلوا البيوت من أبوابها، قال: فجاء رجل من الأنصار فدخل ~~من بابه، فقيل له في ذلك، فنزلت هذه الآية: " وليس البر بأن تأتوا البيوت ~~من ظهورها " وهذا نص في البيوت حقيقة. خرجه البخاري ومسلم. وأما تلك ~~الأقوال فتؤخذ من موضع آخر لا من الآية، فتأمله. وقد قيل: إن الآية خرجت ~~مخرج التنبيه من الله تعالى على أن يأتوا البر من وجهه، وهو الوجه الذي أمر ~~الله تعالى ms0759 به، فذكر إتيان البيوت من أبوابها مثلا ليشير به إلى أن نأتي ~~الأمور من مأتاها الذي ندبنا الله تعالى إليه. # قلت: فعلى هذا يصح ما ذكر من الأقوال. والبيوت جمع بيت، وقرئ بضم الباء ~~وكسرها. وتقدم معنى التقوى والفلاح ولعل، فلا معنى للإعادة (2). # الثانية عشرة - في هذه الآية بيان أن ما لم يشرعه الله قربة ولا ندب إليه ~~لا يصير قربة بأن يتقرب به متقرب. قال ابن خويز منداد: إذا أشكل ما هو بر ~~وقربة بما ليس هو بر وقربة أن ينظر في ذلك العمل، فإن كان له نظير في ~~الفرائض والسنن فيجوز أن يكون، وإن لم يكن فليس ببر ولا قربة. قال: وبذلك ~~جاءت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم. # وذكر حديث ابن عباس قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب إذا هو ~~برجل قائم # PageV02P346 # في الشمس فسأل عنه، فقالوا: هو أبو إسرائيل (1)، نذر أن يقوم ولا يقعد ~~ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (مروه فليتكلم ~~وليستظل وليقعد وليتم صومه). # فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم ما كان غير قربة مما لا أصل له في ~~شريعته، وصحح ما كان قربة مما له نظير في الفرائض والسنن. # قوله تعالى: وقتلوا في سبيل الله الذين يقتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا ~~يحب المعتدين (190) فيه ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " وقاتلوا " هذه الآية أول آية نزلت في الامر ~~بالقتال، ولا خلاف في أن القتال كان محظورا قبل الهجرة بقوله: " ادفع بالتي ~~هي أحسن " (2) [فصلت: 34] وقوله: # " فاعف عنهم واصفح " (3) [المائدة: 13] وقوله: " واهجرهم هجرا جميلا " ~~(4) [المزمل: 10] وقوله: " لست عليهم بمسيطر " (5) [الغاشية: 22] وما كان ~~مثله مما نزل بمكة. فلما هاجر إلى المدينة أمر بالقتال فنزل: " وقاتلوا في ~~سبيل الله الذين يقاتلونكم " قاله الربيع بن أنس وغيره. وروي عن أبي بكر ~~الصديق أن أول آية نزلت في القتال: " أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا " (6) ~~[الحج: 39]. والأول أكثر، وأن آية الاذن إنما نزلت في القتال عامة لمن فاتل ~~ولمن لم ms0760 يقاتل من المشركين، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج مع ~~أصحابه إلى مكة للعمرة، فلما نزل الحديبية بقرب مكة - والحديبية اسم بئر، ~~فسمى ذلك الموضع باسم تلك البئر - فصده المشركون عن البيت، وأقام بالحديبية ~~شهرا، فصالحوه على أن يرجع من عامه ذلك كما جاء، على أن تخلى له مكة في ~~العام المستقبل ثلاثة أيام، وصالحوه على ألا يكون بينهم قتال عشر سنين، ~~ورجع إلى المدينة. فلما كان من قابل تجهز لعمرة القضاء، وخاف المسلمون غدر ~~الكفار وكرهوا القتال في الحرم وفي الشهر الحرام، فنزلت هذه الآية، أي يحل ~~لكم القتال إن قاتلكم الكفار. فالآية متصلة بما سبق من ذكر الحج وإتيان ~~البيوت # PageV02P347 # من ظهورها، فكان عليه السلام يقاتل من قاتله ويكف عمن كف عنه، حتى نزل " ~~فاقتلوا المشركين " (1) [التوبة: 5] فنسخت هذه الآية، قاله جماعة من ~~العلماء. وقال ابن زيد والربيع: نسخها " وقاتلوا المشركين كافة " (1) ~~[التوبة: 36] فأمر بالقتال لجميع الكفار. وقال ابن عباس وعمر بن عبد العزيز ~~ومجاهد: هي محكمة، أي قاتلوا الذين هم بحالة من يقاتلونكم، ولا تعتدوا في ~~قتل النساء والصبيان والرهبان وشبههم، على ما يأتي بيانه. قال أبو جعفر ~~النحاس: وهذا أصح القولين في السنة والنظر، فأما السنة فحديث ابن عمر أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في بعض مغازيه امرأة مقتولة فكره ذلك، ~~ونهى عن قتل النساء والصبيان، رواه الأئمة. وأما النظر فإن " فاعل " لا ~~يكون في الغالب إلا من اثنين، كالمقاتلة والمشاتمة والمخاصمة، والقتال لا ~~يكون في النساء ولا في الصبيان ومن أشبههم، كالرهبان والزمني والشيوخ ~~والأجراء فلا يقتلون. # وبهذا أوصى أبو بكر الصديق رضي الله عنه يزيد بن أبي سفيان حين أرسله إلى ~~الشام، إلا أن يكون لهؤلاء إذاية، أخرجه مالك وغيره، وللعلماء فيهم صور ست: # الأولى - النساء إن قاتلن قتلن، قال سحنون: في حالة المقاتلة وبعدها، ~~لعموم قوله: # " وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم "، " واقتلوهم حيث ثقفتموهم " ~~[البقرة: 191]. وللمرأة آثار عظيمة في القتال، منها الامداد بالأموال، ~~ومنها التحريص على القتال، ms0761 وقد يخرجن ناشرات شعورهن نادبات مثيرات معيرات ~~بالفرار، وذلك يبيح قتلهن، غير أنهن إذا حصلن في الأسر فالاسترقاق أنفع ~~لسرعة إسلامهن ورجوعهن عن أديانهن، وتعذر فرارهن إلى أوطانهن بخلاف الرجال. # الثانية - الصبيان فلا يقتلون للنهي الثابت عن قتل الذرية، ولأنه لا ~~تكليف عليهم، فإن قاتل [الصبي] قتل. # الثالثة - الرهبان لا يقتلون ولا يسترقون، بل يترك لهم ما يعيشون به من ~~أموالهم، وهذا إذا انفردوا عن أهل الكفر، لقول أبي بكر ليزيد (2): " وستجد ~~أقواما زعموا أنهم حبسوا # PageV02P348 # أنفسهم لله، فذرهم وما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم له " فإن كانوا مع الكفار ~~في الكنائس قتلوا. ولو ترهبت المرأة فروى أشهب أنها لا تهاج (1). وقال ~~سحنون: لا يغير الترهب حكمها. # قال القاضي أبو بكر بن العربي: " والصحيح عندي رواية أشهب، لأنها داخلة ~~تحت قوله: " فذرهم وما حبسوا أنفسهم له ". # الرابعة - الزمنى. قال سحنون: يقتلون. وقال ابن حبيب: لا يقتلون. والصحيح ~~أن تعتبر أحوالهم، فإن كانت فيهم إذاية قتلوا، وإلا تركوا وما هم بسبيله من ~~الزمانة وصاروا (2) مالا على حالهم وحشوة. # الخامسة - الشيوخ. قال مالك في كتاب محمد: لا يقتلون. والذي عليه جمهور ~~الفقهاء: إن كان شيخا كبيرا هرما لا يطيق القتال، ولا ينتفع به في رأي ولا ~~مدافعة فإنه لا يقتل، وبه قال مالك وأبو حنيفة. وللشافعي قولان: أحدهما - ~~مثل قول الجماعة. # والثاني - يقتل هو والراهب. والصحيح الأول لقول أبي بكر ليزيد، ولا مخالف ~~له فثبت أنه إجماع. وأيضا فإنه ممن لا يقاتل ولا يعين العدو فلا يجوز قتله ~~كالمرأة، وأما إن كان ممن تخشى مضرته بالحرب أو الرأي أو المال فهذا إذا ~~أسر يكون الامام فيه مخيرا بين خمسة أشياء: القتل أو المن أو الفداء أو ~~الاسترقاق أو عقد الذمة على أداء الجزية. # السادسة - العسفاء، وهم الاجراء والفلاحون، فقال مالك في كتاب محمد: لا ~~يقتلون. # وقال الشافعي: يقتل الفلاحون والأجراء والشيوخ الكبار إلا أن يسلموا أو ~~يؤدوا الجزية. # والأول أصح، لقوله عليه السلام في حديث رباح (3) بن الربيع (الحق بخالد ~~بن الوليد فلا ms0762 يقتلن ذرية ولا عسيفا). وقال عمر بن الخطاب: اتقوا الله في ~~الذرية والفلاحين الذي لا ينصبون لكم الحرب. وكان عمر بن عبد العزيز لا ~~يقتل حراثا، ذكره ابن المنذر. # PageV02P349 # الثانية - روى أشهب عن مالك أن المراد بقوله: " وقاتلوا في سبيل الله ~~الذين يقاتلونكم " أهل الحديبية (1) أمروا بقتال من قاتلهم. والصحيح أنه ~~خطاب لجميع المسلمين، أمر كل أحد أن يقاتل من قاتله إذ لا يمكن سواه. ألا ~~تراه كيف بينها في سورة " براءة " بقوله: " قاتلوا الذين يلونكم من الكفار ~~" (2) [التوبة: 123] وذلك أن المقصود أولا كان أهل مكة فتعينت البداءة بهم، ~~فلما فتح الله مكة كان القتال لمن يلي ممن كان يؤذي حتى تعم الدعوة وتبلغ ~~الكلمة جميع الآفاق ولا يبقى أحد من الكفرة، وذلك باق متماد إلى يوم ~~القيامة، ممتد إلى غاية هي قوله عليه السلام: (الخيل معقود في نواصيها ~~الخير إلى يوم القيامة الاجر والمغنم). وقيل: غايته نزول عيسى بن مريم عليه ~~السلام، وهو موافق للحديث الذي قبله، لان نزوله من أشراط الساعة. # الثالثة - قوله تعالى: " ولا تعتدوا " قيل في تأويله ما قدمناه، فهي ~~محكمة. # فأما المرتدون فليس إلا القتل أو التوبة، وكذلك أهل الزيغ والضلال ليس ~~إلا السيف أو التوبة. ومن أسر الاعتقاد بالباطل (3) ثم ظهر عليه فهو ~~كالزنديق يقتل ولا يستتاب. # وأما الخوارج على أئمة العدل فيجب قتالهم حتى يرجعوا إلى الحق. وقال قوم: ~~المعنى لا تعتدوا في القتال لغير وجه الله، كالحمية وكسب الذكر، بل قاتلوا ~~في سبيل الله الذين يقاتلونكم، يعني دينا وإظهارا للكلمة. وقيل: " لا ~~تعتدوا " أي لا تقاتلوا من لم يقاتل. فعلى هذا تكون الآية منسوخة بالامر ~~بالقتال لجميع الكفار، والله أعلم. # قوله تعالى: واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم منن حيث أخرجوكم والفتنة أشد ~~من القتل ولا تقتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقتلوكم فيه فإن قتلوكم ~~فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين (191) فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم (192). # PageV02P350 # فيه خمس مسائل: الأولى - قوله تعالى: " ثقفتموهم " يقال: ثقف يثقف ثقفا ~~وثقفا، ورجل ثقف لقف: إذا كان محكما لما ms0763 يتناوله من الأمور. وفي هذا دليل ~~على قتل الأسير، وسيأتي بيان هذا في " الأنفال " (1) إن شاء الله تعالى. ~~وأخرجوهم من حيث أخرجوكم " أي مكة. # قال الطبري: الخطاب للمهاجرين، والضمير لكفار قريش. # الثانية قوله تعالى: " والفتنة أشد منن القتل " أي الفتنة التي حملوكم ~~عليها وراموا رجوعكم بها إلى الكفر أشد من القتل. قال مجاهد: أي من أن يقتل ~~المؤمن، فالقتل أخف عليه من الفتنة. وقال غيره: أي شركهم بالله وكفرهم به ~~أعظم جرما وأشد من القتل الذي عيروكم به. وهذا دليل على أن الآية نزلت في ~~شأن عمرو بن الحضرمي حين قتله واقد بن عبد الله التميمي في آخر يوم من رجب ~~الشهر الحرام، حسب ما هو مذكور في سرية عبد الله بن جحش، على ما يأتي بيانه ~~(2)، قاله الطبري وغيره. # الثالثة - قوله تعالى: " ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم ~~فيه " الآية. للعلماء في هذه الآية قولان: أحدهما - أنها منسوخة، والثاني - ~~أنها محكمة. قال مجاهد: الآية محكمة، ولا يجوز قتال أحد في المسجد الحرام ~~إلا بعد أن يقاتل، وبه قال طاوس، وهو الذي يقتضيه نص الآية، وهو الصحيح من ~~القولين، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه. # وفي الصحيح عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح ~~مكة: إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض فهو حرام بحرمة الله ~~تعالى إلى يوم القيامة وإنه لم يحل القتال فيه لاحد قبلي ولم يحل لي إلا ~~ساعة من نهار فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة). وقال قتادة: الآية ~~منسوخة بقوله تعالى: " فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم " (3) [التوبة: 5]. وقال مقاتل: نسخها قوله تعالى: " واقتلوهم حيث ~~ثقفتموهم " ثم نسخ هذا قوله: " اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ". فيجوز ~~الابتداء بالقتال في الحرم. # PageV02P351 # ومما احتجوا به أن " براءة " نزلت بعد سورة " البقرة " بسنتين، وأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم دخل مكة وعليه المغفر (1)، فقيل: إن ابن خطل متعلق ~~بأستار الكعبة، فقال: (اقتلوه). # وقال ابن خويز منداد: " ولا تقاتلوهم ms0764 عند المسجد الحرام " منسوخة، لان ~~الاجماع قد تقرر بأن عدلوا لو استولى على مكة وقال: لأقاتلكم، وأمنعكم من ~~الحج ولا أبرح من مكة لوجب قتاله وإن لم يبدأ بالقتال، فمكة وغيرها من ~~البلاد سواء. وإنما قيل فيها: هي حرام تعظيما لها، ألا ترى أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بعث خالد بن الوليد يوم الفتح وقال: (احصدهم بالسيف حتى ~~تلقاني على الصفا) حتى جاء العباس فقال: يا رسول الله، ذهبت قريش، فلا قريش ~~بعد اليوم. ألا ترى أنه قال في تعظيمها: (ولا يلتقط لقطتها إلا منشد) ~~واللقطة بها وبغيرها سواء. ويجوز أن تكون منسوخة بقوله: " وقاتلوهم حتى لا ~~تكون فتنة " [البقرة: 193]. # قال ابن العربي: " حضرت في بيت المقدس - طهره الله - بمدرسة أبي عقبة ~~الحنفي، والقاضي الزنجاني يلقي علينا الدرس في يوم جمعة، فبينا نحن كذلك إذ ~~دخل علينا رجل بهي المنظر على ظهره أطمار، فسلم سلام العلماء وتصدر في صدر ~~المجلس بمدارع (2) الرعاء، فقال القاضي الزنجاني: # من السيد؟ فقال: رجل سلبه الشطار (3) أمس، وكان مقصدي هذا الحرم المقدس، ~~وأنا رجل من أهل صاغان من طلبة العلم. فقال القاضي مبادرا: سلوه - على ~~العادة في إكرام العلماء بمبادرة سؤالهم - ووقعت القرعة على مسألة الكافر ~~إذا التجأ إلى الحرم هل يقتل أم لا؟ فأفتى بأنه لا يقتل. فسئل عن الدليل، ~~فقال قوله تعالى: " ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه " قرئ ~~" ولا تقتلوهم، ولا تقاتلوهم " فإن قرئ " ولا تقتلوهم " فالمسألة نص، وإن ~~قرئ " ولا تقاتلوهم " فهو تنبيه، لأنه إذا نهى عن القتال الذي هو سبب القتل ~~كان دليلا بينا ظاهرا على النهي عن القتل. فاعترض عليه القاضي منتصرا ~~للشافعي ومالك، وإن لم ير مذهبهما، على العادة، فقال: هذه الآية منسوخة ~~بقوله تعالى: " فاقتلوا المشركين # PageV02P352 # حيث وجدتموهم " [التوبة: 5]. فقال له الصاغاني: هذا لا يليق بمنصب القاضي ~~وعلمه، فإن هذه الآية التي اعترضت بها عامة في الأماكن، والتي احتججت بها ~~خاصة، ولا يجوز لاحد أن يقول: # إن العام ينسخ الخاص. فبهت القاضي الزنجاني، ms0765 وهذا من بديع الكلام). قال ~~ابن العربي (1): # (فإن لجأ إليه كافر فلا سبيل إليه، لنص الآية والسنة الثابتة بالنهي عن ~~القتال فيه. وأما الزاني والقاتل فلا بد من إقامة الحد عليه، إلا أن يبتدئ ~~الكافر بالقتال فيقتل بنص القرآن). # قلت: وأما ما احتجوا به من قتل ابن خطل وأصحابه فلا حجة فيه، فإن ذلك كان ~~في الوقت الذي أحلت له مكة وهي دار حرب وكفر، وكان له أن يريق دماء من شاء ~~من أهلها في الساعة التي أحل فيها القتال. فثبت وصح أن القول الأول أصح، ~~والله أعلم. # الرابعة - قال بعض العلماء: في هذه الآية دليل على أن الباغي على الامام ~~بخلاف الكافر، فالكافر يقتل إذا قاتل بكل حال، والباغي إذا قاتل يقاتل بنية ~~الدفع. ولا يتبع مدبر ولا يجهز على جريح. على ما يأتي بيانه من أحكام ~~الباغين في " الحجرات " (2) إن شاء الله تعالى. # الخامسة - قوله تعالى: " فإن انتهوا " أي عن قتالكم بالايمان فإن الله ~~يغفر لهم جميع ما تقدم، ويرحم كلا منهم بالعفو عما اجترم، نظيره قوله ~~تعالى: " قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف " [الأنفال: 38]. ~~وسيأتي. # (3) قوله تعالى: وقتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا ~~فلا عدون إلا على الظالمين (193). # فيه مسألتان: # الأولى - قوله تعالى: " وقاتلوهم " أمر بالقتال لكل مشرك في كل موضع، على ~~من رآها ناسخة. ومن رآها غير ناسخة قال: المعنى قاتلوا هؤلاء الذين قال ~~الله فيهم: " فإن قاتلوكم " والأول أظهر، وهو أمر بقتال مطلق لا بشرط أن ~~يبدأ الكفار. دليل ذلك قوله تعالى: # " ويكون الدين لله "، وقال عليه السلام: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا ~~لا إله # PageV02P353 # إلا الله). فدلت الآية والحديث على أن سبب القتال هو الكفر، لأنه قال: " ~~حتى لا تكون فتنة " أي كفر، فجعل الغاية عدم الكفر، وهذا ظاهر. قال ابن ~~عباس وقتادة والربيع والسدي وغيرهم: الفتنة هناك الشرك وما تابعه من أذى ~~المؤمنين. وأصل الفتنة: الاختبار والامتحان، مأخوذ من فتنت الفضة إذا ~~أدخلتها في ms0766 النار لتميز رديئها من جيدها. وسيأتي بيان محاملها إن شاء الله ~~تعالى. # الثانية - قوله تعالى: " فإن انتهوا " أي عن الكفر، إما بالاسلام كما ~~تقدم في الآية قبل، أو بأداء الجزية في حق أهل الكتاب، على ما يأتي بيانه ~~في " براءة " (1) وإلا قوتلوا وهم الظالمون عدوان إلا عليهم. وسمي ما يصنع ~~بالظالمين عدوانا من حيث هو جزاء عدوان، إذ الظلم يتضمن العدوان، فسمي جزاء ~~العدوان عدوانا، كقوله: " وجزاء سيئة سيئة مثلها " (2). [الشورى: 40]. # والظالمون هم على أحد التأويلين: من بدأ بقتال، وعلى التأويل الاخر: من ~~بقي على كفر وفتنة. # قوله تعالى: الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم ~~فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين ~~(194). # فيه عشر مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " الشهر الحرام " قد تقدم اشتقاق الشهر (3). وسبب ~~نزولها ما روي عن ابن عباس وقتادة ومجاهد ومقسم والسدي والربيع والضحاك ~~وغيرهم قالوا: # نزلت في عمرة القضية وعام الحديبية، [وذلك (4) أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم خرج معتمرا حتى بلغ الحديبية] في ذي القعدة سنة ست، فصده ~~المشركون كفار قريش عن البيت فانصرف، ووعده الله سبحانه أنه سيدخله، فدخله ~~سنة سبع وقضى نسكه، فنزلت هذه الآية. وروي عن الحسن أن المشركين قالوا ~~للنبي صلى الله عليه وسلم: أنهيت يا محمد عن القتال في الشهر الحرام؟ قال: ~~(نعم). فأرادوا قتاله، فنزلت الآية. المعنى: إن استحلوا ذلك فيه فقاتلهم، ~~فأباح الله بالآية مدافعتهم، والقول الأول أشهر وعليه الأكثر. # PageV02P354 # الثانية - قوله تعالى: " والحرمات قصاص " الحرمات جمع حرمة، كالظلمات جمع ~~ظلمة، والحجرات جمع حجرة. وإنما جمعت الحرمات لأنه أراد [حرمة] الشهر ~~الحرام [وحرمة] البلد الحرام، وحرمة الاحرام. والحرمة: ما منعت من انتهاكه. ~~والقصاص المساواة، أي اقتصصت لكم منهم إذ صدوكم سنة ست فقضيتم العمرة سنة ~~سبع. ف‍ " الحرمات قصاص " على هذا متصل بما قبله ومتعلق به. وقيل: هو مقطوع ~~منه. وهو ابتداء أمر كان في أول الاسلام: إن من انتهك حرمتك نلت منه مثل ما ~~اعتدى عليك، ثم ms0767 نسخ ذلك بالقتال. وقالت طائفة: ما تناولت الآية من التعدي ~~بين أمة محمد صلى الله عليه وسلم والجنايات ونحوها لم ينسخ، وجاز لمن تعدي ~~عليه في مال أو جرح أن يتعدى بمثل ما تعدي به عليه إذا خفى (1) له ذلك، ~~وليس بينه وبين الله تعالى في ذلك شئ، قاله الشافعي وغيره، وهي رواية في ~~مذهب مالك. وقالت طائفة من أصحاب مالك: ليس ذلك له، وأمور القصاص وقف على ~~الحكام. والأموال يتناولها قوله صلى الله عليه وسلم: (أد الأمانة إلى من ~~ائتمنك ولا تخن من خانك). خرجه الدارقطني وغيره. فمن ائتمنه من خانه فلا ~~يجوز له أن يخونه ويصل إلى حقه مما ائتمنه عليه، وهو المشهور من المذهب، ~~وبه قال أبو حنيفة تمسكا بهذا الحديث، وقوله تعالى: " إن الله يأمركم أن ~~تؤدوا الأمانات إلى أهلها " (2) [النساء: 58]. # وهو قول عطاء الخراساني. قال قدامة بن الهيثم: سألت عطاء بن ميسرة ~~الخراساني فقلت له: لي على رجل حق، وقد جحدني به وقد أعيا علي البينة، ~~أفأقتص من ماله؟ قال: أرأيت لو وقع بجاريتك، فعلمت ما كنت صانعا. # قلت: والصحيح جواز ذلك كيف ما توصل إلى أخذ حقه ما لم يعد سارقا، وهو ~~مذهب الشافعي وحكاه الداودي عن مالك، وقال به ابن المنذر، واختاره ابن ~~العربي، وأن ذلك ليس خيانة وإنما هو وصول إلى حق. وقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: (انصر أخاك ظالما أو مظلوما) وأخذ الحق من الظالم نصر له. وقال ~~صلى الله عليه وسلم لهند بنت عتبة امرأة أبي سفيان لما قالت له: إن أبا ~~سفيان رجل شحيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني إلا ما أخذت من ~~ماله بغير علمه، فهل علي جناح؟ فقال رسول الله صلى الله # PageV02P355 # عليه وسلم: (خذي ما يكفيك ويكفي ولدك بالمعروف). فأباح لها الاخذ وألا ~~تأخذ إلا القدر الذي يجب لها. وهذا كله ثابت في الصحيح، وقوله تعالى: " فمن ~~اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " قاطع في موضع الخلاف. # الثالثة - واختلفوا ms0768 إذا ظفر له بمال من غير جنس ماله، فقيل: لا يأخذ إلا ~~بحكم الحاكم. وللشافعي قولان، أصحهما الاخذ، قياسا على ما لو ظفر له من جنس ~~ماله. والقول الثاني لا يأخذ لأنه خلاف الجنس. ومنهم من قال: يتحرى قيمة ما ~~له عليه ويأخذ مقدار ذلك. وهذا هو الصحيح لما بيناه من الدليل، والله أعلم. # الرابعة - وإذا فرعنا على الاخذ فهل يعتبر ما عليه من الديون وغير ذلك، ~~فقال الشافعي: لا، بل يأخذ ماله عليه. وقال مالك: يعتبر ما يحصل له مع ~~الغرماء في الفلس، وهو القياس، والله أعلم. # الخامسة - قوله تعالى: " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى ~~عليكم عموم متفق عليه، إما بالمباشرة إن أمكن، وإما بالحكام. واختلف الناس ~~في المكافأة هل تسمى عدوانا أم لا، فمن قال: ليس في القرآن مجاز، قال: ~~المقابلة عدوان، وهو عدوان مباح، كما أن المجاز في كلام العرب كذب مباح، ~~لان قول القائل: # * فقالت له العينان سمعا وطاعة * وكذلك: # * امتلا الحوض وقال قطني * وكذلك: # * شكا إلى جملي طول السرى * ومعلوم أن هذه الأشياء لا تنطق. وحد الكذب: ~~إخبار عن الشئ على خلاف ما هو به. # ومن قال في القرآن مجاز سمى هذا عدوانا على طريق المجاز ومقابلة الكلام ~~بمثله، كما قال عمرو بن كلثوم: # ألا لا يجهلن أحد علينا * فنجهل فوق جهل الجاهلينا PageV02P356 # وقال الاخر: # ولي فرس للجلم بالحلم ملجم * ولي فرس للجهل بالجهل مسرج ومن رام تقويمي ~~فإني مقوم * ومن رام تعويجي فإني معوج يريد: أكافئ الجاهل والمعوج، لا أنه ~~امتدح بالجهل والاعوجاج. # السادسة - واختلف العلماء فيمن استهلك أو أفسد شيئا من الحيوان أو العروض ~~التي لا تكال ولا توزن، فقال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما وجماعة من ~~العلماء: عليه في ذلك المثل، ولا يعدل إلى القيمة إلا عند عدم المثل، لقوله ~~تعالى: " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " وقوله تعالى: ~~" وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به " (1) [النحل: 126]. # قالوا: وهذا عموم في جميع الأشياء كلها، وعضدوا هذا بأن ms0769 النبي صلى الله ~~عليه وسلم حبس القصعة المكسورة في بيت التي كسرتها ودفع الصحيحة وقال: ~~(إناء بإناء وطعام بطعام) خرجه أبو داود قال: حدثنا مسدد حدثنا يحيى ح ~~وحدثنا محمد بن المثنى حدثنا خالد عن حميد عن أنس أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كان عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين مع خادم قصعة ~~فيها طعام، قال: فضربت بيدها فكسرت القصعة. قال ابن المثنى: # فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم الكسرتين فضم إحداهما إلى الأخرى، فجعل ~~يجمع فيها الطعام ويقول: (غارت أمكم). زاد ابن المثنى (كلوا) فأكلوا حتى ~~جاءت قصعتها التي في بيتها. # ثم رجعنا إلى لفظ حديث مسدد وقال: (كلوا) وحبس الرسول والقصعة حتى فرغوا، ~~فدفع القصعة الصحيحة إلى الرسول وحبس المكسورة في بيته. حدثنا أبو داود ~~قال: حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن سفيان قال وحدثنا فليت العامري - قال أبو ~~داود: وهو أفلت بن خليفة - عن جسرة بنت دجاجة قالت قالت عائشة رضي الله ~~عنها: ما رأيت صانعا طعاما مثل صفية، صنعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~طعاما فبعثت به، فأخذني أفكل (2) فكسرت الاناء، فقلت: # يا رسول الله، ما كفارة ما صنعت؟ قال: (إناء مثل إناء وطعام مثل طعام). ~~قال مالك # PageV02P357 # وأصحابه: عليه في الحيوان والعروض التي لا تكال ولا توزن القيمة لا ~~المثل، بدليل تضمين النبي صلى الله عليه وسلم الذي أعتق نصف عبده قيمة نصف ~~شريكه، ولم يضمنه مثل نصف عبده. ولا خلاف بين العلماء على تضمين المثل في ~~المطعومات والمشروبات والموزونات، لقوله عليه السلام: (طعام بطعام). # السابعة - لا خلاف بين العلماء أن هذه الآية أصل في المماثلة في القصاص، ~~فمن قتل بشئ قتل بمثل ما قتل به، وهو قول الجمهور، ما لم يقتله بفسق ~~كاللوطية وإسقاء الخمر فيقتل بالسيف. وللشافعية قول: إنه يقتل بذلك، فيتخذ ~~عود على تلك الصفة ويطعن به في دبره حتى يموت، ويسقى عن الخمر ماء حتى ~~يموت. وقال ابن الماجشون: إن من قتل بالنار أو بالسم لا يقتل به، ms0770 لقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يعذب بالنار، إلا الله). # والسم نار باطنة. وذهب الجمهور إلى أنه يقتل بذلك، لعموم الآية. # الثامنة - وأما القود بالعصا فقال مالك في إحدى الروايتين: إنه إن كان في ~~القتل بالعصا تطويل وتعذيب قتل بالسيف، رواه عنه ابن وهب، وقاله ابن ~~القاسم. وفي الأخرى: # يقتل بها وإن كان فيه ذلك، وهو قول الشافعي. وروى أشهب وابن نافع عن مالك ~~في الحجر والعصا أنه يقتل بهما إذا كانت الضربة مجهزة، فأما أن يضرب ضربات ~~فلا. وعليه لا يرمى بالنبل ولا بالحجارة لأنه من التعذيب، وقاله عبد الملك. ~~قال ابن العربي: " والصحيح من أقوال علمائنا أن المماثلة واجبة، إلا أن ~~تدخل في حد التعذيب فلتترك إلى السيف ". واتفق علماؤنا على أنه إذا قطع يده ~~ورجله وفقأ عينه بقصد التعذيب فعل به ذلك، كما فعل النبي صلى الله عليه ~~وسلم بقتلة الرعاء (1). وإن كان في مدافعة أو مضاربة قتل بالسيف. وذهبت ~~طائفة إلى خلاف هذا كله فقالوا: لا قود إلا بالسيف، وهو مذهب أبي حنيفة ~~والشعبي والنخعي. # PageV02P358 # واحتجوا على ذلك بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا قود إلا ~~بحديدة)، وبالنهي عن المثلة، وقوله: (لا يعذب بالنار إلا رب النار). ~~والصحيح ما ذهب إليه الجمهور، لما رواه الأئمة عن أنس بن مالك أن جارية وجد ~~رأسها قد رض بين حجرين، فسألوها: من صنع هذا بك! أفلان، أفلان؟ حتى ذكروا ~~يهوديا فأومأت برأسها، فأخذ اليهودي فأقر، فأمر به رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن ترض رأسه بالحجارة. وفي رواية: فقتله رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بين حجرين. وهذا نص صريح صحيح، وهو مقتضى قوله تعالى: " وإن عاقبتم فعاقبوا ~~بمثل ما عوقبتم به " [النحل: 126]. وقوله: " فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى ~~عليكم ". وأما ما استدلوا به من حديث جابر فحديث ضعيف عند المحدثين، لا ~~يروى من طريق صحيح، لو صح قلنا بموجبه، وأنه إذا قتل بحديدة قتل بها، يدل ~~على ذلك حديث أنس: أن يهوديا ms0771 رض رأس جارية بين حجرين فرض رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم رأسه بين حجرين. وأما النهي عن المثلة فنقول أيضا بموجبها ~~إذا لم يمثل، فإذا مثل مثلنا به، يدل على ذلك حديث العرنيين، وهو صحيح ~~أخرجه الأئمة. وقوله: (لا يعذب بالنار إلا رب النار) صحيح إذا لم يحرق، فإن ~~حرق حرق، يدل عليه عموم القرآن. قال الشافعي: إن طرحه في النار عمدا طرح في ~~النار حتى يموت، وذكره الوقار (1) في مختصره عن مالك، وهو قول محمد بن عبد ~~الحكم. قال ابن المنذر: وقول كثير من أهل العلم في الرجل يخنق الرجل: عليه ~~القود، وخالف في ذلك محمد بن الحسن فقال: لو خنقه حتى مات أو طرحه في بئر ~~فمات، أو ألفاه من جبل أو سطح فمات، لم يكن عليه قصاص وكان على عاقلته ~~الدية، فإن كان معروفا بذلك - قد خنق غير واحد - فعليه القتل. قال ابن ~~المنذر: ولما أقاد النبي صلى الله عليه وسلم من اليهودي الذي رض رأس ~~الجارية بالحجر كان هذا في معناه، فلا معنى لقوله. # قلت: وحكى هذا القول غيره عن أبي حنيفة فقال: وقد شذ أبو حنيفة فقال فيمن ~~قتل بخنق أو بسم أو تردية من جبل أو بئر أو بخشبة: إنه لا يقتل ولا يقتص ~~منه، إلا إذا # PageV02P359 # قتل بمحدد حديد أو حجر أو خشب أو كان معروفا بالخنق والتردية وكان عاقلته ~~الدية. # وهذا منه رد للكتاب والسنة، وإحداث ما لم يكن عليه أمر الأمة، وذريعة إلى ~~رفع القصاص الذي شرعه الله للنفوس، فليس عنه مناص. # التاسعة - واختلفوا فيمن حبس رجلا وقتله آخر، فقال عطاء: يقتل القاتل ~~ويحبس الحابس حتى يموت. وقال مالك: إن كان حبسه وهو يرى أنه يريد قتله قتلا ~~جميعا، وفي قول الشافعي وأبي ثور والنعمان يعاقب الحابس. واختاره ابن ~~المنذر. # قلت: قول عطاء صحيح، وهو مقتضى التنزيل. وروى الدارقطني عن ابن عمر عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أمسك الرجل الرجل وقتله الاخر يقتل ~~القاتل ويحبس الذي أمسكه). ms0772 رواه سفيان الثوري عن إسماعيل بن أمية عن نافع ~~عن ابن عمر، ورواه معمر وابن جريج عن إسماعيل مرسلا. # العاشرة - قوله تعالى: " فمن اعتدى " الاعتداء هو التجاوز، قال الله ~~تعالى: " ومن يتعد حدود الله " (1) [البقرة: 229] أي يتجاوزها، فمن ظلمك ~~فخذ حقك منه بقدر مظلمتك، ومن شتمك فرد عليه مثل قوله، ومن أخذ عرضك فخذ ~~عرضه، لا تتعدى إلى أبويه ولا إلى ابنه أو قريبه، وليس لك أن تكذب عليه وإن ~~كذب عليك، فإن المعصية لا تقابل بالمعصية، فلو قال لك مثلا: # يا كافر، جاز لك أن تقول له: أنت الكافر. وإن قال لك: يا زان، فقصاصك أن ~~تقول له: # يا كذاب يا شاهد زور. ولو قلت له يا زان، كنت كاذبا وأثمت في الكذب. وإن ~~مطلك وهو غني دون عذر فقل: يا ظالم، يا آكل أموال الناس، قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # (لي (2) الواجد يحل عرضه وعقوبته). أما عرضه فبما فسرناه، وأما عقوبته ~~فالسجن يحبس فيه. وقال ابن عباس: نزل هذا قبل أن يقوى الاسلام، فأمر من ~~أوذي من المسلمين أن يجازي بمثل ما أوذي به، أو يصبر أو يعفو، ثم نسخ ذلك ~~بقوله: " وقاتلوا المشركين كافة " (3) [التوبة: 36]. وقيل: # نسخ ذلك بتصييره إلى السلطان. ولا يحل لاحد أن يقتص من أحد إلا بإذن ~~السلطان. # PageV02P360 # قوله تعالى: وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا ~~إن الله يحب المحسنين (195). # فيه ثلاث مسائل: # الأولى - روى البخاري عن حذيفة: " وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا ~~بأيديكم إلى التهلكة " قال: نزلت في النفقة. وروى يزيد بن أبي حبيب عن أسلم ~~أبي عمران قال: # غزونا القسطنطينية، وعلى الجماعة عبد الرحمن بن الوليد، والروم ملصقو ~~ظهورهم بحائط المدينة، فحمل رجل على العدو، فقال الناس: مه (1) مه! لا إله ~~إلا الله، يلقي بيديه إلى التهلكة! فقال أبو أيوب: سبحان الله! أنزلت هذه ~~الآية فينا معاشر الأنصار لما نصر الله نبيه وأظهر دينه، قلنا: هلم نقيم في ~~أموالنا ونصلحها، فأنزل الله عز وجل: " وأنفقوا في ms0773 سبيل الله " الآية. # والالقاء باليد إلى التهلكة أن نقيم في أموالنا ونصلحها وندع الجهاد. فلم ~~يزل أبو أيوب مجاهدا في سبيل الله حتى دفن بالقسطنطينية، فقبره هناك. ~~فأخبرنا أبو أيوب أن الالقاء باليد إلى التهلكة هو ترك الجهاد في سبيل ~~الله، وأن الآية نزلت في ذلك. وروي مثله عن حذيفة والحسن وقتادة ومجاهد ~~والضحاك. # قلت: وروى الترمذي عن يزيد بن أبي حبيب عن أسلم أبي عمران هذا الخبر ~~بمعناه فقال: " كنا بمدينة الروم، فأخرجوا إلينا صفا عظيما من الروم، فخرج ~~إليهم من المسلمين مثلهم أو أكثر، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى الجماعة ~~فضالة بن عبيد، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم، فصاح ~~الناس وقالوا: سبحان الله! يلقى بيديه إلى التهلكة. # فقام أبو أيوب الأنصاري فقال: يا أيها الناس، إنكم تتأولون هذه الآية هذا ~~التأويل، وإنما أنزلت هذه الآية فينا معاشر الأنصار لما أعز الله الاسلام ~~وكثر ناصروه، فقال بعضنا لبعض سرا دون رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن ~~أموالنا قد ضاعت، وإن الله قد أعز الاسلام # PageV02P361 # وكثر ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله على ~~نبيه صلى الله عليه وسلم يرد عليه ما قلنا: " وأنفقوا في سبيل الله ولا ~~تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ". فكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها ~~وتركنا الغزو، فما زال أبو أيوب شاخصا في سبيل الله حتى دفن بأرض الروم. ~~قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب صحيح ". وقال حذيفة بن اليمان وابن عباس ~~وعكرمة وعطاء ومجاهد وجمهور الناس: المعنى لا تلقوا بأيديكم بأن تتركوا ~~النفقة في سبيل الله وتخافوا العيلة، فيقول الرجل: ليس عندي ما أنفقه. وإلى ~~هذا المعنى ذهب البخاري إذ لم يذكر غيره، والله أعلم. قال ابن عباس: أنفق ~~في سبيل الله، وإن لم يكن لك إلا سهم أو مشقص (1)، ولا يقولن أحدكم: لا أجد ~~شيئا. ونحوه عن السدي: أنفق ولو عقالا، ولا تلقي بيدك إلى التهلكة فتقول: ~~ليس عندي شئ. وقول ثالث. ms0774 قاله ابن عباس، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لما أمر الناس بالخروج إلى الجهاد قام إليه أناس من الاعراب حاضرين ~~بالمدينة فقالوا: بماذا نتجهز! فوالله ما لنا زاد ولا يطعمنا أحد، فنزل ~~قوله تعالى: " وأنفقوا في سبيل الله " يعني تصدقوا يا أهل الميسرة في سبيل ~~الله، يعني في طاعة الله. " ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة " يعني ولا ~~تمسكوا بأيديكم عن الصدقة فتهلكوا، وهكذا قال مقاتل. ومعنى ابن عباس: ولا ~~تمسكوا عن الصدقة فتهلكوا، أي لا تمسكوا عن النفقة على الضعفاء، فإنهم إذا ~~تخلفوا عنكم غلبكم العدو فتهلكوا. وقول رابع - قيل للبراء ابن عازب في هذه ~~الآية: أهو الرجل يحمل على الكتيبة؟ فقال لا، ولكنه الرجل يصيب الذنب فيلقي ~~بيديه ويقول: قد بالغت في المعاصي ولا فائدة في التوبة، فييأس من الله ~~فينهمك بعد ذلك في المعاصي. فالهلاك: اليأس من الله، وقال عبيدة السلماني. ~~وقال زيد بن أسلم: # المعنى لا تسافروا في الجهاد بغير زاد، وقد كان فعل ذلك قوم فأداهم ذلك ~~إلى الانقطاع في الطريق، أو يكون عالة على الناس. فهذه خمسة أقوال. " سبيل ~~الله " هنا: الجهاد، واللفظ يتناول بعد جميع سبله. والباء في " بأيديكم " ~~زائدة، التقدير تلقوا أيديكم. # PageV02P362 # ونظيره: " ألم يعلم بأن الله يرى " (1) [العلق: 14]. وقال المبرد: " ~~بأيديكم " أي بأنفسكم، فعبر بالبعض عن الكل، كقوله: " فبما كسبت أيديكم " ~~(2)، [الشورى: 30]، " بما قدمت يداك " (3) [الحج: 10]. وقيل: هذا ضرب مثل، ~~تقول: # فلان ألقى بيده في أمر كذا إذا استسلم، لان المستسلم في القتال يلقي ~~سلاحه بيديه، فكذلك فعل كل عاجز في أي فعل كان، ومنه قول عبد المطلب: ~~[والله إن إلقاءنا بأيدينا للموت لعجز) (4) وقال قوم: التقدير لا تلقوا ~~أنفسكم بأيديكم، كما تقول: لا تفسد حالك برأيك. # والتهلكة (بضم اللام) مصدر من هلك يهلك هلاكا وهلكا وتهلكة، أي لا تأخذوا ~~فيما يهلككم، قاله الزجاج وغيره. أي إن لم تنفقوا عصيتم الله وهلكتم. وقيل: ~~إن معنى الآية لا تمسكوا أموالكم فيرثها منكم غيركم، فتهلكوا بحرمان منفعة ~~أموالكم. ومعنى آخر: ولا ms0775 تمسكوا فيذهب عنكم الخلف في الدنيا والثواب في ~~الآخرة. ويقال: " لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة " يعني لا تنفقوا من حرام ~~فيرد عليكم فتهلكوا. ونحوه عن عكرمة قال: " ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ~~" قال: " ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون " [البقرة: 267]. وقال الطبري: قوله ~~" ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة " عام في جميع ما ذكر لدخوله فيه، إذ ~~اللفظ يحتمله. # الثانية - اختلف العلماء في اقتحام الرجل في الحرب وحمله على العدو وحده، ~~فقال القاسم بن مخيمرة والقاسم بن محمد وعبد الملك من علمائنا: لا بأس أن ~~يحمل الرجل وحده على الجيش العظيم إذا كان فيه قوة، وكان لله بنية خالصة، ~~فإن لم تكن فيه قوة فذلك من التهلكة. وقيل: إذا طلب الشهادة وخلصت النية ~~فليحمل، لان مقصوده واحد منهم، وذلك بين في قوله تعالى: " ومن الناس من ~~يشري نفسه ابتغاء مرضات الله " (5) [البقرة: 207]. وقال ابن خويز منداد: ~~فأما أن يحمل الرجل على مائة أو على جملة العسكر أو جماعة اللصوص ~~والمحاربين والخوارج فلذلك حالتان: إن علم وغلب على ظنه أن سيقتل من حمل ~~عليه وينجو فحسن، وكذلك لو علم وغلب على ظنه أن يقتل ولكن سينكي نكاية أو ~~سيبلي أو يؤثر أثرا ينتفع به المسلمون فجائز أيضا. وقد بلغني أن عسكر ~~المسلمين لما لقي الفرس نفرت خيل المسلمين من # PageV02P363 # الفيلة، فعمد رجل منهم فصنع فيلا من طين وأنس به فرسه حتى ألفه، فلما ~~أصبح لم ينفر فرسه من الفيل فحمل على الفيل الذي كان يقدمها فقيل له: إنه ~~قاتلك. فقال: لا ضير أن أقتل ويفتح للمسلمين. وكذلك يوم اليمامة لما تحصنت ~~بنو حنيفة بالحديقة، قال رجل (1) من المسلمين: ضعوني في الحجفة (2) وألقوني ~~إليهم، ففعلوا وقاتلهم وحده وفتح الباب. # قلت: ومن هذا ما روي أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أرأيت إن ~~قتلت في سبيل الله صابرا محتسبا؟ قال: (فلك الجنة). فانغمس في العدو حتى ~~قتل. وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد ~~(3) يوم ms0776 أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش، فلما رهقوه (4) قال: (من ~~يردهم عنا وله الجنة) أو (هو رفيقي في الجنة) فتقدم رجل من الأنصار فقاتل ~~حتى قتل. [ثم رهقوه أيضا فقال: (من يردهم عنا وله الجنة) أو (هو رفيقي في ~~الجنة). فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل (5)]. فلم يزل كذلك حتى قتل ~~السبعة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما أنصفنا أصحابنا). هكذا الرواية ~~(أنصفنا) بسكون الفاء (أصحابنا) بفتح الباء، أي لم ندلهم (6) للقتال حتى ~~قتلوا. وروي بفتح الفاء ورفع الباء، ووجهها أنها ترجع لمن فر عنه من ~~أصحابه، والله أعلم. وقال محمد بن الحسن: لو حمل رجل واحد على ألف رجل من ~~المشركين وهو وحده، لم يكن بذلك بأس إذا كان يطمع في نجاة أو نكاية في ~~العدو، فإن لم يكن كذلك فهو مكروه، لأنه عرض نفسه للتلف في غير منفعة ~~للمسلمين. # فإن كان قصده تجرئة المسلمين عليهم حتى يصنعوا مثل صنيعه فلا يبعد جوازه، ~~ولأن فيه منفعة للمسلمين على بعض الوجوه. وإن كان قصده إرهاب العدو وليعلم ~~صلابة المسلمين في الدين فلا يبعد جوازه. وإذا كان فيه نفع للمسلمين فتلفت ~~نفسه لاعزاز دين الله وتوهين الكفر فهو المقام الشريف الذي مدح الله به ~~المؤمنين في قوله: " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم " (7) [التوبة: 111] ~~الآية، إلى غيرها من آيات المدح التي مدح الله بها من بذل نفسه. وعلى ذلك ~~ينبغي أن يكون حكم الامر بالمعروف والنهي عن المنكر أنه متى رجا نفعا في ~~الدين فبذل نفسه فيه حتى قتل كان # PageV02P364 # في أعلى درجات الشهداء، قال الله تعالى: " وأمر بالمعروف وانه عن المنكر ~~واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور " (1) [لقمان: 17]. وقد روى عكرمة ~~عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أفضل الشهداء حمزة بن ~~عبد المطلب ورجل تكلم بكلمة حق عند سلطان جائر فقتله). وسيأتي القول في هذا ~~في [آل عمران] إن شاء تعالى. # الثالثة - قوله تعالى: " وأحسنوا " أي في الانفاق ms0777 في الطاعة، وأحسنوا ~~الظن بالله في إخلافه عليكم. وقيل: " أحسنوا " في أعمالكم بامتثال الطاعات، ~~روي ذلك عن بعض الصحابة. # قوله تعالى: وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى ولا ~~تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدى محلة فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ~~ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما ~~استيسر من الهدى فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك ~~عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام واتقوا الله واعلموا ~~أن الله شديد العقاب (199). # قوله تعالى: " وأتموا الحج والعمرة لله " فيه سبع مسائل: # الأولى - اختلف العلماء في المعنى المراد بإتمام الحج والعمرة لله، فقيل: ~~أداؤهما والآتيان بهما، كقوله: " فأتمهن " [البقرة: 124] وقوله: " ثم أتموا ~~الصيام إلى الليل " [البقرة: 187] أي ائتوا بالصيام، وهذا على مذهب من أوجب ~~العمرة، على ما يأتي. ومن لم يوجبها قال: المراد تمامهما بعد الشروع فيهما، ~~فإن من أحرم بنسك وجب عليه المضي فيه ولا يفسخه، قال معناه الشعبي وابن ~~زيد. # وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك. ~~وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وسعد بن أبي وقاص، وفعله عمران بن حصين. وقال ~~سفيان # PageV02P365 # الثوري: إتمامهما أن تحرج قاصدا لهما لا لتجارة ولا لغير ذلك، ويقوي هذا ~~قوله " لله ". # وقال عمر: إتمامهما أن يفرد كل واحد منهما من غير تمتع وقران، وقاله ابن ~~حبيب. وقال مقاتل: إتمامهما ألا تستحلوا فيهما ما لا ينبغي لكم، وذلك أنهم ~~كانوا يشركون في إحرامهم فيقولون: لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك إلا شريكا ~~هو لك، تملكه وما ملك. فقال: # فأتموهما ولا تخلطوهما بشئ آخر. # قلت: أما ما روي عن علي وفعله عمران بن حصين في الاحرام قبل المواقيت ~~التي وقتها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد قال به عبد الله بن مسعود ~~وجماعة من السلف، وثبت أن عمر أهل من إيلياء، وكان الأسود ms0778 وعلقمة وعبد ~~الرحمن وأبو إسحاق يحرمون من بيوتهم، ورخص فيه الشافعي. وروى أبو داود ~~والدارقطني عن أم سلمة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أحرم من ~~بيت المقدس بحج أو عمرة كان من ذنوبه كيوم (1) ولدته أمه) في رواية (غفر له ~~ما تقدم من ذنبه وما تأخر). وخرجه أبو داود وقال: " يرحم الله وكيعا! أحرم ~~من بيت المقدس، يعني إلى مكة ". ففي هذا إجازة الاحرام قبل الميقات. # وكره مالك رحمه الله أن يحرم أحد قبل الميقات، ويروى ذلك عن عمر بن ~~الخطاب، وأنه أنكر على عمران بن حصين إحرامه من البصرة. وأنكر عثمان على ~~ابن (2) عمر إحرامه قبل الميقات. # وقل أحمد وإسحاق: وجه العمل المواقيت، ومن الحجة لهذا القول أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وقت المواقيت وعينها، فصارت بيانا لمجمل الحج، ولم يحرم ~~صلى الله عليه وسلم من بيته لحجته، بل أحرم من ميقاته الذي وقته لامته، وما ~~فعله صلى الله عليه وسلم فهو الأفضل إن شاء الله. وكذلك صنع جمهور الصحابة ~~والتابعين بعدهم. واحتج أهل المقالة الأولى بأن ذلك أفضل بقول عائشة: ما ~~خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما، وبحديث أم ~~سلمة مع ما ذكر عن الصحابة في ذلك، وقد شهدوا إحرام رسول الله # PageV02P366 # صلى الله عليه وسلم في حجته من ميقاته، وعرفوا مغزاه ومراده، وعلموا أن ~~إحرامه من ميقاته كان تيسيرا على أمته. # الثانية - روى الأئمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لأهل المدينة ~~ذا الحليفة (1)، ولأهل الشام الجحفة (2)، ولأهل نجد قرن (3)، ولأهل اليمن ~~يلملم (4)، هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة. ومن ~~كان دون ذلك فمن حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة يهلون منها. وأجمع أهل العلم ~~على القول بظاهر هذا الحديث واستعماله، لا يخالفون شيئا منه. # واختلفوا في ميقات أهل العراق وفيمن وقته، فروى أبو داود والترمذي عن ابن ~~عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت ms0779 لأهل المشرق العقيق. قال الترمذي: ~~هذا حديث حسن. وروي أن عمر وقت لأهل العراق ذات عرق (5). وفي كتاب أبي داود ~~عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لأهل العراق ذات عرق، وهذا ~~هو الصحيح. ومن روى أن عمر وقته لان العراق في وقته افتتحت، فغفلة منه، بل ~~وقته رسول الله صلى الله عليه وسلم كما وقت لأهل الشام الجحفة. والشام كلها ~~يومئذ دار كفر كما كانت العراق وغيرها يومئذ من البلدان، ولم تفتح العراق ~~ولا الشام إلا على عهد عمر، وهذا ما لا خلاف فيه بين أهل السير. # قال أبو عمر: كل عراقي أو مشرقي أحرم من ذات عرق فقد أحرم عند الجميع من ~~ميقاته، والعقيق أحوط عندهم وأولى من ذات عرق، وذات عرق ميقاتهم أيضا ~~بإجماع. # الثالثة - أجمع أهل العلم على أن من أحرم قبل أن يأتي الميقات أنه محرم، ~~وإنما منع من ذلك من رأى الاحرام عند الميقات أفضل، كراهية أن يضيق المرء ~~على نفسه ما قد وسع الله عليه، وأن يتعرض بما لا يؤمن أن يحدث في إحرامه، ~~وكلهم ألزمه الاحرام إذا فعل ذلك، لأنه زاد ولم ينقص. # PageV02P367 # الرابعة - في هذه الآية دليل على وجوب العمرة، لأنه تعالى أمر بإتمامها ~~كما أمر بإتمام الحج. قال الصبي (1) بن معبد: أتيت عمر رضي الله عنه فقلت ~~إني كنت نصرانيا فأسلمت، وإني وجدت الحج والعمرة مكتوبتين على، وإني أهللت ~~بهما جميعا. فقال له عمر هديت لسنة نبيك. قال ابن المنذر: ولم ينكر عليه ~~قوله: " وجدت الحج والعمرة مكتوبتين على ". وبوجوبهما قال علي بن أبي طالب ~~وابن عمر وابن عباس. وروى الدارقطني عن ابن جريج قال: أخبرني نافع أن عبد ~~الله بن عمر كان يقول: ليس من خلق الله أحد إلا عليه حجة وعمرة واجبتان من ~~استطاع ذلك سبيلا، فمن زاد بعدها شيئا فهو خير وتطوع. قال: ولم أسمعه يقول ~~في أهل مكة شيئا. قال ابن جريج: وأخبرت عن عكرمة أن ابن عباس قال: العمرة ~~واجبة كوجوب الحج ms0780 من استطاع إليه سبيلا. وممن ذهب إلى وجوبها من التابعين ~~عطاء وطاوس ومجاهد والحسن وابن سيرين والشعبي وسعيد بن جبير وأبو بردة ~~ومسروق وعبد الله بن شداد والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد وابن الجهم من ~~المالكيين. وقال الثوري: سمعنا أنها واجبة. وسئل زيد بن ثابت عن العمرة قبل ~~الحج، فقال: صلاتان لا يضرك بأيهما بدأت، ذكره الدارقطني. وروي مرفوعا عن ~~محمد بن سيرين عن زيد بن ثابت قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن ~~الحج والعمرة فريضتان لا يضرك بأيهما بدأت). # وكان مالك يقول: (العمرة سنة ولا نعلم أحدا أرخص في تركها). وهو قول ~~النخعي وأصحاب الرأي فيما حكى ابن المنذر. وحكى بعض القزوينيين والبغداديين ~~عن أبي حنيفة أنه كان يوجبها كالحج، وبأنها سنة ثابتة، قاله ابن مسعود ~~وجابر بن عبد الله. روى الدارقطني حدثنا محمد بن القاسم بن زكريا حدثنا ~~محمد بن العلاء أبو كريب حدثنا عبد الرحيم بن سليمان عن حجاج عن محمد بن ~~المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~الصلاة والزكاة والحج: أواجب هو؟ قال: (نعم) فسأله عن العمرة: أواجبة هي؟ # قال: (لا وأن تعتمر خير لك). رواه يحيى (2) بن أيوب عن حجاج وابن جريج عن ~~ابن المنكدر # PageV02P368 # عن جابر موقوفا من قول جابر. فهذه حجة من لم يوجبها من السنة. قالوا: ~~وأما الآية فلا حجة فيها للوجوب، لان الله سبحانه إنما قرنها في وجوب ~~الاتمام لا في الابتداء، فإنه ابتدأ الصلاة والزكاة فقال " وأقيموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة " [المزمل: 20]. وابتدأ بإيجاب الحج فقال: # " ولله على الناس حج البيت " (1) [آل عمران: 97] ولما ذكر العمرة أمر ~~بإتمامها لا بابتدائها، فلو حج عشر حجج، أو اعتمر عشر عمر لزم الاتمام في ~~جميعها، فإنما جاءت الآية لالزام الاتمام لا لالزام الابتداء، والله أعلم. ~~واحتج المخالف من جهة النظر على وجوبها بأن قال: عماد الحج الوقوف بعرفة، ~~وليس في العمرة وقوف، فلو كانت كسنة الحج لوجب أن تساويه في أفعاله، ms0781 كما أن ~~سنة الصلاة تساوي فريضتها في أفعالها. # الخامسة - قرأ الشعبي وأبو حياة برفع التاء في " العمرة "، وهي تدل على ~~عدم الوجوب. # وقرأ الجماعة " العمرة " بنصب التاء، وهي تدل على الوجوب. وفي مصحف ابن ~~مسعود " وأتموا الحج والعمرة إلى البيت (2) لله " وروي عنه " وأقيموا الحج ~~والعمرة إلى البيت ". وفائدة التخصيص بذكر الله هنا أن العرب كانت تقصد ~~الحج للاجتماع والتظاهر والتناضل والتنافر وقضاء الحاجة وحضور الأسواق، وكل ~~ذلك ليس لله فيه طاعة، ولا حظ بقصد، ولا قربة بمعتقد، فأمر الله سبحانه ~~بالقصد إليه لأداء فرضه وقضاء حقه، ثم سامح في التجارة، على ما يأتي. # السادسة - لا خلاف بين العلماء فيمن شهد مناسك الحج وهو لا ينوي حجا ولا ~~عمرة - والقلم جار له وعليه - أن شهودها بغير نية ولا قصد غير مغن عنه، وأن ~~النية تجب فرضا، لقوله تعالى: " وأتموا " ومن تمام العبادة حضور النية، وهي ~~فرض كالاحرام عند الاحرام، لقوله عليه السلام لما ركب راحلته: (لبيك بحجة ~~وعمرة معا) على ما يأتي. # وذكر الربيع في كتاب البويطي عن الشافعي قال: ولو لبى رجل ولم ينو حجا ~~ولا عمرة لم يكن # PageV02P369 # حاجا ولا معتمرا، ولو نوى ولم يلب حتى قضى المناسك كان حجه تاما، واحتج ~~بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات). قال: ومن فعل مثل ~~ما فعل على حين أهل على إهلال النبي صلى الله عليه وسلم أجزته تلك النية، ~~لأنها وقعت على نية لغيره قد تقدمت، بخلاف الصلاة. # السابعة - واختلف العلماء في المراهق والعبد يحرمان بالحج ثم يحتلم هذا ~~ويعتق هذا قبل الوقوف بعرفة، فقال مالك: لا سبيل لهما إلى رفض الاحرام ولا ~~لاحد متمسكا بقوله تعالى: # " وأتموا الحج والعمرة لله " ومن رفض إحرامه فلا يتم حجه ولا عمرته. وقال ~~أبو حنيفة: # جائز للصبي إذا بلغ قبل الوقوف بعرفة أن يجدد إحراما، فإن تمادى على حجه ~~ذلك لم يجزه من حجة الاسلام. واحتج بأنه لما لم يكن الحج يجزي عنه، ولم يكن ~~الفرض لازما له حين أحرم ms0782 بالحج ثم لزمه حين بلغ استحال أن يشغل عن فرض قد ~~تعين عليه بنافلة ويعطل فرضه، كمن دخل في نافلة وأقيمت عليه المكتوبة وخشي ~~فوتها قطع النافلة ودخل في المكتوبة. وقال الشافعي: إذا أحرم الصبي ثم بلغ ~~قبل الوقوف بعرفة فوقف بها محرما أجزأه من حجة الاسلام، وكذلك العبد. قال: ~~ولو عتق بمزدلفة وبلغ الصبي بها فرجعا إلى عرفة بعد العتق والبلوغ فأدركا ~~الوقوف بها قبل طلوع الفجر أجزت عنهما من حجة الاسلام، ولم يكن عليهما دم، ~~ولو احتاطا فأهراقا (1) دما كان أحب إلي، وليس ذلك بالبين عندي. واحتج في ~~إسقاط تجديد الاحرام بحديث علي رضي الله عنه إذ قال له رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حين أقبل من اليمن مهلا بالحج: (بم أهللت) قال قلت: لبيك اللهم ~~بإهلال كإهلال نبيك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فإني أهللت بالحج ~~وسقت الهدي). قال الشافعي: ولم ينكر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مقالته، ولا أمره بتجديد نية لافراد أو تمتع أو قران. وقال مالك في ~~النصراني يسلم عشية عرفة فيحرم بالحج: أجزأه من حجة الاسلام، وكذلك العبد ~~يعتق، والصبي يبلغ إذا لم يكونوا محرمين ولا دم على واحد منهم، وإنما يلزم ~~الدم من أراد الحج ولم يحرم من الميقات. # PageV02P370 # وقال أبو حنيفة: يلزم العبد الدم. وهو كالحر عندهم في تجاوز الميقات، ~~بخلاف الصبي والنصراني فإنهما لا يلزمهما الاحرام لدخول مكة لسقوط الفرض ~~عنهما. فإذا أسلم الكافر وبلغ الصبي كان حكمهما حكم المكي، ولا شئ عليهما ~~في ترك الميقات. # قوله تعالى: " فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى " فيه اثنتا عشرة مسألة: # الأولى - قال ابن العربي: هذه آية مشكلة، عضلة من العضل. # قلت: لا إشكال فيها، ونحن نبينها غاية البيان فنقول: الاحصار هو المنع من ~~الوجه الذي تقصده بالعوائق جملة، ف‍ " جملة " أي بأي عذر كان، كان حصر عدو ~~أو جور سلطان أو مرض أو ما كان. واختلف العلماء في تعيين المانع هنا على ~~قولين: الأول: قال علقمة وعروة ms0783 ابن الزبير وغيرهما: هو المرض لا العدو. ~~وقيل: العدو خاصة، قاله ابن عباس وابن عمر وأنس والشافعي. قال ابن العربي: ~~وهو اختيار علمائنا. ورأى أكثر أهل اللغة ومحصليها على أن " أحصر " عرض ~~للمرض، و " حصر " نزل به العدو. # قلت: ما حكاه ابن العربي من أنه اختيار علمائنا فلم يقل به إلا أشهب ~~وحده، وخالفه سائر أصحاب مالك في هذا وقالوا: الاحصار إنما هو المرض، وأما ~~العدو فإنما يقال فيه: حصر حصرا فهو محصور، قاله الباجي في المنتقى. وحكى ~~أبو إسحاق الزجاج أنه كذلك عند جميع أهل اللغة، على ما يأتي. وقال أبو ~~عبيدة والكسائي: " أحصر " بالمرض، و " حصر " بالعدو. وفي المجمل لابن فارس ~~على العكس، فحصر بالمرض، وأحصر بالعدو. وقالت طائفة: # يقال أحصر فيهما جميعا من الرباعي، حكاه أبو عمر. # قلت: وهو يشبه قول مالك حيث ترجم في موطئه " أحصر " فيهما، فتأمله. وقال ~~الفراء: # هما بمعنى واحد في المرض والعدو. قال القشيري أبو نصر: وادعت الشافعية أن ~~الاحصار يستعمل في العدو، فأما المرض فيستعمل فيه الحصر، والصحيح أنهما ~~يستعملان فيهما. # قلت: ما ادعته الشافعية قد نص الخليل بن أحمد وغيره على خلافه. قال ~~الخليل: # حصرت الرجل حصرا منعته وحبسته، وأحصر الحاج عن بلوغ المناسك من مرض أو ~~نحوه، PageV02P371 # هكذا قال، جعل الأول ثلاثيا من حصرت، والثاني في المرض رباعيا. وعلى هذا ~~خرج قول ابن عباس: لا حصر إلا حصر العدو. وقال ابن السكيت: أحصره المرض إذا ~~منعه من السفر أو من حاجة يريدها. وقد حصره العدو يحصرونه إذا ضيقوا عليه ~~فأطافوا به، وحاصروه محاصرة وحصارا. قال الأخفش: حصرت الرجل فهو محصور، أي ~~حبسته. # قال: وأحصرني بولي، وأحصرني مرضى، أي جعلني أحصر نفسي. قال أبو عمرو ~~الشيباني: # حصرني الشئ وأحصرني، أي حبسني. # قلت: فالأكثر من أهل اللغة على أن " حصر " في العدو، و " أحصر " في ~~المرض، وقد قيل ذلك في قول الله تعالى: " للفقراء الذين أحصروا في سبيل ~~الله " (1) [البقرة: 273]. وقال ابن ميادة: # وما هجر ليلى أن تكون تباعدت * عليك ولا ms0784 أن أحصرتك شغول وقال الزجاج: ~~الاحصار عند جميع أهل اللغة إنما هو من المرض، فأما من العدو فلا يقال فيه ~~إلا حصر، يقال: حصر حصرا، وفي الأول أحصر إحصارا، فدل على ما ذكرناه. وأصل ~~الكلمة من الحبس، ومنه الحصير للذي يحبس نفسه عن البوح بسره. والحصير: ~~الملك لأنه كالمحبوس من وراء الحجاب. والحصير الذي يجلس عليه لانضمام بعض ~~طاقات البردي (2) إلى بعض، كحبس الشئ مع غيره. # الثانية - ولما كان أصل الحصر الحبس قالت الحنفية: المحصر من يصير ممنوعا ~~من مكة بعد الاحرام بمرض أو عدو أو غير ذلك. واحتجوا بمقتضى الاحصار مطلقا، ~~قالوا: وذكر الامن في آخر الآية لا يدل على أنه لا يكون من المرض، قال صلى ~~الله عليه وسلم: # (الزكام أمان من الجذام)، وقال: (من سبق العاطس بالحمد أمن من الشوص ~~واللوص والعلوص). الشوص: وجع السن. واللوص: وجع الاذن. والعلوص: وجع البطن. # أخرجه ابن ماجة في سننه. قالوا: وإنما جعلنا حبس العدل حصارا قياسا على ~~المرض إذا كان # PageV02P372 # في حكمه، لا بدلالة الظاهر. وقال ابن عمر وابن الزبير وابن عباس والشافعي ~~وأهل المدينة: # المراد بالآية حصر العدو، لان الآية نزلت في سنة ست في عمرة الحديبية حين ~~صد المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مكة. قال ابن عمر: خرجنا مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فحال كفار قريش دون البيت فنحر النبي صلى ~~الله عليه وسلم هديه وحلق رأسه. ودل على هذا قوله تعالى: " فإذا أمنتم ". ~~ولم يقل: برأتم، والله أعلم. # الثالثة - جمهور الناس على أن المحصر بعدو يحل حيث أحصر وينحر هديه إن ~~كان ثم هدي ويحلق رأسه. وقال قتادة وإبراهيم: يبعث بهديه إن أمكنه، فإذا ~~بلغ محله (1) صار حلالا. # وقال أبو حنيفة: دم الاحصار لا يتوقف على يوم النحر، بل يجوز ذبحه قبل ~~يوم النحر إذا بلغ محله، وخالفه صاحباه فقالا: يتوقف على يوم النحر، وإن ~~نحر قبله لم يجزه. وسيأتي لهذه المسألة زيادة بيان. # الرابعة - الأكثر من العلماء على أن من أحصر ms0785 بعدو كافر أو مسلم أو سلطان ~~حبسه في سجن أن عليه الهدى، وهو قول الشافعي، وبه قال أشهب. وكان ابن ~~القاسم يقول: # ليس على من صد عن البيت في حج أو عمرة هدى إلا أن يكون ساقه معه، وهو قول ~~مالك. # ومن حجتهما أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما نحر يوم الحديبية هديا قد ~~كان أشعره وقلده (2) حين أحرم بعمرة، فلما لم يبلغ ذلك الهدى محله للصد أمر ~~به رسول الله صلى الله عليه وسلم فنحر، لأنه كان هديا وجب بالتقليد ~~والاشعار، وخرج لله فلم يجز الرجوع فيه، ولم ينحره رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من أجل الصد، فلذلك لا يجب على من صد عن البيت هدى. واحتج الجمهور بأن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحل يوم الحديبية ولم يحلق رأسه حتى نحر ~~الهدى، فدل ذلك على أن من شرط إحلال المحصر ذبح هدى إن كان عنده، وإن كان ~~فقيرا فمتى وجده وقدر عليه لا يحل إلا به، وهو مقتضى قوله: " فإن أحصرتم ~~فما استيسر من الهدى ". # PageV02P373 # وقد قيل: يحل ويهدى إذا قدر عليه، والقولان للشافعي، وكذلك من لا يجد ~~هديا يشتريه، قولان. # الخامسة - قال عطاء وغيره: المحصر بمرض كالمحصر بعدو. وقال مالك والشافعي ~~وأصحابهما: من أحصره المرض فلا يحله إلا الطواف بالبيت وإن أقام سنين حتى ~~يفيق. # وكذلك من أخطأ العدد أو خفي عليه الهلال. قال مالك: وأهل مكة في ذلك كأهل ~~الآفاق. # قال: وإن احتاج المريض إلى دواء تداوى به وافتدى وبقي على إحرامه لا يحل ~~من شئ حتى يبرأ من مرضه، فإذا برئ من مرضه مضى إلى البيت فطاف به سبعا، ~~وسعى بين الصفا والمروة، وحل من حجته أو عمرته. وهذا كله قول الشافعي، وذهب ~~في ذلك إلى ما روي عن عمر وابن عباس وعائشة وابن عمر وابن الزبير أنهم ~~قالوا في المحصر بمرض أو خطأ العدد: # إنه لا يحله إلا الطواف بالبيت. وكذلك من أصابه كسر أو بطن منخرق. وحكم ~~من كانت ms0786 هذه حاله عند مالك وأصحابه أن يكون بالخيار إذا خاف فوت الوقوف ~~بعرفة لمرضه، إن شاء مضى إذا أفاق إلى البيت فطاف وتحلل بعمرة، وإن شاء ~~أقام على إحرامه إلى قابل، وإن أقام على إحرامه ولم يواقع شيئا مما نهي عنه ~~الحاج فلا هدي عليه. ومن حجته في ذلك الاجماع من الصحابة على أن من أخطأ ~~العدد أن هذا حكمه لا يحله إلا الطواف بالبيت. وقال في المكي إذا بقي ~~محصورا حتى فرغ الناس من حجهم: فإنه يخرج إلى الحل فيلبي ويفعل ما يفعله ~~المعتمر ويحل، فإذا كان قابل حج وأهدى. وقال ابن شهاب الزهري في إحصار من ~~أحصر بمكة من أهلها: لا بد له من أن يقف بعرفة وإن نعش نعشا. واختار هذا ~~القول أبو بكر محمد بن أحمد بن عبد الله بن بكير المالكي فقال: قول مالك في ~~المحصر المكي أن عليه ما على الآفاق من إعادة الحج والهدى خلاف ظاهر ~~الكتاب، لقول الله عز وجل: " ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام ". ~~قال: والقول عندي في هذا قول الزهري في أن الإباحة من الله عز وجل لمن لم ~~يكن أهله حاضري المسجد الحرام أن يقيم لبعد المسافة يتعالج وإن فاته الحج، ~~فأما من كان بينه وبين المسجد الحرام ما لا تقصر في مثله الصلاة فإنه يحضر ~~المشاهد وإن PageV02P374 # نعش نعشا لقرب المسافة بالبيت. وقال أبو حنيفة وأصحابه: كل من منع من ~~الوصول إلى البيت بعدو أو مرض أو ذهاب تفقه أو إضلال راحلة أو لدغ هامة ~~فإنه يقف مكانه على إحرامه ويبعث بهديه أو بثمن هديه، فإذا نحر فقد حل من ~~إحرامه. كذلك قال عروة وقتادة والحسن وعطاء والنخعي ومجاهد وأهل العراق، ~~لقوله تعالى: " فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى " الآية. # السادسة - قال مالك وأصحابه: لا ينفع المحرم الاشتراط في الحج إذا خاف ~~الحصر يمرض أو عدو، وهو قول الثوري وأبي حنيفة و أصحابهم. والاشتراط أن ~~يقول إذا أهل: لبيك اللهم لبيك، ومحلي حيث حبستني من ms0787 الأرض. وقال أحمد بن ~~حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور: لا بأس أن يشترط وله شرطه، وقاله غير واحد ~~من الصحابة والتابعين، وحجتهم حديث ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب أنها ~~أنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: # يا رسول الله، إني أردت الحج، أأشترط؟ قال: (نعم). قالت: فكيف أقول؟ قال: # (قولي لبيك اللهم لبيك ومحلي من الأرض حيث حبستني). أخرجه أبو داود ~~والدارقطني وغيرهما. قال الشافعي: لو ثبت حديث ضباعة لم أعده، وكان محله ~~حيث حبسه الله. # قلت: قد صححه غير واحد، منهم أبو حاتم البستي وابن المنذر، قال ابن ~~المنذر: ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لضباعة بنت الزبير: (حجي ~~واشترطي). وجه قال الشافعي إذ هو بالعراق، ثم وقف عنه بمصر. قال ابن ~~المنذر: وبالقول الأول أقول. # وذكره عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير أن طاوسا ~~وعكرمة أخبراه عن ابن عباس قال: جاءت ضباعة بنت الزبير إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقالت: إني امرأة ثقيلة (1) وإني أريد الحج، فكيف تأمرني أن ~~أهل؟ قال: (أهلي واشترطي أن محلي حيث حبستني). قال: فأدركت (2). وهذا إسناد ~~صحيح. # PageV02P375 # السابعة - واختلفت العلماء أيضا في وجوب القضاء على من أحصر، فقال مالك ~~والشافعي: من أحصر بعدو فلا قضاء عليه لحجه ولا عمرته، إلا أن يكون ضرورة ~~(1) لم يكن حج، فيكون عليه الحج على حسب وجوبه عليه، وكذلك العمرة عند من ~~أوجبها فرضا. وقال أبو حنيفة: المحصر بمرض أو عدو عليه حجة وعمرة، وهو قول ~~الطبري. قال أصحاب الرأي: # إن كان مهلا بحج قضى حجة وعمرة، لان إحرامه بالحج صار عمرة. وإن كان ~~قارنا قضى حجة وعمرتين. وإن كان مهلا بعمرة قضى عمرة. وسواء عندهم المحصر ~~بمرض أو عدو، على ما تقدم. واحتجوا بحديث ميمون بن مهران قال: خرجت معتمرا ~~عام حاصر أهل الشام ابن الزبير بمكة وبعث معي رجال من قومي بهدى، فلما ~~انتهيت إلى أهل الشام منعوني أن أدخل الحرم، فنحرت الهدى مكاني ثم ms0788 حللت ثم ~~رجعت، فلما كان من العام المقبل خرجت لأقضي عمرتي، فأتيت ابن عباس فسألته، ~~فقال: أبدل الهدى، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن يبدلوا ~~الهدى الذي نحروا عام الحديبية في عمرة القضاء. واستدلوا بقوله عليه ~~السلام: (من كسر أو عرج فقد حل وعليه حجة أخرى أو عمرة أخرى). رواه عكرمة ~~عن الحجاج بن عمرو الأنصاري قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~(من عرج أو كسر فقد حل وعليه حجة أخرى). قالوا: فاعتمار رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه في العام المقبل من عام الحديبية إنما كان قضاء لتلك ~~العمرة، قالوا: ولذلك قيل لها عمرة القضاء. واحتج مالك بأن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لم يأمر أحدا من أصحابه ولا ممن كان معه أن يقضوا شيئا ولا ~~أن يعودوا لشئ، ولا حفظ ذلك عنه بوجه من الوجوه، ولا قال في العام المقبل: ~~إن عمرتي هذه قضاء عن العمرة التي حصرت فيها، ولم ينقل ذلك عنه. قالوا: ~~وعمرة القضاء وعمرة القضية سواء، وإنما قيل لها ذلك لان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قاضى قريشا وصالحهم في ذلك العام على الرجوع عن البيت وقصده من ~~قابل، فسميت بذلك عمرة القضية. # PageV02P376 # الثامنة - لم يقل أحد من الفقهاء فيمن كسر أو عرج أنه يحل مكانه بنفس ~~الكسر غير أبي ثور على ظاهر حديث الحجاج بن عمرو، وتابعه على ذلك داود بن ~~علي وأصحابه. # وأجمع العلماء على أنه يحل من كسر، ولكن اختلفوا فيما به يحل، فقال مالك ~~وغيره: يحل بالطواف بالبيت لا يحله غيره. ومن خالفه من الكوفيين يقول: يحل ~~بالنية وفعل ما يتحلل به، على ما تقدم من مذهبه. # التاسعة - لا خلاف بين علماء الأمصار أن الاحصار عام في الحج والعمرة. ~~وقال ابن سيرين: لا إحصار في العمرة، لأنها غير مؤقتة. وأجيب بأنها وإن ~~كانت غير مؤقتة لكن في الصبر إلى زوال العذر ضرر، وفي ذلك نزلت الآية. وحكي ~~عن ابن الزبير أن ms0789 من أحصره العدو أو المرض فلا يحله إلا الطواف بالبيت، ~~وهذا أيضا مخالف لنص الخبر عام الحديبية. # العاشرة - الحاصر لا يخلو أن يكون كافرا أو مسلما، فإن كان كافرا لم يجز ~~قتاله ولو وثق بالظهور عليه، ويتحلل بموضعه، لقوله تعالى: " ولا تقاتلوهم ~~عند المسجد الحرام " كما تقدم. # ولو سأل الكافر جعلا لم يجز، لان ذلك وهن في الاسلام. فإن كان مسلما لم ~~يجز قتاله بحال، ووجب التحلل، فإن طلب شيئا ويتخلى عن الطريق جاز دفعه، ولم ~~يجز القتال لما فيه من إتلاف المهج، وذلك لا يلزم في أداء العبادات، فإن ~~الدين أسمح. وأما بذل الجعل فلما فيه من دفع أعظم الضررين بأهونهما، ولأن ~~الحج مما ينفق فيه المال، فيعد هذا من النفقة. # الحادية عشرة - والعدو الحاصر لا يخلو أن يتيقن بقاؤه واستيطانه لقوته ~~وكثرته أولا، فإن كان الأول حل المحصر مكانه من ساعته. وإن كان الثاني وهو ~~مما يرجى زواله فهذا لا يكون محصورا حتى يبقى بينه وبين الحج مقدار ما يعلم ~~أنه إن زال العدو لا يدرك فيه الحج، فيحل حينئذ عند ابن القاسم وابن ~~الماجشون. وقال أشهب: لا يحل من حصر عن الحج بعدو حتى يوم النحر، ولا يقطع ~~التلبية حتى يروح الناس إلى عرفة. وجه قول ابن القاسم: أن هذا وقت يأس من ~~إكمال حجه لعدو غالب، فجاز له أن يحل فيه، أصل ذلك يوم عرفة. ووجه ~~PageV02P377 # قول أشهب أن عليه أن يأتي من حكم الاحرام بما يمكنه [والتزامه (1) له إلى ~~يوم النحر، الوقت الذي يجوز للحاج التحلل بما يمكنه] الاتيان به [فكان ذلك ~~عليه] (1). # قوله تعالى: " فما استيسر من الهدى " " ما " في موضع رفع، أي فالواجب أو ~~فعليكم ما استيسر. ويحتمل أن يكون في موضع نصب، أي فانحروا أو فاهدوا. و " ~~ما استيسر " عند جمهور أهل العلم شاة. وقال ابن عمر وعائشة وابن الزبير: " ~~ما استيسر " جمل دون جمل، وبقرة دون بقرة لا يكون من غيرهما. وقال الحسن: ~~أعلى الهدى بدنة، وأوسطه بقرة، وأخسه شاة. وفي ms0790 هذا دليل على ما ذهب إليه ~~مالك من أن المحصر بعدو لا يجب عليه القضاء، لقوله: # " فما استيسر من الهدى " ولم يذكر قضاء. والله أعلم. # الثانية عشرة - قوله تعالى: " من الهدى " الهدى والهدى لغتان. وهو ما ~~يهدى إلى بيت الله من بدنة أو غيرها. والعرب تقول: كم هدى بني فلان، أي كم ~~إبلهم. وقال أبو بكر: # سميت هديا لان منها ما يهدى إلى بيت الله، فسميت بما يلحق بعضها، كما قال ~~تعالى: " فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ". # (2) [النساء: 25]. أراد فإن زنى الإماء فعلى الأمة منهن إذا زنت نصف ما ~~على الحرة البكر إذا زنت، فذكر الله المحصنات وهو يريد الأبكار، لان ~~الاحصان يكون في أكثرهن فسمين بأمر يوجد في بعضهن. والمحصنة من الحرائر هي ~~ذات الزوج، يجب عليها الرجم إذا زنت، والرجم لا يتبعض، فيكون على الأمة ~~نصفه، فانكشف بهذا أن المحصنات يراد بهن الأبكار لا أولات الأزواج. وقال ~~الفراء: أهل الحجاز وبنو أسد يخفون الهدى، قال: وتميم وسفلى قيس يثقلون ~~فيقولون: هدى. قال الشاعر: # حلفت برب مكة والمصلى * وأعناق الهدى مقلدات قال: وواحد الهدى هدية. ~~ويقال في جمع الهدى: أهداء. # قوله تعالى: " ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدى محلة " فيه سبع مسائل: # PageV02P378 # الأولى - قوله تعالى: " ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدى محلة " الخطاب ~~لجميع الأمة: محصر ومخلى. ومن العلماء من يراها للمحصرين خاصة، أي لا ~~تتحللوا من الاحرام حتى ينحر الهدى. والمحل: الموضع الذي يحل فيه ذبحه. ~~فالمحل في حصر العدو عند مالك والشافعي: موضع الحصر، اقتداء برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم زمن الحديبية، قال الله تعالى: # " والهدى معكوفا أن يبلغ محله " (1) [الفتح: 25] قيل: محبوسا إذا كان ~~محصرا ممنوعا من الوصول إلى البيت العتيق. وعند أبي حنيفة محل الهدى في ~~الاحصار: الحرم، لقوله تعالى: " ثم محلها إلى البيت العتيق " (2) [الحج: ~~33]. وأجيب عن هذا بأن المخاطب به الامن الذي يجد الوصول إلى البيت. # فأما المحصر فخارج من قول الله تعالى: " ثم محلها إلى البيت ms0791 العتيق " ~~بدليل نحر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه هديهم بالحديبية وليست من ~~الحرم. واحتجوا من السنة بحديث ناجية ابن جندب صاحب النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ابعث معي الهدى فأنحره بالحرم. ~~قال: (فكيف تصنع به) قال: أخرجه في الأودية لا يقدرون عليه، فأنطلق به حتى ~~أنحره في الحرم. وأجيب بأن هذا لا يصح، وإنما ينحر حيث حل، اقتداء بفعله ~~عليه السلام بالحديبية، وهو الصحيح الذي رواه الأئمة، ولأن الهدى تابع ~~للمهدي، والمهدي حل بموضعه، فالمهدى أيضا يحل معه. # الثانية - واختلف العلماء على ما قررناه في المحصر هل له أن يحلق أو يحل ~~بشئ من الحل قبل أن ينحر ما استيسر من الهدى، فقال مالك: السنة الثابتة ~~التي لا اختلاف فيها عندنا أنه لا يجوز لاحد أن يأخذ من شعره حتى ينحر ~~هديه، قال الله تعالى: " ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدى محله ". وقال ~~أبو حنيفة وأصحابه: إذا حل المحصر قبل أن ينحر هديه فعليه دم، ويعود حراما ~~كما كان حتى ينحر هديه. وإن أصاب صيدا قبل أن ينحر الهدى فعليه الجزاء. ~~وسواء في ذلك الموسر والمعسر لا يحل أبدا حتى ينحر أو ينحر عنه. قالوا: # وأقل ما يهديه شاة، لا عمياء ولا مقطوعة الاذنين، وليس هذا عندهم موضع ~~صيام. قال أبو عمر: قول الكوفيين فيه ضعف وتناقض، لأنهم لا يجيزون لمحصر ~~بعدو ولا مرض أن يحل # PageV02P379 # حتى ينحر هديه في الحرم. وإذا أجازوا للمحصر بمرض أن يبعث بهدى ويواعد ~~حامله يوما ينحره فيه فيحل ويحلق فقد أجازوا له أن يحل على غير يقين من نحر ~~الهدى وبلوغه، وحملوه على الاحلال بالظنون. والعلماء متفقون على أنه لا ~~يجوز لمن لزمه شئ من فرائضه أن يخرج منه بالظن، والدليل على أن ذلك ظن ~~قولهم: لو عطب ذلك الهدى أو ضل أو سرق فحل مرسله وأصاب النساء وصاد أنه ~~يعود حراما وعليه جزاء ما صاد، فأباحوا له فساد الحج وألزموه ما يلزم من لم ~~يحل ms0792 من إحرامه. وهذا ما لا خفاء فيه من التناقض وضعف المذاهب، وإنما بنوا ~~مذهبهم هذا كله على قول ابن مسعود ولم ينظروا في خلاف غيره له. وقال ~~الشافعي في المحصر إذا أعسر بالهدى: فيه قولان: لا يحل أبدا إلا بهدى. ~~والقول الاخر: أنه مأمور أن يأتي بما قدر عليه، فإن لم يقدر على شئ كان ~~عليه أن يأتي به إذا قدر عليه. قال الشافعي: ومن قال هذا قال: يحل مكانه ~~ويذبح إذا قدر، فإن قدر على أن يكون الذبح بمكة لم يجزه أن يذبح إلا بها، ~~وإن لم يقدر ذبح حيث قدر. قال ويقال لا يجزيه إلا هدى. ويقال: إذا لم يجد ~~هديا كان عليه الاطعام أو الصيام. وإن لم يجد واحدا من هذه الثلاثة أتى ~~بواحد منها إذا قدر. وقال في العبد: لا يجزيه إلا الصوم، تقوم له الشاة ~~دراهم ثم الدراهم طعاما ثم يصوم عن كل مد يوما. # الثالثة - واختلفوا إذا نحر المحصر هديه هل له أن يحلق أو لا، فقالت ~~طائفة: ليس عليه أن يحلق رأسه، لأنه قد ذهب عنه النسك. واحتجوا بأنه لما ~~سقط عنه بالاحصار جميع المناسك كالطواف والسعي - وذلك مما يحل به المحرم من ~~إحرامه - سقط عنه سائر ما يحل به المحرم من أجل أنه محصر. وممن احتج بهذا ~~وقال به أبو حنيفة ومحمد بن الحسن قالا: # ليس على المحصر تقصير ولا حلاق. وقال أبو يوسف: يحلق المقصر، فإن لم يحلق ~~فلا شئ عليه. وقد حكى ابن أبي عمران عن ابن سماعة عن أبي يوسف في نوادره أن ~~عليه الحلاق، والتقصير لا بد له منه. واختلف قول الشافعي في هذه المسألة ~~على قولين: أحدهما أن الحلاق للمحصر من النسك، وهو قول مالك. والاخر ليس من ~~النسك كما قال أبو حنيفة. والحجة PageV02P380 # لمالك أن الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة قد منع من ذلك كله ~~المحصر وقد صد عنه، فسقط عنه ما قد حيل بينه وبينه. وأما الحلاق فلم يحل ~~بينه وبينه، وهو قادر على ms0793 أن يفعله، وما كان قادرا على أن يفعله فهو غير ~~ساقط عنه. ومما يدل على أن الحلاق باق على المحصر كما هو باق على من قد وصل ~~إلى البيت سواء قوله تعالى: " ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدى محله "، ~~وما رواه الأئمة من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم للمحلقين ثلاثا ~~وللمقصرين واحدة. # وهو الحجة القاطعة والنظر الصحيح في هذه المسألة، وإلى هذا ذهب مالك ~~وأصحابه. # الحلاق عندهم نسك على الحاج الذي قد أتم حجه، وعلى من فاته الحج، والمحصر ~~بعدو والمحصر بمرض. # الرابعة - روى الأئمة واللفظ لمالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. قال: (اللهم ارحم المحلقين) قالوا: والمقصرين يا ~~رسول الله، قال: # (اللهم ارحم المحلقين) قالوا: والمقصرين يا رسول الله، قال: (والمقصرين). ~~قال علماؤنا: ففي دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم للمحلقين ثلاثا ~~وللمقصرين مرة دليل على أن الحلق في الحج والعمرة أفضل من التقصير، وهو ~~مقتضى قوله تعالى: " ولا تحلقوا رءوسكم " الآية، ولم يقل تقصروا. وأجمع أهل ~~العلم على أن التقصير يجزئ عن الرجال، إلا شئ ذكر عن الحسن أنه كان يوجب ~~الحلق في أول حجة يحجها الانسان. # الخامسة - لم تدخل النساء في الحلق، وأن سنتهن التقصير، لما روي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ليس على النساء حلق إنما عليهن التقصير). ~~خرجه أبو داود عن ابن عباس. وأجمع أهل العلم على القول به. ورأت جماعة أن ~~حلقها رأسها من المثلة، واختلفوا في قدر ما تقصر من رأسها، فكان ابن عمر ~~والشافعي وأحمد وإسحاق يقولون: # تقصر من كل قرن مثل الأنملة. وقال عطاء: قدر ثلاث أصابع مقبوضة. وقال ~~قتادة: # تقصر الثلث أو الربع. وفرقت حفصة بنت سيرين بين المرأة التي قعدت فتأخذ ~~الربع، وفي الشابة أشارت بأنملتها تأخذ وتقلل. وقال مالك: تأخذ من جميع ~~قرون رأسها، وما أخذت PageV02P381 # من ذلك فهو يكفيها، ولا يجزي عنده أن تأخذ من بعض القرون وتبقي بعضا. قال ~~ابن المنذر: ms0794 يجزي ما وقع عليه اسم تقصير، وأحوط أن تأخذ من جميع القرون قدر ~~أنملة. # السادسة - لا يجوز لاحد أن يحلق رأسه حتى ينحر هديه، وذلك أن سنة الذبح ~~قبل الحلاق. والأصل في ذلك قوله تعالى: " ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدى ~~محله "، وكذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، بدأ فنحر هديه ثم حلق بعد ~~ذلك، فمن خالف هذا فقدم الحلاق قبل النحر فلا يخلو أن يقدمه خطأ وجهلا أو ~~عمدا وقصدا، فإن كان الأول فلا شئ عليه، رواه ابن حبيب عن ابن القاسم، وهو ~~المشهور من مذهب مالك. وقال ابن الماجشون: عليه الهدى، وبه قال أبو حنيفة. ~~وإن كان الثاني فقد روى القاضي أبو الحسن أنه يجوز تقديم الحلق على النحر، ~~وبه قال الشافعي. والظاهر من المذهب المنع، والصحيح الجواز، لحديث ابن عباس ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له في الذبح والحلق والرمي والتقديم ~~والتأخير فقال: (لا حرج) رواه مسلم. وخرج ابن ماجة عن عبد الله بن عمرو أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم سئل عمن ذبح قبل أن يحلق، أو حلق قبل أن يذبح ~~فقال: (لا حرج). # السابعة - لا خلاف أن حلق الرأس في الحج نسك مندوب إليه وفي غير الحج ~~جائز، خلافا لمن قال: إنه مثلة، ولو كان مثلة ما جاز في الحج ولا غيره، لان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المثلة، وقد حلق رؤوس بني جعفر بعد أن ~~أتاه قتله بثلاثة أيام، ولو لم يجز الحلق ما حلقهم. وكان علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه يحلق رأسه. قال ابن عبد البر: # وقد أجمع العلماء على حبس الشعر وعلى إباحة الحلق. وكفى بهذا حجة، وبالله ~~التوفيق. # قوله تعالى: " فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو ~~صدقة أو نسك " فيه تسع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " فمن كان منكم مريضا " استدل بعض علماء الشافعية ~~بهذه الآية على أن المحصر في أول الآية العدو لا المرض، وهذا ms0795 لا يلزم، فإن ~~معنى قوله: " فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه " فحلق " ففدية " أي ~~فعليه فدية، وإذا كان هذا واردا في المرض PageV02P382 # بلا خلاف كان الظاهر أن أول الآية ورد فيمن ورد فيه وسطها وآخرها، لاتساق ~~الكلام بعضه على بعض، وانتظام بعضه ببعض، ورجوع الاضمار في آخر الآية إلى ~~من خوطب في أولها، فيجب حمل ذلك على ظاهره حتى يدل الدليل على العدول عنه. ~~ومما يدل على ما قلناه سبب نزول هذه الآية، روى الأئمة واللفظ للدارقطني: " ~~عن كعب بن عجرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رآه وقمله يتساقط على وجهه ~~فقال: (أيؤذيك هوامك) قال نعم. # فأمره أن يحلق وهو بالحديبية، ولم يبين لهم أنهم يحلون بها وهم على طمع ~~أن يدخلوا مكة، فأنزل الله الفدية، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~يطعم فرقا (1) بين ستة مساكين، أو يهدي شاة، أو يصوم ثلاثة أيام). خرجه ~~البخاري بهذا اللفظ أيضا. فقوله: " ولم يبين لهم أنهم يحلون بها " يدل على ~~أنهم ما كانوا على يقين من حصر العدو لهم، فإذا الموجب للفدية الحلق للأذى ~~والمرض، والله أعلم. # الثانية - قال الأوزاعي في المحرم يصيبه أذى في رأسه: إنه يجزيه أن يكفر ~~بالفدية قبل الحلق. # قلت: فعلى هذا يكون المعنى " فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية ~~من صيام أو صدقة أو نسك " إن أراد أن يحلق، ومن قدر فحلق ففدية، فلا يفتدي ~~حتى يحلق. # والله أعلم. # الثالثة - قال ابن عبد البر: كل من ذكر النسك في هذا الحديث مفسرا فإنما ~~ذكره بشاة، وهو أمر لا خلاف فيه بين العلماء. وأما الصوم والاطعام فاختلفوا ~~فيه، فجمهور فقهاء المسلمين على أن الصوم ثلاثة أيام، وهو محفوظ صحيح في ~~حديث كعب بن عجرة. وجاء عن الحسن وعكرمة ونافع أنهم قالوا: الصوم في فدية ~~الأذى عشرة أيام، والاطعام عشرة مساكين، ولم يقل أحد بهذا من فقهاء الأمصار ~~ولا أئمة الحديث. وقد جاء من رواية أبي الزبير عن ms0796 # PageV02P383 # مجاهد عن عبد الرحمن عن كعب بن عجرة أنه حدثه أنه كان أهل في ذي القعدة، ~~وأنه قمل رأسه فأتى عليه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يوقد تحت قدر له، ~~فقال له: (كأنك يؤذيك هوام رأسك). فقال أجل. قال: (أحلق واهد هديا). فقال: ~~ما أجد هديا. قال: # (فأطعم ستة مساكين). فقال: ما أجد. قال: (صم ثلاثة أيام). قال أبو عمر: ~~كان ظاهر هذا الحديث على الترتيب وليس كذلك، ولو صح هذا كان معناه الاختيار ~~أولا فأولا، وعامة الآثار عن كعب بن عجرة وردت بلفظ التخيير، وهو نص ~~القرآن، وعليه مضى عمل العلماء في كل الأمصار وفتواهم، وبالله التوفيق. # الرابعة - اختلف العلماء في الاطعام في فدية الأذى، فقال مالك والشافعي ~~وأبو حنيفة وأصحابهم: الاطعام في ذلك مدان بمد (1) النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وهو قول أبي ثور وداود. وروي عن الثوري أنه قال في الفدية: من البر ~~نصف صاع، ومن التمر والشعير والزبيب صاع. وروي عن أبي حنيفة أيضا مثله، جعل ~~نصف صاع بر عدل صاع تمر. # قال ابن المنذر: وهذا غلط، لان في بعض أخبار كعب أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال له: # (أن تصدق بثلاثة أصوع من تمر على ستة مساكين). وقال أحمد بن حنبل مرة كما ~~قال مالك والشافعي، ومرة قال: إن أطعم برا فمد لكل مسكين، وإن أطعم تمرا ~~فنصف صاع. # الخامسة - ولا يجزى أن يغدي المساكين ويعشيهم في كفارة الأذى حتى يعطي كل ~~مسكين مدين بمد النبي صلى الله عليه وسلم. وبذلك قال مالك والثوري والشافعي ~~ومحمد بن الحسن. وقال أبو يوسف: يجزيه أن يغديهم ويعشيهم. # السادسة - أجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من حلق شعره وجزه وإتلافه ~~بحلق أو نورة أو غير ذلك إلا في حالة العلة كما نص على ذلك القرآن. وأجمعوا ~~على وجوب الفدية على من حلق وهو محرم بغير علة، واختلفوا فيما على من فعل ~~ذلك، أو لبس أو تطيب بغير عذر عامدا، فقال مالك: بئس ما فعل! وعليه ms0797 الفدية، ~~وهو مخير فيها، وسواء عنده العمد في ذلك والخطأ، لضرورة وغير ضرورة. وقال ~~أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما وأبو ثور: # PageV02P384 # ليس بمخير إلا في الضرورة لان الله تعالى قال: " فمن كان منكم مريضا أو ~~به أذى من رأسه " فإذا حلق رأسه عامدا أو لبس عامدا لغير عذر فليس بمخير ~~وعليه دم لا غير. # السابعة - واختلفوا فيمن فعل ذلك ناسيا، فقال مالك رحمه الله: العامد ~~والناسي في ذلك سواء في وجوب الفدية، وهو قول أبي حنيفة والثوري والليث. ~~وللشافعي في هذه المسألة قولان: أحدهما - لا فدية عليه، وهو قول داود ~~وإسحاق. والثاني - عليه الفدية. # وأكثر العلماء يوجبون الفدية على المحرم بلبس المخيط وتغطية الرأس أو ~~بعضه، ولبس الخفين وتقليم الأظافر ومس الطيب وإماطة الأذى، وكذلك إذا حلق ~~شعر جسده أو اطلى، أو حلق مواضع المحاجم. والمرأة كالرجل في ذلك، وعليها ~~الفدية في الكحل وإن لم يكن فيه طيب. # وللرجل أن يكتحل بما لا طيب فيه. وعلى المرأة الفدية إذا غطت وجهها أو ~~لبست القفازين، والعمد والسهو والجهل في ذلك سواء، وبعضهم يجعل عليهما دما ~~في كل شئ من ذلك. # وقال داود: لا شئ عليهما في حلق شعر الجسد. # الثامنة - واختلف العلماء في موضع الفدية المذكورة، فقال عطاء: ما كان من ~~دم فبمكة، وما كان من طعام أو صيام فحيث شاء، وبنحو ذلك قال أصحاب الرأي. ~~وعن الحسن أن الدم بمكة. وقال طاوس والشافعي: الاطعام والدم لا يكونان إلا ~~بمكة، والصوم حيث شاء، لان الصيام لا منفعة فيه لأهل الحرم، وقد قال الله ~~سبحانه " هديا بالغ الكعبة " (1) [المائدة: 95] رفقا لمساكين جيران بيته، ~~فالاطعام فيه منفعة بخلاف الصيام، والله أعلم. وقال مالك: # يفعل ذلك أين شاء، وهو الصحيح من القول، وهو قول مجاهد. والذبح هنا عند ~~مالك نسك وليس بهدى لنص القرآن والسنة، والنسك يكون حيث شاء، والهدى لا ~~يكون إلا بمكة. # ومن حجته أيضا ما رواه عن يحيى بن سعيد في موطئه، وفيه: فأمر علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه برأسه ms0798 - يعني رأس حسين (2) - فحلق ثم نسك عنه بالسقيا ~~(3) فنحر عنه بعيرا. قال مالك قال يحيى بن سعيد: وكان حسين خرج مع عثمان في ~~سفره [ذلك (4)] إلى مكة. ففي هذا # PageV02P385 # أوضح دليل على أن فدية الأذى جائز أن تكون بغير مكة، وجائز عند مالك في ~~الهدى إذا نحر في الحرم أن يعطاه غير أهل الحرم، لان البغية في إطعام ~~مساكين المسلمين. قال مالك: # ولما جاز الصوم أن يؤتى به بغير الحرم جاز إطعام غير أهل الحرم، ثم إن ~~قوله تعالى: # " فمن كان منكم مريضا " الآية، أوضح الدلالة على ما قلناه، فإنه تعالى ~~لما قال: " ففدية من صيام أو صدقة أو نسك " لم يقل في موضع دون موضع، ~~فالظاهر أنه حيثما فعل أجزأه. وقال: " أو نسك " فسقى ما يذبح نسكا، وقد ~~سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك ولم يسمه هديا، فلا يلزمنا أن نرده ~~قياسا على الهدى، ولا أن نعتبره بالهدى مع ما جاء في ذلك عن علي. وأيضا فإن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر كعبا بالفدية ما كان في الحرم، فصح أن ~~ذلك كله يكون خارج الحرم، وقد روي عن الشافعي مثل هذا في وجه بعيد. # التاسعة - قوله تعالى: " أو نسك " النسك: جمع نسيكة، وهي الذبيحة ينسكها ~~العبد لله تعالى. ويجمع أيضا على نسائك. والنسك: العبادة في الأصل، ومنه ~~قوله تعالى: # " وأرنا مناسكنا " (1) [البقرة: 128] أي متعبداتنا. وقيل: إن أصل النسك ~~في اللغة الغسل، ومنه نسك ثوبه إذا غسله، فكأن العابد غسل نفسه من أدران ~~الذنوب بالعبادة. وقيل: النسك سبائك الفضة، كل سبيكة منها نسيكة، فكأن ~~العابد خلص نفسه من دنس الآثام وسبكها. # قوله تعالى: " فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى ~~" فيه ثلاث عشرة مسألة: # الا أولى - قوله تعالى: " فإذا أمنتم " قيل: معناه برأتم من المرض. وقيل: ~~من خوفكم من العدو المحصر، قاله ابن عباس وقتادة. وهو أشبه باللفظ إلا أن ~~يتخيل الخوف من المرض فيكون الامن منه، كما تقدم، والله أعلم. # الثانية ms0799 - قوله تعالى: " فمن تمتع بالعمرة إلى الحج " الآية. اختلف ~~العلماء من المخاطب بهذا؟ فقال عبد الله بن الزبير وعلقمة وإبراهيم: الآية ~~في المحصرين دون المخلى سبيلهم. وصورة المتمتع عند ابن الزبير: أن يحصر ~~الرجل حتى يفوته الحج، ثم يصل إلى البيت # PageV02P386 # فيحل بعمرة، ثم يقضي الحج من قابل، فهذا قد تمتع بما بين العمرة إلى حج ~~القضاء. وصورة المتمتع المحصر عند غيره: أن يحصر فيحل دون عمرة ويؤخرها حتى ~~يأتي من قابل فيعتمر في أشهر الحج ويحج من عامه. وقال ابن عباس وجماعة: ~~الآية في المحصرين وغيرهم ممن خلى سبيله. # الثانية - لا خلاف بين العلماء في أن التمتع جائز على ما يأتي تفصيله، ~~وأن الافراد جائز، وأن القرآن جائز، لان رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي ~~كلا ولم ينكره في حجته على أحد من أصحابه، بل أجازه لهم ورضيه منهم، صلى ~~الله عليه وسلم. وإنما اختلف العلماء فيما كان به رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم محرما في حجته وفي الأفضل من ذلك، لاختلاف الآثار الواردة في ذلك، ~~فقال قائلون منهم مالك: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مفردا، والافراد ~~أفضل من القران. قال: والقران أفضل من التمتع. وفي صحيح مسلم عن عائشة ~~قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (من أراد منكم أن يهل ~~بحج وعمرة فليفعل ومن أراد أن يهل بحج فليهل ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل) ~~قالت عائشة: فأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بحج، وأهل به ناس معه، وأهل ~~ناس بالعمرة والحج، وأهل ناس بعمرة، وكنت فيمن أهل بالعمرة، رواه جماعة عن ~~هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة. وقال بعضهم فيه: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: (وأما أنا فأهل بالحج) وهذا نص في موضع الخلاف، وهو حجة من قال ~~بالافراد وفضله. وحكى محمد بن الحسن عن مالك أنه قال: إذا جاء عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم حديثان مختلفان وبلغنا أن أبا بكر وعمر عملا بأحد ms0800 الحديثين ~~وتركا الاخر كان في ذلك دلالة على أن الحق فيما عملا به. واستحب أبو ثور ~~الافراد أيضا وفضله على التمتع والقران، وهو أحد قولي الشافعي في المشهور ~~عنه. # واستحب آخرون التمتع بالعمرة إلى الحج، قالوا: وذلك أفضل. وهو مذهب عبد ~~الله بن عمر وعبد الله بن الزبير، وبه قال أحمد بن حنبل، وهو أحد قولي ~~الشافعي. قال الدارقطني قال الشافعي: اخترت الافراد، والتمتع حسن لا نكرهه. ~~احتج من فضل التمتع بما رواه مسلم عن عمران بن حصين PageV02P387 # قال: نزلت آية المتعة في كتاب الله - يعني متعة الحج - وأمرنا بها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ثم لم تنزل آية تنسخ [آية (1)] متعة الحج، ولم ينه ~~عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مات، قال رجل برأيه بعد ما شاء. ~~وروى الترمذي حدثنا قتيبة بن سعيد عن مالك بن أنس عن ابن شهاب عن محمد بن ~~عبد الله بن الحارث بن نوفل أنه سمع سعد بن أبي وقاص والضحاك ابن قيس عام ~~حج معاوية بن أبي سفيان وهما يذكران التمتع بالعمرة إلى الحج، فقال الضحاك ~~ابن قيس: لا يصنع ذلك إلا من جهل أمر الله تعالى. فقال سعد: بئس ما قلت يا ~~بن أخي! # فقال الضحاك: فإن عمر بن الخطاب قد نهى عن ذلك. فقال سعد: قد صنعها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وصنعناها معه، هذا حديث صحيح. وروى ابن إسحاق عن ~~الزهري عن سالم قال: إني لجالس مع ابن عمر في المسجد إذ جاءه رجل من أهل ~~الشام فسأله عن التمتع بالعمرة إلى الحج، فقال ابن عمر: حسن جميل. قال: فإن ~~أباك كان ينهى عنها. فقال: # ويلك! فإن كان أبي نهى عنها وقد فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر ~~به، أفبقول أبي آخذ، أم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم!؟ قم عني. أخرجه ~~الدارقطني، وأخرجه أبو عيسى الترمذي من حديث صالح بن كيسان عن ابن شهاب عن ~~سالم. وروي عن ليث عن طاوس عن ms0801 ابن عباس قال: تمتع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان، وأول من نهى عنها معاوية. حديث حسن. قال أبو ~~عمر: حديث ليث هذا حديث منكر، وهو ليث ابن أبي سليم ضعيف. والمشهور عن عمر ~~وعثمان أنهما كانا ينهيان عن التمتع، وإن كان جماعة من أهل العلم قد زعموا ~~أن المتعة التي نهى عنها عمر وضرب عليها فسخ الحج في العمرة. فأما التمتع ~~بالعمرة إلى الحج فلا. وزعم من صحح نهي عمر عن التمتع أنه إنما نهى عنه ~~لينتجع البيت مرتين أو أكثر في العام حتى تكثر عمارته بكثرة الزوار له في ~~غير الموسم، وأراد إدخال الرفق على أهل الحرم بدخول الناس تحقيقا لدعوة ~~إبراهيم: " فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم " (2) [إبراهيم: 37]. وقال ~~آخرون: إنما نهى عنها لأنه رأى الناس مالوا إلى التمتع ليسارته وخفته، فخشي ~~أن يضيع # PageV02P388 # الافراد والقران وهما سنتان للنبي صلى الله عليه وسلم. واحتج أحمد في ~~اختياره التمتع بقوله صلى الله عليه وسلم: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ~~ما سقت الهدى ولجعلتها عمرة). # أخرجه الأئمة. وقال آخرون: القران أفضل، منهم أبو حنيفة والثوري، وبه قال ~~المزني قال: لأنه يكون مؤديا للفرضين جميعا، وهو قول إسحاق. قال إسحاق: كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قارنا، وهو قول علي بن أبي طالب. واحتج من ~~استحب القران وفضله بما رواه البخاري عن عمر بن الخطاب قال: سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بوادي العقيق (1) يقول: (أتاني الليلة آت من ربي فقال ~~صل في هذا الوادي المبارك وقل عمرة في حجة). وروى الترمذي عن أنس قال سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # (لبيك بعمرة وحجة). وقال: حديث حسن صحيح. قال أبو عمر: والافراد إن شاء ~~الله أفضل، لان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مفردا، فلذلك قلنا إنه ~~أفضل، لان الآثار أصح عنه في إفراده صلى الله عليه وسلم، ولان الافراد أكثر ~~عملا ثم العمرة عمل آخر. وذلك كله طاعة والأكثر ms0802 منها أفضل. وقال أبو جعفر ~~النحاس: المفرد أكثر تعبا من المتمتع، لاقامته على الاحرام وذلك أعظم ~~لثوابه. والوجه في اتفاق الأحاديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ~~أمرنا بالتمتع والقران جاز أن يقال: تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقرن، كما قال جل وعز: " ونادى فرعون في قومه " (2) [الزخرف: 51]. وقال عمر ~~بن الخطاب: رجمنا ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما أمر بالرجم. # قلت: الأظهر في حجته عليه السلام القران، وأنه كان قارنا، لحديث عمر وأنس ~~المذكورين. # وفي صحيح مسلم عن بكر عن أنس قال: (سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يلبي ~~بالحج والعمرة معا) (3). # قال بكر: فحدثت بذلك ابن عمر فقال: لبى بالحج وحده، فلقيت أنسا فحدثته ~~بقول ابن عمر، فقال أنس: ما تعدوننا إلا صبيانا! سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: (لبيك عمرة وحجا). وفي صحيح مسلم أيضا عن ابن عباس قال: ~~أهل النبي صلى الله عليه وسلم بعمرة # PageV02P389 # وأهل أصحابه بحج، فلم يحل النبي صلى الله عليه وسلم ولا من ساق الهدى من ~~أصحابه، وحل بقيتهم. قال بعض أهل العلم: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قارنا، وإذا كان قارنا فقد حج واعتمر، واتفقت الأحاديث. وقال النحاس: ومن ~~أحسن ما قيل في هذا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل بعمرة، فقال من ~~رآه: تمتع ثم أهل بحجة. فقال من رآه: أفرد ثم قال: (لبيك بحجة وعمرة). فقال ~~من سمعه: قرن. فاتفقت الأحاديث. والدليل على هذا أنه لم يرو أحد عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: أفردت الحج ولا تمتعت. وصح عنه أنه قال: # (قرنت) كما رواه النسائي عن علي أنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال لي: # (كيف صنعت) قلت: أهللت بإهلالك. قال (فإني سقت الهدى وقرنت). قال وقال ~~صلى الله عليه وسلم لأصحابه: (لو استقبلت من أمري كما استدبرت لفعلت كما ~~فعلتم ولكني سقت الهدى وقرنت). وثبت عن حفصة قالت قلت: يا ms0803 رسول الله، ما ~~بال الناس قد حلوا من عمرتهم ولم تحلل أنت؟ قال: (إني لبدت رأسي وسقت هديي ~~فلا أحل حتى أنحر). وهذا يبين أنه كان قارنا، لأنه لو كان متمتعا أو مفردا ~~لم يمتنع من نحر الهدى. # قلت: ما ذكره النحاس أنه لم يرو أحد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~(أفردت الحج) فقد تقدم من رواية عائشة أنه قال: (وأما أنا فأهل بالحج). ~~وهذا معناه: فأنا أفرد الحج، إلا أنه يحتمل أن يكون قد أحرم بالعمرة، ثم ~~قال: فأنا أهل بالحج. ومما يبين هذا ما رواه مسلم عن ابن عمر، وفيه: وبدأ ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج، فلم يبق في قوله: ~~(فأنا أهل بالحج) دليل على الافراد. وبقي قوله عليه السلام: (فإني قرنت). # وقول أنس خادمه أنه سمعه يقول: (لبيك بحجة وعمرة معا) نص صريح في القران ~~لا يحتمل التأويل. وروى الدارقطني عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه قال: ~~إنما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الحج والعمرة لأنه علم أنه ليس ~~بحاج بعدها. # الرابعة - وإذا مضى القول في الافراد والتمتع والقران وأن كل ذلك جائز ~~بإجماع فالتمتع بالعمرة إلى الحج عند العلماء على أربعة أوجه، منها وجه ~~واحد مجتمع عليه، والثلاثة مختلف PageV02P390 # فيها. # فأما الوجه المجتمع عليه فهو التمتع المراد بقول الله عز وجل: " فمن تمتع ~~بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى " وذلك أن يحرم الرجل بعمرة في أشهر ~~الحج - على ما يأتي بيانها - وأن يكون من أهل الآفاق، وقدم مكة ففرغ منها ~~ثم أقام حلالا (1) بمكة إلى أن أنشأ الحج منها في عامه ذلك قبل رجوعه إلى ~~بلده، أو قبل خروجه إلى ميقات أهل ناحيته، فإذا فعل ذلك كان متمتعا وعليه ~~ما أوجب الله على المتمتع، وذلك ما استيسر من الهدى، يذبحه ويعطيه للمساكين ~~بمنى أو بمكة، فإن لم يجد صام ثلاثة أيام، وسبعة إذا رجع إلى بلده - على ما ~~يأتي - وليس له صيام ms0804 يوم النحر بإجماع من المسلمين. واختلف في صيام أيام ~~التشريق على ما يأتي. # فهذا إجماع من أهل العلم قديما وحديثا في المتعة، ورابطها ثمانية شروط: ~~الأول - أن يجمع بين الحج والعمرة. الثاني - في سفر واحد. الثالث - في عام ~~واحد. الرابع - في أشهر الحج. الخامس - تقديم العمرة. السادس - ألا يمزجها، ~~بل يكون إحرام الحج بعد الفراغ من العمرة. السابع: أن تكون العمرة والحج عن ~~شخص واحد. الثامن - أن يكون من غير أهل مكة. وتأمل هذه الشروط فيما وصفنا ~~من حكم التمتع تجدها. # والوجه الثاني من وجوه التمتع بالعمرة إلى الحج: القران، وهو أن يجمع ~~بينهما في إحرام واحد فيهل بهما جميعا في أشهر الحج أو غيرها، يقول: لبيك ~~بحجة وعمرة معا، فإذا قدم مكة طاف لحجته وعمرته طوافا واحدا وسعى سعيا ~~واحدا، عند من رأى ذلك، وهم مالك والشافعي وأصحابهما وإسحاق وأبو ثور، وهو ~~مذهب عبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله وعطاء بن أبي رباح والحسن ومجاهد ~~وطاوس، لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في حجة الوداع فأهللنا بعمرة، لحديث. وفيه: وأما الذين جمعوا بين الحج ~~والعمرة فإنما طافوا طوافا واحدا. أخرجه البخاري. وقال صلى الله عليه وسلم ~~لعائشة يوم النفر (2) ولم تكن طافت بالبيت وحاضت: (يسعك طوافك لحجك وعمرتك) ~~في رواية: # PageV02P391 # (يجزئ عنك طوافك بالصفا والمروة عن حجك وعمرتك). أخرجه مسلم - أو طاف ~~طوافين وسعى سعيين، عند من رأى ذلك، وهو أبو حنيفة وأصحابه والثوري ~~والأوزاعي والحسن ابن صالح وابن أبي ليلى، وروي عن علي وابن مسعود، وبه قال ~~الشعبي وجابر بن زيد. # واحتجوا بأحاديث عن علي عليه السلام أنه جمع بين الحج والعمرة فطاف لهما ~~طوافين وسعى لهما سعيين، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فعل. أخرجهما الدارقطني في سننه وضعفها كلها، وإنما جعل القران من باب ~~التمتع، لان القارن يتمتع بترك النصب في السفر إلى العمرة، مرة وإلى الحج ~~أخرى، ويتمتع بجمعهما، ولم يحرم ms0805 لكل واحدة من ميقاته، وضم الحج إلى العمرة، ~~فدخل تحت قول الله عز وجل: " فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من ~~الهدى ". وهذا وجه من التمتع لا خلاف بين العلماء في جوازه. وأهل المدينة ~~لا يجيزون الجمع بين العمرة والحج إلا بسياق الهدى، وهو عندهم بدنة لا يجوز ~~دونها. ومما يدل على أن القران تمتع قول ابن عمر: إنما جعل القران لأهل ~~الآفاق، وتلا قول الله عز وجل: " ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام ~~" فمن كان من حاضري المسجد الحرام وتمتع أو قرن لم يكن عليه دم قران ولا ~~تمتع. قال مالك: وما سمعت أن مكيا قرن، فإن فعل لم يكن عليه هدى ولا صيام، ~~وعلى قول مالك جمهور الفقهاء في ذلك. وقال عبد الملك بن الماجشون: # إذا قرن المكي الحج مع العمرة كان عليه دم القران من أجل أن الله إنما ~~أسقط عن أهل مكة الدم والصيام في التمتع. # والوجه الثالث من التمتع: هو الذي توعد عليه عمر بن الخطاب وقال: متعتان ~~كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما: ~~متعة النساء ومتعة الحج. # وقد تنازع العلماء في جواز هذا بعد هلم (1) جرا، وذلك أن يحرم الرجل ~~بالحج حتى إذا دخل مكة فسخ حجه في عمرة، ثم حل وأقام حلالا حتى يهل بالحج ~~يوم التروية (2). فهذا هو الوجه الذي # PageV02P392 # تواردت به الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيه أنه أمر أصحابه في ~~حجته من لم يكن معه هدى ولم يسقه وقد كان أحرم بالحج أن يجعلها عمرة. وقد ~~أجمع العلماء على تصحيح الآثار بذلك عنه صلى الله عليه وسلم ولم يدفعوا ~~شيئا منها، إلا أنهم اختلفوا في القول بها والعمل لعلل فجمهورهم على ترك ~~العمل بها، لأنها عندهم خصوص خص بها رسول صلى الله عليه وسلم أصحابه في ~~حجته تلك. قال أبو ذر: (كانت المتعة لنا في الحج خاصة. أخرجه مسلم. وفي ~~رواية عنه أنه قال: (لا تصلح المتعتان ms0806 إلا لنا خاصة، يعني متعة النساء ~~ومتعة الحج). والعلة في الخصوصية ووجه الفائدة فيها ما قاله ابن عباس رضي ~~الله عنه قال: (كانوا (1) يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في ~~الأرض ويجعلون (2) المحرم صفرا ويقولون: إذا برأ الدبر، وعفا الأثر، وانسلخ ~~صفر، حلت العمرة لمن اعتمر. فقدم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه صبيحة ~~رابعة (3) مهلين بالحج، فأمرهم أن يجعلوها عمرة، فتعاظم ذلك عندهم فقالوا: ~~يا رسول الله، أي الحل (4)؟ قال: (الحل كله). أخرجه مسلم. وفي المسند ~~الصحيح لأبي حاتم عن ابن عباس قال: والله ما أعمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عائشة في ذي الحجة إلا ليقطع بذلك أمر أهل الشرك، فإن هذا الحي من ~~قريش ومن دان دينهم كانوا يقولون: إذا عفا الوبر، وبرأ الدبر، وانسلخ صفر، ~~حلت العمرة لمن اعتمر. فقد كانوا يحرمون العمرة حتى ينسلخ ذو الحجة، فما ~~أعمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة إلا لينقض ذلك من قولهم. ففي هذا ~~دليل علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما فسخ الحج في العمرة ليريهم ~~أن العمرة في أشهر الحج لا بأس بها. وكان ذلك له ولمن معه خاصة، لان الله ~~عز وجل قد أمر بإتمام الحج والعمرة كل من # PageV02P393 # دخل فيها أمرا مطلقا، ولا يجب أن يخالف ظاهر كتاب الله إلا إلى ما لا ~~إشكال فيه من كتاب ناسخ أو سنة مبينة. واحتجوا بما ذكرناه عن أبي ذر وبحديث ~~الحارث بن بلال عن أبيه قال قلنا: يا رسول الله، فسخ الحج لنا خاصة أم ~~للناس عامة؟ قال: (بل لنا خاصة). وعلى هذا جماعة فقهاء الحجاز والعراق ~~والشام، إلا شئ يروى عن ابن عباس والحسن والسدي، وبه قال أحمد بن حنبل. قال ~~أحمد: لا أرد تلك الآثار الواردة المتواترة الصحاح في فسخ الحج في العمرة ~~بحديث الحارث بن بلال عن أبيه وبقول أبي ذر. قال: ولم يجمعوا على ما قال ~~أبو ذر، ولو أجمعوا كان حجة، قال: وقد خالف ms0807 ابن عباس أبا ذر ولم يجعله ~~خصوصا. # واحتج أحمد بالحديث الصحيح، حديث جابر الطويل في الحج، وفيه: أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: (لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدى ~~وجعلتها عمرة) فقام سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يا رسول الله، ألعامنا هذا ~~أم لابد؟ فشك رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابعه واحدة في الأخرى وقال: ~~(دخلت العمرة في الحج - مرتين (1) - لا بل لا بد أبد) لفظ مسلم. وإلى هذا ~~والله أعلم مال البخاري حيث ترجم " باب من لبى بالحج وسماه " وساق حديث ~~جابر بن عبد الله: قدمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نقول: لبيك ~~بالحج، فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلناها عمرة. وقال قوم: إن ~~أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاحلال كان على وجه آخر. وذكر مجاهد ذلك ~~الوجه، وهو أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كانوا فرضوا الحج ~~أولا، بل أمرهم أن يهلوا مطلقا وينتظروا ما يؤمرون به، وكذلك أهل على ~~باليمن. وكذلك كان إحرام النبي صلى الله عليه وسلم، ويدل عليه قوله عليه ~~السلام: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدى وجعلتها عمرة) فكأنه ~~خرج ينتظر ما يؤمر به ويأمر أصحابه بذلك، ويدل على ذلك قوله عليه السلام: ~~(أتاني آت من ربي في هذا الوادي المبارك وقال قل حجة في عمرة). # PageV02P394 # والوجه الرابع من المتعة: متعة المحصر ومن صد عن البيت، ذكر يعقوب بن ~~شيبة قال حدثنا أبو سلمة التبوذكي حدثنا وهيب حدثنا إسحاق بن سويد قال سمعت ~~عبد الله ابن الزبير وهو يخطب يقول: أيها الناس، إنه والله ليس التمتع ~~بالعمرة إلى الحج كما تصنعون، ولكن التمتع أن يخرج الرجل حاجا فيحبسه عدو ~~أو أمر يعذر به حتى تذهب أيام الحج، فيأتي البيت فيطوف ويسعى بين الصفا ~~والمروة، ثم يتمتع بحله إلى العام المستقبل ثم يحج ويهدي. # وقد مضى القول في حكم المحصر وما للعلماء في ذلك مبينا، والحمد ms0808 لله. # فكان من مذهبه أن المحصر لا يحل ولكنه يبقى على إحرامه حتى يذبح عنه ~~الهدى يوم النحر، ثم يحلق ويبقى على إحرامه حتى يقدم مكة فيتحلل من حجه ~~بعمل عمرة. والذي ذكره ابن الزبير خلاف عموم قوله تعالى: " فإن أحصرتم فما ~~استيسر من الهدى " بعد قوله: # " وأتموا الحج والعمرة لله " ولم يفصل في حكم الاحصار بين الحج والعمرة، ~~والنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه حين أحصروا بالحديبية حلوا وحل، وأمرهم ~~بالاحلال. # واختلف العلماء أيضا لم سمي المتمتع متمتعا، فقال ابن القاسم: لأنه تمتع ~~بكل ما لا يجوز للمحرم فعله من وقت حله في العمرة إلى وقت إنشائه الحج. ~~وقال غيره: # سمي متمتعا لأنه تمتع بإسقاط أحد السفرين، وذلك أن حق العمرة أن تقصد ~~بسفر، وحق الحج كذلك، فلما تمتع بإسقاط أحدهما ألزمه الله هديا، كالقارن ~~الذي يجمع بين الحج والعمرة في سفر واحد، والوجه الأول أعم، فإنه يتمتع بكل ~~ما يجوز للحلال أن يفعله، وسقط عنه السفر لحجه من بلده، وسقط عنه الاحرام ~~من ميقاته في الحج. وهذا هو الوجه الذي كرهه عمر وابن مسعود، وقالا أو قال ~~أحدهما: يأتي أحدكم مني وذكره يقطر منيا، وقد أجمع المسلمون على جواز هذا. ~~وقد قال جماعة من العلماء: إنما كرهه عمر لأنه أحب أن يزار البيت في العام ~~مرتين: مرة في الحج، ومرة في العمرة. ورأى الافراد أفضل، فكان يأمر به ~~ويميل إليه PageV02P395 # وينهى عن غيره استحبابا، ولذلك قال: افصلوا بين حجكم وعمرتكم، فإنه أتم ~~لحج أحدكم و [أتم] (1) لعمرته أن يعتمر في غير أشهر الحج. # الخامسة - اختلف العلماء فيمن اعتمر في أشهر الحج ثم رجع إلى بلده ومنزله ~~ثم حج من عامه، فقال الجمهور من العلماء: ليس بمتمتع، ولا هدى عليه ولا ~~صيام. وقال الحسن البصري: هو متمتع وإن رجع إلى أهله، حج أو لم يحج. قال ~~لأنه كان يقال: عمرة في أشهر الحج متعة، رواه هشيم عن يونس عن الحسن. وقد ~~روي عن يونس عن الحسن: # ليس عليه هدى. ms0809 والصحيح القول الأول، هكذا ذكر أبو عمر " حج أو لم يحج " ~~ولم يذكره ابن المنذر. قال ابن المنذر: وحجته ظاهر الكتاب قوله عز وجل: " ~~فمن تمتع بالعمرة إلى الحج " ولم يستثن: راجعا إلى أهله وغير راجع، ولو كان ~~لله جل ثناؤه في ذلك مراد لبينه في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه ~~وسلم. وقد روي عن سعيد بن المسيب مثل قول الحسن. قال أبو عمر: وقد روي عن ~~الحسن أيضا في هذا الباب قول لم يتابع عليه أيضا، ولا ذهب إليه أحد من أهل ~~العلم. وذلك أنه قال: من اعتمر بعد يوم النحر فهي متعة. # وقد روي عن طاوس قولان هما أشد شذوذا مما ذكرنا عن الحسن، أحدهما: أن من ~~اعتمر في غير أشهر الحج ثم أقام حتى دخل وقت الحج، ثم حج من عامه أنه ~~متمتع. هذا لم يقل به أحد من العلماء غيره، ولا ذهب إليه أحد من فقهاء ~~الأمصار. وذلك - والله أعلم - أن شهور الحج أحق بالحج من العمرة، لان ~~العمرة جائزة في السنة كلها، والحج إنما موضعه شهور معلومة، فإذا جعل أحد ~~العمرة في أشهر الحج فقد جعلها في موضع كان الحج أولى به، إلا أن الله ~~تعالى قد رخص في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم في عمل العمرة ~~في أشهر الحج للمتمتع وللقارن ولمن شاء أن يفردها، رحمة منه، وجعل فيه ما ~~استيسر من الهدى. والوجه الاخر قاله في المكي إذا تمتع من مصر من الأمصار ~~فعليه الهدى، وهذا لم يعرج عليه، لظاهر قوله تعالى: " ذلك لمن لم يكن أهله ~~حاضري المسجد الحرام " والتمتع الجائز عند جماعة العلماء ما أوضحناه ~~بالشرائط التي ذكرناها، وبالله توفيقنا. # PageV02P396 # السادسة - أجمع العلماء على أن رجلا من غير أهل مكة لو قدم مكة معتمرا في ~~أشهر الحج عازما على الإقامة بها ثم أنشأ الحج من عامه فحج أنه متمتع، عليه ~~ما على المتمتع. وأجمعوا في المكي يجئ من وراء الميقات محرما بعمرة، ثم ~~ينشئ الحج ms0810 من مكة وأهله بمكة ولم يسكن سواها أنه لا دم عليه، وكذلك إذا سكن ~~غيرها وسكنها وكان له فيها أهل وفي غيرها. وأجمعوا على أنه إن انتقل من مكة ~~بأهله ثم قدمها في أشهر الحج معتمرا فأقام بها حتى حج من عامه أنه متمتع. # السابعة - واتفق مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم والثوري وأبو ثور على ~~أن المتمتع يطوف لعمرته بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة، وعليه بعد أيضا ~~طواف آخر لحجه وسعي بين الصفا والمروة. وروي عن عطاء وطاوس أنه يكفيه سعى ~~واحد بين الصفا والمروة، والأول المشهور، وهو الذي عليه الجمهور، وأما طواف ~~القارن فقد تقدم. # الثامنة - واختلفوا فيمن أنشأ عمرة في غير أشهر الحج ثم عمل لها في أشهر ~~الحج، فقال مالك: عمرته في الشهر الذي حل فيه، يريد إن كان حل منها في غير ~~أشهر الحج فليس بمتمتع، وإن كان حل منها في أشهر الحج فهو متمتع إن حج من ~~عامه. وقال الشافعي: إذا طاف بالبيت في الأشهر الحرم للعمرة فهو متمتع إن ~~حج من عامه، وذلك أن العمرة إنما تكمل بالطواف بالبيت، وإنما ينظر إلى ~~كمالها، وهو قول الحسن البصري والحكم بن عيينة وابن شبرمة وسفيان الثوري. # وقال قتادة وأحمد وإسحاق: عمرته للشهر الذي أهل فيه، وروي معنى ذلك عن ~~جابر ابن عبد الله. وقال طاوس: عمرته للشهر الذي يدخل فيه الحرم. وقال ~~أصحاب الرأي: إن طاف لها ثلاثة أشواط في رمضان، وأربعة أشواط في شوال فحج ~~من عامه أنه متمتع. وإن طاف في رمضان أربعة أشواط، وفي شوال ثلاثة أشواط لم ~~يكن متمتعا. وقال أبو ثور: إذا دخل في العمرة في غير أشهر الحج فسواء أطاف ~~لها في رمضان أو في شوال لا يكون بهذه العمرة متمتعا. وهو معنى قول احمد ~~وإسحاق: عمرته للشهر الذي أهل فيه. PageV02P397 # التاسعة - أجمع أهل العلم على أن لمن أهل بعمرة في أشهر الحج أن يدخل ~~عليها الحج ما لم يفتتح الطواف بالبيت، ويكون قارنا بذلك، يلزمه ما يلزم ~~القارن الذي ms0811 أنشأ الحج والعمرة معا. واختلقوا في إدخال الحج على العمرة بعد ~~أن افتتح الطواف، فقال مالك: يلزمه ذلك ويصير قارنا ما لم يتم طوافه، وروي ~~مثله عن أبي حنيفة، والمشهور عنه أنه لا يجوز إلا قبل الاخذ في الطواف، وقد ~~قيل: له أن يدخل الحج على العمرة ما لم يركع ركعتي الطواف. وكل ذلك قول ~~مالك وأصحابه. فإذا طاف المعتمر شوطا واحد لعمرته ثم أحرم بالحج صار قارنا، ~~وسقط عنه باقي عمرته ولزمه دم القران. وكذلك من أحرم بالحج في أضعاف طوافه ~~أو بعد فراغه منه قبل ركوعه. وقال بعضهم: له أن يدخل الحج على العمرة ما لم ~~يكمل السعي بين الصفا والمروة. # قال أبو عمر: وهذا كله شذوذ عند أهل العلم. وقال أشهب: إذا طاف لعمرته ~~شوطا واحدا لم يلزمه الاحرام به ولم يكن قارنا، ومضى على عمرته حتى يتمها ~~ثم يحرم بالحج، وهذا قول الشافعي وعطاء، وبه قال أبو ثور. # العاشرة - واختلفوا في إدخال العمرة على الحج، فقال مالك وأبو ثور ~~وإسحاق: لا تدخل العمرة على الحج، ومن أضاف العمرة إلى الحج فليست العمرة ~~بشئ، قاله مالك، وهو أحد قولي الشافعي، وهو المشهور عنه بمصر. وقال أبو ~~حنيفة وأصحابه والشافعي في القديم: يصير قارنا، ويكون عليه ما على القارن ~~ما لم يطف بحجته شوطا واحدا، فإن طاف لم يلزمه، لأنه قد عمل في الحج. قال ~~ابن المنذر: وبقول مالك أقول في هذه المسألة. # الحادية عشرة: قال مالك: من أهدى هديا للعمرة وهو متمتع لم يجزه ذلك، ~~وعليه هدى آخر لمتعته، لأنه إنما يصير متمتعا إذا أنشأ الحج بعد أن حل من ~~عمرته، وحينئذ يجب عليه الهدى. وقال أبو حنيفة وأبو ثور وإسحاق: لا ينحر ~~هديه إلا يوم النحر. وقال أحمد: # إن قدم المتمتع قبل العشر طاف وسعى ونحر هديه، وإن قدم في العشر لم ينحر ~~إلا يوم النحر، وقاله عطاء. وقال الشافعي: يحل من عمرته إذا طاف وسعى، ساق ~~هديا أو لم يسقه. PageV02P398 # الثانية عشرة - واختلف مالك والشافعي ms0812 في المتمتع يموت، فقال الشافعي: إذا ~~أحرم بالحج وجب عليه دم المتعة إذا كان واجدا لذلك، حكاه الزعفراني عنه. ~~وروى ابن وهب عن مالك أنه سئل عن المتمتع يموت بعد ما يحرم بالحج بعرفة أو ~~غيرها، أترى عليه هديا؟ # قال: من مات من أولئك قبل أن يرمي جمرة العقبة فلا أرى عليه هديا، ومن ~~رمى الجمرة ثم مات فعليه الهدى. قيل له: من رأس المال أو من الثلث؟ قال: بل ~~من وأس المال. # الثالثة عشرة - قوله تعالى: " فمن استيسر من الهدى " قد تقدم الكلام فيه. # قوله تعالى: " فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك ~~عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام واتقوا الله واعلموا ~~أن الله شديد العقاب ". # فيه عشر مسائل: # الأولى قوله تعالى: " فمن لم يجد " يعني الهدى، إما لعدم المال أو لعدم ~~الحيوان، صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى بلده. والثلاثة الأيام ~~في الحج آخرها يوم عرفة، هذا قول طاوس، وروي عن الشعبي وعطاء ومجاهد والحسن ~~البصري والنخعي وسعيد بن جبير وعلقمة وعمرو بن دينار وأصحاب الرأي، حكاه ~~ابن المنذر. وحكى أبو ثور عن أبي حنيفة يصومها في إحرامه بالعمرة، لأنه أحد ~~إحرامي التمتع، فجاز صوم الأيام فيه كإحرامه بالحج. وقال أبو حنيفة أيضا ~~وأصحابه: يصوم قبل يوم التروية يوما، ويوم التروية ويوم عرفة. وقال ابن ~~عباس ومالك بن أنس: له أن يصومها منذ يحرم بالحج إلى يوم النحر، لان الله ~~تعالى قال: # " فصيام ثلاثة أيام في الحج " فإذا صامها في العمرة فقد أتاه قبل وقته ~~فلم يجزه. وقال الشافعي وأحمد بن حنبل: يصومهن ما بين أن يهل بالحج إلى يوم ~~عرفة، وهو قول ابن عمر وعائشة، وروي هذا عن مالك، وهو مقتضى قوله في موطئه، ~~ليكون يوم عرفة مفطرا، فذلك أتبع للسنة، وأقوى على العبادة، وسيأتي. وعن ~~أحمد أيضا: جائز أن يصوم الثلاثة قبل أن يحرم. وقال الثوري والأوزاعي: ~~يصومهن من أول أيام العشر، وبه قال ms0813 عطاء. وقال عروة: يصومها ما دام بمكة في ~~أيام منى، وقاله أيضا مالك وجماعة من أهل المدينة. PageV02P399 # وأيام منى هي أيام التشريق الثلاثة التي تلي يوم النحر. روى مالك في ~~الموطأ عن عائشة أم المؤمنين أنها كانت تقول: " الصيام لمن تمتع بالعمرة ~~إلى الحج لمن لم يجد هديا ما بين أن يهل بالحج إلى يوم عرفة، فإن لم يصم ~~صام أيام منى ". وهذا اللفظ يقتضي صحة الصوم من وقت يحرم بالحج المتمتع إلى ~~يوم عرفة، وأن ذلك مبدأ، إما لأنه وقت الأداء وما بعد ذلك من ذلك من أيام ~~منى وقت القضاء، على ما يقوله أصحاب الشافعي، وإما لان في تقديم الصيام قبل ~~يوم النحر إبراء للذمة، وذلك مأمور به. والأظهر من المذهب أنها على وجه ~~الأداء، وإن كان الصوم قبلها أفضل، كوقت الصلاة الذي فيه سعة للأداء وإن ~~كان أوله أفضل من آخره. وهذا هو الصحيح وأنها أداء لا قضاء، فإن قوله: " ~~أيام في الحج " يحتمل أن يريد موضع الحج، ويحتمل أن يريد أيام الحج، فإن ~~كان المراد أيام الحج فهذا القول صحيح، لان آخر أيام الحج يوم النحر، ~~ويحتمل أن يكون آخر أيام الحج أيام الرمي، لان الرمي عمل من عمل الحج خالصا ~~وإن لم يكن من أركانه. وإن كان المراد موضع الحج صامه ما دام بمكة في أيام ~~منى، كما قال عروة، ويقوى جدا. وقد قال قوم: له أن يؤخرها ابتداء إلى أيام ~~التشريق، لأنه لا يجب عليه الصيام إلا بألا يجد الهدى يوم النحر. فإن قيل ~~وهي: # الثانية - فقد ذهب جماعة من أهل المدينة والشافعي في الجديد وعليه أكثر ~~أصحابه إلى أنه لا يجوز صوم أيام التشريق لنهي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن صيام أيام منى، قيل له: إن ثبت النهي فهو عام يخصص منه المتمتع بما ~~ثبت في البخاري أن عائشة كانت تصومها. وعن ابن عمر وعائشة قالا: لم يرخص في ~~أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدى. وقال الدارقطني: إسناده ms0814 صحيح، ~~ورواه مرفوعا عن ابن عمر وعائشة من طرق ثلاثة ضعفها. وإنما رخص في صومها ~~لأنه لم يبق من أيامه إلا بمقدارها، وبذلك يتحقق وجوب الصوم لعدم الهدى. ~~قال ابن المنذر: وقد روينا عن علي بن أبي طالب أنه قال: إذا فاته الصوم صام ~~بعد أيام التشريق، وقاله الحسن وعطاء. قال ابن المنذر: وكذلك نقول. ~~PageV02P400 # وقالت طائفة: إذا فاته الصوم في العشر لم يجزه إلا الهدى. روي ذلك عن ابن ~~عباس وسعيد بن جبير وطاوس ومجاهد، وحكاه أبو عمر عن أبي حنيفة وأصحابه عنه، ~~فتأمله. # الثالثة - أجمع العلماء على أن الصوم لا سبيل للمتمتع إليه إذا كان يجد ~~الهدى، واختلفوا فيه إذا كان غير واجد للهدى فصام ثم وجد الهدى قبل إكمال ~~صومه، فذكر ابن وهب عن مالك قال: إذا دخل في الصوم ثم وجد هديا فأحب إلي أن ~~يهدي، فإن لم يفعل أجزاه الصيام. وقال الشافعي: يمضي في صومه وهو فرضه، ~~وكذلك قال أبو ثور، وهو قول الحسن وقتادة، واختاره ابن المنذر. وقال أبو ~~حنيفة: إذا أيسر في اليوم الثالث من صومه بطل الصوم ووجب عليه الهدى، وإن ~~صام ثلاثة أيام في الحج ثم أيسر كان له أن يصوم السبعة الأيام لا يرجع إلى ~~الهدى، وبه قال الثوري وابن أبي نجيح وحماد. # الرابعة - قوله تعالى: " وسبعة " قراءة الجمهور بالخفض على العطف. وقرأ ~~زيد ابن علي " وسبعة " بالنصب، على معنى: وصوموا سبعة. # الخامسة - قوله تعالى: " إذا رجعتم " يعنى إلى بلادكم، قاله ابن عمر ~~وقتادة والربيع ومجاهد وعطاء، وقال مالك في كتاب محمد، وبه قال الشافعي. ~~قال قتادة والربيع: هذه رخصة من الله تعالى، فلا يجب أحد صوم السبعة إلا ~~إذا وصل وطنه، إلا أن يتشدد أحد، كما يفعل من يصوم في السفر في رمضان. وقال ~~أحمد وإسحاق: يجزيه الصوم في الطريق، وروي عن مجاهد وعطاء. قال مجاهد: إن ~~شاء صامها في الطريق، إنما هي رخصة، وكذلك قال عكرمة والحسن. والتقدير عند ~~بعض أهل اللغة: إذا رجعتم من الحج، أي إذا ms0815 رجعتم إلى ما كنتم عليه قبل ~~الاحرام من الحل. وقال مالك في الكتاب: إذا رجع من منى فلا بأس أن يصوم ~~وقال ابن العربي: " إن كان تخفيفا ورخصة فيجوز تقديم الرخص وترك (1) الرفق ~~فيها إلى العزيمة إجماعا. وإن كان ذلك توقيتا فليس فيه نص، ولا ظاهر أنه ~~أراد البلاد، وأنها المراد في الأغلب (2). " # PageV02P401 # قلت: بل فيه ظاهر يقرب إلى النص، يبينه ما رواه مسلم عن ابن عمر قال: ~~تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وأهدى، ~~فساق معه الهدى من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل ~~بالعمرة ثم أهل بالحج، وتمتع الناس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالعمرة إلى الحج، فكان من الناس من أهدى (1) فساق الهدى، ومنهم من لم يهد، ~~فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قال للناس: (من كان منكم أهدى ~~فإنه لا يحل من شئ حرم منه حتى يقضي حجه ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت ~~وبالصفا والمروة وليقصر وليحلل ثم ليهل بالحج وليهد فمن لم يجد هديا فليصم ~~ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله) الحديث. وهذا كالنص في أنه لا ~~يجوز صوم السبعة الأيام إلا في أهله وبلده، والله أعلم. وكذا قال البخاري ~~في حديث ابن عباس: (ثم أمرنا عشية التروية أن نهل بالحج فإذا فرغنا من ~~المناسك جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة وقد تم حجنا وعلينا الهدى، كما ~~قال الله تعالى: " فما استيسر من الهدى فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في ~~الحج وسبعة إذا رجعتم إلى أمصاركم (2) " [البقرة 196] الحديث، وسيأتي. قال ~~النحاس: وكان هذا إجماعا. # السادسة - قوله تعالى: " تلك عشرة كاملة " يقال: كمل يكمل، مثل نصر ينصر. # وكمل يكمل، مثل عظم يعظم. وكمل يكمل، مثل حمد يحمد، ثلاث لغات. واختلفوا ~~في معنى قوله: " تلك عشرة " وقد علم أنها عشرة، فقال الزجاج: لما جاز أن ~~يتوهم متوهم التخيير بين ثلاثة أيام في الحج أو سبعة إذا ms0816 رجع بدلا منها، ~~لأنه لم يقل وسبعة أخرى - أزيل ذلك بالجملة من قوله " تلك عشرة " ثم قال: " ~~كاملة ". وقال الحسن: " كاملة " في الثواب كمن أهدى. # وقيل: " كاملة " في البدل عن الهدى، يعني العشرة كلها بدل عن الهدى. ~~وقيل: " كاملة " في الثواب كمن لم يتمتع. وقيل: لفظها لفظ الاخبار ومعناها ~~الامر، أي أكملوها فذلك فرضها. وقال المبرد: " عشرة " دلالة على انقضاء ~~العدد، لئلا يتوهم متوهم أنه قد بقي # PageV02P402 # منه شئ بعد ذكر السبعة. وقيل: هو توكيد، كما تقول: كتبت بيدي. ومنه قول ~~الشاعر: # ثلاث واثنتان فهن خمس * وسادسة تميل إلى شمامي فقوله " خمس " تأكيد. ~~ومثله قول الاخر: # ثلاث بالغداة فذاك حسبي * وست حين يدركني العشاء فذلك تسعة في اليوم ريي ~~* وشرب المرء فوق الري داء وقوله " كاملة " تأكيد آخر، فيه زيادة توصية ~~بصيامها وألا ينقص من عددها، كما تقول لمن تأمره بأمر ذي بال: الله الله لا ~~تقصر. # السابعة - قوله تعالى: " ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام " أي ~~إنما يجب دم التمتع عن الغريب الذي ليس من حاضري المسجد الحرام. خرج ~~البخاري " عن ابن عباس أنه سئل عن متعة الحج فقال: أهل المهاجرون والأنصار ~~وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وأهللنا، فلما قدمنا مكة ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلا من قلد ~~الهدى) طفنا بالبيت وبالصفا والمروة وأتينا النساء ولبسنا الثياب، وقال: ~~(من قلد الهدى فإنه لا يحل حتى يبلغ الهدى محله) ثم أمرنا عشية التروية أن ~~نهل بالحج، فإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة فقد ~~تم حجنا وعلينا الهدى، كما قال الله تعالى: " فما استيسر من الهدى فمن لم ~~يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم " إلى أمصاركم، الشاة تجزي، ~~فجمعوا نسكين في عام بين الحج والعمرة فإن الله أنزله في كتابه وسنة نبيه ~~صلى الله عليه وسلم وأباحه للناس غير أهل مكة، قال الله عز وجل: " ذلك لمن ~~لم يكن أهله حاضري المسجد ms0817 الحرام " وأشهر الحج التي ذكر الله عز وجل شوال ~~وذو القعدة وذو الحجة، فمن تمتع في هذه الأشهر فعليه دم أو صوم. والرفث: ~~الجماع والفسوق: المعاصي. والجدال: المراء. PageV02P403 # الثامنة - اللام في قوله " لمن " بمعنى على، أي وجوب الدم على من لم يكن ~~من أهل مكة، كقوله عليه السلام: (اشترطي لهم الولاء). وقوله تعالى: " وإن ~~أسأتم فلها " (1) [الاسراء: 7] أي فعليها. وذلك إشارة إلى التمتع والقران ~~للغريب عند أبي حنيفة وأصحابه، لا متعة ولا قران لحاضري المسجد الحرام ~~عندهم. ومن فعل ذلك كان عليه دم جناية لا يأكل منه، لأنه ليس بدم تمتع. ~~وقال الشافعي: لهم دم تمتع (2) وقران. والإشارة ترجع إلى الهدى والصيام، ~~فلا هدى ولا صيام عليهم. وفرق عبد الملك بن الماجشون بين التمتع والقران، ~~فأوجب الدم في القران وأسقطه في التمتع، على ما تقدم عنه. # التاسعة - واختلف الناس في حاضري المسجد الحرام - بعد الاجماع على أن أهل ~~مكة وما اتصل بها من حاضريه. وقال الطبري: بعد الاجماع على أهل الحرم. قال ~~ابن عطية: وليس كما قال - فقال بعض العلماء: من كان يجب عليه الجمعة فهو ~~حضري، ومن كان أبعد من ذلك فهو بدوي، فجعل اللفظة من الحضارة والبداوة. ~~وقال مالك وأصحابه هم أهل مكة وما اتصل بها خاصة. وعند أبي حنيفة وأصحابه: ~~هم أهل المواقيت ومن وراءها من كل ناحية، فمن كان من أهل المواقيت أو من ~~أهل ما وراءها فهم من حاضري المسجد الحرام. وقال الشافعي وأصحابه: هم من لا ~~يلزمه تقصير الصلاة من موضعه إلى مكة، وذلك أقرب المواقيت. وعلى هذه ~~الأقوال مذاهب السلف في تأويل الآية. # العاشرة - قوله تعالى: " واتقوا الله " أي فيما فرضه عليكم. وقيل: هو أمر ~~بالتقوى على العموم، وتحذير من شدة عقابه. # قوله تعالى: الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا ~~جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى ~~واتقون يا أولي الألباب (197) # PageV02P404 # فيه أربع عشرة مسألة: # الأولى - قوله تعالى: " الحج أشهر ms0818 معلومات " لما ذكر الحج والعمرة سبحانه ~~وتعالى في قوله: " وأتموا الحج والعمرة " [البقرة: 196] بين اختلافهما في ~~الوقت، فجميع السنة وقت للاحرام بالعمرة، ووقت العمرة. وأما الحج فيقع في ~~السنة مرة، فلا يكون في غير هذه الأشهر. و " الحج أشهر معلومات " ابتداء ~~وخبر، وفي الكلام حذف تقديره: أشهر الحج أشهر، أو وقت الحج أشهر، أو وقت ~~عمل الحج أشهر. وقيل التقدير: الحج في أشهر. ويلزمه مع سقوط حرف الجر نصب ~~الأشهر، ولم يقرأ أحد بنصبها، إلا أنه يجوز في الكلام النصب على أنه ظرف. ~~قال الفراء: الأشهر رفع، لان معناه وقت الحج أشهر معلومات. قال الفراء: ~~وسمعت الكسائي يقول: إنما الصيف شهران، وإنما الطيلسان (1) ثلاثة أشهر. ~~أراد وقت الصيف، ووقت لباس الطيلسان، فحذف. # الثانية - واختلف في الأشهر المعلومات، فقال ابن مسعود وابن عمر وعطاء ~~والربيع ومجاهد والزهري: أشهر الحج شوال وذو العقدة وذو الحجة كله. وقال ~~ابن عباس والسدي والشعبي والنخعي: هي شوال وذو القعدة وعشرة من ذي الحجة، ~~وروي عن ابن مسعود، وقاله ابن الزبير، والقولان مرويان عن مالك، حكى الأخير ~~ابن حبيب، والأول ابن المنذر. # وفائدة الفرق تعلق الدم، فمن قال: إن ذا الحجة كله من أشهر الحج لم يرد ~~ما فيما يقع من الأعمال بعد يوم النحر، لأنها في أشهر الحج. وعلى القول ~~الأخير ينقضي الحج بيوم النحر، ويلزم الدم فيما عمل بعد ذلك لتأخيره عن ~~وقته. # الثالثة - لم يسم الله تعالى أشهر الحج في كتابه، لأنها كانت معلومة ~~عندهم. ولفظ الأشهر قد يقع على شهرين وبعض الثالث، لان بعض الشهر يتنزل ~~منزلة كله، كما يقال: رأيتك سنة كذا، أو على عهد فلان. ولعله إنما رآه في ~~ساعة منها، فالوقت يذكر بعضه بكله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~(أيام منى ثلاثة). وإنما هي يومان وبعض الثالث. ويقولون: # رأيتك اليوم، وجئتك العام. وقيل: لما كان الاثنان وما فوقهما جمع (2) قال ~~أشهر، والله أعلم. # PageV02P405 # الرابعة - اختلف في الاهلال بالحج غير أشهر الحج، فروي عن ابن عباس: من ~~سنة ms0819 الحج أن يحرم به في أشهر الحج. وقال عطاء ومجاهد وطاوس والأوزاعي: من ~~أحرم بالحج قبل أشهر الحج لم يجزه ذلك عن حجه ويكون عمرة، كمن دخل في صلاة ~~قبل وقتها فإنه لا تجزيه وتكون نافلة، وبه قال الشافعي وأبو ثور. وقال ~~الأوزاعي: يحل بعمرة. وقال أحمد بن حنبل: هذا مكروه، وروي عن مالك، ~~والمشهور عنه جواز الاحرام بالحج في جميع السنة كلها، وهو قول أبي حنيفة. ~~وقال النخعي: لا يحل حتى يقضي حجه، لقوله تعالى: # " يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج " [البقرة: 189] وقد تقدم ~~القول فيها. وما ذهب إليه الشافعي أصح، لان تلك عامة، وهذه الآية خاصة. ~~ويحتمل أن يكون من باب النص على بعض أشخاص العموم، لفضل هذه الأشهر على ~~غيرها، وعليه فيكون قول مالك صحيح، والله أعلم. # الخامسة - قوله تعالى: " فمن فرض فيهن الحج " أي ألزمه نفسه بالشروع فيه ~~بالنية قصدا باطنا، وبالاحرام فعلا ظاهرا، وبالتلبية نطقا مسموعا، قاله ابن ~~حبيب وأبو حنيفة في التلبية. وليست التلبية عند الشافعي من أركان الحج، وهو ~~قول الحسن بن حي. # قال الشافعي: تكفي النية في الاحرام بالحج. وأوجب التلبية أهل الظاهر ~~وغيرهم. وأصل الفرض في اللغة: الحز والقطع، ومنه فرضة (1) القوس والنهر ~~والجبل. ففرضية الحج لازمة للعبد الحر كلزوم الخز للقدح. وقيل: " فرض " أي ~~أبان، وهذا يرجع إلى القطع، لان من قطع شيئا فقد أبانه عن غيره. و " من " ~~رفع بالابتداء ومعناها الشرط، والخبر قوله: # " فرض "، لان " من " ليست بموصولة، فكأنه قال: رجل فرض. وقال: " فيهن " ~~ولم يقل فيها، فقال قوم: هما سواء في الاستعمال. وقال المازني أبو عثمان: ~~الجمع الكثير لما لا يعقل يأتي كالواحدة المؤنثة، والقليل ليس كذلك، تقول: ~~الأجذاع انكسرن، والجذوع انكسرت، ويؤيد ذلك قول الله تعالى: " إن عدة ~~الشهور " [التوبة: 36] ثم قال: " منها ". # PageV02P406 # السادسة - قوله تعالى: " فلا رفث " قال ابن عباس وابن جبير والسدي وقتادة ~~والحسن وعكرمة والزهري ومجاهد ومالك: الرفث الجماع، أي فلا جماع لأنه ~~يفسده. وأجمع العلماء على أن الجماع قبل الوقوف ms0820 بعرفة مفسد للحج، وعليه حج ~~قابل والهدى. وقال عبد الله ابن عمر وطاوس وعطاء وغيرهم: الرفث الافحاش ~~للمرأة بالكلام، لقوله: إذا أحللنا فعلنا بك كذا، من غير كناية، وقاله ابن ~~عباس أيضا، وأنشد وهو محرم: # وهن يمشين بنا هميسا * إن تصدق الطير ننك لميسا (1) فقال له صاحبه حصين ~~بن قيس: أترفث وأنت محرم! فقال: إن الرفث ما قيل عند النساء. وقال قوم: ~~الرفث الافحاش بذكر النساء، كان ذلك بحضرتهن أم لا. وقيل: الرفث كلمة جامعة ~~لما يريده الرجل من أهله. وقال أبو عبيدة: الرفث اللغا من الكلام، وأنشد: # ورب أسراب حجيج كظم * عن اللغا ورفث التكلم يقال: رفث يرفث، بضم الفاء ~~وكسرها. وقرأ ابن مسعود " فلا رفوث " على الجمع. # قال ابن العربي: المراد بقوله " فلا رفث " نفيه مشروعا لا موجودا، فإنا ~~نجد الرفث فيه ونشاهده، وخبر الله سبحانه لا يجوز أن يقع بخلاف مخبره، ~~وإنما يرجع النفي إلى وجوده مشروعا لا إلى وجوده محسوسا، كقوله تعالى: " ~~والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء " (2) [البقرة: 228] معناه: شرعا لا ~~حسا، فإنا نجد المطلقات لا يتربصن، فعاد النفي إلى الحكم الشرعي لا إلى ~~الوجود الحسي. وهذا كقوله تعالى: " لا يمسه إلا المطهرون " (3) [الواقعة: ~~79] إذا قلنا: إنه وارد في الآدميين - وهو الصحيح - أن معناه لا يمسه أحد ~~منهم شرعا، فإن وجد المس فعلى خلاف حكم الشرع، وهذه الدقيقة هي التي فاتت ~~العلماء فقالوا: إن الخبر يكون بمعنى النهي، وما وجد ذلك قط، ولا يصح أن ~~يوجد، فإنهما مختلفان حقيقة ومتضادان وصفا. # السابعة - قوله تعالى: " ولا فسوق " يعني جميع المعاصي كلها، قاله ابن ~~عباس وعطاء والحسن. وكذلك قال ابن عمر وجماعة: الفسوق إتيان معاصي الله عز ~~وجل # PageV02P407 # في حال إحرامه بالحج، كقتل الصيد وقص الظفر وأخذ الشعر، وشبه ذلك. وقال ~~ابن زيد ومالك: الفسوق الذبح للأصنام، ومنه قوله تعالى: " أو فسقا أهل لغير ~~الله به " (1) [الانعام: 145]. وقال الضحاك: الفسوق التنابز بالألقاب، ومنه ~~قوله: " بئس الاسم الفسوق " (2) [الحجرات: 11]. وقال ابن عمر أيضا: الفسوق ~~السباب، ومنه قوله عليه السلام: ms0821 (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر). # والقول الأول أصح، لأنه يتناول جميع الأقوال. قال صلى الله عليه وسلم: ~~(من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه)، (والحج المبرور ليس له جزاء ~~إلا الجنة) خرجه مسلم وغيره. وجاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (والذي ~~نفسي بيده ما بين السماء والأرض من عمل أفضل من الجهاد في سبيل الله أو حجة ~~مبرورة لا رفث فيها ولا فسوق ولا جدال). وقال الفقهاء: الحج المبرور هو ~~الذي لم يعص الله تعالى فيه أثناء أدائه. وقال الفراء: هو الذي لم يعص الله ~~سبحانه بعده، ذكر القولين ابن العربي رحمه الله. # قلت: الحج المبرور هو الذي لم يعص الله سبحانه فيه لا بعده. قال الحسن: ~~الحج المبرور هو أن يرجع صاحبه زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة. وقيل غير ~~هذا، وسيأتي. # الثامنة - قوله تعالى: " ولا جدال في الحج " قرئ " فلا رفث ولا فسوق " ~~بالرفع والتنوين فيهما. وقرئا بالنصب بغير تنوين. وأجمعوا على الفتح في " ~~ولا جدال "، وهو يقوي قراءة النصب فيما قبله، ولأن المقصود النفي العام من ~~الرفث والفسوق والجدال، وليكون الكلام على نظام واحد في عموم المنفي كله، ~~وعلى النصب أكثر القراء. والأسماء الثلاثة في موضع (3) رفع، كل واحد مع " ~~لا ". وقوله " في الحج " خبر عن جميعها. ووجه قراءة الرفع أن " لا " بمعنى ~~" ليس " فارتفع الاسم بعدها، لأنه اسمها، والخبر محذوف تقديره: # فليس رفث ولا فسوق في الحج، دل عليه " في الحج " الثاني الظاهر وهو خبر " ~~لا جدال ". # وقال أبو عمرو بن العلاء: الرفع بمعنى فلا يكونن رفث ولا فسوق، أي شئ ~~يخرج من الحج، ثم ابتدأ النفي فقال: ولا جدال. # PageV02P408 # قلت: فيحتمل أن تكون كان تامة، مثل قوله: " وإن كان ذو عسرة " فلا تحتاج ~~إلى خبر. ويحتمل أن تكون ناقصة والخبر محذوف، كما تقدم آنفا. ويجوز أن يرفع ~~" رفث وفسوق " بالابتداء، " ولا " للنفي، والخبر محذوف أيضا. وقرأ أبو جعفر ~~بن القعقاع بالرفع في الثلاثة. ورويت عن عاصم في بعض الطرق، وعليه ms0822 يكون " ~~في الحج " خبر الثلاثة، كما قلنا في قراءة النصب، وإنما لم يحسن أن يكون " ~~في الحج " خبر عن الجميع مع اختلاف القراءة، لان خبر ليس منصوب وخبر " ولا ~~جدال " مرفوع، لان " ولا جدال " مقطوع من الأول وهو في موضع رفع بالابتداء، ~~ولا يعمل عاملان في اسم واحد. ويجوز " فلا رفث ولا فسوق " تعطفه على ~~الموضع. وأنشد النحويون: # لا نسب اليوم ولا خلة * اتسع الخرق على الراقع (1) ويجوز في الكلام " فلا ~~رفث ولا فسوقا ولا جدال في الحج " عطفا على اللفظ على ما كان يجب في " لا " ~~قال الفراء: ومثله: # فلا أب وابنا مثل مروان وابنه * إذا هو بالمجد ارتدى وتأزرا وقال أبو ~~رجاء العطاردي: " فلا رفث ولا فسوق " بالنصب فيهما، " ولا جدال " بالرفع ~~والتنوين. وأنشد الأخفش: # هذا وجدكم الصغار بعينه * لا أم لي إن كان ذاك ولا أب وقيل: إن معنى " ~~فلا رفث ولا فسوق " النهي، أي لا ترفثوا ولا تفسقوا. ومعنى " ولا جدال " ~~النفي، فلما اختلفا في المعنى خولف بينهما في اللفظ. قال القشيري: وفيه ~~نظر، إذ فيل: " ولا جدال " نهي أيضا، أي لا تجادلوا، فلم فرق بينهما. # التاسعة - " ولا جدال " الجدال وزنه فعال من المجادلة، وهي مشتقة من ~~الجدل وهو القتل، ومنه زمام مجدول. وقيل: هي مشتقة من الجدالة التي هي ~~الأرض. # PageV02P409 # فكأن كل واحد من الخصمين يقاوم صاحبه حتى يغلبه، فيكون كمن ضرب به ~~الجدالة. # قال الشاعر: # قد أركب الآلة بعد الآلة (1) * وأترك العاجز بالجداله * منعفرا لست له ~~محاله * العاشرة - واختلفت العلماء في المعنى المراد به هنا على أقوال ستة، ~~فقال ابن مسعود وابن عباس وعطاء: الجدال هنا أن تماري مسلما حتى تغضبه ~~فينتهي إلى السباب، فأما مذاكرة العلم فلا نهي عنها. وقال قتادة: الجدال ~~السباب. وقال ابن زيد ومالك بن أنس: الجدال هنا أن يختلف الناس: أيهم صادف ~~موقف إبراهيم عليه السلام، كما كانوا يفعلون في الجاهلية حين كانت قريش تقف ~~في غير موقف سائر العرب، ثم يتجادلون بعد ذلك، فالمعنى على هذا التأويل: لا ms0823 ~~جدال في مواضعه. وقالت طائفة: الجدال هنا أن تقول طائفة: الحج اليوم، وتقول ~~طائفة: الحج غدا. وقال مجاهد وطائفة معه: الجدال المماراة في الشهور حسب ما ~~كانت عليه العرب من النسئ، كانوا ربما جعلوا الحج في غير ذي الحجة، ويقف ~~بعضهم بجمع (2) وبعضهم بعرفة، ويتمارون في الصواب من ذلك. # قلت: فعلى هذين التأويلين لا جدال في وقته ولا في موضعه، وهذان القولان ~~أصح ما قيل في تأويل قوله " ولا جدال "، لقوله صلى الله عليه وسلم: (إن ~~الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض) الحديث، وسيأتي في ~~" براءة " (3). يعني رجع أم الحج كما كان، أي عاد إلى يومه ووقته. وقال صلى ~~الله عليه وسلم لما حج: (خذوا عني مناسككم) فبين بهذا مواقف الحج ومواضعه. ~~وقال محمد بن كعب القرظي: الجدال أن تقول طائفة: # حجنا أبر من حجكم. ويقول الاخر مثل ذلك. وقيل: الجدال كان في الفخر ~~بالاباء، والله أعلم. # الحادية عشرة - قوله تعالى: " وما تفعلوا من خير يعلمه الله " شرط ~~وجوابه، والمعنى: أن الله يجازيكم على أعمالكم، لان المجازاة إنما تقع من ~~العالم بالشئ. وقيل: # PageV02P410 # هو تحريض وحث على حسن الكلام مكان الفحش، وعلى البر والتقوى في الأخلاق ~~مكان الفسوق والجدال. وقيل: جعل فعل الخير عبارة عن ضبط أنفسهم حتى لا يوجد ~~ما نهوا عنه. # الثانية عشرة - قوله تعالى: " وتزودوا " أمر باتخاذ الزاد. قال ابن عمر ~~وعكرمة ومجاهد وقتادة وابن زيد: نزلت الآية في طائفة من العرب كانت تجئ إلى ~~الحج بلا زاد، ويقول بعضهم: كيف نحج بيت الله ولا يطعمنا، فكانوا يبقون ~~عالة على الناس، فنهوا عن ذلك، وأمروا بالزاد. وقال عبد الله بن الزبير: ~~كان الناس يتكل بعضهم على بعض بالزاد، فأمروا بالزاد. وكان للنبي صلى الله ~~عليه وسلم في مسيره راحلة عليها زاد، وقدم عليه ثلاثمائة رجل من مزينة، ~~فلما أرادوا أن ينصرفوا قال: (يا عمر زود القوم). وقال بعض الناس: " تزودوا ~~" الرفيق الصالح. وقال ابن عطية: وهذا تخصيص ضعيف، والأولى في معنى الآية: ~~وتزودوا لمعادكم ms0824 من الأعمال الصالحة. # قلت: القول الأول أصح، فإن المراد الزاد المتخذ في سفر الحج المأكول ~~حقيقة كما ذكرنا، كما روى البخاري عن ابن عباس قال: كان أهل اليمن يحجون ~~ولا يتزودون ويقولون: # نحن المتوكلون، فإذا قدموا مكة سألوا الناس، فأنزل الله تعالى: " وتزودوا ~~فإن خير الزاد التقوى " وهذا نص فيما ذكرنا، وعليه أكثر المفسرين. قال ~~الشعبي: الزاد التمر والسويق. # ابن جبير: الكعك والسويق. قال ابن العربي: " أمر الله تعالى بالتزود لمن ~~كان له مال، ومن لم يكن له مال فإن كان ذا حرفة تنفق في الطريق أو سائلا ~~فلا خطاب عليه، وإنما خاطب الله أهل الأموال الذين كانوا يتركون أموالهم ~~ويخرجون بغير زاد ويقولون: نحن المتوكلون. والتوكل له شروط، من قام بها خرج ~~بغير زاد ولا يدخل في الخطاب، فإنه خرج على الأغلب من الخلق وهم المقصرون ~~عن درجة التوكل الغافلون عن حقائقه، والله عز وجل أعلم ". قال أبو الفرج ~~الجوزي: وقد لبس إبليس على قوم يدعون التوكل، فخرجوا بلا زاد وظنوا أن هذا ~~هو التوكل وهم على غاية الخطأ. قال رجل لأحمد بن حنبل: أريد أن أخرج ~~PageV02P411 # إلى مكة على التوكل بغير زاد، فقال له أحمد: اخرج في غير القافلة. فقال ~~لا، إلا معهم. # قال: فعلى جرب (1) الناس توكلت؟! # الثالثة عشرة - قوله تعالى: " فإن خير الزاد التقوى " أخبر تعالى أن خير ~~الزاد اتقاء المنهيات، فأمرهم أن يضموا إلى التزود التقوى. وجاء قوله " فإن ~~خير الزاد التقوى " محمولا على المعنى، لان معنى " وتزودوا ": اتقوا الله ~~في اتباع ما أمركم به من الخروج بالزاد. وقيل: # يحتمل أن يكون المعنى: فإن خير الزاد ما اتقى به المسافر من الهلكة (2) ~~أو الحاجة إلى السؤال والتكفف. وقيل: فيه تنبيه على أن هذه الدار ليست بدار ~~قرار. قال أهل الإشارات: # ذكرهم الله تعالى سفر الآخرة وحثهم على تزود التقوى، فإن التقوى زاد ~~الآخرة. # قال الأعشى: # إذ أنت لم ترحل بزاد من التقى * ولاقيت بعد الموت من قد تزودا ندمت على ~~ألا تكون كمثله * وأنك لم ms0825 ترصد كما كان أرصدا وقال آخر: # الموت بحر طامح موجه * تذهب فيه حيلة السابح يا نفس إني قائل فاسمعي * ~~مقالة من مشفق ناصح لا يصحب الانسان في قبره * غير التقي والعمل الصالح ~~الرابعة عشرة - قوله تعالى: " واتقون يا أولى الألباب " خص أولي الألباب ~~بالخطاب - وإن كان الامر يعم الكل - لأنهم الذين قامت عليهم حجة الله، وهم ~~قابلو أوامره والناهضون بها. والألباب جمع لب، ولب كل شئ: خالصه، ولذلك قيل ~~للعقل: # لب. قال النحاس: سمعت أبا إسحاق يقول قال لي أحمد بن يحيى ثعلب: أتعرف في ~~كلام العرب شيئا من المضاعف جاء على فعل؟ قلت نعم، حكى سيبويه عن يونس: ~~لببت تلب، فاستحسنه وقال: ما أعرف له نظيرا. # PageV02P412 # قوله تعالى: ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم فإذا أفضتم من عرفت ~~فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هديكم وإن كنتم من قبله لمن ~~الضالين (198). # قوله تعالى: " ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم " فيه مسألتان: # الأولى - قوله تعالى: " جناح " أي إثم، وهو اسم ليس. " أن تبتغوا " في ~~موضع نصب خبر ليس، أي في أن تبتغوا. وعلى قول الخليل والكسائي أنها في موضع ~~خفض. # ولما أمر تعالى بتنزيه الحج عن الرفث والفسوق والجدال رخص في التجارة، ~~المعنى: لا جناح عليكم في أن تبتغوا فضل الله. وابتغاء الفضل ورد في القرآن ~~بمعنى التجارة، قال الله تعالى: # " فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله " (1) [الجمعة: 10]. والدليل ~~على صحة هذا ما رواه البخاري عن ابن عباس قال: (كانت (2) عكاظ ومجنة وذو ~~المجاز أسواقا في الجاهلية فتأثموا أن يتجروا في المواسم فنزلت: " ليس ~~عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم " في مواسم الحج) (3). # الثانية - إذا ثبت هذا ففي الآية دليل على جواز التجارة في الحج للحاج مع ~~أداء العبادة، وأن القصد إلى ذلك لا يكون شركا ولا يخرج به المكلف عن رسم ~~الاخلاص المفترض عليه، # PageV02P413 # خلافا للفقراء (1). أما إن الحج دون تجارة أفضل، لعروها (2) عن شوائب ~~الدنيا وتعلق القلب بغيرها. # روى الدارقطني في ms0826 سننه عن أبي أمامة التيمي قال قلت لابن عمر: إني رجل ~~أكرى في هذا الوجه، وإن ناسا يقولون: إنه لا حج لك. فقال ابن عمر: جاء رجل ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله مثل هذا الذي سألتني، فسكت حتى ~~نزلت هذه الآية: " ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم " فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: (إن لك حجا). # قوله تعالى: " فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام ~~واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين " فيه ست (3) عشرة مسألة. # الأولى - قوله تعالى: " فإذا أفضتم " أي اندفعتم. ويقال: فاض الاناء إذا ~~امتلأ حتى ينصب عن نواحيه. ورجل فياض، أي مندفق بالعطاء. قال زهير: # وأبيض فياض يداه غمامة * على معتفيه ما تغب فواضله (4) وحديث مستفيض، أي ~~شائع. # الثانية - قوله تعالى: " من عرفات " قراءة الجماعة " عرفات " بالتنوين، ~~وكذلك لو سميت امرأة بمسلمات، لان التنوين هنا ليس فرقا بين ما ينصرف وما ~~لا ينصرف فتحذفه، وإنما هو بمنزلة النون في مسلمين. قال النحاس: هذا الجيد. ~~وحكى سيبويه عن العرب حذف التنوين من عرفات، يقول: هذه عرفات يا هذا، ورأيت ~~عرفات يا هذا، بكسر التاء وبغير تنوين، قال: لما جعلوها معرفة حذفوا ~~التنوين. وحكى الأخفش والكوفيون فتح التاء، تشبيها بتاء فاطمة وطلحة. ~~وأنشدوا: # تنورتها من أذرعات وأهلها * بيثرب أدنى دارها نظر عال والقول الأول أحسن، ~~وأن التنوين فيه على حده في مسلمات، الكسرة مقابلة الياء في مسلمين ~~والتنوين مقابل النون. وعرفات: اسم علم، سمي بجمع كأذرعات. وقيل: سمي # PageV02P414 # بما حوله، كأرض سباسب (1). وقيل: سميت تلك البقعة عرفات لان الناس ~~يتعارفون بها. # وقيل: لان آدم لما هبط وقع بالهند، وحواء بجدة، فاجتمعا بعد طول الطلب ~~بعرفات يوم عرفة وتعارفا (2)، فسمي اليوم عرفة، والموضع عرفات، قاله ~~الضحاك. وقيل غير هذا لما تقدم ذكره عند قول تعالى: " وأرنا مناسكنا " (3) ~~[البقرة: 128]. قال ابن عطية: والظاهر أن اسمه مرتجل كسائر أسماء البقاع. ~~وعرفة هي نعمان الأراك، وفيها يقول الشاعر: # تزودت من نعمان عود ms0827 أراكة * لهند ولكن لم يبلغه هندا وقيل: هي مأخوذة من ~~العرف وهو الطيب، قال الله تعالى: " عرفها لهم " (4) [محمد: 6] أي طيبها، ~~فهي طيبة بخلاف منى التي فيها الفروث (5) والدماء، فلذلك سميت عرفات. ويوم ~~الوقوف، يوم عرفة. وقال بعضهم: أصل هذين الاسمين من الصبر، يقال: رجل عارف. ~~إذا كان صابرا خاشعا. ويقال في المثل: النفس عروف وما حملتها تتحمل. قال: # * فصبرت (6) عارفة لذلك حرة * أي نفس صابرة. # وقال ذو الرمة: # * عروف لما خطت عليه المقادر (7) * أي صبور على قضاء الله، فسمي بهذا ~~الاسم لخضوع الحاج وتذللهم، وصبرهم على الدعاء وأنواع البلاء واحتمال ~~الشدائد، لإقامة هذه العبادة. # الثالثة - أجمع أهل العلم على أن من وقف بعرفة يوم عرفة قبل الزوال ثم ~~أفاض منها قبل الزوال أنه لا يعتد بوقوفه ذلك قبل الزوال. وأجمعوا على تمام ~~حج من وقف بعرفة # PageV02P415 # بعد الزوال وأفاض نهارا قبل الليل، إلا مالك بن أنس فإنه قال: لا بد أن ~~يأخذ من الليل شيئا. وأما من وقف بعرفة بالليل فإنه لا خلاف بين الأمة في ~~تمام حجه. والحجة للجمهور مطلق قوله تعالى: " فإذا أفضتم من عرفات " ولم ~~يخص ليلا من نهار، وحديث عروة بن مضرس قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم ~~وهو في الموقف من جميع، فقلت يا رسول الله، جئتك من جبلي طئ، أكللت مطيتي، ~~وأتعبت نفسي، والله إن تركت من جبل (1) إلا وقفت عليه، فهل لي من حج يا ~~رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صلى معنا صلاة الغداة ~~بجمع وقد أتى عرفات قبل ذلك ليلا أو نهارا فقد قضى تفثه (2) وتم حجه). ~~أخرجه غير واحد من الأئمة، منهم أبو داود والنسائي والدارقطني واللفظ له. ~~وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وقال أبو عمر: حديث عروة بن مضرس الطائي حديث ~~ثابت صحيح، رواه جماعة من أصحاب الشعبي الثقات عن الشعبي عن عروة بن مضرس، ~~منهم إسماعيل بن أبي خالد وداود بن أبي هند وزكريا بن أبي زائدة وعبد الله ~~بن أبي السفر ms0828 ومطرف، كلهم عن الشعبي عن عروة بن مضرس بن أوس بن حارثة بن ~~لام. وحجة مالك من السنة الثابتة: # حديث جابر الطويل، خرجه مسلم، وفيه: فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس وذهبت ~~الصفرة قليلا حتى غاب القرص. وأفعاله على الوجوب، لا سيما في الحج وقد قال: # (خذوا عني مناسككم). # الرابعة - واختلف الجمهور فيمن أفاض قبل غروب الشمس ولم يرجع ماذا عليه ~~مع صحة الحج، فقال عطاء وسفيان الثوري والشافعي وأحمد وأبو ثور وأصحاب ~~الرأي وغيرهم: # PageV02P416 # عليه دم. وقال الحسن البصري: عليه هدي. وقال ابن جريج: عليه بدنة. وقال ~~مالك: # عليه حج قابل، والهدى ينحره في حج قابل، وهو كمن فاته الحج. فإن عاد إلى ~~عرفة حتى يدفع بعد مغيب الشمس فقال الشافعي: لا شئ عليه، وهو قول أحمد ~~وإسحاق وداود، وبه قال الطبري. وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري: لا يسقط ~~عنه الدم وإن رجع بعد غروب الشمس، وبذلك قال أبو ثور. # الخامسة - ولا خلاف بين العلماء في أن الوقوف بعرفة راكبا لمن قدر عليه ~~أفضل، لان النبي صلى الله عليه وسلم كذلك وقف إلى أن دفع منها بعد غروب ~~الشمس، وأردف أسامة بن زيد، وهذا محفوظ في حديث جابر الطويل وحديث علي، وفي ~~حديث ابن عباس أيضا. قال جابر: ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ~~أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات (1)، وجعل حبل (2) المشاة ~~بين يديه واستقبل القبلة، فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلا ~~حتى غاب القرص، وأردف أسامة بن زيد خلفه، الحديث. فإن لم يقدر على الركوب ~~وقف قائما على رجليه داعيا، ما دام يقدر، ولا حرج عليه في الجلوس إذا لم ~~يقدر على الوقوف، وفي الوقوف راكبا مباهاة وتعظيم للحج " ومن يعظم شعائر ~~الله فإنها من تقوى القلوب " (3) [الحج: 32]. قال ابن وهب في موطئه قال لي ~~مالك: الوقوف بعرفة على الدواب والإبل أحب إلي من أن أقف قائما، قال: ومن ~~وقف قائما فلا بأس أن يستريح. # السادسة - ثبت في صحيح ms0829 مسلم وغيره عن أسامة بن زيد أنه عليه السلام كان ~~إذا أفاض من عرفة يسير العنق (4) فإذا وجد فجوة نص. قال هشام بن عروة: ~~والنص فوق العنق # PageV02P417 # وهكذا ينبغي على أئمة الحاج فمن دونهم، لان في استعجال السير إلى ~~المزدلفة استعجال الصلاة بها، ومعلوم أن المغرب لا تصلى تلك الليلة إلا مع ~~العشاء بالمزدلفة، وتلك سنتها، على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. # السابعة - ظاهر عموم القرآن والسنة الثابتة يدل على أن عرفة كلها موقف، ~~قال صلى الله عليه وسلم: (ووقفت ها هنا وعرفة كلها موقف). رواه مسلم وغيره ~~من حديث جابر الطويل. وفي موطأ مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: (عرفة كلها موقف وارتفعوا عن بطن عرنة والمزدلفة كلها موقف ~~وارتفعوا عن بطن محسر). قال ابن عبد البر: هذا الحديث يتصل من حديث جابر بن ~~عبد الله، ومن حديث ابن عباس، ومن حديث علي بن أبي طالب، وأكثر الآثار ليس ~~فيها استثناء بطن عرنة من عرفة، وبطن محسر من المزدلفة، وكذلك نقلها الحفاظ ~~الثقات الاثبات من أهل الحديث في حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر. قال ~~أبو عمر: واختلف الفقهاء فيمن وقف بعرفة بعرنة، فقال مالك فيما ذكر ابن ~~المنذر عنه: يهريق دما وحجه تام. وهذه رواية رواها خالد بن نزار عن مالك. # وذكر أبو المصعب أنه كمن لم يقف وحجه فائت، وعليه الحج من قابل إذا وقف ~~ببطن عرنة. # وروي عن ابن عباس قال: من أفاض من عرنة فلا حج له. وهو قول ابن القاسم ~~وسالم، وذكر ابن المنذر هذا القول عن الشافعي، قال وبه أقول: لا يجزيه أن ~~يقف بمكان أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يوقف به. قال ابن عبد ~~البر: الاستثناء ببطن عرنة من عرفة لم يجئ مجيئا تلزم حجته، لا من جهة ~~النقل ولا من جهة الاجماع. وحجة من ذهب مذهب أبي المصعب أن الوقوف بعرفة ~~فرض مجمع عليه في موضع معين، فلا يجوز ms0830 أداؤه إلا بيقين، ولا يقين مع ~~الاختلاف. وبطن عرنة يقال بفتح الراء وضمها، وهو بغربي مسجد عرفة، حتى لقد ~~قال بعض العلماء: إن الجدار الغربي من مسجد عرفة لو سقط سقط في بطن عرنة. ~~وحكى الباجي عن ابن حبيب أن عرفة في الحل، وعرنة في الحرم. قال أبو عمر: ~~PageV02P418 # وأما بطن محسر فذكر وكيع: حدثنا سفيان عن أبي الزبير عن جابر أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أوضع (1) في بطن محسر. # الثامنة - ولا بأس بالتعريف في المساجد يوم عرفة بغير عرفة، تشبيها بأهل ~~عرفة. # روى شعبة عن قتادة عن الحسن قال: أول من صنع ذلك ابن عباس بالبصرة. يعني ~~اجتماع الناس يوم عرفة في المسجد بالبصرة. وقال موسى بن أبي عائشة: رأيت ~~عمر بن حريث يخطب يوم عرفة وقد اجتمع الناس إليه. وقال الأثرم: سألت أحمد ~~بن حنبل عن التعريف في الأمصار، يجتمعون يوم عرفة، فقال: أرجو ألا يكون به ~~بأس، قد فعله غير واحد: # الحسن وبكر وثابت ومحمد بن واسع، كانوا يشهدون المسجد يوم عرفة. # التاسعة - في فضل يوم عرفة. يوم عرفة فضله عظيم وثوابه جسيم، يكفر الله ~~فيه الذنوب العظام، ويضاعف فيه الصالح من الأعمال، قال صلى الله عليه وسلم: ~~(صوم يوم عرفة يكفر السنة الماضية والباقية). أخرجه الصحيح. وقال صلى الله ~~عليه وسلم: (أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي ~~لا إله إلا الله وحده لا شريك له). # وروى الدارقطني عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما من ~~يوم أكثر أن يعتق الله فيه عددا من النار من يوم عرفة وإنه ليدنو عز وجل ثم ~~يباهي بهم الملائكة يقول ما أراد هؤلاء). وفي الموطأ عن عبيد الله بن كريز ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # (ما رؤي الشيطان يوما هو فيه أصغر ولا أحقر ولا أدحر ولا أغيظ منه في يوم ~~عرفة وما ذاك إلا لما رأى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام إلا ms0831 ~~ما رأى يوم بدر). قيل: # وما رأى [يوم بدر] (2) يا رسول الله؟ قال: (أما إنه قد رأى جبريل يزع ~~الملائكة) (3). قال أبو عمر: روى هذا الحديث أبو النضر إسماعيل بن إبراهيم ~~العجلي عن مالك عن إبراهيم ابن أبي عبلة عن طلحة بن عبيد الله بن كريز عن ~~أبيه، ولم يقل في هذا الحديث عن أبيه غيره # PageV02P419 # وليس بشئ، والصواب ما في الموطأ. وذكر الترمذي الحكيم في نوادر الأصول: ~~حدثنا حاتم بن نعيم التميمي أبو روح قال حدثنا هشام بن عبد الملك أبو ~~الوليد الطيالسي قال حدثنا عبد القاهر بن السري السلمي قال حدثني ابن ~~لكنانة بن عباس بن مرداس عن أبيه عن جده عباس بن مرداس أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم دعا لامته عشية عرفة بالمغفرة والرحمة، وأكثر الدعاء ~~فأجابه: إني قد فعلت إلا ظلم بعضهم بعضا فأما ذنوبهم فيما بيني وبينهم فقد ~~غفرتها. قال: يا رب إنك قادر أن تثيب هذا المظلوم خيرا من مظلمته وتغفر ~~لهذا الظالم) فلم يجبه تلك العشية، فلما كان الغداة غداة المزدلفة اجتهد في ~~الدعاء فأجابه: إني قد غفرت لهم، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقيل ~~له: تبسمت يا رسول الله في ساعة لم تكن تتبسم فيها؟ فقال: تبسمت من عدو ~~الله إبليس إنه لما علم أن الله قد استجاب لي في أمتي أهوى يدعو بالويل ~~والثبور ويحثى التراب على رأسه ويفر). وذكر أبو عبد الغني الحسن (1) بن علي ~~حدثنا عبد الرزاق حدثنا مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا كان يوم عرفة غفر الله للحاج الخالص ~~وإذا كان ليلة المزدلفة غفر الله للتجار وإذا كان يوم منى غفر الله ~~للجمالين وإذا كان يوم جمرة العقبة غفر الله للسؤال ولا يشهد ذلك الموقف ~~خلق ممن قال لا إله إلا الله إلا غفر له). قال أبو عمر: هذا حديث غريب من ~~حديث مالك، وليس محفوظا عنه إلا من هذا الوجه، ms0832 وأبو عبد الغني لا أعرفه، ~~وأهل العلم ما زالوا يسامحون أنفسهم في روايات الرغائب والفضائل عن كل أحد، ~~وإنما كانوا يتشددون في أحاديث الاحكام. # العاشرة - استحب أهل العلم صوم يوم عرفة إلا بعرفة. روى الأئمة واللفظ ~~للترمذي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أفطر بعرفة، وأرسلت إليه ~~أم الفضل بلبن فشرب. # قال: حديث حسن صحيح. وقد روي عن ابن عمر قال: (حججت مع النبي صلى الله # PageV02P420 # عليه وسلم فلم يصمه - يعني يوم عرفة - ومع أبي بكر فلم يصمه، ومع عمر فلم ~~يصمه، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، يستحبون الافطار بعرفة ليتقوى به ~~الرجل على الدعاء، وقد صام بعض أهل العلم يوم عرفة بعرفة ". وأسند عن ابن ~~عمر مثل الحديث الأول، وزاد في آخره: ومع عثمان فلم يصمه، وأنا لا أصومه ~~ولا آمر به ولا أنهى عنه، حديث حسن. وذكره ابن المنذر. وقال عطاء في صوم ~~يوم عرفة: أصوم في الشتاء ولا أصوم في الصيف. وقال يحيى الأنصاري: يجب ~~الفطر يوم عرفة. وكان عثمان بن أبي، العاصي وابن الزبير وعائشة يصومون يوم ~~عرفة. قال ابن المنذر: الفطر يوم عرفة بعرفات أحب إلي، اتباعا لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، والصوم بغير عرفة أحب إلي، لقول رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وقد سئل عن صوم يوم عرفة فقال: (يكفر السنة الماضية والباقية). # وقد روينا عن عطاء أنه قال: من أفطر يوم عرفة ليتقوى على الدعاء فإن له ~~مثل أجر الصائم. # الحادية عشرة - في قوله تعالى: " فاذكروا الله عند المشعر الحرام " أي إذ ~~كروه بالدعاء والتلبية عند المشعر الحرام. ويسمى جمعا لأنه يجمع ثم المغرب ~~والعشاء، قاله قتادة. # وقيل: لاجتماع آدم فيه مع حواء، وازدلف إليها، أي دنا منها، وبه سميت ~~المزدلفة. ويجوز أن يقال: سميت بفعل أهلها، لأنهم يزدلفون إلى الله، أي ~~يتقربون بالوقوف فيها. وسمي مشعرا من الشعار وهو العلامة، لأنه معلم للحج ~~والصلاة والمبيت به، والدعاء عنده من شعائر الحج. ووصف بالحرام لحرمته. # الثانية ms0833 عشرة - ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى المغرب والعشاء ~~بالمزدلفة جميعا. وأجمع أهل العلم - لا اختلاف بينهم - أن السنة أن يجمع ~~الحاج بجمع بين المغرب والعشاء. واختلفوا فيمن صلاها؟ أن يأتي جمعا، فقال ~~مالك: من وقف مع الامام ودفع بدفعه فلا يصلي حتى يأتي المزدلفة فيجمع ~~بينها، واستدل على ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم لأسامة بن زيد: (الصلاة ~~أمامك). قال ابن حبيب: من صلى قبل أن يأتي المزدلفة دون PageV02P421 # عذر يعيد متى ما علم، بمنزلة من قد صلى قبل الزوال، لقوله عليه السلام: ~~(الصلاة أمامك). # وبه قال أبو حنيفة. وقال أشهب: لا إعادة عليه، إلا أن يصليهما قبل مغيب ~~الشفق فيعيد العشاء وحدها، وبه قال الشافعي، وهو الذي نصره القاضي أبو ~~الحسن، واحتج له بأن هاتين صلاتان سن الجمع بينهما، فلم يكن ذلك شرطا في ~~صحتهما، وإنما كان على معنى الاستحباب، كالجمع بين الظهر والعصر بعرفة. ~~واختار ابن المنذر هذا القول، وحكاه عن عطاء بن أبي رباح وعروة بن الزبير ~~والقاسم بن محمد وسعيد بن جبير وأحمد وإسحاق وأبي ثور ويعقوب. وحكي عن ~~الشافعي أنه قال: لا يصلي حتى يأتي المزدلفة، فإن أدركه نصف الليل قبل أن ~~يأتي المزدلفة صلاهما. # الثالثة عشرة - ومن أسرع فأتى المزدلفة قبل مغيب الشفق فقد قال ابن حبيب: # لا صلاة لمن عجل إلى المزدلفة قبل مغيب الشفق، [لا لامام ولا غيره حتى ~~يغيب الشفق] (1)، لقوله عليه السلام: (لصلاة أمامك) ثم صلاها بالمزدلفة بعد ~~مغيب الشفق. [ومن جهة (1)] المعنى أن وقت هذه الصلاة بعد مغيب الشفق]، فلا ~~يجوز أن يؤتي بها قبله، ولو كان لها وقت قبل مغيب الشفق لما أخرت عنه. # الرابعة عشرة - وأما من أتى عرفة بعد دفع الامام، أو كان له عذر ممن وقف ~~مع الامام فقد قال ابن المواز: من وقف بعد الامام فليصل كل صلاة لوقتها. ~~وقال مالك فيمن كان له عذر يمنعه أن يكون مع الامام: إنه يصلي إذا غاب ~~الشفق الصلاتين يجمع بينهما. # وقال ابن ms0834 القاسم فيمن وقف بعد الامام: إن رجا أن يأتي المزدلفة ثلث الليل ~~فليؤخر الصلاة حتى يأتي المزدلفة، وإلا صلى كل صلاة لوقتها. فجعل ابن ~~المواز تأخير الصلاة إلى المزدلفة لمن وقف مع الامام دون غيره، وراعي مالك ~~الوقت دون المكان، واعتبر ابن القاسم الوقت المختار للصلاة والمكان، فإذا ~~خاف فوات الوقت المختار بطل اعتبار المكان، وكان مراعاة وقتها المختار ~~أولى. # PageV02P422 # الخامسة عشرة - اختلف العلماء في هيئة الصلاة بالمزدلفة على وجهين: ~~أحدهما - الأذان والإقامة. والاخر: هل يكون جمعهما متصلا لا يفصل بينهما ~~بعمل، أو يجوز العمل بينهما وحط الرحال ونحو ذلك، فأما الأذان والإقامة ~~فثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى المغرب والعشاء بالمزدلفة بأذان ~~واحد وإقامتين. أخرجه الصحيح من حديث جابر الطويل، وبه قال أحمد بن حنبل ~~وأبو ثور وابن المنذر. وقال مالك: # يصليهما بأذانين وإقامتين، وكذلك الظهر والعصر بعرفة، إلا أن ذلك في أول ~~وقت الظهر بإجماع. قال أبو عمر: لا أعلم فيما قاله مالك حديثا مرفوعا إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم بوجه من الوجوه، ولكنه روي عن عمر بن الخطاب، ~~وزاد ابن المنذر ابن مسعود. ومن الحجة لمالك في هذا الباب من جهة النظر أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاتين بمزدلفة وعرفة أن الوقت لهما ~~جميعا وقت واحد، وإذا كان وقتهما واحدا وكانت كل صلاة تصلى في وقتها لم تكن ~~واحدة منهما أولى بالاذان والإقامة من الأخرى، لان ليس واحدة منهما تقضي، ~~وإنما هي صلاة تصلى في وقتها، وكل صلاة صليت في وقتها سنتها أن يؤذن لها ~~وتقام في الجماعة، وهذا بين، والله أعلم. وقال آخرون: أما الأولى منهما ~~فتصلى بأذان وإقامة، وأما الثانية فتصلى بلا أذان ولا إقامة. قالوا: وإنما ~~أمر عمر بالتأذين الثاني لان الناس قد تفرقوا لعشائهم فأذن ليجمعهم. قالوا: ~~وكذلك نقول إذا تفرق الناس عن الامام لعشاء أو غيره، أمر المؤذنين فأذنوا ~~ليجمعهم، وإذا أذن أقام. قالوا: فهذا معنى ما روي عن عمر، وذكروا حديث عبد ~~الرحمن بن ms0835 يزيد قال: كان ابن مسعود يجعل العشاء بالمزدلفة بين الصلاتين، ~~وفي طريق أخرى وصلى كل صلاة بأذان وإقامة، ذكره عبد الرزاق. وقال آخرون: ~~تصلى الصلاتان جميعا بالمزدلفة بإقامة ولا أذان في شئ منهما، روي عن ابن ~~عمر وبه قال الثوري. وذكر عبد الرزاق وعبد الملك بن الصباح عن الثوري عن ~~سلمة بن كهيل عن سعيد بن جبير عن ابن عمر قال: جمع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بين المغرب والعشاء بجمع، صلى المغرب ثلاثا والعشاء ركعتين بإقامة ~~واحدة. وقال آخرون: تصلى الصلاتان جميعا بين PageV02P423 # المغرب والعشاء بجمع بأذان واحد وإقامة واحدة. وذهبوا في ذلك إلى ما رواه ~~هشيم عن يونس ابن عبيد عن سعيد بن جبير عن ابن عمر أنه جمع بين المغرب ~~والعشاء بجمع بأذان واحد وإقامة واحدة، لم يجعل بينهما شيئا. وروي مثل هذا ~~مرفوعا من حديث خزيمة بن ثابت، وليس بالقوي. وحكى الجوزجاني (1) عن محمد بن ~~الحسن عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أنهما تصليان بأذان واحد وإقامتين، يؤذن ~~للمغرب ويقام للعشاء فقط. وإلى هذا ذهب الطحاوي لحديث جابر، وهو القول ~~الأول وعليه المعول. وقال آخرون: تصلى بإقامتين دون أذان لواحدة منهما. ~~وممن قال ذلك الشافعي وأصحابه وإسحاق وأحمد بن حنبل في أحد قوليه، وهو قول ~~سالم بن عبد الله والقاسم بن محمد، واحتجوا بما ذكره عبد الرزاق عن معمر عن ~~ابن شهاب عن سالم عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء المزدلفة ~~جمع بين المغرب والعشاء، صلى المغرب ثلاثا والعشاء ركعتين بإقامة لكل واحدة ~~منهما ولم يصل بينهما شيئا. قال أبو عمر: والآثار عن ابن عمر في هذا القول ~~من أثبت ما روي عنه في هذا الباب، ولكنها محتملة للتأويل، وحديث جابر لم ~~يختلف فيه، فهو أولى، ولا مدخل في هذه المسألة للنظر، وإنما فيها الاتباع. # السادسة عشرة - وأما الفصل بين الصلاتين بعمل غير الصلاة فثبت عن أسامة ~~بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء المزدلفة نزل فتوضأ ms0836 فأسبغ ~~الوضوء، ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم ~~أقيمت الصلاة فصلاها، ولم يصل بينهما شيئا. في رواية: ولم يحلوا (2) حتى ~~أقام العشاء الآخرة فصلى ثم حلوا. وقد ذكرنا آنفا عن ابن مسعود أنه كان ~~يجعل، العشاء بين الصلاتين، ففي هذا جواز الفصل بين الصلاتين بجمع. # وقد سئل مالك فيمن أتى المزدلفة: أيبدأ بالصلاة أو يؤخر حتى يحط عن ~~راحلته؟ فقال: # PageV02P424 # أما الرحل الخفيف فلا بأس أن يبدأ به قبل الصلاة، وأما المحامل والزوامل ~~فلا أرى ذلك (1)، وليبدأ بالصلاتين ثم يحط عن راحلته. وقال أشهب في كتبه: ~~له حط رحله قبل الصلاة، وحطه له بعد أن يصلي المغرب أحب إلي ما لم يضطر إلى ~~ذلك، لما بدابته من الثقل، أو لغير ذلك من العذر. وأما التنفل بين الصلاتين ~~فقال ابن المنذر: ولا أعلمهم يختلفون أن من السنة ألا يتطوع بينهما الجامع ~~بين الصلاتين، وفى حديث أسامة: ولم يصل بينهما شيئا. # السابعة عشرة - وأما المبيت بالمزدلفة فليس ركنا في الحج عند الجمهور. ~~واختلفوا فيما يجب على من لم يبت بالمزدلفة ليلة النحر ولم يقف بجمع، فقال ~~مالك: من لم يبت بها فعليه دم، ومن قام بها أكثر ليله فلا شئ عليه، لان ~~المبيت بها ليلة النحر سنة مؤكدة عند مالك وأصحابه، لا فرض، ونحوه قول عطاء ~~والزهري وقتادة وسفيان الثوري وأحمد وإسحاق وأبي ثور وأصحاب الرأي فيمن لم ~~يعد. وقال الشافعي: إن خرج منها بعد نصف الليل فلا شئ عليه، وإن خرج قبل ~~نصف الليل فلم يعد إلى المزدلفة افتدى، والفدية شاة. وقال عكرمة والشعبي ~~والنخعي والحسن البصري: الوقوف بالمزدلفة فرض، ومن فاته جمع ولم يقف فقد ~~فاته الحج، ويجعل إحرامه عمرة. وروي ذلك عن ابن الزبير وهو قول الأوزاعي. # وروي عن الثوري مثل ذلك، والأصح عنه أن الوقوف بها سنة مؤكدة. وقال حماد ~~ابن أبي سليمان. من فاتته الإفاضة من جمع فقد فاته الحج، وليتحلل بعمرة ثم ~~ليحج قابلا. # واحتجوا بظاهر الكتاب والسنة، فأما ms0837 الكتاب فقول الله تعالى: " فإذا أفضتم ~~من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام " وأما السنة فقوله صلى الله عليه ~~وسلم: (من أدرك جمعا فوقف مع الناس حتى يفيض فقد أدرك ومن لم يدرك ذلك فلا ~~حج له). ذكره ابن المنذر. # وروى الدارقطني عن عروة بن مضرس: قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو ~~بجمع فقلت له: يا رسول الله، هل لي من حج؟ فقال: (من صلى معنا هذه الصلاة ~~ثم وقف معنا حتى نفيض وقد أفاض قبل ذلك [من عرفات] (2) ليلا أو نهارا فقد ~~تم حجه وقضى تفثه). # PageV02P425 # قال الشعبي: من لم يقف بجمع جعلها عمرة. وأجاب من احتج للجمهور بأن قال: ~~أما الآية فلا حجة فيها على الوجوب في الوقوف ولا المبيت، إذ ليس ذلك ~~مذكورا فيها، وإنما فيها مجرد الذكر. وكل قد أجمع أنه لو وقف بمزدلفة ولم ~~يذكر الله إن حجه تام، فإذا لم يكن الذكر المأمور به من صلب الحج فشهود ~~الموطن أولى بألا يكون كذلك. قال أبو عمر: وكذلك أجمعوا أن الشمس إذا طلعت ~~يوم النحر فقد فات وقت الوقوف بجمع، وإن من أدرك الوقوف بها قبل طلوع الشمس ~~فقد أدرك، ممن يقول إن ذلك فرض، ومن يقول إن ذلك سنة. وأما حديث عروة بن ~~مضرس فقد جاء في بعض طرقه بيان الوقوف بعرفة دون المبيت بالمزدلفة، ومثله ~~حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي قال: شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بعرفة، وأتاه ناس من أهل نجد فسألوه عن الحج، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: (الحج عرفة من أدركها قبل أن يطلع الفجر من ليلة جمع فقد تم حجه). ~~رواه النسائي قال: أخبرنا إسحاق ابن إبراهيم قال حدثنا وكيع قال حدثنا ~~سفيان - يعني الثوري - عن بكير بن عطاء عن عبد الرحمن ابن يعمر الديلي قال: ~~شهدت...، فذكره. ورواه ابن عيينة عن بكير عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي ~~قال: شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (الحج عرفات فمن أدرك ms0838 عرفة ~~قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك وأيام منى ثلاثة فمن تعجل في يومين فلا إثم ~~عليه ومن تأخر فلا إثم عليه). وقوله في حديث عروة: (من صلى صلاتنا هذه). ~~فذكر الصلاة بالمزدلفة، فقد أجمع العلماء أنه لو بات بها ووقف ونام عن ~~الصلاة فلم يصل مع الامام حتى فاتته أن حجه تام. فلما كان حضور الصلاة مع ~~الامام ليس من صلب الحج كان الوقوف بالموطن الذي تكون فيه الصلاة أحرى أن ~~يكون كذلك. قالوا: فلم يتحقق بهذا الحديث ذلك الفرض إلا بعرفة خاصة. # الثامنة (1) عشرة - قوله تعالى: " واذكروه كما هداكم " كرر الامر تأكيدا، ~~كما تقول: # ارم. ارم. وقيل: الأول أمر بالذكر عند المشعر الحرام. والثاني أمر بالذكر ~~على حكم الاخلاص. وقيل المراد بالثاني تعديد النعمة وأمر بشكرها، ثم ذكرهم ~~بحال ضلالهم ليظهر # PageV02P426 # قدر الانعام فقال: " وإن كنتم من قبله لمن الضالين " والكاف في " كما " ~~نعت لمصدر محذوف، و " ما " مصدرية أو كافة. والمعنى: إذ كروه ذكرا حسنا كما ~~هداكم هداية حسنة، واذكروه كما علمكم كيف تذكرونه لا تعدلوا عنه. و " إن " ~~مخففة من الثقيلة، يدل على ذلك دخول اللام في الخبر، قال سيبويه. الفراء: ~~نافية بمعنى ما، واللام بمعنى إلا، كما قال: # ثكلتك أمك إن قتلت لمسلما * حلت عليك عقوبة الرحمن (1) أو بمعنى قد، أي ~~قد كنتم، ثلاثة أقوال. والضمير في " قبله " عائد إلى الهدي. وقيل إلى ~~القرآن، أي ما كنتم من قبل إنزاله إلا ضالين. وإن شئت على النبي صلى الله ~~عليه وسلم، كناية عن غير مذكور، والأول أظهر والله أعلم. # قوله تعالى: ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس " قيل: الخطاب للحمس، فإنهم ~~كانوا لا يقفون مع الناس بعرفات، بل كانوا يقفون بالمزدلفة وهي من الحرم، ~~وكانوا يقولون: نحن قطين (2) الله، فينبغي لنا أن نعظم الحرم، ولا نعظم ~~شيئا من الحل، وكانوا مع معرفتهم وإقرارهم إن عرفة موقف إبراهيم عليه ~~السلام لا يخرجون من الحرم، ويقفون بجمع ويفيضون منه ويقف الناس بعرفة، ~~فقيل لهم: أفيضوا مع الجملة. و ms0839 " ثم " ليست في هذه الآية للترتيب وإنما هي ~~لعطف جملة كلام هي منها منقطعة. وقال الضحاك: المخاطب بالآية جملة الأمة، ~~والمراد ب‍ " الناس " إبراهيم عليه السلام، كما قال: " الذين قال لهم الناس ~~" (3) [آل عمران: 173] وهو يريد واحدا. # ويحتمل على هذا أن يؤمروا بالإفاضة من عرفة، ويحتمل أن تكون إفاضة أخرى، ~~وهي التي من المزدلفة، فتجئ " ثم " على هذا الاحتمال على بابها، وعلى هذا ~~الاحتمال عول # PageV02P427 # الطبري. والمعنى: أفيضوا من حيت أفاض إبراهيم من مزدلفة جمع، أي ثم ~~أفيضوا إلى منى لان الإفاضة من عرفات قبل الإفاضة من جمع. # قلت: ويكون في هذا حجة لمن أوجب الوقوف بالمزدلفة، للامر بالإفاضة منها، ~~والله أعلم. والصحيح في تأويل هذه الآية من القولين القول الأول. روى ~~الترمذي عن عائشة قالت: كانت قريش ومن كان على دينها وهم الحمس يقفون ~~بالمزدلفة يقولون: نحن قطين الله، وكان من سواهم يقفون بعرفة، فأنزل الله ~~تعالى: " ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ". # هذا حديث حسن صحيح. وفي صحيح مسلم عن عائشة قالت: الحمس هم الذين أنزل ~~الله فيهم: # " ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس " قالت: كان الناس يفيضون من عرفات، وكان ~~الحمس يفيضون من المزدلفة، يقولون: لا نفيض إلا من الحرم، فلما نزلت: " ~~أفيضوا من من حيث أفاض الناس " رجعوا إلى عرفات. وهذا نص صريح، ومثله كثير ~~صحيح، فلا معول على غيره من الأقوال. والله المستعان. وقرأ سعيد بن جبير " ~~الناسي " وتأويله آدم عليه السلام، لقوله تعالى: " فنسي ولم نجد له عزما " ~~(1) [طه: 115]. ويجوز عند بعضهم تخفيف الياء فيقول الناس، كالقاض والهاد. ~~ابن عطية: أما جوازه في العربية فذكره سيبويه، وأما جوازه مقروءا به فلا ~~أحفظه. وأمر تعالى بالاستغفار لأنها مواطنه، ومظان القبول ومساقط الرحمة. ~~وقالت فرقة: المعنى واستغفروا الله من فعلكم الذي كان مخالفا لسنة إبراهيم ~~في وقوفكم بقزح من المزدلفة دون عرفة. # الثانية - روى أبو داود عن علي قال: فلما أصبح - يعني النبي صلى الله ~~عليه وسلم - وقف على قزح فقال: (هذا قزح وهو الموقف وجمع ms0840 كلها موقف ونحرت ~~ها هنا ومني كلها منحر فانحروا في رحالكم). فحكم الحجيج إذا دفعوا من عرفة ~~إلى المزدلفة ان يبيتوا بها ثم يغلس (2) بالصبح الامام بالناس ويقفون ~~بالمشعر الحرام. وقزح هو الجبل الذي يقف عليه الامام، ولا يزالون يذكرون ~~الله ويدعون إلى قرب طلوع الشمس، ثم يدفعون قبل الطلوع، على مخالفة العرب، ~~فإنهم كانوا يدفعون بعد الطلوع ويقولون: أشرق ثبير، كيما نغير، أي كيما ~~نقرب # PageV02P428 # من التحلل فنتوصل إلى الإغارة. وروى البخاري (1) عن عمرو بن ميمون قال: ~~شهدت عمر صلى بجمع الصبح ثم وقف فقال: إن المشركين كانوا لا يفيضون حتى ~~تطلع الشمس ويقولون: # أشرق ثبير (2)، وأن النبي صلى الله عليه وسلم خالفهم فدفع قبل أن تطلع ~~الشمس. وروى ابن عيينة عن ابن جريج عن محمد بن قيس بن مخرمة عن ابن طاوس عن ~~أبيه أن أهل الجاهلية كانوا يدفعون من عرفة قبل غروب الشمس، وكانوا يدفعون ~~من المزدلفة بعد طلوع الشمس، فأخر رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا وعجل ~~هذا، أخر الدفع من عرفة، وعجل الدفع من المزدلفة مخالفا هدى المشركين. # الثالثة - فإذا دفعوا قبل الطلوع فحكمهم أن يدفعوا على هيئة الدفع من ~~عرفة، وهو أن يسير الامام بالناس سير العنق، فإذا وجد أحدهم فرجة زاد في ~~العنق شيئا. والعنق: مشي للدواب معروف لا يجهل. والنص: فوق العنق، كالخبب ~~أو فوق ذلك. وفي صحيح مسلم عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما وسئل: كيف كان ~~يسير رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أفاض من عرفة؟ قال: كان يسير العنق، ~~فإذا وجد فجوة نص. قال هشام (3): والنص فوق العنق، وقد تقدم. ويستحب له أن ~~يحرك في بطن محسر قدر رمية بحجر، فإن لم يفعل فلا حرج، وهو من منى. وروى ~~الثوري (4) وغيره عن أبي الزبير عن جابر قال: دفع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وعليه السكينة وقال لهم: (أوضعوا في وادي محسر) وقال لهم: (خذوا عني ~~مناسككم). فإذا أتوا مني وذلك غدوة يوم النحر، رموا جمرة ms0841 العقبة بها ضحى ~~ركبانا إن قدروا، ولا يستحب الركوب في غيرها من الجمار، ويرمونها بسبع ~~حصيات، كل حصاة منها مثل حصي الخذف (5) - على ما يأتي بيانه - فإذا رموها ~~حل لهم كل ما حرم عليهم من اللباس # PageV02P429 # والتفث كله، إلا النساء والطيب والصيد عند مالك وإسحاق في رواية أبي داود ~~الخفاف عنه. # وقال عمر بن الخطاب وابن عمر: يحل له كل شئ إلا النساء والطيب. ومن تطيب ~~عند مالك بعد الرمي وقبل الإفاضة لم ير عليه فدية، لما جاء في ذلك. ومن صاد ~~عنده بعد أن رمى جمرة العقبة وقبل أن يفيض كان عليه الجزاء. وقال الشافعي ~~وأحمد وإسحاق وأبو ثور: يحل له كل شئ إلا النساء، وروي عن ابن عباس. # الرابعة - ويقطع الحاج التلبية بأول حصاة يرميها من جمرة العقبة، وعلى ~~هذا أكثر أهل العلم بالمدينة وغيرها، وهو جائز مباح عند مالك. والمشهور عنه ~~قطعها عند زوال الشمس من يوم عرفة، على ما ذكر في موطئه عن علي، وقال: هو ~~الامر عندنا. # قلت: والأصل في هذه الجملة من السنة ما رواه مسلم عن الفضل بن عباس، وكان ~~رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في عشية عرفة وغداة جمع (1) ~~للناس حين دفعوا: # (عليكم بالسكينة) وهو كاف (2) ناقته حتى دخل محسرا (وهو من منى) قال: ~~(عليكم بحصى الخذف الذي يرمي به الجمرة)، وقال: لم يزل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يلبي حتى رمى جمرة العقبة. في رواية: والنبي صلى الله عليه وسلم ~~يشير بيده كما يحذف الانسان. وفي البخاري عن عبد الله أنه انتهى إلى الجمرة ~~الكبرى جعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه، ورمى بسبع وقال: هكذا رمى الذي ~~أنزلت عليه سورة البقرة صلى الله عليه وسلم. وروى الدارقطني عن عائشة قالت ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا رميتم وحلقتم وذبحتم فقد حل لكم كل ~~شئ إلا النساء وحل لكم الثياب والطيب). وفي البخاري عن عائشة قالت: طيبت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي ms0842 هاتين، حين أحرم، ولحله حين أحل قبل أن ~~يطوف، وبسطت يديها. وهذا هو التحلل الأصغر عند العلماء. والتحلل الأكبر: ~~طواف الإفاضة، وهو الذي يحل النساء وجميع محظورات الاحرام، وسيأتي ذكره في ~~سورة " الحج " (3) إن شاء الله تعالى. # PageV02P430 # قوله تعالى: فإذا قضيتم منسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا ~~فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلق (200) فيه ~~مسألتان: # الأولى - قوله تعالى: " فإذا قضيتم مناسككم " قال مجاهد: المناسك الذبائح ~~وهراقة الدماء. وقيل: هي شعائر الحج، لقوله عليه السلام: (خذوا عني ~~مناسككم). المعنى: # فإذا فعلتم منسكا من مناسك الحج فاذكروا الله وأثنوا عليه بآلائه عندكم. ~~وأبو عمرو يدغم الكاف في الكاف، وكذلك " ما سلككم " لأنهما مثلان. و " ~~قضيتم " هنا بمعنى أديتم وفرغتم، قال الله تعالى: " فإذا قضيت الصلاة " (1) ~~[الجمعة: 10] أي أديتم الجمعة. وقد يعبر بالقضاء عما فعل من العبادات خارج ~~وقتها المحدود لها. # الثانية - قوله تعالى: " فاذكروا الله كذكركم آباءكم " كانت عادة العرب ~~إذا قضت حجها تقف عند الجمرة، فتفاخر بالاباء، وتذكر أيام أسلافها من بسالة ~~وكرم، وغير ذلك، حتى أن الواحد منهم ليقول: اللهم إن أبي كان عظيم القبة، ~~عظيم الجفنة (2)، كثير المال، فأعطني مثل ما أعطيته، فلا يذكر غير أبيه، ~~فنزلت الآية ليلزموا أنفسهم ذكر الله أكثر من التزامهم ذكر آبائهم أيام ~~الجاهلية. هذا قول جمهور المفسرين. وقال ابن عباس وعطاء والضحاك والربيع: ~~معنى الآية واذكروا الله كذكر الأطفال آباءهم وأمهاتهم: أبه أمه، أي ~~فاستغيثوا به والجئوا إليه كما كنتم تفعلون في حال صغركم بآبائكم. وقالت ~~طائفة: معنى الآية اذكروا الله وعظموه وذبوا عن حرمه، وادفعوا من أراد ~~الشرك في دينه ومشاعره، كما تذكرون آباءكم بالخير إذا غض أحد منهم، وتحمون ~~جوانبهم وتذبون عنهم. وقال أبو الجوزاء لابن عباس: إن الرجل اليوم لا يذكر ~~أباه، فما معنى الآية؟ قال: ليس كذلك، ولكن أن تغضب لله تعالى # PageV02P431 # إذا عصى أشد من غضبك لوالديك إذا شتما. والكاف من قوله " كذكركم " في ~~موضع نصب، أي ذكرا ms0843 كذكركم. " أو أشد " قال الزجاج: " أو أشد " في موضع خفض ~~عطفا على ذكركم، المعنى: أو كأشد ذكرا، ولم ينصرف لأنه " أفعل " صفة، ويجوز ~~أن يكون في موضع نصب بمعنى أو اذكروه أشد. و " ذكرا " نصب على البيان. # قوله تعالى: " فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا " " من " في موضع ~~رفع بالابتداء، وإن شئت بالصفة يقول " ربنا آتنا في الدنيا " صلة " من " ~~المراد المشركون. قال أبو وائل والسدي وابن زيد: كانت العرب في الجاهلية ~~تدعوا في مصالح الدنيا فقط، فكانوا يسألون الإبل والغنم والظفر بالعدو، ولا ~~يطلبون الآخرة، إذ كانوا لا يعرفونها ولا يؤمنون بها، فنهوا عن ذلك الدعاء ~~المخصوص بأمر الدنيا، وجاء النهي في صيغة الخبر عنهم. ويجوز أن يتناول هذا ~~الوعيد المؤمن أيضا إذا قصر دعواته في الدنيا، وعلى هذا ف‍ " ما له في ~~الآخرة من خلاق " أي كخلاق الذي يسأل الآخرة والخلاق النصيب. و " من " ~~زائدة وقد تقدم. # قوله تعالى: ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة ~~وقنا عذاب النار (201) فيه ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " ومنهم " أي من الناس، وهم المسلمون يطلبون خير ~~الدنيا والآخرة. # واختلف في تأويل الحسنتين على أقوال عديدة، فروى عن علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه أن الحسنة في الدنيا المرأة الحسناء، وفي الآخرة الحور العين. " ~~وقنا عذاب النار ": المرأة السوء. # قلت: وهذا فيه بعد، ولا يصح عن علي، لان النار حقيقة في النار المحرقة، ~~وعبارة المرأة عن النار تجوز. وقال قتادة: حسنة الدنيا العافية في الصحة ~~وكفاف المال. وقال الحسن: حسنة الدنيا العلم والعبادة. وقيل غير هذا. والذي ~~عليه أكثر أهل العلم أن المراد بالحسنتين نعم الدنيا والآخرة. وهذا هو ~~الصحيح، فإن اللفظ يقتضي هذا كله، فإن " حسنة " PageV02P432 # نكرة في سياق الدعاء، فهو محتمل لكل حسنة من الحسنات على البدل. وحسنة ~~الآخرة: الجنة بإجماع. وقيل: لم يرد حسنة واحدة، بل أراد: أعطنا في الدنيا ~~عطية حسنة، فحذف الاسم. # الثانية - قوله تعالى: " وقنا عذاب النار " أصل " قنا ms0844 " أو قنا، حذفت ~~الواو كما حذفت في يقي ويشي، لأنها بين ياء وكسرة، مثل يعد، هذا قول ~~البصريين. وقال الكوفيون: حذفت فرقا بين اللازم والمتعدي. قال محمد بن ~~يزيد: هذا خطأ، لان العرب تقول: ورم يرم، فيحذفون الواو. والمراد بالآية ~~الدعاء في ألا يكون المرء ممن يدخلها بمعاصيه وتخرجه الشفاعة. ويحتمل أن ~~يكون دعاء مؤكدا لطلب دخول الجنة، لتكون الرغبة في معنى النجاة والفوز من ~~الطرفين، كما قال أحد الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم: # أنا إنما أقول في دعائي: اللهم أدخلني الجنة وعافني من النار، ولا أدرى ~~ما دندنتك (1) ولا دندنة معاذ. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~حولها (2) ندندن " خرجه أبو داود في سننه وابن ماجة أيضا. # الثالثة - هذه الآية من جوامع الدعاء التي عمت الدنيا والآخرة. قيل لانس: ~~ادع الله لنا، فقال: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب ~~النار. قالوا: # زدنا. قال: ما تريدون! قد سألت الدنيا والآخرة!. وفي الصحيحين عن أنس ~~قال: كان أكثر دعوة يدعو بها النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (اللهم آتنا ~~في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار). قال: فكان أنس إذا أراد ~~أن يدعو بدعوة دعا بها، فإذا أراد أن يدعو بدعاء دعا بها فيه. وفي حديث عمر ~~أنه كان يطوف بالبيت وهو يقول: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ~~وقنا عذاب النار. ماله هجيرى (3) غيرها، ذكره أبو عبيد. وقال ابن جريج: ~~بلغني أنه كان يأمر أن يكون أكثر دعاء المسلم في الموقف هذه الآية: " ربنا ~~آتنا # PageV02P433 # في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ". وقال ابن عباس: إن ~~عند الركن ملكا قائما منذ خلق الله السماوات والأرض يقول آمين، فقولوا: " ~~ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار " وسئل عطاء بن ~~أبي رباح عن الركن اليماني وهو يطوف بالبيت، فقال عطاء: حدثني أبو هريرة أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وكل به سبعون ملكا فمن ms0845 قال اللهم إني أسألك ~~العفو والعافية في الدنيا والآخرة ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة ~~حسنة وقنا عذاب النار قالوا آمين) الحديث. خرجه ابن ماجة في السنن، وسيأتي ~~بكماله مسندا في [الحج] إن شاء الله. # قوله تعالى: أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب (202) فيه ثلاث ~~مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " أولئك لهم نصيب مما كسبوا " هذا يرجع إلى الفريق ~~الثاني فريق الاسلام، أي لهم ثواب الحج أو ثواب الدعاء، فإن دعاء المؤمن ~~عبادة. وقيل: يرجع " أولئك " إلى الفريقين، فللمؤمن ثواب عمله ودعائه، ~~وللكافر عقاب شركه وقصر نظره على الدنيا، وهو مثل قوله تعالى: " ولكل درجات ~~مما (1) عملوا " [الانعام: 132]. # الثانية - قوله تعالى: " والله سريع الحساب " من سرع يسرع - مثل عظم يعظم ~~- سرعا وسرعة، فهو سريع. " الحساب " مصدر كالمحاسبة، وقد يسمى المحسوب ~~حسابا. والحساب العد: يقال: حسب يحسب حسابا وحسابة وحسبانا وحسبانا وحسبا، ~~أي عد، وأنشد ابن الأعرابي: # يا جمل أسقاك (2) بلا حسابه * سقيا مليك حسن الربابه (3) * قتلتني بالدل ~~والخلابه * # PageV02P434 # والحسب: ما عد من مفاخر المرء. ويقال: حسبه دينه. ويقال: ماله، ومنه ~~الحديث: # " الحسب المال والكرم التقوى " رواه سمرة بن جندب، أخرجه ابن ماجة، وهو ~~في الشهاب أيضا. والرجل حسيب، وقد حسب حسابة (بالضم) مثل خطب خطابة. ~~والمعنى في الآية: # أن الله سبحانه سريع الحساب، لا يحتاج إلى عد ولا إلى عقد ولا إلى إعمال ~~فكر كما يفعله الحساب، ولهذا قال وقوله الحق: " وكفى بنا حاسبين " وقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " اللهم منزل الكتاب سريع الحساب " الحديث. فالله عز وجل عالم بما للعباد ~~وعليهم فلا يحتاج إلى تذكر وتأمل، إذا قد علم ما للحاسب وعليه، لان الفائدة ~~في الحساب علم حقيقته. وقيل: سريع المجازاة للعباد بأعمالهم. وقيل: المعنى ~~لا يشغله شأن عن شأن، فيحاسبهم في حالة واحدة، كما قال وقوله الحق: " ما ~~خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة (1). # قال الحسن: حسابه أسرع من لمح البصر، وفى الخبر " إن الله يحاسب في قدر ~~حلب شاة ". # وقيل: هو أنه إذا ms0846 حاسب واحدا فقد حاسب جميع الخلق. وقيل لعلي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه كيف يحاسب الله العباد في يوم؟ قال كما يرزقهم في يوم! ومعنى ~~الحساب: # تعريف الله عباده مقاديرا الجزاء على أعمالهم، وتذكيره إياهم بما قد ~~نسوه، بدليل قوله تعالى: # " يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه (2) ". ~~وقيل: معنى الآية سريع بمجئ يوم الحساب، فالمقصد بالآية الانذار بيوم ~~القيامة. # قلت: والكل محتمل، فيأخذ العبد لنفسه في تخفيف الحساب عنه بالاعمال ~~الصالحة، وإنما يخف الحساب في الآخرة على من حاسب نفسه في الدنيا. # الثالثة - قال ابن عباس في قوله تعالى: " أولئك لهم نصيب مما كسبوا " هو ~~الرجل يأخذ مالا يحج به عن غيره، فيكون له ثواب. وروي عنه في هذه الآية أن ~~رجلا قال: # يا رسول الله، مات أبي ولم يحج، أفأحج عنه؟ فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: (لو كان على أبيك دين فقضيته أما كان ذلك يجزي). قال نعم. قال: (فدين ~~الله أحق أن يقضى). # قال: فهل لي من أجر؟ فأنزل الله تعالى: " أولئك لهم نصيب مما كسبوا " ~~يعني من حج # PageV02P435 # عن منيت كان الاجر بينه وبين الميت. قال أبو عبد الله محمد بن خويز منداد ~~في أحكامه: # قول ابن عباس نحو قول مالك، لان تحصيل مذهب مالك أن المحجوج عنه يحصل له ~~ثواب النفقة، والحجة للحاج، فكأنه يكون له ثواب بدنه وأعماله، وللمحجوج عنه ~~ثواب ماله وإنفاقه، ولهذا قلنا: لا يختلف في هذا حكم من حج عن نفسه حجة ~~الاسلام أو لم يحج، لان الأعمال التي تدخلها النيابة لا يختلف حكم المستناب ~~فيها بين أن يكون قد أدى عن نفسه أو لم يؤد، اعتبارا بأعمال الدين والدنيا. ~~ألا ترى أن الذي عليه زكاة أو كفارة أو غير ذلك يجوز أن يؤدي عن غيره وإن ~~لم يؤد عن نفسه، وكذلك من لم يراع مصالحه في الدنيا يصح أن ينوب عن غيره من ~~مثلها فتتم لغيره وإن لم تتم لنفسه، ويزوج غيره وإن لم يزوج ms0847 نفسه. # تم الجزء الثاني من تفسير القرطبي يتلوه إن شاء الله تعالى الجزء الثالث، ~~وأوله قوله تعالى: " واذكروا الله في أيام معدودات... " الآية. PageV02P436 # الجامع لاحكام القرآن لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي الجزء ~~الثالث أعاد طبعه دار احياء التراث العربي بيروت - لبنان 1405 ه‍ 1985 م ~~بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل ~~في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى واتقوا الله واعلموا ~~أنكم إليه تحشرون (203) قوله تعالى: (واذكروا الله في أيام معدودات) فيه ست ~~مسائل: # الأولى - قال الكوفيون: الألف والتاء في " معدودات " لأقل العدد. وقال ~~البصريون: هما للقليل والكثير، بدليل قوله تعالى: " وهم في الغرفات آمنون ~~(1) " والغرفات كثيرة. ولا خلاف بين العلماء أن الأيام المعدودات في هذه ~~الآية هي أيام منى، وهي أيام التشريق، وأن هذه الثلاثة الأسماء واقعة ~~عليها، وهي أيام رمى الجمار، وهي واقعة على الثلاثة الأيام التي يتعجل ~~الحاج منها في يومين بعد يوم النحر، فقف على ذلك. وقال الثعلبي (2) وقال ~~إبراهيم: الأيام المعدودات أيام العشر، والأيام المعلومات أيام النحر، وكذا ~~حكى مكي والمهدوي أن الأيام المعدودات هي أيام العشر. ولا يصح لما ذكرناه ~~من الاجماع، على ما نقله أبو عمر بن عبد البر وغيره. قال ابن عطية: وهذا ~~إما أن يكون من تصحيف النسخة، وإما أن يريد العشر الذي (3) بعد النحر، وفى ~~ذلك بعد. # الثانية - أمر الله سبحانه وتعالى عباده بذكره في الأيام المعدودات، وهي ~~الثلاثة التي بعد يوم النحر، وليس يوم النحر منها، لاجماع الناس أنه لا ~~ينفر أحد يوم النفر وهو ثاني يوم النحر، ولو كان يوم النحر في المعدودات ~~لساغ أن ينفر من شاء متعجلا يوم النفر، لأنه قد أخذ يومين من المعدودات. ~~خرج الدارقطني والترمذي وغيرهما عن عبد الرحمن ابن يعمر الديلي أن ناسا من ~~أهل نجد أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بعرفة فسألوه، # PageV03P001 # فأمر مناديا فنادى: " الحج عرفة، فمن جاء ليلة جمع (1) قبل طلوع ms0848 الفجر ~~فقد أدرك، أيام منى ثلاثة فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم ~~عليه "، أي من تعجل من الحاج في يومين من أيام منى صار مقامه بمنى ثلاثة ~~أيام بيوم النحر، ويصير جميع رميه بتسع وأربعين حصاة، ويسقط عنه رمى يوم ~~الثالث. ومن لم ينفر منها إلا في آخر اليوم الثالث حصل له بمنى مقام أربعة ~~أيام من أجل يوم النحر، واستوفى العدد في الرمي، على ما يأتي بيانه. ومن ~~الدليل على أن أيام منى ثلاثة - مع ما ذكرناه - قول العرجى: # ما نلتقي إلا ثلاث منى * حتى يفرق بيننا النفر فأيام الرمي معدودات، ~~وأيام النحر معلومات. وروى نافع عن ابن عمر أن الأيام المعدودات والأيام ~~المعلومات يجمعها أربعة أيام: يوم النحر وثلاثة أيام بعده، فيوم النحر ~~معلوم غير معدود، واليومان بعده معلومان معدودان، واليوم الرابع معدود لا ~~معلوم، وهذا مذهب مالك وغيره. # وإنما كان كذلك لان الأول ليس من الأيام التي تختص بمنى في قوله سبحانه ~~وتعالى: " واذكروا الله في أيام معدودات " ولا من التي عين النبي صلى الله ~~عليه وسلم بقوله: " أيام منى ثلاثة " فكان معلوما، لان الله تعالى قال: " ~~ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام (2) "، ~~ولا خلاف أن المراد به النحر، وكان النحر في اليوم الأول وهو يوم الأضحى ~~والثاني والثالث، ولم يكن في الرابع نحر بإجماع من علمائنا، فكان الرابع ~~غير مراد في قوله تعالى: # " معلومات " لأنه لا ينحر فيه وكان مما يرمى فيه، فصار معدودا لأجل ~~الرمي، غير معلوم لعدم النحر فيه. قال ابن العربي: والحقيقة فيه أن يوم ~~النحر معدود بالرمي معلوم بالذبح، لكنه عند علمائنا ليس مرادا في قوله ~~تعالى: " واذكروا الله في أيام معدودات ". وقال أبو حنيفة والشافعي: الأيام ~~المعلومات العشر من أول يوم من ذي الحجة، وآخرها يوم النحر، لم يختلف ~~قولهما في ذلك، ورويا ذلك عن ابن عباس. وروى الطحاوي عن أبي يوسف أن الأيام ~~المعلومات أيام النحر، قال أبو يوسف: ms0849 روى ذلك عن عمر وعلى، وإليه أذهب، # PageV03P002 # لأنه تعالى قال: " ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من ~~بهيمة الأنعام ". # وحكى الكرخي عن محمد بن الحسن أن الأيام المعلومات أيام النحر الثلاثة: ~~يوم الأضحى ويومان بعده. قال الكيا الطبري: فعلى قول أبى يوسف ومحمد لا فرق ~~بين المعلومات والمعدودات، لان المعدودات المذكورة في القرآن أيام التشريق ~~بلا خلاف، ولا يشك أحد أن المعدودات لا تتناول أيام العشر، لان الله تعالى ~~يقول: " فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه "، وليس في العشر حكم يتعلق بيومين ~~دون الثالث. وقد روى عن ابن عباس أن المعلومات العشر، والمعدودات أيام ~~التشريق، وهو قول الجمهور. # قلت: وقال ابن زيد: الأيام المعلومات عشر ذي الحجة وأيام التشريق، وفيه ~~بعد، لما ذكرناه، وظاهر الآية يدفعه. وجعل الله الذكر في الأيام المعدودات ~~والمعلومات يدل على خلاف قوله، فلا معنى للاشتغال به. # الثالثة - ولا خلاف أن المخاطب بهذا الذكر هو الحاج، خوطب بالتكبير عند ~~رمى الحمار، وعلى ما رزق من بهيمة الأنعام في الأيام المعلومات وعند أدبار ~~الصلوات دون تلبية، وهل يدخل غير الحاج في هذا أم لا؟ فالذي عليه فقهاء ~~الأمصار والمشاهير من الصحابة والتابعين على أن المراد بالتكبير كل أحد - ~~وخصوصا في أوقات الصلوات - فيكبر عند انقضاء كل صلاة - كان المصلى وحده أو ~~في جماعة - تكبيرا ظاهرا في هذه الأيام، اقتداء بالسلف رضي الله عنهم. وفى ~~المختصر: ولا يكبر النساء دبر الصلوات. والأول أشهر، لأنه يلزمها حكم ~~الاحرام كالرجل، قاله في المدونة. # الرابعة - ومن نسى التكبير بإثر صلاة كبر إن كان قريبا، وإن تباعد فلا شئ ~~عليه، قاله ابن الجلاب. وقال مالك في المختصر: يكبر ما دام في مجلسه، فإذا ~~قام من مجلسه فلا شئ عليه. وفى المدونة من قول مالك: إن نسي الامام التكبير ~~فإن كان قريبا قعد فكبر، وإن تباعد فلا شئ عليه، وإن ذهب ولم يكبر والقوم ~~جلوس فليكبروا. PageV03P003 # الخامسة - واختلف العلماء في طرفي مدة التكبير، فقال عمر بن الخطاب وعلي ~~بن ms0850 أبي طالب وابن عباس: يكبر من صلاة الصبح يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام ~~التشريق. # وقال ابن مسعود وأبو حنيفة: يكبر من غداة عرفة إلى صلاة العصر من يوم ~~النحر. وخالفاه صاحباه فقالا بالقول الأول، قول عمر وعلى وابن عباس رضي ~~الله عنهم، فاتفقوا في الابتداء دون الانتهاء. وقال مالك: يكبر من صلاة ~~الظهر يوم النحر إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق، وبه قال الشافعي، وهو ~~قول ابن عمر وابن عباس أيضا. وقال زيد بن ثابت: يكبر من ظهر يوم النحر إلى ~~آخر أيام التشريق. قال ابن العربي: فأما من قال: يكبر يوم عرفة ويقطع العصر ~~من يوم النحر فقد خرج عن الظاهر، لان الله تعالى قال: " في أيام معدودات " ~~وأيامها ثلاثة، وقد قال هؤلاء: يكبر في يومين، فتركوا الظاهر لغير دليل. ~~وأما من قال يوم عرفة وأيام التشريق، فقال: إنه قال: " فإذا أفضتم من عرفات ~~"، فذكر " عرفات " داخل في ذكر الأيام، هذا كان يصح لو كان قال: يكبر من ~~المغرب يوم عرفة، لان وقت الإفاضة حينئذ، فأما قبل فلا يقتضيه ظاهر اللفظ، ~~ويلزمه أن يكون من يوم التروية عند الحلول بمنى. # السادسة - واختلفوا في لفظ التكبير، فمشهور مذهب مالك أنه يكبر إثر كل ~~صلاة ثلاث تكبيرات، رواه زياد بن زياد عن مالك. وفى المذهب رواية: يقال بعد ~~التكبيرات الثلاث: لا إله إلا الله، والله أكبر ولله الحمد. وفى المختصر عن ~~مالك: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر ولله ~~الحمد. # قوله تعالى: (فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه) فيه إحدى وعشرون مسألة: # الأولى - قوله تعالى: (فمن تعجل) التعجيل أبدا لا يكون هنا إلا في آخر ~~النهار، وكذلك اليوم الثالث، لان الرمي في تلك الأيام إنما وقته بعد ~~الزوال. وأجمعوا على أن يوم النحر لا يرمى فيه غير جمرة العقبة، لان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لم يرم يوم النحر من الجمرات غيرها، ووقتها من ~~طلوع الشمس إلى الزوال، وكذلك أجمعوا ms0851 أن وقت رمى الجمرات في أيام ~~PageV03P004 # التشريق بعد الزوال إلى الغروب، واختلفوا فيمن رمى جمرة العقبة قبل طلوع ~~الفجر أو بعد طلوع الفجر قبل طلوع الشمس، فقال مالك وأبو حنيفة وأحمد ~~وإسحاق: جائز رميها بعد الفجر قبل طلوع الشمس. وقال مالك: لم يبلغنا أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص لاحد برمي قبل أن يطلع الفجر، ولا يجوز ~~رميها قبل الفجر، فإن رماها قبل الفجر أعادها، وكذلك قال أبو حنيفة ~~وأصحابه: لا يجوز رميها، وبه قال أحمد وإسحاق. ورخصت طائفة في الرمي قبل ~~طلوع الفجر، روى عن أسماء بنت أبي بكر أنها كانت ترمى بالليل وتقول: # إنا كنا نصنع هذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخرجه أبو داود. ~~وروى هذا القول عن عطاء وابن أبي مليكة وعكرمة بن خالد، وبه قال الشافعي ~~إذا كان الرمي بعد نصف الليل. # وقالت طائفة: لا يرمى حتى تطلع الشمس، قاله مجاهد والنخعي والثوري. وقال ~~أبو ثور: # إن رماها قبل طلوع الشمس فإن اختلفوا فيه لم يجزه، وإن أجمعوا، أو كانت ~~(1) فيه سنة أجزأه. # قال أبو عمر: أما قول الثوري ومن تابعه فحجته أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم رمى الجمرة بعد طلوع الشمس وقال: " خذوا عنى مناسككم ". وقال ابن ~~المنذر: السنة ألا ترمى إلا بعد طلوع الشمس، ولا يجزئ الرمي قبل طلوع ~~الفجر، فإن رمى أعاد، إذ فاعله مخالف لما سنه الرسول صلى الله عليه وسلم ~~لامته. ومن رماها بعد طلوع الفجر قبل طلوع الشمس فلا إعادة عليه، إذ لا ~~أعلم أحدا قال لا يجزئه. # الثانية - روى معمر قال أخبرني هشام بن عروة عن أبيه قال: أمر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أم سلمة أن تصبح بمكة يوم النحر وكان يومها. قال أبو ~~عمر: اختلف على هشام في هذا الحديث، فروته طائفة عن هشام عن أبيه مرسلا كما ~~رواه معمر، ورواه آخرون عن هشام عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ms0852 أمر أم سلمة بذلك مسندا، ورواه آخرون عن هشام عن ~~أبيه عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة مسندا أيضا، وكلهم ثقات. وهو يدل على ~~أنها رمت الجمرة بمنى قبل الفجر، لان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرها ~~أن تصبح بمكة يوم النحر، وهذا لا يكون إلا وقد رمت # PageV03P005 # الجمرة بمنى ليلا قبل الفجر، والله أعلم. ورواه أبو داود قال حدثنا هارون ~~بن عبد الله قال حدثنا ابن أبي فديك عن الضحاك بن عثمان عن هشام بن عروة عن ~~أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بأم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر ثم مضت فأفاضت، وكان ذلك اليوم ~~[اليوم (1)] الذي يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم عندها. وإذا ثبت ~~فالرمي بالليل جائز لمن فعله، والاختيار من طلوع الشمس إلى زوالها. # قال أبو عمر: أجمعوا على أن وقت الاختيار في رمى جمرة العقبة من طلوع ~~الشمس إلى زوالها، وأجمعوا أنه إن رماها قبل غروب الشمس من يوم النحر فقد ~~أجزأ عنه ولا شئ عليه، إلا مالكا فإنه قال: أستحب له إن ترك جمرة العقبة ~~حتى أمسى أن يهريق دما يجئ به من الحل. واختلفوا فيمن لم يرمها حتى غابت ~~الشمس فرماها من الليل أو من الغد، فقال مالك: عليه دم، واحتج بأن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وقت لرمي الجمرة وقتا، وهو يوم النحر، فمن رمى بعد ~~غروب الشمس فقد رماها بعد خروج وقتها، ومن فعل شيئا في الحج بعد وقته فعليه ~~دم. وقال الشافعي: لا دم عليه، وهو قول أبى يوسف ومحمد، وبه قال أبو ثور، ~~لان النبي صلى الله عليه وسلم قال له السائل: يا رسول الله، رميت بعد ما ~~أمسيت فقال: " لا حرج "، قال مالك: من نسى رمى الجمار حتى يمسى فليرم أية ~~ساعة ذكر من ليل أو نهار، كما يصلى أية ساعة ذكر، ولا يرمى إلا ما فاته ~~خاصة، وإن كانت جمرة واحدة ms0853 رماها، ثم يرمى ما رمى بعدها من الجمار، فإن ~~الترتيب في الجمار واجب، فلا يجوز أن يشرع في رمى جمرة حتى يكمل رمى الجمرة ~~الأولى كركعات الصلاة، هذا هو المشهور من المذهب. # وقيل: ليس الترتيب بواجب في صحة الرمي، بل إذا كان الرمي كله في وقت ~~الأداء أجزأه. # الثالثة - فإذا مضت أيام الرمي فلا رمى، فإن ذكر بعد ما يصدر وهو بمكة أو ~~بعد ما يخرج منها فعليه الهدى، وسواء ترك الجمار كلها، أو جمرة منها، أو ~~حصاة من جمرة حتى خرجت أيام منى فعليه دم. وقال أبو حنيفة: إن ترك الجمار ~~كلها فعليه دم، وإن ترك جمرة واحدة # PageV03P006 # كان عليه بكل حصاة من الجمرة إطعام مسكين نصف صاع، إلى أن يبلغ دما فيطعم ~~ما شاء، إلا جمرة العقبة فعليه دم. وقال الأوزاعي: يتصدق إن ترك حصاة. وقال ~~الثوري: يطعم في الحصاة والحصاتين والثلاث، فإن ترك أربعة فصاعدا فعليه دم. ~~وقال الليث: في الحصاة الواحدة دم، وهو أحد قولي الشافعي. والقول الآخر وهو ~~المشهور: إن في الحصاة الواحدة مدا من طعام، وفي حصاتين مدين، وفي ثلاث ~~حصيات دم. # الرابعة - ولا سبيل عند الجميع إلى رمى ما فاته من الجمار في أيام ~~التشريق حتى غابت الشمس من آخرها، وذلك اليوم الرابع من يوم النحر، وهو ~~الثالث من أيام التشريق، ولكن يجزئه الدم أو الاطعام على حسب ما ذكرنا. # الخامسة - ولا تجوز البيتوتة بمكة وغيرها عن منى ليالي التشريق، فإن ذلك ~~غير جائز عند الجميع إلا للرعاء ولمن ولى السقاية من آل العباس. قال مالك: ~~من ترك المبيت ليلة من ليالي منى من غير الرعاء وأهل السقاية فعليه دم. روى ~~البخاري عن ابن عمر أن العباس استأذن النبي صلى الله عليه وسلم ليبيت بمكة ~~ليالي منى من أجل سقايته فأذن له. قال ابن عبد البر: كان العباس ينظر في ~~السقاية ويقوم بأمرها، ويسقى الحاج شرابها أيام الموسم، فلذلك أرخص له في ~~المبيت عن منى، كما أرخص لرعاء الإبل من أجل حاجتهم لرعي ms0854 الإبل وضرورتهم ~~إلى الخروج بها نحو المراعى التي تبعد عن منى. # وسميت منى " منى " لما يمنى فيها من الدماء، أي يراق. وقال ابن عباس: ~~إنما سميت منى لان جبريل قل لآدم عليه السلام: تمن. قال: أتمنى الجنة، ~~فسميت منى. قال: # وإنما سميت جمعا لأنه اجتمع بها حواء وآدم عليهما السلام، والجمع أيضا هو ~~المزدلفة، وهو المشعر الحرام، كما تقدم (1). # السادسة - وأجمع الفقهاء على أن المبيت للحاج غير الذين رخص لهم ليالي ~~منى بمنى من شعائر الحج ونسكه، والنظر يوجب على كل مسقط لنسكه دما، قياسا ~~على سائر الحج ونسكه. # PageV03P007 # وفى الموطأ: مالك عن نافع عن ابن عمر قال قال عمر: لا يبيتن أحد من الحاج ~~[ليالي منى (1)] من وراء العقبة. والعقبة التي منع عمر أن يبيت أحد وراءها ~~هي العقبة التي عند الجمرة التي يرميها الناس يوم النحر مما يلي مكة. رواه ~~ابن نافع عن مالك في المبسوط، قال: وقال مالك: # ومن بات وراءها ليالي منى فعليه الفدية، وذلك أنه بات بغير منى ليالي ~~منى، وهو مبيت مشروع في الحج، فلزم الدم بتركه كالمبيت بالمزدلفة، ومعنى ~~الفدية هنا عند مالك الهدى. # قال مالك: هو هدى يساق من الحل إلى الحرم. # السابعة - روى مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن ~~أبيه أن أبا البداح بن عاصم بن عدي أخبره (2) أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أرخص لرعاء الإبل في البيتوتة عن منى يرمون يوم النحر، ثم يرمون الغد، ~~ومن بعد الغد ليومين، ثم يرمون يوم النفر. # قال أبو عمر: لم يقل مالك بمقتضى هذا الحديث، وكان يقول: يرمون يوم النحر ~~- يعنى جمرة العقبة - ثم لا يرمون من الغد، فإذا كان بعد الغد وهو الثاني ~~من أيام التشريق وهو اليوم الذي يتعجل فيه النفر من يريد التعجيل أو من ~~يجوز له التعجيل رموا اليومين لذلك اليوم ولليوم الذي قبله، لأنهم يقضون ما ~~كان عليهم، ولا يقضى أحد عنده شيئا إلا بعد أن يجب عليه، ms0855 هذا معنى ما فسر ~~به مالك هذا الحديث في موطئه. وغيره يقول: لا بأس بذلك كله على ما في حديث ~~مالك، لأنها أيام رمى كلها، وإنما لم يجز عند مالك للرعاء تقديم الرمي لان ~~غير الرعاء لا يجوز لهم أن يرموا في أيام التشريق شيئا من الجمار قبل ~~الزوال، فإن رمى قبل الزوال أعادها، ليس لهم التقديم. وإنما رخص لهم في ~~اليوم الثاني إلى الثالث. قال ابن عبد البر: الذي قاله مالك في هذه المسألة ~~موجود في رواية ابن جريج قال: أخبرني محمد بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن ~~حزم عن أبيه أن أبا البداح بن عاصم بن عدي أخبره أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أرخص للرعاء أن يتعاقبوا، فيرموا يوم النحر، ثم يدعوا يوما وليلة ثم ~~يرمون الغد. قال علماؤنا: ويسقط رمى الجمرة الثالثة عمن تعجل. قال ابن أبي ~~زمنين (3) # PageV03P008 # يرميها يوم النفر الأول حين يريد التعجيل. قال ابن المواز: يرمى المتعجل ~~في يومين بإحدى وعشرين حصاة، كل جمرة بسبع حصيات، فيصير جميع رميه بتسع ~~وأربعين حصاة، لأنه قد رمى جمرة العقبة يوم النحر بسبع. قال ابن المنذر: ~~ويسقط رمى اليوم الثالث. # الثامنة - روى مالك عن يحيى بن سعيد عن عطاء بن أبي رباح أنه سمعه يذكر ~~أنه أرخص للرعاء أن يرموا بالليل، يقول في الزمن الأول. قال الباجي: " قوله ~~في الزمن الأول يقتضى إطلاقه زمن النبي صلى الله عليه وسلم لأنه أول زمن ~~هذه الشريعة، فعلى هذا هو مرسل. ويحتمل أن يريد به أول زمن أدركه عطاء، ~~فيكون موقوفا مسندا (1) ". # والله أعلم. # قلت: هو مسند من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، خرجه الدارقطني وغيره، وقد ذكرناه في " المقتبس في شرح موطأ ~~مالك بن أنس "، وإنما أبيح لهم الرمي بالليل لأنه أرفق بهم وأحوط فيما ~~يحاولونه من رعى الإبل، لان الليل وقت لا ترعى فيه ولا تنتشر، فيرمون في ~~ذلك الوقت. وقد اختلفوا فيمن فاته الرمي حتى ms0856 غربت الشمس، فقال عطاء: لا رمى ~~بالليل إلا لرعاء الإبل، فأما التجار فلا. وروى عن ابن عمر أنه قال: من ~~فاته الرمي حتى تغيب الشمس فلا يرم حتى تطلع الشمس من الغد، وبه قال أحمد ~~وإسحاق. وقال مالك: إذا تركه نهارا رماه ليلا، وعليه دم في رواية ابن ~~القاسم، ولم يذكر في الموطأ أن عليه دما. وقال الشافعي وأبو ثور ويعقوب ~~ومحمد: إذا نسى الرمي حتى أمسى يرمى ولا دم عليه. وكان الحسن البصري يرخص ~~في رمى الجمار ليلا. وقال أبو حنيفة: # يرمى ولا شئ عليه، وإن لم يذكرها من الليل حتى يأتي الغد فعليه أن يرميها ~~وعليه دم. وقال الثوري: إذا أخر الرمي إلى الليل ناسيا أو متعمدا أهرق دما. # قلت: أما من رمى من رعاء الإبل أو أهل السقاية بالليل فلا دم يجب، ~~للحديث، وإن كان من غيرهم فالنظر يوجب الدم لكن مع العمد، والله أعلم. # PageV03P009 # التاسعة - ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى جمرة العقبة يوم ~~النحر على راحلته. واستحب مالك وغيره أن يكون الذي يرميها راكبا. وقد كان ~~ابن عمر وابن الزبير وسالم يرمونها وهم مشاة، ويرمى في كل يوم من الثلاثة ~~بإحدى وعشرين حصاة، يكبر مع كل حصاة، ويكون وجهه في حال رميه إلى الكعبة، ~~ويرتب الجمرات ويجمعهن ولا يفرقهن ولا ينكسهن، يبدأ بالجمرة الأولى فيرميها ~~بسبع حصيات رميا ولا يضعها وضعا، كذلك قال مالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب ~~الرأي، فإن طرحها طرحا جاز عند أصحاب الرأي. وقال ابن القاسم: لا تجزئ في ~~الوجهين جميعا، وهو الصحيح، لان النبي صلى الله عليه وسلم كان يرميها، ولا ~~يرمى عندهم بحصاتين أو أكثر في مرة، فإن فعل عدها حصاة واحدة، فإذا فرغ ~~منها تقدم أمامها فوقف طويلا للدعاء بما تيسر. ثم يرمى الثانية وهي الوسطى ~~وينصرف عنها ذات الشمال في بطن المسيل، ويطيل الوقوف عندها للدعاء. ثم يرمى ~~الثالثة بموضع جمرة العقبة بسبع حصيات أيضا، يرميها من أسفلها ولا يقف ~~عندها، ولو رماها من فوقها ms0857 أجزأه، ويكبر في ذلك كله مع كل حصاة يرميها. ~~وسنة الذكر في رمى الجمار التكبير دون غيره من الذكر، ويرميها ماشيا بخلاف ~~جمرة يوم النحر، وهذا كله توقيف رفعه النسائي والدارقطني عن الزهري أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رمى الجمرة التي تلي المسجد - مسجد منى - ~~يرميها بسبع حصيات، يكبر كلما رمى بحصاة، ثم تقدم أمامها فوقف مستقبل ~~القبلة رافعا يديه يدعو، وكان يطيل الوقوف. ثم يأتي الجمرة الثانية فيرميها ~~بسبع حصيات، يكبر كلما رمى بحصاة، ثم ينحدر ذات اليسار مما يلي الوادي فيقف ~~مستقبل القبلة رافعا يديه ثم يدعو. ثم يأتي الجمرة التي عند العقبة فيرميها ~~بسبع حصيات، يكبر كلما رمى بحصاة ثم ينصرف ولا يقف عندها. قال الزهري: سمعت ~~سالم بن عبد الله يحدث بهذا عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: وكان ~~ابن عمر يفعله، لفظ الدارقطني. # العاشرة - وحكم الجمار أن تكون طاهرة غير نجسة، ولا مما رمى به، فإن رمى ~~بما قد رمى به لم يجزه عند مالك، وقد قال عنه ابن القاسم: إن كان ذلك في ~~حصاة واحدة أجزأه، ونزلت بابن القاسم فأفتاه بهذا. PageV03P010 # الحادية عشرة - واستحب أهل العلم أخذها من المزدلفة لا من حصى المسجد، ~~فإن أخذ زيادة على ما يحتاج وبقى ذلك بيده بعد الرمي دفنه ولم يطرحه، قال ~~أحمد بن حنبل وغيره. # الثانية عشرة - ولا تغسل عند الجمهور خلافا لطاوس، وقد روى أنه لو لم ~~يغسل الجمار النجسة أو رمى بما قد رمى به أنه أساء وأجزأ عنه. قال ابن ~~المنذر: يكره أن يرمى بما قد رمى به، ويجزئ إن رمى به، إذ لا أعلم أحدا ~~أوجب على من فعل ذلك الإعادة، ولا نعلم في شئ من الاخبار التي جاءت عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه غسل الحصى ولا أمر بغسله، وقد روينا عن طاوس ~~أنه كان يغسله. # الثالثة عشرة - ولا يجزئ في الجمار المدر (1) ولا شئ غير الحجر، وهو قول ~~الشافعي وأحمد وإسحاق. وقال أصحاب ms0858 الرأي: يجوز بالطين اليابس، وكذلك كل شئ ~~رماها من الأرض فهو يجزئ. وقال الثوري: من رمى بالخزف والمدر لم يعد الرمي. ~~قال ابن المنذر: لا يجزئ الرمي إلا بالحصى، لان النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: " عليكم بحصى الخذف (2) ". وبالحصى. # رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم. # الرابعة عشرة - واختلف في قدر الحصى، فقال الشافعي: يكون أصغر من الأنملة ~~طولا وعرضا. وقال أبو ثور وأصحاب الرأي: بمثل حصى الخذف، وروينا عن ابن عمر ~~أنه كان يرمى الجمرة بمثل بعر الغنم، ولا معنى لقول مالك: أكبر من ذلك أحب ~~إلى، لان النبي صلى الله عليه وسلم سن الرمي بمثل حصى الخذف، ويجوز أن يرمى ~~بما وقع عليه اسم حصاة، واتباع السنة أفضل، قاله ابن المنذر. # قلت: وهو الصحيح الذي لا يجوز خلافه لمن اهتدى واقتدى. روى النسائي عن ~~ابن عباس قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة العقبة وهو على ~~راحلته: " هات القط لي - # PageV03P011 # فلقطت له حصيات هن حصى الخذف، فلما وضعتهن في يده قال -: بأمثال هؤلاء، ~~وإياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين ". فدل ~~قوله: " وإياكم والغلو في الدين " على كراهة الرمي بالجمار الكبار، وأن ذلك ~~من الغلو، والله أعلم. # الخامسة عشرة - ومن بقى في يده حصاة لا يدرى من أي الجمار هي جعلها من ~~الأولى، ورمى بعدها الوسطى والآخرة، فإن طال استأنف جميعا. # السادسة عشرة - قال مالك والشافعي وعبد الملك وأبو ثور وأصحاب الرأي فيمن ~~قدم جمرة على جمرة: لا يجزئه إلا أن يرمى على الولاء. وقال الحسن وعطاء ~~وبعض الناس: # يجزئه. واحتج بعض الناس بقول النبي صلى الله عليه وسلم: " من قدم نسكا ~~بين يدي نسك فلا حرج - وقال: - لا يكون هذا بأكثر من رجل اجتمعت عليه صلوات ~~أو صيام فقضى بعضا قبل بعض ". والأول أحوط، والله أعلم. # السابعة عشرة - واختلفوا في رمى المريض والرمي عنه، فقال مالك: يرمى عن ~~المريض والصبي اللذين لا يطيقان الرمي، ويتحرى المريض حين رميهم ms0859 فيكبر سبع ~~تكبيرات لكل جمرة وعليه الهدى، وإذا صح المريض في أيام الرمي رمى عن نفسه، ~~وعليه مع ذلك دم عند مالك. # وقال الحسن والشافعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي: يرمى عن المريض، ولم ~~يذكروا هديا. ولا خلاف في الصبي الذي لا يقدر على الرمي أنه يرمى عنه، وكان ~~ابن عمر يفعل ذلك. # الثامنة عشرة - روى الدارقطني عن أبي سعيد الخدري قال قلنا: يا رسول ~~الله، هذه الجمار التي يرمى بها كل عام فنحسب أنها تنقص، فقال: " إنه ما ~~تقبل منها رفع ولولا ذلك لرأيتها أمثال الجبال ". # التاسعة عشرة - قال ابن المنذر: وأجمع أهل العلم على أن لمن أراد الخروج ~~من الحاج من منى شاخصا إلى بلده خارجا عن الحرم غير مقيم بمكة في النفر ~~الأول أن ينفر بعد زوال الشمس إذا رمى في اليوم الذي يلي يوم النحر (1) قبل ~~أن يمسى، لان الله جل ذكره قال: " فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه "، ~~فلينفر من أراد النفر ما دام في شئ من النهار. وقد روينا عن # PageV03P012 # النخعي والحسن أنهما قالا: من أدركه العصر وهو بمنى من اليوم الثاني من ~~أيام التشريق لم ينفر حتى الغد. قال ابن المنذر: وقد يحتمل أن يكونا قالا ~~ذلك استحبابا، والقول الأول به نقول، لظاهر الكتاب والسنة. # الموفية عشرين - واختلفوا في أهل مكة هل ينفرون النفر الأول، فروينا عن ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: من شاء من الناس كلهم أن ينفروا في ~~النفر الأول، إلا آل خزيمة فلا ينفرون إلا في النفر الآخر. وكان أحمد بن ~~حنبل يقول: لا يعجبني لمن نفر النفر الأول أن يقيم بمكة، وقال: أهل مكة ~~أخف، وجعل أحمد وإسحاق معنى قول عمر بن الخطاب: # (إلا آل خزيمة) أي أنهم أهل حرم. وكان مالك يقول في أهل مكة: من كان له ~~عذر فله أن يتعجل في يومين، فإن أراد التخفيف عن نفسه مما هو فيه من أمر ~~الحج فلا، فرأى التعجيل لمن بعد قطره. وقالت طائفة: الآية على ms0860 العموم، ~~والرخصة لجميع الناس، أهل مكة وغيرهم، أراد الخارج عن منى المقام بمكة أو ~~الشخوص إلى بلده. وقال عطاء: هي للناس عامة. قال ابن المنذر: وهو يشبه ~~مذهب، الشافعي، وبه نقول. وقال ابن عباس والحسن وعكرمة ومجاهد وقتادة ~~والنخعي: من نفر في اليوم الثاني من الأيام المعدودات فلا حرج، ومن تأخر ~~إلى الثالث فلا حرج، فمعنى الآية كل ذلك مباح، وعبر عنه بهذا التقسيم ~~اهتماما وتأكيدا، إذ كان من العرب من يذم المتعجل وبالعكس، فنزلت الآية ~~رافعة للجناح في كل ذلك. وقال علي بن أبي طالب وابن عباس وابن مسعود ~~وإبراهيم النخعي أيضا: معنى من تعجل فقد غفر له، ومن تأخر فقد غفر له، ~~واحتجوا بقوله عليه السلام: " من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق خرج من ~~خطاياه كيوم ولدته أمه ". فقوله: " فلا إثم عليه " نفى عام وتبرئة مطلقة. ~~وقال مجاهد أيضا: معنى الآية، من تعجل أو تأخر فلا إثم عليه إلى العام ~~المقبل. # وأسند في هذا القول أثر. وقال أبو العالية في الآية: لا إثم عليه لمن ~~اتقى بقية عمره، والحاج مغفور له البتة، أي ذهب إثمه كله إن اتقى الله فيما ~~بقى من عمره. وقال أبو صالح وغيره: # معنى الآية لا إثم عليه لمن اتقى قتل الصيد، وما يجب عليه تجنبه في الحج. ~~وقال أيضا: لمن اتقى في حجه فأتى به تاما حتى كان مبرورا. PageV03P013 # الحادية والعشرون - " من " في قوله " فمن تعجل " رفع بالابتداء، والخبر " ~~فلا إثم عليه ". # ويجوز في غير القرآن فلا إثم عليهم، لان معنى " من " جماعة، كما قال عز ~~وجل: " ومنهم من يستمعون إليك (1) " وكذا " ومن تأخر فلا إثم عليه ". ~~واللام من قوله: " لمن اتقى " متعلقة بالغفران، التقدير المغفرة لمن اتقى، ~~وهذا على تفسير ابن مسعود وعلى. قال قتادة: ذكر لنا أن ابن مسعود قال: إنما ~~جعلت المغفرة لمن اتقى بعد انصرافه من الحج عن جميع المعاصي. # وقال الأخفش: التقدير ذلك لمن اتقى. وقال بعضهم: لمن اتقى يعنى قتل الصيد ~~في الاحرام وفى الحرم. ms0861 وقيل التقدير الإباحة لمن اتقى، روى هذا عن ابن عمر. ~~وقيل: السلامة لمن اتقى. وقيل: هي متعلقة بالذكر الذي في قوله تعالى: " ~~واذكروا " أي الذكر لمن اتقى. وقرأ سالم بن عبد الله " فلا أثم عليه " بوصل ~~الألف تخفيفا، والعرب قد تستعمله. قال الشاعر: # * إن لم أقاتل فألبسوني برقعا * ثم أمر الله تعالى بالتقوى وذكر بالحشر ~~والوقوف. # قوله تعالى: ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما ~~في قلبه وهو ألد الخصام (204) فيه ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (ومن الناس من يعجبك قوله) لما ذكر الذين قصرت ~~همتهم على الدنيا - في قوله: " فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا " - ~~والمؤمنين الذين سألوا خير الدارين ذكر المنافقين، لأنهم أظهروا الايمان ~~وأسروا الكفر. قال السدى وغيره من المفسرين: نزلت في الأخنس بن شريق، واسمه ~~أبى، والأخنس لقب لقب به، لأنه خنس يوم بدر بثلاثمائة رجل من حلفائه من بنى ~~زهرة عن قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم، على ما يأتي في " آل عمران " ~~بيانه. وكان رجلا حلو القول والمنظر، فجاء بعد ذلك إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فأظهر الاسلام وقال: الله يعلم أنى صادق، ثم هرب بعد ذلك، فمر بزرع ~~لقوم من المسلمين وبحمر فأحرق الزرع وعقر الحمر. قال المهدوي: وفيه نزلت " ~~ولا تطع كل حلاف # PageV03P014 # مهين. هماز مشاء بنميم (1) " و " ويل لكل همزة لمزة (2) ". قال ابن عطية: ~~ما ثبت قط أن الأخنس أسلم. وقال ابن عباس: نزلت في قوم من المنافقين تكلموا ~~في الذين قتلوا في غزوة الرجيع: # عاصم بن ثابت، وخبيب، وغيرهم، وقالوا: ويح هؤلاء القوم، لا هم قعدوا في ~~بيوتهم، ولا هم أدوا رسالة صاحبهم، فنزلت هذه الآية في صفات المنافقين، ثم ~~ذكر المستشهدين في غزوة الرجيع في قوله: " ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء ~~مرضات الله (3) ". وقال قتادة ومجاهد وجماعة من العلماء: نزلت في كل مبطن ~~كفرا أو نفاقا أو كذبا أو إضرارا، وهو يظهر بلسانه خلاف ذلك، فهي عامة، وهي ~~تشبه ms0862 ما ورد في الترمذي أن في بعض كتب الله تعالى: إن من عباد الله قوما ~~ألسنتهم أحلى من العسل وقلوبهم أمر من الصبر، يلبسون للناس جلود الضأن من ~~اللين، يشترون الدنيا بالدين، يقول الله تعالى: أبى يغترون، وعلى يجترئون، ~~فبي حلفت لأتيحن (4) لهم فتنة تدع الحليم منهم حيران. ومعنى " ويشهد الله " ~~أي يقول: الله يعلم أنى أقول حقا. وقرأ ابن محيصن " ويشهد الله على ما في ~~قلبه " بفتح الياء والهاء في " يشهد " " الله " بالرفع، والمعنى يعجبك ~~قوله، والله يعلم منه خلاف ما قال. دليل قوله: " والله يشهد إن المنافقين ~~لكاذبون ". وقراءة ابن عباس: " والله يشهد على ما في قلبه ". وقراءة ~~الجماعة أبلغ في الذم، لأنه قوى على نفسه التزام الكلام الحسن، ثم ظهر من ~~باطنه خلافه. وقرأ أبى وابن مسعود " ويستشهد الله على ما في قلبه " وهي حجة ~~لقراءة الجماعة. # الثانية - قال علماؤنا: وفى هذه الآية دليل وتنبيه على الاحتياط فيما ~~يتعلق بأمور الدين والدنيا، واستبراء أحوال الشهود والقضاة، وأن الحاكم لا ~~يعمل على ظاهر أحوال الناس وما يبدو من إيمانهم وصلاحهم حتى يبحث عن ~~باطنهم، لان الله تعالى بين أحوال الناس، وأن منهم من يظهر قولا جميلا وهو ~~ينوى قبيحا. # فإن قيل: هذا يعارضه قوله عليه السلام: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا ~~لا إله إلا الله " الحديث، وقوله: " فأقضى له على نحو ما أسمع " فالجواب أن ~~هذا كان في صدر الاسلام، حيث كان إسلامهم سلامتهم، وأما وقد عم الفساد فلا، ~~قاله ابن العربي. # PageV03P015 # قلت: والصحيح أن الظاهر يعمل عليه حتى يتبين خلافه، لقول عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه في صحيح البخاري: أيها الناس، إن الوحي قد انقطع، وإنما ~~نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيرا أمناه وقربناه، ~~وليس لنا من سريرته شئ، الله يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءا لم نؤمنه ~~ولم نصدقه، وإن قال إن سريرته حسنة. # الثالثة - قوله تعالى: (وهو ألد الخصام) الألد: الشديد الخصومة، وهو رجل ~~ألد، وامرأة لداء، ms0863 وهم أهل لدد. وقد لددت - بكسر الدال - تلد - بالفتح - ~~لددا، أي صرت ألد. ولددته - بفتح الدال - ألده - بضمها - إذا جادلته ~~فغلبته. والالد مشتق من اللديدين، وهما صفحتا العنق، أي في أي جانب أخذ من ~~الخصومة غلب. قال الشاعر: # وألد ذي حنق على كأنما * تغلى عداوة صدره في مرجل وقال آخر: # إن تحت التراب عزما وحزما * وخصيما ألد ذا مغلاق و " الخصام " في الآية ~~مصدر خاصم، قاله الخليل. وقيل: جمع خصم، قاله الزجاج، ككلب وكلاب، وصعب ~~وصعاب، وضخم وضخام. والمعنى أشد المخاصمين خصومة، أي هو ذو جدال، إذا كلمك ~~وراجعك رأيت لكلامه طلاوة وباطنه باطل. وهذا يدل على أن الجدال لا يجوز إلا ~~بما ظاهره وباطنه سواء. وفى صحيح مسلم عن عائشة قالت قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم ". # قوله تعالى: وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله ~~لا يحب الفساد (205) وقوله تعالى: (وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها) ~~قيل: " تولى وسعى " من فعل القلب، فيجئ " تولى " بمعنى ضل وغضب وأنف في ~~نفسه. و " سعى " أي سعى بحيلته وإرادته PageV03P016 # الدوائر على الاسلام وأهله، عن ابن جريج وغيره. وقيل: هما فعل الشخص، ~~فيجئ " تولى " بمعنى أدبر وذهب عنك يا محمد. و " سعى " أي بقدميه فقطع ~~الطريق وأفسدها، عن ابن عباس وغيره. وكلا السعيين فساد. يقال: سعى الرجل ~~يسعى سعيا، أي عدا، وكذلك إذا عمل وكسب. وفلان يسعى على عياله أي يعمل في ~~نفعهم. # قوله تعالى: (ويهلك) عطف على ليفسد. وفى قراءة أبى " وليهلك ". وقرأ ~~الحسن وقتادة " ويهلك " بالرفع، وفى رفعه أقوال: يكون معطوفا على " يعجبك ~~". وقال أبو حاتم: # هو معطوف على " سعى " لان معناه يسعى ويهلك، وقال أبو إسحاق: وهو يهلك. ~~وروى عن ابن كثير " ويهلك " بفتح الياء وضم الكاف، " الحرث والنسل " ~~مرفوعان بيهلك، وهي قراءة الحسن وابن أبي إسحاق وأبى حياة وابن محيصن، ~~ورواه عبد الوارث عن أبي عمرو. وقرأ قوم " ويهلك " بفتح الياء واللام، ورفع ~~الحرث، لغة ms0864 هلك يهلك، مثل ركن يركن، وأبى يأبى، وسلى يسلى، وقلى يقلى، ~~وشبهه. والمعنى في الآية الأخنس في إحراقه الزرع وقتله الحمر، قاله الطبري. ~~قال غيره: ولكنها صارت عامة لجميع الناس، فمن عمل مثل عمله استوجب تلك ~~اللعنة والعقوبة. قال بعض العلماء: إن من يقتل حمارا أو يحرق كدسا (1) ~~استوجب الملامة، ولحقه الشين إلى يوم القيامة. وقال مجاهد: المراد أن ~~الظالم يفسد في الأرض فيمسك الله المطر فيهلك الحرث والنسل. وقيل: الحرث ~~النساء، والنسل الأولاد، وهذا لان النفاق يؤدى إلى تفريق الكلمة ووقوع ~~القتال، وفيه هلاك الخلق، قال معناه الزجاج. والسعي في الأرض المشي بسرعة، ~~وهذه عبارة عن إيقاع الفتنة والتضريب بين الناس، والله أعلم. # وفى الحديث: " إن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه أوشك أن ~~يعمهم الله بعقاب من عنده ". وسيأتي بيان هذا إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: (الحرث والنسل) الحرث في اللغة: الشق، ومنه المحراث لما يشق ~~به الأرض. والحرث: كسب المال وجمعه، وفى الحديث: " احرث لدنياك كأنك # PageV03P017 # تعيش أبدا ". والحرث الزرع. والحراث الزراع. وقد حرث واحترث، مثل زرع ~~وازدرع ويقال: احرث القرآن، أي ادرسه. وحرثت الناقة وأحرثتها، أي سرت عليها ~~حتى هزلت وحرثت النار حركتها. والمحراث: ما يحرك به نار التنور، عن ~~الجوهري. والنسل: # ما خرج من كل أنثى من ولد. وأصله الخروج والسقوط، ومنه نسل الشعر، وريش ~~الطائر، والمستقبل ينسل، ومنه " إلى ربهم ينسلون (1) "، " من كل حدب ينسلون ~~(2) ". # وقال امرؤ القيس: # * فسلى ثيابي من ثيابك تنسل (3) * قلت: ودلت الآية على الحرث وزراعة ~~الأرض، وغرسها بالأشجار حملا على الزرع، وطلب النسل، وهو. نماء الحيوان، ~~وبذلك يتم قوام الانسان. وهو يرد على من قال بترك الأسباب، وسيأتي بيانه في ~~هذا الكتاب إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: (والله لا يحب الفساد) قال العباس بن الفضل: الفساد هو ~~الخراب. # وقال سعيد بن المسيب: قطع الدراهم من الفساد في الأرض. وقال عطاء: إن ~~رجلا كان يقال له عطاء بن منبه أحرم في جبة فأمره النبي صلى الله عليه ms0865 وسلم ~~أن ينزعها. قال قتادة قلت لعطاء: إنا كنا نسمع أن يشقها، فقال عطاء: إن ~~الله لا يحب الفساد. # قلت: والآية بعمومها تعم كل فساد كان في أرض أو مال أو دين، وهو الصحيح ~~إن شاء الله تعالى. قيل: معنى لا يحب الفساد أي لا يحبه من أهل الصلاح، أو ~~لا يحبه دينا. # ويحتمل أن يكون المعنى لا يأمر به، والله أعلم. # قوله تعالى: وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالاثم فحسبه جهنم ولبئس ~~المهاد (206) # PageV03P018 # هذه صفة الكافر والمنافق الذاهب بنفسه زهوا، ويكره للمؤمن أن يوقعه الحرج ~~في بعض هذا. وقال عبد الله: كفى بالمرء إثما أن يقول له أخوه: اتق الله، ~~فيقول: عليك بنفسك، مثلك يوصيني (1)! والعزة: القوة والغلبة، من عزه يعزه ~~إذا غلبه. ومنه: " وعزني في الخطاب (2) " وقيل: العزة هنا الحمية، ومنه قول ~~الشاعر: أخذته عزة من جهله * فتولى مغضبا فعل الضجر وقيل: العزة هنا المنعة ~~وشدة النفس، أي اعتز في نفسه وانتحى فأوقعته تلك العزة في الاثم حين أخذته ~~وألزمته إياه. وقال قتادة: المعنى إذا قيل له مهلا ازداد إقداما على ~~المعصية، والمعنى حملته العزة على الاثم. وقيل: أخذته العزة بما يؤثمه، أي ~~ارتكب الكفر للعزة وحمية الجاهلية. ونظيره: " بل الذين كفروا في عزة وشقاق ~~(3) " وقيل: الباء في " بالاثم " بمعنى اللام، أي أخذته العزة والحمية عن ~~قبول الوعظ للإثم الذي في قلبه، وهو النفاق، ومنه قول عنترة يصف عرق ~~الناقة: # وكأن ربا أو كحيلا معقدا * حش الوقود به جوانب قمقم (4) أي حش الوقود له. ~~وقيل: الباء بمعنى مع، أي أخذته العزة مع الاثم، فمعنى الباء يختلف بحسب ~~التأويلات. وذكر أن يهوديا كانت له حاجة عند هارون الرشيد، فاختلف إلى بابه ~~سنة، فلم يقض حاجته، فوقف يوما على الباب، فلما خرج هارون سعى حتى وقف بين ~~يديه وقال: اتق الله يا أمير المؤمنين! فنزل هارون عن دابته وخر ساجدا، ~~فلما رفع رأسه أمر بحاجته فقضيت، فلما رجع قيل له: يا أمير المؤمنين، نزلت ~~عن دابتك لقول يهودي! ms0866 # قال: لا، ولكن تذكرت قول الله تعالى: " وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة ~~بالاثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد ". حسبه أي كافيه معاقبة وجزاء، كما تقول ~~للرجل: كفاك ما حل بك! # وأنت تستعظم وتعظم عليه ما حل. والمهاد جمع المهد، وهو الموضع المهيأ ~~للنوم، ومنه مهد الصبي. # PageV03P019 # وسمى جهنم مهادا لأنها مستقر الكفار. وقيل: لأنها بدل لهم من المهاد، ~~كقوله: # " فبشرهم بعذاب أليم (1) " ونظيره من الكلام قولهم: # * تحية بينهم ضرب وجيع * قوله تعالى: ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء ~~مرضات الله والله رؤوف بالعباد (207) (ابتغاء) نصب على المفعول من أجله. ~~ولما ذكر صنيع المنافقين ذكر بعده صنيع المؤمنين. قيل: نزلت في صهيب (3) ~~فإنه أقبل مهاجرا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتبعه نفر من قريش، ~~فنزل عن راحلته، وانتثل ما في كنانته (4)، وأخذ قوسه، وقال: لقد علمتم أنى ~~من أرماكم، وأيم الله لا تصلون إلى حتى أرمى بما في كنانتي، ثم أضرب بسيفي ~~ما بقى في يدي منه شئ، ثم افعلوا ما شئتم. فقالوا: لا نتركك تذهب عنا غنيا ~~وقد جئتنا صعلوكا، ولكن دلنا على مالك بمكة ونخلي عنك، وعاهدوه على ذلك ~~ففعل، فلما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم نزلت: " ومن الناس من ~~يشري نفسه ابتغاء مرضات الله " الآية، فقال له رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " ربح البيع أبا يحيى "، وتلا عليه الآية، أخرجه رزين، وقاله سعيد بن ~~المسيب رضي الله عنهما. وقال المفسرون: أخذ المشركون صهيبا فعذبوه، فقال ~~لهم صهيب: إني شيخ كبير لا يضركم أمنكم كنت أم من غيركم، فهل لكم أن تأخذوا ~~مالي وتذروني وديني؟ ففعلوا ذلك، وكان شرط عليهم راحلة ونفقة، فخرج إلى ~~المدينة فتلقاه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ورجال، فقال له أبو بكر: ربح ~~بيعك أبا يحيى. فقال له صهيب: وبيعك فلا يخسر، فما ذاك؟ فقال: أنزل الله ~~فيك كذا، وقرأ عليه الآية. وقال الحسن: أتدرون فيمن نزلت هذه الآية، نزلت ~~في المسلم لقي الكافر فقال له: قل ms0867 لا إله إلا الله، فإذا قلتها # PageV03P020 # عصمت مالك ونفسك، فأبى أن يقولها، فقال المسلم: والله لأشرين نفسي لله، ~~فتقدم فقاتل حتى قتل. وقيل: نزلت فيمن أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وعلى ~~ذلك تأولها عمر وعلي وابن عباس رضي الله عنهم، قال علي وابن عباس: اقتتل ~~الرجلان، أي قال المغير (1) للمفسد: # اتق الله، فأبى المفسد وأخذته العزة، فشرى المغير نفسه من الله وقاتله ~~فاقتتلا. وقال أبو الخليل: سمع عمر بن الخطاب إنسانا يقرأ هذه الآية، فقال ~~عمر: إنا لله وإنا إليه راجعون، قام رجل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ~~فقتل. وقيل: إن عمر سمع ابن عباس يقول: # اقتتل الرجلان عند قراءة القارئ هذه الآية، فسأله عما قال ففسر له هذا ~~التفسير، فقال له عمر، لله تلادك يا ابن عباس! وقيل: نزلت فيمن يقتحم ~~القتال. حمل هشام بن عامر على الصف في القسطنطينية فقاتل حتى قتل، فقرأ أبو ~~هريرة " ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله "، ومثله عن أبي أيوب. ~~وقيل: نزلت في شهداء غزوة الرجيع. وقال قتادة: هم المهاجرون والأنصار. ~~وقيل: نزلت في علي رضي الله عنه حين تركه النبي صلى الله عليه وسلم على ~~فراشه ليلة خرج إلى الغار، على ما يأتي بيانه في " براءة " إن شاء الله ~~تعالى. # وقيل: الآية عامة، تتناول كل مجاهد في سبيل الله، أو مستشهد في ذاته أو ~~مغير منكر. # وقد تقدم حكم من حمل على الصف (2)، ويأتي ذكر المغير للمنكر وشروطه ~~وأحكامه في " آل عمران " إن شاء الله تعالى. # و " يشري " معناه يبيع، ومنه " وشروه بثمن بخس (3) " أي باعوه، وأصله ~~الاستبدال، ومنه قوله تعالى: " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم ~~بأن لهم الجنة (4) ". ومنه قول الشاعر: # وإن كان ريب الدهر أمضاك في الأولى * شروا هذه الدنيا بجناته الخلد وقال ~~آخر: # وشريت بردا ليتني * من بعد برد كنت هامه البرد هنا اسم غلام. وقال آخر: # يعطى بها ثمنا فيمنعها * ويقول صاحبها ألا فاشر # PageV03P021 # وبيع النفس هنا هو بذلها لأوامر الله. " ابتغاء " مفعول من ms0868 أجله. ووقف ~~الكسائي على " مرضات " بالتاء، والباقون بالهاء. قال أبو على: وقف الكسائي ~~بالتاء إما على لغة من يقول: طلحت وعلقمت، ومنه قول الشاعر: # * بل جوزتيهاء كظهر الحجفت (1) * وإما أنه لما كان هذا المضاف إليه في ~~ضمن اللفظة ولا بد أثبت التاء كما ثبتت في الوصل ليعلم أن المضاف إليه ~~مراد. والمرضاة الرضا، يقال: رضى يرضى رضا ومرضاة. وحكى قوم أنه يقال: شرى ~~بمعنى اشترى، ويحتاج إلى هذا من تأول الآية في صهيب، لأنه اشترى نفسه بماله ~~ولم يبعها، اللهم إلا أن يقال: إن عرض صهيب على قتالهم بيع لنفسه من الله. # فيستقيم اللفظ على معنى باع. # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوت ~~الشيطان إنه لكم عدو مبين (208) لما بين الله سبحانه الناس إلى مؤمن وكافر ~~ومنافق فقال: كونوا على ملة واحدة، واجتمعوا على الاسلام واثبتوا عليه. ~~فالسلم هنا بمعنى الاسلام، قال مجاهد، ورواه أبو مالك عن ابن عباس. ومنه ~~قول الشاعر الكندي: # دعوت عشيرتي للسلم لما * رأيتهم تولوا مدبرينا أي إلى الاسلام لما ارتدت ~~كندة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم مع الأشعث بن قيس الكندي، ولأن ~~المؤمنين لم يؤمروا قط بالدخول في المسالمة التي هي الصلح، وإنما قيل للنبي ~~صلى الله عليه وسلم أن يجنح للسلم إذا جنحوا له، وأما أن يبتدئ بها فلا، ~~قاله الطبري. # وقيل: أمر من آمن بأفواههم أن يدخلوا فيه بقلوبهم. وقال طاوس ومجاهد: ~~ادخلوا في أمر الدين. سفيان الثوري: في أنواع البر كلها. وقرئ " السلم " ~~بكسر السين. # PageV03P022 # قال الكسائي: السلم والسلم بمعنى واحد، وكذا هو عند أكثر البصريين، وهما ~~جميعا يقعان للاسلام والمسالمة. وفرق أبو عمرو بن العلاء بينهما، فقرأها ~~هنا: " ادخلوا في السلم " وقال هو الاسلام. وقرأ التي في " الأنفال " والتي ~~في سورة " محمد " صلى الله عليه وسلم " السلم " بفتح السين، وقال: هي ~~بالفتح المسالمة. وأنكر المبرد هذه التفرقة. وقال عاصم الجحدري: السلم ~~الاسلام، والسلم الصلح، والسلم الاستسلام. وأنكر محمد بن يزيد هذه ~~التفريقات ms0869 وقال: اللغة لا تؤخذ هكذا، وإنما تؤخذ بالسماع لا بالقياس، ~~ويحتاج من فرق إلى دليل. وقد حكى البصريون: بنو فلان سلم وسلم وسلم، بمعنى ~~واحد. قال الجوهري: # والسلم الصلح، يفتح ويكسر، ويذكر ويؤنث، وأصله من الاستسلام والانقياد، ~~ولذلك قيل للصلح: سلم. قال زهير: # وقد قلتما إن ندرك السلم واسعا * بمال ومعروف من الامر نسلم ورجح الطبري ~~حمل اللفظة على معنى الاسلام بما تقدم. وقال حذيفة بن اليمان في هذه الآية: ~~الاسلام ثمانية أسهم، الصلاة سهم، والزكاة سهم، والصوم سهم، والحج سهم، ~~والعمرة سهم، والجهاد سهم، والامر بالمعروف سهم، والنهى عن المنكر سهم، وقد ~~خاب من لا سهم له في الاسلام. وقال ابن عباس: نزلت الآية في أهل الكتاب، ~~والمعنى، يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى ادخلوا في الاسلام بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم كافة. وفى صحيح مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: " والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ~~ولا نصراني ثم [يموت (1) و] لم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار ~~". و (كافة) معناه جميعا، فهو نصب على الحال من السلم أو من ضمير المؤمنين، ~~وهو مشتق من قولهم: كففت أي منعت، أي لا يمتنع منكم أحد من الدخول في ~~الاسلام. # والكف المنع، ومنه كفة القميص - بالضم - لأنها تمنع الثوب من الانتشار، ~~ومنه كفة الميزان - بالكسر - التي تجمع الموزون وتمنعه أن ينتشر، ومنه كف ~~الانسان الذي يجمع # PageV03P023 # منافعه ومضاره، وكل مستدير كفة، وكل مستطيل كفة. ورجل مكفوف البصر، أي ~~منع عن النظر، فالجماعة تسمى كافة لامتناعهم عن التفرق. # (ولا تتبعوا) نهى. # (خطوات الشيطان) مفعول، وقد تقدم (1). وقال مقاتل: استأذن عبد الله بن ~~سلام وأصحابه بأن يقرءوا التوراة في الصلاة، وأن يعملوا ببعض ما في ~~التوراة، فنزلت " ولا تتبعوا خطوات الشيطان " فإن اتباع السنة أولى بعد ما ~~بعث محمد صلى الله عليه وسلم من خطوات الشيطان. وقيل: لا تسلكوا الطريق ~~الذي يدعوكم إليه الشيطان، (إنه لكم عدو ms0870 مبين) ظاهر العداوة، وقد تقدم (2). # قوله تعالى: فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله عزيز ~~حكيم (209) (فإن زللتم) أي تنحيتم عن طريق الاستقامة. وأصل الزلل في القدم، ~~ثم يستعمل في الاعتقادات والآراء وغير ذلك، يقال: زل يزل زلا وزللا وزلولا، ~~أي دحضت قدمه. # وقرأ أبو السمال العدوى " زللتم " بكسر اللام، وهما لغتان. وأصل الحرف، ~~من الزلق، والمعنى ضللتم وعجتم عن الحق. (من بعد ما جاءتكم البينات) أي ~~المعجزات وآيات القرآن، إن كان الخطاب للمؤمنين، فإن كان الخطاب لأهل ~~الكتابين فالبينات ما ورد في شرعهم من الاعلام بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~والتعريف به. وفى الآية دليل على أن عقوبة العالم بالذنب أعظم من عقوبة ~~الجاهل به، ومن لم تبلغه دعوة الاسلام لا يكون كافرا بترك الشرائع. وحكى ~~النقاش أن كعب الأحبار لما أسلم كان يتعلم القرآن، فأقرأه الذي كان يعلمه " ~~فاعلموا أن الله غفور رحيم " فقال كعب: إني لأستنكر أن يكون هكذا، ومر بهما ~~رجل فقال كعب: كيف تقرأ هذه الآية؟ فقال الرجل: " فاعلموا أن الله عزيز ~~حكيم " فقال كعب: هكذا ينبغي. # و (عزيز) لا يمتنع عليه ما يريده. (حكيم) فيما يفعله. # PageV03P024 # قوله تعالى: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة ~~وقضى الامر وإلى الله ترجع الأمور (210) (هل ينظرون) يعنى التاركين الدخول ~~في السلم (1)، و " هل " يراد به هنا الجحد، أي ما ينتظرون: (إلا أن يأتيهم ~~الله في ظلل من الغمام والملائكة). نظرته وانتظرته بمعنى. # والنظر الانتظار. وقرأ قتادة وأبو جعفر يزيد بن القعقاع والضحاك " في ~~ظلال من الغمام ". # وقرأ أبو جعفر " والملائكة " بالخفض عطفا على الغمام، وتقديره مع ~~الملائكة، تقول العرب: أقبل الأمير في العسكر، أي مع العسكر. " ظلل " جمع ~~ظلة في التكسير، كظلمة وظلم وفى التسليم ظللات، وأنشد سيبويه: # إذا الوحش ضم الوحش في ظللاتها * سواقط من حر وقد كان أظهرا (2) وظلات ~~وظلال، جمع ظل في الكثير، والقليل أظلال. ويجوز أن يكون ظلال جمع ظلة، مثل ~~قوله: قلة وقلال، كما قال ms0871 الشاعر: # * ممزوجة بماء القلال (3) * قال الأخفش سعيد: و " الملائكة " بالخفض ~~بمعنى وفى الملائكة. قال: والرفع أجود، كما قال: # " هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة (4) "، " وجاء ربك والملك صفا صفا ~~(5) ". قال الفراء: وفى قراءة عبد الله " هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله ~~والملائكة في ظلل من الغمام ". # قال قتادة: الملائكة يعنى تأتيهم لقبض أرواحهم، ويقال يوم القيامة، وهو ~~أظهر. قال أبو العالية والربيع: تأتيهم الملائكة في ظلل من الغمام، ويأتيهم ~~الله فيما شاء. وقال الزجاج: # التقدير في ظلل من الغمام ومن الملائكة. وقيل: ليس الكلام على ظاهره في ~~حقه سبحانه، وإنما المعنى يأتيهم أمر الله وحكمه. وقيل: أي بما وعدهم من ~~الحساب والعذاب في ظلل، مثل: " فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا (6) " أي ~~بخذلانه إياهم، هذا قول الزجاج، والأول قول الأخفش سعيد. وقد يحتمل أن يكون ~~معنى الاتيان راجعا إلى الجزاء، فسمى # PageV03P025 # الجزاء إتيانا كما سمى التخويف والتعذيب في قصة نمروذ إتيانا فقال: " ~~فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم (1) ". وقال في قصة ~~النضير: " فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب "، وقال: " ~~وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها (2) ". # وإنما احتمل الاتيان هذه المعاني لان أصل الاتيان عند أهل اللغة هو القصد ~~إلى الشئ، فمعنى الآية: هل ينظرون إلا أن يظهر الله تعالى فعلا من الافعال ~~مع خلق من خلقه يقصد إلى مجازاتهم ويقضى في أمرهم ما هو قاض، وكما أنه ~~سبحانه أحدث فعلا سماه نزولا واستواء كذلك يحدث فعلا يسميه إتيانا، وأفعاله ~~بلا آلة ولا علة، سبحانه! وقال ابن عباس في رواية أبى صالح: هذا من المكتوم ~~الذي لا يفسر. وقد سكت بعضهم عن تأويلها، وتأولها بعضهم كما ذكرنا. وقيل: ~~الفاء بمعنى الباء، أي يأتيهم بظلل، ومنه الحديث: " يأتيهم الله في صورة " ~~أي بصورة امتحانا لهم. ولا يجوز أن يحمل هذا وما أشبهه مما جاء في القرآن ~~والخبر على وجه الانتقال والحركة والزوال، لان ذلك من صفات الأجرام ~~والأجسام، تعالى الله الكبير المتعال، ms0872 ذو الجلال والاكرام عن مماثلة ~~الأجسام علوا كبيرا. والغمام: # السحاب الرقيق الأبيض، سمى بذلك لأنه يغم، أي يستر، كما تقدم (3). وقرأ ~~معاذ بن جبل " وقضاء الامر ". وقرأ يحيى بن يعمر " وقضى الأمور " بالجمع. ~~والجمهور " وقضى الامر " فالمعنى وقع الجزاء وعذب أهل العصيان. وقرأ ابن ~~عامر وحمزة والكسائي " ترجع الأمور " على بناء الفعل للفاعل، وهو الأصل، ~~دليله " ألا إلى الله تصير الأمور (4) "، " إلى الله مرجعكم (5) ". وقرأ ~~الباقون " ترجع " على بنائه للمفعول، وهي أيضا قراءة حسنة، دليله " ثم ~~تردون (6) "، " ثم ردوا إلى الله (7) "، " ولئن رددت إلى ربى (8) " ~~والقراءتان حسنتان بمعنى، والأصل الأولى، وبناؤه للمفعول توسع وفرع، ~~والأمور كلها راجعة إلى الله قبل وبعد. وإنما نبه بذكر ذلك في يوم القيامة ~~على زوال ما كان منها إلى الملوك في الدنيا # PageV03P026 # قوله تعالى: سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة ومن يبدل نعمة الله ~~من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب (211) قوله تعالى: (سل بني إسرائيل ~~كم آتيناهم من آية بينة) " سل " من السؤال: # بتخفيف الهمزة، فلما تحركت السين لم يحتج إلى ألف الوصل. وقيل: إن للعرب ~~في سقوط ألف الوصل في " سل " وثبوتها في " واسأل " وجهين: أحدهما - حذفها ~~في إحداهما وثبوتها في الأخرى، وجاء القرآن بهما، فاتبع خط المصحف في ~~إثباته للهمزة وإسقاطها. # والوجه الثاني - أنه يختلف إثباتها وإسقاطها باختلاف الكلام المستعمل ~~فيه، فتحذف الهمزة في الكلام المبتدأ، مثل قوله: " سل بني إسرائيل "، ~~وقوله: " سلهم أيهم بذلك زعيم (1) ". وثبت في العطف، مثل قول: " واسئل ~~القرية (2) "، " واسئلوا الله من فضله (3) " قاله على بن عيسى. وقرأ أبو ~~عمرو في رواية ابن عباس عنه " اسأل " على الأصل. وقرأ قوم " اسل " على نقل ~~الحركة إلى السين وإبقاء ألف الوصل، على لغة من قال: الأحمر. # و " كم " في موضع نصب، لأنها مفعول ثان لآتيناهم. وقيل: بفعل مضمر، ~~تقديره كم آتينا آتيناهم. ولا يجوز أن يتقدمها الفعل لان لها صدر الكلام. " ~~من آية " في موضع نصب على التمييز على التقدير الأول، وعلى الثاني مفعول ~~ثان لآتيناهم، ويجوز ms0873 أن تكون في موضع رفع بالابتداء، والخبر في آتيناهم، ~~ويصير فيه عائد على كم، تقديره: كم آتيناهموه، ولم يعرب وهي اسم لأنها ~~بمنزلة الحروف لما وقع فيه معنى الاستفهام، وإذا فرقت بين كم وبين الاسم ~~كان الاختيار أن تأتى بمن كما في هذه الآية، فإن حذفتها نصبت في الاستفهام ~~والخبر، ويجوز الخفض في الخبر كما قال الشاعر: # كم بجود مقرف (4) نال العلا * وكريم بخله قد وضعه # PageV03P027 # والمراد بالآية كم جاءهم في أمر محمد عليه السلام من آية معرفة به دالة ~~عليه. قال مجاهد والحسن وغيرهما: يعنى الآيات التي جاء بها موسى عليه ~~السلام من فلق البحر والظلل من الغمام والعصا واليد وغير ذلك. وأمر الله ~~تعالى نبيه بسؤالهم على جهة التقريع لهم والتوبيخ. # قوله تعالى: (ومن يبدل نعمة الله من بعد جاءته) لفظ عام لجميع العامة، ~~وإن كان المشار إليه بني إسرائيل، لكونهم بدلوا ما في كتبهم وجحدوا أمر ~~محمد صلى الله عليه وسلم، فاللفظ (1) منسحب على كل مبدل نعمة الله تعالى. ~~وقال الطبري: النعمة هنا الاسلام، وهذا قريب من الأول. ويدخل في اللفظ أيضا ~~كفار قريش، فإن بعث محمد صلى الله عليه وسلم فيهم نعمة عليهم، فبدلوا ~~قبولها والشكر عليها كفرا. # قوله تعالى: (فإن الله شديد العقاب) خبر يتضمن الوعيد. والعقاب مأخوذ من ~~العقب، كأن المعاقب يمشى بالمجازاة له في آثار عقبه، ومنه عقبة (2) الراكب ~~وعقبة القدر (3). # فالعقاب والعقوبة يكونان بعقب الذنب، وقد عاقبه بذنبه. # قوله تعالى: زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا ~~والذين اتقوا فوقهم يوم القيمة والله يرزق من يشاء بغير حساب (212) قوله ~~تعالى: (زين للذين كفروا الحياة الدنيا) على ما لم يسم فاعله. والمراد ~~رؤساء قريش. وقرأ مجاهد وحميد بن قيس على بناء الفاعل. قال النحاس: وهي ~~قراءة شاذة، لأنه لم يتقد للفاعل ذكر. وقرأ ابن أبي عبلة " زينت " بإظهار ~~العلامة، وجاز ذلك لكون التأنيث غير حقيقي، والمزين هو خالقها ومخترعها ~~وخالق الكفر، ويزينها أيضا الشيطان بوسوسته وإغوائه. وخص الذين كفروا ~~بالذكر لقبولهم ms0874 التزيين جملة، وإقبالهم على الدنيا وإعراضهم عن الآخرة ~~بسببها. وقد جعل الله ما على الأرض زينة لها ليبلو الخلق أيهم أحسن عملا، # PageV03P028 # فالمؤمنون الذين هم على سنن الشرع لم تفتنهم الزينة، والكفار تملكتهم ~~لأنهم لا يعتقدون غيرها. وقد قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه حين قدم عليه ~~بالمال: اللهم إنا لا نستطيع إلا أن نفرح بما زينت لنا. # قوله تعالى: (ويسخرون من الذين آمنوا) إشارة إلى كفار قريش، فإنهم كانوا ~~يعظمون حالهم من الدنيا ويغتبطون بها، ويسخرون من أتباع محمد صلى الله عليه ~~وسلم. # قال ابن جريج: في طلبهم الآخرة. وقيل: لفقرهم وإقلالهم، كبلال وصهيب وابن ~~مسعود وغيرهم، رضي الله عنهم، فنبه سبحانه على خفض منزلتهم لقبيح فعلهم ~~بقوله: (والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة). وروى على أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: " من استذل مؤمنا أو مؤمنة أو حقره لفقره وقلة ذات يده شهره الله ~~يوم القيامة ثم فضحه ومن بهت مؤمنا أو مؤمنة أو قال فيه ما ليس فيه أقامه ~~الله تعالى على تل من نار يوم القيامة حتى يخرج مما قال فيه وإن عظم المؤمن ~~أعظم عند الله وأكرم عليه من ملك مقرب وليس شئ أحب إلى الله من مؤمن تائب ~~أو مؤمنة تائبة وإن الرجل المؤمن يعرف في السماء كما يعرف الرجل أهله وولده ~~". ثم قيل: معنى " والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة " أي في الدرجة، لأنهم ~~في الجنة والكفار في النار. ويحتمل أن يراد بالفوق المكان، من حيث إن الجنة ~~في السماء، والنار في أسفل السافلين. ويحتمل أن يكون التفضيل على ما يتضمنه ~~زعم الكفار، فإنهم يقولون: وإن كان معاد فلنا فيه الحظ أكثر مما لكم، ومنه ~~حديث خباب (1) مع العاص بن وائل، قال خباب: كان لي على العاص بن وائل دين ~~فأتيته أتقاضاه، فقال لي: # لن أقضيك حتى تكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم. قال فقلت له: إني لن أكفر ~~به حتى تموت ثم تبعث. قال: وإني لمبعوث من بعد الموت؟! فسوف أقضيك إذا ms0875 رجعت ~~إلى مال وولد، الحديث. وسيأتي بتمامه إن شاء الله تعالى. # (2) ويقال: سخرت منه وسخرت به، وضحكت منه وضحكت به، وهزئت منه وبه، كل ~~ذلك يقال، حكاه الأخفش. والاسم # PageV03P029 # السخرية والسخرى والسخرى، وقرئ بهما قوله تعالى: " ليتخذ بعضهم بعضا ~~سخريا (1) " وقوله: # " فاتخذتموهم سخريا (2) ". ورجل سخرة. يسخر منه، وسخرة - بفتح الخاء - ~~يسخر من الناس. # وفلان سخرة يتسخر في العمل، يقال: خادمه سخرة، وسخره تسخيرا كلفه عملا ~~بلا أجرة. # قوله تعالى: (والله يرزق من يشاء بغير حساب) قال الضحاك: يعنى من غير ~~تبعة في الآخرة. وقيل: هو إشارة إلى هؤلاء المستضعفين، أي يرزقهم علو ~~المنزلة، فالآية تنبيه على عظيم النعمة عليهم. وجعل رزقهم بغير حساب من حيث ~~هو دائم لا يتناهى، فهو لا ينفد. وقيل. إن قوله " بغير حساب " صفة لرزق ~~الله تعالى كيف يصرف، إذ هو جلت قدرته لا ينفق بعد، ففضله كله بغير حساب، ~~والذي بحساب ما كان على عمل قدمه العبد، قال الله تعالى: " جزاء من ربك ~~عطاء حسابا (3) ". والله أعلم. ويحتمل أن يكون المعنى بغير احتساب من ~~المرزوقين، كما قال: " ويرزقه من حيث لا يحتسب (4) ". # قوله تعالى: كان الناس أمة وحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل ~~معهم الكتب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا ~~الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين ء امنوا ~~لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدى من يشاء إلى صرط مستقيم (213) ~~قوله تعالى: (كان الناس أمة واحدة) أي على دين واحد. قال أبي بن كعب، وابن ~~زيد: المراد بالناس بنو آدم حين أخرجهم الله نسما من ظهر آدم فأقروا له ~~بالوحدانية. # قال مجاهد: الناس آدم وحده، وسمى الواحد بلفظ الجمع لأنه أصل النسل. ~~وقيل: آدم وحواء. وقال ابن عباس وقتادة: المراد بالناس القرون التي كانت ~~بين آدم ونوح، وهي عشرة كانوا على الحق حتى اختلفوا فبعث الله نوحا فمن ~~بعده. وقال ابن أبي خيثمة: منذ خلق الله # PageV03P030 # آدم عليه السلام إلى أن ms0876 بعث محمدا صلى الله عليه وسلم خمسة آلاف سنة ~~وثمانمائة سنة. وقيل: # أكثر من ذلك، وكان بينه وبين نوح ألف سنة ومائتا سنة. وعاش آدم تسعمائة ~~وستين سنة، وكان الناس في زمانه أهل ملة واحدة، متمسكين بالدين، تصافحهم ~~الملائكة، وداموا على ذلك إلى أن رفع إدريس عليه السلام فاختلفوا. وهذا فيه ~~نظر، لان إدريس بعد نوح على الصحيح. وقال قوم منهم الكلبي والواقدي: المراد ~~نوح ومن في السفينة، وكانوا مسلمين ثم بعد وفاة نوح اختلفوا. وقال ابن عباس ~~أيضا: كانوا أمة واحدة على الكفر، يريد في مدة نوح حين بعثه الله. وعنه ~~أيضا: كان الناس على عهد إبراهيم عليه السلام أمة واحدة، كلهم كفار، وولد ~~إبراهيم في جاهلية، فبعث الله تعالى إبراهيم وغيره من النبيين. # ف‍ " كان " على هذه الأقوال على بابها من المضي المنقضي. وكل من قدر ~~الناس في الآية مؤمنين قدر في الكلام فاختلفوا فبعث، ودل على هذا الحذف: " ~~وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه " أي كان الناس على دين الحق فاختلفوا فبعث ~~الله النبيين، مبشرين من أطاع ومنذرين من عصى. وكل من قدرهم كفارا كانت ~~بعثة النبيين إليهم. ويحتمل أن تكون " كان " للثبوت، والمراد الاخبار عن ~~الناس الذين هم الجنس كله أنهم أمة واحدة في خلوهم عن الشرائع، وجهلهم ~~بالحقائق، لولا من الله عليهم، وتفضله بالرسل إليهم. فلا يختص " كان " على ~~هذا التأويل بالمضي فقط، بل معناه معنى قوله: " وكان الله غفورا رحيما (1) ~~". # و " أمة " مأخوذة من قولهم: أممت كذا، أي قصدته، فمعنى " أمة " مقصدهم ~~واحد، ويقال للواحد: أمة، أي مقصده غير مقصد الناس، ومنه قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم في قس بن ساعدة: " يحشر يوم القيامة أمة وحده ". وكذلك قال ~~في زيد بن عمر وبن نفيل. # والأمة القامة، كأنها مقصد سائر البدن. والأمة (بالكسر): النعمة، لان ~~الناس يقصدون قصدها. وقيل: إمام، لان الناس يقصدون قصد ما يفعل، عن النحاس. ~~وقرأ أبي بن كعب: # " كان البشر أمة واحدة " وقرأ ابن مسعود " كان الناس أمة واحدة فاختلفوا ms0877 ~~فبعث ". # قوله تعالى: (فبعث الله النبيين) وجملتهم مائة وأربعة وعشرون ألفا، ~~والرسل منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر، والمذكورون في القرآن بالاسم العلم ~~ثمانية عشر، وأول الرسل آدم، على # PageV03P031 # ما جاء في حديث أبي ذر، أخرجه الآجري وأبو حاتم البستي. وقيل: نوح، لحديث ~~الشفاعة، فإن الناس يقولون له: أنت أول الرسل. وقيل: إدريس، وسيأتي بيان ~~هذا في " الأعراف " إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: (مبشرين ومنذرين) نصب على الحال. (وأنزل معهم الكتاب) اسم ~~جنس بمعنى الكتب. وقال الطبري: الألف واللام في الكتاب للعهد، والمراد ~~التوراة. # و (ليحكم) مسند إلى الكتاب في قول الجمهور، وهو نصب بإضمار أن، أي لان ~~يحكم، وهو مجاز مثل " هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق (2) ". وقيل: أي ليحكم ~~كل نبي بكتابه، وإذا حكم بالكتاب فكأنما حكم الكتاب. وقراءة عاصم الجحدري " ~~ليحكم بين الناس " على ما لم يسم فاعله، وهي قراءة شاذة، لأنه قد تقدم ذكر ~~الكتاب. وقيل: المعنى ليحكم الله، والضمير في " فيه " عائد على " ما " من ~~قوله: " فيما " والضمير في " فيه " الثانية يحتمل أن يعود على الكتاب، أي ~~وما اختلف في الكتاب إلا الذين أوتوه. موضع " الذين " رفع بفعلهم. و " أتوه ~~" بمعنى أعطوه. وقيل: يعود على المنزل عليه، وهو محمد صلى الله عليه وسلم، ~~قاله الزجاج. أي وما اختلف في النبي عليه السلام إلا الذين أعطوا علمه. ~~(بغيا بينهم) نصب على المفعول له، أي لم يختلفوا إلا للبغي، وقد تقدم (3) ~~معناه. # وفى هذا تنبيه على السفه (4) في فعلهم، والقبح الذي واقعوه. و " هدى " ~~معناه أرشد، أي فهدى الله أمة محمد إلى الحق بأن بين لهم ما اختلف فيه من ~~كان قبلهم. وقالت طائفة: معنى الآية أن الأمم كذب بعضهم كتاب بعض، فهدى ~~الله تعالى أمة محمد للتصديق بجميعها. # وقالت طائفة: إن الله هدى المؤمنين للحق فيما اختلف فيه أهل الكتابين، من ~~قولهم: إن إبراهيم كان يهوديا أو نصرانيا. وقال ابن زيد وزيد بن أسلم: من ~~قبلتهم، فإن اليهود إلى بيت المقدس، والنصارى إلى المشرق، ومن يوم الجمعة ~~فإن ms0878 النبي صلى الله عليه وسلم قال: " هذا اليوم الذي اختلفوا فيه فهدانا ~~الله له فلليهود غد وللنصارى بعد غد " ومن صيامهم، ومن جميع ما اختلفوا ~~فيه. وقال ابن زيد: # PageV03P032 # واختلفوا في عيسى فجعلته اليهود لفرية، وجعلته النصارى ربا، فهدى الله ~~المؤمنين بأن جعلوه عبد الله. وقال الفراء: هو من المقلوب - واختاره الطبري ~~- قال: وتقديره فهدى الله الذين آمنوا للحق لما (1) اختلفوا فيه. قال ابن ~~عطية: ودعاه إلى هذا التقدير خوف أن يحتمل اللفظ أنهم اختلفوا في الحق فهدى ~~الله المؤمنين لبعض ما اختلفوا فيه، وعساه غير الحق في نفسه، نحا إلى هذا ~~الطبري في حكايته عن الفراء، وادعاء القلب على لفظ كتاب الله دون ضرورة ~~تدفع إلى ذلك عجز وسوء نظر، وذلك أن الكلام يتخرج على وجهه ووصفه، لان ~~قوله: " فهدى " يقتضى أنهم أصابوا الحق، وتم المعنى في قوله: " فيه " وتبين ~~بقوله: # " من الحق " جنس ما وقع الخلاف فيه، قال المهدوي: وقدم لفظ الاختلاف على ~~لفظ الحق اهتماما، إذ العناية إنما هي بذكر الاختلاف. قال ابن عطية: وليس ~~هذا عندي بقوي. وفى قراءة عبد الله بن مسعود " لما اختلفوا عنه من الحق " ~~أي عن الاسلام. # و (بإذنه) قال الزجاج: معناه بعلمه. قال النحاس: وهذا غلط، والمعنى ~~بأمره، وإذا أذنت في الشئ فقد أمرت به، أي فهدى الله الذين آمنوا بأن أمرهم ~~بما يجب أن يستعملوه. قوله تعالى: (والله يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم) رد ~~على المعتزلة في قولهم: # إن العبد يستبد بهداية نفسه. # قوله تعالى: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من ~~قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى ~~نصر الله ألا إن نصر الله قريب (214) قوله تعالى: (أم حسبتم أن تدخلوا ~~الجنة) " حسبتم " معناه ظننتم. قال قتادة والسدي وأكثر المفسرين: نزلت هذه ~~الآية في غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد والشدة، والحر ~~والبرد، وسوء العيش، وأنواع الشدائد، وكان كما قال الله تعالى: " وبلغت ~~القلوب الحناجر (2) ". وقيل: ms0879 نزلت في حرب أحد، نظيرها - في آل عمران - " أم ~~حسبتم أن # PageV03P033 # تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم (1) ". وقالت فرقة: نزلت ~~الآية تسلية للمهاجرين حين تركوا ديارهم وأموالهم بأيدي المشركين، وآثروا ~~رضا الله ورسوله، وأظهرت اليهود العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وأسر قوم من الأغنياء النفاق، فأنزل الله تعالى تطييبا لقلوبهم " أم حسبتم ~~". و " أم " هنا منقطعة، بمعنى بل، وحكى بعض اللغويين أنها قد تجئ بمثابة ~~ألف الاستفهام ليبتدأ بها، و " حسبتم " تطلب مفعولين، فقال النحاة: # " أن تدخلوا " تسد مسد المفعولين. وقيل: المفعول الثاني محذوف (2): ~~أحسبتم دخولكم الجنة واقعا. و " لما " بمعنى لم. و " مثل " معناه شبه، أي ~~ولم تمتحنوا بمثل ما امتحن به من كان قبلكم فتصبروا كما صبروا. وحكى النضر ~~بن شميل أن " مثل " يكون بمعنى صفة، ويجوز أن يكون المعنى: ولما يصبكم مثل ~~الذي أصاب الذين من قبلكم، أي من البلاء. قال وهب: وجد فيما بين مكة ~~والطائف سبعون نبيا موتى، كان سبب موتهم الجوع والقمل، ونظير هذه الآية " ~~ألم. أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون. ولقد فتنا الذين ~~من قبلهم (4) " على ما يأتي، فاستدعاهم تعالى إلى الصبر، ووعدهم على ذلك ~~بالنصر فقال: (ألا إن نصر الله قريب). والزلزلة: شدة التحريك، تكون في ~~الأشخاص وفى الأحوال، يقال: زلزل الله الأرض زلزلة وزلزالا - بالكسر - ~~فتزلزلت إذا تحركت واضطربت، فمعنى " زلزلوا " خوفوا وحركوا. والزلزال - ~~بالفتح - الاسم. والزلازل: الشدائد. وقال الزجاج: أصل الزلزلة من زل الشئ ~~عن مكانه، فإذا قلت: زلزلته فمعناه كررت زلله من مكانه. ومذهب سيبويه أن ~~زلزل رباعي كدحرج. وقرأ نافع " حتى يقول " بالرفع، والباقون بالنصب. ومذهب ~~سيبويه في " حتى " أن النصب فيما بعدها من جهتين والرفع من جهتين، تقول: ~~سرت حتى أدخل المدينة - بالنصب - على أن السير والدخول جميعا قد مضيا، أي ~~سرت إلى أن أدخلها، وهذه غاية، وعليه قراءة من قرأ بالنصب. والوجه الآخر في ~~النصب في غير الآية # PageV03P034 # سرت حتى أدخلها، أي كي أدخلها. والوجهان في الرفع ms0880 سرت حتى أدخلها، أي سرت ~~فأدخلها، وقد مضيا جميعا، أي كنت سرت فدخلت. ولا تعمل حتى ها هنا بإضمار ~~أن، لان بعدها جملة، كما قال الفرزدق: # * فيا عجبا حتى كليب تسبني (1) * قال النحاس: فعلى هذا القراءة بالرفع ~~أبين وأصح معنى، أي وزلزلوا حتى الرسول يقول، أي حتى هذه حاله، لان القول ~~إنما كان عن الزلزلة غير منقطع منها، والنصب على الغاية ليس فيه هذا ~~المعنى. والرسول هنا شعيا في قول مقاتل، وهو اليسع. وقال الكلبي: # هذا في كل رسول بعث إلى أمته وأجهد في ذلك حتى قال: متى نصر الله؟. وروى ~~عن الضحاك قال: يعنى، محمدا صلى الله عليه وسلم، وعليه يدل نزول الآية، ~~والله أعلم. والوجه الآخر في غير الآية سرت حتى أدخلها، على أن يكون السير ~~قد مضى والدخول الآن. وحكى سيبويه: مرض حتى لا يرجونه، أي هو الآن لا يرجى، ~~ومثله سرت حتى أدخلها لا أمنع. # وبالرفع قرأ مجاهد والأعرج وابن محيصن وشيبة. وبالنصب قرأ الحسن وأبو ~~جعفر وابن أبي إسحاق وشبل وغيرهم. قال مكي: وهو الاختيار، لان جماعة القراء ~~عليه. وقرأ الأعمش " وزلزلوا ويقول الرسول " بالواو بدل حتى. وفى مصحف ابن ~~مسعود " وزلزلوا ثم زلزلوا ويقول ". وأكثر المتأولين على أن الكلام إلى آخر ~~الآية من قول الرسول والمؤمنين، أي بلغ الجهد بهم حتى استبطأوا النصر، فقال ~~الله تعالى: " ألا إن نصر الله قريب ". ويكون ذلك من قول الرسول على طلب ~~استعجال النصر لا على شك وارتياب. والرسول اسم جنس. # وقالت طائفة: في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: حتى يقول الذين آمنوا ~~متى نصر الله، فيقول الرسول: ألا إن نصر الله قريب، فقدم الرسول في الرتبة ~~لمكانته، ثم قدم قول المؤمنين # PageV03P035 # لأنه المتقدم في الزمان. قال ابن عطية: وهذا تحكم، وحمل الكلام على وجهه ~~غير متعذر. # ويحتمل أن يكون " ألا إن نصر الله قريب " إخبارا من الله تعالى مؤتنفا ~~بعد تمام ذكر القول. # قوله تعالى: (متى نصر الله) رفع بالابتداء على قول سيبويه، وعلى قول أبى ~~العباس رفع ms0881 بفعل، أي متى يقع نصر الله. و " قريب " خبر " إن ". قال النحاس: ~~ويجوز في غير القرآن " قريبا " أي مكانا قريبا. و " قريب " لا تثنيه العرب ~~ولا تجمعه ولا تؤنثه في هذا المعنى، قال الله عزو جل: " إن رحمة الله قريب ~~من المحسنين (1) ". وقال الشاعر (2): # له الويل إن أمسى ولا أم هاشم * قريب ولا بسباسة بنة يشكرا فإن قلت: فلان ~~قريب لي ثنيت وجمعت، فقلت: قريبون وأقرباء وقرباء. # قوله تعالى: يسئلونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين ~~والأقربين واليتامى والمسكين وابن السبيل وما تفعلوا من خير فإن الله به ~~عليم (215) فيه أربع مسائل: الأولى - قوله تعالى: (يسئلونك) إن خففت الهمزة ~~ألقيت حركتها على السين ففتحتها وحذفت الهمزة فقلت: يسئلونك. ونزلت الآية ~~في عمرو بن الجموح، وكان شيخا كبيرا فقال: يا رسول الله، إن مالي كثير، ~~فبماذا أتصدق، وعلى من أنفق؟ فنزلت " يسئلونك ماذا ينفقون ". # الثانية - قوله تعالى: (ماذا ينفقون) " ما " في موضع رفع بالابتداء، و " ~~ذا " الخبر، وهو بمعنى الذي، وحذفت الهاء لطول الاسم، أي ما الذي ينفقونه، ~~وإن شئت كانت " ما " في موضع نصب ب‍ " ينفقون " و " ذا " مع " ما " بمنزلة ~~شئ واحد ولا يحتاج إلى ضمير، ومتى كانت اسما مركبا فهي في موضع نصب، إلا ما ~~جاء في قول الشاعر: # PageV03P036 # وماذا عسى الواشون أن يتحدثوا * سوى أن يقولوا إنني لك عاشق فإن " عسى " ~~لا تعمل فيه، ف‍ " لماذا " في موضع رفع وهو مركب، إذ لا صلة ل‍ " ذا ". # الثالثة - قيل: إن السائلين هم المؤمنون، والمعنى يسألونك ما هي الوجوه ~~التي ينفقون فيها، وأين يضعون ما لزم إنفاقه. قال السدى: نزلت هذه الآية ~~قبل فرض الزكاة ثم نسختها الزكاة المفروضة. قال ابن عطية: ووهم المهدوي على ~~السدى في هذا، فنسب إليه أنه قال: إن الآية في الزكاة المفروضة ثم نسخ منها ~~الوالدان. وقال ابن جريج وغيره: # هي ندب، والزكاة غير هذا الانفاق، فعلى هذا لا نسخ فيها، وهي مبينة ~~لمصارف صدقة التطوع، فواجب على الرجل الغنى أن ينفق ms0882 على أبويه المحتاجين ما ~~يصلحهما في قدر حالهما من حاله، من طعام وكسوة وغير ذلك. قال مالك، ليس ~~عليه أن يزوج أباه، وعليه أن ينفق على امرأة أبيه، كانت أمه أو أجنبية، ~~وإنما قال مالك: ليس عليه أن يزوج أباه لأنه رآه يستغنى عن التزويج غالبا، ~~ولو احتاج حاجة ماسة لوجب أن يزوجه، ولولا ذلك لم يوجب عليه أن ينفق ~~عليهما. فأما ما يتعلق بالعبادات من الأموال فليس عليه أن يعطيه ما يحج به ~~أو يغزو، وعليه أن يخرج عنه صدقة الفطر، لأنها مستحقة بالنفقة والاسلام. # " الرابعة - قوله تعالى: (قل ما أنفقتم) " ما " في موضع نصب ب‍ " أنفقتم ~~" وكذا " وما تنفقوا " وهو شرط والجواب " فللوالدين "، وكذا " وما تفعلوا ~~من خير " شرط، وجوابه " فإن الله به عليم " وقد مضى القول في اليتيم ~~والمسكين (1) وابن السبيل. ونظير هذه الآية قوله تعالى: " فلت ذا القربى ~~حقه والمسكين وابن السبيل (2) ". وقرأ علي بن أبي طالب " يفعلوا " بالياء ~~على ذكر الغائب، وظاهر الآية الخبر، وهي تتضمن الوعد بالمجازاة. # قوله تعالى: كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير ~~لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون (216) # PageV03P037 # فيه ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (كتب) معناه فرض، وقد تقدم (1) مثله. وقرأ قوم " ~~كتب عليكم القتل "، وقال الشاعر (2): # كتب القتل والقتال علينا * وعلى الغانيات جر الذيول هذا هو فرض الجهاد، ~~بين سبحانه أن هذا مما امتحنوا به وجعل وصلة إلى الجنة. والمراد بالقتال ~~قتال الأعداء من الكفار، وهذا كان معلوما لهم بقرائن الأحوال، ولم يؤذن ~~للنبي صلى الله عليه وسلم في القتال مدة إقامته بمكة، فلما هاجر أذن له في ~~قتال من يقاتله من المشركين فقال تعالى: " أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا ~~(3) " ثم أذن له في قتال المشركين عامة. واختلفوا من المراد بهذه الآية، ~~فقيل: أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، فكان القتال مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم فرض عين عليهم، فلما استقر الشرع صار على الكفاية، ms0883 قال عطاء ~~والأوزاعي. # قال ا بن جريج: قلت لعطاء: أواجب الغزو على الناس في هذه الآية؟ فقال: ~~لا، إنما كتب على أولئك. وقال الجمهور من الأمة: أول فرضه إنما كان على ~~الكفاية دون تعيين، غير أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا استنفرهم تعين ~~عليهم النفير لوجوب طاعته. وقال سعيد بن المسيب: إن الجهاد فرض على كل مسلم ~~في عينه أبدا، حكاه الماوردي. قال ابن عطية: # والذي استمر عليه الاجماع أن الجهاد على كل أمة محمد صلى الله عليه وسلم ~~فرض كفاية، فإذا قام به من قام من المسلمين سقط عن الباقين، إلا أن ينزل ~~العدو بساحة الاسلام فهو حينئذ فرض عين، وسيأتي هذا مبينا في سورة " براءة ~~(4) " إن شاء الله تعالى. وذكر المهدوي وغيره عن الثوري أنه قال: الجهاد ~~تطوع. قال ابن عطية: وهذه العبارة عندي إنما هي على سؤال سائل وقد قيم ~~بالجهاد، فقيل له: ذلك تطوع. # الثانية - قوله تعالى: (وهو كره لكم) ابتداء وخبر، وهو كره في الطباع. ~~قال ابن عرفة: الكره المشقة، والكره - بالفتح - ما أكرهت عليه، هذا هو ~~الاختيار، # PageV03P038 # ويجوز الضم في معنى الفتح فيكونان لغتين، يقال: كرهت الشئ كرها وكرها ~~وكراهة وكراهية، وأكرهته عليه إكراها. وإنما كان الجهاد كرها لان فيه إخراج ~~المال ومفارقة الوطن والأهل، والتعرض بالجسد للشجاج والجراح وقطع الأطراف ~~وذهاب النفس، فكانت كراهيتهم لذلك، لا أنهم كرهوا فرض الله تعالى. وقال ~~عكرمة في هذه الآية: إنهم كرهوه ثم أحبوه وقالوا: # سمعنا وأطعنا، وهذا لان امتثال الامر يتضمن مشقة، لكن إذا عرف الثواب هان ~~في جنبه مقاساة المشقات. # قلت: ومثاله في الدنيا إزالة ما يؤلم الانسان ويخاف منه كقطع عضو وقلع ~~ضرس وفصد وحجامة ابتغاء العافية ودوام الصحة، ولا نعيم أفضل من الحياة ~~الدائمة في دار الخلد والكرامة في مقعد صدق. # الثالثة - قوله تعالى: (وعسى أن تكرهوا شيئا) قيل: " عسى " بمعنى قد، ~~قاله الأصم. # وقيل: هي واجبة. و " عسى " من الله واجبة في جميع القرآن إلا قوله تعالى: ~~" عسى ربه إن ms0884 طلقكن أن يبدله (1) ". وقال أبو عبيدة: " عسى " من الله ~~إيجاب، والمعنى عسى أن تكرهوا ما في الجهاد من المشقة وهو خير لكم في أنكم ~~تغلبون وتظفرون وتغنمون وتؤجرون، ومن مات مات شهيدا، وعسى أن تحبوا الدعة ~~وترك القتال وهو شر لكم في أنكم تغلبون وتذلون ويذهب أمركم. # قلت: وهذا صحيح لا غبار عليه، كما اتفق في بلاد الأندلس، تركوا الجهاد ~~وجبنوا عن القتال وأكثروا من الفرار، فاستولى العدو على البلاد، وأي بلاد؟! ~~وأسر وقتل وسبى واسترق، فإنا لله وإنا إليه راجعون! ذلك بما قدمت أيدينا ~~وكسبته! وقال الحسن في معنى الآية: لا تكرهوا الملمات الواقعة، فلرب أمر ~~تكرهه فيه نجاتك، ولرب أمر تحبه فيه عطبك، وأنشد أبو سعيد الضرير: # رب أمر تتقيه * جر أمرا ترتضيه خفى المحبوب منه * وبدا المكروه فيه # PageV03P039 # قوله تعالى: يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن ~~سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة ~~أكبر من القتل ولا يزالون يقتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن ~~يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعملهم في الدنيا والآخرة ~~وأولئك أصحب النار هم فيها خالدون (217) إن الذين ء امنوا والذين هاجروا ~~وجهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمت الله والله غفور رحيم (218) فيه ~~اثنتا عشرة مسألة: # الأولى - قوله تعالى: (يسألونك) تقدم القول فيه (1). وروى جرير بن عبد ~~الحميد ومحمد بن فضيل عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ~~ما رأيت قوما خيرا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، ما سألوه إلا عن ثلاث ~~عشرة مسألة كلهن في القرآن: " يسألونك عن المحيض "، " يسألونك عن الشهر ~~الحرام "، " يسألونك عن اليتامى "، ما كانوا يسألونك إلا عما ينفعهم. قال ~~ابن عبد البر: ليس في الحديث من الثلاث عشرة مسألة إلا ثلاث. وروى أبو ~~اليسار عن جندب بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث رهطا وبعث ~~عليهم أبا عبيدة بن الحارث ms0885 أو عبيدة بن الحارث، فلما ذهب لينطلق بكى صبابة ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعث عبد الله بن جحش، وكتب له كتابا ~~وأمره ألا يقرأ الكتاب حتى يبلغ مكان كذا وكذا، وقال: ولا تكرهن أصحابك على ~~المسير، فلما بلغ المكان قرأ الكتاب فاسترجع وقال: سمعا وطاعة لله ولرسوله، ~~قال: فرجع رجلان ومضى بقيتهم، فلقوا ابن الحضرمي فقتلوه، ولم يدروا أن ذلك ~~اليوم من رجب، فقال المشركون: قتلتم في الشهر الحرام، فأنزل الله تعالى: " ~~يسألونك عن الشهر الحرام " الآية. وروى أن سبب نزولها أن # PageV03P040 # رجلين من بنى كلاب لقيا عمرو بن أمية الضمري وهو لا يعلم أنهما كانا عند ~~النبي صلى الله عليه وسلم وذلك في أول يوم من رجب فقتلهما، فقالت قريش: ~~قتلهما في الشهر الحرام، فنزلت الآية. والقول بأن نزولها في قصة عبد الله ~~بن جحش أكثر وأشهر، وأن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه مع تسعة رهط، وقيل ~~ثمانية، في جمادى الآخرة قبل بدر بشهرين، وقيل في رجب. # قال أبو عمر - في كتاب الدرر له -: ولما رجع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من طلب كرز بن جابر - وتعرف تلك الخرجة ببدر الأولى - أقام بالمدينة ~~بقية جمادى الآخرة ورجب، وبعث في رجب عبد الله بن جحش بن رئاب الأسدي ومعه ~~ثمانية رجال من المهاجرين، وهم أبو حذيفة بن عتبة، وعكاشة بن محصن، وعتبة ~~بن غزوان، وسهيل بن بيضاء الفهري، وسعد بن أبي وقاص، وعامر بن ربيعة، وواقد ~~بن عبد الله التميمي، وخالد بن بكير الليثي. # وكتب لعبد الله بن جحش كتابا، وأمره ألا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر ~~فيه [فيمضى لما أمره (1) به] ولا يستكره أحدا من أصحابه، وكان أميرهم، ففعل ~~عبد الله بن جحش ما أمره به، فلما فتح الكتاب وقرأه وجد فيه: " إذا نظرت في ~~كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف فترصد بها قريشا، وتعلم لنا ~~من أخبارهم ". فلما قرأ الكتاب قال: سمعا وطاعة، ثم أخبر أصحابه بذلك، ~~وبأنه ms0886 لا يستكره أحدا منهم، وأنه ناهض لوجهه بمن أطاعه، وأنه إن لم يطعه ~~أحد مضى وحده، فمن أحب الشهادة فلينهض، ومن كره الموت فليرجع. فقالوا: # كلنا نرغب فيما ترغب فيه، وما منا أحد إلا وهو سامع مطيع لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، ونهضوا معه، فسلك على الحجاز، وشرد لسعد بن أبي وقاص وعتبة ~~بن غزوان جمل كانا يعتقبانه فتخلفا في طلبه، ونفذ عبد الله بن جحش مع ~~سائرهم لوجهه حتى نزل بنخلة، فمرت بهم عير لقريش تحمل زبيبا وتجارة فيها ~~عمرو بن الحضرمي - واسم الحضرمي عبد الله بن عباد من الصدف، والصدف بطن من ~~حضرموت - وعثمان بن عبد الله بن المغيرة، وأخوه نوفل ابن عبد الله بن ~~المغيرة المخزوميان، والحكم بن كيسان مولى بنى المغيرة، فتشاور المسلمون ~~وقالوا: # نحن في آخر يوم من رجب الشهر الحرام، فإن نحن قاتلناهم هتكنا حرمة الشهر ~~الحرام: وإن # PageV03P041 # تركناهم الليلة دخلوا الحرم، ثم اتفقوا على لقائهم، فرمى واقد بن عبد ~~الله التميمي عمرو بن الحضرمي فقتله، وأسروا عثمان بن عبد الله والحكم بن ~~كيسان، وأفلت نوفل بن عبد الله، ثم قدموا بالعير والأسيرين، وقال لهم عبد ~~الله بن جحش: اعزلوا مما غنمنا الخمس لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ففعلوا، فكان أول خمس في الاسلام، ثم نزل القرآن: " واعلموا أنما غنمتم من ~~شئ فأن لله خمسه (1) " فأقر الله ورسوله فعل عبد الله بن جحش ورضيه وسنه ~~للأمة إلى يوم القيامة، وهي أول غنيمة غنمت في الاسلام، وأول أمير، وعمرو ~~بن الحضرمي أول قتيل. وأنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل ابن الحضرمي ~~في الشهر الحرام، فسقط في أيدي القوم، فأنزل الله عز وجل: " يسألونك عن ~~الشهر الحرام قتال فيه " إلى قوله: # " هم فيها خالدون ". وقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم الفداء في ~~الأسيرين، فأما عثمان بن عبد الله فمات بمكة كافرا، وأما الحكم بن كيسان ~~فأسلم وأقام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استشهد ببئر معونة، ورجع ~~سعد وعتبة ms0887 إلى المدينة سالمين. وقيل: إن انطلاق سعد بن أبي وقاص وعتبة في ~~طلب بعيرهما كان عن إذن من عبد الله بن جحش، وإن عمرو بن الحضرمي وأصحابه ~~لما رأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هابوهم، فقال عبد الله بن ~~جحش: إن القوم قد فزعوا منكم، فاحلقوا رأس رجل منكم فليتعرض لهم، فإذا رأوه ~~محلوقا أمنوا وقالوا: قوم عمار لا بأس عليكم، وتشاوروا في قتالهم، الحديث. ~~وتفاءلت اليهود وقالوا: واقد وقدت الحرب، وعمرو عمرت الحرب، والحضرمي حضرت ~~الحرب. # وبعث أهل مكة في فداء أسيريهم، فقال (2): لا نفديهما حتى يقدم سعد وعتبة، ~~وإن لم يقدما قتلناهما بهما، فلما قدما فاداهما، فأما الحكم فأسلم وأقام ~~بالمدينة حتى قتل يوم بئر معونة شهيدا، وأما عثمان فرجع إلى مكة فمات بها ~~كافرا، وأما نوفل فضرب بطن فرسه يوم الأحزاب ليدخل الخندق على المسلمين ~~فوقع في الخندق مع فرسه فتحطما جميعا فقتله الله تعالى، وطلب المشركون ~~جيفته بالثمن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " خذوه فإنه خبيث الجيفة ~~خبيث الدية " فهذا سبب نزول قوله تعالى: " يسألونك عن الشهر الحرام ". وذكر ~~ابن إسحاق أن قتل # PageV03P042 # عمرو بن الحضرمي كان في آخر يوم من رجب، على ما تقدم. وذكر الطبري عن ~~السدى وغيره أن ذلك كان في آخر يوم من جمادى الآخرة، والأول أشهر، على أن ~~ابن عباس قد ورد عنه أن ذلك كان في أول ليلة من رجب، والمسلمون يظنونها من ~~جمادى. قال ابن عطية: # وذكر الصاحب بن عباد في رسالته المعروفة بالأسدية أن عبد الله بن جحش سمى ~~أمير المؤمنين في ذلك الوقت لكونه مؤمرا على جماعة من المؤمنين. # الثانية - واختلف العلماء في نسخ هذه الآية، فالجمهور على نسخها، وأن ~~قتال المشركين في الأشهر الحرم مباح. واختلفوا في ناسخها، فقال الزهري: ~~نسخها " وقاتلوا المشركين كافة (1) ". وقيل: نسخها غزو النبي صلى الله عليه ~~وسلم ثقيفا في الشهر الحرام، وإغزاؤه أبا عامر (2) إلى أوطاس (3) في الشهر ~~الحرام. وقيل: نسخها بيعة الرضوان على القتال في ذي ms0888 القعدة، وهذا ضعيف، فإن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغه قتل عثمان بمكة وأنهم عازمون على حربه ~~بايع حينئذ المسلمين على دفعهم لا على الابتداء بقتالهم. وذكر البيهقي عن ~~عروة بن الزبير من غير حديث محمد بن إسحاق في أثر قصة الحضرمي: فأنزل عز ~~وجل " يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه " الآية، قال: فحدثهم الله في ~~كتابه أن القتال في الشهر الحرام حرام كما كان، وأن الذي يستحلون من ~~المؤمنين هو أكبر من ذلك من صدهم عن سبيل الله حين يسجنونهم ويعذبونهم ~~ويحبسونهم (4) أن يهاجروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكفرهم بالله ~~وصدهم المسلمين عن المسجد الحرام في الحج والعمرة والصلاة فيه، وإخراجهم ~~أهل المسجد الحرام وهم سكانه من المسلمين، وفتنتهم إياهم عن الدين، فبلغنا ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم عقل (5) ابن الحضرمي وحرم الشهر الحرام كما ~~كان يحرمه، حتى أنزل الله عز وجل: " براءة من الله ورسوله ". وكان عطاء ~~يقول: الآية محكمة، ولا يجوز القتال في الأشهر الحرم، ويحلف على ذلك، لان ~~الآيات التي وردت بعدها عامة في الأزمنة، وهذا # PageV03P043 # خاص والعام لا ينسخ الخاص باتفاق. وروى أبو الزبير عن جابر قال: كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لا يقاتل في الشهر الحرام إلا أن يغزى (1). # الثالثة - قوله تعالى: (قتال فيه) " قتال " بدل عند سيبويه بدل اشتمال، ~~لان السؤال اشتمل على الشهر وعلى القتال، أي يسألك الكفار تعجبا من هتك ~~حرمة الشهر، فسؤالهم عن الشهر إنما كان لأجل القتال فيه. قال الزجاج: ~~المعنى يسألونك عن القتال في الشهر الحرام. وقال القتبي: يسألونك عن القتال ~~في الشهر الحرام هل يجوز؟ فأبدل قتالا من الشهر، وأنشد سيبويه: # فما كان قيس هلكه هلك واحد * ولكنه بنيان قوم تهدما (2) وقرأ عكرمة " ~~يسألونك عن الشهر الحرام قتل فيه قل قتل " بغير ألف فيهما. وقيل: # المعنى يسألونك عن الشهر الحرام وعن قتال فيه، وهكذا قرأ ابن مسعود، ~~فيكون مخفوضا بعن على التكرير، قاله الكسائي. وقال الفراء: هو مخفوض على ~~نية ms0889 عن. وقال أبو عبيدة: # هو مخفوض على الجوار. قال النحاس: لا يجوز أن يعرب الشئ على الجوار في ~~كتاب الله ولا في شئ من الكلام، وإنما الجوار غلط، وإنما وقع في شئ شاذ، ~~وهو قولهم: هذا جحر ضب خرب، والدليل على أنه غلط قول العرب في التثنية: ~~هذان: جحرا ضب خربان، وإنما هذا بمنزلة الاقواء، ولا يجوز أن يحمل شئ من ~~كتاب الله على هذا، ولا يكون إلا بأفصح اللغات وأصحها. قال ابن عطية: وقال ~~أبو عبيدة: هو خفض على الجوار، وقوله هذا خطأ. # قال النحاس: ولا يجوز إضمار عن، والقول فيه أنه بدل. وقرأ الأعرج " ~~يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه " بالرفع. قال النحاس: وهو غامض في ~~العربية، والمعنى فيه يسألونك عن الشهر الحرام أجائز قتال فيه؟ فقوله: " ~~يسألونك " يدل على الاستفهام، كما قال امرؤ القيس: # PageV03P044 # أصاح ترى برقا أريك وميضه * كلمع اليدين في حبى مكلل (1) والمعنى: أترى ~~برقا، فحذف ألف الاستفهام، لان الألف التي في " أصاح " تدل عليها وإن كانت ~~حرف نداء، كما قال الشاعر: # * تروح من الحي أم تبتكر * والمعنى: أتروح، فحذف الألف لان أم تدل عليها. # الرابعة - قوله تعالى: (قل قتال فيه كبير) ابتداء وخبر، أي مستنكر، لان ~~تحريم القتال في الشهر الحرام كان ثابتا يومئذ إذ كان الابتداء من ~~المسلمين. والشهر في الآية اسم جنس، وكانت العرب قد جعل الله لها الشهر ~~الحرام قواما تعتدل عنده، فكانت لا تسفك دما، ولا تغير في الأشهر الحرم، ~~وهي رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ثلاثة سرد (2) وواحد فرد. وسيأتي ~~لهذا مزيد بيان في " المائدة (3) " إن شاء الله تعالى. # الخامسة - قوله تعالى: (وصد عن سبيل الله) ابتداء (وكفر به) عطف على " صد ~~" (والمسجد الحرام) عطف على سبيل الله (وإخراج أهله منه) عطف على صد، وخبر ~~الابتداء (أكبر عند الله) أي أعظم إثما من القتال في الشهر الحرام، قاله ~~المبرد وغيره. # وهو الصحيح، لطول منع الناس عن الكعبة أن يطاف بها. " وكفر به " أي ~~بالله، وقيل: # " وكفر به " أي ms0890 بالحج والمسجد الحرام. " وإخراج أهله منه أكبر " أي أعظم ~~عقوبة عند الله من القتال في الشهر الحرام. وقال الفراء: " صد " عطف على " ~~كبير ". " والمسجد " عطف على الهاء في " به "، فيكون الكلام نسقا متصلا غير ~~منقطع. قال ابن عطية: # وذلك خطأ، لان المعنى يسوق إلى أن قوله: " وكفر به " أي بالله عطف أيضا ~~على " كبير "، ويجئ من ذلك أن إخراج أهل المسجد منه أكبر من الكفر عند ~~الله، وهذا بين # PageV03P045 # فساده. ومعنى الآية على قول الجمهور: إنكم يا كفار قريش تستعظمون علينا ~~القتال في الشهر الحرام، وما تفعلون أنتم من الصد عن سبيل الله لمن أراد ~~الاسلام، ومن كفركم بالله وإخراجكم أهل المسجد منه، كما فعلتم برسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه أكبر جرما عند الله. وقال عبد الله بن جحش رضي ~~الله عنه: # تعدون قتلا في الحرام عظيمة * وأعظم منه لو يرى الرشد راشد صدودكم عما ~~يقول محمد * وكفر به والله راء وشاهد وإخراجكم من مسجد الله أهله * لئلا ~~يرى لله في البيت ساجد فإنا وإن غيرتمونا بقتله * وأرجف بالاسلام باغ وحاسد ~~سقينا من ابن الحضرمي رماحنا * بنخلة لما أوقد الحرب واقد دما وابن عبد ~~الله عثمان بيننا * ينازعه غل من القد عاند وقال الزهري ومجاهد وغيرهما: ~~قوله تعالى: " قل قتال فيه كبير " منسوخ بقوله: " وقاتلوا المشركين كافة " ~~وبقوله: " فاقتلوا المشركين (1) ". وقال عطاء: لم ينسخ، ولا ينبغي القتال ~~في الأشهر الحرم، وقد تقدم. # السادسة - قوله تعالى: (والفتنة أكبر من القتل) قال مجاهد وغيره: الفتنة ~~هنا الكفر، أي كفركم أكبر من قتلنا أولئك. وقال الجمهور: معنى الفتنة هنا ~~فتنتهم المسلمين عن دينهم حتى يهلكوا، أي أن ذلك أشد اجتراما من قتلكم في ~~الشهر الحرام. # السابعة - قوله تعالى: (ولا يزالون) ابتداء (2) خبر من الله تعالى، ~~وتحذير منه للمؤمنين من شر الكفرة. قال مجاهد: يعنى كفار قريش. و " يردوكم ~~" نصب بحتى، لأنها غاية مجردة. # الثامنة - قوله تعالى: " ومن يرتدد " أي يرجع عن الاسلام إلى الكفر ~~(فأولئك حبطت) أي بطلت وفسدت، ومنه الحبط ms0891 وهو فساد يلحق المواشي في بطونها ~~من كثرة أكلها الكلأ فتنتفخ أجوافها، وربما تموت من ذلك، فالآية تهديد ~~للمسلمين ليثبتوا على دين الاسلام. # PageV03P046 # التاسعة - واختلف العلماء في المرتد هل يستتاب أم لا؟ وهل يحبط عمله بنفس ~~الردة أم لا، إلا على الموافاة على الكفر؟ وهل يورث أم لا؟ فهذه ثلاث ~~مسائل: # الأولى - قالت طائفة: يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وقال بعضهم: ساعة واحدة. # وقال آخرون: يستتاب شهرا. وقال آخرون: يستتاب ثلاثا، على ما روى عن عمر ~~وعثمان، وهو قول مالك رواه عنه ابن القاسم. وقال الحسن: يستتاب مائة مرة، ~~وقد روى عنه أنه يقتل دون استتابة، وبه قال الشافعي في أحد قوليه، وهو أحد ~~قولي طاوس وعبيد بن عمير. # وذكر سحنون أن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون كان يقول: يقتل المرتد ~~ولا يستتاب، واحتج بحديث معاذ وأبى موسى، وفيه: أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لما بعث أبا موسى إلى اليمن أتبعه معاذ بن جبل فلما قدم عليه قال: ~~انزل، وألقى إليه وسادة، وإذا رجل عنده موثق، قال: ما هذا؟ قال: هذا كان ~~يهوديا فأسلم ثم راجع دينه دين السوء فتهود. قال: # لا أجلس حتى يقتل، قضاء الله ورسوله، فقال: اجلس. قال: [نعم (1)] لا أجلس ~~حتى يقتل، قضاء الله ورسوله - ثلاث مرات - فأمر به فقتل، خرجه مسلم وغيره. ~~وذكر أبو يوسف عن أبي حنيفة أن المرتد يعرض عليه الاسلام فإن أسلم وإلا قتل ~~مكانه، إلا أن يطلب أن يؤجل، فإن طلب ذلك أجل ثلاثة أيام، والمشهور عنه وعن ~~أصحابه أن المرتد لا يقتل حتى يستتاب. والزنديق عندهم والمرتد سواء. وقال ~~مالك: وتقتل الزنادقة ولا يستتابون. وقد مضى هذا أول " البقرة (2) ". ~~واختلفوا فيمن خرج من كفر إلى كفر، فقال مالك وجمهور الفقهاء: لا يتعرض له، ~~لأنه انتقل إلى ما لو كان عليه في الابتداء لأقر عليه. وحكى ابن عبد الحكم ~~عن الشافعي أنه يقتل، لقوله عليه السلام: " من بدل دينه فاقتلوه " ولم يخص ~~مسلما من كافر. وقال مالك: معنى الحديث ms0892 من خرج من الاسلام إلى الكفر، وأما ~~من خرج من كفر إلى كفر فلم يعن بهذا الحديث، وهو قول جماعة من الفقهاء. # والمشهور عن الشافعي ما ذكره المزني والربيع أن المبدل لدينه من أهل ~~الذمة يلحقه الامام # PageV03P047 # بأرض الحرب ويخرجه من بلده ويستحل ماله مع أموال الحربيين إن غلب على ~~الدار، لأنه إنما جعل له الذمة على الدين الذي كان عليه في حين عقد العهد. ~~واختلفوا في المرتدة، فقال مالك والأوزاعي والشافعي والليث بن سعد: تقتل ~~كما يقتل المرتد سواء، وحجتهم ظاهر الحديث: " من بدل دينه فاقتلوه ". و " ~~من " يصلح للذكر والأنثى. وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه: لا تقتل ~~المرتدة، وهو قول ابن شبرمة، وإليه ذهب ابن علية، وهو قول عطاء والحسن. ~~واحتجوا بأن ابن عباس روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " من بدل دينه فاقتلوه " ثم إن ابن عباس لم يقتل المرتدة، ومن روى حديثا ~~كان أعلم بتأويله، وروى عن علي مثله. ونهى صلى الله عليه وسلم عن قتل ~~النساء والصبيان. واحتج الأولون بقوله عليه السلام: " لا يحل دم امرئ مسلم ~~إلا بإحدى ثلاث كفر بعد إيمان... " فعم كل من كفر بعد إيمانه، وهو أصح. # العاشرة - قال الشافعي: إن من ارتد ثم عاد إلى الاسلام لم يحبط عمله ولا ~~حجه الذي فرغ منه، بل إن مات على الردة فحينئذ تحبط أعماله. وقال مالك: ~~تحبط بنفس الردة، ويظهر الخلاف في المسلم إذا حج ثم ارتد ثم أسلم، فقال ~~مالك: يلزمه الحج، لان الأول قد حبط بالردة. وقال الشافعي: لا إعادة عليه، ~~لان عمله باق. واستظهر علماؤنا بقوله تعالى: # " لئن أشركت ليحبطن عملك (1) ". قالوا: وهو خطاب للنبي صلى الله عليه ~~وسلم والمراد أمته، لأنه عليه السلام يستحيل منه الردة شرعا. وقال أصحاب ~~الشافعي: بل هو خطاب النبي صلى الله عليه وسلم على طريق التغليظ على الأمة، ~~وبيان أن النبي صلى الله عليه وسلم على شرف منزلته لو أشرك لحبط عمله، فكيف ~~أنتم! لكنه لا يشرك لفضل مرتبته، كما ms0893 قال: # " يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين (2) " ~~وذلك لشرف منزلتهن، وإلا فلا يتصور إتيان منهن صيانة لزوجهن المكرم المعظم، ~~ابن العربي. وقال علماؤنا: إنما ذكر الله الموافاة شرطا ها هنا لأنه علق ~~عليها الخلود في النار جزاء، فمن وافى على الكفر خلده الله في النار بهذه ~~الآية، ومن أشرك حبط عمله بالآية الأخرى، فهما آيتان # PageV03P048 # مفيدتان لمعنيين وحكمين متغايرين. وما خوطب به عليه السلام فهو لامته حتى ~~يثبت اختصاصه، وما ورد في أزواجه فإنما قيل ذلك فيهن ليبين أنه لو تصور ~~لكان هتكان أحدهما لحرمة الدين، والثاني لحرمة النبي صلى الله عليه وسلم، ~~ولكل هتك حرمة عقاب، وينزل ذلك منزلة من عصى في الشهر الحرام أو في البلد ~~الحرام أو في المسجد الحرام، يضاعف عليه العذاب بعدد ما هتك من الحرمات. ~~والله أعلم. # الحادية عشرة - وهي اختلاف العلماء في ميراث المرتد، فقال علي بن أبي ~~طالب والحسن والشعبي والحكم والليث وأبو حنيفة وإسحاق بن راهويه: ميراث ~~المرتد لورثته من المسلمين. وقال مالك وربيعة وابن أبي ليلى والشافعي وأبو ~~ثور: ميراثه في بيت المال. # وقال ابن شبرمة وأبو يوسف ومحمد والأوزاعي في إحدى الروايتين: ما اكتسبه ~~المرتد بعد الردة فهو لورثته المسلمين. وقال أبو حنيفة: ما اكتسبه المرتد ~~في حال الردة فهو فئ، وما كان مكتسبا في حالة الاسلام ثم ارتد يرثه ورثته ~~المسلمون، وأما ابن شبرمة وأبو يوسف ومحمد فلا يفصلون بين الامرين، ومطلق ~~قوله عليه السلام: " لا وراثة بين أهل ملتين " يدل على بطلان قولهم. ~~وأجمعوا على أن ورثته من الكفار لا يرثونه، سوى عمر بن عبد العزيز فإنه ~~قال: يرثونه. # الثانية عشرة - قوله تعالى: (إن الذين آمنوا والذين هاجروا) الآية. قال ~~جندب ابن عبد الله وعروة بن الزبير وغيرهما: لما قتل واقد بن عبد الله ~~التميمي عمرو بن الحضرمي في الشهر الحرام توقف رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن أخذ خمسه الذي وفق في فرضه له عبد الله بن جحش وفى ms0894 الأسيرين، فعنف ~~المسلمون عبد الله بن جحش وأصحابه حتى شق ذلك عليهم، فتلافاهم الله عز وجل ~~بهذه الآية في الشهر الحرام وفرج عنهم، وأخبر أن لهم ثواب من هاجر وغزا، ~~فالإشارة إليهم في قوله: " إن الذين آمنوا " ثم هي باقية في كل PageV03P049 # من فعل ما ذكره الله عزو جل. وقيل (1): أن لم يكونوا أصابوا وزرا فليس ~~لهم أجر، فأنزل الله: " إن الذين آمنوا والذين هاجروا " إلى آخر الآية. # والهجرة معناها الانتقال من موضع إلى موضع، وقصد ترك الأول إيثارا ~~للثاني. والهجر ضد الوصل. وقد هجره هجرا وهجرانا، والاسم الهجرة. والمهاجرة ~~من أرض إلى أرض ترك الأولى للثانية. والتهاجر التقاطع. ومن قال: المهاجرة ~~الانتقال من البادية إلى الحاضرة فقد أوهم، بسبب أن ذلك كان الأغلب في ~~العرب، وليس أهل مكة مهاجرين على قوله. # " وجاهد " مفاعلة من جهد إذا استخرج الجهد، مجاهدة وجهادا. والاجتهاد ~~والتجاهد: # بذل الوسع والمجهود. والجهاد (بالفتح): الأرض الصلبة. " ويرجون " معناه ~~يطمعون ويستقربون. وإنما قال " يرجون " وقد مدحهم لأنه لا يعلم أحد في هذه ~~الدنيا أنه صائر إلى الجنة ولو بلغ في طاعة الله كل مبلغ، لامرين: أحدهما - ~~لا يدرى بما يختم له. والثاني - لئلا يتكل على عمله، والرجاء ينعم، والرجاء ~~أبدا معه خوف ولا بد، كما أن الخوف معه رجاء. # والرجاء من الامل ممدود، يقال: رجوت فلانا رجوا ورجاء ورجاوة، يقال: ما ~~أتيتك إلا رجاوة الخير. وترجيته وارتجيته ورجيته وكله بمعنى رجوته، قال بشر ~~يخاطب بنته: # فرجي الخير وانتظري إيابي * إذا ما القارظ العنزي آبا ومالي في فلان ~~رجية، أي ما أرجو. وقد يكون الرجو والرجاء بمعنى الخوف، قال الله تعالى: # " ما لكم لا ترجون لله وقارا (2) " أي لا تخافون عظمة الله، قال أبو ~~ذؤيب: # إذا لسعته النحل لم يرج لسعها * وخالفها (3) في بيت نوب عوامل أي لم يخف ~~ولم يبال. والرجا - مقصور -: ناحية البئر وحافتاها، وكل ناحية رجا. # والعوام من الناس يخطئون في قولهم: يا عظيم الرجا، فيقصرون ولا يمدون. # PageV03P050 # قوله تعالى: يسئلونك عن الخمر والميسر قل ms0895 فيهما إثم كبير ومنافع للناس ~~وإثمهما أكبر من نفعهما ويسئلونك ماذا ينفقون قل العفو كذلك يبين الله لكم ~~الآيات لعلكم تتفكرون (219) قوله تعالى: (يسئلونك عن الخمر والميسر قل ~~فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما). فيه تسع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (يسألونك) السائلون هم المؤمنون، كما تقدم. والخمر ~~مأخوذة من خمر إذا ستر، ومنه خمار المرأة. وكل شئ غطى شيئا فقد خمره، ومنه ~~" خمروا آنيتكم " فالخمر تخمر العقل، أي تغطيه وتستره، ومن ذلك الشجر ~~الملتف يقال له: الخمر (بفتح الميم) لأنه يغطى ما تحته ويستره، يقال منه: ~~أخمرت الأرض كثر خمرها، قال الشاعر: # ألا يا زيد والضحاك سيرا * فقد جاوزتما خمر الطريق أي سيرا مدلين فقد ~~جاوزتما الوهدة التي يستتر بها الذئب وغيره. وقال العجاج يصف جيشا يمشي ~~برايات وجيوش غير مستخف: # في لامع العقبان (2) لا يمشى الخمر * يوجه الأرض ويستاق الشجر ومنه ~~قولهم: دخل في غمار الناس وخمارهم، أي هو في مكان خاف. فلما كانت الخمر ~~تستر العقل وتغطيه سميت بذلك. وقيل: إنما سميت الخمر خمرا لأنها تركت حتى ~~أدركت، كما يقال: قد اختمر العجين، أي بلغ إدراكه. وخمر الرأي، أي ترك حتى ~~يتبين فيه الوجه. # وقيل: إنما سميت الخمر خمرا لأنها تخالط العقل، من المخامرة وهي ~~المخالطة، ومنه قولهم: # دخلت في خمار الناس، أي اختلطت بهم. فالمعاني الثلاثة متقاربة، فالخمر ~~تركت وخمرت حتى أدركت، ثم خالطت العقل، ثم خمرته، والأصل الستر. # PageV03P051 # والخمر: ماء العنب الذي غلى أو طبخ، وما خامر العقل من غيره فهو في حكمه، ~~لان إجماع العلماء أن القمار كله حرام. وإنما ذكر الميسر من بينه فجعل كله ~~قياسا على الميسر، والميسر إنما كان قمارا في الجزر خاصة، فكذلك كل ما كان ~~كالخمر فهو بمنزلتها. # الثانية - والجمهور من الأمة على أن ما أسكر كثيره من غير خمر العنب ~~فمحرم قليله وكثيره، والحد في ذلك واجب. وقال أبو حنيفة والثوري وابن أبي ~~ليلى وابن شبرمة وجماعة من فقهاء الكوفة: ما أسكر كثيره من غير خمر ms0896 العنب ~~فهو حلال (1)، وإذا سكر منه أحد دون أن يتعمد الوصول إلى حد السكر فلا حد ~~عليه، وهذا ضعيف يرده النظر والخبر، على ما يأتي بيانه في " المائدة والنحل ~~(2) " إن شاء الله تعالى. # الثالثة - قال بعض المفسرين: إن الله تعالى لم يدع شيئا من الكرامة والبر ~~إلا أعطاه هذه الأمة، ومن كرامته وإحسانه أنه لم يوجب عليهم الشرائع دفعة ~~واحدة، ولكن أوجب عليهم مرة بعد مرة، فكذلك تحريم الخمر. وهذه الآية أول ما ~~نزل في أمر الخمر، ثم بعده: # " لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى " ثم قوله: " إنما يريد الشيطان أن يوقع ~~بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة ~~فهل أنتم منتهون " ثم قوله: # " إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه " ~~على ما يأتي بيانه في " المائدة ". # الرابعة - قوله تعالى: (والميسر) الميسر: قمار العرب بالأزلام. قال ابن ~~عباس: # كان الرجل في الجاهلية يخاطر الرجل على أهله وماله فأيهما قمر صاحبه ذهب ~~بماله وأهله، فنزلت الآية. وقال مجاهد ومحمد بن سيرين والحسن وابن المسيب ~~وعطاء وقتادة ومعاوية ابن صالح وطاوس وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وابن ~~عباس أيضا: كل شئ فيه قمار من نرد وشطرنج فهو الميسر، حتى لعب الصبيان ~~بالجوز والكعاب (3)، إلا ما أبيح من الرهان في الخيل والقرعة في إفراز ~~الحقوق، على ما يأتي. وقال مالك: الميسر ميسران: ميسر اللهو، * # PageV03P052 # وميسر القمار، فمن ميسر اللهو النرد والشطرنج والملاهي كلها. وميسر ~~القمار: ما يتخاطر الناس عليه. قال علي بن أبي طالب: الشطرنج ميسر العجم. ~~وكل ما قومر به فهو ميسر عند مالك وغيره من العلماء. وسيأتي في " يونس (1) ~~" زيادة بيان لهذا الباب إن شاء الله تعالى. # والميسر مأخوذ من اليسر، وهو وجوب الشئ لصاحبه، يقال: يسر لي كذا إذا وجب ~~فهو ييسر يسرا وميسرا. والياسر: اللاعب بالقداح، وقد يسر ييسر، قال الشاعر: # فأعنهم وأيسر بما يسروا به * وإذا هم نزلوا بضنك فأنزل وقال الأزهري: ~~الميسر: الجزور الذي كانوا يتقامرون عليه، سمى ms0897 ميسرا لأنه يجزأ أجزاء، ~~فكأنه موضع التجزئة، وكل شئ جزأته فقد يسرته. والياسر: الجازر، لأنه يجزئ ~~لحم الجزور. قال: وهذا الأصل في الياسر، ثم يقال للضاربين بالقداح ~~والمتقامرين على الجزور: ياسرون، لأنهم جازرون إذ كانوا سببا لذلك. وفى ~~الصحاح: ويسر القوم الجزور أي اجتزروها واقتسموا أعضاءها. قال سحيم بن وثيل ~~اليربوعي: # أقول لهم بالشعب إذ ييسرونني * ألم تيأسوا أنى ابن فارس زهدم (2) كان قد ~~وقع عليه سباء فضرب عليه بالسهام. ويقال: يسر القوم إذا قامروا. ورجل يسر ~~وياسر بمعنى. والجمع أيسار، قال لنابغة: # أنى أتمم أيساري وأمنحهم * مثنى الأيادي (3) وأكسو الجفنة الأدما وقال ~~طرفة: # وهم أيسار لقمان إذا * أغلت الشتوة (4) أبداء الجزر وكان من تطوع بنحرها ~~ممدوحا عندهم، قال الشاعر: # وناجية نحرت لقوم صدق * وما ناديت أيسار الجزور # PageV03P053 # الخامسة - روى مالك في الموطأ عن داود بن حصين أنه سمع سعيد بن المسيب ~~يقول: كان من ميسر أهل الجاهلية بيع اللحم بالشاة والشاتين، وهذا محمول عند ~~مالك وجمهور أصحابه في الجنس الواحد، حيوانه بلحمه، وهو عنده من باب ~~المزابنة (1) والغرر (2) والقمار، لأنه لا يدرى هل في الحيوان مثل اللحم ~~الذي أعطى أو أقل أو أكثر، وبيع اللحم باللحم لا يجوز متفاضلا، فكان بيع ~~الحيوان باللحم كبيع اللحم المغيب في جلده إذا كانا من جنس واحد، والجنس ~~الواحد عنده الإبل والبقر والغنم والظباء والوعول وسائر الوحوش، وذوات ~~الأربع المأكولات كلها عنده جنس واحد، لا يجوز بيع شئ من حيوان هذا الصنف ~~والجنس كله بشئ واحد من لحمه بوجه من الوجوه، لأنه عنده من باب المزابنة، ~~كبيع الزبيب بالعنب والزيتون بالزيت والشيرج بالسمسم، ونحو ذلك. والطير ~~عنده كله جنس واحد، وكذلك الحيتان من سمك وغيره. وروى عنه أن الجراد وحده ~~صنف. وقال الشافعي وأصحابه والليث ابن سعد: لا يجوز بيع اللحم بالحيوان على ~~حال من الأحوال من جنس واحد كان أم من جنسين مختلفين، على عموم الحديث. ~~وروى عن ابن عباس أن جزورا نحرت على عهد أبي بكر الصديق فقسمت على عشرة ~~أجزاء، ms0898 فقال رجل: أعطوني جزءا منها بشاة، فقال أبو بكر: # لا يصلح هذا. قال الشافعي: ولست أعلم لأبي بكر في ذلك مخالفا من الصحابة. ~~قال أبو عمر: # قد روى عن ابن عباس أنه أجاز بيع الشاة باللحم، وليس بالقوى. وذكر عبد ~~الرزاق عن الثوري عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنه كره أن يباع حي ~~بميت، يعنى الشاة المذبوحة بالقائمة. قال سفيان: ونحن لا نرى به بأسا. قال ~~المزني: إن لم يصح الحديث في بيع الحيوان باللحم فالقياس أنه جائز، وإن صح ~~بطل القياس واتبع الأثر. قال أبو عمر: وللكوفيين في أنه جائز بيع اللحم ~~بالحيوان حجج كثيرة من جهة القياس والاعتبار، إلا أنه إذا صح الأثر بطل # PageV03P054 # القياس والنظر. وروى مالك عن زيد بن أسلم عن سعيد بن المسيب أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الحيوان باللحم. قال أبو عمر: ولا أعلمه ~~يتصل عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجه ثابت، وأحسن أسانيده مرسل سعيد بن ~~المسيب على ما ذكره مالك في موطئه، وإليه ذهب الشافعي، وأصله أنه لا يقبل ~~المراسيل إلا أنه زعم أنه افتقد مراسيل سعيد فوجدها أو أكثرها صحاحا. فكره ~~بيع أنواع الحيوان بأنواع اللحوم على ظاهر الحديث وعمومه، لأنه لم يأت أثر ~~يخصه ولا إجماع. ولا يجوز عنده أن يخص النص بالقياس. # والحيوان عنده اسم لكل ما يعيش في البر والماء وإن اختلفت أجناسه، ~~كالطعام الذي هو اسم لكل مأكول أو مشروب، فاعلم. # السادسة - قوله تعالى: (قل فيهما) يعنى الخمر والميسر (إثم كبير) إثم ~~الخمر ما يصدر عن الشارب من المخاصمة والمشاتمة وقول الفحش والزور، وزوال ~~العقل الذي يعرف به ما يجب لخالقه، وتعطيل الصلوات والتعوق عن ذكر الله، ~~إلى غير ذلك. روى النسائي عن عثمان رضي الله عنه قال: اجتنبوا الخمر فإنها ~~أم الخبائث، إنه كان رجل ممن كان قبلكم تعبد فعلفته امرأة غوية، فأرسلت ~~إليه جاريتها فقالت له: إنا ندعوك للشهادة، فانطلق مع جاريتها فطفقت كلما ~~دخل ms0899 بابا أغلقته دونه، حتى أفضى إلى امرأة وضيئة عندها غلام وباطية خمر، ~~فقالت: إني والله ما دعوتك للشهادة، ولكن دعوتك لتقع على، أو تشرب من هذه ~~الخمر كأسا، أو تقتل هذا الغلام. قال: فاسقيني من هذه الخمر كأسا، فسقته ~~كأسا. قال: # زيدوني، فلم يرم (1) حتى وقع عليها، وقتل النفس، فاجتنبوا الخمر، فإنها ~~والله لا يجتمع الايمان وإدمان الخمر، إلا ليوشك أن يخرج أحدهما صاحبه، ~~وذكره أبو عمر في الاستيعاب. # وروى أن الأعشى لما توجه إلى المدينة ليسلم فلقيه بعض المشركين في الطريق ~~فقالوا له: # أين تذهب؟ فأخبرهم بأنه يريد محمدا صلى الله عليه وسلم، فقالوا: لا تصل ~~إليه، فإنه يأمرك بالصلاة، فقال: إن خدمة الرب واجبة. فقالوا: إنه يأمرك ~~بإعطاء المال إلى الفقراء. فقال: # PageV03P055 # اصطناع المعروف واجب. فقيل له: إنه ينهى عن الزنى. فقال: هو فحش وقبيح في ~~العقل، وقد صرت شيخا فلا أحتاج إليه. فقيل له: إنه ينهى عن شرب الخمر. ~~فقال: أما هذا فإني لا أصبر عليه! فرجع، وقال: أشرب الخمر سنة ثم أرجع ~~إليه، فلم يصل إلى منزله حتى سقط عن البعير فانكسرت عنقه فمات. وكان قيس بن ~~عاصم المنقري شرابا لها في الجاهلية ثم حرمها على نفسه، وكان سبب ذلك أنه ~~غمز عكنة (1) ابنته وهو سكران، وسب أبويه، ورأى القمر فتكلم بشئ، وأعطى ~~الخمار كثيرا من ماله، فلما أفاق أخبر بذلك فحرمها على نفسه، وفيها يقول: # رأيت الخمر صالحة وفيها * خصال تفسد الرجل الحليما فلا والله أشربها ~~صحيحا * ولا أشفى بها أبدا سقيما ولا أعطى بها ثمنا حياتي * ولا أدعو لها ~~أبدا نديما فإن الخمر تفضح شاربيها * وتجنيهم بها الامر العظيما قال أبو ~~عمر: وروى ابن الأعرابي عن المفضل الضبي أن هذه الأبيات لأبي محجن الثقفي ~~قالها في تركه الخمر، وهو القائل رضي الله عنه: # إذا مت فادفني إلى جنب كرمة * تروى عظامي بعد موتى عروقها ولا تدفنني ~~بالفلاة فإنني * أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها (2) وجلده عمر الحد عليها ~~مرارا، ونفاه إلى جزيرة في ms0900 البحر، فلحق بسعد فكتب إليه عمر أن يحبسه فحبسه، ~~وكان أحد الشجعان البهم (3)، فلما كان من أمره في حرب القادسية ما هو معروف ~~حل قيوده وقال: لا نجلدك على الخمر أبدا. قال أبو محجن: وأنا والله لا ~~أشربها أبدا، فلم يشربها بعد ذلك. وفى رواية: قد كنت أشربها إذ يقام على ~~الحد [وأطهر منها (4)]، وأما إذ بهرجتني (5) فوالله لا أشربها أبدا. وذكر ~~الهيثم بن عدي أنه أخبره من رأى قبر أبى محجن بآذربيجان، # PageV03P056 # أو قال: في نواحي جرجان، وقد نبتت عليه ثلاث أصول كرم وقد طالت وأثمرت، ~~وهي معروشة على قبره، ومكتوب على القبر " هذا قبر أبى محجن " قال: فجعلت ~~أتعجب وأذكر قوله: # * إذا مت فادفني إلى جنب كرمة * ثم إن الشارب يصير ضحكة للعقلاء، فيلعب ~~ببوله وعذرته، وربما يمسح وجهه، حتى رؤي بعضهم يمسح وجهه ببوله ويقول: ~~اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين ورؤى بعضهم والكلب يلحس ~~وجهه وهو يقول له: أكرمك الله. # وأما القمار فيورث العداوة والبغضاء، لأنه أكل مال الغير بالباطل. # السابعة - قوله تعالى: (ومنافع للناس) أما في الخمر فربح التجارة، فإنهم ~~كانوا يجلبونها من الشام برخص فيبيعونها في الحجاز بربح، وكانوا لا يرون ~~المماكسة فيها، فيشترى طالب الخمر الخمر بالثمن الغالي. هذا أصح ما قيل في ~~منفعتها، وقد قيل في منافعها: إنها تهضم الطعام، وتقوى الضعف، وتعين على ~~الباه، وتسخى البخيل، وتشجع الجبان، وتصفى اللون، إلى غير ذلك من اللذة ~~بها. وقد قال حسان بن ثابت رضي الله عنه: # ونشربها فتتركنا ملوكا * وأسدا ما ينهنهنا (1) اللقاء إلى غير ذلك من ~~أفراحها. وقال آخر (2): # فإذا شربت فإنني * رب الخورنق والسدير وإذا صحوت فإنني * رب الشويهة ~~والبعير ومنفعة الميسر مصير الشئ إلى الانسان في القمار بغير كد ولا تعب، ~~فكانوا يشترون الجزور ويضربون بسهامهم، فمن خرج سهمه أخذ نصيبه من اللحم ~~ولا يكون عليه من الثمن شئ، ومن بقى سهمه آخرا كان عليه ثمن الجزور كله ولا ~~يكون له من اللحم شئ. وقيل: منفعته التوسعة على المحاويج، ms0901 فإن من قمر منهم ~~كان لا يأكل من الجزور وكان يفرقه في المحتاجين. # PageV03P057 # وسهام الميسر أحد عشر سهما، منها سبعة لها حظوظ وفيها فروض على عدد ~~الحظوظ، وهي: # " الفد " وفيه علامة واحدة له نصيب وعليه نصيب إن خاب. الثاني - " التوأم ~~" وفيه علامتان وله وعليه نصيبان. الثالث - " الرقيب " وفيه ثلاث علامات ~~على ما ذكرنا. # الرابع - " الحلس " وله أربع. الخامس - " النافز " والنافس أيضا وله خمس. ~~السادس - " المسبل " وله ست. السابع - " المعلى " وله سبع. فذلك ثمانية ~~وعشرون فرضا، وأنصباء الجزور كذلك في قول الأصمعي. وبقى من السهام أربعة، ~~وهي الأغفال لا فروض لها ولا أنصباء، وهي: " المصدر " و " المضعف " و " ~~المنيح " و " السفيح ". وقيل: # الباقية الأغفال الثلاثة: " السفيح " و " المنيح " و " الوغد " تزاد هذه ~~الثلاثة لتكثر السهام على الذي يجيلها (1) فلا يجد إلى الميل مع أحد سبيلا. ~~ويسمى المجيل المفيض (2) والضارب والضريب والجمع الضرباء. وقيل: يجعل خلفه ~~رقيب لئلا يحابى أحدا، ثم يجثو الضريب على ركبتيه، ويلتحف بثوب ويخرج رأسه ~~ويدخل يده في الربابة (3) فيخرج. وكانت عادة العرب أن تضرب الجزور بهذه ~~السهام في الشتوة وضيق الوقت وكلب البرد على الفقراء، يشترى الجزور ويضمن ~~الأيسار ثمنها ويرضى صاحبها من حقه، وكانوا يفتخرون بذلك ويذمون من لم يفعل ~~ذلك منهم، ويسمونه " البرم " قال متمم بن نويرة: # ولا برما تهدى النساء لعرسه * إذا القشع من برد الشتاء تقعقعا (4) ثم ~~تنحر وتقسم على عشرة أقسام. قال ابن عطية: وأخطأ الأصمعي في قسمة الجزور، ~~فذكر أنها على قدر حظوظ السهام ثمانية وعشرون قسما، وليس كذلك، ثم يضرب على ~~العشرة فمن فاز سهمه بأن يخرج من الربابة متقدما أخذ أنصباءه وأعطاها ~~الفقراء. والربابة (بكسر الراء): شبيهة بالكنانة تجمع فيها سهام الميسر، ~~وربما سموا جميع السهام ربابة، قال أبو ذؤيب يصف الحمار وأتنه: # PageV03P058 # وكأنهن ربابة وكأنه * يسر يفيض على القداح ويصدع (1) والربابة أيضا: ~~العهد والميثاق، قال الشاعر (2): # وكنت امرأ أفضت إليك ربابتي * وقبلك ربتني فضعت ربوب (3) وفى أحيان ربما ~~تقامروا لأنفسهم ثم يغرم الثمن من لم يفز سهمه، كما ms0902 تقدم. ويعيش بهذه ~~السيرة فقراء الحي، ومنه قول الأعشى: # المطعمو الضيف إذا ما شتوا * والجاعلو القوت على الياسر ومنه قول الآخر ~~(4): # بأيديهم مقرومة (5) ومغالق * يعود بأرزاق العفاة (6) منيحها و " المنيح " ~~في هذا البيت المستمنح، لأنهم كانوا يستعيرون السهم الذي قد أملس وكثر ~~فوزه، فذلك المنيح الممدوح. وأما المنيح الذي هو أحد الأغفال فذلك إنما ~~يوصف بالكر، وإياه أراد الأخطل (7) بقوله: # ولقد عطفن على فزارة عطفة * كر المنيح وجلن ثم مجالا وفى الصحاح: " ~~والمنيح سهم من سهام الميسر مما لا نصيب له إلا أن يمنح صاحبه شيئا ". # ومن الميسر قول لبيد (8): # PageV03P059 # إذا يسروا لم يورث اليسر بينهم * فواحش ينعى ذكرها بالمصايف فهذا كله نفع ~~الميسر، إلا أنه أكل المال بالباطل: # الثامنة - قوله تعالى: (وإثمهما أكبر من نفعهما) أعلم الله عز وجل أن ~~الاثم أكبر من النفع، وأعود بالضرر في الآخرة، فالاثم الكبير بعد التحريم، ~~والمنافع قبل التحريم. # وقرأ حمزة والكسائي " كثير " بالثاء المثلثة، وحجتهما أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لعن الخمر ولعن معها عشرة: بائعها ومبتاعها والمشتراة له وعاصرها ~~والمعصورة له وساقيها وشاربها وحاملها والمحمولة له وآكل ثمنها. وأيضا فجمع ~~المنافع يحسن معه جمع الآثام. و " كثير " بالثاء المثلثة يعطى ذلك. وقرأ ~~باقي القراء وجمهور الناس " كبير " بالباء الموحدة، وحجتهم أن الذنب في ~~القمار وشرب الخمر من الكبائر، فوصفه بالكبير أليق. وأيضا فاتفاقهم على " ~~أكبر " حجة ل‍ " كبير " بالباء بواحدة. وأجمعوا على رفض " أكثر " بالثاء ~~المثلثة، إلا في مصحف عبد الله بن مسعود فإن فيه " قل فيهما إثم كثير " " ~~وإثمهما أكثر " بالثاء مثلثة في الحرفين. # التاسعة - قال قوم من أهل النظر: حرمت الخمر بهذه الآية، لان الله تعالى ~~قد قال: " قل إنما حرم ربى الفواحش ما ظهر منها وما بطن والاثم (1) " فأخبر ~~في هذه الآية أن فيها إثما فهو حرام. قال ابن عطية: ليس هذا النظر بجيد، ~~لان الاثم الذي فيها هو الحرام، لا هي بعينها على ما يقتضيه هذا النظر. ~~قلت: وقال بعضهم: في هذه الآية ما دل على ms0903 تحريم الخمر لأنه سماه إثما، وقد ~~حرم الاثم في آية أخرى، وهو قوله عز وجل: " قل إنما حرم ربى الفواحش ما ظهر ~~منها وما بطن والاثم " وقال بعضهم: الاثم أراد به الخمر، بدليل قول الشاعر: # شربت الاثم حتى ضل عقلي * كذاك الاثم يذهب بالعقول قلت: وهذا أيضا ليس ~~بجيد، لان الله تعالى لم يسم الخمر إثما في هذه الآية، وإنما قال: " قل ~~فيهما إثم كبير " ولم يقل: قل هما إثم كبير. وأما آية " الأعراف " وبيت ~~الشعر فيأتي الكلام فيهما هناك مبينا، إن شاء الله تعالى. وقد قال قتادة: ~~إنما في هذه # PageV03P060 # الآية ذم الخمر، فأما التحريم فيعلم بآية أخرى وهي آية " المائدة " وعلى ~~هذا أكثر المفسرين. # قوله تعالى: (ويسئلونك ماذا ينفقون قل العفو كذلك يبين الله لكم الآيات ~~لعلكم تتفكرون. في الدنيا والآخرة) فيه ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (قل العفو) قراءة الجمهور بالنصب. وقرأ أبو عمرو ~~وحده بالرفع. واختلف فيه عن ابن كثير. وبالرفع قراءة الحسن وقتادة وابن أبي ~~إسحاق. قال النحاس وغيره: إن جعلت " ذا " بمعنى الذي كان الاختيار الرفع، ~~على معنى: الذي ينفقون هو العفو، وجاز النصب. وإن جعلت " ما " و " ذا " ~~شيئا واحدا كان الاختيار النصب، على معنى: قل ينفقون العفو، وجاز الرفع. ~~وحكى النحويون: ماذا تعلمت: أنحوا أم شعرا؟ # بالنصب والرفع، على أنهما جيدان حسنان، إلا أن التفسير في الآية على ~~النصب. # الثانية - قال العلماء: لما كان السؤال في الآية المتقدمة في قوله تعالى: ~~" ويسئلونك ماذا ينفقون " سؤالا عن النفقة إلى من تصرف، كما بيناه ودل عليه ~~الجواب، والجواب خرج على وفق السؤال، كان السؤال الثاني في هذه الآية عن ~~قدر الانفاق، وهو في شأن عمرو بن الجموح - كما تقدم - فإنه لما نزل " قل ما ~~أنفقتم من خير فللوالدين " قال: # كم أنفق؟ فنزل " قل العفو " والعفو: ما سهل وتيسر وفضل، ولم يشق على ~~القلب إخراجه، ومنه قول الشاعر: # خذي العفو منى تستديمي مودتي * ولا تنطقي في سورتي حين أغضب فالمعنى: ~~أنفقوا ما فضل عن حوائجكم، ms0904 ولم تؤذوا فيه أنفسكم فتكونوا عالة، هذا أولى ما ~~قيل في تأويل الآية، وهو معنى قول الحسن وقتادة وعطاء والسدي والقرظي محمد ~~بن كعب وابن أبي ليلى وغيرهم، قالوا: العفو ما فضل عن العيال، ونحوه عن ابن ~~عباس. وقال مجاهد: # صدقة عن ظهر (1) غنى، وكذا قال عليه السلام: " خير الصدقة ما أنفقت عن ~~غنى " وفى حديث # PageV03P061 # آخر: " خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى ". وقال قيس بن سعد: هذه الزكاة ~~المفروضة. # وقال جمهور العلماء: بل هي نفقات التطوع. وقيل: هي منسوخة. وقال الكلبي: ~~كان الرجل بعد نزول هذه الآية إذا كان له مال من ذهب أو فضة أو زرع أو ضرع ~~نظر إلى ما يكفيه وعياله لنفقة سنة أمسكه وتصدق بسائره، وإن كان ممن يعمل ~~بيده أمسك ما يكفيه وعياله يوما وتصدق بالباقي، حتى نزلت آية الزكاة ~~المفروضة فنسخت هذه الآية وكل صدقة أمروا بها. وقال قوم: هي محكمة، وفى ~~المال حق سوى الزكاة. والظاهر يدل على القول الأول. # الثالثة - قوله تعالى: (كذلك يبين الله لكم الآيات) قال المفضل بن سلمة: # أي في أمر النفقة. (لعلكم تتفكرون. في الدنيا والآخرة) فتحبسون من ~~أموالكم ما يصلحكم في معاش الدنيا وتنفقون الباقي فيما ينفعكم في العقبى ~~وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، أي كذلك يبين الله لكم الآيات في أمر الدنيا ~~والآخرة لعلكم تتفكرون في الدنيا وزوالها وفنائها فتزهدون فيها، وفى إقبال ~~الآخرة وبقائها فترغبون فيها. # قوله تعالى: في الدنيا والآخرة ويسئلونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن ~~تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم إن ~~الله عزيز حكيم (220) قوله تعالى: (ويسألونك عن اليتامى) إلى قوله (حكيم) ~~فيه ثمان مسائل: # الأولى - روى أبو داود والنسائي عن ابن عباس قال: لما أنزل الله تعالى: " ~~ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن (1) " و " إن الذين يأكلون أموال ~~اليتامى ظلما (2) " الآية، انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه ~~وشرابه من شرابه فجعل يفضل من طعامه فيحبس له، حتى ms0905 يأكله أو يفسد، فاشتد ~~ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: " ~~ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير " الآية، فخلطوا طعامهم بطعامه ~~وشرابهم # PageV03P062 # بشرابه، لفظ أبى داود. والآية متصلة بما قبل، لأنه اقترن بذكر الأموال ~~الامر بحفظ أموال اليتامى. وقيل: إن السائل عبد الله بن رواحة. وقيل: كانت ~~العرب تتشاءم بملابسة أموال اليتامى في مؤاكلتهم، فنزلت هذه الآية. # الثانية - لما أذن الله عز وجل في مخالطة الأيتام مع قصد الاصلاح بالنظر ~~إليهم وفيهم كان ذلك دليلا على جواز التصرف في مال اليتيم، تصرف الوصي في ~~البيع والقسمة وغير ذلك، على الاطلاق لهذه الآية. فإذا كفل الرجل اليتيم ~~وحازه وكان في نظره جاز عليه فعله وإن لم يقدمه وال عليه، لان الآية مطلقة ~~والكفالة ولاية عامة. لم يؤثر عن أحد من الخلفاء أنه قدم أحدا على يتيم مع ~~وجودهم في أزمنتهم، وإنما كانوا يقتصرون على كونهم عندهم. # الثالثة - تواترت الآثار في دفع مال اليتيم مضاربة والتجارة فيه، وفى ~~جواز خلط ماله بماله، دلالة على جواز التصرف في مال بالبيع والشراء إذا ~~وافق الصلاح، وجواز دفعه مضاربة، إلى غير ذلك على ما نذكره مبينا. واختلف ~~في عمله هو قراضا، فمنعه أشهب، وقاسه على منعه من أن يبيع لهم من نفسه أو ~~يشترى لها. وقال غيره: إذا أخذه على جزء من الربح بنسبة قراض مثله فيه ~~أمضى، كشرائه شيئا لليتيم بتعقب (1) فيكون أحسن لليتيم. # قال محمد بن عبد الحكم: وله أن يبيع له بالدين إن رأى ذلك نظرا. قال ابن ~~كنانة: وله أن ينفق في عرس اليتيم ما يصلح من صنيع وطيب، ومصلحته بقدر حاله ~~وحال من يزوج إليه، وبقدر كثرة ماله. قال: وكذلك في ختانه، فإن خشى أن يتهم ~~رفع ذلك إلى السلطان فيأمره بالقصد، وكل ما فعله على وجه النظر فهو جائز، ~~وما فعله على وجه المحاباة وسوء النظر فلا يجوز. ودل الظاهر على أن ولى ~~اليتيم يعلمه أمر الدنيا والآخرة، ويستأجر له ويؤاجره ممن ms0906 يعلمه الصناعات. ~~وإذا وهب لليتيم شئ فللوصي أن يقبضه لما فيه من الاصلاح. # وسيأتي لهذا مزيد بيان في " النساء (2) " إن شاء الله تعالى. # PageV03P063 # الرابعة - ولما ينفقه الوصي والكفيل من مال اليتيم حالتان: حالة يمكنه ~~الاشهاد عليه، فلا يقبل قوله إلا ببينة. وحالة لا يمكنه الاشهاد عليه فقوله ~~مقبول بغير بينة، فمهما اشترى من العقار وما جرت العادة بالتوثق فيه لم ~~يقبل قوله بغير بينة. قال ابن خويز منداد: # ولذلك فرق أصحابنا بين أن يكون اليتيم في دار الوصي ينفق عليه فلا يكلف ~~الاشهاد على نفقته وكسوته، لأنه يتعذر عليه الاشهاد على ما يأكله ويلبسه في ~~كل وقت، ولكن إذا قال: # أنفقت نفقة لسنة (1) قبل منه، وبين أن يكون عند أمه أو حاضنته فيدعى ~~الوصي أنه كان ينفق عليه، أو كان يعطى الام أو الحاضنة النفقة والكسوة فلا ~~يقبل قوله على الام أو الحاضنة إلا ببينة أنها كانت تقبض ذلك له مشاهرة أو ~~مساناة. # الخامسة - واختلف العلماء في الرجل ينكح نفسه من يتيمته، وهل له أن يشترى ~~لنفسه من مال يتيمه أو يتيمته؟ فقال مالك: ولاية النكاح بالكفالة والحضانة ~~أقوى منها بالقرابة، حتى قال في الاعراب الذين يسلمون أولادهم في أيام ~~المجاعة: إنهم ينكحونهم إنكاحهم، فأما إنكاح الكافل والحاضن لنفسه فيأتي في ~~" النساء " بيانه، إن شاء الله تعالى. # وأما الشراء منه فقال مالك: يشترى في مشهور الأقوال، وكذلك قال أبو ~~حنيفة: له أن يشترى مال الطفل اليتيم لنفسه بأكثر من ثمن المثل، لأنه إصلاح ~~دل عليه ظاهر القرآن. وقال الشافعي: لا يجوز ذلك في النكاح ولا في البيع، ~~لأنه لم يذكر في الآية التصرف، بل قال: # " إصلاح لهم خير " من غير أن يذكر فيه الذي يجوز له النظر. وأبو حنيفة ~~يقول: إذا كان الاصلاح خيرا فيجوز تزويجه ويجوز أن يزوج منه. والشافعي لا ~~يرى في التزويج إصلاحا إلا من جهة دفع الحاجة، ولا حاجة قبل البلوغ. وأحمد ~~بن حنبل يجوز للوصي التزويج لأنه إصلاح. والشافعي يجوز للجد التزويج مع ~~الوصي، وللأب ms0907 في حق ولده الذي ماتت أمه لا بحكم هذه الآية. وأبو حنيفة يجوز ~~للقاضي تزويج اليتيم بظاهر القرآن. وهذه المذاهب نشأت من هذه الآية، فإن ~~ثبت كون التزويج إصلاحا فظاهر الآية يقتضى جوازه. ويجوز أن يكون معنى قوله ~~تعالى: " ويسئلونك عن اليتامى " أي يسألك القوام على اليتامى الكافلون لهم، ~~وذلك مجمل لا يعلم منه عين الكافل والقيم وما يشترط فيه من الأوصاف. # PageV03P064 # فإن قيل: يلزم ترك مالك أصله في التهمة والذرائع إذ جوز له الشراء من ~~يتيمه، فالجواب أن ذلك لا يلزم، وإنما يكون ذلك ذريعة فما يؤدى من الافعال ~~المحظورة إلى محظورة منصوص عليها، وأما ها هنا فقد أذن الله سبحانه في صورة ~~المخالطة، ووكل الحاضنين في ذلك إلى أمانتهم بقوله: " والله يعلم المفسد من ~~المصلح " وكل أمر مخوف وكل الله سبحانه المكلف إلى أمانته لا يقال فيه: إنه ~~يتذرع إلى محظور به فيمنع منه، كما جعل الله النساء مؤتمنات على فروجهن، مع ~~عظيم ما يترتب على قولهن في ذلك من الاحكام، ويرتبط به من الحل والحرمة ~~والأنساب، وإن جاز أن يكذبن. وكان طاوس إذا سئل عن شئ من أمر اليتامى قرأ: ~~" والله يعلم المفسد من المصلح ". وكان ابن سيرين أحب الأشياء إليه في مال ~~اليتيم أن يجتمع نصحاؤه فينظرون الذي هو خير له، ذكره البخاري. وفى هذا ~~دلالة على جواز الشراء منه لنفسه، كما ذكرنا. والقول الآخر أنه لا ينبغي ~~للولي أن يشترى مما تحت يده شيئا، لما يلحقه في ذلك من التهمة إلا أن يكون ~~البيع في ذلك بيع سلطان في ملا من الناس. # وقال محمد بن عبد الحكم: لا يشترى من التركة، ولا بأس أن يدس من يشترى له ~~منها إذا لم يعلم أنه من قبله. # السادسة - قوله تعالى: (وإن تخالطوهم فإخوانكم) هذه المخالطة كخلط المثل ~~بالمثل كالتمر بالتمر. وقال أبو عبيد: مخالطة اليتامى أن يكون لأحدهم المال ~~ويشق على كافله أن يفرد طعامه عنه، ولا يجد بدا من خلطه بعياله فيأخذ من ~~مال اليتيم ما ms0908 يرى أنه كافيه بالتحري فيجعله مع نفقة أهله، وهذا قد يقع فيه ~~الزيادة والنقصان، فجاءت هذه الآية الناسخة بالرخصة فيه. قال أبو عبيد: ~~وهذا عندي أصل لما يفعله الرفقاء في الاسفار فإنهم يتخارجون النفقات بينهم ~~بالسوية، وقد يتفاوتون في قلة المطعم وكثرته، وليس كل من قل مطعمه تطيب ~~نفسه بالتفضل على رفيقه، فلما كان هذا في أموال اليتامى واسعا كان في غيرهم ~~أوسع، ولولا ذلك لخفت أن يضيق فيه الامر على الناس. # (5 - 3) PageV03P065 # السابعة - قوله تعالى: (فإخوانكم) خبر مبتدأ محذوف، أي فهم إخوانكم، ~~والفاء جواب الشرط. وقوله تعالى: (والله يعلم المفسد من المصلح) تحذير، أي ~~يعلم المفسد لأموال اليتامى من المصلح لها، فيجازى كلا على إصلاحه وإفساده. # الثامنة - قوله تعالى: (ولو شاء الله لا عنتكم) روى الحكم عن مقسم عن ابن ~~عباس " ولو شاء الله لأعنتكم " قال: لو شاء لجعل ما أصبتم من أموال اليتامى ~~موبقا. وقيل: # " لأعنتكم " لأهلككم، عن الزجاج وأبى عبيدة. وقال القتبي: لضيق عليكم ~~وشدد، ولكنه لم يشأ إلا التسهيل عليكم. وقيل: أي لكلفكم ما يشتد عليكم ~~أداؤه وأثمكم في مخالطتهم، كما فعل بمن كان قبلكم، ولكنه خفف عنكم. والعنت: ~~المشقة، وقد عنت وأعنته غيره. # ويقال للعظم المجبور إذا أصابه شئ فهاضه: قد أعنته، فهو عنت ومعنت. وعنتت ~~الدابة تعنت عنتا: إذا حدث في قوائمها كسر بعد جبر لا يمكنها معه جرى. ~~وأكمة عنوت: شاقة المصعد. وقال ابن الأنباري: أصل العنت التشديد، فإذا قالت ~~العرب: فلان يتعنت فلانا ويعنته فمرادها يشدد عليه ويلزمه ما يصعب عليه ~~أداؤه، ثم نقلت إلى معنى الهلاك. # والأصل ما وصفنا. # قوله تعالى: (إن الله عزيز) أي لا يمتنع عليه شئ (حكيم) يتصرف في ملكه ~~بما يريد لا حجر عليه، جل وتعالى علوا كبيرا. # قوله تعالى: ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولامة مؤمنة خير من مشركة ولو ~~أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم ~~أولئك يدعون إلى النار والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته ~~للناس ms0909 لعلهم يتذكرون (221) قوله تعالى: (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ~~ولامة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم) فيه سبع مسائل: PageV03P066 # الأولى - قوله تعالى: (ولا تنكحوا) قراءة الجمهور بفتح التاء. وقرئت في ~~الشاذ بالضم، كأن المعنى أن المتزوج لها أنكحها من نفسه. ونكح أصله الجماع، ~~ويستعمل في التزوج تجوزا واتساعا، وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. # الثانية - لما أذن الله سبحانه وتعالى في مخالطة الأيتام، وفى مخالطة ~~النكاح بين أن مناكحة المشركين لا تصح. وقال مقاتل: نزلت هذه الآية في أبى ~~مرثد الغنوي، وقيل: # في مرثد بن أبي مرثد، واسمه كناز بن حصين الغنوي، بعثه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مكة سرا ليخرج رجلا من أصحابه، وكانت له بمكة امرأة يحبها ~~في الجاهلية يقال لها " عناق " فجاءته، فقال لها: إن الاسلام حرم ما كان في ~~الجاهلية، قالت: فتزوجني، قال: حتى أستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذنه فنهاه عن التزوج بها، لأنه كان ~~مسلما وهي مشركة. وسيأتي في " النور " بيانه (1) إن شاء الله تعالى. # الثالثة - واختلف العلماء في تأويل هذه الآية، فقالت طائفة: حرم الله ~~نكاح المشركات في سورة " البقرة " ثم نسخ من هذه الجملة نساء أهل الكتاب، ~~فأحلهن في سورة " المائدة ". وروى هذا القول عن ابن عباس، وبه قال مالك بن ~~أنس وسفيان بن سعيد الثوري، وعبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي (2). وقال قتادة ~~وسعيد بن جبير: لفظ الآية العموم في كل كافرة، والمراد بها الخصوص في ~~الكتابيات، وبينت الخصوص آية " المائدة " ولم يتناول العموم قط الكتابيات. ~~وهذا أحد قولي الشافعي، وعلى القول الأول يتناولهن العموم، ثم نسخت آية " ~~المائدة " بعض العموم. وهذا مذهب مالك رحمه الله، ذكره ابن حبيب، وقال: ~~ونكاح اليهودية والنصرانية وإن كان قد أحله الله تعالى مستثقل مذموم. # وقال إسحاق بن إبراهيم الحربي: ذهب قوم فجعلوا الآية التي في " البقرة " ~~هي الناسخة، والتي في " المائدة " هي المنسوخة، فحرموا نكاح كل مشركة ~~كتابية أو غير كتابية. قال النحاس: # ومن الحجة لقائل ms0910 هذا مما صح سنده ما حدثناه محمد بن ريان، قال: حدثنا ~~محمد بن رمح، قال: حدثنا # PageV03P067 # الليث عن نافع أن عبد الله بن عمر كان إذا سئل عن نكاح الرجل النصرانية ~~أو اليهودية قال: # حرم الله المشركات على المؤمنين، ولا أعرف شيئا من الاشراك أعظم من أن ~~تقول المرأة ربها عيسى، أو عبد من عباد الله!. قال النحاس: وهذا قول خارج ~~عن قول الجماعة الذين تقوم بهم الحجة، لأنه قد قال بتحليل نكاح نساء أهل ~~الكتاب من الصحابة والتابعين جماعة، منهم عثمان وطلحة وابن عباس وجابر ~~وحذيفة. ومن التابعين سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد وطاوس ~~وعكرمة والشعبي والضحاك، وفقهاء الأمصار عليه. وأيضا فيمتنع أن تكون هذه ~~الآية من سورة " البقرة " ناسخة للآية التي في سورة " المائدة " لان " ~~البقرة " من أول ما نزل بالمدينة، و " المائدة " من آخر ما نزل. وإنما ~~الآخر ينسخ الأول، وأما حديث ابن عمر فلا حجة فيه، لان ابن عمر رحمه الله ~~كان رجلا متوقفا، فلما سمع الآيتين، في واحدة التحليل، وفى أخرى التحريم ~~ولم يبلغه النسخ توقف، ولم يؤخذ عنه ذكر النسخ وإنما تؤول عليه، وليس يؤخذ ~~الناسخ والمنسوخ بالتأويل. وذكر ابن عطية: وقال ابن عباس في بعض ما روى ~~عنه: إن الآية عامة في الوثنيات والمجوسيات والكتابيات، وكل من على غير ~~الاسلام حرام، فعلى هذا هي ناسخة للآية التي في " المائدة " وينظر إلى هذا ~~قول ابن عمر في الموطأ: # ولا أعلم إشراكا أعظم من أن تقول المرأة ربها عيسى. وروى عن عمر أنه فرق ~~بين طلحة ابن عبيد الله وحذيفة بن اليمان وبين كتابيتين وقالا: نطلق يا ~~أمير المؤمنين ولا تغضب، فقال: لو جاز طلاقكما لجاز نكاحكما! ولكن أفرق ~~بينكما صغرة قمأة. قال ابن عطية: # وهذا لا يستند جيدا، وأسند منه أن عمر أراد التفريق بينهما فقال له ~~حذيفة: أتزعم أنها حرام فأخلى سبيلها يا أمير المؤمنين؟ فقال: لا أزعم أنها ~~حرام، ولكني أخاف أن تعاطوا المومسات منهن. وروى عن ابن عباس ms0911 نحو هذا. وذكر ~~ابن المنذر جواز نكاح الكتابيات عن عمر بن الخطاب، ومن ذكر من الصحابة ~~والتابعين في قول النحاس. وقال في آخر كلامه: # ولا يصح عن أحد من الأوائل أنه حرم ذلك. وقال بعض العلماء: وأما الآيتان ~~فلا تعارض بينهما، فإن ظاهر لفظ الشرك لا يتناول أهل الكتاب، لقوله تعالى: ~~" ما يود الذين PageV03P068 # كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم (1) "، ~~وقال: # " لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين (2) " ففرق بينهم في ~~اللفظ، وظاهر العطف يقتضى مغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، وأيضا فاسم ~~الشرك عموم وليس بنص، وقوله تعالى: " والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب (3) ~~" بعد قوله: " والمحصنات من المؤمنات " نص، فلا تعارض بين المحتمل وبين ما ~~لا يحتمل. فإن قيل: أراد بقوله: " والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من ~~قبلكم " أي أوتوا الكتاب من قبلكم وأسلموا، كقوله: " وإن من أهل الكتاب لمن ~~يؤمن بالله (4) " الآية. وقوله: " من أهل الكتاب أمة قائمة (5) " الآية. # قيل له: هذا خلاف نص الآية في قوله: " والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب ~~من قبلكم " وخلاف ما قاله الجمهور، فإنه لا يشكل على أحد جواز التزويج ممن ~~أسلم وصار من أعيان المسلمين. فإن قالوا: فقد قال الله تعالى: " أولئك ~~يدعون إلى النار " فجعل العلة في تحريم نكاحهن الدعاء إلى النار. والجواب ~~أن ذلك علة لقوله تعالى: " ولامة مؤمنة خير من مشركة " لان المشرك يدعو إلى ~~النار، وهذه العلة مطردة في جميع الكفار، فالمسلم خير من الكافر مطلقا، ~~وهذا بين. # الرابعة - وأما نكاح أهل الكتاب إذا كانوا حربا فلا يحل، وسئل ابن عباس ~~عن ذلك فقال: لا يحل، وتلا قول الله تعالى: " قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ~~ولا باليوم الآخر (6) " إلى قوله: " صاغرون ". قال المحدث: حدثت بذلك ~~إبراهيم النخعي فأعجبه. وكره مالك تزوج الحربيات، لعلة ترك الولد في دار ~~الحرب، ولتصرفها في الخمر والخنزير. # الخامسة - قوله تعالى: (ولامة مؤمنة خير من مشركة) إخبار بأن المؤمنة ~~المملوكة خير من المشركة، وإن كانت ذات الحسب ms0912 والمال. (ولو أعجبتكم) في ~~الحسن وغير ذلك، هذا قول الطبري وغيره. ونزلت في خنساء وليدة سوداء كانت ~~لحذيفة بن اليمان، فقال لها حذيفة: # يا خنساء، قد ذكرت في الملأ الأعلى مع سوادك ودمامتك، وأنزل الله تعالى ~~ذكرك في كتابه، فأعتقها حذيفة وتزوجها. وقال السدى: نزلت في عبد الله بن ~~رواحة، كانت له أمة سوداء # PageV03P069 # فلطمها في غضب ثم ندم، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال: " ما ~~هي يا عبد الله " قال: تصوم وتصلى وتحسن الوضوء وتشهد الشهادتين، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " هذه مؤمنة ". فقال ابن رواحة: لأعتقنها ولأتزوجنها، ففعل، فطعن عليه ~~ناس من المسلمين وقالوا: نكح أمة، وكانوا يرون أن ينكحوا إلى المشركين، ~~وكانوا ينكحونهم رغبة في أحسابهم، فنزلت هذه الآية. والله أعلم. # السادسة - وأختلف العلماء في نكاح إماء أهل الكتاب، فقال مالك: لا يجوز ~~نكاح الأمة الكتابية. وقال أشهب في كتاب محمد، فيمن أسلم وتحته أمة كتابية: ~~إنه لا يفرق بينهما. # وقال أبو حنيفة وأصحابه، يجوز نكاح إماء أهل الكتاب. قال ابن العربي: ~~درسنا الشيخ أبو بكر الشاشي بمدينة السلام قال: احتج أصحاب (1) أبي حنيفة ~~على جواز نكاح الأمة [الكتابية (2)] بقوله تعالى: " ولامة مؤمنة خير من ~~مشركة ". ووجه الدليل من الآية أن الله سبحانه خاير بين نكاح الأمة المؤمنة ~~والمشركة، فلولا أن نكاح الأمة المشركة جائز لما خاير الله تعالى بينهما، ~~لان المخايرة إنما هي بين الجائزين لا بين جائز وممتنع، ولا بين متضادين. ~~والجواب أن المخايرة بين الضدين تجوز لغة وقرآنا: لان الله سبحانه قال: " ~~أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا (3) ". وقال عمر في رسالته لأبي ~~موسى: " الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل ". جواب آخر: قوله ~~تعالى: " ولامة " لم يرد به الرق المملوك وإنما أراد به الآدمية، والآدميات ~~والآدميون بأجمعهم عبيد الله وإماؤه، قاله القاضي بالبصرة أبو العباس ~~الجرجاني. # السابعة - واختلفوا في نكاح نساء المجوس، فمنع مالك والشافعي وأبو حنيفة ~~والأوزاعي وإسحاق من ذلك. وقال ابن حنبل: لا يعجبني. وروى ms0913 أن حذيفة بن ~~اليمان تزوج مجوسية، وأن عمر قال له: طلقها. وقال ابن القصار: قال بعض ~~أصحابنا: يجب على أحد القولين أن لهم كتابا أن تجوز مناكحتهم. وروى ابن وهب ~~عن مالك أن الأمة المجوسية لا يجوز أن توطأ بملك اليمين، وكذلك الوثنيات ~~وغيرهن من الكافرات، وعلى هذا جماعة العلماء، # PageV03P070 # إلا ما رواه يحيى بن أيوب عن ابن جريج عن عطاء وعمرو بن دينار أنهما سئلا ~~عن نكاح الإماء المجوسيات، فقالا: لا بأس بذلك. وتأولا قول الله عز وجل: " ~~ولا تنكحوا المشركات ". فهذا عندهما. على عقد النكاح لا على الأمة ~~المشتراة، واحتجا بسبي أوطاس، وأن الصحابة نكحوا الإماء منهن بملك اليمين. ~~قال النحاس: وهذا قول شاذ، أما سبى أوطاس فقد يجوز أن يكون الإماء أسلمن ~~فجاز نكاحهن، وأما الاحتجاج بقوله تعالى: " ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن " ~~فغلط، لأنهم حملوا النكاح على العقد، والنكاح في اللغة يقع على العقد وعلى ~~الوطئ، فلما قال: " ولا تنكحوا المشركات " حرم كل نكاح يقع على المشركات من ~~نكاح ووطئ. وقال أبو عمر بن عبد البر: وقال الأوزاعي: سألت الزهري عن الرجل ~~يشترى المجوسية أيطؤها؟ فقال: إذا شهدت أن لا إله إلا الله وطئها. وعن يونس ~~عن ابن شهاب قال: # لا يحل له أن يطأها حتى تسلم. قال أبو عمر: قول ابن شهاب لا يحل له أن ~~يطأها حتى تسلم هذا - وهو أعلم الناس بالمغازي والسير - دليل على فساد قول ~~من زعم أن سبى أوطاس وطئن ولم يسلمن. روى ذلك عن طائفة منهم عطاء وعمرو بن ~~دينار قالا: لا بأس بوطئ المجوسية، وهذا لم يلتفت إليه أحد من الفقهاء ~~بالأمصار. وقد جاء عن الحسن البصري - وهو ممن لم يكن غزوه ولا غزو [أهل ~~(1)] ناحيته إلا الفرس وما وراءهم من خراسان، وليس منهم أحد أهل كتاب - ما ~~يبين لك كيف كانت السيرة في نسائهم إذا سبين، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد ~~بن أسد، قال: حدثنا إبراهيم بن أحمد بن فراس، قال: حدثنا على بن عبد ~~العزيز، ms0914 قال: حدثنا أبو عبيد، قال: حدثنا هشام عن يونس عن الحسن، قال قال ~~رجل له: يا أبا سعيد كيف كنتم تصنعون إذا سبيتموهن؟ قال: كنا نوجهها إلى ~~القبلة ونأمرها أن تسلم وتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ثم ~~نأمرها أن تغتسل، وإذا أراد صاحبها أن يصيبها لم يصبها حتى يستبرئها. وعلى ~~هذا تأويل جماعة العلماء في قول الله تعالى: " ولا تنكحوا المشركات حتى ~~يؤمن ". أنهن الوثنيات والمجوسيات، لان الله تعالى قد أحل الكتابيات بقوله: # " والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم " يعنى العفائف، لا من شهر ~~زناها من # PageV03P071 # المسلمات. ومنهم من كره نكاحها ووطأها بملك اليمين ما لم يكن منهن توبة، ~~لما في ذلك من إفساد النسب. # قوله تعالى: (ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو ~~أعجبكم) فيه إحدى عشر مسألة: # الأولى - قوله تعالى: " ولا تنكحوا " أي لا تزوجوا المسلمة من المشرك. ~~وأجمعت الأمة على أن المشرك لا يطأ المؤمنة بوجه، لما في ذلك من الغضاضة ~~على الاسلام. والقراء على ضم التاء من " تنكحوا ". # الثانية - في هذه الآية دليل بالنص على أن لا نكاح إلا بولي. قال محمد بن ~~علي ابن الحسين: النكاح بولي في كتاب الله، ثم قرأ " ولا تنكحوا المشركين ~~". قال ابن المنذر: # ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا نكاح إلا بولي " وقد ~~اختلف أهل العلم في النكاح بغير ولى، فقال كثير من أهل العلم: لا نكاح إلا ~~بولي، روى هذا الحديث عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعلي بن أبي طالب وابن ~~مسعود وابن عباس وأبي هريرة رضي الله عنهم، وبه قال سعيد بن المسيب والحسن ~~البصري وعمر بن عبد العزيز وجابر بن زيد وسفيان الثوري وابن أبي ليلى وابن ~~شبرمة وابن المبارك والشافعي وعبيد الله ابن الحسن وأحمد وإسحاق وأبو عبيد. # قلت: وهو قول مالك رضي الله عنهم أجمعين وأبى ثور والطبري. قال أبو عمر: # حجة من قال: " لا نكاح إلا بولي " أن ms0915 رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ~~ثبت عنه أنه قال: # " لا نكاح إلا بولي ". روى هذا الحديث شعبة والثوري عن أبي إسحاق عن أبي ~~بردة عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا، فمن يقبل المراسيل يلزمه قبوله، ~~وأما من لا يقبل المراسيل فيلزمه أيضا، لان الذين وصلوه من أهل الحفظ ~~والثقة. وممن وصله إسرائيل وأبو عوانة كلاهما عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن ~~أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم. وإسرائيل ومن تابعه حفاظ، والحافظ ~~تقبل زيادته، وهذه الزيادة يعضدها أصول، قال الله عز وجل: PageV03P072 # " فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن (1) ". وهذه الآية نزلت في معقل بن يسار ~~إذ عضل (2) أخته عن مراجعة زوجها، قاله البخاري. ولو أن له حقا في الانكاح ~~ما نهى عن العضل. قلت: ومما يدل على هذا أيضا من الكتاب قوله: " فانكحوهن ~~بإذن أهلهن (3) " وقول: # " وأنكحوا الأيامى منكم (4) " فلم يخاطب تعالى بالنكاح غير الرجال، ولو ~~كان إلى النساء لذكرهن. # وسيأتي بيان هذا في " النور (5) " وقال تعالى حكاية عن شعيب في قصة موسى ~~عليهما السلام: # " إني أريد أن أنكحك " على ما يأتي بيانه في سورة " القصص (6) ". وقال ~~تعالى: " الرجال قوامون على النساء (7) "، فقد تعاضد الكتاب والسنة على أن ~~لا نكاح إلا بولي. قال الطبري: في حديث حفصة حين تأيمت وعقد عمر عليها ~~النكاح ولم تعقده هي إبطال قول من قال: إن للمرأة البالغة المالكة لنفسها ~~تزويج نفسها وعقد النكاح دون وليها، ولو كان ذلك لها لم يكن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ليدع خطبة حفصة لنفسها إذا كانت أولى بنفسها من أبيها، ~~وخطبها إلى من لا يملك أمرها ولا العقد عليها، وفيه بيان قوله عليه السلام: ~~" الأيم أحق بنفسها من وليها " أن معنى ذلك أنها أحق بنفسها في أنه لا يعقد ~~عليها إلا برضاها، لا أنها أحق بنفسها في أن تعقد عقد النكاح على نفسها دون ~~وليها. وروى الدارقطني عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~" لا تزوج المرأة المرأة ms0916 ولا تزوج المرأة نفسها فإن الزانية هي التي تزوج ~~نفسها ". قال: حديث صحيح. وروى أبو داود من حديث سفيان عن الزهري عن عروة ~~عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أيما امرأة نكحت بغير ~~إذن وليها فنكاحها باطل - ثلاث مرات - فإن دخل بها فالمهر لها بما أصاب ~~منها فإن تشاجروا فالسلطان ولى من لا ولى له ". وهذا الحديث صحيح. ولا ~~اعتبار بقول ابن علية عن ابن جريج أنه قال: سألت عنه الزهري فلم يعرفه، ولم ~~يقل هذا أحد عن ابن جريج غير ابن علية، وقد رواه جماعة عن الزهري لم يذكروا ~~ذلك، ولو ثبت هذا عن الزهري لم يكن في ذلك حجة، لأنه قد نقله عنه ثقات، ~~منهم سليمان بن موسى وهو ثقة إمام # PageV03P073 # وجعفر بن ربيعة، فلو نسيه الزهري لم يضره ذلك، لان النسيان لا يعصم منه ~~ابن آدم، قال صلى الله عليه وسلم: " نسى آدم فنسيت ذريته ". وكان صلى الله ~~عليه وسلم ينسى، فمن سواه أحرى أن ينسى، ومن حفظ فهو حجة على من نسى، فإذا ~~روى الخبر ثقة فلا يضره نسيان من نسيه، هذا لو صح ما حكى ابن علية عن ابن ~~جريج، فكيف وقد أنكر أهل العلم ذلك من حكايته ولم يعرجوا عليها. # قلت: وقد أخرج هذا الحديث أبو حاتم محمد بن حبان التميمي البستي في ~~المسند الصحيح له - على التقاسيم والأنواع من غير وجود قطع في سندها، ولا ~~ثبوت جرح في ناقلها - عن حفص بن غياث عن ابن جريج عن سليمان بن موسى عن ~~الزهري عن عروة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا نكاح ~~إلا بولي وشاهدي عدل وما كان من نكاح على غير ذلك فهو باطل فإن تشاجروا ~~فالسلطان ولى من لا ولى له ". قال أبو حاتم: لم يقل أحد في خبر ابن جريج عن ~~سليمان بن موسى عن الزهري هذا: " وشاهدي عدل " إلا ثلاثة أنفس: سويد بن ~~يحيى الأموي عن حفص بن غياث وعبد الله ms0917 بن عبد الوهاب الجمحي عن خالد بن ~~الحارث وعبد الرحمن بن يونس الرقي عن عيسى بن يونس، ولا يصح في الشاهدين ~~غير هذا الخبر، وإذا ثبت هذا الخبر فقد صرح الكتاب والسنة بأن لا نكاح إلا ~~بولي، فلا معنى لما خالفهما. # وقد كان الزهري والشعبي يقولان: إذا زوجت المرأة نفسها كفؤا بشاهدين فذلك ~~نكاح جائز. وكذلك كان أبو حنيفة يقول: إذا زوجت المرأة نفسها كفؤا بشاهدين ~~فذلك نكاح جائز، وهو قول زفر. وإن زوجت نفسها غير كف ء فالنكاح جائز، ~~وللأولياء أن يفرقوا بينهما. قال ابن المنذر: وأما ما قاله النعمان فمخالف ~~للسنة، خارج عن قول أكثر أهل العلم. # وبالخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نقول. وقال أبو يوسف: لا يجوز ~~النكاح إلا بولي، فإن سلم الولي جاز، وإن أبى أن يسلم والزوج كف ء أجازه ~~القاضي. وإنما يتم النكاح في قوله حين يجيزه القاضي، وهو قول محمد بن ~~الحسن، وقد كان محمد بن الحسن يقول: يأمر القاضي الولي بإجازته، فإن لم ~~يفعل استأنف عقدا. ولا خلاف بين أبي حنيفة وأصحابه أنه إذا أذن لها ~~PageV03P074 # وليها فعقدت النكاح بنفسها جاز. وقال الأوزاعي: إذا ولت أمرها (1) رجلا ~~فزوجها كفؤا فالنكاح جائز، وليس للولي أن يفرق بينهما، إلا أن تكون عربية ~~تزوجت مولى، وهذا نحو مذهب مالك على ما يأتي. وحمل القائلون بمذهب الزهري ~~وأبي حنيفة والشعبي قوله عليه السلام: " لا نكاح إلا بولي " على الكمال لا ~~على الوجوب، كما قال عليه السلام: " لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد " و ~~" لا حظ في الاسلام لمن ترك الصلاة ". واستدلوا على هذا بقوله تعالى: " فلا ~~تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن "، وقوله تعالى: " فلا جناح عليكم فيما فعلن في ~~أنفسهن بالمعروف (2) "، وبما روى الدارقطني عن سماك بن حرب قال: جاء رجل ~~إلى على رضي الله عنه فقال: امرأة أنا وليها تزوجت بغير إذني؟ فقال على: ~~ينظر فيما صنعت، فإن كانت تزوجت كفؤا أجزنا ذلك لها، وإن كانت تزوجت من ليس ~~لها بكف ء ms0918 جعلنا ذلك إليك. وفى الموطأ أن عائشة رضي الله عنها زوجت بنت ~~أخيها عبد الرحمن وهو غائب، الحديث. وقد رواه ابن جريج عن عبد الرحمن بن ~~القاسم بن محمد بن أبي بكر عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها أنكحت رجلا ~~هو المنذر بن الزبير امرأة من بنى أخيها فضربت بينهم بستر، ثم تكلمت حتى ~~إذا لم يبق إلا العقد أمرت رجلا فأنكح، ثم قالت: ليس على النساء إنكاح. ~~فالوجه في حديث مالك أن عائشة قررت المهر وأحوال النكاح، وتولى العقد أحد ~~عصبتها، ونسب العقد إلى عائشة لما كان تقريره إليها. # الثالثة - ذكر ابن خويز منداد: واختلفت الرواية عن مالك في الأولياء، من ~~هم؟ # فقال مرة: كل من وضع المرأة في منصب حسن فهو وليها، سواء كان من العصبة ~~أو من ذوي الأرحام أو الأجانب أو الامام أو الوصي. وقال مرة: الأولياء من ~~العصبة، فمن وضعها منهم في منصب حسن فهو ولى. وقال أبو عمر: قال مالك فيما ~~ذكر ابن القاسم عنه: # إن المرأة إذا زوجها غير وليها بإذنها فإن كانت شريفة لها في الناس حال ~~كان وليها بالخيار في فسخ النكاح وإقراره، وإن كانت دنيئة كالمعتقة ~~والسوداء (3) والسعاية (4) والمسلمانية (5)، ومن # PageV03P075 # لا حال لها جاز نكاحها، ولا خيار لوليها لان كل واحد كف ء لها، وقد روى ~~عن مالك أن الشريفة والدنيئة لا يزوجها إلا وليها أو السلطان، وهذا القول ~~اختاره ابن المنذر، قال: # وأما تفريق مالك بين المسكينة والتي لها قدر فغير جائز، لان النبي صلى ~~الله عليه وسلم قد سوى بين أحكامهم في الدماء فقال: " المسلمون تتكافؤ ~~دماؤهم ". وإذا كانوا في الدماء سواء فهم في غير ذلك شئ واحد. وقال إسماعيل ~~بن إسحاق: لما أمر الله سبحانه بالنكاح جعل المؤمنين بعضهم أولياء بعض فقال ~~تعالى: " والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض (1) " والمؤمنون في الجملة ~~هكذا يرث بعضهم بعضا، فلو أن رجلا مات ولا وارث له لكان ميراثه لجماعة ~~المسلمين، ولو جنى جناية لعقل عنه المسلمون، ثم تكون ولاية ms0919 أقرب من ولاية، ~~وقرابة أقرب من قرابة. وإذا كانت المرأة بموضع لا سلطان فيه ولا ولى لها ~~فإنها تصير أمرها إلى من يوثق به من جيرانها، فيزوجها ويكون هو وليها في ~~هذه الحال، لان الناس لا بد لهم من التزويج، وإنما يعملون فيه بأحسن ما ~~يمكن، وعلى هذا قال مالك في المرأة الضعيفة الحال: إنه يزوجها من تسند ~~أمرها إليه، لأنها ممن تضعف عن السلطان فأشبهت من لا سلطان بحضرتها، فرجعت ~~في الجملة إلى أن المسلمين أولياؤها، فأما إذا صيرت أمرها إلى رجل وتركت ~~أولياءها فإنها أخذت الامر من غير وجهه، وفعلت ما ينكره الحاكم عليها ~~والمسلمون، فيفسخ ذلك النكاح من غير أن يعلم أن حقيقته حرام، لما وصفنا من ~~أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض، ولما في ذلك من الاختلاف، ولكن يفسخ لتناول ~~الامر من غير وجهه، ولأنه أحوط للفروج ولتحصينها، فإذا وقع الدخول وتطاول ~~الامر وولدت الأولاد وكان صوابا لم يجز الفسخ، لان الأمور إذا تفاوتت لم ~~يرد منها إلا الحرام الذي لا يشك فيه، ويشبه ما فات من ذلك بحكم الحاكم إذا ~~حكم بحكم لم يفسخ إلا أن يكون خطأ لا شك فيه. وأما الشافعي وأصحابه فالنكاح ~~عندهم بغير ولى مفسوخ أبدا قبل الدخول وبعده، ولا يتوارثان إن مات أحدهما. ~~والولي عندهم من فرائض النكاح، لقيام الدليل عندهم من الكتاب والسنة: قال ~~الله تعالى: # " وأنكحوا الأيامى منكم " كما قال: " فانكحوهن بإذن أهلهن "، وقال مخاطبا ~~للأولياء: # PageV03P076 # " فلا تعضلوهن ". وقال عليه السلام: " لا نكاح إلا بولي ". ولم يفرقوا ~~بين دنية الحال (1) وبين الشريفة، لاجماع العلماء على أن لا فرق بينهما في ~~الدماء، لقوله عليه السلام: # " المسلمون تتكافؤ دماؤهم ". وسائر الأحكام كذلك. وليس في شئ من ذلك فرق ~~بين الرفيع والوضيع في كتاب ولا سنة. # الرابعة - واختلفوا في النكاح يقع على غير ولى ثم يجيزه الولي قبل ~~الدخول، فقال مالك وأصحابه إلا عبد الملك: ذلك جائز، إذا كانت إجازته لذلك ~~بالقرب، وسواء دخل أو لم يدخل. # هذا إذا عقد النكاح غير ms0920 ولى ولم تعقده المرأة بنفسها، فإن زوجت المرأة ~~نفسها وعقدت عقدة النكاح من غير ولى قريب ولا بعيد من المسلمين فإن هذا ~~النكاح لا يقر أبدا على حال وإن تطاول وولدت الأولاد، ولكنه يلحق الولد إن ~~دخل، ويسقط الحد، ولا بد من فسخ ذلك النكاح على كل حال. وقال ابن نافع عن ~~مالك: الفسخ فيه بغير طلاق. # الخامسة - واختلف العلماء في منازل الأولياء وترتيبهم، فكان مالك يقول: ~~أولهم البنون وإن سفلوا، ثم الآباء، ثم الاخوة للأب والام، ثم للأب، ثم بنو ~~الاخوة للأب والام، ثم بنو الاخوة للأب، ثم الأجداد للأب وإن علوا، ثم ~~العمومة على ترتيب الاخوة، ثم بنوهم على ترتيب بنى الاخوة وإن سفلوا، ثم ~~المولى ثم السلطان أو قاضيه. والوصي مقدم في إنكاح الأيتام على الأولياء، ~~وهو خليفة الأب ووكيله، فأشبه حاله لو كان الأب حيا. وقال الشافعي: # لا ولاية لاحد مع الأب، فإن مات فالجد، ثم أب أب الجد، لأنهم كلهم آباء. ~~والولاية بعد الجد للاخوة، ثم الأقرب. وقال المزني: قال في الجديد: من ~~انفرد بأم كان أولى بالنكاح، كالميراث. وقال في القديم: هما سواء. # قلت: وروى المدنيون عن مالك مثل قول الشافعي، وأن الأب أولى من الابن، ~~وهو أحد قولي أبي حنيفة، حكاه الباجي. وروى عن المغيرة أنه قال: الجد أولى ~~من الاخوة، والمشهور من المذهب ما قدمناه. وقال أحمد: أحقهم بالمرأة أن ~~يزوجها أبوها، ثم الابن، ثم الأخ، ثم ابنه، ثم العم. وقال إسحاق: الابن ~~أولى من الأب، كما قاله مالك، واختاره ابن المنذر، لان عمر بن أم سلمة ~~زوجها بإذنها من رسول الله صلى الله عليه وسلم. # PageV03P077 # قلت: أخرجه النسائي عن أم سلمة وترجم له (إنكاح الابن أمه). # قلت: وكثيرا ما يستدل بهذا علماؤنا وليس بشئ، والدليل على ذلك ما ثبت في ~~الصحاح أن عمر بن أبي سلمة قال: كنت غلاما في حجر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال: " يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل ~~مما ms0921 يليك ". وقال أبو عمر في كتاب الاستيعاب: عمر بن أبي سلمة يكنى أبا ~~حفص، ولد في السنة الثانية من الهجرة بأرض الحبشة. وقيل: إنه كان يوم قبض ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن تسع سنين. # قلت: ومن كان سنه هذا لا يصلح أن يكون وليا، ولكن ذكر أبو عمر أن لأبي ~~سلمة من أم سلمة ابنا آخر اسمه سلمة، وهو الذي عقد لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على أمه أم سلمة، وكان سلمة أسن من أخيه عمر بن أبي سلمة، ولا ~~أحفظ له رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد روى عنه عمر أخوه. # السادسة - واختلفوا في الرجل يزوج المرأة الابعد من الأولياء - كذا وقع، ~~والأقرب عبارة أن يقال: اختلف في المرأة يزوجها من أوليائها الابعد والأقعد ~~(1) حاضر، فقال الشافعي: # النكاح باطل. وقال مالك: النكاح جائز. قال ابن عبد البر: إن لم ينكر ~~الأقعد شيئا من ذلك ولا رده نفذ، وإن أنكره وهي ثيب أو بكر بالغ يتيمة ولا ~~وصى لها فقد اختلف قول مالك وأصحابه وجماعة من أهل المدينة في ذلك، فقال ~~منهم قائلون: لا يرد ذلك وينفذ، لأنه نكاح انعقد بإذن ولى من الفخذ ~~والعشيرة. ومن قال هذا منهم لا ينفذ قال: إنما جاءت الرتبة في الأولياء على ~~الأفضل والأولى، وذلك مستحب وليس بواجب. وهذا تحصيل مذهب مالك عند أكثر ~~أصحابه، وإياه اختار إسماعيل بن إسحاق وأتباعه. وقيل: # ينظر السلطان في ذلك ويسأل الولي الأقرب على ما ينكره، ثم إن رأى إمضاءه ~~أمضاه، وإن رأى أن يرده رده. وقيل: بل للأقعد رده على كل حال، لأنه حق له. ~~وقيل: له رده وإجازته ما لم يطل مكثها وتلد الأولاد، وهذه كلها أقاويل أهل ~~المدينة. # PageV03P078 # السابعة - فلو كان الولي الأقرب محبوسا أو سفيها زوجها من يليه من ~~أوليائها، وعد كالميت منهم، وكذلك إذا غاب الأقرب من أوليائها غيبة بعيدة ~~أو غيبة لا يرجى لها أوبة سريعة زوجها من يليه من الأولياء. وقد قيل: إذا ~~غاب أقرب أوليائها ms0922 لم يكن للذي يليه تزويجها، ويزوجها الحاكم، والأول قول ~~مالك. # الثامنة - وإذا كان الوليان قد استويا في القعدد (1) وغاب أحدهما وفوضت ~~المرأة عقد نكاحها إلى الحاضر لم يكن للغائب إن قدم نكرته. وإن كانا حاضرين ~~ففوضت أمرها إلى أحدهما لم يزوجها إلا بإذن صاحبه، فإن اختلفا نظر الحاكم ~~في ذلك، وأجاز عليها رأى أحسنهما نظرا لها، رواه ابن وهب عن مالك. # التاسعة - وأما الشهادة على النكاح فليست بركن عند مالك وأصحابه، ويكفي ~~من ذلك شهرته والاعلان به، وخرج عن أن يكون نكاح سر. قال ابن القاسم عن ~~مالك: # لو زوج ببينة، وأمرهم أن يكتموا ذلك لم يجز النكاح، لأنه نكاح سر. وإن ~~تزوج بغير بينة على غير استسرار جاز، وأشهدا فيما يستقبلان. وروى ابن وهب ~~عن مالك في الرجل يتزوج المرأة بشهادة رجلين ويستكتمهما قال: يفرق بينهما ~~بتطليقة ولا يجوز النكاح، ولها صداقها إن كان أصابها، ولا يعاقب الشاهدان. ~~وقال أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما: إذا تزوجها بشاهدين وقال لهما: اكتما ~~جاز النكاح. قال أبو عمر: وهذا قول يحيى بن يحيى الليثي الأندلسي صاحبنا، ~~قال: كل نكاح شهد عليه رجلان فقد خرج من حد السر، وأظنه حكاه عن الليث ابن ~~سعد. والسر عند الشافعي والكوفيين ومن تابعهم: كل نكاح لم يشهد عليه رجلان ~~فصاعدا، ويفسخ على كل حال. # قلت: قول الشافعي أصح للحديث الذي ذكرناه. وروى عن ابن عباس أنه قال: # لا نكاح إلا بشاهدي عدل وولى مرشد، ولا مخالف له من الصحابة فيما علمته. ~~واحتج مالك # PageV03P079 # لمذهبه أن البيوع التي ذكرها الله تعالى فيها الاشهاد عند العقد، وقد ~~قامت الدلالة بأن ذلك ليس من فرائض البيوع. والنكاح الذي لم يذكر الله ~~تعالى فيه الاشهاد أحرى بألا يكون الاشهاد فيه من شروطه وفرائضه، وإنما ~~الغرض الاعلان والظهور لحفظ الأنساب. والاشهاد يصلح بعد العقد للتداعي ~~والاختلاف فيما ينعقد بين المتناكحين، وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: " أعلنوا النكاح ". وقول مالك هذا قول ابن شهاب وأكثر أهل ~~المدينة. # العاشرة ms0923 - قوله تعالى: (ولعبد مؤمن) أي مملوك (خير من مشرك) أي حسيب. # (ولو أعجبكم) أي حسبه وماله، حسب ما تقدم. وقيل المعنى: ولرجل مؤمن، وكذا ~~ولامة مؤمنة، أي ولا امرأة مؤمنة، كما بيناه. قال صلى الله عليه وسلم: " كل ~~رجالكم عبيد الله وكل نسائكم إماء الله " وقال: " لا تمنعوا إماء الله ~~مساجد الله " وقال تعالى: # " نعم العبد إنه أواب (1) ". وهذا أحسن ما حمل عليه القول في هذه الآية، ~~وبه يرتفع النزاع ويزول الخلاف، والله الموفق. # الحادية عشر - قوله تعالى: (أولئك) إشارة للمشركين والمشركات. (يدعون إلى ~~النار) أي إلى الأعمال الموجبة للنار، فإن صحبتهم ومعاشرتهم توجب الانحطاط ~~في كثير من هواهم مع تربيتهم النسل. (والله يدعو إلى الجنة) أي إلى عمل أهل ~~الجنة. (بإذنه) أي بأمره، قاله الزجاج. # قوله تعالى: ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا ~~تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب ~~التوابين ويحب المتطهرين (222) فيه أربع عشرة مسألة: # الأولى: قوله تعالى: (ويسألونك عن المحيض) ذكر الطبري عن السدى أن السائل ~~ثابت بن الدحداح - وقيل: أسيد بن حضير وعباد بن بشر، وهو قول الأكثرين. ~~وسبب السؤال # PageV03P080 # فيما قال قتادة وغيره: أن العرب في المدينة وما والاها كانوا قد استنوا ~~بسنة بني إسرائيل في تجنب مؤاكلة الحائض ومساكنتها، فنزلت هذه الآية. وقال ~~مجاهد: كانوا يتجنبون النساء في الحيض، ويأتونهن في أدبارهن مدة زمن الحيض، ~~فنزلت. وفى صحيح مسلم عن أنس: أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم ~~يؤاكلوها ولم يجامعوهن (1) في البيوت، فسأل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: " ويسألونك عن المحيض قل هو ~~أذى فاعتزلوا النساء في المحيض " إلى آخر الآية، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " اصنعوا كل شئ إلا النكاح " فبلغ ذلك اليهود، فقالوا: ما يريد هذا الرجل ~~أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه، فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر ~~فقالا: يا رسول الله، إن ms0924 اليهود تقول كذا وكذا، أفلا نجامعهن؟ فتغير وجه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى ظننا أن قد وجد (2) عليهما، فخرجا ~~فاستقبلهما هدية من لبن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل في ~~آثارهما فسقاهما، فعرفا أن لم يجد عليهما. قال علماؤنا: كانت اليهود ~~والمجوس تجتنب الحائض، وكانت النصارى يجامعون الحيض، فأمر الله بالقصد بين ~~هذين. # الثانية - قوله تعالى: (عن المحيض) المحيض: الحيض وهو مصدر، يقال: # حاضت المرأة حيضا ومحاضا ومحيضا، فهي حائض، وحائضة أيضا، عن الفراء ~~وأنشد: # * كحائضة يزنى بها غير طاهر * ونساء حيض وحوائض. والحيضة: المرة الواحدة. ~~والحيضة (بالكسر) الاسم، [والجمع] الحيض. والحيضة أيضا: الخرقة التي تستثفر ~~(3) بها المرأة. قالت عائشة رضي الله عنها: ليتني كنت حيضة ملقاة. وكذلك ~~المحيضة، والجمع المحائض. وقيل: المحيض عبارة عن الزمان والمكان، وعن الحيض ~~نفسه، وأصله في الزمان والمكان مجاز في الحيض. وقال الطبري: # المحيض اسم للحيض، ومثله قول رؤبة في العيش: # إليك أشكو شدة المعيش * ومر أعوام (4) نتفن ريشي # PageV03P081 # وأصل الكلمة من السيلان والانفجار، يقال: حاض السيل وفاض، وحاضت الشجرة ~~أي سالت رطوبتها، ومنه الحيض أي الحوض، لان الماء يحيض إليه أي يسيل، ~~والعرب تدخل الواو على الياء والياء على الواو، لأنهما من حيز واحد. قال ~~ابن عرفة: المحيض والحيض اجتماع الدم إلى ذلك الموضع، وبه سمى الحوض ~~لاجتماع الماء فيه، يقال: حاضت المرأة وتحيضت، ودرست وعركت، وطمثت، تحيض ~~حيضا ومحاضا ومحيضا إذا سال الدم منها في أوقات معلومة. فإذا سال في غير ~~أيام معلومة، ومن غير عرق المحيض قلت: استحيضت، فهي مستحاضة. ابن العربي. ~~ولها ثمانية أسماء: الأول - حائض. الثاني - عارك. # الثالث - فارك. الرابع - طامس (1). الخامس - دارس. السادس - كابر. السابع ~~- ضاحك. الثامن - طامث. قال مجاهد في قوله تعالى: " فضحكت " يعنى حاضت. # وقيل في قوله تعالى: " فلما رأينه أكبرنه " يعنى حضن. وسيأتي في موضعه ~~(2) إن شاء الله تعالى. # الثالثة - أجمع العلماء على أن للمرأة ثلاثة أحكام في رؤيتها الدم الظاهر ~~السائل من فرجها، فمن ذلك الحيض المعروف، ودمه أسود خاثر ms0925 تعلوه حمرة، تترك ~~له الصلاة والصوم، لا خلاف في ذلك. وقد يتصل وينقطع، فإن اتصل فالحكم ثابت ~~له، وإن انقطع فرأت الدم يوما والطهر يوما، أو رأت الدم يومين والطهر يومين ~~أو يوما فإنها تترك الصلاة في أيام الدم، وتغتسل عند انقطاعه وتصلى، ثم ~~تلفق أيام الدم وتلغى أيام الطهر المتخللة لها، ولا تحتسب بها طهرا في عدة ~~ولا استبراء. والحيض خلقة في النساء، وطبع معتاد معروف منهن. روى البخاري ~~عن أبي سعيد الخدري قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أضحى أو فطر ~~إلى المصلى فمر على النساء فقال: " يا معشر النساء تصدقن فإني أريتكن أكثر ~~أهل النار - فقلن وبم يا رسول الله؟ قال - تكثرن اللعن وتكفرن العشير ما ~~رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن - قلن: وما نقصان ~~عقلنا وديننا يا رسول الله؟ قال: أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ ~~قلن: بلى، قال: فذلك من نقصان عقلها أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم - قلن: ~~بلى يا رسول الله، قال - فذلك من نقصان دينها ". # PageV03P082 # وأجمع العلماء على أن الحائض تقضى الصوم ولا تقضى الصلاة، لحديث معاذة ~~قالت: # سألت عائشة فقلت: ما بال الحائض تقضى الصوم ولا تقضى الصلاة؟ قالت: ~~أحرورية (1) أنت؟ قلت: لست بحرورية، ولكني أسأل. قالت: كان يصيبنا ذلك ~~فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة، خرجه مسلم. فإذا انقطع عنها كان ~~طهرها منه الغسل، على ما يأتي. # الرابعة - واختلف العلماء في مقدار الحيض، فقال فقهاء المدينة: إن الحيض ~~لا يكون أكثر من خمسة عشر يوما، وجائز أن يكون خمسة عشر يوما فما دون، وما ~~زاد على خمسة عشر يوما لا يكون حيضا وإنما هو استحاضة، هذا مذهب مالك ~~وأصحابه. وقد روى عن مالك أنه لا وقت لقليل الحيض ولا لكثيره إلا ما يوجد ~~في النساء، فكأنه ترك قوله الأول ورجع إلى عادة النساء. وقال محمد بن ~~مسلمة: أقل الطهر خمسة عشر يوما، وهو اختيار أكثر البغداديين من المالكيين، ~~وهو ms0926 قول الشافعي وأبي حنيفة وأصحابهما والثوري، وهو الصحيح في الباب، لان ~~الله تعالى قد جعل عدة ذوات الأقراء ثلاث حيض، وجعل عدة من لا تحيض من كبر ~~أو صغر ثلاثة أشهر، فكان كل قرء عوضا من شهر، والشهر يجمع الطهر والحيض. # فإذا قل الحيض كثر الطهر، وإذا كثر الحيض قل الطهر، فلما كان أكثر الحيض ~~خمسة عشر يوما وجب أن يكون بإزائه أقل الطهر خمسة عشر يوما ليكمل في الشهر ~~الواحد حيض وطهر، وهو المتعارف في الأغلب من خلقة النساء وجبلتهن مع دلائل ~~القرآن والسنة. وقال الشافعي: # أقل الحيض يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر يوما. وقد روى عنه مثل قول مالك: ~~إن ذلك مردود إلى عرف النساء. وقال أبو حنيفة وأصحابه: أقل الحيض ثلاثة ~~أيام، وأكثره عشرة. قال ابن عبد البر: ما نقص عند هؤلاء عن ثلاثة أيام فهو ~~استحاضة، لا يمنع من الصلاة إلا عند أول ظهوره، لأنه لا يعلم مبلغ مدته. ثم ~~على المرأة قضاء صلاة تلك # PageV03P083 # الأوقات، وكذلك ما زاد على عشرة أيام عند الكوفيين. وعند الحجازيين ما ~~زاد على خمسة عشر يوما فهو استحاضة. وما كان أقل من يوم وليلة عند الشافعي ~~فهو استحاضة، وهو قول الأوزاعي والطبري. وممن قال أقل الحيض يوم وليلة ~~وأكثره خمسة عشر يوما عطاء بن أبي رباح وأبو ثور وأحمد بن حنبل. قال ~~الأوزاعي: وعندنا امرأة تحيض غدوة وتطهر عشية. قد أتينا على ما للعلماء في ~~هذا الباب - من أكثر الحيض وأقله وأقل الطهر، وفى الاستظهار، والحجة في ذلك ~~- في " المقتبس في شرح موطأ مالك بن أنس " فإن كانت بكرا مبتدأة فإنها تجلس ~~أول ما ترى الدم في قول الشافعي خمسة عشر يوما، ثم تغتسل وتعيد صلاة أربعة ~~عشر يوما. وقال مالك: لا تقضى الصلاة ويمسك عنها زوجها. على بن زياد عنه: ~~تجلس قدر لداتها، وهذا قول عطاء والثوري وغيرهما. ابن حنبل: تجلس يوما ~~وليلة، ثم تغتسل وتصلى ولا يأتيها زوجها. أبو حنيفة وأبو يوسف: تدع الصلاة ~~عشرا، ثم تغتسل وتصلى ms0927 عشرين يوما، ثم تترك الصلاة بعد العشرين عشرا، فيكون ~~هذا حالها حتى ينقطع الدم عنها. أما التي لها أيام معلومة فإنها تستظهر على ~~أيامها المعلومة بثلاثة أيام، عن مالك: ما لم تجاوز خمسة عشر يوما. ~~الشافعي: تغتسل إذا انقضت أيامها بغير استظهار. # والثاني من الدماء: دم النفاس عند الولادة، وله أيضا عند العلماء حد ~~معلوم اختلفوا فيه، فقيل: شهران، وهو قول مالك. وقيل: أربعون يوما، وهو قول ~~الشافعي. وقيل غير ذلك. وطهرها عند انقطاعه. والغسل منه كالغسل من الجنابة. ~~قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب: ودم الحيض والنفاس يمنعان أحد عشر شيئا: ~~وهي وجوب الصلاة وصحة فعلها وفعل الصوم دون وجوبه - وفائدة الفرق لزوم ~~القضاء للصوم ونفيه في الصلاة - والجماع في الفرج وما دونه والعدة والطلاق ~~والطواف ومس المصحف ودخول المسجد والاعتكاف فيه، وفى قراءة القرآن روايتان. # والثالث من الدماء: دم ليس بعادة ولا طبع منهن ولا خلقة، وإنما هو عرق ~~انقطع، سائله دم أحمر لا انقطاع له إلا عند البرء منه، فهذا حكمه أن تكون ~~المرأة منه طاهرة لا يمنعها PageV03P084 # من صلاة ولا صوم بإجماع من العلماء واتفاق من الآثار المرفوعة إذا كان ~~معلوما أنه دم عرق لا دم حيض. روى مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ~~رضي الله عنها أنها قالت: # قالت فاطمة بنت أبي حبيش: يا رسول الله، إني لا أطهر! أفأدع الصلاة؟ فقال ~~رسول (1) الله صلى الله عليه وسلم: " إنما ذلك عرق وليس بالحيضة إذا أقبلت ~~الحيضة فدعى الصلاة فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلى ". وفى هذا الحديث ~~مع صحته وقلة ألفاظه ما يفسر لك أحكام الحائض والمستحاضة، وهو أصح ما روى ~~في هذا الباب، وهو يرد ما روى عن عقبة بن عامر ومكحول أن الحائض تغتسل ~~وتتوضأ عند كل وقت صلاة، وتستقبل القبلة ذاكرة الله عز وجل جالسة. وفيه أن ~~الحائض لا تصلى، وهو إجماع من كافة العلماء إلا طوائف من الخوارج يرون على ~~الحائض الصلاة. وفيه ما يدل على أن ms0928 المستحاضة لا يلزمها غير ذلك الغسل الذي ~~تغتسل من حيضها، ولو لزمها غيره لأمرها به، وفيه رد لقول من رأى ذلك عليها ~~لكل صلاة. ولقول من رأى عليها أن تجمع بين صلاتي النهار بغسل واحد، وصلاتي ~~الليل بغسل واحد وتغتسل للصبح. ولقول من قال: تغتسل من طهر إلى طهر. ولقول ~~سعيد بن المسيب من طهر إلى طهر، لان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ~~يأمرها بشئ من ذلك. وفيه رد لقول من قال بالاستظهار، لان النبي صلى الله ~~عليه وسلم أمرها إذا علمت أن حيضتها قد أدبرت وذهبت أن تغتسل وتصلى، ولم ~~يأمرها أن تترك الصلاة ثلاثة أيام لانتظار حيض يجئ، أو لا يجئ، والاحتياط ~~إنما يكون في عمل الصلاة لا في تركها. # الخامسة - قوله تعالى: (قل هو أذى) أي هو شئ تتأذى به المرأة وغيرها أي ~~برائحة دم الحيض. والأذى كناية عن القذر على الجملة. ويطلق على القول ~~المكروه، ومنه قوله تعالى: " لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى (2) " أي بما ~~تسمعه من المكروه. ومنه قوله تعالى: " ودع أذاهم (3) " أي دع أذى المنافقين ~~لا تجازهم إلا أن تؤمر فيهم، وفى الحديث: # PageV03P085 # " وأميطوا عنه الأذى " يعنى ب‍ " الأذى " الشعر الذي يكون على رأس الصبي ~~حين يولد، يحلق عنه يوم أسبوعه، وهي العقيقة. وفى حديث الايمان: " وأدناها ~~إماطة الأذى عن الطريق " أي تنحيته، يعنى الشوك والحجر، وما أشبه ذلك مما ~~يتأذى به المار. وقوله تعالى: # " ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر " وسيأتي (1). # السادسة - استدل من منع وطئ المستحاضة بسيلان دم الاستحاضة، فقالوا: # كل دم فهو أذى، يجب غسله من الثوب والبدن، فلا فرق في المباشرة بين دم ~~الحيض والاستحاضة لأنه كله رجس. وأما الصلاة فرخصة وردت بها السنة كما يصلى ~~بسلس البول، هذا قول إبراهيم النخعي وسليمان بن يسار والحكم بن عيينة وعامر ~~الشعبي وابن سيرين والزهري. واختلف فيه عن الحسن، وهو قول عائشة: لا يأتيها ~~زوجها، وبه قال ابن علية والمغيرة بن عبد الرحمن، وكان من أعلى أصحاب ms0929 مالك، ~~وأبو مصعب، وبه كان يفتى. # وقال جمهور العلماء: المستحاضة تصوم وتصلى وتطوف وتقرأ، ويأتيها زوجها. ~~قال مالك: أمر (3) أهل الفقه والعلم على هذا، لان كان دمها كثيرا، رواه عنه ~~ابن وهب. وكان أحمد يقول: أحب إلى ألا يطأها إلا أن يطول ذلك بها. وعن ابن ~~عباس في المستحاضة: # لا بأس أن يصيبها زوجها وإن كان الدم يسيل على عقبيها. وقال مالك: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنما ذلك عرق وليس بالحيضة ". فإذا لم تكن ~~حيضة فما يمنعه أن يصيبها وهي تصلى! قال ابن عبد البر: لما حكم الله عز وجل ~~في دم المستحاضة بأنه لا يمنع الصلاة وتعبد فيه بعبادة غير عبادة الحائض ~~وجب ألا يحكم له بشئ من حكم الحيض إلا فيما أجمعوا عليه من غسله كسائر ~~الدماء. # السابعة - قوله تعالى: (فاعتزلوا النساء في المحيض) أي في زمن الحيض، إن ~~حملت المحيض على المصدر، أو في محل الحيض إن حملته على الاسم. ومقصود هذا ~~النهى ترك المجامعة. وقد اختلف العلماء في مباشرة الحائض وما يستباح منها، ~~فروى عن ابن عباس وعبيدة السلماني أنه يجب أن يعتزل الرجل فراش زوجته إذا ~~حاضت. وهذا قول شاذ # PageV03P086 # خارج عن قول العلماء. وإن كان عموم الآية يقتضيه فالسنة الثابتة بخلافه، ~~وقد وقفت على ابن عباس خالته ميمونة وقالت له: أراغب أنت عن سنة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم؟! # وقال مالك والشافعي والأوزاعي وأبو حنيفة وأبو يوسف وجماعة عظيمة من ~~العلماء: # له منها ما فوق الازار، لقوله عليه السلام للسائل حين سأله -: ما يحل لي ~~من امرأتي وهي حائض؟ فقال -: " لتشد عليها إزارها ثم شأنك (1) بأعلاها " ~~وقوله عليه السلام لعائشة حين حاضت: " شدي على نفسك إزارك ثم عودي إلى ~~مضجعك ". وقال الثوري ومحمد ابن الحسن وبعض أصحاب الشافعي: مجتنب موضع ~~الدم، لقوله عليه السلام: " اصنعوا كل شئ إلا النكاح ". وقد تقدم. وهو قول ~~داود، وهو الصحيح من قول الشافعي. # وروى أبو معشر عن إبراهيم عن مسروق قال: سألت عائشة ما ms0930 يحل لي من امرأتي ~~وهي حائض؟ فقالت: كل شئ إلا الفرج. قال العلماء: مباشرة الحائض وهي متزرة ~~على الاحتياط والقطع للذريعة، ولأنه لو أباح فخذيها كان ذلك من ذريعة إلى ~~موضع الدم المحرم بإجماع فأمر بذلك احتياطا، والمحرم نفسه موضع الدم، فتتفق ~~بذلك معاني الآثار، ولا تضاد، وبالله التوفيق. # الثامنة - واختلفوا في الذي يأتي امرأته وهي حائض ماذا عليه، فقال مالك ~~والشافعي وأبو حنيفة: يستغفر الله ولا شئ عليه، وهو قول ربيعة ويحيى بن ~~سعيد، وبه قال داود. وروى عن محمد بن الحسن: يتصدق بنصف دينار. وقال أحمد: ~~ما أحسن حديث عبد الحميد عن مقسم عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: ~~" يتصدق بدينار أو نصف دينار ". أخرجه أبو داود وقال: هكذا الرواية ~~الصحيحة، قال: دينار أو نصف دينار، واستحبه الطبري. فإن لم يفعل فلا شئ ~~عليه، وهو قول الشافعي ببغداد. وقالت فرقة من أهل الحديث: إن وطئ في الدم ~~فعليه دينار، وإن وطئ في انقطاعه فنصف دينار. # وقال الأوزاعي: من وطئ امرأته وهي حائض تصدق بخمسي دينار، والطرق لهذا ~~كله في " سنن أبي داود والدارقطني " وغيرهما. وفى كتاب الترمذي عن ابن عباس ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا كان دما أحمر فدينار وإن كان دما ~~أصفر فنصف دينار ". # PageV03P087 # قال أبو عمر: حجة من لم يوجب عليه كفارة إلا الاستغفار والتوبة اضطراب ~~هذا الحديث عن ابن عباس، وأن مثله لا تقوم به حجة، وأن الذمة على البراءة، ~~ولا يجب أن يثبت فيها شئ لمسكين ولا غيره إلا بدليل لا مدفع فيه ولا مطعن ~~عليه، وذلك معدوم في هذه المسألة. # التاسعة - قوله تعالى: (ولا تقربوهن حتى يطهرن) قال ابن العربي: سمعت ~~الشاشي في مجلس النظر يقول: إذا قيل لا تقرب (بفتح الراء) كان معناه: لا ~~تلبس بالفعل، وإن كان بضم الراء كان معناه: لا تدن منه. وقرأ نافع وأبو ~~عمرو وابن كثير وابن عامر وعاصم في رواية حفص عنه " يطهرن " بسكون الطاء ~~وضم الهاء. وقرأ حمزة والكسائي ms0931 وعاصم في رواية أبى بكر والمفضل " يطهرن " ~~بتشديد الطاء والهاء وفتحهما. وفى مصحف أبى وعبد الله " يتطهرن ". وفى مصحف ~~أنس بن مالك " ولا تقربوا النساء في محيضهن واعتزلوهن حتى يتطهرن ". ورجح ~~الطبري قراءة تشديد الطاء، وقال: هي بمعنى يغتسلن، لاجماع الجميع على أن ~~حراما على الرجل أن يقرب امرأته بعد انقطاع الدم حتى تطهر. قال: # وإنما الخلاف في الطهر ما هو، فقال قوم: هو الاغتسال بالماء. وقال قوم: ~~هو وضوء كوضوء الصلاة. وقال قوم: هو غسل الفرج، وذلك يحلها لزوجها وإن لم ~~تغتسل من الحيضة، ورجح أبو على الفارسي قراءة تخفيف الطاء، إذ هو ثلاثي ~~مضاد لطمث وهو ثلاثي. # العاشرة - قوله تعالى: (فإذا تطهرن) يعنى بالماء، وإليه ذهب مالك وجمهور ~~العلماء، وأن الطهر الذي يحل به جماع الحائض الذي يذهب عنها الدم هو تطهرها ~~بالماء كطهر الجنب، ولا يجزئ من ذلك تيمم ولا غيره، وبه قال مالك والشافعي ~~والطبري ومحمد بن مسلمة وأهل المدينة وغيرهم. وقال يحيى بن بكير ومحمد بن ~~كعب القرظي: إذا طهرت الحائض وتيممت حيث لا ماء حلت لزوجها وإن لم تغتسل. ~~وقال مجاهد وعكرمة وطاوس: # انقطاع الدم يحلها لزوجها. ولكن بأن تتوضأ. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ~~ومحمد: إن انقطع دمها بعد مضى عشرة أيام جاز له أن يطأها قبل الغسل، وإن ~~كان انقطاعه قبل العشرة PageV03P088 # لم يجز حتى تغتسل أو يدخل عليها وقت الصلاة. وهذا تحكم لا وجه له، وقد ~~حكموا للحائض بعد انقطاع دمها بحكم الحبس في العدة وقالوا لزوجها: عليها ~~الرجعة ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة، فعلى قياس قولهم هذا لا يجب أن توطأ ~~حتى تغتسل، مع موافقة أهل المدينة. ودليلنا أن الله سبحانه علق الحكم فيها ~~على شرطين: أحدهما - انقطاع الدم، وهو قوله تعالى: # " حتى يطهرن ". والثاني - الاغتسال بالماء، وهو قوله تعالى: " فإذا تطهرن ~~(1) " أي يفعلن الغسل بالماء، وهذا مثل قوله تعالى: " وابتلوا اليتامى حتى ~~ذا بلغوا النكاح (2) " الآية، فعلق الحكم وهو جواز دفع المال على شرطين: ~~أحدهما - بلوغ المكلف النكاح. ms0932 والثاني - إيناس الرشد، وكذلك قوله تعالى في ~~المطلقة: " فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره (3) " ثم جاءت السنة ~~باشتراط العسيلة، فوقف التحليل على الامرين جميعا، وهو انعقاد النكاح ووجود ~~الوطئ. احتج أبو حنيفة فقال: إن معنى الآية، الغاية في الشرط هو المذكور في ~~الغاية قبلها، فيكون قوله: " حتى يطهرن " مخففا هو بمعنى قوله: " يطهرن " ~~مشددا بعينه، ولكنه جمع بين اللغتين في الآية، كما قال تعالى: " فيه رجال ~~يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين (4) ". قال الكميت: # وما كانت الأنصار فيها أذلة * ولا غيبا فيها إذا الناس غيب وأيضا فإن ~~القراءتين كالآيتين فيجب أن يعمل بهما. ونحن نحمل كل واحدة منهما على معنى، ~~فنحمل المخففة على ما إذا انقطع دمها للأقل، فإنا لا نجوز وطأها حتى تغتسل، ~~لأنه لا يؤمن عوده: ونحمل القراءة الأخرى على ما إذا انقطع دمها للأكثر ~~فيجوز وطؤها وإن لم تغتسل. # قال ابن العربي: وهذا أقوى مالهم، فالجواب عن الأول: أن ذلك ليس من كلام ~~الفصحاء، ولا ألسن البلغاء، فإن ذلك يقتضى التكرار في التعداد، وإذا أمكن ~~حمل اللفظ على فائدة مجردة لم يحمل على التكرار في كلام الناس، فكيف في ~~كلام العليم الحكيم! وعن الثاني: أن كل واحدة منهما محمولة على معنى دون ~~معنى الأخرى، فيلزمهم إذا انقطع الدم ألا يحكم لها بحكم الحيض قبل أن تغتسل ~~في الرجعة، وهم لا يقولون ذلك كما بيناه، فهي إذا # PageV03P089 # حائض، والحائض لا يجوز وطؤها اتفاقا. وأيضا فإن ما قالوه يقتضى إباحة ~~الوطئ عند انقطاع الدم للأكثر وما قلناه يقتضى الحظر، وإذا تعارض ما يقتضى ~~الحظر وما يقتضى الإباحة ويغلب باعثاهما غلب باعث الحظر، كما قال على ~~وعثمان في الجمع بين الأختين بملك اليمين، أحلتهما آية وحرمتهما أخرى، ~~والتحريم أولى. والله أعلم. # الحادية عشرة - واختلف علماؤنا في الكتابية هل تجبر على الاغتسال أم لا، ~~فقال مالك في رواية ابن القاسم: نعم، ليحل للزوج وطؤها، قال الله تعالى: " ~~ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن " يقول بالماء، ولم يخص مسلمة ms0933 من غيرها. ~~وروى أشهب عن مالك أنها لا تجبر على الاغتسال من المحيض، لأنها غير معتقدة ~~لذلك، لقوله تعالى: " ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن ~~يؤمن بالله واليوم الآخر (1) " وهو الحيض والحمل، وإنما خاطب الله عز وجل ~~بذلك المؤمنات، وقال: " لا إكراه في الدين (2) " وبهذا كان يقول محمود بن ~~عبد الحكم. # الثانية عشرة - وصفة غسل الحائض صفة غسلها من الجنابة، وليس عليها نقض ~~شعرها في ذلك، لما رواه مسلم عن أم سلمة قالت قلت: يا رسول الله، إني أشد ~~ضفر رأسي أفأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: " لا إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ~~ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين " وفى رواية: أفأنقضه للحيضة ~~والجنابة؟ فقال: " لا " زاد أبو داود: " واغمزي قرونك عند كل حفنة ". # الثالثة عشرة - قوله تعالى: (فأتوهن من حيث أمركم الله) أي فجامعوهن. وهو ~~أمر إباحة، وكنى بالاتيان عن الوطئ، وهذا الامر يقوى ما قلناه من أن المراد ~~بالتطهر الغسل بالماء، لان صيغة الامر من الله تعالى لا تقع إلا على الوجه ~~الأكمل. والله أعلم. # و " من " بمعنى في، أي في حيث أمركم الله تعالى وهو القبل، ونظيره قوله ~~تعالى: " أروني ماذا خلقوا من الأرض (3) " أي في الأرض،: وقوله: " إذا نودي ~~للصلاة من يوم الجمعة (4) " أي في يوم الجمعة. وقيل: المعنى، أي من الوجه ~~الذي أذن لكم فيه، أي من غير صوم وإحرام # PageV03P090 # واعتكاف، قاله الأصم. وقال ابن عباس وأبو رزين: من قبل الطهر لا من قبل ~~الحيض، وقاله الضحاك. وقال محمد ابن الحنفية: المعنى من قبل الحلال لا من ~~قبل الزنى. # الرابعة عشرة - قوله تعالى: (إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) اختلف ~~فيه، فقيل: التوابون من الذنوب والشرك. والمتطهرون أي بالماء من الجنابة ~~والاحداث، قال عطاء وغيره. وقال مجاهد: من الذنوب، وعنه أيضا: من إتيان ~~النساء في أدبارهن. # ابن عطية: كأنه نظر إلى قوله تعالى حكاية عن قوم لوط: " أخرجوهم من ~~قريتكم إنهم أناس يتطهرون (1) ". وقيل: المتطهرون الذين لم يذنبوا. فإن ms0934 ~~قيل: كيف قدم بالذكر الذي أذنب على من لم يذنب، قيل: قدمه لئلا يقنط التائب ~~من الرحمة ولا يعجب المتطهر بنفسه، كما ذكر في آية أخرى: " فمنهم ظالم ~~لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات " على ما يأتي بيانه (2) إن شاء ~~الله تعالى. # قوله تعالى: نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم وقدموا لأنفسكم واتقوا ~~الله واعلموا أنكم ملقوه وبشر المؤمنين (223) فيه ست مسائل: # الأول - قوله تعالى: (نساؤكم حرث لكم) روى الأئمة واللفظ للمسلم عن جابر ~~بن عبد الله قال: كانت اليهود تقول: إذا أتى الرجل امرأته من دبرها في ~~قبلها كان الولد أحول، فنزلت الآية: " نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ~~" زاد في رواية عن الزهري: إن شاء مجبية (3) وإن شاء غير مجبية غير إن ذلك ~~في صمام واحد. ويروى: # في سمام واحد بالسين، قاله الترمذي. وروى البخاري عن نافع قال: كان ابن ~~عمر إذا قرأ القرآن لم يتكلم حتى يفرغ منه، فأخذت عليه يوما (3)، فقرأ سورة ~~" البقرة " حتى انتهى إلى مكان قال: أتدري فيم أنزلت؟ قلت: لا قال: نزلت في ~~كذا وكذا، ثم مضى. وعن # PageV03P091 # عبد الصمد قال: حدثني أبي قال حدثني أيوب عن نافع عن ابن عمر: " فأتوا ~~حرثكم أنى شئتم " قال: يأتيها في (1). قال الحميدي: يعنى الفرج. وروى أبو ~~داود عن ابن عباس قال: إن ابن عمر والله يغفر له وهم، إنما كان هذا الحي من ~~الأنصار، وهم أهل وثن، مع هذا الحي من يهود، وهم أهل كتاب: وكانوا يرون لهم ~~فضلا عليهم في العلم، فكانوا يقتدون بكثير من فعلهم، وكان من أمر أهل ~~الكتاب ألا يأتوا النساء إلا على حرف، وذلك أستر ما تكون المرأة، فكان هذا ~~الحي من الأنصار قد أخذوا بذلك من فعلهم، وكان هذا الحي من قريش يشرحون ~~النساء شرحا (2) منكرا، ويتلذذون منهن مقبلات ومدبرات ومستلقيات، فلما قدم ~~المهاجرون المدينة تزوج رجل منهم امرأة من الأنصار، فذهب يصنع بها ذلك ~~فأنكرته عليه، وقالت: إنما كنا نؤتى على حرف! فاصنع ذلك وإلا فاجتنبني، ms0935 حتى ~~شرى (3) أمرهما؟ فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل: " ~~فأتوا حرثكم أنى شئتم "، أي مقبلات ومدبرات ومستلقيات، يعنى بذلك موضع ~~الولد. وروى الترمذي عن ابن عباس قال: جاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال: يا رسول الله، هلكت! قال: " وما أهلكك؟ " قال: حولت رحلي ~~الليلة، قال: فلم يرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا، قال: فأوحى ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: # " نسائكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم " أقبل وأدبر واتق الدبر والحيضة ~~" قال: هذا حديث حسن صحيح (4). وروى النسائي عن أبي النضر أنه قال لنافع ~~مولى ابن عمر: قد أكثر عليك القول. إنك تقول عن ابن عمر: أنه أفتى بأن يؤتى ~~النساء في أدبارهن. قال نافع: # لقد كذبوا على! ولكن سأخبرك كيف كان الامر: إن ابن عمر عرض على المصحف ~~يوما وأنا عنده حتى بلغ: " نسائكم حرث لكم "، قال نافع: هل تدرى ما أمر هذه ~~الآية؟ إنا كنا معشر قريش نجبى (5) النساء، فلما دخلنا المدينة ونكحنا نساء ~~الأنصار أردنا منهن ما كنا نريد # PageV03P092 # من نسائنا، فإذا هن قد كرهن ذلك وأعظمنه، وكان نساء الأنصار إنما يؤتين ~~على جنوبهن، فأنزل الله سبحانه: " نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ". # الثانية - هذه الأحاديث نص في إباحة الحال والهيئات كلها إذا كان الوطئ ~~في موضع الحرث، أي كيف شئتم من خلف ومن قدام وباركة ومستلقية ومضطجعة، فأما ~~الاتيان في غير المأتى فما كان مباحا، ولا يباح! وذكر الحرث يدل على أن ~~الاتيان في غير المأتى محرم. و " حرث " تشبيه، لأنهن مزدرع الذرية، فلفظ " ~~الحرث " يعطى أن الإباحة لم تقع إلا في الفرج خاصة إذ هو المزدرع. وأنشد ~~ثعلب: # إنما الأرحام أرضون * لنا محترثات فعلينا الزرع فيها * وعلى الله النبات ~~ففرج المرأة كالأرض، والنطفة كالبذر، والولد كالنبات، فالحرث بمعنى ~~المحترث. ووحد الحرث لأنه مصدر، كما يقال: رجل صوم، وقوم صوم. # الثالثة - قوله تعالى: (أنى شئتم) معناه عند الجمهور من ms0936 الصحابة ~~والتابعين وأئمة الفتوى: من أي وجه شئتم مقبلة ومدبرة، كما ذكرنا آنفا. و " ~~أنى " تجئ سؤالا وإخبارا عن أمر له جهات، فهو أعم في اللغة من " كيف " ومن ~~" أين " ومن " متى "، هذا هو الاستعمال العربي في " أنى ". وقد فسر الناس " ~~أنى " في هذه الآية بهذه الألفاظ. # وفسرها سيبويه ب‍ " كيف " ومن " أين " باجتماعهما. وذهبت فرقة ممن فسرها ~~ب‍ " أين " إلى أن الوطئ في الدبر مباح، وممن نسب إليه هذا القول: سعيد بن ~~المسيب ونافع وابن عمر ومحمد بن كعب القرظي وعبد الملك بن الماجشون، وحكى ~~ذلك عن مالك في كتاب له يسمى " كتاب السر ". وحذاق أصحاب مالك؟ ومشايخهم ~~ينكرون ذلك الكتاب، ومالك أجل من أن يكون له " كتاب سر ". ووقع هذا القول ~~في العتبية. وذكر ابن العربي أن ابن شعبان أسند جواز هذا القول إلى زمرة ~~كبيرة من الصحابة والتابعين، وإلى مالك من روايات كثيرة في كتاب " جماع ~~النسوان وأحكام القرآن ". وقال الكيا الطبري: وروى عن محمد بن كعب القرظي ~~أنه كان لا يرى بذلك بأسا، ويتأول فيه قول الله عز وجل: " أتأتون الذكران ~~من PageV03P093 # العالمين. وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم (1) ". وقال: فتقديره ~~تتركون مثل ذلك من أزواجكم، ولو لم يبح مثل ذلك من الأزواج لما صح ذلك، ~~وليس المباح من الموضع الآخر مثلا له، حتى يقال: تفعلون ذلك وتتركون مثله ~~من المباح. قال الكيا: وهذا فيه نظر، إذ معناه: وتذرون ما خلق لكم ربكم من ~~أزواجكم مما فيه تسكين شهوتكم، ولذة الوقاع حاصلة بهما جميعا، فيجوز ~~التوبيخ على هذا المعنى. وفى قوله تعالى: " فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم ~~الله " مع قوله: " فأتوا حرثكم " ما يدل على أن في المأتى اختصاصا، وأنه ~~مقصور على موضع الولد. قلت: هذا هو الحق في المسألة. وقد ذكر أبو عمر بن ~~عبد البر أن العلماء لم يختلفوا في الرتقاء التي لا يوصل إلى وطئها أنه عيب ~~ترد به، إلا شيئا جاء عن عمر بن عبد العزيز من وجه ليس بالقوى ms0937 أنه لا ترد ~~الرتقاء ولا غيرها، والفقهاء كلهم على خلاف ذلك، لان المسيس هو المبتغى ~~بالنكاح، وفى إجماعهم على هذا دليل على أن الدبر ليس بموضع وطئ، ولو كان ~~موضعا للوطئ ما ردت من لا يوصل إلى وطئها في الفرج. وفى إجماعهم أيضا على ~~أن العقيم التي لا تلد لا ترد. والصحيح في هذه المسألة ما بيناه. وما نسب ~~إلى مالك وأصحابه من هذا باطل وهم مبرؤون من ذلك، لان إباحة الاتيان مختصة ~~بموضع الحرث، لقوله تعالى: " فأتوا حرثكم "، ولأن الحكمة في خلق الأزواج بث ~~النسل، فغير موضع النسل لا يناله مالك النكاح، وهذا هو الحق. وقد قال أصحاب ~~أبي حنيفة: إنه عندنا ولائط الذكر سواء في الحكم، ولأن القذر والأذى في ~~موضع النجو (2) أكثر من دم الحيض، فكان أشنع. وأما صمام البول فغير صمام ~~الرحم. وقال ابن العربي في قبسه: قال لنا الشيخ الامام فخر الاسلام أبو بكر ~~محمد بن أحمد بن الحسين فقيه الوقت وإمامه: الفرج أشبه شئ بخمسة وثلاثين، ~~وأخرج يده عاقدا بها. وقال: مسلك البول ما تحت الثلاثين، ومسلك الذكر ~~والفرج ما اشتملت عليه الخمسة، وقد حرم الله تعالى الفرج حال الحيض لأجل ~~النجاسة العارضة. فأولى أن يحرم الدبر لأجل النجاسة اللازمة. وقال مالك ~~لابن وهب وعلي بن زياد لما أخبراه أن ناسا بمصر # PageV03P094 # يتحدثون عنه أنه يجيز ذلك، فنفر من ذلك، وبادر إلى تكذيب الناقل فقال: ~~كذبوا على، كذبوا على، كذبوا على! ثم قال: ألستم قوما عربا؟ ألم يقل الله ~~تعالى: " نساؤكم حرث لكم "؟ # وهل يكون الحرث إلا في موضع المنبت (1)! وما استدل به المخالف من أن قوله ~~عز وجل: # " أنى شئتم " شامل للمسالك بحكم عمومها فلا حجة فيها، إذ هي مخصصة بما ~~ذكرناه، وبأحاديث صحيحة حسان وشهيرة رواها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أثنا عشر صحابيا بمتون مختلفة، كلها متواردة على تحريم إتيان النساء في ~~الادبار، ذكرها أحمد بن حنبل في مسنده، وأبو داود والنسائي والترمذي وغيرهم ~~وقد جمعها أبو الفرج بن ms0938 الجوزي بطرقها في جزء سماه " تحريم المحل المكروه ~~". ولشيخنا أبى العباس أيضا في ذلك جزء سماه " إظهار إدبار، من أجاز الوطئ ~~في الادبار ". قلت: وهذا هو الحق المتبع والصحيح في المسألة، ولا ينبغي ~~لمؤمن بالله واليوم الآخر أن يعرج في هذه النازلة على زلة عالم بعد أن تصح ~~عنه. وقد حذرنا من زلة العالم. وقد روى عن ابن عمر خلاف هذا، وتكفير من ~~فعله، وهذا هو اللائق به رضي الله عنه . وكذلك كذب نافع من أخبر عنه بذلك، ~~كما ذكر النسائي، وقد تقدم. وأنكر ذلك مالك واستعظمه، وكذب من نسب ذلك ~~إليه. وروى الدارمي أبو محمد في مسنده عن سعيد ابن يسار أبى الحباب قال: ~~قلت لابن عمر: ما تقول في الجواري حين أحمض (2) بهن؟ # قال: وما التحميض؟ فذكرت له الدبر، فقال: هل يفعل ذلك أحد من المسلمين! # وأسند عن خزيمة بن ثابت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " أيها ~~الناس إن الله لا يستحى من الحق لا تأتوا النساء في أعجازهن ". ومثله عن ~~علي بن طلق. وأسند عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من أتى ~~امرأة في دبرها لم ينظر الله تعالى إليه يوم القيامة " وروى أبو داود ~~الطيالسي في مسنده عن قتادة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " تلك اللوطية الصغرى " يعنى # PageV03P095 # إتيان المرأة في دبرها. وروى عن طاوس أنه قال: كان بدء عمل قوم لوط إتيان ~~النساء في أدبارهن. قال ابن المنذر: وإذا ثبت الشئ عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم استغنى به عما سواه. # الرابعة - قوله تعالى: (وقدموا لأنفسكم) أي قدموا ما ينفعكم غدا، فحذف ~~المفعول، وقد صرح به في قوله تعالى: " وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند ~~الله (1) ". # . فالمعنى قدموا لأنفسكم الطاعة والعمل الصالح. وقيل ابتغاء الولد ~~والنسل، لان الولد خير الدنيا والآخرة، فقد يكون شفيعا وجنة. وقيل: هو ~~التزوج بالعفائف، ليكون الولد صالحا طاهرا. ms0939 وقيل: هو تقدم (2) الافراط، كما ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: " من قدم ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث لم ~~تمسه النار إلا تحلة القسم " الحديث. وسيأتي في " مريم (3) " إن شاء الله ~~تعالى. وقال ابن عباس وعطاء: أي قدموا ذكر الله عند الجماع، كما قال عليه ~~السلام: " لو أن أحدكم إذا أتى امرأته قال بسم الله اللهم جنبنا الشيطان ~~وجنب الشيطان ما رزقتنا فإنه إن يقدر بينهما ولد لم يضره شيطان أبدا ". ~~أخرجه مسلم. # الخامسة - قوله تعالى: (واتقوا الله) تحذير (واعلموا أنكم ملاقوه) خبر ~~يقتضى المبالغة في التحذير، أي فهو مجازيكم على البر والاثم. وروى ابن ~~عيينة عن عمرو بن دينار قال: سمعت سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب يقول: " إنكم ملاقو الله حفاة عراة مشاة ~~غرلا (4) " - ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم - " واتقوا الله وأعلموا ~~أنكم ملاقوه ". أخرجه مسلم بمعناه. # السادسة - قوله تعالى: (وبشر المؤمنين) تأنيس لفاعل البر ومبتغى سنن ~~الهدى. # قوله تعالى: ولا تجعلوا الله عرضة لا يمنكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين ~~الناس والله سميع عليم (224) # PageV03P096 # فيه أربع مسائل: # الأولى - قال العلماء: لما أمر الله تعالى بالانفاق وصحبة الأيتام ~~والنساء بجميل المعاشرة قال: لا تمتنعوا عن شئ من المكارم تعللا بأنا حلفنا ~~ألا نفعل كذا، قال معناه ابن عباس والنخعي ومجاهد والربيع وغيرهم. قال سعيد ~~بن جبير: هو الرجل يحلف ألا يبر ولا يصل ولا يصلح بين الناس، فيقال له: بر، ~~فيقول: قد حلفت. وقال بعض المتأولين: المعنى ولا تحلفوا بالله كاذبين إذا ~~أردتم البر والتقوى والاصلاح، فلا يحتاج إلى تقدير " لا " بعد " أن ". ~~وقيل: المعنى لا تستكثروا من اليمين بالله فإنه أهيب للقلوب، ولهذا قال ~~تعالى: # " واحفظوا أيمانكم (1) ". وذم من كثر اليمين فقال تعالى: " ولا تطع كل ~~حلاف مهين (2) ". والعرب تمتدح بقلة الايمان، حتى قال قائلهم: # قليل الألايا حافظ ليمينه * وإن صدرت منه الالية برت وعلى هذا " أن تبروا ~~" معناه: أقلوا الايمان لما فيه ms0940 من البر والتقوى، فان الاكثار يكون معه ~~الحنث وقلة رعى لحق الله تعالى، وهذا تأويل حسن. مالك بن أنس: بلغني أنه ~~الحلف، بالله في كل شئ. وقيل: المعنى لا تجعلوا اليمين مبتذلة في كل حق ~~وباطل: وقال الزجاج وغيره: معنى الآية أن يكون الرجل إذا طلب منه فعل خير ~~اعتل بالله فقال: على يمين، وهو لم يحلف القتبي: المعنى إذا حلفتم على ألا ~~تصلوا أرحامكم ولا تتصدقوا ولا تصلحوا، وعلى أشباه ذلك من أبواب البر ~~فكفروا اليمين. # قلت: وهذا حسن لما بيناه، وهو الذي يدل على سبب النزول، على ما نبينه في ~~المسألة بعد هذا. # الثانية - قيل: نزلت بسبب الصديق إذ حلف ألا ينفق على مسطح حين تكلم في ~~عائشة رضي الله عنها، كما في حديث الإفك، وسيأتي بيانه في " النور (3) "، ~~عن ابن جريج. # وقيل: نزلت في الصديق أيضا حين حلف ألا يأكل مع الأضياف. وقيل نزلت في ~~عبد الله بن رواحة حين حلف ألا يكلم بشير بن النعمان وكان ختنه على أخته، ~~والله أعلم. # PageV03P097 # الثالثة - قوله تعالى: (عرضة لايمانكم) أي نصبا، عن الجوهري. وفلان عرضة ~~ذاك، أي (1) عرضة لذلك، أي مقرن له قوى عليه. والعرضة: الهمة. قال: # * هم الأنصار عرضتها اللقاء (2) * وفلان عرضة للناس: لا يزالون يقعون ~~فيه. وجعلت فلانا عرضة لكذا أي نصبته له، وقيل: العرضة من الشدة والقوة، ~~ومنه قولهم للمرأة: عرضة للنكاح، إذا صلحت له وقويت عليه، ولفلان عرضة: أي ~~قوة على السفر والحرب، قال كعب بن زهير: # من كل نضاخة الذفرى إذا عرقت * عرضتها طامس الاعلام مجهول وقال عبد الله ~~بن الزبير: # فهذي لأيام الحروب وهذه * للهوى وهذى عرضة لارتحالنا أي عدة. وقال آخر: # * فلا تجعلني عرضة للوائم * وقال أوس بن حجر: # وأدماء مثل الفحل يوما عرضتها * لرحلي وفيها هزة وتقاذف والمعنى: لا ~~تجعلوا اليمين بالله قوة لأنفسكم، وعدة في الامتناع من البر. # الرابعة - قوله تعالى: (أن تبروا وتتقوا) مبتدأ وخبره محذوف، أي البر ~~والتقوى والاصلاح أولى وأمثل، مثل " طاعة وقول معروف " عن الزجاج والنحاس. ms0941 ~~وقيل: محله النصب، أي لا تمنعكم اليمين بالله عز وجل البر والتقوى ~~والاصلاح، عن الزجاج أيضا. # وقيل: مفعول من أجله. وقيل: معناه ألا تبروا، فحذف " لا "، كقوله تعالى: # " يبين الله لكم أن تضلوا " أي لئلا تضلوا، قاله الطبري والنحاس. ووجه ~~رابع من وجوه النصب: كراهة أن تبروا، ثم حذفت، ذكره النحاس والمهدوي. وقيل: ~~هو في موضع خفض # PageV03P098 # على قول الخليل والكسائي، التقدير: في أن تبروا، فأضمرت " في " وخفضت ~~بها. و (سميع) أي لأقوال العباد. (عليم) بنياتهم. # قوله تعالى: لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت ~~قلوبكم والله غفور حليم (225) فيه أربع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (باللغو) اللغو: مصدر لغا يلغو ويلغى، ولغى يلغى ~~لغا إذا أتى بما لا يحتاج إليه في الكلام، أو بما لا خير فيه، أو بما يلغى ~~إثمه، وفى الحديث: " إذا قلت لصاحبك والامام يخطب يوم الجمعة أنصت فقد لغوت ~~". ولغة أبي هريرة " فقد لغيت " وقال الشاعر (1): # ورب أسراب حجيج كظم * عن اللغا ورفث التكلم وقال آخر (2): # ولست بمأخوذ بلغو تقوله * إذا لم تعمد عاقدات العزائم الثانية - واختلف ~~العلماء في اليمين التي هي لغو، فقال ابن عباس: هو قول الرجل في درج كلامه ~~واستعجاله في المحاورة: لا والله، وبلى والله، دون قصد لليمين. # قال المروزي: لغو اليمين التي اتفق العلماء على أنها لغو هو قول الرجل: ~~لا والله، وبلى والله، في حديثه وكلامه غير معتقد لليمين ولا مريدها. وروى ~~ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب أن عروة حدثه أن عائشة زوج النبي صلى الله ~~عليه وسلم قالت: أيمان اللغو ما كانت في المراء والهزل والمزاحة والحديث ~~الذي لا ينعقد عليه القلب. وفى البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: نزل ~~قوله تعالى: " لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم " في قول الرجل: # لا والله، وبلى والله. وقيل: اللغو ما يحلف به على الظن، فيكون بخلافه، ~~قاله مالك، # PageV03P099 # حكاه ابن القاسم عنه، وقال به جماعة من السلف. قال أبو هريرة: إذا حلف ~~الرجل على الشئ ms0942 لا يظن إلا أنه إياه، فإذا ليس هو، فهو اللغو، وليس فيه ~~كفارة، ونحوه عن ابن عباس. # وروى: أن قوما تراجعوا القول عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يرمون ~~بحضرته، فحلف أحدهم لقد أصبت وأخطأت يا فلان، فإذا الامر بخلاف ذلك، فقال ~~الرجل: حنث يا رسول الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أيمان الرماة ~~لغو لا حنث فيها ولا كفارة ". # وفى الموطأ قال مالك: أحسن ما سمعت في هذا أن اللغو حلف الانسان على الشئ ~~يستيقن أنه كذلك ثم يوجد بخلافه، فلا كفارة فيه. والذي يحلف على الشئ وهو ~~يعلم أنه فيه إثم كاذب ليرضى به أحدا، أو يعتذر لمخلوق، أو يقتطع به مالا، ~~فهذا أعظم من أن يكون فيه كفارة، وإنما الكفارة على من حلف ألا يفعل الشئ ~~المباح له فعله ثم يفعله، أو أن يفعله ثم لا يفعله، مثل إن حلف ألا يبيع ~~ثوبه بعشرة دراهم ثم يبيعه بمثل ذلك، أو حلف ليضربن غلامه ثم لا يضربه. ~~وروى عن ابن عباس - إن صح عنه - قال: لغو اليمين أن تحلف وأنت غضبان، وقاله ~~طاوس. وروى ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا يمين في ~~غضب " أخرجه مسلم. وقال سعيد بن جبير: هو تحريم الحلال، فيقول: مالي على ~~حرام إن فعلت كذا، والحلال على حرام، وقال مكحول الدمشقي، ومالك أيضا، إلا ~~في الزوجة فإنه ألزم فيها التحريم إلا أن يخرجها الحالف بقلبه. وقيل: هو ~~يمين المعصية، قاله سعيد بن المسيب، وأبو بكر بن عبد الرحمن وعروة وعبد ~~الله ابنا الزبير، كالذي يقسم ليشربن الخمر أو ليقطعن الرحم فبره ترك ذلك ~~الفعل ولا كفارة عليه، وحجتهم حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: " من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليتركها ~~فإن تركها كفارتها " أخرجه ابن ماجة في سننه، وسيأتي في " المائدة (1) " ~~أيضا. وقال زيد بن أسلم: # لغو اليمين دعاء الرجل على نفسه: أعمى الله ms0943 بصره، أذهب الله ماله، هو ~~يهودي، هو مشرك، هو لغية إن فعل كذا. مجاهد: هما الرجلان يتبايعان فيقول ~~أحدهما: والله لا أبيعك بكذا، ويقول الآخر، والله لا أشتريه بكذا. النخعي: ~~هو الرجل يحلف ألا يفعل الشئ ثم ينسى فيفعله. # PageV03P100 # وقال ابن عباس أيضا والضحاك: إن لغو اليمين هي المكفرة، أي إذا كفرت ~~اليمين سقطت وصارت لغوا، ولا يؤاخذ الله بتكفيرها والرجوع إلى الذي هو خير. ~~وحكى ابن عبد البر قولا: أن اللغو أيمان المكره. قال ابن العربي: أما ~~اليمين مع النسيان فلا شك في إلغائها. # لأنها جاءت على خلاف قصده، فهي لغو محض. # قلت: ويمين المكره بمثابتها. وسيأتي حكم من حلف مكرها في " النحل " (1) ~~إن شاء الله تعالى. # قال ابن العربي: وأما من قال إنه يمين المعصية فباطل، لان الحالف على ترك ~~المعصية تنعقد يمينه عبادة، والحالف على فعل المعصية تنعقد يمينه معصية، ~~ويقال له: لا تفعل وكفر، فإن أقدم على الفعل أثم في إقدامه وبر في قسمه. ~~وأما من قال: إنه دعاء الانسان على نفسه إن لم يكن كذا فينزل به كذا، فهو ~~قول لغو، في طريق الكفارة، ولكنه منعقد في القصد، مكروه، وربما يؤاخذ به، ~~لان النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا يدعون أحدكم على نفسه فربما صادف ~~ساعة لا يسأل الله أحد فيها شيئا إلا أعطاه إياه ". وأما من قال إنه يمين ~~الغضب فإنه يرده حلف النبي صلى الله عليه وسلم غاضبا ألا يحمل الأشعريين ~~وحملهم وكفر عن يمينه. وسيأتي في " براءة (2) ". قال ابن العربي: وأما من ~~قال: إنه اليمين المكفرة فلا متعلق له يحكى. وضعفه ابن عطية أيضا وقال: قد ~~رفع الله عز وجل المؤاخذة بالاطلاق في اللغو، فحقيقتها لا إثم فيه ولا ~~كفارة، والمؤاخذة في الايمان هي بعقوبة الآخرة في اليمين الغموس المصبورة ~~(3)، وفيما ترك تكفيره مما فيه كفارة، وبعقوبة الدنيا في إلزام الكفارة، ~~فيضعف القول بأنها اليمين المكفرة، لان المؤاخذة قد وقعت فيها، وتخصيص ~~المؤاخذة بأنها في الآخرة فقط تحكم. # الثالثة - قوله تعالى: ms0944 (في أيمانكم) الايمان جمع يمين، واليمين الحلف، ~~وأصله أن العرب كانت إذا تحالفت أو تعاقدت أخذ الرجل يمين صاحبه بيمينه، ثم ~~كثر ذلك حتى سمى # PageV03P101 # الحلف والعهد نفسه يمينا. وقيل: يمين فعيل من اليمن، وهو البركة، سماها ~~الله تعالى بذلك لأنها تحفظ الحقوق. ويمين تذكر وتؤنث، وتجمع أيمان وأيمن، ~~قال زهير: # * فتجمع أيمن منا ومنكم (1) * الرابعة - قوله تعالى: (ولكن يؤاخذكم بما ~~كسبت قلوبكم) مثل قوله: " ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان ". وهناك (2) ~~يأتي الكلام فيه مستوفى، إن شاء الله تعالى. # وقال زيد بن أسلم: قوله تعالى: " ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم " هو في ~~الرجل يقول: # هو مشرك إن فعل، أي هذا اللغو (3)، إلا أن يعقد الاشراك بقلبه ويكسبه. ~~(غفور حليم) صفتان لائقتان بما ذكر من طرح المؤاخذة، إذ هو باب رفق وتوسعة. # قوله تعالى: للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاؤا فإن الله ~~غفور رحيم (226) وإن عزموا الطلق فإن الله سميع عليم (227) فيه أربع وعشرون ~~مسألة: # الأولى - قوله تعالى: (للذين يؤلون) " يؤلون " معناه يحلفون، والمصدر ~~إيلاء وألية وألوة وإلوة. وقرأ أبى وابن عباس " للذين يقسمون ". ومعلوم أن ~~" يقسمون " تفسير " يؤلون ". وقرئ " للذين آلوا " يقال: آلى يؤلى إيلاء، ~~وتألى تأليا، وائتلى ائتلاء، أي حلف، ومنه " ولا يأتل أولوا الفضل منكم (4) ~~"، وقال الشاعر: # فآليت لا أنفك أحدو قصيدة * تكون وإياها بها مثلا بعدى وقال آخر: # قليل الألايا حافظ ليمينه * وإن سبقت منه الالية برت وقال ابن دريد: # ألية باليعملات يرتمى * بها النجاء بين أجواز الفلا # PageV03P102 # قال عبد الله بن عباس: كان إيلاء الجاهلية السنة والسنتين وأكثر من ذلك ~~يقصدون بذلك إيذاء المرأة عند المساءة، فوقت لهم أربعة أشهر، فمن آلى بأقل ~~من ذلك فليس بإيلاء حكمي. # قلت: وقد آلى النبي صلى الله عليه وسلم وطلق، وسبب إيلائه سؤال نسائه ~~إياه من النفقة ما ليس عنده، كذا في صحيح مسلم. وقيل: لان زينب ردت عليه ~~هديته، فغضب صلى الله عليه وسلم فآلى منهن، ذكره ابن ماجة. # الثانية - ويلزم الايلاء كل من يلزمه ms0945 الطلاق، فالحر والعبد والسكران ~~يلزمه الايلاء. # وكذلك السفيه والمولى عليه إذا كان بالغا غير مجنون، وكذلك الخصي إذا لم ~~يكن مجبوبا، والشيخ إذا كان فيه بقية رمق ونشاط. واختلف قول الشافعي في ~~المجبوب إذا آلى، ففي، قول: لا إيلاء له. وفى قول: يصح إيلاؤه، والأول أصح ~~وأقرب إلى الكتاب والسنة، فإن الفئ هو الذي يسقط اليمين، والفئ بالقول لا ~~يسقطها، فإذا بقيت اليمين المانعة من الحنث بقى حكم الايلاء. وإيلاء الأخرس ~~بما يفهم عنه من كتابة أو إشارة مفهومة لازم له، وكذلك الأعجمي إذا آلى من ~~نسائه. # الثالثة - واختلف العلماء فيما يقع به الايلاء من اليمين، فقال قوم: لا ~~يقع الايلاء إلا باليمين بالله تعالى وحده لقوله عليه السلام: " من كان ~~حالفا فليحلف بالله أو ليصمت ". # وبه قال الشافعي في الجديد. وقال ابن عباس: كل يمين منعت جماعا فهي ~~إيلاء، وبه قال الشعبي والنخعي ومالك وأهل الحجاز وسفيان الثوري وأهل ~~العراق، والشافعي في القول الآخر، وأبو ثور وأبو عبيد وابن المنذر والقاضي ~~أبو بكر بن العربي. قال ابن عبد البر: وكل يمين لا يقدر صاحبها على جماع ~~امرأته من أجلها إلا بأن يحنث فهو بها مول، إذا كانت يمينه على أكثر من ~~أربعة أشهر، فكل من حلف بالله أو بصفة من صفاته أو قال: أقسم بالله، أو ~~أشهد بالله، أو على عهد الله وكفالته وميثاقه وذمته فإنه يلزمه الايلاء. ~~فإن قال: أقسم أو أعزم ولم يذكر ب‍ " الله " فقيل: لا يدخل عليه الايلاء، ~~إلا أن يكون أراد ب‍ " الله " ونواه. PageV03P103 # ومن قال إنه يمين يدخل عليه، وسيأتي بيانه في " المائدة (1) " إن شاء ~~الله تعالى. فإن حلف بالصيام ألا يطأ امرأته فقال: إن وطئتك فعلى صيام شهر ~~أو سنة فهو مول. وكذلك كل ما يلزمه من حج أو طلاق أو عتق أو صلاة أو صدقة. ~~والأصل في هذه الجملة عموم قوله تعالى: " للذين يؤلون " ولم يفرق، فإذا آلى ~~بصدقة أو عتق عبد معين أو غير معين لزم الايلاء. # الرابعة - فإن حلف ms0946 بالله ألا يطأ واستثنى فقال: إن شاء الله فإنه يكون ~~موليا، فإن وطئها فلا كفارة عليه في رواية ابن القاسم عن مالك. وقال ابن ~~الماجشون في المبسوط: # ليس بمول، وهو أصح لان الاستثناء يحل اليمين ويجعل الحالف كأنه لم يحلف، ~~وهو مذهب فقهاء الأمصار، لأنه بين بالاستثناء أنه غير عازم على الفعل. ووجه ~~ما رواه ابن القاسم مبنى على أن الاستثناء لا يحل اليمين، ولكنه يؤثر في ~~إسقاط الكفارة، على ما يأتي بيانه في " المائدة " فلما كانت يمينه باقية ~~منعقدة لزمه حكم الايلاء وإن لم تجب عليه كفارة. # الخامسة - فإن حلف بالنبي أو الملائكة أو الكعبة ألا يطأها، أو قال هو ~~يهودي أو نصراني أو زان إن وطئها، فهذا ليس بمول، قال مالك وغيره. قال ~~الباجي: ومعنى ذلك عندي أنه أورده على غير وجه القسم، وأما لو أورده على ~~أنه مول بما قاله من ذلك أو غيره، ففي المبسوط: أن ابن القاسم سئل عن الرجل ~~يقول لامرأته: لا مرحبا، يريد بذلك الايلاء يكون موليا، قال قال مالك: كل ~~كلام نوى به الطلاق فهو طلاق، وهذا والطلاق سواء. # السادسة - واختلف العلماء في الايلاء المذكور في القرآن، فقال ابن عباس: ~~لا يكون موليا حتى يحلف ألا يمسها أبدا. وقال طائفة: إذا حلف ألا يقرب ~~امرأته يوما أو أقل أو أكثر ثم لم يطأ أربعة أشهر بانت منه بالايلاء، روى ~~هذا عن ابن مسعود والنخعي وابن أبي ليلى والحكم وحماد بن أبي سليمان ~~وقتادة، وبه قال إسحاق. قال ابن المنذر: وأنكر هذا القول كثير من أهل ~~العلم. وقال الجمهور: الايلاء هو أن يحلف ألا يطأ أكثر من أربعة أشهر، فان ~~حلف على أربعة فما دونها لا يكون موليا، وكانت عندهم يمينا محضا، لو وطئ في ~~هذه # PageV03P104 # المدة لم يكن عليه شئ كسائر الايمان، هذا قول مالك والشافعي وأحمد وأبى ~~ثور. وقال الثوري والكوفيون: الايلاء أن يحلف على أربعة أشهر فصاعدا، وهو ~~قول عطاء. قال الكوفيون: جعل الله التربص في الايلاء أربعة أشهر كما ms0947 جعل ~~عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرا، وفى العدة ثلاثة قروء، فلا تربص بعد. قالوا: ~~فيجب بعد المدة سقوط الايلاء، ولا يسقط إلا بالفئ وهو الجماع في داخل ~~المدة، والطلاق بعد انقضاء الأربعة الأشهر. واحتج مالك والشافعي فقالا: جعل ~~الله للمولى أربعة أشهر، فهي له بكمالها لا اعتراض لزوجته عليه فيها، كما ~~أن الدين المؤجل لا يستحق صاحبه المطالبة به إلا بعد تمام الاجل. ووجه قول ~~إسحاق - في قليل الأمد يكون صاحبه به موليا إذا لم يطأ - القياس على من حلف ~~على أكثر من أربعة أشهر فإنه يكون موليا، لأنه قصد الاضرار باليمين، وهذا ~~المعنى موجود في المدة القصيرة. # السابعة - واختلفوا أن من حلف ألا يطأ امرأته أكثر من أربعة أشهر فأنقضت ~~الأربعة الأشهر ولم تطالبه امرأته ولا رفعته إلى السلطان ليوقفه، لم يلزمه ~~شئ عند مالك وأصحابه وأكثر أهل المدينة. ومن علمائنا من يقول: يلزمه ~~بانقضاء الأربعة الأشهر طلقة رجعية. ومنهم ومن غيرهم من يقول: يلزمه طلقة ~~بائنة بانقضاء الأربعة الأشهر. والصحيح ما ذهب إليه مالك وأصحابه، وذلك أن ~~المولى لا يلزمه طلاق حتى يوقفه السلطان بمطالبة زوجته له ليفئ فيراجع ~~امرأته بالوطئ ويكفر يمينه أو يطلق، ولا يتركه حتى يفئ أو يطلق. # والفئ: الجماع فيمن يمكن مجامعتها. قال سليمان بن يسار: كان تسعة (1) ~~رجال من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يوقفون في الايلاء، قال مالك: وذلك ~~الامر عندنا، وبه قال الليث والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور، واختاره ابن ~~المنذر. # الثامنة - وأجل المولى من يوم حلف لامن يوم تخاصمه امرأته وترفعه إلى ~~الحاكم، فإن خاصمته ولم ترض بامتناعه من الوطئ ضرب له السلطان (2) أجل ~~أربعة أشهر من يوم حلف، # PageV03P105 # فإن وطئ فقد فاء إلى حق الزوجة وكفر عن يمينه، وإن لم يفئ طلق عليه طلقة ~~رجعية. # قال مالك: فإن راجع لا تصح رجعته حتى يطأ في العدة. قال الأبهري: وذلك أن ~~الطلاق إنما وقع لدفع الضرر، فمتى لم يطأ فالضرر باق، فلا معنى للرجعة إلا ~~أن يكون له عذر ms0948 يمنعه من الوطئ فتصح رجعته، لان الضرر قد زال، وامتناعه من ~~الوطئ ليس من أجل الضرر وإنما هو من أجل العذر. # التاسعة - واختلف العلماء في الايلاء في غير حال الغضب، فقال ابن عباس: # لا إيلاء إلا بغضب، وروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في المشهور ~~عنه، وقاله الليث والشعبي والحسن وعطاء، كلهم يقولون: الايلاء لا يكون إلا ~~على وجه مغاضبة ومشارة وحرجة ومناكدة ألا يجامعها في فرجها إضرارا بها، ~~وسواء كان في ضمن ذلك إصلاح ولد أم لم يكن، فإن لم يكن عن غضب فليس بإيلاء. ~~وقال ابن سيرين: سواء كانت اليمين في غضب أو غير غضب هو إيلاء، وقاله ابن ~~مسعود والثوري ومالك وأهل العراق والشافعي وأصحابه وأحمد، إلا أن مالكا ~~قال: ما لم يرد إصلاح ولد. قال ابن المنذر: # وهذا أصح، لأنهم لما أجمعوا أن الظهار والطلاق وسائر الايمان سواء في حال ~~الغضب والرضا كان الايلاء كذلك. # قلت: ويدل عليه عموم القرآن، وتخصيص حالة الغضب يحتاج إلى دليل ولا يؤخذ ~~من وجه يلزم. والله أعلم. # العاشرة - قال علماؤنا: ومن امتنع من وطئ امرأته بغير يمين حلفها إضرارا ~~بها أمر بوطئها، فإن أبى وأقام على امتناعه مضرا بها فرق بينه وبينها من ~~غير ضرب أجل. وقد قيل: # يضرب أجل الايلاء. وقد قيل: لا يدخل على الرجل الايلاء في هجرته من زوجته ~~وإن أقام سنين لا يغشاها، ولكنه يوعظ ويؤمر بتقوى الله تعالى في ألا يمسكها ~~ضرارا. # الحادية عشرة - واختلفوا فيمن حلف ألا يطأ امرأته حتى تفطم ولدها لئلا ~~يمغل (1) ولدها، ولم يرد إضرارا بها حتى ينقضي أمد الرضاع لم يكن لزوجته ~~عند مالك مطالبة لقصد # PageV03P106 # إصلاح الولد. قال مالك: وقد بلغني أن علي بن أبي طالب سئل عن ذلك فلم يره ~~إيلاء، وبه قال الشافعي في أحد قوليه، والقول الآخر يكون موليا، ولا اعتبار ~~برضاع الولد، وبه قال أبو حنيفة. # الثانية عشرة - وذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم والأوزاعي وأحمد ~~بن حنبل إلى أنه لا يكون ms0949 موليا من حلف ألا يطأ زوجته في هذا البيت أو في ~~هذه الدار لأنه يجد السبيل إلى وطئها في غير ذلك المكان. قال ابن أبي ليلى ~~وإسحاق: إن تركها أربعة أشهر بانت بالايلاء، ألا ترى أنه يوقف عند الأشهر ~~الأربعة، فإن حلف ألا يطأها في مصره أو بلده فهو مول عند مالك، وهذا إنما ~~يكون في سفر يتكلف المئونة والكلفة دون جنته أو مزرعته القريبة. # الثالثة عشرة - قوله تعالى: (من نسائهم) يدخل فيه الحرائر والذميات ~~والإماء إذا تزوجن. والعبد يلزمه الايلاء من زوجته. قال الشافعي وأحمد وأبو ~~ثور: إيلاؤه مثل إيلاء الحر، وحجتهم ظاهر قوله تعالى: " للذين يؤلون من ~~نسائهم " فكان ذلك لجميع الأزواج. # قال ابن المنذر: وبه أقول. وقال مالك والزهري وعطاء بن أبي رباح وإسحاق: ~~أجله شهران. وقال الحسن والنخعي: إيلاؤه من زوجته الأمة شهران، ومن الحرة ~~أربعة أشهر، وبه قال أبو حنيفة. وقال الشعبي: إيلاء الأمة نصف إيلاء الحرة. # الرابعة عشرة - قال مالك وأصحابه وأبو حنيفة وأصحابه والأوزاعي والنخعي ~~وغيرهم: # المدخول بها وغير المدخول بها سواء في لزوم الايلاء فيهما. وقال الزهري ~~وعطاء والثوري: # لا إيلاء إلا بعد الدخول. وقال مالك: ولا إيلاء من صغيرة لم تبلغ، فإن ~~آلى منها فبلغت لزم الايلاء من يوم بلوغها. # الخامسة عشرة - وأما الذمي فلا يصح إيلاؤه، كما لا يصح ظهاره ولا طلاقه، ~~وذلك أن نكاح أهل الشرك ليس عندنا بنكاح صحيح، وإنما لهم شبهة يد، ولأنهم ~~لا يكلفون الشرائع فتلزمهم كفارات الايمان، فلو ترافعوا إلينا في حكم ~~الايلاء لم ينبغ لحاكمنا أن يحكم PageV03P107 # بينهم، ويذهبون إلى حكامهم، فإن جرى ذلك مجرى التظالم بينهم حكم بحكم ~~الاسلام، كما لو ترك المسلم وطئ زوجته ضرارا من غير يمين. # السادسة عشرة - قوله تعالى: (تربص أربعة أشهر) التربص: التأني والتأخر، ~~مقلوب التصبر، قال الشاعر: # تربص بها ريب المنون لعلها * تطلق يوما أو يموت حليلها وأما فائدة توقيت ~~الأربعة الأشهر فيما ذكر ابن عباس عن أهل الجاهلية كما تقدم، فمنع الله من ~~ذلك وجعل للزوج ms0950 مدة أربعة أشهر في تأديب المرأة بالهجر، لقوله تعالى: " ~~واهجروهن في المضاجع (1) " وقد آلى النبي صلى الله عليه وسلم من أزواجه ~~شهرا تأديبا لهن. وقد قيل: # الأربعة الأشهر هي التي لا تستطيع ذات الزوج أن تصبر عنه أكثر منها، وقد ~~روى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يطوف ليلة بالمدينة فسمع امرأة ~~تنشد: # ألا طال هذا الليل وأسود جانبه * وأرقني أن لا حبيب ألاعبه فوالله لولا ~~الله لا شئ غيره * لزعزع من هذا السرير جوانبه مخافة ربى والحياء يكفني * ~~وإكرام بعلي أن تنال مراكبه فلما كان من الغد استدعى عمر بتلك المرأة وقال ~~لها: أين زوجك؟ فقالت: بعثت به إلى العراق! فاستدعى نساء فسألهن عن المرأة ~~كم مقدار ما تصبر عن زوجها؟ فقلن: شهرين، ويقل صبرها في ثلاثة أشهر، وينفد ~~(2) صبرها في أربعة أشهر، فجعل عمر مدة غزو الرجل أربعة أشهر، فإذا مضت ~~أربعة أشهر استرد الغازين ووجه بقوم آخرين، وهذا والله أعلم يقوى اختصاص ~~مدة الايلاء بأربعة أشهر. # السابعة عشرة - قوله تعالى: (فإن فاءوا) معناه رجعوا، ومنه " حتى تفئ إلى ~~أمر الله (3) " ومنه قيل للظل بعد الزوال: فئ، لأنه رجع من جانب المشرق إلى ~~جانب المغرب، يقال: فاء يفئ فيئة وفيوءا. وإنه لسريع الفيئة، يعنى الرجوع. ~~قال: # ففاءت ولم تقض الذي أقبلت له * ومن حاجة الانسان ما ليس قاضيا # PageV03P108 # الثامنة عشرة - قال ابن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن ~~الفئ الجماع لمن لا عذر له، فإن كان له عذر مرض أو سجن أو شبه ذلك فإن ~~ارتجاعه صحيح وهي امرأته، فإذا زال العذر بقدومه من سفره أو إفاقته من ~~مرضه، أو انطلاقه من سجنه فأبى الوطئ فرق بينهما إن كانت المدة قد انقضت، ~~قال مالك في المدونة والمبسوط. وقال عبد الملك: وتكون بائنا منه يوم انقضت ~~المدة، فإن صدق عذره بالفيئة إذا أمكنته حكم بصدقه فيما مضى، فإن أكذب ما ~~ادعاه من الفيئة بالامتناع حين القدرة عليها، حمل أمره على الكذب فيها ms0951 ~~واللدد، وأمضيت الاحكام على ما كانت تجب في ذلك الوقت. وقالت طائفة: إذا ~~شهدت بينة (1) بفيئته في حال العذر أجزأه، قاله الحسن وعكرمة والنخعي: وبه ~~قال الأوزاعي. # وقال النخعي أيضا: يصح الفئ بالقول والاشهاد فقط، ويسقط حكم الايلاء، ~~أرأيت إن لم ينتشر (2) للوطئ، قال ابن عطية: ويرجع هذا القول إن لم يطأ إلى ~~باب الضرر. وقال أحمد ابن حنبل: إذا كان له عذر يفئ بقلبه، وبه قال أبو ~~قلابة. وقال أبو حنيفة: إن لم يقدر على الجماع فيقول: قد فئت إليها. قال ~~الكيا الطبري: أبو حنيفة يقول فيمن آلى وهو مريض وبينه وبينها مدة (3) ~~أربعة أشهر، وهي رتقاء أو صغيرة أو هو مجبوب: إنه إذا فاء إليها بلسانه ~~ومضت المدة والعذر قائم فذلك فئ صحيح، والشافعي يخالفه على أحد مذهبيه. ~~وقالت طائفة: لا يكون الفئ إلا بالجماع في حال العذر وغيره، وكذلك قال سعيد ~~بن جبير، قال: # وكذلك إن كان في سفر أو سجن. التاسعة عشرة - أوجب مالك والشافعي وأبو ~~حنيفة وأصحابهم وجمهور العلماء الكفارة على المولى إذا فاء بجماع امرأته. ~~وقال الحسن: لا كفارة عليه، وبه قال النخعي، قال النخعي: كانوا يقولون إذا ~~فاء لا كفارة عليه. وقال إسحاق: قال بعض أهل التأويل في قوله تعالى: " فإن ~~فاءوا " يعنى لليمين التي حنثوا فيها، وهو مذهب في الايمان لبعض التابعين ~~فيمن حلف على بر أو تقوى أو باب من الخير ألا يفعله فإنه يفعله ولا كفارة ~~عليه، # PageV03P109 # والحجة له قوله تعالى: " فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم "، ولم يذكر ~~كفارة، وأيضا فإن هذا يتركب على أن لغو اليمين ما حلف على معصية، وترك وطئ ~~الزوجة معصية. # قلت: وقد يستدل لهذا القول من السنة بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها ~~فليتركها فإن تركها كفارتها " خرجه ابن ماجة في سننه. وسيأتي لها مزيد بيان ~~في آية الايمان إن شاء الله (1) تعالى. وحجة الجمهور قوله عليه ms0952 السلام: " ~~من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه ~~". الموفية عشرين - إذا كفر عن يمينه سقط عنه الايلاء، قاله علماؤنا. وفى ~~ذلك دليل على تقديم الكفارة على الحنث في المذهب، وذلك إجماع في مسألة ~~الايلاء، ودليل على أبي حنيفة في مسألة الايمان، إذ لا يرى جواز تقديم ~~الكفارة على الحنث، قاله ابن العربي. # الحادية والعشرون - قلت (2): بهذه الآية استدل محمد بن الحسن على امتناع ~~جواز الكفارة قبل الحنث فقال: لما حكم الله تعالى للمولى بأحد الحكمين من ~~فئ أو عزيمة الطلاق، فلو جاز تقديم الكفارة على الحنث لبطل الايلاء بغير فئ ~~أو (3) عزيمة الطلاق، لأنه إن حنث لا يلزمه بالحنث شئ، ومتى لم يلزم الحانث ~~بالحنث شئ لم يكن موليا. وفى جواز تقديم الكفارة إسقاط حكم الايلاء بغير ما ~~ذكر الله، وذلك خلاف الكتاب. # الثانية والعشرون - قال الله تعالى: (وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع ~~عليم). # العزيمة (4): تتميم العقد على الشئ، يقال: عزم عليه يعزم عزما (بالضم) ~~وعزيمة وعزيما وعزمانا، واعتزم اعتزاما، وعزمت عليك لتفعلن، أي أقسمت عليك. ~~قال شمر: العزيمة والعزم ما عقدت عليه نفسك من أمر أنك فاعله. والطلاق من ~~طلقت المرأة تطلق (على وزن نصر ينصر) طلاقا، فهي طالق وطالقة أيضا. قال ~~الأعشى: # * أيا جارتا بيني فإنك طالقة (5) * # PageV03P110 # ويجوز طلقت (بضم اللام) مثل عظم يعظم، وأنكره الأخفش. والطلاق حل عقدة ~~النكاح، وأصله الانطلاق، والمطلقات المخليات، والطلاق: التخلية، يقال: نعجة ~~طالق، وناقة طالق، أي مهملة قد تركت في المرعى لا قيد عليها ولا راعى، ~~وبعير طلق (بضم الطاء واللام) غير مقيد، والجمع اطلاق، وحبس فلان في السجن ~~طلقا أي بغير قيد، والطالق من الإبل: # التي يتركها الراعي لنفسه لا يحتلبها على الماء، يقال: استطلق الراعي ~~ناقة لنفسه. فسميت المرأة المخلى سبيلها بما سميت به النعجة أو الناقة ~~المهمل أمرها. وقيل: إنه مأخوذ من طلق الفرس، وهو ذهابه شوطا لا يمنع، ~~فسميت المرأة المخلاة طالقا لا تمنع من نفسها بعد أن كانت ms0953 ممنوعة. # الثالثة والعشرون - في قوله تعالى: (وإن عزموا الطلاق) دليل على أنها لا ~~تطلق بمضي مدة أربعة أشهر، كما قال مالك، ما لم يقع إنشاء تطليق بعد المدة، ~~وأيضا فإنه قال: # " سميع " وسميع يقتضى مسموعا بعد المضي. وقال أبو حنيفة: " سميع " ~~لايلائه، " عليم " بعزمه الذي دل عليه مضى أربعة أشهر. وروى سهيل بن أبي ~~صالح عن أبيه قال: سألت اثنى عشر رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن الرجل يولى من امرأته، فكلهم يقول: ليس عليه شئ حتى تمضي أربعة ~~أشهر فيوقف، فإن فاء وإلا طلق. قال القاضي ابن العربي: وتحقيق الامر أن ~~تقدير الآية عندنا: " للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا " ~~بعد انقضائها " فإن الله غفور رحيم. وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم ~~". # وتقديرها عندهم: " للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا " ~~فيها " فإن الله غفور رحيم. وإن عزموا الطلاق " بترك الفيئة فيها، يريد مدة ~~التربص فيها " فإن الله سميع عليم ". ابن العربي: وهذا احتمال متساو، ولأجل ~~تساويه توقفت الصحابة فيه. # قلت: وإذا تساوى الاحتمال كان قول الكوفيين أقوى (1) قياسا على المعتدة ~~بالشهور والأقراء، إذ كل ذلك أجل ضربه الله تعالى، فبانقضائه انقطعت العصمة ~~وأبينت من غير خلاف، ولم يكن لزوجها سبيل عليها إلا بإذنها، فكذلك الايلاء، ~~حتى لو نسى الفئ وانقضت المدة لوقع الطلاق، والله أعلم. # PageV03P111 # الرابعة والعشرون - قوله تعالى: (وإن عزموا الطلاق) دليل على أن الأمة ~~بملك اليمين لا يكون فيها إيلاء، إذ لا يقع عليها طلاق، والله أعلم. # قوله تعالى: والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ~~ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن ~~في ذلك إن أرادوا إصلاحا ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجل عليهن درجة ~~والله عزيز حكيم (228) قوله تعالى: (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) ~~فيه خمس مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (والمطلقات) لما ذكر الله تعالى الايلاء وأن الطلاق ~~قد يقع فيه بين تعالى حكم ms0954 المرأة بعد التطليق. وفى كتاب أبى داود والنسائي ~~عن ابن عباس قال في قول الله تعالى: " والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ~~" الآية، وذلك أن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق بها، وإن طلقها ثلاثا، ~~فنسخ ذلك وقال: " الطلاق مرتان " الآية. والمطلقات لفظ عموم، والمراد به ~~الخصوص في المدخول بهن، وخرجت المطلقة قبل البناء بآية " الأحزاب ": " فما ~~لكم عليهن من عدة تعتدونها (1) " على ما يأتي. وكذلك الحامل بقوله: " ~~وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن (2) ". والمقصود من الأقراء الاستبراء، ~~بخلاف عدة الوفاة التي هي عبادة. وجعل الله عدة الصغيرة التي لم تحض ~~والكبيرة التي قد يئست الشهور على ما يأتي. وقال قوم: إن العموم في ~~المطلقات يتناول هؤلاء ثم نسخن، وهو ضعيف، وإنما الآية فيمن تحيض خاصة، وهو ~~عرف النساء وعليه معظمهن. # الثانية - قوله تعالى: (يتربصن) التربص الانتظار، على ما قدمناه. وهذا ~~خبر والمراد الامر، كقوله تعالى: " والوالدات يرضعن أولادهن (3) " وجمع رجل ~~عليه ثيابه، وحسبك درهم، أي أكتف بدرهم، هذا قول أهل اللسان من غير خلاف ~~بينهم فيما ذكر ابن الشجري. ابن العربي: وهذا باطل، وإنما هو خبر عن حكم ~~الشرع، فإن وجدت مطلقة * * # PageV03P112 # لا تتربص فليس من الشرع، ولا يلزم من ذلك وقوع خبر الله تعالى على خلاف ~~مخبره. # وقيل: معناه ليتربصن، فحذف اللام. # الثالثة - قرأ جمهور الناس " قروء " على وزن فعول، اللام همزة. ويروى عن ~~نافع " قرو " بكسر الواو وشدها من غير همز. وقرأ الحسن " قرء " بفتح القاف ~~وسكون الراء والتنوين. وقروء جمع أقرؤ وأقراء، والواحد قرء بضم القاف، قال ~~الأصمعي. وقال أبو زيد: " قرء " بفتح القاف، وكلاهما قال: أقرأت المرأة إذا ~~حاضت، فهي مقرئ. وأقرأت طهرت. وقال الأخفش: أقرأت المرأة إذا صارت صاحبة ~~حيض، فإذا حاضت قلت: # قرأت، بلا ألف. يقال: أقرأت المرأة حيضة أو حيضتين. والقرء: انقطاع (1) ~~الحيض. # وقال بعضهم: ما بين الحيضتين. وأقرأت حاجتك: دنت، عن الجوهري. وقال أبو ~~عمرو ابن العلاء: من العرب من يسمى الحيض قرءا، ومنهم من يسمى الطهر قرءا، ~~ومنهم من يجمعهما ms0955 جميعا، فيسمى الطهر مع الحيض قرءا، ذكره النحاس. # الرابعة - واختلف العلماء في الأقراء، فقال أهل الكوفة: هي الحيض، وهو ~~قول عمر وعلى وابن مسعود وأبى موسى ومجاهد وقتادة والضحاك وعكرمة والسدي. ~~وقال أهل الحجاز: هي الاطهار، وهو قول عائشة وابن عمر وزيد بن ثابت والزهري ~~وأبان بن عثمان والشافعي. فمن جعل القرء اسما للحيض سماه بذلك، لاجتماع ~~الدم في الرحم، ومن جعله اسما للطهر فلاجتماعه في البدن، والذي يحقق لك هذا ~~الأصل في القرء الوقت، يقال: هبت الريح لقرئها وقارئها أي لوقتها، قال ~~الشاعر (2): # كرهت العقر عقر بنى شليل (3) * إذا هبت لقارئها الرياح فقيل للحيض: وقت، ~~وللطهر وقت، لأنهما يرجعان لوقت معلوم، وقال الأعشى في الأطهار: # أفي كل عام أنت جاشم غزوة * تسد لأقصاها عزيم عزائكا مورثة عزا (4) وفى ~~الحي رفعة * لما ضاع فيها من قروء نسائكا # PageV03P113 # وقال آخر في الحيض: # يا رب ذي ضغن على فارض * له قروء كقروء الحائض يعنى أنه طعنه فكان له دم ~~كدم الحائض. وقال قوم: هو مأخوذ من قرء الماء في الحوض. وهو جمعه، ومنه ~~القرآن لاجتماع المعاني. ويقال لاجتماع حروفه، ويقال: # ما قرأت الناقة سلى قط، أي لم تجمع (1) في جوفها، وقال عمرو بن كلثوم. # ذراعي عيطل أدماء بكر * هجان اللون لم تقرأ جنينا فكأن الرحم يجمع الدم ~~وقت الحيض، والجسم يجمعه وقت الطهر. قال أبو عمر بن عبد البر: # قول من قال: إن القرء مأخوذ من قولهم: قريت الماء في الحوض ليس بشئ لان ~~القرء مهموز وهذا غير مهموز. # قلت: هذا صحيح بنقل أهل اللغة: الجوهري وغيره. واسم ذلك الماء قرى (بكسر ~~القاف مقصور). وقيل: القرء، الخروج إما من طهر إلى حيض أو من حيض إلى طهر، ~~وعلى هذا قال الشافعي في قول: القرء الانتقال من الطهر إلى الحيض، ولا يرى ~~الخروج من الحيض إلى الطهر قرءا. وكان يلزم بحكم الاشتقاق أن يكون قرءا، ~~ويكون معنى قوله تعالى: # " والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ". أي ثلاثة أدوار أو ثلاثة ~~انتقالات، والمطلقة متصفة بحالتين ms0956 فقط، فتارة تنتقل من طهر إلى حيض، وتارة ~~من حيض إلى طهر فيستقيم معنى الكلام، ودلالته على الطهر والحيض جميعا، ~~فيصير الاسم مشتركا. ويقال: إذا ثبت أن القرء الانتقال فخروجها من طهر إلى ~~حيض غير مراد بالآية أصلا، ولذلك لم يكن الطلاق في الحيض طلاقا سنيا مأمورا ~~به، وهو الطلاق للعدة، فإن الطلاق للعدة ما كان في الطهر، وذلك يدل على كون ~~القرء مأخوذا من الانتقال، فإذا كان الطلاق في الطهر سنيا فتقدير الكلام: ~~فعدتهن ثلاثة انتقالات، فأولها الانتقال من الطهر الذي وقع فيه الطلاق، ~~والذي هو الانتقال من حيض إلى طهر لم يجعل قرءا، لان اللغة لا تدل عليه، ~~ولكن عرفنا بدليل آخر، أن الله تعالى لم يرد الانتقال من حيض إلى طهر، فإذا ~~خرج أحدهما عن أن يكون # PageV03P114 # مرادا بقى الآخر وهو الانتقال من الطهر إلى الحيض مرادا، فعلى هذا عدتها ~~ثلاثة انتقالات، أولها الطهر، وعلى هذا يمكن استيفاء ثلاثة أقراء كاملة إذا ~~كان الطلاق في حالة الطهر، ولا يكون ذلك حملا على المجاز بوجه ما. قال ~~الكيا الطبري: وهذا نظر (1) دقيق في غاية الاتجاه لمذهب الشافعي، ويمكن أن ~~نذكر في ذلك سرا لا يبعد فهمه من دقائق حكم الشريعة، وهو أن الانتقال من ~~الطهر إلى الحيض إنما جعل قرءا لدلالته على براءة الرحم، فإن الحامل لا ~~تحيض في الغالب فبحيضها علم براءة رحمها. والانتقال من حيض إلى طهر بخلافه، ~~فان الحائض يجوز أن تحبل في أعقاب حيضها، وإذا تمادى أمد الحمل (2) وقوى ~~الولد انقطع دمها، ولذلك تمتدح العرب بحمل نسائهم في حالة الطهر، وقد مدحت ~~عائشة رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول الشاعر (3): # ومبرأ من كل غبر حيضة * وفساد مرضعة وداء مغيل يعنى أن أمه لم تحمل به في ~~بقية حيضها. فهذا ما للعلماء وأهل اللسان في تأويل القرء. # وقالوا: قرأت المرأة قرءا إذا حاضت أو طهرت. وقرأت أيضا إذا حملت. ~~واتفقوا على أن القرء الوقت، فإذا قلت: والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة ~~أوقات، صارت الآية مفسرة ms0957 في العدد محتملة في المعدود، فوجب طلب البيان ~~للمعدود من غيرها، فدليلنا قول الله تعالى: " فطلقوهن لعدتهن (4) " ولا ~~خلاف أنه يؤمر بالطلاق وقت الطهر فيجب أن يكون هو المعتبر في العدة، فإنه ~~قال: " فطلقوهن " يعنى وقتا تعتد به، ثم قال تعالى: " وأحصوا العدة ". يريد ~~ما تعتد به المطلقة وهو الطهر الذي تطلق فيه، وقال صلى الله عليه وسلم ~~لعمر: " مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر فتلك العدة ~~التي أمر الله أن تطلق لها النساء ". أخرجه مسلم وغيره. وهو نص في أن زمن ~~الطهر هو الذي يسمى عدة، وهو الذي تطلق فيه النساء. ولا خلاف أن من طلق في ~~حال الحيض لم تعتد بذلك الحيض، ومن طلق في حال الطهر فإنها تعتد عند ~~الجمهور بذلك الطهر، فكان ذلك أولى. قال أبو بكر # PageV03P115 # ابن عبد الرحمن: ما أدركنا أحدا من فقهائنا إلا يقول بقول عائشة في أن ~~الأقراء هي الأطهار. # فإذا طلق الرجل في طهر لم يطأ فيه اعتدت بما بقى منه ولو ساعة ولو لحظة، ~~ثم استقبلت طهرا ثانيا بعد حيضة، ثم ثالثا بعد حيضة ثانية، فإذا رأت الدم ~~من الحيضة الثالثة حلت للأزواج وخرجت من العدة. فإن طلق مطلق في طهر قد مس ~~فيه لزمه الطلاق وقد أساء، واعتدت بما بقى من ذلك الطهر. وقال الزهري في ~~امرأة طلقت في بعض طهرها: إنها تعتد بثلاثة أطهار سوى بقية ذلك الطهر. قال ~~أبو عمر: لا أعلم أحدا ممن قال: الأقراء الأطهار يقول هذا غير ابن شهاب ~~الزهري، فإنه قال: تلغى الطهر الذي طلقت فيه ثم تعتد بثلاثة أطهار، لان ~~الله عز وجل يقول: " ثلاثة قروء ". قلت: فعلى قوله لا تحل المطلقة حتى تدخل ~~في الحيضة الرابعة، وقول ابن القاسم ومالك وجمهور أصحابه والشافعي وعلماء ~~المدينة: إن المطلقة إذا رأت أول نقطة من الحيضة الثالثة خرجت من العصمة، ~~وهو مذهب زيد بن ثابت وعائشة وابن عمر، وبه قال أحمد ابن حنبل، وإليه ذهب ~~داود بن علي وأصحابه. والحجة ms0958 على الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن ~~في طلاق الطاهر من غير جماع، ولم يقل أول الطهر ولا آخره. وقال أشهب: # لا تنقطع العصمة والميراث حتى يتحقق أنه دم حيض، لئلا تكون دفعة دم من ~~غير الحيض. # أحتج الكوفيون بقول عليه السلام لفاطمة بنت أبي حبيش حين شكت إليه الدم: ~~" إنما ذلك عرق فانظري فإذا أتى قرؤك فلا تصلى وإذا مر القرء فتطهري ثم صلى ~~من القرء إلى القرء ". # وقال تعالى: " واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة ~~أشهر (1) ". فجعل المأيوس منه المحيض، فدل على أنه هو العدة، وجعل العوض ~~منه هو الأشهر إذا كان معدوما. # وقال عمر بحضرة الصحابة: عدة الأمة حيضتان، نصف عدة الحرة، ولو قدرت على ~~أن أجعلها حيضة ونصفا لفعلت، ولم ينكر عليه أحد. فدل على أنه إجماع منهم، ~~وهو قول عشرة من الصحابة منهم الخلفاء الأربعة، وحسبك ما قالوا! وقوله ~~تعالى: " والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء " يدل على ذلك، لان المعنى ~~يتربصن ثلاثة أقراء، يريد كوامل، # PageV03P116 # وهذا لا يمكن أن يكون إلا على قولنا بأن الأقراء الحيض، لان من يقول: إنه ~~الطهر يجوز أن تعتد بطهرين وبعض آخر، لأنه إذا طلق حال الطهر اعتدت عنده ~~ببقية ذلك الطهر قرءا. وعندنا تستأنف من أول الحيض حتى يصدق الاسم، فإذا ~~طلق الرجل المرأة في طهر لم يطأ فيه استقبلت حيضة ثم حيضة ثم حيضة، فإذا ~~اغتسلت من الثالثة خرجت من العدة. # قلت: هذا يرده قوله تعالى: " سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام (1) " ~~فأثبت الهاء في " ثمانية أيام "، لان اليوم مذكر وكذلك القرء، فدل على أنه ~~المراد. ووافقنا أبو حنيفة على أنها إذا طلقت حائضا أنها لا تعتد بالحيضة ~~التي طلقت فيها ولا بالطهر الذي بعدها، وإنما تعتد بالحيض الذي بعد الطهر. ~~وعندنا تعتد بالطهر، على ما بيناه. وقد استجاز أهل اللغة أن يعبروا عن ~~البعض بأسم الجميع، كما قال تعالى: " الحج أشهر معلومات " والمراد به شهران ~~وبعض الثالث، فكذلك قوله: " ثلاثة قروء ms0959 ". والله أعلم. وقال بعض من يقول ~~بالحيض: # إذا طهرت من الثالثة انقضت العدة بعد الغسل وبطلت الرجعة، قاله سعيد بن ~~جبير وطاوس وابن شبرمة والأوزاعي. وقال شريك: إذا فرطت المرأة في الغسل ~~عشرين سنة فلزوجها عليها الرجعة ما لم تغتسل. وروى عن إسحاق بن راهويه أنه ~~قال: إذا طعنت المرأة في الحيضة الثالثة بانت وانقطعت رجعة الزوج. إلا أنها ~~لا يحل لها أن تتزوج حتى تغتسل من حيضتها. وروى نحوه عن ابن عباس، وهو قول ~~ضعيف، بدليل قول الله تعالى: # " فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن " على ما يأتي ~~(2). وأما ما ذكره الشافعي من أن نفس الانتقال من الطهر إلى الحيضة يسمى ~~قرءا ففائدته تقصير العدة على المرأة، وذلك أنه إذا طلق المرأة في آخر ساعة ~~من طهرها فدخلت في الحيضة عدته قرءا، وبنفس الانتقال من الطهر الثالث ~~انقطعت العصمة وحلت. والله أعلم. # الخامسة - والجمهور من العلماء على أن عدة الأمة التي تحيض من طلاق زوجها ~~حيضتان. وروى عن ابن سيرين أنه قال: ما أرى عدة الأمة إلا كعدة الحرة، إلا ~~أن # PageV03P117 # تكون مضت في ذلك سنة: فإن السنة أحق أن تتبع. وقال الأصم عبد الرحمن بن ~~كيسان وداود بن علي وجماعة أهل الظاهر: إن الآيات في عدة الطلاق والوفاة ~~بالأشهر والأقراء عامة في حق الأمة والحرة، فعدة الحرة والأمة سواء. واحتج ~~الجمهور بقوله عليه السلام: # " طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان ". رواه ابن جريج عن عطاء عن مظاهر ~~بن أسلم عن أبيه عن القاسم بن محمد عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " طلاق الأمة تطليقتان وقرؤها حيضتان " فأضاف إليها الطلاق ~~والعدة جميعا، إلا أن مظاهر بن أسلم انفرد بهذا الحديث وهو ضعيف. وروى عن ~~ابن عمر: أيهما رق نقص طلاقه، وقالت به فرقة من العلماء. # قوله تعالى: (ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن) فيه مسألتان: # الأولى - قوله تعالى: (ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن ms0960 " أي ~~من الحيض، قاله عكرمة والزهري والنخعي. وقيل: الحمل، قاله عمر وابن عباس. ~~وقال مجاهد: الحيض والحمل معا، وهذا على أن الحامل تحيض. والمعنى المقصود ~~من الآية أنه لما دار أمر العدة على الحيض والأطهار ولا اطلاع إلا من جهة ~~النساء جعل القول قولها إذا ادعت انقضاء العدة أو عدمها، وجعلهن مؤتمنات ~~على ذلك، وهو مقتضى قوله تعالى: " ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في ~~أرحامهن ". وقال سليمان بن يسار: # ولم نؤمر أن نفتح النساء فننظر إلى فروجهن، ولكن وكل ذلك إليهن إذ كن ~~مؤتمنات. # ومعنى النهى عن الكتمان النهى عن الاضرار بالزوج وإذهاب حقه، فإذا قالت ~~المطلقة: # حضت، وهي لم تحض، ذهبت بحقه من الارتجاع، وإذا قالت: لم أحض، وهي قد ~~حاضت، ألزمته من النفقة ما لم يلزمه فأضرت به، أو تقصد بكذبها في نفى الحيض ~~ألا ترتجع حتى تنقضي العدة ويقطع الشرع حقه، وكذلك الحامل تكتم الحمل، ~~لتقطع حقه من الارتجاع. قال قتادة: كانت عادتهن في الجاهلية أن يكتمن الحمل ~~ليلحقن الولد بالزوج الجديد، ففي ذلك نزلت الآية. وحكى أن رجلا من أشجع أتى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV03P118 # فقال: يا رسول الله، إني طلقت امرأتي وهي حبلى، ولست آمن أن تتزوج فيصير ~~ولدى لغيري، فأنزل الله الآية، وردت امرأة الأشجعي عليه. # الثانية - قال ابن المنذر: وقال كل من حفظت عنه من أهل العلم: إذ قالت ~~المرأة في عشرة أيام: قد حضت ثلاث حيض وانقضت عدتي إنها لا تصدق ولا يقبل ~~ذلك منها، إلا أن تقول: قد أسقطت سقطا قد استبان خلقه. واختلفوا في المدة ~~التي تصدق فيها المرأة، فقال مالك: إذا قالت انقضت عدتي في أمد تنقضي في ~~مثله العدة قبل قولها، فإن أخبرت بانقضاء العدة في مدة تقع نادرا فقولان. ~~قال في المدونة: إذا قالت حضت ثلاث حيض في شهر صدقت إذا صدقها النساء، وبه ~~قال شريح و، وقال له علي بن أبي طالب: # قالون! أي أصبت وأحسنت. وقال في كتاب محمد: لا ms0961 تصدق إلا في شهر ونصف. # ونحوه قول أبى ثور، قال أبو ثور: أقل ما يكون ذلك في سبعة وأربعين يوما، ~~وذلك أن أقل الطهر خمسة عشر يوما، وأقل الحيض يوم. وقال النعمان: لا تصدق ~~في أقل من ستين يوما، وقال به الشافعي. # قوله تعالى: (إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر) هذا وعيد عظيم شديد لتأكيد ~~تحريم الكتمان، وإيجاب لأداء الأمانة في الاخبار عن الرحم بحقيقة ما فيه. ~~أي فسبيل المؤمنات ألا يكتمن الحق، وليس قوله: " إن كن يؤمن بالله " على ~~أنه أبيح لمن لا يؤمن أن يكتم، لان ذلك لا يحل لمن لا يؤمن، وإنما هو ~~كقولك: إن كنت أخي فلا تظلمني، أي فينبغي أن يحجزك الايمان عنه، لان هذا ~~ليس من فعل أهل الايمان. # قوله تعالى: (وبعولتهن أحق بردهن) فيه إحدى عشرة مسألة: # الأولى - قوله تعالى: (وبعولتهن) البعولة جمع البعل، وهو الزوج، سمى بعلا ~~لعلوه على الزوجة بما قد ملكه من زوجيتها، ومنه قوله تعالى: " أتدعون بعلا ~~(1) " أي ربا، لعلوه في الربوبية، يقال: بعل وبعولة، كما يقال في جمع ~~الذكر: ذكر وذكورة، وفى جمع الفحل: # فحل وفحولة، وهذه الهاء زائدة مؤكدة لتأنيث الجماعة، وهو شاذ لا يقاس ~~عليه، ويعتبر فيها # PageV03P119 # السماع، فلا يقال في لعب: لعوبة. وقيل: هي هاء تأنيث دخلت على فعول. ~~والبعولة أيضا مصدر البعل. وبعل الرجل يبعل (مثل منع يمنع) بعولة، أي صار ~~بعلا. والمباعلة والبعال: الجماع، ومنه قوله عليه السلام لأيام التشريق: " ~~إنها أيام أكل وشرب وبعال " وقد تقدم. فالرجل بعل المرأة، والمرأة بعلته. ~~وباعل مباعلة إذا باشرها. وفلان بعل هذا، أي مالكه وربه. وله محامل كثيرة ~~تأتى إن شاء الله تعالى (1). # الثانية - قوله تعالى: (أحق بردهن) أي بمراجعتهن، فالمراجعة على ضربين: # مراجعة في العدة على حديث ابن عمر. ومراجعة بعد العدة على حديث معقل، ~~وإذا كان هذا فيكون في الآية دليل على تخصيص ما شمله العموم في المسميات، ~~لان قوله تعالى: # " والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء " عام في المطلقات ثلاثا، وفيما ~~دونها لا خلاف ms0962 فيه. ثم قوله: " وبعولتهن أحق " حكم خاص فيمن كان طلاقها دون ~~الثلاث. وأجمع العلماء على أن الحر إذا طلق زوجته الحرة، وكانت مدخولا بها ~~تطليقة أو تطليقتين، أنه أحق برجعتها ما لم تنقض عدتها وإن كرهت المرأة، ~~فإن لم يراجعها المطلق حتى انقضت عدتها فهي أحق بنفسها وتصير أجنبية منه، ~~لا تحل له إلا بخطبة ونكاح مستأنف بولي وإشهاد، ليس على سنة المراجعة، وهذا ~~إجماع من العلماء. قال المهلب: وكل من راجع في العدة فإنه لا يلزمه شئ من ~~أحكام النكاح غير الاشهاد على المراجعة فقط، وهذا إجماع من العلماء، لقوله ~~تعالى: " فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي ~~عدل (2) منكم " فذكر الاشهاد في الرجعة ولم يذكره في النكاح ولا في الطلاق. ~~قال ابن المنذر: # وفيما ذكرناه من كتاب الله مع إجماع أهل العلم كفاية عن ذكر ما روى عن ~~الأوائل في هذا الباب، والله تعالى أعلم. # الثالثة - واختلفوا فيما يكون به الرجل مراجعا في العدة، فقال مالك: إذا ~~وطئها في العدة وهو يريد الرجعة وجهل أن يشهد فهي رجعة. وينبغي للمرأة أن ~~تمنعه الوطئ حتى يشهد، وبه قال إسحاق، لقوله عليه السلام: " إنما الأعمال ~~بالنيات وإنما لكل امرئ # PageV03P120 # ما نوى ". فإن وطئ في العدة لا ينوى الرجعة فقال مالك: يراجع في العدة ~~ولا يطأ حتى يستبرئها من مائه الفاسد. قال ابن القاسم: فإن أنقضت عدتها لم ~~ينكحها هو ولا غيره في بقية مدة الاستبراء، فإن فعل فسخ نكاحه، ولا يتأبد ~~تحريمها عليه لان الماء ماؤه. وقالت طائفة: إذا جامعها فقد راجعها، وهكذا ~~قال سعيد بن المسيب والحسن البصري وابن سرين والزهري وعطاء وطاوس والثوري. ~~قال: ويشهد، وبه قال أصحاب الرأي والأوزاعي وابن أبي ليلى، حكاه ابن ~~المنذر. وقال أبو عمر: وقد قيل: وطؤه مراجعة على كل حال، نواها أو لم ~~ينوها، ويروى ذلك عن طائفة من أصحاب مالك، وإليه ذهب الليث. ولم يختلفوا ~~فيمن باع جاريته بالخيار أن له وطأها في مدة الخيار، وأنه قد ارتجعها ms0963 بذلك ~~إلى ملكه، واختار نقض البيع بفعله ذلك. وللمطلقة الرجعية حكم من هذا. والله ~~أعلم. # الرابعة - من قبل أو باشر ينوى بذلك الرجعة كانت رجعة، وإن لم ينو ~~بالقبلة والمباشرة الرجعة كان آثما، وليس بمراجع. والسنة أن يشهد قبل أن ~~يطأ أو قبل أن يقبل أو يباشر. وقال أبو حنيفة وأصحابه: إن وطئها أو لمسها ~~بشهوة أو نظر إلى فرجها بشهوة فهي رجعة، وهو قول الثوري وينبغي أن يشهد. ~~وفى (2) قول مالك والشافعي وإسحاق وأبى عبيد وأبى ثور لا يكون رجعة، قاله ~~ابن المنذر. وفى " المنتقى " قال: ولا خلاف في صحة الارتجاع بالقول، فأما ~~بالفعل نحو الجماع والقبلة فقال القاضي أبو محمد: يصح بها وبسائر الاستمتاع ~~للذة. قال ابن المواز: ومثل الجسة للذة، أو أن ينظر إلى فرجها أو ما قارب ~~ذلك من محاسنها إذا أراد بذلك الرجعة، خلافا للشافعي في قوله: لا تصح ~~الرجعة إلا بالقول، وحكاه ابن المنذر عن أبي ثور وجابر بن زيد وأبى قلابة. # الخامسة - قال الشافعي: إن جامعها ينوى الرجعة، أو لا ينويها فليس برجعة، ~~ولها عليه مهر مثلها. وقال مالك: لا شئ لها، لأنه لو ارتجعها لم يكن عليه ~~مهر، فلا يكون الوطئ دون الرجعة أولى بالمهر من الرجعة. وقال أبو عمر: ولا ~~أعلم أحدا أوجب عليه مهر # PageV03P121 # المثل غير الشافعي، وليس قوله بالقوى، لأنها في حكم الزوجات وترثه ~~ويرثها، فكيف يجب مهر المثل في وطئ امرأة حكمها في أكثر أحكامها حكم ~~الزوجة! إلا أن الشبهة في قول الشافعي قوية، لأنها عليه محرمة إلا برجعة ~~لها. وقد أجمعوا على أن الموطوءة بشبهة يجب لها المهر، وحسبك بهذا! # السادسة - واختلفوا هل يسافر بها قبل أن يرتجعها، فقال مالك والشافعي: # لا يسافر بها حتى يراجعها، وكذلك قال أبو حنيفة وأصحابه إلا زفر فإنه روى ~~عنه الحسن ابن زياد أن له أن يسافر بها قبل الرجعة، وروى عنه عمرو بن خالد، ~~لا يسافر بها حتى يراجع. # السابعة - واختلفوا هل له أن يدخل عليها ويرى شيئا من محاسنها، ms0964 وهل تتزين ~~له وتتشرف (1)، فقال مالك. لا يخلو معها، ولا يدخل عليها إلا بإذن، ولا ~~ينظر إليها إلا وعليها ثيابها، ولا ينظر إلى شعرها، ولا بأس أن يأكل معها ~~إذا كان معهما غيرهما، ولا يبيت معها في بيت وينتقل عنها. وقال ابن القاسم: ~~رجع مالك عن ذلك فقال: لا يدخل عليها ولا يرى شعرها. ولم يختلف أبو حنيفة ~~وأصحابه في أنها تتزين له وتتطيب وتلبس الحلي وتتشرف. وعن سعيد بن المسيب ~~قال: إذا طلق الرجل امرأته تطليقة فإنه يستأذن عليها، وتلبس ما شاءت من ~~الثياب والحلي، فإن لم يكن لهما إلا بيت واحد فليجعلا بينهما سترا، ويسلم ~~إذا دخل، ونحوه عن قتادة، ويشعرها إذا دخل بالتنخم والتنحنح. وقال الشافعي: # المطلقة طلاقا يملك رجعتها محرمة على مطلقها تحريم المبتوتة حتى يراجع، ~~ولا يراجع إلا بالكلام، على ما تقدم. # الثامنة - أجمع العلماء على أن المطلق إذا قال بعد انقضاء العدة: إني كنت ~~راجعتك في العدة وأنكرت أن القول قولها مع يمينها، ولا سبيل له إليها، غير ~~أن النعمان كان لا يرى يمينا في النكاح ولا في الرجمة، وخالفه صاحباه فقالا ~~كقول سائر أهل العلم. وكذلك إذا كانت الزوجة أمة واختلف المولى والجارية، ~~والزوج يدعى الرجعة في العدة بعد انقضاء العدة # PageV03P122 # وأنكرت فالقول قول الزوجة الأمة وإن كذبها مولاها، هذا قول الشافعي وأبى ~~ثور والنعمان. # وقال يعقوب ومحمد: القول قول المولى وهو أحق بها. # التاسعة - لفظ الرد يقتضى زوال العصمة، إلا أن علماءنا قالوا: إن الرجعية ~~محرمة الوطئ، فيكون الرد عائدا إلى الحل. وقال الليث بن سعد وأبو حنيفة ومن ~~قال بقولهما - في أن الرجعة محللة الوطئ: أن الطلاق فائدته تنقيص العدد ~~الذي (1) جعل له خاصة، وأن أحكام الزوجية باقية لم ينحل منها شئ - قالوا: ~~وأحكام الزوجية وإن كانت باقية فالمرأة ما دامت في العدة سائرة في سبيل ~~الزوال بانقضاء العدة، فالرجعة رد عن هذه السبيل التي أخذت المرأة في ~~سلوكها، وهذا رد مجازي، والرد الذي حكمنا به رد حقيقي، فإن هناك زوال ms0965 ~~مستنجز وهو تحريم الوطئ، فوقع الرد عنه حقيقة، والله أعلم. # العاشرة - لفظ " أحق " يطلق عند تعارض حقين، ويترجح أحدهما، فالمعنى حق ~~الزوج في مدة التربص أحق من حقها بنفسها، فإنها إنما تملك نفسها بعد انقضاء ~~العدة، ومثل هذا قوله عليه السلام: " الأيم أحق بنفسها من وليها ". وقد ~~تقدم. # الحادية عشرة - الرجل مندوب إلى المراجعة، ولكن إذا قصد الاصلاح بإصلاح ~~حاله معها، وإزالة الوحشة بينهما، فأما إذا قصد الاضرار وتطويل العدة ~~والقطع بها عن الخلاص من ربقة النكاح فمحرم، لقوله تعالى: " ولا تمسكوهن ~~ضرارا لتعتدوا " ثم من فعل ذلك فالرجعة صحيحة، وإن ارتكب النهى وظلم نفسه، ~~ولو علمنا نحن ذلك المقصد طلقنا عليه. # قوله تعالى: (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف) فيه ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (ولهن) أي لهن من حقوق الزوجية على الرجال مثل ما ~~للرجال عليهن، ولهذا قال ابن عباس: إني لأتزين لامرأتي كما تتزين لي، وما ~~أحب أن أستنظف (2) كل حقي الذي لي عليها فتستوجب حقها الذي لها على، لان ~~الله تعالى قال: " ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف " أي زينة من غير مأثم. ~~وعنه أيضا: أي لهن من حسن الصحبة # PageV03P123 # والعشرة بالمعروف على أزواجهن مثل الذي عليهن من الطاعة فيما أوجبه عليهن ~~لأزواجهن. # وقبل: إن لهن على أزواجهن ترك. مضارتهن كما كان ذلك عليهن لأزواجهن. قال ~~الطبري: # وقال ابن زيد: تتقون الله فيهن كما عليهن أن يتقين الله عز وجل فيكم، ~~والمعنى متقارب. # والآية تعم جميع ذلك من حقوق الزوجية. # الثانية - قول ابن عباس: " إني لأتزين لامرأتي ". قال العلماء: أما زينة ~~الرجال فعلى تفاوت أحوالهم، فإنهم يعملون ذلك على اللبق (1) والوفاق، فربما ~~كانت زينة تليق في وقت ولا تليق في وقت، وزينة تليق بالشباب، وزينة تليق ~~بالشيوخ ولا تليق بالشباب، ألا ترى أن الشيخ والكهل إذا حف شاربه ليق به ~~ذلك وزانه، والشاب إذا فعل ذلك سمج ومقت. # لان اللحية لم توفر بعد، فإذا حف شاربه في أول ما خرج وجهه سمج، وإذا ~~وفرت لحيته وحف شاربه زانه ms0966 ذلك. وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال، " أمرني ربى أن أعفى لحيتي وأحفى شاربي ". وكذلك في شأن الكسوة، ففي ~~هذا كله ابتغاء الحقوق، فإنما يعمل على اللبق (2) والوفاق ليكون عند امرأته ~~في زينة تسرها ويعفها عن غيره من الرجال. وكذلك الكحل من الرجال منهم من ~~يليق به ومنهم من لا يليق به. فأما الطيب والسواك والخلال (3) والرمي ~~بالدرن وفضول الشعر والتطهير وقلم الأظفار فهو بين موافق للجميع. والخضاب ~~للشيوخ والخاتم للجميع من الشباب والشيوخ زينة، وهو حلي الرجال على ما يأتي ~~بيانه في سورة " النحل (4) ". # ثم عليه أن يتوخى أوقات حاجتها إلى الرجل فيعفها ويغنيها عن التطلع إلى ~~غيره. وإن رأى الرجل من نفسه عجزا عن إقامة حقها في مضجعها أخذ من الأدوية ~~التي تزيد في باهه (5) وتقوى شهوته حتى يعفها. # الثالثة - قوله تعالى: (وللرجال علين درجة) أي منزلة. ومدرجة الطريق: # قارعته، والأصل فيه الطي، يقال: درجوا، أي طووا عمرهم، ومنها الدرجة التي ~~يرتقى عليها. # ويقال: رجل بين الرجلة، أي القوة. وهو أرجل الرجلين، أي أقواهما. وفرس ~~رجيل، # PageV03P124 # أي قوى، ومنه الرجل، لقوتها على المشي. فزيادة درجة الرجل بعقله وقوته ~~على (1) الانفاق وبالدية والميراث والجهاد. وقال حميد: الدرجة اللحية، وهذا ~~إن صح عنه فهو ضعيف لا يقتضيه لفظ الآية ولا معناها. قال ابن العربي: فطوبى ~~لعبد أمسك عما لا يعلم، وخصوصا في كتاب الله تعالى! ولا يخفى على لبيب فضل ~~الرجال على النساء، ولو لم يكن إلا أن المرأة خلقت من الرجل فهو أصلها، وله ~~أن يمنعها من التصرف إلا بإذنه، فلا تصوم إلا بإذنه ولا تحج إلا معه. وقيل: ~~الدرجة الصداق، قاله الشعبي. وقيل: جواز الأدب. وعلى الجملة فدرجة تقتضي ~~التفضيل، وتشعر بأن حق الزوج عليها أوجب من حقها عليه، ولهذا قال عليه ~~السلام: " ولو أمرت أحدا بالسجود لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها ". ~~وقال ابن عباس: الدرجة إشارة إلى حض الرجال على حسن العشرة، والتوسع للنساء ~~في المال والخلق، أي أن الأفضل ينبغي ms0967 أن يتحامل على نفسه. قال ابن عطية: ~~وهذا قول حسن بارع. # قال الماوردي، يحتمل أنها في حقوق النكاح، له رفع العقد دونها، ويلزمها ~~إجابته إلى الفراش، ولا يلزمه إجابتها. # قلت: ومن هذا قوله عليه السلام: " أيما امرأة دعاها زوجها إلى فراشه فأبت ~~عليه لعنتها الملائكة حتى تصبح ". (والله عزيز) أي منيع السلطان لا معترض ~~عليه. (حكيم) أي عالم مصيب فيما يفعل. # قوله تعالى: الطلق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن ~~تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا ~~يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ~~ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون (229) # PageV03P125 # قوله تعالى: (الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان) فيه سبع ~~مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (الطلاق مرتان) ثبت أن أهل الجاهلية لم يكن عندهم ~~للطلاق عدد، وكانت عندهم العدة معلومة مقدرة، وكان هذا في أول الاسلام ~~برهة، يطلق الرجل امرأته ما شاء من الطلاق، فإذا كادت تحل من طلاقه راجعها ~~ما شاء، فقال رجل لامرأته على عهد النبي صلى الله عليه وسلم: لا آويك ولا ~~أدعك تحلين، قالت: وكيف؟ قال: أطلقك فإذا دنا مضى عدتك راجعتك. فشكت المرأة ~~ذلك إلى عائشة، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية بيانا لعدد الطلاق الذي للمرء فيه أن يرتجع دون تجديد مهر وولى، ونسخ ~~ما كانوا عليه. قال معناه عروة بن الزبير وقتادة وابن زيد وغيرهم. وقال ابن ~~مسعود وابن عباس ومجاهد وغيرهم: المراد بالآية التعريف بسنة الطلاق، أي من ~~طلق اثنتين فليتق الله في الثالثة، فإما تركها غير مظلومة شيئا من حقها، ~~وإما أمسكها محسنا عشرتها، والآية تتضمن هذين المعنيين. # الثانية - الطلاق هو حل العصمة المنعقدة بين الأزواج بألفاظ مخصوصة. # والطلاق مباح بهذه الآية وبغيرها، وبقوله عليه السلام في حديث ابن عمر: " ~~فإن شاء أمسك وإن شاء طلق " وقد طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصة ثم ms0968 ~~راجعها، خرجه ابن ماجة. وأجمع العلماء على أن من طلق امرأته طاهرا في طهر ~~لم يمسها فيه أنه مطلق للسنة، وللعدة التي أمر الله تعالى بها، وأن له ~~الرجعة إذا كانت مدخولا بها قبل أن تنقضي عدتها، فإذا انقضت فهو خاطب من ~~الخطاب. فدل الكتاب والسنة وإجماع الأمة على أن الطلاق مباح غير محظور. قال ~~ابن المنذر: وليس في المنع منه خبر يثبت. # الثالثة - روى الدارقطني " حدثني أبو العباس محمد بن موسى بن علي ~~الدولابي ويعقوب بن إبراهيم، قالا حدثنا الحسن بن عرفة حدثنا إسماعيل بن ~~عياش بن حميد بن مالك اللخمي عن مكحول عن معاذ بن جبل قال قال لي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " يا معاذ ما خلق الله شيئا على وجه الأرض أحب إليه من العتاق ولا خلق ~~الله تعالى شيئا على وجه الأرض أبغض إليه من الطلاق فإذا قال الرجل لمملوكه ~~أنت حر إن شاء الله فهو حر PageV03P126 # ولا استثناء له وإذا قال الرجل لامرأته أنت طالق إن شاء الله فله ~~استثناؤه ولا طلاق عليه ". # حدثنا محمد بن موسى بن علي حدثنا حميد بن الربيع حدثنا يزيد بن هارون ~~أنبأنا إسماعيل بن عياش بإسناده نحوه. قال حميد قال لي يزيد بن هارون: وأي ~~حديث لو كان حميد ابن مالك اللخمي معروفا! قلت: هو جدي! قال يزيد: سررتني، ~~الآن صار حديثا! ". # قال ابن المنذر: وممن رأى الاستثناء في الطلاق طاوس وحماد والشافعي وأبو ~~ثور وأصحاب الرأي. ولا يجوز الاستثناء في الطلاق في قول مالك والأوزاعي، ~~وهو قول الحسن وقتادة في الطلاق خاصة. قال: وبالقول الأول أقول. # الرابعة - قوله تعالى: (فإمساك بمعروف) ابتداء، والخبر أمثل أو أحسن، ~~ويصح أن يرتفع على خبر ابتداء محذوف، أي فعليكم إمساك بمعروف، أو فالواجب ~~عليكم إمساك بما يعرف أنه الحق. ويجوز في غير القرآن " فإمساكا " على ~~المصدر. ومعنى " بإحسان " أي لا يظلمها شيئا من حقها، ولا يتعدى في قول. ~~والامساك: خلاف الاطلاق. # والتسريح: إرسال الشئ، ومنه تسريح الشعر، ليخلص البعض من ms0969 البعض. وسرح ~~الماشية: # أرسلها. والتسريح يحتمل لفظه معنيين: أحدهما - تركها حتى تتم العدة من ~~الطلقة الثانية، وتكون أملك لنفسها، وهذا قول السدى والضحاك. والمعنى الآخر ~~أن يطلقها ثالثة فيسرحها، هذا قول مجاهد وعطاء وغيرهما، وهو أصح لوجوه ~~ثلاثة: # أحدها - ما رواه الدارقطني عن أنس أن رجلا قال: يا رسول الله، قال الله ~~تعالى: # " الطلاق مرتان " فلم صار ثلاثا؟ قال: " إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان - ~~في رواية - هي الثالثة ". ذكره ابن المنذر. # الثاني - إن التسريح من ألفاظ الطلاق، ألا ترى أنه قد قرئ " إن عزموا ~~السراح ". # الثالثة - أن فعل تفعيلا يعطى أنه أحدث فعلا مكررا على الطلقة الثانية، ~~وليس في الترك إحداث فعل يعبر عنه بالتفعيل، قال أبو عمر: وأجمع العلماء ~~على أن قوله تعالى: " أو تسريح بإحسان " هي الطلقة الثالثة بعد الطلقتين، ~~وإياها عنى بقوله تعالى: " فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره ~~". وأجمعوا على أن من طلق امرأته طلقة أو طلقتين فله PageV03P127 # مراجعتها، فإن طلقها الثالثة لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره، وكان هذا من ~~محكم القرآن الذي لم يختلف في تأويله. وقد روى من أخبار العدول مثل ذلك ~~أيضا: حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح ~~قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا أبو معاوية عن إسماعيل بن سميع عن ~~أبي رزين قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ~~أرأيت قول الله تعالى: " الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان " ~~فأين الثالثة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فإمساك بمعروف أو ~~تسريح بإحسان ". ورواه الثوري (1) وغيره عن إسماعيل بن سميع عن أبي رزين ~~مثله. # قلت: وذكر الكيا الطبري هذا الخبر وقال: إنه غير ثابت من جهة النقل، ورجح ~~قول الضحاك والسدي، وأن الطلقة الثالثة إنما هي مذكورة في مساق الخطاب في ~~قوله تعالى: # " فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره ". فالثالثة مذكورة في ms0970 ~~صلب (2) هذا الخطاب، مفيدة للبينونة الموجبة للتحريم إلا بعد زوج، فوجب حمل ~~قوله: " أو تسريح بإحسان " على فائدة مجددة، وهو وقوع البينونة بالثنتين ~~عند انقضاء العدة، وعلى أن المقصود من الآية بيان عدد الطلاق الموجب ~~للتحريم، ونسخ ما كان جائزا من إيقاع الطلاق بلا عدد محصور، فلو كان قوله: ~~" أو تسريح بإحسان " هو الثالثة لما أبان عن المقصد في إيقاع التحريم ~~بالثلاث، إذ لو اقتصر عليه لما دل على وقوع البينونة المحرمة لها إلا بعد ~~زوج، وإنما علم التحريم بقوله تعالى: " فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى ~~تنكح زوجا غيره ". فوجب ألا يكون معنى قوله: " أو تسريح بإحسان " الثالثة، ~~ولو كان قوله: # " أو تسريح بإحسان " بمعنى الثالثة كان قوله عقيب ذلك: " فإن طلقها " ~~الرابعة، لان الفاء للتعقيب، وقد اقتضى طلاقا مستقبلا بعد ما تقدم ذكره، ~~فثبت بذلك أن قوله تعالى: # " أو تسريح بإحسان " هو تركها حتى تنقضي عدتها. # الخامسة - ترجم البخاري على هذه الآية " باب من أجاز الطلاق الثلاث بقوله ~~تعالى: الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان " وهذا إشارة منه إلى ~~أن هذا # PageV03P128 # التعديد إنما هو فسخة لهم، فمن ضيق على نفسه لزمه. قال علماؤنا: واتفق ~~أئمة الفتوى على لزوم إيقاع الطلاق الثلاث في كلمة واحدة، وهو قول جمهور ~~السلف، وشذ طاوس وبعض أهل الظاهر إلى أن طلاق الثلاث في كلمة واحدة يقع ~~واحدة، ويروى هذا عن محمد ابن إسحاق والحجاج بن أرطاة. وقيل عنهما: لا يلزم ~~منه شئ، وهو قول (1) مقاتل. ويحكى عن داود أنه قال لا يقع. والمشهور عن ~~الحجاج بن أرطاة وجمهور السلف والأئمة أنه لازم واقع ثلاثا. ولا فرق بين أن ~~يوقع ثلاثا مجتمعة في كلمة أو متفرقة في كلمات، فأما من ذهب إلى أنه لا ~~يلزم منه شئ فاحتج بدليل قوله تعالى: " والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة ~~قروء ". وهذا يعم كل مطلقة إلا ما خص منه، وقد تقدم. وقال: " الطلاق مرتان ~~" والثالثة " فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ". ومن طلق ثلاثا في كلمة فلا ms0971 ~~يلزم، إذ هو غير مذكور في القرآن. وأما من ذهب إلى أنه واقع واحدة فاستدل ~~بأحاديث ثلاثة: أحدها - حديث ابن عباس من رواية طاوس وأبى الصهباء وعكرمة. ~~وثانيها - حديث ابن عمر على رواية من روى أنه طلق امرأته ثلاثا، وأنه عليه ~~السلام أمره برجعتها واحتسبت له واحدة. وثالثها - أن ركانة طلق امرأته ~~ثلاثا فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم برجعتها، والرجعة تقتضي وقوع ~~واحدة. والجواب عن الأحاديث ما ذكره الطحاوي أن سعيد ابن جبير ومجاهدا ~~وعطاء وعمرو بن دينار ومالك بن الحويرث ومحمد بن إياس بن البكير والنعمان ~~بن أبي عياش رووا عن ابن عباس فيمن طلق امرأته ثلاثا أنه قد عصى ربه وبانت ~~منه امرأته، ولا ينكحها إلا بعد زوج، وفيما رواه هؤلاء الأئمة عن ابن عباس ~~مما يوافق الجماعة ما يدل على وهن رواية طاوس وغيره، وما كان ابن عباس ~~ليخالف الصحابة إلى رأى نفسه. # قال ابن عبد البر: ورواية طاوس وهم وغلط لم يعرج عليها أحد من فقهاء ~~الأمصار بالحجاز والشام والعراق والمشرق والمغرب، وقد قيل: إن أبا الصهباء ~~لا يعرف في موالي ابن عباس. # قال القاضي أبو الوليد الباجي: " وعندي أن الرواية عن ابن طاوس بذلك ~~صحيحة، فقد روى عنه الأئمة: معمر وابن جريج وغيرهما، وابن طاوس إمام. ~~والحديث الذي يشيرون إليه هو # PageV03P129 # ما رواه ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال: كان الطلاق على عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأبى بكر وسنتين من خلافة عمر بن الخطاب طلاق الثلاث ~~واحدة، فقال عمر رضي الله عنه: # إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم! ~~فأمضاه عليهم. ومعنى الحديث أنهم كانوا يوقعون طلقة واحدة بدل إيقاع الناس ~~الآن ثلاث تطليقات، ويدل على صحة هذا التأويل أن عمر قال: إن الناس قد ~~استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فأنكر عليهم أن أحدثوا في الطلاق ~~استعجال أمر كانت لهم فيه أناة، فلو كان حالهم ذلك في أول الاسلام في ms0972 زمن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ما قاله، ولا عاب عليهم أنهم استعجلوا في أمر ~~كانت لهم فيه أناة. ويدل على صحة هذا التأويل ما روى عن ابن عباس من غير ~~طريق أنه أفتى بلزوم الطلاق الثلاث لمن أوقعها مجتمعة، فإن كان هذا معنى ~~حديث ابن طاوس فهو الذي قلناه، وإن حمل حديث ابن عباس على ما يتأول فيه من ~~لا يعبأ بقول فقد رجع ابن عباس إلى قول الجماعة وانعقد به الاجماع، ودليلنا ~~من جهة القياس أن هذا طلاق أوقعه من يملكه فوجب أن يلزمه، أصل ذلك إذا ~~أوقعه مفردا ". # قلت: ما تأوله الباجي هو الذي ذكر معناه الكيا الطبري عن علماء الحديث، ~~أي إنهم كانوا يطلقون طلقة واحدة هذا الذي يطلقون ثلاثا، أي ما كانوا ~~يطلقون في كل قرء طلقة، وإنما كانوا يطلقون في جميع العدة واحدة إلى أن ~~تبين وتنقضي العدة. وقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب: معناه أن الناس كانوا ~~يقتصرون على طلقة واحدة، ثم أكثروا أيام عمر من إيقاع الثلاث. قال القاضي: ~~وهذا هو الأشبه بقول الراوي: إن الناس في أيام عمر استعجلوا الثلاث فعجل ~~عليهم، معناه ألزمهم حكمها. وأما حديث ابن عمر فإن الدارقطني روى عن أحمد ~~بن صبيح عن طريف بن ناصح عن معاوية بن عمار الدهني عن أبي الزبير قال: سألت ~~ابن عمر عن رجل طلق امرأته ثلاثا وهي، حائض، فقال لي: أتعرف ابن عمر؟ قلت: # نعم، قال: طلقت امرأتي ثلاثا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم [وهي ~~حائض (1)] # PageV03P130 # فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السنة. فقال الدارقطني: كلهم من ~~الشيعة، والمحفوظ أن ابن عمر طلق امرأته واحدة في الحيض. قال عبيد الله: ~~وكان تطليقه إياها في الحيض واحدة غير أنه خالف السنة. وكذلك قال صالح بن ~~كيسان وموسى بن عقبة وإسماعيل بن أمية وليث بن سعد وابن أبي ذئب وابن جريج ~~وجابر وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن نافع: أن ابن عمر طلق تطليقة واحدة. ~~وكذا قال ms0973 الزهري عن سالم عن أبيه ويونس ابن جبير والشعبي والحسن. وأما حديث ~~ركانة فقيل: إنه حديث مضطرب منقطع، لا يستند من وجه يحتج به، رواه أبو داود ~~من حديث ابن جريج عن بعض، بنى أبى رافع، وليس فيهم من يحتج به، عن عكرمة عن ~~ابن عباس. وقال فيه: إن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته ثلاثا، فقال له رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " أرجعها ". وقد رواه أيضا من طرق عن نافع بن ~~عجير أن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته البتة فاستحلفه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ما أراد بها؟ فحلف ما أراد إلا واحدة، فردها إليه. فهذا اضطراب ~~في الاسم والفعل، ويحتج بشئ من مثل هذا. # قلت: قد أخرج هذا الحديث من طرق الدارقطني في سننه، قال في بعضها: " ~~حدثنا محمد بن يحيى بن مرداس حدثنا أبو داود السجستاني حدثنا أحمد بن عمرو ~~بن السرح وأبو ثور إبراهيم بن خالد الكلبي وآخرون قالوا: حدثنا محمد بن ~~إدريس الشافعي حدثني عمى محمد بن علي بن شافع عن عبد الله بن علي بن السائب ~~عن نافع بن عجير بن عبد يزيد (1): أن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته سهيمة ~~المزنية البتة، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال: # والله ما أردت إلا واحدة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " والله ما ~~أردت إلا واحدة "؟ فقال ركانة: والله ما أردت بها إلا واحدة، فردها إليه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطلقها الثانية في زمان عمر بن الخطاب، ~~والثالثة في زمان عثمان. قال أبو داود: # هذا حديث صحيح ". فالذي صح من حديث ركانة أنه طلق امرأته البتة لا ثلاثا، ~~وطلاق البتة قد اختلف فيه على ما يأتي بيانه فسقط الاحتجاج والحمد لله (2)، ~~والله أعلم. وقال أبو عمر: # PageV03P131 # رواية الشافعي لحديث ركانة عن عمه أتم، وقد زاد زيادة لا تردها الأصول، ~~فوجب قبولها لثقة ناقليها، والشافعي وعمه وجده أهل بيت ركانة، كلهم من بنى ~~عبد المطلب بن عبد مناف ms0974 وهم أعلم بالقصة التي عرضت لهم. # فصل - ذكر أحمد بن محمد بن مغيث الطليطلي هذه المسألة في وثائقه فقال: # الطلاق ينقسم على ضربين: طلاق سنة، وطلاق بدعة. فطلاق السنة هو الواقع ~~على الوجه الذي ندب الشرع إليه. وطلاق البدعة نقيضه، وهو أن يطلقها في حيض ~~أو نفاس أو ثلاثا في كلمه واحدة، فإن فعل لزمه الطلاق. ثم اختلف أهل العلم ~~بعد إجماعهم على أنه مطلق، كم يلزمه من الطلاق، فقال علي بن أبي طالب وابن ~~مسعود: يلزمه طلقة واحدة، وقاله ابن عباس، وقال: قوله ثلاثا لا معنى له ~~لأنه لم يطلق ثلاث مرات وإنما يجوز قوله في ثلاث إذا كان مخبرا عما مضى ~~فيقول: طلقت ثلاثا فيكون مخبرا عن ثلاثة أفعال كانت منه في ثلاثة أوقات، ~~كرجل قال: قرأت أمس سورة كذا ثلاث مرات فذلك يصح، ولو قرأها مره واحدة ~~فقال: قرأتها ثلاث مرات كان كاذبا. وكذلك لو حلف بالله ثلاثا يردد الحلف ~~كانت ثلاثة أيمان، وأما لو حلف فقال: أحلف بالله ثلاثا لم يكن حلف إلا ~~يمينا واحدة والطلاق مثله. وقال الزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف. ~~وروينا ذلك كله عن ابن وضاح، وبه قال من شيوخ قرطبة ابن زنباع شيخ هدى ~~ومحمد بن تقى بن مخلد ومحمد بن عبد السلام الحسنى فريد وقته وفقيه عصره ~~وأصبغ بن الحباب وجماعة سواهم. # وكان من حجة ابن عباس أن الله تعالى فرق (1) في كتابه لفظ الطلاق فقال عز ~~اسمه: " الطلاق مرتان " يريد أكثر الطلاق الذي يكون بعده الامساك بالمعروف ~~وهو الرجعة في العدة. # ومعنى قوله: " أو تسريح بإحسان " يريد تركها بلا ارتجاع حتى تنقضي عدتها، ~~وفى ذلك إحسان إليها إن وقع ندم بينهما، قال الله تعالى: " لا تدرى لعل ~~الله يحدث بعد ذلك أمرا (2) ". # يريد الندم على الفرقة والرغبة في الرجعة، وموقع الثلاث غير حسن، لان فيه ~~ترك المندوحة التي وسع الله بها ونبه عليها، فذكر الله سبحانه الطلاق مفرقا ~~يدل على أنه إذا جمع أنه لفظ # PageV03P132 # واحد، وقد يخرج ms0975 بقياس من غير ما مسألة من المدونة ما يدل على ذلك، من ذلك ~~قول الانسان: ما لي صدقة في المساكين أن الثلث يجزيه من ذلك. وفى الاشراف ~~لابن المنذر: # وكان سعيد بن جبير وطاوس وأبو الشعثاء وعطاء وعمرو بن دينار يقولون: من ~~طلق البكر ثلاثا فهي واحدة. قلت: وربما اعتلوا فقالوا: غير المدخول بها لا ~~عدة عليها، فإذا قال: أنت طالق ثلاثا فقد بانت بنفس فراغه من قوله: أنت ~~طالق، فيرد " ثلاثا " عليها وهي بائن فلا يؤثر شيئا، ولأن قوله: أنت طالق ~~مستقل بنفسه، فوجب ألا تقف البينونة في غير المدخول بها على ما يرد (1) ~~بعده، أصله إذا قال: أنت طالق. # السادسة - استدل الشافعي بقوله تعالى: " أو تسريح بإحسان " وقوله: # " وسرحوهن (2) " على أن هذا اللفظ من صريح الطلاق. وقد اختلف العلماء في ~~هذا المعنى، فذهب القاضي أبو محمد إلى أن الصريح ما تضمن لفظ الطلاق على أي ~~وجه، مثل أن يقول: أنت طالق، أو أنت مطلقة، أو قد طلقتك، أو الطلاق له ~~لازم، وما عدا ذلك من ألفاظ الطلاق مما يستعمل فيه فهو كناية، وبهذا قال ~~أبو حنيفة. وقال القاضي أبو الحسن: # صريح ألفاظ الطلاق كثيرة، وبعضها أبين من بعض: الطلاق والسراح والفراق ~~والحرام والخلية والبرية. وقال الشافعي: الصريح ثلاثة ألفاظ، وهو ما ورد به ~~القرآن من لفظ الطلاق والسراح والفراق، قال الله تعالى: " أو فارقوهن ~~بمعروف (3) " وقال: " أو تسريح بإحسان " وقال: " فطلقوهن لعدتهن ". # قلت: وإذا تقرر هذا فالطلاق على ضربين: صريح وكناية، فالصريح ما ذكرنا، ~~والكناية ما عداه، والفرق بينهما أن الصريح لا يفتقر إلى نية، بل بمجرد ~~اللفظ يقع الطلاق، والكناية تفتقر إلى نية، والحجة لمن قال: إن الحرام ~~والخلية والبرية من صريح الطلاق كثرة استعمالها في الطلاق حتى عرفت به، ~~فصارت بينة واضحة في إيقاع الطلاق، كالغائط الذي وضع للمطمئن من الأرض، ثم ~~استعمل على وجه المجاز في إتيان قضاء الحاجة، فكان فيه أبين # PageV03P133 # وأظهر وأشهر منه فيما وضع له، وكذلك في مسألتنا مثله. ثم إن عمر ms0976 بن عبد ~~العزيز قد قال: # " لو كان الطلاق ألفا ما أبقت البتة منه شيئا، فمن قال: البتة، فقد رمى ~~الغاية القصوى " أخرجه مالك. وقد روى الدارقطني عن علي قال: الخلية والبرية ~~والبتة والبائن والحرام ثلاث، لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره. وقد جاء عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن البتة ثلاث، من طريق فيه لين، خرجه الدارقطني ~~وسيأتي عند قوله تعالى: " ولا تتخذوا آيات الله هزوا " إن شاء الله تعالى ~~(1). # السابعة - لم يختلف العلماء فيمن قال لامرأته: قد طلقتك، أنه من صريح ~~الطلاق في المدخول بها وغير المدخول بها، فمن قال لامرأته: أنت طالق فهي ~~واحدة إلا أن ينوى أكثر من ذلك. فإن نوى اثنتين أو ثلاثا لزمه ما نواه، فإن ~~لم ينو شيئا فهي واحدة تملك الرجعة. ولو قال: أنت طالق، وقال: أردت من وثاق ~~لم يقبل قوله ولزمه، إلا أن يكون هناك ما يدل على صدقه. ومن قال: أنت طالق ~~واحدة، لا رجعة لي عليك فقوله: " لا رجعة لي عليك " باطل، وله الرجعة لقوله ~~واحدة، لان الواحدة لا تكون ثلاثا، فإن نوى بقوله: # " لا رجعة لي عليك " ثلاثا فهي ثلاث عند مالك. # واختلفوا فيمن قال لامرأته: قد فارقتك، أو سرحتك، أو أنت خلية، أو برية، ~~أو بائن، أو حبلك على غاربك، أو أنت على حرام، أو الحقي بأهلك، أو قد وهبتك ~~لأهلك، أو قد خليت سبيلك، أو لا سبيل لي عليك، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف: ~~هو طلاق بائن، وروى عن ابن مسعود وقال: إذا قال الرجل لامرأته استقلي ~~بأمرك، أو أمرك لك، أو الحقي بأهلك فقبلوها فواحدة بائنة. وروى عن مالك ~~فيمن قال لامرأته: قد فارقتك، أو سرحتك، أنه من صريح الطلاق، كقوله: أنت ~~طالق. وروى عنه أنه كناية يرجع فيها إلى نية قائلها، ويسأل ما أراد من ~~العدد، مدخولا بها كانت أو غير مدخول بها. قال ابن المواز: وأصح قوليه في ~~التي لم يدخل بها أنها واحدة، إلا أن ينوى أكثر، وقاله ابن القاسم ms0977 وابن عبد ~~الحكم. وقال أبو يوسف: هي ثلاث، ومثله خلعتك، أو لا ملك لي عليك. # PageV03P134 # وأما سائر الكنايات فهي ثلاث عند مالك في كل من دخل بها لا ينوى فيها ~~قائلها، وينوى في غير المدخول بها. فإن حلف وقال أردت واحدة كان خاطبا من ~~الخطاب، لأنه لا يخلى المرأة التي قد دخل بها زوجها ولا يبينها ولا يبريها ~~إلا ثلاث تطليقات. والتي لم يدخل بها يخليها ويبريها وبينها الواحدة. وقد ~~روى عن مالك وطائفة من أصحابه، وهو قول جماعة من أهل المدينة، أنه ينوى في ~~هذه الألفاظ كلها ويلزمه من الطلاق ما نوى. وقد روى عنه في البتة خاصة من ~~بين سائر الكنايات أنه لا ينوى فيها لا في المدخول بها ولا في غير المدخول ~~بها. وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه: له نيته في ذلك كله، فإن نوى ثلاثا ~~فهي ثلاث، وإن نوى واحدة فهي واحدة بائنة وهي أحق بنفسها. وإن نوى اثنتين ~~فهي واحدة. # وقال زفر: إن نوى اثنتين فهي اثنتان. وقال الشافعي: هو في ذلك كله غير ~~مطلق حتى يقول: أردت بمخرج الكلام منى طلاقا فيكون ما نوى. فإن نوى دون ~~الثلاث كان رجعيا، ولو طلقها واحدة بائنة كانت رجعية. وقال إسحاق: كل كلام ~~يشبه الطلاق فهو ما نوى من الطلاق. وقال أبو ثور: هي تطليقة رجعية ولا يسأل ~~عن نيته. وروى عن ابن مسعود أنه كان لا يرى طلاقا بائنا إلا في خلع أو ~~إيلاء وهو المحفوظ عنه، قاله أبو عبيد. وقد ترجم البخاري " باب إذا قال ~~فارقتك أو سرحتك أو البرية أو الخلية أو ما عنى به الطلاق فهو على نيته ". ~~وهذا منه إشارة إلى قول الكوفيين والشافعي وإسحاق في قوله: " أو ما عنى به ~~من الطلاق " والحجة في ذلك أن كل كلمة تحتمل أن تكون طلاقا أو غير طلاق فلا ~~يجوز أن يلزم بها الطلاق إلا أن يقول المتكلم: إنه أراد بها الطلاق فيلزمه ~~ذلك بإقراره، ولا يجوز إبطال النكاح لأنهم قد أجمعوا على صحته ms0978 بيقين. قال ~~أبو عمر: واختلف قول مالك في معنى قول الرجل لامرأته: اعتدى، أو قد خليتك، ~~أو حبلك على غاربك، فقال مرة: لا ينوى فيها وهي ثلاث. وقال مرة: ينوى فيها ~~كلها، في المدخول بها وغير المدخول بها، وبه أقول. # قلت: ما ذهب إليه الجمهور، وما روى عن مالك أنه ينوى في هذه الألفاظ ~~ويحكم عليه بذلك هو الصحيح، لما ذكرناه من الدليل، وللحديث الصحيح الذي ~~خرجه أبو داود PageV03P135 # وابن ماجة والدارقطني وغيرهم عن يزيد بن ركانة: أن ركانة بن عبد يزيد طلق ~~امرأته سهيمة البتة فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال: " الله ما ~~أردت إلا واحدة "؟ فقال ركانة: # والله ما أردت إلا واحدة، فردها إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال ~~ابن ماجة: # سمعت أبا الحسن الطنافسي يقول: ما أشرف هذا الحديث! وقال مالك في الرجل ~~يقول لامرأته: أنت على كالميتة والدم ولحم الخنزير: أراها البتة وإن لم تكن ~~له نية، فلا تحل إلا بعد زوج. وفى قول الشافعي: إن أراد طلاقا فهو طلاق، ~~وما أراد من عدد الطلاق، وإن لم يرد طلاقا فليس بشئ بعد أن يحلف. وقال أبو ~~عمر: أصل هذا الباب في كل كناية عن الطلاق، ما روى عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال - للتي تزوجها حين قالت: # أعوذ بالله منك -: " قد عذت بمعاذ الحقي بأهلك ". فكان ذلك طلاقا. وقال ~~كعب ابن مالك لامرأته حين أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم باعتزالها: ~~الحقي بأهلك فلم يكن ذلك طلاقا، فدل على أن هذه اللفظة مفتقرة إلى النية، ~~وأنها لا يقضى فيها إلا بما ينوى اللافظ بها، وكذلك سائر الكنايات ~~المحتملات للفراق وغيره. والله أعلم. وأما الألفاظ التي ليست من ألفاظ ~~الطلاق ولا يكنى بها عن الفراق، فأكثر العلماء لا يوقعون بشئ منها طلاقا ~~وإن قصده القائل. وقال مالك: كل من أراد الطلاق بأي لفظ كان لزمه الطلاق، ~~حتى بقوله: # كلي واشربي وقومي واقعدي، ولم يتابع مالكا على ذلك إلا أصحابه. # قوله ms0979 تعالى: (ولا يحل أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا ~~يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت ~~به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون). # فيه خمس عشرة مسألة: # الأولى - قوله تعالى: (ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا) " أن " ~~في موضع رفع ب‍ " يحل ". والآية خطاب للأزواج، نهوا أن يأخذوا من أزواجهم ~~شيئا على وجه المضارة، وهذا هو الخلع الذي لا يصح إلا بألا ينفرد الرجل ~~بالضرر، وخص بالذكر ما آتي PageV03P136 # الأزواج نساءهم، لان العرف بين (1) الناس أن يطلب الرجل عند الشقاق ~~والفساد ما خرج من يده لها صداقا وجهازا (2)، فلذلك خص بالذكر. وقد قيل: إن ~~قوله " ولا يحل " فصل معترض بين قوله تعالى: " الطلاق مرتان " وبين قوله: " ~~فإن طلقها ". # الثانية - والجمهور على أن أخذ الفدية على الطلاق جائز. وأجمعوا على ~~تحظير أخذ ما لها إلا أن يكون النشوز وفساد العشرة من قبلها. وحكى ابن ~~المنذر عن النعمان أنه قال: # إذا جاء الظلم والنشوز من قبله وخالعته فهو جائز ماض وهو آثم، لا يحل له ~~ما صنع، ولا يجبر على رد ما أخذه. قال ابن المنذر: وهذا من قوله خلاف ظاهر ~~كتاب الله، وخلاف الخبر الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وخلاف ما أجمع ~~عليه عامة أهل العلم من ذلك، ولا أحسب أن لو قيل لاحد: اجهد نفسك في طلب ~~الخطأ ما وجد أمرا أعظم من أن ينطق الكتاب بتحريم شئ ثم يقابله مقابل ~~بالخلاف نصا، فيقول: بل يجوز ذلك: ولا يجبر على رد ما أخذ. قال أبو الحسن ~~بن بطال: وروى ابن القاسم عن مالك مثله. وهذا القول خلاف ظاهر كتاب الله ~~تعالى، وخلاف حديث امرأة ثابت، وسيأتي. # الثالثة - قوله تعالى: (إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله) حرم الله ~~تعالى في هذه الآية ألا يأخذ إلا بعد الخوف ألا يقيما حدود الله، وأكد ~~التحريم بالوعيد لمن تعدى الحد. والمعنى أن يظن ms0980 كل واحد منهما بنفسه ألا ~~يقيم حق النكاح لصاحبه حسب ما يجب عليه فيه لكراهة يعتقدها، فلا حرج على ~~المرأة أن تفتدي، ولا حرج على الزوج أن يأخذ. # والخطاب للزوجين. والضمير في " أن يخافا " لهما، و " ألا يقيما " مفعول ~~به. و " خفت " يتعدى إلى مفعول واحد. ثم قيل: هذا الخوف هو بمعنى العلم، أي ~~أن يعلما ألا يقيما حدود الله، وهو من الخوف الحقيقي، وهو الاشفاق من وقوع ~~المكروه، وهو قريب من معنى الظن. ثم قيل: " إلا أن يخافا " استثناء منقطع، ~~أي لكن إن كان منهن نشوز فلا جناح عليكم في أخذ الفدية. وقرأ حمزة " إلا أن ~~يخافا " بضم الياء على ما لم يسم فاعله، والفاعل محذوف وهو الولاة والحكام، ~~واختاره أبو عبيد. قال: لقوله عز وجل " فإن خفتم " # PageV03P137 # قال: فجعل الخوف لغير الزوجين، ولو أراد الزوجين لقال: فإن خافا، وفى هذا ~~حجة لمن جعل الخلع إلى السلطان. # قلت: وهو قول سعيد بن جبير والحسن وابن سيرين. وقال شعبة: قلت لقتادة: # عمن أخذ الحسن الخلع إلى السلطان؟ قال: عن زياد، وكان واليا لعمر وعلى. ~~قال النحاس: # وهذا معروف عن زياد، ولا معنى لهذا القول لان الرجل إذا خالع امرأته ~~فإنما هو على ما يتراضيان به، ولا يجبره السلطان على ذلك، ولا معنى لقول من ~~قال: هذا إلى السلطان. # وقد أنكر اختيار أبى عبيد ورد، وما علمت في اختياره شيئا أبعد من هذا ~~الحرف، لأنه لا يوجبه الاعراب ولا اللفظ ولا المعنى. أما الاعراب فإن عبد ~~الله بن مسعود قرأ " إلا أن يخافا " تخافوا، فهذا في العربية إذا رد إلى ما ~~لم يسم فاعله قيل: إلا أن يخاف. وأما اللفظ فإن كان على لفظ " يخافا " وجب ~~أن يقال: فإن خيف. وإن كان على لفظ " فإن خفتم " وجب أن يقال: إلا أن ~~تخافوا. وأما المعنى فإنه يبعد أن يقال: لا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن ~~شيئا، إلا أن يخاف غيركم ولم يقل عز وجل: فلا جناح عليكم أن تأخذوا له منها ms0981 ~~فدية، فيكون الخلع إلى السلطان. قال الطحاوي: وقد صح عن عمر وعثمان وابن ~~عمر جوازه دون السلطان، وكما جاز الطلاق والنكاح دون السلطان فكذلك الخلع، ~~وهو قول الجمهور من العلماء. # الرابعة - قوله تعالى: (فإن خفتم ألا يقيما) أي على أن لا يقيما. (حدود ~~الله) أي فيما يجب عليهما من حسن الصحبة وجمل العشرة. والمخاطبة للحكام ~~والمتوسطين لمثل هذا الامر وإن لم يكن حاكما. وترك إقامة حدود الله هو ~~استخفاف المرأة بحق زوجها، وسوء طاعتها إياه، قاله ابن عباس ومالك بن أنس ~~وجمهور الفقهاء. وقال الحسن بن أبي الحسن وقوم معه: إذا قالت المرأة لا ~~أطيع لك أمرا، ولا أغتسل لك من جنابة، ولا أبر لك قسما، حل الخلع. وقال ~~الشعبي: " ألا يقيما حدود الله " ألا يطيعا الله، وذلك أن المغاضبة تدعو ~~إلى ترك الطاعة. وقال عطاء بن أبي رباح: يحل الخلع والاخذ أن تقول ~~PageV03P138 # المرأة لزوجها: إني أكرهك ولا أحبك، ونحو هذا (فلا جناح عليهما فيما ~~افتدت به). # روى البخاري من حديث أيوب عن عكرمة عن ابن عباس أن امرأة ثابت بن قيس أتت ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، ثابت بن قيس ما أعتب عليه ~~في خلق ولا دين ولكن لا أطيقه! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~أتردين عليه حديقته "؟ قالت: نعم. وأخرجه ابن ماجة عن قتادة عن عكرمة عن ~~ابن عباس أن جميلة بنت سلول أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: والله ما ~~أعيب على ثابت في دين ولا خلق ولكني أكره الكفر في الاسلام، لا أطيقه بغضا! ~~فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: " أتردين عليه حديقته "؟ قالت: نعم. ~~فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ منها حديقته ولا يزداد. فيقال: ~~إنها كانت تبغضه أشد البغض، وكان يحبها أشد الحب، ففرق رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بينهما بطريق الخلع، فكان أول خلع في الاسلام. روى عكرمة عن ابن ~~عباس قال: أول من خالع في الاسلام أخت عبد الله ms0982 بن أبي، أتت النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، لا يجتمع رأسي ورأسه أبدا، إني رفعت جانب ~~الخباء فرأيته أقبل في عدة إذ هو أشدهم سوادا وأقصرهم قامة، وأقبحهم وجها! ~~فقال: # " أتردين عليه حديقته "؟ قالت: نعم، وإن شاء زدته، ففرق بينهما. وهذا ~~الحديث أصل في الخلع، وعليه جمهور الفقهاء. قال مالك: لم أزل أسمع ذلك من ~~أهل العلم، وهو الامر المجتمع عليه عندنا، وهو أن الرجل إذا لم يضر بالمرأة ~~ولم يسئ إليها، ولم تؤت من قبله، وأحبت فراقه فإنه يحل له أن يأخذ منها كل ~~ما افتدت به، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في امرأة ثابت بن قيس وإن ~~كان النشوز من قبله بأن يضيق عليها ويضرها رد عليها ما أخذ منها. وقال عقبة ~~بن أبي الصهباء: سألت بكر بن عبد الله المزني عن الرجل تريد امرأته أن ~~تخالعه فقال: لا يحل له أن يأخذ منها شيئا. قلت: فأين قول الله عز وجل في ~~كتابه: " فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به "؟ ~~قال: نسخت. قلت: فأين جعلت؟ # قال: في سورة " النساء ": " وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم ~~إحداهن PageV03P139 # قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا (1) ". قال ~~النحاس: هذا قول شاذ، خارج عن الاجماع لشذوذه، وليست إحدى الآيتين دافعة ~~للأخرى فيقع النسخ، لان قوله " فإن خفتم " الآية، ليست بمزالة بتلك الآية، ~~لأنهما إذا خافا هذا لم يدخل الزوج في " وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج " ~~لان هذا للرجال خاصة. وقال الطبري: الآية محكمة، ولا معنى لقول بكر: إن ~~أرادت هي العطاء فقد جوز النبي صلى الله عليه وسلم لثابت أن يأخذ من زوجته ~~ما ساق إليها كما تقدم. # الخامسة - تمسك بهذه الآية من رأى اختصاص الخلع بحالة الشقاق والضرر، ~~وأنه شرط في الخلع، وعضد هذا بما رواه أبو داود عن عائشة أن حبيبة بنت سهل ~~كانت عند ثابت بن قيس بن شماس فضربها فكسر نغضها (2)، فأتت رسول ms0983 الله صلى ~~الله عليه وسلم بعد الصبح فاشتكت إليه، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم ~~ثابتا فقال: " خذ بعض مالها وفارقها ". قال: # ويصلح ذلك يا رسول الله؟ قال: " نعم ". قال: فإني أصدقتها حديقتين وهما ~~بيدها (3)، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " خذهما وفارقها " فأخذهما ~~وفارقها. والذي عليه الجمهور من الفقهاء أنه يجوز الخلع من غير اشتكاء ضرر، ~~كما دل عليه حديث البخاري وغيره. وأما الآية فلا حجة فيها، لان الله عز وجل ~~لم يذكرها على جهة الشرط، وإنما ذكرها لأنه الغالب من أحوال الخلع، فخرج ~~القول على الغالب، والذي يقطع العذر ويوجب العلم قوله تعالى: " فإن طبن لكم ~~عن شئ منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا (1) ". # السادسة - لما قال الله تعالى: " فلا جناح عليهما فيما افتدت به " دل على ~~جواز الخلع بأكثر مما أعطاها. وقد اختلف العلماء في هذا، فقال مالك ~~والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم وأبو ثور: يجوز أن تفتدي منه بما تراضيا ~~عليه، كان أقل مما أعطاها أو أكثر منه. وروى # PageV03P140 # هذا عن عثمان بن عفان وابن عمر وقبيصة والنخعي. واحتج قبيصة بقوله: " فلا ~~جناح عليهما فيما افتدت به ". وقال مالك: ليس من مكارم الأخلاق، ولم أر ~~أحدا من أهل العلم يكره ذلك. وروى الدارقطني عن أبي سعيد الخدري أنه قال: ~~كانت أختي تحت رجل من الأنصار تزوجها على حديقة، فكان بينهما كلام، فارتفعا ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " تردين عليه حديقته ويطلقك "؟ ~~قالت: نعم، وأزيده. قال: " ردى عليه حديقته وزيدية ". وفى حديث ابن عباس " ~~وإن شاء زدته ولم ينكر ". وقالت طائفة: لا يأخذ منها أكثر مما أعطاها، كذلك ~~قال طاوس وعطاء والأوزاعي، قال الأوزاعي: كان القضاة لا يجيزون أن يأخذ إلا ~~ما ساق إليها، وبه قال أحمد وإسحاق. واحتجوا بما رواه ابن جريج: # أخبرني أبو الزبير أن ثابت بن قيس بن شماس كانت عنده زينب عبد الله بن ~~أبي ابن سلول، وكان أصدقها حديقة فكرهته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ~~أما الزيادة فلا ولكن حديقته ms0984 "، فقالت: نعم. فأخذها له وخلى سبيلها، فلما ~~بلغ ذلك ثابت بن قيس قال: قد قبلت قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، سمعه ~~أبو الزبير من غير واحد، أخرجه الدارقطني. وروى عن عطاء مرسلا أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: " لا يأخذ من المختلعة أكثر مما أعطاها ". # السابعة - الخلع عند مالك رضي الله عنه على ثمرة لم يبد صلاحها وعلى جمل ~~شارد أو عبد آبق أو جنين في بطن أمه أو نحو ذلك من وجوه الغرر جائز، بخلاف ~~البيوع والنكاح. # وله المطالبة بذلك كله، فإن سلم كان له، وإن لم يسلم فلا شئ له، والطلاق ~~نافذ على حكمه. # وقال الشافعي: الخلع جائز وله مهر مثلها، وحكاه ابن خويز منداد عن مالك ~~قال: لان عقود المعاوضات إذا تضمنت بدلا فاسدا وفاتت رجع فيها إلى الواجب ~~في أمثالها من البدل. وقال أبو ثور: الخلع باطل. وقال أصحاب الرأي: الخلع ~~جائز، وله ما في بطن الأمة، وإن لم يكن فيه ولد فلا شئ له. وقال في " ~~المبسوط " عن ابن القاسم: يجوز بما يثمره نخله العام، وما تلد غنمه العام ~~خلافا لأبي حنيفة والشافعي، والحجة لما ذهب إليه PageV03P141 # مالك وابن القاسم عموم قوله تعالى: " فلا جناح عليهما فيما افتدت به ". ~~ومن جهة القياس أنه مما يملك بالهبة والوصية، فجاز أن يكون عوضا في الخلع ~~كالمعلوم، وأيضا فإن الخلع طلاق، والطلاق يصح بغير عوض أصلا، فإذا صح على ~~غير شئ فلان يصح بفاسد العوض أولى، لان أسوأ حال المبذول أن يكون كالمسكوت ~~عنه. ولما كان النكاح الذي هو عقد تحليل لا يفسده فاسد العوض فلان لا يفسد ~~الطلاق الذي هو إتلاف وحل عقد أولى. # الثامنة - ولو اختلعت منه برضاع ابنها منه حولين جاز. وفى الخلع بنفقتها ~~على الابن بعد الحولين مدة معلومة قولان: أحدهما - يجوز، وهو قول المخزومي، ~~واختاره سحنون. # والثاني - لا يجوز، رواه ابن القاسم عن مالك، وإن شرطه الزوج فهو باطل ~~موضوع عن الزوجة. قال أبو عمر: من أجاز الخلع على الجمل ms0985 الشارد والعبد ~~الآبق ونحو ذلك من الغرر لزمه أن يجوز هذا. وقال غيره من القرويين: لم يمنع ~~مالك الخلع بنفقة ما زاد على الحولين لأجل الغرر، وإنما منعه لأنه حق يختص ~~بالأب على كل حال فليس له أن ينقله إلى غيره، والفرق بين هذا وبين نفقة ~~الحولين أن تلك النفقة وهي الرضاع قد تجب على الام حال الزوجية وبعد الطلاق ~~إذا أعسر الأب، فجاز أن تنقل هذه النفقة إلى الام، لأنها محل لها. وقد احتج ~~مالك في " المبسوط " على هذا بقوله تعالى: " والوالدات يرضعن أولادهن حولين ~~كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة ". # التاسعة - فإن وقع الخلع على الوجه المباح بنفقة الابن فمات الصبي قبل ~~انقضاء المدة فهل للزوج الرجوع عليها ببقية النفقة، فروى ابن المواز عن ~~مالك: لا يتبعها بشئ، وروى عنه أبو الفرج: يتبعها، لأنه حق ثبت له في ذمة ~~الزوجة بالخلع فلا يسقط بموت الصبي، كما لو خالعها بمال متعلق بذمتها، ووجه ~~الأول أنه لم يشترط لنفسه مالا يتموله، وإنما اشترط كفاية مئونة ولده، فإذا ~~مات الولد لم يكن له الرجوع عليها بشئ، كما لو تطوع رجل بالانفاق على صبي ~~سنة فمات الصبي لم يرجع عليه بشئ، لأنه إنما قصد بتطوعه تحمل مئونته، والله ~~أعلم، قال مالك: لم أر أحدا يتبع بمثل هذا، ولو اتبعه لكان له في ذلك قول. ~~PageV03P142 # واتفقوا على أنها إن ماتت فنفقة الولد في مالها، لأنه حق ثبت فيه قبل ~~موتها فلا يسقط بموتها. # العاشرة - ومن اشترط على امرأته في الخلع نفقة حملها وهي لا شئ لها فعليه ~~النفقة إذا لم يكن لها مال تنفق منه، وإن أيسرت بعد ذلك اتبعها بما أنفق ~~وأخذه منها. قال مالك: ومن الحق أن يكلف الرجل نفقة ولده وإن اشترط على أمه ~~نفقته إذا لم يكن لها ما تنفق عليه. # الحادية عشرة - واختلف العلماء في الخلع هل هو طلاق أو فسخ، فروى عن ~~عثمان وعلى وابن مسعود وجماعة من التابعين: هو طلاق، وبه قال مالك والثوري ~~والأوزاعي وأبو ms0986 حنيفة وأصحابه والشافعي في أحد قوليه. فمن نوى بالخلع ~~تطليقتين أو ثلاثا لزمه ذلك عند مالك. وقال أصحاب الرأي: إن نوى الزوج ~~ثلاثا كان ثلاثا، وإن نوى اثنتين فهو واحدة بائنة [لأنها كلمة واحدة (1)]. ~~وقال الشافعي في أحد قوليه: إن نوى بالخلع طلاقا وسماه فهو طلاق، وإن لم ~~ينو طلاقا ولا سمى لم تقع فرقة، قاله في القديم. وقوله الأول أحب إلى. ~~المزني: وهو الأصح عندهم. وقال أبو ثور: إذا لم يسم الطلاق فالخلع فرقة ~~وليس بطلاق، وإن سمى تطليقة فهي تطليقة، والزوج أملك برجعتها ما دامت في ~~العدة. وممن قال: إن الخلع فسخ وليس بطلاق إلا أن ينويه ابن عباس وطاوس ~~وعكرمة وإسحاق وأحمد. # واحتجوا بالحديث عن ابن عيينة عن عمرو عن طاوس عن ابن عباس أن إبراهيم بن ~~سعد بن أبي وقاص سأله: رجل طلق امرأته تطليقتين ثم اختلعت منه أيتزوجها؟ ~~قال: نعم لينكحها، ليس الخلع بطلاق، ذكر الله عز وجل الطلاق في أول الآية ~~وآخرها، والخلع فيما بين ذلك، فليس الخلع بشئ. ثم قال: " الطلاق مرتان ~~فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ". ثم قرأ " فإن طلقها فلا تحل له من بعد ~~حتى تنكح زوجا غيره ". قالوا: ولأنه لو كان طلاقا لكان بعد ذكر الطلقتين ~~ثالثا، وكان قوله: " فإن طلقها " بعد ذلك دالا على الطلاق الرابع، فكان ~~يكون التحريم متعلقا بأربع تطليقات. واحتجوا أيضا بما رواه الترمذي وأبو ~~داود والدارقطني عن ابن عباس: أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت من زوجها على ~~عهد رسول الله صلى الله # PageV03P143 # عليه وسلم فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تعتد بحيضة. قال ~~الترمذي: حديث حسن غريب. وعن الربيع بنت معوذ بن عفراء أنها اختلعت على عهد ~~النبي صلى الله عليه وسلم فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أو أمرت أن تعتد ~~بحيضة. قال الترمذي: حديث الربيع الصحيح أنها أمرت أن تعتد بحيضة. قالوا: ~~فهذا يدل على أن الخلع فسخ لا طلاق، وذلك أن الله تعالى قال: " والمطلقات ~~يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ms0987 " ولو كانت هذه مطلقة لم يقتصر بها على قرء ~~واحد. # قلت: فمن طلق امرأته تطليقتين ثم خالعها ثم أراد أن يتزوجها فله ذلك - ~~كما قال ابن عباس - وإن لم تنكح زوجا غيره، لأنه ليس له غير تطليقتين ~~والخلع لغو. ومن جعل الخلع طلاقا قال: لم يجز أن يرتجعها حتى تنكح زوجا ~~غيره، لأنه بالخلع كملت الثلاث، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى. قال القاضي ~~إسماعيل بن إسحاق: كيف يجوز القول في رجل قالت له امرأته: طلقني على مال ~~فطلقها إنه لا يكون طلاقا، وهو لو جعل أمرها بيدها من غير شئ فطلقت نفسها ~~كان طلاقا!. [قال (1)] وأما قوله تعالى: " فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى ~~تنكح زوجا غيره " فهو معطوف على قوله تعالى: " الطلاق مرتان "، لان قوله: # " أو تسريح بإحسان " إنما يعنى به أو تطليق. فلو كان الخلع معطوفا على ~~التطليقتين لكان لا يجوز الخلع أصلا إلا بعد تطليقتين وهذا لا يقوله أحد. ~~وقال غيره: ما تأولوه في الآية غلط فإن قوله: " الطلاق مرتان " أفاد حكم ~~الاثنتين إذا أوقعهما على غير وجه الخلع، وأثبت معهما الرجعة بقوله: " ~~فإمساك بمعروف " ثم ذكر حكمهما إذا كان على وجه الخلع فعاد الخلع إلى ~~الثنتين المتقدم ذكرهما، إذ المراد بذلك بيان الطلاق المطلق والطلاق بعوض، ~~والطلاق الثالث بعوض كان أو بغير عوض فإنه يقطع الحل إلا بعد زوج. # قلت: هذا الجواب عن الآية، وأما الحديث فقال أبو داود - لما ذكر حديث ابن ~~عباس في الحيضة -: هذا الحديث رواه عبد الرزاق عن معمر عن عمرو بن مسلم عن ~~عكرمة عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا. وحدثنا القعنبي عن مالك عن نافع ~~عن ابن عمر قال: # عدة المختلعة عدة المطلقة. قال أبو داود: والعمل عندنا على هذا. # PageV03P144 # قلت: وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحق والثوري وأهل الكوفة. قال ~~الترمذي: وأكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم. # قلت: وحديث ابن عباس في الحيضة مع غرابته كما ذكر الترمذي، وإرساله كما ms0988 ~~ذكر أبو داود فقد قيل فيه: إن النبي صلى الله عليه وسلم جعل عدتها حيضة ~~ونصفا، أخرجه الدارقطني من حديث معمر عن عمرو بن مسلم عن عكرمة عن ابن ~~عباس: أن امرأة ثابت ابن قيس اختلعت من زوجها فجعل النبي صلى الله عليه ~~وسلم عدتها حيضة ونصفا. والراوي عن معمر هنا في الحيضة والنصف هو الراوي ~~عنه في الحيضة الواحدة، وهو هشام بن يوسف أبو عبد الرحمن الصنعاني اليماني: ~~خرج له البخاري وحده. فالحديث مضطرب من جهة الاسناد والمتن، فسقط الاحتجاج ~~به في أن الخلع فسخ، وفى أن عدة المطلقة حيضة، وبقى قوله تعالى: " ~~والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء " نصا في كل مطلقة مدخول بها إلا ما ~~خص منها كما تقدم. قال الترمذي: " وقال بعض أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم: عدة المختلعة حيضة، قال إسحاق: وإن ذهب ذاهب إلى هذا فهو مذهب قوى ". ~~قال ابن المنذر: # قال عثمان بن عفان وابن عمر: عدتها حيضة، وبه قال أبان بن عثمان وإسحاق. ~~وقال على ابن أبي طالب: عدتها عدة المطلقة، وبقول عثمان وابن عمر أقول، ولا ~~يثبت حديث على. # قلت: قد ذكرنا عن ابن عمر أنه قال: عدة المختلعة عدة المطلقة، وهو صحيح. # الثانية عشرة - واختلف قول مالك فيمن قصد إيقاع الخلع على غير عوض، فقال ~~عبد الوهاب: هو خلع عند مالك، وكان الطلاق بائنا. وقيل عنه: لا يكون بائنا ~~إلا بوجود العوض، قاله أشهب والشافعي، لأنه طلاق عرى عن عوض واستيفاء عدد ~~فكان رجعيا كما لو كان بلفظ الطلاق. قال ابن عبد البر: وهذا أصح قوليه عندي ~~وعند أهل العلم في النظر. ووجه الأول أن عدم حصول العوض في الخلع لا يخرجه ~~عن مقتضاه، أصل ذلك إذا خالع بخمر أو خنزير. # الثالثة عشرة - المختلعة هي التي تختلع من كل الذي لها. والمفتدية (1) أن ~~تفتدي ببعضه وتأخذ بعضه. والمبارئة هي التي بارأت زوجها من قبل أن يدخل بها ~~فتقول: قد أبرأتك # PageV03P145 # فبارئني، هذا هو قول مالك. وروى عيسى بن دينار عن ms0989 مالك: المبارئة هي التي ~~لا تأخذ شيئا ولا تعطى، والمختلعة هي التي تعطى ما أعطاها وتزيد من مالها، ~~والمفتدية هي التي تفتدي ببعض ما أعطاها وتمسك بعضه، وهذا كله يكون قبل ~~الدخول وبعده، فما كان قبل الدخول فلا عدة فيه، والمصالحة مثل المبارئة. ~~قال القاضي أبو محمد وغير: هذه الألفاظ الأربعة تعود إلى معنى واحد وإن ~~اختلفت صفاتها من جهة الايقاع، وهي طلقة بائنة سماها أو لم يسمها، لا رجعة ~~له في العدة، وله نكاحها في العدة وبعدها برضاها بولي وصداق وقبل زوج ~~وبعده، خلافا لأبي ثور، لأنها إنما أعطته العوض لتملك نفسها، ولو كان طلاق ~~الخلع رجعيا لم تملك نفسا، فكان يجتمع للزوج العوض والمعوض عنه. # الرابعة عشرة - وهذا مع إطلاق العقد نافذ، فلو بذلت له العوض وشرط ~~الرجعة، ففيها روايتان رواهما ابن وهب عن مالك: إحداهما ثبوتها، وبها قال ~~سحنون. والأخرى نفيها. قال سحنون: وجه الرواية الأولى أنهما قد اتفقا على ~~أن يكون العوض في مقابلة ما يسقط من عدد الطلاق، وهذا (1) جائز. ووجه ~~الرواية الثانية أنه شرط في العقد ما يمنع المقصود منه فلم يثبت ذلك، كما ~~لو شرط في عقد النكاح: أنى لا أطأها. # الخامسة عشرة - قوله تعالى، (تلك حدود الله فلا تعتدوها) لما بين تعالى ~~أحكام النكاح والفراق قال: " تلك حدود الله " التي أمرت بامتثالها، كما بين ~~تحريمات الصوم في آية أخرى فقال: " تلك حدود الله فلا تقربوها (2) " فقسم ~~الحدود قسمين، منها حدود الامر بالامتثال، وحدود النهى بالاجتناب، ثم أخبر ~~تعالى فقال: " ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون ". # قوله تعالى: فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها ~~فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله وتلك حدود الله ~~يبينها لقوم يعلمون (230) # PageV03P146 # قوله تعالى: (فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره) فيه إحدى ~~عشرة مسألة: # الأولى - احتج بعض مشايخ خراسان من الحنفية بهذه الآية على أن المختلعة ~~يلحقها الطلاق، قالوا: فشرع الله ms0990 سبحانه صريح الطلاق بعد المفاداة بالطلاق، ~~لان الفاء حرف تعقيب، فيبعد أن يرجع إلى قوله: " الطلاق مرتان " لان الذي ~~تخلل من الكلام يمنع بناء قوله " فإن طلقها " على قوله " الطلاق مرتان " بل ~~الأقرب عوده على ما يليه كما في الاستثناء ولا يعود إلى ما تقدمه إلا ~~بدلالة، كما أن قوله تعالى: " وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي ~~دخلتم (1) بهن " فصار مقصورا على ما يليه غير عائد على ما تقدمه حتى لا ~~يشترط الدخول في أمهات النساء. # وقد اختلف العلماء في الطلاق بعد الخلع في العدة، فقالت طائفة: إذا خالع ~~الرجل زوجته ثم طلقها وهي في العدة لحقها الطلاق ما دامت في العدة، كذلك ~~قال سعيد بن المسيب وشريح وطاوس والنخعي والزهري والحكم وحماد والثوري ~~وأصحاب الرأي. وفيه قول ثان وهو أن الطلاق لا يلزمها، وهو (2) قول ابن عباس ~~وابن الزبير وعكرمة والحسن وجابر بن زيد والشافعي وأحمد وإسحاق وأبى ثور، ~~وهو قول مالك إلا أن مالكا قال: إن افتدت منه على أن يطلقها ثلاثا متتابعا ~~نسقا حين طلقها فذلك ثابت عليه، وإن كان بين ذلك صمات فما أتبعه (3) بعد ~~الصمات فليس بشئ، وإنما كان ذلك لان نسق الكلام بعضه على بعض متصلا يوجب له ~~حكما واحدا، وكذلك إذا اتصل. الاستثناء باليمين بالله أثر وثبت له حكم ~~الاستثناء، وإذا انفصل عنه لم يكن له تعلق بما تقدم من الكلام. # الثانية - المراد بقوله تعالى: " فإن طلقها " الطلقة الثالثة " فلا تحل ~~له من بعد حتى تنكح زوجا غيره ". وهذا مجمع عليه لا خلاف فيه. # واختلفوا فيما يكفي من النكاح، وما الذي يبيح التحليل، فقال سعيد بن ~~المسيب ومن وافقه: مجرد العقد كاف. وقال الحسن بن أبي الحسن: لا يكفي مجرد ~~الوطئ حتى # PageV03P147 # يكون إنزال. وذهب الجمهور من العلماء والكافة من الفقهاء إلى أن الوطئ ~~كاف في ذلك، وهو التقاء الختانين الذي يوجب الحد والغسل، ويفسد الصوم والحج ~~ويحصن الزوجين ويوجب كمال الصداق. قال ابن العربي: ما مرت بي في الفقه ~~مسألة أعسر ms0991 منها، وذلك أن من أصول الفقه أن الحكم هل يتعلق بأوائل الأسماء ~~أو بأواخرها؟ فإن قلنا: إن الحكم يتعلق بأوائل الأسماء لزمنا أن نقول (1) ~~بقول سعيد بن المسيب. وإن قلنا: إن الحكم يتعلق بأواخر الأسماء لزمنا أن ~~نشترط الانزال مع مغيب الحشفة في الاحلال، لأنه آخر ذوق العسيلة على ما ~~قاله الحسن. قال ابن المنذر: ومعنى ذوق العسيلة هو الوطئ، وعلى هذا جماعة ~~العلماء إلا سعيد ابن المسيب قال: أما الناس فيقولون: لا تحل للأول حتى ~~يجامعها الثاني، وأنا أقول: # إذا تزوجها تزاوجا صحيحا لا يريد بذلك إحلالها فلا بأس أن يتزوجها الأول. ~~وهذا قول لا نعلم أحدا وافقه عليه إلا طائفة من الخوارج، والسنة مستغنى بها ~~عما سواها. # قلت: وقد قال بقول سعيد بن المسيب سعيد بن جبير، ذكره النحاس في كتاب " ~~معاني القرآن " له. قال: وأهل العلم على أن النكاح هاهنا الجماع، لأنه قال: ~~" زوجا غيره " فقد تقدمت الزوجية فصار النكاح الجماع، إلا سعيد بن جبير ~~فإنه قال: النكاح ها هنا التزوج الصحيح إذا لم يرد إحلالها. # قلت: وأظنهما لم يبلغهما حديث العسيلة أو لم يصح عندهما فأخذا بظاهر ~~القرآن، وهو قوله تعالى: " حتى تنكح زوجا غيره " والله أعلم. روى الأئمة ~~واللفظ للدارقطني عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا ~~طلق الرجل امرأته ثلاثا لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره ويذوق كل واحد منهما ~~عسيلة صاحبه ". قال بعض علماء الحنفية: من عقد على مذهب سعيد بن المسيب ~~فللقاضي أن يفسخه، ولا يعتبر فيه خلافه لأنه خارج عن إجماع العلماء. قال ~~علماؤنا: ويفهم من قوله عليه السلام: " حتى يذوق كل واحد منهما عسيلة صاحبه ~~" استواؤهما في إدراك لذة الجماع، وهو حجة لاحد القولين عندنا في أنه لو ~~وطئها نائمة أو مغمى عليها لم تحل لمطلقها، لأنها لم تذق العسيلة إذ لم ~~تدركها. # PageV03P148 # الثالثة - روى النسائي عن عبد الله قال: لعن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الواشمة والمستوشمة والواصلة والمستوصلة وآكل الربا ومؤكله والمحلل ms0992 ~~والمحلل له. وروى الترمذي عن عبد الله بن مسعود قال: " لعن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم المحلل والمحلل له ". وقال: # هذا حديث حسن صحيح. وقد روى هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من ~~غير وجه. # والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، منهم ~~عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعبد الله بن عمر (1) وغيرهم، وهو قول ~~الفقهاء من التابعين، وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي ومالك ~~وأحمد وإسحاق، وسمعت الجارود يذكر عن وكيع أنه قال بهذا، وقال: ينبغي أن ~~يرمى بهذا الباب من قول أصحاب الرأي. وقال سفيان: إذا تزوج الرجل المرأة ~~ليحلها ثم بدا له أن يمسكها فلا تحل له حتى يزوجها بنكاح جديد. # قال أبو عمر بن عبد البر: اختلف العلماء في نكاح المحلل، فقال مالك، ~~المحلل لا يقيم على نكاحه حتى يستقبل نكاحا جديدا، فإن أصابها فلها مهر ~~مثلها، ولا تحلها إصابته لزوجها الأول، وسواء علما أو لم يعلما إذا تزوجها ~~ليحلها، ولا يقر على نكاحه ويفسخ، وبه قال الثوري والأوزاعي. وفيه قول ثان ~~روى عن الثوري في نكاح الخيار والمحلل أن النكاح جائز والشرط باطل، وهو قول ~~ابن أبي ليلى في ذلك وفى نكاح المتعة. وروى عن الأوزاعي في نكاح المحلل: ~~بئس ما صنع والنكاح جائز. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: # النكاح جائز إن دخل بها، وله أن يمسكها إن شاء. وقال أبو حنيفة مرة هو ~~وأصحابه: # لا تحل للأول إن تزوجها ليحلها، ومرة قالوا: تحل له بهذا النكاح إذا ~~جامعها وطلقها. # ولم يختلفوا في أن نكاح هذا الزوج صحيح، وأن له أن يقيم عليه. وفيه قول ~~ثالث - قال الشافعي: إذا قال أتزوجك لأحلك ثم لا نكاح بيننا بعد ذلك فهذا ~~ضرب من نكاح المتعة، وهو فاسد لا يقر عليه ويفسخ، ولو وطئ على هذا لم يكن ~~تحليلا. فإن تزوجها تزوجا مطلقا لم يشترط ولا أشترط عليه التحليل فللشافعي ~~في ذلك قولان في كتابه القديم: ms0993 أحدهما # PageV03P149 # مثل قول مالك، والآخر مثل قول أبي حنيفة. ولم يختلف قوله في كتابه الجديد ~~المصري أن النكاح صحيح إذا لم يشترط، وهو قول داود. # قلت: وحكى الماوردي عن الشافعي أنه إن شرط التحليل قبل العقد صح النكاح ~~وأحلها للأول، وإن شرطاه في العقد بطل النكاح ولم يحلها للأول، قال: وهو ~~قول الشافعي. وقال الحسن وإبراهيم: إذا هم أحد الثلاثة بالتحليل فسد ~~النكاح، وهذا تشديد. وقال سالم والقاسم: لا بأس أن يتزوجها ليحلها إذا لم ~~يعلم الزوجان وهو مأجور، وبه قال ربيعة ويحيى بن سعيد، وقاله داود بن علي ~~إذا لم يظهر ذلك في اشتراطه في حين العقد. # الرابعة - مدار جواز نكاح التحليل عند علمائنا على الزوج الناكح، وسواء ~~شرط ذلك أو نواه، ومتى كان شئ من ذلك فسد نكاحه ولم يقر عليه، ولم يحلل ~~وطؤه المرأة لزوجها. وعلم الزوج المطلق وجهله في ذلك سواء. وقد قيل: إنه ~~ينبغي له إذا علم أن الناكح لها لذلك تزوجها أن يتنزه عن مراجعتها، ولا ~~يحلها عند مالك إلا نكاح رغبة لحاجته إليها، ولا يقصد به التحليل، ويكون ~~وطؤه لها وطأ مباحا: لا تكون صائمة ولا محرمة ولا في حيضتها، ويكون الزوج ~~بالغا مسلما. وقال الشافعي: إذا أصابها بنكاح صحيح وغيب الحشفة في فرجها ~~فقد ذاقا العسيلة، وسواء في ذلك قوى النكاح وضعيفه، وسواء أدخله بيده أم ~~بيدها، وكان من صبي أو مراهق أو مجبوب بقى له ما يغيبه كما يغيب غير الخصي، ~~وسواء أصابها الزوج محرمة أو صائمة، وهذا كله - على ما وصف الشافعي - قول ~~أبي حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي والحسن بن صالح، وقول بعض أصحاب مالك. # الخامسة - قال ابن حبيب: وإن تزوجها فإن أعجبته أمسكها، وإلا كان قد ~~أحتسب في تحليلها الاجر لم يجز، لما خالط نكاحه من نية التحليل، ولا تحل ~~بذلك للأول. # السادسة - وطئ السيد لامته التي قد بت زوجها طلاقها لا يحلها، إذ ليس ~~بزوج، روى عن علي بن أبي طالب، وهو قول عبيدة ومسروق والشعبي وإبراهيم ~~وجابر ms0994 بن زيد وسليمان بن يسار وحماد بن أبي سليمان وأبى الزناد، وعليه ~~جماعة فقهاء الأمصار. ويروى عن PageV03P150 # عثمان وزيد بن ثابت والزبير خلاف ذلك، وأنه يحلها إذا غشيها سيدها غشيانا ~~لا يريد بذلك مخادعة ولا إحلالا، وترجع إلى زوجها بخطبة وصداق. والقول ~~الأول أصح، لقوله تعالى: # " حتى تنكح زوجا غيره " والسيد إنما تسلط بملك اليمين وهذا واضح. # السابعة - في موطأ مالك أنه بلغه أن سعيد بن السيب وسليمان بن يسار سئلا ~~عن رجل زوج عبد ا له جارية له فطلقها العبد البتة ثم وهبها سيدها له هل تحل ~~له بملك اليمين؟ # فقالا: لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره. # الثامنة - روى عن مالك أنه سأل ابن شهاب عن رجل كانت تحته أمة مملوكة ~~فاشتراها وقد كان طلقها واحدة، فقال: تحل له بملك يمينه ما لم يبت طلاقها، ~~فإن بت طلاقها فلا تحل له بملك يمينه حتى تنكح زوجا غيره. قال أبو عمر: ~~وعلى هذا جماعة العلماء وأئمة الفتوى: مالك والثوري والأوزاعي والشافعي ~~وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق وأبو ثور. # وكان ابن عباس وعطاء وطاوس والحسن يقولون: إذا اشتراها الذي بت طلاقها ~~حلت له بملك اليمين، على عموم قوله عز وجل: " أو ما ملكت أيمانكم (1) ". ~~قال أبو عمر: وهذا خطأ من القول، لان قوله عز وجل: " أو ما ملكت أيمانكم " ~~لا يبيح الأمهات ولا الأخوات، فكذلك سائر المحرمات. # التاسعة - إذا طلق المسلم زوجته الذمية ثلاثا فنكحها ذمي ودخل بها ثم ~~طلقها، فقالت طائفة: الذمي زوج لها، ولها أن ترجع إلى الأول، هكذا قال ~~الحسن [والزهري (2)] وسفيان الثوري (3) والشافعي وأبو عبيد وأصحاب الرأي. ~~قال ابن المنذر: وكذلك نقول، لان الله تعالى قال: " حتى تنكح زوجا غيره " ~~والنصراني زوج. وقال مالك وربيعة: لا يحلها. # العاشرة - النكاح الفاسد لا يحل المطلقة ثلاثا في قول الجمهور. مالك ~~والثوري والشافعي والأوزاعي وأصحاب الرأي وأحمد وإسحاق وأبى عبيد، كلهم ~~يقولون: لا تحل للزوج الأول إلا بنكاح صحيح، وكان الحكم يقول: هو زوج. قال ~~ابن المنذر: ليس بزوج، # PageV03P151 # لان ms0995 أحكام الأزواج في الظهار والايلاء واللعان غير ثابتة بينهما. وأجمع ~~كل من يحفظ عنه من أهل العلم أن المرأة إذا قالت للزوج الأول: قد تزوجت ~~ودخل على زوجي وصدقها أنها تحل للأول. قال الشافعي: والورع ألا يفعل إذا ~~وقع في نفسه أنها كذبته. # الحادية عشرة - جاء عن عمر بن الخطاب في هذا الباب تغليظ شديد وهو قوله: # لا أوتى بمحلل ولا محلل له إلا رجمتهما. وقال ابن عمر: التحليل سفاح، ولا ~~يزالان زانيين ولو أقاما عشرين سنة. قال أبو عمر: لا يحتمل قول عمر إلا ~~التغليظ، لأنه قد صح عنه أنه وضع الحد عن الواطئ فرجا حراما قد جهل تحريمه ~~وعذره بالجهالة، فالتأويل أولى بذلك، ولا خلاف أنه لا رجم عليه. # قوله تعالى: (فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود ~~الله وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون) فيه أربع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (فإن طلقها) يريد الزوج الثاني. (فلا جناح عليهما) ~~أي المرأة والزوج الأول، قال ابن عباس، ولا خلاف فيه. قال ابن المنذر: أجمع ~~أهل العلم على أن الحر إذا طلق زوجته ثلاثا ثم انقضت عدتها ونكحت زوجا آخر ~~ودخل بها ثم فارقها وانقضت عدتها ثم نكحت زوجها الأول أنها تكون عنده على ~~ثلاث تطليقات. # واختلفوا في الرجل يطلق امرأته تطليقة أو تطليقتين ثم تتزوج غيره ثم ترجع ~~إلى زوجها الأول، فقالت طائفة: تكون على ما بقى من طلاقها، وكذلك قال ~~الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: عمر بن الخطاب وعلي بن أبي ~~طالب وأي بن كعب وعمران ابن حصين وأبو هريرة. ويروى ذلك عن زيد بن ثابت ~~ومعاذ بن جبل وعبد الله بن عمرو ابن العاص، وبه قال عبيدة السلماني وسعيد ~~بن المسيب والحسن البصري ومالك وسفيان الثوري وابن أبي ليلى والشافعي وأحمد ~~وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور ومحمد بن الحسن وابن نصر. # وفيه قول ثان وهو أن النكاح جديد والطلاق جديد، هذا قول ابن عمر وابن ~~عباس، PageV03P152 # وبه قال ms0996 عطاء والنخعي وشريح والنعمان ويعقوب. وذكر أبو بكر بن أبي شيبة ~~قال: حدثنا أبو معاوية ووكيع عن الأعمش عن إبراهيم قال: كان أصحاب عبد الله ~~يقولون: أيهدم الزوج الثلاث، ولا يهدم الواحدة والاثنتين! قال، وحدثنا حفص ~~عن حجاج عن طلحة عن إبراهيم أن أصحاب عبد الله كانوا يقولون: يهدم الزوج ~~الواحدة والاثنتين كما يهدم الثلاث، إلا عبيدة فإنه قال: هي على ما بقى من ~~طلاقها، ذكره أبو عمر. قال ابن المنذر: وبالقول الأول أقول. وفيه قول ثالث ~~وهو: إن كان دخل بها الأخير فطلاق جديد ونكاح جديد، وإن لم يكن دخل بها ~~فعلى ما بقى، هذا قول إبراهيم النخعي. # الثانية - قوله تعالى: (إن ظنا أن يقيما حدود الله) شرط. قال طاوس: إن ~~ظنا أن كل واحد منهما يحسن عشرة صاحبه. وقيل: حدود الله فرائضه، أي إذا ~~علما أنه يكون بينهما الصلاح بالنكاح الثاني، فمتى علم الزوج أنه يعجز عن ~~نفقة زوجته أو صداقها أو شئ من حقوقها الواجبة عليه فلا يحل له أن يتزوجها ~~حتى يبين لها، أو يعلم من نفسه القدرة على أداء حقوقها، وكذلك لو كانت به ~~علة تمنعه من الاستمتاع كان عليه أن يبين، كيلا يغر المرأة من نفسه. وكذلك ~~لا يجوز أن يغرها بنسب يدعيه ولا مال [له (1)] ولا صناعة يذكرها وهو كاذب ~~فيها. وكذلك يجب على المرأة إذا علمت من نفسها العجز عن قيامها بحقوق ~~الزوج، أو كان بها علة تمنع الاستمتاع من جنون أو جذام أو برص أو داء في ~~الفرج لم يجز لها أن تغره، وعليها أن تبين له ما بها من ذلك، كما يجب على ~~بائع السلعة أن يبين ما بسلعته من العيوب، ومتى وجد أحد الزوجين بصاحبه ~~عيبا فله الرد، فإن كان العيب بالرجل فلها الصداق إن كان دخل بها، وإن لم ~~يدخل بها فلها نصفه. وإن كان العيب بالمرأة ردها الزوج وأخذ ما كان أعطاها ~~من الصداق، وقد روى أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج امرأة من بنى بياضة ms0997 ~~فوجد بكشحها برصا فردها وقال: " دلستم على ". # PageV03P153 # واختلفت الرواية عن مالك في امرأة العنين إذا سلمت نفسها ثم فرق بينهما ~~بالعنة، فقال مرة: لها جميع الصداق، وقال مرة: لها نصف الصداق، وهذا ينبنى ~~على اختلاف قوله: بم تستحق الصداق بالتسليم أو الدخول؟ قولان. # الثالثة - قال ابن خويز منداد: واختلف أصحابنا هل على الزوجة خدمة أو لا؟ # فقال بعض أصحابنا: ليس على الزوجة خدمة، وذلك أن العقد يتناول الاستمتاع ~~لا الخدمة، ألا ترى أنه ليس بعقد إجارة ولا تملك رقبة، وإنما هو عقد على ~~الاستمتاع، والمستحق بالعقد هو الاستمتاع دون غيره، فلا تطالب بأكثر منه، ~~ألا ترى إلى قوله تعالى: " فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا (1) ". وقال ~~بعض أصحابنا: عليها خدمة مثلها، فإن كانت شريفة المحل ليسار أبوة أو ترفه ~~فعليها التدبير للمنزل وأمر الخادم، وإن كانت متوسطة الحال فعليها أن تفرش ~~الفراش ونحو ذلك، وإن كانت دون ذلك فعليها أن تقم البيت وتطبخ وتغسل. وإن ~~كانت من نساء الكرد والديلم والجبل في بلدهن كلفت ما يكلفه نساؤهم، وذلك أن ~~الله تعالى قال: # " ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف ". وقر جرى عرف المسلمين في بلدانهم في ~~قديم الامر وحديثه بما ذكرنا، ألا ترى أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه كانوا يتكلفون الطحين والخبيز والطبخ وفرش الفراش وتقريب الطعام ~~وأشباه ذلك، ولا نعلم امرأة امتنعت من ذلك، ولا يسوغ لها الامتناع، بل ~~كانوا يضربون نساءهم إذا قصرن في ذلك، ويأخذونهن بالخدمة، فلولا أنها ~~مستحقة لما طالبوهن ذلك. # الرابعة - قوله تعالى: (وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون) حدود الله: ~~ما منع منه، والحد مانع من الاجتزاء على الفواحش، وأحدت المرأة: امتنعت من ~~الزينة، ورجل محدود: ممنوع من الخير، والبواب حداد أي مانع. وقد تقدم هذا ~~مستوفى (1). وإنما قال: # " لقوم يعلمون " لان الجاهل إذا كثر له أمره ونهيه فإنه لا يحفظه ولا ~~يتعاهده. والعالم يحفظ ويتعاهد، فلهذا المعنى خاطب العلماء ولم يخاطب ~~الجهال. # PageV03P154 # قوله تعالى: وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو ms0998 سرحوهن ~~بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ولا تتخذوا ~~آيات الله هزوا واذكروا نعمت الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتب والحكمة ~~يعظكم به واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شئ عليم (231) فيه ست مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (فبلغن أجلهن) معنى " بلغن " قاربن، بإجماع من ~~العلماء، ولأن المعنى يضطر إلى ذلك، لأنه بعد بلوغ الاجل لا خيار له في ~~الامساك، وهو في الآية التي بعدها بمعنى التناهي، لان المعنى يقتضى ذلك، ~~فهو حقيقة في الثانية مجاز في الأولى. # الثانية - قوله تعالى: (فأمسكوهن بمعروف) الامساك بالمعروف هو القيام بما ~~يجب لها من حق على زوجها، ولذلك قال جماعة من العلماء: إن من الامساك ~~بالمعروف أن الزوج إذا لم يجد ما ينفق على الزوجة أن يطلقها، فإن لم يفعل ~~خرج عن حد المعروف، فيطلق عليه الحاكم من أجل الضرر اللاحق لها من بقائها ~~عند من لا يقدر على نفقتها، والجوع لا صبر عليه، وبهذا قال مالك والشافعي ~~وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد ويحيى القطان وعبد الرحمن ابن مهدي، وقاله ~~من الصحابة عمر وعلى وأبو هريرة، ومن التابعين سعيد بن المسيب وقال: إن ذلك ~~سنة. ورواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقالت طائفة (1): # لا يفرق بينهما، ويلزمها الصبر عليه، وتتعلق النفقة بذمته بحكم الحاكم، ~~وهذا قول عطاء والزهري، وإليه ذهب الكوفيون والثوري، واحتجوا بقوله تعالى: ~~" وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة (2) " وقال: " وأنكحوا الأيامى منكم (3) ~~" الآية، فندب تعالى إلى إنكاح الفقير، فلا يجوز أن يكون الفقر سببا ~~للفرقة، وهو مندوب معه إلى النكاح. وأيضا فإن النكاح بين الزوجين قد انعقد ~~بإجماع فلا يفرق بينهما إلا بإجماع مثله، أو بسنة عن الرسول صلى الله عليه ~~وسلم # PageV03P155 # لا معارض لها. والحجة للأول قوله صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري: " ~~تقول المرأة إما أن تطعمني وإما أن تطلقني " فهذا نص في موضع الخلاف. ~~والفرقة بالاعسار عندنا طلقة رجعية خلافا للشافعي في قوله: إنها طلقة ~~بائنة، ms0999 لان هذه فرقة بعد البناء لم يستكمل بها عدد الطلاق ولا كانت لعوض ~~ولا لضرر بالزوج فكانت رجعية، أصله طلاق المولى. # الثالثة - قوله تعالى: (أو سرحوهون بمعروف) يعنى فطلقوهن، وقد تقدم. # (ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا) روى مالك عن ثور بن زيد الديلي: أن الرجل ~~كان يطلق امرأته ثم يراجعها ولا حاجة له بها ولا يريد إمساكها، كيما يطول ~~بذلك العدة عليها وليضارها، فأنزل الله تعالى: " ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ~~ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه " يعظهم الله به. وقال الزجاج: " فقد ظلم نفسه " ~~يعنى عرض نفسه للعذاب، لان إتيان ما نهى الله عنه تعرض لعذاب الله. وهذا ~~الخبر موافق للخبر الذي نزل بترك ما كان عليه أهل الجاهلية من الطلاق ~~والارتجاع حسب ما تقدم بيانه عند قوله تعالى: " الطلاق مرتان ". فأفادنا ~~هذان الخبران أن نزول الآيتين المذكورتين كان في معنى واحد متقارب وذلك حبس ~~الرجل المرأة ومراجعته لها قاصدا إلى الاضرار بها، وهذا ظاهر. # الرابعة - قوله تعالى: (ولا تتخذوا آيات الله هزوا) معناه لا تأخذوا ~~أحكام الله تعالى في طريق الهزو [بالهزو (1)] فإنها جد كلها، فمن هزل (2) ~~فيها لزمته. قال أبو الدرداء: كان الرجل يطلق في الجاهلية ويقول: إنما طلقت ~~وأنا لاعب، وكان يعتق وينكح ويقول: كنت لاعبا، فنزلت هذه الآية، فقال عليه ~~السلام: " من طلق أو حرر أو نكح أو أنكح فزعم أنه لاعب فهو جد ". رواه معمر ~~قال: حدثنا عيسى بن يونس عن عمرو عن الحسن عن أبي الدرداء فذكره بمعناه. ~~وفى موطأ مالك أنه بلغه أن رجلا قال لابن عباس: إني طلقت امرأتي مائة مرة ~~فماذا ترى على؟ فقال ابن عباس: طلقت منك بثلاث، وسبع وتسعون اتخذت بها آيات ~~الله هزوا. وخرج الدارقطني من حديث إسماعيل بن أمية القرشي عن علي قال: سمع ~~النبي صلى الله عليه وسلم رجلا طلق البتة فغضب وقال: " تتخذون آيات الله ~~هزوا - أو دين الله هزوا # PageV03P156 # ولعبا من طلق البتة ألزمناه ثلاثا لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره ". ~~إسماعيل بن أمية ms1000 هذا كوفي ضعيف الحديث. وروى عن عائشة: أن الرجل كان يطلق ~~امرأته ثم يقول: والله لا أورثك ولا أدعك. قالت: وكيف ذاك؟ قال: إذا كدت ~~تقضين عدتك راجعتك، فنزلت: " ولا تتخذوا آيات الله هزوا ". قال علماؤنا: ~~والأقوال كلها داخلة في معنى الآية، لأنه يقال لمن سخر من آيات الله: ~~اتخذها هزوا. ويقال ذلك لمن كفر بها، ويقال ذلك لمن طرحها ولم يأخذ بها ~~وعمل بغيرها، فعلى هذا تدخل هذه الأقوال في الآية. وآيات الله: دلائله ~~وأمره ونهيه. # الخامسة - ولا خلاف بين العلماء أن من طلق هازلا أن الطلاق يلزمه، ~~واختلفوا في غيره على ما يأتي بيانه في " براءة (1) " إن شاء الله تعالى. ~~وخرج أبو داود عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ثلاث ~~جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والرجعة ". وروى عن علي بن أبي طالب وابن ~~مسعود وأبى الدرداء كلهم قالوا: " ثلاث لا لعب فيهن واللاعب فيهن جاد: ~~النكاح والطلاق والعتاق. وقيل: المعنى لا تتركوا أوامر الله فتكونوا مقصرين ~~لاعبين. ويدخل في هذه الآية الاستغفار من الذنب قولا مع الاصرار فعلا، وكذا ~~كل ما كان في هذا المعنى فاعلمه. # السادسة - قوله تعالى: (واذكروا نعمة الله عليكم) أي بالاسلام وبيان ~~الاحكام. (والحكمة): هي السنة المبينة على لسان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مراد الله فيما لم ينص عليه في الكتاب. (يعظكم به) أي يخوفكم. # (واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شئ عليم) تقدم. # قوله تعالى: وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزوجهن ~~إذا ترضوا بينهم بالمعروف ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر ~~ذلكم أزكى لكم وأطهر والله يعلم وأنتم لا تعلمون (232) # PageV03P157 # فيه أربع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (فلا تعضلوهن) روى أن معقل بن يسار كانت أخته تحت ~~أبى البداح (1) فطلقها وتركها حتى انقضت عدتها، ثم ندم فخطبها فرضيت وأبى ~~أخوها أن يزوجها وقال: وجهي من وجهك حرام إن تزوجتيه. فنزلت الآية. قال ~~مقاتل: فدعا رسول الله صلى الله ms1001 عليه وسلم معقلا فقال: " إن كنت مؤمنا فلا ~~تمنع أختك عن أبي البداح " فقال: آمنت بالله، وزوجها منه. وروى البخاري عن ~~الحسن أن أخت معقل بن يسار طلقها زوجها حتى انقضت عدتها فخطبها فأبى معقل ~~فنزلت: " فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن ". وأخرجه أيضا الدارقطني عن الحسن ~~قال: حدثني معقل بن يسار قال: # كانت لي أخت فخطبت إلى فكنت أمنعها الناس، فأتى ابن عم لي فخطبها ~~فأنكحتها إياه، فاصطحبا ما شاء الله ثم طلقها طلاقا رجعيا ثم تركها حتى ~~انقضت عدتها فخطبها مع الخطاب، فقلت: منعتها الناس وزوجتك إياها ثم طلقتها ~~طلاقا له رجعة ثم تركتها حتى انقضت عدتها فلما خطبت إلى أتيتني تخطبها مع ~~الخطاب! لا أزوجك أبدا! فأنزل الله، أو قال أنزلت: # " وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن " فكفرت ~~عن يميني وأنكحتها إياه. في رواية للبخاري: " فحمى معقل من ذلك أنفا، وقال: ~~خلى عنها وهو يقدر عليها ثم يخطبها! فأنزل الله الآية، فدعاه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقرأ عليه الآية فترك الحمية وانقاد لأمر الله تعالى. وقيل: ~~هو معقل بن سنان (بالنون). # قال النحاس: رواه الشافعي في كتبه عن معقل بن يسار أو سنان (2). وقال ~~الطحاوي: # هو معقل بن سنان. # الثانية - إذا ثبت هذا ففي الآية دليل على أنه لا يجوز النكاح بغير ولى ~~لان أخت معقل كانت ثيبا، ولو كان الامر إليها دون وليها لزوجت نفسها، ولم ~~تحتج إلى وليها معقل، فالخطاب إذا في قوله تعالى: " فلا تعضلوهن " ~~للأولياء، وأن الامر إليهم في التزويج # PageV03P158 # مع رضاهن. وقد قيل: إن الخطاب في ذلك للأزواج، وذلك بأن يكون الارتجاع ~~مضارة عضلا عن نكاح الغير بتطويل العدة عليها. واحتج بها أصحاب أبي حنيفة ~~على أن تزوج المرأة نفسها قالوا: لان الله تعالى أضاف ذلك إليها كما قال: " ~~فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره " ولم يذكر الولي. وقد تقدم القول في ~~هذه المسألة مستوفى. والأول أصح لما ذكرناه من سبب النزول. والله أعلم. ms1002 # الثالثة - قوله تعالى: (فإذا بلغن أجلهن) بلوغ الاجل في هذا الموضع: ~~تناهيه، لان ابتداء النكاح إنما يتصور بعد انقضاء العدة. و " تعضلوهن " ~~معناه تحبسوهن. # وحكى الخليل: دجاجة معضل: قد أحتبس بيضها. وقيل: العضل التضييق والمنع ~~وهو راجع إلى معنى الحبس، يقال: أردت أمرا فعضلتني عنه أي منعتني عنه وضيقت ~~على. # وأعضل الامر: إذا ضاقت عليك فيه الحيل، ومنه قولهم: إنه لعضلة من العضل ~~إذا كان لا يقدر على وجه الحيلة فيه. وقال الأزهري: أصل العضل من قولهم: ~~عضلت الناقة إذا نشب ولدها فلم يسهل خروجه، وعضلت الدجاجة: نشب بيضها. وفى ~~حديث معاوية: - " معضلة ولا أبا حسن "، أي مسألة صعبة ضيقة المخارج. وقال ~~طاوس: لقد وردت عضل أقضية ما قام بها إلا ابن عباس. وكل مشكل عند العرب ~~معضل، ومنه قول الشافعي: # إذا المعضلات تصدينني * كشفت حقائقها بالنظر ويقال: أعضل الامر إذا اشتد. ~~وداء عضال أي شديد عسر البرء أعيا الأطباء. # وعضل فلان أيمه أي منعها، يعضلها (بالضم والكسر) لغتان. # الرابعة - قوله تعالى: (ذلك يوعظ به من كان) ولم يقل " ذلكم " لأنه محمول ~~على معنى الجمع. ولو كان " ذلكم " لجاز، مثل (ذلكم أزكى لكم وأطهر والله ~~يعلم) أي ما لكم فيه من الصلاح. (وأنتم لا تعلمون) ذلك. PageV03P159 # قوله تعالى: والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم ~~الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا ~~تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك فإن أرادا فصالا ~~عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا ~~جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف واتقوا الله واعلموا أن الله بما ~~تعملون بصير (233) فيه ثمان عشرة مسألة: # الأولى - قوله تعالى: (والوالدات) ابتداء. (يرضعن أولادهن) في موضع ~~الخبر. # (حولين كاملين) ظرف زمان. ولما ذكر الله سبحانه النكاح والطلاق ذكر ~~الولد، لان الزوجين قد يفترقان وثم ولد، فالآية إذا في المطلقات اللاتي لهن ~~أولاد من أزواجهن، قال السدى والضحاك وغيرهما، أي هن أحق ms1003 برضاع أولادهن من ~~الأجنبيات لأنهن أحنى وأرق، وانتزاع الولد الصغير إضرار به وبها، وهذا يدل ~~على أن الولد وإن فطم فالأم أحق بحضانته لفضل حنوها وشفقتها، وإنما تكون ~~أحق بالحضانة إذا لم تتزوج على ما يأتي. # وعلى هذا يشكل قوله: " وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف " لان ~~المطلقة لا تستحق الكسوة إذا لم تكن رجعية بل تستحق الأجرة إلا أن يحمل على ~~مكارم الأخلاق فيقال: الأولى ألا تنقص الأجرة عما يكفيها لقوتها وكسوتها. ~~وقيل: الآية عامة في المطلقات اللواتي لهن أولاد وفى الزوجات. والأظهر أنها ~~في الزوجات في حال بقاء النكاح، لأنهن المستحقات للنفقة والكسوة، والزوجة ~~تستحق النفقة والكسوة أرضعت أو لم ترضع، والنفقة والكسوة مقابلة التمكين، ~~فإذا اشتغلت بالارضاع لم يكمل التمكين، فقد يتوهم أن النفقة تسقط فأزال ذلك ~~الوهم بقوله تعالى: " وعلى المولود له " أي الزوج " رزقهن وكسوتهن "، في ~~حال الرضاع لأنه اشتغال في مصالح الزوج، فصارت كما لو سافرت لحاجة الزوج ~~بإذنه فإن النفقة لا تسقط. PageV03P160 # الثانية - (يرضعن) خبر معناه الامر على الوجوب لبعض الوالدات، وعلى جهة ~~الندب لبعضهن على ما يأتي. وقيل: هو خبر عن المشروعية كما تقدم. # الثالثة - واختلف الناس في الرضاع هل هو حق للام أو هو حق عليها، واللفظ ~~محتمل، لأنه لو أراد التصريح بكونه عليها لقال: وعلى الوالدات رضاع أولادهن ~~كما قال تعالى: " وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن " ولكن هو عليها في حال ~~(1) الزوجية، وهو عرف يلزم إذ قد صار كالشرط، إلا أن تكون شريفة ذات ترفه ~~(2) فعرفها ألا ترضع وذلك كالشرط. وعليها إن لم يقبل الولد غيرها واجب. وهو ~~عليها إذا عدم لاختصاصها به. # فإن مات الأب ولا مال للصبي فمذهب مالك في " المدونة " أن الرضاع لازم ~~للام بخلاف النفقة. وفى كتاب ابن الجلاب: رضاعه في بيت المال. وقال عبد ~~الوهاب: هو فقير من فقراء المسلمين. وأما المطلقة طلاق بينونة فلا رضاع ~~عليها، والرضاع على الزوج إلا أن تشاء هي، فهي أحق بأجرة المثل، هذا مع يسر ~~الزوج فإن كان معدما ms1004 لم يلزمها الرضاع إلا أن يكون المولود لا يقبل غيرها ~~فتجبر حينئذ على الارضاع. وكل من يلزمها الارضاع فإن أصابها عذر يمنعها منه ~~عاد الارضاع على الأب. وروى عن مالك أن الأب إذا كان معدما ولا مال للصبي ~~أن الرضاع على الام، فإن لم يكن لها لبن ولها مال فالارضاع عليها في مالها. # قال الشافعي: لا يلزم الرضاع إلا والدا أو جدا وإن علا، وسيأتي ما ~~للعلماء في هذا عند قوله تعالى: " وعلى الوارث مثل ذلك ". يقال: رضع يرضع ~~رضاعة ورضاعا، ورضع يرضع رضاعا ورضاعة (بكسر الراء في الأول وفتحها في ~~الثاني) واسم الفاعل راضع فيهما. # والرضاعة: اللؤم (مفتوح الراء لا غير). # الرابعة - قوله تعالى: (حولين) أي سنتين، من حال الشئ إذا انقلب، فالحول ~~منقلب من الوقت الأول إلى الثاني. وقيل: سمى العام حولا لاستحالة الأمور ~~فيه في الأغلب. (كاملين) قيد بالكمال لان القائل قد يقول: أقمت عند فلان ~~حولين وهو يريد (3) حولا وبعض حول آخر، قال الله تعالى: " فمن تعجل في ~~يومين " وإنما يتعجل # PageV03P161 # في يوم وبعض الثاني. وقوله تعالى: " لمن أراد أن يتم الرضاعة " دليل على ~~أن إرضاع الحولين ليس حتما فإنه يجوز الفطام قبل الحولين، ولكنه تحديد لقطع ~~(1) التنازع بين الزوجين في مدة الرضاع، فلا يجب على الزوج إعطاء الأجرة ~~لأكثر من حولين. وإن أراد الأب الفطم قبل هذه المدة ولم ترض الام لم يكن له ~~ذلك. والزيادة على الحولين أو النقصان إنما يكون (2) عند عدم الاضرار ~~بالمولود وعند رضا الوالدين. وقرأ مجاهد وابن محيصن " لمن أراد أن تتم ~~الرضاعة " بفتح التاء ورفع " الرضاعة " على إسناد الفعل إليها. وقرأ أبو ~~حياة وابن أبي عبلة والجارود بن أبي سبرة بكسر الراء من " الرضاعة " وهي ~~لغة كالحضارة والحضارة. # وروى عن مجاهد أنه قرأ " الرضعة " على وزن الفعلة. وروى عن ابن عباس أنه ~~قرأ " أن يكمل الرضاعة ". النحاس: لا يعرف البصريون " الرضاعة " إلا بفتح ~~الراء، ولا " الرضاع " إلا بكسر الراء، مثل القتال. وحكى الكوفيون كسر ~~الراء مع الهاء وفتحها بغير ms1005 هاء. # الخامسة - انتزع مالك رحمه الله تعالى ومن تابعه وجماعة من العلماء من ~~هذه الآية أن الرضاعة المحرمة الجارية مجرى النسب إنما هي ما كان في ~~الحولين، لأنه بانقضاء الحولين تمت الرضاعة، ولا رضاعة بعد الحولين معتبرة. ~~هذا قوله في موطئه، وهي رواية محمد بن عبد الحكم عنه، وهو قول عمر وابن ~~عباس، وروى عن ابن مسعود، وبه قال الزهري وقتادة والشعبي وسفيان الثوري ~~والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو يوسف ومحمد وأبو ثور. وروى ابن عبد ~~ال‍ حكم عنه الحولين وزيادة أيام يسيرة. عبد الملك: كالشهر ونحوه. وروى ابن ~~القاسم عن مالك أنه قال: الرضاع الحولين والشهرين بعد الحولين، وحكى عنه ~~الوليد بن مسلم أنه قال: ما كان بعد الحولين من رضاع بشهر أو شهرين أو ~~ثلاثة فهو من الحولين، وما كان بعد ذلك فهو عبث. وحكى عن النعمان أنه قال: ~~وما كان بعد الحولين إلى ستة أشهر فهو رضاع، والصحيح الأول لقوله تعالى: " ~~والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين " وهذا يدل على ألا حكم لما ارتضع ~~المولود بعد الحولين. وروى سفيان عن عمرو بن دينار عن ابن عباس قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا رضاع إلا ما كان في الحولين (3) ". # قال الدارقطني: لم يسنده عن ابن عيينة غير الهيثم بن جميل، وهو ثقة حافظ. # PageV03P162 # قلت: وهذا الخبر مع الآية والمعنى، ينفى رضاعة الكبير وأنه لا حرمة له. ~~وقد روى عن عائشة القول به. وبه يقول الليث بن سعد من بين العلماء. وروى عن ~~أبي موسى الأشعري أنه كان يرى رضاع الكبير. وروى عنه الرجوع عنه. وسيأتي في ~~سورة " النساء " مبينا إن شاء الله تعالى (1). # السادسة - قال جمهور المفسرين: إن هذين الحولين لكل ولد. وروى عن ابن ~~عباس أنه قال: هي في الولد يمكث في البطن ستة أشهر، فإن مكث سبعة أشهر ~~فرضاعه ثلاثة وعشرون شهرا، فإن مكث ثمانية أشهر فرضاعه اثنان وعشرون شهرا، ~~فإن مكث تسعة أشهر فرضاعه أحد وعشرون شهرا، لقوله تعالى: " وحمله وفصاله ~~ثلاثون شهرا ms1006 ". # وعلى هذا نتداخل مدة الحمل ومدة الرضاع ويأخذ الواحد من الآخر. # السابعة - قوله تعالى: (وعلى المولود له) أي وعلى الأب. ويجوز في العربية ~~" وعلى المولود لهم " كقوله تعالى: " ومنهم من يستمعون إليك (2) " لان ~~المعنى وعلى الذي ولد له و " الذي " يعبر به عن الواحد والجمع كما تقدم. # الثامنة - قوله تعالى: (رزقهن وكسوتهن) الرزق في هذا الحكم الطعام ~~الكافي، وفى هذا دليل على وجوب نفقة الولد على الوالد (3) لضعفه وعجزه. ~~وسماه الله سبحانه للام، لان الغذاء يصل إليه بواسطتها في الرضاع كما قال: ~~" وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن (4) " لان الغذاء لا يصل إلا بسببها. # وأجمع العلماء على أن على المرء نفقة ولده الأطفال الذين لا مال لهم. ~~وقال صلى الله عليه وسلم لهند بنت عتبة وقد قالت له: إن أبا سفيان رجل شحيح ~~وإنه لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بنى إلا ما أخذت من ماله بغير ~~علمه فهل على في ذلك جناح؟ فقال -: # " خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف ". والكسوة: اللباس. وقوله: " بالمعروف " ~~أي بالمتعارف في عرف الشرع من غير تفريط ولا إفراط. ثم بين تعالى أن ~~الانفاق على قدر غنى الزوج ومنصبها من غير تقدير مد ولا غيره بقوله تعالى: ~~(لا تكلف نفس إلا وسعها) # PageV03P163 # على ما يأتي بيانه في الطلاق إن شاء الله تعالى (1). وقيل المعنى: أي لا ~~تكلف المرأة الصبر على التقتير في الأجرة، ولا يكلف الزوج ما هو إسراف بل ~~يراعى القصد. # التاسعة - في هذه الآية دليل لمالك على أن الحضانة للام، فهي في الغلام ~~إلى البلوغ، وفى الجارية إلى النكاح، وذلك حق لها، وبه قال أبو حنيفة. وقال ~~الشافعي: إذا بلغ الولد ثمان سنين وهو سن التمييز، خير بين أبويه، فإنه في ~~تلك الحالة تتحرك همته لتعلم القرآن والأدب ووظائف العبادات، وذلك يستوى ~~فيه الغلام والجارية. وروى النسائي وغيره عن أبي هريرة أن امرأة جاءت إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقالت له: زوجي يريد أن يذهب بابني، فقال له ~~النبي صلى الله عليه ms1007 وسلم: " هذا أبوك وهذه أمك فخذ أيهما شئت " فأخذ بيد ~~أمه. وفى كتاب أبى داود عن أبي هريرة قال: جاءت امرأة إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأنا قاعد عنده فقالت: يا رسول الله، إن زوجي يريد أن يذهب ~~بابني، وقد سقاني من بئر أبى عنبة (2)، وقد نفعني، فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: " استهما عليه " فقال زوجها: من يحاقني في ولدى! فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: " هذا أبوك وهذه أمك فخذ بيد أحدهما شئت " فأخذ بيد أمه ~~فانطلقت به. ودليلنا ما رواه أبو داود عن الأوزاعي قال: حدثني عمرو بن شعيب ~~عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقالت: يا رسول الله، إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، ~~وحجري له حواء، وإن أباه طلقني وأراد أن ينتزعه منى، فقال لها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " أنت أحق به ما لم تنكحي ". قال ابن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه من أهل ~~العلم على أن الزوجين إذا افترقا ولهما ولد أن الام أحق به ما لم تنكح. ~~وكذا قال أبو عمر: لا أعلم خلافا بين السلف من العلماء في المرأة المطلقة ~~إذا لم تتزوج أنها أحق بولدها من أبيه ما دام طفلا صغيرا لا يميز شيئا إذا ~~كان عندها في حرز وكفاية ولم يثبت فيها فسق ولا تبرج. # ثم اختلفوا بعد ذلك في تخييره إذا ميز وعقل بين أبيه وأمه وفيمن هو أولى ~~به، قال ابن المنذر: وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في ابنة حمزة ~~للخالة من غير تخيير. # PageV03P164 # روى أبو داود عن علي قال: خرج زيد بن حارثة إلى مكة فقدم بابنة حمزة، ~~فقال جعفر: # أنا آخذها أنا أحق بها، ابنة عمى وخالتها عندي والخالة أم. فقال على: أنا ~~أحق بها، ابنة عمى وعندي ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي أحق بها. ~~فقال زيد: أنا أحق بها، ms1008 أنا خرجت إليها وسافرت وقدمت بها. فخرج النبي صلى ~~الله عليه وسلم فذكر حديثا قال: " وأما الجارية فأقضى بها لجعفر تكون مع ~~خالتها وإنما الخالة أم ". # العاشرة - قال ابن المنذر: وقد أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على ألا ~~حق للام في الولد إذا تزوجت. # قلت: كذا قال في كتاب الاشراف له. وذكر القاضي عبد الوهاب في شرح الرسالة ~~له عن الحسن أنه لا يسقط حقها من الحضانة بالتزوج. وأجمع مالك والشافعي ~~والنعمان وأبو ثور على أن الجدة أم الام أحق بحضانة الولد. واختلفوا إذا لم ~~يكن لها أم وكان لها جدة هي أم الأب، فقال مالك: أم الأب أحق إذا لم يكن ~~للصبي خالة. وقال ابن القاسم قال مالك: وبلغني ذلك عنه أنه قال: الخالة ~~أولى من الجدة أم الأب. وفى قول الشافعي والنعمان: أم الأب أحق من الخالة. ~~وقد قيل: إن الأب أولى بابنه من الجدة أم الأب. قال أبو عمر: وهذا عندي إذا ~~لم يكن له زوجة أجنبية. ثم الأخت بعد الأب ثم العمة. وهذا إذا كان كل واحد ~~من هؤلاء مأمونا على الولد، وكان عنده في حرز وكفاية، فإذا لم يكن كذلك لم ~~يكن له حق في الحضانة، وإنما ينظر في ذلك إلى من يحوط الصبي ومن يحسن إليه ~~في حفظه وتعلمه الخير. وهذا على قول من قال إن الحضانة حق الولد، وقد روى ~~ذلك عن مالك وقال به طائفة من أصحابه، وكذلك لا يرون حضانة لفاجرة ولا ~~لضعيفة عاجزة عن القيام بحق الصبي لمرض أو زمانة. وذكر ابن حبيب عن مطرف ~~وابن الماجشون عن مالك أن الحضانة للام ثم الجدة للام ثم الخالة ثم الجدة ~~للأب ثم أخت الصبي ثم عمة الصبي ثم ابنة أخي الصبي ثم الأب. والجدة للأب ~~أولى من الأخت والأخت أولى من العمة والعمة أولى ممن بعدها، وأولى من جميع ~~الرجال الأولياء. وليس لابنة الخالة ولا لابنة العمة ولا لبنات أخوات الصبي ~~من حضانته شئ. فإذا كان الحاضن لا ms1009 يخاف منه على الطفل PageV03P165 # تضييع أو دخول فساد كان حاضنا له أبدا حتى يبلغ الحلم. وقد قيل: حتى يثغر ~~(1)، وحتى تتزوج الجارية، إلا أن يريد الأب نقلة سفر وإيطان فيكون حينئذ ~~أحق بولده من أمه وغيرها إن لم ترد الانتقال. وإن أراد الخروج لتجارة لم ~~يكن له ذلك. وكذلك أولياء الصبي الذين يكون مآله (2) إذا انتقلوا ~~للاستيطان. وليس للام أن تنقل ولدها عن موضع سكنى الأب إلا فيما يقرب نحو ~~المسافة التي لا تقصر فيها الصلاة. ولو شرط عليها في حين انتقاله عن بلدها ~~أنه لا يترك ولده عندها إلا أن تلتزم نفقته ومؤونته سنين معلومة فإن التزمت ~~ذلك لزمها: # فإن ماتت لم تتبع بذلك ورثتها في تركتها. وقد قيل: ذلك دين يؤخذ من ~~تركتها، والأول أصح إن شاء الله تعالى، كما لو مات الولد أو كما لو صالحها ~~على نفقة الحمل والرضاع فأسقطت لم تتبع بشئ من ذلك. # الحادية عشرة - إذا تزوجت الام لم ينزع منها ولدها حتى يدخل بها زوجها ~~عند مالك. وقال الشافعي: إذا نكحت فقد انقطع حقها. فإن طلقها لم يكن له ~~الرجوع فيه عند مالك في الأشهر عندنا من مذهبه. وقد ذكر القاضي إسماعيل ~~وذكره ابن خويز منداد أيضا عن مالك أنه اختلف قوله في ذلك، فقال مرة: يرد ~~إليها. وقال مرة: لا يرد. # قال ابن المنذر: فإذا خرجت الام عن البلد الذي به ولدها ثم رجعت إليه فهي ~~أحق بولدها في قول الشافعي وأبى ثور وأصحاب الرأي. وكذلك لو تزوجت ثم طلقت ~~أو توفى عنها زوجها رجعت في حقها من الولد. # قلت وكذلك قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب، فإن طلقها الزوج أو مات عنها ~~كان لها أخذه لزوال العذر الذي جاز له تركه. # الثانية عشرة - فإن تركت المرأة حضانة ولدها ولم ترد أخذه وهي فارغة غير ~~مشغولة بزوج ثم أرادت بعد ذلك أخذه نظر لها، فإن كان تركها له من عذر كان ~~لها أخذه، وإن كانت تركته رفضا له ومقتا لم يكن لها ms1010 بعد ذلك أخذه. # PageV03P166 # الثالثة عشرة - واختلفوا في الزوجين يفترقان بطلاق والزوجة ذمية، فقالت ~~طائفة: # لا فرق بين الذمية والمسلمة وهي أحق بولدها، هذا قول أبى ثور وأصحاب ~~الرأي وابن القاسم صاحب مالك. قال ابن المنذر: وقد روينا حديثا مرفوعا ~~موافقا لهذا القول، وفى إسناده مقال. وفيه قول ثان أن الولد مع المسلم ~~منهما، هذا قول مالك وسوار وعبد الله (1) بن الحسن، وحكى ذلك عن الشافعي. ~~وكذلك اختلفوا في الزوجين يفترقان، أحدهما حر والآخر مملوك، فقالت طائفة: ~~الحر أولى، هذا قول عطاء والثوري والشافعي وأصحاب الرأي. وقال مالك: # في الأب إذا كان حرا وله ولد حر والام مملوكة: إن الام أحق به إلا أن ~~تباع فتنتقل فيكون ا لأب أحق به. # الرابعة عشرة - قوله تعالى: (لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده) ~~المعنى: # لا تأبى الام أن ترضعه إضرارا بأبيه أو تطلب أكثر من أجر مثلها، ولا يحل ~~للأب أن يمنع الام من ذلك مع رغبتها في الارضاع، هذا قول جمهور المفسرين. ~~وقرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي " تضار " بفتح الراء المشددة وموضعه جزم ~~على النهى، وأصله لا تضارر على الأصل، فأدغمت الراء الأولى في الثانية ~~وفتحت الثانية لالتقاء الساكنين، وهكذا يفعل في المضاعف إذا كان قبله فتح ~~أو ألف، تقول: عض يا رجل، وضار فلانا يا رجل. أي لا ينزع الولد منها إذا ~~رضيت بالارضاع وألفها الصبي. وقرأ أبو. عمرو وابن كثير وأبان بن عاصم ~~وجماعة " تضار " بالرفع عطفا على قوله: تكلف نفس " وهو خبر والمراد به ~~الامر. وروى يونس عن الحسن قال يقول: لا تضار زوجها، تقول: لا أرضعه، ولا ~~يضارها فينزعه منها وهي تقول: أنا أرضعه. ويحتمل أن يكون الأصل " تضارر " ~~بكسر الراء الأولى، ورواها أبان عن عاصم، وهي لغة أهل الحجاز. ف‍ " والدة " ~~فاعله، ويحتمل أن يكون " تضارر " ف‍ " والدة " مفعول ما لم يسم فاعله. وروى ~~عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قرأ " لا تضارر " براءين الأولى مفتوحة. ~~وقرأ أبو جعفر بن القعقاع " تضار " بإسكان ms1011 الراء وتخفيفها. وكذلك " لا يضار ~~كاتب " وهذا بعيد لان المثلين إذا اجتمعا وهما أصليان لم يجز # PageV03P167 # حذف أحدهما للتخفيف، فإما الادغام وإما الاظهار. وروى عنه الاسكان ~~والتشديد. # وروى عن ابن عباس والحسن " لا تضارر " بكسر الراء الأولى. # الخامسة عشرة - قوله تعالى: (وعلى الوارث مثل ذلك) هو معطوف على قوله: " ~~وعلى المولود " واختلفوا في تأويل قوله: " وعلى الوارث مثل ذلك " فقال ~~قتادة والسدي والحسن وعمر بن الخطاب رضي الله عنه: هو وارث الصبي أن لو ~~مات. قال بعضهم: وارثه من الرجال خاصة يلزمه الارضاع، كما كان يلزم أبا ~~الصبي لو كان حيا، وقال مجاهد وعطاء. وقال قتادة وغيره: هو وارث الصبي من ~~كان من الرجال والنساء، ويلزمهم إرضاعه على قدر مواريثهم منه، وبه قال أحمد ~~وإسحاق. وقال القاضي أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق في كتاب " معاني القرآن " ~~له: فأما أبو حنيفة فإنه قال: تجب نفقة الصغير ورضاعه على كل ذي رحم محرم، ~~مثل أن يكون رجل له ابن أخت صغير محتاج وابن عم صغير محتاج وهو وارثه، فإن ~~النفقة تجب على الخال لابن أخته الذي لا يرثه، وتسقط عن ابن العم لابن عمه ~~الوارث. قال أبو إسحاق: فقالوا قولا ليس في كتاب الله ولا نعلم أحدا قاله. ~~وحكى الطبري عن أبي حنيفة وصاحبيه أنهم قالوا: # الوارث الذي يلزمه الارضاع هو وارثه إذا كان ذا رحم محرم منه، فإن كان ~~ابن عم وغيره ليس بذى رحم محرم فلا يلزمه شئ. وقيل: المراد عصبة الأب عليهم ~~النفقة والكسوة. # قال الضحاك: إن مات أبو الصبي وللصبي مال أخذ رضاعه من المال، وإن لم يكن ~~له مال أخذ من العصبة، وإن لم يكن للعصبة مال أجبرت الام على إرضاعه. وقال ~~قبيصة بن ذؤيب والضحاك وبشير بن نصر قاضي عمر بن عبد العزيز: الوارث هو ~~الصبي نفسه، وتأولوا قوله: # " وعلى الوارث " المولود، مثل ما على المولود له، أي عليه في ماله إذا ~~ورث أباه إرضاع نفسه. # وقال سفيان: الوارث هنا هو الباقي من والدي المولود بعد ms1012 وفاة الآخر ~~منهما، فإن مات الأب فعلى الام كفاية الطفل إذا لم يكن له مال، ويشاركها ~~العاصب في إرضاع المولود على قدر حظه من الميراث. وقال ابن خويز منداد: ولو ~~كان اليتيم فقيرا لا مال له، وجب على الامام القيام به من بيت المال، فإن ~~لم يفعل الامام وجب ذلك على المسلمين، الأخص به PageV03P168 # فالأخص، والام أخص به فيجب عليها إرضاعه والقيام به، ولا ترجع عليه ولا ~~على أحد. # والرضاع واجب والنفقة استحباب: ووجه الاستحباب قوله تعالى: " والوالدات ~~يرضعن أولادهن حولين كاملين " وواجب على الأزواج القيام بهن، فإذا تعذر ~~استيفاء الحق لهن بموت الزوج أو إعساره لم يسقط الحق عنهن، ألا ترى أن ~~العدة واجبة عليهن والنفقة والسكنى على أزواجهن، وإذا تعذرت النفقة لهن لم ~~تسقط العدة عنهن. وروى (1) عبد الرحمن بن القاسم في الأسدية عن مالك بن أنس ~~رحمه الله أنه قال: لا يلزم الرجل نفقة أخ ولا ذي قرابة ولا ذي رحم منه. ~~قال: وقول الله عز وجل: " وعلى الوارث مثل ذلك " هو منسوخ. قال النحاس: هذا ~~لفظ مالك، ولم يبين ما الناسخ لها ولا عبد الرحمن بن القاسم، ولا علمت أن ~~أحدا من أصحابهم بين ذلك، والذي يشبه أن يكون الناسخ لها عنده والله أعلم، ~~أنه لما أوجب الله تعالى للمتوفى عنها زوجها من مال المتوفى نفقة حول ~~والسكنى ثم نسخ ذلك ورفعه، نسخ ذلك أيضا عن الوارث. # قلت: فعلى هذا تكون النفقة على الصبي نفسه من ماله، لا يكون على الوارث ~~منها شئ على ما يأتي. قال ابن العربي: قوله " وعلى الوارث مثل ذلك " قال ~~ابن القاسم عن مالك هي منسوخة، وهذا كلام تشمئز منه قلوب الغافلين، وتحتار ~~فيه ألباب الشاذين، والامر فيه قريب! وذلك أن العلماء المتقدمين من الفقهاء ~~والمفسرين كانوا يسمون التخصيص نسخا، لأنه رفع لبعض ما يتناوله العموم ~~مسامحة، وجرى ذلك في ألسنتهم حتى أشكل ذلك على من بعدهم، وتحقيق القول فيه: ~~أن قوله تعالى: " وعلى الوارث مثل ذلك " إشارة إلى ما تقدم، ms1013 فمن الناس من ~~رده إلى جميعه من إيجاب النفقة وتحريم الاضرار، منهم أبو حنيفة من الفقهاء، ~~ومن السلف قتادة والحسن وسند إلى عمر. وقالت طائفة من العلماء: إن معنى ~~قوله تعالى: # " وعلى الوارث مثل ذلك " لا يرجع إلى جميع ما تقدم، وإنما يرجع إلى تحريم ~~الاضرار، والمعنى: وعلى الوارث من تحريم الاضرار بالام ما على الأب، وهذا ~~هو الأصل، فمن ادعى أنه يرجع العطف فيه إلى جميع ما تقدم فعليه الدليل. # PageV03P169 # قلت: قوله: " وهذا هو الأصل " يريد في رجوع الضمير إلى أقرب مذكور، وهو ~~صحيح، إذ لو أراد الجميع الذي هو الارضاع والانفاق وعدم الضرر لقال: وعلى ~~الوارث مثل هؤلاء، فدل على أنه معطوف على المنع من المضارة، وعلى ذلك تأوله ~~كافة المفسرين فيما حكى القاضي عبد الوهاب، وهو أن المراد به أن الوالدة لا ~~تضار ولدها في أن الأب إذا بذل لها أجرة المثل ألا ترضعه، " ولا مولود له ~~بولده " في أن الام إذا بذلت أن ترضعه بأجرة المثل كان لها ذلك، لان الام ~~أرفق وأحن عليه، ولبنها خير له من لبن الأجنبية. قال ابن عطية: # وقال مالك رحمه الله وجميع أصحابه والشعبي أيضا والزهري والضحاك وجماعة ~~من العلماء: # المراد بقوله " مثل ذلك " ألا تضار، وأما الرزق والكسوة فلا يجب شئ منه. ~~وروى ابن القاسم عن مالك أن الآية تضمنت أن الرزق والكسوة على الوارث، ثم ~~نسخ ذلك بالاجماع من الأمة في ألا يضار الوارث، والخلاف هل عليه رزق وكسوة ~~أم لا. وقرأ يحيى بن يعمر " وعلى الورثة " بالجمع، وذلك يقتضى العموم، فإن ~~أسدلوا بقوله عليه السلام. " لا يقبل الله صدقة وذو رحم محتاج " قيل لهم ~~الرحم عموم في كل ذي رحم، محرما كان أو غير محرم، ولا خلاف أن صرف الصدقة ~~إلى ذي الرحم أولى لقوله عليه السلام: " إجعلها في الأقربين " فحمل الحديث ~~على هذا، ولا حجة فيه على ما راموه، والله أعلم. وقال النحاس: وأما قوله من ~~قال " وعلى الوارث مثل ذلك " ألا يضار فقوله حسن، لان ms1014 أموال الناس محظورة ~~فلا يخرج شئ منها إلا بدليل قاطع. وأما قوله من قال على ورثة الأب فالحجة ~~أن النفقة كانت على الأب، فورثته أولى من ورثة الابن. وأما حجة من قال على ~~ورثة الابن فيقول: # كما يرثونه يقومون به. قال النحاس: وكان محمد بن جرير يختار قول من قال ~~الوارث هنا الابن، وهو وإن كان قولا غريبا فالاستدلال به صحيح والحجة به ~~ظاهرة، لان ماله أولى به. # وقد أجمع الفقهاء إلا من شذ منهم أن رجلا لو كان له ولد طفل وللولد مال، ~~والأب موسر أنه لا يجب على الأب نفقة ولارضاع، وأن ذلك من مال الصبي. فإن ~~قيل: قد قال الله عز وجل " وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف "، قيل: ~~هذا الضمير للمؤنث، ومع هذا فإن الاجماع PageV03P170 # حد للآية مبين لها، لا يسع مسلما الخروج عنه. وأما من قال: ذلك على من ~~بقى من الأبوين، فحجته أنه لا يجوز للام تضييع ولدها، وقد مات من كان ينفق ~~عليه وعليها. وقد ترجم البخاري على رد هذا القول " باب - وعلى الوارث مثل ~~ذلك، وهل على المرأة منه شئ " وساق حديث أم سلمة وهند. والمعنى فيه: أن أم ~~سلمة كان لها أبناء من أبى سلمة ولم يكن، لهم مال، فسألت النبي صلى الله ~~عليه وسلم فأخبرها أن لها في ذلك أجرا. فدل هذا الحديث على أن نفقة بنيها ~~لا تجب عليها، ولو وجبت عليها لم تقل للنبي صلى الله عليه وسلم: ولست ~~بتاركتهم. # وأما حديث هند فإن النبي صلى الله عليه وسلم أطلقها على أخذ نفقتها ونفقة ~~بنيها من مال الأب، ولم يوجبها عليها كما أوجبها على الأب. فاستدل البخاري ~~من هذا على أنه لما لم يلزم الأمهات نفقات الأبناء في حياة الآباء فكذلك لا ~~يلزمهن بموت الآباء. وأما قول من قال إن النفقة والكسوة على كل ذي رحم محرم ~~فحجته أن على الرجل أن ينفق على كل ذي رحم محرم إذا كان فقيرا. قال النحاس: ~~وقد عورض هذا القول بأنه ms1015 لم يؤخذ من كتاب الله تعالى ولا من إجماع ولا من ~~سنة صحيحة، بل لا يعرف من قول سوى ما ذكرناه. فأما القرآن فقد قال الله عز ~~وجل: " وعلى الوارث مثل ذلك " فإن كان على الوارث النفقة والكسوة فقد ~~خالفوا ذلك فقالوا: إذا ترك خال وابن عمه فالنفقة على خاله وليس على ابن ~~عمه شئ، فهذا مخالف نص القرآن لان الخال لا يرث مع ابن العم في قول أحد، ~~ولا يرث وحده في قول كثير من العلماء، والذي احتجوا به من النفقة على كل ذي ~~رحم محرم، أكثر أهل العلم على خلافه. # السادسة عشرة - قوله تعالى: (فإن أرادا فصالا) الضمير في " أرادا " ~~للوالدين. # و " فصالا " معناه فطاما عن الرضاع، أي عن الاغتذاء بلبن أمه إلى غيره من ~~الأقوات. # والفصال والفصل: الفطام، وأصله التفريق، فهو تفريق بين الصبي والثدي، ~~ومنه سمى الفصيل، لأنه مفصول عن أمه. (عن تراض منهما) أي قبل الحولين. (فلا ~~جناح عليهما) أي في فصله، وذلك أن الله سبحانه لما جعل مدة الرضاع حولين ~~بين أن فطامهما PageV03P171 # هو الفطام، وفصالهما هو الفصال ليس لأحد عنه منزع، إلا أن يتفق الأبوان ~~على أقل من ذلك العدد من غير مضارة بالولد، فذلك جائز بهذا البيان. وقال ~~قتادة: كان الرضاع واجبا في الحولين وكان يحرم الفطام قبله، ثم خفف وأبيح ~~الرضاع أقل من الحولين بقوله: # " فإن أرادا فصالا " الآية. وفى هذا دليل على جواز الاجتهاد في الاحكام ~~بإباحة الله تعالى للوالدين التشاور فيما يؤدى إلى صلاح الصغير، وذلك موقوف ~~على غالب ظنونهما لا على الحقيقة واليقين، والتشاور: استخراج الرأي، وكذلك ~~المشاورة، والمشورة كالمعونة، وشرت العسل: استخرجته، وشرت الدابة وشورتها ~~أي أجريتها لاستخراج جريها، والشوار: متاع البيت، لأنه يظهر للناظر، ~~والشارة: هيئة الرجل، والإشارة: إخراج ما في نفسك وإظهاره. # السابعة عشرة - قوله تعالى: (وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم) أي لأولادكم ~~غير الوالدة، قاله الزجاج. قال النحاس: التقدير في العربية أن تسترضعوا ~~أجنبية لأولادكم، مثل " كالوهم أو وزنوهم (1) " أي كالوا لهم أو وزنوا ms1016 لهم، ~~وحذفت اللام لأنه يتعدى إلى مفعولين أحدهما بحرف، وأنشد سيبويه: # أمرتك الخير فافعل ما أمرت به * فقد تركتك ذا مال وذا نشب ولا يجوز: دعوت ~~زيدا، أي دعوت لزيد، لأنه يؤدى إلى التلبيس، فيعتبر في هذا النوع السماع. # قلت: وعلى هذا يكون في الآية دليل على جواز اتخاذ الظئر إذا اتفق الآباء ~~والأمهات على ذلك. وقد قال عكرمة في قوله تعالى: " لا تضار والدة " معناه ~~الظئر، حكاه ابن عطية. # والأصل أن كل أم يلزمها رضاع ولدها كما أخبر الله عز وجل، فأمر الزوجات ~~بإرضاع أولادهن، وأوجب لهن على الأزواج النفقة والكسوة والزوجية قائمة، فلو ~~كان الرضاع على الأب لذكره مع ما ذكره من رزقهن وكسوتهن، إلا أن مالكا رحمه ~~الله دون فقهاء الأمصار استثنى الحسيبة فقال: لا يلزمها رضاعة. فأخرجها من ~~الآية وخصصها بأصل من أصول الفقه وهو العمل بالعادة. وهذا أصل لم يتفطن له ~~إلا مالك. والأصل البديع فيه أن # PageV03P172 # هذا أمر كان في الجاهلية في ذوي الحسب وجاء الاسلام فلم يغيره، وتمادى ~~ذوو الثروة والأحساب على تفريغ الأمهات للمتعة بدفع الرضعاء للمراضع إلى ~~زمانه فقال به، وإلى زماننا فتحققناه شرعا. # الثامنة عشرة - قوله تعالى: (إذا سلمتم) يعنى الآباء، أي سلمتم الأجرة ~~إلى المرضعة الظئر، قال سفيان. مجاهد: سلمتم إلى الأمهات أجرهن بحساب ما ~~أرضعن إلى وقت إرادة الاسترضاع. وقرأ الستة من السبعة " ما آتيتم " بمعنى ~~ما أعطيتم. وقرأ ابن كثير " أتيتم " بمعنى ما جئتم وفعلتم، كما قال زهير: # وما كان من خير أتوه فإنما * توارثه آباء آبائهم قبل قال قتادة والزهري: ~~المعنى سلمتم ما أتيتم من إرادة الاسترضاع، أي سلم كل واحد من الأبوين ~~ورضى، وكان ذلك على اتفاق منهما وقصد خير وإرادة معروف من الامر. # وعلى هذا الاحتمال فيدخل في الخطاب " سلمتم (1) " الرجال والنساء، وعلى ~~القولين المتقدمين الخطاب للرجال. قال أبو على: المعنى إذا سلمتم ما آتيتم ~~نقده أو إعطاءه، فحذف المضاف وأقيم الضمير مقامه، فكان التقدير: ما ~~آتيتموه، ثم حذف الضمير من الصلة، وعلى هذا ms1017 التأويل فالخطاب للرجال، لأنهم ~~الذين يعطون أجر الرضاع. قال أبو على: ويحتمل أن تكون " ما " مصدرية، أي ~~إذا سلمتم الاتيان، والمعنى كالأول، لكن يستغنى عن الصفة (2) من حذف المضاف ~~ثم حذف الضمير. # قوله تعالى: والذين يتوفون منكم ويذرون أزوجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر ~~وعشرا فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف والله ~~بما تعملون خبير (234) فيه خمس وعشرون مسألة: # الأولى - قوله تعالى: (والذين يتوفون منكم) لما ذكر عز وجل عدة الطلاق ~~واتصل بذكرها ذكر الارضاع، ذكر عدة الوفاة أيضا، لئلا يتوهم أن عدة الوفاة ~~مثل عدة # PageV03P173 # الطلاق. " والذين " أي والرجال الذين يموتون منكم. (ويذرون أزواجا) أي ~~يتركون أزواجا، أي ولهم زوجات فالزوجات (يتربصن)، قال معناه الزجاج واختاره ~~النحاس. # وحذف المبتدأ في الكلام كثير، كقوله تعالى: " قل أفأنبئكم بشر من ذلكم ~~النار (1) " أي هو النار. وقال أبو على الفارسي: تقديره والذين يتوفون منكم ~~ويذرون أزواجا يتربصن بعدهم، وهو كقولك: السمن منوان بدرهم، أي منوان منه ~~بدرهم. وقيل: التقدير وأزواج الذين يتوفون منكم يتربصن، فجاءت العبارة في ~~غاية الايجاز. وحكى المهدوي عن سيبويه أن المعنى: وفيما يتلى عليكم الذين ~~يتوفون. وقال بعض نحاة الكوفة: الخبر عن " الذين " متروك، والقصد الاخبار ~~عن أزواجهم بأنهن يتربصن، وهذا اللفظ معنا الخبر عن المشروعية في أحد ~~الوجهين كما تقدم. # الثانية - هذه الآية في عدة المتوفى عنها زوجها، وظاهرها العموم ومعناها ~~الخصوص. وحكى المهدوي عن بعض العلماء أن الآية تناولت الحوامل ثم نسخ ذلك ~~بقوله " وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن (2) ". وأكثر العلماء على أن ~~هذه الآية ناسخة لقوله عز وجل: " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية ~~لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج " لان الناس أقاموا برهة من الاسلام ~~(3) إذا توفى الرجل وخلف امرأته حاملا أوصى لها زوجها بنفقة سنة وبالسكنى ~~ما لم تخرج فتتزوج، ثم نسخ ذلك بأربعة أشهر وعشر، وبالميراث. وقال قوم: ليس ~~في هذا نسخ وإنما هو نقصان من الحول، كصلاة المسافر لما نقصت من الأربع إلى ~~الاثنتين لم يكن ms1018 هذا نسخا. وهذا غلط بين، لأنه إذا كان حكمها أن تعتد سنة ~~إذا لم تخرج، فإن خرجت لم تمنع، ثم أزيل هذا ولزمتها العدة أربعة أشهر ~~وعشرا. # وهذا هو النسخ، وليست صلاة المسافر من هذا في شئ. وقد قالت عائشة رضي ~~الله عنها: # فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فزيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر بحالها، ~~وسيأتي (4). # الثالثة: عدة الحامل المتوفى عنها زوجها وضع حملها عند جمهور العلماء. ~~وروى عن علي بن أبي طالب وابن عباس أن تمام عدتها آخر الأجلين، واختاره ~~سحنون من علمائنا. # PageV03P174 # وقد روى عن (1) ابن عباس أنه رجع عن هذا. والحجة لما روى عن علي وابن ~~عباس روم الجمع بن قوله تعالى: " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن ~~بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا " وبين قوله: " وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن ~~حملهن " وذلك أنها إذا قعدت أقصى الأجلين فقد عملت بمقتضى الآيتين، وإن ~~اعتدت بوضع الحمل فقد تركت العمل بآية عدة الوفاة، والجمع أولى من الترجيح ~~باتفاق أهل الأصول. وهذا نظر حسن لولا ما يعكر عليه من حديث سبيعة الأسلمية ~~وأنها نفست بعد وفاة زوجها بليال، وأنها ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فأمرها أن تتزوج، أخرجه في الصحيح. فبين الحديث أن قوله تعالى: " ~~وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن " محمول على عمومه في المطلقات ~~والمتوفى عنهن أزواجهن، وأن عدة الوفاة مختصة بالحائل من الصنفين، ويعتضد ~~هذا بقول ابن مسعود: ومن شاء باهلته أن آية النساء القصرى نزلت بعد آية عدة ~~الوفاة. قال علماؤنا: # وظاهر كلامه أنها ناسخة لها وليس ذلك مراده. والله أعلم. وإنما يعنى أنها ~~مخصصة لها، فإنها أخرجت منها بعض متناولاتها. وكذلك حديث سبيعة متأخر عن ~~عدة الوفاة، لان قصة سبيعة كانت بعد حجة الوداع، وزوجها هو سعد بن خولة وهو ~~من بنى عامر بن لؤي وهو ممن شهد بدرا، توفى بمكة حينئذ وهي حامل، وهو الذي ~~رثى له رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن توفى بمكة، وولدت بعده بنصف ~~شهر. وقال ms1019 البخاري: بأربعين ليلة. # وروى مسلم من حديث عمر بن عبد الله بن الأرقم أن سبيعة سألت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن ذلك قالت: فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي، ~~وأمرني بالتزوج إن بدا لي. قال ابن شهاب: ولا أرى بأسا أن تتزوج حين وضعت ~~وإن كانت في دمها، غير أن زوجها لا يقربها حتى تطهر، وعلى هذا جمهور ~~العلماء وأئمة الفقهاء. وقال الحسن والشعبي والنخعي وحماد: لا تنكح النفساء ~~ما دامت في دم نفاسها. فاشترطوا شرطين: وضع الحمل، والطهر من دم النفاس. ~~والحديث حجة عليهم، ولا حجة لهم في قوله: " فلما تعلت (2) من نفاسها تجملت ~~للخطاب " كما في صحيح مسلم وأبى داود، لان " تعلت " وإن كان أصله # PageV03P175 # طهرت من دم نفاسها - على ما قاله الخليل - فيحتمل أن يكون المراد به ~~هاهنا تعلت من آلام نفاسها، أي استقلت من أوجاعها. ولو سلم أن معناه ما قال ~~الخليل فلا حجة فيه، وإنما الحجة في قوله عليه السلام لسبيعة: " قد حللت ~~حين وضعت " فأوقع الحل في حين الوضع وعلقه عليه، ولم يقل إذا انقطع دمك ولا ~~إذا طهرت، فصح ما قاله الجمهور. # الرابعة - ولا خلاف بين العلماء على أن أجل كل حامل مطلقة يملك الزوج ~~رجعتها أو لا يملك، حرة كانت أو أمة أو مدبرة أو مكاتبة أن تضع حملها. # واختلفوا في أجل الحامل المتوفى عنها كما تقدم، وقد أجمع الجميع بلا خلاف ~~بينهم أن رجلا لو توفى وترك امرأة حاملا فأنقضت أربعة أشهر وعشر أنها لا ~~تحل حتى تلد، فعلم أن المقصود الولادة. # الخامسة - قوله تعالى: (يتربصن) التربص: التأني والتصبر عن النكاح، وترك ~~الخروج عن مسكن النكاح وذلك بألا تفارقه ليلا. ولم يذكر الله تعالى السكنى ~~للمتوفى عنها في كتابه كما ذكرها للمطلقة بقوله تعالى: " أسكنوهن " وليس في ~~لفظ العدة في كتاب الله تعالى ما يدل على الاحداد، وإنما قال: " يتربصن " ~~فبينت السنة جميع ذلك. والأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم متظاهرة بأن ~~التربص في الوفاة إنما هو ms1020 بإحداد، وهو الامتناع عن الزينة ولبس المصبوغ ~~الجميل والطيب ونحوه، وهذا قول جمهور العلماء. وقال الحسن بن أبي الحسن: ~~ليس الاحداد بشئ، إنما تتربص عن الزوج، ولها أن تتزين وتتطيب، وهذا ضعيف ~~لأنه خلاف السنة على ما نبينه إن شاء الله تعالى. وثبت أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال للفريعة بنت مالك بن سنان وكانت متوفى عنها: " امكثي في بيتك ~~حتى يبلغ الكتاب أجله " قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا، وهذا حديث ~~ثابت أخرجه مالك عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة، رواه عنه مالك والثوري ~~ووهيب (1) بن خالد وحماد بن زيد وعيسى بن يونس وعدد كثير وابن عيينة ~~والقطان وشعبة، وقد رواه مالك عن ابن شهاب # PageV03P176 # وحسبك، قال الباجي: لم يرو عنه غيره، وقد أخذ به عثمان بن عفان قال أبو ~~عمر: # وقضى به في اعتداد المتوفى عنها في بيتها، وهو حديث معروف مشهور عند ~~علماء الحجاز والعراق أن المتوفى عنها زوجها عليها أن تعتد في بيتها ولا ~~تخرج عنه، وهو قول جماعة فقهاء الأمصار بالحجاز والشام والعراق ومصر. وكان ~~داود يذهب إلى أن المتوفى عنها زوجها ليس عليها أن تعتد في بيتها وتعتد حيث ~~شاءت، لان السكنى إنما ورد به القرآن في المطلقات، ومن حجته أن المسألة ~~مسألة خلاف. قالوا: وهذا الحديث إنما ترويه امرأة غير معروفة بحمل العلم، ~~وإيجاب السكنى إيجاب حكم، والاحكام لا تجب إلا بنص كتاب الله أو سنة أو ~~إجماع. # قال أبو عمر: أما السنة فثابتة بحمد الله، وأما الاجماع فمستغنى عنه ~~بالسنة، لان الاختلاف إذا نزل في مسألة كانت الحجة في قوله من وافقته ~~السنة، وبالله التوفيق: وروى عن علي وابن عباس وجابر وعائشة مثل قول داود، ~~وبه قال جابر بن زيد وعطاء والحسن البصري. قال ابن عباس: إنما قال الله ~~تعالى: " يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا " ولم يقل يعتددن في بيوتهن، ~~ولتعتد حيث شاءت، وروى عن أبي حنيفة. وذكر عبد الرزاق قال: حدثنا (1) معمر ~~عن الزهري عن عروة قال: خرجت ms1021 عائشة بأختها أم كلثوم - حين قتل عنها زوجها ~~طلحة بن عبيد الله - إلى مكة في عمرة، وكانت تفتى المتوفى عنها [زوجها (2)] ~~بالخروج في عدتها. # قال: وحدثنا (3) الثوري عن عبيد الله بن عمر أنه سمع القاسم بن محمد ~~يقول: أبى الناس ذلك عليها. # قال: وحدثنا (4) معمر عن الزهري قال: أخذ المترخصون في المتوفى عنها ~~زوجها بقول عائشة، وأخذ أهل الورع والعزم بقول ابن عمر. وفى الموطأ: أن عمر ~~بن الخطاب كان يرد المتوفى عنهن أزواجهن من البيداء يمنعهن الحج. وهذا من ~~عمر رضي الله عنه اجتهاد، لأنه كان يرى اعتداد المرأة في منزل زوجها ~~المتوفى عنها لازما لها، وهو مقتضى القرآن والسنة، فلا يجوز لها أن تخرج في ~~حج ولا عمرة حتى تنقضي عدتها. وقال مالك: ترد ما لم تحرم. # السادسة - إذا كان الزوج يملك رقبة المسكن فإن للزوجة العدة فيه، وعليه ~~أكثر الفقهاء: مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم لحديث الفريعة. وهل ~~يجوز بيع الدار # PageV03P177 # إذا كانت ملكا للمتوفى وأراد ذلك الورثة، فالذي عليه جمهور أصحابنا أن ~~ذلك جائز، ويشترط فيه العدة للمرأة. قال ابن القاسم: لأنها أحق بالسكنى من ~~الغرماء. وقال محمد بن الحكم: # البيع فاسد، لأنها قد ترتاب فتمتد عدتها. وجه قول ابن القاسم: أن الغالب ~~السلامة، والريبة نادرة وذلك لا يؤثر في فساد العقود، فإن وقع البيع فيه ~~بهذا الشرط فارتابت، قال مالك في كتاب محمد: هي أحق بالمقام حتى تنقضي ~~الريبة، وأحب إلينا أن يكون للمشتري الخيار في فسخ البيع أو إمضائه ولا ~~يرجع بشئ، لأنه دخل على العدة المعتادة، ولو وقع البيع بشرط زوال الريبة ~~كان فاسدا. وقال سحنون: لا حجة للمشتري وإن تمادت الريبة إلى خمس سنين، ~~لأنه دخل على العدة والعدة قد تكون خمس سنين، ونحو هذا روى أبو زيد عن ابن ~~القاسم. # السابعة - فإن كان للزوج السكنى دون الرقبة، فلها السكنى في مدة العدة، ~~خلافا لأبي حنيفة والشافعي، لقوله عليه السلام للفريعة - وقد علم أن زوجها ~~لا يملك رقبة المسكن -: # " امكثي في ms1022 بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله ". لا يقال إن المنزل كان لها، ~~فلذلك قال لها: # " امكثي في بيتك " فإن معمرا روى عن الزهري أنها ذكرت للنبي صلى الله ~~عليه وسلم أن زوجها قتل، وأنه تركها في مسكن ليس لها واستأذنته، وذكر ~~الحديث. ولنا من جهة المعنى أنه ترك دارا يملك سكناها ملكا لا تبعة عليه ~~فيه، فلزم أن تعتد الزوجة فيه، أصل ذلك إذا ملك رقبتها. # الثامنة - وهذا إذا كان قد أدى الكراء، وأما إذا كان لم يؤد الكراء فالذي ~~في المدونة: أنه لا سكنى لها في مال الميت وإن كان موسرا، لان حقها إنما ~~يتعلق بما يملكه من السكنى ملكا تاما، وما لم ينقد عوضه لم يملكه ملكا ~~تاما، وإنما ملك العوض الذي بيده، ولا حق في ذلك للزوجة إلا بالميراث دون ~~السكنى، لان ذلك مال وليس بسكنى. # وروى محمد عن مالك أن الكراء لازم للميت في ماله. # التاسعة - قوله صلى الله عليه وسلم للفريعة: " امكثي في بيتك حتى يبلغ ~~الكتاب أجله " يحتمل أنه أمرها بذلك لما كان زوجها قد أدى كراء المسكن، أو ~~كان أسكن فيه PageV03P178 # إلى وفاته، أو أن أهل المنزل أباحوا لها العدة فيه بكراء أو غير كراء، أو ~~ما شاء الله تعالى من ذلك مما رأى به أن المقام لازم لها فيه حتى تنقضي ~~عدتها. # العاشرة - واختلفوا في المرأة يأتيها نعى زوجها وهي في بيت غير بيت ~~زوجها، فأمرها بالرجوع إلى مسكنه وقراره مالك بن أنس، وروى ذلك عن عمر بن ~~عبد العزيز [رضي الله عنه (1)]. وقال سعيد بن المسيب والنخعي: تعتد حيث ~~أتاها الخبر، لا تبرح منه حتى تنقضي العدة. # قال ابن المنذر: قول مالك صحيح، إلا أن يكون نقلها الزوج إلى مكان فتلزم ~~ذلك المكان. # الحادية عشرة - ويجوز لها أن تخرج في حوائجها من وقت انتشار الناس بكرة ~~إلى وقت هدوئهم بعد العتمة، ولا تبيت إلا في ذلك المنزل. وفى البخاري ومسلم ~~عن أم عطية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا ms1023 تحد امرأة على ميت ~~فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا، ولا تلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب ~~(2)، ولا تكتحل، ولا تمس طيبا إلا إذا طهرت نبذة (3) من قسط أو أظفار ". ~~وفى حديث أم حبيبة: " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تحد على ميت ~~فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا " الحديث. الاحداد: # ترك المرأة الزينة كلها من اللباس والطيب والحلي والكحل والخضاب بالحناء ~~ما دامت في عدتها، لان الزينة داعية إلى الأزواج، فنهيت عن ذلك قطعا ~~للذرائع، وحماية لحرمات الله تعالى أن تنتهك، وليس دهن المرأة رأسها بالزيت ~~والشيرج من الطيب في شئ. يقال: امرأة حاد ومحد. قال الأصمعي: ولم نعرف " ~~حدت ". وفاعل " لا يحل " المصدر الذي يمكن صياغته من " تحد " مع " أن " ~~المرادة، فكأنه قال: الاحداد. # الثانية عشرة - وصفه عليه السلام المرأة بالايمان يدل على صحة أحد ~~القولين عندنا في الكتابية المتوفى عنها زوجها أنها لا إحداد عليها، وهو ~~قول ابن كنانة وابن نافع، ورواه أشهب عن مالك، وبه قال أبو حنيفة وابن ~~المنذر، وروى عنه ابن القاسم أن عليها الاحداد # PageV03P179 # ، كالمسلمة، وبه قال الليث والشافعي وأبو ثور وعامة أصحابنا، لأنه حكم من ~~أحكام العدة فلزمت الكتابية للمسلم كلزوم المسكن والعدة. # الثالثة عشرة - وفى قوله عليه السلام: " فوق ثلاث إلا على زوج " دليل على ~~تحريم إحداد المسلمات على غير أزواجهن فوق ثلاث، وإباحة الاحداد عليهم ~~ثلاثا تبدأ بالعدد من الليلة التي تستقبلها إلى آخر ثالثها، فإن مات حميمها ~~في بقية يوم (1) أو ليلة ألغته وحسبت من الليلة القابلة. # الرابعة عشرة - هذا الحديث بحكم عمومه يتناول الزوجات كلهن المتوفى عنهن ~~أزواجهن، فيدخل فيه الإماء والحرائر والكبار والصغار، وهو مذهب الجمهور من ~~العلماء. وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا إحداد على أمة ولا على صغيرة، حكاه عنه ~~القاضي أبو الوليد الباجي. # قال ابن المنذر: أما الأمة الزوجة فهي داخلة في جملة الأزواج وفى عموم ~~الاخبار، وهو قول مالك والشافعي وأبى ثور وأصحاب الرأي، ولا أحفظ في ذلك ms1024 عن ~~أحد خلافا، ولا أعلمهم يختلفون في الاحداد على أم الولد إذا مات سيدها، ~~لأنها ليست بزوجة، والأحاديث إنما جاءت في الأزواج. قال الباجي: الصغيرة ~~إذا كانت ممن تعقل الأمر والنهي وتلتزم ما حد لها أمرت بذلك، وإن كانت لا ~~تدرك شيئا من ذلك لصغرها فروى ابن مزين عن عيسى يجنبها أهلها جميع ما ~~تجتنبه الكبيرة، وذلك لازم لها. والدليل على وجوب الاحداد على الصغيرة ما ~~روى أن النبي صلى الله عليه وسلم سألته امرأة عن بنت لها توفى عنها زوجها ~~فاشتكت عينها أفتكحلها؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم " لا " مرتين أو ~~ثلاثا، كل ذلك يقول " لا " ولم يسأل عن سنها، ولو كان الحكم يفترق بالصغر ~~والكبر لسأل عن سنها حتى يبين الحكم، وتأخير البيان في مثل هذا لا يجوز، ~~وأيضا فإن كل من لزمتها العدة بالوفاة لزمها الاحداد كالكبيرة. # الخامسة عشرة - قال ابن المنذر: ولا أعلم خلافا أن الخضاب داخل في جملة ~~الزينة المنهي عنها. وأجمعوا على أنه لا يجوز لها لباس الثياب المصبغة ~~والمعصفرة، إلا ما صبغ # PageV03P180 # بالسواد فإنه رخص فيه عروة بن الزبير ومالك والشافعي، وكرهه الزهري. وقال ~~الزهري: لا تلبس ثوب عصب، وهو خلاف الحديث. وفى المدونة قال مالك: لا تلبس ~~رقيق عصب اليمن، ووسع في غليظه. قال ابن القاسم: لان رقيقه بمنزلة الثياب ~~المصبغة وتلبس رقيق الثياب وغليظه من الحرير والكتان والقطن. قال ابن ~~المنذر: ورخص كل من أحفظ عنه في لباس البياض، قال القاضي عياض: ذهب الشافعي ~~إلى أن كل صبغ كان زينة لا تمسه الحاد رقيقا كان أو غليظا. ونحوه للقاضي ~~عبد الوهاب قال: كل ما كان من الألوان تتزين به النساء لأزواجهن فلتمتنع ~~منه الحاد. ومنع بعض، مشايخنا المتأخرين جيد البياض الذي يتزين به، وكذلك ~~الرفيع من السواد. وروى ابن المواز عن مالك: لا تلبس حليا وإن كان حديدا، ~~وفى الجملة أن كل ما تلبسه المرأة على وجه ما يستعمل عليه الحلي من التجمل ~~فلا تلبسه الحاد. # ولم ينص أصحابنا على ms1025 الجواهر واليواقيت والزمرد وهو داخل في معنى الحلي. ~~والله أعلم. # السادسة عشرة - وأجمع الناس على وجوب الاحداد على المتوفى عنها زوجها، ~~إلا الحسن فإنه قال: ليس بواجب، وأحتج بما رواه عبد الله بن شداد بن الهاد ~~عن أسماء بنت عميس قالت: لما أصيب جعفر بن أبي طالب قال لي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " تسلبي (1) ثلاثا ثم اصنعي ما شئت ". قال ابن المنذر: كان ~~الحسن البصري من بين سائر أهل العلم لا يرى الاحداد، وقال: المطلقة ثلاثا ~~والمتوفى عنها زوجها تكتحلان وتختضبان وتصنعان ما شاءا. # وقد ثبتت الاخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم بالاحداد، وليس لاحد بلغته ~~إلا التسليم، ولعل الحسن لم تبلغه، أو بلغته فتأولها بحديث أسماء بنت عميس ~~أنها استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم أن تحد على جعفر وهي امرأته، فأذن ~~لها ثلاثة أيام ثم بعث إليها بعد ثلاثة أيام أن تطهري واكتحلي. قال ابن ~~المنذر، وقد دفع أهل العلم هذا الحديث بوجوه، وكان أحمد بن حنبل يقول: هذا ~~الشاذ من الحديث لا يؤخذ به، وقال إسحاق. # PageV03P181 # السابعة عشرة - ذهب مالك والشافعي إلى أن لا إحداد على مطلقة رجعية كانت ~~أو بائنة واحدة أو أكثر، وهو قول ربيعة وعطاء. وذهب الكوفيون: أبو حنيفة ~~وأصحابه والثوري والحسن بن حي وأبو ثور وأبو عبيد إلى أن المطلقة ثلاثا ~~عليها الاحداد، وهو قول سعيد ابن المسيب وسليمان بن يسار وابن سيرين والحكم ~~بن عيينة. قال الحكم: هو عليها أوكد وأشد منه على المتوفى عنها زوجها، ومن ~~جهة المعنى أنهما جميعا في عدة يحفظ بها النسب. # وقال الشافعي وأحمد وإسحاق: الاحتياط أن تتقى المطلقة الزينة. قال ابن ~~المنذر: وفى قول النبي صلى الله عليه وسلم: " لا يحل لامرأة تؤمن بالله ~~واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا " دليل ~~على أن المطلقة ثلاثا والمطلق حي لا إحداد عليها. # الثامنة عشرة - أجمع العلماء على أن من طلق زوجته طلاقا يملك رجعتها ثم ~~توفى قبل ms1026 انقضاء العدة أن عليها عدة الوفاة وترثه. واختلفوا في عدة المطلقة ~~ثلاثا في المرض، فقالت طائفة تعتد عدة الطلاق، هذا قول مالك والشافعي ~~ويعقوب وأبى عبيد وأبى ثور. # قال ابن المنذر: وبه نقول، لان الله تعالى جعل عدة المطلقات الأقراء، وقد ~~أجمعوا على المطلقة ثلاثا لو ماتت لم يرثها المطلق، وذلك لأنها غير زوجة، ~~وإذا كانت غير زوجة فهو غير زوج لها. وقال الثوري: تعتد بأقصى العدتين. ~~وقال النعمان ومحمد: عليها أربعة أشهر وعشر تستكمل في ذلك ثلاث حيض. # التاسعة عشرة - واختلفوا في المرأة يبلغها وفاة زوجها أو طلاقه، فقالت ~~طائفة: # العدة في الطلاق والوفاة من يوم يموت أو يطلق، هذا قول ابن عمر وابن ~~مسعود وابن عباس، وبه قال مسروق وعطاء وجماعة من التابعين، وإليه ذهب مالك ~~والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد والثوري وأبو ثور وأصحاب الرأي وابن ~~المنذر. وفيه قول ثان وهو أن عدتها من يوم يبلغها الخبر، روى هذا القول عن ~~علي، وبه قال الحسن البصري وقتادة وعطاء الخراساني وجلاس بن العزيز: إن ~~قامت بينة فعدتها من يوم عمرو. وقال سعيد بن المسيب وعمر بن عبد مات أو ~~طلق، وإن لم تقم بينة فمن يوم يأتيها الخبر، والصحيح الأول PageV03P182 # لأنه تعالى علق العدة بالوفاة أو الطلاق، ولأنها لو علمت بموته فتركت ~~الاحداد أنقصت (1) العدة، فإذا تركته مع عدم العلم فهو أهون، ألا ترى أن ~~الصغيرة تنقضي عدتها ولا إحداد عليها. وأيضا فقد أجمع العلماء على أنها لو ~~كانت. حاملا لا تعلم طلاق الزوج أو وفاته ثم وضعت حملها أن عدتها منقضية. ~~ولا فرق بين هذه المسألة وبين المسألة المختلف فيها. # ووجه من قال بالعدة من يوم يبلغها الخبر، أن العدة عبادة بترك الزينة ~~وذلك لا يصح إلا بقصد ونية، والقصد لا يكون إلا بعد العلم. والله أعلم. # الموفية عشرين - عدة الوفاة تلزم الحرة والأمة والصغيرة والكبيرة والتي ~~لم تبلغ المحيض، والتي حاضت واليائسة من المحيض والكتابية دخل بها أو لم ~~يدخل بها إذا كانت غير حامل - [وعدة ms1027 (2) جميعهن إلا الأمة] أربعة أشهر ~~وعشرة أيام، لعموم الآية في قوله تعالى: " يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا ~~". وعدة الأمة المتوفى عنها زوجها شهران وخمس ليال. # قال ابن العربي: نصف عدة الحرة إجماعا، إلا ما يحكى عن الأصم فإنه سوى ~~فيها بين الحرة والأمة وقد سبقه الاجماع، لكن لصممه لم يسمع. قال الباجي: ~~ولا نعلم في ذلك خلافا إلا ما يروى عن ابن سيرين، وليس بالثابت عنه أنه ~~قال: عدتها عدة الحرة. # قلت: قول الأصم صحيح من حيث النظر، فإن الآيات الواردة في عدة الوفاة ~~والطلاق بالأشهر والأقراء عامة في حق الأمة والحرة، فعدة الحرة والأمة سواء ~~على هذا النظر، فإن العمومات لا فصل فيها بين الحرة والأمة، وكما استوت ~~الأمة والحرة في النكاح فكذلك تستوى معها في العدة. والله أعلم. قال ابن ~~العربي: وروى عن مالك أن الكتابية تعتد بثلاث حيض إذ بها يبرأ الرحم، وهذا ~~منه فاسد جدا، لأنه أخرجها من عموم آية الوفاة وهي منها، وأدخلها في عموم ~~آية الطلاق وليست منها (3). # قلت: وعليه بناء ما في المدونة لا عدة عليها إن كانت غير مدخول بها، لأنه ~~قد علم براءة رحمها، هذا يقتضى أن تتزوج مسلما أو غيره إثر وفاته، لأنه إذا ~~لم يكن عليها عدة للوفاة ولا استبراء للدخول فقد حلت للأزواج. # PageV03P183 # الحادية والعشرون - واختلفوا في عدة أم الولد إذا توفى عنها سيدها، فقالت ~~طائفة: # عدتها أربعة أشهر وعشر، قاله جماعة من التابعين منهم سعيد والزهري والحسن ~~البصري وغيرهم، وبه قال الأوزاعي وإسحاق. وروى أبو داود والدارقطني عن ~~قبيصة بن ذؤيب عن عمرو بن العاص قال: لا تلبسوا علينا سنة نبينا صلى الله ~~عليه وسلم، عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشر، يعنى في أم الولد، لفظ ~~أبى داود. وقال الدارقطني: موقوف. وهو الصواب، وهو مرسل لان قبيصة لم يسمع ~~من عمرو. قال ابن المنذر: وضعف أحمد وأبو عبيد هذا الحديث. وروى عن علي ~~وابن مسعود أن عدتها ثلاث حيض، وهو قول عطاء وإبراهيم النخعي وسفيان الثوري ms1028 ~~وأصحاب الرأي، قالوا: لأنها عدة تجب في حال الحرية، فوجب أن تكون عدة ~~كاملة، أصله عدة الحرة. وقال مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور: عدتها حيضة، ~~وهو قول ابن عمر. وروى عن طاوس أن عدتها نصف عدة الحرة المتوفى عنها، وبه ~~قال قتادة. قال ابن المنذر: وبقول ابن عمر أقول، لأنه الأقل مما قيل فيه ~~وليس فيه سنة تتبع ولا إجماع يعتمد عليه. وذكر اختلافهم في عدتها في العتق ~~كهو في الوفاة سواء، إلا أن الأوزاعي جعل عدتها في العتق ثلاث حيض. # قلت: أصح هذه الأقوال قول مالك، لان الله سبحانه قال: " والمطلقات يتربصن ~~بأنفسهن ثلاثة قروء " فشرط في تربص الأقراء أن يكون عن طلاق، فانتفى بذلك ~~أن يكون عن غيره. وقال: " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن ~~أربعة أشهر وعشرا " فعلق وجوب ذلك بكون المتربصة زوجة، فدل على أن الأمة ~~بخلافها. وأيضا فإن هذه أمة موطوءة بملك اليمين فكان استبراؤها بحيضة، أصل ~~ذلك الأمة. # الثانية والعشرون - إذا ثبت هذا فهل عدة أم الولد استبراء محض أو عدة، ~~فالذي ذكره أبو محمد في معونته أن الحيضة استبراء وليست بعدة. وفى المدونة ~~أن أم الولد عليها العدة، وأن عدتها حيضة كعدة الحرة ثلاث حيض. وفائدة ~~الخلاف أنا إذا قلنا هي عدة فقد PageV03P184 # قال مالك: لا أحب أن تواعد أحدا ينكحها حتى تحيض حيضة. قال ابن القاسم: ~~وبلغني عنه أنه قال: لا تبيت إلا في بيتها، فأثبت لمدة استبرائها حكم ~~العدة. # الثالثة والعشرون - أجمع أهل العلم على أن نفقة المطلقة ثلاثا أو مطلقة ~~للزوج عليها رجعة وهي حامل واجبة، لقوله تعالى: " وإن كن أولات حمل فأنفقوا ~~عليهن حتى يضعن حملهن (1) ". # واختلفوا في وجوب نفقة الحامل المتوفى عنها زوجها، فقالت طائفة: لا نفقة ~~لها، كذلك قال جابر بن عبد الله وابن عباس وسعيد بن المسيب وعطاء والحسن ~~وعكرمة وعبد الملك بن يعلى ويحيى الأنصاري وربيعة ومالك وأحمد وإسحاق، وحكى ~~أبو عبيد ذلك عن أصحاب الرأي. وفيه قول ثان وهو أن لها النفقة من ms1029 جميع ~~المال، وروى هذا القول عن علي وعبد الله وبه قال ابن عمر وشريح وابن سيرين ~~والشعبي وأبو العالية والنخعي وجلاس بن عمرو وحماد بن أبي سليمان وأيوب ~~السختياني وسفيان الثوري وأبو عبيد. قال ابن المنذر: وبالقول الأول أقول، ~~لأنهم أجمعوا على أن نفقة كل من كان يجبر على نفقته وهو حي مثل أولاده ~~الأطفال وزوجته (2) ووالديه تسقط عنه، فكذلك تسقط عنه نفقة الحامل من ~~أزواجه. وقال القاضي أبو محمد: لان نفقة الحمل ليست بدين ثابت فتتعلق بماله ~~بعد موته، بدليل أنها تسقط عنه بالاعسار فبأن تسقط بالموت أولى وأحرى. # الرابعة والعشرون - قوله تعالى: (أربعة أشهر وعشرا) اختلف العلماء في ~~الأربعة الأشهر والعشر التي جعلها الله ميقاتا لعدة المتوفى عنها زوجها، هل ~~تحتاج فيها إلى حيضة أم لا، فقال بعضهم: لا تبرأ إذا كانت ممن توطأ إلا ~~بحيضة تأتى بها في الأربعة الأشهر والعشر وإلا فهي مسترابة. وقال آخرون: ~~ليس عليها أكثر من أربعة أشهر وعشر، إلا أن تستريب نفسها ريبة بينة، لان ~~هذه المدة لا بد فيها من الحيض في الأغلب من أمر النساء إلا أن تكون المرأة ~~ممن لا تحيض أو ممن عرفت من نفسها أو عرف منها أن حيضتها لا تأتيها إلا في ~~أكثر من هذه المدة. # PageV03P185 # الخامسة والعشرون - قوله تعالى: (وعشرا) روى وكيع عن أبي جعفر الرازي عن ~~الربيع بن أنس عن أبي العالية أنه سئل: لم ضمت العشر إلى الأربعة الأشهر؟ ~~قال: لان الروح تنفخ فيها، وسيأتي في الحج بيان هذا إن شاء الله تعالى (1). ~~وقال الأصمعي: ويقال إن ولد كل حامل يرتكض في نصف حملها فهي مركض. وقال ~~غيره: أركضت فهي مركضة وأنشد: # ومركضة صريحي أبوها * تهان لها الغلامة والغلام (2) وقال الخطابي: قوله ~~(وعشرا) يريد والله أعلم - الأيام بلياليها. وقال المبرد: إنما أنث العشر ~~لان المراد به المدة. المعنى وعشر مدد، كل مدة من يوم وليلة، فالليلة مع ~~يومها مدة معلومة من الدهر. وقيل: لم يقل عشرة تغليبا لحكم الليالي إذ ~~الليلة أسبق من ms1030 اليوم والأيام في ضمنها. " وعشرا " أخف في اللفظ، فتغلب ~~الليالي على الأيام إذا اجتمعت في التاريخ، لان ابتداء الشهور بالليل عند ~~الاستهلال، فلما كان أول الشهر الليلة غلب الليلة، تقول: صمنا خمسا من ~~الشهر، فتغلب الليالي وإن كان الصوم بالنهار. وذهب مالك والشافعي والكوفيون ~~إلى أن المراد بها الأيام والليالي. قال ابن المنذر: فلو عقد عاقد عليها ~~النكاح على هذا القول وقد مضت أربعة أشهر وعشر ليالي كان باطلا حتى يمضى ~~اليوم العاشر. وذهب بعض الفقهاء إلى أنه إذا انقضى لها أربعة أشهر وعشر ~~ليالي حلت للأزواج، وذلك لأنه رأى العدة مبهمة فغلب التأنيث وتأولها على ~~الليالي. وإلى هذا ذهب الأوزاعي من الفقهاء وأبو بكر الأصم من المتكلمين. ~~وروى عن ابن عباس أنه قرأ " أربعة أشهر وعشر ليال ". # قوله تعالى: (فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن ~~بالمعروف والله بما تعملون خبير) فيه ثلاث مسائل: # الأولى - أضاف تعالى الاجل إليهن إذ هو محدود مضروب في أمرهن، وهو عبارة ~~عن انقضاء العدة. # PageV03P186 # الثانية - قوله تعالى: (فلا جناح عليكم) خطاب لجميع الناس، والتلبس بهذا ~~الحكم هو للحكام والأولياء. (فيما فعلن) يريد به التزوج فما دونه من التزين ~~واطراح الاحداد. (بالمعروف) أي بما أذن فيه الشرع من اختيار أعيان الأزواج ~~وتقدير الصداق دون مباشرة العقد، لأنه حق للأولياء كما تقدم. # الثالثة - وفى هذه الآية دليل على أن للأولياء منعهن من التبرج والتشوف ~~للزوج في زمان العدة. وفيها رد على إسحاق في قوله: إن المطلقة إذا طعنت في ~~الحيضة الثالثة بانت وانقطعت رجعة الزوج الأول، إلا أنه لا يحل لها أن ~~تتزوج حتى تغتسل. وعن شريك أن لزوجها الرجعة ما لم تغتسل ولو بعد عشرين ~~سنة، قال الله تعالى: " فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في ~~أنفسهن " وبلوغ الاجل هنا انقضاء العدة بدخولها في الدم من الحيضة الثالثة ~~ولم يذكر غسلا، فإذا انقضت عدتها حلت للأزواج ولا جناح عليها فيما فعلت من ~~ذلك. والحديث (1) عن ابن عباس لو صح ms1031 يحتمل أن يكون منه على الاستحباب، ~~والله أعلم. # قوله تعالى: ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في ~~أنفسكم علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن تقولوا قولا ~~معروفا ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتب أجله واعلموا أن الله يعلم ~~ما في أنفسكم فاحذروه واعلموا أن الله غفور حليم (235) قوله تعالى: (ولا ~~جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء) إلى قوله (معروفا) فيه تسع ~~مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (ولا جناح) أي لا إثم، والجناح الاثم، وهو أصح في ~~الشرع. # وقيل: بل هو الامر الشاق، وهو أصح في اللغة، قال الشماخ: # إذا تعلو براكبها خليجا * * تذكر ما لديه من الجناح # PageV03P187 # وقوله (عليكم فيما عرضتم) المخاطبة لجميع الناس، والمراد بحكمها هو الرجل ~~الذي في نفسه تزوج معتدة لا وزر عليكم في التعريض بالخطبة في عدة الوفاة. ~~والتعريض: ضد التصريح، وهو إفهام المعنى بالشئ المحتمل له ولغيره وهو من ~~عرض الشئ وهو جانبه، كأنه يحوم به على الشئ ولا يظهره. وقيل، هو من قولك ~~عرضت الرجل، أي أهديت إليه تحفة، وفى الحديث: أن ركبا من المسلمين عرضوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر ثيابا بيضا، أي أهدوا لهما. فالمعرض ~~بالكلام يوصل إلى صاحبه كلاما يفهم معناه. # الثانية - قال ابن عطية: أجمعت الأمة على أن الكلام مع المعتدة بما هو نص ~~في تزوجها وتنبيه عليه لا يجوز، وكذلك أجمعت الأمة على أن الكلام معها بما ~~هو رفث وذكر جماع أو تحريض عليه لا يجوز، وكذلك ما أشبهه، وجوز ما عدا ذلك. ~~ومى أعظمه قربا إلى التصريح قول النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس: ~~" كوني عند أم شريك ولا تسبقيني بنفسك ". ولا يجوز التعريض لخطبة الرجعية ~~إجماعا لأنها كالزوجة. # وأما من كانت في عدة البينونة فالصحيح جواز التعريض لخطبتها والله أعلم. ~~وروى في تفسير التعريض ألفاظ كثيرة جماعها يرجع إلى قسمين: الأول - أن ~~يذكرها لوليها يقول له لا تسبقني بها. والثاني - أن ms1032 يشير بذلك إليها دون ~~واسطة، فيقول لها: إني أريد التزويج، أو إنك لجميلة، إنك لصالحة، إن الله ~~لسائق إليك خيرا، إني فيك لراغب، ومن يرغب عنك! # إنك لنافقة (1)، وإن حاجتي في النساء، وإن يقدر الله أمرا يكن. هذا هو ~~تمثيل مالك وابن شهاب. وقال ابن عباس: لا بأس أن يقول: لا تسبقيني بنفسك، ~~ولا بأس أن يهدى إليها، وأن يقوم بشغلها في العدة إذا كانت من شأنه، قاله ~~إبراهيم. وجائز أن يمدح نفسه ويذكر مآثره على وجه التعريض بالزواج، وقد ~~فعله أبو جعفر محمد بن علي بن حسين، قالت سكينة بنت حنظلة استأذن على محمد ~~بن علي ولم تنقض عدتي من مهلك زوجي فقال: قد عرفت قرابتي من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وقرابتي من على وموضعي في العرب. قلت # PageV03P188 # غفر الله لك يا أبا جعفر! إنك رجل يؤخذ عنك تخطبني في عدتي! قال: إنما ~~أخبرتك بقرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن على. وقد دخل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على أم سلمة وهي متأيمة من أبى سلمة فقال: " لقد ~~علمت أنى رسول الله وخيرته وموضعي في قومي " كانت تلك خطبة، أخرجه ~~الدارقطني. والهدية إلى المعتدة جائزة، وهي من التعريض، قاله سحنون وكثير ~~من العلماء وقاله إبراهيم. وكرة مجاهد أن يقول لها: لا تسبقيني بنفسك ورآه ~~من المواعدة سرا. قال القاضي أبو محمد بن عطية: وهذا عندي على أن يتأول قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة أنه على جهة الرأي لها فيمن يتزوجها لا ~~أنه أرادها لنفسه وإلا فهو خلاف لقول النبي صلى الله عليه وسلم. # الثالثة - قوله تعالى: (من خطبة النساء) الخطبة (بكسر الخاء): فعل الخاطب ~~من كلام وقصد واستلطاف بفعل أو قول. يقال: خطبها يخطبها خطبا وخطبة. ورجل ~~خطاب كثير التصرف في الخطبة، ومنه قول الشاعر: # برح بالعينين خطاب الكثب * يقول إني خاطب وقد كذب * وإنما يخطب عسا من ~~حلب (1) * والخطيب: الخاطب. والخطيبي: الخطبة، قال عدى بن زيد يذكر قصد ~~جذيمة الأبرش ms1033 لخطبة الزباء: # لخطيبي التي غدرت وخانت * وهن ذوات غائلة لحينا والخطب، الرجل الذي يخطب ~~المرأة، ويقال أيضا: هي خطبه وخطبته التي يخطبها. # والخطبة فعلة كجلسة وقعدة: والخطبة (بضم الخاء) هي الكلام الذي يقال في ~~النكاح وغيره. # قال النحاس: والخطبة ما كان لها أول وآخر، وكذا ما كان على فعلة نحو ~~الاكلة والضغطة. # الرابعة - قوله تعالى: (أو أكننتم في أنفسكم) معناه سترتم وأضمرتم من ~~التزوج بها بعد انقضاء عدتها. والأكنان: الستر (2) والاخفاء، يقال: كننته ~~وأكننته بمعنى واحد. وقيل: # PageV03P189 # كننته أي صنته حتى لا تصيبه آفة وإن لم يكن مستورا، ومنه بيض مكنون ودر ~~مكنون. # وأكننته أسررته وسترته. وقيل: كنت الشئ (من الأجرام) إذا سترته بثوب أو ~~بيت أو أرض ونحوه. وأكننت الامر في نفسي. ولم يسمع من العرب " كننته في ~~نفسي ". # ويقال: أكن البيت الانسان، ونحو هذا. فرفع الله الجناح عمن أراد تزوج ~~المعتدة مع التعريض ومع الأكنان، ونهى عن المواعدة التي هي تصريح بالتزويج ~~وبناء عليه واتفاق على وعد. ورخص لعلمه تعالى بغلبة النفوس وطمحها (1) وضعف ~~البشر عن ملكها. # الخامسة - استدلت الشافعية بهذه الآية على أن التعريض لا يجب فيه حد، ~~وقالوا: # لما رفع الله تعالى الحرج في التعريض في النكاح دل على أن التعريض بالقذف ~~لا يوجب الحد، لان الله سبحانه لم يجعل التعريض في النكاح مقام التصريح. # قلنا: هذا ساقط لان الله سبحانه وتعالى لم يأذن في التصريح بالنكاح في ~~الخطبة، وأذن في التعريض الذي يفهم منه النكاح، فهذا دليل على أن التعريض ~~يفهم منه القذف، والاعراض يجب صيانتها، وذلك يوجب حد المعرض، لئلا يتطرق ~~(2) الفسقة إلى أخذ الاعراض بالتعريض الذي يفهم منه ما يفهم بالتصريح. # السادسة - قوله تعالى: (علم الله إنكم ستذكرونهن) أي إما سرا وإما إعلانا ~~في نفوسكم وبألسنتكم، فرخص في التعريض دون التصريح. الحسن: معناه ~~ستخطبونهن. # السابعة - قوله تعالى: (ولكن لا تواعدوهن سرا) أي على سر فحذف الحرف، ~~لأنه مما يتعدى إلى مفعولين أحدهما بحرف جر. # واختلف العلماء في معنى قوله تعالى: " سرا " فقيل، معناه ms1034 نكاحا، أي لا ~~يقل الرجل لهذه المعتدة تزوجيني، بل يعرض إن أراد، ولا يأخذ ميثاقها وعهدها ~~ألا تنكح غيره في استسرار وخفية، هذا قول ابن عباس وابن جبير ومالك وأصحابه ~~والشعبي ومجاهد وعكرمة والسدي وجمهور أهل العلم. " وسرا " على هذا التأويل ~~نصب على الحال، أي مستسرين. وقيل: # السر الزنا، أي لا يكونن منكم مواعدة على الزنا في العدة ثم التزوج ~~بعدها. قال معناه جابر # PageV03P190 # ابن زيد وأبو مجلز لاحق بن حميد، والحسن وقتادة والنخعي والضحاك، وأن ~~السر في هذه الآية الزنا، أي لا تواعدوهن زنا، واختاره الطبري، ومنه قول ~~الأعشى: # فلا تقربن جارة إن سرها * عليك حرام فأنكحن أو تأبدا وقال الحطيئة: # ويحرم سر جارتهم عليهم * ويأكل جارهم أنف القصاع وقيل: السر الجماع، أي ~~لا تصفوا أنفسكم لهن بكثرة الجماع ترغيبا لهن في النكاح فإن ذكر الجماع مع ~~غير الزوج فحش، هذا قول الشافعي. وقال امرؤ القيس: # ألا زعمت بسباسة اليوم أنني * كبرت وألا يحسن السر أمثالي وقال رؤبة: # * فكف عن إسرارها بعد العسق * أي كف عن جماعها بعد ملازمته لذلك. وقد ~~يكون السر عقدة النكاح، سرا كان أو جهرا، قال الأعشى: # فلن يطلبوا سرها للغنى * ولن يسلموها لازهادها وأراد أن يطلبوا نكاحها ~~لكثرة مالها، ولن يسلموها لقلة مالها. وقال ابن زيد: معنى قوله " ولكن لا ~~تواعدوهن سرا " أن لا تنكحوهن وتكتمون ذلك، فإذا حلت أظهرتموه ودخلتم بهن، ~~وهذا هو معنى القول الأول، فابن زيد على هذا قائل بالقول الأول، وإنما شذ ~~في أن سمى العقد مواعدة، وذلك قلق. وحكى مكي والثعلبي عنه أنه قال: الآية ~~منسوخة بقوله تعالى: " ولا تعزموا عقدة النكاح ". # الثامنة - قال القاضي أبو محمد بن عطية: أجمعت الأمة على كراهة المواعدة ~~في العدة للمرأة في نفسها، وللأب في ابنته البكر، وللسيد في أمته. قال ابن ~~المواز: وأما الولي الذي لا يملك الجبر فأكرهه وإن نزل لم أفسخه. وقال مالك ~~رحمه الله فيمن يواعد في العدة ثم يتزوج بعدها: فراقها أحب إلى، دخل بها أو ~~لم يدخل، ms1035 وتكون تطليقة واحدة، فإذا PageV03P191 # حلت خطبها مع الخطاب، هذه رواية ابن وهب. وروى أشهب عن مالك أنه يفرق ~~بينهما إيجابا، وقاله ابن القاسم. وحكى ابن الحارث مثله عن ابن الماجشون، ~~وزاد ما يقتضى أن التحريم يتأبد. وقال الشافعي: إن صرح بالخطبة وصرحت له ~~بالإجابة ولم يعقد النكاح حتى تنقضي العدة فالنكاح ثابت والتصريح لها ~~مكروه، لان النكاح حادث بعد الخطبة، قاله ابن المنذر. # التاسعة - قوله تعالى: (إلا أن تقولوا قولا معروفا) استثناء منقطع بمعنى ~~لكن، كقوله " إلا خطأ (1) " أي لكن خطأ. والقول المعروف هو ما أبيح من ~~التعريض. وقد ذكر الضحاك أن من القول المعروف أن يقول للمعتدة: احبسي على ~~نفسك فإن لي بك رغبة، فتقول هي: وأنا مثل ذلك، وهذا شبه المواعدة. # قوله تعالى: (ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله) فيه تسع ~~مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (ولا تعزموا) قد تقدم القول في معنى العزم، يقال: ~~عزم الشئ وعزم عليه. والمعنى هنا: ولا تعزموا على عقدة النكاح. ومن الامر ~~البين أن القرآن أفصح كلام، فما ورد فيه فلا معترض عليه، ولا يشك في صحته ~~وفصاحته، وقد قال الله تعالى: # " وإن عزموا الطلاق " وقال هنا: " ولا تعزموا عقدة النكاح " والمعنى: لا ~~تعزموا على عقدة النكاح في زمان العدة ثم حذف على ما تقدم. وحكى سيبويه: ~~ضرب فلان الظهر والبطن، أي على. قال سيبويه: والحذف في هذه الأشياء لا يقاس ~~عليه. قال النحاس: # ويجوز أن يكون " ولا تعقدوا عقدة النكاح "، لان معنى " تعزموا " وتعقدوا ~~واحد. ويقال: # " تعزموا " بضم الزاي. # الثانية - قوله تعالى: (حتى يبلغ الكتاب أجله) يريد تمام العدة. والكتاب ~~هنا هو الحد الذي جعل والقدر الذي رسم من المدة، سماها كتابا إذ قد حده ~~وفرضه كتاب الله كما قال: " كتاب الله عليكم (1) " وكما قال: " إن الصلاة ~~كانت على المؤمنين كتابا موقوتا (1) ". # فالكتاب: الفرض، أي حتى يبلغ الفرض أجله، " كتب عليكم الصيام " أي فرض. ~~وقيل: # PageV03P192 # في الكلام حذف، أي حتى يبلغ فرض الكتاب أجله، فالكتاب على هذا التأويل ~~بمعنى القرآن. ms1036 وعلى الأول لا حذف فهو أولى، والله أعلم. # الثالثة - حرم الله تعالى عقد النكاح في العدة بقوله تعالى: " ولا تعزموا ~~عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله " وهذا من المحكم المجمع على تأويله، أن ~~بلوغ أجله انقضاء العدة. وأباح التعريض في العدة بقوله: " ولا جناح عليكم ~~فيما عرضتم به من خطبة النساء " الآية. # ولم يختلف العلماء في إباحة ذلك، واختلفوا في ألفاظ التعريض على ما تقدم. ~~واختلفوا في الرجل يخطب امرأة في عدتها جاهلا، أو يواعدها ويعقد بعد العدة، ~~وقد تقدم هذا في الآية التي قبلها. واختلفوا إن عزم العقدة في العدة وعثر ~~عليه ففسخ الحاكم نكاحه، وذلك قبل الدخول وهي: # الرابعة - فقول عمر بن الخطاب وجماعة من العلماء أن ذلك لا يؤبد تحريما، ~~وأنه يكون خاطبا من الخطاب، وقاله مالك وابن القاسم في المدونة في آخر ~~الباب الذي يليه " ضرب أجل المفقود ". وحكى ابن الجلاب عن مالك رواية أن ~~التحريم يتأبد في العقد وإن فسخ قبل الدخول، ووجهه أنه نكاح في العدة فوجب ~~أن يتأبد به التحريم، أصله إذا بنى بها. وأما إن عقد في العدة ودخل بعد ~~انقضائها وهي: # الخامسة - فقال قوم من أهل العلم: ذلك كالدخول في العدة، يتأبد التحريم ~~بينهما. وقال قوم من أهل العلم: لا يتأبد بذلك تحريم. وقال مالك: يتأبد ~~التحريم. # وقال مرة: وما التحريم بذلك بالبين، والقولان له في المدونة في طلاق ~~السنة. وأما إن دخل في العدة وهي: # السادسة - فقال مالك والليث والأوزاعي: يفرق بينهما ولا تحل له أبدا. # قال مالك والليث: ولا بملك اليمين، مع أنهم جوزوا التزويج بالمزني بها. ~~واحتجوا بأن عمر بن الخطاب قال: لا يجتمعان أبدا. قال سعيد: ولها مهرها بما ~~استحل من فرجها، أخرجه مالك في موطئه وسيأتي. وقال الثوري والكوفيون ~~والشافعي: يفرق بينهما ولا يتأبد PageV03P193 # التحريم بل يفسخ بينهما ثم تعتد منه، ثم يكون خاطبا من الخطاب. واحتجوا ~~بإجماع العلماء على أنه لو زنى بها لم يحرم عليه تزويجها، فكذلك وطؤه إياها ~~في العدة. قالوا: وهو قول ms1037 على. ذكره عبد الرزاق. وذكر عن ابن مسعود مثله، ~~وعن الحسن أيضا. وذكر عبد الرزاق عن الثوري عن أشعث عن الشعبي عن مسروق أن ~~عمر رجع عن ذلك وجعلهما يجتمعان. وذكر القاضي أبو الوليد الباجي في المنتقى ~~فقال: لا يخلو الناكح في العدة إذا بنى بها أن يبنى بها في العدة أو بعدها، ~~فإن كان بنى بها في العدة فإن المشهور من المذهب أن التحريم يتأبد، وبه قال ~~أحمد بن حنبل. وروى الشيخ أبو القاسم في تفريعه أن في التي يتزوجها الرجل ~~في عدة من طلاق أو وفاة عالما بالتحريم روايتين، إحداهما - أن تحريمه يتأبد ~~على ما قدمناه. والثانية - أنه زان وعليه الحد، ولا يلحق به الولد، وله أن ~~يتزوجها إذا انقضت عدتها، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة. ووجه الرواية الأولى ~~- وهي المشهور - ما ثبت من قضاء عمر بذلك، وقيامه بذلك في الناس، وكانت ~~قضاياه تسير وتنتشر وتنقل في الأمصار، ولم يعلم له مخالف، فثبت أنه إجماع. ~~قال القاضي أبو محمد: وقد روى مثل ذلك عن علي بن أبي طالب، ولا مخالف لهما ~~مع شهرة ذلك وانتشاره، وهذا حكم الاجماع. ووجه الرواية الثانية أن هذا وطئ ~~ممنوع فلم يتأبد تحريمه، كما لو زوجت نفسها أو تزوجت متعة أو زنت. # وقد قال القاضي أبو الحسن: إن مذهب مالك المشهور في ذلك ضعيف من جهة ~~النظر. # والله أعلم. وأسند أبو عمر: حدثنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن ~~أصبغ عن محمد بن إسماعيل عن نعيم بن حماد عن ابن المبارك عن أشعث عن الشعبي ~~عن مسروق قال: # بلغ عمر بن الخطاب أن امرأة من قريش تزوجها رجل من ثقيف في عدتها فأرسل ~~إليهما ففرق بينهما وعاقبهما وقال: لا تنكحها أبدا وجعل صداقها في بيت ~~المال، وفشا ذلك في الناس فبلغ عليا فقال: يرحم الله أمير المؤمنين، ما بال ~~الصداق وبيت المال! إنما جهلا فينبغي للامام أن يردهما إلى السنة. قيل: فما ~~تقول أنت فيهما؟ فقال: لها الصداق بما استحل من فرجها، ms1038 ويفرق بينهما ولا ~~جلد عليهما، وتكمل عدتها من الأول، ثم تعتد من PageV03P194 # الثاني عدة كاملة ثلاثة أقراء ثم يخطبها إن شاء. فبلغ عمر فخطب الناس ~~فقال: # أيها الناس، ردوا الجهالات إلى السنة. قال الكيا الطبري: ولا خلاف بين ~~الفقهاء أن من عقد على امرأة نكاحها وهي في عدة من غيره أن النكاح فاسد. ~~وفى اتفاق عمر وعلى على نفى الحد عنهما ما يدل على أن النكاح الفاسد لا ~~يوجب الحد، إلا أنه مع الجهل بالتحريم متفق عليه، ومع العلم به مختلف فيه. ~~واختلفوا هل تعتد منهما جميعا، وهذه مسألة العدتين وهي: # السابعة - فروى المدنيون عن مالك أنها تتم بقية عدتها من الأول، وتستأنف ~~عدة أخرى من الآخر، وهو قول الليث والحسن بن حي والشافعي وأحمد وإسحاق. ~~وروى عن علي كما ذكرنا، وعن عمر على ما يأتي. وروى محمد بن القاسم وابن وهب ~~عن مالك: أن عدتها من الثاني تكفيها من يوم فرق بينه وبينها، سواء كانت ~~بالحمل أو بالاقراء أو بالشهور، وهو قول الثوري والأوزاعي وأبي حنيفة. ~~وحجتهم الاجماع على أن الأول لا ينكحها في بقية العدة منه، فدل على أنها في ~~عدة من الثاني، ولولا ذلك لنكحها في عدتها منه. أجاب الأولون فقالوا: هذا ~~غير لازم لان منع الأول من أن ينكحها في بقية عدتها إنما وجب لما يتلوها من ~~عدة الثاني، وهما حقان قد وجبا عليها لزوجين كسائر حقوق الآدميين، لا يدخل ~~أحدهما في صاحبه. وخرج مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب وعن سليمان بن ~~يسار أن طليحة الأسدية كانت تحت رشيد الثقفي فطلقها فنكحت في عدتها فضربها ~~عمر بن الخطاب وضرب زوجها بالمخفقة (1) ضربات وفرق بينهما، ثم قال عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه: أيما امرأة نكحت في عدتها فإن كان زوجها الذي تزوج ~~بها لم يدخل بها فرق بينهما، ثم اعتدت بقية عدتها من الزوج الأول، ثم كان ~~الآخر خاطبا من الخطاب، وإن كان دخل بها فرق بينهما ثم أعتدت بقية عدتها من ~~الأول، ms1039 ثم اعتدت من الآخر ثم لا يجتمعان أبدا. قال [مالك (2)]: وقال سعيد ~~ابن المسيب: ولها مهرها بما استحل من فرجها. قال أبو عمر: وأما طليحة هذه ~~فهي طليحة # PageV03P195 # بنت عبيد الله أخت طلحة بن عبيد الله التيمي، وفى بعض نسخ الموطأ من ~~رواية يحيى: طليحة الأسدية وذلك خطأ وجهل، ولا أعلم أحدا قاله. # الثامنة - قوله " فضربها عمر بالمخفقة وضرب زوجها ضربات " يريد على وجه ~~العقوبة لما ارتكباه من المحظور وهو النكاح في العدة. وقال الزهري: فلا ~~أدرى كم بلغ ذلك الجلد. قال: وجلد عبد الملك في ذلك كل واحد منهما أربعين ~~جلدة. قال: فسئل عن ذلك قبيصة بن ذؤيب فقال: لو كنتم خففتم فجلدتم عشرين! ~~وقال ابن حبيب في التي تتزوج في العدة فيمسها الرجل أو يقبل أو يباشر أو ~~يغمز أو ينظر على وجه اللذة أن على الزوجين العقوبة وعلى الولي وعلى الشهود ~~ومن علم منهم أنها في عدة، ومن جهل منهم ذلك فلا عقوبة عليه. وقال ابن ~~المواز: يجلد الزوجان الحد إن كانا تعمدا ذلك، فيحمل قول ابن حبيب على من ~~علم بالعدة، ولعله جهل التحريم ولم يتعمد ارتكاب المحظور فذلك الذي يعاقب، ~~وعلى ذلك كان ضرب عمر المرأة وزوجها بالمخفقه ضربات. وتكون العقوبة والأدب ~~في ذلك بحسب حال المعاقب. ويحمل قول ابن المواز على أنهما علما التحريم ~~واقتحما ارتكاب المحظور جرأة وإقداما. وقد قال الشيخ أبو القاسم: إنهما ~~روايتان في التعمد، إحداهما يحد، والثانية يعاقب ولا يحد. # التاسعة - قوله تعالى: (واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه) هذا ~~نهاية التحذير من الوقوع فيما نهى عنه. # قوله تعالى: لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن ~~فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متعا بالمعروف حقا على ~~المحسنين (236) فيه إحدى عشرة مسألة: # الأولى - قوله تعالى: (لا جناح عليكم إن طلقتم النساء) هذا أيضا من أحكام ~~المطلقات، وهو ابتداء إخبار برفع الحرج عن المطلق قبل البناء والجماع، فرض ~~مهرا أو لم PageV03P196 # يفرض، ولما ms1040 نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التزوج لمعنى الذوق ~~وقضاء الشهوة، وأمر بالتزوج لطلب العصمة والتماس ثواب الله وقصد دوام ~~الصحبة، وقع في نفوس المؤمنين أن من طلق قبل البناء قد واقع جزءا من هذا ~~المكروه، فنزلت الآية رافعة للجناح في ذلك إذا كان أصل النكاح على المقصد ~~الحسن. وقال قوم: " لا جناح عليكم " معناه لا طلب لجميع المهر بل عليكم نصف ~~المفروض لمن فرض لها، والمتعة لمن لم يفرض لها. وقيل: لما كان أمر المهر ~~مؤكدا في الشرع فقد يتوهم أنه لا بد من مهر إما مسمى وإما مهر المثل، فرفع ~~الحرج عن المطلق في وقت التطليق وإن لم يكن في النكاح مهر. وقال قوم: " لا ~~جناح عليكم " معناه في أن ترسلوا الطلاق في وقت الحيض، بخلاف المدخول بها، ~~إذ غير المدخول بها لا عدة عليها. # الثانية - المطلقات أربع: مطلقة مدخول بها مفروض لها وقد ذكر الله حكمها ~~قبل هذه الآية، وأنه لا يسترد منها شئ من المهر، وأن عدتها ثلاثة قروء. ~~ومطلقة غير مفروض لها ولا مدخول بها فهذه الآية في شأنها ولا مهر لها، بل ~~أمر الرب تعالى بإمتاعها، وبين في سورة " الأحزاب " أن غير المدخول بها إذا ~~طلقت فلا عدة عليها، وسيأتي (1). ومطلقة مفروض لها غير مدخول بها ذكرها بعد ~~هذه الآية إذ قال: " وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة "، ~~ومطلقة مدخول بها غير مفروض لها ذكرها الله في قوله: # " فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن " (2)، فذكر تعالى هذه الآية والتي ~~بعدها مطلقة قبل المسيس وقبل الفرض، ومطلقة قبل المسيس وبعد الفرض، فجعل ~~للأولى المتعة، وجعل للثانية نصف الصداق لما لحق الزوجة من دحض العقد، ووصم ~~الحل الحاصل للزوج بالعقد، وقابل المسيس بالمهر الواجب. # الثالثة - لما قسم الله تعالى حال المطلقة هنا قسمين: مطلقة مسمى لها ~~المهر، ومطلقة لم يسم لها، دل على أن نكاح التفويض جائز، وهو كل نكاح عقد ~~من غير ذكر الصداق، ولا خلاف فيه، ويفرض بعد ms1041 ذلك الصداق، فإن فرض التحق ~~بالعقد وجاز، وإن لم يفرض لها وكان الطلاق لم يجب صداق إجماعا، قاله القاضي ~~أبو بكر بن العربي. وحكى # PageV03P197 # المهدوي عن حماد بن أبي سليمان أنه إذا طلقها ولم يدخل بها ولم يكن فرض ~~لها أجبر على نصف صداق مثلها. وإن فرض بعد عقد النكاح وقبل وقوع الطلاق ~~فقال أبو حنيفة: لا يتنصف بالطلاق، لأنه لم يجب بالعقد، وهذا خلاف الظاهر ~~من قوله تعالى: " وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة " ~~وخلاف القياس أيضا، فإن الفرض بعد العقد يلحق بالعقد فوجب أن يتنصف ~~بالطلاق، أصله الفرض المقترن بالعقد. # الرابعة - إن وقع الموت قبل الفرض فذكر الترمذي عن ابن مسعود " أنه سئل ~~عن رجل تزوج امرأة لم يفرض لها ولم يدخل بها حتى مات، فقال ابن مسعود: لها ~~مثل صداق نسائها، لا وكس ولا شطط، وعليها العدة ولها الميراث، فقام معقل بن ~~سنان الأشجعي فقال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بروع بنت (1) واشق ~~امرأة منا مثل الذي قضيت، ففرح بها ابن مسعود. قال الترمذي: حديث ابن مسعود ~~حديث حسن صحيح، وقد روى عنه من غير وجه، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم ~~من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم، وبه يقول الثوري وأحمد وإسحاق، ~~وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم علي بن أبي ~~طالب وزيد بن ثابت وابن عباس وابن عمر: إذا تزوج الرجل امرأة ولم يدخل بها ~~ولم يفرض لها صداقا حتى مات قالوا: لها الميراث ولا صداق لها وعليها العدة، ~~وهو قول الشافعي. وقال: ولو ثبت حديث بروع بنت واشق لكانت الحجة فيما روى ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم. ويروى عن الشافعي أنه رجع بمصر بعد عن هذا ~~القول، وقال بحديث بروع بنت واشق ". # قلت - اختلف في تثبيت حديث بروع، فقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب في شرح ~~رسالة ابن أبي زيد: وأما حديث بروع بنت واشق لقد رده ms1042 حفاظ الحديث وأئمة أهل ~~العلم. # وقال الواقدي: وقع هذا الحديث (2) بالمدينة فلم يقبله أحد من العلماء، ~~وصححه الترمذي كما ذكرنا عنه وابن المنذر. قال ابن المنذر: وقد ثبت مثل قول ~~[عبد الله (3)] بن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبه نقول. وذكر ~~أنه قول أبى ثور وأصحاب الرأي. # PageV03P198 # وذكر عن الزهري والأوزاعي ومالك والشافعي مثل قول على وزيد وابن عباس ~~وابن عمر. # وفى المسألة قول ثالث وهو أنه لا يكون ميراث حتى يكون مهر، قاله مسروق. # قلت: ومن الحجة لما ذهب إليه مالك أنه فراق في نكاح قبل الفرض فلم يجب ~~فيه صداق، أصله الطلاق، لكن إذا صح الحديث فالقياس في مقابلته فاسد. وقد ~~حكى أبو محمد عبد الحميد عن المذهب ما يوافق الحديث، والحمد لله. وقال أبو ~~عمر: حديث بروع رواه عبد الرزاق عن الثوري عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن ~~ابن مسعود، الحديث. وفيه: فقام معقل ابن سنان. وقال فيه ابن مهدي عن الثوري ~~عن فراس عن الشعبي عن مسروق عن عبد الله فقال معقل بن يسار، والصواب عندي ~~قول من قال: معقل بن سنان لا معقل بن يسار، لان معقل بن يسار رجل من مزينة، ~~وهذا الحديث إنما جاء في امرأة من أشجع لا من مزينة، وكذلك رواه داود عن ~~الشعبي عن علقمة، وفيه: فقال ناس من أشجع، ومعقل بن سنان قتل يوم الحرة، ~~وفى يوم الحرة يقول الشاعر: # ألا تلكم الأنصار تبكى سراتها * وأشجع تبكى معقل بن سنان الخامسة - قوله ~~تعالى: (ما لم تمسوهن) " ما " بمعنى الذي، أي إن طلقتم النساء اللاتي لم ~~تمسوهن. و " تمسوهن " قرئ بفتح التاء من الثلاثي، وهي قراءة نافع وابن كثير ~~وأبى عمرو وعاصم وابن عامر وقرأ حمزة والكسائي " تماسوهن " من المفاعلة، ~~لان الوطئ تم بهما، وقد يرد في باب المفاعلة فاعل بمعنى فعل، نحو طارقت ~~النعل، وعاقبت اللص. والقراءة الأولى تقتضي معنى المفاعلة في هذا الباب ~~بالمعنى المفهوم من المس، ورجحها أبو على، لان أفعال هذا المعنى ms1043 جاءت ~~ثلاثية على هذا الوزن، جاء: نكح وسفد وقرع ودفط (1) وضرب الفحل، والقراءتان ~~حسنتان. و " أو " في " أو تفرضوا " قيل هو بمعنى الواو، أي ما لم تمسوهن ~~ولم تفرضوا لهن، كقوله تعالى: " وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا ~~أو هم قائلون (2) " أي وهم قائلون. وقوله: " وأرسلناه إلى مائة ألف أو ~~يزيدون (3) " أي ويزيدون. # PageV03P199 # وقوله: " ولا تطع منهم آثما أو كفورا (1) " أي وكفورا. وقوله: " وإن كنتم ~~مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط (2) " معناه وجاء أحد منكم من ~~الغائط وأنتم مرضى أو مسافرون. # وقوله: " إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم (3) " وما كان ~~مثله. ويعتضد هذا بأنه تعالى عطف عليها بعد ذلك المفروض لها فقال: " وإن ~~طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة ". فلو كان الأول لبيان ~~طلاق المفروض لها قبل المسيس لما كرره. # السادسة - قوله تعالى: (ومتعوهن) معناه أعطوهن شيئا يكون متاعا لهن. # وحمله ابن عمر وعلي بن أبي طالب والحسن بن أبي الحسن وسعيد بن جبير وأبو ~~قلابة والزهري وقتادة والضحاك بن مزاحم على الوجوب. وحمله أبو عبيد ومالك ~~بن أنس وأصحابه والقاضي شريح وغيرهم على الندب. تمسك أهل القول الأول ~~بمقتضى الامر. وتمسك أهل القول الثاني بقوله تعالى: " حقا على المحسنين " و ~~" على المتقين " ولو كانت واجبة لأطلقها على الخلق أجمعين. والقول الأول ~~أولى، لان عمومات الامر بالامتاع في قوله: " متعوهن " وإضافة الامتاع إليهن ~~بلام التمليك في قوله: " وللمطلقات متاع " أظهر في الوجوب منه في الندب. ~~وقوله: " على المتقين " تأكيد لايجابها، لان كل واحد يجب عليه أن يتقى الله ~~في الاشراك به ومعاصيه، وقد قال تعالى في القرآن: " هدى للمتقين (4) ". # السابعة - واختلفوا في الضمير المتصل بقوله " ومتعوهن " من المراد به من ~~النساء؟ # فقال ابن عباس وابن عمر وجابر بن زيد والحسن والشافعي وأحمد وعطاء وإسحاق ~~وأصحاب الرأي: المتعة واجبة للمطلقة قبل البناء والفرض، ومندوبة في حق ~~غيرها. وقال مالك وأصحابه: # المتعة مندوب إليها في كل مطلقة وإن دخل بها، ms1044 إلا في التي لم يدخل بها ~~وقد فرض لها فحسبها ما فرض لها ولا متعة لها. قال أبو ثور: لها المتعة ولكل ~~مطلقة. وأجمع أهل العلم على أن التي لم يفرض لها ولم يدخل بها لا شئ لها ~~غير المتعة. قال الزهري: يقضى لها بها القاضي. وقال جمهور الناس: لا يقضى ~~بها لها. # PageV03P200 # قلت: هذا الاجماع إنما هو في الحرة، فأما الأمة إذا طلقت قبل الفرض ~~والمسيس فالجمهور على أن لها المتعة. وقال الأوزاعي والثوري: لا متعة لها ~~لأنها تكون لسيدها وهو لا يستحق مالا في مقابلة تأذى مملوكته بالطلاق. وأما ~~ربط مذهب مالك فقال ابن شعبان: المتعة بإزاء غم الطلاق، ولذلك ليس للمختلعة ~~والمبارئة والملاعنة متعة قبل البناء ولا بعده، لأنها هي التي اختارت ~~الطلاق. وقال الترمذي وعطاء والنخعي: للمختلعة متعة. # وقال أصحاب الرأي: للملاعنة متعة. قال ابن القاسم: ولا متعة في نكاح ~~مفسوخ. قال ابن المواز: ولا فيما يدخله الفسخ بعد صحة العقد، مثل ملك أحد ~~الزوجين صاحبه. قال ابن القاسم: وأصل ذلك قوله تعالى: " وللمطلقات متاع ~~بالمعروف " فكان هذا الحكم مختصا بالطلاق دون الفسخ. وروى ابن وهب عن مالك ~~أن المخيرة لها المتعة بخلاف الأمة تعتق تحت العبد فتختار هي نفسها، فهذه ~~لا متعة لها. وأما الحرة تخير أو تملك أو يتزوج عليها أمة فتختار هي نفسها ~~في ذلك كله فلها المتعة، لان الزوج سبب للفراق. # الثامنة - قال مالك: ليس للمتعة عندنا حد معروف في قليلها ولا كثيرها. ~~وقد اختلف الناس في هذا، فقال ابن عمر: أدنى ما يجزئ في المتعة ثلاثون ~~درهما أو شبهها. # وقال ابن عباس: أرفع المتعة خادم ثم كسوة ثم نفقة. عطاء: أوسطها الدرع ~~والخمار والملحفة. # أبو حنيفة: ذلك أدناها. وقال ابن محيريز: على صاحب الديوان ثلاثة دنانير، ~~وعلى العبد المتعة. وقال الحسن: يمتع كل بقدره، هذا بخادم وهذا بأثواب وهذا ~~بثوب وهذا بنفقة، وكذلك يقول مالك بن أنس، وهو مقتضى القرآن فإن الله ~~سبحانه لم يقدرها ولا حددها وإنما قال: " على الموسع ms1045 قدره وعلى المقتر قدره ~~". ومتع الحسن بن علي بعشرين ألفا وزقاق من عسل. ومتع شريح بخمسمائة درهم. ~~وقد قيل: إن حالة المرأة معتبرة أيضا، قاله بعض الشافعية، قالوا: لو ~~اعتبرنا حال الرجل وحده لزم منه أنه لو تزوج امرأتين إحداهما شريفة والأخرى ~~دنية ثم طلقهما قبل المسيس ولم يسم لهما أن يكونا متساويتين في المتعة فيجب ~~للدنية ما يجب للشريفة وهذا خلاف ما قال الله تعالى: " متاعا بالمعروف " ~~ويلزم منه أن PageV03P201 # الموسر العظيم اليسار إذا تزوج امرأة دنية أن يكون مثلها، لأنه إذا طلقها ~~قبل الدخول والفرض لزمته المتعة على قدر حاله ومهر مثلها، فتكون المتعة على ~~هذا أضعاف مهر مثلها، فتكون قد استحقت قبل الدخول أضعاف ما تستحقه بعد ~~الدخول من مهر المثل الذي فيه غاية الابتذال وهو الوطئ. وقال أصحاب الرأي ~~وغيرهم: متعة التي تطلق قبل الدخول والفرض نصف مهر مثلها لا غير، لان مهر ~~المثل مستحق بالعقد، والمتعة هي بعض مهر المثل، فيجب لها كما يجب نصف ~~المسمى إذا طلق قبل الدخول، وهذا يرده قوله تعالى: " على الموسع قدره وعلى ~~المقتر قدره " وهذا دليل على رفض التحديد، والله بحقائق الأمور عليم. # وقد ذكر الثعلبي حديثا قال: نزلت " لا جناح عليكم إن طلقتم النساء " ~~الآية، في رجل من الأنصار تزوج امرأة من بنى حنيفة ولم يسم لها مهرا ثم ~~طلقها قبل أن يمسها فنزلت الآية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " متعها ~~ولو بقلنسوتك ". وروى الدارقطني عن سويد بن غفلة قال: كانت عائشة الخثعمية ~~عند الحسن بن علي بن أبي طالب فلما أصيب على وبويع الحسن بالخلافة قالت: ~~لتهنك الخلافة يا أمير المؤمنين، فقال: يقتل على وتظهرين الشماتة! # إذهبي فأنت طالق ثلاثا. قال: فتلفعت بساجها (1) وقعدت حتى انقضت عدتها، ~~فبعث إليها بعشرة آلاف متعة، وبقية ما بقى لها من صداقها. فقالت: # * متاع قليل من حبيب مفارق * فلما بلغه قولها بكى وقال: لولا أنى سمعت ~~جدي - أو حدثني أبي أنه سمع جدي - يقول: # أيما رجل طلق امرأته ثلاثا مبهمة ms1046 أو ثلاثا عند الأقراء لم تحل له حتى ~~تنكح زوجا غيره لراجعتها. # وفى رواية: أخبره الرسول فبكى وقال: لولا أنى أبنت الطلاق لها لراجعتها، ~~ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " أيما رجل طلق امرأته ~~ثلاثا عند كل طهر تطليقة أو عند رأس كل شهر تطليقة أو طلقها ثلاثا جميعا لم ~~تحل له حتى تنكح زوجا غيره " # PageV03P202 # التاسعة - من جهل المتعة حتى مضت أعوام فليدفع ذلك إليها وإن تزوجت، وإلى ~~ورثتها إن ماتت، رواه ابن المواز عن ابن القاسم. وقال أصبغ: لا شئ عليه إن ~~ماتت لأنها تسلية للزوجة عن الطلاق وقد فات ذلك. ووجه الأول أنه حق ثبت ~~عليه وينتقل عنها إلى ورثتها كسائر الحقوق، وهذا يشعر بوجوبها في المذهب، ~~والله أعلم. # العاشرة - قوله تعالى: (على الموسع قدره وعلى المقتر قدره) دليل على وجوب ~~المتعة. وقرأ الجمهور " الموسع " بسكون الواو وكسر السين، وهو الذي اتسعت ~~حاله، يقال: # فلان ينفق على قدره، أي على وسعه. وقرأ أبو حياة بفتح الواو وشد السين ~~وفتحها. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم في رواية أبى بكر " قدره " ~~بسكون الدال في الموضعين. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص ~~بفتح الدال فيهما. قال أبو الحسن الأخفش وغيره: هما بمعنى، لغتان فصيحتان، ~~وكذلك حكى أبو زيد، يقول: خذ قدر كذا وقدر كذا، بمعنى. ويقرأ في كتاب الله: ~~" فسالت أودية بقدرها (1) " وقدرها، وقال تعالى: " وما قدروا الله حق قدره ~~(2) " ولو حركت الدال لكان جائزا. و " المقتر " المقل القليل المال. و ~~(متاعا) نصب على المصدر، أي متعوهن متاعا (بالمعروف) أي بما عرف في الشرع ~~من الاقتصاد. # الحادية عشر - قوله تعالى: (حقا على المحسنين) أي يحق ذلك عليهم حقا، ~~يقال: # حققت عليه القضاء وأحققت، أي أوجبت، وفى هذا دليل على وجوب المتعة مع ~~الامر بها، فقوله: " حقا " تأكيد للوجوب. ومعنى " على المحسنين " و " على ~~المتقين " أي على المؤمنين، إذ ليس لأحد أن يقول: لست بمحسن ولا متق، ~~والناس مأمورون بأن يكونوا جميعا محسنين ms1047 متقين، فيحسنون بأداء فرائض الله ~~ويجتنبون معاصيه حتى لا يدخلوا النار، فواجب على الخلق أجمعين أن يكونوا ~~محسنين متقين. و " حقا " صفة لقوله " متاعا " أو نصب على المصدر، وذلك أدخل ~~في التأكيد للامر، والله أعلم. # PageV03P203 # قوله تعالى: وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما ~~فرضتم إلا أن يعفون أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح وأن تعفوا أقرب للتقوى ~~ولا تنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير (237) فيه ثمان مسائل: # الأولى - اختلف الناس في هذه الآية، فقالت فرقة منها مالك وغيره: إنها ~~مخرجة المطلقة بعد الفرض من حكم التمتع، إذ يتناولها قوله تعالى: " ومتعوهن ~~". وقال ابن المسيب: # نسخت هذه الآية الآية التي في " الأحزاب (1) " لان تلك تضمنت تمتيع كل من ~~لم يدخل بها. # وقال قتادة: نسخت هذه الآية الآية التي قبلها. # قلت: قول سعد وقتادة فيه نظر، إذ شروط النسخ غير موجودة والجمع ممكن. ~~وقال ابن القاسم في المدونة: كان المتاع لكل مطلقة بقوله تعالى: " ~~وللمطلقات متاع بالمعروف " ولغير المدخول بها بالآية التي في سورة " ~~الأحزاب (1) " فاستثنى الله تعالى المفروض لها قبل الدخول بها بهذه الآية، ~~وأثبت للمفروض لها نصف ما فرض فقط. وقال فريق من العلماء منهم أبو ثور: ~~المتعة لكل مطلقة عموما، وهذه الآية إنما بينت أن المفروض لها تأخذ نصف ما ~~فرض لها، ولم يعن بالآية إسقاط متعتها، بل لها المتعة ونصف المفروض. # الثانية - قوله تعالى: (فنصف ما فرضتم) أي فالواجب نصف ما فرضتم، أي من ~~المهر فالنصف للزوج والنصف للمرأة بإجماع. والنصف الجزء من اثنين، فيقال: # نصف الماء القدح أي بلغ نصفه. ونصف الإزار الساق، وكل شئ بلغ نصف غيره ~~فقد نصفه. وقرأ الجمهور " فنصف " بالرفع. وقرأت فرقة " فنصف " بنصب الفاء، ~~المعنى فادفعوا نصف. وقرأ علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت " فنصف " بضم النون ~~في جميع القرآن وهي لغة. # وكذلك روى الأصمعي قراءة عن أبي عمرو بن العلاء يقال: نصف ونصف ونصيف، # PageV03P204 # لغات ثلاث في النصف، وفى الحديث: " لو أن ms1048 أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ ~~مد أحدهم ولا نصيفه " أي نصفه. والنصيف أيضا القناع. # الثالثة - إذا أصدقها ثم طلقها قبل الدخول ونما الصداق في يدها فقال ~~مالك: # كل عرض أصدقها أو عبد فنماؤهما لهما جميعا ونقصانه بينهما، وتواه (1) ~~عليهما جميعا ليس على المرأة منه شئ. فإن أصدقها عينا ذهبا أو ورقا فاشترت ~~به عبد ا أو دارا أو اشترت به منه أو من غيره طيبا أو شوارا (2) أو غير ذلك ~~مما لها التصرف فيه لجهازها وصلاح شأنها في بقائها معه فذلك كله بمنزلة ما ~~لو أصدقها إياه، ونماؤه ونقصانه بينهما. وإن طلقها قبل الدخول لم يكن لها ~~إلا نصفه، وليس عليها أن تغرم له نصف ما قبضته منه، وإن اشترت به أو منه ~~شيئا تختص به فعليها أن تغرم له نصف صداقها الذي قبضت منه، وكذلك لو اشترت ~~من غيره عبد ا أو دارا بالألف الذي أصدقها ثم طلقها قبل الدخول رجع عليها ~~بنصف الألف. # الرابعة - لا خلاف أن من دخل بزوجته ثم مات عنها وقد سمى لها أن لها ذلك ~~المسمى كاملا والميراث، وعليها العدة. # واختلفوا في الرجل يخلو بالمرأة ولم يجامعها حتى فارقها، فقال الكوفيون ~~ومالك: عليه جميع المهر، وعليها العدة، لخبر ابن مسعود قال: قضى الخلفاء ~~الراشدون فيمن أغلق بابا أو أرخى سترا أن لها الميراث وعليها العدة، وروى ~~مرفوعا خرجه الدارقطني وسيأتي في " النساء (3) ". # والشافعي لا يوجب مهرا كاملا، ولا عدة إذا لم يكن دخول، لظاهر القرآن. ~~قال شريح: # لم أسمع الله سبحانه وتعالى ذكر في كتابه بابا ولا سترا، إذا زعم أنه لم ~~يمسها فلها نصف الصداق، وهو مذهب ابن عباس. وسيأتي ما لعلمائنا في هذا في ~~سورة " النساء " إن شاء الله تعالى عند قوله تعالى: " وقد أفضى بعضكم إلى ~~بعض ". # الخامسة - قوله تعالى: (إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح) ~~الآية. # " إلا أن يعفون " استثناء منقطع، لان عفوهن عن النصف ليس من جنس أخذهن. # و " يعفون " معناه يتركن ويصفحن، ووزنه ms1049 يفعلن. والمعنى إلا أن يتركن ~~النصف الذي # PageV03P205 # وجب لهن عند الزوج، ولم تسقط النون مع " أن "، لان جمع المؤنث في المضارع ~~على حالة واحدة في الرفع والنصب والجزم، فهي ضمير وليست بعلامة إعراب فلذلك ~~لم تسقط، ولأنه لو سقطت النون لاشتبه بالمذكر. والعافيات في هذه الآية كل ~~امرأة تملك أمر نفسها، فأذن الله سبحانه وتعالى لهن في إسقاطه بعد وجوبه، ~~إذ جعله خالص حقهن، فيتصرفن فيه بالامضاء والاسقاط كيف شئن، إذا ملكن أمر ~~أنفسهن وكن بالغات عاقلات راشدات. وقال ابن عباس وجماعة من الفقهاء ~~والتابعين: ويجوز عفو البكر التي لا ولى لها، وحكاه سحنون في المدونة عن ~~غير ابن القاسم بعد أن ذكر لابن القاسم أن وضعها نصف الصداق لا يجوز. وأما ~~التي في حجر أب أو وصى فلا يجوز وضعها لنصف صداقها قولا واحدا، ولا خلاف ~~فيه فيما أعلم. # السادسة - قوله تعالى: (أو يعفو الذي بيده) معطوف على الأول مبنى، وهذا ~~معرب. وقرأ الحسن " أو يعفو " ساكنة الواو، كأنه استثقل الفتحة في الواو. ~~واختلف الناس في المراد بقوله تعالى: " أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح " ~~فروى الدارقطني عن جبير ابن مطعم أنه تزوج امرأة من بنى نصر (1) فطلقها قبل ~~أن يدخل، بها فأرسل إليها بالصداق كاملا وقال: أنا أحق بالعفو منها، قال ~~الله تعالى: " إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح " وأنا أحق ~~بالعفو منها. وتأول قوله تعالى: " أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح " يعنى ~~نفسه في كل حال قبل الطلاق وبعده، أي عقدة نكاحه، فلما أدخل اللام حذف ~~الهاء كقوله: # " فإن الجنة هي المأوى (2) " أي مأواه. قال النابغة: # لهم شيمة لم يعطها الله غيرهم * من الجود والأحلام غير عوازب أي أحلامهم. ~~وكذلك قوله: (عقدة النكاح) أي عقدة نكاحه. وروى الدارقطني مرفوعا من حديث ~~قتيبة بن سعيد حدثنا ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ولى عقدة النكاح الزوج ". وأسند هذا عن ~~علي وابن عباس وسعيد ms1050 بن المسيب وشريح. قال: وكذلك قال نافع بن جبير ومحمد ~~بن كعب وطاوس ومجاهد # PageV03P206 # والشعبي وسعيد بن جبير، زاد غيره ومجاهد والثوري، واختاره أبو حنيفة، وهو ~~الصحيح من قول الشافعي، كلهم لا يرى سبيلا للولي على شئ من صداقها، للاجماع ~~على أن الولي لو أبرأ الزوج من المهر قبل الطلاق لم يجز فكذلك بعده. ~~وأجمعوا على أن الولي لا يملك أن يهب شيئا من مالها، والمهر مالها. وأجمعوا ~~على أن من الأولياء من لا يجوز عفوهم وهم بنو العم وبنو الاخوة، فكذلك ~~الأب، والله أعلم. ومنهم من قال هو الولي، أسنده الدارقطني أيضا عن ابن ~~عباس قال: # وهو قول إبراهيم وعلقمة والحسن، زاد غيره وعكرمة وطاوس وعطاء وأبى الزناد ~~وزيد بن أسلم وربيعة ومحمد بن كعب وابن شهاب والأسود بن يزيد والشعبي ~~وقتادة ومالك والشافعي في القديم. فيجوز للأب العفو عن نصف صداق ابنته ~~البكر إذا طلقت، بلغت المحيض أم لم تبلغه. قال عيسى بن دينار: ولا ترجع بشئ ~~منه على أبيها، والدليل على أن المراد الولي أن الله سبحانه وتعالى قال في ~~أول الآية: " وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما ~~فرضتم " فذكر الأزواج وخاطبهم بهذا الخطاب، ثم قال: " إلا أن يعفون " فذكر ~~النسوان، " أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح " فهو ثالث فلا يرد إلى الزوج ~~المتقدم إلا لو لم يكن لغيره وجود، وقد وجد وهو الولي فهو المراد. قال ~~معناه مكي وذكره ابن العربي. # وأيضا فإن الله تعالى قال: " إلا أن يعفون " ومعلوم أنه ليس كل امرأة ~~تعفو، فإن الصغيرة والمحجور عليها لا عفو لهما، فبين الله القسمين فقال: " ~~إلا أن يعفون " أي إن كن لذلك أهلا، " أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح " وهو ~~الولي، لان الامر فيه إليه. وكذلك روى ابن وهب وأشهب وابن عبد الحكم وابن ~~القاسم عن مالك أنه الأب في ابنته البكر والسيد في أمته. # وإنما يجوز عفو الولي إذا كان من أهل السداد، ولا يجوز عفوه إذا كان ms1051 ~~سفيها. فإن قيل: # لا نسلم أنه الولي بل هو الزوج، وهذا الاسم أولى به، لأنه أملك للعقد (1) ~~من الولي على ما تقدم. # فالجواب - أنا لا نسلم أن الزوج أملك للعقد من الأب في ابنته البكر، بل ~~أب البكر يملكه خاصة دون الزوج، لان المعقود عليه هو بضع البكر، ولا يملك ~~الزوج أن يعقد على ذلك بل الأب يملكه. وقد أجاز شريح عفو الأخ عن نصف ~~المهر، وكذلك قال عكرمة: يجوز عفو الذي # PageV03P207 # عقد عقدة النكاح بينهما، كان عما أو أبا أو أخا، وإن كرهت. وقرأ أبو نهيك ~~والشعبي " أو يعفو " بإسكان الواو على [التشبيه (1)] بالألف، ومثله قول ~~الشاعر: # فما سودتني عامر عن وراثة * أبى الله أن أسمو بأم ولا أب السابعة - قوله ~~تعالى: (وأن تعفوا أقرب للتقوى) ابتداء وخبر، والأصل تعفووا أسكنت الواو ~~الأولى لثقل حركتها ثم حذفت لالتقاء الساكنين، وهو خطاب للرجال والنساء في ~~قوله ابن عباس فغلب الذكور، واللام بمعنى إلى، أي أقرب إلى التقوى. وقرأ ~~الجمهور " تعفو " بالتاء باثنتين من فوق. وقرأ أبو نهيك والشعبي " وأن ~~يعفوا " بالياء، وذلك راجع إلى الذي بيده عقدة النكاح. # قلت: ولم يقرأ " وأن تعفون " بالتاء فيكون للنساء. وقرأ الجمهور (ولا ~~تنسوا الفضل) بضم الواو، وكسرها يحيى بن يعمر. وقرأ على ومجاهد وأبو حياة ~~وابن أبي عبلة " ولا تناسوا الفضل " وهي قراءة متمكنة المعنى، لأنه موضع ~~تناس لا نسيان إلا على التشبيه. قال مجاهد: # الفضل إتمام الرجل الصداق كله، أو ترك المرأة النصف الذي لها. # الثامنة - قوله تعالى: (إن الله بما تعملون بصير) خبر في ضمنه الوعد ~~للمحسن والحرمان لغير المحسن، أي لا يخفى عليه عفوكم واستقضاؤكم (2). # قوله تعالى: حفظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قنتين (238) ~~فيه ثمان مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (حافظوا) خطاب لجمع الأمة، والآية أمر بالمحافظة ~~على إقامة الصلوات في أوقاتها بجميع شروطها. والمحافظة هي المداومة على ~~الشئ والمواظبة عليه. # PageV03P208 # والوسطى تأنيث الأوسط. ووسط الشئ خيره وأعدله، ومنه قوله تعالى: " وكذلك ~~جعلناكم أمة وسطا " وقد تقدم (1). وقال أعرابي ms1052 يمدح النبي صلى الله عليه ~~وسلم. # يا أوسط الناس طرا في مفاخرهم * وأكرم الناس أما برة وأبا ووسط فلان ~~القوم يسطهم أي صار في وسطهم. وأفرد الصلاة الوسطى بالذكر وقد دخلت قبل في ~~عموم الصلوات تشريفا لها، كقوله تعالى: " وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ~~ومنك ومن نوح (2) "، وقوله: " فيهما فاكهة ونخل ورمان (3) ". وقرأ أبو جعفر ~~الواسطي " والصلاة الوسطى " بالنصب على الاغراء، أي وألزموا الصلاة الوسطى: ~~وكذلك قرأ الحلواني. وقرأ قالون عن نافع " الوصطى " بالصاد لمجاورة الطاء ~~لها، لأنهما من حيز واحد، وهما لغتان كالصراط ونحوه. # الثانية - واختلف الناس في تعيين الصلاة الوسطى على عشرة أقوال: # الأول - أنها الظهر، لأنها وسط النهار على الصحيح من القولين أن النهار ~~أوله من طلوع الفجر كما تقدم، وإنما بدأنا بالظهر لأنها أول صلاة صليت في ~~الاسلام. وممن قال إنها الوسطى زيد بن ثابت وأبو سعيد الخدري وعبد الله بن ~~عمر وعائشة رضي الله عنهم. ومما يدل على أنها وسطى ما قالته عائشة وحفصة ~~حين أملتا " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر " بالواو. وروى ~~أنها كانت أشق على المسلمين، لأنها كانت تجئ في الهاجرة وهم قد نفهتهم (4) ~~أعمالهم في أموالهم. وروى أبو داود عن زيد قال: كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يصلى الظهر بالهاجرة ولم تكن تصلى صلاة أشد على أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم منها، فنزلت: " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى " ~~وقال: إن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين. وروى مالك في موطئه وأبو داود ~~الطيالسي في مسنده عن زيد بن ثابت قال: الصلاة الوسطى صلاة الظهر، زاد ~~الطيالسي: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصليها بالهجير. # PageV03P209 # الثاني - أنها العصر، لان قبلها صلاتي نهار وبعدها صلاتي ليل. قال ~~النحاس: وأجود من هذا الاحتجاج أن يكون إنما قيل لها وسطى لأنها بين صلاتين ~~إحداهما أول ما فرض والأخرى الثانية مما فرض. وممن قال أنها وسطى علي بن ~~أبي طالب وابن عباس وابن عمر وأبو هريرة وأبو سعيد الخدري، وهو اختيار أبي ms1053 ~~حنيفة وأصحابه، وقاله الشافعي وأكثر أهل الأثر، وإليه ذهب عبد الملك بن ~~حبيب واختاره ابن العربي في قبسه وابن عطية في تفسيره وقال: وعلى هذا القول ~~الجمهور من الناس وبه أقول. واحتجوا بالأحاديث (1) الواردة في هذا الباب ~~خرجها مسلم وغيره، وأنصها حديث ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " الصلاة الوسطى صلاة العصر " خرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وقد ~~أتينا زيادة على هذا في القبس في شرح موطأ مالك بن أنس. # الثالث - أنها المغرب، قاله قبيصة بن أبي ذؤيب في جماعة. والحجة لهم أنها ~~متوسطة في عدد الركعات ليست بأقلها ولا أكثرها ولا تقصر في السفر، وأن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لم يؤخرها عن وقتها ولم يعجلها، وبعدها صلاتا جهر ~~وقبلها صلاتا سر. وروى من حديث عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: " إن أفضل الصلوات عند الله صلاة المغرب لم يحطها عن مسافر ولا ~~مقيم فتح الله بها صلاة الليل وختم بها صلاة النهار فمن صلى المغرب وصلى ~~بعدها ركعتين بنى الله له قصرا في الجنة ومن صلى بعدها أربع ركعات غفر الله ~~له ذنوب عشرين سنة - أو قال - أربعين سنة ". # الرابع - صلاة العشاء الآخرة، لأنها بين صلاتين لا تقصران، وتجئ في وقت ~~نوم ويستحب تأخيرها وذلك شاق فوقع التأكيد في المحافظة عليها. # الخامس - أنها الصبح، لان قبلها صلاتي ليل يجهر فيهما وبعدها صلاتي نهار ~~يسر فيهما، ولأن وقتها يدخل والناس نيام، والقيام إليها شاق في زمن البرد ~~لشدة البرد وفى زمن الصيف لقصر الليل. وممن قال أنها وسطى علي بن أبي طالب ~~وعبد الله بن عباس، أخرجه # PageV03P210 # الموطأ بلاغا (1)، وأخرجه الترمذي عن ابن عمر وابن عباس تعليقا (2)، وروى ~~عن جابر بن عبد الله، وهو قول مالك وأصحابه وإليه ميل الشافعي فيما ذكر عنه ~~القشيري. والصحيح عن علي أنها العصر، وروى عنه ذلك من وجه معروف صحيح. وقد ~~استدل من قال إنها الصبح بقوله تعالى: " وقوموا لله قانتين " يعنى ms1054 فيها، ~~ولا صلاة مكتوبة فيها قنوت إلا الصبح. قال أبو رجاء: صلى بنا ابن عباس صلاة ~~الغداة بالبصرة فقنت فيها قبل الركوع ورفع يديه فلما فرغ قال: هذه الصلاة ~~الوسطى التي أمرنا الله تعالى أن نقوم فيها قانتين. وقال أنس: # قنت النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الصبح بعد الركوع، وسيأتي حكم ~~القنوت وما للعلماء فيه في " آل عمران " عند قوله تعالى: " ليس لك من الامر ~~شئ (3) ". # السادس - صلاة الجمعة، لأنها خصت بالجمع لها والخطبة فيها وجعلت عيدا، ~~ذكره ابن حبيب ومكي. وروى مسلم عن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال لقوم يتخلفون عن الجمعة: " لقد هممت أن آمر رجلا يصلى بالناس ثم أحرق ~~على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم ". # السابع - أنها الصبح والعصر معا. قاله الشيخ أبو بكر الأبهري، واحتج بقول ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة ~~بالنهار " الحديث، رواه أبو هريرة. وروى جرير بن عبد الله قال: كنا جلوسا ~~عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ نظر إلى القمر ليلة البدر فقال: " أما ~~أنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون (4) في رؤيته فإن استطعتم ~~ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها " يعنى العصر والفجر: ~~ثم قرأ جرير " وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها (5) ". وروى عمارة ~~بن رؤيبة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لن يلج النار أحد ~~صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها " # PageV03P211 # يعنى الفجر والعصر. وعنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من صلى ~~البردين دخل الجنة " كله ثابت في صحيح مسلم وغيره. وسميتا البردين لأنهما ~~يفعلان في وقتي البرد. # الثامن - أنها العتمة والصبح. قال أبو الدرداء رضي الله عنه في مرضه الذي ~~مات فيه: اسمعوا وبلغوا من خلفكم حافظوا على هاتين الصلاتين - يعنى في ~~جماعة - العشاء والصبح، ولو تعلمون ما فيهما لاتيتموهما ولو حبوا على ~~مرافقكم وركبكم، قاله عمر وعثمان. وروى الأئمة عن رسول ms1055 الله صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: " ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لاتوهما ولو حبوا - وقال - ~~إنهما أشد الصلاة على المنافقين " وجعل لمصلى الصبح في جماعة قيام ليلة ~~والعتمة نصف ليلة، ذكره مالك موقوفا على عثمان ورفعه مسلم، وخرجه أبو داود ~~والترمذي عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من شهد العشاء في ~~جماعة كان له قيام نصف ليلة ومن صلى العشاء والفجر في جماعة كان له كقيام ~~ليلة " وهذا خلاف ما رواه مالك ومسلم. # التاسع - أنها الصلوات الخمس بجملتها، قال معاذ بن جبل، لان قوله تعالى: # " حافظوا على الصلوات " يعم الفرض والنفل، ثم خص الفرض بالذكر. # العاشر - أنها غير معينة، قاله نافع عن ابن عمر، وقاله الربيع بن خثيم، ~~فخبأها الله تعالى في الصلوات كما خبأ ليلة القدر في رمضان، وكما خبأ ساعة ~~يوم الجمعة وساعات الليل المستجاب فيها الدعاء ليقوموا بالليل في الظلمات ~~لمناجاة عالم الخفيات. ومما يدل على صحة أنها مبهمة غير معينة ما رواه مسلم ~~في صحيحه في آخر الباب عن البراء بن عازب قال: نزلت هذه الآية: " حافظوا ~~على الصلوات وصلاة العصر " فقرأناها ما شاء الله، ثم نسخها الله فنزلت: " ~~حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى " فقال رجل: هي إذا صلاة العصر؟ قال ~~البراء: قد أخبرتك كيف نزلت وكيف نسخها الله تعالى، والله أعلم. فلزم من ~~هذا أنها بعد أن عينت نسخ تعيينها وأبهمت فأرتفع التعيين، والله أعلم. وهذا ~~اختيار مسلم، لأنه أتى به في آخر الباب، PageV03P212 # وقال به غير واحد من العلماء المتأخرين، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى، ~~لتعارض الأدلة وعدم الترجيح، فلم يبق إلا المحافظة على جميعها وأدائها في ~~أوقاتها، والله أعلم. # الثالثة - وهذا الاختلاف في الصلاة الوسطى يدل على بطلان من أثبت " وصلاة ~~العصر " المذكور في حديث أبي يونس مولى عائشة حين أمرته أن يكتب لها مصحفا ~~قرآنا. # قال علماؤنا: وإنما ذلك كالتفسير من النبي صلى الله عليه وسلم، يدل على ~~ذلك حديث عمرو ابن رافع قال: أمرتني حفصة ms1056 أن أكتب لها مصحفا، الحديث. وفيه: ~~فأملت على " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى - وهي العصر - وقوموا لله ~~قانتين " وقالت: هكذا سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤوها. ~~فقولها: " وهي العصر " دليل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فسر ~~الصلاة الوسطى من كلام الله تعالى بقوله هو " وهي العصر ". وقد روى نافع عن ~~حفصة " وصلاة العصر "، كما روى عن عائشة وعن حفصة أيضا " صلاة العصر " بغير ~~واو. وقال أبو بكر الأنباري: وهذا الخلاف في هذا اللفظ المزيد يدل على ~~بطلانه وصحة ما في الامام مصحف جماعة المسلمين. وعليه حجة أخرى وهو أن من ~~قال: والصلاة الوسطى وصلاة العصر جعل الصلاة الوسطى غير العصر، وفى هذا دفع ~~لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه عبد الله قال: شغل المشركون ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب عن صلاة العصر حتى اصفرت الشمس ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " شغلونا عن الصلاة الوسطى ملا الله أجوافهم وقبورهم نارا " الحديث (1). # الرابعة - وفى قوله تعالى: (والصلاة الوسطى) دليل على أن الوتر ليس ~~بواجب، لان المسلمين اتفقوا على أعداد الصلوات المفروضات أنها تنقص عن سبعة ~~وتزيد على ثلاثة، وليس بين الثلاثة والسبعة فرد إلا الخمسة، والأزواج لا ~~وسط لها فثبت أنها خمسة. وفى حديث الاسراء " هي خمس وهن خمسون لا يبدل ~~القول لدى ". # الخامسة - قوله تعالى: (وقوموا لله قانتين) معناه في صلاتكم. واختلف ~~الناس في معنى قوله " قانتين " فقال الشعبي: طائعين، وقال جابر بن زيد ~~وعطاء وسعيد بن جبير. # PageV03P213 # وقال الضحاك: كل قنوت في القرآن فإنما يعنى به الطاعة. وقاله أبو سعيد عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم. وإن أهل كل دين فهم اليوم يقومون عاصين، فقيل ~~لهذه الأمة فقوموا لله طائعين. وقال مجاهد: معنى قانتين خاشعين. والقنوت ~~طول الركوع والخشوع وغض البصر وخفض الجناح. وقال الربيع: القنوت طول ~~القيام، وقاله ابن عمر وقرأ " أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما (1) ". ~~وقال عليه السلام: " أفضل الصلاة طول القنوت ms1057 " خرجه مسلم وغيره. وقال ~~الشاعر: # قانتا لله يدعو ربه * وعلى عمدن من الناس اعتزل وقد تقدم (2). وروى عن ~~ابن عباس " قانتين " داعين. وفى الحديث: قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~شهرا يدعو على رعل وذكوان " قال قوم: معناه دعا، وقال قوم: معناه طول ~~قيامه. وقال السدى: " قانتين " ساكتين، دليله أن الآية نزلت في المنع من ~~الكلام في الصلاة وكان ذلك مباحا في صدر الاسلام، وهذا هو الصحيح لما رواه ~~مسلم وغيره عن عبد الله ابن مسعود قال: كنا نسلم على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهو في الصلاة فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه ~~فلم يرد علينا فقلنا: يا رسول الله، كنا نسلم عليك في الصلاة فترد علينا؟ ~~فقال: " إن في الصلاة شغلا ". وروى زيد بن أرقم قال: كنا نتكلم في الصلاة ~~يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة حتى نزلت: " وقوموا لله قانتين " ~~فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام. وقيل: إن أصل القنوت في اللغة الدوام على ~~الشئ. # ومن حيث كان أصل القنوت في اللغة الدوام على الشئ جاز أن يسمى مديم ~~الطاعة قانتا، وكذلك من أطال القيام والقراءة والدعاء في الصلاة، أو أطال ~~الخشوع والسكوت، كل هؤلاء فاعلون للقنوت. # السادسة - قال أبو عمر: أجمع المسلمون طرا أن الكلام عامدا في الصلاة إذا ~~كان المصلى يعلم أنه في صلاة، ولم يكن ذلك في إصلاح صلاته أنه يفسد الصلاة، ~~إلا ما روى عن # PageV03P214 # الأوزاعي أنه قال: من تكلم لاحياء نفس أو مثل ذلك من الأمور الجسام لم ~~تفسد صلاته بذلك. وهو قول ضعيف في النظر، لقول الله عز وجل: " وقوموا لله ~~قانتين " وقال زيد بن أرقم: كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت: " وقوموا لله ~~قانتين " الحديث. وقال ابن مسعود: # سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن الله أحدث من أمره ألا ~~تكلموا في الصلاة ". # وليس الحادث الجسيم الذي يجب له قطع الصلاة ومن أجله يمنع من الاستئناف، ~~فمن قطع صلاته لما يراه من ms1058 الفضل في إحياء نفس أو مال أو ما كان بسبيل ذلك ~~أستأنف صلاته ولم يبن. هذا هو الصحيح في المسألة إن شاء الله تعالى. # السابعة - واختلفوا في الكلام ساهيا فيها، فذهب مالك والشافعي وأصحابهما ~~إلى أن الكلام فيها ساهيا لا يفسدها، غير أن مالكا قال: لا يفسد الصلاة ~~تعمد الكلام فيها إذا كان في شأنها وإصلاحها، وهو قول ربيعة وابن القاسم. ~~وروى سحنون عن ابن القاسم عن مالك قال: لو أن قوما صلى بهم الامام ركعتين ~~وسلم ساهيا فسبحوا به فلم يفقه، فقال له رجل من خلفه ممن هو معه في الصلاة: ~~إنك لم تتم فأتم صلاتك، فالتفت إلى القوم فقال: # أحق ما يقول هذا؟ فقالوا: نعم، قال: يصلى بهم الامام ما بقى من صلاتهم ~~ويصلون معه بقية صلاتهم من تكلم منهم ومن لم يتكلم، ولا شئ عليهم، ويفعلون ~~في ذلك ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم يوم ذي اليدين (1). هذا قول ابن ~~القاسم في [كتابه (2)] المدونة وروايته عن مالك، وهو المشهور من مذهب مالك ~~وإياه تقلد إسماعيل بن إسحاق وأحتج له في كتاب رده على محمد ابن الحسن. ~~وذكر الحارث بن مسكين قال: أصحاب مالك كلهم على خلاف قول مالك في مسألة ذي ~~اليدين إلا ابن القاسم وحده فإنه يقول فيها بقول مالك، وغيرهم يأبونه ~~ويقولون: # إنما كان هذا في صدر الاسلام، فأما الآن فقد عرف الناس صلاتهم فمن تكلم ~~فيها أعادها، وهذا هو قول العراقيين: أبي حنيفة وأصحابه والثوري فإنهم ~~ذهبوا إلى أن الكلام في الصلاة يفسدها على أي حال كان سهوا أو عمدا لصلاة ~~كان أو لغير ذلك، وهو قوله إبراهيم النخعي # PageV03P215 # وعطاء والحسن وحماد بن أبي سليمان وقتادة. وزعم أصحاب أبي حنيفة أن حديث ~~أبي هريرة هذا في قصة ذي اليدين منسوخ بحديث ابن مسعود وزيد بن أرقم، ~~قالوا: وإن كان أبو هريرة متأخر الاسلام فإنه أرسل حديث ذي اليدين كما أرسل ~~حديث " من أدركه الفجر جنبا فلا صوم له " قالوا: وكان كثير الارسال. وذكر ms1059 ~~على بن زياد قال حدثنا أبو قرة قال سمعت مالكا يقول: يستحب إذا تكلم الرجل ~~في الصلاة أن يعود لها ولا يبنى. قال: # وقال لنا مالك إنما تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتكلم أصحابه معه ~~يومئذ، لأنهم ظنوا أن الصلاة قصرت ولا يجوز ذلك لاحد اليوم. وقد روى سحنون ~~عن ابن القاسم في رجل صلى وحده ففرغ عند نفسه من الأربع، فقال له رجل إلى ~~جنبه: إنك لم تصل إلا ثلاثا، فالتفت إلى آخر فقال: أحق ما يقوله هذا؟ قال: ~~نعم، قال: تفسد صلاته ولم يكن ينبغي له أن يكلمه ولا أن يلتفت إليه. قال ~~أبو عمر: فكانوا يفرقون في هذه المسألة بين الامام مع الجماعة والمنفرد ~~فيجيزون من الكلام في شأن الصلاة للامام ومن معه ما لا يجيزونه للمنفرد، ~~وكان غير هؤلاء يحملون جواب ابن القاسم في المنفرد في هذه المسألة وفى ~~الامام ومن معه على اختلاف من قوله في استعمال حديث ذي اليدين كما اختلف ~~قول مالك في ذلك. وقال الشافعي وأصحابه: من تعمد الكلام وهو يعلم أنه لم ~~يتم الصلاة وأنه فيها أفسد صلاته، فإن تكلم ساهيا أو تكلم وهو يظن أنه ليس ~~في الصلاة لأنه قد أكملها عند نفسه فإنه يبنى. واختلف قول أحمد في هذه ~~المسألة فذكر الأثرم عنه أنه قال: ما تكلم به الانسان في صلاته لاصلاحها لم ~~تفسد عليه صلاته، فإن تكلم لغير ذلك فسدت، وهذا هو قول مالك المشهور. وذكر ~~الخرقي (1) عنه أن مذهبه فيمن تكلم عامدا أو ساهيا بطلت صلاته، إلا الامام ~~خاصة فإنه إذا تكلم لمصلحة صلاته لم تبطل صلاته. واستثنى سحنون من أصحاب ~~مالك أن من سلم من اثنتين في الرباعية فوقع الكلام هناك لم تبطل الصلاة، ~~وإن وقع في غير ذلك بطلت الصلاة. والصحيح ما ذهب إليه مالك في المشهور ~~تمسكا بالحديث وحملا له على الأصل الكلى من تعدى الاحكام # PageV03P216 # وعموم الشريعة، ودفعا لما يتوهم من الخصوصية إذ لا دليل عليها. فإن قال ~~قائل: فقد جرى ms1060 الكلام في الصلاة والسهو أيضا وقد كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال لهم: " التسبيح للرجال والتصفيق للنساء " فلم لم يسبحوا؟ ~~فقال: لعل في ذلك الوقت لم يكن أمرهم بذلك، ولئن كان كما ذكرت فلم يسبحوا، ~~لأنهم توهموا أن الصلاة قصرت، وقد جاء ذلك في الحديث قال: وخرج سرعان (1) ~~الناس فقالوا: أقصرت الصلاة؟ فلما يكن بد من الكلام لأجل ذلك. # والله أعلم. # وقد قال بعض المخالفين: قول أبي هريرة " صلى بنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم " يحتمل أن يكون مراده أنه صلى بالمسلمين وهو ليس منهم، كما روى عن ~~النزال (2) بن سبرة أنه قال قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنا ~~وإياكم كنا ندعى بنى عبد مناف وأنتم اليوم بنو عبد الله ونحن بنو عبد الله ~~" وإنما عنى به أنه قال لقومه وهذا بعيد، فإنه لا يجوز أن يقول صلى بنا وهو ~~إذ ذاك كافر ليس من أهل الصلاة ويكون ذلك كذبا، وحديث النزال (2) هو كان من ~~جملة القوم وسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سمع. وأما ما ادعته ~~الحنفية من النسخ والارسال فقد أجاب عن قولهم علماؤنا وغيرهم وأبطلوه، ~~وخاصة الحافظ أبا عمر ابن عبد البر في كتابه المسمى ب‍ " التمهيد " وذكر أن ~~أبا هريرة أسلم عام خيبر، وقدم المدينة في ذلك العام، وصحب النبي صلى الله ~~عليه وسلم أربعة أعوام، وشهد قصة ذي اليدين وحضرها، وأنها لم تكن قبل بدر ~~كما زعموا، وأن ذا اليدين قتل في بدر. قال: وحضور أبي هريرة يوم ذي اليدين ~~محفوظ من رواية الحفاظ الثقات، وليس تقصير من قصر عن ذلك بحجة على من علم ~~ذلك وحفظه وذكره. # الثامنة - القنوت: القيام، وهو أحد أقسامه فيما ذكر أبو بكر بن الأنباري، ~~وأجمعت الأمة على أن القيام في صلاة الفرض واجب على كل صحيح قادر عليه، ~~منفردا كان أو إماما. # وقال صلى الله عليه وسلم: " إنما جعل الامام ليؤتم به فإذا صلى قائما ~~فصلوا قياما " الحديث، # PageV03P217 # أخرجه الأئمة، ms1061 وهو بيان لقوله تعالى: " وقوموا لله قانتين ". واختلفوا في ~~المأموم الصحيح يصلى قاعدا خلف إمام مريض لا يستطيع القيام، فأجازت ذلك ~~طائفة من أهل العلم بل جمهورهم، لقوله صلى الله عليه وسلم في الامام: " ~~وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون " وهذا هو الصحيح في المسألة على ما ~~نبينه آنفا إن شاء الله تعالى. وقد أجاز طائفة من العلماء صلاة القائم خلف ~~الامام المريض لان كلا يؤدى فرضه على قدر طاقته تأسيا برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إذ صلى في مرضه الذي توفى فيه قاعدا وأبو بكر إلى جنبه قائما ~~يصلى بصلاته والناس قيام خلفه، ولم يشر إلى أبى بكر ولا إليهم بالجلوس، ~~وأكمل صلاته بهم جالسا وهم قيام، ومعلوم أن ذلك كان منه بعد سقوطه عن فرسه، ~~فعلم أن الآخر من فعله ناسخ للأول. قال أبو عمر: وممن ذهب إلى هذا المذهب ~~واحتج بهذه الحجة الشافعي وداود بن علي، وهي رواية الوليد بن مسلم عن مالك ~~قال: وأحب إلى أن يقوم إلى جنبه ممن يعلم الناس بصلاته، وهذه الرواية غريبة ~~عن مالك. وقال بهذا جماعة من أهل المدينة وغيرهم وهو الصحيح إن شاء الله ~~تعالى، لأنها آخر صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم. والمشهور عن ~~مالك أنه لا يؤم القيام أحد جالسا، فإن أمهم قاعدا بطلت صلاته وصلاتهم، لان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا يؤمن أحد بعدي قاعدا ". قال: فإن ~~كان الامام عليلا تمت صلاة الامام وفسدت صلاة من خلفه. قال: ومن صلى قاعدا ~~من غير علة أعاد الصلاة، هذه رواية أبى مصعب في مختصره عن مالك، وعليها ~~فيجب على من صلى قاعدا الإعادة في الوقت وبعده. وقد روى عن مالك في هذا ~~أنهم يعيدون في الوقت خاصة، وقول محمد بن الحسن في هذا مثل قول مالك ~~المشهور. واحتج لقوله ومذهبه بالحديث الذي ذكره أبو مصعب، أخرجه الدارقطني ~~عن جابر عن الشعبي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يؤمن أحد ~~بعدي ms1062 جالسا ". قال الدارقطني: لم يروه غير جابر الجعفي عن الشعبي وهو متروك ~~الحديث، مرسل لا تقوم به حجة. قال أبو عمر: جابر الجعفي لا يحتج بشئ يرويه ~~مسندا فكيف بما يرويه مرسلا؟ قال محمد بن الحسن: إذا صلى الامام المريض ~~جالسا بقوم أصحاء ومرضى # PageV03P218 # جلوسا فصلاته وصلاة من خلفه ممن لا يستطيع القيام صحيحة جائزة، وصلاة من ~~صلى خلفه ممن حكمه القيام باطلة. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: صلاته وصلاتهم ~~جائزة. وقالوا: # لو صلى وهو يومئ بقوم وهم يركعون ويسجدون لم تجزهم في قولهم جميعا وأجزأت ~~الامام صلاته. وكان زفر يقول: تجزئهم صلاتهم، لأنهم صلوا على فرضهم وصلى ~~إمامهم على فرضه، كما قال الشافعي. # قلت: أما ما ذكره أبو عمر وغيره من العلماء قبله وبعده من أنها آخر صلاة ~~صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد رأيت لغيرهم خلال ذلك ممن جمع طرق ~~الأحاديث في هذا الباب، وتكلم عليها وذكر اختلاف الفقهاء في ذلك، ونحن نذكر ~~ما ذكره ملخصا حتى يتبين لك الصواب إن شاء الله تعالى. وصحة قول من قال إن ~~صلاة المأموم الصحيح قاعدا خلف الامام المريض جائزة، فذكر أبو حاتم محمد بن ~~حبان البستي في المسند الصحيح له عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كان في نفر من أصحابه فقال: " ألستم تعلمون أنى رسول الله إليكم "؟ ~~قالوا: بلى، نشهد أنك رسول الله! قال: " ألستم تعلمون أنه من أطاعني فقد ~~أطاع الله ومن طاعة الله طاعتي "؟ قالوا: بلى، نشهد أنه من أطاعك فقد أطاع ~~الله ومن طاعة الله طاعتك. قال: " فإن من طاعة الله أن تطيعوني ومن طاعتي ~~أن تطيعوا أمراءكم فإن صلوا قعودا فصلوا قعودا ". في طريقه عقبة بن أبي ~~الصهباء وهو ثقة، قال يحيى بن معين. # قال أبو حاتم: في هذا الخبر بيان واضح أن صلاة المأمومين قعودا إذا صلى ~~إمامهم قاعدا من طاعة الله جل وعلا التي أمر الله بها عباده، وهو عندي ضرب ~~من الاجماع الذي أجمعوا على إجازته، ms1063 لان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أربعة أفتوا به: جابر بن عبد الله وأبو هريرة وأسيد بن حضير وقيس بن ~~قهد (1)، ولم يرو عن أحد من الصحابة الذين شهدوا هبوط الوحي والتنزيل ~~وأعيذوا من التحريف والتبديل خلاف لهؤلاء الأربعة، لا بإسناد متصل ولا ~~منقطع، فكأن الصحابة أجمعوا على أن الامام إذا صلى قاعدا كان على المأمومين ~~أن يصلوا قعودا. وبه قال جابر بن زيد والأوزاعي ومالك بن أنس وأحمد بن حنبل ~~وإسحاق # PageV03P219 # ابن إبراهيم وأبو أيوب سليمان بن داود الهاشمي وأبو خيثمة وابن أبي شيبة ~~ومحمد بن إسماعيل ومن تبعهم من أصحاب الحديث مثل محمد بن نصر ومحمد بن ~~إسحاق بن خزيمة. وهذه السنة رواها عن المصطفى صلى الله عليه وسلم أنس بن ~~مالك وعائشة وأبو هريرة وجابر بن عبد الله وعبد الله بن عمر بن الخطاب وأبو ~~أمامة الباهلي. وأول من أبطل في هذه الأمة صلاة المأموم قاعدا إذا صلى ~~إمامه جالسا المغيرة بن مقسم صاحب النخعي وأخذ عنه حماد بن أبي سليمان ثم ~~أخذ عن حماد أبو حنيفة وتبعه عليه من بعده من أصحابه. # وأعلى شئ احتجوا به فيه شئ رواه جابر الجعفي عن الشعبي قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: " لا يؤمن أحد بعدي جالسا " وهذا لو صح إسناده لكان ~~مرسلا، والمرسل من الخبر وما لم يرو سيان في الحكم عندنا، ثم إن أبا حنيفة ~~يقول: ما رأيت فيمن لقيت أفضل من عطاء، ولا فيمن لقيت أكذب من جابر الجعفي، ~~وما أتيته بشئ قط من رأى إلا جاءني فيه بحديث، وزعم أن عنده كذا وكذا ألف ~~حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينطق بها، فهذا أبو حنيفة يجرح ~~جابرا الجعفي ويكذبه ضد قول من انتحل من أصحابه مذهبه. قال أبو حاتم: وأما ~~صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه فجاءت الاخبار فيها مجملة ومختصرة، ~~وبعضها مفصلة مبينة، ففي بعضها: فجاء النبي صلى الله عليه وسلم [فجلس (1)] ~~إلى جنب ms1064 أبى بكر فكان أبو بكر يأتم بالنبي صلى الله عليه وسلم والناس ~~يأتمون بأبي بكر. وفى بعضها: فجلس عن يسار أبى بكر وهذا مفسر. وفيه: فكان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يصلى بالناس قاعدا وأبو بكر قائما. قال أبو حاتم: # وأما إجمال هذا الخبر فإن عائشة حكت هذه الصلاة إلى هذا الموضع، وآخر ~~القصة عند جابر ابن عبد الله: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بالقعود ~~أيضا في هذه الصلاة كما أمرهم به عند سقوطه عن فرسه، أنبأنا محمد بن الحسن ~~بن قتيبة قال أنبأنا يزيد بن موهب قال حدثني الليث بن سعد عن أبي الزبير عن ~~جابر قال: اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلينا وراءه وهو قاعد، وأبو ~~بكر يسمع الناس تكبيره، قال: فالتفت إلينا فرآنا قياما فأشار إلينا فقعدنا ~~فصلينا بصلاته قعودا، فلما سلم قال: " كدتم أن تفعلوا فعل فارس والروم # PageV03P220 # يقومون على ملوكهم وهم قعود فلا تفعلوا ائتموا بأئمتكم إن صلى قائما ~~فصلوا قياما وإن صلى قاعدا فصلوا قعودا ". قال أبو حاتم: ففي هذا الخبر ~~المفسر بيان واضح أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قعد عن يسار أبى بكر ~~وتحول أبو بكر مأموما يقتدى بصلاته ويكبر يسمع الناس التكبير ليقتدوا ~~بصلاته، أمرهم صلى الله عليه وسلم حينئذ بالقعود حين رآهم قياما، ولما فرغ ~~من صلاته أمرهم أيضا بالقعود إذا صلى إمامهم قاعدا. وقد شهد جابر بن عبد ~~الله صلاته صلى الله عليه وسلم حين سقط عن فرسه فجحش (1) شقه الأيمن، وكان ~~سقوطه صلى الله عليه وسلم في شهر ذي الحجة آخر سنة خمس من الهجرة، وشهد هذه ~~الصلاة في علته صلى الله عليه وسلم في غير هذا التاريخ فأدى كل خبر بلفظه، ~~ألا تراه يذكر في هذه الصلاة: رفع أبو بكر صوته بالتكبير ليقتدى به الناس، ~~وتلك الصلاة التي صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته عند سقوطه عن ~~فرسه، لم يحتج إلى أن يرفع صوته بالتكبير ليسمع الناس تكبيره على ms1065 صغر حجرة ~~عائشة، وإنما كان رفعه صوته بالتكبير في المسجد الأعظم الذي صلى فيه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في علته، فلما صح ما وصفنا لم يجز أن نجعل بعض هذه ~~الأخبار ناسخا لبعض، وهذه الصلاة كان خروجه إليها صلى الله عليه وسلم بين ~~رجلين، وكان فيها إماما وصلى بهم قاعدا وأمرهم بالقعود. وأما الصلاة التي ~~صلاها آخر عمره فكان خروجه إليها بين بريرة وثوبة (2)، وكان فيها مأموما، ~~وصلى قاعدا خلف أبى بكر في ثوب واحد متوشحا به. رواه أنس بن مالك قال: # آخر صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع القوم في ثوب واحد ~~متوشحا به قاعدا خلف أبى بكر، فصلى عليه السلام صلاتين في المسجد جماعة لا ~~صلاة واحدة. وإن في خبر عبيد الله ابن عبد الله عن عائشة أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم خرج بين رجلين. يريد أحدهما العباس والآخر عليا. وفى خبر مسروق ~~عن عائشة: ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم وجد من نفسه خفة فخرج بين بريرة ~~وثوبة، إني لأنظر إلى نعليه تخطان في الحصى وانظر إلى بطون قدميه، الحديث. ~~فهذا يدلك على أنهما كانتا صلاتين لا صلاة واحدة. قال أبو حاتم: أخبرنا ~~محمد # PageV03P221 # ابن إسحاق بن خزيمة قال حدثنا محمد بن بشار قال حدثنا بدل بن المحبر قال ~~حدثنا شعبة عن موسى بن أبي عائشة عن عبيد الله بن عبد الله عن عائشة أن أبا ~~بكر صلى بالناس ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الصف خلفه. قال أبو حاتم: ~~خالف شعبة بن الحجاج زائدة بن قدامة في متن هذا الخبر عن موسى بن أبي عائشة ~~فجعل شعبة النبي صلى الله عليه وسلم مأموما حيث صلى قاعدا والقوم قيام، ~~وجعل زائدة النبي صلى الله عليه وسلم إماما حيث صلى قاعدا والقوم قيام، ~~وهما متقنان حافظان. فكيف يجوز أن يجعل إحدى الروايتين اللتين تضادتا في ~~الظاهر في فعل واحد ناسخا لأمر مطلق متقدم! فمن جعل أحد الخبرين ناسخا لما ~~تقدم ms1066 من أمر النبي صلى الله عليه وسلم وترك الآخر من غير دليل ثبت له على ~~صحته، سوغ لخصمه أخذ ما ترك من الخبرين وترك ما أخذ منهما. ونظير هذا النوع ~~من السنن خبر ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم نكح ميمونة وهو محرم، ~~وخبر أبي رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم نكحها وهما حلالان فتضاد ~~الخبران في فعل واحد في الظاهر من غير أن يكون بينهما تضاد عندنا، فجعل ~~جماعة من أصحاب الحديث الخبرين اللذين رويا في نكاح ميمونة متعارضين، ~~وذهبوا إلى خبر عثمان بن عفان عن النبي صلى الله عليه وسلم: " لا ينكح ~~المحرم ولا ينكح " فأخذوا به، إذ هو يوافق إحدى الروايتين اللتين رويتا في ~~نكاح ميمونة، وتركوا خبر ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم نكحها وهو ~~محرم، فمن فعل هذا لزمه أن يقول: تضاد الخبران في صلاة النبي صلى الله عليه ~~وسلم في علته على حسب ما ذكرناه قبل، فيجب أن يجئ إلى الخبر الذي فيه الامر ~~بصلاة المأمومين قعودا إذا صلى إمامهم قاعدا فيأخذ به، إذ هو يوافق إحدى ~~الروايتين اللتين رويتا في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في علته ويترك ~~الخبر المنفرد عنهما كما فعل ذلك في نكاح ميمونة. قال أبو حاتم: زعم بعض ~~العراقيين ممن كان ينتحل مذهب الكوفيين أن قوله: " وإذا صلى قاعدا فصلوا ~~قعودا " أراد به وإذا تشهد قاعدا فتشهدوا قعودا أجمعون فحرف الخبر عن عموم ~~ما ورد الخبر فيه بغير دليل ثبت له على تأويله. PageV03P222 # قوله تعالى: فإن خفتم فرجالا أو ركبانا فإذا أمنتم فاذكروا الله كما ~~علمكم ما لم تكونوا تعلمون (239) فيه تسع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (فإن خفتم) من الخوف الذي هو الفزع. (فرجالا) أي ~~فصلوا رجالا. (أو ركبانا) معطوف عليه. والرجال جمع راجل أو رجل من قولهم: ~~رجل الانسان يرجل رجلا إذا عدم المركوب ومشى على قدميه، فهو رجل وراجل ورجل ~~- (بضم الجيم) وهي لغة أهل الحجاز، يقولون: مشى فلان إلى بيت ms1067 الله حافيا ~~رجلا، حكاه الطبري وغيره - ورجلان ورجيل ورجل، ويجمع على رجال ورجلي ورجال ~~ورجالة ورجالي ورجلان ورجلة ورجلة (بفتح الجيم) وأرجلة وأراجل وأراجيل. ~~والرجل الذي هو اسم الجنس يجمع أيضا على رجال. # الثانية - لما أمر الله تعالى بالقيام له في الصلاة بحال قنوت وهو الوقار ~~والسكينة وهدوء الجوارح وهذا على الحالة الغالبة من الامن والطمأنينة ذكر ~~حالة الخوف الطارئة أحيانا، وبين أن هذه العبادة لا تسقط عن العبد في حال، ~~ورخص لعبيده في الصلاة رجالا على الاقدام وركبانا على الخيل والإبل ونحوها، ~~إيماء وإشارة بالرأس حيثما توجه، هذا قول العلماء، وهذه هي صلاة الفذ الذي ~~قد ضايقه الخوف على نفسه في حال المسايفة أو من سبع يطلبه أو من عدو يتبعه ~~أو سيل يحمله، وبالجملة فكل أمر يخاف منه على روحه فهو مبيح ما تضمنته هذه ~~الآية. # الثالثة - هذه الرخصة في ضمنها إجماع العلماء أن يكون الانسان حيثما توجه ~~من السماوات ويتقلب ويتصرف بحسب نظره في نجاة نفسه. # الرابعة - واختلف في الخوف الذي تجوز فيه الصلاة رجالا وركبانا، فقال ~~الشافعي: # هو إطلال العدو عليهم فيتراؤون (1) معا والمسلمون في غير حصن حتى ينالهم ~~السلاح من الرمي # PageV03P223 # أو أكثر من أن يقرب العدو فيه منهم من الطعن والضرب، أو يأتي من يصدق ~~خبره فيخبره بأن العدو قريب منه ومسيرهم جادين إليه، فإن لم يكن واحد من ~~هذين المعنيين فلا يجوز له أن يصلى صلاة الخوف. فإن صلوا بالخبر صلاة الخوف ~~ثم ذهب العدو لم يعيدوا، وقيل: # يعيدون، وهو قول أبي حنيفة. قال أبو عمر: فالحال التي يجوز منها للخائف ~~أن يصلى راجلا أو راكبا مستقبل القبلة أو غير مستقبلها هي حال شدة الخوف، ~~والحال التي وردت الآثار فيها هي غير هذه. وهي صلاة الخوف بالامام وانقسام ~~الناس وليس حكمها في هذه الآية، وهذا يأتي بيانه في سورة " النساء (1) " إن ~~شاء الله تعالى. وفرق مالك بين خوف العدو المقاتل وبين خوف السبع ونحوه من ~~جمل صائل أو سيل أو ما الأغلب من ms1068 شأنه الهلاك، فإنه استحب من غير خوف العدو ~~الإعادة في الوقت إن وقع الامن. وأكثر فقهاء الأمصار على أن الامر سواء. # الخامسة - قال أبو حنيفة: إن القتال يفسد الصلاة، وحديث ابن عمر يرد ~~عليه، وظاهر الآية أقوى دليل عليه، وسيأتي هذا في " النساء " إن شاء الله ~~تعالى. قال الشافعي: # لما رخص تبارك وتعالى في جواز ترك بعض الشروط دل ذلك على أن القتال في ~~الصلاة لا يفسدها، والله أعلم. # السادسة - لا نقصان في عدد الركعات في الخوف عن صلاة المسافر عند مالك ~~والشافعي وجماعة من العلماء، وقال الحسن بن أبي الحسن وقتادة وغيرهما: يصلى ~~ركعة إيماء، روى مسلم عن بكير بن الأخنس عن مجاهد عن ابن عباس قال: فرض ~~الله الصلاة على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحضر أربعا وفى ~~السفر ركعتين وفى الخوف ركعة. # قال ابن عبد البر: انفرد به بكير بن الأخنس وليس بحجة فيما ينفرد به، ~~والصلاة أولى ما احتيط فيه، ومن صلى ركعتين في خوفه وسفره خرج من الاختلاف ~~إلى اليقين. وقال الضحاك ابن مزاحم: يصلى صاحب خوف الموت في المسايفة ~~وغيرها ركعة فإن لم يقدر فليكبر تكبيرتين. # وقال إسحاق بن راهويه: فإن لم يقدر إلا على تكبيرة واحدة أجزأت عنه، ذكره ~~ابن المنذر. # PageV03P224 # وقوله تعالى: (فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم " أي ارجعوا إلى ما ~~أمرتم به من إتمام الأركان. وقال مجاهد: " أمنتم " خرجتم من دار السفر إلى ~~دار الإقامة، ورد الطبري على هذا القول. وقالت (1) فرقة: " أمنتم " زال ~~خوفكم الذي ألجأكم إلى هذه الصلاة. # السابعة - واختلف العلماء من هذا الباب في بناء الخائف إذا أمن، فقال ~~مالك: # إن صلى ركعة آمنا ثم خاف ركب وبنى، وكذلك إن صلى راكبا وهو خائف ثم أمن ~~نزل وبنى، وهو أحد قولي الشافعي، وبه قال المزني. وقال أبو حنيفة: إذا ~~افتتح الصلاة آمنا ثم خاف استقبل ولم يبن، فإن صلى خائفا ثم أمن بنى. وقال ~~الشافعي: يبنى النازل ولا يبنى الراكب. وقال أبو يوسف: لا ms1069 يبنى في شئ من ~~هذا كله. # الثامنة - قوله تعالى: (فاذكروا الله) قيل: معناه اشكروه على هذه النعمة ~~في تعليمكم هذه الصلاة التي وقع بها الاجزاء، ولم تفتكم صلاة من الصلوات ~~وهو الذي لم تكونوا تعلمونه. فالكاف في قوله " كما " بمعنى الشكر، تقول: ~~افعل بي كما فعلت بك كذا مكافأة وشكرا. و " ما " في قوله " ما لم " مفعولة ~~ب‍ " علمكم ". # التاسعة - قال علماؤنا رحمة الله عليهم: الصلاة أصلها الدعاء، وحالة ~~الخوف أولى بالدعاء، فلهذا لم تسقط الصلاة بالخوف، فإذا لم تسقط الصلاة ~~بالخوف فأحرى ألا تسقط بغيره من مرض أو نحوه، فأمر الله سبحانه وتعالى ~~بالمحافظة على الصلوات في كل حال من صحة أو مرض، وحضر أو سفر، وقدرة أو عجز ~~وخوف أو أمن، لا تسقط عن المكلف بحال، ولا يتطرق إلى فرضيتها اختلال. ~~وسيأتي بيان حكم المريض في آخر " آل عمران (2) " إن شاء الله تعالى. ~~والمقصود من هذا أن تفعل الصلاة كيفما أمكن، ولا تسقط بحال حتى لو لم يتفق ~~فعلها إلا بالإشارة بالعين لزم فعلها، وبهذا تميزت عن سائر العبادات، كلها ~~تسقط بالأعذار ويترخص فيها بالرخص. قال ابن العربي: ولهذا قال علماؤنا: وهي ~~مسألة عظمي، إن تارك الصلاة يقتل، لأنها أشبهت الايمان الذي لا يسقط بحال، ~~وقالوا فيها: إحدى دعائم # PageV03P225 # الاسلام لا تجوز النيابة عنها ببدن ولا مال، فيقتل تاركها، أصله ~~الشهادتان. وسيأتي ما للعلماء في تارك الصلاة في " براءة (1) " إن شاء الله ~~تعالى. # قوله تعالى: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى ~~الحول غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف ~~والله عزيز حكيم (240) فيه أربع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا) ذهب جماعة من ~~المفسرين في تأويل هذه الآية أن المتوفى عنها زوجها كانت تجلس في بيت ~~المتوفى عنها حولا، وينفق عليها من ماله ما لم تخرج من المنزل، فإن خرجت لم ~~يكن على الورثة جناح في قطع النفقة عنها، ثم نسخ الحول بالأربعة الأشهر ~~والعشر، ms1070 ونسخت النفقة بالربع والثمن في سورة " النساء (2) " قاله ابن عباس ~~وقتادة والضحاك وابن زيد والربيع. وفى السكنى خلاف للعلماء، روى البخاري عن ~~ابن الزبير قال: قلت لعثمان هذه الآية التي في " البقرة ": " والذين يتوفون ~~منكم ويذرون أزواجا - إلى قوله - غير إخراج " قد نسختها الآية الأخرى فلم ~~تكتبها أو تدعها؟ # قال. يا بن (3) أخي لا أغير شيئا منه من مكانه. وقال الطبري عن مجاهد: إن ~~هذه الآية محكمة لا نسخ فيها، والعدة كانت قد ثبتت أربعة أشهر وعشرا، ثم ~~جعل الله لهن وصية منه سكنى سبعة أشهر وعشرين ليلة (4)، فإن شاءت المرأة ~~سكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت، وهو قول الله عز وجل: (غير إخراج فإن خرجن ~~فلا جناح عليكم). قال ابن عطية: # وهذا كله قد زال حكمه بالنسخ المتفق عليه إلا ما قوله الطبري مجاهدا ~~رحمهما الله تعالى، وفى ذلك نظر على الطبري. وقال القاضي عياض: والاجماع ~~منعقد على أن الحول منسوخ وأن عدتها أربعة أشهر وعشر. قال غيره: معنى قوله ~~" وصية " أي من الله تعالى تجب على النساء بعد وفاة الزوج بلزوم البيوت سنة ~~ثم نسخ. # PageV03P226 # قلت: ما ذكره الطبري عن مجاهد صحيح ثابت، خرج البخاري قال: حدثنا إسحاق ~~قال حدثنا روح قال حدثنا شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد " والذين يتوفون ~~منكم ويذرون أزواجا " قال: كانت هذه العدة تعتد عند أهل زوجها واجبة (1) ~~فأنزل الله تعالى: " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا - إلى قوله - من ~~معروف " قال: جعل الله لها تمام السنة سبعة أشهر وعشرين ليلة وصية، إن شاءت ~~سكنت في وصيتها وإن شاءت خرجت، وهو قول الله تعالى: " غير إخراج فإن خرجن ~~فلا جناح عليكم " إلا أن القول الأول أظهر لقوله عليه السلام: " إنما هي ~~أربعة أشهر وعشر وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمى بالبعرة عند رأس الحول " ~~الحديث. وهذا إخبار منه صلى الله عليه وسلم عن حالة المتوفى عنهن أزواجهن ~~قبل ورود الشرع، فلما جاء الاسلام أمرهن الله تعالى بملازمة البيوت حولا ثم ~~نسخ بالأربعة الأشهر ms1071 والعشر، هذا - مع وضوحه في السنة الثابتة المنقولة ~~بأخبار الآحاد - إجماع من علماء المسلمين لا خلاف فيه، قال أبو عمر، قال: ~~وكذلك سائر الآية. فقوله عز وجل: " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية ~~لأزواجهن متاعا إلى الحول غير إخراج " منسوخ كله عند جمهور العلماء، ثم نسخ ~~الوصية بالسكنى للزوجات في الحول، إلا رواية شاذة مهجورة جاءت عن ابن أبي ~~نجيح عن مجاهد لم يتابع عليها، ولا قال بها فيما زاد على الأربعة الأشهر ~~والعشر أحد من علماء المسلمين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم فيما علمت " ~~(2). وقد روى ابن جريج عن مجاهد مثل ما عليه الناس، فانعقد الاجماع وارتفع ~~الخلاف، وبالله التوفيق. # الثانية - قوله تعالى: (وصية) قرأ نافع وابن كثير والكسائي وعاصم في ~~رواية أبى بكر " وصية " بالرفع على الابتداء، وخبره (لأزواجهم). ويحتمل أن ~~يكون المعنى عليهم وصية، ويكون قوله " لأزواجهم " صفة، قال الطبري: قال بعض ~~النحاة: المعنى كتبت عليهم وصية، ويكون قوله " لأزواجهم " صفة، قال: وكذلك ~~هي في قراءة عبد الله # PageV03P227 # ابن مسعود. وقرأ أبو عمرو وحمزة وابن عامر " وصية " بالنصب، وذلك حمل على ~~الفعل، أي فليوصوا وصية. ثم الميت لا يوصى، ولكنه أراد إذا قربوا من ~~الوفاة، و " لأزواجهم " على هذه القراءة أيضا صفة. وقيل: المعنى أوصى الله ~~وصية. " متاعا " أي متعوهن متاعا: # أو جعل الله لهن ذلك متاعا لدلالة الكلام عليه، ويجوز أن يكون نصبا على ~~الحال أو بالمصدر الذي هو الوصية، كقوله: " أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ~~(1) " والمتاع هاهنا نفقة سنتها. # الثالثة - قوله تعالى: (غير إخراج) معناه ليس لأولياء الميت ووارثي ~~المنزل إخراجها. # و " غير " نصب على المصدر عند الأخفش، كأنه قال لا إخراجا. وقيل: نصب ~~لأنه صفة المتاع. وقيل: نصب على الحال من الموصين، أي متعوهن غير مخرجات. ~~وقيل: بنزع الخافض، أي من غير إخراج. # الرابعة - قوله تعالى: (فإن خرجن) الآية. معناه باختيارهن قبل الحول. # (فلا جناح عليكم) أي لا حرج على أحد ولى أو حاكم أو غيره، لأنه لا يجب ~~عليها المقام في ms1072 بيت زوجها حولا. وقيل: أي لا جناح في قطع النفقة عنهن، أو ~~لا جناح عليهن في التشوف إلى الأزواج، إذ قد انقطعت عنهن مراقبتكم أيها ~~الورثة، ثم عليها ألا تتزوج قبل انقضاء العدة بالحول، أو لا جناح في ~~تزويجهن (2) بعد انقضاء العدة، لأنه قال " من معروف " وهو ما يوافق الشرع. # (والله عزيز) صفة تقتضي الوعيد بالنسبة لمن خالف الحد في هذه النازلة، ~~فأخرج المرأة وهي لا تريد الخروج. (حكيم) أي محكم لما يريد من أمور عباده. # قوله تعالى: وللمطلقات متع بالمعروف حقا على المتقين (241) كذلك يبين ~~الله لكم آياته لعلكم تعقلون (242) اختلف الناس في هذه الآية، فقال أبو ~~ثور: هي محكمة، والمتعة لكل مطلقة، وكذلك قال الزهري. [قال (3) الزهري] حتى ~~للأمة يطلقها زوجها. وكذلك قال سعيد بن جبير: # لكل مطلقة متعة وهو أحد قولي الشافعي لهذه الآية. وقال مالك: لكل مطلقه - ~~اثنتين # PageV03P228 # أو واحدة بنى بها أم لا، سمى لها صداقا أم لا - المتعة، إلا المطلقة قبل ~~البناء وقد سمى لها صداقا فحسبها نصفه، ولو لم يكن سمى لها كان لها المتعة ~~أقل من صداق المثل أو أكثر، وليس لهذه المتعة حد، حكاه عنه ابن القاسم. ~~وقال ابن القاسم في إرخاء الستور من المدونة، قال: # جعل الله تعالى المتعة لكل مطلقة بهذه الآية، ثم استثنى في الآية الأخرى ~~التي قد فرض لها ولم يدخل بها فأخرجها من المتعة، وزعم ابن زيد أنها ~~نسختها. قال ابن عطية: ففر ابن القاسم من لفظ النسخ إلى لفظ الاستثناء ~~والاستثناء لا يتجه في هذا الموضع، بل هو نسخ محض كما قال زيد بن أسلم، ~~وإذا التزم ابن القاسم أن قوله: " وللمطلقات " يعم كل مطلقة لزمه القول ~~بالنسخ ولابد. وقال عطاء بن أبي رباح وغيره: هذه الآية في الثيبات اللواتي ~~قد جومعن، إذ تقدم في غير هذه الآية ذكر المتعة للواتي لم يدخل بهن، فهذا ~~قول بأن التي قد فرض لها قبل المسيس لم تدخل قط في العموم. فهذا يجئ على أن ~~قوله تعالى: " وإن ms1073 طلقتموهن من قبل أن تمسوهن " مخصصة لهذا الصنف من ~~النساء، ومتى قيل: إن هذا العموم يتناولها فذلك نسخ لا تخصيص. وقال الشافعي ~~في القول الآخر: إنه لا متعة إلا للتي طلقت قبل الدخول وليس ثم مسيس ولا ~~فرض، لان من استحقت شيئا من المهر لم تحتج في حقها إلى المتعة. وقول الله ~~عز وجل في زوجات النبي صلى الله عليه وسلم: " فتعالين أمتعكن (1) " محمول ~~على أنه تطوع من النبي صلى الله عليه وسلم، لا وجوب له. وقوله: " فما لكم ~~عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن (1) " محمول على غير المفروضة أيضا، قال ~~الشافعي: والمفروض لها المهر إذا طلقت قبل المسيس لا متعة لها، لأنها أخذت ~~نصف المهر من غير جريان وطئ، والمدخول بها إذا طلقت فلها المتعة، لان المهر ~~يقع في مقابلة الوطئ والمتعة بسبب الابتذال بالعقد. وأوجب الشافعي المتعة ~~للمختلعة والمبارئة. وقال أصحاب مالك: كيف يكون للمفتدية متعة وهي تعطى، ~~فكيف تأخذ متاعا! لا متعة لمختارة لفراق من مختلعة أو مفتدية أو مبارئة أو ~~مصالحة أو ملاعنة أو معتقة تختار الفراق، دخل بها أم لا، سمى لها صداقا أم ~~لا، وقد مضى هذا مبينا (2). # PageV03P229 # قوله تعالى: ألم تر إلى الذين خرجوا من ديرهم وهم ألوف حذر الموت فقال ~~لهم الله موتوا ثم أحياهم إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا ~~يشكرون (243) فيه ست مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (ألم تر) هذه رؤية القلب بمعنى ألم تعلم. والمعنى ~~عند سيبويه تنبه إلى أمر الذين. ولا تحتاج هذه الرؤية إلى مفعولين. وقرأ ~~أبو عبد الرحمن السلمي " ألم تر " بجزم الراء، وحذفت الهمزة حذفا من غير ~~إلقاء حركة لان الأصل ألم ترء. وقصة هؤلاء أنهم قوم من بني إسرائيل وقع ~~فيهم الوباء، وكانوا بقرية يقال لها " داور دان (1) " فخرجوا منها هاربين ~~فنزلوا واديا فأماتهم الله تعالى. قال ابن عباس: كانوا أربعة آلاف خرجوا ~~فرارا من الطاعون وقالوا: نأتى أرضا ليس بها موت، فأماتهم الله تعالى، فمر ~~بهم نبي فدعا الله تعالى فأحياهم. ms1074 وقيل: إنهم ماتوا ثمانية أيام. وقيل: ~~سبعة، والله أعلم. قال الحسن: # أماتهم الله قبل آجالهم عقوبة لهم، ثم بعثهم إلى بقية آجالهم. وقيل: إنما ~~فعل ذلك بهم معجزة لنبي من أنبيائهم، قيل: كان اسمه شمعون. وحكى النقاش ~~أنهم فروا من الحمى. وقيل: # إنهم فروا من الجهاد ولما أمرهم الله به على لسان حزقيل النبي عليه ~~السلام، فخافوا الموت بالقتل في الجهاد فخرجوا من ديارهم فرارا من ذلك، ~~فأماتهم الله ليعرفهم أنه لا ينجيهم من الموت شئ، ثم أحياهم وأمرهم بالجهاد ~~بقوله تعالى: " وقاتلوا في سبيل الله "، قال الضحاك. # قال ابن عطية: وهذا القصص كله لين الأسانيد، وإنما اللازم من الآية أن ~~الله تعالى أخبر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم إخبارا في عبارة التنبيه ~~والتوقيف عن قوم من البشر خرجوا من ديارهم فرارا من الموت فأماتهم الله ~~تعالى ثم أحياهم، ليروا هم وكل من خلف من بعدهم أن الإماتة إنما هي بيد ~~الله تعالى لا بيد غيره، فلا معنى لخوف خائف ولا لاغترار مغتر. وجعل # PageV03P230 # الله هذه الآية مقدمة بين يدي أمره المؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم بالجهاد، هذا قول الطبري وهو ظاهر رصف (1) الآية. قوله تعالى: (وهم ~~ألوف (2)) قال الجمهور: هي جمع ألف. قال بعضهم: كانوا ستمائة ألف. وقيل: ~~كانوا ثمانين ألفا. ابن عباس: أربعين ألفا. # أبو مالك: ثلاثين ألفا. السدى: سبعة وثلاثين ألفا. وقيل: سبعين ألفا، قال ~~عطاء ابن أبي رباح. وعن ابن عباس أيضا أربعين ألفا، وثمانية آلاف، رواه عنه ~~ابن جريج. # وعنه أيضا ثمانية آلاف، وعنه أيضا أربعة آلاف، وقيل: ثلاثة آلاف. والصحيح ~~أنهم زادوا على عشرة آلاف لقوله تعالى: " وهم ألوف " وهو جمع الكثرة، ولا ~~يقال في عشرة فما دونها ألوف. وقال ابن زيد في لفظة ألوف: إنما معناها وهم ~~مؤتلفون، أي لم تخرجهم فرقة قومهم ولا فتنة بينهم إنما كانوا مؤتلفين، ~~فخالفت هذه الفرقة فخرجت فرارا من الموت وابتغاء الحياة بزعمهم، فأماتهم ~~الله في منجاهم بزعمهم. فألوف على هذا جمع آلف، ms1075 مثل جالس وجلوس. قال ابن ~~العربي: أماتهم الله تعالى [مدة (3)] عقوبة لهم ثم أحياهم، وميتة العقوبة ~~بعدها حياة، وميتة الاجل لا حياة بعدها. قال مجاهد: إنهم لما أحيوا رجعوا ~~إلى قومهم يعرفون [أنهم كانوا (4) موتى] ولكن سحنة الموت على وجوههم، ولا ~~يلبس أحد منهم ثوبا إلا عاد كفنا دسما (5) حتى ماتوا لآجالهم التي كتبت ~~لهم. ابن جريج عن ابن عباس: وبقيت الرائحة على ذلك السبط من بني إسرائيل ~~إلى اليوم. وروى أنهم كانوا بواسط العراق. # ويقال: إنهم أحيوا بعد أن أنتنوا، فتلك الرائحة موجودة في نسلهم إلى ~~اليوم. # الثانية - قوله تعالى: (حذر الموت) أي لحذر الموت، فهو نصب لأنه مفعول ~~له. # و (موتوا) أمر تكوين، ولا يبعد أن يقال: نودوا وقيل لهم: موتوا. وقد حكى ~~أن ملكين صاحا بهم: موتوا فماتوا، فالمعنى قال لهم الله بواسطة الملكين " ~~موتوا "، والله أعلم. # PageV03P231 # الثالثة - أصح هذه الأقوال [وأبينها (1)] وأشهرها أنهم خرجوا فرارا من ~~الوباء، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: خرجوا فرارا من الطاعون ~~فماتوا، فدعا الله نبي من الأنبياء أن يحييهم حتى يعبدوه فأحياهم الله. ~~وقال عمرو بن دينار في هذه الآية: وقع الطاعون في قريتهم فخرج أناس وبقى ~~أناس، ومن خرج أكثر ممن بقى، قال: فنجا الذين خرجوا ومات الذين أقاموا، ~~فلما كانت الثانية خرجوا بأجمعهم إلا قليلا فأماتهم الله ودوابهم، ثم ~~أحياهم فرجعوا إلى بلادهم وقد توالدت ذريتهم. وقال الحسن: خرجوا حذارا من ~~الطاعون فأماتهم الله ودوابهم في ساعة واحدة، وهم أربعون ألفا. # قلت: وعلى هذا تترتب الاحكام في هذه الآية. فروى الأئمة واللفظ للبخاري ~~من حديث عامر بن سعد بن أبي وقاص أنه سمع أسامة بن زيد يحدث سعدا أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ذكر الوجع (2) فقال " رجز أو عذاب عذب به بعض ~~الأمم ثم بقى منه بقية فيذهب المرة ويأتي الأخرى فمن سمع به بأرض فلا يقدمن ~~عليه ومن كان بأرض وقع بها فلا يخرج فرارا منه " وأخرجه أبو عيسى الترمذي ~~فقال: حدثنا قتيبة ms1076 أنبأنا حماد بن زيد عن عمرو ابن دينار عن عامر بن سعد عن ~~أسامة بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الطاعون فقال: " بقية رجز أو ~~عذاب أرسل على طائفة من بني إسرائيل فإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا ~~منها وإذا وقع بأرض ولستم بها فلا تهبطوا عليها " قال: حديث حسن صحيح. # وبمقتضى هذه الأحاديث عمل عمر والصحابة رضوان الله عليهم لما رجعوا من ~~سرغ (3) حين أخبرهم عبد الرحمن بن عوف بالحديث، على ما هو مشهور في الموطأ ~~وغيره. وقد كره قوم الفرار من الوباء والأرض السقيمة، روى عن عائشة رضي ~~الله عنها أنها قالت: الفرار من الوباء كالفرار من الزحف. وقصة عمر في ~~خروجه إلى الشام مع أبي عبيدة معروفة، وفيها: # أنه رجع. وقال الطبري: في حديث سعد دلالة على أن على المرء توقى المكاره ~~قبل نزولها، وتجنب الأشياء المخوفة قبل هجومها، وأن عليه الصبر وترك الجزع ~~بعد نزولها، وذلك أنه عليه # PageV03P232 # السلام نهى من لم يكن في أرض الوباء عن دخولها إذا وقع فيها، ونهى من هو ~~فيها عن الخروج منها بعد وقوعه فيها فرارا منه، فكذلك الواجب أن يكون حكم ~~كل متق من الأمور غوائلها، سبيله في ذلك سبيل الطاعون. وهذا المعنى نظير ~~قوله عليه السلام: " لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية فإذا ~~لقيتموهم فاصبروا ". # قلت: وهذا هو الصحيح في الباب، وهو مقتضى قول الرسول عليه السلام، وعليه ~~عمل أصحابه البررة الكرام [رضى الله (1) عنهم]، وقد قال عمر لأبي عبيدة ~~محتجا عليه لما قال له: أفرارا من قدر الله! فقال عمر: لو غيرك قالها يا ~~أبا عبيدة " نعم، نفر من قدر الله إلى قدر الله. # المعنى: أي لا محيص للانسان عما قدره الله له وعليه، ولكن أمرنا الله ~~تعالى بالتحرز من المخاوف [والمهلكات (2)]، وباستفراغ الوسع في التوقي من ~~المكروهات. ثم قال له: أرأيت لو كانت لك إبل فهبطت واديا له عدوتان (3) ~~إحداهما خصبة (4) والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن ms1077 ~~رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله [عز وجل]. فرجع عمر من موضعه ذلك إلى ~~المدينة. قال الكيا الطبري: ولا نعلم خلافا أن الكفار أو قطاع الطريق إذا ~~قصدوا بلدة ضعيفة لا طاقة لأهلها بالقاصدين فلهم أن يتنحوا (5) من بين ~~أيديهم، وإن كانت الآجال المقدرة لا تزيد ولا تنقص. وقد قيل: إنما نهى عن ~~الفرار منه لان الكائن بالموضع الذي الوباء فيه لعله قد أخذ بحظ منه، ~~لاشتراك أهل ذلك الموضع في سبب ذلك المرض العام، فلا فائدة لفراره، بل يضيف ~~إلى ما أصابه من مبادئ الوباء مشقات السفر، فتتضاعف الآلام ويكثر الضرر ~~فيهلكون بكل طريق ويطرحون في كل فجوة ومضيق، ولذلك يقال: # ما فر أحد من الوباء فسلم، حكاه ابن المدائني. ويكفي في (6) ذلك موعظة ~~قوله تعالى: # " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله ~~موتوا " ولعله إن فر ونجا يقول: إنما نجوت من أجل خروجي عنه فيسوء اعتقاده. ~~وبالجملة فالفرار منه ممنوع لما ذكرناه، ولما فيه من تخلية البلاد: ولا ~~تخلو من مستضعفين يصعب عليهم الخروج # PageV03P233 # منها، ولا يتأتى لهم ذلك، ويتأذون بحلو البلاد من المياسير الذين كانوا ~~أركانا للبلاد ومعونة للمستضعفين. وإذا كان الوباء بأرض فلا يقدم عليه أحد ~~أخذا بالحزم والحذر والتحرز من مواضع الضرر، ودفعا للأوهام المشوشة لنفس ~~الانسان، وفى الدخول عليه الهلاك، وذلك لا يجوز في حكم الله تعالى، فإن ~~صيانة النفس عن المكروه واجبة، وقد يخاف عليه من سوء الاعتقاد بأن يقول: ~~لولا دخولي في هذا المكان لما نزل بي مكروه. فهذه فائدة النهى عن دخول أرض ~~بها الطاعون أو الخروج منها، والله أعلم. وقد قال ابن مسعود: الطاعون فتنة ~~على المقيم والفار، فأما الفار فيقول: فبفراري نجوت، وأما المقيم فيقول: ~~أقمت فمت، وإلى نحو هذا أشار مالك حين سئل عن كراهة النظر إلى المجذوم ~~فقال: ما سمعت فيه بكراهة، وما أرى ما جاء من النهى عن ذلك إلا خيفة أن ~~يفزعه أو يخيفه شئ يقع في نفسه، قال ms1078 النبي صلى الله عليه وسلم في الوباء: " ~~إذا سمعتم به في أرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا ~~منه ". وسئل أيضا عن البلدة يقع فيها الموت وأمراض، فهل يكره الخروج منها؟ ~~فقال: ما أرى بأسا خرج أو أقام. # الرابعة - في قوله عليه السلام: " إذا وقع الوباء بأرض وأنتم بها فلا ~~تخرجوا فرارا منه ". دليل على أنه يجوز الخروج من بلدة الطاعون على غير ~~سبيل الفرار منه، إذا اعتقد أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وكذلك حكم الداخل ~~إذا أيقن أن دخولها (1) لا يجلب إليه قدرا لم يكن الله قدره له، فباح له ~~الدخول إليه والخروج منه على هذا الحد الذي ذكرناه، والله أعلم. # الخامسة - في فضل الصبر على الطاعون وبيانه. الطاعون وزنه فاعول من ~~الطعن، غير أنه لما عدل به عن أصله وضع دالا على الموت العام بالوباء، قاله ~~الجوهري. ويروى من حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: " فناء أمتي بالطعن والطاعون " قالت: الطعن قد عرفناه فما ~~الطاعون؟ قال: " غدة كغدة (2) البعير تخرج في المراق (3) والآباط ". قال ~~العلماء: وهذا الوباء قد يرسله الله نقمة وعقوبة على من يشاء # PageV03P234 # من العصاة من عبيده وكفرتهم، وقد يرسله شهادة ورحمة للصالحين، كما قال ~~معاذ في طاعون عمواس (1): إنه شهادة ورحمة لكم ودعوة نبيكم، اللهم أعط ~~معاذا وأهله نصيبهم من رحمتك. # فطعن في كفه رضي الله عنه. قال أبو قلابة: قد عرفت الشهادة والرحمة ولم ~~أعرف ما دعوة نبيكم؟ فسألت عنها فقيل: دعا عليه السلام أن يجعل فناء أمته ~~بالطعن والطاعون حين دعا ألا يجعل بأس أمته بينهم فمنعها فدعا بهذا. ويروى ~~من حديث جابر وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " الفار من ~~الطاعون كالفار من الزحف والصابر فيه كالصابر في الزحف ". وفى البخاري عن ~~يحيى بن يعمر عن عائشة أنها أخبرته أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن الطاعون فأخبرها نبي الله صلى الله عليه وسلم: " أنه ms1079 كان عذابا يبعثه ~~الله على من يشاء فجعله الله رحمة للمؤمنين فليس من عبد يقع الطاعون فيمكث ~~في بلده صابرا يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثله أجر ~~الشهيد ". وهذا تفسير لقوله عليه الصلاة والسلام: " الطاعون شهادة والمطعون ~~شهيد ". أي الصابر عليه المحتسب أجره على الله العالم أنه لن يصيبه إلا ما ~~كتب الله عليه، ولذلك تمنى معاذ أن يموت فيه لعلمه أن من مات فهو شهيد. ~~وأما من جزع من الطاعون وكرهه وفر منه فليس بداخل في معنى الحديث، والله ~~أعلم. # السادسة - قال أبو عمر: لم يبلغني أن أحدا من حملة العلم فر من الطاعون ~~إلا ما ذكره ابن المدائني أن على بن زيد بن جدعان هرب من الطاعون إلى ~~السيالة (2) فكان يجمع كل جمعة ويرجع، فكان إذا جمع صاحوا به: فر من ~~الطاعون! فمات بالسيالة. قال: وهرب عمرو بن عبيد ورباط بن محمد إلى ~~الرباطية فقال إبراهيم بن علي الفقيمي في ذلك: # ولما استفز الموت كل مكذب * صبرت ولم يصبر رباط ولا عمرو # PageV03P235 # وذكر أبو حاتم عن الأصمعي قال: هرب بعض البصريين من الطاعون فركب حمارا ~~له ومضى بأهله نحو سفوان (1)، فسمع حاديا يحدو خلفه: # لن يسبق الله على حمار * ولا على ذي منعة طيار أو يأتي الحتف على مقدار * ~~قد يصبح الله أمام الساري وذكر المدائني قال: وقع الطاعون بمصر في ولاية ~~عبد العزيز بن مروان فخرج هاربا منه فنزل قرية من قرى الصعيد يقال لها " ~~سكر " (2). فقدم عليه حين نزلها رسول لعبد الملك ابن مروان. فقال له عبد ~~العزيز: ما أسمك؟ فقال له: طالب بن مدرك. فقال: أو ه (3) ما أراني راجعا ~~إلى الفسطاط! فمات في تلك القرية. # قوله تعالى: وقتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم (244) هذا ~~خطاب لامة محمد صلى الله عليه وسلم بالقتال في سبيل الله في قول الجمهور. ~~وهو الذي ينوى به أن تكون كلمة الله هي العليا. وسبل الله كثيرة فهي عامة ~~في ms1080 كله سبيل، قال الله تعالى: " قل هذه سبيلي (4) ". قال مالك: سبل الله ~~كثيرة، وما من سبيل إلا يقاتل عليها أو فيها أولها، وأعظمها دين الاسلام، ~~لا خلاف في هذا. وقيل: الخطاب للذين أحيوا من بني إسرائيل، روى عن ابن عباس ~~والضحاك. والواو على هذا في قوله " وقاتلوا " عاطفة على الامر المتقدم، وفى ~~الكلام متروك تقديره: وقال لهم قاتلوا. وعلى القول الأول عاطفة جملة كلام ~~على جملة ما تقدم، ولا حاجة إلى إضمار في الكلام. قال النحاس: # " وقاتلوا " أمر من الله تعالى للمؤمنين ألا تهربوا كما هرب هؤلاء. # (واعلموا أن الله سميع عليم) أي يسمع قولكم إن قلتم مثل ما قال هؤلاء ~~ويعلم مرادكم به، وقال الطبري: # لا وجه لقول من قال: إن الامر بالقتال للذين أحيوا. والله أعلم. # PageV03P236 # قوله تعالى: من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضعفه له أضعافا كثيرة ~~والله يقبض ويبصط وإليه ترجعون (245) فيه إحدى عشرة مسألة: # الأولى - قوله تعالى: (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا) لما أمر الله ~~تعالى بالجهاد والقتال على الحق - إذ ليس شئ من الشريعة إلا ويجوز القتال ~~عليه وعنه، وأعظمها دين الاسلام كما قال مالك - حرض على الانفاق في ذلك. ~~فدخل في هذا الخبر المقاتل في سبيل الله، فإنه يقرض به رجاء الثواب كما فعل ~~عثمان رضي الله عنه في جيش العسرة (1). # و " من " رفع بالابتداء، و " ذا " خبره، و " الذي " نعت لذا، وإن شئت ~~بدل. ولما نزلت هذه الآية بادر أبو الدحداح إلى التصدق بماله ابتغاء ثواب ~~ربه. أخبرنا الشيخ الفقيه الامام المحدث القاضي أبو عامر (2) يحيى بن عامر ~~بن أحمد بن منيع الأشعري نسبا ومذهبا بقرطبة - أعادها الله - في ربيع الآخر ~~عام ثمانية وعشرين وستمائة قراءة منى عليه قال: أخبرنا أبى إجازة قال: قرأت ~~على أبى بكر عبد العزيز بن خلف بن مدين الأزدي عن أبي عبد الله بن سعدون ~~سماعا عليه، قال: حدثنا أبو الحسن على بن مهران قال: حدثنا أبو الحسن محمد ~~بن عبد الله ابن زكريا ms1081 بن حياة النيسابوري سنة ست وستين وثلاثمائة، قال: ~~أنبأنا عمى أبو زكريا يحيى ابن زكريا قال: حدثنا محمد بن معاوية بن صالح ~~قال: حدثنا خلف بن خليفة عن حميد (3) الأعرج عن عبد الله بن الحارث عن عبد ~~الله بن مسعود قال: لما نزلت: " من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا " قال أبو ~~الدحداح: يا رسول الله أو إن الله تعالى يريد منا القرض؟ قال: " نعم يا أبا ~~الدحداح " قال: أرني يدك [قال] فناوله، قال: فإني أقرضت الله حائطا فيه ~~ستمائة نخلة. # PageV03P237 # ثم جاء يمشى حتى أتى الحائط وأم الدحداح فيه وعياله، فناداها: يا أم ~~الدحداح، قالت: لبيك، قال: أخرجي، قد أقرضت ربي عز وجل حائطا فيه ستمائة ~~نخلة. وقال زيد بن أسلم: # لما نزل: " من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا " قال أبو الدحداح: فداك أبي ~~وأمي يا رسول الله! إن الله يستقرضنا وهو غنى عن القرض؟ قال: " نعم يريد أن ~~يدخلكم الجنة به ". قال: فإني إن أقرضت ربى قرضا يضمن لي به ولصبيتي ~~الدحداحة معي الجنة؟ # قال: " نعم " قال: فناولني يدك، فناوله رسوله الله صلى الله عليه وسلم ~~يده. فقال: إن لي حديقتين إحداهما بالسافلة والأخرى بالعالية، والله لا ~~أملك غيرهما، قد جعلتهما قرضا لله تعالى. قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " اجعل إحداهما لله والأخرى دعها معيشة لك ولعيالك " قال: فأشهدك يا ~~رسول الله أنى قد جعلت خيرهما لله تعالى، وهو حائط فيه ستمائة نخلة. قال: " ~~إذا يجزيك الله به الجنة ". فأنطلق أبو الدحداح حتى جاء أم الدحداح وهي مع ~~صبيانها في الحديقة تدور تحت النخل فأنشأ يقول: # هداك ربى سبل الرشاد * إلى سبيل الخير والسداد بيني من الحائط بالوداد * ~~فقد مضى قرضا إلى التناد أقرضته الله على اعتمادي * بالطوع لا من ولا ~~ارتداد (1) إلا رجاء الضعف في المعاد * فارتحلي بالنفس والأولاد والبر لا ~~شك فخير زاد * قدمه المرء إلى المعاد قالت أم الدحداح: ربح بيعك! بارك الله ~~لك فيما اشتريت، ثم أجابته أم الدحداح وأنشأت تقول: ms1082 # بشرك الله بخير وفرح * مثلك أدى ما لديه ونصح قد متع الله عيالي ومنح * ~~بالعجوة السوداء والزهو البلح والعبد يسعى وله ما قد كدح * طول الليالي ~~وعليه ما اجترح # PageV03P238 # ثم أقبلت أم الدحداح على صبيانها تخرج ما في أفواههم وتنفض ما في أكمامهم ~~حتى أفضت إلى الحائط الآخر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " كم من عذق ~~(1) رداح ودار (2) فياح لأبي الدحداح ". # الثانية - قال ابن العربي: " انقسم الخلق بحكم الخالق وحكمته وقدرته ~~ومشيئته وقضائه وقدره حين سمعوا هذه الآية أقساما، فتفرقوا فرقا ثلاثة: ~~الفرقة الأولى الرذلي قالوا: # إن رب محمد محتاج فقير إلينا ونحن أغنياء، فهذه جهالة لا تخفى على ذي لب، ~~فرد الله عليهم بقوله: " لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن ~~أغنياء (3) ". الفرقة الثانية لما سمعت هذا القول آثرت الشح والبخل وقدمت ~~الرغبة في المال، فما أنفقت في سبيل الله ولا فكت أسيرا ولا أعانت (4) ~~أحدا، تكاسلا عن الطاعة وركونا إلى هذه الدار. [الفرقة (5)] الثالثة لما ~~سمعت بادرت إلى امتثاله وآثر المجيب منهم بسرعة بماله كأبي الدحداح رضي ~~الله عنه وغيره. والله أعلم. # الثالثة - قوله تعالى: (قرضا حسنا) القرض: اسم لكل ما يلتمس عليه الجزاء. # وأقرض فلان فلانا أي أعطاه ما يتجازاه، قال الشاعر وهو لبيد: # وإذا جوزيت قرضا فآجزه * إنما يجزى الفتى ليس الجمل والقرض بالكسر لغة ~~فيه حكاها الكسائي. واستقرضت من فلان أي طلبت منه القرض فأقرضني. واقترضت ~~منه أي أخذت القرض. وقال الزجاج: القرض في اللغة البلاء الحسن والبلاء ~~السيئ، قال أمية: # كل امرئ سوف يجزى قرضه حسنا * أو سيئا ومدينا مثل ما دانا وقال آخر: # تجازى القروض بأمثالها * فبالخير خيرا وبالشر شرا وقال الكسائي: القرض ما ~~أسلفت من عمل صالح أو سيئ. وأصل الكلمة القطع، ومنه المقراض. وأقرضته أي ~~قطعت له من مالي قطعة يجازى عليها. وانقرض القوم: انقطع # PageV03P239 # أثرهم وهلكوا. والقرض ههنا: اسم، ولولاه لقال [ههنا (1)] إقراضا. ~~واستدعاء القرض في هذه الآية إنما هي تأنيس وتقريب للناس بما يفهمونه، ~~والله ms1083 هو الغنى الحميد، لكنه تعالى شبه عطاء المؤمن في الدنيا بما يرجو به ~~ثوابه في الآخرة بالقرض كما شبه إعطاء النفوس والأموال في أخذ الجنة بالبيع ~~والشراء، حسب ما يأتي بيانه في " براءة (2) " إن شاء الله تعالى. # وقيل المراد بالآية الحث على الصدقة وإنفاق المال على الفقراء والمحتاجين ~~والتوسعة عليهم، وفى سبيل الله بنصرة الدين. وكنى الله سبحانه عن الفقير ~~بنفسه العلية المنزهة عن الحاجات ترغيبا في الصدقة، كما كنى عن المريض ~~والجائع والعطشان بنفسه المقدسة عن النقائص والآلام. ففي صحيح الحديث ~~إخبارا عن الله تعالى: " يا بن آدم مرضت فلم تعدني واستطعمتك فلم تطعمني ~~واستسقيتك فلم تسقني " قال يا رب كيف سقيك وأنت رب العالمين!؟ قال: # استسقاك عبدي فلان فلم تسقه أما إنك لو سقيته وجدت ذلك عندي ". وكذا فيما ~~قبل، أخرجه مسلم والبخاري وهذا كله خرج مخرج التشريف لمن كنى عنه ترغيبا ~~لمن خوطب به. # الرابعة - يجب على المستقرض رد القرض، لان الله تعالى بين أن من أنفق في ~~سبيل الله لا يضيع عند الله تعالى بل يرد الثواب قطعا وأبهم الجزاء. وفى ~~الخبر: " النفقة في سبيل الله تضاعف إلى سبعمائة ضعف وأكثر " على ما يأتي ~~بيانه في هذه السورة عند قوله تعالى: # " مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل " ~~الآية (3). وقال ههنا: (فيضاعفه له أضعافا كثيرة) وهذا لا نهاية له ولا حد. # الخامسة - ثواب القرض عظيم، لان فيه توسعة على المسلم وتفريجا عنه. خرج ~~ابن ماجة في سننه عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~رأيت ليلة اسرى بي على باب الجنة مكتوبا الصدقة بعشر أمثالها والقرض ~~بثمانية عشر فقلت لجبريل: # ما بال القرض أفضل من الصدقة قال لان السائل يسأل وعنده والمستقرض لا ~~يستقرض إلا من حاجة ". قال حدثنا محمد بن خلف العسقلاني حدثنا يعلى حدثنا ~~سليمان بن يسير # PageV03P240 # عن قيس بن رومي قال: كان سليمان بن أذنان (1) يقرض علقمة ألف درهم إلى ~~عطائه، فلما خرج ms1084 عطاؤه تقاضاها منه، واشتد عليه فقضاه، فكأن علقمة غضب فمكث ~~أشهرا (2) ثم أتاه فقال: # أقرضني ألف درهم إلى عطائي، قال: نعم وكرامة! يا أم عتبة هلمي تلك ~~الخريطة المختومة التي عندك، قال: فجاءت بها فقال: أما والله إنها لدراهمك ~~التي قضيتني ما حركت منها درهما واحدا قال: فلله أبو ك؟ ما حملك على ما ~~فعلت بي؟ قال: ما سمعت منك، قال: ما سمعت منى؟ قال: سمعتك تذكر عن ابن ~~مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما من مسلم يقرض مسلما قرضا ~~مرتين إلا كان كصدقتها مرة " قال: كذلك أنبأني ابن مسعود. # السادسة - قرض الآدمي للواحد واحد، أي يرد عليه مثله ما أقرضه. وأجمع أهل ~~العلم على أن استقراض الدنانير والدراهم والحنطة والشعير والتمر والزبيب ~~وكل ما له مثل من سائر الأطعمة جائز. وأجمع المسلمون نقلا عن نبيهم صلى ~~الله عليه وسلم أن اشتراط الزيادة في السلف ربا ولو كان قبضة من علف - كما ~~قال ابن مسعود - أو حبة واحدة. ويجوز أن يرد أفضل مما يستلف إذا لم يشترط ~~ذلك عليه، لان ذلك من باب المعروف، استدلالا بحديث أبي هريرة في البكر: " ~~إن خياركم أحسنكم قضاء " رواه الأئمة: البخاري ومسلم وغيرهما. # فأثنى صلى الله عليه وسلم على من أحسن القضاء، وأطلق ذلك ولم يقيده بصفة. ~~وكذلك قضى هو صلى الله عليه وسلم في البكر وهو الفتى المختار من الإبل جملا ~~خيارا رباعيا، والخيار: # المختار، والرباعي هو الذي دخل في السنة الرابعة، لأنه يلقى فيها رباعيته ~~وهي التي تلي الثنايا وهي أربع رباعيات - مخففة الباء - وهذا الحديث دليل ~~على جواز قرض الحيوان، وهو مذهب الجمهور، ومنع من ذلك أبو حنيفة وقد تقدم. # السابعة - ولا يجوز أن يهدى من استقرض هدية للمقرض، ولا يحل للمقرض ~~قبولها إلا أن يكون عادتهما ذلك، بهذا جاءت السنة: خرج ابن ماجة حدثنا هشام ~~بن عمار قال حدثنا إسماعيل بن عياش حدثنا عتبة بن حميد الضبي عن يحيى بن ~~أبي إسحاق الهنائي قال: # PageV03P241 # سألت أنس بن ms1085 مالك عن الرجل منا يقرض أخاه المال فيهدى إليه؟ قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " إذا أقرض أحدكم أخاه قرضا فأهدى له أو حمله على ~~دابته فلا يقبلها ولا يركبها إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك ". # الثامنة - القرض يكون من المال - وقد بينا حكمه - ويكون من العرض، وفى ~~الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: " أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم كان ~~إذا خرج من بيته قال اللهم إني قد تصدقت بعرضي على عبادك ". وروى عن ابن ~~عمر: # أقرض من عرضك ليوم فقرك، يعنى من سبك فلا تأخذ منه حقا ولا تقم عليه حدا ~~حتى تأتى يوم القيامة موفر الاجر. وقال أبو حنيفة: لا يجوز التصدق بالعرض ~~لأنه حق الله تعالى، وروى عن مالك. ابن العربي: وهذا فاسد، قال عليه السلام ~~في الصحيح: " إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام " الحديث. وهذا يقتضى ~~أن تكون هذه المحرمات الثلاث تجرى مجرى واحدا في كونها باحترامها حقا ~~للآدمي. # التاسعة - (حسنا) قال الواقدي: محتسبا طيبة به نفسه. وقال عمرو ابن عثمان ~~الصدفي: لا يمن به ولا يؤذى. وقال سهل بن عبد الله: لا يعتقد في قرضه عوضا. # العاشرة - قوله تعالى: (فيضاعفه له) قرأ عاصم وغيره " فيضاعفه " بالألف ~~ونصب الفاء. وقرأ ابن عامر ويعقوب بالتشديد في العين مع سقوط الألف ونصب ~~الفاء. وقرأ ابن كثير وأبو جعفر وشيبة بالتشديد ورفع الفاء. وقرأ الآخرون ~~بالألف ورفع الفاء. فمن رفعه نسقه على قوله: " يقرض " وقيل: على تقدير هو ~~يضاعفه. ومن نصب فجوابا للاستفهام بالفاء. # وقيل: بإضمار " أن " والتشديد والتخفيف لغتان. دليل التشديد " أضعافا ~~كثيرة " لان التشديد للتكثير. وقال الحسن والسدي: لا نعلم هذا التضعيف إلا ~~لله وحده، لقوله تعالى: # " ويؤت من لدنه أجرا عظيما (1) ". قاله أبو هريرة: هذا في نفقة الجهاد، ~~وكنا نحسب والنبي صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا نفقة الرجل على نفسه ~~ورفقائه وظهره بألفي ألف. # PageV03P242 # الحادية عشرة - قوله تعالى: (والله يقبض ويبسط) هذا عام في كل شئ فهو ~~القابض الباسط، ms1086 وقد أتينا عليهما في " شرح الأسماء الحسنى في الكتاب الأسنى ~~". # (وإليه ترجعون) وعيد، فيجازى كلا بعمله. # قوله تعالى: ألم تر إلى الملا من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي ~~لهم ابعث لنا ملكا نقتل في سبيل الله قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا ~~تقتلوا قالوا وما لنا ألا نقتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا ~~فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين (246) ~~ذكر في التحريض على القتال قصة أخرى جرت في بني إسرائيل. والملا: الاشراف ~~من الناس، كأنهم ممتلئون شرفا. وقال الزجاج: سموا بذلك لأنهم ممتلئون مما ~~يحتاجون إليه منهم. والملا في هذه الآية القوم، لان المعنى يقتضيه. والملا: ~~اسم للجمع كالقوم والرهط. # والملا أيضا: حسن الخلق، ومنه الحديث " أحسنوا الملا فكلكم سيروى " خرجه ~~مسلم. # قوله تعالى: (من بعد موسى) أي من بعد وفاته (إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ~~ملكا) قيل: هو شمويل بن بال (1) بن علقمة ويعرف بابن العجوز. ويقال فيه: ~~شمعون، قال السدى: وإنما قيل: ابن والعجوز لان أمه كانت عجوزا فسألت الله ~~الولد وقد كبرت وعقمت فوهبه الله تعالى لها. ويقال له: سمعون لأنها دعت ~~الله أن يرزقها الولد فسمع دعاءها فولدت غلاما فسمته " سمعون "، تقول: سمع ~~الله دعائي، والسين تصير شينا بلغة العبرانية، وهو من ولد يعقوب. وقال ~~مقاتل: هو من نسل هارون عليه السلام. وقال قتادة: # هو يوشع بن نون. قال ابن عطية: وهذا ضعيف لان مدة داود هي من بعد موسى ~~بقرون من # PageV03P243 # الناس، ويوشع هو فتى موسى. وذكر المحاسبي أن اسمه إسماعيل، والله أعلم. ~~وهذه الآية هي خبر عن قوم من بني إسرائيل نالتهم ذلة وغلبة عدو فطلبوا ~~الاذن في الجهاد وأن يؤمروا به، فلما أمروا كع (1) أكثرهم وصبر الأقل ~~فنصرهم الله. وفى الخبر أن هؤلاء المذكورين هم الذين أميتوا ثم أحيوا، ~~والله أعلم. # قوله تعالى: (نقاتل) بالنون والجزم وقراءة جمهور القراء على جواب الامر. ~~وقرأ الضحاك وابن أبي عبلة بالياء ورفع ms1087 الفعل، فهو في موضع الصفة للملك. # قوله تعالى: (قال هل عسيتم) و " عسيتم " بالفتح والكسر لغتان، وبالثانية ~~قرأ نافع، والباقون بالأولى وهي الأشهر. قال أبو حاتم: وليس للكسر وجه، وبه ~~قرأ الحسن وطلحة. # قال مكي في اسم الفاعل: عس، فهذا يدل على كسر السين في الماضي. والفتح في ~~السين هي اللغة الفاشية. قال أبو على: ووجه الكسر قول العرب: هو عس بذلك، ~~مثل حر وشج، وقد جاء فعل وفعل في نحو نعم ونعم، وكذلك عسيت وعسيت، فإن أسند ~~الفعل إلى ظاهر فقياس عسيتم أن يقال: عسى زيد، مثل رضى زيد، فإن قيل فهو ~~القياس، وإن لم يقل، فسائغ أن يؤخذ باللغتين فتستعمل إحداهما موضع الأخرى. ~~ومعنى هذه المقالة: # هل أنتم قريب من التولي والفرار؟. (إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا) قال ~~الزجاج: # " ألا تقاتلوا " في موضع نصب، أي هل عسيتم مقاتلة. (قالوا وما لنا ألا ~~نقاتل في سبيل الله) قال الأخفش: " أن " زائدة. وقال الفراء: هو محمول على ~~المعنى، أي وما منعنا، كما تقول: ما لك ألا تصلى؟ أي ما منعك. وقيل: المعنى ~~وأي شئ لنا في ألا نقاتل في سبيل الله! قال النحاس: وهذا أجودها. " وأن " ~~في موضع نصب. (وقد أخرجنا من ديارنا) تعليل، وكذلك (وأبنائنا) أي بسبب ~~ذرارينا. # قوله تعالى: (فلما كتب عليهم) أي فرض عليهم (القتال تولوا) أخبر تعالى ~~أنه لما فرض عليهم القتال ورأوا الحقيقة ورجعت أفكارهم إلى مباشرة الحرب ~~وأن نفوسهم # PageV03P244 # ربما قد تذهب " تولوا " أي اضطربت نياتهم وفترت عزائمهم، وهذا شأن الأمم ~~المتنعمة المائلة إلى الدعة تتمنى الحرب أوقات الانفة فإذا حضرت الحرب كعت ~~وانقادت لطبعها. # وعن هذا المعنى نهى النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: " لا تتمنوا لقاء ~~العدو وسلوا الله العافية فإذا لقيتموهم فأثبتوا " رواه الأئمة. ثم أخبر ~~الله تعالى عن قليل منهم أنهم ثبتوا على النية الأولى واستمرت عزيمتهم على ~~القتال في سبيل الله تعالى. # قوله تعالى: وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى ~~يكون له ms1088 الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله ~~اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتى ملكه من يشاء والله ~~وسع عليم (247) قوله تعالى: (وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ~~ملكا) أي أجابكم إلى ما سألتم، وكان طالوت سقاء. وقيل: دباغا. وقيل: ~~مكاريا، وكان عالما فلذلك رفعه الله على ما يأتي: وكان من سبط بنيامين ولم ~~يكن من سبط النبوة ولا من سبط الملك، وكانت النبوة في بنى لاوي، والملك في ~~سبط يهوذا فلذلك أنكروا. قال وهب بن منبه: لما قال الملا من بني إسرائيل ~~لشمويل بن بال ما قالوا، سأل الله تعالى أن يبعث إليهم ملكا ويدله عليه، ~~فقال الله تعالى له: انظر إلى القرن (1) الذي فيه الدهن في بيتك فإذا دخل ~~عليك رجل فنش (2) الدهن الذي في القرن، فهو ملك بني إسرائيل فادهن رأسه منه ~~وملكه عليهم. قال: وكان طالوت دباغا فخرج في ابتغاء دابة أضلها، فقصد شمويل ~~عسى أن يدعو له في أمر الدابة أو يجد عنده فرجا، فنش الدهن على (3) ما ~~زعموا، قال: فقام إليه شمويل فأخذه ودهن منه رأس طالوت، وقال له: أنت ملك ~~بني إسرائيل الذي أمرني الله تعالى بتقديمه، ثم قال لبني إسرائيل: # " إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا ". وطالوت وجالوت اسمان أعجميان معربان، ~~ولذلك # PageV03P245 # لم ينصرفا، وكذلك داود، والجمع طواليت وجواليت ودواويد، ولو سميت رجلا ~~بطاوس وراقود (1) لصرفت وإن كان أعجميين. والفرق بين هذا والأول أنك تقول: ~~الطاوس، فتدخل الألف واللام فيمكن في العربية ولا يمكن هذا في ذاك. # قوله تعالى: (أنى يكون له الملك علينا) أي كيف يملكنا ونحن أحق بالملك ~~منه؟. # جروا على سنتهم في تعنيتهم الأنبياء وحيدهم عن أمر الله تعالى فقالوا: " ~~أنى " أي من أي جهة، ف‍ " أنى " في موضع نصب على الظرف، ونحن من سبط الملوك ~~وهو ليس كذلك وهو فقير، فتركوا السبب الأقوى وهو قدر الله تعالى وقضاؤه ~~السابق حتى احتج عليهم نبيهم بقوله: (إن ms1089 الله اصطفاه) أي اختاره وهو الحجة ~~القاطعة، وبين لهم مع ذلك تعليل اصطفاء طالوت، وهو بسطته في العلم الذي هو ~~ملاك الانسان، والجسم الذي هو معينه في الحرب وعدته عند اللقاء، فتضمنت ~~بيان صفة الامام وأحوال الإمامة، وأنها مستحقة بالعلم والدين والقوة لا ~~بالنسب، فلا حظ للنسب فيها مع العلم وفضائل النفس وأنها متقدمة عليه، لان ~~الله تعالى أخبر أنه اختاره عليهم لعلمه وقوته، وإن كانوا أشرف منتسبا. وقد ~~مضى في أول السورة من ذكر الإمامة وشروطها ما يكفي ويغنى (2). وهذه الآية ~~أصل فيها. قال ابن عباس: كان طالوت يومئذ أعلم رجل في بني إسرائيل وأجمله ~~وأتمه، وزيادة الجسم مما يهيب العدو. وقيل: سمى طالوت لطوله. وقيل: زيادة ~~الجسم كانت بكثرة معاني الخير والشجاعة، ولم يرد عظم الجسم، ألم تر إلى قول ~~الشاعر (3): # ترى الرجل النحيف فتزدريه * وفى أثوابه أسد هصور (4) ويعجبك الطرير ~~فتبتليه * فيخلف ظنك الرجل الطرير (5) وقد عظم البعير بغير لب * فلم يستغن ~~بالعظم البعير # PageV03P246 # قلت: ومن هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم لأزواجه: " أسرعكن لحاقا بي ~~أطولكن يدا " فكن يتطاولن، فكانت زينب أولهن موتا، لأنها كانت تعمل بيدها ~~وتتصدق، خرجه مسلم. وقال بعض المتأولين: المراد بالعلم علم الحرب، وهذا ~~تخصيص العموم من غير دليل. وقد قيل: زيادة العلم بأن أوحى الله إليه، وعلى ~~هذا كان طالوت نبيا، وسيأتي. # قوله تعالى: (والله يؤتى ملكه من يشاء) ذهب بعض المتأولين إلى أن هذا من ~~قول الله عز وجل لمحمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: هو من قول شمويل وهو ~~الأظهر. قال لهم ذلك لما علم من تعنتهم وجدالهم في الحجج، فأراد إن يتمم ~~كلامه بالقطعي الذي لا اعتراض عليه فقال الله تعالى: " والله يؤتى ملكه من ~~يشاء ". وإضافة ملك الدنيا إلى الله تعالى إضافة مملوك إلى ملك. ثم قال لهم ~~على جهة التغبيط والتنبيه من غير سؤال منهم: " إن آية ملكه ". ويحتمل أن ~~يكونوا سألوه الدلالة على صدقه في قوله: " إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا ~~". قال ms1090 ابن عطية: والأول أظهر بمساق الآية، والثاني أشبه بأخلاق بني ~~إسرائيل الذميمة، وإليه ذهب الطبري. # قوله تعالى: وقال لهم نبيهم إن إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة ~~من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة إن في ذلك لآية ~~لكم إن كنتم مؤمنين (248) قوله تعالى: (وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن ~~يأتيكم التابوت) إتيان التابوت، والتابوت كان من شأنه فيما ذكر أنه أنزله ~~الله على آدم عليه السلام، فكان عنده إلى أن وصل إلى يعقوب عليه السلام، ~~فكان في بني إسرائيل يغلبون به من قاتلهم حتى عصوا فغلبوا على التابوت ~~غلبهم عليه العمالقة: جالوت وأصحابه في قول السدى، وسلبوا التابوت منهم. # قلت: وهذا أدل دليل على أن العصيان سبب الخذلان، وهذا بين. قال النحاس: # والآية في التابوت على ما روى أنه كان يسمع فيه أنين، فإذا سمعوا ذلك ~~ساروا لحربهم، PageV03P247 # وإذا هدأ الأنين لم يسيروا ولم يسر التابوت. وقيل: كانوا يضعونه في مأزق ~~الحرب فلا تزال تغلب حتى عصوا فغلبوا وأخذ منهم التابوت وذل أمرهم، فلما ~~رأوا آية الاصطلام (1) وذهاب الذكر، أنف بعضهم وتكلموا في أمرهم حتى اجتمع ~~ملؤهم أن قالوا لنبي الوقت: أبعث لنا ملكا، فلما قال لهم: ملككم طالوت ~~راجعوه فيه كما أخبر الله عنهم، فلما قطعهم بالحجة سألوه البينة على ذلك، ~~في قول الطبري. فلما سألوا نبيهم البينة على ما قال، دعا ربه فنزل بالقوم ~~الذين أخذوا التابوت داء بسببه، على خلاف في ذلك. قيل: وضعوه في كنيسة لهم ~~فيها أصنام فكانت الأصنام تصبح منكوسة. وقيل: وضعوه في بيت أصنامهم تحت ~~الصنم الكبير فأصبحوا وهو فوق الصنم، فأخذوه وشدوه إلى رجليه فأصبحوا وقد ~~قطعت يدا الصنم ورجلاه وألقيت تحت التابوت، فأخذوه وجعلوه في قرية قوم ~~فأصاب أولئك القوم أوجاع في أعناقهم. # وقيل: جعلوه في مخرأة قوم فكانوا يصيبهم الباسور (2)، فلما عظم بلاؤهم ~~كيفما كان، قالوا: # ما هذا إلا لهذا التابوت! فلنرده إلى بني إسرائيل فوضعوه على عجلة بين ~~ثورين وأرسلوهما في ms1091 الأرض نحو بلاد بني إسرائيل، وبعث الله ملائكة تسوق ~~البقرتين (3) حتى دخلنا على بني إسرائيل، وهم في أمر طالوت فأيقنوا بالنصر، ~~وهذا هو حمل الملائكة للتابوت في هذه الرواية. وروى أن الملائكة جاءت به ~~تحمله وكان يوشع بن نون قد جعله في البرية، فروى أنهم رأوا التابوت في ~~الهواء حتى نزل بينهم، قاله الربيع بن خيثم. وقال وهب بن منبه: # كان قدر التابوت نحوا من ثلاثة أذرع في ذراعين. الكلبي: وكان من عود ~~شمسار (4) الذي يتخذ منه الأمشاط. وقرأ زيد بن ثابت " التابوه " وهي لغته، ~~والناس على قراءته بالتاء وقد تقدم. وروى عنه " التيبوت " ذكره النحاس. ~~وقرأ حميد بن قيس " يحمله " بالياء. # قوله تعالى: (فيه سكينة من ربكم وبقية) اختلف الناس في السكينة والبقية، ~~فالسكينة فعيلة مأخوذة من السكون والوقار والطمأنينة. فقوله " فيه سكينة " ~~أي هو سبب سكون # PageV03P248 # قلوبكم فيما اختلفتم فيه من أمر طالوت، ونظيره " فأنزل الله سكينته عليه ~~(1) " أي أنزل عليه ما سكن [به (2)] قلبه. وقيل: أراد أن التابوت كان سبب ~~سكون قلوبهم، فأينما كانوا سكنوا إليه ولم يفروا من التابوت إدا كان معهم ~~في الحرب. وقال وهب بن منبه: السكينة روح من الله تتكلم، فكانوا إذا ~~اختلفوا في أمر نطقت ببيان ما يريدون، وإذا صاحت في الحرب كان الظفر لهم. ~~وقال علي بن أبي طالب: هي ريح هفافة (3) لها وجه كوجه الانسان. وروى عنه ~~أنه قال: هي ريح خجوج (4) لها رأسان. وقال مجاهد: حيوان كالهر له جناحان ~~وذنب ولعينيه شعاع، فإذا نظر إلى الجيش انهزم. وقال ابن عباس: طست من ذهب ~~من الجنة، كان يغسل فيه قلوب الأنبياء، وقال السدى. وقال ابن عطية: والصحيح ~~أن التابوت كانت فيه أشياء فاضلة من بقايا الأنبياء وآثارهم، فكانت النفوس ~~تسكن إلى ذلك وتأنس به وتقوى. # قلت: وفى صحيح مسلم عن البراء قال: كان رجل يقرأ سورة " الكهف " وعنده ~~فرس مربوط بشطنين (5) فتغشته سحابة فجعلت تدور وتدنو وجعل فرسه ينفر منها، ~~فلما أصبح أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك ms1092 له فقال: " تلك السكينة ~~تنزلت للقرآن ". وفى حديث أبي سعيد الخدري: أن أسيد بن الحضير بينما هو ~~ليلة يقرأ في مربده (6) الحديث. وفيه: فقال رسوله الله صلى الله عليه وسلم: ~~" تلك الملائكة كانت تستمع لك ولو قرأت لأصبحت يراها الناس ما تستتر منهم " ~~خرجه البخاري ومسلم. فأخبر صلى الله عليه وسلم عن نزول السكينة مرة، ومرة ~~عن نزول الملائكة، فدل على أن السكينة كانت في تلك الظلة، وأنها تنزل أبدا ~~مع الملائكة. وفى هذا حجة لمن قال إن السكينة روح أو شئ له روح، لأنه لا ~~يصح استماع القرآن إلا لمن يعقل، والله أعلم. # قوله تعالى: (وبقية) اختلف في البقية على أقوال، فقيل: عصا موسى وعصا ~~هارون ورضاض (7) الألواح، لأنها انكسرت حين ألقاها موسى، قاله ابن عباس. ~~زاد عكرمة: # PageV03P249 # التوراة. وقال أبو صالح: البقية: عصا موسى وثيابه وثياب هارون ولوحان من ~~التوراة (1). وقال عطية بن سعد: هي عصا موسى [وعصا] (2) هارون وثيابهما ~~ورضاض الألواح. وقال الثوري: # من الناس من يقول البقية قفيزا (3) من في طست من ذهب وعصا موسى وعمامة ~~هارون ورضاض الألواح. ومنهم من يقول: العصا والنعلان. ومعنى هذا ما روى من ~~أن موسى لما جاء قومه بالألواح فوجدهم قد عبدوا العجل، ألقى الألواح غضبا ~~فتكسرت، فنزع منها ما كان صحيحا وأخذ رضاض ما تكسر فجعله في التابوت. وقال ~~الضحاك: البقية: الجهاد وقتال الأعداء. # قال ابن عطية: أي الامر بذلك في التابوت، إما أنه مكتوب فيه، وإما أن نفس ~~الاتيان به [هو (4)] كالأمر بذلك، وأسند الترك إلى [آل (4)] موسى و [آل ~~(4)] هارون من حيث كان الامر مندرجا من قوم إلى قوم وكلهم آل موسى وآل ~~هارون. وآل الرجل قرابته. وقد تقدم (5). # قوله تعالى: فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب ~~منه فليس منى ومن لم يطعمه فإنه منى إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا ~~قليلا منهم فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت ~~وجنوده قال الذي يظنون أنهم ms1093 ملقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة ~~بإذن الله والله مع الصابرين (249) فيه إحدى عشرة مسألة: # الأولى - قوله تعالى: (فلما فسل طالوت بالجنود) " فصل " معناه خرج بهم. # فصلت الشئ فانفصل، أي قطعته فانقطع. قال وهب بن منبه: فلما فصل طالوت ~~قالوا له إن المياه لا تحملنا فادع الله أن يجرى لنا نهرا، فقال لهم طالوت: ~~إن الله مبتليكم بنهر. # وكان عدد الجنود - في قول السدى - ثمانين ألفا. [وقال وهب (6)]: لم يتخلف ~~عنه إلا ذو # PageV03P250 # عذر من صغر أو كبر أو مرض. والابتلاء الاختبار. والنهر والنهر لغتان. ~~واشتقاقه من السعة، ومنه النهار وقد تقدم (1). قال قتادة: النهر الذي ~~ابتلاهم الله به هو نهر بين الأردن وفلسطين. وقرأ الجمهور " بنهر " بفتح ~~الهاء. وقرأ مجاهد وحميد الأعرج " بنهر " بإسكان الهاء. ومعنى هذا الابتلاء ~~أنه اختبار لهم، فمن ظهرت طاعته في ترك الماء علم أنه مطيع فيما عدا ذلك، ~~ومن غلبته شهوته [في الماء (2)] وعصى الامر فهو في العصيان في الشدائد ~~أحرى، فروى أنهم أتوا النهر وقد نالهم عطش وهو في غاية العذوبة والحسن، ~~فلذلك رخص للمطيعين في الغرفة ليرتفع عنهم أذى العطش بعض الارتفاع وليكسروا ~~نزاع النفس في هذه الحال. وبين أن الغرفة كافة ضرر العطش عند الحزمة ~~الصابرين على شظف العيش الذين همهم في غير الرفاهية، كما قال عروة: # * وأحسوا قراح الماء والماء بارد * قلت: ومن هذا المعنى قوله عليه ~~السلام: " حسب المرء لقيمات يقمن صلبه ". وقال بعض من يتعاطى غوامض ~~المعاني: هذه الآية مثل ضربه الله للدنيا فشبهها الله بالنهر والشارب منه ~~والمائل إليها والمستكثر منها، والتارك لشربه بالمنحرف عنها والزاهد فيها، ~~والمغترف بيده غرفة بالآخذ منها قدر الحاجة، وأحوال الثلاثة عند الله ~~مختلفة. # قلت: ما أحسن هذا لولا ما فيه من التحريف في التأويل والخروج عن الظاهر، ~~لكن معناه صحيح من غير هذا. # الثانية - استدل من قال أن طالوت كان نبيا بقوله: " إن الله مبتليكم " ~~وأن الله أوحى إليه بذلك وألهمه، وجعل الالهام ابتلاء من الله لهم. ومن ms1094 قال ~~لم يكن نبيا قال: # أخبره نبيهم شمويل بالوحي حين أخبر طالوت قومه بهذا، وإنما وقع هذا ~~الابتلاء ليتميز الصادق من الكاذب. وقد ذهب قوم إلى أن عبد الله بن حذافة ~~السهمي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أمر أصحابه بإيقاد النار ~~والدخول فيها تجربة لطاعتهم، لكنه حمل مزاحه على تخشين الامر الذي كلفهم، ~~وسيأتي بيانه في " النساء (3) " إن شاء الله تعالى. # PageV03P251 # الثالثة - قوله تعالى: (فمن شرب منه فليس منى) شرب قيل معناه كرع. ومعنى ~~" فليس منى " أي ليس من أصحابي في هذه الحرب، ولم يخرجهم بذلك عن الايمان. ~~قال السدى: كانوا ثمانين ألفا، ولا محالة أنه كان فيهم المؤمن والمنافق ~~والمجد والكسلان، وفى الحديث " من غشنا فليس منا " أي ليس من أصحابنا ولا ~~على طريقتنا وهدينا. قال (1): # إذا حاولت في أسد فجورا * فإني لست منك ولست منى وهذا مهيع (2) في كلام ~~العرب، يقول الرجل لابنه إذا سلك غير أسلوبه: لست منى. # الرابعة - قوله تعالى: (ومن لم يطعمه فإنه منى) يقال: طعمت الشئ أي ذقته. # وأطعمته الماء أي أذقته، ولم يقل ومن لم يشربه لان من عادة العرب إذا ~~كرروا شيئا أن يكرروه بلفظ آخر، ولغة القرآن أفصح اللغات، فلا عبرة بقدح من ~~يقول: لا يقال طعمت الماء. # الخامسة - استدل علماؤنا بهذا على القول بسد الذرائع، لان أدنى الذوق ~~يدخل في لفظ الطعم، فإذا وقع النهى عن الطعم فلا سبيل إلى وقوع الشرب ممن ~~يتجنب الطعم، ولهذه المبالغة لم يأت الكلام " ومن لم يشرب منه ". # السادسة - لما قال تعالى: (ومن لم يطعمه) دل على أن الماء طعام وإذا كان ~~طعاما كان قوتا لبقائه واقتيات الأبدان به فوجب أن يجرى فيه الربا، قال ابن ~~العربي: # وهو الصحيح من المذهب. قال أبو عمر قال مالك: لا بأس ببيع الماء على الشط ~~بالماء متفاضلا وإلى أجل، وهو قول أبي حنيفة وأبى يوسف. وقال محمد بن ~~الحسن: هو مما يكال ويوزن، فعلى هذا القول لا يجوز عنده التفاضل، وذلك عنده ~~فيه ربا، ms1095 لان علته في الربا الكيل والوزن. وقال الشافعي: لا يجوز بيع الماء ~~متفاضلا ولا يجوز فيه الاجل، وعلته في الربا أن يكون مأكولا جنسا. # PageV03P252 # السابعة - قال ابن العربي قال أبو حنيفة: من قال إن شرب عبد ى فلان من ~~الفرات فهو حر فلا يعتق إلا أن يكرع فيه، والكرع أن يشرب الرجل بفيه من ~~النهر، فإن شرب بيده أو اغترف بالاناء منه لم يعتق، لان الله سبحانه فرق ~~بين الكرع في النهر وبين الشرب باليد. قال: وهذا فاسد، لان شرب الماء يطلق ~~على كل هيئة وصفة في لسان العرب من غرف باليد أو كرع بالفم انطلاقا واحدا، ~~فإذا وجد الشرب المحلوف عليه لغة وحقيقة حنث، فاعلمه. # قلت: قول أبي حنيفة أصح، فإن أهل اللغة فرقوا بينهما كما فرق الكتاب ~~والسنة. # قال الجوهري وغيره: وكرع في الماء كروعا إذا تناوله بفيه من موضعه من غير ~~أن يشرب بكفيه ولا بإناء، وفيه لغة أخرى " كرع " بكسر الراء [يكرع (1)] ~~كرعا. والكرع: ماء السماء يكرع فيه. وأما السنة فذكر ابن ماجة في سننه: ~~حدثنا واصل بن عبد الاعلى حدثنا ابن فضيل عن ليث عن سعيد بن عامر عن ابن ~~عمر قال: مررنا على بركة فجعلنا نكرع فيها فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " لا تكرعوا ولكن اغسلوا أيديكم ثم اشربوا فيها فإنه ليس إناء أطيب ~~من اليد " وهذا نص. وليث بن أبي سليم خرج له مسلم وقد ضعف. # الثامنة - قوله تعالى: (إلا من أغترف غرفة بيده) الاغتراف: الاخذ من الشئ ~~باليد وبآلة، ومنه المغرفة، والغرف مثل الاغتراف. وقرئ " غرفة " بفتح الغين ~~وهي مصدر، ولم يقل اغترافة، لان معنى الغرف والاغتراف واحد. والغرفة المرة ~~الواحدة. وقرئ " غرفة " بضم الغين وهي الشئ المغترف. وقال بعض المفسرين: ~~الغرفة بالكف الواحد والغرفة بالكفين. وقال بعضهم: كلاهما لغتان بمعنى ~~واحد. وقال على رضي الله عنه: # الأكف أنظف الآنية، ومنه قول الحسن: # لا يدلفون إلى ماء بآنية * إلا اغترافا من الغدران بالراح الدليف: المشي ~~الرويد. # PageV03P253 # قلت: ومن أراد الحلال ms1096 الصرف في هذه الأزمان دون شبهة ولا امتراء ولا ~~ارتياب فليشرب بكفيه الماء من العيون والأنهار المسخرة بالجريان آناء الليل ~~و [آناء (1)] النهار، مبتغيا بذلك من الله كسب الحسنات ووضع الأوزار ~~واللحوق بالأئمة الأبرار، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من شرب بيده ~~وهو يقدر على إناء يريد به التواضع كتب الله له بعدد أصابعه حسنات وهو إناء ~~عيسى بن مريم عليهما السلام إذا طرح القدح فقال أف هذا مع الدنيا ". # خرجه ابن ماجة من حديث ابن عمر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~نشرب على بطوننا وهو الكرع، ونهانا أن نغترف باليد الواحدة، وقال: " لا يلغ ~~أحدكم كما يلغ الكلب ولا يشرب باليد الواحدة كما يشرب القوم الذين سخط الله ~~عليهم ولا يشرب بالليل في إناء حتى يحركه إلا أن يكون إناء مخمرا ومن شرب ~~بيده وهو يقدر على إناء... " الحديث كما تقدم، وفى إسناده بقية بن الوليد، ~~قال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال أبو زرعة: # إذا حدث بقية عن الثقات فهو ثقة. # التاسعة - قوله تعالى: (فشربوا منه إلا قليلا منهم) قال ابن عباس: شربوا ~~على قدر يقينهم، فشرب الكفار شرب الهيم (2) وشرب العاصون دون ذلك، وانصرف ~~من القوم ستة وسبعون ألفا وبقى بعض المؤمنين لم يشرب شيئا وأخذ بعضهم ~~الغرفة، فأما من شرب فلم يرو، بل برج به العطش، وأما من ترك الماء فحسنت ~~حاله وكان أجلد ممن أخذ الغرفة. # العاشرة - قوله تعالى: (فلما جاوزه هو) الهاء تعود على النهر، و " هو " ~~توكيد. # (والذين) في موضع رفع عطفا على المضمر في " جاوزه " يقال: جاوزت المكان ~~مجاوزة وجوازا. # والمجاز في الكلام ما جاز في الاستعمال ونفذ واستمر على وجهه. قال ابن ~~عباس والسدي: # جاز معه في النهر أربعة آلاف رجل فيهم من شرب، فلما نظروا إلى جالوت ~~وجنوده وكانوا مائة ألف كلهم شاكون في السلاح رجع منهم ثلاثة آلاف وستمائة ~~وبضعة وثمانون، فعلى هذا القول قال المؤمنون الموقنون بالبعث والرجوع إلى ~~الله ms1097 تعالى عند ذلك وهم عدة أهل # PageV03P254 # بدر: " كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ". وأكثر المفسرين: على ~~أنه إنما جاز معه النهر من لم يشرب جملة، فقال بعضهم: كيف نطيق العدو مع ~~كثرتهم! فقال أولو العزم منهم: " كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ~~". قال البراء بن عازب: كنا نتحدث أن عدة أهل بدر كعدة أصحاب طالوت الذين ~~جاوزوا معه النهر ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا - وفى رواية: وثلاثة عشر رجلا - ~~وما جاز معه إلا مؤمن. # الحادية عشرة - قوله تعالى: (قال الذين يظنون) والظن هنا بمعنى اليقين، ~~ويجوز أن يكون شكا لا علما، أي قال الذين يتوهمون أنهم يقتلون مع طالوت ~~فيلقون الله شهداء، فوقع الشك في القتل. # قوله تعالى: (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة) الفئة: الجماعة من الناس ~~والقطعة منهم، من فأوت رأسه بالسيف وفأيته أي قطعته. وفى قولهم رضي الله ~~عنهم: " كم من فئة قليلة " الآية، تحريض على القتال واستشعار للصبر واقتداء ~~بمن صدق ربه. # قلت: هكذا يجب علينا نحن أن نفعل؟ لكن الأعمال القبيحة والنيات الفاسدة ~~منعت من ذلك حتى ينكسر العدد الكبير منا قدام اليسير من العدو كما شاهدناه ~~غير مرة، وذلك بما كسبت أيدينا! وفى البخاري: وقال أبو الدرداء: إنما ~~تقاتلون بأعمالكم. وفيه مسند أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " هل ترزقون ~~وتنصرون إلا بضعفائكم ". فالأعمال فاسدة والضعفاء مهملون والصبر قليل ~~والاعتماد ضعيف والتقوى زائلة!. قال الله تعالى: " اصبروا وصابروا ورابطوا ~~واتقوا الله (1) " وقال: " وعلى الله فتوكلوا (2) " وقال: " إن الله مع ~~الذين اتقوا والذين هم محسنون (3) " وقال: " ولينصرن الله من ينصره (4) " ~~وقال: " إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون (5) ". ~~فهذه أسباب النصر وشروطه وهي معدومة عندنا غير موجودة فينا، فإنا لله وإنا ~~إليه راجعون على ما أصابنا وحل بنا! بل لم يبق من الاسلام إلا ذكره، ولا من ~~الدين إلا رسمه لظهور الفساد ولكثرة الطغيان وقلة الرشاد حتى استولى العدو ~~شرقا وغربا برا وبحرا، وعمت الفتن وعظمت ms1098 المحن ولا عاصم إلا من رحم!. # PageV03P255 # قوله تعالى: ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت ~~أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين (250) " برزوا " صاروا في البراز وهو ~~الأفيح (1) من الأرض المتسع. وكان جالوت أمير العمالقة وملكهم ظله ميل. ~~ويقال: إن البربر من من نسله، وكان فيما روى في ثلاثمائة ألف فارس. # وقال عكرمة: في تسعين ألفا، ولما رأى المؤمنون كثرة عدوهم تضرعوا إلى ~~ربهم، وهذا كقوله: # " وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير " إلى قوله: " وما كان قولهم إلا أن ~~قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا (2) " الآية. وكان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إذا لقي العدو يقول في القتال: " اللهم بك أصول وأجول " وكان صلى الله ~~عليه وسلم يقول إذا لقي العدو: " اللهم إني أعوذ بك من شرورهم وأجعلك في ~~نحورهم " ودعا يوم بدر حتى سقط رداؤه عن منكبيه يستنجز (3) الله وعده على ~~ما يأتي بيانه في " آل عمران (2) " إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة ~~وعلمه مما يشاء ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو ~~فضل على العالمين (251) قوله تعالى: (فهزموهم بإذن الله) أي فأنزل الله ~~عليهم النصر " فهزموهم ": فكسروهم. # والهزم: الكسر، ومنه سقاء متهزم، أي انثنى بعضه على بعض مع الجفاف، ومنه ~~ما قيل في زمزم: إنها هزمة جبريل، أي هزمها جبريل برجله فخرج الماء. ~~والهزم: ما تكسر من يابس الحطب. # قوله تعالى: (وقتل داود جالوت) وذلك أن طالوت الملك اختاره من بين قومه ~~لقتال جالوت، وكان رجلا قصيرا مسقاما مصفارا أصغر أزرق، وكان جالوت من أشد ~~الناس وأقواهم وكان يهزم الجيوش وحده، وكان قتل جالوت وهو رأس العمالقة على ~~يده. وهو داود # PageV03P256 # ابن إيشي (1) - بكسر الهمزة، ويقال: داود بن زكريا بن رشوى، وكان من سبط ~~يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، وكان من أهل بيت المقدس ~~جمع له بين النبوة والملك بعد أن كان راعيا وكان أصغر إخوته وكان يرعى ms1099 ~~غنما، وكان له سبعة إخوة في أصحاب طالوت، فلما حضرت الحرب قال في نفسه: ~~لأذهبن إلى رؤية هذه الحرب، فلما نهض في طريقه مر بحجر فناداه: يا داود ~~خذني فبي تقتل جالوت، ثم ناداه حجر آخر ثم آخر فأخذها وجعلها في مخلاته ~~وسار، فخرج جالوت يطلب مبارزا فكع (2) الناس عنه حتى قال طالوت: # من يبرز إليه ويقتله فأنا أزوجه ابنتي وأحكمه في مالي، فجاء داود عليه ~~السلام فقال: # أنا أبرز إليه وأقتله، فازدراه طالوت حين رآه لصغر سنه وقصره فرده، وكان ~~داود أزرق قصيرا، ثم نادى ثانية وثالثة فخرج داود، فقال طالوت له: هل جربت ~~نفسك بشئ؟ قال نعم، قال بماذا؟ قال: وقع ذئب في غنمي فضربته ثم أخذت رأسه ~~فقطعته من جسده. # قال طالوت: الذئب ضعيف، هل جربت نفسك في غيره؟ قال: نعم، دخل الأسد في ~~غنمي فضربته ثم أخذت بلحييه فشققتهما، أفترى هذا أشد من الأسد؟ قال لا، ~~وكان عند طالوت درع لا تستوى إلا على من يقتل جالوت، فأخبره بها وألقاها ~~عليه فاستوت، فقال طالوت: فاركب فرسي وخذ سلاحي ففعل، فلما مشى قليلا رجع ~~فقال الناس: جبن الفتى! فقال داود: إن الله إن لم يقتله لي ويعني عليه لم ~~ينفعني هذا الفرس ولا هذا السلاح، ولكني أحب أن أقاتله على عادتي. قال: ~~وكان داود من أرمى الناس بالمقلاع، فنزل وأخذ مخلاته فتقلدها وأخذ مقلاعه ~~وخرج إلى جالوت، وهو شاك في سلاحه على رأسه بيضة فيها ثلاثمائة رطل، فيما ~~ذكر الماوردي وغيره، فقال له جالوت: أنت يا فتى تخرج إلى! قال نعم، قال: ~~هكذا كما تخرج إلى الكلب! قال نعم، وأنت أهون. قال: لأطعمن لحمك اليوم ~~للطير والسباع، ثم تدانيا وقصد جالوت أن يأخذ داود بيده استخفافا به، فأدخل ~~داود يده إلى الحجارة، فروى أنها التأمت فصارت حجرا واحدا، فأخذه فوضعه في ~~المقلاع وسمى الله # PageV03P257 # وأداره ورماه فأصاب به رأس جالوت فقتله، وحز رأسه وجعله في مخلاته، ~~واختلط الناس وحمله أصحاب طالوت فكانت الهزيمة. وقد قيل: إنما أصاب ms1100 بالحجر ~~من البيضة موضع أنفه، وقيل: عينه (1) وخرج من قفاه، وأصاب جماعة من عسكره ~~فقتلهم. وقيل: إن الحجر تفتت حتى أصاب كل من في العسكر شئ منه، وكان ~~كالقبضة التي رمى بها النبي صلى الله عليه وسلم هوازن يوم حنين، والله ~~أعلم. وقد أكثر الناس في قصص هذه الآي، وقد ذكرت لك منها المقصود والله ~~المحمود. # قلت: وفى قول طالوت: " من يبرز له ويقتله فإني أزوجه ابنتي وأحكمه في ~~مالي " معناه ثابت في شرعنا، وهو أن يقول الامام: من جاء برأس فله كذا، أو ~~أسير فله كذا على ما يأتي بيانه في " الأنفال (2) " إن شاء الله تعالى. ~~وفيه دليل على أن المبارزة لا تكون إلا بإذن الامام، كما يقوله أحمد وإسحاق ~~وغيرهما. واختلف فيه عن الأوزاعي فحكى عنه أنه قال: لا يحمل أحد إلا بإذن ~~إمامه. وحكى عنه أنه قال: لا بأس به، فإن نهى الامام عن البراز فلا يبارز ~~أحد إلا بإذنه. وأباحت طائفة البراز ولم تذكر بإذن الامام ولا بغير إذنه، ~~هذا قول مالك. # سئل مالك عن الرجل يقول بين الصفين: من يبارز؟ فقال: ذلك إلى نيته إن كان ~~يريد بذلك الله فأرجو ألا يكون به بأس، قد كان يفعل ذلك فيما مضى. وقال ~~الشافعي: لا بأس بالمبارزة. قال ابن المنذر: المبارزة بإذن الامام حسن، ~~وليس على من بارز بغير إذن الإمام حرج، وليس ذلك بمكروه لأني لا أعلم خبرا ~~يمنع منه. # (وآتاه الله الملك والحكمة) قال السدى: أتاه الله ملك طالوت ونبوة شمعون. ~~والذي علمه هو صنعة الدروع ومنطق الطير وغير ذلك من أنواع ما علمه صلى الله ~~عليه وسلم. وقال ابن عباس: هو أن الله أعطاه سلسلة موصولة بالمجرة والفلك ~~ورأسها عند صومعة داود، فكان لا يحدث في الهواء حدث إلا صلصلت السلسلة ~~فيعلم داود ما حدث، ولا يمسها ذو عاهة إلا برئ، وكانت علامة دخول قومه في ~~الدين أن يمسوها بأيديهم ثم يمسحون أكفهم على صدورهم، وكانوا يتحاكمون ~~إليها بعد داود عليه السلام إلى أن ms1101 رفعت. # PageV03P258 # قوله تعالى: (مما يشاء) أي مما شاء، وقد يوضع المستقبل موضع الماضي، وقد ~~تقدم. # قوله تعالى: (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو ~~فضل على العالمين) فيه مسألتان (1): # الأولى - قوله تعالى: (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض) كذا قراءة ~~الجماعة، إلا نافعا فإنه قرأ " دفاع " ويجوز أن يكون مصدرا لفعل كما يقال: ~~حسبت الشئ حسابا، وآب إيابا، ولقيته لقاء، ومثله كتبه كتابا، ومنه " كتاب ~~الله عليكم (2) ". النحاس: وهذا حسن، فيكون دفاع ودفع مصدرين لدفع وهو مذهب ~~سيبويه. وقال أبو حاتم: دافع ودفع بمعنى واحد، مثل طرقت النعل وطارقت، أي ~~خصفت إحداهما فوق الأخرى، والخصف: # الخرز. واختار أبو عبيدة قراءة الجمهور " ولولا دفع الله ". وأنكر أن ~~يقرأ " دفاع " وقال: # لان الله عز وجل لا يغالبه أحد. قال مكي: هذا وهم توهم فيه باب المفاعلة ~~وليس به، واسم " الله " في موضع رفع بالفعل، أي لولا أن يدفع الله. و " ~~دفاع " مرفوع بالابتداء عند سيبويه. " الناس " مفعول، " بعضهم " بدل من ~~الناس، " ببعض " في موضع المفعول الثاني عند سيبويه، وهو عنده مثل قولك: ~~ذهبت بزيد، فزيد في موضع مفعول فاعلمه. # الثانية - واختلف العلماء في الناس المدفوع بهم الفساد من هم؟ فقيل: هم ~~الابدال وهم أربعون رجلا كلما مات واحد بدل الله آخر، فإذا كان عند القيامة ~~ماتوا كلهم، اثنان وعشرون منهم بالشام وثمانية عشر بالعراق. وروى عن علي ~~رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن الابدال ~~يكونون بالشام وهم أربعون رجلا كلما مات منهم رجل أبدل الله مكانه رجلا ~~يسقى بهم الغيث وينصر بهم على الأعداء ويصرف بهم عن أهل الأرض البلاء " ~~ذكره الترمذي الحكيم في " نوادر الأصول ". وخرج أيضا عن أبي الدرداء قال: ~~إن الأنبياء كانوا أوتاد الأرض، فلما انقطعت النبوة أبدل الله مكانهم قوما ~~من أمة محمد صلى الله عليه وسلم يقال لهم الابدال، لم يفضلوا الناس بكثرة ~~صوم ولا صلاة ولكن بحسن الخلق وصدق الورع وحسن النية وسلامة القلوب لجميع ms1102 ~~المسلمين والنصيحة لهم ابتغاء مرضاة الله بصبر وحلم ولب # PageV03P259 # وتواضع في غير مذلة، فهم خلفاء الأنبياء قوم اصطفاهم الله لنفسه ~~واستخلصهم بعلمه لنفسه، وهم أربعون صديقا منهم ثلاثون رجلا على مثل يقين ~~إبراهيم خليل الرحمن، يدفع الله بهم المكاره عن أهل الأرض والبلايا عن ~~الناس، وبهم يمطرون ومن يرزقون، لا يموت الرجل منهم حتى يكون الله قد أنشأ ~~من يخلفه. وقال ابن عباس: ولولا دفع الله العدو بجنود المسلمين لغلب ~~المشركون فقتلوا المؤمنين وخربوا البلاد والمساجد. وقال سفيان الثوري: هم ~~الشهود الذين تستخرج بهم الحقوق. وحكى مكي أن أكثر المفسرين على أن المعنى: ~~لولا أن الله يدفع بمن يصلى عمن لا يصلى وبمن يتقى عمن لا يتقى لأهلك الناس ~~بذنوبهم، وكذا ذكر النحاس والثعلبي أيضا. [قال الثعلبي (1)] وقال سائر ~~المفسرين: ولولا دفاع الله المؤمنين الأبرار عن الفجار والكفار لفسدت ~~الأرض، أي هلكت. وذكر حديثا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الله يدفع العذاب بمن يصلى من أمتي عمن لا يصلى وبمن يزكى عمن لا ~~يزكى وبمن يصوم عمن لا يصوم وبمن يحج عمن لا يحج وبمن يجاهد عمن لا يجاهد، ~~ولو اجتمعوا على ترك هذه الأشياء ما أنظرهم (2) الله طرفة عين - ثم تلا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم - ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت ~~الأرض ". وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن لله ملائكة تنادي كل يوم ~~لولا عباد ركع وأطفال رضع وبهائم رتع لصب عليكم العذاب صبا " خرجه أبو بكر ~~الخطيب بمعناه من حديث الفضيل بن عياض. حدثنا منصور عن إبراهيم عن علقمة عن ~~عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لولا فيكم رجال خشع ~~وبهائم رتع وصبيان رضع لصب العذاب على المؤمنين صبا ". أخذ بعضهم هذا ~~المعنى فقال: # لولا عباد للإله ركع * وصبية من اليتامى رضع ومهملات في الفلاة رتع * صب ~~عليكم العذاب الأوجع وروى جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن ~~الله ليصلح بصلاح الرجل ولده ms1103 وولد ولده وأهله دويرته ودويرات حوله ولا ~~يزالون في حفظ الله ما دام فيهم ". وقال قتادة: # يبتلى الله المؤمن بالكافر ويعافى الكافر بالمؤمن. وقال ابن عمر قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # PageV03P260 # " إن الله ليدفع بالمؤمن الصالح عن مائة من أهل بيته وجيرانه البلاء ". ~~ثم قرأ ابن عمر " ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ". وقيل: ~~هذا الدفع بما شرع على ألسنة الرسل من الشرائع، ولولا ذلك لتسالب الناس ~~وتناهبوا وهلكوا، وهذا قول حسن فإنه عموم في الكف والدفع وغير ذلك فتأمله. ~~(ولكن الله ذو فضل على العالمين). بين سبحانه أن دفعه بالمؤمنين شر ~~الكافرين فضل منه ونعمة. # قوله تعالى: تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين (252) ~~(تلك) ابتداء (آيات الله) خبره، وإن شئت كان بدلا والخبر (نتلوها عليك ~~بالحق). (وإنك لمن المرسلين)، خبر إن أي وإنك لمرسل. نبه الله تعالى نبيه ~~صلى الله عليه وسلم أن هذه الآيات التي تقدم ذكرها لا يعلمها إلا نبي مرسل. # قوله تعالى: تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم ~~درجت وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما ~~اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من ء ~~امن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد (253) ~~قوله تعالى: (تلك الرسل) قال: " تلك " ولم يقل: ذلك مراعاة لتأنيث لفظ ~~الجماعة، وهي رفع بالابتداء. و " الرسل " نعته، وخبر الابتداء الجملة. ~~وقيل: الرسل عطف بيان، و (فضلنا) الخبر. وهذه آية مشكلة والأحاديث ثابتة ~~بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لا تخيروا بين الأنبياء " و " لا تفضلوا بين أنبياء الله " رواها ~~الأئمة الثقات، أي لا تقولوا: # فلان خير من فلان، ولا فلان أفضل من فلان. يقال: خير فلان بين فلان ~~وفلان، وفضل، PageV03P261 # (مشددا) إذا قال ذلك. وقد اختلف العلماء في تأويل هذا المعنى، فقال قوم: ~~إن هذا كان قبل أن يوحى إليه بالتفضيل، وقبل ms1104 أن يعلم أنه سيد ولد آدم، وإن ~~القرآن ناسخ للمنع من التفضيل. وقال ابن قتيبة: إنما أراد بقوله: " أنا سيد ~~ولد آدم " يوم القيامة، لأنه الشافع يومئذ وله لواء الحمد والحوض، وأراد ~~بقوله: " لا تخيروني على موسى " على طريق التواضع، كما قال أبو بكر: وليتكم ~~ولست بخيركم. وكذلك معنى قوله: " لا يقل أحد أنا خير من يونس بن متى " على ~~معنى التواضع. وفى قوله تعالى: " ولا تكن كصاحب الحوت (1) " ما يدل على أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل منه، لان الله تعالى يقول: ولا تكن ~~مثله، فدل على أن قوله: " لا تفضلوني عليه " من طريق التواضع. ويجوز أن ~~يريد لا تفضلوني عليه في العمل فلعله أفضل عملا منى، ولا في البلوى ~~والامتحان فإنه أعظم محنة منى. وليس ما أعطاه الله لنبينا محمد صلى الله ~~عليه وسلم من السودد والفضل يوم القيامة على جميع الأنبياء والرسل بعمله بل ~~بتفضيل الله إياه واختصاصه له، وهذا التأويل اختاره المهلب. ومنهم من قال: ~~إنما نهى عن الخوض في ذلك، لان الخوض في ذلك ذريعة إلى الجدال وذلك يؤدى ~~إلى أن يذكر منهم ما لا ينبغي أن يذكر ويقل احترامهم عند المماراة. # قال شيخنا: فلا يقال: النبي أفضل من الأنبياء كلهم ولا من فلان ولا خير، ~~كما هو ظاهر النهى (2) لما يتوهم من النقص في المفضول، لان النهى اقتضى منه ~~إطلاق اللفظ لا منع اعتقاد ذلك المعنى، فإن الله تعالى أخبر بأن الرسل ~~متفاضلون، فلا تقول: نبينا خير من الأنبياء ولا من فلان النبي اجتنابا لما ~~نهى عنه وتأدبا به وعملا باعتقاد ما تضمنه القرآن من التفضيل، والله بحقائق ~~الأمور عليم. # قلت: وأحسن من هذا قول من قال: إن المنع من التفضيل إنما هو من جهة ~~النبوة التي هي خصلة واحدة لا تفاضل فيها، وإنما التفضيل في زيادة الأحوال ~~والخصوص والكرامات والالطاف والمعجزات المتباينات، وأما النبوة في نفسها ~~فلا تتفاضل وإنما تتفاضل بأمور أخر زائدة عليها، ولذلك منهم رسل وأولوا ~~عزم، ومنهم من ms1105 اتخذ خليلا، ومنهم من كلم الله # PageV03P262 # ورفع بعضهم درجات، قال الله تعالى: " ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض ~~وآتينا داود زبورا (1) " وقال: " تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض ". # قلت: وهذا قول حسن، فإنه جمع بين الآي والأحاديث من غير نسخ، والقول ~~بتفضيل بعضهم على بعض إنما هو بما منح من الفضائل وأعطى من الوسائل، وقد ~~أشار ابن عباس إلى هذا فقال: إن الله فضل محمدا على الأنبياء وعلى أهل ~~السماء، فقالوا: بم يا بن عباس فضله على أهل السماء؟ فقال: إن الله تعالى ~~قال: " ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزى الظالمين ~~(2) ". وقال لمحمد صلى الله عليه وسلم: " إنا فتحنا لك فتحا مبينا. # ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر (3) ". قالوا: فما فضله على ~~الأنبياء؟ قال قال الله تعالى: # " وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم (4) " وقال الله عز وجل ~~لمحمد صلى الله عليه وسلم: " وما أرسلناك إلا كافة للناس (5) " فأرسله إلى ~~الجن والإنس " ذكره أبو محمد الدارمي في مسنده. وقال أبو هريرة: خير بني ~~آدم نوج وإبراهيم وموسى ومحمد صلى الله عليه وسلم، وهم أولو العزم من ~~الرسل، وهذا نص من ابن عباس وأبي هريرة في التعيين، ومعلوم أن من أرسل أفضل ~~ممن لم يرسل، فإن من أرسل فضل على غيره بالرسالة واستووا في النبوة إلى ما ~~يلقاه الرسل من تكذيب أممهم وقتلهم إياهم، وهذا مما لا خفاء فيه، إلا أن ~~ابن عطية أبا محمد عبد الحق قال: إن القرآن يقتضى التفضيل، وذلك في الجملة ~~دون تعيين أحد مفضول، وكذلك هي الأحاديث، ولذلك قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: " أنا أكرم ولد آدم على ربى " وقال: " أنا سيد ولد آدم " ولم يعين، ~~وقال عليه السلام: " لا ينبغي لاحد أن يقول أنا خير من يونس بن متى " وقال: ~~" لا تفضلوني على موسى ". وقال ابن عطية: وفى هذا نهى شديد عن تعيين ~~المفضول، لان يونس عليه السلام كان شابا وتفسخ (6) تحت أعباء ms1106 النبوة. فإذا ~~كان التوقيف لمحمد صلى الله عليه وسلم فغيره أحرى. # PageV03P263 # قلت: ما اخترناه أولى إن شاء الله تعالى، فإن الله تعالى لما أخبر أنه ~~فضل بعضهم على بعض جعل يبين بعض المتفاضلين ويذكر الأحوال التي فضلوا بها ~~فقال: " منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى بن مريم البينات " ~~وقال " وآتينا داود زبورا (1) " وقال تعالى: # " وآتيناه الإنجيل (2) "، " ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا ~~للمتقين (3) " وقال تعالى: " ولقد آتينا داود وسليمان علما (4) " وقال: " ~~وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح (5) " فعم ثم خص وبدأ بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم، وهذا ظاهر. # قلت: وهكذا القول في الصحابة إن شاء الله تعالى، اشتركوا في الصحبة ثم ~~تباينوا في الفضائل بما منحهم الله من المواهب والوسائل، فهم متفاضلون بتلك ~~مع أن الكل شملتهم الصحبة والعدالة والثناء عليهم، وحسبك بقوله الحق: " ~~محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار (6) " إلى آخر السورة. وقال: " ~~وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها (6) " ثم قال: " لا يستوى منكم ~~من أنفق من قبل الفتح وقاتل (2) " وقال: " لقد رضى الله عن المؤمنين إذ ~~يبايعونك تحت الشجرة (6) " فعم وخص، ونفى عنهم الشين والنقص، رضي الله عنهم ~~أجمعين ونفعنا بحبهم آمين. # قوله تعالى: (منهم من كلم الله) المكلم موسى عليه السلام، وقد سئل رسوله ~~الله صلى الله عليه وسلم عن آدم أنبى مرسل هو؟ فقال: " نعم نبي مكلم ". قال ~~ابن عطية: وقد تأول بعض الناس أن تكليم آدم كان في الجنة، فعلى هذا تبقى ~~خاصية موسى. وحذفت الهاء لطول الاسم، والمعنى من كلمه الله. # قوله تعالى: (ورفع بعضهم درجات) قال النحاس: بعضهم هنا على قول ابن عباس ~~والشعبي ومجاهد محمد صلى الله عليه وسلم، قال صلى الله عليه وسلم: " بعثت ~~إلى الأحمر والأسود وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ونصرت بالرعب (7) مسيرة ~~شهر وأحلت لي الغنائم وأعطيت # PageV03P264 # الشفاعة ". ومن ذلك القرآن وانشقاق القمر وتكليمه الشجر وإطعامه الطعام ~~خلقا عظيما من تميرات ودرور شاة أم معبد بعد جفاف. وقال ابن ms1107 عطية معناه، ~~وزاد: وهو أعظم الناس أمة وختم به النبيون إلى غير ذلك من الخلق العظيم ~~الذي أعطاه الله. ويحتمل اللفظ أن يراد به محمد صلى الله عليه وسلم وغيره ~~ممن عظمت آياته، ويكون الكلام تأكيدا. ويحتمل أن يريد به رفع إدريس المكان ~~العلى، ومراتب الأنبياء في السماء كما في حديث الاسراء، وسيأتي. # وبينات عيسى هي إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وخلق الطير من الطين ~~كما نص عليه في التنزيل. (وأيدناه) قويناه. (بروح القدس) جبريل عليه ~~السلام، وقد تقدم (1). # قوله تعالى: (ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم) أي من بعد الرسل. ~~وقيل: الضمير لموسى وعيسى، والاثنان جمع. وقيل: من بعد جميع الرسل، وهو ~~ظاهر اللفظ. وقيل: # إن القتال إنما وقع من الذين جاءوا بعدهم وليس كذلك المعنى، بل المراد ما ~~اقتتل الناس بعد كل نبي، وهذا كما تقول: اشتريت خيلا ثم بعتها، فجائز لك ~~هذه العبارة وأنت إنما اشتريت فرسا وبعته ثم آخر وبعته ثم آخر وبعته، وكذلك ~~هذه النوازل إنما اختلف الناس بعد كل نبي فمنهم من آمن ومنهم من كفر بغيا ~~وحسدا وعلى حطام الدنيا، وذلك كله بقضاء وقدر وإرادة من الله تعالى، ولو ~~شاء خلاف ذلك لكان ولكنه المستأثر بسر الحكمة في ذلك الفعل لما يريد. وكسرت ~~النون من " ولكن اختلفوا " لالتقاء الساكنين، ويجوز حذفها في غير القرآن، ~~وأنشد سيبويه: # فلست بآتيه ولا أستطيعه * ولاك اسقني إن كان ماؤك ذا فضل (2) (فمنهم من ~~آمن ومنهم من كفر) " من " في موضع رفع بالابتداء والصفة. # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم ~~لا بيع فيه ولا خلة ولا شفعة والكافرون هم الظالمون (254) # PageV03P265 # قال الحسن: هي الزكاة المفروضة. وقال ابن جريج وسعيد بن جبير: هذه الآية ~~تجمع الزكاة المفروضة والتطوع. قال ابن عطية. وهذا صحيح، ولكن ما تقدم من ~~الآيات في ذكر القتال وأن الله يدفع بالمؤمنين في صدور الكافرين يترجح منه ~~أن هذا الندب إنما هو في سبيل الله، ويقوى ms1108 ذلك في آخر الآية قوله: " ~~والكافرون هم الظالمون " أي فكافحوهم بالقتال بالأنفس وإنفاق الأموال. # قلت: وعلى هذا التأويل يكون إنفاق الأموال مرة واجبا ومرة ندبا بحسب تعين ~~الجهاد وعدم تعينه. وأمر تعالى عباده بالانفاق مما رزقهم الله وأنعم به ~~عليهم، وحذرهم من الامساك إلى أن يجئ يوم لا يمكن فيه بيع ولا شراء ولا ~~استدراك نفقة، كما قال: " فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق (1) ". ~~والخلة: خالص المودة، مأخوذة من تخلل الاسرار بين الصديقين. والخلالة ~~والخلالة والخلالة: الصداقة والمودة، قال الشاعر (2): # وكيف تواصل من أصبحت * خلالته كأبي مرحب وأبو مرحب كنية الظل، ويقال: هو ~~كنية عرقوب الذي قيل فيه: مواعيد عرقوب. # والخلة (بالضم أيضا): ما خلا من النبت، يقال: الخلة خبز الإبل والحمض ~~فاكهتها. # والخلة (بالفتح): الحاجة والفقر. والخلة: ابن مخاض، عن الأصمعي. يقال: ~~أتاهم بقرص كأنه فرسن (3) خلة. والأنثى خلة أيضا. ويقال للميت: اللهم أصلح ~~خلته، أي الثلمة التي ترك. والخلة: الخمرة الحامضة. والخلة (بالكسر): واحدة ~~خلل السيوف، وهي بطائن كانت تغشى بها أجفان السيوف منقوشة بالذهب وغيره، ~~وهي أيضا سيور تلبس ظهر سيتي (4) القوس. والخلة أيضا: ما يبقى بين الأسنان. ~~وسيأتي في " النساء (5) " اشتقاق الخليل ومعناه. # فأخبر الله تعالى ألا خلة في الآخرة ولا شفاعة إلا بإذن الله. وحقيقتها ~~رحمة منه تعالى شرف بها الذي أذن له في أن يشفع. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو " ~~لا بيع فيه ولا خلة # PageV03P266 # ولا شفاعة " بالنصب من غير تنوين، وكذلك في سورة " إبراهيم " " لا بيع ~~فيه ولا خلال (1) " وفى " الطور " " لا لغو فيها ولا تأثيم (2) " وأنشد ~~حسان بن ثابت: # ألا طعان ولا فرسان عادية * إلا تجشؤكم عند التنانير (3) وألف الاستفهام ~~غير مغيرة عمل " لا " كقولك: ألا رجل عندك، ويجوز ألا رجل ولا امرأة كما ~~جاز في غير الاستفهام فاعلمه. وقرأ الباقون جميع ذلك بالرفع والتنوين، كما ~~قال الراعي: # وما صرمتك حتى قلت معلنة * لا ناقة لي في هذا ولا جمل ويروى " وما هجرتك ~~" فالفتح على النفي العام المستغرق لجميع الوجوه ms1109 من ذلك الصنف، كأنه جواب ~~لمن قال: هل فيه من بيع؟ فسأل سؤالا عاما فأجيب جوابا عاما بالنفي. و " لا ~~" مع الاسم المنفى بمنزلة اسم واحد في موضع رفع بالابتداء، والخبر " فيه ". ~~وإن شئت جعلته صفة ليوم، ومن رفع جمله " لا " بمنزلة ليس. وجعل الجواب غير ~~عام، وكأنه جواب من قال: هل فيه بيع؟ بإسقاط من، فأتى الجواب غير مغير عن ~~رفعه، والمرفوع مبتدأ أو اسم ليس و " فيه " الخبر. قال مكي: والاختيار ~~الرفع، لان أكثر القراء عليه، ويجوز في غير القرآن لا بيع فيه ولا خلة، ~~وأنشد سيبويه لرجل من مذحج: # هذا لعمركم الصغار بعينه * لا أم لي إن كان ذاك ولا أب ويجوز أن تبنى ~~الأول وتنصب الثاني وتنونه فتقول: لا رجل فيه ولا امرأة، وأنشد سيبويه: # لا نسب اليوم ولا خلة * اتسع الخرق على الراقع فلا زائدة في الموضعين، ~~الأول عطف على الموضع والثاني على اللفظ. ووجه خامس أن ترفع الأول وتبنى ~~الثاني كقولك: لا رجل فيها ولا امرأة، قال أمية: # فلا لغو ولا تأثيم فيها * وما فاهوا به أبدا مقيم # PageV03P267 # وهذه الخمسة الأوجه جائزة في قولك: لا حول ولا قوة إلا بالله، وقد تقدم ~~هذا والحمد لله. # (والكافرون) ابتداء. (هم) ابتداء ثان، (الظالمون) خبر الثاني، وإن شئت ~~كانت " هم " زائدة للفصل و " الظالمون " خبر " الكافرون ". قال عطاء بن ~~دينار: والحمد لله الذي قال: " والكافرون هم الظالمون " ولم يقل والظالمون ~~هم الكافرون. # قوله تعالى: الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما ~~في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين ~~أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشئ من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات ~~والأرض ولا يؤوده حفظهما وهو العلى العظيم (255) قوله تعالى: (الله لا إله ~~إلا هو الحي القيوم) هذه آية الكرسي سيدة آي القرآن وأعظم آية، كما تقدم ~~بيانه في الفاتحة، ونزلت ليلا ودعا النبي صلى الله عليه وسلم زيدا فكتبها. ~~روى ms1110 عن محمد ابن الحنفية أنه قال: لما نزلت آية الكرسي خر كل صنم في ~~الدنيا، وكذلك خر كل ملك في الدنيا وسقطت التيجان عن رؤوسهم، وهربت ~~الشياطين يضرب بعضهم على بعض (1) إلى أن أتوا إبليس فأخبروه بذلك فأمرهم أن ~~يبحثوا عن ذلك، فجاءوا إلى المدينة فبلغهم أن آية الكرسي قد نزلت. # وروى الأئمة عن أبي بن كعب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا ~~أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم "؟ قال قلت: الله ورسوله ~~أعلم، قال: " يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم "؟ قال ~~قلت: " الله لا إله إلا هو الحي القيوم " فضرب في صدري وقال: " ليهنك العلم ~~يا أبا المنذر ". زاد الترمذي الحكيم أبو عبد الله: " فوالذي نفسي بيده إن ~~لهذه الآية للسانا وشفتين تقدس الملك عند ساق العرش ". قال أبو عبد الله: # فهذه آية أنزلها الله جل ذكره، وجعل ثوابها لقارئها عاجلا وآجلا، فأما في ~~العاجل فهي حارسة لمن قرأها من الآفات، وروى لنا عن نوف البكالي أنه قال: ~~آية الكرسي تدعى في التوراة # PageV03P268 # ولية الله. يريد يدعى قارئها في ملكوت السماوات والأرض عزيزا، قال: فكان ~~عبد الرحمن ابن عوف إذا دخل بيته قرأ آية الكرسي في زوايا بيته الأربع، ~~معناه كأنه يلتمس بذلك أن تكون له حارسا من جوانبه الأربع، وأن تنفى عنه ~~الشيطان من زوايا بيته. وروى عن عمر أنه صارع جنيا فصرعه عمر رضي الله عنه، ~~فقال له الجني: خل عنى حتى أعلمك ما تمتنعون به منا، فخلى عنه وسأله فقال: ~~إنكم تمتنعون منا بآية الكرسي. # قلت: هذا صحيح، وفى الخبر: من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة كان الذي يتولى ~~قبض روحه ذو الجلال والاكرام، وكان كمن قاتل مع أنبياء الله حتى يستشهد. ~~وعن علي رضي الله عنه قال: سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول وهو على ~~أعواد المنبر: " من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة لم يمنعه من دخول الجنة إلا ~~الموت ms1111 ولا يواظب عليها إلا صديق أو عابد، ومن قرأها إذا أخذ مضجعه آمنه ~~الله على نفسه وجاره وجار جاره والابيات حوله ". وفى البخاري عن أبي هريرة ~~قال: وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان، وذكر قصة وفيها: ~~فقلت يا رسول الله، زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله، ~~قال: " ما هي "؟ # قلت قال لي: إذا آويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم " ~~الله لا إله إلا هو الحي القيوم ". وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظ ولا ~~يقربك شيطان حتى تصبح، وكانوا (1) أحرص شئ على الخير. فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: " أما إنه قد صدقك وهو كذوب تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا ~~هريرة "؟ قال: لا، قال: " ذاك شيطان ". وفى مسند الدارمي أبى محمد قال ~~الشعبي قال عبد الله بن مسعود: لقي رجل من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ~~رجلا من الجن فصارعه فصرعه الإنسي، فقال له الإنسي: إني لأراك ضئيلا شخيتا ~~كأن ذريعتيك ذريعتا كلب فكذلك أنتم معشر الجن، أم أنت من بينهم كذلك؟ قال: ~~لا والله! إني منهم لضليع ولكن عاودني الثانية فإن صرعتني علمتك شيئا ~~ينفعك، قال نعم، فصرعه، قال: # PageV03P269 # تقرأ آية الكرسي: " الله لا إله إلا هو الحي القيوم "؟ قال: نعم، قال: ~~فإنك تقرأها في بيت إلا خرج منه الشيطان له خبج كخبج الحمار ثم لا يدخله ~~حتى يصبح. أخرجه أبو نعيم عن أبي عاصم الثقفي عن الشعبي. وذكره أبو عبيدة ~~في غريب حديث عمر حدثناه أبو معاوية عن أبي عاصم الثقفي عن الشعبي عن عبد ~~الله قال: فقيل لعبد الله: أهو عمر؟ فقال: ما عسى أن يكون إلا عمر!. # قال أبو محمد الدارمي: الضئيل: الدقيق، والشخيت: المهزول، والضليع: جيد ~~الأضلاع، والخبج: الريح. وقال أبو عبيدة: الخبج: الضراط، وهو الحبج أيضا ~~بالحاء. وفى الترمذي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~من قرأ حم - المؤمن - إلى إليه المصير وآية ms1112 الكرسي حين يصبح حفظ بهما حتى ~~يمسى، ومن قرأهما حين يمسى حفظ بهما حتى يصبح " قال: حديث غريب. وقال أبو ~~عبد الله الترمذي الحكيم: وروى أن المؤمنين ندبوا إلى المحافظة على قراءتها ~~دبر كل صلاة. عن أنس رفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أوحى ~~الله إلى موسى عليه السلام من داوم على قراءة آية الكرسي دبر كل صلاة ~~أعطيته فوق ما أعطى (1) الشاكرين وأجر النبيين وأعمال الصديقين وبسطت عليه ~~يميني بالرحمة ولم يمنعه أن أدخله الجنة إلا أن يأتيه ملك الموت " قال موسى ~~عليه السلام: يا رب من سمع بهذا لا يداوم عليه؟ قال: " إني لا أعطيه من ~~عبادي إلا لنبي أو صديق أو رجل أحبه (2) أو رجل أريد قتله في سبيلي ". وعن ~~أبي بن كعب قال قال الله تعالى: " يا موسى من قرأ آية الكرسي في دبر كل ~~صلاة أعطيته ثواب الأنبياء " قال أبو عبد الله: معناه عندي أعطيته ثواب عمل ~~الأنبياء، فأما ثواب النبوة فليس لأحد إلا للأنبياء. وهذه الآية تضمنت ~~التوحيد والصفات العلا، وهي خمسون كلمة، وفى كل كلمة خمسون بركة، وهي تعدل ~~ثلث القرآن، ورد بذلك الحديث، ذكره ابن عطية. و " الله " مبتدأ، و " لا إله ~~" مبتدأ ثان وخبره محذوف تقديره معبود أو موجود. # و " إلا هو " بدل من موضع لا إله. وقيل: " الله لا إله إلا هو " ابتداء ~~وخبر، وهو مرفوع محمول على المعنى، أي ما إله إلا هو، ويجوز في غير القرآن ~~لا إله إلا إياه، نصب على # PageV03P270 # الاستثناء. قال أبو ذر في حديثه الطويل: سألت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أي آية أنزل الله عليك من القرآن أعظم؟ فقال: " الله لا إله إلا هو ~~الحي القيوم ". وقال ابن عباس: # أشرف آية في القرآن آية الكرسي. قال بعض العلماء: لأنه يكرر فيها اسم ~~الله تعالى بين مضمر وظاهر ثماني عشرة مرة. # (الحي القيوم) نعت لله عز وجل، وإن شئت كان بدلا من " هو "، وإن شئت كان ~~خبرا بعد خبر، وإن ms1113 شئت على إضمار مبتدأ. ويجوز في غير القرآن النصب على ~~المدح. و " الحي " اسم من أسمائه الحسنى يسمى به، ويقال: إنه اسم الله ~~تعالى الأعظم. # ويقال: إن عيسى ابن مريم عليه السلام كان إذا أراد أن يحيى الموتى يدعو ~~بهذا الدعاء: # يا حي يا قيوم. ويقال: إن آصف بن برخيا لما أراد أن يأتي بعرش بلقيس إلى ~~سليمان دعا بقوله يا حي يا قيوم. ويقال: إن بني إسرائيل سألوا موسى عن اسم ~~الله الأعظم فقال لهم: أيا هيا شرا هيا، يعنى يا حي يا قيوم. ويقال: هو ~~دعاء أهل البحر إذا خافوا الغرق يدعون به. قال الطبري عن قوم: إنه يقال حي ~~قيوم كما وصف نفسه، ويسلم ذلك دون أن ينظر فيه. وقيل: # سمى نفسه حيا لصرفه الأمور مصاريفها وتقديره الأشياء مقاديرها. وقال ~~قتادة: الحي الذي لا يموت. وقال السدى: المراد بالحي الباقي. قال لبيد: # فإما تريني اليوم أصبحت سالما * ولست بأحيا من كلاب وجعفر وقد قيل: إن ~~هذا الاسم هو اسم الله الأعظم. (القيوم) من قام، أي القائم بتدبير ما خلق، ~~عن قتادة. وقال الحسن: معناه القائم على كل نفس بما كسبت حتى يجازيها ~~بعملها، من حيث هو عالم بها لا يخفى عليه شئ منها. وقال ابن عباس: معناه ~~الذي لا يحول ولا يزول، قال أمية بن أبي الصلت: # لم تخلق السماء والنجوم * والشمس معها قمر يقوم قدره مهيمن قيوم * والحشر ~~والجنة والنعيم * إلا لأمر شأنه عظيم * PageV03P271 # قال البيهقي: ورأيت في " عيون التفسير " لإسماعيل الضرير تفسير القيوم ~~قال: ويقال هو الذي لا ينام، وكأنه أخذه من قوله عز وجل عقيبه في آية ~~الكرسي: " لا تأخذه سنة ولا نوم ". وقال الكلبي: القيوم الذي لا بدئ (1) ~~له، ذكره أبو بكر الأنباري. وأصل قيوم قيووم اجتمعت الواو والياء وسبقت ~~إحداهما بالسكون فأدغمت الأولى في الثانية بعد قلب الواو ياء، ولا يكون ~~قيوم فعولا، لأنه من الواو فكان يكون قيووما. وقرأ ابن مسعود وعلقمة ~~والأعمش والنخعي " الحي القيام " بالألف، وروى ذلك عن عمر. ms1114 ولا خلاف بين ~~أهل اللغة في أن القيوم أعرف عند العرب وأصح بناء وأثبت علة. والقيام منقول ~~عن القوام إلى القيام، صرف عن الفعال إلى الفيعال، كما قيل للصواغ الصياغ، ~~قال الشاعر: # إن ذا العرش للذي يرزق الناس * (2) وحى عليهم قيوم ثم نفى عز وجل أن ~~تأخذه سنة ولا نوم. والسنة: النعاس في قول الجميع. والنعاس ما كان من العين ~~فإذا صار في القلب صار نوما، قال عدى بن الرقاع يصف امرأة (3) بفتور النظر: # وسنان أقصده النعاس فرنقت (4) * في عينه سنة وليس بنائم وفرق المفضل ~~بينهما فقال: السنة من الرأس، والنعاس في العين، والنوم في القلب. # وقال ابن زيد: الوسنان الذي يقوم من النوم وهو لا يعقل، حتى ربما جرد ~~السيف على أهله. قال ابن عطية: وهذا الذي قاله ابن زيد فيه نظر، وليس ذلك ~~بمفهوم من كلام العرب. وقال السدى: السنة: ريح النوم الذي يأخذ في الوجه ~~فينعس الانسان. # قلت: وبالجملة فهو فتور يعتري الانسان ولا يفقد معه عقله. والمراد بهذه ~~الآية أن الله تعالى لا يدركه خلل ولا يلحقه ملل بحال من الأحوال. والأصل ~~في سنة وسنة حذفت الواو # PageV03P272 # كما حذفت من يسن (1). والنوم هو المستثقل الذي يزول معه الذهن في حق ~~البشر. والواو للعطف و " لا " توكيد. # قلت: والناس يذكرون في هذا الباب عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يحكى عن موسى على المنبر قال: " وقع في نفس موسى هل ينام ~~الله جل ثناؤه فأرسل الله إليه ملكا فأرقه ثلاثا ثم أعطاه قارورتين في كل ~~يد قارورة وأمره أن يحتفظ بهما قال فجعل ينام وتكاد يداه تلتقيان ثم يستيقظ ~~فينحي أحديهما عن الأخرى حتى نام نومة فاصطفقت يداه فانكسرت القارورتان - ~~قال - ضرب الله له مثلا أن لو كان ينام لم تمتسك (2) السماء والأرض " ولا ~~يصح هذا الحديث، ضعفه غير واحد منهم البيهقي قوله تعالى: (له ما في ~~السماوات وما في الأرض) أي بالملك فهو مالك الجميع وربه. # وجاءت العبارة ب‍ " ما " وإن ms1115 كان في الجملة من يعقل من حيث المراد الجملة ~~والموجود. قال الطبري: نزلت هذه الآية لما قال الكفار: ما نعبد أوثانا إلا ~~ليقربونا إلى الله زلفى. # قوله تعالى: (من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه) " من " رفع بالابتداء و " ~~ذا " خبره، و " الذي " نعت ل‍ " ذا "، وإن شئت بدل، ولا يجوز أن تكون " ذا ~~" زائدة كما زيدت مع " ما " لان " ما " مبهمة فزيدت " ذا " معها لشبهها ~~بها. وتقرر في هذه الآية أن الله يأذن لمن يشاء في الشفاعة، وهم الأنبياء ~~والعلماء والمجاهدون والملائكة وغيرهم ممن أكرمهم وشرفهم الله، ثم لا ~~يشفعون إلا لمن ارتضى، كما قال: " ولا يشفعون إلا لمن ارتضى (3) " قال ابن ~~عطية: والذي يظهر أن العلماء والصالحين يشفعون فيمن لم يصل إلى النار وهو ~~بين المنزلتين، أو وصل ولكن له أعمال صالحة. # وفى البخاري في " باب بقية من أبو أب الرؤية ": إن المؤمنين يقولون: ربنا ~~إن إخواننا كانوا يصلون معنا ويصومون معنا. وهذه شفاعة فيمن يقرب أمره، ~~وكما يشفع الطفل المحبنطئ (4) على باب الجنة. وهذا إنما هو في قراباتهم ~~ومعارفهم. وإن الأنبياء يشفعون فيمن [ # PageV03P273 # حصل في النار من عصاة أممهم بذنوب دون قربى ولا معرفة إلا بنفس الايمان، ~~ثم تبقى شفاعة أرحم الراحمين في المستغرقين [في الخطايا (1) والذنوب الذين ~~لم تعمل فيهم شفاعة الأنبياء. وأما شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم في تعجيل ~~الحساب فخاصة له. # قلت: قد بين مسلم في صحيحه كيفية الشفاعة بيانا شافيا، وكأنه رحمه الله ~~لم يقرأه وأن الشافعين يدخلون النار ويخرجون منها أناسا استوجبوا العذاب، ~~فعلى هذا لا يبعد أن يكون للمؤمنين شفاعتان: شفاعة فيمن لم يصل إلى النار، ~~وشفاعة فيمن وصل إليها ودخلها، أجارنا الله منها. فذكر من حديث أبي سعيد ~~الخدري: " ثم يضرب الجسر على جهنم وتحل الشفاعة ويقولون اللهم سلم سلم - ~~قيل: يا رسول الله وما الجسر؟ قال: دحض (2) مزلة فيها خطاطيف وكلاليب وحسكة ~~(3) تكون بنجد فيها شويكة يقال لها السعدان فيمر المؤمنون كطرف العين ~~وكالبرق وكالريح وكالطير وكأجاويد الخيل ms1116 والركاب (4) فناج مسلم ومخدوش (5) ~~مرسل ومكدوس (6) في نار جهنم حتى إذا خلص المؤمنون من النار فوالذي نفسي ~~بيده ما من أحد منكم بأشد مناشدة لله في استيفاء الحق من المؤمنين لله يوم ~~القيامة لإخوانهم الذين في النار، يقولون ربنا كانوا يصومون معنا ويصلون ~~ويحجون، فيقال لهم أخرجوا من عرفتم، فتحرم صورهم على النار فيخرجون خلقا ~~كثيرا قد أخذت النار إلى نصف ساقيه وإلى ركبتيه ثم يقولون ربنا ما بقى فيها ~~أحد ممن أمرتنا به، فيقول عز وجل أرجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من ~~خير فأخرجوه، فيخرجون خلقا كثيرا، ثم يقولون ربنا لم نذر فيها أحدا ممن ~~أمرتنا به، ثم يقول ارجعوا # PageV03P274 # فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقا كثيرا ~~ثم يقولون ربنا لم نذر فيها أحد ممن أمرتنا به، ثم يقول ارجعوا فمن وجدتم ~~في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم ~~نذر فيها خيرا " - وكان أبو سعيد يقول: إن لم تصدقوني بهذا الحديث فاقرءوا ~~إن شئتم " إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه ~~أجرا عظيما (1) " - " فيقول الله تعالى: شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع ~~المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوما ~~لم يعملوا خيرا قط قد عادوا حمما (2) " وذكر الحديث. وذكر من حديث أنس عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " فأقول يا رب ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله ~~قال ليس ذلك لك - أو قال ليس ذلك إليك - وعزتي وكبريائي وعظمتي [وجبريائي ~~(3)] لأخرجن من قال لا إله إلا الله ". وذكر من حديث أبي هريرة عنه عليه ~~الصلاة وسلم: " حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد وأراد أن يخرج ~~برحمته من أراد من أهل النار أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا ~~يشرك بالله شيئا ممن أراد الله تعالى أن يرحمه ممن يقول لا إله إلا الله ~~فيعرفونهم في النار يعرفونهم ms1117 بأثر السجود تأكل النار ابن آدم إلا أثر ~~السجود حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود " الحديث بطوله. # قلت: فدلت هذه الأحاديث على أن شفاعة المؤمنين وغيرهم إنما هي لمن دخله ~~النار وحصل فيها، أجارنا الله! منها وقول ابن عطية: " ممن لم يصل أو وصل " ~~يحتمل أن يكون أخذه من أحاديث أخر، والله أعلم. وقد خرج ابن ماجة في سننه ~~عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يصف الناس يوم ~~القيامة صفوفا - وقال ابن نمير أهل الجنة - فيمر الرجل من أهل النار على ~~الرجل فيقول يا فلان أما تذكر يوم استسقيت فسقيتك شربة؟ قال فيشفع له ويمر ~~الرجل على الرجل فيقول أما تذكر يوم ناولتك طهورا؟ # فيشفع له - قال ابن نمير - ويقول يا فلان أما تذكر يوم بعثتني لحاجة كذا ~~وكذا فذهبت لك؟ فيشفع له ". # PageV03P275 # وأما شفاعات نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فاختلف فيها، فقيل ثلاث ~~اثنتان، وقيل: خمس، يأتي بيانها في " سبحان (1) " إن شاء الله تعالى. وقد ~~أتينا عليها في كتاب " التذكرة " والحمد لله. # قوله تعالى: (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم) الضميران عائدان على كل من ~~يعقل ممن تضمنه قوله: " له ما في السماوات وما في الأرض ". وقال مجاهد: " ~~ما بين أيديهم " الدنيا " وما خلفهم " الآخرة. قال ابن عطية: وكل هذا صحيح ~~في نفسه لا بأس به، لان ما بين اليد هو كل ما تقدم الانسان، وما خلفه هو كل ~~ما يأتي بعده، وبنحو قول مجاهد قال السدى وغيره. # قوله تعالى: (ولا يحيطون بشئ من علمه إلا بما شاء) العلم هنا بمعنى ~~المعلوم، أي ولا يحيطون بشئ من معلوماته، وهذا كقول الخضر لموسى عليه ~~السلام حين نقر العصفور في البحر: ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كما ~~نقص هذا العصفور من هذا البحر. # فهذا وما شاكله راجع إلى المعلومات، لان علم الله سبحانه وتعالى الذي هو ~~صفة ذاته لا يتبعض (2). ومعنى الآية لا معلوم لاحد إلا ما شاء الله ms1118 أن ~~يعلمه. # قوله تعالى: (وسع كرسيه السماوات والأرض) ذكر ابن عساكر. في تاريخه عن ~~علي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الكرسي لؤلؤة ~~والقلم لؤلؤة وطول القلم سبعمائة سنة وطول الكرسي حيث لا يعلمه إلا الله ~~(3) ". وروى حماد بن سلمة عن عاصم بن بهدلة - وهو عاصم بن أبي النجود - عن ~~زر بن حبيش عن ابن مسعود قال: بين كل سماءين مسيرة خمسمائة عام وبين السماء ~~السابعة وبين الكرسي خمسمائة عام، وبين الكرسي وبين العرش مسيرة خمسمائة ~~عام، والعرش فوق الماء والله فوق العرش يعلم ما أنتم فيه وعليه. يقال: # كرسي وكرسي والجمع الكراسي. وقال ابن عباس: كرسيه علمه. ورجحه الطبري، ~~قال: # ومنه الكراسة التي تضم العلم، ومنه قيل للعلماء: الكراسي، لأنهم المعتمد ~~عليهم، كما يقال: أوتاد الأرض. # PageV03P276 # قال الشاعر: # يحف بهم بيض الوجوه وعصبة * كراسي بالاحداث حين تنوب أي علماء بحوادث ~~الأمور. وقيل: كرسيه قدرته التي يمسك بها السماوات والأرض، كما تقول: اجعل ~~لهذا الحائط كرسيا، أي ما يعمده. وهذا قريب من قول ابن عباس في قول " وسع ~~كرسيه " قاله البيهقي: وروينا عن ابن مسعود (1) وسعيد بن جبير عن ابن عباس ~~في قول " وسع كرسيه " قال: علمه. وسائر الروايات عن ابن عباس وغيره تدل على ~~أن المراد به الكرسي المشهور مع العرش. وروى إسرائيل عن السدى عن أبي مالك ~~في قوله " وسع كرسيه السماوات والأرض " قال: إن الصخرة التي عليها الأرض ~~السابعة ومنتهى الخلق على أرجائها، عليها أربعة من الملائكة لكل واحد منهم ~~أربعة وجوه: وجه إنسان ووجه أسد ووجه ثور ووجه نسر، فهم قيام عليها قد ~~أحاطوا بالأرضين والسماوات، ورؤوسهم تحت الكرسي والكرسي تحت العرش والله ~~واضع كرسيه فوق العرش. قال البيهقي: في هذا إشارة إلى كرسيين: أحدهما تحت ~~العرش، والآخر موضوع على العرش. وفى رواية أسباط عن السدى عن أبي مالك، وعن ~~أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني عن ~~ابن مسعود عن ناس من أصحاب ms1119 رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله " وسع ~~كرسيه السماوات والأرض " فإن السماوات والأرض في جوف الكرسي والكرسي بين ~~يدي العرش. وأرباب الالحاد يحملونها على عظم الملك وجلالة السلطان، وينكرون ~~وجود العرش والكرسي وليس بشئ. وأهل الحق يجيزونهما، إذ في قدرة الله متسع ~~فيجب الايمان بذلك. قال أبو موسى الأشعري: الكرسي موضع القدمين وله أطيط ~~كأطيط الرحل (2). # قال البيهقي: قد روينا أيضا في هذا عن ابن عباس وذكرنا أن معناه فيما يرى ~~أنه موضوع من العرش موضع القدمين من السرير، وليس فيه إثبات المكان لله ~~تعالى. وعن ابن بريدة عن أبيه قال: لما قدم جعفر من الحبشة قال له رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " ما أعجب شئ رأيته "؟ قال: رأيت امرأة على رأسها ~~مكتل طعام فمر فارس فأذراه (3) فقعدت تجمع # PageV03P277 # طعامها، ثم التفتت إليه فقالت له: ويل لك يوم يضع الملك كرسيه فيأخذ ~~للمظلوم من الظالم! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تصديقا لقولها: " لا ~~قدست أمة - أو كيف تقدس أمة - لا يأخذ ضعيفها حقه من شديدها ". قال ابن ~~عطية: في قول أبى موسى " الكرسي موضع القدمين " يريد هو من عرش الرحمن ~~كموضع القدمين من أسرة الملوك، فهو مخلوق عظيم بين يدي العرش نسبته إليه ~~كنسبة الكرسي إلى سرير الملك. وقال الحسن بن أبي الحسن: الكرسي هو العرش ~~نفسه، وهذا ليس بمرضى، والذي تقتضيه الأحاديث أن الكرسي مخلوق بين يدي ~~العرش والعرش أعظم منه. وروى أبو إدريس الخولاني عن أبي ذر قال: قلت يا ~~رسول الله، أي ما أنزل عليك أعظم؟ قال: " آية الكرسي - ثم قال - يا أبا ذر ~~ما السماوات السبع مع الكرسي إلا كخلقة ملقاة في أرض فلاة وفضل العرش على ~~الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة ". أخرجه الآجري وأبو حاتم البستي في صحيح ~~مسنده والبيهقي وذكر أنه صحيح. وقال مجاهد: ما السماوات والأرض في الكرسي ~~إلا بمنزلة حلقة ملقاة في أرض فلاة. وهذه الآية منبئة عن عظم مخلوقات الله ~~تعالى، ويستفاد من ذلك عظم قدرة ms1120 الله عز وجل إذ لا يؤده حفظ هذا الامر ~~العظيم. # و (يؤوده) معناه يثقله، يقال: آدني الشئ بمعنى أثقلني وتحملت منه المشقة، ~~وبهذا فسر اللفظة ابن عباس والحسن وقتادة وغيرهم. قال الزجاج: فجائز أن ~~تكون الهاء لله عز وجل، وجائز أن تكون للكرسي، وإذا كانت للكرسي، فهو من ~~أمر الله تعالى. و (العلى) يراد به علو القدر والمنزلة لا علو المكان، لان ~~الله منزه عن التحيز. وحكى الطبري عن قوم أنهم قالوا: هو العلى عن خلقه ~~بارتفاع مكانه عن أماكن خلقه. قال ابن عطية: وهذا قول جهلة مجسمين، وكان ~~الوجه ألا يحكى. وعن عبد الرحمن بن قرط أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ليلة أسرى به سمع تسبيحا في السماوات العلى: سبحان الله العلى الاعلى ~~سبحانه وتعالى. والعلى والعالي: القاهر الغالب للأشياء، تقول العرب: علا ~~فلان فلانا أي غلبه وقهره، قال الشاعر: # فلما علونا واستوينا عليهم * تركناهم صرعى لنسر وكاسر PageV03P278 # ومنه قوله تعالى: " إن فرعون علا في الأرض (1) ". و (العظيم) صفة بمعنى ~~عظيم القدر والخطر والشرف، لا على معنى عظم الاجرام. وحكى الطبري عن قوم أن ~~العظيم معناه المعظم، كما يقال: العتيق بمعنى المعتق، وأنشد بيت الأعشى: # فكأن الخمر العتيق من الأسفنط * (2) ممزوجة بماء زلال وحكى عن قوم أنهم ~~أنكروا ذلك وقالوا: لو كان بمعنى معظم لوجب ألا بكون عظيما قبل أن يخلق ~~الخلق وبعد فنائهم، إذ لا معظم له حينئذ. # قوله تعالى: لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغى فمن يكفر بالطاغوت ~~ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم ~~(256) قوله تعالى: (لا إكراه في الدين). فيه مسألتان: # الأولى - قوله تعالى: (لا إكراه في الدين) الدين في هذه الآية المعتقد ~~والملة بقرينة قوله: (قد تبين الرشد من الغى). والاكراه الذي في الاحكام من ~~الايمان والبيوع والهبات وغيرها ليس هذا موضعه، وإنما يجئ في تفسير قوله: " ~~إلا من أكره (3) ". وقرأ أبو عبد الرحمن " قد تبين الرشد من الغى " وكذا ~~روى عن الحسن والشعبي، ms1121 يقال: رشد يرشد رشدا، ورشد يرشد رشدا: إذا بلغ ما ~~يحب. وغوى ضده، عن النحاس. وحكى ابن عطية عن أبي عبد الرحمن السلمي أنه قرأ ~~" الرشاد " بالألف. وروى عن الحسن أيضا (الرشد) بضم الراء والشين. (الغى) ~~مصدر من غوى يغوى إذا ضل في معتقد أو رأى، ولا يقال الغى في الضلال على ~~الاطلاق. # PageV03P279 # الثانية - اختلف العلماء في [معنى (1)] هذه الآية على ستة أقوال: # (الأول) قيل إنها منسوخة، لان النبي صلى الله عليه وسلم قد أكره العرب ~~على دين الاسلام وقاتلهم ولم يرض منهم إلا بالاسلام، قاله سليمان بن موسى، ~~قال: نسختها " يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين (2) ". وروى هذا عن ~~ابن مسعود وكثير من المفسرين. # (الثاني) ليست بمنسوخة وإنما نزلت في أهل الكتاب خاصة، وأنهم لا يكرهون ~~على الاسلام إذا أدوا الجزية، والذين يكرهون أهل الأوثان فلا يقبل منهم إلا ~~الاسلام فهم الذين نزل فيهم " يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين ". هذا ~~قول الشعبي وقتادة والحسن والضحاك. والحجة لهذا القول ما رواه زيد بن أسلم ~~عن أبيه قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول لعجوز نصرانية: اسلمي أيتها العجوز ~~تسلمي، إن الله بعث محمدا بالحق. قالت: # أنا عجوز كبيرة والموت إلى قريب! فقال عمر: اللهم اشهد، وتلا " لا إكراه ~~في الدين ". # (الثالث) ما رواه أبو داود عن ابن عباس قال: نزلت هذه في الأنصار، كانت ~~تكون المرأة مقلاتا فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده، فلما أجليت ~~بنو النضير كان فيهم كثير من أبناء الأنصار فقالوا: لا ندع أبناءنا! فأنزل ~~الله تعالى: " لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغى ". قال أبو داود: ~~والمقلات التي لا يعيش لها ولد. في رواية: إنما فعلنا ما فعلنا ونحن نرى أن ~~دينهم أفضل مما نحن عليه، وأما إذا جاء الله بالاسلام فنكرههم عليه فنزلت: # " لا إكراه في الدين " من شاء التحق بهم ومن شاء دخل في الاسلام. وهذا ~~قول سعيد ابن جبير والشعبي ومجاهد إلا أنه قال: كان سبب كونهم في ms1122 بنى ~~النضير الاسترضاع. قال النحاس: قول ابن عباس في هذه الآية أولى الأقوال ~~لصحة إسناده، وأن مثله لا يؤخذ بالرأي. # (الرابع) قال السدى: نزلت الآية في رجل من الأنصار يقال له أبو حصين كان ~~له ابنان، فقدم تجار من الشام إلى المدينة يحملون الزيت، فلما أرادوا ~~الخروج أتاهم أبنا الحصين فدعوهما إلى النصرانية فتنصرا ومضيا معهم إلى ~~الشام، فأتى أبوهما رسول الله صلى الله عليه وسلم مشتكيا أمرهما، ورغب في ~~أن يبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم من يردهما فنزلت: " لا إكراه في ~~الدين " # PageV03P280 # ولم يؤمر يومئذ بقتال أهل الكتاب، وقال: " أبعدهما الله هما أول من كفر ~~"! فوجد أبو الحصين في نفسه على النبي صلى الله عليه وسلم حين لم يبعث في ~~طلبهما فأنزل الله جل ثناؤه " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر ~~بينهم (1) "، الآية ثم إنه نسخ " لا إكراه في الدين " فأمر بقتال أهل ~~الكتاب في سورة " براءة (2) ". والصحيح في سبب قوله تعالى: " فلا وربك لا ~~يؤمنون " حديث الزبير مع جاره الأنصاري في السقى، على ما يأتي في " النساء ~~(1) " بيانه إن شاء الله تعالى. وقيل: معناها لا تقولوا لمن أسلم تحت السيف ~~مجبرا مكرها، وهو القول الخامس. # وقول سادس، وهو أنها وردت في السبي متى كانوا من أهل الكتاب لم يجبروا ~~إذا كانوا كبارا (3)، وإن كانوا مجوسا صغارا أو كبارا أو وثنيين فإنهم ~~يجبرون على الاسلام، لان من سباهم لا ينتفع بهم مع كونهم وثنيين، ألا ترى ~~أنه لا تؤكل ذبائحهم ولا توطأ نساؤهم، ويدينون بأكل الميتة والنجاسات ~~وغيرهما، ويستقذرهم المالك لهم ويتعذر عليه الانتفاع بهم من جهة الملك فجاز ~~له الاجبار. ونحو هذا روى ابن القاسم عن مالك. وأما أشهب فإنه قال: هم على ~~دين من سباهم، فإذا امتنعوا أجبروا على الاسلام، والصغار لا دين لهم فلذلك ~~أجبروا على الدخول في دين الاسلام لئلا يذهبوا إلى دين باطل. فأما سائر ~~أنواع الكفر متى بذلوا الجزية لم نكرههم على الاسلام سواء كانوا عربا أم ~~عجما قريشا ms1123 أو غيرهم. وسيأتي بيان هذا وما للعلماء في الجزية ومن تقبل منه ~~في " براءة (2) " إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: (فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله) جزم بالشرط. والطاغوت مؤنثة ~~من طغى يطغى. - وحكى الطبري يطغو - إذا جاوز الحد بزيادة عليه. ووزنه ~~فعلوت، ومذهب سيبويه أنه اسم مذكر مفرد كأنه اسم جنس يقع للقليل والكثير. ~~ومذهب أبي على أنه مصدر كرهبوت وجبروت، وهو يوصف به الواحد والجمع، وقلبت ~~لامه إلى موضع العين وعينه موضع اللام كجبذ وجذب، فقلبت الواو ألفا لتحركها ~~وتحرك ما قبلها فقيل طاغوت، واختار هذا القول النحاس. وقيل: أصل طاغوت في ~~اللغة مأخوذة من الطغيان يؤدى معناه من غير اشتقاق، كما قيل: لآل من ~~اللؤلؤ. وقال المبرد: هو جمع. وقال ابن عطية: وذلك # PageV03P281 # مردود. قال الجوهري: والطاغوت الكاهن والشيطان وكله رأس في الضلال، وقد ~~يكون واحدا قال الله تعالى: " يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن ~~يكفروا به (1) ". # وقد يكون جمعا قال الله تعالى: " أولياؤهم الطاغوت " والجمع الطواغيت. " ~~ويؤمن بالله " عطف. (فقد استمسك بالعروة الوثقى) جواب الشرط، وجمع الوثقى ~~الوثق مثل الفضلى والفضل، فالوثقى فعلى من الوثاقة، وهذه الآية تشبيه. ~~واختلفت عبارة المفسرين في الشئ المشبه به، فقال مجاهد: العروة الايمان. ~~وقال السدى: الاسلام. وقال ابن عباس وسعيد ابن جبير والضحاك: لا إله إلا ~~الله، وهذه عبارات ترجع إلى معنى واحد. ثم قال: (لا انفصام لها) قال مجاهد: ~~أي لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، أي لا يزيل عنهم أسم الايمان ~~(2) حتى يكفروا. والانفصام: الانكسار من غير بينونة. والقصم: كسر ببينونة، ~~وفى صحيح الحديث " فيفصم عنه الوحي وإن جبينه ليتفصد عرقا " أي يقلع. قال ~~الجوهري: فصم الشئ كسره من غير أن يبين، تقول: فصمته فانفصم، قال الله ~~تعالى: لا انفصام لها " وتفصم مثله، قال ذو الرمة يذكر غزالا يشبهه بدملج ~~فضة: # كأنه دملج من فضة نبه (3) * في ملعب من جواري الحي مفصوم وإنما جعله ~~مفصوما لتثنيه وانحنائه إذا نام. ولم يقل " مقصوم " بالقاف فيكون بائنا ms1124 ~~باثنين. وافصم المطر: أقلع. وأفصمت عنه الحمى. ولما كان الكفر بالطاغوت ~~والايمان بالله مما ينطق به اللسان ويعتقده القلب حسن في الصفات (سميع) من ~~أجل النطق (عليم) من أجل المعتقد. # قوله تعالى: الله ولى الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين ~~كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحب النار هم ~~فيها خلدون (257) # PageV03P282 # (الله ولى الذين آمنوا) الولي فعيل بمعنى فاعل. قال الخطابي: الولي ~~الناصر ينصر عباده المؤمنين، قال الله عز وجل: (الله ولى الذين آمنوا ~~يخرجهم من الظلمات إلى النور)، وقال: " ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن ~~الكافرين لا مولى لهم (1) ". قال قتادة: الظلمات الضلالة، والنور الهدى، ~~وبمعناه قال الضحاك والربيع. وقال مجاهد وعبدة ابن أبي لبابة: قوله " الله ~~ولى الذين آمنوا " نزلت في قوم آمنوا بعيسى فلما جاء محمد صلى الله عليه ~~وسلم كفروا به، فذلك إخراجهم من النور إلى الظلمات. قال ابن عطية: # فكأن هذا المعتقد (2) أحرز نورا في المعتقد خرج منه إلى الظلمات، ولفظ ~~الآية مستغن عن هذا التخصيص، بل هو مترتب في كل أمة كافرة آمن بعضها ~~كالعرب، وذلك أن من آمن منهم فالله وليه أخرجه من ظلمة الكفر إلى نور ~~الايمان، ومن كفر بعد وجود النبي صلى الله عليه وسلم الداعي المرسل فشيطانه ~~مغويه، كأنه أخرجه من الايمان إذ هو [معه (3)] معد وأهل للدخول فيه، وحكم ~~عليهم بالدخول في النار لكفرهم، عدلا منه، لا يسأل عما يفعل. وقرأ الحسن " ~~أولياؤهم الطواغيت " يعنى الشياطين، والله أعلم. # قوله تعالى: ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ ~~قال إبراهيم ربى الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله ~~يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدى ~~القوم الظالمين (258) فيه مسألتان: # الأولى - قوله تعالى: (ألم تر) هذه ألف التوقيف، وفى الكلام معنى التعجب ~~(4)، أي اعجبوا له. وقال الفراء: " ألم تر " بمعنى هل رأيت، أي هل رأيت ~~الذي حاج إبراهيم، ms1125 وهل رأيت الذي مر على قرية، وهو النمروذ (5) ابن كوش ابن ~~كنعان ابن سام ابن نوح ملك زمانه # PageV03P283 # وصاحب النار والبعوضة! هذا قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والربيع والسدي ~~وابن إسحاق وزيد ابن أسلم وغيرهم. وكان إهلاكه لما قصد المحاربة مع الله ~~تعالى بأن فتح الله تعالى عليه بابا من البعوض فستروا (1) عين الشمس وأكلوا ~~عسكره ولم يتركوا إلا العظام، ودخلت واحدة منها في دماغه فأكلته حتى صارت ~~مثل الفأرة، فكان أعز الناس عنده بعد ذلك من يضرب دماغه بمطرفة عتيدة لذلك، ~~فبقى في البلاء أربعين يوما. قال ابن جريج: هو أول ملك في الأرض. # قال ابن عطية: وهذا مردود. وقال قتادة: هو أول من تجبر وهو صاحب الصرح ~~ببابل. # وقيل: إنه ملك الدنيا بأجمعها، وهو أحد الكافرين (2)، والآخر بختنصر. ~~وقيل: إن الذي حاج إبراهيم نمروذ ابن فالخ ابن عابر ابن شالخ ابن أرفخشد ~~ابن سام، حكى جميعه ابن عطية. # وحكى السهيلي أنه النمروذ ابن كوش ابن كنعان ابن حام ابن نوح وكان ملكا ~~على السواد (3) وكان ملكه الضحاك الذي يعرف بالازدهاق واسمه بيوراسب ابن ~~أندراست وكان ملك الأقاليم كلها، وهو الذي قتله أفريدون ابن أثفيان، وفيه ~~يقول حبيب: (4) وكأنه الضحاك من فتكاته * في العالمين وأنت أفريدون وكان ~~الضحاك طاغيا جبارا ودام ملكه ألف عام فيما ذكروا. وهو أول من صلب وأول من ~~قطع الأيدي والأرجل، وللنمروذ ابن لصلبه يسمى " كوشا " أو نحو هذا الاسم، ~~وله ابن يسمى نمروذ الأصغر. وكان ملك نمروذ الأصغر عاما واحد ا، وكان ملك ~~نمروذ الأكبر أربعمائة عام فيما ذكروا. وفى قصص هذه المحاجة روايتان: ~~إحداهما أنهم خرجوا إلى عيد لهم فدخله إبراهيم على أصنامهم فكسرها، فلما ~~رجعوا قال لهم: أتعبدون ما تنحتون؟ فقالوا: # فمن تعبد؟ قال: أعبد [ربى (5)] الذي يحيى ويميت. وقال بعضهم: إن نمروذ ~~كان يحتكر الطعام فكانوا إذا احتاجوا إلى الطعام يشترونه منه، فإذا دخلوا ~~عليه سجدوا له، فدخل إبراهيم فلم يسجد له، فقال: مالك لا تسجد لي! قال: أنا ~~لا أسجد ms1126 إلا لربي. فقال له نمروذ: من ربك!؟ قال إبراهيم: ربى الذي يحيى ~~ويميت. وذكر زيد ابن أسلم أن النمروذ هذا قعد # PageV03P284 # يأمر الناس بالميرة (1)، فكلما جاء قوم يقول: من ربكم وإلهكم؟ فيقولون ~~أنت، فيقول: # ميروهم. وجاء إبراهيم عليه السلام يمتار فقال له: من ربك وإلهك؟ قال ~~إبراهيم: ربى الذي يحيى ويميت، فلما سمعها نمروذ قال: أنا أحيى وأميت، ~~فعارضه إبراهيم بأمر الشمس فبهت الذي كفر، وقال لا تميروه، فرجع إبراهيم ~~إلى أهله دون شئ فمر على كثيب رمل كالدقيق فقال في نفسه: لو ملأت غرارتي من ~~هذا فإذا دخلت به فرح الصبيان حتى أنظر لهم، فذهب بذلك فلما بلغ منزله فرح ~~الصبيان وجعلوا يلعبون فوق الغرارتين ونام هو من الاعياء، فقالت امرأته: لو ~~صنعت له طعاما يجده حاضرا إذا انتبه، ففتحت إحدى الغرارتين فوجدت أحسن ما ~~يكون من الحوارى (2) فخبزته، فلما قام وضعته بين يديه فقال: من أين هذا؟ ~~فقالت: من الدقيق الذي سقت. فعلم إبراهيم أن الله تعالى يسر لهم ذلك. # قلت: وذكر أبو بكر ابن أبي شيبة عن أبي صالح قال: انطلق إبراهيم النبي ~~عليه السلام يمتار فلم يقدر على الطعام، فمر بسهلة (3) حمراء فأخذ منها ثم ~~رجع إلى أهله فقالوا: ما هذا؟ # فقال: حنطة حمراء، ففتحوها فوجدوها حنطة حمراء، قال: وكان إذا زرع منها ~~شيئا جاء سنبله من أصلها إلى فرعها حبا متراكبا. وقال الربيع وغيره في هذا ~~القصص: إن النمروذ لما قال أنا أحيى وأميت أحضر رجلين فقتل أحدهما وأرسل ~~الآخر فقال: قد أحييت هذا وأمت هذا، فلما رد عليه بأمر الشمس بهت. وروى في ~~الخبر: أن الله تعالى قال وعزتي وجلالي لا تقوم الساعة حتى آتي بالشمس من ~~المغرب ليعلم أنى أنا القادر على ذلك. ثم أمر نمروذ بإبراهيم فالقى في ~~النار، وهكذا عادة الجبابرة فإنهم إذا عورضوا بشئ وعجزوا عن الحجة اشتغلوا ~~بالعقوبة، فأنجاه الله من النار، على ما يأتي (4). وقال السدى: إنه لما خرج ~~إبراهيم من النار أدخلوه على الملك - ولم يكن قبل ms1127 ذلك دخل عليه - فكلمه ~~وقال له: من ربك؟ فقال: ربى # PageV03P285 # الذي يحيى ويميت. قال النمروذ: أنا أحيى وأميت، وأنا آخذ أربعة نفر ~~فأدخلهم بيتا ولا يطعمون شيئا ولا يسقون حتى إذا جاعوا أخرجتهم فأطعمت ~~اثنين فحييا وتركت اثنين فماتا. فعارضه إبراهيم بالشمس فبهت. وذكر ~~الأصوليون في هذه الآية أن إبراهيم عليه السلام لما وصف ربه تعالى بما هو ~~صفة له من الاحياء والإماتة لكنه أمر له حقيقة ومجاز، قصد إبراهيم عليه ~~السلام إلى الحقيقة، وفزع نمروذ إلى المجاز وموه على قومه، فسلم له إبراهيم ~~تسليم الجدل وانتقل معه من المثال وجاءه بأمر لا مجاز فيه (فبهت الذي كفر) ~~أي انقطعت حجته ولم يمكنه أن يقول أنا الآتي بها من المشرق، لان ذوي ~~الألباب يكذبونه. # الثانية - هذه الآية تدل على جواز تسمية الكافر ملكا إذا آتاه الملك ~~والعز والرفعة في الدنيا، وتدل على إثبات المناظرة والمجادلة وإقامة الحجة. ~~وفى القرآن والسنة من هذا كثير لمن تأمله، قال الله تعالى: " قل هاتوا ~~برهانكم إن كنتم صادقين (1) ". " إن عندكم من سلطان (2) " أي من حجة. وقد ~~وصف خصومة إبراهيم عليه السلام قومه ورده عليهم في عبادة الأوثان كما في ~~سورة " الأنبياء " وغيرها. وقال في قصة نوح عليه السلام: " قالوا يا نوح قد ~~جادلتنا فأكثرت جدالنا (3) " الآيات إلى قوله: " وأنا برئ مما تجرمون ". ~~وكذلك مجادلة موسى مع فرعون إلى غير ذلك من الآي. فهو كله تعليم من الله عز ~~وجل السؤال والجواب والمجادلة في الدين، لأنه لا يظهر الفرق بين الحق ~~والباطل إلا بظهور حجة الحق ودحض حجة الباطل. # وجادل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الكتاب وباهلهم (4) بعد الحجة، ~~على ما يأتي بيانه في " آل عمران ". وتحاج آدم وموسى فغلبه آدم بالحجة. ~~وتجادل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم السقيفة وتدافعوا وتقرروا ~~وتناظروا حتى صدر (5) الحق في أهله، وتناظروا بعد مبايعة أبى بكر في أهل ~~الردة، إلى غير ذلك مما يكثر إيراده. وفى قول الله عز وجل: " فلم تحاجون ~~فيما ليس ms1128 لكم به علم (4) " دليل على أن الاحتجاج بالعلم مباح شائع (6) لمن ~~تدبر. قال المزني صاحب الشافعي: ومن حق المناظرة أن يراد بها الله عز وجل ~~وأن يقبل منها ما تبين. وقالوا: # PageV03P286 # لا تصح المناظرة ويظهر الحق بين المتناظرين حتى يكونوا متقاربين أو ~~مستويين في مرتبة واحدة من الدين والعقل والفهم والانصاف، وإلا فهو مراء ~~ومكابرة. # قراءات - قرأ على ابن أبي طالب " ألم تر " بجزم الراء، والجمهور ~~بتحريكها، وحذفت الياء للجزم. " أن آتاه الله الملك " في موضع نصب، أي لان ~~آتاه الله، أو من أجل أن آتاه الله. وقرأ جمهور القراء " أن أحيى " بطرح ~~الألف التي بعد النون من " أنا " في الوصل، وأثبتها نافع وابن أبي أويس، ~~إذا لقيتها همزة في كل القرآن إلا في قوله تعالى: " إن أنا إلا نذير (1) " ~~فإنه يطرحها في هذا الموضع مثل سائر القراء لقلة ذلك، فإنه لم يقع منه في ~~القرآن إلا ثلاثة مواضع أجراها مجرى ما ليس بعده همزة لقلته فحذف الألف في ~~الوصل. قال النحويون: # ضمير المتكلم الاسم فيه الهمزة والنون، فإذا قلت: أنا أو أنه فالألف ~~والهاء لبيان الحركة في الوقف، فإذا اتصلت الكلمة بشئ سقطتا، لان الشئ الذي ~~تتصل به الكلمة يقوم مقام الألف، فلا يقال: أنا فعلت بإثبات الألف إلا شاذا ~~في الشعر كما قال الشاعر: # أنا سيف العشيرة فاعرفوني * حميدا (2) قد تذريت السناما قال النحاس: على ~~أن نافعا قد أثبت الألف فقرأ (أنا أحيى وأميت) ولا وجه له. قال مكي: والألف ~~زائدة عند البصريين، والاسم المضمر عندهم الهمزة والنون وزيدت الألف ~~للتقوية. وقيل: زيدت للوقف لتظهر حركة النون. والاسم عند الكوفيين " أنا " ~~بكماله، فنافع في إثبات الألف على قولهم على الأصل، وإنما حذف الألف من ~~حذفها تخفيفا، ولأن الفتحة تدل عليها. قال الجوهري: وأما قولهم " أنا " فهو ~~اسم مكنى وهو للمتكلم وحده، وإنما بنى على الفتح فرقا بينه وبين " أن " ~~التي هي حرف ناصب للفعل، والألف الأخيرة إنما هي لبيان الحركة في الوقف، ~~فإن توسطت الكلام سقطت إلا في ms1129 لغة رديئة (3)، كذا قال: # أنا سيف (4) العشيرة فاعرفوني * حميدا قد تذريت السناما # PageV03P287 # وبهت الرجل وبهت وبهت إذا انقطع وسكت متحيرا، عن النحاس وغيره. وقال ~~الطبري: # وحكى عن بعض العرب في هذا المعنى " بهت " بفتح الباء والهاء. قال ابن جنى ~~قرأ أبو حياة: " فبهت الذي كفر " بفتح الباء وضم الهاء، وهي لغة في " بهت " ~~بكسر الهاء. # قال: وقرأ ابن السميقع " فبهت " بفتح الباء والهاء على معنى فبهت إبراهيم ~~الذي كفر، فالذي في موضع نصب. قال: وقد يجوز أن يكون بهت بفتحها لغة في ~~بهت. قال: # وحكى أبو الحسن الأخفش قراءة " فهت " بكسر الهاء كغرق (1) ودهش. قال: ~~والأكثرون بالضم في الهاء. قال ابن عطية: وقد تأول قوم في قراءة من قرأ " ~~فبهت " بفتحها أنه بمعنى سب وقذف، وأن نمروذ هو الذي سب حين انقطع ولم تكن ~~له حيلة. # قوله تعالى: أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيى هذه ~~الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو ~~بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى ~~حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما ~~تبين له قال أعلم أن الله على كل شئ قدير (259) قوله تعالى: (أو كالذي مر ~~على قرية وهي خاوية على عروشها) " أو " للعطف حملا على المعنى والتقدير عند ~~الكسائي والفراء: هل رأيت كالذي حاج إبراهيم في ربه، أو كالذي مر على قرية. ~~وقال المبرد: المعنى ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه، ألم تر من هو! ~~كالذي مر على قرية. فأضمر في الكلام من هو. وقرأ أبو سفيان ابن حسين " أو ~~كالذي مر " بفتح الواو، وهي واو العطف دخل عليها ألف الاستفهام الذي معناه ~~التقرير. وسميت القرية قرية لاجتماع الناس فيها، من قولهم: قريت الماء أي ~~جمعته، وقد تقدم (2). قال سليمان ابن بريدة # PageV03P288 # وناجية ابن كعب وقتادة وابن عباس والربيع وعكرمة والضحاك: الذي مر ms1130 على ~~القرية عزير. # وقال وهب ابن منبه وعبد الله ابن عبيد ابن عمير وعبد الله ابن بكر ابن ~~مضر: هو أرمياء وكان نبيا. # وقال ابن إسحاق: أرمياء هو الخضر، وحكاه النقاش عن وهب ابن منبه. قال ابن ~~عطية: # وهذا كما تراه، إلا أن يكون اسما وافق اسما، لان الخضر معاصر لموسى، وهذا ~~الذي مر على القرية هو بعده بزمان من سبط هارون فيما رواه وهب ابن منبه. # قلت: إن كان الخضر هو إرمياء فلا يبعد أن يكون هو، لان الخضر لم يزل حيا ~~من وقت موسى حتى الآن على الصحيح في ذلك، على ما يأتي بيانه في سورة " ~~الكهف (1) ". وإن كان مات قبل هذه القصة فقول ابن عطية صحيح، والله أعلم. ~~وحكى النحاس ومكي عن مجاهد أنه رجل من بني إسرائيل غير مسمى. قال النقاش: ~~ويقال هو غلام لوط عليه السلام. وحكى السهيلي عن القتبي هو شعيا في أحد ~~قوليه. والذي أحياها بعد خرابها كوشك الفارسي. والقرية المذكورة هي بيت ~~المقدس في قول وهب ابن منبه وقتادة والربيع ابن أنس وغيرهم. قال: وكان ~~مقبلا من مصر وطعامه وشرابه المذكوران تين [أخضر (2)] وعنب وركوة (3) من ~~خمر. وقيل من عصير. وقيل: # قلة ماء هي شرابه. والذي أخلى بيت المقدس حينئذ بختنصر وكان واليا على ~~العراق للهراسب ثم ليستاسب ابن لهراسب والد اسبندياد (4). وحكى النقاش أن ~~قوما قالوا: هي المؤتفكة. وقال ابن عباس في رواية أبى صالح: إن بختنصر غزا ~~بني إسرائيل فسبى منهم أناسا كثيرة فجاء بهم وفيهم عزير ابن شرخيا وكان من ~~علماء بني إسرائيل فجاء بهم إلى بابل، فخرج ذات يوم في حاجة له إلى دير ~~هرقل على شاطئ الدجلة. فنزل تحت ظل شجرة وهو على حمار له، فربط الحمار تحت ~~ظل الشجرة ثم طاف بالقرية فلم ير بها ساكنا وهي خاوية على عروشها فقال: أنى ~~يحيى هذه الله بعد موتها. وقيل: إنها القرية التي خرج منها الألوف حذر ~~الموت، قال ابن زيد. وعن ابن زيد أيضا أن القوم الذين ms1131 خرجوا من ديارهم وهم ~~ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا، مر رجل عليهم وهم عظام [نخرة (5)] ~~تلوح فوقف ينظر فقال: أنى يحيى هذه الله بعد موتها! فأماته الله # PageV03P289 # مائة عام. قال: ابن عطية: وهذا القول من ابن زيد مناقض لألفاظ الآية، إذ ~~الآية إنما تضمنت قرية خاوية لا أنيس فيها، والإشارة ب‍ " هذه " إنما هي ~~إلى القرية. وإحياؤها إنما هو بالعمارة ووجود البناء والسكان. وقال وهب ابن ~~منبه وقتادة والضحاك والربيع وعكرمة: القرية بيت المقدس لما خربها بختنصر ~~البابلي. وفى الحديث الطويل حين أحدثت بنو إسرائيل الاحداث وقف إرمياء أو ~~عزير على القرية وهي كالتل العظيم وسط بيت المقدس، لان بختنصر أمر جنده ~~بنقل التراب إليه حتى جعله كالجبل، ورأى إرمياء البيوت قد سقطت حيطانها على ~~سقفها فقال: أنى يحيى هذه الله بعد موتها. # والعريش: سقف البيت. وكل ما يتهيأ ليظل أو يكن فهو عريش، ومنه عريش ~~الدالية، ومنه قوله تعالى: " ومما يعرشون (1) ". قال السدى: يقول هي ساقطة ~~على سقفها، أي سقطت السقف ثم سقطت الحيطان عليها، واختاره الطبري. وقال غير ~~السدى: معناه خاوية من الناس والبيوت قائمة، وخاوية معناها خالية، وأصل ~~الخواء الخلو، يقال: خوت الدار وخويت تخوى خواء (ممدود) وخويا: أقوت، وكذلك ~~إذا سقطت، ومنه قوله تعالى: # " فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا (2) " أي خالية، ويقال ساقطة، كما يقال: " ~~فهي خاوية على عروشها (3) " أي ساقطة على سقفها. والخواء الجوع لخلو البطن ~~من الغذاء. وخوت المرأة وخويت أيضا خوى أي خلا جوفها عند الولادة. وخويت ~~لها تخوية إذا عملت لها خوية تأكلها وهي طعام. والخوى البطن السهل من الأرض ~~على فعيل. وخوى البعير إذا جافى بطنه عن الأرض في بروكه، وكذلك الرجل في ~~سجوده. # قوله تعالى: (أنى يحيى هذه الله بعد موتها) معناه من أي طريق وبأي سبب، ~~وظاهر اللفظ السؤال عن إحياء القرية بعمارة وسكان، كما يقال الآن في المدن ~~الخربة التي يبعد أن تعمر وتسكن: أنى تعمر هذه بعد خرابها. فكأن هذا تلهف ~~من الواقف المعتبر على ms1132 مدينته التي عهد فيها أهله وأحبته. وضرب له المثل في ~~نفسه بما هو أعظم مما سأل عنه، والمثال الذي ضرب له في نفسه يحتمل أن يكون ~~على أن سؤاله إنما كان على إحياء الموتى من بني آدم، # PageV03P290 # أي أنى يحيى الله موتاها. وقد حكى الطبري عن بعضهم أنه قال: كان هذا ~~القول شكا في قدرة الله تعالى على الاحياء، فلذلك ضرب له المثل في نفسه. ~~قال ابن عطية: وليس يدخل شك في قدرة الله تعالى على إحياء قرية بجلب ~~العمارة إليها وإنما يتصور الشك [من جاهل (1)] في الوجه الآخر، والصواب ألا ~~يتأول في الآية شك. # قوله تعالى: (فأماته الله مائة عام) " مائة " نصب على الظرف. والعام: ~~السنة، يقال: سنون عوم وهو تأكيد للأول، كما يقال: بينهم شغل شاغل. وقال ~~العجاج: # * من مر أعوام السنين العوم * وهو في التقدير جمع عائم، إلا أنه لا يفرد ~~بالذكر، لأنه ليس باسم وإنما هو توكيد، قاله الجوهري. وقال النقاش: العام ~~مصدر كالعوم، سمى به هذا القدر من الزمان لأنها عومة من الشمس في الفلك. ~~والعوم كالسبح، وقال الله تعالى: " كل في فلك يسبحون (2) ". قال ابن عطية: ~~هذا بمعنى قول النقاش، والعام على هذا كالقول والقال، وظاهر هذه الإماتة ~~أنها بإخراج الروح من الجسد. وروى في قصص هذه الآية أن الله تعالى بعث لها ~~ملكا من الملوك يعمرها ويجد (3) في ذلك حتى كان كمال عمارتها عند بعث ~~القائل. وقد قيل: إنه لما مضى لموته سبعون سنة أرسل الله ملكا من ملوك فارس ~~عظيما يقال له " كوشك " فعمرها في ثلاثين سنة. # قوله تعالى: (ثم بعثه) معناه أحياه، وقد تقدم الكلام فيه. # قوله تعالى: (قال كم لبثت) اختلف في القائل له " كم لبثت "، فقيل:. الله ~~عز وجل، ولم يقل له إن كنت صادقا كما قال للملائكة على ما تقدم. وقيل: سمع ~~هاتفا من السماء (4) يقول له ذلك. وقيل: خاطبه جبريل. وقيل: نبي. وقيل: رجل ~~مؤمن ممن شاهده من قومه عند موته وعمر إلى حين إحيائه فقال له: ms1133 كم لبثت. # قلت: والأظهر أن القائل هو الله تعالى، لقوله " وأنظر إلى العظام كيف ~~ننشزها ثم نكسوها لحما " والله أعلم. وقرأ أهل الكوفة " كم لبت " بإدغام ~~الثاء في التاء لقربها منها # PageV03P291 # في المخرج. فإن مخرجهما من طرف اللسان وأصول الثنايا وفى أنهما مهموستان ~~(1). قال النحاس: والاظهار أحسن لتباين مخرج الثاء من مخرج التاء. ويقال: ~~كان هذا السؤال بواسطة الملك على جهة التقرير. و " كم " في موضع نصب على ~~الظرف. # (قال لبثت يوما أو بعض يوم) إنما قال هذا على ما عنده وفى ظنه، وعلى هذا ~~لا يكون كاذبا فيما أخبر به، ومثله قول أصحاب الكهف " قالوا لبثنا يوما أو ~~بعض يوم (2) " وإنما لبثوا ثلاثمائة سنة وتسع سنين - على ما يأتي - ولم ~~يكونوا كاذبين لأنهم أخبروا عما عندهم، كأنهم قالوا: الذي عندنا وفى ظنوننا ~~أننا لبثنا يوما أو بعض يوم. ونظيره قول النبي صلى الله عليه وسلم في قصة ~~ذي اليدين: " لم أقصر ولم أنس ". ومن الناس من يقول: إنه كذب على معنى وجود ~~حقيقة الكذب فيه ولكنه لا مؤاخذة به، وإلا فالكذب الاخبار عن الشئ على خلاف ~~ما هو عليه وذلك لا يختلف بالعلم والجهل، وهذا بين في نظر الأصول. فعلى هذا ~~يجوز أن يقال: إن الأنبياء لا يعصمون عن الاخبار عن الشئ على خلاف ما هو ~~عليه إذا لم يكن عن قصد، كما لا يعصمون عن السهو والنسيان. فهذا ما يتعلق ~~بهذه الآية، والقول الأول أصح. قال ابن جريج وقتادة والربيع: أماته الله ~~غدوة يوم ثم بعث قبل الغروب فظن هذا اليوم واحدا فقال: لبثت يوما، ثم رأى ~~بقية من الشمس فخشي أن يكون كاذبا فقال: # أو بعض يوم. فقيل: بل لبثت مائة عام، ورأى من عمارة القرية وأشجارها ~~ومبانيها ما دله على ذلك. # قوله تعالى: (فانظر إلى طعامك) وهو التين الذي جمعه من أشجار القرية التي ~~مر عليها. # (وشرابك لم يتسنه) وقرأ ابن مسعود " وهذا طعامك وشرابك لم يتسنه ". وقرأ ~~طلحة ابن مصرف وغيره " وانظر لطعامك وشرابك لمائة ms1134 سنة ". وقرأ الجمهور ~~بإثبات الهاء في الوصل إلا الاخوان (3) # PageV03P292 # فإنهما يحذفانها، ولا خلاف أن الوقف عليها بالهاء. وقرأ طلحة ابن مصرف ~~أيضا " لم يسن " " وانظر " أدغم التاء في السين، فعلى قراءة الجمهور الهاء ~~أصلية، وحذفت الضمة للجزم، ويكون " يتسنه " من السنة أي لم تغيره السنون. ~~قال الجوهري: ويقال سنون، والسنة واحدة السنين، وفى نقصانها قولان: أحدهما ~~الواو، والآخر الهاء. وأصلها سنهة مثل الجبهة، لأنه من سنهت النخلة وتسنهت ~~إذا أتت عليها السنون. ونخلة سناء أي تحمل سنة ولا تحمل أخرى، وسنهاء أيضا، ~~قال بعض الأنصار: (1) فليست بسنهاء ولا رجبية * ولكن عرايا (3) في السنين ~~الجوائح (4) وأسنهت عند بنى فلان أقمت عندهم، وتسنيت أيضا. واستأجرته ~~مساناة ومسانهة أيضا. # وفى التصغير سنية وسنيهة. قال النحاس: من قرأ " لم يتسن " و " انظر " قال ~~في التصغير: # سنية وحذفت الألف للجزم، ويقف على الهاء فيقول: " لم يتسنه " تكون الهاء ~~لبيان الحركة. # قال المهدوي: ويجوز أن يكون أصله من سانيته مساناة، أي عاملته سنة بعد ~~سنة، أو من سانهت [بالهاء]، فإن كان من سانيت فأصله يتسنى فسقطت الألف ~~للجزم، وأصله من الواو بدليل قولهم سنوات والهاء فيه للسكت، وإن كان من ~~سانهت فالهاء لام الفعل، وأصل سنة على هذا سنهة. وعلى القول الأول سنوة. ~~وقيل: هو من أسن الماء إذا تغير، وكان يجب أن يكون على هذا يتأسن. أبو عمرو ~~الشيباني: هو من قوله " حمأ مسنون " (6) فالمعنى لم يتغير. الزجاج، ليس ~~كذلك، لان قوله " مسنون " ليس معناه متغير وإنما معناه مصبوب على سنة ~~الأرض. قال المهدوي: وأصله على قول الشيباني " يتسنن " فأبدلت إحدى # PageV03P293 # ، النونين ياء كراهة التضعيف فصار يتسنى، ثم سقطت الألف للجزم ودخلت ~~الهاء للسكت. # وقال مجاهد: " لم يتسنه " لم ينتن. قال النحاس: أصح ما قيل فيه أنه من ~~السنة، أي لم تغيره السنون. ويحتمل أن يكون من السنة وهي الجدب، ومنه قوله ~~تعالى: " ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين " (1) وقوله عليه السلام: " اللهم ~~اجعلها عليهم سنين كسني يوسف ". # يقال منه: أسنت القوم أي أجدبوا، فيكون المعنى ms1135 لم يغير طعامك القحوط ~~والجدوب، أو لم تغيره السنون والأعوام، أي هو باق على طراوته وغضارته. # قوله تعالى: (وانظر إلى حمارك) قال وهب بن منبه وغيره: وأنظر إلى اتصال ~~عظامه وإحيائه جزءا جزءا. ويروى أنه أحياه الله كذلك حتى صار عظاما ملتئمة، ~~ثم كساه لحما حتى كمل حمارا، ثم جاءه ملك فنفخ فيه الروح فقام الحمار ينهق، ~~على هذا أكثر المفسرين. # وروى عن الضحاك ووهب بن منبه أيضا أنهما قالا: بل قيل له: وانظر إلى ~~حمارك قائما في مربطه لم يصبه شئ مائة عام، وإنما العظام التي نظر إليها ~~عظام نفسه بعد أن أحيا الله منه عينيه ورأسه، وسائر جسده ميت، قالا: وأعمى ~~الله العيون عن إرمياء وحماره طول هذه المدة. # وقوله تعالى: (ولنجعلك آية للناس) قال الفراء: إنما أدخل الواو في قوله " ~~ولنجعلك " دلالة على أنها شرط لفعل بعده، معناه " ولنجعلك آية للناس " ~~ودلالة على البعث بعد الموت جعلنا ذلك. وإن شئت جملت الواو مقحمة زائدة. ~~وقال الأعمش: موضع كونه آية هو أنه جاء شابا على حاله يوم مات، فوجد ~~الأبناء والحفدة شيوخا. عكرمة: وكان يوم مات ابن أربعين سنة. وروى عن علي ~~رضوان الله عليه أن عزيرا خرج من أهله وخلف امرأته حاملا، وله خمسون سنة ~~فأماته الله مائة عام، ثم بعثه فرجع إلى أهله وهو ابن خمسين سنة وله ولد من ~~مائة سنة فكان ابنه أكبر منه بخمسين سنة. وروى عن ابن عباس قال: لما أحيا ~~الله عزيرا ركب حماره فأتى محلته فأنكر الناس وأنكروه، فوجد في منزله عجوزا ~~عمياء كانت أمة لهم، خرج عنهم عزير وهي بنت عشرين سنة، فقال لها: أهذا منزل ~~عزير؟ فقالت نعم! ثم بكت وقالت: فارقنا عزير منذ كذا وكذا سنة قال: فأنا ~~عزير، قالت: إن عزيرا فقدناه منذ # PageV03P294 # مائة سنة. قال: فالله أماتني مائة سنة ثم بعثني. قالت: فعزير كان مستجاب ~~الدعوة للمريض وصاحب البلاء فيفيق، فادع الله يرد على بصري، فدعا الله ومسح ~~على عينيها بيده فصحت مكانها كأنها أنشطت ms1136 من عقال. قالت: أشهد أنك عزير! ثم ~~انطلقت إلى ملا بني إسرائيل وفيهم ابن لعزير شيخ ابن مائة وثمانية وعشرين ~~سنة، وبنو بنيه شيوخ، فقالت: يا قوم، هذا والله عزير! فأقبل إليه ابنه مع ~~الناس فقال ابنه: كانت لأبي شامة سوداء مثل الهلال بين كتفيه، فنظرها فإذا ~~هو عزير. وقيل: جاء وقد هلك كل من يعرف، فكان آية لمن كان حيا من قومه إذ ~~كانوا موقنين بحاله سماعا. قال ابن عطية: وفى إماتته هذه المدة ثم إحيائه ~~بعدها أعظم آية، وأمره كله آية غابر الدهر، ولا يحتاج إلى تخصيص بعض ذلك ~~دون بعض. # قوله تعالى: (وانظر إلى العظام كيف ننشزها) قرأ الكوفيون وابن عامر ~~بالزاي والباقون بالراء، وروى أبان عن عاصم " ننشرها " بفتح النون وضم ~~الشين والراء، وكذلك قرأ ابن عباس والحسن وأبو حياة، فقيل: هما لغتان في ~~الاحياء بمعنى، كما يقال رجع ورجعته، وغاض الماء وغضته، وخسرت الدابة ~~وخسرتها، إلا أن المعروف في اللغة أنشر الله الموتى فنشروا، أي أحياهم الله ~~فحيوا، قال الله تعالى: " ثم إذا شاء أنشره " (1) ويكون نشرها مثل نشر ~~الثوب. نشر الميت ينشر نشورا أي عاش بعد الموت، قال الأعشى: # حتى يقول الناس مما رأوا * يا عجبا للميت الناشر فكأن الموت طي للعظام ~~والأعضاء، وكأن الاحياء وجمع الأعضاء بعضها إلى بعض نشر. # وأما قراءة " ننشزها " بالزاي فمعناه نرفعها. والنشز: المرتفع من الأرض، ~~قال: # ترى الثعلب الحولى فيها كأنه * إذا ما علا نشزا حصان مجلل قال مكي: ~~المعنى: انظر إلى العظام كيف نرفع بعضها على بعض في التركيب للاحياء، لان ~~النشز الارتفاع، ومنه المرأة النشوز، وهي المرتفعة عن موافقة زوجها، ومنه ~~قوله تعالى: # " وإذا قيل انشزوا فانشزوا " (2) أي ارتفعوا وانضموا. وأيضا فإن القراءة ~~بالراء بمعنى الاحياء، والعظام لا تحيا على الانفراد حتى ينضم بعضها إلى ~~بعض، والزاي أولى بذلك المعنى، إذ هو # PageV03P295 # بمعنى الانضمام دون الاحياء. فالموصوف بالاحياء هو الرجل دون العظام على ~~انفرادها، ولا يقال: هذا عظم حي، وإنما المعنى فانظر إلى العظام كيف نرفعها ms1137 ~~من أماكنها من الأرض إلى جسم صاحبها للاحياء. وقرأ النخعي " ننشزها " بفتح ~~النون وضم الشين والزاي، وروى ذلك عن ابن عباس وقتادة. وقرأ أبي بن كعب " ~~ننشيها " بالياء. # والكسوة: ما وارى من الثياب، وشبه اللحم بها. وقد استعاره لبيد (1) ~~للاسلام فقال: # حتى اكتسيت من الاسلام سربالا وقد تقدم أول السورة (2). # قوله تعالى: (فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شئ قدير) بقطع الألف. ~~وقد روى أن الله جل ذكره أحيا بعضه ثم أراه كيف أحيا باقي جسده. قال قتادة: ~~إنه جعل ينظر كيف يوصل بعض عظامه إلى بعض، لان أول ما خلق الله منه رأسه ~~وقيل له: انظر، فقال عند ذلك: " أعلم " بقطع الألف، أي أعلم هذا. وقال ~~الطبري: المعنى في قوله " فلما تبين له " أي لما اتضح له عيانا ما كان ~~مستنكرا في قدرة الله عنده قبل عيانه قال: أعلم. # قال ابن عطية: وهذا خطأ، لأنه ألزم مالا يقتضيه اللفظ، وفسر على القول ~~الشاذ والاحتمال الضعيف، وهذا عندي ليس بإقرار بما. كان قبل ينكره كما زعم ~~الطبري، بل هو قول بعثه الاعتبار، كما يقول الانسان المؤمن إذا رأى شيئا ~~غريبا من قدرة الله تعالى: لا إله إلا الله ونحو هذا. وقال أبو على: معناه ~~أعلم هذا الضرب من العلم الذي لم أكن علمته. # قلت: وقد ذكرنا هذا المعنى عن قتادة، وكذلك قال مكي رحمه الله، قال مكي: ~~إنه أخبر عن نفسه عندما عاين من قدرة الله تعالى في إحيائه الموتى، فتيقن ~~ذلك بالمشاهدة، فأقر أنه يعلم أن الله على كل شئ قدير، أي أعلم [أنا (3)] ~~هذا الضرب من العلم الذي لم أكن أعلمه على معاينة، وهذا على قراءة من قرأ " ~~أعلم " بقطع الألف وهم الأكثر من القراء. وقرأ حمزة والكسائي بوصل الألف، ~~ويحتمل وجهين: أحدهما قال له الملك: اعلم، والآخر هو أن، # PageV03P296 # ينزل نفسه منزلة المخاطب الأجنبي المنفصل، فالمعنى فلما تبين له قال ~~لنفسه: اعلمي يا نفس هذا العلم اليقين الذي لم تكوني تعلمين معاينة، وأنشد ~~أبو ms1138 على في مثل هذا المعنى: # * ودع هريرة إن الركب مرتحل (1) * * ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا * قال ~~ابن عطية: وتأنس أبو على في هذا المعنى بقول الشاعر: # تذكر من أنى ومن أين شربه * يؤامر نفسية كذي الهجمة الإبل (2) قال مكي: ~~ويبعد أن يكون ذلك أمرا من الله جل ذكره له بالعلم، لأنه قد أظهر إليه ~~قدرته، وأراه أمرا أيقن صحته وأقر بالقدرة فلا معنى لان يأمره الله بعلم ~~ذلك، بل هو يأمر نفسه بذلك وهو جائز حسن. وفى حرف عبد الله ما يدل على أنه ~~أمر من الله تعالى له بالعلم على معنى الزم هذا العلم لما عاينت وتيقنت، ~~وذلك أن في حرفه: قيل اعلم. وأيضا فإنه موافق لما قبله من الامر في قوله " ~~انظر إلى طعامك " و " انظر إلى حمارك " و " انظر إلى العظام " فكذلك و " ~~اعلم أن الله " وقد كان ابن عباس يقرؤها " قيل اعلم " ويقول أهو خير أم ~~إبراهيم؟ إذ قيل له: " واعلم أن الله عزيز حكيم ". فهذا يبين أنه من قول ~~الله سبحانه له لما عاين من الاحياء. # قوله تعالى: وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال ~~بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل ~~جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم (260) اختلف ~~الناس في هذا السؤال هل صدر من إبراهيم عن شك أم لا؟ فقال الجمهور: لم يكن ~~إبراهيم عليه السلام شاكا في إحياء الله الموتى قط وإنما طلب المعاينة، ~~وذلك أن النفوس # PageV03P297 # مستشرقة إلى رؤية ما أخبرت به، ولهذا قال عليه السلام: (ليس الخبر ~~كالمعاينة) رواه ابن عباس ولم يروه غيره، قاله أبو عمر. قال الأخفش: لم يرد ~~رؤية القلب وإنما أراد رؤية العين. # وقال الحسن وقتادة وسعيد بن جبير والربيع: سأل ليزداد يقينا إلى يقينه. ~~(1) قال ابن عطية: # وترجم الطبري في تفسيره فقال: وقال آخرون سأل ذلك ربه، لأنه شك في قدرة ~~الله تعالى. # وأدخل تحت الترجمة ms1139 عن ابن عباس قال: ما في القرآن آية أرجى عندي منها. ~~وذكر عن عطاء بن أبي رباح أنه قال: دخل قلب إبراهيم بعض ما يدخل قلوب الناس ~~فقال: رب أرني كيف تحيى الموتى. وذكر حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: # (نحن أحق بالشك من إبراهيم) الحديث، ثم رجح الطبري هذا القول. # قلت: حديث أبي هريرة خرجه البخاري ومسلم عنه أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: (نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال رب أرني كيف تحيى الموتى قال ~~أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي ويرحم الله لوطا لقد كان يأوى إلى ركن ~~شديد ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي). قال ابن عطية: وما ترجم ~~به الطبري عندي مردود، وما أدخل تحت الترجمة متأول، فأما قول ابن عباس: (هي ~~أرجى آية) فمن حيث فيها الا دلال على الله تعالى وسؤال الاحياء في الدنيا ~~وليست مظنة ذلك. ويجوز أن يقول: هي أرجى آية لقوله " أو لم تؤمن " أي إن ~~الايمان كاف لا يحتاج معه إلى تنقير وبحث. وأما قول عطاء: " دخل قلب ~~إبراهيم بعض ما يدخل قلوب الناس " فمعناه من حيث المعاينة على ما تقدم. ~~وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم: (نحن أحق بالشك من إبراهيم) فمعناه أنه ~~لو كان شاكا لكنا نحن أحق به ونحن لا نشك فإبراهيم عليه السلام أحرى ألا ~~يشك، فالحديث مبنى على نفى الشك عن إبراهيم، والذي روى فيه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: (ذلك محض الايمان) إنما هو في الخواطر التي لا ~~تثبت، وأما الشك فهو توقف بين أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر، وذلك هو ~~المنفى عن الخليل عليه السلام. وإحياء الموتى إنما يثبت بالسمع وقد كان ~~إبراهيم عليه السلام أعلم به، يدلك على ذلك قوله: " ربى الذي يحيى ويميت " ~~فالشك يبعد على من # PageV03P298 # تثبت قدمه في الايمان فقط فكيف بمرتبة النبوة والخلة، والأنبياء معصومون ~~من الكبائر ومن الصغائر التي ms1140 فيها رذيلة إجماعا. وإذا تأملت سؤاله عليه ~~السلام وسائر ألفاظ الآية لم تعط شكا، وذلك أن الاستفهام بكيف إنما هو سؤال ~~عن حالة شئ موجود متقرر الوجود عند السائل والمسؤول، نحو قولك: كيف علم ~~زيد؟ وكيف نسج الثوب؟ ونحو هذا. ومتى قلت: # كيف ثوبك؟ وكيف زيد؟ فإنما السؤال عن حال من أحواله. وقد تكون " كيف " ~~خبرا عن شئ شأنه أن يستفهم عنه بكيف، نحو قولك: كيف شئت فكن، ونحو قول ~~البخاري: # كيف كان بدء الوحي. و " كيف " في هذه الآية إنما هي استفهام عن هيئة ~~الاحياء، والاحياء متقرر، ولكن لما وجدنا بعض المنكرين لوجود شئ قد يعبرون ~~عن إنكاره بالاستفهام عن حالة لذلك الشئ يعلم أنها لا تصح، فيلزم من ذلك أن ~~الشئ في نفسه لا يصح، مثال ذلك أن يقول مدع: أنا أرفع هذا الجبل، فيقول ~~المكذب له: أرني كيف ترفعه! فهذه طريقة مجاز في العبارة، ومعناها تسليم ~~جدلي، كأنه يقول: افرض أنك ترفعه، فأرني كيف ترفعه! # فلما كانت عبارة الخليل عليه السلام بهذا الاشتراك المجازى، خلص الله له ~~ذلك وحمله على أن بين له الحقيقة فقال له: " أو لم تؤمن قال بلى " فكمل ~~الامر وتخلص من كل شك، ثم علل عليه السلام سؤاله بالطمأنينة. # قلت: هذا ما ذكره ابن عطية وهو بالغ، ولا يجوز على الأنبياء صلوات الله ~~عليهم مثل هذا الشك فإنه كفر، والأنبياء متفقون على الايمان بالبعث. وقد ~~أخبر الله تعالى أن أنبياءه وأولياءه ليس للشيطان عليهم سبيل فقال: " إن ~~عبادي ليس لك عليهم سلطان " (1) وقال اللعين: # إلا عبادك منهم المخلصين، وإذا لم يكن له عليهم سلطنة فكيف يشككهم، وإنما ~~سأل أن يشاهد كيفية جمع أجزاء الموتى بعد تفريقها وإيصال الأعصاب والجلود ~~بعد تمزيقها، فأراد أن يترقى من علم اليقين إلى علم اليقين، فقوله: " أرني ~~كيف " طلب مشاهدة الكيفية. وقال بعض أهل المعاني: إنما أراد إبراهيم من ربه ~~أن يريه كيف يحيى القلوب، وهذا فاسد # PageV03P299 # مردود بما تعقبه من البيان، ذكره الماوردي وليست الألف في قوله ms1141 " أو لم ~~تؤمن " ألف استفهام وإنما هي ألف إيجاب وتقرير كما قال جرير: # ألستم خير من ركب المطايا والواو واو الحال. و " تؤمن " معناه إيمانا ~~مطلقا، دخل فيه فضل إحياء الموتى. # (قال بلى ولكن ليطمئن قلبي) أي سألتك ليطمئن قلبي بحصول الفرق بين ~~المعلوم برهانا والمعلوم عيانا. والطمأنينة: اعتدال وسكون، فطمأنينة ~~الأعضاء معروفة، كما قال عليه السلام: (ثم اركع حتى تطمئن راكعا) الحديث. ~~وطمأنينة القلب هي أن يسكن فكره في الشئ المعتقد. والفكر في صورة الاحياء ~~غير محظور، كما لنا نحن اليوم أن نفكر [فيها (1)] إذ هي فكر فيها عبر فأراد ~~الخليل أن يعاين فيذهب (2) فكره في صورة الاحياء. وقال الطبري: معنى " ~~ليطمئن قلبي " ليوقن، وحكى نحو ذلك عن سعيد بن جبير، وحكى عنه ليزداد ~~يقينا، وقاله إبراهيم وقتادة. وقال بعضهم: لازداد إيمانا مع إيماني. قال ~~ابن عطية: ولا زيادة في هذا المعنى تمكن إلا السكون عن الفكر وإلا فاليقين ~~لا يتبعض. وقال السدى وابن جبير أيضا: أولم تؤمن بأنك خليلي؟ قال: بلى ولكن ~~ليطمئن قلبي بالخلة. وقيل: دعا أن يريه كيف يحيى الموتى ليعلم هل تستجاب ~~دعوته، فقال الله له: أو لم تؤمن أنى أجيب دعاءك، قال: بلى ولكن ليطمئن ~~قلبي أنك تجيب (3) دعائي. # واختلف في المحرك له على ذلك، فقيل: إن الله وعده أن يتخذه خليلا فأراد ~~آية على ذلك، قاله السائب بن يزيد (4). وقيل: قول النمروذ: أنا أحيى وأميت. ~~وقال الحسن: رأى جيفة نصفها في البر توزعها السباع ونصفها في البحر توزعها ~~دواب البحر، فلما رأى تفرقها أحب (5) أن يرى انضمامها فسأل ليطمئن قلبه ~~برؤية كيفية الجمع كما رأى كيفية التفريق، فقيل له: # (خذ أربعة من الطير) قيل: هي الديك والطاووس والحمام والغراب، ذكر ذلك ~~ابن إسحاق عن بعض أهل العلم، وقاله مجاهد وابن جريج وعطاء بن يسار وابن ~~زيد. وقال ابن عباس مكان الغراب الكركي، وعنه أيضا مكان الحمام النسر. فأخذ ~~هذه الطير حسب ما أمر وذكاها # PageV03P300 # ثم قطعها قطعا صغارا، وخلط لحوم البعض إلى لحوم ms1142 البعض مع الدم والريش حتى ~~يكون أعجب، ثم جعل من ذلك المجموع المختلط جزءا على كل جبل، ووقف هو من حيث ~~يرى تلك الأجزاء وأمسك رؤوس الطير في يده، ثم قال: تعالين بإذن الله، ~~فتطايرت تلك الأجزاء وطار الدم إلى الدم والريش إلى الريش حتى التأمت مثل ~~ما كانت أولا وبقيت بلا رؤوس، ثم كرر النداء فجاءته سعيا، أي عدوا على ~~أرجلهن. ولا يقال للطائر: " سعى " إذا طار إلا على التمثيل، قاله النحاس. ~~وكان إبراهيم إذا أشار إلى واحد منها بغير رأسه تباعد الطائر، وإذا أشار ~~إليه برأسه قرب حتى لقي كل طائر رأسه، وطارت بإذن الله. وقال الزجاج: ~~المعنى ثم أجعل على كل جبل من كل واحد جزءا. وقرأ أبو بكر عن عاصم وأبو ~~جعفر " جزؤا " على فعل. # وعن أبي جعفر أيضا " جزا " مشددة الزاي. الباقون مهموز مخفف، وهي لغات، ~~ومعناه النصيب. (يأتينك سعيا) نصب على الحال. و (صرهن) معناه قطعهن، قاله ~~ابن عباس ومجاهد وأبو عبيدة وابن الأنباري، يقال: صار الشئ يصوره أي قطعه، ~~وقاله ابن إسحاق. # وعن أبي الأسود الدؤلي: هو بالسريانية التقطيع، قال توبة بن الحمير يصفه: # فلما جذبت الحبل أطت نسوعه * بأطراف عيدان شديد سيورها فأدنت لي الأسباب ~~حتى بلغتها * بنهضي وقد كاد ارتقائي يصورها أي يقطعها. والصور: القطع. وقال ~~الضحاك وعكرمة وابن عباس في بعض ما روى عنه: # إنها لفظة بالنبطية معناه قطعهن. وقيل: المعنى أملهن إليك، أي اضممهن ~~واجمعهن إليك، يقال: رجل أصور إذا كان مائل العنق. وتقول: إني إليكم لأصور، ~~يعنى مشتاقا مائلا. # وامرأة صوراء، والجمع صور مثل أسود وسود، قال الشاعر: # الله يعلم أنا في تلفتنا * يوم الفراق إلى جيراننا صور فقوله " إليك " ~~على تأويل التقطيع متعلق ب‍ " خذ " ولا حاجة إلى مضمر، وعلى تأويل الإمالة ~~والضم متعلق ب‍ " صرهن " وفى الكلام متروك: فأملهن إليك ثم قطعهن. وفيها ~~خمس قراءات: # اثنتان في السبع وهما ضم الصاد وكسرها وتخفيف الراء. وقرأ قوم " فصرهن " ~~بضم الصاد PageV03P301 # وشد الراء المفتوحة، كأنه يقول فشدهن، ومنه ms1143 صرة الدنانير. وقرأ قوم " ~~فصرهن " بكسر الصاد وشد الراء المفتوحة، ومعناه صيحهن، من قولك: صر الباب ~~والقلم إذا صوت، حكاه النقاش. قال ابن جنى: هي قراءة غريبة، وذلك أن يفعل ~~بكسر العين في المضاعف المتعدى قليل، وإنما بابه يفعل بضم العين، كشد يشد ~~ونحوه، ولكن قد جاء منه نم الحديث ينمه وينمه، وهر الحرب يهرها ويهرها، ~~ومنه بيت الأعشى: # * ليعتورنك القول حتى تهره * إلى غير ذلك في حروف قليلة. قال ابن جنى: ~~وأما قراءة عكرمة بضم الصاد فيحتمل في الراء الضم والفتح والكسر [كمد وشد ~~(1)] والوجه ضم الراء من أجل ضمة الهاء من بعد. # القراءة الخامسة " صرهن " بفتح الصاد وشد الراء مكسورة، حكاها المهدوي ~~وغيره عن عكرمة، بمعنى فاحبسهن، من قولهم: صرى يصري إذا حبس، ومنه الشاة ~~المصراة. وهنا اعتراض ذكره الماوردي [وهو (3)] يقال: فكيف أجيب إبراهيم إلى ~~آيات الآخرة دون موسى في قوله " رب أرني أنظر إليك (4) "؟ فعنه (5) جوابان: ~~أحدهما أن ما سأله موسى لا يصح مع بقاء التكليف، وما سأله إبراهيم خاص يصح ~~معه بقاء التكليف. الثاني أن الأحوال تختلف فيكون الأصلح في بعض الأوقات ~~الإجابة، وفى وقت آخر المنع فيما لم يتقدم فيه إذن. وقال ابن عباس: # أمر الله تعالى إبراهيم بهذا قبل أن يولد له وقبل أن ينزل عليه الصحف، ~~والله أعلم. # قاله تعالى: مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع ~~سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضعف لمن يشاء والله وسع عليم (261) فيه ~~خمس مسائل: # الأولى - لما قص الله سبحانه ما فيه من البراهين، حث على الجهاد، وأعلم ~~أن من جاهد بعد هذا البرهان الذي لا يأتي به إلا نبي فله في جهاده الثواب ~~العظيم. ورى البستي # PageV03P302 # في صحيح مسنده عن ابن عمر قال: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # (رب زد أمتي) فنزلت " من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا ~~كثيرة (1) " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رب زد أمتي) ms1144 فنزلت " إنما ~~يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ". وهذه الآية لفظها بيان مثال لشرف النفقة ~~في سبيل الله ولحسنها، وضمنها التحريض على ذلك. وفى الكلام حذف مضاف تقديره ~~مثل نفقة الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة. وطريق آخر: مثل ~~الذين ينفقون أموالهم كمثل زارع زرع في الأرض حبة فأنبتت الحبة سبع سنابل، ~~يعنى أخرجت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة، فشبه المتصدق بالزارع وشبه ~~الصدقة بالبذر فيعطيه الله بكل صدقة له سبعمائة حسنة، ثم قال تعالى: # (والله يضاعف لمن يشاء) يعنى على سبعمائة، فيكون مثل المتصدق مثل الزارع، ~~إن كان حاذقا في عمله، ويكون البذر جيدا وتكون الأرض عامرة يكون الزرع ~~أكثر، فكذلك المتصدق إذا كان صالحا والمال طيبا ويضعه موضعه فيصير الثواب ~~أكثر، خلافا لمن قال: ليس في الآية تضعيف على سبعمائة، على ما نبينه إن شاء ~~الله. # الثانية - روى أن هذه الآية نزلت في شأن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن ~~عوف رضي الله عنهما، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حث الناس ~~على الصدقة حين أراد الخروج إلى غزوة تبوك جاءه عبد الرحمن بأربعة آلاف ~~فقال: يا رسول الله، كانت لي ثمانية آلاف فأمسكت لنفسي ولعيالي أربعة آلاف، ~~وأربعة آلاف أقرضتها لربي. # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بارك الله لك فيما أمسكت وفيما ~~أعطيت). وقال عثمان: يا رسول الله على جهاز من لا جهاز له، فنزلت هذه الآية ~~فيهما. وقيل: نزلت في نفقة التطوع. وقيل: نزلت قبل آية الزكاة ثم نسخت بآية ~~الزكاة، ولا حاجة إلى دعوى النسخ، لان الانفاق في سبيل الله مندوب إليه في ~~كل وقت. وسبل الله كثيرة وأعظمها الجهاد لتكون كلمة الله هي العليا. # PageV03P303 # الثالثة - قوله تعالى: (كمثل حبة) الحبة اسم جنس لكل ما يزدرعه ابن آدم ~~ويقتاته، وأشهر ذلك البر فكثيرا ما يراد بالحب، ومنه قول المتلمس: # آليت حب العراق الدهر أطعمه * والحب يأكله في القرية السوس وحبة القلب: ~~سويداؤه، ويقال ثمرته وهو ذاك. والحبة ms1145 بكسر الحاء: بذور البقول مما ليس ~~بقوت، وفى حديث الشفاعة: (فينبتون كما تنبت الحبة في حميل (1) السيل) ~~والجمع حبب. والحبة (بضم الحاء (2)) الحب، يقال: نعم وحبة وكرامة. والحب ~~المحبة، وكذلك الحب (بالكسر). والحب أيضا الحبيب، مثل خدن وخدين وسنبلة ~~فنعلة من أسبل الزرع إذا صار فيه السنبل، أي استرسل بالسنبل كما يسترسل ~~الستر بالاسبال. وقيل: معناه صار فيه حب مستور كما يستر الشئ بإسبال الستر ~~عليه. والجمع سنابل. ثم قيل: المراد سنبل الدخن فهو الذي يكون في السنبلة ~~منه هذا العدد. # قلت: هذا ليس بشئ فإن سنبل الدخن يجئ في السنبلة منه أكثر من هذا العدد ~~بضعفين وأكثر، على ما شاهدناه. قال ابن عطية: وقد يوجد في سنبل القمح ما ~~فيه مائة حبة، فأما في سائر الحبوب فأكثر ولكن المثال وقع بهذا القدر. وقال ~~الطبري في هذه الآية: إن قوله (في كل سنبلة مائة حبة) معناه إن وجد ذلك، ~~وإلا فعلى أن يفرضه، ثم نقل عن الضحاك أنه قال: " في كل سنبلة مائة حبة " ~~معناه كل سنبلة أنبتت مائة حبة. قال ابن عطية: # فجعل الطبري قول الضحاك نحو ما قال، وذلك غير لازم من قول الضحاك. وقال ~~أبو عمرو الداني: وقرأ بعضهم " مائة " بالنصب على تقدير أنبتت مائة حبة. # قلت: وقال يعقوب الحضرمي: وقرأ بعضهم " في كل سنبلة مائة حبة " على: ~~أنبتت مائة حبة، وكذلك قرأ بعضم " وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم " على " ~~وأعتدنا لهم عذاب السعير (3) " وأعتدنا للذين كفروا عذاب جهنم. وقرأ أبو ~~عمرو وحمزة والكسائي " أنبتت سبع سنابل " بإدغام التاء في السين، لأنهما ~~مهموستان، ألا ترى أنهما يتعاقبان. وأنشد أبو عمرو: # PageV03P304 # يالعن الله بنى السعلاة (1) * عمرو بن ميمون (2) لئام النات أراد الناس ~~فحول السين تاء. الباقون بالاظهار على الأصل لأنهما كلمتان. # الرابعة - ورد القرآن بأن الحسنة في جميع أعمال البر بعشر أمثالها، ~~واقتضت هذه الآية أن نفقة الجهاد حسنتها بسبعمائة ضعف. واختلف العلماء في ~~معنى قوله (والله بضاعف لمن يشاء) فقالت طائفة: هي مبينة مؤكدة لما تقدم من ms1146 ~~ذكر السبعمائة، وليس ثم تضعيف فوق السبعمائة. وقالت طائفة من العلماء: بل ~~هو إعلام بأن الله تعالى يضاعف لمن يشاء أكثر من سبعمائة ضعف. # قلت: وهذا القول أصح لحديث ابن عمر المذكور أول الآية. وروى ابن ماجة ~~حدثنا هارون بن عبد الله الحمال حدثنا ابن أبي فديك عن الخليل بن عبد الله ~~عن الحسن [عن (3)] علي بن أبي طالب وأبى الدرداء وعبد الله بن عمرو وأبى ~~أمامة الباهلي وعبد الله بن عمرو وجابر بن عبد الله وعمران بن حصين كلهم ~~يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " من أرسل بنفقة في سبيل الله وأقام في بيته فله بكل درهم سبعمائة درهم ~~ومن غزا بنفسه في سبيل الله وأنفق (3) في وجهه (4) فله بكل درهم سبعمائة ~~ألف درهم - ثم تلا [هذه الآية (3)] - والله يضاعف لمن يشاء الله ". وقد روى ~~عن ابن عباس أن التضعيف [ينتهي (5)] لمن شاء الله إلى ألفي ألف. قال ابن ~~عطية: وليس هذا بثابت الاسناد عنه. # الخامسة - في هذه الآية دليل على أن اتخاذ الزرع من أعلى الحرف التي ~~يتخذها الناس والمكاسب التي يشتغل بها العمال، ولذلك ضرب الله به المثل ~~فقال: " مثل الذين ينفقون أموالهم " الآية. وفى صحيح مسلم عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم: " ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو ~~إنسان أو بهيمة إلا كان له صدقة ". وروى هشام بن عروة # PageV03P305 # عن أبيه عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " التمسوا ~~الرزق في خبايا الأرض " يعنى الزرع، أخرجه الترمذي. وقال صلى الله عليه ~~وسلم في النخل: " هي الراسخات في الوحل المطعمات في المحل ". وهذا خرج مخرج ~~المدح. والزراعة من فروض الكفاية فيجب على الامام أن يجبر الناس عليها وما ~~كان في معناها من غرس الأشجار. ولقي عبد الله بن عبد الملك ابن شهاب الزهري ~~فقال: دلني على مال أعالجه، فأنشأ ابن شهاب يقول: # أقول لعبد الله يوم لقيته * وقد شد أحلاس المطي مشرقا تتبع خبايا ms1147 الأرض ~~وادع مليكها * لعلك يوما أن تجاب فترزقا فيؤتيك مالا واسعا ذا مثابة * إذا ~~ما مياه الأرض غارت تدفقا وحكى عن المعتضد أنه قال: رأيت علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه في المنام يناولني مسحاة وقال: خذها فإنها مفاتيح خزائن ~~الأرض. # قوله تعالى: الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا ~~منا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (262) فيه ~~ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله) قيل: إنها ~~نزلت في عثمان ابن عفان رضي الله عنه. قال عبد الرحمن بن سمرة: جاء عثمان ~~بألف دينار في جيش العسرة فصبها في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فرأيته يدخل يده فيها ويقلبها ويقول: " ماضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم ~~اللهم لا تنس هذا اليوم لعثمان ". وقال أبو سعيد الخدري: # رأيت النبي صلى الله عليه وسلم رافعا يديه يدعو لعثمان يقول: " يا رب ~~عثمان إني رضيت عن عثمان فأرض عنه " فما زال يدعو حتى طلع الفجر فنزلت: " ~~الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى " ~~الآية. PageV03P306 # الثانية - لما تقدم في الآية التي قبل ذكر الانفاق في سبيل الله على ~~العموم بين في هذه الآية أن ذلك الحكم والثواب إنما هو لمن لا يتبع إنفاقه ~~منا ولا أذى، لان (1) المن والأذى مبطلان لثواب الصدقة كما أخبر تعالى في ~~الآية بعد هذا، وإنما على المرء أن يريد وجه الله تعالى وثوابه بإنفاقه على ~~المنفق عليه، ولا يرجو منه شيئا ولا ينظر من أحوال في حال سوى أن يراعى ~~استحقاقه، قال الله تعالى: " لا نريد منكم جزاء ولا شكورا (2) ". ومتى أنفق ~~ليريد من المنفق عليه جزاء بوجه من الوجوه فهذا لم يرد وجه الله، فهذا إذا ~~أخلف ظنه فيه من بإنفاقه وآذى. وكذلك من أنفق مضطرا دافع غرم إما لمانة ~~للمنفق عليه أو لقرينة أخرى من اعتناء معتن فهذا لم يرد وجه الله. ms1148 وإنما ~~يقبل ما كان عطاؤه لله وأكثر قصده ابتغاء ما عند الله، كالذي حكى عن عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه أن أعرابيا أتاه فقال: # يا عمر الخير جزيت الجنة * اكس بنياتي وأمهنه وكن لنا من الزمان جنه * ~~أقسم بالله لتفعلنه قال عمر: إن لم أفعل يكون ماذا؟ قال: # إذا أبا حفص لأذهبنه قال: إذا ذهبت يكون ماذا؟! قال: # تكون عن حالي لتسألنه * يوم تكون الأعطيات هنه وموقف المسئول بينهنه * ~~إما إلى نار وإما جنه # PageV03P307 # فبكى عمر حتى اخضلت لحيته ثم قال: يا غلام، أعطه قميصي هذا لذلك اليوم لا ~~لشعره! # والله لا أملك غيره. قال الماوردي: وإذا كان العطاء على هذا الوجه خاليا ~~من طلب جزاء وشكر وعريا عن امتنان ونشر كان ذلك أشرف للباذل وأهنأ للقابل. ~~فأما المعطى إذا التمس بعطائه الجزاء، وطلب به الشكر والثناء، كان صاحب ~~سمعة ورياء، وفى هذين من الذم ما ينافي السخاء. وإن طلب كان تاجرا مربحا لا ~~يستحق حمدا ولا مدحا. وقد قال ابن عباس في قوله تعالى: " ولا تمنن تستكثر ~~(1) " أي لا تعطى عطية تلتمس بها أفضل منها. وذهب ابن زيد إلا أن هذه الآية ~~إنما هي في الذين لا يخرجون في الجهاد بل ينفقون وهم قعود، وإن الآية التي ~~قبلها هي في الذين يخرجون بأنفسهم، قال: ولذلك شرط على هؤلاء ولم يشترط على ~~الأولين. قال ابن عطية: وفى هذا القول نظر، لان التحكم فيه باد. # الثالثة - قوله تعالى: (منا ولا أذى) المن: ذكر النعمة على معنى التعديد ~~لها والتقريع بها، مثل أن يقول: قد أحسنت إليك ونعشتك وشبهه. وقال بعضهم: ~~المن: التحدث بما أعطى حتى يبلغ ذلك المعطى فيؤذيه. والمن من الكبائر، ثبت ~~ذلك في صحيح مسلم وغيره، وأنه أحد الثلاثة الذين لا ينظر الله إليهم ولا ~~يزكيهم ولهم عذاب أليم، وروى النسائي عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة العاق لوالديه ~~والمرأة المترجلة تتشبه بالرجال والديوث، وثلاثة لا ms1149 يدخلون الجنة العاق ~~لوالديه والمدمن الخمر والمنان بما أعطى ". وفى بعض طرق مسلم: " المنان هو ~~الذي لا يعطى شيئا إلا منة ". والأذى: السب والتشكي، وهو أعم من المن، لان ~~المن جزء من الأذى لكنه نص عليه لكثرة وقوعه. وقال ابن زيد: لئن ظننت أن ~~سلامك يثقل على من أنفقت عليه تريد وجه الله فلا تسلم عليه. وقالت له ~~امرأة: يا أبا أسامة دلني على رجل يخرج في سبيل الله حقا فإنهم إنما يخرجون ~~يأكلون الفواكه فإن عندي أسهما وجعبة. فقال: لا بارك الله في أسهمك وجعبتك ~~فقد آذيتهم قبل أن تعطيهم. قال علماؤنا رحمة الله عليهم: فمن أنفق في سبيل ~~الله ولم يتبعه منا ولا أذى كقوله: # ما أشد إلحاحك! وخلصنا الله منك! وأمثال هذا فقد تضمن الله له الاجر، ~~والاجر الجنة، # PageV03P308 # ونفى عنه الخوف بعد موته لما يستقبل، والحزن على ما سلف من دنياه، لأنه ~~يغتبط بآخرته فقال: (لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولاهم يحزنون). وكفى ~~بهذا فضلا وشرفا للنفقة في سبيل الله تعالى. وفيها دلالة لمن فضل الغنى على ~~الفقير حسب ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غنى حليم ~~(263) فيه ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (قول معروف) ابتداء والخبر محذوف، أي قول معروف ~~أولى وأمثل، ذكره النحاس والمهدوي. قال النحاس: ويجوز أن يكون " قول معروف ~~" خبر ابتداء محذوف، أي الذي أمرتم به قول معروف. والقول المعروف هو الدعاء ~~والتأنيس والترجية بما عند الله، خير من صدقة هي في ظاهرها صدقة وفى باطنها ~~لا شئ، لان ذكر القول المعروف فيه أجر وهذه لا أجر فيها. قال صلى الله عليه ~~وسلم: " الكلمة الطيبة صدقة وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق " أخرجه ~~مسلم. فيتلقى السائل بالبشر والترحيب، ويقابله بالطلاقة والتقريب، ليكون ~~مشكورا إن أعطى ومعذورا إن منع. وقد قال بعض الحكماء: الق صاحب الحاجة ~~بالبشر فإن عدمت شكره لم تعدم عذره. وحكى ابن لنكك (1) أن ms1150 أبا بكر بن دريد ~~قصد بعض الوزراء في حاجة لم يقضها وظهر له منه ضجر فقال: # لا تدخلنك ضجرة من سائل * فلخير دهرك أن ترى مسؤولا لا تجبهن بالرد وجه ~~مؤمل * فبقاء عزك أن ترى مأمولا تلقى الكريم فتستدل ببشره * وترى العبوس ~~على اللئيم دليلا واعلم بأنك عن قليل صائر * خبرا فكن خبرا يروق جميلا # PageV03P309 # وروى من حديث عمر رضي الله عنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إذا ~~سأل السائل فلا تقطعوا عليه مسألته حتى يفرغ منها ثم ردوا عليه بوقار ولين ~~أو ببذل يسير أو رد جميل فقد يأتيكم من ليس بإنس ولا جان ينظرون صنيعكم ~~فيما خولكم الله تعالى ". # قلت: دليله حديث أبرص وأقرع وأعمى، خرجه مسلم وغيره. وذلك أن ملكا تصور ~~في صورة أبرص مرة وأقرع أخرى وأعمى أخرى امتحانا للمسئول. وقال بشر بن ~~الحارث: # رأيت عليا في المنام فقلت: يا أمير المؤمنين! قل لي شيئا ينفعني الله به، ~~قال: ما أحسن عطف الأنبياء على الفقراء رغبة في ثواب الله تعالى، وأحسن منه ~~تيه الفقراء على الأغنياء ثقة بموعود الله. فقلت: يا أمير المؤمنين زدني، ~~فولى وهو يقول: # قد كنت ميتا فصرت حيا * وعن قليل تصير ميتا * فاخرب بدار الفناء بيتا * ~~وابن بدار البقاء بيتا الثانية - قوله تعالى: (مغفرة) المغفرة هنا: الستر ~~للخلة وسوء حالة المحتاج، ومن هذا قول الأعرابي - وقد سأل قوما بكلام فصيح ~~- فقال له قائل: ممن الرجل؟ فقال له: اللهم غفرا (1)! سوء الاكتساب يمنع من ~~الانتساب. وقيل: المعنى تجاوز عن السائل إذا ألح وأغلظ وجفى خير من التصدق ~~(2) عليه مع المن والأذى، قال معناه النقاش. وقال النحاس: هذا مشكل يبينه ~~الاعراب. " مغفرة " رفع بالابتداء والخبر (خير من صدقة). والمعنى والله ~~أعلم وفعل يؤدى إلى المغفرة خير من صدقة يتبعها أذى، وتقديره في العربية ~~وفعل مغفرة. ويجوز أن يكون مثل قولك: تفضل الله عليك أكبر (3) من الصدقة ~~التي تمن بها، أي غفران الله خير من صدقتكم هذه التي تمنون بها. # الثالثة - قواه تعالى: ms1151 (والله غنى حليم) أخبر تعالى عن غناه المطلق أنه ~~غنى عن صدقة العباد، وإنما أمر بها ليثيبهم، وعن حلمه بأنه لا يعاجل ~~بالعقوبة من من وأذى بصدقته. # PageV03P310 # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقتكم بالمن والأذى كالذي ~~ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه ~~تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شئ مما كسبوا والله لا يهدى ~~القوم الكافرين (264) فيه ثلاث مسائل الأولى - قوله تعالى: (بالمن والأذى) ~~قد تقدم معناه. وعبر تعالى عن عدم القبول وحرمان الثواب بالابطال، والمراد ~~الصدقة التي يمن بها ويؤذى، لا غيرها. والعقيدة أن السيئات لا تبطل الحسنات ~~ولا تحبطها، فالمن والأذى في صدقة لا يبطل صدقة غيرها. # قال جمهور العلماء في هذه الآية: إن الصدقة التي يعلم الله من صاحبها أنه ~~يمن أو يؤذى بها فإنها لا تقبل. وقيل: بل قد جعل الله للملك عليها أمارة ~~فهو لا يكتبها، وهذا حسن. # والعرب تقول لما يمن به: يد سوداء. ولما يعطى عن غير مسألة: يد بيضاء. ~~ولما يعطى عن مسألة: يد خضراء. وقال بعض البلغاء: من من بمعروفه سقط شكره، ~~ومن أعجب بعمله حبط أجره. وقال بعض الشعراء: # وصاحب سلفت منه إلى يد * أبطا عليه مكافأتي فعاداني لما تيقن أن الدهر ~~حاربني * أبدى الندامة فيما كان أو لأني وقال آخر: # أفسدت بالمن ما أسديت من حسن * ليس الكريم إذا أسدى بمنان وقال أبو بكر ~~الوراق فأحسن: # أحسن من كل حسن * في كل وقت وزمن صنيعة مربوبة * خالية من المنن ~~PageV03P311 # وسمع ابن سيرين رجلا يقول لرجل: وفعلت إليك وفعلت! فقال له: اسكت فلا خير ~~في المعروف، إذا أحصى. وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إياكم ~~والامتنان بالمعروف فإنه يبطل الشكر ويمحق الاجر - ثم تلا - " لا تبطلوا ~~صدقاتكم بالمن والأذى ". # الثانية - قال علماؤنا رحمة الله عليهم: كره مالك لهذه الآية أن يعطى ~~الرجل صدقته الواجبة أقاربه لئلا يعتاض منهم الحمد والثناء، ويظهر منته ~~عليهم ويكافئوه عليها ms1152 فلا تخلص لوجه الله تعالى. واستحب أن يعطيها الأجانب، ~~واستحب أيضا أن يولى غيره تفريقها إذا لم يكن الامام عدلا، لئلا تحبط بالمن ~~والأذى والشكر والثناء والمكافأة بالخدمة من المعطى. # وهذا بخلاف صدقة التطوع السر، لان ثوابها إذا حبط سلم من الوعيد وصار في ~~حكم من لم يفعل، والواجب إذا حبط ثوابه توجه الوعيد عليه لكونه في حكم من ~~لم يفعل. # الثالثة - قوله تعالى: (كالذي ينفق ماله رئاء الناس) الكاف في موضع نصب، ~~أي إبطال " كالذي " فهي نعت للمصدر المحذوف. ويجوز أن تكون موضع الحال. مثل ~~الله تعالى الذي يمن ويؤذى بصدقته بالذي ينفق ماله رئاء الناس لا لوجه الله ~~تعالى، وبالكافر الذي ينفق ليقال جواد وليثني عليه بأنواع الثناء. ثم مثل ~~هذا المنفق أيضا بصفوان عليه تراب فيظنه الظان أرضا منبتة طيبة، فإذا أصابه ~~وابل من المطر أذهب عنه التراب وبقى صلدا، فكذلك هذا المرائي. فالمن والأذى ~~والرياء تكشف عن النية في الآخرة فتبطل الصدقة كما يكشف الوابل عن الصفوان، ~~وهو الحجر الكبير الأملس. وقيل: المراد بالآية إبطال الفضل دون الثواب، ~~فالقاصد بنفقته الرياء غير مثاب كالكافر، لأنه لم يقصد به وجه الله تعالى ~~فيستحق الثواب. وخالف صاحب المن والأذى القاصد وجه الله المستحق ثوابه - ~~وإن كرر عطاءه - وأبطل فضله. وقد قيل: إنما يبطل من ثواب صدقته من وقت منه ~~وإيذائه، وما قبل ذلك يكتب له ويضاعف، فإذا من وآذى انقطع التضعيف، لان ~~الصدقة تربى لصاحبها حتى تكون أعظم من الجبل، فإذا خرجت من يد صاحبها خالصة ~~على الوجه المشروع ضوعفت، فإذا جاء المن بها والأذى وقف بها هناك وانقطع ~~زيادة التضعيف عنها، والقول الأول أظهر (1) والله أعلم. # PageV03P312 # والصفوان جمع واحده صفوانة، قال الأخفش. قال: وقال بعضهم: صفوان واحد، ~~مثل حجر. وقال الكسائي: صفوان واحد وجمعه صفوان وصفى وصفى، وأنكره المبرد ~~وقال: # إنما صفى جمع صفا كقفا وقفى، ومن هذا المعنى الصفواء والصفا، وقد تقدم ~~(1). وقرأ سعيد بن المسيب والزهري " صفوان " بتحريك الفاء، وهي لغة. وحكى ~~قطرب صفوان. # قال ms1153 النحاس: صفوان وصفوان يجوز أن يكون جمعا ويجوز أن يكون واحدا، إلا أن ~~الأولى به أن يكون واحدا لقوله عز وجل: (عليه تراب فأصابه وابل) وإن كان ~~يجوز تذكير الجمع إلا أن الشئ لا يخرج عن بابه إلا بدليل قاطع، فأما ما ~~حكاه الكسائي في الجمع فليس بصحيح على حقيقة النظر، ولكن صفوان جمع صفا، ~~وصفا بمعنى صفوان، ونظيره ورل (2) وورلان وأخ وإخوان وكرا وكروان، كما قال ~~الشاعر: # لنا يوم وللكروان يوم * تطير البائسات ولا نطير والضعيف في العربية كروان ~~جمع كروان، وصفى وصفى جمع صفا مثل عصا. والوابل: # المطر الشديد. وقد وبلت السماء تبل، والأرض موبولة. قال الأخفش: ومنه ~~قوله تعالى: # " أخذناه أخذا وبيلا (3) " أي شديدا. وضرب وبيل، وعذاب وبيل أي شديد. ~~والصلد: # الأملس من الحجارة. قال الكسائي: صلد يصلد صلدا بتحريك اللام فهو صلد ~~بالاسكان، وهو كل مالا ينبت شيئا، ومنه جبين أصلد، وأنشد الأصمعي لرؤبة: # * براق أصلاد الجبين الأجله * قال النقاش: الأصلد الأجرد بلغة هذيل. ~~ومعنى (لا يقدرون) يعنى المرائي والكافر والمان (على شئ) أي على الانتفاع ~~بثواب شئ من إنفاقهم وهو كسبهم عند حاجتهم إليه، إذ كان لغير الله، فعبر عن ~~النفقة بالكسب، لأنهم قصدوا بها الكسب. وقيل: ضرب هذا مثلا للمرائي في ~~إبطال ثوابه ولصاحب المن والأذى في إبطال فضله، ذكره الماوردي. # PageV03P313 # قوله تعالى: ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من ~~أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فاتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل ~~والله بما تعملون بصير (265) قوله تعالى: ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء ~~مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم) " ابتغاء " مفعول من أجله. " وتثبيتا من ~~أنفسهم " عطف عليه. وقال مكي في المشكل: # كلاهما مفعول من أجله. قال ابن عطية: وهو مردود، ولا يصح في " تثبيتا " ~~أنه مفعول من أجله، لان الانفاق ليس من أجل التثبيت. و " ابتغاء " نصب على ~~المصدر في موضع الحال، وكان يتوجه فيه النصب على المفعول من أجله، لكن ~~النصب على المصدر هو الصواب من جهة عطف المصدر ms1154 الذي هو " تثبيتا " عليه. ~~ولما ذكر الله تعالى صفة صدقات القوم الذين لا خلاق لصدقاتهم، ونهي ~~المؤمنين عن مواقعة ما يشبه ذلك بوجه ما، عقب في هذه الآية بذكر نفقات ~~القوم الذين تزكو صدقاتهم إذ كانت على وفق الشرع ووجهه. # و " ابتغاء " معناه طلب. و " مرضات " مصدر من رضى يرضى. " وتثبيتا " ~~معناه أنهم يتثبتون أين يضعون صدقاتهم، قال مجاهد والحسن. قال الحسن: كان ~~الرجل إذا هم بصدقة تثبت، فإن كان ذلك لله أمضاه وإن خالطه شك أمسك. وقيل: ~~معناه تصديقا ويقينا، قاله ابن عباس. وقال ابن عباس أيضا وقتادة: معناه ~~واحتسابا من أنفسهم. وقال الشعبي والسدي وقتادة أيضا وابن زيد وأبو صالح ~~وغيرهم: " وتثبيتا " معناه وتيقنا أي أن نفوسهم لها بصائر فهي تثبتهم على ~~الانفاق في طاعة الله تعالى تثبيتا. وهذه الأقوال الثلاث أصوب من قول الحسن ~~ومجاهد، لان المعنى الذي ذهبا إليه إنما عبارته " وتثبيتا " مصدر على غير ~~المصدر. قال ابن عطية: وهذا لا يسوغ إلا مع ذكر المصدر والافصاح بالفعل ~~المتقدم، كقوله تعالى: " والله أنبتكم من الأرض (1) نباتا "، " وتبتل (2) ~~إليه تبتيلا ". وأما إذا لم يقع إفصاح بفعل فليس لك أن تأتى بمصدر في غير ~~معناه ثم تقول: أحمله على معنى كذا وكذا، لفعل لم يتقدم له ذكر. قال ابن ~~عطية: هذا مهيع كلام العرب فيما علمته. وقال النحاس: # PageV03P314 # لو كان كما قال مجاهد لكان وتثبتا من تثبت ككرمت تكرما، وقول قتادة: ~~احتسابا، لا يعرف إلا أن يراد به أن أنفسهم تثبتهم محتسبة، وهذا بعيد. وقول ~~الشعبي حسن، أي تثبيتا من أنفسهم لهم على إنفاق ذلك في طاعة الله عز وجل، ~~يقال: ثبت فلانا في هذا الامر، أي صححت عزمه، وقويت فيه رأيه، أثبته ~~تثبيتا، أي أنفسهم موقنة بوعد الله على تثبيتهم في ذلك. وقيل: " وتثبيتا من ~~أنفسهم " أي يقرون بأن الله تعالى يثبت عليها، أي وتثبيتا من أنفسهم ~~لثوابها، بخلاف المنافق الذي لا يحتسب الثواب. # قوله تعالى: (كمثل جنة بربوة) الجنة البستان، وهي قطعة أرض تنبت فيها ~~الأشجار ms1155 حتى تغطيها، فهي مأخوذة من لفظ الجن والجنين لاستتارهم. وقد تقدم. ~~والربوة: # المكان المرتفع ارتفاعا يسيرا، معه في الأغلب كثافة تراب، وما كان كذلك ~~فنباته أحسن، ولذلك خص الربوة بالذكر. قال ابن عطية: ورياض الحزن ليست من ~~هذا كما زعم الطبري، بل تلك هي الرياض المنسوبة إلى نجد، لأنها خير من رياض ~~تهامة، ونبات نجد أعطر، ونسيمه أبرد وأرق، ونجد يقال لها حزن. وقلما يصلح ~~هواء تهامة إلا بالليل، ولذلك قالت الاعرابية: " زوجي كليل تهامة ". وقال ~~السدى: " بربوة " أي برباوة، وهو ما انخفض من الأرض. قال ابن عطية: وهذه ~~عبارة قلقة، ولفظ الربوة هو مأخوذ من ربا يربو إذا زاد. # قلت: عبارة السدى ليست بشئ، لان بناء " رب و " معناه الزيادة في كلام ~~العرب، ومنه الربو للنفس العالي. ربا يربو إذا أخذه الربو. وربا الفرس إذا ~~أخذه الربو من عدو أو فزع. وقال الفراء في قوله تعالى: " أخذهم أخذة رابية ~~(1) " أي زائدة، كقولك: أربيت إذا أخذت أكثر مما أعطيت. وربوت في بنى فلان ~~وربيت أي نشأت فيهم. وقال الخليل: الربوة أرض مرتفعة طيبة وخص الله تعالى ~~بالذكر التي لا يجرى فيها ماء من حيث العرف في بلاد العرب، فمثل لهم ما ~~يحسونه ويدركونه. وقال ابن عباس: الربوة المكان المرتفع الذي لا تجرى فيه ~~الأنهار، لان قوله تعالى: (أصابها وابل) إلى آخر الآية يدل على أنها ليس ~~فيها ماء جار، ولم يرد جنس التي تجرى فيها الأنهار، لان الله تعالى قد ذكر ~~ربوة # PageV03P315 # ذات قرار ومعين. والمعروف من كلام العرب أن الربوة ما ارتفع عما جاوره ~~سواء جرى فيها ماء أو لم يجر. وفيها خمس لغات " ربوة " بضم الراء، وبها قرأ ~~ابن كثير وحمزة والكسائي ونافع وأبو عمرو. و " ربوة " بفتح الراء، وبها قرأ ~~عاصم وابن عامر والحسن. " وربوة " بكسر الراء، وبها قرأ ابن عباس وأبو ~~إسحاق السبيعي. و " رباوة " بالفتح، وبها قرأ أبو جعفر وأبو عبد الرحمن، ~~وقال الشاعر: # من منزلي في روضة برباوة * بين النخيل إلى بقيع الغرقد؟ # و ms1156 " رباوة " بالكسر، وبها قرأ الأشهب العقيلي. قال الفراء: ويقال برباوة ~~وبرباوة، وكله من الرابية، وفعله ربا يربو. # قوله تعالى: (أصابها) يعنى الربوة (وابل) أي مطر شديد، قال الشاعر (1): # ما روضة من رياض الحزن معشبة * خضراء جاد عليها وابل هطل (فآتت) أي أعطت. ~~(أكلها) بضم الهمزة: الثمر الذي يؤكل، ومنه قوله تعالى: " تؤتى أكلها كل ~~حين (2) ". والشئ المأكول من كل شئ يقال له أكل. والأكلة: اللقمة، ومنه ~~الحديث: " فإن كان الطعام مشفوها (3) قليلا فليضع (4) في يده منه أكلة أو ~~أكلتين " يعنى لقمة أو لقمتين، خرجه مسلم. وإضافته إلى الجنة إضافة اختصاص، ~~كسرج الفرس وباب الدار. # وإلا فليس الثمر مما تأكله الجنة. وقرأ نافع، وابن كثير وأبو عمرو " ~~أكلها " بضم الهمزة وسكون الكاف، وكذلك كل مضاف [إلى (5)] مؤنث، وفارقهما ~~أبو عمرو فيما أضيف إلى مذكر مثل أكله أو كان غير مضاف إلى شئ مثل " أكل ~~خمط (6) " فثقل أبو عمرو ذلك وخففاه. وقرأ عاصم # PageV03P316 # وابن عامر وحمزة والكسائي في جميع ما ذكرناه بالتثقيل. ويقال: أكل وأكل ~~بمعنى. # (ضعفين) أي أعطت ضعفي ثمر غيرها من الأرضين. وقال بعض، أهل العلم: حملت ~~مرتين في السنة، والأول أكثر، أي أخرجت من الزرع ما يخرج غيرها في سنتين. # قوله تعالى: (فإن لم يصبها وابل فطل) تأكيد منه تعالى لمدح هذه الربوة ~~بأنها إن لم يصبها وابل فإن الطل يكفيها ومنوب مناب الوابل في إخراج الثمرة ~~ضعفين، وذلك لكرم الأرض وطيبها. قال المبرد وغيره: تقديره فطل يكفيها. وقال ~~الزجاج: فالذي يصيبها طل. # والطل: المطر الضعيف المستدق من القطر الخفيف، قاله ابن عباس وغيره، وهو ~~مشهور اللغة. # وقال قوم منهم مجاهد: الطل: الندى. قال ابن عطية: وهو تجوز وتشبيه. قال ~~النحاس: # وحكى أهل اللغة وبلت وأوبلت، وطلت وأطلت. وفى الصحاح: الطل أضعف المطر ~~والجمع الطلال، تقول منه: طلت الأرض وأطلها الندى فهي مطلولة. قال ~~الماوردي: وزرع الطل أضعف من زرع المطر وأقل ريعا، وفيه - وإن قل - تماسك ~~ونفع. قال بعضهم: # في الآية تقديم وتأخير، ومعناه كمثل جنة بربوة أصابها ms1157 وابل فإن لم يصبها ~~وابل فطل فآتت أكلها ضعفين. يعنى اخضرت أوراق البستان وخرجت ثمرتها ضعفين. # قلت: التأويل الأول أصوب ولا حاجة إلى التقديم والتأخير. فشبه تعالى نمو ~~نفقات هؤلاء المخلصين الذين يربي الله صدقاتهم كتربية الفلو (1) والفصيل ~~بنمو نبات الجنة بالربوة الموصوفة، بخلاف الصفوان الذي انكشف عنه ترابه ~~فبقى صلدا. وخرج مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم: " لا يتصدق أحد بتمرة من كسب طيب إلا أخذها الله بيمينه فيربيها ~~كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله حتى تكون مثل الجبل أو أعظم " خرجه الموطأ ~~أيضا. # قوله تعالى: (والله بما تعملون بصير) وعد ووعيد. وقرأ الزهري " يعملون " ~~بالياء كأنه يريد به الناس أجمع، أو يريد المنفقين فقط، فهو وعد محض. # PageV03P317 # قوله تعالى: أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجرى من تحتها ~~الأنهر له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر: وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار: ~~فيه نار فاحترقت كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون (266) قوله ~~تعالى: (أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب) الآية. حكى الطبري عن ~~السدى أن هذه الآية مثل آخر لنفقة الرياء، ورجح هو هذا القول. # قلت وروى عن ابن عباس أيضا قال: هذا مثل ضربه الله للمرائين بالاعمال ~~يبطلها يوم القيامة أحوج ما كان إليها، كمثل رجل كانت له جنة وله أطفال لا ~~ينفعونه فكبر وأصاب الجنة إعصار أي ريح عاصف فيه نار فاحترقت ففقدها أحوج ~~ما كان إليها. وحكى عن ابن زيد أنه قرأ قول الله تعالى: " يا أيها الذين ~~آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى " الآية، قال: ثم ضرب في ذلك مثلا ~~فقال: " أيود أحدكم " الآية. قال ابن عطية: وهذا أبين من الذي رجح الطبري، ~~وليست هذه الآية بمثل آخر لنفقة الرياء، هذا هو مقتضى سياق الكلام. وأما ~~بالمعنى في غير هذا السياق فتشبه حال كل منافق أو كافر عمل عملا وهو يحسب ~~أنه يحسن صنعا فلما جاء إلى وقت الحاجة لم ms1158 يجد شيئا. # قلت: قد روى عن ابن عباس أنها مثل لمن عمل لغير الله من منافق وكافر على ~~ما يأتي، إلا أن الذي ثبت في البخاري عنه خلاف هذا. خرج البخاري عن عبيد بن ~~عمير قال قال عمر بن الخطاب يوما لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: فيم ~~ترون هذه الآية نزلت " أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب "؟ قالوا: ~~الله ورسوله أعلم، فغضب عمر وقال: # قولوا: نعلم أو لا تعلم! فقال ابن عباس: في نفسي منها شئ يا أمير ~~المؤمنين، قال: يا بن أخي قل ولا تحقر نفسك، قال ابن عباس: ضربت مثلا لعمل. ~~قال عمر: أي عمل؟ قال ابن عباس: لعمل رجل غنى يعمل بطاعة الله ثم الله عز ~~وجل له الشيطان فعمل PageV03P318 # في المعاصي حتى أحرق عمله. في رواية: فإذا فنى عمره واقترب أجله ختم ذلك ~~بعمل من أعمال الشقاء، فرضي ذلك عمر. وروى ابن أبي مليكة أن عمر تلا هذه ~~الآية. وقال: هذا مثل ضرب للانسان يعمل عملا صالحا حتى إذا كان عند آخر ~~عمره أحوج ما يكون إليه عمل عمل السوء. قال ابن عطية: فهذا نظر يحمل الآية ~~على كل ما يدخل تحت ألفاظها، وبنحو ذلك قال مجاهد وقتادة والربيع وغيرهم. ~~وخص النخيل والأعناب بالذكر لشرفهما وفضلهما على سائر الشجر. وقرأ الحسن " ~~جنات " بالجمع. (تجرى من تحتها الأنهار) تقدم ذكره. # (له فيها من كل الثمرات) يريد ليس شئ من الثمار إلا وهو فيها نابت. # قوله تعالى: (وأصابه الكبر) عطف ماضيا على مستقبل وهو " تكون " وقيل: " ~~يود " فقيل: التقدير وقد أصابه الكبر. وقيل إنه محمول على المعنى، لان ~~المعنى أيود أحدكم أن لو كانت له جنة. وقيل: الواو واو الحال، وكذا في قوله ~~تعالى " وله ". # قوله تعالى: (فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت) قال الحسن: " إعصار فيه نار ~~" ريح فيها برد شديد. الزجاج: الاعصار في اللغة الريح الشديدة التي تهب من ~~الأرض إلى السماء كالعمود، وهي التي يقال لها: الزوبعة. قال الجوهري: ~~الزوبعة رئيس ms1159 من رؤساء الجن، ومنه سمى الاعصار زوبعة. ويقال: أم زوبعة، وهي ~~ريح تثير الغبار وترتفع إلى السماء كأنها عمود. وقيل: الاعصار ريح تثير ~~سحابا ذا رعد وبرق. المهدوي: قيل لها إعصار لأنها تلتف كالثوب إذا عصر. ابن ~~عطية: وهذا ضعيف. # قلت: بل هو صحيح، لأنه المشاهد المحسوس، فإنه يصعد عمودا ملتفا. وقيل: ~~إنما قيل للريح إعصار، لأنه يعصر السحاب، والسحاب معصرات إما لأنها حوامل ~~فهي كالمعصر (1) من النساء. وإما لأنها تنعصر بالرياح. وحكى ابن سيده: إن ~~المعصرات فسرها قوم بالرياح لا بالسحاب. ابن زيد: الاعصار ريح عاصف وسموم ~~شديدة، وكذلك قال السدى: # الاعصار الريح والنار السموم. ابن عباس: ريح فيها سموم شديدة. قال ابن ~~عطية: ويكون # PageV03P319 # ذلك في شدة الحر ويكون في شدة البرد، وكل ذلك من فيح (1) جهنم ونفسها، ~~كما تضمن قول النبي صلى الله عليه وسلم: " إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة ~~فإن شدة الحر من فيح جهنم " و " إن النار اشتكت إلى ربها " الحديث. وروى عن ~~ابن عباس وغيره: إن هذا مثل ضربه الله تعالى للكافرين والمنافقين، كهيئة ~~رجل غرس بستانا فأكثر فيه من الثمر فأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء - يريد ~~صبيانا بنات وغلمانا - فكانت معيشته ومعيشة ذريته من ذلك البستان، فأرسل ~~الله على بستانه ريحا فيها نار فأحرقته، ولم يكن عنده قوة فيغرسه ثانية، ~~ولم يكن عند بنيه خير فيعودون على أبيهم. وكذلك الكافر والمنافق إذا ورد ~~إلى الله تعالى يوم القيامة ليست له كرة يبعث فيرد ثانية، كما ليست عند هذا ~~قوة فيغرس بستانه ثانية، ولم يكن عنده من افتقر إليه عند كبر سنه وضعف ~~ذريته غنى عنه. # (كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون) يريد كي ترجعوا إلى عظمتي ~~وربوبيتي ولا تتخذوا من دوني أولياء. وقال ابن عباس أيضا: تتفكرون في زوال ~~الدنيا وفنائها وإقبال الآخرة وبقائها. # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبت ما كسبتم ومما أخرجنا ~~لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه ms1160 ~~واعلموا أن الله غنى حميد (267) فيه إحدى عشر مسألة: # الأولى - قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا أنفقوا) هذا خطاب لجميع أمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم. واختلف العلماء في المعنى المراد بالانفاق هنا، ~~فقال علي بن أبي طالب وعبيدة السلماني وابن سيرين: هي الزكاة المفروضة، نهي ~~الناس عن إنفاق الردئ فيها بدل الجيد. # قال ابن عطية: والظاهر من قول البراء بن عازب والحسن وقتادة أن الآية في ~~التطوع، ندبوا إلى # PageV03P320 # ألا يتطوعوا إلا بمختار جيد. والآية تعم الوجهين، لكن صاحب الزكاة تعلق ~~بأنها مأمور بها والامر على الوجوب، وبأنه نهي عن الردئ وذلك مخصوص بالفرض، ~~وأما التطوع فكما للمرء أن يتطوع بالقليل فكذلك له أن يتطوع بنازل في ~~القدر، ودرهم خير من تمرة. تمسك أصحاب الندب بأن لفظة افعل صالح للندب ~~صلاحيته للفرض، والردئ منهي عنه في النقل كما هو منهي عنه في الفرض، والله ~~أحق من اختير له. وروى البراء أن رجلا علق قنو (1) حشف، فرآه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال: " بئسما علق " فنزلت الآية، خرجه الترمذي وسيأتي ~~بكماله. # والامر على هذا القول على الندب، ندبوا إلى ألا يتطوعوا إلا بجيد مختار. ~~وجمهور المتأولين قالوا: معنى " من طيبات " من جيد ومختار " ما كسبتم ". ~~وقال ابن زيد: من حلال " ما كسبتم ". # الثانية - الكسب يكون بتعب بدن وهي الإجارة وسيأتي حكمها، أو مقاولة في ~~تجارة وهو البيع وسيأتي بيانه. والميراث داخل في هذا، لان غير الوارث قد ~~كسبه. قال سهل بن عبد الله: وسئل ابن المبارك عن الرجل يريد أن يكتسب وينوى ~~باكتسابه أن يصل به الرحم وأن يجاهد ويعمل الخيرات ويدخل في آفات الكسب ~~لهذا الشأن. # قال: إن كان معه قوام من العيش بمقدار ما يكف (2) نفسه عن الناس فترك هذا ~~أفضل، لأنه إذا طلب حلالا وأنفق في حلال سئل عنه وعن وكسبه وعن إنفاقه، ~~وترك ذلك زهد فإن الزهد في ترك الحلال. # الثالثة - قال ابن خويز منداد: ولهذه الآية جاز للوالد أن يأكل من كسب ~~ولده، وذلك ms1161 أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أولادكم من طيب أكسابكم ~~فكلوا من أموال أولادكم هنيئا ". # الرابعة - قوله تعالى: (ومما أخرجنا لكم من الأرض) يعنى النبات والمعادن ~~والركاز، وهذه أبواب ثلاثة تضمنتها هذه الآية. أما النبات فروى الدارقطني ~~عن عائشة رضي الله عنها قالت: جرت السنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم " ~~ليس فيما دون خمسة # PageV03P321 # أوسق زكاة ". والوسق ستون صاعا، فذلك ثلاثمائة صاع من الحنطة والشعير ~~والتمر والزبيب. # وليس فيما أنبتت الأرض من الحضر زكاة. وقد أحتج قوم لأبي حنيفة بقول الله ~~تعالى: # " ومما أخرجنا لكم من الأرض " وإن ذلك عموم في قليل ما تخرجه الأرض ~~وكثيره وفى سائر الأصناف، ورأوا ظاهر الامر الوجوب. وسيأتي بيان هذا في " ~~الانعام (1) " مستوفى. وأما المعدن فروى الأئمة عن أبي هريرة عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: " العجماء (2) جرحها جبار والبئر جبار والمعدن ~~جبار وفى الركاز الخمس ". قال علماؤنا: لما قال صلى الله عليه وسلم: # " وفى الركاز الخمس " دل على أن الحكم في المعادن غير الحكم في الركاز، ~~لأنه صلى الله عليه وسلم قد فصل بين المعادن والركاز بالواو الفاصلة، ولو ~~كان الحكم فيهما سواء لقال والمعدن جبار وفيه الخمس، فلما قال " وفى الركاز ~~الخمس " علم أن حكم الركاز غير حكم المعدن فيما يؤخذ منه، والله أعلم. # والركاز أصله في اللغة ما ارتكز بالأرض من الذهب والفضة والجواهر، وهو ~~عند سائر الفقهاء كذلك، لأنهم يقولون في (3) الندرة التي توجد في المعدن ~~مرتكزة بالأرض لا تنال بعمل ولا بسعي ولا نصب، فيها الخمس، لأنها ركاز. وقد ~~روى عن مالك أن الندرة في المعدن حكمها حكم ما يتكلف فيه العمل مما يستخرج ~~من المعدن في الركاز، والأول تحصيل مذهبه وعليه فتوى جمهور الفقهاء. وروى ~~بعد الله بن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه عن جده عن أبي هريرة قال: ~~سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الركاز قال: " الذهب الذي خلق الله في ~~الأرض يوم خلق السماوات والأرض ". عبد ms1162 الله بن سعيد هذا متروك الحديث، ذكر ~~ذلك ابن أبي حاتم. وقد روى من طريق أخرى عن أبي هريرة ولا يصح، ذكره ~~الدارقطني. ودفن (4) الجاهلية لأموالهم عند جماعة العلماء ركاز أيضا لا ~~يختلفون فيه إذا كان # PageV03P322 # دفنه قبل الاسلام من الأموال العادية، وأما ما كان من ضرب الاسلام فحكمه ~~عندهم حكم اللقطة. # الخامسة - واختلفوا في حكم الركاز إذا وجد، فقال مالك: ما وجد من دفن ~~الجاهلية في أرض العرب أوفى فيافي الأرض التي ملكها المسلمون بغير حرب فهو ~~لواجده وفيه الخمس، وأما ما كان في أرض الاسلام فهو كاللقطة. قال: وما وجد ~~من ذلك في أرض العنوة فهو للجماعة الذين افتتحوها دون واجده، وما وجد من ~~ذلك في أرض الصلح فإنه لأهل تلك البلاد دون الناس، ولا شئ للواجد فيه إلا ~~أن يكون من أهل الدار فهو له دونهم. وقيل: # بل هو لجملة أهل الصلح. قال إسماعيل: وإنما حكم للركاز بحكم الغنيمة لأنه ~~مال كافر وجده مسلم فأنزل منزلة من قاتله وأخذ ماله، فكان له أربعة أخماسه. ~~وقال ابن القاسم: كان مالك يقول في العروض والجواهر والحديد والرصاص ونحوه ~~يوجد ركازا: إن فيه الخمس ثم رجع فقال: لا أرى فيه شيئا، ثم آخر ما فارقناه ~~أن قال: فيه الخمس. وهو الصحيح لعموم الحديث وعليه جمهور الفقهاء. وقال أبو ~~حنيفة ومحمد في الركاز يوجد في الدار: إنه لصاحب الدار دون الواجد وفيه ~~الخمس. وخالفه أبو يوسف فقال: إنه للواجد دون صاحب الدار، وهو قول الثوري: ~~وإن وجد في الفلاة فهو للواجد في قولهم جميعا وفيه الخمس. ولا فرق عندهم ~~بين أرض الصلح وأرض العنوة، وسواء عندهم أرض العرب وغيرها، وجائز عندهم ~~لواجده أن يحتبس الخمس لنفسه إذا كان محتاجا وله أن يعطيه للمساكين. ومن ~~أهل المدينة وأصحاب مالك من لا يفرق بين شئ من ذلك وقالوا: سواء وجد الركاز ~~في أرض العنوة أو في أرض الصلح أو أرض العرب أو أرض الحرب إذا لم يكن ملكا ~~لاحد ولم يدعه أحد فهو ms1163 لواجده وفيه الخمس على عموم ظاهر الحديث، وهو قول ~~الليث وعبد الله بن نافع والشافعي وأكثر أهل العلم. # السادسة - وأما ما يوجد من المعادن ويخرج منها فاختلف فيه، فقال مالك ~~وأصحابه: # لا شئ فيما يخرج من المعادن من ذهب أو فضة حتى يكون عشرين مثقالا ذهبا أو ~~خمس PageV03P323 # أواق فضة، فإذا بلغتا هذا المقدار وجبت فيهما الزكاة، وما زاد فبحساب ذلك ~~ما دام في المعدن نيل، فإن انقطع ثم جاء بعد ذلك نيل آخر فإنه تبتدأ فيه ~~الزكاة مكانه. والركاز عندهم بمنزلة الزرع تؤخذ منه الزكاة في حينه ولا ~~ينتظر به حولا. قال سحنون في رجل له معادن: إنه لا يضم ما في واحد منها إلى ~~غيرها ولا يزكى إلا عن مائتي درهم أو عشرين دينارا في كل واحد. وقال محمد ~~بن مسلمة: يضم بعضها إلى بعض ويزكى الجميع كالزرع. وقال أبو حنيفة وأصحابه: ~~المعدن كالركاز، فما وجد في المعدن من ذهب أو فضة بعد إخراج الخمس اعتبر كل ~~واحد منهما، فمن حصل بيده ما تجب فيه الزكاة زكاه لتمام الحول إن أتى عليه ~~حول وهو نصاب عنده، هذا إذا لم يكن عنده ذهب أو فضة وجبت فيه الزكاة. فإن ~~كان عنده من ذلك ما تجب فيه الزكاة ضمه إلى ذلك وزكاه. وكذلك عندهم كل ~~فائدة تضم في الحول إلى النصاب من جنسها وتزكى لحول الأصل، وهو قول الثوري. ~~وذكر المزني عن الشافعي قال: وأما الذي أنا واقف فيه فما يخرج من المعادن. ~~قال المزني: الأولى به على أصله أن يكون ما يخرج من المعدن فائدة يزكى ~~بحوله بعد إخراجه. وقال الليث بن سعد: ما يخرج من المعادن من الذهب والفضة ~~فهو بمنزلة الفائدة يستأنف به حولا، وهو قول الشافعي فيما حصله المزني من ~~مذهبه، وقال به داود وأصحابه إذا حال عليها الحول عند مالك صحيح الملك ~~لقوله صلى الله عليه وسلم: " من استفاد مالا فلا زكاة عليه حتى يحول عليه ~~الحول " أخرجه الترمذي والدارقطني. واحتجوا أيضا بما رواه عبد ms1164 الرحمن بن ~~أنعم عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى قوما من المؤلفة ~~قلوبهم ذهيبة (1) في تربتها، بعثها على رضي الله عنه من اليمن. قال ~~الشافعي: # والمؤلفة قلوبهم حقهم في الزكاة، فتبين بذلك أن المعادن سنتها سنة ~~الزكاة. وحجة مالك حديث عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أقطع بلال بن الحارث المعادن القبلية (2) وهي من ناحية الفرع، (2) ~~فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلى اليوم إلا الزكاة. وهذا # PageV03P324 # حديث منقطع الاسناد لا يحتج بمثله أهل الحديث، ولكنه عمل يعمل به عندهم ~~في المدينة. # ورواه الدراوردي عن ربيعة عن الحارث بن بلال المزني عن أبيه. ذكره ~~البزار، ورواه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه أقطع بلال بن الحارث المعادن القبلية جلسيها ~~وغوريها (1). وحيث يصلح للزرع من قدس (2) ولم يعطه حق مسلم، ذكره البزار ~~أيضا، وكثير مجمع على ضعفه. هذا حكم ما أخرجته الأرض، وسيأتي في سورة " ~~النحل " حكم ما أخرجه البحر إذ هو قسيم الأرض (3). ويأتي في " الأنبياء " ~~معنى قوله عليه السلام: " العجماء جرحها جبار (4) " كل في موضعه إن شاء ~~الله تعالى. # السابعة - قوله تعالى: (ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون) تيمموا معناه ~~تقصدوا، وستأتي الشواهد من أشعار العرب في أن التيمم القصد في " النساء (5) ~~" إن شاء الله تعالى. # ودلت الآية على أن المكاسب فيها طيب وخبيث. وروى النسائي عن أبي أمامة بن ~~سهل ابن حنيف في الآية التي قال الله تعالى فيها: " ولا تيمموا الخبيث منه ~~تنفقون " قال: # هو الجعرور ولون حبيق (6)، فنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤخذا ~~في الصدقة. # وروى الدارقطني عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه قال: أمر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بصدقة فجاء رجل من هذا السحل (7) بكبائس - قال سفيان: ~~يعنى الشيص - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من جاء بهذا "؟! وكان ~~لا يجئ أحد بشئ إلا ms1165 نسب إلى الذي جاء به. فنزلت: " ولا تيمموا الخبيث منه ~~تنفقون ". قال: ونهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الجعرور ولون الحبيق أن ~~يؤخذا في الصدقة - قال الزهري: لونين من # PageV03P325 # تمر المدينة - وأخرجه الترمذي من حديث البراء وصححه، وسيأتي. وحكى الطبري ~~والنحاس أن في قراءة عبد الله " ولا تأمموا " وهما لغتان. وقرأ مسلم بن ~~جندب " ولا تيمموا " بضم التاء وكسر الميم. وقرأ ابن كثير " تيمموا " ~~بتشديد التاء. وفى اللفظة لغات، منها " أممت الشئ " مخففة الميم الأولى و " ~~أممته " بشدها، و " يممته وتيممته ". وحكى أبو عمرو أن ابن مسعود قرأ " ولا ~~تؤمموا " بهمزة بعد التاء المضمومة. # الثامنة - قوله تعالى: (منه تنفقون) قال الجرجاني في كتاب " نظم القرآن ~~": # قال فريق من الناس: إن الكلام تم في قوله تعالى " الخبيث " ثم ابتدأ خبرا ~~آخر في وصف الخبيث فقال: " منه تنفقون " وأنتم لا تأخذونه إلا إذا أغمضتم ~~أي تساهلتم، كأن هذا المعنى عتاب للناس وتقريع. والضمير في " منه " عائد ~~على الخبيث وهو الدون والردئ. قال الجرجاني: وقال فريق آخر: الكلام متصل ~~إلى قوله " منه "، فالضمير في " منه " عائد على " ما كسبتم " ويجئ " تنفقون ~~" كأنه في موضع نصب على الحال، وهو كقولك: # أنا أخرج أجاهد في سبيل الله. # التاسعة - قوله تعالى: (ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه) أي لستم بآخذيه ~~في ديونكم وحقوقكم من الناس إلا أن تتساهلوا في ذلك وتتركوا من حقوقكم، ~~وتكرهونه ولا ترضونه. أي فلا تفعلوا مع الله مالا ترضونه لأنفسكم، قال ~~معناه البراء بن عازب وابن عباس والضحاك. وقال الحسن: معنى الآية: ولستم ~~بآخذيه ولو وجدتموه في السوق يباع إلا أن يهضم لكم من ثمنه. وروى نحوه عن ~~علي رضي الله عنه. قال ابن عطية: # وهذان القولان يشبهان كون الآية في الزكاة الواجبة. قال ابن العربي: لو ~~كانت في الفرض لما قال " ولستم بآخذيه " لان الردئ والمعيب لا يجوز أخذه في ~~الفرض بحال، لا مع تقدير الاغماض ولا مع عدمه، وإنما يؤخذ مع عدم إغماض في ~~النقل. وقال البراء بن عازب ms1166 أيضا معناه: " ولستم بآخذيه " لو أهدى لكم " ~~إلا أن تغمضوا فيه " أي تستحى من المهدى فتقبل منه ما لا حاجة لك به ولا ~~قدر له في نفسه. قال ابن عطية: وهذا يشبه كون الآية في التطوع. وقال ابن ~~زيد: ولستم بآخذي الحرام إلا أن تغمضوا في مكروهه. PageV03P326 # العاشرة - قوله تعالى: (إلا أن تغمضوا فيه) كذا قراءة الجمهور، من أغمض ~~الرجل في أمر كذا إذا تساهل فيه ورضى ببعض حقه وتجاوز، ومن ذلك قول ~~الطرماح: # لم يفتنا بالوتر قوم وللذل * أناس يرضون بالاغماض وقد يحتمل أن يكون ~~منتزعا إما من تغميض العين، لان الذي يريد الصبر على مكروه يغمض عينيه - ~~قال: # إلى كم وكم أشياء منك تريبني * أغمض عنها لست عنها بذى عمى وهذا كالاغضاء ~~عند المكروه. وقد ذكر النقاش هذا المعنى في هذه الآية - وأشار إليه مكي - ~~وإما من قول العرب: أغمض الرجل إذا أتى غامضا من الامر، كما تقول: أعمن أي ~~أتى عمان، وأعرق أي أتى العراق، وأنجد وأغور أي أتى نجدا والغور الذي هو ~~تهامة، أي فهو يطلب التأويل على أخذه. وقرأ الزهري بفتح التاء وكسر الميم ~~مخففا، وعنه أيضا. " تغمضوا " بضم التاء وفتح الغين وكسر الميم وشدها. ~~فالأولى على معنى تهضموا سومها من البائع منكم فيحطكم. والثانية، وهي قراءة ~~قتادة فيما ذكر النحاس، أي تأخذوا بنقصان. وقال أبو عمرو الداني: معنى ~~قراءتي (1) الزهري حتى تأخذوا بنقصان. وحكى مكي عن الحسن " إلا أن تغمضوا " ~~مشددة الميم مفتوحة. وقرأ قتادة أيضا " تغمضوا " بضم التاء وسكون الغين ~~وفتح الميم مخففا. قال أبو عمرو الداني: معناه إلا أن يغمض لكم، وحكاه ~~النحاس عن قتادة نفسه. وقال ابن جنى: معناها توجدوا قد غمضتم في الامر ~~بتأولكم أو بتساهلكم وجريتم على غير السابق إلى النفوس. وهذا كما تقول: ~~أحمدت الرجل وجدته محمودا، إلى غير ذلك من الأمثلة. قال ابن عطية: وقراءة ~~الجمهور تخرج على التجاوز وعلى تغميض العين، لان أغمض بمنزلة غمض. وعلى ~~أنها بمعنى حتى تأتوا غامضا من التأويل والنظر في أخذ ms1167 ذلك، إما لكونه حراما ~~على قول ابن زيد، وإما لكونه مهدى أو مأخوذا في دين على قول غيره. # PageV03P327 # وقال المهدوي: ومن قرأ " تغمضوا " فالمعنى تغمضون أعين بصائركم عن أخذه. ~~قال الجوهري: # وغمضت عن فولان إذا تساهلت عليه في بيع أو شراء وأغمضت، وقال تعالى: " ~~ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه ". يقال: اغمض لي فيما بعتني، كأنك تريد ~~الزيادة منه لرداءته والحط من ثمنه. و " أن " في موضع نصب، والتقدير إلا ~~بأن. # الحادية عشرة - قوله تعالى: (واعلموا أن الله غنى حميد) نبه سبحانه ~~وتعالى على صفة الغنى، أي لا حاجة به إلى صدقاتكم، فمن تقرب وطلب مثوبة ~~فليفعل ذلك بماله قدر وبال، فإنما يقدم لنفسه. و " حميد " معناه محمود في ~~كل حال. وقد أتينا على معاني هذين الاسمين في " الكتاب الأسنى " والحمد ~~لله. قال الزجاج في قوله: " واعلموا أن الله غنى حميد ": # أي لم يأمركم أن تصدقوا من عوز ولكنه بلا أخباركم فهو حميد على ذلك على ~~جميع نعمه. # قوله تعالى: الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه ~~وفضلا والله وسع عليم (268) فيه ثلاث مسائل: # الأولى: قوله تعالى: (الشيطان) تقدم معنى الشيطان واشتقاقه فلا معنى ~~لإعادته (1). # و " يعدكم " معناه يخوفكم " الفقر " أي بالفقر لئلا تنفقوا. فهذه الآية ~~متصلة بما قبل، وأن الشيطان له مدخل في التثبيط للانسان عن الانفاق في سبيل ~~الله، وهو مع ذلك يأمر بالفحشاء وهي المعاصي والانفاق فيها. وقيل: أي (2) ~~بأن لا تتصدقوا فتعصوا وتتقاطعوا. وقرئ " الفقر " بضم الفاء وهي لغة. قال ~~الجوهري: والفقر لغة في الفقر، مثل الضعف والضعف. # الثانية - قوله تعالى: (والله يعدكم مغفرة منه وفضلا) الوعد في كلام ~~العرب إذا أطلق فهو في الخير، وإذا قيد بالموعود ما هو فقد يقدر بالخير ~~وبالشر كالبشارة. فهذه الآية مما يقيد فيها الوعد بالمعنيين جميعا. قال ابن ~~عباس: في هذه الآية اثنتان من الله تعالى واثنتان من الشيطان. وروى الترمذي ~~عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله، صلى الله # PageV03P328 # عليه وسلم: " إن للشيطان لمة ms1168 (1) بابن آدم وللملك لمة فأما لمة الشيطان ~~فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق فمن ~~وجد ذلك فليعلم أنه من الله، ومن وجد الأخرى فليتعوذ بالله من الشيطان - ثم ~~قرأ - الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء ". # قال: هذا حديث حسن صحيح (2). ويجوز في غير القرآن " ويأمركم الفحشاء " ~~بحذف الباء، وأنشد سيبويه: # أمرتك الخير فافعل ما أمرت به * فقد تركتك ذا مال وذا نشب والمغفرة هي ~~الستر على عباده في الدنيا والآخرة. والفضل هو الرزق في الدنيا والتوسعة ~~والنعيم في الآخرة، وبكل قد وعد الله تعالى. # الثالثة - ذكر النقاش أن بعض الناس تأنس بهذه الآية في أن الفقر أفضل من ~~الغنى، لان الشيطان إنما يبعد العبد من الخير، وهو بتخويفه الفقر يبعد منه. ~~قال ابن عطية: # وليس في الآية حجة قاطعة بل المعارضة بها قوية. وروى أن في التوراة " عبد ~~ى أنفق من رزقي أبسط عليك فضلي فإن يدي مبسوطة على كل يد مبسوطة ". وفى ~~القرآن مصداقه وهو قوله: " وما أنفقتم من شئ فهو يخلفه وهو خير الرازقين ~~(3) ". ذكره ابن عباس. # (والله واسع عليم) تقدم معناه (4). والمراد هنا أنه سبحانه وتعالى يعطى ~~من سعة ويعلم حيث يضع ذلك، ويعلم الغيب والشهادة. وهما اسمان من أسمائه ~~ذكرناهما في جملة الأسماء في " الكتاب الأسنى " والحمد لله. # قوله تعالى: يؤتى الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا وما ~~يذكر إلا أولوا الألباب (269) # PageV03P329 # قوله تعالى: (يؤت الحكمة من يشاء) أي يعطيها لمن يشاء من عباده. وأختلف ~~العلماء في الحكمة هنا، فقال السدى: هي النبوة. ابن عباس: هي المعرفة ~~بالقرآن فقهه ونسخه ومحكمه ومتشابهه وغريبه ومقدمه ومؤخره. وقال قتادة ~~ومجاهد: الحكمة هي الفقه في القرآن. وقال مجاهد: الإصابة في القول والفعل. ~~وقال ابن زيد: الحكمة العقل في الدين. وقال مالك بن أنس: الحكمة المعرفة ~~بدين الله والفقه فيه والاتباع له. وروى عنه ابن القاسم أنه قال: الحكمة ~~التفكر في أمر الله والاتباع له. وقال أيضا: الحكمة طاعة الله والفقه في ms1169 ~~الدين والعمل به. وقال الربيع بن أنس: الحكمة الخشية. وقال إبراهيم النخعي: ~~الحكمة الفهم في القرآن، وقاله زيد بن أسلم. وقال الحسن: الحكمة الورع. # قلت: وهذه الأقوال كلها ما عدا قول السدى والربيع والحسن قريب بعضها من ~~بعض، لان الحكمة مصدر من الاحكام وهو الاتقان في قول أو فعل، فكل ما ذكر ~~فهو نوع من الحكمة التي هي الجنس، فكتاب الله حكمة، وسنة نبيه حكمة، وكل ما ~~ذكر من التفضيل فهو حكمة. وأصل الحكمة ما يمتنع به من السفه، فقيل للعلم ~~حكمة، لأنه يمتنع به، وبه يعلم الامتناع من السفه وهو كل فعل قبيح، وكذا ~~القرآن والعقل والفهم. وفى البخاري: " من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ~~" وقال هنا: " ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا " وكرر ذكر الحكمة ولم ~~يضمرها اعتناء بها، وتنبيها على شرفها وفضلها حسب ما تقدم بيانه عند قوله ~~تعالى: " فبدل الذين ظلموا قولا (1) ". وذكر الدارمي أبو محمد في مسنده: ~~حدثنا مروان بن محمد حدثنا رفدة الغساني قال أخبرنا ثابت بن عجلان الأنصاري ~~قال: كان يقال: # إن الله ليريد العذاب بأهل الأرض فإذا سمع تعليم المعلم الصبيان الحكمة ~~صرف ذلك عنهم. # قال مروان: يعنى بالحكمة القرآن. # قوله تعالى: (ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولو ~~الألباب) يقال: إن من أعطى الحكمة والقرآن فقد أعطى أفضل ما أعطى من جمع ~~علم كتب الأولين # PageV03P330 # من الصحف وغيرها، لأنه قال لأولئك: " وما أوتيتم من العلم إلا قليلا (1) ~~". وسمى هذا خيرا كثيرا، لان هذا هو جوامع الكلم. وقال بعض الحكماء: من ~~أعطى العلم والقرآن ينبغي أن يعرف نفسه، ولا يتواضع لأهل الدنيا لأجل ~~دنياهم، فإنما أعطى أفضل ما أعطى أصحاب الدنيا، لان الله تعالى سمى الدنيا ~~متاعا قليلا فقال: " قل متاع الدنيا قليل " وسمى العلم والقرآن " خيرا ~~كثيرا ". وقرأ الجمهور " ومن يؤت " على بناء الفعل للمفعول. وقرأ الزهري ~~ويعقوب " ومن يؤت " بكسر التاء على معنى ومن يؤت الله الحكمة، فالفاعل اسم ~~الله عز وجل. # و ms1170 " من " مفعول أول مقدم، والحكمة مفعول ثان. والألباب: العقول، واحدها ~~لب وقد تقدم (3). # قوله تعالى: وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه وما ~~للظالمين من أنصار (270) شرط وجوابه، وكانت النذور من سيرة العرب تكثر ~~منها، فذكر الله تعالى النوعين، ما يفعله المرء متبرعا، وما يفعله بعد ~~إلزامه لنفسه. وفى الآية معنى الوعد والوعيد، أي من كان خالص النية فهو ~~مثاب، ومن أنفق رياء أو لمعنى آخر مما يكسبه المن والأذى ونحو ذلك فهو ~~ظالم، يذهب فعله باطلا ولا يجد له ناصرا فيه. ومعنى " يعلمه " يحصيه، قاله ~~مجاهد. # ووحد الضمير وقد ذكر شيئين، فقال النحاس: التقدير (وما أنفقتم من نفقة) ~~فإن الله يعلمها، (أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه) ثم حذف. ويجوز أن يكون ~~التقدير: وما أنفقتم فإن الله يعلمه وتعود الهاء على " ما " كما أنشد ~~سيبويه [لامرئ القيس (4)]: # فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها * لما نسجتها من جنوب وشمال (5) ويكون " أو ~~نذرتم من نذر " معطوفا عليه. قال ابن عطية: ووحد الضمير في " يعلمه " وقد ~~ذكر شيئين من حيث أراد ما ذكر أو نص. # PageV03P331 # قلت: وهذا حسن: فإن الضمير قد يراد به جميع المذكور وإن كثر. والنذر ~~حقيقة العبارة عنه أن تقول: هو ما أوجبه المكلف على نفسه من العبادات مما ~~لو لم يوجبه لم يلزمه، تقول: نذر الرجل كذا إذا التزم فعله، ينذر (بضم ~~الذال) وينذر (بكسرها). وله أحكام يأتي بيانها في غير هذا الوضع إن شاء ~~الله تعالى (1). # قوله تعالى: إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو ~~خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون خبير (271) ذهب جمهور ~~المفسرين إلى أن هذه الآية في صدقة التطوع، لان الاخفاء فيها أفضل من ~~الاظهار، وكذلك سائر العبادات الاخفاء أفضل في تطوعها لانتفاء الرياء عنها، ~~وليس كذلك الواجبات. قال الحسن: إظهار الزكاة أحسن، وإخفاء التطوع أفضل، ~~لأنه أدل على أنه يراد الله عز وجل به وحده. قال ابن عباس: جعل الله صدقة ~~السر في ms1171 التطوع تفضل علانيتها يقال بسبعين ضعفا، وجعل صدقة الفريضة ~~علانيتها أفضل من سرها يقال بخمسة وعشرين ضعفا. قال: وكذلك جميع الفرائض ~~والنوافل في الأشياء كلها. # قلت: مثل هذا لا يقال من جهة الرأي وإنما هو توقيف، وفى صحيح مسلم عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة ~~(2) " وذلك أن الفرائض لا يدخلها رياء والنوافل عرضة لذلك. وروى النسائي عن ~~عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الذي يجهر بالقرآن ~~كالذي يجهر بالصدقة والذي يسر بالقرآن كالذي يسر بالصدقة ". وفى الحديث: " ~~صدقة السر تطفئ غضب الرب ". # قال ابن العربي: " وليس في تفضيل صدقة العلانية على السر، ولا تفضيل صدقة ~~السر على العلانية حديث صحيح ولكنه الاجماع الثابت، فأما صدقة النفل ~~فالقرآن ورد مصرحا # PageV03P332 # بأنها في السر أفضل منها في الجهر، بيد أن علماءنا قالوا: إن هذا على ~~الغالب مخرجه، والتحقيق فيه أن الحال [في الصدقة (1)] تختلف بحال المعطى ~~[لها (1)] والمعطى إياها والناس الشاهدين [لها (1)]. أما المعطى فله فيها ~~فائدة إظهار السنة وثواب القدوة. # قلت: هذا لمن قويت حاله وحسنت نيته وأمن على نفسه الرياء، وأما من ضعف عن ~~هذه المرتبة فالسر له أفضل. # وأما المعطى إياها فإن السر له أسلم من احتقار الناس له، أو نسبته إلى ~~أنه أخذها مع الغنى عنها وترك التعفف، وأما حال الناس فالسر عنهم أفضل من ~~العلانية لهم، من جهة أنهم ربما طعنوا على المعطى لها بالرياء وعلى الآخذ ~~لها بالاستغناء، ولهم فيها تحريك القلوب إلى الصدقة، لكن هذا اليوم قليل ". # وقال يزيد بن أبي حبيب: إنما نزلت هذه الآية في الصدقة على اليهود ~~والنصارى، فكان يأمر بقسم الزكاة في السر. قال ابن عطية: وهذا مردود، لا ~~سيما عند السلف الصالح، فقد قال الطبري: أجمع الناس على أن إظهار الواجب ~~أفضل. # قلت: ذكر الكيا الطبري أن في هذه الآية دلالة على قول إخفاء الصدقات ~~مطلقا أولى، وأنها حق الفقير وأنه يجوز لرب المال تفريقها ms1172 بنفسه، على ما هو ~~أحد قولي الشافعي. # وعلى القول الآخر ذكروا أن المراد بالصدقات هاهنا التطوع دون الفرض الذي ~~إظهاره أولى لئلا يلحقه تهمة، ولأجل ذلك قيل: صلاة النفل فرادى أفضل، ~~والجماعة في الفرض أبعد عن التهمة. وقال المهدوي: المراد بالآية فرض الزكاة ~~وما تطوع به، فكان الاخفاء أفضل في مدة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ساءت ~~ظنون الناس بعد ذلك، فاستحسن العلماء (2) إظهار الفرائض لئلا يظن بأحد ~~المنع. قال ابن عطية: وهذا القول مخالف للآثار، ويشبه في زماننا أن يحسن ~~التستر بصدقة الفرض، فقد كثر المانع لها وصار إخراجها عرضة للرياء. وقال ~~ابن خويز منداد: وقد يجوز أن يراد بالآية الواجبات من الزكاة والتطوع، لأنه ~~ذكر الاخفاء # PageV03P333 # ومدحه والاظهار ومدحه، فيجوز أن يتوجه إليهما جميعا. وقال النقاش: إن هذه ~~الآية نسخها قوله تعالى: " الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا ~~وعلانية " الآية. # قوله تعالى: (فنعما هي) ثناء على إبداء الصدقة، ثم حكم على أن الاخفاء ~~خير من ذلك. ولذلك قال بعض الحكماء: إذا اصطنعت المعروف فاستره، وإذا اصطنع ~~إليك فانشره. قال دعبل الخزاعي: # إذا انتقموا أعلنوا أمرهم * وإن أنعموا أنعموا باكتتام وقال سهل بن ~~هارون: # خل إذا جئته يوما لتسأله * أعطاك ما ملكت كفاه واعتذرا يخفى صنائعه والله ~~يظهرها * إن الجميل إذا أخفيته ظهرا وقال العباس بن عبد المطلب رضي الله ~~عنه: لا يتم المعروف إلا بثلاث خصال: # تعجيله وتصغيره وستره، فإذا أعجلته هنيته، وإذا صغرته عظمته، وإذا سترته ~~أتممته. وقال بعض الشعراء فأحسن: # زاد معروفك عندي عظما * أنه عندك مستور حقير تتناساه كأن لم تأته * وهو ~~عند الناس مشهور خطير واختلف القراء في قوله " فنعما هي " فقرأ أبو عمرو ~~ونافع في رواية ورش وعاصم في رواية حفص وابن كثير " فنعما هي " بكسر النون ~~والعين. وقرأ أبو عمرو أيضا ونافع في غير رواية ورش وعاصم في رواية أبى بكر ~~والمفضل " فنعما " بكسر النون وسكون العين. # وقرأ الأعمش وابن عامر وحمزة والكسائي " فنعما " بفتح النون وكسر العين، ~~وكلهم سكن الميم. ms1173 ويجوز في غير القرآن فنعم ما هي. قال النحاس: ولكنه في ~~السواد متصل فلزم الادغام. وحكى النحويون في " نعم " أربع لغات: نعم الرجل ~~زيد، هذا الأصل. ونعم الرجل، بكسر النون لكسر العين. ونعم الرجل، بفتح ~~النون وسكون العين، والأصل نعم حذفت الكسرة لأنها ثقيلة. ونعم الرجل، وهذا ~~أفصح اللغات، والأصل فيها نعم. وهي تقع في كل مدح، فخففت وقلبت كسرة العين ~~على النون وأسكنت العين، فمن قرأ " فنعما هي " فله تقديران: أحدهما أن يكون ~~جاء به على لغة من يقول نعم. والتقدير الآخر أن يكون على PageV03P334 # اللغة الجيدة، فيكون الأصل نعم، ثم كسرت العين لالتقاء الساكنين. قال ~~النحاس: فأما الذي حكى عن أبي عمرو ونافع من إسكان العين فمحال. حكى عن ~~محمد بن يزيد أنه قال: # أما إسكان العين والميم مشددة فلا يقدر أحد أن ينطق به، وإنما يروم الجمع ~~بين ساكنين ويحرك ولا يأبه (1). وقال أبو على: من قرأ بسكون العين لم يستقم ~~قوله، لأنه جمع بين ساكنين الأول منهما ليس بحرف مد ولين وإنما يجوز ذلك ~~عند النحويين إذا كان الأول حرف مد، إذ المد يصير عوضا من الحركة، وهذا نحو ~~دابة وضوال ونحوه. ولعل أبا عمرو أخفى الحركة واختلسها كأخذه بالاخفاء في " ~~بارئكم - و - يأمركم " فظن السامع الاخفاء إسكانا للطف ذلك في السمع ~~وخفائه. قال أبو على: وأما من قرأ " نعما " بفتح النون وكسر العين فإنما ~~جاء بالكلمة على أصلها ومنه قول الشاعر: # ما أقلت قدماي (2) إنهم * نعم الساعون في الامر المبر قال أبو على: و " ~~ما " من قوله تعالى: " نعما " في موضع نصب، وقوله " هي " تفسير للفاعل ~~المضمر قبل الذكر، والتقدير نعم شيئا إبداؤها، والابداء هو المخصوص بالمدح ~~إلا أن المضاف حذف وأقيم المضاف إليه مقامه. ويدلك على هذا قوله " فهو خير ~~لكم " أي الاخفاء خير. فكما أن الضمير هنا للاخفاء لا للصدقات فكذلك، أولا ~~الفاعل هو الابداء وهو الذي اتصل به الضمير، فحذف الابداء وأقيم ضمير ~~الصدقات مثله. (وإن تخفوها) شرط، فلذلك حذفت النون. (وتؤتوها) ms1174 عطف عليه. ~~والجواب (فهو خير لكم). (ويكفر) اختلف القراء في قراءته، فقرأ أبو عمرو ~~وابن كثير وعاصم في رواية أبى بكر وقتادة وابن أبي إسحاق " ونكفر " بالنون ~~ورفع الراء. وقرأ [نافع (3)] وحمزة والكسائي بالنون والجزم في الراء، وروى ~~مثل ذلك أيضا عن عاصم. وروى الحسين بن علي الجعفي عن الأعمش " يكفر " بنصب ~~الراء. وقرأ ابن عامر بالياء ورفع الراء، ورواه حفص عن عاصم، وكذلك روى عن ~~الحسن، وروى عنه بالياء والجزم. وقرأ ابن عباس " وتكفر " بالتاء وكسر الفاء ~~وجزم الراء. وقرأ # PageV03P335 # عكرمة " وتكفر " بالتاء وفتح الفاء وجزم الراء. وحكى المهدوي عن ابن هرمز ~~أنه قرأ " وتكفر " بالتاء ورفع الراء. وحكى عن عكرمة وشهر بن حوشب أنهما ~~قرآ ابتاء ونصب الراء. فهذه تسع قراءات أبينها " ونكفر " بالنون والرفع. ~~هذا قول الخليل وسيبويه. قال النحاس: قال سيبويه: والرفع ها هنا الوجه وهو ~~الجيد، لان الكلام الذي بعد الفاء يجرى مجراه في غير الجزاء. وأجاز الجزم ~~بحمله على المعنى، لان المعنى وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء يكن خيرا لكم ~~ونكفر عنكم. وقال أبو حاتم: قرأ الأعمش " يكفر " بالياء دون واو قبلها. # قال النحاس: والذي حكاه أبو حاتم عن الأعمش بغير واو جزما يكون على البدل ~~كأنه في موضع الفاء. والذي روى عن عاصم " ويكفر " بالياء والرفع يكون معناه ~~ويكفر الله، هذا قول أبى عبيد. وقال أبو حاتم: معناه يكفر الاعطاء. وقرأ ~~ابن عباس " وتكفر " يكون معناه وتكفر الصدقات. وبالجملة فما كان من هذه ~~القراءات بالنون فهي نون العظمة، وما كان منها بالتاء فهي الصدقة فاعلمه، ~~إلا ما روى عن عكرمة من فتح الفاء فإن التاء في تلك القراءة إنما هي ~~للسيئات، وما كان منها بالياء فالله تعالى هو المكفر، والاعطاء في خفاء ~~مكفر أيضا كما ذكرنا، وحكاه مكي. وأما رفع الراء فهو على وجهين: أحدهما أن ~~يكون الفعل خبر ابتداء تقديره ونحن نكفر أو وهي تكفر، أعني الصدقة، أو ~~والله يكفر. # والثاني القطع والاستئناف لا تكون الواو العاطفة للاشتراك لكن تعطف جملة ~~كلام على ms1175 جملة. # وقد ذكرنا معنى قراءة الجزم. فأما نصب " ونكفر " فضعيف وهو على إضمار أن ~~وجاز على بعد. قال المهدوي: وهو مشبه بالنصب في جواب الاستفهام، إذ الجزاء ~~يجب به الشئ لوجوب غيره كالاستفهام. والجزم في الراء أفصح هذه القراءات، ~~لأنها تؤذن بدخول التكفير في الجزاء وكونه مشروطا إن وقع الاخفاء. وأما ~~الرفع فليس فيه هذا المعنى. # قلت: هذا خلاف ما اختاره الخليل وسيبويه. و " من " في قوله (من سيئاتكم) ~~للتبعيض المحض. وحكى الطبري عن فرقة أنها زائدة. قال ابن عطية: وذلك منهم ~~خطأ. # (والله بما تعملون خبير) وعد ووعيد. PageV03P336 # قوله تعالى: ليس عليك هدهم ولكن الله يهدى من يشاء وما تنفقوا من خير ~~فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله وما تنفقوا من خير يوف إليكم ~~وأنتم لا تظلمون (272) قوله تعالى: (ليس عليك هداهم ولكن الله يهدى من ~~يشاء) فيه ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (ليس عليك هداهم) هذا الكلام متصل بذكر الصدقات، ~~فكأنه بين فيه جواز الصدقة على المشركين. روى سعيد بن جبير مرسلا عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم في سبب نزول هذه الآية أن المسلمين كانوا يتصدقون على ~~فقراء أهل الذمة، فلما كثر فقراء المسلمين قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " لا تتصدقوا إلا على أهل دينكم ". # فنزلت هذه الآية مبيحة للصدقة على من ليس من دين الاسلام. وذكر النقاش أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أتى بصدقات فجاءه يهودي فقال: أعطني. فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: # " ليس لك من صدقة المسلمين شئ ". فذهب اليهودي غير بعيد فنزلت: " ليس ~~عليك هداهم " فدعاه (1) رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه، ثم نسخ الله ~~ذلك بآية الصدقات. # وروى ابن عباس أنه قال: كان ناس من الأنصار لهم قرابات من بني قريظة ~~والنضير، وكانوا لا يتصدقون عليهم رغبة منهم في أن يسلموا إذا احتاجوا، ~~فنزلت الآية بسبب أولئك. # وحكى بعض المفسرين أن أسماء ابنة أبى بكر الصديق أرادت أن تصل جدها أبا ~~قحافة ثم امتنعت من ذلك لكونه ms1176 كافرا فنزلت الآية في ذلك. وحكى الطبري أن ~~مقصد النبي صلى الله عليه وسلم بمنع الصدقة إنما كان ليسلموا ويدخلوا في ~~الدين، فقال الله تعالى: " ليس عليك هداهم ". وقيل: " ليس عليك هداهم " ~~[ليس متصلا (2)] بما قبل، فيكون ظاهرا في الصدقات وصرفها إلى الكفار، بل ~~يحتمل أن يكون معناه ابتداء كلام. # الثانية - قال علماؤنا: هذه الصدقة التي أبيحت لهم حسب ما تضمنته هذه ~~الآثار هي صدقة التطوع. وأما المفروضة فلا يجزئ دفعها لكافر، لقوله عليه ~~السلام: " أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها في فقرائكم ". قال ابن ~~المنذر: أجمع [كل (3)] من أحفظ عنه # PageV03P337 # من أهل العلم أن الذمي لا يعطى من زكاة الأموال شيئا، ثم ذكر جماعة ممن ~~نص على ذلك ولم يذكر خلافا. وقال المهدوي: رخص للمسلمين أن يعطوا المشركين ~~من قراباتهم من صدقة الفريضة لهذه الآية. قال ابن عطية: وهذا مردود ~~بالاجماع. والله أعلم. وقال أبو حنيفة: تصرف إليهم زكاة الفطر. ابن العربي: ~~وهذا ضعيف لا أصل له. ودليلنا أنها صدقة طهرة واجبة فلا تصرف إلى الكافر ~~كصدقة الماشية والعين، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " أغنوهم عن سؤال ~~هذا اليوم " يعنى يوم الفطر. # قلت: وذلك لتشاغلهم بالعيد وصلاة العيد وهذا لا يتحقق في المشركين. وقد ~~يجوز صرفها إلى غير المسلم في قول من جعلها سنة، وهو أحد القولين عندنا، ~~وهو قول أبي حنيفة على ما ذكرنا، نظرا إلى عموم الآية في البر وإطعام ~~الطعام وإطلاق الصدقات. قال ابن عطية: وهذا الحكم متصور للمسلمين مع (1) ~~أهل ذمتهم ومع المسترقين من الحربيين. # قلت: وفى التنزيل " ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا (2) " ~~والأسير في دار الاسلام لا يكون إلا مشركا. وقال تعالى: " لا ينهاكم الله ~~عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا ~~إليهم (3) ". فظواهر هذه الآيات تقتضي جواز صرف الصدقات إليهم جملة، إلا أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم خص منها الزكاة المفروضة، لقوله عليه السلام ~~لمعاذ: " خذ الصدقة من أغنيائهم وردها على ms1177 فقرائهم " واتفق العلماء علن ذلك ~~على ما تقدم. فيدفع إليهم من صدقة التطوع إذا احتاجوا، والله أعلم. قال ابن ~~العربي: # فأما المسلم العاصي فلا خلاف أن صدقة الفطر تصرف إليه إلا إذا كان يترك ~~أركان الاسلام من الصلاة والصيام فلا تدفع إليه الصدقة حتى يتوب. وسائر أهل ~~المعاصي تصرف الصدقة إلى مرتكبيها لدخولهم في اسم المسلمين. وفى صحيح مسلم ~~أن رجلا تصدق على غنى وسارق وزانية وتقبلت صدقته، على ما يأتي بيانه في آية ~~الصدقات (4). # الثالثة - قوله تعالى: (ولكن الله يهدى من يشاء) أي يرشد من يشاء. وفى ~~هذا رد على القدرية وطوائف من المعتزلة، كما تقدم. # PageV03P338 # قوله تعالى: (وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغاء وجه ~~الله) شرط وجوابه. والخير في هذه الآية المال، لأنه قد اقترن بذكر الانفاق، ~~فهذه القرينة تدل على أنه المال، ومتى لم تقترن بما يدل على أنه المال فلا ~~يلزم أن يكون بمعنى المال، نحو قوله تعالى: " خير مستقرا (1) " وقوله: " ~~مثقال ذرة خيرا يره (2) ". إلى غير ذلك. وهذا تحرز من قول عكرمة: كل خير في ~~كتاب الله تعالى فهو المال. وحكى أن بعض العلماء كان يصنع كثيرا من المعروف ~~ثم يحلف أنه ما فعل مع أحد خيرا، فقيل له في ذلك فيقول: إنما فعلت مع نفسي، ~~ويتلو " وما تنفقوا من خير فلأنفسكم ". ثم بين تعالى أن النفقة المعتد ~~بقبولها إنما هي ما كان ابتغاء وجهه. و " ابتغاء " هو على المفعول له (3). ~~وقيل: إنه شهادة من الله تعالى للصحابة رضي الله عنهم أنهم إنما ينفقون ~~ابتغاء وجهه، فهذا خرج مخرج التفضيل والثناء عليهم. وعلى التأويل الأول هو ~~اشتراط عليهم، ويتناول الاشتراط غيرهم من الأمة. قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص: " إنك لن تنفق نفقة تبتغى بها وجه الله تعالى ~~إلا أجرت بها حتى ما تجعل في في امرأتك (4) ". # قوله تعالى: (وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون) " يوف إليكم ~~" تأكيد وبيان لقوله: " وما تنفقوا من خير ms1178 فلأنفسكم " وأن ثواب الانفاق ~~يوفى إلى المنفقين ولا يبخسون منه شيئا فيكون ذلك البخس ظلما لهم. # قوله تعالى: للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في ~~الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسئلون الناس ~~إلحافا وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم (273) فيه عشر مسائل: الأولى - ~~قوله تعالى: (للفقراء) اللام متعلقة بقوله " وما تنفقوا من خير " وقيل: # بمحذوف تقديره الانفاق أو الصدقة للفقراء. قال السدى ومجاهد وغيرهما: ~~المراد بهؤلاء # PageV03P339 # الفقراء فقراء المهاجرين من قريش وغيرهم، ثم تتناول الآية كل من دخل تحت ~~صفة الفقراء غابر الدهر. وإنما خص فقراء المهاجرين بالذكر لأنه لم يكن هناك ~~سواهم وهم أهل الصفة وكانوا نحوا من أربعمائة رجل، وذلك أنهم كانوا يقدمون ~~فقراء على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما لهم أهل ولا مال فبنيت لهم ~~صفة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقيل لهم: أهل الصفة. قال أبو ~~ذر: كنت من أهل الصفة وكنا إذا أمسينا حضرنا باب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فيأمر كل رجل فينصرف برجل ويبقى من بقى من أهل الصفة عشرة أو أقل ~~فيؤتى النبي صلى الله عليه وسلم بعشائه ونتعشى معه. فإذا فرغنا قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " ناموا في المسجد ". وخرج الترمذي عن البراء بن ~~عازب " ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون " قال: نزلت فينا معشر الأنصار كنا ~~أصحاب نخل، قال: # فكان الرجل يأتي من نخله على قدر كثرته وقلته، وكان الرجل يأتي بالقنو ~~والقنوين فيعلقه في المسجد، وكان أهل الصفة ليس لهم طعام، فكان أحدهم إذا ~~جاع أتى القنو فيضربه بعصاه فيسقط من البسر والتمر فيأكل، وكان ناس ممن لا ~~يرغب في الخير يأتي بالقنو فيه الشيص والحشف، وبالقنو قد انكسر فيعلقه في ~~المسجد، فأنزل الله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ~~ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا ~~أن تغمضوا فيه ". قال: ولو أن ms1179 أحدكم أهدى إليه مثل ما أعطاه لم يأخذه إلا ~~على إغماض وحياء. قال: فكنا بعد ذلك يأتي الرجل بصالح ما عنده. # قال: هذا حديث حسن غريب صحيح. قال علماؤنا: وكانوا رضي الله عنهم في ~~المسجد ضرورة، وأكلوا من الصدقة ضرورة، فلما فتح الله على المسلمين استغنوا ~~عن تلك الحال وخرجوا ثم ملكوا وتأمروا. ثم بين الله سبحانه من أحوال أولئك ~~الفقراء المهاجرين ما يوجب الحنو عليهم بقوله تعالى: (الذين أحصروا في سبيل ~~الله) والمعنى حبسوا ومنعوا. قال قتادة وابن زيد: معنى " أحصروا في سبيل ~~الله " حبسوا أنفسهم عن التصرف في معايشهم خوف العدو، ولهذا قال تعالى: (لا ~~يستطيعون ضربا في الأرض) لكون البلاد كلها كفرا مطبقا. PageV03P340 # وهذا في صدر الاسلام، فعلتهم (1) تمنع من الاكتساب بالجهاد، وإنكار ~~الكفار عليهم إسلامهم يمنع من التصرف في التجارة فبقوا فقراء. وقيل: معنى " ~~لا يستطيعون ضربا في الأرض " أي لما قد ألزموا أنفسهم من الجهاد. والأول ~~أظهر. والله أعلم. # الثانية - قوله تعالى: (يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف) أي أنهم من ~~الانقباض وترك المسألة والتوكل على الله بحيث يظنهم الجاهل بهم أغنياء. ~~وفيه دليل على أن اسم الفقر يجوز أن يطلق على من له كسوة ذات قيمة ولا يمنع ~~ذلك من إعطاء الزكاة إليه. وقد أمر الله تعالى بإعطاء هؤلاء القوم، وكانوا ~~من المهاجرين الذين يقاتلون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مرضى ولا ~~عميان. والتعفف تفعل، وهو بناء مبالغة من عف عن الشئ إذا أمسك عنه وتنزه عن ~~طلبه، وبهذا المعنى فسر قتادة وغيره. وفتح السين وكسرها في " يحسبهم " ~~لغتان. # قال أبو على: والفتح أقيس، لان العين من الماضي مكسورة فبابها أن تأتى في ~~المضارع مفتوحة. والقراءة بالكسر حسنة، لمجئ السمع به وإن كان شاذا عن ~~القياس. و " من " في قوله " من التعفف " لابتداء الغاية. وقيل لبيان الجنس. # الثالثة - قوله تعالى: (تعرفهم بسيماهم) فيه دليل على أن للسيما أثرا في ~~اعتبار من يظهر عليه ذلك، حتى إذا رأينا ميتا في دار الاسلام وعليه ms1180 زنار ~~(2) وهو غير مختون لا يدفن في مقابر المسلمين، ويقدم ذلك على حكم الدار في ~~قول أكثر العلماء، ومنه قوله تعالى: " ولتعرفنهم في لحن القول (3) ". فدلت ~~الآية على جواز صرف الصدقة إلى من له ثياب وكسوة وزى (4) في التجمل. واتفق ~~العلماء على ذلك، وإن اختلفوا بعده في مقدار ما يأخذه إذا احتاج. # فأبو حنيفة اعتبر مقدار ما تجب فيه الزكاة، والشافعي اعتبر قوت سنة، ~~ومالك اعتبر أربعين درهما، والشافعي لا يصرف الزكاة إلى المكتسب. # والسيما (مقصورة): العلامة، وقد تمد فيقال السيماء. وقد اختلف العلماء في ~~تعيينها هنا، فقال مجاهد: هي الخشوع والتواضع. السدى: أثر الفاقة والحاجة ~~في وجوههم وقلة # PageV03P341 # النعمة. ابن زيد: رثاثة ثيابهم. وقال قوم وحكاه مكي: أثر السجود. ابن ~~عطية: # وهذا حسن، وذلك لأنهم كانوا متفرغين متوكلين لا شغل في الأغلب إلا ~~الصلاة، فكان أثر السجود عليهم. # قلت: وهذه السيما التي هي أثر السجود اشترك فيها جميع الصحابة رضوان الله ~~عليهم بإخبار الله تعالى في آخر " الفتح " بقوله: " سيماهم في وجوههم من ~~أثر السجود (1) " فلا فرق بينهم وبين غيرهم، فلم يبق إلا أن تكون السيماء ~~أثر الخصاصة والحاجة، أو يكون أثر السجود أكثر، فكانوا يعرفون بصفرة الوجوه ~~من قيام الليل وصوم النهار. والله أعلم. وأما الخشوع فذلك محله القلب ~~ويشترك فيه الغنى والفقير، فلم يبق إلا ما اخترناه، والموفق الاله. # الرابعة - قوله تعالى: (لا يسألون الناس إلحافا) مصدر في موضع الحال، أي ~~ملحفين، يقال: ألحف وأحفى وألح في المسألة سواء، ويقال: # * وليس للملحف مثل الرد (2) * واشتقاق الالحاف من اللحاف، سمى بذلك ~~لاشتماله على وجوه الطلب في المسألة كاشتمال اللحاف من التغطية، أي هذا ~~السائل يعم الناس بسؤاله فيلحفهم ذلك، ومنه قول ابن أحمر: # فظل يحفهن بقفقفيه (3) * ويلحفهن هفهافا ثخينا يصف ذكر النعام يحضن بيضا ~~بجناحيه ويجعل جناحه لها كاللحاف وهو رقيق مع ثخنه. # وروى النسائي ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ~~ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان واللقمة واللقمتان إنما المسكين ~~المتعفف ms1181 اقرؤوا إن شئتم " لا يسألون الناس إلحافا ". # الخامسة - واختلف العلماء في معنى قول " لا يسألون الناس إلحافا " على ~~قولين، فقال قوم منهم الطبري والزجاج: إن المعنى لا يسألون البتة، وهذا على ~~أنهم متعففون عن # PageV03P342 # المسألة عفة تامة، وعلى هذا جمهور المفسرين، ويكون التعفف صفة ثابتة لهم، ~~أي لا يسألون الناس إلحاحا ولا غير إلحاح. وقال قوم: إن المراد نفى ~~الالحاف، أي إنهم يسألون غير إلحاف، وهذا هو السابق للفهم، أي يسألون غير ~~ملحفين. وفى هذا تنبيه على سوء حالة من يسأل الناس إلحافا. روى الأئمة ~~واللفظ لمسلم عن معاوية بن أبي سفيان قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " لا تلحفوا في المسألة فوالله لا يسألني أحد منكم شيئا فتخرج له ~~مسألته منى شيئا وأنا له كاره فيبارك له فيما أعطيته ". وفى الموطأ " عن ~~زيد بن أسلم عن عطاء ابن يسار عن رجل من بنى أسد أنه قال: نزلت أنا وأهلي ~~ببقيع الغرقد (1) فقال لي أهلي: # أذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسأله لنا شيئا نأكله، وجعلوا ~~يذكرون من حاجتهم، فذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدت عنده رجلا ~~يسأله ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لا أجد ما أعطيك " فتولى ~~الرجل عنه وهو مغضب وهو يقول: لعمري إنك لتعطى من شئت! فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " إنه يغضب على ألا أجد ما أعطيه من سأل منكم وله أوقية أو ~~عدلها فقد سأل إلحافا (2) ". قال الأسدي: فقلت للقحة (3) لنا خير من أوقية ~~- قال مالك: والأوقية أربعون درهما - قال: فرجعت ولم أسأله، فقدم على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك بشعير وزبيب (4) فقسم لنا منه حتى أغنانا ~~الله ". # قال ابن عبد البر: هكذا رواه مالك وتابعه هشام بن سعد وغيره، وهو حديث ~~صحيح، وليس حكم الصحابي (5) إذا لم يسم كحكم من دونه إذا لم يسم عند ~~العلماء، لارتفاع الجرحة عن جميعهم وثبوت العدالة لهم. وهذا الحديث يدل على ~~أن السؤال مكروه ms1182 لمن له أوقية من فضة، فمن سأل وله هذا الحد والعدد والقدر ~~من الفضة أو ما يقوم مقامها ويكون عدلا منها فهو ملحف، وما علمت أحدا من ~~أهل العلم إلا وهو يكره السؤال لمن له هذا المقدار من الفضة أو عدلها من ~~الذهب على ظاهر هذا الحديث. وما جاءه من غير مسألة فجائز له أن يأكله # PageV03P343 # إن كان من غير الزكاة، وهذا مما لا أعلم فيه خلافا، فإن كان من الزكاة ~~ففيه خلاف يأتي بيانه في آية الصدقات (1) إن شاء الله تعالى. # السادسة - قال ابن عبد البر: من أحسن ما روى من أجوبة الفقهاء في معاني ~~السؤال وكراهيته ومذهب أهل الورع فيه ما حكاه الأثرم عن أحمد بن حنبل وقد ~~سئل عن المسألة متى تحل قال: إذا لم يكن عنده ما يغذيه ويعشيه على حديث سهل ~~بن الحنظلية. # قيل لأبي عبد الله: فإن اضطر إلى المسألة؟ قال: هي مباحة له إذا اضطر. ~~قيل له: فإن تعفف؟ قال: ذلك خير له. ثم قال: ما أظن أحدا يموت من الجوع! ~~الله يأتيه برزقه. # ثم ذكر حديث أبي سعيد الخدري " من استعف أعفه الله ". وحديث أبي ذر عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال له: " تعفف ". قال أبو بكر: وسمعته يسأل عن ~~الرجل لا يجد شيئا أيسأل الناس أم يأكل الميتة؟ فقال: أيأكل الميتة وهو يجد ~~من يسأله، هذا شنيع. قال: وسمعته يسأله هل يسأل الرجل لغيره؟ قال لا، ولكن ~~يعرض، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم حين جاءه قوم حفاة عراة مجتابي (2) ~~النمار فقال: " تصدقوا " ولم يقل أعطوهم. قال أبو عمر: # قد قال النبي صلى الله عليه وسلم " اشفعوا تؤجروا ". وفيه إطلاق السؤال ~~لغيره. والله أعلم. # وقال: " ألا رجل يتصدق على هذا "؟ قال أبو بكر: قل له - يعنى أحمد بن ~~حنبل - فالرجل يذكر الرجل فيقول: إنه محتاج؟ فقال: هذا تعريض وليس به بأس، ~~إنما المسألة أن يقول أعطه. ثم قال: لا يعجبني أن يسأل المرء لنفسه فكيف ~~لغيره؟ والتعريض هنا أحب ms1183 إلى. # قلت: قد روى أبو داود والنسائي وغيرهما أن الفراسي (3) قال لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: أسأل يا رسول الله؟ قال: " لا وإن كنت سائلا لابد ~~فاسأل الصالحين ". فأباح صلى الله عليه وسلم سؤال أهل الفضل والصلاح عند ~~الحاجة إلى ذلك، وإن أوقع حاجته # PageV03P344 # بالله فهو أعلى. قال إبراهيم بن أدهم: سؤال الحاجات من الناس هي الحجاب ~~بينك وبين الله تعالى، فأنزل حاجتك بمن يملك الضر والنفع، وليكن مفزعك إلى ~~الله تعالى يكفيك الله ما سواه وتعيش مسرورا. # السابعة - فإن جاءه شئ من غير سؤال فله أن يقبله ولا يرده، إذ هو رزق ~~رزقه الله. روى مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أرسل إلى عمر بن الخطاب بعطاء فرده، فقال له رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " لم رددته "؟ # فقال: يا رسول الله، أليس أخبرتنا أن أحدنا خير له ألا يأخذ شيئا؟ فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنما ذاك عن المسألة فأما ما كان من غير ~~مسألة فإنما هو رزق رزقكه الله ". فقال عمر بن الخطاب: والذي نفسي بيده لا ~~أسأل أحدا شيئا ولا يأتيني بشئ من غير مسألة إلا أخذته. وهذا نص. وخرج مسلم ~~في صحيحه والنسائي في سننه وغيرهما عن ابن عمر قال سمعت عمر يقول: كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يعطيني العطاء فأقول: أعطه أفقر إليه منى، حتى ~~أعطاني مرة مالا فقلت: أعطه أفقر إليه منى، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " خذه وما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه ومالا فلا ~~تتبعه نفسك ". # زاد النسائي - بعد قوله " خذه - فتموله أو تصدق به ". وروى مسلم من حديث ~~عبد الله ابن السعدي المالكي عن عمر فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~" إذا أعطيت شيئا من غير أن تسأل فكل وتصدق ". وهذا يصحح لك حديث مالك ~~المرسل. قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يسأل عن ms1184 قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم: " ما أتاك من غير مسألة ولا إشراف " أي الاشراف أراد؟ ~~فقال: أن تستشرفه وتقول: لعله يبعث إلى بقلبك. قيل له: # وإن لم يتعرض، قال نعم إنما هو بالقلب. قيل له: هذا شديد! قال: وإن كان ~~شديدا فهو هكذا. قيل له: فإن كان الرجل لم يعودني أن يرسل إلى شيئا إلا أنه ~~قد عرض بقلبي فقلت: # عسى أن يبعث إلى. قال: هذا إشراف، فأما إذا جاءك من غير أن تحتسبه ولا ~~خطر على قلبك فهذا الآن ليس فيه إشراف. قال أبو عمر: الاشراف في اللغة رفع ~~الرأس إلى المطموع PageV03P345 # عنده والمطموع فيه، وأن يهش الانسان ويتعرض. وما قاله أحمد في تأويل ~~الاشراف تضييق وتشديد وهو عندي بعيد، لان الله عز وجل تجاوز لهذه الأمة عما ~~حدثت به أنفسها ما لم ينطق به لسان أو تعمله جارحة. وأما ما اعتقده القلب ~~من المعاصي ما خلا الكفر فليس بشئ حتى يعمل له، وخطرات النفس متجاوز عنها ~~بإجماع. # الثامنة - الالحاح في المسألة والالحاف فيها مع الغنى عنها حرام لا يحل. ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من سأل الناس أموالهم تكثرا فإنما ~~يسأل جمرا فليستقل أو ليستكثر " رواه أبو هريرة خرجه مسلم. وعن ابن عمر أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله ~~وليس في وجهه مزعة (1) لحم " رواه مسلم أيضا. # التاسعة - السائل إذا كان محتاجا فلا بأس أن يكرر المسألة ثلاثا إعذارا ~~وإنذارا والأفضل تركه. فإن كان المسؤول يعلم بذلك وهو قادر على ما سأله وجب ~~عليه الاعطاء، وإن كان جاهلا به فيعطيه مخافة أن يكون صادقا في سؤاله فلا ~~يفلح في رده. # العاشرة - فإن كان محتاجا إلى ما يقيم به سنة كالتجمل بثوب يلبسه في ~~العيد والجمعة فذكر ابن العربي: " سمعت بجامع الخليفة ببغداد رجلا يقول: ~~هذا أخوكم يحضر الجمعة معكم وليس عنده ثياب يقيم بها سنة الجمعة. فلما كان ~~في الجمعة الأخرى رأيت عليه ثيابا أخر، فقيل لي: ms1185 كساه إياها أبو الطاهر ~~البرسني أخذ الثناء (2) ". # قوله تعالى: الذين ينفقون أموالهم باليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم ~~عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (274) فيه مسألة واحدة: # روى عن ابن عباس وأبي ذر وأبى أمامة وأبى الدرداء وعبد الله بن بشر ~~الغافقي والأوزاعي أنها نزلت في علف الخيل المربوطة في سبيل الله. وذكر ابن ~~سعد في الطبقات قال: أخبرت عن محمد بن شعيب بن شابور قال أنبأنا سعيد بن ~~سنان عن يزيد بن عبد الله بن عريب عن # PageV03P346 # أبيه عن جده عريب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن قوله تعالى: " ~~الذين ينفقون أموالهم باليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون " قال: " هم أصحاب الخيل ". وبهذا الاسناد قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " المنفق على الخيل كباسط يده بالصدقة لا ~~يقبضها وأبو الها وأرواثها [عند الله (1)] يوم القيامة كذكى المسك ". # وروى عن ابن عباس أنه قال: نزلت في علي بن أبي طالب رضي الله عنه، كانت ~~معه أربعة دراهم فتصدق بدرهم ليلا وبدرهم نهارا وبدرهم سرا وبدرهم جهرا، ~~ذكره عبد الرزاق قال: # أخبرنا عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه عن ابن عباس. ابن جريج: نزلت في رجل ~~فعل ذلك، ولم يسم عليا ولا غيره. وقال قتادة. هذه الآية نزلت في المنفقين ~~من غير تبذير ولا تقتير. # ومعنى " بالليل والنهار " في الليل والنهار، ودخلت الفاء في قوله تعالى: ~~" فلهم " لان في الكلام معنى الجزاء. وقد تقدم. ولا يجوز زيد فمنطلق. # قوله تعالى: الذين يأكلون الربوا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه ~~الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربوا وأحل الله البيع ~~وحرم الربوا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن ~~عاد فأولئك أصحب النار هم فيها خلدون (275) يمحق الله الربوا ويربي الصدقات ~~والله لا يحب كل كفار أثيم (276) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة لهم ms1186 أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (277) ~~يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقى من الربوا إن كنتم مؤمنين ~~(278) فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس ~~أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون (279) # PageV03P347 # الآيات الثلاث (1) تضمنت أحكام الربا وجواز عقود المبايعات، والوعيد لمن ~~استحل الربا وأصر على فعله. وفى ذلك ثمان وثلاثون مسألة: # الأولى - قوله تعالى: (الذين يأكلون الربا) يأكلون يأخذون، فعبر عن الاخذ ~~بالاكل، لان الاخذ إنما يراد للاكل. والربا في اللغة الزيادة مطلقا، يقال: ~~ربا الشئ يربو إذا زاد، ومنه الحديث: " فلا والله ما أخذنا من لقمة إلا ربا ~~من تحتها " يعنى الطعام الذي دعا فيه النبي صلى الله عليه وسلم بالبركة، ~~خرج الحديث مسلم رحمه الله. وقياس كتابته بالياء للكسرة (2) في أوله، وقد ~~كتبوه في القرآن بالواو. ثم إن الشرع قد تصرف في هذا الاطلاق فقصره على بعض ~~موارده، فمرة أطلقه على كسب الحرام، كما قال الله تعالى في اليهود: " ~~وأخذهم الربا وقد نهوا عنه (3) ". ولم يرد به الربا الشرعي الذي حكم ~~بتحريمه علينا وإنما أراد المال الحرام، كما قال تعالى: " سماعون للكذب ~~أكالون للسحت (3) " يعنى به المال الحرام من الرشا، وما استحلوه من أموال ~~الأميين حيث قالوا: " ليس علينا في الأميين سبيل (4) ". وعلى هذا فيدخل فيه ~~النهي عن كل مال حرام بأي وجه اكتسب. والربا الذي عليه عرف الشرع شيئان: ~~تحريم النساء، والتفاضل في العقود (5) وفى المطعومات على ما نبينه. وغالبه ~~ما كانت العرب تفعله، من قولها للغريم: أتقضى أم تربى؟ فكان الغريم يزيد في ~~عدد المال ويصبر الطالب عليه. وهذا كله محرم باتفاق الأمة. # الثانية - أكثر البيوع الممنوعة إنما تجد منعها لمعنى زيادة إما في عين ~~مال، وإما في منفعة لأحدهما من تأخير ونحوه. ومن البيوع ما ليس فيه معنى ~~الزيادة، كبيع الثمرة قبل بدو صلاحها، وكالبيع ساعة النداء يوم الجمعة، فإن ~~قيل لفاعلها، آكل الربا فتجوز وتشبيه. # الثالثة - روى الأئمة واللفظ لمسلم عن أبي سعيد الخدري قال ms1187 قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: " الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير ~~بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد فمن زاد أو استزاد ~~فقد أربى الآخذ والمعطى فيه سواء ". # PageV03P348 # وفى حديث عبادة بن الصامت: " فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم ~~إذا كان يد بيد ". وروى أبو داود عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " الذهب بالذهب تبرها وعينها والفضة بالفضة تبرها وعينها والبر بالبر مدى ~~(1) بمدى والشعير بالشعير مدى بمدى والتمر بالتمر مدى بمدى والملح بالملح ~~مدى بمدى فمن زاد أو ازداد فقد أربى ولا بأس يبيع الذهب بالفضة والفضة ~~أكثرهما يدا بيد وأما نسيئة فلا ولا بأس ببيع البر بالشعير والشعير أكثرهما ~~يدا بيد وأما نسيئة فلا ". وأجمع العلماء على القول بمقتضى هذه السنة ~~وعليها جماعة فقهاء المسلمين إلا في البر والشعير فإن مالكا جعلهما صنفا ~~واحدا، فلا يجوز منهما اثنان بواحد، وهو قول الليث والأوزاعي ومعظم علماء ~~المدينة والشام، وأضاف مالك إليهما السلت (2). وقال الليث: السلت والدخن ~~والذرة صنف واحد، وقاله ابن وهب. # قلت: وإذا ثبتت السنة فلا قول معها. وقال عليه السلام: " فإذا اختلفت هذه ~~الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد ". وقول: " البر بالبر والشعير ~~بالشعير " دليل على أنهما نوعان مختلفان كمخالفة البر للتمر، ولأن صفاتهما ~~مختلفة وأسماؤهما مختلفة، ولا اعتبار بالمنبت والمحصد إذا لم يعتبره الشرع، ~~بل فصل وبين، وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة والثوري وأصحاب الحديث. # الرابعة - كان معاوية بن أبي سفيان يذهب إلى أن النهي والتحريم إنما ورد ~~من النبي صلى الله عليه وسلم في الدينار المضروب والدرهم المضروب لا في ~~التبر من الذهب والفضة بالمضروب، ولا في المصوغ بالمضروب. وقد قيل إن ذلك ~~إنما كان منه في المصوغ خاصة، حتى وقع له مع عبادة ما خرجه مسلم وغيره، ~~قال: غزونا وعلى الناس معاوية فغنمنا غنائم كثيرة، فكان مما غنمنا آنية من ~~فضة فأمر معاوية رجلا ببيعها في أعطيات الناس # PageV03P349 # فتنازع الناس ms1188 في ذلك فبلغ عبادة بن الصامت ذلك فقام فقال: إني سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ينهي عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر ~~بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح إلا سواء بسواء عينا ~~بعين من زاد أو ازداد فقد أربى، فرد الناس ما أخذوا، فبلغ ذلك معاوية فقام ~~خطيبا فقال: ألا ما بال رجال يتحدثون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أحاديث قد كنا نشهده ونصحبه فلم نسمعها منه! فقام عبادة بن الصامت فأعاد ~~القصة ثم قال: لنحدثن بما سمعنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كره ~~معاوية - أو قال وإن رغم و - ما أبالي إلا أصحبه في جنده في ليلة سوداء. ~~قال حماد (1) هذا أو نحوه. قال ابن عبد البر: وقد روى أن هذه القصة إنما ~~كانت لأبي الدرداء مع معاوية. ويحتمل أن يكون وقع ذلك لهما معه، ولكن ~~الحديث في العرف محفوظ لعبادة، وهو الأصل الذي عول عليه العلماء في باب " ~~الربا ". ولم يختلفوا أن فعل معاوية في ذلك غير جائز، وغير نكير أن يكون ~~معاوية خفى عليه ما قد علمه أبو الدرداء وعبادة فإنهما جليلان من فقهاء ~~الصحابة وكبارهم، وقد خفى على أبى بكر وعمر ما وجد عند غيرهم ممن هو دونهم، ~~فمعاوية أخرى. # ويحتمل أن يكون مذهبه كمذهب ابن عباس، فقد كان وهو بحر في العلم لا يرى ~~الدرهم بالدرهمين بأسا حتى صرفه عن ذلك أبو سعيد. وقصة معاوية هذه مع عبادة ~~كانت في ولاية عمر. قال قبيصة بن ذؤيب: إن عبادة أنكر شيئا على معاوية ~~فقال: لا أساكنك بأرض أنت بها ودخل المدينة. فقال له عمر: ما أقدمك؟ ~~فأخبره. فقال: ارجع إلى مكانك، فقبح الله أرضا لست فيها ولا أمثالك! وكتب ~~إلى معاوية " لا إمارة لك عليه ". # الخامسة - روى الأئمة واللفظ للدارقطني عن علي رضي الله عنه قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم لا فضل ~~بينهما من كانت له حاجة بورق فليصرفها بذهب ms1189 وإن كانت له حاجة بذهب فليصرفها ~~بورق هاء وهاء (2) ". قال العلماء فقوله # PageV03P350 # عليه السلام: " الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما " إشارة ~~إلى جنس الأصل المضروب، بدليل قوله: " الفضة بالفضة والذهب بالذهب " ~~الحديث. والفضة البيضاء والسوداء والذهب الأحمر والأصفر كل ذلك لا يجوز بيع ~~بعضه ببعض إلا مثلا بمثل سواء بسواء على كل حال، على هذا جماعة أهل العلم ~~على ما بينا. واختلفت الرواية عن مالك في الفلوس فألحقها بالدراهم من حيث ~~كانت ثمنا للأشياء، ومنع من إلحاقها مرة من حيث إنها ليست ثمنا في كل بلد ~~وإنما يختص بها بلد دون بلد. # السادسة - لا اعتبار بما قد روى عن كثير من أصحاب مالك وبعضهم يرويه عن ~~مالك في التاجر يحفزه الخروج وبه حاجة إلى دراهم مضروبة أو دنانير مضروبة، ~~فيأتي دار الضرب بفضته أو ذهبه فيقول للضراب، خذ فضتي هذه أو ذهبي وخذ قدر ~~عمل يدك وادفع إلى دنانير مضروبة في ذهبي أو دراهم مضروبة في فضتي هذه لأني ~~محفوز للخروج وأخاف أن يفوتني من أخرج معه، أن ذلك جائز للضرورة، وأنه قد ~~عمل به بعض الناس. وحكاه ابن العربي في قبسه عن مالك في غير التاجر، وإن ~~مالكا خفف في ذلك، فيكون في الصورة قد باع فضته التي زنتها مائة وخمسة ~~دراهم أجره بمائة وهذا محض الربا. والذي أوجب جواز ذلك أنه لو قال له: إضرب ~~لي هذه وقاطعه على ذلك بأجرة، فلما ضربها قبضها منه وأعطاه أجرتها، فالذي ~~فعل مالك أولا هو الذي يكون آخرا، ومالك إنما نظر إلى المال فركب عليه حكم ~~الحال، وأباه سائر الفقهاء. قال ابن العربي: والحجة فيه لمالك بينة. # قال أبو عمر رحمه الله: وهذا هو عين الربا الذي حرمه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بقوله: # " من زاد أو ازداد فقد أربى ". وقد رد ابن وهب هذه المسألة على مالك ~~وأنكرها. وزعم الأبهري أن ذلك من باب الرفق لطلب التجارة ولئلا يفوت السوق، ~~وليس الربا إلا على من أراد أن يربي ms1190 ممن يقصد إلى ذلك ويبتغيه. ونسي ~~الأبهري أصله في قطع الذرائع، وقوله PageV03P351 # فيمن باع ثوبا بنسيئة وهو لا نية له في شرائه ثم يجده في السوق يباع: إنه ~~لا يجوز له ابتياعه منه بدون ما باعه به وإن لم يقصد إلى ذلك ولم يبتغه، ~~ومثله كثير، ولو لم يكن الربا إلا على من قصده ما حرم إلا على الفقهاء. وقد ~~قال عمر: لا يتجر في سوقنا إلا من فقه وإلا أكل الربا. وهذا بين لمن رزق ~~الانصاف وألهم رشده. # قلت: وقد بالغ مالك رحمه الله في منع الزيادة حتى جعل المتوهم كالمتحقق، ~~فمنع دينارا ودرهما بدينار ودرهم سدا للذريعة وحسما للتوهمات، إذ لولا توهم ~~الزيادة لما تبادلا. وقد علل منع ذلك بتعذر المماثلة عند التوزيع، فإنه ~~يلزم منه ذهب وفضة بذهب. وأوضح من هذا منعه التفاضل المعنوي، وذلك أنه منع ~~دينارا من الذهب العالي ودينارا من الذهب الدون في مقابلة العالي وألغى ~~الدون، وهذا من دقيق نظره رحمه الله، فدل أن تلك الرواية عنه منكرة ولا ~~تصح. والله أعلم. # السابعة - قال الخطابي: التبر قطع الذهب والفضة قبل أن تضرب وتطبع دراهم ~~أو دنانير، واحدتها تبرة. والعين: المضروب من الدراهم أو الدنانير. وقد حرم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يباع مثقال ذهب عين بمثقال وشئ من تبر غير ~~مضروب. وكذلك حرم التفاوت بين المضروب من الفضة وغير المضروب منها، وذلك ~~معنى قوله: " تبرها وعينها سواء ". # الثامنة - أجمع العلماء على أن التمر بالتمر ولا يجوز إلا مثلا بمثل. ~~واختلفوا في بيع التمرة الواحدة بالتمرتين، والحبة الواحدة من القمح ~~بحبتين، فمنعه الشافعي وأحمد وإسحاق والثوري، وهو قياس قول مالك وهو ~~الصحيح، لان ما جرى الربا فيه بالتفاضل في كثيره دخل قليله في ذلك قياسا ~~ونظرا. احتج من أجاز ذلك بأن مستهلك التمرة والتمرتين لا تجب عليه القيمة، ~~قال: لأنه لا مكيل ولا موزون فجاز فيه التفاضل. # التاسعة - اعلم رحمك الله أن مسائل هذا الباب كثيرة وفروعه منتشرة، والذي ~~يربط لك ذلك ms1191 أن تنظر إلى ما اعتبره كل واحد من العلماء في علة الربا، فقال ~~أبو حنيفة: PageV03P352 # علة ذلك كونه مكيلا أو موزونا جنسا، فكل ما يدخله الكيل أو الوزن عنده من ~~جنس واحد، فإن بيع بعضه ببعض متفاضلا أو نسيئا لا يجوز، فمنع بيع التراب ~~بعضه ببعض متفاضلا، لأنه يدخله الكيل، وأجاز الخبز قرصا بقرصين، لأنه لم ~~يدخل عنده في الكيل الذي هو أصله، فخرج من الجنس الذي يدخله الربا إلى ما ~~عداه. وقال الشافعي: العلة كونه مطعوما جنسا. هذا قوله في الجديد، فلا يجوز ~~عنده بيع الدقيق بالخبز ولا بيع الخبز بالخبز متفاضلا ولا نسيئا، وسواء ~~أكان الخبز خميرا أو فطيرا. ولا يجوز عنده بيضة ببيضتين، ولا رمانة ~~برمانتين، ولا بطيخة ببطيختين لا يدا بيد ولا نسيئة، لان ذلك كله طعام ~~مأكول. وقال في القديم: كونه مكيلا أو موزونا. واختلفت عبارات أصحابنا ~~المالكية في ذلك، وأحسن ما في ذلك كونه مقتاتا مدخرا للعيش غالبا جنسا، ~~كالحنطة والشعير والتمر والملح المنصوص عليها، وما في معناها كالأرز والذرة ~~والدخن والسمسم، والقطاني كالفول والعدس واللوبياء والحمص، وكذلك اللحوم ~~والألبان والخلول والزيوت، والثمار كالعنب والزبيب والزيتون، واختلف في ~~التين، ويلحق بها العسل والسكر. فهذا كله يدخله الربا من جهة النساء. # وجائز فيه التفاضل لقوله عليه السلام: " إذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا ~~كيف شئتم إذا كان يدا بيد ". ولا ربا في رطب الفواكه التي لا تبقى كالتفاح ~~والبطيخ والرمان والكمثرى والقثاء والخيار والباذنجان وغير ذلك من ~~الخضراوات. قال مالك: لا يجوز بيع البيض بالبيض متفاضلا، لأنه مما يدخر، ~~ويجوز عنده مثلا بمثل. وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: # جائز بيضة ببيضتين وأكثر، لأنه مما لا يدخر، وهو قول الأوزاعي. # العاشرة - اختلف النحاة في لفظ " الربا " فقال البصريون: هو من ذوات ~~الواو، لأنك تقول في تثنيته: ربوان، قاله سيبويه. وقال الكوفيون: يكتب ~~بالياء، وتثنيته بالياء، لأجل الكسرة التي في أوله. قال الزجاج: ما رأيت ~~خطأ أقبح من هذا ولا أشنع! لا يكفيهم الخطأ في ms1192 الخط حتى يخطئوا في التثنية ~~وهم يقرءون " وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس (1) " قال محمد بن ~~يزيد: كتب " الربا " في المصحف بالواو فرقا بينه وبين الزنا، وكان الربا ~~أولى منه بالواو، لأنه من ربا يربو. # PageV03P353 # الحادية عشرة - قوله تعالى: (لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان ~~من المس) الجملة خبر الابتداء وهو " الذين ". والمعنى من قبورهم، قاله ابن ~~عباس ومجاهد وابن جبير وقتادة والربيع والضحاك والسدي وابن زيد. وقال ~~بعضهم: يجعل معه شيطان يخنقه. # وقالوا كلهم: يبعث كالمجنون عقوبة له وتمقيتا عند جميع أهل المحشر. ويقوى ~~هذا التأويل المجمع عليه أن في قراءة ابن مسعود " لا يقومون يوم القيامة ~~إلا كما يقوم ". قال ابن عطية: # وأما ألفاظ الآية فكانت تحتمل تشبيه حال القائم بحرص وجشع إلى تجارة ~~الدنيا (1) بقيام المجنون، لان الطمع والرغبة تستفزه حتى تضطرب أعضاؤه، ~~وهذا كما تقول لمسرع في مشيه يخلط في هيئة حركاته إما من فزع أو غيره: قد ~~جن هذا! وقد شبه الأعشى ناقته في نشاطها بالجنون في قوله: # وتصبح عن غب السرى وكأنما * ألم بها من طائف الجن أولق (1) وقال آخر: # * لعمرك بي من حب أسماء أولق * لكن ما جاءت به قراءة ابن مسعود وتظاهرت ~~به أقوال المفسرين يضعف هذا التأويل. # و " يتخبطه " يتفعله من خبط يخبط، كما تقول: تملكه وتعبده. فجعل الله هذه ~~العلامة لأكلة الربا، وذلك أنه أرباه في بطونهم فأثقلهم، فهم إذا خرجوا من ~~قبورهم يقومون ويسقطون. ويقال: إنهم يبعثون يوم القيامة قد انتفخت بطونهم ~~كالحبالى، وكلما قاموا سقطوا والناس يمشون عليهم. وقال بعض العلماء: إنما ~~ذلك شعار لهم يعرفون به يوم القيامة ثم العذاب من وراء ذلك، كما أن الغال ~~يجئ بما غل يوم القيامة بشهرة يشهر بها ثم العذاب من وراء ذلك. وقال تعالى: ~~" يأكلون " والمراد يكسبون الربا ويفعلونه. وإنما خص الاكل بالذكر لأنه ~~أقوى مقاصد الانسان في المال، ولأنه دال على الجشع وهو أشد الحرص، يقال: ~~رجل جشع بين الجشع وقوم جشعون، قاله في المجمل. ms1193 فأقيم هذا البعض من توابع ~~الكسب مقام الكسب كله، فاللباس والسكنى والادخار والانفاق على العيال، داخل ~~في قوله: # " الذين يأكلون ". # PageV03P354 # الثانية عشرة - في هذه الآية دليل على فساد إنكار من أنكر الصرع من جهة ~~الجن، وزعم أنه من فعل الطبائع، وأن الشيطان لا يسلك في الانسان ولا يكون ~~منه مس، وقد مضى الرد عليهم فيما تقدم من هذا الكتاب. وقد روى النسائي عن ~~أبي اليسر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو فيقول: " اللهم إني ~~أعوذ بك من التردي والهدم والغرق والحريق وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند ~~الموت وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مدبرا وأعوذ بك أن أموت لديغا ". وروى من ~~حديث محمد بن المثنى حدثنا أبو داود حدثنا همام عن قتادة عن أنس عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: " اللهم إني أعوذ بك من الجنون والجذام ~~والبرص وسيئ الأسقام ". والمس: الجنون، يقال: مس الرجل وألس، فهو ممسوس ~~ومألوس إذا كان مجنونا، وذلك علامة الربا في الآخرة. وروى في حديث الاسراء: # " فانطلق بي جبريل فمررت برجال كثير كل رجل منهم بطنه مثل البيت الضخم ~~متصدين على سابلة آل فرعون وآل فرعون يعرضون على النار بكرة وعشيا فيقبلون ~~مثل الإبل المهيومة (1) يتخبطون الحجارة والشجر لا يسمعون ولا يعقلون فإذا ~~أحس بهم أصحاب تلك البطون قاموا فتميل بهم بطونهم فيصرعون ثم يقوم أحدهم ~~فيميل به بطنه فيصرع فلا يستطيعون براحا حتى يغشاهم آل فرعون فيطئونهم ~~مقبلين ومدبرين فذلك عذابهم في البرزخ بين الدنيا والآخرة وآل فرعون يقولون ~~اللهم لا تقم الساعة أبدا، فإن الله تعالى يقول: " ويوم تقوم الساعة أدخلوا ~~آل فرعون أشد العذاب (2) " - قلت - يا جبريل من هؤلاء؟ قال: " هؤلاء الذين ~~يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ". والمس ~~الجنون وكذلك الأولق والألس والرود (3). # الثالثة عشرة - قوله تعالى: (ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا) ~~معناه عند جميع المتأولين في الكفار، ولهم قيل: " فله ما سلف " ولا يقال ~~ذلك ms1194 لمؤمن عاص بل ينقض بيعه # PageV03P355 # ويرد فعله وإن كان جاهلا، فلذلك قال صلى الله عليه وسلم: " من عمل عملا ~~ليس عليه أمرنا فهو رد ". لكن قد يأخذ العصاة في الربا بطرف من وعيد هذه ~~الآية. # الرابعة عشرة - قوله تعالى: (إنما البيع مثل الربا) أي إنما الزيادة عند ~~حلول الاجل آخرا كمثل أصل الثمن في أول العقد، وذلك أن العرب كانت لا تعرف ~~ربا إلا ذلك، فكانت إذا حل دينها قالت للغريم: إما أن تقضى وإما أن تربى، ~~أي تزيد في الدين. فحرم الله سبحانه ذلك ورد عليهم قولهم بقوله الحق: " ~~وأحل الله البيع وحرم الربا " وأوضح أن الاجل إذا حل ولم يكن عنده ما يؤدى ~~أنظر إلى الميسرة. وهذا الربا هو الذي نسخه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله ~~يوم عرفة لما قال: " ألا إن كل ربا موضوع وإن أول ربا أضعه ربانا ربا عباس ~~بن عبد المطلب فإنه موضوع كله ". فبدأ صلى الله عليه وسلم بعمه وأخص الناس ~~به. # وهذا من سنن العدل للامام أن يفيض العدل على نفسه وخاصته فيستفيض حينئذ ~~في الناس. # الخامسة عشرة - قوله تعالى: (وأحل الله البيع وحرم الربا) هذا من عموم ~~القرآن، والألف واللام للجنس لا للعهد إذ لم يتقدم بيع مذكور يرجع إليه، ~~كما قال تعالى: " والعصر إن الانسان لفي خسر " ثم استثنى " إلا الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات (1) ". وإذا ثبت أن البيع عام فهو مخصص بما ذكرناه من ~~الربا وغير ذلك مما نهي عنه ومنع العقد عليه، كالخمر والميتة وحبل الحبلة ~~(2) وغير ذلك مما هو ثابت في السنة وإجماع الأمة النهي عنه. ونظيره " ~~اقتلوا المشركين (3) " وسائر الظواهر التي تقتضي العمومات ويدخلها التخصيص، ~~وهذا مذهب أكثر الفقهاء. وقال بعضهم: هو مجمل القرآن الذي فسر بالمحلل من ~~البيع وبالمحرم فلا يمكن أن يستعمل في إحلال البيع وتحريمه إلا أن يقترن به ~~بيان من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وإن دل على إباحة البيوع في الجملة ~~دون التفصيل. وهذا فرق ما بين العموم والمجمل. # PageV03P356 # فالعموم ms1195 يدل على إباحة البيوع في الجملة والتفصيل ما لم يخص بدليل ~~والمجمل لا يدل على إباحتها في التفصيل حتى يقترن به بيان. والأول أصح. ~~والله أعلم. # السادسة عشرة - البيع في اللغة مصدر باع كذا بكذا، أي دفع عوضا وأخذ ~~معوضا. # وهو يقتضى بائعا وهو المالك أو من ينزل منزلته، ومبتاعا وهو الذي يبذل ~~الثمن، ومبيعا وهو المثمون وهو الذي يبذل في مقابلته الثمن. وعلى هذا ~~فأركان البيع أربعة: البائع والمبتاع والثمن والمثمن. ثم المعاوضة عند ~~العرب تختلف بحسب اختلاف ما يضاف إليه، فإن كان أحد المعوضين في مقابلة ~~الرقبة سمى بيعا، وإن كان في مقابلة منفعة رقبة فإن كانت منفعة بضع سمى ~~نكاحا، وإن كانت منفعة غيرها سمى إجارة، وإن كان عينا بعين فهو بيع النقد ~~وهو الصرف، وان كان بدين مؤجل فهو السلم، وسيأتي بيانه في آية الدين (1). ~~وقد مضى حكم الصرف، ويأتي حكم الإجارة في " القصص (2) " وحكم المهر في ~~النكاح في " النساء (3) " كل في موضعه إن شاء الله تعالى. # السابعة عشرة - البيع قبول وإيجاب يقع باللفظ المستقبل والماضي، فالماضي ~~فيه حقيقة والمستقبل كناية، ويقع بالصريح والكناية المفهوم منها نقل الملك. ~~فسواء قال: بعتك هذه السلعة بعشرة فقال: اشتريتها، أو قال المشترى: ~~اشتريتها وقال البائع: بعتكها، أو قال البائع: أنا أبيعك بعشرة فقال ~~المشترى: أنا أشتري أو قد اشتريت، وكذلك لو قال: خذها بعشرة أو أعطيتكها أو ~~دونكها أو بورك لك فيها بعشرة أو سلمتها إليك - وهما يريدان البيع - فذلك ~~كله بيع لازم. ولو قال البائع: بعتك بعشرة ثم رجع قبل أن يقبل المشترى فقد ~~قال (4): # ليس له أن يرجع حتى يسمع قبول المشترى أو رده، لأنه قد بذل ذلك من نفسه ~~وأوجبه عليها، وقد قال ذلك له، لان العقد لم يتم عليه. ولو قال البائع: كنت ~~لاعبا، فقد اختلفت الرواية عنه، فقال مرة: يلزمه البيع ولا يلتفت إلى قوله. ~~وقال مرة: ينظر إلى قيمة السلعة. # PageV03P357 # فإن كان الثمن يشبه قيمتها فالبيع لازم، وإن كان متفاوتا كعبد بدرهم ودار ms1196 ~~بدينار، علم أنه لم يرد به البيع، وإنما كان هازلا فلم يلزمه. # الثامنة عشرة - قوله تعالى: (وحرم الربا) الألف واللام هنا للعهد، وهو ما ~~كانت العرب تفعله كما بيناه، ثم تتناول ما حرمه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ونهي عنه من البيع الذي يدخله الربا وما في معناه من البيوع المنهي ~~عنها. # التاسعة عشرة - عقد الربا مفسوخ لا يجوز بحال، لما رواه الأئمة واللفظ ~~لمسلم عن أبي سعيد الخدري قال: جاء بلال بتمر برني (1) فقال له رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: " من أين هذا "؟ فقال بلال: من تمر كان عندنا ردئ، ~~فبعت منه صاعين بصاع لمطعم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عند ذلك: " أوه عين الربا لا تفعل ولكن إذا أردت أن تشترى ~~التمر فبعه ببيع آخر ثم اشتر به " وفى رواية " هذا الربا فردوه ثم بيعوا ~~تمرنا واشتروا لنا من هذا ". قال علماؤنا: فقوله: " أوه عين الربا " أي هو ~~الربا المحرم نفسه لا ما يشبهه. وقوله: " فردوه " يدل على وجوب فسخ صفقة ~~الربا وأنها لا تصح بوجه، وهو قول الجمهور، خلافا لأبي حنيفة حيث يقول: إن ~~بيع الربا جائز بأصله من حيث هو بيع، ممنوع بوصفه من حيث هو ربا، فيسقط ~~الربا ويصح البيع. ولو كان على ما ذكر لما فسخ النبي صلى الله عليه وسلم ~~هذه الصفقة، ولامره برد الزيادة على الصاع ولصحح الصفقة في مقابلة الصاع. # الموفية عشرين - كل ما كان من حرام بين ففسخ فعلى المبتاع رد السلعة ~~بعينها. فإن تلفت بيده رد القيمة فيما له القيمة، وذلك كالعقار والعروض ~~والحيوان، والمثل فيما له مثل من موزون أو مكيل من طعام أو عرض. قال مالك: ~~يرد الحرام البين فات أو لم يفت، وما كان مما كره الناس رد إلا أن يفوت ~~فيترك. # PageV03P358 # الحادية والعشرون - قوله تعالى: (فمن جاءه موعظة من ربه) قال جعفر بن ~~محمد الصادق رحمهما الله: حرم الله الربا ليتقارض الناس. وعن ابن مسعود عن ms1197 ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: " قرض مرتين يعدل صدقة مرة " أخرجه البزار، ~~وقد تقدم هذا المعنى مستوفى. وقال بعض الناس: حرمه الله لأنه متلفة للأموال ~~مهلكة للناس. وسقطت علامة التأنيث في قوله تعالى: " فمن جاءه " لان تأنيث " ~~الموعظة " غير حقيقي وهو بمعنى وعظ. وقرأ الحسن " فمن جاءته " بإثبات ~~العلامة. # هذه الآية تلتها عائشة لما أخبرت بفعل زيد بن أرقم. روى الدارقطني عن ~~العالية بنت أنفع قالت: خرجت أنا وأم محبة إلى مكة فدخلنا على عائشة رضي ~~الله عنها فسلمنا عليها، فقالت لنا: ممن أنتن؟ قلنا من أهل الكوفة، قالت: ~~فكأنها أعرضت عنا، فقالت لها أم محبة: يا أم المؤمنين! كانت لي جارية وإني ~~بعتها من زيد بن أرقم الأنصاري بثمانمائة درهم إلى عطائه وإنه أراد بيعها ~~فابتعتها منه بستمائة درهم نقدا. قالت: فأقبلت علينا فقالت: # بئسما شريت وما اشتريت! فأبلغي زيدا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلا أن يتوب. فقالت لها: أرأيت إن لم آخذ منه إلا رأس مالي؟ ~~قالت: " فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف ". العالية هي زوج أبى ~~إسحاق الهمداني الكوفي السبيعي أم يونس بن أبي إسحاق. وهذا الحديث أخرجه ~~مالك من رواية ابن وهب عنه في بيوع الآجال، فإن كان منها ما يؤدى إلى ~~الوقوع في المحظور منع منه وإن كان ظاهره بيعا جائزا. وخالف مالكا في هذا ~~الأصل جمهور الفقهاء وقالوا: الاحكام مبنية على الظاهر لا على الظنون. ~~ودليلنا القول بسد الذرائع، فإن سلم وإلا استدللنا على صحته. وقد تقدم. # وهذا الحديث نص، ولا تقول عائشة " أبلغي زيدا أنه قد أبطل جهاده إلا أن ~~يتوب " إلا بتوقيف، إذ مثله لا يقال بالرأي فإن إبطال الأعمال لا يتوصل إلى ~~معرفتها إلا بالوحي كما تقدم. وفى صحيح مسلم عن النعمان بن بشير قال: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن الحلال بين والحرام بين وبينهما ~~أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات استبرأ ms1198 لدينه وعرضه ~~ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى PageV03P359 # حول الحمى يوشك أن يوقع فيه ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه ~~(1) ". وجه دلالته أنه منع من الاقدام على المتشابهات مخافة الوقوع في ~~المحرمات وذلك سد للذريعة. وقال صلى الله عليه وسلم: " إن من الكبائر شتم ~~الرجل والديه " قالوا: وكيف يشتم الرجل والديه؟ # قال: " يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه ". فجعل التعريض لسب ~~الآباء كسب الآباء. ولعن صلى الله عليه وسلم اليهود إذا أكلوا ثمن ما نهوا ~~عن أكله. وقال أبو بكر في كتابه: لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع ~~خشية الصدقة. ونهي ابن عباس عن دراهم بدراهم بينهما جريرة (2). واتفق ~~العلماء على منع الجمع بين بيع وسلف، وعلى تحريم قليل الخمر وإن كان لا ~~يسكر، وعلى تحريم الخلوة بالأجنبية وإن كان عنينا، وعلى تحريم النظر إلى ~~وجه المرأة الشابة إلى غير ذلك مما يكثر ويعلم على القطع والثبات أن الشرع ~~حكم فيها بالمنع، لأنها ذرائع المحرمات. والربا أحق ما حميت مراتعه وسدت ~~طرائقه، ومن أباح هذه الأسباب فليبح حفر البئر ونصب الحبالات لهلاك ~~المسلمين والمسلمات، وذلك لا يقوله أحد. وأيضا فقد اتفقنا على منع من باع ~~بالعينة إذا عرف بذلك وكانت عادته، وهي في معنى هذا الباب. والله الموفق ~~للصواب. # الثانية والعشرون - روى أبو داود عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: " إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم ~~بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى ~~دينكم ". في إسناده أبو عبد الرحمن الخراساني. ليس بمشهور (3). وفسر أبو ~~عبيد الهروي العينة فقال: هي أن يبيع من رجل سلعة بثمن معلوم إلى أجل مسمى، ~~ثم يشتريها منه بأقل من الثمن الذي باعها به. قال: فإن اشترى بحضرة طالب ~~العينة سلعة من آخر بثمن معلوم وقبضها ثم باعها من طالب العينة بثمن أكثر ~~مما اشتراه إلى أجل مسمى، ثم باعها المشترى ms1199 من البائع الأول بالنقد بأقل من ~~الثمن # PageV03P360 # فهذه أيضا عينة، وهي أهون من الأولى، وهو جائز عند بعضهم. وسميت عينة ~~لحضور (1) النقد لصاحب العينة، وذلك أن العين هو المال الحاضر والمشترى ~~إنما يشتريها ليبيعها بعين حاضر يصل إليه من فوره. # الثالثة والعشرون - قال علماؤنا: فمن باع سلعة بثمن إلى أجل ثم ابتاعها ~~بثمن من جنس الثمن الذي باعها به، فلا يخلو أن يشتريها منه بنقد، أو إلى ~~أجل دون الاجل الذي باعها إليه، أو إلى أبعد منه، بمثل الثمن أو بأقل منه ~~أو بأكثر، فهذه ثلاث مسائل: وأما الأولى والثانية فإن كان بمثل الثمن أو ~~أكثر جاز، ولا يجوز بأقل على مقتضى حديث عائشة، لأنه أعطى ستمائة ليأخذ ~~ثمانمائة والسلعة لغو، وهذا هو الربا بعينه. وأما الثالثة إلى أبعد من ~~الاجل، فإن كان اشتراها وحدها أو زيادة فيجوز بمثل الثمن أو أقل منه، ولا ~~يجوز بأكثر، فإن اشترى بعضها فلا يجوز على كل حال لا بمثل الثمن ولا بأقل ~~ولا بأكثر. ومسائل هذا الباب حصرها علماؤنا في سبع وعشرين مسألة، ومدارها ~~على ما ذكرناه، فاعلم. # الرابعة والعشرون - قوله تعالى: (فله ما سلف) أي من أمر الربا لا تباعة ~~عليه منه في الدنيا ولا في الآخرة، قاله السدى وغيره. وهذا حكم من الله ~~تعالى لمن أسلم من كفار قريش وثقيف ومن كان يتجر هنالك. وسلف: معناه تقدم ~~في الزمن وانقضى. # الخامسة والعشرون - قوله تعالى: (وأمره إلى الله) فيه أربع تأويلات: ~~أحدها أن الضمير عائد إلى الربا، بمعنى وأمر الربا إلى الله في إمرار ~~تحريمه أو غير ذلك. والآخر أن يكون الضمير عائدا على " ما سلف " أي أمره ~~إلى الله تعالى في العفو عنه وإسقاط التبعة فيه. والثالث أن يكون الضمير ~~عائدا على ذي الربا، بمعنى أمره إلى الله في أن يثبته على الانتهاء أو ~~يعيده (2) إلى المعصية في الربا. واختار هذا القول النحاس، قال: وهذا قول ~~حسن بين، أي وأمره إلى الله في المستقبل إن شاء ثبته على التحريم وإن شاء ms1200 ~~أباحه. والرابع أن يعود الضمير على المنتهي، ولكن بمعنى التأنيس له وبسط ~~أمله في الخير، كما تقول: وأمره إلى طاعة وخير، وكما تقول: وأمره في نمو ~~وإقبال إلى الله تعالى وإلى طاعته. # PageV03P361 # السادسة والعشرون - قوله تعالى: (ومن عاد) يعنى إلى فعل ا لربا حتى يموت، ~~قاله سفيان. وقال غيره: من عاد فقال إنما البيع مثل الربا فقد كفر. قال ابن ~~عطية: إن قدرنا الآية في كافر فالخلود خلود تأبيد حقيقي، وإن لحظناها في ~~مسلم عاص فهذا خلود مستعار على معنى المبالغة، كما تقول العرب: ملك خالد، ~~عبارة عن دوام ما لا يبقى على التأبيد الحقيقي: # السابعة والعشرون - قوله تعالى: (يمحق الله الربا) يعنى في الدنيا أي ~~يذهب بركته وإن كان كثيرا. روى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: " إن الربا وإن كثر فعاقبته إلى قل ". وقيل: " يمحق الله الربا " يعنى ~~في الآخرة. وعن ابن عباس في قوله تعالى: " يمحق الله الربا " قال: لا يقبل ~~منه صدقة ولا حجا ولا جهادا ولا صلة. والمحق: # النقص والذهاب، ومنه محاق القمر وهو انتقاصه. (ويربي الصدقات) أي ينميها ~~في الدنيا بالبركة ويكثر ثوابها بالتضعيف في الآخرة. وفى صحيح مسلم (1): " ~~إن صدقة أحدكم لتقع في يد الله فيربيها له كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله ~~حتى يجئ يوم القيامة وإن اللقمة لعلى قدر أحد ". وقرأ ابن الزبير " يمحق " ~~بضم الياء وكسر الحاء مشددة " يربي " بفتح الراء وتشديد الباء، ورويت عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كذلك. # الثامنة والعشرون - قوله تعالى: (والله لا يحب كل كفار أثيم) ووصف كفار ~~بأثيم مبالغة، من حيث اختلف اللفظان. وقيل: لإزالة الاشتراك في كفار، إذ قد ~~يقع على الزارع الذي يستر الحب في الأرض: قاله ابن فورك. # وقد تقدم القول في قوله تعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة). وخص الصلاة والزكاة بالذكر وقد تضمنها عمل الصالحات ~~تشريفا لهما وتنبيها على قدرهما إذ هما رأس الأعمال، الصلاة في أعمال ~~البدن، والزكاة في أعمال ms1201 المال. # التاسعة والعشرون - قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ~~ما بقى من الربا إن كنتم مؤمنين) ظاهره أنه أبطل من الربا ما لم يكن مقبوضا ~~وإن كان معقودا قبل # PageV03P362 # نزول آية التحريم ولا يتعقب بالفسخ ما كان مقبوضا. وقد قيل: إن الآية ~~نزلت بسبب ثقيف، وكانوا عاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم على أن مالهم من ~~الربا على الناس فهو لهم، وما للناس عليهم فهو موضوع عنهم، فلما أن جاءت ~~آجال رباهم بعثوا إلى مكة للاقتضاء، وكانت الديون لبني عبدة وهم بنو عمرو ~~بن عمير من ثقيف، وكانت على بنى المغيرة المخزوميين. # فقال بنو المغيرة: لا نعطى شيئا فإن الربا قد رفع ورفعوا أمرهم إلى عتاب ~~بن أسيد، فكتب به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزلت الآية فكتب بها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عتاب، فعلمت بها ثقيف فكفت. هذا سبب ~~الآية على اختصار مجموع ما روى ابن إسحاق وابن جريج والسدي وغيرهم. والمعنى ~~اجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقاية بترككم ما بقى لكم من الربا وصفحكم عنه. # الموفية ثلاثين - قوله تعالى: (إن كنتم مؤمنين) شرط محض في ثقيف على ~~بابه، لأنه كان في أول دخولهم في الاسلام. وإذا قدرنا الآية فيمن قد تقرر ~~إيمانه فهو شرط مجازى على جهة المبالغة، كما تقول لمن تريد إقامة (1) نفسه: ~~إن كنت رجلا فافعل كذا. وحكى النقاش عن مقاتل بن سليمان أنه قال: إن " إن " ~~في هذه الآية بمعنى " إذ ". قال ابن عطية: # وهذا مردود لا يعرف في اللغة. وقال ابن فورك: يحتمل أن يريد " يا أيها ~~الذين آمنوا " بمن قبل محمد عليه السلام من الأنبياء " ذروا ما بقى من ~~الربا إن كنتم مؤمنين " بمحمد صلى الله عليه وسلم! إذ لا ينفع الأول إلا ~~بهذا. وهذا مردود بما روى في سبب الآية. # الحادية والثلاثون - قوله تعالى: (فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ~~ورسوله) هذا وعيد إن لم يذروا الربا، والحرب داعية القتل. وروى ابن عباس ms1202 ~~أنه يقال يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب. وقال ابن عباس أيضا: من ~~كان مقيما على الربا لا ينزع عنه فحق على إمام المسلمين أن يستثيبه، فإن ~~نزع وإلا ضرب عنقه. وقال قتادة: أوعد الله أهل الربا بالقتل فجعلهم بهرجا ~~(2) أينما ثقفوا (3). وقيل: المعنى إن لم تنتهوا فأنتم حرب لله ولرسوله، أي # PageV03P363 # أعداء. وقال ابن خويز منداد: ولو أن أهل بلد اصطلحوا على الربا استحلالا ~~كانوا مرتدين، والحكم فيهم كالحكم في أهل الردة، وإن لم يكن ذلك منهم ~~استحلالا جاز للامام محاربتهم، ألا ترى أن الله تعالى قد أذن في ذلك فقال: ~~" فأذنوا بحرب من الله ورسوله ". وقرأ أبو بكر عن عاصم " فآذنوا، على معنى ~~فأعلموا غيركم أنكم على حربهم. # الثانية والثلاثون - ذكر ابن بكير قال: جاء رجل إلى مالك بن أنس فقال: # يا أبا عبد الله، إني رأيت رجلا سكرانا يتعاقر يريد أن يأخذ القمر، فقلت: ~~امرأتي طالق إن كان يدخل جوف ابن آدم أشر من الخمر. فقال: ارجع حتى أنظر في ~~مسألتك. فأتاه من الغد فقال له: ارجع حتى أنظر في مسألتك فأتاه من الغد ~~فقال له: امرأتك طالق، إني تصفحت كتاب الله وسنة نبيه فلم أر شيئا أشر (1) ~~من الربا، لان الله أذن فيه بالحرب. # الثالثة والثلاثون - دلت هذه الآية على أن أكل الربا والعمل به من ~~الكبائر، ولا خلاف في ذلك على نبينه. وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: " يأتي على الناس زمان لا يبقى أحد إلا أكل الربا ومن لم يأكل الربا ~~أصابه غباره " وروى الدارقطني عن عبد الله ابن حنظلة (2) غسيل الملائكة أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لدرهم ربا أشد عند الله تعالى من ست ~~وثلاثين زنية في الخطيئة " وروى عنه عليه السلام أنه قال: " الربا تسعة ~~وتسعون بابا أدناها كإتيان الرجل بأمه " يعنى الزنا بأمه. وقال ابن مسعود ~~آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهده ملعون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم. ~~وروى البخاري عن أبي جحيفة قال: ms1203 نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن ~~الدم (3) وثمن الكلب وكسب البغى ولعن آكل الربا وموكله والواشمة والمستوشمة ~~والمصور (4). وفى صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV03P364 # قال: " اجتنبوا السبع الموبقات... - وفيها - وأكل الربا ". وفى مصنف أبى ~~داود عن ابن مسعود قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله ~~وكاتبه وشاهده. # الرابعة والثلاثون - قوله تعالى: " وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم " الآية. ~~روى أبو داود عن سليمان بن عمرو عن أبيه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول في حجة الوداع: " ألا إن كل ربا من ربا الجاهلية. موضوع لكم رؤوس ~~أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون " وذكر الحديث. فردهم تعالى مع التوبة إلى ~~رؤوس أموالهم وقال لهم: # " لا تظلمون " في أخذ الربا " ولا تظلمون " في أن يتمسك بشئ من رؤوس ~~أموالكم فتذهب أموالكم. ويحتمل أن يكون " لا تظلمون " في مطل، لان مطل ~~الغنى ظلم، فالمعنى أنه يكون القضاء مع وضع الربا، وهكذا سنة الصلح، وهذا ~~أشبه شئ بالصلح. ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أشار إلى كعب بن ~~مالك في دين ابن أبي حدرد بوضع الشطر فقال كعب: نعم، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم للآخر: " قم فاقضه ". فتلقى العلماء أمره بالقضاء سنة في ~~المصالحات. وسيأتي في " النساء (1) " بيان الصلح وما يجوز منه وما لا يجوز، ~~إن شاء الله تعالى. # الخامسة والثلاثون - قوله تعالى: " وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم " تأكيد ~~لابطال ما لم يقبض منه وأخذ رأس المال الذي لا ربا فيه. فاستدل بعض العلماء ~~بذلك على أن كل ما طرأ على البيع قبل القبض مما يوجب تحريم العقد أبطل ~~العقد، كما إذا اشترى مسلم صيدا ثم أحرم المشترى أو البائع قبل القبض بطل ~~البيع، لأنه طرأ عليه قبل القبض ما أوجب تحريم العقد، كما أبطل الله تعالى ~~ما لم يقبض، لأنه طرأ عليه ما أوجب تحريمه قبل القبض، ولو كان مقبوضا لم ~~يؤثر. هذا ms1204 مذهب أبي حنيفة، وهو قول لأصحاب الشافعي. # ويستدل به على أن هلاك المبيع قبل القبض في يد البائع وسقوط القبض فيه ~~يوجب بطلان العقد خلافا لبعض السلف، ويروى هذا الخلاف عن أحمد. وهذا إنما ~~يتمشى على قول من يقول: إن العقد في الربا كان في الأصل منعقدا، وإنما بطل ~~بالاسلام الطارئ قبل # PageV03P365 # القبض. وأما من منع انعقاد الربا في الأصل لم يكن هذا الكلام صحيحا، وذلك ~~أن الربا كان محرما في الأديان، والذي فعلوه في الجاهلية كان عادة ~~المشركين، وأن ما قبضوه منه كان بمثابة أموال وصلت إليهم بالغصب (1) والسلب ~~فلا يتعرض له. فعلى هذا لا يصح الاستشهاد على ما ذكروه من المسائل. واشتمال ~~شرائع الأنبياء قبلنا على تحريم الربا مشهور مذكور في كتاب الله تعالى، كما ~~حكى عن اليهود في قوله تعالى: " وأخذهم الربا وقد نهوا عنه (2) ". وذكر في ~~قصة شعيب أن قومه أنكروا عليه وقالوا: " أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا أو ~~أن نفعل في أموالنا ما نشاء (3) " فعلى هذا لا يستقيم الاستدلال به. نعم، ~~يفهم من هذا أن العقود الواقعة في دار الحرب إذا ظهر عليها الامام لا يعترض ~~عليها بالفسخ إن كانت معقودة على فساد. # السادسة والثلاثون - ذهب بعض الغلاة من أرباب الورع إلى أن المال الحلال ~~إذا خالطه حرام حتى لم يتميز ثم أخرج منه مقدار الحرام المختلط به لم يحل ~~ولم يطب، لأنه يمكن أن يكون الذي أخرج هو الحلال والذي بقى هو الحرام. قال ~~ابن العربي: وهذا غلو في الدين، فإن كل ما لم يتميز فالمقصود منه ماليته لا ~~عينه، ولو تلف لقام المثل مقامه والاختلاط إتلاف لتمييزه، كما أن الاهلاك ~~إتلاف لعينه، والمثل قائم مقام الذاهب، وهذا بين حسا بين معنى. والله أعلم. # قلت: قال علماؤنا إن سبيل التوبة مما بيده من الأموال الحرام إن كانت من ~~ربا فليردها على من أربى عليه، ومطلبه إن لم يكن حاضرا، فإن أيس من وجوده ~~فليتصدق بذلك عنه. # وإن أخذه بظلم فليفعل كذلك في أمر ms1205 من ظلمه. فإن التبس عليه الامر ولم يدر ~~كم الحرام من الحلال مما بيده، فإنه يتحرى قدر ما بيده مما يجب عليه رده، ~~حتى لا يشك أن ما يبقى قد خلص له فيرده من ذلك الذي أزال عن يده إلى من عرف ~~ممن ظلمه أو أربى عليه. فإن أيس من وجوده تصدق به عنه. فإن أحاطت المظالم ~~بذمته وعلم أنه وجب عليه من ذلك ما لا يطيق أداءه أبدا لكثرته فتوبته أن ~~يزيل ما بيده أجمع إما إلى المساكين وإما إلى ما فيه # PageV03P366 # صلاح المسلمين، حتى لا يبقى في يده إلا أقل ما يجزئه في الصلاة من اللباس ~~وهو ما يستر العورة وهو من سرته إلى ركبتيه، وقوت يومه، لأنه الذي يجب له ~~أن يأخذه من مال غيره إذا اضطر إليه، وإن كره ذلك من يأخذه منه. وفارق ها ~~هنا المفلس في قول أكثر العلماء، لان المفلس لم يصر إليه أموال الناس ~~باعتداء بل هم الذين صيروها إليه، فيترك له ما يواريه وما هو هيئة لباسه. ~~وأبو عبيد وغيره يرى ألا يترك للمفلس اللباس إلا أقل ما يجزئه في الصلاة ~~وهو ما يواريه من سرته إلى ركبته، ثم كلما وقع بيد هذا شئ أخرجه عن يده ولم ~~يمسك منه إلا ما ذكرنا، حتى يعلم هو ومن يعلم حاله أنه أدى ما عليه. # السابعة والثلاثون - هذا الوعيد الذي وعد الله به في الربا من المحاربة، ~~قد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله في المخابرة. وروى أبو داود قال: ~~أخبرنا يحيى بن معين قال أخبرنا ابن رجاء (1) قال ابن خيثم حدثني عن أبي ~~الزبير عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~" من لم يذر المخابرة فليؤذن بحرب من الله ورسوله ". # وهذا دليل على منع المخابرة وهي أخذ الأرض بنصف أو ثلث أو ربع، ويسمى ~~المزارعة. # وأجمع أصحاب مالك كلهم والشافعي وأبو حنيفة وأتباعهم وداود، على أنه لا ~~يجوز دفع الأرض على الثلث والربع، ms1206 ولا على جزء مما تخرج، لأنه مجهول، إلا ~~أن الشافعي وأصحابه وأبا حنيفة قالوا بجواز كراء الأرض بالطعام إذا كان ~~معلوما، لقوله عليه السلام: " فأما شئ معلوم مضمون فلا بأس به " خرجه مسلم. ~~وإليه ذهب محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، ومنعه مالك وأصحابه، لما رواه ~~مسلم أيضا عن رافع بن خديج قال: كنا نحاقل بالأرض على عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فنكريها بالثلث والربع والطعام المسمى، فجاءنا ذات يوم رجل ~~من عمومتي فقال: نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمر كان لنا نافعا، ~~وطواعية الله ورسوله أنفع لنا، نهانا أن نحاقل بالأرض فنكتريها على الثلث ~~والربع والطعام المسمى، وأمر رب الأرض أن يزرعها أو يزارعها (2). وكره ~~كراءها وما سوى ذلك. قالوا: # PageV03P367 # فلا يجوز كراء الأرض بشئ من الطعام مأكولا كان أو مشروبا على حال، لان ~~ذلك في معنى بيع الطعام بالطعام نسيئا. وكذلك لا يجوز عندهم كراء الأرض بشئ ~~مما يخرج منها وإن لم يكن طعاما مأكولا ولا مشروبا، سوى الخشب والقصب ~~والحطب، لأنه عندهم في معنى المزابنة (1). هذا هو المحفوظ عن مالك وأصحابه. ~~وقد ذكر ابن سحنون عن المغيرة بن عبد الرحمن المخزومي المدني أنه قال: لا ~~بأس باكراء الأرض بطعام لا يخرج منها. وروى يحيى بن عمر عن المغيرة أن ذلك ~~لا يجوز، كقول سائر أصحاب مالك. وذكر ابن حبيب، أن ابن كنانة كان يقول: لا ~~تكرى الأرض بشئ إذا أعيد فيها نبت، ولا بأس أن تكرى بما سوى ذلك من جميع ~~الأشياء مما يؤكل ومما لا يؤكل خرج منها أو لم يخرج منها، وبه قال يحيى بن ~~يحيى، وقال: # إنه من قول مالك. قال: وكان ابن نافع يقول: لا بأس أن تكرى الأرض بكل شئ ~~من طعام وغيره خرج منها أو لم يخرج، ما عدا الحنطة وأخواتها فإنها المحاقلة ~~(2) المنهي عنها. وقال مالك في الموطأ: فأما الذي يعطى أرضه البيضاء بالثلث ~~والربع مما يخرج منها فذلك مما يدخله الغرر، لان الزرع ms1207 يقل مرة ويكثر أخرى، ~~وربما هلك رأسا فيكون صاحب الأرض قد ترك كراء معلوما، وإنما مثل ذلك مثل ~~رجل استأجر أجيرا لسفر بشئ معلوم، ثم قال الذي استأجر للأجير: # هل لك أن أعطيك عشر ما أربح في سفري (3) هذا إجارة لك. فهذا لا يحل ولا ~~ينبغي. قال مالك: ولا ينبغي لرجل أن يؤاجر نفسه ولا أرضه ولا سفينته ولا ~~دابته إلا بشئ معلوم لا يزول. وبه يقول الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما. وقال ~~أحمد بن حنبل والليث والثوري والأوزاعي والحسن بن حي وأبو يوسف ومحمد: لا ~~بأس أن يعطى الرجل أرضه على جزء # PageV03P368 # مما تخرجه نحو الثلث والربع، وهو قول ابن عمر وطاوس. واحتجوا بقصة خيبر ~~وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم عامل أهلها على شطر ما تخرجه أرضهم ~~وثمارهم. قال أحمد: حديث رافع بن خديج في النهي عن كراء المزارع مضطرب ~~الألفاظ ولا يصح، والقول بقصة خيبر أولى وهو حديث صحيح. وقد أجاز طائفة من ~~التابعين ومن بعدهم أن يعطى الرجل سفينته ودابته، كما يعطى أرضه بجزء مما ~~يرزقه الله في العلاج بها. وجعلوا أصلهم في ذلك القراض (1) المجمع عليه على ~~ما يأتي بيانه في " المزمل " إن شاء الله تعالى عند قوله تعالى: " وآخرون ~~يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله (2) " وقال الشافعي في قول ابن عمر: ~~كنا نخابر ولا نرى بذلك بأسا حتى أخبرنا رافع بن خديج أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم نهي عنها، أي كنا نكري الأرض ببعض ما يخرج منها. قال: وفى ~~ذلك نسخ لسنة خيبر. # قلت: ومما يصحح قول الشافعي في النسخ ما رواه الأئمة واللفظ للدارقطني عن ~~جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهي عن المحاقلة والمزابنة والمخابرة وعن ~~الثنيا (3) إلا أن تعلم. صحيح. # وروى أبو داود عن زيد بن ثابت قال: نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~المخابرة. # قلت: وما المخابرة؟ قال: أن تأخذ الأرض بنصف أو ثلث أو أو ربع. # الثامنة والثلاثون - في القراءات. # قرأ الجمهور " ما ms1208 بقى " بتحريك الياء، وسكنها الحسن، ومثله قول جرير: # هو الخليفة فارضوا ما رضى لكم * ماضي العزيمة ما في حكمه جنف وقال عمر بن ~~أبي ربيعة: # كم قد ذكرتك لو أجزى بذكركم * يا أشبه الناس كل الناس بالقمر إني لأجذل ~~أن أمسى مقابله * حبا لرؤية من أشبهت في الصور # PageV03P369 # أصله " ما رضى " و " أن أمسى " فأسكنها وهو في الشعر كثير. ووجهه أنه شبه ~~الياء بالألف فكما لا تصل الحركة إلى الألف فكذلك لا تصل هنا إلى الياء. ~~ومن هذه اللغة أحب أن أدعوك، وأشتهي أن أقضيك (1)، بإسكان الواو والياء. ~~وقرأ الحسن " ما بقى " بالألف، وهي لغة طيئ، يقولون للجارية: جاراة (2)، ~~وللناصية: ناصاة، وقال الشاعر: # لعمرك لا أخشى التصعلك ما بقى * على الأرض قيسي يسوق الأباعرا وقرأ أبو ~~السمال من بين جميع القراء " من الربو " بكسر الراء المشددة وضم الباء ~~وسكون الواو. # وقال أبو الفتح عثمان بن جنى: شذ هذا الحرف من أمرين، أحدهما الخروج من ~~الكسر إلى الضم، والآخر وقوع الواو بعد الضم في آخر الاسم. وقال المهدوي. ~~وجهها أنه فخم الألف فانتحى بها نحو الواو التي الألف منها، ولا ينبغي أن ~~يحمل على غير هذا الوجه، إذ ليس في الكلام اسم آخره واو ساكنة قبلها ضمة. ~~وأمال الكسائي وحمزة " الربا " لمكان الكسرة في الراء. # الباقون بالتفخيم لفتحة الباء. وقرأ أبو بكر عن عاصم وحمزة " فآذنوا " ~~على معنى فآذنوا غيركم، فحذف المفعول. وقرأ الباقون " فأذنوا " أي كونوا ~~على إذن، من قولك: إني على علم، حكاه أبو عبيد (3) عن الأصمعي. وحكى أهل ~~اللغة أنه يقال: أذنت به إذنا، أي علمت به. # وقال ابن عباس وغيره من المفسرين: معنى " فأذنوا " فاستيقنوا الحرب من ~~الله تعالى، وهو بمعنى الاذن. ورجح أبو على وغيره قراءة المد قال: لأنهم ~~إذا أمروا بإعلام غيرهم ممن لم ينته عن ذلك علموا هم لا محالة. قال: ففي ~~إعلامهم علمهم وليس في علمهم إعلامهم. ورجح الطبري قراءة القصر، لأنها تختص ~~بهم. وإنما أمروا على قراءة المد بإعلام غيرهم، وقرأ جميع ms1209 القراء " لا ~~تظلمون " بفتح التاء " ولا تظلمون " بضمها. وروى المفضل عن عام " لا تظلمون ~~" " ولا تظلمون " بضم التاء في الأولى وفتحها في الثانية على العكس. وقال ~~أبو على: تترجح قراءة الجماعة بأنها تناسب قوله: " وإن تبتم " في إسناد ~~الفعلين إلى الفاعل، فيجئ " تظلمون " بفتح التاء أشكل بما قبله. # PageV03P370 # قوله تعالى: وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم ~~تعلمون (280) في تسع مسائل: # الأول - قوله تعالى: (وإن كان ذو عسرة) لما حكم عز وجل لأرباب الربا ~~برؤوس أموالهم عند الواجدين للمال، حكم في ذي العسرة بالنظرة إلى حال ~~الميسرة، وذلك أن ثقيفا لما طلبوا أموالهم التي لهم على بنى المغيرة شكوا ~~العسرة - يعنى بنى المغيرة - وقالوا: # ليس لنا شئ، وطلبوا الاجل إلى وقت ثمارهم، فنزلت هذه الآية " وإن كان ذو ~~عسرة ". # الثانية - قوله تعالى: " وإن كان ذو عسرة " مع قوله " وإن تبتم فلكم رؤوس ~~أموالكم " يدل على ثبوت المطالبة لصاحب الدين على المدين وجواز أخذ ماله ~~بغير رضاه. # ويدل على أن الغريم متى امتنع من أداء الدين مع الامكان كان ظالما، فإن ~~الله تعالى يقول: # " فلكم رؤوس أموالكم " فجعل له المطالبة برأس ماله. فإذا كان له حق ~~المطالبة فعلى من عليه الدين لا محالة وجوب قضائه. # الثالثة - قال المهدوي وقال بعض العلماء: هذه الآية ناسخة لما كان في ~~الجاهلية من بيع من أعسر. وحكى مكي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به في ~~صدر الاسلام. قال ابن عطية: فإن ثبت فعل النبي صلى الله عليه وسلم فهو نسخ ~~وإلا فليس بنسخ. قال الطحاوي: # كان الحر يباع في الدين أول الاسلام إذا لم يكن له مال يقضيه عن نفسه حتى ~~نسخ الله ذلك فقال عز وجل: " وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة ". واحتجوا ~~بحديث رواه الدارقطني من حديث مسلم بن خالد الزنجي أخبرنا زيد بن أسلم عن ~~ابن البيلماني (1) عن سرق قال: # كان لرجل على مال - أو قال دين - فذهب بي إلى رسول الله صلى ms1210 الله عليه ~~وسلم فلم يصب لي مالا فباعني منه، أو باعني له. أخرجه البزار بهذا الاسناد ~~أطول منه. ومسلم بن خالد الزنجي وعبد الرحمن بن البيلماني لا يحتج بهما. ~~وقال جماعة من أهل العلم # PageV03P371 # قوله تعالى: " فنظرة إلى ميسرة " عامة في جميع الناس، فكل من أعسر أنظر، ~~وهذا قول أبي هريرة والحسن وعامة الفقهاء. قال النحاس: وأحسن ما قيل في هذه ~~الآية قول عطاء والضحاك والربيع بن خيثم. قال: هي لكل معسر ينظر في الربا ~~والدين كله. فهذا قول يجمع الأقوال، لأنه يجوز أن تكون ناسخة عامة نزلت في ~~الربا ثم صار حكم غيره كحكمه. ولأن القراءة بالرفع بمعنى وإن وقع ذو عسرة ~~من الناس أجمعين. ولو كان في الربا خاصة لكان النصب الوجه، بمعنى وإن كان ~~الذي عليه الربا ذا عسرة. وقال ابن عباس وشريح: ذلك في الربا خاصة، فأما ~~الديون وسائر المعاملات فليس فيها نظرة بل يؤدى إلى أهلها أو يحبس فيه حتى ~~يوفيه، وهو قول إبراهيم. واحتجوا بقول الله تعالى: " إن الله يأمركم أن ~~تؤدوا الأمانات إلى أهلها " الآية. قال ابن عطية: فكان هذا القول يترتب إذا ~~لم يكن فقر مدقع، وأما مع العدم والفقر الصريح فالحكم هو النظرة ضرورة. # الرابعة - من كثرت ديونه وطلب غرماؤه مالهم فللحاكم أن يخلعه عن كل ماله ~~ويترك له ما كان من ضرورته. روى ابن نافع عن مالك أنه لا يترك له إلا ما ~~يواريه. والمشهور أنه يترك له كسوته المعتادة ما لم يكن فيها فضل، ولا ينزع ~~منه رداؤه إن كان ذلك مزريا به. # وفى ترك كسوة زوجته وفى بيع كتبه إن كان عالما خلاف. ولا يترك له مسكن ~~ولا خادم ولا ثوب جمعة ما لم تقل قيمتها، وعند هذا يحرم حبسه. والأصل في ~~هذا قوله تعالى: # " وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة ". روى الأئمة واللفظ لمسلم عن أبي ~~سعيد الخدري قال: أصيب رجل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمار ~~ابتاعها فكثر دينه، فقال رسول ms1211 الله صلى الله عليه وسلم: " تصدقوا عليه " ~~فتصدق الناس عليه فلم يبلغ ذلك وفاء دينه. # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لغرمائه: " خذوا ما وجدتم وليس لكم ~~إلا ذلك ". # وفى مصنف أبى داود: فلم يزد رسول الله صلى الله عليه وسلم غرماءه على أن ~~خلع لهم ماله. # وهذا نص، فلم يأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحبس الرجل، وهو معاذ بن ~~جبل كما قال شريح، ولا بملازمته، خلافا لأبي حنيفة فإنه قال: يلازم لامكان ~~أن يظهر له مال، ولا يكلف أن يكتسب لما ذكرنا. وبالله توفيقنا. # PageV03P372 # الخامسة - ويحبس المفلس في قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم حتى ~~يتبين عدمه. ولا يحبس عند مالك إن لم يتهم أنه غيب ماله ولم يتبين لدده. ~~وكذلك لا يحبس إن صح عسره على ما ذكرنا. # السادسة - فإن جمع مال المفلس ثم تلف قبل وصوله إلى أربابه وقبل البيع، ~~فعلى المفلس ضمانه، ودين الغرماء ثابت في ذمته. فإن باع الحاكم ماله وقبض ~~ثمنه ثم تلف الثمن قبل قبض الغرماء له، كان عليهم ضمانه وقد برئ المفلس ~~منه. وقال محمد بن عبد الحكم: # ضمانه من المفلس أبدا حتى يصل إلى الغرماء. # السابعة - العسرة ضيق الحال من جهة عدم المال، ومنه جيش العسرة. والنظرة ~~التأخير. والميسرة مصدر بمعنى اليسر. وارتفع " ذو " بكان التامة التي بمعنى ~~وجد وحدث، هذا قول سيبويه وأبى على وغيرهما. وأنشد سيبويه: # فدى لبني ذهل بن شيبان ناقتي * إذا كان يوم ذو كواكب أشهب (1) ويجوز ~~النصب. وفى مصحف أبي بن كعب " وإن كان ذا عسرة " على معنى وإن كان المطلوب ~~ذا عسرة. وقرأ الأعمش " وإن كان معسرا فنظرة ". قال أبو عمرو الداني عن ~~أحمد بن موسى: وكذلك في مصحف أبي بن كعب. قال النحاس ومكي والنقاش: وعلى ~~هذا يختص لفظ الآية بأهل الربا، وعلى من قرأ " ذو " فهي عامة في جميع من ~~عليه دين، وقد تقدم. # وحكى المهدوي أن في مصحف عثمان " فإن كان - بالفاء - ذو عسرة ". وروى ~~المعتمر عن حجاج الوراق ms1212 قال: في مصحف عثمان " وإن كان ذا عسرة " ذكره ~~النحاس. وقراءة الجماعة " نظرة " بكسر الظاء. وقرأ مجاهد وأبو رجاء والحسن ~~" فنظرة " بسكون الظاء، وهي لغة تميمية وهم الذين يقولون: [في (2)] كرم زيد ~~بمعنى كرم زيد، ويقولون كبد في كبد. وقرأ نافع # PageV03P373 # وحده " ميسرة " بضم السين، والجمهور بفتحها. وحكى النحاس عن مجاهد وعطاء ~~" فناظره - على الامر - إلى ميسر هي " بضم السين وكسر الراء وإثبات الياء ~~في الادراج. وقرئ " فناظرة " قال أبو حاتم لا يجوز فناظرة، إنما ذلك في " ~~النمل (1) " لأنها امرأة تكلمت بهذا لنفسها، من نظرت تنظر فهي ناظرة، وما ~~في " البقرة " فمن التأخير، من قولك: أنظرتك بالدين، أي أخرتك به. ومنه ~~قوله: " أنظرني إلى يوم يبعثون (2) ". وأجاز ذلك أبو إسحاق الزجاج وقال: هي ~~من أسماء المصادر، كقوله تعالى: " ليس لوقعتها كاذبة (3) ". وكقوله تعالى: ~~" تظن أن يفعل بها فاقرة (4) " وك‍ " خائنة الأعين (5) " وغيره. # الثامنة - قوله تعالى: (وأن تصدقوا (6)) ابتداء، وخبره (خير). ندب الله ~~تعالى بهذه الألفاظ إلى الصدقة على المعسر وجعل ذلك خيرا من إنظاره، قاله ~~السدى وابن زيد والضحاك. وقال الطبري: وقال آخرون: معنى الآية وأن تصدقوا ~~على الغنى والفقير خير لكم. # والصحيح الأول، وليس في الآية مدخل للغنى. # التاسعة - روى أبو جعفر الطحاوي عن بريدة بن الخصيب قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: " من أنظر معسرا كان له بكل يوم صدقة " ثم قلت: بكل ~~يوم مثله صدقة، قال فقال: " بكل يوم صدقة ما لم يحل الدين فإذا أنظره بعد ~~الحل فله بكل يوم مثله صدقة ". # وروى مسلم عن أبي مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " حوسب ~~رجل ممن كان قبلكم فلم يوجد له من الخير شئ إلا أنه كان يخالط الناس وكان ~~موسرا فكان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسر قال قال الله عز وجل نحن أحق ~~بذلك منه تجاوزوا عنه ". # وروى عن أبي قتادة أنه طلب غريما له فتوارى عنه ثم وجده فقال: إني معسر. ~~فقال: الله؟ # قال: الله (7). قال: فإني سمعت رسول ms1213 الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من ~~سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسر أو يضع عنه "، وفى ~~حديث أبي اليسر الطويل (8) - واسمه # PageV03P374 # كعب بن عمرو - أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من أنظر ~~معسرا أو وضع عنه أظله الله في ظله ". ففي هذه الأحاديث من الترغيب ما هو ~~منصوص فيها. وحديث أبي قتادة يدل على أن رب الدين إذا علم عسرة [غريمه (1)] ~~أو ظنها حرمت عليه مطالبته، وإن لم تثبت عسرته عند الحاكم. وإنظار المعسر ~~تأخيره إلى أن يوسر. والوضع عنه إسقاط الدين عن ذمته. وقد جمع المعنيين أبو ~~اليسر لغريمه حيث محا عنه الصحيفة وقال له: إن وجدت قضاء فاقض وإلا فأنت في ~~حل (2). # قوله تعالى: واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم ~~لا يظلمون (281) قيل: إن هذه الآية نزلت قبل موت النبي صلى الله عليه وسلم ~~بتسع ليال ثم لم ينزل بعدها شئ، قاله ابن جريج. وقال ابن جبير ومقاتل: بسبع ~~ليال. وروى بثلاث ليال. وروى أنها نزلت قبل موته بثلاث ساعات، وأنه عليه ~~السلام قال: " اجعلوها بين آية الربا وآية الدين ". وحكى مكي أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: " جاءني جبريل فقال اجعلها على رأس مائتين وثمانين آية ~~". # قلت: وحكى عن أبي بن كعب وابن عباس وقتادة أن آخر ما نزل: " لقد جاءكم ~~رسول من أنفسكم " إلى آخر الآية (3). والقول الأول أعرف وأكثر وأصح وأشهر. ~~ورواه أبو صالح عن ابن عباس قال: آخر ما نزل من القرآن (واتقوا يوما ترجعون ~~فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون) فقال جبريل للنبي صلى ~~الله عليه وسلم: " يا محمد ضعها على رأس ثمانين ومائتين من البقرة ". ذكره ~~أبو بكر الأنباري في " كتاب الرد " له، وهو قول ابن عمر رضي الله عنه أنها ~~آخر ما نزل، وأنه عليه السلام عاش بعدها أحدا وعشرين يوما، على ما يأتي ~~بيانه في آخر سورة ms1214 " إذا جاء نصر الله والفتح (4) " إن شاء تعالى. والآية ~~وعظ لجميع # PageV03P375 # الناس وأمر يخص كل إنسان. و " يوما " منصوب على المفعول لا على الظرف. " ~~ترجعون فيه إلى الله " من نعته. وقرأ أبو عمرو بفتح التاء وكسر الجيم، مثل ~~" إن إلينا إيابهم (1) " واعتبارا بقراءة أبى " يوما تصيرون فيه إلى الله ~~". والباقون بضم التاء وفتح الجيم، مثل " ثم ردوا إلى الله (2) ". " ولئن ~~رددت إلى ربى (3) " واعتبارا بقراءة عبد الله " يوما تردون فيه إلى الله " ~~وقرأ الحسن " يرجعون " بالياء، على معنى يرجع جميع الناس. قال ابن جنى: كأن ~~الله تعالى رفق بالمؤمنين على أن يواجههم بذكر الرجعة، إذ هي مما ينفطر لها ~~القلوب فقال لهم: " واتقوا يوما " ثم رجع في ذكر الرجعة إلى الغيبة رفقا ~~بهم. وجمهور العلماء على أن هذا اليوم المحذر منه هو يوم القيامة والحساب ~~والتوفية. وقال قوم: هو يوم الموت. قال ابن عطية: والأول أصح بحكم الألفاظ ~~في الآية. وفى قوله " إلى الله " مضاف محذوف، تقديره إلى حكم الله وفصل ~~قضائه. " وهم " رد على معنى " كل " لا على اللفظ، إلا على قراءة الحسن " ~~يرجعون " فقوله " وهم " رد على ضمير الجماعة في " يرجعون ". وفى هذه الآية ~~نص على أن الثواب والعقاب متعلق بكسب الأعمال، وهو رد على الجبرية، وقد ~~تقدم. # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه ~~وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أنم يكتب كما علمه الله فليكتب ~~وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان الذي عليه ~~الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل واستشهدوا ~~شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء ~~أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ولا ~~تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند # PageV03P376 # الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها ~~بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها ms1215 وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضار كاتب ولا ~~شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شئ عليم ~~(282) فيه اثنتان وخمسون مسألة: # الأولى - قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين) الآية. قال ~~سعيد بن المسيب (1): بلغني أن أحدث القرآن بالعرش آية الدين. وقال ابن ~~عباس: هذه الآية نزلت في السلم خاصة. معناه أن سلم أهل المدينة كان سبب ~~الآية، ثم هي تتناول جميع المداينات إجماعا. وقال ابن خويز منداد: إنها ~~تضمنت ثلاثين حكما. وقد استدل بها بعض علمائنا على جواز التأجيل في القروض، ~~على ما قال مالك، إذ لم يفصل بين القرض وسائر العقود في المداينات. وخالف ~~في ذلك الشافعية وقالوا: الآية ليس فيها جواز التأجيل في سائر الديون، ~~وإنما فيها الامر بالاشهاد إذا كان دينا مؤجلا، ثم يعلم بدلالة أخرى جواز ~~التأجيل في الدين وامتناعه. # الثانية - قوله تعالى: (بدين) تأكيد، مثل قوله " ولا طائر يطير بجناحيه ~~(2) ". # " فسجد الملائكة كلهم أجمعون (3) ". وحقيقة الدين عبارة عن كل معاملة كان ~~أحد العوضين فيها نقدا والآخر في الذمة نسيئة، فإن العين عند العرب ما كان ~~حاضرا، والدين ما كان غائبا، قال الشاعر: # وعدتنا بدرهمينا طلاء * وشواء معجلا غير دين وقال آخر: # لترم بي المنايا حيث شاءت * إذا لم ترم بي في الحفرتين إذا ما أوقدوا ~~حطبا ونارا * فذاك الموت نقدا غير دين وقد بين الله تعالى هذا المعنى بقوله ~~الحق " إلى أجل مسمى ". # PageV03P377 # الثالثة - قوله تعالى: (إلى أجل مسمى) قال ابن المنذر: دل قول الله " إلى ~~أجل مسمى " على أن السلم إلى الاجل المجهول غير جائز، ودلت سنة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على مثل معنى كتاب الله تعالى. ثبت أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قدم المدينة وهم يستلفون في الثمار السنتين والثلاث، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من أسلف في تمر فليسلف في كيل معلوم ووزن ~~معلوم إلى أجل معلوم " رواه ابن عباس. أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما. # وقال ابن عمر: كان أهل ms1216 الجاهلية يتبايعون لحم الجزور إلى حبل الحبلة. ~~وحبل الحبلة: # أن تنتج الناقة ثم تحمل التي نتجت. فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن ذلك. وأجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن السلم الجائز أن يسلم ~~الرجل إلى صاحبه في طعام معلوم موصوف، من طعام أرض عامة لا يخطئ مثلها. ~~بكيل معلوم، إلى أجل معلوم بدنانير أو دراهم معلومة، يدفع ممن ما أسلم فيه ~~قبل أن يفترقا من مقامهما الذي تبايعا فيه، وسميا المكان الذي يقبض فيه ~~الطعام. فإذا فعلا ذلك وكان جائز الامر كان سلما صحيحا لا أعلم أحدا من أهل ~~العلم يبطله. # قلت: وقال علماؤنا: إن السلم إلى الحصاد والجذاذ والنيروز والمهرجان ~~جائز، إذ ذاك يختص بوقت وزمن معلوم. # الرابعة - حد علماؤنا رحمة الله عليهم السلم فقالوا: هو بيع معلوم في ~~الذمة محصور بالصفة بعين حاضرة أو ما هو في حكمها إلى أجل معلوم. فتقييده ~~بمعلوم في الذمة يفيد التحرز من المجهول، ومن السلم في الأعيان المعينة، ~~مثل الذي كانوا يستلفون في المدينة حين قدم عليهم النبي عليه السلام فإنهم ~~كانوا يستلفون في ثمار نخيل بأعيانها، فنهاهم عن ذلك لما فيه من الغرر، إذ ~~قد تخلف تلك الأشجار فلا تثمر شيئا. # وقولهم " محصور بالصفة " تحرز عن المعلوم على الجملة دون التفصيل، كما لو ~~أسلم في تمر أو ثياب أو حيتان ولم يبين نوعها ولا صفتها المعينة. # وقولهم " بعين حاضرة " تحرز من الدين بالدين. وقولهم " أوما هو في حكمها ~~" تحرز من اليومين والثلاثة التي يجوز تأخير رأس مال السلم إليه، فإنه يجوز ~~تأخيره عندنا ذلك القدر، بشرط PageV03P378 # وبغير شرط لقرب ذلك، ولا يجوز اشتراطه عليها. ولم يجز الشافعي ولا الكوفي ~~تأخير رأس مال السلم عن العقد والافتراق، ورأوا أنه كالصرف. ودليلنا أن ~~البابين مختلفان بأخص أوصافهما، فإن الصرف بابه ضيق كثرت فيه الشروط بخلاف ~~السلم فإن شوائب المعاملات عليه أكثر. والله أعلم. # وقولهم " إلى أجل معلوم " تحرز من السلم الحال فإنه لا يجوز على المشهور ~~وسيأتي. ms1217 # ووصف الاجل بالمعلوم تحرز من الاجل المجهول الذي كانوا في الجاهلية ~~يسلمون إليه. # الخامسة - السلم والسلف عبارتان عن معنى واحد وقد جاءا في الحديث، غير أن ~~الاسم الخاص بهذا الباب " السلم " لان السلف يقال على القرض. والسلم بيع من ~~البيوع الجائزة بالاتفاق، مستثنى من نهيه عليه السلام عن بيع ما ليس عندك. ~~وأرخص في السلم، لان السلم لما كان بيع معلوم في الذمة كان بيع غائب تدعو ~~إليه ضرورة كل واحد من المتابعين، فإن صاحب رأس المال محتاج إلى أن يشترى ~~الثمرة، وصاحب الثمرة محتاج إلى ثمنها قبل إبانها لينفقه عليها، فظهر أن ~~بيع السلم من المصالح الحاجية، وقد سماه الفقهاء بيع المحاويج، فإن جاز ~~حالا بطلت هذه الحكمة وارتفعت هذه المصلحة، ولم يكن لاستثنائه من بيع ما ~~ليس عندك فائدة. والله أعلم. # السادسة - في شروط السلم المتفق عليها والمختلف فيها وهي تسعة: ستة في ~~المسلم فيه، وثلاثة في رأس مال السلم. أما الستة التي في المسلم فيه فأن ~~يكون في الذمة، وأن يكون موصوفا، وأن يكون مقدرا، وأن يكون مؤجلا، وأن يكون ~~الاجل معلوما، وأن يكون موجودا عند محل الاجل. وأما الثلاثة التي في رأس ~~مال السلم فأن يكون معلوم الجنس، مقدرا، نقدا. وهذه الشروط الثلاثة التي في ~~رأس المال متفق عليها إلا النقد حسب ما تقدم. # قال ابن العربي: وأما الشرط الأول وهو أن يكون في الذمة فلا إشكال في أن ~~المقصود منه كونه في الذمة، لأنه مداينة، ولولا ذلك لم يشرع دينا ولا قصد ~~الناس إليه ربحا ورفقا. # وعلى ذلك القول اتفق الناس. بيد أن مالكا قال: لا يجوز السلم في المعين ~~(1) إلا بشرطين: # PageV03P379 # أحدهما أن يكون قرية مأمونة، والثاني أن يشرع في أخذه كاللبن من الشاة ~~والرطب من النخلة، ولم يقل ذلك أحد سواه. وهاتان المسألتان صحيحتان في ~~الدليل، لان التعيين امتنع في السلم مخافة المزابنة والغرر، لئلا يتعذر عند ~~المحل. وإذا كان الموضع مأمونا لا يتعذر وجود ما فيه في الغالب جاز ذلك، إذ ~~لا ms1218 يتيقن ضمان العواقب على القطع في مسائل الفقه، ولا بد من احتمال الغرر ~~اليسير، وذلك كثير في مسائل الفروع، تعدادها في كتب المسائل. وأما السلم في ~~اللبن والرطب مع الشروع في أخذه فهي مسألة مدنية اجتمع عليها أهل المدينة، ~~وهي مبنية على قاعدة المصلحة، لان المرء يحتاج إلى أخذ اللبن والرطب مياومة ~~ويشق أن يأخذ كل يوم ابتداء، لان النقد قد لا يحضره ولأن السعر قد يختلف ~~عليه، وصاحب النخل واللبن محتاج إلى النقد، لان الذي عنده عروض لا يتصرف ~~له. فلما اشتركا في الحاجة رخص لهما في هذه المعاملة قياسا على العرايا ~~وغيرها من أصول الحاجات والمصالح. وأما الشرط الثاني وهو أن يكون موصوفا ~~فمتفق عليه، وكذلك الشرط الثالث. والتقدير يكون من ثلاثة أوجه: الكيل، ~~والوزن، والعدد، وذلك ينبنى على العرف، وهو إما عرف الناس وإما عرف الشرع. # وأما الشرط الرابع وهو أن يكون مؤجلا فاختلف فيه، فقال الشافعي: يجوز ~~السلم الحال، ومنعه الأكثر من العلماء. قال ابن العربي: واضطربت المالكية ~~في تقدير الاجل حتى ردوه إلى يوم، حتى قال بعض علمائنا: السلم الحال جائز. ~~والصحيح أنه لا بد من الاجل فيه، لان المبيع على ضربين: معجل وهو العين، ~~ومؤجل. فإن كان حالا ولم يكن عند المسلم إليه فهو من باب: بيع ما ليس عندك، ~~فلا بد من الاجل حتى يخلص كل عقد على صفته وعلى شروطه، وتتنزل الأحكام ~~الشرعية منازلها. وتحديده عند علمائنا مدة تختلف الأسواق في مثلها. # وقول الله تعالى: " إلى أجل مسمى " وقوله عليه السلام: " إلى أجل معلوم " ~~يغنى عن قول كل قائل. # قلت - الذي أجازه علماؤنا من السلم الحال ما تختلف فيه البلدان من ~~الأسعار، فيجوز السلم فيما كان بينه وبينه يوم أو يومان أو ثلاثة. فأما في ~~البلد الواحد فلا، لان سعره واحد، PageV03P380 # والله أعلم. وأما الشرط الخامس وهو أن يكون الاجل معلوما فلا خلاف فيه ~~بين الأمة، لوصف الله تعالى ونبيه الاجل بذلك. وانفرد مالك دون الفقهاء ~~بالامصار بجواز البيع إلى الجذاذ والحصاد، ms1219 لأنه رآه معلوما. وقد مضى القول ~~في هذا عند قوله تعالى: " يسألونك عن الأهلة (1) ". وأما الشرط السادس وهو ~~أن يكون موجودا عند المحل فلا خلاف فيه بين الأمة أيضا، فإن انقطع المبيع ~~عند محل الاجل بأمر من الله تعالى انفسخ العقد عند كافة العلماء. # السابعة - ليس من شرط السلم أن يكون المسلم إليه مالكا للمسلم فيه خلافا ~~لبعض السلف، لما رواه البخاري عن محمد بن المجالد قال: بعثني عبد الله بن ~~شداد وأبو بردة إلى عبد الله بن أبي أوفى فقالا: سله هل كان أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يسلفون في الحنطة؟ ~~فقال عبد الله: كنا نسلف نبيط (4) أهل الشام في الحنطة والشعير والزيت في ~~كيل معلوم إلى أجل معلوم. قلت: إلى من كان أصله عنده؟ قال: # ما كنا نسألهم عن ذلك. ثم بعثاني إلى عبد الرحمن بن أبزى فسألته فقال: ~~كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يسلفون على عهد النبي صلى الله عليه ~~وسلم ولم نسألهم ألهم حرث أم لا؟. # وشرط أبو حنيفة وجود المسلم فيه من حين العقد إلى حين الاجل، مخافة أن ~~يطلب المسلم فيه فلا يوجد فيكون ذلك غررا، وخالفه سائر الفقهاء وقالوا: ~~المراعى وجوده عند الاجل. # وشرط الكوفيون والثوري أن يذكر موضع القبض فيما له حمل ومؤنة وقالوا: ~~السلم فاسد إذا لم يذكر موضع القبض. وقال الأوزاعي: هو مكروه. وعندنا لو ~~سكتوا عنه لم يفسد العقد، ويتعين موضع القبض، وبه قال أحمد وإسحاق وطائفة ~~من أهل الحديث، لحديث ابن عباس فإنه ليس فيه ذكر المكان الذي يقبض فيه ~~السلم، ولو كان من شروطه لبينه النبي صلى الله عليه وسلم كما بين الكيل ~~والوزن والأجل، ومثله ابن أبي أوفى. # PageV03P381 # الثامنة - روى أبو داود عن سعد (يعنى الطائي) عن عطية بن سعد عن أبي سعيد ~~الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من أسلف في شئ فلا يصرفه ~~إلى غيره ". قال أبو محمد عبد الحق بن ms1220 عطية: هو العوفي (1) ولا يحتج أحد ~~بحديثه، وإن كان الأجلة قد رووا عنه. قال مالك: الامر عندنا فيمن أسلف في ~~طعام بسعر معلوم إلى أجل مسمى فحل الاجل فلم يجد المبتاع عند البائع وفاء ~~مما ابتاعه منه فأقاله، أنه لا ينبغي له أن يأخذ منه إلا ورقه أو ذهبه أو ~~الثمن الذي دفع إليه بعينه، وأنه لا يشترى منه بذلك الثمن شيئا حتى يقبضه ~~منه، وذلك أنه إذا أخذ غير الثمن الذي دفع إليه أو صرفه في سلعة غير الطعام ~~الذي ابتاع منه فهو بيع الطعام قبل أن يستوفى. قال مالك: وقد نهي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام قبل أن يستوفى. # التاسعة - قوله تعالى: (فاكتبوه) يعنى الدين والأجل. ويقال: أمر بالكتابة ~~ولكن المراد الكتابة والاشهاد، لان الكتابة بغير شهود لا تكون حجة. ويقال: ~~أمرنا بالكتابة لكيلا ننسى. وروى أبو داود الطيالسي في مسنده عن حماد بن ~~سلمة عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في قول الله عز وجل " إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى ~~فاكتبوه " إلى آخر الآية: " إن أول من جحد آدم عليه السلام إن الله أراه ~~ذريته فرأى رجلا أزهر ساطعا نوره فقال يا رب من هذا قال هذا ابنك داود قال ~~يا رب فما عمره قال ستون سنة قال يا رب زده في عمره فقال لا إلا أن تزيده ~~من عمرك قال وما عمري قال ألف سنة قال آدم فقد وهبت له أربعين سنة قال فكتب ~~الله عليه كتابا وأشهد عليه ملائكته فلما حضرته الوفاة جاءته الملائكة قال ~~إنه بقى من عمري أربعون سنة، قالوا إنك قد وهبتها لابنك داود قال ما وهبت ~~لاحد شيئا فأخرج الله تعالى الكتاب وشهد عليه ملائكته - في رواية: وأتم ~~لداود مائة سنة ولآدم عمره ألف سنة ". خرجه الترمذي أيضا. وفى قوله " ~~فاكتبوه " إشارة ظاهرة إلى أنه يكتبه بجميع صفته المبينة له # PageV03P382 # المعربة عنه، للاختلاف ms1221 المتوهم بين المتعاملين، المعرفة للحاكم ما يحكم ~~به عند ارتفاعهما إليه. # والله أعلم. # العاشرة - ذهب بعض الناس إلى أن كتب الديون واجب على أربابها، فرض بهذه ~~الآية، بيعا كان أو قرضا، لئلا يقع فيه نسيان أو جحود، وهو اختيار الطبري. ~~وقال ابن جريج: # من ادان فليكتب، ومن باع فليشهد. وقال الشعبي: كانوا يرون أن " قوله فإن ~~أمن " ناسخ لامره بالكتب. وحكى نحوه ابن جريج، وقاله ابن زيد، وروى عن أبي ~~سعيد الخدري. # وذهب الربيع إلى أن ذلك واجب بهذه الألفاظ، ثم خففه الله تعالى بقوله: " ~~فإن أمن بعضكم بعضا ". وقال الجمهور: الامر بالكتب ندب إلى حفظ الأموال ~~وإزالة الريب، وإذا كان الغريم تقيا فما يضره الكتاب، وإن كان غير ذلك ~~فالكتاب ثقاف (1) في دينه وحاجة صاحب الحق. قال بعضهم: إن أشهدت فحزم، وإن ~~ائتمنت ففي حل وسعة. ابن عطية: # وهذا هو القول الصحيح. ولا يترتب نسخ في هذا، لان الله تعالى ندب إلى ~~الكتاب فيما للمرء أن يهبه ويتركه بإجماع، فندبه إنما هو على جهة الحيطة ~~للناس. # الحادية عشرة - قوله تعالى: (وليكتب بينكم كاتب بالعدل) قال عطاء وغيره: # واجب على الكاتب أن يكتب، وقال الشعبي، وذلك إذا لم يوجد كاتب سواه فواجب ~~عليه أن يكتب. السدى: واجب مع الفراغ. وحذفت اللام من الأول وأثبتت في ~~الثاني، لان الثاني غائب والأول للمخاطب. وقد ثبتت في المخاطب، ومنه قوله ~~تعالى: " فلتفرحوا (2) " بالتاء. وتحذف في الغائب، ومنه: # محمد تفد نفسك كل نفس * إذا ما خفت من شئ تبالا الثانية عشرة - قوله ~~تعالى: (بالعدل) أي بالحق والمعدلة، أي لا يكتب لصاحب الحق أكثر مما قاله ~~ولا أقل. وإنما قال " بينكم " ولم يقل أحدكم، لأنه لما كان الذي له الدين ~~يتهم في الكتابة الذي عليه الدين وكذلك بالعكس شرع الله سبحانه كاتبا ~~غيرهما يكتب بالعدل لا يكون في قلبه ولا قلمه موادة (3) لأحدهما على الآخر. ~~وقيل: إن الناس لما كانوا يتعاملون # PageV03P383 # حتى لا يشذ أحدهم عن المعاملة، وكان منهم من يكتب ومن لا يكتب، أمر ms1222 الله ~~سبحانه أن يكتب بينهم كاتب بالعدل. # الثالثة عشرة - الباء في قوله تعالى " بالعدل " متعلقة بقوله: " وليكتب " ~~وليست متعلقة ب‍ " كاتب " لأنه كان يلزم ألا يكتب وثيقة إلا العدل في نفسه، ~~وقد يكتبها الصبي والعبد والمتحوط (1) إذا أقاموا فقهها. أما المنتصبون (2) ~~لكتبها فلا يجوز للولاة أن يتركوهم إلا عدولا مرضيين. قال مالك رحمه الله ~~تعالى: لا يكتب الوثائق بين الناس إلا عارف بها عدل في نفسه مأمون، لقوله ~~تعالى: " وليكتب بينكم كاتب بالعدل ". # قلت: فالباء على هذا متعلقة ب‍ " كاتب " أي ليكتب بينكم كاتب عدل، ف‍ " ~~بالعدل " في موضع الصفة. # الرابعة عشرة - قوله تعالى: (ولا يأب كاتب أن يكتب) نهي الله الكاتب عن ~~الاباء. # واختلف الناس في وجوب الكتابة على الكاتب والشهادة على الشاهد، فقال ~~الطبري والربيع: واجب على الكاتب إذا أمر أن يكتب. وقال الحسن: ذلك واجب ~~عليه في الموضع الذي لا يقدر على كاتب غيره، فيضر صاحب الدين إن امتنع، فإن ~~كان كذلك فهو فريضة، وإن قدر على كاتب غيره فهو في سعة إذا قام به غيره. ~~السدى: واجب عليه في حال فراغه، وقد تقدم. وحكى المهدوي عن الربيع والضحاك ~~أن قوله " ولا يأب " منسوخ بقوله " ولا يضار كاتب ولا شهيد ". # قلت: هذا يتمشى على قول من رأى أو ظن أنه قد كان وجب في الأول على كل من ~~اختاره المتبايعان أن يكتب، وكان لا يجوز له أن يمتنع حتى نسخه قوله تعالى: ~~" ولا يضار كاتب ولا شهيد " وهذا بعيد، فإنه لم يثبت وجوب ذلك على كل من ~~أراده المتبايعان كائنا من # PageV03P384 # كان. ولو كانت الكتابة واجبة ما صح الاستئجار بها، لان الإجارة على فعل ~~الفروض باطلة، ولم يختلف العلماء في جواز أخذ الأجرة على كتب الوثيقة. ابن ~~العربي: والصحيح أنه أمر إرشاد فلا يكتب حتى يأخذه حقه. وأبى يأبى شاذ، ولم ~~يجئ إلا قلى يقلى وأبى يأبى وغسى (1) يغسى وجبى الخراج يجبى، وقد تقدم. # الخامسة عشرة - قوله تعالى: (كما علمه الله فليكتب) الكاف في " كما " ~~متعلقة بقوله ms1223 " أن يكتب " المعنى كتبا كما علمه الله. ويحتمل أن تكون ~~متعلقة بما في قوله " ولا يأب " من المعنى، أي كما أنعم الله عليه بعلم ~~الكتابة فلا يأب هو وليفضل كما أفضل الله عليه. ويحتمل أن يكون الكلام على ~~هذا المعنى تاما عند قوله " أن يكتب " ثم يكون " كما علمه الله " ابتداء ~~كلام، وتكون الكاف متعلقة بقوله " فليكتب ". # السادسة عشرة - قوله تعالى: (وليملل الذي عليه الحق) وهو المديون المطلوب ~~يقر على نفسه بلسانه ليعلم ما عليه. والاملاء والاملال لغتان، أمل وأملى، ~~فأمل لغة أهل الحجاز وبنى أسد، وتميم تقول: أمليت. وجاء القرآن باللغتين، ~~قال عز وجل: " فهي تملى عليه بكرة وأصيلا (2) ". والأصل أمللت، أبدل من ~~اللام ياء لأنه أخف. فأمر الله تعالى الذي عليه الحق بالاملاء، لان الشهادة ~~إنما تكون بسبب إقراره. وأمره تعالى بالتقوى فيما يمل، ونهي عن أن يبخس ~~شيئا من الحق. والبخس النقص. ومن هذا المعنى قوله تعالى: # " ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن (3) ". # السابعة عشرة - قوله تعالى: (فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا) قال ~~بعض الناس: أي صغيرا. وهو خطأ فإن السفيه قد يكون كبيرا على ما يأتي بيانه. ~~" أو ضعيفا " أي كبيرا لا عقل له. (أو لا يستطيع أن يمل) جعل الله الذي ~~عليه الحق أربعة أصناف: # مستقل بنفسه يمل، وثلاثة أصناف لا يملون وتقع نوازلهم في كل زمن، وكون ~~الحق يترتب لهم في جهات سوى المعاملات كالمواريث إذا قسمت وغير ذلك، وهم ~~السفيه والضعيف والذي لا يستطيع أن يمل. فالسفيه المهلهل الرأي في المال ~~الذي لا يحسن الاخذ لنفسه ولا الاعطاء # PageV03P385 # منها، مشبه بالثوب السفيه وهو الخفيف النسج. والبذئ اللسان يسمى سفيها، ~~لأنه لا تكاد تتفق البذاءة إلا في جهال الناس وأصحاب العقول الخفيفة. ~~والعرب تطلق السفه على ضعف العقل تارة وعلى ضعف البدن أخرى، قال الشاعر: # نخاف أن تسفه أحلامنا * ويجهل الدهر مع الحالم وقال ذو الرمة: # مشين كما اهتزت رماح تسفهت * أعاليها مر الرياح النواسم أي استضعفها ms1224 ~~واستلانها فحركها. وقد قالوا: الضعف بضم الضاد في البدن وبفتحها في الرأي، ~~وقيل: هما لغتان. والأول أصح، لما روى أبو داود عن أنس بن مالك أن رجلا على ~~عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان يبتاع وفى عقله ضعف فأتى أهله نبي الله ~~صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا نبي الله، احجر على فلان فإنه يبتاع وفى ~~عقله ضعف. فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فنهاه عن البيع، فقال: يا رسول ~~الله، إني لا أصبر عن البيع ساعة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن ~~كنت غير تارك البيع فقل ها وها ولا خلابة (1) ". وأخرجه أبو عيسى محمد بن ~~عيسى السلمي الترمذي من حديث أنس وقال: هو صحيح، وقال: إن رجلا كان في عقله ~~ضعف، وذكر الحديث. وذكره البخاري في التاريخ وقال فيه: " إذا بايعت فقل لا ~~خلابة وأنت في كل سلعة ابتعتها بالخيار ثلاث ليال ". وهذا الرجل هو حبان ~~(2) بن منقذ بن عمرو الأنصاري والد يحيى وواسع ابني حبان: وقيل: وهو منقذ ~~جد يحيى وواسع شيخي مالك ووالده حبان، أتى عليه مائة وثلاثون سنة، وكان شج ~~في بعض مغازيه مع النبي صلى الله عليه وسلم مأمومة (3) خبل منها عقله ~~ولسانه: وروى الدارقطني قال: كان حبان بن منقذ رجلا ضعيفا ضرير البصر وكان ~~قد سفع (4) في رأسه مأمومة، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم له الخيار ~~فيما يشترى ثلاثة أيام، وكان قد ثقل لسانه، فقال له رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " بع وقل لا خلابة " فكنت # PageV03P386 # أسمعه يقول: لا خذابة لا خذابة. أخرجه من حديث ابن عمرو. الخلابة: ~~الخديعة، ومنه قولهم: " إذا لم تغلب فاخلب (1) ". # الثامنة عشرة - اختلف العلماء فيمن يخدع في البيوع لقلة خبرته وضعف عقله ~~فهل يحجر عليه أولا، بالحجر عليه أحمد وإسحاق. وقال آخرون: لا يحجر عليه. ~~والقولان في المذهب، والصحيح الأول، لهذه الآية، ولقوله في الحديث: " يا ~~نبي الله أحجر على فلان ". # وإنما ترك الحجر عليه لقوله: " يا نبي الله إني لا أصبر ms1225 عن البيع ". ~~فأباح له البيع وجعله خاصا به، لان من يخدع في البيوع ينبغي أن يحجر عليه ~~لا سيما إذا كان ذلك لخبل عقله. ومما يدل على الخصوصية ما رواه محمد بن ~~إسحاق قال: حدثني محمد بن يحيى بن حبان قال: هو جدي منقذ بن عمرو وكان رجلا ~~قد أصابته آمة في رأسه فكسرت لسانه ونازعته عقله، وكان لا يدع التجارة ولا ~~يزال يغبن، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقال: # " إذا بعت فقل لا خلابة ثم أنت في كل سلعة تبتاعها بالخيار ثلاث ليال فإن ~~رضيت فأمسك وإن سخطت فأرددها على صاحبها ". وقد كان عمر عمرا طويلا، عاش ~~ثلاثين ومائة سنة، وكان في زمن عثمان بن عفان رضي الله عنه حين فشا الناس ~~وكثروا، يبتاع البيع في السوق ويرجع به إلى أهله وقد غبن غبنا قبيحا، ~~فيلومونه ويقولون له تبتاع؟ فيقول: أنا بالخيار، إن رضيت أخذت وإن سخطت ~~رددت، قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جعلني بالخيار ثلاثا. فيرد ~~السلعة على صاحبها من الغد وبعد الغد، فيقول: والله لا أقبلها، قد أخذت ~~سلعتي وأعطيتني دراهم، قال فيقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ~~جعلني بالخيار ثلاثا. # فكان يمر الرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول للتاجر: ~~ويحك! إنه قد صدق، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان جعله بالخيار ~~ثلاثا. أخرجه الدارقطني. # وذكره أبو عمر في الاستيعاب وقال: ذكره البخاري في التاريخ عن عياش بن ~~الوليد عن عبد الاعلى عن ابن إسحاق. # PageV03P387 # التاسعة عشرة - قوله تعالى: (أو ضعيفا) الضعيف هو المدخول العقل الناقص ~~الفطرة (1) العاجز عن الاملاء، إما لعيه (2) أو لخرسه أو جهله بأداء ~~الكلام، وهذا أيضا قد يكون وليه أبا أو وصيا. والذي لا يستطيع أن يمل هو ~~الصغير، ووليه وصيه أو أبو ه والغائب عن موضع الاشهاد، إما لمرض أو لغير ~~ذلك من العذر. ووليه وكيله. وأما الأخرس فيسوغ أن يكون من الضعفاء، والأولى ms1226 ~~أنه ممن لا يستطيع. فهذه أصناف تتميز، وسيأتي في " النساء (3) " بيانها ~~والكلام عليها إن شاء الله تعالى. # الموفية عشرين - قوله تعالى: (فليملل وليه بالعدل) ذهب الطبري إلى أن ~~الضمير في " وليه " عائد على " الحق " وأسند في ذلك عن الربيع، وعن ابن ~~عباس. وقيل: هو عائد على " الذي عليه الحق " وهو الصحيح. وما روى عن ابن ~~عباس لا يصح. وكيف تشهد البينة على شئ وتدخل مالا في ذمة السفيه بإملاء ~~الذي له الدين! هذا شئ ليس في الشريعة. # إلا أن يريد قائله: إن الذي لا يستطيع أن يمل لمرض أو كبر سن لثقل لسانه ~~عن الاملاء أو لخرس، وإذا كان كذلك فليس على المريض ومن ثقل لسانه عن ~~الاملاء لخرس ولى عند أحد العلماء، مثل ما ثبت على الصبي والسفيه عند من ~~يحجر عليه. فإذا كان كذلك فليمل صاحب الحق بالعدل ويسمع الذي عجز، فإذا كمل ~~الاملاء أقر به. وهذا معنى لم تعن الآية إليه: ولا يصح هذا إلا فيمن لا ~~يستطيع أن يمل لمرض ومن ذكر معه. # الحادية والعشرون - لما قال الله تعالى: (فليملل الذي عليه الحق) دل ذلك ~~على أنه مؤتمن فيما يورده ويصدره، فيقتضى ذلك قبول قول الراهن مع يمينه إذا ~~اختلف هو والمرتهن في مقدار الدين والرهن قائم، فيقول الراهن رهنت بخمسين ~~والمرتهن يدعى مائة، فالقول قول الراهن والرهن قائم، وهو مذهب أكثر ~~الفقهاء: سفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي، واختاره ابن ~~المنذر قال: لان المرتهن مدع للفضل، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ~~البينة على المدعى واليمين على المدعى عليه ". وقال مالك: القول قول ~~المرتهن فيما بينه وبين قيمة الرهن ولا يصدق على أكثر من ذلك. فكأنه يرى أن ~~الرهن ويمينه شاهد # PageV03P388 # للمرتهن، وقوله تعالى " فليملل الذي عليه الحق " رد عليه. فإن الذي عليه ~~الحق هو الراهن. # وستأتي هذه المسألة. وإن قال قائل: إن الله تعالى جعل الرهن بدلا عن ~~الشهادة والكتاب، والشهادة دالة على صدق المشهود له فيما بينه وبين قيمة ~~الرهن، فإذا بلغ ms1227 قيمته فلا وثيقة في الزيادة. قيل له: الرهن لا يدل على أن ~~قيمته تجب أن تكون مقدار الدين، فإنه ربما رهن الشئ بالقليل والكثير. نعم ~~لا ينقص الرهن غالبا عن مقدار الدين، فأما أن يطابقه فلا. # وهذا القائل يقول: يصدق المرتهن مع اليمين في مقدار الدين إلى أن يساوى ~~قيمة الرهن. # وليس العرف على ذلك فربما نقص الدين عن الرهن وهو الغالب، فلا حاصل ~~لقولهم هذا. # الثانية والعشرون - وإذا ثبت أن المراد الولي ففيه دليل على أن إقراره ~~جائز على يتيمه، لأنه إذا أملاه فقد نفذ قوله عليه فيما أملاه. # الثالثة والعشرون - وتصرف السفيه (1) المحجور عليه دون إذن وليه فاسد ~~إجماعا مفسوخ أبدا لا يوجب حكما ولا يؤثر شيئا. فإن تصرف سفيه ولا حجر عليه ~~ففيه خلاف يأتي بيانه في " النساء " إن شاء الله تعالى. # الرابعة والعشرون - قوله تعالى: (واستشهدوا شهيدين من رجالكم) الاستشهاد ~~طلب الشهادة. واختلف الناس هل هي فرض أو ندب، والصحيح أنه ندب على ما يأتي ~~بيانه إن شاء الله تعالى. # الخامسة والعشرون - قوله تعالى: (شهيدين) رتب الله سبحانه الشهادة بحكمته ~~في الحقوق المالية والبدنية والحدود وجعل في كل فن شهيدين إلا في الزنا، ~~على ما يأتي بيانه في سورة " النساء ". وشهيد بناء مبالغة، وفى ذلك دلالة ~~على من قد شهد وتكرر ذلك منه، فكأنه إشارة إلى العدالة. والله أعلم. # السادسة والعشرون - قوله تعالى: (من رجالكم) نص في رفض الكفار والصبيان ~~والنساء، وأما العبيد فاللفظ يتناولهم. وقال مجاهد: المراد الأحرار، ~~واختاره القاضي أبو إسحاق وأطنب فيه. وقد اختلف العلماء في شهادة العبيد، ~~فقال شريح وعثمان البتي وأحمد وإسحاق # PageV03P389 # وأبو ثور: شهادة العبد جائزة إذا كان عدلا، وغلبوا لفظ الآية. وقال مالك ~~وأبو حنيفة والشافعي وجمهور العلماء: لا تجوز شهادة العبد، وغلبوا نقص ~~الرق، وأجازها الشعبي والنخعي في الشئ اليسير. والصحيح قول الجمهور، لان ~~الله تعالى قال: " يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين " وساق الخطاب إلى ~~قوله " من رجالكم " فظاهر الخطاب يتناول الذين يتداينون، والعبيد لا يملكون ms1228 ~~ذلك دون إذن السادة. فإن قالوا: إن خصوص أول الآية لا يمنع التعلق بعموم ~~آخرها. قيل لهم: هذا يخصه قوله تعالى: " ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا " على ~~ما يأتي بيانه. وقوله " من رجالكم " دليل على أن الأعمى من أهل الشهادة، ~~لكن إذا علم يقينا، مثل ما روى عن ابن عباس قال: سئل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن الشهادة فقال: " ترى هذه الشمس فاشهد على مثلها أودع ". وهذا ~~يدل على اشتراط معاينة الشاهد لما يشهد به، لا من يشهد بالاستدلال الذي ~~يجوز أن يخطئ. نعم يجوز له وطئ امرأته إذا عرف صوتها، لان الاقدام على ~~الوطئ جائز بغلبة الظن، فلو زفت إليه امرأة وقيل: هذه امرأتك وهو لا يعرفها ~~جاز له وطؤها، ويحل له قبول هدية جاءته بقول الرسول. ولو أخبره مخبر عن زيد ~~بإقرار أو بيع أو قذف أو غصب لما جاز له إقامة الشهادة على المخبر عنه، لان ~~سبيل الشهادة اليقين، وفى غيرها يجوز استعمال غالب الظن، ولذلك قال الشافعي ~~وابن أبي ليلى وأبو يوسف: إذا علمه قبل العمى جازت الشهادة بعد العمى، ~~ويكون العمى الحائل بينه وبين المشهود عليه كالغيبة والموت في المشهود ~~عليه. فهذا مذهب هؤلاء. # والذي يمنع أداء الأعمى فيما تحمل بصيرا لا وجه له، وتصح شهادته بالنسب ~~الذي يثبت بالخبر المستفيض، كما يخبر عما تواتر حكمه من الرسول صلى الله ~~عليه وسلم. ومن العلماء من قبل شهادة الأعمى فيما طريقه الصوت، لأنه رأى ~~الاستدلال بذلك يترقى إلى حد اليقين، ورأى أن اشتباه الأصوات كاشتباه الصور ~~والألوان. وهذا ضعيف يلزم منه جواز الاعتماد على الصوت للبصير. # قلت: مذهب مالك في شهادة الأعمى على الصوت جائزة في الطلاق وغيره إذا عرف ~~الصوت. قال ابن قاسم: قلت لمالك: فالرجل يسمع جاره من وراء الحائط ولا ~~يراه، PageV03P390 # يسمعه يطلق امرأته فيشهد عليه وقد عرف الصوت؟ قال قال مالك: شهادته ~~جائزة. وقال ذلك علي بن أبي طالب والقاسم بن محمد وشريح الكندي والشعبي ~~وعطاء بن أبي رباح ms1229 ويحيى ابن سعيد وربيعة وإبراهيم النخعي ومالك والليث. # السابعة والعشرون - قوله تعالى: (فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان) ~~المعنى إن لم يأت الطالب برجلين فليأت برجل وامرأتين، هذا قول الجمهور. " ~~فرجل " رفع بالابتداء، " وامرأتان " عطف عليه والخبر محذوف. أي فرجل ~~وامرأتان يقومان مقامهما. ويجوز النصب في غير القرآن، أي فاستشهدوا رجلا ~~وامرأتين. وحكى سيبويه: إن خنجرا فخنجرا. # وقال قوم: بل المعنى فإن ولم يكن رجلان، أي لم يوجدا فلا يجوز استشهاد ~~المرأتين إلا مع عدم الرجال. قال ابن عطية: وهذا ضعيف، فلفظ الآية لا ~~يعطيه، بل الظاهر منه قول الجمهور، أي إن لم يكن المستشهد رجلين، أي إن ~~أغفل ذلك صاحب الحق أو قصده لعذر ما فليستشهد رجلا وامرأتين. فجعل تعالى ~~شهادة المرأتين مع الرجل جائزة مع وجود الرجلين في هذه الآية، ولم يذكرها ~~في غيرها، فأجيزت في الأموال خاصة في قول الجمهور، بشرط أن يكون معهما رجل. ~~وإنما كان ذلك في الأموال دون غيرها، لان الأموال كثر الله أسباب توثيقها ~~لكثرة جهات تحصيلها وعموم البلوى بها وتكررها، فجعل فيها التوثق تارة ~~بالكتبة وتارة بالاشهاد وتارة بالرهن وتارة بالضمان، وأدخل في جميع ذلك ~~شهادة النساء مع الرجال. ولا يتوهم عاقل أن قوله تعالى: " إذا تداينتم بدين ~~" يشتمل على دين المهر مع البضع، وعلى الصلح على دم العمد، فإن تلك الشهادة ~~ليست شهادة على الدين، بل هي شهادة على النكاح. وأجاز العلماء شهادتهن ~~منفردات فيما لا يطلع عليه غيرهن للضرورة. وعلى مثل ذلك أجيزت شهادة ~~الصبيان في الجراح فيما بينهم للضرورة. # وقد اختلف العلماء في شهادة الصبيان في الجراح وهي: # الثامنة والعشرون - فأجازها مالك ما لم يختلفوا ولم يفترقوا. ولا يجوز ~~أقل من شهادة اثنين منهم على صغير لكبير ولكبير على صغير. وممن كان يقضى ~~بشهادة الصبيان فيما بينهم من الجراح عبد الله بن الزبير. وقال مالك: وهو ~~الامر عندنا المجتمع عليه. ولم يجز الشافعي PageV03P391 # وأبو حنيفة وأصحابه (1) شهادتهم، لقوله تعالى: " من رجالكم " وقوله " ممن ~~ترضون " وقوله " ذوي عدل (2) منكم " وهذه ms1230 الصفات ليست في الصبي. # التاسعة والعشرون: لما جعل الله سبحانه شهادة امرأتين بدل شهادة رجل وجب ~~أن يكون حكمهما حكمه، فكماله أن يحلف (3) مع الشاهد عندنا، وعند الشافعي ~~كذلك، يجب أن يحلف مع شهادة امرأتين بمطلق هذه العوضية. وخالف في هذا أبو ~~حنيفة وأصحابه فلم يروا اليمين مع الشاهد وقالوا: إن الله سبحانه قسم ~~الشهادة وعددها، ولم يذكر الشاهد واليمين، فلا يجوز القضاء به، لأنه يكون ~~قسما زائدا (4) على ما قسمه الله، وهذه زيادة على النص، وذلك نسخ. وممن قال ~~بهذا القول الثوري والأوزاعي وعطاء والحكم بن عتيبة وطائفة. قال بعضهم: ~~الحكم باليمين مع الشاهد منسوخ الملك بن مروان، وقال: الحكم: بالقرآن. وزعم ~~عطاء أن أول من قضى به عبد القضاء باليمين والشاهد بدعة، وأول من حكم به ~~معاوية. وهذا كله غلط وظن لا يغنى من الحق شيئا، وليس من نفى وجهل كمن أثبت ~~وعلم! وليس في قول الله تعالى: " واستشهدوا شهيدين من رجالكم " الآية، ما ~~يرد به قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في اليمين مع الشاهد، ولا أنه لا ~~يتوصل إلى الحقوق ولا تستحق إلا بما ذكر فيها لاغير، فإن ذلك يبطل بنكول ~~المطلوب ويمين الطالب، فإن ذلك يستحق به المال إجماعا وليس في كتاب الله ~~تعالى، وهذا قاطع في الرد عليهم. قال مالك: # فمن الحجة على من قال ذلك القول أن يقال له: أرأيت لو أن رجلا ادعى على ~~رجل مالا أليس يحلف المطلوب ما ذلك الحق عليه؟ فإن حلف بطل ذلك الحق عنه، ~~وإن نكل عن اليمين حلف صاحب الحق، أن حقه لحق، وثبت حقه على صاحبه. فهذا ~~ممالا اختلاف فيه عند أحد من الناس ولا ببلد من البلدان، فبأي شئ أخذ هذا ~~وفى أي كتاب الله وجده؟ فمن أقر بهذا فليقر باليمين مع الشاهد. قال ~~علماؤنا: ثم العجب مع شهرة الأحاديث وصحتها بدعوا من عمل بها حتى نقضوا ~~حكمه واستقصروا رأيه (5)، مع أنه قد عمل بذلك الخلفاء الأربعة وأبى بن كعب ~~ومعاوية وشريح وعمر ms1231 بن عبد العزيز - وكتب به إلى عماله - # PageV03P392 # وإياس بن معاوية وأبو سلمة بن عبد الرحمن وأبو الزناد وربيعة، ولذلك قال ~~مالك: وإنه ليكفي من ذلك ما مضى من عمل السنة، أترى هؤلاء تنقض أحكامهم، ~~ويحكم ببدعتهم! # هذا إغفال شديد، ونظر غير سديد. روى الأئمة عن ابن عباس عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قضى باليمين مع الشاهد. قال عمرو بن دينار: في الأموال ~~خاصة، رواه سيف بن سليمان عن قيس بن سعد بن دينار عن ابن عباس. قال أبو ~~عمر: هذا أصح إسناد لهذا الحديث، وهو حديث لا مطعن لاحد في إسناده، ولا ~~خلاف بين أهل المعرفة بالحديث في أن رجال ثقات. قال يحيى القطان: سيف بن ~~سليمان ثبت، ما رأيت أحفظ منه. # وقال النسائي: هذا إسناد جيد، سيف ثقة، وقيس ثقة. وقد خرج مسلم حديث ابن ~~عباس هذا. قال أبو بكر البزار: سيف بن سليمان وقيس بن سعد ثقتان، ومن ~~بعدهما يستغنى عن ذكرهما لشهرتهما في الثقة والعدالة. ولم يأت عن أحد من ~~الصحابة أنه أنكر اليمين مع الشاهد، بل جاء عنهم القول به، وعليه جمهور أهل ~~العلم بالمدينة. واختلف فيه عن عروة بن الزبير وابن شهاب، فقال معمر: سألت ~~الزهري (1) عن اليمين مع الشاهد فقال: هذا شئ أحدثه الناس، لابد من شاهدين. ~~وقد روى عنه أنه أول ما ولى القضاء حكم بشاهد ويمين، وبه قال مالك وأصحابه ~~والشافعي وأتباعه وأحمد وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وداود بن علي وجماعة أهل ~~الأثر، وهو الذي لا يجوز عندي خلافه، لتواتر الآثار به عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وعمل أهل المدينة قرنا بعد قرن. وقال مالك: يقضى باليمين مع ~~الشاهد في كل البلدان، ولم يحتج في موطئه لمسألة غيرها. ولم يختلف عنه في ~~القضاء باليمين مع الشاهد ولا عن أحد من أصحابه بالمدينة ومصر وغيرهما، ولا ~~يعرف المالكيون في كل بلد غير ذلك من مذهبهم إلا عندنا بالأندلس، فإن يحيى ~~[بن يحيى (2)] زعم أنه لم ير الليث يفتى به ms1232 ولا يذهب إليه. وخالف يحيى ~~مالكا في ذلك مع مخالفته السنة والعمل بدار الهجرة. # ثم اليمين مع الشاهد زيادة حكم على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~كنهيه عن نكاح المرأة على عمتها وعلى خالتها مع قول الله تعالى: " وأحل لكم ~~ما وراء ذلكم (3) ". وكنهيه عن # PageV03P393 # أكل لحوم الحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع مع قوله: " قل لا أجد (1) ~~". وكالمسح على الخفين، والقرآن إنما ورد بغسل الرجلين أو مسحهما، ومثل هذا ~~كثير. ولو جاز أن يقال: إن القرآن نسخ حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~باليمين مع الشاهد، لجاز أن يقال: # إن القرآن في قوله عز وجل: " وأحل الله البيع وحرم الربا " وفى قوله: " ~~إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم (2) " ناسخ لنهيه عن المزابنة وبيع الغرر ~~وبيع ما لم يخلق، إلى سائر ما نهي عنه في البيوع، وهذا لا يسوغ لاحد، لان ~~السنة مبينة للكتاب. فإن قيل: إن ما ورد من الحديث قضية في عين فلا عموم. ~~قلنا: بل ذلك عبارة عن تقعيد هذه القاعدة، فكأنه قال: # أوجب رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكم باليمين مع الشاهد. ومما يشهد ~~لهذا التأويل ما رواه أبو داود في حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قضى بشاهد ويمين في الحقوق، ومن جهة القياس والنظر أنا وجدنا ~~اليمين أقوى من المرأتين، لأنهما لا مدخل لهما في اللعان واليمين تدخل في ~~اللعان. وإذا صحت السنة فالقول بها يجب، ولا تحتاج السنة إلى ما يتابعها ~~(3)، لان من خالفها محجوج بها. وبالله التوفيق. # الموفية ثلاثين - وإذا تقرر وثبت الحكم باليمين مع الشاهد، فقال القاضي ~~أبو محمد عبد الوهاب: ذلك في الأموال وما يتعلق بها دون حقوق الأبدان، ~~للاجماع على ذلك من كل قائل باليمين مع الشاهد. قال: لان حقوق الأموال أخفض ~~من حقوق الأبدان، بدليل (4) قبول شهادة النساء فيها. وقد اختلف قول مالك في ~~جراح العمد، هل يجب القود فيها بالشاهد واليمين؟ فيه روايتان: إحداهما أنه ~~يجب به ms1233 التخيير بين القود والدية. والأخرى أنه لا يجب به شئ، لأنه من حقوق ~~الأبدان. قال: وهو الصحيح. قال مالك في الموطأ: وإنما يكون ذلك في الأموال ~~خاصة، وقال عمرو بن دينار. وقال المازري (5): يقبل في المال المحض من غير ~~خلاف، ولا يقبل في النكاح والطلاق المحضين من غير خلاف. وإن كان مضمون ~~الشهادة # PageV03P394 # ما ليس بمال، ولكنه يؤدى إلى المال، كالشهادة بالوصية والنكاح بعد الموت، ~~حتى لا يطلب من ثبوتها إلا المال إلى غير ذلك، ففي قبوله اختلاف، فمن راعى ~~المال قبله كما يقبله في المال، ومن راعى الحال لم بقبله. وقال المهدوي: ~~شهادة النساء في الحدود غير جائزة في قول عامة الفقهاء، وكذلك في النكاح ~~والطلاق في قول أكثر العلماء، وهو مذهب مالك والشافعي وغيرهما، وإنما يشهدن ~~في الأموال. وكل مالا يشهدن فيه فلا يشهدن على شهادة غيرهن فيه، كان معهن ~~رجل أولم يكن، ولا ينقلن شهادة إلا مع رجل نقلن (1) عن رجل وامرأة. ويقضى ~~باثنتين منهن في كل مالا يحضره غيرهن كالولادة والاستهلال ونحو ذلك. # هذا كله مذهب مالك، وفى بعضه اختلاف. # الحادية والثلاثون - قوله تعالى: (ممن ترضون من الشهداء) في موضع رفع على ~~الصفة لرجل وامرأتين. قال ابن بكير وغيره: هذه مخاطبة للحكام. ابن عطية: ~~وهذا غير نبيل، وإنما الخطاب لجميع الناس، لكن المتلبس بهذه القضية إنما هم ~~الحكام، وهذا كثير في كتاب الله يعم الخطاب فيما يتلبس به البعض. # الثانية والثلاثون - لما قال والله تعالى: " ممن ترضون من الشهداء " دل ~~على أن في الشهود من لا يرضى، فيجئ من ذلك أن الناس ليسوا محمولين على ~~العدالة حتى تثبت لهم، وذلك معنى زائد على الاسلام، وهذا قول الجمهور. وقال ~~أبو حنيفة: كل مسلم ظاهر الاسلام مع السلامة من فسق ظاهر فهو عدل وإن كان ~~مجهول الحال. وقال شريح وعثمان البتي وأبو ثور: هم عدول المسلمين وإن كانوا ~~عبيدا. # قلت - فعمموا الحكم، ويلزم منه قبول قبول شهادة البدوي على القروي إذا ~~كان عدلا مرضيا وبه قال الشافعي ومن ms1234 وافقه، وهو من رجالنا وأهل ديننا. ~~وكونه بدويا ككونه من بلد آخر والعمومات في القرآن الدالة على قبول شهادة ~~العدول تسوى بين البدوي والقروي، قال الله تعالى " ممن ترضون من الشهداء " ~~وقال تعالى: " وأشهدوا ذوي عدل منكم (2) " ف‍ " منكم " خطاب للمسلمين. وهذا ~~يقتضى قطعا أن يكون معنى العدالة زائدا على الاسلام ضرورة، لان الصفة زائدة # PageV03P395 # على الموصوف، وكذلك " ممن ترضون " مثله، خلاف ما قال أبو حنيفة، ثم لا ~~يعلم كونه مرضيا حتى يختبر حاله، فيلزمه ألا يكتفي بظاهر الاسلام. وذهب ~~أحمد بن حنبل ومالك في رواية ابن وهب عنه إلى رد شهادة البدوي على القروي ~~لحديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا تجوز شهادة ~~بدوي على صاحب قرية ". والصحيح جواز شهادته إذا كان عدلا مرضيا، على ما ~~يأتي في " النساء (1) " و " براءة (2) " إن شاء الله تعالى. وليس في حديث ~~أبي هريرة فرق بين القروي في الحضر أو السفر، ومتى كان في السفر فلا خلاف ~~في [قبوله (3)]. # قال علماؤنا: العدالة هي الاعتدال في الأحوال الدينية، وذلك يتم بأن يكون ~~مجتنبا للكبائر محافظا على مروءته وعلى ترك الصغائر، ظاهر الأمانة غير ~~مغفل. وقيل: صفاء السريرة واستقامة السيرة في ظن المعدل، والمعنى متقارب. # الثالثة والثلاثون - لما كانت الشهادة ولاية عظيمة ومرتبة منيفة، وهي ~~قبول قول الغير على الغير، شرط تعالى فيها الرضا والعدالة. فمن حكم الشاهد ~~أن تكون له شمائل ينفرد بها وفضائل يتحلى بها حتى تكون له مزية على غيره، ~~توجب له تلك المزية رتبة الاختصاص بقبول قوله، ويحكم بشغل ذمة المطلوب ~~بشهادته. وهذا أدل دليل على جواز الاجتهاد والاستدلال بالامارات والعلامات ~~عند علمائنا على ما خفى من المعاني والاحكام. وسيأتي لهذا في سورة " يوسف ~~(4) " زيادة بيان إن شاء الله تعالى. وفيه ما يدل على تفويض الامر إلى ~~اجتهاد الحكام، فربما تفرس في الشاهد غفلة أو ريبة فيرد شهادته لذلك. # الرابعة والثلاثون - قال أبو حنيفة: يكتفى بظاهر الاسلام في الأموال دون ~~الحدود. # وهذه مناقضة تسقط كلامه وتفسد ms1235 عليه مرامه، لأننا نقول: حق من الحقوق. فلا ~~يكتفى في الشهادة عليه بظاهر الدين كالحدود، قاله ابن العربي. # الخامسة والثلاثين - وإذ قد شرط الله تعالى الرضا والعدالة في المداينة ~~كما بينا فاشتراطها في النكاح أولى، خلافا لأبي حنيفة حيث قال: أن النكاح ~~ينعقد بشهادة فاسقين. فنفى # PageV03P396 # الاحتياط المأمور به في الأموال عن النكاح، وهو أولى لما يتعلق به من ~~الحل والحرمة والحد والنسب. # قلت: قول أبي حنيفة في هذا الباب ضعيف جدا، لشرط الله تعالى الرضا ~~والعدالة، وليس يعلم كونه مرضيا بمجرد الاسلام، وإنما يعلم بالنظر في أحوال ~~حسب ما تقدم. ولا يغتر بظاهر قوله: أنا مسلم. فربما انطوى على ما يوجب رد ~~شهادته، مثل قوله تعالى: " ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد ~~الله على ما في قلبه " إلى قوله " والله لا يحب الفساد (1) ". وقال: " وإذا ~~رأيتهم تعجبك أجسامهم " الآية (2). # السادسة والثلاثون - قوله تعالى: (أن تضل إحداهما) قال أبو عبيد: معنى ~~تضل تنسى. # والضلال عن الشهادة إنما هو نسيان جزء منها وذكر جزء، ويبقى المرء حيران ~~بين ذلك ضالا. # ومن نسى الشهادة جملة فليس يقال: ضل فيها. وقرأ حمزة " إن " بكسر الهمزة ~~على معنى الجزاء، والفاء في قوله " فتذكر " جوابه، وموضع الشرط وجوابه رفع ~~على الصفة للمرأتين والرجل، وارتفع " تذكر " على الاستئناف، كما ارتفع قوله ~~" ومن عاد فينتقم الله منه (3) " هذا قول سيبويه. # ومن فتح " أن " فهي مفعول له والعامل [فيها (4)] محذوف. وانتصب " فتذكر " ~~على قراءة الجماعة عطفا على الفعل المنصوب بأن. قال النحاس: ويجوز " تضل " ~~بفتح التاء والضاد، ويجوز تضل بكسر التاء وفتح الضاد. فمن قال: " تضل " جاء ~~به على لغة من قال: ضللت تضل. # وعلى هذا تقول تضل فتكسر التاء لتدل على أن الماضي فعلت. وقرأ الجحدري ~~وعيسى ابن عمر " أن تضل " بضم التاء وفتح الضاد بمعنى تنسى، وهكذا حكى ~~عنهما أبو عمرو الداني. # وحكى النقاش عن الجحدري ضم التاء وكسر الضاد بمعنى أن تضل الشهادة. تقول: ~~أضللت الفرس والبعير إذا تلفا لك وذهبا فلم ms1236 تجدهما. # السابعة والثلاثون - قوله تعالى: (فتذكر) خفف الذال والكاف ابن كثير وأبو ~~عمرو، وعليه فيكون المعنى أن تردها ذكرا في الشهادة، لان شهادة المرأة نصف ~~شهادة، فإذا شهدتا صار مجموعهما كشهادة ذكر (5)، قال سفيان بن عيينة وأبو ~~عمرو بن العلاء. وفيه # PageV03P397 # بعد، إذ لا يحصل في مقابلة الضلال الذي معناه النسيان إلا الذكر، وهو ~~معنى قراءة الجماعة " فتذكر " بالتشديد، أي تنبهها إذا غفلت ونسيت. # قلت: وإليها ترجع قراءة أبى عمرو، أي إن تنس إحداهما فتذكرها الأخرى، ~~يقال: # تذكرت الشئ وأذكرته غيري وذكرته بمعنى، قاله في الصحاح. # الثامنة والثلاثون - قوله تعالى: (ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا) قال ~~الحسن: # جمعت هذه الآية أمرين، وهما ألا تأبى إذا دعيت إلى تحصيل الشهادة، ولا ~~إذا دعيت إلى أدائها، وقاله ابن عباس. وقال قتادة والربيع وابن عباس: أي ~~لتحملها وإثباتها في الكتاب. # وقال مجاهد: معنى الآية إذا دعيت إلى أداء شهادة وقد حصلت عندك. وأسند ~~النقاش إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه فسر الآية بهذا، قال مجاهد: فأما ~~إذا دعيت لتشهد أولا فإن شئت فاذهب وإن شئت فلا، وقال أبو مجلز وعطاء ~~وإبراهيم وابن جبير والسدي وابن زيد وغيرهم (1). وعليه فلا يجب على الشهود ~~الحضور عند المتعاقدين، وإنما على المتداينين أن يحضرا عند الشهود، فإذا ~~حضراهم وسألاهم إثبات شهادتهم في الكتاب فهذه الحالة التي يجوز أن تراد ~~بقوله تعالى: " ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا " لاثبات الشهادة فإذا ثبتت ~~شهادتهم ثم دعوا لإقامتها عند الحاكم فهذا الدعاء هو بحضورهما عند الحاكم ~~(2)، على ما يأتي. وقال (3) ابن عطية: والآية كما قال الحسن جمعت أمرين على ~~جهة الندب، فالمسلمون مندوبون إلى معونة إخوانهم، فإذا كانت الفسحة لكثرة ~~الشهود والامن من تعطيل الحق (4) فالمدعو مندوب، وله أن يتخلف لأدنى عذر، ~~وإن تخلف لغير (5) عذر فلا إثم عليه ولا ثواب له. وإذا كانت الضرورة وخيف ~~تعطل الحق أدنى خوف قوى الندب وقرب من الوجوب، وإذا علم أن الحق يذهب ويتلف ~~بتأخر الشاهد عن الشهادة فواجب عليه القيام ms1237 بها، لا سيما إن كانت محصلة ~~وكان الدعاء إلى أدائها، فإن هذا الظرف آكد، لأنها قلادة في العنق وأمانة ~~تقتضي الأداء. # قلت: وقد يستلوح من هذه الآية دليل على أن جائزا للامام أن يقيم للناس ~~شهودا ويجعل لهم من بيت المال كفايتهم، فلا يكون لهم شغل إلا تحمل حقوق ~~الناس حفظا لها، وإن لم # PageV03P398 # يكن ذلك ضاعت الحقوق وبطلت. فيكون المعنى ولا يأب الشهداء إذا أخذوا ~~حقوقهم أن يجيبوا. والله أعلم. فإن قيل: هذه شهادة بالأجرة، قلنا: إنما هي ~~شهادة خالصة من قوم استوفوا حقوقهم من بيت المال، وذلك كأرزاق القضاة ~~والولاة وجميع المصالح التي تعن (1) للمسلمين وهذا من جملتها. والله أعلم. ~~وقد قال تعالى: " والعاملين عليها (2) " ففرض لهم. # التاسعة والثلاثون - لما قال تعالى: " ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا " دل ~~على أن الشاهد هو الذي يمشى إلى الحاكم، وهذا أمر بنى عليه الشرع وعمل به ~~في كل زمان وفهمته كل أمة، ومن أمثالهم: " في بيته يؤتى الحكم ". # الموفية أربعين - وإذا ثبت هذا فالعبد خارج عن جملة الشهداء، وهو يخص ~~عموم قوله: " من رجالكم " لأنه لا يمكنه أن يجيب، ولا يصح له أن يأتي، لأنه ~~لا استقلال له بنفسه، وإنما يتصرف بإذن غيره، فانحط عن منصب الشهادة كما ~~انحط عن منزل الولاية. # نعم! وكما انحط عن فرض الجمعة والجهاد والحج، على ما يأتي بيانه إن شاء ~~الله تعالى. # الحادية والأربعون - قال علماؤنا: هذا في حال الدعاء إلى الشهادة. فأما ~~من كانت عنده شهادة لرجل لم يعلمها مستحقها الذي ينتفع بها، فقال قوم: ~~أداؤها ندب لقوله تعالى: # " ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا " ففرض الله الأداء عند الدعاء، فإذا لم ~~يدع كان ندبا، لقوله عليه السلام: " خير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن ~~يسألها " رواه الأئمة. والصحيح أن أداءها فرض وان لم يسألها إذا خاف على ~~الحق ضياعه أو فوته، أو بطلاق أو عتق على من أقام على تصرفه على الاستمتاع ~~بالزوجة واستخدام العبد إلى غير ذلك، فيجب على من تحمل ms1238 شيئا من ذلك أداء ~~تلك الشهادة، ولا يقف أداؤها على أن تسأل منه فيضيع الحق، وقد قال تعالى: " ~~وأقيموا الشهادة لله (3) " وقال: " إلا من شهد بالحق وهم يعلمون (4) ". وفى ~~الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: " انصر أخاك ظالما أو مظلوما ". فقد ~~تعين عليه نصره بأداء الشهادة التي له عنده إحياء لحقه الذي أماته الانكار. # PageV03P399 # الثانية والأربعون - لا إشكال في أن من وجبت عليه شهادة على أحد الأوجه ~~التي ذكرناها فلم يؤدها أنها جرحة في الشاهد والشهادة، ولا فرق في هذا بين ~~حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين وهذا قول ابن القاسم وغيره. وذهب بعضهم إلى ~~أن تلك الشهادة إن كانت بحق من حقوق الآدميين كان ذلك جرحة في تلك الشهادة ~~نفسها خاصة، فلا يصلح له أداؤها بعد ذلك. والصحيح الأول، لان الذي يوجب ~~جرحته إنما هو فسقه بامتناعه من القيام بما وجب عليه من غير عذر، والفسق ~~يسلب أهلية الشهادة مطلقا، وهذا واضح. # الثالثة والأربعين - لا تعارض بين قوله عليه السلام: " خير الشهداء الذي ~~يأتي بشهادته قبل أن يسألها " وبين قوله عليه السلام في حديث عمران بن ~~حصين: " إن خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم - ~~ثم قال عمران: فلا أدرى أقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد قرنه مرتين ~~أو ثلاثا - ثم يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون ويخونون ولا يؤتمنون ~~وينذرون ولا يوفون ويظهر فيهم السمن (1) " أخرجهما الصحيحان. وهذا الحديث ~~محمول على ثلاثة أوجه: أحدها أن يراد به شاهد الزور، فإنه يشهد بما لم ~~يستشهد، أي بما لم يتحمله ولا حمله. وذكر أبو بكر بن أبي شيبة أن عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه خطب بباب الجابية فقال: إن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قام فينا كمقامي فيكم ثم قال: " يا أيها الناس اتقوا الله في أصحابي ~~ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يفشو الكذب وشهادة الزور ". الوجه ~~الثاني أن يراد به الذي يحمله الشره على تنفيذ ما يشهد به، فيبادر ms1239 بالشهادة ~~قبل أن يسألها، فهذه شهادة مردودة، فإن ذلك يدل على هوى غالب على الشاهد. ~~الثالث ما قاله إبراهيم النخعي راوي (2) طرق بعض هذا الحديث: كانوا ينهوننا ~~ونحن غلمان عن العهد والشهادات. # الرابعة والأربعون - قوله تعالى: (ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا ~~إلى أجله) " تسأموا " معناه تملوا. قال الأخفش: يقال سئمت أسأم سأما وسآمة ~~وسآما [وسأمة (3)] وسأما، كما قال الشاعر: # سئمت تكاليف الحياة ومن يعش * ثمانين حولا - لا أبالك - يسأم # PageV03P400 # " أن تكتبوه " في موضع نصب بالفعل. " صغيرا أو كبيرا " حالان من الضمير ~~في " تكتبوه " وقدم الصغير اهتماما به. وهذا النهي عن السآمة إنما جاء ~~لتردد المداينة عندهم فخيف عليهم أن يملوا الكتب، ويقول أحدهم: هذا قليل لا ~~أحتاج إلى كتبه، فأكد تعالى التحضيض (1) في القليل والكثير. قال علماؤنا: ~~إلا ما كان من قيراط ونحوه لنزارته وعدم تشوف النفس إليه إقرارا وإنكارا. # الخامسة والأربعين - قوله تعالى: (ذلكم أقسط عند الله) معناه أعدل، يعنى ~~أن يكتب القليل والكثير ويشهد عليه. (وأقوم للشهادة) أي أصح وأحفظ. (وأدنى) ~~معناه أقرب. و (ترتابوا) تشكوا. # السادسة والأربعون - قوله تعالى: و " وأقوم للشهادة " دليل على أن الشاهد ~~إذا رأى الكتاب ولم يذكر الشهادة لا يؤديها لما دخل عليه من الريبة فيها، ~~ولا يؤدى إلاما يعلم، لكنه يقول: هذا خطى ولا أذكر الآن ما كتبت فيه. قال ~~ابن المنذر: أكثر من يحفظ عنه من أهل العلم يمنع أن يشهد الشاهد على خطه ~~إذا لم يذكر الشهادة. واحتج مالك على جواز ذلك بقوله تعالى: " وما شهدنا ~~إلا بما علمنا (2) ". وقال بعض العلماء: لما نسب الله تعالى الكتابة إلى ~~العدالة وسعه أن يشهد على خطه وإن لم يتذكر. ذكر ابن المبارك عن معمر عن ~~ابن طاوس عن أبيه في الرجل يشهد على شهادة فينساها قال: لا بأس أن يشهد إن ~~وجد علامته في الصك أو خط يده. قال ابن المبارك: استحسنت هذا جدا. وفيما ~~جاءت به الاخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه حكم في أشياء غير ms1240 ~~واحدة بالدلائل والشواهد، وعن الرسل من قبله ما يدل على صحة هذا المذهب. ~~والله أعلم. وسيأتي لهذا مزيد بيان في " الأحقاف (3) " إن شاء الله تعالى. # السابعة والأربعون - قوله تعالى: (إلا أن تكون تجارة (4) حاضرة تديرونها ~~بينكم) " أن " في موضع نصب استثناء ليس من الأول، قال الأخفش [أبو سعيد ~~(5)]: أي إلا أن تقع تجارة، فكان بمعنى وقع وحدث. وقال غيره: " تديرونها " ~~الخبر. وقرأ عاصم وحده " تجارة " # PageV03P401 # على خبر كان واسمها مضمر فيها. " حاضرة " نعت لتجارة، والتقدير إلا أن ~~تكون التجارة تجارة، أو إلا أن تكون المبايعة تجارة، هكذا قدره مكي وأبو ~~على الفارسي، وقد تقدم نظائره والاستشهاد عليه. ولما علم الله تعالى مشقة ~~الكتاب عليهم نص على ترك ذلك ورفع الجناح فيه في كل مبايعة بنقد، وذلك في ~~الأغلب إنما هو في قليل كالمطعوم ونحو لا في كثير كالأملاك ونحوها. وقال ~~السدى والضحاك: هذا فيما كان يدا بيد. # الثامنة والأربعون - قوله تعالى: (تديرونها بينكم) يقتضى التقابض ~~والبينونة بالمقبوض. ولما كانت الرباع والأرض وكثير من الحيوان لا يقبل ~~البينونة ولا يغاب عليه، حسن الكتب فيما ولحقت في ذلك مبايعة الدين، فكان ~~الكتاب توثقا لما عسى أن يطرأ من اختلاف الأحوال وتغير القلوب. فأما إذا ~~تفاصلا في المعاملة وتقابضا وبان كل واحد منهما بما ابتاعه من صاحبه، فيقل ~~في العادة خوف التنازع إلا بأسباب غامضة. ونبه الشرع على هذه المصالح في ~~حالتي النسيئة والنقد وما يغاب عليه وما لا يغاب، بالكتاب والشهادة والرهن. ~~قال الشافعي: البيوع ثلاثة: بيع بكتاب وشهود، وبيع برهان، وبيع بأمانة، ~~وقرأ هذه الآية. وكان ابن عمر إذا باع بنقد أشهد، وإذا باع بنسيئة كتب. # التاسعة والأربعون - قوله تعالى: (وأشهدوا) قال الطبري: معناه واشهدوا ~~على صغيره ذلك وكبيره. واختلف الناس هل ذلك على الواجب أو الندب، فقال أبو ~~موسى الأشعري وابن عمر والضحاك وسعيد بن المسيب وجابر بن زيد ومجاهد وداود ~~بن علي وابنه وأبو بكر: وهو على الواجب، ومن أشدهم في ذلك عطاء قال: أشهد ~~إذا بعت وإذا اشتريت ms1241 بدرهم أو نصف درهم أو ثلث درهم أو أقل من ذلك، فإن ~~الله عز وجل يقول: (وأشهدوا إذ تبايعتم). وعن إبراهيم قال: أشهدوا إذا بعت ~~وإذا اشتريت ولو دستجة (1) بقل. وممن كان يذهب إلى هذا ويرجحه الطبري، ~~وقال: لا يحل لمسلم إذا باع وإذا اشترى إلا أن يشهد، وإلا كان مخالفا كتاب ~~الله عز وجل، وكذا إن كان إلى أجل فعليه أن يكتب ويشهد إن (1) الدستجة: ~~الحزمة. PageV03P402 # وجد كاتبا. وذهب الشعبي والحسن إلى أن ذلك على الندب والارشاد ولا على ~~الحتم. # ويحكى أن هذا قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي. وزعم ابن العربي أن هذا ~~القول الكافة، قال: وهو الصحيح. ولم يحك عن أحد ممن قال بالوجوب إلا ~~الضحاك. قال وقد باع النبي صلى الله عليه وسلم وكتب. وقال: نسخته كتابه: " ~~بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما اشترى العداء بن خالد بن هوذة من محمد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، اشترى منه عبد ا - أو أمة - لا داء (1) ولا غائلة ~~ولا خبثة بيع المسلم المسلم ". وقد باع ولم يشهد، واشترى ورهن درعه عند ~~يهودي ولم يشهد. ولو كان الاشهاد أمرا واجبا لوجب مع الرهن لخوف المنازعة. # قلت: قد ذكرنا الوجوب عن غير الضحاك. وحديث العداء هذا أخرجه الدارقطني ~~وأبو داود. وكان إسلامه بعد الفتح وحنين، وهو القائل: قاتلنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يوم حنين فلم يظهرنا الله ولم ينصرنا، ثم أسلم فحسن إسلامه. ~~ذكره عمر، وذكر حديثه هذا، وقال في آخره: " قال الأصمعي: سألت سعيد بن أبي ~~عروبة عن الغائلة فقال: # الإباق والسرقة والزنا، وسألته عن الخبثة فقال: بيع أهل عهد المسلمين ". ~~وقال الإمام أبو محمد بن عطية: والوجوب في ذلك قلق، أما في الدقائق (2) ~~فصعب شاق، وأما ما كثر فربما يقصد التاجر الاستئلاف بترك الاشهاد، وقد يكون ~~عادة في بعض البلاد، وقد يستحى من العالم والرجل الكبير الموقر فلا يشهد ~~عليه، فيدخل ذلك كله في الائتمان يبقى الامر بالاشهاد ندبا، لما فيه من ~~المصلحة في الأغلب ما ms1242 لم يقع عذر يمنع منه كما ذكرنا. وحكى المهدوي والنحاس ~~ومكي عن قوم أنهم قالوا: " وأشهدوا إذا تبايعتم " منسوخ بقوله: # " فإن أمن بعضكم بعضا ". وأسنده النحاس عن أبي سعيد الخدري، وأنه تلا " ~~يا أيها الذين أمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه " إلى قوله " ~~فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي ائتمن أمانته "، قال: نسخت هذه الآية ما ~~قبلها. قال النحاس: وهذا قول الحسن والحكم وعبد الرحمن بن زيد. قال الطبري: ~~وهذا لا معنى له، لان هذا حكم غير # PageV03P403 # الأول وأنما هذا حكم من لم يجد كاتبا قال الله عز وجل: " وإن كنتم على ~~سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة فإن أمن بعضكم بعضا - أي فلم يطالبه برهن ~~- فليؤده الذي ائتمن أمانته ". قال: ولو جاز أن يكون هذا ناسخا للأول لجاز ~~أن يكون يقول عز وجل: # " وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط (1) " الآية ناسخا ~~لقوله عز وجل: # " يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة " الآية ولجاز أن يكون قوله ~~عز وجل: " فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين " ناسخا لقوله عز وجل: " فتحرير ~~رقبة مؤمنة " قال بعض العلماء: # إن قوله تعالى " فإن أمن بعضكم بعضا " لم يتبين تأخر نزوله عن صدر الآية ~~المشتملة على الامر بالاشهاد، بل وردا معا. ولا يجوز أن يرد الناسخ ~~والمنسوخ معا جميعا في حالة واحدة. قال: # وقد روى عن ابن عباس أنه لما قيل له: إن آية الدين منسوخة قال: لا والله ~~إن آية الدين محكمة ليس فيها نسخ قال: والاشهاد إنما جعل للطمأنينة، وذلك ~~أن الله تعالى جعل لتوثيق الدين طرقا، منها الرهن، ومنها الاشهاد. ولا خلاف ~~بين علماء الأمصار أن الرهن مشروع بطريق الندب لا بطريق الواجب. فيعلم من ~~ذلك مثله في الاشهاد. # وما زال الناس يتبايعون حضرا وسفرا وبرا وبحرا وسهلا وجبلا من غير إشهاد ~~مع علم الناس بذلك من غير نكير، ولو وجب الاشهاد ما تركوا النكير على ~~تاركه. # قلت: هذا كله استدلال حسن، وأحسن ms1243 منه ما جاء من صريح السنة في ترك ~~الاشهاد، وهو ما خرجه الدارقطني عن طارق بن عبد الله المحاربي قال: " ~~أقبلنا في ركب من الربذة وجنوب الربذة (2) حتى نزلنا قريبا من المدينة ~~ومعنا ظعينة لنا. فبينا نحن قعود إذ أتانا رجل عليه ثوبان أبيضان فسلم ~~فرددنا عليه، فقال: من أين [أقبل (3)] القوم؟ فقلنا: من الربذة وجنوب ~~الربذة. قال: ومعنا جمل أحمر، فقال: تبيعوني جملكم هذا؟ فقلنا نعم. قال ~~بكم؟ قلنا: بكذا وكذا صاعا من تمر. قال: فما استوضعنا شيئا وقال: قد أخذته، ~~ثم أخذ برأس الجمل حتى # PageV03P404 # دخل المدينة فتوارى عنا، فتلاومنا بيننا وقلنا: أعطيتم جملكم من لا ~~تعرفونه! فقالت الظعينة: # لا تلاوموا فقد رأيت وجه رجل ما كان ليخفركم، ما رأيت وجه رجل أشبه ~~بالقمر ليلة البدر من وجهه. فلما كان العشاء (1) أتانا رجل فقال: السلام ~~عليكم، أنا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إليكم، وإنه أمركم أن تأكلوا ~~من هذا حتى تشبعوا، وتكتالوا حتى تستوفوا. قال: # فأكلنا حتى شبعنا، واكتلنا حتى استوفينا ". وذكر الحديث الزهري عن عمارة ~~بن خزيمة أن عمه حدثه وهو من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ابتاع فرسا من أعرابي، الحديث. وفيه: فطفق الأعرابي يقول: ~~هلم شاهدا يشهد أنى بعتك - قال خزيمة بن ثابت: أنا أشهد أنك قد بعته. فأقبل ~~النبي صلى الله عليه وسلم على خزيمة فقال: # " بم تشهد "؟ فقال: بتصديقك يا رسول الله. قال: فجعل رسول الله صلى الله ~~عليه سلم شهادة خزيمة بشهادة رجلين. أخرجه النسائي وغيره. # الموفية خمسين - قوله تعالى: (ولا يضار كاتب ولا شهيد) فيه ثلاثة أقوال: # الأول (2) - لا يكتب الكاتب ما لم يمل عليه، ولا يزيد الشاهد في شهادته ~~ولا ينقض منها. # قاله الحسن وقتادة وطاوس وابن زيد وغيرهم. # وروى عن ابن عباس ومجاهد وعطاء أن المعنى لا يمتنع الكاتب أن يكتب ولا ~~الشاهد أن يشهد. " ولا يضار " على هذين القولين أصله يضارر بكسر الراء، ثم ~~وقع الادغام، وفتحت الراء في ms1244 الجزم لخفة الفتحة. قال النحاس: ورأيت أبا ~~إسحاق يميل إلى هذا القول، قال: لان بعده " وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم " ~~فالأولى أن تكون، من شهد بغير الحق أو حرف في الكتابة أن يقال له: فاسق، ~~فهو أولى بهذا ممن سأل شاهدا أن يشهد وهو مشغول. # وقرأ عمر بن الخطاب وابن عباس وأبن أبى إسحاق يضارر بكسر الراء الأولى. # وقال مجاهد والضحاك وطاوس والسدي وروى عن ابن عباس: معنى الآية " ولا ~~يضار كاتب ولا شهيد " بأن يدعى الشاهد إلى الشهادة والكاتب إلى الكتب وهما ~~مشغولان، فإذا اعتذرا بعذرهما أخرجهما (3) وآذاهما، وقال: خلفتما أمر الله، ~~ونحو هذا من القول # PageV03P405 # فيضربها. وأصل " يضار " على هذا يضارر بفتح الراء، وكذا قرأ ابن مسعود " ~~يضارر " بفتح الراء الأولى، فنهي الله سبحانه عن هذا، لأنه لو اطلقه لكان ~~فيه شغل لهما عن أمر دينهما ومعاشهما. ولفظ المضارة، إذ هو من اثنين، يقتضى ~~هده المعاني. والكاتب والشهيد على القولين الأولين رفع بفعلهما، وعلى القول ~~الثالث رفع على المفعول الذي لم يسم فاعله. # الحادية والخمسون - قوله تعلى: (إن تفعلوا) يعنى المضارة، (فإنه فسوق ~~بكم) أي معصية، عن سفيان الثوري. فالكاتب والشاهد يعصيان بالزيادة أو ~~النقصان، وذلك من الكذب المؤذى في الأموال والأبدان، وفيه إبطال الحق. ~~وكذلك إذايتهما إذا كانا مشغولين معصية وخروج عن الصواب من حيث المخالفة ~~لأمر الله. قوله " بكم " تقديره فسوق حال بكم. # الثانية والخمسون - قوله تعالى: (واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شئ ~~عليم) وعد من الله تعالى بأن من أتقاه علمه، أي يجعل في قلبه نورا يفهم به ~~ما يلقى إليه، وقد يجعل الله في قلبه ابتداء فرقانا، أي فيصلا يفصل به بين ~~الحق والباطل، ومنه قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا إن الله يجعل لكم ~~فرقانا (1) ". والله أعلم. # قوله تعالى: وإن كنتم على سغر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة فإن أمن ~~بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمنته وليتق الله ربه ولا تكتموا الشهدة ومن ~~يكتمها فإنه - آثم قلبه والله بما تعلمون عليم (283) فيه ms1245 أربع (2) وعشرون ~~مسألة: # لما ذكر الله تعالى الندب إلى الاشهاد والكتب لمصلحة حفظ الأموال ~~والأديان (3)، عقب ذلك بذكر حال الاعذار المانعة من الكتب، وجعل لها الرهن، ~~ونص من # PageV03P406 # أحوال العذر على السفر الذي هو غالب الاعذار، لا سيما في ذلك الوقت لكثرة ~~الغزو، ويدخل في ذلك بالمعنى كل عذر. فرب وقت يتعذر فيه الكاتب في الحضر ~~كأوقات أشغال الناس وبالليل، وأيضا فالخوف على خراب ذمة الغريم عذر يوجب ~~طلب الرهن. وقد رهن النبي صلى الله عليه وسلم درعه عند يهودي طلب منه سلف ~~الشعير فقال: إنما يريد محمد أن يذهب بمالي. فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: " كذب إني لأمين في الأرض أمين في السماء ولو ائتمنني لأديت اذهبوا ~~إليه بدرعي) فمات ودرعه مرهونة صلى الله عليه وسلم، على ما يأتي بيانه ~~آنفا. # الثانية - قال جمهور (1) من العلماء: الرهن في السفر بنص التنزيل، وفى ~~الحضر ثابت بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا صحيح. وقد بينا جوازه في ~~الحضر من الآية بالمعنى، إذا قد تترتب الاعذار في الحضر، ولم يرو عن أحد ~~منعه في الحضر سوى مجاهد والضحاك وداود، متمسكين بالآية. ولا حجة فيها، لان ~~هذا الكلام وإن كان خرج مخرج الشرط فالمراد به غالب الأحوال. وليس كون ~~الرهن في الآية في السفر مما يحظر في غيره. وفى الصحيحين وغيرهما عن عائشة ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى من يهودي طعاما إلى أجل ورهنه درعا له ~~من حديد. وأخرجه النسائي من حديث ابن عباس قال: توفى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعا من شعير لأهله. # الثالثة - قوله تعالى: (ولم تجدوا كاتبا) قرأ الجمهور " كاتبا " بمعنى ~~رجل يكتب. # وقرأ ابن عباس وأبى ومجاهد والضحاك وعكرمة وأبو العالية " ولم تجدوا ~~كتابا ". قال أبو بكر الأنباري: فسره مجاهد فقال: معناه فإن لم تجدوا مدادا ~~يعنى في الاسفار. وروى عن ابن عباس " كتابا ". قال النحاس: هذه القراءة ~~شاذة والعامة على خلافها. وقلما يخرج شئ عن قراءة العامة ms1246 إلا وفيه مطعن، ~~ونسق الكلام على كاتب، قال الله عز وجل قبل هذا: # " وليكتب بينكم كاتب بالعدل " وكتاب يقتضى جماعة. قال ابن عطية: كتابا ~~يحسن من حيث # PageV03P407 # لكل نازلة كاتب، فقيل للجماعة: ولم تجدوا كتابا. وحكى المهدوي عن أبي ~~العالية أنه قرأ " كتبا " وهذا جمع كتاب من حيث النوازل مختلفة. وأما قراءة ~~أبى وابن عباس " كتابا " فقال النحاس ومكي: وهو جمع كاتب كقائم وقيام. مكي: ~~المعنى وإن عدمت الدواة والقلم والصحيفة. ونفى وجود الكاتب يكون بعدم أي ~~آلة أتفق، ونفى الكاتب أيضا يقضى نفى الكتاب، فالقراءتان حسنتان إلا من جهة ~~خط المصحف. # الرابعة - قوله تعالى: (فرهان مقبوضة) وقرأ أبو عمرو وابن كثير " فرهن " ~~بضم الراء والهاء، وروى عنهما تخفيف الهاء. وقال الطبري: تأول قوم أن " ~~رهنا " بضم الراء والهاء جمع رهان، فهو جمع جمع، وحكاه الزجاج عن الفراء. ~~وقال المهدوي: " فرهان " ابتداء والخبر محذوف. والمعنى فرهان مقبوضة يكفي ~~من ذلك. قال النحاس: وقرأ عاصم بن أبي النجود " فرهن " بإسكان الهاء، ويروى ~~عن أهل مكة. والباب في هذا " رهان "، كما يقال: بغل وبغال، وكبش وكباش، ~~ورهن سبيله أن يكون جمع رهان، مثل كتاب وكتب. وقيل: # هو جمع رهن، مثل سقف وسقف، وحلق وحلق، وفرش وفرش، ونشر ونشر (1)، وشبهه. # " ورهن " بإسكان الهاء سبيله أن تكون الضمة حذفت لثقلها. وقيل: هو جمع ~~رهن، مثل سهم حشر أي دقيق، وسهام حشر. والأول أولى، لان الأول ليس بنعت ~~وهذا نعت. # وقال أبو على الفارسي: وتكسير " رهن " على أقل العدد لم أعلمه جاء، فلو ~~جاء كان قياسه أفعلا ككلب وأكلب، وكأنهم استغنوا بالقليل عن الكثير، كما ~~استغنى ببناء الكثير عن بناء القليل في قولهم: ثلاثة شسوع، وقد استغنى ~~ببناء القليل عن الكثير في رسن وأرسان، فرهن يجمع على بناءين وهما فعل ~~وفعال. الأخفش: فعل على قبيح وهو قليل شاذ، قال: وقد يكون " رهن " جمعا ~~للرهان، كأنه يجمع رهن على رهان، ثم يجمع رهان على رهن، مثل فراش وفرش. # PageV03P408 # الخامسة - معنى الرهن: احتباس العين وثيقة بالحق ليستوفى ms1247 الحق من ثمنها ~~أو من ثمن منافعها عند تعذر أخذه من الغريم، وهكذا حده العلماء، وهو في ~~كلام العرب بمعنى الدوام والاستمرار. وقال ابن سيده: ورهنه أي أدامه، ومن ~~رهن بمعنى دام قول الشاعر: # الخبز واللحم لهم راهن * وقهوة راووقها ساكب قال الجوهري: ورهن الشئ رهنا ~~أي دام. وأرهنت له لهم الطعام والشراب أدمته لهم، وهو طعام راهن. والراهن: ~~الثابت، والراهن: المهزول من الإبل والناس، قال: # إما ترى جسمي خلا قد رهن * هزلا وما مجد الرجال في السمن قال ابن عطية: ~~ويقال في معنى الرهن الذي هو الوثيقة من الرهن: أرهنت إرهانا، حكاه بعضهم. ~~وقال أبو على: أرهنت في المغالاة، وأما في القرض والبيع فرهنت. وقال أبو ~~زيد: أرهنت في السلعة إرهانا: غاليت بها، وهو في الغلاء خاصة. قال: # * عيدية أرهنت فيها الدنانير * يصف ناقة. والعيد بطن من مهرة (1) وإبل ~~مهرة موصوفة بالنجابة. وقال الزجاج: يقال في الرهن: رهنت وأرهنت، وقال ابن ~~الأعرابي والأخفش. قال عبد الله بن همام السلولي: # فلما خشيت أظافيرهم * نجوت وأرهنتهم مالكا قال ثعلب: الرواة كلهم على ~~أرهنتهم، على أنه يجوز رهنته وأرهنته، إلا الأصمعي فإنه رواه وأرهنهم، على ~~أنه عطف بفعل مستقبل على فعل ماض، وشبهه بقولهم: قمت وأصك وجهه، وهو مذهب ~~حسن، لان الواو واو الحال، فجعل أصك حالا للفعل الأول على معنى قمت صاكا ~~وجهه، أي تركته مقيما عندهم، لأنه لا يقال: أرهنت الشئ، وإنما يقال: رهنته. ~~وتقول: # رهنت لساني بكذا، ولا يقال فيه: أرهنت. وقال ابن السكيت: أرهنت فيها ~~بمعنى أسلفت. # والمرتهن: الذي يأخذ الرهن. والشئ مرهون ورهين، والأنثى رهينة. وراهنت ~~فلانا على كذا مراهنة: خاطرته. وأرهنت به ولدى إرهانا: أخطرتهم به خطرا. ~~والرهينة واحدة # PageV03P409 # الرهائن، كله عن الجوهري. ابن عطية: ويقال بلا خلاف في البيع والقرض: ~~رهنت رهنا، ثم سمى بهذا المصدر الشئ المدفوع تقول: رهنت رهنا، كما تقول ~~رهنت ثوبا. # السادسة - قال أبو على: ولما كان الرهن بمعنى الثبوت، والدوام فمن ثم بطل ~~الرهن عند الفقهاء إذا خرج من يد ms1248 المرتهن إلى الراهن بوجه من الوجوه، لأنه ~~فارق ما جعل باختيار المرتهن (1)] له. # قلت - هذا هو المعتمد عندنا في أن الرهن متى رجع إلى الراهن باختيار ~~المرتهن بطل الرهن، وقاله أبو حنيفة، غير أنه قال: إن رجع بعارية أو وديعة ~~لم يبطل. وقال الشافعي: # إن رجوعه إلى يد الراهن مطلقا لا يبطل حكم القبض المتقدم، ودليلنا " ~~فرهان مقبوضة "، فإذا خرج عن يد القابض لم يصدق ذلك اللفظ عليه لغة، فلا ~~يصدق عليه حكما، وهذا واضح. # السابعة - إذا رهنه قولا ولم يقبضه فعلا لم يوجب ذلك، حكما، لقوله تعالى: ~~" فرهان مقبوضة " قال الشافعي: لم يجعل الله الحكم إلا برهن موصوف بالقبض، ~~فإذا عدمت الصفة وجب أن يعدم الحكم، وهذا ظاهر جدا. وقالت المالكية: يلزم ~~الرهن بالعقد ويجبر الراهن على دفع الرهن ليحوزه المرتهن، لقوله تعالى: " ~~أوفوا بالعقود (2) " وهذا عقد، وقوله " بالعهد (3) " وهذا عهد. وقوله عليه ~~السلام: " المؤمنون عند شروطهم " وهذا شرط، فالقبض عندنا شرط في كمال ~~فائدته. وعندهما شرط في لزومه وصحته. # الثامنة - قوله تعالى: (مقبوضة) يقتضى بينونة المرتهن بالرهن. وأجمع ~~الناس على صحة قبض المرتهن، وكذلك على قبض وكيله. واختلفوا في قبض عدل يوضع ~~الرهن على يديه (4)، فقال مالك وجميع أصحابه وجمهور العلماء: قبض العدل ~~قبض. وقال ابن أبي ليلى وقتادة والحكم وعطاء: ليس بقبض، ولا يكون مقبوضا ~~إلا إذا كان عند المرتهن، ورأوا ذلك تعبدا. # وقول الجمهور أصح من جهة المعنى، لأنه إذا صار عند العدل صار مقبوضا لغة ~~وحقيقة، لان العدل نائب عن صاحب الحق وبمنزلة الوكيل، وهذا ظاهر. # التاسعة - ولو وضع الرهن على يدي عدل فضاع لم يضمن المرتهن ولا الموضوع ~~على يده، لان المرتهن لم يكن في يده شئ يضمنه. والموضوع على يده أمين ~~والأمين غير ضامن. # PageV03P410 # العاشرة - لما قال تعالى: " مقبوضة " قال علماؤنا: فيه ما يقتضى بظاهره ~~ومطلقه جواز رهن المشاع (1). خلافا لأبي حنيفة وأصحابه، لا يجوز عندهم أن ~~يرهنه ثلث دار ولا نصفا من عبد ولا سيف، ثم قالوا: إذا كان لرجلين على رجل ms1249 ~~مال هما فيه شريكان فرهنهما بذلك أرضا فهو جائز إذا قبضاها. قال ابن ~~المنذر: وهذا إجازة رهن المشاع، لان كل واحد منهما مرتهن نصف دار (2). قال ~~ابن المنذر: رهن المشاع جائز كما يجوز بيعه. # الحادية عشرة - ورهن ما في الذمة جائز عند علمائنا، لأنه مقبوض خلافا لمن ~~منع ذلك، ومثاله رجلان تعاملا لأحدهما على الآخر دين فرهنه دينه الذي عليه. ~~قال ابن خويز منداد: # وكل عرض جاز بيعه جاز رهنه، ولهذه العلة جوزنا رهن ما في الذمة، لان بيعه ~~جائز، ولأنه مال تقع الوثيقة به فجاز أن يكون رهنا، قياسا على سلعة موجودة. ~~وقال من منع ذلك: لأنه لا يتحقق إقباضه والقبض شرط في لزوم الرهن، لأنه لا ~~بد أن يستوفى الحق منه عند المحل، ويكون الاستيفاء من ماليته لا من عينه ~~ولا يتصور ذلك في الدين. # الثانية عشرة - روى البخاري عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونا ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان ~~مرهونا وعلى الذي يركب ويشرب النفقة ". وأخرجه أبو داود وقال بدل " يشرب " ~~في الموضعين: " يحلب ". # قال الخطابي: هذا كلام مبهم ليس في نفس اللفظ بيان من يركب ويحلب، هل ~~الراهن أو المرتهن أو العدل الموضوع على يده الرهن؟. # قلت: قد جاء ذلك مبينا مفسرا في حديثين، وبسببهما اختلف العلماء في ذلك، ~~فروى الدارقطني من حديث أبي هريرة ذكر النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا ~~كانت الدابة مرهونة فعلى المرتهن علفها ولبن الدر يشرب وعلى الذي يشرب ~~نفقته ". أخرجه عن أحمد بن علي بن العلاء حدثنا زياد بن أيوب حدثنا هشيم ~~حدثنا زكريا عن الشعبي عن أبي هريرة. # وهو قول أحمد وإسحاق: أن المرتهن ينتفع من الرهن بالحلب والركوب بقدر ~~النفقة. وقال أبو ثور: إذا كان الراهن ينفق عليه لم ينتفع به المرتهن. وإن ~~كان الراهن لا ينفق عليه وتركه # PageV03P411 # في يد المرتهن فأنفق عليه فله ركوبه واستخدام العبد. وقال الأوزاعي ~~والليث. الحديث الثاني خرجه الدارقطني ms1250 أيضا، وفى إسناده مقال ويأتي بيانه - ~~من حديث إسماعيل بن عياش عن ابن أبي ذئب عن الزهري عن المقبري (1) عن أبي ~~هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يغلق الرهن (2) ولصاحبه ~~غنمه وعليه غرمه ". وهو قول الشافعي والشعبي وابن سيرين. وهو قول مالك ~~وأصحابه. قال الشافعي: منفعة الرهن للراهن، ونفقته عليه، والمرتهن لا ينتفع ~~بشئ من الرهن خلا الاحفاظ للوثيقة. قال الخطابي: وهو أولى الأقوال وأصحها، ~~بدليل قوله عليه السلام: " لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه [له غنمه ~~وعليه غرمه] ". # [قال الخطابي: وقوله: " من صاحبه أي لصاحبه (3) "]. والعرب تضع " من " ~~موضع اللام، كقولهم: # * أمن أم أوفى دمنة لم تكلم * قلت: قد جاء صريحا " لصاحبه " فلا حاجة ~~للتأويل. وقال الطحاوي: كان ذلك وقت كون الربا مباحا، ولم ينه عن قرض جر ~~منفعة، ولا عن أخذ الشئ بالشئ وإن كانا غير متساويين، ثم حرم الربا بعد ~~ذلك. وقد أجمعت الأمة على أن الأمة المرهونة (4) لا يجوز للراهن أن يطأها، ~~فكذلك لا يجوز له خدمتها. وقد قال الشعبي: لا ينتفع من الرهن بشئ. فهذا ~~الشعبي روى الحديث وأفتى بخلافه، ولا يجوز عنده ذلك إلا وهو منسوخ. وقال ~~ابن عبد البر وقد أجمعوا أن لبن الرهن وظهره للراهن. ولا يخلو من أن يكون ~~احتلاب المرتهن له بإذن الراهن أو بغير إذنه، فإن كان بغير إذنه ففي حديث ~~ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " لا يحتلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه " ما يرده ويقضى بنسخه. وإن كان ~~بإذنه ففي الأصول المجتمع عليها في تحريم المجهول والغرر وبيع ما ليس عندك ~~وبيع ما لم يخلق، ما يرده أيضا، فإن ذلك كان قبل نزول تحريم الربا. والله ~~أعلم. # PageV03P412 # وقال ابن خويز منداد: ولو شرط المرتهن الانتفاع بالرهن فلذلك حالتان: إن ~~كان من قرض لم يجز، وإن كان من بيع أو إجارة جاز، لأنه يصير بائعا (1) ~~للسلعة بالثمن المذكور ومنافع الرهن مدة (2) معلومة فكأنه بيع وإجارة، وأما ~~في القرض فلانه يصير قرضا ms1251 جر منفعة، ولأن موضوع القرض أن يكون قربة، فإذا ~~دخله نفع صار زيادة في الجنس وذلك ربا. # الثالثة عشرة - لا يجوز غلق الرهن، وهو أن يشترط المرتهن أنه له بحقه إن ~~لم يأته به عند أجله. وكان هذا من فعل الجاهلية فأبطله النبي صلى الله عليه ~~وسلم بقوله: " لا يغلق الرهن " هكذا قيدناه برفع القاف على الخبر، أي ليس ~~يغلق الرهن. تقول: أغلقت الباب فهو مغلق. وغلق الرهن في يد مرتهنه إذا لم ~~يفتك (3)، قال الشاعر: # أجارتنا من يجتمع يتفرق * ومن يك رهنا للحوادث يغلق وقال زهير: # وفارقتك برهن لا فكاك له * يوم الوداع فأمسى الرهن قد غلقا الرابعة عشرة ~~- روى الدارقطني من حديث سفيان بن عيينة عن زياد بن سعد عن الزهري عن سعيد ~~بن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا يغلق ~~الرهن له غنمه وعليه غرمه ". زياد بن سعد أحد الحفاظ الثقات، وهذا إسناد ~~حسن. # وأخرجه مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب مرسلا أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: " لا يغلق الرهن ". قال أبو عمر: وهكذا رواه كل من روى ~~الموطأ عن مالك فيما علمت، إلا معن بن عيسى فإنه وصله، ومعن ثقة، إلا أنى ~~أخشى أن يكون الخطأ فيه من على بن عبد الحميد الغضائري عن مجاهد بن موسى عن ~~معن بن عيسى. وزاد فيه أبو عبد الله عمروس (4) عن الأبهري بإسناده: " له ~~غنمه وعليه غرمه ". وهذه اللفظة قد اختلف الرواة في رفعها، فرفعها ابن أبي ~~ذئب ومعمر وغيرهما. ورواه ابن وهب وقال: قال يونس قال ابن شهاب: وكان سعيد ~~بن المسيب يقول: الرهن ممن رهنه، له غنمه وعليه غرمه، فأخبر ابن شهاب أن ~~هذا من قول سعيد لا عن النبي صلى الله عليه وسلم. إلا أن معمرا ذكره عن # PageV03P413 # ابن شهاب مرفوعا، ومعمر أثبت الناس في ابن شهاب. وتابعه على رفعه يحيى بن ~~أبي أنيسة ويحيى ليس بالقوى. وأصل هذا الحديث عند أهل العلم بالنقل ms1252 مرسل، ~~وإن كان قد وصل من جهات كثيرة فإنهم يعللونها. وهو مع هذا حديث لا يرفعه ~~أحد منهم وإن اختلفوا في تأويله ومعناه. ورواه الدارقطني أيضا عن إسماعيل ~~بن عياش عن ابن أبي ذئب عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة مرفوعا. قال أبو ~~عمر: لم يسمعه إسماعيل من ابن أبي ذئب وإنما سمعه من عباد بن كثير عن ابن ~~أبي ذئب، وعباد عندهم ضعيف لا يحتج به. وإسماعيل عندهم أيضا غير مقبول ~~الحديث إذا حدث عن غير أهل بلده، فإذا حدث عن الشاميين فحديثه مستقيم، وإذا ~~حدث عن المدنيين وغيرهم ففي حديثه خطأ كثير واضطراب. # الخامسة عشرة - نماء الرهن داخل معه إن كان لا يتميز كالسمن، أو كان نسلا ~~كالولادة والنتاج، وفى معناه فسيل النخل، وما عدا ذلك من غلة وثمرة ولبن ~~وصوف فلا يدخل فيه إلا أن يشترطه. والفرق بينهما أن الأولاد تبع في الزكاة ~~للأمهات، وليس كذلك الأصواف والألبان وثمر الأشجار، لأنها ليست تبعا ~~للأمهات في الزكاة ولا هي في صورها ولا في معناها ولا تقوم معها، فلها حكم ~~نفسها لا حكم الأصل خلاف الولد والنتاج. والله أعلم بصواب ذلك. # السادسة عشرة - ورهن من أحاط الدين بماله جائز ما لم يفلس، ويكون المرتهن ~~أحق بالرهن من الغرماء، قاله مالك وجماعة من الناس. وروى عن مالك خلاف هذا ~~- وقاله عبد العزيز بن أبي سلمة - أن الغرماء يدخلون معه في ذلك وليس بشئ، ~~لان من لم يحجر عليه فتصرفاته صحيحة في كل أحواله من بيع وشراء، والغرماء ~~عاملوه على أنه يبيع ويشترى ويقضى، لم يختلف قول مالك في هذا الباب، فكذلك ~~الرهن. والله أعلم. # السابعة عشرة - قوله تعالى: (فإن أمن بعضكم بعضا) الآية. شرط ربط به وصية ~~الذي عليه الحق بالأداء وترك المطل. يعنى إن كان الذي عليه الحق أمينا عند ~~صاحب الحق وثقة فليؤد له ما عليه ائتمن. وقوله (فليؤد) من الأداء مهموز، ~~[وهو جواب الشرط (1)] ويجوز تخفيف همزه فتقلب الهمزة واوا ولا تقلب ألفا ~~ولا تجعل بين ms1253 بين، لان الألف لا يكون # PageV03P414 # ما قبلها إلا مفتوحا. وهو أمر معناه الوجوب، بقرينة الاجماع على وجوب ~~أداء الديون، وثبوت حكم الحاكم به وجبره الغرماء عليه، وبقرينة الأحاديث ~~الصحاح في تحريم مال الغير. # الثامنة عشرة - قوله تعالى: (أمانته) الأمانة مصدر سمى به الشئ الذي في ~~الذمة، وأضافها إلى الذي عليه الدين من حيث لها إليه نسبة، كما قال تعالى: ~~" ولا تؤتوا السفهاء أموالكم (1) ". # التاسعة عشرة - قوله تعالى: (وليتق الله ربه) أي في ألا يكتم من الحق ~~شيئا. # وقوله: (ولا تكتموا الشهادة) تفسير لقوله: " ولا يضارر " بكسر العين. نهي ~~الشاهد عن أن يضر بكتمان الشهادة، وهو نهي على الوجوب بعدة قرائن منها ~~الوعيد. وموضع النهي هو حيث يخاف الشاهد ضياع حق. وقال ابن عباس: على ~~الشاهد أن يشهد حيثما استشهد، ويخبر حيثما استخبر، قال: ولا تقل أخبر بها ~~عند الأمير بل أخبره بها لعله يرجع ويرعوي. # وقرأ أبو عبد الرحمن ولا يكتموا " بالياء، جعله نهيا للغائب. # الموفية عشرين - إذا كان على الحق شهود تعين عليهم أداؤها على الكفاية، ~~فإن أداها اثنان واجتزأ الحاكم بهما سقط الفرض عن الباقين، وإن لم يجتزأ ~~بها تعين المشي إليه حتى يقع الاثبات. وهذا يعلم بدعاء صاحبها، فإذا قال ~~له: أحي حقي بأداء ما عندك لي من الشهادة تعين ذلك عليه. # الحادية والعشرون - قوله تعالى: (ومن يكتمها فإنه آثم قلبه) خص القلب ~~بالذكر إذ الكتم من أفعاله، وإذ هو المضغة التي بصلاحها يصلح الجسد كله كما ~~قال عليه السلام، فعبر بالبعض عن الجملة، وقد تقدم. [في أول السورة (2)] ~~وقال الكيا: لما عزم على ألا يؤديها وترك أداءها باللسان رجع المأثم إلى ~~الوجهين جميعا. فقوله: " آثم قلبه " مجاز، وهو آكد من الحقيقة في الدلالة ~~على الوعيد، وهو من بديع البيان ولطيف الاعراب عن المعاني. يقال: إثم القلب ~~سبب مسخه، والله تعالى إذا مسخ قلبا جعله منافقا وطبع عليه، نعوذ بالله منه ~~[وقد تقدم في أول السورة (3)]. و " قلبه " رفع ب‍ " آثم " و " آثم " خبر # PageV03P415 # " إن "، وإن شئت ms1254 رفعت آثما بالابتداء، و " قلبه " فاعل يسد مسد الخبر ~~والجملة خبر إن. # وإن شئت رفعت آثما على أنه خبر الابتداء تنوي به التأخير. وإن شئت كان " ~~قلبه " بدلا من " آثم " بدل البعض من الكل. وإن شئت كان بدلا من المضمر ~~الذي في " آثم ". # وتعرضت هنا ثلاث مسائل تتمة أربع وعشرين. # الأولى - اعلم أن الذي أمر الله تعالى به من الشهادة والكتابة لمراعاة ~~صلاح ذات البين ونفى التنازع المؤدى إلى فساد ذات البين، لئلا يسول له ~~الشيطان جحود الحق وتجاوز ما حد له الشرع، أو ترك الاقتصار على المقدار (1) ~~المستحق، ولأجله حرم الشرع البياعات المجهولة التي اعتيادها يؤدى إلى ~~الاختلاف وفساد ذات البين وإيقاع التضاغن والتباين. فمن ذلك ما حرمه الله ~~من الميسر والقمار وشرب الخمر بقوله تعالى: " إنما يريد الشيطان أن يوقع ~~بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر (2) " الآية. فمن تأدب بأدب الله ~~في أوامره وزواجره حاز صلاح الدنيا والدين، قال الله تعالى: " ولو أنهم ~~فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم (3) " الآية. # الثانية - روى البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ~~من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه ~~الله ". وروى النسائي عن ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها ~~استدانت، فقيل: يا أم المؤمنين، تستدينين وليس عندك وفاء؟ قالت: إني سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # (من أخذ دينا وهو يريد أن يؤديه أعانه الله عليه). وروى الطحاوي وأبو ~~جعفر الطبري والحارث بن أبي أسامة في مسنده عن عقبة بن عامر أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " لا تخيفوا الأنفس بعد أمنها " قالوا: يا رسول الله، وما ذاك؟ قال: " ~~الدين ". # وروى البخاري عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم في دعاء ذكره: " اللهم ~~أنى أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والجبن والبخل وضلع الدين وغلبة ~~الرجال ". قال العلماء: # ضلع الدين هو الذي لا يجد دائنه من حيث يؤديه. وهو مأخوذ من ms1255 قول العرب: ~~حمل مضلع أي ثقيل، ودابة مضلع لا تقوى على الحمل، قال صاحب العين. وقال صلى ~~الله عليه وسلم: # PageV03P416 # " الدين شين الدين ". وروى عنه أنه قال: " الدين هم بالليل ومذلة بالنهار ~~". قال علماؤنا: وإنما كان شينا ومذلة لما فيه من شغل القلب والبال والهم ~~اللازم في قضائه، والتذلل للغريم عند لقائه، وتحمل منته بالتأخير إلى حين ~~أوانه. وربما يعد من نفسه القضاء فيخلف، أو يحدث الغريم بسببه فيكذب، أو ~~يحلف له فيحنث، إلى غير ذلك. ولهذا كان عليه السلام يتعوذ من المأثم ~~والمغرم، وهو الدين. فقيل له: يا رسول الله، ما أكثر ما تتعوذ من المغرم؟ # فقال: " إن الرجل إذا غرم حدث فكذب ووعد فأخلف ". وأيضا فربما قد مات ولم ~~يقض الدين فيرتهن به، كما قال عليه السلام: " نسمة المؤمن مرتهنة في قبره ~~بدينه حتى يقضى عنه ". وكل هذه الأسباب مشائن في الدين تذهب جماله وتنقص ~~كماله. والله أعلم. # الثالثة - لما أمر الله تعالى بالكتب والاشهاد وأخذ الرهان كان ذلك نصا ~~قاطعا على مراعاة حفظ الأموال وتنميتها، وردا على الجهلة المتصوفة ورعاعها ~~الذين لا يرون ذلك، فيخرجون عن جميع أموالهم ولا يتركون كفاية لأنفسهم ~~وعيالهم، ثم إذا احتاج وافتقر عياله فهو إما أن يتعرض لمنن الاخوان أو ~~لصدقاتهم، أو أن يأخذ من أرباب الدنيا وظلمتهم، وهذا الفعل مذموم منهي عنه. ~~قال أبو الفرج الجوزي: ولست أعجب من المتزهدين الذين فعلوا هذا مع قلة ~~علمهم، إنما أتعجب من أقوام لهم علم وعقل كيف حثوا على هذا، وأمروا به مع ~~مضادته للشرع والعقل. فذكر المحاسبي في هذا كلاما كثيرا، وشيده أبو حامد ~~الطوسي ونصره. والحارث (1) عندي أعذر من أبى حامد، لان أبا حامد كان أفقه، ~~غير أن دخوله في التصوف أوجب عليه نصرة ما دخل فيه. قال المحاسبي في كلام ~~طويل له: ولقد بلغني أنه لما توفى عبد الرحمن بن عوف قال ناس من أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # إنما نخاف على عبد الرحمن فيما ترك. فقال كعب: سبحان ms1256 الله! وما تخافون ~~على عبد الرحمن؟ # كسب طيبا وأنفق طيبا وترك طيبا. فبلغ ذلك أبا ذر فخرج مغضبا يريد كعبا، ~~فمر بلحى (3) بعير فأخذه بيده، ثم أنطلق يطلب كعبا، فقيل لكعب: إن أبا ذر ~~يطلبك. فخرج هاربا حتى # PageV03P417 # دخل على عثمان يستغيث به وأخبره الخبر. فأقبل أبو ذر يقص الأثر في طلب ~~كعب حتى انتهي إلى دار عثمان، فلما دخل قام كعب فجلس خلف عثمان هاربا من ~~أبي ذر، فقال له أبو ذر: # يا بن اليهودية، تزعم ألا بأس بما تركه عبد الرحمن! لقد خرج رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يوما فقال: " الأكثرون هم الأقلون يوم القيامة إلا من ~~قال (1) هكذا وهكذا ". قال المحاسبي: فهذا عبد الرحمن مع فضله يوقف في عرصة ~~[يوم (2)] القيامة بسبب ما كسبه من حلال، للتعفف وصنائع المعروف فيمنع ~~السعي إلى الجنة مع الفقراء وصار يحبو في آثارهم حبوا، إلى غير ذلك من ~~كلامه (3). ذكره أبو حامد وشيده وقواه بحديث ثعلبة، وأنه أعطى المال فمنع ~~الزكاة. قال أبو حامد: فمن راقب أحوال الأنبياء والأولياء وأقوالهم لم يشك ~~في أن فقد المال أفضل من وجوده، وإن صرف إلى الخيرات، إذ أقل ما فيه اشتغال ~~الهمة بإصلاحه عن ذكر الله. # فينبغي للمريد أن يخرج عن ماله حتى لا يبقى له إلا قدر ضرورته، فما بقى ~~له درهم يلتفت إليه قلبه فهو محجوب عن الله تعالى. قال الجوزي: وهذا كله ~~خلاف الشرع والعقل، وسوء فهم المراد بالمال، وقد شرفه الله وعظم قدره وأمر ~~بحفظه، إذ جعله قواما للآدمي وما جعل قواما للآدمي الشريف فهو شريف، فقال ~~تعالى: " ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما (4) ". ونهي ~~عز وجل أن يسلم المال إلى غير رشيد فقال: " فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا ~~إليهم أموالهم ". ونهي النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال، قال لسعد: ~~" إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس. وقال: " ما ~~نفعني مال كمال أبى بكر ". # وقال لعمرو بن العاص: " نعم ms1257 المال الصالح للرجل الصالح ". ودعا لانس، ~~وكان في آخر دعائه: " اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيه ". وقال كعب (5): ~~يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله. ~~فقال: " أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك ". قال الجوزي: هذه الأحاديث مخرجة ~~في الصحاح، وهي على خلاف # PageV03P418 # ما تعتقده المتصوفة من أن إكثار المال حجاب وعقوبة، وأن حبسه ينافي ~~التوكل، ولا ينكر أنه يخاف من فتنته، وأن خلقا كثيرا اجتنبوه لخوف ذلك، وأن ~~جمعه من وجهه ليعز (1)، وأن سلامة القلب من الافتتان به تقل، واشتغال القلب ~~مع وجوده بذكر الآخرة يندر، فلهذا خيف فتنته. فأما كسب المال فإن من اقتصر ~~على كسب البلغة من حلها فذلك أمر لابد منه وأما من قصد جمعه والاستكثار منه ~~من الحلال نظر في مقصوده، فإن قصد نفس المفاخرة والمباهاة فبئس المقصود، ~~وإن قصد إعفاف نفسه وعائلته، وادخر لحوادث زمانه وزمانهم، وقصد التوسعة على ~~الاخوان وإغناء الفقراء وفعل المصالح أثيب على قصده، وكان جمعه بهذه النية ~~أفضل من كثير من الطاعات. وقد كانت نيات خلق كثير من الصحابة في جمع المال ~~سليمة لحسن مقاصدهم بجمعه، فحرصوا عليه وسألوا زيادته. ولما أقطع النبي صلى ~~الله عليه وسلم الزبير حضر (2) فرسه أجرى الفرس حتى قام ثم رمى سوطه، فقال: ~~" أعطوه حيث بلغ سوطه ". وكان سعد بن عبادة يقول في دعائه: اللهم وسع على. ~~وقال إخوة يوسف: " ونزداد كيل بعير (3) ". وقال شعيب لموسى: " فإن أتممت ~~عشرا فمن عندك (4) ". # وإن أيوب لما عوفي نثر عليه (5) رجل من جراد من ذهب، فأخذ يحثى في ثوبه ~~ويستكثر منه، فقيل له: أما شبعت؟ فقال: يا رب فقير يشبع من فضلك؟. وهذا أمر ~~مركوز في الطباع. # وأما كلام المحاسبي فخطأ يدل على الجهل بالعلم، وما ذكره من حديث كعب ~~وأبي ذر فمحال، من وضع الجهال وخفيت عدم صحته عنه للحوقه بالقوم. وقد روى ~~بعض هذا وإن كان طريقه لا يثبت، لان في سنده ابن لهيعة وهو مطعون فيه. ms1258 قال ~~يحيى: لا يحتج بحديثه. والصحيح في التاريخ أن أبا ذر توفى سنة خمس وعشرين، ~~وعبد الرحمن بن عوف توفى سنة اثنتين وثلاثين، فقد عاش بعد أبي ذر سبع سنين. ~~ثم لفظ ما ذكروه من حديثهم يدل على أن حديثهم موضوع، ثم كيف تقول الصحابة: ~~إنا نخاف على عبد الرحمن! أو ليس الاجماع منعقدا على إباحة [جمع (6)] المال ~~من حله، فما وجه الخوف مع الإباحة؟ أو يأذن الشرع في شئ ثم يعاقب # PageV03P419 # عليه؟ هذا قلة فهم وفقه. ثم أينكر أبو ذر على عبد الرحمن، وعبد الرحمن ~~خير من أبي ذر بما لا يتقارب؟ ثم تعلقه بعبد الرحمن وحده دليل على أنه لم ~~[يسبر (1)] سير الصحابة، فإنه قد خلف طلحة ثلاثمائة بهار في كل بهار ثلاثة ~~قناطير. والبهار الحمل. وكان مال الزبير خمسين ألفا ومائتي ألف. وخلف ابن ~~مسعود تسعين ألفا. وأكثر الصحابة كسبوا الأموال وخلفوها ولم ينكر أحد منهم ~~على أحد. وأما قوله: " إن عبد الرحمن يحبو حبوا يوم القيامة " فهذا دليل ~~على أنه ما عرف الحديث، وأعوذ بالله أن يحبو عبد الرحمن في القيامة، أفترى ~~من سبق وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة ومن أهل بدر والشورى يحبو؟ ثم ~~الحديث يرويه عمارة ابن زاذان، وقال البخاري: ربما اضطرب حديثه. وقال أحمد: ~~يروى عن أنس أحاديث مناكير، وقال أبو حاتم الرازي: لا يحتج به. وقال ~~الدارقطني: ضعيف. وقوله: " ترك المال الحلال أفضل من جمعه " ليس كذلك، ومتى ~~صح القصد فجمعه أفضل بلا خلاف عند العلماء. وكان سعيد بن المسيب يقول: لا ~~خير فيمن لا يطلب المال، يقضى به دينه ويصون به عرضه، فإن مات تركه ميراثا ~~لمن بعده. وخلف ابن المسيب أربعمائة دينار، وخلف سفيان الثوري مائتين، وكان ~~يقول: المال في هذا الزمان سلاح. وما زال السلف يمدحون المال ويجمعونه ~~للنوائب وإعانة الفقراء، وإنما تحاماه قوم منهم إيثارا للتشاغل بالعبادات، ~~وجمع الهم فقنعوا باليسير. فلو قال هذا القائل: إن التقليل منه أولى قرب ~~الامر ولكنه زاحم به مرتبة الاثم. # قلت: ms1259 ومما يدل على حفظ الأموال ومراعاتها إباحة القتال دونها وعليها، قال ~~صلى الله عليه وسلم: " من قتل دون ماله فهو شهيد ". وسيأتي بيانه في " ~~المائدة (2) " إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما ما في أنفسكم ~~أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شئ ~~قدير (284) # PageV03P420 # قوله تعالى: (لله ما في السماوات وما في الأرض) تقدم معناه. # قوله تعالى: (وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله) فيه ~~مسألتان: # الأولى - اختلف الناس في معنى قوله تعالى: " وإن تبدوا ما في أنفسكم أو ~~تخفوه يحاسبكم به الله " على أقوال خمسة: # الأول - أنها منسوخة، قاله ابن عباس وابن مسعود وعائشة وأبو هريرة ~~والشعبي وعطاء ومحمد بن سيرين ومحمد بن كعب وموسى بن عبيدة وجماعة من ~~الصحابة والتابعين، وأنه بقى هذا التكليف حولا حتى أنزل الله الفرج بقوله: ~~" لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ". # [وهو قول ابن مسعود وعائشة وعطاء ومحمد بن سيرين ومحمد بن كعب وغيرهم ~~(1)] وفى صحيح مسلم عن ابن عباس قال: لما نزلت " وإن تبدوا ما في أنفسكم أو ~~تخفوه يحاسبكم به الله " قال: دخل قلوبهم منها شئ لم يدخل قلوبهم من شئ، ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " قولوا سمعنا وأطعنا وسلمنا " قال: فألقى الله الايمان في قلوبهم فأنزل ~~الله تعالى: # " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا ~~تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا " [قال: " قد فعلت (2) "] ربنا ولا تحمل علينا ~~إصرا كما حملته على الذين من قبلنا [قال: " قد فعلت (2) "] ربنا ولا تحملنا ~~ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا [فانصرنا على ~~القوم الكافرين (3)] [قال: " قد فعلت (2) "]: في رواية فلما فعلوا ذلك ~~نسخها الله ثم أنزل تعالى: " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها " وسيأتي. # الثاني - قال ابن عباس وعكرمة والشعبي ومجاهد: إنها محكمة مخصوصة، وهي في ~~معنى الشهادة التي نهي عن ms1260 كتمها، ثم أعلم في هذه الآية أن الكاتم لها ~~المخفي ما في نفسه محاسب. # الثالث - أن الآية فيما يطرأ على النفوس من الشك واليقين، وقال مجاهد ~~أيضا. # الرابع - أنها محكمة عامة غير منسوخة، والله محاسب خلقه على ما عملوا من ~~عمل وعلى ما لم يعملوه مما ثبت في نفوسهم وأضمروه ونووه وأرادوه، فيغفر ~~للمؤمنين ويأخذ به أهل الكفر والنفاق، ذكره الطبري عن قوم، وأدخل عن ابن ~~عباس ما يشبه هذا. روى عن علي # PageV03P421 # بن أبي طلحة عن ابن عباس أنه قال: لم تنسخ، ولكن إذا جمع الله الخلائق ~~يقول: " إني أخبركم بما أكننتم في أنفسكم " فأما المؤمنون فيخبرهم ثم يغفر ~~لهم، وأما أهل الشك والريب فيخبرهم بما أخفوه من التكذيب، فذلك قوله: " ~~يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب (1) من يشاء " وهو قوله عز وجل: " ~~ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم (2) " من الشك والنفاق. وقال الضحاك: يعلمه ~~الله يوم القيامة بما كان يسره ليعلم أنه لم يخف عليه. وفى الخبر: " إن ~~الله تعالى يقول يوم القيامة هذا يوم تبلى فيه السرائر وتخرج الضمائر وأن ~~كتابي لم يكتبوا إلا ما ظهر من أعمالكم وأنا المطلع على ما لم يطلعوا عليه ~~ولم يخبروه ولا كتبوه فأنا أخبركم بذلك وأحاسبكم عليه فأغفر لمن أشاء وأعذب ~~من أشاء " فيغفر للمؤمنين ويعذب الكافرين، وهذا أصح ما في الباب، يدل عليه ~~حديث النجوى على ما يأتي بيانه، [لا يقال (3)]: فقد ثبت عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم " إن الله تجاوز لامتي عما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا أو ~~يعملوا به ". فإنا نقول: ذلك محمول على أحكام الدنيا، مثل الطلاق والعتاق ~~والبيع التي لا يلزمه حكمها ما لم يتكلم به، والذي ذكر في الآية فيما يؤاخذ ~~العبد به بينه وبين الله تعالى في الآخرة. وقال الحسن: الآية محكمة ليست ~~بمنسوخة. قال الطبري: # وقال آخرون نحو هذا المعنى الذي ذكر عن ابن عباس، إلا أنهم قالوا: إن ~~العذاب الذي يكون جزاء لما خطر في النفوس وصحبه الفكر إنما ms1261 هو بمصائب ~~الدنيا وآلامها وسائر مكارهها. # ثم أسند عن عائشة نحو هذا المعنى، وهو (القول الخامس): ورجح الطبري أن ~~الآية محكمة غير منسوخة: قال ابن عطية: وهذا هو الصواب، وذلك أن قوله ~~تعالى: " وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه " معناه مما هو في وسعكم وتحت ~~كسبكم، وذلك استصحاب المعتقد والفكر، فلما كان اللفظ مما يمكن أن تدخل فيه ~~الخواطر أشفق الصحابة والنبي صلى الله عليه وسلم، فبين الله لهم ما أراد ~~بالآية الأخرى، وخصصها ونص على حكمه أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها، والخواطر ~~ليست هي ولا دفعها في الوسع، بل هي أمر غالب وليست مما يكتسب، فكان في هذا ~~البيان فرجهم وكشف كربهم، وباقي (4) الآية محكمة لا نسخ فيها: ومما يدفع ~~أمر النسخ أن الآية خبر والاخبار لا يدخلها النسخ، فإن ذهب ذاهب إلى تقدير ~~النسخ فإنما يترتب له في الحكم الذي لحق الصحابة حين فزعوا من الآية، وذلك ~~أن قول النبي صلى الله # PageV03P422 # عليه وسلم لهم: " قولوا سمعنا وأطعنا " يجئ منه الامر بأن يثبتوا (1) على ~~هذا ويلتزموه وينتظروا لطف الله في الغفران. فإذا قرر هذا الحكم فصحيح وقوع ~~النسخ فيه، وتشبه الآية حينئذ قوله تعالى: " إن يكن منكم عشرون صابرون ~~يغلبوا مائتين (2) " فهذا لفظه الخبر ولكن معناه التزموا هذا وأثبتوا (3) ~~عليه واصبروا بحسبه، ثم نسخ بعد ذلك. وأجمع الناس فيما علمت على أن هذه ~~الآية في الجهاد منسوخة بصبر المائة للمائتين. قال ابن عطية: وهذه الآية في ~~" البقرة " أشبه شئ بها. وقيل: في الكلام إضمار وتقييد، تقديره يحاسبكم به ~~الله إن شاء، وعلى هذا فلا نسخ. وقال النحاس: ومن أحسن ما قيل في الآية ~~وأشبه بالظاهر قول ابن عباس: إنها عامة، ثم أدخل حديث ابن عمر في النجوى، ~~أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما، واللفظ لمسلم قال: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول " يدنى المؤمن [يوم القيامة (4)] من ربه عز وجل حتى يضع ~~عليه كنفه فيقرره بذنوبه فيقول هل تعرف فيقول [أي (4)] رب أعرف قال فإني قد ms1262 ~~سترتها عليك في الدنيا وإني أغفرها لك اليوم فيعطى صحيفة حسناته وأما ~~الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الخلائق هؤلاء الذين كذبوا على الله ~~". وقد قيل: إنها نزلت في الذين يتولون الكافرين من المؤمنين، أي وإن ~~تعلنوا ما في أنفسكم أيها المؤمنون من ولاية الكفار أو تسروها يحاسبكم به ~~الله، قاله الواقدي ومقاتل. واستدلوا بقوله تعالى في (آل عمران) " قل إن ~~تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه - من ولاية الكفار - يعلمه الله " يدل عليه ما ~~قبله من قوله: " لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين (5) ". # قلت: وهذا فيه بعد، لان سياق الآية لا يقتضيه، وإنما ذلك بين في " آل ~~عمران " والله أعلم. وقد قال سفيان بن عيينة: بلغني أن الأنبياء عليهم ~~السلام كانوا يأتون قومهم بهذه الآية " لله ما في السماوات وما في الأرض ~~وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ". # قوله تعالى: (فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء) قرأ ابن كثير ونافع وأبو ~~عمرو وحمزة والكسائي " فيغفر - ويعذب " بالجزم عطف على الجواب. وقرأ ابن ~~عامر وعاصم بالرفع # PageV03P423 # فيهما على القطع، أي فهو يغفر ويعذب. وروى عن ابن عباس والأعرج وأبى ~~العالية وعاصم الجحدري بالنصب فيهما على إضمار " أن ". وحقيقته أنه عطف على ~~المعنى، كما في قوله تعالى: " فيضاعفه له " وقد تقدم (1). والعطف على اللفظ ~~أجود للمشاكلة، كما قال الشاعر: # ومتى مايع منك كلاما * يتكلم فيجبك بعقل قال النحاس: وروى عن طلحة بن ~~مصرف " يحاسبكم به الله يغفر " بغير فاء على البدل. # ابن عطية: وبها قرأ الجعفي وخلاد. وروى أنها كذلك في مصحف ابن مسعود. قال ~~ابن جنى: هي على البدل من " يحاسبكم " وهي تفسير المحاسبة، وهذا كقول ~~الشاعر: # رويدا بنى شيبان بعض وعيدكم * تلاقوا غدا خيلي على سفوان تلاقوا جيادا لا ~~تحيد عن الوغى * إذا ما غدت في المأزق المتداني فهذا على البدل. وكرر ~~الشاعر الفعل، لان الفائدة فيما يليه من القول. قال النحاس: وأجود من الجزم ~~لو كان بلا فاء الرفع، يكون في موضع ms1263 الحال، كما قال الشاعر: # متى تأته تعشو إلى ضوء ناره * تجد خير نار عندها خير موقد قوله تعالى: ~~آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملئكته وكتبه ~~ورسوله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك ~~المصير (285) لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعلها ما اكتسبت ~~ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته ~~على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا ~~وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين (286) # PageV03P424 # فيه إحدى عشرة مسألة: # الأولى - قوله تعالى: (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه). [روى عن الحسن ~~ومجاهد والضحاك: أن هذه الآية كانت في قصة المعراج، وهكذا روى في بعض ~~الروايات عن ابن عباس، وقال بعضهم: جميع القرآن نزل به جبريل عليه السلام ~~على محمد صلى الله عليه وسلم إلا هذه الآية فإن النبي صلى الله عليه وسلم: ~~هو الذي سمع ليلة المعراج، وقال بعضهم: لم يكن ذلك في قصة المعراج، لان ~~ليلة المعراج كانت بمكة وهذه السورة كلها مدنية، فأما من قال: # إنها كانت ليلة المعراج قال: لما صعد النبي صلى الله عليه وسلم وبلغ في ~~السماوات في مكان مرتفع ومعه جبريل حتى جاوز سدرة المنتهي فقال له جبريل: ~~إني لم أجاوز هذا الموضع ولم يؤمر بالمجاوزة أحد هذا الموضع غيرك فجاوز ~~النبي صلى الله عليه وسلم حتى بلغ الموضع الذي شاء الله، فأشار إليه جبريل ~~بأن سلم على ربك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: التحيات لله والصلوات ~~والطيبات. قال الله تعالى: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، ~~فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون لامته حظ في السلام فقال: السلام ~~علينا وعلى عباد الله الصالحين، فقال جبريل وأهل السماوات كلهم: أشهد أن لا ~~إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبد ه ورسوله. # قال الله تعالى: " آمن الرسول " على معنى الشكر أي ms1264 صدق الرسول " بما أنزل ~~إليه من ربه " فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يشارك أمته في الكرامة ~~والفضيلة فقال: " والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين ~~أحد من رسله " يعنى يقولون آمنا بجميع الرسل ولا نكفر بأحد منهم ولا نفرق ~~بينهم كما فرقت اليهود والنصارى، فقال له ربه كيف قبولهم بآي الذي أنزلتها؟ ~~وهو قوله: " إن تبدوا ما في أنفسكم " فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ~~قالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير " يعنى المرجع. فقال الله ~~تعالى عند ذلك " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها " يعنى طاقتها ويقال: إلا دون ~~طاقتها. " لها ما كسبت " من الخير " وعليها ما اكتسبت " من الشر، فقال ~~جبريل عند ذلك: سل تعطه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ربنا لا تؤاخذنا ~~إن نسينا " يعنى إن جهلنا " أو أخطأنا " يعنى إن تعمدنا، ويقال: إن عملنا ~~بالنسيان PageV03P425 # والخطأ. فقال له جبريل: قد أعطيت ذلك قد رفع عن أمتك الخطأ والنسيان. فسل ~~شيئا آخر فقال: " ربنا ولا تحمل علينا إصرا " يعنى ثقلا " كما حملته على ~~الذين من قبلا " وهو أنه حرم عليهم الطيبات بظلمهم، وكانوا إذا أذنبوا ~~بالليل وجدوا ذلك مكتوبا على بابهم، وكانت الصلوات عليهم خمسين، فخفف الله ~~عن هذه الأمة وحط عنهم بعد ما فرض خمسين صلاة. ثم قال: " ربنا ولا تحملنا ~~ما لا طاقة لنا به " يقول: لا تثقلنا من العمل ما لا نطيق فتعذبنا، ويقال: ~~ما تشق علينا، لأنهم لو أمروا بخمسين صلاة لكانوا يطيقون ذلك ولكنه يشق ~~عليهم ولا يطيقون الإدامة عليه " واعف عنا " من ذلك كله " واغفر لنا " ~~وتجاوز عنا، ويقال: " واعف عنا " من المسخ " واغفر لنا " من الخسف " ~~وارحمنا " من القذف، لان الأمم الماضية بعضهم أصابهم المسخ وبعضهم أصابهم ~~الخسف وبعضهم القذف ثم قال: # " أنت مولانا " يعنى ولينا وحافظنا " فانصرنا على القوم الكافرين " ~~فاستجيبت دعوته. # وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " نصرت بالرعب مسيرة شهر " ~~ويقال إن الغزاة: # إذا خرجوا من ديارهم ms1265 بالنية الخالصة وضربوا بالطبل وقع الرعب والهيبة في ~~قلوب الكفار مسيرة شهر في شهر، علموا بخروجهم أو لم يعلموا، ثم إن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لما رجع أوحى الله هذه الآيات، ليعلم أمته بذلك. ولهذه ~~الآية تفسير آخر، قال الزجاج: لما ذكر الله تعالى في هذه السورة فرض الصلاة ~~والزكاة وبين أحكام الحج وحكم الحيض والطلاق والايلاء وأقاصيص الأنبياء ~~وبين حكم الربا، ذكر تعظيمه سبحانه بقوله سبحانه وتعالى: " لله ما في ~~السماوات وما في الأرض " ثم ذكر تصديق نبيه صلى الله عليه وسلم ثم ذكر ~~تصديق المؤمنين بجميع ذلك فقال: " آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه " أي ~~صدق الرسول بجميع هذه الأشياء التي جرى ذكرها وكذلك المؤمنون كلهم صدقوا ~~بالله وملائكته وكتبه ورسله (1)]. # PageV03P426 # وقيل سبب نزولها الآية التي قبلها وهي: " لله ما في السماوات وما في ~~الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ~~ويعذب من يشاء والله على كل شئ قدير " فإنه لما أنزل هذا على النبي صلى ~~الله عليه وسلم اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بركوا على الركب فقالوا: أي رسول الله، ~~كلفنا من. الأعمال ما نطيق: الصلاة والصيام والجهاد [والصدقة (1)]، وقد ~~أنزل الله عليك هذه الآية ولا نطيقها. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم سمعنا وعصينا بل قولوا ~~سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير " فقالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا ~~وإليك المصير. فلما اقترأها القوم ذلت بها ألسنتهم فأنزل الله في إثرها: # " آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته ~~وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا ~~وإليك المصير ". فلما فعلوا ذلك نسخها الله، فأنزل الله عز وجل: " لا يكلف ~~الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت " (2) " ربنا لا تؤاخذنا ~~إن نسينا أو أخطأنا ms1266 " قال: " نعم " " ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته ~~على الذين من قبلنا " قال: " نعم " " ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به " ~~قال: " نعم " " واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم ~~الكافرين " قال: " نعم ". أخرجه مسلم عن أبي هريرة. # قال علماؤنا: قوله في الرواية الأولى (3) " قد فعلت " وهنا قال: " نعم " ~~دليل على نقل الحديث بالمعنى، وقد تقدم. ولما تقرر الامر على أن قالوا: ~~سمعنا وأطعنا، مدحهم الله وأثنى عليهم في هذه الآية، ورفع المشقة في أمر ~~الخواطر عنهم، وهذه ثمرة الطاعة والانقطاع إلى الله تعالى، كما جرى لبني ~~إسرائيل ضد ذلك من ذمهم وتحميلهم المشقات من الذلة والمسكنة والانجلاء إذ ~~قالوا: سمعنا وعصينا، وهذه ثمرة العصيان والتمرد على الله تعالى، أعاذنا ~~الله من نقمه بمنه وكرمه. وفى الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له: ~~إن بيت ثابت بن قيس بن شماس # PageV03P427 # يزهر كل ليلة بمصابيح. قال: " فلعله يقرأ سورة البقرة " فسئل ثابت قال: ~~قرأت من سورة البقر " آمن الرسول " نزلت حين شق على أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم ما توعدهم الله تعالى به من محاسبتهم على ما أخفته نفوسهم، فشكوا ~~ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " فلعلكم تقولون سمعنا وعصينا كما ~~قالت بنو إسرائيل " قالوا: بل سمعنا وأطعنا، فأنزل الله تعالى ثناء عليهم: ~~" آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه " فقال صلى الله عليه وسلم: # " وحق لهم أن يؤمنوا ". # الثانية - قوله تعالى: (آمن) أي صدق، وقد تقدم. والذي أنزل هو القرآن. # وقرأ ابن مسعود " وآمن المؤمنون كل آمن بالله " على اللفظ، ويجوز في غير ~~القرآن " آمنوا " على المعنى. وقرأ نافع وابن كثير وعاصم في رواية أبى بكر ~~وابن عامر (وكتبه) على الجمع. # وقرأوا في " التحريم (1) " كتابه، على التوحيد. وقرأ أبو عمرو هنا وفى " ~~التحريم " " وكتبه " على الجمع. وقرأ حمزة والكسائي " وكتابه " على التوحيد ~~فيهما. فمن جمع أراد جمع كتاب، ومن أفرد أراد المصدر الذي يجمع كل مكتوب ~~كان نزوله من عند ms1267 الله. ويجوز في قراءة من وحد أن يراد به الجمع، يكون ~~الكتاب اسما للجنس فتستوي القراءتان، قال الله تعالى: " فبعث الله النبيين ~~مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب (2) ". قرأت الجماعة " ورسله " بضم ~~السين، وكذلك " رسلنا ورسلكم ورسلك "، إلا أبا عمرو فروى عنه تخفيف " رسلنا ~~ورسلكم "، وروى عنه في " رسلك " التثقيل والتخفيف. قال أبو على: من قرأ " ~~رسلك " بالتثقيل فذلك أصل الكلمة، ومن خفف فكما يخفف في الآحاد، مثل عنق ~~وطنب. وإذا خفف في الآحاد فذلك أحرى في الجمع الذي هو أثقل، وقال معناه ~~مكي. وقرأ جمهور الناس " لا نفرق " بالنون، والمعنى يقولون لا نفرق، فحذف ~~القول، وحذف القول كثير، قال الله تعالى: " والملائكة يدخلون عليهم من كل ~~باب. سلام عليكم (3) " أي يقولون سلام عليكم. # وقال: " ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا (4) " ~~أي يقولون # PageV03P428 # ربنا، وما كان مثله. وقرأ سعيد بن جبير ويحيى بن يعمر وأبو زرعة بن عمرو ~~بن جرير ويعقوب " لا يفرق " بالياء، وهذا على لفظ كل. قال هارون: وهي في ~~حرف ابن مسعود " لا يفرقون ". وقال " بين أحد " على الافراد ولم يقل آحاد، ~~لان الأحد يتناول الواحد والجميع، كما قال تعالى: " فما منكم من أحد عنه ~~حاجزين (1) " ف‍ " حاجزين " صفة لاحد، لان معناه الجمع. وقال صلى الله عليه ~~وسلم: " ما أحلت الغنائم لاحد سود الرؤوس غيركم " وقال رؤبة: # إذا أمور الناس دينت دينكا * لا يرهبون أحدا من دونكا ومعنى هذه الآية: ~~أن المؤمنين ليسوا كاليهود والنصارى في أنهم يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض. # الثالثة - قوله تعالى: (وقالوا سمعنا وأطعنا) فيه حذف، أي سمعنا سماع ~~قابلين (2). # وقيل: سمع بمعنى قبل، كما يقال: سمع الله لمن حمده، فلا يكون فيه حذف. ~~وعلى الجملة فهذا القول يقتضى المدح لقائله. والطاعة قبول الامر. وقوله ~~(غفرانك) مصدر كالكفران والخسران، والعامل فيه فعل مقدر، تقديره: اغفر ~~غفرانك، قال الزجاج. وغيره: نطلب أو أسأل غفرانك. (وإليك المصير) إقرار ~~بالبعث والوقوف بين يدي الله تعالى. وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ~~نزلت ms1268 عليه هذه الآية قال له جبريل: " إن الله قد أحل الثناء عليك وعلى أمتك ~~فسل تعطه " فسأل إلى آخر السورة. # الرابعة - قوله تعالى: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) التكليف هو الامر ~~بما يشق عليه. وتكلفت الامر تجشمته، حكاه الجوهري. والوسع: الطاقة والجدة. ~~وهذا خبر جزم. نص الله تعالى على أنه لا (3) يكلف العباد من وقت نزول الآية ~~عبادة من أعمال القلب أو الجوارح إلا وهي في وسع المكلف وفى مقتضى إدراكه ~~وبنيته، وبهذا انكشفت الكربة عن المسلمين في تأولهم أمر الخواطر. وفى معنى ~~هذه الآية ما حكاه أبو هريرة رضي الله عنه قال: # ما وددت أن أحدا ولدتني أمه إلا جعفر بن أبي طالب، فإني تبعته يوما وأنا ~~جائع فلما بلغ # PageV03P429 # منزله لم يجد فيه سوى نحى سمن قد بقى فيه أثارة فشقه بين أيدينا، فجعلنا ~~نلعق ما فيه من السمن والرب (1) وهو يقول: # ما كلف الله نفسا فوق طاقتها * ولا تجود يد إلا بما تجد الخامسة - اختلف ~~الناس في جواز تكليف ما لا يطاق في الاحكام التي هي في الدنيا، بعد اتفاقهم ~~على أنه ليس واقعا في الشرع، وأن هذه الآية أذنت بعدمه، قال أبو الحسن ~~الأشعري وجماعة من المتكلمين: تكليف ما لا يطاق جائز عقلا، ولا يخرم ذلك ~~شيئا من عقائد الشرع، ويكون ذلك أمارة على تعذيب المكلف وقطعا به، وينظر ~~إلى هذا تكليف المصور أن يعقد شعيرة. واختلف القائلون بجوازه هل وقع في ~~رسالة محمد صلى الله عليه وسلم أولا؟ فقالت فرقة: وقع في نازلة أبى لهب، ~~لأنه كلفه بالايمان بجملة الشريعة، ومن جملتها أنه لا يؤمن، لأنه حكم عليه ~~بتب اليدين وصلى النار، وذلك مؤذن بأنه لا يؤمن، فقد كلفه بأن يؤمن بأنه لا ~~يؤمن. وقالت فرقة: لم يقع قط. وقد حكى الاجماع على ذلك. # وقوله تعالى: " سيصلى نارا (2) " معناه إن وافى، حكاه ابن عطية. " ويكلف ~~" يتعدى إلى مفعولين أحدهما محذوف، تقديره عبادة أو شيئا. فالله سبحانه ~~بلطفه وإنعامه علينا وإن كان قد كلفنا بما ms1269 يشق ويثقل كثبوت الواحد للعشرة، ~~وهجرة الانسان وخروجه من وطنه ومفارقة أهله ووطنه وعادته، لكنه لم يكلفنا ~~بالمشقات المثقلة ولا بالأمور المؤلمة، كما كلف من قبلنا بقتل أنفسهم وقرض ~~موضع البول من ثيابهم وجلودهم، بل سهل ورفق ووضع عنا الإصر والاغلال التي ~~وضعها على من كان قبلنا. فلله الحمد والمنة، والفضل والنعمة. # السادسة - قوله تعالى: (لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت) يريد من الحسنات ~~والسيئات. قاله السدى. وجماعة المفسرين لا خلاف بينهم في ذلك، قال ابن ~~عطية. وهو مثل قوله: " ولا تزر وازرة وزر أخرى " " ولا تكسب كل نفس إلا ~~عليها (3) ". والخواطر ونحوها ليست من كسب الانسان. وجاءت العبارة في ~~الحسنات ب‍ " لها " من حيث هي مما # PageV03P430 # يفرح المرء بكسبه ويسر بها، فتضاف إلى ملكه. وجاءت في السيئات ب‍ " عليها ~~" من حيث هي أثقال وأوزار ومتحملات صعبة، وهذا كما تقول: لي مال وعلى دين. ~~وكرر فعل الكسب فخالف بين التصريف حسنا لنمط الكلام، كما قال: " فمهل ~~الكافرين أمهلهم رويدا (1) ". قال ابن عطية: ويظهر لي في هذا أن الحسنات هي ~~مما تكتسب دون تكلف، إذ كاسبها على جادة أمر الله تعالى ورسم شرعه، ~~والسيئات تكتسب ببناء المبالغة، إذا كاسبها يتكلف في أمرها خرق حجاب نهي ~~الله تعالى ويتخطاه إليها، فيحسن في الآية مجئ التصريفين إحرازا، لهذا ~~المعنى. # السابعة - في هذه الآية دليل على صحة إطلاق أئمتنا على أفعال العباد كسبا ~~واكتسابا، ولذلك لم يطلقوا على ذلك لا خلق ولا خالق، خلافا لمن أطلق ذلك من ~~مجترئة المبتدعة. # ومن أطلق من أئمتنا ذلك على العبد، وأنه فاعل فبالمجاز المحض. وقال ~~المهدوي وغيره: # وقيل معنى الآية لا يؤاخذ أحد بذنب أحد. قال ابن عطية: وهذا صحيح في نفسه ~~ولكن من غير هذه الآية. # الثامنة - قال الكيا الطبري: قوله تعالى: " لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ~~" يستدل به على أن من قتل غيره بمثقل أو بخنق أو تغريق فعليه ضمانه قصاصا ~~أو دية، خلافا لمن جعل ديته على العاقلة (2)، وذلك يخالف الظاهر، ويدل على ms1270 ~~أن سقوط القصاص عن الأب لا يقتضى سقوطه عن شريكه. ويدل على وجوب الحد على ~~العاقلة (2) إذا مكنت مجنونا من نفسها. وقال القاضي أبو بكر بن العربي: " ~~ذكر علماؤنا هذه الآية في أن القود واجب على شريك الأب خلافا لأبي حنيفة، ~~وعلى شريك الخاطئ خلافا للشافعي وأبي حنيفة، لان كل واحد منهما قد اكتسب ~~القتل. وقالوا: إن اشتراك من لا يجب عليه القصاص مع من يجب عليه القصاص لا ~~يكون شبهة في درء ما يدرأ بالشبهة ". # التاسعة - قوله تعالى: (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) المعنى: أعف ~~عن إثم ما يقع منا على هذين الوجهين أو أحدهما، كقوله عليه السلام: " رفع ~~عن أمتي الخطأ والنسيان # PageV03P431 # وما استكرهوا عليه " أي إثم ذلك. وهذا لم يختلف فيه أن الاثم مرفوع، ~~وإنما اختلف فيما يتعلق على ذلك من الاحكام، هل ذلك مرفوع لا يلزم منه شئ ~~أو يلزم أحكام ذلك كله؟ # اختلف فيه. والصحيح أن ذلك يختلف بحسب الوقائع، فقسم لا يسقط باتفاق ~~كالغرامات والديات والصلوات المفروضات. وقسم يسقط باتفاق كالقصاص والنطق ~~بكلمة الكفر. # وقسم ثالث يختلف فيه كمن أكل ناسيا في رمضان أو حنث ساهيا، وما كان مثله ~~مما يقع خطأ ونسيانا، ويعرف ذلك في الفروع. # العاشرة - قوله تعالى: (ربنا ولا تحمل علينا إصرا) أي ثقلا. قال مالك ~~والربيع: # الإصر الامر الغليظ الصعب. وقال سعيد بن جبير: الإصر شدة العمل. وما غلظ ~~على بني إسرائيل من البول ونحوه. قال الضحاك: كانوا يحملون أمورا شدادا، ~~وهذا نحو قول مالك والربيع، ومنه قول النابغة: # يا مانع الضيم أن يغشى سراتهم * والحامل الإصر عنهم بعدما عرفوا (1) ~~عطاء: الإصر المسخ قردة وخنازير، وقاله ابن زيد أيضا. وعنه أيضا أنه الذنب ~~الذي ليس فيه توبة ولا كفارة. والإصر في اللغة العهد، ومنه قوله تعالى: " ~~وأخذتم على ذلكم إصري (2) ". والإصر: الضيق والذنب والثقل. والإصار: الحبل ~~الذي تربط به الأحمال ونحوها، يقال: أصر يأصر أصرا حبسه. والإصر (بكسر ~~الهمزة) من ذلك قال الجوهري: # والموضع مأصر ومأصر والجمع مآصر، ms1271 والعامة تقول معاصر. قال ابن خويز ~~منداد: ويمكن أن يستدل بهذا الظاهر في كل عبادة ادعى الخصم تثقيلها، فهو ~~نحو قوله تعالى: " وما جعل عليكم في الدين من حرج (3) "، وكقول النبي صلى ~~الله عليه وسلم: " الدين يسر فيسروا ولا تعسروا ". # اللهم شق على من شق على أمة محمد صلى الله عليه وسلم. # قلت: ونحوه قال الكيا الطبري قال: يحتج به في نفى الحرج والضيق المنافى ~~ظاهره للحنيفية السمحة، وهذا بين. # PageV03P432 # الحادية عشر - قوله تعالى: (ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به) قال قتادة: ~~معناه لا تشدد علينا كما سددت على الذين من قبلنا. الضحاك: لا تحملنا من ~~الأعمال مالا نطيق، وقال نحوه ابن زيد. ابن جريج: لا تمسخنا قردة ولا ~~خنازير. وقال سلام بن سابور: # الذي لا طاقة لنا به: الغلمة (1)، وحكاه النقاش عن مجاهد وعطاء. وروى أن ~~أبا الدرداء كان يقول في دعائه: وأعوذ بك من غلمة ليس لها عدة. وقال السدى: ~~هو التغليظ والاغلال التي كانت على بني إسرائيل. # قوله تعالى: (واعف عنا) أي عن ذنوبنا. عفوت عن ذنبه إذا تركته ولم ~~تعاقبه. # (واغفر لنا) أي أستر على ذنوبنا. والغفر: الستر. (وارحمنا) أي تفضل برحمة ~~مبتدئا روى عن معاذ بن جبل أنه كان إذا فرغ من قراءة هذه السورة قال: آمين. ~~قال أين عطية: # هذا يظن به أنه رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإن كان ذلك فكمال، ~~وإن كان بقياس على سورة الحمد من حيث هنالك دعاء فحسن. وقال على ابن أبي ~~طالب: ما أظن أن أحد عقل وأدرك الاسلام ينام حتى يقرأهما. # قلت: قد مسلم في هذا المعنى عن أبي مسعود الأنصاري قال قال رسول الله صلى ~~الله علية وسلم: " من قرأ هاتين الآيتين من آخر سورة " البقرة " في ليلة ~~كفتاه ". # قيل: من قيام الليل، كما روى عن أين عمر قال: سمعت النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقول: # " أنزل الله على آيتين من كنوز الجنة ختم بهما سورة البقرة كتبهما الرحمن ~~بيده قبل أن يخلق ms1272 الخلق بألف عام من قرأهما بعد العشاء مرتين أجزأتاه من ~~قيام الليل " آمن الرسول " إلى آخر البقرة ". وقيل: كفتاه من شر الشيطان ~~فلا يكون له سلطان. وأسند أبو عمرو الداني عن حذيفة بت اليمان قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله جل وعز كتب كتابا قبل أن يخلق السماوات ~~والأرض بألفي عام فأنزل منه هذه الثلاث آيات # PageV03P433 # التي ختم بهن البقرة من قرأهن في بيته لم يقرب الشيطان بيته ثلاث ليال ". ~~وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أوتيت هذه الآيات من آخر سورة ~~البقرة من كنز تحت العشر لم يؤتهن نبي قبلي ". وهذا صحيح. قد تقدم في ~~الفاتحة نزول الملك بها مع الفاتحة. # والحمد لله. # مصححه أبو إسحاق إبراهيم أطفيش تم الجزء الثالث من تفسير القرطبي يتلوه ~~إن شاء الله تعالى الجزء الرابع وأوله: سورة آل عمران PageV03P434 # بعون الله وجميل توفيقه قد تم طبع الجزء الثالث من كتاب " الجامع لاحكام ~~القرآن " للقرطبي PageV03P435 # الجامع لاحكام القرآن لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي الجزء ~~الجزء الرابع أعاد طبعه دار احياء التراث العربي بيروت - لبنان 1405 ه‍ ~~1985 م بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ألم (1) الله لا إله إلا هو ~~الحي القيوم (2) فيه خمس مسائل الأولى - قوله: (ألم. الله لا إله إلا هو ~~الحي القيوم) هذه السورة مدنية بإجماع. # وحكى النقاش أن اسمها في التوراة طيبة، وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد وعاصم ~~بن أبي النجود وأبو جعفر الرؤاسي (1) " ألم. ألله " بقطع ألف الوصل، على ~~تقدير الوقف على " ألم " كما يقدرون الوقف على أسماء الاعداد في نحو واحد، ~~اثنان، ثلاثة، أربعة، وهم واصلون. # قال الأخفش سعيد: ويجوز " ألم الله " بكسر الميم لالتقاء الساكنين. قال ~~الزجاج: هذا خطأ، ولا تقوله العرب لثقله. قال النحاس: القراءة [الأولى] (2) ~~قراءة العامة، وقد تكلم فيها النحويون القدماء، فمذهب سيبويه أن الميم فتحت ~~لالتقاء الساكنين، واختاروا لها الفتح لئلا يجمع بين كسرة وياء وكسرة ~~قبلها. وقال الكسائي: حروف التهجي إذا لقيتها ألف ms1273 وصل فحذفت ألف الوصل ~~حركتها بحركة الألف فقلت: ألم الله، والم أذكر، والم اقتربت. وقال الفراء: ~~الأصل " ألم ألله " كما قرأ الرؤاسي فألقيت حركة الهمزة على الميم. # وقرأ عمر بن الخطاب " الحي القيام ". وقال خارجة: في مصحف عبد الله " ~~الحي القيم ". # وقد تقدم ما للعلماء [من آراء] (3) في الحروف التي في أوائل السور في أول ~~" البقرة " (4). ومن حيث جاء في هذه السورة: " الله لا إله إلا هو الحي ~~القيوم " جملة قائمة بنفسها فتتصور تلك الأقوال كلها. # PageV04P001 # الثانية روى الكسائي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه صلى العشاء فاستفتح " ~~آل عمران " فقرأ " ألم. الله لا إله إلا هو الحي القيام " فقرأ في الركعة ~~الأولى بمائة آية، وفي الثانية بالمائة الباقية. قال علماؤنا: ولا يقرأ ~~سورة في ركعتين، فإن فعل أجزأه. وقال مالك في المجموعة: لا بأس به، وما هو ~~بالشأن. # قلت: الصحيح جواز ذلك. وقد قرأ النبي صلى الله عليه وسلم بالأعراف في ~~المغرب فرقها في ركعتين، خرجه النسائي أيضا، وصححه أبو محمد عبد الحق، ~~وسيأتي. # الثالثة - هذه السورة ورد في فضلها آثار وأخبار، فمن ذلك ما جاء أنها ~~أمان من الحيات، وكنز للصعلوك، وأنها تحاج عن قارئها في الآخرة، ويكتب لمن ~~قرأ آخرها في ليلة كقيام ليلة، إلى غير ذلك. ذكر الدارمي أبو محمد في مسنده ~~حدثنا أبو عبيد القاسم بن سلام قال حدثني عبيد الله الأشجعي قال: حدثني ~~مسعر قال حدثني جابر (1)، قبل أن يقع فيما وقع فيه، عن الشعبي قال قال عبد ~~الله: نعم كنز الصعلوك سورة " آل عمران " يقوم بها في آخر الليل. # حدثنا محمد بن سعيد حدثنا عبد السلام عن الجريري (2) عن أبي السليل (3) ~~قال: أصاب رجل دما قال: فأوى إلى وادى مجنة: واد لا يمشى فيه أحد إلا ~~أصابته حية، وعلى شفير الوادي راهبان، فلما أمسى قال أحدهما لصاحبه: هلك ~~والله الرجل! قال: فافتتح سورة " آل عمران " قالا: فقرأ سورة طيبة لعله ~~سينجو. قال: فأصبح سليما. وأسند عن مكحول قال: من قرأ سورة " آل ms1274 عمران " ~~يوم الجمعة صلت عليه الملائكة إلى الليل. وأسند عن عثمان بن عفان قال: من ~~قرأ آخر سورة " آل عمران " في ليلة كتب له قيام ليلة. في طريقه ابن لهيعة. # وخرج مسلم عن النواس بن سمعان الكلابي قال: سمعت النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقول: يؤتى # PageV04P002 # بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به تقدمه سورة البقرة وآل ~~عمران - وضرب لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أمثال ما نسيتهن ~~بعد، قال: - كأنهما غمامتان أو ظلتان سوداوان بينهما شرق (1)، أو كأنهما ~~حزقان (2) من طير صواف تحاجان عن صاحبهما. # وخرج أيضا عن أبي أمامة الباهلي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: " اقرأوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه اقرأوا ~~الزهراوين البقرة وسورة آل عمران فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان ~~أو كأنهما غيايتان أو كأنهما فرقان من طير صواف تحاجان عن أصحابهما اقرأوا ~~سورة البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا يستطيعها البطلة ". قال معاوية ~~(3): وبلغني أن البطلة السحرة. # الرابعة - للعلماء في تسمية " البقرة وآل عمران " بالزهراوين ثلاثة ~~أقوال: # الأول - أنهما النيرتان، مأخوذ من الزهر والزهرة، فإما لهدايتهما قارئهما ~~بما يزهر له من أنوارهما، أي من معانيهما. # وإما لما يترتب على قراءتهما من النور التام يوم القيامة، وهو القول ~~الثاني. # الثالث - سميتا بذلك لأنهما اشتركتا فيما تضمنه اسم الله الأعظم، كما ~~ذكره أبو داود وغيره عن أسماء بنت يزيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: " إن اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو ~~الرحمن الرحيم (4) والتي في آل عمران الله لا إله إلا هو الحي القيوم " ~~أخرجه ابن ماجة أيضا. والغمام: السحاب الملتف، وهو الغياية إذا كانت قريبا ~~من الرأس، وهي الظلة أيضا. والمعنى: أن قارئهما في ظل ثوابهما، كما جاء " ~~الرجل في ظل صدقته " (5) وقوله: " تحاجان " أي يخلق الله من يجادل عنه ~~بثوابهما ملائكة كما جاء في بعض الحديث: " إن من قرأ " شهد الله أنه لا إله ms1275 ~~إلا هو الآية خلق الله سبعين ملكا يستغفرون له إلى يوم القيامة ". وقوله: " ~~بينهما شرق قيد بسكون الراء وفتحها، # PageV04P003 # وهو تنبيه على الضياء، لأنه لما قال: " سوداوان " قد يتوهم أنهما ~~مظلمتان، فنفى ذلك بقوله: " بينهما شرق " ويعني بكونهما سوداوان أي من ~~كثافتهما التي بسببها حالتا بين من تحتهما وبين حرارة الشمس وشدة اللهب ~~والله أعلم. # الخامسة - صدر هذه السورة نزل بسبب وفد نجران فيما ذكر محمد بن إسحاق عن ~~محمد ابن جعفر بن الزبير، وكانوا نصارى وفدوا على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بالمدينة في ستين راكبا، فيهم من أشرافهم أربعة عشر رجلا، في الأربعة ~~عشر ثلاثة نفر إليهم يرجع أمرهم: # العاقب (1) أمير القوم وذو آرائهم واسمه عبد المسيح، والسيد ثمالهم (2) ~~وصاحب مجتمعهم واسمه الأيهم، وأبو حارثة بن علقمة أحد بكر بن وائل أسقفهم ~~وعالمهم، فدخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أثر صلاة العصر، عليهم ~~ثياب الحبرات (3) جبب وأردية فقال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: ما ~~رأينا وفدا مثلهم جمالا وجلالة. وحانت صلاتهم فقاموا فصلوا في مسجد النبي ~~صلى الله عليه وسلم إلى المشرق. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " دعوهم ". # ثم أقاموا بها أياما يناظرون رسول الله صلى الله عليه وسلم في عيسى ~~ويزعمون أنه ابن الله ، إلى غير ذلك من أقوال شنيعة مضطربة، ورسول صلى الله ~~عليه وسلم يرد عليهم بالبراهين الساطعة وهم لا يبصرون ونزل فيهم صدر هذه ~~السورة إلى نيف وثمانين آية، إلى أن آل أمرهم إلى أن دعاهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلى المباهلة (4)، حسب ما هو مذكور في سيرة ابن إسحاق (5) ~~وغيره. # قوله تعالى: نزل عليك الكتب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة ~~والإنجيل (3) من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان إن الذين كفروا بآيات؟ الله ~~لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام (4) # PageV04P004 # قوله تعالى: (نزل عليك الكتاب) يعني القرآن (بالحق) أي بالصدق، وقيل: ~~بالحجة الغالبة. والقرآن نزل نجوما: شيئا بعد شئ، فلذلك قال " نزل " ~~والتنزيل مرة بعد ms1276 مرة. # والتوراة والإنجيل نزلا دفعة واحدة فلذلك قال " أنزل " والباء في قول " ~~بالحق " في موضع الحال من الكتاب، والباء متعلقة بمحذوف التقدير آتيا بالحق ~~ولا تتعلق ب‍ " نزل "، لأنه قد تعدى إلى مفعولين أحدهما بحرف جر، ولا يتعدى ~~إلى ثالث. و " مصدقا " حال مؤكدة غير منتقلة، لأنه لا يمكن أن يكون غير ~~مصدق، أي غير موافق، هذا قول الجمهور. وقدر فيه بعضهم الانتقال، على معنى ~~أنه مصدق لنفسه ومصدق لغيره. # قوله تعالى: (لما بين يديه) يعنى من الكتب المنزلة، والتوراة معناها ~~الضياء والنور، مشتقة من ورى الزند وورى لغتان إذا خرجت ناره. وأصلها تورية ~~على وزن تفعلة، التاء زائدة وتحركت الياء وقبلها فتحة فقلبت ألفا ويجوز أن ~~تكون تفعلة فتنقل الراء من الكسر إلى الفتح كما قالوا في جارية: جاراة، وفى ~~ناصية ناصاة (1)، كلاهما عن الفراء. وقال الخليل: # أصلها فوعلة، فالأصل وورية، قلبت الواو الأولى تاء كما قلبت في تولج (2)، ~~والأصل وولج فوعل من ولجت، وقلبت الياء ألفا لحركتها وانفتاح ما قبلها. ~~وبناء فوعلة أكثر من تفعلة. # وقيل: التوراة مأخوذة من التورية، وهي التعريض بالشئ والكتمان لغيره، ~~فكأن أكثر التوراة معاريض وتلويحات من غير تصريح وإيضاح، هذا قول المؤرج. ~~والجمهور على القول الأول لقوله تعالى: " ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان ~~وضياء وذكرا للمتقين " (3) يعنى التوراة. # والإنجيل إفعيل من النجل وهو الأصل، ويجمع على أناجيل وتوراة على توار، ~~فالإنجيل أصل لعلوم وحكم. ويقال: لعن الله ناجليه، يعنى والديه، إذ كانا ~~أصله. وقيل: هو من نجلت الشئ إذا استخرجته، فالإنجيل مستخرج به علوم وحكم، ~~ومنه سمي الولد والنسل نجلا لخروجه، كما قال: # إلى معشر لم يورث اللؤم جدهم * أصاغرهم وكل فحل لهم نجل # PageV04P005 # والنجل الماء الذي يخرج من النز. واستنجلت الأرض، وبها نجال إذا خرج منها ~~الماء، فسمى الإنجيل به، لان الله تعالى أخرج به دارسا من الحق عافيا. ~~وقيل: هو من النجل في العين (بالتحريك) وهو سعتها، وطعنة نجلاء، أي واسعة، ~~قال: # ربما ضربة بسيف صقيل * بين بصرى وطعنة نجلاء فسمي ms1277 الإنجيل بذلك، لأنه أصل ~~أخرجه لهم ووسعه عليهم ونورا وضياء. وقيل: التناجل التنازع، وسمى إنجيلا ~~لتنازع الناس فيه. وحكى شمر عن بعضهم: الإنجيل كل كتاب مكتوب وافر السطور. ~~وقيل: نحل عمل وصنع، قال: # * وأنجل في ذاك الصنيع كما نجل * أي أعمل وأصنع. وقيل: التوراة والإنجيل ~~من اللغة السريانية. وقيل: الإنجيل بالسريانية إنكليون (1)، حكاه الثعلبي. ~~قال الجوهري: الإنجيل كتاب عيسى عليه السلام يذكر ويؤنث، فمن أنث أراد ~~الصحيفة، ومن ذكر أراد الكتاب. قال غيره: وقد يسمى القرآن إنجيلا أيضا، كما ~~روى في قصة مناجاة موسى عليه السلام أنه قال: " يا رب أرى في الألواح ~~أقواما أناجيلهم في صدورهم فاجعلهم أمتي ". فقال الله تعالى له: " تلك أمة ~~أحمد " صلى الله عليه وسلم، وإنما أراد بالأناجيل القرآن. وقرأ الحسن: " ~~والإنجيل " بفتح الهمزة، والباقون بالكسر مثل الإكليل، لغتان. ويحتمل [أن ~~سمع] (2) أن يكون مما عربته العرب من الأسماء الأعجمية، ولا مثال له في ~~كلامها. # قوله تعالى: (من قبل) يعني القرآن (هدى للناس) قال ابن فورك (3): التقدير ~~هدى للناس المتقين، دليله في البقرة " هدى للمتقين " فرد هذا العام إلى ذلك ~~الخاص. و " هدى " في موضع نصب على الحال. و (الفرقان) القرآن. وقد تقدم. # PageV04P006 # قوله تعالى: إن الله لا يخفى عليه شئ في الأرض ولا في السماء (5) هذا خبر ~~عن علمه تعالى بالأشياء على التفصيل، ومثله في القرآن كثير. فهو العالم بما ~~كان وما يكون وما لا يكون، فكيف يكون عيسى إلها أو ابن إله وهو تخفى عليه ~~الأشياء!. # قوله تعالى: هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز ~~الحكيم (6) فيه مسألتان: # الأولى - قوله تعالى: (هو الذي يصوركم) أخبر تعالى عن تصويره للبشر في ~~أرحام الأمهات وأصل الرحم من الرحمة، لأنها مما يتراحم به. واشتقاق الصورة ~~من صاره إلى كذا إذا أماله، فالصورة مائلة إلى شبه وهيئة. وهذه الآية تعظيم ~~لله تعالى، وفى ضمنها الرد على نصارى نجران، وأن عيسى من المصورين، وذلك ~~مما لا ينكره عاقل. وأشار تعالى إلى شرح التصوير ms1278 في سورة " الحج " (1) و " ~~المؤمنون ". وكذلك شرحه النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن مسعود، على ~~ما يأتي هناك [بيانه] (2) إن شاء الله تعالى. وفيها الرد على الطبائعيين ~~أيضا إذ يجعلونها فاعلة مستبدة. وقد مضى الرد عليهم في آية التوحيد (3) وفى ~~مسند ابن سنجر - واسمه محمد بن سنجر - حديث " إن الله تعالى يخلق عظام ~~الجنين وغضاريفه (4) من منى الرجل وشحمه ولحمه من مني المرأة ". وفى هذا ~~أدل دليل على أن الولد يكون من ماء الرجل والمرأة، وهو صريح [في] (5) قول ~~تعالى: " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى " (6). وفى صحيح مسلم من ~~حديث ثوبان وفيه: أن اليهودي قال للنبي صلى الله عليه وسلم: وجئت أسألك عن ~~شئ لا يعلمه أحد من أهل الأرض إلا نبي أو رجل أو رجلان. قال: " ينفعك إن ~~حدثتك "؟. # PageV04P007 # قال: أسمع بأذني، قال: جئتك أسألك عن الولد. فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: " ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر فإذا اجتمعا فعلا مني الرجل مني ~~المرأة أذكرا بإذن الله تعالى وإذا علا منى المرأة منى الرجل آنثا بإذن ~~الله " الحديث (1). وسيأتي بيانه آخر " الشورى " (2) إن شاء الله تعالى. # الثانية - قوله تعالى: (كيف يشاء) يعنى من حسن وقبح وسواد وبياض وطول ~~وقصر وسلامة وعاهة، إلى غير ذلك من الشقاء والسعادة. وذكر عن إبراهيم بن ~~أدهم أن القراء اجتمعوا إليه ليسمعوا ما عنده من الأحاديث، فقال لهم: إني ~~مشغول عنكم بأربعة أشياء، فلا أتفرغ لرواية الحديث. فقيل له: وما ذاك ~~الشغل؟ قال: أحدها أنى أتفكر في يوم الميثاق حيث قال: " هؤلاء في الجنة ولا ~~أبالي وهؤلاء في النار ولا أبالي ". # فلا أدري من أي الفريقين كنت في ذلك الوقت والثاني حيث صورت في الرحم ~~فقال الملك الذي هو موكل على الأرحام: " يا رب شقي هو أم سعيد " فلا أدرى ~~كيف كان الجواب في ذلك الوقت. والثالث حين يقبض ملك الموت روحي فيقول: " يا ~~رب مع الكفر أم مع الايمان) فلا أدرى كيف يخرج الجواب. والرابع حيث ms1279 يقول: " ~~وامتازوا اليوم أيها المجرمون " (3) فلا أدرى في أي الفريقين أكون. ثم قال ~~تعالى: (لا إله إلا هو) أي لا خالق ولا مصور [سواه] (4)، وذلك دليل على ~~وحدانيته، فكيف يكون عيسى إلها مصورا وهو مصور. # (العزيز) الذي لا يغالب. (الحكيم) ذو الحكمة أو المحكم، وهذا أخص بما ذكر ~~من التصوير. # قوله تعالى: هو الذي أنزل عليك الكتب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر ~~متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشبه منه ابتغاء الفتنة ~~وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا ~~به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب (7) # PageV04P008 # فيه تسع مسائل: # الأولى - خرج مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: تلا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم " هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر ~~متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة ~~وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا ~~به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب " قالت: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سماهم ~~الله فاحذروهم ". وعن أبي غالب قال: كنت أمشى مع أبي أمامة وهو على حمار ~~له، حتى إذا انتهى إلى درج مسجد دمشق فإذا رؤوس منصوبة، فقال: ما هذه ~~الرؤوس؟ قيل: هذه رؤوس خوارج يجاء بهم من العراق فقال أبو أمامة: كلاب ~~النار كلاب النار كلاب النار! # شر قتلى تحت ظل السماء، طوبى لمن قتلهم وقتلوه - يقولها ثلاثا - ثم بكى. ~~فقلت: # ما يبكيك يا أبا أمامة؟ قال: رحمة لهم، إنهم كانوا من أهل الاسلام فخرجوا ~~منه، ثم قرأ " هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات... " إلى آخر ~~الآيات. ثم قرأ " ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم ~~البينات " (1). فقلت: يا أبا أمامة، هم هؤلاء؟ # قال نعم. قلت: أشئ تقوله برأيك أم شئ سمعته من رسول الله صلى ms1280 الله عليه ~~وسلم؟ فقال: # إني إذا لجرئ إني إذا لجرئ! بل سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~غير مرة ولا مرتين ولا ثلاث ولا أربع ولا خمس ولا ست ولا سبع، ووضع أصبعيه ~~في أذنيه، قال: وإلا فصمتا - قالها ثلاثا - ثم قال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: " تفرقت بنو إسرائيل على إحدى وسبعين فرقة واحدة في ~~الجنة وسائرهم في النار ولتزيدن عليهم هذه الأمة واحدة واحدة في الجنة ~~وسائرهم في النار ". # الثانية - اختلف العلماء في المحكمات والمتشابهات على أقوال عديدة، فقال ~~جابر بن عبد الله، وهو مقتضى قول الشعبي وسفيان الثوري وغيرهما: المحكمات ~~من آي القرآن ما عرف تأويله وفهم معناه وتفسيره والمتشابه ما لم يكن لاحد ~~إلى علمه سبيل مما استأثر الله تعالى بعلمه # PageV04P009 # دون خلقه، قال بعضهم: وذلك مثل وقت قيام الساعة، وخروج يأجوج ومأجوج ~~والدجال وعيسى، ونحو الحروف المقطعة في أوائل السور. # قلت: هذا أحسن ما قيل في المتشابه. وقد قدمنا في أوائل سورة البقرة عن ~~الربيع بن خيثم أن الله تعالى أنزل هذا القرآن فاستأثر منه بعلم ما شاء، ~~الحديث. وقال أبو عثمان: المحكم فاتحة الكتاب التي لا تجزئ الصلاة إلا بها. ~~وقال محمد بن الفضل: سورة الاخلاص، لأنه ليس فيها إلا التوحيد فقط. و [قد] ~~قيل: القرآن كله محكم: لقوله تعالى: " كتاب أحكمت آياته (1) ". وقيل: كله ~~متشابه، لقوله: " كتابا متشابها " (2). # قلت: وليس هذا من معنى الآية في شئ، فإن قوله تعالى: " كتاب أحكمت آياته ~~" أي في النظم والرصف وأنه حق من عند الله. ومعنى " كتابا متشابها، أي يشبه ~~بعضه بعضا ويصدق بعضه بعضا. وليس المراد بقوله: " آيات محكمات " " وأخر ~~متشابهات " هذا المعنى، وإنما المتشابه في هذه الآية من باب الاحتمال ~~والاشتباه، من قوله: " إن البقر تشابه علينا " (3) أي التبس علينا، أي ~~يحتمل أنواعا. كثيرة من البقر. والمراد بالمحكم ما في مقابلة هذا، وهو ما ~~لا التباس فيه ولا يحتمل إلا وجها واحدا. وقيل: إن المتشابه ما يحتمل ~~وجوها، ثم إذا ms1281 ردت الوجوه إلى وجه واحد وأبطل الباقي صار المتشابه محكما. ~~فالمحكم أبدا أصل ترد إليه الفروع، والمتشابه هو الفرع. وقال ابن عباس: ~~المحكمات هو قوله في سورة الأنعام " قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم " (4) ~~إلى ثلاث آيات، وقوله في بني إسرائيل: " وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ~~وبالوالدين إحسانا " (5) ". قال ابن عطية: وهذا عندي مثال أعطاه في ~~المحكمات. وقال ابن عباس أيضا: المحكمات ناسخه وحرامه وفرائضه وما يؤمن به ~~ويعمل به، والمتشابهات المنسوخات ومقدمه ومؤخره وأمثاله وأقسامه وما يؤمن ~~به ولا يعمل به. وقال ابن مسعود وغيره: المحكمات الناسخات، والمتشابهات ~~المنسوخات " وقاله قتادة والربيع والضحاك. وقال محمد بن جعفر بن الزبير: ~~المحكمات هي التي فيها حجة الرب # PageV04P010 # وعصمة العباد ودفع الخصوم والباطل، ليس لها تصريف ولا تحريف عما وضعن ~~عليه. # والمتشابهات لهن تصريف وتحريف وتأويل، ابتلى الله فيهن العباد، وقاله ~~مجاهد وابن إسحاق. # قال ابن عطية: وهذا أحسن الأقوال في هذه الآية. قال النحاس: أحسن ما قيل ~~في المحكمات، والمتشابهات أن المحكمات ما كان قائما بنفسه لا يحتاج أن يرجع ~~فيه إلى غيره، نحو " لم يكن له كفوا أحد " (1) " وإني لغفار لمن تاب " (2). ~~والمتشابهات نحو " إن الله يغفر الذنوب جميعا " (3) يرجع فيه إلى قوله جل ~~وعلا: " وإني لغفار لمن تاب " وإلى قوله عز وجل: " إن الله لا يغفر أن يشرك ~~به " (4). # قلت: ما قاله النحاس يبين ما اختاره ابن عطية، وهو الجاري على وضع ~~اللسان، وذلك أن المحكم اسم مفعول من أحكم، والاحكام الاتقان، ولا شك في أن ~~ما كان واضح المعنى لا إشكال فيه ولا تردد، إنما يكون كذلك لوضوح مفردات ~~كلماته وإتقان تركيبها، ومتى اختل أحد الامرين جاء التشابه والاشكال. والله ~~أعلم. وقال ابن خويز منداد: للمشابه وجوه، والذي يتعلق به الحكم ما اختلف ~~فيه العلماء أي الآيتين نسخت الأخرى، كقول على وابن عباس في الحامل المتوفى ~~عنها زوجها تعتد أقصى الأجلين. فكان عمر وزيد بن ثابت وابن مسعود وغيرهم ~~يقولون (وضع الحمل) ويقولون: سورة النساء (5) القصرى ms1282 نسخت أربعة أشهر ~~وعشرا. وكان على وابن عباس يقولان لم تنسخ. وكاختلافهم في الوصية للوارث هل ~~نسخت أم لم تنسخ. وكتعارض الآيتين أيهما أولى أن تقدم إذا لم يعرف النسخ ~~ولم توجد شرائطه، كقوله تعالى: " وأحل لكم ما وراء ذلكم " (6) يقتضى الجمع ~~بين الأقارب من ملك اليمين، وقوله تعالى: " وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما ~~قد سلف " (6) يمنع ذلك. ومنه أيضا تعارض الاخبار عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم وتعارض الأقيسة، فذلك المتشابه. وليس من المتشابه أن تقرأ الآية ~~بقراءتين ويكون الاسم (7) محتملا أو مجملا يحتاج إلى تفسير لان الواجب منه ~~قدر ما يتناوله الاسم أو جميعه. والقراءتان كالآيتين يجب العمل بموجبهما ~~جميعا، كما قرئ: # PageV04P011 # " وامسحوا برءوسكم وأرجلكم " بالفتح والكسر، على ما يأتي بيانه " في ~~المائدة " (1) إن شاء الله تعالى. # الثالثة - روى البخاري (2) عن سعيد بن جبير قال قال رجل (3) لابن عباس: ~~إني أجد في القرآن أشياء تختلف على. قال: ما هو؟ قال: " فلا أنساب بينهم ~~يومئذ ولا يتساءلون " (4) " وقال: " وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون " (5) ~~وقال: " ولا يكتمون الله حديثا " (6) وقال : " والله ربنا ما كنا مشركين " ~~(7) فقد كتموا في هذه الآية. وفي النازعات " أم السماء بناها "... # إلى قوله دحاها " (8) فذكر خلق السماء قبل خلق الأرض، ثم قال: " أئنكم ~~لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين... إلى: طائعين " (9) فذكر في هذا خلق ~~الأرض قبل خلق السماء. # وقال: " وكان الله غفورا رحيما " (10). " وكان الله عزيزا حكيما " (11). ~~" وكان الله سميعا بصيرا " (12) فكأنه كان ثم مضى. فقال ابن عباس: " فلا ~~أنساب بينهم " في النفخة الأولى، ثم ينفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن ~~في الأرض إلا من شاء الله، فلا أنساب بينهم عند ذلك ولا يتساءلون، ثم في ~~النفخة الآخرة أقبل بعضهم على بعض يتساءلون. وأما قول: # " ما كنا مشركين " ولا يكتمون الله حديثا " فإن الله يغفر لأهل الاخلاص ~~ذنوبهم، وقال المشركون: تعالوا نقول: لم نكن مشركين، فختم الله على أفواههم ~~فتنطق جوارحهم بأعمالهم، فعند ذلك عرف أن الله لا يكتم حديثا، وعنده يود ms1283 ~~الذين كفروا لو كانوا مسلمين. وخلق الله الأرض في يومين، ثم استوى إلى ~~السماء فسواهن سبع سماوات في يومين، ثم دحا الأرض أي بسطها فأخرج منها ~~الماء والمرعى، وخلق فيها الجبال والأشجار والآكام وما بينها في يومين ~~آخرين، فذلك قوله: " والأرض بعد ذلك دحاها ". فخلقت الأرض وما فيها في ~~أربعة أيام، وخلقت السماء في يومين. وقوله: " وكان الله غفورا رحيما " يعنى ~~نفسه (13) # PageV04P012 # ذلك، أي لم يزل ولا يزال كذلك، فإن الله لم يرد شيئا إلا أصاب به الذي ~~أراد. ويحك! # فلا يختلف عليك القرآن، فإن كلا من عند الله) الرابعة - قوله تعالى: ~~(وأخر متشابهات) لم تصرف " أخر " لأنها عدلت عن الألف واللام، لان أصلها أن ~~تكون صفة بالألف واللام كالكبر والصغر، فلما عدلت عن مجرى الألف واللام ~~منعت الصرف. أبو عبيد: لم يصرفوها لان واحدها لا ينصرف في معرفة ولا نكرة. ~~وأنكر ذلك المبرد وقال: يجب على هذا ألا ينصرف غضاب وعطاش. الكسائي: # لم تنصرف لأنها صفة. وأنكره المبرد أيضا وقال: إن لبدا وحطما صفتان وهما ~~منصرفان. # سيبويه: لا يجوز أن تكون أخر معدولة عن الألف واللام، لأنها لو كانت ~~معدولة عن الألف واللام لكان معرفة، ألا ترى أن سحر (1) معرفة في جميع ~~الأقاويل لما كانت معدولة [عن السحر]، وأمس في قول من قال: ذهب أمس معدولا ~~عن الأمس، فلو كان أخر معدولا أيضا عن الألف واللام لكان معرفة، وقد وصفه ~~الله تعالى بالنكرة. # الخامسة - قوله تعالى: (فأما الذين في قلوبهم زيغ) الذين رفع بالابتداء، ~~والخبر " فيتبعون ما تشابه منه ". والزيغ الميل، ومنه زاغت الشمس، وزاغت ~~الابصار. # ويقال: زاغ يزيغ زيغا إذا ترك القصد، ومنه قوله تعالى: " فلما زاغوا أزاغ ~~الله قلوبهم " (2). # وهذه الآية تعم كل طائفة من كافر وزنديق وجاهل وصاحب بدعة، وإن كانت ~~الإشارة بها في ذلك الوقت إلى نصارى نجران. وقال قتادة في تفسير قوله ~~تعالى: " فأما الذين في قلوبهم زيغ ": إن لم يكونوا الحرورية (3) وأنواع ~~الخوارج فلا أدري من هم. # قلت: قد مر هذا التفسير عن ms1284 أبي أمامة مرفوعا، وحسبك. # السادسة - قوله تعالى: (فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء ~~تأويله) قال شيخنا أبو العباس رحمة الله عليه: متبعو المتشابه لا يخلو أن ~~يتبعوه ويجمعوه طلبا للتشكيك # PageV04P013 # في القرآن وإضلال العوام، كما فعلته الزنادقة والقرامطة (1) الطاعنون في ~~القرآن، أو طلبا لاعتقاد ظواهر المتشابه، كما فعلته المجسمة الذين جمعوا ما ~~في الكتاب والسنة مما ظاهره الجسمية حتى اعتقدوا أن البارئ تعالى جسم مجسم ~~وصورة مصورة ذات وجه وعين ويد وجنب ورجل وأصبع، تعالى الله عن ذلك، أو ~~يتبعوه على جهة إبداء تأويلاتها وإيضاح معانيها، أو كما فعل صبيغ (2) حين ~~أكثر على عمر فيه السؤال. فهذه أربعة أقسام: # الأول - لا شك في كفرهم، وأن حكم الله فيهم القتل من غير استتابة. # الثاني - [الصحيح] (3) القول بتكفيرهم، إذ لا فرق بينهم وبين عباد ~~الأصنام والصور، ويستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا كما يفعل بمن ارتد. # الثالث - اختلفوا في جواز ذلك بناء على الخلاف في جواز تأويلها. وقد عرف، ~~أن مذهب السلف ترك التعرض لتأويلها مع قطعهم باستحالة ظواهرها، فيقولون ~~أمروها كما جاءت. وذهب بعضهم إلى إبداء تأويلاتها وحملها على ما يصح حمله ~~في اللسان عليها من غير قطع بتعيين مجمل منها. # الرابع - الحكم فيه الأدب البليغ، كما فعله عمر بصبيغ. وقال أبو بكر ~~الأنباري: وقد كان الأئمة من السلف يعاقبون من يسأل عن تفسير الحروف ~~المشكلات في القرآن، لان السائل إن كان يبغي بسؤاله تخليد البدعة وإثارة ~~الفتنة فهو حقيق بالنكير وأعظم التعزير، وإن لم يكن ذلك مقصده فقد استحق ~~العتب بما اجترم من الذنب، إذ أوجد للمنافقين الملحدين في ذلك الوقت سبيلا ~~إلى أن يقصدوا ضعفة المسلمين بالتشكيك والتضليل في تحريف القرآن عن مناهج ~~التنزيل وحقائق التأويل. فمن ذلك ما حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي أنبأنا ~~سليمان بن حرب عن حماد بن زيد عن يزيد بن حازم عن سليمان بن يسار أن صبيغ ~~بن عسل # PageV04P014 # قدم المدينة فجعل يسأل عن متشابه القرآن وعن أشياء، فبلغ ذلك عمر رضي ~~الله عنه ms1285 فبعث إليه عمر فأحضره وقد أعد له عراجين من عراجين النخل. فلما ~~حضر قال له عمر: من أنت؟ قال: أنا عبد الله صبيغ. فقال عمر رضي الله عنه: ~~وأنا عبد الله عمر، ثم قام إليه فضرب رأسه بعرجون فشجه، ثم تابع ضربه حتى ~~سال دمه على وجهه، فقال: حسبك يا أمير المؤمنين فقد والله ذهب ما كنت أجد ~~في رأسي. وقد اختلفت الروايات في أدبه، وسيأتي ذكرها في " الذاريات ". ثم ~~إن الله تعالى ألهمه التوبة وقذفها في قلبه فتاب وحسنت توبته. ومعنى " ~~ابتغاء الفتنة " طلب الشبهات واللبس على المؤمنين حتى يفسدوا ذات بينهم، ~~ويردوا الناس إلى زيغهم. وقال أبو إسحاق الزجاج: معنى " ابتغاء تأويله " ~~أنهم طلبوا تأويل بعثهم وإحيائهم، فأعلم الله عز وجل أن تأويل ذلك ووقته لا ~~يعلمه إلا الله. قال: والدليل على ذلك قوله تعالى: " هل ينظرون إلا تأويله ~~يوم يأتي تأويله - أي يوم يرون ما يوعدون من البعث والنشور والعذاب - يقول ~~الذين نسوه من قبل - أي تركوه - قد جاءت رسل ربنا بالحق " (1) أي قد رأينا ~~تأويل ما أنبأتنا به الرسل. قال: فالوقف على قوله تعالى: # " وما يعلم تأويله إلا الله " أي لا يعلم أحد متى البعث إلا الله. # السابعة - قوله تعالى: (وما يعلم تأويله إلا الله) يقال: إن جماعة من ~~اليهود منهم حيى بن أخطب دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: ~~بلغنا أنه نزل عليك " ألم "، فإن كنت صادقا في مقالتك فإن ملك أمتك يكون ~~إحدى وسبعين سنة، لان الألف في حساب الجمل واحد، واللام ثلاثون، والميم ~~أربعون، فنزل " وما يعلم تأويله إلا الله ". والتأويل يكون بمعنى التفسير، ~~كقولك: تأويل هذه الكلمة على كذا. ويكون بمعنى ما يؤول الامر إليه. # واشتقاقه من آل الامر إلى كذا يؤول إليه، أي صار. وأولته تأويلا أي ~~صيرته. وقد حده بعض الفقهاء فقالوا: هو إبداء احتمال في اللفظ مقصود بدليل ~~خارج عنه. فالتفسير بيان اللفظ، كقوله " لا ريب فيه " أي لا شك. وأصله من ~~الفسر وهو البيان، يقال: ms1286 فسرت # PageV04P015 # الشئ (مخففا) أفسره (بالكسر) فسرا. والتأويل بيان المعنى، كقوله لا شك ~~فيه عند المؤمنين. أو لأنه حق في نفسه فلا يقبل ذاته الشك وإنما الشك وصف ~~الشاك. وكقول ابن عباس في الجد أبا، لأنه تأول قول الله عز وجل: " يا بني ~~آدم ". # الثامنة - قوله تعالى: (والراسخون في العلم) اختلف العلماء في " ~~والراسخون في العلم " هل هو ابتداء كلام مقطوع مما قبله، أو هو معطوف على ~~ما قبله فتكون الواو للجمع. فالذي عليه الأكثر أنه مقطوع مما قبله، وأن ~~الكلام تم عند قوله " إلا الله " هذا قول ابن عمر وابن عباس وعائشة وعروة ~~بن الزبير وعمر بن عبد العزيز وغيرهم، وهو مذهب الكسائي والأخفش والفراء ~~وأبى عبيد [وغيرهم] (1). قال أبو نهيك الأسدي: إنكم تصلون هذه الآية وإنها ~~مقطوعة. # وما انتهى علم الراسخين إلا إلى قولهم " آمنا به كل من عند ربنا ". وقال ~~مثل هذا عمر بن عبد العزيز، وحكى الطبري نحوه عن يونس عن أشهب عن مالك بن ~~أنس. و " يقولون " على هذا خبر " الراسخون ". قال الخطابي: وقد جعل الله ~~تعالى آيات كتابه الذي أمرنا بالايمان به والتصديق بما فيه قسمين: محكما ~~ومتشابها، فقال عز من قائل: " هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن ~~أم الكتاب وأخر متشابهات... إلى قوله: كل من عند ربنا " فاعلم أن المتشابه ~~من الكتاب قد استأثر الله بعلمه، فلا يعلم تأويله أحد غيره، ثم أثنى الله ~~عز وجل على الراسخين في العلم بأنهم يقولون آمنا به. ولولا صحة الايمان ~~منهم لم يستحقوا الثناء عليه. ومذهب أكثر العلماء أن الوقف التام في هذه ~~الآية إنما هو عند قوله تعالى: " وما يعلم تأويله إلا الله " وأن ما بعده ~~استئناف كلام آخر، وهو قوله " والراسخون في العلم يقولون آمنا به ". وروى ~~ذلك عن ابن مسعود وأبى بن كعب وابن عباس وعائشة. وإنما روى عن مجاهد أنه ~~نسق " الراسخون " على ما قبله وزعم أنهم يعلمونه. واحتج له بعض أهل اللغة ~~فقال: معناه والراسخون في العلم يعلمونه قائلين ms1287 آمنا، وزعم أن موضع " ~~يقولون " نصب على الحال. وعامة أهل اللغة ينكرونه ويستبعدونه، لان العرب لا ~~تضمر الفعل والمفعول معا، ولا تذكر حالا إلا مع ظهور الفعل، فإذا لم يظهر ~~فعل فلا يكون حال، ولو جاز ذلك لجاز # PageV04P016 # أن يقال: عبد الله راكبا، بمعنى أقبل عبد الله راكبا، وإنما يجوز ذلك مع ~~ذكر الفعل كقوله: # عبد الله يتكلم يصلح بين الناس، فكان " يصلح " حالا له، كقول الشاعر - ~~أنشدنيه أبو عمر قال أنشدنا أبو العباس ثعلب -: # أرسلت فيها قطما لكالكا (1) * يقصر يمشى ويطول باركا أي يقصر ماشيا، فكان ~~قول عامة العلماء مع مساعدة مذاهب النحويين له أولى من قول مجاهد وحده، ~~وأيضا فإنه لا يجوز أن ينفى الله سبحانه شيئا عن الخلق ويثبته لنفسه ثم ~~يكون له في ذلك شريك. ألا ترى قوله عز وجل: " قل لا يعلم من في السماوات ~~والأرض الغيب إلا الله " (2) وقوله: " لا يجليها لوقتها إلا هو (3) " ~~وقوله: " كل شئ هالك إلا وجهه " (4)، فكان هذا كله مما استأثر الله سبحانه ~~بعلمه لا يشركه فيه غيره. وكذلك قوله تبارك وتعالى: # " وما يعلم تأويله إلا الله ". ولو كانت الواو في قوله: " والراسخون " ~~(5) للنسق لم يكن لقوله: " كل من عند ربنا " فائدة. والله أعلم. # قلت: ما حكاه الخطابي من أنه لم يقل بقول مجاهد غيره فقد روى عن ابن عباس ~~أن الراسخين معطوف على اسم الله عز وجل، وأنهم داخلون في علم المتشابه، ~~وأنهم مع علمهم به يقولون آمنا به، وقاله الربيع ومحمد بن جعفر بن الزبير ~~والقاسم بن محمد وغيرهم. و " يقولون " على هذا التأويل نصب على الحال من ~~الراسخين، كما قال: # الريح تبكى شجوها * والبرق يلمع في الغمامة وهذا البيت يحتمل المعنيين، ~~فيجوز أن يكون " والبرق " مبتدأ، والخبر " يلمع " على التأويل الأول، فيكون ~~مقطوعا مما قبله. ويجوز أن يكون معطوفا على الريح، و " يلمع " في موضع ~~الحال على التأويل الثاني أي لامعا. واحتج قائلو هذه المقالة أيضا بأن الله ~~سبحانه مدحهم # PageV04P017 # بالرسوخ في العلم، فكيف يمدحهم وهم جهال! ms1288 وقد قال ابن عباس: أنا ممن يعلم ~~تأويله. # وقرأ مجاهد هذه الآية وقال: أنا ممن يعلم تأويله، حكاه عنه إمام الحرمين ~~أبو المعالي. # قلت - وقد رد بعض العلماء هذا القول إلى القول الأول فقال: وتقدير تمام ~~الكلام " عند الله " أن معناه وما يعلم تأويله إلا الله يعني تأويل ~~المتشابهات، والراسخون في العلم يعلمون بعضه قائلين آمنا به كل من عند ربنا ~~بما نصب من الدلائل في المحكم ومكن من رده إليه. # فإذا علموا تأويل بعضه ولم يعلموا البعض قالوا آمنا بالجميع كل من عند ~~ربنا، وما لم يحط به علمنا من الخفايا مما في شرعه الصالح فعلمه عند ربنا ~~فإن قال قائل: قد أشكل على الراسخين بعض تفسيره حتى قال ابن عباس: لا أدرى ~~ما الأواه ولا ما غسلين) قيل له: هذا لا يلزم، لان ابن عباس قد علم بعد ذلك ~~ففسر ما وقف عليه. وجواب أقطع من هذا وهو أنه سبحانه لم يقل وكل راسخ فيجب ~~هذا فإذا لم يعلمه أحد علمه الاخر. ورجح ابن فورك أن الراسخين يعلمون ~~التأويل وأطنب في ذلك، وفى قوله عليه السلام لابن عباس: " اللهم فقهه في ~~الدين وعلمه التأويل " ما يبين لك ذلك، أي علمه معاني كتابك. والوقف على ~~هذا يكون عند قوله " والراسخون في العلم ". قال شيخنا أبو العباس أحمد بن ~~عمر: وهو الصحيح، فإن تسميتهم راسخين يقتضى أنهم يعلمون أكثر من المحكم ~~الذي يستوى في علمه جميع من يفهم كلام العرب. # وفى أي شئ هو رسوخهم إذا لم يعلموا إلا ما يعلم الجميع. # لكن المتشابه يتنوع، فمنه ما لا يعلم البتة كأمر الروح والساعة مما ~~استأثر الله بغيبه، وهذا لا يتعاطى علمه أحد لا ابن عباس ولا غيره. فمن قال ~~من العلماء الحداق بأن الراسخين لا يعلمون علم المتشابه فإنما أراد هذا ~~النوع، وأما ما يمكن حمله على وجوه في اللغة ومناح في كلام العرب فيتأول ~~ويعلم تأويله المستقيم، ويزال ما فيه مما عسى أن يتعلق من تأويل غير ~~مستقيم، كقوله ms1289 في عيسى: " وروح منه " (1) إلى غير ذلك فلا يسمى أحد راسخا ~~إلا بأن يعلم من هذا النوع كثيرا بحسب ما قدر له. # وأما من يقول: إن المتشابه هو المنسوخ فيستقيم على قوله إدخال الراسخين ~~في علم التأويل، لكن تخصيصه المتشابهات بهذا النوع غير صحيح. # PageV04P018 # والرسوخ: الثبوت في الشئ، وكل ثابت راسخ. وأصله في الأجرام أن يرسخ الجبل ~~والشجر في الأرض، قال الشاعر: # لقد رسخت في الصدر مني مودة * لليلى أبت آياتها أن تغيرا ورسخ الايمان في ~~قلب فلان يرسخ رسوخا. وحكى بعضهم: رسخ الغدير: نضب ماؤه، حكاه ابن فارس فهو ~~من الأضداد. ورسخ ورضخ ورصن ورسب كله ثبت فيه. وسئل النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن الراسخين في العلم فقال: " هو من برت يمينه وصدق لسانه واستقام ~~قلبه ". # فإن قيل: كيف كان في القرآن متشابه والله يقول: " وأنزلنا إليك الذكر ~~لتبين للناس ما نزل إليهم " (1) فكيف لم يجعله كله واضحا؟ قيل له: الحكمة ~~في ذلك - والله أعلم - أن يظهر فضل العلماء، لأنه لو كان كله واضحا لم يظهر ~~فضل بعضهم على بعض. وهكذا يفعل من يصنف تصنيفا يجعل بعضه واضحا وبعضه ~~مشكلا، ويترك للجثوة (2) موضعا، لان ما هان وجوده قل بهاؤه. والله أعلم. # التاسعة - قوله تعالى: (كل من عند ربنا) فيه ضمير عائد على كتاب الله ~~تعالى محكمه ومتشابهه، والتقدير: كله من عند ربنا. وحذف الضمير لدلالة " كل ~~" عليه، إذ هي لفظة تقتضي الإضافة. ثم قال: (وما يذكر إلا أولو الألباب) أي ~~ما يقول هذا ويؤمن ويقف حيث وقف ويدع اتباع المتشابه إلا ذو لب، وهو العقل. ~~ولب كل شئ خالصه، فلذلك قيل للعقل لب. و " أولو " جمع ذو. # قوله تعالى: ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك ~~أنت الوهاب (8) فيه مسألتان: # الأولى - قوله تعالى: (ربنا لا تزغ قلوبنا) في الكلام حذف تقديره يقولون. # وهذا حكاية عن الراسخين. ويجوز أن يكون المعنى قل يا محمد، ويقال: إزاغة ~~القلب فساد # PageV04P019 # وميل عن الدين، أفكانوا يخافون ms1290 وقد هدوا أن ينقلهم الله إلى الفساد؟ ~~فالجواب أن يكونوا سألوا إذ هداهم الله ألا يبتليهم بما يثقل عليهم من ~~الأعمال فيعجزوا عنه، نحو " ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو ~~اخرجوا من دياركم (1) ". قال ابن كيسان: سألوا ألا يزيغوا فيزيغ الله ~~قلوبهم، نحو " فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم " (2) أي ثبتنا على هدايتك إذ ~~هديتنا وألا نزيغ فنستحق أن تزيغ قلوبنا. وقيل: هو منقطع مما قبل، وذلك أنه ~~تعالى لما ذكر أهل الزيغ عقب ذلك بأن علم عباده الدعاء إليه في ألا يكونوا ~~من الطائفة الذميمة التي ذكرت وهي وأهل الزيغ. # وفى الموطأ عن أبي عبد الله الصنابحي أنه قال: قدمت المدينة في خلافة أبى ~~بكر الصديق فصليت وراءه المغرب، فقرأ في الركعتين الأوليين بأم القرآن ~~وسورة من قصار المفصل، ثم قام في الثالثة، فدنوت منه حتى إن ثيابي لتكاد ~~تمس ثيابه، فسمعته يقرأ بأم القرآن وهذه الآية " ربنا لا تزغ قلوبنا " ~~الآية. قال العلماء: قراءته بهذه الآية ضرب من القنوت والدعاء لما كان فيه ~~من أمر أهل الردة. والقنوت جائز في المغرب عند جماعة من أهل العلم، وفى كل ~~صلاة أيضا إذا دهم المسلمين أمر عظيم يفزعهم ويخافون منه على أنفسهم. وروى ~~الترمذي من حديث شهر بن حوشب قال: قلت لام سلمة: يا أم المؤمنين، ما كان ~~أكثر دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان عندك؟ قالت: كان أكثر ~~دعائه " يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ". فقلت: يا رسول الله، ما أكثر ~~دعاءك يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك! # قال: " يا أم سلمة إنه ليس آدمي إلا وقلبه بين إصبعين من أصابع الله فمن ~~شاء أقام ومن شاء أزاغ ". فتلا معاذ (3) " ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ ~~هديتنا ". قال: حديث حسن. وهذه الآية حجة على المعتزلة في قولهم: إن الله ~~لا يضل العباد (4). ولو لم تكن الإزاغة من قبله لما جاز أن يدعي في دفع ما ~~لا يجوز عليه فعله. وقرأ أبو واقد الجراح ms1291 " لا تزغ قلوبنا " بإسناد الفعل ~~إلى القلوب، وهذه رغبة إلى الله تعالى. ومعنى الآية على القراءتين ألا يكون ~~منك خلق الزيغ فيها فتزيغ. # PageV04P020 # الثانية - قوله تعالى: (وهب لنا من لدنك رحمة) أي من عندك ومن قبلك تفضلا ~~لا عن سبب منا ولا عمل. وفى هذا استسلام وتطارح. وفى " لدن " أربع لغات: ~~لدن بفتح اللام وضم الدال وجزم النون، وهي أفصحها، وبفتح اللام وضم الدال ~~وحذف النون، وبضم اللام وجزم الدال وفتح النون، وبفتح اللام وسكون الدال ~~وفتح النون. ولعل جهال المتصوفة وزنادقة الباطنية يتشبثون بهذه الآية ~~وأمثالها فيقولون: العلم ما وهبه الله ابتداء من غير كسب، والنظر في الكتب ~~والأوراق حجاب. وهذا مردود على ما يأتي بيانه في هذا الموضع. # ومعنى الآية: هب لنا نعيما صادرا عن الرحمة، لان الرحمة راجعة إلى صفة ~~الذات فلا يتصور فيها الهبة. يقال: وهب يهب والأصل. يوهب بكسر الهاء. ومن ~~قال: الأصل يوهب بفتح الهاء فقد أخطأ لأنه لو كان كما قال لم تحذف الواو ~~كما لم تحذف في يوجل، وإنما حذفت الواو لوقوعها بين ياء وكسرة ثم فتح بعد ~~حذفها لان فيه حرفا من حروف الحلق. # قوله تعالى: ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف ~~الميعاد (9) أي باعثهم ومحييهم بعد تفرقهم، وفى هذا إقرار بالبعث ليوم ~~القيامة. قال الزجاج: # هذا هو التأويل الذي علمه الراسخون وأقروا به، وخالف الذين اتبعوا ما ~~تشابه عليهم من أمر البعث حتى أنكروه. والريب الشك، وقد تقدمت محامله في ~~البقرة (1). والميعاد مفعال من الوعد. # قوله تعالى: إن الذين كفروا لن تغنى عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله ~~شيئا وأولئك هم وقود النار (10) معناه بين، أي لن تدفع عنهم أموالهم ولا ~~أولادهم من عذاب الله شيئا. وقرأ السلمي (2) " لن يغنى " بالياء لتقدم ~~الفعل ودخول الحائل بين الاسم والفعل. وقرأ الحسن " يغنى " بالياء وسكون ~~الياء الآخرة للتخفيف، كقول الشاعر: # PageV04P021 # كفى باليأس من أسماء كافي * وليس لسقمها إذ طال شافي وكان حقه أن يقول ~~كافيا، فأرسل ms1292 الياء. وأنشد الفراء في مثله: # كان أيديهن بالقاع الفرق * أيدي جوار يتعاطين الورق القرق والقرقة لغتان ~~(1) في القاع. و " من " في قوله " من الله " بمعنى عند، قاله أبو عبيدة. # (أولئك هم وقود النار) والوقود اسم للحطب، وقد تقدم في " البقرة " (2). ~~وقرأ الحسن ومجاهد وطلحة بن مصرف " وقود " بضم الواو على حذف مضاف تقديره ~~حطب وقود النار. # ويجوز في العربية إذا ضم الواو أن تقول أقود مثل أقتت. والوقود بضم الواو ~~المصدر، وقدت النار تقد إذا اشتعلت. وخرج ابن المبارك من حديث العباس بن ~~عبد المطلب قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يظهر هذا الدين حتى يجاوز البحار ~~وحتى تخاض البحار بالخيل في سبيل الله تبارك وتعالى ثم يأتي أقوام يقرءون ~~القرآن فإذا قرأوه قالوا من أقرأ منا من أعلم منا؟ ثم التفت إلى أصحابه ~~فقال: هل ترون في أولئكم من خير "؟ قالوا لا. قال: # " أولئك منكم وأولئك من هذه الأمة وأولئك هم وقود النار ". # قوله تعالى: كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم الله ~~بذنوبهم والله شديد العقاب (11) الدأب العادة والشأن. ودأب الرجل في عمله ~~يدأب دأبا ودءوبا إذا جد واجتهد، وأدأبته أنا. وأدأب بعيره إذا جهده في ~~السير. والدائبان الليل والنهار. قال أبو حاتم: # وسمعت يعقوب يذكر " كدأب " بفتح الهمزة، وقال لي وأنا غليم: على أي شئ ~~يجوز " كدأب "؟ فقلت له: أظنه من دئب يدأب دأبا. فقبل ذلك منى وتعجب من ~~جودة تقديري على صغرى، ولا أدرى أيقال أم لا. قال النحاس: " وهذا القول ~~خطأ، لا يقال # PageV04P022 # البتة دئب، وإنما يقال: دأب يدأب دءوبا و [دأبا] (1)، هكذا حكى النحويون، ~~منهم الفراء حكاه في كتاب المصادر، كما قال امرؤ القيس: # كدأبك من أم الحويرث قبلها * وجارتها أم الرباب بمأسل (2) فأما الدأب ~~فإنه يجوز، كما يقال: شعر وشعر ونهر ونهر، لان فيه حرفا من " حروف الحلق ". # واختلفوا في الكاف، فقيل: هي في موضع رفع تقديره دأبهم كدأب آل فرعون، أي ~~صنيع الكفار معك كصنيع آل فرعون مع ms1293 موسى. وزعم الفراء أن المعنى: كفرت ~~العرب ككفر آل فرعون. قال النحاس: لا يجوز أن تكون الكاف متعلقة بكفروا، ~~لان كفروا داخلة في الصلة. وقيل: هي متعلقة ب‍ " أخذهم الله "، أي أخذهم ~~أخذا كما أخذا آل فرعون. وقيل: # هي متعلقة بقوله " لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم... " أي لم تغن عنهم ~~كما لم تغن الأموال والأولاد عن آل فرعون. وهذا جواب لمن تخلف عن الجهاد ~~وقال: شغلتنا أموالنا وأهلونا. # ويصح أن يعمل فيه فعل مقدر من لفظ الوقود، ويكون التشبيه في نفس ~~الاحتراق. ويؤيد هذا المعنى ". وحاق بآل فرعون سوء العذاب. النار يعرضون ~~عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب " (3). ~~والقول الأول أرجح، واختاره غير واحد من العلماء. # قال ابن عرفة: " كدأب آل فرعون " أي كعادة آل فرعون. يقول: اعتاد هؤلاء ~~الكفرة الالحاد والاعنات للنبي صلى الله عليه وسلم كما اعتاد آل فرعون من ~~إعنات الأنبياء، وقال معناه الأزهري. فأما قوله في سورة (الأنفال) " كدأب ~~آل فرعون " (4) فالمعنى جوزي هؤلاء بالقتل والأسر كما جوزي آل فرعون بالغرق ~~والهلاك. # قوله تعالى: (بآياتنا) يحتمل أن يريد الآيات المتلوة، ويحتمل أن يريد ~~الآيات المنصوبة للدلالة على الوحدانية. (فأخذهم الله بذنوبهم والله شديد ~~العقاب). # PageV04P023 # قوله تعالى: قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد (12) ~~يعني اليهود، قال محمد بن إسحاق: لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قريشا ببدر وقدم المدينة جمع اليهود فقال: " يا معشر اليهود احذروا من الله ~~مثل ما نزل بقريش يوم بدر قبل أن ينزل بكم ما نزل بهم فقد عرفتم أنى نبي ~~مرسل تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم "، فقالوا: يا محمد، لا يغرنك ~~أنك قتلت أقواما أغمارا (1) لا علم لهم بالحرب فأصبت فيهم فرصة! والله لو ~~قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس. فأنزل الله تعالى: " قل للذين كفروا ستغلبون ~~" بالتاء يعنى اليهود: أي تهزمون " وتحشرون إلى جهنم " في الآخرة. فهذه ~~رواية عكرمة وسعيد بن جبير عن ابن عباس. وفى رواية أبى صالح ms1294 عنه أن اليهود ~~لما فرحوا بما أصاب المسلمين يوم أحد نزلت. فالمعنى على هذا " سيغلبون " ~~بالياء، يعني قريشا، " ويحشرون " بالياء فيهما، وهي قراءة نافع. # قوله تعالى: (وبئس المهاد) يعنى جهنم، هذا ظاهر الآية. وقال مجاهد: ~~المعنى بئس ما مهدوا لأنفسهم، فكأن المعنى: بئس فعلهم الذي أداهم إلى جهنم. # قوله تعالى: قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقتل في سبيل الله وأخرى ~~كافرة يرونهم مثليهم رأى العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة ~~لأولي الأبصار (13) قوله تعالى: (قد كان لكم آية) أي علامة. وقال " كان " ~~ولم يقل " كانت " لان " آية " تأنيثها غير حقيقي. وقيل: ردها إلى البيان، ~~أي قد كان لكم بيان، فذهب إلى المعنى وترك اللفظ، كقول امرئ القيس: # PageV04P024 # برهرهة رؤدة رخصة * كخرعوبة البانة المنفطر (1) ولم يقل المنفطرة، لأنه ~~ذهب إلى القضيب. وقال الفراء: ذكره لأنه فرق بينهما بالصفة، فلما حالت ~~الصفة بين الاسم والفعل ذكر الفعل. وقد مضى هذا المعنى في البقرة في قوله ~~تعالى: " كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية " (2). # (في فئتين التقتا) يعنى المسلمين والمشركين يوم بدر (فئة) قرأ الجمهور ~~(فئة) بالرفع، بمعنى إحداهما فئة. وقرأ الحسن ومجاهد " فئة " بالخفض " ~~وأخرى كافرة " على البدل. وقرأ ابن أبي عبلة بالنصب فيهما. قال أحمد بن ~~يحيى: ويجوز النصب على الحال، أي التقتا مختلفتين مؤمنة وكافرة. قال ~~الزجاج: النصب بمعنى أعني. وسميت الجماعة من الناس فئة لأنها يفاء إليها، ~~أي يرجع إليها في وقت الشدة. وقال الزجاج: الفئة الفرقة، مأخوذة من فأوت ~~رأسه بالسيف - ويقال: فأيته - إذا فلقته (3). ولا خلاف أن الإشارة بهاتين ~~الفئتين هي إلى يوم بدر. واختلف من المخاطب بها، فقيل: يحتمل أن يخاطب بها ~~المؤمنون، ويحتمل أن يخاطب بها جميع الكفار، ويحتمل أن يخاطب بها يهود ~~المدينة، وبكل احتمال منها قد قال قوم. # وفائدة الخطاب للمؤمنين تثبيت النفوس وتشجيعها حتى يقدموا على مثليهم ~~وأمثالهم كما قد وقع. # قوله تعالى: (يرونهم مثليهم رأى العين والله يؤيد بنصره من يشاء ms1295 إن في ~~ذلك لعبرة لأولي الأبصار) قال أبو على: الرؤية في هذه الآية رؤية عين، ~~ولذلك تعدت إلى مفعول واحد. قال مكي والمهدوي: يدل عليه " رأى العين ". ~~وقرأ نافع " ترونهم " بالتاء والباقون بالياء (4). " مثليهم " نصب على ~~الحال من الهاء والميم في " ترونهم ". والجمهور من الناس على أن الفاعل ~~بترون هم المؤمنون، والضمير المتصل هو للكفار. وأنكر أبو عمرو أن يقرأ # PageV04P025 # " ترونهم " بالتاء، قال: ولو كان كذلك لكان مثليكم. قال النحاس " وذا لا ~~يلزم، ولكن يجوز أن يكون مثلي أصحابكم. قال مكي: " ترونهم " بالتاء جرى على ~~الخطاب في " لكم " فيحسن أن يكون الخطاب للمسلمين، والهاء والميم للمشركين. ~~وقد كان يلزم من قرأ بالتاء أن يقرأ مثليكم بالكاف، وذلك لا يجوز لمخالفة ~~الخط، ولكن جرى الكلام على الخروج من الخطاب إلى الغيبة، كقوله تعالى: " ~~حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم " (1)، وقوله تعالى : " وما آتيتم من زكاة ~~" (2) فخاطب ثم قال: " فأولئك هم المضعفون " فرجع إلى الغيبة. # فالهاء والميم في " مثليهم " يحتمل أن يكون للمشركين، أي ترون أيها ~~المسلمون المشركين مثلي ما هم عليه من العدد، وهو بعيد في المعنى، لان الله ~~تعالى لم يكثر المشركين في أعين المسلمين بل أعلمنا أنه قللهم في أعين ~~المؤمنين، فيكون المعنى ترون أيها المؤمنون المشركين مثليكم في العدد وقد ~~كانوا ثلاثة أمثالهم، فقلل الله المشركين في أعين المسلمين فأراهم إياهم ~~مثلي عدتهم لتقوى أنفسهم ويقع التجاسر، وقد كانوا أعلموا أن المائة منهم ~~تغلب المائتين من الكفار، وقلل المسلمين في أعين المشركين ليجترئوا عليهم ~~فينفذ حكم الله فيهم. ويحتمل أن يكون الضمير في " مثليهم " للمسلمين، أي ~~ترون أيها المسلمون المسلمين مثلي ما أنتم عليه من العدد، أي ترون أنفسكم ~~مثلي عددكم، فعل الله ذلك بهم لتقوى أنفسهم على لقاء المشركين. والتأويل ~~الأول أولى، يدل عليه قوله تعالى: " إذ يريكهم الله في منامك قليلا " (3) ~~وقوله: " وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا " وروي عن ابن مسعود أنه ~~قال: قلت لرجل إلى جنبي: أتراهم سبعين؟ قال: أظنهم مائة فلما ms1296 أخذنا الأسارى ~~أخبرونا أنهم كانوا ألفا. وحكى الطبري عن قوم أنهم قالوا: بل كثر الله عدد ~~المؤمنين في عيون الكافرين حتى كانوا عندهم ضعفين. # وضعف الطبري هذا القول. قال ابن عطية: وكذلك هو مردود من جهات. بل قلل ~~الله المشركين في أعين المؤمنين كما تقدم. وعلى هذا التأويل كان يكون " ~~ترون " للكافرين، أي ترون أيها الكافرون المؤمنين مثليهم، ويحتمل مثليكم، ~~على ما تقدم. وزعم الفراء أن المعنى # PageV04P026 # ترونهم مثليهم ثلاثة أمثالهم. وهو بعيد غير معروف في اللغة. قال الزجاج: ~~وهذا باب الغلط، فيه غلط في جميع المقاييس، لأنا إنما نعقل مثل الشئ مساويا ~~له، ونعقل مثله ما يساويه مرتين. قال ابن كيسان: وقد بين الفراء قوله بأن ~~قال: كما تقول وعندك عبد: احتاج إلى مثله، فأنت محتاج إليه وإلى مثله. ~~وتقول: احتاج إلى مثليه، فأنت محتاج إلى ثلاثة. # والمعنى على خلاف ما قال، واللغة. والذي أوقع الفراء في هذا أن المشركين ~~كانوا ثلاثة أمثال المؤمنين يوم بدر، فتوهم أنه لا يجوز أن يكونوا يرونهم ~~إلا على عدتهم، وهذا بعيد وليس المعنى عليه. وإنما أراهم الله على غير ~~عدتهم لجهتين: إحداهما أنه رأى الصلاح في ذلك، لان المؤمنين تقوى قلوبهم ~~بذلك. والأخرى أنه آية للنبي صلى الله عليه وسلم. وسيأتي ذكر وقعة (1) بدر ~~إن شاء الله تعالى. وأما قراءة الياء فقال ابن كيسان: الهاء والميم في " ~~يرونهم " عائدة على " وأخرى كافرة " والهاء والميم في " مثليهم " عائدة على ~~" فئة تقاتل في سبيل الله " وهذا من الاضمار الذي يدل عليه سياق الكلام، ~~وهو قوله: " يؤيد بنصره من يشاء ". # فدل ذلك على أن الكافرين كانوا مثلي المسلمين في رأى العين وثلاثة ~~أمثالهم في العدد. قال: # والرؤية هنا لليهود. وقال مكي: الرؤية للفئة المقاتلة في سبيل الله، ~~والمرئية الفئة الكافرة، أي ترى الفئة المقاتلة في سبيل الله الفئة الكافرة ~~مثلي الفئة المؤمنة، وقد كانت الفئة الكافرة ثلاثة أمثال المؤمنة فقللهم ~~الله في أعينهم على ما تقدم. والخطاب في " لكم " لليهود. وقرأ ابن عباس ~~وطلحة " ترونهم ms1297 " بضم التاء، والسلمى بالتاء المضمومة على ما لم يسم فاعله. # (والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الابصار) تقدم معناه ~~والحمد لله. # قوله تعالى: زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة ~~من الذهب والفضة والخيل المسومة والانعام والحرث ذلك متع الحياة الدنيا ~~والله عنده حسن المآب (14) # PageV04P027 # فيه إحدى عشرة مسألة: # الأولى - قوله تعالى: (زين للناس) زين من التزيين. واختلف الناس من ~~المزين، فقالت فرقة: الله زين ذلك، وهو ظاهر قول عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه، ذكره البخاري. وفى التنزيل: " إنا جعلنا ما على الأرض زينة (1) لها "، ~~ولما قال عمر: الان يا رب حين زينتها لنا! نزلت: " قل أؤنبئكم بخير من ذلك ~~" وقالت فرقة: المزين هو الشيطان، وهو ظاهر قول الحسن، فإنه قال: من زينها؟ ~~ما أحد أشد لها ذما من خالقها. فتزيين الله تعالى إنما هو بالايجاد ~~والتهيئة للانتفاع وإنشاء الجبلة على الميل إلى هذه الأشياء. وتزيين ~~الشيطان إنما هو بالوسوسة والخديعة وتحسين أخذها من غير وجوهها. والآية على ~~كلا الوجهين ابتداء وعظ لجميع الناس، وفى ضمن ذلك توبيخ لمعاصري محمد صلى ~~الله عليه وسلم من اليهود وغيرهم. # وقرأ الجمهور " زين " على بناء الفعل للمفعول، ورفع " حب ". وقرأ الضحاك ~~ومجاهد " زين " على بناء الفعل للفاعل، ونصب " حب " وحركت الهاء من " ~~الشهوات " فرقا بين الاسم والنعت. والشهوات جمع شهوة وهي معروفة. ورجل ~~شهوان (2) للشئ، وشئ شهي أي مشتهى. # واتباع الشهوات مرد وطاعتها مهلكة. وفي صحيح مسلم: (حفت الجنة بالمكاره ~~وحفت النار بالشهوات " رواه أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم. وفائدة هذا ~~التمثيل أن الجنة لا تنال إلا بقطع مفاوز المكاره وبالصبر عليها. وأن النار ~~لا ينجى منها إلا بترك الشهوات وفطام النفس عنها. وقد روى عنه صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: " طريق الجنة حزن (3) بربوة وطريق النار سهل بسهوة "، ~~وهو معنى قوله " حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات ". أي طريق الجنة ~~صعبة المسلك فيه أعلى ما يكون من الروابي، وطريق النار سهل لا ms1298 غلظ فيه ولا ~~وعورة، وهو معنى قوله " سهل بسهوة " وهو بالسين المهملة. # PageV04P028 # الثانية - قوله تعالى: (من النساء) بدأ بهن لكثرة تشوف النفوس إليهن، ~~لأنهن حبائل الشيطان وفتنة الرجال. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما ~~تركت بعدي فتنة أشد على الرجال من النساء " أخرجه البخاري ومسلم. ففتنة ~~النساء أشد من جميع الأشياء. ويقال: # في النساء فتنتان، وفى الأولاد فتنة واحدة. فأما اللتان في النساء ~~فإحداهما أن تؤدى إلى قطع الرحم، لأن المرأة تأمر زوجها بقطعه عن الأمهات ~~والأخوات. والثانية يبتلى بجمع المال من الحلال والحرام. وأما البنون فإن ~~الفتنة فيهم واحدة، وهو ما ابتلي بجمع المال لأجلهم. # وروى عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا ~~تسكنوا نساءكم الغرف ولا تعلموهن الكتاب ". حذرهم رسول الله (1) صلى الله ~~عليه وسلم، لان في إسكانهن الغرف تطلعا إلى الرجال، وليس في ذلك تحصين لهن ~~ولا ستر، لأنهن قد يشرفن على الرجال فتحدث الفتنة والبلاء، ولأنهن قد خلقن ~~من الرجل، فهمتها في الرجل والرجل خلق فيه الشهوة وجعلت سكنا له، فغير ~~مأمون كل واحد منهما على صاحبه. وفى تعلمهن الكتاب هذا المعنى من الفتنة ~~وأشد. وفى كتاب الشهاب عن النبي صلى الله عليه وسلم: " أعروا النساء يلزمن ~~الحجال ". # فعلى الانسان إذا لم يصبر في هذه الأزمان أن يبحث عن ذات الدين ليسلم له ~~الدين، قال صلى الله عليه وسلم: " عليك بذات الدين تربت (2) يداك " أخرجه ~~مسلم عن أبي هريرة. # وفى سنن ابن ماجة أن عبد الله بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " لا تزوجوا النساء لحسنهن؟ فعسى حسنهن أن يرديهن ولا تزوجوهن ~~لأموالهن فعسى أموالهن أن تطغيهن ولكن تزوجوهن، على الدين ولامة سوداء ~~خرماء (3) ذات دين أفضل ". # الثالثة - قوله تعالى: (والبنين) عطف على ما قبله. وواحد من البنين ابن. ~~قال الله تعالى مخبرا عن نوح: " إن ابني من أهلي (4) ". وتقول في التصغير " ~~بني " كما قال لقمان. # وفي الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم ms1299 قال للأشعث بن قيس: " هل لك من ~~ابنة حمزة من # PageV04P029 # ولد "؟ قال: نعم، لي منها غلام ولوددت أن لي به جفنة من طعام أطعمها من ~~بقي من بني جبلة. # فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لئن قلت؟ بذلك إنهم لثمرة القلوب وقرة ~~الأعين وإنهم مع ذلك لمجبنة (1) مبخلة محزنة ". # الرابعة - قوله تعالى: (والقناطير.) القناطير جمع قنطار، كما قال تعالى: ~~" وآتيتم إحداهن قنطارا " (2) وهو العقدة الكبيرة من المال، وقيل: هو اسم ~~للمعيار الذي يوزن به، كما هو الرطل والربع. ويقال لما بلغ ذلك الوزن: هذا ~~قنطار، أي يعدل القنطار. والعرب تقول: قنطر الرجل إذا بلغ ماله أن يوزن ~~بالقنطار. وقال الزجاج: القنطار مأخوذ من عقد الشئ وإحكامه، تقول العرب: ~~قنطرت الشئ إذا أحكمته، ومنه سميت القنطرة لأحكامها. قال طرفة: # كقنطرة الرومي أقسم ربها * لتكتنفن حتى تشاد بقرمد (3) والقنطرة ~~المعقودة، فكأن القنطار عقد مال. واختلف العلماء في تحرير حده كم هو على ~~أقوال عديدة، فروى أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ~~القنطار ألف أوقية ومائتا أوقية "، وقال بذلك معاذ بن جبل وعبد الله بن عمر ~~وأبو هريرة وجماعة من العلماء. # قال ابن عطية: " وهو أصح الأقوال، لكن القنطار على هذا يختلف باختلاف ~~البلاد في قدر الأوقية ". وقيل: اثنا عشر ألف أوقية، أسنده البستي في مسنده ~~الصحيح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " القنطار اثنا ~~عشر ألف أوقية الأوقية خير مما بين السماء والأرض ". وقال بهذا القول أبو ~~هريرة أيضا. وفى مسند أبى محمد الدارمي عن أبي سعيد الخدري قال: " من قرأ ~~في ليلة عشر آيات كتب من الذاكرين، ومن قرأ بمائة آية كتب من القانتين، ومن ~~قرأ بخمسمائة آية إلى الألف أصبح وله قنطار من الاجر " قيل: # PageV04P030 # وما القنطار؟ قال: " ملء مسك ثور ذهبا ". موقوف، وقال به أبو نضرة ~~العبدي. وذكر ابن سيده أنه هكذا بالسريانية. وقال النقاش عن ابن الكلبي أنه ~~هكذا بلغة الروم. وقال ابن عباس والضحاك والحسن: ألف ومائتا ms1300 مثقال من ~~الفضة، ورفعه الحسن. وعن ابن عباس: اثنا عشر ألف درهم من الفضة، ومن الذهب ~~ألف دينار دية الرجل المسلم، وروي عن الحسن والضحاك. وقال سعيد بن المسيب: ~~ثمانون ألفا. قتادة: مائة رطل من الذهب أو ثمانون ألف درهم من الفضة. وقال ~~أبو حمزة الثمالي (1): القنطار بإفريقية والأندلس ثمانية آلاف مثقال من ذهب ~~أو فضة. السدي: أربعة آلاف مثقال. مجاهد: # سبعون ألف مثقال، وروي عن ابن عمر. وحكى مكي قولا أن القنطار أربعون ~~أوقية من ذهب أو فضة، وقاله ابن سيده في المحكم، وقال: القنطار بربر ألف ~~مثقال. وقال الربيع ابن أنس: القنطار المال الكثير بعضه على بعض، وهذا هو ~~المعروف عند العرب، ومنه قوله: # " وآتيتم إحداهن قنطارا " أي مالا كثيرا. ومنه الحديث: " إن صفوان بن ~~أمية قنطر في الجاهلية وقنطر أبوه " أي صار له قنطار من المال. وعن الحكم ~~هو ما بين السماء والأرض. واختلفوا في معنى " المقنطرة " فقال الطبري ~~وغيره: معناه المضعفة، وكأن القناطير ثلاثة والمقنطرة تسع. وروى عن الفراء ~~أنه قال: القناطير جمع القنطار، والمقنطرة جمع الجمع، فيكون تسع قناطير. ~~السدي: المقنطرة المضروبة حتى صارت دنانير أو دراهم. مكي: # المقنطرة المكملة، وحكاه الهروي، كما يقال: بدر مبدرة، وآلاف مؤلفة. وقال ~~بعضهم. # ولهذا سمى البناء القنطرة لتكاثف البناء بعضه على بعض. ابن كيسان ~~والفراء: لا تكون المقنطرة أقل من تسع قناطير. وقيل: المقنطرة إشارة إلى ~~حضور المال وكونه عتيدا. # وفى صحيح البستي عن عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين ومن قام بمائة آية كتب من ~~القانتين ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين. # PageV04P031 # الخامسة - قوله تعالى: (من الذهب والفضة) الذهب، مؤنثة (1)، يقال: هي ~~الذهب الحسنة جمعها ذهاب (2) وذهوب. ويجوز أن يكون جمع ذهبة، ويجمع على الا ~~ذهاب. # وذهب فلان مذهبا حسنا. والذهب: مكيال لأهل اليمن. ورجل ذهب إذا رأى معدن ~~الذهب فدهش. والفضة معروفة، وجمعها فضض. فالذهب مأخوذة من الذهاب، والفضة ~~مأخوذة ms1301 من انفض الشئ تفرق، ومنه فضضت القوم فانفضوا، أي فرقتهم فتفرقوا. # وهذا الاشتقاق يشعر بزوالهما وعدم ثبوتهما كما هو مشاهد في الوجود. ومن ~~أحسن ما قيل في هذا المعنى قول بعضهم: # النار آخر دينار نطقت به * والهم آخر هذا الدرهم الجاري والمرء بينهما إن ~~كان ذا ورع * معذب القلب بين الهم والنار السادسة - قوله تعالى (والخيل) ~~الخيل مؤنثة. قال ابن كيسان: حدثت عن أبي عبيدة أنه قال: واحد الخيل خائل، ~~مثل طائر وطير، وضائن وضين، وسمى الفرس بذلك لأنه يختال في مشيه. وقال ~~غيره: هو اسم جمع لا واحد له من لفظه واحد فرس كالقوم والرهط والنساء ~~والإبل ونحوها. وفى الخبر من حديث على عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن الله خلق الفرس من الريح ولذلك جعلها تطير بلا جناح ". وهب بن منبه: ~~خلقها من ريح الجنوب. قال وهب: فليس تسبيحة ولا تكبيرة ولا تهليلة يكبرها ~~صاحبها إلا وهو يسمعها فيجيبه بمثلها. وسيأتي لذكر الخيل ووصفها في سورة " ~~الأنفال " (3) ما فيه كفاية إن شاء الله تعالى. وفى الخبر: " إن الله عرض ~~على آدم جميع الدواب، فقيل له: اختر منها واحدا فاختار الفرس، فقيل له: ~~اخترت عزك، فصار اسمه الخير من هذا الوجه. وسميت خيلا لأنها موسومة بالعز ~~فمن ركبه اعتز بنحلة الله له ويختال به على أعداء الله تعالى. وسمي فرسا # PageV04P032 # لأنه يفترس مسافات الجو افتراس الأسد وثبانا، ويقطعها كالالتهام بيديه ~~على شئ خبطا وتناولا، وسمي عربيا لأنه جئ به من بعد آدم لإسماعيل جزاء عن ~~رفع قواعد البيت، وإسماعيل عربي، فصار له نحلة من الله تعالى فسمي عربيا. ~~وفى الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " لا يدخل الشيطان دارا فيها فرس عتيق ". وإنما سمي عتيقا لأنه قد تخلص ~~من الهجانة. (1) وقد قال صلى الله عليه وسلم: " خير الخيل الأدهم الأقرح ~~(2) الأرثم [ثم الأقرح (3) المحجل] طلق اليمين فإن لم يكن أدهم فكميت على ~~هذه الشية ". أخرجه الترمذي عن أبي قتادة. وفى مسند الدارمي عنه أن رجلا ~~قال: يا ms1302 رسول الله، إني أريد أن أشتري فرسا [فأيها (4) أشتري]؟ قال: # " اشتر أدهم أرثم محجلا (5) طلق اليمين أو من الكميت على هذه الشية تغنم ~~وتسلم. وروى النسائي عن أنس قال: لم يكن أحب إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بعد النساء من الخيل. وروى الأئمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: " الخيل ثلاثة لرجل أجر ولرجل ستر ولرجل وزر...) الحديث ~~بطوله، شهرته أغنت عن ذكره. وسيأتي ذكر أحكام الخيل في " الأنفال " (6) و " ~~النحل " بما فيه كفاية إن شاء الله تعالى. # السابعة - قوله تعالى (المسومة) يعني الراعية في المروج والمسارح، قاله ~~سعيد ابن جبير. يقال: سامت الدابة والشاة إذا سرحت تسوم سوما فهي سائمة. ~~وأسمتها أنا إذا تركتها لذلك فهي مسامة. وسومتها تسويما فهي مسومة. وفي سنن ~~ابن ماجة عن علي قال: نهى # PageV04P033 # رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السوم (1) قبل طلوع الشمس، وعن ذبح ذوات ~~الدر) السوم هنا في معنى الرعى. وقال الله عز وجل " فيه تسيمون " (2) قال ~~الأخطل: # مثل ابن بزعة (3) أو كآخر مثله * أولى لك (4) ابن مسيمة الاجمال أراد ابن ~~راعية الإبل. والسوام: كل بهيمة ترعى، وقيل: المعدة للجهاد، قاله ابن زيد. ~~مجاهد: المسومة المطهمة الحسان. وقال عكرمة: سومها الحسن، واختاره النحاس، ~~من قولهم: رجل وسيم. وروي عن ابن عباس أنه قال: المسومة المعلمة بشيات ~~الخيل في وجوهها، من السيما وهي العلامة. وهذا مذهب الكسائي وأبى عبيدة. # قلت: كل ما ذكر يحتمله اللفظ، فتكون راعية معدة حسانا معلمة لتعرف من ~~غيرها. # قال أبو زيد: أصل ذلك أن تجعل عليها صوفة أو علامة تخالف سائر جسدها ~~لتبين من غيرها في المرعى. وحكى ابن فارس اللغوي في مجمله: المسومة المرسلة ~~وعليها ركبانها. وقال المؤرج (5): # المسومة المكوية. المبرد: المعروفة في البلدان. ابن كيسان: البلق. وكلها ~~متقارب من السيما. قال النابغة: # وضمر كالقداح مسومات * عليها معشر أشباه جن الثامنة - قوله تعالى: ~~(والانعام) قال ابن كيسان: إذا قلت نعم لم تكن إلا للإبل، فإذا قلت أنعام ~~وقعت ms1303 للإبل وكل ما يرعى. قال الفراء: هو مذكر ولا يؤنث، يقولون # PageV04P034 # هذا نعم وارد، ويجمع أنعاما. قال الهروي: والنعم يذكر ويؤنث، والانعام ~~المواشي من الإبل والبقر والغنم، إذا قيل: النعم فهو الإبل خاصة. وقال ~~حسان: # وكانت لا يزال بها أنيس * خلال مروجها نعم وشاء وفي سنن ابن ماجة عن عروة ~~البارقي يرفعه قال: " الإبل عز لأهلها والغنم بركة والخير معقود في نواصي ~~الخيل إلى يوم القيامة ". وفيه عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم : " الشاة من دواب الجنة ". وفيه عن أبي هريرة قال: أمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم الأغنياء باتخاذ الغنم، والفقراء باتخاذ الدجاج. وقال: عند ~~اتخاذ الأغنياء الدجاج يأذن الله تعالى بهلاك القرى. وفيه عن أم هاني أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: " اتخذي غنما فان فيها بركة ". أخرجه عن ~~أبي بكر بن أبي شيبة عن وكيع عن هشام بن عروة عن أبيه عن أم هانئ، إسناد ~~صحيح. # التاسعة - قوله تعالى: (والحرث) الحرث هنا اسم لكل ما يحرث، وهو مصدر سمي ~~به، تقول: حرث الرجل حرثا إذا أثار الأرض لمعنى الفلاحة، فيقع اسم الحراثة ~~على زرع الحبوب وعلى الجنات وعلى غير ذلك من نوع الفلاحة. وفى الحديث: " ~~أحرث لدنياك كأنك تعيش أبدا ". يقال حرثت واحترثت. وفى حديث عبد الله " ~~احرثوا هذا القرآن " أي فتشوه. قال ابن الأعرابي: الحرث التفتيش، وفي ~~الحديث: " أصدق الأسماء الحارث " لان الحارث هو الكاسب، واحتراث المال ~~كسبه، والمحراث مسعر النار والحراث مجرى الوتر في القوس، والجمع أحرثة، ~~وأحرث الرجل ناقته أهزلها. وفى حديث معاوية: # ما فعلت نواضحكم (1)؟ قالوا: حرثناها يوم بدر. قال أبو عبيد: يعنون ~~هزلناها، يقال: # حرثت الدابة وأحرثتها، لغتان. وفى صحيح البخاري عن أبي أمامة الباهلي قال ~~وقد رأى سكة (2) # PageV04P035 # وشيئا من آلة الحرث فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لا ~~يدخل هذا بيت قوم إلا دخله الذل ". قيل: إن الذل هنا ما يلزم أهل الشغل ~~بالحرث من حقوق الأرض التي يطالبهم ms1304 بها الأئمة والسلاطين. وقال المهلب: ~~معنى قول في هذا الحديث والله أعلم الحض على معالي الأحوال وطلب الرزق من ~~أشرف الصناعات، وذلك لما خشي النبي صلى الله عليه وسلم على أمته من ~~الاشتغال بالحرث وتضييع ركوب الخيل والجهاد في سبيل الله، لأنهم إن اشتغلوا ~~بالحرث غلبتهم الأمم الراكبة للخيل المتعيشة من مكاسبها، فحضهم على التعيش ~~من الجهاد لا من الخلود (1) إلى عمارة الأرض ولزوم المهنة. ألا ترى أن عمر ~~قال: تمعددوا (2) واخشوشنوا واقطعوا (3) الركب وثبوا على الخيل وثبا لا ~~تغلبنكم عليها رعاة الإبل. فأمرهم بملازمة الخيل، ورياضة أبدانهم بالوثوب ~~عليها. وفي الصحيحين عن أنس بن مالك قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " ~~ما من مسلم غرس غرسا أو زرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان ~~له به صدقة ". # قال العلماء: ذكر الله تعالى أربعة أصناف من المال، كل نوع من المال ~~يتمول به صنف من الناس، أما الذهب والفضة فيتمول بها التجار، وأما الخيل ~~المسومة فيتمول بها الملوك، وأما الانعام فيتمول بها أهل البوادي، وأما ~~الحرث فيتمول بها أهل الرساتيق (4). # فتكون فتنة كل صنف في النوع الذي يتمول، فأما النساء والبنون ففتنة ~~للجميع. # العاشرة - قوله تعالى: " ذلك متاع الحياة الدنيا " أي ما يتمتع به فيها ~~ثم يذهب ولا يبقى. # وهذا منه تزهيد في الدنيا وترغيب في الآخرة. روى ابن ماجة وغيره عن عبد ~~الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إنما الدنيا متاع وليس ~~من متاع الدنيا شئ أفضل من المرأة الصالحة ". وفى الحديث: " أزهد في الدنيا ~~يحبك الله " أي في متاعها من الجاه والمال الزائد على الضروري. قال صلى ~~الله عليه وسلم: " ليس لابن آدم حق في سوى هذه # PageV04P036 # الخصال بيت يسكنه وثوب يواري عورته وجلف (1) الخبز والماء " أخرجه ~~الترمذي من حديث المقدام بن معد يكرب. وسئل سهل بن عبد الله: بم يسهل على ~~العبد ترك الدنيا وكل الشهوات؟ قال: بتشاغله بما أمر به. # الحادية عشرة - قوله تعالى: (والله عنده ms1305 حسن المآب) ابتداء وخبر. والمآب ~~المرجع، آب يؤوب إيابا إذا رجع، قال امرؤ القيس: # وقد طوفت في الآفاق حتى * رضيت من الغنيم بالإياب وقال آخر: # وكل ذي غيبة يؤوب * وغائب الموت لا يؤوب وأصل مآب مأوب، قلبت حركة الواو ~~إلى الهمزة وأبدل من الواو ألف، مثل مقال. ومعنى الآية تقليل الدنيا ~~وتحقيرها والترغيب في حسن المرجع إلى الله تعالى في الآخرة. # قوله تعالى: قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنت تجرى من ~~تحتها الأنهر خالدين فيها وأزوج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد ~~(15). # منتهى الاستفهام عند قوله: " من ذلكم "، " للذين اتقوا " خبر مقدم، و " ~~جنات " رفع بالابتداء. وقيل: منتهاه " عند ربهم "، و " جنات " على هذا رفع ~~بابتداء مضمر تقديره ذلك جنات. ويجوز على هذا التأويل " جنات " بالخفض بدلا ~~من " خير " ولا يجوز ذلك على الأول. قال ابن عطية: وهذه الآية والتي قبلها ~~نظير قوله عليه السلام: " تنكح المرأة لأربع لما لها وحسبها وجمالها ودينها ~~فاظفر بذات الدين تربت (2) يداك " خرجه مسلم وغيره. # فقوله " فاظفر بذات الدين " مثال لهذه الآية. وما قبل مثال للأولى. فذكر ~~تعالى هذه تسلية عن الدنيا وتقوية لنفوس تاركيها. وقد تقدم في البقرة معاني ~~(3) ألفاظ هذه الآية. # PageV04P037 # والرضوان مصدر من الرضا، وهو أنه إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول الله ~~تعالى لهم " تريدون شيئا أزيدكم "؟ فيقولون: يا ربنا وأي شئ أفضل من هذا؟ ~~فيقول: " رضاي فلا أسخط عليكم بعده أبدا " خرجه مسلم. وفى قوله تعالى: " ~~والله بصير بالعباد " وعد ووعيد. # قوله تعالى: الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب ~~النار (16) الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالاسحار ~~(17) " الذين " بدل من قوله " للذين اتقوا " وإن شئت كان رفعا أي هم الذين، ~~أو نصبا على المدح. (ربنا) أي يا ربنا. (إننا آمنا) أي صدقنا. (فاغفر لنا ~~ذنوبنا) دعاء بالمغفرة. (وقنا عذاب النار) تقدم في (1) البقرة. (الصابرين) ~~يعنى عن المعاصي والشهوات، وقيل: على الطاعات. (والصادقين) أي في الافعال ~~والأقوال (والقانتين) الطائعين. (والمنفقين) يعنى في ms1306 سبيل الله. وقد تقدم ~~في (2) البقرة هذه المعاني على الكمال. # ففسر تعالى في هذه الآية أحوال المتقين الموعودين بالجنات. # واختلف في معنى قوله تعالى: " والمستغفرين بالاسحار " فقال أنس بن مالك: # هم السائلون المغفرة. قتادة: المصلون. # قلت: ولا تناقض، فإنهم يصلون ويستغفرون. وخص السحر بالذكر لأنه مظان ~~القبول ووقت إجابة الدعاء. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في تفسير قوله ~~تعالى مخبرا عن يعقوب عليه السلام لبنيه: " سوف أستغفر لكم ربى " (3): " ~~إنه أخر ذلك إلى السحر " خرجه الترمذي وسيأتي. وسأل النبي صلى الله عليه ~~وسلم جبريل " أي الليل أسمع "؟ فقال: " لا أدري غير أن العرش يهتز عند ~~السحر ". يقال سحر وسحر، بفتح الحاء وسكونها، وقال الزجاج: السحر من حين ~~يدبر الليل إلى أن يطلع الفجر الثاني، وقال ابن زيد: السحر هو سدس الليل ~~الاخر. # PageV04P038 # قلت: أصح من هذا ما روى الأئمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " ينزل الله عز وجل إلى سماء الدنيا كل ليلة حين يمضى ثلث الليل الأول ~~فيقول أنا الملك أنا الملك من ذا الذي يدعوني فأستجيب له من ذا الذي يسألني ~~فأعطيه من ذا الذي يستغفرني فاغفر له فلا يزال كذلك حتى يطلع الفجر " في ~~رواية " حتى ينفجر الصبح " لفظ مسلم. # وقد اختلف في تأويله، وأولى ما قيل فيه ما جاء في كتاب النسائي مفسرا عن ~~أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما قالا قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " إن الله عز وجل يمهل حتى يمضى شطر الليل الأول ثم يأمر مناديا ~~فيقول هل من داع يستجاب له هل من مستغفر يغفر له هل من سائل يعطى ". صححه ~~أبو محمد عبد الحق، وهو يرفع الاشكال ويوضح كل احتمال، وأن الأول من باب ~~حذف المضاف، أي ينزل ملك ربنا فيقول. وقد روى " ينزل " بضم الياء، وهو يبين ~~ما ذكرنا، وبالله توفيقنا. وقد أتينا على ذكره في " الكتاب الأسنى؟ في شرح ~~أسماء الله الحسنى وصفاته العلى ". # مسألة - الاستغفار مندوب إليه، وقد ms1307 أثنى الله تعالى على المستغفرين في ~~هذه الآية وغيرها فقال: " وبالأسحار هم يستغفرون " (1). وقال أنس بن مالك: ~~أمرنا أن نستغفر بالسحر سبعين استغفارة. وقال سفيان الثوري: بلغني أنه إذا ~~كان أول الليل نادى مناد ليقم القانتون فيقومون كذلك يصلون إلى السحر، فإذا ~~كان عند السحر نادى مناد: أين المستغفرون (2) فيستغفر أولئك، ويقوم آخرون ~~فيصلون فيلحقون بهم. فإذا طلع الفجر نادى مناد: ألا ليقم الغافلون فيقومون ~~من فرشهم كالموتى نشروا من قبورهم. وروي عن أنس سمعت النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقول: # " إن الله يقول إني لأهم بعذاب أهل الأرض فإذا نظرت إلى عمار بيوتي وإلى ~~المتحابين في وإلى المتهجدين والمستغفرين بالاسحار صرفت عنهم العذاب بهم ". ~~قال مكحول: إذا كان في أمة خمسة عشر رجلا يستغفرون الله كل يوم خمسا وعشرين ~~مرة لم يؤاخذ الله تلك الأمة بعذاب العامة. ذكره أبو نعيم في كتاب الحلية ~~له. وقال نافع: كان ابن عمر يحيى (3) الليل ثم # PageV04P039 # يقول: يا نافع أسحرنا؟ فأقول لا. فيعاود الصلاة ثم يسأل، فإذا قلت نعم ~~فعد يستغفر. # وروى إبراهيم بن حاطب عن أبيه قال: سمعت رجلا في السحر في ناحية المسجد ~~يقول: # يا رب، أمرتني فأطعتك، وهذا سحر فأغفر لي. فنظرت فإذا [هو] (1) ابن ~~مسعود. # فلت: فهذا كله يدل على أنه استغفار باللسان مع حضور القلب. لا ما قال ابن ~~زيد أن المراد بالمستغفرين الذين يصلون صلاة الصبح في جماعة. والله أعلم. ~~وقال لقمان لابنه: # يا بنى لا يكن الديك أكيس منك، ينادى بالاسحار وأنت نائم ". والمختار من ~~لفظ الاستغفار ما رواه البخاري عن شداد بن أوس، وليس له في الجامع غيره، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: " سيد الاستغفار أن تقول اللهم أنت ربى لا ~~إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ~~ما صنعت أبوء لك بنعمتك على وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا ~~أنت - قال - ومن قالها من النهار موقنا بها فمات من يومه ms1308 قبل أن يمسى فهو ~~من أهل الجنة ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات من ليله قبل أن يصبح ~~فهو من أهل الجنة ". وروى أبو محمد عبد الغنى بن سعيد من حديث ابن لهيعة عن ~~أبي صخر عن أبي معاوية عن سعيد بن جبير عن أبي الصهباء البكري عن علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيد علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه ثم قال: # " ألا أعلمك كلمات تقولهن لو كانت ذنوبك كمدب النمل - أو كمدب الذر - ~~لغفرها الله لك على أنه مغفور لك: اللهم لا إله إلا أنت سبحانك عملت سوءا ~~وظلمت نفسي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ". # قوله تعالى: شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما ~~بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم (18) فيه أربع مسائل الأولى - قال سعيد ~~بن جبير: كان حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما، فلما نزلت هذه الآية خررن ~~سجدا. وقال الكلبي: لما ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة قدم ~~عليه # PageV04P040 # حبران من أحبار أهل الشام، فلما أبصرا المدينة قال أحدهما لصاحبه: ما ~~أشبه هذه المدينة بصفة مدينة النبي الذي يخرج في آخر الزمان!. فلما دخلا ~~على النبي صلى الله عليه وسلم عرفاه بالصفة والنعت، فقالا له: أنت محمد؟ ~~قال (نعم). قالا: وأنت أحمد؟ قال: (نعم). # قالا: نسألك عن شهادة، فإن أنت أخبرتنا بها آمنا بك وصدقناك. فقال لهما ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سلاني). فقالا: أخبرنا عن أعظم (1) شهادة ~~في كتاب الله. فأنزل الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم " شهد الله ~~أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط " فأسلم الرجلان ~~وصدقا برسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد قيل: إن المراد بأولى العلم ~~الأنبياء عليهم السلام. وقال ابن كيسان: المهاجرون والأنصار. مقاتل: مؤمنوا ~~أهل الكتاب. # السدى والكلبي: المؤمنون كلهم، وهو الأظهر لأنه عام. # الثانية - في هذه الآية دليل على ms1309 فضل العلم وشرف العلماء وفضلهم، فإنه لو ~~كان أحد أشرف من العلماء لقرنهم الله باسمه واسم ملائكته كما قرن اسم ~~العلماء. وقال في شرف العلم لنبيه صلى الله عليه وسلم: " وقل رب زدني علما ~~" (2) فلو كان شئ أشرف من العلم لأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم ~~أن يسأله المزيد منه كما أمر أن يستزيده من العلم. وقال صلى الله عليه ~~وسلم: (إن العلماء ورثة الأنبياء). وقال: (العلماء أمناء الله على خلقه). ~~وهذا شرف للعلماء عظيم، ومحل لهم في الدين خطير. وخرج أبو محمد عبد الغني ~~الحافظ من حديث بركة ابن نشيط - وهو عنكل بن حكارك وتفسيره بركة بن نشيط - ~~وكان حافظا، حدثنا عمر ابن المؤمل حدثنا محمد بن أبي الخصيب حدثنا عنكل ~~حدثنا محمد بن إسحاق حدثنا شريك عن أبي إسحاق عن البراء قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: (العلماء ورثة الأنبياء يحبهم أهل السماء ويستغفر لهم ~~الحيتان في البحر إذا ماتوا إلى يوم القيامة). وفى هذا الباب [حديث] عن أبي ~~الدرداء خرجه أبو داود. # الثالثة - روى غالب القطان قال: أتيت الكوفة في تارة فنزلت قريبا من ~~الأعمش فكنت اختلف إليه. فلما كان ليلة أردت أن أنحدر إلى البصرة قام فتهجد ~~من الليل فقرأ بهذه الآية: " شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو ~~العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو # PageV04P041 # العزيز الحكيم. إن الدين عند الله الاسلام "، قال الأعمش: وأنا أشهد بما ~~شهد الله به، وأستودع الله هذه الشهادة، وهي لي [عند الله] (1) وديعة، وأن ~~الدين عند الله الاسلام - قالها مرارا - فغدوت إليه وودعته ثم قلت: إني ~~سمعتك تقرأ هذه الآية فما بلغك فيها؟ # أنا عندك منذ سنة لم تحدثني به. قال: والله لا حدثتك به سنة. قال: فأقمت ~~وكتبت على بابه ذلك اليوم، فلما مضت السنة قلت: يا أبا محمد قد مضت السنة. ~~قال: حدثني أبو وائل، عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: (يجاء بصاحبها يوم ms1310 القيامة فيقول الله تعالى عبدي عهد إلى وأنا ~~أحق من وفى أدخلوا عبدي الجنة). قال أبو الفرج الجوزي: غالب القطان هو غالب ~~بن خطاف القطان (2)، يروى عن الأعمش حديث (شهد الله) وهو حديث معضل (3). ~~قال ابن عدي الضعف على حديثه بين. وقال أحمد بن حنبل: # غالب بن خطاف القطان ثقة ثقة. وقال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق ~~صالح. # قلت: يكفيك من عدالته وثقته أن خرج له البخاري ومسلم في كتابيهما، وحسبك. # وروى من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من قرأ شهد الله ~~أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو ~~العزيز الحكيم عند منامه خلق الله له سبعين ألف ملك يستغفرون له إلى يوم ~~القيامة). ويقال من أقر بهذه الشهادة عن عقد من قلبه فقد قام بالعدل. وروى ~~عن سعيد بن جبير أنه قال: كان حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما لكل حي من ~~أحياء (4) العرب صنم أو صنمان. فلما نزلت هذه الآية أصبحت الأصنام قد خرت ~~ساجدة لله. # الرابعة - قوله تعالى: " شهد الله " أي بين وأعلم، كما يقال: شهد فلان ~~عند القاضي إذا بين وأعلم لمن الحق، أو على من هو. قال الزجاج: الشاهد هو ~~الذي يعلم الشئ ويبينه، فقد دلنا الله تعالى على وحدانيته بما خلق وبين. ~~وقال أبو عبيدة: " شهد الله " بمعنى قضى الله، أي أعلم. وقال ابن عطية: ~~وهذا مردود من جهات. وقرأ الكسائي بفتح " أن " في قوله # PageV04P042 # " أنه لا إله إلا هو " وقوله " أن الدين ". قال المبرد: التقدير: أن ~~الدين عند الله الاسلام بأنه لا إله إلا هو، ثم حذفت الباء كما قال: أمرتك ~~الخير. أي بالخير. قال الكسائي: أنصبهما جميعا، بمعنى شهد الله أنه كذا، ~~وأن الدين عند الله. قال ابن كيسان: " أن " الثانية بدل من الأولى، لان ~~الاسلام تفسير المعنى الذي هو التوحيد. وقرأ ابن عباس فيما حكى الكسائي " ~~شهد الله إنه " بالكسر " أن الدبن " بالفتح. والتقدير: شهد الله أن الدين ms1311 ~~الاسلام، ثم ابتدأ فقال: إنه لا إله إلا هو. وقرأ أبو المهلب وكان قارئا - ~~شهداء الله بالنصب على الحال، وعنه " شهداء الله ". وروى شعبة عن عاصم عن ~~زر عن أبي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقرأ (1) " أن الدين عند ~~الله الحنيفية (2) لا اليهودية ولا النصرانية ولا المجوسية ". # قال أبو بكر الأنباري: ولا يخفى على ذي تمييز أن هذا الكلام من النبي صلى ~~الله عليه وسلم على جهة التفسير، أدخله بعض من نقل الحديث في القرآن. و " ~~قائما " نصب على الحال المؤكدة من اسمه تعالى في قوله " شهد الله " أو من ~~قوله " إلا هو ". وقال الفراء: هو نصب على القطع، كان أصله القائم، فلما ~~قطعت الألف واللام نصب كقوله: " وله الدين واصبا " (3). # وفي قراءة عبد الله " القائم بالقسط " على النعت، والقسط العدل. (لا إله ~~إلا هو العزيز الحكيم) كرر لان الأولى حلت محل الدعوى، والشهادة الثانية ~~حلت محل الحكم. وقال جعفر الصادق: الأولى وصف وتوحيد، والثانية رسم وتعليم، ~~يعني قولوا لا إله إلا الله العزيز الحكيم. # قوله تعالى: إن الدين عند الله الأسلم وما اختلف الذين أوتوا الكتب إلا ~~من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع ~~الحساب (19) قوله تعالى: (إن الدين عند الله الاسلام) الدين في هذه الآية ~~الطاعة والملة، والاسلام بمعنى الايمان والطاعات، قال أبو العالية، وعليه ~~جمهور المتكلمين. والأصل في مسمى الايمان # PageV04P043 # والاسلام التغاير، لحديث جبريل (1). وقد يكون بمعنى المرادفة. فيسمى كل ~~واحد منهما باسم الاخر، كما في حديث وفد عبد القيس (2) وأنه أمرهم بالايمان ~~[بالله] (3) وحده وقال: (هل تدرون ما الايمان)؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. ~~قال: (شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء ~~الزكاة وصوم رمضان وأن تؤدوا خمسا من المغنم) الحديث. وكذلك قوله صلى الله ~~عليه وسلم: (الايمان بضع وسبعون بابا فأدناها إماطة الأذى وأرفعها قول لا ~~إله إلا الله) أخرجه الترمذي. وزاد مسلم (والحياء شعبة من الايمان). ويكون ~~أيضا بمعنى ms1312 التداخل وهو أن يطلق أحدهما ويراد به مسماه في الأصل ومسمى ~~الآخر، كما في هذه الآية إذ قد دخل فيها التصديق والأعمال، ومنه قول عليه ~~السلام: (الايمان معرفة بالقلب وقول باللسان وعمل بالأركان). أخرجه ابن ~~ماجة، وقد تقدم. والحقيقة هو الأول وضعا وشرعا، وما عداه من باب التوسع ~~والله أعلم. # قوله تعالى: (وما اختلف الذين أوتوا الكتاب) الآية. أخبر تعالى عن اختلاف ~~أهل الكتاب أنه كان على علم منهم بالحقائق، وأنه كان بغيا وطلبا للدنيا. ~~قال ابن عمر وغيره. وفى الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: وما اختلف الذين ~~أوتوا الكتاب بغيا بينهم إلا من بعد ما جاءهم العلم، قاله الأخفش. قال محد ~~بن جعفر بن الزبير: المراد بهذه الآية النصارى، وهي توبيخ لنصارى نجران. ~~وقال الربيع بن أنس: المراد بها اليهود. ولفظ الذين أوتوا الكتاب يعم ~~اليهود والنصارى، أي " وما اختلف الذين أوتوا الكتاب " يعني في نبوة محمد ~~صلى الله عليه وسلم " إلا من بعد ما جاءهم العلم " يعني بيان صفته ونبوته ~~في كتبهم. وقيل:؟ # أي وما اختلف الذين أوتوا الإنجيل (4) في أمر عيسى وفرقوا فيه القول إلا ~~من بعد ما جاءهم العلم بأن الله إله واحد، وأن عيسى عبد الله ورسوله. و " ~~بقيا " نصب على المفعول من أجله، أو على الحال من (الذين). والله تعالى ~~أعلم. # PageV04P044 # قوله تعالى فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل للذين أوتوا ~~الكتاب والأمين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلغ ~~والله بصير بالعباد (20) قوله تعالى: (فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن ~~اتبعن) أي جادلوك بالأقاويل المزورة والمغالطات، فأسند أمرك إلى ما كلفت من ~~الايمان والتبليغ وعلى الله نصرك. وقوله " وجهي " بمعنى ذاتي، ومنه الحديث ~~(سجد وجهي للذي خلقه وصوره). وقيل: الوجه هنا بمعنى القصد، كما تقول: خرج ~~فلان في وجه كذا. وقد تقدم هذا المعنى في البقرة مستوفى (1)، والأول أولى. ~~وعبر بالوجه عن سائر الذات إذ هو أشرف أعضاء الشخص وأجمعها للحواس. وقال: # أسلمت وجهي لمن أسلمت * له ms1313 المزن تحمل عذبا زلالا وقد قال حذاق المتكلمين ~~في قوله تعالى: " ويبقى وجه ربك " (2): إنها عبارة عن الذات وقيل: # العمل الذي يقصد به وجهه. وقوله: " ومن اتبعن " " من " في محل رفع عطفا ~~على التاء في قوله " أسلمت " أي ومن اتبعن أسلم أيضا، وجاز العطف على ~~الضمير المرفوع من غير تأكيد للفصل بينهما. وأثبت نافع وأبا عمرو ويعقوب ~~ياء " اتبعن " على الأصل، وحذف الآخرون اتباعا للمصحف إذ وقعت فيه بغير ~~ياء. وقال الشاعر: # ليس تخفى يسارتي قدر يوم * ولقد تخف شيمتي إعساري قوله تعالى: (وقل للذين ~~أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك ~~البلاغ والله بصير بالعباد) يعنى اليهود والنصارى " والأميين " الذين لا ~~كتاب لهم وهم مشركو العرب. " أأسلمتم " استفهام معناه التقرير وفي ضمنه ~~الامر، أي أسلموا، كذا قال الطبري وغيره. وقال الزجاج: " أأسلمتم " تهديد. ~~وهذا حسن لان المعنى أأسلمتم أم لا. وجاءت العبارة في قوله " فقد اهتدوا " ~~بالماضي مبالغة في الاخبار بوقوع الهدى لهم # PageV04P045 # وتحصيله. و " البلاغ " مصدر بلغ بتخفيف عين الفعل، أي إنما عليك أن تبلغ. ~~وقيل: # إنه مما نسخ بالجهاد. وقال ابن عطية: وهذا يحتاج إلى معرفة تاريخ نزولها، ~~وأما على ظاهر نزول هذه الآيات في وفد نجران فإنما المعنى فإنما عليك أن ~~تبلغ ما أنزل إليك بما فيه من قتال وغيره. # قوله تعالى: إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون ~~الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم (21) أولئك الذين حبطت ~~أعملهم في الدنيا والآخرة وما لهم من نصرين (22). # فيه ست مسائل الأولى - قوله تعالى: " إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون ~~النبيين " قال أبو العباس المبرد: كان ناس من بني إسرائيل جاءهم النبيون ~~يدعونهم إلى الله عز وجل فقتلوهم، فقام أناس من بعدهم من المؤمنين فأمروهم ~~(1) بالاسلام فقتلوهم، ففيهم نزلت هذه الآية. وكذلك قال معقل بن أبي مسكين: ~~كانت الأنبياء صلوات الله عليهم تجئ إلى بني إسرائيل بغير كتاب فيقتلونهم، ~~فيقوم قوم ممن اتبعهم فيأمرون بالقسط، أي بالعدل، فيقتلون. ms1314 وقد روى عن ابن ~~مسعود قال قال النبي صلى الله عليه وسلم: (بئس القوم قوم يقتلون الذين ~~يأمرون بالقسط من الناس، بئس القوم قوم لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن ~~المنكر، بئس القوم قوم يمشى المؤمن بينهم بالتقية " وروى أبو عبيدة بن ~~الجراح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين ~~نبيا من أول النهار في ساعة واحدة فقام مائة رجل واثنا عشر رجلا من عباد ~~بني إسرائيل فأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر فقتلوا جميعا في آخر النهار ~~من ذلك اليوم وهو الذين ذكرهم الله في هذه الآية). ذكره المهدوي وغيره. ~~وروى شعبة عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله قال: كانت بنو إسرائيل ~~تقتل في اليوم سبعين نبيا ثم تقوم سوق بقلهم من آخر. # PageV04P046 # النهار. فإن قال قائل: الذين وعظوا بهذا لم يقتلوا نبيا. فالجواب عن هذا ~~أنهم رضوا فعل من قتل فكانوا بمنزلته، وأيضا فإنهم قاتلوا النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه وهموا بقتلهم، قال الله عز وجل: " وإذ يمكر بك الذين ~~كفروا ليثبتوك أو يقتلوك " (1): # الثانية - دلت هذه الآية على أن الامر بالمعروف والنهى عن المنكر كان ~~واجبا في الأمم المتقدمة، وهو فائدة الرسالة وخلافة النبوة. قال الحسن قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # (من أمر بالمعروف أو نهى عن المنكر فهو خليفة الله في أرضه وخليفة رسوله ~~وخليفة كتابه). # وعن درة بنت أبي لهب قالت: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو على ~~المنبر فقال: # من خير الناس يا رسول الله؟ قال: (آمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر ~~وأتقاهم لله وأوصلهم لرحمه). وفي التنزيل: " المنافقون والمنافقات بعضهم من ~~بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف " ثم قال: " والمؤمنون والمؤمنات ~~بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر " (2). فجعل تعالى ~~الامر بالمعروف والنهي عن المنكر فرقا بين المؤمنين والمنافقين، فدل على أن ~~أخص أوصاف المؤمن الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورأسها الدعاء إلى ~~الاسلام والقتال عليه. ثم إن الامر بالمعروف لا ms1315 يليق بكل أحد، وإنما يقوم ~~به السلطان إذ كانت إقامة الحدود إليه، والتعزيز إلى رأيه، والحبس والاطلاق ~~له، والنفي والتغريب، فينصب في كل بلدة رجلا صالحا قويا عالما أمينا ويأمره ~~بذلك، ويمضي الحدود على وجهها من غير زيادة. قال الله تعالى: " الذين إن ~~مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن ~~المنكر " (3). # الثالثة - وليس من شرط الناهي أن يكون عدلا عند أهل السنة، خلافا ~~للمبتدعة حيث تقول: لا يغيره إلا عدل. وهذا ساقط، فإن العدالة محصورة في ~~القليل من الخلق، والامر بالمعروف والنهي عن المنكر عام في جميع الناس. فإن ~~تشبثوا بقوله تعالى: " أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم " (4) وقوله: " ~~كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون " (5) ونحوه، قيل لهم: إنما وقع ~~الذم ها هنا على ارتكاب ما نهي عنه لا على نهيه عن المنكر. ولا شك # PageV04P047 # في أن النهي عنه ممن يأتيه أقبح ممن لا يأتيه، ولذلك يدور في جهنم كما ~~يدور الحمار بالرحى، كما بيناه في البقرة عند قوله تعالى: " أتأمرون الناس ~~بالبر " (1). # الرابعة - أجمع المسلمون فيما ذكر ابن عبد البر أن المنكر واجب تغييره ~~على كل من قدر عليه، وأنه إذا لم يلحقه بتغييره إلا اللوم الذي لا يتعدى ~~إلى الأذى فإن ذلك لا يجب أن يمنعه من تغييره، فإن لم يقدر فبلسانه، فإن لم ~~يقدر فيقلبه ليس عليه أكثر من ذلك. وإذا أنكر بقلبه فقد أدى ما عليه إذا لم ~~يستطع سوى ذلك. قال: والأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في تأكيد الامر ~~بالمعروف والنهى عن المنكر كثيرة جدا ولكنها مقيدة بالاستطاعة. # قال الحسن: إنما يكلم مؤمن يرجى أو جاهل يعلم، فأما من وضع سيفه أو سوطه ~~فقال: # اتقني اتقني فما لك وله. وقال ابن مسعود: بحسب المرء إذا رأى منكرا لا ~~يستطيع تغييره أن يعلم الله من قلبه أنه له كاره. وروى ابن لهيعة عن الأعرج ~~عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يحل لمؤمن ms1316 أن يذل ~~نفسه). قالوا: يا رسول الله وما إذلاله نفسه؟ قال: (يتعرض من البلاء لما لا ~~يقوم له). # قلت: وخرجه ابن ماجة عن علي بن زيد بن جدعان عن الحسن بن جندب عن حذيفة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكلاهما قد تكلم فيه. وروي عن بعض الصحابة ~~أنه قال: # إن الرجل إذا رأى منكرا لا يستطيع النكير عليه فليقل ثلاث مرات " اللهم ~~إن هذا منكر " فإذا قال ذلك فقد فعل ما عليه، وزعم ابن العربي أن من رجا ~~زواله وخاف على نفسه من تغييره الضرب أو القتل جاز له عند أكثر العلماء ~~الاقتحام عند هذا الغرر (2)، وإن لم يرج زواله فأي فائدة عنده. قال: والذي ~~عندي أن النية إذا خلصت فليقتحم كيف ما كان ولا يبالي. # قلت: هذا خلاف ما ذكره أبو عمر من الاجماع. وهذه الآية تدل على جواز ~~الامر بالمعروف والنهي عن المنكر مع خوف القتل. وقال تعالى: " وأمر ~~بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك " (3). وهذا إشارة إلى ~~الاذاية. # PageV04P048 # الخامسة - روى الأئمة عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن ~~لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الايمان). قال العلماء: الامر بالمعروف باليد ~~على الامراء، وباللسان على العلماء ، وبالقلب على الضعفاء، يعني عوام ~~الناس. فالمنكر إذا أمكنت إزالته باللسان للناهي فليفعله، وإن لم يمكنه إلا ~~بالعقوبة أو بالقتل فليفعل، فإن زال بدون القتل لم يجز القتل، وهذا تلقي من ~~قول الله تعالى: " فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله " (1). وعليه ~~بنى العلماء أنه إذا دفع الصائل (2) على النفس أو على المال عن نفسه أو عن ~~ماله أو نفس غيره فله ذلك ولا شئ عليه. # ولو رأى زيد عمرا وقد قصد مال بكر فيجب عليه أن يدفعه عنه إذا لم يكن ~~صاحب المال قادرا عليه ولا راضيا به، حتى لقد قال العلماء: لو فرضنا (3) ~~[قودا]. وقيل: كل بلدة يكون فيها أربعة ms1317 فأهلها معصومون من البلاء: إمام ~~عادل لا يظلم، وعالم على سبيل الهدى، ومشايخ يأمرون بالمعروف وينهون عن ~~المنكر ويحرضون على طلب العلم والقرآن، ونساؤهم مستورات لا يتبرجن تبرج ~~الجاهلية الأولى. # السادسة - روى أنس بن مالك قال: قيل يا رسول الله، متى نترك الامر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قال: (إذا ظهر فيكم ما ظهر في الأمم قبلكم). ~~قلنا: يا رسول الله وما ظهر في الأمم قبلنا؟ قال: (الملك في صغاركم ~~والفاحشة في كباركم والعلم في رذالتكم). # قال زيد: تفسير معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم (والعلم في رذالتكم) ~~إذا كان العلم في الفساق. خرجه ابن ماجة. وسيأتي لهذا الباب مزيد بيان في " ~~المائدة " (4) وغيرها إن شاء الله تعالى. وتقدم معنى " فبشرهم " " وحبطت " ~~في البقرة (5) فلا معنى للإعادة. # قوله تعالى: ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتب يدعون إلى كتب الله ~~ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون (23) # PageV04P049 # فيه ثلاث مسائل الأولى - قال ابن عباس: هذه الآية نزلت بسبب أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم دخل بيت المدراس على جماعة من يهود فدعاهم إلى الله. ~~فقال له نعيم بن عمرو والحارث بن زيد: على أي دين أنت يا محمد؟ فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: (إني على ملة إبراهيم). # فقالا: فإن إبراهيم كان يهوديا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (فهلموا ~~إلى التوراة فهي بيننا وبينكم). فأبيا عليه فنزلت الآية. وذكر النقاش أنها ~~نزلت لان جماعة من اليهود أنكروا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، فقال لهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم: (هلموا إلى التوراة ففيها صفتي) فأبوا. وقرأ ~~الجمهور " ليحكم " وقرأ أبو جعفر يزيد بن القعقاع " ليحكم " بضم الياء. ~~والقراءة الأولى أحسن، لقوله تعالى: " هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق ". # الثانية - في هذه الآية دليل على وجوب ارتفاع المدعو إلى الحاكم لأنه دعي ~~إلى كتاب الله، فإن لم يفعل كان مخالفا يتعين عليه الزجر بالأدب على قدر ~~المخالف والمخالف. # وهذا الحكم جار عندنا بالأندلس وبلاد المغرب وليس بالديار ms1318 المصرية. وهذا ~~الحكم الذي ذكرناه مبين في التنزيل في سورة " النور " في قوله تعالى: " ~~وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون " - إلى قوله ~~- بل أولئك هم الظالمون " (1). وأسند الزهري عن الحسن أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: (من دعاه خصمه إلى حاكم من حكام المسلمين فلم يجب فهو ~~ظالم ولا حق له). قال ابن العربي: وهذا حديث باطل. أما قوله " فهو ظالم " ~~فكلام صحيح. وأما قوله " فلا حق له " فلا يصح، ويحتمل أن يريد أنه على غير ~~الحق. قال ابن خويز منداد المالكي: واجب على كل من دعي إلى مجلس الحاكم أن ~~يجيب ما لم يعلم أن الحاكم فاسق، أو يعلم عداؤه (2) من المدعى والمدعى ~~عليه. # الثالثة - وفيها دليل على أن شرائع من قبلنا شريعة لنا إلا ما علمنا ~~نسخه، وأنه يجب علينا الحكم بشرائع الأنبياء قبلنا، على ما يأتي بيانه. ~~وإنما لا نقرأ التوراة ولا نعمل # PageV04P050 # بما فيها لان من هي في يده غير أمين عليها وقد غيرها وبدلها، ولو علمنا ~~أن شيئا منها لم يتغير ولم يتبدل جاز لنا قراءته. ونحو ذلك روي عن عمر حيث ~~قال لكعب: إن كنت تعلم أنها التوراة التي أنزلها الله على موسى بن عمران ~~فاقرأها. وكان عليه السلام عالما بما لم يغير منها فلذلك دعاهم إليها وإلى ~~الحكم بها. وسيأتي بيان هذا في " المائدة " (1) والأخبار الواردة في ذلك إن ~~شاء الله تعالى. وقد قيل: إن هذه الآية نزلت في ذلك. والله أعلم. # قوله تعالى: ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في ~~دينهم ما كانوا يفترون (24) إشارة إلى التولي والاعراض، واغترار منهم في ~~قولهم: " نحن أبناء الله وأحباؤه " (2) إلى غير ذلك من أقوالهم. وقد مضى ~~الكلام في معنى قولهم: " لن تمسنا النار " في البقرة. (3) قوله تعالى: فكيف ~~إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون (25) خطاب ~~للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته على جهة التوقيف والتعجب، أي ms1319 فكيف يكون ~~حالهم أو كيف يصنعون إذا حشروا يوم القيامة واضمحلت عنهم تلك الزخارف التي ~~ادعوها في الدنيا، وجوزوا بما اكتسبوه من كفرهم واجترائهم (4) وقبيح ~~أعمالهم. واللام في قوله " ليوم " بمعنى " في "، قاله الكسائي، وقال ~~البصريون: المعنى لحساب يوم، الطبري: لما يحدث في يوم. # قوله تعالى: قل اللهم ملك الملك تؤتى الملك من تشاء وتنزل الملك ممن تشاء ~~وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شئ قدير (26) # PageV04P051 # قال علي رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لما أراد الله ~~تعالى أن ينزل فاتحة الكتاب وآية الكرسي وشهد الله وقل اللهم مالك الملك ~~إلى قوله بغير حساب تعلقن بالعرش وليس بينهن وبين الله حجاب وقلن يا رب ~~تهبط بنا دار الذنوب وإلى من يعصيك فقال الله تعالى وعزتي وجلالي لا يقرأكن ~~عبد عقب كل صلاة مكتوبة إلا أسكنته حظيرة القدس على ما كان منه، وإلا نظرت ~~إليه بعيني المكنونة في كل يوم سبعين نظرة، وإلا قضيت له في كل يوم سبعين ~~حاجة أدناها المغفرة، وإلا أعدته من كل عدو ونصرته عليه ولا يمنعه من دخول ~~الجنة إلا أن يموت). وقال معاذ بن جبل: احتبست عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~يوما فلم أصل معه الجمعة فقال: (يا معاذ ما منعك من صلاة الجمعة)؟ قلت: يا ~~رسول الله، كان ليوحنا بن باريا اليهودي على أوقية من تبر وكان على بابي ~~يرصدني فأشفقت أن يحبسني دونك. قال: (أتحب يا معاذ أن يقضى الله دينك)؟ قلت ~~نعم. قال: (قل كل يوم قل اللهم مالك الملك - إلى قوله - بغير حساب رحمن ~~الدنيا والآخرة ورحيمهما تعطي منهما من تشاء وتمنع منهما من تشاء اقض عني ~~ديني فلو كان عليك ملء الأرض ذهبا لأداه الله عنك). # خرجه أبو نعيم الحافظ، أيضا عن عطاء الخراساني أن معاذ بن جبل قال: علمني ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم آيات من القرآن - أو كلمات - ما في الأرض ~~مسلم يدعو بهن وهو مكروب أو غارم ms1320 أو ذو دين إلا قضى الله عنه وفرج همه، ~~احتبست عن النبي صلى الله عليه وسلم، فذكره. غريب من حديث عطاء أرسله عن ~~معاذ. وقال ابن عباس وأنس بن مالك: # لما. افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ووعد أمته ملك فارس والروم ~~قال المنافقون واليهود: هيهات هيهات! من أين لمحمد ملك فارس والروم! هم أعز ~~وأمنع من ذلك، ألم يكف محمدا مكة والمدينة حتى طمع في ملك فارس والروم، ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية. # وقيل: نزلت دامغة لباطل نصارى أهل نجران في قولهم: إن عيسى هو الله، وذلك ~~أن هذه الأوصاف تبين لكل صحيح الفطرة أن عيسى ليس في شئ منها. قال ابن ~~إسحاق: أعلم الله عز وجل في هذه الآية بعنادهم وكفرهم، وإن عيسى صلى الله ~~عليه وسلم وإن كان الله تعالى PageV04P052 # أعطاه آيات تدل على نبوته من إحياء الموتى وغير ذلك فإن الله عز وجل هو ~~المنفرد بهذه الأشياء، من قوله: " تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء ~~وتعز من تشاء وتذل من تشاء ". وقوله: " تولج الليل في النهار وتولج النهار ~~في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب ~~" فلو كان عيسى إلها كان هذا إليه، فكان في ذلك اعتبار وآية بينة (1). # قوله تعالى: " قل اللهم " اختلف النحويون في تركيب لفظة " اللهم " بعد ~~إجماعهم أنها مضمومة الهاء مشددة الميم المفتوحة، وأنها منادى، وقد جاءت ~~مخففة الميم في قول الأعشى: # كدعوة من أبي رباح * يسمعها اللهم (2) الكبار قال الخليل وسيبويه وجميع ~~البصريين: إن أصل اللهم يا ألله، فلما استعملت الكلمة دون حرف النداء الذي ~~هو " يا " جعلوا بدله هذه الميم المشددة، فجاءوا بحرفين وهما الميمان عوضا ~~من حرفين وهما الياء والألف، والضمة في الهاء هي ضمة الاسم المنادى المفرد. ~~وذهب الفراء والكوفيون إلى أن الأصل في اللهم يا الله أمنا بخير، فحذف وخلط ~~الكلمتين، وإن الضمة التي في الهاء هي الضمة التي كانت في أمنا لما حذفت ~~الهمزة انتقلت ms1321 الحركة. قال النحاس: هذا عند البصريين من الخطأ العظيم، ~~والقول في هذا ما قال الخليل وسيبويه. قال الزجاج: محال أن يترك الضم الذي ~~هو دليل على النداء المفرد، وأن يجعل في اسم الله ضمه أم، هذا إلحاد في اسم ~~الله تعالى. قال ابن عطية: وهذا غلو من الزجاج، وزعم أنه ما سمع قط يا ألله ~~أم، ولا تقول العرب يا اللهم. وقال الكوفيون: إنه قد يدخل حرف النداء على " ~~اللهم " وأنشدوا على ذلك قول الراجز: # * غفرت أو عذبت يا اللهما * أخر: # وما عليك أن تقولي كلما * سبحت أو هللت يا اللهم ما (3) أردد علينا شيخنا ~~مسلما * فإننا من خيره لن نعد ما # PageV04P053 # آخر: # إني إذا ما حدث ألما * أقول يا اللهم يا اللهما قالوا: فلو كان الميم ~~عوضا من حرف النداء لما اجتمعا. قال الزجاج: وهذا شاذ ولا يعرف قائله، ولا ~~يترك له ما كان في كتاب الله وفي جميع ديوان العرب، وقد ورد مثله في قوله ~~(1): # هما نفثا في في من فمويهما * ما على النابح العاوي أشد رجام قال ~~الكوفيون: وإنما تزاد الميم مخففة في فم وابنم، وأما ميم مشددة فلا تزاد. ~~وقال بعض النحويين: ما قاله الكوفيون خطأ، لأنه لو كان كما قالوا كان يجب ~~أن يقال: " اللهم " ويقتصر عليه لأنه معه دعاء. وأيضا فقد تقول: أنت اللهم ~~الرزاق. فلو كان كما ادعوا لكنت قد فصلت بجملتين بين الابتداء والخبر. قال ~~النضر بن شميل: من قال اللهم فقد دعا الله تعالى بجميع أسمائه كلها. وقال ~~الحسن: اللهم تجمع الدعاء. # قوله تعالى: (مالك الملك) قال قتادة: بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~سأل الله عز وجل أن يعطي أمته ملك فارس فأنزل الله هذه الآية. وقال مقاتل: ~~سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل الله له ملك فارس والروم في أمته، ~~فعلمه الله تعالى بأن يدعو بهذا الدعاء. # وقد تقدم معناه. و " مالك " منصوب عند سيبويه على أنه نداء ثان، ومثله ~~قوله تعالى: # " قل اللهم فاطر السماوات ms1322 والأرض " (2) ولا يجوز عنده أن يوصف اللهم لأنه ~~قد ضمت إليه الميم. وخالفه محمد بن يزيد وإبراهيم بن السري (3) الزجاج ~~فقالا: " مالك " في الاعراب صفة لاسم الله تعالى، وكذلك " فاطر السماوات ~~والأرض ". قال أبو علي، هو مذهب # PageV04P054 # أبي العباس المبرد، وما قاله سيبويه أصوب وأبين، وذلك أنه ليس في الأسماء ~~الموصوفة شئ على حد " اللهم " لأنه اسم مفرد ضم إليه صوت، والأصوات لا ~~توصف، نحو غاق وما أشبهه. وكان حكم الاسم المفرد ألا يوصف وإن كانوا قد ~~وصفوه في مواضع. فلما ضم هنا ما لا يوصف إلى ما كان قياسه ألا يوصف صار ~~بمنزلة صوت ضم إلى صوت، نحو حيهل فلم يوصف. و " الملك " هنا النبوة، عن ~~مجاهد. وقيل، الغلبة. وقيل: المال والعبيد. # الزجاج: المعنى مالك العباد وما ملكوا. وقيل: المعنى مالك الدنيا ~~والآخرة. ومعنى (تؤتى الملك) أي (1) أي الايمان والاسلام. (من تشاء) أي من ~~تشاء أن تؤتيه إياه، وكذلك ما بعده، ولابد فيه من تقدير الحذف، أي وتنزع ~~الملك ممن تشاء أن تنزعه منه، ثم حذف هذا، وأنشد سيبويه: ألا هل لهذا الدهر ~~من متعلل * على الناس مهما شاء بالناس يفعل (2) قال الزجاج: مهما شاء أن ~~يفعل بالناس يفعل. وقوله: (تعز من تشاء) يقال: عز إذا علا وقهر وغلب، ومنه، ~~" وعزني في الخطاب " (3). (وتذل من تشاء) ذل يذل ذلا [إذا غلب وعلا وقهر ~~(4)]. قال طرفة: # بطئ عن الجلي سريع إلى الخنا * ذليل باجماع الرجال ملهد (5) (بيدك الخير) ~~أي بيدك الخير والشر فحذف، كما قال: " سرابيل تقيكم الحر " (6). وقيل: خص ~~الخير لأنه موضع دعاء ورغبة في فضله. قال النقاش: بيدك الخير، أي النصر ~~والغنيمة. # وقال أهل الإشارات. كان أبو جهل يملك المال الكثير، ووقع في الرس (7) يوم ~~بدر، والفقراء صهيب وبلال وخباب لم يكن لهم مال، وكان ملكهم الايمان، " قل ~~اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء " تقيم الرسول يتيم أبي طالب على رأس ~~الرس حتى ينادي أبدانا قد انقلبت # PageV04P055 # إلى القليب: يا عتبة، يا شيبة تعز من تشاء وتذل ms1323 من تشاء. أي (1) صهيب، أي ~~بلال، لا تعتقدوا أنا منعناكم من (2) الدنيا ببغضكم. بيدك الخير ما منعكم ~~من عجز " إنك على كل شئ قدير " إنعام الحق عام يتولى من يشاء. # قوله تعالى: تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من ~~الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب (27) قال ابن عباس ~~ومجاهد والحسن وقتادة والسدي في معنى قوله " تولج الليل في النهار " الآية، ~~أي تدخل ما نقص من أحدهما في الاخر، حتى يصير النهار خمس عشرة ساعة وهو ~~أطول ما يكون، والليل تسع ساعات وهو أقصر ما يكون. وكذا (تولج النهار في ~~الليل) وهو قول الكلبي، وروي عن ابن مسعود. وتحتمل ألفاظ الآية أن يدخل ~~فيها تعاقب الليل والنهار، كأن زوال أحدهما ولوج في الاخر. واختلف المفسرون ~~في معنى قوله تعالى: (وتخرج الحي من الميت) فقال الحسن: معناه تخرج المؤمن ~~من الكافر والكافر من المؤمن، وروى نحوه عن سلمان الفارسي. وروى معمر عن ~~الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على نسائه فإذا بامرأة حسنة الهيئة ~~قال: (من هذه)؟ قلن إحدى خالاتك. قال: (ومن هي)؟ قلن: هي خالدة بنت الأسود ~~بن عبد يغوث. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # (سبحان الذي يخرج الحي من الميت). وكانت امرأة صالحة وكان أبوها كافرا. ~~فالمراد على هذا القول موت قلب الكافر وحياة قلب المؤمن، فالموت والحياة ~~مستعاران. (3) وذهب كثير من العلماء إلى أن الحياة والموت في الآية ~~حقيقتان، فقال كرمة: هي إخراج الدجاجة وهي حية من البيضة وهي ميتة، وإخراج ~~البيضة وهي ميتة من الدجاجة وهي حية. وقال ابن مسعود: # هي النطفة تخرج من الرجل وهي ميتة وهو حي، ويخرج الرجل منها حيا وهي ~~ميتة. وقال عكرمة والسدي: هي الحبة تخرج من السنبلة والسنبلة تخرج من ~~الحبة، والنواة من النخلة والنخلة # PageV04P056 # تخرج من النواة، والحياة في النخلة والسنبلة تشبيه. قال: (وترزق من تشاء ~~بغير حساب) أي بغير تضييق ولا تقتير، كما تقول: فلان يعطي بغير حساب، كأنه ms1324 ~~لا يحسب ما يعطي. # قوله تعالى: لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ~~ذلك فليس من الله في شئ إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى ~~الله المصير (28). # فيه مسألتان: # الأولى - قال ابن عباس: نهى الله المؤمنين أن يلاطفوا الكفار فيتخذوهم ~~أولياء، ومثله " لا تتخذوا بطانة من (1) دونكم " وهناك يأتي بيان هذا ~~المعنى. (فليس من الله في شئ) أي فليس من حزب الله ولا من أوليائه في شئ، ~~مثل " واسأل القرية " (2). وحكى سيبويه " هو مني فرسخين " أي من أصحابي ~~ومعي. ثم استثنى وهي: # الثانية - فقال: (إلا أن تتقوا منهم تقاة) قال معاذ بن جبل ومجاهد: كانت ~~التقية في جدة الاسلام قبل قوة المسلمين، فأما اليوم فقد أعز الله الاسلام ~~أن يتقوا من عدوهم. # قال ابن عباس: هو أن يتكلم بلسانه وقلبه مطمئن بالايمان، ولا يقتل ولا ~~يأتي مأثما. وقال الحسن: التقية جائزة للانسان إلى يوم القيامة، ولا تقية ~~في القتل. وقرأ جابر بن زيد ومجاهد والضحاك: " إلا أن تتقوا منهم تقية " ~~وقيل: إن المؤمن إذا كان قائما بين الكفار فله أن يداريهم (3) باللسان إذا ~~كان خائفا على نفسه وقلبه مطمئن بالايمان والتقية لا تحل إلا مع خوف القتل ~~أو القطع أو الايذاء العظيم. ومن أكره على الكفر فالصحيح أن له أن يتصلب ~~ولا يجيب (4) إلى التلفظ بكلمة الكفر، بل يجوز له ذلك على ما يأتي بيانه في ~~" النحل " (5) إن شاء الله تعالى. # وأمال حمزة والكسائي " تقاة "، وفخم الباقون، وأصل " تقاة " وقية على وزن ~~فعلة، مثل # PageV04P057 # تؤدة وتهمة، قلبت الواو تاء والياء ألفا. وروى الضحاك ابن عباس أن هذه ~~الآية نزلت في عبادة بن الصامت الأنصاري وكان بدريا تقيا وكان له حلف من ~~اليهود، فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب قال عبادة: يا نبي ~~الله، إن معي خمسمائة رجل من اليهود، وقد رأيت أن يخرجوا معي فاستظهر بهم ~~على العدو. فأنزل الله تعالى: " لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون ~~المؤمنين " الآية. وقيل: ms1325 إنها نزلت في عمار بن ياسر حين تكلم ببعض ما أراد ~~منه المشركون، على ما يأتي بيانه في [النحل]. # قوله تعالى: (ويحذركم الله نفسه) قال الزجاج: أي ويحذركم الله إياه. ثم ~~استغنوا عن ذلك بذا وصار المستعمل، قال تعالى: " تعلم ما في نفسي ولا أعلم ~~ما في نفسك " (1) فمعناه تعلم ما عندي وما في حقيقتي ولا أعلم ما عندك ولا ~~ما في حقيقتك. وقال غيره: المعنى ويحذركم الله عقابه، مثل " واسأل القرية ~~". وقال: " تعلم ما في نفسي " أي مغيبي، فجعلت النفس في موضع الاضمار لأنه ~~فيها يكون. (وإلى الله المصير) أي وإلى جزاء الله المصير. وفيه إقرار ~~بالبعث. # قوله تعالى: قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما في ~~السماوات وما في الأرض والله على كل شئ قدير (29). # فهو العالم بخفيات الصدور وما اشتملت عليه، وبما في السماوات والأرض وما ~~احتوت عليه، علام الغيوب لا يعزب عنه مثقال ذرة ولا يغيب عنه شئ، سبحانه لا ~~إله إلا هو عالم الغيب والشهادة. # قوله تعالى: يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو ~~أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد (30). # PageV04P058 # " يوم " منصوب متصل بقوله: " ويحذركم الله نفسه. يوم تجد ". وقيل: هو ~~متصل بقوله: " وإلى الله المصير. يوم تجد ". وقيل: هو متصل بقوله: " والله ~~على كل شئ قدير. يوم تجد " ويجوز أن يكون منقطعا على إضمار أذكر، ومثله ~~قوله: " إن الله عزيز ذو انتقام. يوم تبدل الأرض " (1) [إبراهيم: 47، 48] و ~~" محضرا " حال من الضمير المحذوف من صلة " ما " تقديره يوم تجد كل نفس، ما ~~عملته من خير محضرا. هذا على أن يكون " تجد " من وجدان الضالة. و " ما " من ~~قوله " وما عملت من سوء " عطف على " ما " الأولى. و " تود " في موضع الحال ~~من " ما " الثانية. وإن جعلت " تجد " بمعنى تعلم كان " محضرا " المفعول ~~الثاني، وكذلك تكون " تود " في موضع المفعول الثاني، تقديره يوم تجد كل نفس ~~جزاء ما ms1326 عملت محضرا. ويجوز أن تكون " ما " الثانية رفعا بالابتداء، و " تود ~~" في موضع رفع على أنه خبر الابتداء، ولا يصح أن تكون " ما " بمعنى الجزاء، ~~لان " تود " مرفوع، ولو كان ماضيا لجاز أن يكون جزاء، وكان يكون معنى ~~الكلام: وما عملت من سوء ودت لو أن (2) بينها وبينه أمدا بعيدا، أي كما بين ~~المشرق والمغرب. ولا يكون المستقبل إذا جعلت " ما " للشرط إلا مجزوما، إلا ~~أن تحمله على تقدير حذف الفاء، على تقدير: وما عملت من سوء فهي تود. أبو ~~علي: هو قياس قول الفراء عندي، لأنه قال في قوله تعالى: " وإن أطعتموهم ~~إنكم لمشركون " (3) [الانعام: 121]: إنه على حذف الفاء. والأمد: الغاية، ~~وجمعه آماد. ويقال: استولى على الأمد، أي غلب سابقا. قال النابغة: # إلا لمثلك أو من أنت سابقه * سبق الجواد إذا استولى على الأمد والأمد: ~~الغضب. يقال: أمد أمدا، إذا غضب [غضبا] (4). # قوله تعالى: قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ~~ذنوبكم والله غفور رحيم (31). # الحب: المحبة، وكذلك الحب بالكسر. والحب أيضا الحبيب، مثل الخدن والخدين، ~~يقال أحبه فهو محب، وحبه يحبه (بالكسر) فهو محبوب. قال الجوهري: وهذا شاد، ~~لأنه # PageV04P059 # لا يأتي في المضاعف يفعل بالكسر. قال أبو الفتح: والأصل فيه حبب كظرف، ~~فأسكنت الباء وأدغمت في الثانية. قال ابن الدهان سعيد: في حب لغتان: حب ~~وأحب، وأصل " حب " في هذا البناء حبب كظرف، يدل على ذلك قولهم: حببت، وأكثر ~~ما ورد فعيل من فعل. قال أبو الفتح: والدلالة على أحب قوله تعالى: " يحبهم ~~ويحبونه " [المائدة: 54] بضم الياء. # و " اتبعوني يحببكم الله " [آل عمران: 31] و " حب " يرد على فعل لقولهم ~~حبيب. وعلى فعل كقولهم محبوب: # ولم يرد اسم الفاعل من حب المتعدي، فلا يقال: أنا حاب. ولم يرد اسم ~~المفعول من أفعل إلا قليلا، كقوله: # * مني بمنزلة المحب المكرم * (1) وحكى أبو زيد: حببته أحبه. وأنشد: # فوالله لولا تمره ما حببته * ولا كان أدنى من عويف وهاشم وأنشد: # لعمرك إنني وطلاب مصر * لكالمزداد مما حب بعدا وحكى ms1327 الأصمعي فتح حرف ~~المضارعة مع الباء وحدها. والحب الخابية، فارسي معرب، والجمع حباب وحببة، ~~حكاه الجوهري. والآية نزلت في وفد نجران إذ زعموا أن ما ادعوه في عيسى حب ~~لله عز وجل، قاله محمد بن جعفر بن الزبير. وقال الحسن وابن جريج: # نزلت في قوم من أهل الكتاب قالوا: نحن الذين نحب ربنا. وروي أن المسلمين ~~قالوا: # يا رسول الله، والله إنا لنحب ربنا فأنزل الله عز وجل: " قل إن كنتم ~~تحبون الله فاتبعوني ". # قال ابن عرفة: المحبة عند العرب إرادة (2) الشئ على قصد له. وقال ~~الأزهري: محبة العبد لله ورسول طاعته لهما واتباعه أمرهما، قال الله تعالى: ~~" قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ". # ومحبة الله للعباد إنعامه عليهم بالغفران، قال الله تعالى: " إن الله لا ~~يحب الكافرين " [آل عمران: 32] أي لا يغفر لهم. وقال سهل بن عبد الله: ~~علامة حب الله حب القرآن، وعلامة حب # PageV04P060 # القرآن حب النبي صلى الله عليه وسلم، وعلامة حب النبي صلى الله عليه وسلم ~~حب السنة، وعلامة حب الله وحب القرآن وحب النبي وحب السنة حب الآخرة، ~~وعلامة حب الآخرة أن يجب نفسه، وعلامة حب نفسه أن يبغض الدنيا، وعلامة بغض ~~الدنيا ألا يأخذ منها إلا الزاد والبلغة. وروى أبو الدرداء عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: # " قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله " قال: (على البر والتقوى ~~والتواضع وذلة النفس) خرجه أبو عبد الله الترمذي. وروي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: (من أراد أن يحبه الله فعليه بصدق الحديث وأداء الأمانة ~~وألا يؤذي جاره). وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: (إن الله إذا أحب عبدا دعا جبريل فقال إني أحب فلانا فأحبه قال ~~فيحبه جبريل ثم ينادي في السماء فيقول إن الله يجب فلانا فأحبوه فيحبه أهل ~~السماء - قال - ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض عبدا دعا جبريل ~~فيقول إني أبغض فلانا فأبغضه قال فيبغضه ms1328 جبريل ثم ينادي في أهل السماء أن ~~الله يبغض فلانا فأبغضوه - قال - فيبغضونه ثم توضع له البغضاء في الأرض). ~~وسيأتي لهذا مزيد بيان في آخر سورة " مريم " (1) إن شاء الله تعالى. وقرأ ~~أبو رجاء العطاردي (فاتبعوني) (2) بفتح الباء، (ويغفر لكم) عطف على " ~~يحببكم ". وروى محبوب عن أبي عمرو بن العلاء أنه أدغم الراء من " يغفر " في ~~اللام من " لكم ". قال النحاس: لا يجيز الخليل وسيبويه إدغام الراء في ~~اللام ، وأبو عمرو أجل من أن يغلط في مثل هذا، ولعله كان يخفى الحركة كما ~~يفعل في أشياء كثيرة. # قوله تعالى: قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين ~~(32). # قوله تعالى: (قل أطيعوا الله والرسول) يأتي بيانه في " النساء " (3). # " فإن تولوا " شرط، إلا أنه ماض لا يعرب. والتقدير فإن تولوا على كفرهم ~~وأعرضوا عن طاعة الله ورسوله (فإن الله لا يحب الكافرين) أي لا يرضى فعلهم ~~ولا يغفر لهم كما تقدم. # PageV04P061 # وقال " فإن الله " ولم يقل " فإنه " لان العرب إذا عظمت الشئ أعادت ذكره، ~~وأنشد سيبويه: # * لا أرى الموت يسبق الموت شئ * نغص الموت ذا الغني والفقيرا (1) قوله ~~تعالى: إن الله اصطفى ادم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العلمين (33). # قوله تعالى: (إن الله اصطفى آدم ونوحا) اصطفى اختار، وقد تقدم في البقرة ~~(2) . وتقدم فيها اشتقاق آدم (3) وكنيته، والتقدير إن الله اصطفى دينهم وهو ~~دين الاسلام، فحذف المضاف. وقال الزجاج: اختارهم للنبوة على عالمي زمانهم. ~~" ونوحا " قيل إنه مشتق من ناح ينوح، وهو اسم أعجمي إلا أنه انصرف لأنه على ~~ثلاثة أحرف، وهو شيخ المرسلين، وأول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض بعد آدم ~~عليه السلام بتحريم البنات والأخوات والعمات والخالات وسائر القرابات، ومن ~~قال: إن إدريس كان قبله من المؤرخين فقد وهم على ما يأتي بيانه في " ~~الأعراف " (4) إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: (وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين) تقدم في البقرة معنى ~~الآل وعلى ما يطلق مستوفى (5). وفي البخاري عن ابن عباس قال: آل إبراهيم ~~وآل ms1329 عمران المؤمنون من آل إبراهيم وآل عمران وآل ياسين وآل محمد، يقول الله ~~تعالى: " إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا ~~والله ولي المؤمنين " [آل عمران: 68] وقيل: آل إبراهيم إسماعيل وإسحق ~~ويعقوب والأسباط، وأن محمدا صلى الله عليه وسلم من آل إبراهيم. وقيل: آل ~~إبراهيم نفسه، وكذا آل عمران، ومنه قوله تعالى: " وبقية مما ترك آل موسى ~~وآل هارون " [البقرة: 248] (6). وفي الحديث: (لقد أعطي مزمارا من مزامير آل ~~داود)، وقال الشاعر: # PageV04P062 # ولا تبك (1) ميتا بعد ميت أحبه * علي وعباس وآل أبي بكر وقال آخر: # يلاقي من تذكر آل ليلى * كما يلقى السليم من العداد (2) أراد من تذكر ~~ليلى نفسها. وقيل: آل عمران آل إبراهيم، كما قال: " ذرية بعضها من بعض " ~~[آل عمران: 34]. وقيل: المراد عيسى، لان أمه ابنة عمران. وقيل: نفسه كما ~~ذكرنا. قال مقاتل: # هو عمران أبو موسى وهارون، وهو عمران بن يصهر بن فاهاث بن لاوي بن يعقوب ~~وقال الكلبي: هو عمران أبو مريم، وهو من ولد سليمان عليه السلام. وحكى ~~السهيلي: عمران ابن مأتان، وامرأته حنة (بالنون). وخص هؤلاء بالذكر من بين ~~الأنبياء لان الأنبياء والرسل بقضهم وقضيضهم من نسلهم. ولم ينصرف عمران لان ~~في آخره ألفا ونونا زائدتين. ومعنى قوله: " على العالمين " أي على عالمي ~~زمانهم، في قول أهل التفسير. وقال الترمذي الحكيم أبو عبد الله محمد بن ~~علي: جميع الخلق كلهم. وقيل " على العالمين ": على جميع الخلق كلهم إلى يوم ~~الصور، وذلك أن هؤلاء رسل وأنبياء فهم صفوة الخلق، فأما محمد صلى الله عليه ~~وسلم فقد جازت (3) مرتبته الاصطفاء لأنه حبيب ورحمة. قال الله تعالى: " وما ~~أرسلناك إلا رحمة للعالمين " [الأنبياء: 107] (4) فالرسل خلقوا للرحمة، ~~ومحمد صلى الله عليه وسلم خلق بنفسه رحمة، فلذلك صار أمانا للخلق، لما بعثه ~~الله أمن الخلق العذاب إلى نفخة الصور. وسائر الأنبياء لم يحلوا هذا المحل، ~~ولذلك قال عليه السلام: (أنا رحمة مهداة) يخبر أنه بنفسه رحمة للخلق من ~~الله. # وقوله (مهداة) أي هدية من الله للخلق. ms1330 ويقال: اختار آدم بخمسة أشياء: ~~أولها أنه خلقه بيده في أحسن صورة بقدرته، والثاني أنه علمه الأسماء كلها، ~~والثالث أمر الملائكة بان يسجدوا له، والرابع أسكنه الجنة، والخامس جعله ~~أبا البشر. واختار نوحا بخمسة # PageV04P063 # أشياء: أولها أنه جعله أبا البشر، لان الناس كلهم غرقوا وصار ذريته هم ~~الباقين، والثاني أنه أطال عمره، ويقال: طوبى لمن طال عمره وحسن عمله، ~~والثالث أنه استجاب دعاءه على الكافرين والمؤمنين، والرابع أنه حمله على ~~السفينة، والخامس أنه كان أول من نسخ الشرائع، وكان قبل ذلك لم يحرم تزويج ~~الخالات والعمات. واختار إبراهيم بخمسة أشياء: # أولها أنه جعله أبا الأنبياء، لأنه روى أنه خرج من صلبه ألف (1) نبي من ~~زمانه إلى زمن النبي صلى الله عليه وسلم، والثاني أنه اتخذه خليلا، والثالث ~~أنه أنجاه من النار، والرابع أنه جعله إماما للناس، والخامس أنه ابتلاه ~~بالكلمات فوفقه حتى أتمهن. ثم قال: # " وآل عمران " فإن كان عمران أبا موسى وهارون فإنما اختارهما على ~~العالمين حيث بعث على قومه المن والسلوى وذلك لم يكن لاحد من الأنبياء في ~~العالم. وإن كان أبا مريم فإنه اصطفى له مريم بولادة عيسى بغير أب ولم يكن ~~ذلك لاحد في العالم. والله أعلم. # قوله تعالى: ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم (34). # تقدم في البقرة معنى الذرية واشتقاقها (2). وهي نصب على الحال، قال ~~الأخفش. # أي في حال كون بعضهم من بعض، أي ذرية بعضها من ولد بعض. الكوفيون: على ~~القطع. # الزجاج: بدل، أي اصطفى ذرية بعضها من بعض، ومعنى بعضها من بعض، يعني في ~~التناصر في الدين، كما قال: " المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض " ~~[التوبة: 67] (3) يعني في الضلالة، قال الحسن وقتادة. وقيل: في الاجتباء ~~والاصطفاء والنبوة. وقيل: المراد به التناسل، وهذا أضعفها. # قوله تعالى: إذ قالت امرأت عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل ~~منى إنك أنت السميع العليم (35) فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله ~~أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك ms1331 وذريتها ~~من الشيطان الرجيم (36) # PageV04P064 # فيه ثمان مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (إذ قالت امرأة عمران) قال أبو عبيدة: " إذ " ~~زائدة. # وقال محمد بن يزيد: التقدير أذكر إذ. وقال الزجاج: المعنى واصطفى آل ~~عمران إذ قالت امرأة عمران. وهي حنة (بالحاء المهملة والنون) بنت فاقود بن ~~قنبل أم مريم جدة عيسى عليه السلام، وليس باسم عربي ولا يعرف في العربية ~~حنة اسم امرأة. وفي العربية أبو حنة البدري، ويقال فيه: أبو حبة (بالباء ~~بواحدة) وهو أصح، واسمه عامر، ودير حنة بالشام، ودير آخر (1) أيضا يقال له ~~كذلك، قال أبو نواس: # يا دير حنة من ذات الأكيراح (2) * من يصح عنك فإني لست بالصاحي وحبة في ~~العرب كثير، منهم أبو حبة الأنصاري، وأبو السنابل بن بعكك المذكور في حديث ~~سبيعة (3) حبة، ولا يعرف خنة بالخاء المعجمة (4) إلا بنت يحيى بن أكثم ~~القاضي، وهي أم (5) محمد بن نصر، ولا يعرف جنة (بالجيم) إلا أبو جنة، وهو ~~خال ذي الرمة الشاعر. كل هذا من كتاب ابن مأكولا. # الثانية - قوله تعالى: (رب إني نذرت لك ما في بطني محررا) تقدم معنى ~~النذر (6)، وأنه لا يلزم العبد إلا بأن يلزمه نفسه. ويقال: إنها لما حملت ~~قالت: لئن نجاني الله ووضعت # PageV04P065 # ما في بطني لجعلته محررا. ومعنى " لك " أي لعبادتك. " محررا " نصب على ~~الحال وقيل: # نعت لمفعول محذوف، أي إني نذرت لك ما في بطني غلاما محررا، والأول أولى ~~من جهة التفسير وسياق الكلام والاعراب: أما الاعراب فإن إقامة النعت مقام ~~المنعوت لا يجوز في مواضع، ويجوز على المجاز في أخرى، وأما التفسير فقيل إن ~~سبب قول امرأة عمران هذا أنها كانت كبيرة لا تلد، وكانوا أهل بيت من الله ~~بمكان، وأنها كانت تحت شجرة فبصرت بطائر يزق فرخا فتحركت نفسها لذلك، ودعت ~~ربها أن يهب لها ولدا، ونذرت إن ولدت أن تجعل ولدها (1) محررا: أي عتيقا ~~خالصا لله تعالى، خادما للكنيسة حبيسا عليها، مفرغا لعبادة الله تعالى. ~~وكان ذلك جائزا في شريعتهم، وكان على أولادهم أن يطيعوهم. فلما ms1332 وضعت مريم ~~قالت: " رب إني وضعتها أنثى " يعني أن الأنثى لا تصلح لخدمة الكنيسة. قيل ~~لما يصيبها من الحيض والأذى. وقيل: لا تصلح لمخالطة الرجال. وكانت ترجو أن ~~يكون ذكرا (2) فلذلك حررت. # الثالثة - قال ابن العربي: " لا خلاف أن امرأة عمران لا يتطرق إلى حملها ~~نذر لكونها حرة، فلو كانت امرأته أمة فلا خلاف أن المرء لا يصح له نذر في ~~ولده وكيفما تصرفت حاله، فإنه إن كان الناذر عبدا فلم يتقرر له قول في ذلك، ~~وإن كان حرا فلا يصح أن يكون مملوكا له، وكذلك المرأة مثله، فأي وجه للنذر ~~فيه؟ وإنما معناه - والله أعلم - أن المرء إنما يريد ولده للانس به ~~والاستنصار والتسلي، فطلبت هذه المرأة الولد أنسا به وسكونا إليه، فلما من ~~الله تعالى عليها به نذرت أن حظها من الانس به متروك فيه، وهو على خدمة ~~الله تعالى موقوف، وهذا نذر الأحرار من الأبرار. وأرادت به محررا من جهتي، ~~محررا من رق الدنيا وأشغالها، وقد قال رجل من الصوفية لامه: يا أمه: ذريني ~~لله أتعبد له وأتعلم العلم، فقالت نعم. فسار حتى تبصر ثم عاد إليها فدق ~~الباب، فقالت من؟ فقال لها: ابنك فلان، قالت: قد تركناك لله ولا نعود فيك. # الرابعة - قوله تعالى: (محررا) مأخوذ من الحرية التي هي ضد العبودية، من ~~هذا تحرير الكتاب، وهو تخليصه من الاضطراب والفساد. وروى خصيف عن عكرمة ~~ومجاهد: # PageV04P066 # أن المحرر الخالص لله عز وجل لا يشوبه شئ من أمر الدنيا. وهذا معروف في ~~اللغة أن يقال لكل ما خلص: حر، ومحرر بمعناه، قال ذو الرمة: # والقرط في حرة الذفرى معلقه * تباعد الحبل منه فهو يضطرب (1) وطين حر لا ~~رمل فيه، وباتت فلانة بليلة حرة إذا لم يصل إليها زوجها أول ليلة، فإن تمكن ~~منها فهي بليلة شيباء. # الخامسة - قوله تعالى: (فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى) قال ابن ~~عباس: # إنما قالت هذا لأنه لم يكن يقبل في النذر إلا الذكور، فقبل الله مريم. " ~~وأنثى " حال، وإن شئت ms1333 بدل. فقيل: إنها ربتها حتى ترعرعت وحينئذ أرسلتها، ~~رواه أشهب عن مالك: # وقيل: لفتها في خرقتها وأرسلت بها إلى المسجد، فوفت بنذرها وتبرأت منها. ~~ولعل الحجاب لم يكن عندهم كما كان في صدر الاسلام، ففي البخاري ومسلم أن ~~امرأة سوداء كانت تقم المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فماتت. ~~الحديث. # السادسة - قوله تعالى: (والله أعلم بما وضعت) هو على قراءة من قرأ " وضعت ~~" بضم التاء من جملة كلامها، فالكلام متصل. وهي قراءة أبي بكر وابن عامر، ~~وفيها معنى التسليم لله والخضوع والتنزيه له [أن يخفى (2) عليه شئ]، ولم ~~تقله على طريق الاخبار لان علم الله في كل شئ قد تقرر في نفس المؤمن، وإنما ~~قالته على طريق التعظيم والتنزيه لله تعالى. # وعلى قراءة الجمهور هو من كلام الله عز وجل قدم، وتقديره أن يكون مؤخرا ~~بعد " وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم " [آل عمران: 36] والله ~~أعلم بما وضعت، قال المهدوي. وقال مكي: # هو إعلام من الله تعالى لنا على طريق التثبيت فقال: والله أعلم بما وضعت ~~أم مريم قالته أو لم تقله. ويقوي ذلك أنه لو كان من كلام أم مريم لكان وجه ~~الكلام: وأنت أعلم بما وضعت، لأنها نادته في أول الكلام في قولها: رب إني ~~وضعتها أنثى. وروي عن ابن عباس " بما وضعت " بكسر التاء، أي قيل لها هذا. # PageV04P067 # السابعة - قوله تعالى: (وليس الذكر كالأنثى) استدل به بعض الشافعية على ~~أن المطاوعة في نهار رمضان لزوجها على الوطئ لا تساويه في وجوب الكفارة ~~عليها، ابن العربي، وهذه منه غفلة، فإن هذا خبر عن شرع من قبلنا وهم لا ~~يقولون به، وهذه الصالحة إنما قصدت بكلامها ما تشهد له به بينة حالها ومقطع ~~كلامها، فإنها نذرت خدمة المسجد في ولدها، فلما رأته أنثى لا تصلح وأنها ~~عورة اعتذرت إلى ربها من وجودها لها (1) على خلاف ما قصدته فيها. ولم ينصرف ~~" مريم " لأنه مؤنث معرفة، وهو أيضا أعجمي، قال النحاس. والله تعالى أعلم. # الثامنة - قوله تعالى: ms1334 (وإني سميتها مريم) يعنى خادم الرب في لغتهم. ~~(وإني أعيذها بك) يعني مريم. (وذريتها) يعني عيسى. وهذا يدل على أن الذرية ~~قد تقع على الولد خاصة. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: (ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان فيستهل صارخا من نخسة ~~[الشيطان] (2) إلا ابن مريم وأمه) ثم قال أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم: " ~~وإني أعيدها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ". قال علماؤنا: # فأفاد هذا الحديث أن الله تعالى استجاب دعاء أم مريم، فإن الشيطان ينخس ~~جميع ولد آدم حتى الأنبياء والأولياء إلا مريم وابنها. قال قتادة: كل مولود ~~يطعن الشيطان في جنبه حين يولد غير عيسى وأمه جعل بينهما حجاب فأصابت ~~الطعنة الحجاب ولم ينفذ لها منه شئ، قال علماؤنا: وإن لم يكن كذلك بطلت ~~الخصوصية بهما، ولا يلزم من هذا أن نخس الشيطان يلزم منه إضلال الممسوس ~~وإغواؤه فإن ذلك ظن فاسد، فكم تعرض الشيطان للأنبياء والأولياء بأنواع ~~الافساد والاغواء ومع ذلك فعصمهم (3) الله مما يرومه الشيطان، كما قال ~~تعالى: # " إن عبادي ليس لك عليهم سلطان " [الحجر: 42] (4). هذا مع أن كل واحد من ~~بني آدم قد وكل به قرينه من الشياطين، كما قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فمريم وابنها وإن عصبما من نخسه فلم يعصما من ملازمته لهما ومقارنته. ~~والله أعلم. # PageV04P068 # قوله تعالى: فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا ~~كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت ~~هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب (37) هنالك دعا زكريا ربه ~~قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء (38). # قوله تعالى: (فتقبلها ربها بقبول حسن) المعنى: سلك بها طريق السعداء، عن ~~ابن عباس. وقال قوم: معنى التقبل التكفل في التربية والقيام بشأنها. وقال ~~الحسن: معنى التقبل أنه ما عذبها ساعة قط من ليل ولا نهار. (وأنبتها نباتا ~~حسنا) يعني سوى خلقها من غير ms1335 زيادة ولا نقصان، فكانت تنبت في اليوم ما ينبت ~~المولود في عام واحد. والقبول والنبات مصدران على غير المصدر، والأصل تقبلا ~~وإنباتا. قال الشاعر: # أكفرا بعد رد الموت عنى * وبعد عطائك المائة الرتاعا أراد بعد إعطائك، ~~لكن لما قال " أنبتها " دل على نبت، كما قال امرؤ القيس: # فصرنا إلى الحسنى ورق كلا منا * ورضيت فذلت صعبة أي إذلال وإنما مصدر ذلت ~~ذل، ولكنه رده على معنى أذللت، وكذلك كل ما يرد عليك في هذا الباب. فمعنى ~~تقبل وقبل واحد، فالمعنى فقبلها ربها بقبول حسن. ونظيره قول رؤبة: # * وقد تطويت انطواء الحضب (1) * [الأفعى] (2) لان معنى تطويت وانطويت ~~واحد، ومثله قول القطامي: # وخير الامر ما استقبلت منه * وليس بأن تتبعه اتباعا لان تتبعت واتبعت ~~واحد. وفي قراءة ابن مسعود " وأنزل الملائكة تنزيلا " (3) لان معنى نزل ~~وأنزل واحد. وقال المفضل: معناه وأنبتها فنبتت نباتا حسنا. ومراعاة المعنى ~~أولى # PageV04P069 # كما ذكرنا. والأصل في القبول الضم، لأنه مصدر مثل الدخول والخروج، والفتح ~~جاء في حروف قليلة، مثل الولوع والوزوع، هذه الثلاثة لا غير، قال أبو عمرو ~~الكسائي والأئمة. وأجاز الزجاج " بقبول " بضم القاف على الأصل. # قوله تعالى (وكفلها زكريا) أي صمها إليه. أبو عبيدة: ضمن القيام بها. ~~وقرأ الكوفيون " وكفلها " بالتشديد، فهو يتعدى إلى مفعولين، والتقدير ~~وكفلها ربها زكريا، أي ألزمه كفالتها وقدر ذلك عليه ويسره له. وفي مصحف أبي ~~" وكفلها " والهمزة كالتشديد في التعدي، وأيضا فإن قبله " فتقبلها "، ~~وأنبتها " فأخبر تعالى عن نفسه بما فعل بها، فجاء " كفلها " بالتشديد على ~~ذلك. وخففه الباقون على إسناد الفعل إلى زكريا. فأخبر الله تعالى أنه هو ~~الذي تولى كفالتها والقيام بها، بدلالة قوله: " أيهم يكفل مريم " [آل ~~عمران: 44]. قال مكي: وهو الاختيار، لان التشديد يرجع إلى التخفيف، لان ~~الله تعالى إذا كفلها زكريا كفلها بأمر الله، ولأن زكريا إذا كفلها فعن ~~مشيئة الله وقدرته، فعلى ذلك فالقراءتان متداخلتان. # وروى عمرو بن موسى عن عبد الله بن كثير وأبي عبد الله المزني " وكفلها " ~~بكسر الفاء. # قال الأخفش: يقال ms1336 كفل يكفل وكفل يكفل ولم اسمع كفل، وقد ذكرت. وقرأ مجاهد ~~" فتقبلها " بإسكان اللام على المسألة والطلب. " ربها " بالنصب نداء مضاف. ~~" وأنبتها " بإسكان التاء " وكفلها " بإسكان اللام " زكرياء " بالمد ~~والنصب. وقرأ حفص وحمزة والكسائي " زكريا " بغير مد ولا همز، ومده الباقون ~~وهمزوه. وقال الفراء: أهل الحجاز يمدون " زكرياء " ويقصرونه، وأهل نجد ~~يحذفون منه الألف ويصرفونه فيقولون: زكري. # قال الأخفش: فيه أربع لغات: المد والقصر، وزكري بتشديد الياء والصرف، ~~وزكر ورأيت زكريا. قال أبو حاتم: زكري بلا صرف لأنه أعجمي وهذا غلط، لان ما ~~كان فيه " يا " مثل هذا انصرف مثل كرسي ويحيى، ولم ينصرف زكرياء في المد ~~والقصر لان فيه ألف تأنيث والعجمة والتعريف. PageV04P070 # قوله تعالى: (كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا) إلى قوله: ~~(إنك سميع الدعاء). # فيه أربع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (كلما دخل عليها زكريا المحراب) المحراب في اللغة ~~أكرم موضع في المجلس. وسيأتي له مزيد بيان في سورة " مريم " (1). وجاء في ~~الخبر: إنها كانت في غرفة كان زكريا يصعد إليها بسلم. قال وضاح اليمن: (2) ~~ربة محراب إذا جئتها * لم ألقها حتى ارتقى سلما أي ربة غرفة. روى أبو صالح ~~عن ابن عباس قال: حملت امرأة عمران بعد ما أسنت فنذرت ما في بطنها محررا ~~فقال لها عمران: ويحك! ما صنعت؟ أرأيت إن كانت أنثى؟ # فاغتما لذلك جميعا. فهلك عمران وحنة حامل فولدت أنثى فتقبلها الله بقبول ~~حسن، وكان لا يحرر إلا الغلمان فتساهم عليها الأحبار بالأقلام التي يكتبون ~~بها الوحي، على ما يأتي. # فكفلها زكريا وأخذ لها موضعا فلما أسنت جعل لها محرابا لا يرتقي إليه إلا ~~بسلم، واستأجر لها ظئرا وكان يغلق عليها بابا، وكان لا يدخل عليها إلا ~~زكريا حتى كبرت، فكانت إذا حاضت أخرجها إلى منزله فتكون عند خالتها وكانت ~~خالتها امرأة زكريا في قول الكلبي. قال مقاتل: كانت أختها امرأة زكريا. ~~وكانت إذا طهرت من حيضتها واغتسلت ردها إلى المحراب. وقال بعضهم: كانت لا ~~تحيض وكانت مطهرة من الحيض. وكان زكريا ms1337 إذا دخل عليها يجد عندها فاكهة ~~الشتاء في القيظ وفاكهة القيظ في الشتاء فقال: يا مريم أنى لك هذا؟ فقالت: ~~هو من عند الله. فعند ذلك طمع زكريا في الولد وقال: إن الذي يأتيها بهذا ~~قادر أن يرزقني ولدا. ومعنى " أنى " من أين، قاله أبو عبيدة. قال النحاس: ~~وهذا # PageV04P071 # فيه تساهل، لان " أين " سؤال عن المواضع و " أنى " سؤال عن المذاهب ~~والجهات. # والمعنى من أي المذاهب ومن أي الجهات لك هذا. وقد فرق الكميت بينهما ~~فقال: # أنى ومن أين آبك الطرب * من حيث لا صبوة ولا ريب. # و " كلما " منصوب ب‍ " وجد "، أي كل دخلة. (إن الله يرزق من يشاء بغير ~~حساب) قيل: # هو من قول مريم، ويجوز أن يكون مستأنفا، فكان ذلك سبب دعاء زكريا وسؤاله ~~الولد. # الثانية - قوله تعالى (هنالك دعا زكريا ربه) هنالك في موضع نصب، لأنه ظرف ~~يستعمل للزمان والمكان وأصله للمكان. وقال المفضل بن سلمة: " هنالك " في ~~الزمان و " هناك " في المكان، وقد يجعل هذا مكان هذا. (هب لي) أعطني. # (من لدنك) من عندك. (ذرية طيبة) أي نسلا صالحا. والذرية تكون واحدة وتكون ~~جمعا ذكرا وأنثى، وهو هنا واحد. يدل عليه قوله. " فهب لي من لدنك وليا " ~~[مريم: 5] (1) ولم يقل أولياء، وإنما أنث " طيبة " لتأنيث لفظ الذرية، ~~كقوله: # أبو ك خليفة ولدته أخرى * وأنت خليفة ذاك الكمال فأنث ولدته لتأنيث لفظ ~~الخليفة. وروي من حديث أنس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أي رجل مات ~~وترك ذرية طيبة أجرى الله مثل أجر عملهم ولم ينقص من أجورهم شيئا). وقد مضى ~~في " البقرة " اشتقاق الذرية (2). (طيبة) أي صالحة مباركة. # (إنك سميع الدعاء) أي قابله، ومنه (3): سمع الله لمن حمده. # الثالثة - دلت هذه الآية على طلب الولد، وهي سنة المرسلين والصديقين، قال ~~الله تعالى: " ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية " [الرعد: ~~38] (4). وفي صحيح مسلم عن سعد بن أبي وقاص قال: أراد عثمان أن يتبتل فنهاه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو أجاز ms1338 له ذلك لاختصينا. وخرج ابن ماجة عن ~~عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # (النكاح من سنتي فمن لم يعمل بسنتي فليس مني وتزوجوا فإني مكاثر بكم ~~الأمم ومن كان # PageV04P072 # ذا طول فلينكح ومن لم يجد فعليه بالصوم فإنه له وجاء) (1). وفي هذا رد ~~على بعض جهال المتصوفة حيث قال: الذي يطلب الولد أحمق، وما عرف أنه [هو] ~~(2) الغبي الأخرق، قال الله تعالى مخبرا عن إبراهيم الخليل: " واجعل لي ~~لسان صدق في الآخرين " [الشعراء: 84] وقال: " والذين يقولون ربنا هب لنا من ~~أزواجنا وذرياتنا قرة (3) أعين " [الفرقان: 74]. وقد ترجم البخاري على هذا ~~" باب طلب الولد ". وقال صلى الله عليه وسلم لأبي طلحة حين مات ابنه: ~~(أعرستم الليلة)؟ # قال: نعم. قال: (بارك الله لكما في غابر ليلتكما). قال فحملت. في ~~البخاري: قال سفيان فقال رجل من الأنصار: فرأيت تسعة أولاد كلهم قد قرؤوا ~~القرآن. وترجم أيضا " باب الدعاء بكثرة الولد مع البركة " وساق حديث أنس بن ~~مالك قال: قالت أم سليم: يا رسول الله، خادمك أنس أدع الله له. فقال: ~~(اللهم أكثر مال وولده وبارك له فيما أعطيته). وقال صلى الله عليه وسلم: ~~(اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين واخلفه في عقبه في ~~الغابرين). خرجه البخاري ومسلم. وقال صلى الله عليه وسلم: (تزوجوا الولود ~~الودود فإني مكاثر بكم الأمم). أخرجه أبو داود. والاخبار في هذا المعنى ~~كثيرة تحت على طلب الولد وتندب إليه، لما يرجوه الانسان من نفعه في حياته ~~وبعد موته. قال صلى الله عليه وسلم: # (إذا مات أحدكم انقطع عمله إلا من ثلاث) فذكر (أو ولد صالح يدعو له). ولو ~~لم يكن إلا هذا الحديث لكان فيه كفاية. # الرابعة - فإذا ثبت هذا فالواجب على الانسان أن يتضرع إلى خالقه في هداية ~~ولده وزوجه بالتوفيق لهما والهداية والصلاح والعفاف والرعاية، وأن يكونا ~~معينين له على دينه ودنياه حتى تعظم منفعته بهما في أولاه وأخراه، ألا ترى ~~قول زكريا: " واجعله رب رضيا " [مريم: 6] (4) وقال: # " ذرية طيبة ". وقال: " هب ms1339 لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين " [الفرقان: ~~74]. ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لانس فقال: (اللهم أكثر ماله وولده ~~وبارك له فيه). خرجه البخاري ومسلم، وحسبك. # PageV04P073 # قوله تعالى: فنادته الملائكة وهو قايم يصلى في المحراب أن الله يبشرك ~~بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين (39) قوله ~~تعالى: (فنادته الملائكة) قرأ حمزة والكسائي " فناداه " بالألف على ~~التذكير، ويميلانها لان أصلها الياء، ولأنها رابعة. وبالألف قراءة ابن عباس ~~وابن مسعود، وهو اختيار أبي عبيد. وروي عن جرير عن مغيرة عن إبراهيم قال: ~~كان عبد الله يذكر الملائكة في [كل] (1) القرآن. قال أبو عبيد: نراه اختار ~~ذلك خلافا على المشركين لأنهم قالوا: # الملائكة بنات الله. قال النحاس: هذا احتجاج لا يحصل منه شئ، لان العرب ~~تقول: # قالت الرجال، وقال الرجال، وكذا النساء، وكيف يحتج عليهم بالقرآن، ولو ~~جاز أن يحتج عليهم بالقرآن بهذا لجاز أن يحتجوا بقوله تعالى: " وإذ قالت ~~الملائكة " ولكن الحجة عليهم في قوله عز وجل: " أشهدوا خلقهم " [الزخرف: ~~19] (2) أي فلم يشاهدوا، فكيف يقولون إنهم إناث فقد علم أن هذا ظن وهوى. ~~وأما " فناداه " فهو جائز على تذكير الجمع، " ونادته " على تأنيث الجماعة. ~~قال مكي: والملائكة ممن يعقل في التكسير فجرى في التأنيث مجرى ما لا يعقل، ~~تقول: هي الرجال، وهي الجذوع، وهي الجمال، وقالت الاعراب. ويقوي ذلك قوله : ~~" وإذ قالت الملائكة " وقد ذكر في موضع آخر فقال: " والملائكة باسطوا ~~أيديهم " [الانعام: 93] (3) وهذا إجماع. وقال تعالى: " والملائكة يدخلون ~~عليهم من كل باب " [الرعد: 23] (4) فتأنيث هذا الجمع وتذكيره حسنان. وقال ~~السدي: ناداه جبريل وحده، وكذا في قراءة ابن مسعود. وفي التنزيل " ينزل ~~الملائكة بالروح من أمره " (5) يعني جبريل، والروح الوحي. وجائز في العربية ~~أن يخبر عن الواحد بلفظ الجمع. وجاء في التنزيل " الذين قال لهم الناس " ~~[آل عمران: 173] (6) يعني نعيم بن مسعود، على ما يأتي. وقيل: ناداه جميع ~~الملائكة، وهو الأظهر. أي جاء النداء من قبلهم. # PageV04P074 # قوله تعالى: (وهو قائم يصلى في المحراب أن الله يبشرك) " وهو قائم ms1340 " ~~ابتداء وخبر " يصلي " في موضع رفع، وإن شئت كان نصبا على الحال من المضمر. ~~" أن الله " أي بأن الله. وقرأ حمزة والكسائي (1) " إن " أي قالت إن الله، ~~فالنداء بمعنى القول. " يبشرك " بالتشديد قراءة أهل المدينة. وقرأ حمزة " ~~يبشرك " مخففا، وكذلك حميد بن القيس المكي إلا أنه كسر الشين وضم الياء ~~وخفف الباء. قال الأخفش: هي ثلاث لغات بمعنى واحد. # دليل الأولى هي قراءة الجماعة أن ما في القرآن من هذا من فعل ماض أو أمر ~~فهو بالتثقيل، كقوله تعالى: " فبشر عباد " [الزمر: 17] (2) " فبشره بمغفرة ~~" [يس: 11] " فبشرناها بإسحاق " [هود: 71] (3) " قالوا بشرناك بالحق " ~~[الحجر: 55] (4). وأما الثانية وهي قراءة عبد الله بن مسعود فهي من بشر (5) ~~يبشر وهي لغة تهامة، ومنه قول الشاعر: # بشرت عيالي إذ رأيت صحيفة * أتتك من الحجاج يتلى كتابها وقال آخر: (6) ~~وإذا رأيت الباهشين (7) إلى الندى * غبرا أكفهم بقاع ممحل فأعنهم وابشر بما ~~بشروا به * وإذا هم نزلوا بضنك فأنزل وأما الثالثة فهي من أبشر يبشر إبشارا ~~قال: # يا أم عمرو أبشري بالبشرى * موت ذريع وجراد عظلي (8) قوله تعالى: (بيحيى) ~~كان اسمه في الكتاب الأول حيا، وكان اسم سارة زوجة إبراهيم عليه السلام ~~يسارة، وتفسيره بالعربية لا تلد، فلما بشرت بإسحاق قيل لها: سارة، سماها # PageV04P075 # بذلك جبريل عليه السلام. فقالت: يا إبراهيم لم نقص من اسمي حرف؟ فقال ~~إبراهيم ذلك لجبريل عليهما السلام. فقال: (إن ذلك الحرف زيد في اسم ابن لها ~~من أفضل الأنبياء اسمه حيي وسمي بيحيى). ذكره النقاش. وقال قتادة: سمي ~~بيحيى لان الله تعالى أحياه بالايمان والنبوة. وقال بعضهم: سمي بذلك لان ~~الله تعالى أحيا به الناس بالهدى. وقال مقاتل: # اشتق اسمه من اسم الله تعالى حي فسمي يحيى. وقيل: لأنه أحيا به رحم أمه. # (مصدقا بكلمة من الله) يعني عيسى في قول أكثر المفسرين. وسمي عيسى كلمة ~~لأنه كان بكلمة الله تعالى التي هي " كن " فكان من غير أب. وقرأ أبو السمال ~~العدوي " بكلمة " مكسورة الكاف ساكنة اللام في جميع القرآن، وهي لغة فصيحة ms1341 ~~مثل كتف وفخذ. وقيل: # سمي كلمة لان الناس يهتدون به كما يهتدون بكلام الله تعالى. وقال أبو ~~عبيد: معنى " بكلمة من الله " بكتاب من الله. قال: والعرب تقول أنشدني كلمة ~~أي قصيدة، كما روي أن الحويدرة (1) ذكر لحسان فقال: لعن الله كلمته، يعني ~~قصيدته. وقيل غير هذا من الأقوال. # والقول الأول أشهر وعليه من العلماء الأكثر. و " يحيى " أول من آمن بعيسى ~~عليهما السلام وصدقه، وكان يحيى أكبر من عيسى بثلاث سنين ويقال بستة أشهر. ~~وكانا ابني خالة، فلما سمع زكريا شهادته قام إلى عيسى فضمه إليه وهو في ~~خرقه. وذكر الطبري أن مريم لما حملت بعيسى حملت أيضا أختها بيحيى، فجاءت ~~أختها زائرة فقالت: يا مريم أشعرت أني حملت؟ فقالت لها مريم: أشعرت أنت أني ~~حملت؟ فقالت لها: وإني لأجد ما في بطني يسجد لما في بطنك. وذلك أنه روي ~~أنها أحست جنينها يخر برأسه إلى ناحية بطن مريم. قال السدي: فذلك قول " ~~مصدقا بكلمة من الله ". " ومصدقا " نصب على الحال. # (وسيدا) السيد: الذي يسود قومه وينتهي إلى قوله، وأصله سيود يقال: فلان ~~أسود من # PageV04P076 # فلان، أفعل من السيارة، ففيه دلالة على جواز تسمية الانسان سيدا كما يجوز ~~أن يسمى عزيزا أو كريما. وكذلك روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~لبني قريظة: (قوموا إلى سيدكم). وفي البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال في الحسن: (إن ابني هذا سيد ولعل الله يصلح به بين فئتين عظيمتين ~~من المسلمين) وكذلك كان، فإنه لما قتل علي رضي الله عنه بايعه أكثر من ~~أربعين ألفا وكثير ممن تخلف عن أبيه وممن نكث بيعته، فبقي نحو سبعة أشهر ~~خليفة بالعراق وما وراءها من خراسان، ثم سار إلى معاوية في أهل الحجاز ~~والعراق وسار إليه معاوية في أهل الشام، فلما تراءى الجمعان بموضع يقال له ~~" مسكن " من أرض السواد بناحية الأنبار كره الحسن القتال لعلمه أن إحدى ~~الطائفتين لا تغلب حتى تهلك أكثر الأخرى فيهلك المسلمون، فسلم الامر إلى ms1342 ~~معاوية على شروط شرطها عليه، منها أن يكون الامر له من بعد معاوية، فالتزم ~~كل ذلك معاوية فصدق قول عليه السلام: # (إن ابني هذا سيد) ولا أسود ممن سوده الله تعالى ورسوله. قال قتادة في ~~قوله تعالى " وسيدا " قال: في العلم والعبادة. ابن جبير والضحاك: في العلم ~~والتقى. مجاهد: السيد الكريم. ابن زيد: الذي لا يغلبه الغضب. وقال الزجاج: ~~السيد الذي يفوق أقرانه في كل شئ من الخير. وهذا جامع. وقال الكسائي: السيد ~~من المعز المسن. وفي الحديث (ثني من الضأن خير من السيد المعز). قال: # سواء عليه شاة عام دنت له * ليذبحها للضيف أم شاة سيد (وحصورا) أصله من ~~الحصر وهو الحبس. حصرني الشئ وأحصرني إذا حبسني. # قال ابن ميادة: # وما هجر ليلى أن تكون تباعدت * عليك ولا أن أحصرتك شغول وناقة حصور: ضيقة ~~الإحليل. والحصور الذي لا يأتي النساء كأنه محجم عنهن، كما يقال: # رجل حصور وحصير إذا حبس رفده ولم يخرج ما يخرجه الندامى. يقال: شرب القوم ~~فحصر عليهم فلان، أي بخل، عن أبي عمرو. قال الأخطل: PageV04P077 # وشارب مربح بالكأس نادمني * لا بالحصور ولا فيها بسوار (1) وفي التنزيل " ~~وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا " [الاسراء: 8] (2) أي محبسا. والحصير الملك ~~لأنه محجوب. # وقال لبيد: # وقماقم (3) غلب الرقاب كأنهم * جن لدى باب الحصير قيام فيحيى عليه السلام ~~حصور، فعول بمعنى مفعول لا يأتي النساء، كأنه ممنوع مما يكون في الرجال، عن ~~ابن مسعود وغيره. وفعول بمعنى مفعول كثير في اللغة، من ذلك حلوب بمعنى ~~محلوبة، قال الشاعر: # فيها اثنتان وأربعون حلوبة * سودا كخافية الغراب الأسحم (4) وقال ابن ~~مسعود أيضا وابن عباس وابن جبير وقتادة وعطاء وأبو الشعثاء والحسن والسدي ~~وابن زيد: هو الذي يكف عن النساء ولا يقربهن مع القدرة. وهذا أصح [الأقوال ~~(5) لو] جهين: # أحدهما أنه مدح وثناء عليه، والثناء إنما يكون عن الفعل المكتسب دون ~~الجبلة في الغالب. # الثاني أن فعولا في اللغة من صيغ الفاعلين، كما قال (6): # ضروب بنصل السيف سوق سمانها * إذا عدموا زادا فإنك عاقر فالمعنى ms1343 أنه يحصر ~~نفسه عن الشهوات. ولعل هذا كان شرعه، فأما شرعنا فالنكاح، كما تقدم. # وقيل: الحصور العنين الذي لا ذكر له يتأتى له به النكاح ولا ينزل، عن ابن ~~عباس أيضا وسعيد ابن المسيب والضحاك. وروى أبو صالح عن أبي هريرة قال: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (كل ابن آدم يلقى الله بذنب قد أذنبه ~~يعذبه عليه إن شاء أو يرحمه إلا يحيى # PageV04P078 # ابن زكريا فإنه كان سيدا وحصورا ونبيا من الصالحين) - ثم أهوى النبي صلى ~~الله عليه وسلم بيده إلى قذاة (1) من الأرض فأخذها وقال: (كان ذكره [هكذا] ~~(2) مثل هذه القذاة). وقيل: # معناه الحابس نفسه عن معاصي الله عز وجل. " ونبيا من الصالحين " قال ~~الزجاج: الصالح الذي يؤدي لله ما افترض عليه، وإلى الناس حقوقهم. # قوله تعالى: قال رب أنى يكون لي غلم وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال ~~كذلك الله يفعل ما يشاء (40) قيل: الرب هنا جبريل، أي قال لجبريل: رب - أي ~~يا سيدي - أنى يكون لي غلام؟ # يعني ولدا، وهذا قول الكلبي. وقال بعضهم: قوله " رب " يعني الله تعالى. " ~~أنى " بمعنى كيف، وهو في موضع نصب على الظرف. وفي معنى هذا الاستفهام ~~وجهان: أحدهما أنه سأل هل يكون له الولد وهو وامرأته على حاليهما أو يردان ~~إلى حال من يلد؟. الثاني سأل هل يرزق الولد من امرأته العاقر أو من غيرها. ~~وقيل: المعنى بأي منزلة استوجب هذا وأنا وامرأتي على هذه الحال، على وجه ~~التواضع. ويروى أنه كان بين دعائه والوقت الذي بشر فيه أربعون سنة، وكان ~~يوم بشر ابن تسعين سنة وامرأته قريبة السن منه. وقال ابن عباس والضحاك: كان ~~يوم بشر ابن عشرين ومائة سنة وكانت امرأته بنت ثمان وتسعين سنة، فذلك قوله ~~" وامرأتي عاقر " أي عقيم لا تلد. يقال: رجل عاقر وامرأة عاقر بينة العقر. # وقد عقرت وعقر (بضم القاف فيهما) تعقر عقرا صارت عاقرا، مثل حسنت تحسن ~~حسنا، عن أبي زيد. وعقارة أيضا. وأسماء الفاعلين من فعل فعيلة، يقال: عظمت ms1344 ~~فهي عظيمة ، وظرفت فهي ظريفة. وإنما قيل عاقر لأنه يراد به ذات عقر على ~~النسب، ولو كان على الفعل لقال: عقرت فهي عقيرة كأن بها عقرا، أي كبرا من ~~السن يمنعها من الولد. والعاقر: # العظيم من الرمل لا ينبت شيئا. والعقر أيضا مهر المرأة إذا وطئت على ~~شبهة. وبيضة العقر: # زعموا هي بيضة الديك، لأنه يبيض في عمره بيضة واحدة إلى الطول. وعقر ~~النار أيضا. # PageV04P079 # وسطها ومعظمها. وعقر الحوض: مؤخره حيث تقف الإبل إذا وردت، يقال: عقر ~~وعقر مثل عسر وعسر، والجمع الأعقار فهو لفظ مشترك. والكاف في قوله " كذلك " ~~في موضع نصب، أي يفعل الله ما يشاء مثل ذلك. والغلام مشتق من الغلمة وهو ~~شدة طلب النكاح. # واغتلم الفحل غلمة هاج من شهوة الضراب. وقالت ليلى الأخيلية: # شفاها من الداء العضال الذي بها * غلام إذا هز القناة سقاها والغلام ~~الطار الشارب. وهو بين الغلومة والغلومية، والجمع الغلمة والغلمان. ويقال: # إن الغيلم الشاب والجارية أيضا. والغيلم: ذكر السلحفاة. والغيلم: موضع. ~~واغتلم البحر: # هاج وتلاطمت أمواجه. # قوله تعالى: قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا ~~رمزا واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والابكار (41) " جعل " هنا بمعنى صير ~~لتعديه إلى مفعولين. و " لي " في موضع المفعول الثاني. ولما بشر بالولد ولم ~~يبعد عنده هذا في قدرة الله تعالى طلب آية - أي علامة - يعرف بها صحة هذا ~~الامر وكونه من عند الله تعالى، فعاقبه الله تعالى بأن أصابه السكوت عن ~~كلام الناس لسؤال الآية بعد مشافهة الملائكة إياه، قاله أكثر المفسرين. ~~قالوا: وكذلك إن لم يكن من مرض خرس أو نحوه ففيه على كل حال عقاب ما. قال ~~ابن زيد: إن زكريا عليه السلام لما حملت زوجه منه بيحيى أصبح لا يستطيع أن ~~يكلم أحدا، وهو مع ذلك يقرأ التوراة ويذكر الله تعالى، فإذا أراد مقاولة ~~أحد لم يطقه. # الثانية - قوله تعالى: (إلا رمزا) الرمز في اللغة الايماء بالشفتين، وقد ~~يستعمل في الايماء بالحاجبين والعينين واليدين، وأصله الحركة. ms1345 وقيل: طلب، ~~تلك الآية زيادة طمأنينة. # المعنى: تمم النعمة بأن تجعل لي آية، وتكون تلك الآية زيادة نعمة وكرامة، ~~فقيل له: " آيتك PageV04P080 # ألا تكلم الناس ثلاثة أيام " أي تمنع من الكلام ثلاث ليال، دليل هذا ~~القول قوله تعالى بعد بشري الملائكة له. " وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا " ~~[مريم: 9] (1) أي أوجدتك بقدرتي فكذلك أوجد لك الولد. واختار هذا القول ~~النحاس وقال: قول قتادة إن زكريا عوقب بترك الكلام قول مرغوب عنه، لان الله ~~عز وجل لم يخبرنا أنه أذنب ولا أنه نهاه عن هذا، والقول فيه أن المعنى اجعل ~~لي علامة تدل على كون الولد، إذ كان ذلك مغيبا عني. و " رمزا " نصب على ~~الاستثناء المنقطع، قال الأخفش. وقال الكسائي: رمز يرمز ويرمز. وقرئ " إلا ~~رمزا " بفتح الميم و " رمزا " بضمها وضم الراء، الواحدة رمزة. # الثالثة - في هذه الآية دليل على أن الإشارة تنزل منزلة الكلام وذلك ~~موجود في كثير من السنة، وآكد الإشارات ما حكم به النبي صلى الله عليه وسلم ~~من أمر السوداء حين قال لها: (أين الله)؟ فأشارت برأسها إلى السماء فقال: ~~(أعتقها فإنها مؤمنة). فأجاز الاسلام بالإشارة الذي هو أصل الديانة الذي ~~يحرز الدم والمال وتستحق به الجنة وينجى به من النار، وحكم بإيمانها كما ~~يحكم بنطق من يقول ذلك، فيجب أن تكون الإشارة عاملة في سائر الديانة، وهو ~~قول عامة الفقهاء. وروى ابن القاسم عن مالك أن الأخرس إذا أشار بالطلاق إنه ~~يلزمه. وقال الشافعي في الرجل يمرض فيختل لسانه فهو كالأخرس في الرجعة ~~والطلاق. وقال أبو حنيفة: ذلك جائز إذا كانت إشارته تعرف، وإن شك فيها فهي ~~باطل ، وليس ذلك بقياس وإنما هو استحسان. والقياس في هذا كله أنه باطل، ~~لأنه لا يتكلم ولا تعقل إشارته. قال أبو الحسن بن بطال: وإنما حمل أبا ~~حنيفة. على قول هذا أنه لم يعلم السنن التي جاءت بجواز الإشارات في أحكام ~~مختلفة في (2) الديانة. ولعل البخاري حاول بترجمته " باب الإشارة في الطلاق ~~والأمور " الرد عليه. وقال ms1346 عطاء: أراد بقوله " ألا تكلم الناس " صوم ثلاثة ~~أيام. وكانوا إذا صاموا لا يتكلمون إلا رمزا. وهذا فيه بعد. والله أعلم. # الرابعة - قال بعض من يجيز نسخ القرآن بالسنة: إن زكريا عليه السلام منع ~~الكلام وهو قادر عليه، وإنه منسوخ بقوله عليه السلام: (لا صمت يوما إلى ~~الليل) (3). وأكثر # PageV04P081 # العلماء على أنه ليس بمنسوخ، وأن زكريا إنما منع الكلام بآفة (1) دخلت ~~عليه منعته إياه، وتلك الآفة (1) عدم القدرة على الكلام مع الصحة، كذلك قال ~~المفسرون. وذهب كثير من العلماء إلى أنه (لا صمت يوما إلى الليل) إنما ~~معناه عن ذكر الله، وأما عن الهذر وما لا فائدة فيه، فالصمت عن ذلك حسن. # قوله تعالى: (واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والابكار) أمره بألا يترك ~~الذكر في نفسه مع اعتقال لسانه، على القول الأول. وقد مضى في البقرة (2) ~~معنى الذكر. وقال محمد ابن كعب القرظي: لو رخص لاحد في ترك الذكر لرخص ~~لزكريا بقول الله عز وجل " ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا واذكر ربك ~~كثيرا " ولرخص للرجل يكون في الحرب بقول الله عز وجل: " إذا لقيتم فئة ~~فاثبتوا واذكروا الله كثيرا " [الأنفال: 45] (3). وذكره الطبري. # " وسبح " أي صل، سميت الصلاة سبحة لما فيها من تنزيه الله تعالى عن ~~السوء. و " العشي " جمع عشية. وقيل: هو واحد. وذلك من حين تزول الشمس إلى ~~أن تغيب، عن مجاهد. وفي الموطأ عن القاسم بن محمد قال: ما أدركت الناس إلا ~~وهم يصلون الظهر بعشي . " والابكار " من طلوع الفجر إلى وقت الضحى. # قوله تعالى: وإذ قالت الملائكة؟ يا مريم إن الله اصطفاك؟ وطهرك واصطفاك ~~على نساء العلمين (42) قوله تعالى: (إن الله اصطفاك) أي اختارك، وقد تقدم ~~(4). (وطهرك) أي من الكفر، عن مجاهد والحسن. الزجاج: من سائر الأدناس من ~~الحيض والنفاس وغيرهما، واصطفاك لولادة عيسى (على نساء العالمين) يعني ~~عالمي زمانها، عن الحسن وابن جريج وغيرهما. وقيل: " على نساء العالمين " ~~أجمع إلى يوم الصور، وهو الصحيح على ما نبينه، وهو قول الزجاج وغيره. وكرر ~~الاصطفاء لان ms1347 معنى الأول الاصطفاء لعبادته، ومعنى الثاني لولادة عيسى. وروى ~~مسلم عن أبي موسى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كمل # PageV04P082 # من الرجال كثير ولم يكمل من النساء غير مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون ~~وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام). قال علماؤنا رحمة ~~الله عليهم: الكمال هو التناهي والتمام، ويقال في ماضيه " كمل " بفتح الميم ~~وضمها، ويكمل في مضارعه بالضم، وكمال كل شئ بحسبه. والكمال المطلق إنما هو ~~لله تعالى خاصة. ولا شك أن أكمل نوع الانسان الأنبياء ثم يليهم الأولياء من ~~الصديقين والشهداء والصالحين. وإذا تقرر هذا فقد قيل: # إن الكمال المذكور في الحديث يعني به النبوة فيلزم عليه أن تكون مريم ~~عليها السلام وآسية نبيتين، وقد قيل بذلك. والصحيح أن مريم نبية، لان الله ~~تعالى أوحى إليها بواسطة الملك كما أوحى إلى سائر النبيين حسب ما تقدم ~~ويأتي بيانه أيضا في " مريم " (1). وأما آسية فلم يرد ما يدل على نبوتها ~~دلالة واضحة بل على صديقيتها وفضلها، على ما يأتي بيانه في " التحريم " ~~(2). وروي من طرق صحيحة أنه عليه السلام قال فيما رواه عنه أبو هريرة: (خير ~~نساء العالمين أربع مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون وخديجة بنت ~~خويلد وفاطمة بنت محمد). ومن حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: ~~(أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد ومريم بنت عمران ~~وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون). وفي طريق آخر عنه: (سيدة نساء أهل الجنة بعد ~~مريم فاطمة وخديجة). # فظاهر القرآن والأحاديث يقتضي أن مريم أفضل من جميع نساء العالم من حواء ~~إلى آخر امرأة تقوم عليها الساعة، فإن الملائكة قد بلغتها الوحي عن الله عز ~~وجل بالتكليف والاخبار والبشارة كما بلغت سائر الأنبياء، فهي إذا نبية ~~والنبي أفضل من الولي فهي أفضل من كل النساء: الأولين والآخرين مطلقا. ثم ~~بعدها في الفضيلة فاطمة ثم خديجة ثم آسية. وكذلك رواه موسى بن عقبة عن كريب ~~عن ابن عباس ms1348 قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # (سيدة نساء العالمين مريم ثم فاطمة ثم خديجة ثم آسية). وهذا حديث حسن ~~يرفع الاشكال. وقد خص الله مريم بما لم يؤته أحدا من النساء، وذلك أن روج ~~القدس كلمها وظهر لها ونفخ في درعها ودنا منها للنفخة، فليس هذا لاحد من ~~النساء. وصدقت بكلمات # PageV04P083 # ربها ولم تسأل آية عندما بشرت كما سأل زكريا صلى الله عليه وسلم من ~~الآية، ولذلك سماها الله في تنزيله صديقة فقال: " وأمه صديقة " [المائدة: ~~75] (1). وقال: " وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين " [التحريم: ~~12] (2) فشهد لها بالصديقية وشهد لها بالتصديق لكلمات البشرى وشهد لها ~~بالقنوت. وإنما بشر زكريا بغلام فلحظ إلى كبر سنه وعقامة رحم امرأته فقال: ~~أنى يكون لي غلام وامرأتي عاقر، فسأل آية، وبشرت مريم بالغلام فلحظت أنها ~~بكر ولم يمسسها بشر فقيل لها: " كذلك قال ربك " [مريم: 21] (3) فاقتصرت على ~~ذلك، وصدقت بكلمات ربها ولم تسأل آية ممن يعلم كنه هذا الامر، ومن لامرأة ~~في جميع نساء العالمين من بنات آدم ما لها من هذه المناقب!. ولذلك روي أنها ~~سبقت السابقين مع الرسل إلى الجنة، جاء في الخبر عنه صلى الله عليه وسلم: ~~(لو أقسمت لبررت لا يدخل الجنة قبل سابقي أمتي إلا بضعة عشر رجلا منهم ~~إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وموسى وعيسى ومريم ابنة عمران). ~~وقد كان يحق على من انتحل علم الظاهر واستدل بالأشياء الظاهرة على الأشياء ~~الباطنة أن يعرف قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنا سيد ولد آدم ولا ~~فخر) وقوله حيث يقول: (لواء الحمد يوم القيامة بيدي ومفاتيح الكرم بيدي ~~وأنا أول خطيب وأول شفيع وأول مبشر وأول وأول). فلم ينل هذا السؤدد في ~~الدنيا على الرسل إلا لأمر عظيم في الباطن. وكذلك شأن مريم لم تنل شهادة ~~الله في التنزيل بالصديقية والتصديق بالكلمات إلا لمرتبة قريبة دانية. ومن ~~قال لم تكن نبية قال: إن رؤيتها للملك كما رؤي جبريل عليه السلام في صفة ~~دحية الكلبي حين سؤاله ms1349 عن الاسلام والايمان ولم تكن الصحابة بذلك أنبياء ~~والأول أظهر وعليه الأكثر. والله أعلم. # قوله تعالى: يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين أي أطيلي ~~القيام في الصلاة، عن مجاهد. قتادة: أديمي الطاعة. وقد تقدم القول في ~~القنوت (4). قال الأوزاعي: لما قالت لها الملائكة ذلك قامت في الصلاة حتى ~~ورمت # PageV04P084 # قدماها وسألت دما وقيحا عليها السلام. (واسجدي واركعي) قدم السجود ها هنا ~~على الركوع لان الواو لا توجب الترتيب، وقد تقدم الخلاف في هذا في البقرة ~~عند قول تعالى: # " إن الصفا والمروة من شعائر الله " [البقرة: 158] (1). فإذا قلت: قام ~~زيد وعمرو جاز أن يكون عمرو قام قبل زيد، فعلى هذا يكون المعنى واركعي ~~واسجدي. وقيل: كان شرعهم السجود قبل الركوع. (مع الراكعين) قيل: معناه ~~افعلي كفعلهم وإن لم تصلي معهم. وقيل: المراد به صلاة الجماعة. وقد تقدم في ~~البقرة (2). # قوله تعالى: ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون ~~أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون (44) فيه أربع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (ذلك من أنباء الغيب) أي الذي ذكرنا من حديث زكريا ~~ويحيى ومريم عليهم السلام من أخبار الغيب. (نوحيه إليك) فيه دلالة على نبوة ~~محمد صلى الله عليه وسلم حيث أخبر عن قصة زكريا ومريم ولم يكن قرأ الكتب، ~~وأخبر عن ذلك وصدقه أهل الكتاب بذلك، فذلك قوله تعالى: " نوحيه إليك " فرة ~~الكناية إلى " ذلك " فلذلك. والايحاء هنا الارسال إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم. والوحي يكون إلهاما وإيماء وغير ذلك. وأصله في اللغة إعلام في خفاء، ~~ولذلك صار الالهام يسمى وحيا، ومنه " وإذ أو حيت إلى الحواريين " [المائدة: ~~111] (3) وقوله: " وأوحى ربك إلى النحل " [النحل: 68] (4) وقيل: معنى " ~~أوحيت إلى الحواريين " أمرتهم، يقال: وحى وأوحى، ورمى وأرمى، بمعناه. قال ~~العجاج: # * أوحى لها القرار فاستقرت * أي أمر الأرض بالقرار. وفي الحديث: (الوحي ~~الوحي) وهو السرعة، والفعل منه توحيت توحيا. قال ابن فارس: الوحي الإشارة ~~والكتابة والرسالة، وكل ما ألقيته إلى غيرك # PageV04P085 # حتى يعلمه وحي كيف ms1350 كان. والوحي: السريع. والوحي: الصوت، ويقال: ~~استوحيناهم أي استصرخناهم. قال: # * أوحيت ميمونا لها (1) والأزراق * الثانية - قوله تعالى (وما كنت لديهم) ~~أي وما كنت يا محمد لديهم، أي بحضرتهم وعندهم (إذ يلقون أقلامهم) جمع قلم، ~~من قلمه إذا قطعه. قيل: قداحهم وسهامهم. # وقيل: أقلامهم التي كانوا يكتبون بها التوراة، وهو أجود، لان الأزلام قد ~~نهى الله عنها فقال " ذلكم فسق " [المائدة: 3] (2). إلا أنه يجوز أن يكونوا ~~فعلوا ذلك على غير الجهة التي كانت عليها الجاهلية تفعلها. (أيهم يكفل ~~مريم) أي يحضنها، فقال زكريا: أنا أحق بها، خالتها عندي. # وكانت عنده أشيع بنت فاقود أخت حنة بنت فاقود أم مريم. وقال بنو إسرائيل: ~~نحن أحق بها، بنت عالمنا. فاقترعوا عليها وجاء كل واحد بقلمه، واتفقوا أن ~~يجعلوا الأقلام في الماء الجاري فمن وقف قلمه ولم يجره الماء فهو حاضنها. ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فجرت الأقلام وعال قلم زكريا). وكانت آية ~~له، لأنه نبي تجري الآيات على يديه. وقيل غير هذا. # و " أيهم يكفل مريم " ابتداء وخبر في موضع نصب بالفعل المضمر الذي دل ~~عليه الكلام، التقدير: ينظرون أيهم يكفل مريم. ولا يعمل الفعل في لفظ " أي ~~" لأنها استفهام. # الثالثة - استدل بعض علمائنا بهذه الآية على إثبات القرعة، وهي أصل في ~~شرعنا لكل من أراد العدل في القسمة، وهي سنة عند جمهور الفقهاء في ~~المستويين في الحجة ليعدل بينهم وتطمئن قلوبهم وترتفع الظنة عمن يتولى ~~قسمتهم، ولا يفضل أحد منهم على صاحبه إذا كان المقسوم من جنس واحد اتباعا ~~للكتاب والسنة. ورد العمل بالقرعة أبو حنيفة وأصحابه، وردوا الأحاديث ~~الواردة فيها، وزعموا أنها لا معنى لها وأنها تشبه الأزلام التي نهى الله ~~عنها. وحكى ابن المنذر عن أبي حنيفة أنه جوزها وقال: القرعة في القياس لا ~~تستقيم، ولكنا تركنا القياس في ذلك وأخذنا بالآثار والسنة. قال أبو عبيد: ~~وقد عمل بالقرعة ثلاثة من الأنبياء: يونس وزكريا ونبينا محمد صلى الله عليه ~~وسلم. قال ابن المنذر. واستعمال القرعة # PageV04P086 # كالاجماع من أهل العلم ms1351 فيما يقسم بين الشركاء، فلا معنى لقول من ردها. ~~وقد ترجم البخاري في آخر كتاب الشهادات (باب القرعة في المشكلات وقول الله ~~عز وجل " إذ يلقون أقلامهم ") وساق حديث النعمان بن بشير: (مثل القائم على ~~حدود الله والمدهن (1) فيها مثل قوم استهموا على سفينة...) الحديث. وسيأتي ~~في " الأنفال " (2) إن شاء الله تعالى، وفي سورة " الزخرف " (3) أيضا بحول ~~الله سبحانه، وحديث أم العلاء، وأن عثمان بن مظعون طار لهم سهمه في السكنى ~~حين اقترعت الأنصار سكنى المهاجرين، الحديث، وحديث عائشة قالت: كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها ~~خرج بها، وذكر الحديث. # وقد اختلفت الرواية عن مالك في ذلك، فقال مرة: يقرع للحديث. وقال مرة: # يسافر بأوفقهن له في السفر. وحديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا ~~عليه لاستهموا). # والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. وكيفية القرعة مذكورة في كتب الفقه ~~والخلاف. واحتج أبو حنيفة بأن قال: إن القرعة في شأن زكريا وأزواج النبي ~~صلى الله عليه وسلم كانت مما لو تراضوا عليه دون قرعة لجاز. قال ابن ~~العربي: " وهذا ضعيف، لان القرعة إنما تائدتها استخراج الحكم الخفي عند ~~التشاح (4)، فأما ما يخرجه التراضي [فيه] (5) فباب آخر، ولا يصح لاحد أن ~~يقول: إن القرعة تجري مع موضع التراضي، فإنها لا تكون أبدا مع التراضي " ~~وإنما تكون فيما يتشاح الناس فيه ويضن به. وصفة القرعة عند الشافعي ومن قال ~~بها: أن تقطع رقاع صغار مستوية فيكتب في كل رقعة اسم ذي السهم ثم تجعل في ~~بنادق طين مستوية لا تفاوت فيها ثم تجفف قليلا ثم تلقى في ثوب رجل لم يحضر ~~ذلك ويغطى عليها ثوبه ثم يدخل يده ويخرج، فإذا أخرج اسم رجل أعطي الجزء ~~الذي أقرع عليه. # PageV04P087 # الرابعة - ودلت الآية أيضا على أن الخالة أحق بالحضانة من سائر القرابات ~~ما عدا الجدة، وقد قضى النبي ms1352 صلى الله عليه وسلم في ابنة حمزة - واسمها أمة ~~الله - لجعفر وكانت عنده خالتها، وقال: (إنما الخالة بمنزلة الام) وقد ~~تقدمت في البقرة هذه المسألة (1). وخرج أبو داود عن علي قال: خرج زيد بن ~~حارثة إلى مكة فقدم بابنة حمزة فقال جعفر: أنا آخذها أنا أحق بها ابنة عمي ~~وخالتها عندي، وإنما الخالة أم. فقال علي: أنا أحق بها ابنة عمي وعندي ابنة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي أحق بها. وقال زيد: أنا أحق بها، أنا ~~خرجت إليها وسافرت وقدمت بها، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فذكر حديثا ~~قال: # (وأما الجارية فأقضي بها لجعفر تكون مع خالتها وإنما الخالة أم). وذكر ~~ابن أبي خيثمة أن زيد بن حارثة كان وصي حمزة، فتكون الحالة على هذا أحق من ~~الوصي ويكون ابن العم إذا كان زوجا غير قاطع بالخالة في الحضانة وإن لم يكن ~~محرما لها. # قوله تعالى: إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه ~~المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين (45) ويكلم ~~الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين (46) دليل على نبوتها كما تقدم. " وإذ " ~~متعلقة ب‍ " يختصمون ". ويجوز أن تكون متعلقة بقوله: # " وما كنت لديهم ". (بكلمة منه) وقرأ أبو السمان " بكلمة منه "، وقد ~~تقدم. (اسمه المسيح) ولم يقل اسمها لان معنى كلمة معنى ولد. والمسيح لقب ~~لعيسى ومعناه الصديق، قاله إبراهيم النخعي. وهو فيما يقال معرب وأصله الشين ~~وهو مشترك. وقال ابن فارس: والمسيح العرق، والمسيح الصديق، والمسيح الدرهم ~~الأطلس (2) لا نقش فيه والمسح الجماع، يقال مسحها (3). # والأمسح: المكان الأملس. والمسحاء المرأة الرسحاء التي لا است لها. ~~وبفلان مسحة من جمال. والمسائح قسي جياد، واحدتها مسيحة. قال: # PageV04P088 # لها مسائح زور في مراكضها * لين وليس بها وهن ولا رقق (1) واختلف في ~~المسيح ابن مريم مماذا أخذ، فقيل: لأنه مسح الأرض، أي ذهب فيها فلم يستكن ~~بكن. وروي عن ابن عباس أنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا برئ، فكأنه سمي مسيحا ~~لذلك، ms1353 فهو على هذا فعيل بمعنى فاعل. وقيل: لأنه ممسوح بدهن البركة، كانت ~~الأنبياء تمسح به، طيب الرائحة، فإذا مسح به علم أنه نبي. وقيل: لأنه كان ~~ممسوح الأخمصين. وقيل: لان الجمال مسحه، أي أصابه وظهر عليه. وقيل: إنما ~~سمي بذلك لأنه مسح بالطهر (2) من الذنوب. وقال أبو الهيثم: المسيح ضد ~~المسيخ، يقال: مسحه الله أي خلقه خلقا حسنا مباركا، ومسخه أي خلقه خلقا ~~ملعونا قبيحا. وقال ابن الأعرابي: # المسيح الصديق، والمسيح الأعور، وبه سمي الدجال. وقال أبو عبيد: المسيح ~~أصله بالعبرانية مشيحا بالشين فعرب كما عرب موشى بموسى. وأما الدجال فسمي ~~مسيحا (3) لأنه ممسوح إحدى العينين. وقد قيل في الدجال مسيح بكسر الميم وشد ~~السين. وبعضهم يقول كذلك بالخاء المنقوطة. وبعضهم يقول مسيخ بفتح الميم ~~وبالخاء والتخفيف، والأول أشهر. وعليه الأكثر. # سمي به لأنه يسيح في الأرض أي يطوفها ويدخل جميع بلدانها إلا مكة ~~والمدينة وبيت المقدس، فهو فعيل بمعنى فاعل، فالدجال يمسح الأرض محنة، وابن ~~مريم يمسحها منحة. # وعلى أنه ممسوح العين فعيل بمعنى مفعول. وقال الشاعر: # * إن المسيح يقتل المسيخا * وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: (ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة) ~~الحديث. ووقع في حديث عبد الله بن عمرو (إلا الكعبة وبيت المقدس) ذكره أبو ~~جعفر الطبري. وزاد أبو جعفر الطحاوي (ومسجد الطور)، رواه من حديث جنادة بن ~~أبي أمية عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم. وفي حديث أبي بكر بن أبي شيبة عن سمرة بن جندب عن النبي # PageV04P089 # صلى الله عليه وسلم (وأنه سيظهر على الأرض كلها إلا الحرم وبيت المقدس ~~وأنه يحصر المؤمنين في بيت المقدس). وذكر الحديث. وفي صحيح مسلم: (فبينا هو ~~كذلك إذ بعث الله المسيح ابن، مريم فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق ~~بين مهرودتين (1) واضعا كفيه على أجنحة ملكين إذا طأطأ رأسه قطر وإذا رفعه ~~تحدر منه جمان (2) كاللؤلؤ فلا يحل ms1354 لكافر يجد ريح نفسه إلا مات، ونفسه ~~ينتهي حيث ينتهي طرفه فيطلبه حتى يدركه بباب لد فيقتله) (3) الحديث (4) ~~بطوله. # وقد قيل: إن المسيح اسم لعيسى غير مشتق سماه الله به. فعلى هذا يكون عيسى ~~بدلا من المسيح من البدل الذي هو هو. وعيسى اسم أعجمي فلذلك لم ينصرف وإن ~~جعلته عربيا لم ينصرف في معرفة ولا نكرة، لان فيه ألف. تأنيث. ويكون مشتقا ~~من عاسه يعوسه إذا ساسه وقام عليه. (وجيها) أي شريفا ذا جاه وقدر، وانتصب ~~على الحال، قاله الأخفش. # (ومن المقربين) عند الله تعالى وهو معطوف على " وجيها " أي ومقربا، قاله ~~الأخفش. # وجمع وجيه وجهاء ووجهاء. (ويكلم الناس) عطف على " وجيها " قاله الأخفش ~~أيضا. # و (المهد) مضجع الصبي في رضاعه. ومهدت الامر هيأته ووطأته. وفي التنزيل " ~~فلأنفسهم يمهدون " [الروم: 44] (5). وامتهد الشئ ارتفع كما يمتهد سنام ~~البعير. (وكهلا) الكهل بين حال الغلومة وحال الشيخوخة. وامرأة كهلة. ~~واكتهلت الروضة إذا عمها النور. يقول: # يكلم الناس في المهد آية، ويكلمهم كهلا بالوحي والرسالة. وقال أبو ~~العباس: كلمهم في المهد حين برأ أمه فقال: " إني عبد الله " [مريم: 30] (6) ~~الآية. وأما كلامه وهو كهل فإذا أنزل الله تعالى [من السماء] (7) أنزله على ~~صورة ابن ثلاث وثلاثين سنة وهو الكهل فيقول لهم: " إني عبد الله " كما قال ~~في المهد. # فهاتان آيتان وحجتان. قال المهدوي: وفائدة الآية أنه أعلمهم أن عيسى عليه ~~السلام يكلمهم في المهد ويعيش إلى أن يكلمهم كهلا، إذ كانت العادة أن من ~~تكلم في المهد لم يعش. # PageV04P090 # قال الزجاج: " وكهلا " بمعنى ويكلم الناس كهلا. وقال الفراء والأخفش: هو ~~معطوف على " وجيها ". وقيل: المعنى ويكلم الناس صغيرا وكهلا. وروى ابن جريح ~~عن مجاهد قال: الكهل الحليم. قال النحاس: هذا لا يعرف في اللغة، وإنما ~~الكهل عند أهل اللغة من ناهز الأربعين. وقال بعضهم: يقال له حدث إلى ست ~~عشرة سنة. ثم شاب إلى اثنتين وثلاثين. ثم يكتهل في ثلاث وثلاثين، قاله ~~الأخفش. (ومن الصالحين) عطف على " وجيها " أي وهو من العباد الصالحين. ms1355 ذكر ~~أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الله بن إدريس عن حصين عن هلال بن يساف. ~~قال: لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى وصاحب يوسف وصاحب جريج، كذا قال: " ~~وصاحب يوسف ". وهو في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: (لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة عيسى ابن مريم وصاحب جريج وصاحب الجبار ~~وبينا صبي يرضع من أمه) وذكر الحديث، بطوله (1). وقد جاء من حديث صهيب في ~~قصة الأخدود (أن امرأة جئ بها لتلقى في النار على إيمانها ومعها صبي). في ~~غير كتاب مسلم (يرضع فتقاعست أن تقع فيها فقال الغلام يا أمه اصبري فإنك ~~على الحق). وقال الضحاك: تكلم في المهد ستة: شاهد يوسف وصبي ماشطة امرأة ~~فرعون وعيسى ويحيى وصاحب جريج وصاحب الجبار. ولم يذكر الأخدود، فأسقط صاحب ~~لأخدود وبه يكون المتكلمون سبعة. ولا معارضة بين هذا وبين قوله عليه ~~السلام: (لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة) بالحصر فإنه أخبر بما كان في علمه ~~مما أوحى إليه في تلك الحال، ثم بعد هذا أعلمه الله تعالى بما شاء من ذلك ~~فأخبر به. # قلت: أما صاحب يوسف فيأتي الكلام فيه، وأما صاحب جريج وصاحب الجبار وصاحب ~~الأخدود ففي صحيح مسلم. وستأتي قصة الأخدود في سورة " البروج " (2) إن شاء ~~الله تعالى. وأما صبي ماشطة [امرأة] فرعون، فذكر البيهقي عن ابن عباس قال ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لما أسري بي سرت في رائحة طيبة فقلت ما هذه ~~الرائحة قالوا ماشطة # PageV04P091 # ابنة فرعون وأولادها سقط مشطها من يديها فقالت: بسم الله فقالت ابنة ~~فرعون: أبي؟ # قالت: ربي وربك ورب أبيك. قالت: أو لك رب غير أبي؟ قالت: نعم ربي وربك ~~ورب أبيك الله - قال - فدعاها فرعون فقال: ألك رب غيري؟ قالت: نعم ربي وربك ~~الله - قال - فأمر بنقرة من نحاس فأحميت ثم أمر بها لتلقى فيها قالت: إن لي ~~إليك حاجة قال: ما هي؟ قالت: تجمع عظامي وعظام ولدي في موضع واحد قال: ms1356 ذاك ~~لك لما لك علينا من الحق. فأمر (1) بهم فألقوا واحدا بعد واحد حتى بلغ ~~رضيعا فيهم فقال قعي يا أمه ولا تقاعسي فإنا على الحق - قال - وتكلم أربعة ~~وهم صغار: هذا وشاهد يوسف وصاحب جريج وعيسى ابن مريم. # قوله تعالى: قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ~~ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (47) قوله تعالى: (قالت رب) ~~أي يا سيدي. تخاطب جبريل عليه السلام، لأنه لما تمثل لها قال لها: إنما أنا ~~رسول ربك ليهب لك غلاما زكيا. فلما سمعت ذلك من قوله استفهمت عن طريق الولد ~~فقالت: أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر؟ أي بنكاح. [في سورتها] (2) " ولم ~~أك (3) بغيا " [مريم: 20] ذكرت هذا تأكيدا، لان قولها " لم يمسسني بشر " ~~يشمل الحرام والحلال. تقول: العادة الجارية التي أجراها الله في خلقه أن ~~الولد لا يكون إلا عن نكاح أو سفاح. وقيل: ما استبعدت من قدرة الله تعالى ~~شيئا، ولكن أرادت كيف يكون هذا الولد: أمن قبل زوج في المستقبل أم يحلقه ~~الله ابتداء؟ فروي أن جبريل عليه السلام حين قال لها: " كذلك الله يخلق ما ~~يشاء " قال كذلك قال ربك هو علي هين " [مريم: 9]. نفخ في جيب درعها وكمها، ~~قاله ابن جريج. قال ابن عباس: أخذ جبريل ردن (4) قميصها بأصبعه فنفخ فيه ~~فحملت من ساعتها بعيسى. وقيل غير ذلك على ما يأتي بيانه في سورتها إن شاء ~~الله تعالى. وقال بعضهم: وقع نفخ جبريل في رحمها فعلقت # PageV04P092 # بذلك. وقال بعضهم: لا يجوز أن يكون الخلق من نفخ جبريل لأنه يصير الولد ~~بعضه من الملائكة وبعضه من الانس، ولكن سبب ذلك أن الله تعالى لما خلق آدم ~~وأخذ الميثاق من ذريته فجعل بعض الماء في أصلاب الاباء وبعضه في أرحام ~~الأمهات فإذا اجتمع الماءان صارا ولدا، وأن الله تعالى جعل الماءين جميعا ~~في مريم بعضه في رحمها وبعضه في صلبها، فنفخ فيه جبريل لتهيج شهوتها، لأن ~~المرأة ما لم ms1357 تهج شهوتها لا تحبل، فلما هاجت شهوتها بنفخ جبريل وقع الماء ~~الذي كان في صلبها في رحمها فاختلط الماءان فعلقت بذلك، فذلك قوله تعالى: " ~~إذا قضى أمرا " يعني إذا أراد أن يخلق خلقا " فإنما يقول له كن فيكون ". # وقد تقدم في " البقرة " القول فيه مستوفى (1). # قوله تعالى: ويعلمه الكتب والحكمة والتوراة والإنجيل (48) ورسولا إلى بني ~~إسرائيل أنى قد جئتكم باية من ربكم أنى أخلق لكم من الطين كهيئة الطير ~~فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن ~~الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم ~~مؤمنين (49) قوله تعالى: (ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل) قال ~~ابن جريج: الكتاب الكتابة والخط. وقيل: هو كتاب غير التوراة والإنجيل علمه ~~الله عيسى عليه السلام. # (ورسولا) أي ونجعله رسولا. أو يكلمهم رسولا. وقيل: هو معطوف على قوله " ~~وجيها ". وقال الأخفش: وإن شئت جعلت الواو في قوله " ورسولا " مقحمة ~~والرسول حالا للهاء، تقديره ويعلمه الكتاب رسولا. وفي حديث أبي ذر الطويل ~~(وأول أنبياء بني إسرائيل موسى وآخرهم عيسى عليه السلام). (أنى أخلق لكم) ~~أي أصور وأقدر لكم. # من الطين كهيئة الطير) قرأ الأعرج وأبو جعفر " كهية " بالتشديد. الباقون ~~بالهمز. # PageV04P093 # والطير يذكر ويؤنث. (فأنفخ فيه) أي في الواحد منه أو منها أو في الطين ~~فيكون طائرا. # وطائر وطير مثل تاجر وتجر. قال وهب: كان يطير ما دام الناس ينظرون إليه ~~فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتا ليتميز فعل الخلق من فعل الله تعالى. وقيل: لم ~~يخلق غير الخفاش لأنه أكمل الطير خلقا ليكون أبلغ في القدرة لان لها ثديا ~~وأسنانا وأذنا، وهي تحيض وتطهر وتلد. # ويقال: إنما طلبوا خلق خفاش لأنه أعجب من سائر الخلق، ومن عجائبه أنه لحم ~~ودم يطير بغير ريش ويلد كما يلد الحيوان ولا يبيض كما يبيض سائر الطيور، ~~فيكون له الضرع يخرج منه اللبن، ولا يبصر في ضوء النهار ولا في ظلمة الليل، ~~وإنما يرى في ساعتين: بعد غروب الشمس ساعة ms1358 وبعد طلوع الفجر ساعة قبل أن ~~يسفر جدا، ويضحك كما يضحك الانسان، ويحيض كما تحيض المرأة. ويقال: إن ~~سؤالهم كان له على وجه التعنت فقالوا: أخلق لنا خفاشا واجعل فيه روحا إن ~~كنت صادقا في مقالتك، فأخذ طينا وجعل منه خفاشا ثم نفخ فيه فإذا هو يطير ~~بين السماء والأرض، وكان تسوية الطين والنفخ من عيسى والخلق من الله، كما ~~أن النفخ من جبريل والخلق من الله. # وقوله تعالى: (وأبرى الأكمة والأبرص وأحيى الموتى بإذن الله) الأكمة: ~~الذي يولد أعمى، عن ابن عباس. وكذا قال أبو عبيدة قال: هو الذي يولد أعمى، ~~وأنشد لرؤبة: # * فارتد ارتداد الأكمه * وقال ابن فارس: الكمه العمى يولد به الانسان وقد ~~يعرض. قال سويد: # * كمهت عيناه حتى ابيضتا مجاهد: هو الذي يبصر بالنهار ولا يبصر بالليل. ~~عكرمة: هو الأعمش، ولكنه في اللغة العمى، يقال كمه يكمه كمها وكمهتها أنا ~~إذا أعميتها. والبرص معروف وهو بياض يعتري الجلد، والأبرص القمر، وسام أبرص ~~معروف، ويجمع على الأبارص. وخص هذان بالذكر لأنهما عياءان. وكان الغالب على ~~زمن عيسى عليه السلام الطب فأراهم الله المعجزة من جنس ذلك (وأحيي الموتى ~~بإذن الله) قيل: أحيا أربعة أنفس: العاذر: وكان صديقا له، وابن العجوز ~~PageV04P094 # وابنة العاشر وسام بن نوح، فالله أعلم. فأما العاذر فإنه كان قد توفى قبل ~~ذلك بأيام فدعا الله فقام بإذن الله وودكه يقطر فعاش وولد له، وأما ابن ~~العجوز فإنه مر به يحمل على سريره فدعا الله فقام ولبس ثيابه وحمل السرير ~~على عنقه ورجع إلى أهله. وأما بنت العاشر فكان أتى عليها ليلة فدعا الله ~~فعاشت بعد ذلك وولد لها، فلما رأوا ذلك قالوا: إنك تحيي من كان موته قريبا ~~فلعلهم لم يموتوا فأصابتهم سكتة فأحيي لنا سام بن نوح. فقال لهم: دلوني على ~~قبره، فخرج وخرج القوم معه حتى انتهى إلى قبره فدعا الله فخرج من قبره وقد ~~شاب رأسه. # فقال له عيسى: كيف شاب رأسك ولم يكن في زمانكم شيب؟ فقال: يا روح الله، ms1359 ~~إنك دعوتني فسمعت صوتا يقول: أجب روح الله، فظننت أن القيامة قد قامت، فمن ~~هول ذلك شاب رأسي. فسأله عن النزع فقال: يا روح الله إن مرارة النزع لم ~~تذهب عن حنجرتي، وقد كان من وقت موته أكثر من أربعة آلاف سنة، فقال للقوم: ~~صدقوه فإنه نبي، فآمن به بعضهم وكذبه بعضهم وقالوا: هذا سحر. وروي من حديث ~~إسماعيل ابن عياش قال: حدثني محمد بن طلحة عن رجل أن عيسى ابن مريم كان إذا ~~أراد أن يحيي الموتى صلى ركعتين يقرأ في الأولى: " تبارك الذي بيده الملك " ~~[الملك: 1]. وفي الثانية " تنزيل السجدة " فإذا فرغ حمد الله وأثنى عليه ثم ~~دعا بسبعة أسماء: يا قديم يا خفي يا دائم يا فرد يا وتر يا أحد يا صمد، ~~ذكره البيهقي وقال: ليس إسناده بالقوي (1). # قوله تعالى: (وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية إن ~~كنتم مؤمنين) أي بالذي تأكلونه وما تدخرون. وذلك أنهم لما أحيا لهم الموتى ~~طلبوا منه آية أخرى وقالوا: أخبرنا بما نأكل في بيوتنا وما ندخر للغد، ~~فأخبرهم فقال: يا فلان أنت أكلت كذا وكذا، وأنت أكلت كذا وكذا وادخرت كذا ~~وكذا، فذلك قوله " وأنبئكم " الآية. وقرأ مجاهد والزهري والسختياني " وما ~~تذخرون " بالذال المعجمة مخففا. وقال سعيد بن جبير وغيره: # كان يخبر الصبيان في الكتاب بما يدخرون حتى منعهم آباؤهم من الجلوس معه. ~~قتادة: أخبرهم بما أكلوه من المائدة وما ادخروه منها خفية. # PageV04P095 # قوله تعالى: ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولا حل لكم بعض الذي حرم ~~عليكم وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون (50) إن الله ربى وربكم ~~فاعبدوه هذا صرط مستقيم (51). # (ومصدقا) عطف على قوله: " ورسولا ". وقيل: المعنى وجئتكم مصدقا. # (لما بين يدي) لما قبلي. (ولا حل لكم) فيه حذف، أي ولأحل لكم جئتكم. # (بعض الذي حرم عليكم) يعني من الأطعمة. قيل: إنما أحل لهم عيسى عليه ~~السلام ما حرم عليهم بذنوبهم ولم يكن في التوراة، نحو أكل الشحوم وكل ذي ~~ظفر. وقيل: ms1360 # إنما أحل لهم أشياء حرمتها عليهم الأحبار ولم تكن في التوراة محرمة ~~عليهم. قال أبو عبيدة: # يجوز أن يكون " بعض " بمعنى كل، وأنشد لبيد: # تراك أمكنة إذا لم أرضها * أو يرتبط بعض النفوس حمامها وهذا القول غلط ~~عند أهل النظر من أهل اللغة، لان البعض والجزء لا يكونان بمعنى الكل في هذا ~~الموضع، لان عيسى صلى الله عليه وسلم إنما أحل لهم أشياء مما حرمها عليهم ~~موسى من أكل الشحوم وغيرها ولم يحل لهم القتل ولا السرقة ولا فاحشة. ~~والدليل على هذا أنه (1) روي عن قتادة أنه قال: جاءهم عيسى بألين مما جاء ~~به موسى صلى الله عليهما وعلى نبينا، لان موسى جاءهم بتحريم الإبل وأشياء ~~من الشحوم فجاءهم عيسى بتحليل بعضها. وقرأ النخعي " بعض الذي حرم عليكم " ~~مثل كرم، أي صار حراما. وقد يوضع البعض بمعنى الكل إذا انضمت إليه قرينة ~~تدل عليه، كما قال الشاعر: (2) أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا * حنانيك بعض ~~الشر أهون من بعض يريد بعض الشر أهون من كله. (وجئتكم بآية من ربكم) إنما ~~وحد وهي آيات لأنها جنس واحد في الدلالة على رسالته. # PageV04P096 # قوله تعالى: فلما أحسن عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال ~~الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون (52) قوله تعالى: ~~(فلما أحسن عيسى منهم الكفر) أي من بني إسرائيل. وأحس معناه علم ووجد قاله ~~الزجاج. وقال أبو عبيدة: معنى " أحس " عرف، وأصل ذلك وجود الشئ بالحاسة. ~~والاحساس: العلم بالشئ، قال الله تعالى: " هل تحس منهم من أحد " [مريم: 98] ~~(1) والحس القتل، قال الله تعالى: " إذ تحسونهم بإذنه " [آل عمران: 152] ~~(2). ومنه الحديث في الجراد (إذا حسه البرد). # (منهم الكفر) أي الكفر بالله. وقيل: سمع منهم كلمة الكفر. وقال الفراء: ~~أرادوا قتله. # (قال من أنصاري إلى الله) استنصر عليهم. قال السدي والثوري وغيرهما: ~~المعنى مع الله، فإلى بمعنى مع، كقوله تعالى: " ولا تأكلوا أموالهم إلى ~~أموالكم " [النساء: 2] (3) أي مع. والله أعلم. # وقال الحسن: المعنى من أنصاري في السبيل إلى الله، ms1361 لأنه دعاهم إلى الله ~~عز وجل. وقيل: # المعنى من يضم نصرته إلى نصرة الله عز وجل. فإلى على هذين القولين على ~~بابها، وهو الجيد. # وطلب النصرة ليحتمي بها من قومه ويظهر الدعوة، عن الحسن ومجاهد. وهذه سنة ~~الله في أنبيائه وأوليائه. وقد قال لوط: " لو أن لي بكم قوة أو آوى إلى ركن ~~شديد " [هود: 80] (4) أي عشيرة وأصحاب ينصرونني. " قال الحواريون نحن أنصار ~~الله " أي أنصار نبيه ودينه. والحواريون أصحاب عيسى عليه السلام، وكانوا ~~اثنى عشر رجلا، قاله الكلبي وأبو روق. # واختلف في تسميتهم بذلك، فقال ابن عباس: سموا بذلك لبياض ثيابهم، وكانوا ~~صيادين. ابن أبي نجيح وابن أرطاة: كانوا قصارين فسموا بذلك لتبييضهم ~~الثياب. قال عطاء: أسلمت مريم عيسى إلى أعمال شتى، وآخر ما دفعته إلى ~~الحواريين وكانوا قصارين وصباغين، فأراد معلم عيسى السفر، فقال لعيسى: عندي ~~ثياب كثيرة مختلفة الألوان وقد علمتك الصبغة فاصبغها. فطبخ عيسى حبا (5) ~~واحدا وادخله جميع الثياب وقال: كوني: بإذن الله على ما أريد منك. فقدم ~~الحواري والثياب كلها في الحب فلما رآها قال: قد أفسدتها، # PageV04P097 # فأخرج عيسى ثوبا أحمر وأصفر وأخضر إلى غير ذلك مما كان على كل ثوب مكتوب ~~عليه صبغة، فعجب الحواري، وعلم أن ذلك من الله ودعا الناس إليه فآمنوا به، ~~فهم الحواريون. قتادة والضحاك: سموا بذلك لأنهم كانوا خاصة الأنبياء. ~~يريدان لنقاء (1) قلوبهم. وقيل. كانوا ملوكا، وذلك أن الملك صنع طعاما فدعا ~~الناس إليه فكان عيسى على قصعة فكانت لا تنقص، فقال الملك له: من أنت؟ قال: ~~عيسى ابن مريم. قال: إني أترك ملكي هذا واتبعك. # فانطلق بمن اتبعه معه، فهم الحواريون، قاله ابن عون. وأصل الحور في اللغة ~~البياض، وحورت الثياب بيضتها، والحواري من الطعام ما حور، أي بيض، واحور ~~ابيض والجفنة المحورة: المبيضة بالسنام، والحواري أيضا الناصر، قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: (لكل نبي حواري وحواريي الزبير). والحواريات: ~~النساء لبياضهن، وقال: # فقل للحواريات يبكين غيرنا * ولا تبكنا إلا الكلاب النوابح قوله تعالى: ~~ربنا آمنا بما ms1362 أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين (53). # قوله تعالى: (ربنا آمنا بما أنزلت) أي يقولون ربنا آمنا. (بما أنزلت) ~~يعني في كتابك وما أظهرته من حكمك. (واتبعنا الرسول) يعني عيسى. (فاكتبنا ~~مع الشاهدين) يعني أمة محمد صلى الله عليه وسلم، عن ابن عباس. والمعنى أثبت ~~أسماءنا مع أسمائهم واجعلنا من جملتهم. وقيل: المعنى فاكتبنا مع الذين ~~شهدوا لأنبيائك بالصدق. # قوله تعالى: ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين (54). # قوله تعالى: (ومكروا) يعني كفار بني إسرائيل الذين أحس منهم الكفر، أي ~~قتله (2). # وذلك أن عيسى عليه السلام لما أخرجه قومه وأمه من بين أظهرهم عاد إليهم ~~مع الحواريين وصاح فيهم بالدعوة فهموا بقتله وتواطؤوا على الفتك به، فذلك ~~مكرهم. ومكر الله: استدراجه لعباده من حيث لا يعلمون، عن الفراء وغيره. قال ~~ابن عباس: كلما أحدثوا خطيئة جددنا لهم نعمة. وقال الزجاج: مكر الله ~~مجازاتهم على مكرهم، فسمي الجزاء باسم الابتداء، كقوله: # PageV04P098 # " الله يستهزئ بهم " [البقرة: 15] (1)، " وهو خادعهم " [النساء: 142] ~~(2). وقد تقدم في البقرة. وأصل المكر في اللغة الاحتيال والخداع. والمكر: ~~خدالة (3) الساق. وامرأة ممكورة الساقين. والمكر: ضرب من الثياب. # ويقال: بل هو المغرة، حكاه ابن فارس. وقيل: " مكر الله " إلقاء شبه عيسى ~~على غيره ورفع عيسى إليه، وذلك أن اليهود لما اجتمعوا على قتل عيسى دخل ~~البيت هاربا منهم فرفعه جبريل من الكوة إلى السماء، فقال ملكهم لرجل منهم ~~خبيث يقال له يهوذا: ادخل عليه فاقتله، فدخل الخوخة فلم يجد هناك عيسى ~~وألقى الله عليه شبه عيسى، فلما خرج رأوه على شبه عيسى فأخذوه وقتلوه ~~وصلبوه. ثم قالوا: وجهه يشبه وجه عيسى، وبدنه يشبه بدن صاحبنا، فإن كان هذا ~~صاحبنا فأين عيسى! وإن كان هذا عيسى فأين صاحبنا! فوقع بينهم قتال فقتل ~~بعضهم بعضا، فذلك قوله تعالى: " ومكروا ومكر الله ". وقيل غير هذا على ما ~~يأتي. # (والله خير الماكرين) اسم فاعل من مكر يمكر مكرا. وقد عده بعض العلماء في ~~أسماء الله تعالى فيقول إذا دعا به: يا خير الماكرين أمكر لي. وكان عليه ms1363 ~~السلام يقول في دعائه: (اللهم أمكر لي ولا تمكر علي). وقد ذكرناه في الكتاب ~~الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى. والله أعلم. # قوله تعالى: إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلى ومطهرك من الذين ~~كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيمة ثم إلى مرجعكم ~~فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون (55) قوله تعالى (إذ قال الله يا عيسى ~~إني متوفيك) العامل في " إذ " مكروا، أو فعل مضمر. وقال جماعة من أهل ~~المعاني منهم الضحاك والفراء في قوله تعالى: " إني متوفيك ورافعك إلي " على ~~التقديم والتأخير، لان الواو لا توجب الرتبة. والمعنى: إني رافعك إلي ~~ومطهرك من الذين كفروا ومتوفيك بعد أن تنزل من السماء، كقوله: " ولولا كلمة ~~سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى " [طه: 129] (4)، والتقدير ولولا كلمة ~~سبقت من ربك وأجل مسمى لكان لزاما. قال الشاعر: # PageV04P099 # ألا يا نخلة من ذات عرق * عليك ورحمة الله السلام أي عليك السلام ورحمة ~~الله. وقال الحسن وابن جريح: معنى متوفيك قابضك ورافعك إلى السماء من غير ~~موت، مثل توفيت مالي من فلان أي قبضته. وقال وهب بن منبه: توفى الله عيسى ~~عليه السلام ثلاث ساعات من نهار ثم رفعه إلى السماء. وهذا فيه بعد، فإنه صح ~~في الاخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم نزوله وقتله الدجال على ما بيناه ~~في كتاب التذكرة، وفي هذا الكتاب حسب ما تقدم، ويأتي. وقال ابن زيد: متوفيك ~~قابضك، ومتوفيك ورافعك واحد ولم يمت بعد. وروى ابن طلحة عن ابن عباس معنى ~~متوفيك مميتك. الربيع ابن أنس: وهي وفاة نوم، قال الله تعالى: " وهو الذي ~~يتوفاكم بالليل " [الانعام: 60] (1) أي ينيمكم لان النوم أخو الموت، كما ~~قال صلى الله عليه وسلم لما سئل: أفي الجنة نوم؟ قال: (لا، النوم أخو ~~الموت، والجنة لا موت فيها). أخرجه الدارقطني. والصحيح أن الله تعالى رفعه ~~إلى السماء من غير وفاة ولا نوم كما قال الحسن وابن زيد، وهو اختيار ~~الطبري، وهو الصحيح عن ابن عباس، وقاله ms1364 الضحاك. قال الضحاك: كانت القصة لما ~~أرادوا قتل عيسى اجتمع الحواريون في غرفة وهم اثنا عشر رجلا فدخل عليهم ~~المسيح من مشكاة الغرفة، فأخبر إبليس جمع اليهود فركب منهم أربعة آلاف رجل ~~فأخذوا باب الغرفة. فقال المسيح للحواريين: # أيكم يخرج ويقتل ويكون معي في الجنة؟ فقال رجل: أنا يا نبي الله، فألقى ~~إليه مدرعة (2) من صوف وعمامة من صوف وناوله عكازه وألقى عليه شبه عيسى، ~~فخرج على اليهود فقتلوه وصلبوه. # وأما المسيح فكساه الله الريش وألبسه النور وقطع عنه لذة المطعم والمشرب ~~فطار مع الملائكة. # وذكر أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن المنهال عن ~~سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما أراد الله تبارك وتعالى أن يرفع عيسى ~~إلى السماء خرج على أصحابه وهم اثنا عشر رجلا من عين في البيت ورأسه يقطر ~~ماء فقال لهم: أما إن منكم من سيكفر بي اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن بي، ثم ~~قال: أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني ويكون معي # PageV04P100 # في درجتي؟ فقام شاب من أحدثهم فقال أنا. فقال عيسى: اجلس، ثم أعاد عليهم ~~فقام الشاب فقال أنا. فقال عيسى: اجلس. ثم أعاد عليهم فقام الشاب فقال أنا. ~~فقال نعم أنت ذاك. فألقى الله عليه شبه عيسى عليه السلام. قال: ورفع الله ~~تعالى عيسى من روزنة (1) كانت في البيت إلى السماء. قال: وجاء الطلب من ~~اليهود فأخذوا الشبيه فقتلوه ثم صلبوه، وكفر به بعضهم اثنتي عشرة مرة بعد ~~أن آمن به، فتفرقوا ثلاث فرق: قالت فرقة: كان فينا الله ما شاء ثم صعد إلى ~~السماء، وهؤلاء اليعقوبية. وقالت فرقة: كان فينا ابن الله ما شاء الله ثم ~~رفعه الله إليه، وهؤلاء النسطورية. وقالت فرقة: كان فينا عبد الله ورسوله ~~ما شاء الله ثم رفعه إليه، وهؤلاء المسلمون. فتظاهرت الكافرتان على المسلمة ~~فقتلوها، فلم يزل الاسلام طامسا حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم ~~فقتلوا، فأنزل الله تعالى: " فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة ms1365 ~~فأيدنا الذين آمنوا " [الصف: 14] (2) أي آمن آباؤهم في زمن عيسى " على ~~عدوهم " بإظهار دينهم على دين الكفار " فأصبحوا ظاهرين ". وفي صحيح مسلم عن ~~أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والله لينزلن ابن مريم ~~حكما عادلا فليكسرن الصليب وليقتلن الخنزير وليضعن الجزية ولتتركن القلاص ~~(3) فلا يسعى عليها ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد وليدعون إلى المال ~~فلا يقبله أحد). وعنه أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # (والذي نفسي بيده ليهلن ابن مريم بفج الروحاء (4) حاجا أو معتمرا أو ~~ليثنينهما) ولا ينزل بشرع مبتدأ فينسخ به شريعتنا بل ينزل مجددا لما درس ~~منها متبعا. كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: (كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم). # وفي رواية: (فأمكم منكم). قال ابن أبي ذئب: تدري ما أمكم منكم؟. قلت: ~~تخبرني. # قال: فأمكم بكتاب ربكم تبارك وتعالى وسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم. وقد ~~زدنا هذا الباب بيانا في كتاب (التذكرة) والحمد لله. و " متوفيك " أصله ~~متوفيك حذفت الضمة استثقالا، # PageV04P101 # وهو خبر إن. " ورافعك " عطف عليه، وكذا " مطهرك " وكذا " وجاعل الذين ~~اتبعوك ". # ويجوز " وجاعل (1) الذين " وهو الأصل. وقيل: إن الوقف التام عند قوله: " ~~ومطهرك من الذين كفروا ". قال النحاس: وهو قول حسن. " وجاعل الذين اتبعوك " ~~يا محمد " فوق الذين كفروا " أي بالحجة وإقامة البرهان. وقيل بالعز ~~والغلبة. وقال الضحاك ومحمد ابن أبان: المراد الحواريون. والله تعالى أعلم. # قوله تعالى: فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة وما ~~لهم من نصرين (56) وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم والله ~~لا بحت الظالمين (57) ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم (58) قوله ~~تعالى: (فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة) يعني ~~بالقتل والصلب والسبي والجزية، وفي الآخرة بالنار. (ذلك نتلوه عليك) " ذلك ~~" في موضع رفع بالابتداء وخبره " نتلوه ". ويجوز: الامر ذلك، على إضمار ~~المبتدأ. # قوله تعالى: إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ms1366 ثم قال له كن ~~فيكون (59) الحق من ربك فلا تكن من الممترين (60) قوله تعالى: (إن مثل عيسى ~~عند الله كمثل آدم خلقه من تراب) دليل على صحة القياس. # والتشبيه واقع على أن عيسى خلق من غير أب كآدم، لا على أنه خلق من تراب. ~~والشئ قد يشبه بالشئ وإن كان بينهما فرق كبير بعد أن يجتمعا في وصف واحد، ~~فان آدم خلق من تراب ولم يخلق عيسى من تراب فكان بينهما فرق من هذه الجهة، ~~ولكن شبه ما بينهما أنهما خلقهما من غير أب، ولأن أصل خلقتهما كان من تراب ~~لان آدم لم يخلق من نفس التراب، # PageV04P102 # ولكنه جعل التراب طينا ثم جعله صلصالا ثم خلقه منه، فكذلك عيسى حوله من ~~حال إلى حال، ثم جعله بشرا من غير أب. ونزلت هذه الآية بسبب وفد نجران حين ~~أنكروا على النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (إن عيسى عبد الله وكلمته) ~~فقالوا: أرنا عبدا خلق من غير أب، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: (آدم ~~من كان أبوه أعجبتم من عيسى ليس له أب؟ فآدم عليه السلام ليس له أب ولا ~~أم). فذلك قوله تعالي: " ولا يأتونك بمثل " أي في عيسى " إلا جئناك بالحق " ~~في آدم " وأحسن تفسيرا " [الفرقان: 33] (1). وروي أنه عليه السلام لما ~~دعاهم إلى الاسلام قالوا: قد كنا مسلمين قبلك. فقال: (كذبتم يمنعكم من ~~الاسلام ثلاث: قولكم اتخذ الله ولدا، وأكلكم الخنزير، وسجودكم للصليب). ~~فقالوا: من أبو عيسى؟ فأنزل الله تعالى: # " إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب " إلى قوله: " فنجعل لعنة ~~الله على الكاذبين " [آل عمران: 61]. فدعاهم النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فقال يعضهم لبعض: إن فعلتم اضطرم الوادي عليكم نارا. فقالوا: أما تعرض ~~علينا سوى هذا؟ فقال: (الاسلام أو الجزية أو الحرب) فأقروا بالجزية على ما ~~يأتي. وتم الكلام عند قوله " آدم ". ثم قال: " خلقه من تراب ثم قال له كن ~~فيكون " أي فكان؟. والمستقبل يكون في موضع الماضي إذا عرف المعنى. # قال ms1367 الفراء: (الحق من ربك) مرفوع بإضمار هو. أبو عبيدة: هو استئناف كلام ~~وخبره في قوله " من ربك ". وقيل هو فاعل، أي جاءك الحق. (فلا تكن من ~~الممترين) الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته، لأنه صلى الله ~~عليه وسلم لم يكن شاكا في أمر عيسى عليه السلام. # قوله تعالى: فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع ~~أبنائنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت ~~الله على الكاذبين (61) # PageV04P103 # فيه ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى. (فمن حاجك فيه) أي جادلك وخاصمك يا محمد " فيه "، ~~أي في عيسى (من بعد ما جاءك من العلم) بأنه عبد الله ورسوله. (فقل تعالوا) ~~أي اقبلوا. وضع لمن له جلالة ورفعة ثم صار في الاستعمال لكل داع إلى ~~الاقبال، وسيأتي له مزيد بيان في " الانعام " (1). (ندع) في موضع جزم. ~~(أبناءنا) دليل على أن أبناء البنات يسمون أبناء، وذلك أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم جاء بالحسن والحسين وفاطمة تمشي خلقه وعلى خلفها وهو يقول لهم: ~~(إن أنا دعوت فأمنوا). (ثم نبتهل) أي نتضرع في الدعاء، عن ابن عباس. أبو ~~عبيدة والكسائي: نلتعن. وأصل الابتهال الاجتهاد في الدعاء باللعن وغيره. ~~قال لبيد: # في كهول سادة من قومه * نظر الدهر إليهم فابتهل أي اجتهد في إهلاكهم. ~~يقال: بهله الله أي لعنه. والبهل: اللعن. والبهل الماء القليل. # وأبهلته إذا خليته وإرادته. وبهلته أيضا. وحكى أبو عبيدة: بهله الله ~~يبهله بهلة أي لعنه. # قال ابن عباس: هم أهل نجران: السيد والعاقب وابن الحارث رؤساؤهم. (فنجعل ~~لعنة الله على الكاذبين). # الثانية - هذه الآية من أعلام نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، لأنه دعاهم ~~إلى المباهلة فأبوا منها ورضوا بالجزية بعد أن أعلمهم كبيرهم العاقب أنهم ~~إن باهلوه اضطرم عليهم الوادي نارا فإن محمدا نبي مرسل، ولقد تعلمون أنه ~~جاءكم بالفصل في أمر عيسى، فتركوا المباهلة وانصرفوا إلى بلادهم على أن ~~يؤدوا في كل عام ألف حلة في صفر وألف حلة في رجب فصالحهم رسول ms1368 الله صلى ~~الله عليه وسلم على ذلك بدلا من الاسلام. # الثالثة - قال كثير من العلماء: إن قوله عليه السلام في الحسن والحسين ~~لما باهل " ندع أبناءنا وأبناءكم " وقوله في الحسن: (إن ابني هذا سيد) ~~مخصوص بالحسن والحسين أن يسميا ابني النبي صلى الله عليه وسلم دون غيرهما، ~~لقوله عليه السلام: (كل سبب ونسب # PageV04P104 # ينقطع يوم القيامة إلا نسبي وسببي) ولهذا قال بعض أصحاب الشافعي فيمن ~~أوصى لولد فلان ولم يكن له ولد لصلبه وله ولد ابن وولد ابنة: إن الوصية ~~لولد الابن دون ولد الابنة، وهو قول الشافعي. وسيأتي لهذا مزيد بيان في " ~~الانعام (1) والزخرف " إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله وإن الله لهو ~~العزيز الحكيم (62) فإن تولوا فإن الله عليهم بالمفسدين (63) قوله تعالى: ~~(إن هذا لهو القصص الحق) الإشارة في قوله " إن هذا " إلى القرآن وما فيه من ~~الأقاصيص، سميت قصصا لان المعاني تتتابع فيها، فهو من قولهم: فلان يقص أثر ~~فلان، أي يتبعه. (وما من إله إلا الله) " من " زائدة للتوكيد، والمعنى وما ~~إله إلا الله (العزيز) أي الذي لا يغلب. (الحكيم) ذو الحكمة. وقد تقدم مثله ~~والحمد لله. # قوله تعالى: قل يأهل الكتب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد ~~إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن ~~تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون (64) فيه ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (قل يا أهل الكتاب) الخطاب في قول الحسن وابن زيد ~~والسدي لأهل نجران. وفي قول قتادة وابن جريج وغيرهما ليهود المدينة، خوطبوا ~~بذلك لأنهم جعلوا أحبارهم في الطاعة لهم كالأرباب. وقيل: هو لليهود ~~والنصارى جميعا. وفي كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل " بسم الله ~~الرحمن الرحيم - من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع ~~الهدى [أما بعد فإني أدعوك بدعاية الاسلام] (2) أسلم تسلم # PageV04P105 # [وأسلم] (1) يؤتك الله أجرك مرتين وإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين ms1369 (2)، ~~ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله - ~~إلى قوله: " فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ". لفظ مسلم. والسواء العدل ~~والنصفة، قاله قتادة. وقال زهير: # أروني خطة لا ضيم فيها * يسوي بيننا فيها السواء الفراء: ويقال في معنى ~~العدل سوى وسوى، فإذا فتحت السين مددت وإذا كسرت أو ضممت قصرت، كقوله ~~تعالى: " مكانا سوى " [طه: 58]. قال: وفي قراءة عبد الله " إلى كلمة عدل ~~بيننا وبينكم " وقرأ قعنب (3) " كلمة " بإسكان اللام، ألقى حركة اللام على ~~الكاف، كما يقال كبد. فالمعنى أجيبوا إلى ما دعيتم إليه، وهو الكلمة ~~العادلة المستقيمة التي ليس فيها ميل عن الحق، وقد فسرها بقوله تعالى: " ~~ألا نعبد إلا الله " فموضع " أن " خفض على البدل من " كلمة "، أو رفع على ~~إضمار مبتدأ، التقدير هي أن لا نعبد إلا الله. أو تكون مفسرة لا موضع لها، ~~ويجوز مع ذلك في " نعبد " وما عطف عليه الرفع والجزم: فالجزم على أن تكون " ~~أن " مفسرة بمعنى أي، كما قال عز وجل: " أن امشوا " [ص: 6] وتكون " لا " ~~جازمة. هذا مذهب سيبويه. ويجوز على هذا أن ترفع " نعبد " وما بعده يكون ~~خبرا. ويجوز الرفع بمعنى أنه لا نعبد، ومثله " ألا يرجع إليهم قولا ولا ~~يملك لهم ضرا ولا نفعا " [طه: 89] (4). وقال الكسائي والفراء: " ولا نشرك ~~به شيئا ولا يتخذ " بالجزم على التوهم أنه ليس في أول الكلام أن. # الثانية - قوله تعالى: (ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله) أي لا ~~نتبعه في تحليل شئ أو تحريمه إلا فيما حلله الله تعالى. وهو نظير قوله ~~تعالى: " اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله " [التوبة: 31] (5) ~~معناه أنهم أنزلوهم منزلة ربهم في قبول تحريمهم وتحليلهم لما لم يحرمه الله ~~ولم يحله الله. وهذا يدل على بطلان القول بالاستحسان المجرد الذي لا يستند ~~إلى دليل شرعي، قال الكيا الطبري: مثل استحسانات أبي حنيفة في التقديرات ~~التي قدرها دون مستندات بينة. وفيه رد على الروافض الذين يقولون: يجب قبول ~~[قول] الامام دون إبانة # PageV04P106 # مستند ms1370 شرعي، وإنه يحل ما حرمه الله من غير أن يبين مستندا من الشريعة. ~~وأرباب جمع رب. # و " دون " هنا بمعنى غير. # الثالثة - قوله تعالى (فإن تولوا) أي أعرضوا عما دعوا إليه. (فقولوا ~~اشهدوا بأنا مسلمون) أي متصفون بدين الاسلام منقادون لأحكامه معترفون بما ~~لله عليه علينا في ذلك من المنن والانعام، غير متخذين أحدا ربا لا عيسى ولا ~~عزيرا ولا الملائكة، لأنهم بشر مثلنا محدث كحدوثنا، ولا نقبل من الرهبان ~~شيئا بتحريمهم علينا ما لم يحرمه الله علينا، فنكون قد اتخذناهم أربابا. ~~وقال عكرمة: معنى يتخذ " يسجد. وقد تقدم أن السجود كان إلى زمن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ثم نهى النبي صلى الله عليه وسلم معاذا لما أراد أن يسجد، ~~كما مضى في البقرة (1) بيانه. وروى أنس بن مالك قال: قلنا يا رسول الله، ~~أينحني بعضنا لبعض؟ # قال (لا) قلنا: أيعانق بعضنا بعضا؟ قال (لا ولكن تصافحوا) أخرجه ابن ماجة ~~في سننه. # وسيأتي لهذا المعنى زيادة بيان في سورة " يوسف " (2) [إن (3) شاء الله]، ~~وفي " الواقعة " (4) مس القرآن أو بعضه على غير طهارة إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: يأهل الكتب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل ~~إلا من بعده أفلا تعقلون (65) قوله تعالى: (يأهل الكتب لم تحاجون في ~~إبراهيم) الأصل " لما " فحذفت الألف فرقا بين الاستفهام والخبر. وهذه الآية ~~نزلت بسبب دعوى كل فريق من اليهود والنصارى أن إبراهيم كان على دينه، ~~فأكذبهم الله تعالى بأن اليهودية والنصرانية إنما كانتا من بعده، فذلك ~~قوله: " وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده ". قال الزجاج: هذه الآية ~~أبين حجة على اليهود والنصارى، إذ التوراة والإنجيل أنزلا من بعده وليس ~~فيهما (5) اسم لواحد من الأديان، واسم الاسلام في كل كتاب. ويقال: كان بين ~~إبراهيم وموسى ألف سنة، وبين موسى وعيسى أيضا ألف سنة. (أفلا تعقلون) دحوض ~~حجتكم وبطلان قولكم. والله أعلم. # PageV04P107 # قوله تعالى: هأنتم هؤلاء حججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم ~~به علم والله يعلم وأنتم ms1371 لا تعلمون (66) فيه مسألتان: # الأولى - قوله تعالى: (ها أنتم هؤلاء حاججتم) يعني في أمر محمد صلى الله ~~عليه وسلم، لأنهم كانوا يعلمونه فيما يجدون من نعته في كتابهم فحاجوا فيه ~~بالباطل. (فلم تحاجون فيما ليس لكم به علمه) يعني دعواهم في إبراهيم أنه ~~كان يهوديا أو نصرانيا. والأصل في " ها أنتم " أأنتم فأبذل من الهمزة ~~الأولى هاء لأنها أختها، عن أبي عمرو بن العلاء والأخفش. قال النحاس: # وهذا قول حسن. وقرأ قنبل عن ابن كثير " هأنتم " مثل هعنتم. والأحسن منه ~~أن يكون الهاء بدلا من همزة فيكون أصله أأنتم. ويجوز أن تكون ها للتنبيه ~~دخلت على " أنتم " وحذفت الألف لكثرة الاستعمال. وفي " هؤلاء " لغتان المد ~~والقصر ومن العرب من يقصرها. وأنشد أبو حاتم: # لعمرك إنا والأحاليف هاؤلا * لفي محنة أظفارها لم تقلم وهؤلاء هاهنا في ~~موضع النداء يعني يا هؤلاء. ويجوز هؤلاء خبر أنتم، على أن يكون أولاء بمعنى ~~الذين وما بعده صلة له. ويجوز أن يكون خبر " أنتم " حاججتم. وقد تقدم هذا ~~في " البقرة " (1) والحمد لله. # الثانية - في الآية دليل على المنع من الجدال لمن لا علم له، والحظر على ~~من لا تحقيق عنده فقال عز وجل: " ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم ~~تحاجون فيما ليس لكم به علم ". # وقد ورد الامر بالجدال لمن علم وأيقن فقال تعالى: " وجادلهم بالتي هي ~~أحسن " [النحل: 125] (2). وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أتاه رجل ~~أنكر ولده فقال: يا رسول الله، إن امرأتي ولدت غلاما أسود. فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: (هل لك من إبل)؟ قال نعم. قال: # PageV04P108 # (ما ألوانها)؟ قال: حمر: (هل فيها من أورق) (1)؟ قال نعم. قال: (فمن أين ~~ذلك)؟ قال: لعل عرقا نزعه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وهذا ~~الغلام لعل عرقا نزعه). وهذا حقيقة الجدال ونهاية في تبيين الاستدلال من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. # قوله تعالى: ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما ~~كان ms1372 من المشركين (67). # نزهه تعالى من دعاويهم الكاذبة، وبين أنه كان على الحنيفية الاسلامية ولم ~~يكن مشركا. # والحنيف: الذي يوحد ويحج ويضحي ويختتن ويستقبل القبلة. وقد مضى في " ~~البقرة " اشتقاقه (2). والمسلم في اللغة: المتذلل لأمر الله تعالى المنطاع ~~له. وقد تقدم في " البقرة " معنى الاسلام (3) مستوفى والحمد لله. # قوله تعالى: إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين ~~آمنوا والله ولى المؤمنين. (68) وقال ابن عباس: قال رؤساء اليهود: والله يا ~~محمد لقد علمت أنا أولى الناس بدين إبراهيم منك ومن غيرك، فإنه كان يهوديا ~~وما بك إلا الحسد، فأنزل الله تعالى هذه الآية. (أولى) معناه أحق، قيل: ~~بالمعونة والنصرة. وقيل بالحجة. (للذين اتبعوه) على ملته وسنته. # (وهذا النبي) أفرد ذكره تعظيما له، كما قال " فيهما فاكهة ونخل ورمان " ~~[الرحمن: 68] (4) وقد تقدم في " البقرة " هذا المعنى مستوفى. و " هذا " في ~~موضع رفع عطف على الذين، و " النبي " نعت لهذا أو عطف بيان، ولو نصب لكان ~~جائزا في الكلام عطفا على الهاء في " اتبعوه ". # (والله ولى المؤمنين) أي ناصرهم. وعن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # PageV04P109 # (إن لكل نبي ولاة من النبيين وإن ولي منهم أبي وخليل ربي - ثم قرأ - إن ~~أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي). # قوله تعالى: ودت طائفة من أهل الكتب لو يضلونكم وما يضلونكم وما يضلون ~~إلا أنفسهم وما يشعرون (69). # نزلت في معاذ بن جبل وحذيفة بن اليمن وعمار بن ياسر حين دعاهم اليهود من ~~بني النضير وقريظة وبني قينقاع إلى دينهم. وهذه الآية نظير قوله تعالى: " ~~ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا " [البقرة: ~~109] (1). و " من " على هذا القول للتبعيض. وقيل: جميع أهل الكتاب، فتكون " ~~من " لبيان الجنس. ومعنى " لو يضلونكم " أي يكسبونكم المعصية بالرجوع عن ~~دين الاسلام والمخالفة له. وقال ابن جريج: " يضلونكم " أي يهلكونكم، ومنه ~~قول الأخطل: # كنت القذى في موج أكدر مزبد * قذف الآتي (2) به فضل ضلالا أي هلك هلاكا. ~~(وما يضلون إلا أنفسهم) نفي ms1373 وإيجاب. (وما يشعرون) أي يفطنون (3) أنهم لا ~~يصلون إلى إضلال المؤمنين. وقيل: " وما يشعرون " أي لا يعلمون بصحة الاسلام ~~وواجب علهم أن يعلموا، لان البراهين ظاهرة والحجج باهرة، والله أعلم. # قوله تعالى: يأهل الكتب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون (70) أي بصحة ~~الآيات التي عندكم في كتبكم، عن قتادة والسدي. وقيل: المعنى وأنتم تشهدون ~~بمثلها من آيات (4) الأنبياء التي أنتم مقرون بها. # قوله تعالى: يأهل الكتب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم ~~تعلمون (71). # PageV04P110 # اللبس الخلط، وقد تقدم في البقرة (1). ومعنى هذه الآية والتي قبلها معنى ~~ذلك (2). (وتكتمون الحق) ويجوز " تكتموا " على جواب الاستفهام. (وأنتم ~~تعلمون) جملة في موضع الحال. # قوله تعالى: وقالت طائفة من أهل الكتب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا ~~وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون (72) نزلت في كعب بن الأشرف ومالك بن ~~الصف وغيرهما، قالوا للسفلة من قومهم: آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا ~~وجه النهار، يعني أوله. وسمي وجها لأنه أحسنه، وأول ما يواجه منه أوله. قال ~~الشاعر: # وتضئ في وجه النهار منيرة * كجمانة البحري سل نظامها (3) وقال آخر: # من كان مسرورا بمقتل مالك * فليأت نسوتنا بوجه نهار وهو منصوب على الظرف، ~~وكذلك " آخره ". ومذهب قتادة أنهم فعلوا ذلك ليشككوا المسلمين. والطائفة: ~~الجماعة، من طاف يطوف، وقد يستعمل للواحد على معنى نفس طائفة. # ومعنى الآية أن اليهود قال بعضهم لبعض: أظهروا الايمان بمحمد في أول ~~النهار ثم أكفروا به آخره، فإنكم إذا فعلتم ذلك ظهر لمن يتبعه ارتياب في ~~دينه فيرجعون عن دينه إلى دينكم، ويقولون إن أهل الكتاب أعلم به منا. وقيل: ~~المعنى آمنوا بصلاته في أول النهار إلى بيت المقدس فإنه الحق، واكفروا ~~بصلاته آخر النهار إلى الكعبة لعلهم يرجعون إلى قبلتكم، عن ابن عباس وغيره. ~~وقال مقاتل: معناه أنهم جاءوا محمدا صلى الله عليه وسلم أول النهار ورجحوا ~~من عنده فقالوا للسفلة: هو حق فاتبعوه، ثم قالوا: حتى ننظر في التوراة ثم ~~رجعوا في آخر النهار فقالوا: قد نظرنا في التوراة فليس ms1374 هو به. يقولون إنه ~~ليس بحق، وإنما أرادوا أن يلبسوا على السفلة وأن يشككوا فيه. # PageV04P111 # قوله تعلى: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى ~~أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ~~والله وسع عليم (73). # قوله تعالى: (ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم) هذا نهي، وهو من كلام اليهود ~~بعضهم لبعض، أي قال ذلك الرؤساء للسفلة. وقال السدي: من قول يهود خيبر ~~ليهود المدينة. وهذه الآية أشكل ما في السورة. فروي عن الحسن ومجاهد أن ~~معنى الآية ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، ولا تؤمنوا أن يحاجوكم عند ربكم ~~لأنهم لا حجة لهم فإنكم أصح منهم دينا. و " أن " و " يحاجوكم " في موضع ~~خفض، أي بأن يحاجوكم أي باحتجاجهم، أي لا تصدقوهم في ذلك فإنهم لا حجة لهم. # (أن يؤتي أحد مثل ما أوتيتم) من التوراة والمن والسلوى وفرق البحر وغيرها ~~من الآيات والفضائل. فيكون " أن يؤتى " مؤخرا بعد " أو يحاجوكم "، وقوله " ~~إن الهدى هدى الله " اعتراض بين كلامين. وقال الأخفش: المعنى ولا تؤمنوا ~~إلا لمن تبع دينكم ولا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ولا تصدقوا أن ~~يحاجوكم، يذهب إلى أنه معطوف. وقيل: المعنى ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ~~أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، فالمد على الاستفهام أيضا تأكيد للانكار الذي ~~قالوه أنه لا يؤتى أحد مثل ما أوتوه، لان علماء اليهود قالت لهم: لا تؤمنوا ~~إلا لمن تبع دينكم أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، أي لا يؤتى أحد مثل ما ~~أوتيتم، فالكلام على نسقه. و " أن " في موضع رفع على قول من رفع في قولك ~~أزيد ضربته، والخبر محذوف تقديره أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم تصدقون أو ~~تقرون، أي إيتاء موجود مصدق أو مقربه، أي لا تصدقون بذلك. ويجوز أن تكون " ~~أن " في موضع نصب على إضمار فعل، كما جاز في قولك أزيدا ضربته، وهذا أقوى ~~في العربية لان ms1375 الاستفهام بالفعل أولى، والتقدير أتقرون أن يؤتى، أو ~~أتشيعون ذلك، أو أتذكرون ذلك ونحوه. وبالمد قرأ ابن كثير وابن محيصن وحميد. # وقال أبو حاتم: " آن " معناه " ألان "، فحذفت لام الجر استخفافا وأبدلت ~~مدة، كقراءة من PageV04P112 # قرأ " آن كان ذا مال " [القلم: 14] (1) أي ألان. وقوله " أو يحاجوكم " ~~على هذه القراءة رجوع إلى خطاب المؤمنين، أو تكون " أو " بمعنى " أن " ~~لأنهما حرفا شك وجزاء يوضع أحدهما موضع الاخر. (2) وتقدير الآية: وأن ~~يحاجوكم عند ربكم يا معشر المؤمنين، فقل: يا محمد إن الهدى هدى الله ونحن ~~عليه. ومن قرأ بترك المد قال: إن النفي الأول دل على إنكارهم في قولهم ولا ~~تؤمنوا. # فالمعنى أن علماء اليهود قالت لهم: لا تصدقوا بأن يؤتى أحد مثل ما ~~أوتيتم، أي لا إيمان لهم ولا حجة، فعطف على المعنى من العلم والحكمة ~~والكتاب والحجة والمن والسلوى وفلق البحر وغيرها من الفضائل والكرامات، أي ~~إنها لا تكون إلا فيكم فلا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا من تبع ~~دينكم. فالكلام فيه تقديم وتأخير على هذه القراءة واللام زائدة. ومن استثنى ~~ليس من الأول، وإلا لم يجز الكلام. ودخلت " أحد " لان أول الكلام نفي، ~~فدخلت في صلة " أن " لأنه مفعول الفعل المنفي، فأن في موضع نصب لعدم ~~الخافض. وقال الخليل: (أن) في موضع خفض بالخافض المحذوف. وقيل: إن اللام ~~ليست بزائدة، و " تؤمنوا " محمول على تقروا. وقال ابن جريج: المعنى ولا ~~تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم كراهية أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم. وقيل: المعنى ~~لا تخبروا بما في كتابكم من صفة محمد صلى الله عليه وسلم إلا لمن تبع دينكم ~~لئلا يكون طريقا إلى عبدة الأوثان إلى تصديقه. وقال الفراء: يجوز أن يكون ~~قد انقطع كلام اليهود عند قول عز وجل " إلا لمن تبع دينكم " ثم قال لمحمد ~~صلى الله عليه وسلم " قل إن الهدى هدى الله ". أي إن البيان الحق هو بيان ~~الله عز وجل " أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم " بين ألا يؤتى أحد ms1376 مثل ما ~~أوتيتم، و " لا " مقدرة بعد " أن " أي لئلا يؤتى، كقوله " يبين الله لكم أن ~~تضلوا " [النساء: 176] (3) أي لئلا تضلوا، فلذلك صلح دخول " أحد " في ~~الكلام. و " أو " بمعنى " حتى " و " إلا أن "، كما قال امرؤ القيس: # فقلت له لا تبك عينك إنما * نحاول ملكا أو نموت فنعذرا وقال آخر: (4) ~~وكنت إذا غمزت قناة قوم * كسرت كعوبها أو تستقيما # PageV04P113 # ومثله قولهم: لا نلتقي أو تقوم الساعة، بمعنى " حتى " أو " إلى أن "، ~~وكذلك مذهب الكسائي . وهي عند الأخفش عاطفة على " ولا تؤمنوا " وقد تقدم. ~~أي لا إيمان لهم ولا حجة، فعطف على المعنى. ويحتمل أن تكون الآية كلها ~~خطابا للمؤمنين من الله تعالى على جهة التثبيت لقلوبهم والتشحيذ لبصائرهم، ~~لئلا يشكوا عند تلبيس اليهود وتزويرهم في دينهم. والمعنى أوتيتم من الفضل ~~والدين، ولا تصدقوا أن يحاجكم في دينكم عند ربكم من خالفكم أ يقدر على ذلك، ~~فإن الهدى هدى الله وإن الفضل بيد الله. قال الضحاك: إن اليهود قالوا إنا ~~نحاج عند ربنا من خالفنا في ديننا، فبين الله تعالى أنهم هم المدحضون ~~المعذبون وأن المؤمنين هم الغالبون. # ومحاجتهم خصومتهم يوم القيامة. ففي الخبر عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: (إن اليهود والنصارى يحاجونا عند ربنا فيقولون أعطيتنا أجرا واحدا ~~وأعطيتهم أجرين فيقول هل ظلمتكم من حقوقكم شيئا قالوا (1) لا قال فإن ذلك ~~فضلي أوتيه من أشاء). قال علماؤنا: فلو علموا أن ذلك من فضل الله لم ~~يحاجونا عند ربنا، فأعلم الله نبيه صلى الله عليه وسلم أنهم يحاجونكم يوم ~~القيامة عند ربكم، ثم قال: قل لهم [الان] (2) " إن الفضل بيد الله يؤتيه من ~~يشاء والله واسع عليم ". وقرأ ابن كثير " آن يؤتى " بالمد على الاستفهام، ~~كما قال الأعشى: # أأن رأت رجلا أعشى أضربه * ريب المنون ودهر متبل خبل (3) وقرأ الباقون ~~بغير مد على الخبر. وقرأ سعيد بن جبير " إن يؤتى " بكسر الهمزة، على معنى ~~النفي، ويكون من كلام الله تعالى كما قال الفراء. والمعنى: قل يا محمد إن ms1377 ~~الهدى هدى الله إن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم " يعني ~~اليهود - بالباطل فيقولون نحن أفضل منكم. ونصب " أو يحاجوكم " يعني بإضمار ~~" أن " و " أو " تضمر بعدها " أن " إذا كانت بمعنى " حتى " و " إلا أن ". ~~وقرأ الحسن " أن يؤتي " بكسر التاء وياء مفتوحة، على معنى أن يؤتي أحد أحدا ~~مثل ما أوتيتم، فحذف المفعول. # PageV04P114 # قوله تعالى: (قل إن الهدى هدى الله) فيه قولان: # أحدهما: أن الهدى إلى الخير والدلالة إلى الله عز وجل بيد الله جل ثناؤه ~~يؤتيه أنبياءه، فلا تنكروا (1) أن يؤتى أحد سواكم مثل ما أوتيتم، فإن ~~أنكروا ذلك فقل لهم: " إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ". والقول الآخر: ~~قل إن الهدى هدى الله الذي آتاه المؤمنين من التصديق بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم لا غيره. وقال بعض أهل الإشارات في هذه الآية: لا تعاشروا إلا من ~~يوافقكم على أحوالكم وطريقتكم فإن من لا يوافقكم لا يرافقكم. والله أعلم. # قوله تعالى: يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم (74) أي بنبوته ~~وهدايته، عن الحسن ومجاهد وغيرهما. ابن جريج: بالاسلام والقرآن " من يشاء ~~". قال أبو عثمان: أجمل القول ليبقى معه رجاء الراجي وخوف الخائف، (والله ~~ذو الفضل العظيم). # قوله تعالى: ومن أهل الكتب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن ~~تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما ذلك بأنهم قالوا ليس ~~علينا في الأمين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون (75) فيه ثمان ~~مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك) مثل ~~عبد الله بن سلام. (ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك) وهو فنحاص بن ~~عازوراء اليهودي، أودعه رجل دينارا فخانه. وقيل: كعب بن الأشرف وأصحابه. ~~وقرأ ابن وثاب والأشهب العقيلي " من إن تيمنه؟ " على لغة من قرأ " نستعين " ~~وهي لغة بكر وتميم. وفي حرف عبد الله " مالك لا تيمنا على يوسف " والباقون ~~بالألف. وقرأ نافع والكسائي " يؤد هي " بياء في الادراج. قال ms1378 أبو عبيد: ~~واتفق أبو عمرو والأعمش وعاصم وحمزة في رواية أبي بكر # PageV04P115 # على وقف الهاء، فقرأوا " يؤده إليك ". قال النحاس: بإسكان الهاء لا يجوز ~~إلا في الشعر عند بعض النحويين، وبعضهم لا يجيزه ألبتة ويرى أنه غلط ممن ~~قرأ به، وإنه توهم أن الجزم يقع على الهاء، وأبو عمرو أجل من أن يجوز عليه ~~مثل هذا. والصحيح عنه أنه كان يكسر الهاء، وهي قراءة يزيد بن القعقاع. وقال ~~الفراء: مذهب بعض العرب يجزمون الهاء إذا تحرك ما قبلها، يقولون: ضربته ~~ضربا شديدا، كما يسكنون ميم أنتم وقمتم وأصلها الرفع، كما قال الشاعر: # لما رأى ألا دعه ولا شبع * مال إلى أرطاة حقف (1) فاضطجع وقيل: إنما جاز ~~إسكان الهاء في هذا الموضع لأنها وقعت في موضع الجزم وهي الياء الذاهبة. ~~وقرأ أبو المنذر سلام والزهري " يؤده " بضم الهاء بغير واو. وقرأ قتادة ~~وحميد ومجاهد " يؤدهو " بواو في الادراج، اختير لها الواو لان الواو من ~~الشفة والهاء بعيدة المخرج. قال سيبويه: الواو في المذكر بمنزلة الألف في ~~المؤنث ويبدل منها ياء لان الياء أخف إذا كان قبلها كسرة أو ياء، وتحذف ~~الياء وتبقى الكسرة لان الياء قد كانت تحذف والفعل مرفوع فأثبتت بحالها. # الثانية - أخبر تعالى أن في أهل الكتاب الخائن والأمين، والمؤمنون لا ~~يميزون ذلك، فينبغي اجتناب جميعهم. وخص أهل الكتاب بالذكر وإن كان المؤمنون ~~كذلك، لان الخيانة فيهم أكثر، فخرج الكلام على الغالب. والله أعلم. وقد مضى ~~تفسير القنطار. وأما الدينار فأربعة وعشرون قيراطا والقيراط ثلاث حبات من ~~وسط الشعير، فمجموعه اثنتان وسبعون حبة، وهو مجمع عليه. ومن حفظ الكثير ~~وأداه فالقليل أولى، ومن خان في اليسير أو منعه فذلك في الكثير أكثر. وهذا ~~أدل دليل على القول بمفهوم الخطاب. وفيه بين العلماء خلاف [كثير] (2) مذكور ~~في أصول الفقه. وذكر تعالى قسمين: من يؤدي ومن لا يؤدى إلا بالملازمة عليه، ~~وقد يكون من الناس من لا يؤدي وإن دمت عليه قائما. فذكر تعالى القسمين لأنه ~~الغالب # PageV04P116 # والمعتاد والثالث نادر، فخرج ms1379 الكلام على الغالب. وقرأ طلحة بن مصرف وأبو ~~عبد الرحمن السلمي وغيرهما " دمت " بكسر الدال وهما لغتان، والكسر لغة أزد ~~السراة، من " دمت تدام " مثل خفت تخاف. وحكى الأخفش دمت تدوم، شاذا. # الثالثة - استدل أبو حنيفة على مذهبه في ملازمة الغريم بقوله تعالى: " ~~إلا ما دمت عليه قائما " وأباه سائر العلماء، وقد تقدم في البقرة (1). وقد ~~استدل بعض البغداديين [من علمائنا] (2) على حبس المديان بقوله تعالى: " ~~ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما " فإذا كان ~~له ملازمته ومنعه من التصرف، جاز حبسه. وقيل: إن معنى " إلا ما دمت عليه ~~قائما " أي بوجهك فيهابك ويستحي منك، فان الحياء في العينين، ألا ترى إلى ~~قول ابن عباس رضي الله عنه: لا تطلبوا من الأعمى حاجة فإن الحياء في ~~العينين. وإذا طلبت من أخيك حاجة فانظر إليه بوجهك حتى يستحي فيقضيها. ~~ويقال: " قائما " أي ملازما له، فإن أنظرته أنكرك. وقيل: أراد بالقيام ~~إدامة المطالبة لا عين القيام. والدينار أصله دنار فعوضت من إحدى النونين ~~ياء طلبا للتخفيف لكثرة استعماله. يدل عليه أنه يجمع دنانير ويصغر دنينير. # الرابعة - الأمانة عظيمة القدر في الدين، ومن عظم قدرها أنها تقوم هي ~~والرحم على جنبتي (3) الصراط، كما في صحيح مسلم. فلا يمكن من الجواز إلا من ~~حفظهما. وروى مسلم عن حذيفة قال حدثنا النبي صلى الله عليه وسلم عن رفع ~~الأمانة، قال: (ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه) الحديث. وقد تقدم ~~بكماله أول البقرة (4). وروى ابن ماجة حدثنا محمد ابن المصفي حدثنا محمد بن ~~حرب عن سعيد بن سنان عن أبي الزاهرية عن أبي شجرة كثير ابن مرة عن ابن عمر ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله عز وجل إذا أراد أن يهلك عبدا ~~نزع منه الحياء فإذا نزع منه الحياء لم تلقه إلا مقيتا ممقتا فإذا لم تلقه ~~إلا مقيتا ممقتا نزعت منه الأمانة فإذا نزعت منه الأمانة لم تلقه إلا خائنا ~~مخونا فإذا لم تلقه ms1380 إلا خائنا مخونا نزعت منه # PageV04P117 # الرحمة فإذا نزعت منه الرحمة لم تلقه إلا رجيما ملعنا فإذا لم تلقه إلا ~~رجيما ملعنا نزعت منه ربقة الاسلام). وقد مضى في البقرة معنى قوله عليه ~~السلام: (أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا نحن من خانك). والله أعلم. # الخامسة - ليس في هذه الآية تعديل لأهل الكتاب ولا لبعضهم خلافا لمن ذهب ~~إلى ذلك، لان فساق المسلمين يوجد فيهم من يؤدي الأمانة ويؤمن على المال ~~الكثير ولا يكونون بذلك عدولا. فطريق العدالة والشهادة ليس يجزئ فيه أداء ~~الأمانة في المال من جهة المعاملة والوديعة، ألا ترى قولهم: " ليس علينا في ~~الأميين سبيل " [آل عمران: 75] فكيف يعدل من يعتقد استباحة أموالنا وحريمنا ~~بغير حرج عليه، ولو كان ذلك كافيا في تعديلهم لسمعت شهادتهم على المسلمين. # السادسة - قوله تعالى: (ذلك بأنهم قالوا) يعنى اليهود (ليس علينا في ~~الأميين سبيل) قيل: إن اليهود كانوا إذا بايعوا المسلمين يقولون: ليس علينا ~~في الأميين سبيل - أي حرج في ظلمهم - لمخالفتهم إيانا. وادعوا أن ذلك في ~~كتابهم، فأكذبهم الله عز وجل ورد عليهم فقال: " بلى " أي بلى عليهم سبيل ~~العذاب بكذبهم واستحلالهم أموال العرب. قال أبو إسحاق الزجاج: وتم الكلام. ~~ثم قال: " من أوفى بعهده واتقى " [آل عمران: 76]. ويقال: إن اليهود كانوا ~~قد استدانوا من الاعراب أموالا فلما أسلم أرباب الحقوق قالت اليهود: ليس ~~لكم علينا شئ، لأنكم تركتم دينكم فسقط عنا دينكم. وادعوا أنه حكم التوراة ~~فقال الله تعالى: # " بلى " ردا لقولهم " ليس علينا في الأميين سبيل ". أي ليس كما تقولون، ~~ثم استأنف فقال: " من أوفى بعهده واتقى " الشرك فليس من الكاذبين بل يحبه ~~الله ورسوله. # السابعة - قال رجل لابن عباس: إنا نصيب في العمد من أموال أهل الذمة ~~الدجاجة والشاة ونقول: ليس علينا في ذلك بأس. فقال له: هذا كما قال أهل ~~الكتاب " ليس علينا في الأميين سبيل " إنهم إذا أدوا الجزية لم تحل لكم ~~أموالهم إلا عن طيب PageV04P118 # أنفسهم، ذكره عبد الرازق عن معمر عن أبي إسحاق الهمداني ms1381 عن صعصعة أن رجلا ~~قال لابن عباس، فذكره. # الثانية - قوله تعالى: (ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون) يدل على أن ~~الكافر لا يجعل أهلا لقبول شهادته، لان الله تعالى وصفه بأنه كذاب. وفيه رد ~~عل الكفرة الذين يحرمون ويحللون غير تحريم الله وتحليله ويجعلون ذلك من ~~الشرع. قال ابن العربي: # ومن هذا يخرج الرد على من يحكم بالاستحسان من غير دليل، ولست أعلم أحدا ~~من أهل القبلة قاله. وفي الخبر: لما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: (ما شئ كان في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي إلا الأمانة فإنها ~~مؤداة إلى البر والفاجر). # قوله تعالى: بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين (76) " من " ~~رفع بالابتداء وهو شرط. و " أوفى " في موضع جزم. و " اتقى " معطوف عليه، أي ~~واتقى الله ولم يكذب ولم يستحل ما حرم عليه. (فإن الله يحب المتقين) أي يحب ~~أولئك. # وقد تقدم معنى حب الله لأوليائه. والهاء في قوله " بعهده " راجعة إلى ~~الله عز وجل. وقد جرى ذكره في قوله " ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون " ~~ويجوز أن تعود على الموفى ومتقي الكفر والخيانة ونقض العهد. والعهد مصدر ~~يضاف إلى الفاعل والمفعول. # قوله تعالى: إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلق ~~لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيمة ولا يزكيهم ولهم ~~عذاب أليم (77). # فيه مسألتان: # الأولى - روى الأئمة عن الأشعث بن قيس قال: كان بيني وبين رجل من اليهود ~~أرض فجحدني فقدمته إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: (هل PageV04P119 # لك بينة)؟ قلت لا، قال لليهودي: (احلف) قلت: إذا يحلف فيذهب بمالي، فأنزل ~~الله تعالى: " إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا " إلى آخر ~~الآية. وروى الأئمة أيضا عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: (من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه ~~الجنة). فقال له رجل: ms1382 وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله؟ # قال: (وإن كان قضيبا من أراك) (1). وقد مضى في البقرة معنى " لا يكلمهم ~~الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم (2) ". # الثانية - ودلت هذه الآية والأحاديث أن حكم الحاكم لا يحل المال في ~~الباطن بقضاء الظاهر إذا علم المحكوم له بطلانه، وقد روى الأئمة عن أم سلمة ~~قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنكم تختصمون إلي وإنما أنا بشر ~~ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض وإنما أقضى بينكم على نحو مما أسمع ~~منكم فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما اقطع له قطعة من النار ~~يأتي بها يوم القيامة. وهذا لا خلاف فيه بين الأئمة، (3) وإنما ناقض أبو ~~حنيفة وغلا وقال: إن حكم الحاكم المبني على الشهادة الباطلة يحل الفرج لمن ~~كان محرما عليه، كما تقدم في البقرة (4). وزعم أنه لو شهد شاهدا زور على ~~رجل بطلاق زوجته وحكم الحاكم بشهادتهما فإن فرجها يحل لمتزوجها ممن يعلم أن ~~القضية باطل. وقد شنع عليه بإعراضه عن هذا الحديث الصحيح الصريح، وبأنه صان ~~الأموال ولم ير استباحتها بالأحكام الفاسدة، و لم يصن الفروج عن ذلك، ~~والفروج أحق أن يحتاط لها وتصان. وسيأتي بطلان قوله في آية اللعان (5) إن ~~شاء الله تعالى. # قوله تعالى: وإن منهم لفريقا يلون ألسنتهم بالكتب لتحسبوه من الكتب وما ~~هو من الكتب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله ~~الكذب وهم يعلمون. # PageV04P120 # يعني طائفة من اليهود. (يلوون ألسنتهم بالكتاب) وقرأ أبو جعفر وشيبة " ~~يلوون " على التكثير. إذا أماله، ومنه والمعنى يحرفون الكلم ويعدلون به عن ~~القصد. وأصل اللي الميل. لوى بيده، ولوى برأسه قوله تعالى: " ليا بألسنتهم ~~" [النساء: 46] (1) أي عنادا عن الحق وميلا عنه إلى غيره. ومعنى " ولا ~~تلوون على أحد " [آل عمران: 153] (1) أي لا تعرجون عليه، يقال لوى عليه إذا ~~عرج وأقام. واللي المطل. لواه بدينه يلويه ليا وليانا مطله. قال: # قد كنت داينت بها حسانا * مخافة ms1383 الافلاس والليانا * يحسن بيع الأصل ~~والعيانا * وقال ذو الرمة: # تريدين (2) لياني وأنت ملية * وأحسن يا ذات الوشاح التقاضيا وفي الحديث ~~(لي الواحد يحل عرضه وعقوبته). وألسنة جمع لسان في لغة من ذكر، ومن أنث قال ~~ألسن. # قوله تعالى: ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتب والحكم والنبوة ثم يقول ~~للناس كونوا عباد لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتب ~~وبما كنتم تدرسون (79). # " ما كان " معناه ما ينبغي، كما قال: " وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا ~~خطأ " [النساء: 92] و " ما كان لله أن يتخذ من ولد " [مريم: 35] (3). و " ~~ما يكون لنا أن نتكلم بهذا " [النور: 16] (4) يعني ما ينبغي. والبشر يقع ~~للواحد والجمع لأنه بمنزلة المصدر، والمراد به هنا عيسى في قول الضحاك ~~والسدي. # والكتاب: القرآن. والحكم: العلم والفهم. وقيل أيضا: الاحكام. أي إن الله ~~لا يصطفي لنبوته الكذبة، ولو فعل ذلك بشر لسلبه الله آيات النبوة ~~وعلاماتها. ونصب " ثم يقول " على الاشتراك بين " أن يؤتيه " وبين " يقول " ~~أي لا يجتمع لنبي إتيان النبوة وقوله: " كونوا عبادا لي من دون الله ". ~~(ولكن كونوا ربانيين) أي ولكن جائز أن يكون النبي يقول لهم # PageV04P121 # كونوا ربانيين؟. وهذه الآية قيل إنها نزلت في نصارى نجران. وكذلك روي أن ~~السورة كلها إلى قوله " وإذ غدوت من أهلك " [آل عمران: 121] كان سبب نزولها ~~نصارى نجران ولكن مزج معهم اليهود، لأنهم فعلوا من الجحد والعناد فعلهم. # والربانيون واحدهم رباني منسوب إلى الرب. والرباني الذي يربي الناس بصغار ~~العلم قبل كباره، وكأنه يقتدي بالرب سبحانه في تيسير (1) الأمور، روي معناه ~~عن ابن عباس. قال بعضهم: كان في الأصل ربي فأدخلت الألف والنون للمبالغة، ~~كما يقال للعظيم اللحية: لحياني ولعظيم الجمة جماني ولغليظ الرقبة رقباني. ~~وقال المبرد: الربانيون أرباب العلم، واحدهم ربان، من قولهم: ربه يربه فهو ~~ربان إذا دبره وأصلحه، فمعناه على هذا يدبرون أمور الناس ويصلحونها. والألف ~~والنون للمبالغة كما قالوا ريان وعطشان، ثم ضمت إليها ياء النسبة كما قيل: ~~لحياني ورقباني وجماني. ms1384 قال الشاعر: # لو كنت مرتهنا في الجو (2) أنزلني * منه الحديث ورباني أحباري فمعنى ~~الرباني العالم بدين الرب الذي يعمل بعلمه، لأنه إذا لم يعمل بعلمه فليس ~~بعالم. وقد تقدم هذا المعنى في البقرة: وقال أبو رزين: الرباني هو العالم ~~الحكيم. وروى شعبة عن عاصم عن زر عن عبد الله بن مسعود " ولكن كونوا ~~ربانيين " قال: حكماء علماء. ابن جبير: # حكماء أتقياء. وقال الضحاك: لا ينبغي لاحد أن يدع حفظ القرآن جهده فإن ~~الله تعالى يقول: " ولكن كونوا ربانيين ". وقال ابن زيد: الربانيون الولاة، ~~والأحبار العلماء. وقال مجاهد: الربانيون فوق الأحبار. قال النحاس: وهو قول ~~حسن، لان الأحبار هم العلماء. # والرباني الذي يجمع إلى العلم البصر بالسياسة، مأخوذ من قول العرب: رب ~~أمر الناس يربه إذا أصلحه وقام به، فهو راب ورباني على التكثير. قال أبو ~~عبيدة: سمعت عالما يقول: الرباني العالم بالحلال والحرام والامر والنهي، ~~العارف بأنباء الأمة وما كان وما يكون. # وقال محمد بن الحنفية يوم مات أبن عباس: اليوم مات رباني هذه الأمة. وروي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما من مؤمن ذكر ولا أنثى حر ولا ~~مملوك إلا ولله عز وجل # PageV04P122 # عليه حق أن يتعلم من القرآن ويتفقه في دينه - ثم تلا هذه الآية - ولكن ~~كونوا ربانيين) الآية. رواه ابن عباس. # قوله تعالى: (بما كنتم تعلمون تاب وبما كنتم تدرسون) قرأه أبو عمرو وأهل ~~المدينة بالتخفيف من العلم. واختار هذه القراءة أبو حاتم. قال أبو عمرو: ~~وتصديقها " تدرسون " ولم يقل " تدرسون " بالتشديد من التدريس. وقرأ ابن ~~عامر وأهل الكوفة " تعلمون " بالتشديد من التعليم، واختارها أبو عبيد. قال: ~~لأنها تجمع المعنيين " تعلمون، وتدرسون ". قال مكي: التشديد أبلغ، لان كل ~~معلم عالم بمعنى يعلم وليس كل من علم شيئا معلما، فالتشديد يدل على العلم ~~والتعليم، والتخفيف إنما يدل على العلم فقط، فالتعليم أبلغ وأمدح وغيره ~~أبلغ في الذم. احتج من رجح قراءة التخفيف بقول ابن مسعود " كونوا ربانيين " ~~قال: حكماء علماء، فيبعد أن يقال كونوا فقهاء ms1385 حكماء علماء بتعليمكم. قال ~~الحسن، كونوا حكماء علماء بعلمكم. وقرأ أبو حياة " تدرسون " من أدرس يدرس. ~~وقرأ مجاهد " تعلمون " بفتح التاء وتشديد اللام، أي تتعلمون. # قوله تعالى: ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم ~~بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون (80) قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة بالنصب عطفا على ~~" أن يؤتيه ". ويقويه أن اليهود قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: أتريد أن ~~نتخذك يا محمد ربا؟ فقال الله تعالى: " ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب ~~والحكم والنبوة - إلى قوله: ولا يأمركم ". وفيه ضمير البشر، أي ولا يأمركم ~~البشر يعني عيسى وعزيرا. وقرأ والباقون بالرفع على الاستئناف والقطع من ~~الكلام الأول، وفيه ضمير اسم الله عز وجل، أي ولا يأمركم الله أن تتخذوا. ~~ويقوي هذه القراءة أن في مصحف عبد الله " ولن يأمركم " فهذا يدل على ~~الاستئناف، والضمير أيضا لله عز وجل، ذكره مكي، وقاله سيبويه والزجاج. وقال ~~ابن جريح وجماعة: ولا يأمركم محمد PageV04P123 # عليه السلام. وهذه قراءة أبي عمرو والكسائي وأهل الحرمين. (أن تتخذوا) أي ~~بأن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا. وهذا موجود في النصارى يعظمون ~~الأنبياء والملائكة حتى يجعلوهم لهم أربابا. (أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم ~~مسلمون) على طريق الانكار والتعجب، فحرم الله تعالى على الأنبياء أن يتخذوا ~~الناس عبادا يتألهون لهم ولكن ألزم الخلق حرمتهم. وقد ثبت عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: (لا يقولن أحدكم عبدي وأمتي وليقل فتاي وفتاتي ولا ~~يقل أحدكم ربي وليقل سيدي). وفي التنزيل " اذكرني عند ربك " [يوسف: 42]. ~~وهناك (1) يأتي بيان هذا [المعنى] (2) إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتب وحكمة ثم ~~جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم ~~إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين (81). # قيل: أخذ الله تعالى ميثاق الأنبياء أن يصدق بعضهم بعضا ويأمر بعضهم ~~بالايمان بعضا، فذلك معنى النصرة بالتصديق. وهذا قول سعيد بن جبير وقتادة ~~وطاوس والسدي والحسن، وهو ظاهر الآية. ms1386 قال طاوس: أخذ الله ميثاق الأول من ~~الأنبياء أن يؤمن بما جاء به الاخر. وقرأ ابن مسعود " وإذ أخذ الله ميثاق ~~الذين أوتوا الكتاب " [آل عمران: 187]. قال الكسائي: يجوز أن يكون " وإذ ~~أخذ الله ميثاق النبيين " بمعنى وإذ أخذ الله ميثاق الذين مع النبيين. وقال ~~البصريون: إذا أخذ الله ميثاق النبيين فقد أخذ ميثاق الذين معهم، لأنهم قد ~~اتبعوهم وصدقوهم. و " ما " في قوله " لما " بمعنى الذي. قال سيبويه: سألت ~~الخليل ابن أحمد عن قوله عز وجل: " وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم ~~من كتاب وحكمة " فقال: لما بمعنى الذي. قال النحاس: التقدير على قول الخليل ~~للذي آتيتكموه، ثم حذف # PageV04P124 # الهاء لطول الاسم. و " الذي " رفع بالابتداء وخبره " من كتاب وحكمة ". و ~~" من " لبيان الجنس. وهذا كقول القائل: لزيد أفضل منك، وهو قول الأخفش أنها ~~لام الابتداء. # قال المهدوي: وقوله " ثم جاءكم " وما بعده جملة معطوفة على الصلة، ~~والعائد منها على الموصول محذوف، والتقدير ثم جاءكم رسول مصدق به. # قوله تعالى (ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه) الرسول هنا ~~محمد صلى الله عليه وسلم في قول علي وابن عباس رضي الله عنهما. واللفظ وإن ~~كان نكرة فالإشارة إلى معين، كقوله تعالى: " وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة ~~مطمئنة " إلى قوله: " ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه " [النحل: 112 - 113] ~~(1). فأخذ الله ميثاق النبيين أجمعين أن يؤمنوا بمحمد عليه السلام وينصروه ~~إن أدركوه، وأمرهم أن يأخذوا بذلك الميثاق على أممهم. واللام من قوله " ~~لتؤمنن به " جواب القسم الذي هو أخذ الميثاق، إذ هو بمنزلة الاستحلاف. وهو ~~كما تقول في الكلام: أخذت ميثاقك لتفعلن كذا، كأنك قلت استحلفك، وفصل بين ~~القسم وجوابه بحرف الجر الذي هو " لما " في قراءة ابن كثير على ما يأتي. ~~ومن فتحها جعلها متلقية للقسم الذي هو أخذ الميثاق. واللام في " لتؤمنن به ~~" جواب قسم محذوف، أي والله لتؤمنن به. # وقال المبرد والكسائي والزجاج: " ما " شرط دخلت عليها لام التحقيق كما ~~تدخل على إن، ومعناه [لمهما] ms1387 (2) آتيتكم، فموضع " ما " نصب، وموضع " آتيتكم ~~" جزم، و " ثم جاءكم " معطوف عليه، (لتؤمنن به) اللام في قوله " لتؤمنن به ~~" جواب الجزاء، كقوله تعالى: " ولئن شئنا لنذهبن " [الاسراء: 86] (3) ~~ونحوه. وقال الكسائي: لتؤمنن به معتمد القسم فهو متصل بالكلام الأول، وجواب ~~الجزاء قوله " فمن تولى بعد ذلك " [آل عمران: 82]. ولا يحتاج على هذا الوجه ~~إلى تقدير عائد. وقرأ أهل الكوفة " لما آتيتكم " بكسر اللام، وهي أيضا ~~بمعنى الذي وهي متعلقة بأخذ، أي أخذ الله ميثاقهم لأجل الذي آتاهم من كتاب ~~وحكمة ثم إن جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به من بعد الميثاق، لان أخذ ~~الميثاق في معنى الاستحلاف كما تقدم. قال النحاس: # ولأبي عبيدة في هذا قول حسن. قال: المعنى وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا ~~الكتاب # PageV04P125 # لتؤمنن به لما آتيتكم من ذكر التوراة. وقيل: في الكلام حذف، والمعنى وإذ ~~أخذ الله ميثاق النبيين لتعلمن الناس لما جاءكم من كتاب وحكمة، ولتأخذن على ~~الناس أن يؤمنوا. ودل على هذا الحذف " وأخذتم على ذلكم إصري ". وقيل: إن ~~اللام في قوله " لما " في قراءة من كسرها بمعنى بعد، يعني بعد ما آتيتكم من ~~كتاب وحكمة، كما قال النابغة: # توهمت آيات لها فعرفتها * لستة أعوام وذا العام سابع أي بعد ستة أعوام. ~~وقرأ سعيد بن خبير " لما " بالتشديد، ومعناه حين آتيتكم. واحتمل أن يكون ~~أصلها التخفيف فزيدت " من " على مذهب من يرى زيادتها في الواجب فصارت لمن ~~ما، وقلبت النون ميما للادغام فاجتمعت ثلاث ميمات فحذفت الأولى منهن ~~استخفافا. وقرأ أهل المدينة " آتيناكم " على التعظيم. والباقون " آتيتكم " ~~على لفظ الواحد. ثم كل الأنبياء لم يؤتوا الكتاب وإنما أوتي البعض، ولكن ~~الغلبة للذين أوتوا الكتاب. والمراد أخذ ميثاق جميع الأنبياء فمن لم يؤت ~~الكتاب فهو في حكم من أوتي الكتاب لأنه أوتي الحكم والنبوة. وأيضا من لم ~~يؤت الكتاب أمر بأن يأخذ بكتاب من قبله فدخل تحت صفة من أوتي الكتاب. # قوله تعالى: (أأقررتم وأخذتم على ذلك إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا ~~معكم من ms1388 الشاهدين) " أقررتم " من الاقرار، والإصر والإصر لغتان، وهو العهد. ~~والإصر في اللغة الثقل، فسمي العهد إصرا لأنه منع وتشديد. (قال فاشهدوا) أي ~~اعلموا، عن ابن عباس. # الزجاج: بينوا لان الشاهد هو الذي يصحح دعوى المدعى. وقيل: المعنى اشهدوا ~~أنتم على أنفسكم وعلى أتباعكم. (وأنا معكم من الشاهدين) عليكم وعليهم. وقال ~~سعيد بن المسيب: # قال الله عز وجل للملائكة فاشهدوا عليهم، فتكون كناية عن غير مذكور. # قوله تعالى: فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون (82) " من " شرط. فمن ~~تولى من أمم الأنبياء عن الايمان بعد أخذ الميثاق (فأولئك هم الفاسقون) أي ~~الخارجون عن الايمان. والفاسق الخارج. وقد تقدم (1). # PageV04P126 # قوله تعالى: أفغير دين. الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا ~~وكرها وإليه يرجعون (83) قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على ~~إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وما أوتى موسى وعيسى والنبيون من ~~ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون (84) قوله تعالى: (أفغير دين ~~الله يبغون) قال الكلبي: إن كعب بن الأشرف وأصحابه اختصموا مع النصارى إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: أينا أحق بدين إبراهيم؟ فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: (كلا الفريقين برئ من دينه). فقالوا: ما نرضى بقضائك ولا ~~نأخذ بدينك، فنزل " أفغير دين الله يبغون " يعني يطلبون. ونصبت " غير " ~~بيبغون، أي يبغون غير دين الله. وقرأ أبو عمرو وحده " يبغون " بالياء على ~~الخبر " وإليه ترجعون " بالتاء على المخاطبة. قال: لان الأول خاص والثاني ~~عام ففرق بينهما لافتراقهما في المعنى. # وقرأ حفص وغيره " يبغون، ويرجعون " بالياء فيهما، لقوله: " فأولئك هم ~~الفاسقون ". # وقرأ الباقون بالتاء فيهما على الخطاب، لقوله " لما آتيتكم من كتاب وحكمة ~~". والله أعلم. # قوله تعالى: (وله أسلم) أي استسلم وانقاد وخضع وذل، وكل مخلوق فهو منقاد ~~مستسلم، لأنه مجبول على ما لا يقدر أن يخرج عنه. قال قتادة: أسلم المؤمن ~~طوعا والكافر عند موته كرها ولا ينفعه ذلك، لقوله: " فلم يك ينفعهم إيمانهم ~~لما رأوا بأسنا " [المؤمن: 85] (1). قال مجاهد: # إسلام الكافر كرها ms1389 بسجوده لغير الله وسجود ظله لله، " أو لم يروا إلى ما ~~خلق الله من شئ يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون " ~~[النحل: 48] (2). " ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم ~~بالغدو والآصال " [الرعد: 15] (3). وقيل: المعنى أن الله خلق الخلق على ما ~~أراد منهم، فمنهم الحسن والقبيح والطويل والقصير والصحيح والمريض وكلهم ~~منقادون اضطرارا، فالصحيح منقاد طائع محب لذلك، والمريض منقاد خاضع وإن كان ~~كارها. والطوع الانقياد # PageV04P127 # والاتباع بسهولة. والكره ما كان بمشقة وإباء من النفس. و (طوعا وكرها) ~~مصدران في موضع الحال، أي طائعين ومكرهين. وروى أنس بن مالك قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في قوله عز وجل: " وله أسلم من في السماوات والأرض ~~طوعا وكرها " قال: # (الملائكة أطاعوه في السماء والأنصار وعبد القيس في الأرض). وقال عليه ~~السلام: # (لا تسبوا أصحابي فإن أصحابي أسلموا من خوف الله وأسلم الناس من خوف ~~السيف). # وقال عكرمة: " طوعا " من أسلم من غير محاجة " وكرها " من اضطرته الحجة ~~إلى التوحيد. # يدل عليه قوله عز وجل: " ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله " [الزخرف: ~~87] (1) " ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن ~~الله " [العنكبوت: 63] (2). قال الحسن: هو عموم معناه الخصوص. وعنه: " أسلم ~~من في السماوات " وتم الكلام. ثم قال: " والأرض طوعا وكرها ". قال: والكاره ~~المنافق لا ينفعه عمله. و " طوعا وكرها " مصدران في موضع الحال. عن مجاهد ~~عن ابن عباس قال: إذا استصعبت دابة أحدكم أو كانت شموسا (3) فليقرأ في ~~أذنها هذه الآية: " أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض ~~طوعا وكرها " إلى آخر الآية. # قوله تعالى: ومن يبتغ غير الأسلم دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من ~~الخاسرين (85). # " غير " مفعول بيبتغ، " دينا " منصوب على التفسير، ويجوز أن ينتصب دينا ~~بيبتغ، وينتصب " غير " على أنه حال من الدين. قال مجاهد والسدي: نزلت هذه ~~الآية في الحارث ابن سويد أخو الحلاس بن سويد، وكان من الأنصار، ارتد عن ~~الاسلام هو واثنا عشر معه ms1390 ولحقوا بمكة كفارا، فنزلت هذه الآية، ثم أرسل إلى ~~أخيه يطلب التوبة. وروي ذلك عن ابن عباس وغيره. قال ابن عباس: وأسلم بعد ~~نزول الآيات. (وهو في الآخرة من الخاسرين) # PageV04P128 # قال هشام: أي وهو خاسر في الآخرة من الخاسرين، ولولا هذا لفرقت بين الصلة ~~والموصول. # وقال المازني: الألف واللام مثلها في الرجل. وقد تقدم هذا في البقرة (1) ~~عند قوله: " وإنه في الآخرة لمن الصالحين " [البقرة: 130]. # قوله تعالى: كيف يهدى الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق ~~وجاءهم البينات والله لا يهدى القوم الظالمين (86) قال ابن عباس: إن رجلا ~~من الأنصار أسلم ثم ارتد ولحق بالشرك ثم ندم، فأرسل إلى قومه: سلوا لي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم هل لي من توبة؟ فجاء قومه إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقالوا: هل له من توبة؟ فنزلت " كيف يهدي الله قوما كفروا بعد ~~إيمانهم " إلى قوله: " غفور رحيم " [آل عمران: 89] فأرسل إليه فأسلم. أخرجه ~~النسائي. وفي رواية: أن رجلا من الأنصار ارتد فلحق بالمشركين، فأنزل الله " ~~كيف يهدي الله قوما كفروا " إلى قوله: # " إلا الذين تابوا " [آل عمران: 89] فبعث بها قومه إليه، فلما قرئت عليه ~~قال: والله ما كذبني قومي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أكذبت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله، والله عز وجل أصدق الثلاثة، فرجع ~~تائبا، فقبل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركه. وقال الحسن: # نزلت في اليهود لأنهم كانوا يبشرون بالنبي صلى الله عليه وسلم ويستفتحون ~~على الذين كفروا، فلما بعث عاندوا وكفروا، فأنزل الله عز وجل: " أولئك ~~جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين " [آل عمران: 87]. ثم ~~قيل: " كيف " لفظة استفهام ومعناه الجحد، أي لا يهدي الله. # ونظيره قوله: " كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله " [التوبة: 7] ~~(2) أي لا يكون لهم عهد، وقال الشاعر: # كيف نومي على الفراش ولما * يشمل القوم غارة شعواء أي لا نوم لي. (والله ~~لا يهدى القوم الظالمين) يقال: ظاهر ms1391 الآية أن من كفر بعد إسلامه لا يهديه ~~الله ومن كان ظالما، لا يهديه الله، وقد رأينا كثيرا من المرتدين قد أسلموا # PageV04P129 # وهداهم الله، وكثيرا من الظالمين تابوا عن الظلم. قيل له: معناه لا ~~يهديهم الله ما داموا مقيمين على كفرهم وظلمهم ولا يقبلون على الاسلام، ~~فأما إذا أسلموا وتابوا فقد وفقهم الله لذلك. والله تعالى أعلم. # قوله تعالى: أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ~~(87) خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون (88) إلا الذين تابوا ~~من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم (89) أي إن داموا على كفرهم. وقد ~~تقدم معنى لعنة الله والناس في " البقرة " (1) فلا معنى لإعادته. # (ولاهم ينظرون) أي لا يؤخرون ولا يؤجلون. ثم استثنى التائبين فقال: (إلا ~~الذين تابوا) هو الحارث بن سويد كما تقدم. ويدخل في الآية بالمعنى كل من ~~راجع الاسلام وأخلص. # قوله تعالى: إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم ~~وأولئك هم الضالون (90) قال قتادة وعطاء الخراساني والحسن: نزلت في اليهود ~~كفروا بعيسى والإنجيل، ثم ازدادوا كفرا بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن. ~~وقال أبوا لعالية: نزلت في اليهود والنصارى كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~بعد إيمانهم بنعته وصفته " ثم ازدادوا كفرا " بإقامتهم على كفرهم. # وقيل: " ازدادوا كفرا " بالذنوب التي اكتسبوها. وهذا اختيار الطبري، وهي ~~عنده في اليهود. # (لن تقبل توبتهم " مشكل لقوله: " وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفوا ~~عن السيئات " [الشورى: 25] (2) فقيل: المعنى لن تقبل توبتهم عند الموت. قال ~~النحاس: وهذا قول حسن، كما قال عز وجل: " وليست التوبة للذين يعملون ~~السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الان " [النساء: 18]. (3) ~~وروي عن الحسن وقتادة وعطاء. وقد قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله # PageV04P130 # يقبل توبة العبد ما لم يغرغر) (1). وسيأتي في " النساء " بيان هذا ~~المعنى. وقيل: " لن تقبل توبتهم " التي كانوا عليها قبل أن يكفروا، لان ~~الكفر قد أحبطها. وقيل: " لن تقبل توبتهم " إذا تابوا من كفرهم إلى كفر ms1392 ~~آخر، وإنما تقبل توبتهم إذا تابوا إلى الاسلام. وقال قطرب. # هذه الآية نزلت في قوم من أهل مكة قالوا: نتربص بمحمد ريب المنون، فإن ~~بدا لنا الرجعة رجعنا إلى قومنا. فأنزل الله تعالى: " إن الذين كفروا بعد ~~إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم " أي لن تقبل. توبتهم وهم مقيمون ~~على الكفر، فسماها توبة غير مقبولة، لأنه لم يصح من القوم عزم، والله عز ~~وجل يقبل التوبة كلها إذا صح العزم. # قوله تعالى: إن الذين كفروا وما توا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء ~~الأرض ذهبا ولو افتدى به أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من نصرين (91) الملء ~~(بالكسر) مقدار ما يملا الشئ، والملء (بالفتح) مصدر ملأت الشئ، ويقال: # أعطني ملأه وملايه وثلاثة أملائه. والواو في " لو افتدى به " قيل: هي ~~مقحمة زائدة، المعنى: فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا لو افتدى به. وقال ~~أهل النظر من النحويين: لا يجوز أن تكون الواو مقحمة لأنها تدل على معنى. ~~ومعنى الآية: فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا تبرعا ولو افتدى به. و " ~~ذهبا " نصب على التفسير في قول الفراء. # قال المفضل: شرط التفسير أن يكون الكلام تاما وهو مبهم، كقولك عندي ~~عشرون، فالعدد معلوم والمعدود مبهم، فإذا قلت درهما فسرت. وإنما نصب ~~التمييز لأنه ليس له ما يخفضه ولا ما يرفعه، وكان النصب أخف الحركات فجعل ~~لكل ما لا عامل فيه. وقال الكسائي: # نصب على إضمار من، أي من ذهب، كقوله: " أو عدل ذلك صياما " [المائدة: 95] ~~(2) أي من صيام. # وفي البخاري ومسلم عن قتادة عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: (يجاء بالكافر # PageV04P131 # يوم القيامة فيقال له أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبا أكنت تفتدي به ~~فيقول نعم فيقال له قد كنت سئلت ما هو أيسر من ذلك). لفظ البخاري. وقال ~~مسلم بدل (قد كنت، كذبت، قد سئلت). # قوله تعالى: لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من شئ فإن ~~الله ms1393 به عليهم (92) فيه مسألتان: # الأولى - روى الأئمة واللفظ للنسائي عن أنس قال: لما نزلت هذه الآية: " ~~لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون " قال أبو طلحة: إن ربنا ليسألنا من ~~أموالنا فأشهدك يا رسول الله أني جعلت أرضي لله. فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: (اجعلها في قرابتك في حسان ابن ثابت وأبي بن كعب). وفي الموطأ " ~~وكانت أحب أمواله إليه بئر حاء (1)، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب ". وذكر الحديث. ففي هذه ~~الآية دليل على استعمال ظاهر الخطاب وعمومه، فإن الصحابة رضوان الله عليهم ~~أجمعين لم يفهموا من فحوى الخطاب حين نزلت الآية غير ذلك. ألا ترى أبا طلحة ~~حين سمع " لن تنالوا البر حتى تنفقوا " الآية، لم يحتج أن يقف حتى يرد ~~البيان الذي يريد الله أن ينفق منه عباده بآية أخرى أو سنة مبينة لذلك ~~فإنهم يحبون أشياء كثيرة. وكذلك فعل زيد ابن حارثة، عمد مما يحب إلى فرس ~~يقال له (سبل) وقال: اللهم إنك تعلم أنه ليس لي مال أحب إلي من فرسي هذه، ~~فجاء بها [إلى] (2) النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هذا في سبيل الله. # فقال لأسامة بن زيد (اقبضه). فكأن زيدا وجد من ذلك في نفسه. فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله قد قبلها منك). ذكره أسد بن موسى. وأعتق ~~ابن عمر نافعا مولاه، وكان أعطاه فيه عبد الله بن جعفر ألف دينار. قالت ~~صفية بنت أبي عبيد: أظنه تأول قول الله عز وجل: " لن تنالوا البر حتى ~~تنفقوا مما تحبون ". وروى شبل عن (3) أبي نجيح # PageV04P132 # عن مجاهد قال: كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري أن يبتاع له جارية ~~من سبي جلولاء (1) يوم فتح مدائن كسرى، فقال (2) سعد بن أبي وقاص: فدعا بها ~~عمر فأعجبته، فقال إن الله عز وجل يقول: " لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما ~~تحبون " فأعتقها عمر رضي الله عنه. # وروي عن الثوري أنه ms1394 بلغه أن أم ولد الربيع بن خيثم قالت: كان إذا جاءه ~~السائل يقول لي: # يا فلانة أعطي السائل سكرا، فإن الربيع يحب السكر. قال سفيان: يتأول قوله ~~عز وجل: " لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ". وروي عن عمر بن عبد ~~العزيز أنه كان يشتري أعدالا من سكر ويتصدق بها. فقيل له: هلا تصدقت ~~بقيمتها؟ فقال: لان السكر أحب إلي فأردت أن أنفق مما أحب. وقال الحسن: إنكم ~~لن تنالوا ما تحبون إلا بترك ما تشتهون، ولا تدركوا (3) ما تأملون إلا ~~بالصبر على ما تكرهون. # الثانية - واختلفوا في تأويل " البر " فقيل الجنة، عن ابن مسعود وابن ~~عباس وعطاء ومجاهد وعمرو بن ميمون والسدي. والتقدير لن تنالوا ثواب البر ~~حتى تنفقوا مما تحبون. # والنوال العطاء، من قولك نولته تنويلا أعطيته. ونالني من فلان معروف ~~ينالني، أو وصل إلي. فالمعنى لن تصلوا إلى الجنة وتعطوها حتى تنفقوا مما ~~تحبون. وقيل: البر العمل الصالح. وفي الحديث الصحيح: (عليكم بالصدق فإنه ~~يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة). وقد مضى في البقرة (4). قال عطية ~~العوفي: يعني الطاعة. عطاء: لن تنالوا شرف الدين والتقوى حتى تتصدقوا وأنتم ~~أصحاء أشحاء تأملون العيش وتخشون الفقر. وعن الحسن، " حتى تنفقوا " هي ~~الزكاة المفروضة. مجاهد والكلبي: هي منسوخة، نسختها آية الزكاة. وقيل: ~~المعنى حتى تنفقوا مما تحبون في سبيل الخير من صدقة أو غيرها من الطاعات، ~~وهذا جامع. وروى النسائي عن صعصعة بن معاوية قال: لقيت أبا ذر قال: قلت ~~حدثني قال: نعم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من عبد مسلم ينفق ~~من كل ماله زوجين في سبيل الله إلا استقبلته حجبة الجنة كلهم يدعوه إلى ما ~~عنده). قلت: وكيف ذلك؟ قال: إن كانت إبلا فبعيرين، # PageV04P133 # وإن كانت بقرا فبقرتين. وقال أبو بكر الوراق: دلهم بهذه الآية على الفتوة ~~(1). أي لن تنالوا بري بكم إلا ببركم بإخوانكم والانفاق عليهم من أموالكم ~~وجاهكم، فإذا فعلتم ذلك نالكم بري وعطفي. قال مجاهد: وهو مثل قوله: " ~~ويطعمون الطعام ms1395 على حبه مسكينا " [الانسان: 8]. (2) (وما تنفقوا من شئ فإن ~~الله به عليم) أي وإذا علم جازى عليه. # قوله تعالى: كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه ~~من قبل أن تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين (93) فمن ~~افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون (94). # فيه أربع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (حلا) " حلا " أي حلالا، ثم استثنى فقال: (إلا ما ~~حرم إسرائيل على نفسه) وهو يعقوب عليه السلام. في الترمذي عن ابن عباس أن ~~اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: أخبرنا، ما حرم إسرائيل عل نفسه؟ ~~قال: (كان يسكن البدو فاشتكى عرق (3) النساء فلم يجد شيئا يلائمه إلا لحوم ~~الإبل وألبانها فلذلك حرمها). قالوا: صدقت. # وذكر الحديث. ويقال: [إنه] (4) نذر إن برأ (5) منه ليتركن أحب الطعام ~~والشراب إليه، وكان أحب الطعام والشراب إليه لحوم الإبل وألبانها. وقال ابن ~~عباس ومجاهد وقتادة والسدي: أقبل يعقوب عليه السلام من حران يريد بيت ~~المقدس حين هرب من أخيه عيصو، وكان رجلا بطشا قويا، فلقيه ملك فظن يعقوب ~~أنه لص فعالجه أن يصرعه، فغمز الملك فخذ يعقوب عليه السلام، ثم صعد الملك ~~إلى السماء ويعقوب ينظر إليه فهاج عليه (6) عرق النساء، ولقي من # PageV04P134 # ذلك بلاء شديدا، فكان لا ينام الليل من الوجع ويبيت وله زقاء (1) أي ~~صياح، فحلف يعقوب عليه السلام إن شفاه الله عز وجل ألا يأكل عرقا، ولا يأكل ~~طعاما فيه عرق فحرمها على نفسه، فجعل بنوه يتبعون بعد ذلك العروق فيخرجونها ~~من اللحم. وكان سبب غمز الملك ليعقوب (2) أنه كان نذر إن وهب الله له اثني ~~عشر ولدا وأتى بيت المقدس صحيحا أن يذبح آخرهم (3). # فكان ذلك للمخرج من نذره، عن الضحاك. # الثانية - واختلف هل كان التحريم من يعقوب باجتهاد منه أو بإذن من الله ~~تعالى؟ # والصحيح الأول، لان الله تعالى أضاف التحريم إليه بقوله تعالى: " إلا ما ~~حرم " وأن النبي إذا أداه اجتهاده إلى شئ كان دينا يلزمنا اتباعه لتقرير ms1396 ~~الله سبحانه إياه على ذلك. وكما يوحى إليه ويلزم اتباعه، كذلك يؤذن له ~~ويجتهد، ويتعين موجب اجتهاده إذا قدر عليه، ولولا تقدم الاذن له في تحريم ~~ذلك ما تسور (4) على التحليل والتحريم. وقد حرم نبينا صلى الله عليه وسلم ~~العسل على الرواية الصحيحة، أو خادمه مارية فلم يقر الله تحريمه ونزل: " لم ~~تحرم ما أحل الله لك " [التحريم: 1] على ما يأتي بيانه في " التحريم " (5). ~~قال الكيا الطبري: فيمكن أن يقال: مطلق قوله تعالى: " لم تحرم ما أجل الله ~~" يقتضي ألا يختص بمارية، وقد رأى الشافعي أن وجوب الكفارة في ذلك غير ~~معقول المعنى، فجعلها مخصوصا بموضع النص، وأبو حنيفة رأى ذلك أصلا في تحريم ~~كل مباح وأجراه مجرى اليمين. # الثالثة - قوله تعالى: (قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين) قال ~~ابن عباس: لما أصاب يعقوب عليه السلام عرق النساء وصف الأطباء له أن يجتنب ~~لحوم الإبل فحرمها على نفسه. فقالت اليهود: إنما نحرم على أنفسنا لحوم ~~الإبل، لان يعقوب حرمها وأنزل الله تحريمها في التوراة، فأنزل الله هذه ~~الآية. قال الضحاك: فكذبهم الله ورد عليهم فقال: يا محمد " قل فأتوا ~~بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين " فلم يأتوا. فقال عز وجل: # (فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون) قال الزجاج: ~~في هذه الآية # PageV04P135 # أعظم دلالة لنبوة محمد نبينا صلى الله عليه وسلم، أخبرهم أنه ليس في ~~كتابهم، وأمرهم أن يأتوا بالتوراة فأبوا، يعني عرفوا أنه قال ذلك بالوحي. ~~وقال عطية العوفي: إنما كان ذلك حراما عليهم بتحريم يعقوب ذلك عليهم. وذلك ~~أن إسرائيل قال حين أصابه عرق النساء: والله لئن عافاني الله منه لا يأكله ~~لي ولد، ولم يكن ذلك محرما عليهم. وقال الكلبي: لم يحرمه الله عز وجل في ~~التوراة عليهم وإنما حرمه بعد التوراة بظلمهم وكفرهم، وكانت بنو إسرائيل ~~إذا أصابوا ذنبا عظيما حرم الله تعالى عليهم طعاما طيبا، أو صب عليهم رجزا ~~وهو الموت، فذلك قوله تعالى: " فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات ms1397 ~~أحلت لهم " [النساء: 160] (1) الآية. # وقوله: " وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر " الآية - إلى قوله: " ذلك ~~جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون " [الانعام: 146] (2). # الرابعة - ترجم ابن ماجة في سننه " دواء عرق النساء " حدثنا هشام بن عمار ~~وراشد ابن سعيد الرملي قالا حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا هشام بن حسان حدثنا ~~أنس بن سيرين أنه سمع أنس بن مالك يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: (شفاء عرق النساء ألية شاة [أعرابية] (3) تذاب ثم تجزأ ثلاثة أجزاء ~~ثم يشرب على الريق في كل يوم جزء). # وأخرجه الثعلبي في تفسيره أيضا من حديث أنس بن مالك قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في عرق النساء: (تؤخذ ألية كبش عربي لا صغير ولا كبير ~~فتقطع صغارا فتخرج إهالته (4) فتقسم ثلاثة أقسام في كل يوم على ريق النفس ~~ثلثا) قال أنس: فوصفته لأكثر من مائة فبرأ بإذن الله تعالى. شعبة: حدثني ~~شيخ في زمن الحجاج بن يوسف في عرق النساء: أقسم لك بالله الاعلى لئن لم ~~تنته لأكوينك بنار أو لأحلقنك بموسى. قال شعبة: قد جربته، تقوله، وتمسح على ~~ذلك الموضع. # قوله تعالى: قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ~~(95) # PageV04P136 # أي قل يا محمد صدق الله. إنه لم يكن ذلك في التوراة محرما. (فاتبعوا ملة ~~إبراهيم حنيفا) أمر باتباع دينه. (وما كان من المشركين) رد عليهم في دعواهم ~~الباطل كما تقدم. # قوله تعالى: إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعلمين (96) ~~فيه آيات بينت مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على الناس حج البيت من ~~استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غنى عن العلمين (97) فيه خمس مسائل: # الأولى - ثبت في صحيح مسلم عن أبي ذر قال: سألت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن أول مسجد وضع في الأرض قال: (المسجد الحرام). قلت: ثم أي؟ قال: ~~(المسجد الأقصى). قلت: كم بينهما؟ قال: (أربعون عاما ثم الأرض لك مسجد ~~فحيثما أدركتك الصلاة فصل). قال مجاهد ms1398 وقتادة: لم يوضع قبله بيت. قال علي ~~رضي الله عنه: كان قبل البيت بيوت كثيرة، والمعنى أنه أول بيت وضع للعبادة. ~~وعن مجاهد قال: تفاخر المسلمون واليهود فقالت اليهود: بيت المقدس أفضل ~~وأعظم من الكعبة، لأنه مهاجر (1) الأنبياء وفي الأرض المقدسة. وقال ~~المسلمون: بل الكعبة أفضل، فأنزل الله هذه الآية. وقد مضى في البقرة (2) ~~بنيان البيت وأول من بناه. قال مجاهد: خلق الله موضع هذا البيت قبل أن يخلق ~~شيئا من الأرض بألفي سنة، وأن قواعده لفي الأرض السابعة السفلى. وأما ~~المسجد الأقصى فبناه سليمان عليه السلام، كما خرجه النسائي بإسناد صحيح من ~~حديث عبد الله بن عمرو. وعن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن سليمان بن داود ~~عليه السلام لما بنى بيت المقدس سأل الله خلالا ثلاثة [سأل الله عز وجل] ~~(3) حكما يصادف حكمه فأوتيه، وسأل الله عز وجل ملكا # PageV04P137 # لا ينبغي لاحد من بعده فأوتيه، وسأل الله عز وجل حين فرغ من بناء المسجد ~~ألا يأتيه أحد لا ينهزه (1) إلا الصلاة فيه أن يخرجه من خطيئته كيوم ولدته ~~أمه فأوتيه). فجاء إشكال بين الحديثين، لان بين إبراهيم وسليمان آمادا ~~طويلة. قال أهل التواريخ: أكثر من ألف سنة. # فقيل: إن إبراهيم وسليمان عليهما السلام إنما جددا ما كان أسسه غيرهما. ~~وقد روي أن أول من بنى البيت آدم عليه السلام كما تقدم. فيجوز أن يكون غيره ~~من ولده وضع بيت المقدس من بعده بأربعين عاما، ويجوز أن تكون الملائكة أيضا ~~بنته بعد بنائها البيت بإذن الله، وكل محتمل. والله أعلم. وقال علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه: أمر الله تعالى الملائكة ببناء بيت في الأرض وأن يطوفوا ~~به، وكان هذا قبل خلق آدم، ثم إن آدم بنى منه ما بنى وطاف به، ثم الأنبياء ~~بعده، ثم استتم بناءه إبراهيم عليه السلام. # الثانية - قوله تعالى: (للذي ببكة) خبر " إن " واللام توكيد. و " بكة " ~~موضع البيت، ومكة سائر البلد، عن مالك بن أنس. وقال محمد بن شهاب: بكة ~~المسجد، ومكة ms1399 الحرم كله، تدخل فيه البيوت. قال مجاهد: بكة هي مكة. فالميم ~~على هذا مبدلة من الباء، كما قالوا: طين لازب ولازم. وقاله الضحاك والمؤرج. ~~ثم قيل: بكة مشتقة من البك وهو الازدحام. تباك القوم ازدحموا. وسميت بكة ~~لازدحام الناس في موضع طوافهم. والبك دق العنق. وقيل: سميت بذلك لأنها كانت ~~تدق رقاب الجبابرة إذا ألحدوا فيها بظلم. قال عبد الله بن الزبير: لم ~~يقصدها جبار قط بسوء إلا وقصه (2) الله عز وجل. وأما مكة فقيل: # إنها سميت بذلك [لقلة (3) مائها وقيل: سميت بذلك] لأنها تمك المخ من ~~العظم مما ينال قاصدها من المشقة من قولهم: مككت العظم إذا أخرجت ما فيه. ~~ومك الفصيل ضرع أمه وامتكه إذا امتص كل ما فيه من اللبن وشربه، قال الشاعر: # * مكت فلم تبق في أجوافها دررا * وقيل: سميت بذلك لأنها تمك من ظلم فيها، ~~أي تهلكه وتنقصه. وقيل: سميت بذلك لان الناس كانوا يمكون ويضحكون فيها، من ~~قوله: " وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء # PageV04P138 # وتصدية " [الأنفال: 35] (1) أي تصفيقا وتصفيرا. وهذا لا يوجبه التصريف، ~~لان " مكة " ثنائي مضاعف و " مكاء " ثلاثي معتل. # الثالثة - قوله تعالى: (مباركا) جعله مباركا لتضاعف العمل فيه، فالبركة ~~كثرة الخير، ونصب على الحال من المضمر في " وضع " أو بالظرف من " بكة " ~~المعنى: الذي استقر " ببكة مباركا " ويجوز في غير القرآن " مبارك "، على أن ~~يكون خبرا ثانيا، أو على البدل من الذي، أو على إضمار مبتدأ. (وهدى ~~للعالمين) عطف عليه، ويكون بمعنى وهو هدى للعالمين. # ويجوز في غير القرآن " مبارك " بالخفض يكون نعتا للبيت. # الرابعة - قوله تعالى: (فيه آيات بينات) رفع بالابتداء أو بالصفة. وقرأ ~~أهل مكة وابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير " آية بينة " على التوحيد، يعني ~~مقام إبراهيم وحده. # قالوا: أثر قدميه في المقام آية بينة. وفسر مجاهد مقام إبراهيم بالحرم ~~كله، فذهب إلى أن من آياته الصفا والمروة والركن والمقام. والباقون بالجمع. ~~أرادوا مقام إبراهيم والحجر الأسود والحطيم وزمزم والمشاعر كلها. قال: أبو ~~جعر النحاس: من قرأ " آيات ms1400 بينات " فقراءته أبين، لان الصفا والمروة من ~~الآيات، ومنها أن الطائر لا يعلو البيت صحيحا، ومنها أن الجارح (2) يطلب ~~الصيد فإذا دخل الحرم تركه، ومنها أن الغيث إذا كان ناحية الركن اليماني ~~كان الخصب باليمن، وإذا كان بناحية الشامي كان الخصب بالشام، وإذ عم البيت ~~كان الخصب في جميع البلدان، ومنها أن الجمار على ما يزاد عليها ترى (3) على ~~قدر واحد. والمقام من قولهم: قمت مقاما، وهو الموضع الذي يقام فيه. والمقام ~~من قولك: أقمت مقاما. وقد مضى هذا في البقرة (4)، ومضى الخلاف أيضا في ~~المقام والصحيح منه. وارتفع المقام على الابتداء والخبر محذوف، والتقدير ~~منها مقام إبراهيم، قاله الأخفش. وحكى عن محمد بن يزيد أنه قال: " مقام " ~~بدل من " آيات ". # وفيه قول ثالث بمعنى هي مقام إبراهيم. وقول الأخفش معروف في كلام العرب. ~~كما قال زهير: # PageV04P139 # لها متاع وأعوان غدون به * قتب (1) وغرب إذا ما أفرغ انسحقا أي مضى وبعد ~~سيلانه. وقول أبي العباس: إن مقاما بمعنى مقامات، لأنه مصدر. قال الله ~~تعالى: " ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم " [البقرة: 7] (2). وقال الشاعر: # * إن العيون التي في طرفها مرض * (3) أي في أطرافها. ويقوي هذا الحديث ~~المروي (الحج [كله] (4) مقام إبراهيم). # الخامسة - قوله تعالى: (ومن دخله كان آمنا) قال قتادة: ذلك أيضا من آيات ~~الحرم. قال النحاس: وهو قول حسن، لان الناس كانوا يتخطفون من حواليه، ولا ~~يصل إليه جبار، وقد وصل إلى بيت المقدس وخرب، ولم يوصل إلى الحرم. قال الله ~~تعالى: # " ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل " [الفيل: 1] (5). وقال بعض أهل ~~المعاني: صورة الآية خبر ومعناها أمر، تقديرها ومن دخله فأمنوه، كقوله: " ~~فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج " [البقرة: 197] (6) أي لا ترفثوا ولا ~~تفسقوا ولا تجادلوا. ولهذا المعنى قال الامام السابق النعمان بن ثابت: من ~~اقترف ذنبا واستوجب به حدا ثم لجأ إلى الحرم عصمه، [لقوله تعالى:] " ومن ~~دخله كان آمنا "، فأوجب الله سبحانه الامن لمن دخله. وروي ذلك عن جماعة من ~~السلف منهم ابن عباس ms1401 وغيره من الناس. قال ابن العربي: " وكل من قال هذا فقد ~~وهم من جهتين: إحداهما أنه لم يفهم من الآية أنها خبر عما مضى، ولم يقصد ~~بها إثبات حكم مستقبل، الثاني أنه لم يعلم أن ذلك الامن قد ذهب وأن القتل ~~والقتال قد وقع بعد ذلك فيها، وخبر الله لا يقع بخلاف مخبره، فدل ذلك على ~~أنه كان في الماضي هذا. وقد ناقض أبو حنيفة فقال، إذا لجأ إلى الحرم لا ~~يطعم ولا يسقى ولا يعامل ولا يكلم حتى يخرج، فاضطراره (7) إلى الخروج ليس ~~يصح معه أمن. وروي عنه أنه قال: يقع القصاص في الأطراف في الحرم ولا أمن ~~أيضا مع هذا ". # PageV04P140 # والجمهور من العلماء على أن الحدود تقام في الحرم، وقد أمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم بقتل ابن خطل (1) وهو متعلق بأستار الكعبة قلت: وروى الثوري ~~عن منصور عن مجاهد عن ابن عباس: من أصاب حدا [في الحرم] (2) أقيم عليه فيه، ~~وإن أصابه في الحل ولجأ إلى الحرم لم يكلم ولم يبايع حتى يخرج من الحرم ~~فيقام عليه الحد، وهو قول الشعبي. فهذه حجة الكوفيين، وقد فهم ابن عباس ذلك ~~من معنى الآية، وهو حبر الأمة وعالمها. والصحيح أنه قصد بذلك تعديد النعم ~~على كل من كان بها جاهلا ولها منكرا من العرب، كما قال تعالى: " أو لم يروا ~~أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم " [العنكبوت: 67] (3) فكانوا في ~~الجاهلية من دخله ولجأ إليه أمن من الغارة والقتل، على ما يأتي بيانه في " ~~المائدة " (4) إن شاء الله تعالى. قال قتادة: ومن دخله في الجاهلية كان ~~آمنا. وهذا حسن. وروي أن بعض الملحدة قال لبعض العلماء: أليس في القرآن " ~~ومن دخله كان آمنا " فقد دخلناه وفعلنا كذا وكذا فلم يأمن من كان فيه! قال ~~له: ألست من العرب! ما الذي يريد القائل من دخل داري كان (5) آمنا؟ أليس أن ~~يقول لمن أطاعه: كف عنه فقد أمنته وكففت عنه؟ قال: بلى. # قال: فكذلك قوله " ومن دخله كان آمنا ". وقال ms1402 يحيى بن جعدة: معنى " ومن ~~دخله كان آمنا " يعني من النار. # قلت: وهذا ليس على عمومه، لان في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري حديث ~~الشفاعة الطويل (فوالذي نفسي بيده ما منكم من أحد بأشد مناشدة لله في ~~استقصاء الحق من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار يقولون ~~ربنا كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون فيقال لهم أخرجوا من عرفتم) الحديث. ~~وإنما يكون آمنا من النار من دخله لقضاء النسك معظما له عارفا بحقه متقربا ~~إلى الله تعالى. قال جعفر الصادق: من دخله على الصفاء # PageV04P141 # كما دخله الأنبياء والأولياء كان آمنا من عذابه. وهذا معنى قوله عليه ~~السلام: (من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه والحج ~~المبرور ليس له جزاء إلا الجنة). # قال الحسن: الحج المبرور هو أن يرجع زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة. ~~وأنشد: # يا كعبة الله دعوة اللاجي * دعوة مستشعر ومحتاج ودع أحبابه ومسكنه * فجاء ~~ما بين خائف راجي (1) إن يقبل الله سعيه كرما * نجا، وإلا فليس بالناجي ~~وأنت ممن ترجى شفاعته * فأعطف على وافد بن حجاج وقيل: المعنى ومن دخله عام ~~عمرة القضاء مع محمد صلى الله عليه وسلم كان آمنا. دليله قوله تعالى: " ~~لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين " [الفتح: 27] (2). وقد قيل: إن " ~~من " ها هنا لمن لا يعقل، والآية في أمان الصيد، وهو شاذ، وفي التنزيل: " ~~فمنهم من يمشي على بطنه " [النور: 45] (3) الآية. # قوله تعالى: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن ~~الله غنى عن العالمين) فيه تسع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (ولله) اللام في قوله " ولله " لام الايجاب ~~والالزام، ثم أكده بقوله تعالى: (على) التي هي من أوكد ألفاظ الوجوب عند ~~العرب، فإذا قال العربي: لفلان على كذا، فقد وكده وأوجبه. فذكر الله تعالى ~~الحج [بأبلغ] (4) ألفاظ الوجوب تأكيدا لحقه وتعظيما لحرمته. ولا خلاف في ~~فريضته (5)، وهو أحد قواعد الاسلام، وليس يجب إلا مرة في العمر. # وقال بعض الناس: يجب في ms1403 كل خمسة أعوام [مرة] (6)، ورووا في ذلك حديثا ~~أسندوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والحديث باطل لا يصح، والاجماع صاد ~~في وجوههم. # قلت: وذكر عبد الرزاق قال: حدثنا سفيان [الثوري] (7) عن العلاء بن المسيب ~~عن أبيه عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يقول الرب ~~عز وجل إن عبدا أوسعت عليه في الرزق فلم يعد إلي في كل أربعة أعوام لمحروم) ~~مشهور من حديث العلاء بن المسيب بن رافع الكاهلي الكوفي من أولاد المحدثين، ~~روى عنه غير واحد، منهم من قال: في كل خمسة أعوام، # PageV04P142 # ومنهم من قال: عن العلاء عن يونس بن خباب (1) عن أبي سعيد، في غير ذلك من ~~الاختلاف. # وأنكرت الملحدة الحج، فقالت: إن فيه تجريد الثياب وذلك يخالف الحياء، ~~والسعي وهو يناقض الوقار، ورمي الجمار لغير مرمى وذلك يضاد العقل، فصاروا ~~إلى أن هذه الأفعال كلها باطلة، إذ لم يعرفوا لها حكمة ولا علة، وجهلوا أنه ~~ليس من شرط المولى مع العبد، أن يفهم المقصود بجميع ما يأمره به، ولا أن ~~يطلع على فائدة تكليفه، وإنما يتعين عليه الامتثال، ويلزمه الانقياد من غير ~~طلب فائدة ولا سؤال عن مقصود. ولهذا المعنى كان عليه السلام يقول في ~~تلبيته: # (لبيك حقا حقا تعبدا ورقا لبيك إله الحق). وروى الأئمة عن أبي هريرة قال: ~~خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (أيها الناس قد فرض الله عليكم ~~الحج فحجوا). فقال رجل: # كل عام يا رسول الله؟ فسكت، حتى قالها ثلاثا، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: (لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم) ثم قال: ذروني ما تركتكم فإنما ~~هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بشئ ~~فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شئ فدعوه) لفظ مسلم. فبين هذا الحديث ~~أن الخطاب إذا توجه على المكلفين بفرض أنه يكفي منه فعل مرة ولا يقتضي ~~التكرار، خلافا للأستاذ أبي إسحاق الأسفراييني وغيره. وثبت أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ms1404 قال له أصحابه: يا رسول الله، أحجنا لعامنا هذا أم للأبد؟ ~~فقال: (لا بل للأبد). # وهذا نص في الرد على من قال: يجب في كل خمس سنين مرة. وقد كان الحج ~~معلوما عند العرب مشهورا لديهم، وكان مما يرغب فيه لأسواقها وتبررها (2) ~~وتحنفها، فلما جاء الاسلام خوطبوا بما علموا وألزموا بما عرفوا. وقد حج ~~النبي صلى الله عليه وسلم قبل حج الفرض، وقد وقف بعرفة ولم يغير من شرع ~~إبراهيم ما غيروا، حين كانت قريش تقف بالمشعر الحرام ويقولون: نحن أهل ~~الحرم فلا نخرج منه، ونحن الحمس (3). حسب ما تقدم بيانه في " البقرة " (4). # قلت: من أغرب ما رأيته أن النبي صلى الله عليه وسلم حج قبل الهجرة مرتين ~~وأن الفرض سقط عنه بذلك، لأنه قد أجاب نداء إبراهيم حين قيل له: " وأذن في ~~الناس # PageV04P143 # بالحج " [الحج: 27] (1). قال الكيا الطبري: وهذا بعيد، فإنه إذا ورد في ~~شرعه: " ولله على الناس حج البيت " فلا بد من وجوبه عليه بحكم الخطاب في ~~شرعه. ولئن قيل: إنما خاطب من لم يحج، كان تحكما وتخصيصا لا دليل عليه، ~~ويلزم عليه ألا يجب بهذا الخطاب على من حج على دين إبراهيم، وهذا في غاية ~~البعد. # الثانية - ودل الكتاب والسنة على أن الحج على التراخي لا على الفور، وهو ~~تحصيل مذهب مالك فيما ذكر ابن خويز منداد، وهو قول الشافعي ومحمد بن الحسن ~~وأبي يوسف في رواية عنه. وذهب بعض البغداديين من المتأخرين من المالكيين ~~إلى أنه على الفور، ولا يجوز تأخيره مع القدرة عليه، وهو قول داود. والصحيح ~~الأول، لان الله تعالى قال في سورة الحج: " وأذن في الناس بالحج يأتوك ~~رجالا " [الحج: 27] وسورة الحج مكية (2). وقال تعالى: " ولله على الناس حج ~~البيت " الآية. وهذه السورة نزلت عام أحد بالمدينة سنة ثلاث من الهجرة ولم ~~يحج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سنة عشر. أما السنة فحديث ضمام بن ~~ثعلبة السعدي من بني سعد بن بكر قدم على النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن ms1405 ~~الاسلام فذكر الشهادة والصلاة والزكاة والصيام والحج. رواه ابن عباس وأبو ~~هريرة وأنس، وفيها كلها ذكر الحج، وأنه كان مفروضا، وحديث أنس أحسنها سياقا ~~وأتمها. واختلف في وقت قدومه، فقيل: سنة خمس. وقيل: سنة سبع. وقيل: سنة ~~تسع، ذكره ابن هشام عن أبي عبيدة الواقدي عام الخندق بعد انصراف الأحزاب. ~~قال ابن عبد البر: ومن الدليل على أن الحج على التراخي إجماع العلماء على ~~ترك تفسيق القادر على الحج إذا أخره العام والعامين ونحوهما، وأنه إذا حج ~~من بعد أعوام من حين استطاعته فقد أدى الحج الواجب عليه في وقته، وليس هو ~~عند الجميع كمن فاتته الصلاة حتى خرج وقتها فقضاها بعد خروج وقتها، ولا كمن ~~فاته صيام رمضان لمرض أو سفر فقضاه. ولا كمن أفسد حجه فقضاه، فلما أجمعوا ~~على أنه لا يقال لمن حج بعد أعوام من وقت استطاعته: أنت قاض لما وجب عليك، ~~علمنا أن وقت الحج موسع فيه وأنه على التراخي لا على الفور. قال أبو عمر: # كل من قال بالتراخي لا يحد في ذلك حدا، إلا ما روي عن سحنون وقد سئل عن ~~الرجل # PageV04P144 # يجد ما يحج به فيؤخر ذلك إلى سنين كثيرة مع قدرته على ذلك هل يفسق ~~بتأخيره الحج وترد شهادته؟ قال: لا وإن مضى من عمره ستون سنة، فإذا زاد على ~~الستين فسق وردت شهادته. وهذا توقيف وحد، والحدود في الشرع لا تؤخذ إلا عمن ~~له أن يشرع. # قلت: وحكاه ابن خويز منداد عن ابن القاسم. قال ابن القاسم وغيره: إن أخره ~~ستين سنة لم يخرج (1)، وإن أخره بعد الستين حرج، لان النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: (أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين وقل من يتجاوزها) فكأنه ~~في هذا العشر قد يتضايق عليه الخطاب. # قال أبو عمر: وقد احتج بعض الناس [كسحنون] (2) بقوله صلى الله عليه وسلم: ~~(معترك أمتي بين الستين إلى السبعين وقل من يجاوز ذلك). ولا حجة فيه، لأنه ~~كلام خرج على الأغلب من أعمار أمته لو صح ms1406 الحديث. وفيه دليل على التوسعة ~~إلى السبعين لأنه من الأغلب أيضا، ولا ينبغي أن يقطع بتفسيق من صحت عدالته ~~وأمانته بمثل هذا من التأويل الضعيف. وبالله التوفيق. # الثالثة - أجمع العلماء على أن الخطاب بقوله تعالى: (ولله على الناس حج ~~البيت) عام في جميعهم مسترسل على جملتهم. قال ابن العربي: " وإن كان الناس ~~قد اختلفوا في مطلق العمومات بيد أنهم اتفقوا على حمل هذه الآية على جميع ~~الناس ذكرهم وأنثاهم، خلا الصغير فإنه خارج بالاجماع عن أصول التكليف، ~~وكذلك العبد لم يدخل فيه، لأنه أخرجه عن مطلق العموم قوله تعالى [في (2) ~~التمام]: " من استطاع إليه سبيلا " والعبد غير مستطيع، لان السيد يمنعه ~~لحقوقه عن هذه العبادة. وقد قدم الله سبحانه حق السيد على حقه رفقا بالعباد ~~ومصلحة لهم. ولا خلاف فيه بين الأمة ولا بين الأئمة، فلا نهرف (3) بما لا ~~نعرف، ولا دليل عليه إلا الاجماع. قال ابن المنذر: أجمع عامة أهل العلم إلا ~~من شذ منهم ممن لا يعد خلافا، على أن الصبي إذا حج في حال صغره، والعبد إذا ~~حج في حال رقه، ثم بلغ الصبي وعتق العبد إن عليهما حجة الاسلام إذا وجدا ~~إليها سبيلا. وقال أبو عمر: خالف داود جماعة فقهاء الأمصار وأئمة الأثر في ~~المملوك وأنه عنده مخاطب بالحج، وهو عند جمهور العلماء خارج من الخطاب ~~العام في قوله تعالى: " ولله على # PageV04P145 # الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا " بدليل عدم التصرف، وأنه ليس له أن ~~يحج بغير إذن سيده، كما خرج من خطاب الجمعة وهو قوله تعالى: " يا أيها ~~الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة " [الجمعة: 9] (1) الآية - عند ~~عامة العلماء إلا من شذ. وكما خرج من خطاب إيجاب الشهادة، قال الله تعالى: # " ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا " [البقرة: 282] (2) فلم يدخل في ذلك ~~العبد. وكما جاز خروج الصبي من قوله: # " ولله على الناس حج البيت " وهو من الناس بدليل رفع القلم عنه. وخرجت ~~المرأة من قوله: # " يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة ms1407 " وهي ممن شمله اسم الايمان، ~~وكذلك خروج العبد من الخطاب المذكور. وهو قول فقهاء الحجاز والعراق والشام ~~والمغرب، ومثلهم لا يجوز عليهم تحريف تأويل الكتاب. فإن قيل: إذا كان حاضر ~~المسجد الحرام وأذن له سيده فلم لا يلزمه الحج؟ # قيل له: هذا سؤال على الاجماع وربما لا يعلل ذلك، ولكن إذا ثبت هذا الحكم ~~على الاجماع استدللنا به على أنه لا يعتد بحجه في حال الرق عن حجة الاسلام، ~~وقد روي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أيما صبي حج ثم ~~أدرك فعليه أن يحج حجة أخرى وأيما أعرابي حج ثم هاجر فعليه أن يحج حجة أخرى ~~وأيما عبد حج ثم أعتق فعليه أن يحج حجة أخرى). قال ابن العربي. " وقد تساهل ~~بعض علمائنا فقال: إنما لم يثبت الحج على العبد وإن أذن له السيد لأنه كان ~~كافرا في الأصل ولم يكن حج الكافر معتدا به، فلما ضرب عليه الرق ضربا مؤبدا ~~لم يخاطب بالحج، وهذا فاسد من ثلاثة أوجه فأعلموه: # أحدها - أن الكفار عندنا مخاطبون بفروع الشريعة، ولا خلاف فيه في قول ~~مالك. # الثاني: أن سائر العبادات تلزمه من صلاة وصوم مع كونه رقيقا، ولو فعلها ~~في حال كفره لم يعتد بها، فوجب أن يكون الحج مثلها. الثالث - أن الكفر قد ~~ارتفع بالاسلام فوجب ارتفاع حكمه. فتبين أن المعتمد ما ذكرناه من تقدم حقوق ~~السيد). والله الموفق. # الرابعة - قوله تعالى: (من استطاع إليه سبيلا) " من " في موضع خفض على ~~بدل البعض من الكل، هذا قول أكثر النحويين. وأجاز الكسائي أن يكون " من " ~~في موضع رفع بحج، التقدير أن يحج البيت من. وقيل هي شرط. و " استطاع " في ~~موضع جزم، والجواب # PageV04P146 # محذوف، أي من استطاع إليه سبيلا فعليه الحج. روى الدارقطني عن ابن عباس ~~قال: قيل يا رسول الله الحج كل عام؟ قال: (لا بل حجة)؟ قيل: فما السبيل، ~~قال: (الزاد والراحلة). # ورواه عن أنس وابن مسعود وابن عمر وجابر وعائشة وعمرو بن شعيب عن ms1408 أبيه عن ~~جده. وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم (ولله ~~على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) قال فسئل عن ذلك فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: (أن تجد ظهر بعير). وأخرج حديث ابن عمر أيضا ابن ماجة في ~~سننه، وأبو عيسى الترمذي في جامعه وقال: " حديث حسن، والعمل عليه عند أهل ~~العلم أن الرجل إذا ملك زادا وراحلة وجب عليه الحج. وإبراهيم (1) بن يزيد ~~هو الخوزي المكي، وقد تكلم فيه بعض أهل الحديث من قبل حفظه. وأخرجاه عن ~~وكيع والدارقطني عن سفيان بن سعيد قالوا: حدثنا إبراهيم بن يزيد عن محمد بن ~~عباد عن ابن عمر قال: قام رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول ~~الله، ما يوجب الحج؟. قال: (الزاد والراحلة) قال: يا رسول الله، فما الحاج؟ ~~قال: (الشعث التفل) (2). # وقام آخر فقال: يا رسول الله وما الحج؟ قال: (العج والثج). قال وكيع: ~~يعني بالعج العجيج بالتلبية والثج نحر البدن، لفظ ابن ماجة. وممن قال إن ~~الزاد والراحلة شرط في وجوب الحج: # عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وعبد الله بن عباس والحسن البصري وسعيد بن ~~جبير وعطاء ومجاهد. وإليه ذهب الشافعي والثوري وأبو حنيفة وأصحابه وأحمد ~~وإسحاق وعبد العزيز بن أبي سلمة وابن حبيب، وذكر عبدوس (3) مثله عن سحنون. ~~قال الشافعي: الاستطاعة وجهان: # أحدهما: أن يكون مستطيعا ببدنه واجدا من ماله ما يبلغه الحج. والثاني: أن ~~يكون معضوبا (4) في بدنه لا يثبت على مركبه وهو قادر على من يطيعه إذا أمره ~~أن يحج عنه بأجرة وبغير أجرة، على ما يأتي بيانه. أما المستطيع ببدنه فإنه ~~يلزمه فرض الحج بالكتاب بقوله عز وجل: # " من استطاع إليه سبيلا ". وأما المستطيع بالمال فقد لزمه فرض الحج ~~بالسنة بحديث الخثعمية على ما يأتي. وأما المستطيع بنفسه وهو القوي الذي لا ~~تلحقه مشقة غير محتملة # PageV04P147 # في الركوب على الراحلة، فإن هذا إذا ملك الزاد والراحلة لزمه فرض الحج ~~بنفسه، وإن ms1409 عدم الزاد والراحلة أو أحدهما سقط عنه فرض الحج، فإن كان قادرا ~~على المشي مطيقا له ووجد الزاد أو قدر على كسب الزاد في طريقه بصنعة مثل ~~الخرز والحجامة أو نحوهما فالمستحب له أن يحج ماشيا رجلا كان أو امرأة. قال ~~الشافعي: والرجل أقل عذرا من المرأة لأنه أقوى. وهذا عندهم على طريق ~~الاستحباب لا على طريق الايجاب، فأما إن قدر على الزاد بمسألة الناس في ~~الطريق كرهت له أن يحج لأنه يصير كلا على الناس. وقال مالك بن أنس رحمه ~~الله: # إذا قدر على المشي ووجد الزاد فعليه فرض الحج، وإن لم يجد الراحلة وقدر ~~على المشي نظر، فإن كان مالكا للزاد وجب عليه فرض الحج، وإن لم يكن مالكا ~~للزاد ولكنه يقدر على كسب حاجته منه في الطريق نظر أيضا، فإن كان من أهل ~~المروءات ممن لا يكتسب بنفسه لا يجب عليه، وإن كان ممن يكتسب كفايته بتجارة ~~أو صناعة لزمه فرض الحج، وهكذا إن كانت عادته مسألة الناس لزمه فرض الحج. ~~وكذلك أوجب مالك على المطيق المشي الحج، وإن لم يكن معه زاد وراحلة. وهو ~~قول عبد الله بن الزبير والشعبي وعكرمة. وقال الضحاك: إن كان شابا قويا ~~صحيحا ليس له مال فعليه أن يؤجر نفسه بأكله أو عقبه (1) حتى يقضي حجه. فقال ~~له مقاتل: # كلف الله الناس أن يمشوا إلى البيت؟ فقال: لو أن لأحدهم ميراثا بمكة أكان ~~تاركه؟! # بل ينطلق إليه ولو حبوا، كذلك يجب عليه الحج. واحتج هؤلاء بقوله عز وجل: ~~" وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا " (2) أي مشاة. قالوا: ولأن الحج من ~~عبادات الأبدان من فرائض الأعيان، فوجب ألا يكون الزاد من شروط وجوبها ولا ~~الراحلة كالصلاة والصيام. قالوا: # ولو صح حديث الخوزي الزاد والراحلة لحملناه على عموم الناس والغالب منهم ~~في الأقطار البعيدة. # وخروج مطلق الكلام على غالب الأحوال كثير في الشريعة وفي كلام العرب ~~وأشعارها. وقد روى ابن وهب وابن القاسم وأشهب عن مالك أنه سئل عن هذه الآية ~~فقال: الناس ms1410 في ذلك # PageV04P148 # على قدر طاقتهم ويسرهم وجلدهم. قال أشهب لمالك: أهو الزاد والراحلة؟. ~~قال: لا والله، ما ذاك إلا على قدر طاقة الناس، وقد يجد الزاد والراحلة ولا ~~يقدر على السير، وآخر يقدر أن يمشي على رجليه. # إذا وجدت الاستطاعة وتوجه فرض الحج يعرض ما يمنع منه كالغريم يمنعه عن ~~الخروج حتى يؤدى الدين، ولا خلاف في ذلك. أو يكون له عيال يجب عليه نفقتهم ~~فلا يلزمه الحج حتى يكون لهم نفقتهم مدة غيبته لذهابه ورجوعه، لان هذا ~~الانفاق فرض على الفور، والحج فرض على التراخي، فكان تقديم العيال أولى. ~~وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: # (كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت). وكذلك الأبوان يخاف الضيعة عليهما ~~وعدم العوض في التلطف بهما، فلا سبيل له إلى الحج، فإن منعاه لأجل الشوق ~~والوحشة فلا يلتفت إليه. # والمرأة يمنعها زوجها، وقيل لا يمنعها. والصحيح المنع، لا سيما إذا قلنا ~~إن الحج لا يلزم على الفور. # والبحر لا يمنع الوجوب إذا كان غالبه السلامة - كما تقدم بيانه في البقرة ~~(1) - ويعلم من نفسه أنه لا يميد (2). فإن كان الغالب عليه العطب أو الميد ~~حتى يعطل الصلاة فلا. وإن كان لا يجد موضعا لسجوده لكثرة الراكب وضيق ~~المكان فقد قال مالك: إذا لم يستطع الركوع والسجود إلا على ظهر أخيه فلا ~~يركبه. ثم قال: أيركب حيث لا يصلي! ويل لمن ترك الصلاة! ويسقط الحج إذا كان ~~في الطريق عدو يطلب الأنفس أو يطلب من الأموال ما لم يتحدد بحد مخصوص أو ~~يتحدد بقدر مجحف. وفي سقوطه بغير المجحف خلاف. وقال الشافعي: لا يعطى حبة ~~ويسقط فرض الحج. ويجب على المتسول إذا كانت تلك عادته وغلب على ظنه أنه يجد ~~من يعطيه. وقيل لا يجب، على ما تقدم من مراعاة الاستطاعة. # إذا زالت الموانع ولم يكن عنده من الناض (3) ما يحج به وعنده عروض فيلزمه ~~أن يبيع من عروضه للحج ما يباع عليه في الدين. وسئل ابن القاسم عن الرجل ~~تكون له القربة # PageV04P149 # ليس ms1411 له غيرها، أيبيعها في حجة الاسلام ويترك ولده ولا شئ لهم يعيشون به؟. ~~قال: نعم، ذلك عليه ويترك ولده في الصدقة. والصحيح القول الأول، لقوله عليه ~~السلام: (كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت) وهو قول الشافعي. والظاهر من ~~مذهبه أنه لا يلزم الحج إلا من له ما يكفيه من النفقة ذاهبا وراجعا - قال ~~في الاملاء - وإن لم يكن له أهل وعيال. وقال بعضهم: لا يعتبر الرجوع لأنه ~~ليس عليه كبير مشقة في تركه القيام ببلده، لأنه لا أهل له فيه ولا عيال وكل ~~البلاد له وطن. والأول أصوب، لان الانسان يستوحش لفراق وطنه كما يستوحش ~~لفراق سكنه. # ألا ترى أن البكر إذا زنا جلد وغرب عن بلده سواء كان له أهل أو لم يكن. ~~قال الشافعي في الام: # إذا كان له مسكن وخادم وله نفقة أهله بقدر غيبته يلزمه الحج. وظاهر هذا ~~أنه اعتبر أن يكون مال الحج فاضلا عن الخادم والمسكن، لأنه قدمه على نفقة ~~أهله، فكأنه قال بعد هذا كله. # وقال أصحابه: يلزمه أن يبيع المسكن والخادم ويكتري مسكنا وخادما لأهله، ~~فإن كان له بضاعة يتجر بها وربحها قدر كفايته وكفاية عياله على الدوام، ~~ومتى أنفق من أصل البضاعة اختل عليه ربحها ولم يكن فيه قدر كفايته، فهل ~~يلزمه الحج من أصل البضاعة أم لا؟ قولان: # الأول للجمهور وهو الصحيح المشهور، لأنه لا خلاف في أنه لو كان له عقار ~~تكفيه غلته لزمه أن يبيع أصل العقار في الحج، فكذلك البضاعة. وقال ابن ~~شريح: لا يلزمه ذلك ويبقي البضاعة ولا يحج من أصلها، لان الحج إنما يجب ~~عليه في الفاضل من كفايته. فهذا الكلام في الاستطاعة بالبدن والمال. # السابعة - المريض والمعضوب، والعضب القطع، ومنه سمي السيف عضبا، وكأن من ~~انتهى إلى ألا يقدر أن يستمسك على الراحلة ولا يثبت عليها بمنزلة من قطعت ~~أعضاؤه، إذ لا يقدر على شئ. وقد اختلف العلماء في حكمهما بعد إجماعهم أنه ~~لا يلزمهما المسير إلى الحج، لان الحج إنما فرضه على ms1412 المستطيع إجماعا، ~~والمريض والمعضوب لا استطاعة لهما. فقال مالك: إذا كان معضوبا سقط عنه فرض ~~الحج أصلا، سواء كان قادرا على من يحج عنه بالمال أو بغير المال لا يلزمه ~~فرض الحج. ولو وجب عليه الحج ثم عضب وزمن سقط عنه فرض الحج، PageV04P150 # ولا يجوز أن يحج عنه في حال حياته بحال، بل إن أوصى أن يحج عنه بعد موته ~~حج عنه من الثلث، وكان تطوعا، واحتج بقوله تعالى: " وأن ليس للانسان إلا ما ~~سعى " [النجم: 39] (1) فأخبر أنه ليس له إلا ما سعى. فمن قال: إنه له سعي ~~غيره فقد خالف ظاهر الآية. وبقوله تعالى: # " ولله على الناس حج البيت " وهذا غير مستطيع، لان الحج هو قصد المكلف ~~البيت بنفسه ولأنها عبادة لا تدخلها النيابة مع العجز عنها كالصلاة. وروى ~~محمد بن المنكدر عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله ~~عز وجل ليدخل بالحجة الواحدة ثلاثة الجنة الميت والحاج عنه والمنفذ ذلك). ~~خرجه الطبراني أبو القاسم سليمان بن أحمد قال حدثنا عمرو (2) بن حصين ~~السدوسي قال حدثنا أبو معشر عن محمد بن المنكدر، فذكره. # قلت: أبو معشر اسمه نجيح وهو ضعيف عندهم. وقال الشافعي: في المريض الزمن ~~والمعضوب والشيخ الكبير يكون قادرا على من يطيعه إذا أمره بالحج عنه فهو ~~مستطيع استطاعة ما. وهو على وجهين: أحدهما أن يكون قادرا على مال يستأجر به ~~من يحج عنه فإنه يلزمه فرض الحج، وهذا قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ~~روي عنه أنه قال لشيخ كبير لم يحج: جهز رجلا يحج عنك. وإلى هذا ذهب الثوري ~~وأبو حنيفة وأصحابه وابن المبارك وأحمد وإسحاق. والثاني أن يكون قادرا على ~~من يبذل له الطاعة والنيابة فيحج عنه، فهذا أيضا يلزمه الحج [عنه] (3) عند ~~الشافعي وأحمد وابن راهويه، وقال أبو حنيفة: لا يلزم الحج ببذل الطاعة ~~بحال. استدل الشافعي بما رواه ابن عباس أن امرأة من خثعم سألت النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن ms1413 فريضة الله على عباده في الحج ~~أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحج عنه قال: ~~(نعم). وذلك في حجة الوداع. في رواية: لا يستطيع أن يستوي على ظهر بعيره. ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فحجي عنه أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت ~~قاضيته)؟ قالت: نعم. قال: (فدين الله أحق أن يقضى). فأوجب النبي صلى الله ~~عليه وسلم الحج بطاعة ابنته إياه وبذلها من نفسها له بأن تحج عنه، فإذا وجب ~~ذلك # PageV04P151 # بطاعة البنت له كان بأن يجب عليه بقدرته على المال الذي يستأجر به أولى. ~~فأما إن بذل له المال دون الطاعة فالصحيح أنه لا يلزمه قبوله والحج به عن ~~نفسه ولا يصير ببذل المال له مستطيعا. وقال علماؤنا: حديث الخثعمية ليس ~~مقصوده الايجاب وإنما مقصوده الحث على بر الوالدين والنظر في مصالحهما ~~دنيا؟ ودينا وجلب المنفعة إليهما جبلة وشرعا، فلما رأى من المرأة انفعالا ~~وطواعية ظاهرة ورغبة صادقة في برها بأبيها وحرصا على إيصال الخير والثواب ~~إليه، وتأسفت أن تفوته بركة الحج أجابها إلى ذلك. كما قال للأخرى التي ~~قالت: إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت أفأحج عنها؟ قال: (حجي عنها ~~أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته)؟ قالت: نعم. ففي هذا ما يدل على أنه ~~من باب التطوعات وإيصال البر والخيرات للأموات، ألا ترى أنه قد شبه فعل ~~الحج بالدين. وبالاجماع لو مات ميت وعليه دين لم يجب على وليه قضاؤه من ~~ماله، فإن تطوع بذلك تأدى الدين عنه. ومن الدليل على أن الحج في هذا الحديث ~~ليس بفرض على أبيها ما صرحت به هذه المرأة بقولها " لا يستطيع " ومن لا ~~يستطيع لا يجب عليه. وهذا تصريح بنفي الوجوب ومنع الفريضة، فلا يجوز ما ~~انتفى في أول الحديث قطعا أن يثبت في آخره ظنا، يحققه قوله: (فدين الله أحق ~~أن يقضى) فإنه ليس على ظاهره إجماعا، فإن دين العبد أولى بالقضاء، وبه يبدأ ~~إجماعا لفقر الادمي واستغناء الله ms1414 تعالى، قاله ابن العربي. وذكر أبو عمر بن ~~عبد البر أن حديث الخثعمية عند مالك وأصحابه مخصوص بها. وقال آخرون: فيه ~~اضطراب. وقال ابن وهب وأبو مصعب: # هو في حق الولد خاصة. وقال ابن حبيب: جاءت الرخصة في الحج عن الكبير الذي ~~لا منهض له ولم يحج وعمن مات ولم يحج، أن يحج عنه ولده وإن لم يوص به ~~ويجزئه إن شاء الله تعالى. # فهذا الكلام على المعضوب وشبهه. وحديث الخثعمية أخرجه الأئمة، وهو يرد ~~على الحسن قوله: # إنه لا يجوز حج المرأة عن الرجل. # الثامنة وأجمع العلماء على أنه إذا لم يكن للمكلف قوت يتزوده في الطريق ~~لم يلزمه الحج. # وإن وهب له أجنبي مالا يحج به لم يلزمه فبوله إجماعا، لما يلحقه من المنة ~~في ذلك. فلو كان رجل وهب لأبيه مالا فقد قال الشافعي: يلزمه قبوله، لان ابن ~~الرجل من كسبه ولا منة عليه PageV04P152 # في ذلك. وقال مالك وأبو حنيفة: لا يلزمه قبوله، لان فيه سقوط حرمة ~~الأبوة، إذ يقال: # قد جزاه وقد وفاه. والله أعلم. # التاسعة - قوله تعالى: (ومن كفر فإن الله غنى عن العالمين) قال ابن عباس ~~وغيره: # المعنى ومن كفر بفرض الحج ولم يره واجبا. وقال الحسن البصري وغيره: إن من ~~ترك الحج وهو قادر عليه فهو كافر. وروى الترمذي عن الحارث عن علي قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من ملك زادا وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم ~~يحج فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا وذلك أن الله يقول في كتابه ولله ~~على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا). # قال أبو عيسى: (هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وفي إسناده ~~مقال، وهلال بن عبد الله مجهول، والحارث يضعف). وروي نحوه عن أبي أمامة ~~وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما. وعن عبد خير بن يزيد (1) عن علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته: (يا أيها ~~الناس إن ms1415 الله فرض عليكم الحج على من استطاع إليه سبيلا ومن لم يفعل فليمت ~~على أي حال شاء إن شاء يهوديا أو نصرانيا أو مجوسيا إلا أن يكون به عذر من ~~مرض أو سلطان جائر ألا نصيب له في شفاعتي ولا ورود حوضي). وقال ابن عباس ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كان عنده مال يبلغه الحج فلم يحج أو ~~عنده مال تحل فيه الزكاة فلم يزكه سأل عند الموت الرجعة). فقيل يا بن عباس ~~إنا كنا نرى هذا للكافرين. # فقال: أنا أقرأ عليكم به قرآنا: " يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ~~ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون. وأنفقوا مما ~~رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب ~~فأصدق وأكن من الصالحين " [المنافقون: 9 - 10] (2). قال الحسن بن صالح في ~~تفسيره: فأزكي وأحج. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا سأله عن الآية ~~فقال: # (من حج لا يرجو ثوابا أو جلس لا يخاف عقابا فقد كفر به). وروى قتادة عن ~~الحسن قال قال عمر رضي الله عنه: لقد هممت أن أبعث رجالا إلى الأمصار ~~فينظرون إلى من كان له مال ولم يحج فيضربون عليه الجزية، فذلك قوله تعالى: ~~" ومن كفر فإن الله غني عن العالمين ". # PageV04P153 # قلت: هذا خرج مخرج التغليظ، ولهذا قال علماؤنا: تضمنت الآية أن من مات ~~ولم يحج وهو قادر فالوعيد يتوجه عليه، ولا يجزئ أن يحج عنه غيره، لان حج ~~الغير لو أسقط عنه الفرض لسقط عنه الوعيد. والله أعلم. وقال سعيد بن جبير: ~~لو مات جار لي وله ميسرة ولم يحج لم أصل عليه. # قوله تعالى: قل يأهل الكتب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما ~~تعملون (98) قل يأهل الكتب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا ~~وأنتم شهداء وما الله بغافل عما تعملون (99) قوله تعالى: (قل يأهل الكتاب ~~لم تصدون عن سبيل الله) أي تصرفون عن دين الله (من ms1416 آمن). وقرأ الحسن " ~~تصدون " بضم التاء وكسر الصاد وهما لغتان: صد وأصد، مثل صل اللحم وأصل إذا ~~أنتن، وخم وأخم أيضا إذا تغير. (تبغونها عوجا) تطلبون لها، فحذف اللام، مثل ~~" وإذا كالوهم " [المطففين: 3] (1). يقال: بغيت له كذا أي طلبته. وأبغيته ~~كذا أي أعنته. والعوج: # الميل والزيغ (بكسر العين) في الدين والقول والعمل وما خرج عن طريق ~~الاستواء. و (بالفتح) في الحائط والجدار وكل شخص قائم، عن أبي عبيدة وغيره. ~~ومعنى قوله تعالى: " يتبعون الداعي لا عوج (2) له " [طه: 108] أي لا يقدرون ~~أن يعوجوا عن (3) دعائه. وعاج بالمكان وعوج أقام ووقف. # والعائج الواقف، قال الشاعر: # هل أنتم عائجون بنا لعنا (4) * نرى العرصات (5) أو أثر الخيام والرجل ~~الأعوج: السئ الخلق، وهو بن العوج. والعوج من الخيل التي في أرجلها تحنيب ~~(6). # والأعوجية من الخيل تنسب إلى فرس كان في الجاهلية سابقا. ويقال: فرس محنب ~~إذا كان بعيد ما بين الرجلين بغير فحج، وهو مدح. ويقال: الحنب اعوجاج في ~~الساقين. قال الخليل التحنيب يوصف في الشدة، وليس ذلك باعوجاج. # PageV04P154 # قوله تعالى: (وأنتم شهداء) أي عقلاء. وقيل: شهداء أن في التوراة مكتوبا ~~أن دين الله الذي لا يقبل غيره الاسلام، إذ فيه (1) نعت محمد صلى الله عليه ~~وسلم. # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتب ~~يردوكم بعد إيمانكم كفرين (100). # نزلت في يهودي أراد تجديد الفتنة بين الأوس والخزرج بعد انقطاعها بالنبي ~~صلى الله عليه وسلم، فجلس بينهم وأنشدهم شعرا قاله أحد الحيين في حربهم. ~~فقال الحي الآخر: قد قال شاعرنا في يوم كذا وكذا، فكأنهم دخلهم من ذلك شئ، ~~فقالوا: تعالوا نرد الحرب جذعاء كما كانت. فنادى هؤلاء: يا آل أوس. ونادى ~~هؤلاء. يا آل خزرج، فاجتمعوا وأخذوا السلاح واصطفوا للقتال فنزلت هذه ~~الآية، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم حتى وقف بين الصفين فقرأها ورفع ~~صوته، فلما سمعوا صوته انصتوا له وجعلوا يستمعون، فلما فرغ ألقوا السلاح ~~وعانق بعضهم بعضا وجعلوا يبكون، عن عكرمة وابن زيد وابن عباس. ms1417 والذي فعل ~~ذلك شاس بن قيس اليهودي، دس على الأوس والخزرج من يذكرهم ما كان بينهم من ~~الحروب، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أتاهم وذكرهم، فعرف القوم أنها نزعة ~~من الشيطان، وكيد من عدوهم، فألقوا السلاح من أيديهم وبكوا وعانق بعضهم ~~بعضا، ثم انصرفوا مع النبي صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين، فأنزل الله ~~عز وجل (يا أيها الذين آمنوا) يعنى الأوس والخزرج. # (إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب) يعنى شاسا وأصحابه. (يردوكم بعد ~~إيمانكم كافرين) قال جابر بن عبد الله: ما كان طالع أكره إلينا من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فأومأ إلينا بيده فكففنا وأصلح الله تعالى ما ~~بيننا، فما كان شخص أحب إلينا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما رأيت ~~يوما أقبح ولا أوحش أولا وأحسن آخرا من ذلك اليوم. # قوله تعالى: وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن ~~يعتصم بالله فقد هدى إلى صراط مستقيم (101). # PageV04P155 # قاله تعالى على جهة التعجب (1)، أي (وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات ~~الله) يعني القرآن. (وفيكم رسوله) محمد صلى الله عليه وسلم. قال ابن عباس: ~~كان بين الأوس والخزرج قتال وشر في الجاهلية، فذكروا ما كان بينهم فثار ~~بعضهم على بعض بالسيوف، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فذهب ~~إليهم، فنزلت هذه الآية " وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم ~~رسوله - إلى قوله تعالى: فأنقذكم منها " ويدخل في هذه الآية من لم ير النبي ~~صلى الله عليه وسلم، لان ما فيهم من سنته يقوم مقام رؤيته. قال الزجاج: # يجوز أن يكون هذا الخطاب لأصحاب محمد خاصة، لان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كان فيهم وهم يشاهدونه. ويجوز أن يكون هذا الخطاب لجميع الأمة، لان ~~آثاره وعلاماته والقرآن الذي أوتى فينا مكان النبي صلى الله عليه وسلم فينا ~~وإن لم نشاهده. وقال قتادة: في هذه الآية علمان ببنان؟: كتاب الله ونبي ~~الله، فأما نبي الله فقد مضى، وأما كتاب ms1418 الله فقد أبقاه بين أظهرهم رحمة ~~منه ونعمة، فيه حلاله وحرامه، وطاعته ومعصيته. (وكيف) في موضع نصب، وفتحت ~~الفاء عند الخليل وسيبويه لالتقاء الساكنين، واختير لها الفتح لان ما قبل ~~الفاء ياء فثقل أن يجمعوا بين ياء وكسرة. قوله تعالى: (ومن يعتصم بالله) أي ~~يمتنع ويتمسك بدينه وطاعته. # (فقد هدى) وفق وأرشد (إلى صراط مستقيم). ابن جريج " يعتصم بالله " يؤمن ~~به. # وقيل: المعنى ومن يعتصم بالله أي يتمسك بحبل الله، وهو القرآن. يقال: ~~أعصم به واعتصم، وتمسك واستمسك إذا امتنع به من غيره. واعتصمت فلانا هيأت ~~له ما يعتصم به. وكل متمسك بشئ معصم ومعتصم. وكل مانع شيئا فهو عاصم، قال ~~الفرزدق: # أنا ابن العاصمين بني تميم * إذا ما أعظم الحدثان نابا قال النابغة: # يظل من خوفه الملاح معتصما * بالخيزرانة بعد الأين والنجد (2) # PageV04P156 # وقال آخر (1): # فأشرط فيها نفسه وهو معصم * وألقى بأسباب له وتوكلا وعصمه الطعام: منع ~~الجوع منه، تقول العرب: عص‍ [- م فلانا] (2) الطعام أي منعه من الجوع، ~~فكنوا السويق بأبي عاصم لذلك. قال أحمد بن يحيى: العرب تسمي الخبز عاصما ~~وجابرا، وأنشد: # فلا تلوميني ولومي جابرا * فجابر كلفني الهواجرا ويسمونه عامرا. وأنشد: # أبو مالك يعتادني بالظهائر * يجئ فيلقى رحله عند عامر أبو مالك كنية ~~الجوع. # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا ~~وأنتم مسلمون (102) فيه مسألة واحدة: # روى البخاري (3) عن مرة عن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: (حق تقاته أن يطاع فلا يعصى وأن يذكر فلا ينسى وأن يشكر فلا يكفر. ~~وقال ابن عباس: # هو ألا يعصى طرفة عين. وذكر المفسرون أنه لما نزلت هذه الآية قالوا: يا ~~رسول الله، من يقوى على هذا؟ وشق عليهم فأنزل الله عز وجل: " فاتقوا الله ~~ما استطعتم " [التغابن: 16] (4) فنسخت هذه الآية، عن قتادة والربيع وابن ~~زيد. قال مقاتل: وليس في آل عمران من المنسوخ شئ إلا هذه الآية. وقيل: إن ~~قوله " فاتقوا الله ما استطعتم " بيان لهذه الآية. والمعنى: # فاتقوا ms1419 الله حق تقاته ما استطعتم، وهذا أصوب (5)، لان النسخ إنما يكون ~~عند عدم الجمع والجمع ممكن فهو أولى. وقد روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ~~قال: قول الله عز وجل " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته " لم ~~تنسخ، ولكن " حق تقاته " أن يجاهد في [سبيل] (6) الله حق # PageV04P157 # جهاده، ولا تأخذكم في الله لومة لائم، وتقوموا بالقسط ولو على أنفسكم ~~وأبنائكم. قال (1) النحاس: وكلما ذكر في الآية واجب على المسلمين أن ~~يستعملوه ولا يقع فيه نسخ. وقد مضى في البقرة معنى قوله تعالى: (ولا تموتن ~~إلا وأنتم مسلمون (2). # قوله تعالى: واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله ~~عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا ~~حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون (103). # فيه مسألتان: الأولى - قوله تعالى: (واعتصموا) العصمة المنعة، ومنه يقال ~~للبدرقة: عصمة. # والبذرقة: الخفارة للقافلة، وذلك بأن يرسل معها من يحميها ممن يؤذيها. ~~قال ابن خالويه: # البذرقة ليست بعربية وإنما هي كلمة فارسية عربتها العرب، يقال: بعث ~~السلطان بذرقة مع القافلة. # والحبل لفظ مشترك، وأصله في اللغة السبب الذي يوصل به إلى البغية ~~والحاجة. # والحبل: حبل العاتق (3). والحبل: مستطيل من الرمل، ومنه الحديث (4): ~~والله ما تركت من حبل إلا وقفت عليه، فهل لي من حج، والحبل الرسن. والحبل ~~العهد، قال الأعشى: # وإذا تجوزها حبال قبيلة * أخذت من الأخرى إليك حبالها يريد الأمان. ~~والحبل الداهية، قال كثير: (5) فلا تعجلي يا عز أن تتفهمي * بنصح أتى ~~الواشون أم بحبول # PageV04P158 # والحبالة (1): حبالة الصائد. وكلها ليس مرادا في الآية إلا الذي بمعنى ~~العهد، عن ابن عباس. # وقال ابن مسعود: حبل الله القرآن. ورواه علي وأبو سعيد الخدري عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم، وعن مجاهد وقتادة مثل ذلك. وأبو معاوية عن الهجري (2) ~~عن أبي الأحوص عن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن هذا ~~القرآن هو حبل الله). وروى تقي بن مخلد حدثنا ms1420 يحيى بن عبد الحميد حدثنا ~~هشيم عن العوام بن حوشب عن الشعبي عن عبد الله بن مسعود " واعتصموا بحبل ~~الله جميعا ولا تفرقوا " قال: الجماعة، روي عنه و [عن غيره] (3) من وجوه، ~~والمعنى كله متقارب متداخل، فإن (4) الله تعالى يأمر بالألفة وينهى عن ~~الفرقة فإن الفرقة هلكة والجماعة نجاة. ورحم الله ابن المبارك حيث قال: # إن الجماعة حبل الله فاعتصموا * منه بعروته الوثقى لمن دانا الثانية - ~~قوله تعالى: (ولا تفرقوا) [يعني في دينكم] (5) كما افترقت اليهود والنصارى ~~في أديانهم، عن ابن مسعود وغيره. ويجوز أن يكون معناه ولا تفرقوا متابعين ~~للهوى والاغراض المختلفة، وكونوا في دين الله إخوانا، فيكون ذلك منعا لهم ~~عن التقاطع والتدابر، ودل عليه ما بعده وهو قوله تعالى: " واذكروا نعمة ~~الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا ". وليس ~~فيه دليل على تحريم الاختلاف في الفروع، فإن ذلك ليس اختلافا إذ الاختلاف ~~ما يتعذر معه الائتلاف والجمع، وأما حكم مسائل الاجتهاد فإن الاختلاف فيها ~~بسبب (6) استخراج الفرائض ودقائق معاني الشرع، وما زالت الصحابة يختلفون في ~~أحكام الحوادث، وهم مع ذلك متآلفون (7). وقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: (اختلاف أمتي رحمة) وإنما منع الله اختلافا هو سبب الفساد. روى ~~الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~(تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو اثنتين وسبعين فرقة والنصارى مثل ~~ذلك وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة). قال الترمذي: هذا حديث صحيح. # وأخرجه أيضا عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه سلم: (ليأتين ~~على أمتي ما أتى # PageV04P159 # على بني إسرائيل خذو النعل بالنعل حتى لو كان منهم من يأتي أمه علانية ~~لكان من أمتي من يصنع ذلك وإن بني إسرائيل تفرقت اثنتين وسبعين ملة وتفترق ~~أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة) قالوا: من هي يا ~~رسول الله؟ قال: (ما أنا عليه وأصحابي). # أخرجه من حديث عبد الله بن زياد ms1421 الإفريقي، عن عبد الله بن يزيد عن ابن ~~عمر، وقال: # هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. قال أبو عمر: وعبد الله ~~الإفريقي ثقة وثقه قومه وأثنوا عليه، وضعفه آخرون. وأخرجه أبو داود في سننه ~~من حديث معاوية بن أبي سفيان عن النبي صلى الله عليه وسلم: (قال ألا إن من ~~قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين ملة وإن هذه الملة ستفترق ~~على ثلاث وسبعين ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة وإنه ~~سيخرج من أمتي أقوام تجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب (1) بصاحبه لا ~~يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله). وفي سنن ابن ماجة عن أنس ابن مالك قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من فارق الدنيا على الاخلاص لله وحده ~~وعبادته لا شريك له وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة مات والله عنه راض). قال ~~أنس: وهو دين الله الذي جاءت به الرسل وبلغوه عن ربهم قبل هرج الأحاديث ~~واختلاف الأهواء، وتصديق ذلك في كتاب الله في آخر ما نزل، يقول الله: " فإن ~~تابوا " [التوبة: 11] قال: خلعوا الأوثان وعبادتها " وأقاموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة " (2)، وقال في آية أخرى: " فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~فإخوانكم في الدين " (2). أخرجه عن نصر بن علي الجهضمي عن أبي أحمد عن أبي ~~جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أنس. قال أبو الفرج الجوزي: فإن قيل هذه ~~الفرق معروفة، فالجواب أنا نعرف الافتراق وأصول الفرق وأن كل طائفة من ~~الفرق انقسمت إلى فرق، وإن لم نحط بأسماء تلك الفرق ومذاهبها، فقد ظهر لنا ~~من أصول الفرق الحرورية والقدرية والجهمية والمرجئة والرافضة والجبرية. ~~وقال بعض أهل العلم: أصل الفرق الضالة هذه الفرق الست، وقد انقسمت كل فرقة ~~منها اثنتي عشرة فرقة، فصارت اثنتين وسبعين فرقة. # PageV04P160 # انقسمت الحرورية اثنتي عشرة (1) فرقة، فأولهم الأزرقية - قالوا: لا نعلم ~~أحدا مؤمنا، وكفروا أهل القبلة إلا من دان بقولهم. والأباضية - قالوا: من ~~أخذ بقولنا فهو مؤمن، ومن أعرض عنه فهو ms1422 منافق (2). والثعلبية - قالوا: إن ~~الله عز وجل لم يقض ولم يقدر. # والخازمية - قالوا: لا ندري ما الايمان، والخلق كلهم معذورون. والخلفية - ~~زعموا أن من ترك الجهاد من ذكر أو أنثى كفر. والكوزية (3) - قالوا: ليس ~~لأحد أن يمس أحدا، لأنه لا يعرف الطاهر من النجس ولا أن يؤاكله حتى يتوب ~~ويغتسل. والكنزية - قالوا: # لا يسع أحدا أن يعطي ماله أحدا، لأنه ربما لم يكن مستحقا بل يكنزه في ~~الأرض حتى يظهر أهل الحق. والشمراخية - قالوا: لا بأس بمس النساء الأجانب ~~لأنهن (4) رياحين. # والأخنسية - قالوا: لا يلحق الميت بعد موته خير ولا شر. والحكمية - ~~قالوا: من حاكم إلى مخلوق فهو كافر. والمعتزلة (5) - قالوا: اشتبه علينا ~~أمر علي ومعاوية فنحن نتبرأ من الفريقين. والميمونية - قالوا: لا إمام إلا ~~برضا أهل محبتنا. # وانقسمت القدرية اثنتي عشرة فرقة: الأحمرية - وهي التي زعمت أن في شرط ~~العدل من الله أن يملك عباده أمورهم، ويحول بينهم وبين معاصيهم. والثنوية - ~~وهي التي زعمت أن الخير من الله والشر من الشيطان. والمعتزلة (5) - وهم ~~الذين قالوا بخلق القرآن وجحدوا [صفات] (6) الربوبية. والكيسانية وهم الذين ~~قالوا: لا ندري هذه الأفعال من الله أو من العباد، ولا نعلم أثياب؟ الناس ~~بعد أو يعاقبون. والشيطانية - قالوا: إن الله تعالى لم يخلق الشيطان. ~~والشريكية - قالوا: إن السيئات كلها مقدرة إلا الكفر. والوهمية - قالوا: ~~ليس لافعال الخلق وكلامهم ذات، ولا للحسنة والسيئة ذات. والزبرية (7) - ~~قالوا: # كل كتاب نزل من عند الله فالعمل به حق، ناسخا كان أو منسوخا. والمسعدية ~~(8) - زعموا # PageV04P161 # أن من عصى ثم تاب لم تقبل توبته والناكثية - زعموا أن من نكث بيعة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فلا إثم عليه والقاسطية - تبعوا إبراهيم بن النظام ~~في قوله: من زعم أن الله شئ فهو كافر (1). وانقسمت الجهمية اثنتي عشرة ~~فرقة: المعطلة - زعموا أن كل ما يقع عليه وهم الانسان فهو مخلوق. وإن من ~~أدعى أن الله يرى فهو كافر. والمريسية قالوا: أكثر صفات الله تعالى مخلوقة. ~~والملتزقة - جعلوا الباري سبحانه في كل مكان. ms1423 # والواردية - قالوا لا يدخل النار من عرف ربه، ومن دخلها لم يخرج منها ~~أبدا والزنادقة (2) - قالوا: ليس لأحد أن يثبت لنفسه ربا، لان الاثبات لا ~~يكون إلا بعد إدراك الحواس، وما لا يدرك لا يثبت. والحرقية - زعموا أن ~~الكافر تحرقه النار مرة واحدة ثم يبقى محترقا أبدا لا يجد حر النار. ~~والمخلوقية - زعموا أن القرآن مخلوق. والفانية - زعموا أن الجنة والنار ~~يفنيان، ومنهم من قال لم يخلقا. والعبدية (3) - جحدوا الرسل وقالوا إنما هم ~~حكماء. # والواقفية - قالوا: لا نقول إن القرآن مخلوق ولا غير مخلوق. والقبرية - ~~ينكرون عذاب القبر والشفاعة. واللفظية - قالوا لفظنا بالقرآن مخلوق. # وانقسمت المرجئة اثنتي عشرة فرقة: التاركية - قالوا ليس لله عز وجل على ~~خلقه فريضة سوى الايمان به، فمن آمن به فليفعل ما شاء. والسائبية - قالوا: ~~إن الله تعالى سيب خلقه ليفعلوا ما شاءوا. والراجية - قالوا: لا يسمى ~~الطائع طائعا ولا العاصي عاصيا، لأنا لا ندري ما له عند الله تعالى. ~~والسالبية (4) - قالوا: الطاعة ليست من الايمان. # والبهيشية (5) - قالوا: الايمان علم ومن لا يعلم الحق من الباطل والحلال ~~من الحرام فهو كافر. والعملية - قالوا: الايمان عمل. والمنقوصية - قالوا: ~~الايمان لا يزيد ولا ينقص. # والمستثنية - قالوا: الاستثناء من الايمان. والمشبهة - قالوا: بصر كبصر ~~ويد كيد (6). # والحشوية - قالوا (7): حكم الأحاديث كلها واحد، فعندهم أن تارك النفل ~~كتارك الفرض. # والظاهرية - الذين نفوا القياس. والبدعية - أول من ابتدع هذه الاحداث في ~~هذه الأمة. # PageV04P162 # وانقسمت الرافضة اثنتي عشرة فرقة: العلوية - قالوا: إن الرسالة كانت إلى ~~علي وأن جبريل أخطأ. والأمرية - قالوا: إن عليا شريك محمد في أمره. والشيعة ~~- قالوا: # إن عليا رضي الله عنه وصي رسول الله صلى الله عليه وسلم ووليه من بعده، ~~وإن الأمة كفرت بمبايعة غيره. والإسحاقية - قالوا: إن النبوة متصلة إلى يوم ~~القيامة، وكل من يعلم علم أهل البيت فهو نبي. والناووسية - قالوا: علي أفضل ~~الأمة، فمن فضل غيره عليه فقد كفر. والامامية - قالوا: لا يمكن أن تكون ~~الدنيا بغير إمام من ولد الحسين، وإن الامام يعلمه جبريل ms1424 عليه السلام، فإذا ~~مات بدل غيره مكانه. والزيدية - قالوا: # ولد الحسين كلهم أئمة في الصلوات، فمتى وجد منهم أحد لم تجز الصلاة خلف ~~غيرهم، برهم وفاجرهم. والعباسية - زعموا أن العباس كان أولى بالخلافة من ~~غيره. والتناسخية - قالوا: # الأرواح تتناسخ، فمن كان محسنا خرجت روحه فدخلت في خلق يسعد بعيشه. ~~والرجعية - زعموا أن عليا وأصحابه يرجعون إلى الدنيا، وينتقمون من أعدائهم. ~~واللاعنة (1) - يلعنون عثمان وطلحة والزبير ومعاوية وأبا موسى وعائشة ~~وغيرهم والمتربصة - تشبهوا بزي النساك ونصبوا في كل عصر رجلا ينسبون إليه ~~الامر، يزعمون أنه مهدي هذه الأمة، فإذا مات نصبوا آخر. # ثم انقسمت الجبرية اثنتي عشرة فرقة: فمنهم المضطرية (2) - قالوا: لا فعل ~~للآدمي، بل الله يفعل الكل. والافعالية - قالوا: لنا أفعال ولكن لا استطاعة ~~لنا فيها، وإنما نحن كالبهائم نقاد بالحبل. والمفروغية - قالوا: كل الأشياء ~~قد خلقت، والآن لا يخلق شئ. # والنجارية - زعمت أن الله تعالى يعذب الناس على فعله لا على فعلهم. ~~والمنانية - قالوا: # عليك بما يخطر بقلبك، فافعل ما توسمت منه الخير. والكسبية - قالوا: لا ~~يكتسب العبد ثوابا ولا عقابا. والسابقية - قالوا: من شاء فليعمل ومن شاء ~~[ف‍] - لا يعمل (3)، فإن السعيد لا تضره ذنوبه والشقي لا ينفعه بره. ~~والحبية - قالوا: من شرب كأس محبة الله تعالى سقطت عنه عبادة الأركان. ~~والخوفية - قالوا: من أحب الله تعالى لم يسعه أن يخافه، لان الحبيب لا يخاف ~~حبيبه. والفكرية (4) - قالوا: من أزداد علما أسقط عنه بقدر ذلك من العبادة. # PageV04P163 # والخشبية (1) - قالوا: الدنيا بين العباد سواء، لا تفاضل بينهم فيما ~~ورثهم أبوهم آدم. # والمنية (2) - قالوا: منا الفعل ولنا الاستطاعة. وسيأتي بيان الفرقة التي ~~زادت في هذه الأمة في آخر سورة " الانعام " (3) إن شاء الله تعالى. وقال ~~ابن عباس لسماك الحنفي: يا حنفي، الجماعة الجماعة!! فإنما هلكت الأمم ~~الخالية لتفرقها، أما سمعت الله عز وجل يقول: # " واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا " في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله يرضى لكم ثلاثا ويكره ms1425 لكم ~~ثلاثا يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ~~ولا تفرقوا (4) ويكره لكم ثلاثا قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال). ~~فأوجب تعالى علينا التمسك بكتابه وسنة نبيه والرجوع إليهما عند الاختلاف، ~~وأمرنا بالاجتماع على الاعتصام بالكتاب والسنة اعتقادا وعملا، وذلك سبب ~~اتفاق الكلمة وانتظام الشتات الذي يتم به مصالح الدنيا والدين، والسلامة من ~~الاختلاف، وأمر بالاجتماع ونهى عن الافتراق الذي حصل لأهل الكتابين. هذا ~~معنى الآية على التمام، وفيها دليل على صحة الاجماع حسبما هو مذكور في ~~موضعه من أصول الفقه والله أعلم. # قوله تعالى: (واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم ~~فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفاء حفرة من النار فأنقذكم منها). أمر ~~تعالى بتذكر نعمه وأعظمها الاسلام واتباع نبيه محمد عليه السلام، فإن به ~~زالت العداوة والفرقة وكانت المحبة والألفة. والمراد الأوس والخزرج، والآية ~~تعم. ومعنى " فأصبحتم بنعمته إخوانا " أي صرتم بنعمة الاسلام إخوانا في ~~الدين. وكل ما في القرآن " أصبحتم " معناه صرتم، كقوله تعالى: " إن أصبح ~~ماؤكم غورا " [الملك: 30] (5) أي صار غائرا. والإخوان جمع أخ، وسمي أخا ~~لأنه يتوخى مذهب أخيه، أي يقصده. وشفا كل شئ حرفه، وكذلك شفيره ومنه قوله ~~تعالى: # " على شفا جرف هار " [التوبة: 109] (6). قال الراجز: # نحن حفرنا للحجيج سجله (7) * نابتة فوق شفاها بقلة # PageV04P164 # وأشفى على الشئ أشرف عليه، ومنه أشفى المريض على الموت. وما بقي منه إلا ~~شفا أي قليل قال ابن السكيت: يقال للرجل عند موته وللقمر عند امحاقه وللشمس ~~عند غروبها: ما بقي منه إلا شفا أي قليل. قال العجاج: # ومربإ عال لمن تشرفا * أشرفته بلا شفى أو بشفى قوله " بلا شفى " أي غابت ~~الشمس. " أو بشفى " وقد بقيت منها بقية. وهو من ذوات الياء، وفيه لغة أنه ~~من الواو. وقال النحاس: الأصل في شفا شفو، ولهذا يكتب بالألف ولا يمال. ~~وقال الأخفش: لما لم تجز فيه الإمالة عرف أنه من الواو، ولأن الإمالة بين ~~الياء، وتثنيته شفوان. قال المهدوي: وهذا تمثيل ms1426 يراد به خروجهم من الكفر ~~إلى الايمان. # قوله تعالى: ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن ~~المنكر وأولئك هم المفلحون (104) قد مضى القول في الامر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر في هذه السورة (1). و " من " في قوله " منكم " للتبعيض، ومعناه أن ~~الامرين يجب أن يكونوا علماء وليس كل الناس علماء. # وقيل: لبيان الجنس، والمعنى لتكونوا كلكم كذلك. # قلت: القول الأول أصح، فإنه يدل على أن الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~فرض على الكفاية، وقد عينهم الله تعالى بقوله: " الذين إن مكناهم في الأرض ~~أقاموا الصلاة " [الحج: 41] (2) الآية. # وليس كل الناس مكنوا. وقرأ ابن الزبير: " ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ~~ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويستعينون الله على ما أصابهم " قال أبو ~~بكر الأنباري: وهذه الزيادة تفسير من ابن الزبير، وكلام من كلامه غلط فيه ~~بعض الناقلين (3) فألحقه بألفاظ القرآن، يدل على صحة ما أصف الحديث الذي ~~حدثنيه أبي حدثنا [حسن] (4) بن عرفة حدثنا وكيع عن أبي عاصم عن أبي عون (4) ~~عن صبيح قال: سمعت عثمان بن عفان يقرأ " ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ~~ويستعينون الله على ما أصابهم " فما يشك عاقل في أن عثمان لا يعتقد (5) # PageV04P165 # هذه الزيادة من القرآن، إذ لم يكتبها في مصحفه الذي هو إمام المسلمين، ~~وإنما ذكرها واعظا بها ومؤكدا ما تقدمها من كلام رب العالمين جل وعلا. # قوله تعالى: ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات ~~وأولئك لهم عذاب عظيم. # يعني اليهود والنصارى في قول جمهور المفسرين. وقال بعضهم: هم المبتدعة من ~~هذه الأمة. وقال أبو أمامة: هم الحرورية، وتلا الآية. وقال جابر بن عبد ~~الله: (الذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات " اليهود والنصارى. ~~" جاءهم " مذكر على الجمع، وجاءتهم على الجماعة. # قوله تعالى: يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم ~~بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون (106) وأما الذين ابيضت وجوههم ~~ففي رحمة الله هم فيها خلدون (107) فيه ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (يوم ms1427 تبيض وجوه وتسود وجوه) يعني يوم القيامة حين ~~يبعثون من قبورهم تكون وجوه المؤمنين مبيضة ووجوه الكافرين مسودة. ويقال: ~~إن ذلك عند قراءة الكتاب، إذ قرأ المؤمن كتابه فرأى في كتابه حسناته استبشر ~~وأبيض وجهه، وإذا قرأ الكافر والمنافق كتابه فرأى فيه سيئاته اسود وجهه. ~~ويقال: إن ذلك عند الميزان إذا رجحت حسناته أبيض وجهه، وإذا رجحت سيئاته ~~اسود وجهه. ويقال: ذلك عند قوله تعالى: # " وامتازوا اليوم أيها المجرمون " [يس: 59] (1). ويقال: إذا كان يوم ~~القيامة يؤمر كل فريق بأن يجتمع إلى معبوده، فإذا انتهوا إليه حزنوا واسودت ~~وجوههم، فيبقى المؤمنون وأهل الكتاب والمنافقون، فيقول الله تعالى ~~للمؤمنين: " من ربكم "؟ فيقولون: ربنا الله عز وجل فيقول لهم: # " أتعرفونه إذا رأيتموه ". فيقولون: سبحانه! إذا اعترف عرفناه. (2) ~~فيرونه كما شاء الله. # PageV04P166 # فيخر المؤمنون سجدا لله تعالى، فتصير وجوههم مثل الثلج بياضا، ويبقى ~~المنافقون وأهل الكتاب لا يقدرون على السجود فيحزنوا وتسود وجوههم، وذلك ~~قوله تعالى: " يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ". ويجوز " تبيض وتسود " بكسر ~~التائين، لأنك تقول: ابيضت، فتكسر التاء كما تكسر الألف، وهي لغة تميم وبها ~~قرأ يحيى بن وثاب. وقرأ الزهري " يوم تبياض وتسواد " ويجوز كسر التاء أيضا، ~~ويجوز " يوم يبيض وجوه " بالياء على تذكير الجمع، ويجوز " أجوه " مثل " ~~أقتت ". وابيضاض الوجوه إشراقها بالنعيم. واسودادها هو ما يرهقها من العذاب ~~الأليم. # واختلفوا في التعيين، فقال ابن عباس: تبيض وجوه أهل السنة وتسود وجوه أهل ~~البدعة. قلت: وقول ابن عباس هذا رواه مالك بن سليمان الهروي أخو غسان عن ~~مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~قول الله تعالى " يوم تبيض وجوه وتسود وجوه " قال: (يعني تبيض وجوه أهل ~~السنة وتسود وجوه أهل البدعة) ذكره أبو بكر (1) أحمد بن علي بن ثابت ~~الخطيب. وقال فيه: منكر من حديث مالك. قال عطاء: # تبيض وجوه المهاجرين والأنصار، وتسود وجوه بني قريظة والنضير. وقال أبي ~~بن كعب: # الذين اسودت وجوههم هم الكفار، وقيل لهم: أكفرتم ms1428 بعد إيمانكم لاقراركم ~~حين أخرجتم من ظهر آدم كالذر. هذا اختيار الطبري. الحسن: الآية في ~~المنافقين. قتادة هي في المرتدين. # عكرمة: هم (2) قوم من أهل الكتاب كانوا مصدقين بأنبيائهم مصدقين بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث فلما بعث عليه السلام كفروا به، فذلك قوله: ~~" أكفرتم بعد إيمانكم " وهو اختيار الزجاج. مالك بن أنس: هي في أهل ~~الأهواء. أبو أمامة الباهلي عن النبي صلى الله عليه وسلم: هي في الحرورية. ~~وفي خبر آخر أنه عليه السلام قال: " هي في القدرية ". # روى الترمذي عن أبي غالب قال: رأى أبو أمامة رؤوسا منصوبة على باب دمشق ~~(3)، فقال # PageV04P167 # أبو أمامة: كلاب النار شر قتلى تحت أديم السماء، خير قتلى من قتلوه - ثم ~~قرأ - " يوم تبيض وجوه وتسود وجوه " إلى آخر الآية. قلت لأبي أمامة: أنت ~~سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: لو لم أسمعه من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلا مرة أو مرتين أو ثلاثا - حتى عد سبعا - ما حدثتكموه. ~~قال: هذا حديث حسن. وفي صحيح البخاري عن سهل بن سعد قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: (إني فرطكم (1) على الحوض من مر علي شرب ومن شرب لم يظمأ ~~أبدا ليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفوني ثم يحال بيني وبينهم). # قال أبو حازم (2): فسمعني النعمان بن أبي عياش فقال: أهكذا سمعت من سهل ~~بن سعد؟ فقلت نعم. فقال: أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته وهو يزيد فيها: ~~(فأقول إنهم مني فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول سحقا سحقا لمن غير ~~بعدي). وعن أبي هريرة أنه كان يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~(يرد على الحوض يوم القيامة رهط من أصحابي فيجلون عن الحوض فأقول يا رب ~~أصحابي فيقول إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك إنهم ارتدوا على أدبارهم ~~القهقرى). والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. فمن بدل أو غير أو ابتدع في دين ~~الله مالا يرضاه الله ولم يأذن به الله ms1429 فهو من المطرودين عن الحوض ~~المبتعدين منه المسودي الوجوه، وأشدهم طردا وإبعادا من خالف جماعة المسلمين ~~وفارق سبيلهم، كالخوارج على اختلاف فرقها، والروافض على تباين ضلالها، ~~والمعتزلة على أصناف أهوائها، فهؤلاء كلهم مبدلون ومبتدعون، وكذلك الظلمة ~~المسرفون في الجور والظلم وطمس الحق وقتل أهله وإذلالهم، والمعلنون ~~بالكبائر المستخفون بالمعاصي، وجماعة أهل الزيع والأهواء والبدع، كل يخاف، ~~عليهم أن يكونوا عنوا بالآية، والحبر كما بينا، ولا يخلد في النار إلا كافر ~~جاحد ليس في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان. وقد قال ابن القاسم: وقد يكون ~~من غير أهل الأهواء من هو شر من أهل الأهواء. وكان يقول: تمام الاخلاص تجنب ~~المعاصي. # PageV04P168 # الثالثة - قوله تعالى: (فأما الذين اسودت وجوههم) في الكلام حذف، أي ~~فيقال لهم (أكفرتم بعد إيمانكم) يعني يوم الميثاق حين قالوا بلى. ويقال: ~~هذا لليهود وكانوا مؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث فلما بعث ~~كفروا به. وقال أبوا لعالية: # هذا للمنافقين، يقال (1): أكفرتم في السر (2) بعد إقراركم في العلانية. ~~وأجمع أهل العربية على أنه لا بد من الفاء في جواب " أما " لان المعنى في ~~قولك: " أما زيد فمنطلق، مهما يكن من شئ فزيد منطلق ". وقوله تعالى: (وأما ~~الذين ابيضت وجوههم) هؤلاء أهل طاعة الله عز وجل والوفاء بعهده. (ففي رحمة ~~الله هم فيها خالدون) أي في جنته ودار كرامته خالدون باقون. جعلنا الله ~~منهم وجنبنا طرق البدع والضلالات، ووفقنا لطريق الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات. آمين. # قوله تعالى: تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وما الله يريد ظلما للعلمين ~~(108) ولله ما في السماوات وما في الأرض وإلي الله ترجع الأمور (109). # قوله تعالى: (تلك آيات الله) ابتداء وخبر، يعني القرآن. (نتلوها عليك) ~~يعني ننزل عليك جبريل فيقرؤها عليك. (بالحق) أي بالصدق. وقال الزجاج: " تلك ~~آيات الله " المذكورة حجج الله ودلائله. وقيل: " تلك " بمعنى هذه ولكنها ~~لما انقضت صارت كأنها بعدت فقيل " تلك " ويجوز أن تكون " آيات الله " بدلا ~~من " تلك " ولا تكون نعتا، لان المبهم لا ينعت بالمضاف. ms1430 (وما الله يريد ~~ظلما للعالمين) يعني أنه لا يعذبهم بغير ذنب. (ولله ما في السماوات وما في ~~الأرض) قال المهدوي: وجه اتصال هذا بما قبله أنه لما ذكر أحوال المؤمنين ~~والكافرين وأنه لا يريد ظلما للعالمين، وصله بذكر اتساع قدرته وغناه عن ~~الظلم لكون ما في السماوات وما في الأرض [في قبضته، وقيل: # هو ابتداء كلام، بين لعباده أن جميع ما في السماوات وما في الأرض] (3) له ~~حتى يسألوه ويعبدوه ولا يعبدوا غيره. # PageV04P169 # قوله تعالى: كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ~~وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتب لكان خيرا لهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون ~~(110) فيه ثلاث مسائل: # الأولى - روى الترمذي عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أنه سمع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول في قوله تعالى: " كنتم خير أمة أخرجت للناس " قال: ~~(أنتم تتمون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها عند الله). وقال: هذا حديث حسن. ~~وقال أبو هريرة: نحن خير الناس للناس نسوقهم بالسلاسل إلى الاسلام. وقال ~~ابن عباس: هم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة وشهدوا بدرا والحديبية. وقال ~~عمر بن الخطاب: من فعل فعلهم كان مثلهم. # وقيل: هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم، يعني الصالحين منهم وأهل الفضل. ~~وهم الشهداء على الناس يوم القيامة، كما تقدم في البقرة (1). وقال مجاهد: " ~~كنتم خير أمة أخرجت للناس " على الشرائط المذكورة في الآية. وقيل: معناه ~~[كنتم] (2) في اللوح المحفوظ. وقيل: كنتم مذ آمنتم خير أمة. وقيل: جاء ذلك ~~لتقدم البشارة بالنبي صلى الله عليه وسلم وأمته. فالمعنى كنتم عند من ~~تقدمكم من أهل الكتب خير أمة. وقال الأخفش: يريد أهل أمة، أي خير أهل دين، ~~وأنشد: # حلفت فلم أترك لنفسك ريبة * وهل يأثمن ذو أمة وهو طائع (3) وقيل: هي كان ~~التامة، والمعنى خلقتم ووجدتم خير أمة. " فخير أمة " حال. وقيل: كان زائدة، ~~والمعنى أنتم خير أمة. وأنشد سيبويه: # * وجيران لنا كانوا كرام (4) # PageV04P170 # ومثله قوله تعالى: " كيف نكلم من كان في المهد (1) صبيا " [مريم: ms1431 29]. ~~وقوله: " واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم " [الأعراف: 86] (2). وقال في موضع ~~آخر: " واذكروا إذ أنتم قليل " (2). وروى سفيان عن ميسرة الأشجعي عن أبي ~~حازم عن أبي هريرة " كنتم خير أمة أخرجت للناس " قال: # تجرون الناس بالسلاسل إلى الاسلام. قال النحاس: والتقدير على هذا كنتم ~~للناس خير أمة. # وعلى قول مجاهد: كنتم خير أمة إذ كنتم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر. ~~وقيل: # إنما صارت أمة محمد صلى الله عليه وسلم خير أمة لان المسلمين منهم أكثر، ~~والامر بالمعروف والنهي عن المنكر فيهم أفشى. فقيل: هذا لأصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، كما قال صلى الله عليه وسلم: (خير الناس قرني) أي ~~الذين بعثت فيهم. # الثانية - وإذا ثبت بنص التنزيل أن هذه الأمة خير الأمم، فقد روى الأئمة ~~من حديث عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (خير الناس ~~قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم). [الحديث] (3) وهذا يدل على أن أول ~~هذه الأمة أفضل ممن بعدهم، وإلى هذا ذهب معظم العلماء، وأن من صحب النبي ~~صلى الله عليه وسلم ورآه ولو مرة في عمره أفضل ممن يأتي بعده، وأن فضيلة ~~الصحبة لا يعدلها عمل. # وذهب أبو عمر بن عبد البر إلى أنه قد يكون فيمن يأتي بعد الصحابة أفضل ~~ممن كان في جملة الصحابة، وإن قول عليه السلام: (خير الناس قرني) ليس على ~~عمومه بدليل ما يجمع القرن من الفاضل والمفضول. وقد جمع قرنه جماعة من ~~المنافقين المظهرين للايمان وأهل الكبائر الذين أقام عليهم أو على بعضهم ~~الخدود، وقال لهم: ما تقولون في السارق والشارب والزاني. وقال مواجهة لمن ~~هو في قرنه: (لا تسبوا أصحابي). وقال لخالد ابن الوليد في عمار: (لا تسب من ~~هو خير منك) وروى أبو أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (طوبى لمن ~~رآني وآمن بي وطوبى سبع مرات لمن لم يرني وآمن بي). وفي مسند أبي داود ~~الطيالسي عن محمد بن أبي حميد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن ms1432 عمر. قال: كنت ~~جالسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (أتدرون أي الخلق أفضل ~~إيمانا) قلنا # PageV04P171 # الملائكة. قال: (وحق لهم بل غيرهم) قلنا الأنبياء. قال: (وحق لهم بل ~~غيرهم) ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفضل الخلق إيمانا قوم في ~~أصلاب الرجال يؤمنون بي ولم يروني يجدون ورقا فيعملون بما فيها فهم أفضل ~~الخلق إيمانا). وروى صالح بن جبير عن أبي جمعة قال: قلنا يا رسول الله، هل ~~أحد خير منا؟ قال: (نعم قوم يجيئون من بعدكم فيجدون كتابا بين لوحين ~~فيؤمنون بما فيه ويؤمنون بي ولم يروني). وقال أبو عمر: # وأبو جمعة له صحبة واسمه حبيب بن سباع، وصالح بن جبير من ثقات التابعين. ~~وروى أبو ثعلبة الخشني عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن أمامكم ~~أياما الصابر فيها على دينه كالقابض على الجمر للعامل فيها أجر خمسين رجلا ~~يعمل مثله عمله) قيل: يا رسول الله، منهم؟ قال: (بل منكم). قال أبو عمر: ~~وهذه اللفظة " بل منكم " قد سكت عنها بعض المحدثين فلم يذكرها. وقال عمر بن ~~الخطاب في تأويل قوله: " كنتم خير أمة أخرجت للناس " قال: من فعل مثل فعلكم ~~كان مثلكم. ولا تعارض بين الأحاديث، لان الأول على الخصوص، والله الموفق. # وقد قيل في توجيه أحاديث هذا الباب: إن قرنه إنما فضل لأنهم كانوا غرباء ~~في إيمانهم لكثرة الكفار وصبرهم على أذاهم وتمسكهم بدينهم، وإن أواخر هذه ~~الأمة إذا أقاموا الدين وتمسكوا به وصبروا على طاعة ربهم في حين ظهور الشر ~~والفسق والهرج والمعاصي والكبائر كانوا عند ذلك أيضا غرباء، وزكت أعمالهم ~~في ذلك الوقت كما زكت أعمال أوائلهم، [ومما] (1) يشهد لهذا قوله عليه ~~السلام: (بدأ الاسلام غريبا وسيعود كما بدأ فطوبى للغرباء). ويشهد له أيضا ~~حديث أبي ثعلبة، ويشهد له أيضا قوله صلى الله عليه وسلم: # (أمتي كالمطر لا يدري أوله خير أم آخره). ذكره أبو داود الطيالسي وأبو ~~عيسى الترمذي، ورواه هشام بن عبيد الله الرازي عن مالك عن ms1433 الزهري عن أنس ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مثل أمتي مثل المطر لا يدري أوله ~~خير أم آخره). ذكره الدارقطني في مسند حديث مالك. قال أبو عمر: هشام بن ~~عبيد الله ثقة لا يختلفون في ذلك. وروي أن عمر ابن عبد العزيز لما ولي ~~الخلافة كتب إلى سالم بن عبد الله أن اكتب إلي بسيرة عمر بن الخطاب # PageV04P172 # لاعمل بها، فكتب إليه سالم: إن عملت بسيرة عمر، فأنت أفضل من عمر لان ~~زمانك ليس كزمان عمر، ولا رجالك كرجال عمر. قال: وكتب إلى فقهاء زمانه، ~~فكلهم كتب إليه بمثل قول سالم. وقد عارض بعض الجلة من العلماء قوله صلى ~~الله عليه وسلم: (خير الناس قرني) بقوله صلى الله عليه وسلم: (خير الناس من ~~طال عمره وحسن عمله وشر الناس من طال عمره وساء عمله). قال أبو عمر: فهذه ~~الأحاديث تقتضي مع تواتر طرقها وحسنها التسوية بين أول هذه الأمة وآخرها. ~~والمعنى في ذلك ما تقدم ذكره من الايمان والعمل الصالح في الزمان الفاسد ~~الذي يرفع فيه من أهل العلم والدين، ويكثر فيه الفسق والهرج، ويذل المؤمن ~~ويعز الفاجر ويعود الدين غريبا كما بدا غريبا ويكون القائم فيه كالقابض على ~~الجمر، فيستوي حينئذ أول هذه الأمة بآخرها في فضل العمل إلا أهل بدر ~~والحديبية، ومن تدبر آثار هذا الباب بأن له الصواب (1)، والله يؤتي فضله من ~~يشاء. # الثالثة - قوله تعالى: (تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر) مدح لهذه ~~الأمة ما أقاموا ذلك واتصفوا به. فإذا تركوا التغيير وتواطئوا على المنكر ~~زال عنهم اسم المدح ولحقهم اسم الذم، وكان ذلك سببا لهلاكهم. وقد تقدم ~~الكلام في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر في أول السورة (2). # قوله تعالى: (ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم) أخبر أن إيمان أهل ~~الكتاب بالنبي صلى الله عليه وسلم خير لهم، وأخبر أن منهم مؤمنا وفاسقا، ~~وأن الفاسق أكثر. # قوله تعالى: لن يضروكم إلا أذى وإن يقتلوكم يولوكم الادبار ثم لا ينصرون ~~(111). # قوله تعالى: (لن يضروكم ms1434 إلا أذى) يعنى كذبهم وتحريفهم وبهتهم، لا أنه ~~تكون لهم الغلبة، عن الحسن وقتادة. فالاستثناء متصل، والمعنى لن يضروكم إلا ~~ضرا يسيرا، فوقع الأذى موقع المصدر. فالآية وعد من الله لرسوله صلى الله ~~عليه وسلم وللمؤمنين، إن أهل الكتاب لا يغلبونهم وأنهم منصورون عليهم لا ~~ينالهم منهم اصطلام (3) إلا إيذاء بالبهت # PageV04P173 # والتحريف، وأما العاقبة فتكون للمؤمنين. وقيل: هو منقطع، والمعنى لن ~~يضروكم ألبتة، لكن يؤذونكم بما يسمعونكم. قال مقاتل: إن رؤوس اليهود: كعب ~~وعدي والنعمان وأبو رافع وأبو ياسر وكنانة وابن صوريا عمدوا إلى مؤمنيهم: ~~عبد الله بن سلام وأصحابه فآذوهم لاسلامهم، فأنزل الله تعالى: " لن يضروكم ~~إلا أذى " يعني باللسان، وتم الكلام. # ثم قال: (وإن يقاتلوكم يولوكم الادبار) يعني منهزمين، وتم الكلام. " ثم ~~لا ينصرون " مستأنف، فلذلك ثبتت فيه النون. وفي هذه الآية معجزة للنبي عليه ~~السلام، لان من قاتله من اليهود ولاه دبره. # قوله تعالى: ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من ~~الناس وباؤوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون ~~بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (112) ~~ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون ~~(113) يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ~~ويسرعون في الخيرات وأولئك من الصالحين (114) وما يفعلوا من خير فلن يكفروه ~~والله عليم بالمتقين (115). # قوله تعالى: (ضربت عليهم الذلة) يعنى اليهود. (أينما ثقفوا) أي وجدوا ~~ولقوا، وتم الكلام. وقد مضى في البقرة معنى ضرب الذلة عليهم (1). (إلا بحبل ~~من الله) استثناء منقطع ليس من الأول. أي لكنهم يعتصمون بحبل من الله. ~~(وحبل من الناس) يعني الذمة التي لهم. والناس: محمد والمؤمنون يؤدون إليهم ~~الخراج فيؤمنونهم. وفي الكلام # PageV04P174 # اختصار، والمعنى: إلا أن يعتصموا بحبل من الله، فحذف، قاله الفراء. ~~(وباءوا بغضب من الله) أي رجعوا. وقيل احتملوا. وأصله في اللغة أنه لزمهم، ~~وقد مضى في البقرة (1). # ثم أخبر لم فعل ذلك بهم. فقال: (ذلك بأنهم ms1435 كانوا يكفرون بآيات الله ~~ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون) وقد مضى في البقرة ~~مستوفى (2). ثم أخبر فقال: # ليسوا سواء) وتم الكلام. والمعنى: ليس أهل الكتاب وأمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم سواء، عن ابن مسعود. وقيل: المعنى ليس المؤمنون والكافرون من أهل ~~الكتاب سواء. وذكر أبو خيثمة زهير بن حرب حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا شيبان ~~عن عاصم عن زر عن ابن مسعود قال: أخر رسول الله صلى الله عليه وسلم [ليلة] ~~(3) صلاة العشاء ثم خرج إلى المسجد فإذا الناس ينتظرون الصلاة فقال: (إنه ~~ليس من أهل الأديان أحد يذكر الله تعالى في هذه الساعة غيركم) قال: وأنزلت ~~هذه الآية " ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة - إلى قوله: والله عليم ~~بالمتقين " وروى ابن وهب مثله. وقال ابن عباس: قول الله عز وجل " من أهل ~~الكتاب " أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون " من آمن مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # وقال ابن إسحاق عن ابن عباس لما أسلم عبد الله بن سلام، وثعلبة بن سعية ~~(4)، وأسيد (5) بن سعية، وأسيد بن عبيد، ومن أسلم من يهود، فآمنوا وصدقوا ~~ورغبوا في الاسلام ورسخوا (6) فيه، قالت أحبار يهود وأهل الكفر منهم: ما ~~آمن بمحمد ولا تبعه إلا شرارنا، ولو كانوا من خيارنا ما تركوا دين آبائهم ~~وذهبوا إلى غيره، فأنزل الله عز وجل في ذلك من قولهم: " ليسوا سواء من أهل ~~الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون. إلى قوله: وأولئك ~~من الصالحين ". وقال الأخفش: التقدير من أهل الكتاب ذو أمة، أي ذو طريقة ~~حسنة. وأنشد: # * وهل يأتمن ذو أمة وهو طائع * # PageV04P175 # وقيل: في الكلام حذف، والتقدير من أهل الكتاب أمة قائمة وأخرى غير قائمة، ~~فترك الأخرى اكتفاء بالأولى، كقول أبي ذؤيب: # عصاني (1) إليها القلب إني لامره * مطيع فما أدري أرشد طلابها أراد: أرشد ~~أم غي، فحذف. قال الفراء: " أمة " رفع ب‍ " سواء، والتقدير: ليس يستوي أمة ~~من أهل الكتاب قائمة يتلون آيات ms1436 الله وأمة كافرة. قال النحاس: هذا قول خطأ ~~من جهات: # إحداها أنه يرفع " أمة " ب‍ " سواء " فلا يعود على اسم ليس بشئ، ويرفع ~~بما ليس جاريا على الفعل ويضمر ما لا يحتاج إليه، لأنه قد تقدم ذكر الكافر ~~فليس لاضمار هذا وجه. وقال أبو عبيدة: هذا مثل قولهم: أكلوني البراغيث، ~~وذهبوا أصحابك. قال النحاس: وهذا غلط، لأنه قد تقدم ذكرهم، وأكلوني ~~البراغيث لم يتقدم لهم ذكر. و (آناء الليل) ساعاته. # وأحدها إني وأنى وإني، وهو منصوب على الظرف. و (يسجدون) يصلون، عن الفراء ~~والزجاج، لان التلاوة لا تكون في الركوع والسجود. نظيره قوله: " وله يسجدون ~~" (2) أي يصلون. وفي الفرقان: " وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن " [الفرقان: ~~60] (3) وفي النجم " فاسجدوا لله واعبدوا " [النجم: 62] (4). # وقيل: يراد به السجود المعروف خاصة. وسبب النزول يرده، وأن المراد صلاة ~~العتمة كما ذكرنا عن ابن مسعود، فعبدة الأوثان ناموا حيث جن عليهم الليل، ~~والموحدون قيام بين يدي الله تعالى في صلاة العشاء يتلون آيات الله، ألا ~~ترى لما ذكر قيامهم قال " وهم يسجدون " أي مع القيام أيضا. الثوري: هي ~~الصلاة بين العشاءين. وقيل: هي في قيام الليل. # وعن رجل من بني شيبة كان يدرس الكتب قال: إنا نجد كلاما من كلام الرب عز ~~وجل: # أيحسب راعي إبل أو راعي غنم إذا جنه الليل انخذل (5) كمن هو قائم وساجد ~~أناء الليل. (يؤمنون بالله) يعني يقرون بالله ويصدقون بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم. (ويأمرون بالمعروف) قيل: هو عموم. وقيل: يراد به الامر بأتباع النبي ~~صلى الله عليه وسلم. (وينهون عن المنكر) والنهي عن المنكر النهي عن ~~مخالفته. (ويسارعون في الخيرات) التي يعملونها مبادرين غير متثاقلين # PageV04P176 # لمعرفتهم بقدر ثوابهم. وقيل: يبادرون (1) بالعمل قبل الفوت. (وأولئك من ~~الصالحين) أي مع الصالحين، وهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في الجنة. ~~(وما يفعلوا من خير فان يكفروه) قرأ الأعمش وابن وثاب وحمزة والكسائي وحفص ~~وخلف بالياء فيهما، إخبارا عن الأمة القائمة، وهي قراءة ابن عباس واختيار ~~أبى عبيد. وقرأ الباقون بالتاء فيهما ms1437 على الخطاب، لقوله تعالى: " كنتم خير ~~أمة أخرجت للناس " [آل عمران: 110]. وهي اختيار أبي حاتم، وكان أبو عمرو ~~يرى القراءتين جميعا الياء والتاء. ومعنى الآية: وما تفعلوا من خير فإن ~~تجحدوا ثوابه بل يشكر لكم وتجازون عليه. # قوله تعالى: إن الذين كفروا لن تغنى عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله ~~شيئا وأولئك أصحب النار هم فيها خلدون (116). # قوله تعالى: (إن الذين كفروا) اسم إن، والخبر (لن تغني عنهم أموالهم ولا ~~أولادهم من الله شيئا). قال مقاتل: لما ذكر تعالى مؤمني أهل الكتاب ذكر ~~كفارهم وهو قوله: " إن الذين كفروا ". وقال الكلبي: جعل هذا ابتداء فقال: ~~إن الذين كفروا لن تغني عنهم كثرة أموالهم ولا كثرة أولادهم من عذاب الله ~~شيئا. وخص الأولاد لأنهم أقرب أنسابهم إليهم. # (وأولئك أصحاب النار) ابتداء وخبر، وكذا و (هم فيها خالدون). وقد تقدم ~~جميع هذا. # قوله تعالى: مثل ما ينفقون في هذه الا حياة الدنيا كمثل ريح فيها صر ~~أصابت حرث قومن ظلموا أنفسهم فأهلكته وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون ~~(117). # قوله تعالى: (مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر) " ما ~~" تصلح أن تكون مصدرية، وتصلح أن تكون بمعنى الذي والعائد محذوف، أي مثل ما ~~ينفقونه. ومعنى " كمثل ريح " كمثل مهب (2) ريح. قال ابن عباس: والصر البرد ~~الشديد. قيل: أصله من الصرير # PageV04P177 # الذي هو الصوت، فهو صوت الريح الشديدة. الزجاج: هو صوت لهب النار التي ~~كانت في تلك الريح. وقد تقدم هذا المعنى في البقرة (1). وفي الحديث: إنه ~~نهى عن الجراد الذي قتله الصر (2). ومعنى الآية: مثل نفقة الكافرين في ~~بطلانها وذهابها وعدم منفعتها كمثل زرع أصابه ريح باردة أو نار فأحرقته ~~وأهلكته، فلم ينتفع أصحابه بشئ بعد ما كانوا يرجون فائدته (3) ونفعه. # قال الله تعالى: (وما ظلمهم الله) بذلك (ولكن أنفسهم يظلمون) بالكفر ~~والمعصية ومنع حق الله تعالى. وقيل: ظلموا أنفسهم بأن زرعوا في غير وقت ~~الزراعة أو في غير موضعها فأدبهم الله تعالى، لوضعهم الشئ في غير موضعه، ~~حكاه ms1438 المهدوي. # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم ~~خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفى صدورهم أكبر قد ~~بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون (118) فيه ست مسائل: # الأولى - أكد الله تعالى الزجر عن الركون إلى الكفار. وهو متصل بما سبق ~~من قوله: # " إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب " [آل عمران: 100]. والبطانة ~~مصدر، يسمى به الواحد والجمع. # وبطانة الرجل خاصته الذين يستبطنون أمره، وأصله من البطن الذي هو خلاف ~~الظهر. # وبطن فلان بفلان يبطن بطونا وبطانة إذا كان خاصا به. قال الشاعر: # أولئك خلصائي (4) نعم وبطانتي * وهم عيبتي من دون كل قريب الثانية - نهى ~~الله عز وجل المؤمنين بهذه الآية أن يتخذوا من الكفار واليهود وأهل الأهواء ~~دخلاء وولجاء، يفاوضونهم في الآراء، ويسندون إليهم أمورهم. ويقال: كل من ~~كان على خلاف مذهبك ودينك فلا ينبغي لك أن تحادثه، قال الشاعر: # عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه * فكل (5) قرين بالمقارن يقتدي # PageV04P178 # وفي سنن أبي داود عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المرء ~~على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل). وروي عن ابن مسعود أنه قال: اعتبروا ~~الناس بإخوانهم. # ثم بين تعالى المعنى الذي لأجله نهى عن المواصلة فقال: (لا يألونكم ~~خبالا) يقول فسادا. # يعني لا يتركون الجهد في فسادكم، يعني أنهم وإن لم يقاتلوكم في الظاهر ~~فإنهم لا يتركون الجهد في المكر والخديعة، على ما يأتي بيانه. وروي (1) عن ~~أبي أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول الله تعالى: " يا أيها ~~الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا " قال: (هم ~~الخوارج). وروى أن أبا موسى الأشعري استكتب ذميا فكتب إليه عمر يعنفه وتلا ~~عليه هذه الآية. وقدم أبو موسى الأشعري على عمر رضي الله عنهما بحساب فرفعه ~~إلى عمر فأعجبه، وجاء عمر كتاب فقال لأبي موسى: أين كاتبك يقرأ هذا الكتاب ~~على الناس؟ فقال: إنه لا يدخل المسجد. فقال لم! ms1439 أجنب هو؟ قال: إنه نصراني، ~~فانتهره وقال: لا تدنهم وقد أقصاهم الله، ولا تكرمهم وقد أهانهم الله، ولا ~~تأمنهم وقد خونهم الله. وعن عمر رضي الله عنه قال: # لا تستعملوا أهل الكتاب فإنهم يستحلون الرشا، (2) واستعينوا على أموركم ~~وعلى رعيتكم بالذين يخشون الله تعالى. وقيل لعمر رضي الله عنه: إن ههنا ~~رجلا من نصارى الحيرة لا أحد أكتب منه ولا أخط بقلم أفلا يكتب عنك؟ فقال: ~~لا آخذ (3) بطانة من دون المؤمنين. فلا يجوز استكتاب أهل الذمة، ولا غير ~~ذلك من تصرفاتهم في البيع والشراء والاستنابة إليهم. # قلت: وقد انقلبت الأحوال في هذه الأزمان باتخاذ أهل الكتاب كتبة وأمناء ~~وتسودوا بذلك عند الجهلة الأغبياء من الولاة والامراء. روى البخاري عن أبي ~~سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما بعث الله من نبي ولا ~~استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه ~~وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه فالمعصوم من عصم الله تعالى) (4). وروى أنس ~~بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تستضيئوا بنار المشركين ~~ولا تنقشوا في خواتيمكم غريبا ". فسره الحسن بن أبي الحسن فقال: أراد عليه # PageV04P179 # السلام لا تستشيروا المشركين في شئ من أموركم، ولا تنقشوا في خواتيمكم ~~محمدا. قال الحسن: # وتصديق ذلك في كتاب الله عز وجل: " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة ~~من دونكم " الآية. # الثالثة - قوله تعالى: " من دونكم " أي (1) من سواكم. قال الفراء: " ~~ويعملون عملا دون ذلك " (2) أي سوى ذلك. وقيل: " من دونكم " يعني في السير ~~وحسن المذهب. ومعنى " لا يألونكم خبالا " لا يقصرون فيما فيه الفساد عليكم. ~~وهو في موضع الصفة ل‍ " بطانة من دونكم ". يقال: لا آلو جهدا أي لا أقصر. ~~وألوت ألوا قصرت، قال أمرؤ القيس: وما المرء ما دامت حشاشة نفسه * بمدرك ~~أطراف الخطوب ولا آل والخبال: الخبل. والخبل: الفساد، وقد يكون ذلك في ~~الافعال والأبدان والعقول. # وفي الحديث: (من أصيب بدم أو خبل) أي جرح يفسد العضو. والخبل: فساد ms1440 ~~الأعضاء، ورجل خبل ومختبل، وخبله الحب أي أفسده. قال أوس: أبني لبيني لستم ~~بيد * إلا يدا مخبولة (3) العضد أي فاسدة العضد. وأنشد الفراء: # نظر ابن سعد نظرة وبت (4) بها * كانت لصحبك والمطي خبالا أي فساد. وانتصب ~~" خبالا " بالمفعول الثاني، لان الألو يتعدى إلى مفعولين، وإن شئت على ~~المصدر، أي يخبلونكم خبالا: وإن شئت بنزع الخافض، أي بالخبال، كما قالوا: ~~أوجعته ضربا: " وما " في قوله: (ودوا ما عنتم) مصدرية، أي ودوا عنتكم. أي ~~ما يشق عليكم. # والعنت المشقة، وقد مضى في " البقرة " (5) معناه. # الرابعة - قوله تعالى: (قد بدت البغضاء من أفواههم) يعني ظهرت العداوة ~~والتكذيب لكم من أفواههم. والبغضاء: البغض، وهو ضد الحب. والبغضاء مصدر ~~مؤنث. # وخص تعالى الأفواه بالذكر دون الألسنة إشارة إلى تشدقهم وثرثرتهم في ~~أقوالهم هذه، فهم # PageV04P180 # فوق المتستر الذي تبدو البغضاء في عينيه. ومن هذا المعنى نهيه عليه ~~السلام أن يشتحي (1) الرجل فاه في عرض أخيه. معناه أن يفتح، يقال: شحى ~~الحمار فاه بالنهيق، وشحى الفم نفسه. وشحى اللجام فم الفرس شحيا، وجاءت ~~الخيل شواحي: فاتحات أفواهها. ولا يفهم من هذا الحديث دليل خطاب على الجواز ~~فيأخذ أحد في عرض أخيه همسا، فإن ذلك يحرم باتفاق من العلماء. وفي التنزيل ~~" ولا يغتب بعضكم بعضا " [الحجرات: 12] (1) الآية. وقال صلى الله عليه ~~وسلم: # (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام). فذكر الشحو إنما هو إشارة إلى ~~التشدق والانبساط، فاعلم. # الخامسة - وفي هذه الآية دليل على أن شهادة العدو على عدوه لا يجوز، ~~وبذلك قال أهل المدينة وأهل الحجاز، وروى عن أبي حنيفة جواز ذلك. وحكى ابن ~~بطال عن ابن شعبان أنه قال: أجمع العلماء على أنه لا تجوز شهادة العدو على ~~عدوه في شئ وإن كان عدلا، والعداوة تزيل العدالة فكيف بعداوة كافر. # السادسة: قوله تعالى: (وما تخفي صدورهم أكبر) إخبار وإعلام بأنهم يبطنون ~~من البغضاء أكثر مما يظهرون بأفواههم. وقرأ عبد الله بن مسعود: " قد بدأ ~~البغضاء " بتذكير الفعل، لما كانت البغضاء بمعنى البغض. # قوله تعالى: هأنتم أولاء تحبونهم ms1441 ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتب كله وإذا ~~لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم ~~إن الله عليم بذات الصدور (119) قوله تعالى: (ها أنتم أولاء تحبونهم) يعني ~~المنافقين، دليله قوله تعالى: " وإذا لقوكم قالوا آمنا "، قاله أبو العالية ~~ومقاتل. والمحبة هنا بمعنى المصافاة، أي أنتم أيها المسلمون تصافونهم ولا ~~يصافونكم لنفاقهم. وقيل: المعنى تريدون لهم الاسلام وهم يريدون لكم الكفر. ~~وقيل: المراد اليهود، قاله الأكثر. والكتاب اسم جنس، قال ابن عباس: يعني # PageV04P181 # بالكتب. واليهود يؤمنون بالبعض، كما قال تعالى: " وإذا قيل لهم آمنوا بما ~~أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه " [البقرة: 91] ~~(1). (وإذا لقوكم قالوا آمنا) أي بمحمد صلى الله عليه وسلم، وأنه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. (وإذا خلوا) فيما بينهم (عضوا عليكم الأنامل) يعني ~~أطراف الأصابع (من الغيظ) والحنق عليكم، فيقول بعضهم لبعض: ألا ترون إلى ~~هؤلاء ظهروا وكثروا. والعض عبارة عن شدة الغيظ مع عدم القدرة على إنفاذه، ~~ومنه قول أبي طالب: # * يعضون غيظا خلفنا بالأنامل * وقال آخر: # إذا رأوني - أطال الله غيظهم * عضوا من الغيظ أطراف الأباهيم يقال: عض ~~يعض عضا وعضيضا. والعض (بضم العين): علف دواب أهل الأمصار مثل الكسب والنوى ~~المرضوخ، يقال منه: أعض القوم، إذا أكلت إبلهم العض. # وبعير عضاضي، أي سمين كأنه منسوب إليه. والعض (بالكسر): الداهي من الرجال ~~والبليغ المكر (2). وعض الأنامل من فعل المغضب الذي فاته ما لا يقدر عليه، ~~أو نزل به ما لا يقدر على تغييره. وهذا العض هو بالأسنان كعض اليد (3) على ~~فائت قريب الفوات. # وكقرع السن النادمة، إلى غير ذلك من عد الحصى والخط في الأرض للمهموم. ~~ويكتب هذا العض بالضاد الساقطة، وعظ الزمان بالظاء المشالة، كما قال: # وعظ زمان يا بن مروان لم يدع * من المال إلا مسحتا أو مجلف (4) وواحد ~~الأنامل أنملة (بضم الميم) ويقال بفتحها، والضم أشهر. وكان أبو الجوزاء إذا ~~تلا هذه الآية قال: هم الأباضية (5). قال ابن عطية: وهذه الصفة قد تترتب في ms1442 ~~كثير من أهل البدع (6) إلى يوم القيامة. # قوله تعالى: (قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور) إن قيل كيف لم ~~يموتوا والله تعالى إذا قال لشئ: كن فيكون. قيل عنه جوابان: أحدهما: قال ~~فيه الطبري وكثير # PageV04P182 # من المفسرين: هو دعاء عليهم. أي قل يا محمد أدام الله غيظكم إلى أن ~~تموتوا. فعلى هذا يتجه أن يدعو عليهم بهذا مواجهة وغير مواجهة بخلاف ~~اللعنة. # الثاني: أن المعنى أخبرهم أنهم لا يدركون ما يؤملون، فإن الموت دون ذلك. ~~فعلى هذا المعنى زال معنى الدعاء وبقي معنى التقريع والإغاظة. ويجري (1) ~~هذا المعنى مع قول مسافر ابن أبي عمرو: # ويتمنى (2) في أرومتنا * ونفقا عين من حسدا وينظر إلى هذا المعنى قوله ~~تعالى: " من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى ~~السماء ثم ليقطع " [الحج: 15] (3). # قوله تعالى إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا ~~وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعلمون محيط (120) قوله تعالى: " ~~إن تمسسكم حسنة تسؤهم " قرأ السلمي بالياء والباقون بالتاء. واللفظ عام في ~~كل ما يحسن ويسوء. وما ذكره المفسرون من الخصب والجدب واجتماع المؤمنين ~~ودخول الفرقة بينهم إلى غير ذلك من الأقوال أمثلة وليس باختلاف. والمعنى في ~~الآية: أن من كانت هذه صفته من شدة العداوة والحقد والفرح بنزول الشدائد ~~على (4) المؤمنين، لم يكن أهلا لان يتخذ بطانة، لا سيما في هذا الامر ~~الجسيم من الجهاد الذي هو ملاك الدنيا والآخرة، ولقد أحسن القائل في قوله: # كل العداوة قد ترجى إفاقتها * إلا عداوة من عاداك من حسد (وإن تصبروا) أي ~~على أذاهم وعلى الطاعة وموالاة المؤمنين (وتتقوا لا يضركم (5) كيدهم شيئا). # يقال: ضاره يضوره ويضيره ضيرا وضورا، فشرط تعالى نفي ضررهم بالصبر ~~والتقوى، فكان ذلك تسلية للمؤمنين وتقوية لنفوسهم. # PageV04P183 # قلت - (1) قرأ الحرميان وأبو عمرو " لا يضركم " من ضار يضير كما ذكرنا، ~~ومنه قوله " لا ضير "، وحذفت الياء لالتقاء الساكنين، لأنك لما حذفت الضمة ~~من الراء بقيت الراء ساكنة والياء ms1443 ساكنة فحذفت الياء، وكانت أولى بالحذف، ~~لان قبلها ما يدل عليها. وحكى الكسائي أنه سمع " ضاره يضوره " وأجاز " لا ~~يضركم " وزعم أن في قراءة أبي بن كعب " لا يضرركم " (2). [وقرأ الكوفيون: " ~~لا يضركم " بضم الراء وتشديدها من ضر يضر] (3). # ويجوز أن يكون مرفوعا على تقدير إضمار الفاء، والمعنى: فلا يضركم، ومنه ~~قول الشاعر: (4) * من يفعل الحسنات الله يشكرها * هذا قول الكسائي والفراء، ~~أو يكون مرفوعا على نية التقديم، وأنشد سيبويه: # * إنك إن يصرع أخوك تصرع * (5) أي لا يضركم أن تصبروا وتتقوا. ويجوز أن ~~يكون مجزوما، وضمت الراء لالتقاء الساكنين على اتباع الضم. وكذلك قراءة من ~~فتح الراء على أن الفعل مجزوم، وفتح " يضركم " لالتقاء الساكنين لخفة ~~الفتح، رواه أبو زيد عن المفضل عن عاصم، حكاه المهدوي. وحكى النحاس: وزعم ~~المفضل الضبي عن عاصم " لا يضركم " بكسر الراء لالتقاء الساكنين. # قوله تعالى: وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقعد للقتال والله سميع عليم ~~(121) قوله تعالى: (وإذ غدوت من أهلك) العامل في " إذ " فعل مضمر تقديره: ~~وأذكر إذ غدوت، يعنى خرجت بالصباح. (من أهلك) من منزلك من عند عائشة. (تبوئ ~~المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم) هذه غزوة أحد وفيها نزلت هذه الآية ~~كلها. وقال مجاهد والحسن ومقاتل والكلبي: هي غزوة الخندق. وعن الحسن أيضا ~~يوم بدر. # والجمهور على أنها غزوة أحد، يدل عليه قوله تعالى: " إذ همت طائفتان منكم ~~أن تفشلا " [آل عمران: 122] وهذا إنما كان يوم أحد، وكان المشركون قصدوا ~~المدينة في ثلاثة آلاف رجل ليأخذوا بثأرهم # PageV04P184 # في يوم بدر، فنزلوا عند أحد على شفير الوادي بقناة مقابل المدينة، يوم ~~الأربعاء الثاني عشر من شوال سنة ثلاث من الهجرة، على رأس أحد وثلاثين شهرا ~~من الهجرة، فأقاموا هنالك يوم الخميس والنبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، ~~فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامه أن في سيفه ثلمة، وأن بقرا له ~~تذبح، وأنه أدخل يده في درع حصينة، فتأولها أن نفرا من أصحابه يقتلون، وأن ~~رجلا من أهل بيته ms1444 يصاب، وأن الدرع الحصينة المدينة. أخرجه مسلم. فكان كل ~~ذلك على ما هو معروف مشهور من تلك الغزاة. وأصل التبوء اتخاذ المنزل، بوأته ~~منزلا إذا أسكنته إياه، ومنه قول عليه السلام: (من كذب علي متعمدا فليتبوأ ~~مقعده من النار) أي ليتخذ فيها منزلا. فمعنى " تبوئ المؤمنين " تتخذ لهم ~~مصاف. وذكر البيهقي من حديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~(رأيت فيما يرى النائم كأني مردف كبشا وكأن ضبة سيفي انكسرت فأولت أني أقتل ~~كبش القوم وأولت كسر ضبة سيفي قتل رجل من عترتي) فقتل حمزة وقتل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم طلحة، وكان صاحب اللواء. وذكر موسى بن عقبة عن ابن ~~شهاب: وكان حامل لواء المهاجرين رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: أنا عاصم إن شاء الله لما معي، فقال له طلحة بن عثمان أخو سعيد ابن ~~عثمان اللخمي: هل لك يا عاصم في المبارزة؟ قال نعم، فبدره ذلك الرجل. فضرب ~~بالسيف على رأس طلحة حتى وقع السيف في لحيته فقتله، فكان قتل صاحب اللواء ~~(1) تصديقا لرؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم (كأني مردف كبشا). # العامل في " إذ - تبوئ " أو " سميع عليم ". والطائفتان: بنو سلمة من ~~الخزرج، وبنو حارثة من الأوس، وكانا جناحي العسكر يوم أحد. ومعنى (أن ~~تفشلا) أن تجبنا. وفي البخاري عن جابر قال: فينا نزلت (إذ همت طائفتان منكم ~~أن تفشلا والله وليهما " قال: نحن الطائفتان: # بنو حارثة وبنو سلمة، وما نحب أنها لم تنزل، لقول الله عز وجل: " والله ~~وليهما ". وقيل: # PageV04P185 # هم بنو الحارث وبنو الخزرج وبنو النبيت، والنبيت هو عمرو بن مالك من بني ~~الأوس. # والفشل عبارة عن الجبن، وكذلك هو في اللغة. والهم من الطائفتين كان بعد ~~الخروج لما رجع عبد الله بن أبي بمن معه من المنافقين فحفظ الله قلوبهم فلم ~~يرجعوا، فذلك قوله تعالى: # " والله وليهما " يعني قلوبهما عن تحقيق هذا الهم. وقيل: أرادوا التقاعد ~~عن الخروج، وكان ذلك صغيرة منهم. وقيل: كان ms1445 ذلك حديث نفس منهم خطر ببالهم ~~فأطلع الله نبيه عليه السلام عليه فازدادوا بصيرة، ولم يكن ذلك الخور (1) ~~مكتسبا لهم فعصمهم الله، وذم بعضهم بعضا، ونهضوا مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أطل على المشركين، وكان خروجه ~~من المدينة في ألف، فرجع عنه عبد الله بن أبي بن سول بثلاثمائة رجل مغاضبا ~~(2)، إذ خولف رأيه حين أشار بالقعود والقتال في المدينة إن نهض إليهم ~~العدو، وكان رأيه وافق رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبى ذلك أكثر ~~الأنصار، وسيأتي. # ونهض رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمسلمين فأستشهد منهم من أكرمه الله ~~بالشهادة. قال مالك رحمه الله: قتل من المهاجرين يوم أحد أربعة، ومن ~~الأنصار سبعون رضي الله عنهم. # والمقاعد: جمع مقعد وهو مكان القعود، [وهذا] (3) بمنزلة مواقف، ولكن لفظ ~~القعود دال على الثبوت، ولا سيما أن الرماة كانوا قعودا. هذا معنى حديث ~~غزاة أحد على الاختصار، وسيأتي من تفصيلها ما فيه شفاء. وكان مع المشركين ~~يومئذ مائة فرس عليها خاله بن الوليد، ولم يكن مع المسلمين يومئذ فرس. ~~وفيها جرح رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجهه وكسرت رباعيته اليمنى ~~السفلى بحجر وهشمت البيضة (4) من على رأسه صلى الله عليه وسلم، وجزاه عن ~~أمته ودينه بأفضل ما جزى به نبيا من أنبيائه على صبره. وكان الذي تولى ذلك ~~من النبي صلى الله عليه وسلم عمرو بن قميئة الليثي، وعتبة بن أبي وقاص. وقد ~~قيل: إن عبد الله بن شهاب جد الفقيه محمد بن مسلم بن شهاب هو الذي شج رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في جبهته. قال الواقدي: والثابت (5) عندنا أن الذي ~~رمى في وجه (6) النبي صلى الله عليه وسلم ابن قميئة، والذي # PageV04P186 # أدمى (1) شفته وأصاب رباعيته عتبة بن أبي وقاص. قال الواقدي بإسناده عن ~~نافع بن جبير قال: سمعت رجلا من المهاجرين يقول: شهدت أحدا فنظرت إلى النبل ~~تأتي من كل ناحية ورسول الله صلى الله عليه ms1446 وسلم وسطها كل [ذلك] (1) يصرف ~~عنه. ولقد رأيت عبد الله ابن شهاب الزهري يقول يومئذ: دلوني على محمد دلوني ~~على محمد، فلا نجوت إن نجا. [وإن] (2) رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~جنبه ما معه أحد ثم جاوزه، فعاتبه في ذلك صفوان فقال: # والله ما رأيته، أحلف بالله إنه منا ممنوع! خرجنا أربعة فتعاهدنا ~~وتعاقدنا على قتله [فلم نخلص (2) إلى ذلك]. وأكبت الحجارة على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حتى سقط في حفرة، كان أبو عامر الراهب قد حفرها مكيدة ~~للمسلمين، فخر عليه السلام على جنبه واحتضنه طلحة حتى قام، ومص مالك بن ~~سنان والد أبي سعيد الخدري من جرح رسول الله صلى الله عليه وسلم الدم، ~~وتشبثت (3) حلقتان من درع المغفر في وجهه صلى الله عليه وسلم فانتزعهما أبو ~~عبيدة بن الجراح وعض عليهما بثنيتيه فسقطتا، فكان أهتم يزينه هتمه رضي الله ~~عنه. وفي هذه الغزاة قتل حمزة رضي الله عنه، قتله وحشي، وكان وحشي مملوكا ~~لجبير بن مطعم. وقد كان جبير قال له: # إن قتلت محمدا جعلنا لك أعنة الخيل، وإن أنت قتلت علي بن أبي طالب جعلنا ~~لك مائة ناقة كلها سود الحدق، وإن أنت قتلت حمزة فأنت حر. فقال وحشي: أما ~~محمد فعليه حافظ من الله لا يخلص إليه أحد. وأما علي ما برز إليه أحد إلا ~~قتله. وأما حمزة فرجل شجاع، وعسى أن أصادفه فأقتله. وكانت هند كلما تهيأ ~~وحشي أو مرت به قالت: إيها أبا دسمة اشف واستشف. فكمن له خلف صخرة، وكان ~~حمزة حمل على القوم من المشركين، فلما رجع من حملته ومر بوحشي زرقه ~~بالمزراق فأصابه فسقط ميتا (4) رحمه الله ورضي عنه. قال ابن إسحاق: فبقرت ~~هند عن كبد حمزة فلاكتها ولم تستطع أن تسيغها فلفظتها ثم علت على صخرة ~~مشرفة فصرخت بأعلى صوتها فقالت: # نحن جزيناكم بيوم بدر * والحرب بعد الحرب ذات سعر ما كان عن عتبة لي من ~~صبر * ولا أخي وعمه بكري # PageV04P187 # شفيت نفسي وقضيت نذري * شفيت ms1447 وحشي غليل صدري فشكر وحشي علي عمري * حتى ~~ترم أعظمي في قبري فأجابتها هند بنت أثاثة بن عباد بن عبد المطلب فقالت: # خزيت في بدر وبعد بدر * يا بنت وقاع عظيم الكفر صبحك الله غداة الفجر * ~~ملهاشميين الطوال الزهر بكل قطاع حسام يفري * حمزة ليثي وعلى صقري إذ رام ~~شيب (1) وأبوك غدرى * فخضبا (2) منه ضواحي النحر * ونذرك السوء فشر نذر * ~~وقال عبد الله بن رواحة يبكي حمزة رضي الله عنه: # بكت عيني وحق لها بكاها * وما يغني البكاء ولا العويل على أسد الاله غداة ~~قالوا * أحمزة ذاكم الرجل القتيل أصيب المسلمون به جميعا * هناك، وقد أصيب ~~به الرسول أبا يعلى لك الأركان هدت * وأنت الماجد البر الوصل عليك سلام ربك ~~في جنان * مخالطها نعيم لا يزول ألا يا هاشم الأخيار صبرا * فكل فعالكم حسن ~~جميل رسول الله مصطبر كريم * بأمر الله ينطق إذ يقول ألا من مبلغ عني لؤيا ~~* فبعد اليوم دائلة تدول وقبل اليوم ما عرفوا وذاقوا * وقائعنا بها يشفي ~~الغليل نسيتم ضربنا بقليب (3) بدر * غداة أتاكم الموت العجيل غداة ثوى أبو ~~جهل صريعا * عليه الطير حائمة تجول وعتبة وابنه خرا جميعا * وشيبة عضه ~~السيف الصقيل # PageV04P188 # ومتركنا أمية مجلعبا (1) * وفي حيزومه لدن نبيل (2) وهام بني ربيعة ~~سائلوها * ففي أسيافها منها فلول ألا يا هند لا تبدي شماتا بحمزة إن عزكم ~~ذليل ألا يا هند فابكي لا تملي * فأنت الواله العبري الهبول (3) ورثته أيضا ~~أخته صفية، وذلك مذكور في السيرة، رضي الله عنهم أجمعين. # قوله تعالى: (وعلى الله فليتوكل المؤمنون) فيه مسألة واحدة، وهي بيان ~~التوكل. والتوكل في اللغة إظهار العجز والاعتماد على الغير (4) * وواكل ~~فلان إذا ضيع أمره متكلا على غيره. # وأختلف العلماء في حقيقة التوكل، فسئل عنه سهل بن عبد الله فقال: قالت ~~فرقة أرض الرضا بالضمان، وقطع الطمع من المخلوقين. وقال قوم: التوكل ترك ~~الأسباب والركون إلى مسبب الأسباب، فإذا شغله السبب عن المسبب زال عنه اسم ~~التوكل. قال سهل: من قال إن التوكل يكون بترك السبب ms1448 فقد طعن في سنة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، لان الله عز وجل يقول: " فكلوا مما غنمتم حلالا ~~طيبا " [الأنفال: 69] (5) فالغنيمة اكتساب. وقال تعالى: " فاضربوا فوق ~~الأعناق واضربوا منهم كل بنان " [الأنفال: 12] (6) فهذا عمل. وقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم (إن الله يحب العبد المحترف). # وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرضون على السرية (7). وقال ~~غيره: وهذا قول عامة الفقهاء، وأن التوكل على الله هو الثقة بالله والايقان ~~بأن قضاءه ماض، وأتباع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم في السعي فيما لابد منه ~~من الأسباب من مطعم ومشرب وتحرز من عدو وإعداد الأسلحة واستعمال ما تقتضيه ~~سنة الله تعالى المعتادة. وإلى هذا ذهب محققو الصوفية، لكنه لا يستحق اسم ~~التوكل عندهم مع الطمأنينة إلى تلك الأسباب والالتفات إليها بالقلوب، فإنها ~~لا تجلب نفعا ولا تدفع ضرا، بل السبب والمسبب فعل الله تعالى، والكل منه ~~وبمشيئته، ومتى وقع من المتوكل ركون إلى تلك الأسباب فقد انسلخ عن ذلك ~~الاسم. ثم المتوكلون على # PageV04P189 # حالين: الأول - حال المتمكن في التوكل فلا يلتفت إلى شئ من تلك الأسباب ~~بقلبه، ولا يتعاطاه إلا بحكم الامر. # الثاني - حال غير المتمكن وهو الذي يقع له الالتفات إلى تلك الأسباب ~~أحيانا غير أنه يدفعها عن نفسه بالطرق العلمية، والبراهين القطعية، ~~والأذواق الحالية، فلا يزال كذلك إلى أن يرقيه الله بجوده إلى مقام ~~المتوكلين المتمكنين، ويلحقه بدرجات العارفين. # قوله تعالى: ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون ~~(123) إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة ~~منزلين (124) بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة ~~آلاف من الملائكة مسومين (125) فيه ست مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (ولقد نصركم الله ببدر) كانت بدر يوم سبعة عشر من ~~رمضان، يوم جمعة لثمانية عشر شهرا من الهجرة، وبدر ماء هنالك وبه سمي ~~الموضع . وقال الشعبي: كان ذلك الماء لرجل من جهينة يسمى بدرا، وبه سمي ~~الموضع. # والأول أكثر. وقال الواقدي وغيره: ms1449 بدر اسم لموضع غير منقول. وسيأتي في ~~قصة بدر في " الأنفال " (1) إن شاء الله تعالى. و " أذلة " معناها قليلون، ~~وذلك أنهم كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر أو أربعة عشر رجلا. وكان عدوهم ما بين ~~التسعمائة إلى الألف. و " أذلة " جمع ذليل. واسم الذل في هذا الموضع ~~مستعار، ولم يكونوا في أنفسهم إلا أعزة، ولكن نسبتهم إلى عدوهم وإلى جميع ~~الكفار في أقطار الأرض تقتضي عند التأمل ذلتهم وأنهم يغلبون. والنصر العون، ~~فنصرهم الله يوم بدر، وقتل فيه صناديد المشركين، وعلى ذلك اليوم أبتني (2) ~~الاسلام، وكان أول قتال قاتله النبي صلى الله عليه وسلم. وفي صحيح مسلم عن ~~بريدة قال: غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع عشرة غزوة، قاتل في ثمان ~~منهن. وفيه عن ابن إسحاق قال: لقيت # PageV04P190 # زيد بن أرقم فقلت له: كم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال تسع عشرة ~~غزوة. # فقلت: فكم غزوه أنت معه؟ فقال: سبع عشرة غزوة. قال فقلت: فما أول غزوة ~~غزاها؟ قال: ذات العسير أو العشير. وهذا كله مخالف لما عليه أهل التواريخ ~~والسير. قال محمد بن سعد في كتاب الطبقات له: إن غزوات رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم سبع وعشرون غزوة، وسراياه ست وخمسون، وفي رواية ست وأربعون، (1) ~~والتي قاتل فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بدر وأحد والمريسيع والخندق ~~وخيبر وقريظة والفتح والطائف. قال ابن سعد: # هذا الذي أجتمع لنا عليه. وفي بعض الروايات أنه قاتل في بني النضير وفي ~~وادي القرى منصرفه من خيبر وفي الغابة (2). وإذا تقرر هذا فنقول: زيد ~~وبريدة إنما أخبر كل واحد منهما بما في علمه أو شاهده. وقول زيد: " إن أول ~~غزاة غزاها ذات العسيرة " مخالف أيضا لما قال أهل التواريخ والسير. قال ~~محمد بن سعد: كان قبل غزوة العشيرة ثلاث غزوات، يعني غزاها بنفسه. وقال ابن ~~عبد البر في كتاب الدرر في المغازي والسير. أول غزاة غزاها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم غزوة ودان (3) غزاها بنفسه في صفر، وذلك ms1450 أنه وصل إلى ~~المدينة لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، أقام بها بقية ربيع الأول، ~~وباقي العام كله. # إلى صفر من سنة اثنتين من الهجرة: ثم حرج في صفر المذكور واستعمل على ~~المدينة سعد بن عبادة حتى بلغ ودان فوادع (4) بني ضمرة، ثم رجع إلى المدينة ~~ولم يلق حربا، وهي المسماة بغزوة الأبواء. ثم أقام بالمدينة إلى [شهر] ربيع ~~الاخر من السنة المذكورة، ثم خرج فيها واستعمل على المدينة السائب بن عثمان ~~بن مظعون حتى بلغ بواط (5) من ناحية رضوى (6)، ثم رجع إلى المدينة # PageV04P191 # ولم يلق حربا، ثم أقام بها بقية ربيع الاخر وبعض جمادى الأولى، ثم خرج ~~غازيا واستخلف على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد، وأخذ على طريق ملك (1) ~~إلى العسيرة. # قلت: ذكر ابن إسحاق عن عمار بن ياسر قال: كنت أنا وعلي بن أبي طالب ~~رفيقين في غزوة العشيرة من بطن ينبع فلما نزلها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أقام بها شهرا فصالح بها بني مدلج وحلفاءهم من بني ضمرة فوادعهم، فقال ~~لي علي بن أبي طالب: هل لك أبا اليقظان أن تأتي هؤلاء؟ نفر من بني مدلج ~~يعملون في عين لهم ننظر كيف يعملون. فأتيناهم فنظرنا إليهم ساعة ثم غشينا ~~النوم فعمدنا إلى صور (2) من النخل في دقعاء من الأرض فنمنا فيه، فوالله ما ~~أهبنا إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدمه، فجلسنا وقد تتربنا من تلك ~~الدقعاء فيومئذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: (ما بالك يا أبا ~~تراب)، فأخبرناه بما كان من أمرنا فقال: # (ألا أخبركم بأشقى الناس رجلين) قلنا: بلى يا رسول الله، فقال: (أحيمر ~~ثمود الذي عقر الناقة والذي يضربك يا علي على هذه - ووضع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يده على رأسه - حتى يبل منها هذه) ووضع يده على لحيته. فقال ~~أبو عمر: فأقام بها بقية جمادى الأولى وليالي من جمادى الآخرة، ووادع فيها ~~بني مدلج ثم رجع ولم يلق حربا. ثم كانت بعد ذلك ms1451 غزوة بدر الأولى بأيام ~~قلائل، هذا الذي لا يشك فيه أهل التواريخ والسير، فزيد بن أرقم إنما أخبر ~~عما عنده. والله أعلم. ويقال: ذات العسير بالسين والشين، ويزاد عليها هاء ~~فيقال: العشيرة. # ثم غزوة بدر الكبرى وهي أعظم المشاهد فضلا لمن شهدها، وفيها أمد الله ~~بملائكته نبيه والمؤمنين في قول جماعة العلماء، وعليه يدل ظاهر الآية، لا ~~في يوم أحد. ومن قال: إن ذلك كان يوم أحد جعل قوله تعالى: " ولقد نصركم ~~الله ببدر " إلى قوله: " تشكرون "؟؟ # اعتراضا بين الكلامين. هذا قول عامر الشعبي، وخالفه الناس. تظاهرت ~~الروايات بأن الملائكة حضرت يوم بدر وقاتلت، ومن ذلك قول أبي أسيد مالك بن ~~ربيعة وكان شهيد # PageV04P192 # بدر: لو كنت معكم الان ببدر ومعي بصري لأريتكم الشعب (1) الذي خرجت منه ~~الملائكة، لا أشك ولا أمتري. رواه عقيل عن الزهري عن أبي حازم سلمة بن ~~دينار. قال ابن أبي حاتم: # لا يعرف للزهري عن أبي حازم غير هذا الحديث الواحد، وأبو أسيد يقال إنه ~~آخر من مات من أهل بدر، ذكره أبو عمر في الاستيعاب وغيره. وفي صحيح مسلم من ~~حديث عمر ابن الخطاب قال: لما كان يوم بدر نظر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلا، فأستقبل نبي ~~الله صلى الله عليه وسلم القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه: (اللهم أنجز لي ~~ما وعدتني اللهم آت ما وعدتني اللهم إن تهلك هذه العصابة من الاسلام لا ~~تعبد في الأرض) فما زال يهتف بربه مادا يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه ~~عن منكبيه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ~~ورائه وقال: يا نبي الله، كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل ~~الله عز وجل: # " إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين " ~~[الأنفال: 9] (2) فأمده الله تعالى بالملائكة. قال أبو زميل (3): فحدثني ~~ابن عباس قال: بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في أثر رجل من المشركين ms1452 ~~أمامه إذ يسمع ضربة بالسوط فوقه وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم، (4) فنظر ~~إلى المشرك أمامه فخر مستلقيا، فنظر إليه فإذا هو قد خطم أنفه وشق وجهه ~~[كضربة السوط] (5) فأخضر ذلك أجمع. فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال: # (صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة) فقتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين. وذكر ~~الحديث. # وسيأتي تمامه في آخر " الأنفال " (6) إن شاء الله تعالى. فتظاهرت السنة ~~والقرآن على ما قاله الجمهور، والحمد لله. وعن خارجة بن إبراهيم عن أبيه ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل: (من القائل يوم بدر من ~~الملائكة أقدم حيزوم)؟ فقال جبريل: (يا محمد ما كل أهل السماء أعرف). وعن ~~علي رضي الله عنه أنه خطب الناس فقال: بينا أنا أمتح (7) من قليب بدر جاءت ~~ريح شديدة لم أر مثلها قط، ثم ذهبت، ثم جاءت ريح شديدة لم أر مثلها قط إلا ~~التي كانت # PageV04P193 # قبلها. قال: وأظنه ذكر: ثم جاءت ريح شديدة، فكانت الريح الأولى جبريل نزل ~~في ألف من الملائكة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت الريح الثانية ~~ميكائيل نزل في ألف من الملائكة عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وكان أبو بكر عن يمينه، وكانت الريح الثالثة إسرافيل نزل في ألف من ~~الملائكة عن ميسرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا في الميسرة. # وعن سهل بن حنيف رضي الله عنه قال: لقد رأيتنا يوم بدر وأن أحدنا يشير ~~بسيفه إلى رأس المشرك فيقع رأسه عن جسده قبل أن يصل إليه. وعن الربيع بن ~~أنس قال: كان الناس يوم بدر يعرفون قتلى الملائكة ممن قتلوهم بضرب فوق ~~الأعناق وعلى البنان مثل سمة النار قد أحرق به، ذكر جميعه البيهقي رحمه ~~الله. وقال بعضهم: إن الملائكة كانوا يقاتلون وكانت علامة ضربهم في الكفار ~~ظاهرة، لان كل موضع أصابت ضربتهم اشتعلت النار في ذلك الموضع، حتى إن أبا ~~جهل قال لابن مسعود: أنت قتلني؟! إنما قتلني الذي لم يصل سناني ms1453 إلى سنبك ~~فرسه (1) وإن اجتهدت. وإنما كانت الفائدة في كثرة الملائكة لتسكين قلوب ~~المؤمنين، ولأن الله تعالى جعل أولئك الملائكة مجاهدين إلى يوم القيامة، ~~فكل عسكر صبر وأحتسب تأتيهم الملائكة ويقاتلون معهم. وقال ابن عباس ومجاهد: ~~لم تقاتل الملائكة إلا يوم بدر، وفيما سوى ذلك يشهدون ولا يقاتلون إنما ~~يكونون عددا أو مددا. وقال بعضهم: إنما كانت الفائدة في كثرة الملائكة أنهم ~~كانوا يدعون ويسبحون، ويكثرون (2) الذين يقاتلون يومئذ، فعلى هذا لم تقاتل ~~الملائكة يوم بدر (3) وإنما حضروا للدعاء بالتثبيت، والأول أكثر. قال ~~قتادة: كان هذا يوم بدر، أمدهم الله بألف ثم صاروا ثلاثة آلاف، ثم صاروا ~~خمسة آلاف، فذلك قوله تعالى: # " إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين " (4) ~~وقوله: # " ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين " [آل عمران: ~~124] وقوله: " بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم ~~بخمسة آلاف من الملائكة مسومين " [آل عمران: 125] فصبر المؤمنون يوم بدر ~~واتقوا الله فأمدهم الله بخمسة آلاف من الملائكة على ما وعدهم، فهذا كله ~~يوم بدر. # وقال الحسن: فهؤلاء الخمسة آلاف ردء (5) للمؤمنين إلى يوم القيامة. قال ~~الشعبي: بلغ النبي # PageV04P194 # صلى الله عليه وسلم وأصحابه يوم بدر أن كرز بن جابر المحاربي يريد أن يمد ~~المشركين فشق ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين، فأنزل الله ~~تعالى: " ألن يكفيكم - إلى قوله: # مسومين " فبلغ كرزا الهزيمة فلم يمدهم ورجع، فلم يمدهم (1) الله أيضا ~~بالخمسة آلاف، وكانوا قد مدوا بألف. وقيل: إنما وعد الله المؤمنين يوم بدر ~~إن صبروا على طاعته، واتقوا محارمه أن يمدهم أيضا في حروبهم كلها، فلم ~~يصبروا ولم يتقوا محارمه إلا في يوم الأحزاب، فأمدهم حين حاصروا قريظة. ~~وقيل: إنما كان هذا يوم أحد، وعدهم الله المدد إن صبروا، فما صبروا فلم ~~يمدهم بملك واحد، ولو أمدوا لما هزموا، قاله عكرمة والضحاك. فإن قيل: # فقد ثبت عن سعد بن أبي وقاص أنه قال: رأيت عن يمين رسول الله صلى ms1454 الله ~~عليه وسلم وعن يساره يوم بدر (2) رجلين عليهما ثياب بيض يقاتلان عنه أشد ~~القتال، ما رأيتهما قبل ولا بعد. قيل له: لعل هذا مختص بالنبي صلى الله ~~عليه وسلم، خصه بملكين يقاتلان عنه، ولا يكون هذا إمدادا للصحابة. والله ~~أعلم. # الثانية - نزول الملائكة سبب من أسباب النصر لا يحتاج إليه الرب تعالى، ~~وإنما يحتاج إليه المخلوق فليعلق القلب بالله وليثق به، فهو الناصر بسبب ~~وبغير سبب، " إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون [يس: 82] (3). ~~لكن أخبر بذلك ليمتثل الخلق ما أمرهم به من الأسباب التي قد خلت من قبل، " ~~ولن تجد لسنة الله تبديلا " [الأحزاب: 62] (4)، ولا يقدح ذلك في التوكل. # وهو رد على من قال: إن الأسباب إنما سنت في حق الضعفاء لا للأقوياء، فإن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا الأقوياء وغيرهم هم الضعفاء، وهذا ~~واضح. و " مد " في الشر و " أمد " في الخير. وقد تقدم في البقرة (5). وقرأ ~~أبو حياة " منزلين " بكسر الزاي مخففا، يعني منزلين النصر. وقرأ ابن عامر ~~مشددة الزاي مفتوحة على التكثير. ثم قال: (بلى) وتم الكلام. " إن تصبروا " ~~شرط، أي على لقاء العدو. (وتتقوا) عطف عليه، أي معصيته. # والجواب " يمدكم ". ومعنى " من فورهم " من وجههم. هذا عن عكرمة وقتادة ~~والحسن # PageV04P195 # والربيع والسدي وأبي زيد. وقيل: من غضبهم، عن مجاهد والضحاك. كانوا قد ~~غضبوا يوم أحد ليوم بدر مما لقوا. وأصل الفور القصد إلى الشئ والاخذ فيه ~~بجد، وهو من قولهم: # فارت القدر تفور فورا وفورانا إذا غلت. والفور الغليان. وفار غضبه إذا ~~جاش. وفعله من فوره أي قبل أن يسكن. والفوارة ما يفور من القدر. وفي ~~التنزيل " وفار التنور " {هود: 40] (1). # قال الشاعر: # * تفور علنا قدرهم فنديمها * الثالثة - قوله تعالى: (مسومين) بفتح الواو ~~اسم مفعول، وهي قراءة ابن عامر وحمزة والكسائي ونافع. أي معلمين بعلامات. و ~~" مسومين " بكسر الواو اسم فاعل، وهي قراءة أبي عمرو وابن كثير وعاصم، ~~فيحتمل من المعنى ما تقدم، أي قد أعلموا أنفسهم بعلامة، وأعلموا خيلهم. ms1455 ~~ورجح الطبري وغيره هذه القراءة. وقال كثير من المفسرين: مسومين أي مرسلين ~~خيلهم، في الغارة. وذكر المهدوي هذا المعنى في " مسومين " بفتح الواو، أي ~~أرسلهم الله تعالى على الكفار. وقاله ابن فورك أيضا. وعلى القراءة الأولى ~~اختلفوا في سيما الملائكة، فروى عن علي بن أبي طالب وابن عباس وغيرهما أن ~~الملائكة أعتمت بعمائم بيض قد أرسلوها بين أكتافهم، ذكره البيهقي عن ابن ~~عباس وحكاه المهدوي عن الزجاج. إلا جبريل فإنه كان بعمامة صفراء على مثال ~~الزبير بن العوام، وقال ابن إسحاق. وقال الربيع: كانت سيماهم أنهم كانوا ~~على خيل بلق. # قلت: ذكر البيهقي عن سهيل بن عمرو رضي الله عنه قال: لقد رأيت يوم بدر ~~رجالا بيضا على خيل بلق بين السماء والأرض معلمين يقتلون ويأسرون. فقوله: " ~~معلمين " دل على أن الخيل البلق ليست السيما. والله أعلم. وقال مجاهد: كانت ~~خيلهم مجزوزة الأذناب والأعراف معلمة النواصي والأذناب بالصوف والعهن (2). ~~وروي عن ابن عباس: تسومت الملائكة يوم بدر بالصوف الأبيض في نواصي الخيل ~~وأذنابها. وقال عباد بن عبد الله بن الزبير وهشام بن عروة والكلبي: نزلت ~~الملائكة في سيما الزبير عليهم عمائم صفر مرخاة على أكتافهم. وقال ذلك عبد ~~الله وعروة ابنا الزبير. وقال عبد الله: كانت ملاءة صفراء أعتم بها الزبير ~~رضي الله عنه. # قلت: ودلت الآية - # PageV04P196 # وهي الرابعة - على اتخاذ [الشارة و] (1) العلامة للقبائل والكتائب يجعلها ~~السلطان لهم، لتتميز كل قبيلة وكتيبة من غيرها عند الحرب، وعلى فضل الخيل ~~البلق لنزول الملائكة عليها. # قلت: - ولعلها نزلت عليها موافقة لفرس المقداد، فإنه كان أبلق ولم يكن ~~لهم فرس غيره، فنزلت الملائكة على الخيل البلق إكراما للمقداد، كما نزل ~~جبريل معتجرا (2) بعمامة صفراء على مثال الزبير. والله أعلم. ودلت الآية ~~أيضا - وهي الخامسة - على لباس الصوف وقد لبسه الأنبياء والصالحون. وروى ~~أبو داود وابن ماجة واللفظ له عن أبي بردة عن أبيه قال قال لي أبي: لو ~~شهدتنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أصابتنا السماء لحسبت أن ms1456 ~~ريحنا ريح الضأن. # ولبس صلى الله عليه وسلم جبة رومية من صوف ضيقة الكمين، رواه الأئمة. ~~ولبسها يونس عليه السلام، رواه مسلم. وسيأتي لهذا المعنى مزيد بيان في " ~~النحل " (3) إن شاء الله تعالى. # السادسة - قلت: وأما ما ذكره مجاهد من أن خيلهم كانت مجزوزة الأذناب ~~والأعراف فبعد، فإن في مصنف أبي داود عن عتبة بن عبد السلمي أنه سمع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تقصوا نواصي الخيل ولا معارفها ولا ~~أذنابها فإن أذنابها مذابها ومعارفها دفاؤها ونواصيها معقود فيها الخير). ~~فيقول مجاهد يحتاج إلى توقيف من أن خيل الملائكة كانت على تلك الصفة. والله ~~أعلم. # ودلت الآية على حسن الأبيض والأصفر من الألوان لنزول الملائكة بذلك، وقد ~~قال ابن عباس: من لبس نعلا أصفر قضيت حاجته. وقال عليه السلام: (ألبسوا من ~~ثيابكم البياض فإنه من خير ثيابكم وكفنوا فيه موتاكم وأما العمائم فتيجان ~~العرب ولباسها). وروى ركانة - وكان صارع النبي صلى الله عليه وسلم فصرعه ~~النبي صلى الله عليه وسلم - قال ركانة: # وسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (فرق ما بيننا وبين المشركين ~~العمائم على القلانس) أخرجه أبو داود. قال البخاري (4): إسناده مجهول لا ~~يعرف سماع بعضه من بعض. # PageV04P197 # قوله تعالى: وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا ~~من عند الله العزيز الحكيم (126) ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم ~~فينقلبوا خائبين (127) قوله تعالى: (وما جعله الله إلا بشرى لكم) الهاء ~~للمدد، وهو الملائكة أو الوعد أو الامداد، ويدل عليه " يمددكم " أو للتسويم ~~أو للانزال أو العدد على المعنى، لان خمسة آلاف عدد. (ولتطمئن قلوبكم به) ~~اللام لام كي، أي ولتطمئن قلوبكم به جعله، كقوله: # " وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا " [فصلت: 12] (1) أي وحفظا لها جعل ~~ذلك. (وما النصر إلا من عند الله) يعني نصر المؤمنين، ولا يدخل في ذلك نصر ~~الكافرين، لان ما وقع لهم من غلبة إنما هو إملاء محفوف بخذلان وسوء عاقبة ~~وخسران. (ليقطع طرفا من الذين كفروا) أي ms1457 بالقتل. ونظم الآية: ولقد نصركم ~~الله ببدر ليقطع. وقيل: المعنى وما النصر إلا من عند الله ليقطع. ويجوز أن ~~يكون متعلقا ب‍ " يمددكم "، أي يمددكم ليقطع. والمعنى: من قتل من المشركين ~~يوم بدر، عن الحسن وغيره. السدي: يعني به من قتل من المشركين يوم أحد ~~وكانوا ثمانية عشر رجلا. # ومعنى (يكبتهم) يحزنهم، والمكبوت المحزون. وروى أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم جاء إلى أبي طلحة فرأى ابنه مكبوتا فقال: (ما شأنه)؟. فقيل: مات ~~بعيره. وأصله فيما ذكر بعض أهل اللغة " يكبدهم " أي يصيبهم بالحزن والغيظ ~~في أكبادهم، فأبدلت الدال تاء، كما قلبت في سبت رأسه وسبده أي حلقه. كبت ~~الله العدو كبتا إذا (2) صرفه وأذله، كبده، أصابه في كبده، يقال: قد أحرق ~~الحزن كبده، وأحرقت العداوة كبده. وتقول العرب للعدو: أسود الكبد، قال ~~الأعشى: # فما أجشمت (3) من إتيان قوم * هم الأعداء والأكباد سود كأن الأكباد لما ~~احترقت بشدة العداوة اسودت. وقرأ أبو مجلز " أو يكبدهم " بالدال. # والخائب: المنقطع الامل. خاب يخيب إذا لم ينل ما طلب. والخياب: القدح لا ~~يوري. # PageV04P198 # قوله تعالى: ليس لك من الامر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ~~(128) ولله ما في السماوات وما في الأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله ~~غفور رحيم (129) فيه ثلاث مسائل: # الأولى - ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كسرت رباعيته يوم ~~أحد، وشج في رأسه، فجعل يسلب الدم عنه ويقول: (كيف يفلح قوم شجوا رأس نبيهم ~~وكسروا رباعيته وهو يدعوهم إلى الله تعالى) فأنزل الله تعالى: (ليس لك من ~~الامر شئ). الضحاك: # هم النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو على المشركين فأنزل الله تعالى: " ~~ليس لك من الامر شئ ". وقيل: استأذن في أن يدعو في استئصالهم، فلما نزلت ~~هذه الآية علم أن منهم من سيسلم وقد آمن كثير منهم خالد بن الوليد وعمرو بن ~~العاص وعكرمة بن أبي جهل وغيرهم. # وروى الترمذي عن ابن عامر قال: وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو ms1458 على ~~أربعة نفر فأنزل الله عز وجل: " ليس لك من الامر شئ " فهداهم الله للاسلام. ~~وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح. وقوله تعالى: " أو يتوب عليهم " قيل: هو ~~معطوف على " ليقطع طرفا ". والمعنى: ليقتل طائفة منهم، أو يحزنهم بالهزيمة ~~أو يتوب عليهم أو يعذبهم. وقد تكون " أو " هاهنا بمعنى " حتى " و " إلا أن ~~". قال أمرؤ القيس: # * أو نموت فنعذرا قال علماؤنا: قوله عليه السلام: (كيف يفلح قوم شجوا رأس ~~نبيهم) استبعاد لتوفيق من فعل ذلك به. وقوله تعالى: " ليس لك من الامر شئ " ~~تقريب لما استبعده وإطماع في إسلامهم، ولما أطمع في ذلك قال صلى الله عليه ~~وسلم: (اللهم أغفر لقومي فإنهم لا يعلمون) كما في صحيح مسلم عن ابن مسعود ~~قال: كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي نبيا من الأنبياء ~~ضربه قومه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: (رب أغفر لقومي فإنهم PageV04P199 # لا يعلمون). قال علماؤنا: فالحاكي في حديث ابن مسعود هو الرسول عليه ~~الصلاة والسلام، وهو المحكي عنه، بدليل ما قد جاء صريحا مبينا أنه عليه ~~الصلاة والسلام لما كسرت رباعيته وشج وجهه يوم أحد شق ذلك على أصحابه شقا ~~شديدا وقالوا: لو دعوت عليهم! فقال: # (إني لم أبعث لعانا ولكني بعثت داعيا ورحمة، اللهم أغفر لقومي فإنهم لا ~~يعلمون). فكأنه عليه السلام أوحى إليه بذلك قبل وقوع قضية أحد، ولم يعلنه ~~له ذلك النبي، فلما وقع له ذلك تعين أنه المعنى بذلك بدليل ما ذكرنا. ~~ويبينه أيضا ما قاله عمر له في بعض كلامه: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! لقد ~~دعا نوح على قومه فقال: " رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا " [نوح: ~~26] (1) الآية. ولو دعوت علينا مثلها لهلكنا من عند آخرنا، فقد وطئ ظهرك ~~وأدمي وجهك وكسرت رباعيتك فأبيت أن تقول إلا خيرا، فقلت: (رب اغفر لقومي ~~فإنهم لا يعلمون). # وقوله: (أشتد غضب الله على قوم كسروا رباعية نبيهم) يعني بذلك المباشر ~~لذلك، وقد ذكرنا اسمه على اختلاف في ذلك، ms1459 وإنما قلنا إنه خصوصي في المباشر، ~~لأنه قد أسلم جماعة ممن شهد أحدا وحسن إسلامهم. # الثانية - زعم بعض الكوفيين أن هذه الآية ناسخة للقنوت الذي كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم يفعله بعد الركوع في الركعة الأخيرة من الصبح، وأحتج ~~بحديث ابن عمر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول في صلاة الفجر بعد ~~رفع رأسه من الركوع فقال: (اللهم ربنا ولك الحمد في الآخرة - ثم قال - ~~اللهم العن فلانا وفلانا) فأنزل الله عز وجل " ليس لك من الامر شئ أو يتوب ~~عليهم أو يعذبهم " الآية. أخرجه البخاري، وأخرجه مسلم أيضا من حديث أبي ~~هريرة أتم منه. وليس هذا موضع نسخ وإنما نبه الله تعالى على نبيه على أن ~~الامر ليس إليه، وأنه لا يعلم من الغيب شيئا إلا ما أعلمه، وأن الامر كله ~~لله يتوب على من يشاء ويعجل العقوبة لمن يشاء. والتقدير: ليس لك من الامر ~~شئ ولله ما في السماوات وما في الأرض دونك ودونهم يغفر لمن يشاء ويتوب على ~~من يشاء. فلا نسخ، والله أعلم. وبين بقوله: # " ليس لك من الامر شئ " أن الأمور (2) بقضاء الله وقدره ردا على القدرية ~~وغيرهم. # PageV04P200 # الثالثة - وأختلف العلماء في القنوت في صلاة الفجر وغيرها، فمنع الكوفيون ~~منه في الفجر وغيرها. وهو مذهب الليث ويحيى بن يحيى الليثي الأندلسي صاحب ~~مالك، وأنكره الشعبي. # وفي الموطأ عن ابن عمر: أنه كان لا يقنت في شئ من الصلاة. وروى النسائي ~~أنبأنا قتيبة عن خلف عن أبي مالك الأشجعي عن أبيه قال: صليت خلف النبي صلى ~~الله عليه وسلم فلم يقنت، وصليت خلف أبي بكر فلم يقنت، وصليت خلف عمر فلم ~~يقنت، وصليت خلف عثمان فلم يقنت وصليت خلف علي فلم يقنت، ثم قال: يا بني ~~إنها بدعة. وقيل: يقنت في الفجر دائما وفي سائر الصلوات إذا نزل بالمسلمين ~~نازلة، قاله الشافعي والطبري. وقيل: هو مستحب في صلاة الفجر، وروي عن ~~الشافعي. وقال الحسن وسحنون: إنه سنة. وهو مقتضى رواية علي بن زياد ms1460 عن مالك ~~بإعادة تاركه للصلاة عمدا. وحكى الطبري الاجماع على أن تركه غير مفسد ~~للصلاة. وعن الحسن: في تركه سجود السهو، وهو أحد قولي الشافعي. وذكر ~~الدارقطني عن سعيد ابن عبد العزيز فيمن نسي القنوت في صلاة الصبح قال: يسجد ~~سجدتي السهو. واختار مالك قبل الركوع، وهو قول إسحاق. وروي أيضا عن مالك ~~بعد الركوع، وروي عن الخلفاء الأربعة، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق أيضا. ~~وروى عن جماعة من الصحابة التخيير في ذلك. وروى الدارقطني بإسناد صحيح عن ~~أنس أنه قال: ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنت في صلاة الغداة حتى ~~فارق الدنيا. وذكر أبو داود في المراسيل عن خالد بن أبي عمران قال: بينا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو على مضر إذ جاءه جبريل فأو ماء إليه أن ~~اسكت فسكت، فقال: (يا محمد إن الله لم يبعثك سبابا ولا لعانا وإنما بعثك ~~رحمة ولم يبعثك عذابا، ليس لكمن الامر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ~~ظالمون) قال: ثم علمه هذا القنوت فقال: (اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونؤمن ~~بك ونخنع (1) لك ونترك من يكفرك اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ~~ونحفد (2) ونرجو رحمتك ونخاف عذابك الجد إن عذابك بالكافرين ملحق (3)). # PageV04P201 # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربوا أضعفا مضاعفة واتقوا ~~الله لعلكم تفلحون (130) واتقوا النار التي أعدت للكافرين (131) وأطيعوا ~~الله والرسول لعلكم ترحمون (132) قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا ~~تأكلوا الربا أضعفا مضاعفة) هذا النهي عن أكل الربا اعتراض بين أثناء قصة ~~أحد. قال ابن عطية: ولا أحفظ في ذلك شيئا مرويا. # قلت: قال مجاهد: كانوا يبيعون البيع إلى أجل، فإذا حل الاجل زادوا في ~~الثمن على أن يؤخروا، فأنزل الله عز وجل: " يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا ~~الربا أضعافا مضاعفة ". [قلت] (1) وإنما خص الربا من بين سائر المعاصي، ~~لأنه الذي أذن الله فيه بالحرب في قوله: " فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من ~~الله ورسوله " [البقرة: 279] (2) والحرب يؤذن ms1461 بالقتل، فكأنه يقول: إن لم ~~تتقوا الربا هزمتم وقتلتم. فأمرهم بترك الربا، لأنه كان معمولا به عندهم. ~~والله أعلم. و (أضعافا) نصب علي الحال و (مضاعفة) نعته. وقرئ " مضعفة " ~~ومعناه: الربا الذي كانت العرب تضعف فيه الدين، فكان الطالب يقول: أتقضي أم ~~تربي؟ كما تقدم في " البقرة ". و (مضاعفة) إشارة إلى تكرار التضعيف عاما ~~بعد عام كما كانوا يصنعون، فدلت هذه العبارة المؤكدة على شنعة فعلهم وقبحه، ~~ولذلك ذكرت حالة التضعيف خاصة. # قوله تعالى: (واتقوا الله أي في أموال الربا فلا تأكلوها. ثم خوفهم فقال: ~~(واتقوا النار التي قال كثير من المفسرين: وهذا الوعيد لمن أستحل الربا، ~~ومن أستحل الربا فإنه يكفر [ويكفر] (3). وقيل: معناه اتقوا العمل الذي ينزع ~~منكم الايمان فتستوجبون النار، لان من الذنوب ما يستوجب به صاحبه نزع ~~الايمان ويخاف عليه، من ذلك عقوق الوالدين. وقد جاء في ذلك أثر: أن رجلا ~~كان عاقا لوالديه يقال له علقمة، فقيل له عند الموت: قل لا إله إلا الله، ~~فلم يقدر على ذلك حتى جاءته أمه فرضيت عنه. ومن ذلك قطيعة الرحم وأكل الربا ~~والخيانة # PageV04P202 # في الأمانة. وذكر أبو بكر الوراق عن أبي حنيفة أنه قال: أكثر ما ينزع ~~الايمان من العبد عند الموت. ثم قال أبو بكر: فنظرنا في الذنوب التي تنزع ~~الايمان فلم نجد شيئا أسرع نزعا للايمان من ظلم العباد. وفي هذه الآية دليل ~~على أن النار مخلوقة ردا على الجهمية، لان المعدوم لا يكون معدا. ثم قال: ~~(وأطيعوا الله) [يعني أطيعوا الله] (1) في الفرائض (والرسول) في السنن: ~~وقيل: # " أطيعوا الله " في تحريم الربا " والرسول " فيما بلغكم من التحريم. ~~(لعلكم ترحمون) أي كي يرحمكم الله. وقد تقدم (2). # قوله تعالى: وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت ~~للمتقين (133). # فيه مسألتان: # الأولى - قوله تعالى: (وسارعوا) قرأ نافع وابن عامر " سارعوا " بغير واو، ~~وكذلك هي في مصاحف أهل المدينة وأهل الشام. وقرأ باقي السبعة " وسارعوا ". ~~وقال أبو علي: # كلا الامرين شائع (3) مستقيم، فمن قرأ بالواو فلانه ms1462 عطف الجملة على ~~الجملة، ومن ترك الواو فلان الجملة الثانية ملتبسة بالأولى مستغنية بذلك عن ~~العطف بالواو. والمسارعة المبادرة، وهي مفاعلة. وفي الآية حذف. أي سارعوا ~~إلى ما يوجب المغفرة وهي الطاعة. قال أنس ابن مالك ومكحول في تفسير (سارعوا ~~إلى مغفرة من ربكم): معناه إلى تكبيرة الاحرام. # وقال علي بن أبي طالب: إلى أداء الفرائض. عثمان بن عفان: إلى الاخلاص. ~~الكلبي: # إلى التوبة من الربا. وقيل: إلى الثبات في القتال. وقيل غير هذا. والآية ~~عامة في الجميع، ومعناها معني " فاستبقوا الخيرات " [البقرة: 148] وقد تقدم ~~(4). # الثانية - قوله تعالى: (وجنة عرضها السماوات والأرض) تقديره كعرض فحذف ~~المضاف، كقوله: " ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة " [لقمان: 28] (5) أي ~~إلا كخلق نفس واحدة وبعثها. قال الشاعر: # PageV04P203 # حسبت بغام راحلتي عناقا * وما هي ويب غيرك بالعناق (1) يريد صوت عناق. ~~نظيره في سورة الحديد " وجنة عرضها كعرض السماء والأرض " [الحديد: 21] (2) ~~واختلف العلماء في تأويله، فقال ابن عباس: تقرن السماوات والأرض بعضها إلى ~~بعض كما تبسط الثياب ويوصل بعضها ببعض، فذلك عرض الجنة، ولا يعلم طولها إلا ~~الله. وهذا قول الجمهور، وذلك لا ينكر، فإن في حديث أبي ذر عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم (ما السماوات السبع والأرضون السبع في الكرسي إلا كدراهم ~~ألقيت في فلاة من الأرض وما الكرسي في العرش إلا كحلقة (3) ألقيت في فلاة ~~من الأرض). فهذه مخلوقات أعظم بكثير جدا من السماوات والأرض، وقدرة الله ~~أعظم من ذلك كله. وقال الكلبي: الجنان أربعة: جنة عدن وجنة المأوى وجنة ~~الفردوس وجنة النعيم، وكل جنة منها كعرض السماء والأرض لو وصل بعضها ببعض. ~~وقال إسماعيل السدي: لو كسرت السماوات والأرض وصرن خردلا، فبكل خردلة جنة ~~عرضها كعرض السماء والأرض. وفي الصحيح: (إن أدنى أهل الجنة منزلة من يتمنى ~~ويتمنى حتى إذا انقطعت به الأماني قال الله تعالى: لك ذلك وعشرة أمثال) ~~رواه أبو سعيد الخدري، خرجه مسلم وغيره. وقال يعلى بن أبي مرة: لقيت ~~التنوخي رسول هرقل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ms1463 بحمص شيخا كبيرا قال: قدمت ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتاب هرقل، فناول الصحيفة رجلا عن ~~يساره، قال: فقلت من صاحبكم الذي يقرأ؟ قالوا: # معاوية، فإذا كتاب صاحبي: إنك كتبت تدعوني إلى جنة عرضها السماوات والأرض ~~فأين النار؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سبحان الله فأين الليل ~~إذا جاء النهار). # وبمثل هذه الحجة أستدل الفاروق على اليهود حين قالوا له: أرأيت قولكم " ~~وجنة عرضها السماوات والأرض " فأين النار؟ فقالوا له: لقد نزعت (4) بما في ~~التوراة. ونبه تعالى بالعرض على الطول لان الغالب أن الطول يكون أكثر من ~~العرض، والطول إذا ذكر لا يدل على قدر # PageV04P204 # العرض. قال الزهري: إنما وصف عرضها، فأما طولها فلا يعلمه إلا الله، وهذا ~~كقول تعالى: " متكئين على فرش بطائنها من استبرق " [الرحمن: 54] (1) فوصف ~~البطانة بأحسن ما يعلم من الزينة، إذ معلوم أن الظواهر تكون أحسن وأتقن من ~~البطائن. وتقول العرب: بلاد عريضة، وفلاة عريضة، أي واسعة، قال الشاعر: # كأن بلاد الله وهي عريضة * على الخائف المطلوب كفه حابل (2) وقال قوم: ~~الكلام جار على مقطع العرب من الاستعارة، فلما كانت الجنة من الاتساع ~~والانفساح في غاية قصوى حسنت العبارة عنها بعرض السماوات والأرض، كما تقول ~~للرجل: # هذا بحر، ولشخص كبير من الحيوان: هذا جبل. ولم تقصد الآية تحديد العرض، ~~ولكن (3) أراد بذلك أنها أوسع شئ رأيتموه. وعامة العلماء على أن الجنة ~~مخلوقة موجودة: لقوله " أعدت للمتقين " وهو نص حديث الاسراء وغيره في ~~الصحيحين وغيرهما. وقالت المعتزلة: إنهما غير مخلوقتين في وقتنا، وإن الله ~~تعالى إذا طوى السماوات والأرض ابتدأ خلق الجنة والنار حيث شاء، لأنهما دار ~~جزاء بالثواب والعقاب، فخلقتا بعد التكليف في وقت الجزاء، لئلا تجتمع دار ~~التكليف ودار الجزاء في الدنيا، كما لم يجتمعا في الآخرة. وقال ابن فورك: ~~الجنة يزاد فيها يوم القيامة. قال ابن عطية: وفي هذا متعلق لمنذر بن سعيد ~~وغيره ممن قال: إن الجنة لم تخلق بعد. قال ابن عطية: وقول ابن فورك " يزاد ~~فيها " إشارة ms1464 إلى موجود، لكنه يحتاج إلى سند يقطع العذر في الزيادة. # قلت: صدق ابن عطية رضي الله عنه فيما قال: وإذا كانت السماوات السبع ~~والأرضون السبع بالنسبة إلى الكرسي كدراهم ألقيت في فلاة من الأرض، والكرسي ~~بالنسبة إلى العرش كحلقة ملقاة بأرض فلاة، فالجنة الان على ما هي عليه في ~~الآخرة عرضها كعرض السماوات والأرض، إذ العرش سقفها، حسب ما ورد في صحيح ~~مسلم. ومعلوم أن السقف يحتوي على ما تحته ويزيد. وإذا كانت المخلوقات كلها ~~بالنسبة إليه كالحلقة فمن ذا الذي يقدره ويعلم طوله وعرضه إلا الله خالقه ~~الذي لا نهاية لقدرته (4)، ولا غاية لسعة مملكته، سبحانه وتعالى. # PageV04P205 # قوله تعالى: الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن ~~الناس والله يحب المحسنين (134) فيه أربع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (الذين ينفقون) هذا من صفة المتقين الذين أعدت لهم ~~الجنة، وظاهر الآية أنها مدح بفعل المندوب إليه. و (السراء) اليسر ~~(والضراء) العسر، قاله ابن عباس والكلبي ومقاتل. وقال عبيد بن عمير ~~والضحاك: السراء والضراء الرخاء والشدة. # ويقال في حال الصحة والمرض. وقيل: في السراء في الحياة، وفي الضراء يعني ~~يوصي بعد الموت. وقيل: في السراء في العرس والولائم، وفي الضراء في النوائب ~~والمآتم. وقيل: # في السراء النفقة التي تسركم، مثل النفقة على الأولاد والقرابات، والضراء ~~على الأعداء. ويقال: # في السراء ما يضيف به الفتى (1) ويهدي إليه. والضراء ما ينفقه على أهل ~~الضر ويتصدق به عليهم. # قلت: - والآية تعم. ثم قال تعالى: (والكاظمين الغيظ) وهي المسألة: # الثانية - وكظم الغيظ رده في الجوف، يقال: كظم غيظه أي سكت عليه ولم ~~يظهره مع قدرته على إيقاعه بعدوه، وكظمت السقاء أي ملائه وسددت عليه، ~~والكظامة ما يسد به مجرى الماء، ومنه الكظام للسير الذي يسد به فم الزق ~~والقربة. وكظم البعير جرته (2) إذا ردها في جوفه، وقد يقال لحبسه الجرة قبل ~~أن يرسلها إلى فيه: كظم، حكاه الزجاج. يقال: كظم البعير والناقة إذا لم ~~يجترا، ومنه قول الراعي: # فأفضن بعد كظومهن بجرة * من ذي الأبارق ms1465 (3) إذ رعين حقيلا الحقيل: موضع. ~~والحقيل: نبت. وقد قيل: إنها تفعل ذلك عند الفزع والجهد فلا تجتر، قال أعشى ~~باهلة يصف رجلا نحارا للإبل فهي تفزع منه: # قد تكظم البزل (4) منه حين تبصره * حتى تقطع في أجوافها الجرر # PageV04P206 # ومنه: رجل كظيم ومكظوم إذا كان ممتلئا غما وحزنا. وفي التنزيل: " وابيضت ~~عيناه من الحزن فهو كظيم " [يوسف:] (1). " ظل وجهه مسودا وهو كظيم " ~~[النحل:]. " إذ نادى وهو مكظوم " [القلم:]. والغيظ أصل الغضب، وكثيرا ما ~~يتلازمان لكن فرقان ما بينهما، أن الغيظ لا يظهر على الجوارح، بخلاف الغضب ~~فإنه يظهر في الجوارح مع فعل ما لابد، ولهذا جاء (2) إسناد الغضب إلى الله ~~تعالى إذ هو عبارة عن أفعاله في المغضوب عليهم. وقد فسر بعض الناس الغيظ ~~بالغضب، وليس بجيد. والله أعلم. # الثالثة - قوله تعالى: (والعافين عن الناس) العفو عن الناس أجل ضروب فعل ~~الخير، حيث يجوز للانسان أن يعفو وحيث يتجه حقه. وكل من استحق عقوبة فتركت ~~له فقد عفي عنه. واختلف في معنى " عن الناس "، فقال أبو العالية والكلبي ~~والزجاج: " والعافين عن الناس " يريد عن المماليك. قال ابن عطية: وهذا حسن ~~على جهة المثال، إذ هم الخدمة فهم يذنبون كثيرا والقدرة عليهم متيسرة، ~~وإنفاذ العقوبة سهل، فلذلك مثل هذا المفسر به. # وروي عن ميمون بن مهران أن جاريته جاءت ذات يوم بصحفة فيها مرقة حارة، ~~وعنده أضياف فعثرت فصبت المرقة عليه، فأراد ميمون أن يضربها، فقالت ~~الجارية: يا مولاي، استعمل قول الله تعالى: " والكاظمين الغيظ ". قال لها: ~~قد فعلت. فقالت: أعمل بما بعده " والعافين عن الناس ". فقال: قد عفوت عنك. ~~فقالت الجارية: " والله يحب المحسنين ". قال ميمون: # قد أحسنت إليك، فأنت حرة لوجه الله تعالى. وروي عن الأحنف بن قيس مثله. ~~وقال زيد ابن سلم: " والعافين عن الناس " عن ظلمهم وإساءتهم (3). وهذا عام، ~~وهو ظاهر الآية. # وقال مقاتل بن حيان في هذه الآية: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال عند ذلك: # (إن هؤلاء من أمتي قليل إلا من عصمه ms1466 الله وقد كانوا كثيرا في الأمم التي ~~مضت). فمدح الله تعالى الذين يغفرون عند الغضب وأثنى عليهم فقال: " وإذا ما ~~غضبوا هم يغفرون " [الشورى: 37] (4)، وأثنى على الكاظمين الغيظ بقوله: " ~~والعافين عن الناس "، وأخبر أنه يحبهم بإحسانهم في ذلك. # ووردت في كظم الغيظ والعفو عن الناس وملك النفس عند الغضب أحاديث، وذلك ~~من # PageV04P207 # أعظم العبادة وجهاد النفس، فقال صلى الله عليه وسلم: (ليس الشديد بالصرعة ~~(1) ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب). وقال عليه السلام (ما من جرعة ~~يتجرعها العبد خير له وأعظم أجرا من جرعة غيظ في الله). وروى أنس أن رجلا ~~قال: يا رسول الله، ما أشد من كل شئ؟ قال: (غضب الله). قال فما ينجي من غضب ~~الله؟ قال: # (لا تغضب). قال العرجي: # وإذا غضبت فكن وقورا كاظما * للغيظ تبصر ما تقول وتسمع فكفى به شرفا تبصر ~~ساعة * يرضى بها عنك الاله وترفع وقال عروة بن الزبير في العفو: # لن يبلغ المجد أقوام وإن شرفوا * حتى يذلوا وإن عزوا لأقوام ويشتموا فترى ~~الألوان مشرقة * لا عفو ذل ولكن عفو إكرام وروى أبو داود وأبو عيسى الترمذي ~~عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~(من كظم غيظا وهو يستطيع أن ينفذه دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق ~~حتى يخيره في أي الحور شاء) قال: هذا حديث حسن غريب. وروى أنس عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: (إذا كان يوم القيامة نادى مناد من كان أجره على ~~الله فليدخل الجنة فيقال من ذا الذي أجره على الله فيقوم العافون عن الناس ~~يدخلون الجنة بغير حساب). # ذكره الماوردي. وقال ابن المبارك: كنت عند المنصور جالسا فأمر بقتل رجل، ~~فقلت: # يا أمير المؤمنين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا كان يوم ~~القيامة نادى مناد بين يدي الله عز وجل من كانت له يد عند الله فليتقدم فلا ~~يتقدم إلا من عفا عن ذنب)، فأمر بإطلاقه. # الرابعة - قوله تعالى: ms1467 (والله يحب المحسنين) أي يثيبهم على إحسانهم. قال ~~سري السقطي: الاحسان أن تحسن وقت الامكان، فليس كل وقت يمكنك الاحسان، قال ~~الشاعر: # PageV04P208 # بادر بخير إذا ما كنت مقتدرا * فليس في كل وقت أنت مقتدر وقال أبو العباس ~~الجماني فأحسن: # ليس في كل ساعة وأوان * تتهيأ صنائع الاحسان وإذا أمكنت فبادر إليها * ~~حذرا من تعذر الامكان وقد مضى في " البقرة " (1) القول في المحسن والاحسان ~~فلا معنى للإعادة. # قوله تعالى: والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله ~~فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم ~~يعلمون (135) فيه سبع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم) ذكر الله ~~تعالى في هذه الآية صنفا، هم دون الصنف الأول فألحقهم به (2) برحمته ومنه، ~~فهؤلاء هم التوابون. قال ابن عباس في رواية عطاء: نزلت هذه الآية في نبهان ~~التمار - وكنيته أبو مقبل - أتته امرأة حسناء باع منها تمرا، فضمها إلى ~~نفسه وقبلها فندم (3) على ذلك، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، ~~فنزلت هذه الآية. وذكر أبو داود الطيالسي في مسنده عن علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه قال: حدثني أبو بكر - وصدق أبو بكر - أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: (ما من عبد يذنب ذنبا ثم يتوضأ ويصلي ركعتين ثم يستغفر الله إلا ~~غفر له - ثم تلا هذه الآية - " والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ~~ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم " - الآية، والآية الأخرى - ومن يعمل سوءا أو ~~يظلم نفسه) [النساء: 110] (4). وخرجة الترمذي وقال: حديث حسن. # وهذا عام. وقد تنزل الآية بسبب خاص ثم تتناول جميع من فعل ذلك أو أكثر ~~منه. وقد قيل: # إن سبب نزولها أن ثقفيا خرج في غزاة وخلف صاحبا له أنصاريا على أهله، ~~فخانه فيها بأن # PageV04P209 # اقتحم عليها فدفعت عن نفسها فقبل يدها، فندم (1) على ذلك فخرج يسيح في ~~الأرض نادما تائبا، فجاء الثقفي فأخبرته زوجته بفعل صاحبه، فخرج في طلبه ~~فأتى به إلى أبي ms1468 بكر وعمر رجاء أن يجد عندهما فرجا فوبخاه، فأتى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فأخبره بفعله، فنزلت هذه الآية. # والعموم أولى للحديث. وروي عن ابن مسعود أن الصحابة قالوا: يا رسول الله، ~~كانت بنو إسرائيل أكرم على الله منا، حيث كان المذنب منهم تصبح عقوبته ~~[مكتوبة] (2) على باب داره، وفي رواية: كفارة ذنبه مكتوبة على عتبة داره: ~~أجدع أنفك، أقطع أذنك، أفعل كذا، فأنزل الله تعالى هذه الآية توسعة ورحمة ~~وعوضا من ذلك الفعل ببني إسرائيل. ويروى أن إبليس بكى حين نزلت هذه الآية. ~~والفاحشة تطلق على كل معصية، وقد كثر اختصاصها بالزنا حتى فسر جابر بن عبد ~~الله والسدي هذه الآية بالزنا. و " أو " في قوله: " أو ظلموا أنفسهم " قيل ~~هي بمعنى الواو، والمراد ما دون الكبائر. (ذكروا الله) معناه بالخوف من ~~عقابه والحياء منه. الضحاك: ذكروا العرض الأكبر على الله. وقيل تفكروا في ~~أنفسهم أن الله سائلهم عنه، قاله الكلبي ومقاتل. وعن مقاتل أيضا: ذكروا ~~الله باللسان عند الذنوب. (فاستغفروا لذنوبهم) أي طلبوا الغفران لأجل ~~ذنوبهم. وكل دعاء فيه هذا المعنى أو لفظه فهو استغفار. وقد تقدم في صدر هذه ~~السورة (3) سيد الاستغفار، وأن وقته الأسحار. # فالاستغفار عظيم وثوابه جسيم، حتى لقد روى الترمذي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: (من قال استغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم ~~وأتوب إليه غفر له. وإن كان قد فر من الزحف). وروى مكحول عن أبي هريرة قال: ~~ما رأيت أكثر استغفارا من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال مكحول: ما ~~رأيت أكثر استغفارا من أبي هريرة. # وكان مكحول كثير الاستغفار. قال علماؤنا: الاستغفار المطلوب هو الذي يحل ~~عقد الاصرار ويثبت معناه في الجنان، لا التلفظ باللسان. فأما من قال ~~بلسانه: استغفر الله، وقلبه مصر على معصيته فاستغفاره ذلك يحتاج إلى ~~استغفار، وصغيرته لاحقة بالكبائر. وروي عن الحسن البصري أنه قال: استغفارنا ~~يحتاج إلى استغفار. # PageV04P210 # قلت: هذا يقوله في زمانه، فكيف في زماننا هذا الذي يرى ms1469 فيه الانسان مكبا ~~على الظلم! # حريصا عليه لا يقلع، والسبحة في يده زاعما أنه يستغفر الله من ذنبه وذلك ~~استهزاء منه واستخفاف. وفي التنزيل " ولا تتخذوا آيات الله هزوا " [البقرة: ~~231]. وقد تقدم (1). # الثانية - قوله تعالى: (ومن يغفر الذنوب إلا الله) أي ليس أحد يغفر ~~المعصية ولا يزيل عقوبتها إلا الله. (ولم يصروا) أي ولم يثبتوا ويعزموا على ~~ما فعلوا. وقال مجاهد: # أي ولم يمضوا. وقال معبد بن صبيح: صليت خلف عثمان وعلي إلى جانبي، فأقبل ~~علينا فقال: صليت بغير وضوء ثم ذهب فتوضأ وصلى. (ولم يصروا على ما فعلوا ~~وهم يعلمون). # الاصرار هو العزم بالقلب على الامر وترك الاقلاع عنه. ومنه صر الدنانير ~~أي الربط عليها، قال الحطيئة يصف الخيل: # عوابس بالشعث الكماة إذا ابتغوا * علاتها بالمحصدات (2) أصرت أي ثبتت على ~~عدوها. وقال قتادة: الاصرار الثبوت على المعاصي، قال الشاعر: # يصر بالليل ما تخفي شواكله (3) * يا ويح كل مصر القلب ختار (4) قال سهل ~~بن عبد الله: الجاهل ميت، والناسي نائم، والعاصي سكران، والمصر هالك، ~~والاصرار هو التسويف، والتسويف أن يقول: أتوب غدا، وهذا دعوى النفس، كيف ~~يتوب غدا وغدا لا يملكه!. وقال غير سهل: الاصرار هو أن ينوي أن يتوب فإذا ~~نوى التوبة [النصوح] (5) خرج عن الاصرار. وقول سهل أحسن. وروي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: (لا توبة مع إصرار). # الثالثة - قال علماؤنا: الباعث على التوبة وحل الاصرار إدامة الفكر في ~~كتاب الله العزيز الغفار، وما ذكره الله سبحانه من تفاصيل الجنة ووعد به ~~المطيعين، وما وصفه من # PageV04P211 # عذاب النار وتهدد به العاصين، ودام على ذلك حتى قوي خوفه ورجاؤه فدعا ~~الله رغبا ورهبا، والرغبة والرهبة ثمرة الخوف والرجاء، يخاف من العقاب ~~ويرجو الثواب، والله الموفق للصواب. وقد قيل: إن الباعث على ذلك تنبيه إلهي ~~ينبه به من أراد سعادته، لقبح الذنوب وضررها إذ هي سموم مهلكة. # قلت: وهذا خلاف في اللفظ لا في المعنى، فإن الانسان لا يتفكر في وعد الله ~~ووعيده إلا بتنبيهه، فإذا نظر ms1470 العبد بتوفيق الله تعالى إلى نفسه فوجدها ~~مشحونة بذنوب اكتسبها وسيئات اقترفها، وانبعث منه الندم على ما فرط، وترك ~~مثل ما سبق مخافة عقوبة الله تعالى صدق عليه أنه تائب، فإن لم يكن كذلك كان ~~مصرا على المعصية وملازما لأسباب الهلكة. # قال سهل بن عبد الله: علامة التائب أن يشغله الذنب على الطعام والشراب، ~~كالثلاثة الذين خلفوا (1). # الرابعة - قوله تعالى: (وهم يعلمون) فيه أقوال. فقيل: أي يذكرون ذنوبهم ~~فيتوبون منها. قال النحاس: وهذا قول حسن. وقيل: " وهم يعلمون " أني أعاقب ~~على الاصرار. وقال عبد الله بن عبيد بن عمير: " وهم يعلمون " أنهم إن تابوا ~~تاب الله عليهم. # وقيل: " يعلمون " أنهم إن استغفروا غفر لهم. وقيل: " يعلمون " بما حرمت ~~عليهم، قاله ابن إسحاق. وقال ابن عباس والحسن ومقاتل والكلبي: " وهم يعلمون ~~" أن الاصرار ضار، وأن تركه خير من التمادي. وقال الحسن بن الفضل: " وهم ~~يعلمون " أن لهم ربا يغفر الذنب. # قلت: وهذا أخذه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم فيما يحكي عن ربه عز وجل قال: (أذنب عبدا (2) ذنبا فقال اللهم اغفر لي ~~ذنبي فقال تبارك وتعالى أذنب عبدي ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ ~~بالذنب ثم عاد فأذنب فقال أي رب اغفر لي ذنبي - فذكر مثله مرتين، وفي آخره: ~~اعمل ما شئت فقد غفرت لك) أخرجه مسلم. # PageV04P212 # وفيه دليل على صحة التوبة بعد نقضها بمعاودة الذنب، لان التوبة الأولى ~~طاعة وقد انقضت وصحت، وهو محتاج بعد مواقعة الذنب الثاني إلى توبة أخرى ~~مستأنفة، والعود إلى الذنب وإن كان أقبح من ابتدائه، لأنه أضاف (1) إلى ~~الذنب نقض التوبة، فالعود إلى التوبة أحسن من ابتدائها، لأنه أضاف (1) ~~إليها ملازمة الالحاح بباب الكريم، وأنه لا غافر للذنوب سواه. # وقوله في أخر الحديث (اعمل ما شئت) أمر معناه الاكرام في أحد الأقوال، ~~فيكون من باب قوله: " ادخلوها بسلام " [الحجر: 46] (2). وآخر الكلام خبر ~~(3) عن حال المخاطب بأنه مغفور له ما سلف من ذنبه، ومحفوظ إن شاء ms1471 الله ~~تعالى فيما يستقبل من شأنه. ودلت الآية والحديث على عظيم فائدة الاعتراف ~~بالذنب والاستغفار منه، قال صلى الله عليه وسلم: (إن العبد إذا اعترف بذنبه ~~ثم تاب إلى الله تاب الله عليه) أخرجاه في الصحيحين. وقال: # يستوجب العفو الفتى إذا اعترف * بما جنى من الذنوب واقترف * وقال آخر: # أقرر بذنبك ثم اطلب تجاوزه * إن الجحود الذنب ذنبان وفي صحيح مسلم عن أبي ~~هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده لو لم ~~تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون ويستغفرون فيغفر لهم). وهذه فائدة ~~اسم الله تعالى الغفار والتواب، على ما بيناه في الكتاب الأسنى في شرح ~~أسماء الله الحسنى. # الخامسة - الذنوب التي يتاب منها إما كفر أو غيره، فتوبة الكافر إيمانه ~~مع ندمه على ما سلف من كفره، وليس مجرد الايمان نفس توبة، وغير الكفر إما ~~حق لله تعالى، وإما حق لغيره، فحق الله تعالى يكفي في التوبة منه الترك، ~~غير أن منها ما لم يكتف الشرع فيها بمجرد الترك بل أضاف إلى ذلك في بعضها ~~قضاء كالصلاة والصوم، ومنها ما أضاف إليها كفارة كالحنث في الايمان والظهار ~~وغير ذلك، وأما حقوق الآدميين فلابد من إيصالها إلي مستحقيها، فإن لم ~~يوجدوا تصدق عنهم، ومن لم يجد السبيل لخروج ما عليه لاعسار فعفو الله ~~مأمول، وفضله مبذول، فكم ضمن من التبعات وبدل من السيئات بالحسنات. # وستأتي زيادة بيان لهذا المعنى (4). # PageV04P213 # السادسة: ليس على الانسان إذا لم يذكر ذنبه ويعلمه أن يتوب منه بعينه، ~~ولكن يلزمه إذا ذكر ذنبا تاب منه. وقد تأول كثير من الناس فيما ذكر شيخنا ~~أبو محمد عبد المعطي الإسكندراني رضي الله عنه أن الامام المحاسبي رحمه ~~الله يرى أن التوبة من أجناس المعاصي لا تصح، وأن الندم على جملتها لا ~~يكفي، بل لابد أن يتوب من كل فعل بجارحته وكل عقد بقلبه على التعيين. ظنوا ~~ذلك من قوله، وليس هذا مراده، ولا يقتضيه كلامه، بل حكم المكلف إذا عرف حكم ~~أفعاله، ms1472 وعرف المعصبة من غيرها، صحت منه التوبة من جملة ما عرف، فإنه إن لم ~~يعرف كون فعله الماضي معصية لا يمكنه أن يتوب منه لا على الجملة ولا على ~~التفصيل، ومثاله رجل كان يتعاطى بابا من أبواب الربا ولا يعرف أنه ربا فإذا ~~سمع كلام الله عز وجل: " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقى من ~~الربا إن كنتم مؤمنين. # فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله " [البقرة: 279] (1) عظم عليه ~~هذا التهديد، وظن أنه سالم من الربا، فإذا علم حقيقة الربا الان، ثم تفكر ~~فيما مضى من أيامه وعلم أنه لابس منه شيئا كثيرا في أوقات متقدمة، صح أن ~~يندم عليه الان جملة، ولا يلزمه تعيين أوقاته، وهكذا كل ما واقع من الذنوب ~~والسيئات كالغيبة والنميمة وغير ذلك من المحرمات التي لم يعرف كونها محرمة، ~~فإذا فقه العبد وتفقد ما مضى من كلامه تاب من ذلك جملة، وندم على ما فرط ~~فيه من حق الله تعالى، وإذا استحل من كان ظلمه فحالله على الجملة وطابت ~~نفسه بترك حقه جاز، لأنه من باب هبة المجهول، هذا مع شح العبد وحرصه على ~~طلب حقه، فكيف بأكرم الأكرمين المتفضل بالطاعات وأسبابها والعفو عن المعاصي ~~صغارها وكبارها. قال شيخنا رحمه الله تعالى: هذا مراد الامام، والذي يدل ~~عليه كلامه لمن تفقده، وما ظنه به الظان من أنه لا يصح الندم إلا على فعل ~~فعل وحركة حركة وسكنة سكنة على التعيين هو من باب تكليف مالا يطاق، الذي لم ~~يقع شرعا وإن جاز عقلا، ويلزم عنه أن يعرف كم جرعة جرعها في شرب الخمر، وكم ~~حركة تحركها في الزنا، وكم خطوة مشاها إلى محرم، وهذا مالا يطيقه أحد، ولا ~~تتأتى منه توبة على التفصيل. وسيأتي لهذا الباب مزيد بيان من أحكام التوبة ~~وشروطها في " النساء " (2) وغيرها إن شاء الله تعالى. # PageV04P214 # السابعة - في قوله تعالى: (ولم يصروا) حجة واضحة ودلالة قاطعة لما قال ~~سيف السنة، ولسان الأمة القاضي أبو بكر بن الطيب: أن ms1473 الانسان يؤاخذ بما وطن ~~عليه بضميره (1)، وعزم عليه بقلبه من المعصية. # قلت: وفي التنزيل: " ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم " [الحج: ~~25] (2) وقال: # " فأصبحت كالصريم " [القلم: 20] (3). فعوقبوا قبل فعلهم بعزمهم وسيأتي ~~بيانه. وفي البخاري (إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في ~~النار) قالوا: يا رسول الله هذا القاتل، فما بال المقتول؟ # قال: (إنه كان حريصا على قتل صاحبه). فعلق الوعيد على الحرص وهو العزم ~~وألغى إظهار السلاح، وأنص من هذا ما خرجه الترمذي من حديث أبي كبشة ~~الأنماري وصححه مرفوعا (إنما الدنيا لأربعة نفر رجل أعطاه الله مالا وعلما ~~فهو يتقي فيه ربه ويصل فيه رحمه ويعلم الله فيه حقا فهذا أفضل المنازل، ~~ورجل آتاه الله علما ولم يؤته مالا فهو [صادق النية] (4) يقول لو أن لي ~~مالا لعملت فيه بعمل فلان فهو نيته فأجرهما سواء، ورجل آتاه الله مالا ولم ~~يؤته علما فهو [يخبط في مال بغير علم] (4) لا يتقي فيه ربه ولا يصل به رحمه ~~ولا يعلم لله فيه حقا فهذا بأخبث المنازل، ورجل لم يؤته الله مالا ولا علما ~~فهو يقول لو أن مالا لعملت فيه بعمل فلان فهو نيته فوزرهما سواء). وهذا ~~الذي صار إليه القاضي هو الذي عليه عامة السلف وأهل العلم من الفقهاء ~~والمحدثين والمتكلمين، ولا يلتفت إلى خلاف من زعم أن ما يهم الانسان به وإن ~~وطن عليه (5) لا يؤاخذ به. ولا حجة [له] (6) في قول عليه السلام: (من هم ~~بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه فإن عملها كتبت سيئة واحدة) لان معنى (فلم ~~يعملها) فلم يعزم على عملها بدليل ما ذكرنا، ومعنى (فإن عملها) أي أظهرها ~~أو عزم عليها بدليل ما وصفنا. وبالله توفيقنا. # قوله تعالى: أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنت تجرى من تحتها الأنهر ~~خالدين فيها ونعم أجر العملين (136) رتب تعالى بفضله وكرمه غفران الذنوب ~~لمن أخلص في توبته ولم يصر على ذنبه. ويكن أن يتصل هذا بقصة أحد، أي من فر ~~ثم تاب ولم يصر فله مغفرة ms1474 الله. # PageV04P215 # قوله تعالى: قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عقبة ~~المكذبين (137) هذا تسلية من الله تعالى للمؤمنين، والسنن جمع سنة وهي ~~الطريق المستقيم. وفلان على السنة أي على طريق الاستواء لا يميل إلى شئ من ~~الأهواء، قال الهذلي: # فلا تجزعن من سنة أنت سرتها * فأول راض سنة من يسيرها والسنة: الامام ~~المتبع المؤتم به، يقال: سن فلان سنة حسنة وسيئة إذا عمل عملا اقتدي به فيه ~~من خير أو شر، قال لبيد: # من معشر سنت لهم آباؤهم * ولكل قوم سنة وإمامها والسنة الأمة، والسنن ~~الأمم، عن المفضل. وأنشد: # ما عاين الناس من فضل كفضلهم * ولا رأوا مثلهم في سالف السنن * وقال ~~الزجاج: والمعنى أهل سنن، فحذف المضاف. وقال أبو زيد: أمثال. عطاء: شرائع. # مجاهد: المعنى " وقد خلت من قبلكم سنن " يعنى بالهلاك فيمن كذب قبلكم ~~كعاد وثمود. # والعاقبة: آخر الامر، وهذا في يوم أحد. يقول فأنا أمهلهم وأملي لهم ~~وأستدرجهم حتى يبلغ الكتاب أجله، يعني بنصرة النبي صلى الله عليه وسلم ~~والمؤمنين وهلاك أعدائهم الكافرين. # يعني القرآن، عن الحسن وغيره. وقيل: هذا إشارة إلى قوله: " قد خلت من ~~قبلكم سنن ". والموعظة الوعظ. وقد تقدم. # قوله تعالى: ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين (139) ~~عزاهم وسلاهم بما نالهم يوم أحد من القتل والجراح، وحثهم على قتال عدوهم ~~ونهاهم عن العجز والفشل فقال (ولا تهنوا) أي لا تضعفوا ولا تجبنوا يا أصحاب ~~محمد عن جهاد أعدائكم لما أصابكم. PageV04P216 # أصابكم. " ولا تحزنوا " على ظهورهم، ولا على ما أصابكم من الهزيمة ~~والمصيبة. " وأنتم الأعلون " أي لكم تكون العاقبة بالنصر والظفر " إن كنتم ~~مؤمنين " أي بصدق وعدي. وقيل: # " إن " بمعنى " إذ ". قال ابن عباس: انهزم أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يوم أحد فبينا هم كذلك إذ أقبل خالد بن الوليد بخيل، من المشركين، ~~يريد أن يعلو عليهم الجبل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " اللهم لا يعلن ~~علينا اللهم لا قوة لنا إلا بك اللهم ليس ms1475 يعبدك بهذه البلدة غير هؤلاء ~~النفر). فأنزل الله هذه الآيات. وثاب (1) نفر من المسلمين رماه فصعدوا ~~الجبل ورموا خيل المشركين حتى هزموهم، فذلك قوله تعالى: " وأنتم الأعلون " ~~يعني الغالبين على الأعداء بعد أحد. فلم يخرجوا بعد ذلك عسكرا إلا ظفروا في ~~كل عسكر كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي كل عسكر كان بعد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان فيه واحد من الصحابة كان الظفر لهم، ~~وهذه البلدان كلها إنما افتتحت على عهد أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ثم بعد انقراضهم ما افتتحت بلدة على الوجه كما كانوا يفتتحون في ذلك ~~الوقت. وفي هذه الآية بيان فضل هذه الأمة، لأنه خاطبهم بما خاطب به ~~أنبياءه، لأنه قال لموسى: " إنك أنت الاعلى " [طه: 68] (2) وقال لهذه ~~الأمة: " وأنتم الأعلون ". وهذه اللفظة مشتقة من اسمه الاعلى فهو سبحانه ~~العلي، وقال للمؤمنين: " وأنتم الأعلون ". # قوله تعالى: إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها ~~بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين ~~(140) قوله تعالى: (إن يمسسكم قرح) القرح الجرح. والضم والفتح فيه لغتان عن ~~الكسائي والأخفش، مثل عقر (3) وعقر. الفراء: هو بالفتح الجرح، وبالضم ألمه. ~~والمعنى: إن يمسسكم يوم أحد قرح فقد مس القوم يوم بدر قرح مثله. وقرأ محمد ~~بن السميقع " قرح " بفتح # PageV04P217 # القاف والراء على المصدر. (وتلك الأيام نداولها بين الناس) قيل: هذا في ~~الحرب، تكون مرة للمؤمنين لينصر الله عز وجل دينه، ومرة للكافرين إذا عصى ~~المؤمنون ليبتليهم ويمحص ذنوبهم، فأما إذا لم يعصوا فإن حزب الله هم ~~الغالبون. وقيل: " نداولها بين الناس " من فرح وغم وصحة وسقم وغنى وفقر. ~~والدولة الكرة، قال الشاعر: # فيوم لنا ويوم علينا * ويوم نساء ويوم نسر قوله تعالى: (وليعلم الله ~~الذين آمنوا) معناه، وإنما كانت هذه المداولة ليرى المؤمن من المنافق فيميز ~~بعضهم من بعض، كما قال: " وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم ~~المؤمنين. وليعلم الذين نافقوا " [آل ms1476 عمران: 166 - 167] (1). وقيل: ليعلم ~~صبر المؤمنين، العلم الذي يقع عليه الجزاء كما علمه غيبا قبل أن كلفهم. وقد ~~تقدم في " البقرة " (2) هذا المعنى. # قوله تعالى: (ويتخذ منكم شهداء) فيه ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " ويتخذ منكم شهداء " أي يكرمكم بالشهادة، أي ليقتل ~~قوم فيكونوا شهدا على الناس بأعمالهم. وقيل: لهذا قيل شهيد: وقيل: سمي ~~شهيدا لأنه مشهود له بالجنة وقيل: سمي شهيدا لان أرواحهم احتضرت (3) دار ~~السلام، لأنهم أحياء عند ربهم، وأرواح غيرهم لا تصل إلى الجنة، فالشهيد ~~بمعنى الشاهد أي الحاضر للجنة، وهذا هو الصحيح على ما يأتي والشهادة فضلها ~~عظيم، ويكفيك في فضلها قول تعالى: " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم " ~~[التوبة: 111] (4) الآية. " يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم ~~من عذاب أليم. تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ~~" إلى قوله: " ذلك الفوز العظيم " [الصف: 10 - 11 - 12] (5). # وفي صحيح البستي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~(ما يجد الشهيد من القتل إلا كما يجد أحدكم من القرحة). وروى النسائي عن ~~راشد بن سعد عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا قال: يا ~~رسول الله، ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ قال: (كفى ببارقة ~~السيوف على رأسه فتنة). وفي البخاري: " من قتل من المسلمين # PageV04P218 # يوم أحد " منهم حمزة واليمان والنضر (1) بن أنس ومصعب بن عمير، حدثني ~~عمرو بن علي أن معاذ ابن هشام قال حدثني أبي عن قتادة قال: ما نعلم حيا من ~~أحياء العرب أكثر شهيدا أعز يوم القيامة من الأنصار. قال قتادة: وحدثنا أنس ~~بن مالك أنه قتل منهم يوم أحد سبعون، ويوم بئر معونة سبعون، ويوم اليمامة ~~سبعون. قال: وكان بئر معونة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ويوم ~~اليمامة على عهد أبى بكر يوم مسيلمة الكذاب. وقال أنس: أتى النبي صلى الله ~~عليه وسلم بعلي بن أبي طالب وبه نيف وستون جراحة من طعنة وضربة ورمية، فجعل ~~النبي ms1477 صلى الله عليه وسلم يمسحها وهي تلتئم بإذن الله تعالى كأن لم تكن. # الثانية - في قوله تعالى: " ويتخذ منكم شهداء " دليل على أن الإرادة غير ~~الامر كما يقوله أهل السنة، إن الله تعالى نهى الكفار عن قتل المؤمنين: ~~حمزة وأصحابه وأراد قتلهم، ونهى آدم عن أكل الشجرة وأراده فواقعه آدم، ~~وعكسه أنه أمر إبليس بالسجود ولم يرده فامتنع منه، وعنه وقعت الإشارة بقوله ~~الحق: " ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم (2) ". وإن كان قد أمر جميعهم ~~بالجهاد، ولكنه خلق الكسل والأسباب القاطعة عن المسير فقعدوا. # الثالثة - روي عن علي (3)؟ بن أبي طالب رضي الله عنه قال: جاء جبريل إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر فقال له: (خير أصحابك في الأسارى إن ~~شاءوا القتل وإن شاءوا الفداء على أن يقتل منهم عام المقبل مثلهم فقالوا ~~الفداء ويقتل منا) أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن. فأنجز الله وعده بشهادة ~~أوليائه بعد أن خيرهم فاختاروا القتل. (والله لا يحب الظالمين) أي ~~المشركين، أي وإن أنال (4) الكفار من المؤمنين فهو لا يحبهم، وإن أحل ألما ~~بالمؤمنين فإنه يحب المؤمنين. # قوله تعالى: وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين (141) # PageV04P219 # فيه ثلاثة أقوال: يمحص: يختبر. الثاني - يطهر، أي من ذنوبهم فهو على حذف ~~مضاف. # المعنى: وليمحص الله ذنوب الذين آمنوا، قاله الفراء. الثالث - يمحص يخلص، ~~فهذا أغربها. # قال الخليل: يقال محصى الحبل يمحص محصا إذا انقطع وبره، ومنه (اللهم محص ~~عنا ذنوبنا) أي خلصنا من عقوبتها. وقال أبو إسحاق الزجاج: قرأت على محمد بن ~~يزيد عن الخليل: # التمحيص التخليص. يقال: محصه [يمحصه] (1) محصا إذا خلصه، فالمعنى عليه ~~ليبتلي المؤمنين ليثيبهم ويخلصهم من ذنوبهم. (ويمحق الكافرين) أي يستأصلهم ~~بالهلاك. # قوله تعالى: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جهدوا منكم ~~ويعلم الصابرين (142) " أم " بمعنى بل. وقيل: الميم زائدة، والمعنى أحسبتم ~~يامن انهزم يوم أحد أن تدخلوا الجنة كما دخل الذين قتلوا وصبروا على ألم ~~الجراح والقتل من غير أن تسلكوا طريقهم وتصبروا صبرهم لا، حتى (يعلم الله ms1478 ~~الذين جاهدوا منكم) أي علم شهادة حتى يقع عليه الجزاء. والمعنى: # ولم تجاهدوا فيعلم ذلك منكم، فلما بمعنى لم. وفرق سيبويه بين " لم " و " ~~لما " فزعم أن " لم يفعل " نفي فعل، وأن " لم يفعل ". نفى قد فعل. (ويعلم ~~الصابرين) منصوب بإضمار أن، عن الخليل. وقرأ الحسن ويحيى بن يعمر " يعلم ~~الصابرين " بالجزم على النسق. وقرئ بالرفع على القطع، أي وهو يعلم. وروى ~~هذه القراءة عبد الوارث عن أبي عمرو. وقال الزجاج: # الواو هنا بمعنى حتى، أي ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم حتى يعلم ~~صبرهم كما تقدم آنفا. # قوله تعالى: ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم ~~تنظرون (143) قوله تعالى: (ولقد كنتم تمنون الموت) أي الشهادة من قبل أن ~~تلقوه. # وقرأ الأعمش " من قبل أن تلاقوه " أي من قبل القتل. وقيل: من قبل أن ~~تلقوا أسباب الموت وذلك أن كثيرا ممن لم يحضروا بدرا كانوا يتمنون يوما ~~يكون فيه قتال، # PageV04P220 # فلما كان يوم أحد انهزموا، وكان منهم من تجلد حتى قتل، ومنهم أنس بن ~~النضر عم أنس بن مالك، فإنه قال لما انكشف المسلمون: اللهم إني أبرأ إليك ~~مما جاء به هؤلاء، وباشر القتال وقال: إيها إنها ريح الجنة! إني لأجدها، ~~ومضى حتى استشهد. # قال أنس: فما عرفناه إلا ببنانه ووجدنا فيه بضعا وثمانين جراحة. وفيه ~~أمثاله نزل " رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه " [الأحزاب: 23] (1). فالآية ~~عتاب في حق من انهزم، لا سيما وكان منهم حمل للنبي صلى الله عليه وسلم على ~~الخروج من المدينة، وسيأتي. وتمني الموت يرجع من المسلمين إلى تمني الشهادة ~~المبنية على الثبات والصبر على الجهاد، لا إلى قتل الكفار لهم، لأنه معصية ~~وكفر ولا يجوز إرادة المعصية، وعلى هذا يحمل سؤال المسلمين من الله أن ~~يرزقهم الشهادة، فيسألون الصبر على الجهاد وإن أدى إلى القتل. # قوله تعالى: (وأنتم تنظرون) قال الأخفش: هو تكرير بمعنى التأكيد لقوله: " ~~فقد رأيتموه " مثل " ولا طائر يطير بجناحيه " [الانعام: 38] (2). وقيل: ~~معناه وأنتم بصراء ليس في أعينكم ms1479 علل، [كما] (3) تقول: قد رأيت كذا وكذا ~~وليس في عينيك علة، أي فقد رأيته رؤية حقيقة، وهذا راجع إلى معنى التوكيد. ~~وقال بعضهم: " وأنتم تنظرون " إلى محمد صلى الله عليه وسلم. وفي الآية ~~إضمار، أي فقد رأيتموه وأنتم تنظرون فلم انهزمتم؟. # قوله تعالى: وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل ~~انقلبتم على أعقبكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله ~~الشاكرين (144) فيه خمس مسائل: # الأولى - روى أنها نزلت بسبب انهزام المسلمين يوم أحد حين صاح الشيطان: ~~قد قتل محمد. قال عطية العوفي: فقال بعض الناس: قد أصيب محمد فأعطوهم ~~بأيديكم فإنما هم إخوانكم. وقال بعضهم: إن كان محمد قد أصيب ألا تمضون على ~~ما مضى عليه نبيكم حتى # PageV04P221 # تلحقوا به، فأنزل الله تعالى في ذلك (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله ~~الرسل) إلى قول: " فآتاهم الله ثواب الدنيا " [آل عمران: 148]. وما نافية، ~~وما بعدها ابتداء وخبر، وبطل عمل " ما ". # وقرأ ابن عباس " قد خلت من قبله الرسل " بغير ألف ولام. فأعلم الله تعالى ~~في هذه الآية أن الرسل ليست بباقية في قومها أبدا، وأنه يجب التمسك بما أتت ~~به الرسل وإن فقد الرسول بموت أو قتل. وأكرم نبيه صلى الله عليه وسلم ~~[وصفيه] (1) باسمين مشتقين من اسمه: # محمد وأحمد، وتقول العرب: رجل محمود ومحمد إذا كثرت خصاله المحمودة، قال ~~الشاعر: # * إلى الماجد القرم الجواد المحمد (2) وقد مضى هذا في الفاتحة (3). وقال ~~عباس بن مرداس: # يا خاتم النبآء إنك مرسل * بالخير كل هدى السبيل هداكا إن الاله بنى (4) ~~عليك محبة * في خلقه ومحمدا سماكا فهذه الآية من تتمة العتاب مع المنهزمين، ~~أي لم يكن لهم الانهزام وإن قتل محمد، والنبوة لا تدرأ الموت، والأديان لا ~~تزول بموت الأنبياء. والله أعلم. # الثانية - هذه الآية أدل دليل على شجاعة الصديق وجراءته، فإن الشجاعة ~~والجرأة حدهما ثبوت القلب عند حلول المصائب، ولا مصيبة أعظم من موت النبي ~~صلى الله عليه وسلم كما تقدم ms1480 بيانه في " البقرة " (5) فظهرت عنده شجاعته ~~وعلمه. قال الناس: لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم، منهم عمر، وخرس ~~عثمان، واستخفى علي، واضطرب الامر فكشفه الصديق بهذه الآية حين قدومه من ~~مسكنه بالسنح (6)، الحديث، كذا في البخاري. وفي سنن ابن ماجة عن عائشة ~~قالت: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر عند امرأته ابنة ~~خارجة بالعوالي، فجعلوا يقولون: لم يمت النبي صلى الله عليه وسلم إنما هو ~~بعض ما كان يأخذه عند # PageV04P222 # الوحي. فجاء أبو بكر فكشف عن وجهه وقبل بين عينيه وقال: أنت أكرم على ~~الله من أن يميتك! # مرتين. قد والله مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمر في ناحية المسجد ~~يقول: والله ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يموت حتى يقطع أيدي ~~أناس من المنافقين كثير وأرحلهم. فقام أبو بكر فصعد المنبر فقال: من كان ~~يعبد الله فإن الله حي لم يمت، ومن كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، " وما ~~محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ~~ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين ". # قال عمر: " فلكأني لم أقرأها إلا يومئذ ". ورجع عن مقالته التي قالها ~~فيما ذكر الوائلي أبو نصر عبيد الله في كتابه الإبانة: عن أنس بن مالك أنه ~~سمع عمر بن الخطاب حين بويع أبو بكر في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~واستوى على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تشهد قبل أبي بكر فقال: أما ~~بعد فإني قلت لكم أمس مقالة وإنها لم تكن كما قلت، وإني والله ما وجدت ~~المقالة التي قلت لكم في كتاب أنزله الله ولا في عهد عهده إلي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، ولكني كنت أرجو أن يعيش رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حتى يدبرنا - يريد أن يقول حتى يكون آخرنا موتا - فاختار الله عز وجل ~~لرسوله الذي عنده على الذي عندكم، ms1481 وهذا الكتاب الذي هدى الله به رسوله ~~فخذوا به تهتدوا لما هدى له رسول الله صلى الله عليه وسلم. # قال الوائلي أبو: نصر المقالة التي قالها ثم رجع عنها هي " أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لم يمت ولن يموت حتى يقطع أيدي رجال وأرجلهم " وكان قال ذلك ~~لعظيم ما ورد عليه، وخشي الفتنة وظهور المنافقين، فلما شاهد قوة يقين ~~الصديق الأكبر أبي بكر، وتفوهه بقول الله عز وجل: # " كل نفس ذائقة الموت " [آل عمران: 185] (1) وقوله: " إنك ميت وإنهم (2) ~~ميتون " [الزمر: 30] وما قاله ذلك اليوم - تنبه وتثبيت وقال: كأني لم أسمع ~~بالآية إلا من أبي بكر. وخرج الناس يتلونها في سكك المدينة، كأنها لم تنزل ~~قط إلا ذلك اليوم. ومات صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين بلا اختلاف، في وقت ~~دخوله المدينة في هجرته حين اشتد الضحاء، ودفن يوم الثلاثاء، وقيل ليلة ~~الأربعاء. # وقالت صفية بنت عبد المطلب ترثي رسول الله صلى الله عليه وسلم: # PageV04P223 # ألا يا رسول الله كنت رجاءنا * وكنت بنابرا ولم تك جافيا وكنت رحيما ~~هاديا ومعلما * ليبك عليك اليوم من كان باكيا لعمرك ما أبكي النبي لفقده * ~~ولكن لما أخشى من الهرج آتيا كأن على قلبي لذكر محمد * وما خفت من بعد ~~النبي المكاويا أفاطم صلى الله رب محمد * على جدث أمسى بيثرب ثاويا فدى ~~لرسول الله أمي وخالتي * وعمي وآبائي ونفسي وماليا صدقت وبلغت الرسالة ~~صادقا * ومت صليت العود أبلج صافيا فلو أن رب الناس أبقى نبينا * سعدنا، ~~ولكن أمره كان ماضيا عليك من الله السلام تحية * وأدخلت جنات من عدن راضيا ~~أرى حسنا أيتمته وتركته * يبكي ويدعو جده اليوم ناعيا (1) فإن قيل وهي: # الثالثة - فلم أخر دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قال لأهل بيت ~~أخروا دفن ميتهم: (عجلوا دفن جيفتكم ولا تؤخروها). فالجواب من ثلاثة أوجه: ~~الأول - ما ذكرناه من عدم اتفاقهم على موته. الثاني - لأنهم لا يعلمون حيث ~~يدفنونه. قال قوم في البقيع، وقال آخرون في المسجد، وقال قوم: يحبس ms1482 حتى ~~يحمل إلى أبيه إبراهيم. حتى قال العالم الأكبر (2): سمعته يقول: (ما دفن ~~نبي إلا حيث يموت) ذكره ابن ماجة والموطأ وغيرهما. # الثالث - أنهم اشتغلوا بالخلاف الذي وقع بين المهاجرين والأنصار في ~~البيعة، فنظروا فيها حتى استتب الامر وانتظم الشمل واستوثقت (3) الحال، ~~واستقرت الخلافة في نصابها فبايعوا أبا بكر، ثم بايعوه من الغد بيعة أخرى ~~عن ملا منهم ورضا، فكشف الله به الكربة من أهل الردة، وقام به الدين، ~~والحمد لله رب العالمين. ثم رجعوا بعد ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فنظروا في دفنه وغسلوه وكفنوه. والله أعلم. # PageV04P224 # الرابعة واختلف هل صلي عليه أم لا، فمنهم من قال: لم يصل عليه أحد، وإنما ~~وقف كل واحد يدعو، لأنه كان أشرف من أن يصلى عليه. وقال ابن العربي: # وهذا كلام ضعيف، لان السنة تقام بالصلاة عليه في الجنازة، كما تقام ~~بالصلاة عليه في الدعاء، فيقول: اللهم صل على محمد إلى يوم القيامة، وذلك ~~منفعة لنا. وقيل: لم يصل عليه، لأنه لم يكن هناك إمام. وهذا ضعيف، لان الذي ~~كان يقيم بهم الصلاة الفريضة هو الذي كان يؤم بهم في الصلاة. وقيل: صلى ~~عليه الناس أفذاذا، لأنه كان آخر العهد به، فأرادوا أن يأخذ كل أحد بركته ~~مخصوصا دون أن يكون فيها تابعا لغيره. والله أعلم بصحة ذلك. # قلت: قد خرج ابن ماجة بإسناد حسن بل صحيح من حديث ابن عباس وفيه: # فلما فرغوا من جهازه يوم الثلاثاء وضع على سريره في بيته، ثم دخل الناس ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسالا (1) يصلون عليه، حتى إذا فرغوا ~~أدخلوا النساء، حتى إذا فرغن أدخلوا الصبيان، ولم يؤم الناس على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أحد. خرجه عن نصر ابن علي الجهضمي أنبأنا وهب بن جرير ~~حدثنا أبي عن محمد بن إسحاق قال حدثني حسين ابن عبد الله عن عكرمة عن ابن ~~عباس، الحديث بطوله. # الخامسة - في تغيير الحال بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، عن أنس قال: ms1483 ~~لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أضاء ~~منها كل شئ، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شئ، وما نفضنا عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم الأيدي حتى أنكرنا قلوبنا. أخرجه ابن ماجة، وقال: ~~حدثنا محمد بن بشار أخبرنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا سفيان عن عبد الله بن ~~دينار عن ابن عمر قال: كنا نتقي الكلام والانبساط إلى نسائنا على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم مخافة أن ينزل فينا القرآن، فلما مات رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم تكلمنا. وأسند عن أم سلمة بنت أبي أمية زوج النبي صلى ~~الله عليه وسلم [أنها قالت] (2): كان الناس في عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إذا قام المصلي [يصلي] (2) لم يعد بصر # PageV04P225 # أحدهم موضع قدميه، فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أبو بكر، ~~فكان الناس إذا قام أحدهم يصلي لم يعد بصر أحدهم موضع جبينه، فتوفى أبو بكر ~~وكان عمر، فكان الناس إذا قام أحدهم يصلي لم يعد بصر أحدهم موضع القبلة، ~~فكان عثمان بن عفان فكانت الفتنة فتلفت الناس في الصلاة يمينا وشمالا. # قوله تعالى: (أفإن مات أو فتل انقلبتم على أعقابكم) " أفإن مات " شرط " ~~أو قتل " عطف عليه، والجواب " انقلبتم ". ودخل حرف الاستفهام على حرف ~~الجزاء لان الشرط قد انعقد به وصار جملة واحدة وخبرا واحدا. والمعنى: ~~أفتنقلبون على أعقابكم إن مات أو قتل؟ # وكذلك كل استفهام دخل على حرف الجزاء، فإنه في غير موضعه، وموضعه أن يكون ~~قبل جواب الشرط. وقوله " انقلبتم على أعقابكم " تمثيل، ومعناه ارتددتم ~~كفارا بعد إيمانكم، قاله قتادة وغيره. ويقال لمن عاد إلى ما كان عليه: ~~انقلب على عقبيه. ومنه " نكص على عقبيه " (1). # وقيل: المراد بالانقلاب هنا الانهزام، فهو حقيقة لا مجاز. وقيل: المعنى ~~فعلتم فعل المرتدين وإن لم تكن ردة. # قوله تعالى: (ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا) بل يضر نفسه ~~ويعرضها للعقاب بسبب المخالفة، والله ms1484 تعالى لا تنفعه الطاعة ولا تضره (2) ~~المعصية لغناه. (وسيجزي الله الشاكرين)، أي الذين صبروا وجاهدوا واستشهدوا. ~~وجاء " وسيجزي الله الشاكرين " بعد قوله: " فان؟ يضر الله شيئا " فهو اتصال ~~وعد بوعيد. # قوله تعالى: وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتبا مؤجلا ومن يرد ثواب ~~الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين (145) ~~قوله تعالى: (وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا) هذا حض على ~~الجهاد، وإعلام أن الموت لابد منه وأن كل إنسان مقتول أو غير مقتول ميت إذا ~~بلغ أجله المكتوب له، لان معنى " مؤجلا " إلى أجل. ومعنى " بإذن الله " ~~بقضاء الله وقدره. # و " كتابا " نصب على المصدر، أي كتب الله كتابا مؤجلا. وأجل الموت هو ~~الوقت الذي # PageV04P226 # في معلومه سبحانه، أن روح الحي تفارق جسده، ومتى قتل العبد علمنا أن ذلك ~~أجله. # ولا يصح أن يقال: لو لم يقتل لعاش. والدليل على قوله: " كتابا مؤجلا " ~~إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون " [الأعراف: 34] (1) " إن أجل ~~الله لآت " [العنكبوت: 5] " لكل أجل كتاب " [الرعد: 38]. # والمعتزلي يقول: يتقدم الاجل ويتأخر، وأن من قتل فإنما يهلك قبل أجله، ~~وكذلك كل ما ذبح من الحيوان كان هلاكه قبل أجله، لأنه يجب على القاتل ~~الضمان والدية. وقد بين الله تعالى في هذه الآية أنه لا تهلك نفس قبل ~~أجلها. وسيأتي لهذا مزيد بيان في " الأعراف " (2) إن شاء الله تعالى. وفيه ~~دليل على كتب العلم وتدوينه. وسيأتي بيانه في " طه " عند قوله. # " قال علمها عند ربي في كتاب " [طه: 52] (3) إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: (ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها) يعني الغنيمة. نزلت في ~~الذين تركوا المركز طلبا للغنيمة. وقيل: هي عامة في كل من أراد الدنيا دون ~~الآخرة، والمعنى نؤته منها ما قسم له. وفي التنزيل: " من كان يريد العاجلة ~~عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد " [الاسراء: 18] (4). # (ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها) أي نؤته جزاء عمله، على ما وصف الله ~~تعالى من تضعيف ms1485 الحسنات لمن يشاء. وقيل: لمراد منها (5) عبد الله بن جبير ~~ومن لزم المركز معه حتى قتلوا. (وسنجزي الشاكرين) أي نؤتيهم الثواب الأبدي ~~جزاء لهم على ترك الانهزام، فهو تأكيد لما تقدم من إيتاء مزيد الآخرة. ~~وقيل: " وسنجزي الشاكرين " من الرزق في الدنيا لئلا يتوهم أن الشاكر يحرم ~~ما قسم له مما يناله الكافر. # قوله تعالى: وكأين من نبي قتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في ~~سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين (146) وما كان قولهم ~~إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وتبت أقدامنا وانصرنا ~~على القوم الكافرين (147) # PageV04P227 # قوله تعالى: (وكأين من نبي قتل (1) معه ربيون كثير) قال الزهري: صاح ~~الشيطان يوم أحد: قتل محمد، فانهزم جماعة من المسلمين. قال، كعب بن مالك: ~~فكنت أول من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، رأيت عينيه من تحت المغفر ~~تزهران، فناديت بأعلى صوتي: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأومأ إلي ~~أن أسكت، فأنزل الله عز وجل: # " وكأين من نبي قتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله ~~وما ضعفوا " الآية. و " كأين " بمعنى كم. قال الخليل وسيبويه: هي أي دخلت. ~~عليها كاف التشبيه وبنيت معها فصار في الكلام معنى وكم وصورت في المصحف ~~نونا، لأنها كلمة. نقلت عن أصلها فغير لفظها لتغير معناها، ثم كثر ~~استعمالها فتلعبت (2) بها العرب وتصرفت فيها بالقلب والحذف، فحصل فيها لغات ~~أربع قرئ بها. وقرأ ابن كثير " وكائن " مثل وكاعن، على وزن فاعل، وأصله كئ ~~فقلبت الياء ألفا، كما قلبت في ييأس (3) فقيل ياءس، قال الشاعر: # وكائن بالا طح من صديق * يراني لو أصبت هو المصابا وقال آخر: # وكائن رددنا عنكم من مدجج * يجئ أمام الركب يردي (4) مقنعا وقال أخر: # وكائن في المعاشر (5) من أناس * أخوهم فوقهم وهم كرام وقرأ ابن محيصن " ~~وكئن " مهموزا مقصورا مثل وكعن، وهو من كائن حذفت ألفه. # وعنه أيضا " وكأين " مثل وكعين وهو مقلوب كئ المخفف. وقرأ الباقون " كأين ms1486 ~~" بالتشديد مثل كعين وهو الأصل، قال الشاعر: # كأين من أناس لم يزالوا * أخوهم فوقهم وهم كرام # PageV04P228 # وقال آخر: # كأين أبدنا من عدو بعزنا * وكائن أجرنا من ضعيف وخائف فجمع بين لغتين: ~~كأين وكائن، ولغة خامسة كيئن مثل كيعن، وكأنه مخفف من كيئ مقلوب كأين. ولم ~~يذكر الجوهري غير لغتين: كائن مثل كاعن، وكأين مثل كعين، تقول كأين رجلا ~~لقيت، بنصب ما بعد كأين على التمييز. وتقول أيضا: كأين من رجل لقيت، وإدخال ~~من بعد كأين أكثر من النصب بها وأجود. وبكأين تبيع هذا الثوب؟ # أي بكم تبيع، قال ذو الرمة: # وكائن ذعرنا من مهاة ورامح * بلاد العدا (1) ليست له ببلاد قال النحاس: ~~ووقف أبو عمرو " وكأي " بغير نون، لأنه تنوين. وروى ذلك سورة ابن المبارك ~~عن الكسائي. ووقف الباقون بالنون اتباعا لخط المصحف. ومعنى الآية تشجيع ~~المؤمنين، والامر بالاقتداء بمن تقدم من خيار أتباع الأنبياء، أي كثير من ~~الأنبياء قتل معه ربيون كثير، أو كثير من الأنبياء قالوا فما ارتد أممهم، ~~قولان: الأول للحسن وسعيد بن جبير. قال الحسن: ما قتل نبي في حرب قط. وقال ~~ابن جبير: ما سمعنا أن نبيا قتل في القتال. والثاني عن قتادة وعكرمة. ~~والوقف - على هذا القول - على " قتل " جائز، وهي قراءة نافع وابن جبير وأبي ~~عمرو ويعقوب. وهي قراءة ابن عباس واختارها أبو حاتم. # وفيه وجهان: أحدهما أن يكون " قتل " واقعا على النبي وحده، وحينئذ يكون ~~تمام الكلام عند قوله " قتل " ويكون في الكلام إضمار، أي ومعه ربيون كثير، ~~كما يقال: قتل الأمير معه جيش عظيم، أي ومعه جيش. وخرجت معي تجارة، أي ~~ومعي. الوجه الثاني أن يكون القتل نال النبي ومن معه من الربيين، ويكون وجه ~~الكلام قتل بعض من كان معه، تقول العرب: قتلنا بني تميم وبني سليم، وإنما ~~قتلوا بعضهم. ويكون قوله " فما وهنوا " راجعا إلى من بقي منهم. قلت: وهذا ~~القول أشبه بنزول الآية وأنسب، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتل، وقتل ~~معه جماعة من أصحابه. وقرأ ms1487 الكوفيون وابن عامر " قاتل " وهي قراءة # PageV04P229 # ابن مسعود، واختارها أبو عبيد وقال. إن الله إذا حمد من قاتل كان من قتل ~~داخلا فيه، وإذا حمد من قتل لم يدخل فيه غيرهم، فقاتل أعم وأمدح. و " ~~الربيون " بكسر الراء قراءة الجمهور. وقراءة علي رضي الله عنه بضمها. وابن ~~عباس بفتحها، ثلاث لغات. والربيون الجماعات الكثيرة، عن مجاهد. وقتادة ~~والضحاك وعكرمة، واحدهم ربي بضم الراء وكسرها، منسوب إلى الربة بكسر الراء ~~أيضا وضمها، وهي الجماعة. وقال عبد الله بن مسعود: الربيون الألوف الكثيرة. ~~وقال ابن زيد: الربيون الاتباع. والأول أعرف في اللغة، ومنه يقال للخرقة ~~التي تجمع فيها القداح: ربة وربة. والرباب قبائل تجمعت. وقال أبان بن ثعلب: # الربي عشرة آلاف. وقال الحسن: هم العلماء الصبر. ابن عباس ومجاهد وقتادة ~~والربيع والسدي: الجمع الكثير، قال حسان: # وإذا معشر تجافوا عن الحق * حملنا عليهم ربيا وقال الزجاج: ها هنا ~~قراءتان " ربيون " بضم الراء " وربيون " بكسر الراء، أما الربيون (بالضم): ~~الجماعات الكثيرة. ويقال: عشرة آلاف. قلت: وقد روي عن ابن عباس " ربيون " ~~بفتح الراء منسوب إلى الرب. قال الخليل: الربي الواحد من العباد الذين ~~صبروا مع الأنبياء. وهم الربانيون نسبوا إلى التأله والعبادة ومعرفة ~~الربوبية لله تعالى. والله أعلم. # قوله تعالى: (فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله) " وهنوا " أي ضعفوا، ~~وقد تقدم والوهن: انكسار الجد (1) بالخوف. وقرأ الحسن وأبو الحسن وأبو ~~السمال " وهنوا " بكسر الهاء وضمها، لغتان عن أبي زيد. وهن الشئ يهن وهنا. ~~وأوهنته أنا ووهنته ضعفته. والواهنة: أسفل الأضلاع وقصارها (1). والوهن من ~~الإبل: الكثيف. والوهن: ساعة تمضي من الليل، وكذلك الموهن. وأوهنا صرنا (2) ~~في تلك الساعة، أي ما وهنوا لقتل نبيهم، أو لقتل من قتل منهم، أي ما وهن ~~باقيهم، فحذف المضاف. (وما ضعفوا) أي عن عدوهم. (وما استكانوا) أي لما ~~أصابهم في الجهاد. والاستكانة: الذلة والخضوع، وأصلها " استكنوا " على ~~افتعلوا، فأشبعت فتحة الكاف فتولدت منها ألف. ومن جعلها من الكون فهي ~~استفعلوا، والأول # PageV04P230 # أشبه بمعنى الآية. وقرئ " فما وهنوا وما ms1488 ضعفوا " بإسكان الهاء والعين. ~~وحكى الكسائي " ضعفوا " بفتح العين. ثم أخبر تعالى عنهم بعد أن قتل منهم أو ~~قتل نبيهم بأنهم صبروا ولم يفروا ووطنوا أنفسهم على الموت، واستغفروا ليكون ~~موتهم على التوبة من الذنوب إن رزقوا الشهادة، ودعوا في الثبات حتى لا ~~ينهزموا، وبالنصر على أعدائهم. وخصوا الاقدام بالثبات دون غيرها من الجوارح ~~لان الاعتماد عليها. يقول: فهلا فعلتم وقلتم مثل ذلك يا أصحاب محمد؟ فأجاب ~~دعاءهم وأعطاهم النصر والظفر والغنيمة في الدنيا والمغفرة في الآخرة إذا ~~صاروا إليها. وهكذا يفعل الله مع عباده المخلصين التائبين الصادقين ~~الناصرين لدينه، الثابتين عند لقاء عدوه بوعده الحق، وقوله الصدق. (والله ~~يحب الصابرين) يعني الصابرين على الجهاد. وقرأ بعضهم " وما كان قولهم " ~~بالرفع، جعل القول اسما لكان، فيكون معناه وما كان قولهم إلا قولهم: (ربنا ~~اغفر لنا ذنوبنا) ومن قرأ بالنصب جعل القول خبر كان. واسمها " إلا أن قالوا ~~". ربنا اغفر لنا ذنوبنا " يعني الصغائر (وإسرافنا) يعني الكبائر. ~~والاسراف: الافراط في الشئ ومجاوزة الحد. وفي صحيح مسلم عن أبي موسى ~~الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو بهذا الدعاء (اللهم أغفر ~~لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به مني) وذكر الحديث. فعلى ~~الانسان أن يستعمل ما في كتاب الله وصحيح السنة من الدعاء ويدع ما سواه، ~~ولا يقول أختار كذا، فإن الله تعالى قد اختار لنبيه وأوليائه وعلمهم كيف ~~يدعون. # قوله تعالى: فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب ~~المحسنين (148) قوله تعالى: (فآتاهم الله) أي أعطاهم (ثواب الدنيا)، يعنى ~~النصر والظفر على عدوهم. (وحسن ثواب الآخرة) يعني الجنة. وقرأ الحجدري؟ " ~~فأثابهم الله " من الثواب. # (والله يحب المحسنين) تقدم. PageV04P231 # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على ~~أعقبكم فتنقلبوا خاسرين (149) بل الله مولاكم وهو خير الناصرين (150) لما ~~أمر الله تعالى بالاقتداء بمن تقدم من أنصار الأنبياء حذر طاعة الكافرين، ~~يعني مشركي العرب: أبا سفيان وأصحابه وقيل: اليهود والنصارى. وقال علي رضي ms1489 ~~الله عنه: # يعني المنافقين في قولهم للمؤمنين عند الهزيمة: ارجعوا إلى دين آبائكم. ~~(يردوكم على أعقابكم) أي إلى الكفر. (فتنقلبوا خاسرين) أي فترجعوا مغبونين. ~~ثم قال: (بل الله مولاكم) أي متولي نصركم وحفظكم إن أطعتموه. وقرئ " بل ~~الله " بالنصب، على تقدير بل وأطيعوا الله مولاكم. # قوله تعالى: سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ~~ينزل به سلطنا ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين (151) نظيره " وقذف في ~~قلوبهم الرعب " (1). وقرأ ابن عامر والكسائي " الرعب " بضم العين، وهما ~~لغتان. والرعب: الخوف، يقال: رعبته رعبا ورعبا، فهو مرعوب. ويجوز أن يكون ~~الرعب مصدرا، والرعب الاسم. وأصله من المل ء، يقال: سيل راعب يملا الوادي. # ورعبت الحوض ملأته. والمعنى: سنملأ قلوب المشركين (2) خوفا وفزعا. وقرأ ~~السختياني " سيلقي " بالياء، والباقون بنون العظمة. قال السدي وغيره: لما ~~ارتحل أبو سفيان والمشركون يوم أحد متوجهين إلى مكة انطلقوا حتى إذا كانوا ~~ببعض الطريق ندموا وقالوا: # بئس ما صنعنا! قتلناهم حتى إذا لم يبق منهم إلا الشريد (3) تركناهم، ~~ارجعوا فاستأصلوهم، فلما عزموا على ذلك ألقى الله في قلوبهم الرعب حتى ~~رجعوا عما هموا به. والالقاء يستعمل حقيقة في الأجسام، قال الله تعالى: " ~~وألقى الألواح " [الأعراف: 150] (4) " فألقوا حبالهم وعصيهم " [الشعراء: ~~44] " فألقى موسى عصاه " [الأعراف: 107]. قال الشاعر: # * فألقت عصاها واستقر بها النوى * # PageV04P232 # ثم قد يستعمل مجازا كما في هذه الآية، وقوله: " وألقيت عليك محبة مني " ~~[طه: 39]. (1) وألقى عليك مسألة. # قوله تعالى: (بما أشركوا بالله) تعليل، أي كان سبب إلقاء الرعب في قلوبهم ~~إشراكهم، فما للمصدر. وبقال أشرك به أي عدل به غيره ليجعله شريكا. # قوله تعالى: (ما لم ينزل به سلطانا) حجة وبيانا، وعذرا وبرهانا، ومن هذا ~~قيل، للوالي سلطان، لأنه حجة الله عز وجل في الأرض. ويقال: إنه مأخوذ من ~~السليط وهو ما يضاء به السراج، وهو دهن السمسم، قال أمرؤ القيس: # * أمال (2) السليط بالذبال المفتل فالسلطان يستضاء به في إظهار الحق وقمع ~~الباطل. وقيل السليط الحديد. والسلاطة الحدة. # والسلاطة من التسليط وهو القهر، والسلطان من ms1490 ذلك، فالنون زائدة. فأصل ~~السلطان القوة، فإنه يقهر بها كما يقهر بالسلطان. والسليطة المرأة الصخابة. ~~والسليط الرجل الفصيح اللسان. ومعنى هذا أنه لم تثبت عبادة الأوثان في شئ ~~من الملل. ولم يدل عقل على جواز ذلك. ثم أخبر الله تعالى عن مصيرهم ومرجعهم ~~فقال: (ومأواهم النار) ثم ذمه فقال: # (وبئس مثوى الظالمين) والمثوى: المكان الذي يقام فيه، يقال: ثوى يثوى ~~ثواء. # والمأوى: كل مكان يرجع إليه شئ ليلا أو نهارا. # قوله تعالى: ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم ~~وتنازعتم في الاخر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ~~ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل ~~على المؤمنين (152) قال محمد بن كعب القرظي: لما رجع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى المدينة بعد أحد وقد أصيبوا قال بعضهم لبعض: من أين أصابنا ~~هذا وقد وعدنا الله النصر! فنزلت هذه الآية. وذلك أنهم قتلوا صاحب لواء ~~المشركين وسبعة نفر منهم بعده على اللواء، وكان # PageV04P233 # الظفر ابتداء للمسلمين غير أنهم اشتغلوا بالغنيمة، وترك بعض الرماة أيضا ~~مركزهم طلبا للغنيمة فكان ذلك سبب الهزيمة. روى البخاري عن البراء بن عازب ~~قال: لما كان يوم أحد ولقينا المشركين أجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أناسا من الرماة وأمر عليهم عبد الله ابن جبير وقال لهم: (لا تبرحوا من ~~مكانكم [إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا] (1) وإن رأيتموهم قد ظهروا ~~علينا فلا تعينونا عليهم) قال: فلما التقى القوم وهزمهم المسلمون حتى نظرنا ~~إلى النساء يشتددن (2) في الجبل، وقد رفعن عن سوقهن قد بدت خلاخلهن فجعلوا ~~يقولون: # الغنيمة الغنيمة. فقال لهم عبد الله: أمهلوا! أما عهد إليكم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ألا تبرحوا، فانطلقوا فلما أتوهم صرف الله وجوههم وقتل ~~من المسلمين سبعون رجلا. ثم إن أبا سفيان بن حرب أشرف علينا وهو في نشز ~~فقال: أفي القوم محمد؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تجيبوه) ms1491 حتى ~~قالها ثلاثا. ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ ثلاثا، فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: ثم قال: (لا تجيبوه) ثم قال: أفي القوم عمر [بن الخطاب] (3)؟ ~~ثلاثا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تجيبوه) ثم التفت إلى أصحابه ~~فقال: أما هؤلاء فقد قتلوا. فلم يملك عمر رضي الله عنه نفسه دون أن قال: ~~كذبت يا عدو الله! قد أبقى الله لك من يخزيك به. # فقال: اعل هبل (4)، مرتين. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أجيبوه) ~~فقالوا: ما نقول يا رسول الله؟ قال: (قولوا الله أعلى وأجل). قال أبو ~~سفيان: لنا العزى (5) ولا عزى لكم. # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، (أجيبوه). قالوا: ما نقول يا رسول ~~الله؟ قال: قولوا (الله مولانا ولا مولى لكم). قال أبو سفيان: يوم بيوم ~~بدر، والحرب سجال، أما إنكم ستجدون في القوم مثلة لم آمر بها ولم تسؤني. ~~وفى البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وقاص قال: رأيت عن يمين رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وعن شماله يوم أحد رجلين عليهما ثياب بيض يقاتلان عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أشد القتال. وفي رواية عن سعد: عليهما ثياب بيض ما ~~رأيتهما قبل ولا بعد. يعني جبريل وميكائيل. وفي رواية أخرى: يقاتلان عن ~~رسول الله # PageV04P234 # صلى الله عليه وسلم أشد القتال ما رأيتهما قبل ذلك اليوم ولا بعده. وعن ~~مجاهد قال: # لم تقاتل الملائكة معهم يومئذ، ولا قبله ولا بعده إلا يوم بدر. قال ~~البيهقي: إنما أراد مجاهد أنهم لم يقاتلوا يوم أحد عن القوم حين عصوا ~~الرسول ولم يصبروا على ما أمرهم به. وعن عروة بن الزبير قال: وكان الله عز ~~وجل وعدهم على الصبر والتقوى أن يمدهم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين: وكان ~~قد فعل، فلما عصوا أمر الرسول وتركوا مصافهم وتركوا الرماة عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إليهم ألا يبرحوا من منازلهم، وأرادوا الدنيا، رفع عنهم ~~مدد الملائكة، وأنزل الله تعالى: " ولقد صدقكم الله وعده ms1492 إذ تحسونهم بإذنه ~~" [آل عمران: 152] فصدق الله وعده وأراهم الفتح، فلما عصوا أعقبهم البلاء. ~~وعن عمير بن إسحاق قال: لما كان يوم أحد انكشفوا عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وسعد يرمي بين يديه، وفتى ينبل له، كلما ذهبت نبله أتاه بها. قال ~~ارم أبا إسحاق. فلما فرغوا نظروا من الشاب؟ فلم يروه ولم يعرفوه (1) . وقال ~~محمد بن كعب: ولما قتل صاحب لواء المشركين وسقط لواؤهم، رفعته عمرة بنت ~~علقمة الحارثية، وفي ذلك يقول حسان: # فلولا لواء الحارثية أصبحوا * يباعون في الأسواق بيع الجلائب و (تحسونهم) ~~معناه تقتلونهم وتستأصلونهم، قال الشاعر: # حسسناهم بالسيف حسا فأصبحت * بقيتهم قد شردوا وتبددوا وقال جرير: # تحسهم السيوف كما تسامى * حريق النار في الأجم الحصيد قال أبو عبيد: الحس ~~الاستئصال بالقتل، يقال: جراد محسوس إذا قتله البرد. والبرد محسة للنبت. أي ~~محرقة له ذاهبة به. وسنة حسوس أي جدية تأكل كل شئ، قال رؤبة: # إذا شكونا سنة حسوسا تأكل بعد الأخضر (2) اليبيسا " أصله من الحس الذي هو ~~الادراك بالحاسة. فمعنى حسه أذهب حسه بالقتل. (بإذنه) بعلمه، أو بقضائه ~~وأمره. (حتى إذا فشلتم) أي جبنتم وضعفتم. يقال: فشل يفشل فهو # PageV04P235 # فشل وفشل. وجواب " حتى " محذوف، أي حتى إذا فشلتم امتحنتم. ومثل هذا جائز ~~كقوله: " فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء " [الانعام: ~~35] (1) فافعل. وقال الفراء: جواب " حتى "، " وتنازعتم " والواو مقحمة ~~زائدة، كقوله " فلما أسلما وتله للجبين. # وناديناه " [الصافات: 103 - 104] (2) أي ناديناه. وقال أمرؤ القيس: # * فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى * أي انتحى. وعند هؤلاء يجوز إقحام الواو ~~من " وعصيتم ". أي حتى إذا فشلتم وتنازعتم عصيتم. وعلى هذا فيه تقديم ~~وتأخير، أي حتى إذا تنازعتم وعصيتم وفشلتم. وقال أبو علي: # يجوز أن يكون الجواب " صرفكم عنهم "، " ثم " زائدة، والتقدير حتى إذا ~~فشلتم وتنازعتم وعصيتم صرفكم عنهم. وقد أنشد بعض النحويين في زيادتها قوله ~~الشاعر أراني إذا ما بت على هوى * فثم إذا أصبحت أصبحت عاديا وجوز الأخفش ~~أن تكون زائدة، كما في قوله ms1493 تعالى: " حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت ~~وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم " ~~[التوبة: 118] (3). وقيل: # " حتى " بمعنى " إلى " وحينئذ لا جواب له، أي صدقكم الله وعده إلى أن ~~فشلتم، أي كان ذلك الوعد بشرط الثبات. ومعنى (تنازعتم) اختلفتم، يعني ~~الرماة حين قال بعضهم لبعض: نلحق الغنائم. وقال بعضهم: بل نثبت في مكاننا ~~الذي أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بالثبوت فيه. (وعصيتم) أي خالفتم أمر ~~الرسول في الثبوت. (من بعد ما أراكم ما تحبون) يعني من الغلبة التي كانت ~~للمسلمين يوم أحد أول أمرهم، وذلك حين صرع صاحب لواء المشركين على ما تقدم، ~~وذلك أنه لما صرع انتشر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وصاروا كتائب ~~متفرقة فحاسوا (4) العدو ضربا حتى أجهضوهم (5) عن أثقالهم. وحملت خيل ~~المشركين على المسلمين ثلاث مرات كل ذلك تنضح بالنبل فترجع مغلوبة (6)، ~~وحمل المسلمون فنهكوهم قتلا. فلما أبصر الرماة الخمسون أن الله عز وجل قد ~~فتح لإخوانهم قالوا: والله ما نجلس # PageV04P236 # ههنا لشئ، قد أهلك الله العدو وإخواننا في عسكر المشركين. وقال طوائف ~~منهم: علام نقف وقد هزم الله العدو؟ فتركوا منازلهم التي عهد إليهم النبي ~~صلي الله عليه وسلم ألا يتركوها، وتنازعوا وفشلوا وعصوا الرسول فأوجفت (1) ~~الخيل فيهم قتلا. وألفاظ الآية تقتضي التوبيخ لهم، ووجه التوبيخ لهم أنهم ~~رأوا مبادئ النصر، فكان الواجب أن يعلموا أن تمام النصر في الثبات لا في ~~الانهزام. ثم بين سبب التنازع فقال: (منكم من يريد الدنيا). يعني الغنيمة. ~~قال ابن مسعود: # ما شعرنا أن أحدا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يريد الدنيا وعرضها ~~حتى كان يوم أحد. (ومنكم من يريد الآخرة) وهم الذين ثبتوا في مركزهم، ولم ~~يخالفوا أمر نبيهم صلى الله عليه وسلم مع أميرهم عبد الله بن جبير، فحمل ~~خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل عليه، وكانا يومئذ كافرين فقتلوه مع من ~~بقي، رحمهم الله. والعتاب مع من انهزم لا مع من ثبت، فإن ms1494 من ثبت فاز ~~بالثواب، وهذا كما أنه إذا حل بقوم عقوبة عامة فأهل الصلاح والصبيان ~~يهلكون، ولكن لا يكون ما حل بهم عقوبة، بل هو سبب المثوبة. والله أعلم. # قوله تعالى: (ثم صرفكم عنهم ليبتليكم) أي بعد أن استوليتم عليهم ردكم ~~عنهم بالانهزام. # ودل هذا على أن المعصية مخلوقة لله تعالى. وقالت المعتزلة: المعنى ثم ~~انصرفتم، فإضافته إلى الله تعالى بإخراجه الرعب من قلوب الكافرين من ~~المسلمين ابتلاء لهم. قال القشيري: # وهذا لا يغنيهم، لان إخراج الرعب من قلوب الكافرين حتى يستخفوا بالمسلمين ~~قبيح ولا يجوز عندهم، أن يقع من الله قبيح، فلا يبقى لقوله: " ثم صرفكم ~~عنهم " معنى. وقيل: معنى " صرفكم عنهم " أي لم يكلفكم طلبهم قوله تعالى: ~~(ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين) أي لم يستأصلكم بعد المعصية ~~والمخالفة. والخطاب قيل هو للجميع. وقيل: هو للرماة الذين خالفوا ما أمروا ~~به، واختاره النحاس. وقال أكثر المفسرين: ونظير هذه الآية قوله: " ثم عفونا ~~عنكم " [البقرة: 52] (2). # (والله ذو فضل على المؤمنين) بالعفو والمغفرة. وعن ابن عباس قال: ما نصر ~~النبي صلى الله # PageV04P237 # عليه وسلم في موطن كما نصر يوم أحد، قال: وأنكرنا ذلك، فقال ابن عباس: ~~بيني وبين من أنكر ذلك كتاب الله عز وجل، إن الله عز وجل يقول في يوم أحد: ~~" ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه - يقول ابن عباس: والحس القتل " ~~حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الامر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من ~~يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم ~~والله ذو فضل على المؤمنين " وإنما عنى بهذا الرماة. وذلك أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أقامهم في موضع ثم قال: (احموا ظهورنا فإن رأيتمونا نقتل ~~فلا تنصرونا وإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا). فلما غنم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأباحوا عسكر المشركين انكفأت الرماة جميعا فدخلوا في ~~العسكر ينتهبون، وقد التقت صفوف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فهم هكذا ~~- وشبك أصابع ms1495 يديه - والتبسوا. فلما أخل الرماة تلك الخلة (1) التي كانوا ~~فيها دخلت الخيل من ذلك الموضع على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فضرب بعضهم بعضا والتبسوا، وقتل من المسلمين ناس كثير، وقد كان لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه أول النهار حتى قتل من أصحاب لواء المشركين ~~سبعة أو تسعة، وجال المسلمون نحو الجبل، ولم يبلغوا حيث يقول الناس: الغار ~~(2)، إنما كانوا تحت المهراس (3) وصاح الشيطان: قتل محمد. فلم يشك فيه أنه ~~حق، فما زلنا كذلك ما نشك أنه قتل حتى طلع علينا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بين السعدين (4)، نعرفه بتكفئه (5) إذا مشى. قال: # ففرحنا حتى كأنا لم يصبنا ما أصابنا. قال: فرقي نحونا وهو يقول: (اشتد ~~غضب الله على قوم دموا وجه نبيهم) (6). وقال كعب بن مالك: أنا كنت أول من ~~عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسلمين، عرفته بعينيه من تحت المغفر ~~تزهران فناديت بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين! أبشروا، هذا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قد أقبل. فأشار إلي أن اسكت. # PageV04P238 # قوله تعالى: إذ تصعدون ولا تلون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم ~~فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله خبير بما ~~تعلمون (153) " إذ " متعلق بقوله: " ولقد عفا عنكم ". وقراءة العامة " ~~تصعدون " بضم التاء وكسر العين. وقرأ أبو رجاء العطاردي وأبو عبد الرحمن ~~السلمي والحسن وقتادة بفتح التاء والعين، يعني تصعدون الجبل. وقرأ ابن ~~محيصن وشبل " إذ يصعدون ولا يلوون " بالياء فيهما. وقرأ الحسن " تلون " ~~بواو واحدة. وروى أبو بكر بن عياش عن عاصم " ولا تلوون " بضم التاء، وهي ~~لغة شاذة ذكرها النحاس. وقال أبو حاتم: أصعدت إذا مضيت حيال وجهك، وصعدت ~~إذا ارتقيت في جبل أو غيره. فالاصعاد: السير في مستو من الأرض وبطون ~~الأودية والشعاب. والصعود: الارتفاع على الجبال والسطوح والسلاليم والدرج. # فيحتمل أن يكون صعودهم في الجبل بعد إصعادهم في الوادي، فيصح المعنى على ~~قراءة " تصعدون " و " تصعدون ". قال قتادة والربيع: أصعدوا ms1496 يوم أحد في ~~الوادي. وقراءة أبي " إذ تصعدون في الوادي ". قال ابن عباس: صعدوا في أحد ~~فرارا. فكلتا القراءتين صواب، كان يومئذ من المنهزمين مصعد وصاعد. والله ~~أعلم. قال القتبي والمبرد: أصعد إذا أبعد في الذهاب وأمعن فيه، فكأن ~~الاصعاد إبعاد في الأرض كإبعاد الارتفاع، قال الشاعر: (1) ألا أيهذا ~~السائلي أين أصعدت (2) * فإن لها من بطن يثرب موعدا وقال الفراء: الاصعاد ~~الابتداء في السفر، والانحدار الرجوع منه، يقال: أصعدنا من بغداد إلى مكة ~~وإلى خراسان وأشباه ذلك إذا خرجنا إليها وأخذنا في السفر، وانحدرنا إذا ~~رجعنا. # وأنشد أبو عبيدة: # قد كنت تبكين على الاصعاد * فاليوم سرحت وصاح الحادي # PageV04P239 # وقال المفضل: صعد وأصعد وصعد بمعنى واحد. ومعنى " تلوون " تعرجون ~~وتقيمون، أي لا يلتفت بعضكم إلى بعض هربا، فإن المعرج على الشئ يلوي إليه ~~عنقه أو عنان دابته. # (على أحد) يريد محمدا صلى الله عليه وسلم، قاله الكلبي. (والرسول يدعوكم ~~في أخراكم) أي في آخركم، يقال: جاء فلان في آخر الناس وأخرة الناس وأخرى ~~الناس وأخريات الناس. # وفي البخاري " أخراكم " تأنيث آخركم: حدثنا عمرو بن خالد حدثنا زهير ~~حدثنا أبو إسحاق قال: سمعت البراء بن عازب قال: جعل النبي صلى الله عليه ~~وسلم على الرجالة يوم أحد عبد الله ابن جبير وأقبلوا منهزمين فذاك إذ ~~يدعوهم الرسول في أخراهم. ولم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم غير اثني ~~عشر رجلا. قال ابن عباس وغيره: كان دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: # (أي عباد الله ارجعوا). وكان دعاءه تغييرا للمنكر، ومحال أن يرى عليه ~~السلام المنكر وهو الانهزام ثم لا ينهى عنه. قلت: هذا على أن يكون الانهزام ~~معصية وليس كذلك، على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: (فأثابكم غما بغم) الغم في اللغة: التغطية. غممت الشئ غطيته. ~~ويوم غم وليلة غمة إذا كانا مظلمين. ومنه غم الهلال إذا لم ير، وغمني الامر ~~يغمني. قال مجاهد وقتادة وغيرهما: الغم الأول القتل والجراح، والغم الثاني ~~الارجاف بقتل النبي صلى الله ms1497 عليه وسلم، إذ صاح به الشيطان. وقيل: الغم ~~الأول ما فاتهم من الظفر والغنيمة، والثاني ما أصابهم من القتل والهزيمة. ~~وقيل: الغم الأول الهزيمة، والثاني إشراف أبي وسفيان وخالد عليهم في الجبل، ~~فلما نظر إليهم المسلمون غمهم ذلك، وظنوا أنهم يميلون عليهم فيقتلونهم ~~فأنساهم هذا ما نالهم، فعند ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: " اللهم لا ~~يعلن علينا " كما تقدم. والباء في " بغم " على هذا بمعنى على. وقيل: هي على ~~بابها، والمعنى أنهم غموا النبي صلى الله عليه وسلم بمخالفتهم إياه، ~~فأثابهم بذلك غمهم بمن أصيب منهم. وقال الحسن: # " فأثابكم غما " يوم أحد " بغم " يوم بدر للمشركين. وسمي الغم ثوابا كما ~~سمي جزاء الذنب ذنبا. # وقيل: وقفهم الله على ذنبهم فشغلوا بذلك عما أصابهم. PageV04P240 # قوله تعالى: (لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله خبير بما ~~تعلمون) اللام متعلقة بقوله: " ولقد عفا عنكم " وقيل: هي متعلقة بقوله: " ~~فأثابكم غما بغم " أي كان هذا الغم بعد الغم لكيلا تحزنوا على ما فات من ~~الغنيمة، ولا ما أصابكم من الهزيمة. والأول أحسن. و " ما " في قوله " ما ~~أصابكم " في موضع خفض. وقيل: " لا " صلة. # أي لكي تحزنوا على ما فاتكم وما أصابكم عقوبة لكم على مخالفتكم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. وهو مثل قوله: " ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك " ~~[الأعراف: 12] (1) أي أن تسجد. وقوله " لئلا يعلم أهل الكتاب " [الحديد: ~~29] (2) أي ليعلم، وهذا قول المفضل. وقيل: أراد بقوله " فأثابكم غما بغم " ~~أي توالت عليكم الغموم، لكيلا تشتغلوا بعد هذا بالغنائم. " والله خبير بما ~~تعملون " فيه معنى التحذير والوعيد. # قوله تعلى: ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة ~~قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجهلية يقولون هل لنا من الامر ~~من شئ قل إن الامر كله لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان ~~لنا من الامر شئ ما قتلنا ههنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم ms1498 ~~القتل إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله ~~عليم بذات الصدور (154) قوله تعالى: (ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة ~~نعاسا) الامنة والامن سواء. وقيل: # الامنة إنما تكون مع أسباب الخوف، والامن مع عدمه. وهي منصوبة ب‍ " أنزل، ~~" و " نعاسا " بدل منها. وقيل: نصب على المفعول له، كأنه قال: أنزل عليكم ~~للأمنة (3) نعاسا. وقرأ ابن محيصن " أمنة " بسكون الميم. تفضل الله تعالى ~~على المؤمنين بعد هذه الغموم في يوم # PageV04P241 # أحد بالنعاس حتى نام أكثرهم، وإنما ينعس من يأمن والخائف لا ينام. روى ~~البخاري عن أنس أن أبا طلحة قال: غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أحد، ~~قال: فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه، ويسقط وآخذه. (يغشى) قرئ بالياء والتاء. ~~الياء للنعاس، والتاء للأمنة. # والطائفة تطلق على الواحد والجماعة. (وطائفة قد أهمتهم أنفسهم) يعني ~~المنافقين: # معتب بن قشير وأصحابه، وكانوا خرجوا طمعا في الغنيمة وخوف المؤمنين فلم ~~يغشهم النعاس وجعلوا يتأسفون على الحضور، ويقولون الأقاويل. ومعنى " قد ~~أهمتهم أنفسهم " حملتهم على الهم، والهم ما هممت به، يقال: أهمني الشئ أي ~~كان من همي. وأمر مهم: شديد. # وأهمني الامر: أقلقني: وهمني: أذابني (1). والواو في قوله " وطائفة " واو ~~الحال بمعنى إذ، أي إذ طائفة يظنون أن أمر محمد صلى الله عليه وسلم باطل، ~~وأنه لا ينصر. (ظن الجاهلية) أي ظن أهل الجاهلية، فحذف. (يقولون هل لنا من ~~الامر من شئ) لفظه استفهام ومعناه الجحد، أي ما لنا شئ من الامر، أي من أمر ~~الخروج، وإنما خرجنا كرها، يدل عليه قوله تعالى إخبارا عنهم: " لو كان لنا ~~من الامر شئ ما قتلنا ها هنا ". قال الزبير: # أرسل علينا النوم ذلك اليوم، وإني لاسمع قول معتب بن قشير والنعاس يغشاني ~~يقول: لو كان لنا من الامر شئ ما قلنا ها هنا. وقيل: المعنى يقول ليس لنا ~~من الظفر الذي وعدنا به محمد شئ. والله أعلم. # قوله تعالى: (قل إن الامر كله لله) قرأ أبو عمرو ويعقوب " كله " بالرفع ~~على الابتداء، ms1499 وخبره " لله "، والجملة خبر " إن ". وهو كقوله: " ويوم ~~القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة " [الزمر: 60] (2). ~~والباقون بالنصب، كما تقول: إن الامر أجمع لله. فهو توكيد، وهو بمعنى أجمع ~~في الإحاطة والعموم، وأجمع لا يكون إلا توكيدا. # وقيل: نعت للامر. وقال الأخفش: بدل، أي النصر بيد الله ينصر من يشاء ~~ويخذل من يشاء. وقال جويبر عن الضحاك عن ابن عباس في قوله " يظنون بالله ~~غير الحق ظن الجاهلية " يعني التكذيب بالقدر. وذلك أنهم تكلموا فيه، فقال ~~الله تعالى: " قل إن الامر كله لله " يعني القدر خيره وشره من الله. (يخفون ~~في أنفسهم) أي من الشرك # PageV04P242 # والكفر والتكذيب. (ما لا يبدون لك) يظهرون لك. # (يقولون لو كان لنا من الامر شئ ما قتلنا هاهنا) أي ما قتل عشائرنا. ~~فقيل: إن المنافقين قالوا لو كان لنا عقل ما خرجنا إلى قتال أهل مكة، ولما ~~قتل رؤساؤنا. فرد الله عليهم فقال: (قل لو كنتم في بيوتكم لبرز) أي لخرج. ~~(الذين كتب) أي فرض. (عليهم القتل) يعني في اللوح المحفوظ. # (إلى مضاجعهم) أي مصارعهم. وقيل: " كتب عليهم القتل " أي فرض عليهم ~~القتال، فعبر عنه بالقتل، لأنه قد يؤول إليه. وقرأ أبو حياة " لبرز " بضم ~~الباء وشد الراء، بمعنى يجعل يخرج. وقيل: لو تخلفتم أيها المنافقون لبرزتم ~~إلى موطن آخر غيره تصرعون فيه حتى يبتلي الله ما في الصدور ويظهره ~~للمؤمنين. والواو في قوله (وليبتلي) مقحمة كقوله: (وليكون من الموقنين " ~~[الانعام: 75] (1) أي ليكون، وحذف الفعل الذي مع لام كي. والتقدير (وليبتلي ~~الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم) فرض الله عليكم القتال والحرب ولم ~~ينصركم يوم أحد ليختبر صبركم وليمحص عنكم سيئاتكم إن تبتم وأخلصتم. وقيل: ~~معنى " ليبتلي " ليعاملكم معاملة المختبر. وقيل: ليقع منكم مشاهدة ما علمه ~~غيبا. وقيل: هو على حذف مضاف، والتقدير ليبتلي أولياء الله تعالى. وقد تقدم ~~معنى التمحيص. (والله عليم بذات الصدور) أي ما فيها من خير وشر. وقيل: ذات ~~الصدور هي الصدور، لان ذات الشئ نفسه. # قوله تعالى: ms1500 إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ~~ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم (155) قوله تعالى: ~~(إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا) هذه الجملة هي خبر " إن الذين تولوا ~~" والمراد من تولى عن المشركين يوم أحد، عن عمر رضي الله عنه وغيره. السدي: # يعني من هرب إلى المدينة في وقت الهزيمة دون من صعد الجبل. وقيل: هي في ~~قوم بأعيانهم تخلفوا عن النبي صلى الله عليه وسلم في وقت هزيمتهم ثلاثة ~~أيام ثم انصرفوا. ومعنى " استزلهم الشيطان " استدعى زللهم بأن ذكرهم خطايا ~~سلفت منهم، فكرهوا الثبوت لئلا يقتلوا. # PageV04P243 # وهو معنى " ببعض ما كسبوا " وقيل: " استزلهم " حملهم على الزلل، وهو ~~استفعل من الزلة وهي الخطيئة. وقيل: زل وأزل بمعنى واحد. ثم قيل: كرهوا ~~القتال قبل إخلاص التوبة، فإنما تولوا لهذا، وهذا على القول الأول. وعلى ~~الثاني بمعصيتهم النبي صلى الله عليه وسلم في تركهم المركز وميلهم إلى ~~الغنيمة. وقال الحسن: " ما كسبوا " قبولهم من إبليس ما وسوس إليهم. وقال ~~الكلبي: زين لهم الشيطان أعمالهم. وقيل: لم يكن الانهزام معصية، لأنهم ~~أرادوا التحصن بالمدينة، فيقطع العدو طمعه فيهم لما سمعوا أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قتل. ويجوز أن يقال: لم يسمعوا دعاء النبي صلى الله عليه ~~وسلم للهول الذي كانوا فيه. ويجوز أن يقال: زاد عدد العدو على الضعف، لأنهم ~~كانوا سبعمائة والعدو ثلاثة آلاف. # وعند هذا يجوز الانهزام ولكن الانهزام عن النبي صلى الله عليه وسلم خطأ ~~لا يجوز، ولعلهم توهموا أن النبي صلى الله عليه وسلم انحاز إلى الجبل أيضا. ~~وأحسنها الأول. وعلى الجملة فإن حمل الامر على ذنب محقق فقد عفا الله عنه، ~~وإن حمل على انهزام مسوغ فالآية فيمن أبعد في الهزيمة وزاد على القدر ~~المسوغ. وذكر أبو الليث السمرقندي نصر بن محمد بن إبراهيم قال: حدثنا ~~الخليل بن أحمد قال حدثنا السراج قال حدثنا قتيبة قال حدثنا أبو بكر بن ~~غيلان عن جرير: أن عثمان كان بينه وبين عبد ms1501 الرحمن بن عوف كلام، فقال له ~~عبد الرحمن بن عوف: أتسبني وقد شهدت بدرا ولم تشهد، وقد بايعت تحت شجرة ولم ~~تبايع، وقد كنت تولى مع من تولى يوم الجمع، يعني يوم أحد. فرد عليه عثمان ~~فقال: أما قولك: أنا شهدت بدرا ولم تشهد، فإني لم أغب عن شئ شهده رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، إلا أن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت مريضة ~~وكنت معها أمرضها، فضرب لي رسول الله صلى الله عليه وسلم سهما في سهام ~~المسلمين، وأما بيعة الشجرة فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثني ربيئة ~~على المشركين بمكة - الربيئة هو الناظر - فضرب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يمينه على شماله فقال: # (هذه لعثمان) فيمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وشماله خير لي من يميني ~~وشمالي. وأما يوم الجمع فقال الله تعالى: " ولقد عفا الله عنهم " فكنت فيمن ~~عفا الله عنهم. فحج (1) عثمان عبد الرحمن. # PageV04P244 # قلت: وهذا المعنى صحيح أيضا عن ابن عمر، كما في صحيح البخاري قال: حدثنا ~~عبدان أخبرنا أبو حمزة عن عثمان بن موهب قال: جاء رجل حج البيت فرأى قوما ~~جلوسا فقال: # من هؤلاء القعود؟ قالوا: هؤلاء قريش. قال: من الشيخ؟ قالوا: ابن عمر، ~~فأتاه فقال: # إني سائلك عن شئ أتحدثني؟ قال: أنشدك بحرمة هذا البيت، أتعلم أن عثمان بن ~~عفان فر يوم أحد؟ قال: نعم. قال: فتعلمه تغيب عن بدر فلم يشهدها؟ قال: نعم. ~~قال: # فتعلم أنه تخلف عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال نعم. قال: فكبر. قال ابن ~~عمر: تعال لأخبرك ولابين لك عما سألتني عنه، أما فراره يوم أحد فأشهد أن ~~الله عفا عنه. وأما تغيبه عن بدر فإنه كان تحته بنت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وكانت مريضة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم (إن لك أجر رجل ~~من شهد بدرا وسهمه). وأما تغيبه عن بيعة الرضوان فإنه لو كان أحد أعز ببطن ~~مكة من عثمان بن عفان لبعثه مكانه، ms1502 فبعث عثمان وكانت بيعة الرضوان بعد ما ~~ذهب عثمان إلى مكة، فقال (1) النبي صلى الله عليه وسلم بيده اليمنى: # (هذه يد عثمان) فضرب بها على يده (2) فقال: (هذه لعثمان). اذهب بهذا (3) ~~الان معك. # قلت: ونظير هذه الآية توبة الله على آدم عليه السلام. وقوله عليه السلام: ~~(فحج آدم موسى) أي غلبه بالحجة، وذلك أن موسى عليه السلام أراد توبيخ آدم ~~ولومه في إخراج نفسه وذريته من الجنة بسبب أكله من الشجرة، فقال له آدم: ~~(أفتلومني على أمر قدره الله تعالى علي قبل أن أخلق بأربعين سنة تاب علي ~~منه ومن تاب عليه فلا ذنب له ومن لا ذنب له لا يتوجه عليه لوم). وكذلك من ~~عفا الله عنه. وإنما كان هذا لاخباره تعالى بذلك، وخبره صدق. وغيرهما من ~~المذنبين التائبين يرجون رحمته ويخافون عذابه، فهم على وجل وخوف ألا تقبل ~~توبتهم، وإن قبلت فالخوف أغلب عليهم إذ لا علم لهم بذلك. فأعلم. # PageV04P245 # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لأخونهم ~~إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزي لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل ~~الله ذلك حسرة في قلوبهم والله يحيي ويميت والله بما تعملون بصير (156) ~~قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا) يعنى المنافقين. ~~(وقالوا لإخوانهم) يعني في النفاق أو في النسب في السرايا التي بعث النبي ~~صلى الله عليه وسلم إلى بئر معونة. (لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا) ~~فنهي المسلمون أن يقولوا مثل قولهم. وقوله: # (إذا ضربوا) هو لما مضى، أي إذ ضربوا، لان في الكلام معنى الشرط من حيث ~~كان " الذين " بهما غير موقت، فوقع " إذا " موقع " إذ " كما يقع الماضي في ~~الجزاء موضع المستقبل. ومعنى (ضربوا في الأرض) سافروا فيها وساروا لتجارة ~~أو غيرها فماتوا. # (أو كانوا غزى) غزاة فقتلوا. والغزى جمع منقوص لا يتغير لفظها في رفع ~~وخفض، وأحدهم غاز، كراكع وركع، وصائم وصوم، ونائم ونوم، وشاهد وشهد، وغائب ~~وغيب. ويجوز في الجمع غزاة مثل ms1503 قضاة، وغزاء بالمد مثل ضراب وصوام. ويقال: ~~غزى (1) جمع الغزاة. # قال الشاعر (2). # * قل للقوافل والغزى إذا غزوا * وروي عن الزهري أنه قرأه " غزى " ~~بالتخفيف. والمغزية المرأة التي غرا زوجها. # وأتان مغزية متأخرة النتاج ثم تنتج. وأغزت الناقة إذا عسر لقاحها. والغزو ~~قصد الشئ. # والمغزى المقصد. ويقال في النسب إلى الغزو: غزوي. # PageV04P246 # قوله تعالى: (ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم) يعني ظنهم وقولهم. واللام ~~متعلقة بقوله " قالوا " أي ليجعل ظنهم أنهم لو لم يخرجوا ما قتلوا. " حسرة ~~" أي ندامة " في قلوبهم ". والحسرة الاهتمام على فائت لم يقدر بلوغه، قال ~~الشاعر: # فواحسرتي لم أقض منها لبانتي * ولم أتمتع بالجوار وبالقرب وقيل: هي ~~متعلقة بمحذوف. والمعنى: لا تكونوا مثلهم " ليجعل الله ذلك " القول " حسرة ~~في قلوبهم " لأنهم ظهر نفاقهم. وقيل: المعنى لا تصدقوهم ولا تلتفتوا إليهم، ~~فكان ذلك حسرة في قلوبهم. وقيل: " ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم " يوم ~~القيامة لما هم فيه من الخزي والندامة، ولما فيه المسلمون من النعيم ~~والكرامة. # قوله تعالى: (والله يحيى ويميت) أي يقدر على أن يحيي من يخرج إلى القتال، ~~ويميت من أقام في أهله. (والله بما تعملون بصير) قرئ بالياء والتاء. ثم ~~أخبر تعالى أن القتل في سبيل الله والموت فيه خير من جميع الدنيا. # قوله تعالى: ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير ~~مما يجمعون (157) ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون (158) جواب الجزاء ~~محذوف، استغني عنه بجواب القسم في قوله: (لمغفرة من الله ورحمة) وكان ~~الاستغناء بجواب القسم أولى، لان له صدر الكلام، ومعناه ليغفرن لكم. وأهل ~~الحجاز يقولون: متم، بكسر الميم مثل نمتم، من مات يمات مثل خفت يخاف. وسفلى ~~مضر يقولون: متم، بضم الميم مثل صمتم، من مات يموت. كقولك كان يكون، وقال ~~يقول. # هذا قول الكوفيين وهو حسن. وقوله: (لإلى الله تحشرون) وعظ. وعظهم الله ~~بهذا القول، أي لا تفروا من القتال ومما أمركم به، بل فروا من عقابه وأليم ~~عذابه، فإن مردكم إليه لا يملك ms1504 لكم أحد ضرا ولا نفعا غيره. والله سبحانه ~~وتعالى أعلم. PageV04P247 # قوله تعلى: فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لا نفضوا ~~من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الامر فإذا عزمت فتوكل على الله ~~إن الله يحب المتوكلين (159) " ما " صلة فيها معنى التأكيد، أي فبرحمة، ~~كقوله: " عما قليل " [المؤمنون: 40] (1) " فبما نقضهم ميثاقهم " [النساء: ~~155] (2) " جند ما هنالك مهزوم " [ص: 11] (3). وليست بزائدة على الاطلاق، ~~وإنما أطلق عليها سيبويه معنى الزيادة من حيث زال عملها. ابن كيسان: " ما " ~~نكرة في موضع جر بالباء (ورحمة) بدل منها. ومعنى الآية: أنه عليه السلام ~~لما رفق بمن تولى يوم أحد ولم يعنفهم بين الرب تعالى أنه إنما فعل ذلك ~~بتوفيق الله تعالى إياه. وقيل: " ما " استفهام. والمعنى: # فبأي رحمة من الله لنت لهم، فهو تعجيب. وفيه بعد، لأنه لو كان كذلك لكان ~~" فبم " بغير ألف. (لنت) من لان يلين لينا وليانا بالفتح. والفظ الغليظ ~~الجافي. فظظت تفظ فظاظة وفظاظا فأنت فظ. والأنثى فظة والجمع أفظاظ. وفي صفة ~~النبي عليه السلام ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق وأنشد المفضل في ~~المذكر: # وليس بفظ في الأداني والأولى * يؤمون جدواه ولكنه سهل وفظ على أعدائه ~~يحذرونه * فسطوته حتف ونائله جزل وقال آخر في المؤنث: # أموت من الضر في منزلي * وغيري يموت من الكظه (4) ودنيا تجود على ~~الجاهلين * وهي على ذي النهى فظه وغلظ القلب عبارة عن تجهم الوجه، وقلة ~~الانفعال في الرغائب، وقلة الاشفاق والرحمة، ومن ذلك قول الشاعر: # يبكى علينا ولا نبكي على أحد؟ * لنحن أغلظ أكبادا من الإبل # PageV04P248 # ومعنى (لانفضوا) لتفرقوا، فضضتهم فانفضوا، أي فرقتهم فتفرقوا، ومن ذلك ~~قول أبي النجم يصف إبلا: # مستعجلات القيض (1) غير جرد (2) * ينفض عنهن الحصى بالصمد (3) وأصل الفض ~~الكسر، ومنه قولهم: لا يفضض الله فاك. والمعنى: يا محمد لولا رفقك لمنعهم ~~الاحتشام والهيبة من القرب منك بعد ما كان من توليهم. # قوله تعالى: (فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الامر) الأولى - قال ~~العلماء: أمر الله ms1505 تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بهذه الأوامر التي هي ~~بتدريج بليغ، وذلك أنه أمره بأن يعفو عنهم ما له في خاصته عليهم من تبعة، ~~فلما صاروا في هذه الدرجة أمره أن يستغفر فيما لله عليهم من تبعة أيضا، ~~فإذا صاروا في هذه الدرجة صاروا أهلا للاستشارة في الأمور. قال أهل اللغة: ~~الاستشارة مأخوذة من قول العرب: # شرت الدابة وشورتها إذا علمت خبرها بجري أو غيره. ويقال للموضع الذي تركض ~~فيه: # مشوار. وقد يكون من قولهم: شرت العسل واشترته فهو مشور ومشتار إذا أخذته ~~من موضعه، قال عدي بن زيد في سماع يأذن الشيخ له * وحديث مثل ماذي مشار (4) ~~الثانية - قال ابن عطية: والشورى من قواعد الشريعة وعزائم الاحكام، من لا ~~يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب. هذا ما لا خلاف فيه. وقد مدح الله ~~المؤمنين بقوله: " وأمرهم شورى بينهم " [الشورى: 38] (5). قال أعرابي: ما ~~غبنت قط حتى يغبن قومي، قيل: # PageV04P249 # وكيف ذلك؟ قال لا أفعل شيئا حتى أشاورهم. وقال ابن خويز منداد: واجب على ~~الولاة مشاورة العلماء فيما لا يعلمون، وفيما أشكل عليهم من أمور الدين، ~~ووجوه الجيش فيما يتعلق بالحرب، ووجوه الناس فيما يتعلق بالمصالح، ووجوه ~~الكتاب والوزراء والعمال فيما يتعلق بمصالح البلاد وعمارتها. وكان يقال: ما ~~ندم من استشار (1). وكان يقال: من أعجب برأيه ضل. # الثالثة - قوله تعالى: (وشاورهم في الامر) يدل على جواز الاجتهاد في ~~الأمور والاخذ بالظنون مع إمكان الوحي، فإن الله أذن لرسوله صلى الله عليه ~~وسلم في ذلك. # واختلف أهل التأويل في المعنى الذي أمر الله نبيه عليه السلام أن يشاور ~~فيه أصحابه، فقالت طائفة: ذلك في مكائد الحروب، وعند لقاء العدو، وتطييبا ~~لنفوسهم، ورفعا لأقدارهم، وتألفا على دينهم، وإن كان الله تعالى قد أغناه ~~عن رأيهم بوحيه. روي هذا عن قتادة والربيع وابن إسحاق والشافعي. قال ~~الشافعي: هو كقوله (والبكر تستأمر) تطيبا لقلبها، لا أنه واجب. وقال مقاتل ~~وقتادة والربيع: كانت سادات العرب إذا لم يشاوروا في الامر شق عليهم: فأمر ~~الله تعالى، ms1506 نبيه عليه السلام أن يشاورهم في الامر: فإن ذلك أعطف لهم عليه ~~وأذهب لاضغانهم، وأطيب لنفوسهم. فإذا شاورهم عرفوا إكرامه لهم. وقال آخرون: ~~ذلك فيما لم يأته فيه وحي. روي ذلك عن الحسن البصري والضحاك قالا: ما أمر ~~الله تعالى نبيه بالمشاورة لحاجة منه إلى رأيهم، وإنما أراد أن يعلمهم ما ~~في المشاورة من الفضل، ولتقتدي به أمته من بعده. وفي قراءة ابن عباس: " ~~وشاورهم في بعض الامر " ولقد أحسن القائل: # شاور صديقك في الخفي المشكل * واقبل نصيحة ناصح متفضل: # فالله قد أوصى بذاك نبيه * في قوله: (شاورهم) و (توكل) الرابعة - جاء في ~~مصنف أبي داود عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~(المستشار مؤتمن). قال العلماء: وصفة المستشار إن كان في الاحكام أن # PageV04P250 # يكون عالما دينا، وقلما يكون ذلك إلا في عاقل. قال الحسن: ما كمل دين ~~امرئ ما لم يكمل عقله. فإذا استشير من هذه صفته واجتهد في الصلاح وبذل جهده ~~فوقعت الإشارة خطأ فلا غرامة عليه، قاله الخطابي وغيره. # الخامسة - وصفة المستشار في أمور الدنيا أن يكون عاقلا مجربا وادا في ~~المستشير. قال: # شاور صديقك في الخفي المشكل * وقد تقدم. وقال آخر: # وإن باب أمر عليك التوى * فشاور لبيبا ولا تعصه في أبيات (1). والشورى ~~بركة. وقال عليه السلام: (ما ندم من استشار ولا خاب من استخار). وروى سهل ~~بن سعد الساعدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (ما شقي قط عبد بمشورة وما ~~سعد باستغناء رأي). وقال بعضهم: شاور من جرب الأمور، فإنه يعطيك من رأيه ما ~~وقع عليه غاليا وأنت تأخذه مجانا. وقد جعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~الخلافة - وهي أعظم النوازل - شورى. قال البخاري: وكانت الأئمة بعد النبي ~~صلى الله عليه وسلم يستشيرون الامناء من أهل العلم في الأمور المباحة ~~ليأخذوا بأسهلها. وقال سفيان الثوري: ليكن أهل مشورتك أهل التقوى والأمانة، ~~ومن يخشى الله تعالى. وقال الحسن: # والله ما تشاور قوم بينهم إلا هداهم لافضل ما يحضر (2) بهم. ms1507 وروي عن علي ~~بن أبي طالب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من ~~قوم كانت لهم مشورة فحضر معهم من اسمه أحمد أو محمد فأدخلوه في مشورتهم إلا ~~خير لهم). # PageV04P251 # السادسة - والشورى مبنية على اختلاف الآراء، والمستشير ينظر في ذلك ~~الخلاف، وينظر أقربها قولا إلى الكتاب والسنة إن أمكنه، فإذا أرشده الله ~~تعالى إلى ما شاء منه عزم عليه وأنفذه متوكلا عليه، إذ هذه غاية الاجتهاد ~~المطلوب، وبهذا أمر الله تعالى نبيه في هذه الآية. # السابعة - قوله تعالى: (فإذا عزمت فتوكل على الله) قال قتادة: أمر الله ~~تعالى نبيه عليه السلام إذا عزم على أمر أن يمضي فيه ويتوكل على الله، لا ~~على مشاورتهم. والعزم هو الامر المروى المنقح، وليس ركوب الرأي دون روية ~~عزما، إلا على مقطع المشيحين من فتاك العرب، كما قال (1): # إذا هم ألقى بين عينيه عزمه * ونكب عن ذكر العواقب جانبا ولم يستشر في ~~رأيه غير نفسه * ولم يرض إلا قائم السيف صاحبا وقال النقاش: العزم والحزم ~~واحد، والحاء مبدلة من العين. قال ابن عطية: وهذا خطأ، فالحزم جودة النظر ~~في الامر وتنقيحه والحذر من الخطأ فيه. والعزم قصد الامضاء، والله تعالى ~~يقول: " وشاورهم في الامر فإذا عزمت ". فالمشاورة وما كان في معناها هو ~~الحزم. # والعرب تقول: قد أحزم لو أعزم (2). وقرأ جعفر الصادق وجابر بن زيد: " ~~فإذا عزمت " بضم التاء. نسب العزم إلى نفسه سبحانه إذ هو بهدايته وتوفيقه، ~~كما قال: " وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى " [الأنفال: 17] (3). ومعنى ~~الكلام أي عزمت لك ووفقتك وأرشدتك " فتوكل على الله ". والباقون بفتح ~~التاء. قال المهلب: وامتثل هذا النبي صلى الله عليه وسلم من أمر ربه فقال: ~~(لا ينبغي لنبي يلبس لامته (4) أن يضعها حتى يحكم الله). أي ليس ينبغي له ~~إذا عزم أن ينصرف، لأنه نقض للتوكل الذي شرطه الله عز وجل مع العزيمة. # فلبسه لامته صلى الله عليه وسلم حين أشار عليه بالخروج يوم أحد من أكرمه ~~الله بالشهادة ms1508 فيه، وهم صلحاء المؤمنين ممن كان فاتته بدر: يا رسول الله ~~اخرج بنا إلى عدونا، دال على العزيمة. وكان # PageV04P252 # صلى الله عليه وسلم أشار بالقعود، وكذلك عبد الله بن أبي أشار بذلك وقال: ~~أقم يا رسول الله ولا تخرج إليهم بالناس، فإن هم أقاموا أقاموا بشر مجلس، ~~وإن جاؤونا إلى المدينة قاتلناهم في الأفنية وأفواه السكك، ورماهم النساء ~~والصبيان بالحجارة من الآطام (1)، فوالله ما حاربنا قط عدو في هذه المدينة ~~إلا غلبناه، ولا خرجنا منها إلى عدو إلا غلبنا. وأبى هذا الرأي من ذكرنا، ~~وشجعوا الناس ودعوا إلى الحرب. فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة، ~~ودخل إثر صلاته بيته ولبس سلاحه، فندم أولئك القوم وقالوا: أكرهنا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فلما خرج عليهم في سلاحه قالوا: يا رسول الله، ~~أقم إن شئت فإنا لا نريد أن نكرهك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا ~~ينبغي لنبي إذا لبس سلاحه أن يضعها حتى يقاتل). # الثامنة - قوله تعالى: (فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين) التوكل: ~~الاعتماد على الله مع إظهار العجز، والاسم التكلان. يقال منه: اتكلت عليه ~~في أمري، وأصله: # " أو تكلت " قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، ثم أبدلت منها التاء ~~وأدغمت في تاء الافتعال. # ويقال: وكلته بأمري توكيلا، والاسم الوكالة بكسر الواو وفتحها. واختلف ~~العلماء في التوكل، فقالت طائفة من المتصوفة: لا يستحقه إلا من لم يخالط ~~قلبه خوف غير الله من سبع أو غيره، وحتى يترك السعي في طلب الرزق لضمان ~~الله تعالى. # وقال عامة الفقهاء: ما تقدم ذكره عند قوله تعالى: (وعلى الله فليتوكل ~~المؤمنون) [آل عمران: 160] (2). وهو الصحيح كما بيناه. وقد خاف موسى وهارون ~~بإخبار الله تعالى عنهما في قوله " لا تخافا " (3). # وقال: " فأوجس في نفسه خيفة موسى قلنا لا تخف " [طه: 67 - 68] (3). وأخبر ~~عن إبراهيم بقوله: " فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة ~~قالوا لا تخف " [هود: 70] (4). فإذا كان الخليل وموسى والكليم قد خافا - ~~وحسبك بهما - فغيرهما أولى. ms1509 وسيأتي بيان هذا المعنى. # قوله تعالى: إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم ~~من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون (160) # PageV04P253 # قوله تعالى: (إن ينصركم الله فلا غالب لكم) أي عليه توكلوا فإنه إن يعنكم ~~ويمنعكم من عدوكم لن تغلبوا.. (وإن يخذلكم) يترككم من معونته. (فمن ذا الذي ~~ينصركم من بعده) أي لا ينصركم أحد من بعده، أي من بعد خذلانه إياكم، لأنه ~~قال: " وإن يخذلكم " والخذلان ترك العون. والمخذول: المتروك لا يعبأ به. ~~وخذلت الوحشية أقامت على ولدها في المرعى وتركت صواحباتها، فهي خذول. قال ~~طرفة: # خذول تراعي ربربا بخميلة * تناول أطراف البرير وترتدي (1) وقال أيضا: # نظرت إليك بعين جارية * خذلت صواحبها على طفل وقيل: هذا من المقلوب، ~~لأنها هي المخذولة إذا تركت. وتخاذلت رجلاه إذا ضعفتا. قال: # وخذول الرجل من غير كسح (2) ورجل خذلة للذي لا يزال يخذل. والله أعلم. # قوله تعالى: وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيمة ثم توفى ~~كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون (161) فيه إحدى عشرة مسألة: # الأولى - لما أخل الرماة يوم أحد بمراكزهم - على ما تقدم - خوفا من أن ~~يستولي المسلمون على الغنيمة فلا يصرف إليهم شئ، بين الله سبحانه أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لا يجور في القسمة، فما كان من حقكم أن تتهموه. وقال ~~الضحاك: بل السبب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث طلائع في بعض غزواته ~~ثم غنم قبل مجيئهم، فقسم للناس ولم يقسم للطلائع، فأنزل الله عليه عتابا: " ~~وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل " أي يقسم لبعض ويترك بعضا. # وروي نحو هذا القول عن ابن عباس. وقال ابن عباس أيضا وعكرمة وابن جبير ~~وغيرهم: # PageV04P254 # نزلت بسبب قطيفة حمراء فقدت في المغانم يوم بدر، فقال بعض من كان مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم: لعل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أخذها، ~~فنزلت الآية أخرجه أبو داود والترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب. قال ابن ~~عطية: ms1510 قيل كانت هذه المقالة من مؤمنين لم يظنوا أن في ذلك حرجا. وقيل: كانت ~~من المنافقين. وقد روي أن المفقود كان سيفا. # وهذه الأقوال تخرج على قراءة " يغل " بفتح الياء وضم الغين. وروى أبو صخر ~~عن محمد بن كعب " وما كان لنبي أن يغل " قال: تقول وما كان لنبي أن يكتم ~~شيئا من كتاب الله. وقيل: اللام فيه منقولة، أي وما كان نبي ليغل، كقوله: " ~~ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه " [مريم: 35] (1). أي ما كان الله ليتخذ ~~ولدا. وقرئ " يغل " بضم الياء وفتح الغين. وقال ابن السكيت: [لم نسمع في ~~المغنم إلا غل غلولا، وقرئ (2) و] ما كان لنبي أن يغل ويغل. قال: فمعنى " ~~يغل " يخون، ومعنى " يغل " يخون، ويحتمل معنيين: أحدهما يخان أي يؤخذ من ~~غنيمته، والاخر يخون أن ينسب إلى الغلول: ثم قيل: إن كل من غل شيئا في خفاء ~~فقد غل يغل غلولا: قال ابن عرفة: # سميت غلولا لان الأيدي مغلولة منها، أي ممنوعة. وقال أبو عبيد: الغلول من ~~المغنم خاصة، ولا نراه من الخيانة ولا من الحقد. ومما يبين ذلك أنه يقال من ~~الخيانة: أغل يغل، ومن الحقد: غل يغل بالكسر، ومن الغلول: غل يغل بالضم. ~~وغل البعير أيضا [يغل غلة] (3) إذا لم يقض ريه وأغل الرجل خان، قال النمر: # جزى الله عنا حمزة (4) ابنة نوفل * جزاء مغل بالأمانة كاذب وفي الحديث: ~~(لا إغلال ولا إسلال) أي لا خيانة ولا سرقة، ويقال: لا رشوة. وقال شريح: # ليس على المستعير غير المغل ضمان. وقال صلى الله عليه وسلم: (ثلاث لا يغل ~~عليهن قلب مؤمن) من رواه بالفتح (5) فهو من الضغن. وغل [دخل] (3) يتعدى ولا ~~يتعدى، يقال: # PageV04P255 # غل فلان المفاوز، أي دخلها وتوسطها. وغل من المغنم غلولا، أي خان. وغل ~~الماء بين الأشجار إذا جرى فيها، يغل بالضم (1) في جميع ذلك. وقيل: الغلول ~~في اللغة أن يأخذ من المغنم شيئا يستره عن أصحابه، ومنه تغلغل الماء في ~~الشجر إذا تخللها. والغلل: الماء الجاري في أصول الشجر، ms1511 لأنه مستتر ~~بالأشجار، كما قال (2): # لعب السيول به فأصبح ماؤه * غللا يقطع في أصول الخروع ومنه الغلالة للثوب ~~الذي يلبس تحت الثياب. والغال: أرض مطمئنة ذات شجر. ومنابت السلم (3) ~~والطلح يقال لها: غال. والغال أيضا نبت، والجمع غلان بالضم. وقال بعض ~~الناس: # إن معنى " يغل " يوجد غالا، كما تقول: أحمدت الرجل وجدته محمودا. فهذه ~~القراءة على هذا التأويل ترجع إلى معنى " يغل " بفتح الياء وضم الغين. ~~ومعنى " يغل " عند جمهور أهل العلم أي ليس لأحد أن يغله، أي يخونه في ~~الغنيمة. فالآية في معنى نهي الناس عن الغلول في الغنائم، والتوعد عليه. ~~وكما لا يجوز أن يخان النبي صلى الله عليه وسلم لا يجوز أن يخان غيره، ولكن ~~خصه بالذكر لان الخيانة معه أشد وقعا وأعظم وزرا، لان المعاصي تعظم بحضرته ~~لتعين توقيره. والولاة إنما هم على أمر النبي صلى الله عليه وسلم فلهم حظهم ~~من التوقير. # وقيل: معنى " يغل " أي ما غل نبي قط، وليس الغرض النهي. # الثانية - قوله تعالى: (ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة) أي يأتي به ~~حاملا له على ظهره ورقبته، معذبا بحمله وثقله، ومرعوبا بصوته، وموبخا ~~بإظهار خيانته على رؤوس الاشهاد، على ما يأتي. وهذه الفضيحة التي يوقعها ~~الله تعالى بالغال نظير الفضيحة التي توقع بالغادر، في أن ينصب له لواء عند ~~أسته بقدر غدرته. وجعل الله تعالى هذه المعاقبات حسبما يعهده البشر ~~ويفهمونه، ألا ترى إلى قول الشاعر: # أسمي ويحك هل سمعت بغدرة * رفع اللواء لنا بها في المجمع # PageV04P256 # وكانت العرب ترفع للغادر لواء، وكذلك يطاف بالجاني مع جنايته. وفي صحيح ~~مسلم عن أبي هريرة قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ~~فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره ثم قال: (لا ألفين أحدكم يجئ يوم القيامة علي ~~رقبته بعير له رغاء يقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد ~~أبلغتك لا ألفين أحدكم يجئ يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة (1) فيقول ~~يا رسول الله أغثني فأقول ms1512 لا أملك لك شيئا قد أبلغتك لا ألفين أحدكم يجئ ~~يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء يقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك ~~لك شيئا قد أبلغتك لا ألفين أحدكم يجئ يوم القيامة على رقبته نفس لها صياح ~~فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك لا ألفين أحدكم ~~يجئ يوم القيامة على رقبته رقاع (2) تخفق فيقول يا رسول الله أغثني فأقول ~~لا أملك لك شيئا قد أبلغتك لا ألفين أحدكم يجئ يوم القيامة على رقبته صامت ~~(3) فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك) وروى أبو ~~داود عن سمرة (4) بن جندب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أصاب ~~غنيمة أمر بلالا فنادى في الناس فيجيئون بغنائمهم فيخمسه ويقسمه، فجاء رجل ~~يوما بعد النداء بزمام من الشعر فقال: يا رسول الله هذا كان فيما أصبناه من ~~الغنيمة. فقال: (أسمعت بلالا ينادي ثلاثا)؟ قال: نعم. قال: (فما منعك أن ~~تجئ به)؟ فاعتذر إليه. فقال: (كلا (5) أنت تجئ به يوم القيامة فلن أقبله ~~منك). قال بعض العلماء: أراد يوافي بوزر ذلك يوم القيامة، كما قال في آية ~~أخرى: " وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون " [الانعام: 31] ~~(6). وقيل: الخبر محمول على شهرة الامر، أي يأتي يوم القيامة قد شهر الله ~~أمره كما يشهر لو حمل بعيرا له رغاء أو فرسا له حمحمة. # قلت: وهذا عدول عن الحقيقة إلى المجاز والتشبيه، وإذا دار الكلام بين ~~الحقيقة والمجاز فالحقيقة الأصل كما في كتب الأصول. وقد أخبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم بالحقيقة، # PageV04P257 # ولا عطر بعد عروس. ويقال: إن من غل شيئا في الدنيا يمثل له يوم القيامة ~~في النار، ثم يقال له: انزل إليه فخذه، فيهبط إليه، فإذا انتهى إليه حمله، ~~حتى إذا انتهى إلى الباب سقط عنه إلى أسفل جهنم، فيرجع إليه فيأخذه، لا ~~يزال هكذا إلى ما شاء الله. ويقال " يأت بما غل " يعني تشهد عليه يوم ~~القيامة ms1513 تلك الخيانة والغلول. # الثالثة - قال العلماء: والغلول كبيرة من الكبائر، بدليل هذه الآية وما ~~ذكرناه من حديث أبي هريرة: أنه يحمله على عنقه. وقد قال صلى الله عليه وسلم ~~في مدعم (1): (والذي نفسي بيده أن الشملة التي أخذ يوم خيبر من المغانم لم ~~تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا) قال: فلما سمع الناس ذلك جاء رجل بشراك أو ~~شراكين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: (شراك أو شراكان من نار). أخرجه الموطأ. فقوله عليه السلام: (والذي ~~نفسي بيده) وامتناعه من الصلاة على من غل دليل على تعظيم الغلول وتعظيم ~~الذنب فيه وأنه من الكبائر، وهو من حقوق الآدميين ولابد فيه من القصاص ~~بالحسنات والسيئات، ثم صاحبه في المشيئة. وقوله: (شراك أو شراكان من نار) ~~مثل قوله: (أدوا الخياط (2) والمخيط). وهذا يدل على أن القليل والكثير لا ~~يحل أخذه في الغزو قبل المقاسم، إلا ما أجمعوا عليه من أكل المطاعم (3) في ~~أرض الغزو ومن الاحتطاب والاصطياد. وقد روي عن الزهري أنه قال: لا يؤخذ ~~الطعام في أرض العدو إلا بإذن الامام. وهذا لا أصل له، لان الآثار تخالفه، ~~على ما يأتي. قال الحسن: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~افتتحوا المدينة أو الحصن أكلوا من السويق والدقيق والسمن والعسل. وقال ~~إبراهيم: كانوا يأكلون من أرض العدو الطعام في أرض الحرب ويعلفون قبل أن ~~يخمسوا. وقال عطاء: # في الغزاة يكونون في السرية فيصيبون أنحاء (4) السمن والعسل والطعام ~~فيأكلون، وما بقي ردوه إلى إمامهم، وعلى هذا جماعة العلماء. # PageV04P258 # الرابعة: وفي هذا الحديث دليل على أن الغال لا يحرق متاعه، لان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لم يحرق متاع (1) الرجل الذي أخذ الشملة، ولا أحرق متاع ~~صاحب الخرزات (2) الذي ترك الصلاة عليه، ولو كان حرق متاعه واجبا لفعله صلى ~~الله عليه وسلم، ولو فعله لنقل ذلك في الحديث. وأما ما روي عن عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه ms1514 وسلم قال: # (إذا وجدتم الرجل قد غل فأحرقوا متاعه واضربوه). فرواه أبو داود والترمذي ~~من حديث صالح بن محمد بن زائدة، وهو ضعيف لا يحتج به. قال الترمذي: سألت ~~محمدا - يعني البخاري - عن هذا الحديث فقال: إنما روى هذا صالح بن محمد وهو ~~أبو واقد الليثي وهو منكر الحديث. # وروى أبو داود أيضا عنه قال: غزونا مع الوليد بن هشام ومعنا سالم بن عبد ~~الله بن عمر وعمر بن عبد العزيز، فغل رجل متاعا فأمر الوليد بمتاعه فأحرق، ~~وطيف به ولم يعطه سهمه. قال أبو داود: وهذا أصح الحديثين. وروي من حديث ~~عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر ~~وعمر حرقوا متاع الغال وضربوه. قال أبو داود: # وزاد فيه علي بن بحر عن الوليد - ولم أسمعه منه -: ومنعوه سهمه. قال أبو ~~عمر: قال بعض رواة هذا الحديث: واضربوا عنقه وأحرقوا متاعه. وهذا الحديث ~~يدور على صالح ابن محمد وليس ممن يحتج به. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث) وهو ينفي القتل في ~~الغلول. وروى ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: (ليس على الخائن ولا على المنتهب ولا على المختلس قطع). وهذا يعارض ~~حديث صالح بن محمد وهو أقوى من جهة الاسناد. والغال خائن في اللغة والشريعة ~~وإذا انتفى عنه القطع فأحرى القتل. وقال الطحاوي: لو صح حديث صالح المذكور ~~احتمل أن يكون حين كانت العقوبات في الأموال، كما قال في مانع # PageV04P259 # الزكاة: (إنا آخذوها وشطر ماله، عزمة من عزمات الله تعالى) (1). وكما قال ~~أبو هريرة في ضالة الإبل المكتومة: فيها غرامتها ومثله معها. وكما روى عبد ~~الله بن عمرو بن العاص في الثمر المعلق غرامة مثليه وجلدات نكال. وهذا كله ~~منسوخ، والله أعلم. # الخامسة - فإذا غل الرجل في المغنم ووجد أخذ منه، وأدب وعوقب بالتعزير. # وعند مالك والشافعي وأبي حنيفة وأصحابهم ms1515 والليث: لا يحرق متاعه. وقال ~~الشافعي والليث وداود: إن كان عالما بالنهي عوقب. وقال الأوزاعي: يحرق متاع ~~الغال كله إلا سلاحه وثيابه التي عليه وسرجه، ولا تنزع منه دابته، ولا يحرق ~~الشئ الذي غل. وهذا قول أحمد وإسحاق، وقاله الحسن، إلا أن يكون حيوانا أو ~~مصحفا. وقال ابن خويز منداد: # وروي أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما ضربا الغال وأحرقا متاعه. قال ابن ~~عبد البر: وممن قال يحرق رحل الغال ومتاعه مكحول وسعيد بن عبد العزيز. وحجة ~~من ذهب إلى هذا حديث صالح المذكور. وهو عندنا حديث لا يجب به انتهاك حرمة، ~~ولا إنفاذ حكم، لما يعارضه من الآثار التي هي أقوى منه. وما ذهب إليه مالك ~~ومن تابعه من هذه المسألة أصح من جهة النظر وصحيح الأثر. والله أعلم. # السادسة - لم يختلف مذهب مالك في العقوبة على البدن، فأما في المال فقال ~~في الذمي يبيع الخمر من المسلم: تراق الخمر على المسلم، وينزع الثمن من ~~الذمي عقوبة له، لئلا يبيع الخمر من المسلمين. فعلى هذا يجوز أن يقال: تجوز ~~العقوبة في المال. وقد أراق عمر رضي الله عنه لبنا شيب بماء. # السابعة أجمع العلماء على أن للغال أن يرد جميع ما غل إلى صاحب المقاسم ~~قبل أن يفترق الناس إن وجد السبيل إلى ذلك، وإنه إذا فعل ذلك فهي توبة له، ~~وخروج عن ذنبه. # PageV04P260 # واختلفوا فيما يفعل به إذا افترق أهل العسكر ولم يصل إليه، فقال جماعة من ~~أهل العلم: يدفع إلى الامام خمسه ويتصدق بالباقي. هذا مذهب الزهري ومالك ~~والأوزاعي والليث والثوري، وروي عن عبادة بن الصامت ومعاوية والحسن البصري. ~~وهو يشبه مذهب ابن مسعود وابن عباس، لأنهما كانا يريان أن يتصدق بالمال ~~الذي لا يعرف صاحبه، وهو مذهب أحمد ابن حنبل. وقال الشافعي: ليس له الصدقة ~~بمال غيره. قال أبو عمر: فهذا عندي فيما يمكن وجود صاحبه والوصول إليه أو ~~إلى ورثته، وأما إن لم يكن شئ من ذلك فإن الشافعي لا يكره الصدقة حينئذ إن ms1516 ~~شاء الله. وقد أجمعوا في اللقطة على جواز الصدقة بها بعد التعريف لها ~~وانقطاع صاحبها، وجعلوه إذا جاء - مخيرا بين الاجر والضمان، وكذلك المغصوب. ~~وبالله التوفيق. وفي تحريم الغلول دليل على اشتراك الغانمين في الغنيمة، ~~فلا يحل لاحد أن يستأثر بشئ منها دون الاخر، فمن غصب شيئا منها أدب اتفاقا، ~~على ما تقدم. # الثامنة - وإن وطئ جارية أو سرق نصابا فاختلف العلماء في إقامة الحد ~~عليه، فرأى جماعة أنه لا قطع عليه. # التاسعة - ومن الغلول هدايا العمال، وحكمه في الفضيحة في الآخرة حكم ~~الغال. روى أبو داود في سننه ومسلم في صحيحه عن أبي حميد الساعدي أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا من الأزد يقال له ابن اللتبية (1) [قال ابن ~~السرح ابن الأتبية] (2) على الصدقة، فجاء فقال: # هذا لكم وهذا أهدي لي. فقام النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر فحمد ~~الله وأثنى عليه وقال: (ما بال العامل نبعثه فيجئ فيقول هذا لكم وهذا أهدي ~~لي ألا جلس في بيت أمه أو أبيه فينظر أيهدى إليه أم لا، لا يأتي أحد منكم ~~بشئ من ذلك إلا جاء به يوم القيامة إن كان بعيرا فله رغاء وإن كانت بقرة ~~فلها خوار أو شاة تيعر) (3) - ثم رفع يديه حتى رأينا عفرتي (4) إبطيه ثم ~~قال: - (اللهم هل بلغت اللهم هل بلغت). وروى أبو داود عن بريدة عن النبي # PageV04P261 # صلى الله عليه وسلم قال: (من استعملناه على عمل فرزقناه رزقا فما أخذ بعد ~~ذلك فهو غلول). # وروى أيضا عن أبي مسعود الأنصاري قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ساعيا ثم قال: (انطلق أبا مسعود ولا ألفينك يوم القيامة تأتي على ظهرك ~~بعير من إبل الصدقة له رغاء قد غللته). قال: إذا لا أنطلق. قال: (إذا لا ~~أكرهك). وقد قيد هذه الأحاديث ما رواه أبو داود أيضا عن المستورد بن شداد ~~قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: # (من كان لنا عاملا فليكتسب (1) زوجة فإن لم يكن له خادم فليكتسب ms1517 خادما ~~فإن لم يكن له مسكن فليكتسب مسكنا). قال فقال أبو بكر: أخبرت أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: # (من اتخذ غير ذلك فهو غال سارق). والله أعلم. # العاشرة - ومن الغلول حبس الكتب عن أصحابها، ويدخل غيرها في معناها. قال ~~الزهري: إياك وغلول الكتب. فقيل له: وما غلول الكتب؟ قال: حبسها عن ~~أصحابها. # وقد قيل في تأويل قوله تعالى: " وما كان لنبي أن يغل " أن يكتم شيئا من ~~الوحي رغبة أو رهبة أو مداهنة. وذلك أنهم كانوا يكرهون ما في القرآن من عيب ~~دينهم وسب آلهتهم، فسألوه أن يطوي ذلك، فأنزل الله هذه الآية، قاله محمد بن ~~بشار (2). وما بدأنا به قول الجمهور. # الحادية عشرة - قوله تعالى: (ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون) تقدم ~~القول فيه (3). # قوله تعالى أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله ومأواه جهنم وبئس ~~المصير (162) هم درجت عند الله والله بصير بما يعملون (163) قوله تعالى: ~~(أفمن اتبع رضوان الله) يريد بترك الغلول والصبر على الجهاد. # (كمن باء بسخط من الله) يريد بكفر أو غلول أو تول عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم في الحرب. (ومأواه جهنم) أي مثواه النار، أي إن لم يتب أو يعفو الله ~~عنه. (وبئس المصير) أي المرجع. وقرئ # PageV04P262 # رضوان بكسر الراء وضمها كالعدوان [والعدوان] (1). ثم قال تعالى: (هم ~~درجات عند الله) أي ليس من اتبع رضوان الله كمن باء بسخط منه. قيل: " هم ~~درجات " متفاوتة، أي هم مختلفو المنازل عند الله، فلمن اتبع رضوانه الكرامة ~~والثواب العظيم، ولمن باء بسخط منه المهانة والعذاب الأليم. # ومعنى " هم درجات " - أي ذوو درجات. أو على درجات، أو في درجات، أو لهم ~~درجات. # وأهل النار أيضا ذوو درجات، كما قال: (وجدته في غمرات من النار فأخرجته ~~إلى ضحضاح) (2). # فالمؤمن والكافر لا يستويان في الدرجة، ثم المؤمنون يختلفون أيضا، فبعضهم ~~أرفع درجة من بعض، وكذلك الكفار. والدرجة الرتبة، ومنه الدرج، لأنه يطوى ~~رتبة بعد رتبة. والأشهر في منازل جهنم دركات، كما ms1518 قال: " إن المنافقين في ~~الدرك الأسفل من النار " [النساء: 145] (3) فلمن لم يغل درجات في الجنة، ~~ولمن غل دركات في النار. قال أبو عبيدة: جهنم أدراك، أي منازل، يقال لكل ~~منزل منها: درك ودرك. والدرك إلى أسفل، والدرج إلى أعلى. # قوله تعالى: لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلوا ~~آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتب والحكمة إن كانوا من قبل لفي ضلل مبين (164) ~~بين الله تعالى عظيم منته عليهم ببعثه محمدا صلى الله عليه وسلم. والمعنى ~~في المنة فيه أقوال: منها أن يكون معنى (بشر مثلهم) أي بشر مثلهم. فلما ~~أظهر البراهين وهو بشر مثلهم علم أن ذلك من عند الله. وقيل: " من أنفسهم " ~~منهم. فشرفوا به صلى الله عليه وسلم، فكانت تلك المنة. وقيل: " من أنفسهم " ~~ليعرفوا حاله ولا تخفى عليهم طريقته. وإذا كان محله فيهم هذا كانوا أحق بأن ~~يقاتلوا عنه ولا ينهزموا دونه. وقرئ في الشواذ (4) " من أنفسهم " (بفتح ~~الفاء) يعني من أشرفهم، لأنه من بني هاشم، وبنو هاشم أفضل من قريش، وقريش ~~أفضل من العرب، والعرب أفضل من غيرهم. ثم قيل: لفظ المؤمنين عام ومعناه خاص # PageV04P263 # في العرب، لأنه ليس حي من أحياء العرب إلا وقد ولده صلى الله عليه وسلم، ~~ولهم فيه نسب، إلا بني تغلب فإنهم كانوا نصارى فطهره الله من دنس ~~النصرانية. وبيان هذا التأويل قوله تعالى: " هو الذي بعث في الأميين رسولا ~~منهم " [الجمعة: 2] (1). وذكر أبو محمد عبد الغني قال: حدثنا أبو أحمد ~~البصري (2) حدثنا أحمد بن علي بن سعيد القاضي أبو بكر المروزي حدثنا يحيى ~~بن معين حدثنا هشام بن يوسف عن عبد الله بن سليمان النوفلي عن الزهري عن ~~عروة عن عائشة رضي الله عنها: " لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم ~~رسولا من أنفسهم " قالت: هذه للعرب خاصة. وقال آخرون: أراد به المؤمنين ~~كلهم. ومعنى " من أنفسهم " أنه واحد منهم وبشر ومثلهم، وإنما أمتاز عنهم ~~بالوحي، وهو معنى قوله " لقد جاءكم رسول من أنفسكم " [التوبة: 128] (3) وخص ms1519 ~~المؤمنين بالذكر لأنهم المنتفعون به، فالمنة عليهم أعظم. وقوله تعالى: # (يتلو عليهم) " يتلو " في موضع نصب نعت لرسول، ومعناه يقرأ. والتلاوة ~~القراءة. # (ويعلمهم الكتاب والحكمة) تقدم في " البقرة " (4). ومعنى (وإن كانوا من ~~قبل) أي ولقد كانوا من قبل، أي من قبل محمد، وقيل: " إن " بمعنى ما، واللام ~~في الخبر بمعنى إلا، أي وما كانوا من قبل إلا في ضلال مبين. ومثله " وإن ~~كنتم من قبله لمن الضالين " [البقرة: 198] أي وما كنتم من قبله إلا من ~~الضالين. وهذا مذهب الكوفيين. وقد تقدم في " البقرة " (5) معنى هذه الآية. # قوله تعالى: أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من ~~عند أنفسكم إن الله على كل شئ قدير (165) الألف للاستفهام، والواو للعطف. ~~(مصيبة) أي غلبة. (قد أصبتم مثليها) يوم بدر بأن قتلتم منهم سبعين وأسرتم ~~سبعين. والأسير في حكم المقتول، لان الآسر يقتل أسيره إن أراد. أي ~~فهزمتموهم يوم بدر ويوم أحد أيضا في الابتداء، وقتلتم فيه قريبا من # PageV04P264 # عشرين، قتلتم منهم في يومين، ونالوا منكم في يوم أحد. " قلتم أنى هذا " ~~أي من أين أصابنا هذا الانهزام والقتل، ونحن نقاتل في سبيل الله، ونحن ~~مسلمون، وفينا النبي والوحي، وهم مشركون؟. (قل هو من عند أنفسكم) يعني ~~مخالفة الرماة. وما من قوم أطاعوا نبيهم في حرب إلا نصروا، لأنهم إذا ~~أطاعوا فهم حزب الله، وحزب الله هم الغالبون. وقال قتادة والربيع بن أنس: ~~يعني سؤالهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرج بعد ما أراد الإقامة ~~بالمدينة. # وتأولها في الرؤيا التي رآها درعا حصينة (1). علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه: هو اختيارهم الفداء يوم بدر على القتل. وقد قيل لهم: إن فاديتم ~~الأسارى قتل منكم على عدتهم. وروى البيهقي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ~~قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم في الأسارى يوم بدر: (إن شئتم قتلتموهم ~~وإن شئتم فاديتموهم واستمتعتم بالفداء واستشهد منكم بعدتهم). # فكان آخر السبعين ثابت بن قيس قتل يوم اليمامة. ms1520 فمعنى " من عند أنفسكم " ~~على القولين الأولين بذنوبكم. وعلى القول الأخير باختياركم. # قوله تعالى: وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين ~~(66) وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قتلوا في سبيل الله أو ادفعوا ~~قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للأيمن يقولون ~~بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون (167) يعني يوم أحد من ~~القتل والجرح والهزيمة. (فبإذن الله) أي بعلمه. وقيل: بقضائه وقدره. قال ~~القفال: أي فبتخليته بينكم وبينهم، لا أنه أراد ذلك. وهذا تأويل المعتزلة. # ودخلت الفاء في " فبإذن الله " لان " ما " بمعنى الذي. أي والذي أصابكم ~~يوم التقى الجمعان فبإذن الله، فأشبه الكلام معنى الشرط، كما قال سيبويه: ~~الذي قام فله درهم. (وليعلم # PageV04P265 # المؤمنين وليعلم الذين نافقوا) أي ليميز. وقيل ليرى. وقيل: ليظهر إيمان ~~المؤمنين بثبوتهم في القتال، وليظهر كفر المنافقين بإظهارهم الشماتة ~~فيعلمون ذلك. والإشارة بقوله (نافقوا (وقيل لهم) هي إلى عبد الله بن أبي ~~وأصحابه الذين انصرفوا معه عن نصرة النبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا ~~ثلاثمائة. فمشى في أثرهم عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري، أبو جابر ابن ~~عبد الله، فقال لهم: اتقوا الله ولا تتركوا نبيكم، وقاتلوا في سبيل الله أو ~~ادفعوا، ونحو هذا من القول. فقال له ابن أبي: ما أرى أن يكون قتال، ولو ~~علمنا أن يكون قتال لكنا معكم. فلما يئس منهم عبد الله قال: اذهبوا أعداء ~~الله فسيغني الله رسوله عنكم. ومضى مع النبي صلى الله عليه وسلم واستشهد ~~رحمه الله تعالى. # واختلف الناس في معنى قوله: (أو ادفعوا) فقال السدي وابن جريج وغيرهما: ~~كثروا سوادنا وإن لم تقاتلوا معنا، فيكون ذلك دفعا وقمعا للعدو، فإن السواد ~~إذا كثر حصل دفع العدو. وقال أنس بن مالك: رأيت يوم القادسية عبد الله بن ~~أم مكتوم الأعمى وعليه درع يجر أطرافها، وبيده راية سوداء، فقيل له (1): ~~[أليس] (2) قد أنزل الله عذرك؟ قال: بلى! # ولكني أكثر [سواد] (2) المسلمين بنفسي. وروي عنه أنه قال: فكيف بسوادي ms1521 في ~~سبيل الله! # وقال أبو عون الأنصاري: معنى " أو ادفعوا " رابطوا. وهذا قريب من الأول. ~~ولا محالة أن المرابط مدافع، لأنه لولا مكان المرابطين في الثغور لجاءها ~~العدو. وذهب قوم من المفسرين إلى أن قول عبد الله بن عمرو " أو ادفعوا " ~~إنما هو استدعاء إلى القتال [حمية، لأنه استدعاهم إلى القتال] (3) في سبيل ~~الله، وهي أن تكون كلمة الله هي العليا، فلما رأى أنهم ليسوا على ذلك عرض ~~عليهم الوجه الذي يحشمهم ويبعث الانفة. أي أو قاتلوا دفاعا عن الحوزة. # ألا ترى أن قزمان (4) قال: والله ما قاتلت إلا عن أحساب قومي. وألا ترى ~~أن بعض الأنصار # PageV04P266 # قال يوم أحد لما رأى قريشا قد أرسلت الظهر (1) في زروع قناة (2)، أترعى ~~زروع بني قيلة (3) ولما نضارب؟ والمعنى إن لم تقاتلوا في سبيل الله فقاتلوا ~~دفعا عن أنفسكم وحريمكم. # قوله تعالى: (هم للكفر يومئذ أقرب منهم للايمان) أي بينوا حالهم، وهتكوا ~~أستارهم، وكشفوا عن نفاقهم لمن كان يظن أنهم مسلمون، فصاروا أقرب إلى الكفر ~~في ظاهر الحال، وإن كانوا كافرين على التحقيق. وقوله تعالى: (يقولون ~~بأفواههم ما ليس في قلوبهم) أي أظهروا الايمان، وأضمروا الكفر. وذكر ~~الأفواه تأكيد، مثل قوله: " يطير بجناحيه " [الانعام: 38] (4). # قوله تعالى: الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرءوا ~~عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين (168) قوله تعالى: (الذين قالوا لإخوانهم) ~~معناه لأجل (5) إخوانهم، وهم الشهداء المقتولون من الخزرج، وهم إخوة نسب ~~ومجاورة، لا إخوة الدين. أي قالوا لهؤلاء الشهداء: لو قعدوا، أي بالمدينة ~~ما قتلوا. وقيل: قال عبد الله بن أبي وأصحابه لإخوانهم، أي لاشكالهم من ~~المنافقين: لو أطاعونا، هؤلاء الذين قتلوا، لما قتلوا. وقوله (لو أطاعونا) ~~يريد في ألا يخرجوا إلى قريش. وقوله: (وقعدوا) أي قالوا هذا القول وقعدوا ~~بأنفسهم عن الجهاد، فرد الله عليهم بقوله: (قل فادرءوا) أي قل لهم يا محمد: ~~إن صدقتم فادفعوا الموت عن أنفسكم. # والدرء الدفع. بين بهذا أن الحذر لا ينفع من القدر، وأن المقتول يقتل ~~بأجله، وما علم ms1522 الله وأخبر به كائن لا محالة. وقيل: مات يوم قيل هذا، سبعون ~~منافقا. وقال أبو الليث السمرقندي: سمعت بعض المفسرين بسمرقند يقول: لما ~~نزلت الآية " قل فادرءوا عن أنفسكم الموت " مات يومئذ سبعون نفسا من ~~المنافقين. # PageV04P267 # قوله تعالى: ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أموتا بل أحياء عند ربهم ~~يرزقون (169) فرحين بما آتاهم اللهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم ~~يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون (170) فيه ثمان مسائل: # الأولى - لما بين الله تعالى أن ما جرى يوم أحد كان امتحانا يميز المنافق ~~من الصادق، بين أن من لم ينهزم فقتل له الكرامة والحياة عنده. والآية في ~~شهداء أحد. وقيل: نزلت في شهداء بئر معونة. وقيل: بل هي عامة في جميع ~~الشهداء. وفي مصنف أبي داود بإسناد صحيح عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم (لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في جوف طير خضر ~~ترد أنهار الجنة تأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش ~~فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم قالوا من يبلغ إخواننا عنا أنا ~~أحياء في الجنة نرزق لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عند الحرب فقال الله ~~سبحانه أنا أبلغهم عنكم) - قال - فأنزل الله (ولا تحسبن الذين قتلوا في ~~سبيل الله أمواتا...) إلى آخر الآيات. وروى بقي (1) بن مخلد عن جابر قال: ~~لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: # (يا جابر مالي أراك منكسا مهتما)؟ قلت: يا رسول الله، استشهد أبي وترك ~~عيالا وعليه دين، فقال: (ألا أبشرك بما لقي الله عز وجل به أباك)؟ قلت: بلى ~~يا رسول الله. قال: (إن الله أحيا أباك وكلمه كفاحا (2) وما كلم أحد قط إلا ~~من وراء حجاب فقال له يا عبدي تمن أعطك قال يا رب فردني إلى الدنيا فأقتل ~~فيك ثانية فقال الرب تبارك وتعالى إنه قد سبق مني أنهم [إليها] (3) لا ~~يرجعون قال يا رب فأبلغ من ورائي) فأنزل الله ms1523 عز وجل " ولا تحسبن الذين ~~قتلوا في سبيل الله " الآية. أخرجه ابن ماجة في سننه، والترمذي في جامعه ~~وقال: هذا حديث حسن غريب. وروى وكيع عن سالم بن الأفطس عن سعيد بن جبير " ~~ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل # PageV04P268 # الله أمواتا بل أحياء " قال: لما أصيب حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير ~~ورأوا ما رزقوا من الخير قالوا: ليت إخواننا يعلمون ما أصابنا من الخير كي ~~يزدادوا في الجهاد رغبة، فقال الله تعالى أنا أبلغهم عنكم، فأنزل الله ~~تعالى: " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا - إلى قوله: لا يضيع ~~أجر المؤمنين ". وقال أبو الضحى: نزلت هذه الآية في أهل أحد خاصة. والحديث ~~الأول يقتضي (1) صحة هذا القول. وقال بعضهم: نزلت في شهداء بدر وكانوا ~~أربعة عشر رجلا، ثمانية من الأنصار، وستة من المهاجرين. وقيل: نزلت في ~~شهداء بئر معونة، وقصتهم مشهورة ذكرها محمد بن إسحاق (2) وغيره. وقال ~~آخرون: إن أولياء الشهداء كانوا إذا أصابتهم نعمة وسرور تحسروا وقالوا: نحن ~~في النعمة والسرور، وآباؤنا وأبناؤنا وإخواننا في القبور. فأنزل الله تعالى ~~هذه الآية تنفيسا عنهم وإخبارا عن حال قتلاهم. # قلت: وبالجملة وإن كان يحتمل أن يكون النزول بسبب المجموع فقد أخبر الله ~~تعالى فيها عن الشهداء أنهم أحياء في الجنة يرزقون، ولا محالة أنهم ماتوا ~~وأن أجسادهم في التراب، وأرواحهم حية كأرواح سائر المؤمنين، وفضلوا بالرزق ~~في الجنة من وقت القتل حتى كأن حياة الدنيا دائمة لهم. # وقد اختلف العلماء في هذا المعنى. فالذي عليه المعظم هو ما ذكرناه، وأن ~~حياة الشهداء محققة. ثم منهم من يقول: ترد إليهم الأرواح في قبورهم ~~فينعمون، كما يحيا الكفار في قبورهم فيعذبون. وقال مجاهد: يرزقون من ثمر ~~الجنة، أي يجدون ريحها وليسوا فيها. وصار قوم إلى أن هذا مجاز، والمعنى ~~أنهم في حكم الله مستحقون للتنعم في الجنة. وهو كما يقال: ما مات فلان، أي ~~ذكره حي، كما قيل: # موت التقي حياة لا فناء لها * قد مات قوم وهم في الناس ms1524 أحياء # PageV04P269 # فالمعنى أنهم يرزقون الشاء الجميل. وقال آخرون: أرواحهم في أجواف طير خضر ~~وأنهم يرزقون في الجنة ويأكلون ويتنعمون. وهذا هو الصحيح من الأقوال، لان ~~ما صح به النقل فهو الواقع. وحديث ابن عباس نص يرفع الخلاف. وكذلك حديث ابن ~~مسعود خرجه مسلم. # وقد أتينا على هذا المعنى مبينا في كتاب " التذكرة بأحوال الموتى وأمور ~~الآخرة ". والحمد لله. # وقد ذكرنا هناك كم الشهداء، وأنهم مختلفو الحال. وأما من تأول في الشهداء ~~أنهم أحياء بمعنى أنهم سيحيون فبعيد يرده القرآن والسنة، فإن قوله تعالى: " ~~بل أحياء " دليل على حياتهم، وأنهم يرزقون ولا يرزق إلا حي. وقد قيل: إنه ~~يكتب لهم في كل سنة ثواب غزوة، ويشركون في ثواب كل جهاد كان بعدهم إلى يوم ~~القيامة، لأنهم سنوا أمر الجهاد. # نظيره قوله تعالى: " من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا " ~~[المائدة: 32] (1). على ما يأتي بيانه هناك إن شاء الله تعالى. وقيل: لان ~~أرواحهم تركع وتسجد تحت العرش إلى يوم القيامة، كأرواح الاحياء المؤمنين ~~الذين باتوا على وضوء. وقيل: لان الشهيد لا يبلى في القبر ولا تأكله الأرض. ~~وقد ذكرنا هذا المعنى في " التذكرة " وأن الأرض لا تأكل الأنبياء والشهداء ~~والعلماء والمؤذنين المحتسبين وحملة القرآن. # الثانية - إذا كان الشهيد حيا حكما فلا يصلى عليه، كالحي حسا. وقد اختلف ~~العلماء في غسل الشهداء والصلاة عليهم، فذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة ~~والثوري إلى غسل جميع الشهداء والصلاة عليهم، إلا قتيل المعترك في قتال ~~العدو خاصة، لحديث جابر قال قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ادفنوهم ~~بدمائهم) يعني يوم أحد ولم يغسلهم، رواه البخاري. # وروى أبو داود عن ابن عباس قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتلى ~~أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود وأن يدفنوا؟ بدمائهم وثيابهم. وبهذا قال ~~أحمد وإسحاق والأوزاعي وداود بن علي وجماعة فقهاء الأمصار وأهل الحديث وابن ~~علية. وقال سعيد بن المسيب والحسن: يغسلون. # قال أحدهما: إنما لم تغسل شهداء أحد لكثرتهم والشغل عن ذلك. قال ms1525 أبو عمر: ~~ولم يقل بقول سعيد والحسن هذا أحد من فقهاء الأمصار إلا عبيد الله بن الحسن ~~العنبري، وليس # PageV04P270 # ما ذكروا من الشغل عن غسل شهداء أحد علة، لان كل واحد منهم كان له ولي ~~يشتغل به ويقوم بأمره. والعلة في ذلك - والله أعلم - ما جاء في الحديث في ~~دمائهم (أنها تأتي يوم القيامة كريح المسك) فبان أن العلة ليست الشغل كما ~~قال من قال في ذلك، وليس لهذه المسألة مدخل في القياس والنظر، وإنما هي ~~مسألة اتباع للأثر الذي نقله الكافة في قتلى أحد لم يغسلوا. # وقد احتج بعض المتأخرين ممن ذهب مذهب الحسن بقوله عليه السلام في شهداء ~~أحد. # (أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة). قال: وهذا يدل على خصوصهم وأنه لا ~~يشركهم في ذلك غيرهم. قال أبو عمر: وهذا يشبه الشذوذ، والقول بترك غسلهم ~~أولى، لثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم في قتلى أحد وغيرهم. وروى أبو ~~داود عن جابر قال: رمي رجل بسهم في صدره أو في حلقه فمات فأدرج في ثيابه ~~كما هو. قال: ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. # الثانية - وأما الصلاة عليهم فاختلف العلماء في ذلك أيضا، فذهب مالك ~~والليث والشافعي وأحمد وداود إلى أنه لا يصلى عليهم، لحديث جابر قال: كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد ثم ~~يقول: (أيهما أكثر أخذا للقرآن)؟ فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد ~~وقال: (أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة) وأمر بدفنهم بدمائهم ولم يغسلوا ~~ولم يصل عليهم. وقال فقهاء الكوفة والبصرة والشام: يصلى عليهم. ورووا آثارا ~~كبيرة أكثرها مراسيل أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على حمزة وعلى سائر ~~شهداء أحد. # والرابعة - وأجمع العلماء على أن الشهيد إذا حمل حيا ولم يمت في المعترك ~~وعاش وأكل فإنه يصلى عليه، كما قد صنع بعمر رضي الله عنه. # واختلفوا فيمن قتل مظلوما كقتيل الخوارج وقطاع الطريق وشبه ذلك، فقال أبو ~~حنيفة والثوري: ms1526 كل من قتل مظلوما لم يغسل، ولكنه يصلى عليه وعلى كل شهيد، ~~وهو قول سائر أهل العراق. ورووا من طرق كثير صحاح عن زيد بن صوحان، وكان ~~قتل يوم الجمل: # لا تنزعوا عني ثوبا ولا تغسلوا عني دما. وثبت (1) عن عمار بن ياسر أنه ~~قال مثل قول زيد # PageV04P271 # ابن صوحان. وقتل عمار بن ياسر بصفين ولم يغسله علي. وللشافعي قولان: ~~أحدهما - يغسل كجميع الموتى إلا من قتله أهل الحرب، وهذا قول مالك. قال ~~مالك: لا يغسل من قتله الكفار ومات في المعترك. وكان مقتول غير قتيل ~~المعترك - قتيل الكفار - فإنه يغسل ويصلى عليه. وهذا قول أحمد بن حنبل رضي ~~الله عنه . والقول الآخر للشافعي - لا يغسل قتيل البغاة. وقول مالك أصح، ~~فإن غسل الموتى قد ثبت بالاجماع ونقل الكافة. # فواجب غسل كل ميت إلا من أخرجه إجماع أو سنة ثابتة. وبالله التوفيق. # الخامسة - العدو إذا صبح قوما في منزلهم ولم يعلموا به فقتل منهم فهل ~~يكون حكمه حكم قتيل المعترك، أو حكم سائر الموتى، وهذه المسألة نزلت عندنا ~~بقرطبة أعادها الله: أغار العدو - قصمه الله - صبيحة الثالث من رمضان ~~المعظم سنة سبع وعشرين وستمائة والناس في أجرانهم على غفلة، فقتل وأسر، ~~وكان من جملة من قتل والدي رحمه الله، فسألت شيخنا المقرئ الأستاذ أبا جعفر ~~أحمد المعروف بأبي (1) حجة فقال، غسله وصلى عليه، فإن أباك لم يقتل في ~~المعترك بين الصفين. ثم سألت شيخنا ربيع بن عبد الرحمن بن أحمد بن ربيع بن ~~أبي فقال: إن حكمه حكم القتلى في المعترك. ثم سألت قاضي الجماعة أبا الحسن ~~علي بن قطرال وحوله جماعة من الفقهاء فقالوا: غسله وكفنه وصل عليه، ففعلت. ~~ثم بعد ذلك وقفت على المسألة في " التبصرة " لأبي الحسن اللخمي وغيرها. ولو ~~كان ذلك قبل ذلك ما غسلته، وكنت دفنته بدمه في ثيابه. # السادسة - هذه الآية تدل على عظيم ثواب القتل في سبيل الله والشهادة فيه ~~حتى أنه يكفر الذنوب، كما قال صلى الله عليه وسلم: (القتل في سبيل ms1527 الله ~~يكفر كل شئ إلا الدين كذلك قال لي جبريل عليه السلام آنفا). قال علماؤنا ~~ذكر الدين تنبيه على ما في معناه من الحقوق المتعلقة بالذمم، كالغصب وأخذ ~~المال بالباطل وقتل العمد وجراحه وغير ذلك من التبعات، فإن كل هذا أولى ألا ~~يغفر بالجهاد من الدين فإنه أشد، والقصاص في هذا # PageV04P272 # كله بالحسنات والسيئات حسبما وردت به السنة الثابتة. روى عبد الله بن ~~أنيس قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (يحشر الله العباد - ~~أو قال الناس، شك همام (1)، وأومأ بيده إلى الشام - عراة غرلا (2) بهما. ~~قلنا: ما بهم؟ (3) قال: ليس معهم شئ فيناديهم بصوت يسمعه من قرب ومن بعد ~~أنا الملك أنا الديان لا ينبغي لاحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وأحد من ~~أهل النار يطلبه بمظلمة ولا ينبغي لاحد من أهل النار أن يدخل النار وأحد من ~~أهل الجنة يطلبه بمظلمة حتى اللطمة. قال قلنا: كيف وإنما نأتي الله حفاة ~~عراة غرلا؟. قال: بالحسنات والسيئات). أخرجه الحارث بن أبي أسامة (4). وفي ~~صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أتدرون من ~~المفلس)؟. قالوا: # المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: (إن المفلس من أمتي من يأتي ~~يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا ~~وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته ~~قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياه فطرحت عليه ثم طرح في النار). وقال صلى ~~الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده لو أن رجلا قتل في سبيل الله ثم أحيي ثم ~~قتل ثم أحيي ثم قتل وعليه دين ما دخل الجنة حتى يقضى عنه). وروى أبو هريرة ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # (نفس المؤمن معلقة ما كان عليه دين). وقال أحمد بن زهير: سئل يحيى بن ~~معين عن هذا الحديث فقال: هو صحيح. فإن قيل: فهذا يدل على أن ms1528 بعض الشهداء ~~لا يدخلون الجنة من حين القتل، ولا تكون أرواحهم في جوف طير كما ذكرتكم، ~~ولا يكونون في قبورهم، فأين يكونون؟ قلنا: قد ورد عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: (أرواح الشهداء على نهر بباب الجنة يقال له بارق يخرج عليهم ~~رزقهم من الجنة بكرة وعشيا) فلعلهم هؤلاء. # والله أعلم. ولهذا قال الإمام أبو محمد بن عطية: وهؤلاء طبقات وأحوال ~~مختلفة يجمعها أنهم " يرزقون ". وقد أخرج الإمام أبو عبد الله محمد بن يزيد ~~بن ماجة القزويني في سننه عن # PageV04P273 # سليم بن عامر قال: سمعت أبا أمامة يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: # (شهيد البحر مثل شهيدي (1) البر والمائد (2) في البحر كالمتشحط (3) في ~~دمه في البر وما بين الموجتين كقاطع الدنيا في طاعة الله وإن الله عز وجل ~~وكل ملك الموت بقبض الأرواح إلا شهداء البحر فإنه سبحانه يتولى قبض أرواحهم ~~ويغفر لشهيد البر الذنوب كلها إلا الدين ويغفر لشهيد البحر الذنوب كلها ~~والدين). # السابعة - الدين الذي يحبس به صاحبه عن الجنة - والله أعلم - هو الذي قد ~~ترك له وفاء ولم يوص به. أو قدر على الأداء فلم يؤده، أو أدانه في سرف أو ~~في سفه ومات ولم يوفه. وأما من ادان في حق واجب لفاقة وعسر ومات ولم يترك ~~وفاء فإن الله لا يحبسه عن الجنة إن شاء الله، لان على السلطان فرضا أن ~~يؤدي عنه دينه، إما من جملة الصدقات، أو من سهم الغارمين، أو من الفئ ~~الراجع على المسلمين. قال صلى الله عليه وسلم: (من ترك دينا أو ضياعا (4) ~~فعلى الله ورسوله ومن ترك مالا فلورثته). وقد زدنا هذا الباب بيانا في كتاب ~~(التذكرة) والحمد لله. # الثانية - قوله تعالى: (عند ربهم يرزقون) فيه حذف مضاف تقديره عند كرامة ~~ربهم. و " عند " هنا تقتضي غاية القرب، فهي ك‍ (- لدى) ولذلك لم تصغر ~~فيقال! عنيد، قال سيبويه. فهذه عندية الكرامة لا عندية المسافة والقرب. و " ~~يرزقون " هو الرزق المعروف في العادات. ومن قال: هي ms1529 حياة الذكر قال: يرزقون ~~الثناء الجميل. والأول الحقيقة. # وقد قيل: إن الأرواح تدرك في تلك الحال التي يسرحون فيها من روائح الجنة ~~وطيبها ونعيمها وسرورها ما يليق بالأرواح، مما ترتزق وتنتعش به. وأما ~~اللذات الجسمانية فإذا أعيدت تلك الأرواح إلى أجسادها استوفت من النعيم ~~جميع ما أعد الله لها. وهذا قول حسن، وإن كان فيه نوع من المجاز، فهو ~~الموافق لما اخترناه. والموفق الاله. و (فرحين) نصب في موضع الحال # PageV04P274 # من المضمر في " يرزقون ". ويجوز في الكلام " فرحون " على النعت لاحياء. ~~وهو من الفرح بمعنى السرور. والفضل في هذه الآية هو النعيم المذكور. وقرأ ~~ابن السميقع " فارحين " بالألف وهما لغتان، كالفره والفاره، والحذر ~~والحاذر، والطمع والطامع، والبخل والباخل. # قال النحاس: ويجوز في غير القرآن رفعه، يكون نعتا لاحياء. # قوله تعالى: (ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم) المعنى لم يلحقوا ~~بهم في الفضل، وإن كان لهم فضل. وأصله من البشرة (1)، لان الانسان إذا فرح ~~ظهر أثر السرور في وجهه. وقال السدي.: يؤتى الشهيد بكتاب فيه ذكر من يقدم ~~عليه من إخوانه، فيستبشر كما يستبشر أهل الغائب بقدومه في الدنيا. وقال ~~قتادة وابن جريح والربيع وغيرهم: استبشارهم بأنهم يقولون: إخواننا الذين ~~تركنا خلفنا في الدنيا يقاتلون في سبيل الله مع نبيهم، فيستشهدون فينالون ~~من الكرامة مثل ما نحن فيه، فيسرون ويفرحون لهم بذلك. وقيل: إن الإشارة ~~بالاستبشار للذين لم يلحقوا بهم إلى جميع المؤمنين وإن لم يقتلوا، ولكنهم ~~لما عاينوا ثواب الله وقع اليقين بأن دين الاسلام هو الحق الذي يثيب الله ~~عليه، فهم فرحون لأنفسهم بما آتاهم الله من فضله، مستبشرون للمؤمنين بأن لا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون. ذهب إلى هذا المعنى الزجاج وابن فورك. # قوله تعالى: يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين ~~(171) أي بجنة من الله. ويقال: بمغفرة من الله. (وفضل) هذا لزيادة البيان. ~~والفضل داخل في النعمة، وفيه دليل على اتساعها، وأنها ليست كنعم الدنيا. ~~وقيل: جاء الفضل بعد النعمة على وجه ms1530 التأكيد، روى الترمذي عن المقدام بن ~~معديكرب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (للشهيد عند الله ست خصال - ~~كذا في الترمذي وابن ماجة " ست "، # PageV04P275 # وهي في العدد (1) سبع - يغفر له في أول دفعة (2) ويرى مقعده من الجنة ~~ويجار من عذاب القبر ويأمن من الفزع الأكبر ويوضع على رأسه تاج الوقار ~~الياقوتة منها خير من الدنيا وما فيها ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور ~~العين ويشفع في سبعين من أقاربه) قال: هذا حديث حسن صحيح غريب. وهذا تفسير ~~للنعمة والفضل. والآثار في هذا المعنى كثيرة. وروي عن مجاهد أنه قال: ~~السيوف مفاتيح الجنة. وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # (أكرم الله تعالى الشهداء بخمس كرامات لم يكرم بها أحدا من الأنبياء ولا ~~أنا أحدها أن جميع الأنبياء قبض أرواحهم ملك الموت وهو الذي سيقبض روحي ~~وأما الشهداء فالله هو الذي يقبض أرواحهم بقدرته كيف يشاء ولا يسلط على ~~أرواحهم ملك الموت، والثاني أن جميع الأنبياء قد غسلوا بعد الموت وأنا أغسل ~~بعد الموت والشهداء لا يغسلون ولا حاجة لهم إلى ماء الدنيا، والثالث أن ~~جميع الأنبياء قد كفنوا وأنا أكفن والشهداء لا يكفنون بل يدفنون في ثيابهم، ~~والرابع أن الأنبياء لما ماتوا سموا أمواتا وإذا مت يقال قد مات والشهداء ~~لا يسمون موتى، والخامس أن الأنبياء تعطى لهم الشفاعة يوم القيامة وشفاعتي ~~أيضا يوم القيامة وأما الشهداء فإنهم يشفعون في كل يوم فيمن يشفعون). # قوله تعالى: (وأن الله) قرأه الكسائي بكسر الألف، والباقون بالنصب، فمن ~~قرأ بالنصب فمعناه يستبشرون بنعمة من الله ويستبشرون بأن الله لا يضيع أجر ~~المؤمنين. ومن قرأ بالكسر فعلى الابتداء. ودليله قراءة ابن مسعود " والله ~~لا يضيع أجر المؤمنين ". # قوله تعالى: الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين ~~أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم (172) # PageV04P276 # " الذين " في موضع رفع على الابتداء، وخبره " من بعد ما أصابهم القرح ". ~~ويجوز أن يكون في موضع خفض، بدل (1) من المؤمنين، أو من " الذين لم ms1531 يلحقوا ~~". (استجابوا) بمعنى أجابوا والسين والتاء زائدتان. ومنه قوله: # * فلم يستجبه عند ذاك مجيب (2) * وفي الصحيحين عن عروة بن الزبير قال: ~~قالت لي عائشة رضي الله عنها: كان أبوك من الذين استجابوا لله والرسول من ~~بعد ما أصابهم القرح. لفظ مسلم. وعنه عائشة: يا ابن أختي كان أبواك - تعني ~~الزبير وأبا بكر - من الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح. ~~وقالت: لما انصرف المشركون من أحد وأصاب النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ~~ما أصابهم خاف أن يرجعوا فقال: (من ينتدب لهؤلاء حتى يعلموا أن بنا قوة) ~~قال فانتدب أبو بكر والزبير في سبعين، فخرجوا في آثار القوم، فسمعوا بهم ~~وانصرفوا بنعمة من الله وفضل. # وأشارت عائشة رضي الله عنها إلى ما جرى في غزوة حمراء الأسد، وهي على نحو ~~ثمانية أميال من المدينة، وذلك أنه لما كان في يوم الأحد، وهو الثاني من ~~يوم أحد، نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس بإتباع المشركين، ~~وقال: (لا يخرج معنا إلا من شهدها بالأمس) فنهض معه مائتا رجل من المؤمنين. ~~في البخاري فقال: (من يذهب في إثرهم) فانتدب منهم سبعون رجلا. قال: كان ~~فيهم أبو بكر والزبير على ما تقدم، حتى بلغ حمراء الأسد، مرهبا للعدو، ~~فربما كان فيهم المثقل بالجراح لا يستطيع المشي ولا يجد مركوبا، فربما يحمل ~~على الأعناق، وكل ذلك امتثال لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ورغبة في ~~الجهاد. وقيل: إن الآية نزلت في رجلين من بني عبد الأشهل كانا مثخنين ~~بالجراح، يتوكأ أحدهما على صاحبه، وخرجا مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلما ~~وصلوا حمراء الأسد، لقيهم نعيم بن مسعود فأخبرهم أن أبا سفيان ابن حرب ومن ~~معه من قريش قد جمعوا جموعهم، وأجمعوا رأيهم على أن يأتوا (3) إلى المدينة # PageV04P277 # فيستأصلوا أهلها، فقالوا ما أخبرنا الله عنهم: " حسبنا الله ونعم الوكيل ~~". وبينا قريش قد أجمعوا على ذلك إذ جاءهم معبد الخزاعي، وكانت خزاعة حلفاء ~~النبي صلى الله عليه وسلم وعيبة (1) نصحه، ms1532 وكان قد رأى حال أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم وما هم عليه، ولما رأى عزم قريش على الرجوع ليستأصلوا أهل ~~المدينة احتمله خوف ذلك، وخالص نصحه للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه على ~~أن خوف قريشا بأن قال لهم: قد تركت محمدا وأصحابه بحمراء الأسد في جيش ~~عظيم، قد اجتمع له من كان تخلف عنه، وهم قد تحرقوا عليكم، فالنجاء النجاء! # فإني أنهاك عن ذلك، فوالله لقد حملني ما رأيت أن قلت فيه أبياتا من ~~الشعر. قال: # وما قلت؟ قال: قلت: # كادت تهد من الأصوات راحلتي * إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل (2) تردي ~~بأسد كرام لا تنابلة * عند اللقاء ولا ميل معازيل (3) فظلت عدوا أظن الأرض ~~مائلة * لما سموا برئيس غير مخذول فقلت ويل ابن حرب من لقائكم * إذا تغطمطت ~~البطحاء بالخيل (4) إني نذير لأهل البسل ضاحية * لكل ذي إربة منهم ومعقول ~~من جيش أحمد لا وخش قنابله * وليس يوصف ما أنذرت بالقيل * (5) قال: فثنى ~~ذلك أبا سفيان ومن معه، وقذف الله في قلوبهم الرعب، ورجعوا إلى مكة خائفين ~~مسرعين، ورجع النبي صلى الله عليه وسلم في أصحابه إلى المدينة منصورا، كما ~~قال الله تعالى: " فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء " [آل عمران: ~~174] أي قتال ورعب. واستأذن # PageV04P278 # جابر بن عبد الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم في الخروج معه فأذن له. ~~وأخبرهم تعالى أن الاجر العظيم قد تحصل لهم بهذه القفلة. وقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم (إنها غزوة). # هذا تفسير الجمهور لهذه الآية. وشذ مجاهد وعكرمة رحمهما الله تعالى ~~فقالا: إن هذه الآية من قوله: " الذين قال لهم الناس - إلى قوله: - عظيم " ~~[آل عمران: 173 - 174] إنما نزلت في خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى بدر ~~الصغرى. وذلك أنه خرج لميعاد أبي سفيان في أحد، إذ قال: # موعدنا بدر من العام المقبل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (قولوا نعم) ~~فخرج النبي صلى الله عليه وسلم قبل بدر، وكان بها سوق عظيم، فأعطى رسول ~~الله ms1533 صلى الله عليه وسلم أصحابه دراهم، وقرب من بدر فجاءه نعيم بن مسعود ~~الأشجعي، فأخبره أن قريشا قد اجتمعت وأقبلت لحربه هي ومن انضاف إليها، ~~فأشفق المسلمون من ذلك، لكنهم قالوا: " حسبنا الله ونعم الوكيل " فصمموا ~~(1) حتى أتوا بدرا فلم يجدوا أحدا، ووجدوا السوق فاشتروا بدراهمهم أدما ~~وتجارة، وانقلبوا ولم يلقوا كيدا، وربحوا في تجارتهم، فلذلك قول تعالى: " ~~فانقلبوا بنعمة من الله وفضل " أي وفضل في تلك التجارات. والله أعلم. # قوله تعالى: الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم ~~إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل (173) اختلف في قوله تعالى: (الذين ~~قال لهم الناس) فقال مجاهد ومقاتل وعكرمة والكلبي: # هو نعيم بن مسعود الأشجعي. واللفظ عام ومعناه خاص، كقوله: " أم يحسدون ~~الناس " [النساء: 54] (2) يعني محمدا صلى الله عليه وسلم. السدي: هو أعرابي ~~جعل له جعل على ذلك. وقال ابن إسحاق وجماعة: يريد الناس ركب عبد القيس، ~~مروا بأبي سفيان فدسهم إلى المسلمين ليثبطوهم. وقيل: الناس هنا المنافقون. ~~قال السدي: لما تجهز النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه للمسير إلى بدر ~~الصغرى لميعاد أبي سفيان أتاهم المنافقون وقالوا: نحن أصحابكم الذين # PageV04P279 # نهيناكم عن الخروج إليهم وعصيتمونا، وقد قاتلوكم في دياركم وظفروا، فإن ~~أتيتموهم في ديارهم فلا يرجع منكم أحد. فقالوا: " حسبنا الله ونعم الوكيل ~~". وقال أبو معشر: دخل ناس من هذيل من أهل تهامة المدينة، فسألهم أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبي سفيان فقالوا: " قد جمعوا لكم " جموعا ~~كثيرة " فاخشوهم " أي فخافوهم واحذروهم، فإنه لا طاقة لكم بهم. فالناس على ~~هذه الأقوال على بابه من الجمع. والله أعلم. # قوله تعالى: (فزادهم إيمانا) أي فزادهم قول الناس إيمانا، أي تصديقا ~~ويقينا في دينهم، وإقامة على نصرتهم، وقوة وجراءة واستعدادا. فزيادة ~~الايمان على هذا هي في الأعمال. وقد اختلف العلماء في زيادة الايمان ~~ونقصانه على أقوال. والعقيدة في هذا على أن نفس الايمان الذي هو تاج واحد، ~~وتصديق واحد بشئ ما، إنما هو معنى فرد، لا يدخل ms1534 معه زيادة إذا حصل، ولا ~~يبقى منه شئ إذا زال، فلم يبق إلا أن تكون الزيادة والنقصان في متعلقاته ~~دون ذاته. فذهب جمع من العلماء إلى أنه يزيد وينقص من حيث الأعمال الصادرة ~~عنه، لا سيما أن كثيرا من العلماء يوقعون اسم الايمان على الطاعات، لقوله ~~صلى الله عليه وسلم: (الايمان بضع وسبعون بابا فأعلاها قول لا إله إلا الله ~~وأدناها إماطة الأذى عن الطريق) أخرجه الترمذي، وزاد مسلم (والحياء شعبة من ~~الايمان) وفي حديث علي رضي الله عنه: إن الايمان ليبدو لمظة بيضاء في ~~القلب، كلما أزداد الايمان ازدادت اللمظة. # وقوله " لمظة " قال الأصمعي: اللمظة مثل النكتة ونحوها من البياض، ومنه ~~قيل: فرس ألمظ، إذا كان بجحفلته شئ من بياض. والمحدثون يقولون " لمظة " ~~بالفتح. وأما كلام العرب فبالضم، مثل شبهة ودهمة وخمرة. وفيه حجة على من ~~أنكر أن يكون الايمان يزيد وينقص. # ألا تراه يقول: كلما ازداد الايمان ازدادت اللمظة حتى يبيض القلب كله. ~~وكذلك النفاق يبدو لمظة سوداء في القلب كلما ازداد النفاق أسود القلب حتى ~~يسود القلب كله. ومنهم من قال: إن الايمان عرض، وهو لا يثبت زمانين، فهو ~~للنبي صلى الله عليه وسلم وللصلحاء متعاقب، فيزيد باعتبار توالي أمثاله على ~~قلب المؤمن، وباعتبار دوام حضوره. PageV04P280 # وينقص بتوالي الغفلات على قلب المؤمن. أشار إلى هذا أبو المعالي. وهذا ~~المعنى موجود في حديث الشفاعة، حديث أبي سعيد الخدري أخرجه مسلم. وفيه: ~~(فيقول المؤمنون يا ربنا إخواننا كانوا يصومون ويصلون ويحجون فقال لهم ~~أخرجوا من عرفتم فتحرم صورهم على النار فيخرجون خلقا كثيرا قد أخذت النار ~~إلى نصف ساقيه وإلى ركبتيه ثم يقولون ربنا ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا به ~~فيقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا ~~كثيرا ثم يقولون ربنا لم نذر فيها أحدا ممن أمرتنا ثم يقول ارجعوا فمن ~~وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم ~~يقولون ربنا لم نذر فيها ممن أمرتنا أحدا ms1535 ثم يقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه ~~مثقال ذرة من خير فأخرجوه) وذكر الحديث (1). وقد قيل: إن المراد بالايمان ~~في هذا الحديث أعمال القلوب، كالنية والاخلاص والخوف والنصيحة وشبه ذلك. ~~وسماها إيمانا لكونها في محل الايمان أو عني بالايمان، على عادة العرب في ~~تسمية الشئ باسم الشئ إذا جاوره، أو كان منه بسبب. دليل هذا التأويل قول ~~الشافعين بعد إخراج من كان في قلبه مثقال ذرة من خير: (لم نذر فيها خيرا) ~~مع أنه تعالى يخرج بعد ذلك جموعا كثيرة ممن يقول لا إله إلا الله، وهم ~~مؤمنون قطعا، ولو لم يكونوا مؤمنين لما أخرجهم. ثم إن عدم الوجود الأول ~~الذي يركب (2) عليه المثل لم تكن زيادة ولا نقصان. # وقدر ذلك في الحركة. فإن الله سبحانه إذا خلق علما فردا وخلق معه مثله أو ~~أمثاله بمعلومات فقد زاد علمه، فإن أعدم الله الأمثال فقد نقص، أي زالت ~~الزيادة. وكذلك إذا خلق حركة وخلق معها مثلها أو أمثالها. وذهب قوم من ~~العلماء إلى أن زيادة الايمان ونقصه إنما هو من طريق الأدلة، فتزيد الأدلة ~~عند واحد فيقال في ذلك: إنها زيادة في الايمان، وبهذا المعنى - على أحد ~~الأقوال - فضل الأنبياء على الخلق، فإنهم علموه من وجوه كثيرة، أكثر من ~~الوجوه التي علمه الخلق بها. وهذا القول خارج عن مقتضى الآية، إذ لا يتصور ~~أن تكون الزيادة فيها من جهة الأدلة. وذهب قوم: إلى أن الزيادة في الايمان ~~إنما هي بنزول الفرائض والاخبار في مدة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي ~~المعرفة بها بعد الجهل غابر الدهر. # PageV04P281 # وهذا إنما هو زيادة إيمان، فالقول فيه إن الايمان يزيد قول مجازي، ولا ~~يتصور فيه النقص على هذا الحد، وإنما يتصور بالإضافة إلى من علم. فاعلم. # قوله تعالى: (وقالوا حسبنا الله ونعم الشاعر: أي كافينا الله. وحسب مأخوذ ~~من الأحساب، وهو الكفاية. قال الشاعر: # فتملأ بيتنا أقطا (1) وسمنا * وحسبك من غنى شبع وري روى البخاري عن ابن ~~عباس قال في قوله تعالى: " الذين قال لهم ms1536 الناس إن الناس قد جمعوا لكم - ~~إلى قوله: - " وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل " قالها إبراهيم الخليل عليه ~~السلام حين ألقي في النار. وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قال لهم ~~الناس: إن الناس قد جمعوا لكم. # والله أعلم. # قوله تعالى: فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان ~~الله والله ذو فضل عظيم (174) قال علماؤنا: لما فوضوا أمورهم إليه، ~~واعتمدوا بقلوبهم عليه، أعطاهم من الجزاء أربعة معان: النعمة، والفضل، وصرف ~~السوء، واتباع الرضا. فرضاهم عنه، ورضي عنهم. # قوله تعالى: إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم ~~مؤمنين (175) قال ابن عباس وغيره: المعنى يخوفكم أولياءه، أي بأوليائه، أو ~~من أوليائه، فحذف حرف الجر ووصل الفعل إلى الاسم فنصب. كما قال تعالى: " ~~لينذر بأسا شديدا " [الكهف: 2] (2) أي لينذركم ببأس شديد، أي يخوف المؤمن ~~بالكافر. وقال الحسن والسدي: المعنى يخوف أولياءه المنافقين، ليقعدوا عن ~~قتال المشركين. فأما أولياء الله فإنهم لا يخافونه إذا خوفهم. وقد # PageV04P282 # قيل: إن المراد هذا الذي يخوفكم بجمع الكفار شيطان من شياطين الانس، إما ~~نعيم بن مسعود أو غيره، على الخلاف في ذلك كما تقدم. (فلا تخافون) أي لا ~~تخافوا الكافرين المذكورين في قوله: " إن الناس قد جمعوا لكم ". أو يرجع ~~إلى الأولياء إن قلت: إن المعنى يخوف بأوليائه أي يخوفكم أولياءه. # قوله تعالى: (وخافون) أي خافوني في ترك أمري إن كنتم مصدقين بوعدي. ~~والخوف في كلام العرب الذعر. وخاوفني فلان فخفته، أي كنت أشد خوفا منه. ~~والخوفاء (1) المفازة لا ماء بها. ويقال: ناقة خوفاء وهي الجرباء. والخافة ~~كالخريطة (2) من الادم يشتار فيها العسل. # قال سهل بن عبد الله: اجتمع بعض الصديقين إلى إبراهيم الخليل فقالوا: ما ~~الخوف؟ فقال: # لا تأمن حتى تبلغ المأمن. قال سهل: وكان الربيع بن خيثم إذا مر بكير (3) ~~يغشى عليه، فقيل لعلي ابن أبي طالب ذلك، فقال: إذا أصابه ذلك فأعلموني. ~~فأصابه فأعلموه، فجاءه فأدخل يده في قميصه فوجد حركته عالية فقال: أشهد أن ~~هذا أخوف [أهل] (4) زمانكم. ms1537 فالخائف من الله تعالى هو أن يخاف أن يعاقبه ~~إما في الدنيا وإما في الآخرة، ولهذا قيل: ليس الخائف الذي يبكي ويمسح ~~عينيه، بل الخائف الذي يترك ما يخاف أن يعذب عليه. ففرض الله تعالى على ~~العباد أن يخافوه فقال: (وخافون إن كنتم مؤمنين) وقال: " وإياي فارهبون ". ~~ومدح المؤمنين بالخوف فقال: " يخافون ربهم من فوقهم " [النحل: 50]. ولأرباب ~~الإشارات في الخوف عبارات مرجعها إلى ما ذكرنا. قال الأستاذ أبو علي ~~الدقاق: دخلت على أبي بكر بن فورك رحمه الله عائدا، فلما رآني دمعت عيناه، ~~فقلت له: إن الله يعافيك ويشفيك. فقال لي: # أترى أني أخاف من الموت؟ إنما أخاف مما وراء الموت. وفي سنن ابن ماجة عن ~~أبي ذر قال # PageV04P283 # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا ~~تسمعون أطت (1) السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك ~~واضع جبهته ساجدا لله والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ~~وما تلذذتم بالنساء على الفرشات ولخرجتم إلى الصعدات (2) تجأرون (3) إلى ~~الله والله لوددت أني كنت شجرة تعضد) (4). خرجه الترمذي وقال: حديث حسن ~~غريب. ويروى من غير هذا الوجه أن أبا ذر قال: (لوددت أني كنت شجرة تعضد). ~~والله أعلم. # قوله تعالى: ولا يحزنك الذين يسرعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا ~~يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة ولهم عذاب عظيم قوله تعالى: (ولا ~~يخزنك الذين يسارعون في الكفر) هؤلاء قوم أسلموا ثم ارتدوا خوفا من ~~المشركين، فاغتم النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل: " ولا يحزنك ~~الذين يسارعون في الكفر ". وقال الكلبي: يعني به المنافقين ورؤساء اليهود، ~~كتموا صفة النبي صلى الله عليه وسلم في الكتاب فنزلت. ويقال: إن أهل الكتاب ~~لما لم يؤمنوا شق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لان الناس ينظرون ~~إليهم ويقولون إنهم أهل كتاب، فلو كان قوله حقا لاتبعوه، فنزلت " ولا يحزنك ~~". قراءة نافع بضم الياء وكسر ms1538 الزاي حيث وقع إلا في - الأنبياء - " لا ~~يحزنهم الفزع الأكبر " (5) فإنه بفتح الياء وبضم الزاي. وضده أبو جعفر. ~~وقرأ ابن محيصن كلها بضم الياء و [كسر] (6) الزاي. والباقون كلها بفتح ~~الياء وضم الزاي. # PageV04P284 # وهما لغتان: حزنني الامر يحزنني، وأحزنني أيضا وهي [لغة] (1) قليلة، ~~والأولى أفصح اللغتين، قاله النحاس. وقال الشاعر في " أحزن ": # * مضى صحبي وأحزنني الديار * وقراءة العامة " يسارعون ". وقرأ طلحة " ~~يسرعون في الكفر ". قال الضحاك: هم كفار قريش. وقال غيره: هم المنافقون. ~~وقيل: هو ما ذكرناه قبل. وقيل: هو عام في جميع الكفار. ومسارعتهم في الكفر ~~المظاهرة على محمد صلى الله عليه وسلم. قال القشيري: # والحزن على كفر الكافر طاعة، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفرط في ~~الحزن على كفر قومه، فنهي عن ذلك، كما قال: " فلا تذهب نفسك عليهم حسرات " ~~[فاطر: 8] (2) وقال: " فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا ~~الحديث أسفا " [الكهف: 6] (3). # إنهم لن يضروا الله شيئا) أي لا ينقصون من ملك الله وسلطانه شيئا، يعني ~~لا ينقص بكفرهم. وكما روي عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما روى ~~عن الله تبارك وتعالى أنه قال: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته ~~بينكم محرما فلا تظالموا. يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم. ~~يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم. يا عبادي كلكم عار ~~إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم. يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا ~~أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم. يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري ~~فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني. يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم ~~وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا. يا عبادي ~~لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك ~~من ملكي شيئا. # يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني ~~فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي ms1539 إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل ~~البحر. يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا ~~فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه). خرجه مسلم في صحيحه ~~والترمذي وغيرهما، وهو حديث عظيم فيه طول # PageV04P285 # يكتب كله. وقيل: معنى " لن يضروا الله شيئا " أي لن يضروا أولياء الله ~~حين تركوا نصرهم إذ كان الله عز وجل ناصرهم. # قوله تعالى: (يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة ولهم عذاب عظيم) أي ~~نصيبا. # والحظ النصيب والجد. يقال: فلان أحظ من فلان، وهو محظوظ. وجمع الحظ أحاظ ~~على غير قياس (1). قال أبو زيد: يقال رجل حظيظ، أي جديد إذا كان ذا حظ من ~~الرزق. # وحظظت في الامر أحظ. وربما جمع الحظ أحظا. أي لا يجعل لهم نصيبا في ~~الجنة. # وهو نص في أن الخير والشر بإرادة الله تعالى. # قوله تعالى: إن الذين اشتروا الكفر بالأيمن لن يضروا الله شيئا ولهم عذاب ~~أليم (177) قوله تعالى: (إن الذين اشتروا الكفر بالايمان) تقدم في البقرة ~~(2). (لن يضروا الله شيئا) كرر للتأكيد. وقيل: أي من سوء تدبيره استبدال ~~الايمان بالكفر وبيعه به، فلا يخاف جانبه ولا تدبيره. وانتصب " شيئا " في ~~الموضعين لوقوعه موقع المصدر، كأنه قال: لن يضروا الله ضررا قليلا ولا ~~كثيرا. ويجوز انتصابه على تقدير حذف الباء، كأنه قال: لن يضروا الله بشئ. # قوله تعالى: ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي ~~لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين (178) قوله تعالى: (ولا يحسبن الذين ~~كفروا إنما نملي لهم خير لأنفسهم) الاملاء طول العمر ورغد العيش. والمعنى: ~~لا يحسبن هؤلاء الذين يخوفون المسلمين، فإن الله قادر # PageV04P286 # على إهلاكهم، وإنما يطول أعمارهم ليعملوا بالمعاصي، لا لأنه خير لهم. ~~ويقال: " أنما نملي لهم " بما أصابوا من الظفر يوم أحد لم يكن ذلك خيرا ~~لأنفسهم، وإنما كان ذلك ليزدادوا عقوبة. وروي عن ابن مسعود أنه قال: ما من ~~أحد بر ولا فاجر إلا والموت خير له، لأنه إن كان ms1540 برا فقد قال الله تعالى: " ~~وما عند الله خير للأبرار " [آل عمران: 198] (1) وإن كان فاجرا فقد قال ~~الله: (إنما نملي لهم ليزدادوا وإثما) وقرأ ابن عامر وعاصم " لا يحسبن " ~~بالياء ونصب السين. وقرأ حمزة: بالتاء ونصب السين. والباقون: بالياء وكسر ~~السين. فمن قرأ بالياء فالذين فاعلون. أي فلا يحسبن الكفار. و " أنما نملي ~~لهم خير لأنفسهم " تسد مسد المفعولين. و " ما " بمعنى الذي، والعائد محذوف، ~~و " خير " خبر " أن ". ويجوز أن تقدر " ما " والفعل مصدرا، والتقدير ولا ~~يحسبن الذين كفروا أن إملاءنا لهم خير لأنفسهم. ومن قرأ بالتاء فالفاعل هو ~~المخاطب، وهو محمد صلى الله عليه وسلم. و " الذين " نصب على المفعول الأول ~~لتحسب. وأن وما بعدها بدل من الذين، وهي تسد مسد المفعولين، كما تسد لو لم ~~تكن بدلا. # ولا يصلح أن تكون " أن " وما بعدها مفعولا ثانيا لتحسب، لان المفعول ~~الثاني في هذا الباب هو الأول في المعنى، لان حسب وأخواتها داخلة على ~~المبتدأ والخبر، فيكون التقدير، ولا تحسبن أنما نملي لهم خير. هذا قول ~~الزجاج. وقال أبو علي: لو صح هذا لقال " خيرا " بالنصب، لان " أن " تصير ~~بدلا من " الذين كفروا "، فكأنه قال: لا تحسبن إملاء الذين كفروا خيرا، ~~فقوله " خيرا " هو المفعول الثاني لحسب. فإذا لا يجوز أن يقرأ " لا تحسبن " ~~بالتاء إلا أن تكسر " إن " في " أنما " وتنصب خيرا، ولم يرو ذلك عن حمزة، ~~والقراءة عن حمزة بالتاء، فلا تصح هذه القراءة إذا. وقال الفراء والكسائي: ~~قراءة حمزة جائزة على التكرير، تقديره ولا تحسبن الذين كفروا، ولا تحسبن ~~أنما نملي لهم خيرا، فسدت " أن " مسد المفعولين لتحسب الثاني، وهي وما عملت ~~مفعول ثان لتحسب الأول. قال القشيري: وهذا قريب مما ذكره الزجاج في دعوى ~~البدل، والقراءة صحيحة. فإذا غرض أبي علي تغليط الزجاج. قال النحاس: وزعم ~~أبو حاتم أن قراءة حمزة بالتاء هنا، وقوله: " ولا يحسبن الذين يبخلون " [آل ~~عمران: 180] لحن لا يجوز. وتبعه على ذلك جماعة. # PageV04P287 # قلت: وهذا ليس بشئ، لما تقدم بيانه من ms1541 الاعراب، ولصحة القراءة وثبوتها ~~نقلا. # وقرأ يحيى بن وثاب " إنما نملي لهم " بكسر إن فيهما جميعا. قال أبو جعفر: ~~وقراءة يحيي حسنة. كما تقول: حسبت عمرا أبوه خالد. قال أبو حاتم وسمعت ~~الأخفش يذكر كسر " إن " يحتج به لأهل القدر، لأنه كان منهم. ويجعل على ~~التقديم والتأخير " ولا يحسبن الذين كفروا إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ~~إنما نملي لهم خير لأنفسهم ". قال: ورأيت في مصحف في المسجد الجامع قد ~~زادوا فيه حرفا فصار " إنما نملي لهم إيمانا " فنظر إليه يعقوب القارئ ~~فتبين اللحن فحكه. والآية نص في بطلان مذهب القدرية، لأنه أخبر أنه يطيل ~~أعمارهم ليزدادوا الكفر بعمل المعاصي، وتوالي أمثاله على القلب. كما تقدم ~~بيانه في ضده وهو الايمان. # وعن ابن عباس قال: ما من بر ولا فاجر إلا والموت خير له ثم تلا " إنما ~~نملي لهم ليزدادوا إثما " وتلا " وما عند الله خير للأبرار " أخرجه رزين. # قوله تعالى: ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث ~~من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء ~~فأمنوا بالله ورسوله وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم (179) قال أبو ~~العالية: سأل المؤمنون أن يعطوا علامة يفرقون بها بين المؤمن والمنافق، ~~فأنزل الله عز وجل (ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه) الآية. ~~واختلفوا من المخاطب بالآية على أقوال. فقال ابن عباس والضحاك ومقاتل ~~والكلبي وأكثر المفسرين: الخطاب للكفار والمنافقين. أي ما كان الله ليذر ~~المؤمنين على ما أنتم عليه من الكفر والنفاق وعداوة النبي صلى الله عليه ~~وسلم. قال الكلبي: إن قريشا من أهل مكة قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ~~الرجل منا تزعم أنه في النار، وأنه إذا ترك ديننا واتبع دينك قلت هو من أهل ~~الجنة! فأخبرنا عن هذا من أين هو؟ وأخبرنا من يأتيك منا؟ ومن لم يأتك؟. ~~فأنزل الله عز وجل " ما كان الله ليذر PageV04P288 # المؤمنين على ما أنتم عليه " من الكفر والنفاق. " حتى يميز ms1542 الخبيب من ~~الطيب ". وقيل: هو خطاب للمشركين. والمراد بالمؤمنين في قوله: " ليذر ~~المؤمنين " من في الأصلاب والأرحام ممن يؤمن. أي ما كان الله ليذر أولادكم ~~الذين حكم لهم بالايمان على ما أنتم عليه من الشرك، حتى يفرق بينكم وبينهم، ~~وعلى هذا (وما كان الله ليطلعكم) كلام مستأنف. وهو قول ابن عباس وأكثر ~~المفسرين. وقيل: الخطاب للمؤمنين. أي وما كان الله ليذركم يا معشر المؤمنين ~~على ما أنتم عليه من اختلاط المؤمن بالمنافق، حتى يميز بينكم بالمحنة ~~والتكليف، فتعرفوا المنافق الخبيث، والمؤمن الطيب. وقد ميز يوم أحد بين ~~الفريقين. وهذا قول أكثر أهل المعاني. (وما كان الله ليطلعكم على الغيب) يا ~~معشر المؤمنين. أي ما كان الله ليعين لكم المنافقين حتى تعرفوهم، ولكن يظهر ~~ذلك لكم بالتكليف والمحنة، وقد ظهر ذلك في يوم أحد، فإن المنافقين تخلفوا ~~وأظهروا الشماتة، فما كنتم تعرفون هذا الغيب قبل هذا، فالآن قد أطلع الله ~~محمدا عليه السلام وصحبه على ذلك. وقيل: معنى " ليطلعكم " أي وما كان ~~[الله] (1) ليعلمكم ما يكون منهم. فقوله: " وما كان الله ليطلعكم [على ~~الغيب] (1) " على هذا متصل، وعلى القولين الأولين منقطع. وذلك أن الكفار ~~لما قالوا: لم لم يوح إلينا؟ قال: " وما كان الله ليطلعكم على الغيب " أي ~~على من يستحق النبوة، حتى يكون الوحي باختياركم. (ولكن الله يجتبي) أي ~~يختار (من رسله) لاطلاع غيبه (من يشاء) يقال: طلعت على كذا واطلعت [عليه] ~~(1)، وأطلعت عليه غيري، فهو لازم ومتعد. وقرئ " حتى يميز " بالتشديد من ~~ميز، وكذا في " الأنفال " (2) وهي قراءة حمزة. والباقون " يميز " بالتخفيف ~~من ماز يميز. يقال: مزت الشئ بعضه من بعض أميزه ميزا، وميزته تمييزا. قال ~~أبو معاذ: مزت الشئ أميزه ميزا إذا فرقت بين شيئين. فإن كانت أشياء قلت: ~~ميزتها تمييزا. ومثله إذا جعلت الواحد شيئين قلت: فرقت بينهما، مخففا، ومنه ~~فرق الشعر. فإن جعلته أشياء قلت: فرقته تفريقا. # قلت: ومنه امتاز القوم، تميز بعضهم عن بعض. ويكاد يتميز: يتقطع، وبهذا ~~فسر قوله تعالى: " تكاد تميز من الغيظ ms1543 " [الملك: 8] (3) وفي الخبر (من ماز ~~أذى عن الطريق فهو له صدقة). # PageV04P289 # قوله تعالى: (فآمنوا بالله ورسله) يقال: إن الكفار لما سألوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أن يبين لهم من (1) يؤمن منهم، فأنزل الله " فآمنوا ~~بالله ورسله " يعني لا تشتغلوا بما لا يعنيكم، واشتغلوا بما يعنيكم وهو ~~الايمان. (فآمنوا) أي صدقوا، أي عليكم التصديق لا التشوف إلى اطلاع الغيب. ~~(وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم) أي الجنة. ويذكر أن رجلا كان عند الحجاج ~~بن يوسف الثقفي منجما، فأخذ الحجاج حصيات بيده قد عرف عددها فقال للمنجم: ~~كم في يدي؟ فحسب فأصاب المنجم. فأغفله الحجاج وأخذ حصيات لم يعدهن فقال ~~للمنجم: كم في يدي؟ فحسب فأخطأ، ثم حسب أيضا فأخطأ، فقال: # أيها الأمير، أظنك لا تعرف عدد ما في يدك؟ قال لا: قال: فما الفرق ~~بينهما؟ فقال: # إن ذاك أحصيته فخرج عن حد الغيب، فحسبت فأصبت، وإن هذا لم تعرف عددها ~~فصار غيبا، ولا يعلم الغيب إلا الله تعالى. وسيأتي هذا الباب في " الانعام ~~" (2) إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم ~~بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيمة ولله ميراث السماوات والأرض ~~والله بما تعملون خبير (180) فيه أربع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (ولا يحسبن الذين) " الذين " (3) في موضع رفع، ~~والمفعول الأول محذوف. # قال الخليل وسيبويه والفراء: المعنى البخل خيرا لهم، أي لا يحسبن ~~الباخلون البخل خيرا لهم. وإنما حذف لدلالة يبخلون على البخل، وهو كقوله: ~~من صدق كان خيرا له. أي كان الصدق خيرا له. ومن هذا قول الشاعر: # إذا نهي السفيه جرى إليه * وخالف والسفيه إلى خلاف فالمعنى: جرى: إلى ~~السفه، فالسفيه دل على السفه. وأما قراءة حمزة بالتاء فبعيدة جدا، قاله ~~النحاس. وجوازها أن يكون التقدير: لا تحسبن بخل الذين يبخلون هو خيرا لهم. ~~قال # PageV04P290 # الزجاج: وهي مثل " واسأل القرية ". و " هو " في قوله " هو خيرا لهم " ~~فاصلة عند البصريين. وهي العماد عند الكوفيين. ms1544 قال النحاس: ويجوز في ~~العربية " هو خير لهم " ابتداء وخبر. # الثانية - قوله تعالى: (بل هو شر لهم) ابتداء وخبر، أي البخل شر لهم. ~~والسين في " سيطوقون " سين الوعيد، أي سوف يطوقون، قاله المبرد. وهذه الآية ~~نزلت في البخل بالمال والانفاق في سبيل الله، وأداء الزكاة المفروضة. وهذه ~~كقوله: " ولا ينفقونها في سبيل الله " [التوبة: 34] الآية. ذهب إلى هذا ~~جماعة من المتأولين، منهم ابن مسعود وابن عباس وأبو وائل وأبو مالك والسدي ~~والشعبي قالوا: ومعنى (سيطوقون ما بخلوا به) هو الذي ورد في الحديث عن أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته ~~مثل له يوم القيامة شجاعا (1) أقرع (2) له زبيبتان (3) يطوقه يوم القيامة ~~ثم يأخذ بلهزمتيه (4) ثم يقول أنا مالك أنا كنزك - ثم تلا هذه الآية - " ~~ولا يحسبن الذين يبخلون " الآية. # أخرجه النسائي (5). وخرجه ابن ماجة عن ابن مسعود عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: # (ما من أحد لا يؤدي زكاة ماله إلا مثل له يوم القيامة شجاع أقرع حتى يطوق ~~به في عنقه) ثم قرأ علينا النبي صلى الله عليه وسلم مصداقه من كتاب الله ~~تعالى: " ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله " الآية. وجاء عنه ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما من ذي رحم يأتي ذا رحمه فيسأله من فضل ما ~~عنده فيبخل به عليه إلا أخرج له يوم القيامة شجاع من النار يتلمظ (6) حتى ~~يطوقه). وقال ابن عباس أيضا: إنما نزلت في أهل الكتاب وبخلهم ببيان ما ~~علموه من أمر محمد صلى الله عليه وسلم. وقال ذلك مجاهد وجماعة من أهل ~~العلم. ومعنى " سيطوقون " على هذا التأويل سيحملون عقاب ما بخلوا به، فهو ~~من الطاقة كما قال تعالى: " وعلى الذين # PageV04P291 # يطيقونه " [البقرة: 184] وليس من التطويق. وقال إبراهيم النخعي: معنى " ~~سيطوقون " سيجعل لهم يوم القيامة طوق من النار. وهذا يجري مع التأويل الأول ~~[أي] (1) قول السدي. وقيل: # يلزمون أعمالهم كما يلزم الطوق العنق، يقال: طوق ms1545 فلان عمله طوق الحمامة، ~~أي ألزم عمله. # وقد قال تعالى: " وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه " [الاسراء: 13] (2). ~~ومن هذا المعنى قول عبد الله ابن جحش لأبي سفيان: # أبلغ أبا سفيان عن * أمر عواقبه ندامه دار (3) ابن عمك بعتها * تقتضي بها ~~عنك الغرامه وحليفكم بالله رب * الناس مجتهد القسامة اذهب بها أذهب بها * ~~طوقتها طوق الحمامة وهذا يجري مع التأويل الثاني. والبخل والبخل في اللغة ~~أن يمنع الانسال الحق الواجب عليه؟؟. # فأما من منع مالا يجب عليه فليس ببخيل، لأنه لا يذم بذلك. وأهل الحجاز ~~يقولون: # يبخلون وقد بخلوا. وسائر العرب يقولون: بخلوا يبخلون، حكاه النحاس. وبخل ~~يبخل بخلا وبخلا، عن ابن فارس. # الثالثة - في ثمرة البخل وفائدته. وهو ما روي أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال للأنصار: (من سيدكم؟) قالوا الجد بن قيس على بخل فيه. فقال صلى ~~الله عليه وسلم: # (وأي داء أدوى (4) من البخل) قالوا: وكيف ذاك يا رسول الله؟ قال: (إن ~~قوما نزلوا بساحل البحر فكرهوا لبخلهم نزول الأضياف بهم فقالوا: ليبعد ~~الرجال منا عن النساء حتى يعتذر الرجال إلى الأضياف ببعد النساء، وتعتذر ~~النساء ببعد الرجال، ففعلوا وطال ذلك بهم فاشتغل الرجال بالرجال والنساء ~~بالنساء) ذكره الماوردي في كتاب " أدب الدنيا والدين ". # والله أعلم. # PageV04P292 # الرابعة - واختلف في البخل والشح، هل هما بمعنى واحد أو بمعنيين. فقيل: ~~البخل الامتناع من إخراج ما حصل عندك. والشح: الحرص على تحصيل ما ليس عندك. ~~وقيل: إن الشح هو البخل مع حرص. وهو الصحيح لما رواه مسلم عن جابر بن عبد ~~الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات ~~يوم القيامة واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا ~~دماءهم واستحلوا محارمهم). وهذا يرد قول من قال: إن البخل منع الواجب، ~~والشح منع المستحب. إذ لو كان الشح منع المستحب لما دخل تحت هذا الوعيد ~~العظيم، والذم الشديد الذي فيه هلاك الدنيا والآخرة (1) . ويؤيد هذا المعنى ~~ما رواه النسائي عن ms1546 أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم (لا يجتمع غبار ~~في سبيل الله ودخان جهنم في منخري رجل مسلم أبدأ ولا يجتمع شح وإيمان في ~~قلب رجل مسلم أبدا). وهذا يدل على أن الشح أشد في الذم من البخل، إلا أنه ~~قد جاء ما يدل على مساواتهما وهو قوله - وقد سئل، أيكون المؤمن بخيلا؟ قال: ~~(لا) وذكر الماوردي في كتاب " أدب الدنيا والدين " أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال للأنصار: (من سيدكم) قالوا: الجد بن قيس على بخل فيه، الحديث. وقد ~~تقدم. # قوله تعالى: (ولله ميراث السماوات والأرض) أخبر تعالى ببقائه ودوام ملكه. # وأنه في الأبد كهو في الأزل غني عن العالمين، فيرث الأرض بعد فناء خلقه ~~وزوال أملاكهم، فتبقى الأملاك والأموال لا مدعى فيها. # فجرى هذا مجرى الوراثة في عادة الخلق، وليس هذا بميراث في الحقيقة، لان ~~الوارث (2) في الحقيقة هو الذي يرث شيئا لم يكن ملكه من قبل، والله سبحانه ~~وتعالى مالك السماوات والأرض وما بينهما، وكانت السماوات وما فيها، والأرض ~~وما فيها له، وإن الأموال كانت عارية عند أربابها، فإذا ماتوا ردت العارية ~~إلى صاحبها الذي كانت له في الأصل. ونظير هذه الآية قوله تعالى: " إنا نحن ~~نرث الأرض ومن عليها " [مريم: 40] (3) الآية. والمعنى في الآيتين أن الله ~~تعالى أمر عباده بأن ينفقوا ولا يبخلوا قبل أن يموتوا ويتركوا ذلك ميراثا ~~لله تعالى، ولا ينفعهم إلا ما أنفقوا. # PageV04P293 # قوله تعالى: لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء ~~سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق (181) ذلك ~~بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد (182) قوله تعالى: (لقد سمع ~~الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء) ذكر تعالى قبيح قول الكفار ~~لا سيما اليهود. وقال أهل التفسير: لما أنزل الله " من ذا الذي يقرض الله ~~قرضا حسنا " [البقرة: 245] (1) قال قوم من اليهود - منهم حيي بن أخطب، في ~~قول الحسن. وقال عكرمة وغيره: هو فنحاص بن عازوراء - إن ms1547 الله فقير ونحن ~~أغنياء يقترض منا. وإنما قالوا هذا تمويها على ضعفائهم، لا أنهم يعتقدون ~~هذا، لأنهم أهل كتاب. ولكنهم كفروا بهذا القول، لأنهم أرادوا تشكيك الضعفاء ~~منهم ومن المؤمنين، وتكذيب النبي صلى الله عليه وسلم. # أي إنه فقير على قول محمد صلى الله عليه وسلم، لأنه اقترض منا. (سنكتب ما ~~قالوا سنجازيهم عليه. وقيل: سنكتبه في صحائف أعمالهم، أي نأمر الحفظة ~~بإثبات قولهم حتى يقرؤوه يوم القيامة في كتبهم التي يؤتونها، حتى يكون أوكد ~~للحجة عليهم. وهذا كقوله: # " وإنا له كاتبون " [الأنبياء: 94] (2). وقيل: مقصود الكتابة الحفظ، أي ~~سنحفظ ما قالوا لنجازيهم. # " وما " في قوله " ما قالوا " في موضع نصب ب‍ " سنكتب ". وقرأ الأعمش ~~وحمزة " سيكتب " بالياء، فيكون " ما " اسم ما لم يسم فاعله. واعتبر حمزة ~~ذلك بقراءة ابن مسعود: # " ويقال ذوقوا عذاب الحريق ". # قوله تعالى: (وقتلهم الأنبياء بغير حق) أي ونكتب قتلهم الأنبياء، أي ~~رضاهم بالقتل. # والمراد قتل أسلافهم الأنبياء، لكن لما رضوا بذلك صحت الإضافة إليهم. ~~وحسن رجل عند الشعبي، قتل عثمان رضي الله عنه فقال له الشعبي: شركت في دمه. ~~فجعل الرضا بالقتل قتلا، رضي الله عنه. # PageV04P294 # قلت: وهذه مسألة عظمي، حيث يكون الرضا بالمعصية معصية. وقد روى أبو داود ~~عن، العرس بن عميرة الكندي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا عملت ~~الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها - وقال مرة فأنكرها - كمن غاب عنها ~~ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها). وهذا نص. قوله تعالى: (بغير حق) تقدم ~~معناه في القرة (1) (ونقول ذوقوا عذاب الحريق) أي يقال لهم في جهنم، أو عند ~~الموت، أو عند الحساب هذا. ثم هذا القول من الله تعالى، أو من الملائكة، ~~قولان. وقراءة ابن مسعود " ويقال ". # والحريق اسم للملتهبة من النار، والنار تشمل الملتهبة وغير الملتهبة. ~~(ذلك بما قدمت أيديكم) أي ذلك العذاب بما سلف من الذنوب. وخص الأيدي بالذكر ~~ليدل على تولي الفعل ومباشرته، إذ قد يضاف الفعل إلى الانسان بمعنى أنه أمر ~~به، كقوله: # " يذبح أبناءهم " [القصص: ms1548 4] (2) وأصل " أيديكم " أيديكم فحذفت الضمة ~~لثقلها. والله أعلم. # قوله تعالى: الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا ~~بقربان تأكله النار قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم ~~قتلتموهم إن كنتم صادقين (183) فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاءوا ~~بالبينات والزبر والكتاب المنير (184) قوله تعالى: (الذين) في موضع خفض ~~بدلا من " الذين " في قوله عز وجل " لقد سمع الله قول الذين قالوا " أو نعت ~~" للعبيد " أو خبر ابتداء، أي هم الذين قالوا. # وقال الكلب وغيره. نزلت في كعب بن الأشرف، ومالك بن الصيف، ووهب بن ~~يهوذا، وفنحاص بن عازوراء وجماعة أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا ~~له: أتزعم أن الله أرسلك إلينا، وأنه أنزل علينا كتابا عهد إلينا فيه ألا ~~نؤمن لرسول يزعم أنه من عند الله حتى يأتينا بقربان تأكله النار، فإن جئتنا ~~به صدقناك. فأنزل الله هذه الآية. فقيل: كان هذا في التوراة، ولكن كان تمام ~~الكلام: حتى يأتيكم المسيح ومحمد فإذا أتياكم فآمنوا بهما من غير قربان. # PageV04P295 # وقيل: كان أمر القرابين ثابتا إلى أن نسخت على لسان عيسى بن مريم. وكان ~~النبي منهم يذبح ويدعو فتنزل نار بيضاء لها دوي وحفيف لا دخان لها، فتأكل ~~القربان. فكان هذا القول دعوى من اليهود، إذ كان ثم استثناء فأخفوه، أو ~~نسخ، فكانوا في تمسكهم بذلك متعنتين، ومعجزات النبي صلى الله عليه وسلم ~~دليل قاطع في إبطال دعواهم، وكذلك معجزات عيسى، ومن وجب صدقه وجب تصديقه. ~~ثم قال تعالى: إقامة للحجة عليهم: (قل) يا محمد (قد جاءكم) يا معشر اليهود ~~(رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم) من القربان (فلم قتلتموهم إن كنتم ~~صادقين) يعني زكريا ويحيى وشعيا، وسائر من قتلوا من الأنبياء عليهم السلام ~~ولم تؤمنوا بهم. أراد بذلك أسلافهم. وهذه الآية هي التي تلاها عامر الشعبي ~~رضي الله عنه، فأحتج بها على الذي حسن قتل عثمان رضي الله عنه كما بيناه. ~~وأن الله تعالى سمى اليهود قتلة لرضاهم بفعل أسلافهم، وإن ms1549 كان بينهم نحو من ~~سبعمائة سنة. والقربان ما يتقرب به إلى الله تعالى من نسك (1) وصدقة وعمل ~~صالح، وهو فعلان من القربة. ويكون اسما ومصدرا، فمثال الاسم السلطان ~~والبرهان. والمصدر العدوان والخسران. وكان عيسى ابن عمر يقرأ " بقربان " ~~بضم الراء اتباعا لضمة القاف، كما قيل في جمع ظلمة: ظلمات، وفي حجرة حجرات. ~~ثم قال تعالى معزيا لنبيه ومؤنسا له. (فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاءوا ~~بالبينات) أي بالدلالات. (والزبر) أي الكتب المزبورة، يعني المكتوبة. ~~والزبر جمع زبور وهو الكتاب. وأصله من زبرت أي كتبت. وكل زبور فهو كتاب، ~~قال امرؤ القيس: # لمن طلل أبصرته فشجاني * كخط زبور في عسيب (2) يماني وأنا أعرف تزبرتي أي ~~كتابتي. وقيل: الزبور من الزبر بمعنى الزجر. وزبرت الرجل انتهرته. # وزبرت البئر: طويتها بالحجارة. وقرأ ابن عامر " بالزبر وبالكتاب المنير " ~~بزيادة باء في الكلمتين (3). وكذلك هو في مصاحف أهل الشام. (والكتاب ~~المنير) أي الواضح المضئ، من قولك: أنرت الشئ أنيره، أي أوضحته: يقال: نار ~~الشئ وأناره ونوره واستناره بمعنى، # PageV04P296 # وكل واحد منهما لازم ومتعد. وجمع بين الزبر والكتاب - وهما بمعنى - ~~لاختلاف لفظهما، وأصلها كما ذكرنا. # قوله تعالى: كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيمة فمن زحزح ~~عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متع الغرور (185). # فيه سبع (1) مسائل: # الأولى - لما أخبر جل وتعالى عن الباخلين وكفرهم في قولهم: " إن الله ~~فقير ونحن أغنياء " وأمر المؤمنين بالصبر على أذاهم في قوله: " لتبلون " ~~[آل عمران: 186] الآية - بين أن ذلك مما ينقضي ولا يدوم، فإن أمد الدنيا ~~قريب، ويوم القيامة يوم الجزاء. (ذائقة الموت) من الذوق، وهذا مما لا محيص ~~عنه للانسان، ولا محيد عنه لحيوان. وقد قال أمية بن أبي الصلت: # من لم يمت عبطة (2) يمت هرما * للموت كأس والمرء ذائقها وقال آخر: # الموت باب وكل الناس داخله * فليت شعري بعد الباب ما الدار الثانية - ~~قراءة العامة " ذائقة الموت " بالإضافة. وقرأ الأعمش ويحيى وابن أبي إسحاق ~~" ذائقة الموت " بالتنوين ونصب الموت. ms1550 قالوا: لأنها لم تذق بعد. وذلك أن ~~اسم الفاعل على ضربين: أحدهما أن يكون بمعنى المضي. والثاني بمعنى ~~الاستقبال، فإن أردت الأول لم يكن فيه إلا الإضافة إلى ما بعده، كقولك: هذا ~~ضارب زيد أمس، وقاتل بكر أمس، لأنه يجري مجرى الاسم الجامد وهو العلم، نحو ~~غلام زيد، وصاحب بكر. قال الشاعر: # الحافظو عورة العشيرة لا يأتيهم * من ورائهم وكف (3) # PageV04P297 # وإن أردت الثاني جاز الجر. والنصب والتنوين فيما هذا سبيله هو الأصل، ~~لأنه يجري مجرى الفعل المضارع فإن كان الفعل غير متعد، لم يتعد نحو قاتم ~~زيد. وإن كان متعديا عديته ونصبت به، فتقول. زيد ضارب عمروا بمعنى يضرب ~~عمروا. ويجوز حذف التنوين والإضافة تخفيفا، كما قال المرار ": # سل الهموم بكل معطي رأسه * ناج مخالط صهبة متعيس (1) مغتال أحبله مبين ~~عنقه * في منكب زبن المطي عرندس (2) [فحذف التنوين تخفيفا، والأصل: معط ~~رأسه بالتنوين والنصب، ومثل هذا أيضا في التنزيل قوله تعالى: " هل هن ~~كاشفات ضره " [الزمر: 38] وما كان مثله] (3). # الثالثة - ثم اعلم أن للموت أسبابا وأمارات، فمن علامات موت المؤمن عرق ~~الجبين. # أخرجه النسائي من حديث بريدة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: " المؤمن يموت بعرق الجبين ". وقد بيناه في " التذكرة " فإذا احتضر ~~لقن الشهادة، لقوله عليه السلام: # (لقنوا موتاكم لا إله إلا الله) لتكون آخر كلامه فيختم له بالشهادة، ولا ~~يعاد عليه منها لئلا يضجر. ويستحب قراءة " يس " ذلك الوقت، لقوله عليه ~~السلام: " اقرؤوا يس على موتاكم " أخرجه أبو داود. وذكر الآجري في كتاب ~~النصيحة من حديث أم الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من ميت ~~يقرأ عنده سورة يس إلا هون عليه الموت). فإذا قضي وتبع البصر الروح - كما ~~أخبر صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم - وارتفعت العبادات وزال التكليف، ~~توجهت على الاحياء أحكام، منها: تغميضه. وإعلام إخوانه الصلحاء بموته. ~~وكرهه قوم وقالوا: هو من النعي. والأول أصح، وقد بيناه في غير هذا الموضع. ~~ومنها الاخذ في تجهيزه بالغسل والدفن لئلا ms1551 يسرع إليه التغير، قال صلى الله ~~عليه وسلم لقوم أخروا دفن ميتهم: (عجلوا بدفن جيفتكم) وقال: (أسرعوا ~~بالجنازة) الحديث، وسيأتي. # PageV04P298 # الثالثة - فأما غسله فهو سنة لجميع المسلمين حاشا الشهيد على ما تقدم. ~~وقيل: غسله واجب. قاله القاضي عبد الوهاب. والأول: مذهب الكتاب (1)، وعلى ~~هذين القولين العلماء. # وسبب الخلاف قوله عليه السلام لام عطية في غسلها ابنته زينب، على ما في ~~كتاب مسلم. # وقيل: هي أم كلثوم، على ما في كتاب أبي داود: (اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو ~~أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك) الحديث. وهو الأصل عند العلماء في غسل الموتى. ~~فقيل: المراد بهذا الامر بيان حكم الغسل فيكون واجبا. وقيل: المقصود منه ~~تعليم كيفية الغسل فلا يكون فيه ما يدل على الوجوب. قالوا ويدل عليه قوله: ~~(إن رأيتن ذلك) وهذا يقتضي إخراج ظاهر الامر عن الوجوب، لأنه فوضه إلى ~~نظرهن. قيل لهم: هذا فيه بعد، لان ردك (إن رأيتن) إلى الامر، ليس السابق ~~إلى الفهم بل السابق رجوع هذا الشرط إلى أقرب مذكور، وهو (أكثر من ذلك) أو ~~إلى التخيير في الاعداد. وعلى الجملة فلا خلاف في أن غسل الميت مشروع معمول ~~به في الشريعة لا يترك. وصفته كصفة غسل الجنابة على ما هو معروف. ولا يجاوز ~~السبع غسلات في غسل الميت بإجماع، على ما حكاه أبو عمر. فإن خرج منه شئ بعد ~~السبع غسل الموضع وحده، وحكمه حكم الجنب إذا أحدث بعد غسله. # فإذا فرغ من غسله كفنه في ثيابه وهي: # الرابعة - والتكفين واجب عند عامة العلماء، فإن كان له مال فمن رأس ماله ~~عند عامة العلماء، إلا ما حكي عن طاوس أنه قال: من الثلث كان المال قليلا ~~أو كثيرا. # فإن كان الميت ممن تلزم غيره نفقته في حياته من سيد - إن كان عبدا - أو ~~أب أو زوج أو ابن، فعلى السيد باتفاق، وعلى الزوج والأب والابن باختلاف. ثم ~~على بيت المال أو على جماعة المسلمين على الكفاية. والذي يتعين منه بتعيين ~~الفرض ستر العورة، فإن كان ms1552 فيه فضل غير أنه لا يعم جميع الجسد غطى رأسه ~~ووجهه، إكراما لوجهه وسترا لما يظهر من تغير محاسنه. والأصل في هذا قصة ~~مصعب بن عمير، فإنه ترك يوم أحد نمرة (2) كان # PageV04P299 # إذا غطى رأسه خرجت رجلاه، وإذا غطي رجلاه خرج رأسه، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: (ضعوها مما يلي رأسه واجعلوا على رجليه من الإذخر) (1) ~~أخرج الحديث مسلم. # والوتر مستحب عند كافة العلماء في الكفن، وكلهم مجمعون على أنه ليس فيه ~~حد. والمستحب منه البياض قال صلى الله عليه وسلم: # (البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم) أخرجه ~~أبو داود. # وكفن صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب بيض سحولية من كرسف (2). والكفن ~~في غير البياض جائز إلا أن يكون حريرا أو خزا. فإن تشاح الورثة في الكفن ~~قضي عليهم في مثل لباسه في جمعته وأعياده قال صلى الله عليه وسلم: (إذا كفن ~~أحدكم أخاه فليحسن كفنه) أخرجه مسلم. إلا أن يوصي بأقل من ذلك. فإن أوصى ~~بسرف قيل: يبطل الزائد. وقيل: يكون في الثلث. والأول أصح، لقوله تعالى: # (ولا تسرفوا) [الانعام: 141] (3). وقال أبو بكر: إنه للمهلة (4). فإذا ~~فرغ من غسله وتكفينه ووضع على سريره واحتمله الرجال على أعناقهم وهي: # الخامسة - فالحكم الاسراع في المشي، لقوله عليه السلام: (أسرعوا بالجنازة ~~فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه وإن تكن غير ذلك فشر تضعونه عن رقابكم). ~~لا كما يفعله اليوم الجهال في المشي رويدا والوقوف بها المرة بعد المرة، ~~وقراءة القرآن بالألحان إل ما لا يحل ولا يجوز حسب ما يفعله أهل الديار ~~المصرية بموتاهم. روى النسائي: أخبرنا محمد بن عبد الاعلى قال حدثنا خالد ~~قال أنبأنا عيينة بن عبد الرحمن قال حدثني أبي قال: شهدت جنازة عبد الرحمن ~~بن سمرة وخرج زياد يمشي بين يدي السرير، فجعل رجال من أهل عبد الرحمن ~~ومواليهم يستقبلون السرير ويمشون على أعقابهم ويقولون: رويدا رويدا، بارك ~~الله فيكم! # فكانوا يدبون دبيبا، حتى إذا كنا ببعض طريق المريد (5) لحقنا ms1553 أبو بكرة ~~رضي الله عنه على بغلة فلما # PageV04P300 # رأى الذين يصنعون حمل عليهم ببغلته وأهوى إليهم بالسوط فقال: خلوا! ~~فوالذي أكرم وجه أبي القاسم صلى الله عليه وسلم لقد رأينا مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وإنها لنكاد نرمل بها رملا، فانبسط القوم. وروى أبو ماجدة ~~عن ابن مسعود قال سألنا نبينا صلى الله عليه سلم عن المشي مع الجنازة فقال: ~~(دون الخبب إن يكن خيرا يعجل إليه وإن يكن غير ذلك فبعدا لأهل النار) ~~الحديث. قال أبو عمر: والذي عليه جماعة العلماء في ذلك الاسراع فوق السجية ~~قليلا، والعجلة أحب إليهم من الابطاء. ويكره الاسراع الذي يشق على ضعفة ~~الناس ممن يتبعها. وقال إبراهيم النخعي: بطئوا بها قليلا ولا تدبوا دبيب ~~اليهود والنصارى. وقد تأول قوم الاسراع في حديث أبي هريرة تعجيل الدفن لا ~~المشي، وليس بشئ لما ذكرنا. وبالله التوفيق. # السادسة - وأما الصلاة عليه فهي واجبة على الكفاية كالجهاد. هذا هو ~~المشهور من مذاهب العلماء: مالك وغيره، لقوله صلى الله عليه وسلم في ~~النجاشي: (قوموا فصلوا عليه). # وقال أصبغ: إنها سنة. وروى عن مالك. وسيأتي لهذا المعنى زيادة بيان في " ~~براءة " (1). # السابعة - وأما دفنه في التراب ودسه وستره فذلك واجب، لقوله تعالى: " ~~فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه " [المائدة: 31] ~~(2). وهناك يذكر حكم بنيان القبر وما يستحب منه، وكيفية جعل الميت فيه. ~~ويأتي في " الكهف " حكم بناء المسجد (3) عليه، إن شاء الله تعالى. # فهذه جملة من أحكام الموتى وما يجب لهم على الاحياء. وعن عائشة قالت قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما ~~قدموا) أخرجه مسلم. # وفي سنن النسائي عنها أيضا قالت: ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم هالك ~~بسوء فقال: # (لا تذكروا هلكاكم إلا بخير). # PageV04P301 # قوله تعالى: (وإنما توفون أجوركم يوم القيامة) فأجر المؤمن ثواب، وأجر ~~الكافر عقاب، ولم يعتد بالنعمة والبلية في الدنيا أجرا وجزاء، لأنها عرصة ~~الفناء. (فمن زحزح عن النار) ms1554 أي أبعد. (وأدخل الجنة فقد فاز) ظفر بما يرجو، ~~ونجا مما يخاف. وروى الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة ~~عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من سره أن يزحزح عن ~~النار وأن يدخل الجنة فلتأته منيته وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا ~~رسول الله ويأتي إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه). # عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (موضع سوط في الجنة ~~خير من الدنيا وما فيها اقرؤوا إن شئتم " فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة ~~فقد فاز "). # وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور) أي تغر المؤمن وتخدعه فيظن طول ~~البقاء وهي فانية. # والمتاع ما يتمتع به وينتفع، كالفأس والقدر والقصعة ثم يزول ولا يبقى ~~ملكه، قاله أكثر المفسرين. قال الحسن: كخضرة النبات، ولعب البنات لا حاصل ~~له. وقال قتادة: # هي متاع متروك توشك أن تضمحل بأهلها، فينبغي للانسان أن يأخذ من هذا ~~المتاع بطاعة الله سبحانه ما استطاع. ولقد أحسن من قال هي الدار دار الأذى ~~والقذى * ودار الفناء ودار الغير (1) فلو نلتها بحذافيرها * لمت ولم تقض ~~منها الوطر أيا من يؤمل طول الخلود * وطول الخلود عليه ضرر إذا أنت سبت ~~وبان الشباب * فلا خير في العيش بعد الكبر والغرور (بفتح الغين) الشيطان، ~~يغر الناس بالتمنية والمواعيد الكاذبة. قال ابن عرفة: # الغرور ما رأيت له ظاهرا تحبه، وفيه باطن مكروه أو مجهول. والشيطان غرور، ~~لأنه يحمل على محاب النفس، ووراء ذلك ما يسوء. قال: ومن هذا بيع الغرر، وهو ~~ما كان له ظاهر بيع يغر وباطن مجهول. # PageV04P302 # قوله تعالى: لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتب من ~~قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور ~~(186) هذا الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته والمعنى: لتختبرن ~~ولتمتحنن في أموالكم بالمصائب والارزاء بالانفاق في سبيل الله وسائر تكاليف ~~الشرع. والابتلاء في الأنفس بالموت ms1555 والأمراض وفقد الأحباب. وبدأ بذكر ~~الأموال لكثرة المصائب بها. (ولتسمعن) إن قيل: لم ثبتت الواو في " لتبلون " ~~وحذفت من " ولتسمعن "، فالجواب أن الواو في " لتبلون " قبلها فتحة فحركت ~~لالتقاء الساكنين، وخصت بالضمة لأنها واو الجمع، ولم يجز حذفها لأنها ليس ~~قبلها ما يدل عليها، وحذفت من " ولتسمعن " لان قبلها ما يدل عليها. # ولا يجوز همز الواو في " لتبلون " لان حركتها عارضة، قاله النحاس وغيره. ~~ويقال للواحد من المذكر: لتبلين يا رجل. وللاثنين: لتبليان يا رجلان. ~~ولجماعة الرجال: لتبلون. ونزلت بسبب أن أبا بكر رضي الله عنه سمع يهوديا ~~يقول: إن الله فقير ونحن أغنياء. ردا على القرآن واستخفافا به حين أنزل ~~الله " من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا " [البقرة: 245] فلطمه، فشكاه إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت. قيل: إن قائلها فنحاص اليهودي، عن عكرمة. ~~الزهري: # هو كعب بن الأشرف نزلت بسببه، وكان شاعرا، وكان يهجو النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه، ويؤلب عليه كفار قريش، ويشبب بنساء المسلمين حتى بعث [إليه] ~~(1) رسول الله صلى الله عليه وسلم محمد بن مسلمة وأصحابه فقتله القتلة ~~المشهورة (2) في السير وصحيح الخبر. وقيل غير هذا. # وكان صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة كان بها اليهود والمشركون، فكان ~~هو وأصحابه يسمعون أذى كثيرا. وفي الصحيحين أنه عليه السلام مر بابن أبي ~~وهو عليه السلام على حمار فدعاه إلى الله تعالى فقال ابن أبي: إن كان ما ~~تقول حقا فلا تؤذنا به في مجالسنا! ارجع إلى رحلك، فمن جاءك فاقصص عليه. ~~وقبض على أنفه لئلا يصيبه غبار الحمار، فقال # PageV04P303 # ابن رواحة: نعم يا رسول الله، فاغشنا في مجالسنا فإنا نحب ذلك. واستب ~~المشركون الذين كانوا حول ابن أبي والمسلمون، وما زال النبي صلى الله عليه ~~وسلم يسكنهم حتى سكنوا. # ثم دخل على سعد بن عبادة يعوده وهو مريض، فقال: (ألم تسمع ما قال فلان) ~~فقال سعد: # أعف عنه واصفح، فوالذي أنزل عليك الكتاب لقد جاءك الله بالحق الذي نزل، ~~وقد اصطلح أهل هذه ms1556 البحيرة (1) على أن يتوجوه ويعصبوه بالعصابة، فلما رد ~~الله ذلك بالحق الذي أعطاكه شرق به، فذلك فعل به ما رأيت. فعفا عنه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، ونزلت هذه الآية. قيل: هذا كان قبل نزول القتال، ~~وندب الله عباده إلى الصبر والتقوى وأخبر أنه من عزم الأمور. وكذا في ~~البخاري في سياق الحديث، إن ذلك كان قبل نزول القتال. # والأظهر أنه ليس بمنسوخ، فإن الجدال بالأحسن والمداراة أبدا مندوب إليها، ~~وكان عليه السلام مع الامر بالقتال يوادع اليهود ويداريهم، ويصفح عن ~~المنافقين، وهذا بين. ومعنى (عزم الأمور) شدها وصلابتها (2). وقد تقدم (3). # قوله تعالى: وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتب لتبيننه للناس ولا ~~تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون (187) ~~فيه مسألتان: # الأولى - قوله تعالى: (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب) هذا متصل ~~بذكر اليهود، فإنهم أمروا بالايمان بمحمد عليه السلام وبيان أمره، فكتموا ~~نعته (4). فالآية توبيخ لهم، ثم مع ذلك هو خبر عام لهم ولغيرهم. قال الحسن ~~وقتادة: هي في كل من أوتي علم شئ من الكتاب. فمن علم شيئا فليعلمه، وإياكم ~~وكتمان العلم فإنه هلكة. وقال محمد بن كعب: # لا يحل لعالم أن يسكت على علمه، ولا للجاهل أن يسكت على جهله، قال الله ~~تعالى: " وإذ أخذ # PageV04P304 # الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب " الآية. وقال: " فاسألوا أهل الذكر إن ~~كنتم لا تعلمون " [النحل: 42]. (1) وقال أبو هريرة: لولا ما أخذ الله على ~~أهل الكتاب ما حدثتكم بشئ، ثم تلا هذه الآية " وإذا أخذ الله ميثاق الذين ~~أوتوا الكتاب ". وقال الحسن بن عمارة: أتيت الزهري بعد ما ترك الحديث، ~~فألفيته على بابه فقلت: إن رأيت أن تحدثني. فقال: أما علمت أني تركت ~~الحديث؟ فقلت: إما أن تحدثني وإما أن أحدثك. قال حدثني. قلت: حدثني الحكم ~~بن عتيبة عن يحيى بن الجزار قال سمعت علي بن أبي طالب يقول: ما أخذ الله ~~على الجاهلين أن يتعلموا حتى أخذ على العلماء أن يعلموا. قال: فحدثني ~~أربعين حديثا. ms1557 # الثانية - الهاء في قوله: (لتبيننه للناس) ترجع إلى محمد صلى الله عليه ~~وسلم وإن لم يجر له ذكر. وقيل: ترجع إلى الكتاب، ويدخل فيه بيان أمر النبي ~~صلى الله عليه وسلم، لأنه في الكتاب. وقال: (ولا تكتمونه) ولم يقل تكتمنه ~~لأنه في معنى الحال، أي لتبيننه غير كاتمين. وقرأ أبو عمرو و عاصم في رواية ~~أبي بكر وأهل مكة " لتبيننه " بالتاء على حكاية الخطاب. والباقون بالياء ~~لأنهم (2) غيب. وقرأ ابن عباس (3) " وإذ أخذ الله ميثاق النبيين ليبيننه ". # فيجئ قوله (فنبذوه) عائدا على الناس الذين بين لهم الأنبياء. وفي قراءة ~~ابن مسعود " ليبينونه " دون النون الثقيلة. والنبذ الطرح. وقد تقدم بيانه ~~في " البقرة " (4). (وراء ظهورهم) مبالغة في الاطراح، ومنه " واتخذتموه ~~وراءكم ظهريا " [هود: 92] وقد تقدم في " البقرة " (4) بيانه أيضا. وتقدم ~~معنى قوله: (واشتروا به ثمنا قليلا) في " البقرة " (5) فلا معنى لإعادته. # (فبئس ما يشترون) تقدم أيضا (6). والحمد لله. # قوله تعالى: لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم ~~يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم (188) # PageV04P305 # أي بما فعلوا من القعود في التخلف عن الغزو وجاءوا به من العذر. ثبت في ~~الصحيحين عن أبي سعيد الخدري أن رجالا من المنافقين في عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كان إذا خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الغزو تخلفوا عنه ~~وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا قدم النبي صلى ~~الله عليه وسلم اعتذروا إليه وحلفوا، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا، ~~فنزلت (لا تحسبن الذين يفرحون بما أوتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا) ~~الآية. وفي الصحيحين أيضا أن مروان (1) قال لبوابه: اذهب يا رافع إلى ابن ~~عباس فقل له: لئن كان كل امرئ منا فرح بما أوتي وأحب أن يحمد بما لم يفعل ~~معذبا لنعذبن أجمعون. فقال ابن عباس: مالكم ولهذه الآية! إنما أنزلت هذه ~~الآية في أهل الكتاب. ثم تلا ابن عباس " وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا ~~الكتاب لتبيننه للناس ms1558 ولا تكتمونه " و " لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ~~ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ". وقال ابن عباس: سألهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن شئ فكتموه إياه، وأخبروه بغيره، فخرجوا وقد أروه أن قد أخبروه ~~بما سألهم عنه واستحمدوا بذلك إليه، وفرحوا بما أوتوا من كتمانهم إياه، وما ~~سألهم عنه. وقال محمد بن كعب القرظي: # نزلت في علماء بني إسرائيل الذين كتموا الحق، وأتوا ملوكهم من العلم ما ~~يوافقهم في باطلهم، " واشتروا به ثمنا قليلا " أي بما أعطاهم الملوك من ~~الدنيا، فقال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: # (لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا ~~تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم). فأخبر أن لهم عذابا أليما بما ~~أفسدوا من الدين على عباد الله. # وقال الضحاك: إن اليهود كانوا يقولون للملوك إنا نجد في كتابنا أن الله ~~يبعث نبيا في آخر الزمان يختم به النبوة، فلما بعثه الله سألهم الملوك أهو ~~هذا الذي تجدونه في كتابكم؟ فقال اليهود طمعا في أموال الملوك: هو غير ذلك، ~~فأعطاهم الملوك الخزائن، فقال الله تعالى: # " لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا " الملوك من الكذب حتى يأخذوا عرض ~~الدنيا. # والحديث الأول خلاف مقتضى الحديث الثاني. ويحتمل أن يكون نزولها على ~~السببين # PageV04P306 # لاجتماعهما في زمن واحد، فكانت جوابا للفريقين. والله أعلم. وقوله: ~~واستحمدوا بذلك إليه، أي طلبوا أن يحمدوا. وقول مروان: لئن كان كل امرئ منا ~~الخ دليل على أن للعموم صيغا مخصوصة، وأن " الذين " منها. وهذا مقطوع به من ~~تفهم ذلك من القرآن والسنة. وقوله تعالى: " ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ~~" إذا كانت الآية في أهل الكتاب لا في المنافقين المتخلفين، لأنهم كانوا ~~يقولون: نحن على دين إبراهيم ولم يكونوا على دينه، وكانوا يقولون: نحن أهل ~~الصلاة والصوم والكتاب، يريدون أن يحمدوا بذلك. و " الذين " فاعل بيحسبن ~~بالياء. وهي قراءة نافع وابن عامر وابن كثير وأبي عمرو، أي لا يحسبن ~~الفارحون فرحهم منجيا لهم من العذاب. وقيل: ms1559 المفعول الأول محذوف، وهو ~~أنفسهم. # والثاني " بمفازة ". وقرأ الكوفيون " تحسبن " بالتاء على الخطاب للنبي ~~صلى الله عليه وسلم، أي لا تحسبن يا محمد الفارحين بمفازة من العذاب. وقوله ~~" فلا تحسبنهم " بالتاء وفتح الباء، إعادة تأكيد، ومفعوله الأول الهاء ~~والميم، والمفعول الثاني محذوف، أي كذلك، والفاء عاطفة أو زائدة على بدل ~~الفعل الثاني من الأول. وقرأ الضحاك وعيسى بن عمر بالتاء وضم الباء " فلا ~~تحسبنهم " أراد محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه. وقرأ مجاهد وابن كثير ~~وأبو عمرو ويحيى بن يعمر بالياء وضم الباء خبرا عن الفارحين، أي فلا يحسبن ~~أنفسهم، " بمفازة " المفعول الثاني. ويكون " فلا يحسبنهم " تأكيدا. وقيل: " ~~الذين " فاعل " بيحسبن " ومفعولاها محذوفان لدلالة " يحسبنهم " عليه، كما ~~قال الشاعر: # بأي كتاب أم بأية آية (1) * ترى حبهم عارا على وتحسب استغنى بذكر مفعول ~~الواحد عن ذكر مفعول، الثاني، و " بمفازة " الثاني، وهو بدل من الفعل الأول ~~فأغنى لابداله منه عن ذكر مفعوليه، والفاء زائدة. وقيل: قد تجئ هذه الأفعال ~~ملغاة لا في حكم الجمل المفيدة نحو قول الشاعر: # وما خلت أبقى بيننا من مودة * عراض المذاكي المسنفات القلائصا # PageV04P307 # المذاكي: الخيل التي قد أتي عليها بعد قروحها سنة أو سنتان، الواحد مذك، ~~مثل المخلف من الإبل، وفي المثل جري المذكيات غلاب (1)، والمسنفات اسم ~~مفعول، يقال: سنفت البعير أسنفه سنفا إذا كففته بزمامه وأنت راكبه، وأسنف ~~البعير لغة في سنفه، وأسنف البعير بنفسه إذا رفع رأسه، يتعدى ولا يتعدى. ~~وكانت العرب تركب الإبل وتجنب الخيل، تقول: الحرب لا تبقي مودة. وقال كعب ~~(2) بن أبي سلمى: # أرجو وآمل أن تدنو مودتها * وما إخال لدنيا منك تنويل وقرأ جمهور القراء ~~السبعة وغيرهم " أتوا " بقصر الألف، أي بما جاءوا به من الكذب والكتمان. # وقرأ مروان بن الحكم والأعمش وإبراهيم النخعي " آتوا " بالمد، بمعنى ~~أعطوا: وقرأ سعيد ابن جبير " أوتوا " على ما لم يسو فاعله، أي أعطوا. ~~والمفازة المنجاة، مفعلة من فاز يفوز إذا نجا، أي ليسوا بفائزين. وسمي موضع ~~المخاوف مفازة على جهة التفاؤل، قاله الأصمعي. ms1560 # وقيل: لأنها موضع تفويز ومظنة هلاك، تقول العرب: فوز الرجل إذا مات. قال ~~ثعلب: # حكيت لابن الأعرابي قول الأصمعي فقال أخطأ، قال لي أبو المكارم: إنما ~~سميت مفازة، لان من قطعها فاز. وقال الأصمعي: سمي اللديغ سليما تفاؤلا. قال ~~ابن الأعرابي: لأنه مستسلم لما أصابه. وقيل: لا تحسبنهم بمكان بعيد من ~~العذاب، لان الفوز التباعد عن المكروه. والله أعلم. # قوله تعالى: ولله ملك السماوات والأرض والله على كل شئ قدير (189) هذا ~~احتجاج على الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء، وتكذيب لهم. وقيل: ~~المعنى لا تظنن الفرحين ينجون من العذاب، فإن لله كل شئ، وهم في قبضة ~~القدير، فيكون معطوفا على، الكلام الأول، أي إنهم لا ينجون من عذابه، ~~يأخذهم متى شاء. (والله على كل شئ) أي ممكن (قدير) وقد مضى في " البقرة " ~~(3). # PageV04P308 # قوله تعالى: إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات ~~لأولي الألباب (190) الذين يذكرون الله قيما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون ~~في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا بطلا سبحانك فقنا عذاب النار ~~(191) ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار (192) ربنا ~~إننا سمعنا مناديا ينادى للأيمن أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ~~ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار (193) ربنا وآتنا ما وعدتنا على ~~رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد (194) فاستجاب لهم ربهم ~~أنى لا أضيع عمل عمل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا ~~وأخرجوا من ديرهم وأوذوا في سبيلي وقتلوا وقتلوا لا كفرن عنهم سيئاتهم ~~ولأدخلنهم جنت تجرى من تحتي الأنهر ثوابا من عند الله والله عنده حسن ~~الثواب (195) لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلد (196) متع قليل ثم مأواهم ~~جهنم وبئس المهاد (197) لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنت تجرى من تحتها الأنهر ~~خالدين فيها نزلا من عند الله وما عند الله خير للأبرار (198) وإن من أهل ~~الكتب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون ~~بآيات الله ms1561 ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب (199) ~~يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون ~~(200) PageV04P309 # فيه خمس وعشرون مسألة: # الأولى - قوله تعالى: (إن في خلق السماوات والأرض) تقدم معنى هذه الآية ~~في " البقرة " (1) في غير موضع. فختم تعالى هذه السورة بالامر بالنظر ~~والاستدلال في آياته، إذ لا تصدر إلا عن حي قيوم قدير قدوس سلام غني عن ~~العالمين، حتى يكون إيمانهم مستندا إلى اليقين لا إلى التقليد. (لآيات ~~لأولي الألباب) الذين يستعملون عقولهم في تأمل الدلائل. وروي عن عائشة رضي ~~الله عنها أنها قالت: لما نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم قام ~~يصلى، فأتاه بلال يؤذنه بالصلاة، فرآه يبكي فقال: يا رسول الله، أتبكي وقد ~~غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر! فقال: (يا بلال، أفلا أكون عبدا ~~شكورا ولقد أنزل الله على الليلة آية " إن في خلق السماوات والأرض واختلاف ~~الليل والنهار لآيات لأولي الألباب " - ثم قال: ويل لمن قرأها ولم يتفكر ~~فيها. # الثانية - قال العلماء: يستحب لمن انتبه من نومه أن يمسح على وجهه، ~~ويستفتح قيامه بقراءة هذه العشر الآيات اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، ~~ثبت ذلك في الصحيحين وغيرهما وسيأتي، ثم يصلي ما كتب له، فيجمع بين التفكر ~~والعمل، وهو أفضل العمل على 17 خط حذف شده است. # ما يأتي بيانه في هذه الآية بعد هذا. وروي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كان يقرأ عشر آيات من آخر سورة " آل عمران " كل ليلة، خرجه ~~أبو نصر الوائلي السجستاني الحافظ في كتاب " الإبانة " من حديث سليمان بن ~~موسى عن مظاهر بن أسلم المخزومي عن المقبري عن أبي هريرة. وقد تقدم أول (2) ~~السورة عن عثمان قال: من قرأ آخر آل عمران في ليلة كتب له قيام ليلة. # الثالثة - قوله تعالى: (الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم) ذكر ~~تعالى ثلاث هيئات لا يخلوا ابن آدم منها في غالب أمره، فكأنها تحصر ms1562 زمانه. ~~ومن هذا المعنى قول عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يذكر الله على كل # PageV04P310 # أحيانه. أخرجه مسلم. فدخل في ذلك كونه على الخلاء وغير ذلك. وقد اختلف ~~العلماء في هذا، فأجاز ذلك عبد الله بن عمرو وابن سيرين والنخعي، وكره ذلك ~~ابن عباس وعطاء والشعبي. والأول أصح لعموم الآية والحديث. قال النخعي: لا ~~بأس بذكر. الله في الخلاء فإنه يصعد. المعنى: تصعد به الملائكة مكتوبا في ~~صحفهم، فحذف المضاف. دليله قول تعالى: " ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ~~" [ق: 18] (1). وقال: " وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين " [الانفطار: 10 - ~~11] (2). ولأن الله عز وجل أمر عباده بالذكر على كل حال ولم يستثن فقال: " ~~اذكروا الله ذكرا كثيرا " [الأحزاب: 41] (3) وقال: " فاذكروني أذكركم " ~~[البقرة: 152] (4) وقال: " إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا " [الكهف: 3] (5) ~~فعم. فذاكر الله تعالى على كل حالاته مثاب مأجور إن شاء الله تعالى. وذكر ~~أبو نعيم قال: # حدثنا أبو بكر بن مالك حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي قال ~~حدثنا وكيع قال حدثنا سفيان عن عطاء بن أبي مروان عن أبيه عن كعب الأحبار ~~قال قال موسى عليه السلام: (يا رب أقريب أنت فأناجيك أم بعيد فأناديك قال: ~~يا موسى أنا جليس من ذكرني قال: يا رب فإنا نكون من الحال على حال نجلك ~~ونعظمك أن نذكرك قال: وما هي؟ قال: # الجنابة والغائط قال: يا موسى اذكرني على كل حال). وكراهية من كره ذلك ~~إما لتنزيه ذكر الله تعالى في المواضع المرغوب عن ذكره فيها ككراهية قراءة ~~القرآن في الحمام، وإما إبقاء على الكرام الكاتبين على أن يحلهم موضع ~~الأقذار والأنجاس لكتابة ما يلفظ به. والله أعلم. # و (قياما وقعودا) نصب على الحال. (وعلى جنوبهم) في موضع الحال، أي ~~ومضطجعين ومثله قول تعالى: " دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما " [يونس: 12] ~~(6) على العكس، أي دعانا مضطجعا على جنبه. وذهب، جماعة من المفسرين منهم ~~الحسن وغير إلى أن قوله " يذكرون الله " إلى ms1563 آخره، إنما هو عبارة عن ~~الصلاة، أي لا يضيعونها، ففي حال العذر يصلونها قعودا أو على جنوبهم. وهي ~~مثل قول تعالى: " فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم ~~" [النساء: 103] (7) في قول ابن مسعود على، ما يأتي بيانه. وإذا كانت الآية ~~في الصلاة ففقهها أن الانسان يصلى قائما، فإن لم يستطع فقاعدا، فإن لم ~~يستطع فعلى جنبه، كما ثبت عن عمران # PageV04P311 # ابن حصين قال: كان بي البواسير فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة ~~فقال: # (صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب) رواه الأئمة. ~~وقد كان صلى الله عليه وسلم يصلي قاعدا قبل موته بعام في النافلة، على ما ~~في صحيح مسلم. وروى النسائي عن عائشة رضي الله عنها قالت: رأيت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يصلي متربعا. قال أبو عبد الرحمن (1): لا أعلم أحد روى ~~هذا الحديث غير أبي داود الحفري (2) وهو ثقة، ولا أحسب هذا الحديث إلا خطأ. ~~والله أعلم. # الرابعة - واختلف العلماء في كيفية صلاة المريض والقاعد وهيئتها، فذكر ~~ابن عبد الحكم عن مالك أنه يتربع في قيامه، وقال البويطي عن الشافعي فإذا ~~أراد السجود تهيأ للسجود على قدر ما يطيق، قال: وكذلك المتنفل. ونحوه قول ~~الثوري، وكذلك قال الليث وأحمد وإسحاق وأبو يوسف ومحمد. وقال الشافعي في ~~رواية المزني: يجلس في صلاته كلها كجلوس التشهد. وروى هذا عن مالك وأصحابه، ~~والأول المشهور (3) وهو ظاهر المدونة. وقال أبو حنيفة وزفر: يجلس كجلوس ~~التشهد، وكذلك يركع ويسجد. # الخامسة - قال (4): فإن لم يستطع القعود صلى على جنبه أو ظهره على ~~التخيير، هذا مذهب المدونة وحكى ابن حبيب عن ابن القاسم يصلي على ظهره، فإن ~~لم يستطع فعلى جنبه الأيمن ثم على جنبه الأيسر. وفي كتاب ابن المواز عكسه، ~~يصلي على جنبه الأيمن، وإلا فعلى الأيسر، وإلا فعلى الظهر. وقال سحنون: ~~يصلي على الأيمن كما يجعل في لحده، وإلا فعلى ظهره وإلا فعلى الأيسر. وقال ~~مالك وأبو حنيفة: إذا صلى مضطجعا تكون رجلاه ms1564 مما يلي القبلة. # والشافعي والثوري: يصلي على جنبه ووجهه إلى القبلة. # السادسة - فإن قوي لخفة المرض وهو في الصلاة، قال ابن القاسم: إنه يقوم ~~فيما بقي من صلاته ويبني على ما مضى، وهو قول الشافعي وزفر والطبري. وقال ~~أبو حنيفة # PageV04P312 # وصاحباه يعقوب ومحمد فيمن صلى مضطجعا ركعة ثم صح: إنه يستقبل الصلاة من ~~أولها، ولو كان قاعدا يركع ويسجد ثم صح بنى في قول أبي حنيفة ولم يبن في ~~قول محمد. وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا افتتح الصلاة قائما ثم صار إلى حد ~~الايماء فليبن، وروي عن أبي يوسف. وقال مالك في المريض الذي لا يستطيع ~~الركوع ولا السجود وهو يستطيع القيام والجلوس: إنه يصلي قائما ويومئ إلى ~~الركوع، فإذا أراد السجود جلس وأومأ إلى السجود، وهو قول أبي يوسف وقياس ~~قول الشافعي وقال، أبو حنيفة وأصحابه: يصلي قاعدا. # السابعة - وأما صلاة الراقد الصحيح فروي عن حديث عمران بن حصين زيادة ~~ليست موجودة في غيره، وهي " صلاة الراقد مثل نصف صلاة القاعد ". قال أبو ~~عمر: وجمهور أهل العلم لا يجيزون النافل مضطجعا، وهو حديث لم يروه إلا حسين ~~المعلم وهو حسين ابن ذكوان عن عبد الله بن بريدة عن عمران بن حصين، وقد ~~اختلف على حسين في إسناده ومتنه اختلافا يوجب التوقف عنه، وإن صح فلا أدري ~~ما وجهه، فإن كان أحد من أهل العلم قد أجاز النافلة مضطجعا لمن قدر على ~~القعود أو على القيام فوجهه هذه الزيادة في هذا الخبر، وهي حجة لمن ذهب إلى ~~ذلك. وإن أجمعوا على كراهة النافلة راقدا لمن قدر على القعود أو القيام، ~~فحديث حسين هذا إما غلط وإما منسوخ. وقيل: المراد بالآية الذين يستدلون ~~بخلق السماوات والأرض على أن المتغير لا بد له من مغير، وذلك المغير يجب أن ~~يكون قادرا على الكمال، وله أن يبعث الرسل، فإن بعث رسولا ودل على صدقه ~~بمعجزة واحدة لم يبق لاحد عذر، فهؤلاء هم الذين يذكرون الله على كل حال. ~~والله أعلم. # الثامنة - قوله تعالى: ms1565 (ويتفكرون في خلق السماوات والأرض) قد بينا معنى " ~~ويذكرون " وهو إما ذكر باللسان وإما الصلاة فرضها ونفلها، فعطف تعالى عبادة ~~أخرى على إحداهما (1) بعبادة أخرى، وهي التفكر في قدرة الله تعالى ~~ومخلوقاته والعبر الذي بث (2)، ليكون ذلك أزيد بصائرهم: # وفي كل شئ له آية * تدل على أنه واحد # PageV04P313 # وقيل: " يتفكرون " عطف على الحال. وقيل: يكون منقطعا، والأول أشبه. ~~والفكرة: # تردد القلب في الشئ، يقال: تفكر، ورجل فكير كثير الفكر، ومر النبي صلى ~~الله عليه وسلم على قوم يتفكرون في الله فقال: (تفكروا في الخلق، ولا ~~تتفكروا في الخالق فإنكم لا تقدرون قدره) وإنما التفكر والاعتبار وانبساط ~~الذهن في المخلوقات كما قال: " ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ". وحكي أن ~~سفيان الثوري رضي الله عنه صلى خلف المقام ركعتين، ثم رفع رأسه إلى السماء، ~~فلما رأى الكواكب غشي عليه، وكان يبول الدم من طول حزنه وفكرته. وروي عن ~~أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بينما رجل ~~مستلق على فراشه إذ رفع رأسه فنظر إلى النجوم وإلى السماء فقال أشهد أن لك ~~ربا وخالقا اللهم أغفر لي فنظر الله إليه فغفر له) وقال صلى الله عليه ~~وسلم: (لا عبادة كتفكر). وروي عنه عليه السلام قال: (تفكر ساعة خير من ~~عبادة سنة). وروى ابن القاسم عن مالك قال: قيل لام الدرداء: ما كان أكثر ~~شأن أبي الدرداء؟ قالت: كان أكثر شأنه التفكر. # قيل له: أفترى التفكر عمل من الأعمال؟ قال: نعم، هو اليقين. وقيل لابن ~~المسيب في الصلاة بين الظهر والعصر، قال: ليست هذه عبادة، إنما العبادة ~~الورع عما حرم الله والتفكر في أمر الله. وقال الحسن: تفكر ساعة خير من ~~قيام ليلة، وقاله ابن العباس وأبو الدرداء. # وقال الحسن: الفكرة مرآة المؤمن ينظر فيها إلى حسناته وسيئاته. ومما ~~يتفكر فيه مخاوف الآخرة من الحشر والنشر والجنة ونعيمها والنار وعذابها. ~~ويروى أن أبا سليمان الداراني رضي الله عنه أخذ قدح الماء ليتوضأ لصلاة ~~الليل وعنده ضيف، فرآه ms1566 لما أدخل أصبعه في أذن القدح أقام لذلك متفكرا حتى ~~طلع الفجر، فقال له: ما هذا يا أبا سليمان؟ قال: إني لما طرحت أصبعي في أذن ~~القدح تفكرت في قول الله تعالى " إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون " ~~[المؤمن: 71] (1) تفكرت، في حالي وكيف أتلقى الغل إن طرح في عنقي يوم ~~القيامة، فما زلت في ذلك حتى أصبحت. قال ابن عطية: " وهذا نهاية الخوف، ~~وخير الأمور أوساطها، وليس علماء الأمة الذين هم الحجة على هذا المنهاج، ~~وقراءة علم كتاب الله تعالى ومعاني سنة رسول الله # PageV04P314 # صلى الله عليه وسلم لمن يفهم ويرجى نفعه أفضل من هذا ". قال ابن العربي: ~~اختلف الناس أي العملين أفضل: التفكر أم الصلاة، فذهب الصوفية إلى أن ~~التفكر أفضل، فإنه يثمر المعرفة وهو أفضل، المقامات الشرعية. وذهب الفقهاء ~~إلى أن الصلاة أفضل، لما ورد في الحديث من الحث عليها والدعاء إليها ~~والترغيب فيها. وفي الصحيحين عن ابن عباس أنه بات عند خالته ميمونة، وفيه: ~~فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح النوم عن وجهه ثم قرأ الآيات العشر ~~الخواتم من سورة آل عمران، وقام إلى شن (1) معلق فتوضأ وضوءا خفيفا ثم صلى ~~ثلاث عشرة ركعة، الحديث. فانظروا رحمكم الله إلى جمعه بين التفكر في ~~المخلوقات ثم إقباله على صلاته بعده، وهذه السنة هي التي يعتمد عليها. فأما ~~طريقة الصوفية أن يكون الشيخ منهم يوما وليلة وشهرا مفكرا لا يفتر، فطريقة ~~بعيدة عن الصواب غير لائقة بالبشر، ولا مستمرة على السنن. قال ابن عطية: ~~وحدثني أبي عن بعض علماء المشرق قال: كنت بائتا في مسجد الاقدام (2) بمصر ~~فصليت العتمة فرأيت رجلا قد اضطجع في كساء له مسجى بكسائه حتى أصبح، وصلينا ~~نحن تلك الليلة، فلما أقيمت صلاة الصبح قام ذلك الرجل فاستقبل القبلة وصلى ~~مع الناس، فاستعظمت جراءته في الصلاة بغير وضوء، فلما فرغت الصلاة خرج ~~فتبعته لأعظه، فلما دنوت منه سمعته ينشد شعرا: # مسجى الجسم غائب حاضر * منتبه القلب صامت ذاكر منقبض في الغيوب منبسط * ~~كذاك ms1567 من كان عارفا ذاكر * يبيت في ليله أخا فكر * فهو مدى الليل نائم ماهر ~~قال: فعلمت أنه ممن يعبد بالفكرة، فانصرفت عنه. # التاسعة - قوله تعالى: (ربنا ما خلقت هذا باطلا) أي يقولون: ما خلقته ~~عبثا وهزلا، بل خلقته دليلا على قدرتك وحكمتك. والباطل: الزائل الذاهب. ~~ومنه قول لبيد: # * ألا كل شئ ما خلا الله باطل * # PageV04P315 # أي زائل. و " باطلا " نصب لأنه نعت مصدر محذوف، أي خلقا باطلا وقيل: # أنتصب على نزع الخافض، أي ما خلقتها للباطل. وقيل: على المفعول الثاني، ~~ويكون خلق بمعنى جعل. (سبحانك) أسند النحاس عن موسى بن طلحة قال: سئل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن معنى " سبحان الله " فقال: (تنزيه الله عن ~~السوء) وقد تقدم في " البقرة " (1) معناه مستوفى. (وقنا عذاب النار) أجرنا ~~من عذابها، وقد تقدم (2). # العاشرة - قوله تعالى: (ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته) أي أذللته ~~وأهنته. # وقال المفضل: أي أهلكته، وأنشد: # أخزى الاله من الصليب عبيده * واللابسين قلانس الرهبان وقيل: فضحته ~~وأبعدته، يقال: أخزاه الله: أبعده ومقته. والاسم الخزي. قال ابن السكيت: ~~خزي يخزي خزيا إذا وقع في بلية. وقد تمسك بهذه الآية أصحاب الوعيد وقالوا: ~~من أدخل النار ينبغي ألا يكون مؤمنا، لقوله تعالى: " فقد أخزيته " فإن الله ~~يقول: " يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه " [التحريم: 8] (3). وما ~~قالوه مردود، لقيام الأدلة على أن من ارتكب كبيرة لا يزول عنه اسم الايمان، ~~كما تقدم ويأتي. والمراد من قوله: " من تدخل النار " من تخلد في النار، ~~قاله أنس بن مالك. وقال قتادة: تدخل مقلوب تخلد، ولا نقول كما قال أهل ~~حروراء. وقال سعيد بن المسيب: الآية خاصة في قوم لا يخرجون من النار، ولهذا ~~قال: (وما للظالمين من أنصار) أي الكفار. وقال أهل المعاني: الخزي يحتمل أن ~~يكون بمعنى الحياء، يقال: خزي يخزى خزاية إذا استحيا، فهو خزيان. قال ذو ~~الرمة: # خزاية أدركته عند (4) جولته * من جانب الحبل مخلوطا بها الغضب فخزي ~~المؤمنين يومئذ استحياؤهم في دخول النار من سائر ms1568 أهل الأديان إلى أن يخرجوا ~~منها. # والخزي للكافرين هو إهلاكهم فيها من غير موت، والمؤمنون يموتون، ~~فافترقوا. كذا ثبت في صحيح السنة من حديث أبي سعيد الخدري، أخرجه مسلم، وقد ~~تقدم ويأتي. # PageV04P316 # الحادية عشرة - قوله تعالى: (ربنا إننا سمعنا مناديا ينادى للايمان) أي ~~محمدا صلى الله عليه وسلم، قاله ابن مسعود وابن عباس وأكثر المفسرين. وقال ~~قتادة ومحمد بن كعب القرظي: هو القرآن، وليس كلهم سمع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. دليل هذا القول ما أخبر الله تعالى عن مؤمني الجن إذ قالوا: " ~~إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد " [الجن: 1 - 2] (1). وأجاب الأولون ~~فقالوا: من سمع القرآن فكأنما لقي النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا صحيح ~~معنى. # وأن (2) من (أن آمنوا) في موضع نصب على حذف حرف الخفض، أي بأن أمنوا. وفي ~~الكلام تقديم وتأخير، أي سمعنا مناديا للايمان ينادي، عن أبي عبيدة. وقيل: ~~اللام بمعنى إلى، أي إلى الايمان، كقوله: " ثم يعودون لما نهوا عنه " ~~[المجادلة: 8] (3). وقوله: " بأن ربك أوحى لها " [الزلزلة: 5] (4) وقوله: " ~~الحمد لله الذي هدانا لهذا " [الأعراف: 43] (5) أي إلى هذا، ومثله كثير. ~~وقيل: هي لام أجل، أي لأجل الايمان. # الثانية عشرة - قوله تعالى: (ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا) ~~تأكيد ومبالغة في الدعاء. ومعنى اللفظين واحد، فإن الغفر والكفر: الستر. ~~(وتوفنا مع الأبرار) أي أبرارا مع الأنبياء، أي في جملتهم. واحدهم وبر وبار ~~وأصله من الاتساع، فكأن البر متسع في طاعة الله ومتسعة له رحمة الله. # الثالثة عشرة - قوله تعالى: (ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك) أي على ~~ألسنة رسلك، مثل " وأسال القرية " (6). وقرأ الأعمش والزهري " رسلك " ~~بالتخفيف، وهو ما ذكر من استغفار الأنبياء والملائكة للمؤمنين، والملائكة ~~يستغفرون لمن في الأرض. وما ذكر من دعاء نوح للمؤمنين ودعاء إبراهيم ~~واستغفار النبي صلى الله عليه وسلم لامته. (ولا تحزنا) أي لا تعذبنا ولا ~~تهلكنا ولا تفضحنا، ولا تهنا ولا تبعدنا ولا تمقتنا يوم القيامة (إنك لا ~~تخلف الميعاد). # إن قيل: ما وجه قولهم " ربنا وآتنا ms1569 ما وعدتنا على رسلك " [آل عمران: 194] ~~وقد علموا أنه لا يخلف الميعاد، فالجواب من ثلاثة أوجه: # الأول - أن الله سبحانه وعد من آمن بالجنة، فسألوا أن يكونوا ممن وعد ~~بذلك دون الخزي: والعقاب. # PageV04P317 # الثاني - أنهم دعوا بهذا الدعاء على جهة العبادة والخضوع، والدعاء مخ ~~العبادة. وهذا كقوله: " قال رب احكم بالحق " [الأنبياء: 112] (1) وإن كان ~~هو لا يقضي إلا بالحق. # الثالث - سألوا أن يعطوا ما وعدوا به من النصر على عدوهم معجلا، لأنها ~~حكاية عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فسألوه ذلك إعزازا للدين. والله ~~أعلم. وروى أنس ابن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من وعده ~~الله عز وجل على عمل ثوابا فهو منجز له رحمة ومن وعده على عمل عقابا فهو ~~فيه بالخيار). والعرب تذم بالمخالفة في الوعد وتمدح بذلك في الوعيد، حتى ~~قال قائلهم: (2) ولا يرهب ابن العم ما عشت صولتي * ولا أختفي (3) من خشية ~~المتهدد وإني متى (4) أوعدته أو وعدته * لمخلف إيعادي ومنجز موعدي الرابعة ~~عشرة - قوله تعالى: (فاستجاب لهم ربهم) أي أجابهم. قال الحسن: ما زالوا ~~يقولون ربنا ربنا حتى استجاب لهم. وقال جعفر الصادق: من حزبه (5) أمر فقال ~~خمس مرات ربنا أنجاه لله مما يخاف وأعطاه ما أراد. قيل: وكيف ذلك؟ قال: ~~اقرؤوا إن شئتم " الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم - إلى قوله: ~~إنك لا تخلف الميعاد " [آل عمران: 191 - 194]. # الخامسة عشرة - قوله تعالى: " أني " أي بأني. وقرأ عيسى بن عمر " إني " ~~بكسر الهمزة، أي فقال: إني. وروى الحاكم أبو عبد الله في صحيحه عن أم سلمة ~~أنها قالت: يا رسول الله، ألا أسمع الله ذكر النساء في الهجرة بشئ؟ فأنزل ~~الله تعالى: (فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من: ذكر أو أنثى ~~" الآية. وأخرجه الترمذي. ودخلت " من " للتأكيد، لان قبلها حرف نفي. وقال ~~الكوفيون: هي للتفسير ولا يجوز حذفها، لأنها دخلت لمعنى لا يصلح الكلام إلا ~~به، وإنما تحذف إذا كان تأكيدا للجحد. (بعضكم من بعض) ms1570 ابتداء وخبر، أي ~~دينكم واحد. وقيل: بعضكم من بعض في الثواب والاحكام والنصرة وشبه ذلك. وقال ~~الضحاك: رجالكم شكل نسائكم في الطاعة، ونساؤكم شكل رجالكم في الطاعة، ~~نظيرها قوله # PageV04P318 # عز وجل: " والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض " [التوبة: 71] (1). ~~ويقال: فلان مني، أي على مذهبي وخلقي. # السادسة عشرة - قوله تعالى: (فالذين هاجروا) ابتداء وخبر، أي هجروا ~~أوطانهم وساروا إلى المدينة. (وأخرجوا من ديارهم) في طاعة الله عز وجل. ~~(قالوا) أي وقاتلوا أعدائي. (وقتلوا) أي في سبيلي. وقرأ ابن كثير وابن ~~عامر: " وقاتلوا وقتلوا " على التكثير. # وقرأ الأعمش " وقتلوا وقاتلوا " لان الواو لا تدل على أن الثاني بعد ~~الأول. وقيل: # في الكلام إصمار قد، أي قتلوا وقد قاتلوا، ومنه قول الشاعر: # * تصابى وأمسى علاه الكبر * أي وقد علاه الكبر. وقيل: أي وقد قاتل من بقي ~~منهم، تقول العرب: قتلنا بني تميم، وإنما قتل بعضهم. وقال امرؤ القيس: # * فإن تقاتلونا نقتلكم * وقرأ عمر بن عبد العزيز: " وقتلوا وقتلوا " ~~خفيفة بغير ألف. (لا كفرن عنهم سيئاتهم) أي لأسترنها عليهم في الآخرة، فلا ~~أوبخهم بها ولا أعاقبهم عليها. (ثوابا من عند الله مصدر مؤكد عند البصريين، ~~لان معنى " لأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار " لأثيبنهم ثوابا. # الكسائي: انتصب على القطع. الفراء: على التفسير. (والله عنده حسن الثواب) ~~أي حسن الجزاء، وهو ما يرجع على العامل من (2) جراء عمله، من ثاب يثوب. # السابعة عشرة - قوله تعالى: (لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد) قيل: # الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد الأمة. وقيل: للجميع. وذلك أن ~~المسلمين قالوا: # هؤلاء الكفار لهم تجائر وأموال واضطراب في البلاد، وقد هلكنا نحن من ~~الجوع، فنزلت هذه الآية. أي لا يغرنكم سلامتهم بتقلبهم في أسفارهم. (متاع ~~قليل) أي تقلبهم متاع قليل. وقرأ يعقوب " يغرنك " ساكنة النون، وأنشد: # لا يغرنك عشاء ساكن * قد يوافي بالمنيات السحر # PageV04P319 # ونظير هذه الآية قوله تعالى: " فلا يغررك تقلبهم في البلاد " [المؤمن: ~~4]. (1) والمتاع: ما يعجل الانتفاع به، وسماه قليلا لأنه فان، وكل فان وإن ~~كان كثيرا فهو ms1571 قليل. وفي صحيح الترمذي عن المستورد الفهري قال: سمعت النبي ~~صلى الله عليه وسلم يقول: (ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم ~~إصبعه في اليم، فلينظر بماذا يرجع). قيل: (يرجع) بالياء والتاء. (وبئس ~~المهاد) أي بئس ما مهدوا لأنفسهم بكفرهم، وما مهد الله لهم من النار. # الثامنة عشرة - في هذه الآية وأمثالها كقوله: " أنما نملي لهم خير " [آل ~~عمران: 178] (2) الآية. " وأملي لهم إن كيدي متين " [الأعراف: 183] (3). " ~~أيحسبون أن ما نمدهم به من مال وبنين " [المؤمنون: 55] (4). " سنستدرجهم من ~~حيث لا يعلمون " [الأعراف: 182] (3) دليل على أن الكفار غير. منعم عليهم في ~~الدنيا، لان حقيقة النعمة الخلوص من شوائب الضرر العاجلة والآجلة، ونعم ~~الكفار. مشوبة بالآلام والعقوبات، فصار كمن قدم بين يدي غيره حلاوة من عسل ~~فيها السم، فهو وإن استلذ آكله لا يقال: أنعم عليه، لان فيه هلاك روحه. ذهب ~~إلى هذا جماعة من العلماء، وهو قول الشيخ أبي الحسن الأشعري. وذهب جماعة ~~منهم سيف السنة ولسان الأمة القاضي أبو بكر: إلى أن الله أنعم عليهم في ~~الدنيا. # قالوا: وأصل النعمة من النعمة بفتح النون، وهي لين العيش، ومنه قوله ~~تعالى: " ونعمة كانوا فيها فاكهين " [الدخان: 27] (5). يقال: دقيق ناعم، ~~إذا بولغ في طحنه وأجيد سحقه. وهذا هو الصحيح، والدليل عليه أن الله تعالى ~~أوجب على الكفار أن يشكروه وعلى جميع المكلفين فقال: " فاذكروا آلاء الله " ~~[الأعراف: 74] (3). " واشكروا لله " [البقرة: 172] (6) والشكر لا يكون إلا ~~على نعمة. وقال: # " وأحسن كما أحسن الله إليك " [القصص: 77] (7) وهذا خطاب لقارون. وقال: " ~~وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة " [النحل: 112] (8) الآية. فنبه ~~سبحانه أنه قد أنعم عليهم نعمة دنياوية فجحدوها. وقال: # " يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها " [النحل: 83] (8) وقال: " يا أيها الناس ~~اذكروا نعمة الله عليكم " [فاطر: 3] (9). وهذا عام # PageV04P320 # في الكفار وغيرهم. فأما إذا قدم لغيره طعاما فيه سم فقد رفق به في الحال، ~~إذ لم يجرعه السم بحتا، بل دسه في الحلاوة، فلا يستبعد أن يقال: قد أنعم ~~عليه، وإذا ثبت هذا فالنعم ضربان: # نعم نفع ms1572 ونعم دفع، فنعم النفع ما وصل إليهم من فنون اللذات، ونعم الدفع ~~ما صرف عنهم من أنواع الآفات. فعلى هذا قد أنعم على الكفار نعم الدفع قولا ~~واحدا، وهو ما زوي عنهم من الآلام والاسقام، ولا خلاف بينهم في أنه لم ينعم ~~عليهم نعمة دينه. والحمد لله. # التاسعة عشرة - قوله تعالى: (لكن الذين اتقوا ربهم) استدراك بعد كلام ~~تقدم فيه معنى النفي، لان معنى ما تقدم ليس لهم في تقلبهم في البلاد كبير ~~(1) الانتفاع، لكن المتقون لهم الانتفاع الكبير (1) والخلد الدائم. فموضع " ~~لكن " رفع بالابتداء. وقرأ يزيد بن القعقاع " لكن " بتشديد النون. # الموافية عشرين - قوله تعالى: (نزلا من عند الله) نزلا مثل ثوابا عند ~~البصريين، وعند الكسائي يكون مصدرا. الفراء: هو مفسر. وقرأ الحسن والنخعي " ~~نزلا " بتخفيف الزاي استثقالا لضمتين، وثقله الباقون. والنزل ما يهيأ ~~للنزيل، والنزيل الضيف. قال الشاعر: # نزيل القوم أعظمهم حقوقا * وحق الله في حق النزيل والجمع الانزال. وحظ ~~نزيل: مجتمع. والنزل (2): أيضا الريع، يقال، طعام النزل والنزل. # الحادية والعشرون - قلت: ولعل النزل - والله أعلم - ما جاء في صحيح مسلم ~~من حديث ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصة (3) الحبر الذي ~~سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض ~~والسماوات؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هم في الظلمة دون الجسر) ~~قال: فمن أول الناس إجازة؟ قال: # (فقراء المهاجرين) قال اليهودي: فما تحفتهم حين يدخلون الجنة؟ قال (زيادة ~~كبد النون) قال: فما غذاؤهم على إثرها؟ فقال: (ينحر لهم ثور الجنة الذي كان ~~يأكل من أطرافها) قال: فما شرابهم عليه؟ قال: (من عين فيها تسمى سلسبيلا) ~~وذكر الحديث. قال أهل # PageV04P321 # اللغة: والتحفة ما يتحف به الانسان من الفواكه. والطرف محاسنه وملاطفه، ~~وهذا مطابق لما ذكرناه في النزل، والله أعلم. وزيادة الكبد: قطعة منه ~~كالإصبع. قال الهروي: # " نزلا من عند الله " أي ثوابا. وقيل رزقا. (وما عند الله خير للأبرار) ~~أي مما يتقلب به الكفار في الدنيا. والله أعلم. ms1573 # الثانية والعشرون - قوله تعالى: (وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله) ~~الآية. # قال جابر بن عبد الله وأنس وابن عباس وقتادة والحسن: نزلت في النجاشي، ~~وذلك أنه لما مات نعاه جبريل عليه السلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: (قوموا فصلوا على أخيكم النجاشي)، ~~فقال بعضهم لبعض: يأمرنا أن نصلي على علج من علوج الحبشة، فأنزل الله تعالى ~~" وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم ". قال ~~الضحاك: (وما أنزل إليكم) القرآن. (وما أنزل إليهم) التوراة والإنجيل. وفي ~~التنزيل: " أولئك يؤتون أجرهم مرتين " [القصص: 54] (1). وفي صحيح مسلم: " ~~ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين - فذكر - رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه ثم أدرك ~~النبي صلى الله عليه وسلم فآمن به واتبعه وصدقه فله أجران) وذكر الحديث. ~~وقد تقدم في " البقرة " (2) الصلاة عليه وما للعلماء في الصلاة على الميت ~~الغائب، فلا معنى للإعادة. وقال مجاهد وابن جريج وابن زيد: نزلت في مؤمني ~~أهل الكتاب، وهذا عام والنجاشي واحد منهم. واسمه أصحمة، وهو بالعربية عطية. ~~و (خاشعين) أذلة، ونصب على الحال من المضمر الذي في " يؤمن ". # وقيل: من الضمير في " إليهم " أو في " إليكم ". وما في الآية بين، وقد ~~تقدم. # الثالثة والعشرون - قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اصبروا) الآية. ختم ~~تعالى السورة بما تضمنته هذه الآية العاشرة من الوصاة التي جمعت الظهور في ~~الدنيا على الأعداء والفوز بنعيم الآخرة، فحض على الصبر على الطاعات وعن ~~الشهوات، والصبر الحبس، وقد تقدم في " البقرة " بيانه (3). وأمر بالمصابرة ~~فقيل: معناه مصابرة الأعداء، قاله زيد بن أسلم. # PageV04P322 # وقال الحسن: على الصلوات الخمس. وقيل: إدامة مخالفة النفس عن شهواتها فهي ~~تدعو وهو ينزع. وقال عطاء والقرظي: صابروا الوعد الذي وعدتم. أي لا تيأسوا ~~وانتظروا الفرج، قال صلى الله عليه وسلم: (انتظار الفرج بالصبر عبادة). ~~واختار هذا القول أبو عمر رحمه الله. والأول قول الجمهور، ومنه قول عنترة: # فلم أر حيا صابروا مثل صبرنا * ولا كافحوا مثل الذين ms1574 نكافح فقوله " ~~صابروا مثل صبرنا " أي صابروا العدو في الحرب ولم يبد منهم جبن ولا خور. # والمكافحة: المواجهة والمقابلة في الحرب، ولذلك اختلفوا في معنى قوله ~~(ورابطوا) فقال جمهور الأمة: رابطوا أعدائكم بالخيل، أي ارتبطوها كما ~~يرتبطها أعداءكم، ومنه قوله تعالى: # " ومن رباط الخيل " [الأنفال: 60] (1) وفي الموطأ عن مالك عن زيد بن أسلم ~~قال: كتب أبو عبيدة ابن الجراح إلى عمر بن الخطاب يذكر له جموعا الروم وما ~~يتخوف منهم، فكتب إليه عمر: # أما بعد، فإنه مهما ينزل بعبد مؤمن من منزل شدة يجعل الله له بعدها فرجا، ~~وإنه لن يغلب عسر يسرين، وإن الله تعالى يقول في كتابه " يا أيها الذين ~~آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون " وقال أبو سلمة بن ~~عبد الرحمن: هذه الآية في انتظار الصلاة بعد الصلاة، ولم يكن في زمان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم غزو يرابط فيه، رواه الحاكم أبو عبد الله في ~~صحيحه. واحتج أبو سلمة بقوله عليه السلام: (ألا أدلكم على ما يمحو الله به ~~الخطايا ويرفع به الدرجات إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطا إلى ~~المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط) ثلاثا، رواه مالك. قال ~~ابن عطية: والقول الصحيح هو أن الرباط [هو] (2) الملازمة في سبيل الله. ~~أصلها من ربط الخيل، ثم سمي كل ملازم لثغر من ثغور الاسلام (3) مرابطا، ~~فارسا كان أو راجلا. واللفظ مأخوذ من الربط. وقول النبي صلى الله عليه وسلم ~~(فذلكم الرباط) إنما هو تشبيه بالرباط في سبيل الله. والرباط اللغوي هو ~~الأول، وهذا (4) كقوله: (ليس الشديد بالصرعة) وقوله (ليس المسكين بهذا ~~الطواف) إلى غير ذلك. # PageV04P323 # قلت: قوله " والرباط اللغوي هو الأول " ليس بمسلم، فإن الخليل بن أحمد ~~أحد أئمة اللغة وثقاتها قد قال: الرباط ملازمة الثغور، ومواظبة الصلاة ~~أيضا، فقد حصل أن انتظار الصلاة رباط لغوي حقيقة، كما قال صلى الله عليه ~~وسلم. وأكثر من هذا ما قاله الشيباني أنه يقال: ماء مترابط أي دائم لا ينزح ~~(1)، حكاه ابن فارس، وهو يقتضي ms1575 تعدية الرباط لغة إلى غير ما ذكرناه. فإن ~~المرابطة عند العرب: العقد على الشئ حتى لا ينحل، فيعود إلى ما كان صبر ~~عنه، فيحبس القلب على النية الحسنة والجسم على فعل الطاعة. ومن أعظمها ~~وأهمها ارتباط الخيل في سبيل الله كما نص عليه في التنزيل في قوله: " ومن ~~رباط الخيل " [الأنفال: 60] على ما يأتي. وارتباط النفس على الصلوات كما ~~قاله النبي صلى الله عليه وسلم، رواه أبو هريرة وجابر وعلى ولا عطر بعد ~~عروس. # الرابعة والعشرون - المرابط في سبيل الله عند الفقهاء هو الذي يشخص إلى ~~ثغر من الثغور ليرابط فيه مدة ما، قاله محمد بن المواز [ورواه] (2). وأما ~~سكان الثغور دائما بأهليهم الذين يعمرون ويكتسبون هنالك، فهم وإن كانوا ~~حماة فليسوا بمرابطين. قال ابن عطية. وقال ابن خويز منداد: # وللرباط حالتان: حالة يكون الثغر مأمونا منيعا يجوز سكناه بالأهل والولد. ~~وإن كان غير مأمون جاز أن يرابط فيه بنفسه إذا كان من أهل القتال، ولا ينقل ~~إليه الأهل والولد لئلا يظهر العدو فيسبي ويسترق. والله أعلم. # الخامسة والعشرون - جاء في فضل الرباط أحاديث كثيرة، منها ما رواه ~~البخاري عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: رباط ~~يوم في سبيل الله خير عند الله من الدنيا وما فيها). وفي صحيح مسلم عن ~~سلمان قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (رباط يوم وليلة خير ~~من صيام شهر وقيامه وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله وأجري عليه رزقه ~~وأمن الفتان) (3). وروى أبو داود في سننه عن فضالة # PageV04P324 # ابن عبيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كل ميت يختم على عمله إلا ~~المرابط فإنه ينمو له عمله إلى يوم القيامة ويؤمن من فتان القبر). وفي هذين ~~الحديثين دليل على أن الرباط أفضل الأعمال التي يبقى ثوابها بعد الموت، كما ~~جاء في حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: (إذا ms1576 مات الانسان (1) انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة إلا ~~من صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له) وهو حديث صحيح انفرد ~~بإخراجه مسلم، فإن الصدقة الجارية والعلم المنتفع به والولد الصالح الذي ~~يدعو لأبويه ينقطع ذلك بنفاد الصدقات وذهاب العلم وموت الولد. والرباط ~~يضاعف أجره إلى يوم القيامة، لأنه لا معنى للنماء إلا المضاعفة، وهي غير ~~موقوفة على سبب فتنقطع بانقطاعه، بل هي فضل دائم من الله تعالى إلى يوم ~~القيامة. وهذا لان أعمال البر كلها لا يتمكن منها إلا بالسلامة من العدو ~~والتحرز منه بحراسة بيضة الدين وإقامة شعائر الاسلام. وهذا العمل الذي يجري ~~عليه ثوابه هو ما كان يعمله من الأعمال الصالحة، خرجه ابن ماجة بإسناد صحيح ~~عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من مات مرابطا في سبيل ~~الله أجرى عليه أجر عمله الصالح الذي كان يعمل وأجرى عليه رزقه وأمن من ~~الفتان وبعثه الله يوم القيامة آمنا من الفزع). وفي هذا الحديث قيد ثان وهو ~~الموت حالة الرباط. # والله أعلم. # وروي عن عثمان بن عفان قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من ~~رابط ليلة في سبيل الله كانت له كألف ليلة صيامها وقيامها). وروي عن أبي بن ~~كعب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لرباط يوم في سبيل الله من ~~وراء عورة المسلمين محتسبا من غير شهر رمضان أعظم أجرا من عبادة مائة سنة ~~صيامها وقيامها ورباط يوم في سبيل الله من وراء عورة المسلمين محتسبا من ~~شهر رمضان أفضل عند الله وأعظم أجرا - # PageV04P325 # أراه قال: من عبادة ألف سنة صيامها وقيامها فإن رده الله إلى أهله سالما ~~لم تكتب عليه سيئة ألف سنة وتكتب له الحسنات ويجرى له أجر الرباط إلى يوم ~~القيامة) (1). # ودل هذا الحديث على أن رباط يوم في شهر رمضان يحصل له من الثواب الدائم ~~وإن لم يمت مرابطا. والله أعلم. وعن أنس بن مالك قال سمعت رسول الله ms1577 صلى ~~الله عليه وسلم يقول: # (حرس ليلة في سبيل الله أفضل من صيام رجل وقيامه في أهله ألف سنة السنة ~~ثلاثمائة يوم [وستون (2) يوما] واليوم كألف سنة). # قلت: وجاء في انتظار الصلاة بعد الصلاة أنه رباط، فقد يحصل لمنتظر ~~الصلوات ذلك الفضل إن شاء الله تعالى. وقد روى أبو نعيم الحافظ قال حدثنا ~~سليمان بن أحمد قال حدثنا علي بن عبد العزيز قال حدثنا حجاج بن المنهال ح ~~(3) وحدثنا أبو بكر بن مالك قال: # حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي قال حدثني الحسن بن موسى ~~قال حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أبي أيوب الأزدي عن نوف البكالي ~~عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ذات ليلة المغرب ~~فصلينا معه فعقب من عقب ورجع من رجع، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قبل أن يثوب (4) الناس لصلاة العشاء، فجاء وقد حضره الناس رافعا أصبعه وقد ~~عقد تسعا وعشرين يشير بالسبابة إلى السماء فحسر ثوبه عن ركبتيه وهو يقول: ~~(أبشروا معشر المسلمين هذا ربكم قد فتح بابا من أبواب السماء يباهي بكم ~~الملائكة يقول يا ملائكتي انظروا إلى عبادي هؤلاء قضوا فريضة وهم ينتظرون ~~أخرى). ورواه حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن مطرف بن عبد الله: أن نوفا # PageV04P326 # وعبد الله بن عمرو اجتمعا فحدث نوف عن التوراة وحدث عبد الله بن عمرو ~~بهذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم. (واتقوا الله) أي لم تؤمروا ~~بالجهاد من غير تقوى. # (لعلكم تفلحون) لتكونوا على رجاء من الفلاح. وقيل: لعل بمعنى لكي. ~~والفلاح البقاء، وقد مضى هذا كله في " البقرة " مستوفي (1)، والحمد لله. ~~نجز تفسير سورة آل عمران من (جامع أحكام القرآن والمبين لما تضمن من السنة ~~وآي الفرقان) بحمد الله وعونه. # صححه أبو إسحاق إبراهيم اطفيش * * * تم الجزء الرابع من تفسير القرطبي ~~يتلوه إن شاء تعالى الجزء الخامس، وأوله: " سورة النساء بعون الله وجميل ~~توفيقه قد تم طبع ms1578 الجزء الرابع من كتاب (الجامع لاحكام القرآن) للقرطبي # PageV04P327 # الجامع لاحكام القرآن لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي الجزء ~~الخامس أعاد طبعه دار احياء التراث العربي بيروت - لبنان 1405 ه‍ 1985 م ~~بسم الله الرحمن الرحيم سورة النساء وهي مدنية إلا آية واحدة نزلت بمكة عام ~~الفتح في عثمان بن طلحة الحجبي وهي قوله: # (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها (1)) على ما يأتي بيانه. ~~قال النقاش: وقيل: # نزلت عند هجرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة. وقد قال بعض ~~الناس: # إن قوله تعالى: (يا أيها الناس) حيث وقع إنما هو مكي، وقاله (2) علقمة ~~وغيره، فيشبه أن يكون صدر السورة مكيا، وما نزل بعد الهجرة فإنما هو مدني. ~~وقال النحاس: هذه السورة مكية. # قلت: والصحيح الأول، فإن في صحيح البخاري عن عائشة أنها قالت: ما نزلت ~~سورة النساء إلا وأنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، تعني قد بنى بها. ~~ولا خلاف بين العلماء أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما بنى بعائشة ~~بالمدينة. ومن تبين أحكامها علم أنها مدنية لا شك فيها. وأما من قال: إن ~~قوله: (يا أيها الناس) مكي حيث وقع فليس بصحيح، فإن البقرة مدنية وفيها ~~قوله: (يا أيها الناس) في موضعين (3)، وقد تقدم. والله أعلم قوله تعالى: يا ~~أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما ~~رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام أن الله كان عليكم ~~رقيبا (1) فيه ست (4) مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم) قد مضى في ~~(البقرة) اشتقاق (الناس) ومعنى التقوى والرب والخلق والزوج والبث، فلا معنى ~~للإعادة (5) # PageV05P001 # وفي الآية تنبيه على الصانع. وقال (واحدة) على تأنيث لفظ النفس. ولفظ ~~النفس يؤنث وإن عني به مذكر. ويجوز في الكلام (من نفس واحد) وهذا على ~~مراعاة المعنى، إذ المراد بالنفس آدم عليه السلام، قاله مجاهد وقتادة. وهي ~~قراءة ابن أبي عبلة (واحد) بغير هاء. ms1579 # (وبث) [معناه] (1) فرق ونشر في الأرض، ومنه (وزرابي مبثوثة) (2) وقد تقدم ~~في (البقرة). # و (منها) يعني آدم وحواء. قال مجاهد: خلقت حواء من قصيري (4) آدم. وفي ~~الحديث: # (خلقت المرأة من ضلع عوجاء)، وقد مضى في البقرة. (رجالا كثيرا ونساء) حصر ~~ذريتهما في نوعين، فاقتضى أن الخنثى ليس بنوع، لكن له حقيقة ترده إلى هذين ~~النوعين وهي الآدمية فيلحق بأحدهما، على ما تقدم ذكره في (البقرة (5)) من ~~اعتبار نقص الأعضاء وزيادتها. # الثانية - قوله تعالى: (واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام) كرر ~~الاتقاء تأكيدا وتنبيها لنفوس المأمورين. و (الذي) في موضع نصب على النعت. ~~(والأرحام) معطوف. أي اتقوا الله أن تعصوه، واتقوا الأرحام أن تقطعوها. ~~وقرأ أهل المدينة (تساءلون) بإدغام التاء في السين. وأهل الكوفة بحذف (6) ~~التاء، لاجتماع تاءين، وتخفيف السين، لان المعنى يعرف، وهو كقوله: (ولا ~~تعاونوا على الاثم (7)) و (تنزل) وشبهه. # وقرأ (8) إبراهيم النخعي وقتادة والأعمش وحمزة (الأرحام) بالخفض. وقد ~~تكلم النحويون في ذلك. فأما البصريون فقال رؤساؤهم: هو لحن لا تحل القراءة ~~به. # وأما الكوفيون فقالوا: هو قبيح، ولم يزيدوا على هذا ولم يذكروا علة قبحه، ~~قال النحاس: # فيما علمت. # وقال سيبويه: لم يعطف على المضمر المخفوض، لأنه بمنزلة التنوين، والتنوين ~~لا يعطف عليه. وقال جماعة: هو معطوف على المكني، فإنهم كانوا يتساءلون بها، ~~يقول الرجل: # PageV05P002 # سألتك بالله والرحم، هكذا فسره الحسن والنخعي ومجاهد، وهو الصحيح في ~~المسألة، على ما يأتي. وضعفه أقوام منهم الزجاج، وقالوا: يقبح عطف [الاسم ~~(1)] الظاهر على المضمر في الخفض إلا بإظهار الخافض، كقوله (فخسفنا به ~~وبداره الأرض (2)) ويقبح (مررت به وزيد). قال الزجاج عن المازني: لان ~~المعطوف والمعطوف عليه شريكان، يحل كل واحد منهما محل صاحبه، فكما لا يجوز ~~(مررت بزيد وك) كذلك لا يجوز (مررت بك وزيد). وأما سيبويه فهي عنده قبيحة ~~ولا تجوز إلا في الشعر، كما قال: # فاليوم قربت تهجونا وتشتمنا * فاذهب فما بك والأيام من عجب عطف (الأيام) ~~على الكاف في (بك) بغير الباء للضرورة. وكذلك قول الآخر: # نعلق في ms1580 مثل السواري سيوفنا * وما بينها والكعب مهوى (3) نفانف عطف ~~(الكعب) على الضمير في (بينها) ضرورة. وقال أبو علي: ذلك ضعيف في القياس. ~~وفي كتاب التذكرة المهدية (4) عن الفارسي أن أبا العباس المبرد قال: لو ~~صليت خلف إمام يقرأ (ما أنتم بمصرخي (5)) و (اتقوا الله الذي تساءلون به ~~والأرحام) لاخذت نعلي ومضيت. قال الزجاج: قراءة حمزة مع ضعفها وقبحها في ~~العربية خطأ عظيم في أصول أمر الدين، لان النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~(لا تحلفوا بآبائكم) فإذا لم يجز الحلف بغير الله فكيف يجوز بالرحم. ورأيت ~~إسماعيل بن إسحاق يذهب إلى أن الحلف بغير الله أمر عظيم، وإنه خاص (6) لله ~~تعالى. قال النحاس: وقول بعضهم (والأرحام) قسم خطأ من المعنى والاعراب، لان ~~الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلمة يدل على النصب. وروى شعبة عن عون بن ~~أبي جحيفة عن المنذر بن جرير عن أبيه قال: كنا (7) عند النبي صلى الله عليه ~~وسلم حتى جاء قوم من مضر حفاة عراة، فرأيت وجه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يتغير لما رأى من فاقتهم، ثم صلى الظهر وخطب الناس فقال: (يا أيها ~~الناس اتقوا ربكم، # PageV05P003 # إلى: والأرحام)، ثم قال: (تصدق رجل بديناره تصدق رجل بدرهمه تصدق رجل ~~بصاع تمره) وذكر الحديث (1). فمعنى هذا على النصب، لأنه حضهم على صلة ~~أرحامهم. # وأيضا فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم (من كان حالفا فليحلف بالله أو ~~ليصمت). # فهذا يرد قول من قال: المعنى أسألك بالله وبالرحم. وقد قال أبو إسحاق: ~~معنى (تساءلون (به) يعني تطلبون حقوقكم به. ولا معنى للخفض أيضا مع هذا. # قلت: هذا ما وقفت عليه من القول لعلماء اللسان في منع قراءة (والأرحام) ~~بالخفض، واختاره ابن عطية. ورده الإمام أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم ~~القشيري، واختار العطف فقال: ومثل هذا الكلام مردود عند أئمة الدين، لان ~~القراءات التي قرأ بها (2) أئمة القراء ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~تواترا يعرفه أهل الصنعة، وإذا ثبت شئ عن ms1581 النبي صلى الله عليه وسلم فمن رد ~~ذلك فقد رد على النبي صلى الله عليه وسلم، واستقبح ما قرأ به، وهذا مقام ~~محذور، ولا يقلد فيه أئمة اللغة والنحو، فإن العربية تتلقى من النبي صلى ~~الله عليه وسلم، ولا يشك أحد في فصاحته. وأما ما ذكر من الحديث ففيه نظر، ~~لأنه عليه السلام قال لأبي العشراء (3): (وأبيك لو طعنت في خاصرته). ثم ~~النهي إنما جاء في الحلف بغير الله، وهذا توسل إلى الغير بحق الرحم فلا نهي ~~فيه. قال القشيري: وقد قيل هذا إقسام بالرحم، أي اتقوا الله وحق الرحم (4)، ~~كما تقول: افعل كذا وحق أبيك. وقد جاء في التنزيل: (والنجم)، والطور، ~~والتين، لعمرك) وهذا تكلف. # قلت: لا تكلف فيه فإنه لا يبعد أن يكون (والأرحام) من هذا القبيل، فيكون ~~[أقسم بها (5)] كما أقسم بمخلوقاته الدالة على وحدانيته وقدرته تأكيدا لها ~~حتى قرنها بنفسه. والله أعلم. # PageV05P004 # ولله أن يقسم بما شاء ويمنع ما شاء ويبيح ما شاء، فلا يبعد أن يكون قسما. ~~والعرب تقسم بالرحم. ويصح أن تكون الباء مرادة فحذفها (1) كما حذفها في ~~قوله: # مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة * ولا ناعب إلا ببين غرابها فجر وإن لم يتقدم ~~باء. قال ابن الدهان أبو محمد سعيد بن مبارك: والكوفي يجيز عطف الظاهر على ~~المجرور ولا يمنع منه. ومنه قوله: # آبك أيه بي أو مصدر * من حمر الجلة جأب حشور (2) ومنه: * فاذهب فما بك ~~والأيام من عجب * وقول الآخر: * وما بينها والكعب غوط نفانف * ومنه: * ~~فحسبك والضحاك سيف مهند * وقول الآخر: # وقد رام آفاق السماء فلم يجد * له مصعدا فيها ولا الأرض مقعدا وقول ~~الآخر: # ما إن بها والأمور من تلف * ما حم من أمر غيبه (3) وقعا وقول الآخر: # أمر على الكتيبة لست أدري * أحتفي كان فيها أم سواها ف (سواها) مجرور ~~الموضع بفي. وعلى هذا حمل بعضهم قوله تعالى: (وجعلنا لكم فيها معايش ومن ~~لستم له برازقين (4)) فعطف على الكاف والميم. وقرأ عبد الله بن يزيد ~~(والأرحام) بالرفع على الابتداء، والخبر ms1582 مقدر، تقديره: والأرحام أهل أن ~~توصل. ويحتمل أن يكون إغراء، لان من العرب من يرفع المغرى. وأنشد [الفراء ~~(5)]: # PageV05P005 # إن قوما منهم عمير وأشباه * عمير ومنهم السفاح لجديرون باللقاء إذا قال * ~~أخو النجدة السلاح السلاح وقد قيل: إن (والأرحام) بالنصب عطف على موضع به، ~~لان موضعه نصب، ومنه قوله: # * فلسنا بالجبال ولا الحديدا (1) * وكانوا يقولون: أنشدك بالله والرحم. ~~والأظهر أنه نصب بإضمار فعل كما ذكرنا. # الثالثة - اتفقت الملة على أن صلة الرحم واجبة وأن قطيعتها محرمة. وقد صح ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأسماء وقد سألته [أأصل أمي (2)] (نعم (3) ~~صلي أمك) فأمرها بصلتها وهي كافرة. فلتأكيدها دخل الفضل في صلة الكافر، حتى ~~انتهى الحال بأبي حنيفة وأصحابه فقالوا بتوارث ذوي الأرحام إن لم يكن عصبة ~~ولا فرض مسمى، ويعتقون على من اشتراهم من ذوي رحمهم لحرمة الرحم، وعضدوا ~~ذلك بما رواه أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # (من ملك ذا رحم محرم فهو حر). وهو قول أكثر أهل العلم. روي ذلك عن عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه وعبد الله بن مسعود، ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة. ~~وهو قول الحسن البصري وجابر بن زيد وعطاء والشعبي والزهري، وإليه ذهب ~~الثوري وأحمد وإسحاق. # ولعلمائنا في ذلك ثلاثة أقوال: الأول - أنه مخصوص بالاباء والأجداد. ~~الثاني - الجناحان يعني الاخوة. الثالث - كقول أبي حنيفة. وقال الشافعي: لا ~~يعتق عليه إلا أولاده وآباؤه وأمهاته، ولا يعتق عليه إخوته ولا أحد من ذوي ~~قرابته ولحمته. والصحيح الأول للحديث الذي ذكرناه وأخرجه الترمذي والنسائي. ~~وأحسن طرقه رواية النسائي له، رواه من حديث ضمرة عن سفيان عن عبد الله بن ~~دينار عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من ملك ذا رحم ~~محرم فقد عتق عليه). وهو حديث ثابت بنقل العدل عن العدل ولم يقدح فيه أحد ~~من الأئمة بعلة توجب تركه، غير أن النسائي قال في آخره: # هذا حديث منكر. وقال غيره: تفرد به ضمرة. وهذا هو معنى ms1583 المنكر والشاد في ~~اصطلاح المحدثين. وضمرة عدل ثقة، وانفراد الثقة بالحديث لا يضره. والله ~~أعلم. # PageV05P006 # الرابعة - واختلفوا من هذا الباب في ذوي المحارم من الرضاعة. فقال أكثر ~~أهل العلم لا يدخلون في مقتضى الحديث. وقال (1) شريك القاضي بعتقهم. وذهب ~~أهل الظاهر وبعض المتكلمين إلى أن الأب لا يعتق على الابن إذا ملكه، ~~واحتجوا بقوله عليه السلام: # (لا يحزي ولد والدا إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه). قالوا: فإذا صح ~~الشراء فقد ثبت الملك، ولصاحب الملك التصرف. وهذا جهل منهم بمقاصد الشرع، ~~فإن الله تعالى يقول: # (وبالوالدين إحسانا (2)) فقد قرن بين عبادته وبين الاحسان للوالدين في ~~الوجوب، وليس من الاحسان أن يبقى والده في ملكه وتحت سلطانه، فإذا يجب عليه ~~عتقه إما لأجل الملك عملا بالحديث (فيشتريه فيعتقه)، أو لأجل الاحسان عملا ~~بالآية. ومعنى الحديث عند الجمهور أن الولد لما تسبب إلى عتق أبيه باشترائه ~~نسب الشرع العتق إليه نسبة الايقاع منه. # وأما اختلاف العلماء فيمن يعتق بالملك، فوجه القول الأول ما ذكرناه من ~~معنى الكتاب والسنة، ووجه الثاني إلحاق القرابة القريبة المحرمة بالأب ~~المذكور في الحديث، ولا أقرب للرجل من ابنه فيحمل على الأب، والأخ يقاربه ~~في ذلك لأنه يدلي بالأبوة، فإنه يقول: # أنا ابن أبيه. وأما القول الثالث فمتعلقه حديث ضمرة وقد ذكرناه. والله ~~أعلم. # الخامسة - قوله تعالى: (والأرحام) الرحم اسم لكافة الأقارب من غير فرق ~~بين المحرم وغيره. وأبو حنيفة يعتبر الرحم المحرم في (3) منع الرجوع في ~~الهبة، ويجوز الرجوع في حق بني الأعمام مع أن القطيعة موجودة والقرابة ~~حاصلة، ولذلك تعلق بها الإرث والولاية وغيرهما من الاحكام. فاعتبار المحرم ~~زيادة على نص الكتاب من غير مستند. وهم يرون ذلك نسخا، سيما وفيه إشارة إلى ~~التعليل بالقطيعة، وقد جوزوها في حق بني الأعمام وبني (4) الأخوال ~~والخالات. والله أعلم. # السادسة - قوله تعالى: (أن الله كان عليكم رقيبا) أي حفيظا، عن ابن عباس ~~ومجاهد. ابن زيد: عليما. وقيل: (رقيبا) حافظا، قيل: بمعنى فاعل. فالرقيب من ~~صفات الله تعالى، والرقيب: الحافظ ms1584 والمنتظر، تقول: رقبت أرقب رقبة ورقبانا ~~إذا انتظرت. # PageV05P007 # والمرقب: المكان العالي المشرف، يقف عليه الرقيب. والرقيب: السهم الثالث ~~من السبعة التي لها أنصباء. (1). ويقال: إن الرقيب ضرب من الحيات، فهو لفظ ~~مشترك. والله أعلم. # قوله تعالى: وأتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا ~~أموالهم إلى أموالكم انه كان حوبا كبيرا (2) فيه خمس مسائل: # الأولى قوله تعالى: (وآتوا اليتامى أموالهم) وأراد باليتامى الذين كانوا ~~أيتاما، كقوله: # (وألقي السحرة ساجدين (2)) ولا سحر مع السجود، فكذلك لا يتم مع البلوغ ~~(3). وكان يقال للنبي صلى الله عليه وسلم: (يتيم أبي طالب) استصحابا لما ~~كان. (وآتوا) أي أعطوا. # والايتاء الاعطاء. ولفلان أتو، أي عطاء. أبو زيد: أتوت الرجل آتوه إتاوة، ~~وهي الرشوة. واليتيم من لم يبلغ الحلم، وقد تقدم في (البقرة) مستوفى (4). ~~وهذه الآية خطاب للأولياء والأوصياء. نزلت - في قول مقاتل والكلبي - في رجل ~~من غطفان [كان معه (5)] مال كثير لابن أخ له يتيم، فلما بلغ اليتيم طلب ~~المال فمنعه عمه، فنزلت، فقال العم: نعوذ بالله من الحوب (6) الكبير! ورد ~~المال. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من يوق شح نفسه ورجع به هكذا فإنه ~~يحل داره) يعني جنته. فلما قبض الفتى المال أنفقه في سبيل الله، فقال عليه ~~السلام: (ثبت الاجر وبقي الوزر). فقيل: كيف يا رسول الله؟ فقال: (ثبت الاجر ~~للغلام وبقي الوزر على والده) لأنه كان مشركا. # الثانية - وإيتاء اليتامى أموالهم يكون بوجهين: أحدهما - إجراء الطعام ~~والكسوة ما دامت الولاية، إذ لا يمكن إلا ذلك لمن لا يستحق الاخذ الكلى ~~والاستبداد كالصغير والسفيه الكبير. الثاني - الايتاء بالتمكن وإسلام المال ~~إليه، وذلك عند الابتلاء والارشاد، # PageV05P008 # وتكون تسميته مجازا، المعنى: الذي كان يتيما، وهو استصحاب الاسم، كقوله ~~تعالى: # (وألقي السحرة ساجدين) أي الذين كانوا سحرة. وكان يقال للنبي صلى الله ~~عليه وسلم: # (يتيم أبي طالب). فإذا تحقق الولي رشده حرم عليه إمساك ماله عنه وكان ~~عاصيا. وقال أبو حنيفة: إذا بلغ خمسا وعشرين سنة أعطي ما له كله على كل ~~حال، لأنه ms1585 يصير جدا. # قلت: لما لم يذكر الله تعالى في هذه الآية إيناس الرشد وذكره في قوله ~~تعالى: # (وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا ~~إليهم أموالهم). قال أبو بكر الرازي الحنفي في أحكام القرآن: لما لم يقيد ~~الرشد في موضع وقيد في موضع وجب استعمالهما، فأقول: إذا بلغ خمسا وعشرين ~~سنة وهو سفيه لم يؤنس منه الرشد، وجب دفع المال إليه، وإن كان دون ذلك لم ~~يجب، عملا بالآيتين (2). وقال أبو حنيفة: لما بلغ [رشده (2)] صار يصلح أن ~~يكون جدا فإذا صار يصلح أن يكون جدا فكيف يصح (3) إعطاؤه المال بعلة اليتم ~~وباسم اليتيم؟! وهل ذلك إلا في غاية البعد؟. قال ابن العربي: وهذا باطل لا ~~وجه له، لا سيما على أصله الذي يرى المقدرات لا تثبت قياسا وإنما تؤخذ من ~~جهة النص، وليس في هذه المسألة. وسيأتي ما للعلماء في الحجر إن شاء الله ~~تعالى. # الثالثة - قوله تعالى: (ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب) أي لا تتبدلوا الشاة ~~السمينة من مال اليتيم بالهزيلة، ولا الدرهم الطيب بالزيف. وكانوا في ~~الجاهلية لعدم الدين لا يتحرجون عن أموال اليتامى، فكانوا يأخذون الطيب ~~والجيد من أموال اليتامى ويبدلونه بالردئ من أموالهم، ويقولون: اسم باسم ~~ورأس برأس، فنهاهم الله عن ذلك. هذا قول سعيد بن المسيب والزهري والسدي ~~والضحاك وهو ظاهر الآية. وقيل: المعنى لا تأكلوا أموال اليتامى وهي محرمة ~~خبيثة وتدعوا الطيب وهو مالكم. وقال مجاهد وأبو صالح وباذان: لا تتعجلوا ~~أكل الخبيث من أموالهم وتدعو انتظارا الرزق الحلال من [عند (4)] الله. وقال ~~ابن زيد: # PageV05P009 # كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء والصبيان ويأخذ الأكبر الميراث. عطاء: ~~لا تربح يتيمك الذي عندك وهو غر صغير. وهذان القولان خارجان (1) عن ظاهر ~~الآية، فإنه يقال: # تبدل الشئ بالشئ أي أخذه مكانه. ومنه البدل. # الرابعة - قوله تعالى: (ولا تأكلوا لهم إلى أموالكم) قال مجاهد: وهذه ~~الآية ناهية عن الخلط في الانفاق، فإن العرب كانت تخلط نفقتها بنفقة ~~أيتامها فنهوا عن ذلك، ثم نسخ بقوله ms1586 (ان تخالطوهم فإخوانكم (2)). وقال ابن ~~فورك عن الحسن: تأول الناس في هذه الآية النهى عن الخلط فاجتنبوه من قبل ~~أنفسهم فخفف عنهم في آية البقرة (2). وقالت طائفة من المتأخرين: ان (إلى) ~~بمعنى مع، كقوله تعالى: (من أنصاري إلى الله (3)). # وأنشد القتبي: # يسدون أبواب القباب بضمر * إلى عنن مستوثقات الأواصر (4) وليس بجيد. وقال ~~الحذاق: (إلى) على بابها وهي تتضمن الإضافة، أي لا تضيفوا أموالهم وتضموها ~~إلى أموالكم في الاكل. فنهوا أن يعتقدوا أموال اليتامى كأموالهم فيتسلطوا ~~عليها بالاكل والانتفاع. # الخامسة - قوله تعالى: (انه كان حوبا كبيرا) (أنه) أي الاكل. (كان حوبا ~~كبيرا) أي إثما كبيرا، عن ابن عباس والحسن وغيرهما. يقال: حاب الرجل يحوب ~~حوبا إذا أثم. وأصله الزجر للإبل، فسمي الاثم حوبا، لأنه يزجر عنه وبه. ~~ويقال في الدعاء: # اللهم اغفر حوبتي، أي إثمي. والحوبة أيضا الحاجة. ومنه في الدعاء: إليك ~~أرفع حوبتي، أي حاجتي. والحوب الوحشة، ومنه قوله عليه السلام لأبي أيوب: ~~(إن طلاق أم أيوب لحوب). وفيه ثلاث لغات (حوبا) بضم الحاء وهي قراءة العامة ~~ولغة أهل الحجاز. وقرأ الحسن (حوبا) بفتح الحاء. وقال الأخفش: وهي لغة ~~تميم. مقاتل: لغة الحبش. # PageV05P010 # والحوب المصدر، وكذلك الحيابة. والحوب الاسم. وقرأ أبي بن كعب (حابا) على ~~المصدر مثل القال. ويجوز أن يكون اسما مثل الزاد. والحوأب (بهمزة بعد ~~الواو): # المكان الواسع. والحوأب ماء أيضا. ويقال: ألحق الله به الحوبة أي المسكنة ~~والحاجة، ومنه قولهم: بات بحيبة سوء. وأصل الياء الواو. وتحوب فلان أي تعبد ~~وألقى الحوب عن نفسه. والتحوب أيضا التحزن. وهو أيضا الصياح الشديد، ~~كالزجر، وفلان يتحوب من كذا أي يتوجع وقال طفيل: # فذقوا كما ذقنا غداة محجر (1) * من الغيظ في أكبادنا (1) والتحوب قوله ~~تعالى: وان خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى ~~وثلاث ورباع فان خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا ~~تعولوا (3) فيه أربع عشرة مسألة: # الأولى - قوله تعالى: (وان خفتم) شرط، وجوابه (فانكحوا). أي إن خفتم ألا ~~تعدلوا ms1587 في مهورهن وفى النفقة عليهن (فانكحوا ما طاب لكم) أي غيرهن. وروى ~~الأئمة واللفظ لمسلم عن عروة بن الزبير عن عائشة في قول الله تعالى: (وإن ~~خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ~~ورباع) قالت: يا ابن أختي هي اليتيمة تكون في حجر وليها تشاركه في ما له ~~فيعجبه مالها وجمالها فيريد وليها أن يتزوجها من غير أن يقسط في صداقها ~~فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن ويبلغوا ~~بهن أعلى سنتهن من الصداق وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن. ~~وذكر الحديث. وقال ابن خويز منداد: ولهذا قلنا إنه يجوز أن يشتري الوصي من ~~مال اليتيم لنفسه، ويبيع من نفسه من غير محاباة. وللموكل النظر فيما اشترى ~~وكيله لنفسه أو باع منها. وللسلطان النظر فيما يفعله الوصي من ذلك. فأما ~~الأب فليس لأحد عليه نظر ما لم تظهر عليه المحاباة فيعترض عليه # PageV05P011 # السلطان حينئذ، وقد مضى في (البقرة (1)) القول في هذا. وقال الضحاك ~~والحسن وغير هما: # إن الآية ناسخة لما كان في الجاهلية وفي أول الاسلام، من أن للرجل أن ~~يتزوج من الحرائر ما شاء، فقصرتهن الآية على أربع. وقال ابن عباس وابن جبير ~~وغيرهما: المعنى وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فكذلك خافوا في النساء، ~~لأنهم كانوا يتحرجون في اليتامى ولا يتحرجون في النساء و (خفتم) من ~~الأضداد، فإنه يكون المخوف منه معلوم الوقوع، وقد يكون مظنونا، فلذلك اختلف ~~العلماء في تفسير هذا الخوف. فقال أبو عبيدة: (خفتم) بمعنى أيقنتم. # وقال آخرون: (خفتم) ظننتم. قال ابن عطية: وهذا الذي اختاره الحذاق، وأنه ~~على بابه من الظن لا من اليقين. التقدير من غلب على ظنه التقصير في القسط ~~لليتيمة فليعدل عنها. و (تقسطوا) معناه تعدلوا. يقال: أقسط الرجل إذا عدل. ~~وقسط إذا جار وظلم صاحبه. قال الله تعالى: (وأما القاسطون فكانوا لجهنم ~~حطبا (2)) يعني الجائرون. وقال عليه السلام: (المقسطون في الدين على منابر ~~من نور يوم ms1588 القيامة) يعني العادلين. وقرأ ابن وثاب والنخعي (تقسطوا) بفتح ~~التاء من قسط على تقدير زيادة (لا) كأنه قال: # وإن خفتم أن تجوروا. # الثانية - قوله تعالى: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء) إن قيل: كيف جاءت ~~(ما) للادميين وإنما أصلها لما لا يعقل، فعنه أجوبة خمسة: الأول - أن (من) ~~و (ما) قد يتعاقبان، قال الله تعالى: (والسماء وما بناها (3)) أي ومن ~~بناها. وقال (فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من ~~يمشي على أربع (4)). فما ههنا لمن يعقل وهن النساء، لقوله بعد ذلك (من ~~النساء) مبينا لمبهم. وقرأ ابن أبي عبلة (من طاب) على ذكر من يعقل. الثاني ~~- قال البصريون: (ما) تقع للنعوت كما تقع لما لا يعقل يقال: ما عندك؟ ~~فيقال: ظريف وكريم. فالمعنى فانكحوا الطيب من النساء، أي الحلال، وما حرمه ~~الله فليس بطيب. وفي التنزيل (وما رب العالمين (5)) فأجابه موسى على وفق ما ~~سأل، وسيأتي. الثالث - حكى بعض الناس أن (ما) في هذه الآية ظرفية، أي ما ~~دمتم تستحسنون # PageV05P012 # النكاح قال. ابن عطية: وفي هذا المنزع ضعف. جواب رابع - قال الفراء: (ما) ~~ههنا مصدر. وقال النحاس: وهذا بعيد جدا، لا يصح فانكحوا الطيبة. قال ~~الجوهري: # طاب الشئ يطيب طيبة وتطيابا. قال علقمة: # * كأن تطيابها في الانف مشموم (1) * جواب خامس - وهو أن المراد بما هنا ~~العقد، أي فانكحوا نكاحا طيبا. وقراءة ابن أبي عبلة ترد هذه الأقوال ~~الثلاثة. وحكى أبو عمرو بن العلاء أن أهل مكة إذا سمعوا الرعد قالوا: سبحان ~~ما سبح له الرعد. أي سبحان من سبح له الرعد. ومثله قولهم: سبحان ما سخر كن ~~لنا. أي من سخر كن. واتفق كل من يعاني العلوم على أن قوله تعالى (وإن خفتم ~~ألا تقسطوا في اليتامى) ليس له مفهوم، إذ قد أجمع المسلمون على أن من لم ~~يخف القسط في اليتامى له أن ينكح أكثر من واحدة: اثنتين أو ثلاثا أو أربعا ~~كمن خاف. فدل على أن الآية نزلت جوابا لمن خاف ذلك، وأن ms1589 حكمها أعم من ذلك. # الثالثة - تعلق أبو حنيفة بهذه الآية في تجويزه (2) نكاح اليتيمة قبل ~~البلوغ. وقال: # إنما تكون يتيمة قبل البلوغ، وبعد البلوغ هي امرأة مطلقة لا يتيمة، بدليل ~~أنه لو أراد البالغة لما نهى عن حطها عن صداق مثلها، لأنها تختار ذلك فيجوز ~~إجماعا. وذهب مالك والشافعي والجمهور من العلماء إلى أن ذلك لا يجوز حتى ~~تبلغ وتستأمر، لقوله تعالى: # (ويستفتونك في النساء) والنساء اسم ينطلق على الكبار كالرجال في الذكور، ~~واسم الرجل لا يتناول الصغير، فكذلك اسم النساء، والمرأة لا يتناول ~~الصغيرة. وقد قال: # (في يتامى النساء) والمراد به هناك اليتامى هنا، كما قالت عائشة رضي الله ~~عنها. فقد دخلت اليتيمة الكبيرة في الآية فلا تزوج إلا بإذنها، ولا تنكح ~~الصغيرة إذ لا إذن لها، فإذا بلغت جاز نكاحها لكن لا تزوج إلا بإذنها. كما ~~رواه الدارقطني من حديث محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر قال: زوجني خالي ~~قدامة بن مظعون بنت أخيه عثمان بن مظعون، فدخل المغيرة بن شعبة على أمها، ~~فأرغبها في المال وخطبها إليها، فرفع شأنها إلى النبي صلى الله # PageV05P013 # عليه وسلم فقال قدامة: يا رسول الله ابنة أخي وأنا وصي أبيها ولم أقصر ~~بها، زوجتها من قد علمت فضله وقرابته. فقال له رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: (إنها يتيمة واليتيمة أولى بأمرها) فنزعت مني وزوجها المغيرة بن ~~شعبة. قال الدارقطني: لم يسمعه محمد بن إسحاق من نافع، وإنما سمعه من عمر ~~بن حسين عنه. ورواه ابن أبي ذئب عن عمر بن حسين عن نافع عن عبد الله بن ~~عمر: أنه تزوج بنت خاله عثمان بن مظعون قال: فذهبت أمها إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقالت: إن ابنتي تكره ذلك. فأمره النبي صلى الله عليه وسلم ~~أن يفارقها ففارقها. وقال: (ولا تنكحوا اليتامى حتى تستأمروهن فإذا سكتن ~~فهو إذنها). فتزوجها بعد عبد الله المغيرة بن شعبة. فهذا يرد ما يقوله أبو ~~حنيفة من أنها إذا بلغت لم تحتج إلى ms1590 ولي، بناء على أصله في عدم اشتراط ~~الولي في صحة النكاح. وقد مضى في (البقرة (1)) ذكره، فلا معنى لقولهم: إن ~~هذا الحديث محمول على غير البالغة لقوله (إلا بإذنها) فإنه كان لا يكون ~~لذكر اليتيم معنى والله أعلم. # الرابعة - وفي تفسير عائشة للآية من الفقه ما قال به مالك صداق المثل، ~~والرد إليه فيما فسد من الصداق ووقع الغبن في مقداره، لقولها: بأدنى من سنة ~~صداقها. فوجب أن يكون صداق المثل معروفا لكل صنف من الناس على قدر أحوالهم. ~~وقد قال مالك: # للناس مناكح عرفت لهم وعرفوا لها. أي صدقات وأكفاء. وسئل مالك عن رجل زوج ~~ابنته [غنية (2)] من ابن أخ له فقير فاعترضت أمها فقال: إني لأرى لها في ~~ذلك متكلما. # فسوغ لها في ذلك الكلام حتى يظهر هو من نظره ما يسقط اعتراض الام عليه. ~~وروى (لا أرى) بزيادة الألف والأول أصح. وجائز لغير اليتيمة أن تنكح بأدنى ~~من صداق مثلها، لان الآية إنما خرجت في اليتامى. هذا مفهومها وغير اليتيمة ~~بخلافها. # الخامسة - فإذا بلغت اليتيمة وأقسط الولي في صداقها جاز له أن يتزوجها، ~~ويكون هو الناكح والمنكح على ما فسرته عائشة. وبه قال أبو حنيفة والأوزاعي ~~والثوري وأبو ثور، وقاله من التابعين الحسن وربيعة، وهو قول الليث. وقال ~~زفر والشافعي: # PageV05P014 # لا يجوز له أن يتزوجها إلا بإذن السلطان، أو يزوجها منه ولي لها هو أقعد ~~بها منه، أو مثله في القعدد، (1) وأما أن يتولى طرفي العقد بنفسه فيكون ~~ناكحا منكحا فلا. واحتجوا بأن الولاية شرط من شروط العقد لقوله عليه ~~السلام: (لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل). فتعديد الناكح والمنكح والشهود ~~واجب، فإذا اتحد اثنان منهم سقط واحد من المذكورين. # وفي المسألة قول ثالث، وهو أن تجعل أمرها إلى رجل يزوجها منه. روي هذا عن ~~المغيرة بن شعبة، وبه قال أحمد، ذكره ابن المنذر. # السادسة - قوله تعالى: (ما طاب لكم من النساء) معناه ما حل لكم، عن الحسن ~~وابن جبير وغيرهما. واكتفى بذكر من يجوز نكاحه، لان ms1591 المحرمات من النساء ~~كثير. وقرأ ابن إسحاق والجحدري وحمزة (طاب) (بالإمالة) وفي مصحف أبي (طيب) ~~بالياء، فهذا دليل الإمالة. (من النساء) دليل على أنه لا يقال نساء إلا لمن ~~بلغ الحلم. وواحد النساء نسوة، ولا واحد لنسوة من لفظه، ولكن يقال امرأة. # السابعة - قوله تعالى: (مثنى وثلاث ورباع) وموضعها من الاعراب نصب على ~~البدل من (ما) وهي نكرة لا تنصرف، لأنها معدولة وصفة، كذا قال أبو علي. ~~وقال الطبري: هي معارف، لأنها لا يدخلها الألف واللام، وهي بمنزلة عمر في ~~التعريف، قاله الكوفي. وخطأ الزجاج هذا القول. وقيل: لم ينصرف، لأنه معدول ~~عن لفظه ومعناه، فأحاد معدول عن واحد واحد، ومثنى معدولة عن اثنين اثنين، ~~وثلاث معدولة عن ثلاثة ثلاثة، ورباع عن أربعة أربعة. وفى كل واحد منها ~~لغتان: فعال ومفعل، يقال أحاد وموحد وثناء ومثنى وثلاث ومثلث ورباع ومربع، ~~وكذلك إلى معشر وعشار. وحكى أبو إسحاق الثعلبي لغة ثالثة: أحد وثنى وثلث ~~وربع مثل عمر وزفر. وكذلك قرأ النخعي في هذه الآية. وحكى المهدوي عن النخعي ~~وابن وثاب (ثلاث وربع) بغير ألف في ربع فهو مقصور من رباع استخفافا، كما ~~قال: # PageV05P015 # أقبل سيل جاء من عند الله * يحرد حرد الجنة المغلة (1) قال الثعلبي: ولا ~~يزاد من هذا البناء على الأربع إلا بيت جاء عن الكميت: # فلم يستريثوك حتى رميت * فوق الرجال خصالا عشارا يعني طعنت عشرة. وقال ~~ابن الدهان: وبعضهم يقف على المسموع وهو من أحاد إلى رباع ولا يعتبر بالبيت ~~لشذوذه. وقال أبو عمرو بن الحاجب: ويقال أحاد وموحد وثناء ومثنى وثلاث ~~ومثلث ورباع ومربع. وهل يقال فيما عداه إلى التسعة أو لا يقال؟ فيه خلاف ~~أصحها أنه لم يثبت. وقد نص البخاري في صحيحه على ذلك. # وكونه معدولا عن معناه أنه لا يستعمل في موضع تستعمل فيه الاعداد غير ~~المعدولة، تقول جاءني اثنان وثلاثة، ولا يجوز مثنى وثلاث حتى يتقدم قبله ~~جمع، مثل جاءني القوم أحاد وثناء وثلاث ورباع من غير تكرار. وهي في موضع ~~الحال هنا ms1592 وفي الآية، وتكون صفة، ومثال كون هذه الاعداد صفة يتبين في قوله ~~تعالى: (أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع (2)) [فهي (3)] صفة للأجنحة [وهي (3)] ~~نكرة. وقال ساعدة بن جؤية: # ولكنما أهلي بواد أنيسه * ذئاب تبغي الناس مثنى وموحد (4) وأنشد الفراء: # قتلنا به من بين مثنى وموحد * بأربعة منكم وآخر خامس (5) فوصف ذئابا وهي ~~نكرة بمثنى وموحد، وكذلك بيت الفراء، أي قتلنا به ناسا، فلا تنصرف إذا هذه ~~الأسماء في معرفة ولا نكرة. وأجاز الكسائي والفراء صرفه في العدد على أنه ~~نكرة. # وزعم الأخفش أنه إن سمى به صرفه في المعرفة والنكرة، لأنه قد زال عنه ~~العدل. # PageV05P016 # الثامنة - اعلم أن هذا العدد مثنى وثلاث ورباع لا يدل على إباحة تسع، كما ~~قال من بعد فهمه للكتاب والسنة، وأعرض عما كان عليه سلف هذه الأمة، وزعم أن ~~الواو جامعة، وعضد ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم نكح تسعا، وجمع بينهن ~~في عصمته. والذي صار إلى هذه الجهالة، وقال هذه (1) المقالة الرافضة وبعض ~~أهل الظاهر، فجعلوا مثنى مثل اثنين، وكذلك ثلاث ورباع. وذهب بعض أهل الظاهر ~~أيضا إلى أقبح منها، فقالوا بإباحة الجمع بين ثمان عشرة، تمسكا منه بأن ~~العدل في تلك الصيغ يفيد التكرار والواو للجمع، فجعل مثنى بمعنى اثنين ~~اثنين وكذلك ثلاث ورباع. وهذا كله جهل باللسان والسنة، ومخالفة لاجماع ~~الأمة، إذ لم يسمع عن أحد من الصحابة ولا التابعين أنه جمع في عصمته أكثر ~~من أربع. وأخرج مالك في موطئه، والنسائي والدار قطني في سننهما أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال لغيلان بن أمية الثقفي وقد أسلم وتحته عشر نسوة: ~~(اختر منهن أربعا وفارق سائرهن). # وفي كتاب أبي داود عن الحارث بن قيس قال: أسلمت وعندي ثمان نسوة، فذكرت ~~ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: (اختر منهن أربعا). وقال مقاتل: إن قيس ~~بن الحارث كان عنده ثمان نسوة حرائر، فلما نزلت هذه الآية أمره رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أن يطلق أربعا ويمسك أربعا. كذا قال: (قيس بن ms1593 الحارث)، ~~والصواب أن ذلك كان حارث ابن قيس الأسدي كما ذكر أبو داود. وكذا روى محمد ~~بن الحسن في كتاب السير الكبير: أن ذلك كان حارث ابن قيس، وهو المعروف عند ~~الفقهاء. وأما ما أبيح من ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فذلك من خصوصياته، ~~على ما يأتي بيانه في (الأحزاب (2)). وأما قولهم: إن الواو جامعة، فقد قيل ~~ذلك، لكن الله تعالى خاطب العرب بأفصح اللغات. والعرب لا تدع أن تقول تسعة ~~وتقول اثنين وثلاثة وأربعة. وكذلك تستقبح ممن يقول: اعط فلانا أربعة ستة ~~ثمانية، ولا يقول ثمانية عشر. # وإنما الواو في هذا الموضع بدل، أي انكحوا ثلاثا بدلا من مثنى، ورباع ~~بدلا من ثلاث، ولذلك عطف بالواو ولم يعطف بأو. ولو جاء بأو لجاز إلا يكون ~~لصاحب المثنى ثلاث، ولا لصاحب الثلاث رباع. وأما قولهم: إن مثنى تقتضي ~~اثنين، وثلاث ثلاثة، # PageV05P017 # ورباع أربعة، فتحكم بما لا يوافقهم أهل اللسان عليه، وجهالة منهم. وكذلك ~~جهل الآخرين، بأن مثنى تقتضي اثنين اثنين، وثلاث ثلاثة ثلاثة، ورباع أربعة ~~أربعة، ولم يعلموا أن اثنين اثنين، وثلاثا ثلاثا، وأربعا أربعا، حصر للعدد. ~~ومثنى وثلاث ورباع بخلافها. ففي العدد المعدول عند العرب زيادة معنى ليست ~~في الأصل، وذلك أنها إذا قالت: جاءت الخيل مثنى، إنما تعني بذلك اثنين ~~اثنين، أي جاءت مزدوجة. قال الجوهري: وكذلك معدول العدد. وقال غيره: إذا ~~قلت جاءني قوم مثنى أو ثلاث أو أحاد أو عشار، فإنما تريد أنهم جاءوك واحدا ~~واحدا، أو اثنين اثنين، أو ثلاثة ثلاثة، أو عشرة عشرة، وليس هذا المعنى في ~~الأصل، لأنك إذا قلت جاءني قوم ثلاثة ثلاثة، أو قوم عشرة عشرة، فقد حصرت ~~عدة القوم بقولك ثلاثة وعشرة. فإذا قلت جاؤوني رباع وثناء فلم تحصر عدتهم. ~~وإنما تريد أنهم جاءوك أربعة أربعة أو اثنين اثنين. وسواء كثر عددهم أو قل ~~في هذا الباب، فقصرهم كل صيغة على أقل ما تقتضيه بزعمه تحكم. # وأما اختلاف علماء المسلمين في الذي يتزوج خامسة وعنده أربع وهي: # التاسعة - فقال ms1594 مالك والشافعي: عليه الحد إن كان عالما. وبه قال أبو ثور. # وقال الزهري: يرجم إذا كان عالما، وإن كان جاهلا أدنى الحدين الذي هو ~~الجلد، ولها مهرها ويفرق بينهما ولا يجتمعان أبدا. وقالت طائفة: لا حد عليه ~~في شئ من ذلك. # هذا قول النعمان. وقال يعقوب ومحمد: يحد في ذات المحرم ولا يحد في غير ~~ذلك من النكاح. # وذلك مثل أن يتزوج مجوسية أو خمسة (2) في عقدة أو تزوج [متعة (3)] أو ~~تزوج بغير شهود، أو أمة تزوجها بغير إذن مولاها. وقال أبو ثور: إذا علم أن ~~هذا لا يحل له يجب أن يحد فيه كله إلا التزوج بغير شهود. وفيه قول ثالث ~~قاله النخعي في الرجل ينكح الخامسة متعمدا قبل أن تنقضي عدة الرابعة من ~~نسائه: جلد مائة ولا ينفى. فهذه فتيا علمائنا (4) في الخامسة على ما ذكره ~~ابن المنذر فكيف بما فوقها. # PageV05P018 # العاشرة - ذكر الزبير بن بكار حدثني إبراهيم الحزامي عن محمد بن معن ~~الغفاري قال: # أتت امرأة إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقالت: يا أمير المؤمنين، إن ~~زوجي يصوم النهار ويقوم الليل وأنا أكره أن أشكوه، وهو يعمل بطاعة الله عز ~~وجل. فقال لها: نعم الزوج (1) زوجك. فجعلت تكرر عليه القول و [هو (2)] يكرر ~~عليها الجواب. فقال له كعب الأسدي: (3) يا أمير المؤمنين، هذه المرأة تشكو ~~زوجها في مباعدته إياها عن فراشه. فقال عمر: كما فهمت كلامها فاقض بينهما. ~~فقال كعب: علي بزوجها، فأتي به فقال له: إن امرأتك هذه تشكوك. قال: أفي ~~طعام أم شراب؟ قال لا. فقالت المرأة: # يا أيها القاضي الحكيم رشده * ألهى خليلي عن فراشي مسجده زهده في مضجعي ~~تعبده * فاقض القضا كعب ولا تردده نهاره وليله ما يرقده * فلست في أمر ~~النساء أحمده فقال زوجها: # زهدني في فرشها وفي الحجل (4) * أني امرؤ أذهلني ما قد نزل في سورة النحل ~~وفي السبع (5) الطول * وفي كتاب الله تخويف جلل فقال كعب: # إن لها عليك حقا يا رجل * نصيبها في أربع لمن عقل * فأعطها ms1595 ذاك ودع عنك ~~العلل * ثم قال: إن الله عز وجل قد أحل لك من النساء مثنى وثلاث ورباع، فلك ~~ثلاثة أيام ولياليهن تعبد فيهن ربك. فقال عمر، والله ما أدري من أي أمريك ~~أعجب؟ أمن فهمك أمرهما أم من حكمك بينهما؟ اذهب فقد وليتك قضاء البصرة. ~~وروى أبو هدبة إبراهيم # PageV05P019 # ابن هدبة حدثنا أنس بن مالك قال: أتت النبي صلى الله عليه وسلم امرأة ~~تستعدي زوجها، فقالت: ليس لي ما للنساء، زوجي يصوم الدهر. قال: (لك يوم وله ~~يوم، للعبادة يوم وللمرأة يوم). # الحادية عشرة - قوله تعالى: (فان خفتم الا تعدلوا فواحدة) قال الضحاك ~~وغيره: # في الميل والمحبة والجماع والعشرة والقسم بين الزوجات الأربع والثلاث ~~والاثنين، (فواحدة). # فمنع من الزيادة التي تؤدي إلى ترك العدل في القسم وحسن العشرة. وذلك ~~دليل على وجوب ذلك، والله أعلم. وقرئت بالرفع، أي فواحدة فيها كفاية أو ~~كافية. وقال الكسائي: فواحدة تقنع. وقرئت بالنصب بإضمار فعل، أي فانكحوا ~~واحدة. # الثانية عشرة - قوله تعالى: (أو ما ملكت أيمانكم) يريد الإماء. وهو عطف ~~على (فواحدة) أي إن خاف ألا يعدل في واحدة فما ملكت يمينه. وفي هذا دليل ~~على ألا حق لملك اليمين في الوطئ ولا القسم، لا ن المعنى (فإن خفتم ألا ~~تعدلوا) في القسم (فواحدة أو ما ملكت أيمانكم) فجعل ملك اليمين كله بمنزلة ~~واحدة، فانتفى بذلك أن يكون للاماء حق في الوطئ أو في القسم. إلا أن ملك ~~اليمين في العدل قائم بوجوب حسن الملكة والرفق بالرقيق. # وأسند تعالى الملك إلى اليمين إذ هي صفة مدح، واليمين مخصوصة بالمحاسن ~~لتمكنها. ألا ترى أنها المنفقة؟ كما قال عليه السلام: (حتى لا تعلم شماله ~~ما تنفق يمينه) وهي المعاهدة المبايعة، وبها سميت الالية يمينا، وهي ~~المتلقية لرايات المجد، كما قال: # إذا ما راية رفعت لمجد * تلقاها عرابة باليمين (1) الثالثة عشرة - قوله ~~تعالى: (ذلك أدنى ألا تعولوا) أي ذلك أقرب إلى ألا تميلوا عن الحق وتجوروا، ~~عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما. يقال: عال الرجل يعول إذا ms1596 جار ومال. # ومنه قولهم: عال السهم عن الهدف مال عنه. قال ابن عمر: إنه لعائل الكيل ~~والوزن، قال الشاعر: # PageV05P020 # قالوا (1) اتبعنا رسول الله واطرحوا * قول الرسول وعالوا في الموازين أي ~~جاروا. وقال أبو طالب: # بميزان صدق لا يغل (2) شعيرة * له شاهد من نفسه غير عائل يريد غير مائل. ~~وقال آخر: # ثلاثة أنفس وثلاث ذود * لقد عال الزمان على عيالي (3) أي جار ومال. وعال ~~الرجل يعيل إذا افتقر فصار عالة. ومنه قوله تعالى: (وإن خفتم عيلة (4)). ~~ومنه قول الشاعر: # وما يدري الفقير متى غناه * وما يدرى الغنى متى يعيل (5) وهو عائل وقوم ~~عيلة، والعيلة والعالة الفاقة، وعالني الشئ يعولني إذا غلبني وثقل علي، ~~وعال الامر اشتد وتفاقم. وقال الشافعي: (ألا تعولوا) ألا تكثر عيالكم. قال ~~الثعلبي: # وما قال هذا غيره، وإنما يقال: أعال يعيل إذا كثر عياليه. وزعم ابن ~~العربي أن عال على سبعة معان لا ثامن لها، يقال: عال مال، الثاني زاد، ~~الثالث جار، الرابع افتقر، الخامس أثقل، حكاه ابن دريد. قالت الخنساء: # * ويكفي العشيرة (6) ما عالها * السادس عال قام بمؤونة العيال، ومنه قوله ~~عليه السلام: (وابدأ بمن تعول). السابع عال غلب، ومنه عيل صبره (7). أي ~~غلب. ويقال: أعال الرجل كثر عياليه. وأما عال بمعنى كثر عياله فلا يصح. # PageV05P021 # قلت: أما قول الثعلبي (ما قاله غيره) فقد الدارقطني في سننه عن زيد بن ~~أسلم، وهو قول جابر بن زيد، فهذان إمامان من علماء المسلمين وأئمتهم قد ~~سبقا الشافعي إليه. # وأما ما ذكره ابن العربي من الحصر وعدم الصحة فلا يصح. وقد ذكرنا: عال ~~الامر اشتد وتفاقم، حكاه الجوهري. وقال الهروي في غريبيه: (وقال أبو بكر: ~~يقال عال الرجل في الأرض يعيل فيها أي (1) ضرب فيها. وقال الأحمر: يقال ~~عالني الشئ يعيلني عيلا ومعيلا إذا أعجزك). وأما عال كثر عياله فذكره ~~الكسائي وأبو عمر الدوري وابن الأعرابي. قال الكسائي أبو الحسن علي بن ~~حمزة: العرب تقول عال يعول وأعال يعيل أي كثر عياله. # وقال أبو حاتم: كان الشافعي أعلم بلغة العرب ms1597 منا، ولعله لغة. قال الثعلبي ~~المفسر: قال أستاذنا أبو القاسم بن حبيب: سألت أبا عمر الدوري عن هذا وكان ~~إماما في اللغة غير مدافع فقال: هي لغة حمير، وأنشد: # وإن الموت يأخذ كل حي * بلا شك وإن أمشى وعالا يعني وإن كثرت ماشيته ~~وعياله. وقال أبو عمرو بن العلاء: لقد كثرت وجوه العرب حتى خشيت (2) أن آخذ ~~عن لاحن لحنا. وقرأ طلحة بن مصرف (ألا تعيلوا) وهي حجة الشافعي رضي الله ~~عنه. قال ابن عطية: وقدح الزجاج وغيره في تأويل عال من العيال بأن قال: # إن الله تعالى قد أباح كثرة السراري وفي ذلك تكثير العيال، فكيف يكون ~~أقرب إلى ألا يكثر العيال. وهذا القدح غير صحيح، لان السراري إنما هي مال ~~يتصرف فيه بالبيع، وإنما [العيال (3)] القادح الحرائر ذوات الحقوق الواجبة. ~~وحكى ابن الأعرابي أن العرب تقول: عال الرجل إذا كثر عياله. # الرابعة عشرة - تعلق بهذه الآية من أجاز للمملوك أن يتزوج أربعا، لان ~~الله تعالى قال: # (فانكحوا ما طاب لكم من النساء) يعني ما حل (مثنى وثلاث ورباع) ولم يخص ~~عبدا من حر. # وهو قول داود والطبري وهو المشهور عن مالك وتحصيل مذهبه على ما في موطئه، ~~وكذلك روى عنه ابن القاسم وأشهب. وذكر ابن المواز أن ابن وهب روى عن مالك ~~أن العبد لا يتزوج إلا اثنتين، قال وهو قول الليث. فال أبو عمر: قال ~~الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما والثوري # PageV05P022 # والليث بن سعد: لا يتزوج العبد أكثر من اثنتين، وبه قال أحمد وإسحاق. ~~وروي عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب و عبد الرحمن بن عوف في العبد لا ~~ينكح أكثر من اثنتين، ولا أعلم لهم مخالفا من الصحابة. وهو قول الشعبي (1) ~~وعطاء وابن سيرين والحكم (2) وإبراهيم [وحماد (3)]. والحجة لهذا القول ~~القياس الصحيح على طلاقه وحده. وكل من قال حده نصف حد الحر، وطلاقه ~~تطليقتان، وإيلاؤه شهران، ونحو ذلك من أحكامه فغير بعيد أن يقال: تناقض في ~~قوله (ينكح أربعا) والله أعلم. # قوله تعالى: وآتوا النساء ms1598 صدقاتهن نخلة فان طبن لكم عن شئ منه نفسا فكلوه ~~هنيا مريا (4) فيه عشر مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (وآتوا النساء صدقاتهن) الصدقات جمع، الواحدة صدقة. # قال الأخفش: وبنو تميم يقولون صدقة والجمع صدقات، وإن شئت فتحت وإن شئت ~~أسكنت. قال المازني: يقال صداق المرأة ء [بالكسر (4)]، ولا يقال بالفتح. ~~وحكى يعقوب وأحمد بن يحيى بالفتح عن النحاس. والخطاب في هذه الآية للأزواج، ~~قاله ابن عباس وقتادة وابن زيد وابن جريج. أمرهم الله تعالى بأن يتبرعوا ~~بإعطاء المهور نحلة منهم لأزواجهم. وقيل: الخطاب للأولياء، قاله أبو صالح. ~~وكان الولي يأخذ مهر المرأة ولا يعطيها شيئا، فنهوا عن ذلك وأمروا أن ~~يدفعوا ذلك إليهن. قال في رواية الكلبي: أن أهل الجاهلية كان الولي إذا ~~زوجها فإن كانت معه في العشرة (5) لم يعطها من مهرها كثيرا ولا قليلا، وإن ~~كانت غريبة حملها على بعير إلى زوجها ولم يعطها شيئا غير ذلك البعير، فنزل: # (وآتوا النساء صدقاتهن نحلة). وقال المعتمر بن سليمان عن أبيه: زعم حضرمي ~~ان المراد بالآية المتشاغرون الذين كانوا يتزوجون امرأة بأخرى، فأمروا أن ~~يضربوا المهور. والأول أظهر، فإن الضمائر واحدة وهي بجملتها للأزواج فهم ~~المراد، لأنه قال: (وإن خفتم # PageV05P023 # ألا تقسطوا في اليتامى) إلى قوله: (وآتوا النساء صدقاتهن نحلة). وذلك ~~يوجب تناسق الضمائر وأن يكون الأول فيها هو الاخر. # الثانية - هذه الآية تدل على وجوب الصداق للمرأة، وهو مجمع عليه ولا خلاف ~~فيه إلا ما روي عن بعض [أهل العلم (1)] من أهل العراق أن السيد إذا زوج ~~عبده من أمته أنه لا يحجب فيه صداق، وليس بشئ، لقوله تعالى: (وآتوا النساء ~~صدقاتهن نحلة) فعم. وقال: # (فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعرف (2)). وأجمع العلماء أيضا ~~أنه لاحد لكثيره، واختلفوا في قليله على ما يأتي بيانه في قوله: (وآتيتم ~~إحداهن قنطارا (3)). وقرأ الجمهور (صدقاتهن) بفتح الصاد وضم الدال. وقرأ ~~قتادة (صدقاتهن) بضم الصاد وسكون الدال. وقرأ النخعي وابن وثاب بضمهما ~~والتوحيد (صدقتهن). # الثالثة - قوله تعالى: (نحلة) النحلة والنحلة، بكسر النون وضمها لغتان. ms1599 ~~وأصلها من العطاء، نحلت فلانا شيئا أعطيته. فالصداق عطية من الله تعالى ~~للمرأة. وقيل: (نحلة) أي عن طيب نفس من الأزواج من غير تنازع. وقال قتادة: ~~معنى (نحلة) فريضة واجبة. # ابن جريج وابن زيد: فريضة مسماة. قال أبو عبيد: ولا تكون النحلة إلا ~~مسماة معلومة. # وقال الزجاج: (نحلة) تدينا. والنحلة الديانة والملة. يقال: هذا نحلته أي ~~دينه. وهذا يحسن (4) مع كون الخطاب للأولياء الذين كانوا يأخذونه في ~~الجاهلية، حتى قال بعض النساء في زوجها: # * لا يأخذ الحلوان من بناتنا * تقول: لا يفعل ما يفعله غيره. فانتزعه ~~الله منهم وأمر به للنساء. و (نحلة) منصوبة على أنها حال من الأزواج بإضمار ~~فعل من لفظها تقديره أنحلوهن نحلة. وقيل: هي نصب على التفسير. وقيل: هي ~~مصدر على غير الصدر في موضع الحال. # الرابعة - قوله تعالى: (فان طبن لكم عن شئ منه نفسا) مخاطبة للأزواج، ~~ويدل بعمومه على أن هبة المرأة صداقها لزوجها بكرا كانت أو ثيبا جائزة، وبه ~~قال جمهور الفقهاء. ومنع مالك من هبة البكر الصداق لزوجها وجعل ذلك للولي ~~مع أن الملك لها. # PageV05P024 # وزعم الفراء أنه مخاطبة للأولياء، لأنهم كانوا يأخذون الصداق ولا يعطون ~~المرأة منه شيئا، فلم يبح لهم منه إلا ما طابت به نفس المرأة. والقول الأول ~~أصح، لأنه لم يتقدم (1) للأولياء ذكر، والضمير في (منه) عائد على الصداق. ~~وكذلك قال عكرمة وغيره. وسبب الآية فيما ذكر أن قوما تحرجوا أن يرجع إليهم ~~شئ مما دفعوه إلى الزوجات فنزلت (فإن طبن لكم). # الخامسة - واتفق العلماء على أن المرأة المالكة لأمر نفسها إذا وهبت ~~صداقها لزوجها نفذ ذلك عليها، ولا رجوع لها فيه. إلا أن شريحا رأى الرجوع ~~لها فيه، واحتج بقوله: (فإن طبن لكم عنه شئ منه نفسا) وإذا كانت طالبة له ~~لم تطب به نفسا. قال ابن العربي: وهذا باطل، لأنها قد طابت وقد أكل فلا ~~كلام لها، إذ ليس المراد صورة الاكل، وإنما هو كناية عن الاحلال ~~والاستحلال، وهذا بين. # السادسة - فإن شرطت عليه عند عقد ms1600 النكاح ألا يتزوج عليها، وحطت عنه لذلك ~~شيئا من صداقها، ثم تزوج عليها فلا شئ لها عليه في رواية ابن القاسم، لأنها ~~شرطت عليه ما لا يجوز شرطه. كما اشترط أهل بريرة (2) أن تعتقها عائشة ~~والولاء لبائعها، فصحح النبي صلى الله عليه وسلم العقد وأبطل الشرط. كذلك ~~ههنا يصح إسقاط بعض الصداق عنه وتبطل الزيجة (3). قال ابن عبد الحكم: إن ~~كان بقي من صداقها مثل صداق مثلها أو أكثر لم ترجع عليه بشئ، وإن كانت وضعت ~~عنه شيئا من صداقها فتزوج عليها رجعت عليه بتمام صداق مثلها، لأنه شرط على ~~نفسه شرطا وأخذ عنه عوضا كان لها واجبا أخذه منه، فوجب عليه الوفاء لقوله ~~عليه السلام: (المؤمنون عند شروطهم). # السابعة - وفي الآية دليل على أن العتق لا يكون صداقا، لأنه ليس بمال، إذ ~~لا يمكن المرأة هبته ولا الزوج أكله. وبه قال مالك وأبو حنيفة وزفر ومحمد ~~والشافعي. وقال أحمد ابن حنبل وإسحاق ويعقوب: يكون صداقا ولا مهر لها غير ~~العتق، على حديث صفية (4) - # PageV05P025 # رواه الأئمة - أن النبي صلى الله عليه وسلم أعتقها وجعل عتقها صداقها. ~~وروي عن أنس أنه فعله، وهو راوي حديث صفية. وأجاب الأولون بأن قالوا: لا ~~حجة في حديث صفية، لان النبي صلى الله عليه وسلم كان مخصوصا في النكاح بأن ~~يتزوج بغير صداق، وقد أراد زينب فحرمت على زيد فدخل عليها بغير ولي ولا ~~صداق. فلا ينبغي الاستدلال بمثل هذا، والله أعلم. # الثامنة - قوله تعالى: (نفسا) قيل: هو منصوب على البيان. ولا يجيز سيبويه ~~ولا الكوفيون أن يتقدم ما كان منصوبا على البيان، وأجاز ذلك المازني وأبو ~~العباس المبرد إذا كان العامل فعلا. وأنشد: # * وما كان نفسا بالفراق تطيب (1) * وفي التنزيل (خشعا أبصارهم يخرجون ~~(2)) فعلى هذا يجوز (شحما تفقأت. ووجها حسنت). # وقال أصحاب سيبويه: إن (نفسا) منصوبة بإضمار فعل تقديره أعني نفسا، وليست ~~منصوبة على التمييز، وإذا كان هذا فلا حجة فيه. وقال الزجاج. الرواية: # * وما كان نفسي... * واتفق الجميع على أنه لا يجوز تقديم ms1601 المميز إذا كان ~~العامل غير متصرف كعشرين درهما. # التاسعة - قوله تعالى: (فكلوه) ليس المقصود صورة الاكل، وإنما المراد به ~~الاستباحة بأي طريق كان، وهو المعني بقوله في الآية التي بعدها (إن الذين ~~يأكلون أموال اليتامى ظلما). وليس المراد نفس الاكل، إلا أن الاكل لما كان ~~أو في (3) أنواع التمتع بالمال عبر عن التصرفات بالاكل. ونظيره قوله تعالى: ~~(إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع (4)) يعلم ~~أن صورة البيع غير مقصودة، وإنما المقصود ما يشغله عن ذكر الله تعالى مثل ~~النكاح وغيره، ولكن ذكر البيع لأنه أهم ما يشتغل به عن ذكر الله تعالى. # العاشرة - قوله تعالى (هنيا مريا) منصوب (5) على الحال من الهاء في ~~(كلوه) وقيل: نعت لمصدر محذوف، أي أكلا هنيئا بطيب (6) الأنفس. هنأه الطعام ~~والشراب يهنئه، # PageV05P026 # وما كان هنيئا، ولقد هنؤ، والمصدر الهن ء. وكل ما لم يأت بمشقة ولا عناء ~~فهو هنئ. وهنئ اسم فاعل من هنؤ كظريف من ظرف. وهنئ يهنأ فهو هنئ على فعل ~~كزمن. وهنأني الطعام ومرأني على الاتباع، فإذا لم يذكر (هنأني) قلت: أمرأني ~~الطعام بالألف، أي انهضم. # قال أبو علي: وهذا كما جاء في الحديث (ارجعن مأزورات غير مأجورات). ~~فقلبوا الواو من (موزورات) ألفا اتباعا للفظ مأجورات. وقال أبو العباس عن ~~ابن الأعرابي: يقال هنئ وهنأني ومرأني وأمرأني ولا يقال مرئني، حكاه ~~الهروي. وحكى القشيري أنه يقال: # هنئني ومرئني بالكسر يهنأني ويمرأني، وهو قليل. وقيل: (هنيئا) لا إثم ~~فيه، و (مريئا) لا داء فيه. قال كثير: # هنيئا مريئا غير داء مخامر * لعزة من أعراضنا ما استحلت ودخل رجل على ~~علقمة وهو يأكل شيئا وهبته امرأته من مهرها فقال له: كل من الهنئ المرئ. ~~وقيل: الهنئ الطيب المساغ الذي لا ينغصه شئ، والمرئ المحمود العاقبة، التام ~~الهضم الذي لا يضر ولا يؤذي. يقول: لا تخافون في الدنيا به مطالبة، ولا في ~~الآخرة تبعة. يدل عليه ما روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~سئل عن ms1602 هذه الآية (فإن طبن لكم عن شئ منه نفسا فكلوه) فقال: (إذا جادت ~~لزوجها بالعطية طائعة غير مكرهة لا يقضي به عليكم سلطان، ولا يؤاخذكم الله ~~تعالى به في الآخرة) وروي عن علي ابن أبي طالب رضي الله عنه قال: (إذا ~~اشتكى أحدكم شيئا فليسأل امرأته درهما (1) من صداقها، ثم ليشتر به عسلا ~~فليشربه بماء السماء، فيجمع الله عز وجل له الهنئ والمرئ والماء المبارك. # والله أعلم. # قوله تعالى: ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم ~~فيها واكسوهم وقولوا معروفا (5) فيه عشر مسائل: # الأولى - لما أمر الله تعالى بدفع أموال اليتامى إليهم في قوله: (وآتوا ~~اليتامى أموالهم) وإيصال الصدقات إلى الزوجات، بين أن السفيه وغير البالغ ~~لا يجوز دفع ماله إليه. فدلت # PageV05P027 # الآية على ثبوت الوصي والولي والكفيل للأيتام. وأجمع أهل العلم على أن ~~الوصية إلى المسلم الحر الثقة العدل جائزة. واختلفوا في الوصية إلى المرأة ~~الحرة، فقال عوام أهل العلم: الوصية لها جائزة. واحتج أحمد بأن عمر رضي ~~الله عنه أوصى إلى حفصة. وروي عن عطاء بن أبي رباح أنه قال في رجل أوصى إلى ~~امرأته قال: لا تكون المرأة وصيا، فإن فعل حولت إلى رجل من قومه. واختلفوا ~~في الوصية إلى العبد، فمنعه الشافعي وأبو ثور ومحمد ويعقوب. # وأجازه مالك (1) والأوزاعي وابن عبد الحكم. وهو قول النخعي إذا أوصى إلى ~~عبده. وقد مضى القول في هذا في (البقرة (2)) مستوفى. # الثانية - قوله تعالى: (السفهاء) قد مضى في (البقرة) معنى السفه (3) لغة. ~~واختلف العلماء في هؤلاء السفهاء، من هم؟ فروى سالم الأفطس عن سعيد بن جبير ~~قال: هم اليتامى لا تؤتوهم أموالكم. قال النحاس: وهذا من أحسن ما قيل في ~~الآية. وروى إسماعيل بن أبي خالد عن أبي مالك قال: هم الأولاد الصغار، لا ~~تعطوهم أموالكم فيفسدوها وتبقوا بلا شئ. وروى سفيان عن حميد الأعرج عن ~~مجاهد قال: هم النساء. قال النحاس وغيره: # وهذا القول لا يصح، إنما تقول العرب في النساء سفائه أو سفيهات، لأنه ~~الأكثر ms1603 في جمع فعيلة. ويقال: لا تدفع مالك مضاربة ولا إلى وكيل لا يحسن ~~التجارة. وروي عن عمر أنه قال: من لم يتفقه فلا يتجر في سوقنا، فذلك قوله ~~تعالى: (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم) يعني الجهال بالأحكام. ويقال: لا تدفع ~~إلى الكفار، ولهذا كره العلماء أن يوكل المسلم ذميا بالشراء والبيع، أو ~~يدفع (4) إليه مضاربة. وقال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه: السفهاء هنا كل ~~من يستحق الحجر. وهذا جامع. وقال ابن خويز منداد: وأما الحجر على السفيه ~~فالسفيه له أحوال: حال يحجر عليه لصغره، وحالة لعدم عقله بجنون أو غيره، ~~وحالة لسوء نظره لنفسه في ماله. فأما المغمى عليه فاستحسن مالك ألا يحجر ~~عليه لسرعة زوال ما به. # والحجر يكون مرة في حق الانسان ومرة في حق غيره، فأما المحجور عليه في حق ~~نفسه من # PageV05P028 # ذكرنا. والمحجور عليه في حق غيره العبد والمديان والمريض في الثلثين، ~~والمفلس وذات الزوج لحق الزوج، والبكر في حق نفسها. فأما الصغير والمجنون ~~فلا خلاف في الحجر عليهما. وأما الكبير فلانه لا يحسن النظر لنفسه في ماله، ~~ولا يؤمن منه إتلاف ما له في غير وجه، فأشبه الصبي، وفيه خلاف يأتي. ولا ~~فرق بين أن يتلف ما له في المعاصي أو في القرب والمباحات. واختلف أصحابنا ~~إذا أتلف ما له في القرب، فمنهم من حجر عليه، ومنهم من لم يحجر عليه. ~~والعبد لا خلاف فيه. والمديان ينزع ما بيده لغرمائه، لاجماع الصحابة، وفعل ~~عمر ذلك بأسيفع جهينة (1)، ذكره مالك في الموطأ. والبكر ما دامت في الخدر ~~محجور عليها، لأنها لا تحسن النظر لنفسها. حتى إذ تزوجت ودخل إليها الناس، ~~وخرجت وبرز وجهها عرفت المضار من المنافع. وأما ذات الزوج فلان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: (لا يجوز لامرأة ملك زوجها عصمتها قضاء في مالها ~~إلا في ثلثها). # قلت: وأما الجاهل بالأحكام وإن كان غير محجور عليه لتنميته لماله وعدم ~~تدبيره (2) ، فلا يدفع إليه المال، لجهله بفاسد البياعات وصحيحها وما يحل ~~وما يحرم منها. ms1604 وكذلك الذمي مثله في الجهل بالبياعات ولما يخاف من معاملته ~~بالربا وغيره. والله أعلم. واختلفوا في وجه إضافة المال إلى المخاطبين على ~~هذا، وهي للسفهاء، فقيل: أضافها إليهم لأنها بأيديهم وهم الناظرون فيها ~~فنسبت إليهم اتساعا، كقوله تعالى: (فسلموا على أنفسكم (3)) وقوله (فاقتلوا ~~أنفسكم (4)). وقيل: أضافها إليهم لأنها من جنس أموالهم، فإن الأموال جعلت ~~مشتركة بين الخلق تنتقل من يد إلى يد، ومن ملك إلى ملك، أي هي لهم إذا ~~احتاجوها كأموالكم التي تقي أعراضكم وتصونكم وتعظم أقداركم، وبها قوام ~~أمركم. وقول ثان قاله أبو موسى الأشعري وابن عباس والحسن وقتادة: (أن ~~المراد أموال المخاطبين حقيقة. قال ابن عباس: لا تدفع مالك الذي هو سبب ~~معيشتك إلى امرأتك وابنك وتبقى فقيرا تنظر إليهم وإلى ما في أيديهم، بل كن ~~أنت الذي تنفق عليهم. فالسفهاء على هذا هم النساء والصبيان، صغار ولد الرجل ~~وامرأته. وهذا يخرج مع قول مجاهد وأبي مالك في السفهاء. # PageV05P029 # الثالثة - ودلت الآية على جواز الحجر على السفيه، لأمر الله عز وجل بذلك ~~في قوله: # (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم) وقال (فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ~~ضعيفا (1)). # فأثبت الولاية على السفيه كما أثبتها على الضعيف. وكان معنى الضعيف راجعا ~~إلى الصغير، ومعنى السفيه إلى الكبير البالغ، لان السفه اسم ذم ولا يذم ~~الانسان على ما لم يكتسبه (2)، والقلم مرفوع عن غير البالغ، فالذم والحرج ~~منفيان عنه، قاله الخطابي. # الرابعة - واختلف العلماء في أفعال السفيه قبل الحجر عليه، فقال مالك ~~وجميع أصحابه غير ابن القاسم: إن فعل السفيه وأمره كله جائز حتى يضرب ~~الامام على يده. وهو قول الشافعي وأبي يوسف. وقال ابن القاسم: أفعاله غير ~~جائزة وإن لم يضرب عليه الامام. # وقال أصبغ: إن كان ظاهر السفه فأفعاله مردودة، وإن كان غير ظاهر السفه ~~فلا ترد أفعاله حتى يحجر عليه الامام. واحتج سحنون لقول مالك بأن قال: لو ~~كانت أفعال السفيه مردودة قبل الحجر ما أحتاج السلطان أن يحجر على أحد. ~~وحجة ابن القاسم ما رواه البخاري ms1605 من حديث جابر أن رجلا أعتق عبدا ليس له ~~مال غيره فرده النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن حجر عليه قبل ذلك. # الخامسة - واختلفوا في الحجر على الكبير، فقال مالك وجمهور الفقهاء: يحجر ~~عليه. # وقال أبو حنيفة: لا يحجر على من بلغ عاقلا إلا أن يكون مفسدا لماله، فإذا ~~كان كذلك منع من تسليم المال إليه حتى يبلغ خمسا وعشرين سنة، فإذا بلغها ~~سلم إليه بكل حال، سواء كان مفسدا أو غير مفسد، لأنه يحبل منه لاثنتي عشرة ~~سنة، ثم يولد له لستة أشهر فيصير جدا [وأبا (3)]، وأنا أستحي أن أحجر على ~~من يصلح أن يكون جدا. وقيل عنه: إن في مدة المنع من المال إذا بلغ مفسدا ~~ينفذ تصرفه على الاطلاق، وإنما يمنع من تسليم المال احتياطا. وهذا كله ضعيف ~~في النظر والأثر. وقد روى الدارقطني: حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن الصواف ~~أخبرنا حامد بن شعيب أخبرنا شريح بن يونس أخبرنا يعقوب بن إبراهيم - هو أبو ~~يوسف القاضي - أخبرنا هشام بن عروة عن أبيه أن عبد الله بن جعفر أتى الزبير ~~فقال: إني اشتريت # PageV05P030 # بيع كذا وكذا، وإن عليا يريد أن يأتي أمير المؤمنين فيسأله أن يحجر علي ~~فيه. فقال الزبير: # أنا شريكك في البيع. فأتى على عثمان فقال: إن ابن جعفر اشترى بيع كذا ~~وكذا فاحجر عليه. # فقال الزبير: فأنا شريكه في البيع. فقال عثمان: كيف أحجر على رجل في بيع ~~شريكه فيه الزبير؟ # قال يعقوب: أنا آخذ بالحجر وأراه، وأحجر وأبطل بيع المحجور عليه وشراءه، ~~وإذا اشترى أو باع قبل الحجر أجزت بيعه. قال يعقوب بن إبراهيم: وإن أبا ~~حنيفة لا يحجر ولا يأخذ بالحجر. # فقول عثمان: كيف أحجر على رجل، دليل على جواز الحجر على الكبير، فإن عبد ~~الله بن جعفر ولدته أمه بأرض الحبشة، وهو أول مولود ولد في الاسلام بها، ~~وقدم مع أبيه على النبي صلى الله عليه وسلم عام خيبر فسمع منه وحفظ عنه. ~~وكانت خيبر سنة خمس من الهجرة. وهذا ms1606 يرد على أبي حنيفة قوله. وستأتي حجته ~~إن شاء الله تعالى. # السادسة - قوله تعالى: (التي جعل الله لكم قياما) أي لمعاشكم وصلاح ~~دينكم. # وفي (التي) ثلاث لغات: التي واللت بكسر التاء واللت بإسكانها. وفي ~~تثنيتها أيضا ثلاث لغات: اللتان واللتا بحذف النون واللتان بشد النون. وأما ~~الجمع فتأتي لغاته في موضعه من هذه السورة إن شاء الله تعالى (1). والقيام ~~والقوام: ما يقيمك بمعنى. يقال: فلان قيام أهله وقوام بيته، وهو الذي يقيم ~~شأنه، أي يصلحه. ولما انكسرت القاف من قوام أبدلوا الواو ياء. # وقراءة أهل المدينة (قيما) بغير ألف. قال الكسائي والفراء قيما وقواما ~~بمعنى قياما، وانتصب عندهما على المصدر. أي ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي ~~تصلح بها أموركم فيقوموا بها قياما. # وقال الأخفش: المعنى قائمة بأموركم. يذهب إلى أنها جمع. وقال البصريون: ~~قيما جمع قيمة، كديمة وديم، أي جعلها الله قيمة للأشياء. وخطأ أبو علي هذا ~~القول وقال: هي مصدر كقيام وقوام وأصلها قوم، ولكن شذت في الرد إلى الياء ~~كما شذ قولهم: جياد في جمع جواد ونحوه. وقوما وقواما وقياما معناها ثباتا ~~في صلاح الحال ودواما في ذلك. وقرأ الحسن والنخعي (اللاتي) [جعل (2)] على ~~جمع التي، وقراءة العامة (التي) على لفظ الجماعة. قال الفراء: # الأكثر في كلام العرب (النساء اللواتي، والأموال التي) وكذلك غير ~~الأموال، ذكره النحاس. # PageV05P031 # السابعة - قوله تعالى: (وارزقوهم فيها واكسوهم) قيل: معناه اجعلوا لهم ~~فيها أو افرضوا لهم فيها. وهذا فيمن يلزم الرجل نفقته وكسوته من زوجته ~~وبنيه الأصاغر. فكان هذا دليلا على وجوب نفقة الولد على الوالد والزوجة على ~~زوجها. وفي البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: (أفضل الصدقة ما ترك غنى واليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ ~~بمن تعول تقول المرأة إما أن تطعمني وإما أن تطلقني ويقول العبد أطعمني ~~واستعملني ويقول الابن أطعمني إلى من تدعني)؟ فقالوا: يا أبا هريرة، سمعت ~~هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: لا، هذا من ms1607 كيس (1) أبي هريرة!. ~~قال المهلب: # النفقة على الأهل والعيال واجبة بإجماع، وهذا الحديث حجة في ذلك. # الثامنة - قال ابن المنذر: واختلفوا في نفقة من بلغ من الأبناء ولا مال ~~له ولا كسب، فقالت طائفة: على الأب أن ينفق على ولده الذكور حتى يحتلموا، ~~وعلى النساء حتى يتزوجن ويدخل بهن. # فإن طلقها بعد البناء أو مات عنها فلا نفقة لها على أبيها. وإن طلقها قبل ~~البناء فهي على نفقتها. # التاسعة - ولا نفقة لولد الولد على الجد، هذا قول مالك. وقالت طائفة: ~~ينفق على ولد ولده حتى يبلغوا الحلم والمحيض. ثم لا نفقة عليه إلا أن ~~يكونوا زمني، وسواء في ذلك الذكور والإناث ما لم يكن لهم أموال، وسواء في ~~ذلك ولده أو ولد ولده وإن سفلوا ما لم يكن لهم أب دونه يقدر على النفقة ~~عليهم، هذا قول الشافعي. وأوجبت طائفة النفقة لجميع الأطفال والبالغين من ~~الرجال والنساء إذا لم يكن لهم أموال يستغنون بها عن نفقة الوالد، على ظاهر ~~قوله عليه السلام لهند: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف). وفي حديث أبي هريرة ~~(يقول الابن أطعمني إلى من تدعني؟) يدل على أنه إنما يقول ذلك من لا طاقة ~~له على الكسب والتحرف. ومن بلغ سن الحلم فلا يقول ذلك، لأنه قد بلغ حد ~~السعي على نفسه والكسب لها، بدليل قوله تعالى: (حتى إذا بلغوا النكاح) ~~الآية. فجعل بلوغ النكاح حدا في ذلك. وفي قوله (2) (تقول المرأة إما أن ~~تطعمني وإما أن تطلقني) يرد على من قال: # لا يفرق بالاعسار ويلزم المرأة الصبر، وتتعلق النفقة بذمته بحكم الحاكم. ~~هذا قول عطاء # PageV05P032 # والزهري. وإليه ذهب الكوفيون متمسكين بقوله تعالى: (وإن كان ذو عسرة ~~فنظرة إلى ميسرة (1)). قالوا: فوجب أن ينظر إلى أن يوسر. وقوله تعالى: ~~(وأنكحوا الأيامى منكم (2)) الآية. قالوا: فندب تعالى إلى إنكاح الفقير، ~~فلا يجوز أن يكون الفقر سببا للفرقة وهو مندوب منعه إلى النكاح. ولا حجة ~~لهم في هذه الآية على ما يأتي بيانه في موضعها. # والحديث نص في موضع ms1608 الخلاف. وقيل: الخطاب لولي اليتيم لينفق عليه من ماله ~~الذي له تحت نظره، على ما تقدم من الخلاف في إضافة المال. فالوصي ينفق على ~~اليتيم على قدر ماله وحاله، فإن كان صغيرا وماله كثير اتخذ له ظئرا وحواضن ~~ووسع عليه في النفقة. وإن كان كبيرا قدر له ناعم اللباس وشهي الطعام ~~والخدم. وإن كان دون ذلك فبحسبه. وإن كان دون ذلك فخشن (3) الطعام واللباس ~~قدر الحاجة. فإن (4) كان اليتيم فقيرا لا مال له وجب على الامام القيام به ~~من بيت المال، فإن لم يفعل الامام وجب ذلك على المسلمين الأخص به فالأخص. ~~وأمه أخص به فيجب عليها إرضاعه والقيام به. ولا ترجع عليه ولا على أحد. # وقد مضى في البقرة عند قوله: (والوالدات يرضعن أولادهن (5)). # العاشرة - قوله تعالى: (وقولوا لهم قولا معروفا) أراد تليين الخطاب ~~والوعد الجميل. واختلف في القول المعروف، فقيل: معناه ادعوا لهم: بارك الله ~~فيكم، وحاطكم وصنع لكم، وأنا ناظر لك، وهذا الاحتياط يرجع نفعه إليك. وقيل: ~~معناه وعدوهم وعدا حسنا، أي إن رشدتم دفعنا إليكم أموالكم. ويقول الأب ~~لابنه: مالي إليك مصيره، وأنت إن شاء الله صاحبه إذا ملكت (6) رشدك وعرفت ~~تصرفك. # قوله تعالى: وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فان آنستم منهم رشدا ~~فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها اسرافا وبدارا أن يكبروا ومن كان غنيا ~~فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف فإذا دفعتم إليهم فاشهدوا عليهم ~~وكفى بالله حسيبا # PageV05P033 # فيه سبع عشرة مسألة. # الأولى - قوله تعالى: (وابتلوا اليتامى) الابتلاء الاختبار، وقد تقدم ~~(1). وهذه الآية خطاب للجميع في بيان كيفية دفع أموالهم. وقيل: إنها نزلت ~~في ثابت بن رفاعة وفي عمه. # وذلك أن رفاعة توفي وترك ابنه وهو صغير، فأتى عم ثابت إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال: # إن ابن أخي يتيم في حجري فما يحل لي من ماله، ومتى أدفع إليه ماله؟ فأنزل ~~الله تعالى هذه الآية. # الثانية - واختلف العلماء في معنى الاختبار، فقيل: هو أن يتأمل الوصي ~~أخلاق يتيمه، ويستمع إلى أغراضه، فيحصل ms1609 له العلم بنجابته، والمعرفة بالسعي ~~في مصالحه وضبط ماله والاهمال (2) لذلك. فإذا توسم الخير قال علماؤنا ~~وغيرهم: لا بأس أن يدفع إليه شيئا من ماله يبيح له التصرف فيه، فإن نماه ~~وحسن النظر فيه فقد وقع الاختبار، ووجب على الوصي تسليم جميع ماله إليه. ~~وإن أساء النظر فيه وجب عليه إمساك ماله عنده. وليس في العلماء من يقول: ~~إنه إذا اختبر الصبي فوجده رشيدا ترتفع الولاية عنه، وأنه يجب دفع ماله ~~إليه وإطلاق يده في التصرف، لقوله تعالى: (حتى إذا بلغوا النكاح). وقال ~~جماعة من الفقهاء: الصغير لا يخلو من أحد أمرين، إما أن يكون غلاما أو ~~جارية، فإن كان غلاما رد النظر إليه في نفقة الدار شهرا، أو أعطاه شيئا ~~نزرا يتصرف فيه، ليعرف كيف تدبيره وتصرفه، وهو مع ذلك يراعيه لئلا يتلفه، ~~(3) فإن أتلفه فلا ضمان على الوصي. فإذا رآه متوخيا سلم إليه ماله وأشهد ~~عليه. وإن كان جارية رد إليها ما يرد إلى ربة البيت من تدبير بيتها والنظر ~~فيه، في الاستغزال والاستقصاء على الغزالات في دفع القطن وأجرته، واستيفاء ~~الغزل وجودته. # فإن رآها رشيدة سلم أيضا إليها مالها وأشهد عليها. وإلا بقيا تحت الحجر ~~حتى يؤنس رشدهما. # وقال الحسن ومجاهد وغيرهما: اختبروهم في عقولهم وأديانهم وتنمية أموالهم. # الثالثة - قوله تعالى: (حتى إذا بلغوا النكاح) أي الحلم، لقوله تعالى: ~~(وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم (4)) أي البلوغ وحال النكاح. والبلوغ يكون ~~بخمسة أشياء: ثلاثة # PageV05P034 # يشترك فيها الرجال والنساء، واثنان يختصان بالنساء وهما الحيض والحبل. ~~فأما الحيض والحبل فلم يختلف العلماء في أنه بلوغ، وأن الفرائض والاحكام ~~تجب بهما. واختلفوا في الثلاث، فأما الانبات والسن فقال الأوزاعي والشافعي ~~وابن حنبل: خمس عشرة سنة بلوغ لمن لم يحتلم. وهو قول ابن وهب وأصبغ وعبد ~~الملك بن الماجشون وعمر بن عبد العزيز وجماعة من أهل المدينة، واختاره ابن ~~العربي. وتجب الحدود والفرائض عندهم على من بلغ هذا السن. قال أصبغ بن ~~الفرج: والذي نقول به إن حد البلوغ الذي تلزم به ms1610 الفرائض والحدود خمس عشرة ~~سنة، وذلك أحب ما فيه إلي وأحسنه عندي، لأنه الحد الذي يسهم فيه في الجهاد ~~ولمن حضر القتال. واحتج بحديث ابن عمر إذ عرض (1) يوم الخندق وهو ابن خمس ~~عشرة سنة فأجيز، ولم يجز يوم أحد، لأنه كان ابن أربع عشرة سنة. أخرجه مسلم. ~~قال أبو عمر بن عبد البر: هذا فيمن عرف مولده، وأما من جهل مولده وعدة (2) ~~سنه أو جحده فالعمل فيه بما (3) روى نافع عن أسلم عن عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه أنه كتب إلى أمراء الأجناد: ألا تضربوا الجزية إلا على من جرت ~~عليه المواسي (4). وقال عثمان في غلام سرق: # انظروا إن كان قد أخضر مئزره (5) فاقطعوه. وقال عطية القرظي: عرض رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بني قريظة، فكل من أنبت منهم قتله بحكم سعد بن ~~معاذ (6)، ومن لم ينبت منهم استحياه، فكنت فيمن لم ينبت فتركني. وقال مالك ~~وأبو حنيفة وغيرهما: لا يحكم لمن لم يحتلم حتى يبلغ ما لم يبلغه أحد إلا ~~احتلم، وذلك سبع عشرة سنة، فيكون عليه حينئذ الحد إذا أتى ما يجب عليه ~~الحد. وقال مالك مرة: بلوغه بأن يغلظ صوته وتنشق أرنبته. وعن أبي حنيفة ~~رواية أخرى: تسع عشرة [سنة (7)]، وهي الأشهر. وقال في الجارية: بلوغها لسبع ~~عشرة سنة وعليها النظر. # وروى اللؤلئي عنه ثمان عشرة سنة. وقال داود: لا يبلغ بالسن ما لم يحتلم ~~ولو بلغ أربعين سنة. فأما الانبات فمنهم من قال: يستدل به على البلوغ، روي ~~عن ابن القاسم وسالم، وقاله # PageV05P035 # مالك مرة، والشافعي في أحد قوليه، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور. وقيل: ~~هو بلوغ، إلا أنه يحكم به في الكفار فيقتل من أنبت ويجعل من لم ينبت في ~~الذراري، قاله الشافعي في القول الاخر، لحديث عطية القرظي. ولا اعتبار ~~بالخضرة والزغب، وإنما يترتب الحكم على الشعر. وقال ابن القاسم: سمعت مالكا ~~يقول: العمل عندي على حديث عمر بن الخطاب: # لو جرت عليه المواسي لحددته. قال أصبغ: قال لي ابن ms1611 القاسم وأحب إلي ألا ~~يقام عليه الحد إلا باجتماع الانبات والبلوغ. وقال أبو حنيفة: لا يثبت (1) ~~بالانبات حكم، وليس هو ببلوغ ولا دلالة على البلوغ. وقال الزهري وعطاء: لا ~~حد على من لم يحتلم، وهو قول الشافعي، ومال إليه مالك مرة، وقال به بعض ~~أصحابه. وظاهره عدم اعتبار الانبات والسن. قال ابن العربي: (إذا لم يكن ~~حديث ابن عمر دليلا في السن فكل عدد يذكرونه من السنين فإنه دعوى، والسن ~~التي أجازها (2) رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى من سن لم يعتبرها، ولا ~~قام في الشرع دليل عليها، وكذلك اعتبر النبي صلى الله عليه وسلم الانبات في ~~بني قريظة، فمن عذيري ممن ترك أمرين اعتبرهما النبي صلى الله عليه وسلم ~~فيتأوله ويعتبر ما لم يعتبره النبي صلى الله عليه وسلم لفظا، ولا جعل الله ~~له في الشريعة نظرا). # قلت: هذا قوله هنا، وقال في سورة الأنفال عكسه، إذ لم يعرج على حديث ابن ~~عمر هناك، وتأوله كما تأوله علماؤنا، وأن موجبه الفرق بين من يطيق القتال ~~ويسهم له وهو ابن خمس عشرة سنة، ومن لا يطيقه فلا يسهم له فيجعل في العيال. ~~وهو الذي فهمه عمر ابن عبد العزيز من الحديث. والله أعلم. # الرابعة - قوله تعالى: (فان آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم) أي ~~أبصرتم ورأيتم، ومنه قوله تعالى: (آنس من جانب الطور نارا (3)) أي أبصر ~~ورأى. قال الأزهري: # تقول العرب اذهب فاستأنس هل ترى أحدا، معناه تبصر. قال النابغة: # *... على مستأنس وحد (4) * # PageV05P036 # أراد ثورا وحشيا يتبصر هل يرى قانصا فيحذره. وقيل: آنست وأحسست ووجدت ~~بمعنى واحد، ومنه قوله تعالى: (فإن آنستم منهم رشدا) أي علمتم. والأصل فيه ~~أبصرتم. # وقراءة العامة (رشدا) بضم الراء وسكون الشين. وقرأ السلمي وعيسى والثقفي ~~وابن مسعود رضي الله عنهم (رشدا) بفتح الراء والشين، وهما لغتان. وقيل: ~~رشدا مصدر رشد. # ورشدا مصدر رشد، وكذلك الرشاد. والله أعلم. # الخامسة - واختلف العلماء في تأويل (رشدا) فقال الحسن وقتادة وغيرهما: # صلاحا في العقل والدين. وقال ابن عباس ms1612 والسدي والثوري: صلاحا في العقل ~~وحفظ المال. قال سعيد بن جبير والشعبي: إن الرجل ليأخذ بلحيته وما بلغ ~~رشده، فلا يدفع إلى اليتيم ماله وإن كان شيخا حتى يؤنس منه رشده. وهكذا قال ~~الضحاك: لا يعطى اليتيم وإن بلغ مائة سنة حتى يعلم منه إصلاح ماله. وقال ~~مجاهد: (رشدا) يعني في العقل خاصة. وأكثر العلماء على أن الرشد لا يكون إلا ~~بعد البلوغ، وعلى أنه إن لم يرشد بعد بلوغ الحلم وإن شاخ لا يزول الحجر ~~عنه، وهو مذهب مالك وغيره. وقال أبو حنيفة: لا يحجر على الحر البالغ إذا ~~بلغ مبلغ الرجال، ولو كان أفسق الناس وأشدهم تبذيرا إذا كان عاقلا. # وبه قال زفر بن الهذيل، وهو مذهب النخعي. واحتجوا في ذلك بما رواه قتادة ~~عن أنس أن حبان (1) بن منقذ كان يبتاع وفي عقدته (2) ضعف، فقيل: يا رسول ~~الله احجر عليه، فإنه يبتاع وفي عقدته ضعف. فاستدعاه النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال: (لاتبع). فقال: لا أصبر. # فقال له: (فإذا بايعت فقل لا خلابة ولك الخيار ثلاثا). قالوا: فلما سأله ~~القوم الحجر عليه لما كان في تصرفه من الغبن ولم يفعل عليه السلام، ثبت أن ~~الحجر لا يجوز. وهذا لا حجة لهم فيه، لأنه مخصوص بذلك على ما بيناه في ~~البقرة (1)، فغيره بخلافه. وقال الشافعي: إن كان مفسدا لما له ودينه، أو ~~كان مفسدا لماله دون دينه حجر عليه، وإن كان مفسدا لدينه # PageV05P037 # مصلحا لماله فعلى وجهين: أحدهما يحجر عليه، وهو اختيار أبي العباس بن ~~شريح. والثاني لا حجر عليه، وهو اختيار أبى إسحاق المروزي، والأظهر من مذهب ~~الشافعي. قال الثعلبي: # وهذا الذي ذكرناه من الحجر على السفيه قول عثمان وعلي والزبير وعائشة ~~وابن عباس وعبد الله ابن جعفر رضوان الله عليهم، ومن التابعين شريح، وبه ~~قال الفقهاء: مالك وأهل المدينة والأوزاعي وأهل الشام وأبو يوسف ومحمد ~~وأحمد وإسحاق وأبو ثور. قال الثعلبي: وادعى أصحابنا الاجماع في هذه ~~المسألة. # السادسة - إذا ثبت هذا فاعلم أن دفع المال يكون ms1613 بشرطين: إيناس الرشد ~~والبلوغ، فإن وجد أحدهما دون الاخر لم يجز تسليم المال، كذلك نص الآية. وهو ~~رواية ابن القاسم وأشهب وابن وهب عن مالك في الآية. وهو قول جماعة الفقهاء ~~إلا أبا حنيفة وزفر والنخعي فإنهم أسقطوا إيناس الرشد ببلوغ خمس وعشرين ~~سنة. قال أبو حنيفة: # لكونه جدا. وهذا يدل على ضعف قوله، وضعف ما احتج به أبو بكر الرازي في ~~أحكام القرآن له من استعمال الآيتين حسب ما تقدم، فإن هذا من باب المطلق ~~والمقيد، والمطلق يرد إلى المقيد باتفاق أهل الأصول. وماذا يغني كونه جدا ~~(1) إذا كان غير جد، أي بخت. # إلا أن علماءنا شرطوا في الجارية دخول الزوج بها مع البلوغ، وحينئذ يقع ~~الابتلاء في الرشد. # ولم يره أبو حنيفة والشافعي، ورأوا الاختبار في الذكر والأنثى على ما ~~تقدم. وفرق علماؤنا بينهما بأن قالوا: الأنثى مخالفة للغلام لكونها محجوبة ~~لا تعاني الأمور ولا تبرز لأجل البكارة فلذلك وقف فيها على وجود النكاح، ~~فبه تفهم المقاصد كلها. والذكر بخلافها، فإنه بتصرفه وملاقاته للناس من أول ~~نشئة إلى بلوغه يحمل له الاختبار، ويكمل عقله بالبلوغ، فيحصل له الغرض. وما ~~قاله الشافعي أصوب، فإن نفس الوطئ بإدخال الحشفة لا يزيدها في رشدها إذا ~~كانت عارفة بجميع أمورها ومقاصدها، غير مبذرة لمالها. ثم زاد علماؤنا ~~فقالوا: لا بد بعد # PageV05P038 # دخول زوجها من مضي مدة من الزمان تمارس فيها الأحوال. قال ابن العربي: ~~وذكر علماؤها في تحديدها أقوالا عديدة، منها الخمسة الأعوام والستة والسبعة ~~في ذات الأب. # وجعلوا في اليتيمة التي لا أب لها ولا وصي عليها عاما واحدا بعد الدخول، ~~وجعلوا في المولى عليها مؤبدا حتى يثبت رشدها. وليس في هذا كله دليل، ~~وتحديد الأعوام في ذات الأب عسير، وأعسر منه تحديد العام في اليتيمة. وأما ~~تمادي الحجر في المولى عليها حتى يتبين رشدها فيخرجها الوصي عنه، أو يخرجها ~~الحكم منه فهو ظاهر القرآن. والمقصود من هذا كله داخل تحت قوله تعالى: (فإن ~~آنستم منهم رشدا) فتعين اعتبار الرشد ولكن ms1614 يختلف إيناسه بحسب اختلاف حال ~~الراشد. فاعرفه وركب عليه واجتنب التحكم الذي لا دليل عليه. # السابعة - واختلفوا فيما فعلته ذات الأب في تلك المدة، فقيل: هو محمول ~~على الرد لبقاء الحجر، وما عملته بعده فهو محمول على الجواز. وقال بعضهم: ~~ما عملته في تلك المدة محمول على الرد إلا (1) أن يتبين فيه السداد، وما ~~عملته بعد ذلك محمول على الامضاء حتى يتبين فيه السفه. # الثامنة - واختلفوا في دفع المال إلى المحجور عليه هل يحتاج إلى السلطان ~~أم لا؟ # فقالت فرقة: لا بد من رفعه إلى السلطان، ويثبت عنده رشده ثم يدفع إليه ما ~~له. وقالت فرقة: ذلك موكول إلى اجتهاد الوصي دون أن يحتاج إلى رفعه إلى ~~السلطان. قال ابن عطية: # والصواب في أوصياء زماننا ألا يستغنى عن رفعه إلى السلطان وثبوت الرشد ~~عنده، لما حفظ من تواطؤ الأوصياء على أن يرشد الصبي، ويبرأ المحجور عليه ~~لسفهه وقلة تحصيله في ذلك الوقت. # التاسعة - فإذا سلم المال إليه بوجود الرشد، ثم عاد إلى السفه بظهور ~~تبذير وقلة تدبير عاد إليه الحجر عندنا، وعند الشافعي في أحد قوليه. وقال ~~أبو حنيفة: لا يعود، لأنه بالغ عاقل، بدليل جواز إقراره في الحدود والقصاص. ~~ودليلنا قوله تعالى: (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما) ~~وقال تعالى: (فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا # PageV05P039 # أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل (1)) ولم يفرق بين أن يكون ~~محجورا سفيها أو يطرأ ذلك عليه بعد الاطلاق. # العاشرة - ويجوز للوصي أن يصنع في مال اليتيم ما كان للأب أن يصنعه من ~~(2) تجارة وإبضاع وشراء وبيع. وعليه أن يؤدي الزكاة من سائر أمواله: عين ~~وحرث وماشية وفطرة. # ويؤدي عنه أروش الجنايات وقيم المتلفات، ونفقة الوالدين وسائر الحقوق ~~اللازمة. ويجوز أن يزوجه ويؤدي عنه الصداق، ويشتري له جارية يتسررها، ~~ويصالح له وعليه على وجه النظر له. وإذا قضى الوصي بعض الغرماء وبقي من ~~المال بقية تفي ما عليه من الدين كان فعل الوصي جائزا. فإن ms1615 تلف باقي المال ~~فلا شئ لباقي الغرماء على الوصي ولا على الذين اقتضوا. وإن اقتضى الغرماء ~~جميع المال ثم أتى غرماء آخرون فإن كان عالما بالدين الباقي أو كان الميت ~~معروفا بالدين الباقي ضمن الوصي لهؤلاء الغرماء ما كان يصيبهم في المحاصة، ~~ورجع على الذين اقتضوا دينهم بذلك. وإن لم يكن عالما [بذلك (3)]، ولا كان ~~الميت معروفا بالدين فلا شئ على الوصي. وإذا دفع الوصي دين الميت بغير ~~إشهاد ضمن. وأما إن أشهد وطال الزمان حتى مات الشهود فلا شئ عليه. وقد مضى ~~في البقرة (4) عند قوله تعالى: # (وإن تخالطوهم فإخوانكم) من أحكام الوصي في الانفاق وغيره ما فيه كفاية، ~~والحمد لله. # الحادية عشرة - قوله تعالى: (ولا تأكلوها اسرافا وبدارا أن يكبروا) ليس ~~يريد أن أكل مالهم من غير إسراف جائز، فيكون له دليل خطاب، بل المراد ولا ~~تأكلوا أموالهم فإنه إسراف. فنهى الله سبحانه وتعالى الأوصياء عن أكل أموال ~~اليتامى بغير الواجب المباح لهم، على ما يأتي بيانه. والاسراف في اللغة ~~الافراط ومجاوزة الحد. وقد تقدم في آل عمران (5) والسرف الخطأ في الانفاق. ~~ومنه قول الشاعر (6): # أعطوا هنيدة يحدوها ثمانية * ما في عطائهم من ولا سرف # PageV05P040 # أي ليس يخطئون مواضع العطاء. وقال آخر: # وقال قائلهم والخيل تخبطهم * أسرفتم فأجبنا أننا سرف قال النضر بن شميل: ~~السرف التبذير، والسرف الغفلة. وسيأتي لمعنى الاسراف زيادة بيان في ~~(الانعام (1)) إن شاء الله تعالى. (وبدارا) معناه ومبادرة كبرهم، وهو حال ~~البلوغ. # والبدار والمبادرة كالقتال والمقاتلة. وهو معطوف على (إسرافا). و (ان ~~يكبروا) في موضع نصب ب (بدارا)، أي لا تستغنم مال محجورك فتأكله وتقول ~~أبادر كبره لئلا يرشد ويأخذ ماله، عن ابن عباس وغيره. # الثانية عشرة - قوله تعالى: (ومن كان غنيا فليستعفف) الآية. بين الله ~~تعالى ما يحل لهم من أموالهم، فأمر الغني بالامساك وأباح للوصي الفقير أن ~~يأكل من مال وليه بالمعروف. # يقال: عف الرجل عن الشئ واستعف إذا أمسك. والاستعفاف عن الشئ تركه. ومنه ~~قوله تعالى: (وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا ms1616 (2)). والعفة: الامتناع عما لا ~~يحل ولا يجب فعله. روى أبو داود من حديث حسين المعلم عن عمرو بن شعيب عن ~~أبيه عن جده أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني فقير ليس لي ~~شئ ولي يتيم. قال: فقال: # (كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مباذر ولا متأثل (3)). # الثالثة عشرة - واختلف العلماء من المخاطب والمراد بهذه الآية؟ ففي صحيح ~~مسلم عن عائشة في قوله تعالى: (ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف) قالت: نزلت ~~في ولي اليتيم الذي يقوم عليه ويصلحه إذا كان محتاجا جاز أن يأكل منه. في ~~رواية: بقدر ماله بالمعروف. # وقال بعضهم: المراد اليتيم إن كان غنيا وسع عليه وأعف عن ماله، وإن كان ~~فقيرا أنفق عليه بقدره، قاله ربيعة ويحيى بن سعيد. والأول قول الجمهور وهو ~~الصحيح، لان اليتيم لا يخاطب بالتصرف في ماله لصغره ولسفهه. والله أعلم. # الرابعة عشرة - واختلف الجمهور في الا كل بالمعروف ما هو؟ فقال قوم: هو ~~القرض إذا احتاج ويقضى إذا أيسر، قاله عمر بن الخطاب وابن عباس وعبيدة وابن ~~جبير والشعبي # PageV05P041 # ومجاهد وأبو العالية، وهو قول الأوزاعي. ولا يستسلف أكثر من حاجته. قال ~~عمر: ألا انى أنزلت نفسي من مال الله منزلة الولي من مال اليتيم، إن ~~استغنيت استعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف، فإذا أيسرت قضيت. روى عبد الله ~~بن المبارك عن عاصم عن أبي العالية (ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف) قال: ~~قرضا - ثم تلا (فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم). وقول ثان - روي ~~عن إبراهيم وعطاء والحسن البصري والنخعي وقتادة: لا قضاء على الوصي الفقير ~~فيما يأكل بالمعروف، لان ذلك حق النظر، وعليه الفقهاء. قال الحسن: # هو طعمة من الله له، وذلك أنه يأكل ما يسد جوعته، ويكتسي ما يستر عورته، ~~ولا يلبس الرفيع من الكتان ولا الحلل. والدليل على صحة هذا القول إجماع ~~الأمة على أن الامام الناظر للمسلمين لا يجب عليه غرم ما أكل بالمعروف، لان ~~الله تعالى قد فرض سهمه في مال الله. # فلا حجة ms1617 لهم في قول عمر: فإذا أيسرت قضيت - أن لو صح. وقد روي عن ابن ~~عباس وأبي العالية والشعبي أن الاكل بالمعروف هو كالانتفاع بألبان المواشي، ~~واستخدام العبيد، وركوب الدواب إذا لم يضر بأصل المال، كما يهنأ (1) ~~الجرباء، وينشد الضالة، ويلوط (2) الحوض، ويجذ التمر. فأما أعيان الأموال ~~وأصولها فليس للوصي أخذها. وهذا كله يخرج مع قول الفقهاء: إنه يأخذ بقدر ~~أجر عمله، وقالت به طائفة وأن ذلك هو المعروف، ولا قضاء عليه، والزيادة على ~~ذلك محرمة. وفرق الحسن بن صالح بن حي - ويقال ابن حيان - بين وصي الأب ~~والحاكم، فلوصي الأب أن يأكل بالمعروف، وأما وصي الحاكم فلا سبيل له إلى ~~المال بوجه، وهو القول الثالث. وقول رابع روي عن مجاهد قال: ليس له أن يأخذ ~~قرضا ولا غيره. وذهب إلى أن الآية منسوخة، نسخها قوله تعالى: (يا أيها ~~الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض ~~منكم (3)) وهذا ليس بتجارة. وقال زيد بن أسلم: إن الرخصة في هذه الآية ~~منسوخة بقوله تعالى: (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما) الآية. وحكى بشر ~~بن الوليد عن أبي يوسف قال: لا أدري، لعل هذه الآية # PageV05P042 # منسوخة بقوله عز وجل: (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم ~~بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم). وقول خامس - وهو الفرق بين الحضر ~~والسفر، فيمنع إذا كان مقيما معه في المصر. فإذا احتاج أن يسافر من أجله ~~فله أن يأخذ ما يحتاج إليه، ولا يقتني شيئا، قاله أبو حنيفة وصاحباه أبو ~~يوسف ومحمد. وقول سادس - قال أبو قلابة: فليأكل بالمعروف مما يجني من ~~الغلة، فأما المال الناض (1) فليس له أن يأخذ منه شيئا قرضا ولا غيره. وقول ~~سابع - روى عكرمة عن ابن عباس (ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف) قال: إذا ~~احتاج واضطر. وقال الشعبي: كذلك إذا كان منه بمنزلة الدم ولحم الخنزير أخذ ~~منه، فإن وجد أو في. قال النحاس: وهذا لا معنى له لأنه إذا اضطر هذا ~~الاضطرار كان ms1618 له أخذ ما يقيمه من مال يتيمه أو غيره من قريب أو بعيد. وقال ~~ابن عباس أيضا والنخعي: المراد أن يأكل الوصي بالمعروف من مال نفسه حتى لا ~~يحتاج إلى مال اليتيم، فيستعفف الغنى بغناه، والفقير يقتر (2) على نفسه حتى ~~لا يحتاج إلى مال يتيمه. قال النحاس: وهذا من أحسن ما روي في تفسير الآية، ~~لان أموال الناس محظورة لا يطلق شئ منها إلا بحجة قاطعة. # قلت: وقد اختار هذا القول الكيا الطبري في أحكام القرآن له، فقال: (توهم ~~متوهمون من السلف بحكم الآية أن للوصي أن يأكل (3) من مال الصبي قدرا لا ~~ينتهى إلى حد السرف، وذلك خلاف ما أمر الله تعالى به من قوله: (لا تأكلوا ~~أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) ولا يتحقق ذلك في ~~[مال (4)] اليتيم. فقوله: (ومن كان غنيا فليستعفف) يرجع إلى [أكل (3)] مال ~~نفسه دون مال اليتيم. فمعناه ولا تأكلوا أموال اليتيم مع أموالكم، بل ~~اقتصروا على أكل أموالكم. وقد دل عليه قوله تعالى: (ولا تأكلوا أموالهم إلى ~~أموالكم إنه كان حوبا كبيرا). وبان بقوله تعالى: (ومن كان غثيا فليستعفف ~~ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف) الاقتصار على البلغة، حتى لا يحتاج إلى أكل ~~مال اليتيم، فهذا تمام معنى الآية. # PageV05P043 # فقد وجدنا آيات محكمات تمنع أكل مال الغير دون رضاه، سيما في حق اليتيم. ~~وقد وجدنا هذه الآية محتملة للمعاني، فحملها على موجب الآيات المحكمات ~~متعين. فإن قال من ينصر مذهب السلف: إن القضاة يأخذون أرزاقهم لأجل عملهم ~~للمسلمين، فهلا كان الوصي كذلك إذا عمل لليتيم، ولم لا يأخذ الأجرة بقدر ~~عمله؟ قيل له: اعلم أن أحدا من السلف لم يجوز للوصي أن يأخذ من مال الصبي ~~مع غنى الوصي، بخلاف القاضي، فذلك فارق بين المسألتين. # وأيضا فالذي يأخذه الفقهاء والقضاة والخلفاء القائمون بأمور الاسلام لا ~~يتعين له مالك. وقد جعل الله ذلك المال الضائع لأصناف بأوصاف، والقضاة من ~~جملتهم، والوصي إنما يأخذ بعمله مال شخص معين من غير رضاه، وعمله ms1619 مجهول ~~وأجرته مجهولة وذلك بعيد عن الاستحقاق. # قلت: وكان شيخنا الإمام أبو العباس يقول: إن كان مال اليتيم كثيرا يحتاج ~~إلى كبير قيام عليه بحيث يشغل الولي عن حاجاته ومهماته فرض له فيه أجر ~~عمله، وإن كان تافها لا يشغله عن حاجاته فلا يأكل منه شيئا، غير أنه يستحب ~~له شرب قليل اللبن وأكل القليل من الطعام والسمن، غير مضر به ولا مستكثر ~~له، بل على ما جرت العادة بالمسامحة فيه. قال شيخنا: وما ذكرته من الأجرة، ~~ونيل اليسير من التمر (1) واللبن كل واحد منهما معروف، فصلح حمل الآية على ~~ذلك. والله أعلم. # قلت: والاحتراز عنه أفضل، إن شاء الله. # [وأما ما يأخذه قاضي القسمة ويسميه رسما ونهب أتباعه فلا أدرى له وجها ~~ولا حلا، وهم داخلون في عموم قوله تعالى: (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ~~ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا (2))]. # الخامسة عشرة - قوله تعالى: (فإذا دفعتم إليهم فاشهدوا عليهم) أمر الله ~~تعالى بالاشهاد تنبيها على التحصين وزوالا للتهم. وهذا الاشهاد مستحب عند ~~طائفة من العلماء، فإن القول قول الوصي، لأنه أمين. وقالت طائفة: هو فرض، ~~وهو ظاهر الآية، وليس # PageV05P044 # بأمين فيقبل قوله، كالوكيل إذا زعم أنه قد رد ما دفع إليه أو المودع، ~~وإنما هو أمين للأب، ومتى ائتمنه الأب لا يقبل قوله على غير. ألا ترى أن ~~الوكيل لو (1) أدعى أنه قد دفع لزيد ما أمره به بعدالته لم يقبل قوله إلا ~~ببينة، فكذلك الوصي. ورأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وابن جبير أن هذا ~~الاشهاد إنما هو على دفع الوصي في يسره ما استقرضه من مال يتيمه حالة فقره. ~~قال عبيدة: هذه الآية دليل على وجوب القضاء على من أكل، المعنى: فإذا ~~اقترضتم أو أكلتم فأشهدوا إذا غرمتم. والصحيح أن اللفظ يعم هذا وسواه. ~~والظاهر أن المراد إذا أنفقتم شيئا على المولى عليه فأشهدوا، حتى لو وقع ~~خلاف أمكن إقامة البينة، فإن كل مال قبض على وجه الأمانة بإشهاد لا يبرأ ~~منه إلا بالاشهاد على ms1620 دفعه، لقوله تعالى: (فأشهدوا) فإذ دفع لمن دفع إليه ~~بغير إشهاد فلا يحتاج في دفعها لاشهاد إن كان قبضها بغير إشهاد. والله ~~أعلم. # السادسة عشرة - كما على الوصي والكفيل حفظ مال يتيمه والتثمير له، كذلك ~~عليه حفظ الصبي في بدنه. فالمال يحفظه بضبطه (2)، والبدن يحفظه بأدبه. وقد ~~مضى هذا المعنى في (البقرة (3)). وروي أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه ~~وسلم: إن في حجري يتيما أآكل من ماله؟ # قال: (نعم غير متأثل (4) مالا ولا واق مالك بماله). قال: يا رسول الله، ~~أفأضربه؟ قال: # (ما كنت ضاربا منه ولدك). قال ابن العربي: وإن لم يثبت مسندا فليس يجد ~~أحد عنه ملتحدا (5). السابعة عشرة - قوله تعالى: (وكفى بالله حسيبا) أي كفى ~~الله حاسبا لا عمالكم ومجازيا بها. ففي هذا وعيد لكل جاحد حق. والباء ~~زائدة، وهو في موضع رفع. # قوله تعالى: للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ~~ترك الولدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا # PageV05P045 # فيه خمس مسائل: # الأولى - لما ذكر الله تعالى أمر اليتامى وصله بذكر المواريث. ونزلت ~~الآية في أوس ابن ثابت الأنصاري، توفي وترك امرأة يقال لها: أم كجة وثلاث ~~بنات له منها، فقام رجلان هما ابنا عم الميت ووصياه يقال لهما: سويد ~~وعرفجة، فأخذا ماله ولم يعطيا امرأته وبناته شيئا، وكانوا في الجاهلية لا ~~يورثون النساء ولا الصغير وإن كان ذكرا، ويقولون: لا يعطى إلا من قاتل على ~~ظهور الحيل، وطاعن بالرمح، وضارب بالسيف، وحاز الغنيمة. فذكرت أم كجة ذلك ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاهما، فقالا: يا رسول الله، ولدها لا ~~يركب فرسا، ولا يحمل كلا ولا ينكأ عدوا. فقال عليه السلام: (انصرفا حتى ~~أنظر ما يحدث الله لي فيهن). # فأنزل الله هذه الآية ردا عليهم، وإبطالا لقولهم وتصرفهم بجهلهم، فإن ~~الورثة الصغار كان ينبغي أن يكونوا أحق بالمال من الكبار، لعدم تصرفهم ~~والنظر في مصالحهم، فعكسوا الحكم، وأبطلوا الحكمة فضلوا بأهوائهم، وأخطئوا ~~في آرائهم وتصرفاتهم. # الثانية - قال علماؤنا: في هذه ms1621 الآية فوائد ثلاث: إحداها - بيان علة ~~الميراث وهي القرابة. الثانية - عموم القرابة كيفما تصرفت من قريب أو بعيد. ~~الثالثة - إجمال النصيب المفروض. وذلك مبين في آية المواريث، فكان في هذه ~~الآية توطئة للحكم، وإبطال لذلك الرأي الفاسد حتى وقع البيان الشافي. ~~الثالثة - ثبت أن أبا طلحة لما تصدق بماله - بئر حاء - وذكر ذلك للنبي صلى ~~الله عليه وسلم قال له: (اجعلها في فقراء أقاربك) فجعلها لحسان وأبي. قال ~~أنس: وكانا أقرب إليه مني. قال أبو داود: بلغني عن محمد بن عبد الله ~~الأنصاري أنه قال: أبو طلحة الأنصاري زيد بن سهل بن الأسود بن حرام بن عمرو ~~بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار. وحسان بن ثابت بن المنذر بن ~~حرام يجتمعان في الأب الثالث وهو حرام. # وأبي بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار. ~~قال الأنصاري: بين أبى طلحة وأبي ستة آباء. قال: وعمرو بن مالك يجمع حسان ~~وأبي بن كعب PageV05P046 # وأبا طلحة. قال أبو عمر: في هذا ما يقضي على القرابة أنها ما كانت في هذا ~~القعدد ونحوه، وما كان دونه فهو أحرى أن يلحقه اسم القرابة. # الرابعة - قوله تعالى: (مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا) أثبت الله تعالى ~~للبنات نصيبا في الميراث ولم يبين كم هو، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم ~~إلى سويد وعرفجة ألا يفرقا من مال أوس شيئا، فإن الله جعل لبناته نصيبا ولم ~~يبين كم هو حتى أنظر ما ينزل ربنا. # فنزلت (يوصيكم الله في أولادكم) إلى قوله تعالى (الفوز العظيم) فأرسل ~~إليهما (أن أعطيا أم كجة الثمن مما ترك أوس، ولبناته الثلثين، ولكما بقية ~~المال). # الخامسة - استدل علماؤنا بهذه الآية في قسمة المتروك على الفرائض إذا كان ~~فيه تغيير عن حاله، كالحمام والبيت وبيدر (1) الزيتون والدار التي تبطل ~~منافعها بإقرار أهل السهام فيها. فقال مالك: يقسم ذلك وإن لم يكن في نصيب ~~أحدهم ما ينتفع به، لقوله تعالى: ms1622 # (مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا). وهو قول ابن كنانة، وبه قال الشافعي، ~~ونحوه قول أبي حنيفة. قال أبو حنيفة: في الدار الصغيرة بين اثنين فطلب ~~أحدهما القسمة وأبى صاحبه قسمت له. وقال ابن أبي ليلى: إن كان فيهم من لا ~~ينتفع بما يقسم له فلا يقسم. وكل قسم يدخل فيه الضرر على أحدهما دون الاخر ~~فإنه لا يقسم، وهو قول أبي ثور. قال ابن المنذر: # وهو أصح القولين. ورواه ابن القاسم عن مالك فيما ذكر ابن العربي. قال ابن ~~القاسم: # وأنا أرى أن كل ما لا ينقسم من الدور والمنازل والحمامات، وفي قسمته ~~الضرر ولا ينتفع به إذا قسم، أن يباع ولا شفعة فيه، لقوله عليه السلام: ~~(الشفعة في كل ما لا يقسم فإذا وقعت الحدود فلا شفعة). فجعل عليه السلام ~~الشفعة في كل ما يتأتى فيه إيقاع الحدود، وعلق الشفعة فيما لم يقسم مما ~~يمكن إيقاع الحدود فيه. هذا دليل الحديث. # قلت: ومن الحجة لهذا القول ما خرجه الدارقطني من حديث ابن جريج أخبرني ~~صديق ابن موسى عن محمد بن أبي بكر عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: (لا تعضية # PageV05P047 # على أهل الميراث الا ما حمل القسم). قال أبو عبيد: هو أن يموت الرجل ويدع ~~شيئا إن قسم بين ورثته كان في ذلك ضرر على جميعهم أو على بعضهم. يقول: فلا ~~يقسم، وذلك مثل الجوهرة والحمام والطيلسان وما أشبه ذلك. والتعضية التفريق، ~~يقال: عضيت الشئ إذا فرقته. ومنه قوله تعالى: (الذين جعلوا القرآن عضين ~~(1)). وقال تعالى: (غير مضار) فنفى المضارة. وكذلك قال عليه السلام: (لا ~~ضرر ولا ضرار). وأيضا فإن الآية ليس فيها تعرض للقسمة، وإنما اقتضت الآية ~~وجوب الحظ والنصيب للصغير والكبير قليلا كان أو كثيرا، ردا على الجاهلية ~~فقال: (للرجال نصيب) (وللنساء نصيب) وهذا ظاهر جدا. # فأما إبراز ذلك النصيب فإنما يؤخذ من دليل آخر، وذلك بأن يقول الوارث: قد ~~وجب لي نصيب بقول الله عز وجل فمكنوني منه، فيقول له ms1623 شريكه: أما تمكينك على ~~الاختصاص فلا يمكن، لأنه يؤدي إلى ضرر بيني وبينك من إفساد المال، وتغيير ~~الهيئة، وتنقيص القيمة، فيقع الترجيح. والأظهر سقوط القسمة فيما يبطل ~~المنفعة وينقص المال مع ما ذكرناه من الدليل. والله الموفق. # قال الفراء: (نصيبا مفروضا) هو كقولك: قسما واجبا، وحقا لازما، فهو اسم ~~في معنى المصدر فلهذا انتصب. الزجاج: أنتصب على الحال. أي لهؤلاء أنصباء في ~~حال الفرض. # الأخفش: أي جعل الله ذلك لهم نصيبا. والمفروض: المقدر الواجب. # قوله تعالى: وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم ~~منه وقولوا لهم قولا معروفا (8) فيه أربع مسائل: # الأولى - بين الله تعالى أن من لم يستحق شيئا إرثا وحضر القسمة، وكان من ~~الأقارب أو اليتامى والفقراء الذين لا يرثون أن يكرموا ولا يحرموا، إن كان ~~المال كثيرا، والاعتذار إليهم إن كان عقارا أو قليلا لا يقبل الرضخ (2). ~~وإن كان عطاء من القليل ففيه أجر عظيم، # PageV05P048 # درهم يسبق مائة (1) ألف. فالآية على هذا القول محكمة، قاله ابن عباس. ~~وامتثل ذلك جماعة من التابعين: عروة بن الزبير وغيره، وأمر به أبو موسى ~~الأشعري. وروي عن ابن عباس أنها منسوخة نسخها قوله تعالى (يوصيكم الله في ~~أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين). وقال سعيد بن المسيب: نسخها آية الميراث ~~والوصية. وممن قال إنها منسوخة أبو مالك وعكرمة والضحاك. والأول أصح، فإنها ~~مبينة استحقاق الورثة لنصيبهم، واستحباب المشاركة لمن لا نصيب له ممن ~~حضرهم. قال ابن جبير: ضيع الناس هذه الآية. قال الحسن: ولكن الناس شحوا. ~~وفي البخاري عن ابن عباس في قوله تعالى: (وإذا حضر القسمة أولوا القربى ~~واليتامى والمساكين) قال: هي (2) محكمة وليست بمنسوخة. وفي رواية قال: إن ~~ناسا يزعمون أن هذه الآية نسخت، لا والله ما نسخت ولكنها مما تهاون بها، ~~هما واليان: # وال يرث وذلك الذي يرزق، ووال لا يرث وذلك الذي يقول بالمعروف، ويقول: # لا أملك لك أن أعطيك. قال ابن عباس: أمر الله المؤمنين عند قسمة مواريثهم ~~أن يصلوا أرحامهم، ويتاماهم ومساكينهم من الوصية، فإن ms1624 لم تكن وصية وصل لهم ~~من الميراث. # قال النحاس: فهذا أحسن ما قيل في الآية، أن يكون على الندب والترغيب في ~~فعل الخير، والشكر لله عز وجل. وقالت طائفة: هذا الرضخ (3) واجب على جهة ~~الفرض، تعطي الورثة لهذه الأصناف ما طابت به نفوسهم، كالماعون والثوب الخلق ~~وما خف. حكى هذا القول ابن عطية والقشيري. والصحيح أن هذا على الندب، لأنه ~~لو كان فرضا لكان استحقاقا في التركة ومشاركة في الميراث، لاحد الجهتين ~~معلوم وللآخر مجهول. وذلك مناقض للحكمة، وسبب للتنازع والتقاطع. وذهبت فرقة ~~إلى أن المخاطب والمراد في الآية المحتضرون الذين يقسمون أموالهم بالوصية، ~~لا الورثة. وروي عن ابن عباس وسعيد بن المسيب وابن زيد. فإذا أراد المريض ~~أن يفرق ماله بالوصايا وحضره من لا يرث ينبغي له ألا يحرمه. وهذا - والله ~~أعلم -. # يتنزل حيث كانت الوصية واجبة، ولم تنزل آية الميراث. والصحيح الأول وعليه ~~المعول. # PageV05P049 # الثانية - فإذا كان الوارث صغيرا لا يتصرف في ماله، فقالت طائفة يعطى ولى ~~الوارث الصغير من مال محجوره بقدر ما يرى. وقيل: لا يعطى بل يقول لمن حضر ~~القسمة (1): # ليس لي شئ من هذا المال إنما هو لليتيم، فإذا بلغ عرفته حقكم. فهذا هو ~~القول المعروف. # وهذا إذا لم يوص الميت له بشئ، فإن أوصى يصرف له ما أوصى. ورأى عبيدة ~~ومحمد ابن سيرين أن الرزق في هذه الآية أن يصنع لهم طعاما يأكلونه، وفعلا ~~ذلك، ذبحا شاة من التركة، وقال عبيدة: لولا هذه الآية لكان هذا من مالي. ~~وروى قتادة عن يحيى بن يعمر قال: ثلاث محكمات تركهن الناس: هذه الآية، وآية ~~الاستئذان (يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم (2))، وقوله: ~~(يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى (3)). # الثالثة - قوله تعالى: (منه) الضمير عائد على معنى القسمة، إذ هي بمعنى ~~المال والميراث، لقوله تعالى: (ثم استخرجها من وعاء أخيه (4)) أي السقاية، ~~لان الصواع مذكر ومنه قوله عليه السلام: (واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينه ~~(5) وبين والله حجاب) فأعاد مذكرا على معنى ms1625 الدعاء. وكذلك قوله لسويد بن ~~طارق الجعفي حين سأله عن الخمر (إنه ليس بدواء ولكنه داء) فأعاد الضمير على ~~معنى الشراب. ومثله كثير. يقال: قاسمه المال وتقاسماه واقتسماه، والاسم ~~القسمة مؤنثة، والقسم مصدر قسمت الشئ فانقسم، والموضع مقسم مثل مجلس، ~~وتقسمهم الدهر فتقسموا، أي فرقهم فتفرقوا. والتقسيم التفريق. والله أعلم. # الرابعة - قوله تعالى: (وقولوا لهم قولا معروفا) قال سعيد بن جبير: يقال ~~لهم خذوا بورك لكم. وقيل: قولوا مع الرزق وددت أن لو كان أكثر من هذا. ~~وقيل: لا حاجة مع الرزق إلى عذر، نعم إن لم يصرف إليهم شئ فلا أقل من قول ~~جميل ونوع اعتذار. # قوله تعالى: وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم ~~فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا (9) # PageV05P050 # فيه مسألتان: # الأولى - قوله تعالى: (وليخش) حذفت الألف من (ليخش) للجزم بالامر، ولا ~~يجوز عند سيبويه إضمار لام الامر قياسا على حروف الجر إلا في ضرورة الشعر. ~~وأجاز الكوفيون حذف اللام مع الجزم، وأنشد الجميع: # محمد تفد نفسك كل نفس * إذا ما خفت من شئ تبالا (1) أراد لتفد، ومفعول ~~(يخش) محذوف لدلالة الكلام عليه. و (خافوا) جواب (لو). # التقدير لو تركوا لخافوا. ويجوز حذف اللام في جواب (لو). وهذه الآية قد ~~اختلف العلماء في تأويلها، فقالت طائفة: هذا وعظ للأوصياء، أي افعلوا ~~باليتامى ما تحبون أن يفعل بأولادكم من بعدكم، قاله ابن عباس. ولهذا قال ~~الله تعالى: (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما). وقالت طائفة: المراد ~~جميع الناس، أمرهم باتقاء الله في الأيتام وأولاد الناس، وإن لم يكونوا في ~~حجورهم. وأن يشددوا لهم القول كما يريد كل واحد منهم أن يفعل بولده بعده. ~~ومن هذا ما حكاه الشيباني قال: كنا على قسطنطينية في عسكر مسلمة بن عبد ~~الملك، فجلسنا يوما في جماعة من أهل العلم فيهم ابن الديلمي، فتذاكروا ما ~~يكون من أهوال آخر الزمان. فقلت له: يا أبا بشر (2)، ودي ألا يكون لي ولد. ~~فقال لي: ما عليك! # ما من نسمة قضى الله بخروجها من ms1626 رجل إلا خرجت، أحب أو كره، ولكن إذا أردت ~~أن تأمن عليهم فاتق الله في غيرهم، ثم تلا الآية. وفي رواية: ألا أدلك على ~~أمر إن أنت أدركته نجاك الله منه، وإن تركت ولدا من بعدك حفظهم الله فيك؟ ~~فقلت: بلى! فتلا هذه الآية (وليخش الذين لو تركوا) إلى آخرها. # قلت: ومن هذا المعنى ما روى محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: (من أحسن الصدقة جاز على الصراط ومن قضى حاجة ~~أرملة أخلف (3) الله في تركته). وقول ثالث قاله جمع من المفسرين: هذا في ~~الرجل يحضره الموت # PageV05P051 # فيقول له من بحضرته عند وصيته: إن الله سيرزق ولدك فأنظر لنفسك، وأوص ~~بمالك في سبيل الله، وتصدق وأعتق. حتى يأتي على عامة ماله أو يستغرقه فيضر ~~ذلك بورثته، فنهوا عن ذلك. فكأن الآية تقول لهم: (كما تخشون على ورثتكم ~~وذريتكم بعدكم، فكذلك فاخشوا على ورثة غيركم ولا تحملوه على تبذير ماله)، ~~قاله ابن عباس وقتادة والسدي وابن جبير والضحاك ومجاهد. روى سعيد بن جبير ~~عن ابن عباس أنه قال: إذا حضر الرجل الوصية فلا ينبغي أن يقول أوص بمالك ~~فإن الله تعالى رازق ولدك، ولكن يقول قدم لنفسك واترك لولدك، فذلك قوله ~~تعالى: (فليتقوا الله). وقال مقسم وحضرمي: نزلت في عكس هذا، وهو أن يقول ~~للمحتضر من يحضره: أمسك على ورثتك، وأبق لولدك فليس أحد أحق بما لك من ~~أولادك، وينهاه عن الوصية، فيتضرر بذلك ذوو القربى وكل من يستحق أن يوصى ~~له، فقيل لهم: كما تخشون على ذريتكم وتسرون بأن يحسن إليهم، فكذلك سددوا ~~القول في جهة المساكين واليتامى، واتقوا الله في ضررهم. وهذان القولان ~~مبنيان على وقت وجوب الوصية قبل نزول آية المواريث، روي عن سعيد بن جبير ~~وابن المسيب. قال ابن عطية: وهذان القولان لا يطرد واحد منهما في كل الناس، ~~بل الناس صنفان، يصلح لأحدهما القول الواحد، ولآخر القول الثاني. وذلك أن ~~الرجل إذا ترك ورثته مستقلين بأنفسهم أغنياء حسن ms1627 أن يندب إلى الوصية، ويحمل ~~على أن يقدم لنفسه. وإذا ترك ورثة ضعفاء مهملين مقلين (1) حسن أن يندب إلى ~~الترك لهم والاحتياط، فإن أجره في قصد ذلك كأجره في المساكين، فالمراعاة ~~إنما هو الضعف فيجب أن يمال معه. # قلت: وهذا التفصيل صحيح، لقوله عليه السلام لسعد: (إنك إن تذر ورثتك ~~أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس). فإن لم يكن للانسان ولد، أو ~~كان وهو غني مستقل بنفسه وماله عن أبيه فقد أمن عليه، فالأولى بالانسان ~~حينئذ تقديم ماله بين يديه حتى لا ينفقه من بعده فيما لا يصلح، فيكون وزره ~~عليه. # الثانية - قوله تعالى: (وليقولوا قولا سديدا) السديد: العدل والصواب من ~~القول، أي مروا المريض بأن يخرج من ما له ما عليه من الحقوق الواجبة، ثم ~~يوصي لقرابته # PageV05P052 # بقدر [ما (1)] لا يضر بورثته الصغار. وقيل: المعنى قولوا (2) للميت قولا ~~عدلا، وهو أن يلقنه بلا إله إلا الله، ولا يأمره بذلك، ولكن يقول ذلك في ~~نفسه حتى يسمع منه ويتلقن. # هكذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لقنوا موتاكم لا إله إلا الله) ولم ~~يقل مروهم، لأنه لو أمر بذلك لعله يغضب ويجحد. وقيل: المراد اليتيم، أن لا ~~ينهروه (3) ولا يستخفوا به. # قوله تعالى: ان الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما انما يأكلون في بطونهم ~~نارا وسيصلون سعيرا فيه ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (ان الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما) روي أنها ~~نزلت في رجل من غطفان يقال له: مرثد بن زيد، ولي مال ابن أخيه وهو يتيم ~~صغير فأكله، فأنزل الله تعالى فيه هذه الآية، قاله مقاتل بن حيان، ولهذا ~~قال الجمهور: إن المراد الأوصياء الذين يأكلون ما لم يبح لهم من مال ~~اليتيم. وقال ابن زيد: نزلت في الكفار الذين كانوا لا يورثون النساء ولا ~~الصغار. وسمي أخذ المال على كل وجوهه أكلا، لما كان المقصود هو الاكل وبه ~~أكثر إتلاف الأشياء. وخص البطون بالذكر لتبيين نقصهم، والتشنيع عليهم بضد ~~مكارم الأخلاق. وسمى المأكول نارا بما يئول إليه، ms1628 كقوله تعالى: (إني أراني ~~أعصر خمرا (4)) أي عنبا. وقيل: نارا أي حراما، لان الحرام يوجب النار، ~~فسماه الله تعالى باسمه. وروى أبو سعيد الخدري قال: حدثنا النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن ليلة أسري به قال: (رأيت قوما لهم مشافر كمشافر الإبل وقد وكل ~~بهم من يأخذ بمشافرهم ثم يجعل في أفواههم صخرا من نار يخرج من أسافلهم فقلت ~~يا جبريل من هؤلاء قال هم الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما). فدل الكتاب ~~والسنة على أن أكل مال اليتيم من الكبائر. وقال صلى الله عليه وسلم: ~~(اجتنبوا السبع الموبقات) وذكر فيها (وأكل مال اليتيم). # الثانية - قوله تعالى: (ان الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما) وقرأ ابن ~~عامر وعاصم في رواية ابن عباس بضم الياء على اسم ما لم يسم فاعله، من أصلاه ~~الله حر النار إصلاء. قال الله تعالى: # (سأصليه سقر (5) قرأ أبو حياة بضم الياء وفتح الصاد وتشديد اللام من ~~التصلية لكثرة # PageV05P053 # الفعل مرة بعد أخرى. دليله قوله تعالى: (ثم الجحيم صلوه (1)). ومنه ~~قولهم: صليته مرة بعد أخرى. وتصليت: استدفأت بالنار. قال: # وقد تصليت حر حربهم * كما تصلى المقرور من قرس (2) وقرأ الباقون بفتح ~~الياء من صلي النار يصلاها صلى وصلاء. قال الله تعالى: (لا يصلاها إلا ~~الأشقى (3)). والصلاء هو التسخن بقرب النار أو مباشرتها، ومنه قول الحارث ~~بن عباد: # لم أكن من جناتها علم الله * وإني لحرها اليوم صال والسعير: الجمر ~~المشتعل (4). الثالثة - وهذه آية من آيات الوعيد، ولا حجة فيها لمن يكفر ~~بالذنوب. والذي يعتقده أهل السنة أن ذلك نافذ على بعض العصاة فيصلى ثم ~~يحترق ويموت، بخلاف أهل النار لا يموتون ولا يحيون، فكأن هذا جمع بين ~~الكتاب والسنة، لئلا يقع الخبر فيهما على خلاف مخبره، ساقط بالمشيئة عن ~~بعضهم، لقوله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك من يشاء ~~(5)). وهكذا القول في كل ما يرد عليك من هذا المعنى. روى مسلم في صحيحه عن ~~أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى ms1629 الله عليه وسلم: (أما أهل النار ~~الذين هم أهلها فيها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون ولكن ناس أصابتهم ~~النار بذنوبهم - أو قال بخطاياهم - فأماتهم الله إماتة حتى إذا كانوا فحما ~~أذن بالشفاعة فجئ بهم ضبائر (6) ضبائر فبثوا على أنهار الجنة ثم قيل يا أهل ~~الجنة أفيضوا عليهم فينبتون كما تنبت الحبة (7) في حميل (8) السيل). # فقال رجل من القوم كأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان [يرعى (9)] ~~بالبادية. # قوله تعالى: يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فان كن نساء ~~فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وان كانت واحدة فلها النصف ولأبويه لكل واحد ~~منهما السدس مما ترك ان كان له # PageV05P054 # ولد فان لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث فان كان له اخوة فلأمه ~~السدس من بعد وصيه يوصى بها أو دين آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم ~~نفعا فريضة من الله ان الله كان عليما حكيما (11) ولكم نصف ما ترك أزواجكم ~~ان لم يكن لهن ولد فان كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين ~~بها أو دين ولهن الربع مما تركتم ان لم يكن لكم ولد فان كان لكم ولد فلهن ~~الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين وان كان رجل يورث كلالة أو ~~امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فان كانوا أكثر من ذلك فهم ~~شركاء في الثلث من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار وصية من الله والله ~~عليم حليم (12) تلك حدود. الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجرى من ~~تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم (13) ومن يعص الله ورسوله ~~ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين (14) فيه خمس وثلاثون ~~مسألة: # الأولى - قوله تعالى: (يوصيكم الله في أولادكم) بين تعالى هذه الآية ما ~~أجمله في قوله: (للرجال نصيب) و (للنساء نصيب) فدل هذا على جواز تأخير ~~البيان عن وقت السؤال. وهذه الآية ركن من أركان ms1630 الدين، وعمدة من عمد ~~الاحكام، وأم من أمهات الآيات، فإن الفرائض عظيمة القدر حتى أنها ثلث ~~العلم، وروي نصف العلم. وهو أول PageV05P055 # علم ينزع من الناس وينسى. رواه الدارقطني عن أبي هريرة رضي الله عنه أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تعلموا الفرائض وعلموه (1) الناس فإنه نصف ~~العلم وهو أول شئ ينسى وهو أول شئ ينتزع من أمتي). وروي أيضا عن عبد الله ~~بن مسعود قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تعلموا القرآن وعلموه ~~الناس وتعلموا الفرائض وعلموها الناس وتعلموا العلم وعلموه الناس فإني امرؤ ~~مقبوض وإن العلم سيقبض وتظهر الفتن حتى يختلف الاثنان في الفريضة لا يجدان ~~(2) من يفصل بينهما). وإذا ثبت هذا فاعلم أن الفرائض كان جل علم الصحابة، ~~وعظيم مناظرتهم، ولكن الخلق ضيعوه. وقد روى مطرف عن مالك، قال عبد الله ابن ~~مسعود: من لم يتعلم الفرائض والطلاق والحج فبم يفضل أهل البادية؟ وقال ابن ~~وهب عن مالك: كنت أسمع ربيعة يقول: من تعلم الفرائض من غير علم بها من ~~القرآن ما أسرع ما ينساها. قال مالك: وصدق. # الثانية - روى أبو داود والدار قطني عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (العلم ثلاثة وما سوى ذلك فهو فضل: آية ~~محكمة أو سنة قائمة أو فريضة عادلة). قال الخطابي أبو سليمان: الآية ~~المحكمة هي كتاب الله تعالى: واشترط فيها الاحكام، لان من الآي ما هو منسوخ ~~لا يعمل به، وإنما يعمل بناسخه. والسنة القائمة هي الثابتة مما جاء عنه صلى ~~الله عليه وسلم من السنن الثابتة. وقوله: (أو فريضة عادلة) يحتمل وجهين من ~~التأويل: أحدهما - أن يكون من العدل في القسمة، فتكون معدلة على الأنصباء ~~والسهام المذكورة في الكتاب والسنة. والوجه الآخر - أن تكون مستنبطة من ~~الكتاب والسنة ومن معناهما، فتكون هذه الفريضة تعدل ما اخذ من الكتاب ~~والسنة إذ كانت في معنى ما أخذ عنهما نصا. روى عكرمة قال: أرسل ابن عباس ~~إلى زيد بن ms1631 ثابت يسأله عن امرأة تركت زوجها وأبويها. قال: للزوج النصف، ~~وللأم ثلث ما بقي. فقال: # تجده في كتاب الله أو تقول برأي؟ قال: أقوله برأي، لا أفضل أما على أب. ~~قال أبو سليمان: # فهذا من باب تعديل الفريضة إذا لم يكن فيها نص، وذلك أنه اعتبرها ~~بالمنصوص عليه، # PageV05P056 # وهو قوله تعالى: (وورثه أبواه فلأمه الثلث). فلما وجد نصيب الام الثلث، ~~وكان باقي المال هو الثلثان للأب، قاس النصف الفاضل من المال بعد نصيب ~~الزوج على كل المال إذا لم يكن مع الوالدين ابن أو ذو سهم، فقسمه بينهما ~~على ثلاثة، للأم سهم وللأب سهمان وهو الباقي. وكان هذا أعدل في القسمة من ~~أن يعطي الام من النصف الباقي ثلث جميع المال، وللأب ما بقي وهو السدس، ~~ففضلها عليه فيكون لها وهي مفضولة في أصل الموروث أكثر مما للأب وهو المقدم ~~والمفضل في الأصل. وذلك أعدل مما ذهب إليه ابن عباس من توفير الثلث على ~~الام، وبخس الأب حقه برده إلى السدس، فترك قوله وصار عامة الفقهاء إلى زيد. ~~قال أبو عمر: وقال عبد الله بن عباس رضي الله عنه في زوج وأبوين: للزوج ~~النصف، وللأم ثلث جميع المال، وللأب ما بقي. وقال في امرأة وأبوين: للمرأة ~~الربع، وللأم ثلث جميع المال، والباقي للأب. وبهذا قال شريح القاضي ومحمد ~~بن سيرين وداود ابن علي، وفرقة منهم أبو الحسن محمد بن عبد الله الفرضي ~~المصري المعروف بابن اللبان في المسألتين جميعا. وزعم أنه قياس قول علي في ~~المشتركة. وقال في موضع آخر: إنه قد روي ذلك عن علي أيضا. قال أبو عمر: ~~المعروف المشهور عن علي وزيد وعبد الله وسائر الصحابة وعامة العلماء ما ~~رسمه مالك. ومن الحجة لهم على ابن عباس: أن الأبوين إذا اشتركا في الوراثة، ~~ليس معهما غيرهما، كان للأم الثلث وللأب الثلثان. وكذلك إذا اشتركا في ~~النصف الذي يفضل عن الزوج، كانا فيه كذلك على ثلث وثلثين. وهذا صحيح في ~~النظر والقياس. # الثالثة - واختلفت الروايات في سبب نزول ms1632 آية المواريث، فروى الترمذي وأبو ~~داود وابن ماجة والدار قطني عن جابر بن عبد الله أن امرأة سعد بن الربيع ~~قالت: يا رسول الله، إن سعدا هلك وترك بنتين وأخاه، فعمد أخوه فقبض ما ترك ~~سعد، وإنما تنكح النساء على أموالهن، فلم يجبها في مجلسها ذلك. ثم جاءته ~~فقالت: يا رسول الله، ابنتا سعد؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ادع ~~لي أخاه) فجاء فقال [له (1)]: (ادفع إلى ابنته الثلثين وإلى امرأته الثمن ~~ولك ما بقي). لفظ أبي داود. في رواية الترمذ وغيره: فنزلت آية المواريث. ~~قال: هذا حديث صحيح. وروى جابر أيضا قال: عادني رسول الله صلى الله # PageV05P057 # عليه وسلم وأبو بكر في بني سلمة يمشيان، فوجداني لا أعقل، فدعا بماء ~~فتوضأ، ثم رش علي منه فأفقت. فقلت: كيف أصنع في مالي يا رسول الله؟ فنزلت ~~(يوصيكم الله في أولادكم). # أخرجاه في الصحيحين. وأخرجه الترمذي وفيه (فقلت يا نبي الله كيف أقسم ~~مالي بين ولدي؟ فلم يرد علي شيئا فنزلت (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل ~~حظ الأنثيين) الآية. # قال: (حديث حسن صحيح). وفي البخاري عن ابن عباس أن نزول ذلك كان من أجل ~~أن المال كان للولد، والوصية للوالدين، فنسخ ذلك بهذه الآيات. وقال مقاتل ~~والكلبي: نزلت في أم كجة، وقد ذكرناها. السدي: نزلت بسبب بنات عبد الرحمن ~~بن ثابت أخي حسان ابن ثابت. وقيل: إن أهل الجاهلية كانوا لا يورثون إلا من ~~لاقى الحروب وقاتل العدو، فنزلت الآية تبيينا (1) أن لكل صغير وكبير حظه. ~~ولا يبعد أن يكون جوابا للجميع، ولذلك تأخر نزولها. والله أعلم. قال الكيا ~~الطبري: وقد ورد (2) في بعض الآثار أن ما كانت الجاهلية تفعله من ترك توريث ~~الصغير كان في صدر الاسلام إلى أن نسخته هذه الآية) ولم يثبت عندنا اشتمال ~~الشريعة على ذلك، بل ثبت خلافه، فإن هذه الآية نزلت في ورثة سعد بن الربيع. # وقيل: نزلت في ورثة ثابت بن قيس بن شماس. والأول أصح عند أهل النقل. ~~فاسترجع رسول ms1633 الله صلى الله عليه وسلم الميراث من العم، ولو كان ذلك ثابتا ~~من قبل في شرعنا ما استرجعه. ولم يثبت قط في شرعنا أن الصبي ما كان يعطى ~~الميراث حتى يقاتل على الفرس ويذب عن الحريم. # قلت: وكذلك قال القاضي أبو بكر بن العربي قال: ودل نزول هذه الآية على ~~نكتة بديعة، وهو أن ما كانت [عليه (3)] الجاهلية تفعله من أخذ المال لم يكن ~~في صدر الاسلام شرعا مسكوتا مقرا عليه، لأنه لو كان شرعا مقرا عليه لما حكم ~~النبي صلى الله عليه وسلم على عم الصبيتين برد ما أخذ من مالهما، لان ~~الاحكام إذا مضت وجاء النسخ بعدها إنما يؤثر في المستقبل فلا ينقض به ما ~~تقدم وإنما كانت ظلامة رفعت (4). قاله ابن العربي. # PageV05P058 # الرابعة - (يوصيكم الله في أولادكم) قالت الشافعية: قوله تعالى (يوصيكم ~~الله في أولادكم) حقيقة في أولاد الصلب، فأما يدخل فيه بطريق المجاز، فإذا ~~حلف (1) أن لا ولد له وله ولد ابن لم يحنث، وإذا أوصى لولد فلان لم يدخل ~~فيه ولد ولده. وأبو حنيفة يقول: انه يدخل فيه ان لم يكن له ولد صلب. ومعلوم ~~أن الا لفاظ لا تتغير (2) بما قالوه. # الخامسة - قال ابن المنذر: لما قال تعالى (يوصيكم الله في أولادكم) فكان ~~الذي يجب على ظاهر الآية أن يكون الميراث لجميع الأولاد، المؤمن منهم ~~والكافر، فلما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يرث ~~المسلم الكافر علم أن الله أراد بعض الأولاد دون بعض، فلا يرث المسلم ~~الكافر، ولا الكافر المسلم على ظاهر الحديث (3). # قلت: ولما قال تعالى: (في أولادكم) دخل فيهم (4) الأسير في أيدي الكفار، ~~فإنه يرث ما دام تعلم حياته على الاسلام. وبه قال كافة أهل العلم، إلا ~~النخعي فإنه قال: لا يرث الأسير. فأما إذا لم تعلم حياته فحكمه حكم ~~المفقود. ولم يدخل في عموم الآية ميراث النبي صلى الله عليه وسلم لقوله: ~~(لا نورث ما تركنا صدقة). وسيأتي بيانه في (مريم (5)) إن شاء الله تعالى. ms1634 ~~وكذلك لم يدخل القاتل عمدا لأبيه أوجده أو أخيه أو عمه بالسنة وإجماع ~~الأمة، وأنه لا يرث من مال من قتله ولا من ديته شيئا، على ما تقدم بيانه في ~~البقرة (6). فإن قتله خط فلا ميراث له من الدية، ويرث من المال في قول ~~مالك، ولا يرث في قول الشافعي وأحمد وسفيان وأصحاب الرأي، من المال ولا من ~~الدية شيئا، حسبما تقدم بيانه في البقرة (6). وقول مالك أصح، وبه قال إسحاق ~~وأبو ثور. وهو قول سعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح ومجاهد والزهري ~~والأوزاعي وابن المنذر، لان ميراث من ورثه الله تعالى في كتابه ثابت لا ~~يستثنى منه إلا بسنة أو إجماع. وكل مختلف فيه فمردود إلى ظاهر الآيات التي ~~فيها المواريث. # PageV05P059 # السادسة - أعلم أن الميراث كان يستحق في أول الاسلام بأسباب: منها الحلف ~~والهجرة والمعاقدة، ثم نسخ على ما يأتي بيانه في هذه السورة عند قوله ~~تعالى: (ولكل جعلنا موالي (1)) إن شاء الله تعالى. وأجمع العلماء على أن ~~الأولاد إذا كان معهم من له فرض مسمى أعطيه، وكان ما بقي من المال للذكر ~~مثل حظ الأنثيين، لقوله عليه السلام: (ألحقوا الفرائض بأهلها) رواه الأئمة. ~~يعني الفرائض الواقعة في كتاب الله تعالى. وهي ستة: # النصف والربع والثمن والثلثان والثلث والسدس. فالنصف فرض خمسة: ابنة ~~الصلب، وابنة الابن، والأخت الشقيقة، والأخت للأب، والزوج. وكل ذلك إذا ~~انفردوا عمن يحجبهم (2) عنه. والربع فرض الزوج مع الحاجب، وفرض الزوجة ~~والزوجات مع عدمه. والثمن فرض الزوجة والزوجات مع الحاجب. والثلثان فرض ~~أربع: الاثنتين (3) فصاعدا من بنات الصلب، وبنات الابن، والأخوات الأشقاء، ~~أو للأب. وكل هؤلاء إذا انفردن عمن يحجبهن عنه. والثلث فرض صنفين: الام مع ~~عدم الولد، وولد الابن، وعدم الاثنين فصاعدا من الاخوة والأخوات، وفرض ~~الاثنين فصاعدا من ولد الام. وهذا هو ثلث كل المال. # فأما ثلث ما يبقى فذلك للام في مسألة زوج أو زوجة وأبوان، فللأم فيها ثلث ~~ما يبقى. # وقد تقدم بيانه. وفي مسائل الجد مع الاخوة إذا كان ms1635 معهم ذو سهم وكان ثلث ~~ما يبقى أحظى له. والسدس فرض سبعة: الأبوان والجد مع الولد وولد الابن، ~~والجدة والجدات إذا اجتمعن، وبنات (4) الابن مع بنت الصلب، والأخوات للأب ~~مع الأخت الشقيقة، والواحد من ولد الام ذكرا كان أو أنثى. وهذه الفرائض ~~كلها مأخوذة من كتاب الله تعالى إلا فرض الجدة والجدات فإنه مأخوذ من ~~السنة. والأسباب الموجبة لهذه الفروض بالميراث ثلاثة أشياء: نسب ثابت، ~~ونكاح منعقد، وولاء عتاقة. وقد تجتمع الثلاثة الأشياء فيكون الرجل زوج ~~المرأة ومولاها وابن عمها. وقد يجتمع فيه منها شيئان لا أكثر، مثل أن يكون ~~زوجها ومولاها، أو زوجها وابن عمها، فيرث بوجهين ويكون له جميع المال إذا ~~انفرد: نصفه # PageV05P060 # بالزوجية ونصفه بالولاء أو بالنسب. ومثل أن تكون المرأة ابنة الرجل ~~ومولاته، فيكون لها أيضا جميع المال إذا انفردت: نصفه بالنسب ونصفه ~~بالولاء. # السابعة - ولا ميراث إلا بعد أداء الدين والوصية، فإذا مات المتوفى أخرج ~~من تركته الحقوق المعينات، ثم ما يلزم من تكفينه وتقبيره، ثم الديون على ~~مراتبها، ثم يخرج من الثلث الوصايا، وما كان في معناها على مراتبها أيضا، ~~ويكون الباقي ميراثا بين الورثة. # وجملتهم سبعة عشر. عشرة من الرجال: الابن وابن الابن وإن سفل، والأب وأب ~~الأب وهو الجد وإن علا، والأخ وابن الأخ، والعم وابن العم، والزوج ومولى ~~النعمة. ويرث من النساء سبع: البنت وبنت الابن وان سفلت، والام والجدة وإن ~~علت، والأخت والزوجة، ومولاة النعمة وهي المعتقة. وقد نظمهم بعض الفضلاء ~~فقال: # والوارثون إن أردت جمعهم * مع الإناث الوارثات معهم عشرة من جملة الذكران ~~* وسبع أشخاص من النسوان وهم، وقد حصرتهم في النظم * الابن وابن الابن وابن ~~العم والأب منهم وهو في الترتيب * والجد من قبل الأخ القريب وابن الأخ ~~الأدنى أجل والعم * والزوج والسيد ثم الام وابنة الابن بعدها والبنت * ~~وزوجة وجدة وأخت والمرأة المولاة أعني المعتقة * خذها إليك عدة محققه ~~الثامنة - لما قال تعالى: (في أولادكم) يتناول كل ولد كان موجودا أو جنينا ~~في بطن أمه، دنيا (1) أو ms1636 بعيدا، من الذكور أو الإناث ما عدا الكافر كما ~~تقدم. قال بعضهم: # ذلك حقيقة في الاذنين مجاز في الأبعدين. وقال بعضهم: هو حقيقة في الجميع، ~~لأنه من التولد، غير أنهم يرثون على قدر القرب منه (2)، قال الله تعالى: ~~(يا بني آدم (3)). وقال عليه السلام: (أنا سيد ولد آدم) قال: (يا بني ~~إسماعيل ارموا فإن أباكم كان راميا) إلا أنه غلب عرف الاستعمال في إطلاق ~~ذلك على الأعيان الأدنين على تلك الحقيقة، فإن كان # PageV05P061 # في ولد الصلب ذكر لم يكن لولد الولد شئ، وهذا مما أجمع عليه أهل العلم. ~~وإن لم يكن في ولد الصلب ذكر وكان في ولد الولد بدئ بالبنات للصلب، فأعطين ~~إلى مبلغ الثلثين، ثم أعطي الثلث الباقي لولد الولد إذا استووا في القعدد، ~~أو كان الذكر أسفل ممن فوقه من البنات، للذكر مثل حظ الأنثيين. هذا قول ~~مالك والشافعي وأصحاب الرأي. وبه قال عامة أهل العلم من الصحابة والتابعين ~~ومن بعدهم، إلا ما يروى عن ابن مسعود أنه قال: # إن كان الذكر من ولد الولد بإزاء الولد الأنثى رد عليها، وإن كان أسفل ~~منها يرد عليها، مراعيا في ذلك قوله تعالى: (فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ~~ثلثا ما ترك) فلم يجعل للبنات وإن كثرن إلا الثلثين. # قلت: هكذا ذكر ابن العربي هذا التفصيل عن ابن مسعود، والذي ذكره ابن ~~المنذر والباجي عنه: أن ما فضل عن بنات الصلب لبني الابن دون بنات الابن، ~~ولم يفصلا. # وحكاه ابن المنذر عن أبي ثور. ونحوه حكى أبو عمر، قال أبو عمر: وخالف في ~~ذلك ابن مسعود فقال: وإذا استكمل البنات الثلثين فالباقي لبني الابن دون ~~أخواتهم، ودون من فوقهم من بنات الابن، ومن تحتهم. وإلى هذا ذهب أبو ثور ~~وداود بن علي. وروي مثله عن علقمة. وحجة من ذهب هذا المذهب حديث ابن عباس ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (اقسموا المال بين أهل الفرائض على ~~كتاب الله فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر) خرجه البخاري ومسلم ms1637 وغيرهما. ~~ومن حجة الجمهور قول الله عز وجل: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ ~~الأنثيين) لان ولد الولد ولد. ومن جهة النظر والقياس أن كل من يعصب من في ~~درجته في جملة المال فواجب أن يعصبه في الفاضل من المال، كأولاد الصلب. ~~فوجب بذلك أن يشرك ابن الابن أخته، كما يشرك الابن للصلب أخته. فإن احتج ~~محتج لأبي ثور وداود أن بنت الابن لما لم ترث شيئا من الفاضل بعد الثلثين ~~منفردة لم يعصبها أخوها. فالجواب أنها إذا كان معها أخوها قويت به وصارت ~~عصبة معه. # وظاهر قوله تعالى: (يوصيكم الله في أولادكم) وهي من الولد. PageV05P062 # التاسعة - قوله تعالى: (فان كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك) الآية. # فرض الله تعالى للواحدة النصف، وفرض لما فوق الثنتين الثلثين، ولم يفرض ~~للثنتين (1) فرضا منصوصا في كتابه، فتكلم العلماء في الذليل الذي يوجب لهما ~~الثلثين ما هو؟ فقيل: الاجماع وهو مردود، لأن الصحيح عن ابن عباس أنه أعطى ~~البنتين النصف، لان الله عز وجل قال: (فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ~~ترك) وهذا شرط وجزاء. قال: فلا أعطي البنتين الثلثين. وقيل: أعطيتا الثلثين ~~بالقياس على الأختين، فإن الله سبحانه لما قال في آخر السورة: (وله أخت ~~فلها نصف ما ترك) وقال تعالى: (فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك ~~(2)) فألحقت الابنتان بالأختين في الاشتراك في الثلثين، وألحقت الأخوات إذا ~~زدن على اثنتين بالبنات في الاشتراك في الثلثين. واعترض هذا بأن ذلك منصوص ~~عليه في الأخوات، والاجماع منعقد عليه فهو مسلم بذلك. وقيل: في الآية ما ~~يدل على أن للبنتين الثلثين، وذلك أنه لما كان للواحدة مع أخيها الثلث إذا ~~انفردت، علمنا أن للاثنتين (3) الثلثين. احتج بهذه الحجة، وقال هذه المقالة ~~إسماعيل القاضي وأبو العباس المبرد. قال النحاس: وهذا الاحتجاج عند أهل ~~النظر غلط، لان الاختلاف في البنتين وليس في الواحدة. فيقول مخالفه: إذا ~~ترك بنتين وابنا فللبنتين النصف، فهذا دليل على أن هذا فرضهم. وقيل: (فوق) ~~زائدة أي ms1638 إن كن نساء اثنتين. كقوله تعالى: (فاضربوا فوق الأعناق (4)) أي ~~الأعناق. ورد هذا القول النحاس وابن عطية وقالا: هو خطأ، لان الظروف وجميع ~~الأسماء لا يجوز في كلام العرب أن تزاد لغير معنى. قال ابن عطية: ولأن قوله ~~تعالى: (فاضربوا فوق الأعناق) هو الفصيح، وليست فوق زائدة بل هي محكمة ~~للمعنى، لان ضربة العنق إنما يجب أن تكون فوق العظام في المفصل دون الدماغ. ~~كما قال دريد بن الصمة: أخفض (5) عن الدماغ وارفع عن العظم، فهكذا كنت أضرب ~~أعنان الابطال. وأقوى الاحتجاج في أن للبنتين الثلثين الحديث الصحيح المروي ~~في سبب النزول. ولغة أهل الحجاز وبني أسد الثلث والربع إلى العشر. # PageV05P063 # ولغة بني تميم وربيعة الثلث بإسكان اللام إلى العشر. ويقال: ثلث القوم ~~أثلثهم، وثلثت الدراهم أثلثها إذا تممتها ثلاثة، وأثلثت هي، إلا أنهم قالوا ~~في المائة والألف: أمأيتها وآلفتها وأمأت وآلفت. # العاشرة - قوله تعالى: (وان كانت واحدة فلها النصف) قرأ نافع وأهل ~~المدينة (واحدة) بالرفع على معنى وقعت وحدثت، فهي كانت التامة، كما قال ~~الشاعر: # إذا كان الشتاء فأدفئوني * فإن الشيخ يهرمه الشتاء والباقون بالنصب. قال ~~النحاس: وهذه قراءة حسنة. أي وإن كانت المتروكة أو المولودة (واحدة) مثل ~~(فإن كن نساء). فإذا كان مع بنات الصلب بنات ابن، وكان بنات الصلب اثنتين ~~فصاعدا حجبن بنات الابن أن يرثن بالفرض، لأنه لا مدخل لبنات الابن أن يرثن ~~بالفرض في غير الثلثين. فإن كانت بنت الصلب واحدة فإن ابنة الابن أو بنات ~~الابن يرثن مع بنات الصلب تكملة الثلثين، لأنه فرض يرثه البنتان فما زاد. ~~وبنات الابن يقمن مقام البنات عند عدمهن. وكذلك أبناء البنين يقومون مقام ~~البنين في الحجب والميراث. # فلما عدم من يستحق منهن السدس كان ذلك لبنت الابن، وهي أولى بالسدس من ~~الأخت الشقيقة للمتوفى. على هذا جمهور الفقهاء من الصحابة والتابعين، إلا ~~ما يروى عن أبي موسى وسليمان بن أبي ربيعة أن للبنت النصف، والنصف الثاني ~~للأخت، ولا حق في ذلك لبنت الابن. وقد صح عن أبي ms1639 موسى ما يقتضي أنه رجع عن ~~ذلك، رواه البخاري: حدثنا آدم حدثنا شعبة حدثنا أبو قيس سمعت هزيل (1) بن ~~شرحبيل يقول: سئل أبو موسى عن ابنة وابنة ابن وأخت. فقال: للابنة النصف، ~~وللأخت النصف، وأت ابن مسعود فإنه سيتابعني. فسئل ابن مسعود وأخبر بقول أبي ~~موسى فقال: لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين! # أقضي فيها بما قضى النبي صلى الله عليه وسلم: للابنة النصف، ولابنة الابن ~~السدس تكملة الثلثين، وما بقي فللأخت. فأتينا أبا موسى فأخبرناه بقول ابن ~~مسعود فقال: لا تسألوني ما دام هذا الحبر فيكم. فإن كان مع بنت الابن أو ~~بنات الابن ابن في درجتها أو أسفل منها عصبها، فكان النصف الثاني بينهما، ~~للذكر مثل حظ الأنثيين بالغا ما بلغ - خلافا لابن مسعود على # PageV05P064 # ما تقدم - إذا استوفى بنات الصلب، أو بنت الصلب وبنات الابن الثلثين. ~~وكذلك يقول في الأخت لأب وأم، وأخوات وإخوة لأب: للأخت من الأب والام ~~النصف، والباقي للاخوة والأخوات، ما لم يصبهن من المقاسمة أكثر من السدس، ~~فإن أصابهن أكثر من السدس أعطاهن السدس تكملة الثلثين، ولم يزدهن على ذلك. ~~وبه قال أبو ثور. # الحادية عشرة - إذا مات الرجل وترك زوجته حبلى فإن المال يوقف حتى يتبين ~~ما تضع. وأجمع أهل العلم على أن الرجل إذا مات وزوجته حبلى أن الولد الذي ~~في بطنها يرث ويورث إذا خرج حيا واستهل (1). وقالوا جميعا: إذا خرج ميتا لم ~~يرث، فإن خرج حيا ولم يستهل فقالت طائفة: لا ميراث له وإن تحرك أو عطس ما ~~لم يستهل. هذا قول مالك والقاسم ابن محمد وابن سيرين والشعبي والزهري ~~وقتادة. وقالت طائفة: إذا عرفت حياة المولود بتحريك أو صياح أو رضاع أو نفس ~~فأحكامه أحكام الحي. هذا قول الشافعي وسفيان الثوري والأوزاعي. قال ابن ~~المنذر: الذي قاله الشافعي يحتمل النظر، غير أن الخبر يمنع منه وهو قول ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان فيستهل ~~صارخا من نخسة الشيطان إلا ابن ms1640 مريم وأمه). وهذا خبر، ولا يقع على الخبر ~~النسخ. # الثانية - لما قال تعالى: (في أولادكم) تناول الخنثى وهو الذي له فرجان. # وأجمع العلماء (2) على أنه يورث من حيث يبول، إن بال من حيث يبول الرجل ~~ورث ميراث رجل، وإن بال من حيث تبول المرأة ورث ميراث المرأة. # قال ابن المنذر: ولا أحفظ عن مالك فيه شيئا، بل قد ذكر ابن القاسم أنه ~~هاب أن يسأل مالكا عنه. فإن بال منهما معا فالمعتبر سبق البول، قاله سعيد ~~بن المسيب وأحمد وإسحاق. وحكي ذلك عن أصحاب الرأي. وروى قتادة عن سعيد بن ~~المسيب أنه قال في الخنثى: يورثه (3) من حيث يبول، فإن بال منهما جميعا فمن ~~أيهما سبق، فإن بال منهما معا فنصف ذكر ونصف أنثى. وقال يعقوب ومحمد: من ~~أيهما خرج أكثر ورث، وحكي عن الأوزاعي. وقال النعمان: إذا خرج # PageV05P065 # منهما معا فهو مشكل، ولا أنظر إلى أيهما أكثر. وروي عنه أنه وقف عنه إذا ~~كان هكذا. # وحكي عنه قال: إذا أشكل يعطى أقل النصيبين. وقال يحيى بن آدم: إذا بال من ~~حيث يبول الرجل ويحيض كما تحيض المرأة ورث من حيث يبول، لان في الأثر: يورث ~~من مباله. # وفي قول الشافعي: إذا خرج منهما جميعا ولم يسبق أحدهما الآخر يكون مشكلا، ~~ويعطى من الميراث ميراث أنثى، ويوقف الباقي بينه وبين سائر الورثة حتى ~~يتبين أمره أو يصطلحوا، وبه قال أبو ثور. وقال الشعبي: يعطي نصف ميراث ~~الذكر، ونصف ميراث الأنثى، وبه قال الأوزاعي، وهو مذهب مالك. قال ابن شاس ~~في جواهره الثمينة، على مذهب مالك عالم المدينة: الخنثى يعتبر إذا كان ذا ~~فرجين فرج المرأة وفرج الرجل بالمبال منهما، فيعطى الحكم لما بال منه فإن ~~بال منهما اعتبرت الكثرة من أيهما، فإن تساوى الحال اعتبر السبق، فإن كان ~~ذلك منهما معا اعتبر نبات اللحية أو كبر الثديين ومشابهتهما لثدي النساء، ~~فإن اجتمع الأمران اعتبر الحال عند البلوغ، فإن وجد الحيض حكم به، وإن وجد ~~الاحتلام وحده حكم به، فإن اجتمعا ms1641 فهو مشكل. وكذلك لو لم يكن فرج، لا ~~المختص بالرجال ولا المختص بالنساء، بل كان له مكان يبول منه فقط انتظر به ~~البلوغ، فإن ظهرت علامة مميزة وإلا فهو مشكل. ثم حيث حكمنا بالاشكال ~~فميراثه نصف نصيبي ذكر وأنثى. # قلت: هذا الذي ذكروه من العلامات في الخنثى المشكل. وقد أشرنا إلى علامة ~~(1) في (البقرة (2)) وصدر هذه السورة تلحقه بأحد النوعين، وهي اعتبار ~~الأضلاع، وهي مروية عن علي رضي الله عنه وبها حكم. وقد نظم بعض [الفضلاء ~~(3)] العلماء حكم الخنثى في أبيات كثيرة أولها (4): وأنه معتبر الأحوال * ~~بالثدي واللحية والمبال وفيها يقول: # وان يكن قد استوت حالاته * ولم تبن وأشكلت آياته فحظه من مورث القريب * ~~ستة أثمان من النصيب هذا الذي استحق للاشكال * فيه ما فيه من النكال # PageV05P066 # وواجب في الحق ألا ينكحا * ما عاش في الدنيا وألا ينكحا إذ لم يكن من ~~خالص العيال * ولا اغتدى من جملة الرجال وكل ما ذكرته في النظم * قد قاله ~~سراة أهل العلم وقد أبى الكلام فيه قوم * منهم ولم يجنح إليه لوم لفرط ما ~~يبدو من الشناعة * في ذكره وظاهر البشاعة وقد مضى في شأنه الخفي * حكم ~~الامام المرتضى علي بأنه إن نقصت أضلاعه * فللرجال ينبغي اتباعه في الإرث ~~والنكاح والاحرام * في الحج والصلاة والاحكام وإن تزد ضلعا على الذكران * ~~فإنها من جملة النسوان لان للنسوان ضلعا زائده * على الرجال فاغتنمها فائده ~~إذ نقصت من آدم فيما سبق * لخلق حواء وهذا القول حق عليه مما قاله الرسول * ~~صلى عليه ربنا دليل قال أبو الوليد بن رشد: ولا يكون الخنثى المشكل زوجا ~~ولا زوجة، ولا أبا ولا أما. # وقد قيل: إنه قد وجد من له ولد من بطنه وولد من ظهره. قال ابن رشد: فإن ~~صح ورث من ابنه لصلبه ميراث الأب كاملا، ومن ابنه لبطنه ميراث الام كاملا. ~~وهذا بعيد، والله أعلم. # وفي سنن الدارقطني عن أبي هانئ عمر بن بشير قال: سئل عامر الشعبي عن ~~مولود ليس بذكر ولا أنثى، ليس له ms1642 ما للذكر ولا ما للأنثى، يخرج من سرته ~~كهيئة البول والغائط، فسئل عامر عن ميراثه فقال عامر: نصف حظ الذكر ونصف حظ ~~الأنثى. # الثالثة عشرة - قوله تعالى: (ولأبويه) أي لأبوي الميت. وهذا كناية عن غير ~~مذكور، وجاز ذلك لدلالة الكلام عليه، كقوله: (حتى توارت بالحجاب (1)) و ~~(إنا أنزلناه في ليلة القدر) و (2) (السدس) رفع بالابتداء، وما قبله خبره: ~~وكذلك (الثلث. والسدس). وكذلك (نصف ما ترك) وكذلك (فلكم الربع). وكذلك ~~(ولهن الربع). و (فلهن الثمن) وكذلك (فلكل # PageV05P067 # واحد منهما السدس). والأبوان تثنية الأب والأبة. واستغني بلفظ الام عن أن ~~يقال لها أبة. # ومن العرب من يجري المختلفين مجرى المتفقين، فيغلب أحدهما على الآخر ~~لخفته أو شهرته. جاء ذلك مسموعا في أسماء صالحة، كقولهم للأب والام: أبوان. ~~وللشمس والقمر: القمران. # ولليل والنهار: الملوان. وكذلك العمران لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما. ~~غلبوا القمر على الشمس لخفة التذكير، وغلبوا عمر على أبي بكر لأن أيام عمر ~~امتدت فاشتهرت. ومن زعم أنه أراد بالعمرين عمر بن الخطاب وعمر بن عبد ~~العزيز فليس قوله بشئ، لأنهم نطقوا بالعمرين قبل أن يروا عمر بن عبد ~~العزيز، قال ابن الشجري. ولم يدخل في قوله تعالى: (ولأبويه) من علا من ~~الآباء دخول من سفل من الأبناء في قوله (أولادكم)، لان قوله: (ولأبويه) لفظ ~~مثنى لا يحتمل العموم والجمع أيضا، بخلاف قوله (أولادكم). والدليل (1) على ~~صحة هذا قوله تعالى: (فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث) والام ~~العليا جدة ولا يفرض لها الثلث بإجماع، فخروج الجدة عن هذا اللفظ مقطوع به، ~~وتناوله للجد مختلف فيه. فممن قال هو أب وحجب به الاخوة أبو بكر الصديق رضي ~~الله عنه ولم يخالفه أحد من الصحابة في ذلك أيام حياته، واختلفوا في ذلك ~~بعد وفاته، فممن قال إنه أب ابن عباس و عبد الله ابن الزبير وعائشة ومعاذ ~~بن جبل وأبي بن كعب وأبو الدرداء وأبو هريرة، كلهم يجعلون الجد عند عدم ~~الأب كالأب سواء، يحجبون به الاخوة كلهم ولا ms1643 يرثون معه شيئا. وقاله عطاء ~~وطاوس والحسن وقتادة. وإليه ذهب أبو حنيفة وأبو ثور وإسحاق. والحجة لهم ~~قوله تعالى: (ملة أبيكم إبراهيم (2)) (يا بني آدم (3))، وقوله عليه السلام: ~~(يا بني إسماعيل ارموا فإن أباكم كان راميا). وذهب علي بن أبي طالب وزيد ~~وابن مسعود إلى توريث الجد مع الاخوة، ولا ينقص من الثلث مع الاخوة للأب ~~والام أو للأب إلا مع ذوي الفروض، فإنه لا ينقص معهم من السدس شيئا في قول ~~زيد. وهو قول مالك والأوزاعي وأبي يوسف ومحمد والشافعي وكان علي يشرك بين ~~الاخوة والجد إلى السدس ولا ينقصه من السدس شيئا مع ذوي الفرائض وغيرهم. ~~وهو قول ابن أبي ليلى وطائفة. وأجمع العلماء على أن الجد لا يرث # PageV05P068 # مع الأب وأن الابن يحجب أباه. وأنزلوا الجد بمنزلة الأب في الحجب ~~والميراث إذا لم يترك المتوفى أبا أقرب منه في جميع المواضع. وذهب الجمهور ~~إلى أن الجد يسقط بني الاخوة من الميراث، إلا ما روي عن الشعبي عن علي أنه ~~أجرى بني الاخوة في المقاسمة مجرى الاخوة. # والحجة لقول الجمهور أن هذا ذكر لا يعصب أخته فلا يقاسم الجد كالعم وابن ~~العم. قال الشعبي: أول جد ورث في الاسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه، مات ~~ابن لعاصم بن عمر وترك أخوين فأراد عمر أن يستأثر بمال فاستشار عليا وزيدا ~~في ذلك فمثلا له مثلا فقال: # لولا أن رأيكما اجتمع ما رأيت أن يكون ابني ولا أكون أباه. روى الدارقطني ~~عن زيد ابن ثابت أن عمر بن الخطاب استأذن عليه يوما فأذن له، ورأسه في يد ~~جارية له ترجله، فنزع رأسه، فقال له عمر: دعها ترجلك. فقال: يا أميرا ~~لمؤمنين، لو أرسلت إلي جئتك. # فقال عمر إنما الحاجة لي، إني جئتك لتنظر في أمر الجد. فقال زيد: لا ~~والله (1)! ما تقول فيه. فقال عمر: ليس هو بوحي حتى نزيد فيه وننقص، إنما ~~هو شئ تراه (2)، فإن رأيته وافقني تبعته، وإلا لم يكن عليك فيه شئ. فأبى ~~زيد، فخرج ms1644 مغضبا وقال: قد جئتك وأنا أظن ستفرغ من حاجتي. ثم أتاه مرة أخرى ~~في الساعة التي أتاه في المرة الأولى، فلم يزل به حتى قال: فسأكتب لك فيه. ~~فكتبه في قطعة قتب (3) وضرب له مثلا. إنما مثله مثل شجرة تنبت على ساق ~~واحدة، فخرج فيها غصن ثم خرج في غصن غصن آخر، فالساق يسقي الغصن، فإن قطعت ~~الغصن الأول رجع الماء إلى الغصن، وإن قطعت الثاني رجع الماء إلى الأول. ~~فأتى به فخطب الناس عمر ثم قرأ قطعة القتب عليهم ثم قال: إن زيد بن ثابت قد ~~قال في الجد قولا وقد أمضيته. قال: وكان عمر أول جد كان، فأراد أن يأخذ ~~المال كله، مال ابن ابنه دون إخوته، فقسمه بعد ذلك عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه. # PageV05P069 # الرابعة عشرة - وأما الجدة فأجمع أهل العلم على أن للجدة السدس إذا لم ~~يكن للميت أم. # وأجمعوا على أن الام تحجب أمها وأم الأب. وأجمعوا على أن الأب لا يحجب أم ~~الام. # واختلفوا في توريث الجدة وابنها حي، فقالت طائفة: لا ترث الجدة وابنها ~~حي. روي عن زيد بن ثابت وعثمان وعلي. وبه قال مالك والثوري والأوزاعي وأبو ~~ثور وأصحاب الرأي. # وقالت طائفة: ترث الجدة مع ابنها. روي عن عمر وابن مسعود وعثمان وعلي ~~وأبي موسى الأشعري، وقال به شريح وجابر بن زيد وعبيد الله بن الحسن وشريك ~~وأحمد وإسحاق وابن المنذر. وقال: كما أن الجد لا يحجبه إلا الأب كذلك الجدة ~~لا يحجبها إلا الام. # وروى الترمذي عن عبد الله قال في الجدة مع ابنها: إنها أول جدة أطعمها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم سدسا (1) مع ابنها وابنها حي. والله أعلم. # الخامسة عشرة - واختلف العلماء في توريث الجدات، فقال مالك: لا يرث إلا ~~جدتان، أم أم وأم أب وأمهاتهما. وكذلك روى أبو ثور عن الشافعي، وقال به ~~جماعة من التابعين. # فإن انفردت إحداهما فالسدس لها، وإن اجتمعتا وقرابتهما سواء فالسدس ~~بينهما. وكذلك إن كثرن إذا تساوين في القعدد، وهذا كله ms1645 مجمع عليه. فإن قربت ~~التي من قبل الام كان لها السدس دون غيرها، وإن قربت التي من قبل الأب كان ~~بينها وبين التي من قبل الام وإن بعدت. ولا ترث إلا جدة واحدة من قبل الام. ~~ولا ترث الجدة أم أب الام على حال. هذا مذهب زيد بن ثابت، وهو أثبت ما روي ~~عنه في ذلك. وهو قول مالك وأهل المدينة. وقيل: إن الجدات أمهات، فإذا ~~اجتمعن فالسدس لأقربهن، كما أن الآباء إذا اجتمعوا كان أحقهم بالميراث ~~أقربهم و، فكذلك البنون والاخوة، وبنو الاخوة وبنو العم إذا اجتمعوا كان ~~أحقهم بالميراث أقربهم، فكذلك الأمهات. قال ابن المنذر: وهذا أصح، وبه ~~أقول. وكان الأوزاعي يورث ثلاث جدات: واحدة من قبل الام واثنتين من قبل ~~الأب. وهو قول أحمد بن حنبل، رواه الدارقطني عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~مرسلا. # وروي عن زيد بن ثابت عكس هذا، أنه كان يورث ثلاث جدات: ثنتين من جهة الام # PageV05P070 # وواحدة من قبل الأب. وقول علي رضي الله عنه كقول زيد هذا. وكانا يجعلان ~~السدس لأقربهما، من قبل الام كانت أو من قبل الأب. ولا يشركها فيه من ليس ~~في قعددها، وبه يقول الثوري وأبو حنيفة وأصحابه وأبو ثور. وأما عبد الله بن ~~مسعود وابن عباس فكانا يورثان الجدات الأربع، وهو قول الحسن البصري ومحمد ~~بن سيرين وجابر بن زيد. قال ابن المنذر: وكل جدة إذا نسبت إلى المتوفى وقع ~~في نسبها أب بين أمين فليست ترث، في قول كل من يحفظ عنه من أهل العلم. # السادسة عشرة - قوله تعالى: (لكل واحد منها السدس) فرض تعالى لكل واحد من ~~الأبوين مع الولد السدس، وأبهم الولد فكان الذكر والأنثى فيه سواء. فإن مات ~~رجل وترك ابنا وأبوين فلأبويه لكل واحد منهما السدس، وما بقي فللابن. فإن ~~ترك ابنة وأبوين فللابنة النصف وللأبوين السدسان، وما بقي فلا قرب عصبة وهو ~~الأب، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما أبقت الفرائض فلأولى رجل ~~ذكر). فأجتمع للأب الاستحقاق بجهتين: ms1646 التعصيب والفرض. (فان لم يكن له ولد ~~وورثه أبواه فلأمه الثلث) فأخبر جل ذكره أن الأبوين إذا ورثاه أن للأم ~~الثلث. ودل بقوله: (وورثه أبواه) وإخباره أن للأم الثلث ، أن الباقي وهو ~~الثلثان للأب. وهذا كما تقول لرجلين: هذا المال بينكما، ثم تقول لأحدهما: ~~أنت يا فلان لك منه ثلث، فإنك حددت للآخر منه الثلثين بنص كلامك، ولأن قوة ~~الكلام في قوله: (وورثه أبواه) يدل على أنهما منفردان عن جميع أهل السهام ~~من ولد وغيره، وليس في هذا اختلاف. # قلت: وعلى هذا يكون الثلثان فرضا للأب مسمى لا يكون عصبة، وذكر ابن ~~العربي أن المعنى في تفضيل الأب بالثلث عند عدم الولد الذكورية والنصرة، ~~ووجوب المؤنة عليه، وثبتت الام على سهم لأجل القرابة. # قلت: وهذا منتقض، فإن ذلك موجود مع حياته فلم حرم السدس. والذي يظهر أنه ~~أنما حرم السدس في حياته إرفاقا بالصبي وحياطة على ماله، إذ قد يكون إخراج ~~جزء من ماله إجحافا به. أو أن ذلك تعبد، وهو أولى ما يقال. والله الموفق. ~~PageV05P071 # السابعة عشرة - إن قيل: ما فائدة زيادة الواو في قوله: (وورثه أبواه)، ~~وكان ظاهر الكلام أن يقول: فإن لم يكن له ولد ورثه أبواه. قيل له: أراد ~~بزيادتها الاخبار ليبين أنه أمر مستقر ثابت فيخبر عن ثبوته واستقراره، ~~فيكون حال الوالدين عند انفرادهما كحال الولدين، للذكر مثل حظ الأنثيين. ~~ويجتمع للأب بذلك فرضان السهم والتعصيب إذ يحجب الاخوة كالولد. وهذا عدل في ~~الحكم، ظاهر في الحكمة. والله أعلم. # الثامنة عشرة - قوله تعالى: (فلأمه الثلث) قرأ أهل الكوفة (فلأمه الثلث) ~~وهي لغة حكاها سيبويه. قال الكسائي: هي لغة كثير من هوازن وهذيل، ولأن ~~اللام لما كانت مكسورة وكانت متصلة بالحرف كرهوا ضمة بعد كسرة، فأبدلوا من ~~الضمة كسرة، لأنه ليس في الكلام فعل. ومن ضم جاء به على الأصل، ولأن اللام ~~تنفصل لأنها داخلة على الاسم. قال جميعه النحاس. # التاسعة عشرة - قوله تعالى: (فان كان له اخوة فلأمه السدس) الاخوة يحجبون ~~الام عن الثلث إلى ms1647 السدس، وهذا هو حجب النقصان، وسواء كان الاخوة أشقاء أو ~~للأب أو للام، ولا سهم لهم. وروي عن ابن عباس أنه كان يقول: السدس الذي حجب ~~الاخوة الام عنه هو للاخوة. وروي عنه مثل قول الناس انه للأب. قال قتادة: ~~وإنما أخذه الأب دونهم، لأنه يمونهم ويلي نكاحهم والنفقة عليهم. وأجمع أهل ~~العلم على أن أخوين فصاعدا ذكرانا كانوا أو إناثا من أب وأم، أو من أب أو ~~من أم يحجبون الام عن الثلث إلى السدس، إلا ما روي عن ابن عباس أن الاثنين ~~من الاخوة في حكم الواحد، ولا يحجب الام أقل من ثلاث. وقد صار بعض الناس ~~إلى أن الأخوات لا يحجبن الام من الثلث إلى السدس، لان كتاب الله في الاخوة ~~وليست قوة ميراث الإناث مثل قوة ميراث الذكور حتى تقتضي العبرة الالحاق. ~~قال الكيا الطبري: ومقتضى أقوالهم ألا يدخلن مع الاخوة، فإن لفظ الاخوة ~~بمطلقه لا يتناول الأخوات، كما أن لفظ البنين لا يتناول البنات. وذلك يقتضي ~~ألا تحجب الام بالأخ الواحد والأخت من الثلث إلى السدس، وهو خلاف إجماع ~~PageV05P072 # المسلمين. وإذا كن مرادات بالآية مع الاخوة كن مرادات على الانفراد. ~~واستدل الجميع بأن أقل الجمع اثنان، لان التثنية جمع شئ إلى مثله، فالمعنى ~~يقتضي أنها جمع. وقال عليه السلام: (الاثنان فما فوقهما جماعة). وحكي عن ~~سيبويه أنه قال: سألت الحليل عن قوله (ما أحسن وجوههما)؟ فقال: الاثنان ~~جماعة. وقد صح قول الشاعر: # ومهمهين قذفين مرتين * ظهرا هما مثل ظهور الترسين (1) وأنشد الأخفش: # لما أتتنا المرأتان بالخبر * فقلن إن الامر فينا قد شهر وقال آخر: # يحيى بالسلام غني قوم * ويبخل بالسلام على الفقير أليس الموت بينهما سواء ~~* إذا ماتوا وصاروا في القبور ولما وقع الكلام في ذلك بين عثمان وابن عباس ~~قال له عثمان: إن قومك حجبوها - يعني قريشا - وهم أهل الفصاحة والبلاغة. ~~وممن قال: إن أقل الجمع ثلاثة - وإن لم يقل به هنا - ابن مسعود والشافعي ~~وأبو حنيفة وغيرهم. والله أعلم. # الموفية عشرين - قوله تعالى: ms1648 (من بعد وصية يوصى بها أو دين قرأ ابن كثير ~~وأبو عمرو وابن عامر وعاصم (2) (يوصى) بفتح الصاد. الباقون بالكسر، وكذلك ~~الآخر. # واختلفت الرواية فيهما عن عاصم. والكسر اختيار أبي عبيد وأبي حاتم، لأنه ~~جرى ذكر الميت قبل هذا. قال الأخفش: وتصديق ذلك قوله تعالى (يوصين) و ~~(توصون). # الحادية والعشرون - إن قيل: ما الحكمة في تقديم ذكر الوصية على ذكر ~~الدين، والدين مقدم عليها بإجماع. وقد روى الترمذي عن الحارث عن علي أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالدين قبل الوصية، وأنتم تقرون (3) الوصية ~~قبل الدين. قال: والعمل على هذا عند عامة # PageV05P073 # أهل العلم أنه يبدأ بالدين قبل الوصية. وروى الدارقطني من حديث عاصم بن ~~ضمرة عن علي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الدين قبل الوصية وليس ~~لوارث وصية). # رواه عنهما أبو إسحاق الهمداني. فالجواب من أوجه خمسة: الأول - إنما قصد ~~تقديم هذين الفصلين على الميراث ولم يقصد ترتيبهما في أنفسهما، فلذلك تقدمت ~~الوصية في اللفظ. # جواب ثان - لما كانت الوصية أقل لزوما من الدين قدمها اهتماما بها، كما ~~قال تعالى: # (لا يغادر صغيرة ولا كبيرة (1)). جواب ثالث - قدمها لكثرة وجودها ~~ووقوعها، فصارت كاللازم لكل ميت مع نص الشرع عليها، وأخر الدين لشذوذه، ~~فإنه قد يكون وقد لا يكون. # فبدأ بذكر الذي لا بد منه، وعطف بالذي قد يقع أحيانا. ويقوى هذا: العطف ~~بأو، ولو كان الدين راتبا لكان العطف بالواو. جواب رابع - إنما قدمت الوصية ~~إذ هي حظ مساكين وضعفاء، وأخر الدين إذ هو حظ غريم يطلبه بقوة وسلطان وله ~~فيه مقال. # جواب خامس - لما كانت الوصية ينشئها (2) من قبل نفسه قدمها، والدين ثابت ~~مؤدى ذكره أو لم يذكره. # الثانية والعشرون - ولما ثبت هذا تعلق الشافعي بذلك في تقديم دين الزكاة ~~والحج على الميراث فقال: ان الرجل إذا فرط في زكاته وجب أخذ ذلك من رأس ~~ماله. وهذا ظاهر ببادئ الرأي، لأنه حق من الحقوق فيلزم أداؤه عنه بعد الموت ~~كحقوق الآدميين لا سيما والزكاة ms1649 مصرفها إلى الآدمي. وقال أبو حنيفة ومالك: ~~إن أوصى بها أديت من ثلثه، وإن سكت عنها لم يخرج عنه شئ. قالوا: لان ذلك ~~موجب لترك الورثة فقراء، إلا أنه قد يتعمد ترك الكل حتى إذا مات استغرق ذلك ~~جميع ماله فلا يبقى للورثة حق. # الثالثة والعشرون - قوله تعالى: (آباؤكم وأبناؤكم) رفع بالابتداء والخبر ~~مضمر، تقديره: هم المقسوم عليهم وهم المعطون. # الرابعة والعشرون - قوله تعالى: (لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا) قيل: في ~~الدنيا بالدعاء والصدقة، كما جاء في الأثر (إن الرجل ليرفع بدعاء ولده من ~~بعده). وفي الحديث الصحيح # PageV05P074 # (إذا مات الرجل انقطع عمله إلا من ثلاث - فذكر - أو ولد صالح يدعو له ~~(1)). وقيل: # في الآخرة، فقد يكون الابن أفضل فيشفع في أبيه، عن ابن عباس والحسن. وقال ~~بعض المفسرين: إن الابن إذا كان أرفع من درجة أبيه في الآخرة سأل الله فرفع ~~إليه أباه، وكذلك الأب إذا كان أرفع من ابنه، وسيأتي في (الطور (2)) بيانه. ~~وقيل: في الدنيا والآخرة، قاله ابن زيد. واللفظ يقتضي ذلك. # الخامسة - والعشرون - قوله تعالى: (فريضة) (فريضة) نصب على المصدر ~~المؤكد، إذ معنى (يوصيكم) يفرض عليكم. وقال مكي وغيره: هي حال مؤكدة، ~~والعامل (يوصيكم) وذلك ضعيف. والآية متعلقة بما تقدم، وذلك أنه عرف العباد ~~أنهم كفوا مؤنة الاجتهاد في إيصاء القرابة مع اجتماعهم في القرابة، أي أن ~~الآباء والأبناء ينفع بعضهم بعضا في الدنيا بالتناصر والمواساة، وفي الآخرة ~~بالشفاعة. وإذا تقرر ذلك في الآباء والأبناء تقرر ذلك في جميع الأقارب، فلو ~~كان القسمة موكولة إلى الاجتهاد لوجوب النظر في غنى كل واحد منهم. وعند ذلك ~~يخرج الامر عن الضبط إذ قد يختلف الامر، فبين الرب تبارك وتعالى أن الأصلح ~~للعبد ألا يوكل إلى اجتهاده في مقادير المواريث، بل بين المقادير شرعا. ثم ~~قال: # (ان الله كان عليما) أي بقسمة المواريث (حكيما) حكم قسمتها وبينها ~~لأهلها. وقال الزجاج: (عليما) أي بالأشياء قبل خلقها (حكيما) فيما يقدره ~~ويمضيه منها. وقال بعضهم: # إن الله سبحانه لم يزل ولا ms1650 يزال، والخبر منه بالماضي كالخبر منه (3) ~~بالاستقبال. ومذهب سيبويه أنهم رأوا حكمة وعلما فقيل لهم: إن الله عز وجل ~~كان كذلك لم يزل على ما رأيتم. # السادسة والعشرون - قوله تعالى: (ولكم نصف ما ترك أزواجكم) الآيتين. # الخطاب للرجال. والولد هنا بنو الصلب وبنو بنيهم وإن سفلوا، ذكرانا ~~وإناثا واحدا فما زاد بإجماع. وأجمع العلماء على أن للزوج النصف مع عدم ~~الولد أو ولد الولد، وله مع وجوده الربع. وترث المرأة من زوجها الربع مع ~~فقد الولد، والثمن مع وجوده. وأجمعوا على أن # PageV05P075 # حكم الواحدة من الأزواج والثنتين والثلاث والأربع في الربع إن لم يكن له ~~ولد، وفي الثمن إن كان له ولد واحد، وأنهن شركاء في ذلك، لان الله عز وجل ~~لم يفرق بين حكم الواحدة منهن وبين حكم الجميع، كما فرق بين حكم الواحدة من ~~البنات والواحدة من الأخوات وبين حكم الجميع منهن. # السابعة والعشرون - قوله تعالى: (وان كان رجل يورث كلالة أو امرأة) ~~الكلالة مصدر، من تكلله النسب أي أحاط به. وبه سمي الإكليل، وهي منزلة من ~~منازل القمر لإحاطتها بالقمر إذا احتل بها. ومنه الإكليل أيضا وهو التاج ~~والعصابة المحيطة بالرأس. # فإذا مات الرجل وليس له ولد ولا والد فورثته كلالة. هذا قول أبي بكر ~~الصديق وعمر وعلي وجمهور أهل العلم. وذكر يحيى بن آدم عن شريك وزهير وأبي ~~الأحوص عن أبي إسحاق عن سليمان بن عبد قال: ما رأيتهم إلا وقد تواطئوا ~~وأجمعوا على أن الكلالة من مات ليس له ولد ولا والد. وهكذا قال صاحب كتاب ~~العين وأبو منصور اللغوي وابن عرفة والقتبي وأبو عبيد وابن الأنباري. فالأب ~~والابن طرفان للرجل، فإذا ذهبا تكلله النسب. ومنه قيل: روضة مكللة إذا حفت ~~بالنور. وأنشدوا: # مسكنه روضة مكللة * عم بها الأيهقان والذرق (1) يعني نبتين. وقال امرؤ ~~القيس: # أصاح ترى برقا أريك وميضه * كلمع اليدين في حبى مكلل (2) فسموا القرابة ~~كلالة، لأنهم أطافوا بالميت من جوانبه وليسوا منه ولا هو منهم، وإحاطتهم به ~~أنهم ينتسبون (3) معه. كما قال ms1651 أعرابي: مالي كثير ويرثني كلالة متراخ ~~نسبهم. # وقال الفرزدق: # ورثتم قناة المجد لا عن كلالة * عن ابني مناف عبد شمس وهاشم # PageV05P076 # وقال آخر: # وإن أبا المرء أحمى له * ومولى الكلالة لا يغضب (1) وقيل: إن الكلالة ~~مأخوذة من الكلال وهو الاعياء، فكأنه يصير الميراث إلى الوارث عن بعد ~~وإعياء. قال الأعشى: # فآليت لا أرثي لها من كلالة * ولا من وجى حتى تلاقي محمدا وذكر أبو حاتم ~~والأثرم عن أبي عبيدة قال: الكلالة كل من لم يرثه أب أو ابن أو أخ فهو عند ~~العرب كلالة. قال أبو عمر: ذكر أبي عبيدة الأخ هنا مع الأب والابن في شرط ~~الكلالة غلط لا وجه له، ولم يذكره في شرط الكلالة غيره. وروي عن عمر بن ~~الخطاب أن الكلالة من لا ولد له خاصة، وروي عن أبي بكر ثم رجعا عنه. وقال ~~ابن زيد: الكلالة الحي والميت جميعا. وعن عطاء: الكلالة المال. قال ابن ~~العربي: وهذا قول طريف لا وجه له. # قلت: له وجه يتبين بالاعراب [آنفا (3)]. وروي عن ابن الأعرابي أن الكلالة ~~بنو العم الأباعد. وعن السدي أن الكلالة الميت. وعنه مثل قول الجمهور. وهذه ~~الأقوال تتبين وجوهها بالاعراب، فقرأ بعض الكوفيين (يورث كلالة) بكسر الراء ~~وتشديدها. وقرأ الحسن وأيوب (يورث) بكسر الراء وتخفيفها، على اختلاف عنهما. ~~وعلى هاتين القراءتين لا تكون الكلالة إلا الورثة أو المال. كذلك حكى أصحاب ~~المعاني، فالأول من ورث، والثاني من أورث. و (كلالة) مفعوله و (كان) بمعنى ~~وقع. ومن قرأ (يورث) بفتح الراء احتمل أن تكون الكلالة المال، والتقدير: ~~يورث وراثة كلالة فتكون نعتا لمصدر محذوف. # ويجوز أن تكون الكلالة اسما للورثة وهي خبر كان، فالتقدير: ذا ورثة. ~~ويجوز أن تكون تامة بمعنى وقع، و (يورث) نعت لرجل، و (رجل) رفع بكان، و ~~(كلالة) نصب على التفسير أو الحال، على أن الكلالة هو الميت، التقدير: وإن ~~كان رجل يورث متكلل النسب إلى الميت. # PageV05P077 # الثامنة والعشرون - ذكر الله عز وجل في كتابه الكلالة في موضعين آخر ~~السورة وهنا، ms1652 ولم يذكر في الموضعين وارثا غير الاخوة. فأما هذه الآية فأجمع ~~العلماء على أن الاخوة فيها عني بها الاخوة للام، لقوله تعالى: (فإن كانوا ~~أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث). # وكان سعد بن أبي وقاص يقرأ (وله أخ أو أخت من أمه). ولا خلاف بين أهل ~~العلم أن الاخوة للأب والام أو الأب ليس ميراثهم كهذا، فدل إجماعهم على أن ~~الاخوة المذكورين في آخر السورة هم إخوة المتوفى لأبيه وأمه أو لأبيه، ~~لقوله عز وجل (وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين (1)). ~~ولم يختلفوا أن ميراث الإخوة للأم ليس هكذا، فدلت الآيتان أن الاخوة كلهم ~~جميعا كلالة. وقال الشعبي: (الكلالة ما كان سوى الولد والوالد من الورثة ~~إخوة أو غيرهم من العصبة). كذلك قال علي وابن مسعود وزيد وابن عباس، وهو ~~القول الأول الذي بدأنا به. قال الطبري: والصواب أن الكلالة هم الذين يرثون ~~الميت من عدا ولده ووالده، لصحة خبر جابر: فقلت يا رسول الله إنما يرثني ~~كلالة، أفأوصي بمالي كله؟ قال: (لا). # التاسعة والعشرون - قال أهل اللغة: يقال رجل كلالة وامرأة كلالة. ولا ~~يثنى ولا يجمع، لأنه مصدر كالوكالة والدلالة والسماحة والشجاعة. وأعاد ضمير ~~مفرد في قوله: # (وله أخ) ولم يقل لهما. ومضى ذكر الرجل والمرأة على عادة العرب إذا ذكرت ~~اسمين ثم أخبرت عنهما وكانا في الحكم سواء ربما أضافت إلى أحدهما وربما ~~أضافت إليهما جميعا، تقول: من كان عنده غلام وجارية فليحسن إليه وإليها ~~وإليهما وإليهم، قال الله تعالى: # (واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة (2)). وقال تعالى: (إن يكن غنيا ~~أو فقيرا فالله أولى بهما (3)) ويجوز أولى بهم، عن الفراء وغيره. ويقال في ~~امرأة: مرأة، وهو الأصل. # وأخ أصله أخو، يدل عليه أخوان، فحذف منه وغير على غير قياس. قال الفراء ~~ضم أول أخت، لان المحذوف منها واو، وكسر أول بنت، لان المحذوف منها ياء. ~~وهذا الحذف والتعليل على غير قياس أيضا. # PageV05P078 # الموفية ثلاثين - قوله تعالى: (فان كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في ms1653 ~~الثلث) هذا التشريك يقتضي التسوية بين الذكر والأنثى وإن كثروا. وإذا كانوا ~~يأخذون بالام فلا يفضل الذكر على الأنثى. وهذا إجماع من العلماء، وليس في ~~الفرائض موضع يكون فيه الذكر والأنثى سواء إلا في ميراث الإخوة للأم. فإذا ~~ماتت امرأة وتركت زوجها وأمها وأخاها لأمها فللزوج النصف وللأم الثلث وللأخ ~~من الام السدس. فإن تركت أخوين وأختين - والمسألة بحالها - فللزوج النصف ~~وللأم السدس وللأخوين والأختين الثلث، وقد تمت الفريضة. # وعلى هذا عامة الصحابة، لأنهم حجبوا الام بالأخ والأخت من الثلث إلى ~~السدس. وأما ابن عباس فإنه لم ير العول ولو جعل للأم الثلث لعالت المسألة، ~~وهو لا يرى ذلك. والعول (1) مذكور في غير هذا الموضع، ليس هذا موضعه. فإن ~~تركت زوجها وإخوة لأم وأخا لأب وأم، فللزوج النصف، ولإخوتها لأمها الثلث، ~~وما بقي فلأخيها لأمها وأبيها. وهكذا من له فرض مسمى أعطيه، والباقي للعصبة ~~إن فضل. فإن تركت ستة إخوة مفترقين فهذه الحمارية (2) ، وتسمى أيضا ~~المشتركة. قال قوم: للاخوة للأم الثلث، وللزوج النصف، وللأم السدس، وسقط ~~الأخ والأخت من الأب والام، والأخ والأخت من الأب. روي عن علي وابن مسعود ~~وأبي موسى والشعبي وشريك ويحيى بن آدم، وبه قال أحمد بن حنبل واختاره ابن ~~المنذر، لان الزوج والام والأخوين للام أصحاب فرائض مسماة ولم يبق للعصبة ~~شئ. # وقال قوم: الام واحدة، وهب أن أباهم كان حمارا! وأشركوا بينهم في الثلث، ~~ولهذا سميت المشتركة والحمارية. روي هذا عن عمر وعثمان وابن مسعود أيضا ~~وزيد بن ثابت ومسروق وشريح، وبه قال مالك والشافعي وإسحاق. ولا تستقيم هذه ~~المسألة أن لو كان الميت رجلا. # فهذه جملة من علم الفرائض تضمنتها الآية، والله الموفق للهداية. # وكانت الوراثة في الجاهلية بالرجولية والقوة، وكانوا يورثون الرجال دون ~~النساء، فأبطل الله عز وجل ذلك بقوله: (للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء ~~نصيب) كما تقدم. وكانت الوراثة # PageV05P079 # أيضا في الجاهلية وبدء الاسلام بالمحالفة، قال الله عز وجل: (والذين عقدت ~~أيمانكم) على ما يأتي بيانه (1). ثم صارت بعد المحالفة بالهجرة، ms1654 قال الله ~~تعالى: [والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شئ حتى يهاجروا ~~(2)] وسيأتي. وهناك يأتي القول في ذوي الأرحام وميراثهم، إن شاء الله ~~تعالى. وسيأتي في سورة (النور (3)) ميراث ابن (4) الملاعنة وولد الزنا ~~والمكاتب بحول الله تعالى. والجمهور من العلماء على أن الأسير المعلوم ~~حياته أن ميراثه ثابت، لأنه داخل في جملة المسلمين الذين أحكام الاسلام ~~جارية عليهم. وقد روي عن سعيد بن المسيب أنه قال في الأسير في يد العدو: لا ~~يرث. وقد تقدم ميراث المرتد في سورة (البقرة (5)) والحمد لله. # الحادية والثلاثون - قوله تعالى: (غير مضار) نصب على الحال والعامل ~~(يوصي). # أي يوصي بها غير مضار، أي غير مدخل الضرر على الورثة. أي لا ينبغي أن ~~يوصي بدين ليس عليه ليضر بالورثة، ولا يقر بدين. فالاضرار راجع إلى الوصية ~~والدين، أما رجوعه إلى الوصية فبأن يزيد على الثلث أو يوصي لوارث، فإن زاد ~~فإنه يرد، إلا أن يجيزه الورثة، لان المنع لحقوقهم لا لحق الله تعالى. وإن ~~أوصى لوارث فإنه يرجع ميراثا. وأجمع العلماء على أن الوصية للوارث لا تجوز. ~~وقد تقدم هذا في (البقرة (6)). وأما رجوعه إلى الدين فبالاقرار في حالة لا ~~يجوز له فيها، كما لو أقر في مرضه لوارثه أو لصديق ملاطف، فإن ذلك لا يجوز ~~عندنا. # وروي عن الحسن أنه قرأ (غير مضار وصية من الله) على الإضافة. قال النحاس: ~~وقد زعم بعض أهل اللغة أن هذا لحن، لان اسم الفاعل لا يضاف إلى المصدر. ~~والقراءة حسنة على حذف، والمعنى: غير مضار ذي وصية، أي غير مضار بها ورثته ~~في ميراثهم. وأجمع العلماء على أن إقراره بدين لغير وارث حال المرض جائز ~~إذا لم يكن عليه دين في الصحة. # الثانية والثلاثون - فإن كان عليه دين في الصحة ببينة وأقر لأجنبي بدين، ~~فقالت طائفة: يبدأ بدين الصحة، هذا قول النخعي والكوفيين (7). قالوا: فإذا ~~استوفاه صاحبه # PageV05P080 # فأصحاب الاقرار في (1) المرض يتحاصون. وقالت طائفة: هما سواء إذا كان ~~لغير وارث. # هذا قول الشافعي وأبي ms1655 ثور وأبي عبيد، وذكر أبو عبيد إنه قول أهل المدينة ~~ورواه عن الحسن. # الثالثة والثلاثون - قد مضى في (البقرة (2)) الوعيد في الاضرار في الوصية ~~ووجوهها. # وقد روى أبو داود من حديث شهر بن حوشب (وهو مطعون فيه) عن أبي هريرة حدثه ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الرجل أو المرأة ليعمل بطاعة ~~الله ستين سنه ثم يحضرهما الموت فيضار ان في الوصية فتجب لهما النار). قال: ~~وقرأ علي أبو هريرة من هاهنا (من بعد وصية يوصي بها أو دين غير مضار) حتى ~~بلغ (ذلك الفوز العظيم). # وقال ابن عباس: الاضرار في الوصية من الكبائر، ورواه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، إلا أن مشهور مذهب مالك وابن القاسم أن الموصي لا يعد فعله ~~مضارة في ثلثه، لان ذلك حقه فله التصرف فيه كيف شاء. وفي المذهب قوله: أن ~~ذلك مضارة ترد. وبالله التوفيق. # الرابعة والثلاثون - قوله تعالى: (وصية) (وصية) نصب على المصدر في موضع ~~الحال والعامل (يوصيكم) ويصح أن يعمل فيها (مضار) والمعنى أن يقع الضرر بها ~~أو بسببها فأوقع عليها تجوزا، قاله ابن عطية، وذكر أن الحسن بن أبي الحسن ~~قرأ (غير مضار وصية) بالإضافة، كما تقول: شجاع حرب. وبضة (3) المتجرد، في ~~قول طرفة بن العبد. # والمعنى على ما ذكرناه من التجوز في اللفظ لصحة المعنى. ثم قال: (والله ~~عليم حليم) يعني عليم بأهل (4) الميراث حليم على أهل الجهل منكم. وقرأ بعض ~~المتقدمين (والله عليم حكيم (5)) يعنى حكيم بقسمة الميراث والوصية. # الخامسة والثلاثون - قوله تعالى: (تلك حدود الله) و (تلك) بمعنى هذه، أي ~~هذه أحكام الله بينها لكم لتعرفوها وتعملوا بها. (ومن يطع الله ورسوله) في ~~قسمة # PageV05P081 # المواريث فيقر بها ويعمل بها كما أمره الله تعالى (يدخله جنات تجرى من ~~تحتها الأنهار) جملة في موضع نصب على النعت لجنات. قوله: (ومن يعص الله ~~ورسوله) يريد في قسمة المواريث فلم يقسمها ولم يعمل بها (ويتعد حدود) أي ~~يخالف أمره (يدخله نارا خالدا فيها) والعصيان إن أريد به ms1656 الكفر فالخلود على ~~بابه، وإن أريد به الكبائر وتجاوز أوامر الله تعالى فالخلود مستعار لمدة ~~ما. كما تقول: خلد الله ملكه. وقال زهير: # ولا خالدا إلا الجبال الرواسيا (1) * وقد تقدم هذا المعنى في غير موضع. ~~وقرأ نافع وابن عامر (ندخله) بالنون في الموضعين، على معنى الإضافة إلى ~~نفسه سبحانه. الباقون بالياء كلاهما، لأنه سبق ذكر اسم الله تعالى قوله ~~تعالى: والآتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فان ~~شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا فيه ~~ثمان مسائل: # الأولى - لما ذكر الله تعالى في هذه السورة الاحسان إلى النساء وإيصال ~~صدقاتهن إليهن، وانجر الامر إلى ذكر ميراثهن مع مواريث الرجال، ذكر أيضا ~~التغليظ عليهن فيما يأتين به من الفاحشة، لئلا تتوهم المرأة أنه يسوغ لها ~~ترك التعفف. # الثانية - قوله تعالى: (واللاتي) (اللاتي) جمع التي، وهو اسم مبهم ~~للمؤنث، وهي معرفة ولا يجوز نزع الألف واللام منه للتنكير، ولا يتم إلا ~~بصلته، وفيه ثلاث لغات كما تقدم. ويجمع أيضا (اللات) بحذف الياء وإبقاء ~~الكسرة، و (اللائي) بالهمزة وإثبات الياء، و (اللاء) بكسر الهمزة وحذف ~~الياء، و (اللا) بحذف الهمزة. فإن # PageV05P082 # جمعت الجمع قلت في اللاتي: اللواتي، وفي اللاء: اللوائي. وقد روي عنهم ~~(اللوات) بحذف الياء وإبقاء الكسرة، قاله ابن الشجري. قال الجوهري: أنشد ~~أبو عبيد: # من اللواتي والتي واللات * زعمن أن قد كبرت لدات واللوا بإسقاط التاء. ~~وتصغير التي اللتيا بالفتح والتشديد، قال الراجز: # * بعد اللتيا واللتيا (1) والتي * وبعض الشعراء أدخل على (التي) حرف ~~النداء، وحروف النداء لا تدخل على ما فيه الألف واللام إلا في قولنا: يا ~~الله وحده، فكأنه شبهها به من حيث كانت الألف واللام غير مفارقتين لها. ~~وقال: # من أجلك يالتي تيمت قلبي * وأنت بخيلة بالود عنى ويقال: وقع في اللتيا ~~والتي، وهما اسمان من أسماء الداهية. # الثالثة - قوله تعالى: (يأتين الفاحشة) الفاحشة في هذا الموضع الزنا، ~~والفاحشة الفعلة القبيحة، وهي مصدر كالعاقبة والعافية. وقرأ ابن مسعود ~~(بالفاحشة) بباء الجر. ms1657 # الرابعة - قوله تعالى: (من نسائكم) إضافة في معنى الاسلام وبيان حال ~~المؤمنات، كما قال: (واستشهدوا شهيدين من رجالكم (2)) لان الكافرة قد تكون ~~من نساء المسلمين بنسب ولا يلحقها هذا الحكم. # الخامسة - قوله تعالى: (فاستشهدوا عليهن أربعة منكم) أي من المسلمين، ~~فجعل الله الشهادة على الزنا خاصة أربعة تغليظا على المدعي وسترا على ~~العباد. وتعديل الشهود بالأربعة في الزنا حكم ثابت في التوراة والإنجيل ~~والقرآن، قال الله تعالى: (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ~~فاجلدوهم ثمانين جلدة (3)) وقال هنا: (فاستشهدوا عليهن أربعة منكم). وروى ~~أبو داود عن جابر بن عبد الله قال: جاءت اليهود برجل وامرأة منهم [قد (4)] ~~زنيا فقال: [النبي صلى الله عليه وسلم (4)] (ائتوني بأعلم رجلين منكم) ~~فأتوه بابني صوريا فنشدهما: (كيف تجدان أمر هذين في التوراة)؟ قالا: نجد في ~~التوراة # PageV05P083 # إذا شهد أربعة أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة رجما. قال: ~~(فما يمنعكما أن ترجموهما)، قالا: ذهب سلطاننا فكرهنا القتل، فدعا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بالشهود، فجاءوا فشهدوا أنهم رأوا ذكره في فرجها ~~مثل الميل في المكحلة، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجمهما. وقال ~~قوم: إنما كان الشهود في الزنا أربعة ليترتب شاهدان على كل واحد من ~~الزانيين كسائر الحقوق، إذ هو حق يؤخذ من كل واحد منهما، وهذا ضعيف، فإن ~~اليمين تدخل في الأموال واللوث (1) في القسامة ولا مدخل لواحد منهما هنا. # السادسة - ولا بد أن يكون الشهود ذكورا، لقوله: (منكم) ولا خلاف فيه بين ~~الأمة. وأن يكونوا عدولا، لان الله تعالى شرط العدالة في البيوع والرجعة ~~وهذا أعظم، وهو بذلك أولى. وهذا من حمل المطلق على المقيد بالدليل، على ما ~~هو مذكور في أصول الفقه. ولا يكونون ذمة (2)، وإن كان الحكم على ذمية، ~~وسيأتي ذلك في (المائدة (3)) وتعلق أبو حنيفة بقوله: (أربعة منكم) في أن ~~الزوج إذا كان أحد الشهود في القذف لم يلاعن. وسيأتي بيانه في (النور (4)) ~~إن شاء الله تعالى. # السابعة - قوله تعالى: (فان شهدوا ms1658 فأمسكوهن في البيوت) هذه أول عقوبات ~~(5) الزناة، وكان هذا في ابتداء الاسلام، قاله عبادة بن الصامت والحسن ~~ومجاهد حتى نسخ بالأذى الذي بعده، ثم نسخ ذلك بأية (النور) وبالرجم في ~~الثيب. وقالت فرقة: بل كان الايذاء هو الأول ثم نسخ بالامساك، ولكن التلاوة ~~أخرت وقدمت، ذكره ابن فورك، وهذا الامساك والحبس في البيوت كان في صدر ~~الاسلام قبل أن يكثر الجناة، فلما كثروا وخشي قوتهم اتخذلهم سجن، قاله ابن ~~العربي. # PageV05P084 # الثامنة - واختلف العلماء هل كان هذا السجن حدا أو توعدا بالحد على ~~قولين: # أحدهما - أنه توعد بالحد، والثاني - أنه حد، قاله ابن عباس والحسن. زاد ~~ابن زيد: # وأنهم منعوا من النكاح حتى يموتوا عقوبة لهم حين طلبوا النكاح من غير ~~وجهه. وهذا يدل على أنه كان حدا بل أشد، غير أن ذلك الحكم كان ممدودا (1) ~~إلى غاية وهو الأذى في الآية الأخرى، على اختلاف التأويلين في أيهما قبل، ~~وكلاهما ممدود إلى غاية وهي قوله عليه السلام في حديث عبادة بن الصامت: ~~(خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب ~~عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم). وهذا نحو قوله تعالى: # (ثم أتموا الصيام إلى الليل (2)) فإذا جاء الليل ارتفع حكم الصيام ~~لانتهاء غايته لا لنسخه هذا قول المحققين المتأخرين من الأصوليين، فإن ~~النسخ إنما يكون في القولين المتعارضين من كل وجه اللذين لا يمكن الجمع ~~بينهما، والجمع ممكن بين الحبس والتعيير (3) والجلد والرجم، وقد قال بعض ~~العلماء: أن الأذى والتعيير (3) باق مع الجلد، لأنهما لا يتعارضان بل ~~يحملان على شخص واحد. وأما الحبس فمنسوخ بإجماع، وإطلاق المتقدمين النسخ ~~على مثل هذا تجوز. والله أعلم. # قوله تعالى: والذان يأتيانها منكم فآذوهما فان تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما ~~ان الله كان توابا رحيما (16) فيه سبع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (واللذان) (اللذان) تثنية الذي، وكان القياس أن ~~يقال: # اللذيان كرحيان ومصطفيان وشجيان. قال سيبويه: حذفت الياء ليفرق بين ~~الأسماء المتمكنة والأسماء المبهمات. وقال أبو علي: حذفت الياء تخفيفا، إذ ms1659 ~~قد أمن اللبس في اللذان، لان النون لا تنحذف، ونون التثنية في الأسماء ~~المتمكنة قد تنحذف مع الإضافة في رحياك ومصطفيا القوم، فلو حذفت الياء ~~لاشتبه المفرد بالاثنين. وقرأ ابن كثير (اللذان) بتشديد # PageV05P085 # النون، وهي لغة قريش، وعلته أنه جعل التشديد عوضا من ألف (ذا) على ما ~~يأتي بيانه في سورة (القصص) عند قوله تعالى: (فذانك برهانان (1)). وفيها ~~لغة أخرى (اللذا) بحذف النون (2). هذا قول الكوفيين. وقال البصريون: إنما ~~حذفت النون لطول الاسم بالصلة. وكذلك قرأ (هذان) و (فذانك برهانان) ~~بالتشديد فيهما. والباقون بالتخفيف. # وشدد أبو عمرو (فذانك برهانان) وحدها. و (اللذان) رفع بالابتداء. قال ~~سيبويه: # المعنى وفيما يتلى عليكم اللذان يأتيانها، أي الفاحشة (منكم). ودخلت ~~الفاء في (فآذوهما) لان في الكلام معنى الامر، لأنه لما وصل الذي بالفعل ~~تمكن فيه معنى الشرط، إذ لا يقع عليه شئ بعينه، فلما تمكن الشرط والابهام ~~فيه جرى مجرى الشرط فدخلت الفاء، ولم يعمل فيه ما قبله من الاضمار كما لا ~~يعمل في الشرط ما قبله، فلما لم يحسن إضمار الفعل قبلهما لينصبا رفعا ~~بالابتداء، وهذا اختيار سيبويه. ويجوز النصب على تقدير إضمار فعل، وهو ~~الاختيار إذا كان في الكلام معنى الأمر والنهي نحو قولك: اللذين عندك ~~فأكرمهما. # الثانية - قوله تعالى: (فآذوهما) قال قتادة والسدي: معناه التوبيخ ~~والتعيير. # وقالت فرقة: هو السب والجفاء دون تعيير. ابن عباس: النيل باللسان والضرب ~~بالنعال. # قال النحاس: وزعم قوم أنه منسوخ. قلت: رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: # (واللاتي يأتين الفاحشة) و (اللذان يأتيانها) كان في أول الامر فنسختهما ~~الآية التي في (النور (3)). قاله النحاس: وقيل وهو أولى: إنه ليس بمنسوخ، ~~وأنه واجب أن يؤدبا بالتوبيخ فيقال لهما: فجرتما وفسقتما وخالفتما أمر الله ~~عز وجل. # الثالثة - واختلف العلماء في تأويل قوله تعالى: (واللاتي) وقوله: ~~(واللذان) فقال مجاهد وغيره: الآية الأولى في النساء عامة محصنات وغير ~~محصنات، والآية الثانية في الرجال خاصة. وبين لفظ (4) التثنية صنفي الرجال ~~من أحصن ومن لم يحصن، فعقوبة النساء الحبس، وعقوبة الرجال ms1660 الأذى. وهذا قول ~~يقتضيه اللفظ، ويستوفي نص الكلام أصناف الزناة. ويؤيده من جهة اللفظ قوله ~~في الأولى: (من نسائكم) وفي الثانية # PageV05P086 # (منكم) واختاره النحاس ورواه عن ابن عباس. وقال السدي وقتادة وغيرهما: # الأولى في النساء المحصنات. يريد: ودخل معهن من أحصن من الرجال بالمعنى، ~~والثانية في الرجل والمرأة البكرين. قال ابن عطية: ومعنى هذا القول تام إلا ~~أن لفظ الآية يقلق عنه. وقد رجحه الطبري، وأباه النحاس وقال: تغليب المؤنث ~~على المذكر بعيد، لأنه لا يخرج الشئ إلى المجاز ومعناه صحيح في الحقيقة. ~~وقيل: كان الامساك للمرأة الزانية دون الرجل، فخصت المرأة بالذكر في ~~الامساك ثم جمعا في الايذاء. قال قتادة: كانت المرأة تحبس ويؤذيان جميعا، ~~وهذا لان الرجل يحتاج إلى السعي والاكتساب. # الرابعة - واختلف العلماء أيضا في القول بمقتضى حديث عبادة الذي هو بيان ~~لاحكام الزناة على ما بيناه، فقال بمقتضاه علي بن أبي طالب لا اختلاف عنه ~~في ذلك، وأنه جلد شراحة الهمدانية مائة ورجمها بعد ذلك، وقال: جلدتها بكتاب ~~الله ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال بهذا القول الحسن ~~البصري والحسن بن صالح بن حي وإسحاق. وقال جماعة من العلماء: بل على الثيب ~~الرجم بلا جلد. وهذا يروى عن عمر وهو قول الزهري والنخعي ومالك والثوري ~~والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي وأحمد وأبي ثور، متمسكين بأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم رجم ماعزا والغامدية (1) ولم يجلدهما، وبقوله عليه السلام ~~لأنيس: (اغد على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها) ولم يذكر الجلد، فلو كان ~~مشروعا لما سكت عنه. قيل لهم: إنما سكت عنه، لأنه ثابت بكتاب الله تعالى، ~~فليس يمتنع أن يسكت عنه لشهرته والتنصيص عليه في القرآن، لان قوله تعالى: ~~(الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) يعم جميع الزناة. والله ~~أعلم. ويبين هذا فعل علي بأخذه عن الخلفاء رضي الله عنهم ولم ينكر عليه ~~فقيل له: عملت بالمنسوخ وتركت الناسخ. وهذا واضح. # الخامسة - واختلفوا في نفي البكر مع الجلد، فالذي عليه الجمهور أنه ينفى ms1661 ~~مع الجلد، قاله الخلفاء الراشدون: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وهو قول ابن ~~عمر رضوان الله عليهم أجمعين، وبه قال عطاء وطاوس وسفيان ومالك وابن أبي ~~ليلى والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور. # PageV05P087 # وقال بتركه حماد بن أبي سليمان وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن. والحجة ~~للجمهور حديث عبادة المذكور، وحديث أبي هريرة وزيد بن خالد، حديث العسيف ~~(1) وفيه: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده لأقضين بينكما ~~بكتاب الله أما غنمك وجاريتك فرد عليك) وجلد ابنه مائة وغربه عاما. أخرجه ~~الأئمة. احتج من لم ير نفيه بحديث أبي هريرة في الأمة، ذكر فيه الجلد دون ~~النفي. وذكر عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال: غرب عمر ~~ربيعة بن أبي أمية بن خلف في الخمر إلى خيبر فلحق بهرقل فتنصر، فقال عمر: ~~لا أغرب مسلما بعد هذا. قالوا: ولو كان التغريب حدا لله تعالى ما تركه عمر ~~بعد. # ثم إن النص الذي في الكتاب إنما هو الجلد، والزيادة على النص نسخ، فيلزم ~~عليه نسخ القاطع بخبر الواحد. والجواب: أما حديث أبي هريرة فإنما هو في ~~الإماء لا في الأحرار. # وقد صح عن عبد الله بن عمر أنه ضرب أمته في الزنا ونفاها. وأما حديث عمرو ~~قوله: # لا أغرب بعده مسلما، فيعني في الخمر - والله أعلم - لما رواه نافع عن ابن ~~عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب وغرب، وأن أبا بكر ضرب وغرب، وأن عمر ~~ضرب وغرب. # أخرجه الترمذي في جامعه، والنسائي في سننه عن أبي كريب محمد بن العلا ~~الهمداني عن عبد الله ابن إدريس عن عبيد الله بن عمر عن (2) نافع. قال ~~الدارقطني: تفرد به عبد الله بن إدريس ولم يسنده عنه أحد من الثقات غير أبي ~~كريب، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم النفي فلا كلام لاحد معه، ومن ~~خالفته السنة خاصمته. وبالله التوفيق. # وأما قولهم: الزيادة على النص نسخ، فليس بمسلم، بل زيادة حكم آخر مع ~~الأصل. # ثم هو ms1662 قد زاد الوضوء بالنبيذ بخبر لم يصح على الماء، واشترط الفقر في ~~القربى (3)، إلى غير ذلك مما ليس منصوصا عليه في القرآن. وقد مضى هذا ~~المعنى في البقرة (4) ويأتي. # السادسة - القائلون بالتغريب لم يختلفوا في تغريب الذكر الحر، واختلفوا ~~في تغريب العبد والأمة، فممن رأى التغريب فيهما ابن عمر جلد مملوكة له في ~~الزنا ونفاها إلى فدك (5) # PageV05P088 # وبه قال الشافعي وأبو ثور والثوري والطبري وداود. واختلف قول الشافعي في ~~نفي العبد، فمرة قال: أستخير الله في نفي العبد، ومرة قال: ينفى نصف سنة، ~~ومرة قال: ينفى سنة إلى غير بلده، وبه قال الطبري. واختلف أيضا قوله في نفي ~~الأمة على قولين. وقال مالك: # ينفى الرجل ولا تنفى المرأة ولا العبد، ومن نفي حبس في الموضع الذي ينفى ~~إليه. وينفى من مصر إلى الحجاز (1) وشغب وأسوان ونحوها، ومن المدينة إلى ~~خيبر وفدك، وكذلك فعل عمر بن عبد العزيز. ونفى علي من الكوفة إلى البصرة. ~~وقال الشافعي: أقل ذلك يوم وليلة. # قال ابن العربي: كان أصل النفي أن نبي إسماعيل (2) أجمع رأيهم على أن من ~~أحدث حدثا في الحرم غرب منه، فصارت سنة فيهم يدينون بها، فلأجل ذلك استن ~~الناس إذا أحدث أحد حدثا غرب عن بلده، وتمادى ذلك في الجاهلية إلى أن جاء ~~الاسلام فأقره في الزنا خاصة. احتج من لم ير النفي على العبد بحديث أبي ~~هريرة في الأمة، ولأن تغريبه عقوبة لمالكه تمنعه من منافعه في مدة تغريبه، ~~ولا يناسب ذلك تصرف الشرع، فلا يعاقب غير الجاني. وأيضا فقد سقط عنه الجمعة ~~والحج والجهاد الذي هو حق لله تعالى لأجل السيد، فكذلك التغريب. والله ~~أعلم. # والمرأة إذا غربت ربما يكون ذلك سببا لوقوعها فيما أخرجت من سببه وهو ~~الفاحشة، وفي التغريب سبب لكشف عورتها وتضييع لحالها، ولأن الأصل منعها من ~~الخروج من بيتها وأن صلاتها فيه أفضل. وقال صلى الله عليه وسلم: (أعروا ~~النساء يلزمن الحجال (3) فحصل من هذا تخصيص عموم حديث التغريب بالمصلحة ~~المشهود لها بالاعتبار. وهو مختلف ms1663 فيه عند الأصوليين والنظار. وشذت طائفة ~~فقالت: يجمع الجلد والرجم على الشيخ، ويجلد الشاب، تمسكا بلفظ (الشيخ) في ~~حديث زيد بن ثابت أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (الشيخ ~~والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة) خرجه النسائي (4). وهذا فاسد، لأنه قد ~~سماه في الحديث الآخر (الثيب). # PageV05P089 # السابعة - قوله تعالى: (فان تابا) أي من الفاحشة. (وأصلحا) يعني العمل ~~فيما بعد ذلك. (فأعرضوا عنهما) أي اتركوا إذا هما وتعييرهما. وإنما كان هذا ~~قبل نزول الحدود. # فلما نزلت الحدود نسخت هذه الآية. وليس المراد بالاعراض الهجرة، ولكنها ~~متاركة معرض، وفي ذلك احتقار لهم بسبب المعصية المتقدمة، وبحسب الجهالة في ~~الآية الأخرى. # والله تواب أي راجع بعباده عن المعاصي. # قوله تعالى: انما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهلة ثم يتوبون من ~~قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكما (17) وليست التوبة للذين ~~يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال أبى تبت الآن ولا الذين يموتون ~~وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما (18) فيهما أربع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (انما التوبة على الله) قيل: هذه الآية عامة لكل من ~~عمل ذنبا. وقيل: لمن جهل فقط، والتوبة لكل من عمل ذنبا في موضع آخر. واتفقت ~~الأمة على أن التوبة فرض على المؤمنين، لقوله تعالى: (وتوبوا إلى الله ~~جميعا آية المؤمنون (1)). # وتصح من ذنب مع الإقامة على غيره من غير نوعه - خلافا للمعتزلة في قولهم: ~~لا يكون تائبا من أقام على ذنب. ولا فرق بين معصية ومعصية - هذا مذهب أهل ~~السنة. وإذا تاب العبد فالله سبحانه بالخيار إن شاء قبلها، وإن شاء لم ~~يقبلها. وليس قبول التوبة واجبا على الله من طريق العقل كما قال المخالف، ~~لان من شرط الواجب أن يكون أعلى رتبة من الموجب عليه، والحق سبحانه خالق ~~الخلق ومالكهم، والمكلف لهم، فلا يصح أن يوصف بوجوب شئ عليه، تعالى عن ذلك، ~~غير أنه قد أخبر سبحانه وهو الصادق في وعده بأنه يقبل التوبة عن العاصين من ~~عباده بقوله تعالى: ms1664 (وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات (2)). # PageV05P090 # وقوله: (ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده (1)). وقوله: (وإني ~~لغفار لمن تاب (2)) فإخباره سبحانه وتعالى عن أشياء أوجبها على نفسه يقتضي ~~وجوب تلك الأشياء. # والعقيدة أنه لا يجب عليه شئ عقلا، فأما السمع فظاهره قبول توبة التائب. ~~قال أبو المعالي وغيره: وهذه الظواهر إنما تعطي غلبة ظن، لا قطعا على الله ~~تعالى بقبول التوبة. قال ابن عطية: # وقد خولف أبو المعالي وغيره في هذا المعنى. فإذا فرضنا رجلا قد تاب توبة ~~نصوحا تامة الشروط فقال أبو المعالي: يغلب على الظن قبول توبته. وقال غيره: ~~يقطع على الله تعالى بقبول توبته كما أخبر عن نفسه عز وجل. قال ابن عطية: ~~وكان أبي رحمه الله يميل إلى هذا القول ويرجحه، وبه أقول، والله تعالى أرحم ~~بعباده من أن ينخرم في هذا التائب المفروض معنى قوله: (وهو الذي يقبل ~~التوبة عن عباده) وقوله تعالى: (وإني لغفار). # وإذا تقرر هذا فأعلم أن في قوله (على الله) حذفا وليس على ظاهره، وإنما ~~المعنى على فضل الله ورحمته بعباده. وهذا نحو قوله صلى الله عليه وسلم ~~لمعاذ: (أتدري ما حق العباد على الله)؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: (أن ~~يدخلهم الجنة). فهذا كله معناه: على فضله ورحمته بوعده الحق وقوله الصدق. ~~دليله قوله تعالى: (كتب على نفسه الرحمة (3)) أي وعد بها. وقيل: (على) ها ~~هنا معناها (عند) والمعنى واحد، التقدير: عند الله، أي إنه وعد ولا خلف في ~~وعده أنه يقبل التوبة إذا كانت بشروطها المصححة لها، وهي أربعة: الندم ~~بالقلب، وترك المعصية في الحال، والعزم على ألا يعود إلى مثلها، وأن يكون ~~ذلك حياء من الله تعالى لا من غيره، فإذا اختل شرط من هذه الشروط لم تصح ~~التوبة. # وقد قيل من شروطها: الاعتراف بالذنب وكثرة الاستغفار، وقد تقدم في (آل ~~عمران) كثير من معاني التوبة وأحكامها (4). ولا خلاف فيما أعلمه أن التوبة ~~لا تسقط حدا (5)، ولهذا قال علماؤنا: إن السارق والسارقة والقاذف ms1665 متى تابوا ~~وقامت الشهادة عليهم أقيمت عليهم الحدود. وقيل: (على) بمعنى (من) أي إنما ~~التوبة من الله للذين، قاله أبو بكر بن عبدوس، والله أعلم. وسيأتي في ~~(التحريم (6)) الكلام في التوبة النصوح والأشياء التي يتاب منها. # PageV05P091 # الثانية - قوله تعالى (للذين يعملون السوء بجهالة) السوء في هذه الآية، و ~~(الانعام) (أنه من عمل منكم سوءا بجهالة (1)) يعم الكفر والمعاصي، فكل من ~~عصى ربه فهو جاهل حتى ينزع عن معصيته. قال قتادة: أجمع أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم على أن كل معصية فهي بجهالة، عمدا كانت أو جهلا، وقال ابن ~~عباس وقتادة والضحاك ومجاهد والسدي. وروي عن الضحاك ومجاهد أنهما قالا: ~~الجهالة هنا العمد. وقال عكرمة: # أمور الدنيا كلها جهالة، يريد الخاصة بها الخارجة عن طاعة الله. وهذا ~~القول جار مع قوله تعالى: (إنما الحياة الدنيا (2) لعب ولهو). وقال الزجاج: ~~يعني قوله (بجهالة) اختيارهم اللذة الفانية على اللذة الباقية. وقيل: ~~(بجهالة) أي لا يعلمون كنه العقوبة، ذكره ابن فورك. قال ابن عطية: وضعف ~~قوله هذا ورد عليه. # الثالثة - قوله تعالى: (ثم يتوبون من قريب) قال ابن عباس والسدي: # معناه قبل المرض والموت. وروي عن الضحاك أنه قال: كل ما كان قبل الموت ~~فهو قريب. وقال أبو مجلز والضحاك أيضا وعكرمة وابن زيد وغيرهم: قبل ~~المعاينة للملائكة والسوق (3)، وأن يغلب المرء على نفسه. ولقد أحسن محمود ~~الوراق حيث قال: # قدم لنفسك توبة مرجوة * قبل الممات وقبل حبس الألسن بادر بها غلق (4) ~~النفوس فإنها * ذخر وغنم للمنيب المحسن قال علماؤنا رحمهم الله: وإنما صحت ~~التوبة منه في هذا الوقت، لان الرجاء باق ويصح منه الندم والعزم على ترك ~~الفعل. وقد روى الترمذي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن ~~الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر). قال: هذا حديث حسن غريب. ومعنى ما لم ~~يغرغر: ما لم تبلغ روحه حلقومه، فيكون بمنزلة الشئ الذي يتغر غربه. قاله ~~الهروي # PageV05P092 # وقيل: المعنى يتوبون على قرب عهد من الذنب من غير إصرار. ms1666 والمبادر في ~~الصحة أفضل، وألحق لأمله من العمل الصالح. والبعد كل البعد الموت، كما قال: # * وأين مكان البعد إلا مكانيا (1) * وروى صالح المري عن الحسن قال: من ~~عير أخاه بذنب قد تاب إلى الله منه ابتلاه الله به. وقال الحسن أيضا: إن ~~إبليس لما هبط قال: بعزتك لا أفارق ابن آدم ما دام الروح في جسده. قال الله ~~تعالى: (فبعزتي لا أحجب التوبة عن ابن آدم ما لم تغرغر نفسه). # الرابعة - قوله تعالى: (وليست التوبة) نفى سبحانه أن يدخل في حكم ~~التائبين من حضره الموت وصار في حين اليأس، كما كان فرعون حين صار في غمرة ~~الماء والغرق فلم ينفعه ما أظهر من الايمان، لان التوبة في ذلك الوقت لا ~~تنفع، لأنها حال زوال التكليف. وبهذا قال ابن عباس وابن زيد وجمهور ~~المفسرين. وأما الكفار يموتون على كفرهم فلا توبة لهم في الآخرة، وإليهم ~~الإشارة بقوله تعالى: (أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما) وهو الخلود. وإن كانت ~~الإشارة بقوله إلى الجميع فهو في جهة العصاة عذاب لا خلود معه، وهذا على أن ~~السيئات ما دون الكفر، أي ليست التوبة لمن عمل دون الكفر من السيئات ثم تاب ~~عند الموت، ولا لمن مات كافرا فتاب يوم القيامة. وقد قيل: # إن السيئات هنا الكفر، فيكون المعنى وليست التوبة للكفار الذين يتوبون ~~عند الموت، ولا للذين يموتون وهم كفار. وقال أبو العالية: نزل أول الآية في ~~المؤمنين (إنما التوبة على الله). والثانية في المنافقين. (وليست التوبة ~~للذين يعملون السيئات) يعني قبول التوبة للذين أصروا على فعلهم. (حتى إذا ~~حضر أحدهم الموت) يعني الشرق (2) والنزع ومعاينة ملك الموت. (قال إني تبت ~~الآن) فليس لهذا توبة. ثم ذكر توبة الكفار فقال تعالى: (ولا الذين يموتون ~~وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما) أي وجيعا دائما. وقد تقدم (3). # PageV05P093 # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا ~~تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن الا أن يأتين بفاحشة مبينة وعاشروهن ~~بالمعروف فان كرهتموهن فعسى ms1667 أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا (19) ~~فيه ثمان مسائل: # الأولى - قوله تعلى: (لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها) هذا متصل بما ~~تقدم ذكره من الزوجات. والمقصود نفي الظلم عنهن وإضرارهن، والخطاب ~~للأولياء. و (أن) في موضع رفع ب (يحل)، أي لا يحل لكم وراثة النساء. و ~~(كرها) مصدر في موضع الحال. # واختلفت الروايات وأقوال المفسرين في سبب نزولها، فروى البخاري عن ابن ~~عباس (يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن ~~لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن) قال: كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق ~~بامرأته، إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاءوا زوجوها، وإن شاءوا لم يزوجوها، ~~فهم أحق بها من أهلها فنزلت هذه الآية في ذلك. وأخرجه أبو داود بمعناه. ~~وقال الزهري وأبو مجلز: كان من عادتهم إذا مات الرجل يلقي ابنه من غيرها أو ~~أقرب عصبته ثوبه على المرأة فيصير أحق بها من نفسها ومن أوليائها، فإن شاء ~~تزوجها بغير صداق إلا الصداق الذي أصدقها الميت، وان شاء زوجها من غيره ~~وأخذ صداقها ولم يعطها شيئا، وإن شاء عضلها لتفتدى منه بما ورثته من الميت ~~أو تموت فيرثها، فأنزل الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ~~ترثوا النساء كرها). فيكون المعنى: لا يحل لكم أن ترثوهن من أزواجهن ~~فتكونوا أزواجا لهن. وقيل: # كان الوارث إن سبق فألقى عليها ثوبا فهو أحق بها، وإن سبقته فذهبت إلى ~~أهلها كانت أحق بنفسها، قال السدي. وقيل: كان يكون عند الرجل عجوز ونفسه ~~تتوق إلى الشابة فيكره فراق العجوز لمالها فيمسكها ولا يقربها حتى تفتدي ~~منه بمالها أو تموت فيرث مالها. # فنزلت هذه الآية. وأمر الزوج أن يطلقها إن كره صحبتها ولا يمسكها كرها، ~~فذلك قوله PageV05P094 # تعالى: (لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها). والمقصود من الآية إذهاب ما ~~كانوا عليه في جاهليتهم، وألا تجعل النساء كالمال يورثن عن الرجال كما يورث ~~المال. (وكرها) بضم الكاف قراءة حمزة والكسائي، الباقون بالفتح، وهما ~~لغتان. ms1668 وقال القتبي: الكره (بالفتح) بمعنى الاكراه، والكره (بالضم) المشقة. ~~يقال: لتفعل ذلك طوعا أو كرها، يعني طائعا أو مكرها. والخطاب للأولياء. ~~وقيل: لأزواج النساء إذا حبسوهن مع سوء العشرة طماعية إرثها، أو يفتدين ~~ببعض مهورهن، وهذا أصح. واختاره ابن عطية قال: # ودليل ذلك قوله تعالى: (إلا أن يأتين بفاحشة) وإذا أتت بفاحشة فليس للولي ~~حبسها حتى يذهب بمالها إجماعا من الأمة، وإنما ذلك للزوج، على ما يأتي ~~بيانه في المسألة بعد هذا. # الثانية - قوله تعالى: (ولا تعضلوهن) قد تقدم معنى العضل وأنه المنع في ~~(البقرة (1)). (الا أن يأتين بفاحشة مبينة) اختلف الناس في معنى الفاحشة، ~~فقال الحسن: هو الزنا، وإذا زنت البكر فإنها تجلد مائة وتنفى سنة، وترد إلى ~~زوجها ما أخذت منه. وقال أبو قلابة: إذا زنت امرأة الرجل فلا بأس أن يضارها ~~ويشق عليها حتى تفتدي منه. وقال السدي: إذا فعلن ذلك فخذوا مهورهن. وقال ~~ابن سيرين وأبو قلابة: لا يحل له أن يأخذ منها فدية إلا أن يجد على بطنها ~~رجلا، قال الله تعالى: (إلا أن يأتين بفاحشة مبينة). وقال ابن مسعود وابن ~~عباس والضحاك وقتادة: الفاحشة المبينة في هذه الآية البغض والنشوز، قالوا: ~~فإذا نشزت حل له أن يأخذ مالها، وهذا هو مذهب مالك. # قال ابن عطية: إلا أني لا أحفظ له لصا في الفاحشة في الآية. وقال قوم: ~~الفاحشة البذاء باللسان وسوء العشرة قولا وفعلا، وهذا في معنى النشوز. ومن ~~أهل العلم من يجيز أخذ المال من الناشز على جهة الخلع، إلا أنه يرى ألا ~~يتجاوز ما أعطاها ركونا إلى قوله تعالى: (تذهبوا ببعض ما آتيتموهن). وقال ~~مالك و جماعة من أهل العلم: للزوج أن يأخذ من الناشز جميع ما تملك. قال ابن ~~عطية: والزنا أصعب على الزوج من النشوز والأذى، وكل ذلك فاحشة تحل أخذ ~~المال. قال أبو عمر: قول ابن سيرين وأبي قلابة # PageV05P095 # عندي ليس بشئ، لان الفاحشة قد تكون البذاء والأذى، ومنه قيل للبذي: فاحش ~~ومتفحش، وعلى أنه لو أطلع منها على ms1669 الفاحشة كان له لعانها، وإن شاء طلقها، ~~وأما أن يضارها حتى تفتدي منه بمالها فليس له ذلك، ولا أعلم أحدا قال: له ~~أن يضارها ويسئ إليها حتى تختلع منه إذا وجدها تزني غير أبي قلابة. والله ~~أعلم. وقال الله عز وجل: (فإن خفتم ألا يقيما حدود الله) يعني في حسن ~~العشرة والقيام بحق الزوج وقيامه بحقها (فلا جناح عليهما فيما افتدت به ~~(1)). وقال الله عز وجل: (فإن طبن لكم عن شئ منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا ~~(2)) فهذه الآيات أصل هذا الباب. وقال عطاء الخراساني: كان الرجل إذا أصابت ~~امرأته فاحشة أخذ منها ما ساق إليها وأخرجها، فنسخ ذلك بالحدود. وقول رابع ~~(إلا أن يأتين بفاحشة مبينة) إلا أن يزنين فيحبسن في البيوت، فيكون هذا قبل ~~النسخ، وهذا في معنى قول عطاء، وهو ضعيف. # الثالثة - وإذا تنزلنا على القول بأن المراد بالخطاب في العضل الأولياء ~~ففقهه أنه متى صح في ولى أنه عاضل نظر القاضي في أمر المرأة وزوجها، الا ~~الأب في بناته، فإنه ان كان في عضله صلاح فلا يعترض، قولا واحد، وذلك ~~بالخاطب والخاطبين وان صح عضله ففيه قولان في مذهب مالك: أنه كسائر ~~الأولياء، يزوج القاضي من شاء التزويج من بناته وطلبه. والقول الاخر - لا ~~يعرض له: الرابعة - يجور أن يكون (تعضلوهن) جزما على النهى، فتكون الواو ~~عاطفة جملة كلام مقطوعة من الأولى، ويجوز أن يكون نصبا عطفا على (أن ترثوا) ~~فتكون الواو مشتركة: # عطفت فعلا على فعل. وقرأ ابن مسعود (ولا أن تعضلوهن) فهذه القراءة تقوى ~~احتمال النصب، وأن العضل مما لا يجوز بالنص. # الخامسة - قوله تعالى: (مبينة) بكسر الياء قراءة نافع وأبي عمرو، ~~والباقون بفتح الياء. وقرأ ابن عباس (مبينة) بكسر الباء وسكون الياء، من ~~أبان الشئ، يقال: أبان الامر بنفسه، وأبنته وبين وبينته، وهذه القراءات ~~كلها لغات فصيحة. # PageV05P096 # السادسة - قوله تعالى: (وعاشروهن بالمعروف) أي على ما أمر الله به من حسن ~~المعاشرة. والخطاب للجميع، إذ لكل أحد عشرة، زوجا كان أو وليا، ولكن المراد ~~بهذا ms1670 الامر في الأغلب الأزواج، وهو مثل قوله تعالى: (فإمساك (1) بمعروف) ~~وذلك توفية حقها من المهر والنفقة، وألا يعبس في وجهها بغير ذنب، وأن يكون ~~منطلقا في القول لا فظا ولا غليظا ولا مظهرا ميلا إلى غيرها. والعشرة: ~~المخالطة والممازجة. ومنه قول طرفة: # فلئن شطت نواها مرة * لعلى عهد حبيب معتشر جعل الحبيب. جمعا كالخليط ~~والغريق. وعاشره معاشرة، وتعاشر القوم واعتشروا. فأمر الله سبحانه بحسن ~~صحبة النساء إذا عقدوا عليهن لتكون أدمة (2) ما بينهم وصحبتهم على الكمال، ~~فإنه أهدأ للنفس وأهنأ للعيش. وهذا واجب على الزوج ولا يلزمه في القضاء. ~~وقال بعضهم: هو أن يتصنع لها كما تتصنع له. وقال يحيى بن عبد الرحمن ~~الحنظلي: أتيت محمد ابن الحنفية فخرج إلي في ملحفة حمراء ولحيته تقطر من ~~الغالية (3)، فقلت: ما هذا؟ قال: إن هذه الملحفة ألقتها علي امرأتي ودهنتني ~~بالطيب، وإنهن يشتهين مناما نشتهيه منهن. وقال ابن عباس رضي الله عنه: إني ~~أحب أن أتزين لامرأتي كما أحب أن تتزين [المرأة (4)] لي. وهذا داخل فيما ~~ذكرناه. قال ابن عطية: وإلى معنى الآية ينظر قول النبي صلى الله عليه وسلم: # (فاستمتع بها وفيها عوج) أي لا يكن منك سوء عشرة مع اعوجاجها، فعنها تنشأ ~~المخالفة وبها يقع الشقاق، وهو سبب الخلع. # السابعة - استدل علماؤنا بقوله تعالى: (وعاشروهن بالمعروف) على أن المرأة ~~إذا كانت لا يكفيها خادم واحد أن عليه أن يخدمها قدر كفايتها، كابنة ~~الخليفة والملك وشبههما ممن لا يكفيها خادم واحد، وأن ذلك هو المعاشرة ~~بالمعروف. وقال الشافعي # PageV05P097 # وأبو حنيفة: لا يلزمه إلا خادم واحد، وذلك يكفيها خدمة نفسها، وليس في ~~العالم امرأة إلا وخادم واحد يكفيها، وهذا كالمقاتل تكون له أفراس عدة فلا ~~يسهم له إلا لفرس واحد، لأنه لا يمكنه القتال إلا على فرس [واحد (1)]. قال ~~علماؤنا: وهذا غلط، لان مثل بنات الملوك اللاتي لهن خدمة كثيرة لا يكفيها ~~خادم واحد، لأنها تحتاج من غسل ثيابها وإصلاح مضجعها (2) وغير ذلك إلى ما ~~لا يقوم به الواحد، وهذا بين. والله ms1671 أعلم. # الثامنة - قوله تعالى: (فإن كرهتموهن) أي لدمامة أو سوء خلق من غير ~~ارتكاب فاحشة أو نشوز، فهذا يندب فيه إلى الاحتمال، فعسى أن يؤل الامر إلى ~~أن يرزق الله منها أولادا صالحين. و (أن) رفع ب (عسى) وأن والفعل مصدر. # قلت: ومن هذا المعنى ما ورد في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: (لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقا رضي منها آخر) ~~أو قال (غيره). المعنى: أي لا يبغضها بغضا كليا يحمله على فراقها. أي لا ~~ينبغي له ذلك بل يغفر سيئتها لحسنتها ويتغاضى عما يكره لما يحب. وقال ~~مكحول: سمعت ابن عمر يقول: إن الرجل ليستخير الله تعالى فيخار له، فيسخط ~~على ربه عز وجل فلا يلبث أن ينظر في العاقبة فإذا هو قد خير له. وذكر ابن ~~العربي قال أخبرني أبو القاسم بن حبيب بالمهدية، عن أبي القاسم السيوري عن ~~أبي بكر بن عبد الرحمن حيث قال: كان الشيخ أبو محمد بن أبي زيد من العلم ~~والدين في المنزلة والمعرفة. وكانت له زوجة سيئة العشرة وكانت تقصر في ~~حقوقه وتؤذيه بلسانها، فيقال له في أمرها ويعذل بالصبر عليها، فكان يقول: ~~أنا رجل قد أكمل الله علي النعمة في صحة بدني ومعرفتي وما ملكت يميني، ~~فلعلها بعثت عقوبة على ذنبي فأخاف إن فارقتها أن تنزل بي عقوبة هي أشد ~~منها. قال علماؤنا: في هذا دليل على كراهة الطلاق مع الإباحة. وروي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله لا يكره شيئا أباحه إلا الطلاق ~~والاكل وإن الله ليبغض المعي إذا امتلأ). # PageV05P098 # قوله تعالى: وان أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا ~~تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا واثما مبينا (20) وكيف تأخذونه وقد أفضى ~~بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا (21) فيه ست مسائل: # الأولى - لما مضى في الآية المتقدمة حكم الفراق الذي سببه المرأة، وأن ~~للزوج أخذ المال منها عقب ذلك بذكر الفراق الذي سببه ms1672 الزوج، وبين أنه إذا ~~أراد الطلاق من غير نشوز وسوء عشرة فليس له أن يطلب منها مالا. # الثانية - واختلف العلماء إذا كان الزوجان يريدان الفراق وكان منهما نشوز ~~وسوء عشرة، فقال مالك رضي الله عنه: للزوج أن يأخذ منها إذا تسببت في ~~الفراق ولا يراعى تسببه هو. # وقال جماعة من العلماء: لا يجوز له أخذ المال إلا أن تنفرد هي بالنشوز ~~وتطلبه في ذلك. # الثالثة - قوله تعالى: (وآتيتم إحداهن قنطارا) الآية. دليل على جواز ~~المغالاة في المهور، لان الله تعالى لا يمثل إلا بمباح. وخطب عمر رضي الله ~~عنه فقال: ألا لا تغالوا في صدقات النساء فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو ~~تقوى عند الله لكان أولاكم بها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ما أصدق قط ~~امرأة من نسائه ولا بناته (1) فوق اثنتي عشرة أوقية. فقامت إليه امرأة ~~فقالت: يا عمر، يعطينا الله وتحرمنا! أليس الله سبحانه وتعالى يقول: ~~(وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا)؟ فقال عمر: أصابت امرأة وأخطأ ~~عمر. وفي رواية فأطرق عمر ثم قال: كل الناس أفقه منك يا عمر!. وفي أخرى: ~~امرأة أصابت ورجل أخطأ. وترك الانكار. أخرجه أبو حاتم البستي في صحيح مسنده ~~عن أبي العجفاء السلمي قال: خطب عمر الناس، فذكره إلى قوله: اثنتي عشرة ~~أوقية، ولم يذكر: # PageV05P099 # فقامت إليه امرأة. إلى آخره. وأخرجه ابن ماجة في سننه عن أبي العجفاء، ~~وزاد بعد قوله: # أوقية. وأن الرجل ليثقل صدقة امرأته حتى تكون لها عداوة في نفسه، ويقول: ~~قد كلفت إليك علق القربة - أو عرق القربة، وكنت رجلا عربيا مولدا (1) ما ~~أدري ما علق القربة أو عرق القربة. قال الجوهري: وعلق القربة لغة في عرق ~~القربة. قال غيره: ويقال علق القربة عصامها الذي تعلق به. يقول كلفت إليك ~~حتى عصام القربة. وعرق القربة ماؤها، يقول: جشمت إليك حتى سافرت واحتجت إلى ~~عرق القربة، وهو ماؤها في السفر. # ويقال: بل عرق القربة أن يقول: نصبت لك وتكلفت حتى عرقت عرق القربة، وهو ~~سيلانها. ms1673 وقيل: إنهم كانوا يتزودون الماء فيعلقونه على الإبل يتناوبونه ~~فيشق على الظهر، ففسر به اللفظان: العرق والعلق. وقال الأصمعي: عرق القربة ~~كلمة معناها الشدة. قال: # ولا أدري ما أصلها. قال الأصمعي: وسمعت ابن أبي طرفة وكان من أفصح من ~~رأيت يقول: سمعت شيخاننا يقولون: لقيت من فلان عرق القربة، يعنون الشدة. ~~وأنشدني لابن الأحمر: # ليست بمشتمة تعد وعفوها * عرق السقاء على القعود اللاغب قال أبو عبيد: ~~أراد أنه يسمع الكلمة تغيظه وليست بشتم فيؤاخذ صاحبها بها، وقد أبلغت إليه ~~كعرق القربة، فقال: كعرق السقا لما لم يمكنه الشعر، ثم قال: على القعود ~~اللاغب، وكان معناه أن تعلق القربة على القعود في أسفارهم. وهذا المعنى ~~شبيه بما كان الفراء يحكيه، زعم أنهم كانوا في المفاوز في أسفارهم يتزودون ~~الماء فيعلقونه على الإبل يتناوبونه، فكان في ذلك تعب ومشقة على الظهر. ~~وكان الفراء يجعل هذا التفسير في علق القربة باللام. وقال قوم: # لا تعطى الآية جواز المغالاة بالمهور، لان التمثيل بالقنطار إنما هو على ~~جهة المبالغة، كأنه قال: # وآتيتم هذا القدر العظيم الذي لا يؤتيه أحد. وهذا كقوله صلى الله عليه ~~وسلم: (من بنى لله مسجدا ولو كمفحص (2) قطاة بنى الله له بيتا في الجنة). ~~ومعلوم أنه لا يكون مسجد # PageV05P100 # كمفحص قطاة. وقد قال صلى الله عليه وسلم لابن أبي حدرد وقد جاء يستعينه ~~في مهره، فسأله عنه فقال: مائتين، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ~~(كأنكم تقطعون الذهب والفضة من عرض الحرة (1) أو جبل). فاستقرأ بعض الناس ~~من هذا منع المغالاة بالمهور، وهذا لا يلزم، وإنكار النبي صلى الله عليه ~~وسلم على هذا الرجل المتزوج ليس إنكارا لأجل المغالاة والاكثار في المهور، ~~وإنما الانكار لأنه كان فقيرا في تلك الحال فأحوج نفسه إلى الاستعانة ~~والسؤال، وهذا مكروه باتفاق. وقد أصدق عمر أم كلثوم بنت علي من فاطمة رضوان ~~الله عليهم أربعين ألف درهم. وروى أبو داود عن عقبة بن عامر أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال لرجل: (أترضى ms1674 أن أزوجك فلانة)؟ قال: نعم. وقال للمرأة: # (أترضين أن أزوجك فلانا)؟ قالت: نعم. فزوج أحدهما من صاحب، فدخل بها ~~الرجل ولم يفرض لها صداقا ولم يعطها شيئا، وكان ممن شهد الحديبية وله سهم ~~بخيبر، فلما حضرته الوفاة قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجني ~~فلانة ولم أفرض لها صداقا ولم أعطها شيئا، وإني أشهدكم أني قد أعطيتها من ~~صداقها سهمي بخيبر، فأخذت سهمها فباعته بمائة ألف. وقد أجمع العلماء على ~~ألا تحديد في أكثر الصداق، لقوله تعالى: (واتيتم إحداهن قنطارا) واختلفوا ~~في أقله، وسيأتي عند قوله تعالى: (أن تبتغوا بأموالكم). ومضى القول في ~~تحديد القنطار في (آل عمران (2)). وقرأ ابن محيصن (وآتيتم إحداهن) بوصل ألف ~~(إحداهن) وهي لغة، ومنه قول الشاعر: # * وتسمع من تحت العجاج لها ازملا (3) * وقول الآخر: # * إن لم أقاتل فألبسوني برقعا * الرابعة - قوله تعالى: (فلا تأخذوا منه ~~شيئا) قال بكر بن عبد الله المزني: لا يأخذ الزوج من المختلعة شيئا، لقول ~~الله تعالى: (فلا تأخذوا)، وجعلها ناسخة لآية (البقرة). # وقال ابن زيد وغيره: هي منسوخة بقوله تعالى في سورة البقرة (ولا يحل لكم ~~أن تأخذوا # PageV05P101 # مما آتيتموهن شيئا (1)). والصحيح أن هذه الآيات محكمة وليس فيها ناسخ ولا ~~منسوخ وكلها يبنى بعضها على بعض. قال الطبري: هي محكمة، ولا معنى لقول بكر: ~~إن أرادت هي العطاء، فقد جوز النبي صلى الله عليه وسلم لثابت أن يأخذ من ~~زوجته ما ساق إليها. (بهتانا) مصدر في موضع الحال (وإثما) معطوف عليه ~~(مبينا) من نعته. # الخامسة - قوله تعالى: (وكيف تأخذونه) الآية. تعليل لمنع الاخذ مع ~~الخلوة. # وقال بعضهم: الافضاء إذا كان معها في لحاف واحد جامع أو لم يجامع، حكاه ~~الهروي وهو قول الكلبي. وقال الفراء: الافضاء أن يخلو الرجل والمرأة وأن ~~يجامعها. وقال ابن عباس ومجاهد والسدي وغيرهم: الافضاء في هذه الآية ~~الجماع. قال ابن عباس: ولكن الله كريم يكنى. وأصل الافضاء في اللغة ~~المخالطة، ويقال للشئ المختلط: فضا. قال الشاعر: # فقلت لها يا عمتي لك ناقتي * وتمر ms1675 فضا في عيبتي وزبيب (2) ويقال: القوم ~~فوضى فضا، أي مختلطون لا أمير عليهم. وعلى أن معنى (أفضى) خلا وإن لم يكن ~~جامع، هل يتقرر المهر بوجود الخلوة أم لا؟ اختلف علماؤنا في ذلك على أربعة ~~أقوال: يستقر بمجرد الخلوة. لا يستقر إلا بالوطئ. يستقر بالخلوة في بيت ~~الاهداء. التفرقة بين بيته وبيتها. والصحيح استقراره بالخلوة مطلقا، وبه ~~قال أبو حنيفة وأصحابه، قالوا: # إذا خلا بها خلوة صحيحة يجب كمال المهر والعدة دخل بها أو لم يدخل بها، ~~لما رواه الدارقطني عن ثوبان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من ~~كشف خمار امرأة ونظر إليها وجب الصداق). وقال عمر: إذا أغلق بابا وأرخى ~~سترا ورأى عورة فقد وجب الصداق وعليها العدة ولها الميراث. وعن علي: إذا ~~أغلق بابا وأرخى سترا ورأى عورة فقد وجب الصداق. # وقال مالك: إذا طال مكثه معها مثل السنة ونحوها، واتفقا على ألا مسيس ~~وطلبت المهر كله كان لها. وقال الشافعي: لا عدة عليها ولها نصف المهر. وقد ~~مضى في (البقرة (3)). # PageV05P102 # السادسة - قوله تعالى: (وأخذن منكم ميثاقا غليظا) فيه ثلاثة أقوال. قيل: # هو قوله عليه السلام: (فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله ~~واستحللتم فروجهن بكلمة الله). قاله عكرمة والربيع. الثاني - قوله تعالى: ~~(فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان) قاله الحسن وابن سيرين وقتادة والضحاك ~~والسدي. الثالث - عقدة النكاح قول الرجل: نكحت وملكت [عقدة (1)] النكاح، ~~قال مجاهد وابن زيد. وقال قوم: الميثاق الغليظ الولد. والله أعلم. # قوله تعالى: ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء الا ما قد سلف انه كان ~~فاحشة ومقتا وساء سبيلا (22) فيه أربع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء) يقال: كان ~~الناس يتزوجون امرأة الأب برضاها بعد نزول قوله تعالى: (يا أيها الذين ~~آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها) حتى نزلت هذه الآية: (ولا تنكحوا ~~ما نكح آباؤكم) فصار حراما في الأحوال كلها، لان النكاح يقع على الجماع ~~والتزوج، فإن كان الأب تزوج امرأة ms1676 أو وطئها بغير نكاح حرمت على ابنه، على ~~ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. # الثانية - قوله تعالى: (ما نكح) قيل: المراد بها النساء. وقيل: العقد، أي ~~نكاح آبائكم الفاسد المخالف لدين الله، إذ الله قد أحكم وجه النكاح وفصل ~~شروطه. وهو اختيار الطبري. ف (من) متعلقة ب (تنكحوا) و (ما نكح) مصدر. قال: ~~ولو كان معناه ولا تنكحوا النساء اللاتي نكح آباؤكم لوجب أن يكون موضع (ما) ~~(من). فالنهي على هذا إنما وقع على ألا ينكحوا مثل نكاح آبائهم الفاسد. ~~والأول أصح، وتكون (ما) بمعنى (الذي) و (من). # والدليل عليه أن الصحابة تلقت الآية على ذلك المعنى، ومنه استدلت على منع ~~نكاح الأبناء حلائل الآباء. وقد كان في العرب قبائل قد اعتادت أن يخلف ابن ~~الرجل على امرأة أبيه، # PageV05P103 # وكانت هذه السيرة في الأنصار لازمة، وكانت في قريش مباحة مع التراضي. ألا ~~ترى أن عمرو بن أمية خلف على امرأة أبيه بعد موته فولدت له مسافرا وأبا ~~معيط، وكان لها من أمية أبو العيص وغيره، فكان بنو أمية إخوة مسافر وأبي ~~معيط وأعمامهما. ومن ذلك صفوان بن أمية بن خلف تزوج بعد أبيه امرأته فاختة ~~بنت الأسود بن المطلب بن أسد، وكان أمية قتل عنها. ومن ذلك منظور بن زبان ~~خلف على مليكة بنت خارجة، وكانت تحت أبيه زبان بن سيار. ومن ذلك حصن بن أبي ~~قيس تزوج امرأة أبيه كبيشة بنت معن. والأسود بن خلف تزوج امرأة أبيه. وقال ~~الأشعث بن سوار: توفي أبو قيس وكان من صالحي الأنصار فخطب ابنه قيس امرأة ~~أبيه فقالت: إني أعدك ولدا، ولكني آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أستأمره، فأتته فأخبرته فأنزل الله هذه الآية. وقد كان في العرب من تزوج ~~ابنته، وهو حاجب بن زرارة تمجس وفعل هذه الفعلة، ذكر ذلك النضر بن شميل في ~~كتاب المثالب. فنهى الله المؤمنين عما كان عليه آباؤهم من هذه السيرة. # الثالثة - قوله تعالى: (الا ما قد سلف) أي تقدم ومضى. والسلف، من ms1677 تقدم من ~~آبائك وذوي قرابتك. وهذا استثناء منقطع، أي لكن ما قد سلف فاجتنبوه ودعوه. # وقيل: (إلا) بمعنى بعد، أي بعد ما سلف، كما قال تعالى: (لا يذوقون فيها ~~الموت إلا الموتة الأولى) أي بعد الموتة (1) الأولى. وقيل: (إلا ما قد سلف) ~~أي ولا ما سلف، كقوله تعالى: (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ (2)) ~~يعني ولا خطأ. وقيل: في الآية تقديم وتأخير، معناه: ولا تنكحوا ما نكح ~~آباؤكم من النساء إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا إلا ما قد سلف. وقيل: في ~~الآية إضمار لقوله (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء) فإنكم إن فعلتم ~~تعاقبون وتؤاخذون إلا ما قد سلف. # الرابعة - قوله تعالى: (انه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا) عقب بالذم ~~البالغ المتتابع، وذلك دليل على أنه فعل انتهى من القبح إلى الغاية. قال ~~أبو العباس: سألت ابن الأعرابي عن نكاح المقت فقال: هو أن يتزوج الرجل ~~امرأة أبيه إذا طلقها أو مات # PageV05P104 # عنها، ويقال لهذا الرجل: الضيزن (1). وقال ابن عرفة: كانت العرب إذا تزوج ~~الرجل امرأة أبيه فأولدها قيل للولد: المقتي. وأصل المقت البغض، من مقته ~~يمقته مقتا فهو ممقوت ومقيت. فكانت العرب تقول للرجل من امرأة أبيه: مقيت، ~~فسمى تعالى هذا النكاح (مقتا) إذ هو ذا مقت يلحق فاعله. وقيل: المراد ~~بالآية النهي عن أن يطأ الرجل امرأة وطئها الآباء، إلا ما قد سلف من الآباء ~~في الجاهلية من الزنى بالنساء لا على وجه المناكحة فإنه جائز لكم زواجهن. ~~وأن تطئوا بعقد النكاح ما وطئه آباؤكم من الزنى، قال ابن زيد. وعليه فيكون ~~الاستثناء متصلا، ويكون أصلا في أن الزنى لا يحرم على ما يأتي بيانه. والله ~~أعلم. # قوله تعالى: حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالا تكم ~~وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم الآتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات ~~نسائكم وربائبكم الآتي في حجوركم من نسائكم الآتي دخلتم بهن فان لم تكونوا ~~دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وان تجمعوا بين ms1678 ~~الأختين الا ما قد سلف ان الله كان غفورا رحيما (23) فيه إحدى وعشرون ~~مسألة: # الأولى - قوله تعالى: (حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم) الآية. أي نكاح ~~أمهاتكم ونكاح بناتكم، فذكر الله تعالى في هذه الآية ما يحل من النساء وما ~~يحرم، كما ذكر تحريم حليلة الأب. فحرم الله سبعا من النسب وستا (2) من رضاع ~~وصهر، وألحقت السنة المتواترة سابعة، وذلك الجمع بين المرأة وعمتها، ونص ~~عليه الاجماع. وثبتت الرواية عن ابن عباس قال: حرم من النسب سبع ومن الصهر ~~سبع، وتلا هذه الآية. وقال عمرو بن سالم مولى الأنصار مثل ذلك، وقال: ~~السابعة قوله تعالى: (والمحصنات). فالسبع المحرمات من النسب: الأمهات ~~والبنات والأخوات والعمات والخالات، وبنات الأخ وبنات الأخت. # PageV05P105 # والسبع المحرمات بالصهر والرضاع: الأمهات من الرضاعة والأخوات من ~~الرضاعة، وأمهات النساء والربائب وحلائل الأبناء والجمع بين الأختين، ~~والسابعة (ولا تنكحوا ما نكح آبائكم). قال الطحاوي: وكل هذا من المحكم ~~المتفق عليه، وغير جائز نكاح واحدة منهن بإجماع إلا أمهات النساء اللواتي ~~لم يدخل بهن أزواجهن، فإن جمهور السلف ذهبوا إلى أن الام تحرم بالعقد على ~~الابنة، ولا تحرم الابنة إلا بالدخول بالام، وبهذا قول جمعي أئمة الفتوى ~~بالامصار. وقالت طائفة من السلف: الام والربيبة سواء، لا تحرم منهما واحدة ~~إلا بالدخول بالأخرى. # قالوا: ومعنى قوله: (وأمهات نسائكم) أي اللاتي دخلتم بهن. (وربائبكم ~~اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن). وزعموا أن شرط الدخول راجع ~~إلى الأمهات والربائب جميعا، رواه خلاس (2) عن علي بن أبي طالب. وروي عن ~~ابن عباس وجابر وزيد ابن ثابت، وهو قول ابن الزبير ومجاهد. قال مجاهد: ~~الدخول مراد في النازلتين، وقول الجمهور مخالف لهذا وعليه الحكم والفتيا، ~~وقد شدد أهل العراق فيه حتى قالوا: لو وطئها بزنى أو قبلها أو لمسها بشهوة ~~حرمت عليه ابنتها. وعندنا وعند الشافعي إنما تحرم بالنكاح الصحيح، والحرام ~~لا يحرم الحلال على ما يأتي. وحديث خلاس عن علي لا تقوم به حجة، ولا تصح ~~روايته عند أهل العلم بالحديث، والصحيح عنه مثل ms1679 قول الجماعة. قال ابن جريج: ~~قلت لعطاء الرجل ينكح المرأة ثم لا يراها ولا يجامعها حتى يطلقها أو تحل له ~~أمها؟ قال: لا، هي مرسلة دخل بها أو لم يدخل. فقلت له: أكان ابن عباس يقرأ: ~~(وأمهات نسائكم اللاتي دخلتم بهن)؟ قال: لا لا. وروى سعيد عن قتادة عن ~~عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى: (وأمهات نسائكم) قال: هي مبهمة لا تحل ~~بالعقد على الابنة، وكذلك روى مالك في موطئه عن زيد بن ثابت، وفيه: (فقال ~~زيد لا، الام مبهمة [ليس فيها شرط (3)] وإنما الشرط في الربائب). قال ابن ~~المنذر: وهذا هو الصحيح، لدخول جميع أمهات النساء في قوله تعالى: (وأمهات ~~نسائكم). ويؤيد هذا القول من جهة الاعراب # PageV05P106 # أن الخبرين إذا اختلفا في العامل لم يكن نعتهما واحدا، فلا يجوز عند ~~النحويين مررت بنسائك وهربت من نساء زيد الظريفات، على أن تكون (الظريفات) ~~نعتا لنسائك ونساء زيد، فكذلك الآية لا يجوز أن يكون (اللاتي) من نعتهما ~~جميعا، لان الخبرين مختلفان، ولكنه يجوز على معنى أعني. وأنشد الخليل ~~وسيبويه: # ان بها أكتل أو رزاما * خويربين ينقفان الهاما (1) خويربين يعني لصين، ~~بمعنى أعني. وينقفان: يكسران، نقفت رأسه كسرته. وقد جاء صريحا من حديث عمرو ~~بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا نكح الرجل ~~المرأة فلا يحل له أن يتزوج أمها دخل بالبنت أو لم يدخل وإذا تزوج الام فلم ~~يدخل بها ثم طلقها فإن شاء تزوج البنت) أخرجه (2) في الصحيحين الثانية - ~~وإذا تقرر هذا وثبت فاعلم أن التحريم ليس صفة للأعيان، والأعيان ليست موردا ~~للتحليل والتحريم ولا مصدرا، وإنما يتعلق التكليف بالامر والنهي بأفعال ~~المكلفين من حركة وسكون، لكن الأعيان لما كانت موردا للأفعال أضيف الأمر ~~والنهي والحكم إليها وعلق بها مجازا على معنى الكناية بالمحل عن الفعل الذي ~~يحل به. # الثالثة - قوله تعالى: (أمهاتكم) تحريم الأمهات عام في كل حال لا يتخصص ~~بوجه من الوجوه، ولهذا يسميه أهل العلم المبهم، أي لا باب فيه ms1680 ولا طريق ~~إليه لانسداد التحريم وقوته، وكذلك تحريم البنات والأخوات ومن ذكر من ~~المحرمات. والأمهات جمع أمهة، يقال: أم وأمهة بمعنى واحد، وجاء القرآن ~~بهما. وقد تقدم في الفاتحة (3) بيانه. # وقيل: إن أصل أم أمهة على وزن فعلة مثل قبرة وحمرة لطيرين، فسقطت وعادت ~~في الجمع. قال الشاعر: # * أمهتي خندف والدوس (4) أبي * وقيل: أصل الام أمة، وأنشدوا: # تقبلتها عن أمة لك طالما * تثوب إليها في النوائب أجمعا # PageV05P107 # ويكون جمعها أمات. قال الراعي: # كانت نجائب منذر ومحرق * أماتهن وطرقهن فحيلا فالأم اسم لكل أنثى لها ~~عليك ولادة، فيدخل في ذلك الام دنية (1)، وأمهاتها وجداتها وأم الأب وجداته ~~وإن علون. والبنت اسم لكل أنثى لك عليها ولادة، وإن شئت قلت: # كل أنثى يرجع نسبها إليك بالولادة بدرجة أو درجات، فيدخل في ذلك بنت ~~الصلب وبناتها وبنات الأبناء وإن نزلن. والأخت اسم لكل أنثى جاورتك في ~~أصليك أو في أحدهما. # والبنات جمع بنت، والأصل بنية، والمستعمل ابنة وبنت. قال الفراء: كسرت ~~الباء من بنت لتدل الكسرة على الياء، وضمت الألف من أخت لتدل على حذف ~~الواو، فإن أصل أخت أخوة، والجمع أخوات. والعمة اسم لكل أنثى شاركت أباك أو ~~جدك في أصليه أو في أحدهما. وإن شئت قلت: كل ذكر رجع نسبه إليك فأخته عمتك. ~~وقد تكون العمة من جهة الام، وهي أخت أب أمك. والخالة اسم لكل أنثى شاركت ~~أمك في أصليها أو في أحدهما. وإن شئت قلت: كل أنثى رجع نسبها إليك بالولادة ~~فأختها خالتك. # وقد تكون الخالة من جهة الأب وهي أخت أم أبيك. وبنت الأخ اسم لكل أنثى ~~لأخيك عليها ولادة بواسطة أو مباشرة، وكذلك بنت الأخت. فهذه السبع المحرمات ~~من النسب. # وقرأ نافع - في رواية أبي بكر بن أبي أويس - بتشديد الخاء من الأخ إذا ~~كانت فيه الألف واللام مع نقل الحركة. # الرابعة قوله تعالى: (وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم) وهي في التحريم مثل من ~~ذكرنا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يحرم من الرضاع ما يحرم من ~~النسب). ms1681 وقرأ عبد الله (وأمهاتكم اللائي) بغير تاء، كقوله تعالى: (واللائي ~~يئسن من المحيض (2)). # قال الشاعر: # من اللاء لم يحججن يبغين حسبة (3) * ولكن ليقتلن البرئ المغفلا # PageV05P108 # (أرضعنكم) فإذا أرضعت المرأة طفلا حرمت عليه لأنها أمه، وبنتها لأنها ~~أخته، وأختها لأنها خالته، وأمها لأنها جدته، وبنت زوجها صاحب اللبن لأنها ~~أخته، وأخته لأنها عمته، وأمه لأنها جدته، وبنات بنيها وبناتها لأنهن بنات ~~إخوته وأخواته. # الخامسة - قال أبو نعيم عبيد الله بن هشام الحلبي: سئل مالك عن المرأة ~~أيحج معها أخوها من الرضاعة؟ قال: نعم. قال أبو نعيم: وسئل مالك عن امرأة ~~تزوجت فدخل بها زوجها. ثم جاءت امرأة فزعمت أنها أرضعتهما، قال: يفرق ~~بينهما، وما أخذت من شئ له فهو لها، وما بقي عليه فلا شئ عليه. ثم قال ~~مالك: إن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن مثل هذا فأمر بذلك، فقالوا: يا ~~رسول الله، إنها امرأة ضعيفة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أليس يقال ~~إن فلانا تزوج أخته)؟. # السادسة - التحريم بالرضاع إنما يحصل إذا اتفق الارضاع في الحولين، كما ~~تقدم في (البقرة (1)). ولا فرق بين قليل الرضاع وكثيره عندنا إذا وصل إلى ~~الأمعاء ولو مصة واحدة. واعتبر الشافعي في الارضاع شرطين: أحدهما خمس ~~رضعات، لحديث عائشة قالت: كان فيما أنزل الله عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم ~~نسخن بخمس معلومات، وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن مما (2) يقرأ ~~من القرآن. موضع الدليل منه أنها أثبتت أن العشر نسخن بخمس، فلو تعلق ~~التحريم بما دون الخمس لكان ذلك نسخا للخمس. # ولا يقبل على هذا خبر واحد ولا قياس، لأنه لا ينسخ بهما. وفي حديث سهلة ~~(3) (أرضعيه خمس رضعات يحرم بهن). الشرط الثاني: أن يكون في الحولين، فإن ~~كان خارجا عنهما لم يحرم، لقوله تعالى: (حولين كاملين لمن أراد أن يتم ~~الرضاعة (4)). وليس بعد التمام والكمال شئ. واعتبر أبو حنيفة بعد الحولين ~~ستة أشهر. ومالك الشهر ونحوه. # وقال زفر: ما دام يجتزئ باللبن ولم يفطم فهو رضاع وإن أتى عليه ms1682 ثلاث ~~سنين. وقال الأوزاعي: إذا فطم لسنة واستمر فطامه فليس بعده رضاع. وانفرد ~~الليث بن سعد # PageV05P109 # من بين العلماء إلى أن رضاع الكبير يوجب التحريم، وهو قول عائشة رضي الله ~~عنها، وروي عن أبي موسى الأشعري، وروي عنه ما يدل على رجوعه عن ذلك، وهو ما ~~رواه أبو حصين عن أبي عطية قال: قدم رجل بامرأته من المدينة فوضعت وتورم ~~ثديها، فجعل يمصه ويمجه فدخل في بطنه جرعة منه، فسأل أبا موسى فقال: بانت ~~منك، وأت ابن مسعود فأخبره، ففعل، فأقبل بالأعرابي إلى أبي موسى الأشعري ~~وقال: أرضيعا ترى هذا الأشمط (1)! إنما يحرم من الرضاع ما ينبت اللحم ~~والعظم. فقال الأشعري: # لا تسألوني عن شئ وهذا الحبر بين أظهركم. فقوله: (لا تسألوني) يدل على ~~أنه رجع عن ذلك. واحتجت عائشة بقصة سالم مولى أبي حذيفة وأنه كان رجلا. ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم لسهلة بنت سهيل: (أرضعيه) خرجه الموطأ ~~وغيره. وشذت طائفة فاعتبرت عشر رضعات، تمسكا بأنه كان فيما أنزل: عشر ~~رضعات. وكأنهم لم يبلغهم الناسخ. # وقال داود: لا يحرم إلا بثلاث رضعات، واحتج بقول رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم (لا تحرم الإملاجة والإملاجتان (2)). خرجه مسلم. وهو مروى عن عائشة ~~وابن الزبير، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد، وهو تمسك بدليل ~~الخطاب، وهو مختلف فيه. # وذهب من عدا هؤلاء من أئمة الفتوى إلى أن الرضعة الواحدة تحرم إذا تحققت ~~كما ذكرنا، متمسكين بأقل ما ينطلق عليه اسم الرضاع وعضد هذا بما وجد من ~~العمل عليه بالمدينة وبالقياس على الصهر، بعلة أنه معنى طارئ يقتضي تأبيد ~~التحريم فلا يشترط فيه العدد كالصهر. وقال الليث بن سعد: وأجمع المسلمون ~~على أن قليل الرضاع وكثيره يحرم في المهد ما يفطر الصائم. قال أبو عمر. لم ~~يقف الليث على الخلاف في ذلك. # قلت: وأنص ما في هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تحرم المصة ولا ~~المصتان) أخرجه مسلم في صحيحه. وهو يفسر معنى قوله تعالى: (وأمهاتكم اللاتي ~~أرضعنكم) ms1683 أي أرضعنكم ثلاث رضعات فأكثر، غير أنه يمكن أن يحمل على ما إذا لم ~~يتحقق وصوله إلى جوف الرضيع، لقوله: (عشر رضعات معلومات. وخمس رضعات ~~معلومات). فوصفها # PageV05P110 # بالمعلومات إنما هو تحرز مما يتوهم أو يشك في وصوله إلى الجوف. ويفيد ~~دليل خطابه أن الرضعات إذا كانت غير معلومات لم تحرم. والله أعلم. وذكر ~~الطحاوي أن حديث الإملاجة والإملاجتين لا يثبت، لأنه مرة يرويه ابن الزبير ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومرة يرويه عن عائشة، ومرة يرويه عن أبيه، ~~ومثل هذا الاضطراب يسقطه. وروي عن عائشة أنه لا يحرم إلا سبع رضعات. وروي ~~عنها أنها أمرت أختها (أم كلثوم) أن ترضع سالم بن عبد الله عشر رضعات. وروي ~~عن حفصة مثله، وروي عنها ثلاث، وروي عنها خمس، كما قال الشافعي رضي الله ~~عنه، وحكي عن إسحاق. # السابعة - قوله تعالى: (وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم) استدل به من نفى لبن ~~الفحل، وهو سعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي وأبو سلمة بن عبد الرحمن، ~~وقالوا: لبن الفحل لا يحرم شيئا من قبل الرجل. وقال الجمهور: قوله تعالى: ~~(وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم) يدل على أن الفحل أب، لان اللبن منسوب إليه فإنه ~~در بسبب ولده. وهذا ضعيف، فإن الولد خلق من ماء الرجل والمرأة جميعا، ~~واللبن من المرأة ولم يخرج من الرجل، وما كان من الرجل إلا وطئ هو سبب ~~لنزول الماء منه، وإذا فصل الولد خلق الله اللبن من غير أن يكون مضافا إلى ~~الرجل بوجه ما، ولذلك لم يكن للرجل حق في اللبن، وإنما اللبن لها، فلا يمكن ~~أخذ ذلك من القياس على الماء. وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: # (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) يقتضي التحريم من الرضاع، ولا يظهر ~~وجه نسبة الرضاع إلى الرجل مثل ظهور نسبة الماء إليه والرضاع منها. نعم، ~~الأصل فيه حديث الزهري وهشام بن عروة عن عروة عن عائشة رضي الله عنها: أن ~~أفلح أخا القعيس جاء يستأذن عليها، وهو عمها من الرضاعة بعد أن نزل ms1684 الحجاب. ~~قالت: فأبيت أن آذن له، فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته فقال: ~~(ليلج عليك فإنه عمك تربت يمينك). # وكان أبو القعيس زوج المرأة التي أرضعت عائشة رضي الله عنها، وهذا أيضا ~~خبر واحد. # ويحتمل أن يكون (أفلح) مع أبي بكر رضيعي لبان فلذلك قال: (ليلج عليك فإنه ~~عمك). PageV05P111 # وبالجملة فالقول فيه مشكل والعلم عند الله، ولكن العمل عليه، والاحتياط ~~في التحريم أولى، مع أن قوله تعالى: (وأحل لكم ما وراء ذلكم) يقوي قول ~~المخالف. # الثامنة - قوله تعالى: (وأخوانكم منا لرضاعة) وهي الأخت لأب وأم، وهي ~~التي أرضعتها أمك بلبان أبيك، سواء أرضعتها معك أو ولدت قبلك أو بعدك. # والأخت من الأب دون الام، وهي التي أرضعتها زوجة أبيك. والأخت من الام ~~دون الأب، وهي التي أرضعتها أمك بلبان رجل آخر. ثم ذكر التحريم بالمصاهرة ~~فقال تعالى: # (وأمهات نسائكم) والصهر أربع: أم المرأة وابنتها وزوجة الأب وزوجة الابن. ~~فأم المرأة تحرم بمجرد العقد الصحيح على ابنتها على ما تقدم التاسعة - قوله ~~تعالى: (وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن) هذا مستقل ~~بنفسه. ولا يرجع قوله: (من نسائكم اللاتي دخلتم بهن) إلى الفريق الأول، بل ~~هو راجع إلى الربائب، إذ هو أقرب مذكور كما تقدم. والربيبة: بنت امرأة ~~الرجل من غيره، سميت بذلك لأنه يربيها في حجره فهي مربوبة، فعيلة بمعنى ~~مفعولة. # واتفق الفقهاء على أن الربيبة تحرم على زوج أمها إذا دخل بالام، وإن لم ~~تكن الربيبة في حجره. وشذ بعض المتقدمين وأهل الظاهر فقالوا: لا تحرم عليه ~~الربيبة إلا أن تكون في حجر المتزوج بأمها، فلو كانت في بلد آخر وفارق الام ~~بعد الدخول فله أن يتزوج بها، واحتجوا بالآية فقالوا: حرم الله تعالى ~~الربيبة بشرطين: أحدهما: أن تكون في حجر المتزوج بأمها. والثاني - الدخول ~~بالام، فإذا عدم أحد الشرطين لم يوجد التحريم. واحتجوا بقوله عليه السلام: ~~(لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي إنها ابنة أخي من الرضاعة) فشرط ~~الحجر. ورووا عن ms1685 علي بن أبي طالب إجازة ذلك. قال ابن المنذر والطحاوي: # أما الحديث عن علي فلا يثبت، لان راويه إبراهيم بن عبيد عن مالك بن أوس ~~عن علي، وإبراهيم هذا يعرف، وأكثر أهل العلم قد تلقوه بالدفع والخلاف. قال ~~أبو عبيد: # ويدفعه قوله: (فلا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن) فعم. ولم يقل: اللائي ~~في حجري، ولكنه سوى بينهن في التحريم. قال الطحاوي: وإضافتهن إلى الحجور ~~إنما ذلك على الأغلب مما يكون عليه الربائب، لا أنهن لا يحرمن إذا لم يكن ~~كذلك. PageV05P112 # العاشرة - قوله تعالى: (فان لم تكونوا دخلتم بهن) يعني بالأمهات. (فلا ~~جناح عليكم) يعني في نكاح بناتهن إذا طلقتموهن أو متن عنكم. وأجمع العلماء ~~على أن الرجل إذا تزوج المرأة ثم طلقها أو ماتت قبل أن يدخل بها حل له نكاح ~~ابنتها. واختلفوا في معنى الدخول بالأمهات الذي يقع به تحريم الربائب، فروي ~~عن ابن عباس أنه قال: الدخول الجماع، وهو قول طاوس وعمرو بن دينار وغيرهما. ~~واتفق مالك والثوري وأبو حنيفة والأوزاعي والليث على أنه إذا مسها بشهوة ~~حرمت عليه أمها وابنتها وحرمت على الأب والابن، وهو أحد قولي الشافعي. ~~واختلفوا في النظر، فقال مالك: إذا نظر إلى شعرها أو صدرها أو شئ من ~~محاسنها للذة حرمت عليه أمها وابنتها. وقال الكوفيون: إذا نظر إلى فرجها ~~للشهوة كان بمنزلة اللمس للشهوة. وقال الثوري: [يحرم (1)] إذا نظر إلى ~~فرجها متعمدا أو لمسها، ولم يذكر الشهوة. وقال ابن أبي ليلى: لا تحرم ~~بالنظر حتى يلمس، وهو قول الشافعي. # والدليل على أن بالنظر يقع التحريم أن فيه نوع استمتاع فجرى مجرى النكاح، ~~إذ الاحكام تتعلق بالمعاني لا بالألفاظ. وقد يحتمل أن يقال: إنه نوع من ~~الاجتماع بالاستمتاع، فإن النظر اجتماع ولقاء، وفيه بين المحبين استمتاع، ~~وقد بالغ في ذلك الشعراء فقالوا: # أليس الليل يجمع أعمرو * إيانا فذاك بنا تدان نعم، وترى الهلال كما أراه ~~* ويعلوها النهار كما علاني فكيف بالنظر والمجالسة [والمحادثة (2)] واللذة. # الحادية عشرة - قوله تعالى: (وحلائل أبنائكم) الحلائل جمع حليلة، ms1686 وهي ~~الزوجة. # سميت حليلة لأنها تحل مع الزوج حيث حل،. فهي فعيلة بمعنى فاعلة. وذهب ~~الزجاج وقوم إلى أنها من لفظة الحلال، فهي حليلة بمعنى محللة. وقيل: لان كل ~~واحد منهما يحل إزار صاحبه. # الثانية عشرة - أجمع العلماء على تحريم ما عقد عليه الآباء على الأبناء، ~~وما عقد عليه الأبناء على الآباء، كان مع العقد وطئ أو لم يكن، لقوله ~~تعالى: (ولا تنكحوا ما نكح آبائكم # PageV05P113 # من النساء) وقوله تعالى: (وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم)، فإن نكح ~~أحدهما نكاحا فاسدا حرم على الآخر العقد عليها كما يحرم بالصحيح، لان ~~النكاح الفاسد لا يخلو: # إما أن يكون متفقا على فساده أو مختلفا فيه. فإن كان متفقا على فساده لم ~~يوجب حكما وكان وجوده كعدمه. وإن كان مختلفا فيه فيتعلق به من الحرمة ما ~~يتعلق بالصحيح، لاحتمال أن يكون نكاحا فيدخل تحت مطلق اللفظ. والفروج إذا ~~تعارض فيها التحريم والتحليل غلب التحريم. والله أعلم. قال ابن المنذر: ~~أجمع كل من يحفظ عنه من علما (1)، الأمصار على أن الرجل إذا وطئ امرأة ~~بنكاح فاسد أنها تحرم على أبيه وابنه وعلى أجداده وولد ولده. وأجمع العلماء ~~وهي المسألة: # الثالثة عشرة - على أن عقد الشراء على الجارية لا يحرمها على أبيه وابنه، ~~فإذا اشترى الرجل جارية فلمس أو قبل حرمت على أبيه وابنه، لا أعلمهم ~~يختلفون فيه، فوجب تحريم ذلك تسليما لهم. ولما اختلفوا في تحريمها بالنظر ~~دون اللمس لم يجز ذلك لاختلافهم. قال ابن المنذر: ولا يصح عن أحد من أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف ما قلناه. # وقال يعقوب ومحمد: إذا نظر رجل في فرج امرأة من شهوة حرمت على أبيه ~~وابنه، وتحرم عليه أمها وابنتها. وقال مالك: إذا وطئ الأمة أو قعد منها ~~مقعدا لذلك وإن لم يفض إليها، أو قبلها أو باشرها أو غمزها تلذذا فلا تحل ~~لابنه. وقال الشافعي: إنما تحرم باللمس ولا تحرم بالنظر دون اللمس، وهو قول ~~الأوزاعي: # الرابعة عشرة - واختلفوا في الوطئ بالزنى هل يحرم ms1687 أم لا، فقال أكثر أهل ~~العلم: # لو أصاب رجل امرأة بزنى لم يحرم عليه نكاحها بذلك، وكذلك لا تحرم عليه ~~امرأته إذا زنى بأمها أو بابنتها، وحسبه أن يقام عليه الحد، ثم يدخل (2) ~~بامرأته. ومن زنى بامرأة ثم أراد نكاح أمها أو ابنتها لم تحرما عليه بذلك. ~~وقالت طائفة: تحرم عليه. روي هذا القول عن عمران بن حصين، وبه قال الشعبي ~~وعطاء والحسن وسفيان الثوري وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي، وروي عن مالك، وأن ~~الزنى يحرم الام والابنة وأنه بمنزلة الحلال، وهو قول # PageV05P114 # أهل العراق. والصحيح من قول مالك وأهل الحجاز: أن الزنى لا حكم له، لان ~~الله سبحانه وتعالى قال: (وأمهات نسائكم) وليست التي زنى بها من أمهات ~~نسائه، ولا ابنتها من ربائبه. وهو قول الشافعي وأبي ثور. لأنه لما ارتفع ~~الصداق في الزنى ووجوب العدة والميراث ولحقوق الولد ووجوب الحد ارتفع أن ~~يحكم له بحكم النكاح الجائز. وروى الدارقطني من حديث الزهري عن عروة عن ~~عائشة قالت: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل زنى بامرأة فأراد أن ~~يتزوجها أو ابنتها فقال: (لا يحرم الحرام الحلال إنما يحرم ما كان بنكاح). ~~ومن الحجة للقول الآخر إخبار النبي صلى الله عليه وسلم عن جريج (1) وقوله: # (يا غلام من أبوك) قال: فلان الراعي. فهذا يدل على أن الزنى يحرم كما ~~يحرم الوطئ الحلال، فلا تحل أم المزني بها ولا بناتها لآباء الزاني ولا ~~لأولاده، وهي رواية ابن القاسم في المدونة. ويستدل به أيضا على أن المخلوقة ~~من ماء الزنى لا تحل للزاني بأمها، وهو المشهور. # قال عليه السلام: (لا ينظر الله إلى رجل نظر إلى فرج امرأة وابنتها) ولم ~~يفصل بين الحلال والحرام. وقال عليه السلام: (لا ينظر الله إلى من كشف قناع ~~امرأة وابنتها). # قال ابن خويز منداد: ولهذا قلنا إن القبلة وسائر وجوه الاستمتاع ينشر ~~الحرمة. وقال عبد الملك الماجشون: إنها تحل، وهو الصحيح لقوله تعالى: (وهو ~~الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا) يعني بالنكاح ms1688 الصحيح، على ما ~~يأتي في (الفرقان (2)) بيانه. # ووجه التمسك من الحديث على تلك المسألتين أن النبي صلى الله عليه وسلم قد ~~حكى عن جريج أنه نسب ابن الزنى للزاني، وصدق الله نسبته بما خرق له من ~~العادة في نطق الصبي بالشهادة له بذلك، وأخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم ~~عن جريج في معرض المدح وإظهار كرامته، فكانت تلك النسبة صحيحة بتصديق الله ~~تعالى وبإخبار النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فثبتت البنوة وأحكامها. # فإن قيل: فيلزم على هذا أن تجري أحكام البنوة والأبوة من التوارث ~~والولايات وغير ذلك، وقد اتفق المسلمون على أنه لا توارث بينهما فلم تصح ~~تلك النسبة؟ # PageV05P115 # فالجواب - إن ذلك موجب ما ذكرناه. وما انعقد عليه الاجماع من الاحكام ~~استثنيناه، وبقي الباقي على أصل ذلك الدليل، والله أعلم. # الخامسة عشرة - واختلف العلماء أيضا من هذا الباب في مسألة اللائط، فقال ~~مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم: لا يحرم النكاح باللواط. وقال الثوري: ~~إذا لعب بالصبي حرمت عليه أمه، وهو قول أحمد بن حنبل. قال: إذا تلوط بابن ~~امرأته (1) أو أبيها أو أخيها حرمت عليه امرأته. وقال الأوزاعي: إذا لاط ~~بغلام وولد للمفجور به بنت لم يجز للفاجر أن يتزوجها، لأنها بنت من قد دخل ~~به. وهو قول أحمد بن حنبل. # السادسة عشرة - قوله تعالى: (الذين من أصلابكم) تخصيص ليخرج عنه كل من ~~كانت العرب تتبناه ممن ليس للصلب. ولما تزوج النبي صلى الله عليه وسلم ~~امرأة زيد ابن حارثة قال المشركون: تزوج امرأة ابنه! وكان عليه السلام ~~تبناه، على ما يأتي بيانه في (الأحزاب (2)). وحرمت حليلة الابن من الرضاع - ~~وإن لم يكن للصلب - بالاجماع المستند إلى قوله عليه السلام: (يحرم الرضاع ~~ما يحرم من النسب). # السابعة عشرة - قوله تعالى: (وأن تجمعوا بين الأختين) موضع (أن) رفع على ~~العطف على (حرمت عليكم أمهاتكم). والأختان لفظ يعم الجميع بنكاح وبملك ~~يمين. # وأجمعت الأمة على منع جمعهما في عقد واحد من النكاح لهذه الآية، وقوله ~~عليه السلام: # (لا تعرضن ms1689 علي بناتكن ولا أخواتكن). واختلفوا في الأختين بملك اليمين، ~~فذهب كافة العلماء إلى أنه لا يجوز الجمع بينهما بالملك في الوطئ، وإن كان ~~يجوز الجمع بينهما في الملك بإجماع، وكذلك المرأة وابنتها صفقة واحدة. ~~واختلفوا في عقد النكاح على أخت الجارية التي وطئها (3)، فقال الأوزاعي: ~~إذا وطئ جارية له بملك اليمين لم يجز له أن يتزوج أختها. # وقال الشافعي: ملك اليمين لا يمنع نكاح الأخت. قال أبو عمر: من جعل عقد ~~النكاح كالشراء أجازه، ومن جعله كالوطئ لم يجزه. وقد أجمعوا على أنه لا ~~يجوز العقد على أخت # PageV05P116 # الزوجة، لقول الله تعالى: (وأن تجمعوا بين الأختين) يعني الزوجتين بعقد ~~النكاح. فقف على ما اجتمعوا عليه وما اختلفوا فيه يتبين لك الصواب [إن شاء ~~(1) الله]. والله أعلم. # الثامنة عشرة - شذ أهل الظاهر فقالوا: يجوز الجمع بين الأختين بملك ~~اليمين في الوطئ، كما يجوز الجمع بينهما في الملك. واحتجوا بما روي عن ~~عثمان في الأختين من ملك اليمين: # (حرمتهما آية وأحلتهما آية). ذكره عبد الرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن ~~قبيصة بن ذؤيب أن عثمان بن عفان سئل عن الأختين مما ملكت اليمين فقال: لا ~~آمرك ولا أنهاك أحلتهما آية وحرمتهما آية. فخرج السائل فلقي رجلا من أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال معمر: أحسبه قال علي - قال: وما سألت ~~عنه عثمان؟ فأخبره بما سأل وبما أفتاه، فقال له: لكني أنهاك، ولو كان لي ~~عليك سبيل ثم فعلت لجعلتك نكالا. وذكر الطحاوي والدار قطني عن علي وابن ~~عباس مثل قول عثمان. والآية التي أحلتهما قوله تعالى: # (وأحل لكم ما وراء ذلكم). ولم يلتفت أحد من أئمة الفتوى إلى هذا القول، ~~لأنهم فهموا من تأويل كتاب الله خلافه، ولا يجوز عليهم تحريف التأويل. وممن ~~قال ذلك من الصحابة: # عمر وعلي وابن مسعود [وعثمان (2)] وابن عباس وعمار وابن عمر وعائشة وابن ~~الزبير، وهؤلاء أهل العلم بكتاب الله، فمن خالفهم فهو متعسف في التأويل. ~~وذكر ابن المنذر أن إسحاق بن راهويه حرم الجمع ms1690 بينهما بالوطئ، وأن جمهور ~~أهل العلم كرهوا ذلك، وجعل مالكا فيمن كرهه. # ولا خلاف في جواز جمعهما في الملك، وكذلك الام وابنتها. قال ابن عطية: ~~ويجئ من قول إسحاق أن يرجم الجامع بينهما بالوطئ، وتستقرأ الكراهية من قول ~~مالك: إنه إذا وطئ واحدة ثم وطئ الأخرى وقف عنهما حتى يحرم إحداهما، فلم ~~يلزمه حدا. قال أبو عمر: # (أما قول علي لجعلته نكالا) ولم يقل لحددته حد الزاني، فلان من تأول آية ~~أو سنة ولم يطأ عند نفسه حراما فليس [بزان (3)] بإجماع وإن كان مخطئا، إلا ~~أن يدعي من ذلك ما لا يعذر بجهله. وقول بعض السلف في الجمع بين الأختين ~~بملك اليمين: (أحلتهما آية وحرمتهما # PageV05P117 # آية) معلوم محفوظ، فكيف يحد حد الزاني من فعل ما فيه مثل هذا من الشبهة ~~القوية؟ # وبالله التوفيق. # التاسعة عشرة - واختلف العلماء إذا كان يطأ واحدة ثم أراد أن يطأ الأخرى، ~~فقال علي وابن عمر والحسن البصري والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق: لا يجوز ~~له وطئ الثانية حتى يحرم فرج الأخرى بإخراجها من ملكه ببيع أو عتق، أو بأن ~~يزوجها. قال ابن المنذر: وفيه قول ثان لقتادة، وهو أنه إذا كان يطأ واحدة ~~وأراد وطئ الأخرى فإنه ينوي تحريم الأولى على نفسه وألا يقربها، ثم يمسك ~~عنهما حتى يستبرئ الأولى المحرمة، ثم يغشى الثانية. وفيه قول ثالث: وهو إذا ~~كان عنده أختان فلا يقرب واحدة منهما. # هكذا قال الحكم وحماد، وروي معنى ذلك عن النخعي. ومذهب مالك: إذا كان ~~أختان عند رجل بملك فله أن يطأ أيتهما شاء، والكف عن الأخرى موكول إلى ~~أمانته. فإن أراد وطئ الأخرى فيلزمه أن يحرم على نفسه فرج الأولى بفعل ~~يفعله من إخراج عن الملك: # إما بتزويج أو بيع أو عتق إلى أجل أو كتابة أو إخدام طويل. فإن كان يطأ ~~إحداهما ثم وثب على الأخرى دون أن يحرم الأولى وقف عنهما، ولم يجز له قرب ~~إحداهما حتى يحرم الأخرى، ولم يوكل ذلك إلى أمانته، لأنه متهم فيمن قد وطئ، ms1691 ~~ولم يكن قبل متهما إذ كان لم يطأ إلا الواحدة. ومذهب الكوفيين في هذا ~~الباب: الثوري وأبي حنيفة وأصحابه أنه إن وطئ إحدى أمتيه لم يطأ الأخرى، ~~فإن باع الأولى أو زوجها ثم رجعت إليه أمسك عن الأخرى، وله أن يطأها ما ~~دامت أختها في العدة من طلاق أو وفاة: فأما بعد انقضاء العدة فلا، حتى يملك ~~فرج التي يطأ غيره، وروي معنى ذلك عن علي رضي الله عنه. قالوا: لان الملك ~~الذي منع وطئ الجارية (1) في الابتداء موجود، فلا فرق بين عودتها إليه وبين ~~بقائها في ملكه. وقول مالك حسن، لأنه تحريم صحيح في الحال ولا يلزم مراعاة ~~المال، وحسبه إذا حرم فرجها عليه ببيع أو بتزويج أنها حرمت عليه في الحال. ~~ولم يختلفوا في العتق، لأنه لا يتصرف فيه بحال، وأما المكاتبة فقد تعجز ~~فترجع إلى ملكه. فإن كان عند رجل أمة يطؤها ثم تزوج أختها ففيها في المذهب ~~ثلاثة أقوال في النكاح. الثالث - في المدونة أنه يوقف عنهما إذا وقع # PageV05P118 # عقد النكاح حتى يحرم إحداهما مع كراهية لهذا النكاح، إذ هو عقد في موضع ~~لا يجوز فيه الوطئ. وفي هذا ما يدل على أن ملك اليمين لا يمنع النكاح، كما ~~تقدم عن الشافعي. وفي الباب بعينه قول آخر: أن النكاح لا ينعقد، وهو معنى ~~قول الأوزاعي. وقال أشهب في كتاب الاستبراء: عقد النكاح في الواحدة تحريم ~~لفرج المملوكة. # الموفية عشرين - وأجمع العلماء على أن الرجل إذا طلق زوجته طلاقا يملك ~~رجعتها أنه ليس له أن ينكح أختها أو أربعا سواها حتى تنقضي عدة المطلقة. ~~واختلفوا إذا طلقها طلاقا لا يملك رجعتها، فقالت طائفة: ليس له أن ينكح ~~أختها ولا رابعة حتى تنقضي عدة التي طلق، وروي عن علي وزيد بن ثابت، وهو ~~مذهب مجاهد وعطاء بن أبي رباح والنخعي، وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل وأصحاب ~~الرأي. وقالت طائفة: له أن ينكح أختها وأربعا (1) سواها، وروي عن عطاء، وهي ~~أثبت الروايتين عنه، وروي عن زيد بن ثابت أيضا، ms1692 وبه قال سعيد بن المسيب ~~والحسن والقاسم وعروة بن الزبير وابن أبي ليلى والشافعي وأبو ثور وأبو ~~عبيد. قال ابن المنذر: ولا أحسبه إلا قول مالك وبه نقول. # الحادية وعشرون - قوله تعالى: (إلا ما قد سلف) يحتمل أن يكون معناه معنى ~~قوله: # (إلا ما قد سلف) في قوله: (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد ~~سلف). # ويحتمل معنى زائدا وهو جواز ما سلف، وأنه إذا جرى الجمع في الجاهلية كان ~~النكاح صحيحا، وإذا جرى في الاسلام خير بين الأختين، على ما قاله مالك ~~والشافعي، من غير إجراء عقود الكفار على موجب الاسلام ومقتضى الشرع، وسواء ~~عقد عليهما عقدا واحدا جمع به بينهما أو جمع بينهما في عقدين. وأبو حنيفة ~~يبطل نكاحهما إن جمع في عقد واحد. وروى هشام بن عبد الله عن محمد بن الحسن ~~أنه قال: كان أهل الجاهلية يعرفون هذه المحرمات كلها التي ذكرت في هذه ~~الآية إلا اثنتين، إحداهما نكاح امرأة الأب، والثانية، الجمع بين الأختين، ~~ألا ترى أنه قال: (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف). ~~(وان تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف) ولم يذكر في سائر المحرمات (إلا ما ~~قد سلف). والله أعلم. # PageV05P119 # قوله تعالى: والمحصنات من النساء الا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم ~~وأحل لكم ما وراء ذالكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما ~~استمتعتم به منهن فأتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من ~~بعد الفريضة ان الله كان عليما حكيما (24) فيه أربع عشرة مسألة: # الأولى - قوله تعالى: (والمحصنات) عطف على المحرمات والمذكورات قبل. # والتحصن: التمنع، ومنه الحصن لأنه يمتنع فيه، ومنه قوله تعالى: (وعلمناه ~~صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم (1)) أي لتمنعكم، ومنه الحصان للفرس (بكسر ~~الحاء) لأنه يمنع صاحبه من الهلاك. والحصان (بفتح الحاء): المرأة العفيفة ~~لمنعها نفسها من الهلاك. وحصنت المرأة تحصن فهي حصان، مثل جبنت فهي جبان. ~~وقال حسان في عائشة رضي الله عنها: # حصان رزان ما ms1693 تزن بريبة * وتصبح غرثى من لحوم الغوافل (2) والمصدر ~~الحصانة (بفتح الحاء) والحصن كالعلم (3). فالمراد بالمحصنات ها هنا ذوات ~~الأزواج، يقال: امرأة محصنة أي متزوجة، ومحصنة أي حرة، ومنه (والمحصنات من ~~المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب (4)). ومحصنة أي عفيفة، قال الله ~~تعالى: (محصنات غير مسافحات) وقال: (محصنين غير مسافحين). ومحصنة ومحصنة ~~وحصان أي عفيفة، أي ممتنعة من الفسق، والحرية تمنع الحرة مما يتعاطاه ~~العبيد. قال الله تعالى: (والذين يرمون المحصنات (5)) أي الحرائر، وكان عرف ~~الإماء في الجاهلية الزنى، ألا ترى إلى قول هند بنت عتبة للنبي صلى الله ~~عليه وسلم حين بايعته: (وهل تزني الحرة)؟ والزوج أيضا يمنع زوجه من أن تزوج ~~غيره، فبناء (ح ص ن) معناه المنع كما بينا. وستعمل الاحصان في الاسلام، # PageV05P120 # لأنه حافظ ومانع، ولم يرد في الكتاب وورد في السنة، ومنه قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # (الايمان قيد الفتك (1)). ومنه قول الهذلي: # فليس كعهد الدار يا أم مالك * ولكن أحاطت بالرقاب السلاسل وقال الشاعر: # قالت هلم إلى الحديث فقلت لا * يأبى عليك الله والاسلام ومنه قول سحيم: # * كفى الشيب والاسلام للمرء ناهيا (2) * الثانية - إذا ثبت هذا فقد اختلف ~~العلماء في تأويل هذه الآية، فقال ابن عباس وأبو قلابة وابن زيد ومكحول ~~والزهري وأبو سعيد الخدري: المراد بالمحصنات هنا المسبيات ذوات الأزواج ~~خاصة، أي هن محرمات إلا ما ملكت اليمين بالسبي من أرض الحرب، فإن تلك حلال ~~للذي تقع في سهمه وإن كان لها زوج. وهو قول الشافعي في أن السباء يقطع ~~العصمة، وقال ابن وهب وابن عبد الحكم وروياه عن مالك، وقال به أشهب. يدل ~~عليه ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يوم حنين بعث جيشا إلى أوطاس (3) فلقوا العدو فقاتلوهم وظهروا عليهم ~~وأصابوا لهم سبايا، فكان ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تحرجوا من ~~غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين، فأنزل الله عز وجل [في ذلك (4)] ~~(والمحصنات من النساء إلا ما ms1694 ملكت أيمانكم). أي فهن لكم حلال إذا انقضت ~~عدتهن. وهذا نص [صحيح (5)] صريح في أن الآية نزلت بسبب تحرج أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم عن وطئ المسبيات ذوات الأزواج، فأنزل الله تعالى في ~~جوابهم (إلا ما ملكت أيمانكم). وبه قال مالك وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي ~~وأحمد وإسحاق وأبو ثور، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى. واختلفوا في ~~استبرائها بماذا يكون، فقال # PageV05P121 # الحسن: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يستبرئون المسبية بحيضة، ~~وقد روي ذلك من حديث أبي سعيد الخدري في سبايا أوطاس (لا توطأ حامل حتى تضع ~~ولا حائل حتى تحيض). ولم يجعل لفراش الزوج السابق أثرا حتى يقال أن المسبية ~~مملوكة ولكنها كانت زوجة زال نكاحها فتعتد عدة الإماء، على ما نقل عن الحسن ~~بن صالح قال: عليها العدة حيضتان إذا كان لها زوج في دار الحرب. وكافة ~~العلماء رأوا استبراءها واستبراء التي لا زوج لها واحدا في أن الجميع بحيضة ~~واحدة. والمشهور من مذهب مالك أنه لا فرق بين أن يسبى الزوجان مجتمعين أو ~~متفرقين. وروى عنه ابن بكير أنهما إن سبيا جميعا واستبقي الرجل أقرا علي ~~نكاحهما، فرأى في هذه الرواية أن استبقاءه إبقاء لما يملكه، لأنه قد صار له ~~عهد وزوجته من جملة ما يملكه، فلا يحال بينه وبينها، وهو قول أبي حنيفة ~~والثوري، وبه قال ابن القاسم ورواه عن مالك. والصحيح الأول، لما ذكرناه، ~~ولأن الله تعالى قال: # (إلا ما ملكت أيمانكم) فأحال على ملك اليمين وجعله هو المؤثر فيتعلق ~~الحكم به من حيث العموم والتعليل جميعا، إلا ما خصه الدليل. وفي الآية قول ~~ثان قاله عبد الله بن مسعود وسعيد بن المسيب والحسن بن أبي الحسن وأبي بن ~~كعب وجابر بن عبد الله وابن عباس في رواية عكرمة: أن المراد بالآية ذوات ~~الأزواج، أي فهن حرام إلا أن يشتري الرجل الأمة ذات الزوج فإن بيعها طلاقها ~~والصدقة بها طلاقها وأن تورث طلاقها وتطليق الزوج طلاقها. قال ابن مسعود: ~~فإذا بيعت الأمة ms1695 ولها زوج فالمشتري أحق ببضعها وكذلك المسبية، كل ذلك موجب ~~للفرقة بينها وبين زوجها. قالوا: وإذا كان كذلك فلا بد أن يكون بيع الأمة ~~طلاقا لها، لان الفرج محرم على اثنين في حال واحدة بإجماع من المسلمين. # قلت: وهذا يرده حديث بريرة، لان عائشة رضي الله عنها اشترت بريرة ~~وأعتقتها ثم خيرها النبي صلى الله عليه وسلم وكانت ذات زوج، وفي إجماعهم ~~على أن بريرة قد خيرت تحت زوجها مغيث بعد أن اشترتها عائشة فأعتقتها لدليل ~~(1) على أن بيع الأمة ليس طلاقها (2)، وعلى ذلك جماعة فقهاء الأمصار من أهل ~~الرأي والحديث، وألا طلاق لها إلا الطلاق. وقد # PageV05P122 # احتج بعضهم بعموم قوله: (إلا ما ملكت أيمانكم) وقياسا على المسبيات. وما ~~ذكرناه من حديث بريرة يخصه ويرده، وأن ذلك إنما هو خاص بالمسبيات على حديث ~~أبي سعيد، وهو الصواب والحق إن شاء الله تعالى. وفي الآية قول ثالث - روى ~~الثوري (1) عن مجاهد عن إبراهيم قال ابن مسعود في قوله تعالى: (والمحصنات ~~من النساء إلا ما ملكت أيمانكم) قال: ذوات الأزواج من المسلمين والمشركين. ~~وقال علي بن أبي طالب: ذوات الأزواج من المشركين. وفي الموطأ عن سعيد بن ~~المسيب (والمحصنات من النساء) هن ذوات الأزواج، ويرجع ذلك إلى أن الله حرم ~~الزنى. وقالت طائفة: المحصنات في هذه الآية يراد به العفائف، أي كل النساء ~~حرام. وألبسهن اسم الاحصان من كان منهن ذات زوج أو غير ذات زوج، إذ الشرائع ~~في أنفسها تقتضي ذلك. # (الا ما ملكت أيمانكم) قالوا: معناه بنكاح أو شراء. هذا قول أبي العالية ~~وعبيدة السلماني وطاوس وسعيد بن جبير وعطاء، ورواه عبيدة عن عمر، فأدخلوا ~~النكاح تحت ملك اليمين، ويكون معنى الآية عندهم في قوله تعالى: (إلا ما ~~ملكت أيمانكم) يعني تملكون عصمتهن بالنكاح وتملكون الرقبة بالشراء، فكأنهن ~~كلهن ملك يمين وما عدا ذلك فزنى، وهذا قول حسن. وقد قال ابن عباس: ~~(المحصنات) العفائف من المسلمين ومن أهل الكتاب. قال ابن عطية: وبهذا ~~التأويل يرجع معنى الآية إلى تحريم الزنى، ms1696 وأسند الطبري أن رجلا قال لسعيد ~~بن جبير: أما رأيت ابن عباس حين سئل عن هذه الآية فلم يقل فيها شيئا؟ فقال ~~سعيد: كان ابن عباس لا يعلمها. وأسند أيضا عن مجاهد أنه قال: لو أعلم من ~~يفسر لي هذه الآية لضربت إليه أكباد الإبل: قوله (والمحصنات) إلى قوله ~~(حكيما). قال ابن عطية: ولا أدري كيف نسب هذا القول إلى ابن عباس ولا كيف ~~انتهى مجاهد إلى هذا القول؟ # الثالثة - قوله تعالى: (كتاب الله عليكم) نصب على المصدر المؤكد، أي حرمت ~~هذه النساء كتابا من الله عليكم. ومعنى (حرمت عليكم) كتب الله عليكم. وقال ~~الزجاج # PageV05P123 # والكوفيون: هو نصب على الاغراء، أي الزموا كتاب الله، أو عليكم كتاب ~~الله. وفيه نظر على ما ذكره أبو علي، فإن الاغراء لا يجوز فيه تقديم ~~المنصوب على حرف الاغراء، فلا يقال: زيدا عليك، أو زيدا دونك، بل يقال: ~~عليك زيدا ودونك عمرا، وهذا الذي قاله صحيح على أن يكون منصوبا ب (عليكم)، ~~وأما على تقدير حذف الفعل فيجوز. ويجوز الرفع على معنى هذا كتاب الله ~~وفرضة: وقرأ أبو حياة ومحمد بن السميقع (كتب الله يليكم) على الفعل الماضي ~~المسند إلى اسم الله تعالى، والمعنى كتب الله عليكم ما قصه من التحريم. # وقال عبيدة السلماني وغيره: قوله (كتاب الله عليكم) إشارة إلى ما ثبت في ~~القرآن من قوله تعالى: (مثنى وثلاث ورباع) وفي هذا بعد، والأظهر أن قوله: ~~(كتاب الله عليكم) إنما هو إشارة إلى التحريم الحاجز بين الناس وبين ما ~~كانت العرب تفعله. # الرابعة - قوله تعالى: (وأحل لكم ما وراء ذلكم) قرأ حمزة والكسائي وعاصم ~~في رواية حفص (وأحل لكم) ردا على (حرمت عليكم). الباقون بالفتح ردا على ~~قوله تعالى: # (كتاب الله عليكم). وهذا يقتضي ألا يحرم من النساء إلا من ذكر، وليس ~~كذلك، فإن الله تعالى قد حرم على لسان نبيه من لم يذكر في الآية فيضم ~~إليها، قال الله تعالى: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ~~(1)). روى مسلم وغيره عن ms1697 أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: (لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها). وقال ~~ابن شهاب: # فنرى خالة أبيها وعمة أبيها بتلك المنزلة، وقد قيل: إن تحريم الجمع بين ~~المرأة وعمتها وخالتها متلقى من الآية نفسها، لان الله تعالى حرم الجمع بين ~~الأختين، والجمع بين المرأة وعمتها في معنى الجمع بين الأختين، أو لان ~~الخالة في معنى الوالدة والعمة في معنى الوالد. والصحيح الأول، لان الكتاب ~~والسنة كالشئ الواحد، فكأنه قال: أحللت لكم ما وراء ما ذكرنا في الكتاب، ~~وما وراء ما أكملت به البيان على لسان محمد عليه السلام. وقول ابن شهاب: ~~(فنرى خالة أبيها وعمة أبيها بتلك المنزلة) إنما صار إلى ذلك لأنه حمل ~~الخالة والعمة على العموم وتم له ذلك، لان العمة اسم لكل أنثى شاركت أباك ~~في أصليه أو في أحدهما والخالة كذلك كما بيناه. # PageV05P124 # وفي مصنف أبي داود وغيره عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: (لا تنكح المرأة على عمتها ولا العمة على بنت أخيها ولا المرأة على ~~خالتها ولا الخالة على بنت أختها ولا تنكح الكبرى على الصغرى ولا الصغرى ~~على الكبرى). وروى أبو داود أيضا عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه كره أن يجمع بين العمة والخالة وبين العمتين والخالتين. # الرواية (لا يجمع) برفع العين على الخبر على المشروعية فيتضمن النهي عن ~~ذلك، وهذا الحديث مجمع على العمل به في تحريم الجمع بين من ذكر فيه ~~بالنكاح. وأجاز الخوارج الجمع بين الأختين وبين المرأة وعمتها وخالتها (1)، ~~ولا يعتد بخلافهم لأنهم مرقوا من الدين وخرجوا منه، ولأنهم مخالفون للسنة ~~الثابتة. وقوله: (لا يجمع بين العمتين والخالتين) فقد أشكل على بعض أهل ~~العلم وتحير في معناه حتى حمله على ما يبعد أو لا يجوز، فقال: معنى بين ~~العمتين على المجاز، أي بين العمة وبنت أخيها، فقيل لهما: عمتان، كما قيل: ~~سنة العمرين أبي بكر وعمر، قال: وبين ms1698 الخالتين مثله. قال النحاس: وهذا من ~~التعسف الذي لا يكاد يسمع بمثله، وفيه أيضا مع التعسف أنه يكون كلاما مكررا ~~لغير فائدة، لأنه إذا كان المعنى نهى أن يجمع بين العمة وبنت أخيها وبين ~~العمتين يعني به العمة وبنت أخيها صار الكلام مكرر الغير فائدة، وأيضا فلو ~~كان كما قال لوجب أن يكون وبين الخالة، وليس كذلك الحديث، لان الحديث (نهى ~~أن يجمع بين العمة والخالة). فالواجب على لفظ الحديث ألا يجمع بين امرأتين ~~إحداهما عمة الأخرى والأخرى خالة الأخرى. قال النحاس: وهذا يخرج على معنى ~~صحيح، يكون رجل وابنه تزوجا امرأة وابنتها، تزوج الرجل البنت وتزوج الابن ~~الام فولد لكل واحد منهما ابنة من هاتين الزوجتين، فابنة الأب عمة ابنة ~~الابن، وابنة الابن خالة ابنة الأب. وأما الجمع بين الخالتين فهذا يوجب أن ~~يكونا امرأتين كل واحدة منهما خالة الأخرى، وذلك أن يكون رجل تزوج ابنة رجل ~~وتزوج الآخر ابنته، فولد لكل واحد منهما ابنة، فابنة كل واحد منهما خالة ~~الأخرى. وأما الجمع بين العمتين فيوجب ألا يجمع بين امرأتين كل واحدة منهما ~~عمة الأخرى، وذلك أن # PageV05P125 # يتزوج رجل أم رجل ويتزوج الآخر أم الآخر، فيولد لكل واحد منهما ابنة ~~فابنة كل واحد منهما عمة الأخرى، فهذا ما حرم الله على لسان رسوله محمد صلى ~~الله عليه وسلم مما ليس في القرآن. # الخامسة - وإذا تقرر هذا فقد عقد العلماء فيمن يحرم الجمع بينهن عقدا ~~حسنا، فروى معتمر بن سليمان عن فضيل بن ميسرة عن أبي جرير عن الشعبي قال: ~~كل امرأتين إذا جعلت موضع إحداهما ذكرا لم يجز له أن يتزوج الأخرى فالجمع ~~بينهما باطل. فقلت له: # عمن هذا؟ قال: عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال سفيان الثوري: ~~تفسيره عندنا أن يكون من النسب، ولا يكون بمنزلة امرأة وابنة زوجها يجمع ~~بينهما إن شاء. قال أبو عمر: وهذا على مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة ~~والأوزاعي وسائر فقهاء الأمصار من أهل الحديث وغيرهم فيما علمت لا يختلفون ms1699 ~~في هذا الأصل. وقد كره قوم من السلف أن يجمع الرجل بين ابنة رجل وامرأته من ~~أجل أن أحدهما لو كان ذكرا لم يحل له نكاح الأخرى. والذي عليه العلماء أنه ~~لا بأس بذلك، وأن المراعى النسب دون غيره من المصاهرة، ثم ورد في بعض ~~الاخبار التنبيه على العلة في منع الجمع بين من ذكر، وذلك ما يفضي إليه ~~الجمع من قطع الأرحام القريبة مما يقع بين الضرائر من الشنآن والشرور بسبب ~~الغيرة، فروى ابن عباس قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتزوج ~~الرجل المرأة على العمة أو على الخالة، وقال: (إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم ~~أرحامكم) ذكره أبو محمد الأصيلي في فوائده وابن عبد البر وغيرهما. ومن ~~مراسيل أبي داود عن حسين بن طلحة قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~تنكح المرأة على أخواتها مخافة القطيعة، وقد طرد بعض السلف هذه العلة فمنع ~~الجمع بين المرأة وقريبتها، وسواء كانت بنت عم أو بنت عمة أو بنت خال أو ~~بنت خالة، روي ذلك عن إسحاق بن طلحة وعكرمة وقتادة وعطاء في رواية ابن أبي ~~نجيح، وروى عنه ابن جريج أنه لا بأس بذلك وهو الصحيح. وقد نكح حسن بن حسين ~~بن علي في ليلة واحدة ابنة محمد بن علي وابنة عمر بن علي فجمع بين ابنتي ~~عم، ذكره عبد الرزاق. زاد ابن عيينة: # فأصبح نساؤهم لا يدرين إلى أيتهما يذهبن، وقد كره مالك هذا، وليس بحرام ~~عنده (1). # PageV05P126 # وفي سماع ابن القاسم: سئل مالك عن ابنتي العم أيجمع بينهما؟ فقال: ما ~~أعلمه حراما. قيل له: # أفتكرهه؟ قال: إن ناسا ليتقونه، قال ابن القاسم: وهو حلال لا بأس به. قال ~~ابن المنذر: # لا أعلم أحدا أبطل هذا النكاح. وهما داخلتان في جملة ما أبيح بالنكاح غير ~~خارجتين منه بكتاب ولا سنة ولا إجماع، وكذلك الجمع بين ابنتي عمة وابنتي ~~خالة. وقال السدي في قوله تعالى: (وأحل لكم ما وراء ذلكم): يعني النكاح ~~فيما دون الفرج. وقيل: ms1700 المعنى وأحل لكم ما وراء ذوات المحارم من أقربائكم. ~~قتادة: يعنى بذلك ملك اليمين خاصة. # السادسة - قوله تعالى: (أن تبتغوا بأموالكم) لفظ يجمع (1) التزوج ~~والشراء. و (أن) في موضع نصب بدل من (ما)، وعلى قراءة حمزة في موضع رفع، ~~ويحتمل أن يكون المعنى لان، أو بأن، فتحذف اللام أو الباء فيكون في موضع ~~نصب. و (محصنين) نصب على الحال، ومعناه متعففين عن الزنى. (غير مسافحين) أي ~~غير زانين. والسفاح الزنى، وهو مأخوذ من سفح الماء، أي صبه وسيلانه، ومنه ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم حين سمع الدفاف (2) في عرس: # (هذا النكاح لا السفاح ولا نكاح السر). وقد قيل: إن قوله (محصنين غير ~~مسافحين) يحتمل وجهين: أحدهما - ما ذكرناه وهو الاحصان بعقد النكاح، تقديره ~~اطلبوا منافع البضع بأموالكم على وجه النكاح لا على وجه السفاح، فيكون ~~للآية (3) على هذا الوجه عموم. # ويحتمل أن يقال: (محصنين) أي الاحصان صفة لهن، ومعناه لتزوجوهن على شرط ~~الاحصان فيهن، والوجه الأول أولى، لأنه متى أمكن جري الآية على عمومها ~~والتعلق بمقتضاها فهو أولى، ولأن مقتضى الوجه الثاني أن المسافحات لا يحل ~~التزوج بهن، وذلك خلاف الاجماع. # السابعة - قوله تعالى: (بأموالكم) أباح الله تعالى الفروج بالأموال ولم ~~يفصل، فوجب إذا حصل بغير المال ألا تقع الإباحة به، لأنها على غير الشرط ~~المأذون فيه، كما لو عقد على خمر أو خنزير أو ما لا يصح تملكه. ويرد على ~~أحمد قوله في أن العتق يكون صداقا، لأنه # PageV05P127 # ليس فيه تسليم مال وإنما فيه إسقاط الملك من غير أن استحقت به تسليم مال ~~إليها، فإن الذي كان يملكه المولى من عنده لم ينتقل إليها وإنما سقط. فإذا ~~لم يسلم الزوج إليها شيئا ولم تستحق عليه شيئا، وإنما أتلف به ملكه، لم يكن ~~مهرا. وهذا بين مع قوله تعالى: (وآتوا النساء) وذلك أمر يقتضي الايجاب، ~~وإعطاء العتق لا يصح. وقوله تعالى: (فإن طبن لكم عن شئ منه نفسا فكلوه) ~~وذلك محال في العتق، فلم يبق أن يكون الصداق إلا ms1701 مالا، لقول تعالى: ~~(بأموالكم) اختلف من قال بذلك في قدر ذلك، فتعلق الشافعي بعموم قوله تعالى: ~~(بأموالكم) في جواز الصداق بقليل وكثير، وهو الصحيح، ويعضده قوله عليه ~~السلام في حديث الموهوبة (ولو خاتما من حديد). وقوله عليه السلام: (أنكحوا ~~الأيامى)، ثلاثا. قيل: ما العلائق بينهم يا رسول الله؟ قال: (ما تراضى عليه ~~الأهلون ولو قضيبا من أراك). وقال: أبو سعيد الخدري: سألنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن صداق النساء فقال: (هو ما اصطلح عليه أهلوهم). وروى جابر ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لو أن رجلا أعطى امرأة ملء يديه ~~طعاما كانت به حلالا). أخرجهما الدارقطني في سننه. قال الشافعي: كل ما جاز ~~أن يكون ثمنا لشئ، أو جاز أن يكون أجرة جاز أن يكون صداقا، وهذا قول جمهور ~~أهل العلم. # وجماعة أهل الحديث من أهل المدينة وغيرها، كلهم أجازوا الصداق بقليل ~~المال وكثيره، وهو قول عبد الله بن وهب صاحب مالك، واختاره ابن المنذر ~~وغيره. قال سعيد بن المسيب: # لو أصدقها سوطا حلت به، وأنكح ابنته من عبد الله بن وداعة بدرهمين. وقال ~~ربيعة: # يجوز النكاح بدرهم. وقال أبو الزناد: ما تراضى به الأهلون. وقال مالك: لا ~~يكون الصداق أقل من ربع دينار أو ثلاثة دراهم كيلا. قال بعض أصحابنا في ~~تعليل له: وكان أشبه الأشياء بذلك قطع اليد، لان البضع عضو واليد عضو ~~يستباح بمقدر من المال، وذلك ربع دينار أو ثلاثة دراهم كيلا، فرد مالك ~~البضع إليه قياسا على اليد. قال أبو عمر: قد تقدمه إلى هذا أبو حنيفة، فقاس ~~الصداق على قطع اليد، واليد عنده لا تقطع إلا في دينار ذهبا أو عشرة دراهم ~~كيلا، ولا صداق عنده أقل من ذلك، وعلى ذلك جماعة أصحابه وأهل مذهبه، وهو ~~قول أكثر أهل بلده في قطع اليد لا في أقل الصداق. وقد قال الدراوردي لمالك ~~إذ قال لا صداق PageV05P128 # أقل من ربع دينار: تعرقت فيها يا أبا عبد الله. أي سلكت فيها سبيل أهل ms1702 ~~العراق. وقد احتج أبو حنيفة بما رواه جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: (لا صداق دون عشرة دراهم) أخرجه الدارقطني. وفي سنده مبشر بن عبيد ~~متروك. وروي عن داود الأودي عن الشعبي عن علي عليه السلام: لا يكون المهر ~~أقل من عشرة دراهم. قال أحمد بن حنبل: # لقن غياث بن إبراهيم داود الأودي عن الشعبي عن علي: لا مهر أقل من عشرة ~~دراهم. فصار حديثا. وقال النخعي: أقله أربعون درهما. سعيد بن جبير: خمسون ~~درهما. ابن شبرمة: # خمسة دراهم. ورواه الدارقطني عن ابن عباس عن علي رضي الله عنه: لا مهر ~~أقل من خمسة دراهم. # الثامنة - قوله تعالى: (فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة) ~~الاستمتاع التلذذ. والأجور المهور، وسمي المهر أجرا لأنه أجر الاستمتاع، ~~وهذا نص على (1) أن المهر يسمى أجرا، و [ذلك (1)] دليل على أنه في مقابلة ~~البضع، لان ما يقابل المنفعة يسمى أجرا. # وقد اختلف العلماء في المعقود عليه في النكاح ما هو: بدن المرأة أو منفعة ~~البضع أو الحل (2)، ثلاثة أقوال، والظاهر المجموع، فإن العقد يقتضي كل ذلك. ~~والله أعلم. # التاسعة - واختلف العلماء في معنى الآية، فقال الحسن ومجاهد وغيرهما: ~~المعنى فما انتفعتم وتلذذتم بالجماع من النساء بالنكاح الصحيح (فآتوهن ~~أجورهن) أي مهورهن، فإذا جامعها مرة واحدة فقد وجب المهر كاملا إن كان ~~مسمى، أو مهر مثلها إن لم يسم. فإن كان النكاح فاسدا فقد اختلفت الرواية عن ~~مالك في النكاح الفاسد، هل تستحق به مهر المثل، أو المسمى إذا كان مهرا ~~صحيحا؟ فقال مرة: المهر المسمى، وهو ظاهر مذهبه، وذلك أن ما تراضوا عليه ~~يقين، ومهر المثل اجتهاد، فيجب أن يرجع إلى ما تيقناه، لان الأموال لا ~~تستحق بالشك. ووجه قوله: (مهر المثل) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~(أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل فإن دخل بها فلها مهر مثلها ~~بما استحل من فرجها (3)). قال ابن خويز منداد: ولا يجوز أن تحمل الآية على ~~جواز المتعة، لان رسول ms1703 الله صلى الله عليه وسلم # PageV05P129 # نهى عن نكاح المتعة وحرمه، ولأن الله تعالى قال: (فأنكحوهن بإذن أهلهن) ~~ومعلوم أن النكاح بإذن الاهلين هو النكاح الشرعي بولي وشاهدين، ونكاح ~~المتعة ليس كذلك. وقال الجمهور: المراد نكاح المتعة الذي كان في صدر ~~الاسلام. وقرأ ابن عباس وأبي وابن جبير (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى ~~فأتوهن أجورهن) ثم نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم. وقال سعيد بن ~~المسيب: نسختها آية الميراث، إذ كانت المتعة لا ميراث فيها. وقالت عائشة ~~والقاسم بن محمد: تحريمها ونسخها في القرآن، وذلك في قوله تعالى: (والذين ~~هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانكم فإنهم غير ملومين ~~(1)) وليست المتعة نكاحا ولا ملك يمين. وروى الدارقطني عن علي بن أبي طالب ~~قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المتعة، قال: وإنما كانت لمن لم ~~يجد، فلما نزل النكاح والطلاق والعدة والميراث بين الزوج والمرأة نسخت. ~~وروى عن علي رضي الله عنه أنه قال: نسخ صوم رمضان كل صوم، ونسخت الزكاة كل ~~صدقة، ونسخ الطلاق والعدة والميراث المتعة، ونسخت الأضحية كل ذبح. وعن ابن ~~مسعود قال: المتعة منسوخة نسخها الطلاق والعدة والميراث. وروى عطاء عن ابن ~~عباس قال: ما كانت المتعة إلا رحمة من الله تعالى رحم بها عباده ولولا نهي ~~عمر عنها ما زنى إلا شقي. # العاشرة - واختلف العلماء كم مرة أبيحت ونسخت، ففي صحيح مسلم عن عبد الله ~~قال: كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس لنا نساء، فقلنا: ألا ~~نستخصي؟ فنهانا عن ذلك، ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل. قال أبو ~~حاتم البستي في صحيحه: # قولهم للنبي صلى الله عليه وسلم (ألا نستخصي) دليل على أن المتعة كانت ~~محظورة قبل أن أبيح لهم الاستمتاع، ولو لم تكن محظورة لم يكن لسؤالهم عن ~~هذا معنى، ثم رخص لهم في الغزو أن ينكحوا المرأة بالثوب إلى أجل ثم نهى ~~عنها عام خيبر، ثم أذن فيها عام ms1704 الفتح، ثم حرمها بعد ثلاث، فهي محرمة إلى ~~يوم القيامة. وقال ابن العربي: وأما متعة النساء فهي من غرائب الشريعة، ~~لأنها أبيحت في صدر الاسلام ثم حرمت يوم خيبر، ثم أبيحت في غزوة # PageV05P130 # أو طاس، ثم حرمت بعد ذلك واستقر الامر على التحريم، وليس لها أخت في ~~الشريعة إلا مسألة القبلة، لان النسخ طرأ عليها مرتين ثم استقرت بعد ذلك. ~~وقال غيره ممن جمع طرق الأحاديث فيها: إنها تقتضي التحليل والتحريم سبع ~~مرات، فروى ابن أبي عمرة أنها كانت في صدر الاسلام. وروى سلمة بن الا كوع ~~أنها كانت عام أو طاس. ومن رواية علي تحريمها يوم خيبر. ومن رواية الربيع ~~بن سبرة إباحتها يوم الفتح. # قلت: وهذه الطرق كلها في صحيح مسلم، وفي غيره عن علي نهيه عنها في غزوة ~~تبوك، رواه إسحاق بن راشد عن الزهري عن عبد الله بن محمد بن علي عن أبيه عن ~~علي، ولم يتابع إسحاق بن راشد على هذه الرواية عن ابن شهاب، قاله أبو عمر ~~رحمه الله. وفي مصنف أبي داود من حديث الربيع بن سبرة النهي عنها في حجة ~~الوداع، وذهب أبو داود إلى أن هذا أصح ما روي في ذلك. وقال عمرو (1) عن ~~الحسن ما حلت المتعة قط إلا ثلاثا في عمرة القضاء ما حلت قبلها ولا بعدها. ~~وروي هذا عن سبرة أيضا، فهذه سبعة مواطن أحلت فيها المتعة وحرمت. قال أبو ~~جعفر الطحاوي: كل هؤلاء الذين رووا عن النبي صلى الله عليه وسلم إطلاقها ~~أخبروا أنها كانت في سفر، وأن النهي لحقها في ذلك السفر بعد ذلك، فمنع ~~منها، وليس أحد منهم يخبر أنها كانت في حضر، وكذلك روي عن ابن مسعود. فأما ~~حديث سبرة الذي فيه إباحة النبي صلى الله عليه وسلم لها في حجة الوداع ~~فخارج عن معانيها كلها، وقد اعتبرنا هذا الحرف فلم نجده إلا في رواية عبد ~~العزيز بن عمر بن عبد العزيز خاصة، وقد رواه إسماعيل بن عياش عن عبد العزيز ~~بن عمر بن ms1705 عبد العزيز فذكر أن ذلك كان في فتح مكة وأنهم شكوا إليه العزبة ~~(2) فرخص لهم فيها، ومحال أن يشكوا إليه العزبة في حجة الوداع، لأنهم كانوا ~~حجوا بالنساء، وكان تزويج النساء بمكة يمكنهم، ولم يكونوا حينئذ كما كانوا ~~في الغزوات المتقدمة. ويحتمل أنه لما كانت عادة النبي صلى الله عليه وسلم ~~تكرير مثل هذا في مغازيه # PageV05P131 # وفي المواضع الجامعة، ذكر تحريمها في حجة الوداع، لاجتماع الناس حتى ~~يسمعه من لم يكن سمعه، فأكد ذلك حتى لا تبقى شبه لاحد يدعي تحليلها، ولأن ~~أهل مكة كانوا يستعملونها كثيرا. # الحادية عشرة - روى الليث بن سعد عن بكير بن الأشج عن عمار مولى الشريد ~~قال: # سألت ابن عباس عن المتعة أسفاح هي أم نكاح؟ قال: لا سفاح ولا نكاح. قلت: # فما هي؟ قال: المتعة كما قال الله تعالى. قلت: هل عليها عدة؟ قال: نعم ~~حيضة. قلت: # يتوارثان، قال: لا. قال أبو عمر: لم يختلف العلماء من السلف والخلف أن ~~المتعة نكاح إلى أجل لا ميراث فيه، والفرقة تقع عند انقضاء الأجل من غير ~~طلاق. وقال ابن عطية: # (وكانت المتعة أن يتزوج الرجل المرأة بشاهدين وإذن الولي إلى أجل مسمى، ~~وعلى أن لا ميراث بينهما، ويعطيها ما اتفقا عليه، فإذا انقضت المدة فليس له ~~عليها سبيل ويستبرئ رحمها: # لان الولد لا حق فيه بلا شك، فإن لم تحمل حلت لغيره. وفي كتاب النحاس: في ~~هذا خطأ وأن الولد لا يلحق في نكاح المتعة). # قلت: هذا هو المفهوم من عبارة النحاس، فإنه قال: وإنما المتعة أن يقول ~~لها: # أتزوجك يوما - أو ما أشبه ذلك - على أنه لا عدة عليك ولا ميراث بيننا ولا ~~طلاق ولا شاهد يشهد على ذلك، وهذا هو الزنى بعينه ولم يبح قط في الاسلام، ~~ولذلك قال عمر: # لا أوتى برجل تزوج متعة إلا غيبته تحت الحجارة. # الثانية عشرة - وقد اختلف علماؤنا إذا دخل في نكاح المتعة هل يحد ولا ~~يلحق به الولد أو يدفع الحد للشبهة ويلحق به الولد على قولين، ms1706 ولكن يعذر ~~(1) ويعاقب. وإذا لحق اليوم الولد في نكاح المتعة في قول بعض العلماء مع ~~القول بتحريمه، فكيف لا يلحق في ذلك الوقت الذي أبيح، فدل على أن نكاح ~~المتعة كان على حكم النكاح الصحيح ويفارقه في الاجل والميراث. وحكى المهدوي ~~عن ابن عباس أن نكاح المتعة كان بلا ولي ولا شهود. وفيما حكاه ضعف، لما ~~ذكرنا. قال ابن العربي: وقد كان ابن عباس يقول بجوازها، ثم ثبت رجوعه # PageV05P132 # عنها، فانعقد الاجماع على تحريمها، فإذا فعلها أحد رجم في مشهور المذهب. ~~وفي رواية أخرى عن مالك: لا يرجم، لان نكاح المتعة ليس بحرام، ولكن لأصل ~~آخر لعلمائنا غريب انفردوا به دون سائر العلماء، وهو أن ما حرم بالسنة هل ~~هو مثل ما حرم بالقرآن أم لا؟ فمن رواية بعض المدنيين عن مالك أنهما ليسا ~~بسواء، وهذا ضعيف. وقال أبو بكر الطرطوسي: ولم يرخص في نكاح المتعة إلا ~~عمران بن حصين وابن عباس وبعض الصحابة وطائفة من أهل البيت. # وفي قول ابن عباس يقول الشاعر: أقول للركب إذ طال الثواء بنا * يا صاح هل ~~لك في فتيا ابن عباس في بضة رخصة الأطراف ناعمة * تكون مثواك حتى مرجع ~~الناس وسائر العلماء والفقهاء من الصحابة والتابعين والسلف الصالحين على أن ~~هذه الآية منسوخة، وأن المتعة حرام. وقال أبو عمر: أصحاب ابن عباس من أهل ~~مكة واليمن كلهم يرون المتعة حلا لا على مذهب ابن عباس وحرمها سائر الناس. ~~وقال معمر: قال الزهري: ازداد الناس لها مقتا حتى قال الشاعر: # قال المحدث لما طال مجلسه * يا صاح هل لك في فتيا ابن عباس كما تقدم. # الثالثة عشرة - قوله تعالى: (أجورهن) يعم المال وغيره، فيجوز أن يكون ~~الصداق منافع أعيان. وقد اختلف في هذا العلماء، فمنعه مالك والمزني والليث ~~وأحمد وأبو حنيفة وأصحابه، إلا أن أبا حنيفة قال: إذا تزوج على ذلك فالنكاح ~~جائز وهو في حكم من لم يسم لها، ولها مهر مثلها إن دخل بها، وإن لم يدخل ~~بها فلها المتعة. وكرهه ms1707 ابن القاسم في كتاب محمد وأجازه أصبغ. قال ابن شاس: ~~فإن وقع مضى في قول أكثر الأصحاب. وهي رواية أصبغ عن ابن القاسم. وقال ~~الشافعي: النكاح ثابت وعليه أن يعلمها ما شرط لها. فإن طلقها قبل الدخول ~~ففيها للشافعي قولان: أحدهما أن لها نصف أجر تعليم تلك السورة، والآخر أن ~~لها نصف مهر مثلها. وقال إسحاق: النكاح جائز. قال أبو الحسن اللخمي: والقول ~~بجواز جميع ذلك أحسن. والإجارة والحج كغير هما من الأموال التي تتملك وتباع ~~وتشترى. وإنما كره PageV05P133 # ذلك مالك لأنه يستحب أن يكون الصداق معجلا، والإجارة والحج في معنى ~~المؤجل. احتج أهل القول الأول بأن الله تعالى قال: (بأموالكم) وتحقيق المال ~~ما تتعلق به الأطماع، ويعد للانتفاع، ومنفعة الرقبة في الإجارة ومنفعة ~~التعليم للعلم كله ليس بمال. قال الطحاوي: # والأصل المجتمع عليه أن رجلا لو استأجر رجلا على أن يعلمه سورة القرآن ~~سماها، بدرهم لم يجز، لان الاجارات لا تجوز إلا لاحد معنيين، إما على عمل ~~بعينه كخياطة ثوب وما أشبهه، وإما على وقت معلوم، وكان إذا استأجره على ~~تعليم سورة فتلك إجارة لا على وقت معلوم ولا على عمل معلوم، وإنما استأجره ~~على أن يعلم، وقد يفهم بقليل التعليم وكثيره في قليل الأوقات وكثيرها. ~~وكذلك لو باعه داره على أن يعلمه سورة من القرآن لم يجز للمعاني التي ~~ذكرناها في الاجارات. وإذا كان التعليم لا يملك به المنافع ولا أعيان ~~الأموال ثبت بالنظر أنه لا تملك به الأبضاع. والله الموفق. احتج من أجاز ~~ذلك بحديث سهل بن سعد في حديث الموهوبة، وفيه فقال: (اذهب فقد ملكتكها بما ~~معك من القرآن). في رواية قال: # (انطلق فقد زوجتكها فعلمها من القرآن). قالوا: ففي هذا دليل على انعقاد ~~النكاح وتأخر المهر الذي هو التعليم، وهذا على الظاهر من قوله: (بما معك من ~~القرآن) فإن الباء للعوض، كما تقول: خذ هذا بهذا، أي عوضا منه. وقوله في ~~الرواية الأخرى: (فعلمها) نص في الامر بالتعليم، والمساق يشهد بأن ذلك لأجل ~~النكاح، ولا ms1708 يلتفت لقول من قال إن ذلك كان إكراما للرجل بما حفظه من ~~القرآن، أي لما حفظه، فتكون الباء بمعنى اللام، فإن الحديث الثاني يصرح ~~بخلافه في قوله: (فعلمها من القرآن). ولا حجة فيما روي عن أبي طلحة أنه خطب ~~أم سليم فقالت: إن أسلم تزوجته فأسلم فتزوجها، فلا يعلم مهر كان أكرم من ~~مهرها، كان مهرها الاسلام فإن ذلك خاص به. وأيضا فإنه لا يصل إليها منه شئ ~~بخلاف التعليم وغيره من المنافع. وقد زوج شعيب عليه السلام ابنته من موسى ~~عليه السلام على أن يرعى له غنما في صداقها، على ما يأتي بيانه في سورة ~~(القصص (1)). وقد روي من حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال لرجل من أصحابه: (يا فلان هل # PageV05P134 # تزوجت)؟ قال: لا، وليس معي ما أتزوج به. قال: أليس معك (قل هو الله أحد)؟ # قال: بلى! قال: (ثلث القرآن، أليس معك آية الكرسي)؟ قال: بلى! قال: (ربع ~~القرآن، أليس معك (إذا جاء نصر الله والفتح)؟ قال: بلى! قال: (ربع القرآن)، ~~أليس معك (إذا زلزلت))؟ قال: بلى! قال: (ربع القرآن. تزوج تزوج). # قلت: وقد أخرج الدارقطني حديث سهل من حديث ابن مسعود، وفيه زيادة تبين، ~~ما احتج به مالك وغيره، وفيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من ينكح ~~هذه)؟ # فقام ذلك الرجل فقال: أنا يا رسول الله، فقال: (ألك مال)؟ قال: لا، يا ~~رسول الله، قال: (فهل تقرأ من القرآن شيئا)؟. قال: نعم، سورة البقرة، وسورة ~~المفصل (1). # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قد أنكحتكها على أن تقرئها وتعلمها ~~وإذا رزقك الله عوضتها). فتزوجها الرجل على ذلك. وهذا نص - لو صح - في أن ~~التعليم لا يكون صداقا. قال الدارقطني: تفرد به عتبة بن السكن وهو متروك ~~الحديث. # و (فريضة) نصب على المصدر في موضع الحال، أي مفروضة. # الرابعة عشرة - قوله تعالى: (ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد ~~الفريضة) أي من زيادة ونقصان في المهر، فإن ذلك سائغ عند ms1709 التراضي بعد ~~استقرار الفريضة. والمراد إبراء المرأة عن المهر، أو توفية الرجل كل المهر ~~إن طلق قبل الدخول. وقال القائلون بأن الآية في المتعة: هذا إشارة إلى ما ~~تراضيا عليه من زيادة في مدة المتعة في أول الاسلام، فإنه كان يتزوج الرجل ~~المرأة شهرا على دينار مثلا، فإذا انقضى الشهر فربما كان يقول: # زيديني في الاجل أزدك في المهر. فبين أن ذلك كان جائزا عند التراضي. # قوله تعالى: ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ~~ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بايمانكم بعضكم من بعض ~~فانكحوهن باذن وآتوهن أجورهن # PageV05P135 # بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان فإذا أحصن فان أتين بفاحشة ~~فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ذلك لمن خشى العنت منكم وأن تصبروا ~~خير لكم والله غفور رحيم (25) فيه إحدى وعشرون مسألة: # الأولى - قوله تعالى: (ومن لم يستطيع منكم طولا) الآية. نبه تعالى على ~~تخفيف في النكاح (1) وهو نكاح الأمة لمن لم يجد الطول. واختلف العلماء. في ~~معنى الطول على ثلاثة أقوال: الأول - السعة والغنى، قاله ابن عباس ومجاهد ~~وسعيد بن جبير والسدي وابن زيد ومالك في المدونة. يقال: طال يطول طولا في ~~الافضال والقدرة. وفلان ذو طول أي ذو قدرة في مال (بفتح الطاء). وطولا (بضم ~~الطاء) في ضد القصر. والمراد ههنا القدرة على المهر فقول أكثر أهل العلم، ~~وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور. قال أحمد بن المعذل: قال عبد ~~الملك: الطول كل ما يقدر به على النكاح من نقد أو عرض أو دين على ملي. # قال: وكل ما يمكن بيعه وإجارته فهو طول. قال: وليست الزوجة ولا الزوجتان ~~ولا الثلاثة طولا. وقال: وقد سمعت ذلك من مالك رضي الله عنه. قال عبد ~~الملك: لان الزوجة لا ينكح بها ولا يصل بها إلى غيرها إذ ليست بمال. وقد ~~سئل مالك عن رجل يتزوج أمة وهو ممن يجد الطول، فقال: أرى أن يفرق بينهما. ~~قيل له: إنه يخاف العنت. قال: السوط ms1710 يضرب به. ثم خففه بعد ذلك. القول ~~الثاني: الطول الحرة. وقد اختلف قول مالك في الحرة هل هي طول أم لا، فقال ~~في المدونة: ليست الحرة بطول تمنع من نكاح الأمة، إذا لم يجد سعة لأخرى ~~وخاف العنت. وقال في كتاب محمد ما يقتضي أن الحرة بمثابة الطول. قال ~~اللخمي: وهو ظاهر القرآن. وروي نحو هذا عن ابن حبيب، وقاله أبو حنيفة. ~~فيقتضي هذا أن من عنده حرة فلا يجوز له نكاح الأمة وأن عدم السعة وخاف ~~العنت، لأنه طالب شهوة وعنده امرأة، وقال به الطبري واحتج له. قال أبو ~~يوسف: الطول هو وجود الحرة # PageV05P136 # تحته، فإذا كانت تحته حرة فهو ذو طول، فلا يجوز له نكاح الأمة. القول ~~الثالث: الطول الجلد والصبر لمن أحب أمة وهويها حتى صار لذلك لا يستطع أن ~~يتزوج غيرها، فإن له أن يتزوج الأمة إذا لم يملك هواها وخاف أن يبغي بها ~~وإن كان يجد سعة في المال لنكاح حرة، هذا قول قتادة والنخعي وعطاء وسفيان ~~الثوري. فيكون قوله تعالى: (لمن خشي العنت) على هذا التأويل في صفة عدم ~~الجلد. وعلى التأويل الأول يكون تزويج الأمة معلقا بشرطين: # عدم السعة في المال، وخوف العنت، فلا يصح إلا باجتماعهما. وهذا هو نص ~~مذهب مالك في المدونة من رواية ابن نافع وابن القاسم وابن وهب وابن زياد. ~~قال مطرف وابن الماجشون: لا يحل للرجل أن ينكح أمة، ولا يقران إلا أن يجتمع ~~الشرطان كما قال الله تعالى. # وقال أصبغ. وروي هذا القول عن جابر بن عبد الله وابن عباس وعطاء وطاوس ~~والزهري ومكحول، وبه قال الشافعي وأبو ثور وأحمد وإسحاق، واختاره ابن ~~المنذر وغيره. فإن وجد المهر وعدم النفقة فقال مالك في كتاب محمد: لا يجوز ~~له أن يتزوج أمة. وقال أصبغ: ذلك جائز، إذ نفقة الأمة على أهلها إذا لم ~~يضمها إليه. وفي الآية قول رابع: قال مجاهد: مما وسع الله على هذه الأمة ~~نكاح الأمة والنصرانية، وإن كان موسرا. وقال بذلك أبو حنيفة أيضا، ms1711 ولم ~~يشترط خوف العنت، إذا لم تكن تحته حرة. قالوا: لان كل مال يمكن أن يتزوج به ~~الأمة يمكن أن يتزوج به الحرة، فالآية على هذا أصل في جواز نكاح الأمة ~~مطلقا. # قال مجاهد: وبه يأخذ سفيان، وذلك أني سألته عن نكاح الأمة فحدثني. عن ابن ~~أبي ليلى عن المنهال عن عباد بن عبد الله عن علي رضي الله عنه قال: إذا ~~نكحت الحرة على الأمة كان للحرة يومان وللأمة يوم. قال: ولم ير علي به ~~بأسا. وحجة هذا القول عموم قوله تعالى: # (وأحل لكم ما وراء ذلكم). وقوله تعالى: (ومن لم يستطع منكم طولا) إلى ~~قوله: # (ذلك لمن خشي العنت منكم)، لقوله عز وجل: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء ~~مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة). وقد اتفق الجميع على أن ~~للحر أن يتزوج أربعا وإن خاف ألا يعدل. قالوا: وكذلك له تزوج الأمة وإن كان ~~واجدا للطول غير خائف للعنت. وقد PageV05P137 # روي عن مالك في الذي يجد طولا لحرة أنه يتزوج أمة مع قدرته على طول ~~الحرة، وذلك ضعيف من قول. وقد قال مرة أخرى: ما هو بالحرام البين، وأجوزه. ~~والصحيح أنه لا يجوز للحر المسلم أن ينكح أمة غير مسلمة بحال، ولا له أن ~~يتزوج بالأمة المسلمة إلا بالشرطين المنصوص عليهما كما بينا. والعنت الزنى، ~~فإن عدم الطول ولم يخش العنت لم يجز له نكاح الأمة، وكذلك إن وجد الطول ~~وخشي العنت. فإن قدر على طول حرة كتابية وهي المسألة: # الثانية - فهل يتزوج الأمة، اختلف علماؤنا في ذلك، فقيل: يتزوج الأمة فإن ~~الأمة المسلمة لا تلحق بالكافرة، فأمة مؤمنة خير من حرة مشركة. واختاره ابن ~~العربي. # وقيل: يتزوج الكتابية، لان الأمة وإن كانت تفضلها بالايمان فالكافرة ~~تفضلها بالحرية وهي زوجة. وأيضا فإن ولدها يكون حرا لا يسترق، وولد الأمة ~~يكون رقيقا، وهذا هو الذي يتمشى على أصل المذهب. # الثالثة - واختلف العلماء في الرجل يتزوج الحرة على الأمة ولم تعلم بها، ~~فقالت طائفة: النكاح ثابت. كذلك ms1712 قال سعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح ~~والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي، وروي عن علي. وقيل: للحرة الخيار إذا ~~علمت. ثم في أي شئ يكون لها الخيار، فقال الزهري وسعيد بن المسيب ومالك ~~وأحمد وإسحاق في أن تقيم معه أو تفارقه. وقال عبد الملك: في أن تقر نكاح ~~الأمة أو تفسخه. وقال النخعي: إذا تزوج الحرة على الأمة فارق الأمة إلا أن ~~يكون له منها ولد، فإن كان لم يفرق بينهما. وقال مسروق: يفسخ نكاح الأمة، ~~لأنه أمر أبيح للضرورة كالميتة، فإذا ارتفعت الضرورة ارتفعت الإباحة. # الرابعة - فإن كانت تحته أمتان علمت الحرة بواحدة منهما ولم تعلم بالأخرى ~~فإنه يكون لها الخيار. ألا ترى لو أن حرة تزوج عليها أمة فرضيت، ثم تزوج ~~عليها أمة فرضيت، ثم تزوج عليها أخرى فأنكرت كان ذلك لها، فكذلك هذه إذا لم ~~تعلم بالأمتين وعلمت بواحدة. # قال ابن القاسم: قال مالك: وإنما جعلنا الخيار للحرة في هذه المسائل لما ~~قالت العلماء قبلي. PageV05P138 # يريد سعيد بن المسيب وابن شهاب وغيرهما. قال مالك: ولولا ما قالوه لرأيته ~~حلالا، لأنه في كتاب الله حلال. فإن لم تكفه الحرة واحتاج إلى أخرى ولم ~~يقدر على صداقها جاز له أن يتزوج الأمة حتى ينتهي إلى أربع بالتزويج بظاهر ~~القرآن. رواه ابن وهب عن مالك. # وروى ابن القاسم عنه: يرد نكاحه. قال ابن العربي: والأول أصح في الدليل، ~~وكذلك هو في القرآن، فإن من رضي بالسبب المحقق رضي بالمسبب المرتب عليه، ~~وألا يكون لها خيار، لأنها قد علمت أن له نكاح الأربع، وعلمت أنه إن لم ~~يقدر على نكاح حرة تزوج أمة، وما شرط الله سبحانه عليها كما شرطت على ~~نفسها، ولا يعتبر في شروط الله سبحانه وتعالى علمها. وهذا غاية التحقيق في ~~الباب والانصاف فيه. # الخامسة - قوله تعالى: (المحصنات) يريد الحرائر، يدل عليه التقسيم بينهن ~~وبين الإماء في قوله: (من فتياتكم المؤمنات). وقالت فرقة: معناه العفائف. ~~وهو ضعيف، لان الإماء يقعن تحته فأجازوا نكاح إماء أهل الكتاب، وحرموا ms1713 ~~البغايا من المؤمنات والكتابيات. وهو قول ابن ميسرة والسدي. وقد اختلف ~~العلماء فيما يجوز للحر الذي لا يجد الطول ويخشى العنت من نكاح الإماء، ~~فقال مالك وأبو حنيفة وابن شهاب الزهري والحارث العكلي (1): له أن يتزوج ~~أربعا. وقال حماد بن أبي سليمان: ليس له أن ينكح من الإماء أكثر من اثنتين. ~~وقال الشافعي وأبو ثور وأحمد وإسحاق: ليس له أن ينكح من الإماء إلا واحدة. ~~وهو قول ابن عباس ومسروق وجماعة، واحتجوا بقوله تعالى: (ذلك لمن خشي العنت ~~منكم) وهذا المعنى يزول بنكاح واحدة. # السادسة - قوله تعالى: (فمن ما ملكت أيمانكم) أي فليتزوج بأمة الغير. # ولا خلاف بين العلماء أنه لا يجوز له أن يتزوج أمة نفسه، لتعارض الحقوق ~~واختلافها. # السابعة - قوله تعالى: (من فتياتكم) أي المملوكات، وهي جمع فتاة. والعرب ~~تقول للمملوك: فتى، وللمملوكة فتاة. وفي الحديث الصحيح: لا يقولن أحدكم ~~عبدي وأمتي # PageV05P139 # ولكن ليقل فتاي وفتاتي) وسيأتي. ولفظ الفتى والفتاة يطلق أيضا على (1) ~~الأحرار في ابتداء الشباب، فأما في المماليك فيطلق في الشباب وفي الكبر. # الثامنة - قوله تعالى: (المؤمنات) بين بهذا أنه لا يجوز التزوج بالأمة ~~الكتابية، فهذه الصفة مشترطة عند مالك وأصحابه، والشافعي وأصحابه، والثوري ~~والأوزاعي والحسن البصري والزهري ومكحول ومجاهد. وقالت طائفة من أهل العلم ~~منهم أصحاب الرأي: # نكاح الأمة الكتابية جائز. قال أبو عمر: ولا أعلم لهم سلفا في قولهم، إلا ~~أبا ميسرة عمرو بن شرحبيل فإنه قال: إماء أهل الكتاب بمنزلة الحرائر منهن. ~~قالوا: وقوله (المؤمنات) على جهة الوصف الفاضل وليس بشرط ألا يجوز غيرها، ~~وهذا بمنزلة قوله تعالى: (فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة) فإن خاف ألا يعدل ~~فتزوج أكثر من واحدة جاز، ولكن الأفضل ألا يتزوج، فكذلك هنا الأفضل ألا ~~يتزوج إلا مؤمنة، ولو تزوج غير المؤمنة جاز. # واحتجوا بالقياس على الحرائر، وذلك أنه لما لم يمنع قوله: (المؤمنات) في ~~الحرائر من نكاح الكتابيات فكذلك لا يمنع قوله: (المؤمنات) في الإماء من ~~نكاح إماء الكتابيات. وقال أشهب في المدونة: جائز للعبد المسلم أن ms1714 يتزوج ~~أمة كتابية. فالمنع عده أن يفضل الزوج في الحرية والدين معا. ولا خلاف بين ~~العلماء أنه لا يجوز لمسلم نكاح مجوسية ولا وثنية، وإذا كان حراما بإجماع ~~نكاحهما فكذلك وطؤهما بملك اليمين قياسا ونظرا. وقد روي عن طاوس ومجاهد ~~وعطاء وعمرو بن دينار أنهم قالوا: لا بأس بنكاح الأمة المجوسية بملك ~~اليمين. # وهو قول شاذ مهجور لم يلتفت إليه أحد من فقهاء (2) الأمصار. وقالوا: لا ~~يحل أن يطأها حتى تسلم. وقد تقدم القول في هذه المسألة في (البقرة (3)) ~~مستوفى. والحمد لله. # التاسعة - قوله تعالى: (والله أعلم بأيمانكم) المعنى أن الله عليم ببواطن ~~الأمور ولكم ظواهرها، وكلكم بنو آدم وأكرمكم عند الله أتقاكم، فلا تستنكفوا ~~من التزوج بالإماء عند الضرورة، وإن كانت حديثة عهد بسباء أو كانت خرساء ~~وما أشبه ذلك. ففي اللفظ تنبيه على أنه ربما كان إيمان أمة أفضل من إيمان ~~بعض الحرائر. # PageV05P140 # العاشرة - قوله تعالى: (بعضكم من بعض) ابتداء وخبر، كقولك زيد في الدار. # والمعنى أنتم بنو آدم. وقيل: أنتم مؤمنون. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، ~~المعنى: # ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فلينكح بعضكم من بعض: ~~هذا فتاة هذا، وهذا فتاة هذا. فبعضكم على هذا التقدير مرفوع بفعله وهو ~~فلينكح. والمقصود بهذا الكلام توطئة نفوس العرب التي كانت تستهجن ولد الأمة ~~وتعيره وتسميه الهجين (1)، فلما جاء الشرع بجواز نكاحها علموا أن ذلك ~~التهجين لا معنى له، وإنما انحطت الأمة فلم يجز للحر التزوج بها إلا عند ~~الضرورة، لأنه تسبب إلى إرقاق الولد، وأن الأمة لا تفرغ للزوج على الدوام، ~~لأنها مشغولة بخدمة المولى. # الحادية عشرة - قوله تعالى: (فانكحوهن باذن أهلهن) أي بولاية أربابهن ~~المالكين وإذنهم. وكذلك العبد لا ينكح إلا بإذن سيده، لان العبد مملوك لا ~~أمر له، وبدنه كله مستغرق، لكن الفرق بينهما أن العبد إذا تزوج بغير إذن ~~سيده فإن أجاز السيد جاز، هذا مذهب مالك وأصحاب الرأي، وهو قول الحسن ~~البصري وعطاء بن أبن رباح وسعيد ابن المسيب وشريح والشعبي. ms1715 والأمة إذا ~~تزوجت بغير إذن أهلها فسخ ولم يجز بإجازة السيد، لان نقصان الأنوثة في ~~الأمة يمنع من انعقاد النكاح البتة وقالت طائفة: إذا نكح العبد بغير إذن ~~سيده فسخ نكاحه، هذا قول الشافعي والأوزاعي وداود بن علي، قالوا: لا تجوز ~~إجازة المولى إن لم يحضره، لان العقد الفاسد لا تصح إجازته، فإن أراد ~~النكاح استقبله على سنته. # وقد أجمع علماء المسلمين على أنه لا يجوز نكاح العبد بغير إذن سيده. وقد ~~كان ابن عمر يعد العبد بذلك زانيا ويحده، وهو قول أبي ثور. وذكر عبد الرزاق ~~عن عبد الله (2) بن عمر عن نافع عن ابن عمر، وعن معمر عن أيوب عن نافع عن ~~ابن عمر أنه أخذ عبد اله نكح بغير إذنه فضربه الحد وفرق بينهما وأبطل ~~صداقها. قال: وأخبرنا ابن جريج عن موسى بن عقبة أنه أخبره عن نافع عن ابن ~~عمر أنه كان يرى نكاح العبد بغير إذن وليه زنى، ويرى عليه الحد، # PageV05P141 # ويعاقب الذين أنكحوهما. قال: وأخبرنا ابن جريج عن عبد الله بن محمد بن ~~عقيل قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~(أيما عبد نكح بغير إذن سيده فهو عاهر). وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ~~هو نكاح حرام، فإن نكح بإذن سيده فالطلاق بيد من يستحل الفرج. قال أبو عمر: ~~على هذا مذهب جماعة فقهاء الأمصار بالحجاز والعراق، ولم يختلف عن ابن عباس ~~أن الطلاق بيد السيد، وتابعه على ذلك جابر بن زيد وفرقة. وهو عند العلماء ~~شذوذ لا يعرج عليه، وأظن ابن عباس تأول في ذلك قول الله تعالى: # (ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شئ (1)). وأجمع أهل العلم على أن ~~نكاح العبد جائز بإذن مولاه، فإن نكح نكاحا فاسدا فقال الشافعي: إن لم يكن ~~دخل فلا شئ لها، أن كان دخل فعليه المهر إذا عتق، هذا هو الصحيح من مذهبه، ~~وهو قول أبي يوسف ومحمد لا مهر عليه حتى يعتق. وقال أبو ms1716 حنيفة: إن دخل ~~عليها فلها المهر. وقال مالك والشافعي: إذا كان عبد بين رجلين فأذن له ~~أحدهما في النكاح فنكح فالنكاح باطل، فأما الأمة إذا آذنت أهلها في النكاح ~~فأذنوا جاز، وإن لم تباشر العقد لكن تولي من يعقده عليها. # الثانية عشرة - قوله تعالى: (وآتوهن أجورهن) دليل على وجوب المهر في ~~النكاح، وأنه للأمة. (بالمعروف) معناه بالشرع والسنة، وهذا يقتضي أنهن أحق ~~بمهورهن من السادة، وهو مذهب مالك. قال في كتاب الرهون: ليس للسيد أن يأخذ ~~مهر أمته ويدعها بلا جهاز. وقال الشافعي: الصداق للسيد، لأنه عوض فلا يكون ~~للأمة. أصله إجازة المنفعة في الرقبة، وإنما ذكرت لان المهر وجب بسببها. ~~وذكر القاضي إسماعيل في أحكامه: زعم بعض العراقيين إذا زوج أمته من عبده ~~فلا مهر. وهذا خلاف الكتاب والسنة وأطنب فيه. # الثالثة عشرة - قوله تعالى: (محصنات) أي عفائف. وقرأ الكسائي (محصنات) ~~بكسر الصاد في جميع القرآن، إلا في قوله تعالى: (والمحصنات من النساء). ~~وقرأ الباقون بالنصب في جميع القرآن. ثم قال: (غير مسافحات) أي غير زوان، ~~أي معلنات بالزنى، لان أهل الجاهلية كان فيهم الزواني في العلانية، ولهن ~~رايات منصوبات كراية البيطار. # PageV05P142 # (ولا متخذات أخدان) أصدقاء على الفاحشة، واحدهم خدن وخدين، وهو الذي ~~يخادنك، ورجل خدنة، إذا اتخذ أخذ انا أي أصحابا، عن أبي زيد. وقيل: ~~المسافحة المجاهرة بالزنى، أي التي تكري نفسها لذلك. وذات الخدن هي التي ~~تزني سرا. وقيل: المسافحة المبذولة، وذات الخدن التي تزني بواحد. وكانت ~~العرب تعيب الاعلان بالزنى، ولا تعيب اتخاذ الأخدان، ثم رفع الاسلام جميع ~~ذلك، وفي ذلك نزل قوله تعالى: (ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ~~(1))، عن ابن عباس وغيره. # الرابعة عشرة - قوله تعالى: (فإذا أحصن) قراءة عاصم وحمزة والكسائي بفتح ~~الهمزة. # الباقون بضمها. فبالفتح معناه أسلمن، وبالضم زوجن. فإذا زنت الأمة ~~المسلمة جلدت نصف جلد الحرة، وإسلامها هو إحصانها في قول الجمهور: ابن ~~مسعود والشعبي والزهري وغيرهم. وعليه فلا تحد كافرة إذا زنت، وهو قول ~~الشافعي فيما ذكر ابن ms1717 المنذر. وقال آخرون: # إحصانها التزوج بحر. فإذا زنت الأمة المسلمة التي لم تتزوج فلا حد عليها، ~~قاله سعيد بن جبير والحسن وقتادة، وروي عن ابن عباس وأبي الدرداء، وبه قال ~~أبو عبيد. قال: وفي حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سئل عن حد الأمة ~~فقال: إن الأمة ألقت فروة رأسها من وراء الدار. قال الأصمعي: الفروة جلدة ~~الرأس. قال أبو عبيد: وهو لم يرد الفروة بعينها، وكيف تلقى جلدة رأسها من ~~وراء الدار، ولكن هذا مثل! إنما أراد بالفروة القناع، يقول ليس عليها قناع ~~ولا حجاب، وأنها تخرج إلى كل موضع يرسلها أهلها إليه، لا تقدر على الامتناع ~~من ذلك، فتصير حيث لا تقدر على الامتناع من الفجور، مثل رعاية الغنم وأداء ~~الضريبة ونحو ذلك، فكأنه رأى أن لا حد عليها إذا فجرت، لهذا المعنى. وقالت ~~فرقة: إحصانها التزوج، إلا أن الحد واجب على الأمة المسلمة غير المتزوجة ~~بالسنة، كما في صحيح البخاري ومسلم أنه قيل: يا رسول الله، الأمة إذا زنت ~~ولم تحصن؟ فأوجب عليها الحد. قال الزهري: فالمتزوجة محدودة بالقرآن، ~~والمسلمة غير المتزوجة محدودة بالحديث. قال القاضي إسماعيل في قول من قال ~~(إذا أحصن) أسلمن: بعد، لان ذكر # PageV05P143 # الايمان قد تقدم لهن في قوله تعالى: (من فتياتكم المؤمنات). وأما من قال: ~~(إذا أحصن) تزوجن، وأنه لا حد عالي الأمة حتى تتزوج، فإنهم ذهبوا إلى ظاهر ~~القرآن وأحسبهم لم يعلموا هذا الحديث. والامر عندنا أن الأمة إذا. زنت وقد ~~أحصنت مجلودة بكتاب الله، وإذا زنت ولم تحصن مجلودة بحديث النبي صلى الله ~~عليه وسلم ولا رجم عليها، لان الرجم لا يتنصف. # قال أبو عمر: ظاهر قول الله عز وجل يقتضي ألا حد على أمة وإن كانت مسلمة ~~إلا بعد التزويج، ثم جاءت السنة بجلدها وإن لم تحصن، فكان ذلك زيادة بيان. # قلت: ظهر المؤمن حمى لا يستباح إلا بيقين، ولا يقين مع الاختلاف، لولا ما ~~جاء في صحيح السنة من الجلد في ذلك. والله أعلم. وقال أبو ms1718 ثور فيما ذكر ابن ~~المنذر: وإن كانوا اختلفوا في رجمهما فإنهما يرجمان إذا كانا محصنين، وإن ~~كان إجماع فالاجماع أولى. # الخامسة عشرة - واختلف العلماء فيمن يقيم الحد عليهما، فقال ابن شهاب: ~~مضت السنة أن يحد العبد والأمة أهلوهم في الزنى، إلا أن يرفع أمرهم إلى ~~السلطان فليس لأحد أن يفتات عليه، وهو مقتضى قوله عليه السلام: (إذا زنت ~~أمة أحدكم فليحدها الحد). وقال علي رضي الله عنه في خطبته: يا أيها الناس، ~~أقيموا على أرقائكم الحد، من أحصن منهم ومن لم يحصن، فإن أمة لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم زنت فأمرني أن أجلدها، فإذا هي حديث عهد بنفاس، فخشيت ~~إن أنا جلدتها أقتلها، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: # (أحسنت). أخرجه مسلم موقوفا عن علي. وأسنده النسائي وقال فيه: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: (أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم من أحصن منهم ~~ومن لم يحصن) وهذا نص في إقامة السادة الحدود على المماليك من أحصن منهم ~~ومن لم يحصن. قال مالك رضي الله عنه: يحد المولى عبده في الزنى وشرب الخمر ~~والقذف إذا شهد عنده الشهود بذلك، ولا يقطعه في السرقة، وإنما يقطعه ~~الامام، وهو قول الليث. وروي عن جماعة من الصحابة أنهم أقاموا الحدود على ~~عبيدهم، منهم ابن عمر وأنس، ولا مخالف لهم من الصحابة. # وروي عن ابن أبي ليلى أنه قال: أدركت بقايا الأنصار يضربون الوليدة من ~~ولائدهم إذا PageV05P144 # زنت، في مجالسهم. وقال أبو حنيفة: يقيم الحدود على العبيد والإماء ~~السلطان دون المولى في الزنى وسائر الحدود، وهو قول الحسن بن حي. وقال ~~الشافعي: يحده المولى في كل حد ويقطعه، واحتج بالأحاديث التي ذكرنا. وقال ~~الثوري والأوزاعي: يحده في الزنى، وهو مقتضى الأحاديث، والله أعلم. وقد مضى ~~القول في تغريب العبيد في هذه السورة. # السادسة عشرة - فإن زنت الأمة ثم عتقت قبل أن يحدها سيدها لم يكن له سبيل ~~إلى حدها، والسلطان يجلدها إذا ثبت ذلك عنده، فإن زنت ثم تزوجت لم ms1719 يكن ~~لسيدها أن يجلدها أيضا لحق الزوج، إذ قد يضره ذلك. وهذا مذهب مالك إذا لم ~~يكن الزوج ملكا للسيد، فلو كان، جاز للسيد ذلك لان حقهما حقه. # السابعة عشرة - فإن أقر العبد بالزنى وأنكره المولى فإن الحد يجب على ~~العبد لاقراره، ولا التفات لما أنكره المولى، وهذا مجمع عليه بين العلماء. ~~وكذلك المدبر (1) وأم الولد والمكاتب والمعتق بعضه. وأجمعوا أيضا على أن ~~الأمة إذا زنت ثم أعتقت حدت حد الإماء، وإذا زنت وهي لا تعلم بالعتق ثم ~~علمت وقد حدت أقيم عليها تمام حد الحرة، ذكره ابن المنذر. # الثامنة عشرة - واختلفوا في عفو السيد عن عبده وأمته إذا زنيا، فكان ~~الحسن البصري يقول: له أن يعفو. وقال غير الحسن: لا يسعه إلا إقامة الحد، ~~كما لا يسع السلطان أن يعفو عن حد إذا علمه، لم يسع السيد كذلك أن يعفو عن ~~أمته إذا وجب عليها الحد، وهذا [على (2)] مذهب أبي ثور. قال ابن المنذر: ~~وبه نقول. # التاسعة عشرة - قوله تعالى: (فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) أي ~~الجلد ويعني بالمحصنات ها هنا الأبكار الحرائر، لان الثيب عليها الرجم ~~والرجم لا يتبعض، وإنما قيل للبكر محصنة وإن لم تكن متزوجة، لان الاحصان ~~يكون بها، كما يقال: أضحية قبل أن يضحي بها، وكما يقال للبقرة: مثيرة قبل ~~أن تثير. وقيل: (المحصنات) المتزوجات، لان عليها الضرب والرجم في الحديث، ~~والرجم لا يتبعض فصار عليهن نصف الضرب. والفائدة في نقصان حدهن أنهن أضعف ~~من الحرائر. ويقال: إنهن لا يصلن إلى مرادهن كما تصل الحرائر. وقيل (3): # PageV05P145 # لان العقوبة تجب على قدر النعمة، ألا ترى أن الله تعالى قال لأزواج النبي ~~صلى الله عليه وسلم: # (يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين (1)) ~~فلما كانت نعمتهن أكثر جعل عقوبتهن أشد، وكذلك الإماء (2) لما كانت نعمتهن ~~أقل فعقوبتهن أقل. # وذكر (3) في الآية حد الإماء خاصة، ولم يذكر حد العبيد، ولكن حد العبيد ~~والإماء سواء: خمسون جلدة في الزنى، وفي القذف وشرب ms1720 الخمر أربعون، لان حد ~~الأمة إنما نقص (4) لنقصان الرق فدخل الذكور من العبيد في ذلك بعلة ~~المملوكية، كما دخل الإماء تحت قوله عليه السلام: # (من أعتق شركا (5) له في عبد). وهذا الذي يسميه العلماء القياس في معنى ~~الأصل، ومنه قوله تعالى: (والذين يرمون المحصنات (6)) الآية. فدخل في ذلك ~~المحصنين قطعا، على ما يأتي بيانه في سورة (النور (6)) إن شاء الله تعالى. # الموفية عشرين - وأجمع العلماء على أن بيع الأمة الزانية ليس [بيعها (7)] ~~بواجب لازم على ربها، وإن اختاروا له ذلك، لقوله عليه السلام: (إذا زنت أمة ~~أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يثرب (8) عليها ثم إن زنت فليجلدها ~~الحد ولا يثرب عليها ثم إن زنت الثالثة فتبين زناها فليبعها ولو بحبل من ~~شعر). أخرجه مسلم عن أبي هريرة. وقال أهل الظاهر بوجوب بيعها في الرابعة. ~~منهم داود وغيره، لقوله: (فليبعها) وقوله: (ثم بيعوها ولو بضفير). قال ابن ~~شهاب: فلا أدري بعد الثالثة أو الرابعة، والضفير الحبل. فإذا باعها عرف ~~بزناها، لأنه عيب فلا يحل أن يكتم. فإن يكتم. فإن قيل: إذا كان مقصود ~~الحديث إبعاد الزانية ووجب على بائعها التعريف بزناها فلا ينبغي لاحد أن ~~يشتريها، لأنها مما قد أمرنا بإبعادها. فالجواب أنها مال ولا تضاع، للنهي ~~عن إضاعة المال، ولا تسيب، لان ذلك إغراء لها بالزنى وتمكين منه، ولا تحبس ~~دائما، فإن فيه تعطيل منفعتها على سيدها فلم يبق إلا بيعها. ولعل السيد ~~الثاني يعفها بالوطئ أو يبالغ في التحرز فيمنعها من ذلك. وعلى الجملة فعند ~~تبدل الملاك تختلف عليها الأحوال. والله أعلم. # PageV05P146 # الحادية والعشرون - قوله تعالى: (وأن تصبروا خير لكم) أي الصبر على ~~العزبة خير من نكاح الأمة، لأنه يفضي إلى إرقاق الولد، والغض من النفس ~~والصبر على مكارم الأخلاق أولى من البذالة (1). وروي عن عمر رضي الله عنه ~~أنه قال: أيما حر تزوج بأمة فقد أرق نصفه. # يعني يصير ولده رقيقا، فالصبر عن ذلك أفضل لكيلا يرق الولد. وقال سعيد بن ~~جبير: # ما نكاح الأمة من الزنى ms1721 إلا قريب (2)، قال الله تعالى: (وأن تصبروا خير ~~لكم)، أي عن نكاح الإماء. وفي سنن ابن ماجة عن الضحاك بن مزاحم قال: سمعت ~~أنس بن مالك يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من أراد أن ~~يلقى الله طاهرا مطهرا فليتزوج الحرائر). # ورواه أبو إسحاق الثعلبي من حديث يونس بن مرداس، وكان خادما لانس، وزاد: ~~فقال أبو هريرة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (الحرائر صلاح ~~البيت والإماء هلاك البيت - أو قال - فساد البيت). # قوله تعالى: يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم ~~والله عليم حكيم (26) أي ليبين لكم أمر دينكم ومصالح أمركم، وما يحل لكم ~~وما يحرم عليكم. وذلك يدل على امتناع خلو واقعة عن حكم الله تعالى، ومنه ~~قوله تعالى: (ما فرطنا في الكتاب من شئ (3)) على ما يأتي. وقال بعد هذا: ~~(يريد الله أن يخفف عنكم) فجاء هذا (بأن) والأول باللام. # فقال الفراء: العرب تعاقب بين لام كي وأن، فتأتي باللام التي على معنى ~~(كي) في موضع (أن) في أردت وأمرت، فيقولون: أردت أن تفعل، وأردت لتفعل، ~~لأنهما يطلبان المستقبل. ولا يجوز ظننت لتفعل، لأنك تقول ظننت أن قد قمت. ~~وفي التنزيل (وأمرت لا عدل بينكم (4)). (وأمرنا لنسلم لرب العالمين (3)). ~~(يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم (5)). # (يريدون أن يطفئوا نور الله (6)). قال الشاعر (7): # PageV05P147 # أريد لأنسى ذكرها فكأنما * تمثل لي ليلى بكل سبيل يريد أن أنسى. قال ~~النحاس: وخطأ الزجاج هذا القول وقال: لو كانت اللام بمعنى (أن) لدخلت عليها ~~لام أخرى، كما تقول: جئت كي تكرمني، ثم تقول جئت لكي تكرمني. وأنشدنا: # أردت لكيما يعلم الناس أنها * سراويل قيس والوفود شهود (1) قال: والتقدير ~~إرادته ليبين لكم. قال النحاس: وزاد الامر على هذا حتى سماها بعض القراء ~~لام أن، وقيل: المعنى يريد الله هذا من أجل أن يبين لكم. # (ويهديكم سنن الذين من قبلكم) أي من أهل الحق. وقيل: معنى (يهديكم) يبين ~~لكم طرق الذين من قبلكم من أهل الحق وأهل ms1722 الباطل. وقال بعض أهل النظر: في ~~هذا دليل على أن كل ما حرم الله قبل هذه الآية علينا فقد حرم على من كان ~~قبلنا. قال النحاس: # وهذا غلط، لأنه يكون المعنى ويبين لكم أمر من كان قبلكم ممن كان يجتنب ما ~~نهي عنه، وقد يكون ويبين لكم كما بين لمن كان قبلكم من الأنبياء فلا يومى ~~به إلى هذا بعينه. ويقال: إن قوله (يريد الله) ابتداء القصة، أي يريد الله ~~أن يبين لكم كيفية طاعته. (ويهديكم) يعرفكم (سنن الذين من قبلكم) أنهم لما ~~تركوا أمري كيف عاقبتهم، وأنتم إذا فعلتم ذلك لا (2) أعاقبكم ولكني أتوب ~~عليكم. (والله عليم) بمن تاب (حكيم) بقبول التوبة. # قوله تعالى: والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن ~~تميلوا ميلا عظيما (27) يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الانسان ضعيفا (28) ~~قوله تعالى: (والله يريد أن يتوب عليكم) ابتداء وخبر. و (أن) في موضع نصب ب ~~(يريد) وكذلك (يريد الله أن يخفف عنكم)، ف (أن يخفف) في موضع نصب ب (يريد) # PageV05P148 # والمعنى: يريد توبتكم، أي يقبلها فيتجاوز عن ذنوبكم ويريد التخفيف عنكم. ~~قيل: هذا في جميع أحكام الشرع، وهو الصحيح. وقيل: المراد بالتخفيف نكاح ~~الأمة، أي لما علمنا ضعفكم عن الصبر عن النساء خففنا عنكم بإباحة الإماء، ~~قاله مجاهد وابن زيد وطاوس. قال طاوس: # ليس يكون الانسان في شئ أضعف منه في أمر النساء. واختلف في تعيين ~~المتبعين للشهوات، فقال مجاهد: هم الزناة. السدي: هم اليهود والنصارى. ~~وقالت فرقة: هم اليهود خاصة، لأنهم أرادوا أن يتبعهم المسلمون في نكاح ~~الأخوات من الأب. وقال ابن زيد: ذلك على العموم، وهو الأصح. والميل: العدول ~~عن طريق الاستواء، فمن كان عليها أحب أن يكون أمثاله عليها حتى لا تلحقه ~~معرة (1). # قوله تعالى: (وخلق الانسان ضعيفا) نصب على الحال، والمعنى أن هواه ~~يستميله وشهوته وغضبه يستخفانه، وهذا أشد الضعف فأحتاج إلى التخفيف. وقال ~~طاوس: ذلك في أمر النساء خاصة. وروي عن ابن عباس أنه قرأ (وخلق الانسان ~~ضعيفا) أي ms1723 وخلق الله الانسان ضعيفا، أي لا يصبر عن النساء. قال ابن المسيب: ~~لقد أتى علي ثمانون سنة وذهبت إحدى عيني وأنا أعشو (2) بالأخرى وصاحبي أعمى ~~أصم - يعني ذكره - وإني أخاف من فتنة النساء. ونحوه عن عبادة بن الصامت رضي ~~الله عنه، قال عبادة: ألا تروني لا أقوم إلا رفدا (3) ولا آكل إلا ما لوق ~~لي - قال يحيى: يعني لين وسخن - وقد مات صاحبي منذ زمان - قال يحيى: يعني ~~ذكره - وما يسرني أني خلوت بامرأة لا تحل لي، وأن لي ما تطلع عليه الشمس ~~مخافة أن يأتيني الشيطان فيحركه علي، إنه لا سمع له ولا بصر!. # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل الا أن ~~تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم ان الله كان بكن رحيما (29) # PageV05P149 # فيه تسع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (بالباطل) أي بغير حق. ووجوه ذلك تكثر على ما ~~بيناه، وقد قدمنا في البقرة (1). ومن أكل المال [بالباطل (2)] بيع العربان، ~~وهو أن يأخذ منك السلعة أو يكتري منك الدابة ويعطيك درهما فما فوقه، على ~~أنه إن اشتراها أو ركب الدابة فهو من ثمن السلعة أو كراء الدابة، وإن ترك ~~ابتياع السلعة أو كراء الدابة فما أعطاك فهو لك. # فهذا لا يصلح ولا يجوز عند جماعة فقهاء الأمصار من الحجازيين والعراقيين، ~~لأنه من باب بيع القمار والغرر والمخاطرة، وأكل المال بالباطل بغير عوض ولا ~~هبة، وذلك باطل بإجماع. # وبيع العربان مفسوخ (3) إذا وقع على هذا الوجه قبل القبض وبعده، وترد ~~السلعة إن كانت قائمة، فإن فاتت رد قيمتها يوم قبضها. وقد روي عن قوم منهم ~~ابن سيرين ومجاهد ونافع ابن عبد الحارث وزيد بن أسلم أنهم أجازوا بيع ~~العربان على ما وصفنا. وكان زيد بن أسلم يقول: أجازه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال أبو عمر: هذا لا يعرف عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجه ~~يصح، وإنما ذكره عبد الرزاق عن الأسلمي عن زيد بن أسلم مرسلا، وهذا ومثله ~~ليس حجة. ms1724 ويحتمل أن يكون بيع العربان الجائز على ما تأوله مالك والفقهاء ~~معه، وذلك أن يعربنه ثم يحسب عربانه من الثمن إذا أختار تمام البيع. وهذا ~~لا خلاف في جوازه عن مالك وغيره، وفي موطأ مالك عن الثقة عنده عن عمرو بن ~~شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (نهى عن بيع ~~العربان). قال أبو عمر: قد تكلم الناس في الثقة عنده في هذا الموضع، وأشبه ~~ما قيل فيه: أنه أخذه عن ابن لهيعة أو عن ابن وهب عن ابن لهيعة، لان ابن ~~لهيعة سمعه من عمرو بن شعيب ورواه عنه. حدث به عن ابن لهيعة ابن وهب وغيره، ~~وابن لهيعة أحد العلماء إلا أنه يقال: إنه احترقت كتبه فكان إذا حدث بعد ~~ذلك من حفظه غلط. وما رواه عنه ابن المبارك وابن وهب فهو عند بعضهم صحيح. # ومنهم من يضعف حديثه كله.، وكان عنده علم واسع وكان كثير الحديث، إلا أن ~~حال عندهم كما وصفنا. # PageV05P150 # الثانية - قوله تعالى: (الا أن تكون تجارة عن تراض منكم) هذا استثناء ~~منقطع، أي ولكن تجارة عن تراض. والتجارة هي البيع والشراء، وهذا مثل قوله ~~تعالى: (وأحل الله البيع وحرم الربا) على ما تقدم (1). وقرئ (تجارة)، ~~بالرفع أي إلا أن تقع تجارة، وعليه أنشد سيبويه: # فدى لبني ذهل بن شيبان ناقتي * إذا كان يوم يوم ذو كواكب أشهب وتسمى هذه ~~كان التامة، لأنها تمت بفاعلها ولم تحتج إلى مفعول. وقرئ (تجارة) بالنصب، ~~فتكون كان ناقصة، لأنها لا تتم بالاسم دون الخبر، فاسمها مضمر فيها، وإن ~~شدت قدرته، أي إلا أن تكون الأموال أموال تجارة، فحذف المضاف وأقيم المضاف ~~إليه مقامه، وقد تقدم هذا، ومنه قوله تعالى: (وإن كان ذو عسرة (1)). # الثالثة - قوله تعالى: (تجارة) التجارة في اللغة عبارة عن المعاوضة، ومنه ~~الاجر الذي يعطيه البارئ سبحانه العبد عوضا عن الأعمال الصالحة التي هي بعض ~~من فعله، قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم ~~من عذاب ms1725 أليم (2)) وقال تعالى: # (يرجون تجارة لن تبور (3)). وقال تعالى: (إن الله اشترى من المؤمنين ~~أنفسهم وأموالهم (4)) الآية. فسمى ذلك كله بيعا وشراء على وجه المجاز، ~~تشبيها بعقود الأشرية والبياعات التي تحصل بها الاغراض، وهي نوعان: تقلب في ~~الحضر من غير نقلة ولا سفر، وهذا تربص واحتكار قد رغب عنه أولو الاقدار، ~~وزهد فيه ذوو الاخطار. والثاني تقلب المال بالاسفار ونقله إلى الأمصار، ~~فهذا أليق بأهل المروءة، وأعم جدوى ومنفعة، غير أنه أكثر خطرا وأعظم غررا. # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن المسافر وماله لعلى ~~قلت (5) إلا ما وقى الله). # يعني على خطر. وقيل: في التوراة يا بن آدم، أحدث سفرا أحدث لك رزقا. ~~الطبري: # وهذه الآية أدل دليل على فساد قول... (6)... # PageV05P151 # الرابعة - اعلم أن كل معاوضة تجارة على أي وجه كان العوض، إلا أن قوله ~~(بالباطل) أخرج منها كل عوض لا يجوز شرعا من ربا أو جهالة أو تقدير عوض ~~فاسد كالخمر والخنزير وغير ذلك. وخرج منها أيضا كل عقد جائز لا عوض فيه، ~~كالقرض والصدقة والهبة لا للثواب. وجازت عقود التبرعات بأدلة أخرى مذكورة ~~في مواضعها. فهذان طرفان متفق عليهما. وخرج منها أيضا دعاء أخيك إياك إلى ~~طعامه. روى أبو داود عن ابن عباس في قوله تعالى: (لا تأكلوا أموالكم بينكم ~~بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) فكان الرجل يحرج أن يأكل عند أحد ~~من الناس بعد ما نزلت هذه الآية، فنسخ ذلك بالآية الأخرى التي في (النور)، ~~فقال: (ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ولا على ~~أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم) إلى قوله (أشتاتا (1))، فكان الرجل الغني يدعو ~~الرجل من أهله إلى طعامه فيقول: إني لا جنح أن آكل منه - والتجنح الحرج - ~~ويقول: المسكين أحق به مني. فأحل في ذلك أن يأكلوا مما ذكر اسم الله عليه، ~~وأحل طعام أهل الكتاب. # الخامسة - لو اشتريت من السوق شيئا، فقال لك صاحبه قبل الشراء: ذقه وأنت ~~في ms1726 حل، فلا تأكل منه، لان إذنه بالاكل لأجل الشراء، فربما لا يقع بينكما ~~شراء (2) فيكون ذلك الاكل شبهة، ولكن لو وصف لك صفة فاشتريته فلم تجده على ~~تلك الصفة فأنت بالخيار. # السادسة - والجمهور على جواز الغبن في التجارة، مثل أن يبيع رجل ياقوتة ~~بدرهم وهي تساوى مائة فذلك جائز، وأن المالك الصحيح الملك جائز له أن يبيع ~~ماله الكثير بالتافه اليسير، وهذا ما لا اختلاف فيه بين العلماء إذا عرف ~~قدر ذلك، كما تجوز الهبة لو وهب. # واختلفوا فيه إذا لم يعرف قدر ذلك، فقال قوم: عرف قدر ذلك أو لم يعرف فهو ~~جائز إذا كان رشيدا حرا بالغا. وقالت فرقة: الغبن إذا تجاوز الثلث مردود، ~~وإنما أبيح منه المتقارب المتعارف في التجارات، وأما المتفاحش الفادح فلا، ~~وقال ابن وهب من أصحاب # PageV05P152 # مالك رحمه الله. والأول أصح، لقوله عليه السلام في حديث الأمة الزانية. ~~(فليبعها ولو بضفير) وقوله عليه السلام لعمر: (لا تبتعه - يعني الفرس - ولو ~~أعطاكه بدرهم واحد) وقوله عليه السلام: (دعوا الناس يرزق الله بعضهم من ~~بعض) وقوله عليه السلام: (لا يبغ حاضر لباد (1) وليس فيها تفصيل (2) بين ~~القليل والكثير من ثلث ولا غيره. # السابعة - قوله تعالى: (عن تراض منكم) أي عن رضى، إلا أنها جاءت من ~~المفاعلة إذ التجارة من اثنين. واختلف العلماء في التراضي، فقالت طائفة: ~~تمامه وجزمه بافتراق الأبدان بعد عقدة البيع، أو بأن يقول أحدهما لصاحبه: ~~اختر، فيقول: قد اخترت، وذلك بعد العقدة أيضا فينجزم أيضا وإن لم يتفرقا، ~~قاله جماعة من الصحابة والتابعين، وبه قال الشافعي والثوري والأوزاعي ~~والليث وابن عيينة وإسحاق وغيرهم. قال الأوزاعي: هما بالخيار ما لم يتفرقا، ~~إلا بيوعا ثلاثة: بيع السلطان المغانم، والشركة في الميراث، والشركة في ~~التجارة، فإذا صافقه في هذه الثلاثة فقد وجب البيع وليسا فيه بالخيار. ~~وقال: وحد التفرقة أن يتوارى كل واحد منهما عن صاحبه، وهو قول أهل الشام. ~~وقال الليث: التفرق أن يقوم أحدهما. # وكان أحمد بن حنبل يقول: هما بالخيار أبدا ما لم ms1727 يتفرقا بأبدانهما، وسواء ~~قالا: اخترنا أو لم يقولاه حتى يفترقا بأبدانهما من مكانهما، وقال الشافعي ~~أيضا. وهو الصحيح في هذا الباب للأحاديث الواردة في ذلك. وهو مروي عن ابن ~~عمر وأبي برزة وجماعة من العلماء. وقال مالك وأبو حنيفة: تمام البيع هو أن ~~يعقد البيع بالألسنة فينجزم العقد بذلك ويرتفع الخيار. قال محمد بن الحسن: ~~معنى قوله في الحديث (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا) أن البائع إذا قال: قد ~~بعتك، فله أن يرجع ما لم يقل المشتري قد قبلت. وهو قول أبي حنيفة، ونص مذهب ~~مالك أيضا، حكاه ابن خويز منداد. وقيل: ليس له أن يرجع. وقد مضى في (البقرة ~~(3)). واحتج # PageV05P153 # الأولون بما ثبت من حديث سمرة بن جندب وأبي برزة وابن عمر وعبد الله بن ~~عمرو بن العاص وأبي هريرة وحكيم بن حزام وغيرهم عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا أو يقول أحدهما لصاحبه أختر). رواه ~~أيوب عن نافع عن ابن عمر، فقوله عليه السلام في هذه الرواية: (أو يقول ~~أحدهما لصاحبه اختر) هو معنى الرواية الأخرى (إلا بيع الخيار) وقوله: # (إلا أن يكون بيعهما عن خيار) ونحوه. أي يقول أحدهما بعد تمام البيع ~~لصاحبه: اختر إنفاذ البيع أو فسخه، فإن اختار إمضاء البيع تم البيع بينها ~~وإن لم يتفرقا. وكان ابن عمر وهو راوي الحديث إذا بايع أحدا وأحب أن ينفذ ~~البيع مشى قليلا ثم رجع. وفي الأصول: # إن من روى حديثا فهو أعلم بتأويله، لا سيما الصحابة إذ هم أعلم بالمقال ~~وأقعد بالحال. وروى أبو داود والدار قطني عن أبي الوضئ قال: كنا في سفر في ~~عسكر فأتى رجل معه فرس فقال له رجل منا: أتبيع هذا الفرس بهذا الغلام؟ قال: ~~نعم، فباعه ثم بات معنا، فلما أصبح قام إلى فرسه، فقال له صاحبنا: مالك ~~والفرس! أليس قد بعتنيها؟ فقال: ما لي في هذا البيع من حاجة. فقال: مالك ~~ذلك، لقد بعتني. فقال لهما القوم: هذا أبو برزة صاحب رسول الله صلى ms1728 الله ~~عليه وسلم فأتياه، فقال لهما: أترضيان بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ~~فقالا: نعم. # فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا) ~~وإني لا أراكما افترقتما. # فهذان صحابيان قد علما مخرج الحديث وعملا بمقتضاه، بل هذا كان عمل ~~الصحابة. قال سالم قال ابن عمر: كنا إذا تبايعنا كان كل واحد منا بالخيار ~~ما لم يفرق المتبايعان. قال: فتبايعت أنا وعثمان فبعته مالي بالوادي بمال ~~له بخيبر، قال: فلما بعته طفقت أنكص القهقرى، خشية أن يرادني عثمان البيع ~~قبل أن أفارقه. أخرجه الدارقطني ثم قال: إن أهل اللغة فرقوا بين فرقت مخففا ~~وفرقت مثقلا، فجعلوه بالتخفيف في الكلام وبالتثقيل في الأبدان. قال أحمد ~~ابن يحيى ثعلب: أخبرني ابن الأعرابي عن المفضل قال: يقال فرقت بين الكلامين ~~مخففا فافترقا وفرقت بين اثنين مشددا فتفرقا، فجعل الافتراق في القول، ~~والتفرق في الأبدان. # PageV05P154 # احتجت المالكية بما تقدم بيانه في آية الدين، وبقوله تعالى: (أوفوا ~~بالعقود (1)) وهذان قد تعاقدا. وفي هذا الحديث إبطال الوفاء بالعقود. ~~قالوا: وقد يكون التفرق بالقول كعقد النكاح ووقوع الطلاق الذي قد سماه الله ~~فراقا، قال الله تعالى: (وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته (2)) وقال تعالى: ~~(ولا تكونوا كالذين تفرقوا (3)) وقال عليه السلام: # (تفترق أمتي) ولم يقل بأبدانها. وقد روى الدارقطني وغيره عن عمرو بن شعيب ~~قال: # سمعت شعيبا يقول: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: سمعت النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقول: # (أيما رجل ابتاع من رجل بيعة فإن كل واحد منهما بالخيار حتى يتفرقا من ~~مكانهما إلا أن تكون صفقة خيار فلا يحل لأحدهما أن يفارق صاحبه مخافة أن ~~يقيله). قالوا: فهذا يدل على أنه قد تم البيع بينهما قبل الافتراق، لان ~~الإقالة لا تصح إلا فيما قد تم من البيوع. # قالوا: ومعنى قوله (المتبايعان بالخيار) أي المتساومان بالخيار ما لم ~~يعقدا فإذا عقدا بطل الخيار فيه. والجواب - أماما اعتلوا به من الافتراق ~~بالكلام فإنما المراد بذلك الأديان كما بيناه في ms1729 (آل عمران)، وإن كان صحيحا ~~في بعض المواضع فهو في هذا الموضع غير صحيح. وبيانه أن يقال: خبرونا عن ~~الكلام الذي وقع به الاجتماع وتم به البيع، أهو الكلام الذي أريد به ~~الافتراق أم غيره؟ فإن قالوا: هو غيره فقد أحالوا وجاءوا بما لا يعقل، لأنه ~~ليس ثم كلام غير ذلك. وإن قالوا: هو ذلك الكلام بعينه قيل لهم: كيف يجوز أن ~~يكون الكلام الذي به اجتمعا وتم به بيعهما، به افترقا، هذا عين المحال ~~والفاسد من القول. وأما قوله: # (ولا يحل (4) له أن يفارق صاحبه مخافة أن يقيله) فمعناه - إن صح - على ~~الندب، بدليل قوله عليه السلام. (من أقال مسلما أقاله الله عثرته) وبإجماع ~~المسلمين على أن ذلك يحل لفاعله على خلاف ظاهر الحديث، ولاجماعهم أنه جائز ~~له أن يفارقه لينفذ بيعه ولا يقيله إلا أن يشاء. # وفيما أجمعوا عليه من ذلك رد لرواية من روى (لا يحل) فإن لم يكن وجه هذا ~~الخبر الندب، وإلا فهو باطل بالاجماع. وأما تأويل (المتبايعان) بالمتساومين ~~فعدول عن ظاهر اللفظ، وإنما # PageV05P155 # معناه المتبايعان بعد عقدهما مخيران ما داما في مجلسهما، إلا بيعا يقول ~~أحدهما لصاحبه فيه: # اختر فيختار، فإن الخيار ينقطع بينهما وإن لم يتفرقا، فإن فرض خيار ~~فالمعنى: إلا بيع الخيار فإنه يبقى الخيار بعد التفرق بالأبدان. وتتميم هذا ~~الباب في كتب الخلاف. وفي قول عمرو ابن شعيب (سمعت أبي يقول) دليل على صحة ~~حديثه، فسن الدارقطني قال حدثنا أبو بكر النيسابوري حدثنا محمد بن علي ~~الوراق قال: قلت لأحمد بن حنبل: شعيب سمع من أبيه شيئا؟ # قال: يقول حدثني أبي. قال: فقلت: فأبوه سمع من عبد الله بن عمرو؟ قال: ~~نعم، أراه قد سمع منه. قال الدارقطني سمعت أبا بكر النيسابوري يقول: هو ~~عمرو بن شعيب بن محمد ابن عبد الله بن عمرو بن العاص، وقد صح سماع عمرو بن ~~شعيب من أبيه شعيب وسماع شعيب من جده عبد الله بن عمرو. # الثامنة - روى الدارقطني عن ابن عمر قال: قال ms1730 رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: (التاجر الصدوق الأمين المسلم مع النبي والصديقين والشهداء يوم ~~القيامة). ويكره للتاجر أن يحلف لأجل ترويج السلعة وتزيينها، أو يصلي على ~~النبي صلى الله عليه وسلم في عرض سلعته، وهو أن يقول: صلى الله على محمد! ~~ما أجود هذا. ويستحب للتاجر ألا تشغله تجارته عن أداء الفرائض، فإذا جاء ~~وقت الصلاة ينبغي أن يترك تجارته حتى يكون من أهل هذه الآية: (رجال لا ~~تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله) وسيأتي (1). # التاسعة - وفي هذه الآية مع الأحاديث التي ذكرناها ما يرد قول من ينكر ~~طلب الأقوات بالتجارات والصناعات من المتصوفة الجهلة، لان الله تعالى حرم ~~أكلها بالباطل وأحلها بالتجارة، وهذا بين. # قوله تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم) فيه مسألة واحدة - قرأ الحسن (تقتلوا) ~~على التكثير. وأجمع أهل التأويل على أن المراد بهذه الآية النهى أن يقتل ~~بعض الناس بعضا. # ثم لفظها يتناول أن يقتل الرجل نفسه بقصد منه للقتل في الحرص على الدنيا ~~وطلب المال # PageV05P156 # بأن يحمل نفسه على الغرر المؤدي إلى التلف. ويحتمل أن يقال: (ولا تقتلوا ~~أنفسكم) في حال ضجر أو غضب، فهذا كله يتناول النهي. وقد أحتج عمرو بن العاص ~~بهذه الآية حين أمتنع من الاغتسال بالماء البارد حين أجنب في غزوة ذات ~~السلاسل خوفا على نفسه منه، فقرر النبي صلى الله عليه وسلم احتجاجه وضحك ~~عنده ولم يقل شيئا. خرجه أبو داود وغيره، وسيأتي. # قوله تعالى: ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف تصليه نارا وكان ذلك على ~~الله يسيرا (30) (ذلك) إشارة إلى القتل، لأنه أقرب مذكور، قاله عطاء. وقيل: ~~هو عائد إلى أكل المال بالباطل وقتل النفس، لان النهي عنهما جاء متسقا ~~مسرودا، ثم ورد الوعيد حسب النهي. وقيل: هو عام على كل ما نهى عنه من ~~القضايا، من أول السورة إلى قوله تعالى: # (ومن يفعل ذلك). وقال الطبري: (ذلك) عائد على ما نهى عنه من آخر وعيد، ~~وذلك قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء ms1731 كرها) ~~لان كل ما نهى عنه من أول السورة قرن به وعيد، إلا من قوله: (يا أيها الذين ~~آمنوا لا يحل لكم) فإنه لا وعيد بعده إلا قوله: # (ومن يفعل ذلك عدوانا). والعدوان تجاوز الحد. والظلم وضع الشئ في غير ~~موضعه، وقد تقدم (1). وقيد الوعيد بذكر العدوان والظلم ليخرج منه فعل السهو ~~والغلط، وذكر العدوان والظلم مع تقارب معانيهما لاختلاف ألفاظهما، وحسن ذلك ~~في الكلام كما قال: # * وألفى قولها كذبا ومينا (2) * وحسن العطف لاختلاف اللفظين، يقال: بعدا ~~وسحقا، ومنه قول يعقوب: (إنما أشكو بثي وحزني إلى الله (3)). فحسن ذلك ~~لاختلاف اللفظ. و (نصليه) معناه نمسه حرها. وقد بينا # PageV05P157 # معنى الجمع بين هذه الآي وحديث أبي سعيد الخدري في العصاة وأهل الكبائر ~~لمن أنفذ عليه الوعيد، فلا معنى لإعادة ذلك وقرأ الأعمش والنخعي (نصليه) ~~بفتح النون، على أنه منقول من صلي نارا، أي أصليته، وفي الخبر (شاة مصلية). ~~ومن ضم النون منقول بالهمزة، مثل طعمت وأطعمت. # قوله تعالى: ان تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم ~~مدخلا كريما فيه مسألتان. # الأولى - لما نهى تعالى في هذه السورة عن آثام هي كبائر، وعد على ~~اجتنابها التخفيف من الصغائر، ودل هذا على أن في الذنوب كبائر وصغائر. وعلى ~~هذا جماعة أهل التأويل وجماعة الفقهاء، وأن اللمسة والنظرة تكفر باجتناب ~~الكبائر قطعا بوعده الصدق وقوله الحق، لا أنه يجب عليه ذلك. ونظير الكلام ~~في هذا ما تقدم بيانه في قبول التوبة في قوله تعالى: # (إنما التوبة على الله)، فالله تعالى يغفر الصغائر باجتناب الكبائر، لكن ~~بضميمة أخرى إلى الاجتناب وهي إقامة الفرائض. روى مسلم عن أبي هريرة قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ~~ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنب الكبائر. وروى أبو حاتم البستي ~~إلى صحيح مسنده عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم جلس على المنبر ثم قال: (والذي نفسي بيده) ثلاث مرات، ثم سكت فأكب ms1732 كل ~~رجل منا يبكي حزينا ليمين رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: (ما من عبد ~~يؤدي الصلوات الخمس ويصوم رمضان ويجتنب الكبائر السبع إلا فتحت له ثمانية ~~أبواب من الجنة يوم القيامة حتى إنها لتصفق) ثم تلا (إن تجتنبوا كبائر ما ~~تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم). فقد تعاضد الكتاب وصحيح السنة بتكفير ~~الصغائر قطعا كالنظر وشبهه. وبينت السنة أن المراد ب (تجتنبوا) ليس كل ~~الاجتناب لجميع الكبائر. # والله أعلم. وأما الأصوليون فقالوا: لا يجب على القطع تكفير الصغائر ~~باجتناب الكبائر، وإنما محمل ذلك على غلبة الظن وقوة الرجاء والمشيئة ~~ثابتة. ودل على ذلك أنه لو قطعنا PageV05P158 # لمجتنب الكبائر وممتثل الفرائض تكفير صغائره قطعا لكانت له في حكم المباح ~~الذي يقطع بألا تباعة فيه، وذلك نقض لعرى الشريعة. ولا صغيرة عندنا. قال ~~القشيري عبد الرحيم: # والصحيح أنها كبائر ولكن بعضها أعظم وقعا من بعض، والحكمة في عدم التمييز ~~أن يجتنب العبد جميع المعاصي. # قلت: وأيضا فإن من نظر إلى نفس المخالفة كما قال بعضهم: - لا تنظر إلى ~~صغر الذنب ولكن انظر من عصيت - كانت الذنوب بهذه النسبة كلها كبائر، وعلى ~~هذا النحو يخرج كلام القاضي أبي بكر بن الطيب والأستاذ أبى إسحاق ~~الأسفراييني وأبي المعالي وأبي نصر عبد الرحيم القشيري وغيرهم، قالوا: ~~وإنما يقال لبعضها صغيرة بالإضافة إلى ما هو أكبر منها، كما يقال الزنى ~~صغيرة بإضافته إلى الكفر، والقبلة المحرمة صغيرة بالنسبة إلى الزنى، ولا ~~ذنب عندنا يغفر باجتناب ذنب آخر، بل كل ذلك كبيرة ومرتكبه في المشيئة غير ~~الكفر، لقوله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن ~~يشاء) واحتجوا بقراءة من قرأ (إن تجتنبوا كبير ما تنهون عنه) على التوحيد، ~~وكبير الاثم الشرك. قالوا: وعلى الجمع فالمراد أجناس الكفر. والآية التي ~~قيدت الحكم فترد إليها هذه المطلقات كلها قوله تعالى: # (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء). واحتجوا بما رواه مسلم وغيره عن أبي أمامة ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ms1733 قال: (من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد ~~أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة) فقال له رجل: يا رسول الله، وإن كان ~~شيئا يسيرا؟ قال: (وإن كان قضيبا من أراك). فقد جاء الوعيد الشديد على ~~اليسير كما جاء على الكثير. وقال ابن عباس: الكبيرة كل ذنب ختمه الله بنار ~~أو غضب (1) أو لعنة أو عذاب. وقال ابن مسعود: الكبائر ما نهى الله عنه في ~~هذه السورة إلى ثلاث وثلاثين آية، وتصديقه قوله تعالى: (إن تجتنبوا كبائر ~~ما تنهون عنه). وقال طاوس: قيل لابن عباس الكبائر سبع؟ قال: هي إلى السبعين ~~أقرب. وقال سعيد بن جبير: قال رجل لابن عباس الكبائر سبع؟ قال: هي إلى ~~السبعمائة أقرب منها إلى السبع، غير أنه لا كبيرة مع استغفار ولا صغيرة مع ~~إصرار وروي عن ابن مسعود أنه قال: # PageV05P159 # الكبائر أربعة: اليأس من روج الله، والقنوط من رحمة الله، والامن من مكر ~~الله، والشرك بالله، دل عليها القرآن. وروي عن ابن عمر: هي تسع: قتل النفس، ~~وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، ورمي المحصنة، وشهادة الزور، وعقوق الوالدين، ~~والفرار من الزحف، والسحر، والالحاد في البيت الحرام. ومن الكبائر عند ~~العلماء: القمار والسرقة وشرب الخمر وسب السلف الصالح وعدول الحكام عن الحق ~~واتباع الهوى واليمين الفاجرة والقنوط من رحمة الله وسب الانسان أبويه - ~~بأن يسب رجلا (1) فيسب ذلك الرجل أبويه - والسعي في الأرض فسادا -، إلى غير ~~ذلك مما يكثر تعداده حسب ما جاء بيانها في القرآن، وفي أحاديث خرجها ~~الأئمة، وقد ذكر مسلم في كتاب الايمان منها جملة وافرة. وقد اختلف الناس في ~~تعدادها وحصرها لاختلاف الآثار فيها، والذي أقول: إنه قد جاءت فيها أحاديث ~~كثيرة صحاح وحسان لم يقصد بها الحصر، ولكن بعضها أكبر من بعض بالنسبة إلى ~~ما يكثر ضرره، فالشرك أكبر ذلك كله، وهو الذي لا يغفر لنص الله تعالى على ~~ذلك، وبعده اليأس من رحمة الله، لان فيه تكذيب القرآن، إذ يقول وقوله الحق: ~~(ورحمتي وسعت كل شئ (2)) وهو يقول: لا ms1734 يغفر له، فقد حجر واسعا. هذا إذا كان ~~معتقدا لذلك، ولذلك قال الله تعالى: # (إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون (3)). وبعده القنوط، قال ~~الله تعالى: # [ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون (4)]. وبعده الامن من مكر الله ~~فيسترسل في المعاصي ويتكل على رحمة الله من غير عمل، قال الله تعالى: ~~(أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون (2)). وقال تعالى: ~~(وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين (5)). وبعده ~~القتل، لان فيه إذهاب النفوس وإعدام الوجود، واللواط فيه قطع النسل، والزنى ~~فيه اختلاط الأنساب بالمياه والخمر فيه ذهاب العقل الذي هو مناط التكليف، ~~وترك الصلاة والاذان فيه ترك إظهار شعائر الاسلام، وشهادة الزور فيها ~~استباحة الدماء والفروج والأموال، إلى غير ذلك مما هو بين الضرر، فكل ذنب ~~عظم الشرع التوعد عليه # PageV05P160 # بالعقاب وشدده، أو عظم ضرره في الوجود كما ذكرنا فهو كبيرة وما عداه ~~صغيرة. فهذا يربط لك هذا الباب ويضبطه، والله أعلم. # الثانية - قوله تعالى: (ويدخلكم مدخلا كريما) قرأ أبو عمرو وأكثر ~~الكوفيين (مدخلا) بضم الميم، فيحتمل أن يكون مصدرا، أي إدخالا، والمفعول ~~محذوف أي وندخلكم الجنة إدخالا. ويحتمل أن يكون بمعنى المكان فيكون مفعولا. ~~وقرأ أهل المدينة بفتح الميم، فيجوز أن يكون مصدر دخل وهو منصوب بإضمار ~~فعل، التقدير وندخلكم فتدخلون مدخلا، ودل الكلام عليه. ويجوز أن يكون اسم ~~مكان فينتصب على أنه مفعول [به (1)]، أي وندخلكم مكانا كريما وهو الجنة. ~~وقال أبو سعيد بن الأعرابي: سمعت أبا داود السجستاني يقول: سمعت أبا عبد ~~الله أحمد بن حنبل يقول: المسلمون كلهم في الجنة، فقلت له: وكيف؟ قال: يقول ~~الله عز وجل: (إن تجتبوا كبائر ما تنهون، عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم ~~مدخلا كريما) يعني الجنة. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ادخرت شفاعتي ~~لأهل الكبائر من أمتي). فإذا كان الله عز وجل يغفر ما دون الكبائر والنبي ~~صلى الله عليه وسلم يشفع في الكبائر فأي ذنب يبقى على المسلمين. وقال ~~علماؤنا: الكبائر ms1735 عند أهل السنة تغفر لمن أقلع عنها قبل الموت حسب ما تقدم. ~~وقد يغفر لمن مات عليها من المسلمين كما قال تعالى: (ويغفر ما دون ذلك لمن ~~يشاء) والمراد بذلك من مات على الذنوب، فلو كان المراد من تاب قبل الموت لم ~~يكن للتفرقة بين الاشراك وغيره معنى، إذ التائب من الشرك أيضا مغفور له. ~~وروي عن ابن مسعود أنه قال: خمس آيات من سورة النساء هي أحب إلي من الدنيا ~~جميعا، قوله تعالى: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه) وقوله (إن الله لا ~~يغفر أن يشرك به ويغفر (2)) الآية، وقوله تعالى: # (ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه) الآية، وقوله تعالى: (وإن تك حسنة ~~يضاعفها)، وقوله تعالى: (والذين آمنوا بالله ورسله (3)) وقال ابن عباس: ~~ثمان آيات في سورة النساء، هن خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت: ~~(يريد الله ليبين لكم)، (والله يريد أن يتوب عليكم)، (يريد الله أن يخفف ~~عنكم)، (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم # PageV05P161 # سيئاتكم)، الآية، (إن الله لا يغفر أن يشرك به)، (إن الله لا يظلم مثقال ~~ذرة)، (ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه)، (ما يفعل الله بعذابكم (1)) الآية. # قوله تعالى: ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما ~~اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن وسئلوا الله من فضله ان الله كان بكل شئ ~~عليما (32) فيه أربع مسائل: # الأولى - روى الترمذي عن أم سلمة أنها قالت: يغزو الرجال ولا يغزو النساء ~~وإنما لنا نصف الميراث، فأنزل الله تعالى (ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم ~~على بعض). قال مجاهد: # وأنزل فيها (إن المسلمين والمسلمات (2)) وكانت أم سلمة أول ظعينة قدمت ~~المدينة مهاجرة. # قال أبو عيسى: هذا حديث مرسل، ورواه بضعهم عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، ~~مرسل (3) أن أم سلمة قالت كذا (4). وقال قتادة: كان الجاهلية لا يورثون ~~النساء ولا الصبيان، فلما ورثوا وجعل للذكر مثل حظ الأنثيين تمنى النساء أن ~~لو جعل أنصباؤهن كأنصباء الرجال. وقال الرجال: إنا لنرجو ms1736 أن نفضل على ~~النساء بحسناتنا في الآخرة كما فضلنا عليهن في الميراث، فنزلت، (ولا تتمنوا ~~ما فضل الله به بعضكم على بعض). # الثانية - قوله تعالى: (ولا تتمنوا) التمني نوع من الإرادة يتعلق ~~بالمستقبل، كالتلهف نوع منها يتعلق بالماضي، فنهى الله سبحانه المؤمنين عن ~~التمني، لان فيه تعلق البال ونسيان الاجل. وقد اختلف العلماء هل يدخل في ~~هذا النهي الغبطة، وهي أن يتمنى الرجل أن يكون له حال صاحبه وإن لم يتمن ~~زوال حاله. والجمهور على إجازة ذلك: مالك وغيره، وهي المراد عند بعضهم في ~~قوله عليه السلام (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به ~~آناء الليل وآناء النهار ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه آناء الليل وآناء # PageV05P162 # النهار). فمعنى قوله: (لا حسد) أي لا غبطة أعظم وأفضل من الغبطة في هذين ~~الامرين. # وقد نبه البخاري على هذا المعنى حيث بوب على هذا الحديث (باب الاغتباط في ~~العلم والحكمة) قال المهلب: بين الله تعالى في هذه الآية ما لا يجوز تمنيه، ~~وذلك ما كان من عرض الدنيا وأشباهها. قال ابن عطية: وأما التمني في الأعمال ~~الصالحة فذلك هو الحسن، وأما إذا تمنى المرء على الله من غير أن يقرن ~~أمنيته بشئ مما قدمنا ذكره فذلك جائز، وذلك موجود في حديث النبي صلى الله ~~عليه وسلم في قوله: (وددت أن أحيا ثم أقتل). # قلت: هذا الحديث هو الذي صدر به البخاري كتاب التمني في صحيحه، وهو يدل ~~على تمني الخير وأفعال البر والرغبة فيها، وفيه فضل الشهادة على سائر أعمال ~~البر، لأنه عليه السلام تمناها دون غيرها، وذلك لرفيع منزلتها وكرامة ~~أهلها، فرزقه الله إياها، لقوله: (ما زالت أكلة خيبر تعادني الآن أو ان ~~قطعت أبهري (1)). وفي الصحيح: (إن الشهيد يقال له تمن فيقول أتمنى أن أرجع ~~إلى الدنيا حتى أقتل في سبيلك مرة أخرى). وكان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يتمنى إيمان أبي طالب و [إيمان (2)] أبي لهب وصناديد قريش مع علمه ~~بأنه لا يكون، ms1737 وكان يقول: # (وا شوقاه إلى إخواني الذين يجيئون من بعدي يؤمنون بي ولم يروني). وهذا ~~كله يدل على أن التمني لا ينهى عنه إذا لم يكن داعية إلى الحسد والتباغض، ~~والتمني المنهي عنه في الآية من هذا القبيل، فيدخل فيه أن يتمنى الرجل حال ~~الآخر من دين أو دنيا على أن يذهب ما عند الآخر، وسواء تمنيت مع ذلك أن ~~يعود إليك أولا. وهذا هو الحسد بعينه، وهو الذي ذمه الله تعالى بقوله: (أم ~~يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله (3)) ويدخل فيه أيضا خطبة الرجل ~~على خطبة أخيه وبيعه على بيعه، لأنه داعية الحسد والمقت. وقد كره بعض ~~العلماء الغبطة وأنها داخلة في النهي، والصحيح جوازها على ما بينا، وبالله ~~توفيقنا. وقال الضحاك: لا يحل لاحد أن يتمنى مال أحد، ألم تسمع الذين ~~قالوا: (يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون (4)) إلى أن # PageV05P163 # قال: (وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس) حين خسف به وبداره وبأمواله (لولا ~~أن من الله علينا لخسف بنا) وقال الكلبي: لا يتمن الرجل مال أخيه ولا ~~امرأته ولا خادمه ولا دابته، ولكن ليقل: اللهم ارزقني مثله. وهو كذلك في ~~التوراة، وكذلك قوله في القرآن (واسألوا الله من فضله). وقال ابن عباس: نهى ~~الله سبحانه أن يتمنى الرجل مال فلان وأهله، وأمر عباده المؤمنين أن يسألوه ~~من فضله. ومن الحجة للجمهور قوله صلى الله عليه وسلم: (إنما الدنيا لأربعة ~~نفر: رجل آتاه الله مالا وعلما فهو يتقي فيه ربه ويصل به رحمه ويعلم لله ~~فيه حقا فهذا بأفضل المنازل، ورجل آتاه الله علما ولم يؤته مالا فهو صادق ~~النية يقول لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان فهو بنيته فأجرهما سواء) ~~الحديث... وقد تقدم. خرجه الترمذي وصححه. وقال الحسن: لا يتمن أحدكم المال ~~وما يدريه لعل هلاكه فيه، وهذا إنما يصح إذا تمناه للدنيا، وأما إذا تمناه ~~للخير فقد جوزه الشرع، فيتمناه العبد ليصل به إلى الرب، ويفعل الله ما ~~يشاء. # الثالثة - قوله تعالى: (للرجال ms1738 نصيب مما اكتسبوا) يريد من الثواب والعقاب ~~(وللنساء) كذلك، قاله قتادة. فللمرأة الجزاء على الحسنة بعشر أمثالها كما ~~للرجال. وقال ابن عباس: المراد بذلك الميراث. والاكتساب على هذا القول ~~بمعنى الإصابة، للذكر مثل حظ الأنثيين، فنهى الله عز وجل عن التمني على هذا ~~الوجه لما فيه من دواعي الحسد، ولأن الله تعالى أعلم بمصالحهم منهم، فوضع ~~القسمة بينهم على التفاوت على ما علم من مصالحهم. # الرابعة - قوله تعالى: (واسألوا الله من فضله) روى الترمذي عن عبد الله ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سلوا الله من فضله فإنه يحب أن ~~يسأل وأفضل العبادة انتظار الفرج) وخرج أيضا ابن ماجة عن أبي هريرة قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # (من لم يسأل الله يغضب عليه). وهذا يدل على أن الامر بالسؤال لله تعالى ~~واجب، وقد أخذ بعض العلماء هذا المعنى فنظمه فقال: # الله يغضب إن تركت سؤاله * وبني آدم حين يسأل يغضب PageV05P164 # وقال أحمد بن المعذل أبو الفضل الفقيه المالكي فأحسن: # التمس الأرزاق عند الذي * ما دونه إن سيل من حاجب من يبغض التارك تسأله * ~~جودا ومن يرضى عن الطالب ومن إذا قال جرى قوله * بغير توقيع إلى كاتب وقد ~~أشبعنا القول في هذا المعنى في كتاب (قمع الحرص بالزهد والقناعة). وقال ~~سعيد ابن جبير: (واسألوا الله من فضله) العبادة، ليس من أمر الدنيا. وقيل: ~~سلوه التوفيق للعمل بما يرضيه. وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: سلوا ~~ربكم حتى الشبع، فإنه إن لم ييسره الله عز وجل لم يتيسر. وقال سفيان بن ~~عيينة: لم يأمر بالسؤال إلا ليعطي. # وقرأ الكسائي وابن كثير: (وسلوا الله من فضله " بغير همز في جميع القرآن. ~~الباقون بالهمز. (واسألوا الله). وأصله بالهمز إلا أنه حذفت الهمزة ~~للتخفيف. والله أعلم. # قوله تعالى: ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون والذين عقدت ~~أيمانكم فآتوهم نصيبهم ان الله كان على كل شئ شهيدا (33) فيه خمس مسائل: # الأولى - بين تعالى أن لكل إنسان ورثة وموالي، ms1739 فلينتفع كل واحد بما قسم ~~الله له من الميراث، ولا يتمن مال غيره. وروى البخاري في كتاب الفرائض من ~~رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس: (ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان ~~والأقربون والذين عاقدت (1) أيمانكم) قال: كان المهاجرون حين قدموا المدينة ~~يرث الأنصاري المهاجري دون ذوي رحمه، للاخوة التي آخى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بينهم، فلما نزلت (ولكل جعلنا موالي) قال: نسختها (والذين عاقدت ~~أيمانكم). قال أبو الحسن بن بطال: وقع في جميع النسخ (ولكل جعلنا موالي) ~~قال: نسختها (والذين عاقدت أيمانكم). والصواب أن الآية الناسخة (ولكل جعلنا ~~موالي) والمنسوخة (والذين عاقدت أيمانكم)، وكذا رواه الطبري في روايته. # PageV05P165 # وروي عن جمهور السلف أن الآية الناسخة لقوله: (والذين عاقدت أيمانكم) ~~قوله تعالى في (الأنفال): (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض (1)) روي هذا عن ~~ابن عباس وقتادة والحسن البصري، وهو الذي أثبته أبو عبيد في كتاب (الناسخ ~~والمنسوخ) له. وفيها قول آخر رواه الزهري عن سعيد بن المسيب قال: أمر الله ~~عز وجل الذين تبنوا غير أبنائهم في الجاهلية وورثوا في الاسلام أن يجعلوا ~~لهم نصيبا في الوصية ورد الميراث إلى ذوي الرحم والعصبة. # وقالت طائفة: قوله تعالى (والذين عاقدت أيمانكم) محكم وليس بمنسوخ، وإنما ~~أمر الله المؤمنين أن يعطوا الحلفاء أنصباءهم من النصرة والنصيحة وما أشبه ~~ذلك، ذكره الطبري عن ابن عباس. (والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم) من ~~النصرة والنصيحة والرفادة (2) ويوصي لهم وقد ذهب الميراث، وهو قول مجاهد ~~والسدي. # قلت - واختاره النحاس، ورواه عن سعيد بن جبير، ولا يصح النسخ، فإن الجمع ~~ممكن كما بينه ابن عباس فيما ذكره الطبري، ورواه البخاري عنه في كتاب ~~التفسير. وسيأتي ميراث (ذوي الأرحام) في (الأنفال (1)) إن شاء الله تعالى. # الثانية - (كل) في كلام العرب معناها الإحاطة والعموم. فإذا جاءت مفردة ~~فلا بد أن يكون في الكلام حذف عند جميع النحويين، حتى أن بعضهم أجاز مررت ~~بكل، مثل قبل وبعد. وتقدير الحذف: ولكل أحد جعلنا موالي، يعني ورثة. ~~(والذين عاقدت أيمانكم) يعني ms1740 بالحلف، عن قتادة. وذلك أن الرجل كان يعاقد ~~الرجل فيقول: دمي دمك، وهدمي هدمك (3)، وثأري ثأرك، وحربي حربك، وسلمي سلمك ~~وترثني وأرثك، وتطلب بي وأطلب بك، وتعقل عني وأعقل عنك، فيكون للحليف السدس ~~من ميراث الحليف ثم نسخ. # الثالثة - قوله تعالى: (موالي) أعلم أن المولى لفظ مشترك يطلق على وجوه، ~~فيسمى المعتق مولى والمعتق مولى. ويقال (4): المولى الأسفل والأعلى أيضا. ~~ويسمى # PageV05P166 # الناصر المولى، ومنه قوله تعالى: (وأن الكافرين لا مولى (1) لهم). ويسمى ~~ابن العم مولى والجار مولى. فأما قوله تعالى: (ولكل جعلنا موالي) يريد ~~عصبة، لقوله عليه السلام: # (ما أبقت السهام فلأولى عصبة ذكر). ومن العصبات المولى الاعلى لا الأسفل، ~~على قول أكثر العلماء، لان المفهوم في حق المعتق أنه المنعم على المعتق، ~~كالموجد له، فاستحق ميراثه لهذا المعنى. وحكى الطحاوي عن الحسن بن زياد أن ~~المولى الأسفل يرث من الأعلى، واحتج فيه بما روي أن رجلا أعتق عبد اله فمات ~~المعتق ولم يترك الا المعتق فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ميراثه ~~للغلام المعتق. قال الطحاوي: ولا معارض لهذا الحديث، فوجب القول به، ولأنه ~~إذا أمكن إثبات الميراث للمعتق على تقدير أنه كان كالموجد له، فهو شبيه ~~بالأب، والمولى الأسفل شبيه بالابن، وذلك يقتضي التسوية بينهما في الميراث، ~~والأصل أن الاتصال يعم. وفي الخبر (مولى القوم منهم). والذين خالفوا هذا ~~وهم الجمهور قالوا: الميراث يستدعي القرابة ولا قرابة، غير أنا أثبتنا ~~للمعتق الميراث بحكم الانعام على المعتق، فيقتضي مقابلة الانعام بالمجازاة، ~~وذلك لا ينعكس في المولى الأسفل. وأما الابن فهو أولى الناس بأن يكون خليفة ~~أبيه وقائما مقامه، وليس المعتق صالحا لان يقوم مقام معتقه، وإنما المعتق ~~قد أنعم عليه فقابله الشرع بأن جعله أحق بمولاه المعتق، ولا يوجد هذا في ~~المولى الأسفل، فظهر الفرق بينهما والله أعلم. # الرابعة - قوله تعالى: (والذين عاقدت أيمانكم) روى علي بن كبشة (2) عن ~~حمزة (عقدت) بتشديد القاف على التكثير. والمشهور عن حمزة (عقدت أيمانكم) ~~مخففة القاف، وهي قراءة عاصم والكسائي، وهي قراءة ms1741 بعيدة، لان المعاقدة لا ~~تكون إلا من اثنين فصاعدا، فبابها فاعل. قال أبو جعفر النحاس: وقراءة حمزة ~~تجوز على غموض في العربية، يكون التقدير فيها والذين عقدتهم أيمانكم الحلف، ~~وتعدى إلى مفعولين، وتقديره: عقدت لهم أيمانكم الحلف، ثم حذفت اللام مثل ~~قوله تعالى: (وإذا كالوهم (3)) أي كالوا لهم. # وحذف المفعول الثاني، كما يقال: كلتك أي كلت لك برا. وحذف المفعول الأول ~~لأنه متصل في الصلة. # PageV05P167 # الخامسة - قوله تعالى: (ان الله كان على كل شئ شهيدا) أي قد شهد معاقدتكم ~~إياهم، وهو عز وجل يحب الوفاء. # قوله تعالى: الرجل قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما ~~أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله والتي ~~تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فان أطعنكم فلا تبغوا ~~عليهن سبيلا ان الله كان عليا كبيرا (34) فيه إحدى عشرة مسألة: # الأولى - قوله تعالى: (الرجل قوامون على النساء) ابتداء وخبر، أي يقومون ~~بالنفقة عليهن والذب عنهن، وأيضا فإن فيهم الحكام والامراء ومن يغزو، وليس ~~ذلك في النساء. # يقال: قوام وقيم. والآية نزلت في سعد بن الربيع (1) نشزت عليه امرأته ~~حبيبة بنت زيد ابن خارجة بن أبي زهير فلطمها، فقال أبوها: يا رسول الله، ~~أفرشته كريمتي فلطمها! فقال عليه السلام: (لتقتص من زوجها). فانصرفت مع ~~أبيها لتقتص منه، فقال عليه السلام: # (ارجعوا هذا جبريل أتاني) فأنزل الله هذه الآية، فقال عليه السلام: ~~(أردنا أمرا وأراد الله غيره). وفي رواية أخرى: (أردت شيئا وما أراد الله ~~خير). ونقض الحكم الأول. # وقد قيل: إن في هذا الحكم المردود نزل (ولا تعجل بالقرآن من قبل أيقضى ~~إليك وحيه (2)). # ذكر إسماعيل بن إسحاق قال: حدثنا حجاج بن المنهال وعارم بن الفضل - ~~واللفظ. لحجاج - قال حدثنا جرير بن حازم قال سمعت الحسن يقول: إن امرأة أتت ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن زوجي لطم وجهي. فقال: (بينكما القصاص)، ~~فأنزل الله تعالى: (ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه). وأمسك ~~النبي صلى الله عليه ms1742 وسلم حتى نزل: # PageV05P168 # (الرجال قوامون على النساء). وقال أبو روق: نزلت في جميلة بنت (1) أبي ~~وفي زوجها ثابت ابن قيس بن شماس. وقال الكلبي: نزلت في عميرة بنت محمد بن ~~مسلمة وفي زوجها سعد بن الربيع. وقيل: سببها قول أم سلمة المتقدم. ووجه ~~النظم أنهن تكلمن في تفضيل الرجال على النساء في الإرث، فنزلت (ولا تتمنوا) ~~الآية. ثم بين تعالى أن تفضيلهم عليهن في الإرث لما على الرجال من المهر ~~والانفاق، ثم فائدة تفضيلهم عائدة إليهن. ويقال: إن الرجال لهم فضيلة في ~~زيادة العقل والتدبير، فجعل لهم حق القيام عليهن لذلك. وقيل: للرجال زيادة ~~قوة في النفس والطبع ما ليس للنساء، لان طبع الرجال غلب عليه الحرارة ~~واليبوسة، فيكون فيه قوة وشدة، وطبع النساء غلب عليه الرطوبة والبرودة، ~~فيكون فيه معنى اللين والضعف، فجعل لهم حق القيام عليهن بذلك، وبقوله ~~تعالى: (وبما أنفقوا من أموالهم). # الثانية - ودلت هذه الآية على تأديب الرجال نساءهم، فإذا حفظن حقوق ~~الرجال فلا ينبغي أن يسئ الرجل عشرتها. و (قوام) فعال للمبالغة، من القيام ~~على الشئ والاستبداد بالنظر فيه وحفظه بالاجتهاد. فقيام الرجال على النساء ~~هو على هذا الحد، وهو أن يقوم بتدبيرها وتأديبها وإمساكها في بيتها ومنعها ~~من البروز، وأن عليها طاعته وقبول أمره ما لم تكن معصية، وتعليل ذلك ~~بالفضيلة والنفقة والعقل والقوة في أمر الجهاد والميراث والامر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر. وقد راعى بعضهم في التفضيل اللحية وليس بشئ، فإن اللحية ~~قد تكون وليس معها شئ مما ذكرنا. وقد مضى الرد على هذا في (البقرة (2)). # الثالثة - فهم العلماء من قوله تعالى: (وبما أنفقوا من أموالهم) أنه متى ~~عجز عن نفقتها لم يكن قواما عليها، وإذا لم يكن قواما عليها كان لها فسخ ~~العقد، لزوال المقصود الذي شرع لأجله النكاح. وفيه دلالة واضحة من هذا ~~الوجه على ثبوت فسخ النكاح عند الاعسار بالنفقة والكسوة، وهو مذهب مالك ~~والشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يفسخ، لقوله تعالى: # (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة (3)) وقد ms1743 تقدم القول في هذا في هذه ~~السورة. # PageV05P169 # الرابعة - قوله تعالى: (فالصالحات قانتات حافظات للغيب) هذا كله خبر، ~~ومقصوده الامر بطاعة الزوج والقيام بحقه في ماله وفي نفسها في حال غيبة ~~الزوج. وفي مسند أبى داود الطيالسي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: (خير النساء التي إذا نظرت إليها سرتك وإذا أمرتها أطاعتك ~~وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك) قال: وتلا هذه الآية (الرجال قوامون ~~على النساء) إلى آخر الآية. وقال صلى الله عليه وسلم لعمر: (ألا أخبرك بخير ~~ما يكنزه المرء المرأة الصالحة إذا نظر إليها سرته وإذا أمرها أطاعته وإذا ~~غاب عنها حفظته) أخرجه أبو داود. وفي مصحف ابن مسعود (فالصوالح قوانت حوافظ ~~(1)). وهذا بناء يختص بالمؤنث. قال ابن جني: والتكسير أشبه لفظا بالمعنى، ~~إذ هو يعطي الكثرة وهي المقصود هاهنا. و (ما) في قوله: (بما حفظ الله) ~~مصدرية، أي بحفظ الله لهن. ويصح أن تكون بمعنى الذي ويكون العائد في (حفظ) ~~ضمير نصب. وفي قراءة أبي جعفر (بما حفظ الله) بالنصب. قال النحاس: الرفع ~~أبين، أي حافظات لمغيب أزواجهن بحفظ الله ومعونته وتسديده (2). وقيل: بما ~~حفظهن الله في مهورهن (3) وعشرتهن. وقيل: # بما استحفظهن الله إياه من أداء الأمانات إلى أزواجهن. ومعنى قراءة ~~النصب: بحفظهن الله، أي بحفظهن أمره أو دينه. وقيل في التقدير: بما حفظن ~~الله، ثم وحد الفعل، كما قيل: # * فإن الحوادث أودى (4) بها * وقيل: المعنى بحفظ الله، مثل حفظت الله. # الخامسة - قوله تعالى: (واللاتي تخافون نشوزهن) اللاتي جمع التي وقد ~~تقدم. # قال ابن عباس: تخافون بمعنى تعلمون وتتيقنون. وقيل هو على بابه. والنشوز ~~العصيان، مأخوذ من النشز، وهو ما ارتفع من الأرض. يقال: نشز الرجل ينشز ~~وينشز إذا كان قاعدا فنهض قائما، ومنه قوله عز وجل: (وإذا قيل انشزوا ~~فانشزوا (5)) أي ارتفعوا وانهضوا إلى حرب أو أمر من أمور الله تعالى. ~~فالمعنى: أي تخافون عصيانهن وتعاليهن عما أوجب # PageV05P170 # الله عليهن من طاعة الأزواج. وقال أبو منصور اللغوي: النشوز كراهية كل ms1744 ~~واحد من الزوجين صاحبه، يقال: نشزت تنشز فهي ناشز بغير هاء. ونشصت تنشص، ~~وهي السيئة للعشرة. وقال ابن فارس: ونشزت المرأة استصعبت على بعلها، ونشز ~~بعلها عليها إذا ضربها وجفاها. قال ابن دريد: نشزت المرأة ونشست ونشصت ~~بمعنى واحد. # السادسة - قوله تعالى: (فعظوهن) أي بكتاب الله، أي ذكروهن ما أوجب الله ~~عليهن من حسن الصحبة وجميل العشرة للزوج، والاعتراف بالدرجة التي له عليها، ~~ويقول: # إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لو أمرت أحد أن يسجد لاحد لأمرت ~~المرأة أن تسجد لزوجها). وقال: (لا تمنعه نفسها وإن كانت على ظهر قتب (1)). ~~وقال: (أيما امرأة باتت هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح) في ~~رواية (حتى تراجع وتضع يدها في يده). وما كان مثل هذا. # السابعة - قوله تعالى: (واهجروهن في المضاجع) وقرأ ابن مسعود والنخعي ~~وغيرهما (في المضجع) على الافراد، كأنه اسم جنس يؤدي عن الجمع. والهجر في ~~المضاجع هو أن يضاجعها ويوليها ظهره ولا يجامعها، عن ابن عباس وغيره. وقال ~~مجاهد: جنبوا مضاجعهن، فيتقدر (2) على هذا الكلام حذف، ويعضده (اهجروهن) من ~~الهجران، وهو البعد، يقال: هجره أي تباعد ونأى عنه. ولا يمكن بعدها إلا ~~بترك مضاجعتها. وقال معناه إبراهيم النخعي والشعبي وقتادة والحسن البصري، ~~ورواه ابن وهب وابن القاسم عن مالك، واختاره ابن العربي وقال: حملوا الامر ~~على الأكثر الموفي. ويكون هذا القول كما تقول: # اهجره في الله. وهذا أصل مالك. # قلت: هذا قول حسن، فإن الزوج إذا أعرض عن فراشها فإن كانت محبة للزوج ~~فذلك يشق عليها فترجع للصلاح، وإن كانت مبغضة فيظهر النشوز منها، فيتبين أن ~~النشوز من قبلها. وقيل: (اهجروهن) من الهجر وهو القبيح من الكلام، أي غلظوا ~~(3) عليهن في القول # PageV05P171 # وضاجعوهن للجماع وغيره، قال معناه سفيان، وروي عن ابن عباس. وقيل: أي ~~شدوهن وثاقا في بيوتهن، من قولهم: هجر البعير أي ربطه بالهجار، وهو حبل يشد ~~به البعير، وهو اختيار الطبري وقدح في سائر الأقوال. وفي كلامه في هذا ~~الموضع نظر. وقد رد عليه القاضي أبو ms1745 بكر بن العربي في أحكامه فقال: يا لها ~~من هفوة من عالم بالقرآن والسنة! والذي حمله على هذا التأويل حديث غريب ~~رواه ابن وهب عن مالك أن أسماء بنت أبي بكر الصديق امرأة الزبير بن العوام ~~كانت تخرج حتى عوتب في ذلك. قال: وعتب عليها وعلى ضرتها، فعقد شعر واحدة ~~بالأخرى ثم ضربهما ضربا شديدا، وكانت الضرة أحسن اتقاء، وكانت أسماء لا ~~تتقي فكان الضرب بها أكثر، فشكت إلى أبيها أبي بكر رضي الله عنه فقال لها: ~~أي بنية اصبري فإن الزبير رجل صالح، ولعله أن يكون زوجك في الجنة، ولقد ~~بلغني أن الرجل إذا ابتكر بامرأة تزوجها في الجنة. فرأى الربط والعقد مع ~~احتمال اللفظ مع فعل الزبير فأقدم على هذا التفسير. وهذا الهجر غايته عند ~~العلماء شهر، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم حين أسر إلى حفصة فأفشته ~~إلى عائشة، وتظاهرتا عليه. ولا يبلغ به الأربعة الأشهر التي ضرب الله أجلا ~~عذرا للمولي. # الثامنة - قوله تعالى: (واضربوهن أمر الله أن يبدأ النساء بالموعظة أولا ~~ثم بالهجران، فإن لم ينجعا فالضرب، فإنه هو الذي يصلحها له ويحملها على ~~توفية حقه. والضرب في هذه الآية هو ضرب الأدب غير المبرح، وهو الذي لا يكسر ~~عظما ولا يشين جارحة كاللكزة ونحوها، فإن المقصود منه الصلاح لا غير. فلا ~~جرم إذا أدى إلى الهلاك وجب الضمان، وكذلك القول في ضرب المؤدب غلامه ~~لتعليم القرآن والأدب. وفي صحيح مسلم: (اتقوا الله في النساء فإنكم ~~أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولكم عليهن ألا يوطئن ~~فرشكم أحدا تكرهونه فإن فعلن فاضربوهن ضربا غير مبرح) الحديث. أخرجه من ~~حديث جابر الطويل في الحج، أي لا يدخلن منازلكم أحدا ممن تكرهونه من ~~الأقارب والنساء الأجانب (1). وعلى هذا يحمل ما رواه الترمذي وصححه عن عمرو ~~بن الأحوص أنه شهد حجة # PageV05P172 # الوداع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحمد الله وأثنى عليه وذكر ووعظ ~~فقال: # (ألا واستوصوا بالنساء خيرا فإنهن عوان (1) عندكم ليس تملكون منهن ms1746 شيئا ~~غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مبينة فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ~~ضربا غير مبرح فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا ألا إن لكم على نسائكم حقا ~~ولنسائكم عليكم حقا فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فرشكم من تكرهون ولا ~~يأذن في بيوتكم من تكرهون ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن ~~وطعامهن). قال: هذا حديث حسن صحيح. فقوله: (بفاحشة مبينة) يريد لا يدخلن من ~~يكرهه أزواجهن ولا يغضبنهم. وليس المراد بذلك الزنى، فإن ذلك محرم ويلزم ~~عليه الحد. وقد قال عليه الصلاة والسلام: (أضربوا النساء إذا عصينكم في ~~معروف ضربا غير مبرح). قال عطاء: قلت لابن عباس ما الضرب غير المبرح؟ قال ~~بالسواك ونحوه. # وروي أن عمر رضي الله عنه ضرب امرأته فعذل في ذلك فقال: سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يسأل الرجل فيم ضرب أهله). # التاسعة - قوله تعالى: (فان أطعنكم) أي تركوا النشوز. (فلا تبغوا عليهن ~~سبيلا) أي لا تجنوا عليهن بقول أو فعل. وهذا نهى عن ظلمهن بعد تقرير الفضل ~~عليهن والتمكين من أدبهن. وقيل: المعنى لا تكلفوهن الحب لكم فإنه ليس ~~إليهن. # العاشرة - قوله تعالى: (ان الله كان عليا كبيرا) إشارة إلى الأزواج بخفض ~~الجناح ولين الجانب، أي ان كنتم تقذرون عليهن فتذكروا قدرة الله، فيده ~~بالقدرة فوق كل يد. # فلا يستعلى أحد على امرأته فالله بالمرصاد، فلذلك حسن الاتصاف هنا بالعلو ~~والكبر. # الحادية عشرة - وإذا ثبت هذا فاعلم أن الله عز وجل لم يأمر في شئ من ~~كتابه بالضرب صراحا إلا هنا وفي الحدود العظام، فساوى معصيتهن بأزواجهن (2) ~~بمعصية الكبائر، وولى الأزواج ذلك دون الأئمة، وجعله لهم دون القضاة بغير ~~شهود ولا بينات ائتمانا من الله تعالى للأزواج على النساء. قال المهلب: ~~إنما جوز ضرب النساء من أجل امتناعهن على أزواجهن # PageV05P173 # في المباضعة. واختلف في وجوب ضربها في الخدمة، والقياس يوجب أنه إذا جاز ~~ضربها في المباضعة جاز [ضربها (1)] في الخدمة الواجبة للزوج عليها ~~بالمعروف. وقال ابن خويز ms1747 منداد: والنشوز يسقط النفقة وجميع الحقوق الزوجية، ~~ويجوز معه أن يضربها الزوج ضرب الأدب غير المبرح، والوعظ والهجر حتى ترجع ~~عن نشوزها، فإذا رجعت عادت حقوقها، وكذلك كل ما اقتضى الأدب فجائز للزوج ~~تأديبها. ويختلف الحال في أدب الرفيعة والدنيئة، فأدب الرفيعة العذل، وأدب ~~الدنيئة السوط. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (رحم الله امرأ علق سوطه ~~وأدب أهله). وقال: (إن أبا جهم لا يضع عصاه عن عاتقه). وقال بشار: # * الحر يلحى والعصا للعبد * يلحى أي يلام، وقال ابن دريد: # واللوم للحر مقيم رادع * والعبد لا يردعه إلا العصا قال ابن المنذر: اتفق ~~أهل العلم على وجوب نفقات الزوجات على أزواجهن إذا كانوا جميعا بالغين إلا ~~الناشز منهن الممتنعة. وقال أبو عمر: من نشزت عنه امرأته بعد دخوله سقطت ~~عنه نفقتها إلا أن تكون حاملا. وخالف ابن القاسم جماعة الفقهاء في نفقة ~~الناشز فأوجبها. وإذا عادت الناشز إلى زوجها وجب في المستقبل نفقتها. ولا ~~تسقط نفقة المرأة عن زوجها لشئ غير النشوز، لا من مرض ولا حيض ولا نفاس ولا ~~صوم ولا حج ولا مغيب زوجها ولا حبسه عنها في حق أو جور غير ما ذكرنا. والله ~~أعلم. # قوله تعالى: وان خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها ~~ان يريدا اصلاحا يوفق الله بينهما ان الله كان عليما خبيرا (35) فيه خمس ~~مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (وان خفتم شقاق بينهما) قد تقدم معنى الشقاق في ~~(البقرة (2)). # فكان كل واحد من الزوجين يأخذ شقا غير شق صاحبه، أي ناحية غير ناحية ~~صاحبه. # PageV05P174 # والمراد إن خفتم شقاقا بينهما، فأضيف المصدر إلى الظرف كقولك: يعجبني سير ~~الليلة المقمرة، وصوم يوم عرفة. وفي التنزيل: (بل مكر الليل والنهار (1)). ~~وقيل: إن (بين) أجري مجرى الأسماء وأزيل عنه الظرفية، إذ هو بمعنى حالهما ~~وعشرتهما، أي وإن خفتم تباعد عشرتهما وصحبهما (فابعثوا). و (خفتم) على ~~الخلاف المتقدم (2). قال سعيد بن جبير: الحكم أن يعظها أولا، فإن قبلت وإلا ~~هجرها، فإن هي قبلت وإلا ضربها، ms1748 فإن هي قبلت وإلا بعث الحاكم حكما من أهله ~~وحكما من أهلها، فينظران ممن الضرر، وعند ذلك يكون الخلع. وقد قيل: له أن ~~يضرب قبل الوعظ. والأول أصح لترتيب ذلك في الآية. # الثانية - والجمهور من العلماء على أن المخاطب بقوله: (وإن خفتم) الحكام ~~والامراء. وأن قوله: (إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما) يعني الحكمين، في ~~قول ابن عباس ومجاهد وغيرهما. أي إن يرد الحكمان إصلاحا يوفق الله بين ~~الزوجين. وقيل: المراد الزوجان، أي إن يرد الزوجان إصلاحا وصدقا فيما أخبرا ~~به الحكمين (يوفق الله بينهما). وقيل: الخطاب للأولياء. يقول: (إن خفتم) أي ~~علمتم خلافا بين الزوجين (فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها) والحكمان ~~لا يكونان إلا من أهل الرجل والمرأة، إذ هما أقعد بأحوال الزوجين، ويكونان ~~من أهل العدالة وحسن النظر والبصر بالفقه (3). فإن لم يوجد من أهلهما من ~~يصلح لذلك فيرسل (4) من غيرهما عدلين عالمين، وذلك إذا أشكل أمرهما ولم يدر ~~ممن الإساءة منهما. # فأما إن عرف الظالم فإنه يؤخذ له الحق من صاحبه ويجبر على إزالة الضرر. ~~ويقال: أن الحكم من أهل الزوج يخلو به ويقول له: أخبرني بما في نفسك ~~أتهواها أم لا حتى أعلم مرادك؟ # فإن قال: لا حاجة لي فيها خذ لي منها ما استطعت وفرق بيني وبينها، فيعرف ~~أن من قبله النشوز. وإن قال: إني أهواها فأرضها من مالي بما شئت ولا تفرق ~~بيني وبينها، فيعلم أنه ليس بناشز. ويخلو [الحكم من جهتها (5)] بالمرأة ~~ويقول لها: أتهوى زوجك أم لا، فإن قالت: فرق بيني وبينه وأعطه من مالي ما ~~أراد، فيعلم أن النشوز من قبلها. إن قالت: # PageV05P175 # لا تفرق بيننا ولكن حثه على أن يزيد في نفقتي ويحسن إلي، علم أن النشوز ~~ليس من قبلها. # فإذا ظهر لهما الذي كان النشوز من قبله يقبلان عليه بالعظة والزجر ~~والنهى، فذلك قوله تعالى: (فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها). # الثالثة - قال العلماء: قسمت هذه الآية النساء تقسيما عقليا، لأنهن إما ~~طائعة وإما ناشز، والنشوز ms1749 إما أن يرجع إلى الطواعية أو لا. فإن كان الأول ~~تركا، لما رواه النسائي أن عقيل بن أبي طالب تزوج فاطمة بنت عتبة بن ربيعة ~~فكان إذا دخل عليها تقول: # يا بني هاشم، والله لا يحبكم قلبي أبدا! أين الذين أعناقهم كأباريق ~~الفضة! ترد أنوفهم قبل شفاههم، أين عتبة بن ربيعة، أين شيبة بن ربيعة، ~~فيسكت عنها، حتى دخل عليها يوما وهو برم فقالت له: أين عتبة بن ربيعة؟ ~~فقال: على يسارك في النار إذا دخلت، فنشرت عليها ثيابها، فجاءت عثمان فذكرت ~~له ذلك، فأرسل ابن عباس ومعاوية، فقال ابن عباس: # لأفرقن بينهما، وقال معاوية: ما كنت لا فرق بين شيخين من بني عبد مناف. ~~فأتياهما فوجدا هما قد سدا عليهما أبوابهما وأصلحا أمرهما. فإن وجداهما قد ~~اختلفا ولم يصطلحا وتفاقم أمرهما سعيا في الألفة جهدهما، وذكرا بالله ~~وبالصحبة. فإن أنابا ورجعا تركاهما، وإن كانا غير ذلك ورأيا الفرقة فرقا ~~بينهما. وتفريقهما جائز على الزوجين، وسواء وافق حكم قاضي البلد أو خالفه، ~~وكلهما الزوجان بذلك أو لم يوكلاهما. والفراق في ذلك طلاق بائن. # وقال قوم: ليس لهما الطلاق ما لم يوكلهما الزوج في ذلك، وليعرفا الامام، ~~وهذا بناء على أنهما رسولان شاهدان. ثم الامام يفرق إن أراد ويأمر الحكم ~~بالتفريق. وهذا أحد قولي الشافعي، وبه قال الكوفيون، وهو قول عطاء وابن زيد ~~والحسن، وبه قال أبو ثور. # والصحيح الأول، وأن للحكمين التطليق دون توكيل، وهو قول مالك والأوزاعي ~~وإسحاق وروي عن عثمان وعلي وابن عباس، وعن الشعبي والنخعي، وهو قول ~~الشافعي، لان الله تعالى قال: (فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها) وهذا ~~نص من الله سبحانه بأنهما قاضيان لا وكيلان ولا شاهدان. وللوكيل اسم في ~~الشريعة ومعنى، وللحكم اسم في الشريعة PageV05P176 # ومعنى، فإذا بين الله كل واحد منهما فلا ينبغي لشاذ - فكيف لعالم - أن ~~يركب معنى أحدهما على الآخر!. وقد روى الدارقطني من حديث محمد بن سيرين عن ~~عبيدة في هذه الآية (وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من ms1750 أهله وحكما من ~~أهلها) قال: جاء رجل وامرأة إلى علي مع كل واحد منهما فئام (1) من الناس ~~فأمرهم فبعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها، وقال للحكمين: هل تدريان ما ~~عليكما؟ عليكما إن رأيتما أن تفرقا فرقتما. فقالت المرأة: # رضيت بكتاب الله بما علي فيه ولي. وقال الزوج: أما الفرقة فلا. فقال علي: ~~كذبت، والله لا تبرح حتى تقر بمثل الذي أقرت به. وهذا إسناد صحيح ثابت روي ~~عن علي من وجوه ثابتة عن ابن سيرين عن عبيدة، قال أبو عمر. فلو كانا وكيلين ~~أو شاهدين لم يقل لهما: # أتدريان ما عليكما؟ إنما كان يقول: أتدريان بما وكلتما؟ وهذا بين. احتج ~~أبو حنيفة بقول علي رضي الله عنه للزوج: لا تبرح حتى ترضى بما رضيت به. فدل ~~على أن مذهبه أنهما لا يفرقان إلا برضا الزوج، وبأن الأصل المجتمع عليه أن ~~الطلاق بيد الزوج أو بيد من جعل ذلك إليه. وجعله مالك ومن تابعه من باب ~~طلاق السلطان على المولى والعنين. # الرابعة - فإن اختلف الحكمان لم ينفذ قولهما ولم يلزم من ذلك شئ إلا ما ~~اجتمعا عليه. وكذلك كل حكمين حكما في أمر، فإن حكم أحدهما بالفرقة ولم يحكم ~~بها الآخر، أو حكم أحدهما بمال وأبى الآخر فليسا بشئ حتى يتفقا. وقال مالك ~~في الحكمين يطلقان ثلاثا قال: # تلزم (2) واحدة وليس لهما الفراق بأكثر من واحدة بائنة، وهو قول ابن ~~القاسم. وقال ابن القاسم أيضا: تلزمه الثلاث إن اجتمعا عليها، وقال المغيرة ~~وأشهب وابن الماجشون وأصبغ. وقال ابن المواز: إن حكم أحدهما بواحدة والآخر ~~بثلاث فهي واحدة. وحكى ابن حبيب عن أصبغ أن ذلك ليس بشئ. # الخامسة - ويجزئ إرسال الواحد، لان الله سبحانه حكم في الزنى بأربعة ~~شهود، ثم قد أرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المرأة الزانية أنيسا وحده ~~وقال له: (إن اعترفت فارجمها) وكذلك قال عبد الملك في المدونة. # PageV05P177 # قلت: وإذا جاز إرسال الواحد فلو حكم الزوجان واحدا لأجزأ، وهو بالجواز ~~أولى إذا رضيا بذلك، وإنما خاطب ms1751 الله بالارسال الحكام دون الزوجين. فإن ~~أرسل الزوجان حكمين وحكما نفذ حكمهما، لان التحكيم عندنا جائز، وينفذ فعل ~~الحكم في كل مسألة. # هذا إذا كان كل واحد منهما عدلا، ولو كان غير عدل قال عبد الملك: حكمه ~~منقوض، لأنهما تخاطرا بما لا ينبغي من الغرر. قال ابن العربي: والصحيح ~~نفوذه، لأنه إن كان توكيلا ففعل الوكيل نافذ، وإن كان تحكيما فقد قدماه على ~~أنفسهما وليس الغرر بمؤثر فيه كما لم يؤثر في باب التوكيل، وباب القضاء ~~مبني على الغرر كله، وليس يلزم فيه معرفة المحكوم عليه بما يئول إليه ~~الحكم. قال ابن العربي: مسألة الحكمين نص الله عليها وحكم بها عند ظهور ~~الشقاق بين الزوجين، واختلاف ما بينهما. وهي مسألة عظيمة اجتمعت الأمة على ~~أصلها في البعث، وإن اختلفوا في تفاصيل ما ترتب عليه. وعجبا لأهل بلدنا حيث ~~غفلوا عن موجب الكتاب والسنة في ذلك وقالوا: يجعلان على يدي أمين، وفي هذا ~~من معاندة النص ما لا يخفى عليكم، فلا بكتاب الله ائتمروا ولا بالأقيسة ~~اجتزءوا. وقد ندبت إلى ذلك فما أجابني إلى بعث الحكمين عند الشقاق إلا قاض ~~واحد، ولا بالقضاء باليمين مع الشاهد إلا آخر، فلما ملكني الله الامر أجريت ~~السنة كما ينبغي. ولا تعجب لأهل بلدنا لما غمرهم (1) من الجهالة، ولكن أعجب ~~لأبي حنيفة ليس للحكمين عنده خبر، بل أعجب مرتين للشافعي فإنه قال: الذي ~~يشبه ظاهر الآية أنه فيما عم الزوجين معا حتى يشتبه فيه حالاهما. قال: # وذلك أني وجدت الله عز وجل أذن في نشوز الزوج بأن يصطلحا وأذن في خوفهما ~~ألا يقيما حدود الله بالخلع وذلك يشبه أن يكون برضا المرأة. وحظر أن يأخذ ~~الزوج مما أعطى شيئا إذا أراد استبدال زوج مكان زوج، فلما أمر فيمن خفنا ~~الشقاق بينهما بالحكمين دل على أن حكمهما غير حكم الأزواج، فإذا كان كذلك ~~بعث حكما من أهله وحكما من أهلها، ولا يبعث الحكمين إلا مأمونين برضا ~~الزوجين وتوكيلهما بأن يجمعا أو يفرقا إذا رأيا ذلك. وذلك ms1752 يدل على أن # PageV05P178 # الحكمين وكيلان للزوجين. قال ابن العربي: هذا منتهى كلام الشافعي، ~~وأصحابه يفرحون به وليس فيه ما يلتفت إليه ولا يشبه نصابه في العلم، وقد ~~تولى الرد عليه القاضي أبو إسحاق ولم ينصفه في الأكثر. أما قوله: (الذي ~~يشبه ظاهر الآية أنه فيما عم الزوجين) فليس بصحيح بل هو نصه، وهي من أبين ~~آيات القرآن وأوضحها جلاء، فإن الله تعالى قال: (الرجال قوامون على ~~النساء). ومن خاف من امرأته نشوزا وعظها، فإن أنابت وإلا هجرها في المضجع، ~~فإن ارعوت وإلا ضربها، فإن استمرت في غلوائها مشى الحكمان إليهما. وهذا إن ~~لم يكن نصا فليس في القرآن بيان. ودعه لا يكون نصا، يكون ظاهرا، فأما أن ~~يقول الشافعي: يشبه الظاهر فلا ندري ما الذي (1) أشبه الظاهر؟. ثم قال: ~~(وأذن في خوفهما ألا يقيما حدود الله بالخلع وذلك يشبه أن يكون برضا ~~المرأة، بل يجب أن يكون كذلك وهو نصه. ثم قال: (فلما أمر بالحكمين علمنا أن ~~حكمهما غير حكم الأزواج، ويجب أن يكون غيره بأن ينفذ عليهما من غير ~~اختيارهما فتتحقق الغيرية. فأما إذا أنفذا عليهما ما وكلاهما به فلم يحكما ~~بخلاف أمرهما فلم تتحقق الغيرية. # وأما قوله (برضى الزوجين وتوكيلهما) فخطأ صراح، فإن الله سبحانه خاطب غير ~~الزوجين إذا خاف الشقاق بين الزوجين بإرسال الحكمين، وإذا كان المخاطب ~~غيرهما كيف يكون ذلك بتوكيلهما، ولا يصح لهما حكم إلا بما اجتمعا عليه. هذا ~~وجه الانصاف والتحقيق في الرد عليه. # وفي هذه الآية دليل على إثبات التحكيم، وليس كما تقول الخوارج إنه ليس ~~التحكيم لاحد سوى الله تعالى. وهذه كلمة حق [ولكن (2)] يريدون بها الباطل. # قوله تعالى: واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين احسانا وبذي ~~القربى واليتاما والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب ~~وابن السبيل وما ملكت أيمانكم ان الله لا يحب من كان مختالا فخورا (36) # PageV05P179 # فيه ثمان عشرة مسألة: # الأولى أجمع العلماء على أن هذه الآية من المحكم المتفق عليه، ليس منها ~~شئ منسوخ. # وكذلك هي ms1753 في جميع الكتب. ولو لم يكن كذلك لعرف ذلك من جهة العقل، وإن لم ~~ينزل به الكتاب. وقد مضى معنى العبودية وهي التذلل والافتقار، لمن له الحكم ~~والاختيار، فأمر الله تعالى عباده بالتذلل له والاخلاص فيه، فالآية أصل في ~~خلوص الأعمال لله تعالى وتصفيتها من شوائب الرياء وغيره، قال الله تعالى ~~(فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا (1)) ~~حتى لقد قال بعض علمائنا: إنه من تطهر تبردا أو صام محما لمعدته ونوى مع ~~ذلك التقرب لم يجزه، لأنه مزج في نية التقرب نية دنياوية وليس لله إلا ~~العمل الخالص، كما قال تعالى: (ألا لله الدين الخالص (2)) وقال تعالى: (وما ~~أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين (3)). وكذلك إذا أحس الرجل بداخل ~~في الركوع وهو إمام لم ينتظره، لأنه يخرج ركوعه بانتظاره عن كونه خالصا لله ~~تعالى. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~(قال الله تبارك وتعالى أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه ~~معي غيري تركته وشركه). وروى الدارقطني عن أنس ابن مالك قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: (يجاء يوم القيامة بصحف مختمة فتنصب بين يدي الله ~~تعالى فيقول الله تعالى للملائكة ألقوا هذا واقبلوا هذا فتقول الملائكة ~~وعزتك ما رأينا إلا خيرا فيقول الله عز وجل - وهو أعلم - إن هذا كان لغيري ~~ولا أقبل اليوم من العمل إلا ما كان ابتغي به وجهي). وروي أيضا عن الضحاك ~~بن قيس الفهري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله تعالى يقول ~~أنا خير شريك فمن أشرك معي شريكا فهو لشريكي يا أيها الناس أخلصوا أعمالكم ~~لله تعالى فإن الله لا يقبل إلا ما خلص له ولا تقولوا هذا لله وللرحم فإنها ~~للرحم وليس لله منها شئ ولا تقولوا هذا لله ولوجوهكم فإنها لوجوهكم وليس ~~لله تعالى منها شئ). # PageV05P180 # مسألة - إذا ثبت هذا فاعلم أن علماءنا رضي الله عنهم ms1754 قالوا: الشرك على ~~ثلاث مراتب وكله محرم. وأصله اعتقاد شريك لله في ألوهيته، وهو الشرك الأعظم ~~وهو شرك الجاهلية، وهو المراد بقوله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ~~ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء). ويليه في الرتبة اعتقاد شريك لله تعالى في ~~الفعل، وهو قول من قال: إن موجودا ما غير الله تعالى يستقل بإحداث فعل ~~وإيجاده وإن لم يعتقد كونه إلها كالقدرية مجوس هذه الأمة، وقد تبرأ منهم ~~ابن عمر كما في حديث جبريل عليه السلام. ويلي هذه الرتبة الاشراك في ~~العبادة وهو الرياء، وهو أن يفعل شيئا من العبادات التي أمر الله بفعلها له ~~لغيره. وهذا هو الذي سيقت الآيات والأحاديث لبيان تحريمه، وهو مبطل للأعمال ~~وهو خفي لا يعرفه كل جاهل غبي. # ورضي الله عن المحاسبي فقد أوضحه في كتابه (الرعاية) وبين إفساده ~~للأعمال. وفي سنن ابن ماجة عن أبي سعيد بن أبي فضالة الأنصاري وكان من ~~الصحابة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا جمع الله الأولين ~~والآخرين ليوم القيامة ليوم لا ريب فيه نادى مناد من كان أشرك في عمل عمله ~~لله عز وجل أحدا فليطلب ثوابه من عند غير الله فإن الله أغنى الشركاء عن ~~الشرك). # وفيه عن أبي سعيد الخدري قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ونحن نتذاكر المسيخ الدجال فقال: (ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من ~~المسيخ الدجال؟) قال: # فقلنا بلى يا رسول الله، فقال: (الشرك الخفي أن يقوم الرجل يصلي فيزين ~~صلاته لما يرى من نظر رجل). وفيه عن شداد بن أوس قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: (إن أخوف ما أتخوف على أمتي الاشراك بالله أما إني لست ~~أقول يعبدون شمسا ولا قمرا ولا وثنا ولكن أعمالا لغير الله وشهوة خفية) ~~خرجه الترمذي الحكيم. وسيأتي في آخر الكهف (1)، وفيه بيان الشهوة الخفية. ~~وروى ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن ms1755 الشهوة الخفية فقال: (هو الرجل يتعلم العلم يحب أن يجلس إليه). قال سهل ~~ابن عبد الله التستري رضي الله عنه: الرياء على ثلاثة وجوه، أحدها - أن ~~يعقد في أصل فعله لغير الله ويريد به أن يعرف أنه لله، فهذا صنف من النفاق ~~وتشكك في الايمان. والآخر - # PageV05P181 # يدخل في الشئ لله فإذا اطلع عليه غير الله نشط، فهذا إذا تاب يزيد أن ~~يعيد جميع ما عمل. # والثالث - دخل في العمل بالاخلاص وخرج به لله فعرف بذلك ومدح عليه وسكن ~~إلى مدحهم، فهذا الرياء الذي نهى الله عنه. قال سهل قال لقمان لابنه: ~~الرياء أن تطلب ثواب عملك في دار الدنيا، وإنما عمل القوم للآخرة. قيل له: ~~فما دواء الرياء؟ قال كتمان العمل، قيل له: فكيف يكتم العمل؟ قال: ما كلفت ~~إظهاره من العمل فلا تدخل فيه إلا بالاخلاص، وما لم تكلف إظهاره أحب ألا ~~يطلع عليه إلا الله. قال: وكل عمل اطلع عليه الخلق فلا تعده من العمل. وقال ~~أيوب السختياني: ما هو بعاقل من أحب أن يعرف مكانه من عمله. # قلت: قول سهل (والثالث دخل في العمل بالاخلاص) إلى آخره، إن كان سكونه ~~وسروره إليهم لتحصل منزلته في قلوبهم فيحمدوه ويجلوه ويبروه وينال ما يريده ~~منهم من مال أو غيره فهذا مذموم، لان قلبه مغمور فرحا باطلاعهم عليه، وإن ~~كانوا قد اطلعوا عليه بعد الفراغ. فأما من أطلع الله عليه خلقه وهو لا يحب ~~اطلاعهم عليه فيسر بصنع الله وبفضله عليه فسروره بفضل الله طاعة، كما قال ~~تعالى: (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون (1)). وبسط ~~هذا وتتميمه في كتاب (الرعاية للمحاسبي)، فمن أراده فليقف عليه هناك. # وقد سئل سهل عن حديث النبي صلى الله عليه وسلم (أني أسر العمل فيطلع عليه ~~فيعجبني) قال: يعجبه من جهة الشكر لله الذي أظهره الله عليه أو نحو هذا. ~~فهذه جملة كافية في الرياء وخلوص الأعمال. وقد مضى في (البقرة (2)). حقيقة ~~الاخلاص. والحمد لله. # الثانية - قوله تعالى: (وبالوالدين احسانا) قد ms1756 تقدم في صدر هذه السورة أن ~~من الاحسان إليهما عتقهما، ويأتي في (سبحان (3)) حكم برهما مستوفى. وقرأ ~~ابن أبي عبلة (احسان) بالرفع أي واجب الاحسان إليهما. الباقون بالنصب، على ~~معنى أحسنوا إليهما إحسانا. قال العلماء: فأحق الناس بعد الخالق المنان ~~بالشكر والاحسان والتزام البر والطاعة له # PageV05P182 # والاذعان من قرن الله الاحسان إليه بعبادته وطاعته وشكره بشكره وهما ~~الوالدان، فقال تعالى: # (أن اشكر لي ولوالديك (1)). وروى شعبة وهشيم الواسطيان عن يعلي بن عطاء ~~عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: (رضى الرب في رضى الوالدين وسخطه في سخط الوالدين). # الثالثة - قوله تعالى: (وبذي القربى واليتامى والمساكين) وقد مضى الكلام ~~فيه في (البقرة (2)). # الرابعة - قوله تعالى: (والجار ذي القربى والجار الجنب) أما الجار فقد ~~أمر الله تعالى بحفظه والقيام بحقه والوصاة برعى ذمته في كتابه وعلى لسان ~~نبيه. الا تراه سبحانه أكد ذكره بعد الوالدين والأقربين فقال تعالى: ~~(والجار ذي القربى) أي القريب. (والجار الجنب) أي الغريب، قاله ابن عباس، ~~وكذلك هو في اللغة. ومنه فلان أجنبي، وكذلك الجنابة البعد. وأنشد أهل ~~اللغة: # فلا تحرمني نائلا عن جنابة * فإني امرؤ وسط القباب غريب (3) وقال الأعشى: # أتيت حريثا زائرا عن جنابة * فكان حريث عن (4) عطائي جامدا وقرأ الأعمش ~~والمفضل (والجار الجنب) بفتح الجيم وسكون النون وهما لغتان، يقال: # جنب وجنب وأجنب وأجنبي إذا لم يكن بينهما قرابة، وجمعه أجانب. وقيل: على ~~تقدير حذف المضاف، أي والجار ذي الجنب أي ذي الناحية. وقال نوف الشامي: ~~(الجار ذي القربى) المسلم (والجار الجنب) اليهودي والنصراني. # PageV05P183 # قلت: وعلى هذا فالوصاة بالجار مأمور بها مندوب إليها مسلما كان أو كافرا، ~~وهو الصحيح. والاحسان قد يكون بمعنى المواساة، وقد يكون بمعنى حسن العشرة ~~وكف الأذى والمحاماة دونه. روى البخاري عن عائشة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه). وروي عن أبي ~~شريح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (والله ms1757 لا يؤمن والله لا يؤمن والله ~~لا يؤمن) قيل: يا رسول الله ومن؟ قال: # (الذي لا يأمن جاره بوائقه) وهذا عام في كل جار. وقد أكد عليه السلام ترك ~~إذايته بقسمه ثلاث مرات، وأنه لا يؤمن الايمان الكامل من آذى جاره. فينبغي ~~للمؤمن أن يحذر أذى جاره، وينتهي عما نهى الله ورسوله عنه، ويرغب فيما ~~رضياه حضا العباد عليه. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الجيران ثلاثة فجار له ثلاثة ~~حقوق وجار له حقان وجار له حق واحد فأما الجار الذي له ثلاثة حقوق فالجار ~~المسلم القريب له حق الجوار وحق القرابة وحق الاسلام والجار الذي له حقان ~~فهو الجار المسلم فله حق الاسلام وحق الجوار والجار الذي له حق واحد هو ~~الكافر له حق الجوار). # الخامسة - روى البخاري عن عائشة قالت: قلت يا رسول الله، إن لي جارين ~~فإلى أيهما أهدي، قال: (إلى أقربهما منك بابا). فذهب جماعة من العلماء إلى ~~أن هذا الحديث يفسر المراد من قوله تعالى: (والجار ذي القربى) وأنه القريب ~~المسكن منك. # (والجار الجنب) هو البعيد المسكن منك. واحتجوا بهذا على إيجاب الشفعة ~~للجار، وعضدوه وبقوله عليه السلام: (الجار أحق بصقبه (1)). ولا حجة في ذلك، ~~فإن عائشة رضي الله عنها إنما سألت النبي صلى الله عليه وسلم عمن تبدأ به ~~من جيرانها في الهدية فأخبرها أن من قرب بابه فإنه أولى بها من غيره. قال ~~ابن المنذر: فدل هذا الحديث على أن الجار يقع على غير اللصيق. وقد خرج أبو ~~حنيفة عن ظاهر هذا الحديث فقال: إن الجار اللصيق إذا ترك الشفعة وطلبها ~~الذي يليه وليس له جدار إلى الدار ولا طريق لا شفعة فيه له. وعوام العلماء # PageV05P184 # يقولون: إن أوصى الرجل لجيرانه أعطي اللصيق وغيره، إلا أبا حنيفة فإنه ~~فارق عوام العلماء وقال: لا يعطى إلا اللصيق وحده. # السادسة - واختلف الناس في حد الجيرة، فكان الأوزاعي يقول: أربعون دارا ~~من كل ناحية، وقال ابن شهاب. وروي أن رجلا جاء إلى النبي ms1758 صلى الله عليه ~~وسلم فقال: # إني نزلت محلة قوم وإن أقربهم إلي جوارا أشدهم لي أدى، فبعث النبي صلى ~~الله عليه وسلم أبا بكر وعمر وعليا يصيحون على أبواب المساجد: ألا إن ~~أربعين دارا جار ولا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه (1). وقال علي بن ~~أبي طالب: من سمع النداء فهو جار. وقالت فرقة: من سمع إقامة الصلاة فهو جار ~~ذلك المسجد. وقالت فرقة: من ساكن رجلا في محلة أو مدينة فهو جار. قال الله ~~تعالى: (لئن لم ينته المنافقون) إلى قوله: (ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا ~~(2)) فجعل تعالى اجتماعهم في المدينة جوارا. والجيرة مراتب بعضها الصق من ~~بعض، أدناها الزوجة، كما قال: # * أيا جارتا بيني فإنك طالقة (3) * السابعة - ومن إكرام الجار ما رواه ~~مسلم عن أبي ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا أبا ذر إذا طبخت ~~مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك). فحض عليه السلام على مكارم الأخلاق، لما ~~رتب عليها من المحبة وحسن العشرة ودفع الحاجة والمفسدة، فإن الجار قد يتأذى ~~بقتار (4) قدر جاره، وربما تكون له ذرية فتهيج من ضعفائهم الشهوة، ويعظم ~~على القائم عليهم الألم والكلفة، لا سيما إن كان القائم ضعيفا أو أرملة ~~فتعظم المشقة ويشتد منهم الألم والحسرة. وهذه كانت عقوبة يعقوب في فراق ~~يوسف عليهما السلام فيما قيل. # وكل هذا يندفع بتشريكهم في شئ من الطبيخ يدفع إليهم، ولهذا المعنى حض ~~عليه السلام الجار القريب بالهدية، لأنه ينظر إلى ما يدخل دار جاره وما ~~يخرج منها، فإذا رأى ذلك أحب # PageV05P185 # أن يشارك فيه، وأيضا فإنه أسرع إجابة لجاره عندما ينويه من حاجة في أوقات ~~الغفلة والغرة، فلذلك بدأ به على من بعد بابه وإن كانت داره أقرب. والله ~~أعلم. # الثامنة - قال العلماء: لما قال عليه السلام (فأكثر ماءها) نبه بذلك على ~~تيسير الامر على البخيل تنبيها لطيفا، وجعل الزيادة فيما ليس له ثمن وهو ~~الماء، ولذلك لم يقل: إذا طبخت مرقة فأكثر لحمها، إذ لا يسهل ذلك على ms1759 كل ~~أحد. ولقد أحسن القائل: # قدري وقدر الجار واحدة * وإليه قبلي ترفع القدر ولا يهدى النزر اليسير ~~المحتقر، لقوله عليه السلام: (ثم أنظر أهل بيت من جيرانك فأصبهم منها ~~بمعروف) أي بشئ يهدى عرفا، فإن القليل وإن كان مما يهدى فقد لا يقع ذلك ~~الموقع، فلو لم يتيسر إلا القليل فليهده ولا يحتقر، وعلى المهدى إليه ~~قبوله، لقوله عليه السلام: # (يا نساء المؤمنات لا تحتقرن إحداكن لجارتها ولو كراع (1) شاة محرقا) ~~أخرجه مالك في موطئه. # وكذا قيدناه (يا نساء المؤمنات) بالرفع على غير الإضافة، والتقدير: يا ~~أيها النساء المؤمنات، كما تقول يا رجال الكرام، فالمنادى محذوف وهو يا ~~أيها، والنساء في التقدير النعت لأيها، والمؤمنات نعت للنساء. قد قيل: فيه: ~~يا نساء المؤمنات بالإضافة، والأول أكثر. # التاسعة - من إكرام الجار ألا يمنع من غرز خشبة له إرفاقا به، قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم (لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره). ثم ~~يقول أبو هريرة: ما لي أراكم عنها معرضين، والله لأرمين بها بين أكنافكم. ~~روي (خشبه وخشبة) على الجمع والافراد. وروي (أكتافهم) بالتاء و (أكنافهم) ~~بالنون. ومعنى (لأرمين بها) أي بالكلمة والقصة. وهل يقضى بهذا على الوجوب ~~أو الندب؟ فيه خلاف بين العلماء. # فذهب مالك وأبو حنيفة وأصحابهما إلى أن معناه الندب إلى بر الجار ~~والتجاوز له والاحسان إليه، وليس ذلك على الوجوب، بدليل قوله عليه السلام: ~~(لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن # PageV05P186 # طيب نفس منه). قالوا: ومعنى قوله (لا يمنع أحدكم جاره) هو مثل معنى قوله ~~عليه السلام: # (إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها). وهذا معناه عند ~~الجميع الندب، على ما يراه الرجل من الصلاح والخير في ذلك. وقال (1) ~~الشافعي وأصحابه وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبو ثور وداود بن علي وجماعة أهل ~~الحديث: إلى أن ذلك على الوجوب. قالوا: ولولا أن أبا هريرة فهم فيما سمع من ~~النبي صلى الله عليه وسلم معنى الوجوب ما كان ليوجب عليهم غير واجب. # وهو مذهب ms1760 عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فإنه قضى على محمد بن مسلمة للضحاك ~~بن خليفة في الخليج أن يمر به في أرض محمد بن مسلمة، فقال محمد بن مسلمة: ~~لا والله. فقال عمر: # والله ليمرن به ولو على بطنك. فأمره عمر أن يمر به ففعل الضحاك رواه مالك ~~في الموطأ. # وزعم الشافعي في كتاب (الرد) أن مالكا لم يرو عن أحد من الصحابة خلاف عمر ~~في هذا الباب، وأنكر على مالك أنه رواه وأدخله في كتابه ولم يأخذ به ورده ~~برأيه. قال أبو عمر: ليس كما زعم الشافعي، لان محمد بن مسلمة كان رأيه في ~~ذلك خلاف رأي عمر، ورأي الأنصار أيضا كان خلافا لرأي عمر، وعبد الرحمن بن ~~عوف في قصة الربيع (2) وتحويله - والربيع الساقية - وإذا اختلفت الصحابة ~~وجب الرجوع إلى النظر، والنظر، يدل على أن دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم ~~بعضهم على بعض حرام إلا ما تطيب به النفس خاصة، فهذا هو الثابت عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم. ويدل على الخلاف في ذلك قول أبي هريرة: ما لي أراكم ~~عنها معرضين والله لأرمينكم بها، هذا أو نحوه. أجاب الأولون فقالوا: القضاء ~~بالمرفق خارج بالسنة عن معنى قوله عليه السلام: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا ~~عن طيب نفس منه) لان هذا معناه التمليك والاستهلاك وليس المرفق من ذلك، لان ~~النبي صلى الله عليه وسلم قد فرق بينهما في الحكم. فغير واجب أن يجمع بين ~~ما فرق رسول الله صلى الله عليه وسلم. وحكى مالك أنه كان بالمدينة قاض يقضي ~~به يسمى أبو المطلب (3). واحتجوا من الأثر بحديث الأعمش عن أنس قال: # PageV05P187 # استشهد منا غلام يوم أحد فجعلت أمه تمسح التراب عن وجهه وتقول: أبشر ~~هنيئا لك الجنة، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم (وما يدريك لعله كان ~~يتكلم فيما لا يعنيه ويمنع ما لا يضره). # والأعمش لا يصح له سماع من أنس، والله أعلم. قاله أبو عمر. # العاشرة - ورد حديث جمع النبي صلى الله عليه وسلم فيه ms1761 مرافق الجار، وهو ~~حديث معاذ بن جبل قال: قلنا يا رسول الله، ما محق الجار؟ قال: (إن استقرضك ~~أقرضته وإن استعانك أعنته وإن احتاج أعطيته وإن مرض عدته وإن مات تبعت ~~جنازته وإن أصابه خير سرك وهنيته وإن أصابته مصيبة ساءتك وعزيته ولا تؤذه ~~بقتار قدرك إلا أن تعرف له منها ولا تستطل عليه بالبناء لتشرف عليه وتسد ~~عليه الريح إلا بإذنه وإن اشتريت فاكهة فأهد له منها وإلا فأدخلها سرا لا ~~يخرج ولدك بشئ منه يغيظون به ولده وهل تفقهون ما أقول لكم لن يؤدي حق الجار ~~إلا القليل ممن رحم الله) أو كلمة نحوها. هذا حديث جامع وهو حديث حسن، في ~~إسناده أبو الفضل عثمان بن مطر الشيباني غير مرضي. # الحادية عشرة - قال العلماء: الأحاديث في إكرام الجار جاءت مطلقة غير ~~مقيدة حتى الكافر كما بينا. وفي الخبر قالوا: يا رسول الله أنطعمهم من لحوم ~~النسك؟ قال: (لا تطعموا المشركين من نسك المسلمين). ونهيه صلى الله عليه ~~وسلم. عن إطعام المشركين من نسك المسلمين يحتمل النسك الواجب في الذمة الذي ~~لا يجوز للناسك أن يأكل منه ولا أن يطعمه الأغنياء، فأما غير الواجب الذي ~~يجزيه إطعام الأغنياء فجائز أن يطعمه أهل الذمة. قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم لعائشة عند تفريق لحم الأضحية: (ابدئي بجارنا اليهودي). وروي أن شاة ~~ذبحت في أهل عبد الله بن عمرو فلما جاء قال: أهديتم لجارنا اليهودي؟ - ثلاث ~~مرات - سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما زال جبريل يوصيني ~~بالجار حتى ظننت أنه سيورثه). # الثانية عشرة - قوله تعالى: (والصاحب بالجنب) أي الرفيق في السفر. وأسند ~~الطبري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان معه رجل من أصحابه وهما على ~~راحلتين، PageV05P188 # فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم غيضة (1)، فقطع قضيبين أحدهما معوج، ~~فخرج وأعطى لصاحبه القويم، فقال: كنت يا رسول الله أحق بهذا! فقال: (كلا ~~(2) يا فلان إن كل صاحب يصحب آخر فإنه مسؤول عن صحابته ولو ساعة من نهار). ms1762 ~~وقال ربيعة بن أبي عبد الرحمن: # للسفر مروءة وللحضر مروءة، فأما المروءة في السفر فبذل الزاد، وقلة ~~الخلاف على الأصحاب، وكثرة المزاج في غير مساخط الله. وأما المروءة في ~~الحضر فالادمان إلى المساجد، وتلاوة القرآن وكثرة الاخوان في الله عز وجل. ~~ولبعض بني أسد - وقيل إنها لحاتم الطائي: # إذا ما رفيقي لم يكن خلف ناقتي * له مركب فضلا فلا حملت رجلي ولم يك من ~~زادي له شطر مزودي * فلا كنت ذا زاد ولا كنت ذا فضل شريكان فيما نحن فيه ~~وقد أرى * علي له فضلا بما نال من فضلي وقال علي وابن مسعود وابن أبي ليلى: ~~(الصاحب بالجنب) الزوجة. ابن جريج: هو الذي يصحبك ويلزمك رجاء نفعك. والأول ~~أصح، وهو قول ابن عباس وابن جبير وعكرمة ومجاهد والضحاك. وقد تتناول الآية ~~الجميع بالعموم. والله أعلم. # الثالثة عشرة - قوله تعالى: (وابن السبيل) قال مجاهد: هو الذي يجتاز بك ~~مارا. # والسبيل الطريق، فنسب المسافر إليه لمروره عليه ولزومه إياه. ومن الاحسان ~~إليه إعطاؤه وإرفاقه وهدايته ورشده. # الرابعة عشرة - قوله تعالى: (وما ملكت أيمانكم) أمر الله تعالى بالاحسان ~~إلى المماليك، وبين ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فروى مسلم وغيره عن ~~المعرور بن سويد قال: مررنا بأبي ذر بالربذة (3) وعليه برد وعلى غلامه ~~مثله، فقلنا: يا أبا ذر لو جمعت بينهما كانت حلة، فقال: إنه كان بيني وبين ~~رجل من إخواني كلام، وكانت أمه أعجمية فعيرته بأمه، فشكاني إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فلقيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (يا أبا ذر إنك امرؤ # PageV05P189 # فيك جاهلية) قلت: يا رسول الله، من سب الرجال سبوا أباه وأمه. قال: (يا ~~أبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم فأطعموهم مما ~~تأكلون وألبسوهم مما تلبسون ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم). ~~وروي عن أبي هريرة أنه ركب بغلة ذات يوم فأردف غلامه خلفه، فقال له قائل: ~~لو أنزلته يسعى خلف دابتك، فقال أبو هريرة: لان يسعى معي ضغثان (1) من ms1763 نار ~~يحرقان مني ما أحرقا أحب إلي من أن يسعى غلامي خلفي. وخرج أبو داود عن أبي ~~ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من لايمكم من مملوكيكم فأطعموه ~~مما تأكلون واكسوه مما تكتسون ومن لا يلايمكم منهم فبيعوه ولا تعذبوا خلق ~~الله). لايمكم وافقكم. والملايمة الموافقة. وروى مسلم عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (للمملوك طعامه وكسوته ولا يكلف ~~من العمل إلا ما يطيق) وقال عليه السلام: (لا يقل أحدكم عبدي وأمتي بل ليقل ~~فتاي وفتاتي) وسيأتي بيانه في سورة يوسف (2) عليه السلام. فندب صلى الله ~~عليه وسلم السادة إلى مكارم الأخلاق وحضهم عليها وأرشدهم إلى الاحسان وإلى ~~سلوك طريق التواضع حتى لا يرو الا نفسهم مزية على عبيدهم، إذ الكل عبيد ~~الله والمال مال الله، لكن سخر بعضهم لبعض، وملك بعضهم بعضا إتماما للنعمة ~~وتنفيذا للحكمة، فإن أطعموهم أقل مما يأكلون، وألبسوهم أقل مما يلبسون صفه ~~ومقدارا جاز إذا قام بواجبه عليه. ولا خلاف في ذلك والله أعلم. وروى مسلم ~~عن عبد الله بن عمرو إذ جاءه قهرمان (3) له فدخل فقال: أعطيت الرقيق قوتهم؟ ~~قال لا. # قال: فأنطلق فأعطهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كفى بالمرء إثما ~~أن يحبس عمن يملك قوتهم). # الخامسة عشرة - ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من ضرب عبده ~~حدا لم يأته أو لطمه فكفارته أن يعتقه (4)). ومعناه أن يضربه قدر الحد ولم ~~يكن عليه حد. وجاء عن نفر من الصحابة أنهم اقتصوا للخادم من الولد في الضرب ~~وأعتقوا الخادم لما لم يرد # PageV05P190 # القصاص. وقال عليه السلام: (من قذف مملوكه بالزنى أقام عليه الحد يوم ~~القيامة ثمانين). # وقال عليه السلام: (لا يدخل الجنة سئ الملكة (1)). وقال عليه السلام: ~~(سوء الخلق شوم وحسن الملكة نماء وصلة الرحم تزيد في العمر والصدقة تدفع ~~ميتة السوء). # السادسة عشرة - واختلف العلماء من هذا الباب أيهما أفضل الحر أو العبد، ~~فروى مسلم عن أبي هريرة ms1764 قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (للعبد ~~المملوك المصلح أجران) والذي نفس أبي هريرة بيد لولا الجهاد في سبيل الله ~~والحج وبر أمي لأحببت أن أموت وأنا مملوك. وروي عن ابن عمر أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: (إن العبد إذا نصح لسيده وأحسن عبادة الله فله ~~أجره مرتين). فاستدل بهذا وما كان مثله من فضل العبد، لأنه مخاطب من جهتين: ~~مطالب بعبادة الله، مطالب بخدمة سيده. وإلى هذا ذهب أبو عمر يوسف بن عبد ~~البر النمري وأبو بكر محمد بن عبد الله بن أحمد العامري البغدادي الحافظ. # استدل من فضل الحر بأن قال: الاستقلال بأمور الدين والدنيا وإنما يحصل ~~بالاحرار والعبد كالمفقود لعدم استقلاله، وكالآلة المصرفة بالقهر، ~~وكالبهيمة المسخرة بالجبر، ولذلك سلب مناصب الشهادات ومعظم الولايات، ونقصت ~~حدوده عن حدود الأحرار إشعارا بخسة المقدار، والحر وإن طولب من جهة واحدة ~~فوظائفه فيها أكثر، وعناؤه أعظم فثوابه أكثر. وقد أشار إلى هذا أبو هريرة ~~بقوله: لولا الجهاد والحج، أي لولا النقص الذي يلحق العبد لفوت هذه الأمور. ~~والله أعلم. # السابعة عشرة - روى أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~(ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه، وما زال يوصيني بالنساء ~~حتى ظننت أنه سيحرم طلاقهن، وما زال يوصيني بالمماليك حتى ظننت أنه سيجعل ~~لهم مدة إذا انتهوا إليها عتقوا، وما زال يوصيني بالسواك حتى خشيت أن يحفي ~~فمي - وروي حتى كاد - # PageV05P191 # وما زال يوصيني بقيام الليل حتى ظننت أن خيار أمتي لا ينامون ليلا). ذكره ~~أبو الليث السمرقندي في تفسيره. # الثامنة عشرة - قوله تعالى: (ان الله لا يحب) أي لا يرضى. (من كان مختالا ~~فخورا) فنفى سبحانه محبته ورضاه عمن هذه صفته، أي لا يظهر عليه آثار نعمه ~~في الآخرة. # وفي هذا ضرب من التوعد. والمختال ذو الخيلاء أي الكبر. والفخور: الذي ~~يعدد مناقبه كبرا. والفخر: البذخ (1) والتطاول. وخص هاتين الصفتين بالذكر ~~هنا لأنهما تحملان صاحبيهما على الانفة من القريب ms1765 الفقير والجار الفقير ~~وغيرهم ممن ذكر في الآية فيضيع أمر الله بالاحسان إليهم. وقرأ عاصم فيما ~~ذكر المفضل عنه (والجار الجنب) بفتح الجيم وسكون النون. قال المهدوي: هو ~~على تقدير حذف المضاف، أي والجار ذي الجنب أي ذي الناحية. # وأنشد الأخفش: # * الناس جنب والأمير جنب (2) * والجنب الناحية، أي المتنحي عن القرابة. ~~والله أعلم. # قوله تعالى: الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ماء اتاهم الله ~~من فضله وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا (27) قوله تعالى: (الذين يبخلون ~~ويأمرون الناس بالبخل) فيه مسألتان: # الأولى - قوله تعالى: (الذين يبخلون) (الذين) في موضع نصب على البدل من ~~(من) في قوله: (من كان) ولا يكون صفة، لان (من) و (ما) لا يوصفان ولا يوصف ~~بهما. ويجوز أن يكون في موضع رفع بدلا من المضمر الذي في فخور. ويجوز أن ~~يكون في موضع رفع فيعطف عليه (3). ويجوز أن يكون ابتداء والخبر محذوف، أي ~~الذين يبخلون، لهم كذا، أو يكون الخبر (إن الله لا يظلم مثقال ذرة). ويجوز ~~أن يكون منصوبا بإضمار # PageV05P192 # أعني، فتكون الآية في المؤمنين، فتجئ الآية على هذا التأويل أن الباخلين ~~منفية عنهم محبة الله، فأحسنوا أيها المؤمنون إلى من سمي فإن الله لا يحب ~~من فيه الخلال المانعة من الاحسان. # الثانية - قوله تعالى: (يبخلون ويأمرون الناس بالبخل) البخل المذموم في ~~الشرع هو الامتناع من أداء ما أوجب الله تعالى عليه. وهو مثل قوله تعالى: ~~(ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله) الآية. وقد مضى في (آل ~~عمران) القول في البخل وحقيقته، والفرق بينه وبين الشح مستوفى (1). والمراد ~~بهذه الآية في قول ابن عباس وغيره اليهود، فإنهم جمعوا بين الاختيال والفخر ~~والبخل بالمال وكتمان ما أنزل الله من التوراة من نعت محمد صلى الله عليه ~~وسلم. وقيل: المراد المنافقون الذين كان إنفاقهم وإيمانهم تقية، والمعنى إن ~~الله لا يحب كل مختال فخور، ولا الذين يبخلون، على ما ذكرنا من إعرابه. # قوله تعالى: (وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا) فصل تعالى توعد المؤمنين ~~الباخلين من توعد الكافرين ms1766 بأن جعل الأول عدم المحبة والثاني عذابا مهينا. # قوله تعالى: والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا ~~باليوم الاخر ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا (38) فيه مسألتان: # الأولى - قوله تعالى: (والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس) الآية. عطف ~~تعالى على (الذين يبخلون): (الذين ينفقون أموالهم رئاء الناس). وقيل: هو ~~عطف على الكافرين، فيكون في موضع خفض. ومن رأى زيادة الواو أجاز أن يكون ~~الثاني عنده خبرا للأول. # قال الجمهور نزلت في المنافقين: لقوله تعالى: (رئاء الناس) والرئاء من ~~النفاق. مجاهد: # في اليهود. وضعفه الطبري، لأنه تعالى نفى عن هذه الصنفة (2) الايمان ~~بالله واليوم الآخر، واليهود # PageV05P193 # ليس كذلك. قال ابن عطية: وقول مجاهد متجه على المبالغة والالزام، إذ ~~إيمانهم باليوم الآخر كلا إيمان من حيث لا ينفعهم. وقيل: نزلت في مطعمي يوم ~~بدر، وهم رؤساء مكة، أنفقوا على الناس ليخرجوا إلى بدر. قال ابن العربي: ~~ونفقة الرئاء تدخل في الاحكام من حيث إنها لا تجزئ. # قلت: ويدل على ذلك من الكتاب قول تعالى: (قل أنفقوا طوعا أو كرها لن ~~يتقبل منكم) وسيأتي (1). # الثانية - قوله تعالى: (ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا) في الكلام ~~إضمار تقديره (ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر) فقرينهم الشيطان (ومن ~~يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا). والقرين: المقارن، أي الصاحب والخليل ~~وهو فعيل من الاقران، قال عدي ابن زيد: # عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه * فكل قرين بالمقارن يقتدي (2) والمعنى: ~~من قبل من الشيطان في الدنيا فقد قارنه. ويجوز أن يكون المعنى من قرن به ~~الشيطان في النار (فساء قرينا) أي فبئس الشيطان قرينا، وهو نصب على ~~التمييز. # قوله تعالى: وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم ~~الله وكان الله بهم عليما (39) (ما) في موضع رفع بالابتداء و (ذا) خبره، ~~وذا بمعنى الذي. ويجوز أن يكون ما وذا اسما واحدا. فعلى الأول تقديره وما ~~الذي عليهم، وعلى الثاني تقديره وأي شئ عليهم (لو آمنوا بالله واليوم ~~الآخر)، أي صدقوا بواجب ms1767 الوجود، وبما جاء به الرسول من تفاصيل الآخرة، ~~(وأنفقوا مما رزقهم الله). (وكان الله بهم عليما) تقدم معناه في غير موضع. # قوله تعالى: ان الله لا يظلم مثقال ذرة وان تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه ~~أجرا عظيما (40) # PageV05P194 # قوله تعالى: (ان الله لا يظلم مثقال ذرة) أي لا يبخسهم ولا ينقصهم من ~~ثواب عملهم وزن ذرة بل يجازيهم بها ويثيبهم عليها. والمراد من الكلام أن ~~الله تعالى لا يظلم قليلا ولا كثيرا، كما قال تعالى: (إن الله لا يظلم ~~الناس شيئا (1)). والذرة: النملة الحمراء، عن ابن عباس وغيره، وهي أصغر ~~النمل. وعنه أيضا رأس النملة. وقال يزيد بن هارون: زعموا أن الذرة ليس لها ~~وزن. ويحكى أن رجلا وضع خبزا حتى علاه الذر مقدار ما يستره ثم وزنه فلم يزد ~~على وزن الخبز شيئا. # قلت: والقرآن والسنة يدلان على أن للذرة وزنا، كما أن للدينار ونصفه ~~وزنا. والله أعلم. # وقيل: الذرة الخردلة، كما قال تعالى: (فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال ~~حبة من خردل أتينا بها (2)). وقيل غير هذا، وهي في الجملة عبارة عن أقل ~~الأشياء وأصغرها. وفي صحيح مسلم عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: (إن الله لا يظلم مؤمنا حسنة يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة ~~وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل لله بها في الدنيا حتى إذا أفضى إلى ~~الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها). # قوله تعالى: (وان تك حسنة يضاعفها) أي يكثر ثوابها. وقرأ أهل الحجاز ~~(حسنة) بالرفع، والعامة بالنصب، فعلى الأول (تك) بمعنى تحدث، فهي تامة. ~~وعلى الثاني هي الناقصة، أي إن تك فعلته حسنة. وقرأ الحسن (نضاعفها) بنون ~~العظمة. والباقون بالياء، وهي أصح، لقوله (ويؤت). وقرأ أبو رجاء (يضعفها)، ~~والباقون (يضاعفها) وهما لغتان معناهما التكثير. وقال أبو عبيدة: (يضاعفها) ~~معناه يجعله أضعافا كثيرة، (ويضعفها) بالتشديد يجعلها ضعفين. (من لدنه) من ~~عنده. وفيه أربع لغات (3): لدن ولدن ولد ولدى، فإذا أضافوه إلى أنفسهم ~~شددوا النون، ودخلت عليه ms1768 (من) حيث كانت (من) الداخلة لابتداء الغاية و ~~(لدن) كذلك، فلما تشاكلا حسن دخول (من) عليها، ولذلك قال سيبويه في لدن: # إنه الموضع الذي هو أول الغاية. (أجرا عظيما) يعني الجنة. وفي صحيح مسلم ~~من حديث # PageV05P195 # أبي سعيد الخدري الطويل - حديث الشفاعة - وفيه: (حتى إذا خلص المؤمنون من ~~النار فوالذي نفسي بيده ما منكم من أحد بأشد مناشدة لله في استقصاء الحق من ~~المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار يقولون ربنا كانوا ~~يصومون معنا ويصلون ويحجون فيقال لهم أخرجوا من عرفتم فتحرم صورهم على ~~النار فيخرجون خلقا كثيرا قد أخذت النار إلى نصف ساقيه وإلى ركبتيه ثم ~~يقولون ربنا ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا به فيقول عز وجل أرجعوا فمن وجدتم ~~في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم ~~نذر فيها أحدا ممن أمرتنا به ثم يقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف ~~دينار من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم نذر فيها ممن ~~أمرتنا أحدا ثم يقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه ~~فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم نذر فيها خيرا). # وكان أبو سعيد الخدري يقول: إن لم تصدقوني بهذا الحديث فاقرءوا إن شئتم ~~(إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما) ~~وذكر الحديث. # وروي عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يؤتى بالعبد ~~يوم القيامة فيوقف وينادي مناد على رؤوس الخلائق هذا فلان بن فلان من كان ~~له عليه حق فليأت إلى حقه ثم يقول آت هؤلاء حقوقهم فيقول يا رب من أين لي ~~وقد ذهبت الدنيا عني فيقول الله تعالى للملائكة انظروا إلى أعماله الصالحة ~~فأعطوهم منها فإن بقي مثقال ذرة من حسنة قالت الملائكة يا رب - وهو أعلم ~~بذلك منهم - قد أعطي لكل ذي حق حقه وبقي مثقال ذرة من حسنة فيقول الله ~~تعالى للملائكة ضعفوها ms1769 لعبدي وأدخلوه بفضل رحمتي الجنة ومصداقه (إن الله لا ~~يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها) - وإن كان عبدا شقيا قالت الملائكة ~~إلهنا فنيت حسناته وبقيت سيئاته وبقي طالبون كثير فيقول تعالى خذوا من ~~سيئاتهم فأضيفوها إلى سيئاته ثم صكوا له صكا إلى النار). فالآية على هذا ~~التأويل في الخصوم، وأنه تعالى لا يظلم مثقال ذرة للخصم على الخصم يأخذ له ~~منه، ولا يظلم مثقال ذرة تبقى له بل يثيبه عليها ويضعفها له، فذلك قوله ~~تعالى: (وإن تك حسنة يضاعفها). وروى أبو هريرة قال سمعت رسول PageV05P196 # الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الله سبحانه يعطي عبده المؤمن بالحسنة ~~الواحدة ألفي ألف حسنة) وتلا (إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة ~~يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما). قال عبيدة قال أبو هريرة: وإذا قال الله ~~(أجرا عظيما) فمن الذي يقدر قدره! # وقد تقدم عن ابن عباس وابن مسعود: أن هذه الآية إحدى الآيات التي هي خير ~~مما طلعت عليه الشمس. # قوله تعالى: فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا ~~(41) فتحت الفاء لالتقاء الساكنين، و (إذ) ظرف زمان والعامل فيه (جئنا). ~~ذكر أبو الليث السمرقندي: حدثنا الخليل بن أحمد (1) قال حدثنا ابن منيع ~~قال: حدثنا أبو (2) كامل قال حدثنا فضيل عن يونس بن محمد بن فضالة عن أبيه ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاهم في بني ظفر (3) فجلس على الصخرة ~~التي في بني ظفر ومعه ابن مسعود ومعاذ وناس من أصحابه فأمر قارئا يقرأ حتى ~~إذا أتى على هذه الآية (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء ~~شهيدا) بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى اخضلت وجنتاه، فقال: (يا رب ~~هذا على من أنا بين ظهرانيهم فكيف من (4) لم أرهم). وروى البخاري عن عبد ~~الله قال. # قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اقرأ علي) قلت: اقرأ عليك وعليك ~~أنزل؟ قال: # (انى أحب أن أسمعه من ms1770 غيري) فقرأت عليه سورة (النساء) حتى بلغت (فكيف إذا ~~جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا) قال: (أمسك) فإذا عيناه ~~تذرفان. # وأخرجه مسلم وقال بدل قوله (أمسك): فرفعت رأسي - أو غمزني رجل إلى جنبي - ~~فرفعت رأسي فرأيت دموعه تسيل. قال علماؤنا: بكاء النبي صلى الله عليه وسلم ~~إنما كان لعظيم ما تضمنته هذه الآية من هول المطلع وشدة الامر، إذ يؤتى ~~بالأنبياء شهداء على أممهم بالتصديق والتكذيب، ويؤتى به صلى الله عليه وسلم ~~يوم القيامة شهيدا. والإشارة بقوله # PageV05P197 # (على هؤلاء) إلى كفار قريش وغيرهم من الكفار، وإنما خص كفار قريش بالذكر ~~لان وظيفة العذاب أشد عليهم منها على غيرهم، لعنادهم عند رؤية المعجزات، ~~وما أظهره الله على يديه من خوارق العادات. والمعنى فكيف يكون حال هؤلاء ~~الكفار يوم القيامة (إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا) ~~أمعذبين أم منعمين؟ وهذا استفهام معناه التوبيخ. وقيل: الإشارة إلى جميع ~~أمته. ذكر ابن المبارك أخبرنا رجل من الأنصار عن المنهال ابن عمرو حدثه أنه ~~سمع سعيد بن المسيب يقول: ليس من يوم إلا تعرض على النبي صلى الله عليه ~~وسلم أمته غدوة وعشية فيعرفهم بسيماهم وأعمالهم فلذلك يشهد عليهم، يقول ~~الله تبارك وتعالى (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد) يعني بنبيها (وجئنا بك ~~على هؤلاء شهيدا). وموضع (كيف) نصب بفعل مضمر، التقدير فكيف يكون حالهم، ~~كما ذكرنا. والفعل المضمر قد يسد مسد (إذا)، والعامل في (إذا) (جئنا). و ~~(شهيدا) حال. وفي الحديث من الفقه جواز قراءة الطالب على الشيخ والعرض ~~عليه، ويجوز عكسه. وسيأتي بيانه في حديث أبي في سورة (لم يكن (1))، إن شاء ~~الله تعالى. [و (شهيدا) نصب على الحال (2)]. # قوله تعالى: يؤمئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا ~~يكتمون الله حديثا (42) ضمت الواو في (عصوا) لالتقاء الساكنين، ويجوز ~~كسرها. وقرأ نافع وابن عامر (تسوى) بفتح التاء والتشديد في السين. وحمزة ~~والكسائي كذلك إلا أنهما خففا السين. # والباقون ضموا التاء ms1771 وخففوا السين، مبنيا للمفعول والفاعل غير مسمى. ~~والمعنى لو يسوي الله بهم الأرض. أي يجعلهم والأرض سواء. ومعنى آخر: تمنوا ~~لو لم يبعثهم الله وكانت الأرض مستوية عليهم، لأنهم من التراب نقلوا. وعلى ~~القراءة الأولى والثانية فالأرض فاعلة، والمعنى تمنوا لو انفتحت لهم الأرض ~~فساخوا فيها، قاله قتادة. وقيل: الباء بمعنى على، أي لو تسوى عليهم أي تنشق ~~فتسوى عليهم، عن الحسن. فقراءة التشديد على الادغام، والتخفيف على # PageV05P198 # حذف التاء. وقيل: إنما تمنوا هذا حين رأوا البهائم تصير ترابا وعلموا ~~أنهم مخلدون في النار، وهذا معنى قوله تعالى: (ويقول الكافر يا ليتني كنت ~~ترابا (1). وقيل: إنما تمنوا هذا حين شهدت هذه الأمة للأنبياء على ما تقدم ~~في (البقرة) عند قوله تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا (2)) الآية. فتقول ~~الأمم الخالية: إن فيهم الزناة والسراق فلا تقبل شهادتهم فيزكيهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فيقول المشركون: (والله ربنا ما كنا مشركين (3)) فيختم على ~~أفواههم وتشهد أرجلهم وأيديهم بما كانوا يكسبون، فذلك قوله تعالى: (يومئذ ~~يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض) يعني تخسف بهم. والله ~~أعلم. # قاله تعالى: (ولا يكتمون الله حديثا) قال الزجاج: قال بعضهم: (ولا يكتمون ~~الله حديثا) مستأنف، لان ما عملوه ظاهر عند الله لا يقدرون على كتمانه. ~~وقال بعضهم: # هو معطوف، والمعنى يود لو أن الأرض سويت بهم وأنهم لم يكتموا الله حديثا، ~~لأنه ظهر كذبهم. وسئل ابن عباس عن هذه الآية، وعن قوله تعالى: (والله ربنا ~~ما كنا مشركين) فقال: لما رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الاسلام قالوا: ~~(والله ربنا ما كنا مشركين) فختم الله على أفواههم وتكلمت أيديهم وأرجلهم ~~فلا يكتمون الله حديثا. وقال الحسن وقتادة: الآخرة مواطن يكون هذا في بعضها ~~وهذا في بعضها. ومعناه أنهم لما تبين لهم وحوسبوا لم يكتموا. وسيأتي لهذا ~~مزيد بيان في (الانعام (3)) إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى ~~تعلموا ما تقولون ولا جنبا الا عابري ms1772 سبيل حتى تغتسلوا وان كنتم مرضى أو ~~على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا ~~صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ان الله كان عفوا غفورا (43) # PageV05P199 # فيه أربع وأربعون مسألة: # الأولى - قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم ~~سكارى) خص الله سبحانه وتعالى بهذا الخطاب المؤمنين، لأنهم كانوا يقيمون ~~الصلاة وقد أخذوا من الخمر وأتلفت عليهم أذهانهم فخصوا بهذا الخطاب، إذ كان ~~الكفار لا يفعلونها صحاة ولا سكارى. # روى أبو داود عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لما نزل تحريم الخمر ~~قال عمر: # اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، فنزلت الآية التي في البقرة ~~(يسألونك عن الخمر والميسر (1)) قال: فدعي عمر فقرئت عليه فقال: اللهم بين ~~لنا في الخمر بيانا شافيا، فنزلت الآية التي في النساء (يا أيها الذين ~~آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى) فكان منادي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إذا أقيمت الصلاة ينادي: ألا لا يقربن الصلاة سكران. فدعي عمر فقرئت ~~عليه فقال: اللهم بين لنا [في الخمر (2)] بيانا شافيا، فنزلت هذه الآية: ~~(فهل أنتم منتهون (3)) قال عمر: # انتهينا. وقال سعيد بن جبير: كان الناس على أمر جاهليتهم حتى يؤمروا أو ~~ينهوا، فكانوا يشربونها أول الاسلام حتى نزلت: (يسألونك عن الخمر والميسر ~~قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس). قالوا: نشربها للمنفعة لا للإثم، فشربها ~~رجل فتقدم يصلي بهم فقرأ: قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون، فنزلت: (يا ~~أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى). # فقالوا: في غير عين الصلاة. فقال عمر: اللهم أنزل علينا في الخمر بيانا ~~شافيا، فنزلت: # (إنما يريد الشيطان) الآية. فقال عمر: انتهينا، انتهينا. ثم طاف منادي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا إن (4) الخمر قد حرمت، على ما يأتي ~~بيانه في (المائدة) إن شاء الله تعالى: # وروى الترمذي عن علي بن أبي طالب قال: صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاما ~~فدعانا وسقانا من الخمر، فأخذت الخمر ms1773 منا، وحضرت الصلاة فقدموني فقرأت: (قل ~~يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون) ونحن نعبد ما تعبدون. قال: فأنزل الله ~~تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما ~~تقولون). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. ووجه الاتصال والنظم بما قبله ~~أنه قال سبحانه وتعالى: (واعبدوا الله # PageV05P200 # ولا تشركوا به شيئا). ثم ذكر بعد الايمان الصلاة التي هي رأس العبادات، ~~ولذلك يقتل تاركها ولا يسقط فرضها، وانجر الكلام إلى ذكر شروطها التي لا ~~تصح إلا بها. # الثانية - والجمهور من العلماء وجماعة الفقهاء على أن المراد بالسكر سكر ~~الخمر، إلا الضحاك فإنه قال: المراد سكر النوم، لقوله عليه السلام: (إذا ~~نعس أحدكم في الصلاة فليرقد حتى يذهب عنه النوم، فإنه لا يدري لعله يستغفر ~~فيسب نفسه). وقال عبيدة السلماني: (وأنتم سكارى) يعني إذا كنت حاقنا (1)، ~~لقوله عليه السلام: (لا يصلين أحدكم وهو حاقن) في رواية (وهو ضام بين ~~فخذيه). # قلت: وقول الضحاك وعبيدة صحيح المعنى، فإن المطلوب من المصلي الاقبال على ~~الله تعالى بقلبه وترك الالتفات إلى غيره، والخلو عن كل ما يشوش عليه من ~~نوم وحقنة وجوع، وكل ما يشغل البال ويغير الحال. قال صلى الله عليه وسلم: ~~(إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة (2) فابدأوا بالعشاء). فراعى صلى الله عليه ~~وسلم زوال كل مشوش يتعلق به الخاطر، حتى يقبل على عبادة ربه بفراغ قلبه ~~وخالص لبه، فيخشع في صلاته. ويدخل في هذه الآية: # (قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون (3)) على ما يأتي بيانه. ~~وقال ابن عباس: # إن قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى) ~~منسوخ بآية المائدة: # (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا) الآية. فأمروا على هذا القول بألا يصلوا ~~سكارى، ثم أمروا بأن يصلوا على كل حال، وهذا قبل التحريم. وقال مجاهد: نسخت ~~بتحريم الخمر. وكذلك قال عكرمة وقتادة، وهو الصحيح في الباب لحديث علي ~~المذكور. وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: أقيمت الصلاة فنادى ~~منادي رسول ms1774 الله صلى الله عليه وسلم لا يقربن الصلاة سكران، ذكره النحاس. ~~وعلى قول الضحاك وعبيدة الآية محكمة لا نسخ فيها. # الثالثة - قوله تعالى: (لا تقربوا) إذا قيل: لا تقرب (4) بفتح الراء كان ~~معناه لا تلبس بالفعل، وإذا كان بضم الراء كان معناه لا تدن منه. # والخطاب لجماعة الأمة # PageV05P201 # الصاحين. وأما السكران إذا عدم الميز لسكره فليس بمخاطب في ذلك الوقت ~~لذهاب عقله، وإنما هو مخاطب بامتثال ما يجب عليه، وبتكفير ما ضيع في وقت ~~سكره من الاحكام التي تقرر تكليفه إياها قبل السكر. # الرابعة - قوله تعالى: (الصلاة) اختلف العلماء في المراد بالصلاة هنا، ~~فقالت طائفة: هي العبادة المعروفة نفسها، وهو قول أبي حنيفة، ولذلك قال ~~(حتى تعلموا ما تقولون). # وقالت طائفة: المراد مواضع الصلاة، وهو قول الشافعي، فحذف المضاف. وقد ~~قال تعالى (لهدمت صوامع وبيع وصلوات (1)) فسمى مواضع الصلاة صلاة. ويدل على ~~هذا التأويل قوله تعالى: (ولا جنبا إلا عابري سبيل) هذا يقتضي جواز العبور ~~للجنب في المسجد لا الصلاة فيه. وقال أبو حنيفة: المراد بقوله تعالى: (ولا ~~جنبا إلا عابري سبيل) المسافر إذا لم يجد الماء فإنه يتيمم ويصلي، وسيأتي ~~بيانه. وقالت طائفة: المراد الموضع والصلاة معا، لأنهم كانوا حينئذ لا ~~يأتون المسجد إلا للصلاة ولا يصلون إلا مجتمعين، فكانا متلازمين. # الخامسة - قوله تعالى: (وأنتم سكارى) ابتداء وخبر، جملة في موضع الحال من ~~(تقربوا). و (سكارى) جمع سكران، مثل كسلان وكسالى. وقرأ النخعي (سكرى) بفتح ~~السين على مثال فعلى، وهو تكسير سكران، وإنما كسر على سكرى لان السكر آفة ~~تلحق العقل فجرى مجرى صرعى وبابه. وقرأ الأعمش (سكرى) كحبلى فهو صفة مفردة، ~~وجاز الاخبار بالصفة المفردة عن الجماعة على ما يستعملونه من الاخبار عن ~~الجماعة بالواحد. # والسكر: نقيض الصحو، يقال: سكر يسكر سكرا، من باب حمد يحمد. وسكرت عينه ~~تسكر أي تحيرت، ومنه قوله تعالى: (إنما سكرت أبصارنا (2)). وسكرت الشق (3) ~~سددته. # فالسكران قد انقطع عما كان عليه من العقل. # السادسة - وفي هذه الآية دليل بل نص على أن الشرب ms1775 كان مباحا في أول ~~الاسلام حتى ينتهي بصاحبه إلى السكر. وقال قوم السكر محرم في العقل وما ~~أبيح في شئ من # PageV05P202 # الأديان، وحملوا السكر في هذه الآية على النوم. وقال القفال: يحتمل أنه ~~كان أبيح لهم من الشراب ما يحرك الطبع إلى السخاء والشجاعة والحمية. # قلت: وهذا المعنى موجود في أشعارهم، وقد قال حسان: # * ونشر بها فتتركنا ملوكا * وقد أشبعنا هذا المعنى في (البقرة (1)). قال ~~القفال: فأما ما يزيل العقل حتى يصير صاحبه في حد الجنون والاغماء فما أبيح ~~قصده، بل لو اتفق من غير قصد فيكون مرفوعا عن صاحبه. # قلت: هذا صحيح، وسيأتي بيانه في (المائدة) إن شاء الله تعالى في قصة حمزة ~~(2). # وكان المسلمون لما نزلت هذه الآية يجتنبون الشرب أوقات الصلوات، فإذا ~~صلوا العشاء شربوها، فلم يزالوا على ذلك حتى نزل تحريمها في (المائدة) في ~~قوله تعالى: (فهل أنتم منتهون (2)). السابعة - قوله تعالى: (حتى تعلموا ما ~~تقولون) أي حتى تعلموه متيقنين فيه من غير غلط. والسكران لا يعلم ما يقول، ~~ولذلك قال عثمان بن عفان رضي الله عنه: إن السكران لا يلزمه طلاقه. وروي عن ~~ابن عباس وطاوس وعطاء والقاسم وربيعة، وهو قول الليث ابن سعد وإسحاق وأبي ~~ثور والمزني، واختاره الطحاوي وقال: أجمع العلماء على أن طلاق المعتوه لا ~~يجوز، والسكران معتوه كالموسوس معتوه بالوسواس. ولا يختلفون أن من شرب ~~البنج فذهب عقله أن طلاقه غير جائز، فكذلك من سكر من الشراب. وأجازت طائفة ~~طلاقه، وروي عن عمر بن الخطاب ومعاوية وجماعة من التابعين، وهو قول أبي ~~حنيفة والثوري والأوزاعي، واختلف فيه قول الشافعي. والزمه مالك الطلاق ~~والقود في الجراح والقتل، ولم يلزمه النكاح والبيع. وقال أبو حنيفة: أفعال ~~السكران وعقوده كلها ثابتة كأفعال الصاحي، إلا الردة فإنه إذا ارتد [فإنه ~~(3)] لا تبين منه امرأته إلا استحسانا. وقال أبو يوسف: # يكون مرتدا في حال سكره، وهو قول الشافعي إلا أنه لا يقتله في حال سكره ~~ولا يستتيبه. # PageV05P203 # وقال الإمام أبو عبد الله المازري: وقد رويت عندنا ms1776 (1) رواية شاذة أنه لا ~~يلزم طلاق السكران. وقال محمد بن عبد الحكم: لا يلزمه طلاق ولا عتاق. قال ~~ابن شاس: ونزل الشيخ أبو الوليد الخلاف على المخلط الذي معه بقية من عقله ~~إلا أنه لا يملك الاختلاط من نفسه فيخطئ ويصيب. قال: فأما السكران الذي لا ~~يعرف الأرض من السماء ولا الرجل من المرأة، فلا اختلاف في أنه كالمجنون في ~~جميع أفعال وأحواله فيما بينه وبين الناس، وفيما بينه وبين الله تعالى ~~أيضا، إلا فيما ذهب وقته من الصلوات، فقيل: إنها لا تسقط عنه بخلاف ~~المجنون، من أجل أنه بإدخاله السكر على نفسه كالمتعمد لتركها حتى خرج ~~وقتها. # وقال سفيان الثوري: حد السكر (2) اختلال العقل، فإذا استقرئ فخلط في ~~قراءته وتكلم بما لا يعرف جلد. وقال أحمد: إذا تغير عقله عن حال الصحة فهو ~~سكران، وحكي عن مالك نحوه. قال ابن المنذر: إذا خلط في قراءته فهو سكران، ~~استدلا لا بقول الله تعالى: (حتى تعلموا ما تقولون). فإذا كان بحيث لا يعلم ~~ما يقول تجنب (3) المسجد مخافة التلويث، ولا تصح صلاته وإن صلى قضى. وإن ~~كان بحيث يعلم ما يقول فأتى بالصلاة فحكمه حكم الصاحي. # الثامنة - قوله تعالى: (ولا جنبا) عطف على موضع الجملة المنصوبة في قوله: # (حتى تعلموا) أي لا تصلوا وقد أجنبتم. ويقال: تجنبتم وأجنبتم وجنبتم ~~بمعنى. ولفظ الجنب لا يؤنث ولا يثنى ولا يجمع، لأنه على وزن المصدر كالبعد ~~والقرب. وربما خففوه فقالوا: جنب، وقد قرأه كذلك قوم. وقال الفراء: يقال ~~جنب الرجل وأجنب من الجنابة. # وقيل: يجمع الجنب في لغة على أجناب، مثل عنق وأعناق، وطنب وأطناب. ومن ~~قال للواحد جانب قال في الجمع: جناب، كقولك: راكب وركاب. والأصل البعد، كأن ~~الجنب بعد بخروج الماء الدافق عن حال الصلاة، قال: # فلا تحرمي نائلا عن جنابة * فإني امرؤ وسط القباب غريب (4) ورجل جنب: ~~غريب. والجنابة (5) مخالطة الرجل المرأة. # PageV05P204 # التاسعة - والجمهور من الأمة على أن الجنب هو غير الطاهر من إنزال أو ~~مجاوزة ختان. وروي عن بعض الصحابة ms1777 ألا غسل إلا من إنزال، لقوله عليه ~~السلام: (إنما الماء من الماء) أخرجه مسلم. وفي البخاري عن أبي بن كعب أنه ~~قال: يا رسول الله، إذا جامع الرجل المرأة فلم ينزل؟ قال: (يغسل ما مس ~~المرأة منه ثم يتوضأ ويصلي). قال أبو عبد الله (1): الغسل أحوط، وذلك الآخر ~~(2) إنما بيناه لاختلافهم. وأخرجه مسلم في صحيحه بمعناه، وقال في آخره: قال ~~أبو العلاء بن الشخير كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينسخ حديثه بعضه ~~بعضا كما ينسخ القرآن بعضه بعضا. قال أبو إسحاق: هذا منسوخ. وقال الترمذي: ~~كان هذا الحكم في أول الاسلام ثم نسخ. # قلت: على هذا جماعة العلماء من الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار، وأن ~~الغسل يجب بنفس التقاء الختانين. وقد كان فيه خلاف بين الصحابة ثم رجعوا ~~فيه إلى رواية عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا جلس بين شعبها ~~الأربع ومس الختان الختان فقد وجب الغسل). أخرجه مسلم. وفي الصحيحين من ~~حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قعد بين شعبها ~~الأربع ثم جهدها (3) فقد وجب عليه الغسل). زاد مسلم (وإن لم ينزل). قال ابن ~~القصار: وأجمع التابعون ومن بعدهم بعد خلاف من قبلهم على الاخذ بحديث (إذا ~~التقى الختانان) وإذا صح الاجماع بعد الخلاف كان مسقطا للخلاف. # قال القاضي عياض: لا نعلم أحدا قال به بعد خلاف الصحابة إلا ما حكي عن ~~الأعمش ثم بعده داود الأصبهاني. وقد روي أن عمر رضي الله عنه حمل الناس على ~~ترك الاخذ بحديث (الماء من الماء) لما اختلفوا. وتأوله ابن عباس على ~~الاحتلام أي إنما يجب الاغتسال بالماء من إنزال الماء في الاحتلام. ومتى لم ~~يكن إنزال وإن رأى أنه يجامع فلا غسل. وهذا ما لا خلاف فيه بين كافة ~~العلماء. # PageV05P205 # العاشرة - قوله تعالى: (الا عابري سبيل) يقال: عبرت الطريق أي قطعته من ~~جانب إلى جانب. وعبرت النهر عبورا، وهذا عبر النهر أي شطه، ويقال: [عبر (1) ~~بالضم]. والمعبر ما يعبر عليه من سفينة ms1778 أو قنطرة. وهذا عابر السبيل أي مار ~~الطريق. وناقة عبر أسفار: لا تزال يسافر عليها ويقطع بها الفلاة والهاجرة ~~لسرعة مشيها. قال الشاعر: # عيرانة سرح اليدين شملة * عبر الهواجر كالهزف الخاضب (2) وعبر القوم ~~ماتوا. وأنشد: # قضاء الله يغلب كل شئ * ويلعب بالجزوع وبالصبور فإن نعبر فإن لنا لمات * ~~وإن نغبر فنحن على نذور يقول: إن متنا فلنا أقران، وإن بقينا فلا بد لنا من ~~الموت، حتى كأن علينا في إتيانه نذورا. # الحادية عشرة - واختلف العلماء في قوله: (إلا عابري سبيل) فقال علي رضي ~~الله عنه وابن عباس وابن جبير ومجاهد والحكم: عابر السبيل المسافر. ولا يصح ~~لاحد أن يقرب الصلاة وهو جنب إلا بعد الاغتسال، إلا المسافر فإنه يتيمم، ~~وهذا قول أبي حنيفة، لان الغالب في الماء لا يعدم في الحضر، فالحاضر يغتسل ~~لوجود الماء، والمسافر يتيمم إذا لم يجده. قال ابن المنذر: وقال أصحاب ~~الرأي في الجنب المسافر يمر على مسجد فيه عين ماء يتيمم الصعيد ويدخل ~~المسجد ويستقي منها ثم يخرج الماء من المسجد. ورخصت طائفة في دخول الجنب ~~المسجد. واحتج بعضهم بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (المؤمن ليس بنجس). ~~قال ابن المنذر: وبه نقول. وقال ابن عباس أيضا وابن مسعود وعكرمة والنخعي: ~~عابر السبيل الخاطر المجتاز، وهو قول عمرو بن دينار ومالك والشافعي. وقالت ~~طائفة: لا يمر الجنب في المسجد إلا ألا يجد بدا فيتيمم ويمر فيه، هكذا قال ~~الثوري وإسحاق ابن راهويه. وقال أحمد وإسحاق في الجنب: إذا توضأ لا بأس أن ~~يجلس في المسجد، # PageV05P206 # حكاه ابن المنذر. وروى بعضهم في سبب الآية أن قوما من الأنصار كانت أبواب ~~دورهم شارعة في المسجد، فإذا أصاب أحدهم الجنابة اضطر إلى المرور في ~~المسجد. # قلت: وهذا صحيح، يعضده ما رواه أبو داود عن جسرة بنت دجاجة قالت: سمعت ~~عائشة رضي الله عنها تقول: جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجوه بيوت ~~أصحابه شارعة في المسجد، فقال: (وجهوا هذه البيوت عن المسجد). ثم دخل النبي ~~صلى الله ms1779 عليه وسلم ولم يصنع القوم شيئا رجاء أن تنزل لهم (1) رخصة فخرج ~~إليهم فقال: (وجهوا هذه البيوت عن المسجد فإني لا أحل المسجد لحائض ولا ~~جنب). وفي صحيح مسلم: (لا تبقين في المسجد خوخة إلا خوخة (2) أبي بكر). ~~فأمر صلى الله عليه وسلم بسد الأبواب لما كان يؤدي [ذلك (3)] إلى اتخاذا ~~المسجد طريقا والعبور فيه. واستثنى خوخة أبي بكر إكراما له وخصوصية، لأنهما ~~كانا لا يفترقان غالبا. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يكن ~~أذن لاحد أن يمر في المسجد ولا يجلس فيه إلا علي بن أبي طالب رضي الله عنه. ~~ورواه عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: (ما ينبغي لمسلم ولا يصلح أن يجنب في المسجد إلا أنا وعلي). قال ~~علماؤنا وهذا يجوز أن يكون ذلك، لان بيت علي كان في المسجد، كما كان بيت ~~النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد، وإن كان البيتان لم يكونا في المسجد ~~ولكن كانا متصلين بالمسجد وأبوابهما كانت في المسجد فجعلهما رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من المسجد فقال: (ما ينبغي لمسلم) الحديث. والذي يدل على أن ~~بيت علي كان في المسجد ما رواه ابن شهاب عن سالم بن عبد الله قال: سأل رجل ~~أبي عن علي وعثمان رضي الله عنهما أيهما كان خيرا؟ فقال له عبد الله بن ~~عمر: هذا بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم! وأشار إلى بيت علي إلى جنبه، ~~لم يكن في المسجد غيرهما، وذكر الحديث. فلم يكونا يجنبان في المسجد وإنما ~~كانا يجنبان في بيوتهما، وبيوتهما من المسجد إذ كان أبوابهما فيه، فكانا ~~يستطرقانه في حال الجنابة إذا خرجا من بيوتهما. ويجوز أن # PageV05P207 # يكون ذلك تخصيصا لهما، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم خص بأشياء، ~~فيكون هذا مما خص به، ثم خص النبي صلى الله عليه وسلم عليا عليه السلام ~~فرخص له في ما لم يرخص فيه لغيره. وإن كانت أبواب بيوتهم ms1780 في المسجد، فإنه ~~كان في المسجد أبواب بيوت غير بيتيهما، حتى أمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~بسدها إلا باب علي. وروى عمرو بن ميمون عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: (سدوا الأبواب إلا باب علي) فخصه عليه السلام بأن ترك بابه ~~في المسجد، وكان يجنب في بيته وبيته في المسجد. وأما قوله: (لا تبقين في ~~المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر) فإن ذلك كانت - والله أعلم - أبوابا تطلع ~~إلى المسجد خوخات، وأبواب البيوت خارجة من المسجد، فأمر عليه السلام بسد ~~تلك الخوخات وترك خوخة أبي بكر إكراما له. والخوخات كالكوى والمشاكي، وباب ~~علي كان باب البيت الذي كان يدخل منه ويخرج. وقد فسر ابن عمر ذلك بقوله: ~~ولم يكن في المسجد غيرهما. # فإن قيل: فقد ثبت عن عطاء بن يسار أنه قال: كان رجال من أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم تصيبهم الجنابة فيتوضؤن ويأتون المسجد فيتحدثون فيه. وهذا ~~يدل على أن اللبث في المسجد للجنب جائز إذا توضأ، وهو مذهب أحمد وإسحاق كما ~~ذكرنا. فالجواب أن الوضوء لا يرفع حدث الجنابة، وكل موضع وضع للعبادة وأكرم ~~عن النجاسة الظاهرة ينبغي ألا يدخله من لا يرضى لتلك العبادة، ولا يصح له ~~أن يتلبس بها. والغالب من أحوالهم المنقولة أنهم كانوا يغتسلون في بيوتهم. ~~فإن قيل: يبطل بالمحدث. قلنا: ذلك يكثر وقوعه فيشق الوضوء منه، وفي قوله ~~تعالى: (ولا جنبا إلا عابري سبيل) ما يغني ويكفي. وإذا كان لا يجوز له ~~اللبث في المسجد فأحرى ألا يجوز له مس المصحف ولا القراءة فيه، إذ هو أعظم ~~حرمة. وسيأتي بيانه في (الواقعة (1)) إن شاء الله تعالى. # الثانية عشرة - ويمنع الجنب عند علمائنا من قراءة القرآن غالبا إلا ~~الآيات اليسيرة للتعوذ. وقد روى موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه # PageV05P208 # وسلم: (لا يقرأ الجنب والحائض شيئا من القرآن) أخرجه ابن ماجة. وأخرج ~~الدارقطني من حديث سفيان عن مسعر، وشعبة ms1781 عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن ~~سلمة عن علي قال: # كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحجبه عن قراءة القرآن شئ إلا أن ~~يكون جنبا. قال سفيان: قال لي شعبة: ما أحدث بحديث أحسن منه. وأخرجه ابن ~~ماجة قال: حدثنا محمد ابن بشار، حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة، عن عمرو بن ~~مرة، فذكره بمعناه، وهذا إسناد صحيح. وعن ابن عباس، عن عبد الله بن رواحة ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يقرأ أحدنا القرآن وهو جنب، أخرجه ~~الدارقطني. وروى عن عكرمة قال: كان ابن رواحة مضطجعا إلى جنب امرأته فقام ~~إلى جارية له في ناحية الحجرة فوقع عليها، وفزعت امرأته فلم تجده في مضجعه، ~~فقامت فخرجت فرأته على جاريته، فرجعت إلى البيت فأخذت الشفرة ثم خرجت، وفرغ ~~فقام فلقيها تحمل الشفرة فقال مهيم (1)؟ قالت: مهيم! لو أدركتك حيث رأيتك ~~لوجأت (2) بين كتفيك بهذه الشفرة. قال: وأين رأيتني؟ قالت: رأيتك على ~~الجارية، فقال: ما رأيتني، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقرأ ~~أحدنا القرآن وهو جنب. قالت: فأقرأ، [وكانت (2) لا تقرأ القرآن،] فقال: # أتانا رسول الله يتلوا كتابه * كما لاح مشهور من الفجر ساطع أتى بالهدى ~~بعد العمى فقلوبنا * به موقنات أن ما قال واقع يبيت يجافي جنبه عن فراشه * ~~إذا استثقلت بالمشركين المضاجع فقالت: آمنت بالله وكذبت البصر. ثم غدا على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فضحك حتى بدت نواجذه صلى الله عليه ~~وسلم. # الثالثة عشرة - قوله تعالى: (حتى تغتسلوا) نهى الله سبحانه وتعالى عن ~~الصلاة إلا بعد الاغتسال، والاغتسال معنى معقول، ولفظه عند العرب معلوم، ~~يعبر به عن إمرار اليد مع الماء على المغسول، ولذلك فرقت العرب بين قولهم: ~~غسلت الثوب، وبين قولهم: # PageV05P209 # أفضت عليه الماء وغمسته في الماء. إذا تقرر هذا فاعلم أن العلماء اختلفوا ~~في الجنب يصب على جسده الماء أو ينغمس فيه ولا يتدلك، فالمشهور من مذهب ~~مالك أنه لا بجزئه حتى يتدلك، ms1782 لان الله سبحانه وتعالى أمر الجنب بالاغتسال، ~~كما أمر المتوضئ بغسل وجهه ويديه، [ولم يكن للمتوضئ بد من إمرار يديه مع ~~الماء على وجهه ويديه، فكذلك جميع جسد الجنب ورأسه في حكم وجه المتوضئ ~~ويديه (1).] وهذا قول المزني واختياره. قال أبو الفرج عمرو بن محمد ~~المالكي: وهذا هو المعقول من لفظ الغسل، لان الاغتسال في اللغة هو ~~الافتعال، ومن لم يمر يديه فلم يفعل غير صب الماء لا يسميه أهل اللسان ~~غاسلا، بل يسمونه صابا للماء ومنغمسا فيه. قال: وعلى نحو هذا جاءت الآثار ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (تحت كل شعرة جنابة فاغسلوا الشعر ~~وانقوا البشرة) قال: وإنقاؤه والله أعلم - لا يكون إلا بتتبعه، على حد ما ~~ذكرنا. # قلت: لا حجة فيما استدل به من الحديث لوجهين: أحدهما - أنه قد خولف في ~~تأويله، قال سفيان بن عيينة: المراد بقوله عليه السلام (وأنقوا البشرة) ~~أراد غسل الفرج وتنظيفه، وأنه كنى بالبشرة عن الفرج. قال ابن وهب: ما رأيت ~~[أحدا (2)] أعلم بتفسير الأحاديث من ابن عيينة. # الثاني: إن الحديث أخرجه أبو داود في سننه وقال فيه: وهذا الحديث ضعيف، ~~كذا في رواية ابن داسة (3). وفي رواية اللؤلئي عنه: الحارث بن وجيه ضعيف، ~~حديثه منكر، فسقط الاستدلال بالحديث، وبقي المعول على اللسان كما بينا. ~~ويعضده ما ثبت في صحيح الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بصبي فبال ~~عليه، فدعا بماء فأتبعه بوله ولم يغسله، روته عائشة، ونحوه عن أم قيس بنت ~~محصن، أخرجهما مسلم. وقال الجمهور من العلماء وجماعة الفقهاء: يجزئ الجنب ~~صب الماء والانغماس فيه إذا أسبغ وعم وإن لم يتدلك، على مقتضى حديث ميمونة ~~وعائشة في غسل النبي صلى الله عليه وسلم. رواهما الأئمة، وأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان يفيض الماء على جسده، وبه قال محمد بن عبد الحكم، # PageV05P210 # واليه رجع أبو الفرج ورواه عن مالك، قال: وإنما أمر بإمرار اليدين في ~~الغسل لأنه لا يكاد من لم يمر يديه عليه يسلم من ms1783 تنكب الماء عن بعض ما يجب ~~عليه من جسده. وقال ابن العربي: وأعجب لأبي الفرج الذي روى وحكى عن صاحب ~~المذهب أن الغسل دون ذلك يجزئ! وما قاله قط مالك نصا ولا تخريجا، وإنما هي ~~من أوهامه. # قلت: قد روي هذا عن مالك نصا، قال مروان بن محمد الظاهري وهو ثقة من ثقات ~~الشاميين: سألت مالك بن أنس عن رجل انغمس في ماء وهو جنب ولم يتوضأ، قال: # مضت صلاته. قال أبو عمر: فهذه الرواية فيها لم يتدلك ولا توضأ، وقد أجزأه ~~عند مالك. # والمشهور من مذهبه أنه لا يجزئه حتى يتدلك، قياسا على غسل الوجه واليدين. ~~وحجة الجماعة أن كل من صب عليه الماء فقد اغتسل. والعرب تقول: غسلتني ~~السماء. وقد حكت عائشة وميمونة صفة غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ~~يذكرا تدلكا، ولو كان واجبا ما تركه، لأنه المبين عن الله مراده، ولو فعله ~~لنقل عنه، كما نقل تخليل أصول شعره بالماء وغرفه على رأسه، وغير ذلك من صفة ~~غسله ووضوئه عليه السلام. قال أبو عمر: # وغير نكير أن يكون الغسل في لسان العرب مرة بالعرك (1) ومرة بالصب ~~والإفاضة، وإذا كان هذا فلا يمتنع أن يكون الله عز وجل تعبد عباده في ~~الوضوء بإمرار أيديهم على وجوههم مع الماء ويكون ذلك غسلا، وأن يفيضوا ~~الماء على أنفسهم في غسل الجنابة والحيض، ويكون ذلك غسلا موافقا للسنة غير ~~خارج من اللغة ويكون كل واحد من الامرين أصلا في نفسه، لا يجب أن يرد ~~أحدهما إلى صاحبه، لان الأصول لا يرد بعضها إلى بعض قياسا - وهذا ما لا ~~خلاف فيه بين علماء الأمة. وإنما ترد الفروع قياسا على الأصول. وبالله ~~التوفيق. # الرابعة عشرة - حديث ميمونة وعائشة يرد ما رواه شعبة مولى ابن عباس عن ~~ابن عباس أنه كان إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه سبعا وفرجه سبعا. وقد روي ~~عن ابن عمر قال: # كانت الصلاة خمسين، والغسل من الجنابة سبع مرار، وغسل البول من الثوب سبع ~~مرار، # PageV05P211 # فلم ms1784 يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل حتى جعلت الصلاة خمسا، والغسل ~~من الجنابة مرة (1)، والغسل من البول مرة. قال ابن عبد البر، وإسناد هذا ~~الحديث عن ابن عمر فيه ضعف ولين، وإن كان أبو داود قد خرجه والذي قبله عن ~~شعبة مولى ابن عباس، وشعبة هذا ليس بالقوي، ويرد هما حديث عائشة وميمونة. # الخامسة عشرة - ومن لم يستطع إمرار يده على جسده فقد قال سحنون: يجعل من ~~يلي ذلك منه، أو يعالجه بخرقه. وفي الواضحة: يمر يديه على ما يدركه من ~~جسده، ثم يفيض الماء حتى يعم ما لم تبلغه يداه. # السادسة - واختلف قول مالك في تخليل الجنب لحيته، فروى ابن القاسم عنه ~~أنه قال: ليس عليه ذلك. وروى أشهب عنه أن عليه ذلك. قال ابن عبد الحكم: ذلك ~~هو أحب إلينا، لان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخلل شعره في غسل ~~الجنابة، وذلك عام وإن كان الأظهر فيه شعر رأسه، وعلى هذين القولين ~~العلماء. ومن جهة المعنى أن استيعاب جميع الجسد في الغسل واجب، والبشرة ~~التي تحت اللحية من جملته، فوجب إيصال الماء إليها ومباشرتها باليد. وإنما ~~انتقل الفرض إلى الشعر في الطهارة الصغرى لأنها مبنية على التخفيف، ونيابة ~~(2) الابدال فيها من غير ضرورة، ولذلك جاز فيها المسح على الخفين ولم يجز ~~في الغسل. # قلت: ويعضد هذا قوله صلى الله عليه وسلم: (تحت كل شعرة جنابة). # السابعة عشرة - وقد بالغ قوم فأوجبوا المضمضة والاستنشاق، لقوله تعالى: ~~(حتى تغتسلوا) منهم أبو حنيفة، ولأنهما من جملة الوجه وحكمهما حكم ظاهر ~~الوجه كالخد والجبين، فمن تركهما وصلى الله عليه وسلم أعاد كمن ترك لمعة ~~(3)، ومن تركهما في وضوئه فلا إعادة عليه. وقال مالك: # ليستا بفرض لا في الجنابة ولا في الوضوء، لأنهما باطنان [فلا يجب (4)] ~~كداخل الجسد. # وبذلك قال محمد بن جرير الطبري والليث بن سعد والأوزاعي وجماعة من ~~التابعين. وقال ابن أبي ليلى وحماد بن أبي سليمان: هما فرض في الوضوء ~~والغسل جميعا، وهو قول إسحاق # PageV05P212 # وأحمد ms1785 بن حنبل وبعض أصحاب داود. وروي عن الزهري وعطاء مثل هذا القول. ~~وروي عن أحمد أيضا أن المضمضة سنة والاستنشاق فرض، وقال به بعض أصحاب داود. ~~وحجة من لم يوجبهما أن الله سبحانه لم يذكرهما في كتابه، ولا أوجبهما ~~رسوله، ولا اتفق الجميع عليه، والفرائض لا تثبت إلا بهذه الوجوه. احتج من ~~أوجبهما بالآية، وقوله تعالى: # (فاغسلوا وجوهكم) فما وجب في الواحد من الغسل وجب في الآخر، والنبي صلى ~~الله عليه وسلم لم يحفظ عنه أنه ترك المضمضة والاستنشاق في وضوئه ولا في ~~غسله من الجنابة، وهو المبين عن الله مراده قولا وعملا. احتج من فرق بينهما ~~بأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل المضمضة ولم يأمر بها وأفعاله مندوب ~~إليها ليست بواجبة إلا بدليل، وفعل الاستنشاق وأمر به، وأمره على الوجوب ~~أبدا. # الثامنة عشرة - قال علماؤنا: ولا بد في غسل الجنابة من النية، لقوله ~~تعالى: (حتى تغتسلوا) وذلك يقتضي النية، وبه قال مالك والشافعي وأحمد وإسحق ~~وأبو ثور، وكذلك الوضوء والتيمم. وعضدوا هذا وبقوله تعالى: (وما أمروا إلا ~~ليعبدوا الله مخلصين له (1) الدين) والاخلاص النية في التقرب إلى الله ~~تعالى، والقصد له بأداء ما افترض على عباده المؤمنين، وقال عليه السلام: ~~(إنما الأعمال بالنيات) وهذا عمل. وقال الأوزاعي والحسن: # يجزئ الوضوء والتيمم بغير نية. وقال أبو حنيفة وأصحابه: كل طهارة بالماء ~~فإنها تجزئ بغير نية، ولا يجزئ التيمم إلا بنية، قياسا على إزالة النجاسة ~~بالاجماع من الأبدان والثياب بغير نية. ورواه الوليد بن مسلم عن مالك. # التاسعة عشرة - وأما قدر الماء الذي يغتسل به، فروى مالك عن ابن شهاب عن ~~عروة ابن الزبير عن عائشة [أم المؤمنين (2)] رضي الله عنها أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كان يغتسل من إناء هو الفرق من الجنابة. (الفرق) تحرك ~~راؤه وتسكن. قال ابن وهب: (الفرق) مكيال من الخشب، كان ابن شهاب يقول: إنه ~~يسع خمسة أقساط بأقساط بني أمية. وقد فسر محمد بن عيسى الأعشى (الفرق) ~~فقال: ثلاثة آصع، قال: وهي ms1786 خمسة أقساط، قال: # PageV05P213 # وفي الخمسة أقساط اثنا عشر مدا بمد النبي صلى الله عليه وسلم. وفي صحيح ~~مسلم قال سفيان: # (الفرق) ثلاثة آصع. وعن أنس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ ~~بالمد ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد. وفي رواية: يغتسل بخمسة مكاكيك ويتوضأ ~~بمكوك (1). وهذه الأحاديث تدل على استحباب تقليل الماء من غير كيل ولا وزن، ~~يأخذ منه الانسان بقدر ما يكفي ولا يكثر منه، فإن الاكثار منه سرف والسرف ~~مذموم. ومذهب الأباضية الاكثار من الماء (2)، وذلك من الشيطان. # الموفية عشرين - قوله تعالى: (وان كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم ~~من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا ~~بوجوهكم وأيديكم) هذه آية التيمم، نزلت في عبد الرحمن بن عوف أصابته جنابة ~~وهو جريح، فرخص له في أن يتيمم، ثم صارت الآية عامة في جميع الناس. وقيل: ~~نزلت بسبب عدم الصحابة الماء في غزوة (المريسيع (3)) حين انقطع العقد ~~لعائشة. أخرج الحديث مالك من رواية عبد الرحمن ابن القاسم عن أبيه عن ~~عائشة. وترجم البخاري هذه الآية في كتاب التفسير: حدثنا محمد قال: أخبرنا ~~عبدة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: هلكت قلادة ~~لأسماء فبعث النبي صلى الله عليه وسلم في طلبها رجالا، فحضرت الصلاة وليسوا ~~على وضوء ولم يجدوا ماء فصلوا وهم على غير وضوء، فأنزل الله تعالى آية ~~التيمم. # قلت: وهذه الرواية ليس فيها ذكر للموضع، وفيها أن القلادة كانت لأسماء، ~~خلاف حديث مالك. وذكر النسائي من رواية علي بن مسهر عن هشام بن عروة عن ~~أبيه عن عائشة أنها استعارت من أسماء قلادة لها وهي في سفر مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فانسلت منها وكان ذلك المكان يقال له الصلصل (4)، وذكر ~~الحديث. ففي هذه الرواية عن # PageV05P214 # هشام أن القلادة كانت لأسماء، وأن عائشة استعارتها من أسماء. وهذا بيان ~~لحديث مالك إذا قال: انقطع عقد لعائشة، ولحديث البخاري إذ قال: هلكت قلادة ~~لأسماء. ms1787 وفيه أن المكان يقال له الصلصل. وأخرجه الترمذي حدثنا الحميدي، ~~حدثنا سفيان، حدثنا هشام ابن عروة عن أبيه، عن عائشة أنها سقطت قلادتها ~~ليلة الأبواء (1)، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين في طلبها، ~~وذكر الحديث. ففي هذه الرواية عن هشام أيضا إضافة القلادة إليها، لكن إضافة ~~مستعير بدليل حديث النسائي. وقال في المكان: (الأبواء) كما قال مالك، إلا ~~أنه من غير شك. وفي حديث مالك قال: وبعثنا البعير الذي كنت عليه فوجدنا ~~العقد تحته. وجاء في البخاري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجده. وهذا ~~كله صحيح المعنى، وليس اختلاف النقلة في العقد والقلادة ولا في الموضع ما ~~يقدح في الحديث ولا يوهن شيئا منه، لان المعنى المراد من الحديث والمقصود ~~به إليه هو نزول التيمم، وقد ثبتت (2) الروايات في أمر القلادة. وأما قوله ~~في حديث الترمذي: فأرسل رجلين قيل: أحدهما أسيد بن حضير. ولعلهما المراد ~~بالرجال في حديث البخاري فعبر عنهما بلفظ الجمع، إذ أقل الجمع اثنان، أو ~~أردف في أثرهما غير هما فصح إطلاق اللفظ والله أعلم. فبعثوا في طلبها ~~فطلبوا فلم يجدوا شيئا في وجهتهم، فلما رجعوا أثاروا البعير فوجدوه (3) ~~تحته. وقد روي أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابتهم جراحة ففشت ~~فيهم ثم ابتلوا بالجنابة فشكوا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت ~~هذه الآية. وهذا أيضا ليس بخلاف لما ذكرنا، فإنهم ربما أصابتهم الجراحة في ~~غزوتهم تلك التي قفلوا منها إذ كان فيها قتال فشكوا، وضاع العقد ونزلت ~~الآية. وقد قيل: إن ضياع العقد كان في غزاة بني المصطلق. وهذا أيضا ليس ~~بخلاف لقول من قال في غزاة المريسيع، إذ هي غزاة واحدة، فإن النبي صلى الله ~~عليه وسلم غزا بني المصطلق في شعبان من السنة السادسة من الهجرة، على ما ~~قال خليفة بن خياط وأبو عمر بن عبد البر، واستعمل على المدينة أبا ذر ~~الغفاري. وقيل: بل نميلة بن عبد الله # PageV05P215 # الليثي. وأغار رسول الله صلى الله عليه ms1788 وسلم على بني المصطلق وهم غارون، ~~وهم على ماء يقال له المريسيع من ناحية قديد (1) مما يلي الساحل، فقتل من ~~قتل وسبى [من سبى (2)] النساء والذرية وكان شعارهم يومئذ: أمت أمت. وقد ~~قيل: إن بني المصطلق جمعوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأرادوه، فلما ~~بلغه ذلك خرج إليهم فلقيهم على ماء. فهذا ما جاء في بدء التيمم والسبب فيه. # وقد قيل: إن آية المائدة آية التيمم، على ما يأتي بيانه هناك. قال أبو ~~عمر: فأنزل الله تعالى آية التيمم، وهي آية الوضوء المذكورة في سورة ~~(المائدة (2))، أو الآية التي في سورة (النساء). ليس التيمم مذكورا في غير ~~هاتين الآيتين وهما مدنيتان. # الحادية والعشرون - قوله تعالى: (مرضى) المرض عبارة عن خروج البدن عن حد ~~الاعتدال والاعتياد، إلى الاعوجاج والشذوذ. وهو على ضربين: كثير ويسير، ~~فإذا كان كثيرا بحيث يخاف الموت لبرد الماء، أو للعلة التي به، أو يخاف فوت ~~بعض الأعضاء، فهذا يتيمم بإجماع، إلا ما روي عن الحسن وعطاء أنه يتطهر وإن ~~مات. وهذا مردود بقوله تعالى: (وما جعل عليكم في الدين من حرج (3)) وقوله ~~تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم). # وروى الدارقطني عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله عز وجل: (وإن كنتم ~~مرضى أو على سفر) قال: إذا كانت بالرجل الجراحة في سبيل الله أو القروح أو ~~الجدري فيجنب فيخاف أن يموت إن اغتسل، تيمم. وعن سعيد بن جبير أيضا عن ابن ~~عباس قال: رخص للمريض في التيمم بالصعيد. وتيمم عمرو بن العاص لما خاف أن ~~يهلك من شدة البرد ولم يأمره صلى الله عليه وسلم بغسل ولا إعادة. فإن كان ~~يسيرا إلا أنه يخاف معه حدوث علة أو زيادتها أو بطء برء فهؤلاء يتيممون ~~بإجماع من المذهب. قال ابن عطية: فيما حفظت. # قلت: قد ذكر الباجي فيه خلافا، قال القاضي أبو الحسن: مثل أن يخاف الصحيح ~~نزلة أو حمى، وكذلك إن كان المريض يخاف زيادة مرض، وبنحو ذلك قال أبو ~~حنيفة. # وقال الشافعي: لا يجوز له ms1789 التيمم مع وجود الماء إلا أن يخاف التلف، ورواه ~~القاضي أبو الحسن عن مالك. قال ابن العربي: (قال الشافعي لا يباح التيمم ~~للمريض إلا إذا خاف التلف، # PageV05P216 # لان زيادة المرض غير متحققة، لأنها قد تكون وقد لا تكون، ولا يجوز ترك ~~الفرض المتيقن للخوف المشكوك. قلنا: قد ناقضت، فإنك قلت إذا خاف التلف من ~~البر تيمم، فكما يبيح التيمم خوف التلف كذلك، يبيحه خوف المرض، لان المرض ~~محذور كما أن التلف محذور. # قال: وعجبا للشافعي يقول: لو زاد الماء على قدر قيمته حبة لم يلزمه شراؤه ~~صيانة للمال ويلزمه التيمم، وهو يخاف على بدنه المرض! وليس لهم [عليه (1)] ~~كلام يساوي سماعه). # قلت: الصحيح من قول (2) الشافعي فيما قال القشيري أبو نصر عبد الرحيم في ~~تفسيره: # والمرض الذي يباح له التيمم هو الذي يخاف فيه فوت الروح أو فوات بعض ~~الأعضاء لو استعمل الماء. فإن خاف طول المرض فالقول الصحيح للشافعي: جواز ~~التيمم. روى أبو داود والدار قطني، عن يحيى بن أيوب، عن يزيد بن أبي حبيب، ~~عن عمران بن أبي أنس عن عبد الرحمن ابن جبير، عن عمرو بن العاص قال: احتلمت ~~في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت ثم ~~صليت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا ~~عمرو: (صليت بأصحابك وأنت جنب)؟ فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال وقلت: إني ~~سمعت الله عز وجل يقول: (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما) فضحك ~~نبي الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئا. فدل هذا الحديث على إباحة ~~التيمم مع الخوف لا مع اليقين، وفيه إطلاق اسم الجنب على المتيمم وجواز ~~صلاة المتيمم بالمتوضئين، وهذا أحد القولين عندنا، وهو الصحيح [وهو (3)] ~~الذي أقرأه مالك في موطئه وقرئ عليه إلى أن مات. والقول الثاني - أنه لا ~~يصلى، لأنه أنقص فضيلة من المتوضئ، وحكم الامام أن يكون أعلى رتبة، وقد روى ~~الدارقطني من حديث جابر بن عبد الله قال قال رسول ms1790 الله صلى الله عليه وسلم: ~~(لا يؤم المتيمم المتوضئين) إسناده ضعيف. وروى أبو داود والدار قطني عن ~~جابر قال: خرجنا في سفر فأصاب رجلا منا حجر فشجه في رأسه ثم احتلم، فسأل ~~أصحابه هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على ~~الماء، فاغتسل فمات، فلما قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بذلك ~~فقال: # PageV05P217 # (قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذ لم يعلموا فإنما شفاء العي (1) السؤال ~~وإنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب - شك موسى - على جرحه خرقة ثم يمسح ~~عليها ويغسل سائر جسده). # قال الدارقطني: (قال أبو بكر هذه سنة تفرد بها أهل مكة وحملها أهل ~~الجزيرة، ولم يروه عن عطاء عن جابر غير الزبير بن خريق، وليس بالقوي، ~~وخالفه الأوزاعي فرواه عن عطاء عن ابن عباس [وهو الصواب (2)]. واختلف عن ~~الأوزاعي فقيل عنه عن عطاء، وقيل عنه: # بلغني عن عطاء، وأرسل الأوزاعي آخره عن عطاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~وهو الصواب. # وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي وأبا زرعة عنه فقالا: رواه ابن أبي العشرين، ~~عن الأوزاعي عن إسماعيل بن مسلم عن عطاء عن ابن عباس، وأسند الحديث). وقال ~~داود: كل من انطلق عليه اسم المريض فجائز له التيمم، لقوله تعالى: (وإن ~~كنتم مرضى). قال ابن عطية: وهذا قول خلف، وإنما هو عند علماء الأمة لمن خاف ~~من استعمال الماء أو تأذيه به كالمجدور والمحصوب، والعلل المخوف عليها من ~~الماء، كما تقدم عن ابن عباس. # الثانية والعشرون - قوله تعالى: (أو على سفر) يجوز التيمم بسبب السفر طال ~~أو قصر عند عدم الماء، ولا يشترط أن يكون مما تقصر فيه الصلاة، هذا مذهب ~~مالك وجمهور العلماء (3). وقال قوم: لا يتيمم إلا في سفر تقصر فيه الصلاة. ~~واشترط آخرون أن يكون سفر طاعة. وهذا كله ضعيف. والله أعلم. # الثالثة والعشرون - أجمع العلماء على جواز التيمم في السفر حسبما ذكرنا، ~~واختلفوا فيه في الحضر، فذهب مالك وأصحابه إلى أن التيمم في ms1791 الحضر والسفر ~~جائز، وهو قول أبي حنيفة ومحمد. وقال الشافعي: لا يجوز للحاضر الصحيح أن ~~يتيمم إلا أن يخاف التلف، وهو قول الطبري. وقال الشافعي أيضا والليث ~~والطبري: إذا عدم الماء في الحضر مع خوف الوقت الصحيح والسقيم تيمم وصلى ثم ~~أعاد. وقال أبو يوسف وزفر: لا يجوز التيمم في الحضر لا لمرض ولا لخوف الوقت ~~وقال الحسن وعطاء: لا يتيمم المريض إذا وجد الماء، لا غير # PageV05P218 # المريض. وسبب الخلاف اختلافهم في مفهوم الآية، فقال مالك ومن تابعه: ذكر ~~الله تعالى المرضى والمسافرين في شرط التيمم خرج على الأغلب فيمن لا يجد ~~الماء، والحاضرون الأغلب عليهم وجوده فلذلك لم ينص عليهم. فكل من لم يجد ~~الماء أو منعه منه مانع أو خاف فوات وقت الصلاة، تيمم المسافر بالنص، ~~والحاضر بالمعنى. وكذلك المريض بالنص والصحيح بالمعنى. وأما من منعه في ~~الحضر فقال: إن الله تعالى جعل التيمم رخصة للمريض والمسافر، كالفطر وقصر ~~الصلاة، ولم يبح التيمم إلا بشرطين، وهما المرض والسفر، فلا دخول للحاضر ~~الصحيح في ذلك لخروجه من شرط الله تعالى. وأما قول الحسن وعطاء الذي منعه ~~جملة مع وجود الماء فقال: إنما شرطه الله تعالى مع عدم الماء، لقوله تعالى: # (فلم يجدوا ماء فتيمموا (فلم يبح التيمم لاحد إلا عند فقد الماء. وقال ~~أبو عمر: ولولا قول الجمهور وما روي من الأثر لكان قول الحسن وعطاء صحيحا، ~~والله أعلم. وقد أجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم التيمم لعمرو بن العاص ~~وهو مسافر إذ خاف الهلاك إن اغتسل بالماء، فالمريض أحرى بذلك. # قلت: ومن الدليل على جواز التيمم في الحضر إذا خاف فوات الصلاة إن ذهب ~~إلى الماء الكتاب والسنة: # أما الكتاب فقوله سبحانه: (أو جاء أحد منكم من الغائط) يعني المقيم إذا ~~عدم الماء تيمم. نص عليه القشيري عبد الرحيم قال: ثم يقطع النظر في وجوب ~~القضاء، لان عدم الماء في الحضر عذر نادر وفي القضاء قولان: # قلت: وهكذا نص أصحابنا فيمن تيمم في الحضر، فهل يعيد إذا ms1792 وجد الماء أم ~~لا، المشهور من مذهب مالك أنه لا يعيد وهو الصحيح. وقال ابن حبيب ومحمد بن ~~عبد الحكم. # يعيد أبدا، ورواه ابن المنذر عن مالك. وقال الوليد عنه: يغتسل وإن طلعت ~~الشمس. # وأما السنة فما رواه البخاري عن أبي الجهيم بن الحارث بن الصمة الأنصاري ~~قال: # أقبل النبي صلى الله عليه وسلم من نحو (بئر جمل (1)) فلقيه رجل فسلم عليه ~~فلم يرد عليه النبي # PageV05P219 # صلى الله عليه وسلم حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه، ثم رد عليه ~~السلام. وأخرجه مسلم وليس فيه لفظ (بئر (1)). وأخرجه الدارقطني من حديث ابن ~~عمر وفيه (ثم رد على الرجل السلام وقال: (إنه لم يمنعني أن أرد عليك السلام ~~إلا أني لم أكن على طهر)). # الرابعة والعشرون - قوله تعالى: (أو جاء أحد منكم من الغائط) الغائط أصله ~~ما انخفض من الأرض، والجمع الغيطان أو الأغواط، وبه سمي غوطة دمشق. وكانت ~~العرب تقصد هذا الصنف من المواضع لقضاء حاجتها تسترا عن أعين الناس، ثم سمي ~~الحدث الخارج من الانسان غائطا للمقارنة (2). وغاط في الأرض يغوط إذا غاب. # وقرأ الزهري: (من الغيط) فيحتمل أن يكون أصله الغيط فخفف، كهين وميت ~~وشبهه. ويحتمل أن يكون من الغوط، بدلالة قولهم تغوط إذا أتى الغائط، فقلبت ~~واو الغوط ياء، كما قالوا في لا حول لا حيل. و (أو) بمعنى الواو، أي إن ~~كنتم مرضى أو على سفر وجاء أحد منكم من الغائط فتيمموا فالسبب الموجب ~~للتيمم على هذا هو الحدث لا المرض والسفر، فدل على جواز التيمم في الحضر ~~كما بيناه. والصحيح في (أو) أنها على بابها عند أهل النظر. فلأو معناها، ~~وللواو معناها. وهذا عندهم على الحذف، والمعنى وإن كنتم مرضى مرضا لا ~~تقدرون فيه على مس الماء أو على سفر ولم تجدوا ماء واحتجتم إلى الماء. # والله أعلم. # الخامسة والعشرون - لفظ (الغائط) يجمع بالمعنى جميع الاحداث الناقضة ~~للطهارة الصغرى. وقد اختلف الناس في حصرها، وأنبل ما قيل في ذلك أنها ثلاثة ~~أنواع، لا خلاف فيها ms1793 في مذهبنا: زوال العقل، خارج معتاد، ملامسة. وعلى مذهب ~~أبي حنيفة ما خرج من الجسد من النجاسات، ولا يراعى المخرج ولا يعد اللمس. ~~وعلى مذهب الشافعي ومحمد ابن عبد الحكم ما خرج من السبيلين، ولا يراعى ~~الاعتياد، ويعد اللمس. وإذا تقرر هذا فاعلم أن المسلمين أجمعوا على أن من ~~زال عقله بإغماء أو جنون أو سكر فعليه الوضوء، واختلفوا # PageV05P220 # في النوم هل حدث كسائر الا حداث؟ أو ليس بحدث أو مظنة حدث، ثلاثة أقوال: # طرفان وواسطة. # الطرف الأول - ذهب المزني أبو إبراهيم إسماعيل إلى أنه حدث، وأن الوضوء ~~يجب بقليله وكثيره كسائر حداث، و هو مقتضى قول مالك في الموطأ لقوله: ولا ~~يتوضأ الا من حدث يخرج من ذكر دبر أو نوم. ومقتضى حديث صفوان بن عسال أخرجه ~~النسائي والدار قطني والترمذي وصححه. رووه جميعا من حديث عاصم بن أبي ~~النجود عن زر ابن حبيش فقال: أتيت صفوان بن عسال المرادي فقلت: جئتك أسألك ~~عن المسح على الخفين، قال: [نعم (1)] كنت في الجيش الذي بعثهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فأمرنا أن نمسح على الخفين إذا نحن أدخلنا هما على طهر ~~ثلاثا إذا سافرنا، ويوما وليلة إذا أقمنا، ولا نخلعهما من بول ولا غائط ولا ~~نوم [ولا نخلعهما (1)] الا من جنابة. ففي هذا الحديث وقول مالك التسوية بين ~~الغائط والبول والنوم. قالوا: والقياس أنه لما كان كثيره وما غلب على العقل ~~منه حدثا وجب أن يكون قليله كذلك. وقد روى عن علي بن أبي طالب قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: (وكاء السه العينان فمن نام فليتوضأ) وهذا عام. ~~أخرجه أبو داود، وأخرجه الدارقطني من حديث معاوية بن أبي سفيان عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم. # وأما الطرف الآخر فروى عن أبي موسى الأشعري ما يدل على أن النوم عنده ليس ~~بحدث على أي حال كان، حتى يحدث النائم حدثا غير النوم، لأنه كان يوكل من ~~يحرسه إذا نام. # فان لم يخرج منه حدث قام من نومه ms1794 وصلى، وروى عن عبيدة وسعيد بن المسيب ~~والأوزاعي في رواية محمود بن خالد. والجمهور على خلاف هذين الطرفين. فأما ~~جملة مذهب مالك فان كل نائم استثقل نوما، وطال نومه على أي حال كان، فقد ~~وجب عليه الوضوء، وهو قول الزهري وربيعة والأوزاعي في رواية الوليد بن ~~مسلم. قال أحمد بن حنبل: فان كان النوم # PageV05P221 # خفيفا لا يخامر القلب ولا يغمره لم يضر. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا وضوء ~~إلا على من نام مضطجعا أو متوركا. وقال الشافعي: من نام جالسا فلا وضوء ~~عليه، ورواه ابن وهب عن مالك. والصحيح من هذه الأقوال مشهور مذهب مالك، ~~لحديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شغل عنها ليلة [يعني العشاء ~~(1)] فأخرها حتى رقدنا [في المسجد (1)] ثم استيقظنا ثم رقدنا ثم استيقظنا ~~ثم خرج علينا النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: (ليس أحد من أهل الأرض ~~ينتظر الصلاة غيركم) رواه الأئمة واللفظ للبخاري، وهو أصح ما في هذا الباب ~~من جهة الاسناد والعمل. وأما ما قاله مالك في موطئه وصفوان بن عسال في ~~حديثه فمعناه: # ونوم ثقيل غالب على النفس، بدليل هذا الحديث وما كان في معناه. وأيضا فقد ~~روى حديث صفوان وكيع عن مسعر عن عاصم بن أبي النجود فقال: (أو ريح) بدل (أو ~~نوم)، فقال الدارقطني: لم يقل في هذا الحديث (أو ريح) غير وكيع عن مسعر. # قلت: وكيع ثقة إمام أخرج له البخاري ومسلم وغيرهما من الأئمة، فسقط ~~الاستدلال بحديث صفوان لمن تمسك به في أن النوم حدث. وأما ما ذهب إليه أبو ~~حنيفة فضعيف، رواه الدارقطني عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~نام وهو ساجد حتى. غط أو نفخ ثم قام فصلى، فقلت: يا رسول الله إنك قد نمت! ~~فقال: (إن الوضوء لا يجب إلا على من نام مضطجعا فإنه إذا اضطجع استرخت ~~مفاصله). تفرد به أبو خالد عن قتادة ولا يصح، قاله الدارقطني. وأخرجه أبو ~~داود وقال: قوله: (الوضوء على من ms1795 نام مضطجعا) هو حديث منكر لم يروه إلا أبو ~~خالد يزيد الدالاني عن قتادة، وروى أو له جماعة عن ابن عباس لم يذكروا شيئا ~~من هذا. وقال أبو عمر بن عبد البر: هذا حديث منكر لم يروه أحد من أصحاب ~~قتادة الثقات، وإنما انفرد به أبو خالد الدلاني، وأنكروه وليس بحجة فيما ~~نقل (2). # وأما قول الشافعي: على كل نائم الوضوء إلا على الجالس وحده، وإن كل من ~~زال عن حد الاستواء ونام فعليه الوضوء، فهو قول الطبري وداود، وروي عن علي ~~وابن مسعود وابن # PageV05P222 # عمر، لان الجالس لا يكاد يستثقل، فهو في معنى النوم الخفيف. وقد روى ~~الدارقطني من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: (من نام جالسا فلا وضوء عليه ومن وضع جنبه فعليه الوضوء). وأما ~~الخارج، فلنا ما رواه البخاري قال: حدثنا قتيبة قال (1) حدثنا يزيد بن ~~زريع، عن خالد، عن عكرمة، عن عائشة قالت: اعتكفت مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم امرأة من أزواجه فكانت ترى الدم والصفرة والطست تحتها وهي تصلي. ~~فهذا خارج على غير المعتاد، وإنما هو عرق انقطع فهو مرض، وما كان هذا سبيله ~~مما يخرج من السبيلين فلا وضوء فيه عندنا إيجابا، خلافا للشافعي كما ذكرنا. # وبالله توفيقنا. ويرد على الحنفي حيث راعى الخارج النجس. فصح ووضح مذهب ~~مالك ابن أنس رضي الله عنه ما تردد نفس، وعنهم أجمعين. # السادسة والعشرون - قوله تعالى: (أو لامستم النساء) قرأ نافع وابن كثير ~~وأبو عمرو وعاصم وابن عامر (لامستم). وقرأ حمزة والكسائي: (لمستم) وفي ~~معناه ثلاثة أقوال: # الأول - أن يكون لمستم جامعتم. الثاني - لمستم باشرتم. الثالث - يجمع ~~الامرين جميعا. # و (لامستم) بمعناه عند أكثر الناس، إلا أنه حكي عن محمد بن يزيد أنه قال: ~~الأولى في اللغة أن يكون (لامستم) بمعنى قبلتم أو نظيره، لان لكل واحد ~~منهما فعلا. قال: # و (لمستم) بمعنى غشيتم ومسستم، وليس للمرأة في هذا فعل. # واختلف العلماء في حكم الآية ms1796 على مذاهب خمسة، فقالت فرقة: الملامسة هنا ~~مختصة باليد، والجنب لا ذكر له إلا مع الماء، فلم يدخل في المعنى المراد ~~بقوله: (وإن كنتم مرضى) الآية، فلا سبيل له إلى التيمم، وإنما يغتسل الجنب ~~أو يدع الصلاة حتى يجد الماء، روي هذا القول عن عمر وابن مسعود. قال أبو ~~عمر: ولم يقل بقول عمرو عبد الله في هذه المسألة أحد من فقهاء الأمصار من ~~أهل الرأي وحملة الآثار، وذلك والله أعلم لحديث عمار وعمر ان ابن حصين ~~وحديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم في تيمم الجنب. وقال أبو حنيفة ~~عكس هذا القول، فقال: الملامسة هنا مختصة باللمس الذي هو الجماع. فالجنب ~~يتيمم واللامس # PageV05P223 # بيده لم يجر له ذكر، فليس بحدث ولا هو ناقص لوضوئه. فإذا قبل الرجل ~~امرأته للذة لم ينتقض وضوءه، وعضدوا هذا بما رواه الدارقطني عن عائشة أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بعض نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ. ~~قال عروة: فقلت لها من هي إلا أنت؟ فضحكت. وقال مالك: الملامس بالجماع ~~يتيمم، والملامس باليد يتيمم إذا التذ. # فإذا لمسها بغير شهوة فلا وضوء، وبه قال أحمد وإسحاق، وهو مقتضى الآية. ~~وقال علي ابن زياد: وإن كان عليها ثوب كثيف فلا شئ عليه، وإن كان خفيفا ~~فعليه الوضوء. # وقال عبد الملك بن الماجشون: من تعمد مس امرأته بيده لملاعبة فليتوضأ ~~التذ أو لم يلتذ. # قال القاضي أبو الوليد الباجي في المنتقى: والذي تحقق من مذهب مالك ~~وأصحابه أن الوضوء إنما يجب لقصده اللذة دون وجودها، فمن قصد اللذة بلمسه ~~فقد وجب عليه الوضوء، التذ بذلك أو لم يلتذ، وهذا معنى ما في العتبية من ~~رواية عيسى عن ابن القاسم. وأما الانعاظ بمجرده فقد روى ابن نافع عن مالك ~~أنه لا يوجب وضوءا ولا غسل ذكر حتى يكون معه لمس أو مذي. وقال الشيخ أبو ~~إسحاق: من أنعظ إنعاظا انتقض وضوءه، وهذا قول مالك في المدونة. وقال ~~الشافعي: إذا أفضى الرجل بشئ ms1797 من بدنه إلى بدن المرأة سواء كان باليد أو ~~بغيرها من أعضاء الجسد تعلق نقض الطهر به، وهو قول ابن مسعود وابن عمر ~~والزهري وربيعة. وقال الأوزاعي: إذا كان اللمس باليد نقض الطهر، وإن كان ~~بغير اليد لم ينقضه، لقوله تعالى: (فلمسوه بأيديهم (1)). فهذه خمسة مذاهب ~~أسدها (2) مذهب مالك، وهو مروي عن عمر وابنه عبد الله، وهو قول عبد الله بن ~~مسعود أن الملامسة ما دون الجماع، وأن الوضوء يجب بذلك، وإلى هذا ذهب أكثر ~~الفقهاء. قال ابن العربي: وهو الظاهر من معنى الآية، فإن قوله في أولها: ~~(ولا جنبا) أفاد الجماع، وإن قوله: (أو جاء أحد منكم من الغائط) أفاد ~~الحدث، وإن قوله: (أو لامستم) أفاد اللمس والقبل. فصارت ثلاث جمل لثلاثة ~~أحكام، وهذه غاية في العلم والاعلام. ولو كان المراد باللمس الجماع كان ~~تكرارا في الكلام. # PageV05P224 # قلت: وأما ما استدل به أبو حنيفة من حديث عائشة فحديث مرسل، رواه وكيع عن ~~الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عروة، عن عائشة. قال يحيى بن سعيد: وذكر ~~حديث الأعمش عن حبيب عن عروة فقال: أما إن سفيان الثوري كان أعلم الناس ~~بهذا، زعم أن حبيبا لم يسمع من عروة شيئا، قال الدارقطني. فإن قيل: فأنتم ~~تقولون بالمرسل فيلزمكم قبوله والعمل به. قلنا: تركناه لظاهر الآية وعمل ~~الصحابة. فإن قيل: إن الملامسة هي الجماع وقد روي ذلك عن ابن عباس. قلنا: ~~قد خالفه الفاروق وابنه وتابعهما عبد الله بن مسعود وهو كوفي، فما لكم ~~خالفتموه؟! فإن قيل: الملامسة من باب المفاعلة، ولا تكون إلا من اثنين، ~~واللمس باليد إنما يكون من واحد، فثبت أن الملامسة هي الجماع. قلنا: ~~الملامسة مقتضاها التقاء البشرتين، سواء كان ذلك من واحد أو من اثنين، لان ~~كل واحد منهما يوصف لامس وملموس. # جواب آخر - وهو أن الملامسة قد تكون من واحد، ولذلك نهى النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن بيع الملامسة، والثوب ملموس وليس بلامس، وقد قال ابن عمر ~~مخبرا عن نفسه (وأنا يومئذ قد ms1798 ناهزت الاحتلام). وتقول العرب: عاقبت اللص ~~وطارقت النعل، وهو كثير. # فإن قيل: لما ذكر الله سبحانه سبب الحدث، وهو المجئ من الغائط ذكر سبب ~~الجنابة وهو الملامسة، فبين حكم الحدث والجنابة عند عدم الماء، كما أفاد ~~بيان حكمهما عند وجود الماء. قلنا: لا نمنع حمل اللفظ على الجماع واللمس، ~~ويفيد الحكمين كما بينا. وقد قرئ (لمستم) كما ذكرنا. وأما ما ذهب إليه ~~الشافعي من لمس الرجل المرأة ببعض أعضائه لا حائل بينه وبينها لشهوة أو ~~لغير شهوة وجب عليه الوضوء فهو ظاهر القرآن أيضا، وكذلك إن لمسته هي وجب ~~عليه الوضوء، إلا الشعر، فإنه لا وضوء لمن مس شعر امرأته لشهوة كان أو لغير ~~شهوة، وكذلك السن والظفر، فإن ذلك مخالف للبشرة. ولو احتاط فتوضأ إذا مس ~~شعرها كان حسنا. ولو مسها بيده أو مسته بيدها من فوق الثوب فالتذ بذلك ~~PageV05P225 # أو لم يلتذ لم يكن عليهما شئ حتى يفضي إلى البشرة، وسواء في ذلك كان ~~متعمدا أو ساهيا، كانت المرأة حية أو ميتة إذا كانت أجنبية. و اختلف قوله ~~إذا لمس صبية صغيرة أو عجوزا كبيرة بيده أو واحدة من ذوات محارمه ممن لا ~~يحل له نكاحها، فمرة قال: ينتقض الوضوء، لقوله تعالى: (أو لامستم النساء) ~~فلم يفرق. والثاني لا ينقض، لأنه لا مدخل للشهوة فيهن. قال المروزي: قول ~~الشافعي أشبه بظاهر الكتاب، لان الله عز وجل قال: # (أو لامستم النساء) ولم يقل بشهوة ولا من غير شهوة، وكذلك الذين أوجبوا ~~الوضوء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لم يشترطوا الشهوة. قال: وكذلك ~~عامة التابعين. قال المروزي: فأما ما ذهب إليه مالك من مراعاة الشهوة ~~واللذة من فوق الثوب يوجب الوضوء فقد وافقه على ذلك الليث بن سعد، ولا نعلم ~~أحدا قال ذلك غيرهما. قال: ولا يصح ذلك في النظر، لان من فعل ذلك فهو غير ~~لامس لامرأته، وغير مماس لها في الحقيقة، إنما هو لامس لثوبها. وقد أجمعوا ~~أنه لو تلذذ واشتهى أن يلمس لم يجب عليه ms1799 وضوء، فكذلك من لمس فوق الثوب لأنه ~~غير مماس للمرأة. # قلت: أما ما ذكر من أنه لم يوافق مالكا على قوله إلا الليث بن سعد، فقد ~~ذكر الحافظ أبو عمر بن عبد البر أن ذلك قول إسحاق وأحمد، وروي ذلك عن ~~الشعبي والنخعي كلهم قالوا: إذا لمس فالتذ وجب الوضوء، وإن لم يلتذ فلا ~~وضوء. وأما قوله: (ولا يصح ذلك في النظر) فليس بصحيح، وقد جاء في صحيح ~~الخبر عن عائشة قالت: كنت أنام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي، وإذا قام بسطتهما ثانيا، ~~[قالت (1)] والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح. فهذا نص في أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان الملامس، وأنه غمز رجلي عائشة، كما في رواية القاسم عن عائشة ~~(فإذا أراد أن يسجد غمز رجلي فقبضتهما) أخرجه البخاري. فهذا يخص عموم قوله: ~~(أو لامستم) فكان واجبا لظاهر الآية انتقاض وضوء كل ملامس كيف (2) لامس. ~~ودلت السنة التي هي البيان لكتاب الله تعالى أن الوضوء على بعض الملامسين ~~دون بعض، وهو من لم يلتذ ولم يقصد. # PageV05P226 # ولا يقال: فلعله كان على قدمي عائشة ثوب، أو كان يضرب رجليها بكمه، فإنا ~~نقول: # حقيقة الغمز إنما هو باليد، ومنه غمزك الكبش أي تجسه لتنظر أهو سمين أم ~~لا؟ # فأما أن يكون الغمز الضرب بالكم فلا. والرجل [من النائم (1)] الغالب ~~عليها ظهورها من النائم، لا سيما مع امتداده وضيق حاله. فهذه كانت الحال في ~~ذلك الوقت، ألا ترى إلى قولها: (وإذا قام بسطتهما) وقولها: (والبيوت يومئذ ~~ليس فيها مصابيح). وقد جاء صريحا عنها قالت: (كنت أمد رجلي في قبلة النبي ~~صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فإذا سجد غمزني فرفعتهما، فإذا قام مددتهما) ~~أخرجه البخاري. فظهر أن الغمز كان على حقيقته مع المباشرة. # ودليل آخر - وهو ما روته عائشة أيضا رضي الله عنها قالت: فقدت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ليلة من الفراش فالتمسته، فوقعت يدي على بطن قدميه وهو ~~في ms1800 المسجد وهما منصوبتان، الحديث. فلما وضعت يدها على قدمه وهو ساجد وتمادى ~~في سجوده كان دليلا على أن الوضوء لا ينتقض إلا على بعض الملامسين دون بعض. # فإن قيل: كان على قدمه حائل كما قاله المزني. قيل له: القدم قدم بلا حائل ~~حتى يثبت الحائل، والأصل الوقوف مع الظاهر، بل بمجموع ما ذكرنا يجتمع منه ~~كالنص. # فإن قيل: فقد أجمعت الأمة على أن رجلا لو استكره امرأة فمس ختانه ختانها ~~وهي لا تلتذ لذلك، أو كانت نائمة فلم تلتذ ولم تشته أن الغسل واجب عليها، ~~فكذلك حكم من قبل أو لامس بشهوة أو لغير شهوة انتقضت طهارته ووجب عليه ~~الوضوء، لان المعنى في الجسة واللمس والقبلة الفعل لا اللذة. قلنا: قد ~~ذكرنا أن الأعمش وغيره قد خالف فيما ادعيتموه من الاجماع. سلمناه، لكن هذا ~~استدلال بالاجماع في محل النزاع فلا يلزم، وقد استدللنا على صحة مذهبنا ~~بأحاديث صحيحة. وقد قال الشافعي - فيما زعمتم - إنه لم يسبق إليه، وقد سبقه ~~إليه شيخه مالك، كما هو مشهور عندنا (إذا صح الحديث فخذوا به ودعوا قولي) ~~وقد ثبت الحديث بذلك فلم لا تقولون به؟! ويلزم على مذهبكم أن من ضرب امرأته ~~فلطمها بيده تأديبا لها وإغلاظا عليها أن ينتقض وضوءه، إذ المقصود وجود # PageV05P227 # الفعل، وهذا لا يقوله أحد فيما أعلم، والله أعلم. وروى الأئمة مالك وغيره ~~أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلى وأمامة بنت أبي العاص ابنة زينب بنت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على عاتقه، فإذا ركع وضعها، وإذا رفع من السجود ~~أعادها. وهذا يرد ما قاله الشافعي في أحد قوليه: لو لمس صغيرة لانتقض طهره ~~تمسكا بلفظ النساء، وهذا ضعيف، فإن لمس الصغيرة كلمس الحائط. واختلف قوله ~~في ذوات المحارم لأجل أنه لا يعتبر اللذة، ونحن اعتبرنا اللذة فحيث وجدت ~~وجد الحكم، وهو وجوب الوضوء. وأما قول الأوزاعي في اعتباره اليد خاصة، فلان ~~اللمس أكثر ما يستعمل باليد، فقصره عليه دون غيره من الأعضاء، حتى أنه لو ~~أدخل الرجل ms1801 رجليه في ثياب امرأته فمس فرجها أو بطنها لا ينتقض بذلك وضوءه. ~~وقال في الرجل يقبل امرأته: إن جاء يسألني قلت يتوضأ، وإن لم يتوضأ لم ~~أعبه. وقال أبو ثور: لا وضوء على من قبل امرأته أو باشرها أو لمسها. وهذا ~~يخرج على مذهب أبي حنيفة، والله أعلم. # السابعة والعشرون - قوله تعالى: (فلم تجدوا ماء) الأسباب التي لا يجد ~~المسافر معها الماء هي إما عدمه جملة أو عدم بعضه، وإما أن يخاف فوات ~~الرفيق، أو على (1) الرحل بسبب طلبه، أو يخاف لصوصا أو سباعا، أو فوات ~~الوقت، أو عطشا على نفسه أو على غيره، وكذلك لطبيخ يطبخه لمصلحة بدنه، فإذا ~~كان أحد هذه الأشياء تيمم وصلى. ويترتب عدمه للمريض بألا يجد من يناوله، أو ~~يخاف من ضرره. ويترتب أيضا عدمه للصحيح الحاضر بالغلاء الذي يعم جميع ~~الأصناف، أو بأن يسجن أو يربط. وقال الحسن: يشتري الرجل الماء بماله كله ~~ويبقى عديما، وهذا ضعيف، لان دين الله يسر. وقالت طائفة: يشتريه ما لم يزد ~~على القيمة الثلث فصاعدا. وقالت طائفة: يشتري قيمة الدرهم بالدرهمين ~~والثلاث ونحو هذا، وهذا كله في مذهب مالك رحمه الله. وقيل لأشهب: أتشتري ~~القربة بعشرة دراهم؟ فقال: ما أرى ذلك على الناس. وقال الشافعي بعدم ~~الزيادة. # PageV05P228 # الثامنة والعشرون - واختلف العلماء هل طلب الماء شرط في صحة التيمم أم ~~لا؟ # فظاهر مذهب مالك أن ذلك شرط، وهو قول الشافعي. وذهب القاضي أبو محمد بن ~~نصر إلى أن ذلك ليس بشرط في صحة التيمم، وهو قول أبي حنيفة. وروي عن ابن ~~عمر أنه كان يكون في السفر على غلوتين (1) من طريقه فلا يعدل إليه. قال ~~إسحاق: لا يلزمه الطلب إلا في موضعه، وذكر حديث ابن عمر، والأول أصح وهو ~~المشهور من مذهب مالك في الموطأ لقوله تعالى: (فلم تجدوا ماء) وهذا يقتضي ~~أن التيمم لا يستعمل إلا بعد طلب الماء. # وأيضا من جهة القياس أن هذا بدل مأمور به عند العجز عن مبدله، فلا يجزئ ~~فعله إلا مع تيقن ms1802 عدم مبدله، كالصوم مع العتق في الكفارة. # التاسعة والعشرون - وإذا ثبت هذا وعدم الماء، فلا يخلو أن يغلب على ظن ~~المكلف اليأس من وجوده في الوقت، أو يغلب على ظنه وجوده ويقوى رجاؤه له، أو ~~يتساوى عنده الأمران، فهذه ثلاثة أحوال: # فالأول - يستحب له التيمم والصلاة في أول الوقت: لأنه إذا فاتته فضيلة ~~الماء فإنه يستحب له أن يحرز فضيلة أول الوقت. # الثاني - يتيمم وسط الوقت، حكاه أصحاب مالك عنه، فيؤخر الصلاة رجاء إدراك ~~فضيلة الماء ما لم تفته فضيلة أول الوقت، فإن فضيلة أول الوقت قد تدرك ~~بوسطه لقربه منه. # الثالث - يؤخر الصلاة إلى أن يجد الماء في آخر الوقت، لان فضيلة الماء ~~أعظم من فضيلة أول الوقت، لان فضيلة أول الوقت مختلف فيها، وفضيلة الماء ~~متفق عليها، وفضيلة أول الوقت يجوز تركها دون ضرورة ولا يجوز ترك فضيلة ~~الماء إلا لضرورة، والوقت في ذلك هو آخر الوقت المختار، قاله ابن حبيب. ولو ~~علم وجود الماء في آخر الوقت فتيمم في أوله وصلى فقد قال ابن القاسم: ~~يجزئه، فإن وجد الماء أعاد في الوقت خاصة. # وقال عبد الملك بن الماجشون: إن وجد الماء بعد (2) أعاد أبدا. # PageV05P229 # الموفية ثلاثين - والذي يراعى من وجود الماء أن يجد منه ما يكفيه ~~لطهارته، فإن وجد أقل من كفايته تيمم ولم يستعمل ما وجد منه. وهذا قول مالك ~~وأصحابه، وبه قال أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه، وهو قول أكثر العلماء، ~~لان الله تعالى جعل فرضه أحد الشيئين، إما الماء وإما التراب. فإن لم يكن ~~(1) الماء مغنيا عن التيمم كان غير موجود شرعا، لان المطلوب من وجوده ~~الكفاية. وقال الشافعي في القول الآخر: يستعمل ما معه من الماء ويتيمم، ~~لأنه واجد ماء فلم يتحقق شرط التيمم، فإذا استعمله وفقد الماء تيمم لما لم ~~يجد. واختلف قول الشافعي أيضا فيما إذا نسي الماء في رحله فتيمم، والصحيح ~~أنه يعيد، لأنه إذا كان الماء عنده فهو واجد وإنما فرط. والقول الآخر لا ~~يعيد، وهو قول مالك، ms1803 لأنه إذا لم يعلمه فلم يجده. # الحادية والثلاثون - وأجاز أبو حنيفة الوضوء بالماء المتغير، لقوله ~~تعالى: (فلم تجدوا ماء) فقال: هذا نفي في نكرة، وهو يعم لغة، فيكون مفيدا ~~جواز الوضوء بالماء المتغير وغير المتغير، لانطلاق اسم الماء عليه. قلنا: ~~النفي في النكرة يعم كما قلتم، ولكن في الجنس، فهو عام في كل ماء كان من ~~سماء أو نهر أو عين عذب أو ملح. فأما غير الجنس وهو المتغير فلا يدخل فيه، ~~كما لا يدخل فيه ماء الباقلاء ولا ماء الورد، وسيأتي حكم المياه في ~~(الفرقان (2))، إن شاء الله تعالى. # الثانية والثلاثون - وأجمعوا على أن الوضوء والاغتسال لا يجوز بشئ من ~~الأشربة سوى النبيذ عند عدم الماء، وقوله تعالى: (فلم تجدوا ماء فتيمموا) ~~يرده. والحديث الذي فيه ذكر الوضوء بالنبيذ رواه ابن مسعود، وليس بثابت، ~~لان الذي رواه أبو زيد، وهو مجهول لا يعرف بصحبة عبد الله، قاله ابن المنذر ~~وغيره. وسيأتي في (الفرقان (2)) بيانه إن شاء الله تعالى. # الثالثة والثلاثون - الماء الذي يبيح عدمه التيمم هو الطاهر المطهر ~~الباقي على أو صاف خلقته. وقال بعض من ألف في أحكام القرآن لما قال تعالى: ~~(فلم تجدوا ماء فتيمموا) # PageV05P230 # فإنما أباح التيمم عند عدم كل جزء من ماء، لأنه لفظ منكر يتناول كل جزء ~~منه، سواء كان مخالطا لغيره أو منفردا بنفسه. ولا يمتنع أحد أن يقول في ~~نبيذ التمر ماء، فلما (1) كان كذلك لم يجز التيمم مع وجوده. وهذا مذهب ~~الكوفيين أبي حنيفة وأصحابه، واستدلوا على ذلك بأخبار ضعيفة يأتي ذكرها في ~~سورة (الفرقان)، وهناك يأتي القول في الماء إن شاء الله تعالى. # الرابعة والثلاثون - قوله تعالى: (فتيمموا) التيمم مما خصت به هذه الأمة ~~توسعة عليها، قال صلى الله عليه وسلم: (فضلنا على الناس بثلاث جعلت لنا ~~الأرض كلها مسجدا وجعلت تربتها لنا طهورا) وذكر الحديث، وقد تقدم ذكر ~~نزوله، وذلك بسبب القلادة حسبما بيناه. وقد تقدم ذكر الأسباب التي تبيحه، ~~والكلام ها هنا في معناه لغة وشرعا، وفي صفته ms1804 وكيفيته وما يتيمم به وله، ~~ومن يجوز له التيمم، وشروط التيمم إلى غير ذلك من أحكامه. # فالتيمم لغة هو القصد. تيممت الشئ قصدته، وتيممت الصعيد تعمدته، وتيممته ~~برمحي وسهمي أي قصدته دون من سواه. وأنشد الخليل (2): # يممته الرمح شزرا (3) ثم قلت له * هذي البسالة (4) لا لعب الزحاليق (5) ~~قال الخليل: من قال [في هذا البيت (6)] أممته فقد أخطأ، لأنه قال: (شزرا) ~~ولا يكون الشزر إلا من ناحية ولم يقصد به أمامه. وقال امرؤ القيس: # تيممتها (7) من أذرعات وأهلها * بيثرب أدنى دارها نظر عال # PageV05P231 # وقال أيضا: # تيممت العين التي عند ضارج * يفئ عليها الظل عرمضها طامى (1) آخر: # إني كذاك إذا ما ساءني بلد * يممت (2) بعيري غيره بلدا وقال أعشى بأهلة: # تيممت قيسا وكم دونه * من الأرض من مهمه ذي شزن (3) وقال حميد بن ثور: # سل الربع أنى يممت أم طارق * وهل عادة للربع أن يتكلما وللشافعي رضي الله ~~عنه: # علمي معي حيثما يممت أحمله * بطني وعاء له لا بطن صندوق قال ابن السكيت: ~~قوله تعالى: (فتيمموا صعيدا طيبا) أي اقصدوا، ثم كثر استعمالهم لهذه الكلمة ~~حتى صار التيمم مسح الوجه واليدين بالتراب. وقال ابن الأنباري في قولهم: ~~(قد تيمم الرجل) معناه قد مسح التراب على وجهه ويديه. # قلت: وهذا هو التيمم الشرعي، إذا كان المقصود به القربة. ويممت المريض ~~فتيمم للصلاة. ورجل ميمم يظفر بكل ما يطلب، عن الشيباني. وأنشد: # إنا وجدنا أعصر بن سعد * ميمم البيت رفيع المجد وقال آخر: # أزهر لم يولد بنجم الشح * ميمم البيت كريم السنح (4) # PageV05P232 # الخامسة والثلاثون - لفظ التيمم ذكره الله تعالى في كتابه في (البقرة ~~(1)) وفي هذه السورة و (المائدة (2)) والتي في هذه السورة هي آية التيمم. ~~والله أعلم. وقال القاضي أبو بكر ابن العربي: هذه معضلة ما وجدت لدائها من ~~دواء عند أحد، هما آيتان فيهما ذكر التيمم [إحداهما (3)] في (النساء) ~~والأخرى في (المائدة). فلا نعلم أية آية عنت عائشة بقولها: # (فأنزل الله آية التيمم). ثم قال: وحديثها يدل على أن التيمم قبل ذلك لم ms1805 ~~يكن معلوما ولا مفعولا لهم. # قلت: أما قوله: (فلا نعلم أية آية عنت عائشة) فهي هذه الآية على ما ~~ذكرنا. والله أعلم. وقوله: (وحديثها يدل على أن التيمم قبل ذلك لم يكن ~~معلوما ولا مفعولا لهم) فصحيح ولا خلاف فيه بين أهل السير، لأنه معلوم أن ~~غسل الجنابة لم يفترض قبل الوضوء، كما أنه معلوم عند جميع أهل السير أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم منذ افترضت عليه الصلاة بمكة لم يصل إلا بوضوء ~~مثل وضوئنا اليوم فدل على أن آية الوضوء إنما نزلت ليكون فرضها المتقدم ~~متلوا في التنزيل. وفي قوله: (فنزلت آية التيمم) ولم يقل آية الوضوء ما ~~يبين أن الذي طرأ لهم من العلم في ذلك الوقت حكم التيمم لا حكم الوضوء، ~~وهذا بين لا إشكال فيه. # السادسة والثلاثون - التيمم يلزم كل مكلف لزمته الصلاة إذا عدم الماء ~~ودخل، وقت الصلاة. وقال أبو حنيفة وصاحبا والمزني صاحب الشافعي: يجوز قبله، ~~لان طلب الماء عندهم ليس بشرط قياسا على النافلة، فلما جاز التيمم للنافلة ~~دون طلب الماء جاز أيضا للفريضة. واستدلوا من السنة بقوله عليه السلام لأبي ~~ذر: (الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو لم يجد الماء عشر حجج). فسمى عليه ~~السلام الصعيد وضوءا كما يسمى الماء، فحكمه إذا حكم (4) الماء. والله أعلم. ~~ودليلنا قوله تعالى: (فلم تجدوا ماء) ولا يقال: لم يجد الماء إلا لمن طلب ~~ولم يجد. وقد تقدم هذا المعنى، ولأنها طهارة ضرورة كالمستحاضة، ولأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: (فأينما أدركتك الصلاة تيممت وصليت). وهو قول ~~الشافعي وأحمد، وهو مروي عن علي وابن عمر وابن عباس. # PageV05P233 # السابعة والثلاثون - وأجمع العلماء على أن التيمم لا يرفع الجنابة ولا ~~الحدث، وأن المتيمم لهما إذا وجد الماء عاد جنبا كما كان أو محدثا، لقوله ~~عليه السلام لأبي ذر: (إذا وجدت الماء فأمسه جلدك) إلا شئ روي عن أبي سلمة ~~بن عبد الرحمن، رواه ابن جريج وعبد الحميد بن جبير بن شيبة عنه، ورواه ابن ~~أبي ذئب عن ms1806 عبد الرحمن بن حرملة عنه قال في الجنب المتيمم يجد الماء وهو ~~على طهارته: لا يحتاج إلى غسل ولا وضوء حتى يحدث. # وقد روي عنه فيمن تيمم وصلى ثم وجد الماء في الوقت أنه يتوضأ ويعيد تلك ~~الصلاة. قال ابن عبد البر: وهذا تناقض وقلة روية. ولم يكن أبو سلمة عندهم ~~يفقه كفقه أصحابه التابعين بالمدينة. # الثامنة والثلاثون - وأجمعوا على أن من تيمم على ثم وجد الماء قبل الدخول ~~في الصلاة بطل تيممه، وعليه استعمال الماء. والجمهور على أن من تيمم وصلى ~~وفرغ من صلاته، وقد كان اجتهد طلبه الماء ولم يكن في رحله أن صلاته تامة، ~~لأنه أدى فرضه كما أمر. فغير جائز أن توجب عليه الإعادة بغير حجة. ومنهم من ~~استحب له أن يعيد في الوقت إذا توضأ واغتسل. # وروي عن طاوس وعطاء والقاسم بن محمد ومكحول وابن سيرين والزهري وربيعة ~~كلهم يقول: يعيد الصلاة. واستحب الأوزاعي ذلك وقال: ليس بواجب، لما رواه ~~أبو سعيد الخدري قال: خرج رجلان في سفر فحضرت الصلاة وليس معهما ماء فتيمما ~~صعيدا طيبا فصليا، ثم وجدا الماء في الوقت فأعاد أحدهما الصلاة بالوضوء ولم ~~يعد الآخر، ثم أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرا ذلك له فقال للذي ~~لم يعد: (أصبت السنة وأجزأتك صلاتك) وقال للذي توضأ وأعاد: (لك الاجر ~~مرتين). أخرجه أبو داود وقال: وغير [ابن (1)] نافع يرويه عن الليث عن عميرة ~~بن أبي ناجية عن بكر بن سوادة عن عطاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وذكر ~~أبي سعيد في هذا الاسناد ليس بمحفوظ. وأخرجه الدارقطني وقال فيه: ثم وجد ~~الماء بعد [في (2)] الوقت. # PageV05P234 # التاسعة والثلاثون - واختلف العلماء إذا وجد الماء بعد دخول في الصلاة، ~~فقال مالك: ليس عليه قطع الصلاة واستعمال الماء وليتم صلاته وليتوضأ لما ~~يستقبل، وبهذا قال الشافعي واختاره ابن المنذر. وقال أبو حنيفة وجماعة منهم ~~أحمد بن حنبل والمزني: # يقطع ويتوضأ ويستأنف الصلاة لوجود الماء. وحجتهم أن التيمم لما بطل بوجود ~~الماء قبل الصلاة فكذلك ms1807 يبطل ما بقي منها، وإذا بطل بعضها بطل كلها، لاجماع ~~العلماء على أن المعتدة بالشهور لا يبقى عليها إلا أقلها ثم تحيض أنها ~~تستقبل عدتها بالحيض. قالوا: والذي يطرأ عليه الماء وهو في الصلاة كذلك ~~قياسا ونظرا. ودليلنا قوله تعالى: (ولا تبطلوا أعمالكم (1)). # وقد اتفق الجميع على جواز الدخول في. الصلاة بالتيمم عند عدم الماء، ~~واختلفوا في قطعها إذا روي الماء، ولم تثبت سنة بقطعها ولا إجماع. ومن ~~حجتهم أيضا أن من وجب عليه الصوم في ظهار أو قتل فصام منه أكثره ثم وجد ~~رقبة لا يلغى صومه ولا يعود إلى الرقبة. # وكذلك من دخل في الصلاة بالتيمم لا يقطعها ولا يعود إلى الوضوء بالماء. # الموفية أربعين - واختلفوا هل يصلى به صلوات أم يلزم التيمم لكل صلاة فرض ~~ونفل، فقال شريك بن عبد الله القاضي: يتيمم لكل صلاة نافلة وفريضة. وقال ~~مالك لكل فريضة، لان عليه أن يبتغي الماء لكل صلاة، فمن ابتغى الماء فلم ~~يجده فإنه يتيمم. وقال أبو حنيفة والثوري والليث والحسن بن حي وداود: يصلي ~~ما شاء بتيمم واحد ما لم يحدث، لأنه طاهر ما لم يجد الماء، وليس عليه طلب ~~الماء إذا يئس منه. وما قلناه أصح، لان الله عز وجل أوجب على كل قائم إلى ~~الصلاة طلب الماء، وأوجب عند عدمه التيمم لاستباحة الصلاة قبل خروج الوقت، ~~فهي طهارة ضرورة ناقصة بدليل إجماع المسلمين على بطلانها بوجود الماء وإن ~~لم يحدث، وليس كذلك الطهارة بالماء. وقد ينبني هذا الخلاف أيضا في جواز ~~التيمم قبل دخول الوقت، فالشافعي وأهل المقالة الأولى لا يجوزونه، لأنه لما ~~قال الله تعالى (فلم تجدوا ماء فتيمموا) ظهر منه تعلق أجزاء التيمم ~~بالحاجة، ولا حاجة قبل الوقت. # وعلى هذا لا يصلى فرضين بتيمم واحد، وهذا بين. واختلف علماؤنا فيمن صلى ~~صلاتي فرض # PageV05P235 # بتيمم واحد، فروى يحيى بن يحيى عن ابن القاسم: يعيد الثانية ما دام في ~~الوقت. وروى أبو زيد بن أبي الغمر عنه: يعيد أبدا. وكذلك روي عن مطرف وابن ms1808 ~~الماجشون يعيد الثانية أبدا. وهذا الذي يناظر عليه أصحابنا، لان طلب الماء ~~شرط. وذكر ابن عبدوس أن ابن نافع روى عن مالك في الذي يجمع بين الصلاتين ~~أنه يتيمم لكل صلاة. وقال أبو الفرج فيمن ذكر صلوات: إن قضاهن بتيمم واحد ~~فلا شئ عليه وذلك جائز له. وهذا على أن طلب الماء ليس بشرط. والأول أصح. ~~والله أعلم. # الحادية والأربعون - قوله تعالى: (صعيدا طيبا) الصعيد: وجه الأرض كان ~~عليه تراب أو لم يكن، قاله الخليل وابن الأعرابي والزجاج. قال الزجاج: لا ~~أعلم فيه خلافا بين أهل اللغة، قال الله تعالى: (وإنا لجاعلون ما عليها ~~صعيدا جزرا (1)) أي أرضا غليظة لا تنبت شيئا. وقال تعالى (فتصبح صعيدا زلقا ~~(1)). ومنه قول ذي الرمة: # كأنه بالضحى ترمي الصعيد به * دبابة في عظام الرأس خرطوم (2) وإنما سمي ~~صعيدا لأنه نهاية ما يصعد إليه من الأرض. وجمع الصعيد صعدات، ومنه الحديث ~~(إياكم والجلوس في الصعدات (3)). واختلف العلماء (4) فيه من أجل تقييده ~~بالطيب، فقالت طائفة: يتيمم بوجه الأرض كله ترابا كان أو رملا أو حجارة أو ~~معدنا أو سبخة. # هذا مذهب مالك وأبي حنيفة والثوري والطبري. و (طيبا) معناه طاهرا. وقالت ~~فرقة: # (طيبا) حلالا، وهذا قلق. وقال الشافعي وأبو يوسف: الصعيد التراب المنبت ~~وهو الطيب، قال الله تعالى: (والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه (5)) فلا ~~يجوز التيمم عندهم على غيره. وقال الشافعي: لا يقع الصعيد إلا على تراب ذي ~~غبار. وذكر عبد الرزاق عن ابن عباس أنه سئل أي الصعيد أطيب؟ فقال: الحرث. ~~قال أبو عمر: وفي قول ابن عباس هذا ما يدل على أن الصعيد يكون غير أرض ~~الحرث. وقال علي رضي الله عنه: هو التراب # PageV05P236 # خاصة. وفي كتاب الخليل: تيمم بالصعيد، أي خذ من غباره، حكاه ابن فارس. ~~وهو يقتضي التيمم بالتراب فإن الحجر الصلد لا غبار عليه. وقال الكيا الطبري ~~واشترط الشافعي أن يعلق التراب باليد ويتيمم به نقلا إلى أعضاء التيمم، ~~كالماء ينقل إلى أعضاء الوضوء. # قال الكيا: ولا شك أن لفظ ms1809 الصعيد ليس نصا فيما قال الشافعي، إلا أن قول ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: (جعلت لي الأرض مسجدا وترابها طهورا) بين ~~ذلك. # قلت: فاستدل أصحاب هذه المقالة بقوله عليه السلام: (وجعلت تربتها لنا ~~طهورا) وقالوا: هذا من باب المطلق والمقيد وليس كذلك، وإنما هو من باب النص ~~على بعض أشخاص العموم، كما قال تعالى: (فيهما فاكهة ونخل ورمان (1)) وقد ~~ذكرناه في (البقرة) عند قوله (وملائكته ورسله وجبريل وميكائيل (2)). وقد ~~حكى أهل اللغة أن الصعيد اسم لوجه الأرض كما ذكرنا، وهو نص القرآن كما ~~بينا، وليس بعد بيان الله بيان. وقال صلى الله عليه وسلم للجنب: (عليك ~~بالصعيد فإنه يكفيك) وسيأتي. ف (صعيدا) على هذا ظرف مكان. # ومن جعله للتراب فهو مفعول به بتقدير حذف الباء أي بصعيد. و (طيبا) نعت ~~له. ومن جعل (طيبا) بمعنى حلالا نصبه على الحال أو المصدر. # الثانية والأربعون - وإذا تقرر هذا فأعلم أن مكان الاجماع مما (3) ذكرناه ~~أن يتيمم الرجل على تراب منبت طاهر غير منقول ولا مغصوب. ومكان الاجماع في ~~المنع أن يتيمم الرجل على الذهب الصرف والفضة والياقوت والزمرد والأطعمة ~~كالخبز واللحم وغيرهما، أو على النجاسات. واختلف في غير هذا كالمعادن، ~~فأجيز وهو مذهب مالك وغيره. ومنع وهو مذهب الشافعي وغيره. وقال ابن خويز ~~منداد: ويجوز عند مالك التيمم على الحشيش إذا كان دون الأرض، واختلف عنه في ~~التيمم على الثلج ففي المدونة والمبسوط جوازه، وفي غيرهما منعه. واختلف ~~المذهب في التيمم على العود، فالجمهور على المنع. وفي مختصر الوقار (4) أنه ~~جائز. # PageV05P237 # وقيل: بالفرق بين أن يكون منفصلا أو متصلا فأجيز على المتصل ومنع في ~~المنفصل. وذكر الثعلبي أن مالكا قال: لو ضرب بيده على شجرة ثم مسح بها ~~أجزأه. قال: وقال الأوزاعي والثوري: يجوز بالأرض وكل ما عليها من الشجر ~~والحجر والمدر وغيرها، حتى قالا: لو ضرب بيده على الجمد والثلج (1) أجزأه. ~~قال ابن عطية: وأما التراب المنقول من طين أو غيره فجمهور المذهب على جواز ~~التيمم به، وفي المذهب المنع ms1810 وهو في غير المذهب أكثر، وأما ما طبخ كالجص ~~والآجر ففيه في المذهب قولان: الإجازة والمنع، وفي التيمم على الجدار خلاف. # قلت: والصحيح الجواز لحديث أبي جهيم بن الحارث بن الصمة الأنصاري قال: # أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من نحو بئر جمل فلقيه رجل فسلم عليه، ~~فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ~~ويديه، ثم رد عليه السلام. أخرجه البخاري. وهو دليل على صحة التيمم بغبر ~~التراب كما يقول مالك ومن وافقه. ويرد على الشافعي ومن تابعه في أن الممسوح ~~به تراب طاهر ذو غبار يعلق باليد. وذكر النقاش عن ابن علية وابن كيسان ~~أنهما أجازا التيمم بالمسك والزعفران. قال ابن عطية: وهذا خطأ بحت من جهات. ~~قال أبو عمر: وجماعة العلماء على إجازة التيمم بالسباخ إلا إسحاق ابن ~~راهويه. وروي عن ابن عباس فيمن أدركه التيمم وهو في طين قال يأخذ من الطين ~~فيطلي به بعض جسده، فإذا جف تيمم به. وقال الثوري وأحمد: يجوز التيمم بغبار ~~اللبد. # قال الثعلبي: وأجاز أبو حنيفة التيمم بالكحل والزرنيخ والنورة والجص ~~والجوهر المسحوق. # قال: فإذا تيمم بسحالة (2) الذهب والفضة والصفر (3) والنحاس والرصاص لم ~~يجزه، لأنه ليس من جنس الأرض. # الثالثة والأربعون - قوله تعالى: (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم) المسح لفظ ~~مشترك يكون بمعنى الجماع، يقال: مسح الرجل المرأة إذا جامعها. والمسح: مسح ~~الشئ بالسيف # PageV05P238 # وقطعه به. ومسحت الإبل يومها إذا سارت. والمسحاء المرأة الرسحاء التي لا ~~است لها. # وبفلان مسحة من جمال. والمراد هنا بالمسح عبارة عن جر اليد على الممسوح ~~خاصة، فإن كان بآلة فهو عبارة عن نقل الآلة إلى اليد وجرها على الممسوح، ~~وهو مقتضى قوله تعالى في آية المائدة: (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه (1)). ~~فقوله (منه) يدل على أنه لا بد من نقل التراب إلى محل التيمم. وهو مذهب ~~الشافعي ولا نشترطه نحن، لان النبي صلى الله عليه وسلم لما وضع يديه على ~~الأرض ورفعهما نفخ فيهما، وفي رواية: نفض. وذلك يدل على ms1811 عدم اشتراط الآلة، ~~يوضحه تيممه على الجدار. قال الشافعي: لما لم يكن بد في مسح الرأس بالماء ~~من بلل ينقل إلى الرأس، فكذلك المسح بالتراب لا بد من النقل. ولا خلاف في ~~أن حكم الوجه في التيمم والوضوء الاستيعاب وتتبع مواضعه، وأجاز بعضهم ألا ~~يتتبع كالغضون في الخفين وما بين الأصابع في الرأس، وهو في المذهب قول محمد ~~بن مسلمة، حكاه ابن عطية. وقال الله عز وجل: (بوجوهكم وأيديكم) فبدأ بالوجه ~~قبل اليدين وبه قال الجمهور. ووقع في البخاري من حديث عمار في (باب التيمم ~~ضربة) ذكر اليدين قبل الوجه. وقاله بعض أهل العلم قياسا على تنكيس الوضوء. # الرابعة والأربعون - واختلف العلماء أين يبلغ بالتيمم في اليدين، فقال ~~ابن شهاب: # إلى المناكب. وروي عن أبي بكر الصديق. وفي مصنف أبي داود عن الأعمش أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح إلى أنصاف ذراعيه. قال ابن عطية: ولم يقل ~~أحد بهذا الحديث فيما حفظت. وقيل: يبلغ به إلى المرفقين قياسا على الوضوء. ~~وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأصحابهما والثوري وابن أبي سلمة والليث كلهم ~~يرون بلوغ المرفقين بالتيمم فرضا واجبا. وبه قال محمد بن عبد الله بن عبد ~~الحكم وابن نافع، وإليه ذهب إسماعيل القاضي. # قال ابن نافع: من تيمم إلى الكوعين أعاد الصلاة أبدا. وقال مالك في ~~المدونة: يعيد في الوقت. وروى التيمم إلى المرفقين عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم جابر بن عبد الله وابن عمر # PageV05P239 # وبه كان يقول. قال الدارقطني: سئل قتادة عن التيمم في السفر فقال: كان ~~ابن عمر يقول إلى المرفقين. وكان الحسن وإبراهيم النخعي يقولان إلى ~~المرفقين. قال: وحدثني محدث عن الشعبي عن عبد الرحمن بن أبزى عن عمار بن ~~ياسر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # (إلى المرفقين). قال أبو إسحاق: فذكرته لأحمد بن حنبل فعجب منه وقال ما ~~أحسنه!. # وقالت طائفة: يبلغ به إلى الكوعين وهما الرسغان. روي عن علي بن أبي طالب ~~والأوزاعي وعطاء والشعبي في رواية، وبه قال ms1812 أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ~~وداود بن علي والطبري. # وروي عن مالك وهو قول الشافعي في القديم. وقال مكحول: اجتمعت أنا والزهري ~~فتذاكرنا التيمم فقال الزهري: المسح إلى الآباط. فقلت: عمن أخذت هذا؟ فقال: ~~عن كتاب الله عز وجل، إن الله تعالى يقول: (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم) فهي ~~يد كلها. قلت له: # فإن الله تعالى يقول: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما (1)) فمن أين ~~تقطع اليد؟ قال: # فخصمته. وحكي عن الدراوردي (2) أن الكوعين فرض والآباط فضيلة. قال ابن ~~عطية: # هذا قول لا يعضده قياس ولا دليل، وإنما عمم قوم لفظ اليد فأوجبوه من ~~المنكب: وقاس قوم علي الوضوء فأوجبوه من المرافق وههنا جمهور الأمة، ووقف ~~قوم مع الحديث في الكوعين، وقيس أيضا على القطع إذ هو حكم شرعي وتطهير كما ~~هذا تطهير، ووقف قوم مع حديث عمار في الكفين. وهو قول الشعبي. # الخامسة والأربعون - واختلف العلماء أيضا هل يكفي في التيمم ضربة واحدة ~~أم لا؟ # فذهب مالك في المدونة أن التيمم بضربتين: ضربة للوجه وضربة لليدين، وهو ~~قول الأوزاعي والشافعي وأبي حنيفة وأصحابهم، والثوري والليث وابن أبي سلمة. ~~ورواه جابر بن عبد الله وابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال ابن ~~أبي الجهم: التيمم بضربة واحدة. وروي عن الأوزاعي في الأشهر عنه، وهو قول ~~عطاء والشعبي في رواية. وبه قال أحمد بن حنبل وإسحاق وداود والطبري. وهو ~~أثبت ما روي في ذلك من حديث عمار. قال مالك في كتاب محمد: إن تيمم بضربة ~~واحدة أجزأه. وقال ابن نافع: يعيد أبدا. قال أبو عمر وقال ابن # PageV05P240 # أبي ليلى والحسن بن حي: ضربتان، يمسح بكل ضربة منهما وجهه وذراعيه ~~ومرفقيه. # ولم يقل بذلك أحد من أهل العلم غيرهما. قال أبو عمر: لما اختلفت الآثار ~~في كيفية التيمم وتعارضت كان الواجب في ذلك الرجوع إلى ظاهر الكتاب، وهو ~~يدل على ضربتين ضربة للوجه، ولليدين أخرى إلى المرفقين، قياسا على الوضوء ~~واتباعا لفعل ابن عمر، فإنه من لا يدفع علمه بكتاب الله. ولو ثبت ms1813 عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم في ذلك شئ وجب الوقوف عنده. وبالله التوفيق. # قوله تعالى: (ان الله كان عفوا غفورا) أي لم يزل كائنا يقبل العفو وهو ~~السهل، ويغفر الذنب أي يستر عقوبته فلا (1) يعاقب. # قوله تعالى: ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ~~ويريدون أن تضلوا السبيل (44) والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله وليا وكفى ~~بالله نصيرا (45) من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا ~~وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين ولو أنهم قالوا ~~سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم ~~فلا يؤمنون الا قيلا (46) يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا ~~مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما ~~لعنا أصحاب السبت وكان أمر الله مفعولا (47) أن الله لا يغفر أن يشرك به ~~ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى اثما عظيما (48) ألم ~~تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكى من يشاء ولا يظلمون فتيلا (49) # PageV05P241 # انظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به اثما مبينا (50) ألم تر إلى ~~الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا ~~هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا (51) أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن ~~الله فلن تجد له نصيرا (52) أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس ~~نقيرا (53) قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب) إلى قوله ~~تعالى: (فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه) الآية (1). # نزلت في يهود المدينة وما والاها. قال ابن إسحاق: وكان رفاعة بن زيد بن ~~التابوت من عظماء يهود، إذا كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم لوى لسانه ~~وقال: أرعنا سمعك (2) يا محمد حتى نفهمك، ثم طعن في الاسلام وعابه فأنزل ~~الله عز وجل (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب) إلى قوله (قليلا). ~~ومعنى (يشترون) يستبدلون فهو في موضع نصب على الحال، وفي ms1814 الكلام حذف تقديره ~~يشترون الضلالة بالهدى، كما قال تعالى (أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى ~~(3)) قاله القتبي وغيره. (ويريدون أن تضلوا السبيل) عطف عليه، والمعنى ~~تضلوا طريق الحق. وقرأ الحسن: (تضلوا) بفتح الضاد أي عن السبيل. # قوله تعالى: (والله أعلم بأعدائكم) يريد منكم، فلا تستصحبوهم فإنهم ~~أعداؤكم. # ويجوز أن يكون (أعلم) بمعنى عليم، كقوله تعالى (وهو أهون عليه (4)) أي ~~هين. (وكفى بالله وليا) الباء زائدة، زيدت لان المعنى اكتفوا بالله فهو ~~يكفيكم أعداءكم. و (وليا) و (نصيرا) نصب على البيان، وإن شئت على الحال. # قوله تعالى: (من الذين هادوا) قال الزجاج: إن جعلت (من) متعلقة بما قبل ~~فلا يوقف على قوله (نصيرا)، وإن جعلت منقطعة فيجوز الوقف على (نصيرا) ~~والتقدير # PageV05P242 # من الذين هادوا قوم يحرفون الكلم، ثم حذف. وهذا مذهب سيبويه، وأنشد ~~النحويون: # لو قلت ما في قومها لم تيثم (1) * يفضلها في حسب ومبسم قالوا: المعنى لو ~~قلت ما في قومها أحد يفضلها، ثم حذف. وقال الفراء المحذوف (من) المعنى: من ~~الذين هادوا من يحرفون. وهذا كقوله تعالى: (وما منا إلا له مقام معلوم (2)) ~~أي من له. وقال ذو الرمة: # فظلوا ومنهم دمعه سابق (3) له * وآخر يذري (3) عبرة العين بالهمل يريد ~~ومنهم من دمعه، فحذف الموصول. وأنكره المبرد والزجاج، لان حذف الموصول كحذف ~~بعض الكلمة. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وإبراهيم النخعي (الكلام). قال ~~النحاس: # و (الكلم) في هذا أولى، لأنهم إنما يحرفون كلم النبي صلى الله عليه وسلم، ~~أو ما عندهم في التوراة وليس يحرفون جميع الكلام، ومعنى (يخرفون) يتأولونه ~~على غير تأويله. وذمهم الله تعالى بذلك لأنهم يفعلونه متعمدين. وقيل: (عن ~~مواضعه) يعنى صفة النبي صلى الله عليه وسلم. # (ويقولون سمعنا وعصينا) أي سمعنا قولك وعصينا أمرك. (واسمع غير مسمع) قال ~~ابن عباس: كانوا يقولون النبي صلى الله عليه وسلم: اسمع لاسمعت، هذا مرادهم ~~- لعنهم الله - وهم يظهرون أنهم يريدون اسمع غير مسمع مكروها ولا أذى. وقال ~~الحسن ومجاهد: معناه غير مسمع منك، أي مقبول ولا مجاب إلى ما ms1815 تقول. قال ~~النحاس: ولو كان كذلك لكان غير مسموع منك. وتقدم القول في (راعنا (4)). ~~ومعنى (ليا بألسنتهم) أي يلوون ألسنتهم عن الحق أي يميلونها إلى ما في ~~قلوبهم. وأصل اللي القتل، وهو نصب على المصدر، وان شئت كان مفعولا من أجله. ~~وأصله لويا ثم أدغمت الواو في الياء. (وطعنا) معطوف عليه أي يطعنون في ~~الذين، أي يقولون لأصحابهم لو كان نبيا لدرى أننا نسبه، فأظهر الله تعالى ~~نبيه على ذلك فكان من علامات نبوته، ونهاهم عن هذا القول. ومعنى (أقوم) ~~أصوب لهم # PageV05P243 # في الرأي (فلا يؤمنون إلا قليلا) أي إلا إيمانا قليلا لا يستحقون به اسم ~~الايمان. وقيل: # معناه لا يؤمنون إلا قليلا منهم، وهذا بعيد لأنه عز وجل قد أخبر عنهم أنه ~~لعنهم بكفرهم. # قوله تعالى: (يا أيها الذين أتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا) قال ابن إسحاق: ~~كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤساء من أحبار يهود منهم عبد الله بن ~~صوريا الأعور وكعب بن أسد فقال لهم: (يا معشر يهود اتقوا الله وأسلموا ~~فوالله إنكم لتعلمون أن الذي جئتكم به الحق) قالوا: ما نعرف ذلك يا محمد. ~~وجحدوا ما عرفوا وأصروا على الكفر، فأنزل الله عز وجل فيهم (يا أيها الذين ~~أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها) إلى ~~آخر الآية. # (مصدقا لما معكم) نصب على الحال. (من قبل أن نطمس وجوها) الطمس استئصال ~~أثر الشئ، ومنه قوله تعالى: (فإذا النجوم طمست (1)). ونطمس ونطمس بكسر ~~الميم وضمها في المستقبل لغتان. ويقال في الكلام: طسم يطسم ويطسم بمعنى ~~طمس، يقال: طمس الأثر وطسم أي امحى، كله لغات، ومنه قوله تعالى: (ربنا اطمس ~~على أموالهم (2)) أي أهلكها، عن ابن عرفة. ويقال: طمسته فطمس لازم ومتعد. ~~وطمس الله بصره، وهو مطموس البصر إذا ذهب أثر العين، ومنه قوله تعالى: (ولو ~~نشاء لطمسنا على أعينهم (3)) يقول أعميناهم. # واختلف العلماء في المعنى المراد بهذه الآية، هل هو حقيقة فيجعل الوجه ~~كالقفا فيذهب بالأنف والفم والحاجب والعين. ms1816 أو ذلك عبارة عن الضلالة في ~~قلوبهم وسلبهم التوفيق؟ # قولان. روي عن أبي بن كعب أنه قال: (من قبل أن نطمس) من قبل أن نضلكم ~~إضلالا لا تهتدون بعده. يذهب إلى أنه تمثيل وأنهم إن لم يؤمنوا فعل هذا بهم ~~عقوبة. # وقال قتادة: معناه من قبل أن نجعل الوجوه أقفاء. أي يذهب بالأنف والشفاه ~~والأعين والحواجب، هذا معناه عند أهل اللغة. وروي عن ابن عباس وعطية ~~العوفي: أن الطمس أن تزال العينان خاصة وترد في القفا، فيكون ذلك ردا على ~~الدبر ويمشي القهقرى. وقال مالك # PageV05P244 # رحمه الله: كان أول إسلام كعب الأحبار أنه مر برجل من الليل وهو يقرأ هذه ~~الآية: (يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا) فوضع كفيه على وجهه ورجع ~~القهقرى إلى بيته فأسلم مكانه وقال: # والله لقد خفت ألا أبلغ بيتي حتى يطمس وجهي. وكذلك فعل عبد الله بن سلام، ~~لما نزلت هذه الآية وسمعها أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يأتي ~~أهله وأسلم وقال: # يا رسول الله، ما كنت أدرى أن أصل إليك حتى يحول وجهي في قفاي. فإن قيل: ~~كيف جاز أن يهددهم بطمس الوجوه إن لم يؤمنوا [ثم لم يؤمنوا (1)] ولم يفعل ~~ذلك بهم، فقيل: إنه لما آمن هؤلاء ومن اتبعهم رفع الوعيد عن الباقين. وقال ~~المبرد: الوعيد باق منتظر. # وقال: لا بد من طمس في اليهود ومسخ قبل يوم القيامة. # قوله تعالى: (أو نلعنهم) أي أصحاب الوجوه (كما لعنا أصحاب السبت) أي ~~نمسخهم قردة وخنازير، عن الحسن وقتادة. وقيل: هو خروج من الخطاب إلى ~~الغيبة. (وكان أمر الله مفعولا) أي كائنا موجودا. ويراد بالامر المأمور فهو ~~مصدر وقع موقع المفعول، فالمعنى أنه متى أراده أوجده. وقيل: معناه أن كل ~~أمر أخبر بكونه فهو كائن على ما أخبر به. # قوله تعالى: (ان الله لا يغفر أن يشرك به) روي أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم تلا (إن الله يغفر الذنوب جميعا (2)) فقال له رجل: يا رسول الله ~~والشرك! فنزل (إن الله ms1817 لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء). ~~وهذا من المحكم المتفق عليه الذي لا اختلاف فيه بين الأمة. (ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشاء) من المتشابه الذي قد تكلم العلماء فيه. فقال محمد بن جرير ~~الطبري: قد أبانت هذه الآية أن كل صاحب كبيرة ففي مشيئة الله تعالى إن شاء ~~عفا عنه ذنبه، وإن شاء عاقبه عليه ما لم تكن كبيرته شركا بالله تعالى. وقال ~~بعضهم: قد بين الله تعالى ذلك بقوله: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر ~~عنكم سيئاتكم (3)) فأعلم أنه يشاء أن يغفر الصغائر لمن اجتنب الكبائر ولا ~~يغفرها لمن أتى الكبائر. وذهب بعض أهل التأويل إلى أن هذه الآية ناسخة للتي ~~في آخر (الفرقان (3)). قال زيد بن ثابت: نزلت سورة (النساء) بعد (الفرقان) ~~بستة أشهر، والصحيح أن لا نسخ، لان النسخ في الاخبار # PageV05P245 # يستحيل. وسيأتي [بيان (1)] الجمع بين الآي في هذه السورة وفي (الفرقان ~~(2)) إن شاء الله تعالى. # وفى الترمذي عن علي بن أبي طالب قال: ما في القرآن آية أحب إلي من هذه ~~الآية (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) قال: هذا ~~حديث حسن غريب. # قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم) فيه ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم) هذا اللفظ عام في ~~ظاهره ولم يختلف أحد من المتأولين في أن المراد اليهود. واختلفوا في المعنى ~~الذي زكوا به أنفسهم، فقال قتادة والحسن: ذلك قولهم: (نحن أبناء الله ~~وأحباؤه)، وقولهم: (لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى) وقال الضحاك ~~والسدي: قولهم لا ذنوب لنا وما فعلناه نهارا غفر لنا ليلا وما فعلناه ليلا ~~غفر لنا نهارا، ونحن كالأطفال في عدم الذنوب. وقال مجاهد وأبو مالك وعكرمة: ~~تقديمهم الصغار للصلاة، لأنهم لا ذنوب عليهم. وهذا يبعد من مقصد الآية. # وقال ابن عباس: ذلك قولهم آباؤنا الذين ماتوا يشفعون لنا ويزكوننا. وقال ~~عبد الله ابن مسعود: ذلك ثناء ms1818 بعضهم على بعض. وهذا أحسن ما قيل، فإنه ~~الظاهر من معنى الآية، والتزكية: التطهير والتبرية (3) من الذنوب. # الثانية: هذه الآية وقوله تعالى: (فلا تزكوا أنفسكم (4)) يقتضي الغض من ~~المزكي لنفسه بلسانه، والاعلام بأن الزاكي المزكى من حسنت أفعاله وزكاه ~~الله عز وجل فلا عبرة بتزكية الانسان نفسه، وإنما العبرة بتزكية الله له. ~~وفي صحيح مسلم عن محمد بن عمرو بن عطاء قال: سميت ابنتي برة، فقالت لي زينب ~~بنت أبي سلمة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن هذا الاسم، وسميت ~~برة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تزكوا أنفسكم الله أعلم بأهل ~~البر منكم) فقالوا: بم نسميها؟ فقال: (سموها زينب). فقد دل الكتاب والسنة ~~على المنع من تزكية الانسان نفسه، ويجري هذا المجرى ما قد كثر في هذه ~~الديار المصرية من نعتهم أنفسهم بالنعوت التي تقتضي التزكية، كزكي الدين ~~ومحي الدين وما أشبه ذلك، لكن لما كثرت قبائح المسمين بهذه الأسماء ظهر ~~تخلف هذه النعوت عن أصلها (5) فصارت لا تفيد شيئا. # PageV05P246 # الثالثة - فأما تزكية الغير ومدحه له، ففي البخاري من حديث أبي بكرة أن ~~رجلا ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم فأثنى عليه رجل خيرا، فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: # (ويحك قطعت عنق صاحبك - يقوله مرارا - إن كان أحدكم مادحا لا محالة فليقل ~~أحسب كذا وكذا إن كان يرى أنه كذلك وحسيبه الله ولا يزكي على الله أحدا) ~~فنهى صلى الله عليه وسلم أن يفرط في مدح الرجل بما ليس فيه فيدخله في ذلك ~~الاعجاب والكبر، ويظن أنه في الحقيقة بتلك المنزلة فيحمله، ذلك على تضييع ~~العمل وترك الازدياد من الفضل، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (ويحك قطعت ~~عنق صاحبك). وفي الحديث الآخر (قطعتم ظهر الرجل) حين وصفوه بما ليس فيه. ~~وعلى هذا تأول العلماء قوله صلى الله عليه وسلم: (احثوا التراب في وجوه ~~المداحين) إن المراد به المداحون في وجوههم بالباطل وبما ليس فيهم، حتى ~~يجعلوا ذلك بضاعة يستأكلون به الممدوح ms1819 ويفتنونه، فأما مدح الرجل بما فيه من ~~الفعل الحسن والامر المحمود ليكون منه ترغيبا له في أمثاله وتحريضا للناس ~~على الاقتداء به في أشباهه فليس بمداح، وإن كان قد صار مادحا بما تكلم به ~~من جميل القول فيه. وهذا راجع إلى النيات (والله يعلم المفسد من المصلح). ~~وقد مدح صلى الله عليه وسلم في الشعر والخطب والمخاطبة ولم يحث في وجوه ~~المداحين التراب، ولا أمر بذلك. كقول أبي طالب: # وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمة للأرامل وكمدح العباس ~~وحسان له في شعرهما، ومدحه كعب بن زهير، ومدح هو أيضا أصحابه فقال: (إنكم ~~لتقلون عند الطمع وتكثرون عند الفزع). وأما قوله صلى الله عليه وسلم في ~~صحيح الحديث: (لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم وقولوا: عبد الله ~~ورسوله) فمعناه لا تصفوني بما ليس في من الصفات تلتمسون بذلك مدحي، كما ~~وصفت النصارى عيسى بما لم يكن فيه، فنسبوه إلى أنه ابن الله فكفروا بذلك ~~وضلوا. وهذا يقتضي أن من رفع أمرا فوق حده وتجاوز مقداره بما ليس فيه فمعتد ~~آثم، لان ذلك لو جاز في أحد لكان أولى الخلق بذلك رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. PageV05P247 # قوله تعالى: (ولا يظلمون فتيلا) الضمير في (يظلمون) عائد على المذكورين ~~ممن زكى نفسه وممن يزكيه الله عز وجل. وغير هذين الصنفين علم أن الله تعالى ~~لا يظلمه من غير هذه الآية. والفتيل الخيط الذي في شق نواة التمرة، قاله ~~ابن عباس وعطاء ومجاهد. # وقيل: القشرة التي حول النواة بينها وبين البسرة. وقال ابن عباس أيضا ~~وأبو مالك والسدي: هو ما يخرج بين إصبعيك أو كفيك من الوسخ إذا فتلتهما، ~~فهو فعيل بمعنى مفعول. وهذا كله يرجع إلى كناية عن تحقير الشئ وتصغيره، وأن ~~الله لا يظلمه شيئا. # ومثل هذا في التحقير قوله تعالى: (ولا يظلمون نقيرا (1)) وهو النكتة التي ~~في ظهر النواة، ومنه تنبت النخلة، وسيأتي. قال الشاعر يذم بعض الملوك: # تجمع الجيش ذا الألوف وتغزو * ثم لا ترزأ العدو فتيلا ms1820 ثم عجب النبي صلى ~~الله عليه وسلم من ذلك فقال: (أنظر كيف يفترون على الله الكذب) في قولهم: ~~نحن أبناء الله وأحباؤه. وقيل: تزكيتهم لأنفسهم، عن ابن جريج. وروي أنهم ~~قالوا: ليس لنا ذنوب إلا كذنوب أبنائنا يوم تولد. والافتراء الاختلاق، ومنه ~~أفترى فلان على فلان أي رماه بما ليس فيه. وفريت الشئ قطعته. (وكفى به اثما ~~مبينا) نصب على البيان. والمعنى تعظيم الذنب وذمه. العرب تستعمل مثل ذلك في ~~المدح والذم. # قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب) يعني اليهود ~~(يؤمنون بالجبت والطاغوت) اختلف أهل التأويل في تأويل الجبت والطاغوت، فقال ~~ابن عباس وابن جبير وأبو العالية: الجبت الساحر بلسان الحبشة، والطاغوت ~~الكاهن. وقال الفاروق عمر رضي الله عنه: الجبت السحر والطاغوت الشيطان. ابن ~~مسعود: الجبت والطاغوت هاهنا كعب ابن الأشرف وحيي بن أخطب. عكرمة: الجبت ~~حيي بن أخطب والطاغوت كعب ابن الأشرف، دليله قوله تعالى: (يريدون أن ~~يتحاكموا إلى الطاغوت). قتادة: الجبت الشيطان والطاغوت الكاهن. وروى ابن ~~وهب عن مالك بن أنس: الطاغوت ما عبد من دون الله. قال: وسمعت من يقول إن ~~الجبت الشيطان، ذكره النحاس. وقيل: هما (2) كل # PageV05P248 # معبود من دون الله، أو مطاع في معصية الله، وهذا حسن. وأصل الجبت الجبس ~~وهو الذي لا خير فيه، فأبدلت التاء من السين، قاله قطرب. وقيل: الجبت إبليس ~~والطاغوت أولياؤه. # وقول مالك في هذا الباب حسن، يدل عليه قوله تعالى: (أن اعبدوا الله ~~واجتنبوا الطاغوت (1)) وقال تعالى: (والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها ~~(2)). وروى قطن (3) بن المخارق عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: (الطرق والطيرة والعيافة من الجبت). الطرق الزجر، والعيافة الخط (4)، ~~خرجه أبو داود في سننه. وقيل: الجبت كل ما حرم الله، والطاغوت كل ما يطغي ~~الانسان. والله أعلم. # قوله تعالى: (ويقولون للذين كفروا) أي يقول اليهود لكفار قريش أنتم أهدى ~~سبيلا من الذين آمنوا بمحمد. وذلك أن كعب بن الأشرف خرج في سبعين راكبا من ~~اليهود إلى مكة بعد وقعة ms1821 أحد ليحالفوا قريشا على قتال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فنزل كعب على أبي سفيان فأحسن مثواه، ونزلت اليهود في دور قريش ~~فتعاقدوا وتعاهدوا ليجتمعن على قتال محمد، فقال أبو سفيان: إنك امرؤ تقرأ ~~الكتاب وتعلم، ونحن أميون لا نعلم، فأينا أهدى سبيلا وأقرب إلى الحق نحن أم ~~محمد؟ فقال كعب: أنتم والله أهدى سبيلا مما عليه محمد. # قوله تعالى: (أم لهم نصيب من الملك) أي ألهم؟ والميم صلة. (نصيب) حظ (من ~~الملك) وهذا على وجه الانكار، يعني ليس لهم من الملك شئ، ولو كان لهم منه ~~شئ لم يعطوا أحدا منه شيئا لبخلهم وحسدهم. وقيل: المعنى بل ألهم نصيب، ~~فتكون أم منقطعة ومعناها الاضراب عن الأول والاستئناف للثاني. وقيل: هي ~~عاطفة على محذوف، لأنهم أنفوا من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم. والتقدير: ~~أهم أولى بالنبوة ممن أرسلته أم لهم نصيب من الملك؟. # (فإذا لا يؤتون الناس نقيرا) أي يمنعون الحقوق. خبر الله عز وجل عنهم بما ~~يعلمه منهم. # والنقير: النكتة في ظهر النواة، عن ابن عباس وقتادة وغيرهما. وعن ابن ~~عباس أيضا: # PageV05P249 # النقير: ما نقر الرجل بأصبعه كما ينقر الأرض. وقال أبو العالية: سألت ابن ~~عباس عن النقير فوضع طرف الابهام على باطن السبابة ثم رفعهما وقال: هذا ~~النقير. والنقير: أصل خشبة ينقر وينبذ فيه، وفيه جاء النهي ثم نسخ. وفلان ~~كريم النقير أي الأصل. و (إذا) هنا ملغاة غير عاملة لدخول فاء العطف عليها، ~~ولو نصب لجاز. قال سيبويه: (إذا) في عوامل الافعال بمنزلة (أظن) في عوامل ~~الأسماء، أي تلغى إذا لم يكن الكلام معتمدا عليها، فإن كانت في أول الكلام ~~وكان الذي بعدها مستقبلا نصبت، كقولك: [أنا (1)] أزورك، فيقول مجيبا لك: ~~إذا أكرمك. قال عبد الله بن عنمة الضبي: # أردد حمارك لا يرتع بروضتنا * إذن يرد وقيد العير مكروب (2) نصب لان الذي ~~قبل (إذن) تام فوقعت ابتداء كلام. فإن وقعت متوسطة بين شيئين كقولك: # زيد إذا يزورك ألغيت، فإن دخل عليها فاء العطف أو واو ms1822 العطف فيجوز فيها ~~الأعمال والالغاء، أما الأعمال فلان ما بعد الواو يستأنف على طريق عطف ~~الجملة على الجملة، فيجوز في غير القرآن فإذا لا يؤتوا. وفي التنزيل (وإذا ~~لا يلبثون (3)) وفي مصحف أبى (وإذا لا يلبثوا). وأما الالغاء فلان ما بعد ~~الواو لا يكون إلا بعد كلام يعطف عليه، والناصب للفعل عند سيبويه (إذا) ~~لمضارعتها (أن)، وعند الخليل أن مضمرة بعد إذا (4). # وزعم الفراء أن إذا تكتب بالألف وأنها منونة. قال النحاس: وسمعت علي بن ~~سليمان يقول سمعت أبا العباس محمد بن يزيد يقول: أشتهي أن أكوي يد من يكتب ~~إذا بالألف، إنها مثل لن وإن، ولا يدخل التنوين في الحروف. # قوله تعالى: أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل ~~إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما (54) فمنهم من آمن به ومنهم من ~~صد عنه وكفى بجهنم سعيرا (55) # PageV05P250 # فيه أربع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (أم يحسدون) يعنى اليهود. (الناس) يعني النبي صلى ~~الله عليه وسلم خاصة، عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما. حسدوه على النبوة ~~وأصحابه على الايمان به. وقال قتادة: (الناس) العرب، حسدتهم اليهود على ~~النبوة. الضحاك: حسدت اليهود قريشا، لان النبوة فيهم. والحسد مذموم وصاحبه ~~مغموم وهو يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، رواه أنس عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم. وقال الحسن: ما رأيت ظالما أشبه بمظلوم من حاسد، نفس دائم، وحزن ~~لازم، وعبرة لا تنفد. وقال عبد الله ابن مسعود: لا تعادوا نعم الله. قيل ~~له: ومن يعادي نعم الله؟ قال: الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من ~~فضله، يقول الله تعالى في بعض الكتب: الحسود عدو نعمتي متسخط لقضائي غير ~~راض بقسمتي. ولمنصور الفقيه: # ألا قل لمن ظل لي حاسدا * أتدري على من أسأت الأدب أسأت على الله في حكمه ~~* إذا أنت لم ترض لي ما وهب ويقال: الحسد أول ذنب عصي الله به في السماء، ~~وأول ذنب عصي به في الأرض، فأما في السماء فحسد إبليس لآدم، وأما في الأرض ms1823 ~~فحسد قابيل لهابيل. ولأبي العتاهية في الناس: # فيا رب إن الناس لا ينصفونني * فكيف ولو أنصفتهم ظلموني وإن كان لي شئ ~~تصدوا لاخذه * وإن شئت أبغي شيئهم منعوني وإن نالهم بذلي فلا شكر عندهم * ~~وإن أنا لم أبذل لهم شتموني وإن طرقتني نكبة فكهوا بها * وإن صحبتني نعمة ~~حسدوني سأمنع قلبي أن يحن إليهمو * وأحجب عنهم ناظري وجفوني وقيل: إذا سرك ~~أن تسلم من الحاسد فغم عليه أمرك. ولرجل من قريش: # حسدوا النعمة لما ظهرت * فرموها بأباطيل الكلم وإذا ما الله أسدى نعمة * ~~لم يضرها قول أعداء النعم PageV05P251 # ولقد أحسن من قال: # أصبر على حسد الحسو * د فإن صبرك قاتله فالنار تأكل بعضها * إن لم تجد ما ~~تأكله وقال بعض أهل التفسير في قول الله تعالى: (ربنا أرنا الذين أضلانا من ~~الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين (1)). إنه إنما أراد ~~بالذي (2) من الجن إبليس والذي من الانس قابيل، وذلك أن إبليس كان أول من ~~سن الكفر، وقابيل كان أول من سن القتل، وإنما كان أصل ذلك كله الحسد. وقال ~~الشاعر: # إن الغراب وكان يمشي مشية * فيما مضى من سالف الأحوال حسد القطاة فرام ~~يمشي مشيها * فأصابه ضرب من التعقال الثانية - قوله تعالى: (فقد آتينا) ثم ~~أخبر تعالى أنه آتي آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتاهم ملكا عظيما. قال همام ~~بن الحارث: أيدوا بالملائكة. وقيل: يعني ملك سليمان، عن ابن عباس. وعنه ~~أيضا: المعنى أم يحسدون محمدا على ما أحل الله له من النساء فيكون الملك ~~العظيم على هذا أنه أحل لداود تسعا وتسعين امرأة ولسليمان أكثر من ذلك. # واختار الطبري أن يكون المراد ما أوتيه سليمان من الملك وتحليل النساء. ~~والمراد تكذيب اليهود والرد عليهم في قولهم: لو كان نبيا ما رغب في كثرة ~~النساء ولشغلته النبوة عن ذلك، فأخبر الله تعالى بما كان لداود وسليمان ~~يوبخهم، فأقرت اليهود أنه اجتمع عند سليمان ألف امرأة، فقال لهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم: (ألف امرأة)؟! قالوا: نعم ثلاثمائة مهرية، وسبعمائة ms1824 سرية، ~~وعند داود مائة امرأة. فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: # (ألف عند رجل ومائة عند رجل أكثر أو تسع نسوة)؟ فسكتوا. وكان له يومئذ ~~تسع نسوة. # الثالثة - يقال: إن سليمان عليه السلام كان أكثر الأنبياء نساء. والفائدة ~~في كثرة تزوجه أنه كان له قوة أربعين نبيا، وكل من كان أقوى فهو أكثر ~~نكاحا. ويقال: إنه أراد بالنكاح كثرة العشيرة، لان لكل امرأة قبيلتين قبيلة ~~من جهة الأب وقبيلة من جهة الام، # PageV05P252 # فكلما تزوج امرأة صرف وجوه القبيلتين إلى نفسه فتكون عونا له على أعدائه. ~~ويقال: # إن كل من كان أتقى فشهوته أشد، لان الذي لا يكون تقيا فإنما يتفرج بالنظر ~~والمس، ألا ترى ما روى في الخبر: (العينان تزنيان واليد ان تزنيان). فإذا ~~كان في النظر والمس نوع من قضاء الشهوة قل الجماع، والمتقي لا ينظر ولا يمس ~~فتكون الشهوة مجتمعة في نفسه فيكون أكثر جماعا. وقال أبو بكر الوراق: كل ~~شهوة تقسي القلب إلا الجماع فإنه يصفي القلب، ولهذا كان الأنبياء يفعلون ~~ذلك. # الرابعة - قوله تعالى: (فمنهم من آمن به) يعني بالنبي صلى الله عليه وسلم ~~لأنه تقدم ذكره وهو المحسود. (ومنهم من صد عنه) أعرض فلم يؤمن به. وقيل: ~~الضمير في (به) راجع إلى إبراهيم. والمعنى: فمن آل إبراهيم من آمن به ومنهم ~~من صد عنه. # وقيل: يرجع إلى الكتاب. والله أعلم. # قوله تعالى: ان الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم ~~بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب ان الله كان عزيزا حكيما (56) والذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات سند خلهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها ~~أبدا لهم فيها أزواج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا (57) قد تقدم معنى الاصلاء ~~أول السورة (1). وقرأ حميد بن قيس (نصليهم) بفتح النون أي نشويهم. يقال: ~~شاة مصلية. ونصب (نارا) على هذه القراءة بنزع الخافض تقديره بنار. (كلما ~~نضجت جلودهم) يقال: نضج الشئ نضجا (2) ونضجا، وفلان نضيج الرأي محكمه. ~~والمعنى في الآية: تبدل الجلود جلودا أخر. فإن قال من يطعن في ms1825 القرآن من ~~الزنادقة: كيف جاز أن يعذب جلدا لم يعصه؟ قيل له: ليس الجلد بمعذب ولا ~~معاقب، # PageV05P253 # وإنما الألم واقع على النفوس، لأنها هي التي تحس وتعرف فتبديل الجلود ~~زيادة في عذاب النفوس. يدل عليه قوله تعالى: (ليذوقوا العذاب) وقوله تعالى: ~~(كلما خبت زدناهم سعيرا (1)). فالمقصود تعذيب الأبدان وإيلام الأرواح. ولو ~~أراد الجلود لقال: ليذقن العذاب. # مقاتل: تأكله النار كل يوم سبع مرات. الحسن: سبعين ألف مرة كلما أكلتهم ~~قيل لهم: # عودوا فعادوا كما كانوا. ابن عمر: إذا احترقوا بدلت لهم جلود بيض ~~كالقراطيس. وقيل: # عنى (2) بالجلود السرابيل، كما قال تعالى: (وترى المجرمين يومئذ مقرنين ~~في الأصفاد سرابيلهم من قطران (3)) سميت جلودا للزومها جلودهم على ~~المجاورة، كما يقال للشئ الخاص بالانسان: # هو جلدة ما بين عينيه. وأنشد ابن عمر رضي الله عنه: # يلومونني في سالم وألومهم * وجلدة بين العين والأنف سالم فكلما احترقت ~~السرابيل أعيدت. قال الشاعر: # كسا اللؤم تيما خضرة في جلودها * فويل لتيم من سرابيلها الخضر فكنى عن ~~الجلود بالسرابيل. وقيل: المعنى أعدنا الجلد الأول جديدا، كما تقول للصائغ: # صغ لي من هذا الخاتم خاتما غيره، فيكسره ويصوغ لك منه خاتما. فالخاتم ~~المصوغ هو الأول إلا أن الصياغة تغيرت والفضة واحدة. وهذا كالنفس إذا صارت ~~ترابا وصارت لا شئ ثم أحياها الله تعالى. وكعهدك بأخ لك صحيح (4) ثم تراه ~~[بعد ذلك (5)] سقيما مدنفا فتقول له: # كيف أنت؟ فيقول: أنا غير الذي عهدت. فهو هو، ولكن حاله تغيرت. فقول ~~القائل: # أنا غير الذي عهدت، وقوله تعالى: (غيرها) مجاز. ونظيره قوله تعالى: (يوم ~~تبدل الأرض غير الأرض (3)) وهي تلك الأرض بعينها إلا أنها تغير آكامها ~~وجبالها وأنهارها وأشجارها، ويزاد في سعتها ويسوى ذلك منها، على ما يأتي ~~بيانه في سورة (إبراهيم (3)) عليه السلام. # ومن هذا المعنى قول الشاعر: # فما الناس بالناس الذين عهدتهم * ولا الدار بالدار التي كنت أعرف # PageV05P254 # وقال الشعبي: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: ألا ترى ما صنعت عائشة! ذمت ~~دهرها، وأنشدت بيتي لبيد: # ذهب الذين يعاش ms1826 في أكنافهم * وبقيت في خلف (1) كجلد الأجرب يتلذذون مجانة ~~ومذلة * ويعاب قائلهم وإن لم يشغب فقالت: رحم الله لبيدا فكيف لو أدرك ~~زماننا هذا! فقال ابن عباس: لئن ذمت عائشة دهرها لقد ذمت (عاد) دهرها، لأنه ~~وجد في خزانة (عاد) بعدما هلكوا بزمن طويل سهم كأطول ما يكون من رماح ذلك ~~الزمن عليه مكتوب: # بلاد بها كنا ونحن بأهلها (2) * إذ الناس ناس والبلاد بلاد البلاد باقية ~~كما هي إلا أن أحوالها وأحوال أهلها تنكرت وتغيرت. (ان الله كان عزيزا) أي ~~لا يعجزه شئ ولا يفوته. (حكيما) في إيعاده عباده. وقوله في صفة أهل الجنة: # (وندخلهم ظلا ظليلا) يعني كثيفا لا شمس فيه. الحسن: وصف بأنه ظليل، لأنه ~~لا يدخله ما يدخل ظل الدنيا من الحر والسموم ونحو ذلك. وقال الضحاك: يعني ~~ظلال الأشجار وظلال قصورها. الكلبي: (ظلا ظليلا) يعني دائما. # قوله تعالى: ان الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين ~~الناس أن تحكموا بالعدل ان الله نعما يعظكم به ان الله كان سميعا بصيرا ~~(58) فيه مسألتان: # الأولى - قوله تعالى: (ان الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات) هذه الآية من ~~أمهات الاحكام تضمنت جميع الدين والشرع. وقد اختلف من المخاطب بها، فقال ~~علي بن أبي طالب # PageV05P255 # وزيد بن أسلم وشهر بن حوشب وابن زيد: هذا خطاب لولاة المسلمين خاصة، فهي ~~للنبي صلى الله عليه وسلم وأمرائه، ثم تتناول من بعدهم. وقال ابن جريج ~~وغيره: ذلك خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة في أمر مفتاح الكعبة حين ~~أخذه من عثمان بن أبي طلحة الحجبي العبدري من بني عبد الدار ومن ابن عمه ~~شيبة بن عثمان بن أبي طلحة وكانا كافرين وقت فتح مكة، فطلبه العباس بن عبد ~~المطلب لتنضاف له السدانة إلى السقاية، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الكعبة فكسر ما كان فيها من الأوثان، وأخرج مقام إبراهيم ونزل عليه جبريل ~~بهذه الآية. قال عمر بن الخطاب: وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~يقرأ هذه ms1827 الآية، وما كنت سمعتها قبل منه، فدعا عثمان وشيبة فقال: (خذاها ~~خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم). وحكى مكي: أن شيبة أراد ألا يدفع ~~المفتاح، ثم دفعه، وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: خذه بأمانة الله. وقال ~~ابن عباس: الآية في الولاة خاصة في أن يعظوا النساء في النشوز ونحوه ~~ويردوهن إلى الأزواج. والأظهر في الآية أنها عامة في جميع الناس فهي تتناول ~~الولاة فيما إليهم من الأمانات في قسمة الأموال ورد الظلامات والعدل في ~~الحكومات. وهذا اختيار الطبري. وتتناول من دونهم من الناس في حفظ الودائع ~~والتحرز في الشهادات وغير ذلك، كالرجل يحكم في نازلة ما ونحوه، والصلاة ~~والزكاة وسائر العبادات أمانة الله تعالى. وروي هذا المعنى مرفوعا من حديث ~~ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (القتل في سبيل الله يكفر ~~الذنوب كلها) أو قال: (كل شئ إلا الأمانة (1) - والأمانة في الصلاة ~~والأمانة في الصوم والأمانة في الحديث وأشد ذلك الودائع). ذكره أبو نعيم ~~الحافظ في الحلية. وممن قال إن الآية عامة في الجميع البراء بن عازب وابن ~~مسعود وابن عباس وأبي ابن كعب قالوا: الأمانة في كل شئ في الوضوء والصلاة ~~والزكاة والجنابة والصوم والكيل والوزن والودائع، وقال ابن عباس: لم يرخص ~~الله لمعسر ولا لموسر أن يمسك الأمانة. # قلت: وهذا إجماع. وأجمعوا على أن الأمانات مردودة إلى أربابها الأبرار ~~منهم والفجار، قاله ابن المنذر. والأمانة مصدر بمعنى المفعول فلذلك جمع. ~~ووجه النظم بما # PageV05P256 # تقدم أنه تعالى أخبر عن كتمان أهل الكتاب صفة محمد صلى الله عليه وسلم، ~~وقولهم: إن المشركين أهدى سبيلا، فكان ذلك خيانة منهم فانجر الكلام إلى ذكر ~~جميع الأمانات، فالآية شاملة بنظمها لكل أمانة وهي أعداد كثيرة كما ذكرنا. ~~وأمهاتها في الاحكام: الوديعة واللقطة والرهن والعارية. وروى أبي بن كعب ~~قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # (أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك). أخرجه الدارقطني. ورواه أنس ~~وأبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ms1828 وقد تقدم في (البقرة (1)) معناه. ~~وروى أبو أمامة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته عام ~~حجة الوداع: (العارية مؤداة والمنحة مردودة والدين مقضى والزعيم غارم). ~~صحيح أخرجه الترمذي وغيره. وزاد الدارقطني: فقال رجل: فعهد الله؟ قال: (عهد ~~الله أحق ما أدي). وقال بمقتضى هذه الآية والحديث في رد الوديعة وأنها ~~مضمونة - على كل حال كانت مما يغاب عليها أو لا يغاب تعدي فيها أو لم يتعد ~~- عطاء والشافعي وأحمد وأشهب. وروي أن ابن عباس وأبا هريرة رضي الله عنهما ~~ضمنا الوديعة. وروى ابن القاسم عن مالك أن من استعار حيوانا أو غيره مما لا ~~يغاب عليه فتلف عنده فهو مصدق في تلفه ولا يضمنه إلا بالتعدي. وهذا قول ~~الحسن البصري والنخعي، وهو قول الكوفيين والأوزاعي قالوا: ومعنى قوله عليه ~~السلام: (العارية مؤداة) هو كمعنى قوله تعالى: (إن الله يأمركم أن تؤدوا ~~الأمانات إلى أهلها). فإذا تلفت الأمانة لم يلزم المؤتمن غرمها لأنه مصدق، ~~فكذلك العارية إذا تلفت من غير تعد، لأنه لم يأخذها على الضمان، فإذا تلفت ~~بتعديه عليها لزمه قيمتها لجنايته عليها. وروي عن علي وعمر وابن مسعود أنه ~~لا ضمان في العارية. وروى الدارقطني عن، عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا ضمان على مؤتمن). واحتج الشافعي ~~فيما استدل به بقول صفوان للنبي صلى الله عليه وسلم لما استعار منه ~~الأدراع: أعارية مضمونة أو عارية مؤداة؟ فقال: (بل عارية مؤداة). # PageV05P257 # الثانية - قوله تعالى: (وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل) قال ~~الضحاك: # بالبينة على المدعى واليمين على من أنكر. وهذا خطاب للولاة والامراء ~~والحكام، ويدخل في ذلك بالمعنى جميع الخلق كما ذكرنا في أداء الأمانات. قال ~~صلى الله عليه وسلم: (إن المقسطين يوم القيامة على منابر من نور عن يمين ~~الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا). وقال: ~~(كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته فالامام راع وهو مسؤول عن رعيته ms1829 والرجل راع ~~على أهله وهو مسؤول عنهم والمرأة راعية على بيت زوجها وهي مسؤولة عنه ~~والعبد راع على مال سيده وهو مسؤول عنه ألا فكلكم راع وكلكم مسؤول عن ~~رعيته). فجعل في هذه الأحاديث الصحيحة كل هؤلاء رعاة وحكاما على مراتبهم، ~~وكذلك العالم الحاكم، لأنه إذا أفتى (1) حكم وقضى وفصل بين الحلال والحرام، ~~والفرض والندب، والصحة والفساد، فجميع ذلك أمانة تؤدى وحكم يقضى. وقد تقدم ~~في (البقرة (2)) القول في (نعما). # (ان الله كان سميعا بصيرا) وصف الله تعالى نفسه بأنه سميع بصير يسمع ~~ويرى، كما قال تعالى: (إنني معكما أسمع وأرى (3)) فهذا طريق السمع. والعقل ~~يدل على ذلك، فإن انتفاء السمع والبصر يدل على نقيضيهما من العمى والصمم، ~~إذ المحل القابل للضدين لا يخلو من أحدهما، وهو تعالى مقدس عن النقائص ~~ويستحيل صدور الافعال الكاملة من المتصف بالنقائص، كخلق السمع والبصر ممن ~~ليس له سمع ولا بصر. وأجمعت الأمة على تنزيهه تعالى عن النقائص. وهو أيضا ~~دليل سمعي يكتفى به مع نص القرآن في مناظرة من تجمعهم كلمة الاسلام. جل ~~الرب تبارك وتعالى عما يتوهمه المتوهمون ويختلقه المفترون الكاذبون (سبحان ~~ربك رب العزة عما يصفون (4)). # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر ~~منكم فان تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول ان كنتم تؤمنون بالله ~~واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا (59) # PageV05P258 # فيه ثلاث مسائل: # الأولى - لما تقدم إلى الولاة في الآية المتقدمة وبدأ بهم فأمرهم بأداء ~~الأمانات وأن يحكموا بين الناس بالعدل، تقدم في هذه الآية إلى الرعية فأمر ~~بطاعته عز وجل أولا، وهي امتثال أو امره واجتناب نواهيه، ثم بطاعة رسوله ~~ثانيا فيما أمر به ونهى عنه، ثم بطاعة الامراء ثالثا، على قول الجمهور وأبي ~~هريرة وابن عباس وغيرهم. قال سهل بن عبد الله التستري: أطيعوا السلطان في ~~سبعة: ضرب الدراهم والدنانير، والمكاييل والأوزان، والاحكام والحج والجمعة ~~والعيدين والجهاد. قال سهل: وإذا نهى السلطان العالم أن يفتي فليس له أن ~~يفتي، فإن أفتى فهو ms1830 عاص وإن كان أميرا جائرا. وقال ابن خويز منداد: وأما ~~طاعة السلطان فتجب فيما كان لله فيه طاعة، ولا تجب فيما كان لله فيه معصية، ~~ولذلك قلنا: إن ولاة زماننا لا تجوز طاعتهم ولا معاونتهم ولا تعظيمهم، ويجب ~~الغزو معهم متى غزوا، والحكم من قبلهم، وتولية الإمامة والحسبة، وإقامة ذلك ~~على وجه الشريعة. وإن صلوا بنا وكانوا فسقة من جهة المعاصي جازت الصلاة ~~معهم، وإن كانوا مبتدعة لم تجز الصلاة معهم إلا أن يخافوا فيصلي معهم تقية ~~وتعاد الصلاة. # قلت: روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: حق على الامام أن ~~يحكم بالعدل، ويؤدي الأمانة، فإذا فعل ذلك وجب على المسلمين أن يطيعوه، لان ~~الله تعالى أمرنا بأداء الأمانة والعدل، ثم أمر بطاعته. وقال جابر بن عبد ~~الله ومجاهد: (أولو الامر) أهل القرآن والعلم، وهو اختيار مالك رحمه الله، ~~ونحوه قول الضحاك قال: يعني الفقهاء والعلماء في الدين. وحكي عن مجاهد أنهم ~~أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم خاصة. وحكى عن عكرمة أنها إشارة إلى أبي بكر ~~وعمر رضي الله عنهما خاصة. وروى سفيان بن عيينة عن الحكم بن أبان أنه سأل ~~عكرمة عن أمهات الأولاد فقال: هن حرائر. فقلت بأي شئ؟ قال بالقرآن. # قلت: بأي شئ في القرآن؟ قال قال الله تعالى: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ~~وأولي الامر منكم) وكان عمر من أولي الام، قال: عتقت ولو بسقط. وسيأتي هذا ~~المعنى مبينا PageV05P259 # في سورة (الحشر) عند قوله تعالى: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا (1)). # وقال ابن كيسان: هم أولو العقل والرأي الذين يدبرون أمر الناس. # قلت: وأصح هذه الأقوال الأول والثاني، أما الأول فلان أصل الام منهم ~~والحكم إليهم. وروى الصحيحان عن ابن عباس قال: نزل (يا أيها الذين آمنوا ~~أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم) في عبد الله بن حذافة بن قيس ~~بن عدي السهمي إذ بعثه النبي صلى الله عليه وسلم في سرية. قال أبو عمر: ~~وكان في عبد الله ms1831 بن حذافة دعابة معروفة، ومن دعابته أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أمره على سرية فأمرهم أن يجمعوا حطبا ويوقدوا نارا، فلما أوقدوها ~~أمرهم بالتقحم فيها، فقال لهم: ألم يأمركم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بطاعتي؟! وقال: (من أطاع أميري فقد أطاعني). فقالوا: ما آمنا بالله واتبعنا ~~رسوله إلا لننجوا من النار! فصوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلهم وقال: ~~(لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق قال الله تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم (2)). ~~وهو حديث صحيح الاسناد مشهور. وروى محمد بن عمرو بن علقمة عن عمر بن الحكم ~~(3) بن ثوبان أن أبا سعيد الخدري قال: كان عبد الله بن حذافة بن قيس السهمي ~~من أصحاب بدر وكانت فيه دعابة. # وذكر الزبير قال: حدثني عبد الجبار بن سعيد عن عبد الله بن وهب عن الليث ~~بن سعد قال: بلغني أنه حل حزام راحلة رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض ~~أسفاره، حتى كاد رسول الله صلى الله عليه وسلم يقع. قال ابن وهب: فقلت لليث ~~ليضحكه؟ قال: نعم كانت فيه دعابة. قال ميمون بن مهران ومقاتل والكلبي: ~~(أولوا الامر) أصحاب السرايا. # وأما القول الثاني فيدل على صحته قوله تعالى: (فإن تنازعتم في شئ فردوه ~~إلى الله والرسول). # فأمر تعالى برد المتنازع فيه إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه ~~وسلم، وليس لغير العلماء معرفة كيفية الرد إلى الكتاب والسنة، ويدل هذا على ~~صحة كون سؤال العلماء واجبا، وامتثال فتواهم لازما. قال سهل بن عبد الله ~~رحمه الله: لا يزال الناس بخير ما عظموا السلطان والعلماء، فإذا عظموا هذين ~~أصلح الله دنياهم وأخراهم، وإذا استخفوا بهذين أفسد دنياهم # PageV05P260 # وأخراهم. وأما القول الثالث فخاص، وأخص منه القول الرابع. وأما الخامس ~~فيأباه ظاهر اللفظ وإن كان المعنى صحيحا، فإن العقل لكل فضيلة أس، ولكل أدب ~~ينبوع، وهو الذي جعله الله للدين أصلا وللدنيا عمادا، فأوجب الله التكليف ~~بكماله، وجعل الدنيا مدبرة بأحكامه، والعاقل أقرب إلى ربه تعالى من جميع ~~المجتهدين ms1832 بغير عقل. وروى هذا المعنى عن ابن عباس. # وزعم قوم أن المراد بأولي الامر علي والأئمة المعصومون. ولو كان كذلك ما ~~كان لقوله: # (فردوه إلى الله والرسول) معنى، بل كان يقول فردوه إلى الامام وأولي ~~الامر، فإن قوله عند هؤلاء هو المحكم على الكتاب والسنة. وهذا قول مهجور ~~مخالف لما عليه الجمهور. # وحقيقة الطاعة امتثال الامر، كما أن المعصية ضدها وهي مخالفة الامر. ~~والطاعة مأخوذة من أطاع إذا انقاد، والمعصية مأخوذة من عصى إذا اشتد. و ~~(أولو) واحدهم (ذو) على غير قياس كالنساء والإبل والخيل، كل واحد اسم الجمع ~~ولا واحد له من لفظه. وقد قيل في واحد الخيل: خائل وقد تقدم (1). # الثانية - قوله تعالى: (فان تنازعتم في شئ) أي تجادلتم واختلفتم، فكأن كل ~~واحد ينتزع حجة الآخر ويذهبها. والنزع الجذب. والمنازعة مجاذبة الحجج، ومنه ~~الحديث (وأنا أقول ما لي ينازعني القرآن (2)). وقال الأعشى: نازعتم قضب ~~الريحان متكئا * وقهوة مزة راووقها (3) خضل [الخضل النبات الناعم والخضيلة ~~الروضة (4)] (في شئ) أي من أمر دينكم. # (فردوه إلى الله ولرسول) أي ردوا ذلك الحكم إلى كتاب الله أو إلى رسوله ~~بالسؤال في حياته، أو بالنظر في سنته بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، هذا ~~قول مجاهد والأعمش وقتادة، وهو الصحيح. ومن لم ير هذا أختل إيمانه، لقوله ~~تعالى (إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر). وقيل: المعنى قولوا الله ~~ورسوله أعلم، فهذا هو الرد. وهذا # PageV05P261 # كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: الرجوع إلى الحق خير من التمادي في ~~الباطل. والقول الأول أصح، لقول علي رضي الله عنه: ما عندنا إلا ما في كتاب ~~الله وما في هذه الصحيفة، أو فهم أعطيه رجل مسلم. ولو كان كما قال هذا ~~القائل لبطل الاجتهاد الذي خص به هذه الأمة والاستنباط الذي أعطيها، ولكن ~~تضرب الأمثال ويطلب المثال حتى يخرج الصواب. # قال أبو العالية: وذلك قوله تعالى: (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الامر ~~منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم). نعم، ما كان مما استأثر الله بعلمه ms1833 ولم ~~يطلع عليه أحدا من خلقه فذلك الذي يقال فيه: الله أعلم. وقد استنبط علي رضي ~~الله عنه مدة أقل الحمل - وهو ستة أشهر - من قوله تعالى: (وحمله وفصاله ~~ثلاثون شهرا (1)) وقوله تعالى: (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين (2)) ~~فإذا فصلنا الحولين من ثلاثين شهرا بقيت ستة أشهر، ومثله كثير. وفي قوله ~~تعالى: (وإلى الرسول) دليل على أن سنته صلى الله عليه وسلم يعمل بها ويمتثل ~~ما فيها. قال صلى الله عليه وسلم: (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به ~~فافعلوا منه ما استطعتم فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم ~~على أنبيائهم) أخرجه مسلم. وروى أبو داود عن أبي رافع عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: (لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الامر من أمري مما ~~أمرت به أو نهيت عنه فيقول لا ندري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه). وعن ~~العرباض بن سارية أنه حضر رسول الله صلى الله وسلم يخطب الناس وهو يقول: ~~(أيحسب أحدكم متكئا (3) على أريكته قد يظن أن الله لم يحرم شيئا إلا ما في ~~هذا القرآن ألا وإني والله قد أمرت ووعظت ونهيت عن أشياء إنها لمثل القرآن ~~أو أكثر). وأخرجه الترمذي من حديث المقدام بن معدى كرب بمعناه وقال: # حديث حسن غريب. والقاطع قوله تعالى: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن ~~تصيبهم) فتنة (4)) الآية. وسيأتي. # PageV05P262 # الثالثة - قوله تعالى: (ذلك خير) أي ردكم ما اختلفتم فيه إلى الكتاب ~~والسنة خير من التنازع. (وأحسن تأويلا) أي مرجعا، من آل يئول إلى كذا أي ~~صار. وقيل: # من ألت الشئ إذا جمعته وأصلحته. فالتأويل جمع معاني ألفاظ أشكلت بلفظ لا ~~إشكال فيه، يقال: أول الله عليك أمرك أي جمعه. ويجوز أن يكون المعنى وأحسن ~~من تأويلكم. # قوله تعالى: ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل ~~من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد ~~الشيطان أن يضلهم ضللا بعيدا (60) وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما ms1834 أنزل الله ~~والى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا (61) روى يزيد بن زريع عن داود ~~بن أبي هند عن الشعبي قال: كان بين رجل من المنافقين ورجل من اليهود خصومة، ~~فدعا اليهودي المنافق إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه علم أنه لا يقبل ~~الرشوة. ودعا المنافق اليهودي إلى حكامهم، لأنه علم أنهم يأخذون الرشوة في ~~أحكامهم، فلما اختلفا اجتمعا على أن يحكما كاهنا في جهينة، فأنزل الله ~~تعالى في ذلك: # (ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم امنوا بما أنزل إليك) يعني المنافق. (وما ~~أنزل من قبلك) يعني اليهودي. (يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت) إلى قوله: ~~(ويسلموا تسليما) وقال الضحاك: دعا اليهودي المنافق إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم، ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف وهو (الطاغوت). ورواه أبو صالح ~~عن ابن عباس قال: # كان بين رجل من المنافقين - يقال له بشر - وبين يهودي خصومة، فقال ~~اليهودي: # انطلق بنا إلى محمد، وقال المنافق: بل إلى كعب بن الأشرف - وهو الذي سماه ~~الله (الطاغوت) أي ذو الطغيان - فأبى اليهودي أن يخاصمه إلا إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فلما رأى ذلك المنافق أتى معه إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقضى لليهودي. PageV05P263 # فلما خرجا قال المنافق: لا أرضى، انطلق بنا إلى أبي بكر، فحكم لليهودي ~~فلم يرض - ذكره الزجاج - وقال: أنطلق بنا إلى عمر فأقبلا على عمر فقال ~~اليهودي: إنا صرنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم إلى أبي بكر فلم ~~يرض، فقال عمر للمنافق: أكذلك هو؟ قال: نعم. # قال: رويد كما حتى أخرج إليكما. فدخل وأخذ السيف ثم ضرب به المنافق حتى ~~برد (1)، وقال: هكذا أقضي على من لم يرض بقضاء الله وقضاء رسوله، وهرب ~~اليهودي، ونزلت الآية، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنت الفاروق). ~~ونزل جبريل وقال: # إن عمر فرق بين الحق والباطل، فسمي الفاروق. وفي ذلك نزلت الآيات كلها ~~إلى قوله: # (ويسلموا تسليما) النساء: وانتصب: (ضلالا) على المعنى، أي فيضلون ضلالا، ~~ومثله ms1835 قوله تعالى: (والله أنبتكم الأرض نباتا (2)). وقد تقدم هذا المعنى ~~مستوفى (3). و (صدودا) اسم للمصدر عند الخليل، والمصدر الصد. والكوفيون ~~يقولون: هما مصدران. # قوله تعالى: فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون ~~بالله ان أردنا الا احسانا وتوفيقا (62) أولئك الذين يعلم الله ما في ~~قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا (63) أي (فكيف) يكون ~~حالهم، أو (فكيف) يصنعون (إذا أصابتهم مصيبة) أي من ترك بهم، وما يلحقهم من ~~الذل في قوله: (فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا (4)). وقيل: ~~يريد قتل صاحبهم (بما قدمت أيديهم) وتم الكلام. # ثم ابتدأ يخبر عن فعلهم، وذلك أن عمر لما قتل صاحبهم جاء قومه يطلبون ~~ديته ويحلفون ما نريد بطلب ديته إلا الاحسان وموافقة الحق. وقيل: المعنى ما ~~أردنا بالعدول عنك في المحاكمة إلا التوفيق بين الخصوم، والاحسان بالتقريب ~~في الحكم. ابن كيسان: عدلا # PageV05P264 # وحقا، نظيرها (وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى (1)) فقال الله تعالى مكذبا ~~لهم: (أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم) قال الزجاج: معناه قد علم الله ~~أنهم منافقون. والفائدة لنا: اعلموا أنهم منافقون. (فأعرض عنهم) قيل: ~~عقابهم. وقيل: عن قبول اعتذارهم (وعظهم) أي خوفهم. قيل في الملا. (وقل لهم ~~في أنفسهم قولا بليغا) أي ازجرهم بأبلغ الزجر في السر والخلاء. الحسن: قل ~~لهم إن أظهرتم ما في قلوبكم قتلتكم. وقد بلغ القول بلاغة، ورجل بليغ يبلغ ~~بلسانه كنه ما في قلبه. والعرب تقول: أحمق بلغ وبلغ، أي نهاية في الحماقة. # وقيل: معناه يبلغ ما يريد وإن كان أحمق. ويقال: إن قوله تعالى: (فكيف إذا ~~أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم) نزل في شأن الذين بنوا مسجد الضرار (2)، ~~فلما أظهر الله نفاقهم، وأمرهم بهدم المسجد حلفوا لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم دفاعا عن أنفسهم: ما أردنا ببناء المسجد إلا طاعة الله وموافقة ~~الكتاب. # قوله تعالى: وما أرسلنا من رسول الا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا ~~أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول ms1836 لوجدوا الله توابا رحيما ~~(64) قوله تعالى: (وما أرسلنا من رسول) (من) زائدة للتوكيد. (الا ليطاع) ~~فيما أمر به ونهى عنه. (بإذن الله) يعلم الله. وقيل: بتوفيق الله. (ولو ~~أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك) روى أبو صادق (3) عن علي قال: قدم علينا ~~أعرابي بعد ما دفنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاثة أيام، فرمى بنفسه ~~على قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وحثا على رأسه من ترابه، فقال: قلت ~~يا رسول الله فسمعنا قولك، ووعيت عن الله فوعينا عنك، وكان فيما أنزل الله ~~عليك (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم) الآية، وقد ظلمت نفسي وجئتك # PageV05P265 # تستغفر لي. فنودي من القبر أنه قد غفر لك. ومعنى (لوجدوا الله توابا ~~رحيما) أي قابلا لتوبتهم، وهما مفعولان لا غير. # قوله تعالى: فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا ~~في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما (65) فيه خمس مسائل: # الأولى - قال مجاهد وغيره: المراد بهذه الآية من تقدم ذكره ممن أراد ~~التحاكم إلى الطاغوت وفيهم نزلت. وقال الطبري: قوله (فلا) رد على ما تقدم ~~ذكره، تقديره فليس الامر كما يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك، ثم استأنف ~~القسم بقوله: (وربك لا يؤمنون). # وقال غيره: إنما قدم (لا) على القسم اهتماما بالنفي وإظهارا لقوته، ثم ~~كرره بعد القسم تأكيدا للتهمم بالنفي، وكان يصح إسقاط (لا) الثانية ويبقى ~~أكثر الاهتمام بتقديم الأولى، وكان يصح إسقاط الأولى ويبقى معنى النفي ~~ويذهب معنى الاهتمام. و (شجر) معناه اختلف واختلط، ومنه الشجر لاختلاف ~~أغصانه. ويقال لعصي الهودج: شجار، لتداخل بعضها في بعض. قال الشاعر: # نفسي فداؤك والرماح شواجر * والقوم ضنك للقاء قيام وقال طرفة: # وهم الحكام أرباب الهدى * وسعاة الناس في الامر الشجر وقالت طائفة: نزلت ~~في الزبير مع الأنصاري، وكانت الخصومة في سقي بستان، فقال عليه السلام ~~للزبير: (اسق أرضك ثم أرسل الماء إلى أرض جارك). فقال الخصم: أراك تحابي ~~ابن عمتك، فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال للزبير: (اسق ms1837 ثم ~~احبس الماء حتى يبلغ الجدر (1)) ونزل: (فلا وربك لا يؤمنون). الحديث ثابت ~~صحيح رواه البخاري # PageV05P266 # عن علي بن عبد الله عن محمد بن جعفر عن معمر، ورواه مسلم عن قتيبة كلاهما ~~عن الزهري. # واختلف أهل هذا القول في الرجل الأنصاري، فقال بعضهم: هو رجل من الأنصار ~~من أهل بدر. وقال مكي والنحاس: هو حاطب بن أبي بلتعة. وقال الثعلبي ~~والواحدي والمهدوي: # هو حاطب. وقيل: ثعلبة بن حاطب. وقيل غيره: والصحيح القول الأول، لأنه غير ~~معين ولا مسمى، وكذا في البخاري ومسلم أنه رجل من الأنصار. واختار الطبري ~~أن يكون نزول الآية في المنافق واليهودي. كما قال مجاهد، ثم تتناول بعمومها ~~قصة الزبير. قال ابن العربي: # وهو الصحيح، فكل من اتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحكم فهو ~~كافر، لكن الأنصاري زل زله فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم وأقال عثرته ~~لعلمه بصحة يقينه، وأنها كانت فلتة وليست لاحد بعد النبي صلى الله عليه ~~وسلم. وكل من لم يرض بحكم الحاكم وطعن فيه ورده فهي ردة (1) يستتاب. وأما ~~إن طعن في الحاكم نفسه لا في الحكم فله تعزيره وله أن يصفح عنه. وسيأتي ~~بيان هذا في آخر سورة (الأعراف (2)) إن شاء الله تعالى. # الثانية - وإذا كان سبب نزول هذه الآية ما ذكرناه من الحديث ففقهها أنه ~~عليه السلام سلك مع الزبير وخصمه مسلك الصلح فقال: (اسق يا زبير) لقربه من ~~الماء (ثم أرسل الماء إلى جارك). أي تساهل في حقك ولا تستوفه وعجل في إرسال ~~الماء إلى جارك. فحضه على المسامحة والتيسير، فلما سمع الأنصاري هذا لم يرض ~~بذلك وغضب، لأنه كان يربد ألا يمسك الماء أصلا، وعند ذلك نطق بالكلمة ~~الجائرة المهلكة الفاقرة فقال: # آن كان ابن عمتك؟ بمد همزة (أن) المفتوحة على جهة الانكار، أي أتحكم له ~~علي لأجل أنه قرابتك؟. فعند ذلك تلون وجه النبي صلى الله عليه وسلم غضبا ~~عليه، وحكم للزبير باستيفاء حقه من غير مسامحة له. وعليه لا يقال: كيف حكم ms1838 ~~في حال غضبه وقد قال: (لا يقضى القاضي وهو غضبان)؟ فإنا نقول: لأنه معصوم ~~من الخطأ في التبليغ والاحكام، بدليل العقل الدال على صدقه فيما يبلغه عن ~~الله تعالى فليس مثل غيره من الحكام. وفي هذا الحديث # PageV05P267 # إرشاد الحاكم إلى الاصلاح بين الخصوم وان ظهر الحق. ومنعه مالك، واختلف ~~فيه قول الشافعي. وهذا الحديث حجة واضحة على الجواز، فإن اصطلحوا وإلا ~~استوفى لذي الحق حقه وثبت الحكم. # الثالثة - واختلف أصحاب مالك في صفة إرسال الماء الاعلى إلى الأسفل، فقال ~~ابن حبيب: يدخل صاحب الاعلى جميع الماء في حائطه ويسقي به، حتى إذا بلغ ~~الماء من قاعة الحائط إلى الكعبين من القائم فيه أغلق مدخل الماء، وصرف ما ~~زاد من الماء على مقدار الكعبين إلى من يليه، فيصنع به مثل ذلك حتى يبلغ ~~السيل إلى أقصى الحوائط. # وهكذا فسره لي مطرف وابن الماجشون. وقاله ابن وهب. وقال ابن القاسم: إذا ~~انتهى الماء في الحائط إلى مقدار الكعبين أرسله كله إلى من تحته ولا يحبس ~~منه شيئا في حائطه. # قال ابن حبيب: وقول مطرف وابن الماجشون أحب إلي وهم أعلم بذلك، لان ~~المدينة دارهما وبها كانت القضية وفيها جرى العمل. # الرابعة - روى مالك عن عبد الله بن أبي بكر أنه بلغه أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال في سيل مهزور ومذينب (1): (يمسك حتى الكعبين ثم يرسل ~~الاعلى على الأسفل). قال أبو عمر: (لا أعلم هذا الحديث يتصل عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم من وجه من الوجوه، وأرفع أسانيده ما ذكره محمد بن إسحاق عن ~~أبي مالك بن ثعلبة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم [أتاه أهل مهزور ~~فقضى أن الماء إذا بلغ الكعبين لم يحبس الاعلى. وذكر عبد الرزاق عن أبي ~~حازم القرطبي عن أبيه عن جده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (2)] قضى في ~~سيل مهزور أن يحبس على كل حائط حتى يبلغ الكعبين ثم يرسل. وغيره من السيول ~~كذلك. وسئل أبو بكر البزار عن ms1839 حديث هذا الباب فقال: لست أحفظ فيه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم حديثا يثبت. قال أبو عمر: في هذا المعنى - وإن لم يكن ~~بهذا اللفظ - حديث ثابت مجتمع على صحته. رواه ابن وهب عن الليث بن سعد ~~ويونس بن يزيد جميعا عن ابن شهاب # PageV05P268 # أن عروة بن الزبير حدثه أن عبد الله بن الزبير حدثه عن الزبير أنه خاصم ~~رجلا من الأنصار قد شهد بدرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شراج (1) ~~الحرة كانا يسقيان بها كلاهما النخل، فقال الأنصاري: سرح الماء، فأبى عليه، ~~فاختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم) وذكر الحديث. قال أبو عمر: وقوله في ~~الحديث: (يرسل) وفي الحديث الآخر (إذا بلغ الماء الكعبين لم يحبس الاعلى) ~~يشهد لقول ابن القاسم. ومن جهة النظر أن الاعلى لو لم يرسل إلا ما زاد على ~~الكعبين لا يقطع ذلك الماء في أقل مدة، ولم ينته حيث ينتهي إذا أرسل ~~الجميع، وفي إرسال الجميع بعد أخذ الاعلى منه ما بلغ الكعبين أعم فائدة ~~وأكثر نفعا فيما قد جعل الناس فيه شركاء، فقول ابن القاسم أولى على كل حال. ~~هذا إذا (2) لم يكن أصله ملكا للأسفل مختصا به، فإن ما استحق بعمل أو بملك ~~صحيح أو استحقاق قديم وثبوت ملك، فكل على حقه على حسب ما كان من ذلك بيده ~~وعلى أصل مسألته. وبالله التوفيق. # الخامسة - قوله تعالى: (ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت) أي ضيقا ~~وشكا، ومنه قيل للشجر الملتف: حرج وحرجة، وجمعها حراج. وقال الضحاك: أي ~~إثما بإنكارهم ما قضيت. (ويسلموا تسليما) أي ينقادوا لأمرك في القضاء. وقال ~~الزجاج: # (تسليما) مصدر مؤكد، فإذا قلت: ضربت ضربا فكأنك قلت لا أشك فيه، وكذلك ~~(ويسلموا تسليما) أي ويسلموا لحكمك تسليما لا يدخلون على أنفسهم شكا. # قوله تعالى: ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ~~ما فعلوه الا قليل منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد ~~تثبيتا (66) وإذا لآتيناهم ms1840 من لدنا أجرا عظيما (67) ولهديناهم صراطا ~~مستقيما (68) # PageV05P269 # سبب نزولها ما روى أن ثابت بن قيس بن شماس تفاخر هو ويهودي، فقال ~~اليهودي: # والله لقد كتب علينا أن نقتل أنفسنا فقتلنا، وبلغت القتلى سبعين ألفا، ~~فقال ثابت: والله لو كتب الله علينا أن اقتلوا أنفسكم لفعلنا. وقال أبو ~~إسحاق السبيعي: لما نزلت (ولو أنا كتبنا عليهم) الآية، قال رجل: لو أمرنا ~~لفعلنا، والحمد لله الذي عافانا. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: (إن من أمتي رجالا الايمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي). # قال ابن وهب قال مالك: القائل ذلك هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وهكذا ~~ذكر مكي أنه أبو بكر. وذكر النقاش أنه عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وذكر عن ~~أبي بكر رضي الله عنه أنه قال: لو كتب علينا ذلك لبدأت بنفسي وأهل بيتي. ~~وذكر أبو الليث السمرقندي: # أن القائل منهم عمار بن ياسر وابن مسعود وثابت بن قيس، قالوا: لو أن الله ~~أمرنا أن نقتل أنفسنا أو نخرج من ديارنا لفعلنا، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: (الايمان أثبت في قلوب الرجال من الجبال الرواسي). و (لو) حرف يدل ~~على امتناع الشئ لامتناع غيره، فأخبر الله سبحانه أنه لم يكتب ذلك علينا ~~رفقا بنا لئلا تظهر معصيتنا. فكم من أمر قصرنا عنه مع خفته فكيف بهذا الامر ~~مع ثقله! لكن أما والله لقد ترك المهاجرون مساكنهم خاوية وخرجوا يطلبون بها ~~عيشة راضية. (ما فعلوه) أي القتل والخروج (الا قليل منهم) (قليل) بدل من ~~الواو، والتقدير ما فعله أحد إلا قليل. وأهل الكوفة يقولون: هو على التكرير ~~ما فعلوه ما فعله إلا قليل منهم. وقرأ عبد الله بن عامر وعيسى بن عمر (إلا ~~قليلا) على الاستثناء. وكذلك هو في مصاحف أهل الشام. الباقون بالرفع، ~~والرفع أجود عند جميع النحويين. وقيل: انتصب على إضمار فعل، تقديره إلا أن ~~يكون قليلا منهم. وإنما صار الرفع أجود لان اللفظ أولى من المعنى، وهو أيضا ~~يشتمل على ms1841 المعنى. وكان من القليل أبو بكر وعمر وثابت بن قيس كما ذكرنا. ~~وزاد الحسن ومقاتل وعمارا وابن مسعود وقد ذكرناهما. (ولو أنهم فعلوا ما ~~يوعظون به لكان خيرا لهم) أفي الدنيا والآخرة. (وأشد تثبيتا) أي على الحق. ~~(وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما) أي ثوابا في الآخرة. وقيل: # اللام لام الجواب، و (إذا) دالة على الجزاء، والمعنى لو فعلوا ما يوعظون ~~به لآتيناهم. PageV05P270 # قوله تعالى: ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا (69) ذلك الفضل من ~~الله وكفى بالله عليما (70) فيه ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (ومن يطع الله والرسول) لما ذكر تعالى الامر الذي ~~لو فعله المنافقون حين وعظوا به وأنابوا إليه لأنعم عليهم، ذكر بعد ذلك ~~ثواب من يفعله. وهذه الآية تفسير قوله تعالى: (اهدنا الصراط المستقيم صراط ~~الذين أنعمت عليهم (1)) وهي المراد في قوله عليه السلام عند موته (اللهم ~~الرفيق الاعلى). وفي البخاري عن عائشة قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: (ما من نبي يمرض إلا خير بين الدنيا والآخرة) كان في شكواه الذي ~~مرض فيه أخذته بحة (2) شديده فسمعته يقول: (مع الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيين والصديقين والشهداء والصالحين) فعلمت أنه خير. وقالت طائفة: إنما ~~نزلت هذه الآية لما قال عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري - الذي أري ~~الاذان -: يا رسول الله، إذا مت ومتنا كنت في عليين لا نراك ولا نجتمع بك، ~~وذكر حزنه على ذلك فنزلت هذه الآية. # وذكر مكي عن عبد الله هذا وأنه لما مات النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~اللهم أعمني حتى لا أرى شيئا بعده، فعمي [مكانه (3)]. وحكاه القشري فقال: ~~اللهم أعمني فلا أرى شيئا بعد حبيبي حتى ألقى حبيبي، فعمي مكانه. وحكى ~~الثعلبي: أنها نزلت في ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان شديد ~~الحب له قليل الصبر عنه، فأتاه ذات يوم وقد تغير لونه ونحل جسمه، يعرف في ~~وجهه ms1842 الحزن، فقال له: (يا ثوبان ما غير لونك) فقال: يا رسول الله ما بي ضر ~~ولا وجع، غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك، ثم ~~ذكرت الآخرة وأخاف ألا أراك هناك، لأني عرفت أنك ترفع مع النبيين وأني إن ~~دخلت الجنة كنت في منزلة هي أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل فذلك حين لا أراك ~~أبدا، فأنزل الله # PageV05P271 # تعالى هذه الآية. ذكره الواحدي عن الكلبي. وأسند عن مسروق قال قال أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما ينبغي لنا أن نفارقك في الدنيا، فإنك إذا ~~فارقتنا رفعت فوقنا، فأنزل الله تعالى: (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع ~~الذين أنعم الله عليهم من النبيين). # وفى طاعة الله طاعة رسوله ولكنه ذكره تشريفا لقدره وتنويها باسمه صلى ~~الله عليه وسلم وعلى آله. (فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم) أي هم معهم في ~~دار واحدة ونعيم واحد يستمتعون برؤيتهم والحضور معهم، لا أنهم يساوونهم في ~~الدرجة، فإنهم يتفاوتون لكنهم يتزاورون للاتباع في الدنيا والاقتداء. وكل ~~من فيها قد رزق الرضا بحاله، وقد ذهب عنه اعتقاد أنه مفضول. قال الله ~~تعالى: (ونزعنا ما في صدورهم من غل (1)). والصديق فعيل، المبالغ في الصدق ~~أو في التصديق، والصديق هو الذي يحقق بفعله ما يقول بلسانه. وقيل: # هم فضلاء أتباع الأنبياء الذين يسبقونهم إلى التصديق كأبي بكر الصديق. ~~وقد تقدم في البقرة اشتقاق الصديق (2) ومعنى الشهيد. والمراد هنا بالشهداء ~~عمر وعثمان وعلي، والصالحين سائر الصحابة رضي الله عنهم أجمعين. وقيل: ~~(الشهداء) القتلى في سبيل الله. (الصالحين) صالحي أمة محمد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. # قلت: واللفظ يعم كل صالح وشهيد، والله أعلم. والرفق لين الجانب. وسمي ~~الصاحب رفيقا لارتفاقك بصحبته، ومنه الرفقة لارتفاق بعضهم ببعض. ويجوز ~~(وحسن أولئك رفقاء). قال الأخفش: (رفيقا) منصوب على الحال وهو بمعنى رفقاء، ~~وقال: انتصب على التمييز فوحد لذلك، فكأن المعنى وحسن كل واحد منهم رفيقا. ~~كما قال تعالى: # (ثم نخرجكم طفلا (3)) أي نخرج كل ms1843 واحد منكم طفلا. وقال تعالى: (ينظرون من ~~طرف خفى) وينظر (4) معنى هذه الآية قوله صلى الله عليه وسلم: (خير الرفقاء ~~أربعة) ولم يذكر الله تعالى هنا إلا أربعة فتأمله. # PageV05P272 # الثانية - في الآية دليل على خلافة أبى بكر رضي الله عنه، وذلك أن الله ~~تعالى لما ذكر مراتب أوليائه في كتابه بدأ بالأعلى منهم وهم النبيون، ثم ~~اثنى بالصديقين ولم يجعل بينهما واسطة. وأجمع المسلمون على تسمية أبى بكر ~~الصديق رضي الله عنه صديقا، كما أجمعوا على تسمية محمد عليه السلام رسولا، ~~وإذا ثبت هذا وصح أنه الصديق وأنه ثاني رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ~~يجز أن يتقدم بعده أحد. والله أعلم. # الثالثة - قوله تعالى: (ذلك الفضل من الله) أخبر تعالى أنهم لم ينالوا ~~[الدرجة (1)] بطاعتهم بل نالوها بفضل الله تعالى وكرمه. خلافا لما قالت ~~المعتزلة: انما ينال العبد ذلك بفعله. فلما أمتن الله سبحانه على أوليائه ~~بما آتاهم من فضله، وكان لا يجوز لا حد أن يثنى على نفسه بما لم يفعله دل ~~ذلك على بطلان قولهم. والله أعلم. # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا ~~جميعا (71) فيه خمس مسائل: الأولى - قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا خذوا ~~حذركم) هذا خطاب للمؤمنين المخلصين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وأمر ~~لهم بجهاد الكفار والخروج في سبيل الله وحماية الشرع. ووجه النظم والاتصال ~~بما قبل أنه لما ذكر طاعة الله وطاعة رسوله، أمر أهل الطاعة بالقيام باحياء ~~دينه واعلاء دعوته، وأمر هم ألا يقتحموا على عدوهم على جهالة حتى يتحسسوا ~~إلى ما عندهم، ويعلموا كيف يردون عليهم، فذلك أثبت لهم فقال: (خذوا حذركم) ~~فعلمهم مباشرة الحروب. ولا ينافي هذا التوكل بل هو [مقام (2)] عين التوكل ~~كما تقدم في (آل عمران (3)) ويأتي. والحذر والحذر لغتان كالمثل والمثل. قال ~~الفراء: أكثر الكلام الحذر، والحذر مسموع أيضا، يقال: خذ حذرك، أي احذر. ~~وقيل: خذوا السلاح حذرا، لان به الحذر والحذر لا يدفع القدر. وهي: # PageV05P273 # الثانية - خلافا ms1844 للقدرية في قولهم: إن الحذر يدفع ويمنع من مكائد ~~الأعداء، ولو لم يكن كذلك ما كان لأمرهم بالحذر معنى. فيقال لهم: ليس في ~~الآية دليل على أن الحذر ينفع من القدر شيئا، ولكنا تعبدنا بألا نلقي ~~بأيدينا إلى التهلكة، ومنه الحديث (اعقلها وتوكل). وإن كان القدر جاريا على ~~ما قضى، ويفعل الله ما يشاء، فالمراد منه طمأنينة النفس، لا أن ذلك ينفع من ~~القدر وكذلك أخذ الحذر. الدليل على ذلك أن الله تعالى أثنى على أصحاب نبيه ~~صلى الله عليه وسلم بقوله: (قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا (1)) فلو كان ~~يصيبهم غير ما قضى عليهم لم يكن لهذا الكلام معنى. # الثالثة - قوله تعالى: (فانفروا ثبات) يقال: نفر ينفر (بكسر الفاء) ~~نفيرا. # ونفرت الدابة تنفر (بضم الفاء) نفورا، المعنى: انهضوا لقتال العدو. ~~واستنفر الامام الناس دعاهم إلى النفر، أي للخروج إلى قتال العدو. والنفير ~~اسم للقوم الذين ينفرون، وأصله من النفار والنفور وهو الفزع، ومنه قوله ~~تعالى: (ولوا على أدبارهم نفورا (2) أي نافرين. # ومنه نفر الجلد أي ورم. وتخلل رجل بالقصب فنفر فمه أي ورم. قال أبو عبيد: ~~إنما هو من نفار الشئ من الشئ وهو تجافيه عنه وتباعده منه. قال ابن فارس: ~~النفر عدة رجال من ثلاثة إلى عشرة. والنفير النفر أيضا، وكذلك النفر ~~والنفرة، حكاها الفراء بالهاء. # ويوم النفر: يوم ينفر الناس عن منى. (ثبات) معناه جماعات متفرقات. ويقال: # ثبين يجمع جمع السلامة في التأنيث والتذكير. قال عمرو بن كلثوم: # فأما يوم خشينا عليهم * فتصبح خيلنا عصبا (3) ثبينا فقوله تعالى: (ثبات) ~~كناية عن السرايا، الواحدة ثبة وهي العصابة من الناس. وكانت في الأصل ~~الثبية. وقد ثبيت الجيش جعلتهم ثبة ثبة. والثبة: وسط الحوض الذي يثوب إليه ~~الماء أي يرجع قال النحاس: وربما توهم الضعيف في العربية أنهما واحد، وأن ~~أحدهما من الآخر، وبينهما فرق، فثبة الحوض يقال في تصغيرها: ثويبة، لأنها ~~من ثاب يثوب. # ويقال في [ثبة (4)] الجماعة: ثيبة. قال غير: فثبة الحوض محذوفة الواو وهو ~~عين ms1845 الفعل، وثبة الجماعة # PageV05P274 # معتل اللام من ثبا يثبو مثل خلا يخلو. ويجوز أن يكون الثبة بمعنى الجماعة ~~من ثبة الحوض، لان الماء إذا ثاب اجتمع فعلى هذا تصغر به الجماعة ثوبية ~~فتدخل إحدى الياءين في الأخرى. # وقد قيل: إن ثبة الجماعة إنما اشتقت من ثبيت على الرجل إذا أثنيت عليه في ~~حياته وجمعت محاسن ذكره فيعود إلى الاجتماع. # الرابعة - قوله تعالى: (أو انفروا جميعا) معناه الجيش الكثيف مع الرسول ~~عليه السلام، قاله ابن عباس وغيره. ولا تخرج السرايا إلا بإذن الامام ليكون ~~متجسسا لهم، عضدا من ورائهم، وربما احتاجوا إلى درئه. وسيأتي حكم السرايا ~~وغنائمهم وأحكام الجيوش ووجوب النفير في (الأنفال) و (براءة) إن شاء الله ~~تعالى. # الخامسة - ذكر ابن خويز منداد: وقيل إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: # (انفروا خفافا وثقالا) وبقوله: (إلا تنفروا يعذبكم)، ولأن يكون (انفروا ~~خفافا وثقالا) منسوخا بقوله: (فانفروا ثبات أو انفروا جميعا) وبقوله: (وما ~~كان المؤمنون لينفروا كافة) أولى، لان فرض الجهاد تقرر على الكفاية، فمتى ~~سد الثغور بعض المسلمين أسقط الفرض عن الباقين. والصحيح أن الآيتين جميعا ~~محكمتان، إحداهما في الوقت الذي يحتاج فيه إلى تعين الجميع، والأخرى عند ~~الاكتفاء بطائفة دون غيرها. # قوله تعالى: وان منكم لمن ليبطئن فان أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله على ~~إذ لم أكن معهم شهيدا (72) ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كان لم تكن ~~بينكم وبينه مودة يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما (73) قوله تعالى: ~~(وان منكم لمن ليبطئن) يعني المنافقين. والتبطئة والابطاء التأخر، تقول: ما ~~أبطأك عنا، فهو لازم. ويجوز بطأت فلانا عن كذا أي أخرته، فهو متعد. # PageV05P275 # والمعنيان مراد في الآية، فكانوا يقعدون عن الخروج ويقعدون غيرهم. ~~والمعنى إن من دخلائكم وجنسكم (1) وممن أظهر إيمانه لكم. فالمنافقون في ~~ظاهر الحال من أعداد المسلمين بإجراء أحكام المسلمين عليهم. واللام في قوله ~~(لمن) لام توكيد، والثانية لام قسم، و (من) في موضع نصب، وصلتها (ليبطئن) ~~لان فيه معنى اليمين، والخبر (منكم). # وقرأ مجاهد والنخعي والكلبي ms1846 (وإن منكم لمن ليبطئن) بالتخفيف، والمعنى ~~واحد. وقيل: # المراد بقوله (وإن منكم لمن ليبطئن) بعض المؤمنين، لان الله خاطبهم ~~بقوله: (وإن منكم) وقد فرق الله تعالى بين المؤمنين والمنافقين بقوله (وما ~~هم منكم (2)) وهذا يأباه مساق الكلام وظاهره. وإنما جمع بينهم في الخطاب من ~~جهة الجنس والنسب كما بينا لا من جهة الايمان. # هذا قول الجمهور وهو الصحيح إن شاء الله تعالى، والله أعلم. يدل عليه ~~قوله: (فان أصابتكم مصيبة) أي قتل وهزيمة (قال قد أنعم الله على) يعني ~~بالقعود، وهذا لا يصدر إلا من منافق، لا سيما في ذلك الزمان الكريم، بعيد ~~أن يقول مؤمن. وينظر إلى هذه الآية ما رواه الأئمة عن أبي هريرة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم إخبارا عن المنافقين (إن أثقل صلاة عليهم صلاة العشاء ~~وصلاة الفجر ولو يعلمون ما فيهما لا توهما ولو حبوا) الحديث. في رواية (ولو ~~علم أحدهم أنه يجد عظما سمينا لشهدها) يعني صلاة العشاء. يقول: لو لاح شئ ~~من الدنيا يأخذونه وكانوا على يقين منه لبادروا إليه. وهو معنى قوله: (ولئن ~~أصابكم فضل من الله) أي غنيمة وفتح (ليقولن) هذا المنافق قول نادم حاسد (يا ~~ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما) (كأن لم يكن (3) بينكم وبينه مودة) ~~فالكلام فيه تقديم وتأخير. وقيل: # المعنى (ليقولن كأن لم يكن بينكم وبينه مودة) أي كأن لم يعاقدكم على ~~الجهاد. وقيل: هو في موضع نصب على الحال. وقرأ الحسن (ليقولن) بضم اللام ~~على معنى (من)، لان معنى قوله (لمن ليبطئن) ليس يعني رجلا بعينه. ومن فتح ~~اللام أعاد فوحد الضمير على لفظ (من). وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم (كأن لم ~~تكن) بالتاء على لفظ المودة. ومن قرأ بالياء (3) جعل مودة بمعنى الود. وقول ~~المنافق (يا ليتني كنت معهم) على وجه الحسد أو الأسف # PageV05P276 # على فوت الغنيمة مع الشك في الجزاء من الله. (فأفوز) جواب التمني ولذلك ~~نصب. وقرأ الحسن (فأفوز) بالرفع على أنه تمنى الفوز، فكأنه قال: يا ليتني ~~أفوز فوزا عظيما. ms1847 والنصب على الجواب، والمعنى إن أكن معهم أفز. والنصب فيه ~~بإضمار (أن) لأنه محمول على تأويل المصدر، التقدير يا ليتني كان لي حضور ~~ففوز. # قوله تعالى: فليقاتل في سبيل الله يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن سبيل ~~الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما (74) فيه ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (فليقاتل في سبيل الله) الخطاب للمؤمنين، أي ~~فليقاتل في سبيل الله [الكفار (1)] (الذين يشرون) أي يبيعون، أي يبذلون ~~أنفسهم وأموالهم لله عز وجل (بالآخرة) أي بثواب الآخرة. # الثانية - قوله تعالى: (ومن يقاتل في سبيل الله) شرط. (فيقتل أو يغلب) ~~عطف عليه، والمجازاة (فسوف نؤتيه أجرا عظيما). ومعنى (فيقتل) فيستشهد. (أو ~~يغلب) يظفر فيغنم. وقرأت طائفة (ومن يقاتل) (فليقاتل) بسكون لام الامر. ~~وقرأت فرقة (فليقاتل) بكسر لام الامر. فذكر تعالى غايتي حالة المقاتل ~~واكتفى بالغايتين عما بينهما، ذكره ابن عطية. # الثالثة - ظاهر الآية (2) يقتضي التسوية بين من قتل شهيدا أو أنقلب ~~غانما. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~(تضمن الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهاد (3) في سبيلي وإيمان بي ~~وتصديق برسلي (4) فهو علي ضامن أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج ~~منه نائلا ما نال من أجر أو غنيمة) وذكر الحديث. وفيه عن عبد الله بن عمرو ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما من غازية تغزو في سبيل # PageV05P277 # الله فيصيبون الغنيمة إلا تعجلوا ثلثي أجرهم من الآخرة ويبقى لهم الثلث ~~وإن لم يصيبوا غنيمة تم لهم أجرهم). فقوله: (نائلا ما نال من أجر أو غنيمة) ~~يقتضي أن لمن يستشهد من المجاهدين أحد الامرين، إما الاجر إن لم يغنم، وإما ~~الغنيمة ولا أجر، بخلاف حديث عبد الله ابن عمرو، ولما كان هذا قال قوم: ~~حديث عبد الله بن عمرو ليس بشئ، لان في إسناده حميد بن هانئ وليس بمشهور، ~~ورجحوا الحديث الأول عليه لشهرته. وقال آخرون: ليس بينهما تعارض ولا ~~اختلاف. و (أو) في حديث أبي ms1848 هريرة بمعنى الواو، كما يقول الكوفيون وقد دلت ~~عليه رواية أبي داود فإنه قال فيه: (من أجر وغنيمة) بالوا والجامعة. وقد ~~رواه بعض رواة مسلم بالواو الجامعة أيضا. وحميد بن هانئ مصري سمع أبا عبد ~~الرحمن الحبلى وعمرو ابن مالك، وروى عنه حياة بن شريح وابن وهب، فالحديث ~~الأول محمول على مجرد النية والاخلاص في الجهاد، فذلك الذي ضمن الله له إما ~~الشهادة، وإما رده إلى أهله مأجورا غانما، ويحمل الثاني على ما إذا نوى ~~الجهاد ولكن مع نيل المغنم، فلما انقسمت نيته انحط أجره، فقد دلت السنة على ~~أن للغانم أجرا كما دل عليه الكتاب فلا تعارض. ثم قيل: إن نقص أجر الغانم ~~على من يغنم إنما هو بما فتح الله عليه من الدنيا فتمتع به وأزال عن نفسه ~~شظف عيشه، ومن أخفق فلم يصب شيئا بقي على شظف عيشه والصبر على حالته، فبقي ~~أجره موفرا بخلاف الأول. ومثله قوله في الحديث الآخر: (فمنا من مات لم يأكل ~~من أجره شيئا - منهم مصعب ابن عمير - ومنا من أينعت له تمرته فهو يهد بها ~~(1)). # قوله تعالى: وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجل ~~والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها ~~واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا (75) # PageV05P278 # فيه ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله) حض على الجهاد. ~~وهو يتضمن تخليص المستضعفين من أيدي الكفرة المشركين الذين يسومونهم سوء ~~العذاب، ويفتنونهم عن الدين، فأوجب تعالى الجهاد لاعلاء كلمته وإظهار دينه ~~واستنقاذ المؤمنين الضعفاء من عباده، وإن كان في ذلك تلف النفوس. وتخليص ~~الأسارى واجب على جماعة المسلمين إما بالقتال وإما بالأموال، وذلك أوجب ~~لكونها دون النفوس إذ هي أهون منها. # قال مالك: واجب على الناس أن يفدوا الأسارى بجميع أموالهم. وهذا لا خلاف ~~فيه، لقوله عليه السلام (فكوا العاني) وقد مضى في (البقرة (1)). وكذلك ~~قالوا: عليهم أن يواسوهم فإن المواساة دون المفاداة. فإن كان الأسير ms1849 غنيا ~~فهل يرجع عليه الفادي أم لا، قولان للعلماء، أصحهما الرجوع. # الثانية - قوله تعالى: (والمستضعفين) عطف على اسم الله عز وجل، أي وفي ~~سبيل المستضعفين، فإن خلاص المستضعفين من سبيل الله. وهذا اختيار الزجاج ~~وقاله الزهري. وقال محمد بن يزيد: أختار أن يكون المعنى وفي المستضعفين ~~فيكون عطفا على السبيل، أي وفي المستضعفين لاستنقاذهم، فالسبيلان مختلفان. ~~ويعني بالمستضعفين من كان بمكة من المؤمنين تحت إذلال كفرة قريش وأذاهم وهم ~~المعنيون بقوله عليه السلام: (اللهم أنج الوليد ابن الوليد وسلمة بن هشام ~~وعياش بن أبي ربيعه والمستضعفين من المؤمنين). وقال ابن عباس: كنت أنا وأمي ~~من المستضعفين. في البخاري عنه (إلا المستضعفين من الرجال والنساء ~~والولدان) فقال: كنت أنا وأمي ممن عذر الله، أنا من الولدان وأمي من ~~النساء. # الثالثة - قوله تعالى: (من هذه القرية الظالم أهلها) القرية هنا مكة ~~بإجماع من المتأولين. ووصفها بالظلم وإن كان الفعل للأهل لعلقة الضمير. ~~وهذا كما تقول: مررت بالرجل الواسعة داره، والكريم أبوه، والحسنة جاريته. ~~وأنما وصف الرجل بها للعلقة اللفظية # PageV05P279 # بينهما وهو الضمير، فلو قلت: مررت بالرجل الكريم عمر ولم تجز المسألة، ~~لان الكرم لعمرو فلا يجوز أن يجعل صفة لرجل إلا بعلقة وهي الهاء. ولا تثنى ~~هذه الصفة ولا تجمع، لأنها تقوم مقام الفعل، فالمعنى أي التي ظلم أهلها ~~ولهذا لم يقل الظالمين. وتقول: مررت برجلين كريم أبواهما حسنة جاريتاهما، ~~وبرجال كريم آباؤهم حسنة جواريهم. (واجعل لنا من لدنك) أي من عندك (وليا) ~~أي من يستنقذنا (واجعل لنا من لدنك نصيرا) أي ينصرنا عليهم. # قوله تعالى: الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في ~~سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان ان كيد الشيطان كان ضعيفا (76) قوله ~~تعالى: (الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله) أي في طاعته. (والذين كفروا ~~يقاتلون في سبيل الطاغوت) قال أبو عبيدة والكسائي: الطاغوت يذكر ويؤنث. قال ~~أبو عبيد: وإنما ذكر وأنث لأنهم كانوا يسمون الكاهن والكاهنة طاغوتا. قال: # حدثنا حجاج عن ابن جريج قال حدثنا أبو الزبير ms1850 أنه سمع جابر بن عبد الله ~~وسئل عن الطاغوت التي كانوا يتحاكمون إليها فقال: كانت في جهينة واحدة وفي ~~أسلم واحدة، وفي كل حي واحدة. # قال أبو إسحاق: الدليل على أنه الشيطان قوله عز وجل: (فقاتلوا أولياء ~~الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا) أي مكره ومكر من اتبعه. ويقال: أراد به ~~يوم بدر حين قال للمشركين (لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما ~~تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني برئ منكم) على ما يأتي (1) قوله ~~تعالى: ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس # PageV05P280 # كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا ~~إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا ~~(77) روى عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابا ~~له أتوا النبي صلى الله عليه وسلم بمكة فقالوا: يا نبي الله، كنا في عز ~~ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة؟ فقال: (إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا ~~القوم). فلما حول الله تعالى إلى المدينة أمره بالقتال فكفوا، فنزلت الآية. ~~أخرجه النسائي في سننه، وقاله الكلبي. وقال مجاهد: هم يهود. قال الحسن: هي ~~في المؤمنين، لقوله: (يخشون الناس) أي مشركي مكة (كخشية الله) فهي على ما ~~طبع عليه البشر من المخافة لا على المخالفة. قال السدي: هم قوم أسلموا قبل ~~فرض القتال فلما فرض كرهوه. وقيل: هو وصف للمنافقين، والمعنى يخشون القتل ~~من المشركين كما يخشون الموت من الله. (أو أشد خشية) أي عندهم وفي ~~اعتقادهم. # قلت: وهذا أشبه بسياق الآية، لقوله: (وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال ~~لولا أخرتنا إلى أجل قريب) أي هلا، ولا يليها إلا الفعل. ومعاذ الله أن ~~يصدر هذا القول من صحابي كريم يعلم أن الآجال محدودة والأرزاق مقسومة، بل ~~كانوا لأوامر الله ممتثلين سامعين طائعين، يرون الوصول إلى الدار الآجلة ~~خيرا من ms1851 المقام في الدار العاجلة، على ما هو معروف من سيرتهم رضي الله ~~عنهم. اللهم إلا أن يكون قائله ممن لم يرسخ في الايمان قدمه، ولا انشرح ~~بالاسلام جنانه، فإن أهل الايمان متفاضلون فمنهم الكامل ومنهم الناقص، وهو ~~الذي تنفر نفسه عما يؤمر به فيما تلحقه فيه المشقة وتدركه فيه الشدة. والله ~~أعلم. # قوله تعالى: (قل متاع الدنيا قليل) ابتداء وخبر. وكذا (والآخرة خير لمن ~~اتقى) أي المعاصي، وقد مضى القول في هذا في (البقرة (1)) ومتاع الدنيا ~~منفعتها والاستمتاع بلذاتها # PageV05P281 # وسماه قليلا لأنه لا بقاء له. وقال النبي صلى الله عليه وسلم (مثلي ومثل ~~الدنيا كراكب قال قيلولة (1) تحت شجرة ثم راح وتركها) وقد تقدم هذا المعنى ~~في (البقرة) مستوفى. # قوله تعالى: أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وان تصبهم ~~حسنة يقولوا هذه من عند الله وان تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من ~~عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا (78) فيه أربع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (أينما تكونوا يدرككم الموت) شرط ومجازاة، و (ما) ~~زائدة وهذا الخطاب عام وإن كان المراد المنافقين أو ضعفة المؤمنين الذين ~~قالوا: (لولا أخرتنا إلى أجل قريب) أي إلى أن نموت بآجالنا، وهو أشبه ~~بالمنافقين كما ذكرنا، لقولهم لما أصيب أهل أحد، قالوا: (لو كانوا عندنا ما ~~ماتوا وما قتلوا (2)) فرد الله عليهم (أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم ~~في بروج مشيدة) قاله ابن عباس في رواية أبي صالح عنه. وواحد البروج برج، ~~وهو البناء المرتفع والقصر العظيم. قال طرفة يصف ناقة: # كأنها برج رومي تكففها * بان بشيد (3) وآجر وأحجار وقرأ طلحة بن سليمان ~~(يدرككم) برفع الكاف على إضمار الفاء، وهو قليل لم يأت إلا في الشعر نحو ~~قوله: * من يفعل الحسنات الله يشكرها * أراد فالله يشكرها. # واختلف العلماء وأهل التأويل في المراد بهذه البروج، فقال الأكثر وهو ~~الأصح: إنه أراد البروج في الحصون التي في الأرض المبنية، لأنها غاية البشر ~~في التحصن والمنعة، فمثل الله # PageV05P282 # لهم بها. ms1852 وقال قتادة: في قصور محصنة. وقاله ابن جريج والجمهور، ومنه قول ~~عامر ابن الطفيل للنبي صلى الله عليه وسلم: هل لك في حصن حصين ومنعة؟ وقال ~~مجاهد: البروج القصور. ابن عباس: البروج الحصون والآطام والقلاع. ومعنى ~~(مشيدة) مطولة، قاله الزجاج والقتبي. عكرمة: المزينة (1) بالشيد وهو الجص. ~~قال قتادة: محصنة. والمشيد والمشيد سواء، ومنه (وقصر مشيد (2)) والتشديد ~~للتكثير. وقيل: المشيد المطول، والمشيد المطلي بالشيد. يقال: شاد البنيان ~~وأشاد بذكره. وقال السدي: المراد بالبروج بروج في السماء الدنيا مبنية. ~~وحكى هذا القول مكي عن مالك وأنه قال: ألا ترى إلى قوله تعالى: # (والسماء ذات البروج (3)) و (جعل في السماء بروجا (4)) (ولقد جعلنا في ~~السماء بروجا (5)). # وحكاه ابن العربي أيضا عن ابن القاسم عن مالك. وحكى النقاش عن ابن عباس ~~أنه قال: # (في بروج مشيدة) معناه في قصور من حديد. قال ابن عطية: وهذا لا يعطيه ~~ظاهر اللفظ. # الثانية - هذه الآية ترد على القدرية في الآجال، لقوله تعالى: (أينما ~~تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة) فعرفهم بذلك أن الآجال متى ~~انقضت فلا بد من مفارقة الروح الجسد، كان ذلك بقتل أو موت أو غير ذلك مما ~~أجرى الله العادة بزهوقها به. وقالت المعتزلة: إن المقتول لو لم يقتله ~~القاتل لعاش. وقد تقدم الرد عليهم في (آل عمران (6)) ويأتي، فوافقوا بقولهم ~~هذا الكفار والمنافقين. # الثالثة - اتخاذ البلاد وبنائها ليمتنع بها في حفظ الأموال والنفوس، وهي ~~سنة الله في عباده. وفي ذلك أدل دليل على رد قول من يقول: التوكل ترك ~~الأسباب، فإن اتخاذ البلاد من أكبر الأسباب و أعظمها وقد أمرنا بها، ~~واتخذها الأنبياء وحفروا حولها الخنادق عدة وزيادة في التمنع. وقد قيل ~~للأحنف: ما حكمة السور؟ فقال: ليردع السفيه حتى يأتي الحكيم (7) فيحميه. # PageV05P283 # الرابعة - وإذا تنزلنا على قول مالك والسدي في أنها بروج السماء، فبروج ~~الفلك اثنا عشر برجا مشيدة من الرفع، وهي الكواكب العظام. وقيل للكواكب ~~بروج لظهورها، من برج يبرج إذا ظهر وارتفع، ومنه قوله: (ولا تبرجن تبرج ~~الجاهلية ms1853 الأولى (1)). وخلقها الله تعالى منازل للشمس والقمر وقدره (2) ~~فيها، ورتب الأزمنة عليها، وجعلها جنوبية وشمالية دليلا على المصالح وعلمنا ~~على القبلة، وطريقا إلى تحصيل آناء الليل وآناء النهار لمعرفة أوقات التهجد ~~غير ذلك من أحوال المعاش. # قوله تعالى: (وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله) أي إن يصب ~~المنافقين خصب قالوا: هذا من عند الله. (وإن تصبهم سيئة) أي جدب ومحل ~~قالوا: هذا من عندك، أي أصابنا ذلك بشؤمك وشؤم أصحابك. وقيل: الحسنة ~~السلامة والامن، والسيئة الأمراض والخوف. وقيل: الحسنة الغنى، والسيئة ~~الفقر. وقيل: الحسنة النعمة والفتح والغنيمة يوم بدر، والسيئة البلية ~~والشدة والقتل يوم أحد. وقيل: الحسنة السراء، والسيئة الضراء. هذه أقوال ~~المفسرين وعلماء التأويل - ابن عباس وغيره - في الآية. وأنها نزلت في ~~اليهود والمنافقين، و ذلك أنها لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~المدينة عليهم قالوا: ما زلنا نعرف النقص في ثمارنا ومزار عنا مذ قدم علينا ~~هذا الرجل وأصحابه. قال ابن عباس: ومعنى (من عندك) أي بسوء تدبيرك. وقيل: ~~(من عندك) بشؤمك، كما ذكرنا، أي بشؤمك الذي لحقنا، قالوه على جهة التطير. ~~قال الله تعالى: (قل كل من عند الله) أي الشدة والرخاء والظفر والهزيمة من ~~عند الله، أي بقضاء الله وقدره. (فمال هؤلاء القوم) يعني المنافقين (لا ~~يكادون يفقهون حديثا) أي ما شأنهم لا يفقهون أن كلا من عند الله. # قوله تعالى: ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك ~~وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا (79) # PageV05P284 # قوله تعالى: (ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك) أي ~~ما أصابك يا محمد من خصب ورخاء وصحة وسلامة فبفضل الله عليك وإحسانه إليك، ~~وما أصابك من جدب وشدة فبذنب أتيته عوقبت عليه. والخطاب للنبي صلى الله ~~عليه وسلم والمراد أمته. أي ما أصابكم يا معشر الناس من خصب واتساع زرق فمن ~~تفضل الله عليكم، وما أصابكم من جدب وضيق رزق فمن أنفسكم، أي من أجل ذنوبكم ~~وقع ms1854 ذلك بكم. قاله الحسن والسدي وغيرهما، كما قال تعالى: (يا أيها النبي ~~إذا طلقتم النساء (1)). وقد قيل: # الخطاب للانسان والمراد به الجنس، كما قال تعالى: (والعصر إن الانسان لفي ~~خسر (2)) أي إن الناس لفي خسر، ألا تراه استثنى منهم فقال (إلا الذين ~~آمنوا) ولا يستثنى إلا من جملة أو جماعة. وعلى هذا التأويل يكون قوله (ما ~~أصابك) استئنافا. وقيل: في الكلام حذف تقديره يقولون، وعليه يكون الكلام ~~متصلا، والمعنى فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا حتى يقولوا ما ~~أصابك من حسنة فمن الله. وفيل: إن ألف الاستفهام مضمرة، والمعنى أفمن نفسك؟ ~~ومثله قوله وتعالى: (وتلك نعمة تمنها على (3)) والمعنى أو تلك نعمة؟ وكذا ~~قوله تعالى: (فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي (4)) أي أهذا ربي؟ قال أبو ~~خراش الهذلي: # رموني وقالوا (5) يا خويلد لم ترع * فقلت وأنكرت الوجوه هم هم أراد (أهم) ~~فأضمر ألف الاستفهام وهو كثير وسيأتي. قال الأخفش (ما) بمعنى الذي. وقيل: # هو شرط. قال النحاس: والصواب قول الأخفش، لأنه نزل في شئ بعينه من الجدب، ~~وليس هذا من المعاصي في شئ ولو كان منها لكان وما أصبت من سيئة. وروى عبد ~~الوهاب ابن مجاهد عن أبيه عن ابن عباس وأبي وابن مسعود (ما أصابك من حسنة ~~فمن الله وما # PageV05P285 # أصابك من سيئة فمن نفسك وأنا كتبتها عليك) فهذه قراءة على التفسير، وقد ~~أثبتها بعض أهل الزيغ من القرآن، والحديث بذلك عن ابن مسعود وأبي منقطع، ~~لان مجاهدا لم ير عبد الله ولا أبيا. وعلى قول من قال: الحسنة الفتح ~~والغنيمة يوم بدر، والسيئة ما أصابهم يوم أحد، أنهم (1) عوقبوا عند خلاف ~~الرماة الذين أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحموا ظهره ولا يبرحوا ~~من مكانهم، فرأوا الهزيمة على قريش والمسلمون يغنمون أموالهم فتركوا ~~مصافهم، فنظر خالد بن الوليد وكان مع الكفار يومئذ ظهر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قد انكشف من الرما فأخذ سرية [من الخيل (2)] ودار حتى صار خلف ~~المسلمين وحمل عليهم، ms1855 ولم يكن خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرماة ~~إلا صاحب الراية، حفظ وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم فوقف حتى استشهد ~~مكانه، على ما تقدم في (آل عمران (3)) بيانه. فأنزل الله تعالى نظير هذه ~~الآية وهو قوله تعالى: (أو لما أصابتكم مصيبة) يعني يوم أحد (قد أصبتم ~~مثليها) يعنى يوم بدر (قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم). ولا يجوز أن ~~تكون الحسنة ها هنا الطاعة والسيئة المعصية كما قالت القدرية، إذ لو كان ~~كذلك لكان ما أصبت كما قدمنا، إذ هو بمعنى الفعل عندهم والكسب عندنا، وإنما ~~تكون الحسنة الطاعة والسيئة المعصية في نحو قوله: (من جاء بالحسنة فله عشر ~~أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها (4)) وأما في هذه الآية فهي ~~كما تقدم شرحنا له من الخصب والجدب والرخاء والشدة على نحو ما جاء في آية ~~(الأعراف) وهي قوله تعالى: (ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات ~~لعلهم يذكرون). (بالسنين) بالجدب سنة بعد سنة، حبس المطر عنهم فنقصت ثمارهم ~~وغلت أسعارهم. (فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا ~~بموسى ومن معه) أي يتشاءمون بهم ويقولون هذا من أجل أتباعنا لك وطاعتنا ~~إياك، فرد الله عليهم بقوله: # (ألا إنما طائرهم عند الله) يعني أن طائر البركة وطائر الشؤم من الخير ~~والشر والنفع والضر من الله تعالى لا صنع فيه لمخلوق، فكذلك قوله تعالى ~~فيما أخبر عنهم أنهم يضيفونه للنبي صلى الله # PageV05P286 # عليه وسلم حيث قال: (وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند ~~الله) كما قال: (ألا إنما طائرهم عند الله) وكما قال تعالى: (وما أصابكم ~~يوم التقى الجمعان فبإذن الله) أي بقضاء الله وقدره وعلمه، وآيات الكتاب ~~يشهد بعضها لبعض. قال علماؤنا: # ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يشك في أن كل شئ بقضاء الله وقدره ~~وإرادته ومشيئته، كما قال تعالى: (ونبلوكم بالشر والخير فتنة (1)) وقال ~~تعالى: (وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد ms1856 له وما لهم من دونه من وال (2)). # مسألة - وقد تجاذب بعض جهال أهل السنة هذه الآية واحتج بها، كما تجاذبها ~~القدرية واحتجوا بها، ووجه احتجاجهم بها أن القدرية يقولون: إن الحسنة ها ~~هنا الطاعة، والسيئة المعصية، قالوا: وقد نسب المعصية في قوله تعالى: (وما ~~أصابك من سيئة فمن نفسك) إلى الانسان دون الله تعالى، فهذا وجه تعلقهم بها. ~~ووجه تعلق الآخرين منها قوله تعالى: # (قل كل من عند الله) قالوا: فقد أضاف الحسنة والسيئة إلى نفسه دون خلقه. ~~وهذه الآية إنما يتعلق بها الجهال من الفريقين جميعا، لأنهم بنوا ذلك على ~~أن السيئة هي المعصية، وليست كذلك لما بيناه. والله أعلم. والقدرية إن ~~قالوا (ما أصابك من حسنة) أي من طاعة (فمن الله) فليس هذا اعتقادهم، لان ~~اعتقادهم الذي بنوا عليه مذهبهم أن الحسنة فعل المحسن والسيئة فعل المسئ. ~~وأيضا فلو كان لهم فيها حجة لكان يقول: ما أصبت من حسنة وما أصبت من سيئة، ~~لأنه الفاعل للحسنة والسيئة جميعا، فلا يضاف إليه إلا بفعله لهما لا بفعل ~~غيره. نص على هذه المقالة الإمام أبو الحسن (3) شبيب بن إبراهيم بن محمد بن ~~حيدرة في كتابه المسمى بحز الغلاصم في إفحام المخاصم. # قوله تعالى: (وأرسلناك للناس رسولا) مصدر مؤكد، ويجوز أن يكون المعنى ذا ~~رسالة (وكفى بالله شهيدا) نصب على البيان والباء زائدة، أي كفى الله شهيدا ~~على صدق رسالة نبيه وأنه صادق. # PageV05P287 # قوله تعالى: من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم ~~حفيظا (80) قوله تعالى: (ومن يطع الرسول فقد أطاع الله) أعلم الله تعالى أن ~~طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم طاعة له. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # (من أطاعني فقد أطاع الله ومن يعصني فقد عصى الله ومن يطع الأمير فقد ~~أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني) في رواية. (ومن أطاع أميري، ومن عصى ~~أميري). # قوله تعالى: (ومن تولى) أي أعرض. (فما أرسلناك عليهم حفيظا) أي حافظا ms1857 ~~ورقيبا لاعمالهم، إنما عليك البلاغ. وقال القتبي: محاسبا، فنسخ الله هذا ~~بآية السيف وأمره بقتال من خالف الله ورسوله. # قوله تعالى: ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي ~~تقول والله يكتب ما يبيتون فأعرض عنهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا ~~(81) أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا ~~كثيرا (82) قوله تعالى: (ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم ~~غير الذي تقول والله يكتب ما يبيتون) أي أمرنا طاعة، ويجوز (طاعة) بالنصب، ~~أي نطيع طاعة، وهي قراءة نصر بن عاصم والحسن والجحدري. وهذا في المنافقين ~~في قول أكثر المفسرين، أي يقولون إذا كانوا عندك: أمرنا طاعة، أو نطيع ~~طاعة، وقولهم هذا ليس بنافع، لان من لم يعتقد الطاعة ليس بمطيع حقيقة، لان ~~الله تعالى لم يحقق طاعتهم بما أظهروه، فلو كانت الطاعة بلا اعتقاد حقيقة ~~لحكم بها لهم، فثبت أن الطاعة بالاعتقاد مع وجودها. # (فإذا برزوا) أي خرجوا (من عندك بيت طائفة منهم) فذكر الطائفة لأنها في ~~معنى PageV05P288 # رجال. وأدغم الكوفيون التاء في الطاء، لأنهما من مخرج واحد، واستقبح ذلك ~~الكسائي في الفعل وهو عند البصريين غير قبيح. ومعنى (بيت) زور وموه. وقيل: ~~غير وبدل وحرف، أي بدلوا قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما عهده إليهم ~~وأمرهم به. والتبييت التبديل، ومنه قول الشاعر (1): # أتوني فلم أرض ما بيتوا * وكانوا أتوني بأمر نكر لأنكح أيمهم منذرا * وهل ~~ينكح العبد حر لحر آخر (2): # بيت قولي عبد المليك * قاتله الله عبدا كفورا وبيت الرجل الامر إذا دبره ~~ليلا، قال الله تعالى: (إذ يبيتون ما لا يرضى من القول (3)). # والعرب تقول: أمر بيت بليل إذا أحكم. وإنما خص الليل بذلك لأنه وقت يتفرغ ~~فيه. # قال الشاعر: # أجمعوا أمرهم بليل فلما * أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء ومن هذا بيت الصيام. ~~والبيوت: الماء يبيت ليلا. والبيوت: الامر يبيت عليه صاحبه مهتما به، قال ~~الهذلي (4): # وأجعل فقرتها عدة * إذا خفت بيوت أمر عضال والتبييت والبيات أن يأتي ms1858 ~~العدو ليلا. وبات يفعل كذا إذا فعله ليلا، كما يقال: ظل بالنهار. وبيت الشئ ~~قدر. فإن قيل: فما وجه الحكمة في ابتدائه بذكر جملتهم ثم قال: # (بيت طائفة منهم)؟ قيل: إنما عبر عن حال من علم أنه بقي على كفره ونفاقه، ~~وصفح عمن علم أنه سيرجع عن ذلك. وقيل: إنما عبر عن حال من شهد وحار في ~~أمره، وأما من سمع وسكت فلم يذكره. والله أعلم. (والله يكتب ما يبيتون) أي ~~يثبته في صحائف أعمالهم ليجازيهم عليه. وقال الزجاج: المعنى ينزله عليك في ~~الكتاب. وفي هذه الآية دليل على أن # PageV05P289 # مجرد القول لا يفيد شيئا كما ذكرنا، فإنهم قالوا: طاعة، ولفظوا بها ولم ~~يحقق الله طاعتهم ولا حكم لهم بصحتها، لأنهم لم يعتقدوها. فثبت أنه لا يكون ~~المطيع مطيعا إلا باعتقادها مع وجودها. # قوله تعالى: (فأعرض عنهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا. أفلا يتدبرون ~~القرآن) قوله تعالى: (فأعرض عنهم) أي لا تخبر بأسمائهم، عن الضحاك، يعني ~~المنافقين. وقيل: # لا تعاقبهم. ثم أمره بالتوكل عليه والثقة به في النصر على عدوه. ويقال: ~~إن هذا منسوخ بقوله تعالى: (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين (1)) ثم ~~عاب المنافقين بالاعراض عن التدبر في القرآن والتفكر فيه وفي معانيه. تدبرت ~~الشئ فكرت في عاقبته. وفي الحديث (لا تدابروا) أي لا يولي بعضكم بعضا دبره. ~~وأدبر القوم مضى أمرهم إلى آخره. والتدبير أن يدبر الانسان أمره كأنه ينظر ~~إلى ما تصير إليه عاقبته. ودلت هذه الآية وقوله تعالى: (أفلا يتدبرون ~~القرآن أم على قلوب أقفالها (2)) على وجوب التدبر في القرآن (3) ليعرف ~~معناه. فكان في هذا رد على فساد قول من قال: لا يؤخذ من تفسيره إلا ما ثبت ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومنع أن يتأول على ما يسوغه لسان العرب. وفيه ~~دليل على الامر بالنظر والاستدلال وإبطال التقليد، وفيه دليل على إثبات ~~القياس. # قوله تعالى: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) أي ~~تفاوتا وتناقضا، عن ابن عباس وقتادة وابن ms1859 زيد. ولا يدخل في هذا اختلاف ~~ألفاظ القراءات وألفاظ الأمثال والدلالات ومقادير السور والآيات. وإنما ~~أراد اختلاف (4) التناقض والتفاوت. وقيل: المعنى لو كان ما تخبرون به من ~~عند غير الله لاختلف. وقيل: إنه ليس من متكلم يتكلم كلاما كثيرا إلا وجد في ~~كلامه اختلاف كثير، إما في الوصف (5) واللفظ، وإما في جودة المعنى، وإما في ~~التناقض، وإما في الكذب. فأنزل الله عز وجل القرآن وأمرهم بتدبره، لأنهم لا ~~يجدون فيه اختلافا في وصف (5) ولا ردا له في معنى، ولا تناقضا ولا كذبا ~~فيما يخبرون به من الغيوب وما يسرون. # PageV05P290 # قوله تعالى: وإذا جاء هم أمر من الامن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى ~~الرسول والى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله ~~عليكم ورحمته لا تبعتم الشيطان الا قليلا (83) قوله تعالى: (وإذا جاءهم أمر ~~من الامن) في (إذا) معنى الشرط ولا يجازى بها وإن زيدت عليها (ما) وهي ~~قليلة الاستعمال. قال سيبويه. والجيد ما قال كعب بن زهير: # وإذا ما تشاء تبعث منها * مغرب الشمس ناشطا مذعورا (1) يعني أن الجيد لا ~~يجزم بإذا ما كما لم يجزم في هذا البيت، وقد تقدم في أول (البقرة (2)). ~~والمعنى أنهم إذا سمعوا شيئا من الأمور فيه أمن نحو ظفر المسلمين وقتل ~~عدوهم (أو الخوف) وهو ضد هذا (أذاعوا به) أي أفشوه وأظهروه وتحدثوا به قبل ~~أن يقفوا على حقيقته. فقيل: كان هذا من ضعفة المسلمين، عن الحسن، لأنهم ~~كانوا يفشون أمر النبي صلى الله عليه وسلم ويظنون أنهم لا شئ عليهم في ذلك. ~~وقال الضحاك وابن زيد: هو في المنافقين فنهوا عن ذلك لما يلحقهم من الكذب ~~في الارجاف. # قوله تعالى: (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم) أي لم يحدثوا به ~~ولم يفشوه حتى يكون النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي يحدث به ويفشيه. أو ~~أولوا الامر وهم أهل العلم والفقه، عن الحسن وقتادة وغيرهما. السدي وابن ~~زيد: الولاة. وقيل: # أمراء السرايا. (لعلمه الذين يستنبطونه منهم) ms1860 أي يستخرجونه، أي لعلموا ما ~~ينبغي أن يفشى منه وما ينبغي أن يكتم. والاستنباط مأخوذ من استنبطت الماء ~~إذا استخرجته. # والنبط: الماء المستنبط أول ما يخرج من ماء البئر أول ما تحفر. وسمي ~~النبط نبطا لأنهم # PageV05P291 # يستخرجون ما في الأرض. والاستنباط في اللغة الاستخراج، وهو يدل على ~~الاجتهاد إذا عدم النص والاجماع كما تقدم. # قوله تعالى: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته) رفع بالابتداء عند سيبويه، ~~ولا يجوز أن يظهر الخبر عنده. والكوفيون يقولون: رفع بلولا. (لا تبعتم ~~الشيطان الا قليلا) في هذه الآية ثلاثة أقوال، قال ابن عباس وغيره: المعنى ~~أذاعوا به إلا قليلا منهم لم يذع ولم يفش. وقاله جماعة من النحويين: ~~الكسائي والأخفش وأبو عبيد وأبو حاتم والطبري. وقيل: المعنى لعلمه الذين ~~يستنبطونه منهم إلا قليلا منهم، عن الحسن وغيره، واختاره الزجاج قال: لان ~~هذا الاستنباط الأكثر يعرفه، لأنه استعلام خبر. واختار الأول الفراء قال: ~~لان علم السرايا إذا ظهر علمه المستنبط وغيره، والإذاعة تكون في بعض دون ~~بعض. قال الكلبي عنه: # فلذلك استحسنت الاستثناء من الإذاعة. قال النحاس: فهذان قولان على ~~المجاز، يريد أن في الكلام تقديما وتأخيرا. وقول ثالث بغير مجاز: يكون ~~المعنى ولولا فضل الله عليكم ورحمته بأن بعث فيكم رسولا أقام فيكم الحجة ~~لكفرتم وأشركتم إلا قليلا منكم فإنه كان يوحد. وفيه قول رابع - قال الضحاك: ~~المعنى لاتبعتم الشيطان إلا قليلا، أي إن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ~~حدثوا أنفسهم بأمر من الشيطان إلا قليلا، يعنى الذين امتحن الله قلوبهم ~~للتقوى. # وعلى هذا القول يكون قوله (إلا قليلا) مستثنى من قوله (لاتبعتم الشيطان). ~~قال المهدوي: وأنكر هذا القول أكثر العلماء، إذ لولا فضل الله ورحمته لاتبع ~~الناس كلهم الشيطان. # قوله تعالى: فقاتل في سبيل الله لا تكلف الا نفسك وحرض المؤمنين عسى الله ~~أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأسا وأشد تنكيلا (84) قوله تعالى: ~~(فقاتل في سبيل الله) هذه الفاء متعلقة بقوله (ومن يقاتل في سبيل الله) ~~فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه ms1861 أجرا عظيما. فقاتل في سبيل الله) أي من أجل هذا ~~فقاتل. PageV05P292 # وقيل: هي متعلقة بقوله: (وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله. فقاتل). كأن ~~هذا (1) المعنى: # لا تدع جهاد العدو والاستنصار عليهم للمستضعفين من المؤمنين ولو وحدك، ~~لأنه وعده بالنصر. # قال الزجاج: أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بالجهاد وإن قاتل ~~وحده، لأنه قد ضمن له النصرة. قال ابن عطية: (هذا ظاهر اللفظ، إلا أنه لم ~~يجئ في خبر قط أن القتال فرض عليه دون الأمة مدة ما، فالمعنى والله أعلم ~~أنه خطاب له في اللفظ، وهو مثال ما يقال لكل واحد في خاصة نفسه، أي أنت يا ~~محمد وكل واحد من أمتك القول له، (فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك). ~~ولهذا ينبغي لكل مؤمن أن يجاهد ولو وحده، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: (والله لأقاتلنهم حتى تنفرد (2) سالفتي). وقول أبي بكر وقت الردة: # ولو خالفتني يميني لجاهدتها بشمالي. وقيل: إن هذه الآية نزلت في موسم بدر ~~الصغرى، فإن أبا سفيان لما انصرف من أحد واعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~موسم بدر الصغرى، فلما جاء الميعاد خرج إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في سبعين راكبا فلم يحضر أبو سفيان ولم يتفق قتال. وهذا على معنى ما قاله ~~مجاهد كما تقدم في (آل عمران (3)). ووجه النظم على هذا والاتصال بما قبل ~~أنه وصف المنافقين بالتخليط وإيقاع الأراجيف، ثم أمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم بالاعراض عنهم وبالجد في القتال في سبيل الله وإن لم يساعده أحد على ~~ذلك. # قوله تعالى: (لا تكلف الا نفسك) (تكلف) مرفوع لأنه مستقبل، ولم يجزم لأنه ~~ليس علة للأول. وزعم الأخفش أنه يجوز جزمه. (إلا نفسك) خبر ما لم يسم ~~فاعله، والمعنى لا تلزم فعل غيرك ولا تؤاخذ به. # قوله تعالى: (وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا) فيه ثلاث ~~مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (وحرض المؤمنين) أي حضهم على الجهاد والقتال. يقال: # حرضت ms1862 فلانا على كذا إذا أمرته (4) به. وحارض فلان على الامر وأكب وواظب ~~بمعنى واحد # PageV05P293 # الثانية - قوله تعالى: (عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا) إطماع، ~~والأطماع من الله عز وجل واجب. على أن الطمع قد جاء في كلام العرب على ~~الوجوب، ومنه قوله تعالى: (والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين (1). ~~وقال ابن مقبل: # ظني بهم كعسى وهم بتنوفة (2) * يتنازعون جوائز (3) الأمثال قوله تعالى: ~~(والله أشد بأسا) أي صولة وأعظم سلطانا وأقدر بأسا على ما يريده. (وأشد ~~تنكيلا) أي عقوبة، عن الحسن وغيره. قال ابن دريد: رماه الله بنكلة، أي رماه ~~بما ينكلة. قال: ونكلت بالرجل تنكيلا من النكال. والمنكل الشئ الذي ينكل ~~بالانسان. قال: # * وارم على أقفائهم بمنكل (4) * الثالثة - إن قال قائل: نحن نرى الكفار ~~في بأس وشدة، وقلتم: إن عسى بمعنى اليقين فأين ذلك الوعد؟ قيل له: قد وجد ~~هذا الوعد ولا يلزم وجوده على الاستمرار والدوام فمتى وجد ولو لحظة مثلا ~~فقد صدق الوعد، فكف الله بأس المشركين ببدر الصغرى، وأخلفوا ما كانوا ~~عاهدوه من الحرب والقتال (وكفى الله المؤمنين القتال (5) وبالحديبية أيضا ~~عما راموه من الغدر وانتهاز الفرصة، ففطن بهم المسلمون فخرجوا فأخذوهم ~~أسرى، وكان ذلك والسفراء يمشون بينهم في الصلح، وهو المراد بقوله تعالى: ~~(وهو الذي كف أيديهم عنكم (6)) على ما يأتي. وقد ألقى الله في قلوب الأحزاب ~~الرعب وانصرفوا من غير قتل ولا قتال، كما قال تعالى (وكفى الله المؤمنين ~~القتال). وخرج اليهود من ديارهم وأموالهم بغير قتال المؤمنين لهم، فهذا كله ~~بأس قد كفه الله عن المؤمنين، مع أنه قد دخل من اليهود والنصارى العدد ~~الكثير والجم الغفير تحت الجزية صاغرين وتركوا المحاربة داخرين (7)، فكف ~~الله بأسهم عن المؤمنين. # والحمد لله رب العالمين. # PageV05P294 # قوله تعالى: من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة ~~يكن له كفل منها وكان الله على كل شئ مقيتا (85) فيه ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (من يشفع) أصل الشفاعة والشفعة ونحوها من الشفع وهو ms1863 ~~الزوج في العدد، ومنه الشفيع، لأنه يصير مع صاحب الحاجة شفعا. ومنه ناقة ~~شفوع إذا جمعت بين محلبين في حلبة واحدة. وناقة شفيع (1) إذا اجتمع لها حمل ~~وولد يتبعها. والشفع ضم واحد إلى واحد. والشفعة ضم ملك الشريك إلى ملكك، ~~فالشفاعة إذا ضم غيرك إلى جاهك ووسيلتك، فهي على التحقيق إظهار لمنزلة ~~الشفيع عند المشفع وإيصال المنفعة إلى المشفوع له. # الثانية - واختلف المتأولون في هذه الآية، فقال مجاهد والحسن وابن زيد ~~وغيرهم هي في شفاعات الناس بينهم في حوائجهم، فمن يشفع لينفع فله نصيب، ومن ~~يشفع ليضر فله كفل. وقيل: الشفاعة الحسنة هي في البر والطاعة، والسيئة في ~~المعاصي. فمن شفع شفاعة حسنة ليصلح بين اثنين استوجب الاجر، ومن سعى ~~بالنميمة والغيبة أثم، وهذا قريب من الأول. وقيل: يعني بالشفاعة الحسنة ~~الدعاء للمسلمين، والسيئة الدعاء عليهم. وفي صحيح الخبر: (من دعا بظهر ~~الغيب استجيب له وقال الملك آمين ولك بمثل (2)). هذا هو النصيب، وكذلك في ~~الشر، بل يرجع شؤم دعائه عليه. وكانت اليهود تدعو على المسلمين. # وقيل: المعنى من يكن شفعا لصاحبه في الجهاد يكن له نصيبه من الاجر، ومن ~~يكن شفعا لآخر في باطل يكن له نصيبه من الوزر. وعن الحسن أيضا: الحسنة ما ~~يجوز في الدين، والسيئة ما لا يجوز فيه. وكأن هذا القول جامع. والكفل الوزر ~~والاثم، عن الحسن وقتادة. # السدى وابن زيد هو النصيب. واشتقاقه من الكساء (3) الذي يحويه راكب ~~البعير على سنامه # PageV05P295 # لئلا يسقط. يقال: اكتفلت البعير إذا أدرت على سنامه كساء وركبت عليه. ~~ويقال له: # اكتفل لأنه لم يستعمل الظهر كله بل استعمل نصيبا من الظهر. ويستعمل في ~~النصيب من الخير والشر، وفي كتاب الله تعالى (يؤتكم كفلين من رحمته (1)). ~~والشافع يؤجر فيما يجوز وإن لم يشفع، لأنه تعالى قال (من يشفع) ولم يقل ~~يشفع. وفي صحيح مسلم (اشفعوا تؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما أحب). ~~الثالثة - قوله تعالى: (وكان الله على كل شئ مقيتا) (مقيتا) معناه مقتدرا، ~~ومنه قول الزبير بن عبد ms1864 المطلب: # وذي ضغن كففت النفس عنه * وكنت على مساءته مقيتا أي قديرا. فالمعنى إن ~~الله تعالى يعطي كل إنسان قوته، ومنه قوله عليه السلام: (كفى بالمرء إثما ~~أن يضيع من يقيت). على من رواه هكذا، أي من هو تحت قدرته وفي قبضته من عيال ~~وغيره، ذكره ابن عطية. يقول منه: قته أقوته قوتا، وأقته أقيته إقاتة فأنا ~~قائت ومقيت. # وحكى الكسائي: أقات يقيت. وأما قول الشاعر (2): # *... إني على الحساب مقيت * فقال فيه الطبري: إنه من غير هذا المعنى ~~المتقدم، وإنه بمعنى الموقوف. وقال أبو عبيدة: # المقيت الحافظ. وقال الكسائي: المقيت المقتدر. وقال النحاس: وقول أبي ~~عبيدة أولى لأنه مشتق من القوت، والقوت معناه مقدار ما يحفظ الانسان. وقال ~~الفراء: المقيت الذي يعطي كل رجل قوته. وجاء في الحديث: (كفى بالمرء إثما ~~أن يضيع من يقوت) و (يقيت) ذكره الثعلبي: وحكى ابن فارس في المجمل: المقيت ~~المقتدر، والمقيت الحافظ والشاهد، وما عنده قيت ليلة وقوت ليلة. والله ~~أعلم. # PageV05P296 # قوله تعالى: وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها ان الله كان على ~~كل شئ حسيبا (86) فيه اثنتا عشرة مسألة: # الأولى - قوله تعالى: (وإذا حييتم بتحية) التحية تفعلة من حييت، الأصل ~~تحية مثل ترضية وتسمية، فأدغموا الياء في الياء. والتحية السلام. وأصل ~~التحية الدعاء بالحياة. # والتحيات لله، أي السلام من الآفات. وقيل: الملك. قال عبد الله بن صالح ~~العجلي: # سألت الكسائي عن قوله (التحيات لله) ما معناه؟ فقال: التحيات مثل ~~البركات، فقلت: # ما معنى البركات؟ فقال: ما سمعت فيها شيئا. وسألت عنها محمد بن الحسن ~~فقال: هو شئ تعبد الله به عباده. فقدمت الكوفة فلقيت عبد الله بن إدريس ~~فقلت: إني سألت الكسائي ومحمدا عن قول (التحيات لله) فأجاباني بكذا وكذا، ~~فقال عبد الله بن إدريس: إنهما لا علم لهما بالشعر وبهذه الأشياء؟! التحية ~~الملك، وأنشد (1): # أؤم بها أبا قابوس حتى * وأنيخ على تحيته بجندي وأنشد ابن خويز منداد: # أسير به إلى النعمان حتى * أنيخ على تحيته بجندي يريد على ملكه. وقال ms1865 آخر ~~(2): # ولكل ما نال الفتى * قد نلته إلا التحيه وقال القتبي: إنما قال (التحيات ~~لله) على الجمع، لأنه كان في الأرض ملوك يحيون بتحيات مختلفات، فيقال ~~لبعضهم: أبيت اللعن، ولبعضهم: أسلم وانعم، ولبعضهم: عش ألف سنة. # فقيل لنا: قولوا التحيات لله، أي الألفاظ التي تدل على الملك، ويكنى بها ~~عنه لله تعالى. # PageV05P297 # ووجه النظم بما قبل أنه قال: إذا خرجتم للجهاد كما سبق به الامر فحييتم ~~في سفركم بتحية الاسلام، فلا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا، بل ~~ردوا جواب السلام، فإن أحكام الاسلام تجري عليهم. # الثانية - واختلف العلماء في معنى الآية وتأويلها، فروى ابن وهب وابن ~~القاسم عن مالك أن هذه الآية في تشميت العاطس والرد على المشمت. وهذا ضعيف، ~~إذ ليس في الكلام دلالة على ذلك، أما الرد على المشمت فمما يدخل بالقياس في ~~معنى رد التحية، وهذا هو منحى مالك إن صح ذلك عنه. والله أعلم. وقال ابن ~~خويز منداد: وقد يجوز أن تحمل هذه الآية على الهبة إذا كانت للثواب، فمن ~~وهب له هبة على الثواب فهو بالخيار إن شاء ردها وإن شاء قبلها وأثاب عليها ~~قيمتها. # قلت: ونحو هذا قال أصحاب أبي حنيفة، قالوا: التحية هنا الهدية، لقوله ~~تعالى: # (أو ردوها) ولا يمكن رد الاسلام بعينه. وظاهر الكلام يقتضي أداء التحية ~~بعينها وهي الهدية، فأمر بالتعويض إن قبل أو الرد بعينه، وهذا لا يمكن في ~~السلام. وسيأتي بيان حكم الهبة للثواب والهدية في سورة (الروم) عند قوله: ~~(وما آتيتم من ربا (1)) إن شاء الله تعالى. # والصحيح أن التحية ههنا السلام، لقوله تعالى: (وإذا جاءوك حيوك بما لم ~~يحيك به الله (2)). # وقال النابغة الذبياني: # تحييهم بيض الولائد بينهم * وأكسية الأضريج فوق المشاجب (3) أراد: ويسلم ~~عليهم. وعلى هذا جماعة المفسرين. وإذا ثبت هذا وتقرر ففقه الآية أن يقال: # أجمع العلماء على أن الابتداء بالسلام سنة مرغب فيها، ورده فريضة، لقوله ~~تعالى: (فحيوا بأحسن منها أو ردوها). واختلفوا إذا رد واحد من جماعة هل ~~يجزئ أو لا، ms1866 فذهب مالك والشافعي إلى الاجزاء، وأن المسلم قد رد عليه مثل ~~قوله. وذهب الكوفيون إلى أن رد السلام # PageV05P298 # من الفروض المتعينة، قالوا: والسلام خلاف الرد، لان الابتداء به تطوع ~~ورده فريضة. # ولو رد غير المسلم عليهم لم يسقط ذلك عنهم فرض الرد، فدل على أن رد ~~السلام يلزم كل إنسان بعينه، حتى قال قتادة والحسن: إن المصلي يرد السلام ~~كلاما إذا سلم عليه ولا يقطع ذلك عليه صلاته، لأنه فعل ما أمر به. والناس ~~على خلافه. احتج الأولون بما رواه أبو داود عن علي بن أبي طالب عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: (يجزئ من الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم، ويجزئ ~~عن الجلوس أن يرد أحدهم). وهذا نص في موضع الخلاف. قال أبو عمر: وهو حديث ~~حسن لا معارض له، وفي إسناده سعيد بن خالد، وهو سعيد بن خالد الخزاعي مدني ~~ليس به بأس عند بعضهم، وقد ضعفه بعضهم منهم أبو زرعة وأبو حاتم ويعقوب بن ~~شيبة وجعلوا حديثه هذا منكرا، لأنه انفرد فيه بهذا الاسناد، على أن عبد ~~الله ابن الفضل لم يسمع من عبيد الله بن أبي رافع، بينهما الأعرج في غير ما ~~حديث. والله أعلم. # واحتجوا أيضا بقوله عليه السلام: (يسلم القليل على الكثير). ولما أجمعوا ~~على أن الواحد يسلم على الجماعة ولا يحتاج إلى تكريره على عداد الجماعة، ~~كذلك يرد الواحد عن الجماعة وينوب عن الباقين كفروض الكفاية. وروى مالك عن ~~زيد بن أسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يسلم الراكب على الماشي ~~وإذا سلم واحد من القوم أجزأ عنهم). قال علماؤنا: # وهذا يدل على أن الواحد يكفي في الرد، لأنه لا يقال أجزأ عنهم إلا فيما ~~قد وجب. والله أعلم قلت: هكذا تأول علماؤنا هذا الحديث وجعلوه حجة في جواز ~~رد الواحد، وفيه قلق. # الثالثة - قوله تعالى: (فحيوا بأحسن منها أو ردوها) رد الأحسن أن يزيد ~~فيقول: # عليك السلام ورحمة الله، لمن قال: سلام عليك. فإن قال: سلام عليك ورحمة ms1867 ~~الله، زدت في ردك: وبركاته. وهذا النهاية فلا مزيد. قال الله تعالى مخبرا ~~عن البيت الكريم (رحمة الله وبركاته) على مأتي بيانه (1) إن شاء الله ~~تعالى. فإن انتهى بالسلام غايته، زدت في ردك الواو في أول كلامك فقلت: ~~وعليك السلام ورحمة الله وبركاته. والرد بالمثل أن تقول لمن قال السلام ~~عليك: عليك السلام، إلا أنه ينبغي أن يكون السلام كله بلفظ الجماعة، وإن ~~كان # PageV05P299 # المسلم عليه واحدا. روى الأعمش عن إبراهيم النخعي قال: إذا سلمت على ~~الواحد فقل: # السلام عليكم، فإن معه الملائكة. وكذلك الجواب يكون بلفظ الجمع، قال ابن ~~أبي زيد: # يقول المسلم السلام عليكم، ويقول الراد وعليكم السلام، أو يقول السلام ~~عليكم كما قيل له، وهو معنى قوله (أو ردوها) ولا تقل في ردك: سلام عليك. # الرابعة - والاختيار في التسليم والأدب فيه تقديم اسم الله تعالى على اسم ~~المخلوق، قال الله تعالى: (سلام على آل ياسين). وقال في قصة إبراهيم عليه ~~السلام: (رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت) وقال مخبرا عن إبراهيم: (سلام ~~عليك). وفي صحيحي البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: (خلق الله عز وجل آدم على صورته (1) طوله ستون ذراعا فلما ~~خلقه قال اذهب فسلم على أولئك النفر وهم نفر من الملائكة جلوس فاستمع ما ~~يحيونك فإنها تحيتك وتحية ذريتك - قال - فذهب فقال السلام عليكم فقالوا ~~السلام عليك ورحمة الله - قال - فزادوه ورحمة الله - قال - فكل من يدخل ~~الجنة على صورة آدم وطوله ستون ذراعا فلم يزل الخلق ينقص بعده حتى الآن). # قلت: فقد جمع هذا الحديث مع صحته فوائد سبع: الأولى - الاخبار عن صفة خلق ~~آدم. الثانية - أنا ندخل الجنة عليها بفضله. الثالثة - تسليم القليل على ~~الكثير. # الرابعة - تقديم اسم الله تعالى. الخامسة - الرد بالمثل لقولهم: السلام ~~عليكم. السادسة - الزيادة في الرد. السابعة - إجابة الجميع بالرد كما يقول ~~الكوفيون. والله أعلم. # الخامسة - فإن رد فقدم اسم المسلم عليه لم يأت محرما ولا مكروها، لثبوته ~~عن النبي صلى ms1868 الله عليه وسلم حيث قال للرجل الذي لم يحسن الصلاة وقد سلم ~~عليه: (وعليك السلام أرجع فصل فإنك لم تصل). وقالت عائشة: وعليه السلام ~~ورحمة الله، حين أخبرها النبي صلى الله عليه وسلم أن جبريل يقرأ عليها ~~السلام. أخرجه البخاري. وفي حديث عائشة # PageV05P300 # من الفقه أن الرجل إذا أرسل إلى رجل بسلامه فعليه أن يرد كما يرد عليه ~~إذا شافهه. وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أبي يقرئك ~~السلام، فقال: (عليك وعلى أبيك السلام). وقد روى النسائي وأبو داود من حديث ~~جابر بن سليم قال: لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: عليك السلام يا ~~رسول الله، فقال: (لا تقل عليك السلام فإن عليك السلام تحية الميت ولكن قل ~~السلام عليك). وهذا الحديث لا يثبت، إلا أنه لما جرت عادة العرب بتقديم اسم ~~المدعو عليه في الشر كقولهم: عليه لعنة الله وغضب الله. قال الله تعالى: # (وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين (1)). وكان ذلك أيضا دأب الشعراء وعادتهم ~~في تحية الموتى، كقولهم: # عليك سلام الله قيس بن عاصم * ورحمته ما شاء أن يترحما وقال آخر وهو ~~الشماخ: # عليك سلام من أمير وباركت * يد الله في ذاك الأديم الممزق نهاه عن ذلك، ~~لا أن ذاك هو اللفظ المشروع في حق الموتى، لأنه عليه السلام ثبت عنه أنه ~~سلم على الموتى كما سلم على الاحياء فقال: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين ~~وإنا إن شاء الله بكم لاحقون). فقالت عائشة: قلت يا رسول الله، كيف أقول ~~إذا دخلت المقابر؟ قال: # (قولي السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين) الحديث، وسيأتي في سورة ~~(ألهاكم (2)) إن شاء الله تعالى. # قلت: وقد يحتمل أن يكون حديث عائشة وغيره في السلام على أهل القبور ~~جميعهم إذا دخلها وأشرف عليها، وحديث جابر بن سليم خاص بالسلام على المرور ~~المقصود بالزيارة. والله أعلم. # السادسة - من السنة تسليم الراكب على الماشي، والقائم على القاعد، ~~والقليل على الكثير، هكذا جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة. ms1869 قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يسلم الراكب) فذكره فبدأ بالراكب لعلو ~~مرتبته، ولأن ذلك أبعد له من الزهو، # PageV05P301 # وكذلك قيل في الماشي مثله. وقيل: لما كان القاعد على حال وقار وثبوت ~~وسكون فله مزية بذلك على الماشي، لان حاله على العكس من ذلك. وأما تسليم ~~القليل على الكثير فمراعاة لشرفية جمع المسلمين وأكثريتهم. وقد زاد البخاري ~~في هذا الحديث (ويسلم الصغير على الكبير). وأما تسليم الكبير على الصغير ~~فروى أشعث عن الحسن أنه كان لا يرى التسليم على الصبيان، قال: لان الرد فرض ~~والصبي لا يلزمه الرد فلا ينبغي أن يسلم عليهم. وروي عن ابن سيرين أنه كان ~~يسلم على الصبيان ولكن لا يسمعهم. وقال أكثر العلماء: التسليم عليهم أفضل ~~من تركه. وقد جاء في الصحيحين عن سيار قال: كنت أمشي مع ثابت فمر بصبيان ~~فسلم عليهم، وذكر أنه كان يمشي مع أنس فمر بصبيان فسلم عليهم، وحدث أنه كان ~~يمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمر بصبيان فسلم عليهم. لفظ مسلم. ~~وهذا من خلقه العظيم صلى الله عليه وسلم، وفيه تدريب للصغير وحض على تعليم ~~السنن ورياضة لهم على آداب الشريعة فيه، فلتقتد. # وأما التسليم على النساء فجائز إلا على الشابات منهن خوف الفتنة من ~~مكالمتهن بنزعة شيطان أو خائنة عين. وأما المتجالات (1) والعجز فحسن للأمن ~~فيما ذكرناه، هذا قول عطاء وقتادة، وإليه ذهب مالك وطائفة من العلماء. ~~ومنعه الكوفيون إذا لم يكن منهن ذوات محرم وقالوا: # لما سقط عن النساء الأذان والإقامة والجهر بالقراءة في الصلاة سقط عنهن ~~رد السلام فلا يسلم عليهن. والصحيح الأول لما خرجه البخاري عن سهل بن سعد ~~قال: كنا نفرح بيوم الجمعة. قلت (2) ولم؟ قال: كانت لنا عجوز ترسل إلى ~~بضاعة - قال ابن مسلمة: نخل بالمدينة - فتأخذ من أصول السلق (3) فتطرحه في ~~القدر وتكركر حبات من شعير، فإذا صلينا الجمعة انصرفنا فنسلم عليها فتقدمه ~~إلينا فنفرح من أجله: وما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة تكركر أي ms1870 ~~تطحن، قاله القتبي. # PageV05P302 # الثامنة - والسنة في السلام والجواب الجهر، ولا تكفي الإشارة بالإصبع ~~والكف عند الشافعي، وعندنا تكفي إذا كان على بعد، روى ابن وهب عن ابن مسعود ~~قال: السلام اسم من أسماء الله عز وجل وضعه الله في الأرض فأفشوه بينكم، ~~فإن الرجل إذا سلم على القوم فردوا عليه كان له عليهم فضل درجة لأنه ذكرهم، ~~فإن لم يردوا عليه رد عليه من هو خير منهم وأطيب. وروى الأعمش عن عمرو بن ~~مرة عن عبد الله بن الحارث قال: إذا سلم الرجل على القوم كان له فضل درجة، ~~فإن لم يردوا عليه ردت عليه الملائكة ولعنتهم. فإذا رد المسلم عليه أسمع ~~جوابه، لأنه إذا لم يسمع المسلم لم يكن جوابا له، ألا ترى أن المسلم إذا ~~سلم بسلام لم يسمعه المسلم عليه لم يكن ذلك منه سلاما، فكذلك إذا أجاب ~~بجواب لم يسمع منه فليس بجواب. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا ~~سلمتم فأسمعوا وإذا رددتم فأسمعوا وإذا قعدتم فاقعدوا بالأمانة ولا يرفعن ~~بعضكم حديث بعض). قال ابن وهب: وأخبرني أسامة بن زيد عن نافع قال: كنت ~~أساير رجلا من فقهاء الشام يقال له عبد الله بن زكريا فحبستني دابتي تبول، ~~ثم أدركته ولم أسلم عليه، فقال: ألا تسلم؟ فقلت: إنما كنت معك آنفا، فقال: ~~وإن (1) صح، لقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتسايرون فيفرق ~~بينهم الشجر فإذا التقوا سلم بعضهم على بعض. # التاسعة - وأما الكافر فحكم الرد عليه أن يقال له: وعليكم. قال ابن عباس ~~وغيره: # المراد بالآية: (وإذا حييتم بتحية) فإذا كانت من مؤمن (فحيوا بأحسن منها) ~~وإن كانت من كافر فردوا على ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقال ~~لهم: (وعليكم). وقال عطاء: # الآية في المؤمنين خاصة، ومن سلم من غيرهم قيل له: عليك، كما جاء في ~~الحديث. # قلت: فقد جاء إثبات الواو وإسقاطها في صحيح مسلم (عليك) بغير واو وهي ~~الرواية الواضحة المعنى، وأما مع إثبات ms1871 الواو ففيها إشكال، لان الواو ~~العاطفة تقتضي التشريك فيلزم منه أن يدخل معهم فيما دعوا به علينا من الموت ~~أو من سامة ديننا، فاختلف المتأولون # PageV05P303 # لذلك على أقوال: أولاها أن يقال: إن الواو على بابها من العطف، غير أنا ~~نجاب عليهم ولا يجابون علينا، كما قال صلى الله عليه وسلم. وقيل: هي زائدة. ~~وقيل: للاستئناف. # والأولى أولى. ورواية حذف الواو أحسن معنى وإثباتها أصح رواية وأشهر، ~~وعليها من العلماء الأكثر. # العاشرة - واختلف في رد السلام على أهل الذمة هل هو واجب كالرد على ~~المسلمين، وإليه ذهب ابن عباس والشعبي وقتادة تمسكا بعموم الآية وبالأمر ~~بالرد عليهم في صحيح السنة. وذهب مالك فيما روى عنه أشهب وابن وهب إلى أن ~~ذلك ليس بواجب، فإن رددت فقل: عليك. واختار ابن طاوس أن يقول في الرد ~~عليهم: علاك السلام، أي أرتفع عنك. واختار بعض علمائنا السلام (بكسر السين) ~~يعني به الحجارة. وقول مالك وغيره في ذلك كاف شاف كما جاء في الحديث، ~~وسيأتي في سورة (مريم) القول في ابتدائهم بالسلام عند قوله تعالى إخبارا عن ~~إبراهيم في قوله لأبيه (سلام (1) عليك). وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى ~~تحابوا أولا أدلكم على شئ إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم). وهذا ~~يقتضي إفشاءه بين المسلمين دون المشركين (2). والله أعلم. # الحادية عشرة - ولا يسلم على المصلي فإن سلم عليه فهو بالخيار إن شاء رد ~~بالإشارة بإصبعه وإن شاء أمسك حتى يفرغ من الصلاة ثم يرد. ولا ينبغي أن ~~يسلم على من يقضي حاجته فإن فعل لم يلزمه أن يرد عليه. دخل رجل على النبي ~~صلى الله عليه وسلم في مثل هذه الحال فقال له: (إذا وجدتني أو رأيتني على ~~هذه الحال فلا تسلم علي فإنك إن سلمت علي لم أرد عليك). ولا يسلم على من ~~يقرأ القرآن فيقطع عليه قراءته، وهو بالخيار إن شاء رد وإن شاء أمسك حتى ~~يفرغ ثم ms1872 يرد، ولا يسلم على من دخل الحمام وهو كاشف العورة، أو كان مشغولا ~~بما له دخل بالحمام، ومن كان بخلاف ذلك سلم عليه. # PageV05P304 # الثانية عشرة - قوله تعالى: (ان الله كان على كل شئ حسيبا) معناه حفيظا. # وقيل: كافيا، من قولهم: أحسبني كذا أي كفاني، ومثله حسبك الله. وقال ~~قتادة: محاسبا كما يقال: أكيل بمعنى مواكل. وقيل: هو فعيل من الحساب، وحسنت ~~هذه الصفة هنا، لان معنى الآية في أن يزيد الانسان أو ينقص أو يوفي قدر ما ~~يجئ به. روى النسائي عن عمران بن حصين قال: كنا عند النبي صلى الله عليه ~~وسلم فجاء رجل فسلم، فقال: السلام عليكم فرد عليه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وقال: (عشر) ثم جلس، ثم جاء آخر فسلم فقال: # السلام عليكم ورحمة الله، فرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ~~(عشرون) ثم جلس وجاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فرد عليه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: # (ثلاثون). وقد جاء هذا الخبر مفسرا وهو أن من قال لأخيه المسلم: سلام ~~عليكم كتب له عشر حسنات، فإن قال: السلام عليكم ورحمة الله كتب له عشرون ~~حسنة. فإن قال: # السلام عليكم ورحمة الله وبركاته كتب له ثلاثون حسنة، وكذلك لمن رد من ~~الاجر. والله أعلم. # قوله تعالى: الله لا اله الا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ومن ~~أصدق من الله حديثا (87) قوله تعالى: (الله لا اله الا هو) ابتداء وخبر. ~~واللام في قوله (ليجمعنكم) لام القسم، نزلت في الذين شكوا في البعث فأقسم ~~الله تعالى بنفسه. وكل لام بعدها نون مشددة فهو لام القسم. ومعناه في الموت ~~وتحت الأرض (إلى يوم القيامة). وقال بعضهم: # (إلى) صلة في الكلام، معناه ليجمعنكم يوم القيامة. وسميت القيامة قيامة ~~لان الناس يقومون فيه لرب العالمين عز وجل، قال الله تعالى: (ألا يظن أولئك ~~أنهم مبعوثون ليوم عظيم. يوم يقوم الناس لرب العالمين (1)). وقيل: سمي يوم ~~القيامة لان الناس يقومون من قبورهم ms1873 إليها، قال الله تعالى: (يوم يخرجون من ~~الأجداث سراعا (2)) وأصل القيامة الواو. # (ومن أصدق من الله حديثا) نصب على البيان، والمعنى لا أحد أصدق من الله. ~~وقرأ حمزة # PageV05P305 # والكسائي (ومن أزدق) بالزاي. الباقون: بالصاد، وأصله الصاد إلا أن لقرب ~~مخرجها جعل مكانها زاي. # قوله تعالى: فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون ~~أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا (88) قوله تعالى: ~~(فما لكم في المنافقين فئتين) (فئتين) أي فرقتين مختلفتين. روى مسلم عن زيد ~~بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى أحد فرجع ناس ممن كان معه، ~~فكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيهم فرقتين، فقال بعضهم: نقتلهم. ~~وقال بعضهم: لا، فنزلت (فما لكم في المنافقين فئتين). وأخرجه الترمذي فزاد: ~~وقال: (إنها طيبة) وقال: (إنها (1) تنفي الخبيث كما تنفي النار خبث الحديد) ~~قال: حديث حسن صحيح). # وقال البخاري: (إنها طيبة تنفي الخبث كما تنفي النار خبث الفضة). والمعني ~~بالمنافقين هنا عبد الله بن أبي وأصحابه الذين خذلوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يوم أحد ورجعوا بعسكرهم بعد أن خرجوا، كما تقدم في (آل عمران ~~(2)). وقال ابن عباس: هم فوم بمكة آمنوا وتركوا الهجرة، قال الضحاك: وقالوا ~~إن ظهر محمد - صلى الله عليه وسلم - فقد عرفنا، وإن ظهر قومنا فهو أحب ~~إلينا. فصار المسلمون فيهم فئتين قوم يتولونهم وقوم يتبرءون منهم، فقال ~~الله عز وجل (فما لكم في المنافقين فئتين). وذكر أبو سلمة بن عبد الرحمن عن ~~أبيه أنها نزلت في قوم جاءوا إلى المدينة وأظهروا الاسلام، فأصابهم وباء ~~المدينة وحماها، فأركسوا فخرجوا من المدينة، فاستقبلهم نفر من أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقالوا: ما لكم رجعتم؟ فقالوا: أصابنا وباء المدينة ~~فاجتويناها (3)، فقالوا: ما لكم في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة؟ ~~فقال بعضهم: نافقوا. وقال بعضهم: لم ينافقوا، هم مسلمون، فأنزل الله عز وجل ~~(فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا) الآية. حتى ms1874 جاءوا ~~المدينة يزعمون أنهم مهاجرون، ثم ارتدوا بعد ذلك، فاستأذنوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # PageV05P306 # إلى مكة ليأتوا ببضائع لهم يتجرون فيها، فاختلف فيهم المؤمنون فقائل ~~يقول: هم منافقون، وقائل يقول: هم مؤمنون، فبين الله تعالى نفاقهم وأنزل ~~هذه الآية وأمر بقتلهم. # قلت: وهذان القولان يعضدهما سياق آخر الآية من قوله تعالى: (حتى ~~يهاجروا)، والأول أصح نقلا، وهو اختيار البحاري ومسلم والترمذي. و (فئتين) ~~نصب على الحال، كما يقال: مالك قائما؟ عن الأخفش. وقال الكوفيون: هو خبر ~~(ما لكم) كخبر كان وظننت، وأجازوا إدخال الألف واللام فيه وحكى الفراء: ~~(أركسهم، وركسهم) أي ردهم إلى الكفر ونكسهم، وقاله (1) النضر بن شميل ~~والكسائي: والركس والنكس قلب الشئ على رأسه، أو رد أوله على آخره، والمركوس ~~المنكوس. وفي قراءة عبد الله وأبي رضي الله عنهما (والله ركسهم). وقال أبن ~~رواحة: # أركسوا في فتنة مظلمة * كسواد الليل يتلوها فتن أي نكسوا. وارتكس فلان في ~~أمر كان نجا منه. والركوسية (2) قوم بين النصارى والصابئين. # والراكس الثور وسط البيدر (3) والثيران حواليه حين الدياس. (أتريدون أن ~~تهدوا من أضل الله) أي ترشدوه إلى الثواب بأن يحكم لهم بحكم المؤمنين. (فلن ~~تجد له سبيلا) أي طريقا إلى الهدى والرشد وطلب الحجة. وفي هذا رد على ~~القدرية وغيرهم القائلين بخلق هداهم وقد تقدم (4). # قوله تعالى: ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم ~~أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله فان تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ~~ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا (89) الا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ~~ميثاق أو جاءوكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم ولو شاء الله ~~لسلطهم عليكم فلقاتلوكم فان اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما ~~جعل الله لكم عليهم سبيلا (90) # PageV05P307 # فيه خمس مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (ودوا لو تكفرون) أي تمنوا أن تكونوا كهم في الكفر ~~والنفاق شرع سواء، فأمر الله تعالى بالبراءة منهم فقال: (فلا تتخذوا منهم ~~أولياء حتى يهاجروا)، كما قال تعالى: (ما لكم من ولايتهم من ms1875 شئ حتى يهاجروا ~~(1)) والهجرة أنواع: # منها الهجرة إلى المدينة لنصرة النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت هذه ~~واجبة أول الاسلام حتى قال: (لا هجرة بعد الفتح). وكذلك هجرة المنافقين مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم في الغزوات، وهجرة من أسلم في دار الحرب فإنها ~~واجبة. وهجرة المسلم ما حرم الله عليه، كما قال صلى الله عليه وسلم: ~~(والمهاجر من هجر ما حرم الله عليه). وهاتان الهجرتان ثابتتان الآن. وهجرة ~~أهل المعاصي حتى يرجعوا تأديبا لهم فلا يكلمون ولا يخالطون حتى يتوبوا، كما ~~فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع كعب وصاحبيه (2). (فان تولوا فخذوهم ~~واقتلوهم) يقول: إن أعرضوا عن التوحيد والهجرة فأسروهم واقتلوهم. (حيث ~~وجدتموهم) عام في الأماكن من حل وحرم. # والله أعلم. ثم استثنى وهي: # الثانية - فقال: (الا الذين يصلون) أي يتصلون بهم ويدخلون فيما بينهم من ~~الجوار والحلف، المعنى: فلا تقتلوا قوما بينهم وبين من بينكم وبينهم عهد ~~فإنهم على عهدهم ثم انتسخت العهود فانتسخ هذا. هذا قول مجاهد وابن زيد ~~وغيرهم، وهو أصح ما قيل في معنى الآية. قال أبو عبيد: يصلون ينتسبون، ومنه ~~قول الأعشى: # إذا اتصلت قالت لبكر بن وائل * وبكر سبتها والأنوف رواغم يريد إذا ~~انتسبت. قال المهدوي: وأنكره العلماء، لان النسب لا يمنع من قتال الكفار ~~وقتلهم. وقال النحاس: وهذا غلط عظيم، لأنه يذهب إلى أن الله تعالى حظر أن ~~يقاتل أحد بينه وبين المسلمين نسب، والمشركون قد كان بينهم وبين السابقين ~~الأولين أنساب، وأشد من هذا الجهل بأنه كان ثم نسخ، لان أهل التأويل مجمعون ~~على أن الناسخ له (براءة) وإنما نزلت (براءة) بعد الفتح وبعد أن انقطعت ~~الحروب. وقال معناه الطبري. # PageV05P308 # قلت: حمل بعض العلماء معنى ينتسبون على الأمان، أي إن المنتسب إلى أهل ~~الأمان آمن إذا أمن الكل منهم، لا على معنى النسب الذي هو بمعنى القرابة. ~~واختلف في هؤلاء الذين كان بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم ميثاق، ~~فقيل: بنو مدلج. عن الحسن: كان بينهم وبين قريش عقد، ms1876 وكان بين قريش وبين ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد. وقال عكرمة: نزلت في هلال بن عويمر ~~وسراقة بن جعشم وخزيمة بن عامر بن عبد مناف كان بينهم وبين النبي صلى الله ~~عليه وسلم عهد. وقيل: خزاعة. وقال الضحاك عن ابن عباس: # أنه أراد بالقوم الذين بينكم وبينهم ميثاق بني بكر بن زيد بن مناة، كانوا ~~في الصلح والهدنة الثالثة - في هذه الآية دليل على إثبات الموادعة بين أهل ~~الحرب وأهل الاسلام إذا كان في الموادعة مصلحة للمسلمين، على ما يأتي بيانه ~~في (الأنفال (1) وبراءة (2)) إن شاء الله تعالى. # الرابعة - قوله تعالى: (أو جاءوكم حصرت صدورهم) أي ضاقت. وقال لبيد أسهلت ~~وانتصبت كجذع منيفة * جرداء يحصر دونها جرامها (3) أي تضيق صدورهم من طول ~~هذه النخلة، ومنه الحصر في القول وهو ضيق الكلام على المتكلم. والحصر ~~الكتوم للسر، قال جرير: # ولقد تسقطني الوشاة فصادفوا * حصرا بسرك يا أميم ضنينا ومعنى (حصرت) قد ~~حصرت فأضمرت قد، قال الفراء: وهو حال من المضمر المرفوع في (جاءوكم) كما ~~تقول: جاء فلان ذهب عقله، أي قد ذهب عقله. وقيل: هو خبر بعد خبر قال ~~الزجاج. أي جاءوكم ثم أخبر فقال: (حصرت صدورهم) فعلى هذا يكون (حصرت) بدلا ~~من (جاءوكم) وقيل: (حصرت) في موضع خفض على النعت لقوم. # وفي حرف أبي (إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق حصرت صدورهم) ~~ليس فيه (أو جاءوكم (4)). وقيل: تقديره أو جاءوكم رجالا أو قوما حصرت ~~صدورهم، فهي صفة موصوف منصوب على الحال. وقرأ الحسن (أو جاءوكم حصرة ~~صدورهم) نصب على # PageV05P309 # الحال، ويجوز رفعه على الابتداء والخبر. وحكى (أو جاءوكم حصرات صدورهم)، ~~ويجوز الرفع. وقال محمد بن يزيد: (حصرت صدورهم) هو دعاء عليهم، كما تقول: ~~لعن الله الكافر، وقاله المبرد (1). وضعفه بعض المفسرين وقال: هذا يقتضي ~~ألا يقاتلوا قومهم، وذلك فاسد، لأنهم كفار وقومهم كفار. وأجيب بأن معناه ~~صحيح، فيكون عدم القتال في حق المسلمين تعجيزا لهم، وفي حق قومهم تحقيرا ~~لهم. وقيل: (أو) بمعنى الواو، كأنه يقول: ms1877 # إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق وجاءوكم ضيقة صدورهم عن قتالكم والقتال معكم ~~فكرهوا قتال الفريقين. ويحتمل أن يكونوا معاهدين على ذلك فهو نوع من العهد، ~~أو قالوا نسلم ولا نقاتل، فيحتمل أن يقبل ذلك منهم في أول الاسلام حتى يفتح ~~الله قلوبهم للتقوى ويشرحها للاسلام. والأول أظهر. والله أعلم. (أو ~~يقاتلوا) في موضع نصب، أي عن (2) أن يقاتلوكم. # الخامسة - قوله تعالى: (ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم) تسليط الله ~~تعالى المشركين على المؤمنين هو بأن يقدرهم على ذلك ويقويهم إما عقوبة ~~ونقمة عند إذاعة المنكر وظهور المعاصي، وإما ابتلاء واختبارا كما قال ~~تعالى: (ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم (3))، ~~وإما تمحيصا للذنوب كما قال تعالى: (وليمحص الله الذين آمنوا (4)). # ولله أن يفعل ما يشاء ويسلط من يشاء على من يشاء إذا شاء. ووجه النظم ~~والاتصال بما قبل أي اقتلوا المنافقين الذين اختلفتم فيهم إلا (5) أن ~~يهاجروا، وإلا أن يتصلوا بمن بينكم وبينهم ميثاق فيدخلون فيما دخلوا فيه ~~فلهم حكمهم، وإلا الذين جاءوكم قد حصرت صدورهم عن أن يقاتلوكم أو يقاتلوا ~~قومهم فدخلوا فيكم فلا تقتلوهم. # قوله تعالى: ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كل ما ردوا ~~إلى الفتنة أركسوا فيها فان لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم ~~فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا (91) # PageV05P310 # قوله تعالى: (ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم) معناها معنى ~~الآية الأولى. قال قتادة: نزلت في قوم من تهامة طلبوا الأمان من النبي صلى ~~الله عليه وسلم ليأمنوا عنده وعند قومهم. مجاهد: هي في قوم من أهل مكة. ~~وقال السدي: نزلت في نعيم ابن مسعود كان يأمن المسلمين والمشركين. وقال ~~الحسن: هذا في قوم من المنافقين. # وقيل: نزلت في أسد وغطفان قدموا المدينة فأسلموا ثم رجعوا إلى ديارهم ~~فأظهروا الكفر. # قوله تعالى: (كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها) قرأ يحيى بن وثاب ~~والأعمش (ردوا) بكسر الراء، لان الأصل (رددوا) فأدغم وقلبت الكسرة على ~~الراء. (إلى الفتنة) أي الكفر ms1878 (أركسوا فيها). وقيل: أي ستجدون من يظهر لكم ~~الصلح ليأمنوكم، وإذا سنحت لهم فتنة كان مع أهلها عليكم. ومعنى (أركسوا ~~فيها) أي انتكسوا عن عهدهم الذين عاهدوا (1). وقيل: أي إذا دعوا إلى الشرك ~~رجعوا وعادوا إليه. # قوله تعالى: وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا الا خطئا ومن قتل مؤمنا خطئا ~~فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله الا أن يصدقوا فان كان من قوم عدو ~~لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وان كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية ~~مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من ~~الله وكان الله عليما حكيما (92) فيه عشرون مسألة: # الأولى - قوله تعالى: (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا الا خطا) هذه آية من ~~أمهات الاحكام. والمعنى ما ينبغي لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ، فقوله: (وما ~~كان) ليس على النفي وإنما هو على التحريم والنهي، كقوله: (وما كان لكم أن ~~تؤذوا رسول الله (2)) ولو كانت على النفي لما وجد مؤمن قتل مؤمنا قط، لان ~~ما نفاه الله فلا (3) يجوز وجوده، كقوله # PageV05P311 # تعالى: (ما كان لكم أن تنبتوا شجرها (1)). فلا يقدر العباد أن ينبتوا ~~شجرها أبدا. وقال قتادة: المعنى ما كان له ذلك في عهد الله. وقيل: ما كان ~~له ذلك فيما سلف، كما ليس له الآن ذلك بوجه، ثم استثنى استثناء منقطعا ليس ~~من الأول وهو الذي يكون فيه (إلا) بمعنى (لكن) والتقدير ما كان له أن يقتله ~~البتة لكن إن قتله خطأ فعليه كذا، هذا قول سيبويه والزجاج رحمهما الله. ومن ~~الاستثناء المنقطع قوله تعالى: (ما لهم به من علم إلا اتباع الظن (2)). ~~وقال النابغة: # وقفت فيها أصيلانا (3) أسائلها * عيت جوابا وما بالربع من أحد إلا ~~الأواري لأيا ما أبينها * والنؤى كالحوض بالمظلومة الجلد (4) فلما لم تكن ~~(الأواري) من جنس أحد حقيقة لم تدخل في لفظه. ومثله قول الآخر: # أمسى سقام خلاء لا أنيس به * إلا السباع ومر الريح بالغرف (5) وقال آخر: # وبلدة ليس بها أنيس * إلا ms1879 اليعافير وإلا العيس (6) وقال آخر: # وبعض الرجال نخلة لا جنى لها * ولا ظل إلا أن تعد من النخل أنشده سيبويه، ~~ومثله كثير، ومن أبدعه قول جرير: # من البيض لم تظعن بعيدا ولم تطأ * على الأرض إلا ذيل مرط مرحل (7) # PageV05P312 # كأنه قال: لم تطأ على الأرض إلا أن تطأ ذيل البرد. ونزلت الآية بسبب قتل ~~عياش ابن أبي ربيعة الحارث بن يزيد بن أبي أنيسة (1) العامري لحنة (2) كانت ~~بينهما، فلما هاجر الحارث مسلما لقيه عياش فقتله ولم يشعر بإسلامه، فلما ~~أخبر أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: # يا رسول الله، إنه قد كان من أمري وأمر الحارث ما قد علمت، ولم أشعر ~~بإسلامه حتى قتلته فنزلت الآية. وقيل: هو استثناء متصل، أي وما كان لمؤمن ~~أن يقتل مؤمنا ولا يقتص منه إلا أن يكون خطأ، فلا يقتص منه، ولكن فيه كذا ~~وكذا. ووجه آخر وهو أن يقدر كان بمعنى استقر ووجد، كأنه قال: وما وجد وما ~~تقرر وما ساغ لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ إذ هو مغلوب فيه أحيانا، فيجئ ~~الاستثناء على هذين التأويلين غير منقطع. وتتضمن الآية على هذا إعظام العمد ~~وبشاعة شأنه، كما تقول: ما كان لك يا فلان أن تتكلم بهذا إلا ناسيا؟ إعظاما ~~للعمد والقصد مع حظر الكلام به البتة. وقيل: المعنى ولا خطأ. قال النحاس: ~~ولا يجوز أن تكون (إلا) بمعنى الواو، ولا يعرف ذلك في كلام العرب ولا يصح ~~في المعنى، لان الخطأ لا يحظر. ولا يفهم من دليل خطابه جواز قتل الكافر ~~المسلم فإن المسلم محترم الدم، وإنما خص المؤمن بالذكر تأكيدا لحنانه ~~وأخوته وشفقته وعقيدته. وقرأ الأعمش (خطأ) ممدودا في المواضع الثلاث. ووجوه ~~الخطأ كثيرة لا تحصى يربطها عدم القصد، مثل أن يرمي صفوف المشركين فيصيب ~~مسلما. أو يسعى بين يديه من يستحق القتل من زان أو محارب أو مرتد فطلبه ~~ليقتله فلقي غيره فظنه هو فقتله فذلك خطأ. أو يرمي إلى غرض فيصيب إنسانا أو ~~ما جرى مجراه، وهذا مما ms1880 لا خلاف فيه. والخطأ اسم من أخطأ خطأ وإخطاء إذا لم ~~يصنع عن تعمد، فالخطأ الاسم يقوم مقام الأخطاء. ويقال لمن أراد شيئا ففعل ~~غيره: أخطأ، ولمن فعل غير الصواب: أخطأ. قال ابن المنذر: قال الله تبارك ~~وتعالى: (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ) إلى قوله تعالى (ودية مسلمة ~~إلى أهله) فحكم الله جل ثناؤه # PageV05P313 # في المؤمن يقتل خطا بالدية، وثبتت السنة الثابتة عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على ذلك وأجمع أهل العلم على القول به. # الثانية - ذهب داود إلى القصاص بين الحر والعبد في النفس، وفي كل ما ~~يستطاع القصاص فيه من الأعضاء، تمسكا بقوله تعالى: (وكتبنا عليهم فيها أن ~~النفس بالنفس (1)) إلى قوله تعالى: (والجروح قصاص)، وقوله عليه السلام: ~~(المسلمون تتكافأ دماؤهم) فلم يفرق بين حر وعبد، وهو قول ابن أبي ليلى. ~~وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا قصاص بين الأحرار والعبيد إلا في النفس فيقتل ~~الحر بالعبد، كما يقتل العبد بالحر، ولا قصاص بينهما في شئ من الجراح ~~والأعضاء. وأجمع العلماء على أن قوله تعالى: (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا ~~إلا خطأ) أنه لم يدخل فيه العبيد، وإنما أريد به الأحرار دون العبيد، فكذلك ~~قوله عليه السلام: (المسلمون تتكافأ دماؤهم) أريد به الأحرار خاصة. ~~والجمهور على ذلك وإذا لم يكن قصاص بين العبيد والأحرار فيما دون النفس ~~فالنفس أحرى بذلك، وقد مضى هذا في (البقرة (2)). # الثالثة - قوله تعالى: (فتحرير رقبة مؤمنة) أي فعليه تحرير رقبة، هذه ~~الكفارة التي أوجبها الله تعالى في كفارة القتل والظهار أيضا على ما يأتي ~~(3). واختلف العلماء فيما يجزئ منها، فقال ابن عباس والحسن والشعبي والنخعي ~~وقتادة وغيرهم: الرقبة المؤمنة هي التي صلت وعقلت الايمان، لا تجزئ في ذلك ~~الصغيرة، وهو الصحيح في هذا الباب قال عطاء بن أبي رباح: يجزئ الصغير ~~المولود بين مسلمين. وقال جماعة منهم مالك والشافعي: يجزئ كل من حكم له ~~بحكم في الصلاة عليه إن مات ودفنه. وقال مالك: ومن صلى وصام أحب إلي. ms1881 ولا ~~يجزئ في قول كافة العلماء أعمى ولا مقعد ولا مقطوع اليدين أو الرجلين ولا ~~أشلهما، ويجزئ عند أكثرهم الأعرج والأعور. قال مالك: إلا أن يكون عرجا ~~شديدا. ولا يجزئ عند مالك والشافعي وأكثر العلماء أقطع إحدى اليدين أو إحدى ~~الرجلين، ويجزئ عند أبي حنيفة وأصحابه. ولا يجزئ عند أكثرهم المجنون المطبق ~~ولا يجزئ # PageV05P314 # عند مالك الذي يجن ويفيق، ويجزئ عند الشافعي. ولا يجزئ عند مالك المعتق ~~إلى سنين، ويجزئ عند الشافعي. ولا يجزئ المدبر عند مالك والأوزاعي وأصحاب ~~الرأي، ويجزئ في قول الشافعي وأبي ثور، واختاره ابن المنذر. وقال مالك: لا ~~يصح من أعتق بعضه، لقوله تعالى: (فتحرير رقبة). ومن أعتق البعض لا يقال حرر ~~رقبة وإنما حرر بعضها. واختلفوا أيضا في معناها فقيل: أوجبت تمحيصا وطهورا ~~لذنب القاتل، وذنبه ترك الاحتياط والتحفظ حتى هلك على يديه امرؤ محقون ~~الدم. وقيل: أوجبت بدلا من تعطيل حق الله تعالى في نفس القتيل، فإنه كان له ~~في نفسه حق وهو التنعم بالحياة والتصرف فيما أحل له تصرف الاحياء. وكان لله ~~سبحانه فيه حق، وهو أنه كان عبدا من عباده يجب له من أمر العبودية صغيرا ~~كان أو كبيرا حرا كان أو عبدا مسلما كان أو ذميا ما يتميز به عن البهائم ~~والدواب، ويرتجى مع ذلك أن يكون من نسله من يعبد الله ويطيعه، فلم يخل ~~قاتله من أن يكون فوت منه الاسم الذي ذكرنا، والمعنى الذي وصفنا، فلذلك ضمن ~~الكفارة. وأي واحد من هذين المعنيين كان، ففيه بيان أن النص وإن وقع على ~~القاتل خطأ فالقاتل عمدا مثله، بل أولى بوجوب الكفارة عليه منه، على ما ~~يأتي بيانه، والله أعلم. # الرابعة - قوله تعالى: (ودية مسلمة) الدية ما يعطى عوضا عن دم القتيل إلى ~~وليه. (مسلمة) مدفوعة مؤداة، ولم يعين الله في كتابه ما يعطى في الدية، ~~وإنما في الآية إيجاب الدية مطلقا، وليس فيها إيجابها على العاقلة أو على ~~القاتل، وإنما أخذ ذلك من السنة، ولا شك أن إيجاب المواساة على ms1882 العاقلة ~~خلاف قياس الأصول في الغرامات وضمان المتلفات، والذي وجب على العاقلة لم ~~يجب تغليظا، ولا أن وزر القاتل عليهم ولكنه مواساة محضة. # واعتقد أبو حنيفة أنها باعتبار النصرة فأوجبها على أهل ديوانه (1). وثبتت ~~الاخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الدية مائة من الإبل، ووداها ~~صلى الله عليه وسلم في عبد الله بن سهل # PageV05P315 # المقتول بخيبر لحويصة (1) ومحيصة و عبد الرحمن، فكان ذلك بيانا على لسان ~~نبيه عليه السلام لمجمل كتابه. وأجمع أهل العلم عل أن على أهل الإبل مائة ~~من الإبل. واختلفوا فيما يجب على غير أهل الإبل، فقالت طائفة: على أهل ~~الذهب ألف دينار، وهم أهل الشام ومصر والمغرب، هذا قول مالك وأحمد وإسحاق ~~وأصحاب الرأي والشافعي في أحد قوليه، في القديم. # وروي هذا عن عمر وعروة بن الزبير وقتادة. وأما أهل الورق فاثنا عشر ألف ~~درهم، وهم أهل العراق وفارس وخراسان، هذا مذهب مالك على ما بلغه عن عمر أنه ~~قوم الدية على أهل القرى فجعلها على أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الورق ~~اثني عشر ألف درهم. # وقال المزني: قال الشافعي الدية الإبل، فإن أعوزت فقيمتها بالدراهم ~~والدنانير على ما قومها عمر، ألف دينار على أهل الذهب واثنا عشر ألف درهم ~~على أهل الورق. وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري: الدية من الورق عشرة آلاف ~~درهم. رواه الشعبي عن عبيدة عن عمر أنه جعل الدية على أهل الذهب ألف دينار، ~~وعلى أهل الورق عشرة آلاف درهم، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاء ~~ألف شاة، وعلى أهل الإبل مائة من الإبل، وعلى أهل الحلل مائتي حلة. قال أبو ~~عمر: في هذا الحديث ما يدل على أن الدنانير والدراهم صنف من أصناف الدية لا ~~على وجه البدل والقيمة، وهو الظاهر من الحديث عن عثمان وعلي وابن عباس. ~~وخالف أبو حنيفة ما رواه [عن (2)] عمر في البقر والشاء والحلل. وبه قال ~~عطاء وطاوس وطائفة من التابعين، وهو قول الفقهاء السبعة المدنيين. قال ابن ~~المنذر: وقالت ms1883 طائفة دية الحر المسلم مائة من الإبل لا دية غيرها كما فرض ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا قول الشافعي وبه قال طاوس. قال ابن ~~المنذر: دية الحر المسلم مائة من الإبل في كل زمان، كما فرض رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. واختلفت الروايات (3) عن عمر [رضي الله (4) عنه] في أعداد ~~الدراهم وما منها شئ يصح عنه لأنها مراسيل، وقد عرفتك مذهب الشافعي وبه ~~ونقول. # PageV05P316 # الخامسة - واختلف الفقهاء في أسنان دية الإبل، فروى أبو داود من حديث ~~عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى أن من ~~قتل خطأ فديته مائة من الإبل: ثلاثون بنت مخاض، وثلاثون بنت لبون، وثلاثون ~~حقة، وعشر بني لبون (1). قال الخطابي: هذا الحديث لا أعرف أحدا قال به من ~~الفقهاء، وإنما قال أكثر العلماء: دية الخطأ أخماس. كذا قال أصحاب الرأي ~~والثوري، وكذلك مالك وابن سيرين وأحمد بن حنبل إلا أنهم اختلفوا في ~~الأصناف، قال أصحاب الرأي وأحمد: خمس بنو مخاض، وخمس بنات مخاض، وخمس بنات ~~لبون، وخمس حقاق، وخمس جذاع. وروي هذا القول عن ابن مسعود. وقال مالك ~~والشافعي: خمس حقاق، وخمس جذاع، وخمس بنات لبون، وخمس بنات مخاض، وخمس بنو ~~لبون. وحكي هذا القول عن عمر بن عبد العزيز وسليمان بن يسار والزهري وربيعة ~~والليث بن سعد. قال الخطابي: ولأصحاب الرأي فيه أثر، إلا أن راويه (2) عبد ~~الله بن خشف بن مالك وهو مجهول لا يعرف إلا بهذا الحديث. # وعدل الشافعي عن القول به، لما ذكرنا من العلة في راويه، ولأن فيه بني ~~مخاض ولا مدخل لبني مخاض في شئ من أسنان الصدقات. وقد روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم في قصة القسامة أنه ودي قتيل خيبر مائة من إبل الصدقة وليس ~~في أسنان الصدقة ابن مخاض. # قال أبو عمر: وقد روى زيد بن جبير عن خشف بن مالك عن عبد الله بن مسعود ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل الدية ms1884 في الخطأ أخماسا، إلا أن هذا لم ~~يرفعه إلا خشف بن مالك الكوفي الطائي وهو مجهول، لأنه لم يروه عنه إلا زيد ~~بن جبير بن حرمل الطائي [الجشمي (3)] من بني جشم بن معاوية أحد ثقات ~~الكوفيين. # قلت: قد ذكر الدارقطني في سننه حديث خشف بن مالك من رواية حجاج بن أرطاة ~~عن زيد بن جبير عن خشف بن مالك عن عبد الله بن مسعود قال: قضى رسول الله ~~صلى # PageV05P317 # الله عليه وسلم في دية الخطأ مائة من الإبل، منها عشرون حقة، وعشرون ~~جذعة، وعشرون بنات لبون، وعشرون بنات مخاض، وعشرون بنو مخاض. قال ~~الدارقطني: (هذا حديث ضعيف غير ثابت عند أهل المعرفة بالحديث من وجوه عدة، ~~أحدها أنه مخالف لما رواه أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه بالسند ~~الصحيح عنه (1)، الذي لا مطعن فيه ولا تأويل عليه، وأبو عبيدة أعلم بحديث ~~أبيه وبمذهبه [وفتياه (2)] من خشف بن مالك ونظرائه، وعبد الله بن مسعود ~~أتقى لربه وأشح على دينه من أن يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~يقضي بقضاء ويفتي هو بخلافه، هذا لا يتوهم مثله على عبد الله بن مسعود وهو ~~القائل في مسألة وردت عليه لم يسمع فيها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~شيئا ولم يبلغه عنه فيها قول: # أقول فيها برأيي فإن يكن صوابا فمن الله ورسوله، وإن يكن خطأ فمني، ثم ~~بلغه بعد [ذلك (2)] أن فتياه فيها وافق قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في مثلها، فرآه أصحابه عند ذلك فرح فرحا [شديدا (3)] لم يروه فرح مثله، ~~لموافقة فتياه قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم. فمن كانت هذه صفته وهذا ~~حال فكيف يصح عنه أن يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم [شيئا (2)] ~~ويخالفه. # ووجه آخر - وهو أن الخبر المرفوع الذي فيه ذكر بني المخاض لا نعلمه رواه ~~إلا خشف بن مالك عن ابن مسعود وهو رجل مجهول لم يروه عنه إلا زيد بن جبير ~~بن ms1885 حرمل الجشمي، وأهل العلم بالحديث لا يحتجون بخبر ينفرد بروايته رجل غير ~~معروف، وإنما يثبت العلم عندهم بالخبر إذا كان راويه عدلا مشهورا، أو رجلا ~~قد ارتفع عنه اسم الجهالة، وارتفاع اسم الجهالة عنه أن يروي عنه رجلان ~~فصاعدا، فإذا كانت هذه صفته ارتفع عنه حينئذ اسم الجهالة، وصار حينئذ ~~معروفا. فأما من لم يرو عنه إلا رجل واحد وانفرد بخبر وجب التوقف عن خبره ~~ذلك حتى يوافقه عليه غيره. والله أعلم. ووجه آخر - وهو أن [حديث] خشف بن ~~مالك لا نعلم أحدا رواه عن زيد بن جبير عنه إلا الحجاج بن أرطأة، والحجاج ~~رجل مشهور بالتدليس وبأنه يحدث عمن لم يلقه ولم يسمع منه، وترك الرواية عنه ~~سفيان بن عيينة ويحيى بن سعيد # PageV05P318 # القطان وعيسى بن يونس بعد أن جالسوه وخبروه، وكفاك بهم علما بالرجل ~~ونبلا. وقال يحيى بن معين: حجاج بن أرطأة لا يحتج بحديثه. وقال عبد الله بن ~~إدريس: سمعت الحجاج يقول لا ينبل الرجل حتى يدع الصلاة في الجماعة. وقال ~~عيسى بن يونس: سمعت الحجاج يقول: أخرج إلى الصلاة يزاحمني الحمالون ~~والبقالون. وقال جرير: سمعت الحجاج يقول: # أهلكني حب المال والشرف. وذكر (1) أوجها أخر، منها أن جماعة من الثقات ~~رووا هذا الحديث عن الحجاج بن أرطأة فاختلفوا عليه فيه. إلى غير ذلك مما ~~يطول ذكره، وفيما ذكرناه مما ذكروه كفاية ودلالة على ضعف ما ذهب إليه ~~الكوفيون في الدية، وإن كان ابن المنذر مع جلالته قد اختاره على ما يأتي. ~~وروى حماد بن سلمة حدثنا سليمان التيمي عن أبي مجلز عن أبي عبيدة أن ابن ~~مسعود قال: دية الخطأ خمسة أخماس عشرون حقة، وعشرون جذعة وعشرون بنات مخاض، ~~وعشرون بنات لبون وعشرون بني لبون ذكور. قال الدارقطني: # هذا إسناد حسن ورواته ثقات، وقد روي عن علقمة عن عبد الله نحو هذا. # قلت: وهذا هو مذهب مالك والشافعي أن الدية [تكون (2)] مخمسة. قال ~~الخطابي: [وقد (2)] روي عن نفر من العلماء أنهم قالوا دية الخطأ أرباع، وهم ~~الشعبي ms1886 والنخعي والحسن البصري، وإليه ذهب إسحاق بن راهويه، إلا أنهم قالوا: ~~خمس وعشرون جذعة وخمس وعشرون حقة وخمس وعشرون بنات لبون وخمس وعشرون بنات ~~مخاض. وقد روي ذلك عن علي بن أبي طالب. قال أبو عمر: أما قول مالك والشافعي ~~فروي عن سليمان بن يسار وليس فيه عن صحابي شئ، ولكن عليه عمل أهل المدينة. ~~وكذلك حكى ابن جريج عن ابن شهاب. # قلت: قد ذكرنا عن ابن مسعود ما يوافق ما صار إليه مالك والشافعي. قال أبو ~~عمر: # وأسنان الإبل في الديات لم تؤخذ قياسا ولا نظرا، وإنما أخذت اتباعا ~~وتسليما، وما أخذ من جهة الأثر فلا مدخل فيه للنظر، فكل يقول بما قد صح ~~عنده من سلفه، رضي الله عنهم [أجمعين (3)]. # PageV05P319 # قلت: وأما ما حكاه الخطابي من أنه لا يعلم من قال بحديث عمرو بن شعيب فقد ~~حكاه ابن المنذر عن طاوس ومجاهد، إلا أن مجاهدا جعل مكان بنت مخاض ثلاثين ~~جذعة. # قال ابن المنذر: وبالقول الأول أقول. يريد قول عبد الله وأصحاب الرأي ~~الذي ضعفه الدارقطني والخطابي، وابن عبد البر قال: لأنه الأقل مما قيل، ~~وبحديث (1) مرفوع رويناه عن النبي صلى الله عليه وسلم يوافق هذا القول. # قلت - وعجبا لابن المنذر؟ مع نقده واجتهاده كيف قال بحديث لم يوافقه أهل ~~النقد على صحته! لكن الذهول والنسيان قد يعتري الانسان، وإنما الكمال لعزة ~~ذي الجلال. # السادسة - ثبتت الاخبار عن النبي المختار محمد صلى الله عليه وسلم أنه ~~قضى بدية الخطأ على العاقلة، وأجمع أهل العلم على القول به. وفي إجماع أهل ~~العلم أن الدية في الخطأ على العاقلة دليل على أن المراد من قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم لأبي رمثة حيث دخل عليه ومعه ابنه: (إنه لا يجني عليك ولا ~~تجني عليه) العمد دون الخطأ. وأجمعوا على أن ما زاد على ثلث الدية على ~~العاقلة. واختلفوا في الثلث، والذي عليه جمهور العلماء أن العاقلة لا تحمل ~~عمدا ولا اعترافا ولا صلحا، ولا تحمل من دية الخطأ إلا ما ms1887 جاوز الثلث، وما ~~دون الثلث في مال الجاني. وقالت طائفة: عقل الخطأ على عاقلة الجاني، قلت ~~الجناية أو كثرت، لان من غرم الأكثر غرم الأقل. كما عقل العمد في مال ~~الجاني قل أو كثر، هذا قول الشافعي. # السابعة - وحكمها أن تكون منجمة على العاقلة، والعاقلة العصبة. وليس ولد ~~المرأة إذا كان من غير عصبتها من العاقلة، ولا الاخوة من الام بعصبة ~~لإخوتهم من الأب والام، فلا يعقلون عنهم شيئا. وكذلك الديوان لا يكون عاقلة ~~في قول جمهور أهل الحجاز. وقال الكوفيون: يكون عاقلة إن كان من أهل ~~الديوان، فتنجم الدية على العاقلة في ثلاثة أعوام على ما قضاه عمر وعلي، ~~لان الإبل قد تكون حوامل فتضر به. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعطيها ~~دفعة واحدة لأغراض، منها أنه كان يعطيها صلحا وتسديدا. ومنها أنه كان ~~يعجلها تأليفا. فلما تمهد الاسلام قدرتها الصحابة على هذا النظام، قاله ابن ~~العربي. وقال أبو عمر: # PageV05P320 # أجمع العلماء قديما وحديثا أن الدية على العاقلة لا تكون إلا في ثلاث ~~سنين ولا تكون في أقل منها. # وأجمعوا على أنها على البالغين من الرجال. وأجمع أهل السير والعلم أن ~~الدية كانت في الجاهلية تحملها العاقلة فأقرها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في الاسلام، وكانوا يتعاقلون بالنصرة، ثم جاء الاسلام فجرى الامر على ~~ذلك حتى جعل عمر الديوان. واتفق الفقهاء عل رواية ذلك والقول به. وأجمعوا ~~أنه لم يكن في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا زمن أبي بكر ديوان، ~~وأن عمر جعل الديوان وجمع بين الناس، وجعل أهل كل ناحية يدا، وجعل عليهم ~~قتال من يليهم من العدو. # الثامنة - قلت: ومما ينخرط في سلك هذا الباب ويدخل في نظامه قتل الجنين ~~في بطن أمه، وهو أن يضرب بطن أمه فتلقيه حيا ثم يموت، فقال كافة العلماء: ~~فيه الدية كاملة في الخطأ وفي العمد بعد القسامة. وقيل: بغير قسامة. ~~واختلفوا فيما به تعلم حياته بعد اتفاقهم على أنه إذا استهل صارخا أو ارتضع ~~أو ms1888 تنفس نفسا محققة حي، فيه الدية كاملة، فإن تحرك فقال الشافعي وأبو ~~حنيفة: الحركة تدل على حياته. وقال مالك: لا، إلا أن يقارنها طول إقامة. ~~والذكر والأنثى عند كافة العلماء في الحكم سواء. فإن ألقته ميتا ففيه غرة ~~(1): عبد أو وليدة. فإن لم تلقه وماتت وهو في جوفها لم يخرج فلا شئ فيه. ~~وهذا كله إجماع لا خلاف فيه. وروي عن الليث بن سعد وداود أنهما قالا في ~~المرأة إذا ماتت من ضرب بطنها ثم خرج الجنين ميتا بعد موتها: ففيه الغرة، ~~وسواء رمته قبل موتها أو بعد موتها، المعتبر حياة أمه في وقت ضربها لا غير. ~~وقال سائر الفقهاء: لا شئ فيه إذا خرج ميتا من بطنها بعد موتها. قال ~~الطحاوي محتجا لجماعة الفقهاء بأن قال: قد أجمعوا والليث معهم على أنه لو ~~ضرب بطنها وهي حية فماتت والجنين في بطنها ولم يسقط أنه لا شئ فيه، فكذلك ~~إذا سقط بعد موتها. # التاسعة - ولا تكون الغرة إلا بيضاء. قال أبو عمرو بن العلاء في قول رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: (في الجنين غرة عبد أو أمة) - لولا أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أراد # PageV05P321 # بالغرة معنى لقال: في الجنين عبد أو أمة، ولكنه عنى البياض، فلا يقبل في ~~الدية إلا غلام أبيض أو جارية بيضاء،، لا يقبل فيها أسود ولا سوداء. واختلف ~~العلماء في قيمتها، فقال مالك: تقوم بخمسين دينارا أو ستمائة درهم، نصف عشر ~~دية الحر المسلم، وعشر دية أمه الحرة، وهو قول ابن شهاب وربيعة وسائر أهل ~~المدينة. وقال أصحاب الرأي: قيمتها خمسمائة درهم. وقال الشافعي: سن الغرة ~~سبع سنين أو ثمان سنين، وليس عليه أن يقبلها معيبة. # ومقتضى مذهب مالك أنه مخير بين إعطاء غرة أو عشر دية الام، من الذهب ~~عشرون دينارا إن كانوا أهل ذهب، ومن الورق - إن كانوا أهل ورق - ستمائة ~~درهم، أو خمس فرائض (1) من الإبل. قال مالك وأصحابه: هي في مال الجاني، وهو ~~قول الحسن بن حي. وقال أبو ms1889 حنيفة والشافعي وأصحابهما: هي على العاقلة. وهو ~~أصح، لحديث المغيرة بن شعبة أن امرأتين كانتا تحت رجلين من الأنصار - في ~~رواية فتغايرتا - فضربت إحداهما الأخرى بعمود فقتلتها، فاختصم إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم الرجلان فقالا (2): ندي من لا صاح ولا أكل، ولا شرب ~~[ولا استهل، فمثل ذلك يطل (3)!]، فقال: (أسجع كسجع (4) الاعراب)؟ # فقضى فيه غرة وجعلها على عاقلة المرأة. وهو حديث ثابت صحيح، نص في موضع ~~الخلاف يوجب الحكم. ولما كانت دية المرأة المضروبة على العاقلة كان الجنين ~~كذلك في القياس والنظر. # واحتج علماؤنا بقول الذي قضي عليه: كيف أغرم؟ قالوا: وهذا يدل على أن ~~الذي قضي عليه معين وهو الجاني. ولو أن دية الجنين قضى بها على العاقلة ~~لقال: فقال الذي (5) قضى عليهم. # وفى القياس أن كل جان جنايته عليه، إلا ما قام بخلافه الدليل الذي لا ~~معارض له، مثل إجماع لا يجوز خلافه، أو نص سنة من جهة نقل الآحاد العدول لا ~~معارض لها، فيجب الحكم بها، وقد قال الله تعالى: (ولا تكسب كل نفس إلا ~~عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى (6)). # PageV05P322 # العاشرة - ولا خلاف بين العلماء أن الجنين إذا خرج حيا فيه الكفارة مع ~~الدية. # واختلفوا في الكفارة إذا خرج ميتا، فقال مالك: فيه الغرة والكفارة. وقال ~~أبو حنيفة والشافعي: فيه الغرة ولا كفارة. واختلفوا في ميراث الغرة عن ~~الجنين، فقال مالك والشافعي وأصحابهما: الغرة في الجنين موروثه عن الجنين ~~على كتاب الله تعالى، لأنها دية. وقال أبو حنيفة وأصحابه: الغرة للام ~~وحدها، لأنها جناية جنى عليها بقطع عضو من أعضائها وليست بدية. # ومن الدليل على ذلك أنه لم يعتبر فيه الذكر والأنثى كما يلزم في الديات، ~~فدل على أن ذلك كالعضو. وكان ابن هرمز يقول: ديته لأبويه خاصة، لأبيه ~~ثلثاها ولأمه ثلثها، من كان منهما حيا كان ذلك له، فإن كان أحدهما قد مات ~~كانت للباقي منهما أبا كان أو أما، ولا يرث الاخوة شيئا. # الحادية عشرة - قوله تعالى: (الا أن يصدقوا) أصله (أن يتصدقوا) ms1890 فأدغمت ~~التاء في الصاد. والتصدق الاعطاء، يعني إلا أن يبرئ الأولياء ورثة المقتول ~~[القاتلين] مما أوجب الله لهم من الدية عليهم. فهو استثناء ليس من الأول. ~~وقرأ أبو عبد الرحمن ونبيح (1) (إلا أن تصدقوا) بتخفيف الصاد والتاء. وكذلك ~~قرأ أبو عمرو، إلا أنه شدد الصاد. # القراءة حذف التاء الثانية، ولا يجوز حذفها على قراءة الياء. وفي حر أبي ~~وابن مسعود (إلا أن يتصدقوا). وأما الكفارة التي هي لله تعالى فلا تسقط ~~بإبرائهم، لأنه أتلف شخصا في عبادة الله سبحانه، فعليه أن يخلص آخر لعبادة ~~ربه وإنما تسقط الدية التي هي حق لهم. وتجب الكفارة في مال الجاني ولا ~~تتحمل. # الثانية عشرة - قوله تعالى: (فان كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن) هذه مسألة ~~المؤمن يقتل في بلاد الكفار أو في حروبهم على أنه من الكفار. والمعنى عند ~~ابن عباس وقتادة والسدي وعكرمة ومجاهد والنخعي: فإن كان هذا المقتول رجلا ~~مؤمنا قد آمن وبقي # PageV05P323 # في قومه وهم كفرة (عدو لكم) فلا دية فيه، وإنما كفارته تحرير الرقبة. وهو ~~المشهور من قول مالك، وبه قال أبو حنيفة. وسقطت الدية لوجهين: أحدهما - أن ~~أولياء القتيل كفار فلا يصح أن تدفع إليهم فيتقووا (1) بها. والثاني - أن ~~حرمة هذا الذي آمن ولم يهاجر قليلة، فلا دية، لقوله تعالى: (والذين آمنوا ~~ولم يهاجروا مالكم من ولايتهم من شئ حتى يهاجروا (2)). وقالت طائفة: بل ~~الوجه في سقوط الدية أن الأولياء كفار فقط، فسواء كان القتل خطأ بين أظهر ~~المسلمين أو بين قومه ولم يهاجر أو هاجر ثم رجع إلى قومه كفارته التحرير ~~ولا دية فيه، إذ لا يصح دفعها إلى الكفار، ولو وجبت الدية لو جبت لبيت ~~المال على بيت المال، فلا تجب الدية في هذا الموضع وإن جرى القتل في بلاد ~~(3) الاسلام. هذا قول الشافعي وبه قال الأوزاعي والثوري وأبو ثور. وعلى ~~القول الأول إن قتل المؤمن في بلاد المسلمين وقومه حرب ففيه الدية لبيت ~~المال والكفارة. # قلت: ومن هذا الباب ما جاء في صحيح مسلم ms1891 عن أسامة قال: بعثنا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في سرية فصبحنا الحرقات (4) من جهينة فأدركت رجلا فقال: ~~لا إله إلا الله، فطعنته فوقع في نفسي من ذلك، فذ كرته للنبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # (أقال لا إله إلا الله وقتلته)! قال: قلت يا رسول الله، إنما قالها خوفا ~~من السلاح، قال: (أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟). فلم يحكم ~~عليه صلى الله عليه وسلم بقصاص ولا دية. وروي عن أسامة أنه قال: إن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم استغفر لي بعد ثلاث مرات، وقال: (أعتق رقبة) ولم ~~يحكم بقصاص ولا دية. فقال علماؤنا: أما سقوط القصاص فواضح إذ لم يكن القتل ~~عدوانا، وأما سقوط الدية فلاوجه ثلاثة: الأول - لأنه كان أذن له في أصل ~~القتال فكان عنه إتلاف نفس محترمة غلطا كالخاتن والطبيب. # الثاني - لكونه من العدو ولم يكن له ولي من المسلمين تكون له ديته، لقوله ~~تعالى: # (فإن كان من قوم عدو لكم) كما ذكرنا. الثالث - أن أسامة اعترف بالقتل ولم ~~تقم بذلك بينة ولا تعقل العاقلة اعترافا، ولعل أسامة لم يكن له مال تكون ~~فيه الدية. والله أعلم. # PageV05P324 # الثالثة عشرة - قوله تعالى: (وان كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق) هذا في ~~الذمي والمعاهد يقتل خطأ فتجب الدية والكفارة، قاله ابن عباس والشعبي ~~والنخعي والشافعي. # واختاره الطبري قال: إلا أن الله سبحانه وتعالى أبهمه ولم يقل وهو مؤمن، ~~كما قال في القتيل من المؤمنين ومن أهل الحرب. وإطلاقه ما قيد قبل يدل على ~~أنه خلافه. وقال الحسن وجابر بن زيد وإبراهيم أيضا: المعنى وإن كان المقتول ~~خطأ مؤمنا من قوم معاهدين لكم فعهدهم يوجب أنهم أحق بدية صاحبهم، فكفارته ~~التحرير وأداء الدية. وقرأها الحسن: # (وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق وهو مؤمن). قال الحسن: إذا قتل ~~المسلم الذمي فلا كفارة عليه. قال أبو عمر: وأما الآية فمعناها عند أهل ~~الحجاز مردود على قوله: (وما كان ms1892 لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ) ثم قال ~~تعالى: (وإن كان من قوم) يريد ذلك المؤمن. # والله أعلم. قال ابن العربي: والذي عندي أن الجملة محمولة حمل المطلق على ~~المقيد. # قلت: وهذا معنى ما قال الحسن وحكاه أبو عمر عن أهل الحجاز. وقوله: (فدية ~~مسلمة) على لفظ النكرة ليس يقتضي دية بعينها. وقيل: هذا في مشركي العرب ~~الذين كان بينهم وبين النبي عليه السلام عهد على أن يسلموا أو يؤذنوا بحرب ~~إلى أجل معلوم: فمن قتل منهم وجبت فيه الدية والكفارة ثم نسخ بقوله تعالى: ~~(براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين (1)). # الرابعة عشرة - وأجمع العلماء على أن دية المرأة على النصف من دية الرجل، ~~قال أبو عمر: إنما صارت ديتها - والله أعلم - على النصف من دية الرجل من ~~أجل أن لها نصف ميراث الرجل، وشهادة امرأتين بشهادة رجل. وهذا إنما هو في ~~دية الخطأ، وأما العمد ففيه القصاص بين الرجال والنساء لقوله عز وجل: ~~(النفس بالنفس (2)). و (الحر بالحر) كما تقدم في (البقرة (3)). # PageV05P325 # الخامسة عشرة - روى الدارقطني من حديث موسى بن علي بن رباح اللخمي قال: # سمعت أبي يقول إن أعمى كان ينشد [في الموسم (1)] في خلافة عمر [بن الخطاب ~~(2)] رضي الله عنه وهو يقول: # [يا] أيها الناس ليقت منكرا * هل يعقل الأعمى الصحيح المبصرا * خرا معا ~~كلاهما تكسرا * وذلك أن الأعمى كان يقوده بصير فوقعا في بئر، فوقع الأعمى ~~على البصير فمات البصير، فقضى عمر بعقل البصير على الأعمى. وقد اختلف ~~العلماء في رجل يسقط على آخر فيموت أحدهما، فروي عن أبن الزبير: يضمن ~~الاعلى الأسفل، ولا يضمن الأسفل الاعلى. وهذا قول شريح والنخعي وأحمد ~~وإسحاق. وقال مالك في رجلين جر أحدهما صاحبه حتى سقطا وماتا: # على عاقلة الذي جبذه الدية. قال أبو عمر: ما أظن في هذا خلافا - والله ~~أعلم - إلا ما قال بعض المتأخرين من أصحابنا وأصحاب الشافعي: يضمن نصف ~~الدية، لأنه مات من فعله، ومن سقوط الساقط عليه. وقال الحكم وابن شبرمة: إن ms1893 ~~سقط رجل على رجل من فوق بيت فمات أحدهما، قالا: يضمن الحي منهما. وقال ~~الشافعي في رجلين يصدم أحدهما الآخر فماتا، قال: دية المصدوم على عاقلة ~~الصادم، ودية الصادم هدر. وقال في الفارسين إذا اصطدما فماتا: على كل واحد ~~منهما نصف دية صاحبه، لان كل واحد منهما مات من فعل نفسه وفعل (3) صاحبه، ~~وقاله عثمان البتي وزفر. وقال مالك والأوزاعي والحسن بن حي وأبو حنيفة ~~وأصحابه في الفارسين يصطدمان فيموتان: على كل واحد منهما دية الآخر على ~~عاقلته. قال ابن خويز منداد: وكذلك عندنا السفينتان تصطدمان إذا لم يكن ~~النوتي صرف السفينة ولا الفارس صرف الفرس. وروي عن مالك في السفينتين ~~والفارسين على كل واحد منهما الضمان لقيمة ما أتلف لصاحبه كاملا. # السادسة عشرة - واختلف العلماء من هذا الباب في تفصيل دية أهل الكتاب، ~~فقال مالك وأصحابه: هي على النصف من دية المسلم، ودية المجوسي ثمانمائة ~~درهم، ودية نسائهم # PageV05P326 # على النصف من ذلك. روي هذا القول عن عمر بن عبد العزيز وعروة بن الزبير ~~وعمرو ابن شعيب وقال به أحمد بن حنبل. وهذا المعنى قد روى فيه سليمان بن ~~بلال، عن عبد الرحمن ابن الحارث بن عياش بن أبي ربيعة عن عمرو بن شعيب عن ~~أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل دية اليهودي والنصراني على ~~النصف من دية المسلم. وعبد الرحمن هذا قد روى عنه الثوري أيضا. وقال ابن ~~عباس والشعبي والنخعي: المقتول من أهل العهد خطأ لا تبالي مؤمنا كان أو ~~كافرا على عهد قومه فيه الدية كدية المسلم، وهو قول أبي حنيفة والثوي ~~وعثمان البتي والحسن بن حي، جعلوا الديات كلها سواء، المسلم واليهودي ~~والنصراني والمجوسي والمعاهد والذمي، وهو قول عطاء والزهري وسعيد بن ~~المسيب. # وحجتهم قوله تعالى: (فدية) وذلك يقتضي الدية كاملة كدية المسلم. وعضدوا ~~هذا بما رواه محمد بن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس في قصة ~~بني قريظة والنضير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل ms1894 ديتهم سواء دية ~~كاملة. قال أبو عمر: هذا حديث فيه لين وليس في مثله حجة. وقال الشافعي: دية ~~اليهودي والنصراني ثلث دية المسلم، ودية المجوسي ثمانمائة درهم، وحجته أن ~~ذلك أقل ما قيل في ذلك، والذمة بريئة إلا بيقين أو حجة. وروي هذا القول عن ~~عمر وعثمان، وبه قال ابن المسيب وعطاء والحسن وعكرمة وعمرو بن دينار وأبو ~~ثور وإسحاق. # السابعة عشرة - قوله تعالى: (فمن لم يجد) أي الرقبة ولا اتسع ماله ~~لشرائها. # (فصيام شهر ين) أي فعليه صيام شهرين. (متتابعين) حتى لو أفطر يوما ~~استأنف، هذا قول الجمهور. وقال مكي عن الشعبي: إن صيام الشهرين يجزئ عن ~~الدية والعتق لمن لم يجد. # قال ابن عطية: وهذا القول وهم، لان الدية إنما هي على العاقلة وليست على ~~القاتل. # والطبري حكى هذا القول عن مسروق. # الثامنة عشرة - والحيض لا يمنع التتابع من غير خلاف، وإنها إذا طهرت ولم ~~تؤخر وصلت باقي صيامها بما سلف منه، لا شئ عليها غير ذلك إلا أن تكون طاهرا ~~قبل الفجر PageV05P327 # فتترك صيام ذلك اليوم عالمة بطهرها، فإن فعلت استأنفت عند جماعة من ~~العلماء، قاله أبو عمر. # واختلفوا في المريض الذي قد صام من شهري التتابع بعضها على قولين، فقال ~~مالك: # وليس لاحد وجب عليه صيام شهرين متتابعين في كتاب الله تعالى أن يفطر إلا ~~من عذر أو مرض أو حيض، وليس له أن يسافر فيفطر. وممن قال يبني في المرض ~~سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار والحسن والشعبي وعطاء ومجاهد وقتادة وطاوس. ~~وقال سعيد بن جبير والنخعي والحكم بن عيينة وعطاء الخراساني: يستأنف في ~~المرض، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والحسن بن حي، وأحد قولي الشافعي، وله ~~قول آخر: أنه يبني كما قال مالك. وقال ابن شبرمة: يقضي ذلك اليوم وحده إن ~~كان عذر غالب كصوم رمضان. قال أبو عمر: # حجة من قال يبني لأنه معذور في قطع التتابع لمرضه ولم يتعمد، وقد تجاوز ~~الله عن غير المتعمد. # وحجة من قال يستأنف لان التتابع فرض ms1895 لا يسقط لعذر، وإنما يسقط المأثم، ~~قياسا على الصلاة، لأنها ركعات متتابعات فإذا قطعها عذرا استأنف ولم يبن. # التاسعة عشرة - قوله تعالى: (توبة من الله) نصب على المصدر، ومعناه ~~رجوعا. # وإنما مست حاجة المخطئ إلى التوبة لأنه لم يتحرز وكان من حقه أن يتحفظ. ~~وقيل: # أي فليأت بالصيام تخفيفا من الله تعالى عليه بقبول الصوم بدلا عن الرقبة، ~~ومنه قوله تعالى: # (علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم (1)). # أي خفف، وقوله تعالى: (علم أن لن تحصوه فتاب عليكم (2)). # الموفية عشرين - (وكان الله) أي في أزله وأبده. (عليما) بجميع المعلومات. # (حكيما) فيما حكم وأبرم. # قوله تعالى: ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله ~~عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما (93) # PageV05P328 # فيه سبع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (ومن يقتل) (من) شرط، وجوابه (فجزاؤه) وسيأتي. # واختلف العلماء في صفة المتعمد في القتل، فقال عطاء والنخعي وغيرهما: هو ~~من قتل بحديدة كالسيف والخنجر وسنان الرمح ونحو ذلك من المشحوذ (1) [المعد ~~للقطع (2)] أو بما يعلم أن فيه الموت من ثقال الحجارة ونحوها. وقالت فرقة: ~~المتعمد كل من قتل بحديدة كان القتل أو بحجر أو بعصا أو بغير ذلك، وهذا قول ~~الجمهور. # الثانية - ذكر الله عز وجل في كتابه العمد والخطأ ولم يذكر شبه العمد وقد ~~اختلف العلماء في القول به، فقال ابن المنذر: أنكر ذلك مالك، وقال: ليس في ~~كتاب الله إلا العمد والخطأ. وذكره الخطابي أيضا عن مالك وزاد: وأما شبه ~~العمد فلا نعرفه. قال أبو عمر: أنكر مالك والليث بن سعد شبه العمد، فمن قتل ~~عندهما بما لا يقتل مثله غالبا كالعضة واللطمة وضربة السوط والقضيب وشبه ~~ذلك فإنه عمد وفيه القود. قال أبو عمر: وقال بقو لهما جماعة من الصحابة ~~والتابعين. وذهب جمهور فقهاء الأمصار إلى أن هذا كله شبه العمد. وقد ذكر عن ~~مالك وقاله ابن وهب وجماعة من الصحابة والتابعين. قال ابن المنذر: وشبه ~~العمد يعمل به عندنا. وممن أثبت شبه العمد الشعبي والحكم وحماد والنخعي ~~وقتادة ms1896 وسفيان الثري وأهل العراق والشافعي، وروينا ذلك عن عمر بن الخطاب ~~وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما. # قلت: وهو الصحيح، فإن الدماء أحق ما احتيط لها إذ الأصل صيانتها في أهبها ~~(3)، فلا تستباح إلا بأمر بين لا إشكال فيه، وهذا فيه إشكال، لأنه لما كان ~~مترددا بين العمد والخطأ حكم له بشبه العمد، فالضرب مقصود والقتل غير ~~مقصود، وإنما وقع بغير القصد فيسقط القود وتغلظ الدية. وبمثل هذا جاءت ~~السنة، روى أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: (ألا إن دية الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل ~~منها أربعون في بطونها أولادها). وروى الدارقطني عن ابن عباس قال قال رسول # PageV05P329 # الله صلى الله عليه وسلم: (العمد قود اليد والخطأ عقل لا قود فيه ومن قتل ~~في عمية (1) بحجر أو عصا أو سوط فهو دية مغلظة في أسنان الإبل). وروي أيضا ~~من حديث سليما بن موسى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: (عقل شبه العمد مغلظ مثل قتل العمد ولا يقتل صاحبه). ~~وهذا نص. وقال طاوس في الرجل يصاب في الرميا (2) في القتال بالعصا أو السوط ~~أو الترامي بالحجارة. يودى ولا يقتل به من أجل أنه لا يدرى من قاتله. وقال ~~أحمد بن حنبل: العميا هو الامر الأعمى (3) للعصبية لا تستبين ما وجهه. وقال ~~إسحاق: هذا في تحارج (4) القوم وقتل بعضهم بعضا. فكأن أصله من التعمية وهو ~~التلبيس، ذكره الدارقطني. # مسألة - واختلف القائلون بشبه العمد في الدية المغلظة، فقال عطاء ~~والشافعي: هي ثلاثون حقة (5) وثلاثون جذعة وأربعون خلفة. وقد روي هذا القول ~~عن عمر وزيد بن ثابت والمغيرة بن شعبة وأبي موسى الأشعري، وهو مذهب مالك ~~حيث يقول بشبه العمد، ومشهور مذهبه أنه لم يقل به إلا في مثل قصة المدلجي ~~بابنه حيث ضربه بالسيف. وقيل: هي مربعة ربع بنات لبون، وربع حقاق، وربع ~~جذاع، وربع بنات ms1897 مخاض. هذا قول النعمان ويعقوب، وذكره أبو داود عن سفيان عن ~~أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي. وقيل: # هي مخمسة: عشرون بنت مخاض وعشرون بنت لبون وعشرون ابن لبون وعشرون حقة ~~وعشرون جذعة، هذا قول أبي ثور. وقيل: أربعون جذعة إلى بازل عامها وثلاثون ~~حقة، # PageV05P330 # وثلاثون بنات لبون. وروي عن عثمان بن عفان وبه قال الحسن البصري وطاوس ~~والزهري. وقيل: أربع وثلاثون خلفة إلى بازل عامها، وثلاث وثلاثون حقة، ~~وثلاث وثلاثون جذعة، وبه قال الشعبي والنخعي، وذكره أبو داود عن أبي الأحوص ~~عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي. # الثالثة - واختلفوا فيمن تلزمه دية شبه العمد، فقال الحارث العكلي وابن ~~أبي ليلى وابن شبرمة وقتادة وأبو ثور: هو عليه في ماله. وقال الشعبي ~~والنخعي والحكم والشافعي والثوري وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي: هو على ~~العاقلة. قال ابن المنذر: قول الشعبي أصح، لحديث أبي هريرة أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم جعل دية الجنين على عاقلة الضاربة. # الرابعة - أجمع العلماء على أن العاقلة لا تحمل دية العمد وأنها في مال ~~الجاني، وقد تقدم ذكرها في (البقرة (1)). وقد أجمعوا على أن على القاتل خطأ ~~الكفارة، واختلفوا فيها في قتل العمد، فكان مالك والشافعي يريان على قاتل ~~العمد الكفارة كما في الخطأ. قال الشافعي: # إذا وجبت الكفارة في الخطأ فلان تجب في العمد أولى. وقال: إذا شرع السجود ~~في السهو فلان يشرع في العمد أولى، وليس ما ذكره الله تعالى في كفارة العمد ~~بمسقط ما قد وجب في الخطأ. # وقد قيل: إن القاتل عمدا إنما تجب عليه الكفارة إذا عفي عنه فلم يقتل، ~~فأما إذا قتل قودا فلا كفارة عليه تؤخذ من ماله. وقيل تجب. ومن قتل نفسه ~~فعليه الكفارة في ماله. # وقال الثوري وأبو ثور وأصحاب الرأي: لا تجب الكفارة إلا حيث أوجبها الله ~~تعالى. قال ابن المنذر: وكذلك نقول، لان الكفارات عبادات ولا يجوز التمثيل. ~~وليس يجوز لاحد أن يفرض فرضا يلزمه عباد الله إلا بكتاب أو سنة ms1898 أو إجماع، ~~وليس مع من فرض على القاتل عمدا كفارة حجة من حيث ذكرت. # الخامسة - واختلفوا في الجماعة يقتلون الرجل خطأ، فقالت طائفة: على كل ~~واحد منهم الكفارة، كذلك قال الحسن وعكرمة والنخعي والحارث العكلي ومالك ~~والثوري والشافعي # PageV05P331 # وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي. وقالت طائفة: عليهم كلهم كفارة ~~واحدة، هكذا قال أبو ثور، وحكي ذلك عن الأوزاعي. وفرق الزهري بين العتق ~~والصوم، فقال في الجماعة يرمون بالمنجنيق فيقتلون رجلا: عليهم كلهم عتق ~~رقبة، وإن كانوا لا يجدون فعلى كل واحد منهم صوم شهرين متتابعين. # السادسة - روى النسائي: أخبرنا الحسن بن إسحاق المروزي - ثقة قال حدثني ~~خالد بن خداش قال حدثنا حاتم بن إسماعيل عن بشير بن المهاجر عن عبد الله بن ~~بريدة عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قتل المؤمن أعظم عند ~~الله من زوال الدنيا). # وروي عن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أول ما يحاسب ~~به العبد الصلاة وأول ما يقضى بين الناس في الدماء). وروى إسماعيل بن إسحاق ~~عن نافع بن جبير ابن مطعم عن عبد الله بن عباس أنه سأله سائل فقال: يا أبا ~~العباس، هل للقاتل توبة؟ فقال له ابن عباس كالمتعجب من مسألته: ماذا تقول! ~~مرتين أو ثلاثا. ثم قال ابن عباس: ويحك! # أنى (1) له توبة! سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول: (يأتي المقتول ~~معلقا رأسه بإحدى يديه متلببا قاتله بيده الأخرى تشخب أوداجه دما حتى يوقفا ~~فيقول المقتول لله سبحانه وتعالى رب هذا قتلني فيقول الله تعالى للقاتل ~~تعست ويذهب به إلى النار). وعن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: (ما نازلت ربي في شئ ما نازلته (2) في قتل المؤمن فلم يجبني). # السابعة - واختلف العلماء في قاتل العمد هل له من توبة؟ فروى البخاري عن ~~سعيد ابن جبير قال: اختلف فيها أهل الكوفة، فرحلت فيها إلى ابن عباس فسألته ~~عنها فقال: نزلت هذه الآية (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم) ms1899 هي آخر ما ~~نزل وما نسخها شئ. وروى النسائي عنه قال: سألت ابن عباس هل لمن قتل مؤمنا ~~متعمدا من توبة؟ قال: لا. وقرأت عليه الآية التي في الفرقان: (والذين لا ~~يدعون مع الله إلها آخر (3) قال: هذه آية مكية نسختها آية مدنية (ومن يقتل ~~مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه). وروي # PageV05P332 # عن زيد بن ثابت نحوه، وإن آية النساء نزلت بعد أية الفرقان بستة أشهر، ~~وفي رواية بثمانية أشهر، ذكرهما النسائي عن زيد بن ثابت. وإلى عموم هذه ~~الآية مع هذه الأخبار عن زيد وابن عباس ذهبت المعتزلة وقالوا: هذا مخصص ~~عموم قوله تعالى: (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) ورأوا أن الوعيد نافذ حتما ~~على كل قاتل، فجمعوا بين الآيتين بأن قالوا: التقدير ويغفر ما دون ذلك لمن ~~يشاء إلا من قتل عمدا. وذهب جماعة من العلماء منهم عبد الله بن عمر - وهو ~~أيضا مروي عن زيد وابن عباس - إلى أن له توبة. # روى يزيد بن هارون قال: أخبرنا أبو مالك الأشجعي عن سعد بن عبيدة قال: ~~جاء رجل إلى ابن عباس فقال المن قتل مؤمنا متعمدا توبة؟ قال: لا، إلا ~~النار، قال: فلما ذهب قال له جلساؤه: أهكذا كنت تفتينا؟ كنت تفتينا أن لمن ~~قتل توبة مقبولة، قال: إني لا حسبه رجلا مغضبا يريد أن يقتل مؤمنا. قال: ~~فبعثوا في إثره فوجدوه كذلك. وهذا مذهب أهل السنة وهو الصحيح، وإن هذه ~~الآية مخصوصة، ودليل التخصيص آيات وأخبار. وقد أجمعوا على أن الآية نزلت في ~~مقيس بن ضبابة (1)، وذلك أنه كان قد أسلم هو وأخوه هشام بن ضبابة، فوجد ~~هشاما قتيلا في بني النجار فأخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فكتب له ~~إليهم أن يدفعوا إليه قاتل أخيه وأرسل معه رجلا من بني فهر، فقال بنو ~~النجار: # والله ما نعلم له قاتلا ولكنا نؤدي الدية، فأعطوه مائة من الإبل، ثم ~~انصرفا راجعين إلى المدينة فعدا مقيس على الفهري فقتله بأخيه وأخذ الإبل ~~وانصرف إلى ms1900 مكة كافرا مرتدا، وجعل ينشد: # قتلت به فهرا وحملت عقله * سراة بني النجار أرباب فارع (2) حللت به وتري ~~وأدركت ثورتي * وكنت إلى الأوثان أول راجع فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: (لا أؤمنه في حل ولا حرم). وأمر بقتله يوم فتح مكة وهو متعلق ~~بالكعبة. وإذا ثبت هذا بنقل أهل التفسير وعلماء الدين فلا ينبغي أن يحمل ~~على المسلمين، ثم ليس الاخذ بظاهر الآية بأولى من الاخذ بظاهر قوله: (إن ~~الحسنات يذهبن # PageV05P333 # السيئات (1)) وقوله تعالى: (وهو الذي يقبل التوبة عن عباده (2)) وقوله: ~~(ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء). والاخذ بالظاهرين تناقض فلابد من التخصيص. ثم ~~إن الجمع بين آية (الفرقان) وهذه الآية ممكن فلا نسخ ولا تعارض، وذلك أن ~~يحمل مطلق آية (النساء) على مقيد آية (الفرقان) فيكون معناه فجزاؤه كذا إلا ~~من تاب، لا سيما وقد اتحد الموجب وهو القتل والموجب وهو التواعد بالعقاب. ~~وأما الاخبار فكثيرة كحديث عبادة بن الصامت الذي قال فيه: (تبايعوني على ~~ألا تشركوا بالله شيئا ولا تزنوا ولا تسرقوا ولا تقتلوا النفس التي حرم ~~الله إلا بالحق فمن وفى منكم فأجره على الله ومن أصاب شيئا من ذلك فعوقب به ~~فهو كفارة له ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله عليه فأمره إلى الله إن شاء ~~عفا عنه وإن شاء عذبه (3)). # رواه الأئمة أخرجه الصحيحان. وكحديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم في الذي قتل مائة نفس. أخرجه مسلم في صحيحه وابن ماجة في سننه وغيرهما ~~إلى غير ذلك من الاخبار الثابتة. ثم إنهم قد أجمعوا معنا في الرجل يشهد ~~عليه بالقتل، ويقر بأنه قتل عمدا، ويأتي السلطان الأولياء فيقام عليه الحد ~~ويقتل قودا، فهذا غير متبع في الآخرة، والوعيد غير نافذ عليه إجماعا على ~~مقتضى حديث عبادة، فقد انكسر عليهم ما تعلقوا به من عموم قوله تعالى: (ومن ~~يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم) ودخله التخصيص بما ذكرنا، وإذا كان كذلك ~~فالوجه أن هذه الآية مخصوصة كما بينا، أو تكون محمولة ms1901 على ما حكي عن ابن ~~عباس أنه قال: متعمدا [معناه (4)] مستحلا لقتله، فهذا أيضا يئول إلى الكفر ~~إجماعا. وقالت جماعة: إن القاتل في المشيئة تاب أو لم يتب، قاله أبو حنيفة ~~وأصحابه. فإن قيل: إن قوله تعالى: (فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ~~ولعنه) دليل على كفره، لان الله تعالى لا يغضب إلا على كافر خارج من ~~الايمان. قلنا: هذا وعيد، والخلف في الوعيد كرم، كما قال: # وإني متى أو عدته أو وعدته * لمخلف إيعادي ومنجز موعدي وقد تقدم. جواب ~~ثان - إن جازاه بذلك، أي هو أهل لذلك ومستحقه لعظيم ذنبه. نص على هذا أبو ~~مجلز لا حق بن حميد وأبو صالح وغيرهما. وروى أنس بن مالك عن رسول الله # PageV05P334 # صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا وعد الله لعبد ثوابا فهو منجزه وإن أو ~~عدله العقوبة فله المشيئة إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه). وفي هذين ~~التأويلين دخل، أما الأول - فقال القشيري: وفي هذا نظر، لان كلام الرب لا ~~يقبل الخلف إلا أن يراد بهذا تخصيص العام، فهو إذا جائز في الكلام. وأما ~~الثاني - وإن روي أنه مرفوع فقال النحاس: وهذا الوجه الغلط فيه بين، وقد ~~قال الله عز ح وجل: (ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا (1)) ولم يقل أحد: # إن جازاهم، وهو خطأ في العربية لان بعده (وغضب الله عليه) وهو محمول على ~~معنى جازاه. # وجواب ثالث - فجزاؤه جهنم إن لم يتب وأصر على الذنب حتى وافى ربه على ~~الكفر بشؤم المعاصي. وذكر هبة الله في كتاب (الناسخ والمنسوخ) أن هذه الآية ~~منسوخة بقوله تعالى: # (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)، وقال: هذا إجماع الناس إلا ابن عباس وابن ~~عمر فإنهما قالا هي محكمة. وفي هذا الذي قال نظر، لأنه موضع عموم وتخصيص لا ~~موضع نسخ، قاله ابن عطية. # قلت: هذا حسن، لان النسخ لا يدخل الاخبار إنما المعنى فهو يجزيه. وقال ~~النحاس في (معاني القرآن) له: القول فيه عند العلماء أهل النظر أنه محكم ~~وأنه يجازيه ms1902 إذا لم يتب، فإن تاب فقد بين أمره بقوله: (وإني لغفار لمن (1) ~~تاب) فهذا لا يخرج عنه، والخلود لا يقتضي الدوام، قال الله تعالى: (وما ~~جعلنا لبشر من قبلك الخلد (1)) الآية. وقال تعالى: # (يحسب أن ماله أخلده (2)). وقال زهير: # * ولا خالدا إلا الجبال الرواسيا (3) * وهذا كله يدل على أن الخلد يطلق ~~على غير معنى التأبيد، فإن هذا يزول بزوال الدنيا. # وكذلك العرب تقول: لأخلدن فلانا في السجن، والسجن ينقطع ويفنى، وكذلك ~~المسجون. # ومثله قولهم في الدعاء: خلد الله ملكه وأبد أيامه. وقد تقدم (4) هذا كله ~~لفظا ومعنى. والحمد لله. # PageV05P335 # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا ~~تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند ~~الله مغانم كثيرة كذاك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا ان الله كان بما ~~تعملون خبيرا (94) فيه إحدى عشرة مسألة: # الأولى - قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله ~~فتبينوا) هذا متصل بذكر القتل والجهاد. والضرب: السير في الأرض، تقول ~~العرب: ضربت في الأرض إذا سرت لتجارة أو غزو أو غيره، مقترنة بفي. وتقول: ~~ضربت الأرض، دون (في) إذا قصدت قضاء حاجة الانسان، ومنه قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم: (لا يخرج الرجلان يضربان الغائط يتحدثان كاشفين عن فرجيهما فإن ~~الله يمقت على ذلك). وهذه الآية نزلت في قوم من المسلمين مروا في سفرهم (1) ~~برجل معه جمل وغنيمة يبيعها فسلم على القوم وقال: لا إله إلا الله محمد ~~رسول الله، فحمل عليه أحدهم فقتله. فلما ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ~~شق عليه ونزلت الآية. وأخرجه البخاري عن عطاء عن ابن عباس قال قال ابن ~~عباس: كان رجل في غنيمة له فلحقه المسلمون فقال: السلام عليكم، فقتلوه ~~وأخذوا غنيمته، فأنزل الله تعالى ذلك إلى قوله: (عرض الحياة الدنيا) تلك ~~الغنيمة. قال: قرأ ابن عباس (السلام). في غير البخاري: وحمل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ديته إلى أهله ورد عليه غنيماته. ms1903 واختلف في تعيين القاتل ~~والمقتول في هذه النازلة، فالذي عليه الأكثر وهو في سير ابن إسحاق ومصنف ~~أبي داود والاستيعاب لابن عبد البر أن القاتل محلم بن جثامة، والمقتول عامر ~~بن الأضبط فدعا عليه السلام على محلم فما عاش بعد ذلك إلا سبعا ثم دفن فلم ~~تقبله الأرض ثم دفن فلم تقبله ثم دفن ثالثة فلم تقبله، فلما رأوا أن الأرض ~~لا تقبله ألقوه في بعض تلك الشعاب، وقال عليه السلام: (إن الأرض لتقبل من ~~هو شر منه). قال الحسن: أما إنها تحبس من هو # PageV05P336 # شر منه ولكنه وعظ القوم ألا يعودوا. وفي سنن ابن ماجة عن عمران بن حصين ~~قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم [جيشا (1)] من المسلمين إلى ~~المشركين فقاتلوهم قتالا شديدا، فمنحوهم أكتافهم فحمل رجل من لحمتي على رجل ~~من المشركين بالرمح فلما غشيه قال: أشهد أن لا إله إلا الله، إني مسلم، ~~فطعنه فقتله، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، هلكت! # قال: (وما الذي صنعت)؟ مرة أو مرتين، فأخبره بالذي صنع. فقال له رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: (فهلا شققت عن بطنه فعلمت ما في قلبه) فقال: يا ~~رسول الله لو شققت بطنه أكنت أعلم ما في قلبه؟ قال: (لا فلا أنت قبلت ما ~~تكلم به ولا أنت تعلم ما في قلبه). # فسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يلبث إلا يسيرا حتى مات ~~فدفناه، فأصبح على وجه الأرض. فقلنا: لعل عدوا نبشه، فدفناه ثم أمرنا ~~غلماننا يحرسونه فأصبح على ظهر الأرض. فقلنا: لعل الغلمان نعسوا، فدفناه ثم ~~حرسناه بأنفسنا فأصبح على ظهر الأرض، فألقيناه في بعض تلك الشعاب. وقيل: إن ~~القاتل أسامة بن زيد والمقتول مرداس ابن نهيك الغطفاني ثم الفزاري من بني ~~مرة من أهل فدك. وقاله ابن القاسم عن مالك. # وقيل: كان مرداس هذا قد أسلم من الليلة وأخبر بذلك أهله، ولما عظم النبي ~~صلى الله عليه وسلم الامر على أسامة حلف عند ms1904 ذلك ألا يقاتل رجلا يقول: لا ~~إله إلا الله. وقد تقدم القول فيه. وقيل: القاتل أبو قتادة. وقيل: أبو ~~الدرداء. ولا خلاف أن الذي لفظته الأرض حين مات هو محلم الذي ذكرناه. ولعل ~~هذه الأحوال جرت في زمان متقارب فنزلت الآية في الجميع. وقد روي أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم رد على أهل المسلم الغنم والجمل وحمل ديته على طريق ~~الائتلاف. والله أعلم. وذكر الثعلبي أن أمير تلك السرية رجل يقال: له غالب ~~بن فضالة الليثي. وقيل: المقداد. حكاه السهيلي. # الثانية - قوله تعالى: (فتبينوا) أي تأملوا. و (تبينوا) قراءة الجماعة، ~~وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم، وقالا: من أمر بالتبين فقد أمر بالتثبت، ~~يقال: تبينت الامر وتبين الامر بنفسه، فهو متعد ولازم. وقرأ حمزة (فتثبتوا) ~~من التثبت بالثاء مثلثة وبعدها باء بواحدة. # PageV05P337 # (وتبينوا) في هذا أوكد، لان الانسان قد يتثبت ولا يتبين. وفي (إذا) معنى ~~الشرط، فلذلك دخلت الفاء في قوله (فتبينوا). وقد يجازى بها كما قال: # * وإذا تصبك خصاصة فتجمل (1) * والجيد ألا يجازى بها كما قال الشاعر: # والنفس راغبة إذا رغبتها * وإذا ترد إلى قليل تقنع والتبين التثبت في ~~القتل واجب حضرا وسفرا ولا خلاف فيه، وإنما خص السفر بالذكر لان الحادثة ~~التي فيها نزلت الآية وقعت في السفر. # الثالثة - قوله تعالى: (ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا) ~~السلم والسلم، والسلام واحد، قاله البخاري. وقرئ بها كلها. واختار أبو عبيد ~~القاسم بن سلام (السلام). وخالفه أهل النظر فقالوا: (السلم) ههنا أشبه، ~~لأنه بمعنى الانقياد والتسليم (2)، كما قال عز وجل: (فألقوا السلم ما كنا ~~نعمل من سوء (3)) فالسلم الاستسلام والانقياد. # أي لا تقولوا لمن ألقى بيده واستسلم لكم وأظهر دعوتكم (4) لست مؤمنا. ~~وقيل: السلام قوله السلام عليكم، وهو راجع إلى الأول، لان سلامه بتحية ~~الاسلام مؤذن بطاعته وانقياده، ويحتمل أن يراد به الانحياز والترك. قال ~~الأخفش: يقال [فلان (5)] سلام إذا كان لا يخالط أحدا. والسلم (بشد السين ~~وكسرها وسكون اللام) الصلح (6). # الرابعة - وروي عن أبي جعفر أنه ms1905 قرأ (لست مؤمنا) بفتح الميم الثانية، من ~~آمنته إذا أجرته فهو مؤمن. # الخامسة - والمسلم إذا لقي الكافر ولا عهد له جاز له قتله، فإن قال: لا ~~إله إلا الله لم يجز قتله، لأنه قد اعتصم بعصام الاسلام المانع من دمه ~~وماله وأهله: فإن قتله بعد ذلك قتل به. وإنما سقط القتل عن هؤلاء لأجل أنهم ~~كانوا في صدر الاسلام وتأولوا أنه قالها متعوذا وخوفا من السلاح، وأن ~~العاصم قولها مطمئنا، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه عاصم # PageV05P338 # كيفما قالها، ولذلك قال لأسامة: (أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم ~~لا) أخرجه مسلم. # أي تنظر (1) أصادق هو في قوله أم كاذب؟ وذلك لا يمكن، فلم يبق إلا أن ~~يبين عنه لسانه. وفي هذا من الفقه باب عظيم، وهو أن الاحكام تناط بالمظان ~~والظواهر لا على القطع واطلاع السرائر. # السادسة - فإن قال: سلام عليكم فلا ينبغي أن يقتل أيضا حتى يعلم ما وراء ~~هذا، لأنه موضع إشكال. وقد قال مالك في الكافر يوجد فيقول: جئت مستأمنا ~~أطلب الأمان: # هذه أمور مشكلة، وأرى أن يرد إلى مأمنه ولا يحكم له بحكم الاسلام، لان ~~الكفر قد ثبت له فلا بد أن يظهر منه ما يدل على قوله، ولا يكفي أن يقول أنا ~~مسلم ولا أنا مؤمن ولا أن يصلي حتى يتكلم بالكلمة العاصمة التي علق النبي ~~صلى الله عليه وسلم الحكم بها عليه في قوله: # (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله). # السابعة - فإن صلى أو فعل فعلا من خصائص الاسلام فقد اختلف فيه علماؤنا، ~~فقال ابن العربي: نرى أنه لا يكون بذلك مسلما، أما أنه يقال له: ما وراء ~~هذه الصلاة؟ # فإن قال: صلاة مسلم، قيل له: قل لا إله إلا الله (2)، فإن قالها تبين ~~صدقه، وإن أبى علمنا أن ذلك تلاعب، وكانت عند من يرى إسلامه ردة، والصحيح ~~أنه كفر أصلي ليس بردة. # وكذلك هذا الذي قال: سلام عليكم، يكلف (3) الكلمة، فإن قالها تحقق رشاده، ~~وإن أبى ms1906 تبين عناده وقتل. وهذا معنى قوله (فتبينوا) أي الامر المشكل، أو ~~(تثبتوا) ولا تعجلوا المعنيان سواء. فإن قتله أحد فقد أتى منهيا عنه. فإن ~~قيل: فتغليظ النبي صلى الله عليه وسلم على محلم، ونبذه من قبره كيف مخرجه؟ ~~قلنا: لأنه علم من نيته أنه لم يبال بإسلامه فقتله متعمدا لأجل الحنة التي ~~كانت بينهما في الجاهلية. # الثامنة - قوله تعالى: (تبتغون عرض الحياة الدنيا) أي تبتغون أخذ ماله: # ويسمى متاع الدنيا عرضا لأنه عارض زائل غير ثابت. قال أبو عبيدة: يقال ~~جميع متاع [الحياة (4)] الدنيا عرض بفتح الراء، ومنه (5): (الدنيا عرض حاضر ~~يأكل منها البر والفاجر). # PageV05P339 # والعرض (بسكون الراء) ما سوى الدنانير والدراهم، فكل عرض عرض، وليس كل ~~عرض عرضا. وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس الغنى عن كثرة ~~العرض إنما الغنى غنى النفس). وقد أخذ بعض العلماء هذا المعنى فنظمه: # تقنع بما يكفيك واستعمل الرضا * فإنك لا تدري أتصبح أم تمسي فليس الغنى ~~عن كثرة المال إنما * يكون الغنى والفقر من قبل النفس وهذا يصحح قول أبي ~~عبيدة: فإن المال يشمل كل ما يتمول. وفي كتاب العين: العرض ما نيل من ~~الدنيا، ومنه قوله تعالى: (تريدون عرض الدنيا (1)) وجمعه عروض. وفي المجمل ~~لابن فارس: والعرض من يعترض الانسان من مرض [أو نحوه (2)] وعرض الدنيا ما ~~كان فيها من مال قل أو كثر. والعرض من الأثاث ما كان غير نقد. وأعرض الشئ ~~إذا ظهر وأمكن. والعرض خلاف الطول. # التاسعة - قوله تعالى: (فعند الله مغانم كثيرة) عدة من الله تعالى بما ~~يأتي به على وجهه ومن حله دون ارتكاب محظور، أي فلا تتهافتوا. (كذلك كنتم ~~من قبل) أي كذلك كنتم تخفون إيمانكم عن قومكم خوفا منكم على أنفسكم حتى من ~~الله عليكم بإعزاز الدين وغلبة المشركين، فهم الآن كذلك كل واحد منهم في ~~قومه متربص أن يصل إليكم، فلا يصلح إذ وصل إليكم أن تقتلوه حتى تتبينوا ~~أمره. وقال ابن زيد: المعنى كذلك كنتم كفرة (فمن الله عليكم) ms1907 بأن أسلمتم ~~فلا تنكروا أن يكون هو كذلك ثم يسلم لحينه حين لقيكم فيجب أن تتثبتوا في ~~أمره. # العاشرة - استدل بهذه الآية من قال: ان الايمان هو القول، لقوله تعالى: ~~(ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا). قالوا: ولما منع أن يقال ~~لمن قال لا إله إلا الله لست مؤمنا منع من قتلهم بمجرد القول. ولولا ~~الايمان الذي هو هذا (3) القول لم يعب قولهم. قلنا: # انما شك القوم في حالة أن يكون هذا القول منه تعوذا فقتلوه، والله لم ~~يجعل لعباده غير الحكم بالظاهر، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن ~~أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله) # PageV05P340 # وليس في ذلك أن الايمان هو الاقرار فقط، الا ترى أن المنافقين كانوا ~~يقولون هذا القول وليسوا بمؤمنين حسب ما تقدم بيانه في (البقرة (1)) وقد ~~كشف البيان في هذا قوله عليه السلام: # (أفلا شققت عن قلبه)؟ فثبت أن الايمان هو الاقرار وغيره، وأن حقيقته ~~التصديق بالقلب، ولكن ليس للعبد طريق إليه إلا ما سمع منه فقط. واستدل بهذا ~~أيضا من قال: ان الزنديق تقبل توبته إذا أظهر الاسلام، قال: لان الله تعالى ~~لم يفرق بين الزنديق وغيره متى أظهر الاسلام. وقد مضى القول في هذا في أول ~~البقرة. وفيها رد على القدرية، فان الله تعالى أخبر أنه من على المؤمنين من ~~بين جميع الخلق بأن خصهم بالتوفيق، والقدرية تقول: خلقهم كلهم للايمان. ولو ~~كان كما زعموا لما كان لاختصاص المؤمنين بالمنة من بين الخلق معنى. # الحادية عشرة - قوله تعالى: (فتبينوا) أعاد الامر بالتبيين للتأكيد. (ان ~~الله كان بما تعملون خبيرا) تحذير عن مخالفة أمر الله، أي احفظوا أنفسكم ~~وجنبوها الزلل الموبق لكم. # قوله تعالى: لا يستوى القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر والمجاهدون في ~~سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على ~~القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا ~~عظيما (95) درجت منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما (96) فيه خمس ~~مسائل: # الأولى ms1908 - قوله تعالى (لا يستوي القاعدون من المؤمنين) قال ابن عباس: لا ~~يستوي القاعدون عن بدر والخارجون إليها. ثم قال: (غير أولي الضرر) والضرر ~~الزمانة. روى الأئمة واللفظ لأبي داود عن زيد بن ثابت قال: كنت إلى جنب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فغشيته السكينة فوقعت فخذ رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على فخذي، فما وجدت ثقل شئ # PageV05P341 # أثقل من فخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم سري عنه فقال: (أكتب) ~~فكتبت في كتف (1) (لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله) ~~إلى آخر الآية، فقام ابن أم مكتوم - وكان رجلا أعمى - لما سمع فضيلة ~~المجاهدين فقال: يا رسول الله، فكيف بمن لا يستطيع الجهاد من المؤمنين؟ ~~فلما قضى كلامه غشيت رسول الله صلى الله عليه وسلم السكينة فوقعت فخذه على ~~فخذي، ووجدت من ثقلها في المرة الثانية كما وجدت في المرة الأولى، ثم سري ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (اقرأ يا زيد) فقرأت (لا يستوي ~~القاعدون من المؤمنين) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (غير أولي ~~الضرر) الآية كلها. قال زيد: # فأنزلها الله وحدها فألحقتها، والذي نفسي بيده لكأني أنظر إلى ملحقها عند ~~صدع في كتف. # وفي البخاري عن مقسم مولى عبد الله بن الحارث أنه سمع ابن عباس يقول: (لا ~~يستوي القاعدون من المؤمنين) عن بدر والخارجون إلى بدر. قال العلماء: أهل ~~الضرر هم أهل الاعذار إذ قد أضرت بهم حتى منعتهم الجهاد. وصح وثبت في الخبر ~~أنه عليه السلام قال - وقد قفل من بعض غزواته: (إن بالمدينة رجالا ما قطعتم ~~واديا ولا سرتم مسيرا إلا كانوا معكم أولئك قوم حبسهم العذر). فهذا يقتضي ~~أن صاحب العذر يعطى أجر الغازي، فقيل: # يحتمل أن يكون أجره مساويا، وفي فضل الله متسع، وثوابه فضل لا استحقاق، ~~فيثيب على النية الصادقة مالا يثيب على الفعل. وقيل: يعطى أجره من غير ~~تضعيف فيفضله الغازي بالتضعيف للمباشرة. والله أعلم. # قلت: والقول الأول أصح - إن شاء الله ms1909 - للحديث الصحيح في ذلك (إن ~~بالمدينة رجالا) ولحديث أبي كبشة الأنماري قوله عليه السلام (إنما الدنيا ~~لأربعة نفر) الحديث وقد تقدم في سورة (آل عمران (2)). ومن هذا المعنى ما ~~ورد في الخبر (إذا مرض العبد قال الله تعالى اكتبوا لعبدي ما كان يعمله في ~~الصحة إلى أن يبرأ أو أقبضه إلي). # PageV05P342 # الثانية - وقد تمسك بعض العلماء بهذه الآية بأن أهل الديوان أعظم أجرا من ~~أهل التطوع، لان أهل الديوان لما كانوا متملكين بالعطاء، ويصرفون في ~~الشدائد، وتروعهم (1) البعوث والأوامر، كانوا أعظم من المتطوع، لسكون جأشه ~~ونعمة باله في الصوائف (2) الكبار ونحوها. قال ابن محيريز: أصحاب العطاء ~~أفضل من المتطوعة لما يروعون. قال مكحول: # روعات البعوث تنفي روعات القيامة. # الثالثة - وتعلق بها أيضا من قال: إن الغنى أفضل من الفقر، لذكر الله ~~تعالى المال الذي يوصل به إلى صالح الأعمال. وقد اختلف الناس في هذه ~~المسألة مع اتفاقهم أن ما أحوج من الفقر مكروه، وما أبطر من الغنى مذموم، ~~فذهب قوم إلى تفضيل الغني، لان الغني مقتدر والفقير عاجز، والقدرة أفضل من ~~العجز. قال الماوردي: وهذا مذهب من غلب عليه حب النباهة. وذهب آخرون إلى ~~تفضيل الفقر، لان الفقير تارك والغني ملابس، وترك الدنيا أفضل من ملابستها. ~~قال الماوردي: وهذا مذهب من غلب عليه حب السلامة. وذهب آخرون إلى تفضيل ~~التوسط بين الامرين بأن يخرج عن حد الفقر إلى أدنى مراتب الغنى ليصل إلى ~~فضيلة الامرين، وليسلم من مذمة الحالين. قال الماوردي: # وهذا مذهب من يرى تفضيل الاعتدال وأن (خير الأمور أوسطها). ولقد أحسن ~~الشاعر الحكيم حيث قال: # ألا عائذا بالله من عدم الغنى * ومن رغبة يوما إلى غير مرغب الرابعة - ~~قوله تعالى: (غير أولي الضرر) قراءة أهل الكوفة وأبو عمرو (غير) بالرفع، ~~قال الأخفش: هو نعت للقاعدين، لأنهم لم يقصد بهم قوم بأعيانهم فصاروا ~~كالنكرة فجاز وصفهم بغير، والمعنى لا يستوي القاعدون غير أولي الضرر، أي لا ~~يستوي القاعدون الذين هم غير أولي الضرر. والمعنى لا يستوي القاعدون ~~الأصحاء، قاله ms1910 الزجاج. وقرأ أبو حياة (غير) جعله نعتا للمؤمنين، أي من ~~المؤمنين الذين هم غير أولي الضرر من المؤمنين الأصحاء. # PageV05P343 # وقرأ أهل الحرمين (غير) بالنصب على الاستثناء من القاعدين أو من ~~المؤمنين، أي إلا أولي الضرر فإنهم يستوون مع المجاهدين. وإن شئت على الحال ~~من القاعدين، أي لا يستوي القاعدون من الأصحاء أي في حال صحتهم، وجازت ~~الحال منهم، لان لفظهم لفظ المعرفة، وهو كما تقول: جاءني زيد غير مريض. وما ~~ذكرناه من سبب النزول يدل على معنى النصب، والله أعلم. # الخامسة - قوله تعالى: (فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على ~~القاعدين درجة) وقد قال بعد هذا: (درجات منه ومغفرة ورحمة) فقال قوم: ~~التفضيل بالدرجة ثم بالدرجات إنما هو مبالغة وبيان وتأكيد. وقيل: فضل الله ~~المجاهدين على القاعدين من أولي الضرر بدرجة واحدة، وفضل الله المجاهدين ~~على القاعدين من غير عذر درجات، قاله ابن جريج والسدي وغيرهما. وقيل: إن ~~معنى درجة علو، أي أعلى ذكرهم ورفعهم بالثناء والمدح والتقريظ. # فهذا معنى درجة، ودرجات يعني في الجنة. قال ابن محيريز: سبعين درجة بين ~~كل درجتين حضر الفرس الجواد سبعين سنة. و (درجات) بدل من أجر وتفسير له، ~~ويجوز نصبه أيضا على تقدير الظرف، أي فضلهم بدرجات، ويجوز أن يكون توكيدا ~~لقوله (أجرا عظيما) لان الاجر العظيم هو الدرجات والمغفرة والرحمة، ويجوز ~~الرفع، أي ذلك درجات. و (أجرا) نصب ب (فضل) وإن شئت كان مصدرا وهو أحسن، ~~ولا ينتصب ب (فضل) لأنه قد استوفى مفعوليه وهما قوله (المجاهدين) و (على ~~القاعدين)، وكذا (درجة). فالدرجات منازل بعضها أعلى من بعض. وفي الصحيح عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم (إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في ~~سبيله بين الدرجتين كما بين السماء والأرض). (وكلا وعد الله الحسنى) (كلا) ~~منصوب ب‍ (وعد) و (الحسنى) الجنة، أي وعد الله كلا الحسنى. ثم قيل: # المراد (بكل) المجاهدون خاصة. وقيل: المجاهدون وأو لو الضرر. والله أعلم. # PageV05P344 # قوله تعالى: ان الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا ms1911 ~~كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك ~~مأواهم جهنم وساءت مصيرا (97) الا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان ~~لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا (98) فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان ~~الله عفوا غفورا (99) المراد بها جماعة من أهل مكة كانوا قد أسلموا وأظهروا ~~للنبي صلى الله عليه وسلم الايمان به، فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم ~~أقاموا مع قومهم وفتن منهم جماعة فافتتنوا، فلما كان أمر بدر خرج منهم قوم ~~مع الكفار، فنزلت الآية. وقيل: إنهم لما استحقروا عدد المسلمين دخلهم شك في ~~دينهم فارتدوا فقتلوا على الردة، فقال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين ~~وأكرهوا على الخروج فاستغفروا لهم، فنزلت الآية. والأول أصح. روى البخاري ~~عن محمد ابن عبد الرحمن قال: قطع على أهل المدينة بعث (1) فاكتتبت فيه ~~فلقيت عكرمة مولى ابن عباس فأخبرته فنهاني عن ذلك أشد النهي، ثم قال: ~~أخبرني ابن عباس أن ناسا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد ~~المشركين على عهد (2) رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي السهم فيرمى به ~~فيصيب أحدهم فيقتله أو يضرب فيقتل، فأنزل الله تعالى: (إن الذين توفاهم ~~الملائكة ظالمي أنفسهم). # قوله تعالى: (توفاهم الملائكة) يحتمل أن يكون فعلا ماضيا لم يستند بعلامة ~~تأنيث، إذ تأنيث لفظ الملائكة غير حقيقي، ويحتمل أن يكون فعلا مستقبلا على ~~معنى تتوفاهم، فحذفت إحدى التاءين. وحكى ابن فورك عن الحسن أن المعنى ~~تحشرهم إلى النار. وقيل: # تقبض أرواحهم، وهو أظهر. وقيل: المراد بالملائكة ملك الموت، لقوله تعالى: ~~(قل يتوفاكم # PageV05P345 # ملك الموت الذي وكل بكم (1)). و (ظالمي أنفسهم) نصب على الحال، أي في حال ~~ظلمهم أنفسهم، والمراد ظالمين أنفسهم فحذف النون استخفافا وأضاف (2)، كما ~~قال تعالى: (هديا بالغ الكعبة (3)). وقول الملائكة: (فيم كنتم) سؤال تقريع ~~وتوبيخ، أي أكنتم في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أم كنتم مشركين! وقول ~~هؤلاء: (كنا مستضعفين في الأرض) يعني مكة، اعتذار غير صحيح، إذ كانوا ~~يستطيعون الحيل ويهتدون السبيل، ثم وقفتهم الملائكة ms1912 على دينهم بقولهم (ألم ~~تكن أرض الله واسعة). ويفيد هذا السؤال والجواب أنهم ماتوا مسلمين ظالمين ~~لأنفسهم في تركهم الهجرة، وإلا فلو ماتوا كافرين لم يقل لهم شئ من هذا، ~~وإنما أضرب عن ذكرهم في الصحابة لشدة ما واقعوه، ولعدم تعين أحدهم ~~بالايمان، واحتمال ردته. والله أعلم. ثم استثنى تعالى منهم من الضمير الذي ~~هو الهاء والميم في (مأواهم) من كان مستضعفا حقيقة من زمني الرجال وضعفة ~~النساء والولدان، كعياش بن أبي ربيعة وسلمة ابن هشام وغيرهم الذين دعا لهم ~~الرسول صلى الله عليه وسلم. قال ابن عباس: كنت أنا وأمي ممن عنى الله بهذه ~~الآية، وذلك أنه كان من الولدان إذ ذاك، وأمه هي أم الفضل بنت الحارث ~~واسمها لبابة، وهي أخت ميمونة، وأختها الأخرى لبابة الصغرى، وهن تسع أخوات ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم فيهن: (الأخوات (4) مؤمنات) ومنهن سلمى ~~والعصماء وحفيدة ويقال في حفيدة: أم حفيد، واسمها هزيلة. هن ست شقائق وثلاث ~~لام، وهن سلمى، وسلامة، وأسماء بنت عميس الخثعمية امرأة جعفر بن أبي طالب، ~~ثم امرأة أبي بكر الصديق، ثم امرأة علي رضي الله عنهم أجمعين. # قوله تعالى: (فيم كنتم) سؤال توبيخ، وقد تقدم. والأصل (فيما) ثم حذفت ~~الألف فرقا بين الاستفهام والخبر، والوقف عليها (لئلا تحذف الألف والحركة. ~~والمراد بقوله: # (ألم تكن أرض الله واسعة) المدينة، أي ألم تكونوا متمكنين قادرين على ~~الهجرة والتباعد ممن كان يستضعفكم! وفي هذه الآية دليل على هجران الأرض ~~التي يعمل فيها بالمعاصي. # PageV05P346 # وقال سعيد بن جبير: إذا عمل بالمعاصي في أرض فاخرج منها، وتلا (ألم تكن ~~أرض الله واسعة فتهاجروا فيها). وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~(من فر بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبرا استوجب الجنة وكان رفيق إبراهيم ~~ومحمد عليهما السلام). # (فأولئك مأواهم جهنم) أي مثواهم النار. وكانت الهجرة واجبة على كل من ~~أسلم. (وساءت مصيرا) نصب على التفسير. وقوله تعالى: (لا يستطيعون حيلة) ~~الحيلة لفظ عام لأنواع أسباب التخلص. والسبيل سبيل ms1913 المدينة، فيما ذكر مجاهد ~~والسدي وغيرهما، والصواب أنه عام في جميع السبل. وقوله تعالى: (فأولئك عسى ~~الله أن يعفو عنهم) هذا الذي لا حيلة له في الهجرة لا ذنب له حتى يعفى عنه، ~~ولكن المعنى أنه قد يتوهم أنه يجب تحمل غاية المشقة في الهجرة، حتى أن من ~~لم يتحمل تلك المشقة يعاقب فأزال الله ذلك الوهم، إذ لا يجب تحمل غاية ~~المشقة، بل كان يجوز ترك الهجرة عند فقد الزاد والراحلة. فمعنى الآية: ~~فأولئك لا يستقصى عليهم في المحاسبة، ولهذا قال: (وكان الله عفوا غفورا) ~~والماضي والمستقبل في حقه تعالى واحد، وقد تقدم. # قوله تعالى: ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مرا غما كثيرا وسعة ومن ~~يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله ~~وكان الله غفورا رحيما (100) فيه خمس مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (ومن يهاجر في سبيل الله يجد) شرط وجوابه. (في ~~الأرض مراغما) اختلف في تأويل المراغم، فقال مجاهد: المراغم المتزحزح. وقال ~~ابن عباس والضحاك والربيع وغيرهم: المراغم المتحول والمذهب. وقال ابن زيد: ~~والمراغم المهاجر، وقاله أبو عبيدة. # قال النحاس: فهذه الأقوال متفقة المعاني. فالمراغم المذهب والمتحول في ~~حال هجرة، وهو اسم الموضع الذي يراغم فيه، وهو مشتق من الرغام. ورغم أنف ~~فلان أي لصق بالتراب. # PageV05P347 # وراغمت فلانا هجرته وعاديته، ولم أبال إن رغم أنفه. وقيل: إنما سمي ~~مهاجرا ومراغما لان الرجل كان إذا أسلم عادى قومه وهجرهم، فسمى خروجه ~~مراغما، وسمى مصيره إلى النبي صلى الله عليه وسلم هجرة. وقال السدي: ~~المراغم المبتغي للمعيشة. وقال ابن القاسم: سمعت مالكا يقول: المراغم ~~الذهاب في الأرض. وهذا كله تفسير بالمعنى، وكله قريب بعضه من بعض، فأما ~~الخاص باللفظة فإن المراغم موضع المراغمة كما ذكرنا، وهو أن يرغم كل واحد ~~من المتنازعين أنف صاحبه بأن يغلبه على مراده، فكأن كفار قريش أرغموا أنوف ~~المحبوسين بمكة، فلو هاجر منهم مهاجر لأرغم أنوف قريش لحصوله في منعة منهم، ~~فتلك المنعة هي موضع ms1914 المراغمة. ومنه قول النابغة: # كطرد يلاذ بأركانه * عزيز المراغم والمهرب الثانية - قوله تعالى: (وسعة) ~~أي في الرزق، قاله ابن عباس والربيع والضحاك. # وقال قتادة: المعنى سعة من الضلالة إلى الهدى ومن العيلة إلى الغنى. وقال ~~مالك: السعة سعة البلاد. وهذا أشبه بفصاحة العرب، فإن بسعة الأرض وكثرة ~~المعاقل تكون السعة في الرزق، واتساع الصدر لهمومه وفكره وغير ذلك من وجوه ~~الفرج. ونحو هذا المعنى قول الشاعر: # وكنت إذا خليل رام قطعي * وجدت وراي منفسحا عريضا آخر: # لكان لي مضطرب واسع * في الأرض ذات الطول والعرض الثالثة - قال مالك: هذه ~~الآية دالة على أنه ليس لأحد المقام بأرض يسب فيها السلف ويعمل فيها بغير ~~الحق. وقال: والمراغم الذهاب في الأرض، والسعة سعة البلاد على ما تقدم. ~~واستدل أيضا بعض العلماء بهذه الآية على أن للغازي إذا خرج إلى الغزو ثم ~~مات قبل القتال له سهمه وإن لم يحضر الحرب، رواه ابن لهيعة عن يزيد بن أبي ~~حبيب عن أهل المدينة. وروي ذلك عن ابن المبارك أيضا. # الرابعة - قوله تعالى: (ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله) الآية. # قال عكرمة مولى ابن عباس: طلبت اسم هذا الرجل أربع عشرة سنة حتى وجدته. ~~وفى قول PageV05P348 # عكرمة هذا دليل على شرف هذا العلم قديما، وأن الاعتناء به حسن والمعرفة ~~به فضل، ونحو منه قول ابن عباس: مكثت سنين أريد أن أسأل عمر عن المرأتين ~~اللتين تظاهرتا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما يمنعني إلا مهابته. ~~والذي ذكره عكرمة هو ضمرة بن العيص أو العيص ابن ضمرة بن زنباع، حكاه ~~الطبري عن سعيد بن جبير. ويقال فيه: ضميرة أيضا. ويقال: # جندع بن ضمرة من بني ليث، وكان من المستضعفين بمكة وكان مريضا، فلما سمع ~~ما أنزل الله في الهجرة قال: أخرجوني، فهيئ له فراش ثم وضع عليه وخرج به ~~فمات في الطريق بالتنعيم (1)، فأنزل الله فيه (ومن يخرج من بيته مهاجرا) ~~الآية. وذكر أبو عمر أنه قد قيل فيه: خالد ابن حزام ms1915 بن خويلد ابن أخي ~~خديجة، وأنه هاجر إلى أرض الحبشة فنهشته حية في الطريق فمات قبل أن يبلغ ~~أرض الحبشة، فنزلت فيه الآية، والله أعلم. وحكى أبو الفرج الجوزي أنه حبيب ~~بن ضمرة. وقيل: ضمرة بن جندب الضمري، عن السدي. وحكي عن عكرمة أنه جندب بن ~~ضمرة الجندعي. وحكي عن ابن (2) جابر أنه ضمرة بن بغيض الذي من بني ليث. # وحكى المهدوي أنه ضمرة بن ضمرة بن نعيم. وقيل: ضمرة بن خزاعة، والله ~~أعلم. وروى معمر عن قتادة قال: لما نزلت (إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي ~~أنفسهم) الآية، قال رجل من المسلمين وهو مريض: والله ما لي من عذر! إني ~~لدليل في الطريق، وإني لموسر، فاحملوني. # فحملوه فأدركه الموت في الطريق، فقال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: لو ~~بلغ إلينا لتم أجره، وقد مات بالتنعيم. وجاء بنوه إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأخبروه بالقصة، فنزلت هذه الآية (ومن يخرج من بيته مهاجرا) الآية. ~~وكان اسمه ضمرة بن جندب، ويقال: جندب ابن ضمرة على ما تقدم. (وكان الله ~~غفورا) لما كان منه من الشرك. (رحيما) حين قبل توبته. # الخامسة - قال ابن العربي: قسم العلماء رضي الله عنهم الذهاب في الأرض ~~قسمين: # هربا وطلبا، فالأول ينقسم إلى ستة أقسام: الأول - الهجرة وهي الخروج من # PageV05P349 # دار الحرب إلى دار الاسلام، وكانت فرضا في أيام النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وهذه الهجرة باقية مفروضة إلى يوم القيامة، والتي انقطعت بالفتح هي ~~القصد إلى النبي صلى الله عليه وسلم حيث كان (1)، فإن بقي في دار الحرب ~~عصى، ويختلف في حاله. الثاني - الخروج من أرض البدعة، قال ابن القاسم: سمعت ~~مالكا يقول لا يحل لاحد أن يقيم بأرض يسب فيها السلف. قال ابن العربي: وهذا ~~صحيح، فإن المنكر إذا لم تقدر أن تغيره فزل عنه، قال الله تعالى: (وإذا ~~رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم) إلى قوله (الظالمين (2)). # الثالث - الخروج من أرض غلب عليها الحرام: فإن طلب الحلال فرض على كل ~~مسلم. # الرابع ms1916 - الفرار من الأذية في البدن، وذلك فضل من الله أرخص فيه، فإذا ~~خشي على نفسه فقد أذن الله في الخروج عنه والفرار بنفسه ليخلصها من ذلك ~~المحذور. وأول من فعله إبراهيم عليه السلام، فإنه لما خاف من قومه قال: ~~(إني مهاجر إلى ربي (3)، وقال: # (إني ذاهب إلى ربي سيهدين (4)). وقال مخبرا عن موسى: (فخرج منها خائفا ~~يترقب (3)). # الخامس - خوف المرض في البلاد الوخمة والخروج منها إلى الأرض النزهة. وقد ~~أذن صلى الله عليه وسلم للرعاة حين استوخموا المدينة أن يخرجوا إلى المسرح ~~فيكونوا فيه حتى يصحوا. وقد استثنى من ذلك الخروج من الطاعون، فمنع الله ~~سبحانه منه بالحديث الصحيح عن نبيه صلى الله عليه وسلم، وقد تقدم بيانه في ~~(البقرة (5)). بيد أن علماءنا قالوا: هو مكروه. # السادس - الفرار خوف الأذية في المال، فإن حرمة مال المسلم كحرمة دمه، ~~والأهل مثله وأوكد. وأما قسم الطلب فينقسم قسمين: طلب دين وطلب دنيا، فأما ~~طلب الدين فيتعدد بتعدد أنواعه إلى تسعة أقسام: الأول - سفر العبرة، قال ~~الله تعالى: (أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ~~(6)) وهو كثير. ويقال: إن ذا القرنين إنما طاف [الأرض (7)] ليرى عجائبها. ~~وقيل: لينفذ الحق فيها. الثاني - سفر الحج. والأول وإن كان # PageV05P350 # ندبا فهذا فرض. الثالث - سفر الجهاد وله أحكامه. الرابع - سفر المعاش، ~~فقد يتعذر على الرجل معاشه مع الإقامة فيخرج في طلبه لا يزيد عليه، من صيد ~~أو احتطاب أو احتشاش، فهو فرض عليه. الخامس - سفر التجارة والكسب الزائد ~~على القوت، وذلك جائز بفضل الله سبحانه وتعالى، قال الله تعالى: (ليس عليكم ~~جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم (1)) يعني التجارة، وهي نعمة من الله بها في ~~سفر الحج، فكيف إذا انفردت. السادس - في طلب العلم وهو مشهور. # السابع - قصد البقاع، قال صلى الله عليه وسلم: (لا تشد الرحال إلا إلى ~~ثلاثة مساجد). # الثامن - الثغور للرباط بها وتكثير سوادها للذب عنها. التاسع - زيارة ~~الاخوان في الله تعالى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ms1917 (زار رجل أخاله ~~في قرية فأرصد الله له ملكا على مدرجته (2) فقال أين تريد فقال أريد أخا لي ~~في هذه القرية قال هل لك من نعمة تربها (3) عليه قال لا غير أني أحببته في ~~الله عز وجل قال فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه). # رواه مسلم وغيره. # قوله تعالى: وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ان ~~خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ان الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا (101) فيه ~~عشر مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (ضربتم) سافرتم، وقد تقدم. واختلف العلماء في حكم ~~القصر في السفر، فروي عن جماعة أنه فرض. وهو قول عمر بن عبد العزيز ~~والكوفيين والقاضي إسماعيل وحماد بن أبي سليمان، واحتجوا بحديث عائشة رضي ~~الله عنها (فرضت الصلاة ركعتين ركعتين) الحديث، ولا حجة فيه لمخالفتها له، ~~فإنه كانت تتم في السفر وذلك يوهنه. # وإجماع فقهاء الأمصار على أنه ليس بأصل يعتبر في صلاة المسافر خلف ~~المقيم، وقد قال غيرها من # PageV05P351 # الصحابة كعمر وابن عباس وجبير بن مطعم: (إن الصلاة فرضت في الحضر أربعا ~~وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة) رواه مسلم عن ابن عباس. ثم إن حديث عائشة ~~قد رواه ابن عجلان عن صالح بن كيسان عن عروة عن عائشة قالت: فرض رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم الصلاة ركعتين ركعتين. وقال فيه الأوزاعي عن ابن شهاب ~~عن عروة عن عائشة قالت: # فرض الله الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين ركعتين، ~~الحديث، وهذا اضطراب. # ثم إن قولها: (فرضت الصلاة) ليس على ظاهره، فقد خرج عنه صلاة المغرب ~~والصبح، فإن المغرب ما زيد فيها ولا نقص منها، وكذلك الصبح، وهذا كله يضعف ~~متنه لا سنده. # وحكى ابن الجهم أن أشهب روى عن مالك أن القصر فرض، ومشهور مذهبه وجل ~~أصحابه وأكثر العلماء من السلف والخلف أن القصر سنة، وهو قول الشافعي، وهو ~~الصحيح على ما يأتي بيانه إن شاء الله. ومذهب عامة البغداديين من المالكيين ~~أن ms1918 الفرض التخيير، وهو قول أصحاب الشافعي. ثم اختلفوا في أيهما أفضل، فقال ~~بعضهم: القصر أفضل، وهو قول الأبهري وغيره. وقيل: إن الاتمام أفضل، وحكي عن ~~الشافعي. وحكى أبو سعيد الفروي المالكي أن الصحيح في مذهب مالك التخيير ~~للمسافر في الاتمام والقصر. # قلت - وهو الذي يظهر من قوله سبحانه وتعالى: (فليس عليكم جناح أن تقصروا ~~من الصلاة) إلا أن مالكا رحمه الله يستحب له القصر، وكذلك يرى عليه الإعادة ~~في الوقت إن أتم. وحكى أبو مصعب في (مختصره) عن مالك وأهل المدينة قال: ~~القصر في السفر للرجال والنساء سنة. قال أبو عمر: وحسبك بهذا في مذهب مالك، ~~مع أنه لم يختلف قوله: # أن من أتم في السفر يعيد ما دام في الوقت، وذلك استحباب عند من فهم، لا ~~إيجاب. وقال الشافعي: القصر في غير الخوف بالسنة، وأما في الخوف مع السفر ~~فبالقرآن والسنة، ومن صلى أربعا فلا شئ عليه، ولا أحب لاحد أن يتم في السفر ~~رغبة عن السنة. وقال أبو بكر الأثرم: # قلت لأحمد بن حنبل للرجل أن يصلي في السفر أربعا؟ قال: لا، ما يعجبني، ~~السنة ركعتان. # وفي موطأ مالك عن ابن شهاب عن رجل من آل خالد بن أسيد، أنه سأل عبد الله ~~بن عمر PageV05P352 # فقال: يا أبا عبد الرحمن إنا نجد صلاة الخوف وصلاة الحضر في القرآن ولا ~~نجد صلاة السفر؟ فقال عبد الله بن عمر: يا ابن أخي إن الله تبارك وتعالى ~~بعث إلينا محمدا صلى الله عليه وسلم ولا نعلم شيئا، فإنا نفعل كما رأيناه ~~يفعل. ففي هذا الخبر (1) قصر الصلاة في السفر من غير خوف ستة لا فريضة، ~~لأنها لا ذكر لها في القرآن، وإنما القصر المذكور في القرآن إذا كان سفرا ~~وخوفا واجتمعا، فلم يبح القصر في كتابه إلا مع هذين الشرطين. ومثله في ~~القرآن: (ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح (2)) الآية، وقد تقدم. ثم قال ~~تعالى: (فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة) أي فأتموها، وقصر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من أربع ms1919 إلى اثنتين إلا المغرب في أسفاره كلها آمنا لا يخاف ~~إلا الله تعالى، فكان ذلك سنة مسنونة منه صلى الله عليه وسلم، زيادة في ~~أحكام الله تعالى كسائر ما سنة وبينه، مما ليس له في القرآن ذكر. وقوله: ~~(كما رأيناه يفعل) مع حديث عمر حيث سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~القصر في السفر من غير خوف، فقال: (تلك صدقة تصدق الله بها عليكم فأقبلوا ~~صدقته (3)) يدل على أن الله تعالى قد يبيح الشئ في كتابه بشرط ثم يبيح ذلك ~~الشئ على لسان نبيه من غير ذلك الشرط. وسأل حنظلة ابن عمر عن صلاة السفر ~~فقال: ركعتان. # قلت: فأين قوله تعالى: (إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا) ونحن آمنون؟ قال: # سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهذا ابن عمر قد أطلق عليها سنة، ~~وكذلك قال ابن عباس. # فأين المذهب عنهما؟. قال أبو عمر: ولم يقم مالك إسناد هذا الحديث، لأنه ~~لم يسم الرجل الذي سأل ابن عمر، وأسقط من الاسناد رجلا، والرجل الذي لم ~~يسمه هو أمية بن عبد الله ابن خالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد ~~شمس بن عبد مناف، والله أعلم. # الثانية - واختلف العلماء في حد المسافة التي تقصر فيها الصلاة، فقال ~~داود: # تقصر في كل سفر طويل أو قصير، ولو كان ثلاثة أميال من حيث تؤتى الجمعة، ~~متمسكا بما رواه مسلم عن يحيى بن يزيد الهنائي قال: سألت أنس بن مالك عن ~~قصر الصلاة فقال: # PageV05P353 # كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة ~~فراسخ - شعبة الشاك (1) - صلى ركعتين. وهذا لا حجة فيه، لأنه مشكوك فيه، ~~وعلى تقدير أحدهما فلعله حد المسافة التي بدأ منها القصر، وكان سفرا طويلا ~~زائدا على ذلك، والله أعلم. قال ابن العربي: # وقد تلاعب قوم بالدين فقالوا: إن من خرج من البلد إلى ظاهره قصر وأكل، ~~وقائل هذا أعجمي لا يعرف السفر عند العرب أو مستخف بالدين، ولولا أن ~~العلماء ms1920 ذكروه لما رضيت أن ألمحه بمؤخر عيني، ولا أفكر فيه بفضول قلبي. ولم ~~يذكر حد السفر الذي يقع به القصر (2) لا في القرآن ولا في السنة، وإنما كان ~~كذلك لأنها كانت لفظة عربية مستقر علمها عند العرب الذين خاطبهم الله تعالى ~~بالقرآن، فنحن نعلم قطعا أن من برز عن الدور لبعض الأمور أنه لا يكون ~~مسافرا لغة ولا شرعا (3)، وإن مشى مسافرا ثلاثة أيام فإنه مسافر قطعا. كما ~~أنا نحكم على أن من مشى يوما وليلة كان مسافرا، لقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم إلا مع ~~ذي محرم منها) وهذا هو الصحيح، لأنه وسط بين الحالين وعليه عول مالك، ولكنه ~~لم يجد هذا الحديث متفقا عليه، وروي مرة (يوما وليلة) ومرة (ثلاثة أيام) ~~فجاء إلى عبد الله بن عمر فعول على فعله، فإنه كان يقصر الصلاة إلى رئم ~~(4)، وهي أربعة برد، لان ابن عمر كان كثير الاقتداء بالنبي صلى الله عليه ~~وسلم. قال غيره: وكافة العلماء على أن القصر إنما شرع تخفيفا، وإنما يكون ~~في السفر الطويل الذي تلحق به المشقة غالبا، فراعى مالك والشافعي وأصحابهما ~~والليث والأوزاعي وفقهاء أصحاب الحديث أحمد وإسحاق وغيرهما يوما تاما. وقول ~~مالك يوما وليلة راجع إلى اليوم التام، لأنه لم يرد بقوله: # مسيرة يوم وليلة أن يسير النهار كله والليل كله، وإنما أراد أن يسير سيرا ~~يبيت فيه [بعيدا] عن أهله ولا يمكنه الرجوع إليهم. وفى البخاري: وكان ابن ~~عمر وابن عباس يفطران ويقصران في أربعة برد، وهي ستة عشر فرسخا، وهذا مذهب ~~مالك. وقال الشافعي والطبري: # ستة وأربعون ميلا. وعن مالك في العتبية فيمن خرج إلى ضيعته على خمسة ~~وأربعين ميلا # PageV05P354 # قال: يقصر، وهو أمر متقارب. وعن مالك في الكتب المنثورة: أنه يقصر في ستة ~~وثلاثين ميلا، وهي تقرب من يوم وليلة. وقال يحيى بن عمر: يعيد أبدا!. ابن ~~عبد الحكم: # في الوقت (1)!. وقال الكوفيون: لا يقصر في أقل من مسيرة ثلاثة ms1921 أيام، وهو ~~قول عثمان وابن مسعود وحذيفة. وفي صحيح البخاري عن ابن عمر أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: (لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم). قال أبو ~~حنيفة: ثلاثة أيام ولياليها بسير الإبل ومشي الاقدام. وقال الحسن والزهري: ~~تقصر الصلاة في مسيرة يومين، وروي هذا القول عن مالك، ورواه أبو سعيد ~~الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # (لا تسافر المرأة مسيرة ليلتين إلا مع زوج أو ذي محرم). وقصر ابن عمر في ~~ثلاثين ميلا، وأنس في خمسة عشر ميلا. وقال الأوزاعي: عامة العلماء في القصر ~~على اليوم التام، وبه نأخذ. قال أبو عمر: اضطربت الآثار المرفوعة في هذا ~~الباب كما ترى في ألفاظها، ومجملها عندي - والله أعلم - أنها خرجت على ~~أجوبة السائلين، فحدث كل واحد بمعنى ما سمع، كأنه قيل له صلى الله عليه ~~وسلم في وقت ما: هل تسافر المرأة مسيرة يوم بغير محرم؟ # فقال: لا. وقيل له في وقت آخر: هل تسافر المرأة يومين بغير محرم؟ فقال: ~~لا. وقال له آخر: # هل تسافر المرأة [مسيرة (2)] ثلاثة أيام بغير محرم؟ فقال: لا. وكذلك معنى ~~الليلة والبريد على ما روي، فأدى كل واحد ما سمع على المعنى، والله أعلم. ~~ويجمع معاني الآثار في هذا الباب - وإن اختلفت ظواهرها - الحظر على المرأة ~~أن تسافر سفرا يخاف عليها فيه الفتنة بغير محرم، قصيرا كان أو طويلا. والله ~~أعلم. # الثالثة - واختلفوا في نوع السفر الذي تقصر فيه الصلاة، فأجمع الناس على ~~الجهاد والحج والعمرة وما ضارعها من صلة رحم وإحياء نفس. واختلفوا فيما سوى ~~ذلك، فالجمهور على جواز القصر في السفر المباح كالتجارة ونحوها. وروي عن ~~ابن مسعود أنه قال: # لا تقصر الصلاة إلا في حج أو جهاد. وقال عطاء: لا تقصر إلا في سفر طاعة ~~وسبيل من سبل الخير. وروي عنه أيضا: تقصر في كل السفر المباح مثل قول ~~الجمهور. وقال مالك: إن خرج للصيد لا لمعاشه ولكن متنزها، أو خرج لمشاهدة ~~بلدة متنزها ومتلذذا # PageV05P355 # لم ms1922 يقصر. والجمهور من العلماء على أنه لا قصر في سفر المعصية، كالباغي ~~وقاطع الطريق وما في معناهما. وروي عن أبي حنيفة والأوزاعي إباحة القصر في ~~جميع ذلك، وروي عن مالك. وقد تقدم في (البقرة (1)) واختلف عن أحمد، فمرة ~~قال بقول الجمهور، ومرة قال: # لا يقصر إلا في حج أو عمرة. والصحيح ما قاله الجمهور، لان القصر إنما شرع ~~تخفيفا عن المسافر للمشقات اللاحقة فيه، ومعونته على ما هو بصدده مما يجوز، ~~وكل الاسفار في ذلك سواء، لقوله تعالى: (وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم ~~جناح) أي إثم (أن تقصروا من الصلاة) فعم. وقال عليه السلام (خير عباد الله ~~الذين إذا سافروا قصروا وأفطروا). # وقال الشعبي (2): إن الله يحب أن يعمل برخصه كما يحب أن يعمل بعزائمه. ~~وأما سفر المعصية فلا يجوز القصر فيه، لان ذلك يكون عونا له على معصية ~~الله، والله تعالى يقول: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم ~~والعدوان (3)). # الرابعة - واختلفوا متى يقصر، فالجمهور على أن المسافر لا يقصر حتى يخرج ~~من بيوت القرية، وحينئذ هو ضارب في الأرض، وهو قول مالك في المدونة. ولم ~~يحد مالك في القرب حدا. وروي عنه إذا كانت قرية تجمع أهلها فلا يقصر أهلها ~~حتى يجاوزوها بثلاثة أميال، وإلى ذلك في الرجوع. وإن كانت لا تجمع أهلها ~~قصروا إذا جاوزوا بساتينها. وروي عن الحارث بن أبي ربيعة أنه أراد سفرا ~~فصلى بهم ركعتين في منزله، وفيهم الأسود بن يزيد وغير واحد من أصحاب ابن ~~مسعود، وبه قال عطاء بن أبي رباح وسليمان بن موسى. # قلت: ويكون معنى الآية على هذا: (وإذا ضربتم في الأرض) أي إذا عزمتم على ~~الضرب في الأرض. والله أعلم. وروي عن مجاهد أنه قال: لا يقصر المسافر يومه ~~الأول حتى الليل. وهذا شاذ، وقد ثبت من حديث أنس بن مالك أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم صلى الظهر بالمدينة أربعا وصلى العصر بذي الحليفة ركعتين. ~~أخرجه الأئمة، وبين ذي الحليفة والمدينة نحو من ستة أميال ms1923 أو سبعة (4). # PageV05P356 # الخامسة - وعلى المسافر أن ينوي القصر من حين الاحرام، فإن افتتح الصلاة ~~بنية القصر ثم عزم على المقام في أثناء (1) صلاته جعلها نافلة، وإن كان ذلك ~~بعد أن صلى منها ركعة أضاف إليها أخرى وسلم، ثم صلى صلاة مقيم. قال الأبهزي ~~وابن الجلاب: هذا - والله أعلم - استحباب، ولو بنى على صلاته وأتمها أجزأته ~~صلاته. قال أبو عمر: # هو عندي كما قالا، لأنها ظهر، سفرية كانت أو حضرية وكذلك سائر الصلوات ~~الخمس. # السادسة - واختلف العلماء من هذا الباب في مدة الإقامة التي إذا نواها ~~المسافر أتم، فقال مالك والشافعي والليث بن سعد والطبري وأبو ثور: إذا نوى ~~الإقامة أربعة أيام أتم، وروي عن سعيد بن المسيب. وقال أبو حنيفة وأصحابه ~~والثوري: إذا نوى إقامة خمس عشرة ليلة أتم، وإن كان أقل قصر. وهو قول ابن ~~عمر وابن عباس ولا مخالف لهما من الصحابة فيما ذكر الطحاوي، وروي عن سعيد ~~أيضا. وقال أحمد: إذا جمع (2) المسافر مقام إحدى وعشرين صلاة مكتوبة قصر، ~~وإن زاد على ذلك أتم، وبه قال داود. والصحيح ما قاله مالك، لحديث ابن ~~الحضرمي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جعل للمهاجر أن يقيم بمكة بعد ~~قضاء نسكه ثلاثة أيام ثم يصدر. أخرجه الطحاوي وابن ماجة وغيرهما. ومعلوم أن ~~الهجرة إذ كانت مفروضة قبل الفتح كان المقام بمكة لا يجوز، فجعل النبي صلى ~~الله عليه وسلم للمهاجر ثلاثة أيام لتقضيه حوائجه وتهيئة أسبابه، ولم يحكم ~~لها بحكم المقام ولا في حيز الإقامة، وأبقى عليه فيها حكم المسافر، ومنعه ~~من مقام الرابع، فحكم له بحكم الحاضر القاطن، فكان ذلك أصلا معتمدا عليه. ~~ومثله ما فعله عمر رضي الله عنه حين أجلى اليهود لقول رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم (3)، فجعل لهم مقام ثلاثة أيام في قضاء أمورهم. قال ابن العربي: ~~وسمعت بعض أحبار المالكية يقول: إنما كانت الثلاثة الأيام (4) خارجة عن حكم ~~الإقامة، لان الله تعالى أرجأ فيها من أنزل به العذاب وتيقن الخروج عن ~~الدنيا، فقال ms1924 تعالى: (تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب (5)). # وفي المسألة قول غير هذه الأقوال، وهو أن المسافر يقصر أبدا حتى يرجع إلى ~~وطنه، أو ينزل وطنا له. روي عن أنس أنه أقام سنتين بنيسابور يقصر الصلاة. ~~وقال أبو مجلز: # PageV05P357 # قلت لابن عمر: [إني (1)] آتي المدينة فأقيم بها السبعة أشهر والثمانية ~~طالبا حاجة، فقال: صل ركعتين. وقال أبو إسحاق السبيعي: أقمنا بسجستان ومعنا ~~رجال من أصحاب ابن مسعود سنتين نصلي ركعتين. وأقام ابن عمر بآذربيجان (2) ~~يصلي ركعتين ركعتين، وكان الثلج حال بينهم وبين القفول: قال أبو عمر: محمل ~~هذه الأحاديث عندنا على أن لا نية لواحد من هؤلاء المقيمين هذه المدة، ~~وإنما مثل ذلك أن يقول: أخرج اليوم، أخرج غدا، وإذا كان هكذا فلا عزيمة ~~ههنا على الإقامة. # السابعة - روى مسلم عن عروة عن عائشة قالت: فرض الله الصلاة حين فرضها ~~ركعتين، ثم أتمها في الحضر، وأقرت صلاة السفر على الفريضة الأولى. قال ~~الزهري: فقلت لعروة ما بال عائشة تتم في السفر؟ قال: إنها تأولت ما تأول ~~عثمان. وهذا جواب ليس بموعب. # وقد اختلف الناس في تأويل إتمام عثمان وعائشة رضي الله عنهما على أقوال: ~~فقال معمر عن الزهري: إن عثمان رضي الله عنه إنما صلى بمنى أربعا لأنه أجمع ~~على الإقامة بعد الحج. وروى مغيرة عن إبراهيم أن عثمان صلى أربعا لأنه ~~اتخذها وطنا (3). وقال يونس عن الزهري قال: # لما اتخذ عثمان الأموال بالطائف وأراد أن يقيم بها صلى أربعا. قال: ثم ~~أخذ به الأئمة بعده. # وقال أيوب عن الزهري، إن عثمان بن عفان أتم الصلاة بمنى من أجل الاعراب، ~~لأنهم كثروا عامئذ (4) فصلى بالناس أربعا ليعلمهم أن الصلاة أربع. ذكر هذه ~~الأقوال كلها أبو داود في مصنفه في كتاب المناسك في باب الصلاة بمنى. وذكر ~~أبو عمر في (التمهيد) قال ابن جريج: # وبلغني إنما أوفاها عثمان أربعا بمنى من أجل أن أعرابيا ناداه في مسجد ~~الخيف بمنى فقال: # يا أمير المؤمنين، ما زلت أصليها ركعتين منذ رأيتك ms1925 عام الأول، فخشي عثمان ~~أن يظن جهال الناس أنما الصلاة ركعتان. قال ابن جريج: وإنما أوفاها بمنى ~~فقط (3). قال أبو عمر: # وأما التأويلات في إتمام عائشة فليس منها شئ يروى عنها، وإنما هي ظنون ~~وتأويلات لا يصحبها دليل. وأضعف ما قيل في ذلك: إنها أم المؤمنين، وإن ~~الناس حيث كانوا هم بنوها، وكان منازلهم منازلها، وهل كانت أم المؤمنين إلا ~~أنها زوج النبي أبي المؤمنين صلى الله # PageV05P358 # عليه وسلم، وهو الذي سن القصر في أسفاره وفي غزواته وحجه وعمره (1). وفي ~~قراءة أبي بن كعب ومصحفه (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم ~~وهو أب لهم (2). وقال مجاهد في قوله تعالى: (هؤلاء بناتي هن أطهر لكم (3)) ~~قال: لم يكن بناته ولكن كن نساء أمته، وكل نبي فهو أبو أمته. # قلت: وقد اعترض على هذا بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان مشرعا، وليست ~~هي كذلك فانفصلا. وأضعف من هذا قول من قال: إنها حيث أتمت لم تكن في سفر ~~جائز، وهذا باطل قطعا، فإنها كانت أخوف لله وأتقى من أن تخرج في سفر لا ~~يرضاه. وهذا التأويل عليها من أكاذيب الشيعة المبتدعة وتشنيعاتهم، سبحانك ~~هذا بهتان عظيم! وإنما خرجت رضي الله عنها مجتهدة محتسبة تريد أن تطفئ نار ~~الفتنة، إذ هي أحق أن يستحيا منها فخرجت الأمور عن الضبط. وسيأتي بيان هذا ~~المعنى إن شاء الله تعالى. وقيل: إنها أتمت لأنها لم تكن ترى القصر إلا في ~~الحج والعمرة والغزوة. وهذا باطل، لان ذلك لم ينقل عنها ولا عرف من مذهبها، ~~ثم هي قد أتمت في سفرها إلى علي. وأحسن ما [قيل (4)] في قصرها وإتمامها ~~أنها أخذت برخصة الله، لتري الناس أن الاتمام ليس فيه حرج وإن كان غيره ~~أفضل. # وقد قال عطاء: القصر سنة ورخصة، وهو الراوي عن عائشة أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم صام وأفطر وأتم الصلاة وقصر في السفر، رواه طلحة بن عمر. ~~وعنه قال (5): كل ذلك كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، صام ms1926 وأفطر ~~وقصر الصلاة وأتم. وروى النسائي بإسناد صحيح أن عائشة اعتمرت مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة [حتى إذا قدمت مكة (6)] قالت: يا ~~رسول الله، بأبي أنت وأمي! قصرت وأتممت وأفطرت وصمت؟ # فقال: (أحسنت يا عائشة) وما عاب علي. كذا هو مقيد بفتح التاء الأولى وضم ~~الثانية في الكلمتين. وروى الدارقطني عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان يقصر في السفر ويتم ويفطر ويصوم، قال إسناده صحيح. # PageV05P359 # الثامنة - قوله تعالى: (أن تقصروا من الصلاة) (أن) في موضع نصب، أي في أن ~~تقصروا. قال أبو عبيد: فيها ثلاث لغات: قصرت الصلاة وقصرتها وأقصرتها. ~~واختلف العلماء في تأويله، فذهب جماعة من العلماء إلى أنه القصر إلى اثنتين ~~من أربع في الخوف وغيره، لحديث يعلي بن أمية على ما يأتي. وقال آخرون: إنما ~~هو قصر الركعتين إلى ركعة، والركعتان في السفر إنما هي تمام، كما قال عمر ~~رضي الله عنه: تمام غير قصر، وقصرها أن تصير ركعة. # قال السدي: إذا صليت في السفر ركعتين فهو تمام، والقصر لا يحل إلا أن ~~تخاف، فهذه الآية مبيحة أن تصلي كل طائفة ركعة لا تزيد عليها شيئا، ويكون ~~للامام ركعتان. وروي نحوه عن ابن عمر وجابر بن عبد الله وكعب، وفعله حذيفة ~~بطبرستان وقد سأله الأمير سعيد ابن العاص عن ذلك. وروى ابن عباس أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم صلى كذلك في غزوة ذي قرد (1) ركعة لكل طائفة ولم يقضوا. ~~وروى جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى كذلك بأصحابه يوم ~~محارب (2) خصفة وبني ثعلبة. وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~صلى كذلك بين ضجنان (3) وعسفان (4). # قلت: وفي صحيح مسلم عن ابن عباس قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم صلى ~~الله عليه وسلم في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة. وهذا يؤيد ~~هذا القول ويعضده، إلا أن القاضي أبا بكر بن العربي ذكر في كتابه المسمى ~~(بالقبس): قال ms1927 علماؤنا [رحمة الله عليهم (5)] هذا الحديث مردود بالاجماع. # قلت: وهذا لا يصح، وقد ذكر هو وغيره الخلاف والنزاع فلم يصح ما ادعوه من ~~الاجماع وبالله التوفيق. وحكى أبو بكر الرازي الحنفي في (أحكام القرآن) أن ~~المراد بالقصر ههنا القصر # PageV05P360 # في صفة الصلاة بترك الركوع والسجود إلى الايماء، وبترك القيام إلى ~~الركوع. وقال آخرون: # هذه الآية مبيخة للقصر من حدود الصلاة وهيئتها عند المسايفة واشتعال ~~الحرب، فأبيح لمن هذه حاله أن يصلي إيماء برأسه، ويصلي ركعة واحدة حيث ~~توجه، إلى تكبيرة (1)، على ما تقدم في (البقرة (2)). ورجح الطبري هذا القول ~~وقال: إنه يعادله قوله تعالى: (فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة) أي بحدودها ~~وهيئتها الكاملة. # قلت: هذه الأقوال الثلاثة في المعنى متقاربة، وهي مبنية على أن فرض ~~المسافر القصر، وإن الصلاة في حقه ما نزلت إلا ركعتين، فلا قصر. ولا يقال ~~في العزيمة لا جناح، ولا يقال فيما شرع ركعتين إنه قصر، كما لا يقال في ~~صلاة الصبح ذلك. وذكر الله تعالى القصر بشرطين والذي يعتبر فيه الشرطان ~~صلاة الخوف، هذا ما ذكره أبو بكر الرازي في (أحكام القرآن) واحتج به، ورد ~~عليه بحديث يعلى بن أمية على ما يأتي [آنفا (3)] إن شاء الله تعالى. # التاسعة - قوله تعالى: (ان خفتم) خرج الكلام على الغالب، إذ كان الغالب ~~على المسلمين الخوف في الاسفار، ولهذا قال يعلى بن أمية [قلت (4)] لعمر: ما ~~لنا نقصر وقد أمنا. قال عمر: عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن ذلك فقال: (صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته). # قلت: وقد استدل أصحاب الشافعي وغيرهم على الحنفية بحديث يعلى بن أمية هذا ~~فقالوا: # إن قوله: (ما لنا نقصر وقد أمنا) دليل قاطع على أن مفهوم الآية القصر في ~~الركعات. قال الكيا الطبري: ولم يذكر أصحاب أبي حنيفة على هذا تأويلا يساوي ~~الذكر، ثم إن صلاة الخوف لا يعتبر فيها الشرطان، فإنه لو لم يضرب في الأرض ~~ولم يوجد السفر بل جاءنا الكفار وغزونا في بلادنا ms1928 فتجوز صلاة الخوف، فلا ~~يعتبر وجود الشرطين على ما قاله (5). وفي قراءة أبي (أن تقصروا من الصلاة ~~أن يفتنكم الذين كفروا) بسقوط (إن خفتم). والمعنى على قراءته: كراهية أن ~~يفتنكم الذين كفروا. وثبت في مصحف عثمان [رضي الله عنه (6) (إن # PageV05P361 # خفتم). وذهب جماعة إلى أن هذه الآية إنما هي مبيحة للقصر في السفر للخائف ~~من العدو، فمن كان آمنا فلا قصر له. روي عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت ~~تقول في السفر: # أتموا صلاتكم، فقالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقصر، فقالت: ~~إنه كان في حرب وكان يخاف، وهل أنتم تخافون؟. وقال عطاء: كان يتم من أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة وسعد بن أبي وقاص وأتم عثمان، ولكن ذلك ~~معلل بعلل تقدم بعضها. وذهب جماعة إلى أن الله تعالى لم يبح القصر في كتابه ~~إلا بشرطين: السفر والخوف، وفي غير الخوف بالسنة، منهم الشافعي وقد تقدم. ~~وذهب آخرون إلى أن قوله تعالى: # (إن خفتم) ليس متصلا بما قبل، وإن الكلام تم عند قوله: (من الصلاة) ثم ~~افتتح فقال: # (إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا) فأقم لهم يا محمد صلاة الخوف. وقوله: ~~(إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا) كلام معترض، قاله الجرجاني وذكره ~~المهدوي وغيرهما. ورد هذا القول القشيري والقاضي أبو بكر بن العربي. قال ~~القشيري أبو نصر: وفي الحمل على هذا تكلف شديد، وإن أطنب الرجل - يريد ~~الجرجاني - في التقدير وضرب الأمثلة. وقال ابن العربي: وهذا كله لم يفتقر ~~إليه عمر ولا ابنه ولا يعلي بن أمية معهما. # قلت: قد جاء حديث بما قاله الجرجاني ذكره القاضي أبو الوليد بن رشد في ~~مقدماته، وابن عطية أيضا في تفسيره عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه ~~قال: سأل قوم من التجار رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنا نضرب في ~~الأرض فكيف نصلي؟ فأنزل الله تعالى: (وإذا ضربتم في الأرض فليس عليم جناح ~~أن تقصروا من الصلاة) ثم انقطع الكلام، فلما ms1929 كان بعد ذلك بحول غزا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فصلى الظهر، فقال المشركون: لقد أمكنكم محمد ~~وأصحابه من ظهورهم هلا شددتم عليهم؟ فقال قائل منهم: # إن لهم أخرى في أثرها، فأنزل الله تعالى بين الصلاتين (إن خفتم أن يفتنكم ~~الذين كفروا) إلى آخر صلاة الخوف. فإن صح هذا الخبر فليس لأحد معه مقال، ~~ويكون فيه دليل على القصر في غير الخوف بالقرآن. وقد روى عن ابن عباس أيضا ~~مثله، قال: إن قوله تعالى: (وإذا ضربتم PageV05P362 # في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة) نزلت في الصلاة في السفر، ~~ثم نزل (إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا) في الخوف بعدها بعام. فالآية على ~~هذا تضمنت قضيتين (1) وحكمين. فقوله (وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح ~~أن تقصروا من الصلاة) يعني به في السفر، وتم الكلام، ثم ابتدأ فريضة أخرى ~~فقدم الشرط، والتقدير: إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا وإذا كنت فيهم فأقمت ~~لهم الصلاة. والواو زائدة، والجواب (فلتقم طائفة منهم معك). وقوله: (إن ~~الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا) اعتراض. وذهب قوم إلى أن ذكر الخوف منسوخ ~~بالسنة، وهو حديث عمر إذ روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (هذه ~~صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته). قال النحاس: من جعل قصر النبي ~~صلى الله عليه وسلم في غير خوف وفعله في ذلك ناسخا للآية فقد غلط، لأنه ليس ~~في الآية منع للقصر في الامن، وإنما فيها إباحة القصر في الخوف فقط. # العاشرة - قوله تعالى: (أن يفتنكم الذين كفروا) قال الفراء: أهل الحجاز ~~يقولون فتنت الرجل. وربيعة وقيس وأسد وجميع أهل نجد يقولون أفتنت الرجل. ~~وفرق الخليل وسيبويه بينهما فقالا: فتنته جعلت فيه فتنة مثل أكحلته، ~~وافتنته جعلته مفتتنا. وزعم الأصمعي أنه لا يعرف أفتنته. (ان الكافرين ~~كانوا لكم عدوا مبينا) (عدوا) ههنا بمعنى أعداء. والله أعلم. # قوله تعالى: وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك ~~وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت ms1930 طائفة أخرى لم يصلوا ~~فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم ~~وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة ولا جناح عليكم ان كان بكم أذى من مطر ~~أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذر كم ان الله أعد للكافرين عذابا ~~مهينا (102) # PageV05P363 # فيه إحدى عشرة مسألة: # الأولى - قوله تعالى: (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة) روى الدارقطني عن ~~أبي عياش الزرقي قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان، ~~فاستقبلنا المشركون، عليهم خالد بن الوليد وهم بيننا وبين القبلة، فصلى بنا ~~النبي صلى الله عليه وسلم الظهر، فقالوا: # قد كانوا على حال لو أصبنا غرتهم، قال: ثم قالوا تأتي الآن عليهم صلاة هي ~~أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم، قال: فنزل جبريل عليه السلام بهذه الآية بين ~~الظهر والعصر (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة). وذكر الحديث. وسيأتي تمامه ~~إن شاء الله تعالى. # وهذا كان سبب إسلام خالد رضي الله عنه. وقد اتصلت هذه الآية بما سبق من ~~ذكر الجهاد. وبين الرب تبارك وتعالى أن الصلاة لا تسقط بعذر السفر ولا بعذر ~~الجهاد وقتال العدو، ولكن فيها رخص على ما تقدم في (البقرة (1)) وهذه ~~السورة، بيانه من اختلاف العلماء. # وهذه الآية خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو يتناول الامراء بعده إلى ~~يوم القيامة، ومثله قوله تعالى: (خذ من أموالهم صدقة (2)) هذا قول كافة ~~العلماء. وشذ أبو يوسف وإسماعيل بن علية فقالا: لا نصلي صلاة الخوف بعد ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فإن الخطاب كان خاصا له بقوله تعالى: (وإذا كنت ~~فيهم) وإذا لم يكن فيهم لم يكن ذلك لهم، لان النبي صلى الله عليه وسلم ليس ~~كغيره في ذلك، وكلهم كان يحب أن يأتم به ويصلي خلفه، وليس أحد بعده يقوم في ~~الفضل مقامه، والناس بعده تستوي أحوالهم وتتقارب، فلذلك يصلي الامام بفريق ~~ويأمر من يصلي بالفريق الآخر، وأما أن يصلوا بإمام واحد فلا. # وقال الجمهور: إنا قد أمرنا باتباعه والتأسي به في غير ما ms1931 آية وغير حديث، ~~فقال تعالى: # (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة (3)...) وقال صلى الله ~~عليه وسلم: (صلوا كما رأيتموني أصلي). فلزم اتباعه مطلقا حتى يدل دليل واضح ~~على الخصوص، ولو كان ما ذكروه دليلا على الخصوص للزم قصر الخطابات على من ~~توجهت له، وحينئذ [كان (4)] يلزم أن تكون الشريعة قاصرة على من خوطب بها، ~~ثم إن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين اطرحوا توهم # PageV05P364 # الخصوص في هذه الصلاة وعدوه إلى غير النبي صلى الله عليه وسلم، وهم أعلم ~~بالمقال وأقعد بالحال. وقد قال تعالى: (وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا ~~فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره (1)) وهذا خطاب له، وأمته داخلة فيه، ~~ومثله كثير. وقال تعالى: # (خذ من أموالهم صدقة) وذلك لا يوجب الاقتصار عليه وحده، وأن من بعده يقوم ~~في ذلك مقامه، فكذلك في قوله: (وإذا كنت فيهم). ألا ترى أن أبا بكر الصديق ~~في جماعة الصحابة رضي الله عنهم قاتلوا من تأول في الزكاة مثل ما تأولتموه ~~في صلاة الخوف. # قال أبو عمر: ليس في أخذ الزكاة التي قد استوى فيها النبي صلى الله عليه ~~وسلم ومن بعده من الخلفاء ما يشبه صلاة من صلى خلف النبي صلى الله عليه ~~وسلم وصلى خلف غيره (2)، لان أخذ الزكاة فائدتها توصيلها للمساكين، وليس ~~فيها فضل للمعطى كما في الصلاة فضل للمصلي خلفه. # الثانية - قوله تعالى: (فلتقم طائفة منهم معك) يعني جماعة منهم تقف معك ~~في الصلاة. (ليأخذوا أسلحتهم) يعني الذين يصلون معك. ويقال: (وليأخذوا ~~أسلحتهم) الذين هم بإزاء العدو، على ما يأتي بيانه. ولم يذكر الله تعالى في ~~الآية لكل طائفة إلا ركعة واحدة، ولكن روى في الأحاديث أنهم أضافوا إليها ~~أخرى، على ما يأتي. وحذفت الكسرة من قوله: (فلتقم) و (فليكونوا) لثقلها. ~~وحكى الأخفش والقراء والكسائي أن لام الامر ولام كي ولام الجحود يفتحن. ~~وسيبويه يمنع من ذلك لعلة موجبة، وهي الفرق بين لام الجر ولام التأكيد. ~~والمراد من هذا الامر الانقسام، أي وسائرهم وجاه (3) العدو حذرا ms1932 من توقع ~~حملته. # وقد اختلفت الروايات في هيئة صلاة الخوف، واختلف العلماء لاختلافها، فذكر ~~ابن القصار أنه صلى الله عليه وسلم صلاها في عشرة مواضع. قال ابن العربي: ~~روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى صلاة الخوف أربعا وعشرين مرة. ~~وقال الإمام أحمد ابن حنبل، وهو إمام أهل الحديث والمقدم في معرفة علل ~~النقل فيه: لا أعلم أنه روى في صلاة الخوف إلا حديث ثابت. وهي كلها صحاح ~~ثابتة، فعلى أي حديث صلى منها المصلي صلاة # PageV05P365 # الحوف أجزأه إن شاء الله. وكذلك قال أبو جعفر الطبري. وأما مالك وسائر ~~أصحابه الا أشهب فذهبوا في صلاة الخوف إلى حديث سهل بن أبي حثمة، وهو ما ~~رواه في موطئه عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد عن صالح بن خوات الأنصاري ~~أن سهل بن أبي حثمة حدثه أن صلاة الخوف أن يقوم الامام ومعه طائفة من ~~أصحابه وطائفة مواجهة العدو، فيركع الامام ركعة ويسجد بالذين معه ثم يقوم، ~~فإذا استوى قائما ثبت، وأتموا لأنفسهم الركعة الباقية ثم يسلمون وينصرفون ~~والامام قائم، فيكونون وجاه العدو، ثم يقبل الآخرون الذين لم يصلوا فيكبرون ~~وراء الامام فيركع بهم [الركعة] ويسجد ثم يسلم، فيقومون ويركعون لأنفسهم ~~الركعة الباقية ثم يسلمون. قال ابن القاسم صاحب مالك: والعمل عند مالك على ~~حديث القاسم بن محمد عن صالح بن خوات. قال ابن القاسم: وقد كان يأخذ بحديث ~~يزيد بن رومان ثم رجع إلى هذا. قال أبو عمر: حديث القاسم وحديث يزيد بن ~~رومان كلاهما عن صالح ابن خوات: إلا أن بينهما فصلا في السلام، ففي حديث ~~القاسم أن الامام يسلم بالطائفة الثانية ثم يقومون فيقضون لأنفسهم الركعة، ~~وفي حديث يزيد بن رومان أنه ينتظرهم ويسلم بهم وبه قال الشافعي وإليه ذهب، ~~قال الشافعي: حديث يزيد بن رومان عن صالح بن خوات هذا أشبه الأحاديث في ~~صلاة الخوف بظاهر كتاب الله، وبه أقول. ومن حجة مالك في اختياره حديث ~~القاسم القياس على سائر الصلوات، في أن الامام ms1933 ليس له أن ينتظر أحدا سبقه ~~بشئ منها، وأن السنة المجتمع عليها أن يقضي المأمومون ما سبقوا به بعد سلام ~~الامام. وقول أبي ثور في هذا الباب كقول مالك، وقال أحمد كقول الشافعي في ~~المختار عنده، وكان لا يعيب من فعل شيئا من الأوجه المروية في صلاة الخوف. ~~وذهب أشهب من أصحاب مالك إلى حديث ابن عمر قال: صلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم صلاة الخوف بإحدى الطائفتين ركعة والطائفة الأخرى مواجهة العدو، ~~ثم انصرفوا وقاموا مقام أصحابهم مقبلين على العدو، وجاء أولئك ثم صلى بهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم ركعة ثم سلم النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قضى ~~هؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة. وقال ابن عمر: فإذا كان خوف أكثر من ذلك صلى ~~PageV05P366 # راكبا أو قائما (1) يومئ إيماء، أخرجه البخاري ومسلم ومالك وغيرهم. وإلى ~~هذه الصفة ذهب الأوزاعي، وهو الذي ارتضاه أبو عمر بن عبد البر، قال: لأنه ~~أصحها إسنادا، وقد ورد بنقل أهل المدينة وبهم الحجة على من خالفهم، ولأنه ~~أشبه بالأصول، لان الطائفة الأولى والثانية لم يقضوا الركعة إلا بعد خروج ~~النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة، وهو المعروف من سنته المجتمع عليها في ~~سائر الصلوات. وأما الكوفيون: أبو حنيفة وأصحابه إلا أبا يوسف القاضي يعقوب ~~فذهبوا إلى حديث عبد الله بن مسعود، أخرجه أبو داود والدار قطني قال: # صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف فقاموا صفين، صفا خلف النبي ~~صلى الله عليه وسلم وصفا مستقبل العدو، فصلى بهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~ركعة، وجاء الآخرون فقاموا مقامهم، واستقبل هؤلاء العدو فصلى بهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ثم سلم، فقام هؤلاء فصلوا لأنفسهم ركعة ثم سلموا ثم ~~ذهبوا فقاموا مقام أولئك مستقبلين العدو، ورجع أولئك إلى مقامهم فصلوا ~~لأنفسهم ركعة ثم سلموا. وهذه الصفة والهيئة هي الهيئة المذكورة في حديث ابن ~~عمر إلا أن بينهما فرقا، وهو أن قضاء أولئك في حديث ابن عمر يظهر أنه في ~~حالة ms1934 واحدة ويبقى الامام كالحارس وحده، وها هنا قضاؤهم متفرق على صفة ~~صلاتهم. # وقد تأول بعضهم حديث ابن عمر على ما جاء في حديث ابن مسعود. وقد ذهب إلى ~~حديث ابن مسعود الثوري - في إحدى الروايات الثلاث عنه - وأشهب بن عبد ~~العزيز فيما ذكر أبو الحسن اللخمي عنه، والأول ذكره أبو عمر وابن يونس وابن ~~حبيب عنه. وروى أبو داود من حديث حذيفة وأبي هريرة وابن عمر أنه عليه ~~السلام صلى بكل طائفة ركعة ولم يقضوا، وهو مقتضى حديث ابن عباس (وفي الخوف ~~ركعة). وهذا قول إسحاق. وقد تقدم في (البقرة (2)) الإشارة إلى هذا، وأن ~~الصلاة أولى بما (3) احتيط لها، وأن حديث ابن عباس لا تقوم به حجة، وقوله ~~في حديث حذيفة وغيره: (ولم يقضوا) أي في علم من روى ذلك، لأنه قد روي أنهم ~~قضوا ركعة في تلك الصلاة بعينها، وشهادة من زاد أولى. ويحتمل أن يكون ~~المراد لم يقضوا، أي لم يقضوا إذا أمنوا، وتكون فائدة أن الخائف إذا أمن لا ~~يقضي ما صلى على تلك الهيئة # PageV05P367 # من الصلوات في الخوف، قال جميعه أبو عمر. وفي صحيح مسلم عن جابر أنه عليه ~~والسلام صلى بطائفة ركعتين ثم تأخروا، وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين. قال: ~~فكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم أربع ركعات وللقوم ركعتان. وأخرجه أبو ~~داود والدار قطني من حديث الحسن عن أبي بكرة وذكرا فيه أنه سلم من كل ~~ركعتين. وأخرجه الدارقطني أيضا عن الحسن عن جابر أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم صلى بهم ركعتين ثم سلم، ثم صلى بالآخرين ركعتين ثم سلم. قال أبو ~~داود: وبذلك كان الحسن يفتي، وروي عن الشافعي. وبه يحتج كل من أجاز اختلاف ~~نية الإمام والمأموم في الصلاة، وهو مذهب الشافعي والأوزاعي وابن علية ~~وأحمد بن حنبل وداود. وعضدوا هذا بحديث جابر: أن معاذا كان يصلي مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم العشاء ثم يأتي فيؤم قومه، الحديث. وقال الطحاوي: إنما ~~كان هذا في أول الاسلام إذ كان يجوز ms1935 أن تصلي الفريضة مرتين ثم نسخ ذلك، ~~والله أعلم. فهذه أقاويل العلماء في صلاة الخوف. # الثالثة - وهذه الصلاة المذكورة في القرآن إنما يحتاج إليها والمسلمون ~~مستدبرون القبلة ووجه العدو القبلة، وإنما اتفق هذا بذات الرقاع، فأما ~~بعسفان والموضع الآخر فالمسلمون كانوا في قبالة القبلة. وما ذكرناه من سبب ~~النزول في قصة خالد بن الوليد لا يلائم تفريق القوم إلى طائفتين، فإن في ~~الحديث بعد قوله (فأقمت لهم الصلاة) قال: فحضرت الصلاة فأمرهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن يأخذوا السلاح وصفنا خلفه صفين، قال: ثم ركع فركعنا ~~جميعا، قال: ثم رفع فرفعنا جميعا، قال: ثم سجد النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالصف الذي يليه قال: والآخرون قيام يحرسونهم، فلما سجدوا وقاموا جلس ~~الآخرون فسجدوا في مكانهم، قال: # ثم تقدم هؤلاء في مصاف هؤلاء وجاء هؤلاء إلى مصاف هؤلاء، قال: ثم ركع ~~فركعوا جميعا، ثم رفع فرفعوا جميعا، ثم سجد النبي صلى الله عليه وسلم والصف ~~الذي يليه، والآخرون قيام، يحرسونهم فلما جلس الآخرون سجدوا ثم سلم عليهم. ~~قال: فصلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين: مرة بعسفان ومرة في أرض ~~بني سليم. وأخرجه أبو داود من حديث أبي عياش PageV05P368 # الزرقي وقال: وهو قول الثوري وهو أحوطها. وأخرجه أبو عيسى الترمذي من ~~حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل بين ضجنان وعسفان، ~~الحديث. و فيه أنه عليه السلام صدعهم صدعين وصلى بكل طائفة ركعة، فكانت ~~للقوم ركعة ركعة، وللنبي صلى الله عليه وسلم ركعتان، قال: حديث حسن صحيح ~~غريب. وفي الباب عن عبد الله ابن مسعود وزيد بن ثابت وابن عباس وجابر وأبي ~~عياش الزرقي واسمه زيد بن الصامت، وابن عمر وحذيفة وأبي بكر وسهل بن أبي ~~حثمة. # قلت: ولا تعارض بين هذه الروايات، فلعله صلى بهم صلاة كما جاء في حديث ~~أبي عياش مجتمعين، وصلى بهم صلاة أخرى متفرقين كما جاء في حديث أبي هريرة، ~~و يكون فيه حجة لمن يقول صلاة الخوف ركعة. قال ms1936 الخطابي: صلاة الخوف أنواع ~~صلاها النبي صلى الله عليه وسلم في أيام مختلفة وأشكال متباينة، يتوخى فيها ~~كلها ما هو أحوط للصلاة وأبلغ في الحراسة. # الرابعة - واختلفوا في كيفية صلاة المغرب، فروى الدارقطني عن الحسن عن ~~أبي بكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالقوم صلاة المغرب ثلاث ركعات ~~ثم انصرفوا، وجاء الآخرون فصلى بهم ثلاث ركعات، فكانت للنبي صلى الله عليه ~~وسلم ستا وللقوم ثلاثا ثلاثا، وبه قال الحسن. والجمهور في صلاة المغرب على ~~خلاف هذا، وهو أنه يصلي بالأولى ركعتين وبالثانية ركعة، وتقضي على اختلاف ~~أصولهم فيه متى يكون؟ [هل (1)] قبل سلام الامام أو بعده. هذا قول مالك وأبي ~~حنيفة، لأنه أحفظ لهيئة الصلاة. وقال الشافعي: يصلي بالأولى ركعة، لان عليا ~~رضي الله عنه فعلها ليلة الهرير (2)، والله تعالى أعلم. # الخامسة - واختلفوا في صلاة الخوف عند التحام الحرب وشدة القتال وخيف (3) ~~خروج الوقت، فقال مالك والثوري والأوزاعي والشافعي وعامة العلماء: يصلي ~~كيفما أمكن، لقول ابن عمر: فإن كان خوف أكثر من ذلك فيصلي راكبا أو قائما ~~يومئ إيماء. قال في الموطأ: # مستقبل القبلة وغير مستقبلها، وقد تقدم في (البقرة (4)) قول الضحاك ~~وإسحاق. وقال الأوزاعي: # PageV05P369 # إن كان تهيأ الفتح ولم يقدروا على الصلاة صلوا إيماء كل امرئ لنفسه، فإن ~~لم يقدروا على الايماء أخروا الصلاة حتى ينكشف القتال ويأمنوا فيصلوا ~~ركعتين، فإن لم يقدروا صلوا ركعة وسجدتين، فإن لم يقدروا يجزئهم التكبير ~~ويؤخروها حتى يأمنوا، وبه قال مكحول. # قلت: وحكاه الكيا الطبري في (أحكام القرآن) له عن أبي حنيفة وأصحابه، قال ~~الكيا: # وإذا كان الخوف أشد من ذلك وكان التحام القتال فإن المسلمين يصلون على ما ~~أمكنهم مستقبلي القبلة ومستدبريها، وأبو حنيفة وأصحابه الثلاثة متفقون على ~~أنهم لا يصلون والحالة هذه بل يؤخرون الصلاة. وإن قاتلوا في الصلاة قالوا: ~~فسدت الصلاة وحكي عن الشافعي أنه إن تابع الطعن والضرب فسدت صلاته. # قلت: وهذا القول يدل على صحة قول أنس: حضرت مناهضة حصن تستر (1) عند ~~إضاءة الفجر، واشتد اشتعال ms1937 القتال فلم نقدر على الصلاة إلا بعد ارتفاع ~~النهار، فصليناها ونحن مع أبي موسى ففتح لنا. قال أنس: وما يسرني بتلك ~~الصلاة الدنيا وما فيها، ذكره البخاري وإليه كان يذهب شيخنا الأستاذ أبو ~~جعفر أحمد بن محمد بن محمد القيسي القرطبي المعروف بأبي حجة، وهو اختيار ~~البخاري فيما يظهر، لأنه أردفه بحديث جابر، قال: جاء عمر يوم الخندق فجعل ~~يسب كفار قريش ويقول: يا رسول الله، ما صليت العصر حتى كادت الشمس أن تغرب، ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (وأنا والله ما صليتها) قال: فنزل إلى ~~بطحان (2) فتوضأ وصلى العصر بعد ما غربت الشمس ثم صلى المغرب بعدها. # السادسة - واختلفوا في صلاة الطالب والمطلوب، فقال مالك وجماعة من أصحابه ~~هما سواء، كل واحد منهما يصلي على دابته. وقال الأوزاعي والشافعي وفقهاء ~~أصحاب الحديث وابن عبد الحكم: لا يصلي الطالب إلا بالأرض وهو الصحيح، لان ~~الطلب تطوع، والصلاة المكتوبة فرضها أن تصلي بالأرض حيثما أمكن ذلك، ولا ~~يصليها راكب إلا خائف شديد خوفه وليس كذلك الطالب. والله أعلم. # PageV05P370 # السابعة - واختلفوا أيضا في العسكر إذا رأوا سوادا فظنوه عدوا فصلوا صلاة ~~الخوف ثم بان لهم أنه غير شئ، فلعلمائنا فيه روايتان: إحداهما يعيدون، وبه ~~قال أبو حنيفة. والثانية لا إعادة عليهم، وهو أظهر قولي الشافعي. ووجه ~~الأولى أنهم تبين لهم الخطأ فعادوا إلى الصواب كحكم الحاكم. ووجه الثانية ~~أنهم عملوا على اجتهادهم فجاز لهم كما لو أخطئوا القبلة، وهذا أولى لأنهم ~~فعلوا ما أمروا به. وقد يقال: يعيدون في الوقت، فأما بعد خروجه فلا. # والله أعلم. # الثامنة - قوله تعالى: (وليأخذوا أسلحتهم) وقال: (وليأخذوا حذرهم ~~وأسلحتهم) هذا وصاة بالحذر وأخذ السلاح لئلا ينال العدو أمله ويدرك فرصته. ~~والسلاح ما يدفع به المرء عن نفسه في الحرب، قال عنترة: # كسوت الجعد جعد بني أبان * سلاحي بعد عري وافتضاح يقول: أعرته سلاحي ~~ليمتنع بها بعد عريه من السلاح. قال ابن عباس: (وليأخذوا أسلحتهم) يعني ~~الطائفة التي وجاه العدو، لان المصلية لا تحارب. وقال غيره: ms1938 هي المصلية، أي ~~وليأخذ الذين صلوا أولا أسلحتهم، ذكره الزجاج. قال: ويحتمل أن تكون الطائفة ~~الذين هم في الصلاة أمروا بحمل السلاح، أي فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا ~~أسلحتهم فإنه أرهب للعدو. النحاس: يجوز أن يكون للجميع، لأنه أهيب للعدو. ~~ويحتمل أن يكون للتي وجاه العدو خاصة. قال أبو عمر: أكثر أهل العلم يستحبون ~~للمصلي أخذ سلاحه إذا صلى في الخوف، ويحملون قوله (وليأخذوا أسلحتهم) على ~~الندب، لأنه شئ لولا الخوف لم يجب أخذه، فكان الامر به ندبا. وقال أهل ~~الظاهر: أخذ السلاح في صلاة الخوف واجب لأمر الله به، إلا لمن كان به أذى ~~من مطر، فإن كان ذلك جاز له وضع سلاحه. قال ابن العربي إذا صلوا أخذوا ~~سلاحهم عند الخوف، وبه قال الشافعي وهو نص القرآن. وقال أبو حنيفة: # لا يحملونها، لأنه لو وجب عليهم حملها لبطلت الصلاة بتركها. قلنا: لم يجب ~~حملها لأجل الصلاة وإنما وجب عليهم قوة لهم ونظرا. PageV05P371 # التاسعة - قوله تعالى: (فإذا سجدوا) الضمير في (سجدوا) للطائفة المصلية ~~فلينصرفوا، هذا على بعض الهيئات المروية. وقيل: المعنى فإذا سجدوا ركعة ~~القضاء، وهذا على هيئة سهل بن أبي حثمة. ودلت هذه الآية على أن السجود قد ~~يعبر به عن جميع الصلاة، وهو كقوله عليه السلام: (إذا دخل أحدكم المسجد ~~فليسجد سجدتين). أي فليل ركعتين وهو في السنة. والضمير في قوله: (فليكونوا) ~~يحتمل أن يكون للذين سجدوا، ويحتمل أن يكون للطائفة القائمة أولا بإزاء ~~العدو. # العاشرة - قوله تعالى: (ود الذين كفروا) أي تمنى وأحب الكافرون غفلتكم عن ~~أخذ السلاح ليصلوا إلى مقصودهم، فبين الله تعالى بهذا وجه الحكمة في الامر ~~بأخذ السلاح، وذكر الحذر في الطائفة الثانية دون الأولى، لأنها أولى بأخذ ~~الحذر، لان العدو لا يؤخر قصده عن هذا الوقت لأنه آخر الصلاة، وأيضا يقول ~~العدو قد أثقلهم السلاح وكلوا. وفي هذه الآية أدل دليل على تعاطي الأسباب، ~~واتخاذ كل ما ينجي ذوي الألباب، ويوصل إلى السلامة، ويبلغ دار الكرامة. ~~ومعنى (ميلة واحدة) مبالغة، أي مستأصلة ms1939 لا يحتاج معها إلى ثانية. # الحادية عشرة - قوله تعالى: (ولا جناح عليكم ان كان بكم أدى من مطر) ~~الآية. للعلماء في وجوب حمل السلاح في الصلاة كلام قد أشرنا إليه، فإن لم ~~يجب فيستحب للاحتياط. # ثم رخص في المطر وضعه، لأنه تبتل المبطنات وتثقل ويصدأ الحديد. وقيل: ~~نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم يوم بطن نخلة (1) لما انهزم المشركون ~~وغنم المسلمون، وذلك أنه كان يوما مطيرا وخرج النبي صلى الله عليه وسلم ~~لقضاء حاجته واضعا سلاحه، فرآه الكفار منقطعا عن أصحابه فقصده غورث بن ~~الحارث فانحدر عليه من الجبل بسيفه، فقال: من يمنعك مني اليوم؟ فقال: ~~(الله) ثم قال: (اللهم اكفني الغورث بما شئت). فأهوى بالسيف إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم ليضربه، فانكب لوجهه (2) لزلقة زلقها. وذكر الواقدي أن ~~جبريل عليه # PageV05P372 # السلام دفعه في صدره على ما يأتي في المائدة (1)، وسقط السيف من يده ~~فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (من يمنعك مني يا غورث)؟ فقال: لا ~~أحد. فقال (تشهد لي بالحق وأعطيك سيفك)؟ قال: لا، ولكن أشهد ألا أقاتلك بعد ~~هذا ولا أعين عليك عدوا، فدفع إليه السيف ونزلت الآية رخصة في وضع السلاح ~~في المطر. ومرض عبد الرحمن بن عوف من جرح كما في صحيح البخاري، فرخص الله ~~سبحانه لهم في ترك السلاح والتأهب للعدو بعذر المطر، ثم أمرهم فقال: (خذوا ~~حذركم) أي كونوا متيقظين، وضعتم السلاح أو لم تضعوه. # وهذا يدل على تأكيد التأهب والحذر من العدو في كل الأحوال وترك ~~الاستسلام، فإن الجيش ما جاءه مصاب قط إلا من تفريط في حذر. وقال الضحاك في ~~قوله تعالى: (وخذوا حذركم) يعني تقلدوا سيوفكم فإن ذلك هيئة الغزاة. # قوله تعالى: فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم ~~فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة ان الصلاة كانت على المؤمنين كتبا موقوتا ~~(103) ولا تهنوا في ابتغاء القوم ان تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون ~~وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله عليما حكيما (104) فيه خمس مسائل: ms1940 # الأولى - (قضيتم) معناه فرغتم من صلاه الخوف وهذا يدل على أن القضاء ~~يستعمل فيما قد فعل قي وقته، ومنه قوله تعالى: (فإذا قضيتم مناسككم) وقد ~~تقدم (2). # الثانية - قوله تعالى: (فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم) ذهب ~~الجمهور إلى أن هذا الذكر المأمور به إنما هو إثر صلاة الخوف، أي إذا فرغتم ~~من الصلاة فاذكروا الله بالقلب واللسان، على أي حال كنتم (قياما وقعودا ~~وعلى جنوبكم) وأديموا ذكره بالتكبير والتهليل والدعاء بالنصر لا سيما في ~~حال القتال. ونظيره (إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله # PageV05P373 # كثيرا لعلكم تفلحون (1)). ويقال: (فإذا قضيتم الصلاة) بمعنى إذا صليتم في ~~دار الحرب فصلوا على الدواب، أو قياما أو قعودا أو على جنوبكم إن لم ~~تستطيعوا القيام، إذا كان خوفا أو مرضا، كما قال تعالى في آية أخرى: (فإن ~~خفتم فرجالا أو ركبانا (2)) وقال قوم: هذه الآية نظيرة التي في (آل عمران ~~(3))، فروي أن عبد الله بن مسعود رأى الناس يضجون في المسجد فقال: ما هذه ~~الضجة؟ قالوا: أليس الله تعالى يقول (فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى ~~جنوبكم)؟ # قال: إنما يعني بهذا الصلاة المكتوبة إن لم تستطع قائما فقاعدا، وإن لم ~~[تستطع (4)] فصل على جنبك. فالمراد نفس الصلاة، لان الصلاة ذكر الله تعالى، ~~وقد اشتملت على الأذكار المفروضة والمسنونة، والقول الأول أظهر. والله ~~أعلم. # الثالثة - قوله تعالى: (فإذا اطمأننتم) أي أمنتم. والطمأنينة سكون النفس ~~من الخوف. (فأقيموا الصلاة) أي فأتوها بأركانها وبكمال هيئتها في السفر، ~~وبكمال عددها في الحضر. (ان الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا) أي ~~مؤقتة مفروضة. وقال زيد ابن أسلم: (موقوتا) منجما، أي تؤدونها في أنجمها، ~~والمعنى عند أهل اللغة: مفروض لوقت بعينه، يقال: وقته فهو موقوت. ووقته فهو ~~مؤقت. وهذا قول زيد بن أسلم بعينه. # وقال: (كتابا) والمصدر مذكر، فلهذا قال: (موقوتا). # الرابعة - قوله تعالى: (ولا تهنوا) أي لا تضعفوا، وقد تقدم في (آل عمران ~~(3)). # (في ابتغاء القوم) طلبهم. قيل: نزلت في حرب أحد حيث أمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم بالخروج في ms1941 آثار المشركين، وكان بالمسلمين جراحات، وكان أمر ألا ~~يخرج معه إلا من كان في الوقعة، كما تقدم في (آل عمران) وقيل: هذا في كل ~~جهاد. # الخامسة - قوله تعالى: (إن تكونوا تألمون) أي تتألمون مما أصابكم من ~~الجراح فهم يتألمون أيضا مما يصيبهم، ولكم مزية وهي أنكم ترجون ثواب الله ~~وهم لا يرجونه، وذلك أن من لا يؤمن بالله لا يرجون من الله شيئا. ونظير هذه ~~الآية (إن يمسسكم قرح فقد مس # PageV05P374 # القوم قرح مثله) وقد تقدم (1). وقرأ عبد الرحمن الأعرج (أن تكونوا) بفتح ~~الهمزة، أي لان وقرأ منصور بن المعتمر (ان تكونوا تألمون) بكسر التاء. ولا ~~يجوز عند البصريين كسر التاء لثقل الكسر فيها. ثم قيل: الرجاء هنا بمعنى ~~الخوف، لان من رجا شيئا فهو غير قاطع بحصوله فلا يخلو من [خوف (2)] فوت ما ~~يرجو. وقال الفراء والزجاج: لا يطلق الرجاء بمعنى الخوف إلا مع النفي، ~~كقوله تعالى: (ما لكم لا ترجون لله وقارا (3)) أي لا تخافون لله عظمة. ~~وقوله تعالى: (للذين لا يرجون أيام الله (4)) أي لا يخافون. قال القشيري: ~~ولا يبعد ذكر الخوف من غير أن يكون في الكلام نفي، ولكنها ادعيا أنه لم ~~يوجد ذلك إلا مع النفي. والله أعلم. # قوله تعالى: إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ~~ولا تكن للخائنين خصيما (105) فيه أربع مسائل: # الأولى - في هذه الآية تشريف للنبي صلى الله عليه وسلم وتكريم وتعظيم ~~وتفويض إليه، وتقويم أيضا على الجادة في الحكم، وتأنيب على ما رفع إليه من ~~أمر بني أبيرق، وكانوا ثلاثة إخوة: بشر وبشير ومبشر، وأسير بن عروة ابن عم ~~لهم، نقبوا مشربة (5) لرفاعة بن زيد في الليل وسرقوا أدراعا له وطعاما، ~~فعثر على ذلك. وقيل إن السارق بشير وحده، وكان يكنى أبا طعمة أخذ درعا، ~~قيل: كان الدرع في جراب فيه دقيق، فكان الدقيق ينتثر من خرق في الجراب حتى ~~انتهى إلى داره، فجاء ابن أخي رفاعة واسمه قتادة بن النعمان يشكوهم (6) إلى ~~النبي صلى الله ms1942 عليه وسلم، فجاء أسير بن عروة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال: يا رسول الله، إن هؤلاء عمدوا إلى أهل بيت هم أهل صلاح ودين فأنبوهم ~~بالسرقة ورموهم بها من غير بينة، وجعل يجادل عنهم حتى غضب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على قتادة ورفاعة، فأنزل الله تعالى: # (ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم) الآية. وأنزل الله تعالى (ومن يكسب ~~خطيئة # PageV05P375 # أو إثما ثم يرم به بريئا) وكان البرئ الذي رموه بالسرقة لبيد بن سهل. ~~وقيل: زيد بن السمين وقيل: رجل من الأنصار. فلما أنزل الله ما أنزل، هرب ~~ابن أبيرق السارق إلى مكة، ونزل على سلافة بنت سعد بن شهيد، فقال [فيها ~~(1)] حسان بن ثابت بيتا يعرض فيه بها، وهو: # وقد أنزلته بنت سعد وأصبحت * ينازعها جلد استها وتنازعه ظننتم بأن يخفى ~~الذي قد صنعتمو * وفينا نبي عنده الوحي واضعه فلما بلغها قالت: إنما أهديت ~~لي شعر حسان، وأخذت رحله فطرحته خارج المنزل، فهرب إلى خيبر وأرتد. ثم إنه ~~نقب بيتا ذات ليلة ليسرق فسقط الحائط عليه فمات مرتدا. # ذكر هذا الحديث بكثير من ألفاظه الترمذي وقال: حديث حسن غريب، لا نعلم ~~أحدا أسنده غير محمد بن سلمة الحراني. وذكره الليث والطبري بألفاظ مختلفة. ~~وذكر قصة موته يحيى بن سلام في تفسيره، والقشري كذلك وزاد ذكر الردة، ثم ~~قيل: كان زيد بن السمين ولبيد بن سهل يهوديين. وقيل: كان لبيد مسلما. وذكره ~~المهدوي، وأدخله أبو عمر في كتاب الصحابة له، فدل ذلك على إسلامه عنده. ~~وكان بشير رجلا منافقا يهجو أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وينحل الشعر ~~غيره، وكان المسلمون يقولون: والله ما هو إلا شعر الخبيث. فقال شعرا يتنصل ~~فيه، فمنه قوله: # أو كلما قال الرجال قصيدة * نحلت وقالوا ابن الأبيرق قالها وقال الضحاك: ~~أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يقطع يده وكان مطاعا، فجاءت اليهود شاكين ~~في السلاح فأخذوه وهربوا به، فنزل (ها أنتم هؤلاء) يعني اليهود. والله ~~أعلم. # الثانية - قوله تعالى: (بما ms1943 أراك الله) معناه على قوانين الشرع، إما بوحي ~~ونص، أو بنظر جار على سنن الوحي. وهذا أصل في القياس، وهو يدل على أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم إذا رأى شيئا أصاب، لان الله تعالى أراه ذلك، وقد ضمن ~~الله تعالى لأنبيائه العصمة، فأما أحدنا إذا رأى شيئا يظنه فلا قطع فيما ~~رآه، ولم يرد رؤية العين هنا، لان الحكم لا يرى # PageV05P376 # بالعين. وفي الكلام إضمار، أي بما أراكه الله، وفيه إضمار آخر، وامض ~~الاحكام على ما عرفناك من غير اغترار باستدلالهم (1). # الثالثة - قوله تعالى: (ولا تكن للخائنين خصيما) اسم فاعل، كقولك: جالسته ~~فأنا جليسه، ولا يكون فعيلا هنا بمعنى مفعول، يدل على ذلك (ولا تجادل) ~~فالخصيم هو المجادل وجمع الخصيم خصماء. وقيل: خصيما مخاصما اسم فاعل أيضا. ~~فنهى الله عز وجل رسوله عن عضد أهل التهم والدفاع عنهم بما يقوله خصمهم من ~~الحجة. وفي هذا دليل على أن النيابة عن المبطل والمتهم في الخصومة لا تجوز. ~~فلا يجوز لاحد أن يخاصم عن أحد إلا بعد أن يعلم أنه محق. ومشى الكلام في ~~السورة على حفظ أموال اليتامى والناس، فبين أن مال الكافر محفوظ عليه كمال ~~المسلم، إلا في الموضع الذي أباحه الله تعالى. # المسألة الرابعة - قال العلماء: ولا ينبغي إذا ظهر للمسلمين نفاق قوم أن ~~يجادل فريق منهم فريقا عنهم ليحموهم ويدفعوا عنهم، فإن هذا قد وقع على عهد ~~النبي صلى الله عليه وسلم وفيهم نزل قوله تعالى: (ولا تكن للخائنين خصيما) ~~وقوله: (ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم). والخطاب للنبي صلى الله عليه ~~وسلم والمراد منه الذين كانوا يفعلونه من المسلمين دونه لوجهين: أحدهما - ~~أنه تعالى أبان ذلك بما ذكره بعد بقوله: (ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في ~~الحياة الدنيا). والآخر - أن النبي صلى الله عليه وسلم كان حكما فيما ~~بينهم، ولذلك كان يعتذر إليه ولا يعتذر هو إلى غيره، فدل على أن القصد ~~لغيره. # قوله تعالى: واستغفر الله ان الله كان غفورا رحيما (106) فيه مسألة ~~واحدة: # ذهب ms1944 الطبري إلى أن المعنى: استغفر الله من ذنبك في خصامك للخائنين، فأمره ~~بالاستغفار لما هم بالدفع عنهم وقطع يد اليهودي. وهذا مذهب من جوز الصغائر ~~على الأنبياء، صلوات الله عليهم. قال ابن عطية: وهذا ليس بذنب، لان النبي ~~صلى الله عليه وسلم إنما دافع على # PageV05P377 # الظاهر وهو يعتقد برأتهم. والمعنى: واستغفر الله للمذنبين من أمتك ~~والمتخاصمين بالباطل، ومحلك من الناس أن تسمع من المتداعيين وتقضي بنحو ما ~~تسمع، وتستغفر للمذنب. وقيل: # هو أمر بالاستغفار على طريق التسبيح، كالرجل يقول: استغفر الله، على وجه ~~التسبيح من غير أن يقصد توبة من ذنب. وقيل: الخطاب للنبي صلى الله عليه ~~وسلم والمراد بنو أبيرق، كقوله تعالى: (يا أيها النبي اتق الله (1))، (فإن ~~كنت في شك (2)). # قوله تعالى: ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم ان الله لا يحب من كان ~~خوانا أثيما (107) أي لا تحاجج عن الذين يخونون أنفسهم، نزلت في أسير بن ~~عروة كما تقدم. والمجادلة المخاصمة، من الجدل وهو الفتل، ومنه رجل مجدول ~~(3) الخلق، ومنه الأجدل للصقر. وقيل: # هو من الجدالة وهي وجه الأرض، فكل واحد من الخصمين يريد أن يلقي صاحبه ~~عليها، قال العجاج: # قد أركب الحالة بعد الحالة * وأترك العاجز بالجدالة * منعفرا ليست له ~~محاله * الجدالة الأرض، من ذلك قولهم: تركته مجدلا، أي مطروحا على الجدالة. # قوله تعالى: (ان الله لا يحب) أي لا يرضى عنه ولا ينوه بذكر. (من كان ~~خوانا) خائنا. # (وخوانا) أبلغ، لأنه من أبنية المبالغة، وإنما كان ذلك لعظم قدر تلك ~~الخيانة (4). والله أعلم. # قوله تعالى: يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ~~مالا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا (108) ها أنتم هؤلاء جادلتم ~~عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم ~~وكيلا (109) # PageV05P378 # قال الضحاك: لما سرق الدرع أتخذ حفرة في بيته وجعل الدرع تحت التراب، ~~فنزلت (يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله) يقول: لا يخفى مكان الدرع ~~على الله (وهو معهم) أي ms1945 رقيب حفيظ عليهم. وقيل: (يستخفون من الناس) أي ~~يستترون، كما قال تعالى: # (ومن هو مستخف بالليل (1)) أي مستتر. وقيل: يستحيون من الناس، وهذا لان ~~الاستحياء سبب الاستتار. ومعنى (وهو معهم) أي بالعلم والرؤية والسمع، هذا ~~قول أهل السنة. # وقالت الجهمية والقدرية والمعتزلة: هو بكل مكان، تمسكا بهذه الآية وما ~~كان مثلها، قالوا: لما قال (وهو معهم) ثبت أنه بكل مكان، لأنه قد أثبت كونه ~~معهم تعالى الله عن قولهم، فإن هذه صفة الأجسام والله تعالى متعال عن ذلك ~~ألا ترى مناظرة بشر في قول الله عز وجل: (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو ~~رابعهم (2)) حين قال: هو بذاته في كل مكان فقال له خصمه: هو في قلنسوتك وفي ~~حشوك (3) وفي جوف حمارك. تعالى الله عما يقولون! # حكى ذلك وكيع رضي الله عنه. ومعنى (يبيتون) يقولون. قال الكلبي عن أبي ~~صالح عن أبن عباس. (ما لا يرضى) أي ما لا يرضاه الله لأهل طاعته. (من ~~القول) أي من الرأي والاعتقاد، كقولك: مذهب مالك الشافعي. وقيل: (القول) ~~بمعنى المقول، لان نفس القول لا يبيت. # قوله تعالى: (ها أنتم هؤلاء) يريد قوم بشير السارق لما هربوا به وجادلوا ~~عنه. # قال الزجاج: (هؤلاء) بمعنى الذين. (جادلتم) حاججتم. (في الحياة الدنيا ~~فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة) استفهام معناه الانكار والتوبيخ. (أم من ~~يكون عليهم وكيلا) الوكيل: القائم بتدبير الأمور، فالله تعالى قائم بتدبير ~~خلقه. والمعنى: لا أحد لهم يقوم بأمرهم إذا أخذهم الله بعذابه وأدخلهم ~~النار. # قوله تعالى: ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا ~~رحيما (110) # PageV05P379 # قال ابن عباس: عرض الله التوبة على بني أبيرق بهذه الآية، أي (ومن يعمل ~~سوءا) بأن يسرق (أو يظلم نفسه) بأن يشرك (ثم يستغفر الله) يعنى بالتوبة، ~~فإن الاستغفار باللسان من غير توبة لا ينفع، وقد بيناه في (آل عمران). وقال ~~الضحاك: نزلت الآية في شأن وحشي قاتل حمزة أشرك بالله وقتل حمزة، ثم جاء ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ms1946 وقال: إني لنادم فهل لي من توبة؟ فنزل: ~~(ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه) الآية. وقيل: المراد بهذه الآية العموم ~~والشمول لجميع الخلق. وروى سفيان عن أبي إسحاق عن الأسود وعلقمة قالا: قال ~~عبد الله بن مسعود من قرأ هاتين الآيتين من سورة (النساء) ثم استغفر غفر ~~له: (ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما). ~~(ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا ~~الله توابا رحيما). # وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: كنت إذا سمعت حديثا من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم نفعني الله به ما شاء، وإذا سمعته من غيره حلفته (2)، ~~وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر: # قال: ما من عبد يذنب ذنبا ثم يتوضأ ويصلي ركعتين ويستغفر الله إلا غفر ~~له، ثم تلا هذه الآية (ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله ~~غفورا رحيما). # قوله تعالى: ومن يكسب اثما فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما ~~(111) ومن يكسب خطيئة أو اثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا واثما ~~مبينا (112) قوله تعالى: (ومن يكسب اثما) أي ذنبا (فإنما يكسبه على نفسه) ~~أي عاقبته عائدة عليه. والكسب ما يجربه الانسان إلى نفسه نفعا أو يدفع عنه ~~به ضررا، ولهذا لا يسمى فعل الرب تعالى كسبا. # قوله تعالى: (ومن يكسب خطيئة أو اثما) قيل: هما بمعنى واحد كرر لاختلاف ~~اللفظ تأكيدا. وقال الطبري: إنما فرق بين الخطيئة والاثم أن الخطيئة تكون ~~عن عمد وعن غير # PageV05P380 # عمد، والاثم لا يكون إلا عن عمد. وقيل: الخطيئة ما لم تتعمده [خاصة (1)] ~~كالقتل بالخطأ. وقيل: # الخطيئة الصغيرة، والاثم الكبيرة، وهذه الآية لفظها عام يندرج تحته أهل ~~النازلة وغيرهم. # قوله تعالى: (ثم يرم به بريئا) قد تقدم اسم البرئ [في البقرة (2)]. ~~والهاء في (به) للإثم أو للخطيئة. لان معناها الاثم، أو لهما جميعا. وقيل: ~~ترجع إلى الكسب. (فقد احتمل بهتانا واثما مبينا) تشبيه، إذ الذنوب ثقل ووزر ms1947 ~~فهي كالمحمولات. وقد قال تعالى: # وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم (3)). والبهتان من البهت (4)، وهو أن ~~تستقبل أخاك بأن تقذفه بذنب وهو منه برئ. وروى مسلم عن أبي هريرة أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: # (أتدرون ما الغيبة)؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: (ذكرك أخاك بما ~~يكره). قيل: # أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: (إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن ~~لم يكن فيه فقد بهته). وهذا نص، فرمي البرئ بهت له. يقال: بهته بهتا وبهتا ~~وبهتانا إذا قال عليه ما لم يفعله. وهو بهات والمقول له مبهوت. ويقال: بهت ~~الرجل (بالكسر) إذا دهش وتحير. # وبهت (بالضم) مثله، وأفصح منهما بهت، كما قال الله تعالى: (فبهت الذي كفر ~~(5)) لأنه يقال: رجل مبهوت (6) ولا يقال: باهت ولا بهيت، قاله الكسائي. # قوله تعالى: ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما ~~يضلون الا أنفسهم وما يضرونك من شئ وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ~~ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما (113) قوله تعالى: (ولولا فضل ~~الله عليك ورحمته) ما بعد (لولا) مرفوع بالابتداء عند سيبويه، والخبر محذوف ~~لا يظهر، والمعنى: (ولولا فضل الله عليك ورحمته) بأن نبهك على الحق، وقيل: ~~بالنبوءة والعصمة. (لهمت طائفة منهم أن يضلوك) عن الحق، لأنهم # PageV05P381 # سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبرئ ابن أبيرق من التهمة ويلحقها ~~اليهودي، فتفضل الله عز وجل على رسوله عليه السلام بأن نبهه على ذلك وأعلمه ~~إياه. (وما يضلون الا أنفسهم) لأنهم يعملون عمل الضالين، فوباله [لهم (1)] ~~راجع عليهم. (وما يضرونك من شئ) لأنك معصوم. (وأنزل الله عليك الكتاب ~~والحكمة) هذا ابتداء كلام. وقيل: الواو للحال، كقولك: جئتك والشمس طالعة، ~~ومنه قول امرئ القيس: # * وقد أغتدي والطير في وكناتها * فالكلام متصل، أي ما يضرونك من شئ مع ~~إنزال الله عليك القرآن. (والحكمة) القضاء بالوحي. (وعلمك ما لم تكن تعلم) ~~يعني من الشرائع والاحكام. و (تعلم) في موضع نصب، لأنه خبر كان. وحذفت ms1948 ~~الضمة من النون للجزم، وحذفت الواو لالتقاء الساكنين. # قوله تعالى: لا خير في كثير من نجوائهم الا من أمر بصدقة أو معروف أو ~~اصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما ~~(114) أراد ما تفاوض به قوم بني أبيرق من التدبير، وذكروه للنبي صلى الله ~~عليه وسلم. والنجوى: # السربين الاثنين، تقول: ناجيت فلانا مناجاة ونجاء وهم ينتجون ويتناجون. ~~ونجوت فلانا أنجوه نجوا، أي ناجيته، فنجوى مشتقة من نجوت الشئ أنجوه، أي ~~خلصته وأفردته، والنجوة من الأرض المرتفع لانفراده بارتفاعه عما حوله، قال ~~الشاعر: # فمن بنجوته كمن بعقوته * والمستكن كمن يمشي بقرواح (2) فالنجوى المسارة، ~~مصدر، وقد تسمى به الجماعة، كما يقال: قوم عدل ورضا. قال الله تعالى: (وإذ ~~هم نجوى (3))، فعلى الأول يكون الامر أمر استثناء من غير الجنس، وهو # PageV05P382 # الاستثناء المنقطع. وقد تقدم، وتكون (من) في موضع رفع، أي لكن من أمر ~~بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ودعا إليه ففي نجواه خير. ويجوز أن تكون ~~(من) في موضع خفض ويكون التقدير: لا خير في كثير من نجواهم إلا نجوى من أمر ~~بصدقة ثم حذف. وعلى الثاني وهو أن يكون النجوى اسما للجماعة المنفردين، ~~فتكون (من) في موضع خفض على البدل، أي لا خير في كثير من نجواهم إلا فيمن ~~أمر بصدقة. أو تكون في موضع نصب على قول من قال: ما مررت بأحد إلا زيدا. ~~وقال بعض المفسرين منهم الزجاج: # النجوى كلام الجماعة المنفردة أو الاثنين كان ذلك سرا أو جهرا، وفيه بعد. ~~والله أعلم. # والمعروف لفظ يعم أعمال البر كلها. وقال مقاتل: المعروف هنا الفرض، ~~والأول أصح. # وقال صلى الله عليه وسلم: (كل معروف صدقة وإن من المعروف أن تلقى أخاك ~~بوجه طلق). # وقال صلى الله عليه وسلم: (المعروف كاسمه وأول من يدخل الجنة يوم القيامة ~~المعروف وأهله). # وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: لا يزهدنك في المعروف كفر من كفره، ~~فقد يشكر الشاكر بأضعاف جحود الكافر. وقال الحطيئة: # من يفعل ms1949 الخير لا يعدم جوازيه (1) * لا يذهب العرف بين الله والناس وأنشد ~~الرياشي: # يد المعروف غنم حيث كانت * تحملها كفور أو شكور ففي شكر الشكور لها جزاء ~~* وعند الله ما كفر الكفور وقال الماوردي: (فينبغي لمن يقدر على إسداء ~~المعروف أن يعجله حذار فواته، ويبادر به خيفة عجزه، وليعلم أنه من فرص ~~زمانه، وغنائم إمكانه، ولا يهمله ثقة بالقدرة عليه، فكم من واثق بالقدرة ~~فاتت فأعقبت ندما، ومعول على مكنة زالت فأورثت خجلا، كما قال الشاعر: # ما زلت أسمع كم من واثق خجل * حتى ابتليت فكنت الواثق الخجلا ولو فطن ~~لنوائب دهره، وتحفظ من عواقب أمره لكانت مغانمه مذخورة، ومغارمه مجبورة، ~~فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من فتح عليه باب من الخير # PageV05P383 # فلينتهزه فإنه لا يدري متى يغلق عنه). وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: (لكل شئ ثمرة وثمرة المعروف السراح (1)). وقيل لأنوشروان: ما أعظم ~~المصائب عندكم؟ قال: # أن تقدر على المعروف فلا تصطنعه حتى يفوت. وقال عبد الحميد: من أخر ~~الفرصة عن وقتها فليكن على ثقة من فوتها. وقال بعض الشعراء: # إذا هبت رياحك فاغتنمها * فإن لكل خافقة سكون ولا تغفل عن الاحسان فيها * ~~فما تدري السكون متى يكون وكتب بعض ذوي الحرمات إلى وال قصر في رعاية ~~حرمته: # أعلى الصراط تريد رعية حرمتي * أم في الحساب تمن بالانعام للنفع في ~~الدنيا أريدك، فأنتبه * لحوائجي من رقدة النوام وقال العباس رضي الله عنه: ~~لا يتم المعروف إلا بثلاث خصال: تعجيله وتصغيره وستره، فإذا عجلته هنأته، ~~وإذا صغرته عظمته، وإذا سترته أتممته. وقال بعض الشعراء: # زاد معروفك عندي عظما * أنه عندك مستور حقير تتناساه كأن لم تأته * وهو ~~عند الناس مشهور خطير ومن شرط المعروف ترك الامتنان به، وترك الاعجاب ~~بفعله، لما فيهما من إسقاط الشكر وإحباط الاجر. وقد تقدم في (البقرة (2)) ~~بيانه. # قوله تعالى: (أو اصلاح بين الناس) عام في الدماء والأموال والاعراض، وفي ~~كل شئ يقع التداعي والاختلاف فيه بين المسلمين، وفي ms1950 كل كلام يراد به وجه ~~الله تعالى. # وفي الخبر: (كلام ابن آدم كله عليه لا له إلا ما كان من أمر بمعروف أو ~~نهي عن منكر أو ذكر لله تعالى). فأما من طلب الرياء والترؤس فلا ينال ~~الثواب. وكتب عمر إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: رد الخصوم حتى ~~يصطلحوا، فإن [فصل (3)] القضاء يورث بينهم الضغائن. # وسيأتي في المجادلة (4)) ما يحرم من المناجاة وما يجوز إن شاء الله ~~تعالى. وعن أنس بن مالك # PageV05P384 # رضي الله عنه أنه قال: من أصلح بين اثنين أعطاه الله بكل كلمة عتق رقبة. ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي أيوب: (ألا أدلك على صدقة يحبها الله ~~ورسوله، تصلح بين أناس إذا تفاسدوا، وتقرب بينهم إذا تباعدوا). وقال ~~الأوزاعي: ما خطوة أحب إلى الله عز وجل من خطوة في إصلاح ذات البين، ومن ~~أصلح بين اثنين كتب الله له براءة من النار. # وقال محمد بن المنكدر: تنازع رجلان في ناحية المسجد فملت إليهما، فلم أزل ~~بهما حتى اصطلحا، فقال أبو هريرة وهو يراني: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: (من أصلح بين اثنين استوجب ثواب شهيد). ذكر هذه الأخبار أبو ~~مطيع مكحول بن المفضل النسفي في كتاب اللؤلئيات له، وجدته بخط المصنف في ~~وريقة ولم ينبه على موضعها رضي الله عنه. # و (ابتغاء) نصب على المفعول من أجله. # قوله تعالى: ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل ~~المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا (115) ان الله لا يغفر أن ~~يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا ~~(116) فيه مسألتان: # الأولى - قال العلماء: هاتان الآيتان نزلنا بسبب ابن أبيرق السارق، لما ~~حكم النبي صلى الله عليه وسلم [عليه] بالقطع وهرب إلى مكة وارتد، قال سعيد ~~بن جبير: لما صار إلى مكة نقب بيتا بمكة فلحقه المشركون فقتلوه، فأنزل الله ~~تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به) إلى قوله: (فقد ms1951 ضل ضلالا بعيدا). وقال ~~الضحاك: قدم نفر من قريش المدينة وأسلموا ثم انقلبوا إلى مكة مرتدين فنزلت ~~هذه الآية (ومن يشاقق الرسول). والمشاقة المعاداة. والآية وإن نزلت في سارق ~~الدرع أو غيره فهي عامة في كل من خالف طريق المسلمين. و (الهدى): ~~PageV05P385 # الرشد والبيان، وقد تقدم (1). وقوله تعالى: (نوله ما تولى) يقال: إنه نزل ~~فيمن ارتد، والمعنى: نتركه وما يعبد، عن مجاهد. أي نكله إلى الأصنام التي ~~لا تنفع ولا تضر، وقاله مقاتل. وقال الكلبي، نزل قوله تعالى: (نوله ما ~~تولى) في ابن أبيرق، لما ظهرت حاله وسرقته هرب إلى مكة وارتد ونقب حائطا ~~لرجل بمكة يقال له: حجاج بن علاط، فسقط فبقي في النقب حتى وجد على حاله، ~~وأخرجوه من مكة، فخرج إلى الشام فسرق بعض أموال القافلة فرجموه وقتلوه، ~~فنزلت: (نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا). وقرأ عاصم وحمزة وأبو عمرو ~~(نوله) (ونصله) بجزم الهاء، والباقون بكسرها، وهما لغتان. # الثانية - قال العلماء في قوله تعالى: (ومن يشاقق الرسول) دليل على صحة ~~القول بالاجماع، في قوله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به) رد على ~~الخوارج، حيث زعموا أن مرتكب الكبيرة كافر. وقد تقدم القول في هذا المعنى. ~~وروى الترمذي عن علي ابن أبي طالب رضي الله عنه قال: ما في القرآن آية أحب ~~إلي من هذه الآية: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) ~~[قال]: هذا حديث غريب. قال ابن فورك: وأجمع أصحابنا على أنه لا تخليد إلا ~~للكافر، وأن الفاسق من أهل القبلة إذا مات غير تائب فإنه إن عذب بالنار فلا ~~محالة أنه يخرج منها بشفاعة الرسول، أو بابتداء رحمة من الله تعالى. وقال ~~الضحاك: إن شيخا من الاعراب جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا ~~رسول الله، إني شيخ منهمك في الذنوب والخطايا، إلا أني لم أشرك بالله شيئا ~~منذ عرفته و آمنت به، فما حالي عند الله؟ فأنزل الله تعالى: (إن الله لا ms1952 ~~يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) الآية. # قوله تعالى: ان يدعون من دونه الا إناثا وان يدعون الا شيطانا مريدا ~~(117) # PageV05P386 # قوله تعالى: (إن يدعون من دونه) أي من دون الله (إلا إناثا)، نزلت في أهل ~~مكة إذ عبدوا الأصنام. و (إن) نافية بمعنى (ما). و (إناثا) أصناما، يعني ~~اللات والعزى ومناة. وكان لكل حي صنم يعبدونه ويقولون: # أنثى بني فلان، قاله الحسن وابن عباس، وأتى مع كل صنم شيطانه يتراءى (1) ~~للسدنة والكهنة ويكلمهم، فخرج الكلام مخرج التعجب، لان الأنثى من كل جنس ~~أخسه، فهذا جهل ممن يشرك بالله جمادا فيسميه أنثى، أو يعتقده أنثى. وقيل: ~~(إلا إناثا) مواتا، لان الموات لا روح له، كالخشبة والحجر. والموات يخبر ~~عنه كما يخبر عن المؤنث لا تضاع المنزلة، تقول: الأحجار تجبني، كما تقول: ~~المرأة تعجبني. # وقيل: (إلا إناثا) ملائكة، لقولهم: الملائكة بنات الله، وهي شفعاؤنا عند ~~الله، عن الضحاك. وقراءة ابن عباس (إلا وثنا) بفتح الواو والثاء على إفراد ~~اسم الجنس، وقرأ أيضا (وثنا) بضم الثاء والواو، جمع وثن. وأوثان أيضا جمع ~~وثن مثل أسد وآساد. النحاس: # ولم يقرأ به فيما علمت. # قلت: قد ذكر أبو بكر الأنباري - حدثنا أبي حدثنا نصر بن داود حدثنا أبو ~~عبيد حدثنا حجاج عن ابن جريج عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله ~~عنها أنها كانت تقرأ: (إن يدعون من دونه إلا أوثانا). وقرأ ابن عباس أيضا ~~(إلا أثنا) كأنه جمع وثنا على وثان، كما تقول: جمل وجمال، ثم جمع أوثانا ~~على وثن، كما (2) تقول: مثال ومثل، ثم أبدل من الواو همزة لما انضمت، كما ~~قال عز وجل: (وإذا الرسل أقتت (3)) من الوقت، فأثن جمع الجمع. وقرأ النبي ~~صلى الله عليه وسلم (إلا أثنا) جمع أنيث، كغدير وغدر. وحكى الطبري أنه جمع ~~إناث كثمار وثمر. حكى هذه القراءة عن النبي صلى الله عليه وسلم أبو عمرو ~~الداني، قال: وقرأ بها ابن عباس والحسن وأبو حياة. # قوله تعالى: (وان يدعون الا ms1953 شيطانا مريدا) يريد إبليس، لأنهم إذا أطاعوه ~~فيما سول لهم فقد عبدوه، ونظيره في المعنى: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم ~~أربابا من دون الله (4)) أي أطاعوهم فيما أمروهم به، لا أنهم عبدوهم. ~~وسيأتي. وقد تقدم اشتقاق لفظ الشيطان. (5) والمريد: # PageV05P387 # العاتي المتمرد، فعيل من مرد إذا عتا. قال الأزهري: المريد الخارج عن ~~الطاعة، وقد مرد الرجل يمرد مرودا إذا عتا وخرج عن الطاعة، فهو مارد ومريد ~~ومتمرد. ابن عرفة: # هو الذي ظهر شره، ومن هذا يقال: شجرة مرداء إذا تساقط ورقها فظهرت عيد ~~انها، ومنه قيل للرجل: أمرد، أي ظاهر مكان الشعر من عارضيه. # قوله تعالى: (لعنه الله وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا (118) قوله ~~تعالى: (لعنه الله) أصل اللعن الابعاد، وقد تقدم (1). وهو في العرف إبعاد ~~مقترن بسخط وغضب، فلعنة [الله على (2)] إبليس - عليه لعنة الله - على ~~التعيين جائزة، وكذلك [سائر (3)] الكفرة الموتى كفر عون وهامان وأبي جهل، ~~فأما الاحياء فقد مضى الكلام فيه في (البقرة (4)). قوله تعالى: (وقال ~~لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا) أي وقال الشيطان، والمعنى: # لأستخلصنهم بغوايتي وأضلنهم بإضلالي، وهم الكفرة والعصاة. وفي الخبر (من ~~كل ألف واحد لله والباقي للشيطان). # قلت: وهذا صحيح معنى، يعضده قوله تعالى لآدم يوم القيامة: (ابعث بعث ~~النار) فيقول: وما بعث النار؟ فيقول من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين). ~~أخرجه مسلم. # وبعث النار هو نصيب الشيطان. والله أعلم. وقيل: من النصيب طاعتهم إياه في ~~أشياء، منها أنهم كانوا يضربون للمولود مسمارا عند ولادته، ودورانهم به يوم ~~أسبوعه، يقولون: ليعرفه العمار (5). # قوله تعالى: ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الانعام ولآمرنهم ~~فليغيرن خلق الله ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا ~~(119) # PageV05P388 # فيه تسع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (ولأضلنهم) أي لأصرفنهم عن طريق الهدى. (ولأمنينهم) ~~أي لأسولن لهم، من التمني، وهذا لا ينحصر إلى واحد من الأمنية، لان كل واحد ~~في نفسه إنما يمنيه بقدر رغبته وقرائن حاله. وقيل: لأمنينهم طول الحياة ~~الخير والتوبة والمعرفة مع الاصرار. (ولآمرنهم فليبتكن آذان الانعام) البتك ms1954 ~~القطع، ومنه سيف باتك. أي أحملهم على قطع آذان البحيرة والسائبة ونحوه. ~~يقال: بتكه وبتكه، (مخففا ومشددا) وفي يده بتكة أي قطعة، والجمع بتك، قال ~~زهير (1): # * طارت وفي كفه من ريشها بتك * الثانية - قوله تعالى: (ولآمرنهم فليغيرن ~~خلق الله) اللامات كلها للقسم. # واختلف العلماء في هذا التغيير (2) إلى ماذا يرجع، فقالت طائفة: هو ~~الخصاء وفق ء الأعين وقطع الآذان، قال معناه ابن عباس وأنس وعكرمة وأبو ~~صالح. وذلك كله تعذيب للحيوان، وتحريم وتحليل بالطغيان، وقول بغير حجة ولا ~~برهان. والآذان في الانعام جمال ومنفعة، وكذلك غيرها من الأعضاء، فلذلك رأى ~~الشيطان أن يغير [بها (2)] خلق الله تعالى. وفي حديث عياض بن حمار ~~المجاشعي: (وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم وأن الشياطين أتتهم فاجتالتهم (3) ~~عن دينهم فحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به ~~سلطانا وأمرتهم أن يغيروا خلقي). # الحديث، أخرجه القاضي إسماعيل ومسلم أيضا. وروى إسماعيل قال حدثنا أبو ~~الوليد وسليمان ابن حرب قالا حدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن ~~أبيه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا قشف الهيئة، قال: (هل لك ~~من مال)؟ [قال (2)] قلت: نعم. قال (من أي المال)؟ قلت: من كل المال، من ~~الخيل والإبل والرقيق - قال أبو الوليد: # والغنم - قال: (فإذا آتاك الله مالا فلير عليك أثره) ثم قال: (هل تنتج ~~إبل (4) قومك صحاحا # PageV05P389 # آذانها فتعمد إلى موسى فتشق آذانها وتقول هذه بمر وتشق جلودها وتقول هذه ~~صرم (1) لتحرمها عليك وعلى أهلك)؟ قال: قلت أجل. قال: (وكل ما آتاك الله حل ~~وموسى الله أحد من موسك، وساعد الله أشد من ساعدك). قال قلت: يا رسول الله، ~~أرأيت رجلا نزلت به فلم يقرني ثم نزل بي أفأقريه أم أكافئه؟ فقال: (بل ~~أقره). # الثانية - ولما كان هذا من فعل الشيطان وأثره أمرنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم (أن نستشرف (2) العين والاذن ولا نضحي بعوراء ولا مقابلة ولا ~~مدابرة ولا خرقاء ولا شرقاء) أخرجه أبو داود عن علي ms1955 قال: أمرنا، فذكره. ~~المقابلة: المقطوعة طرف الاذن. والمدابرة المقطوعة مؤخر الاذن. والشرقاء: ~~مشقوقة الأذن. والخرقاء التي تخرق أذنها السمة. والعيب في الاذن مراعى عند ~~جماعة العلماء. قال مالك والليث: المقطوعة الأذن أو جل الاذن لا تجزئ، ~~والشق للميسم يجزئ، وهو قول الشافعي وجماعة الفقهاء. فإن كانت سكاء، وهي ~~التي خلقت بلا أذن فقال مالك والشافعي: لا تجوز. وإن كانت صغيرة الاذن ~~أجزأت، وروي عن أبي حنيفة مثل ذلك. # الرابعة - وأما خصاء البهائم فرخص فيه جماعة من أهل العلم إذا قصدت فيه ~~المنفعة إما لسمن أو غيره. والجمهور من العلماء وجماعتهم على أنه لا بأس أن ~~يضحي بالخصي، واستحسنه بعضهم إذا كان أسمن من غيره. ورخص في خصاء الخيل عمر ~~بن عبد العزيز. # وخصى عروة بن الزبير بغلا له. ورخص مالك في خصاء ذكور الغنم، وإنما جاز ~~ذلك لأنه لا يقصد به تعليق (3) الحيوان بالدين لصنم يعبد، ولا لرب يوحد، ~~وإنما يقصد به تطييب اللحم [فيما (4) يؤكل]، وتقوية الذكر إذا انقطع أمله ~~(5) عن الأنثى. ومنهم من كره ذلك، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما ~~يفعل ذلك الذين لا يعلمون). واختاره ابن المنذر وقال: لان ذلك # PageV05P390 # ثابت عن ابن عمر، وكان يقول: هو نماء (1) خلق الله، وكره ذلك عبد الملك ~~بن مروان. وقال الأوزاعي: كانوا يكرهون خصاء كل شئ له نسل. وقال ابن ~~المنذر: وفيه حديثان: أحدهما عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى ~~عن خصاء الغنم والبقر والإبل والخيل. والآخر حديث ابن عباس أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم نهى عن صبر (2) الروح وخصاء البهائم. والذي في الموطأ من ~~هذا الباب ما ذكره عن نافع عن ابن عمر أنه كان يكره الاخصاء ويقول: فيه ~~تمام الخلق. قال أبو عمر: يعني في ترك الاخصاء تمام الخلق، وروي نماء ~~الخلق. # قلت: أسنده أبو محمد عبد الغني من حديث عمر بن إسماعيل عن نافع عن ابن ~~عمر قال: # كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تخصوا ما ينمي ms1956 خلق الله). ~~رواه عن الدارقطني شيخه، قال: حدثنا [أبو عبد الله المعدل حدثنا (3)] عباس ~~بن محمد حدثنا أبو مالك النخعي عن عمر بن إسماعيل، فذكره. قال الدارقطني: ~~ورواه عبد الصمد بن النعمان عن أبي مالك. # الخامسة - وأما الخصاء في الآدمي فمصيبة، فإنه إذا خصي بطل قلبه وقوته، ~~عكس الحيوان، وأنقطع نسله المأمور به في قوله عليه السلام: (تناكحوا ~~تناسلوا فإني مكاثر بكم الأمم (4)) ثم إن فيه ألما عظيما ربما يفضي بصاحبه ~~إلى الهلاك، فيكون فيه تضييع مال وإذهاب نفس، وكل ذلك منهي عنه. ثم هذه ~~مثلة، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن المثلة، وهو صحيح. وقد كره ~~جماعة من فقهاء الحجازيين والكوفيين شراء الخصي من الصقالبة وغيرهم وقالوا: ~~لو لم يشتروا منهم لم يخصوا. ولم يختلفوا أن خصاء بني آدم لا يحل ولا يجوز، ~~لأنه مثلة وتغيير لخلق الله تعالى، وكذلك قطع سائر أعضائهم في غير حد ولا ~~قود، قال أبو عمر. # السادسة - وإذا تقرر هذا فأعلم أن الوسم والاشعار مستثنى من نهيه عليه ~~السلام عن شريطة الشيطان، وهي ما قدمناه من نهيه عن تعذيب الحيوان بالنار، ~~والوسم: الكي بالنار وأصله العلامة، يقال: وسم الشئ يسمه إذا علمه بعلامة ~~يعرف بها، ومنه قوله تعالى: # (سيماهم في وجوههم (5)). فالسيما العلامة والميسم المكواة. وثبت في صحيح ~~مسلم عن أنس # PageV05P391 # قال: رأيت في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم الميسم وهو يسم إبل الصدقة ~~والفئ وغير ذلك حتى يعرف كل مال فيؤدى في حقه، ولا يتجاوز به إلى غيره. # السابعة - والوسم جائز في كل الأعضاء غير الوجه، لما رواه جابر قال: نهى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الضرب في الوجه وعن الوسم في الوجه، أخرجه ~~مسلم. وإنما كان ذلك لشرفه على الأعضاء، إذ هو مقر الحسن والجمال، ولأن به ~~قوام الحيوان، وقد مر النبي صلى الله عليه وسلم برجل يضرب عبده فقال: (اتق ~~الوجه (1) فإن الله خلق آدم على صورته). # أي على صورة المضروب، أي وجه هذا المضروب ms1957 يشبه وجه آدم، فينبغي أن يحترم ~~لشبهه (2). # وهذا أحسن ما قيل في تأويله والله أعلم. وقالت طائفة: الإشارة بالتغيير ~~إلى الوشم وما جرى مجراه من التصنع للحسن، قال ابن مسعود والحسن. ومن ذلك ~~الحديث الصحيح عن عبد الله قال [قال رسول الله صلى الله عليه (3) وسلم]: ~~(لعن الله الواشمات والمستوشمات [والنامصات (4)] والمتنمصات [والمتفلجات] ~~للحسن، المغيرات خلق الله) الحديث. أخرجه مسلم، وسيأتي بكماله في الحشر (5) ~~إن شاء الله تعالى. والوشم يكون في اليدين، وهو أن يغرز ظهر كف المرأة ~~ومعصمها بإبرة ثم يحشى بالكحل أو بالنئور (6) فيخضر. وقد وشمت تشم وشما فهي ~~واشمة. # والمستوشمة التي يفعل ذلك بها، قال الهروي. وقال ابن العربي: ورجال صقلية ~~وإفريقية يفعلونه، ليدل كل واحد منهم على رجلته (7) في حداثته. قال القاضي ~~عياض: ووقع في رواية الهروي - أحد رواة مسلم - مكان (الواشمة والمستوشمة) ~~(الواشية والمستوشية) (بالياء مكان الميم) وهو من الوشي وهو التزين، وأصل ~~الوشي نسج الثوب على لونين، وثور موشى في وجهه وقوائمه سواد، أي تشي المرأة ~~نفسها بما تفعله فيها من التنميص والتفليج والاشر. # والمتنمصات جمع متنمصة وهي التي تقلع الشعر من وجهها بالمنماص، وهو الذي ~~يقلع الشعر، ويقال لها النامصة. ابن العربي: وأهل مصر ينتفون شعر العانة ~~وهو منه، فإن السنة حلق العانة ونتف الإبط، فأما نتف الفرج فإنه يرخيه ~~ويؤذيه، ويبطل كثيرا من المنفعة # PageV05P392 # فيه. والمتفلجات جمع متفلجة، وهي التي تفعل الفلج في أسنانها، أي تعانيه ~~حتى ترجع المصمتة الأسنان خلقة فلجاء صنعة. وفي غير كتاب مسلم: (الواشرات)، ~~وهي جمع واشرة، وهي التي تشر أسنانها، أي تصنع فيها أشرا، وهي التحزيزات ~~التي تكون في أسنان الشبان (1)، تفعل ذلك المرأة الكبيرة تشبها بالشابة. ~~وهذه الأمور كلها قد شهدت الأحاديث بلعن فاعلها وأنها من الكبائر. واختلف ~~في المعنى الذي نهي لأجلها، فقيل: لأنها من باب التدليس. # وقيل: من باب تغيير خلق الله تعالى، كما قال ابن مسعود، وهو أصح، وهو ~~يتضمن المعنى الأول. ثم قيل: هذا المنهي عنه إنما هو فيما يكون باقيا، لأنه ms1958 ~~من باب تغيير خلق الله تعالى، فأما مالا يكون باقيا كالكحل والتزين به ~~للنساء فقد أجاز العلماء ذلك مالك وغيره، وكرهه مالك للرجال. وأجاز مالك ~~أيضا أن تشي المرأة يديها بالحناء. وروي عن عمر إنكار ذلك وقال: إما أن ~~تخضب يديها كلها وإما أن تدع، وأنكر مالك هذه الرواية عن عمر، ولا تدع ~~الخضاب بالحناء، فإن النبي صلى الله عليه وسلم رأى امرأة لا تختضب فقال: # (لا تدع إحداكن يدها كأنها يد رجل) فما زالت تختضب وقد جاوزت التسعين حتى ~~ماتت. قال القاضي عياض: وجاء حديث بالنهي عن تسويد الحناء، ذكره صاحب ~~المصابيح ولا تتعطل، ويكون في عنقها قلادة من سير في خرز، فإنه يروى عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعائشة [رضي (2) الله عنها]: (إنه لا ~~ينبغي أن تكوني بغير قلادة إما بخيط وإما بسير. وقال أنس: يستحب للمرأة أن ~~تعلق في عنقها في الصلاة ولو سيرا. قال أبو جعفر الطبري: في حديث ابن مسعود ~~دليل على أنه لا يجوز تغيير شئ من خلقها الذي خلقها الله عليه بزيادة أو ~~نقصان، التماس الحسن لزوج أو غيره، سواء فلجت أسنانها أو وشرتها، أو كان ~~لها سن زائدة فأزالتها أو أسنان طوال فقطعت أطرافها. وكذا لا يجوز لها حلق ~~لحية أو شارب أو عنفقة إن نبتت لها، لان كل ذلك تغيير خلق الله. قال عياض: ~~ويأتي على ما ذكره أن من خلق بأصبع زائدة أو عضو زائد لا يجوز له قطعه ولا ~~نزعه، لأنه من تغيير خلق الله تعالى، إلا أن تكون هذه الزوائد تؤلمه فلا ~~بأس بنزعها عند أبي جعفر وغيره. # PageV05P393 # الثامنة - قلت: ومن هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم: (لعن الله ~~الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة) أخرجه مسلم. فنهى صلى الله عليه ~~وسلم عن وصل المرأة شعرها، وهو أن يضاف إليه شعر آخر بكثر به، والواصلة هي ~~التي تفعل ذلك، والمستوصلة هي التي تستدعي من يفعل ذلك بها. مسلم عن جابر ~~قال: زجر النبي صلى الله عليه ms1959 وسلم أن تصل المرأة بشعرها (1) شيئا. وخرج عن ~~أسماء بنت أبي بكر قالت: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: ~~يا رسول الله، إن لي ابنة عريسا (2) أصابتها حصبة فتمرق شعرها أفأصله؟ ~~فقال: (لعن الله الواصلة والمستوصلة). وهذا كله نص في تحريم وصل الشعر، وبه ~~قال مالك وجماعه العلماء. ومنعوا الوصل بكل شئ من الصوف والخرق وغير ذلك، ~~لأنه في معنى وصله (3) بالشعر. وشذ الليث بن سعد فأجاز وصله بالصوف والخرق ~~وما ليس بشعر، وهذا أشبه بمذهب أهل الظاهر. وأباح آخرون وضع الشعر على ~~الرأس وقالوا: # إنما جاء النهي عن الوصل خاصة، وهذه ظاهرية محضة وإعراض عن المعنى. وشذ ~~قوم فأجازوا الوصل مطلقا، وهو قول باطل قطعا ترده الأحاديث. وقد روي عن ~~عائشة رضي الله عنها ولم يصح. وروي عن ابن سيرين أنه سأله رجل فقال: إن أمي ~~كانت تمشط النساء، أتراني آكل من مالها؟ فقال: إن كانت تصل فلا. ولا يدخل ~~في النهي ما ربط [منه (4)] بخيوط الحرير الملونة على وجه الزينة والتجميل، ~~والله أعلم. # التاسعة - وقالت طائفة: المراد بالتغيير لخلق الله هو أن الله تعالى خلق ~~الشمس والقمر والأحجار والنار وغيرها من المخلوقات، ليعتبر بها وينتفع بها، ~~فغيرها الكفار بأن جعلوها آلهة معبودة. قال الزجاج: إن الله تعالى خلق ~~الانعام لتركب وتؤكل فحرموها على أنفسهم، وجعل الشمس والقمر والحجارة مسخرة ~~للناس فجعلوها آلهة يعبدونها، فقد غيروا ما خلق الله. # وقاله جماعة من أهل التفسير: مجاهد والضحاك وسعيد بن جبير وقتادة. وروي ~~عن ابن عباس (فليغيرن خلق الله) دين الله، وقاله النخعي، واختاره الطبري ~~قال: وإذا كان ذلك معناه # PageV05P394 # دخل فيه [فعل (1)] كل ما نهى الله عنه من خصاء ووشم وغير ذلك من المعاصي، ~~لان الشيطان يدعو إلى جميع المعاصي، أي فليغيرن ما خلق الله في دينه. وقال ~~مجاهد أيضا: (فليغيرن خلق الله) فطرة الله التي فطر الناس عليها، يعني أنهم ~~ولدوا على الاسلام فأمرهم الشيطان بتغييره، وهو معنى قوله عليه السلام: (كل ~~مولود يولد على الفطرة ms1960 فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه). فيرجع معنى ~~الخلق إلى ما أوجده فيهم يوم الذر من الايمان به في قوله تعالى: # (ألست بربكم قالوا بلى (2)). قال ابن العربي: روي عن طاوس أنه كان لا ~~يحضر نكاح سوداء بأبيض ولا بيضاء بأسود، ويقول: هذا من قول الله (فليغيرن ~~خلق الله). قال القاضي: وهذا وإن كان يحتمله اللفظ فهو مخصوص بما أنفذه ~~النبي صلى الله عليه وسلم من نكاح مولاه زيد وكان أبيض، بظئره بركة الحبشية ~~أم أسامة وكان أسود من أبيض، وهذا مما خفي على طاوس مع علمه. # قلت: ثم أنكح أسامة فاطمة بنت قيس وكانت بيضاء قرشية. وقد كانت تحت بلال ~~أخت عبد الرحمن بن عوف زهرية. وهذا أيضا يخص، وقد خفي عليهما (3). # قوله تعالى: يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان الا غرورا (120) أولئك ~~مأواهم جهنم ولا يجدون عنها محيصا (121) والذين آمنوا وعملوا الصالحات سند ~~خلهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا وعد الله حقا ومن أصدق ~~من الله قيلا (122) قوله تعالى: (يعدهم) المعنى يعدهم أباطيله وترهاته من ~~المال والجاه والرياسة، وأن لا بعث ولا عقاب، ويوهمهم الفقر حتى لا ينفقوا ~~في الخير (ويمنيهم) كذلك (وما يعدهم الشيطان الا غرورا) أي خديعة. قال ابن ~~عرفة: الغرور ما رأيت له ظاهرا تحبه وفيه # PageV05P395 # باطن مكروه أو مجهول. والشيطان غرور، لأنه يحمل على محاب النفس، ووراء ~~ذلك ما يسوء. # (أولئك) ابتداء (مأواهم) ابتداء ثان (جهنم) خبر الثاني والجملة خبر ~~الأول. و (محيصا) ملجأ، والفعل منه حاص يحيص. (ومن أصدق من الله قيلا) ~~ابتداء وخبر. (قيلا) على البيان، قال قيلا وقولا وقالا، بمعنى [أي (1)] لا ~~أحد أصدق من الله. وقد مضى الكلام على ما تضمنته هذه الآي من المعاني ~~والحمد لله. # قوله تعالى: ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا ~~يجذ له من دون الله وليا ولا نصيرا (123) قوله تعالى: (ليس بأمانيكم ولا ~~أماني أهل الكتاب). قرأ أبو جعفر المدني (ليس بأمانيكم ولا أماني أهل ~~الكتاب) بتخفيف الياء فيها ms1961 جميعا. ومن أحسن ما روي في نزولها ما رواه الحكم ~~بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس قال: قالت اليهود والنصارى لن يدخل الجنة إلا ~~من كان منا. وقالت قريش: ليس نبعث، فأنزل الله (ليس بأمانيكم ولا أماني أهل ~~الكتاب). وقال قتادة والسدي: تفاخر المؤمنون وأهل الكتاب فقال أهل الكتاب: ~~نبينا قبل نبيكم وكتابنا قبل كتابكم ونحن أحق بالله منكم. وقال المؤمنون: ~~نبينا خاتم النبيين وكتابنا يقضي على سائر الكتب، فنزلت الآية. # قوله تعالى: (من يعمل سوءا يجز به). السوء ها هنا الشرك، قال الحسن: هذه ~~الآية في الكافر، وقرأ (وهل يجازى إلا الكفور (2)). وعنه أيضا (من يعمل ~~سوءا يجز به) قال: ذلك لمن أراد الله هو انه، فأما من أراد كرامته فلا، قد ~~ذكر الله قوما فقال: (أولئك الذين يتقبل عنهم أحسن ما عملوا ويتجاوز عن ~~سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون). وقال الضحاك: يعني ~~اليهود والنصارى والمجوس وكفار العرب. # وقال الجمهور: لفظ الآية عام، والكافر والمؤمن مجاز بعمله السوء، فأما ~~مجازاة الكافر فالنار، لان كفره أوبقه، وأما المؤمن فبنكبات الدنيا، كما ~~روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة # PageV05P396 # قال: لما نزلت (من يعمل سوءا يجز به) بلغت من المسلمين مبلغا شديدا، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قاربوا وسددوا ففي كل ما يصاب به المسلم ~~كفارة حتى النكبة ينكبها والشوكة يشاكها). وخرج الترمذي الحكيم في (نوادر ~~الأصول، في الفصل الخامس والتسعين) حدثنا إبراهيم بن المستمر الهذلي قال ~~حدثنا عبد الرحمن بن سليم بن حيان (1) أبو زيد قال: سمعت أبي يذكر عن أبيه ~~قال صحبت ابن عمر من مكة إلى المدينة فقال لنافع: لا تمر بي على المصلوب، ~~يعني ابن الزبير، قال: فما فجئه (2) في جوف الليل أن صك محمله جذعه، [فجلس ~~(3)] فمسح عينيه ثم قال: يرحمك الله أبا خبيب أن كنت وأن كنت! ولقد سمعت ~~أباك الزبير يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من يعمل سوءا يجز به ~~في الدنيا أو في ms1962 الآخرة) فإن يك هذا بذاك فهيه. قال الترمذي أبو عبد الله: ~~فأما في التنزيل فقد أجمله فقال: # (من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا) فدخل فيه ~~البر والفاجر والعدو والولي والمؤمن والكافر، ثم ميز رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في هذا الحديث بين الموطنين فقال: (يجز به في الدنيا أو في ~~الآخرة) وليس يجمع عليه الجزاء في الموطنين، ألا ترى أن ابن عمر قال: فإن ~~يك هذا بذاك فهيه، معناه أنه قاتل في حرم الله وأحدث فيه حدثا عظيما حتى ~~أحرق البيت ورمي الحجر الأسود بالمنجنيق فانصدع حتى ضبب بالفضة فهو إلى ~~يومنا [هذا (4)] كذلك، وسمع للبيت أنينا: آه آه! فلما رأى ابن عمر فعله ثم ~~رآه مقتولا مصلوبا ذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من يعمل سوءا ~~يجز به). ثم قال: إن يك هذا القتل بذاك الذي فعله فهيه، أي كأنه جوزي بذلك ~~السوء هذا القتل والصلب. رحمه الله! # ثم ميز رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث آخر بين الفريقين، حدثنا ~~أبي رحمه الله قال حدثنا أبو نعيم قال حدثنا محمد بن مسلم عن يزيد بن عبد ~~الله بن أسامة بن الهاد الليثي قال: لما نزلت (من يعمل سوءا يجز به) قال ~~أبو بكر الصديق رضي الله عنه: ما هذه بمبقية منا، قال: (يا أبا بكر إنما ~~يجزى المؤمن بها في الدنيا ويجزى بها الكافر يوم القيامة). # حدثنا الجارود قال حدثنا وكيع وأبو معاوية وعبدة (5) عن إسماعيل بن أبي ~~خالد عن أبي بكر # PageV05P397 # ابن [أبي] زهير (1) الثقفي قال: لما نزلت (من يعمل سوءا يجز به) قال أبو ~~بكر: كيف الصلاح يا رسول الله مع هذا؟ كل شئ عملناه جزينا به، فقال: (غفر ~~الله لك يا أبا بكر ألست تنصب، ألست تحزن، الست تصيبك اللاواء (2))؟ قال: ~~بلى. قال (فذلك مما تجزون به) ففسر رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أجمله ~~التنزيل من قوله: من يعمل سوءا يجز ms1963 به). وروى الترمذي عن أبي بكر الصديق ~~رضي الله عنه أنها لما نزلت قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (أما أنت يا ~~أبا بكر والمؤمنون فتجزون بذلك في الدنيا حتى تلقوا الله وليس لكم ذنوب ~~وأما الآخرون فيجمع ذلك لهم حتى يجزوا به يوم القيامة). قال: حديث غريب: ~~وفي إسناده مقال، وموسى بن عبيدة يضعف في الحديث، ضعفه يحيى بن سعيد القطان ~~وأحمد بن حنبل. ومولى بن سباع مجهول، وقد روي هذا من غير وجه (3) عن أبي ~~بكر وليس له إسناد صحيح أيضا، وفي الباب عن عائشة. # قلت: خرجه إسماعيل بن إسحاق القاضي قال حدثنا سليمان بن حرب قال حدثنا ~~حماد ابن سلمة عن علي بن يزيد عن أمه أنها سألت عائشة عن هذه الآية (وإن ~~تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه (4)) وعن هذه الآية (من يعمل سوءا يجز به) ~~فقالت عائشة: ما سألني أحد منذ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها، ~~فقال: (يا عائشة، هذه مبايعة الله بما يصيبه من الحمى والنكبة والشوكة حتى ~~البضاعة يضعها في كمه فيفقدها فيفزع فيجدها في عيبته، حتى إن المؤمن ليخرج ~~من ذنوبه كما يخرج التبر من الكير). واسم (ليس) مضمر فيها في جميع هذه ~~الأقوال، والتقدير: ليس الكائن من أموركم ما تتمنونه، بل من يعمل سوءا يجز ~~به. وقيل: المعنى ليس ثواب الله بأمانيكم، إذ قد تقدم (والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات سندخلهم جنات). # قوله تعالى: (ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا) يعني المشركين، ~~لقوله تعالى: # (إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الاشهاد (5)) ~~وقيل: (من يعمل # PageV05P398 # سوءا يجز به) إلا أن يتوب. وقراءة الجماعة (ولا يجد له) بالجزم عطفا على ~~(يجز به). # وروى ابن بكار عن ابن عامر (ولا يجد) بالرفع استئنافا. فإن حملت الآية ~~على الكافر فليس له غدا ولي ولا نصير. وإن حملت على المؤمن فليس [له (1)] ~~ولي ولا نصير دون الله. # قوله تعالى: ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو ms1964 أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون ~~الجنة ولا يظلمون نقيرا (124) شرط الايمان لان المشركين أدلوا بخدمة الكعبة ~~وإطعام الحجيج وقرى الأضياف، وأهل الكتاب بسبقهم، وقولهم نحن أبناء الله ~~وأحباؤه، فبين تعالى أن الأعمال الحسنة لا تقبل من غير إيمان. وقرأ (يدخلون ~~الجنة) الشيخان أبو عمرو وابن كثير (بضم الياء وفتح الخاء) على ما لم يسم ~~فاعله. الباقون بفتح الياء وضم الخاء، يعني يدخلون الجنة بأعمالهم. وقد مضى ~~ذكر النقير وهي النكتة في ظهر النواة. # قوله تعالى: ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم ~~حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا (125) قوله تعالى: (ومن أحسن دينا ممن أسلم ~~وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا) فضل دين الاسلام على سائر ~~الأديان و (أسلم وجهه لله) معناه أخلص دينه لله وخضع له وتوجه إليه ~~بالعبادة. قال ابن عباس: أراد أبا بكر الصديق رضي الله عنه. # وانتصب (دينا) على البيان. (وهو محسن) ابتداء وخبر في موضع الحال، أي ~~موحد فلا يدخل فيه أهل الكتاب، لأنهم تركوا الايمان بمحمد عليه السلام. ~~والملة الدين، والحنيف المسلم وقد تقدم (2). # PageV05P399 # قوله تعالى: (واتخذ الله إبراهيم خليلا) قال ثعلب: إنما سمي الخليل خليلا ~~لان محبته تتخلل القلب فلا تدع فيه خللا إلا ملأته، وأنشد قول بشار: # قد تخللت مسلك الروح مني * وبه سمي الخليل خليلا وخليل فعيل بمعنى فاعل ~~كالعليم بمعنى العالم. وقيل: هو [بمعنى] المفعول كالحبيب بمعنى المحبوب، ~~وإبراهيم كان محبا لله وكان محبوبا [لله (1)]. وقيل: الخليل من الاختصاص ~~فالله عز وجل أعلم اختص إبراهيم في وقته للرسالة. واختار هذا النحاس قال: ~~والدليل على هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم (وقد اتخذ الله صاحبكم ~~خليلا) يعني نفسه. وقال صلى الله عليه وسلم: # (لو كنت متخذا خليلا لا تخذت أبا بكر خليلا) أي لو كنت مختصا أحدا بشئ ~~لاختصصت أبا بكر. رضي الله عنه. وفي هذا رد على من زعم أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أختص بعض أصحابه بشئ من الدين. وقيل: الخليل ms1965 المحتاج، فإبراهيم ~~خليل الله على معنى أنه فقير محتاج إلى الله تعالى، كأنه الذي به الاختلال. ~~وقال زهير يمدح هرم بن سنان: # وإن أتاه خليل يوم مسغبة * يقول لا غالب مالي ولا حرم أي لا ممنوع. قال ~~الزجاج: ومعنى الخليل: الذي ليس في محبته خلل، فجائز أن يكون سمي خليلا لله ~~بأنه الذي أحبه واصطفاه محبة تامة. وجائز أن يسمى خليل الله أي فقيرا إلى ~~الله تعالى، لأنه لم يجعل فقره ولا فاقته إلا إلى الله تعالى مخلصا في ذلك. ~~والاختلال الفقر، فروي أنه لما رمي بالمنجنيق وصار في الهواء أتاه جبريل ~~عليه السلام فقال: ألك حاجة؟ قال: # أما إليك فلا. فخلة الله تعالى لإبراهيم نصرته إياه. وقيل: سمي بذلك بسبب ~~أنه مضى إلى خليل له بمصر، وقيل: بالموصل ليمتار من عنده طعاما فلم يجد ~~صاحبه، فملأ غرائره رملا وراح به إلى أهله فحطه ونام، ففتحه أهله فوجدوه ~~دقيقا فصنعوا له منه، فلما قدموه إليه قال: من أين لكم هذا؟ قالوا: من الذي ~~جئت به من عند خليلك المصري، فقال: # هو من عند خليلي، يعني الله تعالى، فسمي خليل الله بذلك. وقيل: إنه أضاف ~~رؤساء الكفار وأهدى لهم هدايا وأحسن إليهم فقالوا له: ما حاجتك؟ قال: حاجتي ~~أن تسجدوا # PageV05P400 # سجدة، فسجدوا فدعا الله تعالى وقال: اللهم إني قد فعلت ما أمكنني فافعل ~~اللهم ما أنت أهل لذلك، فوفقهم الله تعالى للاسلام فاتخذه الله خليلا لذلك. ~~ويقال: لما دخلت عليه الملائكة بشبه الآدميين وجاء بعجل سمين فلم يأكلوا ~~منه وقالوا: إنا لا نأكل شيئا بغير ثمن فقال لهم: أعطوا ثمنه وكلوا، قالوا: ~~وما ثمنه؟ قال: أن تقولوا في أوله باسم الله وفي آخره الحمد لله، فقالوا ~~فيما بينهم: حق على الله أن يتخذه خليلا، فاتخذه الله خليلا. وروى جابر ابن ~~عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اتخذ الله إبراهيم خليلا ~~لاطعامه الطعام وإفشائه السلام وصلاته بالليل والناس نيام). وروى عبد الله ~~بن عمرو بن العاص أن النبي ms1966 صلى الله عليه وسلم قال: (يا جبريل لم أتخذ الله ~~إبراهيم خليلا)؟ قال: لاطعامه الطعام يا محمد. وقيل: معنى الخليل الذي ~~يوالي في الله ويعادي في الله. والخلة بين الآدميين الصداقة، مشتقة من تخلل ~~الاسرار بين المتخالين. وقيل: هي من الخلة فكل واحد من الخليلين يسد خلة ~~صاحبه. وفي مصنف أبي داود عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~(الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل). ولقد أحسن من قال: # من لم تكن في الله خلته * فخليله منه على خطر آخر: # إذا ما كنت متخذا خليلا * فلا تثقن بكل أخي إخاء فإن خيرت بينهم فألصق * ~~بأهل العقل منهم والحياء فإن العقل ليس له إذا ما * تفاضلت الفضائل من كفاء ~~وقال حسان بن ثابت رضي الله عنه: # أخلاء الرجال هم كثير * ولكن في البلاء هم قليل فلا تغررك خلة من تؤاخي * ~~فما لك عند نائبة خليل وكل أخ يقول أنا وفي * ولكن ليس يفعل ما يقول سوى خل ~~له حسب ودين * فذاك لما يقول هو الفعول PageV05P401 # قوله تعالى: ولله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله بكل شئ محيطا ~~(126) قوله تعالى: (ولله ما في السماوات وما في الأرض) أي ملكا واختراعا. ~~والمعنى إنه اتخذ إبراهيم خليلا بحسن طاعته لا لحاجته إلى مخالته ولا ~~للتكثير به والاعتضاد، وكيف وله ما في السماوات وما في الأرض؟ وإنما أكرمه ~~لامتثاله لامره. # قوله تعالى: (وكان الله بكل شئ محيطا) أي أحاط علمه بكل الأشياء. # قوله تعالى: ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في ~~الكتاب في يتامى النساء الآتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن ~~والمستضعفين من الولدان وأن تقوموا لليتامى بالقسط وما تفعلوا من خير فان ~~الله كان به عليما (127) نزلت بسبب سؤال قوم من الصحابة عن أمر النساء ~~وأحكامهن في الميراث وغير ذلك، فأمر الله نبيه عليه السلام أن يقول [لهم ~~(1)]: الله يفتيكم فيهن، أي يبين لكم حكم ما سألتم عنه. # وهذه الآية ms1967 رجوع إلى ما افتتحت به السورة من أمر النساء، وكان قد بقيت ~~لهم أحكام لم يعرفوها فسألوا فقيل لهم: إن الله يفتيكم فيهن. روى أشهب عن ~~مالك قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل فلا يجيب حتى ينزل عليه ~~الوحي، وذلك في كتاب الله (ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن). ~~(ويسألونك عن اليتامى (2)). و (يسألونك عن الخمر والميسر (2)). (ويسألونك ~~عن الجبال (3)). # قوله تعالى: (وما يتلى عليكم) (ما) في موضع رفع، عطف على اسم الله تعالى. # والمعنى: والقرآن يفتيكم فيهن، وهو قوله: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء) ~~وقد تقدم (4). # وقوله تعالى: (وترغبون أن تنكحوهن) أي وترغبون عن أن تنكحوهن، ثم حذفت ~~(عن). # PageV05P402 # وقيل: وترغبون في أن تنكحوهن ثم حذفت (في). قال سعيد بن جبير ومجاهد: ~~ويرغب في نكاحها وإذا كانت كثيرة المال. وحديث عائشة يقوي حذف (عن) فإن في ~~حديثها: # وترغبون أن تنكحوهن رغبة أحدكم عن يتيمته التي تكون في حجره حين تكون ~~قليلة المال والجمال، وقد تقدم أول السورة. # قوله تعالى: وان امرأة خافت من بعلها نشوزا أو اعراضا فلا جناح عليهما أن ~~يصلحا بينهما صلحا والصلح خير وأحضرت الا نفس الشح وان تحسنوا وتتقوا فان ~~الله كان بما تعملون خبيرا (128) فيه سبع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (وان امرأة) رفع بإضمار فعل يفسره ما بعده. و ~~(خافت) بمعنى توقعت. وقول من قال: [خافت (1)] تيقنت خطأ. قال الزجاج: ~~المعنى وإن امرأة. خافت من بعلها دوام النشوز. قال النحاس: الفرق بين ~~النشوز والاعراض أن النشوز التباعد، والاعراض ألا يكلمها ولا يأنس بها. ~~ونزلت الآية بسبب سودة بنت زمعة. روى الترمذي عن ابن عباس قال: خشيت سودة ~~أن يطلقها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: لا تطلقني وأمسكني، وأجعل ~~يومي منك لعائشة، ففعل فنزلت: (فلا جناح عليهما أن يصالحا (2) بينهما صلحا ~~والصلح خير) فما اصطلحا عليه من شئ فهو جائز، قال: هذا حديث حسن غريب. # وروى ابن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب أن رافع بن خديج كانت ms1968 تحته ~~خولة ابنة محمد بن مسلمة، فكره من أمرها إما كبرا وإما غيره، فأراد أن ~~يطلقها فقالت: لا تطلقني وأقسم لي ما شئت، فجرت السنة بذلك ونزلت (وإن ~~امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا). وروى البخاري عن عائشة رضي الله ~~عنها (وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا) قالت: الرجل تكون عنده ~~المرأة ليس بمستكثر منها يريد أن يفارقها فتقول: أجعلك من شأني في حل، ~~فنزلت هذه الآية. وقراءة العامة (أن يصالحا). # PageV05P403 # وقرأ أكثر الكوفيين (أن يصلحا). وقرأ الجحدري وعثمان البتي (أن يصلحا) ~~والمعنى يصطلحا ثم أدغم. # الثانية - في هذه الآية من الفقه الرد على الرعن الجهال الذين يرون أن ~~الرجل إذا أخذ شباب المرأة وأسنت لا ينبغي أن يتبدل بها. قال ابن أبي ~~مليكة: إن سودة بنت زمعة لما أسنت أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~يطلقها، فآثرت الكون معه، فقالت له: أمسكني وأجعل يومي (1) لعائشة، ففعل ~~صلى الله عليه وسلم، وماتت وهي من أزواجه. # قلت: وكذلك فعلت بنت محمد بن مسلمة، روى مالك عن ابن شهاب عن رافع بن ~~خديج أنه تزوج بنت محمد بن مسلمة الأنصارية، فكانت عنده حتى كبرت، فتزوج ~~عليها فتاة شابة، فآثر الشابة عليها، فناشدته الطلاق، فطلقها واحدة، ثم ~~أهملها حتى إذا كانت تحل راجعها، ثم عاد فآثر الشابة عليها فناشدته الطلاق ~~فطلقها واحدة، ثم راجعها فآثر الشابة عليها فناشدته الطلاق فقال: [ما شئت ~~(2)] إنما بقيت واحدة، فإن شئت استقررت على ما ترين من الأثرة، وإن شئت ~~فارقتك. قالت: بل أستقر على الأثرة. فأمسكها على ذلك، ولم ير رافع عليه ~~إثما حين قرت عنده على الأثرة. رواه معمر عن الزهري بلفظه ومعناه وزاد: ~~فذلك الصلح الذي بلغنا أنه نزل فيه (وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو ~~إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير). قال أبو عمر بن ~~عبد البر: قوله والله أعلم: (فآثر الشابة عليها) يريد في الميل بنفسه إليها ~~والنشاط لها، لا أنه آثرها عليها في ms1969 مطعم وملبس ومبيت، لان هذا لا ينبغي أن ~~يظن بمثل رافع، والله أعلم. وذكر أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا أبو ~~الأحوص عن سماك بن حرب عن خالد ابن عرعرة عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ~~أن رجلا سأله عن هذه الآية فقال: هي المرأة تكون عند الرجل فتنبو عيناه ~~عنها من دمامتها أو فقرها أو كبرها أو سوء خلقها وتكره فراقه، فإن وضعت له ~~من مهرها شيئا حل له [أن يأخذ (3)] وإن جعلت له من أيامها فلا حرج. وقال ~~الضحاك: لا بأس أن ينقصها من حقها إذا تزوج من هي أشب منها وأعجب إليه. ~~وقال مقاتل بن حيان: هو الرجل تكون تحته المرأة الكبيرة فيتزوج عليها ~~الشابة، فيقول لهذه الكبيرة: # PageV05P404 # أعطيك من مالي على أن أقسم لهذه الشابة أكثر مما أقسم لك من الليل ~~والنهار، فترضى الأخرى بما اصطلحا عليه، وإن أبت ألا ترضى فعليه أن يعدل ~~بينهما في القسم. # الثالثة - قال علماؤنا: وفي هذا أن أنواع الصلح كلها مباحة في هذه ~~النازلة، بأن يعطي الزوج على أن تصبر هي، أو تعطي هي على أن يؤثر الزوج، أو ~~على أن يؤثر (1) ويتمسك بالعصمة، أو يقع الصلح على الصبر والاثرة من غير ~~عطاء، فهذا كله مباح. وقد يجوز أن تصالح إحداهن صاحبتها عن يومها بشئ ~~تعطيها، كما فعل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كان غضب على صفية، فقالت لعائشة: أصلحي بيني وبين رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وقد وهبت يومي لك. ذكره ابن خويز منداد في أحكامه عن ~~عائشة قالت: وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم على صفية في شئ، فقالت لي ~~صفية: # هل لك أن ترضين رسول الله صلى الله عليه وسلم عني ولك يومي؟ قالت: فلبست ~~خمارا كان عندي مصبوغا بزعفران ونضحته، ثم جئت فجلست إلى جنب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال: (إليك عني فإنه ليس بيومك). فقلت: ذلك فضل الله يؤتيه ms1970 ~~من يشاء، وأخبرته الخبر، فرضي عنها. وفيه أن ترك التسوية بين النساء وتفضيل ~~بعضهن على بعض لا يجوز إلا بإذن المفضولة ورضاها. # الرابعة - قرأ الكوفيون (يصلحا). والباقون (أن يصالحا). الجحدري (يصلحا) ~~فمن قرأ (يصالحا) فوجهه أن المعروف في كلام العرب إذا كان بين قوم تشاجر أن ~~يقال: # تصالح القوم، ولا يقال: أصلح القوم؟ ولو كان أصلح لكان مصدره إصلاحا. ومن ~~قرأ (يصلحا) فقد استعمل مثله في التشاجر والتنازع، كما قال (فأصلح بينهم). ~~ونصب قوله: # (صلحا) على هذه القراءة على أنه مفعول، وهو اسم مثل العطاء من أعطيت. ~~فأصلحت صلحا مثل أصلحت أمرا، وكذلك هو مفعول أيضا على قراءة من قرأ ~~(يصالحا) لان تفاعل قد جاء متعديا، ويحتمل أن يكون مصدرا حذفت زوائده. ومن ~~قرأ (يصلحا) # PageV05P405 # فالأصل (يصتلحا) ثم صار إلى يصطلحا، ثم أبدلت الطاء صادا وأدغمت فيها ~~الصاد،، ولم تبدل الصاد طاء لما فيها من امتداد الزفير. # الخامسة - قوله تعالى: (والصلح خير) لفظ عام مطلق يقتضي أن الصلح الحقيقي ~~الذي تسكن إليه النفوس ويزول به الخلاف خير على الاطلاق. ويدخل في هذا ~~المعنى جميع ما يقع عليه الصلح بين الرجل وامرأته في مال أو وطئ أو غير ~~ذلك. (خير) أي خير من الفرقة، فإن التمادي على الخلاف والشحناء والمباغضة ~~هي قواعد الشر، وقال عليه السلام في البغضة: # (إنها الحالقة) يعني حالقة الدين لا حالقة الشعر. # السادسة - قوله تعالى: (وأحضرت الا نفس الشح) إخبار بأن الشح في كل أحد. ~~وأن الانسان لا بد أن يشح بحكم خلقته وجبلته حتى يحمل صاحبه على بعض ما ~~يكره، يقال: شح يشح (بكسر الشين) قال ابن جبير: هو شح المرأة بالنفقة من ~~زوجها وبقسمه لها أيامها. وقال ابن زيد: الشح هنا منه ومنها. وقال ابن ~~عطية: وهذا أحسن، فإن الغالب على المرأة الشح بنصيبها من زوجها، والغالب ~~على الزوج الشح بنصيبه من الشابة. والشح الضبط على المعتقدات والإرادة وفي ~~الهمم والأموال ونحو ذلك، فما أفرط منه على الدين فهو محمود، وما أفرط منه ~~في غيره ms1971 ففيه بعض المذمة، وهو الذي قال الله فيه: (ومن يوق شح نفسه فأولئك ~~هم المفلحون (1)). وما صار إلى حيز منع الحقوق الشرعية [أو (2)] التي ~~تقتضيها المروءة فهو البخل وهي رذيلة. وإذا آل البخل إلى هذه الأخلاق ~~المذمومة والشيم اللئيمة لم يبق معه خير مرجو ولا صلاح مأمول. # قلت: وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأنصار: (من سيدكم)؟ ~~قالوا: # الجد بن قيس على بخل فيه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (وأي داء أدوى ~~من البخل)! # قالوا: وكيف ذاك يا رسول الله؟ قال: (إن قوما نزلوا بساحل [البحر (3)] ~~فكرهوا لبخلهم نزول الأضياف بهم فقالوا ليبعد الرجال منا عن النساء حتى ~~يعتذر الرجال إلى الأضياف ببعد النساء وتعتذر # PageV05P406 # النساء ببعد الرجال، ففعلوا وطال ذلك بهم، فاشتغل الرجال بالرجال والنساء ~~بالنساء). وقد تقدم (1)، ذكره الماوردي. # السابعة - قوله تعالى: (وان تحسنوا وتتقوا) شرط (فان الله كان بما تعلمون ~~خبيرا) جوابه. وهذا خطاب للأزواج من حيث إن للزوج أن يشح ولا يحسن، أي إن ~~تحسنوا وتتقوا في عشرة النساء بإقامتكم عليهن مع كراهيتكم لصحبتهن واتقاء ~~ظلمهن فهو أفضل لكم. # قوله تعالى: ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل ~~الميل فتذروها كالمعلقة وان تصلحوا وتتقوا فان الله كان غفورا رحيما (129) ~~قوله تعالى: (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل ~~الميل) أخبر تعالى بنفي الاستطاعة في العدل بين النساء، وذلك في ميل الطبع ~~بالمحبة والجماع والحظ من القلب. فوصف الله تعالى حالة البشر و أنهم بحكم ~~الخلقة لا يملكون ميل قلوبهم إلى بعض دون بعض، ولهذا كان عليه السلام يقول: ~~(اللهم إن هذه قسمتي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك). ثم نهى ~~فقال: (فلا تميلوا كل الميل). قال مجاهد: لا تتعمدوا الإساءة بل الزموا ~~التسوية في القسم والنفقة، لان هذا مما يستطاع. وسيأتي بيان هذا في ~~(الأحزاب (2)) مبسوطا إن شاء الله تعالى. وروى قتادة عن النضر بن أنس عن ~~بشير بن نهيك عن أبي ms1972 هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كانت ~~له امرأتان فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشقه مائل). # قوله تعالى: (فتذروها كالمعلقة) أي لا هي مطلقة ولا ذات زوج، قاله الحسن. # وهذا تشبيه بالشئ المعلق من شئ، لأنه لا على الأرض استقر ولا على ما علق ~~عليه انحمل، وهذا مطرد في قولهم في المثل: (ارض من المركب بالتعليق). وفي ~~عرف النحويين فمن (3) تعليق # PageV05P407 # الفعل. ومنه في حديث أم زرع في قول المرأة: زوجي العشنق (1)، إن أنطق ~~أطلق، وإن أسكت أعلق. وقال قتادة: كالمسجونة، وكذا قرأ أبي (فتذروها ~~كالمسجونة). وقرأ ابن مسعود (فتذروها كأنها معلقة). وموضع (فتذروها) نصب، ~~لأنه جواب النهي. والكاف في (كالمعلقة) في موضع نصب أيضا. # قوله تعالى: وان يتفرقا يغن الله كلا من سعته وكان الله واسعا حكيما ~~(130) ولله ما في السماوات وما في الأرض ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من ~~قبلكم وإياكم أن اتقوا الله وان تكفروا فان لله ما في السماوات وما في ~~الأرض وكان الله غنيا حميدا (131) ولله ما في السماوات وما في الأرض وكفى ~~بالله وكيلا (132) قوله تعالى: (وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته) أي وإن ~~لم يصطلحا بل تفرقا فليحسنا ظنهما بالله، فقد يقيض للرجل امرأة تقر بها ~~عينه، وللمرأة من يوسع عليها. وروي عن جعفر بن محمد أن رجلا شكا إليه ~~الفقر، فأمره بالنكاح، فذهب الرجل وتزوج، ثم جاء إليه وشكا إليه الفقر، ~~فأمره بالطلاق، فسئل عن هذه الآية فقال: أمرته بالنكاح لعله من أهل هذه ~~الآية: (إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله (2) فلما لم يكن من أهل تلك ~~الآية أمرته بالطلاق فقلت: فلعله من أهل هذه الآية (وإن يتفرقا يغن الله ~~كلا من سعته). # قوله تعالى: (ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم) أي الامر بالتقوى ~~كان عاما لجميع الأمم: وقد مضى القول في التقوى (3). (و إياكم) عطف على ~~(الذين). (أن اتقوا الله) في موضع نصب، قال الأخفش: أي بأن اتقوا الله. ~~وقال بعض العارفين: هذه ms1973 الآية هي رحى آي القرآن، لان جميعه يدور عليها. # PageV05P408 # قوله تعالى: (وان تكفروا فان لله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله ~~غنيا حميدا. # ولله ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا) إن قال قائل: ما ~~فائدة هذا التكرير؟ # فعنه جوابان: أحدهما - أنه كرر تأكيدا، ليتنبه العباد وينظروا ما في ~~ملكوته وملكه وأنه غني عن العالمين. الجواب الثاني - أنه كرر لفوائد: فأخبر ~~في الأول أن الله تعالى يغني كلا من سعته، لان له ما في السماوات وما في ~~الأرض فلا تنفد خزائنه. ثم قال: أوصيناكم وأهل الكتاب بالتقوى (وإن تكفروا) ~~[أي وإن (1) تكفروا] فإنه غني عنكم، لان له ما في السماوات وما في الأرض. ~~ثم أعلم في الثالث بحفظ خلقه وتدبيره إياهم بقوله: (وكفى بالله وكيلا) لان ~~له ما في السماوات وما في الأرض. وقال: (ما في السماوات) ولم يقل من في ~~السماوات، لأنه ذهب به مذهب الجنس، وفي السماوات والأرض من يعقل ومن لا ~~يعقل. # قوله تعالى: ان يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك ~~قديرا (133) قوله تعالى: (ان يشأ يذهبكم) يعني بالموت (أيها الناس). يريد ~~المشركين والمنافقين. # (ويأت بآخرين) يعني بغيركم. ولما نزلت هذه الآية ضرب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على ظهر سلمان وقال: (هم قوم هذا). وقيل: الآية عامة، أي وإن ~~تكفروا يذهبكم ويأت بخلق أطوع لله منكم. وهذا كما قال في آية أخرى: (وإن ~~تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم (2)). وفي الآية تخويف ~~وتنبيه لجميع من كانت له ولاية وإمارة ورياسة فلا يعدل في رعيته، أو كان ~~عالما فلا يعمل بعلمه ولا ينصح الناس، أن يذهبه ويأتي بغيره. # (وكان الله على ذلك قديرا) والقدرة صفة أزلية، لا تتناهى مقدوراته، كما ~~لا تتناهى معلوماته، والماضي والمستقبل في صفاته بمعنى واحد، وإنما خص ~~الماضي بالذكر لئلا يتوهم أنه يحدث (3) في ذاته وصفاته. والقدرة هي التي ~~يكون بها الفعل ولا يجوز وجود العجز معها. # قوله تعالى: من كان يريد ms1974 ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة وكان ~~الله سميعا بصيرا (134) # PageV05P409 # أي من عمل بما افترضه الله عليه طلبا للآخرة أتاه الله ذلك في الآخرة، ~~ومن عمل طلبا للدنيا أتاه بما كتب له في الدنيا وليس له في الآخرة من ثواب، ~~لأنه عمل لغير الله كما قال تعالى: # (وما له في الآخرة من نصيب (1)). وقال تعالى: (أولئك الذين ليس لهم في ~~الآخرة إلا النار (2)). # وهذا على أن يكون المراد بالآية المنافقون والكفار، وهو اختيار الطبري. ~~وروي أن المشركين كانوا لا يؤمنون بالقيامة، وإنما يتقربون إلى الله تعالى ~~ليوسع عليهم في الدنيا ويرفع عنهم مكروهها، فأنزل الله عز وجل (من كان يريد ~~ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة وكان الله سميعا بصيرا) أي يسمع ~~ما يقولونه ويبصر ما يسرونه. # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على ~~أنفسكم أو الوالدين والأقربين ان يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا ~~تتبعوا الهوى أن تعدلوا وان تلوا أو تعرضوا فان الله كان بما تعملون خبيرا ~~(135) فيه عشر مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (كونوا قوامين) (قوامين) بناء مبالغة، أي ليتكرر ~~منكم القيام بالقسط، وهو العدل في شهادتكم على أنفسكم، وشهادة المرء على ~~نفسه إقراره بالحقوق عليها. # ثم ذكر الوالدين لوجوب برهما وعظم قدرهما، ثم ثنى بالأقربين إذ هم مظنة ~~المودة والتعصب، فكان الأجنبي من الناس أحرى أن يقام عليه بالقسط ويشهد ~~عليه، فجاء الكلام في السورة في حفظ حقوق الخلق في الأموال. # الثانية - لا خلاف بين أهل العلم في صحة أحكام هذه الآية، وأن شهادة ~~الولد على الوالدين [الأب والام (3)] ماضية، ولا يمنع ذلك من برهما، بل من ~~برهما أن يشهد عليهما ويخلصهما من الباطل، وهو معنى قوله تعالى: (قوا ~~أنفسكم وأهليكم نارا (4)) فإن شهد لهما أو شهدا له وهي: # PageV05P410 # الثالثة - فقد اختلف فيها قديما وحديثا، فقال ابن شهاب الزهري: كان من ~~مضى من السلف الصالح يجيزون شهادة الوالدين (1) والأخ، ويتأولون في ذلك قول ~~الله تعالى: (كونوا قوامين ms1975 بالقسط شهداء لله) فلم يكن أحد يتهم في ذلك من ~~السلف الصالح رضوان الله عليهم. # ثم ظهرت من الناس أمور حملت الولاة على اتهامهم، فتركت شهادة من يتهم، ~~وصار ذلك لا يجوز في الولد والوالد والأخ والزوج والزوجة، وهو مذهب الحسن ~~والنخعي والشعبي وشريح ومالك والثوري والشافعي و ابن حنبل. وقد أجاز قوم ~~شهادة بعضهم لبعض إذا كانوا عدولا. وروي عن عمر بن الخطاب أنه أجازه، وكذلك ~~روي عن عمر بن عبد العزيز، وبه قال إسحاق والثوري والمزني. ومذهب مالك جواز ~~شهادة الأخ لأخيه إذا كان عدلا إلا في النسب. وروى عنه ابن وهب أنها لا ~~تجوز إذا كان في عياله أو في نصيب من مال يرثه. وقال مالك وأبو حنيفة: ~~شهادة الزوج لزوجته لا تقبل، لتواصل منافع الأملاك بينهما و هي محل ~~الشهادة. وقال الشافعي: تجوز شهادة الزوجين بعضهما لبعض، لأنهما أجنبيان، ~~وإنما بينهما عقد الزوجية وهو معرض للزوال. والأصل قبول الشهادة إلا حيث خص ~~فيما عدا المخصوص فبقي على الأصل، وهذا ضعيف، فإن الزوجية توجب الحنان ~~والمواصلة والألفة والمحبة، فالتهمة قوية ظاهرة. وقد روى أبو داود من حديث ~~سليمان بن موسى عن عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم رد شهادة الخائن والخائنة وذي الغمر على أخيه، ورد شهادة القانع ~~لأهل البيت وأجازها لغيرهم. قال الخطابي: # ذو الغمر هو الذي بينه وبين المشهود عليه عداوة ظاهرة، فترد شهادته [عليه ~~(2)] للتهمة. # وقال أبو حنيفة: شهادته على العدو مقبولة إذا كان عدلا. والقانع السائل ~~والمستطعم، وأصل القنوع السؤال. ويقال في القانع: إنه المنقطع إلى القوم ~~يخدمهم ويكون في حوائجهم، وذلك مثل الأجير أو الوكيل ونحوه. ومعنى رد هذه ~~الشهادة التهمة في جر المنفعة إلى نفسه، لان القانع لأهل البيت ينتفع بما ~~يصير إليهم من نفع. وكل من جر إلى نفسه بشهادته نفعا # PageV05P411 # فشهادته مردودة، كمن شهد لرجل على شراء دار هو شفيعها، أو كمن حكم له على ~~رجل بدين وهو مفلس، فشهد المفلس ms1976 على رجل بدين ونحوه. قال الخطابي: ومن رد ~~شهادة القانع لأهل البيت بسبب جر المنفعة فقياس قوله أن يرد شهادة الزوج ~~لزوجته، لان ما بينهما من التهمة في جر المنفعة أكثر، وإلى هذا ذهب أبو ~~حنيفة. والحديث حجة على من أجاز شهادة الأب لابنه، لأنه يجر به النفع لما ~~جبل عليه من حبه والميل إليه، ولأن يمتلك عليه ماله، وقد قال صلى الله عليه ~~وسلم: (أنت ومالك لأبيك). وممن ترد شهادته عند مالك البدوي على الفروي، ~~قال: إلا أن يكون في بادية أو قرية، فأما الذي يشهد في الحضر بدويا ويدع ~~جيرته من أهل الحضر عندي مريب. وقد روى أبو داود والدارقطني عن أبي هريرة ~~أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تجوز شهادة بدوي على صاحب ~~قرية). قال [محمد (1)] ابن [عبد (1)] الحكم: تأول مالك هذا الحديث على أن ~~المراد به الشهادة في الحقوق والأموال، ولا ترد الشهادة في الدماء وما في ~~معناها مما يطلب به الخلق. وقال عامة أهل العلم: شهادة البدوي إذا كان عدلا ~~يقيم الشهادة على وجهها جائزة، والله أعلم. وقد مضى القول في هذا في ~~(البقرة (2))، ويأتي في (براءة (3)) تمامها إن شاء الله تعالى. # الرابعة - قوله تعالى: (شهداء لله) نصب على النعت ل (قوامين)، وإن شئت ~~كان خبرا بعد خبر. قال النحاس: وأجود من هذين أن يكون نصبا على الحال بما ~~في (قوامين) من ذكر الذين آمنوا، لأنه نفس المعنى، أي كونوا قوامين بالعدل ~~عند شهادتكم. قال ابن عطية: والحال فيه ضعيفة في المعنى، لأنها تخصيص ~~القيام بالقسط إلى معنى الشهادة فقط. ولم ينصرف (شهداء) لان فيه ألف ~~التأنيث. # الخامسة - قوله تعالى: (لله) معناه لذات الله ولوجهه ولمرضاته وثوابه. # (ولو على أنفسكم) متعلق ب (شهداء)، هذا هو الظاهر الذي فسر عليه الناس، ~~وإن هذه الشهادة المذكورة هي في الحقوق فيقر بها لأهلها، فذلك قيامه ~~بالشهادة على نفسه، كما تقدم. # PageV05P412 # أدب الله جل وعز المؤمنين بهذا، كما قال ابن عباس: أمروا أن يقولوا الحق ms1977 ~~ولو على أنفسهم. ويحتمل أن يكون قوله: (شهداء لله) معناه بالوحدانية لله، ~~ويتعلق قوله: # (ولو على أنفسكم) ب (قوامين) والتأويل الأول أبين. # السادسة - قوله تعالى: (ان يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما) في الكلام ~~إضمار وهو اسم كان، أي إن يكن الطالب أو المشهود عليه غنيا فلا يراعى لغناه ~~ولا يخاف منه، وإن يكن فقيرا فلا يراعى إشفاقا عليه. (فالله أولى بهما) [أي ~~(1)] فيما اختار لهما من فقر وغنى. # قال السدي: اختصم (2) إلى النبي صلى الله عليه وسلم غني وفقير، فكان ضلعه ~~(3) [صلى الله عليه وسلم (4)] مع الفقير، ورأى أن الفقير لا يظلم الغني، ~~فنزلت الآية. # السابعة - قوله تعالى: (فالله أولى بهما) إنما قال (بهما) ولم يقل (به) ~~وإن كانت (أو) إنما تدل على الحصول الواحد، لان المعنى فالله أولى بكل واحد ~~منهما. وقال الأخفش: تكون (أو) بمعنى الواو، أي إن يكن غنيا وفقيرا فالله ~~أولى بالخصمين كيفما كانا، وفيه ضعف. وقيل: إنما قال (بهما) لأنه قد تقدم ~~ذكر هما، كما قال تعالى: # (وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس (5)). الثامنة - قوله تعالى: (فلا ~~تتبعوا الهوى) نهى، فإن اتباع الهوى مرد، أي مهلك، قال الله تعالى: (فاحكم ~~بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله (6)) فاتباع الهوى يحمل ~~على الشهادة بغير الحق، وعلى الجور في الحكم، إلى غير ذلك. وقال الشعبي: ~~أخذ الله عز وجل على الحكام ثلاثة أشياء: ألا يتبعوا الهوى، وألا يخشوا ~~الناس ويخشوه، وألا يشتروا بآياته ثمنا قليلا. (أن تعدلوا) في موضع نصب. # التاسعة - قوله تعالى: (وإن تلووا أو تعرضوا) قرئ (وإن تلووا) من لويت ~~فلانا حقه ليا إذا دفعته به، والفعل منه (لوى) والأصل فيه (لوى) قلبت الياء ~~ألفا لحركتها وحركة ما قبلها، والمصدر (ليا) والأصل لويا، وليانا والأصل ~~لويانا، ثم أدغمت الواو # PageV05P413 # في الياء. وقال القتبي: (تلووا) من اللي في الشهادة والميل إلى أحد ~~الخصمين. وقرأ ابن عامر والكوفيون (تلوا) أراد قمتم بالامر [وأعرضتم، من ~~قولك: وليت الامر، فيكون في الكلام ms1978 معنى التوبيخ للاعراض عن القيام بالامر ~~(1)]. وقيل: إن معنى (تلوا) الاعراض. # فالقراءة بضم اللام تفيد معنيين: الولاية والاعراض، والقراءة بواوين تفيد ~~معنى واحدا وهو الاعراض. وزعم بعض النحويين أن من قرأ (تلوا) فقد لحن، لأنه ~~لا معنى للولاية ها هنا. قال النحاس وغيره: وليس يلزم هذا [ولكن (2) تكون] ~~(تلوا) بمعنى (تلووا) وذلك أن أصله (تلووا) فاستثقلت الضمة على الواو بعدها ~~واو أخرى، فألقيت الحركة على اللام وحذفت إحدى الواوين لالتقاء الساكنين، ~~وهي كالقراءة بإسكان اللام وواوين، ذكره مكي. وقال الزجاج: المعنى على ~~قراءته (وإن تلووا) ثم همز الواو الأولى فصارت (تلؤوا) ثم خففت الهمزة ~~بإلقاء حركتها على اللام فصارت (تلوا) وأصلها (تلووا). فتتفق (3) القراءتان ~~على هذا التقدير. وذكره النحاس ومكي وابن العربي وغيرهم. قال ابن عباس: هو ~~في الخصمين يجلسان بين يدي القاضي فيكون لي القاضي وإعراضه لأحدهما على ~~الآخر، فاللي على هذا مطل الكلام وجره حتى يفوت فصل القضاء وإنفاذه للذي ~~يميل القاضي إليه. # قال ابن عطية: وقد شاهدت بعض القضاة يفعلون ذلك، والله حسيب الكل. وقال ~~ابن عباس أيضا والسدي وابن زيد والضحاك ومجاهد: هي في الشهود يلوي الشاهد ~~الشهادة بلسانه ويحرفها فلا يقول الحق فيها، أو يعرض عن أداء الحق فيها. ~~ولفظ الآية يعم القضاء والشهادة، وكل إنسان مأمور بأن يعدل. وفي الحديث: ~~(لي الواجد يحل عرضه وعقوبته). # قال ابن الأعرابي: عقوبته حبسه، وعرضه شكايته. # العاشرة - وقد استدل بعض العلماء في رد شهادة العبد بهذه الآية، فقال: ~~جعل الله تعالى الحاكم شاهدا في هذه الآية، وذلك أدل دليل على أن العبد ليس ~~من أهل الشهادة، لان المقصود منه الاستقلال بهذا المهم إذا دعت الحاجة ~~إليه، ولا يتأتى ذلك من العبد أصلا فلذلك ردت الشهادة. # PageV05P414 # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل ~~على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله ~~واليوم الآخر فقد ضل ضلا لا بعيدا (136) قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا ~~آمنوا) الآية. نزلت في جميع ms1979 المؤمنين، والمعنى: # يا أيها الذين صدقوا أقيموا على تصديقكم وأثبتوا عليه. (والكتاب الذي نزل ~~على رسوله) أي القرآن. (والكتاب الذي أنزل من قبل) أي كل كتاب أنزل على ~~النبيين. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر (نزل) و (أنزل) بالضم. الباقون ~~(نزل) و (أنزل) بالفتح. وقيل: # نزلت فيمن آمن بمن تقدم محمدا صلى الله عليه وسلم من الأنبياء عليهم ~~السلام. # قيل: # إنه خطاب للمنافقين، والمعنى على هذا يا أيها الذين آمنوا في الظاهر ~~أخلصوا لله. وقيل: # المراد المشركون، والمعنى يا أيها الذين آمنوا باللات والعزى والطاغوت ~~آمنوا بالله، أي صدقوا بالله وبكتبه. # قوله تعالى: ان الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا ~~لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهد يهم سبيلا (137) قيل: المعنى آمنوا بموسى ~~وكفروا بعزير، ثم آمنوا بعزير ثم كفروا بعيسى، ثم ازدادوا كفرا بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم. وقيل: إن الذين آمنوا بموسى ثم آمنوا بعزير، ثم كفروا بعد ~~عزير بالمسيح، وكفرت النصارى بما جاء به موسى وآمنوا بعيسى، ثم ازدادوا ~~كفرا بمحمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به من القرآن. فإن قيل: إن الله ~~تعالى لا يغفر شيئا من الكفر فكيف قال: (إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ~~ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم) فالجواب أن الكافر إذا ~~آمن غفر له كفره، فإذا رجع فكفر لم يغفر له الكفر الأول، وهذا كما جاء في ~~صحيح مسلم عن عبد الله قال: قال أناس لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~PageV05P415 # [يا رسول (1) الله] أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟ قال: (أما من أحسن ~~منكم في الاسلام فلا يؤاخذ بها ومن أساء أخذ بعمله في الجاهلية والاسلام). ~~وفي رواية (ومن أساء في الاسلام أخذ بالأول والآخر). الإساءة هنا بمعنى ~~الكفر، إذ لا يصح أن يراد بها [هنا (2)] ارتكاب سيئة، فإنه يلزم عليه ألا ~~يهدم الاسلام ما سبق قبله إلا لمن يعصم من جميع السيئات إلا حين موته، وذلك ~~باطل بالاجماع. ms1980 ومعنى: (ثم ازدادوا كفرا) أصروا على الكفر. (لم يكن الله ~~ليغفر لهم ولا ليهديهم) يرشدهم. (سبيلا) طريقا إلى الجنة. وقيل: لا يخصهم ~~بالتوفيق كما يخص أولياءه. وفي هذه الآية رد على أهل القدر، فإن الله تعالى ~~بين أنه لا يهدي الكافرين طريق خير ليعلم العبد أنه إنما ينال الهدى بالله ~~تعالى، ويحرم الهدى بإرادة الله تعالى أيضا. وتضمنت الآية أيضا حكم ~~المرتدين، وقد مضى القول فيهم في (البقرة (3)) عند قوله تعالى: (ومن يرتدد ~~(4) منكم عن دينه فيمت وهو كافر). قوله تعالى: بشر المنافقين بأن لهم عذابا ~~أليما (138) التبشير الاخبار بما ظهر أثره على البشرة، وقد تقدم بيانه في ~~(البقرة (5)) ومعنى النفاق. # قوله تعالى: الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم ~~العزة فان العزة لله جميعا (139) قوله تعالى: (الذين يتخذون الكافرين ~~أولياء من دون المؤمنين) (الذين) نعت للمنافقين. وفي هذا دليل على أن من ~~عمل معصية من الموحدين ليس بمنافق، لأنه لا يتولى الكفار. وتضمنت المنع من ~~موالاة الكافر، وأن يتخذوا أعوانا على الأعمال المتعلقة بالدين. # وفي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها أن رجلا من المشركين لحق بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم يقاتل معه، فقال له: (ارجع فإنا لا نستعين بمشرك). (العزة) ~~أي الغلبة، عزه يعزه # PageV05P416 # عزا إذا غلبه. (فان العزة لله جميعا) أي الغلبة والقوة لله. قال ابن ~~عباس: (يبتغون عندهم) يريد عند بني قينقاع، فإن ابن أبي كان يواليهم. # قوله تعالى: وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ~~ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره انكم إذا مثلهم ان ~~الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا (140) الذين يتربصون بكم فان ~~كان لكم فتح من الله قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين فالله ~~يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا (141) ~~قوله تعالى: (وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ~~ويستهزأ بها) الخطاب لجميع من أظهر الايمان من محق ومنافق، ms1981 لأنه إذا أظهر ~~الايمان فقد لزمه أن يمتثل أوامر كتاب الله. فالمنزل قوله تعالى: (وإذا ~~رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره (1)). ~~وكان المنافقين يجلسون إلى أحبار اليهود فيسخرون من القرآن. وقرأ عاصم ~~ويعقوب (وقد نزل) بفتح النون والزاي وشدها، لتقدم اسم الله جل جلاله في ~~قوله تعالى: (فإن العزة لله جميعا). وقرأ حميد كذلك، إلا أنه خفف الزاي. # الباقون (نزل) غير مسمى الفاعل. (أن إذا سمعتم آيات الله) موضع (أن إذا ~~سمعتم) على قراءة عاصم ويعقوب نصب بوقوع الفعل عليه. وفي قراءة الباقين ~~رفع، لكونه اسم ما لم يسم فاعله. (يكفر بها) أي إذا سمعتم الكفر والاستهزاء ~~بآيات الله، فأوقع السماع # PageV05P417 # على الآيات، والمراد سماع الكفر والاستهزاء، كما تقول: سمعت عبد الله ~~يلام، أي سمعت اللوم في عبد الله. # قوله تعالى: (فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره) أي غير الكفر. # (انكم إذا مثلهم) فدل بهذا على وجوب اجتناب أصحاب المعاصي إذا ظهر منهم ~~منكر، لان من لم يجتنبهم فقد رضي فعلهم، والرضا بالكفر كفر، قال الله عز ~~وجل: (إنكم إذا مثلهم). فكل من جلس في مجلس (1) معصية ولم ينكر عليهم يكون ~~معهم في الوزر سواء، وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعملوا بها، ~~فإن لم يقدر على النكير عليهم فينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه ~~الآية. وقد روي عن عمر بن عبد العزيز [رضي الله عنه (2)] أنه أخذ قوما ~~يشربون الخمر، فقيل له عن أحد الحاضرين: إنه صائم، فحمل عليه الأدب وقرأ ~~هذه الآية (إنكم إذا مثلهم) أي إن الرضا بالمعصية معصية، ولهذا يؤاخذ ~~الفاعل والراضي بعقوبة المعاصي حتى يهلكوا بأجمعهم. وهذه المماثلة ليست في ~~جميع الصفات، ولكنه إلزام شبه بحكم الظاهر من المقارنة، كما قال: # * فكل قرين بالمقارن يقتدي * وقد تقدم (3). وإذا ثبت تجنب أصحاب المعاصي ~~كما بينا فتجنب أهل البدع والأهواء أولى. # وقال الكلبي: قوله تعالى (فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره) نسخ ms1982 ~~بقوله تعالى: # (وما على الذين يتقون من حسابهم من شئ (4)). وقال عامة المفسرين: هي ~~محكمة. وروى جويبر عن الضحاك قال: دخل في هذه الآية كل محدث في الدين مبتدع ~~إلى يوم القيامة. # قوله تعالى: (ان الله جامع المنافقين) الأصل (جامع) بالتنوين فحذف ~~استخفافا، فإنه بمعنى يجمع. (الذين يتربصون بكم) يعني المنافقين، أي ~~ينتظرون بكم الدوائر. # PageV05P418 # (فان كان لكم فتح من الله) أي غلبة على اليهود وغنيمة. # (قالوا ألم نكن معكم) أي أعطونا من الغنيمة. (وان كان للكافرين نصيب) أي ~~ظفر. (قالوا ألم نستحوذ عليكم) أي ألم نغلب عليكم حتى هابكم المسلمون ~~وخذلناهم عنكم. يقال: استحوذ على كذا أي غلب عليه، ومنه قوله تعالى: ~~(استحوذ عليهم الشيطان). وقيل: أصل الاستحواذ الحوط، حاذه يحوذه حوذا إذا ~~حاطه. # وهذا الفعل جاء على الأصل، ولو أعل لكان ألم نستحذ، والفعل على الاعلال ~~استحاذ يستحيذ، وعلى غير الاعلال استحوذ يستحوذ. (ونمنعكم من المؤمنين) أي ~~بتخذيلنا إياهم عنكم، وتفريقنا إياهم مما يريدونه منكم. والآية تدل على أن ~~المنافقين [كانوا يخرجون في الغزوات مع المسلمين ولهذا قالوا: ألم نكن ~~معكم؟ وتدل على أنهم (2)] كانوا لا يعطونهم الغنيمة ولهذا طلبوها وقالوا: ~~ألم نكن معكم! ويحتمل أن يريدوا بقولهم (ألم نكن معكم) الامتنان على ~~المسلمين. أي كنا نعلمكم بأخبارهم وكنا أنصارا لكم. # قوله تعالى: (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا) فيه ثلاث ~~مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا) ~~للعلماء فيه تأويلات خمس: أحدها - ما روي عن يسيع (3) الحضرمي قال: كنت عند ~~علي [بن أبي طالب رضي الله عنه (4)] فقال له رجل يا أمير المؤمنين، أرأيت ~~قول الله: (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا) كيف ذلك، وهم ~~يقاتلوننا ويظهرون علينا أحيانا! فقال علي رضي الله عنه: معنى ذلك يوم ~~القيامة يوم الحكم. وكذا قال ابن عباس: ذاك يوم القيامة. # قال ابن عطية: وبهذا قال جميع أهل التأويل. قال ابن العربي: وهذا ضعيف: ~~لعدم فائدة الخبر فيه، وإن أو هم صدر الكلام معناه، لقوله ms1983 تعالى: فالله ~~يحكم بينكم يوم القيامة) فأخر الحكم إلى يوم القيامة، وجعل الامر في الدنيا ~~دولا تغلب الكفار تارة وتغلب أخرى، # PageV05P419 # بما رأى من الحكمة وسبق من الكلمة. ثم قال: (ولن يجعل الله للكافرين على ~~المؤمنين سبيلا) فتوهم من توهم أن آخر الكلام يرجع إلى أوله، وذلك يسقط ~~فائدته، إذ يكون تكرارا. # الثاني - إن الله لا يجعل لهم سبيلا يمحو به دولة المؤمنين، ويذهب أثارهم ~~ويستبيح بيضتهم، كما جاء في صحيح مسلم من حديث ثوبان عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: (وإني سألت ربي ألا يهلكها بسنة عامة وألا يسلط عليهم عدوا ~~من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم وإن ربي قال يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه ~~لا يرد وإني قد أعطيتك لأمتك ألا أهلكهم بسنة عامة وألا أسلط عليهم عدوا من ~~سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بأقطارها حتى يكون بعضهم ~~يهلك بعضا ويسبي بعضهم بعضا). # الثالث - أن الله سبحانه لا يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا [منه (1)] ~~إلا أن يتواصوا بالباطل ولا يتناهوا عن المنكر ويتقاعدوا عن التوبة فيكون ~~تسليط العدو من قبلهم، كما قال تعالى: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت ~~أيديكم (2)). قال ابن العربي: وهذا نفيس (3) جدا. # قلت: ويدل عليه قوله عليه السلام في حديث ثوبان (حتى يكون بعضهم يهلك ~~بعضا ويسبي بعضهم بعضا) وذلك أن (حتى) غاية، فيقتضي ظاهر الكلام أنه لا ~~يسلط عليهم عدوهم فيستبيحهم إلا إذا كان منهم إهلاك بعضهم لبعض، وسبي بعضهم ~~لبعض، وقد وجد ذلك في هذه الأزمان بالفتن الواقعة بين المسلمين، فغلظت شوكة ~~الكافرين واستولوا على بلاد المسلمين حتى لم يبق من الاسلام إلا أقله، ~~فنسأل الله أن يتداركنا بعفوه ونصره ولطفه. # الرابع - إن الله سبحانه لا يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا شرعا، فإن ~~وجد فبخلاف الشرع. # الخامس - (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا) أي حجة عقلية ولا ~~شرعية يستظهرون بها إلا أبطلها و دحضت. # PageV05P420 # الثانية - ابن العربي: ونزع علماؤنا بهذه الآية في الاحتجاج على أن ~~الكافر ms1984 لا يملك العبد المسلم. وبه قال أشهب والشافعي: لان الله سبحانه نفى ~~السبيل للكافر عليه، [والملك (1)] بالشراء سبيل، فلا يشرع له ولا ينعقد ~~العقد بذلك. وقال ابن القاسم عن مالك، وهو قول أبي حنيفة: إن معنى (ولن ~~يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا) في دوام الملك، لأنا نجد الابتداء ~~يكون له [عليه (1)] وذلك بالإرث. وصورته أن يسلم عبد كافر في يد كافر فيلزم ~~القضاء عليه ببيعه، فقبل الحكم عليه ببيعه مات، فيرث العبد المسلم [وارث ~~(2)] الكافر. فهده سبيل قد ثبت (3) قهرا لا قصد فيه، وإن ملك الشراء ثبت ~~بقصد النية، فقد أراد الكافر تملكه باختياره، فإن حكم بعقد بيعه وثبوت ملكه ~~فقد حقق فيه قصده، وجعل له سبيل عليه. # قال أبو عمر: وقد أجمع المسلمون على أن عتق النصراني أو اليهودي لعبده ~~المسلم صحيح نافذ عليه. # وأجمعوا أنه إذا أسلم عبد الكافر فبيع عليه أن ثمنه يدفع إليه. فدل على ~~أنه على ملكه بيع وعلى ملكه ثبت العتق له، إلا أنه ملك غير مستقر لوجوب ~~بيعه عليه، وذلك والله أعلم لقول الله عز وجل: (ولن يجعل الله للكافرين على ~~المؤمنين سبيلا) يريد الاسترقاق والملك والعبودية ملكا مستقرا دائما. # واختلف العلماء في شراء العبد الكافر العبد المسلم على قولين: أحدهما - ~~البيع مفسوخ. # والثاني - البيع صحيح ويباع على المشتري. # الثالثة - واختلف العلماء أيضا من هذا الباب في رجل نصراني دبر عبدا له ~~نصرانيا فأسلم العبد، فقال مالك والشافعي في أحد قوليه: يحال بينه وبين ~~العبد، ويخارج على سيده النصراني، ولا يباع عليه حتى يتبين أمره. فإن هلك ~~النصراني وعليه دين قضي دينه من ثمن العبد المدبر، إلا أن يكون في ماله ما ~~يحمل المدبر فيعتق المدبر. وقال الشافعي في القول الآخر: إنه يباع عليه ~~ساعة أسلم، واختاره المزني، لان المدبر وصية ولا يجوز ترك مسلم # PageV05P421 # في ملك (1) مشرك يذله ويخارجه، وقد صار بالاسلام عدوا له. وقال الليث بن ~~سعد: يباع النصراني من مسلم فيعتقه، ويكون ولاؤه للذي اشتراه وأعتقه، ويدفع ~~إلى النصراني ms1985 ثمنه. # وقال سفيان والكوفيون: إذا أسلم مدبر النصراني قوم قيمته فيسعى في قيمته، ~~فإن مات النصراني قبل أن يفرغ المدبر من سعايته عتق العبد وبطلت السعاية. # قوله تعالى: ان المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة ~~قاموا كسالى يراعون الناس ولا يذكرون الله الا قليلا (142) قوله تعالى: (ان ~~المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم) قد مضى في (البقرة) معنى الخدع (2). ~~والخداع من الله مجازاتهم (3) على خداعهم أولياءه ورسله. قال الحسن: يعطى ~~كل إنسان من مؤمن ومنافق نور يوم القيامة فيفرج المنافقون ويظنون أنهم قد ~~نجوا، فإذا جاءوا إلى الصراط طفئ نور كل منافق، فذلك قولهم: (انظرونا نقتبس ~~من نوركم (4)). # قوله تعالى: (وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى) أي يصلون مراءاة وهم ~~متكاسلون متثاقلون، لا يرجون ثوابا ولا يعتقدون على تركها عقابا. وفي صحيح ~~الحديث: (إن أثقل صلاة على المنافقين العتمة والصبح). فإن العتمة تأتي وقد ~~أتعبهم (5) عمل النهار فيثقل عليهم القيام إليها، وصلاة الصبح تأتي والنوم ~~أحب إليهم من مفروح به، ولولا السيف ما قاموا. # والرياء: إظهار الجميل ليراه الناس، لا لاتباع أمر الله، وقد تقدم بيانه ~~(6). ثم وصفهم بقلة الذكر عند المراءاة وعند الخوف. وقال صلى الله عليه ~~وسلم ذاما لمن أخر الصلاة: (تلك صلاة المنافقين - ثلاثا - يجلس أحدهم يرقب ~~الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان - أو - على قرني الشيطان قام فنقر ~~أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا) رواه مالك وغيره. # فقيل: وصفهم بقلة الذكر لأنهم كانوا لا يذكرون الله بقراءة ولا تسبيح، ~~وإنما كانوا يذكرونه بالتكبير. وقيل: وصفه بالقلة لان الله تعالى لا يقبله. ~~وقيل: لعدم الاخلاص فيه. وهنا مسألتان: # PageV05P422 # الأولى - بين الله تعالى في هذه الآية صلاة المنافقين، وبينها رسوله محمد ~~صلى الله عليه وسلم، فمن صلى كصلاتهم وذكر كذكرهم لحق بهم في عدم القبول، ~~وخرج من مقتضى قوله تعالى: (قد أفلح المؤمنون. الذين هم في صلاتهم خاشعون ~~(1)). وسيأتي. اللهم إلا أن يكون له عذر فيقتصر على الفرض (2) حسب ما علمه ~~النبي صلى الله ms1986 عليه وسلم للاعرابي حين رآه أخل بالصلاة فقال له: (إذا قمت ~~إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر ثم أقرأ ما تيسر معك من ~~القرآن ثم أركع حتى تطمئن راكعا ثم أرفع حتى تعتدل قائما ثم أسجد حتى تطمئن ~~ساجدا ثم أرفع حتى تطمئن جالسا ثم أفعل ذلك في صلاتك كلها). رواه الأئمة. ~~وقال صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن). وقال: (لا ~~تجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه. الركوع والسجود). أخرجه الترمذي وقال: ~~حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم ومن بعدهم، يرون أن يقيم الرجل صلبه في الركوع والسجود. قال الشافعي ~~وأحمد وإسحاق: من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود فصلاته فاسدة، لحديث ~~النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في ~~الركوع والسجود). قال ابن العربي: وذهب ابن القاسم وأبو حنيفة إلى أن ~~الطمأنينة ليست بفرض. وهي رواية عراقية لا ينبغي لاحد من المالكيين أن ~~يشتغل بها. وقد مضى في (البقرة (3)) هذا المعنى. # الثانية - قال ابن العربي: إن من صلى صلاة ليراها الناس ويرونه فيها ~~فيشهدون له بالايمان، أو أراد طلب المنزلة والظهور لقبول الشهادة وجواز ~~الإمامة فليس ذلك بالرياء المنهي عنه، ولم يكن عليه حرج، وإنما الرياء ~~المعصية أن يظهرها صيدا للناس وطريقا إلى الاكل، فهذه نية لا تجزئ وعليه ~~الإعادة. # PageV05P423 # قلت: قوله (وأراد طلب المنزلة والظهور لقبول. الشهادة) فيه نظر. وقد تقدم ~~بيانه في (النساء (1)) فتأمله هناك. ودلت هذه الآية على أن الرياء يدخل ~~الفرض والنفل، لقول الله تعالى: (وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا) فعم. وقال ~~قوم: إنما يدخل النفل خاصة، لان الفرض واجب على جميع الناس والنفل عرضة ~~لذلك. وقيل بالعكس، لأنه لو لم يأت بالنوافل لم يؤاخذ بها. # قوله تعالى: مذبذبين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن ~~تجد له سبيلا (143) المذبذب: المتردد بين أمرين، والذبذبة الاضطراب. يقال: ~~ذبذبته ms1987 فتذبذب، ومنه قول النابغة: # ألم تر أن الله أعطاك سورة * ترى كل ملك دونها يتذبذب آخر: # خيال لام السلسبيل ودونها * مسيرة شهر للبريد المذبذب كذا روي بكسر الذال ~~الثانية. قال ابن جني: أي المهتز (2) القلق الذي لا يثبت ولا يتمهل. # فهؤلاء المنافقون مترددون بين المؤمنين والمشركين، لا مخلصين الايمان ولا ~~مصرحين بالكفر. # وفي صحيح مسلم من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: (مثل ~~المنافق كمثل الشاة العائرة (3) بين الغنمين تعير إلى هذه مرة وإلى هذه ~~أخرى) وفي رواية (تكر) بدل (تعير). # وقرأ الجمهور (مذبذبين) بضم الميم وفتح الذالين. وقرأ ابن عباس بكسر ~~الذال الثانية. # وفي حرف أبي (متذبذبين). ويجوز الادغام على هذه القراءة (مذبذبين) بتشديد ~~الذال الأولى وكسر الثانية. وعن الحسن (مذبذبين) بفتح الميم والذالين. # PageV05P424 # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون ~~المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا (144) قوله تعالى: (يا ~~أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء) مفعولان، أي لا تجعلوا خاصتكم ~~وبطانتكم منهم، وقد تقدم (1) هذا المعنى. (أتريدون أن تجعلوا لله عليكم ~~سلطانا مبينا) أي في تعذيبه إياكم بإقامته حجته عليكم إذ قد نهاكم. # قوله تعالى: ان المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا ~~(145) قوله تعالى: (في الدرك) قرأ الكوفيون (الدرك) بإسكان الراء، والأولى ~~أفصح، لأنه يقال في الجمع: أدراك مثل جمل وأجمال، قاله النحاس. وقال أبو ~~علي: هما لغتان كالشمع والشمع ونحوه، والجمع أدراك. وقيل: جمع الدرك أدرك، ~~كفلس وأفلس. والنار دركات سبعة، أي طبقات ومنازل، إلا أن استعمال العرب لكل ~~ما تسافل أدراك. يقال: للبئر أدراك، ولما تعالى درج، فللجنة درج، وللنار ~~أدراك. وقد تقدم هذا (2). فالمنافق في الدرك الأسفل وهي الهاوية، لغلظ كفره ~~وكثرة غوائله وتمكنه من أذى المؤمنين. وأعلى الدركات جهنم ثم لظى ثم الحطمة ~~ثم السعير ثم سقر ثم الجحيم ثم الهاوية، وقد يسمى جميعها باسم الطبقة ~~الأولى، أعاذنا الله من عذابها بمنه وكرمه. وعن ابن مسعود في تأويل قوله ms1988 ~~تعالى: (في الدرك الأسفل من النار) قال: توابيت من حديد مقفلة في النار ~~تقفل عليهم. وقال ابن عمر: # إن أشد الناس عذابا يوم القيامة [ثلاثة (3)]: المنافقون، ومن كفر من ~~أصحاب المائدة، وآل فرعون، تصديق ذلك في كتاب الله تعالى، قال الله تعالى: ~~(إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار). وقال تعالى أصحاب المائدة: (فإني ~~أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين (4)). وقال في آل فرعون: (أدخلوا آل ~~فرعون أشد العذاب (5)). # PageV05P425 # قوله تعالى: الا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله ~~فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما (146) استثناء ممن ~~نافق. ومن شرط التائب من النفاق أن يصلح في قوله وفعله، ويعتصم بالله أي ~~يجعله ملجأ ومعاذا، ويخلص دينه لله، كما نصت عليه هذه الآية، وإلا فليس ~~بتائب، ولهذا أوقع أجر المؤمنين في التسويف (1) لانضمام المنافقين إليهم. ~~والله أعلم. روى البخاري (2) عن الأسود قال: كنا في حلقة عبد الله فجاء ~~حذيفة حتى قام علينا فسلم ثم قال: لقد نزل النفاق على قوم خير منكم، قال ~~الأسود: سبحان الله! إن الله تعالى يقول: (إن المنافقين في الدرك الأسفل من ~~النار). فتبسم عبد الله وجلس حذيفة في ناحية المسجد، فقام عبد الله فتفرق ~~أصحابه فرماني بالحصى فأتيته. فقال حذيفة: عجبت من ضحكه وقد عرف ما قلت: # لقد أنزل النفاق على قوم كانوا خيرا منكم ثم تابوا فتاب الله عليهم. وقال ~~الفراء: معنى (فأولئك مع المؤمنين) أي من المؤمنين. وقال القتبي: حاد عن ~~كلامهم غضبا عليهم (3) فقال: (فأولئك مع المؤمنين) ولم يقل: هم المؤمنون. ~~وحذفت الياء من (يؤت) في الخط كما حذفت في اللفظ، لسكونها وسكون اللام ~~بعدها، ومثله (يوم يناد المنادي (4)) و (سندع الزبانية) و (يوم يدع الداعي) ~~حذفت الواوات لالتقاء الساكنين. # قوله تعالى: ما يفعل الله بعذابكم ان شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليما ~~(147) استفهام بمعنى التقرير للمنافقين. التقدير: أي منفعة له في عذابكم إن ~~شكرتم وآمنتم، فنبه تعالى أنه لا يعذب الشاكر المؤمن، وأن تعذيبه عباده لا ~~يزيد ms1989 في ملكه، وتركه عقوبتهم على فعلهم لا ينقص من سلطانه. وقال مكحول: ~~أربع من كن فيه كن له، وثلاث من كن # PageV05P426 # فيه كن عليه، فالأربع اللاتي له: فالشكر والايمان والدعاء والاستغفار، ~~قال الله تعالى: (ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم) وقال الله تعالى: ~~(وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون (1)) ~~وقال تعالى: (قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم (2)). وأما الثلاث اللاتي ~~عليه: فالمكر والبغي والنكث، قال الله تعالى: (فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ~~(3)). # وقال تعالى: (ولا يحيق المكر السئ إلا بأهله (4)) وقال تعالى: (إنما ~~بغيكم على أنفسكم (5)). # (وكان الله شاكرا عليما) أي يشكر عباده على طاعته. ومعنى (يشكرهم) ~~يثيبهم، فيتقبل العمل القليل ويعطي عليه الثواب الجزيل، وذلك شكر منه على ~~عبادته. والشكر في اللغة الظهور، يقال: دابة شكور إذا أظهرت من السمن فوق ~~ما تعطى من العلف، وقد تقدم هذا المعنى مستوفى (6). والعرب تقول في المثل: ~~(أشكر من بروقة (7)) لأنها يقال: تخضر وتنضر بظل السحاب دون مطر. والله ~~أعلم. # تم الجزء الخامس من تفسير القرطبي يتلوه إن شاء الله تعالى الجزء السادس، ~~وأوله قوله تعالى: # " لا يجب الله الجهر بالسوء من القول " مصححة أبو إسحاق إبراهيم اطفيش # PageV05P427 # الجامع لأحكام القرآن لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي الجزء ~~السادس أعاد طبعه دار احياء التراث العربي بيروت - لبنان 1405 ه‍ 1985 م ~~بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا ~~من ظلم وكان الله سميعا عليما (148) إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن ~~سوء فإن الله كان عفوا قديرا (149) فيه ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول) وتم الكلام. ~~ثم قال جل وعز " إلا من ظلم " استثناء ليس من الأول في موضع نصب، أي لكن من ~~ظلم فله أن يقول ظلمني فلان. ويجوز أن يكون في موضع رفع ويكون التقدير: لا ~~يحب الله أن يجهر أحد بالسوء إلا من ظلم. ms1990 وقراءة الجمهور " ظلم " بضم الظاء ~~وكسر اللام، ويجوز إسكانها. ومن قرأ " ظلم " بفتح الظاء وفتح اللام وهو زيد ~~بن أسلم وابن أبي إسحاق وغيرهما على ما يأتي، فلا يجوز له أن يسكن اللام ~~لخفة الفتحة. فعلى القراءة الأولى قالت طائفة: # المعنى لا يحب الله أن يجهر أحد بالسوء من القول إلا من ظلم فلا يكره له ~~الجهر به. ثم اختلفوا في كيفية الجهر بالسوء وما هو المباح من ذلك، فقال ~~الحسن: هو الرجل يظلم الرجل فلا يدع (1) عليه، ولكن ليقل: اللهم أعني عليه، ~~اللهم استخرج حقي، اللهم حل بينه (2) وبين ما يريد من ظلمي. فهذا دعاء في ~~المدافعة وهي أقل منازل السوء. وقال ابن عباس وغيره: المباح لمن ظلم أن ~~يدعو على من ظلمه، وإن صبر فهو خير له، فهذا إطلاق في نوع الدعاء على ~~الظالم. وقال أيضا هو والسدي: لا بأس لمن ظلم أن ينتصر ممن ظلمه بمثل ظلمه ~~ويجهر له بالسوء من القول. وقال ابن المستنير: " إلا من ظلم " معناه، إلا ~~من أكره على أن يجهر بسوء من القول كفر أو نحوه فذلك مباح. والآية على هذا ~~في الاكراه، وكذا قال قطرب: # PageV06P001 # " إلا من ظلم " يريد المكره، لأنه مظلوم فذلك موضوع عنه وإن كفر، قال: ~~ويجوز أن يكون المعنى " إلا من ظلم " على البدل، كأنه قال: لا يحب الله إلا ~~من ظلم، أي لا يحب الله الظالم، فكأنه يقول: يحب من ظلم أي يأجر من ظلم. ~~والتقدير على هذا القول: لا يحب الله ذا الجهر بالسوء إلا من ظلم، على ~~البدل. وقال مجاهد: نزلت في الضيافة فرخص له أن يقول فيه. قال ابن جريج عن ~~مجاهد: نزلت في رجل ضاف رجلا بفلاة من الأرض فلم يضيفه فنزلت " إلا من ظلم ~~" ورواه ابن أبي نجيح أيضا عن مجاهد، قال: نزلت هذه الآية " لا يحب الله ~~الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم " في الرجل يمر بالرجل فلا يضيفه فرخص له ~~أن يقول فيه: إنه لم يحسن ضيافته. وقد استدل ms1991 من أوجب الضيافة بهذه الآية، ~~قالوا: # لان الظلم ممنوع منه فدل على وجوبها، وهو قول الليث بن سعد. والجمهور على ~~أنها من مكارم الأخلاق وسيأتي بيانها في " هود " (1) والذي يقتضيه ظاهر ~~الآية أن للمظلوم أن ينتصر من ظالمه - ولكن مع اقتصاد - إن كان مؤمنا كما ~~قال الحسن، فأما أن يقابل القذف بالقذف ونحوه فلا، وقد تقدم في " البقرة " ~~(2). وإن كان كافرا فأرسل لسانك وأدع بما شئت من الهلكة وبكل دعاء، كما فعل ~~النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: (اللهم أشدد وطأتك على مضر واجعلها ~~عليهم سنين كسني يوسف) وقال: (اللهم عليك بفلان وفلان) سماهم. # وإن كان مجاهرا بالظلم دعي (3) عليه جهرا، ولم يكن له عرض محترم ولا بدن ~~محترم ولا مال محترم. # وقد روي أبو داود عن عائشة قال: سرق لها شئ فجعلت تدعو عليه (4)، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تسبخي عنه) (5) أي لا تخففي عنه العقوبة ~~بدعائك عليه. وروي أيضا عن عمرو بن الشريد عن أبيه عن رسول الله صلي الله ~~عليه وسلم قال: (لي الواجد (6) ظلم يحل عرضه وعقوبته). قال ابن المبارك: ~~يحل عرضه يغلظ له، وعقوبته يحبس [له] (7). وفي صحيح مسلم (مطل الغنى ظلم). ~~فالموسر المتمكن إذا طولب بالأداء ومطل ظلم، وذلك يبيح من # PageV06P002 # عرضه أن يقال فيه: فلان يمطل الناس ويحبس حقوقهم ويبيح للامام أدبه ~~وتعزيره حتى يرتدع عن ذلك، حكي معناه عن سفيان، وهو معنى قول ابن المبارك ~~رضي الله عنهما. # الثانية - وليس من هذا الباب ما وقع في صحيح مسلم من قول العباس في علي ~~رضي الله عنهما بحضرة عمر وعثمان والزبير وعبد الرحمن بن عوف: يا أمير ~~المؤمنين اقض بيني وبين هذا الكاذب الآثم الغادر الخائن. الحديث. ولم يرد ~~عليه واحد منهم، لأنها كانت حكومة، كل واحد منهما يعتقدها لنفسه، حتى أنفذ ~~فيها عليهم عمر الواجب، قاله ابن العربي. # وقال علماؤنا: هذا إنما يكون فيما إذا استوت المنازل أو تقاربت، وأما إذا ~~تفاوتت، فلا تمكن الغوغاء من أن تستطيل ms1992 (1) على الفضلاء، وإنما تطلب حقها ~~بمجرد الدعوى من غير تصريح بظلم ولا غضب، وهذا صحيح وعليه تدل الآثار. ووجه ~~آخر - وهو أن هذا القول أخرجه من العباس الغضب وصولة سلطة العمومة! فإن ~~العم صنو (2) الأب، ولا شك أن الأب إذا أطلق هذه الألفاظ على ولده إنما ~~يحمل ذلك منه على أنه قصد الاغلاظ والردع مبالغة في تأديبه، لا أنه موصوف ~~بتلك الأمور، ثم انضاف إلى هذا أنهم في محاجة ولاية دينية، فكان العباس ~~يعتقد أن مخالفته فيها لا تجوز، وأن مخالفته فيها تؤدي إلى أن يتصف المخالف ~~بتلك الأمور، فأطلقها ببوادر الغضب على هذه الأوجه، ولما علم الحاضرون ذلك ~~لم ينكروا عليه، أشار إلى هذا المازري والقاضي عياض وغيرهما. # الثالثة - فأما من قرأ " ظلم " بالفتح في الظاء واللام - وهي قراءة زيد ~~بن أسلم، وكان من العلماء بالقرآن بالمدينة بعد محمد بن كعب القرظي، وقراءة ~~ابن أبي إسحاق والضحاك وابن عباس وابن جبير وعطاء بن السائب - فالمعنى: إلا ~~من ظلم في فعل أو قول فأجهروا له بالسوء من القول، في معنى النهي عن فعله ~~والتوبيخ له والرد عليه، المعنى لا يحب الله أن يقال لمن تاب من النفاق: ~~ألست نافقت؟ إلا من ظلم، أي أقام على النفاق، ودل على هذا قوله تعالى: " ~~إلا الذين تابوا ". قال ابن زيد: وذلك أنه سبحانه لما أخبر عن المنافقين # PageV06P003 # أنهم في الدرك الأسفل من النار كان ذلك جهرا بسوء من القول، ثم قال لهم ~~بعد ذلك: # " ما يفعل الله بعذابكم " [النساء: 147] على معنى التأنيس والاستدعاء إلى ~~الشكر والايمان. ثم قال للمؤمنين: # " لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم " في إقامته على النفاق، ~~فإنه يقال له: # ألست المنافق الكافر الذي لك في الآخرة الدرك الأسفل من النار؟ ونحو هذا ~~من القول. # وقال قوم: معنى الكلام: لا يحب الله أن يجهر أحد بالسوء من القول، ثم ~~استثنى استثناء منقطعا، أي لكن من ظلم فإنه يجهر بالسوء ظلما وعدوانا وهو ~~ظالم في ذلك. # قلت: وهذا ms1993 شأن كثير من الظلمة ودأبهم، فإنهم مع ظلمهم يستطيلون بألسنتهم ~~وينالون من عرض مظلومهم ما حرم عليهم. وقال أبو إسحاق الزجاج: يجوز أن يكون ~~المعنى " إلا من ظلم " فقال سوءا، فإنه ينبغي أن تأخذوا على يديه، ويكون ~~الاستثناء ليس من الأول. # قلت: ويدل على هذا أحاديث منها قوله عليه السلام: (خذوا على أيدي ~~سفهائكم). # وقوله: (أنصر أخاك ظالما أو مظلوما) قالوا: هذا ننصره مظلوما فكيف ننصره ~~ظالما؟ # قال: (تكفه عن الظلم). وقال الفراء: " إلا من ظلم " يعني ولا من ظلم. # قوله تعالى: (وكان الله سميعا عليما) تحذير للظالم حتى لا يظلم، وللمظلوم ~~حتى لا يتعدى الحد في الانتصار. ثم أتبع هذا بقوله: " إن تبدوا خيرا أو ~~تخفوه أو تعفوا عن سوء " فندب إلى العفو ورغب فيه. والعفو من صفة الله ~~تعالى مع القدرة على الانتقام، وقد تقدم في " آل عمران " (1) فضل العافين ~~[عن الناس] (2). ففي هذه الألفاظ اليسيرة معان كثيرة لمن تأملها. وقيل: إن ~~عفوت فإن الله يعفو عنك. روي ابن المبارك قال: حدثني من سمع الحسن يقول: ~~إذا جئت الأمم بين يدي رب العالمين يوم القيامة نودي ليقم من أجره على الله ~~فلا يقوم إلا من عفا في الدنيا، يصدق هذا الحديث قوله تعالى: " فمن عفا ~~وأصلح فأجره على الله " [الشورى: 40]. # (3) # PageV06P004 # قوله تعالى: إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ~~ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا (150) ~~أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا (151) فيه ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (إن الذين يكفرون) لما ذكر المشركين والمنافقين ذكر ~~الكفار من أهل الكتاب، اليهود والنصارى، إذ كفروا بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم، وبين أن الكفر به كفر بالكل، لأنه ما من نبي إلا وقد أمر قومه ~~بالايمان بحمد صلى الله عليه وسلم وبجميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. ~~ومعنى (يريدون أن يفرقوا بين الله ورسله) أي بين الايمان بالله ورسله، فنص ~~سبحانه على أن التفريق بين الله ورسله كفر، وإنما كان كفرا ms1994 لان الله سبحانه ~~فرض على الناس أن يعبدوه بما شرع لهم على ألسنة الرسل، فإذا جحدوا الرسل ~~ردوا عليهم شرائعهم ولم يقبلوها منهم، فكانوا ممتنعين من التزام العبودية ~~التي أمروا بالتزامها، فكان كجحد الصانع سبحانه، وجحد الصانع كفر لما فيه ~~من ترك التزام الطاعة والعبودية. وكذلك التفريق بين رسله في الايمان بهم ~~كفر، وهي: # المسألة الثانية - لقوله تعالى: (ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض) وهم ~~اليهود آمنوا بموسى وكفروا بعيسى ومحمد، وقد تقدم هذا من قولهم في " البقرة ~~" (1). ويقولون لعوامهم: لم نجد ذكر محمد في كتبنا. (ويريدون أن يتخذوا بين ~~ذلك سبيلا) أي يتخذوا بين الايمان والجحد طريقا، أي دينا مبتدعا بين ~~الاسلام واليهودية. وقال: " ذلك " ولم يقل ذينك، لان ذلك تقع للاثنين ولو ~~كان (2) ذينك لجاز. # الثالثة - قوله تعالى: (أولئك هم الكافرين حقا) تأكيد يزيل التوهم في ~~إيمانهم حين وصفهم بأنهم يقولون نؤمن ببعض، وأن ذلك لا ينفعهم إذا كفروا ~~برسوله، وإذا # PageV06P005 # كفروا برسوله فقد كفروا به عز وجل، وكفروا بكل رسول مبشر بذلك الرسول، ~~فلذلك صاروا الكافرين حقا. و (للكافرين) يقوم مقام المفعول الثاني لاعتدنا، ~~أي أعتدنا لجميع أصنافهم (عذابا مهينا) أي مذلا. # قوله تعالى: والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف ~~يؤتيهم أجورهم وكان الله غفورا رحيما (152) يعني به النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأمته. # قوله تعالى: يسئلك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا ~~موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ثم اتخذوا ~~العجل من بعد ما جاءتهم البينات فعفونا عن ذلك وأتينا موسى سلطانا مبينا ~~(153) سألت اليهود محمدا صلى الله عليه وسلم أن يصعد إلى السماء وهم يرونه ~~فينزل عليهم كتابا مكتوبا فيما يدعيه على صدقه دفعة واحدة، كما أتى موسى ~~بالتوراة، تعنتا له صلى الله عليه وسلم، فأعلم الله عز وجل أن آباءهم قد ~~عنتوا موسى عليه السلام بأكبر من هذا " فقالوا أرنا الله جهرة " أي عيانا، ~~وقد تقدم في " البقرة " (1). و " جهرة " نعت ms1995 لمصدر محذوف أي رؤية جهرة، ~~فعوقبوا بالصاعقة لعظم ما جاءوا به من السؤال والظلم [من] (2) بعد ما رأوا ~~من المعجزات. # قوله تعالى: (ثم اتخذوا العجل) في الكلام حذف تقديره: فأحييناهم فلم ~~يبرحوا فاتخذوا العجل، وقد تقدم في " البقرة " (3) ويأتي ذكره في " طه " ~~(4) [إن شاء الله] (5). (من بعد ما جاءتهم البينات) أي البراهين والدلالات ~~والمعجزات الظاهرات من اليد والعصا وفلق البحر وغيرها # PageV06P006 # بأنه لا معبود إلا الله عز وجل. (فعفونا عن ذلك) أي عما كان منهم من ~~التعنت. # (وآتينا موسى سلطانا مبينا) أي حجة بينة وهي الآيات التي جاء بها، وسميت ~~سلطانا لان من جاء بها قاهر بالحجة، وهي قاهرة للقلوب، بأن تعلم أنه ليس في ~~قوى البشر أن يأتوا بمثلها. # قوله تعالى: ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا ~~وقلنا لهم لا تعدوا في السبت وأخذنا منهم ميثاقا غليظا (154) قوله تعالى: " ~~ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم " أي بسبب نقضهم الميثاق الذي أخذ منهم، وهو ~~العمل بما في التوراة، وقد تقدم رفع الجبل ودخولهم الباب في " البقرة " ~~(1). # و " سجدا " نصب على الحال. وقرأ ورش وحده " وقلنا لهم لا تعدوا في السبت ~~" بفتح العين من عدا يعدو عدوا وعدوانا وعدوا وعداء، أي باقتناص الحيتان ~~كما تقدم في " البقرة " (2). # والأصل فيه (3) وتعتدوا أدغمت التاء في الدال، قال النحاس: ولا يجوز ~~إسكان العين ولا يوصل إلى الجمع بين ساكنين في هذا، والذي يقرأ به إنما ~~يروم (4) الخطأ. (وأخذنا منهم ميثاقا غليظا) يعني العهد الذي أخذ عليهم في ~~التوراة. وقيل: عهد مؤكد باليمين فسمي غليظا لذلك. # قوله تعالى: فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير ~~حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا (155) ~~وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما (156) قوله تعالى: (فبما نقضهم ~~ميثاقهم) " فبما نقضهم " خفض بالباء و " ما " زائدة مؤكدة كقوله: " فبما ~~رحمة من الله " [آل عمران: 159] وقد تقدم (5)، والباء متعلقة بمحذوف، ~~التقدير: # فبنقضهم ميثاقهم لعناهم، عن قتادة وغيره. وحذف هذا لعلم السامع. وقال أبو ms1996 ~~الحسن علي بن حمزة الكسائي: هو متعلق بما قبله، والمعنى فأخذتهم الصاعقة ~~بظلمهم # PageV06P007 # إلى قوله: " فبما نقضهم ميثاقهم " قال: ففسر ظلمهم الذي أخذتهم الصاعقة ~~من أجله بما بعده من نقضهم الميثاق وقتلهم الأنبياء وسائر ما بين من ~~الأشياء التي ظلموا فيها أنفسهم. # وأنكر ذلك الطبري وغيره، لان الذين أخذتهم الصاعقة كانوا على عهد موسى، ~~والذين قتلوا الأنبياء ورموا مريم بالبهتان كانوا بعد موسى بزمان، فلم تأخذ ~~الصاعقة الذين أخذتهم برميهم مريم بالبهتان. قال المهدوي وغيره: وهذا لا ~~يلزم، لأنه يجوز أن يخبر عنهم والمراد آباؤهم، على ما تقدم في " البقرة " ~~(1). [قال] (2) الزجاج: المعنى فبنقضهم ميثاقهم حرمنا عليهم طيبات أحلت ~~لهم، لان هذه القصة ممتدة إلى قوله: " فبظلم من الذين هادوا حرمنا " ~~[النساء: 160]. ونقضهم الميثاق أنه أخذ عليهم أن يبينوا صفة النبي صلي الله ~~عليه وسلم. وقيل: المعنى فبنقضهم ميثاقهم وفعلهم كذا وفعلهم كذا طبع الله ~~على قلوبهم. وقيل: المعنى فبنقضهم لا يؤمنون إلا قليلا، والفاء مقحمة. و " ~~كفرهم " عطف، وكذا و " قتلهم ". والمراد " بآيات الله " كتبهم التي حرفوها. ~~و " غلف " جمع غلاف، أي قلوبنا أوعية للعلم فلا حاجة بنا إلى علم سوى ما ~~عندنا. وقيل: هو جمع أغلف وهو المغطى بالغلاف، أي قلوبنا في أغطية فلا نفقه ~~ما تقول، وهو كقوله: " قلوبنا في أكنة " [فصلت: 5] (3) وقد تقدم هذا في " ~~البقرة " (4) وغرضهم بهذا درء (5) حجة الرسل. والطبع الختم، وقد تقدم في " ~~البقرة " (6). " بكفرهم " أي جزاء لهم على كفرهم، كما قال: " بل لعنهم الله ~~بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا " [البقرة: 88] (7) أي إلا إيمانا قليلا أي ~~ببعض الأنبياء، وذلك غير نافع لهم. ثم كرر " وبكفرهم " ليخبر أنهم كفروا ~~كفرا بعد كفر. وقيل: المعنى " وبكفرهم " بالمسيح، فحذف لدلالة ما بعده ~~عليه، والعامل في " بكفرهم " هو العامل في " بنقضهم " لأنه معطوف عليه، ولا ~~يجوز أن يكون العامل فيه " طبع ". والبهتان العظيم رميها بيوسف النجار وكان ~~من الصالحين منهم. والبهتان الكذب المفرط الذي يتعجب منه وقد تقدم (7). ~~[والله سبحانه وتعالى أعلم] (8). # PageV06P008 # قوله تعالى: وقولهم إنا قتلنا ms1997 المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه ~~وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم ~~إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا (157) بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا ~~حكيما (158) قوله تعالى: (وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم) كسرت " ~~إن " لأنها مبتدأة بعد القول وفتحها لغة. وقد تقدم في " آل عمران " اشتقاق ~~لفظ المسيح. (رسول الله) بدل، وإن شئت على معنى أعني. (وما قتلوه وما ~~صلبوه) رد لقولهم. (ولكن شبه لهم) أي ألقي شبهه على غيره كما تقدم في " آل ~~عمران " (2). وقيل: لم يكونوا يعرفون شخصه وقتلوا الذي قتلوه وهم شاكون ~~فيه، كما قال تعالى: (وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه). والاخبار قيل: ~~إنه عن جميعهم. وقيل: إنه لم يختلف فيه إلا عوامهم، ومعنى اختلافهم قول ~~بعضهم إنه إله، وبعضهم هو ابن الله. قاله الحسن: وقيل اختلافهم أن عوامهم ~~قالوا قتلنا عيسى. وقال من عاين رفعه إلى السماء: ما قتلناه. وقيل: ~~اختلافهم أن النسطورية من النصارى قالوا: صلب عيسى من جهة ناسوته لا من جهة ~~لاهوته. وقالت الملكانية: وقع الصلب والقتل على المسيح بكماله ناسوته ~~ولاهوته. وقيل: اختلافهم هو أنهم قالوا: إن كان هذا صاحبنا فأين عيسى؟! وإن ~~كان هذا عيسى فأين صاحبنا؟! وقيل: اختلافهم هو أن اليهود قالوا: نحن ~~قتلناه، لان يهوذا رأس اليهود هو الذي سعى في قتله. وقالت طائفة من ~~النصارى: # بل قتلناه نحن. وقالت طائفة منهم: بل رفعه الله إلى السماء ونحن ننظر ~~إليه. (ما لهم به من علم) من زائدة، وتم الكلام. ثم قال عز وجل: (إلا اتباع ~~الظن) استثناء ليس من # PageV06P009 # الأول في موضع نصب، ويجوز أن يكون في موضع رفع على البدل، أي ما لهم به ~~من علم إلا اتباع الظن. وأنشد سيبويه: # وبلدة ليس بها أنيس * إلا اليعافير (1) وإلا العيس قوله تعالى: (وما ~~قتلوه يقينا) قال ابن عباس والسدي: المعنى ما قتلوا ظنهم يقينا، كقولك: # قتلته علما إذا علمته علما تاما، ms1998 فالهاء عائدة على الظن. قال أبو عبيد: ~~ولو كان المعنى وما قتلوا عيسى يقينا لقال: وما قتلوه فقط. وقيل: المعنى ~~وما قتلوا الذي شبه لهم أنه عيسى يقينا، فالوقف على هذا على " يقينا ". ~~وقيل: المعنى وما قتلوا عيسى، والوقف على " وما قتلوه " و " يقينا " نعت ~~لمصدر محذوف، وفيه تقديران: أحدهما - أي قالوا هذا قولا يقينا، أو قال الله ~~هذا قولا يقينا. والقول الآخر - أن يكون المعنى وما علموه علما يقينا. ~~النحاس: # إن قدرت المعنى بل رفعه الله إليه يقينا فهو خطأ، لأنه لا يعمل ما بعد " ~~بل " فيما قبلها لضعفها. وأجاز ابن الأنباري الوقف على " وما قتلوه " على ~~أن ينصب " يقينا " بفعل مضمر هو جواب القسم، تقديره: ولقد صدقتم يقينا أي ~~صدقا يقينا. (بل رفعه الله إليه) ابتداء كلام مستأنف، أي إلى السماء، والله ~~تعالى متعال عن المكان، وقد تقدم كيفية رفعه في " آل عمران " (2). (وكان ~~الله عزيزا) أي قويا بالنقمة من اليهود فسلط عليهم بطرس (3) بن استيسانوس ~~الرومي فقتل منهم مقتلة عظيمة. (حكيما) حكم عليهم باللعنة والغضب. # قوله تعالى: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون ~~عليهم شهيدا (159) قوله تعالى: (وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل ~~موته). قال ابن عباس والحسن ومجاهد وعكرمة: المعنى ليؤمنن بالمسيح " قبل ~~موته " أي الكتابي، فالهاء الأولى عائدة على عيسى، والثانية على الكتابي، ~~وذلك أنه ليس أحد من أهل الكتاب # PageV06P010 # اليهود والنصارى إلا ويؤمن بعيسى عليه السلام إذا عاين الملك، ولكنه ~~إيمان لا ينفع، لأنه إيمان عند اليأس وحين التلبس بحالة الموت، فاليهودي ~~يقر في ذلك الوقت بأنه رسول الله، والنصراني يقر بأنه كان رسول الله. وروي ~~أن الحجاج سأل شهر بن حوشب عن هذه الآية فقال: إني لأوتى بالأسير من اليهود ~~والنصارى فأمر بضرب عنقه، وأنظر إليه في ذلك الوقت فلا أرى منه الايمان، ~~فقال له شهر بن حوشب: إنه حين عاين أمر الآخرة يقر بأن عيسى عبد الله ~~ورسوله فيؤمن به ولا ينفعه، فقال له ms1999 الحجاج: من أين أخذت هذا؟ قال: أخذته ~~من محمد بن الحنفية، فقال له الحجاج: أخذت من عين صافية. وروي عن مجاهد أنه ~~قال: # ما من أحد من أهل الكتاب إلا يؤمن بعيسى قبل موته، فقيل له: إن غرق أو ~~أحترق أو أكله السبع يؤمن بعيسى؟ فقال: نعم! وقيل: إن الهاءين جميعا لعيسى ~~عليه السلام، والمعنى ليؤمنن به من كان حيا حين نزوله يوم (1) القيامة، ~~قاله قتادة وابن زيد وغيرهما واختاره الطبري. وروى يزيد بن زريع عن رجل عن ~~الحسن في قوله تعالى: " وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته " قال: ~~قبل موت عيسى، والله إنه لحي عند الله الآن، ولكن إذا نزل آمنوا به أجمعون، ~~ونحوه عن الضحاك وسعيد بن جبير. وقيل: " ليؤمنن به " أي بمحمد عليه السلام ~~وإن لم يجر له ذكر، لان هذه الأقاصيص أنزلت عليه والمقصود الايمان به، ~~والايمان بعيسى يتضمن الايمان بمحمد عليه الصلاة والسلام أيضا، إذ لا يجوز ~~أن يفرق بينهم. وقيل: " ليؤمنن به " أي بالله تعالى قبل أن يموت ولا ينفعه ~~الايمان عند المعاينة. والتأويلان الأولان أظهر. وروى الزهري عن سعيد بن ~~المسيب عن أبي هريرة عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: " لينزلن ابن ~~مريم حكما عدلا فليقتلن الدجال وليقتلن الخنزير وليكسرن الصليب وتكون ~~السجدة واحدة لله رب العالمين)، ثم قال أبو هريرة: # واقرأوا إن شئتم " وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته " قال أبو ~~هريرة: قبل موت عيسى، يعيدها ثلاث مرات. وتقدير الآية عند سيبويه: وإن من ~~أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنن به. وتقدير الكوفيين: وإن من أهل الكتاب إلا من ~~ليؤمنن به، وفيه قبح، لان فيه حذف الموصول، والصلة بعض الموصول فكأنه حذف ~~بعض الاسم. # PageV06P011 # قوله تعالى: (ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا) أي بتكذيب من كذبه وتصديق ~~من صدقه. # قوله تعالى: فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن ~~سبيل الله كثيرا (160) وأخذهم الربوا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس ~~بالباطل وأعتدنا للكافرين ms2000 منهم عذابا أليما (161) فيه مسئلتان: # الأولى - قوله تعالى: " فبظلم من الذين هادوا " قال الزجاج: هذا بدل من " ~~فبما نقضهم ". والطيبات ما نصه في قوله تعالى: " وعلى الذين هادوا حرمنا كل ~~ذي ظفر " [الانعام: 146] (1). # وقدم الظلم على التحريم إذ هو الغرض الذي قصد إلى الاخبار عنه بأنه سبب ~~التحريم. # (وبصدهم عن سبيل الله) أي وبصدهم أنفسهم وغيرهم عن أتباع محمد صلى الله ~~عليه وسلم. # (وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل) كله تفسير للظلم ~~الذي تعاطوه، وكذلك ما قبله من نقضهم الميثاق وما بعده، وقد مضى في " آل ~~عمران " (2) أن اختلاف العلماء في سبب التحريم على ثلاثة أقوال هذا أحدها. # الثانية - قال ابن العربي: لا خلاف في مذهب مالك أن الكفار مخاطبون، وقد ~~بين الله في هذه الآية أنهم قد نهوا عن الربا وأكل الأموال بالباطل، فإن ~~كان ذلك خبرا عما نزل على محمد في القرآن وأنهم دخلوا في الخطاب فبها ~~ونعمت، وإن كان خبرا عما أنزل الله على موسى في التوراة، وأنهم بدلوا ~~وحرفوا وعصوا وخالفوا فهل يجوز لنا معاملتهم والقوم قد أفسدوا أموالهم في ~~دينهم أم لا؟ فظنت طائفة أن معاملتهم لا تجوز، وذلك لما في أموالهم من هذا ~~الفساد. والصحيح جواز معاملتهم مع رباهم واقتحام ما حرم الله سبحانه عليهم، ~~فقد قام الدليل القاطع على ذلك قرآنا وسنة، قال الله تعالى: " وطعام الذين ~~أوتوا الكتاب حل لكم " [المائدة: 5] (3) # PageV06P012 # وهذا نص، وقد عامل النبي صلى الله عليه وسلم اليهود ومات ودرعه مرهونة ~~عند يهودي في شعير أخذه لعياله (1). والحاسم لداء الشك والخلاف اتفاق الأمة ~~على جواز التجارة مع أهل الحرب، وقد سافر النبي صلى الله عليه وسلم إليهم ~~تاجرا، وذلك من سفره أمر قاطع على جواز السفر إليهم والتجارة معهم. فإن ~~قيل: كان ذلك قبل النبوة، قلنا: إنه لم يتدنس قبل النبوة بحرام - ثبت ذلك ~~تواترا - ولا أعتذر عنه إذ بعث، ولا منع منه إذ نبئ، ولا قطعه أحد من ~~الصحابة في حياته، ولا أحد من المسلمين ms2001 بعد وفاته، فقد كانوا يسافرون في فك ~~الاسرى وذلك واجب، وفي الصلح كما أرسل عثمان وغيره، وقد يجب وقد يكون ندبا، ~~فأما السفر إليهم لمجرد التجارة فمباح. # قوله تعالى: لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك ~~وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم ~~الآخر أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما (162) قوله تعالى: " لكن الراسخون في العلم ~~منهم " استثنى مؤمني أهل الكتاب، وذلك أن اليهود أنكروا وقالوا: إن هذه ~~الأشياء كانت حراما في الأصل وأنت تحلها ولم تكن حرمت بظلمنا، فنزل " لكن ~~الراسخون في العلم " والراسخ هو المبالغ في علم الكتاب الثابت فيه، والرسوخ ~~الثبوت، وقد تقدم في " آل عمران " (2) والمراد عبد الله بن سلام وكعب ~~الأحبار ونظراؤهما. # " والمؤمنون " أي من المهاجرين والأنصار، أصحاب محمد عليه السلام. " ~~والمقيمين الصلاة " وقرأ الحسن ومالك بن دينار وجماعة: " والمقيمون " على ~~العطف، وكذا هو في حرف عبد الله، وأما حرف أبي فهو فيه " والمقيمين " كما ~~في المصاحف. واختلف في نصبه على أقوال ستة، أصحها قول سيبويه بأنه نصب على ~~المدح، أي وأعني المقيمين، قال سيبويه: هذا باب ما ينتصب على التعظيم، ومن ~~ذلك " والمقيمين الصلاة " وأنشد: # PageV06P013 # وكل قوم أطاعوا أمر سيدهم * إلا نميرا أطاعت أمر غاويها ويروى (أمر ~~مرشدهم). # الظاعنين (1) ولما يظعنوا أحدا * والقائلون لمن دار نخليها وأنشد: (2) لا ~~يبعدن قومي الذين هم * سم العداة وآفة الجزر النازلين بكل معترك * والطيبون ~~معاقد الأزر قال النحاس: وهذا أصح ما قيل في " المقيمين ". وقال الكسائي: " ~~والمقيمين " معطوف على " ما ". قال النحاس قال الأخفش: وهذا بعيد، لان ~~المعنى يكون ويؤمنون بالمقيمين. وحكى محمد بن جرير (3) أنه قيل له: إن ~~المقيمين ههنا الملائكة عليهم السلام، لدوامهم على الصلاة والتسبيح ~~والاستغفار، واختار هذا القول، وحكى أن النصب على المدح بعيد، لان المدح ~~إنما يأتي بعد تمام الخبر، وخبر الراسخين في " أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما " ~~فلا ينتصب " المقيمين " على المدح. قال النحاس: ومذهب سيبويه في قوله: " ~~والمؤتون " رفع بالابتداء. # وقال غيره: هو مرفوع على إضمار مبتدأ، ms2002 أي هم المؤتون الزكاة. وقيل: " ~~والمقيمين " عطف على الكاف التي في " قبلك ". أي من قبلك ومن قبل المقيمين. ~~وقيل: " المقيمين " عطف على الكاف التي في " إليك ". وقيل: هو عطف على ~~الهاء والميم، أي منهم ومن المقيمين، وهذه الأجوبة الثلاثة لا تجوز، لان ~~فيها عطف مظهر على مضمر مخفوض. والجواب السادس - ما روي أن عائشة رضي الله ~~عنها سئلت عن هذه الآية وعن قوله: " إن هذان لساحران " [طه: 63] (4) وقوله: ~~" والصابئون " (5) في [المائدة: 69]، فقالت للسائل: يا بن أخي (6) الكتاب ~~أخطئوا. وقال # PageV06P014 # أبان بن عثمان: كان الكاتب يملي عليه فيكتب فكتب " لكن الراسخون في العلم ~~منهم والمؤمنون " ثم قال له: ما أكتب؟ فقيل له: اكتب " والمقيمين الصلاة " ~~فمن ثم وقع هذا. # قال القشيري: وهذا المسلك باطل، لان الذين جمعوا الكتاب كانوا قدوة في ~~اللغة، فلا يظن بهم أنهم يدرجون في القرآن ما لم ينزل. وأصح هذه الأقوال ~~قول سيبويه وهو قول الخليل، وقول الكسائي هو اختيار القفال والطبري، [والله ~~أعلم] (1). # قوله تعالى: إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده ~~وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس ~~وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا (163) قوله تعالى: (إنا أوحينا إليك كما ~~أوحينا إلى نوح) هذا متصل بقوله: # " يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء " [النساء: 153]، ~~فأعلم تعالى أن أمر محمد صلى الله عليه وسلم كأمر من تقدمه من الأنبياء. ~~وقال ابن عباس فيما ذكره ابن إسحاق: نزلت في قوم من اليهود - منهم سكين ~~وعدي بن زيد - قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: # ما أوحى الله إلى أحد من بعد موسى فكذبهم الله. والوحي إعلام في خفاء، ~~يقال: وحى إليه بالكلام يحي وحيا، وأوحى يوحي إيحاء. " إلى نوح " قدمه لأنه ~~أول نبي شرعت على لسانه الشرائع. وقيل غير هذا، ذكر الزبير بن بكار حدثني ~~أبو الحسن علي بن المغيرة عن هشام بن محمد بن السائب عن أبيه قال: أول نبي ~~بعثه الله [تبارك (2) وتعالى] في الأرض إدريس واسمه أخنوخ (3)، ثم ms2003 انقطعت ~~الرسل حتى بعث الله نوح بن لمك (4) بن متوشلخ (5) بن أخنوخ، وقد كان سام بن ~~نوح نبيا، ثم انقطعت الرسل حتى بعث الله إبراهيم نبيا واتخذه خليلا، وهو ~~إبراهيم بن تارخ واسم تارخ آزر، ثم بعث إسماعيل بن إبراهيم فمات بمكة، ثم ~~إسحاق بن إبراهيم # PageV06P015 # فمات بالشام، ثم لوط وإبراهيم عمه، ثم يعقوب وهو إسرائيل بن إسحاق ثم ~~يوسف ابن يعقوب ثم شعيب بن يوبب (1)، ثم هود بن عبد الله، ثم صالح بن أسف، ~~ثم موسى وهارون ابنا عمران، ثم أيوب ثم الخضر وهو (2) خضرون، ثم داود بن ~~إيشا، ثم سليمان ابن داود، ثم يونس بن متى، ثم إلياس (3)، ثم ذا الكفل ~~واسمه عويدنا من سبط يهوذا ابن يعقوب، قال: وبين موسى بن عمران ومريم بنت ~~عمران أم عيسى ألف سنة وسبعمائة سنة وليسا من سبط (4)، ثم محمد بن عبد الله ~~بن عبد المطلب النبي صلى الله عليه وسلم. قال الزبير: كل نبي ذكر في القرآن ~~من ولد إبراهيم غير إدريس ونوح ولوط وهود وصالح. # ولم يكن من العرب أنبياء إلا خمسة: هود وصالح وإسماعيل وشعيب ومحمد صلى ~~الله عليه وعليهم أجمعين (4)، وإنما سموا عربا لأنه لم يتكلم بالعربية ~~غيرهم. # قوله تعالى: (والنبيين من بعده) هذا يتناول جميع الأنبياء، ثم قال: " ~~وأوحينا إلى إبراهيم " فخص أقواما بالذكر تشريفا لهم، كقوله تعالى: " ~~وملائكته ورسله وجبريل ومكيال " (5) ثم قال: (وعيسى وأيوب) قدم عيسى على ~~قوم كانوا قبله، لان الواو لا تقتضي الترتيب، وأيضا فيه تخصيص عيسى ردا على ~~اليهود. وفي هذه الآية تنبيه على قدر نبينا صلى الله عليه وسلم وشرفه، حيث ~~قدمه في الذكر على أنبيائه، ومثله قوله تعالى: " وإذ أخذنا من النبيين ~~ميثاقهم ومنك ومن نوح " (6) [الأحزاب: 7] الآية، ونوح مشتق من النوح، وقد ~~تقدم ذكره موعبا في " آل عمران " (7) وانصرف وهو اسم أعجمي، لأنه على ثلاثة ~~أحرف فخف، فأما إبراهيم وإسماعيل [وإسحق] (8) فأعجمية وهي معرفة ولذلك لم ~~تنصرف، وكذا يعقوب وعيسى وموسى إلا أن عيسى وموسى يجوز أن تكون ms2004 الألف فيهما ~~للتأنيث فلا ينصرفان في معرفة ولا نكرة، فأما يونس ويوسف فروي عن الحسن أنه ~~قرأ " ويونس " بكسر النون وكذا " يوسف " يجعلهما من آنس وآسف، ويجب على هذا ~~أن يصرفا ويهمزا ويكون جمعهما يأنس ويآسف. ومن لم يهمز قال: يوانس # PageV06P016 # ويواسف. وحكى أبو زيد: يونس ويوسف بفتح النون والسين، قال المهدوي: وكأن ~~" يونس " في الأصل فعل مبني للفاعل، و " يونس " فعل مبني للمفعول، فسمي ~~بهما. # قوله تعالى: (وآتينا داود زبورا) الزبور كتاب داود وكان مائة وخمسين سورة ~~ليس فيها حكم ولا حلال ولا حرام، وإنما هي حكم ومواعظ. والزبر الكتابة، ~~والزبور بمعنى المزبور أي المكتوب، كالرسول والركوب والحلوب. وقرأ حمزة " ~~زبورا " بضم الزاي جمع زبر كفلس وفلوس، وزبر بمعنى المزبور، كما يقال: هذا ~~الدرهم ضرب الأمير أي مضروبه، والأصل في الكلمة التوثيق، يقال: بئر مزبورة ~~أي مطوية بالحجارة، والكتاب يسمى زبورا لقوة الوثيقة به. وكان داود عليه ~~السلام حسن الصوت، فإذا أخذ في قراءة الزبور أجتمع إليه الإنس والجن والطير ~~والوحش لحسن صوته، وكان متواضعا يأكل من عمل يده، روى أبو بكر بن أبي شيبة ~~حدثنا أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه قال: أن كان داود صلى الله عليه ~~وسلم ليخطب الناس وفي يده القفة من الخوص، فإذا فرغ ناولها بعض من إلى جنبه ~~يبيعها، وكان يصنع الدروع، وسيأتي (1). وفي الحديث: (الزرقة في العين يمن) ~~وكان داود أزرق. # قوله تعالى: ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم ~~الله موسى تكليما (164) قوله تعالى: " ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل " يعني ~~بمكة. " ورسلا " منصوب بإضمار فعل، أي وأرسلنا رسلا، لان معنى " وأوحينا ~~إلى نوح " وأرسلنا نوحا. وقيل: # هو منصوب بفعل دل عليه " قصصناهم " أي وقصصنا رسلا، ومثله ما أنشد ~~سيبويه: (2) أصبحت لا أحمل السلاح ولا * أملك رأس البعير إن نفرا والذئب ~~أخشاه إن مررت به * وحدي وأخشى الرياح والمطرا # PageV06P017 # أي وأخشى الذئب. وفي حرف أبي " ورسل " بالرفع على تقدير ومنهم رسل. ثم ~~قيل: # إن الله ms2005 تعالى لما قص في كتابه بعض أسماء أنبيائه، ولم يذكر أسماء بعض، ~~ولمن ذكر فضل على من لم يذكر. قالت اليهود: ذكر محمد الأنبياء ولم يذكر ~~موسى، فنزلت " وكلم الله موسى تكليما " " تكليما " مصدر معناه التأكيد، يدل ~~على بطلان من يقول: خلق لنفسه كلاما في شجرة فسمعه موسى، بل هو الكلام ~~الحقيقي الذي يكون به المتكلم متكلما. قال النحاس: وأجمع النحويون على أنك ~~إذا أكدت الفعل بالمصدر لم يكن مجازا، وأنه لا يجوز في قول الشاعر: # * امتلأ الحوض وقال قطني * أن يقول: قال قولا، فكذا لما قال: " تكليما " ~~وجب أن يكون كلاما على الحقيقة من الكلام الذي يعقل. وقال وهب بن منبه: إن ~~موسى عليه السلام قال: " يا رب بم اتخذتني كليما "؟ طلب العمل الذي أسعده ~~الله به ليكثر منه، فقال الله تعالى له: أتذكر إذ ند من غنمك جدي فأتبعته ~~أكثر النهار وأتعبك، ثم أخذته وقبلته وضممته إلى صدرك وقلت له: # أتعبتني وأتعبت نفسك، ولم تغضب عليه، من أجل ذلك اتخذتك كليما. # قوله تعالى: رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ~~وكان اله عزيزا حكيما (165) قوله تعالى: (رسلا مبشرين ومنذرين) هو نصب على ~~البدل من " ورسلا قد قصصناهم " ويجوز أن يكون على إضمار فعل، ويجوز نصبه ~~على الحال، أي كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده رسلا. (لئلا يكون للناس ~~على الله حجة بعد الرسل) فيقولوا ما أرسلت إلينا رسولا، وما أنزلت علينا ~~كتابا، وفي التنزيل: " وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا " (1) [الاسراء: 15]، ~~وقوله تعالى: " ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت ~~إلينا رسولا فنتبع (2) آياتك " [طه: 134] وفي هذا كله دليل واضح أنه لا يجب ~~شئ من ناحية العقل. وروي عن كعب الأحبار أنه قال: كان الأنبياء ألفي ألف ~~ومائتي (3) ألف. وقال مقاتل: (4) كان الأنبياء # PageV06P018 # ألف ألف وأربعمائة ألف وأربعة وعشرين ألفا. وروى أنس بن مالك عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (بعثت على أثر ثمانية آلاف من الأنبياء ms2006 ~~منهم أربعة آلاف من بني إسرائيل) ذكره أبو الليث السمرقندي في التفسير له، ~~ثم أسند عن شعبة عن أبي إسحاق عن الحارث الأعور عن أبي ذر الغفاري قال: قلت ~~يا رسول الله كم كانت الأنبياء وكم كان المرسلون؟ قال: (كانت الأنبياء مائة ~~ألف نبي وأربعة وعشرين ألف نبي وكان المرسلون ثلاثمائة وثلاثة عشر). # قلت: هذا أصح ما روي في ذلك، خرجه الآجري وأبو حاتم البستي في المسند ~~الصحيح له. # قوله تعالى: لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون ~~وكفى بالله شهيدا (166) قوله تعالى: " لكن الله يشهد " رفع بالابتداء، وإن ~~شئت شددت النون ونصبت. # وفي الكلام حذف دل عليه الكلام، كأن الكفار قالوا: ما نشهد لك يا محمد ~~فيما تقول فمن يشهد لك؟ فنزل " لكن الله يشهد ". ومعنى (أنزله بعلمه) أي ~~وهو يعلم أنك أهل لانزاله عليك، ودلت الآية على أنه تعالى عالم بعلم. ~~(والملائكة يشهدون) ذكر شهادة الملائكة ليقابل بها نفي شهادتهم. (وكفى ~~بالله شهيدا) أي كفى الله شاهدا، والباء زائدة. # قوله تعالى: إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله قد ضلوا ضلالا بعيدا ~~(167) قوله تعالى: (إن الذين كفروا) يعني اليهود [أي ظلموا] (1). (وصدوا عن ~~سبيل الله) أي عن أتباع [الرسول] (2) محمد صلى الله عليه وسلم بقولهم: ما ~~نجد صفته (3) في كتابنا، وإنما النبوة في ولد هارون وداود، وإن في التوراة ~~أن شرع موسى لا ينسخ. (قد ضلوا ضلالا بعيدا) لأنهم كفروا ومع ذلك منعوا ~~الناس من الاسلام. # PageV06P019 # قوله تعالى: إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم ~~طريقا (168) إلا طريق جهنم خالدين فيها أبدا وكان ذلك على الله يسيرا (169) ~~قوله تعالى: (إن الذين كفروا وظلموا) يعني اليهود، أي ظلموا محمدا بكتمان ~~نعته، وأنفسهم إذ كفروا، والناس إذ كتموهم. (لم يكن الله ليغفر لهم) هذا ~~فيمن يموت على كفره ولم يتب. # قوله تعالى: يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم فآمنوا خيرا ~~لكم وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات والأرض وكان ms2007 الله عليما حكيما (170) ~~قوله تعالى: (يا أيها الناس) هذا خطاب للكل. (قد جاءكم الرسول) يريد محمدا ~~عليه الصلاة والسلام. (بالحق) بالقرآن. وقيل: بالدين الحق، وقيل: بشهادة أن ~~لا إله إلا الله، وقيل: الباء للتعدية، أي جاءكم ومعه الحق، فهو في موضع ~~الحال. # قوله تعالى: (فآمنوا خيرا لكم) في الكلام إضمار، أي وأتوا خيرا لكم، هذا ~~مذهب سيبويه، وعلى قول الفراء نعت لمصدر محذوف، أي إيمانا خيرا لكم، وعلى ~~قول أبي عبيدة يكن خيرا لكم. # قوله تعالى: يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا ~~الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ~~فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد ~~سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا ~~(171) PageV06P020 # قوله تعالى: (يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم) نهى عن الغلو. والغلو ~~التجاوز في الحد، ومنه غلا السعر يغلو غلاء، وغلا الرجل في الامر غلوا، ~~وغلا بالجارية لحمها وعظمها إذا أسرعت الشباب فجاوزت لداتها (1)، ويعني ~~بذلك فيما ذكره المفسرون غلو اليهود في عيسى حتى قذفوا مريم، وغلو النصارى ~~فيه حتى جعلوه ربا، فالافراط والتقصير كله سيئة وكفر، ولذلك قال مطرف بن ~~عبد الله: الحسنة بين سيئتين، وقال الشاعر: # وأوف ولا تسوف حقك كله * وصافح فلم يستوف قط كريم ولا تغل في شئ من الامر ~~واقتصد * كلا طرفي قصد الأمور ذميم وقال آخر: # عليك بأوساط الأمور فإنها * نجاة ولا تركب ذلولا ولا صعبا وفي صحيح ~~البخاري عنه عليه السلام: (لا تطروني (2) كما أطرت النصارى عيسى وقولوا عبد ~~الله ورسوله). # قوله تعالى: (ولا تقولوا على الله إلا الحق) أي لا تقولوا إن له شريكا أو ~~أبناء ثم بين تعالى حال عيسى عليه السلام وصفته فقال: " إنما المسيح عيسى ~~ابن مريم رسول الله وكلمته " وفيه ثلاث مسائل: # الأولى: قوله تعالى: " إنما المسيح " المسيح رفع بالابتداء، و " عيسى " ~~بدل منه وكذا " ابن مريم ms2008 ". ويجوز أن يكون خبر الابتداء ويكون المعنى: إنما ~~المسيح ابن مريم. # ودل بقوله: " عيسى ابن مريم " على أن من كان منسوبا بوالدته كيف يكون ~~إلها، وحق الاله أن يكون قديما لا محدثا. ويكون " رسول الله " خبرا بعد ~~خبر. # الثانية: لم يذكر الله عز وجل امرأة وسماها باسمها في كتابه إلا مريم ~~ابنة عمران، فإنه ذكر اسمها في نحو من ثلاثين موضعا لحكمة ذكرها بعض ~~الأشياخ، فإن الملوك والأشراف # PageV06P021 # لا يذكرون حرائرهم في الملا، ولا يبتذلون أسماءهن، بل يكنون عن الزوجة ~~بالعرس والأهل والعيال ونحو ذلك، فإن ذكروا الإماء لم يكنوا عنهن ولم ~~يصونوا أسماءهن عن الذكر والتصريح بها، فلما قالت النصارى في مريم ما قالت، ~~وفي ابنها صرح الله باسمها، ولم يكن عنها بالأموة والعبودية التي هي صفة ~~لها، وأجرى الكلام على عادة العرب في ذكر إمائها. # الثالثة - اعتقاد أن عيسى عليه السلام لا أب له واجب، فإذا تكرر اسمه (1) ~~منسوبا للام استشعرت القلوب ما يجب عليها اعتقاده من نفي الأب عنه، وتنزيه ~~الام الطاهرة عن مقالة اليهود لعنهم الله. والله أعلم. # قوله تعالى: (وكلمته ألقاها إلى مريم) أي هو مكون بكلمة " كن " فكان بشرا ~~من غير أب، والعرب تسمى الشئ باسم الشئ إذا كان صادرا عنه. وقيل: " كلمته " ~~بشارة الله تعالى مريم عليها السلام، ورسالته إليها على لسان جبريل [عليه ~~السلام] (2)، وذلك قوله: " إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة ~~منه " (3) [آل عمران: 45]. وقيل: " الكلمة " ههنا بمعنى الآية، قال الله ~~تعالى: " وصدقت بكلمات ربها " (4) [التحريم: 12] و " ما نفدت كلمات الله " ~~(5) [لقمان: 27]. وكان لعيسى أربعة أسماء، المسيح وعيسى وكلمة وروح، وقيل ~~غير هذا مما ليس في القرآن. ومعنى " ألقاها إلى مريم " أمر بها مريم (6). # قوله تعالى: (وروح منه). هذا الذي أوقع النصارى في الاضلال، فقالوا: عيسى ~~جزء منه فجهلوا وضلوا، وعنه أجوبة ثمانية: الأول - قال أبي بن كعب: خلق ~~الله أرواح بني آدم لما أخذ عليهم الميثاق، ثم ردها إلى صلب آدم وأمسك عنده ~~روح عيسى عليه السلام، ms2009 فلما أراد خلقه أرسل ذلك الروح إلى مريم، فكان منه ~~عيسى عليه السلام، فلهذا قال: # " وروح منه ". وقيل: هذه الإضافة للتفضيل وإن كان جميع الأرواح من خلقه، ~~وهذا كقوله: " وطهر بيتي للطائفين " (7) [الحج: 26]، وقيل: قد يسمى من تظهر ~~منه الأشياء العجيبة روحا، وتضاف إلى الله تعالى فيقال: هذا روح من الله أي ~~من خلقه، كما يقال في النعمة إنها من الله. وكان عيسى يبرئ الأكمه والأبرص ~~ويحيي الموتى فاستحق هذا الاسم. وقيل: # PageV06P022 # يسمى روحا بسبب نفخة جبريل عليه السلام، ويسمى النفخ روحا، لأنه ريح يخرج ~~من الروح. # قال الشاعر - هو ذو الرمة -: # فقلت له أرفعها إليك وأحيها * بروحك (1) وأقتته لها قيتة قدرا وقد ورد أن ~~جبريل نفخ في درع مريم فحملت منه بإذن الله، وعلى هذا يكون " وروح منه " ~~معطوفا على المضمر الذي هو اسم الله في " ألقاها " التقدير: ألقى الله ~~وجبريل الكلمة إلى مريم. وقيل: " روح منه (2) " أي من خلقه، كما قال: " ~~وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه " [الجاثية: 13] أي من ~~خلقه. وقيل: " روح منه " أي رحمة منه، فكان عيسى رحمة من الله لمن أتبعه، ~~ومنه قوله تعالى: " وأيدهم بروح منه " (3) [المجادلة: 22] أي برحمة، وقرئ: ~~" فروح وريحان " (3). وقيل: " وروح منه " وبرهان منه، وكان عيسى برهانا ~~وحجة على قومه صلى الله عليه وسلم. # قوله تعالى: (فآمنوا بالله ورسله) أي آمنوا بأن الله إله واحد خالق ~~المسيح ومرسله، وآمنوا برسله ومنهم عيسى فلا تجعلوه إلها. (ولا تقولوا) ~~آلهتنا " ثلاثة " عن الزجاج. # قال ابن عباس: يريد بالتثليث الله تعالى وصاحبته وابنه. وقال الفراء وأبو ~~عبيد: أي لا تقولوا هم ثلاثة، كقوله تعالى: " سيقولون ثلاثة " (4) [الكهف: ~~22]. [قال] (5) أبو علي: التقدير ولا تقولوا هو ثالث ثلاثة، فحذف المبتدأ ~~والمضاف. والنصارى مع فرقهم مجمعون على التثليث ويقولون: إن الله جوهر واحد ~~وله ثلاثة أقانيم، فيجعلون كل أقنوم إلها ويعنون بالأقانيم الوجود والحياة ~~والعلم، وربما يعبرون عن الأقانيم بالأب والابن وروح القدس، فيعنون بالأب ~~الوجود، وبالروح الحياة، وبالابن المسيح، في كلام لهم ms2010 فيه تخبط بيانه في ~~أصول الدين. ومحصول كلامهم يئول إلى التمسك بأن عيسى إله بما كان يجريه ~~الله سبحانه وتعالى على يديه من خوارق العادات على حسب دواعيه وإرادته، ~~وقالوا: قد علمنا خروج هذه الأمور عن مقدور البشر، فينبغي أن يكون المقتدر ~~عليها موصوفا بالإلهية، فيقال لهم: لو كان ذلك من مقدوراته وكان مستقلا به # PageV06P023 # كان تخليص نفسه من أعدائه ودفع شرهم عنه من مقدوراته، وليس كذلك، فإن ~~اعترفت النصارى بذلك فقد سقط قولهم ودعواهم أنه كان يفعلها مستقلا به، وإن ~~لم يسلموا ذلك فلا حجة لهم أيضا، لأنهم معارضون بموسى عليه السلام، وما كان ~~يجري على يديه من الأمور العظام، مثل قلب العصا ثعبانا، وفلق البحر واليد ~~البيضاء والمن والسلوى، وغير ذلك، وكذلك ما جرى على يد الأنبياء، فإن ~~أنكروا ذلك فننكر ما يدعونه هم أيضا من ظهوره على يد عيسى عليه السلام، فلا ~~يمكنهم إثبات شئ من ذلك لعيسى، فإن طريق إثباته عندنا نصوص القرآن وهم ~~ينكرون القرآن، ويكذبون من أتى به، فلا يمكنهم إثبات ذلك بأخبار التواتر. # وقد قيل: إن النصارى كانوا على دين الاسلام إحدى وثمانين سنة بعدما رفع ~~عيسى، يصلون إلى القبلة، ويصومون شهر رمضان، حتى وقع فيما بينهم وبين ~~اليهود حرب، وكان في اليهود رجل شجاع يقال له بولس، قتل جماعة من أصحاب ~~عيسى فقال: إن كان الحق مع عيسى فقد كفرنا وجحدنا وإلى النار مصيرنا، ونحن ~~مغبونون (1) إن دخلوا الجنة ودخلنا النار، وإني أحتال فيهم فأضلهم فيدخلون ~~النار، وكان له فرس يقال لها العقاب، فأظهر الندامة ووضع على رأسه التراب ~~وقال للنصارى: أنا بولس عدوكم قد نوديت من السماء أن ليست لك توبة إلا أن ~~تتنصر، فأدخلوه في الكنيسة بيتا فأقام فيه سنة لا يخرج ليلا ولا نهارا حتى ~~تعلم الإنجيل، فخرج وقال: نوديت من السماء أن الله قد قبل توبتك فصدقوه ~~وأحبوه، ثم مضى إلى بيت المقدس واستخلف عليهم نسطورا وأعلمه أن عيسى بن ~~مريم إله، ثم توجه إلى الروم وعلمهم اللاهوت ms2011 والناسوت وقال: لم يكن عيسى ~~بإنس فتأنس ولا بجسم فتجسم ولكنه ابن الله. # وعلم رجلا يقال له يعقوب ذلك، ثم دعا رجلا يقال له الملك (2) فقال له، إن ~~الاله لم يزل ولا يزال عيسى، فلما استمكن منهم دعا هؤلاء الثلاثة واحدا ~~واحدا وقال له: أنت خالصتي ولقد رأيت المسيح في النوم ورضي عني، وقال لكل ~~واحد منهم: إني غدا أذبح نفسي وأتقرب # PageV06P024 # بها، فأدع الناس إلى نحلتك، ثم دخل المذبح فذبح نفسه، فلما كان يوم ثالثه ~~دعا كل واحد منهم الناس إلى نحلته، فتبع كل واحد منهم طائفة، فاقتتلوا ~~واختلفوا إلى يومنا هذا، فجميع النصارى من الفرق الثلاث، فهذا كان سبب ~~شركهم فيما يقال، والله أعلم. وقد رويت هذه القصة في معنى قوله تعالى: " ~~فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة " [المائدة: 14] (1) ~~وسيأتي إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: (انتهوا خيرا لكم) " خيرا " منصوب عند سيبويه بإضمار فعل، ~~كأنه قال: # ائتوا خيرا لكم، لأنه إذا نهاهم عن الشرك فقد أمرهم بإتيان ما هو خير ~~لهم، قال سيبويه: # ومما ينتصب على إضمار الفعل المتروك إظهاره " انتهوا خيرا لكم " لأنك إذا ~~قلت: ائته فأنت تخرجه من أمر وتدخله في آخر، وأنشد: # فواعديه سرحتي (2) مالك * أو الربا بينهما أسهلا ومذهب أبي عبيدة: انتهوا ~~يكن خيرا لكم، قال محمد بن يزيد: هذا خطأ، لأنه يضمر الشرط وجوابه (3)، ~~وهذا لا يوجد في كلام العرب. ومذهب الفراء أنه نعت لمصدر محذوف، قال علي بن ~~سليمان: هذا خطأ فاحش، لأنه يكون المعنى: انتهوا الانتهاء الذي هو خير لكم. # قوله تعالى: (إنما الله إله واحد) هذا ابتداء وخبر، و " واحد " نعت له. ~~ويجوز أن يكون " إله " بدلا من اسم الله عز وجل و " واحد " خبره، التقدير ~~إنما المعبود واحد. # (سبحانه أن يكون له ولد) أي تنزيها (4) عن أن يكون له ولد، فلما سقط " عن ~~" كان " أن " في محل النصب بنزع الخافض، أي كيف يكون له ولد؟ وولد الرجل ~~مشبه له، ولا شبيه لله عز وجل. (له ما في ms2012 السماوات وما في الأرض) فلا شريك ~~له، وعيسى [ومريم] (5) من جملة ما في السماوات وما في الأرض، وما فيهما ~~مخلوق، فكيف يكون عيسى إلها وهو مخلوق! وإن جاز ولد فليجز أولاد حتى يكون ~~كل من ظهرت عليه معجزة ولدا له. (وكفى بالله وكيلا) أي لأوليائه، وقد تقدم. # PageV06P025 # قوله تعالى: لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ~~ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا (172) فأما الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله وأما الذين استنكفوا ~~واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا ~~(173) قوله تعالى: (لن يستنكف المسيح) أي لن يأنف ولن يحتشم. (أن يكون عبدا ~~لله) أي من أن يكون، فهو في موضع نصب. وقرأ الحسن: (إن يكون) بكسر الهمزة ~~على أنها نفى هو (1) بمعنى (ما) والمعنى ما يكون له ولد وينبغي رفع يكون ~~ولم يذكره الرواة (2). # (ولا الملائكة المقربون) أي من رحمة الله ورضاه، فدل بهذا على أن ~~الملائكة أفضل من الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين، وكذا (ولا أقول إني ~~ملك (3)) وقد تقدمت الإشارة إلى هذا المعنى في (البقرة) (4). (ومن يستنكف) ~~أي يأنف (عن عبادته ويستكبر) فلا يفعلها. (فسيحشرهم إليه) أي إلى المحشر. ~~(جميعا) فيجازي كلا بما يستحق، كما بينه في الآية بعد هذا (فأما الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله) إلى قوله: (نصيرا). ~~وأصل " يستنكف " نكف، فالياء والسين والتاء زوائد، يقال: # نكفت من الشئ واستنكفت منه وأنكفته أي نزهته عما يستنكف منه، ومنه الحديث ~~سئل عن " سبحان الله " فقال: (إنكاف الله من كل سوء) يعني تنزيهه وتقديسه ~~عن الأنداد والأولاد. وقال الزجاج: استنكف أي أنف مأخوذ من نكفت الدمع إذا ~~نحيته بإصبعك عن خدك، ومنه الحديث (ما ينكف العرق عن جبينه) أي ما ينقطع، ~~ومنه الحديث (جاء بجيش لا ينكف آخره) أي لا ينقطع آخره. وقيل: هو من النكف ~~وهو العيب، # PageV06P026 # يقال: ما عليه في هذا الامر (1) نكف ولا وكف أي عيب: أي لن ms2013 يمتنع المسيح ~~ولن يتنزه من العبودية ولن ينقطع عنها ولن يعيبها. # قوله تعالى: يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا ~~مبينا (174) قوله تعالى: (يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم) يعني ~~محمدا صلى الله عليه وسلم، عن الثوري، وسماه برهانا لان معه البرهان وهو ~~المعجزة. وقال مجاهد: البرهان ههنا الحجة، والمعنى متقارب، فإن المعجزات ~~حجته صلى الله عليه وسلم. والنور المنزل هو القرآن، عن الحسن، وسماه نورا ~~لان به تتبين الاحكام ويهتدى به من الضلالة، فهو نور مبين، أي واضح بين. # قوله تعالى: فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه ~~وفضل ويهديهم إليه صراطا مستقيما (175) قوله تعالى: " فأما الذين آمنوا ~~بالله واعتصموا به " أي بالقرآن عن معاصيه، وإذا اعتصموا بكتابه [فقد] (2) ~~اعتصموا به وبنبيه. وقيل: " اعتصموا به " أي بالله. والعصمة الامتناع، وقد ~~تقدم (3) (ويهديهم) أي وهو يهديهم، فأضمر هو ليدل على أن الكلام مقطوع مما ~~قبله. (إليه) أي إلى ثوابه. وقيل: إلى الحق ليعرفوه. (صراطا مستقيما) أي ~~دينا مستقيما. و " صراطا " منصوب بإضمار فعل دل عليه " ويهديهم " التقدير، ~~ويعرفهم صراطا مستقيما. وقيل: هو مفعول ثان على تقدير، ويهديهم إلى ثوابه ~~صراطا مستقيما. وقيل: هو حال. والهاء في " إليه " قيل: هي للقرآن، وقيل: ~~للفضل، وقيل: # للفضل والرحمة، لأنهما بمعنى الثواب. وقيل: هي لله عز وجل على حذف المضاف ~~كما تقدم من أن المعنى ويهديهم إلى ثوابه. أبو علي: الهاء راجعة إلى ما ~~تقدم من اسم الله عز وجل، والمعنى ويهديهم إلى صراطه، فإذا جعلنا " صراطا ~~مستقيما " نصبا على الحال كانت الحال من # PageV06P027 # هذا المحذوف. وفي قوله: (وفضل) دليل على أنه تعالى يتفضل على عباده ~~بثوابه، إذ لو كان في مقابلة العمل لما كان فضلا. والله أعلم. # قوله تعالى: (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤا هلك ليس له ~~ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد فإن كانتا اثنتين ~~فلهما الثلثان مما ترك وإن كانوا إخوة ms2014 رجالا ونساء فللذكر مث حظ الأنثيين ~~يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شئ عليم (176) فيه خمس مسائل: # الأولى - قال البراء بن عازب: هذه آخر آية نزلت من القرآن، كذا في كتاب ~~مسلم. # وقيل: نزلت والنبي صلى الله عليه وسلم متجهز لحجة الوداع، ونزلت بسبب ~~جابر، قال جابر ابن عبد الله: مرضت فأتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأبو بكر يعوداني ماشيين، فأغمي علي، فتوضأ [رسول (1) الله صلى الله عليه ~~وسلم] ثم صب علي من وضوئه فأفقت، فقلت: يا رسول الله كيف أقضي في مالي؟ فلم ~~يرد علي شيئا حتى نزلت آية الميراث " يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة " ~~رواه مسلم، وقال: آخر آية نزلت: " واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله " ~~[البقرة: 281] (2) وقد تقدم. ومضى في أول السورة الكلام في " الكلالة " ~~مستوفى، (3) وأن المراد بالاخوة هنا الاخوة للأب والام [أو للأب] (4) وكان ~~لجابر تسع أخوات. # الثانية - قوله تعالى: " إن أمرؤ هلك ليس له ولد " أي ليس له ولد ولا ~~والد، فأكتفي بذكر أحدهما، قال الجرجاني: لفظ الولد ينطلق على الوالد ~~والمولود، فالوالد يسمى، والدا لأنه ولد، والمولود يسمى ولدا لأنه ولد، ~~كالذرية فإنها من ذرا ثم تطلق على المولود وعلى الوالد، قال الله تعالى: " ~~وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون " (5) [يس: 41]. # PageV06P028 # الثالثة - والجمهور من العلماء من الصحابة والتابعين يجعلون الأخوات عصبة ~~البنات وإن لم يكن معهن أخ، غير ابن عباس، فإنه كان لا يجعل الأخوات عصبة ~~البنات، وإليه ذهب داود وطائفة، وحجتهم ظاهر قول الله تعالى: " إن امرؤ هلك ~~ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك " ولم يورث الأخت إلا إذا لم يكن للميت ~~ولد، قالوا: ومعلوم أن الابنة من الولد، فوجب ألا ترث الأخت مع وجودها. ~~وكان ابن الزبير يقول بقول ابن عباس في هذه المسألة حتى أخبره الأسود بن ~~يزيد: أن معاذا قضى في بنت وأخت فجعل المال بينهما نصفين. # الرابعة - هذه الآية تسمى بآية الصيف، لأنها نزلت في زمن الصيف، قال عمر: ms2015 # إني والله لا أدع شيئا أهم إلي من أمر الكلالة، وقد سألت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم [عنها] (1) فما أغلظ لي في شئ ما أغلظ لي فيها، حتى طعن ~~بإصبعه في جنبي أو في صدري ثم قال: # (يا عمر ألا تكفيك آية الصيف التي أنزلت في آخر سورة النساء). وعنه رضي ~~الله عنه قال: # ثلاث لان يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهن أحب إلي من الدنيا وما ~~فيها: الكلالة والربا والخلافة، خرجه ابن ماجة في سننه. # الخامسة - طعن بعض الرافضة بقول عمر: (والله لا أدع) الحديث. # السادسة - قوله تعالى: (يبين الله لكم ان تضلوا) قال الكسائي: المعنى ~~يبين الله لكم لئلا تضلوا. قال أبو عبيد، فحدثت الكسائي بحديث رواه ابن عمر ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يدعون أحدكم على ولده أن يوافق ~~من الله إجابة) فاستحسنه. # قال النحاس: والمعنى عند أبي عبيد لئلا يوافق من الله إجابة، وهذا القول ~~عند البصريين خطأ [صراح] (1)، [لأنهم] (2) لا يجيزون إضمار لا، والمعنى ~~عندهم: يبين الله لكم كراهة أن تضلوا، ثم حذف، كما قال: " واسأل القرية " ~~(3) [يوسف: 82] وكذا معنى حديث النبي صلى الله عليه وسلم، أي كراهية أن ~~يوافق من الله إجابة. (والله بكل شئ عليم) تقدم في غير موضع. والله أعلم ~~تمت سورة " النساء " والحمد لله الذي وفق. # PageV06P029 # بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر تفسير سورة المائدة بحول الله تعالى ~~وقوته، وهي مدنية بإجماع، وروي أنها نزلت منصرف رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من الحديبية. وذكر النقاش عن أبي سلمة أنه قال: لما رجع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من الحديبية قال: (يا علي أشعرت أنه نزلت علي سورة المائدة ~~ونعمت الفائدة). قال ابن العربي: هذا حديث موضوع لا يحل لمسلم اعتقاده، أما ~~إنا نقول: سورة " المائدة، ونعمت الفائدة " فلا نأثره عن أحد ولكنه كلام ~~حسن. وقال ابن عطية: وهذا عندي لا يشبه كلام النبي صلى الله عليه وسلم. ~~وروي عنه صلى الله عليه ms2016 وسلم أنه قال: # (سورة المائدة تدعى في ملكوت الله المنقذة تنقذ صاحبها من أيدي ملائكة ~~العذاب). # ومن هذه السورة ما نزل في حجة الوداع، ومنها ما أنزل عام الفتح وهو قوله ~~تعالى: # " ولا يجر منكم شنآن قوم " [المائدة: 2] الآية. وكل ما أنزل من القرآن ~~بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم فهو مدني، سواء نزل بالمدينة أو في سفر ~~من الاسفار. وإنما يرسم بالمكي ما نزل قبل الهجرة. وقال أبو ميسرة: " ~~المائدة " من آخر ما نزل ليس فيها منسوخ، وفيها ثمان عشرة فريضة ليست في ~~غيرها، وهي: " المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع " ~~[المائدة: 3]، " وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام "، " وما علمتم ~~من الجوارح مكلبين " [المائدة: 4]، " وطعام الذين أوتوا الكتاب " [المائدة: ~~5] " والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم " [المائدة: 5]، وتمام ~~الطهور " إذا قمتم إلى الصلاة " [المائدة: 6]، " والسارق والسارقة " ~~[المائدة: 38]، " لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم " [المائدة: 95] إلى قوله: # " عزيز ذو انتقام " [المائدة: 95] و " ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ~~ولا وصيلة ولا حام " [المائدة: 103]. وقوله تعالى: # " شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت " [المائدة: 106] الآية. # قلت: وفريضة تاسعة عشرة وهي قوله عز وجل: " وإذا ناديتم إلى الصلاة " ~~[المائدة: 58] ليس للاذان ذكر في القرآن إلا في هذه السورة، أما ما جاء في ~~سورة " الجمعة " فمخصوص بالجمعة، PageV06P030 # وهو في هذه السورة عام لجميع الصلوات. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قرأ سورة " المائدة " في حجة الوداع وقال: (يا أيها الناس إن سورة ~~المائدة من آخر ما نزل فأحلوا حلالها وحرموا حرامها) ونحوه عن عائشة رضي ~~الله عنها موقوفا، قال جبير بن نفير: دخلت على عائشة رضي الله عنها فقالت: ~~هل تقرأ سورة " المائدة "؟ فقلت: نعم، فقالت: فإنها من آخر ما أنزل الله، ~~فما وجدتم فيها من حلال فأحلوه وما وجدتم فيها من حرام فحرموه. # وقال الشعبي: لم ينسخ من هذه السورة إلا قوله: " ولا الشهر الحرام ولا ~~الهدي " [المائدة: 2] الآية. # وقال بعضهم: نسخ منها " أو آخران من غيركم " [المائدة: ms2017 106]. # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الأنعام ~~إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد (1) فيه ~~سبع مسائل: # الأولى - قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا) قال علقمة: كل ما في القرآن " ~~يا أيها الذين آمنوا " فهو مدني و " يا أيها الناس " [النساء: 1] فهو مكي، ~~وهذا خرج على الأكثر، وقد تقدم. (1) وهذه الآية مما تلوح فصاحتها وكثرة ~~معانيها على قلة ألفاظها لكل ذي بصيرة بالكلام، فإنها تضمنت خمسة أحكام: ~~الأول: الامر بالوفاء بالعقود، الثاني: تحليل بهيمة الأنعام، الثالث - ~~استثناء ما يلي بعد ذلك، الرابع - استثناء حال الاحرام فيما يصاد، الخامس - ~~ما تقتضيه الآية من إباحة الصيد لمن ليس بمحرم. وحكى النقاش أن أصحاب ~~الكندي قالوا له: أيها الحكيم أعمل لنا مثل هذا القرآن فقال: نعم! أعمل مثل ~~بعضه، فاحتجب أياما كثيرة ثم خرج فقال: والله ما أقدر ولا يطيق هذا أحد، ~~إني فتحت المصحف فخرجت سورة " المائدة " فنظرت فإذا هو قد نطق بالوفاء ونهى ~~عن النكث، وحلل تحليلا عاما، # PageV06P031 # ثم استثنى استثناء بعد استثناء، ثم أخبر عن قدرته وحكمته في سطرين، ولا ~~يقدر أحد أن يأتي بهذا إلا في أجلاد. # الثانية - قوله تعالى: (أوفوا) يقال: وفي وأوفى لغتان! قال الله تعالى: " ~~ومن أوفى بعهده من الله " (1) [التوبة: 111]، وقال تعالى: " وإبراهيم الذي ~~وفى " (2) [النجم: 37] وقال الشاعر: (3) أما ابن طوق فقد أوفى بذمته * كما ~~وفى بقلاص النجم حاديها فجمع بين اللغتين. (بالعقود) العقود الربوط، واحدها ~~عقد، يقال: عقدت العهد والحبل، وعقدت العسل (4) فهو يستعمل في المعاني ~~والأجسام، قال الحطيئة: # قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم * شدوا العناج وشدوا فوقه الكربا (5) فأمر ~~الله سبحانه بالوفاء بالعقود، قال الحسن: يعني بذلك عقود الدين وهي ما عقده ~~المرء على نفسه، من بيع وشراء وإجارة وكراء ومناكحة وطلاق ومزارعة ومصالحة ~~وتمليك وتخيير وعتق وتدبير وغير ذلك من الأمور، ما كان ذلك غير خارج عن ~~الشريعة، وكذلك ما عقده على نفسه لله من الطاعات، كالحج والصيام والاعتكاف ~~والقيام ms2018 والنذر وما أشبه ذلك من طاعات ملة الاسلام. وأما نذر المباح فلا ~~يلزم بإجماع من الأمة، قال ابن العربي. # ثم قيل: إن الآية نزلت في أهل الكتاب، لقوله تعالى: " وإذ أخذ الله ميثاق ~~الذين أوتوا الكتاب ليبيننه للناس ولا يكتمونه " [آل عمران: 187] (6). قال ~~ابن جريج: هو خاص بأهل الكتاب وفيهم نزلت. # وقيل: هي عامة وهو الصحيح، فإن لفظ المؤمنين يعم مؤمني أهل الكتاب، لان ~~بينهم وبين الله عقدا في أداء الأمانة فيما في كتابهم من أمر محمد صلى الله ~~عليه وسلم، (7) فإنهم مأمورون بذلك في قوله: " أوفوا بالعقود " وغير موضع. ~~قال ابن عباس: " أوفوا بالعقود " معناه بما أحل وبما حرم وبما فرض وبما حد ~~في جميع الأشياء، وكذلك قال مجاهد وغيره. وقال ابن شهاب: # PageV06P032 # قرأت كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كتبه لعمرو بن حزم حين بعثه ~~إلى نجران وفي صدره: (هذا بيان للناس من الله ورسوله " يا أيها الذين آمنوا ~~أوفوا بالعقود " فكتب الآيات فيها إلى قوله: " إن الله سريع الحساب " ~~[المائدة: 4]). وقال الزجاج: المعنى أوفوا بعقد الله عليكم وبعقدكم بعضكم ~~على بعض. وهذا كله راجع إلى القول بالعموم وهو الصحيح في الباب، قال صلى ~~الله عليه وسلم: (المؤمنون عند شروطهم) وقال: (كل شرط ليس في كتاب الله فهو ~~باطل وإن كان مائة شرط) فبين أن الشرط أو العقد الذي يجب الوفاء به ما وافق ~~كتاب الله أي دين الله، فإن ظهر فيها ما يخالف رد، كما قال صلى الله عليه ~~وسلم: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد). ذكر ابن إسحاق قال: اجتمعت ~~قبائل من قريش في دار عبد الله بن جدعان - لشرفه ونسبه - فتعاقدوا وتعاهدوا ~~على ألا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها أو غيرهم إلا قاموا معه حتى ترد عليه ~~مظلمته، فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول، وهو الذي قال فيه الرسول صلى الله ~~عليه وسلم: (لقد شهدت في دار [عبد الله] (1) بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به ~~حمر النعم ولو أدعى ms2019 (2) به في الاسلام لأجبت). وهذا الحلف هو المعنى المراد ~~في قوله عليه السلام: (وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الاسلام إلا شدة) ~~لأنه موافق للشرع إذ أمر بالانتصاف من الظالم، فأما ما كان من عهودهم ~~الفاسدة وعقودهم الباطلة على الظلم والغارات فقد هدمه الاسلام والحمد لله. ~~قال ابن إسحاق: تحامل الوليد بن عتبة على الحسين ابن علي في مال له - ~~لسلطان الوليد، فإنه كان أميرا على المدينة - فقال له الحسين: أحلف بالله ~~لتنصفني من حقي أو لآخذن بسيفي ثم لأقومن في مسجد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ثم لأدعون بحلف الفضول. قال عبد الله بن الزبير: وأنا أحلف بالله لئن ~~دعاني لآخذن بسيفي ثم لأقومن معه حتى ينتصف من حقه أو نموت جميعا، وبلغت ~~المسور بن مخرمة فقال مثل ذلك، وبلغت عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله ~~التيمي فقال مثل ذلك، فلما بلغ ذلك الوليد أنصفه. # الثالثة - قوله تعالى: (أحلت لكم بهيمة الأنعام) الخطاب لكل من ألتزم ~~الايمان على وجهه وكماله، وكانت للعرب سنن في الانعام من البحيرة والسائبة ~~والوصيلة والحام، يأتي # PageV06P033 # بيانها، فنزلت هذه الآية رافعة لتلك الأوهام الخيالية، والآراء الفاسدة ~~الباطلية. واختلف في معنى " بهيمة الأنعام " والبهيمة اسم لكل ذي أربع، ~~سميت بذلك لإبهامها من جهة نقص نطقها وفهمها وعدم تمييزها وعقلها، ومنه باب ~~مبهم أي مغلق، وليل بهيم، وبهمة للشجاع الذي لا يدرى من أين يؤتى له. و " ~~الانعام ": الإبل والبقر والغنم، سميت بذلك للين مشيها (1)، قال الله ~~تعالى: " والانعام خلقها لكم فيها دف ء ومنافع " [النحل: 5] إلى قوله: " ~~وتحمل أثقالكم " [النحل: 7] (2)، وقال تعالى: " ومن الانعام حمولة وفرشا " ~~(3) [الانعام: 142] يعني كبارا وصغارا، ثم بينها فقال: " ثمانية أزواج " ~~[الانعام: 143] إلى قوله: " أم كنتم شهداء " [البقرة: 133] وقال تعالى: " ~~وجعل لكم من جلود الانعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن ~~أصوافها " (2) [النحل: 80] يعني الغنم " وأوبارها " يعني الإبل " وأشعارها ~~" يعني المعز، فهذه ثلاثة أدلة تنبئ عن تضمن اسم الانعام لهذه الأجناس، ~~الإبل والبقر والغنم، وهو قول ابن ms2020 عباس والحسن. قال الهروي: وإذا قيل النعم ~~فهو الإبل خاصة. وقال الطبري: وقال قوم " بهيمة الأنعام " وحشيها كالظباء ~~وبقر الوحش والحمر وغير ذلك. وذكره غير الطبري عن السدي والربيع وقتادة ~~والضحاك، كأنه قال: أحلت لكم الانعام، فأضيف الجنس إلى أخص منه. قال ابن ~~عطية: وهذا قول حسن، وذلك أن الانعام هي الثمانية الأزواج، وما انضاف إليها ~~من سائر الحيوان يقال له أنعام بمجموعه معها، وكأن المفترس كالأسد وكل ذي ~~ناب خارج عن حد الانعام، فبهيمة الانعام هي الراعي من ذوات الأربع. # قلت: فعلى هذا يدخل فيها ذوات الحوافر لأنها راعية غير مفترسة وليس كذلك، ~~لان الله تعالى قال: " والانعام خلقها لكم فيها دف ء ومنافع " [النحل: 5] ~~ثم عطف عليها قوله: " والخيل والبغال والحمير " [النحل: 8] فلما استأنف ~~ذكرها وعطفها على الانعام دل على أنها ليست منها، والله أعلم وقيل: " بهيمة ~~الأنعام " ما لم يكن صيدا، لان الصيد يسمى وحشا لا بهيمة، وهذا راجع إلى ~~القول الأول. وروى عن عبد الله بن عمر أنه قال: " بهيمة الأنعام " الأجنة ~~التي تخرج عند الذبح من بطون الأمهات، فهي تؤكل دون ذكاة، وقاله ابن عباس ~~وفيه بعد، # PageV06P034 # لان الله تعالى قال: " إلا ما يتلى عليكم " وليس في الأجنة ما يستثنى، ~~قال مالك: ذكاة الذبيحة ذكاة لجنينها إذا لم يدرك حيا وكان قد نبت شعره وتم ~~خلقه، فإن لم يتم خلقه ولم ينبت شعره لم يؤكل إلا أن يدرك حيا فيذكى، وإن ~~بادروا إلى تذكيته فمات بنفسه، فقيل: # هو ذكي. وقيل: ليس بذكي، وسيأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله تعالى: # الرابعة - قوله تعالى: (إلا ما يتلى عليكم) أي يقرأ عليكم في القرآن ~~والسنة من قوله تعالى: " حرمت عليكم الميتة " [المائدة: 3] وقوله عليه ~~الصلاة والسلام: (وكل ذي ناب من السباع حرام) (1). # فإن قيل: الذي يتلى علينا الكتاب ليس السنة، قلنا: كل سنة لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فهي من كتاب الله، والدليل عليه أمران: أحدهما: حديث العسيف ~~(لأقضين بينكما بكتاب الله) والرجم ليس منصوصا في ms2021 كتاب الله. الثاني: حديث ~~ابن مسعود: ومالي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في كتاب ~~الله، الحديث. وسيأتي في سورة " الحشر " (2). ويحتمل " إلا ما يتلى عليكم " ~~الآن أو " ما يتلى عليكم " فيما بعد من مستقبل الزمان على لسان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فيكون فيه دليل على جواز تأخير البيان عن وقت لا يفتقر ~~فيه إلى تعجيل الحاجة. # الخامسة - قوله تعالى: (غير محلي الصيد) أي ما كان صيدا فهو حلال في ~~الاحلال دون الاحرام، وما لم يكن صيدا فهو حلال في الحالين. واختلف النحاة ~~في " إلا ما يتلى " هل هو استثناء أو لا؟ فقال البصريون: هو استثناء من " ~~بهيمة الأنعام " و " غير محلي الصيد " استثناء آخر أيضا منه، فالاستثناء ان ~~جميعا من قوله: " بهيمة الأنعام " وهي المستثنى منها، التقدير: إلا ما يتلى ~~عليكم إلا الصيد وأنتم محرمون، بخلاف قوله: # " إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين. إلا آل لوط " (3) [الحجر: 58 - 59] على ما ~~يأتي. وقيل: هو مستثنى مما يليه من الاستثناء، فيصير بمنزلة قوله عز وجل: " ~~إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين " ولو كان كذلك لوجب إباحة الصيد في الاحرام، ~~لأنه مستثنى من المحظور إذ كان قوله تعالى: " إلا ما يتلى عليكم " # PageV06P035 # مستثنى من الإباحة، وهذا وجه ساقط، فإذا معناه أحلت لكم بهيمة الأنعام ~~غير محلي الصيد وأنتم حرم إلا ما يتلى عليكم سوى الصيد. ويجوز أن يكون ~~معناه أيضا أوفوا بالعقود غير محلي الصيد وأحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما ~~يتلى عليكم. وأجاز الفراء أن يكون " إلا ما يتلى عليكم " في موضع رفع على ~~البدل على أن يعطف بإلا كما يعطف بلا، ولا يجيزه البصريون إلا في النكرة أو ~~ما قاربها من [أسماء] (1) الأجناس نحو جاء القوم إلا زيد. والنصب عنده بأن ~~" غير محلي الصيد " نصب على الحال مما في " أوفوا "، قال الأخفش: يا أيها ~~الذين آمنوا أوفوا بالعقود غير محلي الصيد. وقال غيره: حال من الكاف والميم ~~في " لكم " والتقدير: # أحلت لكم بهيمة الأنعام غير ms2022 محلي الصيد. ثم قيل: يجوز أن يرجع الاحلال ~~إلى الناس، أي لا تحلوا الصيد في حال الاحرام، ويجوز أن يرجع إلى الله ~~تعالى أي أحللت لكم البهيمة إلا ما كان صيدا في وقت الاحرام، كما تقول: ~~أحللت لك كذا غير مبيح لك يوم الجمعة. فإذا قلت يرجع إلى الناس فالمعنى: ~~غير محلين الصيد، فحذفت النون تخفيفا. # السادسة - قوله تعالى: (وأنتم حرم) يعني الاحرام بالحج والعمرة، يقال: ~~رجل حرام وقوم حرم إذا أحرموا بالحج، ومنه قول الشاعر: (2) فقلت لها فيئي ~~إليك فإنني * حرام وأني بعد ذاك لبيب أي ملب، وسمي ذلك إحراما لما يحرمه من ~~دخل فيه على نفسه من النساء والطيب وغيرهما. # ويقال: أحرم دخل في الحرم، فيحرم صيد الحرم أيضا. وقرأ الحسن وإبراهيم ~~ويحيى بن وثاب " حرم " بسكون الراء، وهي لغة تميمية يقولون في رسل: رسل وفي ~~كتب كتب ونحوه. # السابعة - قوله تعالى: (إن الله يحكم ما يريد) تقوية لهذه الأحكام ~~الشرعية المخالفة لمعهود أحكام العرب، أي فأنت يا محمد السامع لنسخ تلك ~~التي عهدت من أحكامهم تنبه، فإن الذي هو مالك الكل " يحكم ما يريد " " لا ~~معقب لحكمه " (3) [الرعد: 41] يشرع ما يشاء كما يشاء. # PageV06P036 # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ~~ولا الهدى ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا ~~وإذا حللتم فاصطادوا ولا يجر منكم شنئان قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن ~~تعتدوا وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان واتقوا ~~الله إن الله شديد العقاب (2) فيه ثلاث عشرة مسألة: # الأولى - قوله تعالى: (لا تحلوا شعائر الله) خطاب للمؤمنين حقا، أي لا ~~تتعدوا حدود الله في أمر من الأمور. والشعائر جمع شعيرة على وزن فعيلة. ~~وقال ابن فارس: ويقال للواحدة شعارة، وهو أحسن. والشعيرة البدنة تهدى، ~~وإشعارها أن يجز سنامها حتى يسيل منه الدم فيعلم أنها هدي. والاشعار ~~الاعلام من طريق الاحساس، يقال: أشعر هديه أي جعل له علامة ليعرف أنه هدي، ~~ومنه المشاعر ms2023 المعالم، واحدها مشعر وهي المواضع التي قد أشعرت بالعلامات. ~~ومنه الشعر، لأنه يكون بحيث يقع الشعور، ومنه الشاعر، لأنه يشعر بفطنته لما ~~لا يفطن له غيره، ومنه الشعير لشعرته التي في رأسه، فالشعائر على قول ما ~~أشعر من الحيوانات لتهدى إلى بيت الله، وعلى قول جميع مناسك الحج، قال ابن ~~عباس. وقال مجاهد: الصفا والمروة والهدي والبدن كل ذلك من الشعائر. وقال ~~الشاعر: (1) نقتلهم جيلا فجيلا تراهم * شعائر قربان بها يتقرب وكان ~~المشركون يحجون ويعتمرون ويهدون فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم، فأنزل ~~الله تعالى: # " لا تحلوا شعائر الله ". وقال عطاء بن أبي رباح: شعائر الله جميع ما أمر ~~الله به ونهى عنه. # وقال الحسن: دين الله كله، كقوله: " ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من ~~تقوى القلوب " (2) [الحج: 32] أي دين الله. # PageV06P037 # قلت: وهذا القول هو الراجح الذي يقدم على غيره لعمومه. وقد اختلف العلماء ~~في إشعار الهدي وهي: # الثانية - فأجازه الجمهور، ثم اختلفوا في أي جهة يشعر، فقال الشافعي ~~وأحمد وأبو ثور: يكون في الجانب الأيمن، وروي عن ابن عمر. وثبت عن ابن عباس ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم أشعر ناقته في صفحة سنامها الأيمن، أخرجه مسلم ~~وغيره وهو الصحيح. # وروي أنه أشعر بدنه من الجانب الأيسر، قال أبو عمر بن عبد البر: هذا عندي ~~حديث منكر من حديث ابن عباس، والصحيح حديث مسلم عن ابن عباس، قال: ولا يصح ~~عنه غيره. وصفحة السنام جانبه، والسنام أعلى الظهر. وقالت طائفة: يكون في ~~الجانب الأيسر، وهو قول مالك، وقال: لا بأس به في الجانب الأيمن. وقال ~~مجاهد: من أي الجانبين شاء، وبه قال أحمد في أحد قوليه. ومنع من هذا كله ~~أبو حنيفة وقال: إنه تعذيب للحيوان، والحديث يرد عليه، وأيضا فذلك يجري ~~مجرى الوسم الذي يعرف به الملك كما تقدم، وقد أوغل ابن العربي على أبي ~~حنيفة في الرد والانكار حين لم ير الاشعار فقال: كأنه لم يسمع بهذه الشعيرة ~~في الشريعة! لهي أشهر منه في العلماء. # قلت: والذي ms2024 رأيته منصوصا في كتب علماء الحنفية الاشعار مكروه من قول أبي ~~حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد ليس بمكروه ولا سنة بل هو مباح، لان الاشعار ~~لما كان إعلاما كان سنة بمنزلة التقليد، ومن حيث أنه جرح ومثلة كان حراما، ~~فكان مشتملا على السنة والبدعة فجعل مباحا. ولأبي حنيفة أن الاشعار مثلة ~~وأنه حرام من حيث إنه تعذيب الحيوان فكان مكروها، وما روي عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إنما كان في أول الابتداء حين كانت العرب تنتهب كل مال إلا ~~ما جعل هديا، وكانوا لا يعرفون الهدى إلا بالاشعار ثم زال لزوال العذر، ~~هكذا روي عن ابن عباس. وحكى عن الشيخ الامام أبي منصور الماتريدي رحمه الله ~~تعالى أنه قال: يحتمل أن أبا حنيفة كره إشعار أهل زمانه وهو المبالغة في ~~البضع على وجه يخاف منه السراية (1)، أما ما لم يجاوز الحد فعل كما كان ~~يفعل في عهد رسول الله صلى # PageV06P038 # الله عليه وسلم فهو حسن، وهكذا ذكر أبو جعفر الطحاوي. فهذا اعتذار علماء ~~الحنفية لأبي حنيفة عن الحديث الذي ورد في الاشعار، فقد سمعوه ووصل إليهم ~~وعلموه، قالوا: # وعلى القول بأنه مكروه لا يصير به أحد محرما، لان مباشرة المكروه لا تعد ~~من المناسك. # الثالثة - قوله تعالى: (ولا الشهر الحرام) اسم مفرد يدل على الجنس في ~~جميع الأشهر الحرم وهي أربعة: واحد فرد وثلاثة (1) سرد، يأتي بيانها في " ~~براءة " (2)، والمعنى: لا تستحلوها للقتال ولا للغارة ولا تبدلوها، فإن ~~استبدالها استحلال، وذلك ما كانوا يفعلونه من النسئ، وكذلك قوله: " ولا ~~الهدي ولا القلائد " أي لا تستحلوه، وهو على حذف مضاف أي ولا ذوات القلائد ~~جمع قلادة. فنهى سبحانه عن استحلال الهدي جملة، ثم ذكر المقلد منه تأكيدا ~~ومبالغة في التنبيه على الحرمة في التقليد. # الرابعة - قوله تعالى: (ولا الهدى ولا القلائد) الهدي ما أهدي إلى بيت ~~الله تعالى من ناقة أو بقرة أو شاة، الواحدة هدية وهدية وهدي. فمن قال: ~~أراد بالشعائر المناسك قال: # ذكر الهدي تنبيها على تخصيصها. ms2025 ومن قال: الشعائر الهدي قال: إن الشعائر ~~ما كان مشعرا أي معلما بإسالة الدم من سنامه، والهدي ما لم يشعر، اكتفى فيه ~~بالتقليد. وقيل: الفرق أن الشعائر هي البدن من الانعام. والهدي البقر ~~والغنم والثياب وكل ما يهدى. وقال الجمهور: # الهدي عاما في جميع ما يتقرب به من الذبائح والصدقات، ومنه قوله عليه ~~الصلاة والسلام (المبكر إلى الجمعة كالمهدي بدنة) إلى أن قال: (كالمهدي ~~بيضة) فسماها هديا، وتسمية البيضة هديا لا محمل له إلا أنه أراد به الصدقة، ~~وكذلك قال العلماء: إذا قال جعلت ثوبي هديا فعليه أن يتصدق به، إلا أن ~~الاطلاق إنما ينصرف إلى أحد الأصناف الثلاثة من الإبل والبقر والغنم، ~~وسوقها إلى الحرم وذبحها فيه، وهذا إنما تلقى من عرف الشرع في قوله تعالى: ~~" فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي " (3) [البقرة: 196] وأراد به الشاة، ~~وقال تعالى: # " يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة " (4) [المائدة: 95] وقال ~~تعالى: " فمن تمتع بالعمرة إلى الحج # PageV06P039 # فما استيسر من الهدي " [البقرة: 196] وأقله شاة عند الفقهاء. وقال مالك: ~~إذا قال ثوبي هدي يجعل ثمنه في هدي. " والقلائد " ما كان الناس يتقلدونه ~~أمنة لهم، فهو على حذف مضاف، أي ولا أصحاب القلائد ثم نسخ. قال ابن عباس: ~~آيتان نسختا من " المائدة " آية القلائد وقوله: " فإن جاءوك فاحكم بينهم أو ~~أعرض عنهم " [المائدة: 42] فأما القلائد فنسخها الامر بقتل المشركين حيث ~~كانوا وفي أي شهر كانوا. وأما الأخرى فنسخها قوله تعالى: " وأن احكم بينهم ~~بما أنزل الله " [المائدة: 49] على ما يأتي. وقيل: أراد بالقلائد نفس ~~القلائد، فهو نهى عن أخذ لحاء (1) شجر الحرم حتى يتقلد به طلبا للأمن، قاله ~~مجاهد وعطاء ومطرف بن الشخير. والله أعلم. # وحقيقة الهدي كل معطى لم يذكر معه عوض. وأتفق الفقهاء على أن من قال: لله ~~علي هدي أنه يبعث بثمنه إلى مكة. وأما القلائد فهي كل ما علق على أسنمة ~~الهدايا وأعناقها علامة أنه لله سبحانه، من نعل أو غيره، وهي سنة إبراهيمية ~~بقيت في الجاهلية وأقرها الاسلام، وهي ms2026 سنة البقر والغنم. قالت عائشة رضي ~~الله عنها: أهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة إلى البيت غنما فقلدها، ~~أخرجه البخاري ومسلم، وإلى هذا صار جماعة من العلماء: الشافعي وأحمد وإسحق ~~وأبو ثور وابن حبيب، وأنكره مالك وأصحاب الرأي وكأنهم لم يبلغهم هذا الحديث ~~في تقليد الغنم، أو بلغ لكنهم ردوه لانفراد الأسود به عن عائشة رضي الله ~~عنها، فالقول به أولى. والله أعلم. وأما البقر فإن كانت لها أسنمة أشعرت ~~كالبدن، قاله ابن عمر، وبه قال مالك. وقال الشافعي: تقلد وتشعر مطلقا ولم ~~يفرقوا. # وقال سعيد بن جبير: تقلد ولا تشعر، وهذا القول أصح إذ ليس لها سنام، وهي ~~أشبه بالغنم منها بالإبل. والله أعلم. # الخامسة - واتفقوا فيمن قلد بدنة على نية الاحرام وساقها أنه يصير محرما، ~~قال الله تعالى: " لا تحلوا شعائر الله " إلى أن قال: " فاصطادوا " ولم ~~يذكر الاحرام لكن لما ذكر التقليد عرف أنه بمنزلة الاحرام. # PageV06P040 # السادسة - فإن بعث بالهدي ولم يسق بنفسه لم يكن محرما، لحديث عائشة قالت: # أنا فتلت قلائد هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي، ثم قلدها بيديه، ~~ثم بعث بها مع أبي فلم يحرم على رسول الله صلى الله عليه وسلم شئ أحله الله ~~له حتى نحر الهدي، أخرجه البخاري، وهذا مذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحق ~~وجمهور العلماء. وروي عن ابن عباس أنه قال: يصير محرما، قال ابن عباس: من ~~أهدى هديا حرم عليه ما يحرم على الحاج حتى ينحر الهدي، رواه البخاري، وهذا ~~مذهب ابن عمر وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير، وحكاه الخطابي عن أصحاب الرأي، ~~واحتجوا بحديث جابر بن عبد الله قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم ~~جالسا فقد قميصه من جيبه ثم أخرجه من رجليه، فنظر القوم إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال: (إني أمرت ببدني التي بعثت بها أن تقلد وتشعر على مكان كذا ~~وكذا فلبست قميصي ونسيت فلم أكن لأخرج قميصي من رأسي) وكان بعث ببدنه وأقام ~~بالمدينة. في إسناده عبد ms2027 الرحمن بن عطاء بن أبي لبيبة (1) وهو ضعيف. فإن ~~قلد شاة وتوجه معها فقال الكوفيون: لا يصير محرما، لان تقليد الشاة ليس ~~بمسنون ولا من الشعائر، لأنه يخاف عليها الذئب فلا تصل إلى الحرم بخلاف ~~البدن، فإنها تترك حتى ترد الماء وترعى الشجر وتصل إلى الحرم. وفي صحيح ~~البخاري عن عائشة أم المؤمنين قالت: فتلت قلائدها من عهن كان عندي. العهن ~~الصوف المصبوغ، ومنه قوله تعالى: " وتكون الجبال كالعهن المنفوش " ~~[القارعة: 5] (2). # السابعة - ولا يجوز بيع الهدي ولا هبته إذا قلد أو أشعر، لأنه قد وجب، ~~وإن مات موجبه لم يورث عنه ونفذ لوجهه، بخلاف الأضحية فإنها لا تجب إلا ~~بالذبح خاصة عند مالك إلا أن يوجبها بالقول، فإن أوجبها بالقول قبل الذبح ~~فقال: جعلت هذه الشاة أضحية تعينت، وعليه، إن تلفت ثم وجدها أيام الذبح أو ~~بعدها ذبحها ولم يجز له بيعها، فإن كان اشترى أضحية غيرها ذبحهما جميعا في ~~قول أحمد وإسحق. وقال الشافعي: لا بدل عليه إذا ضلت أو سرقت، إنما الابدال ~~في الواجب. وروي عن ابن عباس أنه قال: إذا ضلت فقد أجزأت. ومن # PageV06P041 # مات يوم النحر قبل أن يضحي كانت ضحيته موروثة عنه كسائر ماله بخلاف ~~الهدي. وقال أحمد وأبو ثور: تذبح بكل حال. وقال الأوزاعي: تذبح إلا أن يكون ~~عليه دين لا وفاء له إلا من تلك الأضحية فتباع في دينه. ولو مات بعد ذبحها ~~لم يرثها عنه ورثته، وصنعوا بها من الاكل والصدقة ما كان له أن يصنع بها، ~~ولا يقتسمون لحمها على سبيل الميراث. # وما أصاب الأضحية قبل الذبح من العيوب كان على صاحبها بدلها بخلاف الهدي، ~~هذا تحصيل مذهب مالك. وقد قيل في الهدي على صاحبه البدل، والأول أصوب. ~~والله أعلم. # الثامنة - قوله تعالى: (ولا آمين البيت الحرام) يعني القاصدين له، من ~~قولهم أممت كذا أي قصدته. وقرأ الأعمش: " ولا آمي البيت الحرام " بالإضافة ~~كقوله: " غير محلي الصيد " والمعنى: لا تمنعوا الكفار القاصدين البيت ~~الحرام على جهة التعبد والقربة، وعليه فقيل: # ما ms2028 في هذه الآيات من نهي عن مشرك، أو مراعاة حرمة له بقلادة، أو أم البيت ~~فهو كله منسوخ بآية السيف في قوله: " فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم " (1) ~~[التوبة: 5] وقوله: " فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا " [التوبة: ~~28] فلا يمكن المشرك من الحج، ولا يؤمن في الأشهر الحرم وإن أهدى وقلد وحج، ~~روي عن ابن عباس وقاله ابن زيد على ما يأتي ذكره. وقال قوم: الآية محكمة لم ~~تنسخ وهي في المسلمين، وقد نهى الله عن إخافة من يقصد بيته من المسلمين. ~~والنهي عام في الشهر الحرام وغيره، ولكنه خص الشهر الحرام بالذكر تعظيما ~~وتفضيلا، وهذا يتمشى على قول عطاء، فإن المعنى لا تحلوا معالم الله، وهي ~~أمره ونهيه وما أعلمه الناس فلا تحلوه، ولذلك قال أبو ميسرة: هي محكمة. ~~وقال مجاهد: لم ينسخ منها إلا " القلائد " وكان الرجل يتقلد بشئ من لحاء ~~الحرم (2) فلا يقرب فنسخ ذلك. وقال ابن جريج: هذه الآية نهي عن الحجاج أن ~~تقطع سبلهم. وقال ابن زيد: نزلت الآية عام الفتح ورسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بمكة، جاء أناس من المشركين يحجون ويعتمرون فقال المسلمون: يا رسول ~~الله إنما هؤلاء مشركون فلن ندعهم إلا أن نغير عليهم، فنزل القرآن " ولا ~~آمين البيت الحرام ". وقيل: # PageV06P042 # كان هذا لأمر شريح بن ضبيعة البكري (1) - ويلقب بالحطم - أخذته جند رسول ~~الله عليه وسلم وسلم وهو في عمرته فنزلت هذه الآية، ثم نسخ هذا الحكم كما ~~ذكرنا. وأدرك الحطم هذا ردة اليمامة فقتل مرتدا وقد روي من خبره أنه أتى ~~النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وخلف خيله خارج المدينة فقال: إلام ~~تدعو الناس؟ فقال: (إلى شهادة أن لا إله إلا الله وإقام الصلاة وإيتاء ~~الزكاة) فقال: حسن، إلا أن لي أمراء لا أقطع أمرا دونهم ولعلي أسلم وآتي ~~بهم، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: (يدخل عليكم رجل يتكلم ~~بلسان شيطان) ثم خرج من عنده فقال عليه الصلاة والسلام: (لقد دخل بوجه كافر ~~وخرج بقفا غادر وما ms2029 الرجل بمسلم). فمر بسرح (2) المدينة فاستاقه، فطلبوه ~~فعجزوا عنه، فانطلق وهو يقول: # قد لفها الليل بسواق حطم (3) * ليس براعي إبل ولا غنم ولا بجزار على ظهر ~~وضم (4) * باتوا نياما وابن هند لم ينم بات يقاسيها غلام كالزلم (5) * خدلج ~~الساقين خفاق القدم (7) فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم عام القضية (8) ~~سمع تلبية حجاج اليمامة فقال: (هذا الحطم وأصحابه). وكان قد قلد ما نهب من ~~سرح المدينة وأهداه إلى مكة (9)، فتوجهوا في طلبه، فنزلت الآية، أي لا ~~تحلوا ما أشعر لله وإن كانوا مشركين، ذكره ابن عباس. # التاسعة - وعلى أن الآية محكمة قوله تعالى: " لا تحلوا شعائر الله " يوجب ~~إتمام أمور المناسك، ولهذا قال العلماء: إن الرجل إذا دخل في الحج ثم أفسده ~~فعليه أن يأتي بجميع أفعال الحج، ولا يجوز أن يترك شيئا منها وإن فسد حجه، ~~ثم عليه القضاء في السنة الثانية. # قال أبو الليث السمرقندي: وقوله تعالى: (ولا الشهر الحرام) منسوخ بقوله: ~~(وقاتلوا المشركين كافة) (10) وقوله: (ولا الهدي ولا القلائد) محكم لم ينسخ ~~فكل من قلد الهدي # PageV06P043 # ونوى الاحرام صار محرما لا يجوز له أن يحل بدليل هذه الآية فهذه الاحكام ~~معطوف بعضها على بعض بعضها منسوخ وبعضها غير منسوخ. # العاشرة - قوله تعالى: (يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا) قال فيه جمهور ~~المفسرين: # معناه يبتغون الفضل والأرباح في التجارة، ويبتغون مع ذلك رضوانه في ظنهم ~~وطمعهم. # وقيل: كان منهم من يبتغي التجارة، ومنهم من يطلب بالحج رضوان الله وإن ~~كان لا يناله، وكان من العرب من يعتقد جزاء بعد الموت، وأنه يبعث، ولا يبعد ~~أن يحصل له نوع تخفيف في النار. قال ابن عطية: هذه الآية استئلاف من الله ~~تعالى للعرب ولطف بهم، لتنبسط النفوس، وتتداخل الناس، ويردون الموسم ~~فيستمعون القرآن، ويدخل الايمان في قلوبهم وتقوم عندهم الحجة كالذي كان. ~~وهذه الآية نزلت عام الفتح فنسخ الله ذلك كله بعد عام سنة تسع، إذ حج أبو ~~بكر ونودي الناس بسورة " براءة ". # الحادية عشرة - قوله تعالى: (وإذا حللتم فاصطادوا) أمر ms2030 إباحة - بإجماع ~~الناس - رفع ما كان محظورا بالاحرام، حكاه كثير من العلماء وليس بصحيح، بل ~~صيغة " أفعل " الواردة بعد الحظر على أصلها من الوجوب، وهو مذهب القاضي أبي ~~الطيب وغيره، لان المقتضي للوجوب قائم وتقدم الحظر لا يصلح مانعا، دليله ~~قوله تعالى: " فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين " (1) [التوبة: 5] ~~فهذه " أفعل " على الوجوب، لان المراد بها الجهاد، وإنما فهمت الإباحة هناك ~~وما كان مثله من قوله: " فإذا قضيت الصلاة فانتشروا " (2) [الجمعة: 10] " ~~فإذا تطهرن فأتوهن " (3) من النظر إلى المعنى والاجماع، لا من صيغة الامر. ~~والله أعلم. # الثانية عشرة - قوله تعالى: (ولا يجر منكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد ~~الحرام) أي لا يحملنكم، عن ابن عباس وقتادة، وهو قول الكسائي وأبي العباس. ~~وهو يتعدى إلى مفعولين، يقال: جرمني كذا على بغضك أي حملني عليه، قال ~~الشاعر: (4) ولقد طعنت أبا عيينة طعنة * جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا # PageV06P044 # وقال الأخفش: أي ولا يحقنكم. وقال أبو عبيدة والفراء: معنى " لا يجر منكم ~~" أي لا يكسبنكم بغض قوم أن تعتدوا الحق إلى الباطل، والعدل إلى الظلم، قال ~~عليه السلام: # (أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك) وقد مضى القول في هذا. ونظير ~~هذه الآية " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " [البقرة: ~~194] وقد تقدم مستوفى (1). ويقال: فلان جريمة أهله أي كاسبهم، فالجريمة ~~والجارم بمعنى الكاسب. وأجرم فلان أي أكتسب الاثم. # ومنه قول الشاعر: (2) جريمة ناهض في رأس نيق * ترى لعظام ما جمعت صليبا ~~معناه كاسب قوت، والصليب الودك (3)، وهذا هو الأصل في بناء ج ر م. قال ابن ~~فارس: # يقال جرم وأجرم، ولا جرم بمنزلة قولك: لا بد ولا محالة، وأصلها من جرم أي ~~أكتسب، قال: # * جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا * وقال أخر: # يا أيها المشتكي عكلا (4) وما جرمت * إلى القبائل من قتل وإباس ويقال: ~~جرم يجرم جرما إذا قطع، قال الرماني علي بن عيسى: وهو الأصل، فجرم بمعنى ~~حمل على الشئ لقطعه من غيره، وجرم بمعنى كسب لانقطاعه إلى الكسب، ms2031 وجرم ~~بمعنى حق لان الحق يقطع عليه. وقال الخليل: " لا جرم أن لهم النار " (5) ~~[النحل: 62] لقد حق أن لهم العذاب. # وقال الكسائي: جرم وأجرم لغتان بمعنى واحد، أي أكتسب. وقرأ ابن مسعود " ~~يجر منكم " بضم الياء، والمعنى أيضا لا يكسبنكم، ولا يعرف البصريون الضم، ~~وإنما يقولون: جرم لا غير. # والشنآن البغض. وقرئ بفتح النون وإسكانها، يقال: شنئت الرجل أشنؤه شنأ ~~وشنأة وشنآنا # PageV06P045 # وشنآنا بجزم النون، كل ذلك إذا أبغضته، أي لا يكسبنكم بغض قوم بصدهم ~~إياكم أن تعتدوا، والمراد بغضكم قوما، فأضاف المصدر إلى المفعول. قال ابن ~~زيد: لما صد المسلمون عن البيت عام الحديبية مر بهم ناس من المشركين يريدون ~~العمرة، فقال المسلمون: نصدهم كما صدنا أصحابهم، فنزلت هذه الآية، أي لا ~~تعتدوا على هؤلاء، ولا تصدوهم " أن صدوكم " أصحابهم، بفتح الهمزة مفعول من ~~أجله، أي لان صدوكم. وقرأ أبو عمرو وابن كثير بكسر الهمزة " إن صدوكم " وهو ~~اختيار أبي عبيد. وروى عن الأعمش " إن يصدوكم ". قال ابن عطية: فإن للجزاء، ~~أي إن وقع مثل هذا الفعل في المستقبل. والقراءة الأولى أمكن في المعنى. ~~وقال النحاس: وأما " إن صدوكم " بكسر " إن " فالعلماء الجلة بالنحو والحديث ~~والنظر يمنعون القراءة بها لأشياء: منها أن الآية نزلت عام الفتح سنة ثمان، ~~وكان المشركون صدوا المسلمين عام الحديبية سنة ست، فالصد كان قبل الآية، ~~وإذا قرئ بالكسر لم يجز أن يكون إلا بعده، كما تقول: لا تعط فلانا شيئا إن ~~قاتلك، فهذا لا يكون إلا للمستقبل، وإن فتحت كان للماضي، فوجب على هذا ألا ~~يجوز إلا " أن صدوكم ". وأيضا فلو لم يصح هذا الحديث لكان الفتح واجبا، لان ~~قوله: " لا تحلوا شعائر الله " إلى آخر الآية يدل على أن مكة كانت في ~~أيديهم، وأنهم لا ينهون عن هذا إلا وهم قادرون على الصد عن البيت الحرام، ~~فوجب من هذا فتح " أن " لأنه لما مضى. (أن تعتدوا) في موضع نصب، لأنه مفعول ~~به، أي لا يجر منكم شنآن قوم الاعتداء. وأنكر أبو حاتم وأبو ms2032 عبيد " شنآن " ~~بإسكان النون، لان المصادر إنما تأتي في مثل هذا متحركة، وخالفهما غيرهما ~~وقال: ليس هذا مصدرا ولكنه اسم الفاعل على وزن كسلان وغضبان. # الثالثة عشرة - قوله تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى) قال الأخفش: هو ~~مقطوع من أول الكلام، وهو أمر لجميع الخلق بالتعاون على البر والتقوى، أي ~~ليعن بعضكم بعضا، وتحاثوا على ما أمر الله تعالى وأعملوا به، وانتهوا عما ~~نهى الله عنه وامتنعوا منه، وهذا موافق لما روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: (الدال على الخير كفاعله). وقد قيل: PageV06P046 # الدال على الشر كصانعه. ثم قيل: البر والتقوى لفظان بمعنى واحد، وكرر ~~باختلاف اللفظ تأكيدا ومبالغة، إذ كل بر تقوى وكل تقوى بر. قال ابن عطية: ~~وفي هذا تسامح ما، والعرف في دلالة هذين اللفظين أن البر يتناول الواجب ~~والمندوب إليه، والتقوى رعاية الواجب، فإن جعل أحدهما بدل الآخر فبتجوز. ~~وقال الماوردي: ندب الله سبحانه إلى التعاون بالبر وقرنه بالتقوى له، لان ~~في التقوى رضا الله تعالى، وفي البر رضا الناس، ومن جمع بين رضا الله تعالى ~~ورضا الناس فقد تمت سعادته وعمت نعمته. وقال ابن خويزمنداد في أحكامه: ~~والتعاون على البر والتقوى يكون بوجوه، فواجب على العالم أن يعين الناس ~~بعلمه فيعلمهم (1)، ويعينهم الغني بماله، والشجاع بشجاعته في سبيل الله، ~~وأن يكون المسلمون متظاهرين كاليد الواحدة (المؤمنون تتكافؤ دماؤهم ويسعى ~~بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم). ويجب الاعراض عن المتعدي وترك النصرة ~~له ورده عما هو عليه. # ثم نهى فقال. (ولا تعاونوا على الاثم والعدوان) وهو الحكم اللاحق عن ~~الجرائم (2)، وعن " العدوان " وهو ظلم الناس. ثم أمر بالتقوى وتوعد توعدا ~~مجملا فقال: (واتقوا الله إن الله شديد العقاب). # قوله تعالى: حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به ~~والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ~~ذبح على النصب وإن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق اليوم يئس الذين كفروا من ~~دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم ms2033 وأتممت عليكم نعمتي ورضيت ~~لكم الاسلام دينا فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لاثم فإن الله غفور رحيم ~~(3) # PageV06P047 # فيه ست وعشرون (1) مسألة: # الأولى - قوله تعالى: (حرمت عليكم الميتة ولحم الخنزير وما أهل لغير الله ~~به) تقدم القول فيه في البقرة (2). # الثانية - قوله تعالى: (والمنخنقة) هي التي تموت خنقا، وهو حبس النفس ~~سواء فعل بها ذلك آدمي أو أتفق لها ذلك في حبل أو بين عودين أو نحوه. وذكر ~~قتادة: # أن أهل الجاهلية كانوا يخنقون الشاة وغيرها فإذا ماتت أكلوها، وذكر نحوه ~~ابن عباس. # الثالثة - قوله تعالى: (والموقوذة) الموقوذة هي التي ترمى أو تضرب بحجر ~~أو عصا حتى تموت من غير تذكية، عن ابن عباس والحسن وقتادة والضحاك والسدي، ~~يقال منه: # وقذه يقده وقذا وهو وقيذ. والوقذ شدة الضرب، وفلان وقيذ أي مثخن ضربا. ~~قال قتادة: # كان أهل الجاهلية يفعلون ذلك ويأكلونه. وقال الضحاك: كانوا يضربون ~~الانعام بالخشب لآلهتهم حتى يقتلوها فيأكلوها، ومنه المقتولة بقوس البندق. ~~وقال الفرزدق: # شغارة (3) تقذ الفصيل برجلها * فطارة لقوادم الأبكار وفي صحيح مسلم عن ~~عدي بن حاتم قال: قلت يا رسول الله فإني أرمي بالمعراض (4) الصيد فأصيب، ~~فقال: (إذا رميت بالمعراض فخزق فكله وإن أصابه بعرضه فلا تأكله) وفي رواية ~~(فإنه وقيذ). قال أبو عمر: اختلف العلماء قديما وحديثا في الصيد بالبندق ~~والحجر والمعراض، فمن ذهب إلى أنه وقيذ لم يجزه إلا ما أدرك ذكاته، على ما ~~روى عن ابن عمر، وهو قول مالك وأبي حنيفة وأصحابه والثوري والشافعي. ~~وخالفهم الشاميون في ذلك، قال الأوزاعي في المعراض، كله خزق أو لم يخزق، ~~فقد كان أبو الدرداء وفضالة بن عبيد وعبد الله بن عمر # PageV06P048 # ومكحول لا يرون به بأسا، قال أبو عمر: هكذا ذكر الأوزاعي عن عبد الله بن ~~عمر، والمعروف عن ابن عمر ما ذكره مالك عن نافع عنه. والأصل في هذا الباب ~~والذي عليه العمل وفيه الحجة لمن لجأ إليه حديث عدي بن حاتم وفيه (وما أصاب ~~بعرضه فلا تأكله فإنما هو وقيذ) الرابعة - قوله ms2034 تعالى (والمتردية) المتردية ~~هي التي تتردى من العلو إلى السفل فتموت، كان ذلك من جبل أو في بئر ونحوه، ~~وهي متفعلة من الردى وهو الهلاك، وسواء تردت بنفسها أو رداها غيرها. وإذا ~~أصاب السهم الصيد فتردى من جبل إلى الأرض حرم أيضا، لأنه ربما مات بالصدمة ~~والتردي لا بالسهم، ومنه الحديث (وإن وجدته غريقا في الماء فلا تأكله فإنك ~~لا تدري الماء قتله أو سهمك) أخرجه مسلم. وكانت الجاهلية تأكل المتردي ولم ~~تكن تعتقد ميتة إلا ما مات بالوجع ونحوه دون سبب يعرف، فأما هذه الأسباب ~~فكانت عندها كالذكاة، فحصر الشرع الذكاة في صفة مخصوصة على ما يأتي بيانها، ~~وبقيت هذه كلها ميتة، وهذا كله من المحكم المتفق عليه. وكذلك النطيحة ~~وأكيلة السبع التي فات نفسها بالنطح والاكل. # الخامسة - قوله تعالى: (والنطيحة) النطيحة فعيلة بمعنى مفعولة، وهي الشاة ~~تنطحها أخرى أو غير ذلك فتموت قبل أن تذكى. وتأول قوم النطيحة بمعنى ~~الناطحة، لان الشاتين قد تتناطحان فتموتان. وقيل: نطيحة ولم يقل نطيح، وحق ~~فعيل لا يذكر فيه الهاء كما يقال: كف خضيب ولحية دهين، لكن ذكر الهاء ههنا ~~لان الهاء إنما تحذف من الفعيلة إذا كانت صفة لموصوف منطوق به، يقال: شاة ~~نطيح وامرأة قتيل، فإن لم تذكر الموصوف أثبت الهاء فتقول: رأيت قتيلة بني ~~فلان وهذه نطيحة الغنم، لأنك لو لم تذكر الهاء فقلت: رأيت قتيل بني فلان لم ~~يعرف أرجل هو أم امرأة. وقرأ أبو ميسرة " والمنطوحة ". # السادسة - قوله تعالى: (وما أكل السبع) يريد كل ما أفترسه ذو ناب وأظفار ~~من الحيوان، كالأسد والنمر والثعلب والذئب والضبع ونحوها، هذه كلها سباع. ~~يقال: سبع فلان فلانا أي عضه بسنه، وسبعه أي عابه ووقع فيه. وفي الكلام ~~إضمار، أي وما أكل منه PageV06P049 # السبع، لان ما أكله السبع فقد فنى. ومن العرب من يوقف اسم السبع على ~~الأسد، وكانت العرب إذا أخذ السبع شاة ثم خلصت منه أكلوها، وكذلك إن أكل ~~بعضها، قاله قتادة وغيره وقرأ الحسن وأبو حياة " السبع " بسكون ms2035 الباء، وهي ~~لغة لأهل نجد. وقال حسان في عتبة بن أبي لهب: # من يرجع العام إلى أهله * فما أكيل السبع بالراجع وقرأ ابن مسعود: " ~~وأكيلة السبع " وقرأ عبد الله بن عباس: " وأكيل السبع ". # السابعة - قوله تعالى: (إلا ما ذكيتم) نصب على الاستثناء المتصل، عند ~~الجمهور من العلماء والفقهاء. وهو راجع على كل ما أدرك ذكاته من المذكورات ~~وفيه حياة، فإن الذكاة عاملة فيه، لان حق الاستثناء أن يكون مصروفا إلى ما ~~تقدم من الكلام، ولا يجعل منقطعا إلا بدليل يجب التسليم له. روى ابن عيينة ~~وشريك وجرير عن الركين بن الربيع عن أبي طلحة الأسدي قال: سألت ابن عباس عن ~~ذئب عدا على شاة فشق بطنها حتى انتثر قصبها (1) فأدركت ذكاتها فذكيتها ~~فقال: كل وما انتثر من قصبها فلا تأكل. قال إسحاق بن راهويه: # السنة في الشاة على ما وصف ابن عباس، فإنها وإن خرجت مصارينها فإنها حية ~~بعد، وموضع الذكاة منها سالم، وإنما ينظر عند الذبح أحية هي أم ميتة، ولا ~~ينظر إلى فعل هل يعيش مثلها؟ فكذلك المريضة، قال إسحاق: ومن خالف هذا فقد ~~خالف السنة من جمهور الصحابة وعامة العلماء. # قلت: وإليه ذهب ابن حبيب وذكر عن أصحاب مالك، وهو قول ابن وهب والأشهر من ~~مذهب الشافعي. قال المزني: وأحفظ للشافعي قولا آخر أنها لا تؤكل إذا بلغ ~~منها السبع أو التردي إلى ما لا حياة معه، وهو قول المدنيين، والمشهور من ~~قول مالك، وهو الذي ذكره عبد الوهاب في تلقينه، وروي عن زيد بن ثابت، ذكره ~~مالك في موطئه، وإليه ذهب إسماعيل القاضي وجماعة المالكيين البغداديين. ~~والاستثناء على هذا القول منقطع، أي حرمت عليكم هذه الأشياء لكن ما ذكيتم ~~فهو الذي لم يحرم. قال ابن العربي: اختلف قول مالك # PageV06P050 # في هذه الأشياء، فروي عنه أنه لا يؤكل إلا ما ذكي بذكاة صحيحة، والذي في ~~الموطأ أنه إن كان ذبحها ونفسها يجري، وهي تضطرب فليأكل، وهو الصحيح من ~~قوله الذي كتبه بيده وقرأه على الناس من كل ms2036 بلد طول عمره، فهو أولى من ~~الروايات النادرة. وقد أطلق علماؤنا على المريضة أن المذهب جواز تذكيتها ~~ولو أشرفت على الموت إذا كانت فيها بقية حياة، وليت شعري أي فرق بين بقية ~~حياة من مرض، وبقية حياة من سبع لو اتسق النظر، وسلمت من الشبهة الفكر!. ~~وقال أبو عمرو: قد أجمعوا في المريضة التي لا ترجى حياتها أن ذبحها ذكاة ~~لها إذا كانت فيها الحياة في حين ذبحها، وعلم ذلك منها بما ذكروا من حركة ~~يدها أو رجلها أو ذنبها أو نحو ذلك، وأجمعوا أنها إذا صارت في حال النزع ~~ولم تحرك يدا ولا رجلا أنه لا ذكاة فيها، وكذلك ينبغي في القياس أن يكون ~~حكم المتردية وما ذكر معها في الآية. [والله أعلم] (1). # الثامنة - قوله تعالى: " ذكيتم " الذكاة في كلام العرب الذبح، قاله قطرب. ~~وقال ابن سيده في [المحكم] والعرب تقول (ذكاة الجنين ذكاة أمه)، قال ابن ~~عطية: وهذا إنما هو حديث. وذكى الحيوان ذبحه، ومنه قول الشاعر: # * يذكيها الأسل * قلت: الحديث الذي أشار إليه أخرجه الدارقطني من حديث ~~أبي سعيد وأبي هريرة وعلي وعبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~(ذكاة الجنين ذكاة أمه). وبه يقول جماعة أهل العلم، إلا ما روي عن أبي ~~حنيفة أنه قال: إذا خرج الجنين من بطن أمه ميتا لم يحل أكله، لان ذكاة نفس ~~لا تكون ذكاة نفسين. قال ابن المنذر: وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: # (ذكاة الجنين ذكاة أمه) دليل على أن الجنين غير الام، وهو يقول: لو أعتقت ~~أمة حامل أن عتقه عتق أمه، وهذا يلزمه أن ذكاته ذكاة أمه، لأنه إذا أجاز أن ~~يكون عتق واحد عتق اثنين جاز أن يكون ذكاة واحد ذكاة اثنين، على أن الخبر ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم، وما جاء عن أصحابه، وما عليه جل الناس مستغنى ~~به عن [قول كل (3) قائل]. وأجمع أهل العلم على # PageV06P051 # أن الجنين إذا خرج حيا أن ذكاة أمه ليست بذكاة له، واختلفوا إذا ms2037 ذكيت ~~الام وفي بطنها جنين، فقال مالك وجميع أصحابه: ذكاته ذكاة أمه إذا كان قد ~~تم خلقه ونبت شعره، وذلك إذا خرج ميتا أو خرج به رمق من الحياة، غير أنه ~~يستحب أن يذبح إن خرج يتحرك، فإن سبقهم بنفسه أكل. وقال ابن القاسم: ضحيت ~~بنعجة فلما ذبحتها جعل يركض ولدها في بطنها فأمرتهم أن يتركوها حتى يموت في ~~بطنها، ثم أمرتهم فشقوا جوفها فأخرج منه فذبحته فسال منه دم، فأمرت أهلي أن ~~يشووه. وقال عبد الله بن كعب بن مالك. كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقولون: إذا أشعر الجنين فذكاته ذكاة أمه. قال ابن المنذر: # وممن قال ذكاته ذكاة أمه ولم يذكر أشعر أو لم يشعر علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه وسعيد ابن المسيب والشافعي وأحمد وإسحق. قال القاضي أبو الوليد ~~الباجي: وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ذكاة الجنين ذكاة ~~أمه أشعر أو لم يشعر " إلا أنه حديث ضعيف، فمذهب مالك هو الصحيح من الأقوال ~~الذي عليه عامة فقهاء الأمصار. # وبالله التوفيق. # التاسعة - قوله تعالى: " ذكيتم " الذكاة في اللغة أصلها التمام، ومنه ~~تمام السن. # والفرس المذكى الذي يأتي بعد تمام القروح (1) بسنة، وذلك تمام استكمال ~~القوة. ويقال: ذكى يذكي، والعرب تقول: جري (2) المذكيات غلاب. والذكاء حدة ~~القلب، وقال الشاعر: (3) يفضله إذا اجتهدوا عليه * تمام السن منه والذكاء ~~والذكاء سرعة الفطنة، والفعل منه ذكي يذكى ذكا، والذكوة ما تذكو به النار، ~~وأذكيت الحرب والنار أوقدتهما. وذكاء اسم الشمس، وذلك أنها تذكو كالنار، ~~والصبح ابن ذكاء لأنه من ضوئها. فمعنى " ذكيتم " أدركتم ذكاته على التمام. ~~ذكيت الذبيحة أذكيها مشتقة من التطيب، يقال: رائحة ذكية، فالحيوان إذا أسيل ~~دمه فقد طيب، لأنه يتسارع إليه التجفيف، وفي حديث محمد بن علي رضي الله ~~عنهما " ذكاة الأرض يبسها " يريد # PageV06P052 # طهارتها من النجاسة، فالذكاة في الذبيحة لها، وإباحة [لاكلها فجعل يبس ~~الأرض بعد النجاسة تطهيرا لها وإباحة] (1) الصلاة فيها بمنزلة الذكاة ~~للذبيحة وهو قول أهل ms2038 العراق. # وإذا تقرر هذا فأعلم أنها في الشرع عبارة عن انهار الدم وفري الأوداج في ~~المذبوح، والنحر في المنحور والعقر في غير المقدور، مقرونا بنية القصد لله ~~وذكره عليه، على ما يأتي بيانه. # العاشرة - واختلف العلماء فيما يقع به الذكاة، فالذي عليه الجمهور من ~~العلماء أن كل ما أفرى الأوداج وأنهر الدم فهو من آلات الذكاة ما خلا السن ~~والعظم، على هذا تواترت الآثار، وقال به فقهاء الأمصار. والسن والظفر ~~المنهي عنهما في التذكية هما غير المنزوعين، لان ذلك يصير خنقا، وكذلك قال ~~ابن عباس: ذلك الخنق، فأما المنزوعان فإذا فريا الأوداج فجائز الذكاة بهما ~~عندهم. وقد كره قوم السن والظفر والعظم على كل حال، منزوعة أو غير منزوعة، ~~منهم إبراهيم والحسن والليث بن سعد، وروي عن الشافعي، وحجتهم ظاهر حديث ~~رافع بن خديج قال: قلت يا رسول الله إنا لاقو العدو غدا وليست معنا مدى - ~~في رواية - فنذكي بالليط؟. وفي موطأ مالك عن نافع عن رجل من الأنصار عن ~~معاذ ابن سعد أو سعد بن معاذ: أن جارية لكعب بن مالك كانت ترعى غنما له ~~بسلع (2) فأصيبت شاة منها فأدركتها فذكتها بحجر، فسئل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن ذلك فقال: # (لا بأس بها وكلوها). وفي مصنف أبي داود: أنذبح بالمروة (3) وشقة (4) ~~العصا؟ قال: (أعجل وأرن (5) ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل ليس السن ~~والظفر وسأحدثك أما السن فعظم وأما الظفر فمدى الحبشة) الحديث أخرجه مسلم. ~~وروي عن سعيد بن المسيب أنه قال: ما ذبح بالليطة والشطير والظرر فحل ذكي. ~~الليطة فلقة القصبة ويمكن بها الذبح والنحر. والشطير # PageV06P053 # فلقة العود، وقد يمكن بها الذبح لان لها جانبا دقيقا. والظرر فلقة الحجر ~~يمكن الذكاة بها ولا يمكن النحر، وعكسه الشظاظ (1) ينحر به، لأنه كطرف ~~السنان ولا يمكن به الذبح. # الحادية عشرة - قال مالك وجماعة: لا تصح الذكاة إلا بقطع الحلقوم ~~والودجين. # وقال الشافعي: يصح بقطع الحلقوم والمرئ ولا يحتاج إلى الودجين، لأنهما ~~مجرى الطعام والشراب الذي لا ms2039 يكون معهما حياة، وهو الغرض من الموت. ومالك ~~وغيره اعتبروا الموت على وجه يطيب معه اللحم، ويفترق فيه الحلال - وهو ~~اللحم - من الحرام الذي يخرج بقطع الأوداج وهو مذهب أبي حنيفة، وعليه يدل ~~حديث رافع بن خديج في قوله: (ما أنهر الدم). # وحكى البغداديون عن مالك أنه يشترط قطع أربع: الحلقوم والودجين والمرئ، ~~وهو قول أبي ثور (2)، والمشهور ما تقدم وهو قول الليث. ثم اختلف أصحابنا في ~~قطع أحد الودجين والحلقوم هل هو ذكاة أم لا؟ على قولين. # الثانية عشرة - وأجمع العلماء على أن الذبح مهما كان في الحلق تحت ~~الغلصمة فقد تمت الذكاة، واختلف فيما إذا ذبح فوقها وجازها (3) إلى البدن ~~هل ذلك ذكاة أم لا، على قولين: # وقد روي عن مالك أنها لا تؤكل، وكذلك لو ذبحها من القفا واستوفى القطع ~~وأنهر الدم وقطع الحلقوم والودجين لم تؤكل. وقال الشافعي: تؤكل، لان ~~المقصود قد حصل. وهذا ينبني على أصل، وهو أن الذكاة وإن كان المقصود منها ~~إنهار الدم ففيها ضرب من التعبد، وقد ذبح صلى الله عليه وسلم في الحلق ونحر ~~في اللبة (4) وقال: (إنما الذكاة في الحلق واللبة) فبين محلها وعين موضعها، ~~وقال مبينا لفائدتها: (ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل). # فإذا أهمل ذلك ولم تقع بنية ولا بشرط ولا بصفة مخصوصة زال منها حظ ~~التعبد، فلم تؤكل لذلك. والله أعلم. # الثالثة عشرة - واختلفوا فيمن رفع يده قبل تمام الذكاة ثم رجع في الفور ~~وأكمل الذكاة، فقيل: يجزئه. وقيل: لا يجزئه، والأول أصح لأنه جرحها ثم ~~ذكاها بعد وحياتها مستجمعة فيها. # PageV06P054 # الرابعة عشرة - ويستحب إلا يذبح إلا من ترضى حاله، وكل من أطاقه وجاء به ~~على سنته من ذكر أو أنثى بالغ أو غير بالغ جاز ذبحه إذا كان مسلما أو ~~كتابيا، وذبح المسلم أفضل من ذبح الكتابي، ولا يذبح نسكا إلا مسلم، فإن ذبح ~~النسك كتابي فقد اختلف فيه، ولا يجوز في تحصيل المذهب، وقد أجازه أشهب. # الخامسة عشرة - وما استوحش من الانسي لم ms2040 يجز في ذكاته إلا ما يجوز في ~~ذكاة الانسي، في قول مالك وأصحابه وربيعة والليث بن سعد، وكذلك المتردي في ~~البئر لا تكون الذكاة فيه إلا فيما بين الحلق واللبة على سنة الذكاة. وقد ~~خالف في هاتين المسألتين بعض أهل المدينة وغيرهم، وفي الباب حديث رافع بن ~~خديج وقد تقدم، وتمامه بعد قوله: (فمدى الحبشة) قال: وأصبنا نهب إبل وغنم ~~فند منها بعير فرماه رجل بسهم فحبسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~(إن لهذه الإبل أوابد (1) كأوابد الوحش فإذا غلبكم منها شئ فافعلوا به هكذا ~~- وفي رواية - فكلوه). وبه قال أبو حنيفة والشافعي، قال الشافعي: تسليط ~~النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الفعل دليل على أنه ذكاة، وأحتج بما رواه ~~أبو داود والترمذي عن أبي العشراء عن أبيه قال: قلت يا رسول الله أما تكون ~~الذكاة إلا في الحلق واللبة؟ قال: # (لو طعنت في فخذها لأجزأ عنك). قال يزيد بن هارون: وهو حديث صحيح أعجب ~~أحمد بن حنبل ورواه عن (2) أبي داود، وأشار على من دخل عليه من الحفاظ أن ~~يكتبه. قال أبو داود: # لا يصلح هذا إلا في المتردية والمستوحش. وقد حمل ابن حبيب هذا الحديث على ~~ما سقط في مهواة فلا يوصل إلى ذكاته إلا بالطعن في غير موضع الذكاة، وهو ~~قول أنفرد به عن مالك وأصحابه. قال أبو عمر: قول الشافعي أظهر في أهل ~~العلم، وأنه يؤكل بما يؤكل به الوحشي، لحديث رافع بن خديج، وهو قول ابن ~~عباس وابن مسعود، ومن جهة القياس لما كان الوحشي إذا قدر عليه لم يحل إلا ~~بما يحل به الانسي، لأنه صار مقدورا عليه، فكذلك ينبغي في القياس إذا توحش ~~أو صار في معنى الوحشي من الامتناع أن يحل بما يحل به الوحشي. # PageV06P055 # قلت: أجاب علماؤنا عن حديث رافع بن خديج بأن قالوا: تسليط النبي صلى الله ~~عليه وسلم إنما هو على حبسه لا على ذكاته، وهو مقتضى الحديث وظاهره، لقوله: ~~(فحبسه) ولم يقل إن السهم قتله، ms2041 وأيضا فإنه مقدور عليه في غالب الأحوال فلا ~~يراعى النادر منه، وإنما يكون ذلك في الصيد. وقد صرح الحديث بأن السهم حبسه ~~وبعد أن صار محبوسا صار مقدورا عليه، فلا يؤكل إلا بالذبح والنحر. والله ~~أعلم. وأما حديث أبي العشراء فقد قال فيه الترمذي: " حديث غريب لا نعرفه ~~إلا من حديث حماد بن سلمة، ولا نعرف لأبي العشراء عن أبيه غير هذا الحديث. ~~واختلفوا في اسم أبي العشراء، فقال بعضهم: اسمه أسامة ابن قهطم، ويقال: ~~اسمه يسار بن برز - ويقال: بلز - ويقال: اسمه عطارد نسب إلى جده ". فهذا ~~سند مجهول لا حجة فيه، ولو سلمت صحته كما قال يزيد بن هارون لما كان فيه ~~حجة، إذ مقتضاه جواز الذكاة في أي عضو كان مطلقا في المقدور وغيره، ولا ~~قائل به في المقدور، فظاهره ليس بمراد قطعا. وتأويل أبي داود وابن حبيب له ~~غير متفق عليه، فلا يكون فيه حجة، والله أعلم. قال أبو عمر: وحجة مالك أنهم ~~قد أجمعوا أنه لو لم (1) يند الانسي أنه لا يذكى إلا بما يذكى به المقدور ~~عليه، ثم اختلفوا فهو على أصله حتى يتفقوا. وهذا لا حجة فيه، لان إجماعهم ~~إنما أنعقد على مقدور عليه، وهذا غير مقدور عليه. # السادسة عشرة - ومن تمام هذا الباب قوله عليه السلام: (إن الله كتب ~~الاحسان على كل شئ فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح ~~وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته) رواه مسلم عن شداد بن أوس قال: ثنتان ~~حفظتهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله كتب) فذكره. قال ~~علماؤنا: إحسان الذبح في البهائم الرفق بها، فلا يصرعها بعنف ولا يجرها من ~~موضع إلى آخر، وإحداد الآلة، وإحضار نية الإباحة والقربة وتوجيهها إلى ~~القبلة، والاجهاز (2)، وقطع الودجين والحلقوم، وإراحتها وتركها إلى أن ~~تبرد، والاعتراف لله بالمنة، والشكر له بالنعمة، بأنه سخر لنا ما لو شاء ~~لسلطه علينا، وأباح لنا ما لو شاء # PageV06P056 # لحرمه علينا. وقال ربيعة: من إحسان الذبح إلا يذبح بهيمة وأخرى ms2042 تنظر ~~إليها، وحكي جوازه عن مالك، والأول أحسن. وأما حسن القتلة فعام في كل شئ من ~~التذكية والقصاص والحدود وغيرها. وقد روى أبو داود عن ابن عباس وأبي هريرة ~~قالا: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شريطة الشيطان، زاد ابن عيسى في ~~حديثه (وهي التي تذبح فتقطع ولا تفرى الأوداج ثم تترك فتموت). # السابعة عشرة - قوله تعالى: (وما ذبح على النصب) قال ابن فارس: " النصب " ~~حجر كان ينصب فيعبد وتصب عليه دماء الذبائح، وهو النصب أيضا. والنصائب ~~حجارة تنصب حوالي شفير البئر فتجعل عضائد، وغبار منتصب مرتفع. وقيل: " ~~النصب " جمع، واحده نصاب كحمار وحمر. وقيل: هو اسم مفرد والجمع أنصاب، ~~وكانت ثلاثمائة وستين حجرا. وقرأ طلحة " النصب " بجزم الصاد. وروي عن ابن ~~عمر " النصب " بفتح النون وجزم الصاد. الجحدري: بفتح النون والصاد جعله ~~اسما موحدا كالجبل والجمل، والجمع أنصاب، كالأجمال والأجبال. قال مجاهد: هي ~~حجارة كانت حوالي مكة يذبحون عليها. قال ابن جريج: كانت العرب تذبح بمكة ~~وتنضح بالدم ما أقبل من البيت، ويشرحون اللحم ويضعونه على الحجارة، فلما ~~جاء الاسلام قال المسلمون للنبي صلى الله عليه وسلم: نحن أحق أن نعظم هذا ~~البيت بهذه الافعال، فكأنه عليه الصلاة والسلام لم يكره ذلك، فأنزل الله ~~تعالى: " لن ينال الله لحومها ولا دماؤها " (1) [الحج: 37] ونزلت " وما ذبح ~~على النصب " المعنى: والنية فيها تعظيم النصب لا أن (2) الذبح عليها غير ~~جائز، وقال الأعشى: # وذا النصب (3) المنصوب لا تنسكنه * لعافية (4) والله ربك فاعبدا وقيل: " ~~على " بمعنى اللام، أي لأجلها، قال قطرب قال ابن زيد: ما ذبح على النصب وما ~~أهل به لغير الله شئ واحد. قال ابن عطية: ما ذبح على النصب جزء مما أهل به ~~لغير الله، ولكن خص بالذكر بعد جنسه لشهرة الامر وشرف الموضع وتعظيم النفوس ~~له. # PageV06P057 # الثامنة عشرة - قوله تعالى: (وأن تستقسموا بالأزلام) معطوف على ما قبله، ~~و " أن " في محل رفع، أي وحرم عليكم الاستقسام. والأزلام قداح الميسر، ~~واحدها زلم وزلم، قال: # * بات يقاسيها غلام كالزلم ms2043 (1) * وقال آخر، فجمع: فلئن جذيمة قتلت ~~سرواتها * فنساؤها يضربن بالأزلام وذكر محمد بن جرير: أن ابن وكيع حدثهم عن ~~أبيه عن شريك عن أبي حصين عن سعيد بن جبير أن الأزلام حصى بيض كانوا يضربون ~~بها. قال محمد بن جرير: قال لنا سفيان بن وكيع: هي الشطرنج. فأما قول لبيد: ~~* تزل عن الثرى أزلامها (2) * فقالوا: أراد أظلاف البقرة الوحشية. والأزلام ~~العرب ثلاثة أنواع: # منها الثلاثة التي كان يتخذها كل إنسان لنفسه، على أحدها أفعل، وعلى ~~الثاني لا تفعل، والثالث مهمل لا شئ عليه، فيجعلها في خريطة معه، فإذا أراد ~~فعل شئ أدخل يده - وهي متشابهة - فإذا خرج أحدها ائتمر وانتهى بحسب ما يخرج ~~له، وإن خرج القدح الذي لا شئ عليه أعاد الضرب، وهذه هي التي ضرب بها سراقة ~~بن مالك بن جعشم حين أتبع النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وقت الهجرة، ~~وإنما قيل لهذا الفعل: استقسام لأنهم كانوا يستقسمون به الرزق وما يريدون، ~~كما يقال: الاستسقاء في الاستدعاء للسقي. ونظير هذا الذي حرمه الله تعالى ~~قول المنجم: لا تخرج من أجل نجم كذا، وأخرج من أجل نجم كذا. وقال جل وعز: " ~~وما تدري نفس ماذا تكسب غدا " (3) الآية [لقمان: 34]. وسيأتي بيان هذا ~~مستوفى إن شاء الله. # والنوع الثاني - سبعة قداح كانت عند هبل في جوف الكعبة مكتوب عليها ما ~~يدور بين الناس من النوازل، كل قدح منها فيه كتاب، قدح فيه العقل من أم ~~الديات، وفي آخر " منكم " وفي آخر " من غيركم "، وفي آخر " ملصق " (4)، وفي ~~سائرها أحكام المياه وغير ذلك، # PageV06P058 # وهي التي ضرب بها عبد المطلب على بنيه إذ كان نذر نحر أحدهم إذا كملوا ~~عشرة، الخبر المشهور ذكره ابن إسحاق. وهذه السبعة أيضا كانت عند كل كاهن من ~~كهان العرب وحكامهم، على نحو ما كانت في الكعبة عند هبل. # والنوع الثالث: هو قداح المسير وهي عشرة، سبعة منها فيها حظوظ، وثلاثة ~~أغفال، وكانوا يضربون بها مقامرة لهوا ولعبا، وكان عقلاؤهم يقصدون بها ~~إطعام المساكين والمعدم ms2044 في زمن الشتاء وكلب البرد وتعذر التحرف (1). وقال ~~مجاهد: الأزلام هي كعاب (2) فارس والروم التي يتقامرون بها. وقال سفيان ~~ووكيع: هي الشطرنج، فالاستقسام بهذا كله هو طلب القسم والنصيب كما بينا، ~~وهو من أكل المال بالباطل، وهو حرام، وكل مقامرة بحمام أو بنرد أو شطرنج أو ~~بغير ذلك من هذه الألعاب فهو استقسام بما هو في معنى الأزلام حرام كله، وهو ~~ضرب من التكهن والتعرض لدعوى علم الغيب. قال ابن خويز منداد: ولهذا نهى ~~أصحابنا عن الأمور التي يفعلها المنجمون على الطرقات من السهام التي معهم، ~~ورقاع الفأل في أشباه ذلك. وقال الكيا الطبري: وإنما نهى الله عنها فيما ~~يتعلق بأمور الغيب، فإنه لا تدري نفس ماذا يصيبها غدا، فليس للأزلام في ~~تعريف المغيبات أثر، فاستنبط بعض الجاهلين من هذا الرد على الشافعي في ~~الاقراع بين المماليك في العتق، ولم يعلم هذا الجاهل أن الذي قاله الشافعي ~~بني على الأخبار الصحيحة، وليس مما يعترض عليه بالنهي عن الاستقسام ~~بالأزلام، فإن العتق حكم شرعي، يجوز أن يجعل الشرع خروج القرعة علما على ~~إثبات حكم العتق قطعا للخصومة، أو لمصلحة يراها، ولا يساوي ذلك قول القائل: ~~إذا فعلت كذا أو قلت كذا فذلك يدلك في المستقبل على أمر من الأمور، فلا ~~يجوز أن يجعل خروج القداح علما على شئ يتجدد في المستقبل، ويجوز أن يجعل ~~خروج القرعة علما على العتق قطعا، فظهر افتراق البابين. # التاسعة عشرة - وليس من هذا الباب طلب الفأل، وكان عليه الصلاة والسلام ~~يعجبه أن يسمع يا راشد يا نجيح، أخرجه الترمذي وقال: حديث صحيح غريب، وإنما ~~كان يعجبه الفأل لأنه # PageV06P059 # تنشرح له النفس وتستبشر بقضاء الحاجة وبلوغ الامل، فيحسن الظن بالله عز ~~وجل، وقد قال: (أنا عند ظن عبدي بي). وكان عليه السلام يكره الطيرة، لأنها ~~من أعمال أهل الشرك، ولأنها تجلب ظن السوء بالله عز وجل. قال الخطابي: ~~الفرق بين الفأل والطيرة أن الفأل إنما هو من طريق حسن الظن بالله، والطيرة ~~إنما هي من طريق الاتكال ms2045 على شئ سواه. # وقال الأصمعي: سألت ابن عون عن الفأل فقال: هو أن يكون مريضا فيسمع يا ~~سالم، أو يكون باغيا (1) فيسمع يا واجد، وهذا معنى حديث الترمذي، وفي صحيح ~~مسلم عن أبي هريرة قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا طيرة ~~وخيرها الفأل)، قيل: يا رسول الله وما الفأل؟ # قال: (الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم). وسيأتي لمعنى الطيرة مزيد بيان إن ~~شاء الله تعالى. # روى عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قال: إنما العلم بالتعلم والحلم ~~بالتحلم، ومن يتحر الخير يعطه، ومن يتوق الشر يوقه، وثلاثة لا ينالون ~~الدرجات العلا، من تكهن أو استقسم أو رجع من سفر من طيرة. # الموفية عشرين - قوله تعالى: (ذلك فسق) إشارة إلى الاستقسام بالأزلام. ~~والفسق الخروج، وقد تقدم (2). وقيل يرجع إلى جميع ما ذكر من الاستحلال ~~لجميع هذه المحرمات، وكل شئ منها فسق وخروج من الحلال إلى الحرام، ~~والانكفاف عن هذه المحرمات من الوفاء بالعقود، إذ قال: " أوفوا بالعقود " ~~[المائدة: 1]. # الحادية والعشرون - قوله تعالى: (اليوم يئس الذين كفروا من دينكم) يعني ~~أن ترجعوا إلى دينهم كفارا. قال الضحاك: نزلت هذه الآية حين فتح مكة، وذلك ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح مكة لثمان بقين من رمضان سنة تسع، ~~ويقال: سنة ثمان، ودخلها ونادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم " ألا ~~من قال لا إله إلا الله فهو آمن، ومن وضع السلاح فهو آمن، ومن أغلق بابه ~~فهو آمن ". وفي " يئس " لغتان، يئس ييئس يأسا، وأيس يأيس # PageV06P060 # إياسا وإياسة، قاله النضر بن شميل. (فلا تخشوهم واخشوني) أي لا تخافوهم ~~وخافوني فإني أنا القادر على نصركم. # الثانية والعشرون - قوله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم) وذلك أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم حين كان بمكة لم تكن إلا فريضة الصلاة وحدها، فلما قدم ~~المدينة أنزل الله الحلال والحرام إلى أن حج، فلما حج وكمل الدين نزلت هذه ~~الآية: " اليوم أكملت لكم دينكم " الآية، على ما نبينه. روى الأئمة عن طارق ~~بن ms2046 شهاب قال: جاء رجل من اليهود إلى عمر فقال: # يا أمير المؤمنين آية في كتابكم تقرءونها لو علينا أنزلت معشر اليهود ~~لاتخذنا ذلك اليوم عيدا، قال: وأي آية؟ قال: " اليوم أكملت لكم دينكم ~~وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا " فقال عمر: إني لاعلم اليوم ~~الذي أنزلت فيه [والمكان الذي أنزلت فيه] (1)، نزلت على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بعرفة في يوم جمعة. لفظ مسلم. وعند النسائي ليلة جمعة. وروى أنها ~~لما نزلت في يوم الحج الأكبر وقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم بكى عمر، ~~فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما يبكيك)؟ فقال: أبكاني أنا كنا ~~في زيادة من ديننا فأما إذ كمل فإنه لم يكمل شئ إلا نقص. فقال له النبي صلي ~~الله عليه وسلم: (صدقت). # وروى مجاهد أن هذه الآية نزلت يوم فتح مكة. # قلت: القول الأول أصح، أنها نزلت في يوم جمعة وكان يوم عرفة بعد العصر في ~~حجة الوداع سنة عشر ورسول الله صلى الله عليه وسلم واقف بعرفة على ناقته ~~العضباء (1)، فكاد (2) عضد الناقة ينقد من ثقلها فبركت. و " اليوم " قد ~~يعبر بجزء منه عن جميعه، وكذلك عن الشهر ببعضه، تقول: فعلنا في شهر كذا كذا ~~وفي سنة كذا كذا، ومعلوم أنك لم تستوعب الشهر ولا السنة، وذلك مستعمل في ~~لسان العرب والعجم. والدين عبارة عن الشرائع التي شرع وفتح لنا، فإنها نزلت ~~نجوما وآخر ما نزل منها هذه الآية، ولم ينزل بعدها حكم، قاله ابن عباس ~~والسدي. وقال الجمهور: المراد معظم الفرائض والتحليل والتحريم، قالوا: وقد ~~نزل # PageV06P061 # بعد ذلك قرآن كثير، ونزلت آية الربا، ونزلت آية الكلالة إلى غير ذلك، ~~وإنما كمل معظم الدين وأمر الحج، إذا لم يطف معهم في هذه السنة مشرك، ولا ~~طاف بالبيت عريان، ووقف الناس كلهم بعرفة. وقيل: " أكملت لكم دينكم " بأن ~~أهلكت [لكم] (1) عدوكم وأظهرت دينكم على الدين كله كما تقول: قد تم لنا ما ~~نريد إذا كفيت عدوك. # الثالثة والعشرون - قوله تعالى: ms2047 " وأتممت عليكم نعمتي " أي بإكمال ~~الشرائع والاحكام وإظهار دين الاسلام كما وعدتكم، إذ قلت: ولاتم نعمتي ~~عليكم " [البقرة: 150] وهي دخول مكة آمنين مطمئنين وغير ذلك مما انتظمته ~~هذه الملة الحنيفية إلى دخول الجنة في رحمة الله تعالى. # الرابعة والعشرون - لعل قائلا يقول: قوله تعالى: " اليوم أكملت لكم دينكم ~~" يدل على أن الدين كان غير كامل في وقت من الأوقات، وذلك يوجب أن يكون ~~جميع من مات من المهاجرين والأنصار والذين شهدوا بدرا والحديبية وبايعوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم البيعتين جميعا، وبذلوا أنفسهم لله مع عظيم ~~ما حل بهم من أنواع المحن ماتوا على دين ناقص، وأن رسول الله صلي الله عليه ~~وسلم في ذلك كان يدعو الناس إلى دين ناقص، ومعلوم أن النقص عيب، ودين الله ~~تعالى قيم، كما قال تعالى: " دينا قيما " (2) [الانعام: 161] فالجواب أن ~~يقال له: لم قلت إن كل نقص فهو عيب وما دليلك عليه؟ ثم يقال له: أرأيت ~~نقصان الشهر هل كون عيبا، ونقصان صلاة المسافر أهو عيب لها، ونقصان العمر ~~الذي أراده الله بقوله: " وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره " (3) [فاطر: ~~11] أهو عيب له، ونقصان أيام الحيض عن المعهود، ونقصان أيام الحمل، ونقصان ~~المال بسرقة أو حريق أو غرق إذا لم يفتقر صاحبه، فما أنكرت أن نقصان أجزاء ~~الدين في الشرع قبل أن تلحق به الاجزاء الباقية في علم الله تعالى هذه ليست ~~بشين ولا عيب، وما أنكرت أن معنى قول الله تعالى: " اليوم أكملت لكم دينكم ~~" يخرج على وجهين: # أحدهما - أن يكون المراد بلغته أقصى الحد الذي كان له عندي فيما قضيته ~~وقدرته، وذلك لا يوجب أن يكون ما قبل ذلك ناقصا نقصان عيب، لكنه يوصف ~~بنقصان مقيد # PageV06P062 # فيقال [له] (1): إنه كان ناقصا عما كان عند الله تعالى أنه ملحقه به ~~وضامه إليه، كالرجل يبلغه الله مائة سنة فيقال: أكمل الله عمره، ولا يجب عن ~~ذلك أن يكون عمره حين كان ابن ستين كان ناقصا نقص قصور وخلل، فإن النبي ms2048 صلى ~~الله عليه وسلم كان يقول: (من عمره الله ستين سنة فقد أعذر إليه في العمر). ~~ولكنه يجوز أن يوصف بنقصان مقيد فيقال: كان ناقصا عما كان عند الله تعالى ~~أنه مبلغه إياه ومعمره إليه. وقد بلغ الله بالظهر والعصر والعشاء أربع ~~ركعات، فلو قيل عند ذلك أكملها لكان الكلام صحيحا، ولا يجب عن ذلك أنها ~~كانت حين كانت ركعتين ناقصة نقص قصور وخلل، ولو قيل: كانت ناقصة عما عند ~~الله أنه ضامه إليها وزائدة عليها لكان ذلك صحيحا فهكذا، هذا في شرائع ~~الاسلام وما كان شرع منها شيئا فشيئا إلى أن أنهى الله الدين منتهاه الذي ~~كان له عنده. والله أعلم. # والوجه الآخر: أنه أراد بقوله: " اليوم أكملت لكم دينكم " أنه وفقهم للحج ~~الذي لم يكن بقي عليهم من أركان الدين غيره، فحجوا، فاستجمع لهم الدين أداء ~~لأركانه وقياما بفرائضه، فإنه يقول عليه السلام: (بني الاسلام على خمس) ~~الحديث. وقد كانوا تشهدوا وصلوا وزكوا وصاموا وجاهدوا واعتمروا ولم يكونوا ~~حجوا، فلما حجوا ذلك اليوم مع النبي صلى الله عليه وسلم أنزل الله تعالى ~~وهم بالموقف عشية عرفة " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي " فإنما ~~أراد أكمل وضعه لهم وفي ذلك دلالة على أن الطاعات كلها دين وإيمان وإسلام. # الخامسة والعشرون - قوله تعالى: " ورضيت لكم الاسلام دينا " أي أعلمتكم ~~برضاي به لكم دينا، فإنه تعالى لم يزل راضيا بالاسلام لنا دينا، فلا يكون ~~لاختصاص الرضا بذلك اليوم فائدة إن حملناه على ظاهره. و " دينا " نصب على ~~التمييز، وإن شئت على مفعول ثان. وقيل: # المعنى ورضيت عنكم إذا أنقدتم (2) لي بالدين الذي شرعته لكم. ويحتمل أن ~~يريد " رضيت لكم الاسلام دينا " أي ورضيت إسلامكم الذي أنتم عليه اليوم ~~دينا باقيا بكماله إلى آخر الآية (3) لا أنسخ منه شيئا. والله أعلم. و " ~~الاسلام " في هذه الآية هو الذي في قوله تعالى: # PageV06P063 # " إن الدين عند الله الاسلام " [آل عمران: 19] وهو الذي يفسر في سؤال ~~جبريل للنبي عليهما الصلاة والسلام، وهو الايمان والأعمال ms2049 والشعب. # السادسة والعشرون - قوله تعالى: (فمن اضطر في مخمصة) يعني من دعته ضرورة ~~إلى أكل الميتة وسائر المحرمات في هذه الآية. والمخمصة الجوع وخلاء البطن ~~من الطعام. # والخمص ضمور البطن. ورجل خميص وخمصان وامرأة خميصة وخمصانة، ومنه أخمص ~~القدم، ويستعمل كثيرا في الجوع والغرث، قال الأعشى: # تبيتون في المشتى ملاء بطونكم * وجاراتكم غرثى (1) يبتن خمائصا أي ~~منطويات على الجوع قد أضمر بطونهن. وقال النابغة في خمص البطن من جهة ضمره: # والبطن ذو عكن (2) خميص لين * والنحر تنفجه (3) بثدي مقعد وفي الحديث: ~~(خماص البطون جفاف الظهور). الخماص جمع الخميص البطن، وهو الضامر. أخبر ~~أنهم أعفاء عن أموال الناس، ومنه الحديث: (إن الطير تغدو خماصا وتروج ~~بطانا). والخميصة أيضا ثوب، قال الأصمعي: الخمائص ثياب خز أو صوف معلمة، ~~وهي سوداء، كانت من لباس الناس. وقد تقدم معنى الاضطرار وحكمه في البقرة ~~(4). # السابعة والعشرون - قوله تعالى: (غير متجانف لاثم) أي غير مائل لحرام، ~~وهو بمعنى " غير باغ ولا عاد " [البقرة: 173] وقد تقدم. والجنف الميل، ~~والاثم الحرام، ومنه قول عمر (5) رضي الله عنه: ما تجانفنا فيه لاثم، أي ما ~~ملنا ولا تعمدنا ونحن نعلمه: وكل مائل فهو متجانف وجنف. # وقرأ النخعي ويحيى بن وثاب والسلمي " متجنف " دون ألف، وهو أبلغ في ~~المعنى، لان شد العين يقتضي مبالغة وتوغلا في المعنى وثبوتا لحكمه، وتفاعل ~~إنما هو محاكاة الشئ # PageV06P064 # والتقرب منه، ألا ترى أنك إذا قلت: تمايل الغصن فإن ذلك يقتضي تأودا ~~ومقاربة ميل، وإذا قلت: تميل فقد ثبت حكم الميل، وكذلك تصاون الرجل وتصون، ~~وتعاقل وتعقل، فالمعنى غير متعمد لمعصية في مقصده، قاله قتادة والشافعي. ~~(فإن الله غفور رحيم) أي فإن الله له غفور رحيم فحذف، وأنشد سيبويه: (1) قد ~~أصبحت أم الخيار تدعى * علي ذنبا كله لم أصنع أراد لم أصنعه فحذف. والله ~~أعلم. # قوله تعالى: يسئلونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من ~~الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم ~~الله عليه واتقوا الله إن الله ms2050 سريع الحساب (4) فيه ثماني عشرة مسألة (2): # الأولى - قوله تعالى: (يسألونك) الآية نزلت بسبب عدي بن حاتم وزيد بن ~~مهلهل وهو زيد الخيل الذي سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد الخير، ~~قالا: يا رسول الله إنا قوم نصيد بالكلاب والبزاة، وإن الكلاب تأخذ البقر ~~والحمر والظباء فمنه ما ندرك ذكاته، ومنه ما تقتله فلا ندرك ذكاته، وقد حرم ~~الله الميتة فماذا يحل لنا؟ فنزلت الآية. # الثانية - قوله تعالى: (ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات) " ما " في موضع ~~رفع بالابتداء، والخبر " أحل لهم " و " ذا " زائدة، وإن شئت كانت بمعنى ~~الذي، ويكون الخبر " قل أحل لكم الطيبات " وهو الحلال، وكل حرام فليس بطيب. ~~وقيل: ما التذه آكله وشاربه ولم يكن عليه فيه ضرر في الدنيا ولا في الآخرة. ~~وقيل: الطيبات الذبائح، لأنها طابت بالتذكية. # الثالثة - قوله تعالى: (وما علمتم) أي وصيد ما علمتم، ففي الكلام إضمار ~~لا بد منه، ولولاه لكان المعنى يقتضي أن يكون الحل المسؤول عنه متنا ولا ~~للمعلم من الجوارح المكلبين، # PageV06P065 # وذلك ليس مذهبا لاحد، فإن الذي يبيح لحم الكلب فلا يخصص الإباحة بالمعلم، ~~وسيأتي ما للعلماء في أكل الكلب في " الانعام " (1) إن شاء الله تعالى. وقد ~~ذكر بعض من صنف في أحكام القرآن أن الآية تدل على أن الإباحة تتناول ما ~~علمناه من الجوارح، وهو ينتظم الكلب وسائر جوارح الطير، وذلك يوجب إباحة ~~سائر وجوه الانتفاع، فدل على جواز بيع الكلب والجوارح والانتفاع بها بسائر ~~وجوه المنافع إلا ما خصه الدليل، وهو الاكل من الجوارح أي الكواسب من ~~الكلاب وسباع الطير، وكان لعدي كلاب خمسة قد سماها بأسماء أعلام، وكان ~~أسماء أكلبه سلهب وغلاب والمختلس والمتناعس، قال السهيلي: وخامس أشك، قال ~~فيه أخطب، أو قال فيه وثاب. # الرابعة - أجمعت الأمة على أن الكلب إذا لم يكن أسود وعلمه مسلم فينشلي ~~إذا أشلي (2) ويجيب إذ دعي، وينزجر بعد ظفره بالصيد إذا زجر، وأن يكون لا ~~يأكل من صيده الذي صاده، وأثر فيه بجرح أو تنييب، وصاد ms2051 به مسلم وذكر اسم ~~الله عند إرساله أن صيده صحيح يؤكل بلا خلاف، فإن انخرم شرط من هذه الشروط ~~دخل الخلاف. فإن كان الذي يصاد به غير كلب كالفهد وما أشبهه وكالبازي ~~والصقر ونحوهما من الطير فجمهور الأمة على أن كل ما صاد بعد التعليم فهو ~~جارح كاسب. يقال: جرح فلان واجترح إذا اكتسب، ومنه الجارحة لأنها يكتسب ~~بها، ومنه اجتراح السيئات. وقال الأعشى: # ذا جبار (3) منضجا ميسمه * يذكر الجارح ما كان اجترح وفي التنزيل " ويعلم ~~ما جرحتم بالنهار (4) " [الانعام: 60] وقال: " أم حسب الذين اجترحوا ~~السيئات (5) " [الجاثية: 21]. # الخامسة - قوله تعالى: (مكلبين) معنى " مكلبين " أصحاب الكلاب وهو ~~كالمؤدب صاحب التأديب. وقيل: معناه مضرين على الصيد كما تضرى الكلاب، قال ~~الرماني: وكلا # PageV06P066 # القولين محتمل. وليس في " مكلبين " دليل على أنه إنما أبيح صيد الكلاب ~~خاصة، لأنه بمنزلة قوله: " مؤمنين " وإن كان قد تمسك به من قصر الإباحة على ~~الكلاب خاصة. روي عن ابن عمر فيما حكى ابن المنذر عنه قال: وأما ما يصاد به ~~من البزاة وغيرها من الطير فما أدركت ذكاته فذكه فهو لك حلال، وإلا فلا ~~تطعمه. قال ابن المنذر: وسئل أبو جعفر عن البازي يحل صيده قال: لا، إلا أن ~~تدرك ذكاته. وقال الضحاك والسدي: " وما علمتم من الجوارح مكلبين " هي ~~الكلاب خاصة، فإن كان الكلب أسود بهيما فكره صيده الحسن وقتادة والنخعي. # وقال أحمد: ما أعرف أحدا يرخص فيه إذا كان بهيما، وبه قال إسحاق بن ~~راهويه، فأما عوام أهل العلم بالمدينة والكوفة فيرون جواز صيد كل كلب معلم، ~~أما من منع صيد الكلب الأسود فلقوله صلى الله عليه وسلم: (الكلب الأسود ~~شيطان)، أخرجه مسلم. احتج الجمهور بعموم الآية، واحتجوا أيضا في جواز صيد ~~البازي بما ذكر من سبب النزول، وبما خرجه الترمذي عن عدي بن حاتم قال: سألت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيد البازي فقال: # (ما أمسك عليك فكل). في إسناده مجالد ولا يعرف إلا من جهته وهو ضعيف. ~~وبالمعنى وهو أن كل ما ms2052 يتأتى من الكلب يتأتى من الفهد مثلا فلا فارق إلا ~~فيما لا مدخل له في التأثير، وهذا هو القياس في معنى الأصل، كقياس السيف ~~على المدية والأمة على العبد، وقد تقدم. # السادسة - وإذا تقرر هذا فأعلم أنه لا بد للصائد أن يقصد عند الارسال ~~التذكية والإباحة، وهذا لا يختلف فيه، لقوله عليه السلام: (إذا أرسلت كلبك ~~وذكرت اسم الله عليه فكل) وهذا يقتضي النية والتسمية، فلو قصد مع ذلك اللهو ~~فكرهه مالك وأجازه ابن عبد الحكم، وهو ظاهر قول الليث: ما رأيت حقا أشبه ~~بباطل منه، يعني الصيد، فأما لو فعله بغير نية التذكية فهو حرام، لأنه من ~~باب الفساد وإتلاف حيوان لغير منفعة، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن قتل الحيوان إلا لمأكلة. وقد ذهب الجمهور من العلماء إلى أن التسمية لا ~~بد منها بالقول عند الارسال، لقوله: (وذكرت اسم الله) فلو لم توجد على أي ~~وجه كان لم يؤكل الصيد، وهو مذهب أهل الظاهر وجماعة أهل الحديث. وذهبت ~~جماعة PageV06P067 # من أصحابنا وغيرهم إلى أنه يجوز أكل ما صاده المسلم وذبحه وإن ترك ~~التسمية عمدا، وحملوا الامر بالتسمية على الندب. وذهب مالك في المشهور إلى ~~الفرق بين ترك التسمية عمدا أو سهوا فقال: لا تؤكل مع العمد وتؤكل مع ~~السهو، وهو قول فقهاء الأمصار، وأحد قولي الشافعي، وستأتي هذه المسألة في " ~~الانعام " (1) إن شاء الله تعالى. ثم لابد أن يكون انبعاث الكلب بإرسال من ~~يد الصائد بحيث يكون زمامه بيده. فيخلي عنه ويغريه عليه فينبعث، أو يكون ~~الجارح ساكنا مع رؤيته الصيد فلا يتحرك له إلا بالاغراء من الصائد، فهذا ~~بمنزلة ما زمامه بيده فأطلقه مغريا له على أحد القولين، فأما لو انبعث ~~الجارح من تلقاء نفسه من غير إرسال ولا إغراء فلا يجوز صيده ولا يحل أكله ~~عند الجمهور ومالك والشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي، لأنه إنما صاد لنفسه من ~~غير إرسال وأمسك عليها، ولا صنع للصائد فيه، فلا ينسب إرساله إليه، لأنه لا ~~يصدق ms2053 عليه قوله عليه السلام: (إذا أرسلت كلبك المعلم). # وقال عطاء بن أبي رباح والأوزاعي: يؤكل صيده إذا كان أخرجه للصيد. # السابعة - قرأ الجمهور " علمتم " بفتح العين واللام. وابن عباس ومحمد بن ~~الحنفية بضم العين وكسر اللام، أي من أمر الجوارح والصيد بها. والجوارح ~~الكواسب، وسميت أعضاء الانسان جوارح لأنها تكسب وتتصرف. وقيل: سميت جوارح ~~لأنها تجرح وتسيل الدم، فهو مأخوذ من الجراح، وهذا ضعيف، وأهل اللغة على ~~خلافه، وحكاه ابن المنذر عن قوم. و " مكلبين " قراءة الجمهور بفتح الكاف ~~وشد اللام، والمكلب معلم الكلاب ومضريها (2). # ويقال لمن يعلم غير الكلب: مكلب، لأنه يرد ذلك الحيوان كالكلب، حكاه ~~بعضهم. ويقال للصائد: مكلب فعلى هذا معناه صائدين. وقيل: المكلب صاحب ~~الكلاب، يقال: كلب فهو مكلب وكلاب. وقرأ الحسن " مكلبين " بسكون الكاف ~~وتخفيف اللام، ومعناه أصحاب كلاب، يقال: أمشى الرجل كثرت ماشيته، وأكلب ~~كثرت كلابه، وأنشد الأصمعي (3): # وكل فتى وإن أمشى فأثرى * ستخلجه عن الدنيا منون # PageV06P068 # الثامنة - قوله تعالى: (تعلمونهن مما علمكم الله) أنث الضمير مراعاة للفظ ~~الجوارح، إذ هو جمع جارحة. ولا خلاف بين العلماء في شرطين في التعليم وهما: ~~أن يأتمر إذا أمر (1) وينزجر إذا زجر، لا خلاف في هذين الشرطين في الكلاب ~~وما في معناها من سباع الوحوش. واختلف فيما يصاد به من الطير، فالمشهور أن ~~ذلك مشترط فيها عند الجمهور. وذكر ابن حبيب أنه لا يشترط فيها أن تنزجر إذا ~~زجرت، فإنه لا يتأتى ذلك فيها غالبا، فيكفي أنها إذا أمرت أطاعت. وقال ~~ربيعة: ما أجاب منها إذا دعي فهو المعلم الضاري، لان أكثر الحيوان بطبعه ~~ينشلي (2). وقد شرط الشافعي وجمهور من العلماء في التعليم أن يمسك على ~~صاحبه، ولم يشترطه مالك في المشهور عنه. وقال الشافعي: المعلم هو الذي إذا ~~أشلاه صاحبه انشلى، وإذا دعاه إلى الرجوع رجع إليه، ويمسك الصيد على صاحبه ~~ولا يأكل منه، فإذا فعل هذا مرارا وقال أهل العرف: صار معلما فهو المعلم. ~~وعن الشافعي أيضا والكوفيين: إذا أشلي فانشلى وإذا أخذ حبس وفعل ms2054 ذلك مرة ~~بعد مرة أكل صيده في الثالثة. ومن العلماء من قال: يفعل ذلك ثلاث مرات ~~ويؤكل صيده في الرابعة. ومنهم من قال: إذا فعل [ذلك] (3) مرة فهو معلم ~~ويؤكل صيده في الثانية. # التاسعة - قوله تعالى: (فكلوا مما أمسكن عليكم) أي حبسن لكم. واختلف ~~العلماء في تأويله، فقال ابن عباس وأبو هريرة والنخعي وقتادة وابن جبير ~~وعطاء بن أبي رباح وعكرمة والشافعي وأحمد وإسحق وأبو ثور والنعمان وأصحابه: ~~المعنى ولم يأكل، فإن أكل لم يؤكل ما بقي، لأنه أمسك على نفسه ولم يمسك على ~~ربه. والفهد عند أبي حنيفة وأصحابه كالكلب ولم يشترطوا ذلك في الطيور بل ~~يؤكل ما أكلت منه. وقال سعد بن أبي وقاص وعبد الله ابن عمر وسلمان الفارسي ~~وأبو هريرة أيضا: المعنى وإن أكل، فإذا أكل الجارح كلبا كان أو فهدا أو ~~طيرا أكل ما بقي من الصيد وإن لم يبق إلا بضعة، وهذا قول مالك وجميع ~~أصحابه، وهو القول الثاني للشافعي، وهو القياس. وفي الباب حديثان بمعنى ما ~~ذكرنا أحدهما: حديث عدي في الكلب المعلم (وإذا أكل فلا تأكل فإنما أمسك على ~~نفسه) أخرجه مسلم. الثاني - # PageV06P069 # حديث أبي ثعلبة الخشني قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في صيد ~~الكلب: (إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله عليه فكل وإن أكل منه وكل ما ردت ~~عليك يدك) أخرجه أبو داود، وروى عن عدي ولا يصح، والصحيح عنه حديث مسلم، ~~ولما تعارضت الروايتان رام بعض أصحابنا وغيرهم الجمع بينهما فحملوا حديث ~~النهي على التنزيه والورع، وحديث الإباحة على الجواز، وقالوا: إن عديا كان ~~موسعا عليه فأفتاه النبي صلى الله عليه وسلم بالكف ورعا، وأبا ثعلبة كان ~~محتاجا فأفتاه بالجواز، والله أعلم. وقد دل على صحة هذا التأويل قول عليه ~~الصلاة والسلام في حديث عدي: (فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه) هذا ~~تأويل علمائنا. وقال أبو عمر في كتاب " الاستذكار ": وقد عارض حديث عدي هذا ~~حديث أبي ثعلبة، والظاهر أن حديث أبي ثعلبة ناسخ له، ms2055 فقوله: وإن أكل يا ~~رسول الله؟ قال: (وإن أكل). # قلت: هذا فيه نظر، لان التاريخ مجهول، والجمع بين الحديثين أولى ما لم ~~يعلم التاريخ، والله أعلم. وأما أصحاب الشافعي فقالوا: إن كان الاكل عن فرط ~~جوع من الكلب أكل وإلا لم يؤكل، فإن ذلك من سوء تعليمه. وقد روي عن قوم من ~~السلف التفرقة بين ما أكل منه الكلب والفهد فمنعوه، وبين ما أكل منه البازي ~~فأجازوه، قال النخعي والثوري وأصحاب الرأي وحماد بن أبي سليمان، وحكي عن ~~ابن عباس وقالوا: الكلب والفهد يمكن ضربه وزجره، والطير لا يمكن ذلك فيه، ~~وحد تعليمه أن يدعى فيجيب، وأن يشلى فينشلي، لا يمكن فيه أكثر من ذلك، ~~والضرب يؤذيه. # العاشرة - والجمهور من العلماء عل أن الجارح إذا شرب من دم الصيد أن ~~الصيد يؤكل، قال عطاء: ليس شرب الدم بأكل، وكره أكل ذلك الصيد الشعبي ~~وسفيان الثوري، ولا خلاف بينهم أن سبب إباحة الصيد الذي هو عقر الجارح له ~~لا بد أن يكون متحققا غير مشكوك فيه، ومع الشك لا يجوز الاكل، وهي: # الحادية عشرة - فإن وجد الصائد مع كلبه كلبا آخر فهو محمول على أنه غير ~~مرسل من صائد آخر، وأنه إنما انبعث في طلب الصيد بطبعه ونفسه، ولا يختلف في ~~هذا، لقوله عليه الصلاة والسلام: PageV06P070 # (وإن خالطها كلاب من غيرها فلا تأكل - في رواية - فإنما سميت على كلبك ~~ولم تسم على غيره). فأما لو أرسله صائد آخر فاشترك الكلبان فيه فإنه ~~للصائدين يكونان شريكين فيه. # فلو أنفذ أحد الكلبين مقاتله ثم جاء الآخر فهو للذي أنفذ مقاتله، وكذلك ~~لا يؤكل ما رمى بسهم فتردى من جبل أو غرق في ماء، لقوله عليه الصلاة ~~والسلام لعدي: (وإن رميت بسهمك فأذكر اسم الله فإن غاب عنك يوما فلم تجد ~~فيه إلا أثر سهمك فكل وإن وجدته غريقا في الماء فلا تأكل فإنك لا تدري ~~الماء قتله أو سهمك). وهذا نص. # الثانية عشرة - لو مات الصيد في أفواه الكلاب من غير بضع لم ms2056 يؤكل، لأنه ~~مات خنقا فأشبه أن يذبح بسكين كآلة فيموت في الذبح قبل أن يفرى حلقه. ولو ~~أمكنه أخذه من الجوارح وذبحه فلم يفعل حتى مات لم يؤكل، وكان مقصرا في ~~الذكاة، لأنه قد صار مقدورا على ذبحه، وذكاة المقدور عليه تخالف ذكاة غير ~~المقدور عليه. ولو أخذه ثم مات قبل أن يخرج السكين، أو تناولها وهي معه جاز ~~أكله، ولو لم تكن السكين معه فتشاغل بطلبها لم تؤكل. وقال الشافعي: فيما ~~نالته الجوارح ولم تدمه قولان أحدهما - إلا يؤكل حتى يجرح، لقوله تعالى: " ~~من الجوارح " وهو قول ابن القاسم، والآخر - أنه حل وهو قول أشهب، قال أشهب: ~~إن مات من صدمة الكلب أكل. # الثالثة عشرة - قوله: (فإن غاب عنك يوما فلم تجد فيه إلا أثر سهمك فكل) ~~ونحوه في حديث أبي ثعلبة الذي خرجه أبو داود، غير أنه زاد (فكله بعد ثلاث ~~ما لم ينتن) يعارضه قوله عليه السلام: (كل ما أصميت ودع ما أنميت). ~~فالاصماء ما قتل مسرعا وأنت تراه، والانماء أن ترمي الصيد فيغيب عنك فيموت ~~وأنت لا تراه، يقال: قد أنميت الرمية فنمت تنمي إذا غابت ثم ماتت قال امرؤ ~~القيس: # فهو لا تنمي رميته * ماله لا عد من نفره وقد اختلف العلماء في أكل الصيد ~~الغائب على ثلاثة أقوال: يؤكل، وسواء قتله السهم أو الكلب. الثاني: لا يؤكل ~~شئ من ذلك إذا غاب، لقوله: (كل ما أصميت ودع ما أنميت). PageV06P071 # وإنما لم يؤكل مخافة أن يكون قد أعان على قتله غير السهم من الهوام. ~~الثالث: الفرق بين السهم فيؤكل وبين الكلب فلا يؤكل، ووجهه أن السهم يقتل ~~على جهة واحدة فلا يشكل، والجارح على جهات متعددة فيشكل، والثلاثة الأقوال ~~لعلمائنا. وقال مالك في غير الموطأ: # إذا بات الصيد ثم أصابه ميتا لم ينفذ البازي أو الكلب أو السهم مقاتله لم ~~يأكله، قال أبو عمر: فهذا يدلك على أنه إذا بلغ مقاتله كان حلالا عنده أكله ~~وإن بات، إلا أنه يكرهه إذا بات، لما جاء عن ms2057 ابن عباس: " وإن غاب عنك ليلة ~~فلا تأكل " ونحوه عن الثوري قال: # إذا غاب عنك يوما كرهت أكله. وقال الشافعي: القياس ألا يأكله إذا غاب عنه ~~مصرعه. # وقال الأوزاعي: إن وجده من الغد ميتا ووجد فيه سهمه أو أثرا من كلبه ~~فليأكله، ونحوه قال أشهب وعبد الملك وأصبغ، قالوا: جائز أكل الصيد وإن بات ~~إذا نفذت مقاتله، وقوله في الحديث: (ما لم ينتن) تعليل، لأنه إذا أنتن لحق ~~بالمستقذرات التي تمجها الطباع فيكره أكلها، فلو أكلها لجاز، كما أكل النبي ~~صلى الله عليه وسلم الإهالة (1) السنخة وهي المنتنة. وقيل: # هو معلل بما يخاف منه الضرر على آكله، وعلى هذا التعليل يكون أكله محرما ~~إن كان الخوف محققا، والله أعلم. # الرابعة عشرة - واختلف العلماء من هذا الباب في الصيد بكلب اليهودي ~~والنصراني إذا كان معلما، فكرهه الحسن البصري، وأما كلب المجوسي وبازه ~~وصقره فكره الصيد بها جابر ابن عبد الله والحسن وعطاء ومجاهد والنخعي ~~والثوري وإسحق، وأجاز الصيد بكلابهم مالك والشافعي وأبو حنيفة إذا كان ~~الصائد مسلما، قالوا: وذلك مثل شفرته. وأما إن كان الصائد من أهل الكتاب ~~فجمهور الأمة على جواز صيده غير مالك، وفرق بين ذلك وبين ذبيحته، وتلا: " ~~يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشئ من الصيد تناله أيديكم ورماحكم " ~~(2) [المائدة: 94]، قال: # فلم يذكر الله في هذا اليهود ولا النصارى. وقال ابن وهب وأشهب: صيد ~~اليهودي والنصراني حلال كذبيحته، وفي كتاب محمد لا يجوز صيد الصابئ ولا ~~ذبحه، وهم قوم بين اليهود والنصارى # PageV06P072 # ولا دين لهم. وأما إن كان الصائد مجوسا فمنع من أكله مالك والشافعي وأبو ~~حنيفة وأصحابهم وجمهور الناس. وقال أبو ثور فيها قولان: أحدهما - كقول ~~هؤلاء، والآخر: أن المجوس من أهل الكتاب وأن صيدهم جائز. ولو أصطاد السكران ~~أو ذبح لم يؤكل صيده ولا ذبيحته، لان الذكاة تحتاج إلى قصد، والسكران لا ~~قصد له. # الخامسة عشرة: واختلف النحاة في " من " في قوله تعالى: " مما أمسكن عليكم ~~" فقال الأخفش: هي زائدة كقوله: " كلوا من ثمره " (1) [الانعام: ms2058 141]. ~~وخطأه البصريون وقالوا: " من " لا تزاد في الاثبات وإنما تزاد في النفي ~~والاستفهام، وقوله: " من ثمره "، " يكفر عنكم من سيئاتكم " (2) [البقرة: ~~271] و " يغفر لكم من ذنوبكم (3) " [الأحقاف: 31] للتبعيض، أجاب فقال: قد ~~قال: " يغفر لكم ذنوبكم (3) " [نوح: 4] بإسقاط " من " فدل على زيادتها في ~~الايجاب، أجيب بأن " من " ههنا للتبعيض، لأنه إنما يحل من الصيد اللحم دون ~~الفرث والدم. # قلت: هذا ليس بمراد ولا معهود في الاكل فيعكر على ما قال. ويحتمل أن يريد ~~" مما أمسكن " أي مما أبقته الجوارح لكم، وهذا على قول من قال: لو أكل ~~الكلب الفريسة لم يضر وبسبب هذا الاحتمال اختلف العلماء في جواز أكل الصيد ~~إذا أكل الجارح منه على ما تقدم. # السادسة عشرة: ودلت الآية على جواز اتخاذ الكلاب واقتنائها للصيد، وثبت ~~ذلك في صحيح السنة وزادت الحرث والماشية، وقد كان أول الاسلام أمر بقتل ~~الكلاب حتى كان يقتل كلب المرية (4) من البادية يتبعها، روى مسلم عن ابن ~~عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من اقتنى كلبا إلا كلب صيد أو ماشية ~~نقص من أجره كل يوم قيراطان). وروي أيضا عن أبي هريرة قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: (من أتخذ كلبا إلا كلب ماشية أو صيد أو زرع انتقص من ~~أجره كل يوم قيراط). قال الزهري: وذكر لابن عمر قول أبي هريرة فقال: يرحم ~~الله أبا هريرة، كان صاحب زرع، فقد دلت السنة على ما ذكرنا، وجعل النقص من ~~أجر من اقتناها على غير ذلك من المنفعة، إما لترويع الكلب المسلمين # PageV06P073 # وتشويشه عليهم بنباحه - كما قال بعض شعراء البصرة، وقد نزل بعمار فسمع ~~لكلابه نباحا فأنشأ يقول: # نزلنا بعمار (1) فأشلى كلابه * علينا فكدنا بين بيتيه نؤكل فقلت لأصحابي ~~أسر إليهم * إذا اليوم أم يوم القيامة أطول - أو لمنع دخول الملائكة البيت، ~~أو لنجاسته على ما يراه الشافعي، أو لاقتحام النهي عن اتخاذ ما لا منفعة ~~فيه، والله أعلم. وقال في إحدى الروايتين: (قيراطان) وفي الأخرى (قيراط) ~~وذلك يحتمل أن يكون ms2059 في نوعين من الكلاب أحدهما أشد أذى من الآخر، كالأسود ~~الذي أمر عليه الصلاة والسلام بقتله، ولم يدخله في الاستثناء حين نهى عن ~~قتلها فقال: (عليكم بالأسود البهيم ذي النقطتين فإنه شيطان) أخرجه مسلم. ~~ويحتمل أن يكون ذلك لاختلاف المواضع، فيكون ممسكه بالمدينة مثلا أو بمكة ~~ينقص قيراطان، وبغيرهما قيراط، والله أعلم. # وأما المباح اتخاذه فلا ينقص أجر متخذه كالفرس والهر، ويجوز بيعه وشراؤه، ~~حتى قال سحنون: # ويحج بثمنه. وكلب الماشية المباح اتخاذه عند مالك هو الذي يسرح معها لا ~~الذي يحفظها في الدار من السراق. وكلب الزرع هو الذي يحفظه من الوحوش ~~بالليل والنهار لا من السراق. # وقد أجاز غير مالك اتخاذها لسراق الماشية والزرع والدار في البادية. # السابعة عشرة - وفي هذه الآية دليل على أن العالم له من الفضيلة ما ليس ~~للجاهل، لان الكلب إذا علم يكون له فضيلة على سائر الكلاب، فالانسان إذا ~~كان له علم أولى أن يكون له فضل على سائر الناس، لا سيما إذا عمل بما علم، ~~وهذا كما روي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه قال: لكل شئ قيمة وقيمة ~~المرء ما يحسنه. # الثامنة عشرة - قوله تعالى: (واذكروا اسم الله عليه) أمر بالتسمية، قيل: ~~عند الارسال على الصيد، وفقه الصيد والذبح في [معنى] (2) التسمية واحد، ~~يأتي بيانه في " الانعام " (3). # وقيل: المراد بالتسمية هنا التسمية عند الاكل، وهو الأظهر. وفي صحيح مسلم ~~أن النبي صلى الله # PageV06P074 # عليه وسلم قال لعمر بن أبي سلمة: (يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما ~~يليك). وروي من حديث حذيفة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الشيطان ~~ليستحل الطعام إلا يذكر اسم الله عليه) الحديث. فإن نسي التسمية أول الاكل ~~فليسم آخره، وروى النسائي عن أمية ابن مخشي - وكان من أصحاب رسول الله صلي ~~الله عليه وسلم - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يأكل ولم يسم ~~الله، فلما كان في آخر لقمة قال: بسم الله أوله وآخره، فقال رسول الله ms2060 صلى ~~الله عليه وسلم: (ما زال الشيطان يأكل معه فلما سمى قاء ما أكله). # التاسعة عشرة - قوله تعالى: (واتقوا الله) أمر بالتقوى على الجملة، ~~والإشارة القريبة هي ما تضمنته هذه الآيات من الأوامر. وسرعة الحساب هي من ~~حيث كونه تعالى قد أحاط بكل شئ علما وأحصى كل شئ عددا، فلا يحتاج إلى ~~محاولة عد ولا عقد كما يفعله الحساب، ولهذا قال: " وكفى بنا حاسبين " (1) ~~[الأنبياء: 47] فهو سبحانه يحاسب الخلائق دفعة واحدة. # ويحتمل أن يكون وعيدا بيوم القيامة كأنه قال: إن حساب الله لكم سريع ~~إتيانه، إذ يوم القيامة قريب، ويحتمل أن يريد بالحساب المجازاة، فكأنه توعد ~~في الدنيا بمجازاة سريعة قريبة إن لم يتقوا الله. # قوله تعالى: اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم ~~وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من ~~قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان ومن يكفر ~~بالايمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين (5) فيه عشر مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (اليوم أحل لكم الطيبات) أي " اليوم أكملت لكم ~~دينكم " و " اليوم أحل لكم الطيبات " فأعاد تأكيدا أي أحل لكم الطيبات التي ~~سألتم عنها، وكانت # PageV06P075 # الطيبات أبيحت للمسلمين قبل نزول هذه الآية، فهذا جواب سؤالهم إذ قالوا: ~~ماذا أحل لنا؟. # وقيل: أشار بذكر اليوم إلى وقت محمد صلى الله عليه وسلم كما يقال: هذه ~~أيام فلان، أي هذا أوان ظهوركم وشيوع الاسلام، فقد أكملت بهذا دينكم، ~~وأحللت لكم الطيبات. وقد تقدم ذكر الطيبات في الآية قبل هذا. # الثانية - قوله تعالى: (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم) ابتداء وخبر. # والطعام اسم لما يؤكل والذبائح منه، وهو هنا خاص بالذبائح عند كثير من ~~أهل العلم بالتأويل. # وأما ما حرم علينا من طعامهم فليس بداخل تحت عموم الخطاب، قال ابن عباس ~~قال الله تعالى: " ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه " (1) [الانعام: ~~121]، ثم استثنى فقال: " وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم " يعني ذبيحة ~~اليهودي والنصراني، وإن كان ms2061 النصراني يقول عند الذبح: باسم المسيح واليهودي ~~يقول: باسم عزير، وذلك لأنهم يذبحون على الملة. وقال عطاء: كل من ذبيحة ~~النصراني وإن قال باسم المسيح، لان الله عز وجل قد أباح ذبائحهم، وقد علم ~~ما يقولون. # وقال القاسم بن مخيمرة: كل من ذبيحته وإن قال باسم سرجس (2) - اسم كنيسة ~~لهم - وهو قول الزهري وربيعة والشعبي ومكحول، وروي عن صحابيين: عن أبي ~~الدرداء وعبادة ابن الصامت. وقالت طائفة: إذا سمعت الكتابي يسمي غير اسم ~~الله عز وجل فلا تأكل، وقال بهذا من الصحابة علي وعائشة وابن عمر، وهو قول ~~طاوس والحسن متمسكين بقوله تعالى: # " ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق " [الانعام: 121]. ~~وقال مالك: أكره ذلك، ولم يحرمه. # قلت: العجب من الكيا الطبري الذي حكى الاتفاق على جواز ذبيحة أهل الكتاب، ~~ثم أخذ يستدل بذلك على أن التسمية على الذبيحة ليست بشرط فقال: ولا شك أنهم ~~لا يسمون على الذبيحة إلا الاله الذي ليس معبودا حقيقة مثل المسيح وعزير، ~~ولو سموا الاله حقيقة لم تكن تسميتهم على طريق العبادة، وإنما كان على طريق ~~آخر، واشتراط التسمية لا على وجه العبادة لا يعقل، ووجود التسمية من الكافر ~~وعدمها بمثابة واحدة، إذا لم تتصور منه العبادة، ولأن النصراني إنما يذبح ~~على اسم المسيح، وقد حكم الله بحل ذبائحهم مطلقا، وفي ذلك دليل على أن # PageV06P076 # التسمية لا تشترط أصلا كما يقول الشافعي، وسيأتي ما في هذا للعلماء في " ~~الانعام " (1) إن شاء الله تعالى. # الثالثة - ولا خلاف بين العلماء أن ما لا يحتاج إلى ذكاة كالطعام الذي لا ~~محاولة فيه كالفاكهة والبر جائز أكله، إذ لا يضر فيه تملك أحد. والطعام ~~الذي تقع فيه محاولة على ضربين: # أحدهما - ما فيه محاولة صنعة لا تعلق للدين بها، كخبز الدقيق، وعصر الزيت ~~ونحوه، فهذا إن تجنب من الذمي فعلى وجه التقزز. والضرب الثاني - هي التذكية ~~التي ذكرنا أنها هي التي تحتاج إلى الدين والنية، فلما كان القياس إلا تجوز ~~ذبائحهم - كما نقول إنهم لا ms2062 صلاة لهم ولا عبادة مقبولة - رخص الله تعالى في ~~ذبائحهم على هذه الأمة، وأخرجها النص عن القياس على ما ذكرناه من قول ابن ~~عباس، والله أعلم. # الرابعة - واختلف العلماء أيضا فيما ذكوه هل تعمل الذكاة فيما حرم عليهم ~~أولا؟ # على قولين، فالجمهور على أنها عاملة في كل الذبيحة ما حل له منها وما حرم ~~عليه، لأنه مذكى. # وقالت جماعة من أهل العلم: إنما حل لنا من ذبيحتهم ما حل لهم، لان ما لا ~~يحل لهم لا تعمل فيه تذكيتهم، فمنعت هذه الطائفة الطريف (2)، والشحوم ~~المحضة من ذبائح أهل الكتاب، وقصرت لفظ الطعام على البعض، وحملته الأولى ~~على العموم في جميع ما يؤكل. وهذا الخلاف موجود في مذهب مالك. قال أبو عمر: ~~وكره مالك شحوم اليهود وأكل ما نحروا من الإبل، وأكثر أهل العلم لا يرون ~~بذلك بأسا، وسيأتي هذا في " الانعام " (3) إن شاء الله تعالى، وكان مالك ~~رحمه الله يكره ما ذبحوه إذا وجد ما ذبحه المسلم، وكره أن يكون لهم أسواق ~~يبيعون فيها ما يذبحون، وهذا منه رحمه الله تنزه. # الخامسة - وأما المجوس فالعلماء مجمعون - إلا من شذ منهم - على أن ~~ذبائحهم لا تؤكل ولا يتزوج منهم، لأنهم ليسوا أهل كتاب على المشهور عند ~~العلماء. ولا بأس بأكل # PageV06P077 # طعام من لا كتاب له كالمشركين وعبدة الأوثان ما لم يكن من ذبائحهم ولم ~~يحتج إلى ذكاة، إلا الجبن، لما فيه من إنفحة (1) الميتة. فإن كان أبو الصبي ~~مجوسيا وأمه كتابية فحكمه حكم أبيه عند مالك، وعند غيره لا تؤكل ذبيحة ~~الصبي إذا كان أحد أبويه ممن لا تؤكل ذبيحته. # السادسة - وأما ذبيحة نصارى بني تغلب وذبائح كل دخيل في اليهودية ~~والنصرانية فكان علي رضي الله عنه ينهى عن ذبائح بني تغلب، لأنهم عرب، ~~ويقول: إنهم لم يتمسكوا بشئ من النصرانية إلا بشرب الخمر، وهو قول الشافعي، ~~وعلى هذا فليس ينهى عن ذبائح النصارى المحققين منهم. وقال جمهور الأمة: إن ~~ذبيحة كل نصراني حلال، سواء كان من بني تغلب أو غيرهم، ms2063 وكذلك اليهودي. ~~واحتج ابن عباس بقوله تعالى: " ومن يتولهم منكم فإنه منهم " (2) [المائدة: ~~51]، فلو لم تكن بنو تغلب من النصارى إلا بتوليهم إياهم لأكلت ذبائحهم. # السابعة - ولا بأس بالاكل والشرب والطبخ في آنية الكفار كلهم، ما لم تكن ~~ذهبا أو فضة أو جلد خنزير بعد أن تغسل وتغلى، لأنهم لا يتوقون النجاسات ~~ويأكلون الميتات، فإذا طبخوا في تلك القدور تنجست، وربما سرت النجاسات في ~~أجزاء قدور الفخار، فإذا طبخ فيها بعد ذلك توقع مخالطة تلك الأجزاء النجسة ~~للمطبوخ في القدر ثانية، فاقتضى الورع الكف عنها. وروي عن ابن عباس أنه ~~قال: إن كان الاناء من نحاس أو حديد غسل، وإن كان من فخار أغلي فيه الماء ~~ثم غسل - هذا إذا احتيج إليه - وقاله مالك، فأما ما يستعملونه لغير الطبخ ~~فلا بأس باستعماله من غير غسل، لما روى الدارقطني عن عمر أنه توضأ من بيت ~~نصراني في حق نصرانية (3)، وهو صحيح وسيأتي في " الفرقان (4) " بكماله. وفي ~~صحيح مسلم من حديث أبي ثعلبة؟؟ الخشني قال أتيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقلت: يا رسول الله إنا بأرض قوم من أهل كتاب نأكل في آنيتهم، وأرض ~~صيد، أصيد بقوسي وأصيد بكلبي المعلم، وأصيد بكلبي الذي ليس بمعلم، فأخبرني ~~ما الذي يحل لنا من ذلك؟ قال: (أما ما ذكرت # PageV06P078 # أنكم بأرض قوم من أهل كتاب تأكلون في آنيتهم فإن وجدتم غير آنيتهم فلا ~~تأكلوا فيها وإن لم تجدوا فاغسلوها ثم كلوا فيها) ثم ذكر الحديث. # الثامنة - قوله تعالى: (وطعامكم حل لهم) دليل على أنهم مخاطبون بتفاصيل ~~شرعنا، أي إذا اشتروا منا اللحم يحل لهم اللحم ويحل لنا الثمن المأخوذ ~~منهم. # التاسعة - قوله تعالى: (والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا ~~الكتاب من قبلكم) الآية. قد تقدم معناها في " البقرة " (1) و " النساء " ~~(2) والحمد لله. وروي عن ابن عباس في قوله تعالى: " والمحصنات من الذين ~~أوتوا الكتاب ". هو على العهد دون دار الحرب فيكون خاصا. وقال غيره: يجوز ~~نكاح الذمية والحربية لعموم الآية. وروي عن ms2064 ابن عباس أنه قال: " المحصنات " ~~العفيفات العاقلات. وقال الشعبي: هو أن تحصن فرجها فلا تزني، وتغتسل من ~~الجنابة. وقرأ الشعبي " والمحصنات " بكسر الصاد، وبه قرأ الكسائي. # وقال مجاهد: " المحصنات " الحرائر، قال أبو عبيد: يذهب إلى أنه لا يحل ~~نكاح إماء أهل الكتاب، لقوله تعالى: " فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم ~~المؤمنات " (2) [النساء: 25] وهذا القول الذي عليه جلة العلماء. # العاشرة - قوله تعالى: (ومن يكفر بالايمان) قيل: لما قال تعالى: " ~~المحصنات من الذين أوتوا الكتاب " قال نساء أهل الكتاب: لولا أن الله تعالى ~~رضي ديننا لم يبح لكم نكاحنا، فنزلت " ومن يكفر الايمان " أي بما أنزل على ~~محمد. وقال أبو الهيثم: الباء صلة، أي ومن يكفر الايمان أي يجحده (فقد حبط ~~عمله). وقرأ ابن السميقع " فقد حبط " بفتح الباء. وقيل: لما ذكرت فرائض ~~وأحكام يلزم القيام بها، ذكر الوعيد على مخالفتها، لما في ذلك من تأكيد ~~الزجر عن تضييعها. وروي عن ابن عباس ومجاهد أن المعنى: # ومن يكفر بالله، قال الحسن بن الفضل: إن صحت هذه الرواية فمعناها برب ~~الايمان. وقال الشيخ أبو الحسن الأشعري: ولا يجوز أن يسمى الله إيمانا ~~خلافا للحشوية والسالمية، لان # PageV06P079 # الايمان مصدر آمن يؤمن إيمانا، واسم الفاعل منه مؤمن، والايمان التصديق، ~~والتصديق لا يكون إلا كلاما، ولا يجوز أن يكون الباري تعالى كلاما (1). # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ~~وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا ~~فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم ~~النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما ~~يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم ~~تشكرون (6) فيه اثنتان وثلاثون مسألة: # الأولى - ذكر القشيري وابن عطية أن هذه الآية نزلت في قصة عائشة حين فقدت ~~العقد في غزوة المريسيع، وهي آية الوضوء. قال ابن عطية: لكن من حيث كان ~~الوضوء متقررا عندهم مستعملا، فكأن الآية لم تزدهم فيه ms2065 إلا تلاوته، وإنما ~~أعطتهم الفائدة والرخصة في التيمم. # وقد ذكرنا في آية " النساء " (2) خلاف هذا، والله أعلم. ومضمون هذه الآية ~~داخل فيما أمر به من الوفاء بالعقود وأحكام الشرع، وفيما ذكر من إتمام ~~النعمة، فإن هذه الرخصة من إتمام النعم. # الثانية - واختلف العلماء في المعنى المراد بقوله: " إذا قمتم إلى الصلاة ~~" على أقوال، فقالت طائفة: هذا لفظ عام في كل قيام إلى الصلاة سواء كان ~~القائم متطهرا أو محدثا، فإنه ينبغي له إذا قام إلى الصلاة أن يتوضأ، وكان ~~علي يفعله ويتلو هذه الآية، ذكره أبو محمد الدارمي (3) في مسنده. وروي مثله ~~عن عكرمة. وقال ابن سيرين: كان الخلفاء يتوضئون لكل صلاة. # PageV06P080 # قلت: فالآية على هذا محكمة لا نسخ فيها. وقالت طائفة: الخطاب خاص بالنبي ~~صلى الله عليه وسلم، قال عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر الغسيل (1): إن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء عند كل صلاة فشق ذلك عليه، فأمر ~~بالسواك ورفع عنه الوضوء إلا من حدث. وقال علقمة بن الفغواء عن أبيه - وهو ~~من الصحابة، وكان دليل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك: نزلت هذه ~~الآية رخصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه كان لا يعمل عملا إلا وهو ~~على وضوء، ولا يكلم أحدا ولا يرد سلاما إلى غير ذلك، فأعلمه الله بهذه ~~الآية أن الوضوء إنما هو للقيام إلى الصلاة فقط دون سائر الأعمال. وقالت ~~طائفة: # المراد بالآية الوضوء لكل صلاة طلبا للفضل، وحملوا الامر على الندب، وكان ~~كثير من الصحابة منهم ابن عمر يتوضئون لكل صلاة طلبا للفضل، وكان عليه ~~الصلاة والسلام يفعل ذلك إلى أن جمع يوم الفتح بين الصلوات الخمس بوضوء ~~واحد، إرادة البيان لامته صلى الله عليه وسلم. # قلت: وظاهر هذا القول أن الوضوء لكل صلاة قبل ورود الناسخ كان مستحبا لا ~~إيجابا وليس كذلك، فإن الامر إذا ورد، مقتضاه الوجوب، لا سيما عند الصحابة ~~رضوان الله عليهم، على ما هو معروف من سيرتهم. وقال آخرون: إن الفرض ms2066 في كل ~~وضوء كان لكل صلاة ثم نسخ في فتح مكة، وهذا غلط لحديث أنس قال: كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم يتوضأ لكل صلاة، وأن أمته كانت على خلاف ذلك، وسيأتي، ~~ولحديث سويد ابن النعمان أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى وهو بالصهباء (2) ~~العصر والمغرب بوضوء واحد، وذلك في غزوة خيبر، وهي سنة ست، وقيل: سنة سبع، ~~وفتح مكة كان في سنة ثمان، وهو حديث صحيح رواه مالك في موطئه، وأخرجه ~~البخاري ومسلم، فبان بهذين الحديثين أن الفرض لم يكن قبل الفتح لكل صلاة. ~~فإن قيل: فقد روى مسلم عن بريدة بن الحصيب (3) أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كان يتوضأ لكل صلاة، فلما كان يوم الفتح صلى الصلوات بوضوء واحد، ومسح ~~على خفيه، فقال عمر رضي الله عنه: لقد صنعت اليوم شيئا لم تكن # PageV06P081 # تصنعه، فقال: (عمدا صنعته يا عمر). فلم سأله عمر واستفهمه؟ قيل له: إنما ~~سأله لمخالفته عادته منذ صلاته بخيبر، والله أعلم. وروى الترمذي عن أنس أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ لكل صلاة طاهرا وغير طاهر، قال حميد: ~~قلت لانس: وكيف كنتم تصنعون أنتم؟ قال: كنا نتوضأ وضوءا واحدا، قال: حديث ~~حسن صحيح، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الوضوء على الوضوء ~~نور) فكان عليه السلام يتوضأ مجددا لكل صلاة، وقد سلم عليه وجل وهو يبول ~~فلم يرد عليه حتى تيمم ثم رد السلام وقال: (إني كرهت أن أذكر الله إلا على ~~طهر) رواه الدارقطني. وقال السدي وزيد بن أسلم: معنى الآية " إذا قمتم إلى ~~الصلاة " يريد من المضاجع يعني النوم، والقصد بهذا التأويل أن يعم الاحداث ~~بالذكر، ولا سيما النوم الذي هو مختلف فيه هل هو حدث في نفسه أم لا؟ # وفي الآية على هذا التأويل تقديم وتأخير، التقدير: يا أيها الذين آمنوا ~~إذا قمتم إلى الصلاة من النوم، أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء ~~- يعنى الملامسة الصغرى - فاغسلوا، فتمت أحكام المحدث حدثا ms2067 أصغر. ثم قال: " ~~وإن كنتم جنبا فاطهروا " فهذا حكم نوع آخر، ثم قال للنوعين جميعا: " وإن ~~كنتم مرضى أو على سفر فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا " [النساء: 43]. ~~وقال بهذا التأويل محمد بن مسلمة من أصحاب مالك - رحمه الله - وغيره. وقال ~~جمهور أهل العلم: معنى الآية إذا قمتم إلى الصلاة محدثين، وليس في الآية ~~على هذا تقديم وتأخير، بل ترتب في الآية حكم واجد الماء إلى قوله: فاطهروا ~~" ودخلت الملامسة الصغرى في قوله " محدثين ". ثم ذكر بعد قوله: " وإن كنتم ~~جنبا فاطهروا " حكم عادم الماء من النوعين جميعا، وكانت الملامسة هي ~~الجماع، ولا بد أن يذكر الجنب العادم الماء كما ذكر الواجد، وهذا تأويل ~~الشافعي وغيره، وعليه تجئ أقوال الصحابة كسعد بن أبي وقاص وابن عباس وأبي ~~موسى الأشعري [وغيرهم] (1). # قلت: وهذان التأويلان أحسن ما قيل في الآية، والله أعلم. ومعنى " إذا ~~قمتم " إذا أردتم، كما قال تعالى: " فإذا قرأت القرآن فاستعذ " (2) [النحل: ~~98]، أي إذا أردت، لان الوضوء حالة القيام إلى الصلاة لا يمكن. # PageV06P082 # الثالثة - قوله تعالى: (فاغسلوا وجوهكم) [ذكر تعالى أربعة أعضاء: الوجه ~~وفرضه الغسل واليدين كذلك والرأس وفرضه المسح اتفاقا واختلف في الرجلين على ~~ما يأتي، لم يذكر سواها فدل ذلك على أن ما عداها آداب وسنن. والله [أعلم] ~~(1) ولا بد في غسل الوجه من نقل الماء إليه، وإمرار اليد عليه، وهذه حقيقة ~~الغسل عندنا، وقد بيناه في " النساء " (2). وقال غيرنا: إنما عليه إجراء ~~الماء وليس عليه دلك بيده، ولا شك أنه إذا انغمس الرجل في الماء وغمس وجهه ~~أو يده ولم يدلك يقال: غسل وجهه ويده، ومعلوم أنه لا يعتبر في ذلك غير حصول ~~الاسم، فإذا حصل كفى. والوجه في اللغة مأخوذ من المواجهة، وهو عضو مشتمل ~~على أعضاء وله طول وعرض، فحده في الطول من مبتدأ سطح الجبهة إلى منتهى ~~اللحيين، ومن الاذن إلى الاذن في العرض، وهذا في الأمرد، وأما الملتحي فإذا ~~اكتسى الذقن بالشعر فلا يخلو أن يكون خفيفا أو كثيفا، فإن كان الأول ms2068 بحيث ~~تبين منه البشرة فلا بد من إيصال الماء إليها، وإن كان كثيفا فقد انتقل ~~الفرض إليه كشعر الرأس، ثم ما زاد على الذقن من الشعر واسترسل من اللحية، ~~فقال سحنون عن ابن القاسم: سمعت مالكا سئل: هل سمعت بعض أهل العلم يقول إن ~~اللحية من الوجه فليمر عليها الماء؟ قال: نعم، وتخليلها في الوضوء ليس من ~~أمر الناس، وعاب ذلك على من فعله. وذكر ابن القاسم أيضا عن مالك قال: يحرك ~~المتوضئ ظاهر لحيته من غير أن يدخل يده فيها، قال: وهي مثل أصابع الرجلين. ~~قال ابن عبد الحكم: تخليل اللحية واجب في الوضوء والغسل. قال أبو عمر: روي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خلل لحيته في الوضوء من وجوه كلها ضعيفة. ~~وذكر ابن خويزمنداد: أن الفقهاء اتفقوا على أن تخليل اللحية ليس بواجب في ~~الوضوء، إلا شئ روى عن سعيد بن جبير، قوله: ما بال الرجل يغسل لحيته قبل أن ~~تنبت فإذا نبتت لم يغسلها، وما بال الامرد يغسل ذقنه ولا يغسله ذو اللحية؟ ~~قال الطحاوي: التيمم واجب فيه مسح البشرة قبل نبات الشعر في الوجه ثم سقط ~~بعده عند جميعهم. فكذلك الوضوء. قال أبو عمر: من جعل غسل اللحية كلها واجبا ~~جعلها وجها، لان الوجه مأخوذ من المواجهة، والله قد أمر بغسل الوجه أمرا ~~مطلقا لم يخص صاحب لحية من أمرد، فوجب غسلها بظاهر القرآن لأنها بدل من ~~البشرة. # PageV06P083 # قلت: واختار هذا القول ابن العربي وقال: وبه أقول، لما روى أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان يغسل لحيته، خرجه الترمذي وغيره، فعين المحتمل بالفعل. ~~وحكى ابن المنذر عن إسحاق أن من ترك تخليل لحيته عامدا أعاد. وروى الترمذي ~~عن عثمان بن عفان أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخلل لحيته، قال: هذا ~~حديث حسن صحيح، قال أبو عمر: ومن لم يوجب غسل ما انسدل من اللحية ذهب إلى ~~أن الأصل المأمور بغسله البشرة، فوجب غسل ما ظهر فوق البشرة، وما انسدل من ~~اللحية ms2069 ليس تحته ما يلزم غسله، فيكون غسل اللحية بدلا منه. # واختلفوا أيضا في غسل ما وراء العذار إلى الاذن، فروى ابن وهب عن مالك ~~قال: ليس ما خلف الصدغ الذي من وراء شعر اللحية إلى الذقن من الوجه. قال ~~أبو عمر: لا أعلم أحدا من فقهاء الأمصار قال بما رواه ابن وهب عن مالك. ~~وقال أبو حنيفة وأصحابه: # البياض بين العذار والاذن من الوجه. وغسله واجب، ونحوه قال الشافعي ~~وأحمد. وقيل: # يغسل البياض استحبابا، قال ابن العربي: والصحيح عندي أنه لا يلزم غسله ~~إلا للأمرد لا للمعذر (1). # قلت: وهو اختيار القاضي عبد الوهاب، وسبب الخلاف هل تقع عليه المواجهة أم ~~لا؟ # والله أعلم. وبسبب هذا الاحتمال اختلفوا هل يتناول الامر بغسل الوجه باطن ~~الانف والفم أم لا؟ فذهب أحمد بن حنبل وإسحق وغيرهما إلى وجوب ذلك في ~~الوضوء والغسل، إلا أن أحمد قال: يعيد من ترك الاستنشاق في وضوئه ولا يعيد ~~من ترك المضمضة. وقال عامة الفقهاء: هما سنتان في الوضوء والغسل، لان الامر ~~إنما يتناول الظاهر دون الباطن، والعرب لا تسمي وجها إلا ما وقعت به ~~المواجهة، ثم إن الله تعالى لم يذكرهما في كتابه، ولا أوجبهما المسلمون، ~~ولا اتفق الجميع عليه، والفرائض لا تثبت إلا من هذه الوجوه. وقد مضى هذا ~~المعنى في " النساء " (2). وأما العينان فالناس كلهم مجمعون على أن داخل ~~العينين لا يلزم غسله، إلا ما روى عن عبد الله بن عمر أنه كان ينضح الماء ~~في عينيه، وإنما سقط غسلهما للتأذي # PageV06P084 # بذلك والحرج به، قال ابن العربي: ولذلك كان عبد الله بن عمر لما عمي يغسل ~~عينيه إذ كان لا يتأذى بذلك، وإذا تقرر هذا من حكم الوجه فلا بد من غسل جزء ~~من الرأس مع الوجه من غير تحديد، كما لا بد على القول بوجوب عموم الرأس من ~~مسح جزء معه من الوجه لا يتقدر، وهذا ينبني على أصل من أصول الفقه وهو: " ~~أن ما لا يتم الواجب إلا به واجب مثله " والله أعلم. ms2070 # الرابعة - وجمهور العلماء على أن الوضوء لا بد فيه من نية، لقوله عليه ~~السلام: # (إنما الأعمال بالنيات). قال البخاري: فدخل فيه الايمان والوضوء والصلاة ~~والزكاة والحج والصوم والاحكام، وقال الله تعالى: " قل كل يعمل على شاكلته ~~" (1) [الاسراء: 84]، يعني على نيته. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ولكن ~~جهاد ونية). وقال كثير من الشافعية: لا حاجة إلى نية، وهو قول الحنفية، ~~قالوا: لا تجب النية إلا في الفروض التي هي مقصودة لأعيانها ولم تجعل سببا ~~لغيرها، فأما ما كان شرطا لصحة فعل آخر فليس يجب ذلك فيه بنفس ورود الامر ~~إلا بدلالة تقارنه، والطهارة شرط، فإن من لا صلاة عليه لا يجب عليه فرض ~~الطهارة، كالحائض والنفساء. احتج علماؤنا وبعض الشافعية بقوله تعالى: " إذا ~~قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم " فلما وجب فعل الغسل كانت النية شرطا في ~~صحة الفعل، أن الفرض من قبل الله تعالى فينبغي أن يجب فعل ما أمر الله به، ~~فإذا قلنا: إن النية لا تجب عليه لم يجب عليه القصد إلى فعل ما أمره الله ~~تعالى، ومعلوم أن الذي اغتسل تبردا أو لغرض ما، قصد أداء الواجب، وصح في ~~الحديث أن الوضوء يكفر، فلو صح بغير نية لما كفر. وقال تعالى: # " وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين " (2) [البينة: 5]. # الخامسة - قال ابن العربي قال بعض علمائنا: إن من خرج إلى النهر بنية ~~الغسل أجزأه، وإن عزبت نيته في الطريق [ولو خرج إلى الحمام فعزبت في أثناء ~~الطريق] (3) بطلت النية. قال القاضي أبو بكر بن العربي رضي الله عنه: فركب ~~على هذا سفاسفة المفتين أن نية الصلاة تتخرج على القولين، وأوردوا فيها نصا ~~عمن لا يفرق بين الظن واليقين بأنه قال: # PageV06P085 # يجوز أن تتقدم فيها النية على التكبير، ويا لله ويا للعالمين من أمة ~~أرادت أن تكون مفتية مجتهدة فما وفقها الله ولا سددها!، اعلموا رحمكم الله ~~أن النية في الوضوء مختلف في وجوبها بين العلماء، وقد اختلف فيها قول مالك، ~~فلما نزلت عن مرتبة الاتفاق سومح ms2071 في تقديمها في بعض المواضع، فأما الصلاة ~~فلم يختلف أحد من الأئمة فيها، وهي أصل مقصود، فكيف يحمل الأصل المقصود ~~المتفق عليه على الفرع التابع المختلف فيه! هل هذا إلا غاية الغباوة؟ # وأما الصوم فإن الشرع رفع الحرج فيه لما كان ابتداؤه في وقت الغفلة ~~بتقديم النية عليه. # السادسة - قوله تعالى: " وأيديكم إلى المرافق " واختلف الناس في دخول ~~المرافق في التحديد، فقال قوم: نعم، لان ما بعد " إلى " إذا كان من نوع ما ~~قبلها دخل فيه، قاله سيبويه وغيره، وقد مضى هذا في " البقرة " (1) مبينا. ~~وقيل: لا يدخل المرفقان في الغسل، والروايتان مرويتان عن مالك، الثانية ~~لأشهب، والأولى عليها أكثر العلماء وهو الصحيح، لما رواه الدارقطني عن جابر ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه. وقد قال ~~بعضهم: إن " إلى " بمعنى مع، كقولهم: الذود إلى الذود إبل (2)، أي مع ~~الذود، وهذا لا يحتاج إليه كما بيناه في " النساء " (3)، ولأن اليد عند ~~العرب تقع على أطراف الأصابع إلى الكتف، وكذلك الرجل تقع على الأصابع إلى ~~أصل الفخذ، فالمرفق داخل تحت اسم اليد، فلو كان المعنى مع المرافق لم يفد، ~~فلما قال: " إلى " اقتطع من حد المرافق عن الغسل، وبقيت المرافق مغسولة إلى ~~الظفر، وهذا كلام صحيح يجري على الأصول لغة ومعنى، قال ابن العربي: وما فهم ~~أحد مقطع المسألة إلا القاضي أبو محمد فإنه قال: إن قوله " إلى المرافق " ~~حد للمتروك من اليدين لا للمغسول فيه، ولذلك تدخل المرافق في الغسل. # قلت: وما كان اليد والرجل تنطلق في اللغة على ما ذكرنا كان أبو هريرة ~~يبلغ بالوضوء إبطه وساقه ويقول: سمعت خليلي صلى الله عليه وسلم يقول: (تبلغ ~~الحلية من المؤمن # PageV06P086 # حيث يبلغ الوضوء). قال القاضي عياض: والناس مجمعون على خلاف هذا، وألا ~~يتعدى بالوضوء حدوده، لقوله عليه السلام: (فمن زاد فقد تعدى وظلم). وقال ~~غيره: كان هذا الفعل مذهبا له ومما انفرد به، ولم يحكه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وإنما استنبطه من ms2072 قوله عليه السلام: (أنتم الغر (1) المحجلون) ~~ومن قوله: (تبلغ الحلية) كما ذكر. # السابعة - قوله تعالى: " وامسحوا برءوسكم " تقدم في " النساء " (2) أن ~~المسح لفظ مشترك. وأما الرأس فهو عبارة عن الجملة التي يعلمها الناس ضرورة ~~ومنها الوجه، فلما ذكره الله عز وجل في الوضوء وعين الوجه للغسل بقي باقيه ~~للمسح، ولو لم يذكر الغسل للزم مسح جميعه، ما عليه شعر من الرأس وما فيه ~~العينان والأنف والفم، وقد أشار مالك في وجوب مسح الرأس إلى ما ذكرناه، ~~فإنه سئل عن الذي يترك بعض رأسه في الوضوء فقال: أرأيت إن ترك غسل بعض وجهه ~~أكان يجزئه؟ ووضح بهذا الذي ذكرناه أن الاذنين من الرأس، وأن حكمهما حكم ~~الرأس خلافا للزهري حيث قال: هما من الوجه يغسلان معه، وخلافا للشعبي، حيث ~~قال: ما أقبل منهما من الوجه وظاهرهما من الرأس، وهو قول الحسن وإسحق، ~~وحكاه ابن أبي هريرة عن الشافعي، وسيأتي بيان حجتهما، وإنما سمي الرأس رأسا ~~لعلوه ونبات الشعر فيه، ومنه رأس الجبل، وإنما قلنا إن الرأس اسم لجملة ~~أعضاء لقول الشاعر: # إذا احتملوا رأسي وفي الرأس أكثري * وغودر عند الملتقى ثم سائري الثامنة ~~- واختلف العلماء في تقدير مسحه على أحد عشر قولا، ثلاثة لأبي حنيفة، ~~وقولان للشافعي، وستة أقوال لعلمائنا، والصحيح منها واحد وهو وجوب التعميم ~~لما ذكرناه. وأجمع العلماء على أن من مسح رأسه كله فقد أحسن وفعل ما يلزمه، ~~والباء مؤكدة زائدة ليست للتبعيض: والمعنى وامسحوا رءوسكم. وقيل: دخولها ~~حسن كدخولها في التيمم # PageV06P087 # في قوله: " فامسحوا بوجوهكم " فلو كان معناها التبعيض لأفادته في ذلك ~~الموضع، وهذا قاطع. وقيل: إنما دخلت لتفيد معنى بديعا وهو أن الغسل لغة ~~يقتضي مغسولا به، والمسح لغة لا يقتضي ممسوحا به، فلو قال: وامسحوا رءوسكم ~~لأجزأ المسح باليد إمرارا من غير شئ على الرأس، فدخلت الباء لتفيد ممسوحا ~~به وهو الماء، فكأنه قال: وامسحوا برءوسكم الماء، وذلك فصيح في اللغة على ~~وجهين، إما على القلب كما أنشد سيبويه: # كنواح ريش حمامة بخدية * ومسحت باللثتين ms2073 عصف الإثمد واللثة هي الممسوحة ~~بعصف الإثمد فقلب، وإما على الاشتراك في الفعل والتساوي في نسبته كقول ~~الشاعر: (2) مثل القنافذ هداجون قد بلغت * نجران أو بلغت سوأتهم هجر فهذا ~~ما لعلمائنا في معنى الباء. وقال الشافعي: احتمل قول الله تعالى: " وامسحوا ~~برءوسكم " بعض الرأس ومسح جميعه فدلت السنة أن مسح بعضه يجزئ، وهو أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم مسح بناصيته، وقال في موضع آخر: فإن قيل قد قال الله عز ~~وجل: # " فامسحوا بوجوهكم " في التيمم أيجزئ بعض الوجه فيه؟ قيل له: مسح الوجه ~~في التيمم بدل من غسله، فلا بد أن يأتي بالمسح على جميع موضع الغسل منه، ~~ومسح الرأس أصل، فهذا فرق ما بينهما. أجاب علماؤنا عن الحديث بأن قالوا: ~~لعل النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك لعذر لا سيما وكان هذا الفعل منه صلى ~~الله عليه وسلم في السفر وهو مظنة الاعذار، وموضع الاستعجال والاختصار، ~~وحذف كثير من الفرائض لأجل المشقات والاخطار، ثم هو لم يكتف بالناصية حتى ~~مسح على العمامة، أخرجه مسلم من حديث المغيرة بن شعبة، فلو لم يكن مسح جميع ~~الرأس واجبا لما مسح على العمامة، والله أعلم. # PageV06P088 # التاسعة - وجمهور العلماء على أن مسحة واحدة موعبة كاملة تجزئ. وقال ~~الشافعي: # يمسح رأسه ثلاثا، وروى عن أنس وسعيد بن جبير وعطاء. وكان ابن سيرين يمسح ~~مرتين. # قال أبو داود: وأحاديث عثمان الصحاح كلها تدل على أن مسح الرأس مرة، ~~فإنهم ذكروا الوضوء ثلاثا، قالوا فيها: ومسح برأسه ولم يذكروا عددا. # العاشرة - واختلفوا من أين يبدأ بمسحه، فقال مالك: يبدأ بمقدم رأسه، ثم ~~يذهب بيديه إلى مؤخره، ثم يردهما إلى مقدمه، على حديث عبد الله بن زيد ~~أخرجه مسلم، وبه يقول الشافعي وابن حنبل. وكان الحسن بن حي يقول: يبدأ ~~بمؤخر الرأس، على حديث الربيع بنت معوذ بن عفراء، وهو حديث يختلف في ~~ألفاظه، وهو يدور على عبد الله بن محمد ابن عقيل وليس بالحافظ عندهم، أخرجه ~~أبو داود من رواية بشر بن المفضل عن ms2074 عبد الله عن الربيع، وروي ابن عجلان ~~عنه عن الربيع: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ عندنا فمسح الرأس كله ~~من قرن الشعر كل ناحية بمنصب الشعر، لا يحرك الشعر عن هيئته، ورويت هذه ~~الصفة (1) عن ابن عمر، وأنه كان يبدأ من وسط رأسه. وأصح ما في هذا الباب ~~حديث عبد الله ابن زيد، وكل من أجاز بعض الرأس فإنما يرى ذلك البعض في مقدم ~~الرأس. وروي عن إبراهيم والشعبي [أنهما] (2) قالا: أي نواحي رأسك مسحت أجزأ ~~عنك. ومسح عمر اليافوخ فقط. # والاجماع منعقد على استحسان المسح باليدين معا، وعلى الاجزاء إن مسح بيد ~~واحدة. # واختلف فيمن مسح بإصبع واحدة حتى عم ما يرى أنه يجزئه من الرأس، فالمشهور ~~أن ذلك يجزئ، وهو قول سفيان الثوري، قال سفيان: إن مسح رأسه بإصبع واحدة ~~أجزأه. وقيل: # إن ذلك لا يجزئ، لأنه خروج عن سنة المسح وكأنه لعب، إلا أن يكون ذلك عن ~~ضرورة مرض فينبغي ألا يختلف في الاجزاء. قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: لا ~~يجزئ مسح الرأس بأقل من ثلاث أصابع، واختلفوا في رد اليدين على شعر الرأس ~~هل هو فرض أو سنة - بعد الاجماع على أن المسحة الأولى فرض بالقرآن - ~~فالجمهور على أنه سنة. وقيل: هو فرض. # PageV06P089 # الحادية عشرة - فلو غسل متوضئ رأسه بدل المسح فقال ابن العربي: لا نعلم ~~خلافا أن ذلك يجزئه، إلا ما أخبرنا الامام فخر الاسلام الشاشي في الدرس عن ~~أبي العباس ابن القاص من أصحابهم قال: لا يجزئه، وهذا تولج في مذهب ~~الداودية الفاسد من أتباع الظاهر المبطل للشريعة الذي ذمه الله في قوله: " ~~يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا " (1) [الروم: 7] وقال تعالى: " أم بظاهر من ~~القول " (2) [الرعد: 33] وإلا فقد جاء هذا الغاسل بما أمر وزيادة. فإن قيل: # هذه زيادة خرجت عن اللفظ المتعبد به، قلنا: ولم يخرج عن معناه في إيصال ~~الفعل إلى المحل، وكذلك لو مسح رأسه ثم حلقه لم يكن عليه إعادة المسح. # الثانية عشرة - وأما الأذنان فهما الرأس ms2075 عند مالك وأحمد والثوري وأبي ~~حنيفة وغيرهم، ثم اختلفوا في تجديد الماء، فقال مالك وأحمد: يستأنف لهما ~~ماء جديدا سوى الماء الذي مسح به الرأس، على ما فعل ابن عمر، وهكذا قال ~~الشافعي في تجديد الماء، وقال: # هما سنة على حالهما لا من الوجه ولا من الرأس، لاتفاق العلماء على أنه لا ~~يحلق ما عليهما من الشعر في الحج، وقول أبي ثور في هذا كقول الشافعي. وقال ~~الثوري وأبو حنيفة: يمسحان مع الرأس بماء واحد، وروى عن جماعة من السلف مثل ~~هذا القول من الصحابة والتابعين. # وقال داود: إن مسح أذنيه فحسن، وإلا فلا شئ عليه، إذ ليستا مذكورتين في ~~القرآن. # قيل له: اسم الرأس تضمنهما كما بيناه. وقد جاءت الأحاديث الصحيحة في كتاب ~~النسائي وأبي داود وغيرهما بأن النبي صلى الله عليه وسلم مسح ظاهرهما ~~وباطنهما، وأدخل أصابعه في صماخيه، وإنما يدل عدم ذكرهما من الكتاب على ~~أنهما ليستا بفرض كغسل الوجه واليدين، وثبتت سنة مسحهما بالسنة. وأهل العلم ~~يكرهون للمتوضئ ترك مسح أذنيه ويجعلونه تارك سنة من سنن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، ولا يوجبون عليه إعادة إلا إسحاق فإنه قال: إن ترك مسح أذنيه لم ~~يجزه. وقال أحمد: إن تركهما عمدا أحببت أن يعيد. وروي عن علي ابن زياد من ~~أصحاب مالك أنه قال: من ترك سنة من سنن الوضوء أو الصلاة عامدا أعاد، وهذا ~~عند الفقهاء ضعيف، وليس لقائله سلف ولا له حظ من النظر، ولو كان كذلك لم ~~يعرف # PageV06P090 # الفرض الواجب من غيره، والله أعلم. احتج من قال: هما من الوجه بما ثبت عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في سجوده: (سجد وجهي للذي خلقه ~~وصوره وشق سمعه وبصره) فأضاف السمع إلى الوجه فثبت أن يكون لهما حكم الوجه. ~~وفى مصنف أبي داود من حديث عثمان: فغسل بطونهما وظهورهما مرة واحدة، ثم غسل ~~رجليه ثم قال: أين السائلون عن الوضوء؟ هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يتوضأ. احتج من قال: ms2076 # يغسل ظاهرهما مع الوجه، وباطنها يمسح مع الرأس بأن الله عز وجل قد أمر ~~بغسل الوجه وأمر بمسح الرأس، فما واجهك من الاذنين وجب غسله، لأنه من الوجه ~~وما لم يواجهك وجب مسحه لأنه من الرأس، وهذا ترده الآثار بأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان يمسح ظاهر أذنيه وباطنهما من حديث علي وعثمان وابن عباس ~~والربيع وغيرهم. احتج من قال: هما من الرأس بقوله صلى الله عليه وسلم من ~~حديث الصنابحي: (فإذا مسح رأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج أذنيه) ~~الحديث أخرجه مالك. # الثالثة عشرة - قوله تعالى: " وأرجلكم " قرأ نافع وابن عامر والكسائي " ~~وأرجلكم " بالنصب، وروى الوليد بن مسلم عن نافع أنه قرأ " وأرجلكم " بالرفع ~~وهي قراءة الحسن والأعمش سليمان، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة " وأرجلكم ~~" بالخفض وبحسب هذه القراءات اختلف الصحابة والتابعون، فمن قرأ بالنصب جعل ~~العامل " اغسلوا " وبنى على أن الفرض في الرجلين الغسل دون المسح، وهذا ~~مذهب الجمهور والكافة من العلماء، وهو الثابت من فعل النبي صلى الله عليه ~~وسلم، واللازم من قوله في غير ما حديث، وقد رأى قوما يتوضئون وأعقابهم تلوح ~~فنادى بأعلى صوته (ويل للأعقاب من النار أسبغوا الوضوء). ثم إن الله حدهما ~~فقال: " إلى الكعبين " كما قال في اليدين " إلى المرافق " فدل على وجوب ~~غسلهما، والله أعلم. ومن قرأ بالخفض جعل العامل الباء، قال ابن العربي: ~~اتفقت العلماء على وجوب غسلهما، وما علمت من رد ذلك سوى الطبري من فقهاء ~~المسلمين، والرافضة من غيرهم، وتعلق الطبري بقراءة الخفض. PageV06P091 # قلت: قد روي عن ابن عباس أنه قال: الوضوء غسلتان ومسحتان. وروي أن الحجاج ~~خطب بالأهواز فذكر الوضوء فقال: اغسلوا وجوهكم وأيديكم وامسحوا برءوسكم ~~وأرجلكم، فإنه ليس شئ من ابن آدم أقرب من خبثه من قدميه، فاغسلوا بطونهما ~~وظهورهما وعراقيبهما. فسمع ذلك أنس بن مالك فقال: صدق الله وكذب الحجاج، ~~قال الله وتعالى " وامسحوا برءوسكم وأرجلكم ". قال: وكان إذا مسح رجليه ~~بلهما، وروي عن أنس أيضا أنه قال: نزل القرآن بالمسح والسنة ms2077 بالغسل. وكان ~~عكرمة يمسح رجليه وقال: ليس في الرجلين غسل إنما نزل فيهما المسح. وقال ~~عامر الشعبي: نزل جبريل بالمسح، ألا ترى أن التيمم يمسح فيه ما كان غسلا، ~~ويلغي ما كان مسحا. وقال قتادة: افترض الله غسلتين ومسحتين. # وذهب ابن جرير الطبري إلى أن فرضهما التخيير بين الغسل والمسح، وجعل ~~القراءتين كالروايتين (1)، قال النحاس: ومن أحسن ما قيل فيه، أن المسح ~~والغسل واجبان جميعا، فالمسح واجب على قراءة من قرأ بالخفض، والغسل واجب ~~على قراءة من قرأ بالنصب، والقراءتان بمنزلة آيتين. قال ابن عطية: وذهب قوم ~~ممن يقرأ بالكسر إلى أن المسح في الرجلين هو الغسل. # قلت: وهو الصحيح، فإن لفظ المسح مشترك، يطلق بمعنى المسح ويطلق بمعنى ~~الغسل، قال الهروي: أخبرنا الأزهري أخبرنا أبو بكر محمد بن عثمان بن سعيد ~~الداري عن أبي حاتم عن أبي زيد الأنصاري قال: المسح في كلام العرب يكون ~~غسلا ويكون مسحا، ومنه يقال: # [للرجل] (2) إذا توضأ فغسل أعضاءه: قد تمسح، ويقال: مسح الله ما بك إذا ~~غسلك وطهرك من الذنوب، فإذا ثبت بالنقل عن العرب أن المسح يكون بمعنى الغسل ~~فترجح قول من قال: إن المراد بقراءة الخفض الغسل، بقراءة النصب التي لا ~~احتمال فيها، وبكثرة الأحاديث الثابتة بالغسل، والتوعد على ترك غسلها في ~~أخبار صحاح لا تحصى كثرة أخرجها الأئمة، ثم إن المسح في الرأس إنما دخل بين ~~ما يغسل لبيان الترتيب على [أنه] (3) مفعول قبل الرجلين، التقدير فاغسلوا ~~وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وأرجلكم إلى الكعبين وامسحوا برءوسكم، فلما كان ~~الرأس مفعولا قبل # PageV06P092 # الرجلين قدم عليهما في التلاوة - والله أعلم - لا أنهما مشتركان مع الرأس ~~لتقدمه عليهما في صفة التطهير. وقد روى عاصم بن كليب عن أبي عبد الرحمن ~~السلمي قال: قرأ الحسن والحسين - رحمة الله عليهما - علي (وأرجلكم) فسمع ~~علي ذلك وكان يقضي بين الناس فقال: (وأرجلكم) هذا من المقدم والمؤخر من ~~الكلام. وروى أبو إسحاق عن الحارث عن علي رضي الله عنه قال: اغسلوا الاقدام ~~إلى الكعبين. وكذا روي ms2078 عن ابن مسعود وابن عباس أنهما قرآ (وأرجلكم) بالنصب. ~~وقد قيل: إن الخفض في الرجلين إنما جاء مقيدا لمسحهما لكن إذا كان عليهما ~~خفان، وتلقينا هذا القيد من رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ لم يصح عنه ~~أنه مسح رجليه إلا وعليهما خفان، فبين صلى الله عليه وسلم بفعله الحال التي ~~تغسل فيه الرجل والحال التي تمسح فيه، وهذا حسن. فإن قيل: إن المسح على ~~الخفين منسوخ بسورة (المائدة) - وقد قاله ابن عباس، ورد المسح أبو هريرة ~~وعائشة، وأنكره مالك [في رواية عنه] (1) - فالجواب أن من نفى شيئا وأثبته ~~غيره فلا حجة للنافي، وقد أثبت المسح على الخفين عدد كثير من الصحابة ~~وغيرهم، وقد قال الحسن: حدثني سبعون رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنهم مسحوا على الخفين، وقد ثبت بالنقل الصحيح عن همام قال: بال جرير ~~ثم توضأ ومسح على خفيه، قال إبراهيم النخعي: وإن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بال ثم توضأ ومسح على خفيه. قال إبراهيم النخعي: كان يعجبهم هذا ~~الحديث، لان إسلام جرير كان بعد نزول (المائدة) وهذا نص يرد ما ذكروه وما ~~احتجوا به من رواية الواقدي عن عبد الحميد ابن جعفر عن أبيه أن جريرا أسلم ~~في ستة عشر من شهر رمضان، وأن (المائدة) نزلت في ذي الحجة يوم عرفات، وهذا ~~حديث لا يثبت لوهاه، وإنما نزل منها يوم عرفة " اليوم أكملت لكم دينكم " ~~على ما تقدم، قال أحمد بن حنبل: أنا أستحسن حديث جرير في المسح على الخفين، ~~لان إسلامه كان بعد نزول (المائدة) وأما ما روي عن أبي هريرة وعائشة رضي ~~الله عنهما فلا يصح، أما عائشة فلم يكن عندها بذلك علم، ولذلك ردت السائل ~~إلى علي رضي الله عنه وأحالته عليه فقالت: سله فإنه كان يسافر مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، الحديث. # PageV06P093 # وأما مالك فما روي عنه من الانكار فهو منكر لا يصح، والصحيح ما قاله عند ~~موته لابن نافع قال: إني كنت أخذ في ms2079 خاصة نفسي بالطهور ولا أرى من مسح ~~مقصرا فيما يجب عليه. # وعلى هذا حمل أحمد بن حنبل ما رواه ابن وهب عنه أنه قال: لا أمسح في حضر ~~ولا سفر. # قال أحمد: كما روي عن ابن عمر أنه أمرهم أن يمسحوا خفافهم وخلع هو وتوضأ ~~وقال: # حبب إلى الوضوء، ونحوه عن أبي أيوب. وقال أحمد رضي الله عنه: فمن ترك ذلك ~~على نحو ما تركه ابن عمر وأبو أيوب ومالك لم أنكره عليه، وصلينا خلفه ولم ~~نعبه، إلا أن يترك ذلك ولا يراه كما صنع أهل البدع، فلا يصلى خلفه. [والله ~~أعلم] (1) وقد قيل: إن قوله " وأرجلكم " معطوف على اللفظ دون المعنى، وهذا ~~أيضا يدل على الغسل فإن المراعى المعنى لا اللفظ، وإنما خفض للجوار كما ~~تفعل العرب، وقد جاء هذا في القرآن وغيره قال الله تعالى: # " يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس " (2) [الرحمن: 35] بالجر لان النحاس ~~الدخان. وقال: " بل هو قرآن مجيد. في لوح محفوظ " (3) [البروج: 21 - 22] ~~بالجر. قال امرؤ القيس: # * كبير أناس في بجاد مزمل (4) * فخفض مزمل بالجوار، وأن المزمل الرجل ~~وإعرابه الرفع، قال زهير: # لعب الزمان بها وغيرها * بعدي سوافي (5) المور والقطر قال أبو حاتم: كان ~~الوجه القطر بالرفع ولكنه جره على جوار المور، كما قالت العرب: هذا جحر ضب ~~خرب، فجروه وإنما هو رفع. وهذا مذهب الأخفش وأبي عبيدة ورده النحاس وقال: ~~هذا القول غلط عظيم، لان الجوار لا يكون في الكلام أن يقاس عليه، وإنما هو ~~غلط ونظيره الاقواء. # قلت: والقاطع في الباب من أن فرض الرجلين الغسل ما قدمناه، وما ثبت من ~~قوله عليه الصلاة والسلام (ويل للأعقاب وبطون الاقدام من النار) فخوفنا ~~بذكر النار (6) على # PageV06P094 # مخالفة مراد الله عز وجل، ومعلوم أن النار لا يعذب بها إلا من ترك ~~الواجب، ومعلوم أن المسح ليس شأنه الاستيعاب ولا خلاف بين القائلين بالمسح ~~على الرجلين أن ذلك على ظهورهما لا على بطونهما، فتبين بهذا الحديث بطلان ~~قول من قال بالمسح، إذ لا مدخل لمسح بطونهما ms2080 عندهم، وإنما ذلك يدرك بالغسل ~~لا بالمسح. ودليل آخر من وجهة الاجماع، وذلك أنهم اتفقوا على أن من غسل ~~قدميه فقد أدى الواجب عليه، واختلفوا فيمن مسح قدميه، فاليقين ما أجمعوا ~~عليه دون ما اختلفوا فيه. ونقل الجمهور كافة عن كافة عن نبيهم صلى الله ~~عليه وسلم أنه كان يغسل رجليه في وضوئه مرة واثنتين وثلاثا حتى ينقيهما، ~~وحسبك بهذا حجة في الغسل مع ما بيناه، فقد وضح وظهر أن قراءة الخفض المعنى ~~فيها الغسل لا المسح كما ذكرنا، وأن العامل في قوله " وأرجلكم " قوله: " ~~فاغسلوا " والعرب قد تعطف الشئ على الشئ بفعل ينفرد به أحدهما تقول: أكلت ~~الخبز واللبن أي وشربت اللبن، ومنه قول الشاعر: # * علفتها تبنا وماء باردا (1) * وقال آخر: # ورأيت زوجك في الوغى (2) * متقلدا سيفا ورمحا وقال آخر: (3) * وأطفلت * ~~بالجلهتين ظباؤها ونعامها * وقال آخر: # * شراب ألبان وتمر وإقط * التقدير: علفتها تبنا وسقيتها ماء. ومتقلدا ~~سيفا وحاملا رمحا. وأطفلت بالجلهتين ظباؤها وفرخت نعامها، والنعام لا يطفل ~~إنما يفرخ. وأطفلت كان لها أطفال، والجلهتان # PageV06P095 # جنبتا الوادي. وشراب ألبان وآكل تمر، فيكون قوله: " وامسحوا برءوسكم ~~وأرجلكم " عطف بالغسل على المسح حملا على المعنى والمراد الغسل، والله ~~أعلم. # الرابعة عشرة - قوله تعالى: " إلى الكعبين " روى البخاري: حدثني موسى قال ~~أنبأنا وهيب عن عمرو - هو ابن يحيى - عن أبيه قال شهدت عمرو بن أبي حسن سأل ~~عبد الله بن زيد عن وضوء النبي صلى الله عليه وسلم فدعا بتور (1) من ماء، ~~فتوضأ لهم وضوء النبي صلى الله عليه وسلم، فأكفأ على يده من التور فغسل ~~يديه ثلاثا، ثم أدخل يده في التور فمضمض واستنشق. # واستنثر ثلاث غرفات، ثم أدخل يده فغسل وجهه ثلاثا، ثم أدخل يديه فغسل ~~يديه إلى المرفقين ثلاثا (2)، ثم أدخل يده فمسح رأسه فأقبل بهما وأدبر مرة ~~واحدة، ثم غسل رجليه إلى الكعبين، فهذا الحديث دليل على أن الباء في قوله " ~~وامسحوا برءوسكم " زائدة لقوله: # فمسح رأسه ولم يقل برأسه، وأن مسح الرأس مرة، وقد جاء مبينا في كتاب ms2081 مسلم ~~من حديث عبد الله بن زيد في تفسير قوله: فأقبل بهما وأدبر، وبدأ بمقدم رأسه ~~ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه. واختلف ~~العلماء في الكعبين فالجمهور على أنهما العظمان الناتئان في جنبي الرجل. ~~وأنكر الأصمعي قول الناس: إن الكعب في ظهر القدم، قاله في (الصحاح) وروي عن ~~ابن القاسم، وبه قال محمد بن الحسن، قال ابن عطية: ولا أعلم أحدا جعل حد ~~الوضوء إلى هذا، ولكن عبد الوهاب في التلقين جاء في ذلك بلفظ فيه تخليط ~~وإيهام، وقال الشافعي رحمه الله: لم أعلم مخالفا في أن الكعبين هما العظمان ~~في مجمع مفصل الساق، وروى الطبري عن يونس عن أشهب عن مالك قال: الكعبان ~~اللذان يجب الوضوء إليهما هما العظمان الملتصقان بالساق المحاذيان للعقب، ~~وليس [الكعب] (3) بالظاهر في وجه القدم. # قلت: هذا هو الصحيح لغة وسنة فإن الكعب في كلام العرب مأخوذ من العلو ~~ومنه سميت الكعبة، وكعبت المرأة إذا فلك ثديها، وكعب القناة أنبوبها، ~~وأنبوب ما بين كل عقدتين # PageV06P096 # كعب، وقد يستعمل في الشرف والمجد تشبيها، ومنه الحديث (1). (والله لا ~~يزال كعبك عاليا). # وأما السنة فقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو داود عن النعمان بن ~~بشير (والله لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم) قال: فرأيت الرجل ~~يلصق منكبه بمنكب صاحبه، وركبته بركبة صاحبه وكعبه بكعبه. والعقب هو مؤخر ~~الرجل تحت العرقوب، والعرقوب هو مجمع مفصل الساق والقدم، ومنه الحديث (ويل ~~للعراقيب من النار) يعني إذا لم تغسل، كما قال: # (ويل للأعقاب وبطون الاقدام من النار). # الخامسة عشرة - قال ابن وهب عن مالك: ليس على أحد تخليل أصابع رجليه في ~~الوضوء ولا في الغسل، ولا خير في الجفاء والغلو، قال ابن وهب: تخليل أصابع ~~الرجلين مرغب فيه ولا بد من ذلك في أصابع اليدين، وقال ابن القاسم عن مالك: ~~من لم يخلل أصابع رجليه فلا شئ عليه. وقال محمد بن خالد عن ابن القاسم عن ~~مالك فيمن توضأ على ms2082 نهر فحرك رجليه: إنه لا يجزئه حتى يغسلهما بيديه، قال ~~ابن القاسم: وإن قدر على غسل إحداهما بالأخرى أجزأه. # قلت: الصحيح أنه لا يجزئه فيهما إلا غسل ما بينهما كسائر الرجل إذ ذلك من ~~الرجل، كما أن ما بين أصابع اليد من اليد، ولا اعتبار بانفراج أصابع اليدين ~~وانضمام أصابع الرجلين، فإن الانسان مأمور بغسل الرجل جميعها كما هو مأمور ~~بغسل اليد جميعها. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا توضأ ~~يدلك أصابع رجليه بخنصره، مع ما ثبت أنه عليه الصلاة والسلام كان يغسل ~~رجليه، وهذا يقتضي العموم. وقد كان مالك رحمه الله في آخر عمره يدلك أصابع ~~رجليه بخنصره أو ببعض أصابعه لحديث حدثه به ابن وهب عن ابن لهيعة والليث بن ~~سعد عن يزيد بن عمرو الغفاري عن أبي عبد الرحمن الحبلي (2) عن المستورد بن ~~شداد القرشي قال: # رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ فيخلل بخنصره ما بين أصابع ~~رجليه، قال ابن وهب، فقال لي مالك: إن هذا لحسن، وما سمعته قط إلا الساعة، ~~قال ابن وهب: وسمعته سئل # PageV06P097 # بعد ذلك عن تخليل الأصابع في الوضوء فأمر به. وقد روى حذيفة أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: (خللوا بين الأصابع لا تخللها النار) وهذا نص في ~~الوعيد على ترك التخليل، فثبت ما قلناه. والله الموفق. # السادسة عشرة - ألفاظ الآية تقتضي الموالاة بين الأعضاء، وهي اتباع ~~المتوضئ الفعل الفعل إلى آخره من غير تراخ بين أبعاضه، ولا فصل بفعل ليس ~~منه، واختلف العلماء في ذلك، فقال ابن أبي سلمة وابن وهب: ذلك من فروض ~~الوضوء في الذكر والنسيان، فمن فرق بين أعضاء وضوئه متعمدا أو ناسيا لم ~~يجزه. وقال ابن عبد الحكم: يجزئه ناسيا ومتعمدا. وقال مالك في " المدونة " ~~وكتاب محمد: إن الموالاة ساقطة، وبه قال الشافعي. # وقال مالك وابن القاسم: إن فرقه متعمدا لم يجزه ويجزئه ناسيا، وقال مالك ~~في رواية ابن حبيب: يجزئه في المغسول ولا يجزئه في الممسوح، فهذه ms2083 خمسة ~~أقوال ابتنيت (1) على أصلين: # الأول - أن الله سبحانه وتعالى أمر أمرا مطلقا فوال أو فرق، وإنما ~~المقصود وجود الغسل في جميع الأعضاء عند القيام إلى الصلاة. والثاني - أنها ~~عبادات ذات أركان مختلفة فوجب فيها التوالي كالصلاة، وهذا أصح. والله أعلم. # السابعة عشرة - وتتضمن ألفاظ الآية أيضا الترتيب وقد اختلف فيه، فقال ~~الأبهري: # الترتيب سنة، وظاهر المذهب أن التنكيس للناسي يجزئ، واختلف في العامد ~~فقيل: يجزئ ويرتب في المستقبل. وقال أبو بكر القاضي وغيره: لا يجزئ لأنه ~~عابث، وإلى هذا ذهب الشافعي وسائر أصحابه، وبه يقول أحمد بن حنبل وأبو عبيد ~~القاسم بن سلام وإسحق وأبو ثور، وإليه ذهب أبو مصعب صاحب مالك وذكره في ~~مختصره، وحكاه عن أهل المدينة ومالك معهم في أن من قدم في الوضوء يديه على ~~وجهه، ولم يتوضأ على ترتيب الآية فعليه الإعادة لما صلى بذلك الوضوء. وذهب ~~مالك في أكثر الروايات عنه وأشهرها أن " الواو " لا توجب التعقيب ولا تعطى ~~رتبة، وبذلك قال أصحابه وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي ~~والليث بن سعد والمزني وداود بن علي، قال الكيا الطبري ظاهر قوله تعالى: " ~~فاغسلوا وجوهكم وأيديكم " يقتضي الاجزاء فرق أو جمع أو والى على ما هو ~~الصحيح من مذهب الشافعي، # PageV06P098 # وهو مذهب الأكثرين من العلماء (1). قال أبو عمر: إلا أن مالكا يستحب له ~~استئناف الوضوء على النسق لما يستقبل من الصلاة، ولا يرى ذلك واجبا عليه، ~~هذا تحصيل مذهبه. وقد روى علي بن زياد عن مالك قال: من غسل ذراعيه ثم وجهه ~~ثم ذكر مكانه أعاد غسل ذراعيه، وإن لم يذكر حتى صلى أعاد الوضوء والصلاة، ~~قال علي ثم قال بعد ذلك: لا يعيد الصلاة ويعيد الوضوء لما يستأنف. وسبب ~~الخلاف ما قال بعضهم: إن " الفاء " توجب التعقيب في قوله: " فاغسلوا " ~~فإنها لما كانت جوابا للشرط ربطت المشروط به، فاقتضت الترتيب في الجميع، ~~وأجيب بأنه إنما اقتضت البداءة في الوجه إذ هو جزاء الشرط وجوابه، وإنما ~~كنت تقتضي الترتيب في الجميع لو كان ms2084 جواب الشرط معنى واحدا، فإذا كانت جملا ~~كلها جوابا لم تبال بأيها بدأت، إذ المطلوب تحصيلها. قيل: إن الترتيب إنما ~~جاء من قبل الواو، وليس كذلك لأنك تقول: تقاتل زيد وعمرو، وتخاصم بكر ~~وخالد، فدخولها في باب المفاعلة يخرجها عن الترتيب. والصحيح أن يقال: إن ~~الترتيب متلقي من وجوه أربعة: الأول - أن يبدأ بما بدأ الله به كم قال عليه ~~الصلاة والسلام حين حج: (نبدأ بما بدأ الله به). الثاني - من إجماع السلف ~~فإنهم كانوا يرتبون. الثالث - من تشبيه الوضوء بالصلاة. الرابع - من مواظبة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك. احتج من أجاز ذلك بالاجماع على أن ~~لا ترتيب في غسل أعضاء الجنابة، فكذلك غسل أعضاء الوضوء، لان المعنى في ذلك ~~الغسل لا التبدية. وروي عن علي أنه قال: ما أبالي إذا أتممت وضوئي بأي ~~أعضائي بدأت. وعن عبد الله بن مسعود قال: لا بأس أن تبدأ برجليك قبل يديك، ~~قال الدارقطني: هذا مرسل ولا يثبت، والأولى وجوب الترتيب. والله أعلم. # الثامنة عشرة - إذا كان في الاشتغال بالوضوء فوات الوقت لم يتيمم عند ~~أكثر العلماء، ومالك يجوز التيمم في مثل ذلك، لان التيمم إنما جاء في الأصل ~~لحفظ وقت الصلاة، ولولا ذلك لوجب تأخير الصلاة إلى حين وجود الماء. احتج ~~الجمهور بقوله تعالى: " فلم تجدوا ماء فتيمموا " وهذا واجد، فقد عدم شرط ~~صحة التيمم فلا يتيمم. # PageV06P099 # التاسعة عشرة - وقد استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن إزالة النجاسة ~~ليست بواجبة، لأنه قال: " إذ قمتم إلى الصلاة " ولم يذكر الاستنجاء وذكر ~~الوضوء، فلو كانت إزالتها واجبة لكانت أول مبدوء به، وهو قول أصحاب أبي ~~حنيفة، وهي رواية أشهب عن مالك. وقال ابن وهب عن مالك: إزالتها واجبة في ~~الذكر والنسيان، وهو قول الشافعي. # وقال ابن القاسم: تجب إزالتها مع الذكر، وتسقط مع النسيان. وقال أبو ~~حنيفة: تجب إزالة النجاسة إذا زادت على قدر الدرهم البغلي (1) - يريد ~~الكبير الذي هو على هيئة المثقال - قياسا على فم المخرج المعتاد الذي عفي ms2085 ~~عنه. والصحيح رواية ابن وهب، لان النبي صلى الله عليه وسلم قال في صاحبي ~~القبرين: (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة ~~وأما الآخر فكان لا يستبرئ من بوله) ولا يعذب إلا على ترك الواجب، ولا حجة ~~في ظاهر القرآن، لان الله سبحانه وتعالى إنما بين من آية الوضوء صفة الوضوء ~~خاصة، ولم يتعرض لإزالة النجاسة ولا غيرها. # الموفية عشرين - ودلت الآية أيضا على المسح على الخفين كما بينا، ولمالك ~~في ذلك ثلاث روايات: الانكار مطلقا كما يقوله الخوارج، وهذه الرواية منكرة ~~وليست بصحيحة. # وقد تقدم. الثانية - يمسح في السفر دون الحضر، لان أكثر الأحاديث بالمسح ~~إنما هي في السفر، وحديث السباطة يدل على جواز المسح في الحضر، أخرجه مسلم ~~من حديث حذيفة قال: فلقد رأيتني أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم نتماشى، ~~فأتى سباطة قوم خلف (2) حائط، فقام كما يقوم أحدكم فبال فانتبذت منه، فأشار ~~إلى فجئت فقمت عند عقبه حتى فرغ - زاد في رواية - فتوضأ ومسح على خفيه. ~~ومثله حديث شريح بن هانئ قال: أتيت عائشة أسألها عن المسح على الخفين ~~فقالت: عليك بابن أبي طالب فسله، فإنه كان يسافر مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فسألناه فقال: جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسافر ثلاثة ~~أيام ولياليهن وللمقيم يوما وليلة، - وهي الرواية الثالثة - يمسح حضرا ~~وسفرا، وقد تقدم ذكرها. # PageV06P100 # الحادية والعشرون - ويمسح المسافر عند مالك على الخفين بغير توقيت، وهو ~~قول الليث بن سعد، قال ابن وهب سمعت مالكا يقول: ليس عند أهل بلدنا في ذلك ~~وقت. # وروي أبو داود من حديث أبي بن عمارة أنه قال: يا رسول الله أمسح على ~~الخفين؟ قال: # (نعم) قال: يوما؟ قال: (يوما) قال: ويومين؟ قال: (ويومين) قال: وثلاثة ~~[أيام]؟ (1) قال: (نعم وما شئت) في رواية (نعم وما بدا لك). قال أبو داود: ~~وقد اختلف في إسناده وليس بالقوي. وقال الشافعي وأحمد بن حنبل والنعمان ~~والطبري: يمسح المقيم يوما وليلة، والمسافر ثلاثة أيام على ms2086 حديث شريح وما ~~كان مثله، وروي عن مالك في رسالته إلى هارون أو بعض الخلفاء، وأنكرها (2) ~~أصحابه. # الثانية والعشرون - والمسح عند جميعهم لمن لبس خفيه على وضوء، لحديث ~~المغيرة ابن شعبة أنه قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة في ~~مسير - الحديث - وفيه، فأهويت لأنزع خفيه فقال: (دعهما فإني أدخلتهما ~~طاهرتين) ومسح عليهما. # ورأى أصبغ أن هذه طهارة التيمم، وهذا بناء منه على أن التيمم يرفع الحدث. ~~وشذ داود فقال: المراد بالطهارة ها هنا هي الطهارة من النجس فقط، فإذا كانت ~~رجلاه طاهرتين من النجاسة جاز المسح على الخفين. وسبب الخلاف الاشتراك في ~~اسم الطهارة. # الثالثة والعشرون - ويجوز عند مالك المسح على الخف وإن كان فيه خرق يسير: # قال ابن خويزمنداد: معناه أن يكون الخرق لا يمنع من الانتفاع به ومن ~~لبسه، ويكون مثله يمشى فيه. وبمثل قول مالك هذا قال الليث والثوري والشافعي ~~والطبري، وقد روي عن الثوري والطبري إجازة المسح على الخف المخرق جملة. ~~وقال الأوزاعي: # يمسح على الخف وعلى ما ظهر من القدم، وهو قول الطبري. وقال أبو حنيفة: ~~إذا كان ما ظهر من الرجل أقل من ثلاث أصابع مسح، ولا يمسح ذا ظهر ثلاث، ~~وهذا تحديد يحتاج إلى توقيف. ومعلوم أن أخفاف الصحابة رضي الله عنهم وغيرهم ~~من التابعين كانت # PageV06P101 # لا تسلم من الخرق اليسير، وذلك متجاوز عند الجمهور منهم. وروي عن الشافعي ~~إذا كان الخرق في مقدم الرجل أنه لا يجوز المسح عليه. وقال الحسن بن حي: ~~يمسح على الخف إذا كان ما ظهر منه يغطيه الجورب، فإن ظهر شئ من القدم لم ~~يمسح، قال أبو عمر: هذا على مذهبه في المسح على الجوربين إذا كانا ثخينين، ~~وهو قول الثوري وأبي يوسف ومحمد وهي: # الرابعة والعشرون - ولا يجوز المسح على الجوربين عند أبي حنيفة والشافعي ~~إلا أن يكونا مجلدين، وهو أحد قولي مالك. وله قول آخر أنه لا يجوز المسح ~~على الجوربين وإن كانا مجلدين. وفي كتاب أبي داود عن المغيرة بن ms2087 شعبة أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على الجوربين والنعلين، قال أبو ~~داود: وكان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث بهذا الحديث، لان المعروف عن ~~المغيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين، وروي هذا الحديث عن ~~أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم وليس بالقوي ولا بالمتصل. # قال أبو داود: ومسح على الجوربين علي بن أبي طالب [وأبو] (1) مسعود ~~والبراء بن عازب وأنس بن مالك وأبو أمامة وسهل بن سعد وعمرو بن حريث، وروي ~~ذلك عن عمر بن الخطاب وابن عباس، رضي الله عنهم أجمعين. # قلت: وأما المسح على النعلين فروى أبو محمد الدارمي في مسنده حدثنا أبو ~~نعيم أخبرنا يونس عن أبي إسحاق عن عبد خير (2) قال: رأيت عليا توضأ ومسح ~~على النعلين فوسع ثم قال: # لولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل كما رأيتموني فعلت لرأيت ~~أن باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما، قال أبو محمد الدارمي رحمه الله: ~~هذا الحديث منسوخ بقوله تعالى: # " فامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين ". # قلت: وقول علي - رضي الله عنه - لرأيت أن باطن القدمين أحق بالمسح من ~~ظاهرهما مثله قال في المسح على الخفين، أخرجه أبو داود عنه قال: لو كان ~~الدين بالرأي لكان باطن الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يمسح على ظاهر خفيه. قال # PageV06P102 # مالك والشافعي فيمن مسح ظهور خفيه دون بطونهما: إن ذلك يجزئه، إلا أن ~~مالكا قال: # من فعل ذلك أعاد في الوقت، ومن مسح على باطن الخفين دون ظاهرهما لم يجزه، ~~وكان عليه الإعادة في الوقت وبعده، وكذلك قال جميع أصحاب مالك إلا شئ روي ~~عن أشهب أنه قال: # باطن الخفين وظاهرهما سواء، ومن مسح باطنهما دون ظاهرهما لم يعد إلا في ~~الوقت. # وروي عن الشافعي أنه قال يجزئه مسح بطونهما دون ظهورهما، والمشهور من ~~مذهبه أنه من مسح بطونهما واقتصر عليهما لم يجزه وليس بماسح. وقال أبو ~~حنيفة والثوري: ms2088 يمسح ظاهري الخفين دون باطنهما، وبه قال أحمد بن حنبل وإسحق ~~وجماعة، والمختار عند مالك والشافعي وأصحابهما مسح الاعلى والأسفل، وهو قول ~~ابن عمر وابن شهاب، لما رواه أبو داود والدارقطني عن المغيرة بن شعبة قال: ~~وضأت رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فمسح أعلى الخف وأسفله، ~~قال أبو داود: روي أن ثورا لم يسمع هذا الحديث من رجاء بن حياة. # الخامسة والعشرون - واختلفوا فيمن نزع خفيه وقد مسح عليهما على أقوال ~~ثلاثة: # الأول - يغسل رجليه مكانه وإن أخر استأنف الوضوء، قاله مالك والليث، ~~وكذلك قال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم، وروي عن الأوزاعي والنخعي ولم ~~يذكروا مكانه. الثاني - يستأنف الوضوء، قاله الحسن بن حي وروى عن الأوزاعي ~~والنخعي. الثالث - ليس عليه شئ ويصلى كما هو، قاله ابن أبي ليلى والحسن ~~البصري، وهي رواية عن إبراهيم النخعي رضي الله عنهم. # السادسة والعشرون - قوله تعالى: (وإن كنتم جنبا فاطهروا) وقد مضى في " ~~النساء " (1) معنى الجنب. و " اطهروا " أمر بالاغتسال بالماء، ولذلك رأى ~~عمر وابن مسعود - رضي الله عنهما - أن الجنب لا يتيمم البتة بل يدع الصلاة ~~حتى يجد الماء. وقال الجمهور من الناس: # بل هذه العبارة هي لواجد الماء، وقد ذكر الجنب بعد في أحكام عادم الماء ~~بقوله: " أو لامستم # PageV06P103 # النساء " والملامسة هنا الجماع، وقد صح عن عمرو ابن مسعود أنهما رجعا إلى ~~ما عليه الناس وأن الجنب يتيمم. وحديث عمران بن حصين نص في ذلك، وهو أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا معتزلا لم يصل في القوم فقال: (يا ~~فلان ما منعك أن تصلي في القوم) فقال: يا رسول الله أصابتني جنابة ولا ماء. ~~قال: (عليك بالصعيد فإنه يكفيك) أخرجه البخاري. # السابعة والعشرون - قوله تعالى: (وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد ~~منكم من الغائط) تقدم في " النساء " (1) مستوفى، ونزيد هنا مسألة أصولية ~~أغفلناها هناك، وهي تخصيص العموم بالعادة الغالبة، فإن الغائط كناية عن ~~الاحداث الخارجة من المخرجين كما بيناه في " النساء " فهو ms2089 عام، غير أن جل ~~علمائنا خصصوا ذلك بالاحداث المعتادة الخارجة. # على الوجه المعتاد، فلو خرج غير المعتاد كالحصى والدود، أو خرج المعتاد ~~على وجه السلس والمرض لم يكن شئ من ذلك ناقضا. وإنما صاروا إلى اللفظ، لان ~~اللفظ مهما تقرر لمدلوله عرف غالب في الاستعمال، سبق ذلك الغالب لفهم ~~السامع حالة الاطلاق، وصار غيره مما وضع له اللفظ بعيدا عن الذهن، فصار غير ~~مدلول له، وصار الحال فيه كالحال في الدابة، فإنها إذا أطلقت سبق منها ~~الذهن إلى ذوات الأربع، ولم تخطر النملة ببال السامع فصارت غير مرادة ولا ~~مدلولة لذلك اللفظ ظاهرا. والمخالف يقول: لا يلزم من أسبقية الغالب أن يكون ~~النادر غير مراد، فإن تناول اللفظ لهما واحد وضعا، وذلك يدل على شعور ~~المتكلم بهما قصدا، والأول أصح، وتتمته في كتب الأصول. # الثامنة والعشرون - قوله تعالى: (أو لامستم النساء) روي عبيدة عن عبد ~~الله بن مسعود أنه قال: القبلة من اللمس، وكل ما دون الجماع لمس، وكذلك قال ~~ابن عمر واختاره محمد بن يزيد قال: لأنه قد ذكر في أول الآية ما يجب على من ~~جامع في قوله: " وإن كنتم جنبا فاطهروا ". # وقال عبد الله بن عباس: اللمس والمس والغشيان الجماع، ولكنه عز وجل يكني. ~~وقال # PageV06P104 # مجاهد في قوله عز وجل: " وإذا مروا باللغو مروا كراما " (1) [الفرقان: ~~72] قال: إذا ذكروا النكاح كنوا عنه، وقد مضى في " النساء " (2) القول في ~~هذا الباب مستوفى والحمد لله. # التاسعة والعشرون - قوله تعالى: (فلم تجدوا ماء) قد تقدم في " النساء " ~~(2) أن عدمه يترتب للصحيح الحاضر بأن يسجن أو يربط، وهو الذي يقال فيه: إنه ~~إن لم يجد ماء ولا ترابا وخشي خروج الوقت، اختلف الفقهاء في حكمه على أربعة ~~أقوال: الأول - قال ابن خويزمنداد: # الصحيح على مذهب مالك بأنه لا يصلي ولا شئ عليه، قال: ورواه المدنيون عن ~~مالك، قال: وهو الصحيح من المذهب. وقال ابن القاسم: يصلي ويعيد، وهو قول ~~الشافعي. # وقال أشهب: يصلي ولا يعيد. وقال أصبغ: لا يصلي ولا يقضي ms2090 (3)، وبه قال أبو ~~حنيفة (4). قال أبو عمر بن عبد البر: ما أعرف كيف أقدم ابن خويزمنداد على ~~أن جعل الصحيح من المذهب ما ذكر، وعلى خلافه جمهور السلف وعامة الفقهاء ~~وجماعة المالكيين. وأظنه ذهب إلى ظاهر حديث مالك في قوله: وليسوا على ماء - ~~الحديث - ولم يذكر أنهم صلوا، وهذا لا حجة فيه. وقد ذكر هشام بن عروة عن ~~أبيه عن عائشة في هذا الحديث أنهم صلوا بغير وضوء ولم يذكر إعادة، وقد ذهب ~~إلى هذا طائفة من الفقهاء. قال أبو ثور: وهو القياس. # قلت: وقد احتج المزني فيما ذكره الكيا الطبري بما ذكر في قصة القلادة عن ~~عائشة رضي الله عنها حين ضلت، وأن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين ~~بعثهم لطلب القلادة صلوا بغير تيمم ولا وضوء وأخبروه بذلك، ثم نزلت آية ~~التيمم ولم ينكر عليهم فعلها بلا وضوء ولا تيمم، والتيمم متى لم يكن مشروعا ~~فقد صلوا بلا طهارة أصلا. ومنه قال المزني: ولا إعادة، وهو نص في جواز ~~الصلاة مع عدم الطهارة مطلقا عند تعذر الوصول إليها، قال أبو عمر: # ولا ينبغي حمله على المغمى عليه لان المغمى عليه مغلوب على عقله وهذا معه ~~عقله. وقال ابن القاسم وسائر العلماء: الصلاة عليه واجبة إذا كان معه عقله، ~~فإذا زال المانع له توضأ # PageV06P105 # أو تيمم وصلى. وعن الشافعي روايتان، المشهور عنه يصلي كما هو ويعيد، قال ~~المزني: إذا كان محبوسا لا يقدر على تراب نظيف صلى وأعاد، وهو قول أبي يوسف ~~ومحمد والثوري والطبري. # وقال زفر بن الهذيل: المحبوس في الحضر لا يصلي وإن وجد ترابا نظيفا. وهذا ~~على أصله فإنه لا يتيمم عنده في الحضر كما تقدم. وقال أبو عمر: من قال يصلي ~~كما هو ويعيد إذا قدر على الطهارة فإنهم احتاطوا للصلاة بغير طهور، قالوا: ~~وقوله عليه السلام: (لا يقبل الله صلاة بغير طهور) لمن قدر على طهور، فأما ~~من لم يقدر فليس كذلك، لان الوقت فرض وهو قادر عليه فيصلي كما قدر في الوقت ms2091 ~~ثم يعيد، فيكون قد أخذ بالاحتياط في الوقت والطهارة جميعا. # وذهب الذين قالوا لا يصلي لظاهر هذا الحديث، وهو قول مالك وابن نافع ~~وأصبغ قالوا: من عدم الماء والصعيد لم يصل ولم يقض إن خرج وقت الصلاة، لان ~~عدم قبولها لعدم شروطها يدل على أنه غير مخاطب بها حالة عدم شروطها فلا ~~يترتب شئ في الذمة فلا يقضي، قاله غير (1) أبي عمر، وعلى هذا تكون الطهارة ~~من شروط الوجوب. # الموفية ثلاثين - قوله تعالى: (فتيمموا صعيدا طيبا) قد مضى في " النساء " ~~(2) اختلافهم في الصعيد، وحديث عمران بن حصين نص على ما يقوله مالك، إذ لو ~~كان الصعيد التراب لقال عليه السلام للرجل عليك بالتراب فإنه يكفيك، فلما ~~قال: (عليك بالصعيد) أحاله على وجه الأرض. والله أعلم. (فامسحوا بوجوهكم ~~وأيديكم منه) تقدم في " النساء " (2) الكلام فيه فتأمله هناك. # الحادية والثلاثون - وإذا انتهى القول بنا في الآي إلى هنا فاعلم أن ~~العلماء تكلموا في فضل الوضوء والطهارة وهي خاتمة الباب: قال صلى الله عليه ~~وسلم: (الطهور (3) شطر الايمان) أخرجه مسلم من حديث أبي مالك الأشعري، وقد ~~تقدم في " البقرة " الكلام فيه، قال ابن العربي: والوضوء أصل في الدين، ~~وطهارة المسلمين، وخصوصا لهذه الأمة في العالمين. # وقد روى أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ وقال: (هذا وضوئي ووضوء ~~الأنبياء من قبلي # PageV06P106 # ووضوء أبي إبراهيم) وذلك لا يصح، قال غيره: ليس هذا بمعارض لقوله عليه ~~السلام: # (لكم (1) سيما ليست لغيركم) فإنهم كانوا يتوضئون، وإنما الذي خص به هذه ~~الأمة الغرة والتحجيل لا بالوضوء، وهما تفضل من الله تعالى اختص بهما هذه ~~الأمة شرفا لها ولنبيها صلى الله عليه وسلم كسائر فضائلها على سائر الأمم، ~~كما فضل نبيها صلى الله عليه وسلم بالمقام المحمود وغيره على سائر ~~الأنبياء، والله أعلم. قال أبو عمر (2): وقد يجوز أن يكون الأنبياء يتوضئون ~~فيكتسبون بذلك الغرة والتحجيل ولا يتوضأ أتباعهم، كما جاء عن موسى عليه ~~السلام قال: " يا رب أجد أمة كلهم كالأنبياء فاجعلها أمتي " فقال له: " تلك ~~أمة ms2092 محمد " في حديث فيه طول. وقد روى سالم بن عبد الله بن عمر عن كعب ~~الأحبار أنه سمع رجلا يحدث أنه رأى رؤيا في المنام أن الناس قد جمعوا ~~للحساب، ثم دعي الأنبياء مع كل نبي أمته، وأنه رأى لكل نبي نورين يمشي ~~بينهما، ولمن اتبعه من أمته نورا واحدا يمشي به، حتى دعي بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم فإذا شعر رأسه ووجهه نور كله يراه كل من نظر إليه، وإذا لمن ~~اتبعه من أمته نوران كنور الأنبياء، فقال له كعب وهو لا يشعر أنها رؤيا: من ~~حدثك بهذا الحديث وما علمك به؟ # فأخبره أنها رؤيا، فأنشده كعب، الله الذي لا إله إلا هو لقد رأيت ما تقول ~~في منامك؟ فقال: # نعم والله لقد رأيت ذلك، فقال كعب: والذي نفسي بيده - أو قال والذي بعث ~~محمدا بالحق - إن هذه لصفة أحمد وأمته، وصفة الأنبياء في كتاب الله، لكأن ~~ما تقوله من التوراة. أسنده في كتاب " التمهيد " قال أبو عمر: وقد قيل إن ~~سائر الأمم كانوا يتوضئون والله أعلم، وهذا لا أعرفه من وجه صحيح. وخرج ~~مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا توضأ العبد ~~المسلم أو المؤمن (3) فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع ~~الماء أو آخر قطر الماء فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها ~~يداه مع الماء أو مع آخر قطر الماء فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة كان مشتها ~~رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر السماء حتى يخرج نقيا من الذنوب). وحديث مالك ~~عن عبد الله الصنابحي # PageV06P107 # كمل (1)، والصواب أبو عبد الله لا عبد الله، وهو مما وهم فيه مالك، واسمه ~~عبد الرحمن بن عسيلة تابعي شامي كبير لادراكه أول خلافة أبي بكر قال أبو ~~عبد الله الصنابحي: قدمت مهاجرا إلى النبي صلى الله عليه وسلم من اليمن ~~فلما وصلنا الجحفة إذا براكب قلنا له ما الخبر؟ قال: دفنا رسول الله صلى ~~الله ms2093 عليه وسلم منذ ثلاثة أيام. وهذه الأحاديث وما كان في معناها من حديث ~~عمرو بن عبسة وغيره تفيدك أن المراد بها كون الوضوء مشروعا عبادة لدحض ~~الآثام، وذلك يقتضي افتقاره إلى نية شرعية، لأنه شرع لمحو الاثم ورفع ~~الدرجات عند الله تعالى. # الثانية والثلاثون - قوله تعالى: (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج) أي ~~من ضيق في الدين، دليله قوله تعالى: " وما جعل عليكم في الدين من حرج " (2) ~~[الحج: 78]. و " من " صلة أي ليجعل عليكم حرجا. (ولكن يريد ليطهركم) أي من ~~الذنوب كما ذكرنا من حديث أبي هريرة والصنابحي. وقيل: من الحدث والجنابة. ~~وقيل: لتستحقوا الوصف بالطهارة التي يوصف بها أهل الطاعة. وقرأ سعيد بن ~~المسيب " ليطهركم " والمعنى واحد، كما يقال: نجاه وأنجاه. # " وليتم نعمته عليكم " أي بالترخيص في التيمم عند المرض والسفر. وقيل: ~~بتبيان الشرائع. # وقيل: بغفران الذنوب، وفي الخبر (تمام النعمة دخول الجنة والنجاة من ~~النار). # " لعلكم تشكرون " أي لتشكروا نعمته فتقبلوا على طاعته. # قوله تعالى: واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم ~~سمعنا وأطعنا واتقوا الله إن الله عليم بذات الصدور (7) قوله تعالى: ~~(واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به). قيل: هو الميثاق الذي ~~في قوله عز وجل: " وإذ أخذ ربك من بني آدم " (3) [الأعراف: 172]، قاله ~~مجاهد وغيره. ونحن وإن لم نذكره فقد أخبرنا الصادق به، فيجوز أن نؤمر ~~بالوفاء به. وقيل: هو خطاب لليهود بحفظ ما أخذ عليهم في التوراة، والذي ~~عليه الجمهور من المفسرين كابن عباس والسدي # PageV06P108 # هو العهد والميثاق الذي جرى لهم مع النبي صلى الله عليه وسلم على السمع ~~والطاعة في المنشط والمكره إذ قالوا: سمعنا وأطعنا، كما جرى ليلة العقبة ~~وتحت الشجرة، وأضافه تعالى إلى نفسه كما قال: " إنما يبايعون الله " (1) ~~[الفتح: 10] فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عند العقبة على أن ~~يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم ونساءهم وأبناءهم، وأن يرحل إليهم هو ~~وأصحابه، وكان أول من بايعه البراء بن معرور، وكان له في تلك الليلة المقام ms2094 ~~المحمود في التوثق لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والشد لعقد أمره، وهو ~~القائل: والذي بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا (2)، فبايعنا يا رسول ~~الله فنحن والله أبناء الحروب وأهل الحلقة ورثناها كابرا عن كابر. الخبر ~~المشهور في سيرة ابن إسحاق. ويأتي ذكر بيعة الرضوان في موضعها (1). وقد ~~اتصل هذا بقوله تعالى: " أوفوا بالعقود " [المائدة: 1] فوفوا بما قالوا، ~~جزاهم الله تعالى عن نبيهم وعن الاسلام خيرا، ورضي الله عنهم وأرضاهم. ~~(واتقوا الله) أي في مخالفته أنه عالم بكل شئ. # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجر ~~منكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله ~~خبير بما تعملون (8) وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر ~~عظيم (9) والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم (10) قوله تعالى: ~~(يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين) الآية تقدم معناها في " النساء " (3). # والمعنى: أتمم عليكم نعمتي فكونوا قوامين لله، أي لأجل ثواب الله، فقوموا ~~بحقه، وأشهدوا بالحق من غير ميل إلى أقاربكم، وحيف على أعدائكم. (ولا يجر ~~منكم شنآن قوم) على ترك العدل وإيثار العدوان على الحق. وفي هذا دليل على ~~نفوذ حكم العدو على عدوه في الله تعالى # PageV06P109 # ونفوذ شهادته عليه، لأنه أمر بالعدل وإن أبغضه، ولو كان حكمه عليه ~~وشهادته لا تجوز فيه مع البغض له لما كان لامره بالعدل فيه وجه. ودلت الآية ~~أيضا على أن كفر الكافر لا يمنع من العدل عليه، وأن يقتصر بهم على المستحق ~~من القتال والاسترقاق، وأن المثلة بهم غير جائزة وإن قتلوا نساءنا وأطفالنا ~~وغمونا بذلك، فليس لنا أن نقتلهم بمثلة قصدا لايصال الغم والحزن إليهم، ~~وإليه أشار عبد الله بن رواحة بقوله في القصة المشهورة (1)، هذا معنى ~~الآية. وتقدم في صدر هذه السورة (2) معنى قوله: " لا يجر منكم شنآن قوم ". ~~وقرئ " ولا يجر منكم " قال الكسائي: # هما لغتان. وقال الزجاج: معنى " لا يجرمنكم " لا يدخلنكم في الجرم، كما ~~تقول: آثمني أي أدخلني ms2095 في الاثم. ومعنى (هو أقرب للتقوى) أي لان تتقوا ~~الله. وقيل: لان تتقوا النار. # ومعنى (لهم مغفرة وأجر عظيم) أي قال الله في حق المؤمنين: " لهم مغفرة ~~وأجر عظيم " أي لا تعرف كنهه أفهام الخلق، كما قال: " فلا تعلم نفس ما أخفى ~~لهم من قرة أعين " (3) [السجدة: 17]. # وإذا قال الله تعالى: " أجر عظيم " و " أجر كريم " [يس: 11] و " أجر كبير ~~" [هود: 11] فمن ذا الذي يقدر قدره؟. # ولما كان الوعد من قبيل القول حسن إدخال اللام في قوله: " لهم مغفرة " ~~وهو في موضع نصب، لأنه وقع موقع الموعود به، على معنى وعدهم أن لهم مغفرة ~~أو وعدهم مغفرة إلا أن الجملة وقعت موقع المفرد، كما قال الشاعر (4): # وجدنا الصالحين لهم جزاء * وجنات وعينا سلسبيلا وموضع الجملة نصب، ولذلك ~~عطف عليها بالنصب. وقيل: هو في موضع رفع على أن يكون الموعود به محذوفا، ~~على تقدير لهم مغفرة وأجر عظيم فيما وعدهم به. وهذا المعنى عن الحسن. # (والذين كفروا) نزلت في بني النضير. وقيل: في جميع الكفار. # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم أن ~~يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم واتقوا الله وعلى الله فليتوكل ~~المؤمنون (11) # PageV06P110 # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن ~~يبسطوا إليكم أيديهم) قال جماعة: نزلت بسبب فعل الأعرابي في غزوة ذات ~~الرقاع حين اخترط (1) سيف النبي صلى الله عليه وسلم وقال: من يعصمك مني يا ~~محمد؟ كما تقدم في " النساء " (2). # وفي البخاري: أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا الناس فاجتمعوا وهو جالس ~~عند النبي صلى الله عليه وسلم ولم يعاقبه (3). وذكر الواقدي وابن أبي حاتم ~~أنه أسلم. وذكر قوم أنه ضرب برأسه في ساق شجرة حتى مات. وفي البخاري في ~~غزوة ذات الرقاع أن اسم الرجل غورث ابن الحارث (بالغين منقوطة مفتوحة وسكون ~~الواو بعدها [راء و] ثاء مثلثة) وقد ضم بعضهم الغين، والأول أصح. وذكر أبو ~~حاتم محمد بن إدريس الرازي، وأبو عبد ms2096 الله محمد بن عمر الواقدي أن اسمه ~~دعثور بن الحارث، وذكر أنه أسلم كما تقدم. وذكر (4) محمد بن إسحاق أن اسمه ~~عمرو بن جحاش وهو أخو بني النضير. وذكر بعضهم أن قصة عمرو بن جحاش في غير ~~هذه القصة. والله أعلم. وقال قتادة ومجاهد وغيرهما: نزلت في قوم من اليهود ~~جاءهم النبي صلى الله عليه وسلم يستعينهم في دية فهموا بقتله صلى الله عليه ~~وسلم الله فمنعه الله منهم. قال القشيري: # وقد تنزل الآية في قصة ثم ينزل ذكرها مرة أخرى لادكار ما سبق. " أن ~~يبسطوا إليكم أيديهم " أي بالسوء " فكف أيديهم عنكم " أي منعهم. # قوله تعالى: ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثنى عشر نقيبا ~~وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم ~~وأقرضتم الله قرضا حسنا لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل (12) # PageV06P111 # قوله تعالى: (ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثنى عشر ~~نقيبا) فيه ثلاث مسائل: # الأولى - قال ابن عطية: هذه الآيات المتضمنة الخبر عن نقضهم مواثيق الله ~~تعالى تقوى أن الآية المتقدمة في كف الأيدي إنما كانت في بني النضير، ~~واختلف أهل التأويل في كيفية بعث هؤلاء النقباء بعد الاجماع على أن النقيب ~~كبير القوم، القائم بأمورهم الذي ينقب عنها وعن مصالحهم فيها. والنقاب: ~~الرجل العظيم الذي هو في الناس على هذه الطريقة، ومنه قيل في عمر رضي الله ~~عنه: إنه كان لنقابا. فالنقباء الضمان، واحدهم نقيب، وهو شاهد القوم ~~وضمينهم، يقال: نقب عليهم، وهو حسن النقيبة أي حسن الخليقة. والنقب والنقب ~~الطريق في الجبل. وإنما قيل: نقيب لأنه يعلم دخيلة أمر القوم، ويعرف ~~مناقبهم وهو الطريق إلى معرفة أمورهم. وقال قوم: النقباء الامناء على ~~قومهم، وهذا كله قريب بعضه من بعض. والنقيب أكبر مكانة من العريف. قال عطاء ~~بن يسار: حملة القرآن عرفاء أهل الجنة، ذكره الدارمي في مسنده. قال قتادة - ~~رحمه الله - وغيره: هؤلاء النقباء ms2097 قوم كبار من كل سبط، تكفل كل واحد بسبطه ~~بأن يؤمنوا ويتقوا الله، ونحو هذا كان النقباء ليلة العقبة، بايع فيها ~~سبعون رجلا وامرأتان. فاختار رسول الله صلى الله عليه وسلم من السبعين اثني ~~عشر رجلا، وسماهم النقباء اقتداء بموسى صلى الله عليه وسلم. وقال الربيع ~~والسدي وغيرهما: # إنما بعث النقباء من بني إسرائيل أمناء على الاطلاع على الجبارين والسبر ~~لقوتهم ومنعتهم، فساروا ليختبروا حال من بها، ويعلموه بما اطلعوه عليه فيها ~~حتى ينظر في الغزو إليهم، فأطلعوا من الجبارين على قوة عظيمة - على ما يأتي ~~- وظنوا أنهم لا قبل لهم بها، فتعاقدوا بينهم على أن يخفوا ذلك عن بني ~~إسرائيل، وأن يعلموا به موسى عليه السلام، فلما انصرفوا إلى بني إسرائيل ~~خان منهم عشرة فعرفوا قراباتهم، ومن وثقوه على سرهم، ففشا الخبر حتى أعوج ~~أمر بني إسرائيل فقالوا: " أذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون " ~~[المائدة: 24]. # الثانية - ففي الآية دليل على قبول خبر الواحد فيما يفتقر إليه المرء، ~~ويحتاج إلى اطلاعه من حاجاته الدينية والدنيوية، فتركب عليه الاحكام، ~~ويرتبط به الحلال والحرام، وقد جاء PageV06P112 # [أيضا] مثله في الاسلام، قال صلى الله عليه وسلم لهوازن: (ارجعوا حتى ~~يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم). أخرجه البخاري. # الثالثة - وفيها أيضا دليل على اتخاذ الجاسوس. والتجسس: التبحث. وقد بعث ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبسة عينا (1)، أخرجه مسلم. وسيأتي حكم ~~الجاسوس في " الممتحنة " (2) إن شاء الله تعالى. وأما أسماء نقباء بني ~~إسرائيل فقد ذكر أسماءهم محمد بن حبيب في " المحبر " (3) فقال: من سبط ~~روبيل شموع بن ركوب، ومن سبط شمعون شوقوط بن حوري، ومن سبط يهوذا كالب بن ~~يوقنا، ومن سبط الساحر يوغول بن يوسف، ومن سبط أفراثيم ابن يوسف يوشع بن ~~النون، ومن سبط بنيامين يلظى بن روقو، ومن سبط ربالون كرابيل ابن سودا ومن ~~سبط منشا بن يوسف كدي بن سوشا، ومن سبط دان عمائيل بن كسل، ومن سبط شير ~~ستور بن ميخائيل، ومن سبط نفتال يوحنا بن وقوشا، ومن سبط كاذ ms2098 كوال ابن ~~موخى، فالمؤمنان منهم يوشع وكالب، ودعا موسى عليه السلام على الآخرين ~~فهلكوا مسخوطا عليهم، قاله الماوردي. وأما نقباء ليلة العقبة فمذكورون في ~~سيرة ابن (4) إسحاق فلينظروا هناك. # قوله تعالى: (وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة) الآية. قال الربيع بن ~~أنس: قال ذلك للنقباء. وقال غيره: قال ذلك لجميع بني إسرائيل. وكسرت " إن " ~~لأنها مبتدأة. # " معكم " منصوب لأنه ظرف، أي بالنصر والعون. ثم ابتدأ فقال: " لئن أقمتم ~~الصلاة " إلى أن قال " لأكفرن عنكم سيئاتكم " أي إن فعلتم ذلك (ولأدخلنكم ~~جنات). واللام في " لئن " لام توكيد ومعناها القسم، وكذا " لأكفرن عنكم "، ~~" ولأدخلنكم ". وقيل: المعنى # PageV06P113 # لئن أقمتم الصلاة لأكفرن عنكم سيئاتكم، وتضمن شرطا آخر لقوله: " لأكفرن " ~~أي إن فعلتم ذلك لأكفرن. وقيل: قوله " لئن أقمتم الصلاة " جزاء لقوله: " ~~إني معكم " وشرط لقوله: " لأكفرن " والتعزير: التعظيم والتوقير، وأنشد أبو ~~عبيدة: # وكم من ماجد لهم كريم * ومن ليث يعزر في الندي أي يعظم ويوقر. والتعزير: ~~الضرب دون الحد، والرد، تقول: عزرت فلانا إذا أدبته ورددته عن القبيح. ~~فقوله: " عزرتموهم " أي رددتم عنهم أعداءهم. (وأقرضتم الله قرضا حسنا) يعني ~~الصدقات، ولم يقل إقراضا، وهذا مما جاء من المصدر بخلاف المصدر كقوله: ~~(والله أنبتكم من الأرض نباتا) (1)، (فتقبلها ربها بقبول حسن) وقد تقدم ~~(2). ثم قيل: # (حسنا) أي طيبة بها نفوسكم. وقيل: يبتغون بها وجه الله. وقيل: حلالا. ~~وقيل: (قرضا) اسم لا مصدر. (فمن كفر بعد ذلك منكم) أي بعد الميثاق. (فقد ضل ~~سواء السبيل) أي أخطأ قصد الطريق. والله أعلم. # قوله تعالى: فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم ~~عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا ~~منهم فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين (13) قوله تعالى: (فبما نقضهم ~~ميثاقهم) أي فبنقضهم ميثاقهم، " ما " زائدة للتوكيد، عن قتادة وسائر أهل ~~العلم، وذلك أنها تؤكد الكلام بمعنى تمكنه في النفس من جهة حسن النظم، ومن ~~جهة تكثيره للتوكيد، كما قال: # * لشئ ما يسود من يسود * # PageV06P114 # فالتأكيد ms2099 بعلامة موضوعة كالتأكيد بالتكرير. (لعناهم) قال ابن عباس: ~~عذبناهم بالجزية. # وقال الحسن ومقاتل: بالمسخ. عطاء: أبعدناهم واللعن الابعاد والطرد من ~~الرحمة. # (وجعلنا قلوبهم قاسية) أي صلبة لا تعي خيرا ولا تفعله، والقاسية والعاتية ~~بمعنى واحد. # وقرأ الكسائي وحمزة: " قسية " بتشديد الياء من غير ألف، وهي قراءة ابن ~~مسعود والنخعي ويحيى بن وثاب. والعام القسي الشديد الذي لا مطر فيه. وقيل: ~~هو من الدراهم القسيات أي الفاسدة الرديئة، فمعنى " قسية " على هذا ليست ~~بخالصة الايمان، أي فيها نفاق. # قال النحاس: وهذا قول حسن، لأنه يقال: درهم قسي إذا كان مغشوشا بنحاس أو ~~غيره. # يقال: درهم قسي (مخفف السين مشدد الياء) مثال شقي أي زائف، ذكر ذلك أبو ~~عبيد وأنشد: # لها صواهل في صم السلام كما * صاح القسيات في أيدي الصياريف (1) يصف وقع ~~المساحي (2) في الحجارة. وقال الأصمعي وأبو عبيد: درهم قسي كأنه معرب قاشي. # قال القشيري: وهذا بعيد، لأنه ليس في القرآن ما ليس من لغة العرب، بل ~~الدرهم القسي من القسوة والشدة أيضا، لان ما قلت نقرته يقسو ويصلب. وقرأ ~~الأعمش: " قسية " بتخفيف الياء على وزن فعلة نحو عمية وشجية، من قسى يقسى ~~لا من قسا يقسو. وقرأ الباقون على وزن فاعلة، وهو اختيار أبي عبيد، وهما ~~لغتان مثل العلية والعالية، والزكية والزاكية. قال أبو جعفر النحاس: أولى ~~ما فيه أن تكون قسية بمعنى قاسية، إلا أن فعيلة أبلغ من فاعلة. # فالمعنى: جعلنا قلوبهم غليظة نابية عن الايمان والتوفيق لطاعتي، لان ~~القوم لم يوصفوا بشئ من الايمان فتكون قلوبهم موصوفة بأن إيمانها خالطه ~~كفر، كالدراهم القسية التي خالطها غش. # قال الراجز: # * قد قسوت وقست لداتي * (يحرفون الكلم عن مواضعه) أي يتأولونه على غير ~~تأويله، ويلقون ذلك إلى العوام. وقيل: # معناه يبدلون حروفه. و " يحرفون " في موضع نصب، أي جعلنا قلوبهم قاسية ~~محرفين. # PageV06P115 # وقرأ السلمي والنخعي " الكلام " بالألف وذلك أنهم غيروا صفة محمد صلى ~~الله عليه وسلم وآية الرجم. (ونسوا حظا مما ذكروا به) أي نسوا عهد الله ~~الذي أخذه الأنبياء ms2100 عليهم من الايمان بمحمد صلى الله عليه وسلم.، وبيان ~~نعته. " ولا تزال تطلع " أي وأنت يا محمد لا تزال الآن تقف " على خائنة ~~منهم " والخائنة الخيانة، قال قتادة. وهذا جائز في اللغة، ويكون مثل قولهم: ~~قائلة بمعنى قيلولة. وقيل: هو نعت لمحذوف والتقدير فرقة خائنة. وقد تقع " ~~خائنة " للواحد كما يقال: رجل نسابة وعلامة، فخائنة على هذا للمبالغة، ~~يقال: رجل خائنة إذا بالغت في وصفه بالخيانة. قال الشاعر: (1) حدثت نفسك ~~بالوفاء ولم تكن * للغدر خائنة مغل الإصبع قال ابن عباس: " على خائنة " أي ~~معصية. وقيل: كذب وفجور. وكانت خيانتهم نقضهم العهد بينهم وبين رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، ومظاهرتهم المشركين على حرب [رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم] (2)، كيوم الأحزاب وغير ذلك من همهم بقتله وسبه. (إلا قليلا منهم) لم ~~يخونوا فهو استثناء من الهاء والميم اللتين في " خائنة منهم ". (فاعف عنهم ~~واصفح) في معناه قولان: فاعف عنهم واصفح ما دام بينك وبينهم عهد وهم أهل ~~الذمة. والقول الآخر أنه منسوخ بآية السيف. وقيل: بقوله عز وجل " وإما ~~تخافن من قوم خيانة " (3) [الأنفال: 58]. # قوله تعالى: ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ~~ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله ~~بما كانوا يصنعون (14) يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما ~~كنتم تخفون من الكتاب ويعفوا # PageV06P116 # عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين (15) يهدى به الله من اتبع ~~رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط ~~مستقيم (16) قوله تعالى: (ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم) أي في ~~التوحيد والايمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، إذ هو مكتوب في الإنجيل. ~~(فنسوا حظا) وهو الايمان بمحمد عليه الصلاة والسلام أي لم يعملوا بما أمروا ~~به وجعلوا ذلك الهوى والتحريف سببا للكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم ومعنى " ~~أخذنا ميثاقهم " هو كقولك: أخذت من زيد ثوبه ودرهمه، قاله الأخفش. ورتبة " ~~الذين " أن تكون بعد " أخذنا " وقبل ms2101 الميثاق، فيكون التقدير: أخذنا من ~~الذين قالوا إنا نصارى ميثاقهم، لأنه في موضع المفعول الثاني لاخذنا. # وتقديره عند الكوفيين: ومن الذين قالوا إنا نصارى من أخذنا ميثاقه، ~~فالهاء والميم تعودان على " من " المحذوفة، وعلى القول الأول تعودان على " ~~الذين ". ولا يجيز النحويون أخذنا ميثاقهم من الذين قالوا إنا نصارى، ولا ~~ألينها لبست من الثياب، لئلا يتقدم مضمر على ظاهر. # وفي قولهم: " إنا نصارى " ولم يقل من النصارى دليل على أنهم ابتدعوا ~~النصرانية وتسموا بها، روي معناه عن الحسن. # قوله تعالى: (فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء) أي هيجنا. وقيل: ألصقنا ~~بهم، مأخوذ من الغراء وهو ما يلصق الشئ بالشئ كالصمغ وشبهه. يقال: غري ~~بالشئ يغرى غرا " بفتح الغين " مقصورا وغراء " بكسر الغين " ممدودا إذا ~~أولع به كأنه التصق به. # وحكى الرماني: الاغراء تسليط بعضهم على بعض. وقيل: الاغراء التحريش، ~~وأصله اللصوق، يقال: غريت بالرجل غرا - مقصور وممدود مفتوح الأول - إذ لصقت ~~به. وقال كثير: # إذا قيل مهلا قالت العين بالبكا * غراء ومدتها حوافل نهل (1) # PageV06P117 # وأغريت زيدا بكذا حتى غري به، ومنه الغراء الذي يغري به للصوقه، فالاغراء ~~بالشئ الالصاق به من جهة التسليط عليه. وأغريت الكلب أي أولعته بالصيد. " ~~بينهم " ظرف للعداوة. " والبغضاء " البغض. أشار بهذا إلى اليهود والنصارى ~~لتقدم ذكرهما. عن السدي وقتادة: بعضهم لبعض عدو. وقيل: أشار إلى افتراق ~~النصارى خاصة، قاله الربيع بن أنس، لأنهم أقرب مذكور، وذلك أنهم افترقوا ~~إلى اليعاقبة والنسطورية والملكانية، أي كفر بعضهم بعضا. قال النحاس: ومن ~~أحسن ما قيل في معنى " أغرينا بينهم العداوة والبغضاء " أن الله عز وجل أمر ~~بعداوة الكفار وإبغاضهم، فكل فرقة مأمورة بعداوة صاحبتها وإبغاضها لأنهم ~~كفار. وقوله: (وسوف ينبئهم الله) تهديد لهم، أي سيلقون جزاء نقض الميثاق. # قوله تعالى: (يا أهل الكتاب) الكتاب اسم جنس بمعنى الكتب، فجميعهم ~~مخاطبون. (قد جاءكم رسولنا) محمد صلى الله عليه وسلم. (يبين لكم كثيرا مما ~~كنتم تخفون من الكتاب) أي من كتبكم، من الايمان به، ومن آية الرجم، ومن قصة ~~أصحاب السبت الذين ms2102 مسخوا قردة، فإنهم كانوا يخفونها. (ويعفو عن كثير) أي ~~يتركه ولا يبينه، وإنما يبين ما فيه حجة على نبوته، ودلالة على صدقه وشهادة ~~برسالته، ويترك ما لم يكن به حاجة إلى تبيينه. وقيل: " ويعفو عن كثير " ~~يعني يتجاوز عن كثير فلا يخبركم به. وذكر أن رجلا من أحبارهم جاء إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فسأله فقال: يا هذا عفوت عنا؟ فأعرض عنه رسول الله عليه ~~وسلم ولم يبين، وإنما أراد اليهودي أن يظهر مناقضة كلامه، فلما لم يبين له ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قام من عنده فذهب وقال لأصحابه: أرى أنه صادق ~~فيما يقول: لأنه كان وجد في كتابه أنه لا يبين له ما سأله عنه. " قد جاءكم ~~من الله نور " أي ضياء، قيل: الاسلام. # وقيل: محمد عليه السلام، عن الزجاج. (وكتاب مبين) أي القرآن، فإنه يبين ~~الاحكام، وقد تقدم. (1) (يهدى به الله من اتبع رضوانه) أي ما رضيه الله. ~~(سبل السلام) طرق السلامة الموصلة إلى دار السلام المنزهة عن كل آفة، ~~والمؤمنة من كل مخافة، وهي الجنة. وقال الحسن والسدي: " السلام " الله عز ~~وجل، فالمعنى دين الله - وهو الاسلام - كما قال: " إن الدين # PageV06P118 # عند الله الاسلام " (1) [آل عمران: 19]. (ويخرجهم من الظلمات إلى النور) ~~أي من ظلمات الكفر والجهالات إلى نور الاسلام والهدايات. (بإذنه) أي ~~بتوفيقه وإرادته. # قوله تعالى: لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك ~~من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا ~~ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء والله على كل شئ قدير ~~(17) قوله تعالى: (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم) تقدم في ~~آخر " النساء " (2) بيانه والقول فيه. وكفر النصارى في دلالة هذا الكلام ~~إنما كان بقولهم: إن الله هو المسيح ابن مريم على جهة الدينونة به، لأنهم ~~لو قالوه على جهة الحكاية منكرين له لم يكفروا. # (قل فمن يملك من الله شيئا) أي من ms2103 أمر الله. و " يملك " بمعنى يقدر، من ~~قولهم ملكت على فلان أمره أي اقتدرت عليه. أي فمن يقدر أن يمنع من ذلك ~~شيئا؟ فأعلم الله تعالى أن المسيح لو كان إلها لقدر على دفع ما ينزل به أو ~~بغيره، وقد أمات أمه ولم يتمكن من دفع الموت عنها، فلو أهلكه هو أيضا فمن ~~يدفعه عن ذلك أو يرده. (ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما) والمسيح وأمه ~~بينهما مخلوقان محدودان محصوران، وما أحاط به الحد والنهاية لا يصلح ~~للإلهية. وقال " وما بينهما " ولم يقل وما بينهن، لأنه أراد النوعين ~~والصنفين كما قال الراعي: # طرقا فتلك هماهمي (3) أقريهما * قلصا (4) لواقح كالقسي وحولا (5) فقال: " ~~طرقا " ثم قال: " فتلك هماهمي ". (يخلق ما يشاء) عيسى من أم بلا أب آية ~~لعباده. # PageV06P119 # قوله تعالى: وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم ~~بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ولله ملك ~~السماوات والأرض وما بينهما وإليه المصير. (18) قوله تعالى: (وقالت اليهود ~~والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه) قال ابن عباس: # خوف رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما من اليهود العقاب فقالوا: لا نخاف ~~فإنا أبناء الله وأحباؤه، فنزلت الآية. قال ابن إسحاق: أتى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم نعمان بن أضا وبحري بن عمرو وشأس بن عدي فكلموه وكلمهم، ~~ودعاهم إلى الله عز وجل وحذرهم نقمته فقالوا: ما تخوفنا يا محمد؟، نحن ~~أبناء الله وأحباؤه، كقول النصارى، فأنزل الله عز وجل فيهم " وقالت اليهود ~~والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم " إلى آخر الآية. # قال لهم معاذ بن جبل وسعد بن عبادة وعقبة بن وهب: يا معشر يهود اتقوا ~~الله، فوالله إنكم لتعلمون أنه رسول الله، ولقد كنتم تذكرونه لنا قبل ~~مبعثه، وتصفونه لنا بصفته، فقال رافع ابن حريملة ووهب بن يهوذا: ما قلنا ~~هذا لكم، ولا أنزل الله من كتاب بعد موسى، ولا أرسل بشيرا ولا نذيرا من ~~بعده، فأنزل الله عز وجل: " يا أهل ms2104 الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على ~~فترة من الرسل " إلى قوله: " والله على كل شئ قدير ". السدي: زعمت اليهود ~~أن الله عز وجل أوحى إلى إسرائيل عليه السلام أن ولدك بكري من الولد. قال ~~غيره: والنصارى قالت نحن أبناء الله، لان في الإنجيل حكاية عن عيسى " أذهب ~~إلى أبي وأبيكم ". وقيل: المعنى: # نحن أبناء رسل الله، فهو على حذف مضاف. وبالجملة. فإنهم رأوا لأنفسهم ~~فضلا، فرد عليهم قولهم فقال (فلم يعذبكم بذنوبكم) فلم يكونوا يخلون من أحد ~~وجهين، إما أن يقولوا هو يعذبنا، فيقال لهم: فلستم إذا أبناءه وأحباءه، فإن ~~الحبيب لا يعذب حبيبه، وأنتم تقرون بعذابه، فذلك دليل على كذبكم - وهذا هو ~~المسمى عند الجدليين ببرهان الخلف - أو يقولوا PageV06P120 # : لا يعذبنا فيكذبوا ما في كتبهم، وما جاءت به رسلهم، ويبيحوا المعاصي ~~وهم معترفون بعذاب العصاة منهم، ولهذا يلتزمون أحكام كتبهم. وقيل: معنى " ~~يعذبكم " عذبكم، فهو بمعنى المضي، أي فلم مسخكم قردة وخنازير؟ ولم عذب من ~~قبلكم من اليهود والنصارى بأنواع العذاب وهم أمثالكم؟ لان الله سبحانه لا ~~يحتج عليهم بشئ لم يكن بعد، لأنهم ربما يقولون لا نعذب غدا، بل يحتج عليهم ~~بما عرفوه. ثم قال: (بل أنتم بشر ممن خلق) أي كسائر خلقه يحاسبكم على ~~الطاعة والمعصية، ويجازي كلا بما عمل. (يغفر لمن يشاء) أي لمن تاب من ~~اليهود. (ويعذب من يشاء) من مات عليها. (ولله ملك السماوات والأرض) فلا ~~شريك له يعارضه. (وإليه المصير) أي يئول أمر العباد إليه في الآخرة. # قوله تعالى: يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل ~~أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شئ ~~قدير (19) قوله تعالى: (يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا) يعني محمدا صلى ~~الله عليه وسلم. # (يبين لكم) انقطاع حجتهم حتى لا يقولوا غدا ما جاءنا رسول. (على فترة من ~~الرسل) أي سكون، يقال فتر الشئ سكن. وقيل: " على فترة " على انقطاع ما بين ~~النبيين، عن ms2105 أبي علي وجماعة أهل العلم، حكاه الرماني، قال: والأصل فيها ~~انقطاع العمل عما كان عليه من الجد فيه، من قولهم: فتر عن عمله وفترته عنه. ~~ومنه فتر الماء إذا انقطع عما كان من السخونة إلى البرد. وامرأة فاترة ~~الطرف أي منقطعة عن حدة النظر. # وفتور البدن كفتور الماء. والفتر ما بين السبابة والابهام إذا فتحتهما. ~~والمعنى، أي مضت للرسل مدة قبله. واختلف في قدر مدة تلك الفترة، فذكر محمد ~~بن سعد في كتاب " الطبقات " عن ابن عباس قال: كان بين موسى بن عمران وعيسى ~~ابن مريم عليهما السلام ألف سنة وسبعمائة (1) سنة، ولم يكن بينهما فترة، ~~وأنه أرسل بينهما ألف نبي من بني إسرائيل # PageV06P121 # سوى من أرسل من غيرهم. وكان بين ميلاد عيسى والنبي صلى الله عليه وسلم ~~خمسمائة سنة وتسع وستون سنة، بعث في أولها ثلاثة أنبياء، وهو قوله تعالى: " ~~إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث " (1) [يس: 14] والذي عزز به ~~" شمعون " وكان من الحواريين. وكانت الفترة التي لم يبعث الله فيها رسولا ~~أربعمائة سنة وأربعا وثلاثين سنة. وذكر الكلبي أن بين عيسى ومحمد عليهما ~~السلام خمسمائة سنة وتسعا وستين، وبينهما أربعة أنبياء، واحد (2) من العرب ~~من بني عبس وهو خالد بن سنان. قال القشيري: ومثل هذا مما لم لا يعلم إلا ~~بخبر صدق. # وقال قتادة: كان بين عيسى ومحمد عليهما السلام ستمائة سنة، وقاله مقاتل ~~والضحاك ووهب ابن منبه، إلا أن وهبا زاد عشرين سنة. وعن الضحاك أيضا ~~أربعمائة وبضع وثلاثون سنة. # وذكر ابن سعد عن عكرمة قال: بين آدم ونوح عشرة قرون، كلهم على الاسلام. ~~قال ابن سعد: أخبرنا محمد بن عمرو بن واقد الأسلمي عن غير واحد قالوا: كان ~~بين آدم ونوح عشرة قرون، والقرن مائة سنة، وبين نوح وإبراهيم عشرة قرون، ~~والقرن مائة سنة، وبين إبراهيم وموسى بن عمران عشرة قرون، والقرن مائة سنة، ~~فهذا ما بين آدم ومحمد عليهما السلام من القرون والسنين. والله أعلم. (أن ~~تقولوا) أي لئلا أو كراهية أن تقولوا، فهو ms2106 في موضع نصب. " ما جاءنا من بشير ~~" أي مبشر. " ولا نذير " أي منذر. ويجوز " من بشير ولا نذير " على الموضع ~~(3). قال ابن عباس: قال معاذ بن جبل وسعد بن عبادة وعقبة بن وهب لليهود، يا ~~معشر يهود اتقوا الله، فوالله إنكم لتعلمون أن محمدا رسول الله، ولقد كنتم ~~تذكرونه لنا قبل مبعثه وتصفونه بصفته، فقالوا: ما أنزل الله من كتاب بعد ~~موسى ولا أرسل بعده من بشير ولا نذير، فنزلت الآية. (والله على كل شئ قدير) ~~على إرسال من شاء من خلقه. # وقيل: قدير على إنجاز ما بشر به وأنذر منه. # PageV06P122 # قوله تعالى: وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل ~~فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وأتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين (20) يا قوم ~~ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا ~~خاسرين (21) قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا ~~منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون (22) قال رجلان من الذين يخافون أنعم ~~الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله ~~فتوكلوا إن كنتم مؤمنين (23) قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا ~~فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون (24) قال رب إني لا أملك إلا ~~نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين (25) قال فإنها محرمة عليهم ~~أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين (26) قوله تعالى: ~~(وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم) تبيين من الله تعالى ~~أن أسلافهم تمردوا على موسى وعصوه، فكذلك هؤلاء على محمد عليه السلام، وهو ~~تسلية له، أي يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم، واذكروا قصة ~~موسى. # وروي عن عبد الله بن كثير أنه قرأ " يا قوم اذكروا " بضم الميم، وكذلك ما ~~أشبهه، وتقديره يا أيها القوم. (إذ جعل فيكم أنبياء) لم ينصرف، لأنه فيه ~~ألف التأنيث. (وجعلكم ملوكا) أي تملكون أمركم لا يغلبكم عليه غالب بعد أن ~~كنتم مملوكين ms2107 لفرعون مقهورين، فأنقذكم منه بالغرق، فهم ملوك بهذا الوجه، ~~وبنحوه فسر السدي والحسين وغيرهما. قال السدي: ملك PageV06P123 # كل واحد منهم نفسه وأهله وماله. وقال قتادة: إنما قال: " وجعلكم ملوكا " ~~لأنا كنا نتحدث أنهم أول من خدم من بني آدم. قال ابن عطية: وهذا ضعيف، لان ~~القبط قد كانوا يستخدمون بني إسرائيل، وظاهر أمر بني آدم أن بعضهم كان يسخر ~~بعضا مذ تناسلوا وكثروا، وإنما اختلفت الأمم في معنى التمليك فقط. وقيل: ~~جعلكم ذوي منازل لا يدخل عليكم إلا بإذن، روي معناه عن جماعة من أهل العلم. ~~قال ابن عباس: إن الرجل إذا لم يدخل أحد بيته إلا بإذنه فهو ملك. وعن الحسن ~~أيضا وزيد بن أسلم أن من كانت له دار وزوجة وخادم فهو ملك، وهو قول عبد ~~الله بن عمرو كما في صحيح مسلم عن أبي عبد الرحمن الحبلي قال: سمعت عبد ~~الله بن عمرو بن العاص وسأله رجل فقال: ألسنا من فقراء المهاجرين؟ # فقال له عبد الله: ألك امرأة تأوي إليها؟ قال: نعم. قال: ألك منزل تسكنه؟ ~~قال: نعم. # قال: فأنت من الأغنياء. قال: فإن لي خادما. قال: فأنت من الملوك. قال ابن ~~العربي: # وفائدة هذا أن الرجل إذا وجبت عليه كفارة وملك دارا وخادما باعهما في ~~الكفارة ولم يجز له الصيام، لأنه قادر على الرقبة والملوك لا يكفرون ~~بالصيام، ولا يوصفون بالعجز عن الاعتاق. وقال ابن عباس ومجاهد: جعلهم ملوكا ~~بالمن والسلوى والحجر (1) والغمام، أي هم مخدومون كالملوك. وعن ابن عباس ~~أيضا يعني الخادم والمنزل، وقاله مجاهد وعكرمة والحكم بن عيينة، وزادوا ~~الزوجة، وكذا قال زيد بن أسلم إلا أنه قال فيما يعلم - عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم: (من كان له بيت - أو قال منزل - يأوي إليه وزوجة وخادم يخدمه ~~فهو ملك، ذكره النحاس. ويقال: من استغنى عن غيره فهو ملك، وهذا كما قال صلى ~~الله عليه وسلم: (من أصبح آمنا في سربه معافى في بدنه وله قوت يومه فكأنما ~~جيزت له الدنيا بحذافيرها). # قوله تعالى: ms2108 (وآتاكم) أي أعطاكم (ما لم يؤت أحدا من العالمين). والخطاب ~~من موسى لقومه في قول جمهور المفسرين، وهو وجه الكلام. مجاهد: والمراد ~~بالايتاء المن # PageV06P124 # والسلوى والحجر والغمام. وقيل: كثرة الأنبياء فيهم، والآيات التي جاءتهم. ~~وقيل: قلوبا سليمة من الغل والغش. وقيل: إحلال الغنائم والانتفاع بها. # قلت: وهذا القول مردود، فإن الغنائم لم تحل لاحد إلا لهذه الأمة على ما ~~ثبت في الصحيح، وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. وهذه المقالة من موسى ~~توطئة لنفوسهم حتى تعزز وتأخذ الامر بدخول أرض الجبارين بقوة، وتنفذ في ذلك ~~نفوذ من أعزه الله ورفع من شأنه. ومعنى " من العالمين " أي عالمي زمانكم، ~~عن الحسن. وقال ابن جبير وأبو مالك: # الخطاب لامة محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا عدول عن ظاهر الكلام بما لا ~~يحسن مثله. # وتظاهرت الاخبار أن دمشق قاعدة الجبارين. و " المقدسة " معناه المطهرة. ~~مجاهد: # المباركة، والبركة التطهير من القحوط والجوع ونحوه. قتادة: هي الشام. ~~مجاهد: الطور وما حوله. ابن عباس والسدي وابن زيد: هي أريحاء. قال الزجاج: ~~دمشق وفلسطين وبعض: الأردن. وقول قتادة يجمع هذا كله. (التي كتب الله لكم) ~~أي فرض دخولها عليكم ووعدكم دخولها وسكناها لكم. ولما خرجت بنو إسرائيل من ~~مصر أمرهم بجهاد أهل أريحاء من بلاد فلسطين فقالوا: لا علم لنا بتلك ~~الديار، فبعث بأمر الله اثنى عشر نقيبا، من كل سبط رجل يتجسسون الاخبار على ~~ما تقدم، فرأوا سكانها الجبارين من العمالقة، وهم ذوو أجسام هائلة، حتى ~~قيل: إن بعضهم رأى هؤلاء النقباء فأخذهم في كمه مع فاكهة كان قد حملها من ~~بستانه وجاء بهم إلى الملك فنثرهم بين يده وقال: إن هؤلاء يريدون قتالنا، ~~فقال لهم الملك: ارجعوا إلى صاحبكم فأخبروه خبرنا، على ما تقدم. وقيل: إنهم ~~لما رجعوا أخذوا من عنب تلك الأرض عنقودا فقيل: حمله رجل واحد، وقيل: حمله ~~النقباء الاثنا عشر. # قلت: وهذا أشبه، فإنه يقال: إنهم لما وصلوا إلى الجبارين وجدوهم يدخل في ~~كم أحدهم رجلان منهم، ولا يحمل عنقود أحدهم إلا ms2109 خمسة منهم في خشية، ويدخل ~~في شطر الرمانة إذا نزع حبه خمسة أنفس أو أربعة (1). # PageV06P125 # قلت: ولا تعارض بين هذا والأول، فإن ذلك الجبار الذي أخذهم في كمه - ~~ويقال: # في حجره - هو عوج (1) بن عناق وكان أطولهم قامة وأعظمهم خلقا، على ما ~~يأتي من ذكره إن شاء الله تعالى. وكان طول سائرهم ستة أذرع ونصف في قول ~~مقاتل. وقال الكلبي: # كان طول كل رجل منهم ثمانين ذراعا، والله أعلم. فلما أذاعوا الخبر ما عدا ~~يوشع وكالب ابن يوقنا، وامتنعت بنو إسرائيل من الجهاد عوقبوا بالتيه أربعين ~~سنة إلى أن مات أولئك العصاة ونشأ أولادهم، فقاتلوا الجبارين وغلبوهم. # قوله تعالى: (ولا ترتدوا على أدباركم) أي لا ترجعوا عن طاعتي وما أمرتكم ~~به من قتال الجبارين. وقيل: لا ترجعوا عن طاعة الله إلى معصيته، والمعنى ~~واحد. # قوله تعالى: (قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين) أي عظام الأجسام طوال، ~~وقد تقدم، يقال: نخلة جبارة أي طويلة. والجبار المتعظم الممتنع من الذل ~~والفقر. وقال الزجاج: # الجبار من الآدميين العاتي، وهو الذي يجبر الناس على ما يريد، فأصله على ~~هذا من الاجبار وهو الاكراه، فإنه يجبر غيره على ما يريده، وأجبره أي ~~أكرهه. وقيل: هو مأخوذ من جبر العظم، فأصل الجبار على هذا المصلح أمر نفسه، ~~ثم استعمل في كل من جر لنفسه نفعا بحق أو باطل. وقيل: إن جبر العظم راجع ~~إلى معنى الاكراه. قال الفراء: لم أسمع فعالا من أفعل إلا في حرفين، جبار ~~من أجبر ودراك من أدرك. ثم قيل: كان هؤلاء من بقايا عاد. # وقيل: هم من ولد عيصو بن إسحاق، وكانوا من الروم، وكان معهم عوج الأعنق، ~~وكان طوله ثلاثة آلاف (2) ذراع وثلاثمائة وثلاثة وثلاثين ذراعا، قاله ابن ~~عمر، وكان يحتجن السحاب أي يجذبه بمحجنه ويشرب منه، ويتناول الحوت من قاع ~~البحر فيشويه بعين الشمس يرفعه إليها ثم يأكله. وحضر طوفان نوح عليه السلام ~~ولم يجاوز ركبتيه وكان عمره ثلاثة آلاف # PageV06P126 # وستمائة سنة، وأنه قلع صخرة على قدر عسكر ms2110 موسى ليرضخهم بها، فبعث الله ~~طائرا فنقرها ووقعت في عنقه فصرعته. وأقبل موسى عليه السلام وطوله عشرة ~~أذرع، وعصاه عشرة أذرع وترقى في السماء عشرة أذرع فما أصاب إلا كعبه وهو ~~مصروع فقتله. وقيل: بل ضربه في العرق الذي تحت كعبه فصرعه فمات ووقع على ~~نيل مصر فجسرهم (1) سنة. ذكر هذا المعنى باختلاف ألفاظ محمد بن إسحاق ~~والطبري ومكي وغيرهم. وقال الكلبي: عوج من ولد هاروت وماروت حيث وقعا ~~بالمرأة فحملت. والله أعلم. # قوله تعالى (وإنا لن ندخلها) يعني البلدة إيلياء، ويقال: أريحاء (حتى ~~يخرجوا منها) أي حتى يسلموها لنا من غير قتال. وقيل: قالوا ذلك خوفا من ~~الجبارين ولم يقصدوا العصيان، فإنهم قالوا: " فإن يخرجوا منها فإنا داخلون ~~" قوله تعالى: (قال رجلان من الذين يخافون) قال ابن عباس وغيره: هما يوشع ~~وكالب ابن يوقنا ويقال ابن قانيا، وكانا من الاثني عشر نقيبا. و " يخافون " ~~أي من الجبارين. # قتادة: يخافون الله تعالى. وقال الضحاك: هما رجلان كانا في مدينة ~~الجبارين على دين موسى، فمعنى " يخافون " على هذا أي من العمالقة من حيث ~~الطبع لئلا يطلعوا على إيمانهم فيفتنوهم ولكن وثقا بالله. وقيل: يخافون ضعف ~~بني إسرائيل وجبنهم. وقرأ مجاهد وابن جبير " يخافون " بضم الياء، وهذا يقوي ~~أنهما من غير قوم موسى. (أنعم الله عليهما) أي بالاسلام أو باليقين ~~والصلاح. (ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون) قالا لبني ~~إسرائيل لا يهولنكم عظم أجسامهم فقلوبهم ملئت رعبا منكم، فأجسامهم عظيمة ~~وقلوبهم ضعيفة، وكانوا قد علموا أنهم إذا دخلوا من ذلك الباب كان لهم ~~الغلب. ويحتمل أن يكونا قالا ذلك ثقة بوعد الله. ثم قالا: (وعلى الله ~~فتوكلوا إن كنتم مؤمنين) مصدقين به، فإنه ينصركم. # ثم قيل على القول الأول: لما قالا هذا أراد بنو إسرائيل رجمهما بالحجارة، ~~وقالوا: نصدقكما وندع قول عشرة! ثم قالوا لموسى: (إنا لن ندخلها أبدا ما ~~داموا فيها) وهذا عناد وحيد عن # PageV06P127 # القتال، وإياس من النصر. ثم جهلوا صفة الرب تبارك وتعالى فقالوا " فاذهب ~~أنت وربك) وصفوه ms2111 بالذهاب والانتقال، والله متعال عن ذلك. وهذا يدل على أنهم ~~كانوا مشبهة، وهو معنى قول الحسن، لأنه قال: هو كفر منهم بالله، وهو الأظهر ~~في معنى الكلام. # وقيل: أي إن نصرة ربك [لك] (1) أحق من نصرتنا، وقتاله معك - إن كنت رسوله ~~- أولى من قتالنا، فعلى هذا يكون ذلك منهم كفر، لأنهم شكوا في رسالته. وقيل ~~المعنى: أذهب أنت فقاتل وليعنك ربك. وقيل: أرادوا بالرب هارون، وكان أكبر ~~من موسى وكان موسى يطيعه. # وبالجملة فقد فسقوا بقولهم، لقوله تعالى: " فلا تأس على القوم الفاسقين " ~~أي لا تحزن عليهم. (إنا ههنا قاعدون) أي لا نبرح ولا نقاتل. ويجوز " قاعدين ~~" على الحال، لان الكلام قد تم قبله. # قوله تعالى: (قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي) لأنه كان يطيعه. وقيل ~~المعنى: # إني لا أملك إلا نفسي، ثم ابتدأ فقال: " وأخي ". أي وأخي أيضا لا يملك ~~إلا نفسه، فأخي على القول الأول في موضع نصب عطفا على نفسي، وعلى الثاني في ~~موضع رفع، وإن شئت عطفت على اسم إن وهي الياء، أي إني وأخي لا نملك إلا ~~أنفسنا. وإن شئت عطفت على المضمر في أملك كأنه قال: لا أملك أنا وأخي إلا ~~أنفسنا. (فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين) يقال: بأي وجه سأله الفرق بينه ~~وبين هؤلاء القوم؟ ففيه أجوبة، الأول - بما يدل على بعدهم عن الحق، وذهابهم ~~عن الصواب فيما ارتكبوا من العصيان، ولذلك ألقوا في التيه. الثاني - بطلب ~~التمييز أي ميزنا عن جماعتهم وجملتهم ولا تلحقنا بهم في العقاب، وقيل ~~المعنى: فاقض بيننا وبينهم بعصمتك إيانا من العصيان الذي ابتليتهم به، ومنه ~~قول تعالى: " فيها يفرق كل أمر حكيم " (2) [الدخان: 4] أي يقضي. وقد فعل ~~لما أماتهم في التيه. # وقيل: إنما أراد في الآخرة، أي اجعلنا في الجنة ولا تجعلنا معهم في ~~النار، والشاهد على الفرق الذي يدل على المباعدة في الأحوال قول الشاعر: # يا رب فافرق بينه وبيني * أشد ما فرقت بين اثنين # PageV06P128 # وروى ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عبيد ms2112 بن عمير أنه قرأ: " فافرق " ~~بكسر الراء. # قوله تعالى: " قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض " ~~استجاب الله دعاءه وعاقبهم في التيه أربعين سنة. وأصل التيه في اللغة ~~الحيرة، يقال منه: تاه يتيه تيها وتوها إذا تحير. وتيهته وتوهته بالياء ~~والواو، والياء أكثر. والأرض التيهاء التي لا يهتدى فيها، وأرض تيه وتيهاء ~~ومنها قال: (1) * تيه أتاويه على السقاط * وقال آخر: # بتيهاء قفر والمطي كأنها * قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها فكانوا يسيرون ~~في فراسخ قليلة - قيل: في قدر ستة فراسخ - يومهم وليلتهم فيصبحون حيث أمسوا ~~ويمسون حيث أصبحوا، فكانوا سيارة لا قرار لهم. واختلف هل كان معهم موسى ~~وهرون؟ فقيل: لا، لان التيه عقوبة، وكانت سنو (2) التيه بعدد أيام العجل، ~~فقوبلوا على كل يوم سنة، وقد قال: " فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين ". ~~وقيل: كانا معهم لكن سهل الله الامر عليهما كما جعل النار بردا وسلاما على ~~إبراهيم. ومعنى " محرمة " أي أنهم ممنوعون من دخولها، كما يقال: حرم الله ~~وجهك على النار، وحرمت عليك دخول الدار، فهو تحريم منع لا تحريم شرع، عن ~~أكثر أهل التفسير، كما قال الشاعر: # جالت لتصرعني فقلت لها اقصري * إني امرؤ صرعي عليك حرام أي أنا فارس فلا ~~يمكنك صرعى. وقال أبو علي: يجوز أن يكون تحريم تعبد. ويقال: # كيف يجوز على جماعة كثيرة (3) من العقلاء أن يسيروا في فراسخ يسيرة فلا ~~يهتدوا للخروج منها؟ # فالجواب - قال أبو علي: قد يكون ذلك بأن يحول الله الأرض التي هم عليها ~~إذا ناموا فيردهم # PageV06P129 # إلى المكان الذي ابتدأوا منه. وقد يكون بغير ذلك من الاشتباه والأسباب ~~المانعة من الخروج عنها على طريق المعجزة الخارجة عن العادة. " أربعين " ~~ظرف زمان للتيه، في قول الحسن وقتادة، قالا: ولم يدخلها أحد منهم، فالوقف ~~على هذا على " عليهم ". وقال الربيع ابن أنس وغيره: إن " أربعين سنة " ظرف ~~للتحريم، فالوقف على هذا على " أربعين سنة "، فعلى الأول إنما دخلها ~~أولادهم، قاله ابن عباس. ولم يبق منهم إلا يوشع وكالب، فخرج منهم ms2113 يوشع ~~بذرياتهم إلى تلك المدينة وفتحوها. وعلى الثاني - فمن بقي منهم بعد أربعين ~~سنة دخلوها. وروي عن ابن عباس أن موسى وهرون ماتا في التيه. قال غيره: ونبأ ~~الله يوشع وأمره بقتال الجبارين، وفيها حبست عليه الشمس حتى دخل المدينة، ~~وفيها أحرق الذي وجد الغلول عنده، وكانت تنزل من السماء إذا غنموا نار ~~بيضاء فتأكل الغنائم، وكان ذلك دليلا على قبولها، فإن كان فيها غلول لم ~~تأكله، وجاءت السباع والوحوش فأكلته، فنزلت النار فلم تأكل ما غنموا فقال: ~~إن فيكم الغلول فلتبايعني كل قبيلة فبايعته، فلصقت يد رجل منهم بيده فقال: ~~فيكم الغلول فليبايعني كل رجل منكم فبايعوه رجلا رجلا حتى لصقت يد رجل منهم ~~بيده فقال: عند الغلول فأخرج مثل رأس البقرة من ذهب (1)، فنزلت النار فأكلت ~~الغنائم. وكانت نارا بيضاء مثل الفضة لها حفيف أي صوت مثل صوت الشجر وجناح ~~الطائر فيما يذكرون، فذكروا أنه أحرق الغال ومتاعه بغور يقال له الآن غور ~~عاجز، عرف باسم الغال، وكان اسمه عاجزا. # قلت: ويستفاد من هذا عقوبة الغال قبلنا، وقد تقدم حكمه (2) في ملتنا. ~~وبيان ما انبهم من اسم النبي والغال في الحديث الصحيح عن أبي هريرة عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: (غزا نبي من الأنبياء) الحديث أخرجه مسلم ~~وفيه قال: (فغزا فأدنى للقرية (3) حين صلاة العصر أو قريبا من ذلك فقال ~~للشمس أنت مأمورة وأنا مأمور اللهم أحبسها (4) على شيئا # PageV06P130 # فحبست عليه حتى فتح الله عليه - قال: فجمعوا ما غنموا فأقبلت النار ~~لتأكله فأبت أن تطعمه فقال: فيكم غلول فليبايعني من كل قبيلة رجل فبايعوه - ~~قال - فلصقت [يده] بيد رجلين أو ثلاثة فقال فيكم الغلول) وذكر نحو ما تقدم. ~~قال علماؤنا: والحكمة في حبس الشمس على يوشع عند قتاله أهل أريحاء وإشرافه ~~على فتحها عشي يوم الجمعة، وإشفاقه من أن تغرب الشمس قبل الفتح أنه لو لم ~~تحبس عليه حرم عليه القتال لأجل السبت، ويعلم به عدوهم فيعمل فيهم السيف ~~ويجتاحهم، فكان ذلك آية له خص ms2114 بها بعد أن كانت نبوته ثابتة بخبر موسى عليه ~~الصلاة والسلام، على ما يقال. والله أعلم. وفي هذا الحديث يقول عليه ~~السلام: (فلم تحل الغنائم لاحد من قبلنا) ذلك بأن الله عز وجل رأى ضعفنا ~~وعجزنا فطيبها لنا. وهذا يرد قول من قال في تأويل قوله تعالى: " وآتاكم ما ~~لم يؤت أحدا من العالمين " إنه تحليل الغنائم والانتفاع بها. وممن قال إن ~~موسى عليه [الصلاة] (1) والسلام مات بالتيه عمرو بن ميمون الأودي، وزاد: ~~وهرون، وكانا خرجا في التيه إلى بعض الكهوف فمات هارون فدفنه موسى وانصرف ~~إلى بني إسرائيل، فقالوا: ما فعل هارون؟ فقال: مات، قالوا: كذبت ولكنك ~~قتلته لحبنا له، وكان محبا في بني إسرائيل، فأوحى الله تعالى إليه أن انطلق ~~بهم إلى قبره فإني باعثه حتى يخبرهم أنه مات موتا ولم تقتله، فانطلق بهم ~~إلى قبره فنادي يا هارون فخرج من قبره ينفض رأسه فقال: أنا قاتلك؟ قال: لا، ~~ولكني مت، قال: فعد إلى مضجعك، وانصرف. وقال الحسن: إن موسى لم يمت بالتيه. ~~وقال غيره: إن موسى فتح أريحاء، وكان يوشع على مقدمته فقاتل الجبابرة الذين ~~كانوا بها، ثم دخلها موسى ببني إسرائيل فأقام فيها ما شاء الله أن يقيم، ثم ~~قبضه الله تعالى إليه لا يعلم بقبره أحد من الخلائق. قال الثعلبي: وهو أصح ~~الأقاويل. # قلت: قد روى مسلم عن أبي هريرة قال: أرسل ملك الموت إلى موسى عليه ~~[الصلاة و] (1) السلام فلما جاءه صكه ففقأ عينه فرجع إلى ربه فقال: " ~~أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت " قال: فرد الله إليه عينه وقال: " ارجع ~~إليه فقل له يضع يده على متن ثور فله بما غطت يده بكل شعرة سنة " قال: " أي ~~رب ثم مه "، قال: " ثم الموت " قال: " فالآن "، فسأل الله أن # PageV06P131 # يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~(فلو كنت ثم لأريتكم قبره إلى جانب الطريق تحت الكثيب الأحمر) فهذا نبينا ~~صلى الله عليه وسلم قد علم قبره ووصف موضعه، ms2115 ورآه فيه قائما يصلي كما في ~~حديث الاسراء، إلا أنه يحتمل أن يكون أخفاه الله عن الخلق سواه ولم يجعله ~~مشهورا عندهم، ولعل ذلك لئلا يعبد، والله أعلم. ويعني بالطريق طريق بيت ~~المقدس. ووقع في بعض الروايات إلى جانب الطور مكان الطريق. واختلف العلماء ~~في تأويل لطم موسى عين ملك الموت وفقئها على أقوال، منها: أنها كانت عينا ~~متخيلة لا حقيقة، وهذا باطل، لأنه يؤدي إلى أن ما يراه الأنبياء من صور ~~الملائكة لا حقيقة له. # ومنها: أنها كانت عينا معنوية وإنما فقأها بالحجة، وهذا مجاز لا حقيقة. ~~ومنها: أنه عليه السلام لم يعرف ملك الموت، وأنه رأى رجلا دخل منزله بغير ~~إذنه يريد نفسه فدافع عن نفسه فلطم عينه ففقأها، وتجب المدافعة في هذا بكل ~~ممكن. وهذا وجه حسن، لأنه حقيقة في العين والصك، قاله الإمام أبو بكر بن ~~خزيمة، غير أنه اعترض عليه بما في الحديث، وهو أن ملك الموت لما رجع إلى ~~الله تعالى قال: " يا رب أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت " فلو لم يعرفه ~~موسى لما صدق القول من ملك الموت، وأيضا قوله في الرواية الأخرى: " أجب ربك ~~" يدل على تعريفه بنفسه. والله أعلم. ومنها: أن موسى عليه الصلاة والسلام ~~كان سريع الغضب، إذ غضب طلع الدخان من قلنسوته (1) ورفع شعر بدنه جبته، ~~وسرعة غضبه كانت سببا لصكه ملك الموت. قال ابن العربي: وهذا كما ترى، فإن ~~الأنبياء معصومون أن يقع منهم ابتداء مثل هذا في الرضا والغضب. ومنها وهو ~~الصحيح من هذه الأقوال: أن موسى عليه [الصلاة و] (2) السلام عرف ملك الموت، ~~وأنه جاء ليقبض روحه لكنه جاء مجئ الجازم بأنه قد أمر بقبض روحه من غير ~~تخيير، وعند موسى ما قد نص عليه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من (أن الله ~~لا يقبض روح نبي حتى يخبره) فلما جاءه على غير الوجه الذي أعلم بادر ~~بشهامته وقوة نفسه إلى أدبه، فلطمه ففقأ عينه امتحانا لملك الموت، إذ لم ~~يصرح له بالتخيير. ومما ms2116 يدل على صحة هذا، أنه لما رجع إليه ملك الموت فخيره ~~بين الحياة والموت اختار الموت # PageV06P132 # واستسلم. والله بغيبه أحكم وأعلم. هذا أصح ما قيل في وفاة موسى عليه ~~السلام. وقد ذكر المفسرون في ذلك قصصا وأخبارا الله أعلم بصحتها، وفي ~~الصحيح غنية عنها. وكان عمر موسى مائة وعشرين سنة، فيروى أن يوشع رآه بعد ~~موته في المنام فقال له: كيف وجدت الموت؟ # فقال: " كشاة تسلخ وهي حية ". وهذا صحيح معنى، قال: صلى الله عليه وسلم ~~في الحديث الصحيح: (إن للموت سكرات) على ما بيناه في كتاب " التذكرة ". ~~وقوله: " فلا تأس على القوم الفاسقين " أي لا تحزن. والأسى الحزن، أسى يأسى ~~أسى أي حزن، قال: (1) * يقولون لا تهلك أسى وتحمل * قوله تعالى: واتل عليهم ~~نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال ~~لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين (27) فيه مسألتان: # الأولى - قوله تعالى: (واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق) الآية. وجه اتصال ~~هذه الآية بما قبلها التنبيه من الله تعالى على أن ظلم اليهود، ونقضهم ~~المواثيق والعهود كظلم ابن آدم لأخيه. المعنى: إن هم هؤلاء اليهود بالفتك ~~بك يا محمد فقد قتلوا قبلك الأنبياء، وقتل قابيل هابيل، والشر قديم. أي ~~ذكرهم هذه القصة فهي قصة صدق، لا كالأحاديث الموضوعة، وفي ذلك تبكيت لمن ~~خالف الاسلام، وتسلية للنبي صلى الله عليه وسلم. واختلف في ابني آدم، فقال ~~الحسن البصري: ليسا لصلبه، كانا رجلين من بني إسرائيل - ضرب الله بهما ~~المثل في إبانة حسد اليهود - وكان بينهما خصومة، فتقربا بقربانين ولم تكن ~~القرابين إلا في بني إسرائيل. # قال ابن عطية: وهذا وهم، وكيف يجهل صورة الدفن أحد من بني إسرائيل حتى ~~يقتدي بالغراب؟ والصحيح أنهما ابناه لصلبه، هذا قول الجمهور من المفسرين ~~وقاله ابن عباس وابن عمر وغيرهما، وهما قابيل وهابيل، وكان قربان قابيل ~~حزمة من سنبل - لأنه كان # PageV06P133 # صاحب زرع - واختارها من أردأ زرعه، ثم إنه وجد فيها سنبلة طيبة ففركها ~~وأكلها. # وكان ms2117 قربان هابيل كبشا - لأنه كان صاحب غنم - أخذه من أجود غنمه. " فتقبل ~~" فرفع إلى الجنة، فلم يزل يرعى فيها إلى أن فدي به الذبيح عليه السلام، ~~قاله سعيد بن جبير وغيره. فلما تقبل قربان هابيل لأنه كان مؤمنا - قال له ~~قابيل حسدا: أنه كان كافرا - أتمشي على الأرض يراك الناس أفضل مني! " ~~لأقتلنك " وقيل: سبب هذا القربان أن حواء عليها السلام كانت تلد في كل بطن ~~ذكرا وأنثى - إلا شيثا عليه السلام فإنها ولدته منفردا عوضا من هابيل على ~~ما يأتي، واسمه هبة الله، لان جبريل عليه السلام قال لحواء لما ولدته: هذا ~~هبة الله لك بدل هابيل. وكان آدم يوم ولد شيث ابن ثلاثين (1) ومائة سنة - ~~وكان يزوج الذكر من هذا البطن الأنثى من البطن الآخر، ولا تحل له أخته ~~توءمته، فولدت مع قابيل أختا جميلة واسمها إقليمياء، ومع هابيل أختا ليست ~~كذلك واسمها ليوذا، فلما أراد آدم تزويجهما قال قابيل: أنا أحق بأختي، ~~فأمره آدم فلم يأتمر، وزجره فلم ينزجر، فاتفقوا على التقريب، قال جماعة من ~~المفسرين منهم ابن مسعود. وروي أن آدم حضر ذلك. # والله أعلم. وقد روي في هذا الباب عن جعفر الصادق: إن آدم لم يكن يزوج ~~ابنته من ابنه، ولو فعل ذلك آدم لما رغب عنه النبي صلى الله عليه وسلم، ولا ~~كان دين آدم إلا يكن النبي صلى الله عليه وسلم، وأن الله تعالى لما أهبط ~~آدم وحواء إلى الأرض وجمع بينهما ولدت حواء بنتا فسماها عناقا فبغت، وهي ~~أول من بغى على وجه الأرض، فسلط الله عليها من قتلها، ثم ولدت لآدم قابيل، ~~ثم ولدت له هابيل، فلما أدرك قابيل أظهر الله له جنية من ولد الجن، يقال ~~لها: جمالة في صورة إنسية، وأوحى الله إلى آدم أن زوجها من قابيل فزوجها ~~منه. فلما أدرك هابيل أهبط الله إلى آدم حورية (2) في صفة إنسية وخلق لها ~~رحما، وكان اسمها بزلة، فلما نظر إليها هابيل أحبها، فأوحى الله إلى آدم أن ~~زوج بزلة ms2118 من هابيل ففعل. فقال قابيل: يا أبت ألست أكبر من أخي؟ قال: نعم. ~~قال: فكنت أحق بما فعلت به منه! # فقال له آدم: يا بني إن الله قد أمرني بذلك، وإن الفضل بيد الله يؤتيه من ~~يشاء، فقال: # لا والله، ولكنك آثرته علي. فقال آدم: " فقربا قربانا فأيكما يقبل قربانه ~~فهو أحق بالفضل ". # PageV06P134 # قلت: هذه القضية عن جعفر ما أظنها تصح، وأن القول ما ذكرناه من أنه كان ~~يزوج غلام هذا البطن لجارية تلك البطن. والدليل على هذا من الكتاب قوله ~~تعالى: " يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها ~~زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء " (1) [النساء: 1]. # وهذا كالنص ثم نسخ ذلك، حسبما تقدم بيانه في سورة " البقرة " (2). وكان ~~جميع ما ولدته حواء أربعين من ذكر وأنثى في عشرين بطنا، أولهم قابيل ~~وتوءمته إقليمياء، وآخرهم عبد المغيث. # ثم بارك الله في نسل آدم. قال ابن عباس: لم يمت آدم حتى بلغ ولده وولد ~~ولده أربعين ألفا. # وما روي عن جعفر - من قوله: فولدت بنتا وأنها بغت - فيقال: مع من بغت؟ ~~أمع جني تسول (3) لها! ومثل هذا يحتاج إلى نقل صحيح يقطع العذر، وذلك ~~معدوم. والله أعلم. # الثانية: وفي قول هابيل " قال إنما يتقبل الله من المتقين " كلام قبله ~~محذوف، لأنه لما قال له قابيل: " لأقتلنك " قال له: ولم تقتلني وأنا لم أجن ~~شيئا؟، ولا ذنب لي في قبول الله قرباني، أما إني اتقيته وكنت على لأحب (4) ~~الحق وإنما يتقبل الله من المتقين. قال ابن عطية: المراد بالتقوى هنا اتقاء ~~الشرك بإجماع أهل السنة، فمن اتقاه وهو موحد فأعماله التي تصدق فيها نيته ~~مقبولة، وأما المتقي الشرك والمعاصي فله الدرجة [العليا] (5) من القبول ~~والختم بالرحمة، علم ذلك بإخبار الله تعالى لا أن ذلك يجب على الله تعالى ~~عقلا. وقال عدي (6) بن ثابت وغيره: قربان متقي هذه الأمة الصلاة. # قلت: وهذا خاص في نوع من العبادات. وقد روى البخاري عن أبي هريرة قال قال ~~رسول الله صلى الله ms2119 عليه وسلم: (إن الله تبارك وتعالى قال من عادى لي وليا ~~فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلي عبدي بشئ أحب إلي مما افترضت عليه وما يزال ~~عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره ~~الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه ~~ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت عن شئ أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره ~~الموت وأنا أكره مساءته). # PageV06P135 # قوله تعالى: لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني ~~أخاف الله رب العالمين (28) إني أريد أن تبوأ بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب ~~النار وذلك جزاء الظالمين (29) فيه مسئلتان: # الأولى - قوله تعالى: (لئن بسطت إلي يدك) الآية. أي لئن قصدت قتلي فأنا ~~لا أقصد قتلك، فهذا استسلام منه. وفي الخبر: (إذا كانت الفتنة فكن كخير ~~ابني آدم). # وروى أبو داود عن سعد بن أبي وقاص قال قلت يا رسول: إن دخل علي بيتي وبسط ~~يده [إلي] (1) ليقتلني؟ قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كن كخير ~~ابني آدم) وتلا هذه الآية " لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ". قال مجاهد: كان ~~الفرض عليهم حينئذ ألا يستل أحد سيفا، وألا يمتنع ممن يريد قتله. قال ~~علماؤنا: وذلك مما يجوز ورود التعبد به، إلا أن في شرعنا يجوز دفعه إجماعا. ~~وفي وجوب ذلك عليه خلاف، والأصح وجوب ذلك، لما فيه من النهي عن المنكر. وفي ~~الحشوية قوم لا يجوزون للمصول عليه الدفع، واحتجوا بحديث أبي ذر (2)، وحمله ~~العلماء على ترك القتال في الفتنة، وكف اليد عند الشبهة، على ما بيناه في ~~كتاب " التذكرة ". وقال عبد الله بن عمرو وجمهور الناس: كان هابيل أشد قوة ~~من قابيل ولكنه تحرج. قال ابن عطية: وهذا هو الأظهر، ومن ها هنا يقوى أن ~~قابيل إنما هو عاص لا كافر، لأنه لو كان كافرا لم يكن للتحرج هنا وجه، ~~وإنما وجه التحرج في هذا أن المتحرج يأبى أن يقاتل موحدا، ويرضى بأن ms2120 يظلم ~~ليجازي في الآخرة، ونحو هذا فعل عثمان رضي الله عنه. وقيل: المعنى لا أقصد ~~قتلك بل أقصد الدفع عن نفسي، وعلى هذا قيل: كان نائما فجاء قابيل ورضخ رأسه ~~بحجر على ما يأتي ومدافعة الانسان عمن يريد ظلمه جائزة وإن أتى على نفس ~~العادي. وقيل: لئن بدأت بقتلي فلا أبدأ بالقتل. وقيل: أراد لئن بسطت إلى ~~يدك ظلما فما أنا بظالم، إني أخاف الله رب العالمين. # PageV06P136 # الثانية قوله تعالى: (إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك) قيل: معناه معنى قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول ~~في النار) قيل: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: (إنه كان ~~حريصا على قتل صاحبه) وكأن هابيل أراد أني لست بحريص على قتلك، فالاثم الذي ~~كان يلحقني لو كنت حريصا على قتلك أريد أن تحمله أنت مع إثمك في قتلي. ~~وقيل: المعنى " بإثمي " الذي يختص بي فيما فرطت (1)، أي يؤخذ من سيئاتي ~~فتطرح عليك بسبب ظلمك لي، وتبوء بإثمك في قتلك، وهذا يعضده قوله عليه ~~الصلاة والسلام: (يؤتى يوم القيامة بالظالم والمظلوم فيؤخذ من حسنات الظالم ~~فتزاد في حسنات المظلوم حتى ينتصف فإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات ~~المظلوم فتطرح عليه). أخرجه مسلم بمعناه، وقد تقدم، ويعضده قوله تعالى: ~~(وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم (2)). وهذا بين لا إشكال فيه. وقيل: ~~المعنى إني أريد ألا تبوء بإثمي وإثمك كما قال تعالى: " وألقى في الأرض ~~رواسي أن تميد بكم " (3) [النحل: 15] أي لئلا تميد بكم. وقول تعالى: " يبين ~~الله لكم أن تضلوا " (4) [النساء: 176] أي لئلا تضلوا فحذف " لا ". # قلت: وهذا ضعيف، لقوله عليه السلام: (لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن ~~آدم الأول كفل من دمها لأنه أول من سن القتل)، فثبت بهذا أن إثم القتل ~~حاصل، ولهذا قال أكثر العلماء: إن المعنى، ترجع بإثم قتلي وإثمك الذي عملته ~~قبل قتلي. قال الثعلبي: # هذا قول عامة أكثر المفسرين. وقيل: هو استفهام، أي أو إني أريد؟ على ms2121 جهة ~~الانكار، كقوله تعالى: " وتلك نعمة " (5) أي أو تلك نعمة؟ وهذا لان إرادة ~~القتل معصية. [حكاه القشيري] (6) وسئل أبو الحسن بن كيسان: كيف يريد المؤمن ~~أن يأثم أخوه وأن يدخل النار؟ # فقال: إنما وقعت الإرادة بعد ما بسط يده إليه بالقتل، والمعنى: لئن بسطت ~~إلي يدك لتقتلني لأمتنعن من ذلك مريدا للثواب، فقيل له: فكيف قال: بإثمي ~~وإثمك، وأي إثم له إذا قتل؟ فقال: فيه ثلاثة أجوبة، أحدها - أن تبوء بإثم ~~قتلي وإثم ذنبك الذي من # PageV06P137 # أجله لم يتقبل قربانك، ويروى هذا القول عن مجاهد. والوجه الآخر - أن تبوء ~~بإثم قتلي وإثم اعتدائك علي، لأنه قد يأثم بالاعتداء وإن لم يقتل. والوجه ~~الثالث - أنه لو بسط يده إليه أثم، فرأى أنه إذا أمسك عن ذلك فإثمه يرجع ~~على صاحبه. فصار هذا مثل قولك: # المال بينه وبين زيد، أي المال بينهما، فالمعنى أن تبوء بإثمنا. وأصل باء ~~رجع إلى المباءة، وهي المنزل. " وباءوا بغضب من الله " [البقرة: 61] أي ~~رجعوا. وقد مضى في " البقرة " (1) مستوفى. # وقال الشاعر: (2) ألا تنتهي عنا ملوك وتتقي * محارمنا لا يبؤ (3) الدم ~~بالدم أي لا يرجع الدم بالدم في القود. (فتكون من أصحاب النار) دليل على ~~أنهم كانوا في ذلك الوقت مكلفين قد لحقهم الوعد والوعيد. وقد استدل بقول ~~هابيل لأخيه قابيل: # " فتكون من أصحاب النار " على أنه كان كافرا، لان لفظ أصحاب النار إنما ~~ورد في الكفار حيث وقع في القرآن. وهذا مردود هنا بما ذكرناه عن أهل العلم ~~في تأويل الآية. ومعنى " من أصحاب النار " مدة كونك فيها. والله أعلم. # قوله تعالى: فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين (30) فيه ~~أربع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " فطوعت له نفسه ". أي سولت وسهلت نفسه عليه الامر ~~وشجعته وصورت له أن قتل أخيه طوع سهل [له] (4) يقال: طاع الشئ يطوع أي سهل ~~وانقاد. # وطوعه فلان له أي سهله. قال الهروي: طوعت وأطاعت (5) واحد، يقال: طاع له ~~كذا إذا أتاه طوعا. وقيل: طاوعته نفسه في قتل أخيه، فنزع ms2122 الخافض فانتصب. ~~وروي أنه # PageV06P138 # جهل كيف يقتله فجاء إبليس بطائر - أو حيوان غيره - فجعل يشدخ رأسه بين ~~حجرين ليقتدي به قابيل ففعل، قال ابن جريج ومجاهد وغيرهما. وقال ابن عباس ~~وابن مسعود: وجده نائما فشدخ رأسه بحجر وكان ذلك في ثور - جبل بمكة - قاله ~~ابن عباس. وقيل: عند عقبة حراء، حكاه محمد بن جرير الطبري. وقال جعفر ~~الصادق: بالبصرة في موضع المسجد الأعظم. # وكان لهابيل يوم قتله قابيل عشرون سنة. ويقال: إن قابيل كان يعرف القتل ~~بطبعه، لان الانسان وإن لم ير القتل فإنه يعلم بطبعه أن النفس فانية ويمكن ~~إتلافها، فأخذ حجرا فقتله بأرض الهند. والله أعلم. ولما قتله ندم فقعد يبكي ~~عند رأسه إذ أقبل غرابان فاقتتلا فقتل أحدهما الآخر ثم حفر له حفرة فدفنه، ~~ففعل القاتل بأخيه كذلك. والسوءة يراد بها العورة، وقيل: يراد بها جيفة ~~المقتول، ثم إنه هرب إلى أرض عدن من اليمن، فأتاه إبليس وقال: # إنما أكلت النار قربان أخيك لأنه كان يعبد النار، فانصب أنت أيضا نارا ~~تكون لك ولعقبك، فبنى بيت نار، فهو أول من عبد النار فيما قيل. والله أعلم. ~~وروي عن ابن عباس أنه لما قتله وآدم بمكة اشتاك الشجر، وتغيرت الأطعمة، ~~وحمضت الفواكه، وملحت المياه، واغبرت الأرض، فقال آدم عليه السلام: قد حدث ~~في الأرض حدث، فأتى الهند فإذا قابيل قد قتل هابيل. وقيل: إن قابيل هو الذي ~~انصرف إلى آدم، فلما وصل إليه قال له: أين هابيل؟ فقال: لا أدري كأنك ~~وكلتني بحفظه. فقال له آدم: أفعلتها؟! # والله إن دمه لينادي، اللهم العن أرضا شربت دم هابيل. فروي أنه من حينئذ ~~ما شربت أرض دما. ثم إن آدم بقي مائة سنة لم يضحك، حتى جاءه ملك فقال له: ~~حياك الله يا آدم وبياك. فقال: ما بياك؟ قال: أضحكك، قاله مجاهد (1) وسالم ~~بن أبي الجعد. ولما مضى من عمر آدم مائة وثلاثون سنة - وذلك بعد قتل هابيل ~~بخمس سنين ولدت له شيثا، وتفسيره هبة الله، أي خلفا من هابيل. ms2123 وقال مقاتل: ~~كان قبل قتل قابيل هابيل السباع والطيور تستأنس بآدم (2)، فلما قتل قابيل ~~هابيل هربوا (3)، فلحقت الطيور بالهواء، والوحوش بالبرية، و [لحقت] (4) ~~السباع بالغياض. وروي أن آدم لما تغيرت الحال قال: # PageV06P139 # تغيرت البلاد ومن عليها * فوجه الأرض مغبر قبيح تغير كل ذي طعم ولون * ~~وقل بشاشة الوجه المليح في أبيات كثيرة ذكرها الثعلبي وغيره. قال ابن عطية: ~~هكذا هو الشعر بنصب " بشاشة " وكف التنوين. قال القشيري وغيره قال ابن ~~عباس: ما قال آدم الشعر، وإن محمدا والأنبياء كلهم في النهي عن الشعر سواء، ~~لكن لما قتل هابيل رثاه آدم وهو سرياني، فهي مرثية بلسان السريانية أوصى ~~بها إلى ابنه شيث وقال: إنك وصيي فاحفظ مني هذا الكلام ليتوارث، فحفظت منه ~~إلى زمان يعرب بن قحطان، فترجم عنه يعرب بالعربية (1) وجعله شعرا (2). # الثانية - روي من حديث أنس قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن يوم ~~الثلاثاء فقال: (يوم الدم فيه حاضت حواء وفيه قتل ابن آدم أخاه). وثبت في ~~صحيح مسلم وغيره عن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا ~~تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه كان أول من سن ~~القتل). وهذا نص على التعليل، وبهذا الاعتبار يكون على إبليس كفل من معصية ~~كل من عصى بالسجود، لأنه أول من عصى به، وكذلك كل من أحدث في دين الله ما ~~لا يجوز من البدع والأهواء، قال صلى الله عليه وسلم: (من سن في الاسلام سنة ~~حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ومن سن في الاسلام سنة ~~سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة). وهذا نص في الخير ~~والشر. # وقال صلى الله عليه وسلم: (إن أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلون). ~~وهذا كله صريح، ونص صحيح في معنى الآية، وهذا ما لم يتب الفاعل من تلك ~~المعصية، لان أدم عليه السلام كان أول من خالف في أكل ما نهى ms2124 عنه، ولا يكون ~~عليه شئ من أوزار من عصى بأكل ما نهى عنه ولا شربه ممن بعده بالاجماع، لان ~~آدم تاب من ذلك وتاب الله عليه، # PageV06P140 # فصار كمن لم يجن. ووجه آخر: فإنه أكل ناسيا على الصحيح من الأقوال، كما ~~بيناه في " البقرة " (1) والناسي غير آثم ولا مؤاخذ. # الثالثة - تضمنت هذه الآية البيان عن حال الحاسد، حتى أنه قد يحمله حسده ~~على إهلاك نفسه بقتل أقرب الناس إليه قرابة، وأمسه به رحما، وأولاهم بالحنو ~~عليه ودفع الأذية عنه. # الرابعة - قوله تعالى: (فأصبح من الخاسرين) أي ممن خسر حسناته. وقال ~~مجاهد: علقت إحدى رجلي القاتل بساقها إلى فخذها من يومئذ إلى يوم القيامة، ~~ووجهه إلى الشمس حيثما دارت، عليه في الصيف حظيرة من نار، وعليه في الشتاء ~~حظيرة من ثلج. # قال ابن عطية: فإن صح هذا فهو من خسرانه الذي تضمنه قوله تعالى: " فأصبح ~~من الخاسرين " وإلا فالخسران يعم خسران الدنيا والآخرة. # قلت: ولعل هذا يكون عقوبته على القول بأنه عاص لا كافر، فيكون المعنى " ~~فأصبح من الخاسرين " أي في الدنيا. والله أعلم. # قوله تعالى: فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه يا ~~ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي فأصبح من النادمين ~~(31) فيه خمس مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (فبعث الله غرابا يبحث في الأرض) قال مجاهد: بعث ~~الله غرابين فاقتتلا حتى قتل أحدهما صاحبه ثم حفر فدفنه. وكان ابن ادم هذا ~~أول من قتل. # وقيل: إن الغراب بحث الأرض على طعمه (2) ليخفيه إلى وقت الحاجة إليه، ~~لأنه من عادة الغراب فعل ذلك، فتنبه قابيل ذلك على مواراة أخيه. وروي أن ~~قابيل لما قتل هابيل جعله في جراب، ومشى به يحمله في عنقه مائة سنة، قاله ~~مجاهد. وروى ابن القاسم عن مالك (3) # PageV06P141 # أنه حمله سنة واحدة، وقاله ابن عباس. وقيل: حتى أروح (1) ولا يدري ما ~~يصنع به إلى أن أقتدي بالغراب كما تقدم. وفي الخبر عن أنس قال: سمعت النبي ~~صلى الله عليه وسلم ms2125 يقول: # (أمتن الله على ابن آدم بثلاث بعد ثلاث بالريح بعد الروح فلولا أن الريح ~~يقع بعد الروح ما دفن حميم حميما وبالدود في الجثة فلولا أن الدود يقع في ~~الجثة لاكتنزتها الملوك وكانت خيرا لهم من الدراهم والدنانير وبالموت بعد ~~الكبر وإن الرجل ليكبر حتى يمل نفسه ويمله أهله وولده وأقرباؤه فكان الموت ~~أستر له). وقال قوم: كان قابيل يعلم الدفن، ولكن ترك أخاه بالعراء استخفافا ~~به، فبعث الله غرابا يبحث التراب على هابيل ليدفنه، فقال عند ذلك: # " يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي فأصبح من ~~النادمين " حيث رأى إكرام الله لهابيل بأن قيض له الغراب حتى واراه، ولم ~~يكن ذلك ندم توبة، وقيل: إنما ندمه كان على فقده لا على قتله، وإن كان فلم ~~يكن موفيا شروطه. أو ندم ولم يستمر ندمه، فقال ابن عباس: ولو كانت ندامته ~~على قتله لكانت الندامة توبة منه. # ويقال: إن آدم وحواء أتيا قبره وبكيا أياما عليه. ثم إن قابيل كان على ~~ذروة جبل فنطحه ثور فوقع إلى السفح وقد تفرقت عروقه. ويقال: دعا عليه آدم ~~فانخسفت به الأرض. ويقال: إن قابيل استوحش بعد قتل هابيل ولزم البرية، وكان ~~لا يقدر على ما يأكله إلا من الوحش، فكان إذا ظفر به وقذه (2) حتى يموت ثم ~~يأكله. قال ابن عباس: # فكانت الموقوذة حراما من لدن قابيل بن آدم، وهو أول من يساق من الآدميين ~~إلى النار، وذلك قوله تعالى: " ربنا أرنا اللذين أضلانا من الجن والإنس " ~~[فصلت: 29] [الآية] (3) فإبليس رأس الكافرين من الجن، وقابيل رأس الخطيئة ~~من الانس، على ما يأتي بيانه في " حم فصلت " (3) إن شاء الله تعالى. وقد ~~قيل: إن الندم في ذلك الوقت لم يكن توبة، والله بكل ذلك أعلم وأحكم. وظاهر ~~الآية أن هابيل هو أول ميت من بني آدم، ولذلك جهلت سنة المواراة، وكذلك حكى ~~الطبري عن [ابن] (4) إسحاق عن بعض أهل العلم بما في كتب الأوائل. و [قوله] ~~(5) # PageV06P142 # " يبحث " معناه يفتش التراب ms2126 بمنقاره ويثيره. ومن هذا سميت سورة " براءة " ~~البحوث (1)، لأنها فتشت عن المنافقين، ومن ذلك قول الشاعر: # إن الناس غطوني تغطيت عنهم * وإن بحثوني كان (2) فيهم مباحث وفي المثل: ~~لا تكن كالباحث على الشفرة، قال الشاعر: # فكانت كعنز السوء قامت برجلها * إلى مدية مدفونة تستثيرها الثانية - بعث ~~الله الغراب حكمة، ليرى ابن آدم كيفية المواراة، وهو معنى قوله تعالى: " ثم ~~أماته فأقبره " (3) [عبس: 21] فصار فعل الغراب في المواراة سنة باقية في ~~الخلق، فرضا على جميع الناس على الكفاية، من فعله منهم سقط فرضه عن ~~الباقين. وأخص الناس به الأقربون الذين يلونه، ثم الجيرة، ثم سائر ~~المسلمين. وأما الكفار فقد روى أبو داود عن علي قال: # قلت للنبي صلى الله عليه وسلم إن عمك الشيخ الضال قد مات، قال: (أذهب ~~فوار أباك التراب ثم لا تحدثن شيئا حتى تأتيني) فذهبت فواريته وجئته فأمرني ~~فاغتسلت ودعا لي. # الثالثة - ويستحب في القبر سعته وإحسانه، لما رواه ابن ماجة عن هشام بن ~~عامر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (احفروا وأوسعوا ~~وأحسنوا). # وروي عن الأدرع السلمي قال: جئت ليلة أحرس النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فإذا رجل قراءته عالية، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله: ~~هذا مراء (4)، قال: فمات بالمدينة ففرغوا من جهازه فحملوا نعشه، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: (ارفقوا به رفق الله به إنه كان يحب الله ~~ورسوله). قال: وحضر حفرته فقال: (أوسعوا له وسع الله عليه) فقال بعض ~~أصحابه: [يا رسول الله] (5) لقد حزنت عليه؟ فقال: (أجل إنه كان يحب الله ~~ورسوله)، أخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن زيد بن الحباب عن موسى بن عبيدة ~~عن سعيد بن أبي سعيد. # PageV06P143 # قال أبو عمر بن عبد البر: أدرع السلمي روى عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~حديثا واحدا، وروى عنه سعيد بن أبي سعيد المقبري، و؟؟ هشام بن عامر بن أمية ~~بن الحسحاس بن عامر ابن غنم بن عدي بن ms2127 النجار الأنصاري، كان يسمى في ~~الجاهلية شهابا فغير النبي صلى الله عليه وسلم اسمه فسماه هشاما، واستشهد ~~أبوه عامر يوم أحد. سكن هشام البصرة ومات بها، ذكر هذا في كتاب الصحابة. # الرابعة - ثم قيل: اللحد أفضل من الشق، فإنه الذي اختاره الله لرسوله صلى ~~الله عليه وسلم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما توفي كان بالمدينة رجلان ~~أحدهما يلحد (1) والآخر لا يلحد، فقالوا: أيهما جاء أول عمل عمله، فجاء ~~الذي يلحد فلحد لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ذكره مالك في الموطأ عن ~~هشام بن عروة عن أبيه، وأخرجه ابن ماجة عن أنس بن مالك وعائشة رضي الله ~~عنهما. والرجلان هما أبو طلحة وأبو عبيدة، وكان أبو طلحة يلحد وأبو عبيدة ~~يشق. واللحد هو أن يحفر في جانب القبر إن كانت تربة صلبة، يوضع فيه الميت ~~ثم يوضع عليه اللبن ثم يهال التراب، قال سعد بن أبي وقاص في مرضه الذي هلك ~~فيه: ألحدوا لي لحدا وانصبوا علي اللبن نصبا كما صنع برسول الله صلى اله ~~عليه وسلم. أخرجه مسلم. وروى ابن ماجة وغيره عن ابن عباس قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: (اللحد لنا والشق لغيرنا). # الخامسة - روى ابن ماجة عن سعيد بن المسيب قال: حضرت ابن عمر في جنازة ~~فلما وضعها في اللحد قال: بسم الله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فلما أخذ في تسوية [اللبن على] (2) اللحد قال: اللهم أجرها ~~من الشيطان ومن عذاب القبر، اللهم جاف الأرض عن جنبيها، وصعد روحها ولقها ~~منك رضوانا. قلت يا ابن عمر أشئ سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم أم ~~قلته برأيك؟ قال: إني إذا لقادر على القول! # بل شئ سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وروي عن أبي هريرة أن رسول ~~الله # PageV06P144 # صلى الله عليه وسلم صلى على جنازة ثم أتى قبر الميت فحثا عليه من قبل ~~رأسه ثلاثا. فهذا ما تعلق في معنى الآية من ms2128 الاحكام. والأصل في " يا ويلتي ~~" يا ويلتي ثم أبدل من الياء ألف. # وقرأ الحسن على الأصل بالياء، والأول أفصح، لان حذف الياء في النداء ~~أكثر. وهي كلمة تدعو بها العرب عند الهلاك، قال سيبويه. وقال الأصمعي: " ~~ويل " بعد. وقرأ الحسن: " أعجزت " بكسر الجيم. قال النحاس: وهي لغة شاذة، ~~إنما يقال عجزت المرأة إذا عظمت عجيزتها، وعجزت عن الشئ عجزا ومعجزة ~~ومعجزة. والله أعلم. # قوله تعالى: من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس ~~أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس ~~جميعا ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ثم أن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض ~~لمسرفون (32) قوله تعالى: (من أجل ذلك) أي من جراء ذلك القاتل وجريرته. ~~وقال الزجاج: أي من جنايته، يقال: أجل الرجل على أهله شرا يأجل أجلا إذا ~~جنى، مثل أخذ يأخذ أخذ. # قال الخنوت: (1) وأهل خباء صالح كنت بينهم * قد احتربوا في عاجل أنا آجله ~~أي جانيه، وقيل: أنا جاره عليهم. وقال عدي بن زيد: # أجل أن الله قد فضلكم * فوق من أحكا (2) صلبا بإزار وأصله الجر، ومنه ~~الاجل لأنه وقت يجر إليه العقد الأول. ومنه الآجل نقيض العاجل، وهو بمعنى ~~يجر إليه أمر متقدم. ومنه أجل بمعنى نعم. لأنه انقياد إلى ما جر إليه. # ومنه الاجل (3) للقطيع من بقر الوحش، لان بعضه ينجر إلى بعض، قاله ~~الرماني. وقرأ يزيد بن # PageV06P145 # القعقاع أبو جعفر: " من أجل ذلك " بكسر النون وحذف الهمزة وهي لغة، ~~والأصل " من أجل ذلك " فألقيت كسرة الهمزة على النون وحذفت الهمزة. ثم قيل: ~~يجوز أن يكون قوله: # " من أجل ذلك " متعلقا بقوله: " من النادمين " [المائدة: 31]، فالوقف على ~~قوله: " من أجل ذلك ". # ويجوز أن يكون متعلقا بما بعده وهو " كتبنا ". ف‍ " من أجل " ابتداء كلام ~~والتمام " من النادمين "، وعلى هذا أكثر الناس، أي من سبب هذه النازلة ~~كتبنا. وخص بني إسرائيل بالذكر - وقد تقدمتهم أمم قبلهم كان قتل النفس فيهم ~~محظورا - لأنهم أول أمة نزل ms2129 الوعيد عليهم في قتل الأنفس مكتوبا، وكان قبل ~~ذلك قولا مطلقا، فغلظ الامر على بني إسرائيل بالكتاب بحسب طغيانهم وسفكهم ~~الدماء. ومعنى " بغير نفس " أي بغير أن يقتل نفسا فيستحق القتل. وقد حرم ~~الله القتل في جميع الشرائع إلا بثلاث خصال: كفر بعد إيمان، أو زنى بعد ~~إحصان، أو قتل نفس ظلما وتعديا. " أو فساد في الأرض " أي شرك، وقيل: قطع ~~طريق. # وقرأ الحسن - " أو فسادا " بالنصب على تقدير حذف فعل يدل عليه أول الكلام ~~تقديره، أو أحدث فسادا، والدليل عليه قوله: " من قتل نفسا بغير نفس " لأنه ~~من أعظم الفساد. # وقرأ العامة - " فساد " بالجر على معنى أو بغير فساد. (فكأنما قتل الناس ~~جميعا) اضطرب لفظ المفسرين في ترتيب هذا التشبيه لأجل أن عقاب من قتل الناس ~~جميعا أكثر من عقاب من قتل واحدا، فروي عن ابن عباس أنه قال: المعنى من قتل ~~نبيا أو إمام عدل فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياه بأن شد عضده ونصره ~~فكأنما أحيا الناس جميعا. وعنه أيضا أنه قال: المعنى من قتل نفسا واحدة ~~وانتهك حرمتها فهو مثل من قتل الناس جميعا، ومن ترك قتل نفس واحدة وصان ~~حرمتها واستحياها خوفا من الله فهو كمن أحيا الناس جميعا. وعنه أيضا. ~~المعنى فكأنما قتل الناس جميعا عند المقتول، ومن أحياها واستنقذها من هلكة ~~فكأنما أحيا الناس جميعا عند المستنقذ. وقال مجاهد: المعنى أن الذي يقتل ~~النفس المؤمنة متعمدا جعل الله جزاءه PageV06P146 # جهنم وغضب عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما، يقول: لو قتل الناس جميعا لم ~~يزد على ذلك (1)، ومن لم يقتل فقد حيي الناس منه. وقال ابن زيد: المعنى أن ~~من قتل نفسا فيلزمه من القود والقصاص ما يلزم من قتل الناس جميعا، قال: ومن ~~أحياها أي من عفا عمن وجب له قتله، وقاله الحسن أيضا، أي هو العفو بعد ~~المقدرة. وقيل: المعنى أن من قتل نفسا فالمؤمنون كلهم خصماؤه، لأنه قد وتر ~~الجميع، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا، أي يجب على الكل شكره. ms2130 # وقيل: جعل إثم قاتل الواحد إثم قاتل الجميع، وله أن يحكم بما يريد. وقيل: ~~كان هذا مختصا ببني إسرائيل تغليظا عليهم. قال ابن عطية: وعلى الجملة ~~فالتشبيه على ما قيل واقع كله، والمنتهك في واحد ملحوظ بعين منتهك الجميع، ~~ومثاله رجلان حلفا على شجرتين ألا يطعما من ثمرهما شيئا، فطعم أحدهما واحدة ~~من ثمر شجرته، وطعم الآخر ثمر شجرته كلها، فقد استويا في الحنث. وقيل: # المعنى أن من استحل واحدا فقد استحل الجميع، لأنه أنكر الشرع. وفي قوله ~~تعالى: (ومن أحياها) تجوز، فإنه عبارة عن الترك والانقاذ من هلكة، وإلا ~~فالاحياء حقيقة - الذي هو الاختراع - إنما هو لله تعالى. وإنما هذا الاحياء ~~بمنزلة قول نمروذ اللعين: " أنا أحيي وأميت " (2) [البقرة: 258] فسمى الترك ~~إحياء. ثم أخبر الله عن بني إسرائيل أنهم جاءتهم الرسل بالبينات، وأن ~~أكثرهم مجاوزون الحد، وتاركون أمر الله. # قوله تعالى: إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا ~~أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك ~~لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم (33) إلا الذين تابوا من قبل ~~أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم (34) # PageV06P147 # فيه خمس عشرة مسألة الأولى: اختلف الناس في سبب [نزول] (1) هذه الآية، ~~فالذي عليه الجمهور أنها نزلت في العرنيين، روى الأئمة واللفظ لأبي داود عن ~~أنس بن مالك: أن قوما من عكل (2) - أو قال من عرينة - قدموا على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فاجتووا (3) المدينة، فأمر لهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بلقاح وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها فانطلقوا، فلما صحوا ~~قتلوا راعي النبي صلى الله عليه وسلم واستاقوا النعم، فبلغ النبي صلى الله ~~عليه وسلم خبرهم من أول النهار فأرسل في آثارهم، فلما ارتفع النهار حتى جئ ~~بهم، فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم وسمر (4) أعينهم وألقوا في الحرة (5) ~~يستسقون فلا يسقون. قال أبو قلابة: فهؤلاء قوم سرقوا وقتلوا وكفروا بعد ~~إيمانهم وحاربوا الله ورسوله. وفي رواية: فأمر ms2131 بمسامير فأحميت فكحلهم وقطع ~~أيديهم وأرجلهم وما حسمهم (6)، وفي رواية: فبعث رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في طلبهم قافة (7) فأتي بهم قال: # فأنزل الله تبارك وتعالى في ذلك: " إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ~~ويسعون في الأرض فسادا " الآية. وفي رواية قال أنس: فلقد رأيت أحدهم يكدم ~~(8) الأرض بفيه عطشا حتى ماتوا. # وفي البخاري قال جرير بن عبد الله في حديثه: فبعثني رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في نفر من المسلمين حتى أدركناهم وقد أشرفوا (9) على بلادهم، ~~فجئنا بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. # قال جرير: فكانوا يقولون الماء، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~(النار). وقد حكى أهل التواريخ والسير: أنهم قطعوا يدي الراعي ورجليه، ~~وغرزوا الشوك في عينيه حتى مات، وأدخل المدينة ميتا. وكان اسمه يسار وكان ~~نوبيا. وكان هذا الفعل من المرتدين سنة ست من الهجرة. وفي بعض الروايات عن ~~أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرقهم بالنار # PageV06P148 # بعد ما قتلهم. وروي عن ابن عباس والضحاك: أنها نزلت بسبب قوم من أهل ~~الكتاب كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فنقضوا العهد ~~وقطعوا السبيل وأفسدوا في الأرض. وفي مصنف أبي داود عن ابن عباس قال: " ~~إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله " إلى قوله: " غفور رحيم " نزلت هذه ~~الآية في المشركين فمن أخذ (1) منهم قبل أن يقدر عليه لم يمنعه ذلك أن يقام ~~عليه الحد الذي أصابه. وممن قال: إن الآية نزلت في المشركين عكرمة والحسن، ~~وهذا ضعيف يرده قوله تعالى: " قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ~~" (2) [الأنفال: 38] وقوله عليه [الصلاة و] (3) السلام: (الاسلام يهدم ما ~~قبله) أخرجه مسلم، والصحيح الأول لنصوص الأحاديث الثابتة في ذلك. وقال مالك ~~والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي: الآية نزلت فيمن خرج من المسلمين يقطع ~~السبيل ويسعى في الأرض بالفساد. قال ابن المنذر: قول مالك صحيح، وقال أبو ~~ثور محتجا لهذا القول: وفي الآية دليل على أنها نزلت في ms2132 غير أهل الشرك، وهو ~~قوله جل ثناؤه: " إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم " وقد أجمعوا على ~~أن أهل الشرك إذا وقعوا في أيدينا فأسلموا أن دماءهم تحرم، فدل ذلك على أن ~~الآية نزلت في أهل الاسلام. وحكى الطبري عن بعض أهل العلم: # أن هذه الآية نسخت فعل النبي صلى الله عليه وسلم في العرنيين، فوقف الامر ~~على هذه الحدود. وروى محمد بن سيرين قال: كان هذا قبل أن تنزل الحدود، يعني ~~حديث أنس، ذكره أبو داود. وقال قوم منهم الليث بن سعد: ما فعله النبي صلى ~~الله عليه وسلم بوفد عرينة نسخ، (4) إذ لا يجوز التمثيل بالمرتد. قال أبو ~~الزناد: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قطع الذين سرقوا لقاحه وسمل ~~أعينهم بالنار عاتبه الله عز وجل في ذلك، فأنزل الله تعالى في ذلك " إنما ~~جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا ~~" الآية. أخرجه أبو داود. قال أبو الزناد: فلما وعظ ونهي عن المثلة لم يعد. # وحكي عن جماعة أن هذه الآية ليست بناسخة لذلك الفعل، لان ذلك وقع في ~~مرتدين، # PageV06P149 # لا سيما وقد ثبت في صحيح مسلم وكتاب النسائي وغيرهما قال: إنما سمل ~~[النبي صلى الله عليه وسلم] (1) أعين أولئك لأنهم سملوا أعين الرعاة، فكان ~~هذا قصاصا، وهذه الآية في المحارب المؤمن. # قلت: وهذا قول حسن، وهو معنى ما ذهب إليه مالك والشافعي، ولذلك قال الله ~~تعالى: " إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم " ومعلوم أن الكفار لا ~~تختلف أحكامهم في زوال العقوبة عنهم بالتوبة بعد القدرة كما تسقط قبل ~~القدرة. والمرتد يستحق القتل بنفس الردة - دون المحاربة - ولا ينفى ولا ~~تقطع يده ولا رجله ولا يخلى سبيله بل يقتل إن لم يسلم، ولا يصلب أيضا، فدل ~~أن ما اشتملت عليه الآية ما عنى به المرتد. وقال تعالى في حق الكفار: " قل ~~للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف " [الأنفال: 38]. وقال في ~~المحاربين: " إلا الذين تابوا ms2133 " الآية، وهذا بين. وعلى ما قررناه في أول ~~الباب لا إشكال ولا لوم ولا عتاب إذ هو مقتضى الكتاب، قال الله تعالى: " ~~فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " (2) [البقرة: 194] ~~فمثلوا فمثل بهم، إلا أنه يحتمل أن يكون العتاب إن صح على الزيادة في ~~القتل، وذلك تكحيلهم بمسامير محماة وتركهم عطاشى حتى ماتوا، والله أعلم. ~~وحكى الطبري عن السدي: أن النبي صلى الله عليه وسلم يسمل أعين العرنيين ~~وإنما أراد ذلك، فنزلت الآية ناهية عن ذلك، وهذا ضعيف جدا، فإن الاخبار ~~الثابتة وردت بالسمل، وفي صحيح البخاري: فأمر بمسامير فأحميت فكحلهم. ولا ~~خلاف بين أهل العلم أن حكم هذه الآية مترتب في المحاربين من أهل الاسلام ~~وإن كانت نزلت في المرتدين أو اليهود. وفي قوله تعالى: " إنما جزاء الذين ~~يحاربون الله ورسوله " استعارة ومجاز، إذ الله سبحانه وتعالى لا يحارب ولا ~~يغالب لما هو عليه من صفات الكمال، ولما وجب له من التنزيه عن الأضداد ~~والأنداد. والمعنى: يحاربون أولياء الله، فعبر بنفسه العزيزة عن أوليائه ~~إكبارا لإذايتهم، كما عبر بنفسه عن الفقراء الضعفاء في قوله: # " من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا " [البقرة: 245] حثا على الاستعطاف ~~عليهم، ومثله في صحيح السنة (استطعمتك فلم تطعمني). الحديث أخرجه مسلم، وقد ~~تقدم في " البقرة " (3). # PageV06P150 # الثانية - واختلف العلماء فيمن يستحق اسم المحاربة، فقال مالك: المحارب ~~عندنا من حمل على الناس في مصر أو في برية وكابرهم عن أنفسهم وأموالهم دون ~~نائرة (1) ولا ذحل (2) ولا عداوة، قال ابن المنذر: اختلف عن مالك في هذه ~~المسألة، فأثبت المحاربة في المصر مرة ونفى ذلك مرة، وقالت طائفة: حكم ذلك ~~في المصر أو في المنازل والطرق وديار أهل البادية والقرى سواء وحدودهم ~~واحدة، وهذا قول الشافعي وأبي ثور، قال ابن المنذر: كذلك هو لان كلا يقع ~~عليه اسم المحاربة، والكتاب على العموم، وليس لاحد أن يخرج من جملة الآية ~~قوما بغير حجة. وقالت طائفة: لا تكون المحاربة في المصر إنما تكون خارجا عن ~~المصر، هذا قول ms2134 سفيان الثوري وإسحق والنعمان. والمغتال كالمحارب وهو الذي ~~يحتال في قتل إنسان على أخذ ماله، وإن لم يشهر السلاح لكن دخل عليه بيته أو ~~صحبه في سفر فأطعمه سما فقتله فيقتل حدا لا قودا. # الثالثة - واختلفوا في حكم المحارب، فقالت طائفة: يقام عليه بقدر فعله، ~~فمن أخاف السبيل وأخذ المال قطعت يده ورجله من خلاف، وإن أخذ المال وقتل ~~قطعت يده ورجله ثم صلب، فإذا قتل ولم يأخذ المال قتل، وإن هو لم يأخذ المال ~~ولم يقتل نفي، قاله ابن عباس، وروي عن أبي مجلز والنخعي وعطاء الخراساني ~~وغيرهم. وقال أبو يوسف: # إذا أخذ المال وقتل صلب وقتل على الخشبة، قال الليث: بالحربة مصلوبا. ~~وقال أبو حنيفة: إذا قتل قتل، وإذا أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من ~~خلاف، وإذا أخذ المال وقتل فالسلطان مخير فيه، إن شاء قطع يده ورجله وإن ~~شاء لم يقطع وقتله وصلبه (3)، قال أبو يوسف: القتل يأتي على كل شئ. ونحوه ~~قول الأوزاعي. وقال الشافعي: إذا أخذ المال قطعت يده اليمنى وحسمت، ثم قطعت ~~رجله اليسرى وحسمت وخلي، لان هذه الجناية زادت على السرقة بالحرابة، وإذا ~~قتل قتل، وإذا أخذ المال وقتل قتل وصلب، وروي عنه أنه قال: يصلب ثلاثة ~~أيام، قال: وإن حضر وكثر وهيب وكان ردءا للعدو # PageV06P151 # حبس. وقال أحمد: إن قتل قتل، وإن أخذ المال قطعت يده ورجله كقول الشافعي. # وقال قوم: لا ينبغي أن يصلب قبل القتل فيحال بينه وبين الصلاة والأكل ~~والشرب، وحكي عن الشافعي: أكره أن يقتل مصلوبا لنهي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن المثلة. # وقال أبو ثور: الامام مخير على ظاهر الآية، وكذلك قال مالك، وهو مروي عن ~~ابن عباس، وهو قول سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز ومجاهد والضحاك ~~والنخعي كلهم قال: الامام مخير في الحكم على المحاربين، يحكم عليهم بأي ~~الاحكام التي أوجبها الله تعالى من القتل والصلب أو القطع أو النفي بظاهر ~~الآية، قال ابن عباس: ما كان في القرآن " أو ms2135 " فصاحبه بالخيار، وهذا القول ~~أشعر (1) بظاهر الآية، فإن أهل القول الأول الذين قالوا إن " أو " للترتيب ~~- وإن اختلفوا - فإنك تجد أقوالهم أنهم يجمعون عليه حدين فيقولون: يقتل ~~ويصلب، ويقول بعضهم: يصلب ويقتل، ويقول بعضهم: تقطع يده ورجله وينفى، وليس ~~كذلك الآية ولا معنى " أو " في اللغة، قال النحاس. واحتج الأولون بما ذكره ~~الطبري عن أنس بن مالك أنه قال: سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل ~~عليه السلام عن الحكم في المحارب فقال: " من أخاف السبيل وأخذ المال فأقطع ~~به للاخذ ورجله للإخافة ومن قتل فاقتله ومن جمع ذلك فأصلبه ". قال ابن ~~عطية: وبقي النفي للمخيف فقط والمخيف في حكم القاتل، ومع ذلك فمالك يرى فيه ~~الاخذ بأيسر [العذاب و] (2) والعقاب استحسانا. # الرابعة - قوله تعالى: " أو ينفوا من الأرض " اختلف في معناه، فقال ~~السدي: # هو أن يطلب أبدا بالخيل والرجل حتى يؤخذ فيقام عليه حد الله، أو يخرج من ~~دار الاسلام هربا ممن يطلبه، عن ابن عباس وأنس بن مالك ومالك بن أنس والحسن ~~والسدي والضحاك وقتادة وسعيد بن جبير والربيع بن أنس والزهري. حكاه الرماني ~~في كتابه، وحكي عن الشافعي أنهم يخرجون من بلد إلى بلد، ويطلبون لتقام ~~عليهم الحدود، وقاله الليث بن سعد والزهري أيضا. وقال مالك أيضا: ينفى من ~~البلد الذي أحدث فيه هذا إلى غيره ويحبس فيه كالزاني. وقال [مالك أيضا و] ~~(2) الكوفيون: نفيهم سجنهم فينفي من سعة الدنيا إلى # PageV06P152 # ضيقها، فصار كأنه إذا سجن فقد نفي من الأرض إلا من موضع استقراره، ~~واحتجوا بقول بعض أهل السجون في ذلك: # خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها * فلسنا من الأموات فيها ولا الأحيا إذا ~~جاءنا السجان يوما لحاجة * عجبنا وقلنا جاء هذا من الدنيا حكى مكحول أن عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه أول من حبس في السجون وقال: أحبسه حتى أعلم منه ~~التوبة، ولا أنفيه من بلد إلى بلد فيؤذيهم، والظاهر أن الأرض في الآية هي ~~أرض النازلة وقد تجنب الناس قديما الأرض التي أصابوا ms2136 فيها الذنوب، ومنه ~~الحديث (1) (الذي ناء بصدره ونحو الأرض المقدسة). وينبغي للامام إن كان هذا ~~المحارب مخوف الجانب يظن أنه يعود إلى حرابة أو إفساد أن يسجنه في البلد ~~الذي يغرب إليه، وإن كان غير مخوف الجانب [فظن أنه لا يعود إلى جناية] (2) ~~سرح، فال ابن عطية: وهذا صريح مذهب مالك أن يغرب ويسجن حيث يغرب، وهذا على ~~الأغلب في أنه مخوف، ورجحه الطبري وهو الواضح (3)، لان نفيه من أرض النازلة ~~هو نص الآية، وسجنه بعد بحسب الخوف منه، فإن تاب وفهمت حاله سرح. # الخامسة - قوله تعالى: " أو ينفوا من الأرض " النفي أصله الاهلاك، ومنه ~~الاثبات والنفي، فالنفي الاهلاك بالاعدام، ومنه النفاية لردي المتاع، ومنه ~~النفي لما تطاير من الماء عن الدلو. # قال الراجز: (4) كأن متنيه (5) من النفي * مواقع الطير على الصفي السادسة ~~- قال ابن خويزمنداد: ولا يراعى المال الذي يأخذه المحارب نصابا كما يراعى ~~في السارق. وقد قيل: يراعى في ذلك النصاب ربع دينار، قال ابن العربي قال ~~الشافعي # PageV06P153 # وأصحاب الرأي: لا يقطع من قطاع الطريق إلا من أخذ قدر ما تقطع فيه يد ~~السارق، وقال مالك: يحكم عليه بحكم المحارب وهو الصحيح، فإن الله تعالى وقت ~~على لسان نبيه عليه الصلاة والسلام القطع في السرقة في ربع دينار، ولم يوقت ~~في الحرابة شيئا، بل ذكر جزاء المحارب، فاقتضى ذلك توفية الجزاء لهم على ~~المحاربة عن حبة، ثم إن هذا قياس أصل على أصل وهو مختلف فيه، وقياس الاعلى ~~بالأدنى والأدنى بالأسفل وذلك عكس القياس. وكيف يصح أن يقاس المحارب على ~~السارق وهو يطلب خطف المال فإن شعر به فر، حتى إن السارق إذا دخل بالسلاح ~~يطلب المال فإن منع منه أو صبح عليه وحارب عليه فهو محارب يحكم عليه بحكم ~~المحارب. قال القاضي ابن العربي: كنت في أيام حكمي بين الناس إذا جاءني أحد ~~بسارق، وقد دخل الدار بسكين يحبسه على قلب صاحب الدار وهو نائم، وأصحابه ~~يأخذون مال الرجل، حكمت فيهم بحكم المحاربين، فافهموا هذا من أصل ms2137 الدين، ~~وارتفعوا إلى يفاع العلم عن حضيض الجاهلين. # قلت: اليفع (1) أعلى الجبل ومنه غلام يفعة إذا ارتفع إلى البلوغ، والحضيض ~~الحفرة في أسفل الوادي، كذا قال أهل اللغة. # السابعة - ولا خلاف في أن الحرابة يقتل فيها من قتل وإن لم يكن المقتول ~~مكافئا للقاتل، وللشافعي قولان: أحدهما - أنها تعتبر المكافأة لأنه قتل ~~فاعتبر فيه المكافأة كالقصاص، وهذا ضعيف، لان القتل هنا ليس على مجرد القتل ~~وإنما هو على الفساد العام من التخويف وسلب المال، قال الله تعالى: " إنما ~~جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا " فأمر ~~تعالى بإقامة الحدود على المحارب إذا جمع شيئين محاربة وسعيا في الأرض ~~بالفساد، ولم يخص شريفا من وضيع، ولا رفيعا من دنئ. # الثامنة - وإذا خرج المحاربون فاقتتلوا مع القافلة فقتل بعض المحاربين ~~ولم يقتل بعض قتل الجميع. وقال الشافعي: لا يقتل إلا من قتل، وهذا أيضا ~~ضعيف، فإن من حضر # PageV06P154 # الوقيعة شركاء في الغنيمة وإن لم يقتل جميعهم، وقد اتفق معنا على قتل ~~الردء وهو الطليعة، فالمحارب أولى. # التاسعة - وإذا أخاف المحاربون السبيل وقطعوا الطريق وجب على الامام ~~قتالهم من غير أن يدعوهم، ووجب على المسلمين التعاون على قتالهم وكفهم عن ~~أذى المسلمين، فإن انهزموا لم يتبع منهم مدبرا إلا أن يكون قد قتل وأخذ ~~مالا، فإن كان كذلك أتبع ليؤخذ ويقام عليه ما وجب لجنايته، ولا يدفف (1) ~~منهم على جريح إلا أن يكون قد قتل، فإن أخذوا ووجد في أيديهم مال لاحد ~~بعينه رد إليه أو إلى ورثته، وإن لم يوجد له صاحب جعل في بيت المال، وما ~~أتلفوه من مال لاحد غرموه، ولا دية لمن قتلوا إذا قدر عليهم قبل التوبة، ~~فإن تابوا وجاءوا تائبين وهي: # العاشرة - لم يكن للامام عليهم سبيل، وسقط عنهم ما كان حدا لله وأخذوا ~~بحقوق الآدميين، فاقتص منهم من النفس والجراح، وكان عليهم ما أتلفوه من مال ~~ودم لأوليائه في ذلك، ويجوز لهم العفو والهبة كسائر الجناة من غير ~~المحاربين، هذا مذهب مالك ms2138 والشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي. وإنما أخذ ما ~~بأيديهم من الأموال وضمنوا قيمه ما استهلكوا، لان ذلك غصب فلا يجوز ملكه ~~لهم، ويصرف إلى أربابه أو يوقفه الامام عنده حتى يعلم صاحبه. # وقال قوم من الصحابة والتابعين: لا يطلب من المال إلا بما وجد عنده، وأما ~~ما استهلكه فلا يطلب به، وذكر الطبري ذلك عن مالك من رواية الوليد بن مسلم ~~عنه، وهو الظاهر من فعل علي بن أبي طالب رضي الله عنه بحارثة بن بدر ~~الغداني فإنه كان محاربا ثم تاب قبل القدرة عليه، فكتب له بسقوط الأموال ~~والدم عنه كتابا منشورا، قال ابن خويزمنداد: # واختلفت الرواية عن مالك في المحارب إذا أقيم عليه الحد ولم يوجد له مال، ~~هل يتبع دينا بما أخذ، أو يسقط عنه كما يسقط عن السارق؟ والمسلم والذمي في ~~ذلك سواء. # PageV06P155 # الحادية عشرة - وجمع أهل العلم على أن السلطان ولي من حارب، فإن قتل ~~محارب أخا امرئ أو أباه في حال المحاربة، فليس إلى طالب الدم من أمر ~~المحارب شئ، ولا يجوز عفو ولي الدم، والقائم بذلك الامام، جعلوا ذلك بمنزلة ~~حد من حدود الله تعالى. # قلت: فهذه جملة من أحكام المحاربين جمعنا غررها، واجتلبنا دررها، ومن ~~أغرب ما قيل في تفسيرها وهي: # الثانية عشرة - وتفسير مجاهد لها، قال مجاهد: المراد بالمحاربة في هذه ~~الآية الزنى والسرقة، وليس بصحيح، فإن الله سبحانه بين في كتابه وعلى لسان ~~نبيه أن السارق تقطع يده، وأن الزاني يجلد ويغرب إن كان بكرا، ويرجم إن كان ~~ثيبا محصنا. وأحكام المحارب في هذه الآية مخالف لذلك، اللهم إلا أن يريد ~~إخافة الطريق بإظهار السلاح قصدا للغلبة على الفروج، فهذا أفحش المحاربة، ~~وأقبح من أخذ الأموال وقد دخل في معنى قوله تعالى: # " ويسعون في الأرض فسادا ". # الثالثة عشرة - قال علماؤنا: ويناشد اللص بالله تعالى، فإن كف ترك وإن ~~أبى قوتل، فإن أنت قتلته فشر قتيل ودمه هدر. روى النسائي عن أبي هريرة أن ~~رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله ms2139 عليه وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت إن ~~عدي على مالي؟ قال: (فانشد بالله) قال: # فإن أبوا علي. قال: (فانشد بالله) قال: فإن أبوا علي قال: (فانشد بالله) ~~قال: فإن أبوا علي قال: (فقاتل فإن قتلت ففي الجنة وإن قتلت ففي النار) ~~وأخرجه البخاري ومسلم - وليس فيه ذكر المناشدة - عن أبي هريرة قال: جاء رجل ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: # يا رسول الله أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: (فلا تعطه مالك) قال: ~~أرأيت إن قاتلني؟ قال: (فقاتله) قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: (فأنت شهيد) ~~قال: فإن قتلته؟ قال: (هو في النار). قال ابن المنذر: وروينا عن جماعة من ~~أهل العلم أنهم رأوا قتال اللصوص ودفعهم عن أنفسهم وأموالهم، هذا مذهب ابن ~~عمر والحسن البصري وإبراهيم النخعي وقتادة ومالك والشافعي وأحمد وإسحق ~~والنعمان، وبهذا يقول عوام أهل العلم: إن PageV06P156 # للرجل أن يقاتل عن نفسه وأهله وماله إذا أريد ظلما، للاخبار التي جاءت عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لم يخص وقتا دون وقت، ولا حالا دون حال إلا ~~السلطان، فإن جماعة أهل الحديث كالمجتمعين على أن من لم يمكنه أن يمنع عن ~~نفسه وماله إلا بالخروج على السلطان ومحاربته أنه لا يحاربه ولا يخرج عليه، ~~للأخبار الدالة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، التي فيها الامر بالصبر ~~على ما يكون منهم، من الجور والظلم، وترك قتالهم والخروج عليهم ما أقاموا ~~الصلاة. # قلت: وقد اختلف مذهبنا إذا طلب الشئ الخفيف كالثوب والطعام هل يعطونه أو ~~يقاتلون؟ وهذا الخلاف مبني على أصل، وهو هل الامر بقتالهم لأنه تغيير منكر ~~أو هو من باب دفع الضرر؟ وعلى هذا أيضا ينبني الخلاف في دعوتهم قبل القتال. ~~والله أعلم. # الرابعة عشرة - قوله تعالى: " ذلك لهم خزي في الدنيا " لشناعة المحاربة ~~وعظم ضررها، وإنما كانت المحاربة عظيمة الضرر، لان فيها سد سبيل الكسب على ~~الناس، لان أكثر المكاسب وأعظمها التجارات، وركنها وعمادها الضرب في الأرض، ~~كما قال عز وجل: # " وآخرون ms2140 يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله " (1) [المزمل: 20] فإذا ~~أخيف الطريق انقطع الناس عن السفر، واحتاجوا إلى لزوم البيوت، فانسد باب ~~التجارة عليهم، وانقطعت أكسابهم، فشرع الله على قطاع الطريق الحدود ~~المغلظة، وذلك الخزي في الدنيا ردعا لهم عن سوء فعلهم، وفتحا لباب التجارة ~~التي أباحها لعباده لمن أرادها منهم، ووعد فيها بالعذاب العظيم في الآخرة. # وتكون هذه المعصية خارجة عن المعاصي، ومستثناة من حديث عبادة في قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم: (فمن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو ~~[له] (2) كفارة) والله أعلم. # ويحتمل أن يكون الخزي لمن عوقب، وعذاب الآخرة لمن سلم في الدنيا، ويجرى ~~هذا الذنب مجرى غيره. ولا خلود لمؤمن في النار على ما تقدم، ولكن يعظم ~~عقابه لعظم الذنب، ثم يخرج إما بالشفاعة وإما بالقبضة، ثم إن هذا الوعيد ~~مشروط الانفاذ بالمشيئة # PageV06P157 # كقوله تعالى: " ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " (1) [النساء: 116] أما إن ~~الخوف يغلب عليهم بحسب الوعيد وكبر المعصية (2). # الخامسة عشرة - قوله تعالى: (إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم) ~~استثنى عز وجل التائبين قبل أن يقدر عليهم، وأخبر بسقوط حقه عنهم بقوله: # " فاعلموا أن الله غفور رحيم ". أما القصاص وحقوق الآدميين فلا تسقط. ومن ~~تاب بعد القدرة فظاهر الآية أن التوبة لا تنفع، وتقام الحدود عليه كما ~~تقدم. وللشافعي قول أنه يسقط كل حد بالتوبة، والصحيح من مذهبه أن ما تعلق ~~به حق الآدمي قصاصا كان أو غيره فإنه لا يسقط بالتوبة قبل القدرة عليه. ~~وقيل: أراد بالاستثناء المشرك إذا تاب وآمن قبل القدرة عليه فإنه تسقط عنه ~~الحدود، وهذا ضعيف، لأنه إن آمن بعد القدرة عليه لم يقتل أيضا بالاجماع. ~~وقيل: إنما لا يسقط الحد عن المحاربين بعد القدرة عليهم - والله أعلم - ~~لأنهم متهمون بالكذب في توبتهم والتصنع فيها إذا نالتهم يد الامام، أو لأنه ~~لما قدر عليهم صاروا بمعرض أن ينكل بهم فلم تقبل توبتهم، كالمتلبس بالعذاب ~~من الأمم قبلنا، أو من صار إلى حال الغرغرة فتاب، ms2141 فأما إذا تقدمت توبتهم ~~القدرة عليهم، فلا تهمة وهي نافعة على ما يأتي بيانه في سورة " يونس " (3)، ~~فأما الشراب والزناة والسراق إذا تابوا وأصلحوا وعرف ذلك منهم، ثم رفعوا ~~إلى الامام فلا ينبغي له أن يحدهم، وإن رفعوا إليه فقالوا تبنا لم يتركوا، ~~وهم في هذه الحال كالمحاربين إذا غلبوا. والله أعلم. # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة ~~وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون (35) إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض ~~جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ولهم عذاب ~~أليم (36) # PageV06P158 # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة) ~~الوسيلة هي القربة عن أبي وائل والحسن ومجاهد وقتادة وعطاء والسدي وابن زيد ~~وعبد الله بن كثير، وهي فعيلة من توسلت إليه أي تقربت، قال عنترة: # إن الرجال لهم إليك وسيلة * أن يأخذوك تكحلي وتخضبي والجمع الوسائل، قال: # إذا غفل الواشون عدنا لوصلنا * وعاد التصافي بيننا والوسائل ويقال: منه ~~سلت أسأل أي طلبت، وهما يتساولان أي يطلب كل واحد من صاحبه، فالأصل الطلب، ~~والوسيلة القربة التي ينبغي أن يطلب بها، والوسيلة درجة في الجنة، وهي التي ~~جاء الحديث الصحيح بها في قوله عليه الصلاة والسلام: (فمن سأل لي الوسيلة ~~حلت له الشفاعة). # قوله تعالى: يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب ~~مقيم (37) قال يزيد الفقير: قيل لجابر بن عبد الله إنكم يا أصحاب محمد ~~تقولون إن قوما يخرجون من النار والله تعالى يقول: " وما هم بخارجين منها " ~~فقال جابر: إنكم تجعلون العام خاصا والخاص عاما، إنما هذا في الكفار خاصة، ~~فقرأت الآية كلها من أولها إلى آخرها فإذا هي في الكفار خاصة. و " مقيم " ~~معناه دائم ثابت لا يزول ولا يحول، قال الشاعر: # فإن لكم بيوم الشعب مني * عذابا دائما لكم مقيما قوله تعالى: والسارق ~~والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم ~~(38) فيه سبع وعشرون (1) مسألة: # الأولى - قوله ms2142 تعالى: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) الآية. لما ذكر ~~تعالى أخذ الأموال بطريق السعي في الأرض والفساد ذكر حكم السارق من غير ~~حراب على ما يأتي # PageV06P159 # بيانه أثناء الباب، وبدأ سبحانه بالسارق قبل السارقة عكس الزنى على ما ~~نبينه آخر الباب. # وقد قطع السارق في الجاهلية، وأول من حكم بقطعه في الجاهلية الوليد بن ~~المغيرة، فأمر الله بقطعه في الاسلام، فكان أول سارق قطعه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في الاسلام من الرجال الخيار بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، ~~ومن النساء مرة بنت سفيان بن عبد الأسد من بنى مخزوم، وقطع أبو بكر يد ~~اليمنى (1) الذي سرق العقد، وقطع عمر يد ابن سمرة أخي عبد الرحمن ابن سمرة ~~ولا خلاف فيه. وظاهر الآية العموم في كل سارق وليس كذلك، لقوله عليه السلام ~~(لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا) فبين انه إنما أراد بقوله: " ~~والسارق والسارقة " بعض السراق دون بعض، فلا تقطع يد السارق إلا في ربع ~~دينار، أو فيما قيمته ربع دينار، وهذا قول عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان ~~وعلي رضي الله عنهم، وبه قال عمر ابن عبد العزيز والليث والشافعي وأبو ثور، ~~وقال مالك: تقطع اليد في ربع دينار أو في ثلاثة دراهم، فإن سرق درهمين وهو ~~ربع دينار لانحطاط الصرف لم تقطع يده فيهما. والعروض لا تقطع فيها إلا أن ~~تبلغ ثلاثة دراهم قل الصرف أو كثر، فجعل مالك الذهب والورق كل واحد منهما ~~أصلا بنفسه، وجعل تقويم العروض بالدراهم في المشهور. وقال أحمد وإسحق: # إن سرق ذهبا فربع دينار، وإن سرق غير الذهب والفضة كانت قيمته ربع دينار ~~أو ثلاثة دراهم من الورق. وهذا نحو ما صار إليه مالك في القول الآخر، ~~والحجة للأول حديث ابن عمر أن رجلا سرق حجفة (2)، فأتي به النبي صلى الله ~~عليه وسلم فأمر بها فقومت بثلاثة دراهم. وجعل الشافعي حديث عائشة رضي الله ~~عنها في الربع دينار أصلا رد إليه تقويم العروض لا بالثلاثة دراهم ms2143 على غلاء ~~الذهب ورخصه، وترك حديث ابن عمر لما رآه - والله أعلم - من اختلاف الصحابة ~~في المجن الذي قطع فيه رسول الله صلى الله عليه عليه وسلم، فابن عمر يقول: ~~ثلاثة دراهم، وابن عباس يقول: عشرة دراهم، وأنس يقول: خمسة دراهم، # PageV06P160 # وحديث عائشة في الربع دينار حديث صحيح ثابت لم يختلف فيه عن عائشة إلا أن ~~بعضهم وقفه، ورفعه (1) من يجب العمل بقوله لحفظه وعدالته، قاله أبو عمر ~~وغيره. وعلى هذا فإن بلغ العرض المسروق ربع دينار بالتقويم قطع سارقه، وهو ~~قول إسحاق، فقف على هذين الأصلين فهما عمدة الباب، وما أصح ما قيل فيه. ~~وقال أبو حنيفة وصاحباه والثوري: لا تقطع يد السارق إلا في عشرة دراهم ~~كيلا، أو دينارا ذهبا عينا أو وزنا، ولا يقطع حتى يخرج بالمتاع من ملك ~~الرجل، وحجتهم حديث ابن عباس، قال: قوم المجن الذي قطع فيه النبي صلى الله ~~عليه وسلم بعشرة دراهم. ورواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كان ثمن ~~المجن يومئذ عشرة دراهم، أخرجهما الدارقطني وغيره. وفي المسألة قول رابع، ~~وهو ما رواه الدارقطني عن عمر قال: لا تقطع الخمس إلا في خمس، وبه قال ~~سليمان بن يسار وابن أبي ليلى وابن شبرمة، وقال أنس بن مالك: قطع أبو بكر - ~~رحمه الله - في مجن قيمته خمسة دراهم. وقول خامس: وهو أن اليد تقطع في ~~أربعة دراهم فصاعدا، روي عن أبي هريرة وأبى سعيد الخدري. وقول سادس: وهو أن ~~اليد تقطع في درهم فما فوقه، قاله عثمان البتي. وذكر الطبري أن عبد الله بن ~~الزبير قطع في درهم. وقول سابع: وهو أن اليد تقطع في كل ماله قيمة على ظاهر ~~الآية، هذا قول الخوارج، وروي عن الحسن البصري، وهي إحدى الروايات الثلاث ~~عنه، والثانية كما روي عن عمر، والثالثة حكاها قتادة عنه أنه قال: تذاكرنا ~~القطع في كم يكون على عهد زياد؟ فاتفق رأينا على درهمين. وهذه أقوال ~~متكافئة والصحيح منها ما قدمناه لك، فإن قيل: قد روى البخاري ms2144 ومسلم وغيرهما ~~عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لعن الله السارق يسرق ~~البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده) وهذا موافق لظاهر الآية في القطع ~~في القليل والكثير (2)، فالجواب أن هذا خرج مخرج التحذير بالقليل عن ~~الكثير، كما جاء في معرض الترغيب بالقليل مجرى الكثير في قوله عليه السلام: ~~(من بنى لله مسجدا ولو مثل مفحص (3) قطاة بنى الله له بيتا في الجنة). # PageV06P161 # وقيل: إن ذلك مجاز من وجه آخر، وذلك أنه إذا ضري بسرقة القليل سرق الكثير ~~فقطعت يده. وأحسن من هذا ما قاله الأعمش وذكره البخاري في آخر الحديث ~~كالتفسير قال: # كانوا يرون أنه بيض الحديد، والحبل كانوا يرون أنه منها ما يساوي دراهم. # قلت: كحبال السفينة وشبه ذلك. والله أعلم. # الثانية - اتفق جمهور الناس على أن القطع لا يكون إلا على من أخرج من حرز ~~ما يجب فيه القطع. وقال الحسن بن أبي الحسن: إذا جمع الثياب في البيت قطع. ~~وقال الحسن بن أبي الحسن أيضا في قول آخر مثل قول سائر أهل العلم فصار ~~اتفاقا صحيحا. والحمد لله. # الثالثة - الحزر هو ما نصب عادة لحفظ أموال الناس، وهو يختلف في كل شئ ~~بحسب حاله على ما يأتي بيانه. قال ابن المنذر: ليس في هذا الباب خبر ثابت ~~لا مقال فيه لأهل العلم، وإنما ذلك كالاجماع من أهل العلم. وحكي عن الحسن ~~وأهل الظاهر أنهم لم يشترطوا الحرز. وفي الموطأ لمالك عن عبد الله بن عبد ~~الرحمن بن أبي حسين المكي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا قطع ~~في ثمر معلق (1) ولا في حريسة جبل فإذا أواه المراح أو الجرين فالقطع فيما ~~بلغ ثمن المجن) قال أبو عمر: هذا حديث يتصل معناه من حديث عبد الله بن عمرو ~~بن العاص وغيره، وعبد الله هذا ثقة عند الجميع، وكان أحمد يثني عليه. # وعن عبد الله بن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الثمر ~~المعلق فقال: ms2145 # (من أصاب منه من ذي حاجة غير متخذ خبنة (2) فلا شئ عليه ومن خرج بشئ منه ~~فعليه القطع ومن سرق دون ذلك فعليه غرامة مثليه والعقوبة) وفي رواية ~~(وجلدات نكال) بدل (والعقوبة). قال العلماء: ثم نسخ الجلد وجعل مكانه ~~القطع. قال أبو عمر: قوله (غرامة مثليه) منسوخ لا أعلم أحد من الفقهاء قال ~~به إلا ما جاء عن عمر في دقيق حاطب ابن أبي بلتعة، خرج مالك، ورواية عن ~~أحمد بن حنبل. والذي عليه الناس في الغرم بالمثل، # PageV06P162 # لقوله تعالى: " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " (1) ~~[البقرة: 194]. وروى أبو داود عن صفوان بن أمية قال: كنت نائما في المسجد ~~على خميصة (2) لي ثمن ثلاثين درهما، فجاء رجل فاختلسها مني، فأخذ الرجل ~~فأتى به النبي صلى الله عليه وسلم فأمر به ليقطع، قال: فأتيته فقلت أتقطع ~~من أجل ثلاثين درهما؟ أنا أبيعه وأنسئه ثمنها، قال: (فهلا كان هذا قبل أن ~~تأتيني به)؟. ومن جهة النظر أن الأموال خلقت مهيأة للانتفاع بها للخلق ~~أجمعين، ثم الحكمة الأولية حكمت فيها بالاختصاص الذي هو الملك شرعا، وبقيت ~~الأطماع متعلقة بها، والآمال محومة عليها، فتكفها المروءة والديانة في أقل ~~الخلق، ويكفها الصون والحرز عن أكثرهم، فإذا أحرزها مالكها فقد اجتمع فيها ~~الصون والحرز الذي هو غاية الامكان للانسان، فإذا هتكا فحشت الجريمة فعظمت ~~العقوبة، وإذا هتك أحد الصونين وهو الملك وجب الضمان والأدب. # الرابعة - فإذا اجتمع جماعة فاشتركوا في إخراج نصاب من حرزه، فلا يخلو، ~~إما أن يكون بعضهم ممن يقدر على إخراجه، أولا إلا بتعاونهم، فإذا كان الأول ~~فاختلف فيه علماؤنا على قولين: أحدهما يقطع فيه، والثاني لا يقطع فيه، وبه ~~قال أبو حنيفة والشافعي، قالا: # لا يقطع في السرقة المشتركون إلا بشرط أن يجب لكل واحد من حصته نصاب، ~~لقوله [صلى الله عليه وسلم] (3): (لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار ~~فصاعدا) وكل واحد من هؤلاء لم يسرق نصابا فلا قطع عليهم. ووجه القطع في ~~إحدى الروايتين أن الاشتراك ms2146 في الجناية لا يسقط عقوبتها كالاشتراك في ~~القتل، قال ابن العربي: وما أقرب ما بينهما فإنا إنما قتلنا الجماعة ~~بالواحد صيانة للدماء، لئلا يتعاون على سفكها الأعداء، فكذلك في الأموال ~~مثله، لا سيما وقد ساعدنا الشافعي على أن الجماعة إذا اشتركوا في قطع يد ~~رجل قطعوا ولا فرق بينهما. وإن كان الثاني وهو مما لا يمكن إخراجه إلا ~~بالتعاون فإنه يقطع جميعهم بالاتفاق من العلماء، ذكره ابن العربي. # PageV06P163 # الخامسة - فإن اشتركوا في السرقة بأن نقب واحد الحرز وأخرج آخر، فإن كانا ~~متعاونين قطعا. وإن انفرد كل (1) منهما بفعله دون اتفاق بينهما، بأن يجئ ~~آخر فيخرج فلا قطع على واحد منهما. وإن تعاونا في النقب وانفرد أحدهما ~~بالاخراج فالقطع عليه خاصة، وقال الشافعي: لا قطع، لان هذا نقب ولم يسرق، ~~والآخر سرق من حرز مهتوك الحرمة. # وقال أبو حنيفة: إن شارك في النقب ودخل وأخذ قطع. ولا يشترط في الاشتراك ~~في النقب التحامل على آلة واحدة، بل التعاقب في الضرب تحصل به الشركة. # السادسة - ولو دخل أحدهما فأخرج المتاع إلى باب الحرز فأدخل الآخر يده ~~فأخذه فعليه القطع، ويعاقب الأول، وقال أشهب: يقطعان. وإن وضعه خارج الحرز ~~فعليه القطع لا على الآخذ، وإن وضعه في وسط النقب فأخذه الآخر والتقت ~~أيديهما في النقب قطعا جميعا. # السابعة - والقبر والمسجد حرز، فيقطع النباش عند الأكثر، وقال أبو حنيفة: # لا قطع عليه، لأنه سرق من غير حرز مالا معرضا للتلف لا مالك له، لان ~~الميت لا يملك. ومنهم من ينكر السرقة، لأنه ليس فيه ساكن، وإنما تكون ~~السرقة بحيث تتقى الأعين، ويتحفظ من الناس، وعلى نفي السرقة عول أهل ما ~~وراء النهر. وقال الجمهور: هو سارق لأنه تدرع الليل لباسا وأتقى الأعين، ~~وقصد وقتا لا ناظر فيه ولا ماز عليه، فكان بمنزلة ما لو سرق في وقت بروز ~~الناس للعيد، وخلو البلد من جميعهم. وأما قولهم: إن القبر غير حرز فباطل، ~~لان حرز كل شئ بحسب حاله الممكنة فيه. وأما قولهم: إن الميت لا ms2147 يملك فباطل ~~أيضا، لأنه لا يجوز ترك الميت عاريا فصارت هذه الحاجة قاضية بأن القبر حرز. ~~وقد نبه الله تعالى عليه بقوله: " ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتا " ~~(2) [المرسلات: 25 - 26] ليسكن فيها حيا، ويدفن فيها ميتا. # وأما قولهم: [إنه] (3) عرضة للتلف، فكل ما يلبسه الحي أيضا معرض للتلف ~~والأخلاق بلباسه، إلا أن أحد الامرين أعجل من الثاني، وقد روى أبو داود عن ~~أبي ذر قال: دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (كيف أنت إذا أصاب ~~الناس موت يكون البيت (4) فيه بالوصيف)، يعني # PageV06P164 # القبر، قلت: الله ورسوله أعلم قال: (عليك بالصبر) قال حماد: فبهذا قال من ~~قال تقطع يد السارق، لأنه دخل على الميت بيته. وأما المسجد، فمن سرق حصره ~~قطع، رواه عيسى عن ابن القاسم، وإن لم يكن للمسجد باب، ورآها محرزة. وإن ~~سرق الأبواب قطع أيضا، وروي عن ابن القاسم أيضا إن كانت سرقته للحصر نهارا ~~لم يقطع، وإن كان تسور عليها ليلا قطع، وذكر عن سحنون إن كانت حصره خيط ~~بعضها إلى بعض قطع، وإلا لم يقطع. # قال أصبغ: يقطع سارق حصر المسجد وقناديله وبلاطه، كما لو سرق بابه مستسرا ~~أو خشبة من سقفه أو من جوائزه (1). وقال أشهب في كتاب محمد: لا قطع في شئ ~~من حصر المسجد وقناديله وبلاطه. # الثامنة - واختلف العلماء هل يكون غرم مع القطع أم لا؟ فقال أبو حنيفة: # لا يجتمع الغرم مع القطع بحال، لان الله سبحانه قال: " والسارق والسارقة ~~فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله " ولم يذكر غرما. وقال ~~الشافعي: يغرم قيمة السرقة موسرا كان أو معسرا، وتكون دينا عليه إذا أيسر ~~أداه، وهو قول أحمد وإسحق. وأما علماؤنا مالك وأصحابه فقالوا: إن كانت ~~العين قائمة ردها، وإن تلفت فإن كان موسرا غرم، وإن كان معسرا لم يتبع به ~~دينا ولم يكن عليه شئ، وروى مالك (2) مثل ذلك عن الزهري، قال الشيخ أبو ~~إسحاق: وقد قيل إنه يتبع بها دينا مع القطع موسرا كان أو معسرا، قال: ms2148 وهو ~~قول غير واحد [من علمائنا] (3) من أهل المدينة، واستدل على صحته بأنهما ~~حقان لمستحقين فلا يسقط أحدهما الآخر كالدية والكفارة، ثم قال: وبهذا أقول. ~~واستدل القاضي أبو الحسن للمشهور بقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا أقيم على ~~السارق الحد فلا ضمان عليه) وأسنده في كتابه. وقال بعضهم: إن الاتباع ~~بالغرم عقوبة، والقطع عقوبة، ولا تجتمع عقوبتان، وعليه عول القاضي عبد ~~الوهاب. والصحيح قول الشافعي ومن وافقه، قال الشافعي: يغرم السارق ما سرق ~~موسرا كان أو معسرا، قطع أو لم يقطع، وكذلك إذا قطع الطريق، قال: ولا يسقط # PageV06P165 # الحد لله ما أتلف للعباد، وأما ما احتج به علماؤنا من الحديث (إذا كان ~~معسرا) فيه احتج الكوفيون وهو قول الطبري، ولا حجة فيه، رواه النسائي ~~والدارقطني عن عبد الرحمن بن عوف. قال أبو عمر: هذا حديث ليس بالقوي ولا ~~تقوم به حجة، وقال ابن العربي: وهذا حديث باطل. وقال الطبري: القياس أن ~~عليه غرم ما استهلك. ولكن تركنا ذلك اتباعا للأثر في ذلك. قال أبو عمر: ترك ~~القياس لضعيف الأثر غير جائز، لان الضعيف لا يوجب حكما. # التاسعة - واختلف في قطع يد من سرق المال من الذي سرقه، فقال علماؤنا: # يقطع. وقال الشافعي: لا يقطع، لأنه سرق من غير مالك ومن غير حرز. وقال ~~علماؤنا: # حرمة المالك عليه باقية لم تنقطع عنه، ويد السارق كلا يد، كالغاصب لو سرق ~~منه المال المغصوب قطع، فإن قيل: اجعلوا حرزه كلا حرز، قلنا: الحرز قائم ~~والملك قائم ولم يبطل الملك فيه فيقولوا لنا أبطلوا الحرز. # العاشرة - واختلفوا إذا كرر السرقة بعد القطع في العين المسروقة، فقال ~~الأكثر: # يقطع. وقال أبو حنيفة: لا قطع عليه. وعموم القرآن يوجب عليه القطع، وهو ~~يرد قوله. # وقال أبو حنيفة أيضا في السارق يملك الشئ المسروق بشراء أو هبة قبل ~~القطع: فإنه لا يقطع، والله تعالى يقول: " والسارق والسارقة فاقطعوا ~~أيديهما " فإذا وجب القطع حقا لله تعالى لم يسقطه شئ. # الحادية عشرة - قرأ الجمهور " والسارق " بالرفع. قال سيبويه: المعنى ms2149 ~~وفيما فرض عليكم السارق والسارقة. وقيل: الرفع فيهما على الابتداء والخبر " ~~فاقطعوا أيديهما ". وليس القصد إلى معين إذ لو قصد معينا لوجب النصب، تقول: ~~زيدا اضربه، بل هو كقولك: من سرق فاقطع يده. قال الزجاج: وهذا القول هو ~~المختار. وقرئ " والسارق " بالنصب فيهما على تقدير اقطعوا السارق والسارقة، ~~وهو اختيار سيبويه، لان الفعل بالامر أولى، قال سيبويه رحمه الله تعالى: ~~الوجه في كلام العرب النصب، كما تقول: زيدا اضربه، ولكن PageV06P166 # العامة أبت إلا الرفع، يعني عامة القراء وجلهم، فأنزل سيبويه النوع ~~السارق منزلة الشخص المعين. وقرأ ابن مسعود " والسارقون والسارقات فاقطعوا ~~أيمانهم " وهو يقوي قراءة الجماعة. # والسرق والسرقة بكسر الراء فيهما هو اسم الشئ المسروق، والمصدر من سرق ~~يسرق سرقا بفتح الراء. قاله الجوهري. وأصل هذا اللفظ إنما هو أخذ الشئ في ~~خفية من الأعين، ومنه استرق السمع، وسارقه النظر. قال ابن عرفة: السارق عند ~~العرب هو من جاء مستترا إلى حرز فأخذ منه ما ليس له، فإن أخذ من ظاهر فهو ~~مختلس ومستلب ومنتهب ومحترس (1)، فإن تمنع (2) بما في يده فهو غاصب. # قلت: وفي الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (وأسوأ السرقة الذي يسرق ~~صلاته) قالوا: وكيف يسرق صلاته؟ قال: لا يتم ركوعها ولا سجودها) خرجه ~~الموطأ وغيره، فسماه سارقا وإن كان ليس سارقا من حيث [هو] (3) موضع ~~الاشتقاق، فإنه ليس فيه مسارقة الأعين غالبا. # الثانية عشرة - قوله تعالى: " فاقطعوا " القطع معناه الإبانة والإزالة، ~~ولا يجب إلا بجمع أوصاف تعتبر في السارق وفي الشئ المسروق، وفي الموضع ~~المسروق منه، وفي صفته. # فأما ما يعتبر في السارق فخمسة أوصاف، وهي البلوغ والعقل، وأن يكون غير ~~مالك للمسروق منه، وألا يكون له عليه ولاية، فلا يقطع العبد إن سرق من مال ~~سيده، وكذلك السيد إن أخذ مال عبده لا قطع بحال، لان العبد وماله لسيده. ~~ولم يقطع أحد بأخذ مال عبده لأنه آخذ لماله، وسقط قطع العبد بإجماع الصحابة ~~وبقول الخليفة (4): غلامكم سرق متاعكم. وذكر الدارقطني عن ابن عباس ms2150 قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس على العبد الآبق إذا سرق قطع ولا على ~~الذمي) قال: لم يرفعه غير فهد بن سليمان، والصواب [أنه] (5) موقوف. وذكر ~~ابن ماجة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا سرق # PageV06P167 # العبد فبيعوه ولو بنش (1)) أخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو أسامة ~~عن أبي عوانة عن عمر بن أبي سلمة عن أبي هريرة، قال ابن ماجة: وحدثنا جبارة ~~بن المغلس حدثنا حجاج بن تميم عن ميمون بن مهران عن ابن عباس، أن عبدا من ~~رقيق الخمس سرق من الخمس، فرفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقطعه. ~~وقال: (مال الله سرق بعضه بعضا) وجبارة بن المغلس متروك، قاله أبو زرعة ~~الرازي. ولا قطع على صبي ولا مجنون. ويجب على الذمي والمعاهد، والحربي إذا ~~دخل بأمان. وأما ما يعتبر في الشئ المسروق فأربعة أوصاف، وهي النصاب وقد ~~مضى القول فيه، وأن يكون مما يتمول ويتملك ويحل بيعه، وإن كان مما لا يتمول ~~ولا يحل بيعه كالخمر والخنزير فلا يقطع فيه باتفاق حاشا الحر الصغير عند ~~مالك، وابن القاسم، وقيل: لا قطع عليه، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة، لأنه ~~ليس بمال. وقال علماؤنا: هو من أعظم المال، ولم يقطع السارق في المال ~~لعينه. وإنما قطع لتعلق النفوس به، وتعلقها بالحر أكثر من تعلقها بالعبد. ~~وإن كان مما يجوز تملكه ولا يجوز بيعه كالكلب المأذون في اتخاذه ولحوم ~~الضحايا، ففي ذلك اختلاف بين ابن القاسم وأشهب. # قال ابن القاسم: ولا يقطع سارق الكلب، وقال أشهب: ذلك في المنهي عن ~~اتخاذه، فأما المأذون في اتخاذه فيقطع سارقه. قال: ومن سرق لحم أضحية أو ~~جلدها قطع إذا كان قيمة ذلك ثلاثة دراهم. وقال ابن حبيب قال أصبغ: إن سرق ~~الأضحية قبل الذبح قطع، وأما إن سرقها بعد الذبح فلا يقطع. وإن كان مما ~~يجوز اتخاذ أصله وبيعه، فصنع منه ما لا يجوز استعماله كالطنبور والملاهي من ~~المزمار والعود ms2151 وشبهه من آلات اللهو فينظر، فإن كان يبقى منها بعد فساد ~~صورها وإذهاب المنفعة المقصودة بها ربع دينار فأكثر قطع. وكذلك الحكم في ~~أواني الذهب والفضة التي لا يجوز استعمالها ويؤمر بكسرها فإنما يقوم ما ~~فيها من ذهب أو فضة دون صنعة. وكذلك الصليب من ذهب أو فضة، والزيت النجس إن ~~كانت قيمته على نجاسته نصابا قطع فيه. الوصف الثالث، ألا يكون للسارق فيه ~~ملك، كمن سرق ما رهنه # PageV06P168 # أو ما استأجره، ولا شبهة ملك، على اختلاف بين علمائنا وغيرهم في مراعاة ~~شبهة ملك كالذي يسرق من المغنم أو من بيت المال لان له فيه نصيبا. وروي عن ~~علي رضي الله عنه أنه أتى برجل سرق (1) مغفرا من الخمس فلم ير عليه قطعا ~~وقال: له فيه نصيب. وعلى هذا مذهب الجماعة في بيت المال. وقيل: يجب عليه ~~القطع تعلقا بعموم لفظ آية (2) السرقة. وأن يكون مما تصح سرقته كالعبد ~~الصغير والأعجمي الكبير، لان ما لا تصح سرقته كالعبد الفصيح فإنه لا يقطع ~~فيه. وأما ما يعتبر في الموضع المسروق منه فوصف واحد وهو الحرز لمثل ذلك ~~الشئ المسروق. # وجملة القول فيه أن كل شئ له مكان معروف فمكانه حرزه، وكل شئ معه حافظ ~~فحافظه حرزه، فالدور والمنازل والحوانيت حرز لما فيها، غاب عنها أهلها أو ~~حضروا، وكذلك بيت المال حرز لجماعة المسلمين، والسارق لا يستحق فيه شيئا، ~~وإن كان قبل السرقة ممن يجوز أن يعطيه الامام وإنما يتعين حق كل مسلم ~~بالعطية، ألا ترى أن الامام قد يجوز أن يصرف جميع المال إلى وجه من وجوه ~~المصالح ولا يفرقه في الناس، أو يفرقه في بلد دون بلد آخر ويمنع منه قوما ~~دون قوم، ففي التقدير أن هذا السارق ممن لا حق له فيه. وكذلك المغانم لا ~~تخلو: أن تتعين بالقسمة، فهو ما ذكرناه في بيت المال، أو تتعين بنفس ~~التناول لمن شهد الوقعة، فيجب أن يراعي قدر ما سرق، فإن كان فوق حقه قطع ~~وإلا لم يقطع (3). # الرابعة عشرة - وظهور ms2152 الدواب حرز لما حملت، وأفنية الحوانيت حرز لما وضع ~~فيها في موقف البيع وإن لم يكن هناك حانوت، كان معه أهله أم لا، سرقت بليل ~~أو نهار. # وكذلك موقف الشاة في السوق مربوطة أو غير مربوطة، والدواب على مرابطها ~~محرزة، كان معها أهلها أم لا، فإن كانت الدابة بباب المسجد أو في السوق لم ~~تكن محرزة إلا أن يكون معها حافظ، ومن ربطها بفنائه أو اتخذ موضعا مربطا ~~لدوابه فإنه حرز لها. والسفينة حرز لما فيها وسواء كانت سائبة أو مربوطة، ~~فإن سرقت السفينة نفسها فهي كالدابة إن كانت سائبة فليست بمحرزة، وإن كان ~~صاحبها ربطها في موضع وأرساها فيه فربطها حرز، # PageV06P169 # وهكذا إن كان معها أحد حيثما كانت فهي محرزة، كالدابة بباب المسجد معها ~~حافظ، إلا أن ينزلوا بالسفينة في سفرهم منزلا فيربطوها فهو حرز لها كان ~~صاحبها معها أم لا. # الخامسة عشرة - ولا خلاف أن الساكنين في دار واحدة كالفنادق التي يسكن ~~فيها كل رجل بيته على حدة، يقطع من سرق منهم من بيت صاحبه إذا أخذ وقد خرج ~~بسرقته إلى قاعة الدار وإن لم يدخل بها بيته ولا خرج بها من الدار. ولا ~~خلاف في أنه لا يقطع من سرق منهم من قاعة الدار شيئا وإن أدخله بيته أو ~~أخرجه من الدار، لان قاعتها مباحة للجميع للبيع والشراء، إلا أن تكون دابة ~~في مربطها أو ما يشبهها من المتاع. # السادسة عشرة - ولا يقطع الأبوان بسرقة مال ابنهما، لقوله عليه السلام: ~~(أنت ومالك لأبيك). ويقطع في سرقة مالهما، لأنه لا شبهة له فيه. وقيل: لا ~~يقطع، وهو قول ابن وهب وأشهب، لان الابن ينبسط في مال أبيه في العادة، ألا ~~ترى أن العبد لا يقطع في مال سيده فلان لا يقطع ابنه في ماله أولى. ~~واختلفوا في الجد، فقال مالك وابن القاسم: # لا يقطع. وقال أشهب: يقطع. وقول مالك أصح لأنه أب، قال مالك: أحب إلى ألا ~~يقطع الأجداد من قبل الأب والام وإن لم تجب لهم نفقة. ms2153 قال ابن القاسم ~~وأشهب: # ويقطع من سواهما من القرابات. قال ابن القاسم: ولا يقطع من سرق من جوع ~~أصابه. # وقال أبو حنيفة: لا قطع على أحد من ذوي المحارم مثل العمة والخالة والأخت ~~وغيرهم، وهو قول الثوري. وقال مالك والشافعي وأحمد وإسحق: يقطع من سرق من ~~هؤلاء. وقال أبو ثور: يقطع كل سارق سرق ما تقطع فيه اليد، إلا أن يجمعوا ~~على شئ فيسلم للاجماع [والله أعلم] (1). # السابعة عشرة - واختلفوا في سارق المصحف، فقال الشافعي وأبو يوسف وأبو ~~ثور: يقطع إذا كانت قيمته ما تقطع فيه اليد، وبه قال ابن القاسم. وقال ~~النعمان: # لا يقطع من سرق مصحفا. قال ابن المنذر: يقطع سارق المصحف. واختلفوا في ~~الطرار (2) يطر النفقة من الكم، فقالت طائفة: يقطع من طر من داخل الكم أو ~~من خارج، وهو قول مالك # PageV06P170 # والأوزاعي وأبي ثور ويعقوب. قال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن وإسحق: إن كانت ~~الدراهم مصرورة في ظاهر كمه فطرها فسرقها لم يقطع، وإن كانت مصرورة إلى ~~داخل الكم فأدخل يده فسرقها قطع. وقال الحسن: يقطع. قال ابن المنذر: يقطع ~~على أي جهة طر. # الثامنة عشرة - واختلفوا في قطع اليد في السفر، وإقامة الحدود في أرض ~~الحرب، فقال مالك والليث بن سعد: تقام الحدود في أرض الحرب ولا فرق بين دار ~~الحرب والاسلام. وقال الأوزاعي: يقيم من غزا على جيش - وإن لم يكن أمير مصر ~~من الأمصار - الحدود في عسكره غير القطع. وقال أبو حنيفة: إذا غزا الجند ~~أرض الحرب وعليهم أمير فإنه لا يقيم الحدود في عسكره، إلا أن يكون إمام مصر ~~أو الشام أو العراق أو ما أشبهه فيقيم الحدود في عسكره. استدل الأوزاعي ومن ~~قال بقوله بحديث جنادة بن أبي أمية قال: كنا مع بسر بن أرطأة في البحر، ~~فأتى بسارق يقال له مصدر قد سرق بختية (1)، فقال: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: (لا تقطع الأيدي في الغزو) (2) ولولا ذلك لقطعته. يسر هذا ~~[يقال] (3) ولد في زمن النبي صلى الله ms2154 عليه وسلم، وكانت له أخبار سوء في ~~جانب علي وأصحابه، وهو الذي ذبح طفلين (4) لعبد الله بن العباس ففقدت أمهما ~~عقلها فهامت على وجهها، فدعا عليه علي رضي الله عنه أن يطيل الله عمره ~~ويذهب عقله، فكان كذلك. قال يحيى ابن معين: كان بسر بن أرطأة رجل سوء. ~~استدل من قال بالقطع بعموم القرآن، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى. وأولى ما ~~يحتج به لمن منع القطع في أرض الحرب والحدود: # مخافة أن يلحق ذلك بالشرك. والله أعلم. # التاسعة عشرة - فإذا قطعت اليد أو الرجل فإلى أين تقطع؟ فقال الكافة: ~~تقطع من الرسغ والرجل من المفصل، ويحسم الساق إذا قطع. وقال بعضهم: يقطع ~~إلى المرفق. # وقيل: إلى المنكب، لان اسم اليد يتناول ذلك. وقال علي رضي الله عنه: تقطع ~~الرجل من شطر القدم ويترك له العقب (5)، وبه قال أحمد وأبو ثور. قال ابن ~~المنذر: وقد روينا # PageV06P171 # عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بقطع يد رجل فقال: (أحسموها) وفي ~~إسناده مقال، واستحب ذلك جماعة منهم الشافعي وأبو ثور وغيرهما، وهذا أحسن ~~وهو أقرب إلى البرء وأبعد من التلف. # الموفية عشرين - لا خلاف أن اليمنى هي التي تقطع أولا، ثم اختلفوا إن سرق ~~ثانية، فقال مالك وأهل المدينة والشافعي وأبو ثور وغيرهم: تقطع رجله ~~اليسرى، ثم في الثالثة يده اليسرى، ثم في الرابعة رجله اليمنى، ثم إن سرق ~~خامسة يعزر ويحبس. وفال أبو مصعب من علمائنا: يقتل بعد الرابعة، واحتج ~~بحديث خرجه النسائي عن الحارث بن حاطب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي ~~بلص فقال: (اقتلوه) فقالوا: يا رسول الله إنما سرق، قال: # [(اقتلوه) (1)، قالوا: يا رسول إنما سرق، قال]: (اقطعوا يده)، قال: ثم ~~سرق فقطعت رجله، ثم سرق على عهد أبي بكر رضي الله عنه حتى قطعت قوائمه ~~كلها، ثم سرق أيضا [الخامسة] (2) فقال أبو بكر رضي الله عنه: كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أعلم بهذا حين قال: (اقتلوه) ثم دفعه إلى فتية من قريش ms2155 ~~ليقتلوه، منهم عبد الله بن الزبير وكان يحب الامارة فقال: أمروني عليكم ~~فأمروه عليهم، فكان إذا ضرب ضربوه حتى قتلوه. وبحديث جابر أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أمر بسارق في الخامسة فقال: (اقتلوه). قال جابر: فانطلقنا ~~به فقتلناه، ثم اجتررناه فرميناه في بئر ورمينا عليه الحجارة. رواه أبو ~~داود وخرجه النسائي وقال: هذا حديث منكر وأحد رواته (3) ليس بالقوي. ولا ~~أعلم في هذا الباب حديثا صحيحا. قال ابن المنذر: ثبت عن أبي بكر وعمر [رضي ~~الله عنهما] (4) أنهما قطعا اليد بعد اليد والرجل بعد الرجل. وقيل: تقطع في ~~الثانية رجله اليسرى ثم لا قطع في غيرها، ثم إذا عاد عزر وحبس، وروي عن علي ~~بن أبي طالب، وبه قال الزهري وحماد بن أبي سليمان وأحمد بن حنبل. قال ~~الزهري: لم يبلغنا في السنة إلا قطع اليد والرجل. وفال عطاء: تقطع يده ~~اليمنى خاصة ولا يعود عليه القطع: ذكره ابن العربي وقال: أما قول عطاء فإن ~~الصحابة قالوا قبله خلافه. # PageV06P172 # الحادية والعشرون - واختلفوا في الحاكم يأمر بقطع يد السارق اليمنى فتقطع ~~يساره، فقال قتادة: قد أقيم عليه الحد ولا يزاد عليه، وبه قال مالك: إذا ~~أخطأ القاطع فقطع شماله، وبه قال أصحاب الرأي استحسانا. وقال أبو ثور: على ~~الحزاز (1) الدية لأنه أخطأ وتقطع يمينه إلا أن يمنع بإجماع (2). قال ابن ~~المنذر: ليس يخلو قطع يسار السارق من أحد معنيين، إما أن يكون القاطع عمد ~~ذلك فعليه القود، أو يكون أخطأ فديته على عاقلة القاطع، وقطع يمين السارق ~~يجب، ولا يجوز إزالة ما أوجب الله سبحانه بتعدي معتد أو خطأ مخطئ. # وقال الثوري في الذي يقتص منه في يمينه فيقدم شماله فتقطع، قال: تقطع ~~يمينه أيضا. # قال ابن المنذر: وهذا صحيح. وقالت طائفة: تقطع يمينه إذا برئ، وذلك أنه ~~هو أتلف يساره، ولا شئ على القاطع في قول أصحاب الرأي، وقياس قول الشافعي. ~~وتقطع يمينه إذا برئت. وقال قتادة والشعبي: لا شئ على القاطع وحسبه ما قطع ~~منه. # الثانية والعشرون - وتعلق ms2156 يد السارق في عنقه، قال عبد الله بن محيريز ~~سألت فضالة عن تعليق يد السارق في عنقه أمن السنة هو؟ فقال: جئ رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بسارق فقطعت يده، ثم أمر بها فعلقت في عنقه، أخرجه ~~الترمذي - وقال: حديث حسن غريب - وأبو داود والنسائي. # الثالثة والعشرون - إذا وجب حد السرقة فقتل السارق رجلا، فقال مالك: يقتل ~~ويدخل القطع فيه. وقال الشافعي: يقطع [ويقتل] (3)، لأنهما حقان لمستحقين ~~فوجب أن يوفى لكل واحد منهما حقه، وهذا هو الصحيح إن شاء الله تعالى، وهو ~~اختيار ابن العربي. # الرابعة والعشرون - قوله تعالى: " أيديهما " لما قال " أيديهما " ولم يقل ~~يديهما تكلم علماء اللسان (4) في ذلك - قال ابن العربي: وتابعهم الفقهاء ~~على ما ذكروه حسن ظن بهم (5) - فقال الخليل بن أحمد والفراء: كل شئ يوجد من ~~خلق الانسان إذا أضيف إلى اثنين جمع تقول: هشمت رؤوسهما وأشبعت بطونهما، و ~~" إن تتوبا إلى الله فقد # PageV06P173 # صغت قلوبكما " (1) [التحريم: 4]، ولهذا قال: " فاقطعوا أيديهما " ولم يقل ~~يديهما. والمراد فاقطعوا يمينا من هذا ويمينا من هذا. ويجوز في اللغة، ~~فاقطعوا يديهما وهو الأصل، وقد قال الشاعر (2) فجمع بين اللغتين: # ومهمهين قذفين مرتين * ظهراهما مثل ظهور الترسين وقيل: فعل هذا لأنه لا ~~يشكل. وقال سيبويه: إذا كان مفردا قد يجمع إذا أردت به التثنية، وحكي عن ~~العرب، وضعا رحالهما. ويريد [به] (3) رحلي راحلتيهما، قال ابن العربي: # وهذا بناء على أن اليمين وحدها هي التي تقطع وليس كذلك، بل تقطع الأيدي ~~والأرجل، فيعود قوله " أيديهما " (4) إلى أربعة وهي جمع في الاثنين، وهما ~~تثنية فيأتي الكلام على فصاحته، ولو قال: فاقطعوا أيديهم لكان وجها، لان ~~السارق والسارقة لم يرد بهما شخصين خاصة، وإنما هما اسما جنس يعمان ما لا ~~يحصى. # الخامسة والعشرون - قوله تعالى: (جزاء بما كسبا) مفعول من أجله، وإن شئت ~~كان مصدرا وكذا (نكالا من الله) يقال: نكلت به إذا فعلت به ما يوجب أن ينكل ~~به عن ذلك الفعل. (والله عزيز) لا يغالب (حكيم) فيما يفعله، وقد تقدم. ms2157 # السادسة والعشرون - قوله تعالى: " فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح " شرط، ~~وجوابه " فإن الله يتوب عليه ". ومعنى " من بعد ظلمه " من بعد السرقة، فإن ~~الله يتجاوز عنه. # والقطع لا يسقط بالتوبة. وقال عطاء وجماعة: يسقط بالتوبة قبل القدرة على ~~السارق. وقاله بعض الشافعية وعزاه إلى الشافعي قولا. وتعلقوا بقول الله ~~تعالى: " إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم " وذلك استثناء من ~~الوجوب، فوجب حمل جميع الحدود عليه. وقال علماؤنا: # هذا بعينه دليلنا، لان الله سبحانه وتعالى لما ذكر حد المحارب قال: " إلا ~~الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم " وعطف عليه حد السارق وقال فيه: " فمن ~~تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه " فلو كان مثله في الحكم ما غاير ~~الحكم بينهما. قال ابن العربي: ويا معشر # PageV06P174 # الشافعية سبحان الله! أين الدقائق الفقهية (1)، والحكم الشرعية، التي ~~تستنبطونها من غوامض المسائل؟! ألم تروا إلى المحارب المستبد بنفسه، ~~المعتدى بسلاحه، الذي يفتقر الامام معه إلى الايجاف بالخيل والركاب كيف ~~أسقط جزاءه بالتوبة استنزالا عن تلك الحالة، كما فعل بالكافر في مغفرة جميع ~~ما سلف استئلافا على الاسلام، فأما السارق والزاني وهما في قبضة المسلمين ~~وتحت حكم الامام، فما الذي يسقط عنهم حكم ما وجب عليهم؟! أو كيف يجوز أن ~~يقال: يقاس على المحارب وقد فرقت بينهما الحكمة والحالة! هذا مالا يليق ~~بمثلكم يا معشر المحققين. وإذا ثبت أن الحد لا يسقط بالتوبة، فالتوبة ~~مقبولة والقطع كفارة له. " وأصلح " أي كما تاب عن السرقة تاب عن كل ذنب. ~~وقيل: " وأصلح " أي ترك المعصية بالكلية، فأما من ترك السرقة بالزنى أو ~~التهود بالتنصر فهذا ليس بتوبة، وتوبة الله على العبد أن يوفقه للتوبة. ~~وقيل: أن تقبل منه التوبة. # السابعة والعشرون - يقال: بدأ الله بالسارق في هذه الآية قبل السارقة، ~~وفي الزنى بالزانية قبل الزاني ما الحكمة في ذلك؟ فالجواب أن يقال: لما كان ~~حب المال على الرجال أغلب، وشهوة الاستمتاع على النساء أغلب بدأ بهما في ~~الموضعين، هذا أحد الوجوه في ms2158 المرأة على ما يأتي بيانه في سورة " النور " ~~(2) من البداية بها على الزاني إن شاء الله. ثم جعل الله حد السرقة قطع ~~اليد لتناول المال، ولم يجعل حد الزنى قطع الذكر مع مواقعة الفاحشة به ~~لثلاثة معان: أحدها: أن للسارق مثل يده التي قطعت فإن انزجر بها اعتاض ~~بالثانية (3)، وليس للزاني مثل ذكره إذا قطع فلم يعتض بغيره لو انزجر ~~بقطعه. الثاني: أن الحد زجر للمحدود وغيره، وقطع اليد في السرقة ظاهر: وقطع ~~الذكر في الزنى باطن. الثالث - أن قطع الذكر فيه إبطال للنسل وليس في قطع ~~اليد إبطاله. والله أعلم. # قوله تعالى: ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض يعذب من يشاء ويغفر ~~لمن يشاء والله على كل شئ قدير (40) # PageV06P175 # قوله تعالى: (ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض) الآية. خطاب ~~للنبي صلى الله عليه وسلم وغيره، أي لا قرابة بين الله تعالى وبين أحد توجب ~~المحاباة حتى يقول قائل: # نحن أبناء الله وأحباؤه، والحدود تقام على كل من يقارف موجب الحد. وقيل: ~~أي له أن يحكم بما يريد، فلهذا فرق بين المحارب وبين السارق غير المحارب. ~~وقد تقدم نظائر هذه الآية والكلام فيها فلا معنى لإعادتها والله الموفق. ~~هذا ما يتعلق بآية السرقة من بعض أحكام السرقة. والله أعلم. # قوله تعالى: يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين ~~قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون ~~لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا ~~فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا ~~أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة ~~عذاب عظيم (41) فيه ثمان مسائل الأولى - قوله تعالى: (يا أيها الرسول لا ~~يحزنك) الآية في سبب نزولها ثلاثة أقوال: # قيل نزلت في بني قريظة والنضير، قتل قرظي نضيريا وكان بنو النضير إذا ~~قتلوا من بني قريظة لم يقيدوهم، وإنما ms2159 يعطونهم الدية على ما يأتي بيانه، ~~فتحاكموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فحكم بالتسوية بين القرظي والنضيري، ~~فساءهم ذلك ولم يقبلوا. وقيل، إنها نزلت في شأن أبي لبابة حين أرسله النبي ~~صلى الله عليه وسلم إلى بني قريضة فخانه حين أشار إليهم أنه الذبح (1). ~~وقيل: إنها نزلت في زني اليهوديين وقصة الرجم، وهذا أصح الأقوال، رواه # PageV06P176 # الأئمة مالك والبخاري ومسلم والترمذي وأبو داود. قال أبو داود عن جابر بن ~~عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم (ائتوني بأعلم رجلين منكم) ~~فجاءوا بابني صوريا فنشدهما الله تعالى (كيف تجدان أمر هذين في التوراة)؟ ~~قالا: نجد في التوراة إذا شهد أربعة أنهم رأوا ذكره في فرجها كالمرود في ~~المكحلة رجما. قال: (فما يمنعكما أن ترجموهما)، قالا: ذهب سلطاننا فكرهنا ~~القتل. فدعا النبي صلى الله عليه وسلم بالشهود (1)، فجاءوا فشهدوا أنهم ~~رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~برجمهما. وفي غير الصحيحين عن الشعبي عن جابر بن عبد الله قال: زنى رجل من ~~أهل فدك، فكتب أهل فدك إلى ناس من اليهود بالمدينة أن سلوا محمدا عن ذلك، ~~فإن أمركم بالجلد فخذوه، وإن أمركم بالرجم فلا تأخذوه، فسألوه فدعا بابن ~~صوريا وكان عالمهم وكان أعور، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~(أنشدك الله كيف تجدون حد الزاني في كتابكم)، فقال ابن صوريا: فأما إذ ~~ناشدتني الله فإنا نجد في التوراة أن النظر زنية، والاعتناق زنية، والقبلة ~~زنية، فإن شهد أربعة بأنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة فقد ~~وجب الرجم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (هو ذاك). وفي صحيح مسلم عن ~~البراء بن عازب قال: مر على النبي صلى الله عليه وسلم بيهودي محمما (2) ~~مجلودا، فدعاهم فقال: هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم) قالوا: نعم. فدعا ~~رجلا من علمائهم فقال: (أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى أهكذا ~~تجدون حد الزاني في كتابكم) قال: لا - ولولا أنك ms2160 نشدتني بهذا لم أخبرك - ~~نجده الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا ~~أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، قلنا: تعالوا فلنجتمع على شئ نقيمه على ~~الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: (اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه) فأمر به فرجم، ~~فأنزل الله تعالى: " يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر " إلى ~~قوله: " إن أوتيتم هذا فخذوه " يقول: ائتوا محمدا، فإن أمركم بالتحميم # PageV06P177 # والجلد فخذوه وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا، فأنزل الله عز وجل: " ومن لم ~~يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون " [المائدة 44]، " ومن لم يحكم بما ~~أنزل الله فأولئك هم الظالمون " [المائدة: 45]، " ومن لم يحكم بما أنزل ~~الله فأولئك هم الفاسقون " [المائدة: 47] في الكفار كلها. هكذا في هذه ~~الرواية (مر على النبي صلى الله عليه وسلم)، وفي حديث ابن عمر: أتي بيهودي ~~ويهودية فد زنيا فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاء يهود، قل: ~~(ما تجدون في التوراة على من زنى) الحديث. # وفي رواية، أن اليهود جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل ~~وامرأة قد زنيا. # وفي كتاب أيي داود من حديث ابن عمر قال: أتى نفر من اليهود، فدعوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى القف (1) فأتاهم في بيت المدراس (2) فقالوا: ~~يا أبا القاسم، إن رجلا منا زنى بامرأة فاحكم بيننا. ولا تعارض في شئ من ~~هذا كله، وهي كلها قصة واحدة، وفد ساقها أبو داود من حديث أبي هريرة سياقة ~~حسنة فقال: زنى رجل من اليهود وامرأة، فقال بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى هذا ~~النبي، فأنه نبي بعث بالتخفيفات، فإن أفتى بفتيا دون الرجم قبلناها ~~واحتججنا بها عند الله، وقلنا فتيا نبي من أنبيائك، قال: فأتوا النبي صلى ~~الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد في أصحابه، فقالوا: يا أبا القاسم ما ~~ترى في رجل وامرأة منهم زنيا؟ # فلم يكلمهم النبي صلى الله عليه وسلم حتى أتى بيت ms2161 مدراسهم، فقام على ~~الباب، فقال: (أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى ما تجدون في ~~التوراة على من زنى إذا أحصن)، فقالوا: يحمم وجهه ويجبه ويجلد، والتجبية أن ~~يحمل الزانيان على حمار وتقابل أقفيتهما ويطاف بهما، قال: وسكت شاب منهم، ~~فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم سكت ألظ (3) به النشدة، فقال: # اللهم إذ نشدتنا فإنا نجد في التوراة الرجم. وساق الحديث إلى أن قال قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: (فإني أحكم بما في التوراة) فأمر به فرجما. # PageV06P178 # الثانية - والحاصل من هذه الروايات أن اليهود حكمت النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فحكم عليهم بمقتضى ما في التوراة. واستند في ذلك إلى قول ابني صوريا، ~~وأنه سمع شهادة اليهود وعمل بها، وأن الاسلام ليس شرطا في الاحصان. فهذه ~~مسائل أربع. فإذا ترافع أهل الذمة إلى الامام، فإن كان ما رفعوه ظلما ~~كالقتل والعدوان والغصب حكم بينهم، ومنعهم منه بلا خلاف. # وأما إذا لم يكن كذلك فالامام مخير في الحكم بينهم وتركه عند مالك ~~والشافعي، غير أن مالكا رأى الاعراض [عنهم] (1) أولى، فإن حكم حكم [بينهم] ~~(2) بحكم الاسلام. وقال الشافعي: لا يحكم بينهم في الحدود. وقال أبو حنيفة: ~~يحكم بينهم على كل حال، وهو قول الزهري وعمر بن عبد العزيز والحكم، وروي عن ~~ابن عباس وهو أحد قولي الشافعي، لقوله تعالى: " وأن احكم بينهم بما أنزل ~~الله " [المائدة: 49] على ما يأتي بيانه [بعد] (3)، احتج مالك بقوله تعالى: ~~" فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم " [المائدة: 42] وهي نص في التخيير. ~~قال ابن القاسم: إذا جاء الأساقفة والزانيان فالحاكم مخير، لان إنفاذ الحكم ~~حق للأساقفة. والمخالف يقول: لا يلتفت إلى الأساقفة. # قال ابن العربي: وهو الأصح، لان مسلمين لو حكما بينهما رجلا لنفذ، ولم ~~يعتبر رضا الحاكم. # فالكتابيون بذلك أولى. وقال عيسى عن ابن القاسم: لم يكونوا أهل ذمة إنما ~~كانوا أهل حرب. قال ابن العربي: وهذا الذي قاله عيسى عنه إنما نزع به لما ~~رواه الطبري وغيره: # أن الزانيين كانا من أهل ms2162 خيبر أو فدك، وكانوا حربا لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. واسم المرأة الزانية بسرة، وكانوا بعثوا إلى يهود المدينة ~~يقولون لهم اسألوا محمدا عن هذا، فإن أفتاكم بغير الرجم فخذوه [منه] (4) ~~واقبلوه، وإن أفتاكم به فاحذروه (3)، الحديث. قال ابن العربي: وهذا لو كان ~~صحيحا لكان مجيئهم بالزانيين وسؤالهم عهدا وأمانا، وإن لم يكن عهد وذمة ~~ودار لكان له حكم الكف عنهم والعدل فيهم، فلا حجة لرواية عيسى في هذا، ~~وعنهم أخبر الله تعالى بقوله: # " سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك " ولما حكموا النبي صلى الله ~~عليه وسلم نفذ الحكم عليهم ولم يكن لهم الرجوع، فكل من حكم رجلا في الدين ~~وهي: # الثالثة - فأصله هذه الآية. قال مالك: إذا حكم رجلا فحكمه ماض وإن رفع ~~إلى قاض أمضاه، إلا أن يكون جورا بينا. وقال سحنون: يمضيه إن رآه [صوابا] ~~(5). قال # PageV06P179 # ابن العربي: وذلك في الأموال والحقوق التي تختص بالطالب، فأما الحدود فلا ~~يحكم فيها إلا السلطان، والضابط أن كل حق اختص به الخصمان جاز التحكيم فيه ~~ونفذ تحكيم المحكم فيه، وتحقيقه أن التحكيم بين الناس إنما هو حقهم لا حق ~~الحاكم بيد أن الاسترسال على التحكيم خرم لقاعدة الولاية، ومؤد إلى تهارج ~~الناس كتهارج (1) الحمر، فلا بد من فاصل، فأمر الشرع بنصب الوالي ليحسم ~~قاعدة الهرج، وأذن في التحكيم تخفيفا عنه وعنهم في مشقة الترافع لتتم ~~المصلحتان وتحصل الفائدة. وقال الشافعي وغيره: التحكيم جائز وإنما هو فتوى. ~~وقال بعض العلماء: إنما كان حكم النبي صلى الله عليه وسلم على اليهود ~~بالرجم إقامة لحكم كتابهم، لما حرفوه وأخفوه وتركوا العمل به، ألا ترى أنه ~~قال: (اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه) وأن ذلك كان حين قدم المدينة، ~~ولذلك استثبت ابني صوريا عن حكم التوراة واستحلفهما على ذلك. وأقوال الكفار ~~في الحدود وفي شهادتهم عليها غير مقبولة بالاجماع، لكن فعل ذلك على طريق ~~إلزامهم ما التزموه وعملوا به. وقد يحتمل أن بكون حصول طريق العلم بذلك ~~الوحي، أو ما ms2163 ألقى الله في روعه من تصديق ابني صوريا فيما قالاه من ذلك لا ~~قولهما مجردا، فبين له [النبي] (2) صلى الله عليه وسلم، وأخبر بمشروعية ~~الرجم، ومبدؤه ذلك الوقت، فيكون أفاد بما فعله إقامة حكم التوراة، وبين أن ~~ذلك حكم شريعته، وأن التوراة حكم الله سبحانه، لقوله تعالى: " إنا أنزلنا ~~التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا " [المائدة: 44] (3) ~~وهو من الأنبياء. وقد قال عنه أبو هريرة: (فإني أحكم بما في التوراة) والله ~~أعلم. # الرابعة - والجمهور على رد شهادة الذمي، لأنه ليس من أهلها فلا تقبل على ~~مسلم ولا على كافر، وقد قبل شهادتهم جماعة من التابعين وغيرهم إذا لم يوجد ~~مسلم على ما يأتي بيانه آخر السورة. فإن قيل: فقد حكم بشهادتهم ورجم ~~الزانيين (4): فالجواب، أنه إنما نفذ عليهم ما علم أنه حكم التوراة وألزمهم ~~العمل به، على نحو ما عملت به بنو إسرائيل إلزاما للحجة عليهم، وإظهارا ~~لتحريفهم وتغييرهم، فكان منفذا لا حاكما (5). وهذا على التأويل الأول، وعلى # PageV06P180 # ما ذكر من الاحتمال فيكون ذلك خاصا بتلك الواقعة، إذ لم يسمع في الصدر ~~الأول من قبل شهادتهم في مثل ذلك. والله أعلم. # الخامسة - قوله تعالى: " لا يحزنك " قرأ نافع بضم الياء وكسر الزاي، ~~والباقون بفتح الياء وضم الزاي. والحزن والحزن خلاف السرور، وحزن الرجل ~~بالكسر فهو حزن وحزين، وأحزنه غيره وحزنه أيضا مثل أسلكه وسلكه، ومحزون بني ~~عليه. قال اليزيدي: حزنه لغة قريش، وأحزنه لغة تميم، وقد قرئ بهما. واحتزن ~~وتحزن بمعنى. والمعنى في الآية تأنيس للنبي صلى الله عليه وسلم: أي لا ~~يحزنك مسارعتهم إلى الكفر، فإن الله قد وعدك النصر عليهم. # السادسة - قوله تعالى: (من الذين قالوا آمنا بأفواههم) وهم المنافقون ~~(ولم تؤمن قلوبهم) أي لم يضمروا في قلوبهم الايمان كما نطقت به ألسنتهم ~~(ومن الذين هادوا) يعنى يهود المدينة ويكون هذا تمام الكلام، ثم ابتدأ فقال ~~" سماعون للكذب " أي هم سماعون، ومثله " طوافون عليكم " (1) [النور: 58]. ~~وقيل الابتداء من قوله: " ومن الذين هادوا " أي ومن الذين هادوا ms2164 قوم سماعون ~~للكذب، أي قابلون لكذب رؤسائهم من تحريف التوراة. # وقيل: أي يسمعون كلامك يا محمد ليكذبوا عليك، فكان فيهم من يحضر النبي ~~صلى الله عليه وسلم ثم يكذب عليه عند عامتهم، ويقبح صورته في أعينهم، وهو ~~معنى قوله (سماعون لقوم آخرين لم يأتوك) وكان في المنافقين من يفعل هذا. ~~قال الفراء: ويجوز سماعين وطوافين، كما قال: " ملعونين أينما ثقفوا " (2) ~~وكما قال: " إن المتقين في جنات ونعيم " (3) [الطور: 17] ثم قال: # " فاكهين " " آخذين " (3). وقال سفيان بن عيينة: إن الله سبحانه ذكر ~~الجاسوس في القرآن بقوله: " سماعون لقوم آخرين لم يأتوك " ولم يعرض النبي ~~صلى الله عليه وسلم لهم مع علمه بهم، لأنه لم يكن حينئذ تقررت الاحكام ولا ~~تمكن الاسلام. وسيأتي حكم الجاسوس في " الممتحنة " (4) إن شاء الله تعالى. # السابعة - قوله تعالى: (يحرفون الكلم من بعد مواضعه) أي يتأولونه على غير ~~تأويله بعد أن فهموه عنك وعرفوا مواضعه التي أرادها الله عز وجل، وبين ~~أحكامه، فقالوا: # PageV06P181 # شرعه ترك الرجم، وجعلهم بدل رجم المحصن جلد أربعين تغييرا لحكم الله عز ~~وجل. # و " يحرفون " في موضع الصفة لقوله " سماعون " وليس بحال من الضمير الذي ~~في " يأتوك " لأنهم إذا لم يأتوا لم يسمعوا، والتحريف إنما هو ممن يشهد ~~ويسمع فيحرف. والمحرفون من اليهود بعضهم لا كلهم، ولذلك كان حمل المعنى على ~~" من الذين هادوا " فريق سماعون أشبه. (يقولون) في موضع الحال من المضمر في ~~" يحرفون ". (إن أوتيتم هذا فخذوه) أي إن أتاكم محمد صلى الله عليه وسلم ~~بالجلد فأقبلوا وإلا فلا. # الثامنة - قوله تعالى: (ومن يرد الله فتنته) أي ضلالته في الدنيا وعقوبته ~~في الآخرة. (فلن تملك له من الله شيئا) أي فلن تنفعه. (أولئك الذين لم يرد ~~الله أن يطهر قلوبهم) بيان منه عز وجل أنه قضى عليهم بالكفر. ودلت الآية ~~على أن الضلال بمشيئة الله تعالى ردا على من قال خلاف ذلك على ما تقدم، أي ~~لم يرد الله أن يطهر قلوبهم من الطبع عليها والختم كما طهر قلوب المؤمنين ~~ثوابا لهم. ms2165 (لهم في الدنيا خزي) قيل: هو فضيحتهم حين أنكروا الرجم، ثم ~~أحضرت التوراة فوجد فيها الرجم. وقيل: خزيهم في الدنيا أخذ الجزية والذل. ~~والله أعلم. # قوله تعالى: سماعون للكذب أكالون للسحت فإن جاءوك فأحكم بينهم أو أعرض ~~عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فأحكم بينهم بالقسط إن الله ~~يحب المقسطين (42) فيه مسئلتان: # الأولى - قوله تعالى: (سماعون للكذب) كرره تأكيدا وتفخيما، وقد تقدم (1). # الثانية - قوله تعالى: (أكالون للسحت) على التكثير. والسحت في اللغة أصله ~~الهلاك والشدة، قال الله تعالى: " فيسحتكم بعذاب " (2). وقال الفرزدق: # PageV06P182 # وعض زمان يا بن مروان لم يدع * من المال إلا مسحتا (1) أو مجلف (2) كذا ~~الرواية. أو مجلف بالرفع عطفا على المعنى، لان معنى لم يدع لم يبق. ويقال ~~للحالق: # أسحت أي استأصل. وسمي المال الحرام سحتا لأنه يسحت الطاعات أي يذهبها ~~ويستأصلها. # وقال الفراء: أصله كلب الجوع، يقال رجل مسحوت المعدة أي أكول، فكأن ~~بالمسترشي وآكل الحرام من الشره إلى ما يعطى مثل الذي بالمسحوت المعدة من ~~النهم. وقيل: سمي الحرام سحتا لأنه يسحت مروءة الانسان. # قلت: والقول الأول أولى، لان بذهاب الدين تذهب المروءة، ولا مروءة لمن لا ~~دين له. # قال ابن مسعود وغيره: السحت الرشا. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ~~رشوة الحاكم من السحت. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (كل لحم نبت ~~بالسحت فالنار أولى به) قالوا: يا رسول الله وما السحت؟ قال: (الرشوة في ~~الحكم). وعن ابن مسعود أيضا أنه قال: السحت أن يقضي الرجل لأخيه حاجة فيهدي ~~إليه هدية فيقبلها. وقال ابن خويزمنداد: # من السحت أن يأكل الرجل بجاهه، وذلك أن يكون له جاه عند السلطان فيسأله ~~إنسان حاجة فلا يقضيها إلا برشوة يأخذها. ولا خلاف بين السلف أن أخذ الرشوة ~~على إبطال حق أو ما لا يجوز سحت حرام. وقال أبو حنيفة: إذا ارتشى الحاكم ~~انعزل في الوقت وإن لم يعزل، وبطل كل حكم حكم به بعد ذلك. # قلت: وهذا لا يجوز أن يختلف فيه ms2166 إن شاء الله، لان أخذ الرشوة منه فسق، ~~والفاسق لا يجوز حكمه. والله أعلم. وقال عليه الصلاة والسلام: (لعن اله ~~الراشي والمرتشي). وعن علي رضي الله عنه أنه قال: السحت الرشوة وحلوان (3) ~~الكاهن والاستجعال في القضية (4). وروي عن وهب بن منبه أنه قيل له: الرشوة ~~حرام في كل شئ؟ فقال: لا، إنما يكره من الرشوة أن ترشي لتعطي ما ليس لك، أو ~~تدفع حقا فد لزمك، فأما أن ترشي لتدفع عن دينك ودمك ومالك # PageV06P183 # فليس بحرام. قال أبو الليث السمرقندي الفقيه: وبهذا نأخذ، لا بأس بأن ~~يدفع الرجل عن نفسه وماله بالرشوة. وهذا كما روي عن عبد الله بن مسعود أنه ~~كان بالحبشة فرشا دينارين وقال: إنما الاثم على القابض دون الدافع، قال ~~المهدوي: ومن جعل كسب الحجام ومن ذكر معه سحتا فمعناه أنه يسحت مروءة آخذه. # قلت: الصحيح في كسب الحجام أنه طيب، ومن أخذ طيبا لا تسقط مروءته ولا ~~تنحط مرتبته. وقد روى مالك عن حميد الطويل عن أنس أنه قال: احتج رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، حجمه أبو طيبة فأمر له [رسول الله صلى الله عليه وسلم] ~~(1) بصاع من تمر وأمر أهله أن يخففوا عنه من خراجه، قال ابن عبد البر: هذا ~~يدل على أن كسب الحجام طيب، لان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجعل ثمنا ~~ولا جعلا [ولا] (1) عوضا لشئ من الباطل. # وحديث أنس هذا ناسخ لما حرمه النبي صلى الله عليه وسلم من ثمن الدم، ~~وناسخ لما كرهه من إجارة الحجام. وروى البخاري وأبو داود عن ابن عباس قال: ~~احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطى الحجام أجره، ولو كان سحتا لم ~~يعطه. والسحت والسحت لغتان قرئ بهما، قرأ أبو عمرو وابن كثير والكسائي ~~بضمتين، والباقون بضم السين وحدها. وروى العباس بن الفضل عن خارجة بن مصعب ~~عن نافع " أكالون للسحت " بفتح السين وإسكان الحاء وهذا مصدر من سحته، ~~يقال: أسحت وسحت بمعنى واحد. وقال الزجاج: سحته ذهب به قليلا قليلا. ms2167 # قوله تعالى: (فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم) هذا تخيير من الله ~~تعالى، ذكره القشيري، وتقدم معناه أنهم كانوا أهل موادعة لا أهل ذمة، فإن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة وادع اليهود. ولا يجب علينا ~~الحكم بين الكفار إذا لم يكونوا أهل ذمة، بل يجوز الحكم إن أردنا. فأما أهل ~~الذمة فهل يجب علينا الحكم بينهم إذا ترافعوا إلينا؟ # قولان للشافعي، وإن ارتبطت الخصومة بمسلم يجب الحكم. قال المهدوي: أجمع ~~العلماء على أن على الحاكم أن يحكم بين المسلم والذمي. واختلفوا في ~~الذميين، فذهب بعضهم إلى أن الآية محكمة وأن الحاكم مخير، روى ذلك عن ~~النخعي والشعبي وغيرهما، وهو مذهب مالك # PageV06P184 # والشافعي وغيرهما، سوى ما روي عن مالك في ترك إقامة الحد على أهل الكتاب ~~في الزنى، فإنه إن زنى المسلم بالكتابية حد ولا حد عليها، فإن كان الزانيان ~~ذميين فلا حد عليهما، وهو مذهب أبي حنيفة ومحمد بن الحسن وغيرهما. وقد روي ~~عن أبي حنيفة أيضا أنه قال: يجلدان ولا يرجمان. وقال الشافعي وأبو يوسف ~~وأبو ثور وغيرهم: عليهما الحد إن أتيا راضيين بحكمنا. # قال ابن خويزمنداد: ولا يرسل الامام إليهم إذا استعدى بعضهم على بعض، ولا ~~يحضر الخصم مجلسه إلا أن يكون فيما يتعلق بالمظالم التي ينتشر منها الفساد ~~كالقتل ونهب المنازل وأشباه ذلك، فأما الديون والطلاق وسائر المعاملات فلا ~~يحكم بينهم إلا بعد التراضي، والاختيار له ألا يحكم ويردهم إلى حكامهم. فإن ~~حكم بينهم حكم بحكم الاسلام. وأما إجبارهم على حكم المسلمين فيما ينتشر منه ~~الفساد فليس على الفساد عاهدناهم، وواجب قطع الفساد عنهم، منهم ومن غيرهم، ~~لان في ذلك حفظ أموالهم ودمائهم، ولعل في دينهم استباحة ذلك فينتشر منه ~~الفساد بيننا، ولذلك منعناهم أن يبيعوا الخمر جهارا وأن يظهروا الزنى وغير ~~ذلك من القاذورات، لئلا يفسد بهم سفهاء المسلمين. وأما الحكم فيما يختص به ~~دينهم من الطلاق والزنى وغيره فليس يلزمهم أن يتدينوا بديننا، وفي الحكم ~~بينهم [بذلك] (1) إضرار بحكامهم وتغيير ملتهم، ms2168 وليس كذلك الديون ~~والمعاملات، لان فيها وجها من المظالم وقطع الفساد. والله أعلم. وفي الآية ~~قول ثان: # وهو ما روي عن عمر بن عبد العزيز والنخعي أيضا أن التخيير المذكور في ~~الآية منسوخ بقوله تعالى: " وأن أحكم بينهم بما أنزل الله " وأن على الحاكم ~~أن يحكم بينهم، وهو مذهب عطاء الخراساني وأبي حنيفة وأصحابه وغيرهم. وروي ~~عن عكرمة أنه قال: " فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم " نسختها آية أخرى ~~" وأن احكم بينهم بما أنزل الله " [المائدة: 49]. وقال مجاهد: لم ينسخ من " ~~المائدة " إلا آيتان، قوله: فاحكم بينهم أو أعرض عنهم " نسختها " وأن احكم ~~بينهم بما أنزل الله "، وقوله: " لا تحلوا شعائر الله " (2) [المائدة: 2] ~~نسختها " فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم " (3) [التوبة: 5]. وقال الزهري: ~~مضت السنة أن يرد أهل الكتاب في حقوقهم ومواريثهم إلى أهل دينهم، إلا أن ~~يأتوا راغبين في حكم الله فيحكم بينهم بكتاب الله. قال # PageV06P185 # السمرقندي: وهذا القول يوافق قول أبي حنيفة أنه لا يحكم بينهم ما لم ~~يتراضوا بحكمنا. # وقال النحاس في " الناسخ والمنسوخ " له قول تعالى: " فإن جاءوك فاحكم ~~بينهم أو أعرض عنهم " منسوخ، لأنه إنما نزل أول ما قدم النبي صلى الله عليه ~~وسلم المدينة واليهود فيها يومئذ كثير، وكان الأدعى لهم والأصلح أن يردوا ~~إلى أحكامهم، فلما قوي الاسلام أنزل الله عز وجل " وأن احكم بينهم بما أنزل ~~الله ". وقاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة والزهري وعمر ابن عبد العزيز والسدي، ~~وهو الصحيح من قول الشافعي، قال في كتاب الجزية: ولا خيار له إذا تحاكموا ~~إليه، لقوله عز وجل: " حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون " (1) [التوبة: ~~29]. قال النحاس: وهذا من أصح الاحتجاجات، لأنه إذا كان معنى قوله: " وهم ~~صاغرون " أن تجرى عليهم أحكام المسلمين وجب ألا يردوا إلى أحكامهم، فإذا ~~وجب هذا فالآية منسوخة. # وهو أيضا قول الكوفيين أبي حنيفة وزفر وأبي يوسف ومحمد، لا اختلاف بينهم ~~إذا تحاكم أهل الكتاب إلى الامام أنه ليس له أن يعرض عنهم، غير أن أبا ~~حنيفة قال: إذا ms2169 جاءت المرأة والزوج فعليه أن يحكم بينهما بالعدل، وإن جاءت ~~المرأة وحدها ولم يرض الزوج لم يحكم. # وقال الباقون: يحكم، فثبت أن قول أكثر العلماء أن الآية منسوخة مع ما ثبت ~~فيها من توقيف ابن عباس، ولو لم يأت الحديث عن ابن عباس لكان النظر يوجب ~~أنها منسوخة، لأنهم قد أجمعوا أن أهل الكتاب إذا تحاكموا إلى الامام فله أن ~~ينظر بينهم، وأنه إذا نظر بينهم مصيب عند الجماعة، وألا يعرض عنهم فيكون ~~عند بعض العلماء تاركا فرضا، فاعلا ما لا يحل ولا يسعه. قال النحاس: ولمن ~~قال بإنها منسوخة من الكوفيين قول آخر، منهم من يقول: على الامام إذا علم ~~من أهل الكتاب حدا من حدود الله عز وجل أن يقيمه وإن لم يتحاكموا إليه ~~ويحتج بأن قول الله عز وجل: " وأن احكم بينهم " يحتمل أمرين: أحدهما - وأن ~~احكم بينهم إذا تحاكموا إليك. والآخر - وأن احكم بينهم وإن لم يتحاكموا ~~إليك - إذا علمت ذلك منهم - قالوا: فوجدنا في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ~~صلى الله عليه وسلم ما يوجب إقامة الحق عليهم وإن لم يتحاكموا إلينا، فأما ~~ما في كتاب الله فقوله تعالى: " يا أيها # PageV06P186 # الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله " (1) [النساء: 135]. وأما ما ~~في السنة فحديث البراء بن عازب قال: # مر على رسول الله صلى الله عليه وسلم بيهودي قد جلد وحمم فقال: (أهكذا حد ~~الزاني عندكم) فقالوا: نعم. فدعا رجلا من علمائهم فقال: (سألت بالله أهكذا ~~حد الزاني فيكم) فقال: # لا. الحديث، وقد تقدم. قال النحاس: فاحتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~حكم بينهم ولم يتحاكموا إليه في هذا الحديث. فإن قال قائل: ففي حديث مالك ~~عن نافع عن ابن عمر أن اليهود أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، قيل له: ليس ~~في حديث مالك أيضا أن اللذين زنيا رضيا بالحكم وقد رجمهما النبي صلى الله ~~عليه وسلم. قال أبو عمر بن عبد البر: لو تدبر من احتج بحديث البراء لم ~~يحتج، لان في درج ms2170 الحديث تفسير قوله عز وجل: " إن أتيتم هذا فخذوه وإن لم ~~تؤتوه فاحذروا " [المائدة: 41] يقول: إن أفتاكم بالجلد والتحميم فخذوه، وإن ~~أفتاكم بالرجم فاحذروا، دليل على أنهم حكموه. وذلك بين في حديث ابن عمر ~~وغيره. فإن قال قائل: ليس في حديث ابن عمر أن الزانيين حكما رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ولا رضيا بحكمه. قيل له: # حد الزاني حق من حقوق الله تعالى على الحاكم إقامته. ومعلوم أن اليهود ~~كان لهم حاكم يحكم بينهم، ويقيم حدودهم عليهم، وهو الذي حكم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. والله أعلم. # قوله تعالى: (وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط) روى النسائي عن ابن عباس قال ~~كان قريظة والنضير، وكان النضير أشرف من قريظة، وكان إذا قتل رجل من قريظة ~~رجلا من النضير قتل به، وإذا قتل رجل من النضير رجلا من قريظة ودي مائة وسق ~~(2) من تمر، فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل رجل من النضير رجلا ~~من قريظة فقالوا: ادفعوه إلينا لنقتله، فقالوا: بيننا وبينكم النبي صلى ~~الله عليه وسلم فنزلت: " وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط " النفس بالنفس، ~~ونزلت: " أفحكم الجاهلية يبغون " [المائدة: 50]. # قوله تعالى: وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ~~ذلك وما أولئك بالمؤمنين (43) # PageV06P187 # قوله تعالى: (وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله) قال الحسن: هو ~~الرجم. # وقال قتادة: هو القود. ويقال: هل يدل قوله تعالى: " فيها حكم الله " على ~~أنه لم ينسخ؟ # الجواب - وقال أبو علي: نعم، لأنه لو نسخ لم يطلق عليه بعد النسخ أنه حكم ~~الله، كما لا يطلق أن حكم الله تحليل الخمر أو تحريم السبت وقوله: (وما ~~أولئك بالمؤمنين) أي بحكمك أنه من عند الله. وقال أبو علي: إن من طلب غير ~~حكم الله من حيث لم يرضى به فهو كافر، وهذه حالة اليهود. # قوله تعالى: إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين ~~أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا ~~عليه ms2171 شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم ~~يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون (44) قوله تعالى: (إنا أنزلنا ~~التوراة فيها هدى ونور). أي بيان وضياء وتعريف أن محمدا صلى الله عليه وسلم ~~حق. " هدى " في موضع رفع بالابتداء " ونور " عطف عليه (يحكم بها النبيون ~~الذين أسلموا للذين هادوا) قيل: المراد بالنبيين محمد صلى الله عليه وسلم، ~~وعبر عنه بلفظ الجمع. وقيل: كل من بعث من بعد موسى بإقامة التوراة، وأن ~~اليهود قالت: # إن الأنبياء كانوا يهودا. وقالت النصارى: كانوا نصارى، فبين الله عز وجل ~~كذبهم. # ومعنى (أسلموا) صدقوا بالتوراة من لدن موسى إلى [زمان] (1) عيسى عليهما ~~السلام وبينهما ألف نبي، ويقال: أربعة آلاف. ويقال: أكثر من ذلك، كانوا ~~يحكمون بما في التوراة. # وقيل: معنى " أسلموا " خضعوا وانقادوا لأمر الله فيما بعثوا به. وقيل: أي ~~يحكم بها النبيون الذين هم على دين إبراهيم صلى الله عليه وسلم والمعنى ~~واحد. ومعنى " (للذين هادوا) على الذين هادوا فاللام بمعنى (على). وقيل: ~~المعنى يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا وعليهم، فحذف (عليهم). و ~~" الذين أسلموا " ههنا نعت فيه معنى المدح مثل # PageV06P188 # " بسم الله الرحمن الرحيم ". " هادوا " أي تابوا من الكفر. وقيل: فيه ~~تقديم وتأخير، أي إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور للذين هادوا يحكم بها ~~النبيون والربانيون والأحبار، أي ويحكم بها الربانيون وهم الذين يسوسون ~~الناس بالعلم ويربونهم بصغاره قبل كباره، عن ابن عباس وغيره. وقد تقدم في ~~آل عمران (1). وقال أبو رزين: الربانيون العلماء الحكماء والأحبار. # قال ابن عباس: هم الفقهاء: والحبر والحبر الرجل العالم وهو مأخوذ من ~~الحبير وهو التحسين، فهم يحبرون العلم أي يبينونه ويزينونه، وهو محبر في ~~صدورهم. قال مجاهد: الربانيون فوق العلماء. والألف واللام للمبالغة. قال ~~الجوهري: والحبر والحبر واحد أحبار اليهود، وبالكسر أفصح: لأنه يجمع على ~~أفعال دون (2) الفعول، قال الفراء: هو حبر بالكسر يقال ذلك للعالم. # وقال الثوري: سألت الفراء لم سمي الحبر حبرا؟ فقال: يقال للعالم حبر وحبر ~~فالمعنى مداد ms2172 حبر ثم حذف كما قال: " واسأل القرية " (3) [يوسف: 82] أي أهل ~~القرية. قال: فسألت الأصمعي فقال ليس هذا بشئ، إنما سمي حبرا لتأثيره، ~~يقال: على أسنانه حبر (4) أي صفرة أو سواد. وقال أبو العباس: # سمي الحبر الذي يكتب به حبرا لأنه يحبر به أي يحقق به. وقال أبو عبيد: ~~والذي عندي في واحد الأحبار الحبر بالفتح ومعناه العالم بتحبير الكلام ~~والعلم وتحسينه. قال: وهكذا يرويه المحدثون كلهم بالفتح، والحبر الذي يكتب ~~به وموضعه المحبرة بالكسر. والحبر أيضا الأثر والجمع حبور، عن يعقوب. (بما ~~استحفظوا من كتاب الله) أي استودعوا من علمه. والباء متعلقة ب‍ " - ~~الربانيين والأحبار " كأنه قال: والعلماء بما استحفظوا. أو تكون متعلقة ب‍ ~~" - يحكم " أي يحكمون بما استحفظوا. (وكانوا عليه شهداء) أي على الكتاب ~~بأنه من عند الله. ابن عباس: شهداء على حكم النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~في التوراة (فلا تخشوا الناس) أي في إظهار صفة محمد صلى الله عليه وسلم، ~~وإظهار الرجم (واخشون) أي في كتمان ذلك، فالخطاب لعلماء اليهود. وقد يدخل ~~بالمعنى كل من كتم حقا وجب عليه ولم يظهره. وتقدم معنى " ولا تشتروا بآياتي ~~ثمنا قليلا " مستوفى (5). # PageV06P189 # قوله تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) و ~~(الظالمون) و (الفاسقون) نزلت كلها في الكفار، ثبت ذلك في صحيح مسلم من ~~حديث البراء، وقد تقدم. وعلى هذا المعظم. فأما المسلم فلا يكفر وإن ارتكب ~~كبيرة. وقيل: فيه إضمار، أي ومن لم يحكم بما أنزل الله ردا للقرآن، وجحدا ~~لقول الرسول عليه الصلاة والسلام فهو كافر، قاله ابن عباس ومجاهد، فالآية ~~عامة على هذا. قال ابن مسعود والحسن: هي عامة في كل من لم يحكم بما أنزل ~~الله من المسلمين واليهود والكفار أي معتقدا ذلك ومستحلا له، فأما من فعل ~~ذلك وهو معتقد أنه راكب محرم فهو من فساق المسلمين، وأمره إلى الله تعالى ~~إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له. وقال ابن عباس في رواية: ومن لم يحكم بما ~~أنزل الله فقد فعل ms2173 فعلا يضاهي أفعال الكفار. وقيل: أي ومن لم يحكم بجميع ما ~~أنزل الله فهو كافر، فأما من حكم بالتوحيد ولم يحكم ببعض الشرائع فلا يدخل ~~في هذه الآية، والصحيح الأول، إلا أن الشعبي قال: هي في اليهود خاصة، ~~واختاره النحاس، قال: ويدل على ذلك ثلاثة أشياء، منها أن اليهود قد ذكروا ~~قبل هذا في قوله: " للذين هادوا "، فعاد الضمير عليهم، ومنها أن سياق ~~الكلام يدل على ذلك، ألا ترى أن بعده " وكتبنا عليهم " فهذا الضمير لليهود ~~بإجماع، وأيضا فإن اليهود هم الذين أنكروا الرجم والقصاص. فإن قال قائل: " ~~من " إذا كانت للمجازاة فهي عامة إلا أن يقع دليل على تخصيصها؟ قيل له: " ~~من " هنا بمعنى الذي مع ما ذكرناه من الأدلة، والتقدير: واليهود الذين لم ~~يحكموا بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون، فهذا من أحسن ما قيل في هذا، ~~ويروى أن حذيفة سئل عن هذه الآيات أهي في بني إسرائيل؟ # قال: نعم هي فيهم، ولتسلكن سبيلهم حذو النعل بالنعل. وقيل: " الكافرون " ~~للمسلمين، و " الظالمون " لليهود، و " الفاسقون " للنصارى، وهذا اختيار أبي ~~بكر بن العربي، قال: لأنه ظاهر الآيات. وهو اختيار ابن عباس وجابر بن زيد ~~وابن أبي زائدة وابن شبرمة والشعب أيضا. قال طاوس وغيره: ليس بكفر ينقل عن ~~الملة، ولكنه كفر دون كفر، (1) # PageV06P190 # وهذا يختلف إن حكم بما عنده على أنه من عند الله، فهو تبديل له يوجب ~~الكفر، وإن حكم به هوى ومعصية فهو ذنب تدركه المغفرة على أصل أهل السنة في ~~الغفران للمذنبين. قال القشيري: ومذهب الخوارج أن من ارتشى وحكم بغير حكم ~~الله فهو كافر، وعزي هذا إلى الحسن والسدي. وقال الحسن أيضا: أخذ الله عز ~~وجل على الحكام ثلاثة أشياء: # ألا يتبعوا الهوى، وألا يخشوا الناس ويخشوه، وألا يشتروا بآياته ثمنا ~~قليلا. # قوله تعالى: وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف ~~بالأنف والاذن بالاذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ~~ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ms2174 (45) فيه ثلاثون مسألة: # الأولى - قوله تعالى: (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس) بين تعالى أنه ~~سوى بين النفس والنفس في التوراة فخالفوا ذلك، فضلوا، فكانت دية النضيري ~~أكثر، وكان النضيري لا يقتل بالقرظي، ويقتل به القرظي فلما جاء الاسلام ~~راجع بنو قريظة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه، فحكم بالاستواء، فقالت ~~بنو النضير: قد حططت منا، فنزلت هذه الآية. # و " كتبنا " بمعنى فرضنا. وقد تقدم. وكان شرعهم القصاص أو العفو، وما كان ~~فيهم الدية، كما تقدم في " البقرة " (1) بيانه. وتعلق أبو حنيفة وغيره بهذه ~~الآية فقال: يقتل المسلم بالذمي، لأنه نفس بنفس، وقد تقدم في " البقرة " ~~(1) بيان هذا. وقد روى أبو داود والترمذي والنسائي عن علي رضي الله عنه أنه ~~سئل هل خصك رسول الله صلى الله عليه وسلم بشئ؟ فقال: لا، إلا ما في هذا، ~~وأخرج كتابا من قراب سيفه وإذا فيه (المؤمنون تتكافأ دماؤهم وهم يد على من ~~سواهم ولا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده) وأيضا فإن الآية إنما جاءت # PageV06P191 # للرد على اليهود في المفاضلة بين القبائل، وأخذهم من قبيلة رجلا برجل، ~~ومن قبيلة أخرى رجلا برجلين. وقالت الشافعية: هذا خبر عن شرع من قبلنا، ~~وشرع من قبلنا ليس شرعا لنا، وقد مضى في " البقرة " (1) في الرد عليهم ما ~~يكفي فتأمله هناك. ووجه رابع: وهو أنه تعالى قال: " وكتبنا عليهم فيها أن ~~النفس بالنفس " وكان ذلك مكتوبا على أهل التوراة وهم ملة واحدة، ولم يكن ~~لهم أهل ذمة كما للمسلمين أهل ذمة، لان الجزية فئ وغنيم أفاءها الله على ~~المؤمنين، ولم يجعل الفئ لاحد قبل هذه الأمة، ولم يكن نبي فيما مضى مبعوثا ~~إلا إلى قومه، فأوجبت الآية الحكم على بني إسرائيل إذ كانت دماؤهم تتكافأ، ~~فهو مثل قول الواحد منا في دماء سوى المسلمين النفس بالنفس، إذ يشير إلى ~~قوم معينين، ويقول: إن الحكم في هؤلاء أن النفس منهم (2) بالنفس، فالذي يجب ~~بحكم هذه الآية على أهل القرآن أن يقال لهم فيما بينهم ms2175 على هذا الوجه -: ~~النفس بالنفس، وليس في كتاب الله ما يدل على أن النفس بالنفس مع اختلاف ~~الملة. # الثانية - قال أصحاب الشافعي وأبو حنيفة: إذا جرح أو قطع الاذن أو اليد ~~ثم قتل فعل ذلك به، لان الله تعالى قال: " وكتبنا عليهم فيها أن النفس ~~بالنفس والعين بالعين " فيؤخذ منه ما أخذ، ويفعل به كما فعل. وقال علماؤنا: ~~إن قصد به المثلة فعل به مثله، وإن كان ذلك في أثناء مضاربته ومدافعته قتل ~~بالسيف، وإنما قالوا ذلك في المثلة يجب، لان النبي صلى الله عليه وسلم سمل ~~أعين العرنيين، حسبما تقدم بيانه في هذه السورة (3). # الثالثة - قوله تعالى: والعين بالعين " قرأ نافع وعاصم والأعمش وحمزة ~~بالنصب في جميعها على العطف، ويجوز تخفيف " أن " ورفع الكل بالابتداء ~~والعطف. وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وأبو جعفر بنصب الكل إلا ~~الجروح. وكان الكسائي وأبو عبيد يقرءآن " والعين بالعين والأنف بالأنف ~~والاذن بالاذن والسن بالسن والجروح " بالرفع فيها كلها. قال أبو عبيد: ~~حدثنا حجاج عن هارون عن عباد بن كثير عن عقيل عن الزهري عن # PageV06P192 # أنس النبي صلى الله عليه وسلم قرأ " وكتبنا عليهم فيها أن (1) النفس ~~بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والاذن بالاذن والسن بالسن والجروح ~~قصاص ". والرفع من ثلاث جهات، بالابتداء والخبر، وعلى المعنى على موضع " أن ~~النفس "، لان المعنى قلنا لهم: # النفس بالنفس. والوجه الثالث - قاله الزجاج - يكون عطفا على المضمر في ~~النفس، لان الضمير في النفس في موضع رفع، لان التقدير أن النفس هي مأخوذة ~~بالنفس، فالأسماء معطوفة على هي. قال ابن المنذر: ومن قرأ بالرفع جعل ذلك ~~ابتداء كلام، حكم في المسلمين، (2) وهذا أصح القولين، وذلك أنها قراءة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم " والعين بالعين " وكذا ما بعده. والخطاب للمسلمين ~~أمروا بهذا. ومن خص الجروح بالرفع فعلى القطع مما قبلها والاستئناف بها، ~~كأن المسلمين أمروا بهذا خاصة وما قبله لم يواجهوا به. # الرابعة -: هذه الآية تدل على جريان القصاص فيما ذكر وقد تعلق ابن شبرمة ~~بعموم ms2176 قوله: " والعين بالعين " على أن اليمنى تفقأ باليسرى وكذلك على ~~العكس، وأجرى ذلك في اليد اليمنى واليسرى، وقال: تؤخذ الثنية بالضرس والضرس ~~بالثنية، لعموم قوله تعالى: " والسن بالسن ". والذين خالفوه وهم علماء ~~الأمة قالوا: العين اليمنى هي المأخوذة باليمنى عند وجودها، ولا يتجاوز ذلك ~~إلى اليسرى (3) مع الرضا، وذلك يبين لنا أن المراد بقوله: " والعين بالعين ~~" استيفاء ما يماثله من الجاني، فلا يجوز له أن يتعدى إلى غيره كما لا ~~يتعدى من الرجل إلى اليد في الأحوال كلها، وهذا لا ريب فيه. # الخامسة - وأجمع العلماء على أن العينين إذا أصيبتا خطأ ففيهما الدية، ~~وفي العين الواحدة نصف الدية. وفى عين الأعور إذا فقئت الدية كاملة، روي ~~ذلك عن عمر وعثمان، وبه قال عبد الملك بن مروان والزهري وقتادة ومالك ~~والليث بن سعد وأحمد وإسحق. # وقيل: نصف الدية، روي [ذلك] (4) عن عبد الله بن المغفل ومسروق والنخعي، ~~وبه قال الثوري # PageV06P193 # والشافعي والنعمان. قال ابن المنذر: وبه نقول، لان في الحديث (في العينين ~~الدية) ومعقول إذ كان كذلك أن في إحداهما نصف الدية. قال ابن العربي: وهو ~~القياس الظاهر، ولكن علماؤنا قالوا: إن منفعة الأعور ببصره كمنفعة السالم ~~أو قريب من ذلك، فوجب عليه مثل ديته. # السادسة - واختلفوا في الأعور يفقأ عين صحيح، فروي عن عمر وعثمان وعلي ~~أنه لا قود عليه، وعليه الدية كاملة، وبه قال عطاء وسعيد بن المسيب وأحمد ~~بن حنبل. وقال مالك: إن شاء اقتص فتركه أعمى، وإن شاء أخذ الدية كاملة (دية ~~عين (1) الأعور). وقال النخعي: إن شاء اقتص وإن شاء أخذ نصف الدية. وقال ~~الشافعي وأبو حنيفة والثوري: # عليه القصاص، وروي ذلك عن علي أيضا، وهو قول مسروق وابن سيرين وابن معقل، ~~واختاره ابن المنذر وابن العربي، لان الله تعالى قال: " والعين بالعين " ~~وجعل النبي صلى الله عليه وسلم في العينين الدية، ففي العين نصف الدية، ~~والقصاص بين صحيح العين والأعور كهيئته بين سائر الناس. ومتعلق أحمد بن ~~حنبل أن في القصاص منه أخذ جميع البصر ms2177 ببعضه وذلك ليس بمساواة، وبما روي عن ~~عمر وعثمان وعلي في ذلك، ومتمسك مالك أن الأدلة لما تعارضت خير المجني ~~عليه. فال ابن العربي: والاخذ بعموم القرآن أولى، فإنه أسلم عند الله ~~تعالى. # السابعة - واختلفوا في عين الأعور التي لا يبصر بها، فروي عن زيد بن ثابت ~~أنه قال: فيها مائة دينار. وعن عمر بن الخطاب أنه قال: فيها ثلث ديتها، وبه ~~قال إسحاق. وقال مجاهد: فيها نصف ديتها. وقال مسروق والزهري ومالك والشافعي ~~وأبو ثور والنعمان: # فيها حكومة، قال ابن المنذر: وبه نقول لأنه الأقل مما قيل. # الثامنة - وفي إبطال البصر من العينين مع بقاء الحدقتين كمال الدية، ~~ويستوي فيه الأعمش (2) والأخفش (3). وفي إبطاله من إحداهما مع بقائها ~~النصف. قال ابن المنذر وأحسن # PageV06P194 # ما قيل في ذلك ما قاله علي بن أبي طالب: أنه أمر بعينه الصحيحة فغطيت ~~وأعطي رجل بيضة فانطلق بها وهو ينظر حتى انتهى نظره، ثم أمر بخط عند ذلك، ~~ثم أمر بعينه الأخرى فغطيت وفتحت الصحيحة، وأعطي رجل بيضة فانطلق بها وهو ~~ينظر حتى انتهى نظره ثم خط عند ذلك، ثم أمر به فحول إلى مكان آخر ففعل به ~~مثل ذلك فوجده سواء، فأعطي ما نقص من بصره من مال الآخر، وهذا على مذهب ~~الشافعي، وهو قول علمائنا، وهي: # التاسعة - ولا خلاف بين أهل العلم على أن لا قود في بعض البصر، إذ غير ~~ممكن الوصول إليه. وكيفية القود في العين أن تحمى مرآة ثم توضع على العين ~~الأخرى قطنة، ثم تقرب المرآة من عينه حتى يسيل إنسانها، روي عن علي رضي ~~الله عنه، ذكره المهدوي وابن العربي. واختلف في جفن العين، فقال زيد بن ~~ثابت: فيه ربع الدية، وهو قول الشعبي والحسن وقتادة وأبي هاشم (1) والثوري ~~والشافعي وأصحاب الرأي. وروي عن الشعبي أنه قال: في الجفن الاعلى ثلث الدية ~~وفي الجفن الأسفل ثلثا الدية، وبه قال مالك. # العشرة - قوله تعالى: (والأنف بالأنف) جاء الحديث عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: (وفي ms2178 الانف إذا أوعب جدعا الدية). قال ابن المنذر: ~~وأجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على القول به، والقصاص من الانف إذا ~~كانت الجناية عمدا كالقصاص من سائر الأعضاء على كتاب الله تعالى. واختلفوا ~~في كسر الانف. فكان مالك يرى في العمد منه القود، وفي الخطأ الاجتهاد. وروى ~~ابن نافع أنه لا دية للأنف حتى يستأصله من أصله. قال أبو إسحاق التونسي: ~~وهذا شاذ، والمعروف الأول. وإذا فرعنا على المعروف ففي بعض المارن من الدية ~~بحساب من المارن. قال ابن المنذر: وما قطع من الانف فبحسابه، روي ذلك عن ~~عمر بن عبد العزيز والشعبي، وبه قال الشافعي. # قال أبو عمر: واختلفوا في المارن إذا قطع ولم يستأصل الانف، فذهب مالك ~~والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم إلى أن في ذلك الدية كاملة، ثم إن قطع منه شئ ~~بعد ذلك ففيه # PageV06P195 # حكومة. قال مالك: الذي فيه الدية من الانف أن يقطع المارن، وهو دون ~~العظم. قال ابن القاسم: وسواء قطع المارن من العظم أو استؤصل الانف من ~~العظم من تحت العينين إنما فيه الدية، كالحشفة فيها الدية: وفي استئصال ~~الذكر الدية. # الحادية عشرة - قال ابن القاسم: وإذا خرم الانف أو كسر فبرئ على عثم (1) ~~ففيه الاجتهاد، وليس فيه دية معلومة. وإن برئ على غير عثم فلا شئ فيه. قال: ~~وليس الانف إذا خرم فبرئ على غير عثم كالموضحة (2) تبرأ على غير عثم فيكون ~~فيها ديتها، لان تلك جاءت بها السنة، وليس في خرم الانف أثر. قال: والأنف ~~عظم منفرد ليس فيه موضحة. واتفق مالك والشافعي وأصحابهما على أن لا جائفة ~~فيه، ولا جائفة عندهم إلا فيما كان في الجوف،. والمارن ما لان من الانف، ~~وكذلك قال الخليل وغيره. قال أبو عمر: وأظن روثته مارنه، وأرنبته طرفه. وقد ~~قيل: الأرنبة والروثة والعرتمة طرف الانف. والذي عليه الفقهاء مالك ~~والشافعي والكوفيون ومن تبعهم، في الشم إذا نقص أو فقد حكومة. # الثانية عشرة - قوله تعالى: (والاذن بالاذن) قال علماؤنا رحمة الله عليهم ~~في الذي يقطع ms2179 أذني رجل: عليه حكومة، وإنما تكون عليه الدية في السمع، ويقاس ~~في نقصانه كما يقاس في البصر. وفي إبطاله من إحداهما نصف الدية ولو لم يكن ~~يسمع إلا بها، بخلاف العين العوراء فيها الدية كاملة، على ما تقدم. وقال ~~أشهب: إن كان السمع إذا سئل عنه قيل إن أحد السمعين يسمع ما يسمع السمعان ~~فهو عندي كالبصر، وإذا شك في السمع جرب بأن يصاح به من مواضع عدة، يقاس ~~ذلك، فإن تساوت أو تقاربت أعطي بقدر ما ذهب من سمعه ويحلف على ذلك. قال ~~أشهب: ويحسب له ذلك على سمع وسط من الرجل مثله، فإن اختبر فاختلف قوله لم ~~يكن له شئ. وقال عيسى بن دينار: إذا اختلف قوله عقل له الأقل مع يمينه. # PageV06P196 # الثالثة عشرة - قوله تعالى: (والسن بالسن) قال ابن المنذر: وثبت عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أنه أقاد من سن وقال: (كتاب الله القصاص). وجاء ~~الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (في السن خمس من الإبل). ~~قال ابن المنذر: # فبظاهر هذا الحديث نقول، لا فضل للثنايا منها على الأنياب والأضراس ~~والرباعيات (1)، لدخولها كلها في ظاهر الحديث، وبه يقول الأكثر من أهل ~~العلم. وممن قال بظاهر الحديث ولم يفضل شيئا منها على شئ عروة بن الزبير ~~وطاوس والزهري وقتادة ومالك والثوري والشافعي وأحمد وإسحق والنعمان وابن ~~الحسن، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب وابن عباس ومعاوية. وفيه قول ثان - ~~رويناه عن عمر بن الخطاب أنه قضى فيما أقبل من الفم بخمس فرائض خمس فرائض، ~~وذلك خمسون دينارا، قيمة كل فريضة عشرة دنانير. # وفي الأضراس ببعير بعير. وكان عطاء يقول: في السن والرباعيتين والنابين ~~خمس خمس، وفيما بقي بعيران بعيران، أعلى الفم وأسفله سواء، والأضراس سواء، ~~قال أبو عمر: أما ما رواه مالك في موطئه عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب ~~أن عمر قضى في الأضراس ببعير بعير فإن المعنى في ذلك أن الأضراس عشرون ~~ضرسا، والأسنان اثنا عشر سنا: ms2180 أربع ثنايا وأربع رباعيات وأربع أنياب، فعلى ~~قول عمر تصير الدية ثمانين بعيرا، في الأسنان خمسة خمسة، وفي الأضراس بعير ~~بعير. وعلى قول معاوية في الأضراس والأسنان خمسة أبعرة خمسة أبعرة، تصير ~~الدية ستين ومائة بعير. وعلى قول سعيد بن المسيب بعيرين بعيرين في الأضراس ~~وهي عشرون ضرسا. يجب لها أربعون. وفي الأسنان خمسة أبعرة خمسة أبعرة فذلك ~~ستون، وهي تتمة المائة بعير، وهي الدية كاملة من الإبل. والاختلاف بينهم ~~إنما هو في الأضراس لا في الأسنان. قال أبو عمر: واختلاف العلماء من ~~الصحابة والتابعين في ديات الأسنان وتفضيل بعضها على بعض كثير جدا، والحجة ~~قائمة لما ذهب إليه الفقهاء مالك وأبو حنيفة والثوري، بظاهر قول رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: (وفي السن خمس من الإبل) # PageV06P197 # والضرس سن من الأسنان. روى ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # (الأصابع سواء والأسنان سواء الثنية والضرس سواء هذه وهذه سواء) وهذا نص ~~أخرجه أبو داود. وروى أبو داود أيضا عن ابن عباس قال: جعل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أصابع اليدين والرجلين سواء. قال أبو عمر: على هذه الآثار ~~جماعة فقهاء الأمصار وجمهور أهل العلم أن الأصابع في الدية كلها سواء، وأن ~~الأسنان في الدية كلها سواء، الثنايا والأضراس والأنياب لا يفضل شئ منها ~~على شئ، على ما في كتاب عمرو بن حزم. ذكر الثوري عن أزهر بن محارب قال: ~~اختصم إلى شريح رجلان ضرب أحدهما ثنية الآخر وأصاب الآخر ضرسه فقال شريح: ~~الثنية وجمالها والضرس ومنفعته سن بسن قوما. قال أبو عمر: على هذا العمل ~~اليوم في جميع الأمصار. والله أعلم. # الرابعة عشرة - فإن ضرب سنه فاسودت ففيها ديتها كاملة عند مالك والليث بن ~~سعد، وبه قال أبو حنيفة، وروي عن زيد بن ثابت، وهو قول سعيد بن المسيب ~~والزهري والحسن وابن سيرين وشريح. وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى ~~عنه أن فيها ثلث ديتها، وبه قال أحمد وإسحق. وقال الشافعي وأبو ثور: فيها ms2181 ~~حكومة. قال ابن العربي: # وهذا عندي خلاف يؤول إلى وفاق، فإنه إن كان سوادها أذهب منفعتها وإنما ~~بقيت صورتها كاليد الشلاء والعين العمياء، فلا خلاف في وجوب الدية، ثم إن ~~كان بقي من منفعتها شئ أو جميعه لم يجب إلا بمقدار ما نقص من المنفعة ~~حكومة، وما روي عن عمر [رضي الله عنه] (1) فيها ثلث ديتها لم يصح عنه سندا ~~ولا فقها. # الخامسة عشرة - واختلفوا في سن الصبي يقلع قبل أن يثغر (2)، فكان مالك ~~والشافعي وأصحاب الرأي يقولون: إذا قلعت سن الصبي فنبتت فلا شئ على القالع، ~~إلا أن مالكا والشافعي قالا: إذا نبتت ناقصة الطول عن التي تقاربها أخذ له ~~من أرشها بقدر نقصها. # وقالت طائفة: فيها حكومة، وروي ذلك عن الشعبي، وبه قال النعمان. قال ابن ~~المنذر: # PageV06P198 # يستأنى بها إلى الوقت الذي يقول أهل المعرفة إنها لا تنبت، فإذا كان ذلك ~~كان فيها قدرها تاما، على ظاهر الحديث، وإن نبتت رد الأرش. وأكثر من يحفظ ~~عنه من أهل العلم يقولون: يستأنى بها سنة، روي ذلك عن علي وزيد وعمر بن عبد ~~العزيز وشريح والنخعي وقتادة ومالك وأصحاب الرأي. ولم يجعل الشافع لهذا (1) ~~مدة معلومة. # السادسة عشرة - إذا قلع سن الكبير فأخذ ديتها ثم نبتت، فقال مالك لا يرد ~~ما أخذ. # وقال الكوفيون: يرد إذا نبتت. وللشافعي قولان: يرد ولا يرد، لان هذا نبات ~~لم تجربه عادة، ولا يثبت الحكم بالنادر، هذا قول علمائنا. تمسك الكوفيون ~~بأن عوضها قد نبت فيرد، أصله سن الصغير. قال الشافعي: ولو جنى عليها جان ~~آخر وقد نبتت صحيحة كان فيها أرشها تاما. قال ابن المنذر: هذا أصح القولين، ~~لان كل واحد منهما قالع سن، وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم في السن (2) ~~خمسا من الإبل. # السابعة عشرة - فلو قلع رجل سن رجل فردها صاحبها فالتحمت فلا شئ فيها ~~عندنا. # وقال الشافعي: ليس له أن يردها من قبل أنها نجسة، وقاله ابن المسيب ~~وعطاء. ولو ردها أعاد كل صلاة صلاها لأنها ميتة، وكذلك ms2182 لو قطعت أذنه فردها ~~بحرارة الدم فالتزقت مثله. # وقال عطاء: يجبره السلطان على قلعها لأنها ميتة ألصقها. قال ابن العربي: ~~وهذا غلط، وقد جهل من خفي عليه أن ردها وعودها بصورتها لا يوجب عودها ~~بحكمها، لان النجاسة كانت فيها للانفصال، وقد عادت متصلة، وأحكام الشريعة ~~ليست صفات للأعيان، وإنما هي أحكام تعود إلى قول الله سبحانه فيها وإخباره ~~عنها. # قلت: ما حكاه ابن العربي عن عطاء خلاف ما حكاه ابن المنذر عنه، قال ابن ~~المنذر: # واختلفوا في السن تقلع قودا ثم ترد مكانها فتنبت، فقال عطاء الخراساني ~~وعطاء بن أبي رباح: # لا بأس بذلك. وقال الثوري وأحمد وإسحق: تقلع، لان القصاص للشين. وقال ~~الشافعي: # ليس له أن يردها من قبل أنها نجسة، ويجبره السلطان على القلع. # PageV06P199 # الثامنة عشرة - فلو كانت له سن زائدة فقلعت ففيها حكومة، وبه قال فقهاء ~~الأمصار. # وقال زيد بن ثابت: فيها ثلث الدية. قال ابن العربي: وليس في التقدير ~~دليل، فالحكومة أعدل. قال ابن المنذر: ولا يصح ما روي عن زيد، وقد روي عن ~~علي أنه قال: في السن إذا كسر بعضها أعطي صاحبها بحساب ما نقص منه، وهذا ~~قول مالك والشافعي وغيرهما. # قلت: وهنا انتهى ما نص الله عز وجل عليه من الأعضاء، ولم يذكر الشفتين ~~واللسان وهي: # التاسعة عشرة - فقال الجمهور: وفي الشفتين الدية، وفي كل واحدة منهما نص ~~الدية لا فضل للعليا منهما على السفلي. وروي عن زيد بن ثابت وسعيد بن ~~المسيب والزهري: # في الشفة العليا ثلث الدية، وفي الشفة السفلي ثلثا الدية. وقال ابن ~~المنذر: وبالقول الأول أقول، للحديث المرفوع عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: (وفي الشفتين الدية) ولأن في اليدين الدية ومنافعهما مختلفة. ~~وما قطع من الشفتين فبحساب ذلك. وأما اللسان فجاء الحديث عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: (في اللسان الدية). وأجمع أهل العلم من أهل المدينة ~~وأهل الكوفة وأصحاب الحديث وأهل الرأي على القول به، قاله ابن المنذر. # الموفية عشرين - واختلفوا في ms2183 الرجل يجني على لسان الرجل فيقطع من اللسان ~~شيئا، ويذهب من الكلام بعضه، فقال أكثر أهل العلم: ينظر إلى مقدار ما ذهب ~~من الكلام من ثمانية وعشرين حرفا فيكون عليه من الدية بقدر ما ذهب من ~~كلامه، وإن ذهب الكلام كله ففيه الدية، هذا قول مالك والشافعي وأحمد وإسحق ~~وأصحاب الرأي. وقال مالك: ليس في اللسان قود لعدم الإحاطة باستيفاء القود. ~~فإن أمكن فالقود هو الأصل. # الحادية والعشرون - واختلفوا في لسان الأخرس يقطع، فقال الشعبي ومالك ~~وأهل المدينة والثوري وأهل العراق والشافعي وأبو ثور والنعمان وصاحباه: فيه ~~حكومة. قال ابن المنذر: وفيه قولان شاذان: أحدهما - قول النخعي أن فيه ~~الدية. والآخر - قول قتادة أن فيه ثلث الدية. فال ابن المنذر: والقول الأول ~~أصح، لأنه الأقل مما قيل. قال PageV06P200 # ابن العربي: نص الله سبحانه على أمهات الأعضاء وترك باقيها للقياس عليها، ~~فكل عضو فيه القصاص إذا أمكن ولم يخش عليه الموت، وكذلك كل عضو بطلت (1) ~~منفعته وبقيت صورته فلا قود فيه، وفيه الدية لعدم إمكان القود فيه. # الثانية والعشرون - قوله تعالى: (والجروح قصاص) أي مقاصة، وقد تقدم في " ~~البقرة " (2). ولا قصاص في كل مخوف ولا فيما لا يوصل إلى القصاص فيه إلا ~~بأن يخطئ الضارب أو يزيد أو ينقص. ويقاد من جراح العمد إذا كان مما يمكن ~~القود منه. وهذا كله في العمد، فأما الخطأ فالدية، وإذا كانت الدية في قتل ~~الخطأ فكذلك في الجراح. وفي صحيح مسلم عن أنس أن أخت الربيع - أم حارثة - ~~جرحت إنسانا فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: (القصاص القصاص)، فقالت أم الربيع: # يا رسول الله أيقتص من فلانة؟! والله لا يقتص منها. فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # سبحان الله يا أم الربيع القصاص كتاب الله) قالت: [لا] (3) والله لا يقتص ~~منها أبدا، [قال] (4) فما زالت حتى قبلوا الدية، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: (إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره). # قلت: ms2184 المجروح في هذا الحديث جارية، والجرح كسر ثنيتها، أخرجه النسائي عن ~~أنس أيضا أن عمته كسرت ثنية جارية فقضى نبي الله صلى الله عليه وسلم ~~بالقصاص، فقال أخوها أنس بن النضر: أتكسر ثنية فلانة؟ لا والذي بعثك بالحق ~~لا تكسر ثنيتها. قال: وكانوا قبل ذلك سألوا أهلها العفو والأرش، فلما حلف ~~أخوها وهو عم أنس - وهو الشهيد يوم أحد - رضي القوم بالعفو، فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: (إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره). وخرجه أبو ~~داود أيضا، وقال سمعت أحمد بن حنبل قيل له: كيف يقتص من السن؟ قال: تبرد. # PageV06P201 # قلت: ولا تعارض بين الحديثين، فإنه يحتمل أن يكون كل واحد منهما حلف فبر ~~الله قسمهما. وفى هذا ما يدل على كرامات الأولياء على ما يأتي بيانه في قصة ~~الخضر (1) إن شاء الله تعالى. # [فنسأل الله التثبت على الايمان بكراماتهم وأن ينظمنا في سلكهم من غير ~~محنة ولا فتنة] (2). # الثالثة والعشرون - أجمع العلماء على أن قوله تعالى: " والسن بالسن " أنه ~~في العمد، فمن أصاب سن أحد عمدا ففيه القصاص على حديث أنس. واختلفوا في ~~سائر عظام الجسد إذا كسرت عمدا، فقال مالك: عظام الجسد كلها فيها القود إلا ~~ما كان مخوفا مثل الفخذ والصلب والمأمومة والمنقلة والهاشمة، ففي ذلك ~~الدية. وقال الكوفيون: لا قصاص في عظم يكسر ما خلا السن، لقوله تعالى: " ~~والسن بالسن " وهو قول الليث والشافعي. قال الشافعي: لا يكون كسر ككسر ~~أبدا، فهو ممنوع. قال الطحاوي: اتفقوا على أنه لا قصاص في عظم الرأس، فكذلك ~~في سائر العظام. والحجة لمالك حديث أنس في السن وهي عظم، فكذلك سائر العظام ~~إلا عظما أجمعوا على أنه لا قصاص فيه، لخوف ذهاب النفس منه. # قال ابن المنذر: ومن قال لا قصاص في عظم فهو مخالف للحديث، والخروج إلى ~~النظر غير جائز مع وجود الخبر. # قلت: ويدل على هذا أيضا قوله تعالى: " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ~~ما اعتدى عليكم " (3) [البقرة: 194]، وقوله: " وإن عاقبتم فعاقبوا ms2185 بمثل ما ~~عوقبتم به " (4) [النحل: 126] وما أجمعوا عليه فغير داخل في الآي. [والله ~~(2) أعلم] وبالله التوفيق. # الرابعة والعشرون - قال أبو عبيد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الموضحة، وما جاء عن غيره في الشجاج. قال الأصمعي وغيره: دخل كلام بعضهم في ~~بعض، أول الشجاج - الحارصة وهي: التي تحرص الجلد - يعني التي تشقه قليلا - ~~ومنه قيل: # حرص القصار الثوب إذا شقه، وقد يقال لها: الحرصة أيضا. ثم الباضعة - وهي: ~~التي تشق اللحم تبضعه بعد الجلد. ثم المتلاحمة - وهي: التي أخذت في الجلد ~~ولم تبلغ السمحاق. # PageV06P202 # والسمحاق: جلدة أو قشرة رقيقة بين اللحم والعظم. وقال الواقدي: هي عندنا ~~الملطى. # وقال غيره: هي الملطاة، قال: وهي التي جاء فيها الحديث (يقضى في الملطاة ~~بدمها). # ثم الموضحة - وهي: التي تكشط عنها ذلك القشر أو تشق حتى يبدو وضح (1) ~~العظم، فتلك الموضحة. قال أبو عبيد: وليس في شئ من الشجاج قصاص إلا في ~~الموضحة خاصة، لأنه ليس منها شئ له حد ينتهي إليه سواها، وأما غيرها من ~~الشجاج ففيها ديتها. ثم الهاشمة - وهي التي تهشم العظم. ثم المنقلة - بكسر ~~القاف حكاه الجوهري - وهي التي تنقل العظم - أي تكسره - حتى يخرج منها فراش ~~العظام مع الدواء. ثم الأمة - ويقال لها المأمومة - وهي التي تبلغ أم ~~الرأس، يعني الدماغ. فال أبو عبيد ويقال في قوله: # (ويقضى في الملطاة بدمها) أنه إذا شج الشاج حكم عليه للمشجوج بمبلغ الشجة ~~ساعة شج ولا يستأنى بها. قال: وسائر الشجاج [عندنا] (2) يستأنى بها حتى ~~ينظر إلى ما يصير أمرها ثم يحكم فيها حينئذ. قال أبو عبيد: والامر عندنا في ~~الشجاج كلها والجراحات كلها؟ أنه؟ يستأنى بها، حدثنا هشيم عن حصين قال: قال ~~عمر بن عبد العزيز: ما دون الموضحة خدوش وفيها صلح. # وقال الحسن البصري: ليس فيما دون الموضحة قصاص. وقال مالك: القصاص فيما ~~دون الموضحة الملطي والدامية والباضعة وما أشبه ذلك، وكذلك قال الكوفيون ~~وزادوا السمحاق، حكاه ابن المنذر. وقال أبو عبيد: الدامية التي تدمى من غير ~~أن ms2186 يسيل منها دم. والدامعة: # أن يسيل منها دم. وليس فيما دون الموضحة قصاص. وقال الجوهري: والدامية ~~الشجة التي تدمى ولا تسيل. وقال علماؤنا: الدامية هي التي تسيل الدم. ولا ~~قصاص فيما بعد الموضحة، من الهاشمة للعظم، والمنقلة - على خلاف فيها خاصة - ~~والآمة هي البالغة إلى أم الرأس، والدامغة الخارقة لخريطة الدماغ. وفي ~~هاشمة الجسد القصاص، إلا ما هو مخوف كالفخذ وشبهه. وأما هاشمة الرأس فقال ~~ابن القاسم: لا قود فيها، لأنها لا بد تعود منقلة. وقال أشهب: فيها القصاص، ~~إلا أن تنقل فتصير منقلة لا قود فيها. وأما الأطراف فيجب # PageV06P203 # القصاص في جميع المفاصل إلا المخوف منها. وفي معنى المفاصل أبعاض المارن ~~والأذنين والذكر والأجفان والشفتين، لأنها تقبل التقدير. وفي اللسان ~~روايتان. والقصاص في كسر العظام، إلا ما كان متلفا كعظام الصدر والعنق ~~والصلب والفخذ وشبهه. وفي كسر عظام العضد القصاص. وقضى أبو بكر بن محمد بن ~~عمرو بن حزم في رجل كسر فخذ رجل أن يكسر فخذه، وفعل ذلك عبد العزيز بن عبد ~~الله بن خالد بن أسيد بمكة. وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه فعله، وهذا مذهب ~~مالك على ما ذكرنا، وقال: إنه الامر المجمع عليه عندهم (1)، والمعمول به في ~~بلادنا في الرجل يضرب الرجل فيتقيه بيده فكسرها يقاد منه. # الخامسة والعشرون - قال العلماء: الشجاج في الرأس، والجراح في البدن. ~~وأجمع أهل العلم على أن فيما دون الموضحة أرش فيا ذكر ابن المنذر، واختلفوا ~~في ذلك الأرش. وما دون الموضحة شجاج خمس: الدامية والدامعة والباضعة ~~والمتلاحمة والسمحاق، فقال مالك والشافعي وأحمد [وإسحاق] (2) وأصحاب الرأي ~~في الدامية حكومة، وفي الباضعة حكومة، وفي المتلاحمة حكومة. وذكر عبد ~~الرزاق عن زيد بن ثابت قال: في الدامية بعير، وفي الباضعة بعيران، وفي ~~المتلاحمة ثلاثة أبعرة من الإبل، وفي السمحاق أربع، وفي الموضحة خمس، وفي ~~الهاشمة عشر، وفي المنقلة خمس عشرة، وفي المأمومة ثلث الدية، وفي الرجل ~~يضرب حتى يذهب عقله الدية كاملة، أو يضرب حتى يغن (3) ولا يفهم الدية ~~كاملة، أو ms2187 حتى يبح ولا يفهم الدية كاملة، وفي جفن العين ربع (4) الدية. وفي ~~حلمة الثدي ربع الدية. قال ابن المنذر: وروي عن علي في السمحاق مثل قول ~~زيد. وروي عن عمر وعثمان أنهما قالا: فيها نصف الموضحة. وقال الحسن البصري ~~وعمر بن عبد العزيز والنخعي فيها حكومة، وكذلك قال مالك والشافعي وأحمد. # ولا يختلف العلماء أن الموضحة فيها خمس من الإبل، على ما في حديث عمرو بن ~~حزم، وفيه: # وفي الموضحة خمس. وأجمع أهل العلم على أن الموضحة تكون في الرأس والوجه. ~~واختلفوا في تفضيل موضحة الوجه على موضحة الرأس، فروي عن أبي بكر وعمر ~~أنهما سواء. وقال بقولهما # PageV06P204 # جماعة من التابعين، وبه يقول الشافعي وإسحق. وروي عن سعيد بن المسيب ~~تضعيف موضحة الوجه على موضحة الرأس. وقال أحمد: موضحة الوجه أحرى أن يزاد ~~فيها. # وقال مالك: المأمومة والمنقلة والموضحة لا تكون إلا في الرأس والوجه، ولا ~~تكون المأمومة إلا في الرأس خاصة إذا وصل إلى الدماغ، قال: والموضحة ما ~~تكون في جمجمة الرأس، وما دونها فهو من العنق ليس فيه موضحة. قال مالك: ~~والأنف ليس من الرأس وليس فيه موضحة، وكذلك اللحى الأسفل ليس فيه موضحة. ~~وقد اختلفوا في الموضحة في غير الرأس والوجه، فقال أشهب وابن القاسم: ليس ~~في موضحة الجسد ومنقلته ومأمومته إلا الاجتهاد، وليس فيها أرش معلوم. قال ~~ابن المنذر: هذا قول مالك والثوري والشافعي وأحمد وإسحق، وبه نقول. وروي عن ~~عطاء الخراساني أن الموضحة إذا كانت في جسد الانسان فيها خمس وعشرون ~~دينارا. قال أبو عمر: واتفق مالك والشافعي وأصحابهما أن من شج رجلا ~~مأمومتين أو موضحتين أو ثلاث مأمومات أو موضحات أو أكثر في ضربة واحدة أن ~~فيهن كلهن - وإن انخرقت فصارت واحدة - دية كاملة. وأما الهاشمة فلا دية ~~فيها عندنا بل حكومة. قال ابن المنذر: ولم أجد في كتب المدنيين ذكر ~~الهاشمة، بل قد قال مالك فيمن كسر أنف رجل إن كان خطأ ففيه الاجتهاد. وكان ~~الحسن البصري لا يوقت في الهاشمة شيئا. # وقال ms2188 أبو ثور: إن اختلفوا فيه ففيها حكومة. قال ابن المنذر: النظر يدل ~~على هذا، إذ لا سنة فيها ولا إجماع. وقال القاضي أبو الوليد الباجي: فيها ~~ما في الموضحة، فإن صارت منقلة فخمسة عشر، وإن صارت مأمومة فثلث الدية. قال ~~ابن المنذر: ووجدنا أكثر من لقيناه وبلغنا عنه من أهل العلم يجعلون في ~~الهاشمة عشرا من الإبل. وروينا هذا القول عن زيد بن ثابت، وبه قال قتادة ~~وعبيد الله بن الحسن والشافعي. وقال الثوري وأصحاب الرأي: فيها ألف درهم، ~~ومرادهم عشر الدية. وأما المنقلة فقال ابن المنذر: جاء؟ الحديث عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: (في المنقلة خمس عشرة من الإبل) وأجمع أهل ~~العلم على القول به. قال ابن المنذر: وقال كل من يحفظ عنه من أهل العلم أن ~~المنقلة هي التي تنقل PageV06P205 # منها العظام. وقال مالك والشافعي وأحمد وأصحاب الرأي - وهو قول قتادة ~~وابن شبرمة - أن المنقلة لا قود فيها، وروينا عن ابن الزبير - وليس بثابت ~~عنه - أنه أقاد من المنقلة. قال ابن المنذر: والأول أولى، لأني لا أعلم ~~أحدا خالف في ذلك وأما المأمومة فقال ابن المنذر: # جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (في المأمومة ثلث ~~الدية). وأجمع [عوام] (1) أهل العلم على القول به، ولا نعلم أحدا خالف ذلك ~~إلا مكحولا فإنه قال: إذا كانت المأمومة عمدا ففيها ثلثا الدية، وإذا كانت ~~خطأ ففيها ثلث الدية، وهذا قول شاذ، وبالقول الأول أقول؟؟ واختلفوا؟؟ في ~~القود من المأمومة، فقال كثير من أهل العلم: لا قود فيها، وروي عن ابن؟؟ ~~الزبير؟؟ أنه؟؟ أقص؟؟ من المأمومة، فأنكر ذلك الناس. وقال عطاء: ما علمنا ~~أحدا أقاد منا قبل؟؟ ابن الزبير. وأما الجائفة ففيها ثلث الدية على حديث ~~عمرو بن حزم، ولا خلاف في ذلك إلا ما روي عن مكحول أنه قال: إذا كانت عمدا ~~ففيها ثلثا الدية، وإن كانت خطأ ففيها ثلث الدية. والجائفة كل ما خرق إلى ~~الجوف ولو مدخل إبرة، فإن نفذت من جهتين ms2189 عندهم جائفتان، وفيها من الدية ~~الثلثان. قال أشهب: وقد قضى أبو بكر الصديق رضي الله عنه في جائفة نافذة من ~~الجنب الآخر. بدية جائفتين. وقال عطاء ومالك والشافعي وأصحاب الرأي كلهم ~~يقولون: لا قصاص في الجائفة. قال ابن المنذر: وبه نقول. # السادسة والعشرون - واختلفوا في القود من اللطمة وشبهها، فذكر البخاري عن ~~أبي بكر وعلي وابن الزبير وسويد بن مقرن [رضي الله عنهم] (2) أنهم أقادوا ~~من اللطمة وشبهها. وروي عن عثمان وخالد بن الوليد مثل ذلك، وهو قول الشعبي ~~وجماعة من أهل الحديث. وقال الليث: # إن كانت اللطمة في العين فلا قود فيها (3)، للخوف (4) على العين ويعاقبه ~~السلطان. وإن كانت على الخد ففيها القود. وقالت طائفة: لا قصاص في اللطمة، ~~روي هذا عن الحسن وقتادة. # وهو قول مالك والكوفيين والشافعي، واحتج مالك في ذلك فقال: ليس لطمة ~~المريض الضعيف مثل لطمة القوي، وليس العبد الأسود يلطم مثل الرجل ذي الحالة ~~والهيئة، وإنما في ذلك كله الاجتهاد لجهلنا بمقدار اللطمة. # PageV06P206 # السابعة والعشرون - واختلفوا في القود من ضرب السوط، فقال الليث [والحسن] ~~(1): # يقاد منه، ويزاد عليه للتعدي (2). وقال ابن القاسم: يقاد منه. ولا يقاد ~~منه عند الكوفيين والشافعي إلا أن يجرح، قال الشافعي إن جرح السوط ففيه ~~حكومة. وقال ابن المنذر: وما أصيب (3) به من سوط أو عصا أو حجر فكان دون ~~النفس فهو عمد، وفيه القود، وهذا قول جماعة من أصحاب الحديث. وفي البخاري ~~وأقاد عمر من ضربة بالدرة (4)، وأقاد علي بن أبي طالب من ثلاثة أسواط. ~~واقتص شريح من سوط وخموش. وقال ابن بطال: وحديث لد (5) النبي صلى الله عليه ~~وسلم لأهل البيت حجة لمن جعل القود في كل ألم وإن لم يكن جرح. # الثامنة والعشرون - واختلفوا في عقل جراحات النساء، ففي " الموطأ " عن ~~مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنه كان يقول: تعاقل المرأة الرجل ~~إلى ثلث دية [الرجل] (6)، إصبعها كإصبعه وسنها كسنه، وموضحتها كموضحته، ~~ومنقلتها كمنقلته. قال ابن بكير قال مالك: فإذا بلغت ثلث دية ms2190 الرجل كانت ~~على النصف من دية الرجل. قال ابن المنذر: # روينا هذا القول عن عمر وزيد بن ثابت، وبه قال سعيد بن المسيب وعمر بن ~~عبد العزيز وعروة بن الزبير [والزهري] (7) وقتادة وابن هرمز ومالك وأحمد بن ~~حنبل وعبد الملك ابن الماجشون. وقالت طائفة: دية المرأة على النصف من دية ~~الرجل فيما قل أو كثر، روينا هذا القول عن علي بن أبي طالب، وبه قال الثوري ~~والشافعي وأبو ثور والنعمان وصاحباه، واحتجوا بأنهم لما أجمعوا على الكثير ~~وهو الدية كان القليل مثله، وبه نقول. # التاسعة والعشرون - قال القاضي عبد الوهاب: وكل ما فيه جمال منفرد عن ~~منفعة أصلا ففيه حكومة، كالحاجبين وذهاب شعر اللحية وشعر؟؟ الرأس وثديي؟؟ ~~الرجل وأليته (8). وصفة # PageV06P207 # الحكومة أن يقوم المجني عليه لو كان عبدا سليما، ثم يقوم مع الجناية فما ~~نقص من ثمنه جعل جزءا من ديته بالغا ما بلغ، وحكاه ابن المنذر عن كل من ~~يحفظ عنه من أهل العلم، قال: ويقبل فيه قول رجلين ثقتين من أهل المعرفة. ~~وقيل: بل يقبل قول عدل واحد. والله سبحانه أعلم. # فهذه جمل من أحكام الجراحات والأعضاء تضمنها معنى هذه الآية، فيها لمن ~~اقتصر عليها كفاية، والله الموفق للهداية [بمنه وكرمه] (1). # الموفية ثلاثين - قوله تعالى: (فمن تصدق به فهو كفارة له) شرط وجوابه، أي ~~تصدق بالقصاص فعفا فهو كفارة له، أي لذلك المتصدق. وقيل: هو كفارة للجارح ~~فلا يؤاخذ بجنايته في الآخرة، لأنه يقوم مقام أخذ الحق منه، وأجر المتصدق ~~عليه. وقد ذكر ابن عباس القولين، وعلى الأول أكثر الصحابة ومن بعدهم، وروي ~~الثاني عن ابن عباس ومجاهد، وعن إبراهيم النخعي والشعبي بخلاف عنهما، ~~والأول أظهر لان العائد فيه يرجع إلى مذكور، وهو " من ". وعن أبي الدرداء ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من مسلم يصاب بشئ من جسده فيهبه إلا رفعه ~~الله به درجة وحط عنه به خطيئة). قال ابن العربي: والذي يقول إنه إذا عفا ~~عنه المجروح عفا الله عنه لم يقم عليه دليل، فلا ms2191 معنى له. # قوله تعالى: وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من ~~التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى ~~وموعظة للمتقين (46) وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما ~~أنزل الله فأولئك هم الفاسقون (47) قوله تعالى: (وقفينا على آثارهم بعيسى ~~بن مريم) أي جعلنا عيسى يقفو آثارهم، أي آثار النبيين الذين أسلموا. (مصدقا ~~لما بين يديه) يعني التوراة، فإنه رأى التوراة حقا، ورأى وجوب العمل بها ~~إلى أن يأتي ناسخ. " مصدقا " نصب على الحال من عيسى. (فيه هدى) في موضع رفع ~~بالابتداء. " ونور " عطف عليه. " ومصدقا " فيه وجهان، يجوز أن يكون # PageV06P208 # لعيسى وتعطفه على مصدقا الأول، ويجوز أن يكون حالا من الإنجيل، ويكون ~~التقدير: # وآتيناه الإنجيل مستقرا فيه هدى ونور ومصدقا. (وهدى وموعظة) عطف على " ~~مصدقا " أي هاديا وواعظا. " للمتقين " وخصهم لأنهم المنتفعون بهما. ويجوز ~~رفعهما على العطف على قوله: " فيه هدى ونور ". # قوله تعالى: (وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه) قرأ الأعمش وحمزة ~~بنصب الفعل على أن تكون اللام لام كي. والباقون بالجزم على الامر، فعلى ~~الأول تكون اللام متعلقة بقوله: " وآتيناه " فلا يجوز الوقف، أي وآتيناه ~~الإنجيل ليحكم أهله بما أنزل الله فيه. # ومن قرأه على الامر فهو كقوله: " وأن احكم بينهم " [المائدة: 49] فهو ~~إلزام مستأنف يبتدأ به، أي ليحكم أهل الإنجيل أي في ذلك الوقت، فأما الآن ~~فهو منسوخ. وقيل: هذا أمر للنصارى الآن بالايمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، ~~فإن في الإنجيل وجوب الايمان به، والنسخ إنما يتصور في الفروع لا في ~~الأصول. قال مكي: والاختيار الجزم، لان الجماعة عليه، ولأن ما بعده من ~~الوعيد والتهديد يدل على أنه إلزام من الله تعالى لأهل الإنجيل. فال ~~النحاس: والصواب عندي أنهما قراءتان حسنتان، لان الله عز وجل لم ينزل كتابا ~~إلا ليعمل بما فيه، وأمر (1) بالعمل بما فيه، فصحتا جميعا. # قوله تعالى: وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ~~ومهيمنا عليه ms2192 فأحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق ~~لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم ~~في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه ~~تختلفون (48) قوله تعالى: (وأنزلنا إليك الكتاب) الخطاب لمحمد صلى الله ~~عليه وسلم. و " الكتاب " القرآن (بالحق) أي [هو] (2) بالامر الحق (مصدقا) ~~حال (لما بين يديه من الكتاب) أي من # PageV06P209 # جنس الكتب. (ومهيمنا عليه) أي عاليا عليها ومرتفعا. وهذا يدل على تأويل ~~من يقول بالتفضيل أي في كثرة الثواب، على ما تقدمت إليه الإشارة في " ~~الفاتحة " (1) وهو اختيار ابن الحصار في كتاب شرح السنة له. وقد ذكرنا ما ~~ذكره في كتابنا في شرح الأسماء [الحسنى] (2) والحمد لله. وقال قتادة: ~~المهيمن معناه المشاهد. وقيل: الحافظ. وقال الحسن: المصدق، ومنه قول ~~الشاعر: # إن الكتاب مهيمن لنبينا * والحق يعرفه ذوو الألباب وقال ابن عباس: " ~~ومهيمنا عليه " أي مؤتمنا عليه. قال سعيد بن جبير: القرآن مؤتمن على ما ~~قبله من الكتب، وعن ابن عباس والحسن أيضا: المهيمن الأمين. قال المبرد: ~~أصله مؤيمن أبدل من الهمزة هاء، كما قيل في أرقت الماء هرقت، وقاله الزجاج ~~أيضا وأبو علي. # وقد صرف فقيل: هيمن يهين هيمنة، وهو مهيمن بمعنى كان أمينا. الجوهري: هو ~~من آمن غيره من الخوف، وأصله أأمن فهو مؤامن بهمزتين، قلبت الهمزة الثانية ~~ياء كراهة لاجتماعهما فصار مؤيمن، ثم صيرت الأولى هاء كما قالوا: هراق ~~الماء وأراقه، يقال منه: # هيمن على الشئ يهيمن إذا كان له حافظا، فهو مهيمن، عن أبي عبيد. وقرأ ~~مجاهد وابن محيصن: " ومهيمنا عليه " بفتح الميم. قال مجاهد: أي محمد صلى ~~الله عليه وسلم مؤتمن على القرآن. # قوله تعالى: (فاحكم بينهم بما أنزل الله) يوجب الحكم، فقيل: هذا نسخ ~~للتخيير في قوله: " فاحكم بينهم أو أعرض عنهم " وقيل: ليس هذا وجوبا، ~~والمعنى: فاحكم بينهم إن شئت، إذ لا يجب علينا الحكم بينهم إذا لم يكونوا ~~من أهل الذمة. وفي أهل الذمة تردد وقد ms2193 مضى الكلام فيه. وقيل: أراد فاحكم ~~بين الخلق، فهذا كان واجبا عليه. # قوله تعالى: (ولا تتبع أهواءهم) فيه مسئلتان (3): # الأولى - قوله تعالى: (ولا تتبع أهواءهم) يعني لا تعمل بأهوائهم ومرادهم ~~على ما جاءك من الحق، يعني لا تترك الحكم بما بين الله تعالى من القرآن من ~~بيان الحق وبيان # PageV06P210 # الاحكام. والأهواء جمع هوى، ولا يجمع أهوية، وقد تقدم في " البقرة " (1). ~~فنهاه عن أن يتبعهم فيما يريدونه، وهو يدل على بطلان قول من قال: تقوم ~~الخمر على من أتلفها عليهم، لأنها ليست مالا لهم فتكون مضمونة على متلفها، ~~لان إيجاب ضمانها على متلفها حكم بموجب أهواء اليهود، وقد أمرنا بخلاف ذلك. ~~ومعنى (عما جاءك) على ما جاءك. (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) يدل على عدم ~~التعلق بشرائع الأولين. والشرعة والشريعة الطريقة الظاهرة التي يتوصل بها ~~إلى النجاة. والشريعة في اللغة: الطريق الذي يتوصل منه إلى الماء. والشريعة ~~ما شرع الله لعباده من الدين، وقد شرع لهم يشرع شرعا أي سن. والشارع الطريق ~~الأعظم. # والشرعة أيضا الوتر، والجمع شرع وشرع وشراع جمع الجمع، عن أبي عبيد، فهو ~~مشترك. # والمنهاج الطريق المستمر، وهو النهج والمنهج، أي البين، قال الراجز: # من يك ذا شك فهذا فلج * ماء رواء (2) وطريق نهج وقال أبو العباس محمد بن ~~يزيد: الشريعة ابتداء الطريق، والمنهاج الطريق المستمر. وروي عن ابن عباس ~~والحسن وغيرهما " شرعة ومنهاجا " سنة وسبيلا. ومعنى الآية أنه جعل التوراة ~~لأهلها، والإنجيل لأهله، والقرآن لأهله، وهذا في الشرائع والعبادات، والأصل ~~التوحيد لا اختلاف فيه، روي معنى ذلك عن قتادة. وقال مجاهد: الشرعة ~~والمنهاج دين محمد عليه السلام، وقد نسخ به كل ما سواه. # قوله تعالى: (ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة) أي لجعل شريعتكم واحدة ~~فكنتم على الحق، فبين أنه أراد بالاختلاف إيمان قوم وكفر قوم. (ولكن ~~ليبلوكم فيما آتاكم) في الكلام حذف تتعلق به لام كي، أي ولكن جعل شرائعكم ~~مختلفة ليختبركم، والابتلاء الاختبار. # قوله تعالى: (فاستبقوا الخيرات) أي سارعوا إلى الطاعات، وهذا يدل على أن ms2194 ~~تقديم الواجبات أفضل من تأخيرها، وذلك لا اختلاف فيه في العبادات كلها إلا ~~في الصلاة في أول # PageV06P211 # الوقت فإن أبا حنيفة يرى أن الأولى تأخيرها، وعموم الآية دليل عليه، قاله ~~الكيا (1). وفيه دليل على أن الصوم في السفر أولى من الفطر، وقد تقدم جميع ~~هذا في " البقرة " (2). (إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه ~~تختلفون) أي بما اختلفتم فيه، وتزول الشكوك. # قوله تعالى: وإن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن ~~يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ~~ببعض ذنوبهم وإن كثيرا من الناس لفاسقون (49) قوله تعالى: (وأن احكم بينهم ~~بما أنزل الله) تقدم الكلام فيها، وأنها ناسخة للتخيير. # قال ابن العربي: وهذه دعوى عريضة، فإن شروط النسخ أربعة: منها معرفة ~~التاريخ بتحصيل المتقدم والمتأخر، وهذا مجهول من هاتين الآيتين، فامتنع أن ~~يدعى أن واحدة منهما ناسخة للأخرى، وبقي الامر على حاله. # قلت: قد ذكرنا عن أبي جعفر النحاس أن هذه الآية متأخرة في النزول، فتكون ~~ناسخة إلا أن يقدر في الكلام " وأن احكم بينهم بما أنزل الله " إن شئت، ~~لأنه قد تقدم ذكر التخيير له، فآخر الكلام حذف التخيير منه لدلالة الأول ~~عليه، لأنه معطوف عليه، فحكم التخيير كحكم المعطوف عليه، فهما شريكان وليس ~~الآخر بمنقطع مما قبله، إذ لا معنى لذلك ولا يصح، فلا بد من أن يكون قوله: ~~" وأن احكم بينهم بما أنزل الله " معطوفا على ما قبله من قوله: # " وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط " ومن قوله: " فإن جاءوك فاحكم بينهم أو ~~أعرض عنهم " فمعنى " وأن احكم بينهم بما أنزل الله " أي احكم بذلك إن حكمت ~~واخترت الحكم، فهو كله محكم غير منسوخ، لان الناسخ لا يكون مرتبطا بالمنسوخ ~~معطوفا عليه، فالتخيير للنبي صلى الله عليه وسلم في ذلك محكم غير منسوخ، ~~قاله مكي رحمه اله. " وأن احكم " في موضع نصب عطفا على الكتاب، أي وأنزلنا ~~إليك أن احكم بينهم بما أنزل الله، أي بحكم ms2195 الله الذي أنزله # PageV06P212 # إليك في كتابه. (واحذرهم أن يفتنوك) " أن " بدل من الهاء والميم في " ~~واحذرهم " وهو بدل اشتمال. أو مفعول من أجله، أي من أجل أن يفتنوك. وعن ابن ~~إسحاق قال ابن عباس: اجتمع قوم من الأحبار منهم ابن صوريا وكعب بن أسد وابن ~~صلوبا وشأس ابن عدي وقالوا: اذهبوا بنا إلى محمد فلعلنا نفتنه عن دينه ~~فإنما هو بشر، فأتوه فقالوا: # قد عرفت يا محمد أنا أحبار اليهود، وإن اتبعناك لم يخالفنا أحد من ~~اليهود، وإن بيننا وبين قوم خصومة فتحاكمهم إليك، فاقض لنا عليهم حتى نؤمن ~~بك، فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية. وأصل الفتنة ~~الاختبار حسبما تقدم، ثم يختلف معناها، فقوله تعالى هنا " يفتنوك " معناه ~~يصدوك ويردوك، وتكون الفتنة بمعنى الشرك، ومنه قوله: " والفتنة أكبر من ~~القتل (1) " وقوله: " وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة (2) ". وتكون والفتنة ~~بمعنى العبرة، كقوله: " لا تجعلنا فتنة للذين كفروا (3) ". و (لا تجعلنا ~~فتنة للقوم الظالمين " [يونس: 85] (4). # وتكون الفتنة الصد عن السبيل كما في هذه الآية. وتكرير " وأن احكم بينهم ~~بما أنزل الله " للتأكيد، أو هي أحوال وأحكام أمره أن يحكم في كل واحد بما ~~أنزل الله. وفي الآية دليل على جواز النسيان على النبي صلى الله عليه وسلم، ~~لأنه قال: " أن يفتنوك " وإنما يكون ذلك عن نسيان لا عن تعمد. وقيل: الخطاب ~~له والمراد غيره. وسيأتي بيان هذا في " الانعام " إن شاء الله تعالى ومعنى ~~(عن بعض ما أنزل الله إليك) عن كل ما أنزل الله إليك. # والبعض يستعمل بمعنى الكل قال الشاعر: # * أو يعتبط بعض النفوس حمامها * ويروى " أو يرتبط ". أراد كل النفوس، ~~وعليه حملوا قوله تعالى: " ولابين لكم بعض الذي تختلفون فيه " (6) [الزخرف: ~~63]. قال ابن العربي: والصحيح أن " بعض " على حالها في هذه الآية، وأن ~~المراد به الرجم أو الحكم الذي كانوا أرادوه ولم يقصدوا أن يفتنوه عن الكل. ~~والله أعلم. # PageV06P213 # قوله تعالى: (فإن تولوا) أي فإن أبوا حكمك وأعرضوا عنه (فاعلم أنما يريد ~~الله أن ms2196 يصيبهم ببعض ذنوبهم) أي يعذبهم بالجلاء والجزية والقتل، وكذلك كان. ~~وإنما قال: # " ببعض " لان المجازاة بالبعض كانت كافية في التدمير عليهم. (وإن كثيرا ~~من الناس لفاسقون) يعني اليهود. # قوله تعالى: أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ~~(50) فيه ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (أفحكم الجاهلية يبغون) " أفحكم " نصب ب‍ " - يبغون ~~" والمعنى: أن الجاهلية كانوا يجعلون حكم الشريف خلاف حكم الوضيع، كما تقدم ~~في غير موضع، وكانت اليهود تقيم الحدود على الضعفاء الفقراء، ولا يقيمونها ~~على الأقوياء الأغنياء، فضارعوا الجاهلية في هذا الفعل. # الثانية - روى سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح عن طاوس قال: كان إذا ~~سألوه عن الرجل يفضل بعض ولده على بعض يقرأ هذه الآية " أفحكم الجاهلية ~~يبغون " فكان طاوس يقول: ليس لأحد أن يفضل بعض ولده على بعض، فإن فعل لم ~~ينفذ وفسخ، وبه قال أهل الظاهر. وروي عن أحمد بن حنبل مثله، وكرهه، الثوري ~~وابن المبارك وإسحق، فإن فعل ذلك أحد نفذ ولم يرد، وأجاز ذلك مالك والثوري ~~والليث والشافعي وأصحاب الرأي، واستدلوا بفعل الصديق في نحله عائشة دون ~~سائر ولده، وبقوله عليه السلام: # (فارجعه) (1) وقوله: (فأشهد على هذا غيري). وأحتج الأولون بقوله عليه ~~السلام لبشير: # (ألك ولد سوى هذا) قال نعم، فقال: (أكلهم وهبت له مثل هذا) فقال لا، # PageV06P214 # قال: (فلا تشهدني إذا فإني لا أشهد على جور) في رواية (وإني لا أشهد إلا ~~على حق). # قالوا: وما كان جورا وغير حق فهو باطل لا يجوز. وقول: (أشهد على هذا ~~غيري) ليس إذنا في الشهادة وإنما هو زجر عنها، لأنه عليه السلام قد سماه ~~جورا وامتنع من الشهادة فيه، فلا يمكن أن يشهد أحد من المسلمين في ذلك ~~بوجه. وأما فعل أبي بكر فلا يعارض به قول النبي صلى الله عليه وسلم، ولعله ~~قد كان نحل أولاده نحلا يعادل ذلك. # فإن قيل: الأصل تصرف الانسان في ماله مطلقا، قيل له: الأصل الكلي ~~والواقعة المعينة المخالفة لذلك الأصل لا تعارض بينهما كالعموم والخصوص. ms2197 ~~وفي الأصول أن الصحيح بناء العام على الخاص، ثم إنه ينشأ عن ذلك العقوق ~~الذي هو أكبر الكبائر، وذلك محرم، وما يؤدي إلى المحرم فهو ممنوع، ولذلك ~~قال صلى الله عليه وسلم: (اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم). قال النعمان: ~~فرجع أبي فرد تلك الصدقة، والصدقة لا يعتصرها (1) الأب بالانفاق وقوله: ~~(فارجعه) محمول على معنى فاردده، والرد ظاهر في الفسخ، كما قال عليه السلام ~~(من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) أي مردود مفسوخ. وهذا كله ظاهر قوي، ~~وترجيح جلي في المنع. # الثالثة - قرأ ابن وثاب والنخعي " أفحكم " بالرفع على معنى يبغونه، فحذف ~~الهاء كما حذفها أبو النجم في قوله: # قد أصبحت أم الخيار تدعي * على ذنبا كله لم أصنع فيمن روى " كله " ~~بالرفع. ويجوز أن يكون التقدير: أفحكم الجاهلية حكم يبغونه، فحذف الموصوف. # وقرأ الحسن وقتادة والأعرج والأعمش " أفحكم " بنصب الحاء والكاف وفتح ~~الميم، وهي راجعة إلى معنى قراءة الجماعة إذ ليس المراد نفس الحكم، وإنما ~~المراد الحكم، فكأنه قال: أفحكم حكم الجاهلية يبغون. وقد يكون الحكم ~~والحاكم في اللغة واحدا وكأنهم يريدون # PageV06P215 # الكاهن وما أشبهه من حكام الجاهلية، فيكون المراد بالحكم الشيوع والجنس، ~~إذ لا يراد به حاكم بعينه، وجاز وقوع المضاف جنسا كما جاز في قولهم: منعت ~~مصر (1) إردبها، وشبهه. # وقرأ ابن عامر " تبغون " بالتاء، الباقون بالياء. # وقوله تعالى: (ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون) هذا استفهام على جهة ~~الانكار بمعنى: لا أحد أحسن، فهذا ابتداء وخبر. و " حكما " نصب على البيان. ~~[لقوله] (2) " لقوم يوقنون " أي عند قوم يوقنون. # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم ~~أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدى القوم الظالمين (51) ~~فيه مسئلتان: # الأولى - " اليهود والنصارى أولياء " مفعولان ل‍ [تتخذوا] (2)، وهذا يدل ~~على قطع الموالاة شرعا، وقد مضى في " آل عمران " (3) بيان ذلك. ثم قيل: ~~المراد به المنافقون، المعنى يا أيها الذين آمنوا بظاهرهم، وكانوا يوالون ~~المشركين ويخبرونهم بأسرار المسلمين. وقيل: نزلت في ms2198 أبي لبابة، عن عكرمة. ~~قال السدي: نزلت في قصة يوم أحد حين خاف المسلمون حتى هم قوم منهم أن ~~يوالوا اليهود والنصارى. وقيل: نزلت في عبادة بن الصامت وعبد الله بن أبي ~~بن سلول، فتبرأ عبادة [رضي الله عنه] (4) من موالاة اليهود، وتمسك بها ابن ~~أبي وقال: # إني أخاف أن تدور الدوائر. (بعضهم أولياء بعض) مبتدأ وخبره، وهو يدل على ~~إثبات الشرع الموالاة فيما بينهم حتى يتوارث اليهود والنصارى بعضهم من بعض. # PageV06P216 # الثانية - قوله تعالى: (ومن يتولهم منكم) أي يعضدهم على المسلمين (فإنه ~~منهم) بين تعالى أن حكمه كحكمهم، وهو يمنع إثبات الميراث للمسلم من المرتد، ~~وكان الذي تولاهم ابن أبي ثم هذا الحكم باق إلى يوم القيامة في قطع ~~الموالاة، وقد قال تعالى: " ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار " (1) ~~[هود: 113] وقال تعالى في " آل عمران ": " لا يتخذ المؤمنون الكافرين ~~أولياء من دون المؤمنين " (2) [آل عمران: 28] وقال تعالى: " لا تتخذوا ~~بطانة من دونكم " (2) [آل عمران: 118] وقد مضى القول فيه. # وقيل: إن معنى " بعضهم أولياء بعض " أي في النصرة " ومن يتولهم منكم فإنه ~~منهم " شرط وجوابه، أي لأنه قد خالف الله تعالى ورسوله كما خالفوا، ووجبت ~~معاداته كما وجبت معاداتهم، ووجبت له النار كما وجبت لهم، فصار منهم أي من ~~أصحابهم. # قوله تعالى: فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن ~~تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما ~~أسروا في أنفسهم نادمين (52) ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين اقسموا بالله ~~جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين (53) قوله تعالى: ~~(فترى الذين في قلوبهم مرض) شك ونفاق، وقد تقدم في " البقرة " (3) والمراد ~~ابن أبي وأصحابه (يسارعون فيهم) أي في موالاتهم ومعاونتهم. (يقولون نخشى أن ~~تصيبنا دائرة) أي يدور الدهر علينا إما بقحط فلا يميروننا ولا يفضلوا ~~علينا، وإما أن يظفر اليهود بالمسلمين فلا يدوم الامر لمحمد صلى الله عليه ~~وسلم. وهذا القول أشبه بالمعنى، كأنه من دارت تدور، أي نخشى أن يدور ms2199 الامر، ~~ويدل عليه قوله عز وجل: " فعسى الله أن يأتي بالفتح "، وقال الشاعر: # يرد عنك القدر المقدورا * ودائرات الدهر أن تدورا # PageV06P217 # يعنى دول الدهر الدائرة من قوم إلى قوم. واختلف في معنى الفتح، فقيل: ~~الفتح الفصل والحكم، عن قتادة وغيره. قال ابن عباس: أتى الله بالفتح فقتلت ~~مقاتلة بني قريظة وسبيت ذراريهم وأجلي بنو النضير. وقال أبو علي: هو فتح ~~بلاد المشركين على المسلمين. وقال السدي: يعني بالفتح فتح مكة. (أو أمر من ~~عنده) قال السدي: هو الجزية. الحسن: # إظهار أمر المنافقين والاخبار بأسمائهم والامر بقتلهم. وقيل: الخصب ~~والسعة للمسلمين (فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين) أي فيصبحوا ~~نادمين على توليهم الكفار إذا رأوا نصر الله للمؤمنين، وإذا عاينوا عند ~~الموت فبشروا بالعذاب. # قوله تعالى: (ويقول الذين آمنوا). وقرأ أهل المدينة وأهل الشام: " يقول " ~~بغير واو. # وقرأ أبو عمرو وابن أبي إسحاق: " ويقول " بالواو والنصب عطفا على " أن ~~يأتي " عند أكثر النحويين، التقدير: فعسى الله أن يأتي بالفتح وأن يقول. ~~وقيل: هو عطف على المعنى، لان معنى " عسى الله أن يأتي بالفتح " وعسى ن ~~يأتي الله بالفتح، إذ لا يجوز عسى زيد أن يأتي ويقوم عمرو، لأنه لا يصح ~~المعنى إذا قلت: وعسى زيد أن يقوم عمرو، ولكن لو قلت: عسى أن يقوم زيد ~~ويأتي عمرو كان جيدا. فإذا قدرت التقديم في أن يأتي إلى جنب عسى حسن، لأنه ~~يصير التقدير: عسى أن يأتي وعسى أن يقوم، ويكون من باب قوله: # ورأيت زوجك في الوغى * متقلدا سيفا ورمحا (1) وفيه قول ثالث - وهو أن ~~تعطفه على الفتح، كما قال الشاعر: # * للبس عباءة وتقر عيني * (2) ويجوز أن يجعل " أن يأتي " بدلا من اسم ~~الله جل ذكره، فيصير التقدير: عسى أن يأتي الله ويقول الذين آمنوا. وقرأ ~~الكوفيون " ويقول الذين آمنوا " بالرفع على القطع من الأول. # (أهؤلاء) إشارة إلى المنافقين. (أقسموا بالله) حلفوا واجتهدوا في ~~الايمان. (إنهم لمعكم) # PageV06P218 # أي قالوا إنهم، ويجوز " أنهم " [نصب] (1) ب‍ " - أقسموا " أي قال ~~المؤمنون لليهود على جهة ms2200 التوبيخ: أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهدا أيمانهم ~~أنهم يعينونكم على محمد. ويحتمل أن يكون من المؤمنين بعضهم لبعض، أي هؤلاء ~~الذين كانوا يحلفون أنهم مؤمنون فقد هتك (2) الله اليوم سترهم. (حبطت ~~أعمالهم) بطلت بنفاقهم. (فأصبحوا خاسرين) أي خاسرين الثواب. # وقيل: خسروا في موالاة اليهود فلم تحصل لهم ثمرة بعد قتل اليهود ~~وإجلائهم. # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله ~~بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل ~~الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم ~~(54) فيه أربع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " من يرتد منكم عن دينه " شرط وجوابه " فسوف ". ~~وقراءة أهل المدينة والشام " من يرتدد " بدالين. الباقون " من يرتد ". وهذا ~~من إعجاز القرآن والنبي صلى الله عليه وسلم: إذ أخبر عن ارتدادهم ولم يكن ~~ذلك في عهده وكان ذلك غيبا، فكان على ما أخبر بعد مدة، وأهل الردة كانوا ~~بعد موته صلى الله عليه وسلم. قال ابن إسحاق: # لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدت العرب إلا ثلاثة مساجد، مسجد ~~المدينة، ومسجد مكة، ومسجد جؤاثى (3)، وكانوا في ردتهم على قسمين: قسم نبذ ~~الشريعة كلها وخرج عنها، وقسم نبذ وجوب الزكاة واعترف بوجوب غيرها، قالوا ~~نصوم ونصلي ولا نزكي، فقاتل الصديق جميعهم، وبعث خالد بن الوليد إليهم ~~بالجيوش فقاتلهم (4) وسباهم، على ما هو مشهور من أخبارهم. # PageV06P219 # الثانية - قوله تعالى: (فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه) في موضع ~~النعت. # قال الحسن وقتادة وغيرهما: نزلت في أبي بكر الصديق وأصحابه. وقال السدي: ~~نزلت في الأنصار. وقيل: هي إشارة إلى قوم لم يكونوا موجودين في ذلك (1) ~~الوقت، وأن أبا بكر قاتل أهل الردة بقوم لم يكونوا وقت نزول الآية، وهم ~~أحياء من اليمن من كندة وبجيلة، ومن أشجع. وقيل: إنها نزلت في الأشعريين، ~~ففي الخبر أنها لما نزلت قدم بعد ذلك بيسير سفائن الأشعريين، وقبائل اليمن ~~من طريق البحر، فكان لهم بلاء في الاسلام في ms2201 زمن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وكانت عامة فتوح العراق في زمن عمر رضي الله عنه على يدي قبائل ~~اليمن، هذا أصح ما قيل في نزولها. والله أعلم. وروى الحاكم أبو عبد الله في ~~" المستدرك " بإسناده: # أن النبي صلى الله عليه وسلم أشار إلى أبي موسى الأشعري لما نزلت هذه ~~الآية فقال: # (هم قوم هذا) قال القشيري: فأتباع أبي الحسن من قومه، لان كل موضع أضيف ~~فيه قوم إلى نبي أريد به الاتباع. # الثالثة - قوله تعالى: (أذلة على المؤمنين) " أذلة " نعت لقوم، وكذلك ~~(أعزة) أي يرأفون بالمؤمنين ويرحمونهم ويلينون لهم، من قولهم: دابة ذلول أي ~~تنقاد سهلة، وليس من الذل في شئ. ويغلظون على الكافرين ويعادونهم. قال ابن ~~عباس: هم للمؤمنين كالوالد للولد والسيد للعبد، وهم في الغلظة على الكفار ~~كالسبع على فريسته، قال الله تعالى: " أشداء على الكفار رحماء بينهم " (2) ~~[الفتح: 29]. ويجوز " أذلة " بالنصب على الحال، أي يحبهم ويحبونه في هذا ~~الحال، وقد تقدمت معنى محبة الله تعالى لعباده ومحبتهم له (3). # الرابعة - قوله تعالى: (يجاهدون في سبيل الله) في موضع الصفة أيضا. # (ولا يخافون لومة لائم) بخلاف المنافقين يخافون الدوائر، فدل بهذا على ~~تثبيت إمامة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، لأنهم جاهدوا في الله ~~عز وجل في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقاتلوا المرتدين بعده، ~~ومعلوم أن من كانت فيه هذه الصفات فهو ولي # PageV06P220 # لله تعالى. وقيل: الآية عامة في كل من يجاهد الكفار إلى قيام الساعة. ~~والله أعلم. # (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) ابتداء وخبر. (والله واسع عليم) أي واسع ~~الفضل، عليم بمصالح خلقه. # قوله تعالى: إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ~~ويؤتون الزكاة وهم راكعون (55) فيه مسئلتان: # الأولى - قوله تعالى: " إنما وليكم الله ورسوله " قال جابر بن عبد الله ~~قال عبد الله ابن سلام للنبي صلى الله عليه وسلم: إن قومنا من قريظة ~~والنضير قد هجرونا وأقسموا ألا يجالسونا، ولا نستطيع مجالسة أصحابك لبعد ~~المنازل، فنزلت هذه ms2202 الآية، فقال: رضينا بالله وبرسوله وبالمؤمنين أولياء. " ~~والذين " عام في جميع المؤمنين. وقد سئل أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين ~~(1) بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم عن معنى " إنما وليكم الله ورسوله ~~والذين آمنوا " هل هو علي بن أبي طالب؟ فقال: علي من المؤمنين، يذهب إلى أن ~~هذا لجميع المؤمنين. قال النحاس: وهذا قول بين، لان " الذين " لجماعة. وقال ~~ابن عباس: نزلت في أبي بكر رضي الله عنه. وقال في رواية أخرى: نزلت في علي ~~بن أبي طالب رضي الله عنه، وقاله مجاهد والسدي، وحملهم على ذلك قوله تعالى: ~~(الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) وهي: # المسألة الثانية - وذلك أن سائلا سأل في مسجد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فلم يعطه أحد شيئا، وكان علي في الصلاة في الركوع وفي يمينه خاتم، ~~فأشار إلى السائل [بيده] (2) حتى أخذه. قال الكيا الطبري: وهذا يدل على أن ~~العمل القليل لا يبطل الصلاة، فإن التصدق بالخاتم في الركوع عمل جاء به في ~~الصلاة ولم تبطل به الصلاة. وقوله: " ويؤتون الزكاة وهم راكعون " يدل على ~~أن صدقة التطوع تسمى زكاة.، فإن عليا تصدق بخاتمه في الركوع، وهو نظير قوله ~~تعالى: " وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون " (3) ~~[الروم: 39] وقد # PageV06P221 # انتظم الفرض والنفل، فصار اسم الزكاة شاملا للفرض والنفل، كاسم الصدقة ~~وكاسم الصلاة ينتظم الامرين. # قلت: فالمراد على هذا بالزكاة التصدق بالخاتم، وحمل لفظ الزكاة على ~~التصدق بالخاتم فيه بعد، لان الزكاة لا تأتي إلا بلفظها المختص بها وهو ~~الزكاة المفروضة على ما تقدم بيانه في أول سورة " البقرة " (1). وأيضا فإن ~~قبله " يقيمون الصلاة " ومعنى يقيمون الصلاة يأتون بها في أوقاتها بجميع ~~حقوقها، والمراد صلاة الفرض. ثم قال: " وهم راكعون " أي النفل. وقيل: أفرد ~~الركوع بالذكر تشريفا. وقيل: المؤمنون وقت نزول الآية كانوا بين متمم ~~للصلاة وبين راكع. وقال ابن خويزمنداد قوله تعالى: " ويؤتون الزكاة وهم ~~راكعون " تضمنت جواز العمل اليسير في الصلاة، وذلك أن هذا خرج ms2203 مخرج المدح، ~~وأقل ما في باب المدح أن يكون مباحا، وقد روي أن [علي بن أبي طالب] رضي ~~الله عنه أعطى السائل شيئا وهو في الصلاة، وقد يجوز أن يكون هذه صلاة تطوع، ~~وذلك أنه مكروه في الفرض. # ويحتمل أن يكون المدح متوجها على اجتماع حالتين، كأنه وصف من يعتقد وجوب ~~الصلاة والزكاة، فعبر عن الصلاة بالركوع، وعن الاعتقاد للوجوب بالفعل، كما ~~تقول: المسلمون هم المصلون، ولا تريد أنهم في تلك الحال مصلون ولا يوجه ~~المدح حال الصلاة، فإنما يريد من يفعل هذا الفعل ويعتقده. # قوله تعالى: ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون ~~(56) قوله تعالى: (ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا) أي من فوض أمره إلى ~~الله، وامتثل أمر رسوله، ووالى المسلمين، فهو من حزب الله. وقيل: أي ومن ~~يتولى القيام بطاعة الله ونصرة رسوله والمؤمنين. (فإن حزب الله هم ~~الغالبون) قال الحسن: حزب الله جند الله. وقال غيره: أنصار الله قال ~~الشاعر: # * وكيف أضوى (3) وبلال حزبي * # PageV06P222 # أي ناصري. والمؤمنون حزب الله، فلا جرم غلبوا اليهود بالسبي والقتل ~~والاجلاء وضرب الجزية. والحزب الصنف من الناس. وأصله من النائبة من قولهم: ~~حزبه كذا أي نابه، فكأن المحتزبين مجتمعون كاجتماع أهل النائبة عليها. وحزب ~~الرجل أصحابه. والحزب الورد، ومنه الحديث (فمن فاته حزبه من الليل). وقد ~~حزبت القرآن. والحزب الطائفة. وتحزبوا اجتمعوا. والأحزاب: الطوائف التي ~~تجتمع على محاربة الأنبياء (1). وحزبه أمر أي أصابه. # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ~~ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم ~~مؤمنين (57) فيه مسألتان: # الأولى: روي عن ابن عباس رضي الله عنه أن قوما من اليهود والمشركين ضحكوا ~~من المسلمين وقت سجودهم فأنزل الله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا ~~الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا) إلى آخر الآيات. وتقدم معنى الهزؤ في " ~~البقرة " (2). " من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء " قرأه أبو ~~عمرو والكسائي بالخفض بمعنى ومن الكفار. ms2204 قال الكسائي: # وفي حرف أبي رحمه الله " ومن الكفار "، و " من " ههنا لبيان الجنس، ~~والنصب أوضح (3) وأبين. قاله النحاس. وقيل: هو معطوف على أقرب العاملين منه ~~وهو قوله: " من الذين أوتوا الكتاب " فنهاهم الله أن يتخذوا اليهود ~~والمشركين أولياء، وأعلمهم أن الفريقين اتخذوا دين المؤمنين هزوا ولعبا. ~~ومن نصب عطف على " الذين " الأول في قوله: " لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم ~~هزوا ولعبا والكفار أولياء " أي لا تتخذوا هؤلاء وهؤلاء أولياء، فالموصوف ~~بالهزؤ واللعب في هذه القراءة اليهود لا غير. والمنهي عن اتخاذهم أولياء ~~اليهود والمشركون، وكلاهما في القراءة بالخفض موصوف بالهزؤ واللعب. قال ~~مكي: ولولا اتفاق الجماعة على النصب لاخترت الخفض، لقوته في الاعراب وفي ~~المعنى والتفسير والقرب من المعطوف # PageV06P223 # عليه. وقيل: المعنى لا تتخذوا المشركين والمنافقين أولياء، بدليل قولهم: ~~" إنما نحن مستهزئون " (1) [البقرة: 14] والمشركون كلهم كفار، لكن يطلق في ~~الغالب لفظ الكفار على المشركين، فلهذا فصل ذكر أهل الكتاب من الكافرين. # الثانية - قال ابن خويزمنداد: هذه الآية مثل قوله تعالى: " لا تتخذوا ~~اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض " [المائدة: 51]، و " لا تتخذوا ~~بطانة من دونكم " (2) [آل عمران: 118] تضمنت المنع من التأييد والانتصار ~~بالمشركين ونحو ذلك. وروى جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد ~~الخروج إلى أحد جاءه قوم من اليهود فقالوا: نسير معك، فقال [عليه الصلاة ~~والسلام] (3): # (إنا لا نستعين على أمرنا بالمشركين) وهذا هو الصحيح من مذهب الشافعي. ~~وأبو حنيفة جوز الانتصار بهم على المشركين للمسلمين، وكتاب الله تعالى يدل ~~على خلاف ما قالوه مع ما جاء من السنة ذلك. والله أعلم. # قوله تعالى: وإذ ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا ذلك بأنهم قوم لا ~~يعقلون (58) فيه أثنتا عشرة مسألة: # الأولى - قال الكلبي: كان إذا أذن المؤذن وقام المسلمون إلى الصلاة قالت ~~اليهود: # قد قاموا لا قاموا، وكانوا يضحكون إذا ركع المسلمون وسجدوا وقالوا في حق ~~الاذان: لقد ابتدعت شيئا لم نسمع به فيما مضى من الأمم، فمن أين لك صياح ~~مثل صياح العير؟ فما أقبحه ms2205 من صوت، وما أسمجه من أمر. وقيل: إنهم كانوا إذا ~~أذن المؤذن للصلاة تضاحكوا فيما بينهم وتغامزوا على طريق السخف والمجون، ~~تجهيلا لأهلها، وتنفيرا للناس عنها وعن الداعي إليها. # وقيل: إنهم كانوا يرون المنادي إليها بمنزلة اللاعب الهازئ بفعلها، جهلا ~~منهم بمنزلتها، فنزلت هذه الآية، ونزل قوله سبحانه: " ومن أحسن قولا ممن ~~دعا إلى الله وعمل صالحا " (4) [فصلت: 33] والنداء الدعاء برفع الصوت، وفد ~~يضم مثل الدعاء والرغاء. وناداه مناداة ونداء أي صاح به. وتنادوا أي نادى # PageV06P224 # بعضهم بعضا. وتنادوا أي جلسوا في النادي، وناداه جالسه في النادي. وليس ~~في كتاب الله تعالى ذكر الاذان إلا في هذه الآية، أما أنه ذكر في الجمعة ~~على الاختصاص. # الثانية - قال العلماء: ولم يكن الاذان بمكة فبل الهجرة، وإنما كانوا ~~ينادون " الصلاة جامعة " فلم هاجر النبي صلى الله عليه وسلم وصرفت القبلة ~~إلى الكعبة أمر بالاذان، وبقي (1) " الصلاة جامعة " للامر يعرض. وكان النبي ~~صلى الله عليه وسلم قد أهمه أمر الاذان حتى أريه عبد الله بن زيد، وعمر بن ~~الخطاب، وأبو بكر الصديق رضي الله عنه. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~سمع الاذان ليلة الاسراء في السماء، وأما رؤيا عبد الله بن زيد الخزرجي ~~الأنصاري وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما فمشهورة، وأن عبد الله بن زيد أخبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ليلا طرقه به، وأن عمر [رضي الله عنه] (2) ~~قال: إذا أصبحت أخبرت النبي صلى الله عليه وسلم، فأمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم بلالا فأذن بالصلاة أذان الناس اليوم. وزاد بلال في الصبح " الصلاة ~~خير من النوم " فأقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم وليست فيما أرى ~~الأنصاري، ذكره ابن سعد عن ابن عمر. وذكر الدارقطني رحمه الله أن الصديق ~~رضي الله عنه أري الاذان، وأنه أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أمر بلالا بالاذان قبل أن يخبره الأنصاري، ذكره ~~في كتاب " المدبج " له في حديث النبي صلى الله عليه وسلم ms2206 عن أبي بكر الصديق ~~وحديث أبي بكر عنه. # الثالثة - واختلف العلماء في وجوب الأذان والإقامة، فأما مالك وأصحابه ~~فإن الاذان عندهم إنما يجب في المساجد للجماعات حيث يجتمع الناس، وقد نص ~~على ذلك مالك في موطئه. واختلف المتأخرون من أصحابه على قولين: أحدهما: سنة ~~مؤكدة واجبة على الكفاية في المصر وما جرى مجرى مصر من القرى. وقال بعضهم: ~~هو فرض على الكفاية. وكذلك اختلف أصحاب الشافعي، وحكى الطبري عن مالك قال: ~~إن ترك أهل مصر الاذان عامدين أعادوا الصلاة، قال أبو عمر: ولا أعلم ~~اختلافا في وجوب الاذان جملة على أهل المصر، لان الاذان هو العلامة الدالة ~~المفرقة بين دار الاسلام ودار الكفر، وكان رسول الله صلى الله # PageV06P225 # عليه وسلم إذا بعث سرية قال لهم: (إذا سمعتم الاذان فأمسكوا وكفوا وإن لم ~~تسمعوا الاذان فأغيروا - أو قال - فشنوا الغارة). وفي صحيح مسلم قال: كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يغير إذا طلع الفجر، فإن سمع أذانا أمسك وإلا ~~أغار الحديث وقال عطاء ومجاهد والأوزاعي وداود: # الاذان فرض، ولم يقولوا على الكفاية. قال الطبري: الاذان سنة وليس بواجب. ~~وذكر عن أشهب عن مالك: إن ترك الاذان مسافر عمدا فعليه إعادة الصلاة. وكره ~~الكوفيون أن يصلي المسافر بغير أذان ولا إقامة، قالوا: وأما [ساكن] (1) ~~المصر فيستحب له أن يؤذن ويقيم، فإن استجزأ (2) بأذان الناس وإقامتهم ~~أجزأه. وقال الثوري: تجزئه الإقامة عن الاذان في السفر، وإن شئت أذنت ~~وأقمت. وقال أحمد بن حنبل: يؤذن المسافر على حديث مالك بن الحويرث. # وقال داود: الاذان واجب على كل مسافر في خاصته والإقامة، لقول رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لمالك بن الحويرث ولصاحبه: " إذا كنتما في سفر فأذنا ~~وأقيما وليؤمكما أكبركما) خرجه البخاري وهو قول أهل الظاهر. قال ابن ~~المنذر: ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمالك بن الحويرث ولابن ~~عم له: (إذا سافرتما فأذنا وأقيما وليؤمكما أكبركما). # قال ابن المنذر: فالاذان والإقامة واجبان على كل جماعة في الحضر والسفر، ~~لان ms2207 النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالاذان وأمره على الوجوب (3). قال أبو ~~عمر: واتفق الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما والثوري وأحمد وإسحق وأبو ثور ~~والطبري على أن المسافر إذا ترك الاذان عامدا أو ناسيا أجزأته صلاته، وكذلك ~~لو ترك الإقامة عندهم، وهم أشد كراهة لتركه (4) الإقامة. # واحتج الشافعي في أن الاذان غير واجب [وليس] (5) فرضا من فروض الصلاة ~~بسقوط الاذان للواحد عند الجمع بعرفة والمزدلفة، وتحصيل مذهب مالك في ~~الاذان في السفر كالشافعي سواء. # الرابعة - واتفق مالك والشافعي وأصحابهما على أن الاذان مثنى والإقامة ~~مرة مرة، إلا أن الشافعي يربع التكبير الأول، وذلك محفوظ من روايات الثقات ~~في حديث أبي محذورة (6)، # PageV06P226 # وفي حديث عبد الله بن زيد، قال: وهي زيادة يجب قبولها. وزعم الشافعي أن ~~أذان أهل مكة لم يزل في آل أبي محذورة كذلك إلى وقته وعصره. قال أصحابه: ~~وكذلك هو الآن عندهم، وما ذهب إليه مالك موجود أيضا في أحاديث صحاح في أذان ~~أبي محذورة، وفي أذان عبد الله بن زيد، والعمل عندهم بالمدينة على ذلك في ~~آل سعد القرظي إلى زمانهم. واتفق مالك والشافعي على الترجيع في الاذان، ~~وذلك رجوع المؤذن إذا قال: " أشهد أن لا إله إلا الله مرتين أشهد أن محمدا ~~رسول الله مرتين " رجع فمد من صوته جهده. ولا خلاف بين مالك والشافعي في ~~الإقامة إلا قوله: " قد قامت الصلاة " فإن مالكا يقولها مرة، والشافعي ~~مرتين، وأكثر العلماء على ما قال الشافعي، وبه جاءت الآثار. وقال أبو حنيفة ~~وأصحابه والثوري والحسن بن حي: الأذان والإقامة جميعا مثنى مثنى، والتكبير ~~عندهم في أول الاذان وأول الإقامة " الله أكبر " أربع مرات، ولا ترجيع ~~عندهم في الاذان، وحجتهم في ذلك حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: حدثنا ~~أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن عبد الله ابن زيد جاء إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال: يا رسول الله، رأيت في المنام كأن رجلا قام وعليه بردان ~~أخضران على جذم (1) حائط فأذن مثنى وأقام مثنى وقعد بينهما ms2208 قعدة، فسمع بلال ~~بذلك فقام وأذن مثنى وقعد قعدة وأقام مثنى، رواه الأعمش وغيره عن عمرو بن ~~مرة عن ابن أبي ليلى، وهو قول جماعة التابعين والفقهاء بالعراق. قال أبو ~~إسحاق السبيعي: كان أصحاب علي وعبد الله يشفعون الأذان والإقامة، فهذا أذان ~~الكوفيين، متوارث عندهم به العمل قرنا بعد قرن أيضا، كما يتوارث الحجازيون، ~~فأذانهم تربيع التكبير مثل المكيين. ثم الشهادة بأن لا إله إلا الله مرة ~~واحدة، وأشهد أن محمدا رسول الله مرة واحدة، ثم حي على الصلاة مرة، ثم حي ~~على الفلاح مرة، ثم يرجع المؤذن فيمد صوته ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله ~~- الاذان كله - مرتين مرتين إلى آخره. قال أبو عمر: ذهب أحمد بن حنبل وإسحق ~~بن راهويه وداود بن علي ومحمد بن جرير الطبري إلى إجازة القول بكل ما روي ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحملوه على الإباحة والتخيير، قالوا: كل ~~ذلك جائز، لأنه قد ثبت عن رسول الله # PageV06P227 # صلى الله عليه وسلم جميع ذلك، وعمل به أصحابه، فمن شاء قال: الله أكبر ~~مرتين في أول الاذان، ومن شاء قال ذلك أربعا، ومن شاء رجع في أذانه، ومن ~~شاء لم يرجع، ومن شاء ثنى الإقامة، ومن شاء أفردها (1)، إلا قوله: " قد ~~قامت الصلاة " فإن ذلك مرتان مرتان على كل حال!!. # الخامسة - واختلفوا في التثويب لصلاة الصبح - وهو قول المؤذن: الصلاة خير ~~من النوم - فقال مالك والثوري والليث: يقول المؤذن في صلاة الصبح - بعد ~~قوله: # حي على الفلاح مرتين - الصلاة خير من النوم مرتين، وهو قول الشافعي ~~بالعراق، وقال بمصر: لا يقول ذلك. وقال أبو حنيفة وأصحابه: يقوله بعد ~~الفراغ من الاذان إن شاء، وقد روي عنهم أن ذلك في نفس الاذان، وعليه الناس ~~في صلاة الفجر. قال أبو عمر: # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي محذورة أنه أمره أن يقول في ~~أذان الصبح (الصلاة خير من النوم). وروي عنه أيضا ذلك من حديث عبد الله بن ~~زيد. وروى ms2209 عن أنس أنه قال: من السنة أن يقال في الفجر " الصلاة خير من ~~النوم ". وروي عن ابن عمر أنه كان يقوله، وأما قول مالك في " الموطأ " أنه ~~بلغه أن المؤذن جاء إلى عمر بن الخطاب يؤذنه بصلاة الصبح فوجده نائما فقال: ~~الصلاة خير من النوم، فأمره [عمر] (2) أن يجعلها في نداء الصبح فلا أعلم أن ~~هذا روي عن عمر من جهة يحتج بها وتعلم صحتها، وإنما فيه حديث هشام ابن عروة ~~عن رجل يقال له " إسماعيل " فأعرفه، ذكر ابن أبي شيبة حدثنا عبدة بن سليمان ~~عن هشام بن عروة عن رجل يقال له " إسماعيل " قال: جاء المؤذن يؤذن عمر ~~بصلاة الصبح فقال " الصلاة خير من النوم " فأعجب به عمر وقال للمؤذن: " ~~أقرها في أذانك ". قال أبو عمر: # والمعنى فيه عندي أنه قال له: نداء الصبح موضع القول بها لا ههنا، كأنه ~~كره أن يكون منه نداء آخر عند باب الأمير كما أحدثه الامراء بعد. قال أبو ~~عمر: وإنما حملني على هذا التأويل وإن كان الظاهر من الخبر خلافه، لان ~~التثويب في صلاة الصبح أشهر عند العلماء، والعامة من أن يظن بعمر رضي الله ~~عنه أنه جهل [شيئا] (3) سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV06P228 # وأمر به مؤذنيه، بالمدينة بلالا، وبمكة أبا محذورة، فهو محفوظ معروف في ~~تأذين بلال، وأذان أبي محذورة في صلاة (1) الصبح للنبي صلى الله عليه وسلم، ~~مشهور عند العلماء. روى وكيع عن سفيان عن عمران بن مسلم عن سويد بن غفلة ~~أنه أرسل إلى مؤذنه إذا بلغت " حي على الفلاح " فقل: الصلاة خير من النوم، ~~فإنه أذان بلال، ومعلوم أن بلالا لم يؤذن قط لعمر، ولا سمعه بعد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلا مرة بالشام إذ دخلها. # السادسة - وأجمع أهل العلم على أن من السنة ألا يؤذن للصلاة إلا بعد دخول ~~وقتها إلا الفجر، فإنه يؤذن لها قبل طلوع الفجر في قول مالك والشافعي وأحمد ~~وإسحق وأبي ثور، وحجتهم قول رسول الله صلى الله عليه ms2210 وسلم: (إن بلالا يؤذن ~~بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم). وقال أبو حنيفة والثوري ومحمد ~~بن الحسن: لا يؤدن لصلاة الصبح حتى يدخل وقتها، لقول رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لمالك بن الحويرث وصاحبه: (إذا حضرت الصلاة فأذنا ثم أقيما ~~وليؤمكما أكبركما) وقياسا على سائر الصلوات. # وقالت طائفة من أهل الحديث: إذا كان للمسجد مؤذنان أذن أحدهما قبل طلوع ~~الفجر، والآخر بعد طلوع الفجر. # السابعة - واختلفوا في المؤذن يؤذن ويقيم غيره، فذهب مالك وأبو حنيفة ~~وأصحابهما إلى أنه لا بأس بذلك، لحديث محمد بن عبد الله بن زيد عن أبيه أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره إذ رأى النداء في النوم أن يلقيه على ~~بلال، فأذن بلال، ثم أمر عبد الله ابن زيد فأقام. وقال الثوري والليث ~~والشافعي: من أذن فهو يقيم، لحديث عبد الرحمن ابن زياد بن أنعم عن زياد بن ~~نعيم عن [زياد] (2) بن الحرث الصدائي قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فلما كان أول الصبح أمرني فأذنت، ثم قام إلى الصلاة فجاء بلال ليقيم. # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أخا صداء أذن ومن أذن فهو يقيم). ~~قال أبو عمر: # PageV06P229 # عبد الرحمن بن زياد هو الإفريقي، وأكثرهم يضعفونه، وليس يروي هذا الحديث ~~غيره، والأول أحسن إسنادا إن شاء الله تعالى. وإن صح حديث الإفريقي فإن من ~~أهل العلم من يوثقه ويثني عليه، فالقول به أولى لأنه نص في موضع الخلاف، ~~وهو متأخر عن قصة عبد الله ابن زيد مع بلال، والآخر، فالآخر من أمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أولى أن يتبع، ومع هذا فإني أستحب إذا كان المؤذن ~~واحدا راتبا أن يتولى الإقامة، فإن أقامها غيره فالصلاة ماضية بإجماع، ~~والحمد لله. # الثامنة - وحكم المؤذن أن يترسل في أذانه، ولا يطرب (1) به كما يفعله ~~اليوم كثير من الجهال، بل وقد أخرجه كثير من الطغام والعوام عن حد الاطراب، ~~فيرجعون فيه الترجيعات، ويكثرون فيه التقطيعات حتى لا يفهم ms2211 ما يقول، ولا ~~بما به يصول. روى الدارقطني من حديث ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: كان ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذن يطرب فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: (إن الاذان سهل سمح فإن كان أذانك سهلا سمحا وإلا فلا تؤذن). ويستقبل ~~في أذانه القبلة عند جماعة من (2) العلماء، ويلوي رأسه يمينا وشمالا في " ~~حي على الصلاة حي على الفلاح " عند كثير من أهل العلم. قال أحمد: لا يدور ~~إلا أن يكون في منارة يريد أن يسمع الناس، وبه قال إسحاق، والأفضل أن يكون ~~متطهرا. # التاسعة - ويستحب لسامع الاذان أن يحكيه إلى آخر التشهدين وإن أتمه جاز، ~~لحديث أبي سعيد (3)، وفي صحيح مسلم عن عمر بن الخطاب قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: (إذا قال المؤذن الله أكبر الله أكبر فقال أحدكم الله أكبر ~~الله أكبر ثم قال أشهد أن لا إله إلا الله، قال أشهد أن إله إلا الله ثم ~~قال أشهد أن محمدا رسول الله قال أشهد أن محمدا رسول الله، ثم قال حي على ~~الصلاة قال لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال حي على الفلاح قال لا حول ولا ~~قوة إلا بالله، ثم قال الله أكبر الله أكبر قال الله أكبر الله أكبر، ثم ~~قال لا إله إلا الله قال لا إله إلا الله من قلبه دخل الجنة). وفيه عن سعد ~~بن أبي وقاص عن # PageV06P230 # رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من قال حين يسمع المؤذن أشهد أن ~~لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله رضيت بالله ربا ~~وبمحمد رسولا وبالاسلام دينا غفر له ما تقدم من ذنبه). # العاشرة - وأما فضل الاذان والمؤذن فقد جاءت فيه أيضا آثار صحاح، منها ما ~~رواه مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا نودي للصلاة ~~أدبر الشيطان له ضراط حتى لا يسمع التأذين) الحديث. وحسبك أنه شعار ~~الاسلام، وعلم على ms2212 الايمان كما تقدم. وأما المؤذن فروى مسلم عن معاوية قال ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم ~~القيامة). وهذه إشارة إلى الامن من هول ذلك اليوم. والله أعلم. والعرب تكني ~~بطول العنق عن أشراف القوم وساداتهم، كما قال قائلهم: (1) * طوال (2) أنضية ~~الأعناق واللمم * وفي الموطأ عن أبي سعيد الخدري سمع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: (لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شئ إلا شهد له يوم ~~القيامة). وفي سنن ابن ماجة عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: (من أذن محتسبا سبع سنين كتبت له براءة من النار) وفيه عن ابن عمر أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من أذن ثنتي عشرة سنة وجبت له الجنة ~~وكتب له بتأذينه في كل يوم ستون حسنة ولكل إقامة ثلاثون حسنة). # قال أبو حاتم: هذا الاسناد منكر والحديث صحيح. وعن عثمان بن أبي العاص ~~قال: كان آخر ما عهد إلى النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا أتخذ مؤذنا يأخذ ~~على أذانه أجرا) حديث ثابت. # الحادية عشرة - واختلفوا في أخذ الأجرة على الاذان، فكره ذلك القاسم (3) ~~بن عبد الرحمن وأصحاب الرأي، ورخص فيه مالك، وقال: لا بأس به. وقال ~~الأوزاعي: ذلك مكروه، # PageV06P231 # ولا بأس بأخذ الرزق على ذلك من بيت المال. وقال الشافعي: لا يرزق المؤذن ~~إلا من خمس الخمس سهم النبي صلى الله عليه وسلم. قال ابن المنذر: لا يجوز ~~أخذ الأجرة على الاذان. # وقد استدل علماؤنا بأخذ الأجرة بحديث أبي محذورة، وفيه نظر، أخرجه ~~النسائي وابن ماجة وغيرهما قال: خرجت في نفر فكنا ببعض الطريق فأذن مؤذن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فسمعنا صوت المؤذن ونحن عنه متنكبون (1) فصرخنا نحكيه نهزأ به، فسمع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فأرسل إلينا قوما فأقعدونا بين يديه فقال: (أيكم ~~الذي سمعت صوته قد ارتفع) فأشار إلى القوم كلهم ms2213 وصدقوا فأرسل كلهم وحبسني ~~وقال لي: (قم فأذن) فقمت ولا شئ أكره إلي من [أمر] (2) رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ولا مما يأمرني به، فقمت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فألقى علي رسول الله صلى الله عليه وسلم التأذين هو بنفسه فقال: (قل الله ~~أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا ~~إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله)، ثم قال ~~لي: (ارفع فمد صوتك أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد ~~أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله حي على الصلاة حي على الصلاة ~~حي على الفلاح حي على الفلاح الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله)، ثم ~~دعاني حين قضيت التأذين فأعطاني صرة فيها شئ من فضة، ثم وضع يده على ناصية ~~أبي محذورة ثم أمرها على وجهه، ثم على (3) ثدييه، ثم على كبده حتى بلغت يد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم سرة أبي محذورة، ثم قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: (بارك الله لك وبارك عليك)، فقلت: # يا رسول الله مرني بالتأذين بمكة، قال: (قد أمرتك). فذهب كل شئ كان لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من كراهية، وعاد ذلك كله محبة لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فقدمت على عتاب بن أسيد عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ~~فأذنت معه بالصلاة عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، لفظ ابن ماجة. # PageV06P232 # الثانية عشرة - قوله تعالى: (ذلك بأنهم قوم لا يعقلون) أي أنهم بمنزلة من ~~لا عقل له يمنعه من القبائح. روي أن رجلا من النصارى وكان بالمدينة إذا سمع ~~المؤذن يقول: # " أشهد أن محمدا رسول الله " قال: حرق الكاذب، فسقطت في بيته شرارة من ~~نار وهو نائم فتعلقت بالبيت فأحرقته وأحرقت ذلك الكافر معه، فكانت عبرة ~~للخلق " والبلاء موكل بالمنطق " وقد كانوا يمهلون مع ms2214 النبي صلى الله عليه ~~وسلم حتى يستفتحوا، فلا يؤخروا بعد ذلك، ذكره ابن العربي. # قوله تعالى: قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل ~~إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون (59) قل هل أنبئكم بشر من ذلك ~~مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد ~~الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل (60) قوله تعالى: (قل يا أهل ~~الكتاب هل تنقمون منا) قال ابن عباس رضي الله عنه: # جاء نفر من اليهود - فيهم أبو ياسر بن أخطب ورافع بن أبي رافع - إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه عمن يؤمن به من الرسل عليهم السلام، فقال: ~~(نؤمن بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل إلى قوله: " ~~ونحن له مسلمون ") [البقرة: 133]، فلما ذكر عيسى عليه السلام. # جحدوا نبوته وقالوا: والله ما نعلم أهل دين أقل حظا في الدنيا والآخرة ~~منكم ولا دينا شرا من دينكم، فنزلت هذه الآية وما بعدها، وهي متصلة بما ~~سبقها من إنكارهم الاذان، فهو جامع للشهادة لله بالتوحيد، ولمحمد بالنبوة، ~~والمتناقض دين من فرق بين أنبياء الله لا دين من يؤمن بالكل. # ويجوز إدغام اللام في التاء لقربها منها. و " تنقمون " معناه تسخطون، ~~وقيل: تكرهون PageV06P233 # وقيل: تنكرون، والمعنى متقارب، يقال: نقم من كذا ينقم ونقم ينقم، والأول ~~أكثر، قال عبد الله بن قيس الرقيات: # ما نقموا من بني أمية إلا * أنهم يحلمون إن غضبوا وفي التنزيل " وما ~~نقموا منهم " (1) [البروج: 8] ويقال: نقمت على الرجل بالكسر فأنا ناقم إذا ~~عتبت عليه، يقال: ما نقمت عليه الاحسان. قال الكسائي: نقمت بالكسر لغة، ~~ونقمت الامر أيضا ونقمته إذا كرهته، وانتقم الله منه أي عاقبه، والاسم منه ~~النقمة، والجمع نقمات ونقم مثل كلمة وكلمات وكلم، وإن شئت سكنت القاف ونقلت ~~حركتها إلى النون فقلت: نقمة والجمع نقم، مثل نعمة ونعم، (إلا أن آمنا ~~بالله) في موضع نصب ب‍ " - تنقمون " و " تنقمون " بمعنى تعيبون، أي هل ~~تنقمون منا إلا ms2215 إيماننا بالله وقد علمتم أنا على الحق. (وأن أكثركم فاسقون) ~~أي في ترككم الايمان، وخروجكم عن امتثال أمر الله، فقيل هو مثل قول القائل: # هل تنقم مني إلا أني عفيف وأنك فاجر. وقيل: أي لان أكثركم فاسقون تنقمون ~~منا ذلك. # قوله تعالى: (قل هل أنبئكم بشر من ذلك) أي بشر من نقمكم علينا. وقيل: # بشر ما تريدون لنا من المكروه، وهذا جواب قولهم: ما نعرف دينا شرا من ~~دينكم. # " مثوبة " نصب على البيان وأصلها مفعولة فألقيت حركة الواو على الثاء ~~فسكنت الواو وبعدها واو ساكنة فحذفت إحداهما لذلك، ومثله مقولة ومجوزة ~~ومضوفة على معنى المصدر، كما قال الشاعر: (2) وكنت إذا جاري دعا لمضوفة * ~~أشمر حتى ينصف الساق مئزري وقيل: مفعلة كقولك مكرمة ومعقلة. (من لعنه الله) ~~" من " في موضع رفع، كما قال: # " بشر من ذلكم النار " (3) [الحج: 72] والتقدير: هو لعن من لعنه الله، ~~ويجوز أن يكون في موضع نصب بمعنى: قل هل أنبئكم بشر من ذلك من لعنه الله، ~~ويجوز أن تكون في موضع خفض على # PageV06P234 # البدل من شر والتقدير: هل أنبئكم بمن لعنه الله، والمراد اليهود. وقد ~~تقدم القول في الطاغوت (1)، أي وجعل منهم من عبد الطاغوت، والموصول محذوف ~~عند الفراء. وقال البصريون: # لا يجوز حذف الموصول، والمعنى من لعنه الله وعبد الطاغوت. # وقرأ ابن وثاب النخعي " أنبئكم " بالتخفيف. وقرأ حمزة: " عبد الطاغوت " ~~بضم الباء وكسر التاء، جعله اسما على فعل كعضد فهو بناء للمبالغة والكثرة ~~كيقظ وندس (2) وحذر، وأصله الصفة، ومنه قول النابغة. # (3) من وحش وجرة موشي أكارعه * طاوي المصير كسيف الصيقل الفرد بضم الراء. ~~ونصبه ب‍ " - جعل "، أي جعل منم عبدا للطاغوت، وأضاف عبد إلى الطاغوت ~~فخفضه. وجعل بمعنى خلق، والمعنى: وجعل منهم من يبالغ في عبادة الطاغوت. ~~وقرأ الباقون بفتح الباء والتاء، وجعلوه فعلا ماضيا، وعطفوه على فعل ماضي ~~وهو غضب ولعن، والمعنى عندهم من لعنه الله ومن عبد الطاغوت، أو منصوبا ب‍ " ~~- جعل "، أي جعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت. ووحد الضمير في عبد ~~حملا ms2216 على لفظ " من " دون معناها. وقرأ أبي وابن مسعود " وعبدوا الطاغوت " ~~على المعنى. ابن عباس: " وعبد الطاغوت "، فيجوز أن يكون جمع عبد كما يقال: ~~رهن ورهن، وسقف وسقف، ويجوز أن يكون جمع عباد كما يقال: مثال ومثل، ويجوز ~~أن يكون جمع عبيد كرغيف ورغف، ويجوز أن يكون جمع عابد كبازل وبزل، والمعنى: ~~وخدم الطاغوت. وعن ابن عباس أيضا " وعبد الطاغوت " (4) جعله جمع عابد كما ~~يقال: شاهد وشهد وغايب وغيب. وعن أبي واقد: وعباد الطاغوت # PageV06P235 # للمبالغة، جمع عابد أيضا، كعامل وعمال، وضارب وضراب. وذكر محبوب أن ~~البصريين قرءوا: (وعباد الطاغوت) جمع عابد أيضا، كقائم وقيام، ويجوز أن ~~يكون جمع عبد. وقرأ أبو جعفر الرؤاسي (1) (وعبد الطاغوت) على المفعول، ~~والتقدير: وعبد الطاغوت فيهم. # وقرأ عون العقيلي وابن بريدة: (2) (وعابد الطاغوت) على التوحيد، وهو يؤدي ~~عن جماعة. # وقرأ ابن مسعود أيضا (وعبد (3) الطاغوت) وعنه أيضا [وأبي] (4) (وعبدت ~~الطاغوت) على تأنيث الجماعة، كما قال تعالى: (قالت الاعراب) (5) [الحجرات: ~~14] وقرأ عبيد بن عمير: (وأعبد الطاغوت) مثل كلب وأكلب. فهذه اثنا عشر ~~وجها. # قوله تعالى: " أولئك شر مكانا " لان مكانهم النار، وأما المؤمنون فلا شر ~~في مكانهم. # وقال الزجاج: أولئك شر مكانا على قولكم. النحاس: ومن أحسن ما قيل فيه: ~~أولئك الذين لعنهم الله شر مكانا في الآخرة من مكانكم في الدنيا لما لحقكم ~~من الشر. وقيل: أولئك الذين لعنهم الله شر مكانا من الذين نقموا عليكم. ~~وقيل: أولئك الذين نقموا عليكم شر مكانا من الذين لعنهم الله. ولما نزلت ~~هذه الآية قال المسلمون لهم: يا إخوة القردة والخنازير فنكسوا رؤوسهم ~~افتضاحا، وفيهم يقول الشاعر: # فلعنة الله على اليهود * إن اليهود إخوة القرود قوله تعالى: وإذا جاءوكم ~~قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به والله أعلم بما كانوا يكتمون ~~(61) وترى كثيرا منهم يسارعون في الاثم والعدوان وأكلهم السحت لبئس ما ~~كانوا يعملون (62) لولا ينههم الربانيون والأحبار عن قولهم الاثم وأكلهم ~~السحت لبئس ما كانوا يصنعون (63) # PageV06P236 # قوله تعالى: (وإذا جاءوكم قالوا آمنا) الآية. هذه صفة ms2217 المنافقين، والمعنى ~~أنهم لم ينتفعوا بشئ مما سمعوه، بل دخلوا كافرين وخرجوا كافرين. " والله ~~أعلم بما كانوا يكتمون " أي من نفاقهم. وقيل: المراد اليهود الذين قالوا: ~~آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار إذا دخلتم المدينة، واكفروا ~~آخره إذا رجعتم إلى بيوتكم، يدل عليه ما قبله من ذكرهم وما يأتي. # قوله تعالى: (وترى كثيرا منهم) يعني من اليهود. " يسارعون في الاثم ~~والعدوان " أي يسابقون في المعاصي والظلم " وأكلهم السحت لبئس ما كانوا ~~يعملون " قوله تعالى: (لولا ينهاهم الربانيون والأحبار) (لولا) بمعنى أفلا. ~~(ينهاهم) يزجرهم. # (الربانيون) علماء النصارى. (والأحبار) علماء اليهود قاله الحسن. وقيل ~~الكل في اليهود، لان هذه الآيات فيهم. ثم وبخ علماءهم في تركهم نهيهم فقال: ~~(لبئس ما كانوا يصنعون) كما وبخ من يسارع في الاثم بقوله: " لبئس ما كانوا ~~يعملون " ودلت الآية على أن تارك النهي عن المنكر كمرتكب المنكر، فالآية ~~توبيخ للعلماء في ترك الامر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقد مضى القول في ~~هذا المعنى في (البقرة) (1) و (وآل عمران) (2). وروى سفيان ابن عيينة قال: ~~حدثني سفيان بن سعيد عن مسعر قال بلغني أن ملكا أمر أن يخسف بقرية فقال: يا ~~رب فيها فلان العابد فأوحى الله تعالى إليه: (أن به فابدأ فإنه لم يتمعر ~~(3) وجهه في ساعة قط). وفي صحيح الترمذي: (إن الناس إذا رأوا الظالم ولم ~~يأخذوا على يديه أو شك أن يعمهم الله بعقاب من عنده). وسيأتي. والصنع بمعنى ~~العمل إلا أنه يقتضي الجودة، يقال: سيف صنيع إذا جود عمله. # قوله تعالى: وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل ~~يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك ~~طغيانا وكفرا وألقينا بينهم العدوة والبغضاء # PageV06P237 # إلى يوم القيامة كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض ~~فسادا والله لا يحب المفسدين (64) قوله تعالى: (وقالت اليهود يد الله ~~مغلولة). قال عكرمة: إنما قال هذا فنحاص بن عازوراء [لعنه الله] (1)، ~~وأصحابه، وكان لهم أموال فلما كفروا بمحمد ms2218 صلى الله عليه وسلم قل ما لهم، ~~فقالوا: # إن الله بخيل، ويد الله مقبوضة عنا في العطاء، فالآية خاصة في بعضهم. ~~وقيل: لما قال قوم هذا ولم ينكر الباقون صاروا كأنهم بأجمعهم قالوا هذا. ~~وقال الحسن: المعنى يد الله مقبوضة عن عذابنا. وقيل: إنهم لما رأوا النبي ~~صلى الله عليه وسلم في فقر وقلة مال وسمعوا (من ذا الذي يقرض الله قرضا ~~حسنا) (2) ورأوا النبي صلى الله عليه وسلم قد كان يستعين بهم في الديات ~~قالوا: # إن إله محمد فقير، وربما قالوا: بخيل، وهذا معنى قولهم: (يد الله مغلولة) ~~فهذا على التمثيل كقوله: (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك) (3) [الاسراء: ~~29]. ويقال للبخيل: جعد الأنامل، ومقبوض الكف، وكز الأصابع، ومغلول اليد، ~~قال الشاعر: # كانت خراسان أرضا إذ يزيد بها * وكل باب من الخيرات مفتوح فاستبدلت بعده ~~جعدا أنامله * كأنما وجهه بالخل منضوح واليد في كلام العرب تكون للجارحة ~~كقوله تعالى: " وخذ بيدك ضغثا " (4) [ص: 44] هذا محال على الله تعالى. ~~وتكون للنعمة، تقول العرب: كم يد لي عند فلان، أي كم من نعمة لي قد أسديتها ~~له، وتكون للقوة، قال الله عز وجل: " واذكر عبدنا داود ذا الأيد " (4) [ص: ~~17]، أي ذا القوة وتكون يد الملك والقدرة، قال الله تعالى: " قل إن الفضل ~~بيد الله يؤتيه من يشاء " (5) [آل عمران: 73]. وتكون بمعنى الصلة، قال الله ~~تعالى: " مما عملت أيدينا أنعاما " (4) [يس: 71] أي مما عملنا نحن. وقال: " ~~أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح " (2) [البقرة: 237] أي الذي له عقدة ~~النكاح. وتكون بمعنى التأييد والنصرة، ومن قوله عليه السلام: (يد الله مع ~~القاضي حتى يقضي والقاسم حتى يقسم). وتكون لإضافة الفعل إلى المخبر عند ~~تشريفا له وتكريما، قال الله تعالى: " يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت ~~بيدي " (4) [ص: 75] فلا يجوز أن يحمل على الجارحة، لان الباري جل وتعالى ~~واحد لا يجوز عليه التبعيض، ولا على القوة والملك # PageV06P238 # والنعمة والصلة، لان الاشتراك يقع حينئذ بين وليه آدم وعدوه إبليس، ويبطل ~~ما ذكر من تفضيله عليه، ms2219 لبطلان معنى التخصيص، فلم يبق إلا أن تحمل (1) على ~~صفتين تعلقتا بخلق آدم تشريفا له دون خلق إبليس تعلق القدرة بالمقدور، لا ~~من طريق المباشرة ولا من حيث المماسة، ومثله ما روى أنه [عز اسمه وتعالى ~~علاه وجد أنه] (2) كتب التوراة بيده، وغرس دار الكرامة [بيده] (3) لأهل ~~الجنة، وغير ذلك تعلق الصفة بمقتضاها. # قوله تعالى: (غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا) حذفت الضمة من الياء لثقلها، ~~أي غلت في الآخرة، ويجوز أن يكون دعاء عليهم، وكذا " ولعنوا بما قالوا " ~~والمقصود تعليمنا كما قال: " لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله " (4) ~~[الفتح: 27]، علمنا الاستثناء كما علمنا الدعاء على أبي لهب بقوله: " تبت ~~يدا أبي لهب " (5) [المسد: 1] وقيل: المراد أنهم أبخل الخلق، فلا ترى ~~يهوديا غير لئيم. وفي الكلام على هذا القول إضمار الواو، أي قالوا: يد الله ~~مغلولة وغلت أيديهم. واللعن بالابعاد، وقد تقدم. # قوله تعالى: (بل يداه مبسوطتان) ابتداء وخبر، أي بل نعمته مبسوطة، فاليد ~~بمعنى النعمة. قال بعضهم: هذا غلط، لقوله: " بل يداه مبسوطتان " فنعم الله ~~تعالى أكثر من أن تحصى فكيف تكون بل نعمتاه مبسوطتان؟ وأجيب بأنه يجوز أن ~~يكون هذا تثنية جنس لا تثنية واحد مفرد، فيكون مثل قوله عليه السلام: (مثل ~~المنافق كالشاة العائرة (6) بين الغنمين). فأحد الجنسين نعمة الدنيا، ~~والثاني نعمة الآخرة. وقيل: نعمتا الدنيا النعمة الظاهرة والنعمة الباطنة، ~~كما قال: " وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة " (7) [لقمان: 20]. وروى ابن ~~عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال فيه: (النعمة الظاهرة ما حسن من ~~خلقك، والباطنة ما ستر عليك من سئ عملك). وقيل: نعمتاه المطر والنبات ~~اللتان النعمة بهما ومنهما. # وقيل: إن النعمة (8) للمبالغة، كقول العرب: (لبيك وسعديك) وليس يريد ~~الاقتصار على مرتين، وقد يقول القائل: ما لي بهذا الامر يد أو قوة. قال ~~السدي، معنى قوله (يداه) قوتاه بالثواب # PageV06P239 # والعقاب، بخلاف ما قالت اليهود: إن يده مقبوضة عن عذابهم. وفى صحيح مسلم ~~عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله تعالى قال ms2220 لي أنفق ~~أنفق عليك). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يمين الله ملاى لا يغيضها ~~سحاء الليل والنهار (1) أرأيتم ما أنفق مذ خلق السماوات والأرض فإنه لم يغض ~~ما في يمينه - قال - وعرشه على الماء وبيده الأخرى القبض (2) يرفع ويخفض). ~~السح الصب الكثير. وبغيض ينقص، ونظير هذا الحديث قوله جل ذكره: " والله ~~يقبض ويبسط " (3) [البقرة:]. وأما هذه الآية ففي قراءة ابن مسعود " بل يداه ~~بسطان " (4) [المائدة:] حكاه الأخفش، وقال يقال: يد بسطة، أي منطلقة ~~منبسطة. (ينفق كيف يشاء) أي يرزق كما يريد. ويجوز أن تكون اليد في هذه ~~الآية بمعنى القدرة، أي قدرته شاملة، فإن شاء وسع وإن شاء قتر. (وليزيدن ~~كثيرا منهم) لام قسم. (ما أنزل إليك من ربك) أي بالذي أنزل إليك. (طغيانا ~~وكفرا) أي إذا نزل شئ من القرآن فكفروا ازداد كفرهم. # (وألقينا بينهم) قال مجاهد: أي بين اليهود والنصارى، لأنه قال قبل هذا " ~~لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء " [المائدة: 51]. وقيل: أي ألقينا بين ~~طوائف اليهود، كما قال: " تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى " (5) [الحشر: 14] فهم ~~متباغضون متفقين، فهم أبغض خلق الله إلى الناس. (كلما أوقدوا نار للحرب) ~~يريد اليهود. و " كلما " ظرف أي كلما جمعوا وأعدوا شتت الله جمعهم. وقيل: ~~إن اليهود لما أفسدوا وخالفوا كتاب الله - التوراة - أرسل الله عليهم ~~بختنصر، ثم أفسدوا فأرسل عليهم بطرس الرومي، ثم أفسدوا فأرسل عليهم المجوس، ~~ثم أفسدوا فبعث الله عليهم المسلمين، فكانوا كلما استقام أمرهم شتتهم الله ~~فكلما أوقدوا نارا أي أهاجوا شرا، وأجمعوا أمرهم على حرب النبي صلى الله ~~عليه وسلم " أطفأها الله " وقهرهم ووهن أمرهم فذكر النار مستعار. # قال قتادة: أذلهم الله عز وجل، فلقد بعث الله النبي صلى الله عليه وسلم ~~وهم تحت أيدي # PageV06P240 # المجوس، ثم قال عز وجل: (ويسعون في الأرض فسادا) أي يسعون في إبطال ~~الاسلام، وذلك من أعظم الفساد، والله أعلم. وقيل: المراد بالنار هنا نار ~~الغضب، أي كلما أوقدوا نار الغضب في أنفسهم وتجمعوا بأبدانهم وقوة النقوس ~~منهم باحتدام نار الغضب أطفأها ms2221 الله حتى يضعفوا وذلك بما جعله من الرعب ~~نصرة بين يدي نبيه صلى الله عليه وسلم. # قوله تعالى: ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ~~ولأدخلناهم جنات النعيم (65) ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل ~~إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ~~ساء ما يعملون (66) قوله تعالى: (ولو أن أهل الكتاب) (أن) في موضع رفع، ~~وكذا " ولو أنهم أقاموا التوراة ". (آمنوا) صدقوا. (واتقوا) أي الشرك ~~والمعاصي. (لكفرنا عنهم) اللام جواب (لو). وكفرنا غطينا، وقد تقدم. وإقامة ~~التوراة والإنجيل العمل بمقتضاهما وعدم تحريفهما، وقد تقدم هذا المعنى في ~~(البقرة) (1) مستوفى. (وما أنزل إليهم من ربهم) أي القرآن. وقيل: كتب ~~أنبيائهم. (لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم) قال ابن عباس وغيره: يعنى ~~المطر والنبات، وهذا يدل على أنهم كانوا في جدب. وقيل: المعنى لوسعنا عليهم ~~في أرزاقهم ولأكلوا أكلا متواصلا، وذكر فوق وتحت للمبالغة فيما يفتح عليهم ~~من الدنيا، ونظير هذه الآية " ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا ~~يحتسب " (2) [الطلاق: 2] " وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماءا ~~غدقا " (3) [الجن: 16] " ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات ~~من السماء والأرض " (4) [الأعراف: 96] فجعل تعالى التقى من أسباب الرزق كما ~~في هذه الآيات، ووعد بالمزيد لمن شكر فقال: " لئن شكرتم لأزيدنكم " (5) ~~[إبراهيم: 7] ثم أخبر تعالى أن منهم مقتصدا - وهم المؤمنون منهم كالنجاشي ~~وسلمان وعبد الله بن سلام اقتصدوا فلم # PageV06P241 # يقولوا في عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام (1) إلا ما يليق بهما. وقد: ~~أراد بالاقتصاد قوما لم يؤمنوا، ولكنهم لم يكونوا من المؤذين المستهزئين، ~~والله أعلم. والاقتصاد الاعتدال في العمل، وهو من القصد، والقصد إتيان ~~الشئ، تقول: قصدته وقصدت له وقصدت إليه بمعنى. # (ساء ما يعملون) أي بئس شئ عملوه، كذبوا الرسل، وحرفوا الكتب وأكلوا ~~السحت. # قوله تعالى: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما ~~بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدى القوم ms2222 الكافرين (67) فيه ~~مسئلتان: # الأولى - قوله تعالى: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك). قيل: ~~معناه أظهر التبليغ، لأنه كان في أول الاسلام يخفيه خوفا من المشركين، ثم ~~أمر بإظهاره في هذه الآية، وأعلمه الله أنه يعصمه من الناس. وكان عمر رضي ~~الله عنه أول من أظهر إسلامه وقال: لا نعبد الله سرا، وفي ذلك نزلت: " يا ~~أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين " (2) [الأنفال: 64] فدلت ~~الآية على رد قول من قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم كتم شيئا من أمر ~~الدين تقية، وعلى بطلانه، وهم الرافضة، ودلت على أنه صلى الله عليه وسلم لم ~~يسر إلى أحد شيئا من أمر الدين، لان المعنى بلغ جميع ما أنزل إليك ظاهرا، ~~ولولا هذا ما كان في قوله عز وجل: " وإن لم تفعل فما بلغت رسالته " فائدة. ~~وقيل: بلغ ما أنزل إليك من ربك في أمر زينب بنت جحش الأسدية [رضي الله ~~عنها] (3). وقيل غير هذا، والصحيح القول بالعموم، قال ابن عباس: المعنى بلغ ~~جميع ما أنزل إليك من ربك، فإن كتمت شيئا منه فما بلغت رسالته، وهذا تأديب ~~للنبي صلى الله عليه وسلم، وتأديب لحملة العلم من أمته ألا يكتموا شيئا من ~~أمر شريعته، وقد علم الله تعالى من أمر نبيه أنه لا يكتم شيئا من وحيه، وفي ~~صحيح مسلم عن مسروق عن عائشة أنها قالت: من حدثك # PageV06P242 # أن محمدا صلى الله عليه وسلم كتم شيئا من الوحي فقد كذب، والله تعالى ~~يقول: " يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت ~~رسالته " وقبح الله الروافض حيث قالوا: إنه صلى الله عليه وسلم كتم شيئا ~~مما أوحى إليه كان بالناس حاجة إليه. # الثانية - قوله تعالى: (والله يعصمك من الناس) دليل على نبوته، لان الله ~~عز وجل أخبر أنه معصوم، ومن ضمن سبحانه له العصمة فلا يجوز أن يكون قد ترك ~~شيئا مما أمره الله به. وسبب نزول هذه الآية أن النبي صلى الله ms2223 عليه وسلم ~~كان نازلا تحت شجرة فجاء أعرابي فاخترط (1) سيفه وقال للنبي صلى الله عليه ~~وسلم: من يمنعك مني؟ فقال: " الله "، فذعرت يد الأعرابي وسقط السيف من يده، ~~وضرب برأسه الشجرة حتى انتثر دماغه، ذكره المهدوي. # وذكره القاضي عياض في كتاب الشفاء قال: وقد رويت هذه القصة في الصحيح، ~~وأن غورث ابن الحارث صاحب القصة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم عفا عنه، ~~فرجع إلى قومه وقال: # جئتكم من عند خير الناس. وقد تقدم الكلام في هذا المعنى في هذه السورة ~~عند قوله: # " إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم " (2) [المائدة: 11] مستوفى، وفي " ~~النساء " أيضا في ذكر صلاة الخوف. # وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله قال: غزونا مع وسول الله صلى الله ~~عليه وسلم غزوة قبل نجد فأدركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في واد كثير ~~العضاه فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة فعلق سيفه بغصن من ~~أغصانها، قال: وتفرق الناس في الوادي يستظلون بالشجر، قال فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: (إن رجلا أتاني وأنا نائم فأخذ السيف فاستيقظت وهو ~~قائم على رأسي فلم أشعر إلا والسيف مصلتا (4) في يده فقال لي من يمنعك مني ~~- قال - قلت الله ثم قال في الثانية من يمنعك مني - قال - قلت الله قال ~~فشام (5) السيف فها هو ذا جالس " ثم لم يعرض له رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم) وقال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لما بعثني الله ~~برسالته ضقت بها ذرعا وعرفت أن من الناس من يكذبني # PageV06P243 # فأنزل الله هذه الآية) وكان أبو طالب يرسل كل يوم مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم رجالا من بني هاشم يحرسونه حتى نزل: " والله يعصمك من الناس " ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " يا عماه (1) إن الله قد عصمني من الجن والإنس فلا احتاج إلى من يحرسني ~~". قلت: وهذا يقتضي أن ذلك كان بمكة، وأن الآية مكية وليس كذلك، وقد تقدم ~~أن هذه السورة ms2224 مدنية بإجماع، ومما يدل على أن هذه الآية مدنية ما رواه مسلم ~~في الصحيح عن عائشة قالت: سهر رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدمه المدينة ~~ليلة فقال: " ليت رجلا صالحا من أصحابي يحرسني الليلة " قالت: فبينا نحن ~~كذلك سمعنا خشخشة (2) سلاح، فقال: " من هذا "؟ قال: سعد بن أبي وقاص فقال ~~له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما جاء بك "؟ فقال: وقع في نفسي خوف ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئت أحرسه، فدعا له رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ثم نام. وفي غير الصحيح قالت: فبينما نحن كذلك سمعت صوت السلاح، ~~فقال: " من هذا "؟ فقالوا: سعد وحذيفة جئنا نحرسك، فنام صلى الله عليه وسلم ~~حتى سمعت غطيطه (3) ونزلت هذه الآية، فأخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~رأسه من قبة آدم وقال: " انصرفوا أيها الناس فقد عصمني الله ". # وقرأ أهل المدينة: " رسالاته " على الجمع. وأبو عمرو وأهل الكوفة: " ~~رسالته " على التوحيد، قال النحاس: والقراءتان حسنتان والجمع أبين، لان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينزل عليه الوحي شيئا فشيئا ثم يبينه، ~~والافراد يدل على الكثرة، فهي كالمصدر والمصدر في أكثر الكلام لا يجمع ولا ~~يثنى لدلالته على نوعه بلفظه كقوله: " وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها " (4) ~~[إبراهيم: 34]. (إن الله لا يهدى القوم الكافرين) أي لا يرشدهم وقد تقدم. # وقيل: أبلغ أنت فأما الهداية فإلينا. نظيره " ما على الرسول إلا البلاغ " ~~(5) [المائدة: 99] والله أعلم. # PageV06P244 # قوله تعالى: قل يا أهل الكتاب لستم على شئ حتى تقيموا التوراة والإنجيل ~~وما أنزل إليكم من ربكم وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا ~~وكفرا فلا تأس على القوم الكافرين (68) فيه ثلاث مسائل: # الأولى - قال ابن عباس: جاء جماعة من اليهود إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقالوا: # ألست تقر أن التوراة حق من عند الله؟ قال: [بلى]. فقالوا: فإنا نؤمن بها ~~ولا نؤمن بما عداها، فنزلت الآية، أي لستم على شئ من الدين حتى تعملوا بما ~~في الكتابين ms2225 من الايمان بمحمد عليه السلام، والعمل بما يوجبه ذلك منهما، ~~وقال أبو علي: ويجوز أن يكون ذلك قبل النسخ لهما. # الثانية - قوله تعالى: (وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا ~~وكفرا) أي يكفرون به فيزدادون كفرا على كفرهم. والطغيان تجاوز الحد في ~~الظلم والغلو فيه. وذلك أن الظلم منه صغيرة ومنه كبيرة، فمن تجاوز منزلة ~~الصغيرة فقد طغى. ومنه قوله تعالى: " كلا إن الانسان ليطغى " (1) [العلق: ~~6] أي يتجاوز الحد في الخروج عن الحق. # الثالثة - قوله تعالى: (فلا تأس على القوم الكافرين) أي لا تحزن عليهم. ~~أسي يأسى أسى إذا حزن. قال: # * وانحلبت عيناه من فرط الأسى * وهذه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم، ~~وليس بنهي عن الحزن، لأنه لا يقدر عليه ولكنه تسلية ونهي عن التعرض للحزن. ~~وقد مضى هذا المعنى في آخر (آل عمران) (2) مستوفى. # PageV06P245 # قوله تعالى: إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمنا ~~بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (69) تقدم ~~الكلام فلا معنى لإعادته. " والذين هادوا " معطوف، وكذا " والصابئون " ~~معطوف على المضمر في " هادوا " في قول الكسائي والأخفش. قال النحاس: # سمعت الزجاج يقول: وقد ذكر له قول الأخفش والكسائي: هذا خطأ من جهتين، ~~إحداهما أن المضمر المرفوع يقبح العطف عليه حتى يؤكد. والجهة الأخرى أن ~~المعطوف شريك المعطوف عليه فيصير المعنى أن الصابئين قد دخلوا في اليهودية ~~وهذا محال. وقال الفراء: إنما جاز الرفع في " والصابئون " لان " إن " ضعيفة ~~فلا تؤثر إلا في الاسم دون الخبر، و " الذين " هنا لا يتبين فيه الاعراب ~~فجرى على جهة واحدة الأمران (1)، فجاز رفع الصابئين رجوعا إلى أصل الكلام. ~~قال الزجاج: وسبيل ما يتبين فيه الاعراب وما لا يتبين فيه الاعراب واحد. ~~وقال الخليل وسيبويه: الرفع محمول على التقديم والتأخير، والتقدير: إن ~~الذين آمنوا والذين هادوا من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون والصابئون والنصارى كذلك. وأنشد (2) سيبويه وهو نظيره: # وإلا فاعلموا أنا وأنتم * بغاة ما بقينا ms2226 في شقاق وقال ضابئ البرجمي: # فمن يك أمسى بالمدينة رحله * فإني وقيار (3) بها لغريب وقيل: " إن " ~~بمعنى " نعم " فالصابئون مرتفع بالابتداء، وحذف الخبر لدلالة الثاني عليه، ~~فالعطف يكون على هذا التقدير بعد تمام الكلام وانقضاء الاسم والخبر. وقال ~~قيس الرقيات: # PageV06P246 # بكر العواذل في الصبا * ح يلمنني وألومهنه ويقلن شيب قد علا * ك وقد كبرت ~~فقلت إنه قال الأخفش: (إنه) بمعنى (نعم)، وهذه (الهاء) أدخلت للسكت. # قوله تعالى: لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلا كلما جاءهم ~~رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون (70) قوله تعالى: (لقد ~~أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلا). قد تقدم في (البقرة) (1) ~~معنى الميثاق وهو ألا يعبدوا إلا الله، وما يتصل به. والمعنى في هذه ~~[الآية] (2) لا تأس على القوم الكافرين فإنا قد أعذرنا إليهم، وأرسلنا ~~الرسل فنقضوا العهود. وكل هذا يرجع إلى ما افتتحت به السورة وهو قوله: " ~~أوفوا بالعقود " [المائدة: 1]. (كلما جاءهم) أي اليهود (رسول بما لا تهوى ~~أنفسهم) لا يوافق هواهم (فريقا كذبوا وفريقا يقتلون) أي كذبوا فريقا وقتلوا ~~فريقا، فمن كذبوه عيسى ومن مثله من الأنبياء، وقتلوا زكريا ويحيى وغيرهما ~~من الأنبياء. وإنما قال: " يقتلون " لمراعاة رأس الآية. وقيل: أراد فريقا ~~كذبوا، وفريقا قتلوا، وفريقا يكذبون وفريقا يقتلون، فهذا دأبهم وعادتهم ~~فاختصر. وقيل: فريقا كذبوا لم يقتلوهم، وفريقا قتلوهم فكذبوا. و " يقتلون " ~~نعت لفريق. والله أعلم. # قوله تعالى: وحسبوا ألا تكون فتنة فعموا وصموا ثم تاب الله عليهم ثم عموا ~~وصموا كثير منهم والله بصير بما يعملون (71) قوله تعالى: (وحسبوا ألا تكون ~~فتنة) المعنى، ظن هؤلاء الذين أخذ عليهم الميثاق أنه لا يقع من الله عز وجل ~~ابتلاء واختبار بالشدائد، اغترارا بقولهم: نحن أبناء الله وأحباؤه، وإنما ~~اغتروا بطول الامهال. وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي " تكون " بالرفع، ونصب # PageV06P247 # الباقون، فالرفع على أن حسب بمعنى علم وتيقن. و " أن " مخففة من الثقيلة ~~ودخول " لا " عوض من التخفيف، وحذف الضمير لأنهم كرهوا أن يليها الفعل وليس ~~من حكمها أن تدخل ms2227 عليه، ففصلوا بينهما (بلا). ومن نصب جعل " أن " ناصبة ~~للفعل، وبقي حسب على بابه من الشك وغيره. قال سيبويه: حسبت ألا يقول ذلك، ~~أي حسبت أنه قال ذلك. # وإن شئت نصبت، قال النحاس: والرفع عند النحويين في حسب وأخواتها أجود كما ~~قال: (1) ألا زعمت بسباسة اليوم أنني * كبرت وألا يشهد اللهو أمثالي وإنما ~~صار الرفع أجود، لان حسب وأخواتها بمنزلة العلم لأنه (2) شئ ثابت. # قوله تعالى: (فعموا) أي عن الهدى. (وصموا) أي عن سماع الحق، لأنهم لم ~~ينتفعوا بما رأوه ولا سمعوه. (ثم تاب الله عليهم) في الكلام إضمار، أي ~~أوقعت بهم الفتنة فتابوا فتاب الله عليهم بكشف القحط، أو بإرسال محمد صلى ~~الله عليه وسلم يخبرهم بأن الله يتوب عليهم إن آمنوا، فهذا بيان " تاب الله ~~عليهم " أي يتوب عليهم إن آمنوا وصدقوا لا أنهم تابوا على الحقيقة. (ثم ~~عموا وصموا كثير منهم) أي عمي كثير منهم وصم بعد تبين الحق لهم بمحمد عليه ~~الصلاة والسلام، فارتفع " كثير " على البدل من الواو. وقال الأخفش سعيد: ~~كما تقول رأيت قومك ثلثيهم. وإن شئت كان على إضمار مبتدأ أي العمي والصم ~~كثير منهم. # وإن شئت كان التقدير العمي والصم منهم كثير. وجواب رابع أن يكون على لغة ~~من قال: # (أكلوني البراغيث) وعليه قول الشاعر: # ولكن ديافي أبوه وأمه * بحوران يعصرن السليط أقاربه ومن هذا المعنى قوله: ~~" وأسروا النجوى (4) الذين ظلموا " [الأنبياء: 3]. ويجوز في غير القرآن ~~(كثيرا) بالنصب يكون نعتا لمصدر محذوف. # PageV06P248 # قوله تعالى: لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح ~~يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه ~~الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار (72) قوله تعالى: (لقد كفر الذين ~~قالوا إن الله هو المسيح بن مريم) هذا قول اليعقوبية فرد الله عليهم ذلك ~~بحجة قاطعة مما يقرون به، فقال: (وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ~~ربي وربكم) أي إذا كان المسيح يقول: يا رب ويا الله فكيف ms2228 يدعو نفسه أم كيف ~~يسألها؟ هذا محال. (إنه من يشرك بالله) قيل: وهو من قول عيسى. # وقيل: ابتداء كلام من الله تعالى. والاشراك أن يعتقد معه موجدا. وقد مضى ~~في (آل عمران) (1) القول في اشتقاق المسيح فلا معنى لإعادته. (وما للظالمين ~~من أنصار). # قوله تعالى: لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله ~~واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم (73) أفلا ~~يتوبون إلى الله ويستغفرونه، والله غفور رحيم (74) قوله تعالى: (لقد كفر ~~الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة). أي أحد ثلاثة. # ولا يجوز فيه التنوين، عن الزجاج وغيره. وفيه للعرب مذهب آخر، يقولون: ~~رابع ثلاثة، فعلى هذا يجوز الجر والنصب، لان معناه الذي صير الثلاثة أربعة ~~بكونه منهم. وكذلك إذا قلت: ثالث اثنين، (2) جاز التنوين. وهذا قول فرق ~~النصارى من الملكية (3) والنسطورية واليعقوبية، لأنهم يقولون أب وابن وروح ~~القدس إله واحد، ولا يقولون ثلاثة آلهة وهو معنى مذهبهم، وإنما يمتنعون من ~~العبارة وهي لازمة لهم. وما كان هكذا صح أن # PageV06P249 # يحكى بالعبارة اللازمة، وذلك أنهم يقولون: إن الابن إله والأب إله وروح ~~القدس إله. # وقد تقدم القول في هذا في (النساء) (1) فأكفرهم الله بقولهم هذا، [وقال ~~(1)]: (وما من إله إلا إله واحد) أي أن الاله لا يتعدد وهم يلزمهم القول ~~بثلاثة آلهة كما تقدم، وإن لم يصرحوا بذلك لفظا، وقد مضى في (البقرة) (3) ~~معنى الواحد. و (من) زائدة. ويجوز في غير القرآن (إلها واحدا) على ~~الاستثناء. وأجاز الكسائي الخفض على البدل. # قوله تعالى: (وإن لم ينتهوا) أي يكفوا عن القول بالتثليث ليمسنهم عذاب ~~أليم في الدنيا والآخرة. (أفلا يتوبون) تقرير وتوبيخ، أي فليتوبوا إليه ~~وليسألوه ستر ذنوبهم، والمراد الكفرة منهم. وإنما خص الكفرة بالذكر لأنهم ~~القائلون بذلك دون المؤمنين. # قوله تعالى: ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه ~~صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون ~~(75) قوله تعالى: (ما المسيح ms2229 بن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل) ~~ابتداء وخبر، أي ما المسيح وإن ظهرت الآيات على يديه فإنما جاء بها كما ~~جاءت بها الرسل، فإن كان إلها فليكن كل رسول إلها، فهذا رد لقولهم واحتجاج ~~عليهم، ثم بالغ في الحجة فقال: " وأمه صديقة " ابتداء وخبر " كانا يأكلان ~~الطعام " أي أنه مولود مربوب، ومن ولدته النساء وكان يأكل الطعام مخلوق ~~محدث كسائر المخلوقين، ولم يدفع هذا أحد منهم، فمتى يصلح المربوب لان يكون ~~ربا؟! وقولهم: كان يأكل (4) بناسوته لا بلاهوته فهذا منهم مصير إلى ~~الاختلاط، ولا يتصور اختلاط إله بغير إله، ولو جاز اختلاط القديم بالمحدث ~~لجاز أن يصير القديم محدثا، ولو صح هذا في حق عيسى لصح في حق غيره حتى ~~يقال: اللاهوت مخالط لكل محدث. وقال بعض المفسرين في قوله: " كانا يأكلان ~~الطعام " إنه كناية عن الغائط والبول. وفى هذا دلالة # PageV06P250 # على أنهما بشران. وقد استدل من قال: إن مريم عليها السلام لم تكن نبية ~~بقوله تعالى: # " وأمه صديقة ". # قلت: وفيه نظر، فإنه يجوز أن تكون صديقة مع كونها نبية كإدريس عليه ~~السلام، وقد مضى في " آل عمران " (1) ما يدل على هذا. والله أعلم. وإنما ~~قيل لها صديقة لكثرة تصديقها بآيات ربها وتصديقها ولدها فيما أخبرها به، عن ~~الحسن وغيره. والله أعلم. # قوله تعالى: (انظر كيف نبين لهم الآيات) أي الدلالات. (ثم انظر أنى ~~يؤفكون) أي كيف يصرفون عن الحق بعد هذا البيان، يقال: أفكه يأفكه إذا صرفه. ~~وفي هذا رد على القدرية والمعتزلة. # قوله تعالى: قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا والله ~~هو السميع العليم (76) قوله تعالى: (قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ~~ضرا ولا نفعا) زيادة في البيان وإقامة حجة [عليهم] (2)، أي أنتم مقرون أن ~~عيسى كان جنينا في بطن أمه، لا يملك لاحد ضرا ولا نفعا وإذ أقررتم أن عيسى ~~كان في حال من الأحوال لا يسمع ولا يبصر ولا يعلم ولا ينفع ولا يضر، ms2230 فكيف ~~اتخذتموه إلها؟. (والله هو السميع العليم) أي لم يزل سميعا عليما يملك الضر ~~والنفع. ومن كانت هذه صفته فهو الاله على الحقيقة. والله أعلم. # قوله تعالى: قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا ~~أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل (77) # PageV06P251 # قوله تعالى: (قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق) أي لا تفرطوا ~~كما أفرطت اليهود والنصارى في عيسى، غلو اليهود قولهم في عيسى، ليس ولد ~~رشدة (1)، وغلو النصارى قولهم: إنه إله. والغلو مجاوزة الحد، وقد تقدم في ~~(النساء) (2) بيانه. # قوله تعالى: (ولا تتبعوا أهواء قوم) الأهواء جمع هوى وقد تقدم في ~~(البقرة) (3). # وسمي الهوى هوى لأنه يهوى بصاحبه في النار. " قد ضلوا من قبل " قال مجاهد ~~والحسن: # يعني اليهود. (وأضلوا كثيرا) أي أضلوا كثيرا من الناس. (وضلوا عن سواء ~~السبيل) أي عن قصد طريق محمد صلى الله عليه وسلم. وتكرير ضلوا على معنى ~~أنهم ضلوا من قبل وضلوا من بعد، والمراد الأسلاف الذين سنوا الضلالة وعملوا ~~بها من رؤساء اليهود والنصارى. # قوله تعالى: لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن ~~مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (78) قوله تعالى: (لعن الذين كفروا من بني ~~إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم) فيه مسألة واحدة: وهي جواز لعن ~~الكافرين وإن كانوا من أولاد الأنبياء. وأن شرف النسب لا يمنع إطلاق اللعنة ~~في حقهم. ومعنى " على لسان داود وعيسى بن مريم " أي لعنوا في الزبور ~~والإنجيل، فإن الزبور لسان داود، والإنجيل لسان عيسى أي لعنهم الله في ~~الكتابين. وقد تقدم اشتقاقهما. قال مجاهد وقتادة وغيرهما. لعنهم مسخهم قردة ~~وخنازير. قال أبو مالك: # الذين لعنوا على لسان داود مسخوا قردة. والذين لعنوا على لسان عيسى مسخوا ~~خنازير. وقال ابن عباس: الذين لعنوا على لسان داود أصحاب السبت، والذين ~~لعنوا على لسان عيسى الذين كفروا بالمائدة بعد نزولها. وروي نحوه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم. وقيل: ms2231 لعن الأسلاف والأخلاف ممن كفر بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم على لسان داود وعيسى، لأنهما أعلما أن محمدا صلى الله عليه وسلم ~~نبي مبعوث فلعنا من يكفر به. # PageV06P252 # قوله تعالى: (ذلك بما عصوا). ذلك في موضع رفع بالابتداء أي ذلك اللعن بما ~~عصوا، أي بعصيانهم. ويجوز أن يكون على إضمار مبتدأ، أي الامر ذلك. ويجوز أن ~~يكون في موضع نصب أي فعلنا ذلك بهم لعصيانهم واعتدائهم. # قوله تعالى: كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون (79) ~~قوله تعالى: (كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه). فيه مسئلتان: # الأولى - قوله تعالى: " كانوا لا يتناهون " أي لا ينهى بعضهم بعضا: " ~~لبئس ما كانوا يفعلون " ذم لتركهم النهي، وكذا من بعدهم يذم من فعل فعلهم. ~~خرج أبو داود عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~(إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل أول ما يلقى الرجل فيقول ~~يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ~~ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ~~ثم قال: " لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك ~~بما عصوا وكانوا يعتدون " إلى قوله: " فاسقون " ثم قال: [كلا والله لتأمرن ~~بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يدي الظالم ولتأطرنه على الحق ~~ولتقصرنه على الحق قصرا أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض وليلعننكم كما ~~لعنهم] وخرجه الترمذي أيضا. ومعنى لتأطرنه لتردنه. # الثانية: قال ابن عطية: والاجماع منعقد على أن النهي عن المنكر فرض لمن ~~أطاقه وأمن الضرر على نفسه وعلى المسلمين، فإن خاف فينكر بقلبه ويهجر ذا ~~المنكر ولا يخالطه. وقال حذاق أهل العلم: وليس من شرط الناهي أن يكون سليما ~~عن معصية بل ينهى العصاة بعضهم بعضا. وقال بعض الأصوليين: فرض على الذين ~~يتعاطون الكؤوس أن ينهى بعضهم بعضا PageV06P253 # واستدلوا بهذه الآية، قالوا: لان قوله: " كانوا لا ms2232 يتناهون عن منكر فعلوه ~~" يقتضي اشتراكهم في الفعل وذمهم على ترك التناهي. وفي الآية دليل على ~~النهي عن مجالسة المجرمين وأمر بتركهم وهجرانهم. وأكد ذلك بقوله في الانكار ~~على اليهود: " ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا " " وما " من قوله: " ما ~~كانوا " يجوز أن تكون في موضع نصب وما بعدها نعت لها، التقدير لبئس شيئا ~~كانوا يفعلونه. أو تكون في موضع رفع وهي بمعنى الذي. # قوله تعالى: ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفورا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم ~~أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون (80) قوله تعالى: (ترى كثيرا منهم) ~~أي من اليهود، قيل: كعب بن الأشرف وأصحابه. # وقال مجاهد: يعني المنافقين (يتولون الذين كفروا) أي المشركين، وليسوا ~~على دينهم. # (لبئس ما قدمت لهم أنفسهم) أي سولت وزينت. وقيل: المعنى لبئس ما قدموا ~~لأنفسهم ومعادهم. (أن سخط الله عليهم) " أن " في موضع رفع على إضمار مبتدأ ~~كقولك: بئس رجلا زيد. وقيل: بدل من " ما " في [قوله] (1) " لبئس " على أن ~~تكون " ما " نكرة فتكون رفعا أيضا. # ويجوز أن تكون في موضع نصب بمعنى لان سخط الله عليهم: " وفي العذاب هم ~~خالدون " ابتداء وخبر. # قوله تعالى: ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم ~~أولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون (81) قوله تعالى: (ولو كانوا يؤمنون بالله ~~والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء) يدل بهذا على أن من اتخذ كافرا ~~وليا فليس بمؤمن إذا اعتقد اعتقاده ورضي أفعاله. (ولكن كثيرا منهم فاسقون) ~~أي خارجون عن الايمان بنبيهم لتحريفهم، أو عن الايمان بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم لنفاقهم. # PageV06P254 # قوله تعالى: لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ~~ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ~~ورهبانا وأنهم لا يستكبرون (82) قوله تعالى " لتجدن أشد الناس عداوة للذين ~~آمنوا اليهود " اللام لام قسم ودخلت النون على قول الخليل وسيبويه فرقا بين ~~الحال والمستقبل. " عداوة " نصب على البيان وكذا " ولتجدن أقربهم مودة ~~للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ms2233 " وهذه الآية نزلت في النجاشي وأصحابه ~~لما قدم عليهم المسلمون في الهجرة الأولى - حسب ما هو مشهور في سيرة ابن ~~إسحاق وغيره - خوفا من المشركين وفتنتهم، وكانوا ذوي عدد. ثم هاجر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعد ذلك فلم يقدروا على الوصول إليه، ~~حالت بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم الحرب. فلما كانت وقعة بدر ~~وقتل الله فيها صناديد الكفار، قال كفار قريش: # إن ثأركم بأرض الحبشة، فاهدوا إلى النجاشي وابعثوا إليه رجلين من ذوي ~~رأيكم لعله يعطيكم من عنده فتقتلونهم بمن قتل منكم ببدر، فبعث كفار قريش ~~عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعه بهدايا، فسمع النبي صلى الله عليه ~~وسلم بذلك، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري، وكتب ~~معه إلى النجاشي، فقدم على النجاشي، فقرأ كتاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ثم دعا جعفر بن أبي طالب والمهاجرين، وأرسل إلى الرهبان والقسيسين ~~فجمعهم. ثم أمر جعفر أن يقرأ عليهم القرآن فقرأ سورة (مريم) فقاموا تفيض ~~أعينهم من الدمع، فهم الذين أنزل الله فيهم " ولتجدن أقربهم مودة للذين ~~آمنوا الذين قالوا إنا نصارى " وقرأ " إلى الشاهدين " رواه أبو داود. قال: ~~حدثنا محمد بن سلمة المرادي قال حدثنا ابن وهب قال أخبرني يونس عن ابن شهاب ~~عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام، وعن سعيد بن المسيب وعن عروة ~~بن الزبير، أن الهجرة الأولى هجرة المسلمين إلى أرض الحبشة، وساق الحديث ~~بطوله. وذكر البيهقي عن ابن إسحاق قال: قدم على النبي PageV06P255 # صلى الله عليه وسلم عشرون رجلا وهو بمكة أو قريب من ذلك، من النصارى حين ~~ظهر خبره من الحبشة، فوجدوه في المسجد (1) فكلموه وسألوه، ورجال من قريش في ~~أنديتهم حول الكعبة فلما فرغوا من مسألتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عما أرادوا، دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الله عز وجل، وتلا ~~عليهم القرآن، فلما سمعوه فاضت أعينهم من الدمع، ثم ms2234 استجابوا له وآمنوا به ~~وصدقوه، وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره، فلما قاموا من عنده ~~اعترضهم أبو جهل في نفر من قريش فقالوا: خيبكم الله من ركب! بعثكم من ~~وراءكم من أهل دينكم ترتادون لهم فتأتونهم بخبر الرجل، فلم تظهر (2) ~~مجالستكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقتموه بما قال لكم، ما نعلم ركبا أحمق ~~منكم - أو كما قال لهم - فقالوا: # سلام عليكم لا نجاهلكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم، لا نألوا أنفسنا خيرا. ~~فيقال: إن النفر النصارى من أهل نجران، ويقال: إن فيهم نزلت هؤلاء الآيات " ~~الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون " (3) [القصص: 52] إلى قوله: " ~~لا نبتغي الجاهلين " [القصص: 55] وقيل: إن جعفرا وأصحابه قدم على النبي صلى ~~الله عليه وسلم في سبعين رجلا عليهم ثياب الصوف، فيهم اثنان وستون من ~~الحبشة وثمانية من أهل الشام [وهم] (4) بحيراء (5) الراهب وإدريس وأشرف ~~وأبرهة وثمامة وقثم ودريد وأيمن (6)، فقرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم سورة " يس " إلى آخرها، فبكوا حين سمعوا القرآن وآمنوا، وقالوا: ما ~~أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى فنزلت فيهم " لتجدن أشد الناس عداوة للذين ~~آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا ~~إنا نصارى " يعني وفد النجاشي وكانوا أصحاب الصوامع. وقال سعيد ابن جبير: ~~وأنزل الله فيهم أيضا " الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون " ~~[القصص: 52] إلى قوله " أولئك يؤتون أجرهم مرتين " [القصص: 54] إلى آخر ~~الآية. وقال مقاتل والكلبي: كانوا أربعين رجلا من أهل نجران من بني الحرث ~~بن كعب، واثنان وثلاثون من الحبشة، وثمانية وستون من # PageV06P256 # أهل الشام. وقال قتادة: نزلت في ناس من أهل الكتاب كانوا على شريعة من ~~الحق مما جاء به عيسى، فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم آمنوا به ~~فأثنى الله عليهم. # قوله تعالى: (ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا) واحد " القسيسين " قس وقسيس، ~~قاله قطرب. والقسيس العالم، وأصله من قس إذا تتبع الشئ فطلبه، قال (1) ~~الراجز: # * يصبحن عن قس الأذى غوافلا ms2235 * وتقسست أصواتهم بالليل تسمعتها. والقس ~~النميمة. والقس أيضا رئيس من رؤساء النصارى في الدين والعلم، وجمعه قسوس، ~~وكذلك القسيس مثل الشر والشرير فالقسيسون هم الذين يتبعون العلماء والعباد. ~~ويقال في جمع قسيس مكسرا: قساوسة (2) أبدل من إحدى السينين واوا وقساوسة ~~أيضا كمهالبة. والأصل قساسسة فأبدلوا إحدى السينات واوا لكثرتها. # ولفظ القسيس إما أن يكون عربيا، وإما أن يكون بلغة الروم ولكن خلطته ~~العرب بكلامهم فصار من لغتهم إذ ليس في الكتاب ما ليس من لغة العرب كما ~~تقدم. وقال أبو بكر الأنباري: # حدثنا أبي حدثنا نصر بن داود حدثنا أبو عبيد، قال: حدثت عن معاوية بن ~~هشام عن نصير الطائي عن الصلت عن حامية بن رباب (3) قال: قلت لسلمان " بأن ~~منهم قسيسين ورهبانا " فقال: دع القسيسين في الصوامع والمحراب أقرأنيها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم " بأن منهم صديقين ورهبانا ". وقال عروة بن ~~الزبير: ضيعت النصارى الإنجيل، وأدخلوا فيه ما ليس منه، وكانوا أربعة نفر ~~الذين غيروه، لوقاس ومرقوس ويحنس ومقبوس (4)، وبقي قسيس على الحق وعلى ~~الاستقامة، فمن كان على دينه وهديه فهو قسيس. # قوله تعالى: (ورهبانا) الرهبان جمع راهب كركبان وراكب. قال النابغة: # PageV06P257 # لو أنها عرضت لأشمط راهب * عبد الاله صرورة (1) متعبد لرنا لرؤيتها وحسن ~~حديثها * ولخاله رشدا وإن لم يرشد والفعل منه رهب الله يرهبه أي خافه رهبا ~~ورهبا ورهبة. والرهبانية والترهب التعبد في صومعة. قال أبو عبيد: وقد يكون ~~(رهبان) للواحد والجمع، قال الفراء: ويجمع (رهبان) إذا كان للمفرد رهابنة ~~ورهابين كقربان وقرابين، قال جرير في الجمع: # رهبان مدين لو رأوك تنزلوا * والعصم من شعف العقول الفادر الفادر المسن ~~من الوعول. ويقال: العظيم، وكذلك الفدور والجمع فدر وفدور وموضعها المفدرة، ~~قال الجوهري. وقال آخر في التوحيد: # لو أبصرت رهبان دير في الجبل * لانحدر الرهبان يسعى ويصل من الصلاة. ~~والرهابة على وزن السحابة عظم في الصدر مشرف على البطن مثل اللسان. وهذا ~~المدح لمن آمن منهم بمحمد صلى الله عليه وسلم دون من أصر على كفره ولهذا ~~قال: ms2236 (وأنهم لا يستكبرون) أي عن الانقياد إلى الحق قوله تعالى: وإذا سمعوا ~~ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ~~ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين (83) قوله تعالى: (وإذا سمعوا ما أنزل إلى ~~الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع " أي بالدمع وهو في موضع الحال، وكذا " ~~يقولون ". وقال امرؤ القيس: # ففاضت دموع العين مني صبابة * على النحر حتى بل دمعي محملي (2) وخبر ~~مستفيض إذا كثر وانتشر كفيض الماء عن الكثرة. وهذه أحوال العلماء يبكون ولا ~~يصعقون، ويسألون ولا يصيحون، ويتحازنون ولا يتموتون، كما قال تعالى: " الله ~~نزل # PageV06P258 # أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم ~~تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله " (1) [الزمر: 23] وقال: " إنما المؤمنون ~~الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم " وفي (الأنفال) (2) يأتي بيان هذا المعنى ~~إن شاء الله تعالى. وبين الله سبحانه في هذه الآيات أن أشد الكفار تمردا ~~وعتوا وعداوة للمسلمين اليهود، ويضاهيهم المشركون، وبين أن أقربهم مودة ~~النصارى. والله أعلم. # قوله تعالى: " فاكتبنا مع الشاهدين " أي مع أمة محمد صلى الله عليه وسلم ~~الذين يشهدون بالحق من قوله عز وجل: " وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا ~~شهداء على الناس " (3) [البقرة: 143] عن ابن عباس وابن جريج. وقال الحسن: ~~الذين يشهدون بالايمان. وقال أبو علي: الذين يشهدون بتصديق نبيك وكتابك. ~~ومعنى " فاكتبنا " اجعلنا، فيكون بمنزلة ما قد كتب ودون. # قوله تعالى: وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ~~ربنا مع القوم الصالحين (84) قوله تعالى: (وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا ~~من الحق) بين استبصارهم في الدين، أي يقولون وما لنا لا نؤمن، أي وما لنا ~~تاركين الايمان. ف‍ " - نؤمن " في موضع نصب على الحال. (ونطمع أن يدخلنا ~~ربنا مع القوم الصالحين) أي مع أمة محمد صلى الله عليه وسلم بدليل قوله: " ~~أن الأرض يرثها عبادي الصالحون " (4) [الأنبياء: 105] يريد أمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم. # وفي الكلام إضمار أي نطمع أن يدخلنا ربنا الجنة. وقيل: ms2237 " مع " بمعنى (في) ~~كما تذكر (في) بمعنى (مع) تقول: كنت فيمن لقي الأمير، أي مع من لقي الأمير. ~~والطمع يكون مخففا وغير مخفف، يقال: طمع فيه طمعا وطماعة وطماعية مخفف فهو ~~طمع. # قوله تعالى: فأثابهم الله بما قالوا جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها وذلك جزاء المحسنين (85) والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب ~~الجحيم (86) # PageV06P259 # قوله تعالى: (فأثابهم الله بما قالوا جنات) دليل على إخلاص إيمانهم وصدق ~~مقالهم، فأجاب الله سؤالهم وحقق طمعهم - وهكذا من خلص إيمانه وصدق يقينه ~~يكون ثوابه الجنة. ثم قال: (والذين كفروا) من اليهود والنصارى ومن المشركين ~~(وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم) والجحيم النار الشديدة الاتقاد. يقال: ~~جحم فلان النار إذا شدد إيقادها. # ويقال أيضا لعين الأسد: جحمة، لشدة اتقادها. ويقال ذلك للحرب قال الشاعر: # والحرب لا يبقى لجا * حمها التخيل والمراح (1) إلا الفتى الصبار في * ~~النجدات والفرس الوقاح (2) قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا ~~طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين (87) قوله ~~تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل لكم ولا تعتدوا). # فيه خمس مسائل: # الأولى - أسند الطبري إلى ابن عباس أن الآية نزلت بسبب رجل أتى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني إذا أصبت من اللحم انتشرت وأخذتني ~~شهوتي فحرمت اللحم، فأنزل الله هذه الآية. وقيل: إنها نزلت بسبب جماعة من ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم أبو بكر وعلي وابن مسعود و عبد ~~الله بن عمر وأبو ذر الغفاري وسالم مولى أبي حذيفة والمقداد بن الأسود ~~وسلمان الفارسي ومعقل بن مقرن رضي الله عنهم، اجتمعوا في دار عثمان بن ~~مظعون، واتفقوا على أن يصوموا النهار ويقوموا الليل ولا يناموا على الفرش، ~~ولا يأكلوا اللحم ولا الودك (3) ولا يقربوا النساء والطيب، ويلبسوا المسوح ~~ويرفضوا الدنيا ويسيحوا في الأرض، ويترهبوا ويجبوا المذاكير، فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية. # والاخبار بهذا المعنى كثيرة وإن لم يكن فيها ذكر النزول وهي: # PageV06P260 # الثانية ms2238 - خرج مسلم عن أنس أن نفرا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن عمله في السر، فقال بعضهم: لا ~~أتزوج النساء، وقال بعضهم: # لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على الفراش، فحمد الله وأثنى عليه ~~فقال: " وما بال أقوام قالوا كذا وكذا لكني أصلي وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج ~~النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني " وخرجه البخاري عن أنس أيضا ولفظه قال: ~~جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادته، ~~فلما أخبروا كأنهم تقالوها - فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه ~~وسلم؟ قد غفر الله له من ذنبه ما تقدم وما تأخر. فقال أحدهم: [أما] (1) أنا ~~فإني أصلي الليل أبدا. وقال آخر: أما أنا فأصوم (1) الدهر ولا أفطر. وقال ~~آخر: أما أنا فأعتزل النساء ولا أتزوج أبدا. فجاء رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال: " أنتم الذين (2) قلتم كذا وكذا أما والله إني لأخشاكم لله ~~وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي ~~فليس مني ". وخرجا عن سعد بن أبي وقاص قال: أراد عثمان بن مظعون أن يتبتل ~~فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم ولو أجاز له ذلك لاختصينا. وخرج الإمام ~~أحمد بن حنبل رضي الله عنه في مسنده قال حدثنا أبو المغيرة قال حدثنا معان ~~بن رفاعة، قال حدثني علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة الباهلي رضي الله ~~عنه، قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية من سراياه، قال: ~~فمر رجل بغار فيه شئ من الماء فحدث نفسه بأن يقيم في ذلك الغار فيقوته ما ~~كان فيه من ماء، ويصيب ما حوله من البقل، ويتخلى عن الدنيا، قال: # لو أني أتيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك، فإن أذن لي فعلت ~~وإلا لم أفعل، فأتاه فقال: يا نبي الله إني مررت بغار فيه ما يقوتني من ~~الماء والبقل، فحدثتني ms2239 نفسي بأن أقيم فيه وأتخلى عن الدنيا، قال: فقال له ~~النبي صلى الله عليه وسلم " إني لم أبعث باليهودية ولا النصرانية ولكني ~~بعثت بالحنيفية السمحة والذي نفس محمد بيده لغدوة (3) أو روحة في سبيل الله ~~خير من الدنيا وما فيها ولمقام أحدكم في الصف خير من صلاته ستين سنة ". # PageV06P261 # الثالثة - قال علماؤنا رحمة الله عليهم في هذه الآية وما شابهها ~~والأحاديث الواردة في معناها رد على غلاة المتزهدين، وعلى أهل البطالة من ~~المتصوفين، إذ كل فريق منهم قد عدل عن طريقه، وحاد عن تحقيقه، قال الطبري: ~~لا يجوز لاحد من المسلمين تحريم شئ مما أحل الله لعباده المؤمنين على نفسه ~~من طيبات المطاعم والملابس والمناكح إذا خاف على نفسه بإحلال ذلك بها بعض ~~العنت والمشقة، ولذلك رد النبي صلى الله عليه وسلم التبتل على ابن مظعون ~~فثبت أنه لا فضل في ترك شئ مما أحله الله لعباده، وأن الفضل والبر إنما هو ~~في فعل ما ندب عباده إليه، وعمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسنة ~~لامته، واتبعه على منهاجه الأئمة الراشدون، إذ كان خير الهدي هدي نبينا ~~محمد صلى الله عليه وسلم، فإذا كان كذلك تبين خطأ من آثر لباس الشعر والصوف ~~على لباس القطن والكتان إذا قدر على لباس ذلك من حله، وآثر أكل الخشن من ~~الطعام وترك اللحم وغيره حذرا من عارض الحاجة إلى النساء. قال الطبري: # فإن ظن ظان أن الخير (1) في غير الذي قلنا لما في لباس الخشن وأكله من ~~المشقة على النفس وصرف ما فضل بينهما من القيمة إلى أهل الحاجة فقد ظن خطأ، ~~وذلك أن الأولى بالانسان صلاح نفسه وعونه لها على طاعة ربها، ولا شئ أضر ~~للجسم من المطاعم الرديئة لأنها مفسدة لعقله ومضعفة لأدواته التي جعلها ~~الله سببا إلى طاعته. وقد جاء رجل إلى الحسن البصري، فقال: # إن لي جارا لا يأكل الفالوذج فقال: ولم؟ قال: يقول لا يؤدي شكره، فقال ~~الحسن: # أفيشرب الماء البارد؟ فقال: نعم. فقال: إن جارك ms2240 جاهل، فإن نعمة الله عليه ~~في الماء البارد أكثر من نعمته عليه في الفالوذج. قال ابن العربي قال ~~علماؤنا: هذا إذا كان الدين قواما، ولم يكن المال حراما، فأما إذا فسد ~~الدين عند الناس وعم الحرام فالتبتل أفضل، وترك اللذات أولى، وإذا وجد ~~الحلال فحال النبي صلى الله عليه وسلم أفضل وأعلى. قال المهلب: # إنما نهى صلى الله عليه وسلم عن التبتل والترهب من أجل أنه مكاثر بأمته ~~الأمم يوم القيامة، وأنه في الدنيا مقاتل بهم طوائف الكفار، وفي آخر الزمان ~~يقاتلون الدجال، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يكثر النسل. # PageV06P262 # الرابعة: قوله تعالى: " ولا تعتدوا " قيل: المعنى لا تعتدوا فتحلوا (1) ~~ما حرم الله فالنهيان على هذا تضمنا الطرفين، أي لا تشددوا فتحرموا حلالا، ~~ولا تترخصوا فتحلوا حراما، قاله الحسن البصري. وقيل: معناه التأكيد لقوله: ~~" تحرموا "، قاله السدي وعكرمة وغيرهما، أي لا تحرموا ما أحل الله وشرع. ~~والأول أولى. والله أعلم. # الخامسة - من حرم على نفسه طعاما أو شرابا أو أمة له، أو شيئا مما أحل ~~الله فلا شئ عليه، ولا كفارة في شئ من ذلك عند مالك، إلا أنه إن نوى بتحريم ~~الأمة عتقها صارت حرة وحرم عليه وطؤها إلا بنكاح جديد [بعد عتقها] (2). ~~وكذلك إذا قال لامرأته أنت علي حرام فإنه تطلق عليه ثلاثا، وذلك أن الله ~~تعالى قد أباح له أن يحرم امرأته عليه بالطلاق صريحا وكناية، وحرام من ~~كنايات الطلاق. وسيأتي ما للعلماء فيه في سورة (التحريم) (3) إن شاء الله ~~تعالى. وقال أبو حنيفة: إن من حرم شيئا صار محرما عليه، وإذا تناوله لزمته ~~الكفارة، وهذا بعيد والآية ترد عليه. وقال سعيد بن جبير. لغو اليمين تحريم ~~الحلال. وهو معنى قول الشافعي على ما يأتي. # قوله تعالى: وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واتقوا الله الذي أنتم به ~~مؤمنون (88) قوله تعالى: (وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا) فيه مسألة ~~واحدة: الاكل في هذه الآية عبارة عن التمتع بالاكل والشرب واللباس والركوب ~~ونحو ذلك. وخص الاكل ms2241 بالذكر، لأنه أعظم المقصود وأخص الانتفاعات بالانسان. ~~وسيأتي بيان حكم الأكل والشرب واللباس في " الأعراف " (4) [إن شاء الله ~~تعالى] (5). وأما شهوة الأشياء الملذة، ومنازعة النفس إلى طلب الأنواع ~~الشهية، فمذاهب الناس في تمكين النفس منها مختلفة، فمنهم من يرى صرف النفس ~~عنها وقهرها عن اتباع شهواتها أحرى ليذل له قيادها، ويهون عليه # PageV06P263 # عنادها، فإنه إذا أعطاها المراد يصير أسير شهواتها، ومنقادا بانقيادها. ~~حكي أن أبا حازم كان يمر على الفاكهة فيشتهيها فيقول: موعدك الجنة. وقال ~~آخرون: تمكين النفس من لذاتها أولى لما فيه من ارتياحها ونشاطها بإدراك ~~إرادتها. وقال آخرون: بل التوسط في ذلك أولى، لان في إعطائها ذلك مرة ~~ومنعها أخرى جمع بين الامرين، وذلك النصف من غير شين. وتقدم معنى الاعتداء ~~والرزق في " البقرة " (1) والحمد لله. # قوله تعالى: لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم ~~الايمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو ~~تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم ~~واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون (89) فيه سبع ~~وأربعون مسألة: # الأولى - قوله تعالى: (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم) تقدم معنى ~~اللغو في " البقرة " (2) ومعنى " في أيمانكم " أي من أيمانكم، والايمان جمع ~~يمين. وقيل: ويمين فعيل من اليمن وهو البركة، سماها الله تعالى بذلك، لأنها ~~تحفظ الحقوق. ويمين تذكر وتؤنث وتجمع أيمان وأيمن. # قال زهير: # * فتجمع أيمن منا ومنكم (3) * الثانية - واختلف في سبب نزول هذه الآية، ~~فقال ابن عباس: سبب نزولها القوم الذين حرموا طيبات المطاعم والملابس ~~والمناكح على أنفسهم، حلفوا على ذلك فلما نزلت " لا تحرموا طيبات ما أحل ~~الله لكم " قالوا: كيف نصنع بأيماننا؟ فنزلت هذه الآية. # PageV06P264 # والمعنى على هذا القول، إذا أتيتم؟؟ باليمين ثم ألغيتموها - أي أسقطتم ~~حكمها بالتكفير وكفرتم - فلا يؤاخذكم الله بذلك، وإنما يؤاخذكم بما أقمتم ~~عليه فلم تلغوه، أي فلم تكفروا، فبان بهذا أن الحلف لا يحرم شيئا. وهو دليل ~~الشافعي على أن اليمين لا ms2242 يتعلق بها تحريم الحلال، وأن تحريم الحلال لغو، ~~كما أن تحليل الحرام لغو مثل قول القائل: استحللت شرب الخمر، فتقتضي الآية ~~على هذا القول أن الله تعالى جعل تحريم الحلال لغوا في أنه لا يحرم، فقال: # " لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم " أي بتحريم الحلال. وروي أن عبد ~~الله بن رواحة كان له أيتام وضيف، فانقلب من شغله بعد ساعة من الليل. فقال: ~~أعشيتم ضيفي؟ فقالوا: # انتظرناك، فقال: لا والله لا آكله الليلة، فقال ضيفه: وما أنا بالذي ~~يأكل، وقال أيتامه: # ونحن لا نأكل، فلما رأى ذلك أكل وأكلوا. ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فأخبره فقال له: # " أطعت الرحمن وعصيت الشيطان " فنزلت الآية. # الثالثة - الايمان في الشريعة على أربعة أقسام: قسمان فيهما الكفارة، ~~وقسمان لا كفارة فيهما. خرج الدارقطني في سننه، حدثنا عبد الله بن محمد بن ~~عبد العزيز حدثنا خلف بن هشام حدثنا عبثر عن ليث عن حماد عن إبراهيم عن ~~علقمة عن عبد الله، قال: الايمان أربعة، يمينان يكفران ويمينان لا يكفران، ~~فاليمينان اللذان يكفران فالرجل الذي يحلف والله لا أفعل كذا وكذا فيفعل، ~~والرجل يقول والله لأفعلن كذا وكذا فلا يفعل، واليمينان اللذان لا يكفران ~~فالرجل يحلف والله ما فعلت كذا وكذا وقد فعل، والرجل يحلف لقد فعلت كذا ~~وكذا ولم يفعله. # قال ابن عبد البر: وذكر سفيان الثوري في (جامعه) وذكره المروزي عنه أيضا، ~~قال سفيان: # الايمان أربعة، يمينان يكفران وهو أن يقول الرجل والله لا أفعل فيفعل، أو ~~يقول والله لأفعلن ثم لا يفعل، ويمينان لا يكفران وهو أن يقول الرجل والله ~~ما فعلت وقد فعل، أو يقول والله لقد فعلت وما فعل، قال المروزي: أما ~~اليمينان الأوليان فلا اختلاف فيهما بين العلماء على ما قال سفيان، وأما ~~اليمينان الاخريان فقد اختلف أهل العلم فيهما، فإن كان الحالف حلف على أنه ~~لم يفعل كذا وكذا، أو أنه قد فعل كذا وكذا عند نفسه صادقا يرى أنه على ما ~~حلف عليه PageV06P265 # فلا إثم عليه ms2243 ولا كفارة عليه في قول مالك وسفيان الثوري وأصحاب الرأي ~~وكذلك قال أحمد وأبو عبيد، وقال الشافعي لا إثم عليه وعليه الكفارة. قال ~~المروزي: وليس قول الشافعي في هذا بالقوي. قال: وإن كان الحالف على أنه لم ~~يفعل هذا وكذا وقد فعل متعمدا للكذب فهو آثم ولا كفارة عليه في قول عامة ~~العلماء، مالك وسفيان الثوري وأصحاب الرأي وأحمد ابن حنبل وأبي ثور وأبي ~~عبيد. وكان الشافعي يقول يكفر، قال: وقد روي عن بعض التابعين مثل [قول] (1) ~~الشافعي. قال المروزي: أميل إلى قول مالك وأحمد. قال: فأما يمين اللغو الذي ~~اتفق عامة العلماء على أنها لغو فهو قول الرجل: لا والله، وبلى والله، في ~~حديثه وكلامه غير منعقد لليمين ولا مريدها. قال الشافعي: وذلك عند اللجاج ~~والغضب والعجلة. # الرابعة - قوله تعالى: (ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان) مخفف القاف من ~~العقد، والعقد على ضربين حسي كعقد الحبل، وحكمي كعقد البيع، قال الشاعر: ~~(2) قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم * شدوا العناج وشدوا فوقه الكربا فاليمين ~~المنعقدة منفعلة من العقد، وهي عقد القلب في المستقبل ألا يفعل ففعل، أو ~~ليفعلن فلا يفعل كما تقدم. فهذه التي يحلها الاستثناء والكفارة على ما ~~يأتي. وقرئ " عاقدتم " بألف بعد العين على وزن فاعل وذلك لا يكون إلا من ~~اثنين في الأكثر، وقد يكون الثاني من حلف لأجله في كلام وقع معه، أو يكون ~~المعنى بما عاقدتم عليه الايمان، لان عاقد قريب من معنى عاهد فعدي بحرف ~~الجر، لما كان في معنى عاهد، وعاهد يتعدى إلى مفعولين الثاني منهما بحرف ~~جر، قال الله تعالى: " ومن أوفى بما عاهد عليه الله " (3) [الفتح: 10] وهذا ~~كما عديت " ناديتم إلى الصلاة " بإلى، وبابها أن تقول ناديت زيدا " ~~وناديناه من جانب الطور الأيمن " (4) [مريم: 52] لكن لما كانت بمعنى دعوت ~~عدي بإلى، قال الله تعالى: " ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله " (5) [فصلت: ~~33] ثم اتسع في قوله تعالى: " عاقدتم عليه الايمان " (6). فحذف حرف الجر، ~~فوصل الفعل إلى المفعول فصار عاقدتموه، # PageV06P266 # ثم حذفت الهاء كما ms2244 حذفت من قوله تعالى: " فاصدع بما تؤمر (1) " [الحجر: ~~94]. أو يكون فاعل بمعنى فعل كما قال تعالى: " قاتلهم الله " (2) [التوبة: ~~30] أي قتلهم. وقد تأتي المفاعلة في كلام العرب من واحد بغير معنى (فاعلت) ~~كقولهم: سافرت وظاهرت. وقرئ " عقدتم " بتشديد القاف. قال مجاهد: معناه ~~تعمدتم أي قصدتم. وروي عن ابن عمر أن التشديد يقتضي التكرار فلا تجب عليه ~~الكفارة إلا إذا كرر. وهذا يرده ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~[إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت ~~الذي هو خير وكفرت عن يميني] فذكر وجوب الكفارة في اليمين التي لم تتكرر. ~~قال أبو عبيد: التشديد يقتضي التكرير مرة بعد مرة، ولست آمن أن يلزم من قرأ ~~بتلك القراءة ألا توجب عليه كفارة في اليمين الواحدة حتى يرددها مرارا. ~~وهذا قول خلاف الاجماع. روى نافع أن ابن عمر كان إذا حنث من غير أن يؤكد ~~اليمين أطعم عشرة مساكين، فإذا وكد اليمين أعتق رقبة. قيل: لنافع ما معنى ~~وكد اليمين؟ قال: أن يحلف على الشئ مرارا. # الخامسة - اختلف في اليمين الغموس هل هي يمين منعقدة أم لا؟ فالذي عليه ~~الجمهور أنها يمين مكر وخديعة وكذب فلا تنعقد ولا كفارة فيها. وقال ~~الشافعي: هي يمين منعقدة، لأنها مكتسبة بالقلب، معقودة بخبر، مقرونة باسم ~~الله تعالى، وفيها الكفارة. # والصحيح الأول. قال ابن المنذر: وهذا قول مالك بن أنس ومن تبعه من أهل ~~المدينة، وبه قال الأوزاعي ومن وافقه من أهل الشام، وهو قول الثوري وأهل ~~العراق، وبه قال أحمد وإسحق وأبو ثور وأبو عبيد، وأصحاب الحديث وأصحاب ~~الرأي من أهل الكوفة، قال أبو بكر: وقول النبي صلى الله عليه وسلم: " من ~~حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه " ~~وقوله: " فليكفر عن يمينه ويأتي الذي هو خير " يدل على أن الكفارة إنما تجب ~~فيمن حلف على فعل يفعله مما يستقبل فلا يفعله، أو على فعل ألا يفعله فيما ms2245 ~~يستقبل فيفعله. وفي المسألة قول ثان وهو أن يكفر وإن أثم وعمد الحلف بالله ~~كاذبا، هذا قول الشافعي. قال أبو بكر: ولا نعلم خبرا يدل على هذا القول، # PageV06P267 # والكتاب والسنة دالان على القول الأول، قال الله تعالى: " ولا تجعلوا ~~الله عرضة لايمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس " (1) [البقرة: 224] ~~قال ابن عباس: هو الرجل يحلف ألا يصل قرابته فجعل الله له مخرجا في ~~التكفير، وأمره ألا يعتل بالله وليكفر عن يمينه. والاخبار دالة على أن ~~اليمين التي يحلف بها الرجل يقتطع بها مالا حراما هي أعظم من أن يكفرها ما ~~يكفر اليمين. # قال ابن العربي: الآية وردت بقسمين: لغو ومنعقدة، وخرجت على الغالب في ~~أيمان الناس فدع ما بعدها يكون مائة قسم فإنه لم تعلق عليه كفارة. # قلت: خرج البخاري عن عبد الله بن عمرو قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ما الكبائر؟ قال: " الاشراك بالله " ~~قال: ثم ماذا؟ قال: # " عقوق الوالدين " قال: ثم ماذا؟ قال: [اليمين الغموس] قلت: وما اليمين ~~الغموس؟ قال: # [التي يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها كاذب]. وخرج مسلم عن أبي أمامة أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب ~~الله له النار وحرم عليه الجنة] فقال رجل: وإن كان شيئا يسيرا يا رسول ~~الله؟ قال: [وإن كان قضيبا من أراك] ومن حديث عبد الله بن مسعود، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم [من حلف على يمين صبر (2) يقتطع بها مال امرئ مسلم ~~هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان] فنزلت " إن الذين يشترون بعهد الله ~~وأيمانهم ثمنا قليلا " (3) [آل عمران: 77] إلى آخر الآية ولم يذكر كفارة، ~~فلو أوجبنا عليه كفارة لسقط جرمه، ولقي الله وهو عنه راض، ولم يستحق الوعيد ~~المتوعد عليه، وكيف لا يكون ذلك وقد جمع هذا الحالف الكذب، واستحلال مال ~~الغير، والاستخفاف باليمين بالله تعالى، والتهاون بها وتعظيم الدنيا؟ فأهان ~~ما عظمه الله، وعظم ms2246 ما حقره الله وحسبك. ولهذا قيل: إنما سميت اليمين ~~الغموس غموسا لأنها تغمس صاحبها في النار. # السادسة - الحالف بألا يفعل على بر ما لم يفعل، فإن فعل حنث ولزمته ~~الكفارة لوجود المخالفة منه، وكذلك إذا قال إن فعلت. وإذا حلف بأن ليفعلن ~~فإنه في الحال على حنث لوجود المخالفة، فإن فعل بر، وكذلك إن قال إن لم ~~أفعل. # PageV06P268 # السابعة - قول الحالف: لأفعلن، وإن لم أفعل، بمنزلة الامر وقوله: لا ~~أفعل، وإن فعلت، بمنزلة النهي. ففي الأول لا يبر حتى يفعل جميع المحلوف ~~عليه: مثاله لآكلن هذا الرغيف فأكل بعضه لا يبر حتى يأكل جميعه: لان كل جزء ~~منه محلوف عليه. فإن قال: # والله لآكلن - مطلقا - فإنه يبر بأقل جزء مما يقع عليه الاسم، لادخال ~~ماهية الاكل في الوجود. وأما في النهي فإنه يحنث بأقل ما ينطلق عليه الاسم، ~~لان مقتضاه ألا يدخل فرد من أفراد المنهي عنه في الوجود، فإن حلف ألا يدخل ~~دارا فأدخل إحدى رجليه حنث، والدليل عليه أنا وجدنا الشارع غلظ جهة التحريم ~~بأول الاسم في قوله تعالى: " ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم " (1) [النساء: 22]، ~~فمن عقد على امرأة ولم يدخل بها حرمت على أبيه وابنه، ولم يكتف في جهة ~~التحليل بأول الاسم فقال: [لا حتى تذوقي عسيلته]. # الثامنة - المحلوف به هو الله سبحانه وأسماؤه الحسنى، كالرحمن والرحيم ~~والسميع والعليم والحليم، ونحو ذلك من أسمائه وصفاته العليا، كعزته وقدرته ~~وعلمه وإرادته وكبريائه وعظمته وعهده وميثاقه وسائر صفات ذاته، لأنها يمين ~~بقديم غير مخلوق، فكان الحالف بها كالحالف بالذات. روى الترمذي والنسائي ~~وغيرهما أن جبريل عليه السلام لما نظر إلى الجنة ورجع إلى الله تعالى قال: ~~وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها، وكذلك قال في النار: # وعزتك لا يسمع بها أحدا فيدخلها. وخرجا أيضا وغيرهما عن ابن عمر قال: ~~كانت يمين النبي صلى الله عليه وسلم [لا ومقلب القلوب] وفى رواية [لا ومصرف ~~القلوب] وأجمع أهل العلم على أن من حلف فقال: والله أو بالله أو تالله فحنث ms2247 ~~أن عليه الكفارة. قال ابن المنذر: وكان مالك والشافعي وأبو عبيد وأبو ثور ~~وإسحق وأصحاب الرأي يقولون: # من حلف باسم من أسماء الله وحنث فعليه الكفارة، وبه نقول ولا أعلم في ذلك ~~خلافا. # قلت: قد نقل (في باب ذكر الحلف بالقرآن)، وقال يعقوب: من حلف بالرحمن ~~فحنث فلا كفارة عليه. # قلت: والرحمن من أسمائه سبحانه مجمع عليه ولا خلاف فيه. # PageV06P269 # التاسعة - واختلفوا في وحق الله وعظمة الله وقدرة الله وعلم الله ولعمر ~~الله وأيم الله، فقال مالك: كلها أيمان تجب فيها الكفارة. وقال الشافعي: في ~~وحق الله وجلال الله وعظمة الله وقدرة الله، يمين إن نوى بها اليمين، وإن ~~لم يرد اليمين فليست بيمين، لأنه يحتمل وحق الله واجب وقدرته ماضية. وقال ~~في أمانة الله: ليست بيمين، ولعمر الله وأيم الله إن لم يرد بها اليمين ~~فليست بيمين. وقال أصحاب الرأي إذا قال: وعظمة الله وعزة الله وجلال الله ~~وكبرياء الله وأمانة الله فحنث فعليه الكفارة. وقال الحسن في وحق الله: ~~ليست بيمين ولا كفارة فيها، وهو قول أبي حنيفة حكاه عنه الرازي. وكذلك عهد ~~الله وميثاقه وأمانته ليست بيمين. وقال بعض أصحابه: هي يمين. وقال الطحاوي: ~~ليست بيمين، وكذا إذا قال: وعلم الله لم يكن يمينا في قول أبي حنيفة، ~~وخالفه صاحبه أبو يوسف فقال: يكون يمينا. قال ابن العربي: والذي أوقعه في ~~ذلك أن العلم قد ينطلق على المعلوم وهو المحدث فلا يكون يمينا. وذهل عن أن ~~القدرة تنطلق على المقدور، فكل كلام له في المقدور فهو حجتنا في المعلوم. ~~قال ابن المنذر: وثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [وأيم الله أن ~~كان لخليقا للامارة] في قصة زيد وابنه أسامة. وكان ابن عباس يقول: وأيم ~~الله، وكذلك قال ابن عمر. وقال إسحاق: إذا أراد بأيم الله يمينا كانت يمينا ~~بالإرادة وعقد القلب. # العاشرة - واختلفوا في الحلف بالقرآن، فقال ابن مسعود: عليه بكل آية ~~يمين، وبه قال الحسن البصري وابن المبارك. وقال أحمد: ما أعلم شيئا ms2248 يدفعه. ~~وقال أبو عبيد: # يكون يمينا واحدة. وقال أبو حنيفة: لا كفارة عليه. وكان قتادة يحلف ~~بالمصحف. وقال أحمد وإسحق لا نكره ذلك. # الحادية عشرة - لا تنعقد اليمين بغير الله تعالى وأسمائه وصفاته. وقال ~~أحمد بن حنبل: # إذا حلف بالنبي صلى الله عليه وسلم انعقدت يمينه، لأنه حلف بما لا يتم ~~الايمان إلا به فتلزمه الكفارة كما لو حلف بالله. وهذا يرده ما ثبت في ~~الصحيحين وغيرهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أدرك عمر بن الخطاب ~~في ركب وعمر يحلف بأبيه، فناداهم رسول الله صلى الله PageV06P270 # عليه وسلم: [ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفا فليحلف ~~بالله أو ليصمت] وهذا حصر في عدم الحلف بكل شئ سوى الله تعالى وأسمائه ~~وصفاته كما ذكرنا. ومما يحقق ذلك ما رواه أبو داود والنسائي وغيرهما عن أبي ~~هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # [لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا بالأنداد ولا تحلفوا إلا بالله ولا ~~تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون] ثم ينتقض عليه بمن قال: وآدم وإبراهيم فإنه ~~لا كفارة عليه، وقد حلف بما لا يتم الايمان إلا به. # الثانية عشرة - روى الأئمة واللفظ لمسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: [من حلف منكم فقال في حلفه باللات فليقل لا إله إلا ~~الله ومن قال لصاحبه تعال أقامرك فليتصدق]. وخرج النسائي عن مصعب بن سعد عن ~~أبيه قال: كنا نذكر بعض الامر وأنا حديث عهد بالجاهلية فحلفت باللات ~~والعزى، فقال لي بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: بئس ما قلت: وفي ~~رواية قلت هجرا، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال: ~~[قل لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شئ ~~قدير وانفث عن يسارك ثلاثا وتعوذ بالله من الشيطان ثم لا تعد]. # قال العلماء: فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من نطق بذلك أن ms2249 يقول ~~بعده لا إله إلا الله تكفيرا لتلك اللفظة، وتذكيرا من الغفلة، وإتماما ~~للنعمة. وخص اللات بالذكر لأنها أكثر ما كانت تجري على ألسنتهم، وحكم غيرها ~~من أسماء آلهتهم حكمها إذ لا فرق بينها، وكذا من قال لصاحبه: تعال أقامرك ~~فليتصدق فالقول فيه كالقول في اللات، لأنهم كانوا اعتادوا المقامرة وهي من ~~أكل المال بالباطل. # الثالثة عشرة - قال أبو حنيفة في الرجل يقول: هو يهودي أو نصراني أو برئ ~~من الاسلام أو من النبي أو من القرآن أو أشرك بالله أو أكفر بالله: إنها ~~يمين تلزم فيها الكفارة، ولا تلزم فيما إذا قال: واليهودية والنصرانية ~~والنبي والكعبة وإن كانت على صيغة الايمان. ومتمسكه ما رواه الدارقطني عن ~~أبي رافع أن مولاته أرادت أن تفرق بينه وبين امرأته فقالت: هي يوما يهودية، ~~ويوما نصرانية، وكل مملوك لها حر، وكل مال لها PageV06P271 # في سبيل الله، وعليها مشي إلى بيت الله إن لم تفرق بينهما، فسألت عائشة ~~وحفصة وابن عمر وابن عباس وأم سلمة فكلهم قال لها: أتريدين أن تكوني مثل ~~هاروت وماروت؟ وأمروها أن تكفر عن يمينها وتخلي بينهما. وخرج أيضا عنه قال: ~~قالت مولاتي لأفرقن بينك وبين امرأتك، وكل مال لها في رتاج الكعبة وهي يوما ~~يهودية ويوما نصرانية ويوما مجوسية إن لم أفرق بينك وبين امرأتك، قال: ~~فانطلقت إلى أم المؤمنين أم سلمة فقلت: إن مولاتي تريد أن تفرق بيني وبين ~~امرأتي، فقالت انطلق إلى مولاتك فقل لها: إن هذا لا يحل لك، قال: فرجعت ~~إليها، قال ثم أتيت ابن عمر فأخبرته فجاء حتى انتهى إلى الباب فقال: ها هنا ~~هاروت وماروت، فقالت: إني جعلت كل مال لي في رتاج الكعبة. قال: فمم تأكلين؟ # قالت: وقلت أنا يوما يهودية ويوما نصرانية ويوما مجوسية، فقال: إن تهودت ~~قتلت وإن تنصرت قتلت وإن تمجست قتلت، قالت: فما تأمرني؟ قال: تكفري عن ~~يمينك، وتجمعين بين فتاك وفتاتك. وأجمع العلماء على أن الحالف إذا قال: ~~أقسم بالله أنها يمين. # واختلفوا إذا قال أقسم أو ms2250 أشهد ليكون كذا وكذا ولم يقل بالله فإنها تكون ~~أيمانا عند مالك إذا أراد بالله، وإن لم يرد بالله لم تكن أيمانا تكفر. ~~وقال أبو حنيفة والأوزاعي والحسن والنخعي: هي أيمان في الموضعين. وقال ~~الشافعي: لا تكون أيمانا حتى يذكر اسم الله تعالى، هذه رواية المزني عنه. ~~وروى عنه الربيع مثل قول مالك. # الرابعة عشرة - إذا قال: أقسمت عليك لتفعلن، فإن أراد سؤاله فلا كفارة ~~فيه وليست بيمين، وإن أراد اليمين كان ما ذكرناه آنفا. # الخامشة عشرة - من حلف بما يضاف إلى الله تعالى مما ليس بصفة كقوله: وخلق ~~الله ورزقه وبيته لا شئ عليه، لأنها أيمان غير جائزة، وحلف بغير الله ~~تعالى. # السادسة عشرة - إذا انعقدت اليمين حلتها الكفارة أو الاستثناء. وقال ابن ~~الماجشون: # الاستثناء بدل عن الكفارة وليست حلا لليمين. قال ابن القاسم: هي حل ~~لليمين، وقال ابن العربي: وهو مذهب فقهاء الأمصار وهو الصحيح، وشرطه أن ~~يكون متصلا منطوقا PageV06P272 # به لفظا، لما رواه النسائي وأبو داود عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: [من حلف فاستثنى فإن شاء مضى وإن شاء ترك عن غير حنث] فإن نواه ~~من غير نطق أو قطعه من غير عذر لم ينفعه. وقال محمد بن المواز: يكون ~~الاستثناء مقترنا باليمين اعتقادا ولو بآخر حرف، قال: فإن فرغ منها واستثنى ~~لم ينفعه ذلك، لان اليمين فرغت عارية من الاستثناء، فورودها بعده لا يؤثر ~~كالتراخي، وهذا يرده الحديث [من حلف فاستثنى] والفاء، للتعقيب وعليه جمهور ~~أهل العلم. وأيضا فإن ذلك يؤدي إلى ألا تنحل يمين ابتدئ عقدها وذلك باطل. # وقال ابن خويزمنداد: واختلف أصحابنا متى استثنى في نفسه تخصيص ما حلف ~~عليه، فقال بعض أصحابنا: يصح استثناؤه وقد ظلم المحلوف له. وقال بعضهم: لا ~~يصح حتى يسمع المحلوف له. وقال بعضهم: يصح إذا حرك به لسانه وشفتيه وإن لم ~~يسمع المحلوف له. قال ابن خويزمنداد: وإنما قلنا يصح استثناؤه في نفسه، ~~فلان الايمان تعتبر بالنيات، وإنما قلنا لا يصح ذلك حتى ms2251 يحرك به لسانه ~~وشفتيه، فإن من لم يحرك به لسانه وشفتيه لم يكن متكلما، والاستثناء من ~~الكلام يقع بالكلام دون غيره، وإنما قلنا لا يصح بحال فلان ذلك حق للمحلوف ~~له، وإنما يقع على حسب ما يستوفيه له الحاكم، فلما لم تكن اليمين على ~~اختيار الحالف بل كانت مستوفاة منه، وجب ألا يكون له فيها حكم. وقال ابن ~~عباس: يدرك الاستثناء اليمين بعد سنة، وتابعه على ذلك أبو العالية والحسن ~~وتعلق بقوله تعالى: " والذين لا يدعون مع الله إلها آخر " (1) [الفرقان: ~~68] الآية، فلما كان بعد عام نزل " إلا من تاب " [مريم: 60]. وقال مجاهد: ~~من قال بعد سنتين إن شاء الله أجزأه. وقال سعيد بن جبير: إن استثنى بعد ~~أربعة أشهر أجزأه. وقال طاوس: له أن يستثني ما دام في مجلسه. وقال قتادة: ~~إن استثنى قبل أن يقوم أو يتكلم فله ثنياه. وقال أحمد بن حنبل وإسحق: ~~يستثني ما دام في ذلك الامر. وقال عطاء: له ذلك قدر حلب الناقة الغزيرة. # السابعة عشرة - قال ابن العربي: أما ما تعلق به ابن عباس من الآية فلا ~~متعلق له فيها، لان الآيتين كانتا متصلتين في علم الله تعالى وفي لوحه، ~~وإنما تأخر نزولها لحكمة علم الله # PageV06P273 # ذلك فيها، أما أنه يتركب عليها فرع حسن، وهو أن الحالف إذا قال والله لا ~~دخلت الدار، وأنت طالق إن دخلت الدار، واستثنى في يمينه الأول إن شاء الله ~~في قلبه، واستثنى في اليمين الثانية في قلبه أيضا ما يصلح للاستثناء الذي ~~يرفع اليمين لمدة أو سبب أو مشيئة أحد، ولم يظهر شيئا من الاستثناء إرهابا ~~على المحلوف [له] (1)، فإن ذلك ينفعه ولا تنعقد اليمينان عليه، وهذا في ~~الطلاق ما لم تحضره البينة (2)، فإن حضرته بينة لم تقبل منه دعواه ~~الاستثناء، وإنما يكون ذلك نافعا له إذا جاء مستفتيا. # قلت: وجه الاستثناء أن الله تعالى أظهر الآية الأولى وأخفى الثانية، ~~فكذلك الحالف إذا حلف إرهابا وأخفى الاستثناء. والله أعلم. قال ابن العربي: ~~وكان أبو الفضل المراغي (3) يقرأ ms2252 بمدينة السلام (4)، وكانت الكتب تأتي إليه ~~من بلده، فيضعها في صندوق ولا يقرأ منها واحدا مخافة أن يطلع فيها على ما ~~يزعجه ويقطع به عن طلبه، فلما كان بعد خمسة أعوام وقضى غرضا من الطلب وعزم ~~على الرحيل، شد رحله وأبرز كتبه وأخرج تلك الرسائل، فقرأ فيها ما لو أن ~~واحدا منها يقرؤه بعد وصوله ما تمكن بعده من تحصيل حرف من العلم، فحمد الله ~~ورحل على دابة قماشه (5) وخرج إلى باب الحلبة طريق خراسان، وتقدمه الكري ~~(6) بالدابة وأقام هو على فامي (7) يبتاع منه سفرته (8)، فبينما هو يحاول ~~ذلك معه إذ سمعه يقول لفامي آخر: أما سمعت العالم يقول - يعني الواعظ - أن ~~ابن عباس يجوز الاستثناء ولو بعد سنة، لقد اشتغل بذلك بالي منذ سمعته فظللت ~~فيه متفكرا، ولو كان ذلك صحيحا لما قال الله تعالى لأيوب: " وخذ بيدك ضغثا ~~فاضرب به ولا تحنث " (9) [ص: 44] وما الذي يمنعه من أن يقول: قل إن شاء ~~الله! فلما سمعه يقول ذلك قال: بلد يكون فيه الفاميون بهذا الحظ من العلم ~~وهذه المرتبة أخرج عنه إلى المراغة؟ لا أفعله أبدا، واقتفى أثر الكري وحلله ~~من الكراء وأقام بها حتى مات. # PageV06P274 # الثامنة عشرة - الاستثناء إنما يرفع اليمين بالله تعالى إذ هي رخصة من ~~الله تعالى، ولا خلاف في هذا. واختلفوا في الاستثناء في اليمين بغير الله، ~~فقال الشافعي وأبو حنيفة: الاستثناء يقع في كل يمين كالطلاق والعتاق وغير ~~ذلك كاليمين بالله تعالى - قال أبو عمر: ما أجمعوا عليه فهو الحق، وإنما ~~ورد التوقيف بالاستثناء في اليمين بالله عز وجل لا في غير ذلك. # التاسعة عشرة - قوله تعالى: (فكفارته) اختلف العلماء في تقديم الكفارة ~~على الحنث هل تجزئ أم لا؟ - بعد إجماعهم على أن الحنث قبل الكفارة مباح حسن ~~وهو عندهم أولى - على ثلاثة أقوال: أحدها: يجزئ مطلقا وهو مذهب أربعة عشر ~~من الصحابة وجمهور الفقهاء وهو مشهور مذهب مالك. وقال أبو حنيفة وأصحابه: ~~لا يجزئ بوجه، وهي رواية أشهب عن مالك، وجه الجواز ما ms2253 رواه أبو موسى ~~الأشعري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وإني والله إن شاء الله لا ~~أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير) ~~خرجه أبو داود، ومن جهة المعنى أن اليمين سبب الكفارة، لقوله تعالى: " ذلك ~~كفارة أيمانكم إذا حلفتم " فأضاف الكفارة إلى اليمين والمعاني تضاف إلى ~~أسبابها، وأيضا فإن الكفارة بدل عن البر فيجوز تقديمها قبل الحنث. ووجه ~~المنع ما رواه مسلم عن عدي بن حاتم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: [من حلف على يمين ثم رأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير) زاد ~~النسائي (وليكفر عن يمينه] ومن جهة المعنى أن الكفارة إنما هي لرفع الاثم، ~~وما لم يحنث لم يكن هناك ما يرفع فلا معنى لفعلها، وكان معنى قوله تعالى: " ~~إذا حلفتم " أي إذا حلفتم وحنثتم. وأيضا فإن كل عبادة فعلت قبل وجوبها لم ~~تصح اعتبارا بالصلوات وسائر العبادات. وقال الشافعي: تجزئ بالاطعام والعتق ~~والكسوة، ولا تجزئ بالصوم، لان عمل البدن لا يقوم قبل وقته. ويجزئ في غير ~~ذلك تقديم الكفارة، وهو القول الثالث. # الموفية عشرين - ذكر الله سبحانه في الكفارة الخلال الثلاث فخير فيها، ~~وعقب عند عدمها بالصيام، وبدأ بالطعام لأنه كان الأفضل في بلاد الحجاز ~~لغلبة الحاجة إليه وعدم شبعهم، PageV06P275 # ولا خلاف في أن كفارة اليمين على التخيير، قال ابن العربي: والذي عندي ~~أنها تكون بحسب الحال، فإن علمت محتاجا فالطعام أفضل، لأنك إذا أعتقت لم ~~تدفع حاجتهم وزدت محتاجا حادي عشر إليهم، وكذلك الكسوة تليه، ولما علم الله ~~الحاجة بدأ بالمقدم المهم. # الحادية والعشرون - قوله تعالى: (إطعام عشرة مساكين) لا بد عندنا وعند ~~الشافعي من تمليك المساكين ما يخرج لهم، ودفعه إليهم حتى يتملكوه ويتصرفوا ~~فيه، لقوله تعالى: # " وهو يطعم ولا يطعم " (1) [الانعام: 14] وفي الحديث (أطعم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم الجد السدس)، ولأنه أحد نوعي الكفارة فلم يجز فيها إلا ~~التمليك، أصله الكسوة. وقال أبو حنيفة: # لو ms2254 غداهم وعشاهم جاز، وهو اختيار ابن الماجشون من علمائنا، قال ابن ~~الماجشون: # إن التمكين من الطعام إطعام، قال الله تعالى: " ويطعمون الطعام على حبه ~~مسكينا ويتيما وأسيرا " (2) [الانسان: 8] فبأي وجه أطعمه دخل في الآية. # الثانية والعشرون - قوله تعالى: (من أوسط ما تطعمون أهليكم) قد تقدم في ~~(البقرة) (3) أن الوسط بمعنى الاعلى والخيار، وهو هنا منزلة بين منزلتين ~~ونصفا بين طرفين. ومنه الحديث [خير الأمور أوسطها]. وخرج ابن ماجة، حدثنا ~~محمد بن يحيى، حدثنا عبد الرحمن ابن مهدي، حدثنا سفيان بن عيينة، عن سليمان ~~بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان الرجل يقوت أهله ~~قوتا فيه سعة وكان الرجل يقوت أهله قوتا فيه شدة، فنزلت: " من أوسط ما ~~تطعمون أهليكم ". وهذا يدل على أن الوسط ما ذكرناه وهو ما كان بين شيئين. # الثالثة والعشرون - الاطعام عند مالك مد لكل واحد من المساكين العشرة، إن ~~كان بمدينة النبي صلى الله عليه وسلم، وبه قال الشافعي وأهل المدينة. قال ~~سليمان بن يسار: # أدركت الناس وهم إذا أعطوا في كفارة اليمين أعطوا مدا من حنطة بالمد ~~الأصغر، ورأوا ذلك مجزئا عنهم، وهو قول ابن عمر وابن عباس وزيد بن ثابت وبه ~~قال عطاء بن أبي رباح. واختلف # PageV06P276 # إذا كان بغيرها، فقال ابن القاسم: يجزئه المد بكل مكان. وقال ابن المواز: ~~أفتى ابن وهب بمصر بمد ونصف. وأشهب بمد وثلث، قال: وإن مدا وثلثا لوسط من ~~عيش الأمصار في الغداء والعشاء. وقال أبو حنيفة: يخرج من البر نصف صاع، ومن ~~التمر والشعير صاعا، على حديث عبد الله بن ثعلبة بن صعير عن أبيه قال: قام ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا فأمر بصدقة الفطر صاع من تمر، أو صاع ~~من شعير عن كل رأس، أو صاع بر بين اثنين. وبه أخذ سفيان وابن المبارك، وروي ~~عن علي وعمر وابن عمر وعائشة، [رضي الله عنهم] (1) وبه قال سعيد بن المسيب، ~~وهو قول عامة فقهاء العراق، لما رواه ابن عباس قال: ms2255 كفر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بصاع من تمر وأمر الناس بذلك، فمن لم يجد فنصف صاع من بر [من ~~أوسط ما تطعمون (2) أهليكم]، خرجه ابن ماجة في سننه. # الرابعة والعشرون - لا يجوز أن يطعم غنيا ولا ذا رحم تلزمه نفقته، وإن ~~كان ممن لا تلزمه نفقته فقد قال مالك: لا يعجبني أن يطعمه، ولكن إن فعل ~~وكان فقيرا أجزأه، فإن أطعم غنيا جاهلا بغناه ففي (المدونة) وغير كتاب لا ~~يجزئ، وفي (الأسدية) أنه يجزئ. # الخامسة والعشرون - ويخرج الرجل مما يأكل، قال ابن العربي: وقد زلت هنا ~~جماعة من العلماء فقالوا: إنه إذا كان يأكل الشعير ويأكل الناس البر فليخرج ~~مما يأكل الناس، وهذا سهو بين، فإن المكفر إذا لم يستطع في خاصة نفسه إلا ~~الشعير لم يكلف أن يعطي لغيره سواه، وقد قال صلى الله عليه وسلم: [صاعا من ~~طعام صاعا من شعير] ففصل ذكرهما ليخرج كل أحد فرضه مما يأكل، وهذا مما لا ~~خفاء فيه. # السادسة والعشرون - قال مالك: إن غدى عشرة مساكين وعشاهم أجزأه. وقال ~~الشافعي: لا يجوز أن يطعمهم جملة واحدة، لأنهم يختلفون في الاكل، ولكن يعطي ~~كل مسكين مدا. وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: لا يجزئ إطعام العشرة ~~وجبة واحدة، يعني غداء دون عشاء، أو عشاء دون غداء، حتى يغديهم ويعشيهم، ~~قال أبو عمر: # وهو قول أئمة الفتوى بالامصار. # PageV06P277 # السابعة والعشرون - قال ابن حبيب: ولا يجزئ الخبز قفارا (1) بل يعطي معه ~~إدامه زيتا أو كشكا أو كامخا أو ما تيسر، قال ابن العربي: هذه زيادة ما ~~أراها واجبة أما أنه يستحب له أن يطعم مع الخبز السكر - نعم - واللحم، وأما ~~تعيين الادام للطعام فلا سبيل إليه، لان اللفظ لا يتضمنه. # قلت: نزول الآية في الوسط يقتضي الخبز والزيت أو الخل، وما كان في معناه ~~من الجبن والكشك كما قال ابن حبيب. والله أعلم. قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: [نعم الادام الخل] وقال الحسن البصري: إن أطعمهم خبزا ولحما، ms2256 أو ~~خبزا وزيتا مرة واحدة في اليوم حتى يشبعوا أجزأه، وهو قول ابن سيرين وجابر ~~بن زيد ومكحول، وروى ذلك عن انس ابن مالك. # الثامنة والعشرون - لا يجوز عندنا دفع الكفارة إلى مسكين واحد، وبه قال ~~الشافعي. # وأصحاب أبي حنيفة يمنعون صرف الجميع إلى واحد دفعة واحدة، ويختلفون فيما ~~إذا صرف الجميع في يوم واحد بدفعات مختلفة، فمنهم من أجاز ذلك، وأنه إذا ~~تعدد الفعل حسن أن يقال في الفعل الثاني لا يمنع من الذي دفعت إليه أولا، ~~فإن اسم المسكين يتناوله. وقال آخرون: يجوز دفع ذلك إليه في أيام، وإن تعدد ~~الأيام يقوم مقام أعداد المساكين. وقال أبو حنيفة: يجزئه ذلك، لان المقصود ~~من الآية التعريف بقدر ما يطعم، فلو دفع ذلك القدر . لواحد أجزأه. ودليلنا ~~نص الله تعالى على العشرة فلا يجوز العدول عنهم، وأيضا فإن فيه إحياء جماعة ~~من المسلمين وكفايتهم يوما واحدا، فيتفرغون فيه لعبادة الله تبارك وتعالى ~~ولدعائه، فيغفر للمكفر بسبب ذلك. والله أعلم. # التاسعة والعشرون - قوله تعالى: (فكفارته) الضمير على الصناعة النحوية ~~عائد على (ما) ويحتمل في هذا الموضع أن تكون بمعنى الذي، ويحتمل أن تكون ~~مصدرية. أو يعود على أثم الحنث وإن لم يجر له ذكر صريح ولكن المعنى يقتضيه. # PageV06P278 # الموفية ثلاثين - قوله تعالى: " أهليكم " هو جمع أهل على السلامة. وقرأ ~~جعفر ابن محمد الصادق: (أهاليكم) وهذا جمع مكسر، قال أبو الفتح: أهال ~~بمنزلة ليال واحدها أهلات وليلات، والعرب تقول: أهل وأهلة. قال الشاعر: (1) ~~وأهلة ود قد تبريت ودهم * وأبليتهم في الجهد حمدي ونائلي يقول: تعرضت ~~لودهم، قاله ابن السكيت. # الحادية والثلاثون - قوله تعالى: (أو كسوتهم) قرئ بكسر الكاف وضمها هما ~~لغتان مثل إسوة وأسوة. وقرأ سعيد بن جبير ومحمد بن السميقع اليماني: (أو ~~كإسوتهم) يعني كإسوة أهلك. والكسوة في حق الرجال الثوب الواحد الساتر لجميع ~~الجسد، فأما في حق النساء فأقل ما يجزئهن فيه الصلاة، وهو الدرع والخمار، ~~وهكذا حكم الصغار. قال ابن القاسم في (العتبية): تكسى الصغيرة كسوة كبيرة، ~~والصغير كسوة ms2257 كبير، قياسا على الطعام. وقال الشافعي وأبو حنيفة والثوري ~~والأوزاعي: أقل ما يقع عليه الاسم وذلك ثوب واحد، وفي رواية أبي الفرج عن ~~مالك، وبه قال إبراهيم النخعي ومغيرة: ما يستر جميع البدن، بناء على أن ~~الصلاة لا تجزئ في أقل من ذلك. وروي عن سلمان رضي الله عنه أنه قال: نعم ~~الثوب التبان (2)، أسنده الطبري. وقال الحكم بن عتيبة تجزئ عمامة يلف بها ~~رأسه، وهو قول الثوري. قال ابن العربي: وما كان أحرصني على أن يقال: إنه لا ~~يجزئ إلا كسوة تستر عن أذى الحر والبرد كما أن عليه طعاما يشبعه من الجوع ~~فأقول به، وأما القول بمئزر واحد فلا أدريه، والله يفتح لي ولكم في المعرفة ~~بعونه. # قلت: قد راعى قوم معهود الزي والكسوة المتعارفة، فقال بعضهم: لا يجزئ ~~الثوب الواحد إلا إذا كان جامعا مما قد يتزيا (3) به كالكساء والملحفة. ~~وقال أبو حنيفة وأصحابه: # الكسوة في كفارة اليمين لكل مسكين ثوب وإزار، أو رداء أو قميص أو قباء أو ~~كساء. # PageV06P279 # وروي عن أبي موسى الأشعري أنه أمر أن يكسى عنه ثوبين ثوبين (1)، وبه قال ~~الحسن وابن سيرين وهذا معنى ما اختاره ابن العربي والله أعلم. # الثانية والثلاثون - لا تجزئ القيمة عن الطعام والكسوة، وبه قال الشافعي. ~~وقال أبو حنيفة: تجزئ، وهو يقول: تجزئ القيمة في الزكاة فكيف في الكفارة! ~~قال ابن العربي: # وعمدته أن الغرض سد الخلة، ورفع الحاجة، فالقيمة تجزئ فيه. قلنا: إن ~~نظرتم إلى سد الخلة فأين العبادة؟ [وأين] (2) نص القرآن على الأعيان ~~الثلاثة، والانتقال بالبيان من نوع إلى نوع؟! # الثالثة والعشرون - إذا دفع الكسوة إلى ذمي أو إلى عبد لم يجزه. وقال أبو ~~حنيفة: # يجزئه، لأنه مسكين يتناوله لفظ المسكنة، ويشتمل عليه عموم الآية. قلنا: ~~هذا يخصه بأن يقول جزء من المال يجب إخراجه للمساكين فلا يجوز دفعه للكافر، ~~أصله الزكاة، وقد اتفقنا على أنه لا يجوز دفعه للمرتد، فكل دليل خص به ~~المرتد فهو دليلنا في الذمي. والعبد ليس بمسكين لاستغنائه بنفقة سيده ms2258 فلا ~~تدفع إليه كالغني. # الرابعة والثلاثون - قوله تعالى: (أو تحرير رقبة) التحرير الاخراج من ~~الرق، ويستعمل في الأسر والمشقات وتعب الدنيا ونحوها. ومنه قول أم مريم: " ~~إني نذرت لك ما في بطني محررا (3) " [آل عمران: 35] أي من شغوب الدنيا ~~ونحوها. ومن ذلك قول الفرزدق بن غالب: # أبني غدانة إنني حررتكم * فوهبتكم لعطية بن جعال أي حررتكم من الهجاء. ~~وخص الرقبة من الانسان، إذ هو العضو الذي يكون فيه الغل والتوثق غالبا من ~~الحيوان، فهو موضع الملك فأضيف التحرير إليها. # الخامسة والثلاثون - لا يجوز عندنا إلا إعتاق رقبة مؤمنة كاملة ليس فيها ~~شرك لغيره، ولا عتاقة بعضها، ولا عتق إلى أجل، ولا كتابة ولا تدبير، ولا ~~تكون أم ولد ولا من يعتق عليه إذا ملكه، ولا يكون بها من الهرم والزمانة ما ~~يضر بها في الاكتساب، سليمة غير معيبة، # PageV06P280 # خلافا لداود في تجويزه إعتاق المعيبة. وقال أبو حنيفة: يجوز عتق الكافرة، ~~لان مطلق اللفظ يقتضيها. ودليلنا أنها قربة واجبة فلا يكون الكافر محلا لها ~~كالزكاة، وأيضا فكل مطلق في القرآن من هذا فهو راجع إلى المقيد في عتق ~~الرقبة في القتل الخطأ. وإنما قلنا: لا يكون فيها شرك، لقوله تعالى: " ~~فتحرير رقبة " [النساء: 92] وبعض الرقبة ليس برقبة. وإنما قلنا لا يكون ~~فيها عقد عتق، لان التحرير يقتضي ابتداء عتق دون تنجيز عتق مقدم. وإنما ~~قلنا: سليمة، لقوله تعالى: " فتحرير رقبة " والاطلاق يقتضي تحرير رقبة ~~كاملة والعمياء ناقصة. # وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم [ما من مسلم يعتق امرأ مسلما إلا ~~كان فكاكه من النار كل عضو منه بعضو منها حتى الفرج بالفرج] وهذا نص. وقد ~~روي في الأعور قولان في المذهب، كذلك في الأصم والخصي. # السادسة والثلاثون - من أخرج مالا ليعتق رقبة في كفارة فتلف كانت الكفارة ~~باقية عليه، بخلاف مخرج المال في الزكاة ليدفعه إلى الفقراء، أو ليشتري به ~~رقبة فتلف، لم يكن عليه غيره لامتثال الامر. # السابعة والثلاثون - اختلفوا في الكفارة إذا مات الحالف، فقال الشافعي ~~وأبو ms2259 ثور: # كفارات الايمان تخرج من رأس مال الميت. وقال أبو حنيفة: تكون في الثلث، ~~وكذلك قال مالك إن أوصى بها. # الثامنة والثلاثون - من حلف وهو موسر فلم يكفر حتى أعسر، أو حنث وهو معسر ~~فلم يكفر حتى أيسر، أو حنث وهو عبد فلم يكفر حتى عتق، فالمراعاة في ذلك كله ~~بوقت التكفير لا وقت الحنث. # التاسعة والثلاثون - روى مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # (والله لان يلج أحدكم بيمينه في أهله (1) آثم له عند الله من أن يعطي ~~كفارته التي فرض الله) اللجاج في اليمين هو المضي على مقتضاه، وإن لزم من ~~ذلك حرج ومشقة، وترك ما فيه منفعة عاجلة # PageV06P281 # أو آجلة، فإن كان شئ من ذلك فالأولى به تحنيث نفسه وفعل الكفارة، ولا ~~يعتل باليمين كما ذكرناه في قوله تعالى: " ولا تجعلوا الله عرضة لايمانكم " ~~(1) [البقرة: 224] وقال عليه السلام: [من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا ~~منها فليكفر عن يمينه وليفعل الذي هو خير] أي الذي هو أكثر خيرا. # الموفية أربعين - روى مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # [اليمين على نية المستحلف] قال العلماء: معناه أن من وجبت عليه يمين في ~~حق وجب عليه فحلف وهو ينوي غيره لم تنفعه نيته، ولا يخرج بها عن إثم تلك ~~اليمين، وهو معنى قوله في الحديث الآخر: [يمينك على ما يصدقك عليه صاحبك]. ~~وروي [يصدقك به صاحبك] خرجه مسلم أيضا. قال مالك: من حلف لطالبه في حق له ~~عليه، واستثنى في يمينه، أو حرك لسانه أو شفتيه، أو تكلم به، لم ينفعه ~~استثناؤه ذلك، لان النية نية المحلوف له، لان اليمين حق له، وإنما تقع على ~~حسب ما يستوفيه له الحاكم لا على اختيار الحالف، لأنها مستوفاة منه. هذا ~~تحصيل مذهبه وقوله. # الحادية والأربعون - قوله تعالى: (فمن لم يجد) معناه لم يجد في ملكه أحد ~~هذه الثلاثة، من الاطعام أو الكسوة أو عتق الرقبة بإجماع، فإذا عدم هذه ~~الثلاثة الأشياء ms2260 صام. # والعدم يكون بوجهين أما بمغيب المال [عنه] (2) أو عدمه، فالأول أن يكون ~~في بلد غير بلده فإن وجد من يسلفه لم يجزه الصوم، وإن لم يجد من يسلفه فقد ~~اختلف فيه، فقيل: ينتظر إلى بلده، قال ابن العربي: وذلك لا يلزمه بل يكفر ~~بالصيام، لان الوجوب قد تقرر في الذمة [والشرط من] (3) العدم قد تحقق فلا ~~وجه لتأخير الامر، فليكفر مكانه لعجزه عن الأنواع الثلاثة، لقوله تعالى: " ~~فمن لم يجد ". وقيل: من لم يكن له فضل عن رأس ماله الذي يعيش به فهو الذي ~~لم يجد. وقيل: هو من لم يكن له إلا قوت يومه وليلته، وليس عنده فضل يطعمه، ~~وبه قال الشافعي واختاره الطبري، وهو مذهب مالك وأصحابه. وروي عن ابن ~~القاسم أن من تفضل عنه نفقة يومه فإنه لا يصوم، قال ابن القاسم في كتاب ابن ~~مزين: إنه إن كان للحانث # PageV06P282 # فضل عن قوت يومه أطعم إلا أن يخاف الجوع، أو يكون في بلد لا يعطف عليه ~~فيه. وقال أبو حنيفة: إذا لم يكن عنده نصاب فهو غير واجد. وقال أحمد وإسحق: ~~إذا كان عنده قوت يوم وليلة أطعم ما فضل عنه. وقال أبو عبيد: إذا كان عنده ~~قوت يومه وليلته وعياله وكسوة تكون لكفايتهم، ثم يكون بعد ذلك مالكا لقدر ~~الكفارة فهو عندنا واجد. قال ابن المنذر: قول أبي عبيد حسن. # الثانية والأربعون - قوله تعالى: قرأها ابن مسعود (متتابعات) فيقيد بها ~~المطلق، وبه قال أبو حنيفة والثوري، وهو أحد قولي الشافعي واختاره المزني ~~قياسا على الصوم في كفارة الظهار، واعتبارا بقراءة عبد الله. وقال مالك ~~والشافعي في قوله الآخر: # يجزئه التفريق، لان التتابع صفة لا تجب إلا بنص أو قياس على منصوص وقد ~~عدما. # الثالثة والأربعون - من أفطر في يوم من أيام الصيام ناسيا فقال مالك: ~~عليه القضاء، وقال الشافعي: لا قضاء عليه، على ما تقدم بيانه في الصيام في ~~(البقرة) (1). # الرابعة والأربعون - هذه الكفارة التي نص الله عليها لازمة للحر المسلم ~~باتفاق. واختلفوا فيما يجب ms2261 منها على العبد إذا حنث، فكان سفيان الثوري ~~والشافعي وأصحاب الرأي يقولون: # ليس عليه إلا الصوم، لا يجزئه غير ذلك، واختلف فيه قول مالك، فحكى عنه ~~ابن نافع أنه قال: لا يكفر العبد بالعتق، لأنه لا يكون له الولاء، ولكن ~~يكفر بالصدقة إن أذن له سيده، وأصوب ذلك أن يصوم. # وحكى ابن القاسم عنه أن قال: إن أطعم أو كسا بإذن السيد فما هو بالبين، ~~وفي قلبي منه شئ. # الخامسة والأربعون - قوله تعالى: (ذلك كفارة أيمانكم) أي تغطية أيمانكم، ~~وكفرت الشئ غطيته وسترته وقد تقدم. ولا خلاف أن هذه الكفارة في اليمين ~~بالله تعالى، وقد ذهب بعض التابعين إلى أن كفارة اليمين فعل الخير الذي حلف ~~في تركه. # PageV06P283 # وترجم ابن ماجة في سننه (من قال كفارتها تركها) حدثنا علي بن محمد حدثنا ~~عبد الله بن نمير عن حارثة بن أبي الرجال عن عمرة عن عائشة قالت قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # [من حلف في قطيعة رحم أو فيما لا يصلح فبره ألا يتم على ذلك] (1) وأسند ~~عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [من حلف ~~على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليتركها فإن تركها كفارتها]. # قلت: ويعتضد هذا بقصة الصديق رضي الله عنه حين حلف ألا يطعم الطعام، ~~وحلفت امرأته ألا تطعمه حتى يطعمه، وحلف الضيف - أو الأضياف - ألا يطعمه أو ~~لا يطعموه حتى يطعمه، فقال أبو بكر: كان هذا من الشيطان، فدعا بالطعام فأكل ~~وأكلوا. خرجه البخاري، وزاد مسلم قال: فلما أصبح غدا على النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فقال يا رسول الله، بروا وحنثت، قال: فأخبره، قال: [بل أنت ~~أبرهم وأخيرهم] قال: ولم تبلغني كفارة. # السادسة والأربعون - واختلفوا في كفارة غير اليمين بالله عز وجل، فقال ~~مالك: من حلف بصدقة ماله أخرج ثلثه. وقال الشافعي: عليه كفارة يمين، وبه ~~قال إسحاق وأبو ثور، وروى عن عمر وعائشة رضي الله عنهما. وقال الشعبي وعطاء ~~وطاوس: لا شئ عليه. # وأما ms2262 اليمين بالمشي إلى مكة فعليه أن يفي به عند مالك وأبي حنيفة. وتجزئه ~~كفارة يمين عند الشافعي وأحمد بن حنبل وأبي ثور. وقال ابن المسيب والقاسم ~~بن محمد: لا شئ عليه، قال ابن عبد البر: أكثر أهل العلم بالمدينة وغيرها ~~يوجبون في اليمين بالمشي إلى مكة كفارة مثل كفارة اليمين بالله عز وجل، وهو ~~قول جماعة من الصحابة والتابعين وجمهور فقهاء المسلمين. # وقد أفتى به ابن القاسم ابنه عبد الصمد، وذكر له أنه قول الليث بن سعد. ~~والمشهور عن ابن القاسم أنه لا كفارة عنده في المشي إلى مكة إلا بالمشي لمن ~~قدر عليه، وهو قول مالك. # وأما الحالف بالعتق فعليه عتق من حلف عليه بعتقه في قول مالك والشافعي ~~وغيرهما. وروي # PageV06P284 # عن ابن عمر وابن عباس وعائشة أنه يكفر كفارة يمين ولا يلزمه العتق - وقال ~~عطاء: # يتصدق بشئ. قال المهدوي: وأجمع من يعتمد على قوله من العلماء على أن ~~الطلاق لازم لمن حلف به وحنث. # السابعة والأربعون - قوله تعالى: (واحفظوا أيمانكم) أي بالبدار إلى ما ~~لزمكم من الكفارة إذا حنثتم. وقيل: أي بترك الحلف، فإنكم إذا لم تحلفوا لم ~~تتوجه عليكم هذه التكليفات. (لعلكم تشكرون) تقدم معنى (الشكر) و (لعل) في ~~(البقرة) (1) والحمد لله. # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام ~~رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون (90) إنما يريد الشيطان أن يوقع ~~بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة ~~فهل أنتم منتهون (91) وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم ~~فاعلموا إنما على رسولنا البلاغ المبين (92) فيه سبع عشرة مسألة: # الأولى: قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا " خطاب لجميع المؤمنين بترك ~~هذه الأشياء، إذا كانت شهوات وعادات تلبسوا بها في الجاهلية وغلبت على ~~النفوس، فكان نفى (2) منها في نفوس كثير من المؤمنين. قال ابن عطية: ومن ~~هذا القبيل هوى الزجر بالطير، وأخذ الفأل في الكتب ونحوه مما يصنعه الناس ~~اليوم. وأما الخمر فكانت لم تحرم بعد، وإنما نزل تحريمها في ms2263 سنة ثلاث بعد ~~وقعة أحد، وكانت وقعة أحد في شوال سنة ثلاث من الهجرة. # PageV06P285 # وتقدم اشتقاقها (1). وأما " الميسر " فقد مضى في " البقرة " (1) القول ~~فيه. وأما الأنصاب فقيل: هي الأصنام. وقيل: هي النرد والشطرنج، ويأتي ~~بيانهما في سورة " يونس " عند قوله تعالى: " فماذا بعد الحق إلا الضلال " ~~[يونس: 32] (2). وأما الأزلام فهي القداح، وقد مضى في أول السورة القول ~~فيها. ويقال كانت في البيت عند سدنة البيت وخدام الأصنام، يأتي الرجل إذا ~~أراد حاجة فيقبض منها شيئا، فإن كان عليه أمرني ربي خرج إلى حاجته على ما ~~أحب أو كره. # الثانية - تحريم الخمر كان بتدريج ونوازل كثيرة، فإنهم كانوا مولعين ~~بشربها، وأول ما نزل في شأنها " يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم ~~كبير ومنافع للناس " (1) [البقرة: 219] أي في تجارتهم، فلما نزلت هذه الآية ~~تركها بعض الناس وقالوا: لا حاجة لنا فيما فيه إثم كبير، ولم يتركها بعض ~~الناس وقالوا: نأخذ منفعتها ونترك إثمها فنزلت هذه الآية " لا تقربوا ~~الصلاة وأنتم سكارى " [النساء: 43] (3) فتركها بعض الناس وقالوا: لا حاجة ~~لنا فيما يشغلنا عن الصلاة، وشربها بعض الناس في غير أوقات الصلاة حتى ~~نزلت: " يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس " ~~الآية - فصارت حراما عليهم حتى صار يقول بعضهم: ما حرم الله شيئا أشد من ~~الخمر. # وقال أبو ميسرة: نزلت بسبب عمر بن الخطاب، فإنه ذكر للنبي صلى الله عليه ~~وسلم عيوب الخمر، وما ينزل بالناس من أجلها، ودعا الله في تحريمها وقال: ~~اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا فنزلت هذه الآيات، فقال عمر: انتهينا ~~انتهينا. وقد مضى في " البقرة " (1) و " النساء " (3). # وروى أبو داود عن ابن عباس قال: " يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة ~~وأنتم سكارى " [النساء: 43]، و " يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم ~~كبير ومنافع للناس " [البقرة: 219] نسختها التي في المائدة " إنما الخمر ~~والميسر والأنصاب ". وفي صحيح مسلم عن سعد بن أبي وقاص أنه قال: نزلت في ~~آيات من القرآن، وفيه قال: وأتيت على نفر ms2264 من الأنصار، فقالوا: تعال نطعمك ~~ونسقيك خمرا، # PageV06P286 # وذلك قبل أن تحرم الخمر، قال: فأتيتهم في حش - والحش البستان - فإذا رأس ~~جزور مشوي [عندهم] (1) وزق من خمر، قال: فأكلت وشربت معهم، قال: فذكرت ~~الأنصار والمهاجرين عندهم فقلت: المهاجرون خير من الأنصار، قال: فأخذ رجل ~~لحيي جمل فضربني به فجرح أنفي - وفى رواية ففزره (2) وكان أنف سعد مفزورا - ~~فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فأنزل الله تعالى في - يعني ~~نفسه شأن الخمر - " إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل ~~الشيطان فاجتنبوه ". # الثالثة - هذه الأحاديث تدل على أن شرب الخمر كان إذ ذاك مباحا معمولا به ~~معروفا عندهم بحيث لا ينكر ولا يغير، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أقر ~~عليه، وهذا ما لا خلاف فيه، يدل عليه آية النساء " لا تقربوا الصلاة وأنتم ~~سكارى " [النساء: 43] على ما تقدم. وهل كان يباح لهم شرب القدر الذي يسكر؟ ~~حديث حمزة ظاهر فيه حين بقر خواصر ناقتي علي رضي الله عنهما وجب أسنمتهما، ~~فأخبر علي بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء إلى حمزة فصدر عن حمزة ~~للنبي صلى الله عليه وسلم من القول الجافي المخالف لما يجب عليه من احترام ~~النبي صلى الله عليه وسلم وتوقيره وتعزيره، ما يدل على أن حمزة كان قد ذهب ~~عقله بما يسكر، ولذلك قال الراوي: فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~ثمل، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر على حمزة ولا عنفه، لا في حال ~~سكره ولا بعد ذلك، بل رجع لما قال حمزة: وهل أنتم إلا عبيد لأبي على عقبيه ~~القهقري وخرج عنه. وهذا خلاف ما قاله الأصوليون وحكوه فإنهم قالوا: # إن السكر حرام في كل شريعة، لان الشرائع مصالح العباد لا مفاسدهم، وأصل ~~المصالح العقل، كما أن أصل المفاسد ذهابه، فيجب المنع من كل ما يذهبه أو ~~يشوشه، إلا أنه يحتمل حديث حمزة أنه لم يقصد بشربه السكر لكنه أسرع فيه ~~فغلبه. والله أعلم. # الرابعة - قوله تعالى: " رجس ms2265 " قال ابن عباس في هذه الآية: (رجس) سخط وقد ~~يقال للنتن والعذرة والأقذار رجس. والرجز بالزاي العذاب لا غير، والركس ~~العذرة # PageV06P287 # لا غير. والرجس يقال للامرين. ومعنى " من عمل الشيطان " أي بحمله عليه ~~وتزيينه. # وقيل: هو الذي كان عمل مبادئ هذه الأمور بنفسه حتى اقتدى به فيها. # الخامسة - قوله تعالى: " فاجتنبوه " يريد أبعدوه واجعلوه ناحية، فأمر ~~الله تعالى باجتناب هذه الأمور، واقترنت بصيغة الامر مع نصوص الأحاديث ~~وإجماع الأمة، فحصل الاجتناب في جهة التحريم، فبهذا حرمت الخمر. ولا خلاف ~~بين علماء المسلمين أن سورة " المائدة " نزلت بتحريم الخمر، وهي مدنية من ~~آخر ما نزل، وورد التحريم في الميتة والدم ولحم الخنزير في قوله تعالى: " ~~قل لا أجد " (1) وغيرها من الآي خبرا، وفي الخمر نهيا وزجرا، وهو أقوى ~~التحريم وأوكده. روى ابن عباس قال: لما نزل تحريم الخمر، مشى أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بعضهم إلى بعض، وقالوا حرمت الخمر، وجعلت عدلا (2) ~~للشرك، يعني أنه قرنها بالذبح للأنصاب وذلك شرك. ثم علق " لعلكم تفلحون " ~~فعلق الفلاح بالامر، وذلك يدل على تأكيد الوجوب. والله أعلم. # السادسة - فهم الجمهور من تحريم الخمر، واستخباث الشرع لها، وإطلاق الرجس ~~عليها، والامر باجتنابها، الحكم بنجاستها. وخالفهم في ذلك ربيعة والليث بن ~~سعد والمزني صاحب الشافعي، وبعض المتأخرين من البغداديين والقرويين فرأوا ~~أنها طاهرة، وأن المحرم إنما هو شربها. وقد استدل سعيد بن الحداد القروي ~~على طهارتها بسفكها في طرق المدينة، قال: ولو كانت نجسة لما فعل ذلك ~~الصحابة رضوان الله عليهم، ولنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه كما نهى ~~عن التخلي في الطرق. والجواب، أن الصحابة فعلت ذلك، لأنه لم يكن لهم سروب ~~(3) ولا آبار يريقونها فيها، إذ الغالب من أحوالهم أنهم لم يكن لهم كنف في ~~بيوتهم. وقالت عائشة رضي الله عنها إنهم كانوا يتقذرون من اتخاذ الكنف في ~~البيوت، ونقلها إلى خارج المدينة فيه كلفة ومشقة، ويلزم منه تأخير ما وجب ~~على الفور. وأيضا فإنه يمكن التحرز منها، فإن طرق ms2266 المدينة كانت واسعة، ولم ~~تكن الخمر من الكثرة بحيث تصير نهرا # PageV06P288 # يعم الطريق كلها، بل إنما جرت في مواضع يسيرة يمكن التحرز عنها - هذا - ~~مع ما يحصل في ذلك من فائدة شهرة إراقتها في طرق (1) المدينة، ليشيع العمل ~~على مقتضى تحريمها من إتلافها، وأنه لا ينتفع بها، وتتابع الناس وتوافقوا ~~على ذلك. والله أعلم. فإن قيل: التنجيس حكم شرعي ولا نص فيه، ولا يلزم من ~~كون الشئ محرما أن يكون نجسا، فكم من محرم في الشرع ليس بنجس، قلنا: قوله ~~تعالى: " رجس " يدل على نجاستها، فإن الرجس في اللسان النجاسة، ثم لو ~~التزمنا ألا نحكم بحكم إلا حتى نجد فيه نصا لتعطلت الشريعة، فإن النصوص ~~فيها قليلة، فأي نص يوجد على تنجيس البول والعذرة والدم والميتة وغير ذلك؟ ~~وإنما هي الظواهر والعمومات والأقيسة. وسيأتي في سورة " الحج " (2) ما يوضح ~~هذا المعنى إن شاء الله تعالى. # السابعة - قوله: " فاجتنبوه " يقتضي الاجتناب المطلق الذي لا ينتفع معه ~~بشئ بوجه من الوجوه، لا بشرب ولا بيع ولا تخليل ولا مداواة ولا غير ذلك. ~~وعلى هذا تدل الأحاديث الواردة في الباب. وروى مسلم عن ابن عباس أن رجلا ~~أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم (3) راوية خمر، فقال له رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: [هل علمت أن الله حرمها] قال: لا، قال: فسار رجلا (4) فقال ~~له رسول الله صلى الله عليه وسلم: [بم ساررته] قال: أمرته ببيعها، فقال: ~~[إن الذي حرم شربها حرم بيعها]، قال: ففتح المزادة حتى ذهب ما فيها، فهذا ~~حديث يدل على ما ذكرناه، إذ لو كان فيها منفعة من المنافع الجائزة لبينه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قال في الشاة الميتة. [هلا أخذتم إهابها ~~فدبغتموه فانتفعتم به] الحديث. # الثامنة - أجمع المسلمون على تحريم بيع الخمر والدم، وفي ذلك دليل على ~~تحريم بيع العذرات وسائر النجاسات وما لا يحل أكله، ولذلك - والله أعلم - ~~كره مالك بيع زبل الدواب، ورخص فيه ابن القاسم لما فيه من المنفعة، والقياس ~~ما ms2267 قاله مالك، وهو مذهب الشافعي، وهذا الحديث شاهد بصحة ذلك. # PageV06P289 # التاسعة - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الخمر لا يجوز تخليلها لاحد، ولو جاز ~~تخليلها ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدع الرجل أن يفتح المزادة ~~(1) حتى يذهب ما فيها، لان الخل مال وقد نهى عن إضاعة المال، ولا يقول أحد ~~فيمن أراق خمرا على مسلم أنه أتلف له مالا. وقد أراق عثمان بن أبي العاص ~~خمرا ليتيم، واستؤذن صلى الله عليه وسلم في تخليلها فقال: [لا] ونهى عن ~~ذلك. ذهب إلى هذا طائفة من العلماء من أهل الحديث والرأي، وإليه مال سحنون ~~بن سعيد. وقال آخرون: لا بأس بتخليل الخمر ولا بأس بأكل ما تخلل منها ~~بمعالجة آدمي (2) أو غيرها وهو قول الثوري والأوزاعي والليث بن سعد ~~والكوفيين. وقال أبو حنيفة: إن طرح فيها المسك والملح فصارت مربى وتحولت عن ~~حال الخمر جاز. وخالفه محمد بن الحسن في المربى وقال: لا تعالج الخمر بغير ~~تحويلها إلى الخل وحده. قال أبو عمر: # احتج العراقيون في تخليل الخمر بأبي الدرداء، وهو يروي عن أبي إدريس ~~الخولاني عن أبي الدرداء من وجه ليس بالقوي أنه كان يأكل المربى منه، ~~ويقول: دبغته الشمس والملح. # وخالفه عمر بن الخطاب وعثمان بن أبي العاص في تخليل الخمر، وليس في رأي ~~أحد حجة مع السنة. وبالله التوفيق. وقد يحتمل أن يكون المنع من تخليلها كان ~~في بدء الاسلام عند نزول تحريمها، لئلا يستدام حبسها لقرب العهد بشربها، ~~إرادة لقطع العادة في ذلك. وإذا كان كذلك لم يكن في النهي عن تخليلها ~~حينئذ، والامر بإراقتها ما يمنع من أكلها إذا خللت. وروى أشهب عن مالك قال: ~~إذا خلل النصراني خمرا فلا بأس بأكله، وكذلك إن خللها مسلم واستغفر الله، ~~وهذه الرواية ذكرها ابن عبد الحكم في كتابه. والصحيح ما قاله مالك في رواية ~~ابن القاسم وابن وهب أنه لا يحل لمسلم أن يعالج الخمر حتى يجعلها خلا ولا ~~يبيعها، ولكن ليهريقها. # العاشرة - لم يختلف قول مالك ms2268 وأصحابه أن الخمر إذا تخللت بذاتها أن أكل ~~ذلك الخل حلال. وهو قول عمر بن الخطاب وقبيصة وابن شهاب وربيعة وأحد قولي ~~الشافعي، وهو تحصيل مذهبه عند أكثر أصحابه. # PageV06P290 # الحادية عشرة - ذكر ابن خويزمنداد أنها تملك، ونزع إلى ذلك بأنه يمكن أن ~~يزال بها الغصص، ويطفأ بها حريق، وهذا نقل لا يعرف لمالك، بل يخرج هذا على ~~قول من يرى أنها طاهرة. ولو جاز ملكها لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~بإراقتها. وأيضا فإن الملك نوع نفع وقد بطل بإراقتها. والحمد لله. # الثانية عشرة - هذه الآية تدل على تحريم اللعب بالنرد والشطرنج قمارا أو ~~غير قمار، لان الله تعالى لما حرم الخمر أخبر بالمعنى الذي فيها فقال: " يا ~~أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر " الآية. ثم قال: " إنما يريد الشيطان ~~أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء " الآية. فكل لهو دعا قليله إلى كثير، ~~وأوقع العداوة والبغضاء بين العاكفين عليه، وصد عن ذكر الله وعن الصلاة فهو ~~كشرب الخمر، وأوجب أن يكون حراما مثله. فإن قيل: إن شرب الخمر يورث السكر ~~فلا يقدر معه على الصلاة وليس في اللعب بالنرد والشطرنج هذا المعنى، قيل ~~له: # قد جمع الله تعالى بين الخمر والميسر في التحريم، ووصفهما جميعا بأنهما ~~يوقعان العداوة والبغضاء بين الناس. ويصدان عن ذكر الله وعن الصلاة، ومعلوم ~~أن الخمر إن أسكرت فالميسر لا يسكر، ثم لم يكن عند الله افتراقهما في ذلك ~~يمنع من التسوية بينهما في التحريم لأجل ما اشتركا فيه من المعاني. وأيضا ~~فإن قليل الخمر لا يسكر كما أن اللعب بالنرد والشطرنج لا يسكر ثم كان حراما ~~مثل الكثير، فلا ينكر أن يكون اللعب بالنرد والشطرنج حراما مثل الخمر وإن ~~كان لا يسكر. وأيضا فإن ابتداء اللعب يورث الغفلة، فتقوم تلك الغفلة ~~المستولية على القلب مكان السكر (1)، فإن كانت الخمر إنما حرمت لأنها تسكر ~~فتصد بالاسكار عن الصلاة، فليحرم اللعب بالنرد والشطرنج لأنه يغفل ويلهي ~~فيصد بذلك عن الصلاة. والله أعلم. # الثالثة عشرة - مهدي الراوية (2) يدل ms2269 على أنه كان لم يبلغه الناسخ، وكان ~~متمسكا بالإباحة المتقدمة، فكان ذلك دليلا على أن الحكم لا يرتفع بوجود ~~الناسخ - كما يقوله بعض الأصوليين - بل ببلوغه كما دل عليه هذا الحديث، وهو ~~الصحيح، لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يوبخه، # PageV06P291 # بل بين له الحكم، ولأنه مخاطب بالعمل بالأول بحيث لو تركه عصى بلا خلاف، ~~وإن كان الناسخ قد حصل في الوجود، وذلك كما وقع لأهل قباء (1)، إذ كانوا ~~يصلون إلى بيت المقدس إلى أن أتاهم الآتي فأخبرهم بالناسخ، فمالوا نحو ~~الكعبة. وقد تقدم في سورة (البقرة) (2) والحمد لله، وتقدم فيها ذكر الخمر ~~واشتقاقها والميسر (3). وقد مضى في صدر هذه السورة القول في الأنصاب (4) ~~والأزلام. والحمد لله. # الرابعة عشرة - قوله تعالى: (إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة ~~والبغضاء في الخمر والميسر). الآية. أعلم الله تعالى عباده أن الشيطان إنما ~~يريد أن يوقع العداوة والبغضاء (5) بيننا بسبب الخمر وغيره، فحذرنا منها، ~~ونهانا عنها. روي أن قبيلتين من الأنصار شربوا الخمر وانتشوا، فعبث بعضهم ~~ببعض، فلما صحوا رأى بعضهم في وجه بعض آثار ما فعلوا، وكانوا إخوة ليس في ~~قلوبهم ضغائن، فجعل بعضهم (6) يقول: لو كان أخي بي رحيما ما فعل بي هذا، ~~فحدثت بينهم الضغائن، فأنزل الله: " إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم ~~العداوة والبغضاء " الآية. # الخامسة عشرة - قوله تعالى: (ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة) يقول: # إذا سكرتم لم تذكروا الله ولم تصلوا، وإن صليتم خلط عليكم كما فعل بعلي، ~~وروي: بعبد الرحمن كما تقدم في " النساء " (7). وقال عبيد الله بن عمر: سئل ~~القاسم بن محمد عن الشطرنج أهي ميسر؟ وعن النرد أهو ميسر؟ فقال: كل ما صد ~~عن ذكر الله وعن الصلاة فهو ميسر. # قال أبو عبيد: تأول قوله تعالى: " ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة ". # السادسة عشرة - قوله تعالى: (فهل أنتم منتهون) لما علم عمر رضي الله عنه ~~أن هذا وعيد شديد زائد على معنى انتهوا قال: انتهينا. وأمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم مناديه أن ينادي ms2270 في سكك المدينة، ألا إن الخمر قد حرمت، فكسرت ~~الدنان، وأريقت الخمر حتى جرت في سكك المدينة. # PageV06P292 # السابعة عشرة - قوله تعالى: (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا) تأكيد ~~للتحريم، وتشديد في الوعيد، وامتثال للامر، وكف عن المنهي عنه، وحسن عطف " ~~وأطيعوا الله " لما كان في الكلام المتقدم معنى انتهوا. وكرر " وأطيعوا " ~~في ذكر الرسول تأكيدا. ثم حذر في مخالفة الامر، وتوعد من تولى بعذاب ~~الآخرة، فقال: " فإن توليتم " أي خالفتم (فإنما على رسولنا البلاغ المبين) ~~في تحريم ما أمر بتحريمه وعلى المرسل أن يعاقب أو يثيب بحسب ما يعصى أو ~~يطاع. # قوله تعالى: ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما ~~اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب ~~المحسنين (93) فيه تسع مسائل: # الأولى - قال ابن عباس والبراء بن عازب وأنس بن مالك إنه لما نزل تحريم ~~الخمر قال قوم من الصحابة: كيف بمن مات منا وهو يشربها ويأكل الميسر؟ - ~~ونحو هذا - فنزلت الآية. روى البخاري عن أنس قال: كنت ساقي القوم في منزل ~~أبي طلحة فنزل تحريم الخمر، فأمر (1) مناديا ينادي، فقال أبو طلحة: اخرج ~~فانظر ما هذا الصوت! قال: فخرجت فقلت: هذا مناد ينادي ألا إن الخمر قد ~~حرمت، فقال: اذهب فأهرقها - وكان الخمر من الفضيخ (2) - قال: فجرت في سكك ~~المدينة، فقال بعض القوم: قتل قوم وهي في بطونهم فأنزل الله عز وجل: " ليس ~~على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا " الآية. # الثانية - هذه الآية وهذا الحديث نظير سؤالهم عمن مات إلى القبلة الأولى ~~فنزلت " وما كان الله ليضيع إيمانكم " (3) [البقرة: 143]. ومن فعل ما أبيح ~~له حتى مات على فعله لم يكن له ولا عليه # PageV06P293 # شئ، لا إثم ولا مؤاخذة ولا ذم ولا أجر ولا مدح، لان المباح مستوي الطرفين ~~بالنسبة إلى الشرع، وعلى هذا فما كان ينبغي أن يتخوف ولا يسأل عن حال من ~~مات والخمر في بطنه وقت إباحتها، فإما أن يكون ذلك القائل غفل عن دليل ~~الإباحة فلم ms2271 يخطر له، أو يكون لغلبة خوفه من الله تعالى، وشفقته على إخوانه ~~المؤمنين توهم مؤاخذة ومعاقبة لأجل شرب الخمر المتقدم، فرفع الله ذلك ~~التوهم بقوله: " ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا " ~~الآية. # الثالثة - هذا الحديث في نزول الآية فيه دليل واضح على أن نبيذ التمر إذا ~~أسكر خمر، وهو نص ولا يجوز الاعتراض عليه، لان الصحابة [رحمهم (1) الله] هم ~~أهل اللسان، وقد عقلوا أن شرابهم ذلك خمر إذ لم يكن لهم شراب ذلك الوقت ~~بالمدينة غيره، وقد قال الحكمي: # لنا خمر وليست خمر كرم * ولكن من نتاج الباسقات كرام في السماء ذهبن طولا ~~* وفات ثمارها أيدي الجناة ومن الدليل الواضح على ذلك ما رواه النسائي: ~~أخبرنا القاسم بن زكريا، أخبرنا عبيد الله عن شيبان عن الأعمش عن محارب بن ~~دثار عن جابر عن النبي صلى اله عليه وسلم قال: [الزبيب والتمر هو الخمر]. ~~وثبت بالنقل الصحيح أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه - وحسبك به عالما ~~باللسان والشرع - خطب على منبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا أيها ~~الناس، ألا إنه قد نزل تحريم الخمر يوم نزل، وهي من خمسة: من العنب والتمر ~~والعسل والحنطة والشعير، والخمر ما خامر العقل. وهذا أبين ما يكون في معنى ~~الخمر، يخطب به عمر بالمدينة على المنبر بمحضر جماعة الصحابة، وهم أهل ~~اللسان ولم يفهموا من الخمر إلا ما ذكرناه. وإذا ثبت هذا بطل مذهب أبي ~~حنيفة والكوفيين القائلين بأن الخمر لا تكون إلا من العنب، وما كان من غيره ~~لا يسمى خمرا ولا يتناوله اسم الخمر، وإنما يسمى نبيذا، وقال الشاعر: # تركت النبيذ لأهل النبيذ * وصرت حليفا لمن عابه شراب يدنس عرض الفتى * ~~ويفتح للشر أبوابه # PageV06P294 # الرابعة - قال الإمام أبو عبد الله المازري: ذهب جمهور العلماء من السلف ~~وغيرهم إلى أن كل ما يسكر نوعه حرم شربه، قليلا كان أو كثيرا نيئا، كان أو ~~مطبوخا، ولا فرق بين المستخرج من العنب أو غيره، وأن من شرب شيئا من ذلك ms2272 ~~حد، فأما المستخرج من العنب المسكر النئ فهو الذي انعقد الاجماع على تحريم ~~قليله وكثيره ولو نقطة منه. وأما ما عدا ذلك فالجمهور على تحريمه. وخالف ~~الكوفيون في القليل مما عدا ما ذكر، وهو الذي لا يبلغ الاسكار، وفي المطبوخ ~~المستخرج من العنب، فذهب قوم من أهل البصرة إلى قصر التحريم على عصير ~~العنب، ونقيع الزبيب النئ، فأما المطبوخ منهما، والنئ والمطبوخ مما سواهما ~~فحلال ما لم يقع الاسكار. وذهب أبو حنيفة إلى قصر التحريم على المعتصر من ~~ثمرات النخيل والأعناب على تفصيل، فيرى أن سلافة العنب يحرم قليلها وكثيرها ~~إلا أن تطبخ حتى ينقص ثلثاها، وأما نقيع الزبيب والتمر فيحل مطبوخهما وإن ~~مسته النار مسا قليلا من غير اعتبار بحد، وأما النئ منه فحرام، ولكنه مع ~~تحريمه إياه لا يوجب الحد فيه، وهذا كله ما لم يقع الاسكار، فإن وقع ~~الاسكار استوى الجميع. قال شيخنا الفقيه الإمام أبو العباس [أحمد] (1) رضي ~~الله عنه: العجب من المخالفين في هذه المسألة، فإنهم قالوا: إن القليل من ~~الخمر المعتصر من العنب حرام ككثيره، وهو مجمع عليه، فإذا قيل لهم: فلم حرم ~~القليل من الخمر وليس مذهبا للعقل؟ فلا بد أن يقال: لأنه داعية إلى الكثير، ~~أو للتعبد، فحينئذ يقال لهم: كل ما قدرتموه في قليل الخمر هو بعينه موجود ~~في قليل النبيذ فيحرم أيضا، إذ لا فارق بينهما إلا مجرد الاسم إذا سلم ذلك. ~~وهذا القياس هو أرفع أنواع القياس، لان الفرع فيه مساو للأصل في جميع ~~أوصافه، وهذا كما يقوله في قياس الأمة على العبد في سراية العتق. ثم العجب ~~من أبي حنيفة وأصحابه رحمهم الله! فإنهم يتوغلون في القياس ويرجحونه على ~~أخبار الآحاد، ومع ذلك فقد تركوا هذا القياس الجلي المعضود بالكتاب والسنة ~~وإجماع صدور الأمة، لأحاديث لا يصح شئ منها على ما قد بين عللها المحدثون ~~في كتبهم، وليس في الصحيح شئ منها. وسيأتي في سورة " النحل " (2) تمام هذه ~~المسألة إن شاء الله تعالى. # PageV06P295 # الخامسة: قوله تعالى: " طعموا " أصل ms2273 هذه اللفظة في الاكل، يقال: طعم ~~الطعام وشرب الشراب، لكن قد تجوز في ذلك فيقال: لم أطعم خبزا ولا ماء ولا ~~نوما، قال الشاعر: # نعاما بوجرة (1) صعر الخدو * د لا تطعم النوم إلا صياما وقد تقدم القول ~~في " البقرة " (2) في قوله تعالى: " ومن لم يطعمه " [البقرة: 249] بما فيه ~~الكفاية. # السادسة - قال ابن خويزمنداد: تضمنت هذه الآية تناول المباح والشهوات، ~~والانتفاع بكل لذيذ من مطعم ومشرب ومنكح وإن بولغ فيه وتنوهي في ثمنه. وهذه ~~الآية نظير قوله تعالى: " لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم " [المائدة: 87] ~~ونظير قوله: " قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق " ~~(3) [الأعراف: 32]. # السابعة - قوله تعالى: (إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا ~~وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين). فيه أربعة أقوال: الأول: أنه ~~ليس في ذكر التقوى تكرار، والمعنى اتقوا شربها، وآمنوا بتحريمها، والمعنى ~~الثاني دام اتقاؤهم وإيمانهم، والثالث على معنى الاحسان إلى الاتقاء. ~~والثاني: اتقوا قبل التحريم في غيرها من المحرمات، ثم اتقوا بعد تحريمها ~~شربها، ثم اتقوا فيما بقي من أعمالهم (4)، وأحسنوا العمل. الثالث - اتقوا ~~الشرك وآمنوا بالله ورسوله، والمعنى الثاني ثم اتقوا الكبائر، وازدادوا ~~إيمانا، ومعنى الثالث ثم اتقوا الصغائر وأحسنوا أي تنفلوا. وقال محمد بن ~~جرير: الاتقاء (5) الأول هو الاتقاء بتلقي أمر الله بالقبول، والتصديق ~~والدينونة به والعمل، والاتقاء الثاني، الاتقاء بالثبات على التصديق، ~~والثالث الاتقاء بالاحسان، والتقرب بالنوافل. # PageV06P296 # الثامنة - قوله تعالى: (ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين) دليل على ~~أن المتقي المحسن أفضل من المتقي المؤمن الذي عمل الصالحات، فضله بأجر ~~الاحسان. # التاسعة - قد تأول هذه الآية قدامة بن مظعون الجمحي من الصحابة رضي الله ~~عنهم، وهو ممن هاجر إلى أرض الحبشة مع أخويه عثمان وعبد الله، ثم هاجر إلى ~~المدينة وشهد بدرا وعمر (1). وكان ختن (2) عمر بن الخطاب، خال عبد الله ~~وحفصة، وولاه عمر بن الخطاب على البحرين، ثم عزله بشهادة الجارود - سيد عبد ~~القيس - عليه بشرب الخمر. روى الدارقطني قال حدثنا أبو الحسن علي ms2274 بن محمد ~~المصري حدثنا يحيى بن أيوب العلاف حدثني سعيد ابن عفير، حدثني يحيى بن فليح ~~بن سليمان، قال حدثني ثور بن زيد عن عكرمة عن ابن عباس: # أن الشراب كانوا يضربون في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأيدي ~~والنعال والعصي حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانوا في خلافة ~~أبي بكر أكثر منهم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان أبو بكر ~~يجلدهم أربعين حتى توفي، ثم كان عمر من بعده يجلدهم كذلك أربعين حتى أتى ~~برجل من المهاجرين الأولين وقد شرب فأمر به أن يجلد، فقال لم تجلدني؟ بيني ~~وبينك كتاب الله! فقال عمر: وفي أي كتاب الله تجد ألا أجلدك؟ فقال له: # إن الله تعالى يقول في كتابه: " ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~جناح فيما طعموا " الآية. # فأنا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ثم اتقوا وآمنوا، ثم اتقوا ~~وأحسنوا، شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرا وأحدا والخندق ~~والمشاهد [كلها] (3)، فقال عمر: ألا تردون عليه ما يقول، فقال ابن عباس: إن ~~هؤلاء الآيات أنزلن عذرا لمن غبر وحجة على الناس، لان الله تعالى يقول: " ~~يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر " الآية، ثم قرأ حتى أنفذ الآية ~~الأخرى، فإن كان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، الآية، فإن الله قد نهاه ~~أن يشرب الخمر، فقال عمر: # صدقت ماذا ترون؟ فقال علي رضي الله عنه: إنه إذا شرب سكر وإذا سكر هذى، ~~وإذا # PageV06P297 # هذى افترى، وعلى المفتري ثمانون جلدة، فأمر به عمر فجلد ثمانين جلدة. ~~وذكر الحميدي عن أبي بكر البرقاني عن ابن عباس قال: لما قدم الجارود من ~~البحرين قال: يا أمير المؤمنين إن قدامة بن مظعون قد شرب مسكرا، وإني إذا ~~رأيت حقا من حقوق الله حق علي أن أرفعه إليك، فقال عمر: من يشهد على ما ~~تقول؟ فقال: أبو هريرة، فدعا عمر أبا هريرة فقال: # علام تشهد يا أبا هريرة؟ فقال: لم أره حين شرب، ورأيته سكران ms2275 يقئ، فقال ~~عمر: لقد تنطعت في الشهادة، ثم كتب عمر إلى قدامة وهو بالبحرين يأمره ~~بالقدوم عليه، فلما قدم قدامة والجارود بالمدينة كلم الجارود عمر، فقال: ~~أقم على هذا كتاب الله، فقال عمر للجارود: # أشهيد أنت أم خصم؟ فقال الجارود: أنا شهيد، قال: قد كنت أديت الشهادة، ثم ~~قال لعمر: إني أنشدك الله! فقال عمر: أما والله لتملكن لسانك أو لأسوءنك، ~~فقال الجارود: # أما والله ما ذلك بالحق، أن يشرب ابن عمك وتسوءني! فأوعده عمر، فقال أبو ~~هريرة وهو جالس: يا أمير المؤمنين إن كنت في شك من شهادتنا فسل بنت الوليد ~~امرأة ابن مظعون، فأرسل عمر إلى هند ينشدها بالله، فأقامت هند على زوجها ~~الشهادة، فقال عمر: يا قدامة إني جالدك، فقال قدامة: والله لو شربت - كما ~~يقولون - ما كان لك أن تجلدني يا عمر. # قال: ولم يا قدامة؟ قال: لان الله سبحانه يقول: " ليس على آمنوا وعملوا ~~الصالحات جناح " فيما طعموا " الآية إلى " المحسنين ". فقال عمر: أخطأت ~~التأويل يا قدامة، إذا اتقيت الله اجتنبت ما حرم الله، ثم أقبل عمر على ~~القوم فقال: ما ترون في جلد قدامة؟ # فقال القوم: لا نرى أن تجلده ما دام وجعا (3)، فسكت عمر عن جلده ثم أصبح ~~يوما فقال لأصحابه: ما ترون في جلد قدامة؟ فقال القوم: لا نرى أن تجلده ما ~~دام وجعا، فقال عمر: # إنه والله لان يلقى الله تحت السوط، أحب إلي أن ألقى الله وهو في عنقي! ~~والله لأجلدنه، ائتوني بسوط، فجاءه مولاه أسلم بسوط رقيق صغير، فأخذه عمر ~~فمسحه بيده ثم قال لأسلم: أخذتك دقرارة (4) أهلك، ائتوني بسوط غير هذا. ~~قال: فجاءه أسلم بسوط تام، فأمر عمر بقدامة فجلد، # PageV06P298 # فغاضب قدامة عمر وهجره، فحجا وقدامة مهاجر لعمر حتى قفلوا عن حجهم ونزل ~~عمر بالسقيا (1) ونام بها فلما استيقظ عمر قال: عجلوا علي بقدامة، انطلقوا ~~فأتوني به، فوالله لأرى في النوم أنه جاءني آت فقال: سالم قدامة فإنه أخوك، ~~فلما جاءوا قدامة أبى أن يأتيه، فأمر عمر بقدامة ms2276 أن يجر إليه جرا حتى كلمه ~~عمر واستغفر له، فكان أول صلحهما. قال أيوب ابن أبي تميمة: لم يحد أحد من ~~أهل بدر في الخمر غيره. قال ابن العربي: فهذا يدلك على تأويل الآية، وما ~~ذكر فيه عن ابن عباس من حديث الدارقطني، وعمر في حديث البرقاني وهو صحيح، ~~وبسطه أنه لو كان من شرب الخمر واتقى الله في غيره ما حد على الخمر أحد، ~~فكان هذا من أفسد تأويل، وقد خفي على قدامة، وعرفه من وفقه الله كعمر وابن ~~عباس رضي الله عنهما، قال الشاعر: # وإن حراما لا أرى الدهر باكيا * على شجوه إلا بكيت على عمر وروي عن علي ~~[رضي الله (3) عنه] أن قوما شربوا بالشام وقالوا: هي لنا حلال وتأولوا هذه ~~الآية، فأجمع علي وعمر على أن يستتابوا، فإن تابوا وإلا قتلوا، ذكره الكيا ~~الطبري. # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشئ من الصيد تناله ~~أيديكم ورماحكم ليعلم الله من يخافه بالغيب فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب ~~أليم (94) فيه ثماني مسائل الأولى: قوله تعالى: " ليبلونكم الله " أي ~~ليختبرنكم، والابتلاء الاختبار. وكان الصيد أحد معايش العرب العاربة، ~~وشائعا عند الجميع منهم، مستعملا جدا، فابتلاهم الله فيه مع الاحرام ~~والحرم، كما ابتلى بني إسرائيل في ألا يعتدوا في السبت. وقيل: إنها نزلت ~~عام الحديبية، أحرم بعض الناس مع النبي صلى الله عليه وسلم ولم يحرم بعضهم، ~~فكان إذا عرض # PageV06P299 # صيد اختلف فيه أحوالهم وأفعالهم، واشتبهت أحكامه عليهم، فأنزل الله هذه ~~الآية بيانا لاحكام أحوالهم وأفعالهم، ومحظورات حجهم وعمرتهم. # الثانية - اختلف العلماء من المخاطب بهذه الآية على قولين: أحدهما - أنهم ~~المحلون، قاله مالك. الثاني: أنهم المحرمون قاله ابن عباس، وتعلق بقوله ~~تعالى: " ليبلونكم " فإن تكليف الامتناع الذي يتحقق به الابتلاء هو مع ~~الاحرام. قال ابن العربي: وهذا لا يلزم، فإن التكليف يتحقق في المحل بما ~~شرط له من أمور الصيد، وما شرع له من وصفه في كيفية الاصطياد. والصحيح أن ~~الخطاب في الآية لجميع الناس محلهم ومحرمهم، ms2277 لقوله تعالى: " ليبلونكم الله ~~" أي: ليكلفنكم، والتكليف كله ابتلاء وإن تفاضل في الكثرة والقلة، وتباين ~~في الضعف والشدة. # الثالثة - قوله تعالى: " بشئ من الصيد " يريد ببعض الصيد، فمن للتبعيض، ~~وهو صيد البر خاصة، ولم يعم الصيد كله لان للبحر صيدا، قال الطبري وغيره. ~~وأراد بالصيد المصيد، لقوله: " تناله أيديكم ". # الرابعة - قوله تعالى: " تناله أيديكم ورماحكم " بيان لحكم صغار الصيد ~~وكباره. # وقرأ ابن وثاب والنخعي: " يناله " بالياء منقوطة من تحت. قال مجاهد: ~~الأيدي تنال الفراخ والبيض وما لا يستطيع أن يفر، والرماح تنال كبار الصيد. ~~وقال ابن وهب قال مالك قال الله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم ~~الله بشئ من الصيد تناله أيديكم ورماحكم " وكل شئ يناله الانسان بيده أو ~~برمحه أو بشئ من سلاحه فقتله فهو صيد كما قال الله تعالى. # الخامسة - خص الله تعالى الأيدي بالذكر لأنها عظم (1) التصرف في ~~الاصطياد، وفيها تدخل الجوارح والحبالات، وما عمل باليد من فخاخ وشباك، وخص ~~الرماح بالذكر لأنها عظم ما يجرح به الصيد، وفيها يدخل السهم ونحوه، وقد ~~مضى القول فيما يصاد به من الجوارح والسهام في أول السورة (2) بما فيه ~~الكفاية والحمد لله. # PageV06P300 # السادسة - ما وقع في الفخ والحبالة فلربها، فإن ألجأ الصيد إليها أحد ~~ولولاها لم يتهيأ له أخذه فربها فيه شريكه. وما وقع في الجبح (1) المنصوب ~~في الجبل من ذباب النحل فهو كالحبالة والفخ، وحمام الأبرجة ترد على أربابها ~~إن استطيع ذلك، وكذلك نحل الجباح، وقد روي عن مالك. وقال بعض أصحابه: إنه ~~ليس على من حصل الحمام أو النحل عنده أن يرده. ولو ألجأت الكلاب صيدا فدخل ~~في بيت أحد أو داره فهو للصائد مرسل الكلاب دون صاحب البيت، ولو دخل في ~~البيت من غير اضطرار الكلاب له فهو لرب البيت. # السابعة - احتج بعض الناس على أن الصيد للآخذ لا للمثير بهذه الآية، لان ~~المثير لم تنل يده ولا رمحه بعد شيئا، وهو قول أبي حنيفة. # الثامنة - كره مالك صيد أهل الكتاب ولم يحرمه، لقوله تعالى: " تناله ms2278 ~~أيديكم ورماحكم " يعني أهل الايمان، لقوله تعالى في صدر الآية: " يا أيها ~~الذين آمنوا " فخرج عنهم أهل الكتاب. وخالفه جمهور أهل العلم، لقوله تعالى: ~~" يا أيها الذين أتوا الكتاب حل لكم " [المائدة: 94] وهو عندهم مثل ~~ذبائحهم. وأجاب علماؤنا بأن الآية إنما تضمنت أكل طعامهم، والصيد باب آخر ~~فلا يدخل في عموم الطعام، ولا يتناوله مطلق لفظه. # قلت: هذا بناء على أن الصيد ليس مشروعا عندهم فلا يكون من طعامهم، فيسقط ~~عنا هذا الالزام، فأما إن كان مشروعا عندهم في دينهم فيلزمنا أكله لتناول ~~اللفظ له، فإنه من طعامهم. والله أعلم. # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله ~~منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ ~~الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك # PageV06P301 # صياما ليذوق وبال أمره عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه والله ~~عزيز ذو انتقام (95) فيه ثلاثون مسألة: # الأولى - قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا) هذا خطاب عام لكل مسلم ذكر ~~وأنثى، وهذا النهي هو الابتلاء المذكور في قوله تعالى: " يا أيها الذين ~~آمنوا ليبلونكم الله بشئ من الصيد " الآية. وروي أن أبا اليسر واسمه عمرو ~~بن مالك الأنصاري (1) - كان محرما عام الحديبية بعمرة فقتل حمار وحش فنزلت ~~فيه " لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ". # الثانية - قوله تعالى: (لا تقتلوا الصيد) القتل هو كل فعل يفيت الروح، ~~وهو أنواع: منها النحر والذبح والخنق والرضخ وشبهه، فحرم الله تعالى على ~~المحرم في الصيد كل فعل يكون مفيتا للروح. # الثالثة - من قتل صيدا أو ذبحه فأكل منه فعليه جزاء واحد لقتله دون أكله، ~~وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: عليه جزاء ما أكل، يعني قيمته، وخالفه ~~صاحباه فقالا: # لا شئ عليه سوى الاستغفار، لأنه تناول الميتة كما لو تناول ميتة أخرى، ~~ولهذا لو أكلها محرم آخر لا يلزمه إلا الاستغفار. وحجة أبي حنيفة أنه تناول ~~محظور إحرامه، لان قتله كان من محظورات الاحرام، ومعلوم أن ms2279 المقصود من ~~القتل هو التناول، فإذا كان ما يتوصل به إلى المقصود - محظور إحرامه - ~~موجبا عليه الجزاء فما هو المقصود كان أولى. # الرابعة - لا يجوز عندنا ذبح المحرم للصيد، لنهي الله سبحانه المحرم عن ~~قتله، وبه قال أبو حنيفة. وقال الشافعي: ذبح المحرم للصيد ذكاة، وتعلق بأنه ~~ذبح صدر من أهله وهو المسلم، مضاف إلى محله وهو الانعام، فأفاد مقصوده من ~~حل الاكل، أصله ذبح الحلال. قلنا: قولكم ذبح صدر من أهله فالمحرم ليس بأهل ~~لذبح الصيد، إذ الأهلية لا تستفاد # PageV06P302 # عقلا، وإنما يفيدها الشرع، وذلك بإذنه في الذبح، أو بنفيها وذلك بنهيه عن ~~الذبح، والمحرم منهي عن ذبح الصيد، لقوله: " لا تقتلوا الصيد " فقد انتفت ~~الأهلية بالنهي. وقولكم أفاد مقصوده فقد اتفقنا على أن المحرم إذا ذبح ~~الصيد لا يحل له أكله، وإنما يأكل منه غيره عندكم، فإذا كان الذبح لا يفيد ~~الحل للذابح فأولى وأحرى ألا يفيده لغيره، لان الفرع تبع للأصل في أحكامه، ~~فلا يصح أن يثبت له ما لا يثبت لاصله. # الخامسة - قوله تعالى: " الصيد " مصدر عومل معاملة الأسماء، فأوقع على ~~الحيوان المصيد، ولفظ الصيد هنا عام في كل صيد بري وبحري حتى جاء قوله ~~تعالى: " وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما " [المائدة: 96] فأباح صيد ~~البحر إباحة مطلقة، على ما يأتي بيانه في الآية بعد هذا إن شاء الله تعالى. # السادسة - اختلف العلماء في خروج السباع من صيد البر وتخصيصها منه، فقال ~~مالك: كل شئ لا يعدو من السباع مثل الهر والثعلب والضبع وما أشبهها فلا ~~يقتله المحرم، وإن قتله فداه. قال: وصغار الذئاب لا أرى أن يقتلها المحرم، ~~فإن قتلها فداها، وهي مثل فراخ الغربان. ولا بأس بقتل كل ما عدا على الناس ~~في الأغلب، مثل الأسد والذئب والنمر والفهد، وكذلك لا بأس عليه بقتل الحيات ~~والعقارب والفأرة والغراب والحدأة. قال إسماعيل: # إنما ذلك لقوله عليه السلام: [خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم] الحديث، ~~فسماهن فساقا، ووصفهن بأفعالهن، لان الفاسق فاعل [للفسق] (1)، والصغار لا ms2280 ~~فعل لهن، ووصف الكلب بالعقور وأولاده لا تعقر، فلا تدخل في هذا النعت. قال ~~[القاضي] (1) إسماعيل: الكلب العقور مما يعظم ضرره على الناس. قال: ومن ذلك ~~الحية والعقرب، لأنه يخاف منهما، وكذلك الحدأة والغراب، لأنهما يخطفان ~~اللحم من أيدي الناس. قال ابن بكير: إنما أذن في قتل العقرب لأنها ذات حمة ~~(2)، وفي الفأرة لقرضها السقاء (3) والحذاء اللذين بهما قوام المسافر. وفي ~~الغراب # PageV06P303 # لوقوعه على الظهر (1) ونقبه عن لحومها، وقد روي عن مالك أنه قال: لا يقتل ~~الغراب ولا الحدأة إلا أن يضرا. قال [القاضي] (2) إسماعيل: واختلف في ~~الزنبور، فشبهه بعضهم بالحية والعقرب، قال: ولولا أن الزنبور لا يبتدئ لكان ~~أغلظ على الناس من الحية والعقرب، ولكنه ليس في طبعه من العداء ما في الحية ~~والعقرب، وإنما يحمي الزنبور إذا أوذي. قال: # فإذا عرض الزنبور لاحد فدفعه عن نفسه لم يكن عليه شئ في قتله، وثبت عن ~~عمر بن الخطاب إباحة قتل الزنبور. وقال مالك: يطعم قاتله شيئا، وكذلك قال ~~مالك فيمن قتل البرغوث والذباب والنمل ونحوه. وقال أصحاب الرأي: لا شئ على ~~قاتل هذه كلها. # وقال أبو حنيفة: لا يقتل المحرم من السباع إلا الكلب العقور والذئب خاصة، ~~سواء ابتدأه أو ابتدأهما، وإن قتل غيره من السباع فداه. قال: فإن ابتدأه ~~غيرهما من السباع فقتله فلا شئ عليه، قال: ولا شئ عليه في قتل الحية ~~والعقرب والغراب والحدأة، هذه جملة قول أبي حنيفة وأصحابه إلا زفر، وبه قال ~~الأوزاعي والثوري والحسن، واحتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم خص دواب ~~بأعيانها وأرخص للمحرم في قتلها من أجل ضررها، فلا وجه أن يزاد عليها إلا ~~أن يجمعوا على شئ فيدخل في معناها. # قلت: العجب من أبي حنيفة رحمه الله يحمل التراب على البر بعلة الكيل، ولا ~~يحمل السباع العادية على الكلب بعلة الفسق والعقر، كما فعل مالك والشافعي ~~رحمهما الله! وقال زفر ابن الهذيل: لا يقتل إلا الذئب وحده، ومن قتل غيره ~~وهو محرم فعليه الفدية، سواء ابتدأه أو لم يبتدئه، ms2281 لأنه عجماء فكان فعله ~~هدرا، وهذا رد للحديث ومخالفة له. وقال الشافعي: # كل ما لا يؤكل لحمه فللمحرم أن يقتله، وصغار ذلك وكباره سواء، إلا السمع ~~وهو المتولد بين الذئب والضبع، قال: وليس في الرخمة والخنافس والقردان ~~والحلم (3) وما لا يؤكل لحمه شئ، لان هذا ليس من الصيد، لقوله تعالى: " ~~وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما " [المائدة: 96] فدل أن الصيد # PageV06P304 # الذي حرم عليهم ما كان لهم قبل الاحرام حلالا، حكى عنه هذه الجملة المزني ~~والربيع، فإن قيل: فلم تفدى القملة وهي تؤذي ولا تؤكل؟ قيل له: ليس تفدى ~~إلا على ما يفدى به الشعر والظفر ولبس ما ليس له لبسه، لان في طرح القملة ~~إماطة الأذى عن نفسه إذا كانت في رأسه ولحيته، فكأنه أماط بعض شعره، فأما ~~إذا ظهرت فقتلت فإنها لا تؤذي. وقول أبي ثور في هذا الباب كقول الشافعي، ~~قاله أبو عمر. # السابعة - روى الأئمة عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~(خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح الغراب والحدأة والعقرب ~~والفأرة والكلب العقور). اللفظ للبخاري، وبه قال أحمد وإسحق. وفي كتاب مسلم ~~عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: [خمس فواسق يقتلن في الحل ~~والحرم الحية والغراب الأبقع والفأرة والكلب العقور والحديا]. وبه قالت ~~طائفة من أهل العلم قالوا: لا يقتل من الغربان إلا الأبقع خاصة، لأنه تقييد ~~مطلق. وفي كتاب أبي داود عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم: ~~[ويرمي الغراب ولا يقتله]. وبه قال مجاهد. وجمهور العلماء على القول بحديث ~~ابن عمر، والله أعلم. وعند أبي داود والترمذي: والسبع العادي، وهذا تنبيه ~~على العلة. # الثامنة - قوله تعالى: (وأنتم حرم) عام في النوعين من الرجال والنساء، ~~الأحرار والعبيد، يقال: رجل حرام وامرأة حرام، وجمع ذلك حرم، كقولهم: قذال ~~وقذل. وأحرم الرجل دخل في الحرم، كما يقال: أسهل دخل في السهل. وهذا اللفظ ~~يتناول الزمان والمكان وحالة الاحرام بالاشتراك لا بالعموم. يقال: ms2282 رجل حرام ~~إذا دخل في الأشهر الحرم أو في الحرم، أو تلبس بالاحرام، إلا أن تحريم ~~الزمان خرج بالاجماع عن أن يكون معتبرا، وبقي تحريم المكان وحالة الاحرام ~~على أصل التكليف، قاله ابن العربي. # التاسعة - حرم المكان حرمان، حرم المدينة وحرم مكة - وزاد الشافعي ~~الطائف، فلا يجوز عنده قطع شجره، ولا صيد صيده، ومن فعل ذلك فلا جزاء عليه ~~فأما حرم PageV06P305 # المدينة فلا يجوز فيه الاصطياد لاحد ولا قطع الشجر كحرم مكة، فإن فعل أثم ~~ولا جزاء عليه عند مالك والشافعي وأصحابهما. وقال ابن أبي ذئب: عليه ~~الجزاء. وقال سعد: جزاؤه أخذ سلبه، وروي عن الشافعي. وقال أبو حنيفة: صيد ~~المدينة غير محرم، وكذلك قطع شجرها. # واحتج له بعض من ذهب مذهبه بحديث سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: [من وجدتموه يصيد في حدود المدينة أو يقطع شجرها فخذوا ~~سلبه]. وأخذ سعد سلب من فعل ذلك. قال: وقد اتفق الفقهاء على أنه لا يؤخذ ~~سلب من صاد في المدينة، فدل ذلك على أنه منسوخ. واحتج لهم الطحاوي أيضا ~~بحديث أنس - ما فعل النفير، فلم ينكر صيده وإمساكه - وهذا كله لا حجة فيه. ~~أما الحديث الأول فليس بالقوي، ولو صح لم يكن في نسخ أحد السلب ما يسقط ما ~~صح من تحريم المدينة، فكم من محرم ليس عليه عقوبة في الدنيا. وأما الحديث ~~الثاني فيجوز أن يكون صيد في غير الحرم. وكذلك حديث عائشة، أنه كان لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وحش فإذا خرج لعب واشتد وأقبل وأدبر، فإذا أحس ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم ربض، فلم يترمرم (1) كراهية أن يؤذيه. ~~ودليلنا عليهم ما رواه مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أن أبا هريرة ~~قال: لو رأيت الظباء ترتع بالمدينة ما ذعرتها، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: [ما بين لابتيها (2) حرام] فقول أبي هريرة ما ذعرتها دليل على أنه لا ~~يجوز ترويع الصيد في حرم المدينة، كما لا يجوز ms2283 ترويعه في حرم مكة. وكذلك ~~نزع زيد بن ثابت النهس - وهو طائر - من يد شرحبيل بن سعد كان صاده ~~بالمدينة، دليل على أن الصحابة فهموا مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~تحريم صيد المدينة، فلم يجيزوا فيها الاصطياد ولا تملك ما يصطاد. # ومتعلق ابن أبي ذئب قوله صلى الله عليه وسلم في الصحيح: [اللهم إن ~~إبراهيم حرم مكة وإني أحرم المدينة مثل ما حرم به مكة ومثله معه لا يختلى ~~(3) خلاها ولا يعضد شجرها ولا ينفر صيدها] ولأنه حرم منع الاصطياد فيه ~~فتعلق الجزاء به كحرم مكة. قال القاضي عبد الوهاب: وهذا قول أقيس عندي # PageV06P306 # على أصولنا، لا سيما أن المدينة عند أصحابنا أفضل من مكة، وأن الصلاة ~~فيها أفضل من الصلاة في المسجد الحرام. ومن حجة مالك والشافعي في ألا يحكم ~~عليه بجزاء ولا أخذ سلب - في المشهور من قول الشافعي - عموم قوله صلى الله ~~عليه وسلم في الصحيح: # [المدينة حرم ما بين عير إلى ثور (1) فمن أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا ~~فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة ~~صرفا ولا عدلا] (2) فأرسل صلى الله عليه وسلم الوعيد الشديد ولم يذكر ~~كفارة. وأما ما ذكر عن سعد فذلك مذهب له مخصوص به، لما روى عنه في الصحيح ~~أنه ركب إلى قصره بالعقيق، فوجد عبدا يقطع شجرا - أو يخبطه - فسلبه، فلما ~~رجع سعد جاءه أهل العبد فكلموه أن يرد على غلامهم أو عليهم ما أخذ من ~~غلامهم، فقال: معاذ الله أن أرد شيئا نفلنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وأبى أن يرد عليهم، فقوله: (نفلنيه) ظاهره الخصوص. والله أعلم. # العاشرة - قوله تعالى: (ومن قتله منكم متعمدا) ذكر الله سبحانه المتعمد ~~ولم يذكر المخطئ والناسي، والمتعمد هنا هو القاصد للشئ مع العلم بالاحرام. ~~والمخطئ هو الذي يقصد شيئا فيصيب صيدا، والناسي هو الذي يتعمد الصيد ولا ~~يذكر إحرامه. واختلف العلماء في ذلك على خمسة أقوال: الأول - ما أسنده ~~الدارقطني عن ابن عباس ms2284 قال: # إنما التكفير في العمد، وإنما غلظوا في الخطأ لئلا يعودوا. الثاني: أن ~~قوله: " متعمدا " خرج على الغالب، فألحق به النادر كأصول الشريعة. الثالث - ~~أنه لا شئ على المخطئ والناسي، وبه قال الطبري وأحمد بن حنبل في إحدى ~~روايتيه، وروي عن ابن عباس وسعيد ابن جبير، وبه قال طاوس وأبو ثور، وهو قول ~~داود. وتعلق أحمد بأن قال: لما خص الله سبحانه المتعمد بالذكر، دل على أن ~~غيره بخلافه. وزاد بأن قال: الأصل براءة الذمة فمن # PageV06P307 # ادعى شغلها فعليه الدليل. الرابع - أنه يحكم عليه في العمد والخطأ ~~والنسيان، قاله ابن عباس وروي عن عمر وطاوس والحسن وإبراهيم والزهري، وبه ~~قال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم. قال الزهري: وجب الجزاء في العمد ~~بالقرآن، وفي الخطأ والنسيان بالسنة، قال ابن العربي: إن كان يريد بالسنة ~~الآثار التي وردت عن ابن عباس وعمر فنعما هي، وما أحسنها أسوة. الخامس - أن ~~يقتله متعمدا لقتله ناسيا لاحرامه - وهو قول مجاهد - لقوله تعالى بعد ذلك: ~~" ومن عاد فينتقم الله منه ". قال: ولو كان ذاكرا لاحرامه لوجبت عليه ~~العقوبة لأول مرة، قال: فدل على أنه أراد متعمدا لقتله ناسيا لاحرامه، قال ~~مجاهد: # فإن كان ذاكرا لاحرامه فقد حل ولا حج له لارتكابه محظور إحرامه، فبطل ~~عليه كما لو تكلم في الصلاة، أو أحدث فيها، قال: ومن أخطأ فذلك الذي يجزئه. ~~ودليلنا على مجاهد أن الله سبحانه أوجب الجزاء ولم يذكر الفساد، ولا فرق ~~بين أن يكون ذاكرا للاحرام أو ناسيا له، ولا يصح اعتبار الحج بالصلاة ~~فإنهما مختلفان، وقد روي عنه أنه لا حكم عليه في قتله متعمدا، ويستغفر ~~الله، وحجه تام، وبه قال ابن زيد. ودليلنا على داود أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم سئل عن الضبع فقال: [هي صيد] وجعل فيها إذا أصابها المحرم كبشا، ولم ~~يقل عمدا ولا خطأ. وقال ابن بكير من علمائنا: قوله سبحانه: " متعمدا " لم ~~يرد به التجاوز عن الخطأ، وإنما أراد " متعمدا " ليبين أنه ليس كابن آدم ~~الذي لم يجعل ms2285 في قتله متعمدا كفارة، وأن الصيد فيه كفارة، ولم يرد به إسقاط ~~الجزاء في قتل الخطأ. والله أعلم. # الحادية عشرة - فإن قتله في إحرامه مرة بعد مرة حكم عليه كلما قتله في ~~قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم، لقول الله تعالى: " يا أيها الذين ~~آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من ~~النعم " فالنهي دائم مستمر عليه ما دام محرما فمتى قتله فالجزاء لأجل ذلك ~~لازم له. وروي عن ابن عباس قال: لا يحكم عليه مرتين في الاسلام، ولا يحكم ~~عليه إلا مرة واحدة، فإن عاد ثانية فلا يحكم عليه، ويقال له: ينتقم الله ~~منك، لقوله تعالى: " ومن عاد فينتقم الله منه ". وبه قال الحسن وإبراهيم ~~ومجاهد PageV06P308 # وشريح. ودليلنا عليهم ما ذكرناه من تمادي التحريم في الاحرام، وتوجه ~~الخطاب عليه في دين الاسلام. # الثانية عشرة - قوله تعالى: (فجزاء مثل ما قتل من النعم) فيه أربع ~~قراءات، " فجزاء مثل " برفع جزاء وتنوينه، و " مثل " على الصفة، والخبر ~~مضمر، التقدير فعليه جزاء مماثل واجب أو لازم من النعم. وهذه القراءة تقتضي ~~أن يكون المثل هو الجزاء بعينه. # و " جزاء " بالرفع غير منون و " مثل " بالإضافة أي فعليه جزاء مثل ما ~~قتل، و " مثل " مقحمة كقولك أنا أكرم مثلك، وأنت تقصد أنا أكرمك. ونظير هذا ~~قوله تعالى: " أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس ~~كمن مثله في الظلمات " (1) [الانعام: 122] التقدير كمن هو في الظلمات، ~~وقوله " ليس كمثله شئ " (2) [الشورى: 11] أي ليس كهو شئ (3). وهذه القراءة ~~تقتضي أن يكون الجزاء غير المثل، إذ الشئ لا يضاف إلى نفسه. وقال أبو علي: ~~إنما يجب عليه جزاء المقتول، لا جزاء مثل المقتول، والإضافة توجب جزاء ~~المثل لا جزاء المقتول. وهو قول الشافعي على ما يأتي. وقوله: " من النعم " ~~صفة لجزاء على القراءتين جميعا. وقرأ الحسن " من النعم " بإسكان العين وهي ~~لغة. وقرأ عبد الرحمن " فجزاء " بالرفع والتنوين " مثل " بالنصب، قال أبو ~~الفتح: " مثل " منصوبة ms2286 بنفس الجزاء، والمعنى أن يجزى مثل ما قتل. وقرأ ابن ~~مسعود والأعمش " فجزاؤه مثل " بإظهار (هاء)، ويحتمل أن يعود على الصيد أو ~~على الصائد القاتل. # الثالثة عشرة - الجزاء إنما يجب بقتل الصيد لا بنفس أخذه كما قال تعالى. # وفي (المدونة): من اصطاد طائرا فنتف ريشه ثم حبسه حتى نسل ريشه فطار، ~~قال: لا جزاء عليه. [قال] (4) وكذلك لو قطع يد صيد أو رجله أو شيئا من ~~أعضائه وسلمت نفسه وصح ولحق بالصيد فلا شئ عليه. وقيل: عليه من الجزاء بقدر ~~ما نقصه. ولو ذهب ولم يدر ما فعل فعليه جزاؤه. ولو زمن الصيد ولم يلحق ~~الصيد، أو تركه محوفا (5) عليه فعليه جزاؤه كاملا. # PageV06P309 # الرابعة عشرة - ما يجزي من الصيد شيئان: دواب وطير، فيجزى ما كان من ~~الدواب بنظيره في الخلقة والصورة، ففي النعامة بدنة، وفي حمار الوحش وبقرة ~~الوحش بقرة، وفي الظبي شاة، وبه قال الشافعي. وأقل ما يجزي عند مالك ما ~~استيسر من الهدي وكان أضحية، وذلك كالجذع من الضأن والثني مما سواه، وما لم ~~يبلغ جزاؤه ذلك ففيه إطعام أو صيام. وفي الحمام كله قيمته إلا حمام مكة، ~~فإن في الحمامة منه شاة اتباعا للسلف في ذلك. # والدبسي (1) والفواخت والقمري وذوات الأطواق كله حمام. وحكى ابن عبد ~~الحكم عن مالك أن في حمام مكة وفراخها شاة، قال: وكذلك حمام الحرم، قال: ~~وفي حمام الحل حكومة. وقال أبو حنيفة: إنما يعتبر المثل في القيمة دون ~~الخلقة، فيقوم الصيد دراهم في المكان الذي قتله فيه، أو في أقرب موضع إليه ~~إن كان لا يباع الصيد في موضع قتله، فيشتري بتلك القيمة هديا إن شاء، أو ~~يشتري بها طعاما ويطعم المساكين كل مسكين نصف صاع من بر، أو صاعا من شعير، ~~أو صاعا من تمر. وأما الشافعي فإنه يرى المثل من النعم ثم يقوم المثل كما ~~في المتلفات يقوم المثل، وتؤخذ قيمة المثل كقيمة الشئ، فإن المثل هو الأصل ~~في الوجوب، وهذا بين وعليه تخرج قراءة الإضافة (فجزاء مثل). احتج أبو ms2287 حنيفة ~~فقال: لو كان الشبه من طريق الخلقة معتبرا، في النعامة بدنة، وفي الحمار ~~بقرة، وفي الظبي شاة، لما أوقفه على عدلين يحكمان به، لان ذلك قد علم فلا ~~يحتاج إلى الارتياء والنظر، وإنما يفتقر إلى العدول والنظر ما تشكل الحال ~~فيه، ويضطرب وجه النظر عليه. ودليلنا عليه قول الله تعالى: " فجزاء مثل ما ~~قتل من النعم " الآية. فالمثل يقتضى بظاهره المثل الخلقي الصوري دون ~~المعنى، ثم قال: # " من النعم " فبين جنس المثل، ثم قال: " يحكم به ذوا عدل منكم " وهذا ~~ضمير راجع إلى مثل من النعم، لأنه لم يتقدم ذكر لسواه يرجع الضمير عليه، ثم ~~قال: " هديا بالغ الكعبة " والذي يتصور فيه الهدي مثل المقتول من النعم، ~~فأما القيمة فلا يتصور أن تكون هديا، ولا جرى لها ذكر في نفس الآية، فصح ما ~~ذكرناه. والحمد لله. وقولهم: لو كان الشبه معتبرا لما أوقفه على عدلين، ~~فالجواب أن اعتبار العدلين إنما وجب للنظر في حال الصيد من صغر وكبر، وما ~~لا جنس له مما له جنس، وإلحاق ما لم يقع عليه نص بما وقع عليه النص. # PageV06P310 # الخامسة عشرة - من أحرم من مكة فأغلق باب بيته على فراخ حمام فماتت فعليه ~~في كل فرخ شاة. قال مالك: وفي صغار الصيد مثل ما في كباره، وهو قول عطاء. ~~ولا يفدى عند مالك شئ بعناق (1) ولا جفرة، قال مالك: وذلك مثل الدية، ~~الصغير والكبير فيها سواء. # وفي الضب عنده واليربوع (2) قيمتهما طعاما. ومن أهل المدينة من يخالفه في ~~صغار الصيد، وفي اعتبار الجذع والثني، ويقول بقول عمر: في الأرنب عناق وفي ~~اليربوع جفرة، رواه مالك موقوفا. وروى أبو الزبير عن جابر عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: [في الضبع إذا أصابه المحرم كبش وفي الظبي شاة وفي ~~الأرنب عناق وفي اليربوع جفرة] قال: والجفرة التي قد ارتعت. وفي طريق آخر ~~قلت لأبي الزبير: وما الجفرة؟ قال: التي قد فطمت ورعت. خرجه الدارقطني. ~~وقال الشافعي: في النعامة بدنة، وفي فرخها فصيل، وفي حمار ms2288 الوحش بقرة، وفي ~~سخله (3) عجل، لان الله تعالى حكم بالمثلية في الخلقة، والصغر والكبر ~~متفاوتان فيجب اعتبار الصغير فيه والكبير كسائر المتلفات. قال ابن العربي: ~~وهذا صحيح وهو اختيار علمائنا، قالوا: ولو كان الصيد أعور أو أعرج أو كسيرا ~~لكان المثل على صفته لتتحقق المثلية، فلا يلزم المتلف فوق ما أتلف. ودليلنا ~~قوله تعالى: " فجزاء مثل ما قتل من النعم " ولم يفصل بين صغير وكبير. ~~وقوله: " هديا " يقتضي ما يتناوله اسم الهدي لحق الاطلاق. وذلك يقتضي الهدي ~~التام. والله أعلم. # السادسة عشرة - في بيض النعامة عشر ثمن البدنة عند مالك. وفي بيض الحمامة ~~المكية عنده عشر ثمن الشاة. قال ابن القاسم: وسواء كان فيها فرخ أو لم يكن ~~ما لم يستهل الفرخ بعد الكسر، فان استهل فعليه الجزاء كاملا كجزاء الكبير ~~من ذلك الطير. قال ابن المواز: # بحكومة عدلين. وأكثر العلماء يرون في بيض كل طائر القيمة. روى عكرمة عن ~~ابن عباس عن كعب بن عجرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في بيض نعام ~~أصابه محرم بقدر ثمنه، خرجه الدارقطني. وروي عن أبي هريرة (4) قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: [في كل بيضة نعام صيام يوم أو إطعام مسكين]. # PageV06P311 # السابعة عشرة - وأما ما لا مثل له كالعصافير والفيلة فقيمة لحمه أو عدله ~~من الطعام، دون ما يراد له من الاغراض (1)، لان المراعى فيما له مثل وجوب ~~مثله، فإن عدم المثل فالقيمة قائمة مقامه كالغصب وغيره. ولأن الناس قائلان ~~- أي على مذهبين - معتبر للقيمة في جميع الصيد، ومقتصر بها على ما لا مثل ~~له من النعم، فقد تضمن ذلك الاجماع على اعتبار القيمة فيما لا مثل له. وأما ~~الفيل فقيل: فيه بدنة من الهجان العظام التي لها سنامان، وهي بيض خراسانية، ~~فإذا لم يوجد شئ من هذه الإبل فينظر إلى قيمته طعاما، فيكون عليه ذلك، ~~والعمل فيه أن يجعل الفيل في مركب، وينظر إلى منتهى ما ينزل المركب في ~~الماء، ثم يخرج الفيل ويجعل في المركب طعام ms2289 حتى ينزل إلى الحد الذي نزل ~~والفيل فيه، وهذا عدله من الطعام. وأما أن ينظر إلى قيمته فهو يكون له ثمن ~~عظيم لأجل عظامه وأنيابه فيكثر الطعام وذلك ضرر. # الثامنة عشرة - قوله تعالى: (يحكم به ذوا عدل منكم) روى مالك عن عبد ~~الملك ابن قريب عن محمد بن سيرين أن رجلا جاء إلى عمر بن الخطاب فقال: إني ~~أجريت أنا وصاحب لي فرسين نستبق إلى ثغرة ثنية (2)، فأصبنا ظبيا ونحن ~~محرمان فماذا ترى؟ فقال عمر لرجل إلى جنبه: تعال حتى أحكم أنا وأنت، فحكما ~~عليه بعنز، فولى الرجل وهو يقول: # هذا أمير المؤمنين لا يستطيع أن يحكم في ظبي حتى دعا رجلا يحكم معه، فسمع ~~عمر بن الخطاب قول الرجل فدعاه فسأله، هل تقرأ سورة " المائدة "؟ فقال: لا، ~~قال: هل تعرف الرجل الذي حكم معي؟ فقال: لا، فقال عمر رضي الله عنه: لو ~~أخبرتني أنك تقرأ سورة " المائدة " لأوجعتك ضربا، ثم قال: إن الله سبحانه ~~يقول في كتابه: " يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة " وهذا عبد الرحمن ~~بن عوف. # التاسعة عشرة - إذا اتفق الحكمان لزم الحكم، وبه قال الحسن والشافعي. وإن ~~اختلفا نظر في غيرهما. وقال محمد بن المواز: لا يأخذ بأرفع من قوليهما، ~~لأنه عمل بغير تحكيم. وكذلك # PageV06P312 # لا ينتقل عن المثل الخلقي إذا حكما به إلى الطعام، لأنه أمر قد لزم، قال ~~ابن شعبان. وقال ابن القاسم: إن أمرهما أن يحكما بالجزاء من المثل ففعلا، ~~فأراد أن ينتقل إلى الطعام جاز. # وقال ابن وهب رحمه الله في (العتبية): من السنة أن يخير الحكمان من أصاب ~~الصيد، كما خيره الله في أن يخرج " هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين ~~أو عدل ذلك صياما " فإن اختار الهدي حكما عليه بما يريانه نظيرا لما أصاب ~~ما بينهما وبين أن يكون عدل ذلك شاة لأنها أدنى الهدي، وما لم يبلغ شاة ~~حكما فيه بالطعام ثم خير في أن يطعمه، أو يصوم مكان كل مد يوما، وكذلك قال ~~مالك في ms2290 (المدونة). # الموفية عشرين - ويستأنف الحكم في كل ما مضت فيه حكومة أو لم تمض، ولو ~~اجتزأ بحكومة الصحابة رضي الله عنهم فيما حكموا به من جزاء الصيد كان حسنا. ~~وقد روي عن مالك أنه ما عدا حمام مكة وحمار الوحش والظبي والنعامة لا بد ~~فيه من الحكومة، ويجتزأ في هذه الأربعة بحكومة من مضى من السلف رضي الله ~~عنهم. # الحادية والعشرون - لا يجوز أن يكون الجاني أحد الحكمين، وبه قال أبو ~~حنيفة. # وقال الشافعي في أحد قوليه: يكون الجاني أحد الحكمين، وهذا تسامح منه، ~~فإن ظاهر الآية يقتضي جانيا وحكمين فحذف بعض العدد إسقاط للظاهر، وإفساد ~~للمعنى، لان حكم المرء لنفسه لا يجوز، ولو كان ذلك جائزا لاستغنى بنفسه عن ~~غيره، لأنه حكم بينه وبين الله تعالى فزيادة ثان إليه دليل على استئناف ~~الحكم برجلين. # الثانية والعشرون - إذا اشترك جماعة محرمون في قتل صيد فقال مالك وأبو ~~حنيفة: على كل واحد جزاء كامل. وقال الشافعي: عليهم كلهم كفارة واحدة لقضاء ~~عمر وعبد الرحمن. وروى الدارقطني أن موالي لابن الزبير أحرموا إذ مرت بهم ~~ضبع فحذفوها (1) بعصيهم فأصابوها، فوقع في أنفسهم، فأتوا ابن عمر فذكروا له ~~فقال: عليكم كلكم كبش، قالوا: أو على كل واحد منا كبش، قال: إنكم لمعزز بكم ~~(2)، عليكم كلكم كبش. قال اللغويون: لمعزز بكم أي لمشدد # PageV06P313 # عليكم. وروي عن ابن عباس في قوم أصابوا ضبعا قال: عليهم كبش يتخارجونه ~~(1) بينهم. # ودليلنا قول الله سبحانه: " ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من ~~النعم " وهذا خطاب لكل قاتل. وكل واحد من القاتلين للصيد قاتل نفسا على ~~التمام والكمال، بدليل قتل الجماعة بالواحد، ولولا ذلك ما وجب عليهم ~~القصاص، وقد قلنا بوجوبه إجماعا منا ومنهم، فثبت ما قلناه. # الثالثة والعشرون - قال أبو حنيفة: إذا قتل جماعة صيدا في الحرم وكلهم ~~(2) محلون، عليهم جزاء واحد، بخلاف ما لو قتله المحرمون في الحل والحرم، ~~فإن ذلك لا يختلف. وقال مالك: # على كل واحد منهم جزاء كامل، بناء على أن الرجل ms2291 يكون محرما بدخوله الحرم، ~~كما يكون محرما بتلبيته بالاحرام، وكل واحد من الفعلين قد أكسبه صفة تعلق ~~بها نهي، فهو هاتك لها في الحالتين. وحجة أبي حنيفة ما ذكره القاضي أبو زيد ~~الدبوسي قال: السر فيه أن الجناية في الاحرام على العبادة، وقد ارتكب كل ~~واحد منهم محظور إحرامه. وإذا قتل المحلون [صيدا] (3) في الحرم فإنما ~~أتلفوا دابة محرمة بمنزلة ما لو أتلف جماعة دابة، فإن كل واحد منهم قاتل ~~دابة، ويشتركون في القيمة. قال ابن العربي: وأبو حنيفة أقوى منا، وهذا ~~الدليل يستهين به علماؤنا وهو عسير الانفصال علينا. # الرابعة والعشرون - قوله تعالى: (هديا بالغ الكعبة) المعنى أنهما إذا ~~حكما بالهدي فإنه يفعل به ما يفعل بالهدي من الاشعار والتقليد، ويرسل من ~~الحل إلى مكة، وينحر ويتصدق به فيها، لقوله: " هديا بالغ الكعبة " ولم يرد ~~الكعبة بعينها فإن الهدي لا يبلغها، إذ هي في المسجد، وإنما أراد الحرم ولا ~~خلاف في هذا. وقال الشافعي: لا يحتاج الهدي إلى الحل بناء على أن الصغير من ~~الهدي يجب في الصغير من الصيد، فإنه يبتاع في الحرم ويهدى فيه. # PageV06P314 # الخامسة والعشرون - قوله تعالى: (أو كفارة طعام مساكين) الكفارة إنما هي ~~عن الصيد لا عن الهدي. قال ابن وهب قال مالك: أحسن ما سمعت في الذي يقتل ~~الصيد فيحكم عليه فيه، أنه يقوم الصيد الذي أصاب، فينظر كم ثمنه من الطعام، ~~فيطعم لكل مسكين مدا، أو يصوم مكان كل مد يوما. وقال ابن القاسم عنه: إن ~~قوم الصيد دراهم ثم قومها طعاما أجزأه، والصواب الأول. وقال عبد الله بن ~~عبد الحكم مثله، قال عنه: وهو في هذه الثلاثة بالخيار، أي ذلك فعل أجزأه ~~موسرا كان أو معسرا. وبه قال عطاء وجمهور الفقهاء، لان " أو " للتخيير. قال ~~مالك: كل شئ في كتاب الله في الكفارات كذا أو كذا فصاحبه مخير في ذلك، أي ~~ذلك أحب أن يفعل فعل. وروي عن ابن عباس أنه قال: إذا قتل المحرم ظبيا أو ~~نحوه فعليه شاة تذبح بمكة، ms2292 فإن لم يجد فإطعام ستة مساكين، فإن لم يجد فعليه ~~صيام ثلاثة أيام، وإن قتل إيلا (1) أو نحوه فعليه بقرة، فإن لم يجد أطعم ~~عشرين مسكينا، فإن لم يجد صام عشرين يوما، وإن قتل نعامة أو حمارا فعليه ~~بدنة (2)، فإن لم يجد فإطعام ثلاثين مسكينا، فإن لم يجد فصيام ثلاثين يوما. ~~والطعام مد مد لشبعهم. وقال إبراهيم النخعي وحماد بن سلمة، قالوا: والمعنى ~~" أو كفار طعام " إن لم يجد الهدي. وحكى الطبري عن ابن عباس أنه قال: إذا ~~أصاب المحرم الصيد حكم عليه بجزائه، فإن وجد جزاءه ذبحه وتصدق به، وإن لم ~~يكن عنده جزاؤه قوم جزاؤه بدراهم، ثم قومت الدراهم حنطة، ثم صام مكان كل ~~نصف صاع يوما، وقال: إنما أريد بالطعام تبيين أمر الصيام، فمن لم يجد ~~طعاما، فإنه يجد جزاءه. وأسنده أيضا عن السدي. ويعترض هذا القول بظاهر ~~الآية فإنه ينافره. # السادسة والعشرون - اختلف العلماء في الوقت الذي يعتبر فيه المتلف، فقال ~~قوم: # يوم الاتلاف. وقال آخرون: يوم القضاء. وقال آخرون: يلزم المتلف أكثر ~~القيمتين، من يوم الاتلاف إلى يوم الحكم. قال ابن العربي: واختلف علماؤنا ~~كاختلافهم، والصحيح أنه تلزمه القيمة يوم الاتلاف، والدليل على ذلك أن ~~الوجود كان حقا للمتلف عليه، فإذا أعدمه المتلف لزمه إيجاده بمثله، وذلك في ~~وقت العدم. # PageV06P315 # السابعة والعشرون - أما الهدي فلا خلاف أنه لا بد له من مكة، لقوله ~~تعالى: # " هديا بالغ الكعبة ". وأما الاطعام فاختلف فيه قول مالك هل يكون بمكة أو ~~بموضع الإصابة، وإلى كونه بمكة ذهب الشافعي. وقال عطاء: ما كان من دم أو ~~طعام فبمكة ويصوم حيث يشاء، وهو قول مالك في الصوم، ولا خلاف فيه. قال ~~القاضي أبو محمد عبد الوهاب: ولا يجوز إخراج شئ من جزاء الصيد بغير الحرم ~~إلا الصيام. وقال حماد وأبو حنيفة: يكفر بموضع الإصابة مطلقا. وقال الطبري: ~~يكفر حيث شاء مطلقا، فأما قول أبي حنيفة فلا وجه له في النظر، ولا أثر فيه. ~~وأما من قال يصوم حيث شاء، فلان الصوم ms2293 عبادة تختص بالصائم فتكون في كل موضع ~~كصيام سائر الكفارات وغيرها. وأما وجه القول بأن الطعام يكون بمكة، فلانه ~~بدل عن الهدي أو نظير له، والهدي حق لمساكين مكة، فلذلك يكون بمكة بدله أو ~~نظيره. وأما من قال إنه يكون بكل موضع، فاعتبار بكل طعام وفدية، فإنها تجوز ~~بكل موضع. والله أعلم. # الثامنة والعشرون - قوله تعالى: (أو عدل ذلك صياما) العدل والعدل بفتح ~~العين وكسرها لغتان وهما المثل، قاله الكسائي. وقال الفراء: عدل الشئ بكسر ~~العين مثله من جنسه، وبفتح العين مثله من غير جنسه، ويؤثر هذا القول عن ~~الكسائي، تقول: عندي عدل دراهمك من الدراهم، وعندي عدل دراهمك من الثياب، ~~والصحيح عن الكسائي أنهما لغتان، وهو قول البصريين. ولا يصح أن يماثل ~~الصيام الطعام في وجه أقرب من العدد. # قال مالك: يصوم عن كل مد يوما، وإن زاد على شهرين أو ثلاثة، وبه قال ~~الشافعي. # وقال يحيى بن عمر من أصحابنا: إنما يقال كم من رجل يشبع من هذا الصيد ~~فيعرف العدد، ثم يقال: كم من الطعام يشبع هذا العدد، فإن شاء أخرج ذلك ~~الطعام، وإن شاء صام عدد أمداده. وهذا قول حسن احتاط فيه لأنه قد تكون قيمة ~~الصيد من الطعام قليلة، فبهذا النظر يكثر الاطعام. ومن أهله العلم من لا ~~يرى أن يتجاوز في صيام الجزاء شهرين، قالوا: # لأنها أعلى الكفارات. واختاره ابن العربي. وقال أبو حنيفة رحمه الله: ~~يصوم عن كل مدين يوما اعتبارا بفدية الأذى. PageV06P316 # التاسعة والعشرون - قوله تعالى: (ليذوق وبال أمره) الذوق هنا مستعار ~~كقوله تعالى: " ذق إنك أنت العزيز الكريم " (1) [الدخان: 49]. وقال: " ~~فأذاقها الله لباس الجوع والخوف " (2) [النحل: 112]. # وحقيقة الذوق إنما هي في حاسة اللسان، وهي في هذا كله مستعارة. ومنه ~~الحديث (ذاق طعم الايمان من رضي بالله ربا). الحديث والوبال سوء العاقبة. ~~والمرعى الوبيل هو الذي يتأذى به بعد أكله. وطعام وبيل إذا كان ثقيلا، ومنه ~~قوله: (3) * عقيلة شيخ كالوبيل يلندد * (4) وعبر بأمره عن جميع حاله. # الموفية ثلاثين - قوله تعالى: (عفا الله ms2294 عما سلف) يعني في جاهليتكم من ~~قتلكم الصيد، قاله عطاء بن أبي رباح وجماعة معه. وقيل: قبل نزول الكفارة. ~~(ومن عاد) يعني للمنهي (5) (فينتقم الله منه) أي بالكفارة. وقيل: المعنى " ~~فينتقم الله منه " يعني في الآخرة إن كان مستحلا، ويكفر في ظاهر الحكم. ~~وقال شريح وسعيد بن جبير: يحكم عليه في أول مرة، فإذا عاد لم يحكم عليه، ~~وقيل له: اذهب ينتقم الله منك، أي ذنبك أعظم من أن يكفر، كما أن اليمين ~~الفاجرة لا كفارة لها عند أكثر أهله العلم لعظم إثمها. والمتورعون يتقون ~~النقمة بالتكفير. وقد روي عن ابن عباس: يملا ظهره سوطا حتى يموت. وروي عن ~~زيد ابن أبي المعلى: أن رجلا أصاب صيدا وهو محرم فتجوز عنه، ثم عاد فأنزل ~~الله عز وجل نارا من السماء فأحرقته، وهذه عبرة للأمة وكف للمعتدين عن ~~المعصية. # قوله تعالى: (والله عزيز ذو انتقام) " عزيز " أي منيع في ملكه، ولا يمتنع ~~عليه ما يريده. " ذو انتقام " ممن عصاه إن شاء. # قوله تعالى: أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد ~~البر ما دمتم حرما واتقوا الله الذي إليه تحشرون (96) فيه ثلاث عشرة مسألة: # PageV06P317 # الأولى - قوله تعالى: (أحل لكم صيد البحر) هذا حكم بتحليل صيد البحر، وهو ~~كل ما صيد من حيتانه والصيد هنا يراد به المصيد، وأضيف إلى البحر لما كان ~~منه بسبب. # وقد مضى القول في البحر في " البقرة " والحمد لله. و " متاعا " نصب على ~~المصدر أي متعتم به متاعا. # الثانية - قوله تعالى: (وطعامه) الطعام لفظ مشترك يطلق على كل ما يطعم، ~~ويطلق على مطعوم خاص كالماء وحده، والبر وحده، والتمر وحده، واللبن وحده، ~~وقد يطلق على النوم كما تقدم، وهو هنا عبارة عما قذف به البحر وطفا عليه، ~~أسند الدارقطني عن ابن عباس في قول الله عز وجل: " أحل لكم صيد البحر ~~وطعامه متاعا لكم وللسيارة " - الآية - صيده ما صيد وطعامه ما لفظ [البحر] ~~(2). وروي عن أبي هريرة مثله، وهو قول جماعة كثيرة من الصحابة ms2295 والتابعين. ~~وروي عن ابن عباس طعامه ميتته، وهو في ذلك المعنى. وروي عنه أنه قال: طعامه ~~ما ملح منه وبقي، وقاله معه جماعة. وقال قوم: طعامه ملحه الذي ينعقد من ~~مائه وسائر ما فيه من نبات وغيره. # الثالثة - قال أبو حنيفة: لا يؤكل السمك الطافي ويؤكل ما سواه من السمك، ~~ولا يؤكل شئ من حيوان البحر إلا السمك وهو قول الثوري في رواية أبي إسحاق ~~الفزاري عنه. وكره الحسن أكل الطافي من السمك. وروي عن علي بن أبي طالب ~~[رضي الله عنه] (3) أنه كرهه، وروي عنه أيضا أنه كره أكل الجري (4)، وروي ~~عنه أكل ذلك كله وهو أصح، ذكره عبد الرزاق عن الثوري عن جعفر بن محمد عن ~~علي قال: الجراد والحيتان ذكي، فعلي مختلف عنه في أكل الطافي من السمك ولم ~~يختلف عن جابر (5) أنه كرهه، وهو قول طاوس ومحمد بن سيرين وجابر بن زيد، ~~واحتجوا بعموم قوله تعالى: " حرمت عليكم الميتة " [المائدة: 3]. وبما رواه # PageV06P318 # أبو داود والدارقطني عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: [كلوا ما حسر (1) عنه البحر وما ألقاه وما وجدتموه ميتا أو طافيا فوق ~~الماء فلا تأكلوه]. قال الدارقطني: تفرد به عبد العزيز بن عبيد الله عن وهب ~~بن كيسان عن جابر، وعبد العزيز ضعيف لا يحتج به. # وروى سفيان الثوري عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~نحوه، قال الدارقطني: لم يسنده عن الثوري غير أبي أحمد الزبيري وخالفه وكيع ~~والعدنيان (2) وعبد الرزاق ومؤمل وأبو عاصم وغيرهم، رووه عن الثوري موقوفا ~~وهو الصواب. وكذلك رواه أيوب السختياني، وعبيد الله بن عمر وابن جريج، ~~وزهير وحماد بن سلمة وغيرهم عن أبي الزبير موقوفا قال أبو داود: وقد أسند ~~هذا الحديث من وجه ضعيف عن ابن أبي ذئب عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم، قال الدارقطني: وروي عن إسماعيل بن أمية وابن أبي ذئب عن ~~أبي الزبير مرفوعا، ولا يصح رفعه، رفعه ms2296 يحيى بن سليم عن إسماعيل ابن أمية ~~ووقفه غيره. وقال مالك والشافعي وابن أبي ليلى والأوزاعي والثوري في رواية ~~الأشجعي: يؤكل كل ما في البحر من السمك والدواب، وسائر ما في البحر من ~~الحيوان، وسواء اصطيد أو وجد ميتا، واحتج مالك ومن تابعه بقوله عليه الصلاة ~~والسلام في البحر: # [هو الطهور ماؤه الحل ميتته]. وأصح ما في هذا الباب من جهة الاسناد حديث ~~جابر في الحوت الذي يقال له: [العنبر] وهو من أثبت الأحاديث خرجه الصحيحان. ~~وفيه: # فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له ~~فقال: [هو رزق أخرجه الله لكم فهل معكم من لحمه شئ فتطعمونا] فأرسلنا إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم منه فأكله، لفظ مسلم. وأسند الدارقطني عن ابن ~~عباس أنه قال أشهد على أبي بكر أنه قال: السمكة الطافية حلال لمن أراد ~~أكلها. وأسند عنه أيضا أنه قال: أشهد على أبي بكر أنه أكل السمك الطافي على ~~الماء. وأسند عن أبي أيوب أنه ركب البحر في رهط من أصحابه، فوجدوا سمكة ~~طافية على الماء فسألوه عنها فقال: أطيبة هي لم تتغير؟ # PageV06P319 # قالوا: نعم قال: فكلوها وارفعوا نصيبي منها، وكان صائما. وأسند عن جبلة ~~بن عطية أن أصحاب أبي طلحة أصابوا سمكة طافية فسألوا عنها أبا طلحة فقال: ~~اهدوها إلي. # وقال عمر بن الخطاب: الحوت ذكي والجراد ذكي كله، رواه عنه الدارقطني فهذه ~~الآثار ترد قول من كره ذلك وتخصص عموم الآية، وهو حجة للجمهور، إلا أن ~~مالكا كان يكره خنزير الماء من جهة اسمه ولم يحرمه وقال: أنتم تقولون ~~خنزيرا! وقال الشافعي: لا بأس بخنزير الماء وقال الليث: ليس بميتة البحر ~~بأس. قال: وكذلك كلب الماء وفرس الماء. # قال: ولا يؤكل إنسان الماء ولا خنزير الماء. # الرابعة - اختلف العلماء في الحيوان الذي يكون في البر والبحر هل يحل ~~صيده للمحرم أم لا؟ فقال مالك وأبو مجلز وعطاء وسعيد بن جبير وغيرهم: كل ما ~~يعيش في البر وله فيه حياة فهو ms2297 صيد البر، إن قتله المحرم وداه، وزاد أبو ~~مجلز في ذلك الضفادع والسلاحف والسرطان. الضفادع وأجناسها حرام عند أبي ~~حنيفة ولا خلاف عن الشافعي في أنه لا يجوز أكل الضفدع، واختلف قوله فيما له ~~شبه في البر مما لا يؤكل كالخنزير والكلب وغير ذلك. والصحيح أكل ذلك كله، ~~لأنه نص على الخنزير في جواز أكله، وهو له شبه في البر مما لا يؤكل. ولا ~~يؤكل عنده التمساح ولا القرش والدلفين، وكل ما له ناب لنهيه عليه السلام عن ~~أكل كل ذي ناب. قال ابن عطية: ومن هذه أنواع لا زوال لها من الماء فهي لا ~~محالة من صيد البحر، وعلى هذا خرج جواب مالك في الضفادع في " المدونة " ~~فإنه قال: الضفادع من صيد البحر. وروي عن عطاء بن أبي رباح خلاف ما ذكرناه، ~~وهو أنه يراعي أكثر عيش الحيوان، سئل عن ابن الماء أصيد بر هو أم صيد بحر؟ ~~فقال: # حيث يكون أكثر فهو منه، وحيث يفرخ فهو منه، وهو قول أبي حنيفة. والصواب ~~في ابن الماء أنه صيد بر يرعى ويأكل الحب. قال ابن العربي: الصحيح في ~~الحيوان الذي يكون في البر والبحر منعه، لأنه تعارض فيه دليلان، دليله ~~تحليل ودليل تحريم، فيغلب دليل التحريم احتياطا. والله أعلم. # PageV06P320 # الخامسة - قوله تعالى: (وللسيارة) فيه قولان: أحدهما للمقيم والمسافر كما ~~جاء في حديث أبي عبيدة أنهم أكلوه وهم مسافرون وأكل النبي صلى الله عليه ~~وسلم وهو مقيم، فبين الله تعالى أنه حلال لمن أقام، كما أحله لمن سافر. ~~الثاني - أن السيارة هم الذين يركبونه، كما جاء في حديث مالك والنسائي: أن ~~رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل ~~من الماء، فإن توضأنا به عطشنا أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: [هو الطهور ماؤه الحل ميتته] قال ابن العربي قاله علماؤنا: فلو ~~قال له النبي صلى الله عليه وسلم [نعم] لما جاز الوضوء به إلا عند خوف ~~العطش، لان الجواب مرتبط بالسؤال، ms2298 فكان يكون محالا عليه، ولكن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ابتدأ تأسيس القاعدة، وبيان الشرع فقال: [هو الطهور ماؤه ~~الحل ميتته]. # قلت: وكان يكون الجواب مقصورا عليهم لا يتعدى لغيرهم، لولا ما تقرر من ~~حكم الشريعة أن حكمه على الواحد حكمه على الجميع، إلا ما نص بالتخصيص عليه، ~~كقوله لأبي بردة في العناق: [ضح بها ولن تجزئ عن أحد غيرك]. # السادسة - قوله تعالى: (وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما) التحريم ليس ~~صفة للأعيان، إنما يتعلق بالافعال فمعنى قوله: " وحرم عليكم صيد البر " أي ~~فعل الصيد، وهو المنع من الاصطياد، أو يكون الصيد بمعنى المصيد، على معنى ~~تسمية المفعول بالفعل كما تقدم، وهو الأظهر لاجماع العلماء على أنه لا يجوز ~~للمحرم قبول صيد وهب له، ولا يجوز له شراؤه ولا اصطياده ولا استحداث ملكه ~~بوجه من الوجوه، ولا خلاف بين علماء المسلمين في ذلك، لعموم قوله تعالى: " ~~وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما " ولحديث الصعب بن جثامة على ما يأتي. # السابعة - اختلف العلماء فيما يأكله المحرم من الصيد فقال مالك والشافعي ~~وأصحابهما وأحمد وروي عن إسحاق، وهو الصحيح عن عثمان بن عفان: إنه لا بأس ~~بأكل المحرم الصيد إذا لم يصد له، ولا من أجله، لما رواه الترمذي والنسائي ~~والدارقطني PageV06P321 # عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [صيد البر لكم حلال ما لم ~~تصيدوه أو يصد لكم] قال أبو عيسى: هذا أحسن حديث في الباب، وقال النسائي: ~~عمرو بن أبي عمرو ليس بالقوي في الحديث، وإن كان قد روى عنه مالك. فإن أكل ~~من صيد صيد من أجله فداه. وبه قال الحسن بن صالح والأوزاعي، واختلف قول ~~مالك فيما صيد لمحرم بعينه. # والمشهور من مذهبه عند أصحابه أن المحرم لا يأكل مما صيد لمحرم معين أو ~~غير معين ولم يأخذ بقول عثمان لأصحابه حين أتي بلحم صيد وهو محرم: كلوا ~~فلستم مثلي لأنه صيد من أجلي وبه قالت طائفة من أهل المدينة، وروي عن مالك. ~~وقال أبو ms2299 حنيفة وأصحابه: أكل الصيد للمحرم جائز على كل حال إذا اصطاده ~~الحلال، سواء صيد من أجله أو لم يصد لظاهر قوله تعالى: " لا تقتلوا الصيد ~~وأنتم حرم " فحرم صيده وقتله على المحرمين، دون ما صاده غيرهم. واحتجوا ~~بحديث البهزي - واسمه زيد بن كعب - عن النبي صلى الله عليه وسلم في حمار ~~الوحش العقير أنه أمر أبا بكر فقسمه في الرفاق، من حديث مالك وغيره. وبحديث ~~أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه [إنما هي طعمة أطعمكموها ~~الله]. وهو قول عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان في رواية عنه، وأبي هريرة ~~والزبير بن العوام ومجاهد وعطاء وسعيد بن جبير. وروي عن علي بن أبي طالب ~~وابن عباس وابن عمر أنه لا يجوز للمحرم أكل صيد على حال من الأحوال، سواء ~~صيد من أجله أو لم يصد، لعموم قوله تعالى: # " وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما ". قال ابن عباس: هي مبهمة وبه قال ~~طاوس وجابر ابن زيد أبو الشعثاء وروي ذلك عن الثوري وبه قال إسحاق. واحتجوا ~~بحديث الصعب ابن جثامة الليثي، أنه أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حمارا وحشيا، وهو بالأبواء أو بودان فرده عليه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، قال: فلما أن رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما في وجهي قال: [إنا ~~لم نرده عليك إلا إنا حرم] خرجه الأئمة واللفظ لمالك. # قال أبو عمر: وروى ابن عباس من حديث سعيد بن جبير ومقسم وعطاء وطاوس عنه، ~~أن الصعب بن جثامة أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم لحم حمار وحش، وقال ~~سعيد بن جبير PageV06P322 # في حديثه: عجز حمار وحش فرده يقطر دما كأنه صيد في ذلك الوقت، وقال مقسم ~~في حديثه رجل حمار وحش. وقال عطاء في حديثه: أهدى له عضد صيد فلم يقبله ~~وقال: [إنا حرم]. # وقال طاوس في حديثه: عضدا من لحم صيد، حدث به إسماعيل عن علي بن المديني ~~(1)، عن يحيى بن سعيد عن ابن جريج، عن ms2300 الحسن بن مسلم، عن طاوس، عن ابن ~~عباس، إلا أن منهم من يجعله عن ابن عباس عن زيد بن أرقم. قال إسماعيل: سمعت ~~سليمان بن حرب يتأول هذا الحديث على أنه صيد من أجل النبي صلى الله عليه ~~وسلم، ولولا ذلك لكان أكله جائزا، قال سليمان: ومما يدل على أنه صيد من أجل ~~النبي صلى الله عليه وسلم قولهم في الحديث: # فرده يقطر دما كأنه صيد في ذلك الوقت. قال إسماعيل: إنما تأول سليمان هذا ~~الحديث لأنه يحتاج إلى تأويل، فأما رواية مالك فلا تحتاج إلى التأويل، لان ~~المحرم لا يجوز له أن يمسك صيدا حيا ولا يذكيه، قال إسماعيل: وعلى تأويل ~~سليمان بن حرب تكون الأحاديث المرفوعة كلها غير مختلفة [فيها] (2) إن شاء ~~الله تعالى. # الثامنة - إذا أحرم وبيده صيد أو في بيته عند أهله فقال مالك: إن كان في ~~يده فعليه إرساله، وإن كان في أهله فليس عليه إرساله. وهو قول أبي حنيفة ~~وأحمد بن حنبل. # وقال الشافعي في أحد قوليه: سواء كان في يده أو في بيته ليس عليه أن ~~يرسله. وبه قال أبو ثور، [وروي] عن مجاهد وعبد الله بن الحرث مثله وروي عن ~~مالك. وقال ابن أبي ليلى والثوري والشافعي في القول الآخر: عليه أن يرسله، ~~سواء كان في بيته أو في يده فإن لم يرسله ضمن. وجه القول بإرساله قوله ~~تعالى: " وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما " وهذا عام في الملك والتصرف ~~كله. ووجه القول بإمساكه: أنه معنى لا يمنع من ابتداء الاحرام فلا يمنع من ~~استدامة ملكه، أصله النكاح. # التاسعة - فإن صاده الحلال في الحل فأدخله الحرم جاز له التصرف فيه بكل ~~نوع من ذبحه، وأكل لحمه. وقال أبو حنيفة: لا يجوز. ودليلنا أنه معنى يفعل ~~في الصيد فجاز في الحرم للحلال، كالامساك والشراء ولا خلاف فيها. # PageV06P323 # العاشرة - إذا دل المحرم حلا على صيد فقتله الحلال اختلف فيه، فقال مالك ~~والشافعي وأبو ثور: لا شئ عليه، وهو قول ابن الماجشون. وقال الكوفيون ms2301 وأحمد ~~وإسحق وجماعة من الصحابة والتابعين: عليه الجزاء، لان المحرم التزم بإحرامه ~~ترك التعرض، فيضمن بالدلالة كالمودع إذا دل سارقا على سرقة. # الحادية عشرة - واختلفوا في المحرم إذا دل محرما آخر، فذهب الكوفيون ~~وأشهب من أصحابنا إلى أن على كل واحد منهما جزاء. وقال مالك والشافعي وأبو ~~ثور: الجزاء على المحرم القاتل، لقوله تعالى: " ومن قتله منكم متعمدا " ~~فعلق وجوب الجزاء بالقتل، فدل على انتفائه بغيره، ولأنه دال فلم يلزمه ~~بدلالته غرم كما لو دل الحلال في الحرم على صيد في الحرم. # وتعلق الكوفيون وأشهب بقوله عليه السلام في حديث أبي قتادة: [هل أشرتم أو ~~أعنتم]؟ # وهذا يدل على وجوب الجزاء. والأول أصح. والله أعلم. # الثانية عشرة - إذا كانت شجرة نابتة في الحل وفرعها في الحرم فأصيب ما ~~عليه من الصيد ففيه الجزاء، لأنه أخذ في الحرم وإن كان أصلها في الحرم ~~وفرعها في الحل فاختلف علماؤنا فيما أخذ عليه على قولين: الجزاء نظرا إلى ~~الأصل، ونفيه نظرا إلى الفرع. # الثالثة عشرة - قوله تعالى: (واتقوا الله الذي إليه تحشرون) تشديد وتنبيه ~~عقب هذا التحليل والتحريم، ثم ذكر بأمر الحشر والقيامة مبالغة في التحذير. ~~والله أعلم. # قوله تعالى: جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام ~~والهدى والقلائد ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن ~~الله بكل شئ عليم (97) فيه خمس مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (جعل الله الكعبة) جعل هنا بمعنى خلق وقد تقدم. وقد ~~سميت الكعبة كعبة لأنها مربعة وأكثر بيوت العرب مدورة وقيل: إنما سميت كعبة ~~لنتوئها PageV06P324 # وبروزها، فكل ناتئ بارز كعب، مستديرا كان أو غير مستدير. ومنه كعب القدم ~~وكعوب القناة. وكعب ثدي المرأة إذا ظهر في صدرها. والبيت سمي بذلك لأنها ~~ذات سقف وجدار، وهي حقيقة البيتية وإن لم يكن بها ساكن. وسماه سبحانه حراما ~~بتحريمه إياه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: [إن مكة حرمها الله ولم ~~يحرمها الناس] وقد تقدم أكثر هذا مستوفى والحمد لله. # الثانية - قوله تعالى: (قياما ms2302 للناس) أي صلاحا ومعاشا، لامن الناس بها، ~~وعلى هذا يكون " قياما " بمعنى يقومون بها. وقيل: " قياما " أي يقومون ~~بشرائعها. # وقرأ ابن عامر وعاصم " قيما " وهما من ذوات الواو فقلبت الواو ياء لكسرة ~~ما قبلها. # وقد قيل: " قوام ". قال العلماء: والحكمة في جعل الله تعالى هذه الأشياء ~~قياما للناس، أن الله سبحانه خلق الخلق على سليقة الآدمية من التحاسد ~~والتنافس والتقاطع والتدابر، والسلب والغارة والقتل والثأر، فلم يكن بد في ~~الحكمة الإلهية، والمشيئة الأولية من كاف يدوم معه (1) الحال ووازع يحمد ~~معه المآل. قال الله تعالى: " إني جاعل في الأرض خليفة " (2) [البقرة: 30] ~~فأمرهم الله سبحانه بالخلافة، وجعل أمورهم إلى واحد يزعهم (3) عن التنازع، ~~ويحملهم على التآلف من التقاطع، ويرد الظالم عن المظلوم، ويقرر كل يد على ~~ما تستولي عليه. روى ابن القاسم قال حدثنا مالك أن عثمان بن عفان رضي الله ~~عنه كان يقول: ما يزع الامام أكثر مما يزع القرآن، ذكره أبو عمر رحمه الله. ~~وجور السلطان عاما واحدا أقل أذاية من كون الناس فوضى لحظة واحدة، فأنشأ ~~الله سبحانه الخليفة لهذه الفائدة، لتجري على رأيه الأمور، ويكف الله به ~~عادية الجمهور (4)، فعظم الله سبحانه في قلوبهم البيت الحرام، وأوقع في ~~نفوسهم هيبته، وعظم بينهم حرمته، فكان من لجأ إليه معصوما به، وكان من ~~اضطهد محميا بالكون فيه. قال الله تعالى: " أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ~~ويتخطف الناس من حولهم " (5) [العنكبوت: 67]. قال العلماء: # فلما كان موضعا مخصوصا لا يدركه كل مظلوم، ولا يناله كل خائف جعله الله ~~الشهر الحرام ملجأ آخر وهي: # PageV06P325 # الثالثة - وهو اسم جنس، والمراد الأشهر الثلاثة (1) بإجماع من العرب، ~~فقرر الله في قلوبهم حرمتها، فكانوا لا يروعون فيها سربا - أي نفسا - ولا ~~يطلبون فيها دما ولا يتوقعون فيها ثأرا، حتى كان الرجل يلقى قاتل أبيه ~~وابنه وأخيه فلا يؤذيه. واقتطعوا فيها ثلث الزمان. ووصلوا منها ثلاثة ~~متوالية، فسحة وراحة ومجالا للسياحة في الامن والاستراحة، وجعلوا منها ~~واحدا منفردا في نصف العام دركا للاحترام، وهو شهر ms2303 رجب الأصم ويسمى مضر، ~~وإنما قيل له: [رجب] (2) الأصم، لأنه كان لا يسمع فيه صوت الحديد، ويسمى ~~منصل الأسنة، لأنهم كانوا ينزعون فيه الأسنة من الرماح، وهو شهر قريش، وله ~~يقول عوف ابن الأحوص: # وشهر بني أمية والهدايا * إذا سيقت مضرجها الدماء وسماه النبي صلى الله ~~عليه وسلم شهر الله، أي شهر آل الله، وكان يقال لأهله الحرم: آل الله. # ويحتمل أن يريد شهر الله، لان الله متنه (3) وشدده إذ كان كثير من العرب ~~لا يراه. وسيأتي في " براءة " (4) أسماء الشهور إن شاء الله. ثم يسر لهم ~~الالهام، وشرع (5) على ألسنة الرسل الكرام الهدي والقلائد، وهي: # الرابعة - فكانوا إذا أخذوا بعيرا أشعروه دما، أو علقوا عليه نعلا، أو ~~فعل ذلك الرجل بنفسه من التقليد - على ما تقدم بيانه أول السورة - لم يروعه ~~أحد حيث لقيه، وكان الفيصل بينه وبين من طلبه أو ظلمه حتى جاء الله ~~بالاسلام وبين الحق بمحمد عليه السلام، فانتظم الدين في سلكه، وعاد الحق ~~إلى نصابه، فأسندت الإمامة إليه، وانبنى وجوبها على الخلق عليه وهو قوله ~~سبحانه: " وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض ~~" (6) [النور: 55] الآية. وقد مضى في " البقرة " (7) أحكام الإمامة فلا ~~معنى لإعادتها. # الخامسة - قوله تعالى: (ذلك لتعلموا) " ذلك " إشارة إلى جعل الله هذه ~~الأمور قياما، والمعنى فعل الله ذلك لتعلموا أن الله يعلم تفاصيل أمور ~~السماوات والأرض، ويعلم مصالحكم أيها الناس قبل وبعد، فانظروا لطفه بالعباد ~~على حال كفرهم. # PageV06P326 # قوله تعالى: اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم (98) قوله ~~تعالى: (اعلموا أن الله شديد العقاب) تخويف (وأن الله غفور رحيم) ترجية. # وقد تقدم هذا المعنى. # قوله تعالى: ما على الرسول إلا البلاغ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون ~~(99) قوله تعالى: (ما على الرسول إلا البلاغ) أي ليس له الهداية والتوفيق ~~ولا الثواب، وإنما عليه البلاغ وفي هذا رد على القدرية كما تقدم. وأصله ~~البلاغ البلوغ، وهو الوصول. # بلغ يبلغ بلوغا، وأبلغه إبلاغا، وتبلغ تبلغا، وبالغه مبالغة، وبلغه ~~تبليغا، ms2304 ومنه البلاغة، لأنها إيصال المعنى إلى النفس في حسن صورة من اللفظ. ~~وتبالغ الرجل إذا تعاطى البلاغة وليس ببليغ، وفي هذا بلاغ أي كفاية، لأنه ~~يبلغ مقدار الحاجة. (والله يعلم ما تبدون) أي تظهرونه، يقال: بدا السر ~~وأبداه صاحبه يبديه. (وما تكتمون) أي ما تسرونه وتخفونه في قلوبكم من الكفر ~~والنفاق. # قوله تعالى: قل لا يستوى الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث فاتقوا ~~الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون (100) قوله تعالى: (قل لا يستوى الخبيث ~~والطيب). فيه ثلاث مسائل: # الأولى: قال الحسن: " الخبيث والطيب " الحلال والحرام. وقال السدي: ~~المؤمن والكافر. وقيل: المطيع والعاصي. وقيل: الردئ والجيد، وهذا على ضرب ~~المثال. # والصحيح أن اللفظ عام في جميع الأمور، يتصور في المكاسب والأعمال، ~~والناس، والمعارف من العلوم وغيرها، فالخبيث من هذا كله لا يفلح ولا ينجب، ~~ولا تحسن له عاقبة وإن كثر، والطيب وإن قل نافع (1) جميل العاقبة. قال الله ~~تعالى: " والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه # PageV06P327 # والذي خبث لا يخرج إلا نكدا " (1) [الأعراف: 58]. ونظير هذه الآية قوله ~~تعالى: " أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل ~~المتقين كالفجار " (2) [ص: 28] وقوله " أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن ~~نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات " (3) [الجاثية: 21]، فالخبيث لا ~~يساوي الطيب مقدارا ولا إنفاقا، ولا مكانا ولا ذهابا، فالطيب يأخذ جهة ~~اليمين، والخبيث يأخذ جهة الشمال، والطيب في الجنة، والخبيث في النار وهذا ~~بين. وحقيقة الاستواء الاستمرار في جهة (4) واحدة، ومثله الاستقامة وضدها ~~الاعوجاج. ولما كان هذا وهي: # الثانية - قال بعض علمائنا: إن البيع الفاسد يفسخ ولا يمضى بحوالة سوق، ~~ولا بتغير بدن، فيستوي في إمضائه مع البيع الصحيح، بل يفسخ أبدا، ويرد ~~الثمن على المبتاع إن كان قبضه، وإن تلف في يده ضمنه، لأنه لم يقبضه على ~~الأمانة، وإنما قبضه بشبهة عقد. # وقيل: لا يفسخ نظرا إلى أن البيع إذا فسخ ورد بعد الفوت يكون فيه ضرر ~~وغبن على البائع، فتكون السلعة تساوي مائة وترد عليه وهي تساوي عشرين، ولا ~~عقوبة في ms2305 الأموال. والأول أصح لعموم الآية، ولقوله عليه السلام: [من عمل ~~عملا ليس عليه أمرنا فهو رد]. # قلت: وإذا تتبع هذا المعنى في عدم الاستواء في مسائل الفقه تعددت وكثرت، ~~فمن ذلك الغاصب وهي: # الثالثة - إذا بنى في البقعة المغصوبة أو غرس إنه يلزمه قلع ذلك البناء ~~والغرس، لأنه خبيث، وردها، خلافا لأبي حنيفة في قوله: لا يقلع ويأخذ صاحبها ~~القيمة. وهذا يرده قوله عليه السلام: [ليس لعرق ظالم (5) حق]. قال هشام: ~~العرق الظالم أن يغرس الرجل في أرض غيره ليستحقها بذلك. قال مالك: العرق ~~الظالم كل ما أخذ واحتفر وغرس في غير حق. قال مالك: من غصب أرضا فزرعها، أو ~~أكراها، أو دارا فسكنها # PageV06P328 # أو أكراها، ثم استحقها ربها أن على الغاصب كراء ما سكن ورد ما أخذ في ~~الكراء. واختلف قوله إذا لم يسكنها أو لم يزرع الأرض وعطلها، فالمشهور من ~~مذهبه أنه ليس عليه فيه شئ، وقد روى عنه أنه عليه كراء ذلك كله. واختاره ~~الوقار (1)، وهو مذهب الشافعي، لقوله عليه السلام: [ليس لعرق ظالم حق] وروى ~~أبو داود عن أبي الزبير أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~غرس أحدهما نخلا في أرض الآخر، فقضى لصاحب الأرض بأرضه، وأمر صاحب النخل أن ~~يخرج نخله منها، قال: فلقد رأيتها، وأنها لتضرب أصولها بالفؤس حتى أخرجت ~~منها وإنها لنخل عم (2). وهذا نص. قال ابن حبيب: والحكم فيه أن يكون صاحب ~~الأرض مخيرا على الظالم، إن شاء حبس ذلك في أرضه بقيمته مقلوعا، وإن شاء ~~نزعه من أرضه، وأجر النزع على الغاصب. وروى الدارقطني عن عائشة قالت: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [من بنى في رباع (3) قوم بإذنهم فله ~~القيمة ومن بنى بغير إذنهم فله النقض] قال علماؤنا: إنما تكون له القيمة، ~~لأنه بنى في موضع يملك منفعته. وذلك كمن بنى أو غرس بشبهة فله حق، إن شاء ~~رب المال أن يدفع إليه قيمته قائما، وإن أبى قيل للذي بنى أو غرس: ادفع ~~إليه قيمة ms2306 أرضه براحا (4)، فإن أبى كانا شريكين. قال ابن الماجشون: وتفسير ~~اشتراكهما أن تقوم الأرض براحا، ثم تقوم بعمارتها فما زادت قيمتها بالعمارة ~~على قيمتها براحا كان العامل شريكا لرب الأرض فيها، إن أحبا قسما أو حبسا. ~~قال ابن الجهم (5): فإذا دفع رب الأرض قيمة العمارة وأخذ أرضه كان له ~~كراؤها فيما مضى من السنين. وقد روي عن ابن القاسم وغيره أنه إذا بنى رجل ~~في أرض رجل بإذنه ثم وجب له إخراجه، فإنه يعطيه قيمة بنائه مقلوعا. والأول ~~أصح لقوله عليه السلام: (فله القيمة) وعليه أكثر الفقهاء. # الرابعة - قوله تعالى: (ولو أعجبك كثرة الخبيث) قيل: الخطاب للنبي صلى ~~الله عليه وسلم والمراد أمته، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعجبه ~~الخبيث. وقيل: المراد به النبي # PageV06P329 # صلى الله عليه وسلم نفسه، وإعجابه له أنه صار عنده عجبا مما يشاهده من ~~كثرة الكفار والمال الحرام، وقلة المؤمنين والمال الحلال. (فاتقوا الله يا ~~أولي الألباب لعلكم تفلحون) تقدم معناه. # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ~~وإن تسئلوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم ~~(101) قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين (102) فيه عشر مسائل: # الأولى: روى البخاري ومسلم وغيرهما - واللفظ للبخاري - عن أنس قال قال ~~رجل: يا نبي الله، من أبي؟ قال: " أبوك فلان " [قال] (1) فنزلت " يا أيها ~~الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم " (2) الآية. وخرج أيضا ~~عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه: # [فوالله لا تسألوني عن شئ إلا أخبرتكم به ما دمت في مقامي هذا] فقام إليه ~~رجل فقال: # أين مدخلي يا رسول الله؟ قال: [النار]. فقام عبد الله بن حذافة فقال: من ~~أبي يا رسول الله فقال: [أبوك حذافة] وذكر الحديث قال ابن عبد البر: عبد ~~الله بن حذافة أسلم قديما، وهاجر إلى أرض الحبشة الهجرة الثانية، وشهد بدرا ~~وكانت فيه دعابة (3)، وكان رسول رسول الله صلى الله ms2307 عليه وسلم، أرسله إلى ~~كسرى بكتاب رسول الله صلى الله عليه سلم، ولما قال من أبي يا رسول الله، ~~قال: [أبوك حذافة] قالت له أمه: ما سمعت بابن أعق منك آمنت أن تكون أمك ~~قارفت ما يقارف نساء الجاهلية فتفضحها على أعين الناس! فقال: والله لو ~~ألحقني بعبد أسود للحقت به. وروى الترمذي والدارقطني عن علي رضي الله عنه ~~قال: # لما نزلت هذه الآية " ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا " ~~(4) [آل عمران: 97]. قالوا: يا رسول الله أفي كل عام؟ فسكت، فقالوا: أفي كل ~~عام؟ قال: [لا ولو قلت نعم لوجبت]، فأنزل الله تعالى: # PageV06P330 # " يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم " إلى آخر ~~الآية. واللفظ للدارقطني سئل البخاري عن هذا الحديث فقال: هو حديث حسن إلا ~~أنه مرسل، أبو البختري لم يدرك عليا، واسمه سعيد. وأخرجه الدارقطني أيضا عن ~~أبي عياض عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [يا أيها ~~الناس كتب عليكم الحج] فقام رجل فقال: في كل عام يا رسول الله؟ (1) فأعرض ~~عنه، ثم عاد فقال: في كل عام يا رسول الله؟ فقال: (ومن القائل)؟ # قالوا: فلان، قال: [والذي نفسي بيده لو قلت نعم لوجبت ولو وجبت ما ~~أطقتموها ولو لم تطيقوها لكفرتم] فأنزل الله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا ~~لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم " الآية. وقال الحسن البصري في هذه ~~الآية: سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن أمور الجاهلية التي عفا الله ~~عنها، ولا وجه للسؤال عما عفا الله عنه. وروى مجاهد عن ابن عباس أنها نزلت ~~في قوم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البحيرة والسائبة والوصيلة ~~والحام، وهو قول سعيد بن جبير، وقال: ألا ترى أن بعده: " ما جعل الله من ~~بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام " [المائدة: 103]. # قلت: وفي الصحيح والمسند كفاية. ويحتمل أن تكون الآية نزلت جوابا للجميع، ~~فيكون السؤال قريبا بعضه من بعض. والله ms2308 أعلم. و " أشياء " وزنه أفعال، ولم ~~يصرف لأنه مشبه بحمراء، قاله الكسائي. وقيل: وزنه أفعلاء، كقولك: هين ~~وأهوناء، عن الفراء والأخفش ويصغر فيقال: أشياء، قال المازني: يجب أن يصغر ~~شييات كما يصغر أصدقاء، في المؤنث صديقات وفي المذكر صديقون. # الثانية - قال ابن عون: سألت نافعا عن قوله تعالى " لا تسألوا عن أشياء ~~إن تبد لكم تسؤكم " فقال: لم تزل المسائل منذ قط تكره. روى مسلم عن المغيرة ~~بن شعبة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [إن الله حرم عليكم عقوق ~~الأمهات وواد البنات ومنعا وهات وكره لكم ثلاثا قيل وقال وكثرة السؤال ~~وإضاعة المال]. قال كثير (2) من العلماء: المراد # PageV06P331 # بقوله [وكثرة السؤال] التكثير من السؤال في المسائل الفقهية تنطعا، ~~وتكلفا فيما لم ينزل، والأغلوطات وتشقيق المولدات، وقد كان السلف يكرهون ~~ذلك ويرونه من التكليف (1)، ويقولون: إذا نزلت النازلة وفق المسؤول لها. ~~قال مالك: أدركت أهل هذا البلد وما عندهم علم غير الكتاب والسنة، فإذا نزلت ~~نازلة جمع الأمير لها من حضر من العلماء فما اتفقوا عليه أنفذه، وأنتم ~~تكثرون المسائل وقد كرهها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: المراد ~~بكثرة المسائل كثرة سؤال الناس الأموال والحوائج إلحاحا واستكثارا، وقاله ~~أيضا مالك وقيل: المراد بكثرة المسائل السؤال عما لا يعني من أحوال الناس ~~بحيث يؤدي ذلك إلى كشف عوراتهم والاطلاع على مساوئهم. وهذا مثل قوله تعالى: ~~" ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا " (2) [الحجرات: 12]. # قال ابن خويزمنداد: ولذلك قال [بعض] (3) أصحابنا متى قدم إليه طعام لم ~~يسأل عنه من أين هذا أو عرض عليه شئ يشتريه لم يسأل من أين هو، وحمل أمور ~~المسلمين على السلامة والصحة. # قلت: والوجه حمل الحديث على عمومه فيتناول جميع تلك الوجوه كلها. والله ~~أعلم. # (4) الثالثة - قال ابن العربي: اعتقد قوم من الغافلين تحريم أسئلة ~~النوازل حتى تقع تعلقا بهذه الآية وليس كذلك، لان هذه الآية مصرحة بأن ~~السؤال المنهي عنه إنما كان فيما تقع المساءة في جوابه، ولا مساءة في جواب ~~نوازل الوقت ms2309 فافترقا. # قلت قوله: اعتقد قوم من الغافلين فيه قبح، وإنما كان الأولى به أن يقول: ~~ذهب قوم إلى تحريم أسئلة النوازل، لكنه جرى على عادته، وإنما قلنا كان أولى ~~به، لأنه قد كان قوم من السلف يكرهها. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~يلعن من سأل عما لم يكن، ذكره الدارمي في مسنده، وذكر عن الزهري قال: بلغنا ~~أن زيد بن ثابت الأنصاري كان يقول إذا سئل عن الامر: أكان هذا؟ فإن قالوا: ~~نعم قد كان حدث فيه بالذي يعلم، وإن قالوا: لم يكن قال فذروه حتى يكون. ~~وأسند عن عمار بن ياسر وقد سئل عن مسألة فقال: # PageV06P332 # هل كان هذا بعد؟ قالوا: لا، قال: دعونا حتى يكون، فإذا كان تجشمناها لكم. ~~قال الدارمي: حدثنا عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، قال حدثنا ابن فضيل عن ~~عطاء عن ابن عباس قال: ما رأيت قوما كانوا خيرا من أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض، كلهن في القرآن، ~~منهن " يسألونك عن الشهر الحرام " (1) [البقرة: 217]، " ويسألونك عن المحيض ~~" [البقرة: 222] [وشبهه] (2) ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم. # الرابعة - قال ابن عبد البر: السؤال اليوم لا يخاف منه أن ينزل تحريم ولا ~~تحليل من أجله، فمن سأل مستفهما راغبا في العلم ونفي الجهل عن نفسه، باحثا ~~عن معنى يجب الوقوف في الديانة عليه، فلا بأس به، فشفاء العي (3) السؤال، ~~ومن سأل متعنتا غير متفقه ولا متعلم فهو الذي لا يحل قليل سؤاله ولا كثيره، ~~قال ابن العربي: الذي ينبغي للعالم أن يشتغل به هو بسط الأدلة، وإيضاح سبل ~~النظر، وتحصيل مقدمات الاجتهاد، وإعداد الآلة المعينة على الاستمداد، فإذا ~~عرضت نازلة أتيت من بابها، ونشدت في مظانها، والله يفتح في صوابها. # الخامسة - قوله تعالى: (وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم) فيه ~~غموض، وذلك أن في أول الآية النهي عن السؤال ثم قال: " وإن تسألوا عنها حين ~~ينزل القرآن تبد لكم " فأباحه لهم، ms2310 فقيل: المعنى وإن تسألوا عن غيرها فيما ~~مست الحاجة إليه، فحذف المضاف، ولا يصح حمله على غير الحذف. قال الجرجاني: ~~الكناية في " عنها " ترجع إلى أشياء أخر، كقوله تعالى: " ولقد خلقنا ~~الانسان من سلالة من طين " [المؤمنون: 12] يعني آدم، ثم قال: " ثم جعلناه ~~نطفة " (4) [المؤمنون: 13] أي ابن آدم، لان آدم لم يجعل نطفة في قرار مكين، ~~لكن لما ذكر الانسان وهو آدم دل على إنسان مثله، وعرف ذلك بقرينة الحال، ~~فالمعنى وإن تسألوا عن أشياء حين ينزل القرآن من تحليل أو تحريم أو حكم، أو ~~مست حاجتكم إلى التفسير، فإذا سألتم فحينئذ تبد لكم، فقد أباح هذا النوع من ~~السؤال: ومثاله أنه بين عدة المطلقة والمتوفى عنها زوجها والحامل، # PageV06P333 # ولم يجر ذكر عدة التي ليست بذات قرء ولا حامل، فسألوا عنها فنزل " ~~واللائي يئسن من المحيض " (1) [الطلاق: 4]. فالنهي إذا في شئ لم يكن بهم ~~حاجة إلى السؤال فيه، فأما ما مست الحاجة إليه فلا. # السادسة - قوله تعالى: (عفا الله عنها) أي عن المسألة التي سلفت منهم. # وقيل: عن الأشياء التي سألوا عنها من أمور الجاهلية وما جرى مجراها. ~~وقيل: العفو بمعنى الترك، أي تركها ولم يعرف بها في حلال ولا حرام فهو معفو ~~عنها فلا تبحثوا عنه فلعله إن ظهر لكم حكمه ساءكم. وكان عبيد بن عمير يقول: ~~إن الله أحل وحرم، فما أحل فاستحلوه، وما حرم فاجتنبوه، وترك بين ذلك أشياء ~~لم يحلها ولم يحرمها، فذلك عفو من الله، ثم يتلو هذه الآية. وخرج الدارقطني ~~عن أبي ثعلبة الخشني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # [إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها وحرم حرمات فلا تنتهكوها وحدد ~~حدودا فلا تعتدوها وسكت عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها] والكلام ~~على هذا التقدير فيه تقديم وتأخير، أي لا تسألوا عن أشياء عفا الله عنها إن ~~تبد لكم تسؤكم، أي أمسك عن ذكرها فلم يوجب فيها حكما. وقيل: ليس فيه تقديم ~~ولا تأخير، بل المعنى قد عفا الله ms2311 عن مسألتكم التي سلفت وإن كرهها النبي ~~صلى الله عليه وسلم، فلا تعودوا لأمثالها. فقوله: " عنها " أي عن المسألة، ~~أو عن السؤالات كما ذكرناه. # السابعة - قوله تعالى: (قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين) ~~أخبر تعالى أن قوما من قبلنا قد سألوا آيات مثلها، فلما أعطوها وفرضت عليهم ~~كفروا بها، وقالوا: # ليست من عند الله، وذلك كسؤال قوم صالح الناقة، وأصحاب عيسى المائدة، ~~وهذا تحذير مما وقع فيه من سبق من الأمم. والله أعلم. # الثامنة - إن قال قائل: ما ذكرتم من كراهية السؤال والنهى عنه، يعارضه ~~قوله تعالى: # " فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون " (3) [النحل: 43] فالجواب، أن ~~هذا الذي أمر الله به عباده # PageV06P334 # هو ما تقرر وثبت وجوبه مما يجب عليهم العمل به، والذي جاء فيه النهي هو ~~ما لم يتعبد الله عباده به، ولم يذكره في كتابه. والله أعلم. # التاسعة - روى مسلم عن عامر بن سعد عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: [إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شئ لم يحرم على ~~المسلمين فحرم عليهم من أجل مسألته]. قال القشيري أبو نصر: ولو لم يسأل ~~العجلاني عن الزنى لما ثبت اللعان. قال أبو الفرج الجوزي: هذا محمول على من ~~سأل عن الشئ عنتا وعبثا فعوقب بسوء قصده بتحريم ما سأل عنه، والتحريم يعم. # العاشرة - قال علماؤنا: لا تعلق للقدرية بهذا الحديث في أن الله تعالى ~~يفعل شيئا من أجل شئ وبسببه، تعالى الله عن ذلك، فإن الله على كله شئ قدير، ~~وهو بكل شئ عليم، بل السبب والداعي فعل من أفعاله، لكن سبق القضاء والقدر ~~أن يحرم الشئ المسؤول عنه إذا وقع السؤال فيه، لا أن السؤال موجب للتحريم، ~~وعلة له، ومثله كثير " لا يسأل عما يفعل وهم يسألون " [الأنبياء: 23]. (1) ~~قوله تعالى: ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين ~~كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون (103) فيه سبع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: ms2312 (ما جعل الله). جعل هنا بمعنى سمى، كما قال تعالى: # " إنا جعلناه قرآنا عربيا " (2) [الزخرف: 3] أي سميناه. والمعنى في هذه ~~الآية ما سمى الله، ولا سن ذلك حكما، ولا تعبد به شرعا، بيد أنه قضى به ~~علما، وأوجده بقدرته وإرادته خلقا، فإن الله خالق كل شئ من خير وشر، ونفع ~~وضر، وطاعة ومعصية. # الثانية - قوله تعالى: " من بحيرة ولا سائبة " " من " زائدة. والبحيرة ~~فعيلة بمعنى مفعولة، وهي على وزن النطيحة والذبيحة. وفي الصحيح عن سعيد بن ~~المسيب: البحيرة هي التي يمنع درها للطواغيت، فلا يحتلبها أحد من الناس. ~~وأما السائبة فهي التي كانوا # PageV06P335 # يسيبونها لآلهتهم. وقيل: البحيرة لغة هي الناقة المشقوقة الاذن، يقال ~~بحرت أذن الناقة أي شققتها شقا واسعا، والناقة بحيرة ومبحورة، وكان البحر ~~علامة التخلية. قال ابن سيده: # يقال البحيرة هي التي خليت بلا راع، ويقال للناقة الغزيرة (1) بحيرة. قال ~~ابن إسحاق: البحيرة هي ابنة السائبة، والسائبة هي الناقة إذا تابعت بين عشر ~~إناث ليس بينهن ذكر، لم يركب ظهرها ولم يجز وبرها، ولم يشرب لبنها إلا ضيف، ~~فما نتجت بعد ذلك من أنثى شقت أذنها، وخلي سبيلها مع أمها، فلم يركب ظهرها ~~ولم يجز وبرها، ولم يشرب لبنها إلا ضيف كما فعل بأمها، فهي البحيرة ابنة ~~السائبة. وقال الشافعي: إذا نتجت الناقة خمسة أبطن إناثا بحرت أذنها فحرمت، ~~قال: # محرمة لا يطعم الناس لحمها * ولا نحن في شئ كذاك البحائر وقال ابن عزيز ~~(2): البحيرة الناقة إذا نتجت خمسة أبطن فإذا كان الخامس ذكرا نحروه فأكله ~~الرجال والنساء، وإن كان الخامس أنثى بحروا أذنها - أي شقوه (3) - وكانت ~~حراما على النساء لحمها ولبنها - وقاله عكرمة - فإذا ماتت حلت للنساء. ~~والسائبة البعير يسيب بنذر يكون على الرجل إن سلمه الله من مرض، أو بلغه ~~منزله أن يفعل ذلك، فلا تجس عن رعي ولا ماء، ولا يركبها أحد، وقال به أبو ~~عبيد، قال الشاعر: # وسائبة لله تنمي (4) تشكرا * إن الله عافى عامرا أو مجاشعا وقد يسيبون ~~غير الناقة، وكانوا إذا سيبوا ms2313 العبد لم يكن عليه ولاء. وقيل: السائبة هي ~~المخلاة لا قيد عليها، ولا راعي لها، فاعل بمعنى مفعول، نحو " عيشة راضية " ~~أي مرضية. # من سابت الحية وانسابت، قال الشاعر: # عقرتم ناقة كانت لربي * وسائبة فقوموا للعقاب وأما الوصيلة والحام، فقال ~~ابن وهب قال مالك: كان أهل الجاهلية يعتقون الإبل والغنم يسيبونها، فأما ~~الحام فمن الإبل، كان الفحل إذا انقضى ضرابه جعلوا عليه من ريش الطواويس # PageV06P336 # وسيبوه، وأما الوصيلة فمن الغنم إذا ولدت أنثى بعد أنثى سيبوها. وقال ابن ~~عزيز: الوصيلة في الغنم، قال: كانوا إذا ولدت الشاة سبعة أبطن نظروا، فإن ~~كان السابع ذكرا ذبح وأكل منه الرجال والنساء، وإن كان أنثى تركت في الغنم، ~~وإن كان ذكرا وأنثى قالوا وصلت أخاها فلم تذبح لمكانها، وكان لحمها حراما ~~على النساء، ولبن الأنثى حراما على النساء إلا أن يموت منهما شئ فيأكله ~~الرجال والنساء. والحامي الفحل إذا ركب ولد ولده. قال: # حماها أبو قابوس في عز ملكه * كما قد حمى أولاد أولاده الفحل ويقال: إذا ~~نتج من صلبه عشرة أبطن قالوا: قد حمى ظهر فلا يركب ولا يمنع من كلاء ولا ~~ماء. # وقال ابن إسحاق: الوصيلة الشاة إذا أتامت عشر إناث متتابعات في خمسة أبطن ~~ليس بينهن ذكر، قالوا: وصلت فكان ما ولدت بعد ذلك للذكور منهم دون الإناث، ~~إلا أن يموت شئ منها فيشترك في أكله ذكورهم وإناثهم. # الثالثة - روى مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # [رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه (1) في النار وكان أول من سيب ~~السوائب] وفي رواية [عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف أخا بني كعب هؤلاء يجر ~~قصبه في النار]. وروى أبو هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول لأكثم بن الجون: [رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندق يجر قصبه في النار ~~فما رأيت رجلا أشبه برجل منك به ولا به منك] فقال أكثم: أخشى أن يضرني شبهه ~~يا رسول الله، قال: ms2314 [لا إنك مؤمن وهو كافر إنه أول من غير دين إسماعيل وبحر ~~البحيرة وسيب السائبة وحمى الحامي] وفي رواية: [رأيته رجلا قصيرا أشعر له ~~وفرة (2) يجر قضبه في النار]. وفي رواية ابن القاسم وغيره عن مالك عن زيد ~~بن أسلم عن عطاء بن يسار عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [إنه يؤذي أهله ~~النار بريحه]. مرسل ذكره ابن العربي وقيل: إن أول من ابتدع ذلك جنادة بن ~~عوف. والله أعلم. وفي الصحيح كفاية. وروى ابن إسحاق: أن سبب نصب الأوثان ~~(3)، وتغيير دين إبراهيم عليه السلام # PageV06P337 # عمرو بن لحي خرج من مكة إلى الشام، فلما قدم مآب (1) من أرض البلقاء، ~~وبها يومئذ العماليق أولاد عمليق - ويقال عملاق - بن لاوذ بن سام بن نوح، ~~رآهم يعبدون الأصنام فقال لهم: ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدون؟ قالوا: ~~هذه أصنام نستمطر بها فنمطر، ونستنصر بها فننصر، فقال لهم: أفلا تعطوني ~~منها صنما أسير به إلى أرض العرب فيعبدونه؟ فأعطوه صنما يقال له: (هبل) ~~فقدم به مكة فنصبه، وأخذ الناس بعبادته وتعظيمه، فلما بعث الله محمدا صلى ~~الله عليه وسلم أنزل الله عليه " ما جعل الله بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ~~ولا حام ". # " ولكن الذين كفروا " يعني من قريش وخزاعة ومشركي العرب " يفترون على ~~الله الكذب " بقولهم: إن الله أمر بتحريمها، ويزعمون أنهم يفعلون ذلك لرضا ~~ربهم في طاعة الله، وطاعة الله إنما تعلم من قوله، ولم يكن عندهم من الله ~~بذلك قول، فكان ذلك مما يفترونه على الله. # وقالوا: " ما في بطون هذه الانعام خالصة لذكورنا " [الانعام: 139] يعني ~~من الولد والألبان " ومحرم على أزواجنا وإن يكن ميتة " [الانعام: 139] يعني ~~إن وضعته ميتا اشترك فيه الرجال والنساء، فذلك قوله عز وجل: # " فهم فيه شركاء سيجزيهم وصفهم " [الانعام: 139] أي بكذبهم العذاب في ~~الآخرة " إنه حكيم عليم " (2) [الانعام: 139] أي بالتحريم والتحليل. وأنزل ~~عليه: " قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل ~~آلله أذن لكم أم على الله تفترون " (3) [يونس: 59] وأنزل عليه: ms2315 " ثمانية ~~أزواج " (2) [الانعام: 143] وأنزل عليه: # " وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه " (2) [الانعام: 138] ~~الآية. # الرابعة - تعلق أبو حنيفة رضي الله عنه في منعه الأحباس ورده الأوقاف، ~~بأن الله تعالى عاب على العرب ما كانت تفعله من تسييب البهائم وحمايتها ~~وحبس أنفاسها عنها، وقاس على البحيرة والسائبة والفرق بين. ولو عمد رجل إلى ~~ضيعة له فقال: هذه تكون حبسا، لا يجتنى ثمرها، ولا تزرع أرضها، ولا ينتفع ~~منها بنفع، لجاز أن يشبه هذا بالبحيرة والسائبة. وقد قال علقمة لمن سأله عن ~~هذه الأشياء: ما تريد إلى شئ كان من عمل أهله الجاهلية وقد ذهب. # وقال نحوه ابن زيد. وجمهور العلماء على القول بجواز الأحباس والأوقاف ما ~~عدا أبا حنيفة # PageV06P338 # وأبا يوسف وزفر، وهو قول شريح إلا أن أبا يوسف رجع عن قول أبي حنيفة في ~~ذلك لما حدثه ابن علية عن ابن عون عن نافع عن ابن عمر أنه استأذن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في أن يتصدق بسهمه بخيبر فقال له رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: [احبس الأصل وسبل الثمرة] (1). وبه يحتج كل من أجاز الأحباس، ~~وهو حديث صحيح قاله أبو عمر. وأيضا فإن المسألة إجماع من الصحابة وذلك أن ~~أبا بكر وعمر وعثمان وعليا وعائشة وفاطمة وعمرو بن العاص وابن الزبير ~~وجابرا كلهم وقفوا الأوقاف، وأوقافهم بمكة والمدينة معروفة مشهورة. # وروى أن أبا يوسف قال لمالك بحضرة الرشيد: إن الحبس لا يجوز، فقال له ~~مالك: # هذه الأحباس أحباس رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر وفدك وأحباس ~~أصحابه. # وأما ما احتج به أبو حنيفة من الآية فلا حجة فيه، لان الله سبحانه إنما ~~عاب عليهم أن تصرفوا بعقولهم بغير شرع توجه إليهم، أو تكليف فرض عليهم في ~~قطع طريق الانتفاع، وإذهاب نعمة الله تعالى، وإزالة المصلحة التي للعباد في ~~تلك الإبل. وبهذا فارقت هذه الأمور الأحباس والأوقاف. ومما احتج به أبو ~~حنيفة وزفر ما رواه عطاء عن ابن المسيب قال: سألت شريحا عن رجل جعل داره ms2316 ~~حبسا على الآخر (2) من ولده فقال: لا حبس عن فرائض الله، قالوا: فهذا شريح ~~قاضي عمر وعثمان وعلي الخلفاء الراشدين حكم بذلك. واحتج أيضا بما رواه ابن ~~لهيعة عن أخيه عيسى، عن عكرمة عن ابن عباس، قال سمعت النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقول بعدما أنزلت سورة " النساء " وأنزل الله فيها الفرائض: ينهى عن ~~الحبس. قال الطبري: الصدقة التي يمضيها المتصدق في حياته على ما أذن الله ~~به على لسان نبيه وعمل به الأئمة الراشدون رضي الله عنهم ليس من الحبس عن ~~فرائض الله، ولا حجة في قول شريح ولا في قول أحد يخالف السنة، وعمل الصحابة ~~الذين هم الحجة على جميع الخلق، وأما حديث ابن عباس فرواه ابن لهيعة، وهو ~~رجل اختلط عقله في آخر عمره، وأخوه غير معروف فلا حجة فيه، قاله ابن ~~القصار. # فإن قيل: كيف يجوز أن تخرج الأرض بالوقف عن ملك أربابها لا إلى ملك مالك؟ # قال الطحاوي يقال لهم: وما ينكر من هذا وقد اتفقت أنت وخصمك على الأرض ~~يجعلها # PageV06P339 # صاحبها مسجدا للمسلمين، ويخلي بينهم وبينها، وقد خرجت بذلك من ملك إلى ~~غير مالك، ولكن إلى الله تعالى، وكذلك السقايات والجسور والقناطر، فما ~~ألزمت مخالفك في حجتك عليه يلزمك في هذا كله. والله أعلم. # الخامسة - اختلف المجيزون للحبس فيما للمحبس من التصرف، فقال الشافعي: ~~ويحرم على الموقف ملكه كما يحرم عليه ملك رقبة العبد، إلا أنه جائز له أن ~~يتولى صدقته، وتكون بيده ليفرقها ويسلبها فيما أخرجها فيه، لان عمر بن ~~الخطاب - رضي الله عنه - لم يزل يلي صدقته - فيما بلغنا - حتى قبضه الله عز ~~وجل قال: وكذلك علي وفاطمة رضي الله عنهما كانا يليان صدقاتهما، وبه قال ~~أبو يوسف وقال مالك: من حبس أرضا أو نخلا أو دارا على المساكين وكانت بيده ~~يقوم بها ويكريها ويقسمها في المساكين حتى مات والحبس في يديه، أنه ليس ~~بحبس ما لم يجزه غيره وهو ميراث، والربع (1) عنده والحوائط والأرض لا ينفذ ~~حبسها، ولا يتم حوزها، حتى ms2317 يتولاه غير من حبسه، بخلاف الخيل والسلاح، هذا ~~محصل مذهبه عند جماعة أصحابه (2)، وبه قال ابن أبي ليلى. # السادسة - لا يجوز للواقف أن ينتفع بوقفه، لأنه أخرجه لله وقطعه عن ملكه، ~~فانتفاعه بشئ منه رجوع في صدقته، وإنما يجوز له الانتفاع إن شرط ذلك في ~~الوقف، أو أن يفتقر المحبس (3)، أو ورثته فيجوز لهم الاكل منه. ذكر ابن ~~حبيب عن مالك قال: # من حبس أصلا تجري غلته على المساكين فإن ولده يعطون منه إذا افتقروا - ~~كانوا يوم حبس أغنياء أو فقراء - غير أنهم لا يعطون جميع الغلة مخافة أن ~~يندرس الحبس ولكن يبقى منه سهم للمساكين ليبقى عليه اسم الحبس، ويكتب على ~~الولد كتاب أنهم إنما يعطون منه ما أعطوا على سبيل المسكنة، وليس على حق ~~لهم دون المساكين. # السابعة - عتق السائبة جائز، وهو أن يقول السيد لعبده أنت حر وينوي ~~العتق، أو يقول: أعتقتك سائبة، فالمشهور من مذهب مالك عند جماعة أصحابه أن ~~ولاءه لجماعة المسلمين، وعتقه نافذ، هكذا روى عنه ابن القاسم وابن عبد ~~الحكم وأشهب وغيرهم، وبه # PageV06P340 # قال ابن وهب، وروى ابن وهب عن مالك قال: لا يعتق أحد سائبة، لان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الولاء وعن هبته، قال ابن عبد البر: ~~وهذا عند كل من ذهب مذهبه، إنما هو محمول على كراهة عتق السائبة لا غير، ~~فإن وقع نفذ وكان الحكم فيه ما ذكرناه. وروى ابن وهب أيضا وابن القاسم عن ~~مالك أنه قال: أنا أكره عتق السائبة وأنهى عنه، فإن وقع نفذ وكان ميراثا ~~لجماعة المسلمين، وعقله عليهم. وقال أصبغ: لا بأس بعتق السائبة ابتداء، ذهب ~~إلى المشهور من مذهب مالك، وله احتج إسماعيل [القاضي] (1) ابن إسحاق وإياه ~~تقلد. ومن حجته في ذلك أن عتق السائبة مستفيض بالمدينة لا ينكره عالم، وأن ~~عبد الله بن عمر وغيره من السلف أعتقوا سائبة. وروي ابن شهاب وربيعة وأبي ~~الزناد وهو قول عمر بن عبد العزيز وأبي العالية وعطاء وعمرو بن دينار ~~وغيرهم. ms2318 # قلت: أبو العالية الرياحي البصري التميمي (2) - رضي الله عنه - ممن أعتق ~~سائبة، أعتقته مولاة له من بني رياح سائبة لوجه الله تعالى، وطافت به على ~~حلق المسجد، واسمه رفيع بن مهران، وقال ابن نافع: لا سائبة اليوم في ~~الاسلام، ومن أعتق سائبة كان ولاؤه له، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة وابن ~~الماجشون، ومال إليه ابن العربي، واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم: [من ~~أعتق سائبة فولاؤه له] وبقوله: [إنما الولاء لمن أعتق]. فنفى أن يكون ~~الولاء لغير معتق، واحتجوا بقوله تعالى: " ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ~~" وبالحديث [لا سائبة في الاسلام] وبما رواه أبو قيس عن هزيل بن شرحبيل ~~قال: قال رجل لعبد الله: # إني أعتقت غلاما لي سائبة فماذا ترى فيه؟ فقال عبد الله: إن أهل الاسلام ~~لا يسيبون، إنما كانت تسيب الجاهلية، أنت وارثه وولي نعمته. # قوله تعالى: وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا ~~حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون ~~(104) # PageV06P341 # قوله تعالى: (وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا ~~حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا) الآية تقدم معناها والكلام عليها في " البقرة ~~" (1) فلا معنى لإعادتها. # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا ~~اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون (105) فيه أربع ~~مسائل: # الأولى - قال علماؤنا: وجه اتصال هذه الآية بما قبلها التحذير مما يجب أن ~~يحذر منه، وهو حال من تقدمت صفته ممن ركن في دينه إلى تقليد آبائه وأسلافه. ~~وظاهر هذه الآية يدل على أن الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس القيام به ~~بواجب إذا استقام الانسان، وأنه لا يؤاخذ أحد بذنب غيره، لولا ما ورد من ~~تفسيرها في السنة وأقاويل الصحابة والتابعين على ما نذكره بحول الله تعالى. # الثانية: قوله تعالى: " عليكم أنفسكم " معناه احفظوا أنفسكم من المعاصي، ~~تقول عليك زيدا بمعنى الزم زيدا، ولا يجوز عليه زيدا، بل إنما ms2319 يجرى هذا في ~~المخاطبة في ثلاثة ألفاظ عليك زيدا أي خذ زيدا، وعندك عمرا (2) أي حضرك، ~~ودونك (2) زيدا أي قرب منك، وأنشد: # * يا أيها المائح (3) دلوي دونكا * وأما قوله: عليه رجلا ليسني، فشاذ. # الثالثة - روى أبو داود والترمذي وغيرهما عن قيس قال: خطبنا أبو بكر ~~الصديق رضي الله عنه فقال: إنكم تقرأون هذه الآية وتتأولونها على غير ~~تأويلها " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم " ~~وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # PageV06P342 # [إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعذاب ~~من عنده]. # قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، قال إسحاق بن إبراهيم (1) سمعت عمرو بن ~~علي يقول سمعت وكيعا يقول: لا يصح عن أبي بكر عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~ولا حديث واحد، قلت: ولا إسماعيل عن قيس، قال: إن إسماعيل روى عن قيس ~~موقوفا. قال النقاش: وهذا إفراط من وكيع، رواه شعبة عن سفيان وإسحق عن ~~إسماعيل مرفوعا، وروى أبو داود والترمذي وغيرهما عن أبي أمية الشعباني قال: ~~أتيت أبا ثعلبة الخشني فقلت له: كيف تصنع بهذه الآية؟ فقال: أية آية؟ قلت: ~~قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا ~~اهتديتم " قال أما والله لقد سألت عنها خبيرا، سألت عنها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال: [بل] (2) ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا ~~رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة ~~نفسك ودع عنك أمر العامة فإن من ورائكم أياما الصبر فيهن مثل القبض على ~~الجمر للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم]. وفي رواية قيل: ~~يا رسول الله أجر خمسين منا أو منهم؟ قال: # [بل أجر خمسين منكم]. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب. قال ابن عبد البر ~~قوله: # [بل منكم] هذه اللفظة قد سكت عنها بعض الرواة فلم يذكرها، وقد تقدم. وروى ~~الترمذي عن أبي هريرة ms2320 عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [إنكم في زمان من ~~ترك منكم عشر ما أمر به هلك ثم يأتي زمان من عمل منهم بعشر ما أمر به نجا] ~~قال: هذا حديث غريب. وروى عن ابن مسعود أنه قال: ليس هذا بزمان هذه الآية، ~~قولوا الحق ما قبل منكم، فإذا رد عليكم فعليكم أنفسكم. وقيل لابن عمر في ~~بعض أوقات الفتن: لو تركت القول في هذه الأيام فلم تأمر ولم تنه؟ فقال إن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا: [ليبلغ الشاهد الغائب] ونحن شهدنا ~~فيلزمنا أن نبلغكم، وسيأتي زمان إذا قيل فيه الحق لم يقبل. في رواية عن ابن ~~عمر بعد قوله: [ليبلغ الشاهد الغائب] فكنا نحن الشهود وأنتم الغيب، ولكن ~~هذه الآية # PageV06P343 # لأقوام يجيئون من بعدنا إن قالوا، لم يقبل منهم. وقال ابن المبارك قوله ~~تعالى: " عليكم أنفسكم " خطاب لجميع المؤمنين، أي عليكم أهله دينكم، كقوله ~~تعالى: " ولا تقتلوا أنفسكم " فكأنه قال: ليأمر بعضكم بعضا، ولينه بعضكم ~~بعضا، فهو دليل على وجوب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يضركم ضلال ~~المشركين والمنافقين وأهل الكتاب، وهذا لان الامر بالمعروف يجري مع ~~المسلمين من أهل العصيان كما تقدم، وروي معنى هذا عن سعيد بن جبير. وقال ~~سعيد بن المسيب: معنى الآية لا يضركم من ضل إذا اهتديتم بعد الامر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر. وقال ابن خويزمنداد: تضمنت الآية اشتغال الانسان بخاصة ~~نفسه، وتركه التعرض لمعائب الناس، والبحث عن أحوالهم فإنهم لا يسألون عن ~~حاله فلا يسأل عن حالهم وهذا كقوله تعالى: " كل نفس بما كسبت رهينة " (1) ~~[المدثر: 38]، " ولا تزر وازرة وزر أخرى " (2) [الانعام: 164]. # وقول النبي صلى الله عليه وسلم: [كن جليس (3) بيتك وعليك بخاصة نفسك]. ~~ويجوز أن يكون أريد به الزمان الذي يتعذر فيه الامر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر، فينكر بقلبه، ويشتغل بإصلاح نفسه. # قلت: قد جاء حديث غريب رواه ابن لهيعة: قال حدثنا بكر بن سوادة الجذامي ~~عن عقبة بن عامر قال قال رسول الله صلى الله عليه ms2321 وسلم: [إذا كان رأس ~~مائتين فلا تأمر بمعروف ولا تنه عن منكر وعليك بخاصة نفسك]. قال علماؤنا: ~~إنما قال عليه السلام ذلك لتغير الزمان، وفساد الأحوال، وقلة المعينين. ~~وقال جابر بن زيد: معنى الآية: يا أيها الذين آمنوا من أبناء أولئك الذين ~~بحروا البحيرة وسيبوا السوائب، عليكم أنفسكم في الاستقامة على الدين، لا ~~يضركم ضلال الأسلاف إذا اهتديتم، قال: وكان الرجل إذا أسلم قال له الكفار ~~سفهت آباءك وضللتهم وفعلت وفعلت، فأنزل الله الآية بسبب ذلك. وقيل: الآية ~~في أهل الأهواء الذين لا ينفعهم الوعظ، فإذا علمت من قوم أنهم لا يقبلون، ~~بل يستخفون ويظهرون فاسكت عنهم. وقيل: نزلت في الأسارى الذين عذبهم ~~المشركون حتى ارتد بعضهم، فقيل لمن بقي على الاسلام: عليكم أنفسكم لا يضركم ~~ارتداد أصحابكم. وقال: سعيد بن جبير: هي # PageV06P344 # في أهل الكتاب - وقال مجاهد: في اليهود والنصارى ومن كان مثلهم، يذهبان ~~إلى أن المعنى لا يضركم كفر أهل الكتاب إذا أدوا الجزية. وقيل: هي منسوخة ~~بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر، قاله المهدوي. قال ابن عطية: وهذا ضعيف ~~ولا يعلم قائله. # قلت: قد جاء عن أبي عبيد القاسم بن سلام أنه قال: ليس في كتاب الله تعالى ~~آية جمعت الناسخ والمنسوخ غير هذه الآية. قال غيره: الناسخ منها قوله: " ~~إذا اهتديتم " والهدى هنا هو الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، والله أعلم. # الرابعة - الامر بالمعروف والنهي عن المنكر متعين متى رجي القبول، أو رجي ~~رد الظالم ولو بعنف، ما لم يخف الآمر ضررا يلحقه في خاصته، أو فتنة يدخلها ~~على المسلمين، إما بشق عصا، وإما بضرر يلحق طائفة من الناس، فإذا خيف هذا ~~ف‍ " عليكم أنفسكم " محكم (1) واجب أن يوقف عنده. ولا يشترط في الناهي أن ~~يكون عدلا كما تقدم، وعلى هذا جماعة أهل (2) العلم فاعلمه. # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين ~~الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض ~~فأصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما من ms2322 بعد الصلاة فيقسمان بالله إن ارتبتم لا ~~نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين ~~(106) فإن عثر على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق ~~عليهم الأولين فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا إنا إذا ~~لن # PageV06P345 # الظالمين (107) ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد ~~أيمن بعد أيمانهم واتقوا الله واسمعوا والله لا يهدى القوم الفاسقين (108) ~~فيه سبع وعشرون مسألة: # الأولى - قال مكي - رحمه الله -: هذه الآيات الثلاث عند أهل المعاني من ~~أشكل ما في القرآن إعرابا ومعنى وحكما، قال ابن عطية: هذا كلام من لم يقع ~~له الثلج (1) في تفسيرها، وذلك بين من كتابه رحمه الله. # قلت: ما ذكره مكي - رحمه الله - ذكره أبو جعفر النحاس قبله أيضا، ولا ~~أعلم خلافا أن هذه الآيات نزلت بسبب تميم الداري وعدي بن بداء. روى البخاري ~~والدارقطني وغيرهما عن ابن عباس قال: كان تميم الداري وعدي [بن بداء] (2) ~~يختلفان إلى مكة، فخرج معهما فتى من بني سهم فتوفي بأرض ليس بها مسلم، ~~فأوصى إليهما، فدفعا تركته إلى أهله وحبسا جاما (3) من فضة مخوصا بالذهب،؟؟ ~~فاستحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم (ما كتمتما ولا اطلعتما) ثم وجد ~~الجام بمكة فقالوا: اشتريناه من عدي وتميم، فجاء رجلان من ورثة السهمي ~~فحلفا أن هذا الجام للسهمي، ولشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا، قال: ~~فأخذوا الجام، وفيهم نزلت هذه الآية. لفظ الدارقطني. وروى الترمذي عن تميم ~~الداري في هذه الآية " يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم " برئ منها الناس ~~غيري وغير عدي بن بداء - وكانا نصرانيين يختلفان إلى الشام قبل الاسلام، ~~فأتيا الشام بتجارتهما، وقدم عليهما مولى لبني سهم يقال له: بديل ابن أبي ~~مريم بتجارة، ومعه جام من فضة يريد به الملك، وهو عظم تجارته، فمرض فأوصى ~~إليهما، وأمرهما أن يبلغا ما ترك أهله، قال تميم: فلما مات أخذنا ذلك الجام ~~فبعناه بألف درهم ثم # PageV06P346 # اقتسمناها أنا وعدي بن بداء، ms2323 فلما قدمنا إلى أهله دفعنا إليهم ما كان ~~معنا، وفقدوا الجام فسألونا عنه فقلنا: ما ترك غير هذا، وما دفع إلينا ~~غيره، قال تميم: فلما أسلمت بعد قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ~~تأثمت من ذلك، فأتيت أهله وأخبرتهم الخبر، وأديت إليهم خمسمائة درهم، ~~وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها، فأتوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فسألهم البينة فلم يجدوا، فأمرهم أن يستحلفوه بما يقطع (1) به على أهل ~~دينه، فحلف فأنزل الله عز وجل: # " يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم " إلى قوله " بعد أيمانهم " فقام عمرو ~~بن العاص ورجل آخر منهم فحلفا فنزعت الخمسمائة من يدي عدي بن بداء. قال أبو ~~عيسى: هذا حديث غريب وليس إسناده بصحيح. وذكر الواقدي أن الآيات الثلاث ~~نزلت في تميم وأخيه عدي، وكانا نصرانيين، وكان متجرهما إلى مكة، فلما هاجر ~~النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة قدم ابن أبي مريم مولى عمرو بن العاص ~~المدينة وهو يريد الشام تاجرا، فخرج مع تميم وأخيه عدي، وذكر الحديث. وذكر ~~النقاش قال: نزلت في بديل بن أبي مريم مولى العاص بن وائل السهمي، كان خرج ~~مسافرا في البحر إلى أرض النجاشي، ومعه رجلان نصرانيان أحدهما يسمى تميما ~~وكان من لخم وعدي بن بداء، فمات بديل وهم في السفينة فرمي به في البحر، ~~وكان كتب وصيته ثم جعلها في المتاع فقال: أبلغا هذا المتاع أهلي، فلما مات ~~بديل قبضا المال، فأخذا منه ما أعجبهما فكان فيما أخذا إناء من فضة فيه ~~ثلاثمائة مثقال، منقوشا (2) مموها بالذهب، وذكر الحديث. وذكره سنيد وقال: ~~فلما قدموا الشام مرض بديل وكان مسلما، الحديث. # الثانية - وقوله تعالى: " شهادة بينكم " ورد " شهد " في كتاب الله تعالى ~~بأنواع (3) مختلفة: منها قوله تعالى: " واستشهدوا شهيدين من رجالكم " ~~[البقرة: 282] قيل: معناه أحضروا. ومنها " شهد " بمعنى قضى أي أعلم، قاله ~~أبو عبيدة كقوله تعالى: " شهد الله أنه لا إله إلا هو " (4) [آل عمران: ~~18]. ومنها " شهد " بمعنى أقر، كقوله تعالى: " والملائكة يشهدون " (5) ~~[النساء: 166]. ومنها ms2324 " شهد " بمعنى حكم، قال الله تعالى: " وشهد شاهد من ~~أهلها " (6) [يوسف: 26]. ومنها " شهد " بمعنى حلف، كما في اللعان. " وشهد " # PageV06P347 # بمعنى وصى، كقوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم ". وقيل: ~~معناها هنا الحضور للوصية، يقال: شهدت وصية فلان أي حضرتها. وذهب الطبري ~~إلى أن الشهادة بمعنى اليمين، فيكون المعنى يمين ما بينكم أن يحلف اثنان، ~~واستدل على أن ذلك غير الشهادة التي تؤدى للمشهود له بأنه لا يعلم لله حكم ~~يجب فيه على الشاهد يمين. واختار هذا القول القفال. وسميت اليمين شهادة، ~~لأنه يثبت بها الحكم كما يثبت بالشهادة. واختار ابن عطية أن الشهادة هنا هي ~~الشهادة التي تحفظ فتؤدى، وضعف كونها بمعنى الحضور واليمين. # الثالثة - قوله تعالى: " بينكم " قيل: معناه ما بينكم فحذفت " ما " ~~وأضيفت الشهادة إلى الظرف، واستعمل اسما على الحقيقة، وهو المسمى عند ~~النحويين بالمفعول على السعة، كما قال * يوما شهدناه سليما وعامرا (1) * ~~أراد شهدنا فيه. وقال تعالى: " بل مكر الليل والنهار " (2) [سبأ: 33] أي ~~مكركم فيهما. وأنشد: # تصافح من لاقيت لي ذا عداوة * صفاحا وعني بين عينيك منزوي أراد ما بين ~~عينيك فحذف، ومنه قوله تعالى: " هذا فراق بيني وبينك " (3) [الكهف: 78] أي ~~ما بيني وبينك. # الرابعة - قوله تعالى: (إذا حضر) معناه إذا قارب الحضور، وإلا فإذا حضر ~~الموت لم يشهد ميت (4). وهذا كقوله تعالى: " فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله ~~" (5) [النحل: 98]. وكقوله: # " إذا طلقتم النساء فطلقوهن " (6) [الطلاق: 1] ومثله كثير. والعامل في " ~~إذا " المصدر الذي هو " شهادة ". # الخامسة - قوله تعالى: (حين الوصية اثنان) " حين " ظرف زمان والعامل فيه ~~" حضر " وقوله: " اثنان " يقتضي بمطلقه شخصين، ويحتمل رجلين، إلا أنه لما ~~قال بعد ذلك: " ذوا عدل " بين أنه أراد رجلين، لأنه لفظ لا يصلح إلا ~~للمذكر، كما أن " ذواتا " (7) [الرحمن: 48] لا يصلح إلا للمؤنث. وارتفع " ~~اثنان " على أنه خبر المبتدأ الذي هو " شهادة " # PageV06P348 # قال أبو علي " شهادة " رفع بالابتداء والخبر في قوله: " اثنان " التقدير ~~شهادة بينكم في وصاياكم شهادة اثنين، فحذف المضاف وأقام المضاف (1) إليه ~~مقامه، كما قال تعالى: # " وأزواجه أمهاتهم ms2325 " (2) [الأحزاب: 6] أي مثل أمهاتهم. ويجوز أن يرتفع " ~~اثنان " ب‍ " - شهادة "، التقدير وفيما أنزل عليكم أو ليكن منكم أن يشهد ~~اثنان، أو ليقم الشهادة اثنان. # السادسة - قوله تعالى: (ذوا عدل منكم) " ذوا عدل " صفة لقوله: " اثنان " ~~و " منكم " صفة بعد صفة. وقوله: " أو آخران من غيركم " أي أو شهادة آخرين ~~من غيركم، فمن غيركم صفة لآخرين. وهذا الفصل هو المشكل في هذه الآية، ~~والتحقيق فيه أن يقال: # اختلف العلماء فيه على ثلاثة أقوال: # الأول - أن الكاف والميم في قوله: " منكم " ضمير للمسلمين " وآخران من ~~غيركم " للكافرين فعلى هذا تكون شهادة أهل الكتاب على المسلمين جائزة في ~~السفر إذا كانت وصية، وهو الأشبه بسياق الآية، مع ما تقرر من الأحاديث. وهو ~~قول ثلاثة من الصحابة الذين شاهدوا التنزيل، أبو موسى الأشعري وعبد الله بن ~~قيس (3)، وعبد الله بن عباس فمعنى الآية من أولها إلى آخرها على هذا القول ~~أن الله تعالى أخبر أن حكمه في الشهادة على الموصي إذا حضر الموت أن تكون ~~شهادة عدلين فإن كان في سفر وهو الضرب في الأرض، ولم يكن معه أحد من ~~المؤمنين، فليشهد شاهدين ممن حضره من أهل الكفر، فإذا قدما وأديا الشهادة ~~على وصيته حلفا بعد الصلاة (4) أنهما ما كذبا وما بدلا، وأن ما شهدا به حق، ~~ما كتما فيه شهادة وحكم بشهادتهما، فإن عثر بعد ذلك على أنهما كذبا أو ~~خانا، ونحو هذا مما هو إثم حلف رجلان من أولياء الموصي في السفر، وغرم ~~الشاهدان ما ظهر عليهما. هذا معنى الآية على مذهب أبي موسى الأشعري، وسعيد ~~بن المسيب، ويحيى بن يعمر، وسعيد بن جبير وأبي مجلز وإبراهيم وشريح وعبيدة ~~السلماني، وابن سيرين ومجاهد وقتادة والسدي وابن عباس وغيرهم. وقال به من ~~الفقهاء سقيان الثوري، ومال إليه أبو عبيد القاسم بن سلام لكثرة من قال به. ~~واختاره أحمد بن حنبل وقال: شهادة أهل الذمة جائزة على المسلمين في السفر # PageV06P349 # عند عدم المسلمين كلهم يقولون " منكم " من المؤمنين ومعنى " من غيركم " ~~يعني الكفار. # قال ms2326 بعضهم: وذلك أن الآية نزلت (1) ولا مؤمن إلا بالمدينة، وكانوا ~~يسافرون بالتجارة صحبة أهل الكتاب وعبدة الأوثان وأنواع الكفرة. والآية ~~محكمة على مذهب أبي موسى وشريح وغيرهما. # القول الثاني - أن قوله سبحانه: " أو آخران من غيركم " منسوخ، هذا قول ~~زيد بن أسلم والنخعي ومالك، والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم من الفقهاء، إلا أن ~~أبا حنيفة خالفهم فقال: # تجوز شهادة الكفار بعضهم على بعض، ولا تجوز على المسلمين واحتجوا بقوله ~~تعالى: # " ممن ترضون من الشهداء " (2) [البقرة: 282] وقوله: " وأشهدوا ذوي عدل ~~منكم " (2) [الطلاق: 2]، فهؤلاء زعموا أن آية الدين من آخر ما نزل، وأن ~~فيها " ممن ترضون من الشهداء " فهو ناسخ لذلك، ولم يكن الاسلام يومئذ إلا ~~بالمدينة، فجازت شهادة أهله الكتاب، وهو اليوم طبق الأرض فسقطت شهادة ~~الكفار، وقد أجمع المسلمون على أن شهادة الفساق لا تجوز، والكفار فساق فلا ~~تجوز شهادتهم. # قلت: ما ذكرتموه صحيح إلا أنا نقول بموجبه، وأن ذلك جائز في شهادة أهل ~~الذمة على المسلمين في الوصية في السفر خاصة للضرورة بحيث لا يوجد مسلم، ~~وأما مع وجود مسلم فلا، ولم يأت ما ادعيتموه من النسخ عن أحد ممن شهد ~~التنزيل، وقد قال بالأول ثلاثة من الصحابة وليس ذلك في غيره، ومخالفة ~~الصحابة إلى غيرهم ينفر عنه أهل العلم. ويقوي هذا أن سورة " المائدة " من ~~آخر القرآن نزولا حتى قال ابن عباس والحسن وغيرهما: إنه لا منسوخ فيها. وما ~~ادعوه من النسخ لا يصح فإن النسخ لا بد فيه من إثبات الناسخ على وجه يتنافى ~~الجمع بينهما مع تراخي الناسخ، فما ذكروه لا يصح أن يكون ناسخا، فإنه في ~~قصة غير قصة الوصية لمكان الحاجة والضرورة، ولا يمتنع اختلاف الحكم عند ~~الضرورات، ولأنه ربما كان الكافر ثقة عند المسلم ويرتضيه عند الضرورة، فليس ~~فيما قالوه ناسخ. # القول الثالث - أن الآية لا نسخ فيها، قاله الزهري والحسن وعكرمة، ويكون ~~معنى قوله: " منكم " أي من عشيرتكم وقرابتكم، لأنهم أحفظ وأضبط وأبعد عن ~~النسيان (3). # PageV06P350 # ومعنى قوله: (أو آخران من غيركم) أي من ms2327 غير القرابة والعشيرة، قال ~~النحاس: وهذا ينبني على معنى غامض في العربية، وذلك أن معنى " آخر " في ~~العربية من جنس الأول، تقول: مررت بكريم وكريم آخر، فقوله " آخر " يدل على ~~أنه من جنس الأول، ولا يجوز عند أهل العربية مررت بكريم وخسيس آخر، ولا ~~مررت برجل وحمار آخر، فوجب من هذا أن يكون معنى قوله: " أو آخران من غيركم ~~" أي عدلان، والكفار لا يكونون عدولا فيصح على هذا قول من قال " من غيركم " ~~من غير عشيرتكم من المسلمين. وهذا معنى حسن من جهة اللسان، وقد يحتج به ~~لمالك ومن قال بقوله، لان المعنى عندهم " من غيركم " من غير قبيلتكم على ~~أنه قد عورض هذا القول بأن في أول الآية " يا أيها الذين آمنوا " فخوطب ~~الجماعة من المؤمنين. # السابعة - استدل أبو حنيفة بهذه الآية على جواز شهادة الكفار من أهل ~~الذمة فيما بينهم، قال: ومعنى " أو آخران من غيركم " أي من غير أهل دينكم، ~~فدل على جواز شهادة بعضهم على بعض، فيقال له: أنت لا تقول بمقتضى هذه ~~الآية، لأنها نزلت في قبول شهادة أهل الذمة على المسلمين وأنت لا تقول بها ~~فلا يصح احتجاجك بها. فإن قيل: هذه الآية دلت على جواز قبول شهادة أهل ~~الذمة على المسلمين من طريق النطق، ودلت على قبول شهادتهم على أهل الذمة من ~~طريق التنبيه، وذلك أنه إذا قبلت شهادتهم على المسلمين فلان تقبل على أهل ~~الذمة أولى، ثم دل الدليل على بطلان شهادتهم على المسلمين، فبقي شهادتهم ~~على أهل الذمة على ما كان عليه، وهذا ليس بشئ، لان قبول شهادة أهل الذمة ~~على أهل الذمة فرع لقبول شهادتهم على المسلمين، فإذا بطلت شهادتهم على ~~المسلمين وهي الأصل فلان تبطل شهادتهم على أهل الذمة وهي فرعها أحرى وأولى. ~~والله أعلم. # الثامنة - قوله تعالى: (إن أنتم ضربتم في الأرض) أي سافرتم، وفي الكلام ~~حذف تقديره إن أنتم ضربتم في الأرض " فأصابتكم مصيبة الموت " فأوصيتم إلى ~~اثنين عدلين في ظنكم، ودفعتم إليهما ما معكم من المال، ms2328 ثم متم وذهبا إلى ~~ورثتكم بالتركة فارتابوا في أمرهما، PageV06P351 # وادعوا عليهما خيانة، فالحكم أن تحبسوهما من بعد الصلاة، أي تستوثقوا ~~منهما، وسمى الله تعالى الموت في هذه الآية مصيبة، قال علماؤنا: والموت وإن ~~كان مصيبة عظمي، ورزية كبرى، فأعظم منه الغفلة عنه، والاعراض عن ذكره، وترك ~~التفكر فيه، وترك العمل له، وإن فيه وحده لعبرة لمن اعتبر، وفكرة لمن تفكر. ~~وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم [أنه قال:] (1) (لو أن البهائم تعلم من ~~الموت ما تعلمون ما أكلتم منها سمينا). ويروى أن أعرابيا كان يسير على جمل ~~له، فخر الجمل ميتا فنزل الأعرابي عنه، وجعل يطوف به ويتفكر فيه ويقول: ما ~~لك لا تقوم؟! ما لك لا تنبعث؟! هذه أعضاؤك كاملة، وجوارحك سالمة، ما شأنك؟! # ما الذي كان يحملك؟! ما الذي كان يبعثك؟! ما الذي صرعك؟! ما الذي عن ~~الحركة منعك؟! ثم تركه وانصرف متفكرا في شأنه، متعجبا من أمره. # التاسعة - قوله تعالى: (تحبسونهما) قال أبو علي: " تحبسونهما " صفة ل‍ " ~~آخران " واعترض بين الصفة والموصوف بقوله: " إن أنتم ". وهذه الآية أصل في ~~حبس من وجب عليه حق، والحقوق على قسمين: منها ما يصلح استيفاؤه معجلا، ~~ومنها ما لا يمكن استيفاؤه إلا مؤجلا، فإن خلي من عليه [الحق] (1) غاب ~~واختفى وبطل الحق وتوي (2) فلم يكن بد من التوثق منه (3) فإما بعوض عن الحق ~~وهو المسمى رهنا، وإما بشخص ينوب منابه في المطالبة والذمة وهو الحميل (4)، ~~وهو دون الأول، لأنه يجوز أن يغيب كمغيبه ويتعذر وجوده كتعذره، ولكن لا ~~يمكن أكثر من هذا فإن تعذرا جميعا لم يبق إلا التوثق بحبسه حتى تقع منه ~~التوفية لما كان عليه من حق، أو تبين عسرته. # العاشرة - فإن كان الحق بدنيا لا يقبل البدل كالحدود والقصاص ولم يتفق ~~(5) استيفاؤه معجلا، لم يكن فيه إلا التوثق بسجنه، ولأجل هذه الحكمة شرع ~~السجن، روى أبو داود والترمذي وغيرهما عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم حبس رجلا في تهمة. ms2329 وروى أبو داود عن عمرو بن ~~الشريد عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV06P352 # قال: [لي الواجد يحل عرضه وعقوبته]. قال ابن المبارك يحل عرضه يغلظ له، ~~وعقوبته يحبس له. قال الخطابي: الحبس على ضربين، حبس عقوبة، وحبس استظهار، ~~فالعقوبة لا تكون إلا في واجب، وأما ما كان في تهمة فإنما يستظهر بذلك ~~ليستكشف به ما وراءه، وقد روي أنه حبس رجلا في تهمة ساعة من نهار ثم خلى ~~عنه. وروى معمر عن أيوب عن ابن سيرين قال: كان شريح إذا قضى على رجل بحق ~~أمر بحبسه في المسجد إلى أن يقوم فإن أعطاه حقه وإلا أمر به إلى السجن. # الحادية عشرة - قوله تعالى: (من بعد الصلاة) يريد صلاة العصر، قاله ~~الأكثر من العلماء، لان أهل الأديان يعظمون ذلك الوقت ويتجنبون فيه الكذب ~~واليمين الكاذبة. # وقال الحسن: صلاة الظهر. وقيل: أي صلاة كانت. وقيل: من بعد صلاتهما على ~~أنهما كافران (1)، قاله السدي. وقيل: إن فائدة اشتراطه بعد الصلاة تعظيما ~~للوقت، وإرهابا به، لشهود الملائكة ذلك الوقت، وفي الصحيح [من حلف على يمين ~~كاذبة بعد العصر لقي الله وهو عليه غضبان]. # الثانية عشرة - وهذه الآية أصل في التغليظ في الايمان، والتغليظ يكون ~~بأربعة أشياء: # أحدها - الزمان كما ذكرنا. الثاني - المكان كالمسجد والمنبر، خلافا لأبي ~~حنيفة وأصحابه حيث يقولون: لا يجب استحلاف أحد عند منبر النبي صلى الله ~~عليه وسلم، ولا بين الركن والمقام لا في قليل الأشياء ولا في (2) كثيرها، ~~وإلى هذا القول ذهب البخاري - رحمه الله - حيث ترجم (باب يحلف المدعى عليه ~~حيثما وجبت عليه اليمين ولا يصرف من موضع إلى غيره). وقال مالك والشافعي: ~~ويجلب في أيمان القسامة إلى مكة من كان من أعمالها، فيحلف بين الركن ~~والمقام، ويجلب إلى المدينة من كان من أعمالها فيحلف عند المنبر. # الثالث - الحال روى مطرف وابن الماجشون وبعض أصحاب الشافعي أنه يحلف ~~قائما مستقبل القبلة، لان ذلك أبلغ في الردع والزجر. وقال ابن كنانة: يحلف ~~جالسا، قال ابن العربي: والذي ms2330 عندي أنه يحلف كما يحكم عليه بها إن كان (2) ~~قائما فقائما وإن جالسا فجالسا إذ لم يثبت في أثر ولا نظر اعتبار ذلك من ~~قيام أو جلوس. # PageV06P353 # قلت: قد استنبط بعض العلماء من قوله في حديث علقمة بن وائل عن أبيه: ~~[فانطلق ليحلف] القيام - والله أعلم - أخرجه مسلم. الرابع - التغليظ ~~باللفظ، فذهبت طائفة إلى الحلف بالله لا يزيد عليه، لقوله تعالى: " فيقسمان ~~بالله " وقوله: " قل إي وربي " (1) [يونس: 53] وقال: " وتالله لأكيدن ~~أصنامكم " (2) [الأنبياء: 57] وقوله عليه السلام: [من كان حالفا فليحلف ~~بالله أو ليصمت]. وقول الرجل: والله لا أزيد عليهن. وقال مالك: يحلف بالله ~~الذي لا إله إلا هو ما له عندي حق، وما ادعاه علي باطل، والحجة له ما رواه ~~أبو داود حدثنا مسدد قال حدثنا أبو الأحوص قال حدثنا عطاء بن السائب عن أبي ~~يحيى عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال - يعني لرجل حلفه [احلف ~~بالله الذي لا إله إلا هو ما له عندك شئ] يعني للمدعي، قال أبو داود: أبو ~~يحيى اسمه زياد (3) كوفي ثقة ثبت. وقال الكوفيون: # يحلف بالله لا غير، فإن اتهمه القاضي غلظ عليه اليمين، فيحلفه بالله الذي ~~لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم الذي يعلم من السر ما ~~يعلم من العلانية الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. وزاد أصحاب ~~الشافعي التغليظ بالمصحف. قال ابن العربي: وهو بدعة ما ذكرها أحد قط من ~~الصحابة. وزعم الشافعي أنه رأى ابن مازن قاضي صنعاء يحلف بالمصحف ويأمر ~~أصحابه بذلك [ويرويه] (4) عن ابن عباس، ولم يصح. # قلت: وفي كتاب (المهذب) وإن حلف بالمصحف وما فيه من القرآن فقد حكى ~~الشافعي عن مطرف أن ابن الزبير كان يحلف على المصحف، قال: ورأيت مطرفا ~~بصنعاء يحلف (5) على المصحف، قال الشافعي: وهو حسن. قال ابن المنذر: ~~وأجمعوا على أنه لا ينبغي للحاكم أن يستحلف بالطلاق والعتاق والمصحف (6). # قلت: قد تقدم في الايمان: وكان قتادة يحلف بالمصحف. وقال أحمد وإسحق: # لا يكره ذلك، حكاه ms2331 عنهما ابن المنذر. # PageV06P354 # الثالثة عشرة - اختلف مالك والشافعي من هذا الباب في قدر المال الذي يحلف ~~به في مقطع الحق، فقال مالك: لا تكون اليمين في مقطع الحق في أقل من ثلاثة ~~دراهم قياسا على القطع، وكل مال تقطع فيه اليد وتسقط به حرمة العضو فهو ~~عظيم. وقال الشافعي: # لا تكون اليمين في ذلك في أقل من عشرين دينارا قياسا على الزكاة، وكذلك ~~عند منبر كل مسجد. # الرابعة عشرة - قوله تعالى: (فيقسمان بالله) الفاء في " فيقسمان " عاطفة ~~جملة على جملة، أو جواب جزاء، لان " تحبسونها " معناه احبسوهما، أي لليمين، ~~فهو جواب الامر الذي دل عليه الكلام كأنه قال: إذا حبستموهما أقسما، قال ذو ~~الرمة: # وإنسان عيني يحسر الماء مرة * فيبدو وتارات يجم (1) فيغرق تقديره عندهم: ~~إذا حسر بدا. # الخامسة عشرة - واختلف من المراد بقوله: " فيقسمان "؟ فقيل: الوصيان إذا ~~ارتيب في قولهما وقيل: الشاهدان إذا لم يكونا عدلين وارتاب بقولهما الحاكم ~~حلفهما. قال ابن العربي مبطلا لهذا القول: والذي سمعت - وهو بدعة - عن ابن ~~أبي ليلى أنه يحلف الطالب مع شاهديه أن الذي شهدا به حق، وحينئذ يقضى له ~~بالحق، وتأويل هذا عندي إذا ارتاب الحاكم بالقبض فيحلف إنه لباق، وأما غير ~~ذلك فلا يلتفت إليه، هذا في المدعي فكيف يحبس الشاهد أو يحلف؟! هذا ما لا ~~يلتفت إليه. # قلت: وقد تقدم من قول الطبري في أنه لا يعلم لله حكم يجب فيه على الشاهد ~~يمين. # وقد قيل: إنما استحلف الشاهدان لأنهما صارا مدعى عليهما، حيث ادعى الورثة ~~أنهما خانا في المال. # السادسة عشرة - قوله تعالى (إن ارتبتم) شرط لا يتوجه تحليف الشاهدين إلا ~~به، ومتى لم يقع ريب ولا اختلاف فلا يمين. قال ابن عطية: أما أنه يظهر من ~~حكم أبي موسى # PageV06P355 # في تحليف الذميين أنه باليمين تكمل شهادتهما وتنفذ الوصية لأهلها روى أبو ~~داود عن الشعبي أن رجلا من المسلمين حضرته الوفاة بدقوقاء (1) هذه (2)، ولم ~~يجد أحدا من المسلمين [حضره] (3) يشهده على وصيته، فأشهد رجلين من أهل ~~الكتاب، فقدما ms2332 الكوفة فأتيا الأشعري فأخبراه، وقدما بتركته ووصيته، فقال ~~الأشعري: هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فأحلفهما بعد العصر: [بالله ما خانا ولا كذبا ولا بدلا ولا كتما ولا ~~غيرا وإنها لوصية الرجل وتركته] فأمضى شهادتهما. قال ابن عطية: وهذه الريبة ~~عند من لا يرى الآية منسوخة تترتب في الخيانة، وفي الاتهام بالميل إلى بعض ~~الموصى لهم دون بعض، وتقع مع ذلك اليمين عنده، وأما من يرى الآية منسوخة ~~فلا يقع تحليف إلا أن يكون الارتياب في خيانة أو تعد بوجه من وجوه التعدي، ~~فيكون التحليف عنده بحسب الدعوى على منكر لا على أنه تكميل للشهادة. قال ~~ابن العربي: يمين الريبة والتهمة على قسمين: أحدهما - ما تقع الريبة فيه ~~بعد ثبوت الحق وتوجه الدعوى فلا خلاف في وجوب اليمين. الثاني - التهمة ~~المطلقة في الحقوق والحدود، وله تفصيل بيانه في كتب الفروع، وقد تحققت ها ~~هنا الدعوى وقويت حسبما ذكر في الروايات. # السابعة عشرة - الشرط في قوله: " إن ارتبتم " يتعلق بقوله: " تحبسونهما " ~~لا بقوله " فيقسمان " لان هذا الحبس سبب القسم. # الثامنة عشرة - قوله تعالى: (لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى) أي ~~يقولان في يمينهما لا نشتري بقسمنا عوضا نأخذه بدلا مما أوصى به ولا ندفعه ~~إلى أحد ولو كان الذي نقسم له ذا قربى منا. وإضمار القول كثير، كقوله: " ~~والملائكة يدخلون عليهم من كل باب. سلام عليكم " (4) [الرعد: 23 - 24] أي ~~يقولون سلام عليكم. والاشتراء ها هنا ليس بمعنى البيع، بل هو التحصيل. # PageV06P356 # التاسعة عشرة - اللام في قوله: " لا نشتري " جواب لقوله: " فيقسمان " لان ~~أقسم يلتقي بما يلتقي به القسم، وهو " لا " و " ما " في النفي، " وإن " ~~واللام في الايجاب. # والهاء في " به " عائد على اسم الله تعالى، وهو أقرب مذكور، المعنى: لا ~~نبيع حظنا من الله تعالى بهذا العرض. ويحتمل أن يعود على الشهادة وذكرت على ~~معنى القول، كما قال صلى الله عليه وسلم: [واتق دعوة المظلوم فإنه ليس ~~بينها وبين ms2333 الله حجاب] فأعاد [الضمير] (1) على معنى الدعوة الذي هو الدعاء، ~~وقد تقدم في سورة " النساء ". # الموفية عشرين - قوله تعالى: " ثمنا " قال الكوفيون: المعنى ذا ثمن أي ~~سلعة ذا ثمن، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وعندنا وعند كثير من ~~العلماء أن الثمن قد يكون هو ويكون السلعة، فإن الثمن عندنا مشترى كما أن ~~المثمون مشترى، فكل واحد من المبيعين ثمنا ومثمونا كان البيع دائرا على عرض ~~ونقد، أو على عرضين، أو على نقدين، وعلى هذا الأصل تنبني مسألة: إذا أفلس ~~المبتاع ووجد البائع متاعه هل يكون أولى به؟ قال أبو حنيفة: لا يكون أولى ~~به، وبناه على هذا الأصل، وقال: يكون صاحبها أسوة الغرماء. وقال مالك: # هو أحق بها في الفلس دون الموت. وقال الشافعي: صاحبها أحق بها في الفلس ~~والموت. # تمسك أبو حنيفة بما ذكرنا، وبأن الأصل الكلي أن الدين في ذمة المفلس ~~والميت، وما بأيديهما محل للوفاء، فيشترك جميع الغرماء فيه بقدر رؤوس ~~أموالهم، ولا فرق في ذلك بين أن تكون أعيان السلع موجودة أو لا، إذ قد خرجت ~~عن ملك بائعها ووجبت أثمانها لهم في الذمة بالاجماع، فلا يكون لهم إلا ~~أثمانها أو ما وجد منها. وخصص مالك والشافعي هذه القاعدة بأخبار رويت في ~~هذا الباب رواها الأئمة أبو داود وغيره. # الحادية والعشرون - قوله تعالى: (ولا نكتم شهادة الله) أي ما أعلمنا الله ~~من الشهادة. وفيها سبع قراءات من أرادها وجدها في (التحصيل) (3) وغيره. # PageV06P357 # الثانية والعشرون - قوله تعالى: (فإن عثر على أنهما استحقا إثما) قال ~~عمر: هذه الآية أعضل ما في هذه السورة من الاحكام. وقال الزجاج: أصعب ما في ~~القرآن من الاعراب قوله: " من الذين استحق عليهم الأوليان ". عثر على كذا ~~أي اطلع عليه، يقال: # عثرت منه على خيانة أي اطلعت، وأعثرت غيري عليه، ومنه قوله تعالى: " ~~وكذلك أعثرنا عليهم " (1) [الكهف: 21]. لأنهم كانوا يطلبونهم وقد خفى عليهم ~~موضعهم، وأصل العثور الوقوع والسقوط على الشئ، ومنه قولهم: عثر الرجل يعثر ~~عثورا إذا وقعت إصبعه بشئ صدمته، وعثرت ms2334 إصبع فلان بكذا إذا صدمته فأصابته ~~ووقعت عليه. وعثر الفرس عثارا قال الأعشى: # بذات (2) لوث عفرناة إذا عثرت * فالتعس أدنى لها من أن أقول لعا والعثير ~~الغبار الساطع، لأنه يقع على الوجه، والعثير الأثر الخفي لأنه يوقع عليه من ~~خفاء. # والضمير في " أنهما " يعود على الوصيين اللذين ذكرا في قوله عز وجل: " ~~اثنان " عن سعيد ابن جبير. وقيل: على الشاهدين، عن ابن عباس. و " استحقا " ~~أي استوجبا " إثما " يعني بالخيانة، وأخذهما ما ليس لهما، أو باليمين ~~الكاذبة أو بالشهادة الباطلة. وقال أبو علي: الاثم هنا اسم الشئ المأخوذ، ~~لان آخذه بأخذه آثم، فسمي إثما كما سمي ما يؤخذ بغير حق مظلمة. # وقال سيبويه: المظلمة اسم ما أخذ منك، فكذلك سمي هذا المأخوذ باسم المصدر ~~وهو الجام. # الثالثة والعشرون - قوله تعالى: (فاخران يقومان مقامهما) يعني في الايمان ~~أو في الشهادة، وقال " آخران " بحسب أن الورثة كانا اثنين. وارتفع " آخران ~~" بفعل مضمر. " يقومان " في موضع نعت. " مقامهما " مصدر، وتقديره: مقاما ~~مثل مقامهما، ثم أقيم النعت مقام المنعوت، المضاف مقام المضاف إليه الرابعة ~~والعشرون - قوله تعالى: (من الذين استحق عليهم (3) الأوليان) قال ابن ~~السري: # المعنى استحق عليهم الايصاء، قال النحاس: وهذا من أحسن ما قيل فيه، لأنه ~~لا يجعل # PageV06P358 # حرف بدلا من حرف، واختاره ابن العربي، وأيضا فإن التفسير عليه، لان ~~المعنى عند أهل التفسير: من الذين استحقت عليهم الوصية. و " الأوليان " بدل ~~من قوله: " فآخران قاله ابن السري، واختاره النحاس وهو بدل المعرفة من ~~النكرة وإبدال المعرفة من النكرة جائز. وقيل: النكرة إذا تقدم ذكرها ثم ~~أعيد ذكرها صارت معرفة، كقوله تعالى: " كمشكاة فيها مصباح " (1) [النور: ~~35] ثم قال: " المصباح في زجاجة " [النور: 35] ثم قال: " الزجاجة " [النور: ~~35]. وقيل: وهو بدل من الضمير في " يقومان " كأنه قال: فيقوم الأوليان أو ~~خبر ابتداء محذوف، التقدير: # فآخران يقومان مقامهما هما الأوليان. وقال ابن عيسى: " الأوليان " مفعول ~~" استحق " على حذف المضاف، أي استحق فيهم وبسببهم إثم الأوليين فعليهم ~~بمعنى فيهم مثل " على ملك سليمان " (2) [البقرة: 102] أي في ms2335 ملك سليمان. ~~وقال الشاعر: # متى ما تنكروها تعرفوها * على أقطارها علق نفيث (3) أي في أقطارها. وقرأ ~~يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة " الأولين " جمع أول على أنه بدل من " اللذين " ~~أو من الهاء والميم في " عليهم " وقرأ حفص: " استحق " بفتح التاء والحاء، ~~وروي عن أبي بن كعب، وفاعله " الأوليان " والمفعول محذوف، والتقدير: من ~~الذين استحق عليهم الأوليان بالميت وصيته التي أوصى بها. وقيل: استحق عليهم ~~الأوليان رد الايمان. وروي عن الحسن: " الأولان " وعن ابن سيرين: " الأولين ~~" (4) قال النحاس: # والقراءتان لحن، لا يقال في مثنى، مثنان، غير أنه قد روي عن الحسن " ~~الأولان ". # الخامسة والعشرون - قوله تعالى: (فيقسمان بالله) أي يحلفان الآخران ~~اللذان يقومان مقام الشاهدين (أن الذي قال صاحبنا في وصيته حق، وأن المال ~~الذي وصى به إليكما كان أكثر مما أتيتمانا به وأن هذا الاناء لمن متاع ~~صاحبنا الذي خرج به معه وكتبه في وصيته، وأنكما خنتما) فذلك قوله: ~~(لشهادتنا أحق من شهادتهما) أي يميننا أحق من يمينهما، # PageV06P359 # فصح أن الشهادة قد تكون بمعنى اليمين، ومنه قوله تعالى: " فشهادة أحدهم ~~أربع شهادات " (1) [النور: 6]. وقد روى معمر عن أيوب عن ابن سيرين عن عبيدة ~~قال: قام رجلان من أولياء الميت فحلفا. " لشهادتنا أحق " ابتداء وخبر. ~~وقوله: (وما اعتدينا) أي تجاوزنا الحق في قسمنا. (إنا إذا لمن الظالمين) أي ~~إن كنا حلفنا على باطل، وأخذنا ما ليس لنا. # السادسة والعشرون - قوله تعالى: " ذلك أدنى " ابتداء وخبر. " أن " في ~~موضع نصب. " يأتوا " نصب ب‍ " - أن ". " أو يخافوا " عطف عليه. " أن ترد " ~~في موضع نصب ب‍ " - يخافوا ". " إيمان بعد أيمانهم " قيل: الضمير في " ~~يأتوا " و " يخافوا " راجع إلى الموصى إليهما، وهو الأليق بمساق الآية. ~~وقيل: المراد به الناس، أي أحرى أن يحذر الناس الخيانة فيشهدوا بالحق خوف ~~الفضيحة في رد اليمين على المدعي، والله أعلم. # السابعة والعشرون - قوله تعالى: (واتقوا الله واسمعوا) أمر، ولذلك حذفت ~~منه النون، أي اسمعوا ما يقال لكم، قابلين له، متبعين أمر الله فيه. (والله ~~لا يهدى القوم الفاسقين) فسق ms2336 يفسق ويفسق إذا خرج من الطاعة إلى المعصية، ~~وقد تقدم (2)، والله أعلم. # قوله تعالى: يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك ~~أنت علام الغيوب (109) قوله تعالى: (يوم يجمع الله الرسل) يقال: ما وجه ~~اتصال هذه الآية بما قبلها؟ # فالجواب - أنه اتصال الزجر عن الاظهار خلاف الابطان في وصية أو غيرها مما ~~ينبئ أن المجازي عليه عالم به. و " يوم " ظرف زمان والعامل فيه " واسمعوا " ~~أي واسمعوا خبر يوم. وقيل: # التقدير واتقوا يوم يجمع الله الرسل، عن الزجاج. وقيل: التقدير اذكروا أو ~~احذروا يوم القيامة حين يجمع الله الرسل، والمعنى متقارب، والمراد التهديد ~~والتخويف. (فيقول ماذا أجبتم) أي ما الذي أجابتكم به أممكم؟ وما الذي رد ~~عليكم قومكم حين دعوتموهم إلى # PageV06P360 # توحيدي؟ " قالوا " أي فيقولون: " لا علم لنا " واختلف أهل التأويل في ~~المعنى المراد بقولهم: " لا علم لنا " فقيل: معناه لا علم لنا بباطن ما ~~أجاب به أممنا، لان ذلك هو الذي يقع عليه الجزاء، وهذا مروي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم. وقيل: المعنى لا علم لنا إلا ما علمتنا، فحذف، عن ابن عباس ~~ومجاهد بخلاف. وقال ابن عباس أيضا: معناه لا علم لنا إلا علم أنت أعلم به ~~منا. وقيل: إنهم يذهلون (1) من هول ذلك ويفزعون من (2) الجواب، ثم يجيبون ~~بعدما تثوب إليهم عقولهم فيقولون: " لا علم لنا " قاله الحسن ومجاهد ~~والسدي. # قال النحاس: وهذا لا يصح، لان الرسل صلوات الله عليهم لا خوف عليهم ولا ~~هم يحزنون. # قلت: هذا في أكثر مواطن القيامة، ففي الخبر [إن جهنم إذا جئ بها زفرت ~~زفرة فلا يبقى نبي ولا صديق إلا جثا لركبتيه] وقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: [خوفني جبريل يوم القيامة حتى أبكاني فقلت يا جبريل ألم يغفر لي ما ~~تقدم من ذنبي وما تأخر؟ فقال لي يا محمد لتشهدن من هول ذلك اليوم ما ينسيك ~~المغفرة]. # قلت: فإن كان السؤال عند زفرة جهنم - كما قاله بعضهم - فقول مجاهد والحسن ~~صحيح، والله أعلم. ms2337 قال النحاس: والصحيح في هذا أن المعنى: ماذا أجبتم في ~~السر والعلانية ليكون هذا توبيخا للكفار، فيقولون: لا علم لنا، فيكون هذا ~~تكذيبا لمن اتخذ المسيح إلها. # وقال ابن جريج: معنى قوله: " ماذا أجبتم " ماذا عملوا بعدكم؟ قالوا: " لا ~~علم لنا إنك أنت علام الغيوب ". قال أبو عبيد: ويشبه هذا حديث النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: [يرد علي أقوام الحوض فيختلجون (3) فأقول أمتي ~~فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك]. وكسر الغين [من الغيوب] (4) حمزة ~~[والكسائي] (5) وأبو بكر، وضم الباقون. قال الماوردي فإن قيل: # فلم سألهم عما هو أعلم به منهم؟ فعنه جوابان: أحدهما - أنه سألهم ليعلمهم ~~ما لم يعلموا من كفر أممهم ونفاقهم وكذبهم عليهم من بعدهم. الثاني - أنه ~~أراد أن يفضحهم بذلك على رؤوس الاشهاد ليكون ذلك نوعا من العقوبة لهم. # PageV06P361 # قوله تعالى: إذ قال الله يا عيسى ابن مريم أذكر نعمتي عليك وعلى والدتك ~~إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة ~~والتوراة والإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون ~~طيرا بإذني وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني وإذ كففت بني ~~إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين ~~(110) قوله تعالى: (إذ قال الله يا عيسى ابن مريم أذكر نعمتي عليك) هذا من ~~صفة يوم القيامة كأنه قال: أذكر يوم يجمع الله الرسل وإذ يقول الله لعيسى ~~كذا، قاله المهدوي. # و " عيسى " يجوز أن يكون في موضع رفع على أن يكون " ابن مريم " نداء ~~ثانيا، ويجوز أن يكون في موضع نصب، لأنه نداء منصوب كما قال: (1) * يا حكم ~~بن المنذر بن الجارود * ولا يجوز الرفع في الثاني إذا كان مضافا إلا عند ~~الطوال (2). # وقوله تعالى: " أذكر نعمتي عليك " إنما ذكر الله تعالى عيسى نعمته عليه ~~وعلى والدته وإن كان لهما ذاكرا لامرين: أحدهما: ليتلو على الأمم ما خصهما ~~به من الكرامة، وميزهما به من علو المنزلة. الثاني - ليؤكد ms2338 به حجته، ويرد ~~به جاحده. ثم أخذ في تعديد (3) نعمه فقال: # " إذ أيدتك " يعني قويتك، مأخوذ من الأيد وهو القوة، وقد تقدم (4). وفي " ~~روح القدس " # PageV06P362 # وجهان: أحدهما: أنها الروح الطاهرة التي خصه الله بها كما تقدم في قوله " ~~وروح منه " (1) [النساء: 171] الثاني: أنه جبريل عليه السلام وهو الأصح، ~~كما تقدم في " البقرة ". (تكلم الناس) يعني وتكلم الناس في المهد صبيا، وفي ~~الكهولة نبيا، وقد تقدم ما في هذا في [آل عمران] (3) فلا معنى لإعادته. " ~~كففت " معناه دفعت وصرفت " بني إسرائيل عنك " حين هموا بقتلك. # " إذ جئتهم بالبينات " أي الدلالات والمعجزات، وهي المذكورة في الآية. ~~(فقال الذين كفروا) يعني الذين لم يؤمنوا بك وجحدوا نبوتك. (إن هذا) أي ~~المعجزات. (إلا سحر مبين). وقرأ حمزة والكسائي " ساحر " أي إن هذا الرجل ~~إلا ساحر قوي على السحر. # قوله تعالى: وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا ~~وأشهد بأننا مسلمون (111) قوله تعالى: (وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا ~~بي وبرسولي) قد تقدم القول في معاني هذه الآية (3). والوحي في كلام العرب ~~معناه الالهام ويكون على أقسام: وحي بمعنى إرسال جبريل إلى الرسل عليهم ~~السلام. ووحى بمعنى الالهام كما في هذه الآية، أي ألهمتهم وقذفت في قلوبهم، ~~ومنه قوله تعالى: " وأوحى ربك إلى النحل " (4) [النحل: 68] " وأوحينا إلى ~~أم موسى " (5) [القصص: 7] ووحي بمعنى الاعلام في اليقظة والمنام. قال أبو ~~عبيدة: أوحيت بمعنى أمرت، " وإلى " صلة يقال: وحى وأوحى بمعنى، قال الله ~~تعالى: " بأن ربك أوحى لها " (6) [الزلزلة: 5] وقال العجاج: # * وحى لها القرار فاستقرت (7) أي أمرها بالقرار فاستقرت. وقيل: " أوحيت " ~~هنا بمعنى أمرتهم. وقيل: بينت لهم. (وأشهد بأننا مسلمون) على الأصل، ومن ~~العرب من يحذف إحدى النونين، أي واشهد يا رب. وقيل: يا عيسى بأننا مسلمون ~~لله. # PageV06P363 # قوله تعالى: إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل ~~علينا مائدة من السماء قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين (112) قوله تعالى: " ~~إذ قال الحواريون يا عيسى بن مريم " على ما تقدم من ms2339 الاعراب. # " هل يستطيع ربك ". قراءة الكسائي وعلي وابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد " ~~هل تستطيع " بالتاء " ربك " بالنصب. وأدغم الكسائي اللام من " هل " في ~~التاء. وقرأ الباقون بالياء، " ربك " بالرفع، وهذه القراءة أشكل من الأولى، ~~فقال السدي: المعنى هل يطيعك ربك إن سألته " أن ينزل " فيستطيع بمعنى يطيع، ~~كما قالوا: استجاب بمعنى أجاب، وكذلك استطاع بمعنى أطاع. وقيل المعنى: هل ~~يقدر ربك وكان هذا السؤال في ابتداء أمرهم قبل استحكام معرفتهم بالله عز ~~وجل، ولهذا قال عيسى في الجواب عند غلطهم وتجويزهم على الله ما لا يجوز: " ~~اتقوا الله إن كنتم مؤمنين " أي لا تشكوا في قدرة الله تعالى. # قلت: وهذا فيه نظر، لان الحواريين خلصان الأنبياء ودخلاؤهم وأنصارهم كما ~~قال: # " من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله " [الصف: 14] (1). ~~وقال عليه السلام: [لكل نبي حواري وحواري الزبير] ومعلوم أن الأنبياء صلوات ~~الله وسلامه عليهم جاءوا بمعرفة الله تعالى وما يجب له وما يجوز وما يستحيل ~~عليه وأن يبلغوا ذلك أممهم، فكيف يخفى ذلك على من باطنهم واختص بهم حتى ~~يجهلوا قدرة الله تعالى؟ إلا أنه يجوز أن يقال: إن ذلك صدر ممن كان معهم، ~~كما قال بعض جهال الاعراب للنبي صلى الله عليه وسلم: اجعل لنا ذات أنواط ~~كما لهم ذات أنواط (2)، وكما قال من قال من قوم موسى: " اجعل لنا إلها كما ~~لهم آلهة " [الأعراف: 138] على ما يأتي بيانه في " الأعراف " (3) إن شاء ~~الله تعالى. وقيل: إن القوم لم يشكوا في استطاعة الباري سبحانه لأنهم كانوا ~~مؤمنين عارفين عالمين، وإنما هو كقولك للرجل: هل يستطيع فلان أن يأتي # PageV06P364 # وقد علمت أنه يستطيع، فالمعنى: هل يفعل ذلك؟ وهل يجيبني إلى ذلك أم لا؟ ~~وقد كانوا عالمين باستطاعة الله تعالى لذلك ولغيره علم دلالة وخبر ونظر ~~فأرادوا علم معاينة كذلك، كما قال إبراهيم صلى الله عليه وسلم: " رب أرني ~~كيف تحيي الموتى " [البقرة: 260] على ما تقدم وقد كان إبراهيم علم لذلك علم ~~خبر ونظر، ولكن أراد المعاينة التي لا ms2340 يدخلها ريب ولا شبهة، لان علم النظر ~~والخبر قد تدخله الشبهة والاعتراضات، وعلم المعاينة لا يدخله شئ من ذلك، ~~ولذلك قال الحواريون: " وتطمئن قلوبنا " كما قال إبراهيم: " ولكن ليطمئن ~~قلبي " (1) [البقرة: 260] قلت: وهذا تأويل حسن، وأحسن منه أن ذلك كان من ~~قول من كان مع الحواريين، على ما يأتي بيانه وقد أدخل ابن العربي المستطيع ~~في أسماء الله تعالى، وقال: لم يرد به كتاب ولا سنة اسما وقد ورد فعلا، ~~وذكر قول الحواريين: " هل يستطيع ربك ". ورده عليه ابن الحصار في كتاب شرح ~~السنة له وغيره، قال ابن الحصار: وقوله سبحانه مخبرا عن الحواريين لعيسى: " ~~هل يستطيع ربك " ليس بشك في الاستطاعة، وإنما هو تلطف في السؤال، وأدب مع ~~الله تعالى، إذ ليس كل ممكن سبق في علمه وقوعه ولا (2) لكل أحد، والحواريون ~~هم (3) كانوا خيرة من آمن بعيسى، فكيف يظن بهم الجهل باقتدار الله تعالى ~~على كله شئ ممكن؟! وأما قراءة " التاء " فقيل: المعنى هل تستطيع أن تسأل ~~ربك هذا قول عائشة ومجاهد - رضي الله عنهما، قالت عائشة رضي الله عنها: كان ~~القوم أعلم بالله عز وجل من أن يقولوا " هل يستطيع ربك " [قالت: (4)] ولكن ~~" هل تستطيع ربك ". # وروي عنها أيضا أنها قالت: كان الحواريون لا يشكون أن الله يقدر على ~~إنزال مائدة ولكن قالوا: " هل تستطيع ربك " وعن معاذ بن جبل قال: أقرأنا ~~النبي صلى الله عليه وسلم " هل تستطيع ربك " قال معاذ: وسمعت النبي صلى ~~الله عليه وسلم مرارا يقرأ بالتاء " هل تسطيع ربك " وقال الزجاج: المعنى هل ~~تستدعي طاعة ربك فيما تسأله. وقيل: هل تستطيع أن تدعو ربك أو تسأله، ~~والمعنى متقارب، ولا بد من محذوف كما قال: " واسأل # PageV06P365 # القرية " (1) [يوسف: 82] وعلى قراءة الياء لا يحتاج إلى حذف. (قال اتقوا ~~الله) أي اتقوا معاصيه وكثرة السؤال، فإنكم لا تدرون ما يحل بكم عند اقتراح ~~الآيات، إذ كان الله عز وجل إنما يفعل الأصلح لعباده. (إن كنتم مؤمنين) أي ~~إن كنتم مؤمنين به وبما جئت به فقد ms2341 جاءكم من الآيات ما فيه غنى. # قوله تعالى: قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ~~ونكون عليها من الشاهدين (113) قوله تعالى: " قالوا نريد أن نأكل منها " ~~نصب بأن " وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين " عطف ~~كله، بينوا به سبب سؤالهم حين نهوا عنه. # وفى قولهم: " نأكل منها " وجهان: أحدهما - أنهم أرادوا الاكل منها للحاجة ~~الداعية إليها، وذلك أن عيسى عليه السلام كان إذا خرج اتبعه خمسة آلاف أو ~~أكثر، بعضهم كانوا أصحابه وبعضهم كانوا يطلبون منه أن يدعو لهم لمرض كان ~~بهم أو علة، إذ كانوا زمني أو عميانا، وبعضهم كانوا ينظرون ويستهزئون فخرج ~~يوما إلى موضع فوقعوا في مفازة ولم يكن معهم نفقة فجاعوا وقالوا للحواريين: ~~قولوا لعيسى حتى يدعو بأن تنزل علينا مائدة من السماء، فجاءه شمعون رأس ~~الحواريين وأخبره أن الناس يطلبون بأن تدعو بأن تنزل عليهم مائدة من ~~السماء، فقال عيسى لشمعون: " قل لهم اتقوا الله إن كنتم مؤمنين " فأخبر ~~بذلك شمعون القوم فقالوا له: قل له: " نريد أن نأكل منها " الآية. الثاني - ~~" نأكل منها " لننال (2) بركتها لا لحاجة دعتهم إليها، قال الماوردي: وهذا ~~أشبه، لأنهم لو احتاجوا لم ينهوا عن السؤال [وقولهم:] (3) " وتطمئن قلوبنا ~~" يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: تطمئن إلى أن الله تعالى بعثك إلينا نبيا. ~~الثاني: تطمئن إلى أن الله تعالى قد اختارنا لدعوتنا (4). الثالث: تطمئن ~~إلى أن الله تعالى قد أجابنا إلى ما سألنا، ذكرها الماوردي وقال المهدوي: ~~أي تطمئن بأن الله قد قبل صومنا وعملنا. قال الثعلبي: نستيقن قدرته فتسكن ~~قلوبنا. " ونعلم أن قد صدقتنا " # PageV06P366 # بأنك رسول الله " ونكون عليها من الشاهدين " لله بالوحدانية، ولك ~~بالرسالة والنبوة. # وقيل: " ونكون عليها من الشاهدين " لك عند من لم يرها إذا رجعنا إليهم. # قوله تعالى: قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء ~~تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين (114) ~~قوله تعالى: (قال عيسى بن مريم اللهم ربنا) الأصل عند ms2342 سيبويه يا الله، ~~والميمان بدل من " يا " " ربنا " نداء ثان، لا يجيز سيبويه غيره ولا يجوز ~~أن يكون نعتا لأنه قد أشبه الأصوات من أجل ما لحقه. (أنزل علينا مائدة) ~~المائدة الخوان الذي عليه الطعام قال قطرب: لا تكون المائدة مائدة حتى يكون ~~عليها طعام فإن لم يكن قيل: # خوان وهي فاعلة من ماد عبده إذا أطعمه وأعطاه، فالمائدة تميد ما عليها أي ~~تعطي ومنه قول رؤبة أنشده الأخفش: # تهدي رؤوس المترفين الأنداد * إلى أمير المؤمنين الممتاد أي المستعطى ~~المسؤول فالمائدة هي المطعمة والمعطية الآكلين الطعام ويسمى الطعام أيضا ~~مائدة تجوزا لأنه يؤكل على المائدة، كقولهم للمطر سماء. وقال أهل الكوفة: # سميت مائدة لحركتها بما عليها من قولهم: ماد الشئ إذا مال وتحرك (1) قال ~~الشاعر: # لعلك باك إن تغنت حمامة * يميد بها غصن من الأيك مائل وقال آخر: # وأقلقني قتل الكناني بعده * فكادت بي الأرض الفضاء تميد ومنه قوله تعالى: ~~" وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم " (2) [النحل: 15]. وقال أبو عبيدة: ~~مائدة فاعلة بمعنى مفعولة، مثل " عيشة راضية " (3) [الحاقة: 21] بمعنى ~~مرضية و " ماء دافق " (4) [الطارق: 6] أي مدفوق. # قوله تعالى: (تكون لنا عيدا) " تكون " نعت لمائدة وليس بجواب. # PageV06P367 # وقرأ الأعمش " تكن " على الجواب، والمعنى: يكون يوم نزولها " عيدا لأولنا ~~" أي لأول أمتنا وآخرها فقيل: إن المائدة نزلت عليهم يوم الأحد غدوة وعشية ~~فلذلك جعلوا الأحد عيدا. والعيد واحد الأعياد وإنما جمع بالياء وأصله الواو ~~للزومها في الواحد ويقال: للفرق بينه وبين أعواد الخشب وقد عيدوا أي شهدوا ~~العيد قاله الجوهري. # وقيل: أصله من عاد يعود أي رجع فهو عود بالواو، فقلبت ياء لانكسار ما ~~قبلها مثل الميزان والميقات والميعاد فقيل ليوم الفطر والأضحى: عيدا لأنهما ~~يعودان كل سنة. وقال الخليل: العيد كل يوم يجمع (1) كأنهم عادوا إليه. وقال ~~ابن الأنباري: سمي عيدا للعود في المرح والفرح فهو يوم سرور الخلق كلهم، ~~ألا ترى أن المسجونين في ذلك اليوم لا يطالبون ولا يعاقبون ولا يصاد الوحش ~~ولا الطيور ولا ننفذ الصبيان إلى ms2343 المكاتب. وقيل: سمي عيدا لان كل إنسان ~~يعود إلى قدر منزلته ألا ترى إلى اختلاف ملابسهم وهيئاتهم ومآكلهم فمنهم من ~~يضيف ومنهم من يضاف ومنهم من يرحم ومنهم من يرحم. وقيل: سمي بذلك لأنه يوم ~~شريف تشبيها بالعيد: وهو فحل كريم مشهور عند العرب وينسبون إليه فيقال: # إبل عيدية قال: # * عيدية أرهنت فيها الدنانير * وقد تقدم. وقرأ زيد بن ثابت " لأولانا ~~وأخرانا " على الجمع (3) قال ابن عباس: يأكل منها آخر الناس كما يأكل ~~[منها] (4) أولهم (وآية منك) يعني دلالة وحجة. (وارزقنا) أي أعطنا. (وأنت ~~خير الرازقين) أي خير من أعطى ورزق، لأنك الغني الحميد. # قوله تعالى: قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه ~~عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين (115) # PageV06P368 # قوله تعالى " قال الله إني منزلها عليكم " هذا وعد من الله تعالى أجاب به ~~سؤال عيسى كما كان سؤال عيسى إجابة للحواريين وهذا يوجب أنه قد أنزلها ~~ووعده الحق، فجحد القوم وكفروا بعد نزولها فمسخوا قردة وخنازير. قال ابن ~~عمر: إن أشد الناس عذابا يوم القيامة المنافقون ومن كفر من أصحاب المائدة ~~وآل فرعون قال الله تعالى: # " فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين ". ~~واختلف العلماء في المائدة هل نزلت أم لا؟ فالذي عليه الجمهور - وهو الحق - ~~نزولها لقوله تعالى: # " إني منزلها عليكم ". وقال مجاهد: ما نزلت وإنما هو ضرب مثل ضربه الله ~~تعالى لخلقه فنهاهم عن مسألة الآيات لأنبيائه. وقيل: وعدهم بالإجابة فلما ~~قال لهم: " فمن يكفر بعد منكم " الآية استعفوا منها، واستغفروا الله ~~وقالوا: لا نريد هذا، قاله الحسن. # وهذا القول الذي قبله خطأ والصواب أنها نزلت. قال ابن عباس: إن عيسى ابن ~~مريم قال لبني إسرائيل: [صوموا ثلاثين يوما ثم سلوا الله ما شئتم يعطكم] ~~فصاموا ثلاثين يوما وقالوا: يا عيسى لو عملنا لاحد فقضينا عملنا [لأطعمنا] ~~(1)، وإنا صمنا وجعنا فادع الله أن ينزل علينا مائدة من السماء فأقبلت ~~الملائكة بمائدة يحملونها، عليها سبعة أرغفة وسبعة أحوات (2) فوضعوها بين ms2344 ~~أيديهم فأكل منها آخر الناس كما أكل أولهم. وذكر أبو عبد الله محمد بن علي ~~الترمذي [الحكيم] (3) في " نوادر الأصول " له: حدثنا عمر بن أبي عمر قال ~~حدثنا عمار بن هارون الثقفي عن زكرياء بن حكيم الحنظلي عن علي بن زيد بن ~~جدعان عن أبي عثمان النهدي عن سلمان الفارسي قال: لما سألت الحواريون عيسى ~~بن مريم - صلوات الله وسلامه عليه - المائدة قام فوضع ثياب الصوف ولبس ثياب ~~المسوح - وهو سربال من مسوح أسود ولحاف أسود - فقام فألزق القدم بالقدم ~~وألصق العقب بالعقب والابهام بالابهام، ووضع يده اليمنى على يده اليسرى ثم ~~طأطأ رأسه خاشعا لله ثم أرسل عينيه يبكى حتى جرى الدمع # PageV06P369 # على لحيته وجعل يقطر على صدره ثم قال: " اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من ~~السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين ~~قال الله إني منزلها عليكم " الآية فنزلت سفرة حمراء مدورة بين غمامتين ~~غمامة من فوقها وغمامة من تحتها والناس ينظرون إليها، فقال عيسى: [اللهم ~~اجعلها رحمة ولا تجعلها فتنة إلهي أسألك من العجائب فتعطى] فهبطت بين يدي ~~عيسى عليه السلام وعليها منديل مغطى فخر عيسى ساجدا والحواريون معه وهم ~~يجدون لها رائحة طيبة ولم يكونوا يجدون [مثلها] (1) قبل ذلك فقال عيسى: ~~[أيكم أعبد لله وأجرأ على الله وأوثق بالله فليكشف عن هذه السفرة حتى نأكل ~~منها ونذكر اسم الله عليها ونحمد الله عليها] فقال الحواريون: يا روح الله ~~أنت أحق بذلك فقام عيسى - صلوات الله عليه - فتوضأ وضوءا حسنا وصلى صلاة ~~جديدة ودعا دعاء كثيرا ثم جلس إلى السفرة فكشف عنها فإذا عليها سمكة مشوية ~~ليس فيها شوك تسيل سيلان الدسم وقد نضد حولها من كل البقول ما عدا الكراث ~~وعند رأسها ملح وخل وعند ذنبها خمسة أرغفة على واحد منها خمس رمانات وعلى ~~الآخر تمرات وعلى الآخر زيتون. # قال الثعلبي: على واحد منها زيتون، وعلى الثاني عسل وعلى الثالث بيض وعلى ~~الرابع جبن وعلى الخامس قديد. فبلغ ذلك اليهود فجاءوا ms2345 غما وكمدا ينظرون ~~إليه فرأوا عجبا فقال شمعون - وهو رأس الحواريين - يا روح الله أمن طعام ~~الدنيا أم من طعام الجنة؟ فقال عيسى صلوات الله عليه: [أما افترقتم (2) بعد ~~عن هذه المسائل ما أخوفني أن تعذبوا]. فقال شمعون: وإله بني (3) إسرائيل ما ~~أردت بذلك سوءا. فقالوا: يا روح الله لو كان مع هذه الآية آية أخرى قال ~~عيسى عليه السلام: [يا سمكة أحيي بإذن الله] فاضطربت السمكة طرية تبص (4) ~~عيناها، ففزع الحواريون فقال عيسى: [ما لي أراكم تسألون عن الشئ فإذا ~~أعطيتموه كرهتموه ما أخوفني أن تعذبوا] وقال: [لقد نزلت من السماء وما ~~عليها طعام من الدنيا # PageV06P370 # ولا من طعام الجنة ولكنه شئ ابتدعه الله بالقدرة البالغة فقال لها كوني ~~فكانت] فقال عيسى: [يا سمكة عودي كما كنت] فعادت مشوية كما كانت فقال ~~الحواريون: يا روح الله كن أول من يأكل منها، فقال عيسى: [معاذ الله إنما ~~يأكل منها من طلبها وسألها] فأبت الحواريون أن يأكلوا منها خشية أن تكون ~~مثلة (1) وفتنة فلما رأى عيسى ذلك دعا عليها الفقراء والمساكين والمرضى ~~والزمني والمجذمين والمقعدين والعميان وأهل الماء الأصفر، وقال: # [كلوا من رزق ربكم ودعوة نبيكم واحمدوا الله عليه] وقال: [يكون المهنأ ~~لكم والعذاب على غيركم] فأكلوا حتى صدروا عن سبعة آلاف وثلاثمائة يتجشئون ~~(2) فبرئ كل سقيم أكل منه، واستغنى كله فقير أكل منه حتى الممات فلما رأى ~~ذلك الناس ازدحموا عليه فما بقي صغير ولا كبير ولا شيخ ولا شاب ولا غني ولا ~~فقير إلا جاءوا يأكلون منه فضغط بعضهم بعضا فلما رأى ذلك عيسى جعلها نوبا ~~بينهم فكانت تنزل يوما ولا تنزل يوما كناقة ثمود ترعى يوما وتشرب يوما ~~فنزلت أربعين يوما تنزل ضحا فلا تزال حتى يفئ الفئ موضعه وقال الثعلبي: فلا ~~تزال منصوبة يؤكل منها حتى إذا فاء الفئ طارت صعدا فيأكل منها الناس ثم ~~ترجع إلى السماء والناس ينظرون إلى ظلها حتى تتوارى عنهم فلما تم أربعون ~~يوما أوحى الله تعالى إلى عيسى عليه السلام [يا ms2346 عيسى اجعل مائدتي هذه ~~للفقراء دون الأغنياء] فتمارى (3) الأغنياء في ذلك وعادوا الفقراء [وشكوا] ~~(4) وشككوا الناس فقال الله يا عيسى: [إني آخذ بشرطي] فأصبح منهم ثلاثة ~~وثلاثون خنزيرا يأكلون العذرة يطلبونها بالاكباء والاكباء هي الكناسة ~~واحدها كبا (5) بعدما كانوا يأكلون الطعام الطيب وينامون على الفرش اللينة ~~فلما رأى الناس ذلك اجتمعوا على عيسى يبكون، وجاءت الخنازير فجثوا على ~~ركبهم قدام عيسى فجعلوا يبكون وتقطر دموعهم فعرفهم عيسى فجعل يقول: [ألست ~~بفلان]؟ فيومئ برأسه ولا يستطيع الكلام فلبثوا كذلك سبعة أيام ومنهم من ~~يقول: أربعة أيام، # PageV06P371 # ثم دعا الله عيسى أن يقبض أرواحهم فأصبحوا لا يدرى أين ذهبوا؟ الأرض ~~ابتلعتهم أو ما صنعوا؟!. # قلت: في هذا الحديث مقال ولا يصح من قبل إسناده. وعن ابن عباس وأبي عبد ~~الرحمن السلمي كان طعام المائدة خبزا وسمكا وقال ابن عطية: كانوا يجدون في ~~السمك طيب كله طعام، وذكره الثعلبي. وقال عمار بن ياسر وقتادة: كانت مائدة ~~تنزل من السماء وعليها ثمار من ثمار الجنة. وقال وهب بن منبه: أنزله الله ~~تعالى أقرصة من شعير وحيتانا. وخرج الترمذي في أبواب التفسير عن عمار بن ~~ياسر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # [أنزلت المائدة من السماء خبزا ولحما وأمروا ألا يخونوا ولا يدخروا لغد ~~فخانوا وادخروا ورفعوا لغد فمسخوا قردة وخنازير] قال أبو عيسى: هذا حديث قد ~~رواه أبو عاصم وغير واحد عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن خلاس عن عمار بن ~~ياسر موقوفا ولا نعرفه مرفوعا إلا من حديث الحسن بن قزعة حدثنا حميد بن ~~مسعدة قال حدثنا سفيان بن حبيب عن سعيد بن أبي عروبة نحوه ولم يرفعه، وهذا ~~أصح من حديث الحسن بن قزعة ولا نعلم للحديث المرفوع أصلا. وقال سعيد بن ~~جبير: أنزل على المائدة كل شئ إلا الخبز واللحم. # وقال عطاء: نزل عليها كل شئ إلا السمك واللحم. وقال كعب: نزلت المائدة ~~منكوسة (1) من السماء تطير بها الملائكة بين السماء والأرض عليها كل طعام ~~إلا اللحم. ms2347 # قلت: هذه الثلاثة أقوال مخالفة لحديث الترمذي وهو أولى منها، لأنه إن لم ~~يصح مرفوعا فصح موقوفا عن صحابي كبير والله أعلم والمقطوع به أنها نزلت ~~وكان عليها طعام يؤكل والله أعلم بتعيينه. وذكر أبو نعيم عن كعب أنها نزلت ~~ثانية لبعض عباد بني إسرائيل قال كعب: اجتمع ثلاثة نفر من عباد بني إسرائيل ~~فاجتمعوا في أرض فلاة مع كل رجل منهم اسم من أسماء الله تعالى فقال أحدهم: ~~سلوني فأدعو الله لكم بما شئتم قالوا: نسألك أن تدعو الله أن يظهر لنا عينا ~~ساحة بهذا المكان، ورياضا خضرا وعبقريا قال: فدعا الله فإذا # PageV06P372 # عين ساحة ورياض خضر وعبقري. ثم قال أحدهم: سلوني فأدعو الله لكم بما شئتم ~~فقالوا: # نسألك أن تدعو الله أن يطعمنا شيئا من ثمار الجنة فدعا الله فنزلت عليهم ~~بسرة فأكلوا منها لا تقلب إلا أكلوا منها لونا ثم رفعت ثم قال أحدهم: سلوني ~~فأدعو الله لكم بما شئتم، فقالوا: # نسألك أن تدعو الله أن ينزل علينا المائدة التي أنزلها على عيسى قال: ~~فدعا فنزلت فقضوا منها حاجتهم ثم رفعت وذكر تمام الخبر. # مسألة: جاء في حديث سلمان المذكور بيان المائدة وأنها كانت سفرة لا مائدة ~~ذات قوائم والسفرة مائدة النبي صلى الله عليه وسلم وموائد العرب خرج أبو ~~عبد الله الترمذي [الحكيم] (1): حدثنا محمد بن [بسار] (2)، قال حدثنا معاذ ~~بن هشام قال حدثني أبي عن يونس عن قتادة عن أنس قال: ما أكل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على خوان قط ولا في سكرجة ولا خبز له مرقق. قال: قلت لانس: ~~فعلام كانوا يأكلون؟ قال: على السفر قال محمد بن بشار: يونس هذا هو أبو ~~الفرات الإسكاف. # قلت: هذا حديث صحيح ثابت اتفق على رجاله البخاري ومسلم وخرجه الترمذي ~~قال: حدثنا محمد بن بشار قال حدثنا معاذ بن هشام فذكره وقال فيه: حسن غريب. # قال الترمذي أبو عبد الله: الخوان هو شئ محدث فعلته الأعاجم وما كانت ~~العرب لتمتهنها (3) وكانوا يأكلون على السفر واحدها ms2348 سفرة وهي التي تتخذ من ~~الجلود ولها معاليق تنضم وتنفرج فبالانفراج سميت سفرة لأنها إذا حلت ~~معاليقها انفرجت فأسفرت عما فيها فقيل لها السفرة وإنما سمي السفر سفرا ~~لاسفار الرجل بنفسه عن البيوت وقوله: ولا في سكرجة لأنها أوعية الاصباغ ~~(4)، وإنما الاصباغ للألوان ولم تكن من سماتهم الألوان وإنما كان طعامهم ~~الثريد عليه مقطعات اللحم. وكان (5) يقول: " انهسوا (6) اللحم نهسا فإنه ~~أشهى وأمرأ " فإن قيل: فقد جاء ذكر المائدة في الأحاديث من ذلك حديث ابن ~~عباس قال: لو كان الضب حراما # PageV06P373 # ما أكل على مائدة النبي صلى الله عليه وسلم، خرجه مسلم وغيره. وعن عائشة ~~رضي الله عنها - قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [تصلي الملائكة ~~على الرجل ما دامت مائدته موضوعة] خرجه الثقات وقيل: إن المائدة كل شئ يمد ~~ويبسط مثل المنديل والثوب وكان من حقه أن تكون مادة الدال مضعفة فجعلوا ~~إحدى الدالين ياء فقيل: مائدة، والفعل واقع به فكان ينبغي أن تكون ممدودة ~~ولكن خرجت في اللغة مخرج فاعل كما قالوا: # سر كاتم وهو مكتوم وعيشة راضية وهي مرضية وكذلك خرج في اللغة ما هو فاعل ~~على مخرج مفعول فقالوا: رجل مشئوم وإنما هو شائم وحجاب مستور وإنما هو ساتر ~~قال فالخوان هو المرتفع عن الأرض بقوائمه والمائدة ما مد وبسط (1) والسفرة ~~ما أسفر عما في جوفه وذلك لأنها مضمومة بمعاليقها وعن الحسن قال: الاكل على ~~الخوان فعل الملوك وعلى المنديل فعل العجم وعلى السفرة فعل العرب وهو السنة ~~[والله أعلم] (2). # قوله تعالى: (وإذ قال الله يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي ~~إلهين من دون الله). اختلف في وقت هذه المقالة فقال قتادة وابن جريج وأكثر ~~المفسرين: # إنما يقال له هذا يوم القيامة. وقال السدي وقطرب. قال له ذلك حين رفعه ~~إلى السماء وقالت النصارى فيه ما قالت، واحتجوا بقوله: " إن تعذبهم فإنهم ~~عبادك " [المائدة: 118] فإن " إذ " في كلام العرب لما مضى. والأول أصح يدل ~~عليه ما قبله من قوله: " يوم يجمع ms2349 الله الرسل " [المائدة: 109] الآية # PageV06P374 # وما بعده " هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم " [المائدة: 119]. وعلى هذا تكون ~~" إذ " بمعنى " إذا " كقوله تعالى: " ولو ترى إذ فزعوا " (1) [سبأ: 51] أي ~~إذا فزعوا. وقال أبو النجم: # ثم جزاه الله عني إذ جزى * جنات عدن في السماوات العلا يعني إذا جزى. ~~وقال الأسود بن جعفر الأزدي: # فالآن إذ هازلتهن فإنما * يقلن ألا لم يذهب الشيخ مذهبا يعني إذا هازلتهن ~~فعبر عن المستقبل بلفظ الماضي لأنه لتحقيق أمره وظهور برهانه كأنه قد وقع. ~~وفي التنزيل " ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة " (2) [الأعراف: 50] ومثله ~~كثير وقد تقدم. واختلف أهل التأويل في معنى هذا السؤال وليس هو باستفهام ~~وإن خرج مخرج الاستفهام على قولين: أحدهما: أنه سأله عن ذلك توبيخا لمن ~~ادعى ذلك عليه ليكون إنكاره بعد السؤال أبلغ في التكذيب وأشد في التوبيخ ~~والتقريع. الثاني - قصد بهذا السؤال تعريفه أن قومه غيروا بعده، وادعوا ~~عليه ما لم يقله. فإن قيل: فالنصارى لم يتخذوا مريم إلها فكيف قال ذلك ~~فيهم؟ فقيل: لما كان من قولهم أنها لم تلد بشرا وإنما ولدت إلها لزمهم أن ~~يقولوا إنها لأجل البعضية بمثابة من ولدته، فصاروا حين لزمهم ذلك بمثابة ~~القائلين له. # قوله تعالى: (قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته ~~فقد علمته) خرج الترمذي عن أبي هريرة قال: تلقى عيسى حجته ولقاه الله في ~~قوله: " وإذ قال الله يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين ~~من دون الله " قال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: [فلقاه الله] " ~~سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق " الآية كلها. قال أبو عيسى: هذا ~~حديث حسن صحيح. وبدأ بالتسبيح قبل الجواب لامرين أحدهما - تنزيها له عما ~~أضيف إليه. الثاني - خضوعا لعزته وخوفا من سطوته. ويقال: # إن الله تعالى لما قال لعيسى: " أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من ~~دون الله " أخذته الرعدة من ذلك القول حتى سمع صوت عظامه في نفسه فقال: ms2350 " ~~سبحانك " ثم قال: # " ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق " أي أن ادعى لنفسي ما ليس من حقها ~~يعني أنني # PageV06P375 # مربوب ولست برب وعابد ولست بمعبود. ثم قال: " إن كنت قلته فقد علمته " ~~فرد ذلك إلى علمه وقد كان الله عالما به أنه لم يقله ولكنه سأله عنه تقريعا ~~لمن اتخذ عيسى إلها. ثم قال: (تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك) أي ~~تعلم ما في غيبي ولا أعلم ما في غيبك. وقيل: المعنى تعلم ما أعلم ولا أعلم ~~ما تعلم وقيل: تعلم ما أخفيه ولا أعلم ما تخفيه. # وقيل: تعلم ما أريد ولا أعلم ما تريد وقيل: تعلم سري ولا أعلم سرك لان ~~السر موضعه النفس. وقيل: تعلم ما كان مني في دار الدنيا ولا أعلم ما يكون ~~منك في دار الآخرة قلت: والمعنى في هذه الأقوال متقارب أي تعلم سري وما ~~انطوى عليه ضميري الذي خلقته ولا أعلم شيئا مما استأثرت به من غيبك وعلمك. ~~(إنك أنت علام الغيوب) ما كان وما يكون وما لم يكن وما هو كائن قوله تعالى: ~~ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما ~~دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شئ شهيد (117) ~~قوله تعالى: (ما قلت لهم إلا ما أمرتني به) يعني في الدنيا بالتوحيد. (أن ~~اعبدوا الله) " أن " لا موضع لها من الاعراب وهي مفسرة مثل " وانطلق الملا ~~منهم أن امشوا " (1) [ص: 6]. # ويجوز أن تكون في موضع نصب أي ما ذكرت لهم إلا عبادة الله. ويجوز أن تكون ~~في موضع خفض أي بأن اعبدوا الله وضم النون أولى لأنهم يستثقلون كسرة بعدها ~~ضمة والكسر جائز على أصل التقاء الساكنين قوله تعالى: (وكنت عليهم شهيدا) ~~أي حفيظا بما أمرتهم. (ما دمت فيهم) " ما " في موضع نصب أي وقت دوامي فيهم. ~~(فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم) قيل: هذا يدل على أن الله عز وجل ~~توفاه أن ms2351 يرفعه وليس بشئ لان الاخبار تظاهرت برفعه وأنه في السماء حي وأنه ~~ينزل ويقتل الدجال على ما يأتي بيانه وإنما المعنى # PageV06P376 # فلما رفعتني إلى السماء. قال الحسن: الوفاة في كتاب الله عز وجل على ~~ثلاثة أوجه: وفاة الموت وذلك قوله تعالى: " الله يتوفى الأنفس حين موتها " ~~(1) [الزمر: 42] يعني وقت انقضاء أجلها. # ووفاة النوم قال الله تعالى: " وهو الذي يتوفاكم بالليل " (2) [الانعام: ~~60] يعني الذي ينيمكم. ووفاة الرفع قال الله تعالى: " يا عيسى إني متوفيك " ~~(3) [آل عمران: 55]. [وقوله] (4) " كنت أنت " [" أنت هنا "] (4) توكيد " ~~الرقيب " خبر " كنت " ومعناه الحافظ عليهم والعالم بهم والشاهد على ~~أفعالهم، وأصله المراقبة أي المراعاة ومنه المرقبة (5) لأنها في موضع ~~الرقيب من علو المكان. (وأنت على كل شئ شهيد) أي من مقالتي ومقالتهم وقيل: ~~على من عصى وأطاع، خرج مسلم عن ابن عباس قال قام فينا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم خطيبا بموعظة فقال: (يا أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله [حفاة] ~~(6) عراة غرلا (7) " كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين " ~~[الأنبياء: 104] ألا وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم عليه السلام ~~ألا وإنه سيجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول يا رب أصحابي ~~فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول كما قال العبد الصالح: " وكنت ~~عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شئ ~~شهيد. إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم " قال: ~~فيقال لي إنهم لم يزالوا [مدبرين] (8) مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم). # قوله تعالى: إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ~~(118) قوله تعالى: " إن تعذبهم فإنهم عبادك " شرط وجوابه " وإن تغفر لهم ~~فإنك أنت العزيز الحكيم " مثله. روى النسائي عن أبي ذر قال: قام النبي صلى ~~الله عليه وسلم بآية ليلة حتى أصبح (9)، والآية: " إن تعذبهم فإنهم عبادك ~~وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ". # PageV06P377 # واختلف في تأويله فقيل: قاله على وجه الاستعطاف لهم والرأفة ms2352 بهم كما ~~يستعطف السيد لعبده ولهذا لم يقل: فإنهم عصوك. وقيل: قاله على وجه التسليم ~~لامره والاستجارة من عذابه وهو يعلم أنه لا يغفر لكافر. وقيل الهاء والميم ~~في " إن تعذبهم ". لمن مات منهم على الكفر والهاء والميم في " إن تغفر لهم ~~" لمن تاب منهم قبل الموت وهذا حسن. وأما قول من قال إن عيسى عليه السلام ~~لم يعلم أن الكافر لا يغفر له فقول مجترئ على كتاب الله عز وجل لان الاخبار ~~من الله عز وجل لا تنسخ. وقيل: كان عند عيسى أنهم أحدثوا معاصي وعملوا بعده ~~بما لم يأمرهم به إلا أنهم على عمود دينه فقال: وإن تغفر لهم ما أحدثوا ~~بعدي من المعاصي. وقال: " فإنك أنت العزيز الحكيم " ولم يقل: فإنك أنت ~~الغفور الرحيم على ما تقتضيه القصة من التسليم لامره والتفويض لحكمه. ولو ~~قال: فإنك أنت الغفور الرحيم لأوهم الدعاء بالمغفرة لمن مات على شركه وذلك ~~مستحيل فالتقدير إن تبقهم على كفرهم حتى يموتوا وتعذبهم فإنهم عبادك، وإن ~~تهدهم إلى توحيدك وطاعتك فتغفر لهم فإنك أنت العزيز الذي لا يمتنع عليك ما ~~تريده، الحكيم فيما تفعله تضل من تشاء وتهدي من تشاء. وقد قرأ جماعة: " ~~فإنك أنت الغفور الرحيم " وليست من المصحف. ذكره القاضي عياض في كتاب " ~~الشفا " وقال أبو بكر الأنباري: وقد طعن على القرآن من قال إن قوله: " إنك ~~أنت العزيز الحكيم " ليس بمشاكل لقوله: " وإن تغفر لهم " لان الذي يشاكل ~~المغفرة فإنك أنت الغفور الرحيم - والجواب - أنه لا يحتمل إلا ما أنزله ~~الله ومتى نقل إلى الذي نقله إليه ضعف معناه، فإنه ينفرد الغفور الرحيم ~~بالشرط الثاني فلا يكون له بالشرط الأول تعلق وهو على ما أنزله الله عز وجل ~~واجتمع على قراءته المسلمون مقرون بالشرطين كليهما أولهما وآخرهما إذ ~~تلخيصه إن تعذبهم فإنك أنت عزيز حكيم، وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ~~في الامرين كليهما من التعذيب والغفران فكان العزيز الحكيم أليق بهذا ~~المكان لعمومه فإنه يجمع الشرطين ولم يصلح الغفور ms2353 الرحيم إذ لم يحتمل من ~~العموم ما احتمله العزيز الحكيم وما شهد بتعظيم الله تعالى وعدله والثناء ~~عليه في الآية PageV06P378 # كلها والشرطين المذكورين أولى وأثبت معنى في الآية مما يصلح لبعض الكلام ~~دون بعض. # خرج مسلم [من غير طريق] (1) عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم تلا قوله عز وجل في إبراهيم " رب إنهن أضللن كثيرا من الناس ~~فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم " (2) [إبراهيم: 36] وقال ~~عيسى عليه السلام: " إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز ~~الحكيم " فرفع يديه وقال: (اللهم أمتي) وبكى فقال الله عز وجل: # (يا جبريل اذهب إلى محمد - وربك أعلم - فسله ما يبكيك " فأتاه جبريل عليه ~~السلام فسأله فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال - وهو أعلم - ~~فقال الله: يا جبريل اذهب إلى محمد فقل [له] (3) إنا سنرضيك في أمتك ولا ~~نسوءك) وقال بعضهم: في الآية تقديم وتأخير ومعناه إن تعذبهم فإنك أنت ~~العزيز الحكيم وإن تغفر لهم فإنهم عبادك ووجه الكلام على نسقه أولى لما ~~بيناه. وبالله التوفيق قوله تعالى: قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم ~~لهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ~~ذلك الفوز العظيم (119) قوله تعالى: (قال الله هذا يوم ينفع الصادقين ~~صدقهم) أي صدقهم في الدنيا فأما في الآخرة فلا ينفع فيها الصدق وصدقهم في ~~الدنيا يحتمل أن يكون صدقهم في العمل لله ويحتمل أن يكون تركهم الكذب عليه ~~وعلى رسله، وإنما ينفعهم الصدق في ذلك اليوم وإن كان نافعا في كل الأيام ~~لوقوع الجزاء فيه. وقيل: المراد صدقهم في الآخرة وذلك في الشهادة لأنبيائهم ~~بالبلاغ وفيما شهدوا به على أنفسهم من أعمالهم ويكون وجه النفع فيه أن ~~يكفوا المؤاخذة بتركهم كتم الشهادة فيغفر لهم بإقرارهم لأنبيائهم وعلى ~~أنفسهم والله أعلم. # وقرأ نافع وابن محيصن " يوم " بالنصب. ورفع الباقون وهي القراءة البينة ~~على الابتداء والخبر # PageV06P379 # فيوم ينفع خبر ل‍ " - هذا ms2354 " والجملة في موضع نصب بالقول. وأما قراءة نافع ~~وابن محيصن فحكى إبراهيم بن حميد عن محمد بن يزيد أن هذه القراءة لا تجوز ~~لأنه نصب خبر الابتداء ولا يجوز فيه البناء. وقال إبراهيم بن السري: هي ~~جائزة بمعنى قال الله هذا لعيسى بن مريم يوم ينفع الصادقين صدقهم ف‍ " يوم ~~" ظرف للقول و " هذا " مفعول القول والتقدير قال الله هذا القول في يوم ~~ينفع الصادقين. وقيل: التقدير قال الله عز وجل هذه الأشياء تنفع يوم ~~القيامة. وقال الكسائي والفراء: بني يوم ها هنا على النصب لأنه مضاف إلى ~~غير اسم، كما تقول: مضى يومئذ وأنشد الكسائي: (1) على حين عاتبت المشيب على ~~الصبا * وقلت ألما أصح والشيب وازع الزجاج: ولا يجيز البصريون ما قالاه إذا ~~أضفت الظرف إلى فعل مضارع فإن كان إلى ماض كان جيدا كما مر في البيت وإنما ~~جاز أن يضاف الفعل إلى ظروف الزمان لان الفعل بمعنى المصدر. وقيل: يجوز أن ~~يكون منصوبا ظرفا ويكون خبر الابتداء الذي هو " هذا " لأنه مشار به إلى ~~حدث، وظروف الزمان تكون أخبارا عن الاحداث تقول: # القتال اليوم والخروج الساعة، والجملة في موضع نصب بالقول. وقيل: يجوز أن ~~يكون " هذا " في موضع رفع بالابتداء و " يوم " خبر الابتداء والعامل فيه ~~محذوف والتقدير: # قال الله هذا الذي قصصناه يقع يوم ينفع الصادقين صدقهم. وفيه قراءة ثالثة ~~" يوم ينفع " بالتنوين " الصادقين صدقهم " في الكلام حذف تقديره " فيه " ~~مثل قوله: " واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا " (2) [البقرة: 48] وهي ~~قراءة الأعمش. # قوله تعالى: " لهم جنات " ابتداء وخبر. " تجري " في موضع الصفة. " من ~~تحتها " أي من تحت غرفها وأشجارها وقد تقدم. ثم بين تعالى ثوابهم وأنه راض ~~عنهم رضا لا يغضب # PageV06P380 # بعده أبدا " ورضوا عنه " أي عن الجزاء الذي أثابهم به. (ذلك الفوز) أي ~~الظفر (العظيم) أي الذي عظم خيره وكثر، وارتفعت منزلة صاحبه وشرف. # قوله تعالى: لله ملك السماوات والأرض وما فيهم وهو على كل شئ قدير (120) ~~قوله تعالى: (لله ملك السماوات والأرض) ms2355 [الآية] (1) جاء هذا عقب ما جرى من ~~دعوى النصارى في عيسى أنه إله فأخبر تعالى أن ملك السماوات والأرض له دون ~~عيسى ودون سائر المخلوقين. ويجوز أن يكون المعنى أن الذي له ملك السماوات ~~والأرض يعطي الجنات المتقدم ذكرها للمطيعين من عباده جعلنا الله منهم بمنه ~~وكرمه. تمت سورة " المائدة " بحمد الله تعالى. # PageV06P381 # بسم الله الرحمن الرحيم سورة الأنعام وهي مكية في قول الأكثرين قال ابن ~~عباس وقتادة: هي مكية كلها إلا آيتين منها نزلنا بالمدينة، قوله تعالى: " ~~وما قدروا الله حق قدره " [الانعام: 91] نزلت في مالك بن الصيف وكعب ابن ~~الأشرف اليهوديين والأخرى قوله: " وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات ~~" [الانعام: 141] نزلت في ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري. وقال ابن جريج: ~~نزلت في معاذ بن جبل وقاله الماوردي. وقال الثعلبي سورة " الانعام " مكية ~~إلا ست آيات نزلت بالمدينة " وما قدروا الله حق قدره " إلى آخر ثلاث آيات و ~~" قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم " [الانعام: 151] إلى آخر ثلاث آيات قال ~~ابن عطية: وهي الآيات المحكمات وذكر ابن العربي: أن قوله تعالى: " قل لا ~~أجد " نزل بمكة يوم عرفة وسيأتي القول في جميع ذلك إن شاء الله. # وفي الخبر أنها نزلت جملة واحدة غير الست الآيات وشيعها سبعون ألف ملك مع ~~آية واحدة منها اثنا عشر ألف ملك وهي " وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ~~" [الانعام: 59] نزلوا بها ليلا لهم زجل (1) بالتسبيح والتحميد فدعا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الكتاب فكتبوها من ليلتهم. # وأسند أبو جعفر النحاس قال: حدثنا محمد بن يحيى حدثنا أبو حاتم روح بن ~~الفرج مولى الحضارمة قال حدثنا أحمد بن محمد أبو بكر العمري حدثنا ابن أبي ~~فديك حدثني عمر بن طلحة ابن علقمة بن وقاص عن نافع أبي سهل (2) بن مالك عن ~~أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نزلت سورة الأنعام ~~معها موكب من الملائكة سد ما بين الخافقين لهم زجل بالتسبيح) والأرض لهم ~~ترتج ms2356 ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (سبحان ربي العظيم) ثلاث مرات ~~(3). وذكر الدارمي أبو محمد في مسنده عن عمر بن الخطاب [رضي الله عنه] قال: # الانعام من نجائب (5) القرآن. وفيه عن كعب قال: فاتحة " التوراة " فاتحة ~~الانعام وخاتمتها خاتمة # PageV06P382 # " هود ". وقاله وهب بن منبه أيضا. وذكر المهدوي قال المفسرون: إن " ~~التوراة " افتتحت بقوله: " الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض " [الانعام: ~~1] الآية وختمت بقوله: # " الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك " (1) [الاسراء: ~~111] إلى آخر الآية. وذكر الثعلبي عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: (من قرأ ثلاث آيات من أول سورة " الانعام " إلى قوله: " ويعلم ما ~~تكسبون " [الانعام: 3] وكل الله به أربعين ألف ملك يكتبون له مثل عبادتهم ~~إلى يوم القيامة وينزل ملك من السماء السابعة ومعه مرزبة (2) من حديد، فإذا ~~أراد الشيطان أن يوسوس له أو يوحي في قلبه شيئا ضربه ضربة فيكون بينه وبينه ~~سبعون حجابا فإذا كان يوم القيامة قال الله تعالى: " امش في ظلي يوم لا ظل ~~إلا ظلي وكل من ثمار جنتي واشرب من ماء الكوثر واغتسل من ماء السلسبيل فأنت ~~عبدي وأنا ربك ". وفي البخاري عن ابن عباس قال: إذا سرك أن تعلم جهل العرب ~~فاقرأ ما فوق الثلاثين ومائة من سورة " الانعام " " قد خسر الذين قتلوا ~~أولادهم سفها بغير علم " إلى قوله: " وما كانوا مهتدين " (3) [الانعام: ~~140]. # تنبيه - قال العلماء: هذه السورة أصل (4) في محاجة المشركين وغيرهم من ~~المبتدعين ومن كذب بالبعث والنشور وهذا يقتضي إنزالها جملة واحدة لأنها في ~~معنى واحد من الحجة وإن تصرف ذلك بوجوه كثيرة وعليها بنى المتكلمون أصول ~~الدين لان فيها آيات بينات ترد على القدرية دون السور التي تذكر والمذكورات ~~وسنزيد (5) ذلك بيانا إن شاء الله بحول الله تعالى [وعونه] (6). # قوله تعالى: الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم ~~الذين كفروا بربهم يعدلون (1) فيه خمس مسائل. # PageV06P383 # الأولى - قوله تعالى " الحمد لله " بدأ سبحانه فاتحتها بالحمد على نفسه ~~وإثبات ms2357 الألوهية أي أن الحمد كله له فلا شريك له فإن قيل: فقد افتتح غيرها ~~بالحمد لله فكان الاجتزاء بواحدة يغني عن سائره فيقال: لان لكل واحدة منه ~~معنى في موضعه لا يؤدي عنه غيره من أجل عقده بالنعم المختلفة وأيضا فلما ~~فيه من الحجة في هذا الموضع على الذين هم بربهم يعدلون وقد تقدم معنى ~~(الحمد) في الفاتحة (1). # الثانية - قوله تعالى: (الذي خلق السماوات والأرض) أخبر عن قدرته وعلمه ~~وإرادته فقال: الذي خلق أي اخترع وأوجد وأنشأ وابتدع. والخلق يكون بمعنى ~~الاختراع ويكون بمعنى التقدير، وقد تقدم وكلاهما مراد هنا وذلك دليل على ~~حدوثهما فرفع السماء بغير عمد وجعلها مستوية من غير أود (2) وجعل فيها ~~الشمس والقمر آيتين وزينها بالنجوم وأودعها السحاب والغيوم علامتين وبسط ~~الأرض وأودعها الأرزاق والنبات وبث فيها من كل دابة آيات وجعل فيها الجبال ~~أوتادا وسبلا فجاجا وأجرى فيها الأنهار والبحار وفجر فيها العيون من ~~الأحجار دلالات على وحدانيته، وعظيم قدرته وأنه هو الله الواحد القهار وبين ~~بخلقه السماوات والأرض أنه خالق كل شئ. # الثالثة - خرج مسلم قال: حدثني سريج بن يونس وهرون بن عبد الله قالا ~~حدثنا حجاج بن محمد قال قال ابن جريج أخبرني إسماعيل بن أمية عن أيوب بن ~~خالد عن عبد الله ابن رافع مولى أم سلمة عن أبي هريرة قال: أخذ رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بيدي فقال: # (خلق الله عز وجل التربة يوم السبت وخلق فيها الجبال يوم الأحد وخلق ~~الشجر يوم الاثنين وخلق المكروه يوم الثلاثاء وخلق النور يوم الأربعاء وبث ~~فيها الدواب يوم الخميس وخلق آدم عليه السلام بعد العصر من يوم الجمعة في ~~آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل). # PageV06P384 # قلت: أدخل العلماء هذا الحديث تفسيرا لفاتحة هذه السورة، قال البيهقي: ~~وزعم أهل العلم بالحديث أنه غير محفوظ لمخالفة ما عليه أهل التفسير وأهل ~~التواريخ. وزعم بعضهم أن إسماعيل بن أمية إنما أخذه عن إبراهيم بن أبي يحيى ~~عن أيوب ms2358 بن خالد وإبراهيم غير محتج به. وذكر محمد بن يحيى قال: سألت علي بن ~~المديني عن حديث أبي هريرة (خلق الله التربة يوم السبت). فقال علي: هذا ~~حديث مدني رواه هشام بن يوسف عن ابن جريج عن إسماعيل بن أمية عن أيوب بن ~~خالد عن أبي رافع مولى أم سلمة عن أبي هريرة قال: أخذ رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بيدي قال علي: وشبك بيدي إبراهيم بن أبي يحيى فقال لي: شبك بيدي ~~أيوب بن خالد وقال لي شبك بيدي عبد الله بن رافع وقال لي: شبك بيدي أبو ~~هريرة وقال لي: شبك بيدي أبو القاسم [رسول الله] (1) صلى الله عليه وسلم ~~فقال: # (خلق الله الأرض يوم السبت) فذكر الحديث بنحوه. قال علي بن المديني: وما ~~أرى إسماعيل بن أمية أخذ هذا الامر إلا من إبراهيم بن أبي يحيى قال ~~البيهقي: وقد تابعه على ذلك موسى بن عبيدة الربذي عن أيوب بن خالد إلا أن ~~موسى بن عبيدة ضعيف. وروي عن بكر بن الشرود عن إبراهيم بن أبي يحيى عن ~~صفوان بن سليم عن أيوب بن خالد - وإسناده ضعيف - عن أبي هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: (إن في الجمعة ساعة لا يوافقها أحد يسأل الله عز وجل ~~فيها شيئا إلا أعطاه إياه) قال فقال عبد الله بن سلام: # إن الله عز وجل ابتدأ الخلق فخلق الأرض يوم الأحد ويوم الاثنين وخلق ~~السماوات يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء وخلق الأقوات وما في الأرض يوم الخميس ~~ويوم الجمعة إلى صلاة العصر وما بين صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس خلق آدم ~~خرجه البيهقي. # قلت: وفيه أن الله تعالى بدأ الخلق يوم الأحد لا يوم السبت وكذلك تقدم في ~~" البقرة " (2) عن ابن مسعود وغيره من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. ~~وتقدم فيها الاختلاف أيما خلق أولا الأرض أو السماء (2) مستوفى. والحمد ~~لله. # PageV06P385 # الرابعة - قوله تعالى: (وجعل الظلمات والنور) ذكر بعد خلق الجواهر خلق ~~الاعراض لكون الجوهر لا يستغنى عنه ms2359 وما لا يستغني عن الحوادث فهو حادث. ~~والجوهر في اصطلاح المتكلمين هو الجزء الذي لا يتجزأ الحامل للعرض وقد ~~أتينا على ذكره في الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى في اسمه " ~~الواحد ". وسمي العرض عرضا لأنه يعرض في الجسم والجوهر فيتغير به من حال ~~إلى حال والجسم هو المجتمع وأقل ما يقع عليه اسم الجسم جوهران مجتمعان وهذه ~~الاصطلاحات وإن لم تكن موجودة في الصدر الأول فقد دل عليها معنى الكتاب ~~والسنة فلا معنى لانكارها. وقد استعملها العلماء واصطلحوا عليها وبنوا ~~عليها كلامهم وقتلوا بها خصومهم كما تقدم في " البقرة ". واختلف العلماء في ~~المعنى المراد بالظلمات والنور فقال السدي وقتادة وجمهور المفسرين: المراد ~~سواد الليل وضياء النهار. وقال الحسن: الكفر والايمان قال ابن عطية: وهذا ~~خروج عن الظاهر. # قلت: اللفظ يعمه وفي التنزيل: " أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا ~~يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات " (1) [الانعام: 122]. والأرض هنا ~~اسم للجنس فإفرادها في اللفظ بمنزلة جمعها وكذلك " والنور " ومثله " ثم ~~يخرجكم طفلا " (2) [غافر: 67] وقال الشاعر: # * كلوا في بعض بطنكم تعفوا * وقد تقدم (3). وجعل هنا بمعنى خلق لا يجوز ~~غيره قاله ابن عطية. # قلت: وعليه يتفق اللفظ والمعنى في النسق فيكون الجمع معطوفا على الجمع ~~والمفرد معطوفا على المفرد فيتجانس اللفظ وتظهر الفصاحة والله أعلم وقيل: ~~جمع " الظلمات " ووحد " النور " لان الظلمات لا تتعدى والنور يتعدى. وحكى ~~الثعلبي أن بعض أهل المعاني قال: " جعل " هنا زائدة والعرب تزيد " جعل " في ~~الكلام كقول الشاعر: # وقد جعلت أرى الاثنين أربعة * والواحد (4) اثنين لما هدني الكبر # PageV06P386 # قال النحاس: جعل بمعنى خلق وإذا كانت بمعنى خلق لم تتعد إلا إلى مفعول ~~واحد، وقد تقدم هذا المعنى ومحامل جعل في (البقرة) (1) مستوفى. # الخامسة - قوله تعالى: (ثم الذين كفروا بربهم يعدلون) ابتداء وخبر ~~والمعنى: ثم الذين كفروا يجعلون لله عدلا وشريكا وهو الذي خلق هذه الأشياء ~~وحده. # قال ابن عطية: ف‍ " ثم " دالة على قبح فعل الكافرين لان المعنى: أن خلقه ~~السماوات والأرض ms2360 قد تقرر وآياته قد سطعت وإنعامه بذلك قد تبين ثم بعد ذلك ~~كله عدلوا بربهم فهذا كما تقول: يا فلان أعطيتك وأكرمتك وأحسنت إليك ثم ~~تشتمني ولو وقع العطف بالواو في هذا ونحوه لم يلزم التوبيخ كلزومه بثم ~~والله أعلم. # قوله تعالى: هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده ثم أنتم ~~تمترون (2) قوله تعالى: (هو الذي خلقكم من طين) الآية خبر وفي معناه قولان: ~~أحدهما وهو الأشهر وعليه من الخلق الأكثر أن المراد آدم عليه السلام والخلق ~~نسله والفرع يضاف إلى أصله فلذلك قال: " خلقكم " بالجمع فأخرجه مخرج الخطاب ~~لهم إذ كانوا ولده، هذا قول الحسن وقتادة وابن أبي نجيح والسدي والضحاك ~~وابن زيد وغيرهم الثاني: أن تكون النطفة خلقها الله من طين على الحقيقة ثم ~~قلبها حتى كان الانسان منها ذكره النحاس. # قلت: وبالجملة فلما ذكر عز وجل خلق العالم الكبير ذكر بعده خلق العالم ~~الصغير وهو الانسان وجعل فيه ما في العالم الكبير على ما بيناه في " البقرة ~~" (2) في آية التوحيد [والله أعلم] (3) والحمد لله. وقد روى أبو نعيم ~~الحافظ في كتابه عن مرة عن ابن مسعود أن الملك الموكل بالرحم يأخذ النطفة ~~فيضعها على كفه ثم يقول: يا رب مخلقة أو غير مخلقة؟ فإن قال مخلقة قال: يا ~~رب ما الرزق ما الأثر ما الاجل؟ فيقول: انظر في أم الكتاب فينظر في اللوح # PageV06P387 # المحفوظ فيجد فيه رزقه وأثره وأجله وعمله ويأخذ التراب الذي يدفن في ~~بقعته ويعجن به نطفته فذلك قوله تعالى: " منها خلقناكم وفيها نعيدكم " (1) ~~[طه: 55]. وخرج عن أبي هريرة قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما من مولود إلا وقد ذر عليه من ~~تراب حفرته ". # قلت: وعلى هذا يكون كل إنسان مخلوقا من طين وماء مهين كما أخبر عز وجل في ~~سورة " المؤمنون " (2) فتنتظم الآيات والأحاديث ويرتفع الاشكال والتعارض ~~والله أعلم. وأما الاخبار عن خلق آدم عليه السلام فقد تقدم في [البقرة] (3) ~~ذكره واشتقاقه ونزيد هنا طرفا من ذلك ms2361 ونعته وسنه ووفاته ذكر ابن سعد في " ~~الطبقات " عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الناس ولد ~~آدم وآدم من التراب) وعن سعيد بن جبير قال: خلق الله آدم عليه السلام من ~~أرض يقال لها دجناء (4) قال الحسن: وخلق جؤجؤه (5) من ضرية قال الجوهري: ~~ضرية قرية لبني كلاب على طريق البصرة وهي إلى مكة أقرب وعن ابن مسعود قال: # إن الله تعالى بعث إبليس فأخذ من أديم الأرض من عذبها ومالحها فخلق منه ~~آدم عليه السلام فكل شئ خلقه من عذبها فهو صائر إلى الجنة وإن كان ابن كافر ~~وكل شئ خلقه من مالحها فهو صائر إلى النار وإن كان ابن تقي (6) فمن ثم قال ~~إبليس " أأسجد لمن خلقت طينا " (7) [الاسراء: 61] لأنه جاء بالطينة فسمي ~~آدم، لأنه خلق من أديم الأرض. وعن عبد الله بن سلام قال: خلق الله آدم في ~~آخر يوم الجمعة. وعن ابن عباس قال: لما خلق الله آدم كان رأسه يمس السماء ~~قال فوطده إلى الأرض حتى صار ستين ذراعا في سبعة أذرع عرضا. وعن أبي بن كعب ~~قال: # كان آدم عليه السلام طوالا (8) جعدا كأنه نخلة سحوق (9). وعن ابن عباس في ~~حديث فيه طول - وحج آدم عليه السلام من الهند إلى مكة أربعين حجة على رجليه ~~وكان آدم حين أهبط تمسح رأسه السماء فمن ثم صلع وأورث ولده الصلع ونفرت من ~~طوله دواب البر فصارت وحشا من يومئذ ولم يمت حتى بلغ ولده وولد ولده أربعين ~~ألفا وتوفي على ذروة # PageV06P388 # الجبل الذي أنزل عليه فقال شيث لجبريل عليهما السلام: " صل على آدم " ~~فقال له جبريل عليه السلام: تقدم أنت فصل على أبيك وكبر عليه ثلاثين تكبيرة ~~فأما خمس فهي الصلاة وخمس وعشرون تفضيلا لآدم. وقيل: كبر عليه أربعا فجعل ~~بنو شيث آدم في مغارة وجعلوا عليها حافظا لا يقربه أحد من بني قابيل وكان ~~الذين يأتونه ويستغفرون له بنو شيث وكان عمر آدم تسعمائة سنة وستا وثلاثين ~~سنة. ويقال: هل في ms2362 الآية دليل على أن الجواهر من جنس واحد؟ الجواب نعم لأنه ~~إذا جاز أن ينقلب الطين إنسانا حيا قادرا عليما جاز أن ينقلب إلى كل حال من ~~أحوال الجواهر لتسوية العقل بين ذلك في الحكم وقد صح انقلاب الجماد إلى ~~الحيوان بدلالة هذه الآية. # قوله تعالى: " ثم قضى أجلا " مفعول. " وأجل مسمى عنده " ابتداء وخبر. قال ~~الضحاك: " أجلا " في الموت " وأجل مسمى عنده " أجل القيامة فالمعنى على ~~هذا: # حكم أجلا وأعلمكم أنكم تقيمون إلى الموت ولم يعلمكم بأجل القيامة. وقال ~~الحسن ومجاهد وعكرمة وخصيف (1) وقتادة - وهذا لفظ الحسن -: قضى أجل الدنيا ~~من يوم خلقك إلى أن تموت " وأجل مسمى عنده " يعني الآخرة. وقيل: " قضى أجلا ~~" ما أعلمناه من أنه لا نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم (وأجل مسمى) من ~~الآخرة وقيل: " قضى أجلا " مما نعرفه من أوقات الأهلة والزرع وما أشبههما ~~(2) " وأجل مسمى " أجل الموت لا يعلم الانسان متى يموت. وقال ابن عباس ~~ومجاهد: معنى الآية " قضى أجلا " بقضاء الدنيا، " وأجل مسمى عنده " لابتداء ~~الآخرة. وقيل: الأول قبض الأرواح في النوم والثاني قبض الروح عند الموت عن ~~ابن عباس أيضا. # قوله تعالى: (ثم أنتم تمترون) ابتداء وخبر: أي تشكون في أنه إله واحد ~~وقيل: # تمارون في ذلك أي تجادلون جدال الشاكين (3) والتماري المجادلة على مذهب ~~الشك ومنه قوله تعالى: " أفتمارونه على ما يرى " (4) [النجم: 12]. # PageV06P389 # قوله تعالى: وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما ~~تكسبون (3) وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين (4) فقد ~~كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزءون (5) قوله ~~تعالى: (وهو الله في السماوات وفي الأرض) يقال: ما عامل الاعراب في الظرف ~~من " في السماوات وفى الأرض "؟ ففيه أجوبة: أحدها - أي وهو الله المعظم أو ~~المعبود في السماوات وفي الأرض، كما تقول: زيد الخليفة في الشرق والغرب أي ~~حكمه. # ويجوز أن يكون المعنى وهو الله المنفرد بالتدبير في السماوات وفي الأرض، ~~كما تقول: هو في حاجات ms2363 الناس وفي الصلاة ويجوز أن يكون خبرا بعد خبر ويكون ~~المعنى: وهو الله في السماوات وهو الله في الأرض. وقيل: المعنى وهو الله ~~يعلم سركم وجهركم في السماوات وفي الأرض فلا يخفى عليه شئ، قال النحاس: ~~وهذا (1) من أحسن ما قيل فيه. وقال محمد بن جرير: وهو الله في السماوات ~~ويعلم سركم وجهركم في الأرض فيعلم مقدم في الوجهين والأول أسلم وأبعد من ~~الاشكال وقيل غير هذا. والقاعدة تنزيهه عز وجل عن الحركة والانتقال وشغل ~~الأمكنة. (ويعلم ما تكسبون) أي من خير وشر. والكسب الفعل لاجتلاب نفع أو ~~دفع ضرر ولهذا لا يقال لفعل الله كسب. # قوله تعالى: (وما تأتيهم من آية) أي علامة كانشقاق القمر ونحوها. و " من ~~" لاستغراق الجنس، تقول: ما في الدار من أحد. (من آيات ربهم) " من " ~~الثانية للتبعيض. و (معرضين) خبر " كانوا ". والاعراض ترك النظر في الآيات ~~التي يجب أن يستدلوا بها على توحيد الله عز وجل من خلق السماوات والأرض وما ~~بينهما وأنه يرجع إلى قديم [حي] (2) غني عن جميع الأشياء قادر لا يعجزه شئ ~~عالم لا يخفى عليه شئ من المعجزات التي أقامها لنبيه صلى الله عليه وسلم ~~(3)، ليستدل بها على صدقه في جميع ما أتى به (4). # PageV06P390 # قوله تعالى: (فقد كذبوا) يعني مشركي مكة. (بالحق) يعني القرآن، وقيل: ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم. (فسوف يأتيهم) أي يحل بهم العقاب، وأراد ~~بالأنباء وهي الاخبار العذاب، كقولك: اصبر وسوف يأتيك الخبر أي العذاب، ~~والمراد ما نالهم يوم بدر ونحوه. وقيل: يوم القيامة. # قوله تعالى: ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم ~~نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجرى من تحتهم ~~فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين (6) قوله تعالى: (ألم يروا ~~كم أهلكنا من قبلهم من قرن) " كم " في موضع نصب بأهلكنا لا بقوله " ألم ~~يروا " لان لفظ الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، وإنما يعمل فيه ما بعده من ~~أجل أن له صدر الكلام. والمعنى: ألا ms2364 يعتبرون بمن أهلكنا من الأمم قبلهم ~~لتكذيبهم أنبياءهم أي ألم يعرفوا ذلك. والقرن الأمة من الناس. والجمع ~~القرون، قال الشاعر: # إذا ذهب القرن الذي كنت فيهم * وخلفت في قرن فأنت غريب فالقرن كل عالم في ~~عصره مأخوذ من الاقتران أي عالم مقترن به بعضهم إلى بعض، وفي الحديث عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خير الناس (1) قرني - يعني أصحابي (2) - ثم ~~الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) هذا أصح ما قيل فيه. وقيل: المعنى من أهل ~~قرن فحذف كقوله: " واسأل القرية " [يوسف: 82]. فالقرن على هذا مدة من ~~الزمان، قيل: ستون عاما وقيل: # سبعون، وقيل: ثمانون، وقيل: مائة، وعليه أكثر أصحاب الحديث أن القرن مائة ~~سنة، واحتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن بسر: " تعيش ~~قرنا " فعاش مائة سنة، ذكره النحاس. وأصل القرن الشئ الطالع كقرن ماله قرن ~~من الحيوان. (مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم) خروج من الغيبة إلى الخطاب، ~~عكسه " حتى إذا كنتم في الفلك وجرين، # PageV06P391 # بهم بريح طيبة " (1) [يونس: 22]. وقال أهل البصرة. أخبر عنهم بقوله " ألم ~~يروا " وفيهم محمد عليه السلام وأصحابه، ثم خاطبهم معهم، والعرب تقول: قلت ~~لعبد الله ما أكرمه: وقلت لعبد الله ما أكرمك، ولو جاء على ما تقدم من ~~الغيبة لقال: ما لم نمكن لهم. ويجوز مكنه ومكن له، فجاء باللغتين جميعا، أي ~~أعطيناهم ما لم نعطكم من الدنيا. (وأرسلنا السماء عليهم مدرارا) يريد المطر ~~الكثير، عبر عنه بالسماء لأنه من السماء ينزل، ومنه قول الشاعر: (2) * إذا ~~سقط السماء بأرض قوم * و " مدرارا " بناء دال على التكثير، كمذكار للمرأة ~~التي كثرت ولادتها للذكور، ومئناث للمرأة التي تلد الإناث، يقال: در اللبن ~~يدر إذا أقبل على الحالب بكثرة. وانتصب " مدرارا " على الحال. (وجعلنا ~~الأنهار تجري من تحتهم) أي من تحت أشجارهم ومنازلهم، ومنه قول فرعون: " ~~وهذه الأنهار تجري من تحتي " (3) [الزخرف: 51] والمعنى: وسعنا عليهم النعم ~~فكفروها. (فأهلكناهم بذنوبهم) أي بكفرهم فالذنوب سبب الانتقام وزوال النعم. ~~(وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين) أي ms2365 أوجدنا، فليحذر هؤلاء من الاهلاك أيضا. # قوله تعالى: ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين ~~كفروا إن هذا إلا سحر مبين (7) قوله تعالى: (ولو نزلنا عليك كتابا في ~~قرطاس) الآية. المعنى: ولو نزلنا يا محمد بمرأى منهم كما زعموا وطلبوا ~~كلاما مكتوبا " في قرطاس ". وعن ابن عباس: كتابا معلقا بين السماء والأرض ~~وهذا يبين لك أن التنزيل على وجهين، أحدهما - على معنى نزل عليك الكتاب ~~بمعنى نزول الملك به. والآخر - ولو نزلنا كتابا في قرطاس يمسكه الله بين ~~السماء والأرض، # PageV06P392 # وقال: " نزلنا " على المبالغة بطول مكث الكتاب بين السماء والأرض والكتاب ~~مصدر بمعنى الكتابة فبين أن الكتابة في قرطاس، لأنه غير معقول كتابة إلا ~~(1) في قرطاس أي في صحيفة والقرطاس الصحيفة، ويقال: قرطاس بالضم، وقرطس ~~فلان إذا رمى فأصاب الصحيفة الملزقة بالهدف. (فلمسوه بأيديهم) أي فعاينوا ~~ذلك ومسوه باليد كما اقترحوا وبالغوا في ميزه وتقليبه جسا بأيديهم ليرتفع ~~كل ارتياب ويزول عنهم كله إشكال، لعاندوا فيه وتابعوا (2) كفرهم، وقالوا: ~~سحر مبين إنما سكرت أبصارنا وسحرنا، وهذه الآية جواب لقولهم: " حتى تنزل ~~علينا كتابا نقرؤه " (3) [الاسراء: 93] فأعلم الله بما سبق في علمه من أنه ~~لو نزل لكذبوا به. قال الكلبي: # نزلت في النضر بن الحرث وعبد الله بن أبي أمية ونوفل بن خويلد قالوا: " ~~لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا " (3) [الاسراء: 90] الآية. # قوله تعالى: وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضى الامر ثم لا ~~ينظرون (8) ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون (9) ولقد ~~استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزءون (10) ~~قوله تعالى: (وقالوا لولا أنزل عليه ملك) اقترحوا هذا أيضا. و " لولا " ~~بمعنى هلا. # (ولو أنزلنا ملكا لقضى الامر) قال ابن عباس: لو رأوا الملك على صورته ~~لماتوا إذ لا يطيقون رؤيته. مجاهد وعكرمة: لقامت الساعة. قال الحسن وقتادة: ~~لأهلكوا بعذاب الاستئصال، لان الله أجرى سنته بأن من طلب آية فأظهرت له فلم ~~يؤمن أهلكه الله ms2366 في الحال. # (أي لا ينظرون) أي لا يمهلون ولا يؤخرون. # قوله تعالى: (ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا) أي لا يستطيعون أن يروا ~~الملك في صورته إلا بعد التجسم بالأجسام الكثيفة، لان كله جنس يأنس بجنسه ~~وينفر من غير جنسه، فلو جعل الله تعالى الرسول إلى البشر ملكا لنفروا من ~~مقاربته، ولما أنسوا به، ولداخلهم # PageV06P393 # من الرعب من كلامه والاتقاء له ما يكفهم عن كلامه، ويمنعهم عن سؤاله، فلا ~~تعم المصلحة ولو نقله عن صورة الملائكة إلى مثل صورتهم ليأنسوا به وليسكنوا ~~إليه لقالوا: لست ملكا وإنما أنت بشر فلا نؤمن بك وعادوا إلى مثل حالهم. ~~وكانت الملائكة تأتي الأنبياء في صورة البشر فأتوا إبراهيم ولوطا في صورة ~~الآدميين، وأتى جبريل النبي عليه الصلاة والسلام في صورة دحية الكلبي. أي ~~لو أنزل ملك لرأوه في صورة رجل (1) كما جرت عادة الأنبياء، ولو نزل على ~~عادته لم يروه، فإذا جعلناه رجلا التبس عليهم فكانوا يقولون: هذا ساحر ~~مثلك. وقال الزجاج: # المعنى (وللبسنا عليهم) أي على رؤسائهم كما يلبسون على ضعفتهم وكانوا ~~يقولون لهم: إنما محمد بشر وليس بينه وبينكم فرق فيلبسون عليهم بهذا (2) ~~ويشككونهم، فأعلمهم الله عز وجل أنه لو أنزل ملكا في صورة رجل لوجدوا سبيلا ~~إلى اللبس كما يفعلون. واللبس الخلط، يقال: # لبست عليه الامر ألبسه لبسا أي خلطته، وأصله التستر بالثوب ونحوه وقال: " ~~لبسنا " بالإضافة إلى نفسه على جهة الخلق، وقال " ما يلبسون " فأضاف إليهم ~~على جهة الاكتساب. # ثم قال مؤنسا لنبيه عليه الصلاة والسلام ومعزيا: " ولقد استهزئ برسل من ~~قبلك فحاق " أي نزل بأممهم من العذاب ما أهلكوا به جزاء استهزائهم ~~بأنبيائهم. حاق بالشئ يحيق حيقا وحيوقا وحيقانا نزل، قال الله تعالى: " ولا ~~يحيق المكر السيئ إلا بأهله " (3) [فاطر: 43] و " ما " في قوله: # " ما كانوا " بمعنى الذي وقيل: بمعنى المصدر أي حاق بهم عاقبة استهزائهم. # قوله تعالى: قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين (11) قل ~~لمن ما في السماوات والأرض قل لله كتب على نفسه ms2367 الرحمة ليجمعنكم إلى يوم ~~القيامة لا ريب فيه الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون (12) قوله تعالى: (قل ~~سيروا في الأرض) أي قل يا محمد لهؤلاء المستهزئين المستسخرين المكذبين: # سافروا في الأرض فانظروا واستخبروا لتعرفوا ما حل بالكفرة قبلكم من ~~العقاب وأليم العذاب # PageV06P394 # وهذا السفر مندوب إليه إذا كان على سبيل الاعتبار بآثار من خلا من الأمم ~~وأهل الديار، والعاقبة آخر الامر. والمكذبون هنا من كذب الحق وأهله لا من ~~كذب بالباطل. # قوله تعالى: (قل لمن ما في السماوات والأرض) هذا [أيضا] (1) احتجاج ~~عليهم، المعنى قل لهم يا محمد: " لمن في السماوات والأرض " فإن قالوا لمن ~~هو؟ فقل [هو] " لله " المعنى: إذا ثبت أن له ما في السماوات والأرض وأنه ~~خالق الكل إما باعترافهم أو بقيام الحجة عليهم، فالله قادر على أن يعاجلهم ~~بالعقاب ويبعثهم بعد الموت. ولكنه " كتب على نفسه الرحمة " أي وعد بها فضلا ~~منه وكرما فلذلك أمهل وذكر النفس هنا عبارة عن وجوده وتأكيد وعده، وارتفاع ~~الوسائط دونه، ومعنى الكلام الاستعطاف منه تعالى للمتولين عنه إلى الاقبال ~~إليه، وإخبار منه سبحانه بأنه رحيم بعباده لا يعجل عليهم بالعقوبة، ويقبل ~~منهم الإنابة والتوبة. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسوله الله صلى ~~الله عليه وسلم: # (لما قضى الله الخلق كتب في كتاب على نفسه فهو موضوع عنده إن رحمتي تغلب ~~غضبي) أي لما أظهر قضاءه وأبرزه لمن شاء أظهر كتابا في اللوح المحفوظ أو ~~فيما شاءه مقتضاه خبر حق ووعد صدق " إن رحمتي تغلب غضبي " أي تسبقه وتزيد ~~عليه. # قوله تعالى: (ليجمعنكم) اللام لام القسم، والنون نون التأكيد. وقال ~~الفراء وغيره: # يجوز أن يكون تمام الكلام عند قوله: " الرحمة " ويكون ما بعده مستأنفا ~~على جهة التبيين، فيكون معنى " ليجمعنكم " ليمهلنكم وليؤخرن جمعكم. وقيل: ~~المعنى ليجمعنكم أي في القبور إلى اليوم الذي أنكرتموه. وقيل: (إلى) بمعنى ~~في، أي ليجمعنكم في يوم القيامة. وقيل: # يجوز أن يكون موضع " ليجمعنكم " نصبا على البدل من الرحمة، فتكون اللام ~~بمعنى (أن) المعنى: ms2368 كتب ربكم على نفسه ليجمعنكم، أي أن يجمعكم، وكذلك قال ~~كثير من النحويين في قوله تعالى: " ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ~~ليسجننه " (2) [يوسف: 35] أي أن يسجنوه. وقيل: # موضعه نصب ب‍ (- كتب)، كما تكون (أن) في قوله عز وجل " كتب ربكم على نفسه ~~الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة " [الانعام: 54] وذلك أنه مفسر للرحمة ~~بالامهال إلى يوم القيامة، عن الزجاج. # PageV06P395 # (لا ريب فيه) لا شك فيه. (الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون) ابتداء ~~وخبر، قاله الزجاج، وهو أجود ما قيل فيه، تقول: الذي يكرمني فله درهم، ~~فالفاء تتضمن معنى الشرط والجزاء. وقال الأخفش: إن شئت كان (الذين) في موضع ~~نصب على البدل من الكاف والميم في (ليجمعنكم) أي ليجمعن المشركين الذين ~~خسروا أنفسهم، وأنكره المبرد وزعم أنه خطأ، لأنه لا يبدل من المخاطب ولا من ~~المخاطب، لا يقال: مررت بك زيد ولا مررت بي زيد لان هذا لا يشكل فيبين. قال ~~القتبي: يجوز أن يكون (الذين) جزاء على البدل من (المكذبين) الذين تقدم ~~ذكرهم. أو على النعت لهم. وقيل: (الذين) نداء مفرد. # قوله تعالى: وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم (13) قل أغير ~~الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض وهو يطعم ولا يطعم قل إني أمرت أن كون ~~أول من أسلم ولا تكونن من المشركين (14) قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم ~~عظيم (15) من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه وذلك الفوز المبين (16) قوله تعالى: ~~(وله ما سكن في الليل والنهار) أي ثبت، وهذا احتجاج عليهم أيضا. # وقيل: نزلت الآية لأنهم قالوا: علمنا أنه ما يحملك على ما تفعل إلا ~~الحاجة، فنحن نجمع لك من أموالنا حتى تصير أغنانا (1)، فقال الله تعالى: ~~أخبرهم أن جميع الأشياء لله، فهو قادر على أن يغنيني. و (سكن) معناه هدأ ~~واستقر، والمراد ما سكن وما تحرك، فحذف لعلم السامع. # وقيل: خص الساكن بالذكر لان ما يعمه السكون أكثر مما تعمه الحركة. وقيل ~~المعنى ما خلق، فهو عام في جميع ms2369 المخلوقات متحركها وساكنها، فإنه يجري عليه ~~الليل والنهار، وعلى هذا فليس المراد بالسكون ضد الحركة بل المراد الخلق، ~~وهذا أحسن ما قيل، لأنه يجمع شتات الأقوال. (وهو السميع) لأصواتهم (العليم) ~~بأسرارهم. # PageV06P396 # قوله تعالى: (قل أغير الله أتخذ وليا) مفعولان، لما دعوه إلى عبادة ~~الأصنام دين آبائه أنزل الله تعالى " قل " يا محمد: " أغير الله اتخذ وليا ~~" أي ربا ومعبودا وناصرا دون الله. # (فاطر السماوات والأرض) بالخفض على النعت لاسم الله، وأجاز الأخفش الرفع ~~على إضمار مبتدأ. وقال الزجاج: ويجوز النصب على المدح. أبو علي الفارسي: ~~ويجوز نصبه على فعل مضمر كأنه قال: أترك فاطر السماوات والأرض؟ لان قوله: " ~~أغير الله اتخذ وليا " يدل على ترك الولاية له، وحسن إضماره لقوة هذه ~~الدلالة. (وهو يطعم ولا يطعم) كذا قراءة العامة، أي يرزق ولا يرزق، دليله ~~قوله تعالى: " ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون " (1) [الذاريات: ~~57] وقرأ سعيد بن جبير ومجاهد والأعمش: وهو يطعم ولا يطعم، وهي قراءة حسنة، ~~أي أنه يرزق عباده، وهو سبحانه غير محتاج إلى ما يحتاج إليه المخلوقون من ~~الغذاء. # وقرئ بضم الياء وكسر العين في الفعلين، أي إن الله يطعم عباده ويرزقهم ~~والولي (2) لا يطعم نفسه ولا من يتخذه. وقرئ بفتح الياء والعين في الأول أي ~~الولي (ولا يطعم) بضم الياء وكسر العين. وخص الاطعام بالذكر دون غيره من ~~ضروب الانعام، لان الحاجة إليه أمس لجميع الأنام. (قل إني أمرت أن أكون أول ~~من أسلم) أي استسلم لأمر الله تعالى. وقيل: # أول من أخلص أي من قومي وأمتي، عن الحسن وغيره. (ولا تكونن من المشركين) ~~أي وقيل لي: " ولا تكونن من المشركين ". (قل إني أخاف إن عصيت ربي) أي ~~بعبادة غيره أن يعذبني، والخوف توقع المكروه. قال ابن عباس: " أخاف " هنا ~~بمعنى أعلم. # (من يصرف عنه) أي العذاب " يومئذ " يوم القيامة " فقد رحمه " أي فاز ونجا ~~ورحم. # وقرأ الكوفيون " من يصرف " بفتح الياء وكسر الراء، وهو اختيار أبي حاتم ~~وأبي عبيد، لقوله: " قل لمن ما ms2370 في السماوات والأرض قل لله " ولقوله: " فقد ~~رحمه " ولم يقل رحم على المجهول، ولقراءة أبي " من يصرفه الله عنه " واختار ~~سيبويه القراءة الأولى - قراءة أهل المدينة وأبي عمرو - قال سيبويه: وكلما ~~قل الاضمار في الكلام كان أولى، فأما قراءة [من قرأ] (3) # PageV06P397 # " من يصرف " بفتح الياء فتقديره: من يصرف الله عنه العذاب، وإذا قرئ (من ~~يصرف عنه) فتقديره: من يصرف عنه العذاب. (وذلك الفوز المبين) أي النجاة ~~البينة. # قوله تعالى: وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو ~~على كل شئ قدير (17) قوله تعالى: (وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو) ~~المس والكشف من صفات الأجسام، وهو هنا مجاز وتوسع، والمعنى: إن تنزل بك يا ~~محمد شدة من فقر أو مرض فلا رافع وصارف له إلا هو، وإن يصبك بعافية ورخاء ~~ونعمة (فهو على كل شئ قدير) من الخير والضر روى ابن عباس قال: كنت رديف ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي: (يا غلام - أو يا بني - ألا أعلمك ~~كلمات ينفعك الله بهن)؟ فقلت: بلى، فقال: (احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده ~~أمامك تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة إذا سألت فاسأل الله وإذا ~~استعنت فاستعن بالله فقد جف القلم بما هو كائن فلو أن الخلق كلهم جميعا ~~أرادوا أن يضروك بشئ لم يقضه الله لك لم يقدروا عليه واعمل الله بالشكر ~~واليقين واعلم أن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا وأن النصر مع الصبر وأن ~~الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا) أخرجه أبو بكر بن ثابت الخطيب في كتاب ~~(الفصل والوصل) وهو حديث صحيح، وقد خرجه الترمذي، وهذا أتم. # قوله تعالى: وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير (18) قل أي شئ أكبر ~~شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحى إلى هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ ~~أنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد قل إنما هو إله واحد وإنني ~~برئ مما تشركون (19) PageV06P398 # قوله تعالى: ms2371 (وهو القاهر فوق عباده) القهر الغلبة، والقاهر الغالب، وأقهر ~~الرجل إذا صير بحال المقهور الذليل، قال الشاعر: (1) تمنى حصين أن يسود ~~جذاعه * فأمسى حصين قد أذل وأقهرا وقهر غلب. ومعنى (فوق عباده) فوقية ~~الاستعلاء بالقهر والغلبة عليهم، أي هم تحت تسخيره لا فوقية مكان، كما ~~تقول: السلطان فوق رعيته أي بالمنزلة والرفعة. وفي القهر معنى زائد ليس في ~~القدرة، وهو منع غيره عن بلوغ المراد. (وهو الحكيم) في أمره (الخبير) ~~بأعمال عباده، أي من اتصف بهذه الصفات يجب ألا يشرك به. # قوله تعالى: (قل أي شئ أكبر شهادة) وذلك أن المشركين قالوا للنبي صلى ~~الله عليه وسلم: من يشهد لك بأنك رسول الله فنزلت الآية، عن الحسن وغيره. ~~ولفظ (شئ) هنا واقع موقع اسم الله تعالى، المعنى الله أكبر شهادة أي ~~انفراده بالربوبية، وقيام البراهين على توحيده أكبر شهادة وأعظم، فهو شهيد ~~بيني وبينكم على أني قد بلغتكم وصدقت فيما قلته وادعيته من الرسالة. # قوله تعالى: (وأوحى إلى هذا القرآن) أي والقرآن شاهد بنبوتي. (لأنذركم ~~به) يا أهل مكة. (ومن بلغ) أي ومن بلغه القرآن. فحذف (الهاء) لطول الكلام. ~~وقيل: # ومن بلغ الحلم. ودل بهذا على أن من لم يبلغ الحلم ليس بمخاطب ولا متعبد. ~~وتبليغ القرآن والسنة مأمور بهما، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~بتبليغهما، فقال: " يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك " (2) ~~[المائدة: 67]. وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم : (بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب علي ~~متعمدا فليتبوأ مقعده من النار). وفي الخبر أيضا، من بلغته آية من كتاب ~~الله فقد بلغه أمر الله أخذ به أو تركه. وقال مقاتل: من بلغه القرآن من ~~الجن والإنس فهو نذير له. وقال القرظي: من بلغه القرآن فكأنما قد رأى محمدا ~~صلى الله عليه وسلم وسمع منه. وقرأ أبو نهيك: (وأوحى إلي هذا القرآن) مسمى ~~الفاعل، وهو معنى قراءة الجماعة. (أئنكم لتشهدون أن ms2372 مع الله آلهة أخرى) ~~استفهام توبيخ # PageV06P399 # وتقريع. وقرئ (أئنكم) بهمزتين على الأصل. وإن خففت الثانية قلت: (أئنكم). # وروى الأصمعي عن أبي عمرو ونافع (أئنكم)، وهذه لغة معروفة، تجعل بين ~~الهمزتين ألف كراهة لالتقائهما، قال الشاعر: # أيا ظبية الوعساء بين جلاجل * وبين النقا آأنت أم أم سالم ومن قرأ " إنكم ~~" على الخبر فعلى أنه قد حقق عليهم شركهم. وقال: " آلهة أخرى " ولم يقل: # (أخر)، قال الفراء: لان الآلهة جمع والجمع يقع عليه التأنيث، ومنه قوله: ~~" ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها " (2) [طه: 51]، وقوله: " فما بال القرون ~~الأولى " (3) [طه: 51] ولو قال: الأول والآخر صح أيضا. # (4) (قل لا أشهد) أي فأنا لا أشهد معكم فحذف لدلالة الكلام عليه ونظيره " ~~فإن شهدوا فلا تشهد معهم " (5) [الانعام: 150]. # قوله تعالى: الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبنائهم الذين ~~خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون (20) قوله تعالى: (الذين آتيناهم الكتاب). يريد ~~اليهود والنصارى الذين عرفوا وعاندوا وقد تقدم معناه في (البقرة) (6). و ~~(الذين) في موضع رفع بالابتداء. " يعرفونه " في موضع الخبر، أي يعرفون ~~النبي صلى الله عليه وسلم، عن الحسن وقتادة، وهو قول الزجاج. وقيل: # يعود على الكتاب، أي يعرفونه على ما يدل عليه، أي على الصفة التي هو بها ~~من دلالته على صحة أمر النبي صلى الله عليه وسلم وآله. " الذين خسروا ~~أنفسهم " في موضع النعت، ويجوز أن يكون مبتدأ وخبره " فهم لا يؤمنون ". # قوله تعالى: ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح ~~الظالمون (21) ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين ~~كنتم تزعمون (22) # PageV06P400 # قوله تعالى: (ومن أظلم) ابتداء وخبر أي لا أحد أظلم (ممن افترى) أي اختلق ~~(على الله كذبا أو كذب بآياته) يريد القرآن والمعجزات. (إنه لا يفلح ~~الظالمون) قيل: # معناه في الدنيا، ثم استأنف فقال: " ويوم نحشرهم جميعا " على معنى واذكر ~~" يوم نحشرهم ". # وقيل: معناه أنه لا يفلح الظالمون في الدنيا ولا يوم نحشرهم، فلا يوقف ~~على هذا التقدير على قوله: (الظالمون) لأنه متصل. وقيل: هو متعلق ms2373 بما بعده ~~وهو (انظر) أي انظر كيف كذبوا يوم نحشرهم، أي كيف يكذبون يوم نحشرهم؟. (ثم ~~نقول الذين أشركوا أين شركاؤكم) سؤال إفضاح لا إفصاح (1). (الذين كنتم ~~تزعمون) أي في أنهم شفعاء لكم عند الله بزعمكم، وأنها تقربكم منه زلفى، ~~وهذا توبيخ لهم. قال ابن عباس: كل زعم في القرآن فهو كذب. # قوله تعالى: ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين ~~(23) قوله تعالى: (ثم لم تكن فتنتهم) الفتنة الاختبار أي لم يكن جوابهم حين ~~اختبروا بهذا السؤال، ورأوا الحقائق، وارتفعت الدواعي. # (2) (إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين) تبرءوا من الشرك وانتفوا ~~منه لما رأوا من تجاوزه ومغفرته للمؤمنين. قال ابن عباس: يغفر الله تعالى ~~لأهل الاخلاص ذنوبهم، ولا يتعاظم عليه ذنب أن يغفره، فإذا رأى المشركون ~~ذلك، قالوا إن ربنا يغفر الذنوب ولا يغفر الشرك فتعالوا نقول إنا كنا أهل ~~ذنوب ولم نكن مشركين، فقال الله تعالى: أما إذ كتموا الشرك فاختموا على ~~أفواههم، فيختم على أفواههم، فتنطق أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون، ~~فعند ذلك يعرف المشركون أن الله لا يكتم حديثا، فذلك قوله: " يومئذ يود ~~الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا " (3) ~~[النساء: 42]. وقال أبو إسحاق الزجاج: تأويل هذه الآية لطيف جدا، أخبر الله ~~عز وجل بقصص المشركين وافتتانهم بشركهم، ثم أخبر أن فتنتهم لم تكن حين رأوا ~~الحقائق إلا أن انتفوا من الشرك، ونظير هذا في اللغة أن ترى إنسانا يحب ~~غاويا فإذا وقع # PageV06P401 # في هلكة تبرأ منه، [فيقال] (1): ما كانت محبتك إياه إلا أن تبرأت منه. ~~وقال الحسن: هذا خاص بالمنافقين جروا على عادتهم في الدنيا، ومعنى (فتنتهم) ~~عاقبة فتنتهم أي كفرهم. # وقال قتادة: معناه معذرتهم. وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال: (فيلقى ~~العبد فيقول أي فل (2) ألم أكرمك وأسودك [وأزوجك] (3) وأسخر لك الخيل ~~والإبل وأذرك ترأس وتربع فيقول بلى [أي رب] (3) فيقول أفظننت أنك ملاقي ~~فيقول لا، فيقول إني أنساك كما ms2374 نسيتني ثم يلقى الثاني فيقول له ويقول هو ~~مثل ذلك بعينه ثم يلقى الثالث فيقول له مثل ذلك فيقول يا رب آمنت بك ~~وبكتابك وبرسولك وصليت وصمت وتصدقت ويثني بخير ما استطاع قال فيقال ها هنا ~~إذا ثم يقال له الآن نبعث شاهدا عليك ويتفكر في نفسه من ذا الذي يشهد علي ~~فيختم على فيه ويقال لفخذه ولحمه وعظامه انطقي فتنطق فخذه ولحمه وعظامه ~~بعمله وذلك ليعذر من نفسه وذلك المنافق وذلك الذي سخط الله عليه). # قوله تعالى: انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون (24) ~~قوله تعالى. (انظر كيف كذبوا على أنفسهم) كذب المشركين قولهم: إن عبادة ~~الأصنام تقربنا إلى الله زلفى، بل ظنوا ذلك وظنهم الخطأ لا يعذرهم ولا يزيل ~~اسم الكذب عنهم، وكذب المنافقين باعتذارهم بالباطل، وجحدهم نفاقهم. (وضل ~~عنهم ما كانوا يفترون) أي فانظر كيف ضل عنهم افتراؤهم أي تلاشى وبطل ما ~~كانوا يظنونه من شفاعة آلهتهم. # وقيل: (وضل عنهم ما كانوا يفترون) أي فارقهم ما كانوا يعبدون من دون الله ~~فلم يغن عنهم شيئا، عن الحسن. وقيل: المعنى عزب عنهم افتراؤهم لدهشهم، ~~وذهول عقولهم. # PageV06P402 # والنظر في قوله: (انظر) يراد به نظر الاعتبار، ثم قيل: " كذبوا " بمعنى ~~يكذبون، فعبر عن المستقبل بالماضي، وجاز أن يكذبوا في الآخرة لأنه موضع دهش ~~وحيرة وذهول عقل. # وقيل: لا يجوز أن يقع منهم كذب في الآخرة، لأنها دار جزاء على ما كان في ~~الدنيا - وعلى ذلك أكثر أهل النظر - وإنما ذلك في الدنيا، فمعنى " والله ~~ربنا ما كنا مشركين " على هذا: # ما كنا مشركين عند أنفسنا، وعلى جواز أن يكذبوا في الآخرة يعارضه قوله: ~~(ولا يكتمون الله حديثا)، ولا معارضة ولا تناقض، لا يكتمون الله حديثا في ~~بعض المواطن إذا شهدت عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بعملهم، ويكذبون على ~~أنفسهم في بعض المواطن قبل شهادة الجوارح على ما تقدم. والله أعلم. وقال ~~سعيد بن جبير في قوله تعالى: " والله ربنا ما كنا مشركين " قال: اعتذروا ~~وحلفوا، وكذلك قال ابن ms2375 أبي نجيح وقتادة: وروي عن مجاهد أنه قال: لما رأوا ~~أن الذنوب تغفر إلا الشرك بالله والناس يخرجون من النار قالوا: # " والله ربنا ما كنا مشركين " وقيل: " والله ربنا ما كنا مشركين " أي ~~علمنا أن الأحجار لا تضر ولا تنفع، وهذا وإن كان صحيحا من القول فقد صدقوا ~~ولم يكتموا، ولكن لا يعذرون بهذا، فإن المعاند كافر غير معذور. ثم قيل في ~~قوله: " ثم لم تكن فتنتهم " خمس قراءات: # قرأ حمزة والكسائي " يكن " بالياء " فتنتهم " بالنصب خبر " يكن " " إلا ~~أن قالوا " اسمها أي إلا قولهم، فهذه قراءة بينة. وقرأ أهل المدينة وأبو ~~عمرو " تكن " بالتاء " فتنتهم " بالنصب (إلا أن قالوا) أي إلا مقالتهم. ~~وقرأ أبي وابن مسعود وما كان - بدل [قوله] (1) (ثم لم تكن) - فتنتهم إلا أن ~~قالوا). وقرأ ابن عامر وعاصم من رواية حفص، والأعمش من رواية المفضل، ~~والحسن وقتادة وغيرهم (ثم لم تكن " بالتاء " فتنتهم " بالرفع اسم " تكن " ~~والخبر " إلا أن قالوا " فهذه أربع قراءات. الخامسة: " ثم لم يكن " بالياء ~~(فتنتهم)، [رفع] (1) ويذكر الفتنة لأنها بمعنى الفتون، ومثله " فمن جاءه ~~موعظة من ربه فانتهى " (2) [البقرة: 275]. " والله " [الواو] (3) واو القسم ~~" ربنا " نعت لله عز وجل، أو بدل. ومن نصب فعلى النداء أي يا ربنا وهي ~~قراءة حسنة، لان فيها معنى الاستكانة والتضرع، إلا أنه فصل بين القسم ~~وجوابه بالمنادى. # PageV06P403 # قوله تعالى: ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي ~~آذانهم وقرا وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاءوك يجادلونك يقول ~~الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين () قوله تعالى: (ومنهم من يستمع ~~إليك). [أفرد] (1) على اللفظ يعني المشركين كفار مكة. (وجعلنا على قلوبهم ~~أكنة) أي فعلنا ذلك بهم مجازاة على كفرهم. وليس المعنى أنهم لا يسمعون ولا ~~يفقهون، ولكن لما كانوا لا ينتفعون بما يسمعون، ولا ينقادون إلى الحق كانوا ~~بمنزلة من لا يسمع ولا يفهم. والأكنة الأغطية جمع كنان مثل الأسنة والسنان، ~~والأعنة والعنان. كننت الشئ في كنه إذا صنته فيه. وأكننت ms2376 الشئ أخفيته. ~~والكنانة معروفة (2). والكنة (بفتح الكاف والنون) امرأة أبيك، ويقال: امرأة ~~الابن أو الأخ، لأنها في كنه. (أن يفقهوه) أي يفهموه وهو في موضع نصب، ~~المعنى كراهية أن يفهموه، (3) أو لئلا يفهموه. # (3) (وفي آذانهم وقرا) عطف عليه أي ثقلا، يقال منه: وقرت أذنه (بفتح ~~الواو) توقر وقرا أي صمت، وقياس مصدره التحريك إلا أنه جاء بالتسكين. وقد ~~وقر الله أذنه يقرها وقرا، يقال: اللهم قر أذنه. وحكى أبو زيد عن العرب: ~~أذن موقورة على ما لم يسم فاعله، فعلى هذا وقرت (بضم الواو). وقرأ طلحة بن ~~مصرف (وقرا) بكسر الواو، أي جعل في آذانهم ما سدها عن استماع القول على ~~التشبيه بوقر البعير، وهو مقدار ما يطيق أن يحمل، والوقر الحمل، يقال منه: ~~نخلة موقر وموقرة إذا كانت ذات ثمر كثير. # ورجل ذو قرة إذا كان وقورا بفتح الواو، ويقال منه: وقر الرجل (بقضم ~~القاف) وقارا، ووقر (بفتح القاف) أيضا. # قوله تعالى: (وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها) أخبر الله تعالى بعنادهم ~~لأنهم لما رأوا القمر منشقا قالوا: سحر، فأخبر الله عز وجل بردهم الآيات ~~بغير حجة. # PageV06P404 # قوله تعالى: (حتى إذا جاءوك يجادلونك) مجادلتهم قولهم: تأكلون ما قتلتم، ~~ولا تأكلون ما قتل الله، عن ابن عباس. " يقول الذين كفروا " يعني قريشا، ~~قال ابن عباس: # قالوا للنضر بن الحرث]: ما يقول محمد؟ قال: أرى تحريك شفتيه وما يقول إلا ~~أساطير الأولين مثل ما أحدثكم عن القرون الماضية، وكان النضر صاحب قصص ~~وأسفار، فسمع أقاصيص في ديار العجم مثل قصة رستم واسفنديار فكان يحدثهم. ~~وواحد الأساطير أسطار كأبيات (1) وأباييت، عن الزجاج. قال الأخفش: واحدها ~~أسطورة كأحدوثة وأحاديث. # أبو عبيدة: واحدها إسطارة. النحاس: واحدها أسطور مثل عثكول. # (2) ويقال: هو جمع أسطار، وأسطار جمع سطر، يقال: سطر وسطر. والسطر الشئ ~~الممتد المؤلف كسطر الكتاب. # القشيري: واحدها أساطير. وقيل: هو جمع لا واحد له كمذاكير وعباديد (3) ~~وأبابيل أي ما سطره الأولون في الكتب. قال الجوهري وغيره: الأساطير ~~الأباطيل والترهات. # قلت: أنشدني بعض أشياخي: ms2377 # تطاول ليلي واعترتني وساوسي * لآت أتى بالترهات الأباطيل قوله تعالى: وهم ~~ينهون عنه وينئون عنه وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون (26) قوله تعالى: ~~(وهم ينهون عنه وينأون عنه) النهي الزجر، والنأي البعد، وهو عام في جميع ~~الكفار أي ينهون عن اتباع محمد صلى الله عليه وسلم، وينأون عنه، عن ابن ~~عباس والحسن. وقيل: هو خاص بأبي طالب ينهى الكفار عن إذاية محمد صلى الله ~~عليه وسلم، ويتباعد عن الايمان به، عن ابن عباس أيضا. وروى أهل السير قال: ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم قد خرج إلى الكعبة يوما وأراد أن يصلي، فلما ~~دخل في الصلاة قال أبو جهل # PageV06P405 # لعنه الله -: من يقوم إلى هذا الرجل فيفسد عليه صلاته. فقام ابن الزبعري ~~فأخذ فرثا ودما فلطخ به وجه النبي صلى الله عليه وسلم، فانفتل النبي صلى ~~الله عليه وسلم من صلاته، ثم أتى أبا طالب عمه فقال: (يا عم ألا ترى إلى ما ~~فعل بي) فقال أبو طالب: من فعل هذا بك؟ # فقال النبي صلى الله عليه وسلم: عبد الله بن الزبعري، فقام أبو طالب ووضع ~~سيفه على عاتقه ومشى معه حتى أتى القوم، فلما رأوا أبا طالب قد أقبل جعل ~~القوم ينهضون، فقال أبو طالب: والله لئن قام رجل جللته بسيفي فقعدوا حتى ~~دنا إليهم، فقال: يا بني من الفاعل بك هذا؟ فقال: (عبد الله بن الزبعري)، ~~فأخذ أبو طالب فرثا ودما فلطخ به وجوههم ولحاهم وثيابهم وأساء لهم القول، ~~فنزلت هذه الآية (وهم ينهون عنه وينأون عنه) فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: (يا عم نزلت فيك آية) قال: وما هي؟ قال: (تمنع قريشا أن تؤذيني وتأبى ~~أن تؤمن بي) فقال أبو طالب: # والله لن يصلوا إليك بجمعهم * حتى أوسد في التراب دفينا فاصدع بأمرك ما ~~عليك غضاضة * وابشر بذاك وقر منك عيونا ودعوتني وزعمت أنك ناصحي * فلقد ~~صدقت وكنت قبل أمينا وعرضت دينا قد عرفت بأنه * من خير أديان البرية دينا ~~لولا الملامة أو حذار مسبة * لوجدتني ms2378 سمحا بذاك يقينا (1) فقالوا: يا رسول ~~الله هل تنفع أبا طالب نصرته؟ قال: (نعم دفع عنه بذاك الغل ولم يقرن مع ~~الشياطين ولم يدخل في جب الحيات والعقارب إنما عذابه في نعلين من نار [في ~~رجليه] (2) يغلي منهما دماغه في رأسه وذلك أهون أهل النار عذابا). وأنزل ~~الله على رسوله " فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل " (3) [الأحقاف: 35]. ~~وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمه: ~~(قل لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة) قال: لولا تعيرني قريش ~~يقولون: إنما حمله على ذلك الجزع لأقررت بها عينك، فأنزل الله تعالى: " إنك ~~لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء " (4) [القصص: 56] كذا الرواية ~~المشهورة (الجزع) بالجيم والزاي ومعناه # PageV06P406 # الخوف. وقال أبو عبيد (1): (الخرع) بالخاء المنقوطة والراء المهملة. ~~[قال] (2) يعني الضعف والخور، وفي صحيح مسلم أيضا عن ابن عباس قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: (أهون أهل النار عذابا أبو طالب وهو منتعل بنعلين ~~من نار يغلى منهما دماغه). وأما عبد الله ابن الزبعري فإنه أسلم عام الفتح ~~وحسن إسلامه، واعتذر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبل عذره، وكان ~~شاعرا مجيدا، فقال يمدح النبي صلى الله عليه وسلم، وله في مدحه أشعار كثيرة ~~ينسخ بها ما قد مضى في كفره، منها قوله: # منع الرقاد بلابل وهموم * والليل معتلج الرواق بهيم مما أتاني أن أحمد ~~لامني * فيه فبت كأنني محموم يا خير من حملت على أوصالها * عيرانة (3) سرح ~~اليدين غشوم إني لمعتذر إليك من الذي * أسديت إذ أنا في الضلال أهيم أيام ~~تأمرني بأغوى خطة * سهم وتأمرني بها مخزوم وأمد أسباب الردى ويقودني * أمر ~~الغواة وأمرهم مشئوم فاليوم آمن بالنبي محمد * قلبي ومخطئ هذه محروم مضت ~~العداوة فانقضت أسبابها * وأتت أواصر بيننا وحلوم فاغفر فدى لك والداي ~~كلاهما * زللي (4) فإنك راحم مرحوم وعليك من سمة المليك علامة * نور أغر ~~وخاتم مختوم أعطاك بعد محبة برهانه * شرفا وبرهان الاله عظيم ms2379 ولقد شهدت بأن ~~دينك صادق * حقا وأنك في العباد جسيم والله يشهد أن أحمد مصطفى * مستقبل في ~~الصالحين كريم قرم (5) علا بنيانه من هاشم * فرع تمكن في الذرى وأروم # PageV06P407 # وقيل: المعنى (ينهون عنه) أي هؤلاء الذين يستمعون ينهون عن القرآن ~~(وينأون عنه). # عن قتادة، فالهاء على القولين الأولين في (عنه) للنبي صلى الله عليه ~~وسلم، وعلى قول قتادة للقرآن. (وإن يهلكون إلا أنفسهم) (إن) نافية أي وما ~~يهلكون إلا أنفسهم بإصرارهم على الكفر، وحملهم أوزار الذين يصدونهم. # قوله تعالى: ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب ~~بآيات ربنا ونكون من المؤمنين (27 قوله تعالى: (ولو ترى إذ وقفوا على ~~النار) [أي إذ] (1) وقفوا غدا و (إذ) قد تستعمل في موضع (إذا) و (إذا) في ~~موضع (إذ) وما سيكون فكأنه كان، لان خبر الله تعالى حق وصدق، فلهذا عبر ~~بالماضي. ومعنى (إذ وقفوا) حبسوا يقال: وقفته وقفا فوقف وقوفا. # وقرأ ابن السميقع (إذ وقفوا) بفتح الواو والقاف من الوقوف. " على النار " ~~أي هم فوقها على الصراط وهي تحتهم. وقيل: (على) بمعنى الباء، أي وقفوا ~~بقربها وهم يعاينونها. # وقال الضحاك: جمعوا، يعني على أبوابها. ويقال: وقفوا على متن جهنم والنار ~~تحتهم. # وفي الخبر: أن الناس كلهم يوقفون على متن جهنم كأنها متن إهالة (2)، ثم ~~ينادي مناد خذي أصحابك ودعي أصحابي. وقيل: (وقفوا) دخلوها - أعاذنا الله ~~منها - فعلى بمعنى (في) أي وقفوا في النار. وجواب (لو) محذوف ليذهب الوهم ~~إلى كل شئ فيكون أبلغ في التخويف، والمعنى: لو تراهم في تلك الحال لرأيت ~~أسوأ حال، أو لرأيت منظرا هائلا، أو لرأيت أمرا عجبا وما كان مثل هذا ~~التقدير. # قوله تعالى: (فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من ~~المؤمنين) بالرفع في الافعال الثلاثة عطفا قراءة أهل المدينة والكسائي، ~~وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم بالضم (3). # ابن عامر على رفع (نكذب) ونصب (ونكون) وكله داخل في معنى التمني، أي لا ~~تمنوا الرد # PageV06P408 # وألا يكذبوا وأن يكونوا من ms2380 المؤمنين. واختار سيبويه القطع في (ولا نكذب) ~~فيكون غير داخل في التمني، المعنى: ونحن لا نكذب على معنى الثبات على ترك ~~التكذيب، أي لا نكذب رددنا أو لم نرد، قال سيبويه: وهو مثل قوله دعني ولا ~~أعود أي لا أعود على كل حال تركتني أو لم تتركني. واستدل أبو عمرو على ~~خروجه من التمني بقوله: " وإنهم لكاذبون " لان الكذب لا يكون في التمني ~~إنما يكون في الخبر. وقال من جعله داخلا في التمني: المعنى وإنهم لكاذبون ~~في الدنيا في إنكارهم البعث وتكذيبهم الرسل. وقرأ حمزة وحفص بنصب (نكذب) و ~~(نكون) جوابا للتمني، لأنه غير واجب، وهما داخلان في التمني على معنى أنهم ~~تمنوا الرد وترك التكذيب والكون مع المؤمنين. قال أبو إسحاق: معنى (ولا ~~نكذب) أي إن رددنا لم نكذب. والنصب في (الكذب) و (نكون) بإضمار (أن) كما ~~ينصب في جواب الاستفهام والامر والنهي والعرض، لان جميعه غير واجب ولا واقع ~~بعد، فينصب الجواب مع الواو كأنه عطف على مصدر الأول، كأنهم قالوا: يا ~~ليتنا يكون لنا رد وانتفاء من الكذب، وكون من المؤمنين، فحملا على مصدر ~~(نرد) لانقلاب المعنى إلى الرفع، ولم يكن بد من إضمار (أن) فيه يتم النصب ~~في الفعلين. وقرأ ابن عامر (ونكون) بالنصب على جواب التمني كقولك: ليتك ~~تصير إلينا ونكرمك، أي ليت مصيرك يقع وإكرامنا يقع، وأدخل الفعلين الأولين ~~في التمني، أو أراد: ونحن لا نكرمك (1) على القطع على ما تقدم، يحتمل. # وقرأ أبي (ولا (2) نكذب بآيات ربنا أبدا). وعنه وابن مسعود (يا ليتنا نرد ~~فلا نكذب) بالفاء والنصب، والفاء ينصب بها في الجواب كما ينصب بالواو، عن ~~الزجاج. وأكثر البصريين لا يجيزون الجواب إلا بالفاء. # قوله تعالى: بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا ~~عنه وإنهم لكاذبون (27) # PageV06P409 # قوله تعالى: (بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل) بل إضراب عن تمنيهم ~~وادعائهم الايمان لو ردوا. واختلفوا في معنى (بدا لهم) على أقوال بعد تعيين ~~من المراد، فقيل: ms2381 # المراد المنافقون لان اسم الكفر مشتمل عليهم، فعاد الضمير على بعض ~~المذكورين، قال النحاس: وهذا من الكلام العذب الفصيح. وقيل: المراد الكفار ~~وكانوا إذا وعظهم النبي صلى الله عليه وسلم خافوا وأخفوا ذلك الخوف لئلا ~~يفطن بهم ضعفاؤهم، فيظهر يوم القيامة، ولهذا قال الحسن: (بدا لهم) أي بدا ~~لبعضهم ما كان يخفيه عن بعض. وقيل: # بل ظهر لهم ما كانوا يجحدونه من الشرك فيقولون: (والله ربنا ما كنا ~~مشركين) فينطق الله جوارحهم فتشهد عليهم بالكفر فذلك حين (بدا لهم ما كانوا ~~يخفون من قبل). قاله أبو روق (1). وقيل: (بدا لهم) ما كانوا يكتمونه من ~~الكفر، أي بدت أعمالهم السيئة كما قال: " وبدا لهم من الله ما لم يكونوا ~~يحتسبون " (2) [الزمر: 47]. قال المبرد: بدا لهم جزاء كفرهم الذي كانوا ~~يخفونه. وقيل: المعنى بل ظهر للذين اتبعوا الغواة ما كان الغواة يخفون عنهم ~~من أمر البعث والقيامة، لان بعده " وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن ~~بمبعوثين ". # قوله تعالى: (ولو ردوا) قيل: بعد معاينة العذاب. وقيل: قبل معاينته. ~~(لعادوا لما نهوا عنه) أي لصاروا ورجعوا إلى ما نهوا عنه من الشرك لعلم ~~الله تعالى فيهم أنهم لا يؤمنون، وقد عاين إبليس ما عاين من آيات الله ثم ~~عاند. قوله تعالى: (وإنهم لكاذبون) إخبار عنهم، وحكاية عن الحال التي كانوا ~~عليها في الدنيا من تكذيبهم الرسل، وإنكارهم البعث، كما قال: " وإن ربك ~~ليحكم " (3) [النحل: 124] فجعله حكاية عن الحال الآتية. وقيل: المعنى وإنهم ~~لكاذبون فيما أخبروا به عن أنفسهم من أنهم لا يكذبون ويكونون من المؤمنين. ~~وقرأ يحيى ابن وثاب (ولو ردوا) بكسر الراء، لان الأصل رددوا فنقلت كسرة ~~الدال على الراء. # قوله تعالى: وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين (29) # PageV06P410 # قوله تعالى: (وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا) ابتداء وخبر و (إن) نافية. ~~(وما نحن) (نحن) اسم (ما) بمبعوثين " خبرها، وهذا ابتداء إخبار عنهم عما ~~قالوه في الدنيا. قال ابن زيد: هو داخل في قوله: " ولو ردوا لعادوا لما ~~نهوا ms2382 عنه " " وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا " أي لعادوا إلى الكفر، ~~واشتغلوا بلذة الحال. وهذا يحمل على المعاند كما بيناه في حال إبليس، أو ~~على أن الله (1) يلبس عليهم بعد ما عرفوا، وهذا شائع في العقل. # قوله تعالى: ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق قالوا بلى ~~وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون (30) قوله تعالى: (ولو ترى إذ ~~وقفوا على ربهم) (وقفوا) أي حبسوا (على ربهم) أي على ما يكون من أمر الله ~~فيهم. وقيل: (على) بمعنى (عند) أي عند ملائكته وجزائه، وحيث لا سلطان فيه ~~لغير الله عز وجل، تقول: وقفت على فلان أي عنده، وجواب " لو " محذوف لعظم ~~شأن الوقوف. (قال أليس هذا بالحق) تقرير وتوبيخ أي أليس هذا البعث كائنا ~~موجودا؟! " قالوا بلى " ويؤكدون اعترافهم بالقسم بقولهم: # " وربنا ". وقيل: إن الملائكة تقول لهم بأمر الله أليس هذا البعث وهذا ~~العذاب حقا؟ # فيقولون: (بلى وربنا) إنه حق. " قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ". # قوله تعالى: قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة ~~قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ~~ما يزرون (31) قوله تعالى: (قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله) قيل: بالبعث ~~بعد الموت وبالجزاء، دليله قوله عليه السلام: (من حلف على يمين كاذبة ~~ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان) أي لقي جزاءه، لان من ~~غضب عليه لا يرى الله عند مثبتي الرؤية، ذهب # PageV06P411 # إلى هذا القفال وغيره، قال القشيري: وهذا ليس بشئ، لان حمل اللقاء في ~~موضع على الجزاء لدليل قائم لا يوجب هذا التأويل في كل موضع، فليحمل اللقاء ~~على ظاهره في هذه الآية، والكفار كانوا ينكرون الصانع، ومنكر الرؤية منكر ~~للوجود! # قوله تعالى: (حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة) سميت القيامة بالساعة لسرعة ~~الحساب فيها. ومعنى (بغتة) فجأة، يقال: بغتهم الامر يبغتهم بغتا وبغتة. وهي ~~نصب على الحال، وهي عند سيبويه مصدر في موضع الحال، كما تقول: قتلته ms2383 صبرا، ~~وأنشد: (1) فلايا بلاي ما حملنا وليدنا * على ظهر محبوك ظماء مفاصله ولا ~~يجيز سيبويه أن يقاس عليه، لا يقال: جاء فلان سرعة. # قوله تعالى: (قالوا يا حسرتنا) وقع النداء على الحسرة وليست بمنادي في ~~الحقيقة، ولكنه يدل على كثرة التحسر، ومثله يا للعجب ويا للرخاء وليسا ~~بمنادين في الحقيقة، ولكنه يدل على كثرة التعجب والرخاء، قال سيبويه: كأنه ~~قال يا عجب تعال فهذا زمن إتيانك، وكذلك قولك يا حسرتي [أي يا حسرتا] (2) ~~تعالى فهذا وقتك، وكذلك ما لا يصح نداؤه يجرى هذا المجرى، فهذا أبلغ من ~~قولك تعجبت. ومنه قول الشاعر: # * فيا عجبا من رحلها المتحمل (3) * وقيل: هو تنبيه للناس على عظيم ما يحل ~~بهم من الحسرة، أي يا أيها الناس تنبهوا على عظيم ما بي من الحسرة، فوقع ~~النداء على غير المنادى حقيقة، كقولك: لا أرينك ها هنا. فيقع النهي على غير ~~المنهي في الحقيقة. # PageV06P412 # قوله تعالى: (على ما فرطنا فيها) أي في الساعة، أي في التقدمة لها، عن ~~الحسن. # و (فرطنا) معناه ضيعنا وأصله التقدم، يقال: فرط فلان أي تقدم وسبق إلى ~~الماء، ومنه (أنا فرطكم على الحوض). ومنه الفارط أي المتقدم للماء، ومنه - ~~في الدعاء للصبي - اللهم اجعله فرطا لأبويه، فقولهم: (فرطنا) أي قدمنا ~~العجز. وقيل: # (فرطنا) أي جعلنا غيرنا الفارط السابق لنا إلى طاعة الله وتخلفنا. (فيها) ~~أي في الدنيا بترك العمل للساعة. وقال الطبري: (الهاء) راجعة إلى الصفقة، ~~وذلك أنهم لما تبين لهم خسران صفقتهم ببيعهم الايمان بالكفر، [والآخرة ~~بالدنيا] (1)، " قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها " أي في الصفقة، وترك ~~ذكرها لدلالة الكلام عليها، لان الخسران لا يكون إلا في صفقة بيع، دليله ~~قوله: " فما ربحت تجارتهم " (2) [البقرة: 16]. وقال السدي: على ما ضيعنا أي ~~من عمل الجنة. وفي الخبر عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~في هذه الآية قال: # (يرى أهل النار منازلهم في الجنة فيقولون: (يا حسرتنا). # قوله تعالى: (وهم يحملون أوزارهم) أي ذنوبهم جمع وزر. (على ظهورهم) ms2384 مجاز ~~وتوسع وتشبيه بمن يحمل ثقلا، يقال منه: وزر يزر، ووزر يوزر فهو وازر ~~وموزور، وأصله من الوزر وهو الجبل. ومنه الحديث في النساء اللواتي خرجن في ~~جنازة (ارجعن موزورات غير مأجورات) قال أبو عبيد: والعامة تقول: (مأزورات) ~~كأنه لا وجه له عنده، لأنه من الوزر. قال أبو عبيد: ويقال للرجل إذا بسط ~~ثوبه فجعل فيه المتاع احمل وزرك أي ثقلك. ومنه الوزير لأنه يحمل أثقال ما ~~يسند إليه من تدبير الولاية: والمعنى أنهم لزمتهم الآثام فصاروا مثقلين ~~بها. (ألا ساء ما يزرون) أي ما أسوأ الشئ الذي يحملونه. # قوله تعالى: وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين ~~يتقون أفلا تعقلون (32) # PageV06P413 # فيه مسئلتان: # الأولى - قوله تعالى: (وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو) أي لقصر مدتها ~~كما قال: # ألا إنما الدنيا كأحلام نائم * وما خير عيش لا يكون بدائم تأمل إذا ما ~~نلت بالأمس لذة * فأفنيتها هل أنت إلا كحالم وقال آخر: # فاعمل على مهل فإنك ميت * واكدح لنفسك أيها الانسان فكأن ما قد كان لم يك ~~إذ مضى * وكأن ما هو كائن قد كانا (1) وقيل: المعنى متاع الحياة الدنيا لعب ~~ولهو، أي الذي يشتهونه في الدنيا لا عاقبة له، فهو بمنزلة اللعب واللهو. ~~ونظر سليمان بن عبد الملك في المرآة فقال: أنا الملك الشاب، فقالت له جارية ~~له: # أنت نعم المتاع لو كنت تبقى * غير أن لا بقاء للانسان ليس فيما بدا لنا ~~منك عيب * كان (2) في الناس غير أنك فاني وقيل: معنى (لعب ولهو) باطل ~~وغرور، كما قال: (وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور) (3) [آل عمران: 185] ~~فالمقصد بالآية تكذيب الكفار في قولهم: " إن هي إلا الحياة الدنيا ". ~~واللعب معروف، والتلعابة الكثير اللعب، والملعب مكان اللعب، يقال: لعب ~~يلعب. واللهو أيضا معروف، وكل ما شغلك فقد ألهاك، ولهوت من اللهو، وقيل: ~~أصله الصرف عن الشئ، من قولهم: لهيت عنه، قال المهدوي: وفيه بعد، لان الذي ~~معناه الصرف لامه ياء بدليل قولهم: لهيان، ولام الأول واو. # الثانية - ليس ms2385 من اللهو واللعب ما كان من أمور الآخرة، فإن حقيقة اللعب ~~ما لا ينتفع به واللهو ما يلتهى به، وما كان مرادا للآخرة خارج عنهما، وذم ~~رجل الدنيا عند علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال علي: الدنيا دار صدق لمن ~~صدقها، ودار نجاة (4) لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزود منها. وقال محمود ~~الوراق: # PageV06P414 # لا تتبع الدنيا وأيامها * ذما وإن دارت بك الدائرة من شرف الدنيا ومن ~~فضلها * أن بها تستدرك الآخرة وروى أبو عمر بن عبد البر عن أبي سعيد ~~الخدري، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # (الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ما كان فيها من ذكر الله أو أدى إلى ~~ذكر الله والعالم والمتعلم شريكان في الاجر وسائر الناس همج لا خير فيه) ~~وأخرجه الترمذي عن أبي هريرة وقال: # حديث حسن غريب. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (من هوان ~~الدنيا على الله ألا يعصى إلا فيها ولا ينال ما عنده إلا بتركها). وروى ~~الترمذي عن سهل بن سعد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو كانت ~~الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء). وقال ~~الشاعر: # تسمع (1) من الأيام إن كنت حازما * فإنك منها بين ناه وآمر إذا أبقت ~~الدنيا على المرء دينه * فما فات من شئ فليس بضائر ولن تعدل الدنيا جناح ~~بعوضة * ولا وزن زف (2) من جناح لطائر فما رضي الدنيا ثوابا لمؤمن * ولا ~~(3) رضى الدنيا جزاء لكافر وقال ابن عباس: هذه حياة الكافر لأنه يزجيها (4) ~~في غرور وباطل، فأما حياة المؤمن فتنطوي على أعمال صالحة، فلا تكون لهوا ~~ولعبا. # قوله تعالى: (وللدار الآخرة خير) أي الجنة لبقائها، وسميت آخرة لتأخرها ~~عنا، والدنيا لدنوها منا. # وقرأ ابن عامر (ولدار الآخرة) بلام واحدة، والإضافة على تقدير حذف المضاف ~~وإقامة الصفة مقامه، التقدير: ولدار الحياة الآخرة. وعلى قراءة الجمهور ~~(وللدار الآخرة) اللام لام الابتداء، ورفع الدار بالابتداء، وجعل الآخرة ~~نعتا لها والخبر (خير ms2386 للذين) يقويه # PageV06P415 # " تلك الدار الآخرة " (1) [القصص: 83] " وإن الدار الآخرة لهي الحيوان " ~~(1) [العنكبوت: 64]. فأتت الآخرة صفة للدار فيهما. # (للذين يتقون) أي الشرك. (أفلا تعقلون) قرئ بالياء والتاء، أي أفلا ~~يعقلون أن الامر هكذا فيزهدوا في الدنيا. والله أعلم. # قوله تعالى: قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن ~~الظالمين بآيات الله يجحدون (33) ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما ~~كذبوا وأوذوا حتى آتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبأ ~~المرسلين (34) قوله تعالى: (قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون) كسرت (إن) ~~لدخول اللام. # قال أبو ميسرة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بأبي جهل وأصحابه ~~فقالوا: يا محمد والله ما نكذبك وإنك عندنا لصادق، ولكن نكذب ما جئت به، ~~فنزلت هذه الآية " فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون " ثم ~~آنسه بقوله: " ولقد كذبت رسل من قبلك " الآية. وقرئ " يكذبونك " مخففا ~~ومشددا، قيل: هما بمعنى واحد كحزنته وأحزنته، واختار أبو عبيد قراءة ~~التخفيف، وهي قراءة علي رضي الله عنه، وروي عنه أن أبا جهل قال للنبي صلى ~~الله عليه وسلم: إنا لا نكذبك ولكن نكذب ما جئت به، فأنزل الله عز وجل " ~~فإنهم لا يكذبونك " قال النحاس: وقد خولف أبو عبيد في هذا. وروي: لا نكذبك. # فأنزل الله عز وجل: " لا يكذبونك ". ويقوي هذا أن رجلا قرأ على ابن عباس ~~" فإنهم لا يكذبونك " مخففا فقال له ابن عباس: " فإنهم لا يكذبونك " لأنهم ~~كانوا يسمون النبي صلى الله عليه وسلم الأمين. ومعنى " يكذبونك " عند أهل ~~اللغة ينسبونك إلى الكذب، ويردون عليك ما قلت. ومعنى " لا يكذبونك " أي لا ~~يجدونك تأتي بالكذب، كما تقول: أكذبته وجدته كذابا، وأبخلته وجدته بخيلا، ~~أي لا يجدونك كذابا إن تدبروا ما جئت به. ويجوز أن يكون المعنى: لا يثبتون ~~عليك أنك كاذب، لأنه يقال: أكذبته # PageV06P416 # إذا احتججت عليه وبينت أنه كاذب. وعلى التشديد: لا يكذبونك بحجة ولا ~~برهان، ودل على هذا " ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ". قال النحاس: ~~والقول ms2387 في هذا مذهب أبي عبيد، واحتجاجه لازم، لان عليا كرم الله وجهه هو ~~الذي روى الحديث، وقد صح عنه أنه قرأ بالتخفيف، وحكى الكسائي عن العرب: ~~أكذبت الرجل إذا أخبرت أنه جاء بالكذب ورواه، وكذبته إذا أخبرت أنه كاذب، ~~وكذلك قال الزجاج: كذبته إذا قلت له كذبت، وأكذبته إذا أردت أن ما أتى به ~~كذب. # قوله تعالى: (فصبروا على ما كذبوا) أي فاصبر كما صبروا. (وأوذوا حتى ~~أتاهم نصرنا) أي عوننا، أي فسيأتيك ما وعدت به. (ولا مبدل لكلمات الله) ~~مبين لذلك النصر، أي ما وعد الله عز وجل به فلا يقدر أحد أن يدفعه، لا ناقض ~~لحكمه، ولا خلف لوعده، و " لكل أجل كتاب " (1) [الرعد: 38] " إنا لننصر ~~رسلنا والذين آمنوا " (2) [غافر: 51] " ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين. ~~إنهم لهم المنصورون. وإن جندنا لهم الغالبون " (2) [الصافات: 171 - 173] " ~~كتب الله لأغلبن أنا ورسلي " (3) [المجادلة: 21]. # (ولقد جاءك من نبأ المرسلين) فاعل (جاءك) مضمر، المعنى: جاءك من نبأ ~~المرسلين نبأ. # قوله تعالى: وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض ~~أو سلما في السماء فتأتيهم بآية ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن ~~من الجهلين (35) قوله تعالى: (وإن كان كبر عليك إعراضهم) أي عظم عليك ~~إعراضهم وتوليهم عن الايمان. (فإن استطعت) قدرت (أن تبتغي) تطلب (نفقا في ~~الأرض) أي سربا تخلص منه إلى مكان آخر، ومنه النافقاء لحجر اليربوع، وقد ~~تقدم في " البقرة " (4) بيانه (5)، ومنه المنافق. وقد تقدك. (أو سلما) ~~معطوف عليه، أي سببا إلى السماء، وهذا تمثيل، لان السلم الذي يرتقى عليه ~~سبب إلى الموضع، وهو مذكر، ولا يعرف ما حكاه الفراء من تأنيث السلم. # قال قتادة: السلم الدرج. الزجاج: وهو مشتق من السلامة كأنه (6) يسلمك إلى ~~الموضع الذي # PageV06P417 # تريد. (فتأتيهم بآية) عطف عليه أي ليؤمنوا فافعل، فأضمر الجواب لعلم ~~السامع. أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم ألا يشتد حزنه عليهم إذا كانوا ~~لا يؤمنون، كما أنه لا يستطيع هداهم. # (ولو شاء الله لجمعهم على الهدى) أي ms2388 لخلقهم مؤمنين وطبعهم عليه، بين ~~تعالى أن كفرهم بمشيئة الله ردا على القدرية. وقيل المعنى: أي لأراهم آية ~~تضطرهم إلى الايمان، ولكنه أراد عز وجل أن يثيب منهم من آمن ومن أحسن. (فلا ~~تكونن من الجاهلين) أي من الذين أشتد حزنهم وتحسروا حتى أخرجهم ذلك إلى ~~الجزع الشديد، وإلى ما لا يحل، أي لا تحزن على كفرهم فتقارب حال الجاهلين. ~~وقيل: الخطاب له والمراد الأمة، فإن قلوب المسلمين كانت تضيق من كفرهم ~~وإذايتهم. # قوله تعالى: إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثم إليه ~~يرجعون (36) وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل ~~آية ولكن أكثرهم لا يعلمون (37) قوله تعالى: (إنما يستجيب الذين يسمعون) أي ~~سماع إصغاء وتفهم وإرادة الحق، وهم المؤمنون الذين يقبلون ما يسمعون ~~فينتفعون به ويعملون، قال معناه الحسن ومجاهد، وتم الكلام. ثم قال: ~~(والموتى يبعثهم الله) وهم الكفار، عن الحسن ومجاهد، أي هم بمنزلة الموتى ~~في أنهم لا يقبلون ولا يصغون إلى حجة. وقيل: الموتى كل من مات. " يبعثهم ~~الله " أي للحساب، وعلى الأول بعثهم هدايتهم إلى الايمان بالله وبرسوله صلى ~~الله عليه وسلم. وعن الحسن: # هو بعثهم من شركهم حتى يؤمنوا بك يا محمد - يعني عند حضور الموت - في حال ~~الالجاء في الدنيا. # قوله تعالى: (وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه) قال الحسن: (لولا) ها هنا ~~بمعنى هلا، وقال الشاعر: (1) تعدون عقر النيب أفضل مجدكم * بني ضوطري لولا ~~الكمي المقنعا # PageV06P418 # وكان هذا منهم تعنتا بعد ظهور البراهين، وإقامة الحجة بالقرآن الذي عجزوا ~~أن يأتوا بسورة مثله، لما فيه من الوصف (1) وعلم الغيوب. (ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون) أي لا يعلمون أن الله عز وجل إنما ينزل من الآيات ما فيه مصلحة ~~لعباده، وكان في علم الله أن يخرج من أصلابهم أقواما يؤمنون به ولم يرد ~~استئصالهم. وقيل: (ولكن أكثرهم لا يعلمون) أن الله قادر على إنزالها. ~~الزجاج: طلبوا أن يجمعهم على الهدى أي جمع إلجاء. # قوله تعالى: وما من ms2389 دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ~~ما فرطنا في الكتاب من شئ ثم إلى ربهم يحشرون (38) قوله تعالى: (وما من ~~دابة في الأرض) تقدم معنى الدابة والقول فيه في " البقرة " (2) وأصله ~~الصفة، من دب يدب فهو داب إذا مشى مشيا فيه تقارب خطو. (ولا طائر يطير ~~بجناحيه) بخفض " طائر " عطفا على اللفظ. # وقرأ الحسن وعبد الله بن أبي إسحاق (ولا طائر) بالرفع عطفا على الموضع، و ~~(من) زائدة، التقدير: وما دابة. " بجناحيه " تأكيد وإزالة للابهام، فإن ~~العرب تستعمل الطيران لغير الطائر، تقول للرجل: طرفي حاجتي، أي أسرع، فذكر ~~(بجناحيه) ليتمحض القول في الطير، وهو في غيره مجاز. وقيل: إن اعتدال جسد ~~الطائر بين الجناحين يعينه على الطيران، ولو كان غير معتدل لكان يميل، ~~فأعلمنا أن الطيران بالجناحين و " ما يمسكهن إلا الله " (3) [النحل: 79]. # والجناح أحد ناحيتي الطير الذي يتمكن به من الطيران في الهواء، وأصله ~~الميل إلى ناحية من النواحي، ومنه جنحت السفينة إذا مالت إلى ناحية الأرض ~~لاصقة بها فوقفت. وطائر الانسان عمله، وفي التنزيل " وكل إنسان ألزمناه ~~طائره في عنقه " (3) [الاسراء: 13]. (إلا أمم أمثالكم) أي هم جماعات مثلكم ~~في أن الله عز وجل خلقهم، وتكفل بأرزاقهم، وعدل عليهم، فلا ينبغي # PageV06P419 # أن تظلموهم، ولا تجاوزوا فيهم ما أمرتم به. و (دابة) تقع على جميع ما دب، ~~وخص بالذكر ما في الأرض دون السماء لأنه الذي يعرفونه ويعاينونه. وقيل: هي ~~أمثال لنا في التسبيح والدلالة، والمعنى: وما من دابة ولا طائر إلا وهو ~~يسبح الله تعالى، ويدل على وحدانيته لو تأمل الكفار. وقال أبو هريرة: هي ~~أمثال لنا على معنى أنه يحشر البهائم غدا ويقتص للجماء من القرناء ثم يقول ~~الله لها: كوني ترابا. وهذا اختيار الزجاج فإنه قال: (إلا أمم أمثالكم) في ~~الخلق والرزق والموت والبعث والاقتصاص، وقد دخل فيه معنى القول الأول أيضا. ~~وقال سفيان بن عيينة: أي ما من صنف من الدواب والطير إلا في الناس شبه منه، ~~فمنهم من يعدو كالأسد، ومنهم ms2390 من يشره كالخنزير، ومنهم من يعوي كالكلب، ~~ومنهم من يزهو كالطاوس، فهذا معنى المماثلة. واستحسن الخطابي هذا وقال: ~~فإنك تعاشر البهائم والسباع فخذ حذرك. وقال مجاهد في قوله عز وجل: " إلا ~~أمم أمثالكم " قال أصناف لهن أسماء تعرف بها كما تعرفون. وقيل غير هذا مما ~~لا يصح من أنها مثلنا في المعرفة، وأنها تحشر وتنعم في الجنة، وتعوض من ~~الآلام التي حلت بها في الدنيا وأن أهل الجنة يستأنسون بصورهم، والصحيح " ~~إلا أمم أمثالكم " في كونها مخلوقة دالة على الصانع محتاجة إليه مرزوقة من ~~جهته، كما أن رزقكم على الله. وقول سفيان أيضا حسن، فإنه تشبيه واقع في ~~الوجود. # قوله تعالى: (ما فرطنا في الكتاب من شئ) أي في اللوح المحفوظ فإنه أثبت ~~فيه ما يقع من الحوادث. وقيل: أي في القرآن أي ما تركنا شيئا من أمر الدين ~~إلا وقد دللنا عليه في القرآن، إما دلالة مبينة مشروحة، وإما مجملة يتلقى ~~بيانها من الرسول عليه الصلاة والسلام، أو من الاجماع، أو من القياس الذي ~~ثبت بنص الكتاب، قال الله تعالى: " ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ " (1) ~~[النحل: 89] وقال: " وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم " (1) ~~[النحل: 44] وقال: " وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا " (2) ~~[الحشر: 7] فأجمل في هذه الآية وآية (النحل) ما لم ينص عليه مما لم يذكره، ~~فصدق خبر الله بأنه ما فرط في الكتاب من شئ إلا ذكره، إما تفصيلا وإما ~~تأصيلا، وقال: " اليوم أكملت لكم دينكم " (3) [المائدة: 3]. # PageV06P420 # قوله تعالى: (ثم إلى ربهم يحشرون) أي للجزاء، كما سبق في خبر أبي هريرة، ~~وفي صحيح مسلم عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (لتؤدن (1) الحقوق ~~إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء (2) من الشاة القرناء). ودل ~~بهذا على أن البهائم تحشر يوم القيامة، وهذا قول أبي ذر وأبي هريرة والحسن ~~وغيرهم، وروي عن ابن عباس، قال ابن عباس في رواية: # حشر الدواب والطير موتها، وقاله الضحاك، والأول أصح لظاهر الآية والخبر ~~الصحيح، وفي ms2391 التنزيل " وإذا الوحوش حشرت " (3) [التكوير: 5] وقول أبي هريرة ~~فيما روى جعفر بن برقان (4) عن يزيد ابن الأصم عنه: يحشر الله الخلق كلهم ~~يوم القيامة، البهائم والدواب والطير وكل شئ، فيبلغ من عدل الله تعالى ~~يومئذ أن يأخذ للجماء من القرنا ثم يقول: (كوني ترابا) فذلك قوله تعالى: " ~~ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا " (3) [النبأ: 40]. وقال عطاء: فإذا رأوا ~~بني آدم وما هم عليه من الجزع قلن: الحمد لله الذي لم يجعلنا مثلكم، فلا ~~جنة نرجو ولا نار نخاف، فيقول الله تعالى لهن: (كن ترابا) فحينئذ يتمنى ~~الكافر أن يكون تراب. وقالت جماعة: هذا الحشر الذي في الآية يرجع إلى ~~الكفار وما تخلل كلام معترض وإقامة حجج، وأما الحديث فالمقصود منه التمثيل ~~على جهة تعظيم أمر الحساب والقصاص والاعتناء فيه حتى يفهم منه أنه لا بد ~~لكل أحد منه، وأنه لا محيص له عنه، وعضدوا هذا بما في الحديث في غير الصحيح ~~عن بعض رواته من الزيادة فقال: حتى يقاد للشاة الجلحاء من القرناء، وللحجر ~~لما ركب على الحجر، وللعود لما خدش العود، قالوا: فظهر من هذا أن المقصود ~~منه التمثيل المفيد للاعتبار والتهويل، لان الجمادات لا يعقل خطابها ولا ~~ثوابها ولا عقابها، ولم يصر إليه أحد من العقلاء، ومتخيله من جملة ~~المعتوهين الأغبياء، قالوا: ولأن القلم لا يجري عليهم فلا يجوز أن يؤاخذوا. # قلت: الصحيح القول الأول لما ذكرناه من حديث أبي هريرة، وإن كان القلم لا ~~يجري عليهم في الاحكام ولكن فيما بينهم يؤاخذون به، وروي عن أبي ذر قال: ~~انتطحت شاتان عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (يا أبا ذر هل تدري فيما ~~انتطحتا؟) قلت: # PageV06P421 # لا. قال: (لكن الله تعالى يدري وسيقضي بينهما) وهذا نص، وقد زدناه بيانا ~~في كتاب (التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة). والله أعلم. # قوله تعالى: والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات من يشأ الله يضلله ~~ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم (39) قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو ~~أتتكم الساعة أغير الله ms2392 تدعون إن كنتم صادقين (40) بل إياه تدعون فيكشف ما ~~تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون (41) قوله تعالى: (والذين كذبوا ~~بآياتنا صم وبكم) ابتداء وخبر، أي عدموا الانتفاع بأسماعهم وأبصارهم، فكل ~~أمة من الدواب وغيرها تهتدي لمصالحها والكفار لا يهتدون. # وقد تقدم في (البقرة) (1). (في الظلمات) أي ظلمات الكفر. وقال أبو علي: ~~يجوز أن يكون المعنى (صم وبكم) في الآخرة، فيكون حقيقة دون مجاز اللغة. (من ~~يشأ الله يضلله) دل على أنه شاء ضلال الكافر وأراده لينفذ فيه عدله. ألا ~~ترى أنه قال: (ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم) أي على دين الاسلام لينفذ ~~فيه فضله. وفيه إبطال لمذهب القدرية. والمشيئة راجعة إلى الذين كذبوا، ~~فمنهم من يضله ومنهم من يهديه. # قوله تعالى: " قل أرأيتكم " وقرأ نافع بتخفيف الهمزتين، يلقي حركة الأولى ~~على ما قبلها، ويأتي بالثانية بين بين. وحكى أبو عبيد عنه أنه يسقط الهمزة ~~ويعوض منها ألفا. قال النحاس: وهذا عند أهل العربية غلط عليه، لان الياء ~~ساكنة والألف ساكنة ولا يجتمع ساكنان. قال مكي: وقد روي عن ورش أنه أبدل من ~~الهمزة ألفا، لان الرواية عنه أنه يمد الثانية، والمد لا يتمكن إلا مع ~~البدل، والبدل فرع عن الأصول، والأصل أن تجعل # PageV06P422 # الهمزة بين الهمزة المفتوحة والألف، وعليه كل من خفف الثانية غير ورش، ~~وحسن جواز البدل في الهمزة وبعدها ساكن لان الأول حرف مد ولين، فالمد الذي ~~يحدث مع الساكن يقوم مقام حركة يوصل بها إلى النطق بالساكن الثاني. # وقرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة (أرأيتكم) بتحقيق الهمزتين وأتوا بالكلمة على ~~أصلها، والأصل الهمز، لان همزة الاستفهام دخلت على (رأيت) فالهمزة عين ~~الفعل، والياء ساكنة لاتصال المضمر المرفوع بها. # وقرأ عيسى بن عمر والكسائي (أريتكم) بحذف الهمزة الثانية. قال النحاس: ~~وهذا بعيد في العربية، وإنما يجوز في الشعر، والعرب تقول: أرأيتك زيدا ما ~~شأنه. ومذهب البصريين أن الكاف والميم للخطاب، لا حظ لهما في الاعراب، وهو ~~اختبار الزجاج. ومذهب الكسائي والفراء وغيرهما أن الكاف والميم نصب بوقوع ms2393 ~~الرؤية عليهما، والمعنى أرأيتم أنفسكم، فإذا كانت للخطاب - زائدة للتأكيد - ~~كان (إن) من قوله " إن أتاكم " في موضع نصب على المفعول لرأيت، وإذا كان ~~اسما في موضع نصب ف‍ (- إن) في موضع المفعول الثاني، فالأول من رؤية العين ~~لتعديها لمفعول واحد، وبمعنى العلم تتعدى إلى مفعولين. # وقوله: (أو أتتكم الساعة) المعنى: أو أتتكم الساعة التي تبعثون فيها. ثم ~~قال: (أغير الله تدعون إن كنتم صادقين) والآية في محاجة المشركين ممن اعترف ~~أن له صانعا، أي أنتم عند الشدائد ترجعون إلى الله، وسترجعون إليه يوم ~~القيامة أيضا فلم تصرون على الشرك في حال الرفاهية؟! وكانوا يعبدون الأصنام ~~ويدعون الله في صرف العذاب. # قوله تعالى: (بل إياه تدعون) " بل " إضراب عن الأول وإيجاب للثاني. " ~~إياه " نصب. ب‍ " - تدعون " (فيكشف ما تدعون إليه إن شاء) أي يكشف الضر ~~الذي تدعون إلى كشفه إن شاء كشفه. (وتنسون ما تشركون) قيل: عند نزول ~~العذاب. # وقال الحسن: أي تعرضون عنه إعراض الناسي، وذلك لليأس من النجاة من قبله ~~إذ لا ضرر فيه ولا نفع. وقال الزجاج: يجوز أن يكون المعنى وتتركون. قال ~~النحاس: مثل قوله: # " ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي " (1) [طه: 115]. # PageV06P423 # قوله تعالى: ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء ~~لعلكم يتضرعون (42) قوله تعالى: (ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك) الآية تسلية ~~للنبي صلى الله عليه وسلم، وفيه إضمار، أي أرسلنا إلى أمم من قبلك رسلا ~~وفيه إضمار آخر يدل عليه الظاهر تقديره: # فكذبوا فأخذناهم. وهذه الآية متصلة بما قبل اتصال الحال بحال قريبة منها، ~~وذلك أن هؤلاء سلكوا في مخالفة نبيهم مسلك من كان قبلهم في مخالفة ~~أنبيائهم، فكانوا بعرض أن ينزل بهم من البلاء ما نزل بمن كان قبلهم. ومعنى ~~(بالبأساء) بالمصائب في الأموال (والضراء) في الأبدان، هذا قول الأكثر، وقد ~~يوضع كل واحد منهما موضع الآخر، ويؤدب الله عباده بالبأساء والضراء وبما ~~شاء " لا يسأل عما يفعل " (1) [الأنبياء: 23]. قال ابن عطية: # استدل العباد في تأديب أنفسهم بالبأساء في تفريق ms2394 الأموال، والضراء في ~~الحمل على الأبدان بالجوع والعري بهذه الآية. قلت: هذه جهالة ممن فعلها ~~وجعل هذه الآية أصلا لها، هذه عقوبة من الله لمن شاء من عباده أن يمتحنهم ~~بها، ولا يجوز لنا أن نمتحن أنفسنا ونكافئها قياسا عليها، فإنها المطية ~~التي نبلغ عليها دار الكرامة، ونفوز بها من أهوال يوم القيامة، وفى ~~التنزيل: " يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا " (2) [المؤمنون: ~~51] وقال: " يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم " (3) [البقرة: ~~267]. # " يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم " (4) [البقرة: 172] ~~فأمر المؤمنين بما خاطب به المرسلين، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه يأكلون الطيبات ويلبسون أحسن الثياب ويتجملون بها، وكذلك التابعون ~~بعدهم إلى هلم جرا، على ما تقدم بيانه في (المائدة) (5) وسيأتي في ~~(الأعراف) (6) من حكم اللباس وغيره، ولو كان كما زعموا واستدلوا لما كان في ~~امتنان الله تعالى بالزروع والجنات وجميع الثمار والنبات والانعام التي ~~سخرها وأباح لنا # PageV06P424 # أكلها وشرب ألبانها والدفء بأصوافها - إلى غير ذلك مما أمتن به - كبير ~~فائدة، فلو كان ما ذهبوا إليه فيه الفضل لكان أولى به رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه ومن بعدهم من التابعين والعلماء، وقد تقدم في آخر ~~(البقرة) (1) بيان فضل المال ومنفعته والرد على من أبى من جمعه، وقد نهى ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن الوصال مخافة الضعف على الأبدان، ونهى عن ~~إضاعة المال ردا على الأغنياء الجهال. # قوله تعالى: (لعلهم يتضرعون) أي يدعون ويذلون، [مأخوذ] (2) من الضراعة ~~وهي الذلة، يقال: ضرع فهو ضارع. # قوله تعالى: فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم ~~الشيطان ما كانوا يعملون (43) فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل ~~شئ حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون (44) فقطع دابر ~~القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين (45) قوله تعالى: (فلولا إذ ~~جاءهم بأسنا تضرعوا) (لولا) تحضيض، وهي التي تلي الفعل بمعنى هلا، وهذا ~~عتاب على ترك الدعاء، وإخبار عنهم ms2395 أنهم لم يتضرعوا حين نزول العذاب. ويجوز ~~أن يكونوا تضرعوا تضرع من لم يخلص، أو تضرعوا حين لابسهم العذاب، والتضرع ~~على هذه الوجوه غير نافع. والدعاء مأمور به حال الرخاء والشدة، قال الله ~~تعالى: # " ادعوني استجب لكم " (3) وقال: " إن الذين يستكبرون عن عبادتي " أي ~~دعائي " سيدخلون جهنم داخرين " [غافر: 60] وهذا وعيد شديد. (ولكن قست ~~قلوبهم) أي صلبت وغلظت، وهي عبارة عن الكفر والاصرار على المعصية، نسأل ~~الله العافية. (وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون) أي أغواهم (4) بالمعاصي ~~وحملهم عليها. # PageV06P425 # قوله تعالى: (فلما نسوا ما ذكروا به) يقال: لم ذموا على النسيان وليس من ~~فعلهم؟ # فالجواب: أن (نسوا) بمعنى تركوا ما ذكروا به، عن ابن عباس وابن جريج، وهو ~~قول أبي علي، وذلك لان التارك للشئ إعراضا عنه قد صيره بمنزلة ما قد نسي، ~~كما يقال: تركه. # في النسي. جواب آخر: وهو أنهم تعرضوا للنسيان فجاز الذم لذلك، كما جاز ~~الذم على التعرض لسخط الله عز وجل وعقابه. ومعنى (فتحنا عليهم أبواب كل شئ) ~~أي من النعم والخيرات، أي كثرنا لهم ذلك. والتقدير عند أهل العربية: فتحنا ~~عليهم أبواب كل شئ كان مغلقا عنهم. (حتى إذا فرحوا بما أوتوا) معناه بطروا ~~وأشروا وأعجبوا وظنوا أن ذلك العطاء لا يبيد، وأنه دال على رضاء الله عز ~~وجل عنهم (أخذناهم بغتة) أي استأصلناهم وسطونا بهم. # و (بغتة) معناه فجأة، وهي الاخذ على غرة ومن غير تقدم أمارة، فإذا أخذ ~~لانسان وهو غار غافل فقد أخذ بغتة، وأنكى شئ ما يفجأ من البغت. وقد قيل: إن ~~التذكير الذي سلف - فأعرضوا عنه - قام مقام الامارة. والله أعلم. و (بغتة) ~~مصدر في موضع الحال لا يقاس عليه عند سيبويه كما تقدم، فكان ذلك استدراجا ~~من الله تعالى كما قال: " وأملي لهم إن كيدي متين " (1) [الأعراف: 183] ~~نعوذ بالله من سخطه ومكره. قال بعض العلماء: رحم الله عبدا تدبر هذه الآية ~~" حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة ". وقال محمد بن النضر الحارثي: ~~أمهل هؤلاء القوم عشرين سنة. ms2396 وروى عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: (إذا رأيتم الله تعالى يعطي العباد ما يشاءون على معاصيهم فإنما ~~ذلك استدراج منه لهم) ثم تلا " فلما نسوا ما ذكروا به " الآية كلها. وقال ~~الحسن: والله ما أحد من الناس بسط الله له في الدنيا فلم يخف أن يكون قد ~~مكر له فيها إلا كان قد نقص عمله، وعجز رأيه. وما أمسكها الله عن عبد فلم ~~يظن أنه خير له فيها (2) إلا كان قد نقص عمله، وعجز رأيه. وفي الخبر أن ~~الله تعالى أوحى إلى موسى صلى الله عليه وسلم: (إذا رأيت الفقر مقبلا إليك ~~فقل مرحبا بشعار الصالحين وإذا رأيت الغني مقبلا إليك فقل ذنب عجلت ~~عقوبته). # قوله تعالى: (فإذا هم مبلسون) المبلس الباهت الحزين الآيس من الخير الذي ~~لا يحير جوابا لشدة ما نزل به من سوء الحال، قال العجاج: # PageV06P426 # يا صاح هل تعرف رسما مكرسا (1) * قال نعم أعرفه وأبلسا أي تحير لهول ما ~~رأى، ومن ذلك اشتق اسم إبليس، أبلس الرجل سكت، وأبلست الناقة وهي مبلاس إذا ~~لم ترغ من شدة الضبعة، ضبعت الناقة تضبع ضبعة وضبعا إذا أرادت الفحل. # قوله تعالى: (فقطع دابر القوم الذين ظلموا) الدابر الآخر، يقال: دبر ~~القوم يدبرهم دبرا إذا كان آخرهم في المجئ. وفي الحديث عن عبد الله بن ~~مسعود (من الناس من لا يأتي الصلاة إلا دبريا) (2) أي في آخر الوقت، ~~والمعنى هنا قطع خلفهم من نسلهم وغيرهم فلم تبق لهم باقية. قال قطرب: يعني ~~أنهم استؤصلوا وأهلكوا. قال أمية بن أبي الصلت: # فأهلكوا بعذاب حص دابرهم * فما استطاعوا له صرفا ولا انتصروا ومنه ~~التدبير لأنه إحكام عواقب الأمور. (والحمد لله رب العالمين) قيل: على ~~إهلاكهم وقيل: تعليم للمؤمنين كيف يحمدونه. وتضمنت هذه الآية الحجة على ~~وجوب ترك الظلم، لما يعقب من قطع الدابر، إلى العذاب الدائم، مع استحقاق ~~القاطع الحمد من كل حامد. # قوله تعالى: قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من ~~إله ms2397 غير الله يأتيكم به انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون (46) قل أرأيتكم ~~إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون (47) قوله ~~تعالى: (قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم). أي أذهب وانتزع. ووحد " ~~سمعكم " لأنه مصدر يدل على الجمع. (وختم) أي طبع. وقد تقدم في " البقرة " ~~(3). # PageV06P427 # وجواب (إن) محذوف تقديره: فمن يأتيكم به، وموضعه نصب، لأنها في موضع ~~الحال كقولك: اضربه إن خرج أي خارجا. ثم قيل: المراد المعاني القائمة بهذه ~~الجوارح، وقد يذهب الله الجوارح والاعراض جميعا فلا يبقي شيئا، قال الله ~~تعالى: " من قبل أن نطمس وجوها " (1) [النساء: 47] والآية احتجاج على ~~الكفار. (من إله غير الله يأتيكم به) " من " رفع بالابتداء وخبرها " إله " ~~و " غيره " صفة له، وكذلك " يأتيكم " موضعه رفع بأنه صفة " إله " ومخرجها ~~مخرج الاستفهام، والجملة التي هي منها في موضع مفعولي رأيتم. ومعنى " ~~أرأيتم ". # علمتم، ووحد الضمير في (به) - وقد تقدم الذكر بالجمع - لان المعنى أي ~~بالمأخوذ، فالهاء راجعة إلى المذكور. وقيل: على السمع بالتصريح، مثل قوله: ~~" والله ورسوله أحق أن يرضوه " (2) [التوبة: 62] ودخلت الابصار والقلوب ~~بدلالة التضمين. وقيل: " من إله غير الله يأتيكم ". # بأحد هذه المذكورات. وقيل: على الهدى الذي تضمنه المعنى. # وقرأ عبد الرحمن الأعرج (به انظر) بضم الهاء على الأصل، لان الأصل أن ~~تكون الهاء مضمومة كما تقول: جئت معه. قال النقاش: في هذه الآية دليل على ~~تفضيل السمع على البصر لتقدمته هنا وفي غير آية، وقد مضى هذا في أول " ~~البقرة (3) " مستوفى. وتصريف الآيات الاتيان بها من جهات، من إعذار وإنذار ~~وترغيب وترهيب ونحو ذلك. (ثم هم يصدفون) أي يعرضون. عن ابن عباس والحسن ~~ومجاهد وقتادة والسدي، يقال: صدف عن الشئ إذا أعرض عنه صدفا وصدوفا فهو ~~صادف. وصادفته مصادفة أي لقيته عن إعراض عن جهته، قال ابن الرقاع: # إذا ذكرن حديثا قلن أحسنه * وهن عن كل سوء يتقى صدف والصدف في البعير أن ~~يميل خفه من اليد أو الرجل إلى الجانب الوحشي، فهم [يصدفون (4) أي] ms2398 مائلون ~~معرضون عن الحجج والدلالات. # PageV06P428 # قوله تعالى: (قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة) الحسن: " بغتة ~~" ليلا " أو جهرة " نهارا. وقيل: بغتة فجأة. وقال الكسائي: يقال بغتهم ~~الامر يبغتهم بغتا وبغتة إذا أتاهم فجأة. وقد تقدم. (هل يهلك إلا القوم ~~الظالمون) نظيره " فهل يهلك إلا القوم الفاسقون " (1) [الأحقاف: 35] أي هل ~~يهلك إلا أنتم لشرككم والظلم هنا بمعنى الشرك، كما قال لقمان لابنه: " يا ~~بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم " (2) [لقمان: 13]. # قوله تعالى: وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن آمن وأصلح فلا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون (48) قوله تعالى: (وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ~~ومنذرين) أي بالترغيب والترهيب. # قال الحسن: مبشرين بسعة الرزق في الدنيا والثواب في الآخرة، يدل على ذلك ~~قوله تعالى: # " ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض " ~~(3) [الأعراف: 96]. ومعنى (منذرين) مخوفين عقاب الله، فالمعنى: إنما أرسلنا ~~المرسلين لهذا لا لما يقترح عليهم من الآيات، وإنما يأتون من الآيات بما ~~تظهر معه براهينهم وصدقهم. وقوله: (فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون). تقدم القول فيه. # قوله تعالى: والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون (49) ~~قوله تعالى: (والذين كذبوا بآياتنا) أي بالقرآن والمعجزات. وقيل: بمحمد ~~عليه الصلاة والسلام. (يمسهم العذاب) أي يصيبهم (بما كانوا يفسقون) أي ~~يكفرون. # قوله تعالى: قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم ~~إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلى قل هل يستوى الأعمى والبصير أفلا تتفكرون ~~(50) # PageV06P429 # قوله تعالى: (قل لا أقول لكم عندي خزائن الله) هذا جواب لقولهم: " لولا ~~نزل عليه آية من ربه " [الانعام: 37]، فالمعنى ليس عندي خزائن قدرته فأنزل ~~ما اقترحتموه من الآيات، ولا أعلم الغيب فأخبركم به. والخزانة ما يخزن فيه ~~الشئ، ومنه الحديث (فإنما تخزن لهم ضروع مواشيهم أطعمانهم أيحب أحدكم أن ~~تؤتى مشربته فتكسر خزانته). وخزائن الله مقدوراته، أي لا أملك أن أفعل [كل ~~ما] (1) أريد مما تقترحون (ولا أعلم الغيب) ms2399 أيضا (ولا أقول لكم إني ملك) ~~وكان القوم يتوهمون أن الملائكة أفضل، أي لست بملك فأشاهد من أمور الله ما ~~لا يشهده البشر. واستدل بهذا القائلون بأن الملائكة أفضل من الأنبياء. # وقد مضى في " البقرة " (2) القول فيه فتأمله هناك. # قوله تعالى: (إن أتبع إلا ما يوحى إلي) ظاهره أنه لا يقطع أمرا إلا إذا ~~كان فيه وحي. والصحيح أن الأنبياء يجوز منهم الاجتهاد، والقياس على ~~المنصوص، والقياس أحد أدلة الشرع. وسيأتي بيان هذا في " الأعراف " (3) ~~وجواز اجتهاد الأنبياء في (الأنبياء) (4) إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: (قل هل يستوى الأعمى والبصير) أي الكافر والمؤمن، عن مجاهد ~~[وغيره] (5). وقيل: الجاهل والعالم. (أفلا تتفكرون) أنهما لا يستويان. # قوله تعالى: وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ~~ولي ولا شفيع لعلهم يتقون (51) قوله تعالى: (وأنذر به) أي بالقرآن. ~~والانذار الاعلام وقد تقدم في " البقرة " (2). # وقيل: " به " أي بالله. وقيل: باليوم الآخر. وخص " الذين يخافون أن ~~يحشروا) لان الحجة عليهم أوجب، فهم خائفون من عذابه، لا أنهم يترددون في ~~الحشر، فالمعنى " يخافون " # PageV06P430 # يتوقعون عذاب الحشر. وقيل: " يخافون " يعلمون، فإن كان مسلما أنذر ليترك ~~المعاصي، وإن كان من أهل الكتاب أنذر ليتبع الحق. وقال الحسن: المراد ~~المؤمنون. قال الزجاج: # كل من أقر بالبعث من مؤمن وكافر. وقيل: الآية في المشركين أي أنذرهم بيوم ~~القيامة. # والأول أظهر. (ليس لهم من دونه) أي من غير الله (شفيع) هذا رد على اليهود ~~والنصارى في زعمهما أن أباهما يشفع لهما حيث قالوا: " نحن أبناء الله ~~وأحباؤه " [المائدة: 18] والمشركون حيث جعلوا أصنامهم شفعاء لهم عند الله، ~~فأعلم الله أن الشفاعة لا تكون للكفار. ومن قال الآية في المؤمنين قال: ~~شفاعة الرسول لهم تكون بإذن الله فهو الشفيع حقيقة إذن، وفي التنزيل: # " ولا يشفعون إلا لمن ارتضى " (1) [الأنبياء: 28]. " ولا تنفع الشفاعة ~~عنده إلا لمن أذن له " (2) [سبأ: 23]. " من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه " ~~(3) [البقرة: 255]. (لعلهم يتقون) أي في المستقبل وهو الثبات على الايمان. # قوله تعالى: ms2400 ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما ~~عليك من حسابهم من شئ وما من حسابك عليهم من شئ فتطردهم فتكون من الظالمين ~~(52) قوله تعالى: " ولا تطرد الذين يدعون ربهم " [الآية] (4). قال ~~المشركون: ولا نرضى بمجالسة أمثال هؤلاء - يعنون سلمان وصهيبا وبلالا ~~وخبابا (5) - فاطردهم عنك، وطلبوا أن يكتب لهم بذلك، فهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم بذلك، ودعا عليا ليكتب، فقام الفقراء وجلسوا ناحية، فأنزل الله ~~الآية. ولهذا أشار سعد بقوله في الحديث الصحيح: فوقع في نفس رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقع، وسيأتي ذكره. وكان النبي صلى الله عليه ~~وسلم إنما مال إلى ذلك طمعا في إسلامهم، وإسلام قومهم، ورأى أن ذلك لا يفوت ~~أصحابه شيئا، ولا ينقص لهم قدرا، فمال إليه فأنزل الله الآية، فنهاه عما هم ~~به من الطرد لا أنه أوقع الطرد. روى مسلم عن سعد بن أبي وقاص قال: كنا مع ~~النبي صلى الله # PageV06P431 # عليه وسلم ستة نفر، فقال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم: اطرد هؤلاء ~~عنك لا يجترئون علينا، قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان ~~لست أسميهما، فوقع في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن ~~يقع، فحدث نفسه، فأنزل الله عز وجل " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشي يريدون وجهه ". قيل: المراد بالدعاء المحافظة على الصلاة المكتوبة ~~في الجماعة، قاله ابن عباس ومجاهد والحسن. وقيل: الذكر وقراءة القرآن. ~~ويحتمل أن يريد الدعاء في أول النهار وآخره، ليستفتحوا يومهم بالدعاء رغبة ~~في التوفيق. ويختموه بالدعاء طلبا للمغفرة. " يريدون وجهه " أي طاعته، ~~والاخلاص فيها، أي يخلصون في عبادتهم وأعمالهم لله، ويتوجهون بذلك إليه لا ~~لغيره. وقيل: يريدون الله الموصوف بأن له الوجه كما قال: " ويبقى وجه ربك ~~ذو الجلال والاكرام " (1) [الرحمن: 27] وهو كقوله: # " والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم " (2) [الرعد: 22]. وخص الغداة والعشي ~~بالذكر، لان الشغل غالب فيهما على الناس، ومن كان في وقت الشغل مقبلا على ~~العبادة كان ms2401 في وقت الفراغ من الشغل أعمل. # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يصبر نفسه معهم كما أمره ~~[الله] (3) في قوله: " واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ~~يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم " [الكهف: 28]، فكان لا يقوم حتى يكونوا هم ~~الذين يبتدئون القيام، وقد أخرج هذا المعنى مبينا مكملا ابن ماجة في سننه ~~عن خباب في قول الله عز وجل: " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي " ~~إلى قوله: " فتكون من الظالمين " قال: جاء الأقرع بن حابس التميمي وعيينة ~~بن حصن الفزاري فوجدا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع صهيب وبلال وعمار ~~وخباب، قاعدا في ناس من الضعفاء من المؤمنين، فلما رأوهم حول النبي صلى ~~الله عليه وسلم حقروهم، فأتوه فخلوا به وقالوا: إنا نريد أن تجعل لنا منك ~~مجلسا تعرف لنا به العرب فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك فنستحي أن ترانا ~~العرب مع هذه الأعبد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنك، فإذا نحن فرغنا فاقعد ~~معهم إن شئت، قال: (نعم) قالوا: فاكتب لنا عليك كتابا، قال: فدعا بصحيفة ~~ودعا عليا - رضي الله عنه - ليكتب ونحن قعود في ناحية، فنزل جبريل عليه ~~السلام فقال: # PageV06P432 # " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من ~~حسابهم من شئ وما من حسابك عليهم من شئ فتطردهم فتكون من الظالمين " ثم ذكر ~~الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن، فقال: " وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا ~~أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين " [الانعام: 53] ~~ثم قال: " وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على ~~نفسه الرحمة " [الانعام: 54] قال: فدنونا منه حتى وضعنا ركبنا على ركبته، ~~وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس معنا فإذا أراد أن يقوم قام ~~وتركنا، فأنزل الله عز وجل " واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا " [الكهف: ~~28] ولا تجالس الاشراف " ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا ms2402 " [الكهف: 28] ~~يعني عيينة والأقرع، " واتبع هواه وكان أمره فرطا " (1) [الكهف: 28]، أي ~~هلاكا. قال: أمر عيينة والأقرع، ثم ضرب لهم مثل الرجلين ومثل الحياة ~~الدنيا. قال خباب: فكنا نقعد مع النبي صلى الله عليه وسلم فإذا بلغنا ~~الساعة التي يقوم فيها قمنا وتركناه حتى يقوم، رواه عن أحمد بن محمد بن ~~يحيى بن سعيد القطان حدثنا عمرو بن محمد العنقزي (2) حدثنا أسباط عن السدي ~~عن أبي سعيد (3) الأزدي وكان قارئ الأزد عن أبي الكنود عن خباب، وأخرجه ~~أيضا عن سعد قال: نزلت هذه الآية فينا ستة، في وفي ابن مسعود وصهيب وعمار ~~والمقداد وبلال، قال: قالت قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنا لا نرضى ~~أن نكون أتباعا لهم فاطردهم، قال: فدخل قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من ذلك ما شاء الله أن يدخل، فأنزل الله عز وجل: " ولا تطرد الذين يدعون ~~ربهم بالغداة والعشي " الآية. وقرئ (بالغدوة) وسيأتي بيانه في (الكهف) (1) ~~إن شاء الله. # قوله تعالى: " ما عليك من حسابهم من شئ " أي من جزائهم ولا كفاية (4) ~~أرزاقهم، أي جزاؤهم ورزقهم على الله، وجزاؤك ورزقك على الله لا على غيره. ~~(من) الأولى للتبعيض، والثانية زائدة للتوكيد. وكذا " وما من حسابك عليهم ~~من شئ " المعنى وإذا كان الامر كذلك فاقبل عليهم وجالسهم ولا تطردهم مراعاة ~~لحق من ليس على مثل حالهم في الدين # PageV06P433 # والفضل، فإن فعلت كنت ظالما. وحاشاه من وقوع ذلك منه، وإنما هذا بيان ~~للأحكام، ولئلا يقع مثل ذلك من غيره من أهل السلام، وهذا مثل قوله: " لئن ~~أشركت ليحبطن عملك " (1) [الزمر: 65] وقد علم الله منه أنه لا يشرك ولا ~~يحبط عمله. " فتطردهم " جواب النفي. # " فتكون من الظالمين " نصب بالفاء في جواب النهي، المعنى: ولا تطرد الذين ~~يدعون ربهم فتكون من الظالمين، وما من حسابك، عليهم من شئ فتطردهم، على ~~التقديم والتأخير. والظلم أصله وضع الشئ في غير موضعه. وقد تقدم في " ~~البقرة " (2) مستوفى. وقد حصل من قوة الآية والحديث النهي عن أن يعظم أحد ~~لجاهه ms2403 ولثوبه (3)، وعن أن يحتقر أحد لخموله ولرثاثة ثوبيه. # قوله تعالى: وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من ~~بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين (53) قوله تعالى: (وكذلك فتنا بعضهم ببعض) ~~أي كما فتنا من قبلك كذلك فتنا هؤلاء. # والفتنة الاختبار، أي عاملناهم معاملة المختبرين. (ليقولوا) نصب بلام كي، ~~يعني الاشراف والأغنياء. (أهؤلاء) يعني الضعفاء والفقراء. (من الله عليهم ~~من بيننا) قال النحاس: # وهذا من المشكل، لأنه يقال: كيف فتنوا ليقولوا هذه الآية؟ لأنه إن كان ~~إنكارا فهو كفر منهم. وفي هذا جوابان: أحدهما: أن المعنى اختبر الأغنياء ~~بالفقراء أن تكون مرتبتهم واحدة عند النبي صلى الله عليه وسلم، ليقولوا على ~~سبيل الاستفهام لا على سبيل الانكار: # " أهؤلاء من الله عليهم من بيننا " والجواب الآخر: أنهم لما اختبروا بهذا ~~فآل عاقبته إلى أن قالوا هذا على سبيل الانكار، وصار مثل قوله: " فالتقطه ~~آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا " (4) [القصص: 8]. (أليس الله بأعلم ~~بالشاكرين) فيمن عليهم بالايمان دون الرؤساء الذين علم الله منهم الكفر، ~~وهذا استفهام تقرير، وهو جواب لقولهم: " أهؤلاء من الله عليهم من بيننا " ~~وقل: المعنى أليس الله بأعلم من يشكر الاسلام إذا هديته إليه. # PageV06P434 # قوله تعالى: وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على ~~نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور ~~رحيم (54) قوله تعالى: (وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم) ~~السلام والسلامة بمعنى واحد. ومعنى " سلام عليكم " سلمكم الله في دينكم ~~وأنفسكم، نزلت في الذين نهى الله نبيه عليه الصلاة والسلام عن طردهم، فكان ~~إذا رآهم بدأهم بالسلام وقال: (الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن ~~أبدأهم بالسلام) فعلى هذا كان السلام من جهة النبي صلى الله عليه وسلم. ~~وقيل: إنه كان من جهة الله تعالى، أي أبلغهم منا السلام، وعلى الوجهين ففيه ~~دليل على فضلهم ومكانتهم عند الله تعالى. وفي صحيح مسلم عن عائذ بن عمرو أن ~~أبا سفيان أتى على سلمان ms2404 وصهيب وبلال ونفر فقالوا: والله ما أخذت سيوف الله ~~من عنق عدو الله مأخذها، قال: فقال أبو بكر: أتقولون هذا لشيخ قريش ~~وسيدهم؟! فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال: (يا أبا بكر لعلك ~~أغضبتهم لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك) فأتاهم أبو بكر فقال: يا إخوتاه ~~أغضبتكم؟ قالوا: لا، يغفر الله لك يا أخي، فهذا دليل على رفعة منازلهم ~~وحرمتهم كما بيناه في [معنى] (1) الآية. ويستفاد من هذا احترام الصالحين ~~واجتناب ما يغضبهم أو يؤذيهم، فإن في ذلك غضب الله، أي حلول عقابه بمن آذى ~~أحدا من أوليائه. # وقال ابن عباس: نزلت الآية في أبى بكر وعمر وعثمان وعلي [رضي الله عنهم] ~~(2). وقال الفضيل بن عياض: جاء قوم من المسلمين إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقالوا: إنا قد أصبنا من الذنوب فاستغفر لنا فأعرض عنهم، فنزلت الآية. ~~وروي عن أنس بن مالك مثله سواء. # قوله تعالى: (كتب ربكم على نفسه الرحمة) أي أوجب ذلك بخبره الصدق، ووعده ~~الحق، فخوطب العباد على ما يعرفونه من أنه من كتب شيئا فقد أوجبه على نفسه. ~~وقيل: # كتب ذلك في اللوح المحفوظ. (أنه من عمل منكم سوءا بجهالة) أي خطيئة من ~~غير قصد، # PageV06P435 # قال مجاهد: لا يعلم حلالا من حرام ومن جهالته ركب الامر، فكل من عمل ~~خطيئة فهو بها جاهل، وقد مضى هذا المعنى في " النساء " (1) وقيل: من آثر ~~العاجل على الآخرة فهو الجاهل. (فأنه غفور رحيم) قرأ بفتح " أن " من " فأنه ~~" ابن عامر وعاصم، وكذلك " أنه من عمل " ووافقهما نافع في " أنه من عمل ". ~~وقرأ الباقون بالكسر فيهما، فمن كسر فعلى الاستئناف، والجملة مفسرة للرحمة، ~~و (إن) إذا دخلت على الجمل كسرت وحكم ما بعد الفاء الابتداء والاستئناف ~~فكسرت لذلك. ومن فتحهما فالأولى في موضع نصب على البدل من الرحمة، بدل الشئ ~~من الشئ وهو هو فأعمل فيها (كتب) كأنه قال: كتب ربكم على نفسه أنه من عمل، ~~وأما (فأنه غفور) بالفتح ففيه وجهان، أحدهما: أن يكون في موضع ms2405 رفع ~~بالابتداء والخبر مضمر، كأنه قال: فله أنه غفور رحيم، لان ما بعد الفاء ~~مبتدأ، أي فله غفران الله. الوجه الثاني: أن يضمر مبتدأ تكون (أن) وما عملت ~~فيه خبره، تقديره: # فأمره غفران الله له، وهذا اختيار سيبويه، ولم يجز الأول، وأجازه أبو ~~حاتم. وقيل: # إن (كتب) عمل فيها، أي كتب ربكم أنه غفور رحيم. وروي عن علي بن صالح وابن ~~هرمز كسر الأولى على الاستئناف، وفتح الثانية على أن تكون مبتدأة أو خبر ~~مبتدأ أو معمولة لكتب على ما تقدم. ومن فتح الأولى - وهو نافع - جعلها بدلا ~~من الرحمة، واستأنف الثانية لأنها بعد الفاء، وهي قراءة بينة. # قوله تعالى: وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين (55) قوله تعالى: ~~(وكذلك نفصل الآيات) التفصيل التبيين الذي تظهر به المعاني، والمعنى: وكما ~~فصلنا لك في هذه السورة دلائلنا ومحاجتنا مع المشركين كذلك نفصل لكم الآيات ~~في كل ما تحتاجون إليه من أمر الدين، ونبين لكم أدلتنا وحججنا في كل حق ~~ينكره أهل الباطل. # PageV06P436 # وقال القتبي: " نفصل الآيات " نأتي بها شيئا بعد شئ، ولا ننزلها جملة ~~متصلة. # (ولتستبين سبيل المجرمين) يقال: هذه اللام تتعلق بالفعل فأين الفعل الذي ~~تتعلق به؟ # فقال الكوفيون: هو مقدر، أي وكذلك نفصل الآيات لنبين لكم ولتستبين، قال ~~النحاس: # وهذا الحذف كله لا يحتاج إليه، والتقدير: وكذلك نفصل الآيات فصلناها. ~~وقيل: إن دخول الواو للعطف على المعنى، أي ليظهر الحق وليستبين، قرئ بالياء ~~والتاء. (سبيل) برفع اللام ونصبها، وقراءة التاء خطاب للنبي صلى الله عليه ~~وسلم، أي ولتستبين يا محمد سبيل المجرمين. فإن قيل: فقد كان النبي عليه ~~السلام يستبينها؟ فالجواب عند الزجاج - أن الخطاب للنبي عليه السلام خطاب ~~لامته، فالمعنى: ولتستبينوا سبيل المجرمين. فإن قيل: # فلم لم يذكر سبيل المؤمنين؟ ففي هذا جوابان، أحدهما - أن يكون مثل قوله: ~~" سرابيل تقيكم الحر " (1) [النحل: 81] فالمعنى، وتقيكم البرد ثم حذف، ~~وكذلك يكون هذا المعنى ولتستبين سبيل المؤمنين ثم حذف. والجواب الآخر - أن ~~يقال: استبان الشئ واستبنته، وإذا بان سبيل المجرمين فقد بان ms2406 سبيل ~~المؤمنين. والسبيل يذكر ويؤنث، فتميم تذكره، وأهل الحجاز تؤنثه، وفي ~~التنزيل " وإن يروا سبيل الرشد " (2) [الأعراف: 146] مذكر " لم تصدون عن ~~سبيل الله " (3) [آل عمران: 99] مؤنث، وكذلك قرئ (ولتستبين) بالياء والتاء، ~~فالتاء خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته. # قوله تعالى: قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله قل لا أتبع ~~أهواءكم قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين (56) قوله تعالى: (قل إني نهيت أن ~~أعبد الذين تدعون من دون الله) قيل: " تدعون " بمعنى تعبدون. وقيل: تدعونهم ~~في مهمات أموركم على جهة العبادة، أراد بذلك الأصنام. # (قل لا أتبع أهواءكم) فيما طلبتموه من عبادة هذه الأشياء، ومن طرد من ~~أردتم طرده. # (قد ضللت إذا) أي قد ضللت إن اتبعت أهواءكم. (وما أنا من المهتدين) أي ~~على طريق رشد وهدى. # PageV06P437 # وقرئ " ضللت " بفتح اللام وكسرها وهما لغتان. قال أبو عمرو [بن العلاء] ~~(1): ضللت بكسر اللام لغة تميم، وهي قراءة [يحيى] (2) بن وثاب وطلحة بن ~~مصرف، والأولى هي الأصح والأفصح، لأنها لغة أهل الحجاز، وهي قراءة الجمهور. ~~وقال الجوهري: والضلال والضلالة ضد الرشاد، وقد ضللت أضل، قال الله تعالى: ~~" قل إن ضللت فإنما أضل على (3) نفسي " [سبأ: 50] فهذه لغة نجد، وهي ~~الفصيحة، وأهل العالية يقولون: ضللت بالكسر أضل. # قوله تعالى: قل إني على بينة من ربي وكذبتم به ما عندي ما تستعجلون به إن ~~الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين (57) قوله تعالى: (قل إني على ~~بينة من ربي) أي دلالة ويقين وحجة وبرهان، لا على هوى، ومنه البينة لأنها ~~تبين الحق وتظهره. (وكذبتم به) أي بالبينة لأنها في معنى البيان، كما قال: ~~" وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه " ~~[النساء: 8] على ما بيناه هناك (4). وقيل يعود على الرب، أي كذبتم بربي ~~لأنه جرى ذكره. وقيل: بالعذاب. وقيل: # بالقرآن. وفي معنى هذه الآية والتي قبلها ما أنشده مصعب بن عبد الله بن ~~الزبير لنفسه، وكان شاعرا محسنا رضي الله عنه: # أأقعد بعدما رجفت عظامي * وكان ms2407 الموت أقرب ما يليني أجادل كل معترض خصيم ~~* وأجعل دينه غرضا لديني فأترك ما علمت لرأي غيري * وليس الرأي كالعلم ~~اليقين وما أنا والخصومة وهي شئ * يصرف في الشمال وفي اليمين وقد سنت لنا ~~سنن قوام * يلحن بكل فج أو وجين (5) وكان الحق ليس به خفاء * أغر كغرة ~~الفلق المبين # PageV06P438 # وما عوض لنا منهاج جهم * بمنهاج ابن آمنة الأمين فأما ما علمت فقد كفاني ~~* وأما ما جهلت فجنبوني قوله تعالى: (ما عندي ما تستعجلون به) أي العذاب، ~~فإنهم كانوا لفرط تكذيبهم يستعجلون نزوله استهزاء نحو قولهم: " أو تسقط ~~السماء كما زعمت علينا كسفا " (1) [الاسراء: 92] " اللهم إن كان هذا هو ~~الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء " (2) [الأنفال: 32]. وقيل: ما ~~عندي من الآيات التي تقترحونها. (إن الحكم إلا لله) أي ما الحكم إلا لله في ~~تأخير العذاب وتعجيله. # وقيل: الحكم الفاصل بين الحق والباطل لله. (يقص الحق) أي يقص القصص الحق، ~~وبه استدل من منع المجاز في القرآن، وهي قراءة نافع وابن كثير وعاصم ومجاهد ~~والأعرج وابن عباس، قال ابن عباس: قال الله عز وجل: " نحن نقص عليك أحسن ~~القصص " [يوسف: 3] (3). # والباقون " يقض الحق " بالضاد المعجمة، وكذلك قرأ علي - رضي الله عنه - ~~وأبو عبد الرحمن السلمي وسعيد بن المسيب، وهو مكتوب في المصحف بغير ياء ~~(4)، ولا ينبغي الوقف عليه، وهو من القضاء، ودل على ذلك أن بعده (وهو خير ~~الفاصلين) والفصل لا يكون إلا قضاء دون قصص، ويقوي ذلك قوله قبله: " إن ~~الحكم إلا لله " ويقوي ذلك أيضا قراءة ابن مسعود (إن الحكم إلا لله يقضي ~~بالحق) فدخول الباء يؤكد معنى القضاء. قال النحاس: هذا لا يلزم، لان معنى " ~~يقضي " يأتي ويصنع فالمعنى: يأتي الحق، ويجوز أن يكون المعنى: يقضي القضاء ~~الحق. قال مكي: وقراءة الصاد أحب إلي، لاتفاق الحرميين وعاصم على ذلك، ~~ولأنه لو كان من القضاء للزمت الباء فيه كما أتت في قراءة ابن مسعود. قال ~~النحاس: وهذا الاحتجاج لا يلزم، لان مثل هذه الباء تحذف كثيرا. # PageV06P439 # قوله ms2408 تعالى: قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضى الامر بيني وبينكم والله ~~أعلم بالظالمين (58) قوله تعالى: " قل لو أن عندي ما تستعجلون به " أي من ~~العذاب لأنزلته بكم حتى ينقضي الامر إلى آخره. والاستعجال: تعجيل طلب الشئ ~~قبل وقته. " والله أعلم بالظالمين " أي بالمشركين وبوقت عقوبتهم. # مصححه أبو إسحاق إبراهيم أطفيش تم الجزء السادس من تفسير القرطبي يتلوه ~~إن شاء الله تعالى الجزء السابع، وأوله قوله تعالى: # (وعنده مفاتح الغيب) PageV06P440 # الجامع لاحكام القرآن لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي الجزء ~~السابع أعاد طبعه دار احياء التراث العربي بيروت - لبنان 1405 ه‍ 1985 م ~~بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ~~ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمت ~~الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين (59) فيه ثلاث مسائل: # الأولى - جاء في الخبر أن هذه الآية لما نزلت نزل معها اثنا عشر ألف ملك. # وروى البخاري عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " مفاتح الغيب ~~خمس لا يعلمها إلا الله لا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله ولا يعلم ما في ~~غد إلا الله ولا يعلم متى يأتي المطر إلا الله ولا تدري نفس بأي أرض تموت ~~إلا الله ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله ". # وفي صحيح مسلم عن عائشة قالت: من زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يخبر بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية، والله تعالى يقول: " قل لا ~~يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله " (1) ومفاتح جمع مفتح، هذه ~~اللغة الفصيحة. ويقال: مفتاح ويجمع مفاتيح. وهي قراءة ابن السميقع " مفاتيح ~~". والمفتح عبارة عن كل ما يحل غلقا، محسوسا كان كالقفل على البيت أو معقول ~~كالنظر. وروى ابن ماجة في سننه وأبو حاتم البستي في صحيحه عن أنس بن مالك ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن من الناس مفاتيح ms2409 للخير مغاليق ~~للشر وإن من الناس مفاتيح للشر مغاليق للخير فطوبى لمن جعل الله مفاتيح ~~الخير على يديه وويل لمن جعل الله مفاتيح الشر على يديه). وهو في الآية ~~استعارة عن التوصل إلى الغيوب كما يتوصل في الشاهد بالمفتاح إلى المغيب عن ~~الإنسان، # PageV07P001 # ولذلك قال بعضهم: هو مأخوذ من قول الناس أفتح علي كذا، أي أعطني أو علمني ~~ما أتوصل إليه به. فالله تعالى عنده علم الغيب، وبيده الطرق الموصلة إليه، ~~لا يملكها إلا هو، فمن شاء إطلاعه عليها أطلعه، ومن شاء حجبه عنها حجبه. ~~ولا يكون ذلك من إفاضته إلا على رسله، بدليل قوله تعالى: " وما كان الله ~~ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء " (1) وقال: " عالم ~~الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول ". (2) (الآية) (3) ~~وقيل: المراد بالمفاتح خزائن الرزق، عن السدي والحسن. مقاتل والضحاك: # خزائن الأرض. وهذا مجاز، عبر عنها بما يتوصل إليها به. وقيل: غير هذا مما ~~يتضمنه معنى الحديث أي عنده الآجال ووقت انقضائها. وقيل: عواقب الأعمار ~~وخواتم الأعمال، إلى غير هذا من الأقوال. والأول المختار. والله أعلم. # الثانية - قال علماؤنا: أضاف سبحانه علم الغيب إلى نفسه في غير ما آية من ~~كتابه إلا من اصطفى من عباده. (4) فمن قال: إنه ينزل الغيث غدا وجزم فهو ~~كافر، أخبر عنه بأمارة ادعاها أم لا. وكذلك من قال: إنه يعلم ما في الرحم ~~فهو كافر، فإن لم يجزم وقال: إن النوء (5) ينزل الله به الماء عادة، وأنه ~~سبب الماء عادة، وأنه سبب الماء على ما قدره وسبق في علمه لم يكفر، إلا أنه ~~يستحب له ألا يتكلم به، فإن فيه تشبيها بكلمة أهل الكفر، وجهلا بلطيف ~~حكمته، لأنه ينزل متى شاء، مرة بنوء كذا، ومرة دون النوء، قال الله تعالى: ~~(6) " أصبح من من عبادي مؤمن بي وكافر (بالكوكب) " على ما يأتي بيانه في " ~~الواقعة " (7) إن شاء الله. قال ابن العربي: وكذلك قول الطبيب: إذا كان ~~الثدي الأيمن مسود الحلمة فهو ذكر، ms2410 وإن كان في الثدي الأيسر فهو أنثى، وإن ~~كانت المرأة تجد الجنب الأيمن أثقل فالولد أنثى، وادعى ذلك عادة لا واجبا ~~في الخلقة لم يكفر ولم يفسق. وأما من ادعى الكسب في مستقبل العمر فهو كافر. ~~أو أخبر عن الكوائن المجملة أو المفصلة في أن تكون قبل ان تكون فلا ريبة # PageV07P002 # في كفره أيضا. فأما من أخبر عن كسوف الشمس والقمر فقد قال علماؤنا: يؤدب ~~ولا يسجن. أما عدم تكفيره فلأن جماعة قالوا: إنه أمر يدرك بالحساب وتقدير ~~المنازل حسب ما أخبر الله عنه من قوله: " والقمر قدرناه (1) منازل ". وأما ~~أدبهم فلأنهم يدخلون الشك على العامة، إذ لا يدركون الفرق بين هذا وغيره، ~~فيشوشون عقائدهم ويتركون قواعدهم في اليقين فأدبوا حتى يسروا (2) ذلك إذا ~~عرفوه ولا يعلنوا به. # قلت: ومن هذا الباب (أيضا) (3) ما جاء في صحيح مسلم عن بعض أزواج النبي ~~صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى عليه وسلم قال: " من أتى عرافا (فسأله عن ~~(4) شئ) لم تقبل له صلاة أربعين ليلة ". والعراف هو الحازر والمنجم الذي ~~يدعي علم الغيب. وهي من العرافة وصاحبها عراف، وهو الذي يستدل على الأمور ~~بأسباب ومقدمات يدعي معرفتها. وقد يعتضد بعض أهل هذا الفن في ذلك بالزجر ~~والطرق والنجوم، وأسباب معتادة في ذلك. # وهذا الفن هو العيافة (بالياء). وكما ينطلق عليها اسم الكهانة، قاله ~~القاضي عياض. # والكهانة: ادعاء علم الغيب. قال أبو عمر بن عبد البر في (كتاب) (3) ~~(الكافي): من المكاسب المجتمع على تحريمها الربا ومهور البغايا والسحت ~~والرشا وأخذ الأجرة على النياحة والغناء، وعلى الكهانة وادعاء الغيب وأخبار ~~السماء، وعلى الزمر واللعب والباطل كله. قال علماؤنا: وقد انقلبت الأحوال ~~في هذه الأزمان بإتيان المنجمين، والكهان لا سيما بالديار المصرية، فقد شاع ~~في رؤسائهم وأتباعهم وأمرائهم اتخاذ المنجمين، بل ولقد انخدع كثير من ~~المنتسبين للفقه والدين فجاءوا إلى هؤلاء الكهنة والعرافين فبهرجوا عليهم ~~بالمحال، واستخرجوا منهم الأموال فحصلوا من أقوالهم على السراب (5) والآل، ~~ومن أديانهم على الفساد والضلال. وكل ذلك من الكبائر، ms2411 لقول عليه السلام: " ~~لم تقبل لصلاة أربعين ليلة ". فكيف بمن اتخذهم وأنفق عليهم معتمدا على ~~أقوالهم. روى مسلم (رحمه (3) الله) عن عائشة (رضي (3) الله عنها) قالت: # سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أناس عن الكهان فقال: " إنهم ليسوا ~~بشئ) (6) " فقالوا: # PageV07P003 # يا رسول الله، إنهم يحدثونا أحيانا بشئ فيكون حقا! فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقرها (1) في أذن وليه (قر الدجاجة ~~(2) فيخلطون معها مائة كذبة ". قال الحميدي: ليس ليحيى (3) بن عروة عن أبيه ~~عن عائشة في الصحيح غير هذا وأخرجه البخاري (أيضا) (4) من حديث أبي الأسود ~~محمد بن عبد الرحمن عن عروة عن عائشة أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: " إن الملائكة تنزل في العنان وهو السحاب فتذكر الأمر قضي في ~~السماء فتسترق الشياطين السمع فتسمعه فتوجيه إلى الكهان فيكذبون معها مائة ~~كذبة من عند أنفسهم ". وسيأتي هذا المعنى في " سبأ " إن شاء الله (5) ~~تعالى. # الثالثة - قوله تعالى: (ويعلم ما في البر والبحر) خصهما بالذكر لأنهما ~~أعظم المخلوقات المجاورة للبشر، أي يعلم ما يهلك في البر والبحر. ويقال: ~~يعلم ما في البر من النبات والحب والنوى، وما في البحر من الدواب ورزق ما ~~فيها " وما تسقط من ورقة إلا يعلمها " روى يزيد بن هارون عن نافع عن محمد ~~بن إسحاق عن نافع ابن عمر عن النبي صلى عليه وسلم قال: " ما من زرع على ~~الأرض ولا ثمار على الأشجار ولا حبة في ظلمات الأرض إلا عليها مكتوب بسم ~~الله الرحمن الرحيم رزق فلان بن فلان " وذلك قوله في محكم كتابه: (وما تسقط ~~من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب ~~مبين). # وحكى النقاش عن جعفر بن محمد أن الورقة يراد بها السقط من أولاد بني آدم، ~~والحبة يراد بها الذي ليس بسقط، والرطب يراد به الحي، واليابس يراد به ~~الميت. قال ابن عطية: وهذا قول جار على طريقة الرموز، ولا يصح ms2412 عن جعفر بن ~~محمد ولا ينبغي أن يلتفت إليه. وقيل: # المعنى " وما تسقط من ورقة " أي من ورقة الشجر إلا يعلم متى تسقط وأين ~~تسقط وكم تدور في الهواء، ولا حبة إلا يعلم متى تنبت وكم تنبت ومن يأكلها، ~~" وظلمات الأرض " بطونها وهذا أصح، فإنه موافق للحديث وهو مقتضى الآية. ~~والله الموفق للهداية. وقيل: " في ظلمات الأرض " # PageV07P004 # يعني الصخرة التي هي أسفل الأرضين السابعة. " ولا رطب ولا يابس " بالخفض ~~عطفا على اللفظ. وقرأ ابن السميقع والحسن وغيرهما بالرفع فيهما عطفا على ~~موضع " من ورقة "، ف " - من " على هذا للتوكيد. (إلا في كتاب مبين) أي في ~~اللوح المحفوظ لتعتبر الملائكة بذلك، لا أنه سبحانه كتب ذلك لنسيان يلحقه ~~تعالى عن ذلك. وقيل: كتبه وهو يعلمه لتعظيم الأمر، أي اعلموا أن هذا الذي ~~ليس فيه ثواب ولا عقاب مكتوب، فكيف بما فيه ثواب وعقاب. # قوله تعالى: وهو الذي يتوفاكم باليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم ~~فيه ليقضى أجل مسمى ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون (60) قوله ~~تعالى: (وهو الذي يتوفاكم بالليل) أي ينيمكم فيقبض نفوسكم التي بها تميزون، ~~وليس ذلك موتا حقيقة بل هو قبض الأرواح عن التصرف بالنوم كما يقبضها ~~بالموت. والتوفي استيفاء الشئ. وتوفي الميت استوفى عدد أيام عمره، والذي ~~ينام كأنه استوفى حركاته في اليقظة. # والوفاة الموت. وأوفيتك المال، وتوفيته (1)، واستوفيته إذا أخذته أجمع. ~~وقال الشاعر (2): # إن بني الأدرد ليسوا من أحد * ولا توفاهم قريش في العدد ويقال: إن الروح ~~إذا خرج من البدن في المنام تبقى فيه الحياة، ولهذا تكون فيه الحركة ~~والتنفس، فإذا انقضى عمره خرج روحه وتنقطع حياته، وصار ميتا لا يتحرك ولا ~~يتنفس. # وقال بعضهم. لا تخرج منه الروح، ولكن يخرج منه الذهن. ويقال: هذا أمر لا ~~يعرف حقيقته إلا الله تعالى. وهذا أصح الأقاويل، والله أعلم. (ثم يبعثكم ~~فيه) أي في النهار، ويعني اليقظة. (ليقضى أجل مسمى) أي ليستوفي كل إنسان ~~أجلا ضرب له. وقرأ أبو رجاء وطلحة بن مصرف " ثم ms2413 يبعثكم فيه ليقضى أجلا مسمى ~~" أي عنده. و " جرحتم " كسبتم. وقد تقديم في المائدة (3). وفي الآية تقديم ~~وتأخير، والتقدير وهو الذي يتوفاكم # PageV07P005 # بالليل ثم يبعثكم بالنهار ويعلم ما جرحتم فيه، فقدم الأهم الذي من أجله ~~وقع البعث في النهار. # وقال ابن جريج " ثم يبعثكم فيه " أي في المنام. ومعنى الآية: إن إمهاله ~~تعالى للكفار ليس لغفلة عن كفرهم فإنه أحصى كل شئ عددا وعلمه وأثبته، ولكن ~~ليقضي أجلا مسمى من رزق وحياة، ثم يرجعون إليه فيجازيهم. وقد دل على الحشر ~~والنشر بالبعث، لأن النشأة الثانية منزلتها بعد الأولى كمنزلة اليقظة بعد ~~النوم في أن من قدر على أحدهما فهو قادر على الآخر. # قوله تعالى: وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم ~~الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون (61) ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له ~~الحكم وهو أسرع الحاسبين (62) قوله تعالى: (وهو قادر فوق عباده) يعني فوقية ~~المكانة والرتبة لا فوقية المكان والجهة على ما تقدم بيانه أول السورة. ~~(ويرسل عليكم حفظة) أي من الملائكة. والإرسال حقيقته إطلاق الشئ بما حمل من ~~الرسالة، فإرسال الملائكة بما حملوا من الحفظ الذي أمروا به، كما قال: " ~~وإن عليكم لحافظين " (1) أي ملائكة تحفظ أعمال العباد وتحفظهم من الآفات. # والحفظة جمع حافظ، مثل الكتبة والكاتب. ويقال: إنهما ملكان بالليل وملكان ~~بالنهار، يكتب أحدهما الخير والآخر الشر، وإذا مشى الإنسان يكون أحدهما بين ~~يديه والآخر وراءه، وإذا جلس يكون أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، لقوله ~~تعالى: " عن اليمين وعن الشمال قعيد " (2) (الآية) (3) ويقال: لكل إنسان ~~خمسة من الملائكة: اثنان بالليل، واثنان بالنهار، والخامس لا يفارقه ليلا ~~ولا نهارا. والله أعلم. وقال عمر بن الخطاب (رضي الله (4) عنه): # ومن الناس من يعيش (5) شقيا * جاهل القلب غافل اليقظة فإذا كان ذا وفاء ~~ورأي * حذر الموت واتقى الحفظة إنما الناس راحل ومقيم * فالذي بان للمقيم ~~عظه # PageV07P006 # قوله تعالى: (حتى إذا جاء أحدكم الموت) يريد أسبابه. كما تقدم في " ~~البقرة ". (1) (توفته رسلنا) على تأنيث ms2414 الجماعة، كما قال: " ولقد جاءتهم ~~رسلنا بالبينات " و " كذبت رسل " (2). وقرأ حمزة " توفاه رسلنا " على تذكير ~~الجمع. وقرأ الأعمش " تتوفاه رسلنا " بزيادة تاء والتذكير. والمراد أعوان ~~ملك الموت، قاله ابن عباس وغيره. ويروى أنهم يسلون الروح من الجسد حتى إذا ~~كان عند قبضها قبضها ملك الموت. وقال الكلبي: يقبض ملك الموت الروح من ~~الجسد ثم يسلمها إلى ملائكة الرحمة إن كان مؤمنا أو إلى ملائكة العذاب إن ~~كان كافرا. ويقال: معه سبعة من ملائكة الرحمة وسبعة من ملائكة العذاب، فإذا ~~قبض نفسا مؤمنة دفعها إلى ملائكة الرحمة فيبشرونها بالثواب ويصعدون بها إلى ~~السماء، إذا قبض نفسا كافرة دفعها إلى ملائكة العذاب فيبشرونها بالعذاب ~~ويفزعونها، ثم يصعدون بها إلى السماء ثم ترد إلى سجين، وروح المؤمن إلى ~~عليين. والتوفي تارة يضاف إلى ملك الموت، كما قال: # " قل يتوفاكم ملك الموت (3) " وتارة إلى الملائكة لأنهم يتولون ذلك، كما ~~في هذه الآية وغيرها. # وتارة إلى الله وهو المتوفي على الحقيقة، كما قال: " الله يتوفى الأنفس ~~حين موتها " (4) " قل الله يحييكم ثم يميتكم " (5) " الذي خلق الموت و (6) ~~الحياة " فكل مأمور من الملائكة فإنما يفعل ما أمر به. # (وهم لا يفرطون) أي لا يضيعون ولا يقصرون، أي يطيعون أمر الله. وأصله من ~~التقدم، كما تقدم. فمعنى فرقدم العجز. وقال أبو عبيدة: لا يتوانون. وقرأ ~~عبيد بن عمير " لا يفرطون " بالتخفيف، أي لا يجاوزون الحد فيما أمروا به ~~الإكرام والإهانة. # (ثم ردوا إلى الله أي ردهم الله بالبعث للحساب. (مولاهم الحق) أي خالقهم ~~ورازقهم وباعثهم ومالكهم. " الحق " بالحفض قراءة الجمهور، على النعت والصفة ~~لاسم الله تعالى. # وقرأ الحسن " الحق " بالنصب على إضمار أعني، أو على المصدر، أي حقا. (ألا ~~له الحكم) أي اعلموا وقولوا: له الحكم وحده يو القيامة، أي القضاء والفصل. ~~(وهو أسرع الحاسبين) أي لا يحتاج إلى فكرة وروية ولا عقد يد. وقد تقدم. (7) # PageV07P007 # قوله تعالى: قل ينجيكم من ظلمت البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية لئن ~~أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين (63) قل الله ms2415 ينجيكم منها ومن كل كرب ثم ~~أنتم تشركون (64) قوله تعالى: (قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر) أي ~~شدائدهما، يقال: يوم مظلم أي شديد. قال النحاس: والعرب تقول: يوم مظلم إذا ~~كان شديدا، فإن عظمت ذلك قالت: يوم ذو كواكب، وأنشد سيبويه: # بنى أسد هل تعلمون بلاءنا * إذا كان يوم ذو كواكب أشنعا وجمع " الظلمات " ~~على أنه يعني ظلمة البر وظلمة البحر وظلمة الليل وظلمة الغيم، أي إذا ~~أخطأتم الطريق وخفتم الهلاك دعوتموه (لئن أنجيتنا (1) من هذه) أي من هذه ~~الشدائد (لنكونن من الشاكرين) أي من الطائعين. فوبخهم الله في دعائهم إياه ~~عند الشدائد، وهم يدعون معه في حالة الرخاء غيره بقوله: " ثم أنتم تشركون ~~". وقرأ الأعمش " وخيفة " من الخوف، و (قرأ) (2) أبو بكر عن عاصم " خفية " ~~بكسر الخاء، والباقون بضمها، لغتان. # وزاد الفراء خفوة وخفوة. قال: ونظيره حبية وحبية وحبوة وحبوة. وقراءة ~~الأعمش بعيدة، لأن معنى " تضرعا " أن تظهروا التذلل و " خفية " أن تبطنوا ~~مثل ذلك. وقرأ الكوفيون " لئن أنجانا " واتساق المعنى بالتاء، كما قرأ أهل ~~المدينة وأهل الشأم. # قوله تعالى: (قل الله ينجيكم منها ومن كل ركب) وقرأ الكوفيون " ينجيكم " ~~بالتشديد، الباقون بالتخفيف. قيل: معناهما واحد مثل نجا وأنجيته ونجيته. ~~وقيل: التشديد للتكثير. # والكرب: الغم يأخذ بالنفس، يقال منه: رجل مكروب. قال عنترة: # ومكروب كشفت الكرب عنه * بطعنة فيصل لما دعاني والكربة مشتقة من ذلك. # قوله تعالى: (ثم أنتم تشركون) تقريع وتوبيخ، مثل قوله في أول السورة " ثم ~~أنتم تمترون ". لأن الحجة إذا قامت بعد المعرفة وجب الإخلاص، وهم قد جعلوا # PageV07P008 # بدلا منه وهو الإشراك، فحسن أن يقرعوا ويوبخوا على هذه الجهة وإن كانوا ~~مشركين قبل النجاة. # قوله تعالى: قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت ~~أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف الآيات لعلهم ~~يفقهون (65) أي القادر على إنجائكم من الكرب، قادر على تعذيبكم. ومعنى (من ~~فوقكم) الرجم والحجارة والطوفان والصيحة والريح، كما فعل بعاد وثمود وقوم ms2416 ~~شعيب وقوم لوط وقوم نوح، عن مجاهد وابن جبير وغيرهما. (أو من تحت أرجلكم) ~~الخسف والرجفة، كما فعل بقارون وأصحاب مدين. وقيل: " من فوقكم " يعني ~~الأمراء الظلمة، " ومن تحت أرجلكم " يعني السفلة وعبيد السوء، عن ابن عباس ~~ومجاهد أيضا. (أو يلبسكم شيعا) وروي عن أبي عبد الله المدني " أو يلبسكم " ~~بضم الياء، أي يجللكم العذاب ويعمكم به، وهذا من اللبس بضم الأول، وقراءة ~~الفتح من اللبس. وهو موضع مشكل والأعراب يبينه. # أي يلبس عليكم أمركم، فحذف أحد المفعولين وحرف الجر، كما قال: " وإذا ~~كالوهم أو وزنوهم " (1) وهذا اللبس بأن يخلط أمرهم فيجعلهم مختلفي الأهواء، ~~عن ابن عباس. # وقيل: معنى " يلبسكم شيعا " يقوى عدوكم حتى يخالطكم وإذا خالطكم فقد ~~لبسكم. # " شيعا " معناه فرقا. وقيل يجعلكم فرقا يقاتل بعضكم بعضا، وذلك بتخليط ~~أمرهم وافتراق أمرائهم (2) على طلب الدنيا. وهو معنى (قوله) (2) (ويذيق ~~بعضكم بأس بعض) أي بالحرب والقتل في الفتنة، عن مجاهد. والآية عامة في ~~المسلمين والكفار. وقيل هي في الكفار خاصة. وقال الحسن: هي في أهل الصلاة. # قلت: وهو الصحيح، فإنه المشاهد في الوجود، فقد لبسنا العدو في ديارنا ~~واستولى على أنفسنا وأموالنا، مع الفتنة المستولية علينا بقتل بعضنا بعضا ~~واستباحة بعضنا أموال بعض. # PageV07P009 # نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن. وعن الحسن أيضا أنه تأول ذلك ~~فيما جرى بين الصحابة رضي الله عنهم. روى مسلم عن ثوبان قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # (إن الله (1) زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وإن أمتي سيبلغ ملكها ~~ما زوي لي منها وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض وإني سألت ربي لأمتي ألا ~~يهلكها بسنة عامة وألا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم وإن ~~ربي قال: يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد وإني قد أعطيتك لأمتك ألا ~~أهلكهم بسنة عامة وألا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم (2) ~~ولو اجتمع عليهم من بإقطارها - أو قال من بين أقطارها - حتى يكون بعضهم ~~يهلك بعضا ويسبي بعضهم ms2417 بعضا). وروى النسائي عن خباب بن الأرت، وكان قد شهد ~~بدرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه راقب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الليلة كلها حتى كان مع الفجر، فلما سلم رسول الله من صلاته جاءه خباب ~~فقال: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي! لقد صليت الليلة صلاة ما رأيتك صليت ~~نحوها؟ # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أجل إنها صلاة رغب ورهب سألت الله ~~عز وجل فيها ثلاث خصال فأعطاني ثنتين ومنعني واحدة سألت ربي عز وجل ألا ~~يهلكنا بما أهلك به الأمم فأعطانيها وسألت ربي عز وجل ألا يظهر علينا عدوا ~~من غيرنا فأعطانيها وسألت ربي عز وجل ألا يلبسنا شيعا فمنعنيها ". وقد ~~أتينا على هذه الأخبار في كتاب (التذكرة) والحمد لله. وروي أنه لما نزلت ~~هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل: " يا جبريل ما بقاء أمتي ~~على ذلك "؟ فقال له جبريل: " إنما أنا عبد مثلك فادع ربك وسله لأمتك) فقام ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوضأ وأسبغ الوضوء وصلى وأحسن الصلاة، ثم ~~دعا فنزل جبريل وقال: " يا محمد إن الله تعالى سمع مقالتك وأجارهم من ~~خصلتين وهو العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ". فقال: (يا جبريل ما بقاء ~~أمتي إذا كان فيهم أهواء مختلفة ويذيق بعضهم بأس بعض "؟ فنزل جبريل بهذه ~~الآية: " آلم. أحسب الناس # PageV07P010 # أن يتركوا أن يقولوا آمنا (1) الآية. وروى عمرو بن دينار عن جابر بن عبد ~~الله قال: # لما نزلت هذه الآية " قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو ~~من تحت أرجلكم " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أعوذ بوجه الله " ~~فلما نزلت " أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض " قال: (هاتان أهون). وفي ~~سنن ابن ماجة عن ابن عمر قال: " لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدع ~~هؤلاء الكلمات حين يصبح: # اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة. اللهم إني أسألك العفو ~~والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي. ms2418 اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي ~~واحفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي وأعوذ بك أن ~~أغتال من تحتي). قال وكيع: يعني الخسف. # قوله تعالى: (أنظر كيف نصرف الآيات) أي نبين لهم الحجج والدلالات. # (لعلهم يفقهون) يريد بطلان ما هم عليه من الشرك والمعاصي. # قوله تعالى: وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل (66) لكل نبأ ~~مستقر وسوف تعلمون (67) قوله تعالى: (وكذب به قومك) أي بالقرآن. وقرأ ابن ~~أبي عبلة " وكذبت ". بالتاء. # (وهو الحق) أي القصص الحق. (قل لست عليكم بوكيل) قال الحسن: لست بحافظ ~~أعمالكم حتى أجازيكم عليها، إنما أنا منذر وقد بلغت، نظيره " وما أنا عليكم ~~بحفيظ " (2) أي أحفظ عليكم أعمالكم. ثم قيل: هذا منسوخ بآية القتال. وقيل: ~~ليس بمنسوخ، إذ لم يكن في وسعه إيمانهم. (لكل نبأ مستقر) لكل خبر حقيقة، أي ~~لكل شئ وقت يقع فيه من غير تقدم وتأخر. وقيل: أي لكل عمل جزاء. قال الحسن: ~~هذا وعيد من الله تعالى للكفار، لأنهم كانوا لا يقرون بالبعث. الزجاج: يجوز ~~أن يكون وعيدا بما ينزل بهم في الدنيا. (قال) (3) السدي: استقر يوم بدر ما ~~كان يعدهم به من العذاب. وذكر الثعلبي أنه رأى في بعض التفاسير أن هذه ~~الآية نافعة من وجع الضرس إذا كتبت على كاغد ووضع على السن. # PageV07P011 # قوله تعالى: " وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا ~~في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين ~~(68) قوله تعالى: (وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم) فيه ~~مسألتان: # الأولى - قوله تعالى: (وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا) بالتكذيب والرد ~~والاستهزاء (فأعرض عنهم) والخطاب مجرد للنبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: إن ~~المؤمنين داخلون في الخطاب معه. وهو صحيح، فإن العلة سماع الخوض في آيات ~~الله، وذلك يشملهم وإياه. وقيل المراد به النبي صلى الله عليه وسلم وحد، ~~لأن قيامه عن المشركين كان يشق (1) عليهم، ولم يكن المؤمنون عندهم كذلك، ~~فأمر أن ينابذهم ms2419 بالقيام عنهم إذا استهزءوا وخاضوا ليتأدبوا بذلك ويدعوا ~~الخوض والاستهزاء. والخوض أصله في الماء، ثم استعمل بعد في غمرات الأشياء ~~التي هي مجاهل، تشبيها بغمرات الماء فاستعير من المحسوس للمعقول. # وقيل: هو مأخوذ من الخلط. وكل شئ خضته فقد خلطته، ومنه خاض الماء بالعسل ~~خلطه. فأدب الله عز وجل نبيه (صلى الله عليه وسلم (2)) بهذه الآية، (لأنه) ~~(3) كان يقعد إلى قوم من المشركين يعظهم ويدعوهم فيستهزؤون بالقرآن، فأمره ~~الله أن يعرض عنهم إعراض منكر. ودل بهذا على أن الرجل إذا علم من الآخر ~~منكرا وعلم أنه لا يقبل منه فعليه أن يعرض عنه إعراض منكر ولا يقبل عليه. ~~وروى شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: # " وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا " قال: هم الذين يستهزئون بكتاب ~~الله، نهاه الله عن أن يجلس معهم إلا أن ينسى فإذا ذكر قام. وروى ورقاء عن ~~ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: هم الذين يقولون في القرآن غير الحق. # الثانية - في هذه الآية رد من كتاب الله عز وجل على من زعم أن الأئمة ~~الذين هم حجج وأتباعهم لهم أن يخالطوا الفاسقين ويصوبوا آراءهم تقية (4). ~~وذكر الطبري عن أبي جعفر محمد بن علي (رضي الله عنه (5)) أنه قال: لا ~~تجالسوا أهل الخصومات، فإنهم الذين يخوضون # PageV07P012 # في آيات الله. قال ابن العربي: وهذا دليل على أن مجالسة أهل الكبائر لا ~~تحل. قال ابن خويز منداد: من خاض في آيات الله تركت مجالسته وهجر، مؤمنا ~~كان أو كافرا. قال: # وكذلك منع أصحابنا الدخول إلى أرض العدو ودخول كنائسهم والبيع، ومجالس ~~الكفار وأهل البدع، وألا تعتقد مودتهم ولا يسمع كلامهم ولا مناظرتهم. وقد ~~قال بعض أهل البدع لأبي عمران النخعي: أسمع مني كلمة، فأعرض عنه وقال: ولا ~~نصف كلمة. ومثله عن أيوب السختياني. وقال الفضيل بن عياض: من أحب صاحب بدعة ~~أحبط الله عمله وأخرج نور الإسلام من قلبه، ومن زوج كريمته من مبتدع فقد ~~قطع رحمها، ومن جلس مع صاحب بدعة لم يعط ms2420 الحكمة، وإذا علم الله عز وجل من ~~رجل أنه مبغض لصاحب بدعة رجوت أن يغفر الله له. وروى أبو عبد الله الحاكم ~~عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من وقر ~~صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام " فبطل بهذا كله قول من زعم أن ~~مجالستهم جائزة إذا صانوا أسماعهم. # قوله تعالى: (وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم ~~الظالمين. # فيه مسألتان: # الأولى - قوله تعالى: (وإما ينسينك) " إما " شرط، فيلزمها النون الثقيلة ~~في الأغلب وقد لا تلزم، كما قال: # إما يصبك عدو في مناوأة * يوما فقد كنت تستعلي وتنتصر وقرأ ابن عباس (1) ~~وابن عامر " ينسينك " بتشديد السين على التكثير، يقال: نسى وأنسى بمعنى ~~واحد (لغتان)، (1) قال الشاعر: # قالت سليمى أتسري اليوم أم تقل * وقد ينسيك بعض الحاجة الكسل (2) وقال ~~امرؤ القيس: # *... تنسني إذا قمت سربالي * (3) # PageV07P013 # المعنى: يا محمد إن أنساك الشيطان أن تقوم عنهم فجالستهم بعد النهى. (فلا ~~تقعد بعد الذكرى " أي إذا ذكرت فلا تقعد (مع القوم الظالمين) يعني ~~المشركين. والذكرى اسم للتذكير. # الثانية - قيل: هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته، ذهبوا ~~إلى تبرئته عليه السلام من النسيان. وقيل: هو خاص به، والنسيان جائز عليه. ~~قال ابن العربي: # وإن عذرنا أصحابنا في (قولهم (1) إن) قول تعالى: " لئن أشركت ليحبطن عملك ~~" (2) خطاب للأمة باسم النبي صلى الله عليه وسلم لاستحالة الشرك عليه، فلا ~~عذر لهم في هذا لجواز النسيان عليه. قال عليه السلام، " نسي آدم فنسيت ~~ذريته " خرجه الترمذي وصححه. وقال مخبرا عن نفسه: " إنما أنا بشر مثلكم ~~أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني ". خرجه في الصحيح، فأضاف النسيان إليه. ~~وقال وقد سمع قراءة رجل: " لقد أذكرني أية كذا وكذا كنت أنسيتها ". # واختلفوا بعد جواز النسيان عليه، هل يكون فيما طريقه البلاغ من الأفعال ~~وأحكام الشرع أم لا.؟ # فذهب إلى الأول - فيما ذكره القاضي عياض - عامة العلماء والأئمة النظار، ~~كما هو ظاهر القرآن والأحاديث، لكن شرط الأئمة أن الله ms2421 تعالى ينبهه على ذلك ~~ولا يقره عليه. ثم اختلفوا هل من شرط التنبيه اتصال بالحادثة على الفور، ~~وهو مذهب القاضي أبي بكر والأكثر من العلماء، أو يجوز في ذلك التراخي ما لم ~~ينخر عمره وينقطع تبليغه، وإليه نحا أبو المعالي. ومنعت طائفة من العلماء ~~السهو عليه في الأفعال البلاغية والعبادات الشرعية، كما منعوه اتفاقا في ~~الأقوال البلاغية واعتذروا عن الظواهر الواردة في ذلك، وإليه مال الأستاذ ~~أبو إسحاق. وشذت الباطنية وطائفة من أرباب علم القلوب فقالوا: لا يجوز ~~النسيان عليه، وإنما ينسى قصدا ويتعمد صورة النسيان ليسن. ونحا إلى هذا ~~عظيم من أئمة التحقيق وهو أبو المظفر الإسفرايني في كتابه (الأوسط) وهو ~~منحى غير سديد، وجمع الضد مع الضد مستحيل بعيد. # قوله تعالى: وما على الذين يتقون من حسابهم من شئ ولكن ذكرى لعلهم يتقون ~~(69) # PageV07P014 # قال ابن عباس: لما نزل لا تقعدوا مع المشركين وهو المراد بقوله: " فأعرض ~~عنهم " قال المسلمون: لا يمكننا دخول المسجد والطواف، فنزلت هذه الآية. " ~~ولكن ذكرى " أي فإن قعدوا يعني المؤمنين فليذكروهم. (لعلهم يتقون) الله في ~~ترك ما هم فيه. ثم قيل: # نسخ هذا بقوله: " وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر ~~بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره " (1). وإنما ~~كانت الرخصة قبل الفتح وكان الوقت وقت تقية. وأشار بقول: " وقد نزل عليكم ~~في الكتاب " إلى قول: " وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا ". قال القشيري: ~~والأظهر أن الآية ليست منسوخة. والمعنى: ما عليكم شئ من حساب المشركين، ~~فعليكم بتذكيرهم وزجرهم فإن أبوا فحسابهم على الله. و " ذكرى " في موضع نصب ~~على المصدر، ويجوز أن تكون في موضع رفع، أي ولكن الذي يفعلونه ذكرى، أي ~~ولكن عليهم ذكرى. وقال الكسائي: المعنى ولكن هذه ذكرى. # قوله تعالى: وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهو وغرتهم الحياة الدنيا وذكر ~~به أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولى ولا شفيع وإن تعدل كل عدل ~~لا يؤخذ منها أولئك ms2422 الذين أبسلوا بما كسبوا لهم شراب من حميم وعذاب أليم ~~بما كانوا يكفرون (70) أي لا تعلق قلبك بهم فإنهم أهل تعنت إن كنت مأمورا ~~بوعظهم. قال قتادة: هذا منسوخ، نسخه " فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم " ~~(2). ومعنى " لعبا ولهوا " أي استهزاء بالدين الذي دعوتهم إليه. وقيل: ~~استهزءوا بالدين الذي هم عليه فلم يعملوا به. والاستهزاء ليس مسوغا في دين. ~~وقيل: " لعبا ولهوا " باطلا وفرحا، وقد تقدم (3) هذا. وجاء اللعب مقدما في ~~أربعة مواضع، وقد نظمت. # PageV07P015 # إذا أتى لعب ولهو (1) * وكم من موضع هو في القرآن فحرف في الحديد وفي ~~القتال * وفي الأنعام منها موضعان وقيل: المراد بالدين هنا العيد. قال ~~الكلبي: إن الله تعالى جعل لكل قوم عيدا يعظمونه ويصلون فيه لله تعالى، وكل ~~قوم اتخذوا عيدهم لعبا ولهوا إلا أمة محمد صلى الله عليه وسلم فإنهم اتخذوه ~~وصلاة وذكرا وحضورا بالصدقة، مثل الجمعة والفطر والنحر. # قوله تعالى: (وغرتهم الحياة الدنيا) أي لم يعلموا إلا ظاهرا من الحياة ~~الدنيا. # قوله تعالى: (وذكر به أي) بالقرآن أو بالحساب. (أن تبسل نفس بما كسبت) أي ~~ترتهن وتسلم للهلكة، عن مجاهد وقتادة والحسن وعكرمة والسدي. والإبسال: ~~تسليم المرء للهلاك، هذا هو المعروف في اللغة. أبسلت ولدي أرهنته، قال عوف ~~بن الأحوص بن جعفر: # وإبسالي بني بغير جرم * بعوناه ولا بدم مراق " بعوناه " بالعين المهملة ~~معناه جنيناه. والبعو الجناية. وكان حمل عن غني لبني قشير دم ابني السجيفة ~~(2) فقالوا: لا نرضى بك، فرهنهم بنيه طلبا للصلح. وأنشد النابغة (الجعدي) ~~(3): # ونحن رهنا بالأفاقة (4) عامرا * بما كان في الدرداء رهنا فأبسلا الدرداء: ~~كتيبة كانت لهم. (ليس لها من دون الله ولى (5) ولا شفيع (6) تقدم معناه. # قوله تعالى: (وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها) الآية. العدل الفدية، وقد ~~تقدم في " البقرة " (6). والحميم الماء الحار، وفي التنزيل " يصب من فوق ~~رؤوسهم الحميم (7) " الآية. " يطوفون # PageV07P016 # بينها وبين حميم آن " (1). والآية منسوخة بآية القتال. وقيل: ليست ~~بمنسوخة، لأن قوله: # " وذر الذين اتخذوا دينهم " تهديد، كقول: " ذرهم يأكلوا ويتمتعوا " (2) ~~ومعناه لا تحزن ms2423 عليهم، فإنما عليك التبليغ والتذكير بإبسال النفوس. فمن ~~أبسل فقد أسلم وارتهن. وقيل: # أصله التحريم، من قولهم: هذا بسل عليك أي حرام، فكأنهم حرموا الجنة وحرمت ~~عليهم الجنة. قال الشاعر (3): # أجارتكم بسل علينا محرم * وجارتنا حل لكم وحليلها والإبسال: التحريم. ~~والإبسال: التحريم. # قوله تعالى: قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على ~~أعقابنا بعد إذ هدنا الله كالذي استهوته الشيطان في الأرض حيران له - أصحب ~~يدعونه - إلى الهدى ائتنا قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب ~~العالمين (71) وأن أقيموا الصلاة والتقوه وهو الذي إليه تحشرون (72) وهو ~~الذي خلق السماوات والأرض بالحق ويوم يقول كن فيكون قوله الحق وله الملك ~~يوم ينفخ في الصور علم الغيب والشهدة وهو الحكيم الخبير (73) قوله تعالى: ~~(قل أندعوا من دون الله مالا ينفعها) أي ما لا ينفعنا إن دعونا. (4) (ولا ~~يضرنا) إن تركناه، يريد الأصنام. (ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله) أي ~~نرجع إلى الضلالة بعد الهدى. وواحد الأعقاب عقب وهو مؤنث، وتصغيره عقيبة. ~~يقال: رجع فلان على عقبيه، إذا أدبر. قال أبو عبيدة: يقال لمن رد عن حاجته ~~ولم يظفر بها: قد رد على عقبيه. وقال المبرد: معناه تعقب بالشر بعد الخير. ~~وأصله من العاقبة والعقبى وهما ما كان # PageV07P017 # تاليا للشئ واجبا أن يتبعه، ومنه " والعاقبة للمتقين " (1). ومنه عقب ~~الرجل. ومنه العقوبة، لأنها تالية للذنب، وعنه تكون. # قوله تعالى: (كالذي) الكاف في موضع نصب نعت لمصدر محذوف. (استهوته ~~الشيطان في الأرض حيران) أي استغوته وزينت له هواه ودعته إليه. يقال: هوى ~~يهوى إلى الشئ أسرع إليه. وقال الزجاج: هو من هوى يهوى، من هوى النفس، أي ~~زين له الشيطان هواه. وقراءة الجماعة " استهوته " أي هوت به، على تأنيث ~~الجماعة. وقرأ حمزة " استهواه الشياطين " على تذكير الجمع. وروي عن ابن ~~مسعود " استهواه الشيطان "، وروي عن الحسن، وهو كذلك في حرف أبي. ومعنى " ~~ائتنا " تابعنا. وفي قراءة عبد الله أيضا " يدعونه إلى الهدى بينا ". وعن ~~الحسن أيضا " استهوته الشياطون ms2424 ". " حيران " نصب على الحال، ولم ينصرف لأن ~~أنثاه حيرى كسكران وسكرى وغضبان وغضبى. # والحيران هو الذي لا يهتدي لجهة أمره. وقد حار يحار حيرا وحيرورة (2)، أي ~~تردد. # وبه سمي الماء المستنقع الذي لا منفذ له حائرا، والجمع حوران. والحائر ~~الموضع (الذي) (3) يتحير فيه الماء. قال الشاعر: # تخطو على برديتين غذاهما * غدق بساحة حائر يعبوب (4) قال ابن عباس: أي ~~مثل عابد الصنم مثل من دعاه الغول فيتبعه فيصبح وقد ألقته في مضلة ومهلكة، ~~فهو حائر في تلك المهامه. وقال في رواية أبي صالح: نزلت في عبد الرحمن بن ~~أبي بكر الصديق، كان يدعو أباه إلى الكفر وأبواه يدعوانه إلى الإسلام ~~والمسلمون، وهو معنى قوله: (له أصحاب يدعونه إلى الهدى) فيأبى. قال أبو ~~عمر: أمه أم رومان بنت الحارث بن غنم الكنانية، فهو شقيق عائشة. وشهد عبد ~~الرحمن بن أبي بكر بدرا وأحدا مع قومه وهو وكافر، ودعا إلى البراز فقام ~~إليه أبوه ليبارزه فذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV07P018 # قال (له) (1) " متعني بنفسك ". ثم أسلم وحسن إسلامه، وصحب النبي صلى الله ~~عليه وسلم في هدنة الحديبية. هذا قول أهل السير. قالوا: كان اسمه عبد ~~الكعبة فغير رسول الله صلى الله عليه وسلم اسمه عبد الرحمن، وكان أسن ولد ~~أبي بكر. قال: إنه لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم أربعة ولاء: أب وبنوه ~~إلا أبا قحافة وابنه أبا بكر وابنه عبد الرحمن بن أبي بكر وابنه أبا عتيق ~~محمد بن عبد الرحمن. والله أعلم. # قوله تعالى: (وأمرنا لنسلم لرب العالمين. وأن أقيموا الصلاة واتقوه) ~~اللام لام كي، أي أمرنا كي نسلم وبأن أقيموا الصلاة، لأن حروف الإضافة يعطف ~~بعضها على بعض. # قال الفراء: المعنى أمرنا بأن نسلم، لأن العرب تقول: أمرتك لتذهب، وبأن ~~تذهب بمعنى. قال النحاس: سمعت أبا الحسن بن كيسان يقول هي لام الخفض، ~~واللامات كلها ثلاث: لام خفض ولام أمر ولام توكيد، لا يخرج شئ عنها. ~~والإسلام الإخلاص. # وإقامة الصلاة الإتيان بها والدوام عليها. ويجوز أن ms2425 يكون " وأن أقيموا ~~الصلاة " عطفا على المعنى، أي يدعونه إلى الهدى ويدعونه أن أقيموا الصلاة، ~~لأن معنى ائتنا أن ائتنا. # قوله تعالى: (وهو الذي إليه تحشرون) ابتداء وخبر وكذا هو الذي خلق ~~السماوات والأرض) أي فهو الذي يجب أن يعبد لا الأصنام. ومعنى (بالحق) أي ~~بكلمة الحق. # يعني قوله " كن ". # قوله تعالى: (ويوم يقول كن فيكون) أي واذكر يوم يقول كن. أو اتقوا يوم ~~يقول كن. أو قدر يوم يقول كن. أو قدر يوم يقول كن. وقيل: هو عطف على الهاء ~~في قول: " واتقوه " قال الفراء: # " كن فيكون " يقال: إنه للصور خاصة، أي ويوم يقول للصور كن فيكون. وقيل: # المعنى فيكون جميع ما أراد من موت الناس وحياتهم. وعلى هذين التأويلين ~~يكون (قوله الحق) ابتداء وخبرا. وقيل: إن قول تعالى: " قوله " رفع بيكون، ~~أي فيكون ما يأمر به. # " الحق " من نعته. ويكون التمام على هذا " فيكون قول الحق ". وقرأ ابن ~~عامر # PageV07P019 # " فيكون " بالنصب، (1) وهو إشارة إلى سرعة الحساب والبعث. وقد تقدم في ~~البقرة القول فيه مستوفى. (2) قوله تعالى: (يوم ينفخ في الصور) أي وله ~~الملك يوم ينفخ في الصور. أو وله الحق يوم ينفخ في الصور. وقيل: هو بدل من ~~" يوم يقول ". والصور قرن من نور ينفخ فيه، النفخة الأولى للفناء والثانية ~~للإنشاء. وليس جمع صورة كما زعم بعضهم، أي ينفخ في صور الموتى على ما ~~نبينه. روى مسلم من حديث عبد الله بن عمرو ".... ثم ينفخ في الصور فلا ~~يسمعه أحد إلا أصغى (3) ليتا ورفع ليتا (4) - قال - وأول من يسمعه رجل يلوط ~~(5) حوض إبله قال ويصعق الناس ثم يرسل الله - أو قال ينزل الله - مطرا كأنه ~~الطل فتنبت منه أجساد الناس ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون " وذكر ~~الحديث. وكذا في التنزيل " ثم نفخ فيه أخرى " (6) ولم يقل فيها، فعلم أنه ~~ليس جمع الصورة. والأمم مجمعة على أن الذي ينفخ في الصور إسرافيل عليه ~~السلام. قال أبو الهيثم: من أنكر أن يكون الصور قرنا فهو كمن ينكر ms2426 العرش ~~والميزان والصراط، وطلب لها تأويلات. قال ابن فارس: الصور الذي في الحديث ~~كالقرن ينفخ فيه، والصور جمع صورة. وقال الجوهري: الصور القرن. # قال الراجز: # لقد نطحناهم غداة الجمعين * نطحا شديدا لا كنطح الصورتين ومنه قول: " ~~ويوم ينفخ في الصور (7) ". قال الكلبي: لا أدري ما هو الصور. ويقال: هو جمع ~~صورة مثل بسرة وبسر، أي ينفخ في صور الموتى والأرواح. وقرأ الحسن " يوم ~~ينفخ # PageV07P020 # في الصور ". والصور (بكسر الصاد) لغة في الصور (1) جمع صورة والجمع صوار، ~~وصيار (بالياء) لغة فيه. وقال عمرو بن عبيد: قرأ عياض " يوم ينفخ في الصور ~~" فهذا يعني به الخلق. والله أعلم. # قلت: وممن قال إن المراد بالصور في هذه الآية جمع صورة أبو عبيدة. وهذا ~~وإن كان محتملا فهو مردود بما ذكرناه من الكتاب والسنة. وأيضا لا ينفخ في ~~الصور للبعث مرتين، بل ينفخ فيه مرة واحدة، فإسرافيل عليه السلام ينفخ في ~~الصور الذي هو القرن والله عز وجل يحيى الصور. (وفي التنزيل " فنفخنا فيه ~~من روحنا (2) "). # قوله تعالى: عالم الغيب والشهادة برفع " عالم " صفة " الذي "، أي وهو ~~الذي خلق السماوات والأرض عالم الغيب. ويجوز أن يرتفع على إضمار المبتدأ. ~~وقد روي عن بعضهم أنه قرأ " ينفخ " فيجوز أن يكون الفاعل " عالم الغيب "، ~~لأنه إذا كان النفخ فيه بأمر الله عز وجل كان منسوبا إلى الله تعالى. ويجوز ~~أن يكون ارتفع (عالم) حملا على المعنى، كما أنشد سيبويه: # * لبيك (3) يزيد ضارع لخصومة * وقرأ الحسن والأعمش " عالم " بالخفض على ~~البدل من الهاء (التي) (4) في " له ". # قوله تعالى: وإذا قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أريك ~~وقومك في ضلل مبين (74) # PageV07P021 # قوله تعالى: (وإذا قال إبراهيم لأبيه آزر) تكلم العلماء في هذا، فقال أبو ~~بكر محمد بن محمد بن الحسن الجويني الشافعي الأشعري في النكت من التفسير ~~له: وليس بين الناس اختلاف، كأن اسم والد إبراهيم تارح (1). والذي في ~~القرآن يدل على أن اسمه آزر. وقيل: # آزر عندهم ذم في لغتهم، كأنه قال: وإذ قال لأبيه ms2427 يا مخطئ " أتتخذ أصناما ~~آلهة " وإذا كان كذلك فالاختيار الرفع. وقيل: آزر اسم صنم. وإذا كان كذلك ~~فموضعه نصب على إضمار الفعل، كأنه قال: وإذ قال إبراهيم لأبيه أتتخذ آزر ~~إلها، أتتخذ أصناما آلهة. # قلت: ما ادعاه من الاتفاق ليس عليه وفاق، فقد قال محمد بن إسحاق والكلبي ~~والضحاك: إن آزر أبو إبراهيم عليه السلام وهو تاريخ، مثل إسرائيل ويعقوب، ~~(قلت (2)) فيكون له اسمان كما تقدم. وقال مقاتل: آزر لقب، وتارخ اسم: وحكاه ~~الثعلبي عن ابن إسحاق القشيري. ويجوز أن يكون على العكس. قال الحسن: كان ~~اسم أبيه آزر. وقال سليمان التيمي: هو سب وعيب، ومعناه في كلامهم: المعوج. ~~وروى المعتمر بن سليمان عن أبيه قال: بلغني أنها أعوج، وهي أشد كلمة قالها ~~إبراهيم لأبيه. وقال الضحاك: معنى آزر الشيخ الهم (3) بالفارسية. وقال ~~الفراء: هي صفة ذم بلغتهم، كأن قال يا مخطئ، فيمن رفعه. # أو كأنه قال: وإذ قال إبراهيم لأبيه المخطئ، فيمن خفض. ولا ينصرف لأنه ~~على أفعل، قال النحاس. وقال الجوهري: آزر اسم أعجمي، وهو مشتق من آزو فلان ~~فلانا إذا عاونه، فهو مؤازر قومه على عبادة الأصنام وقيل: هو مشتق من ~~القوة، والآزر القوة، عن ابن فارس. وقال مجاهد ويمان: آزر اسم صنم. وهو في ~~هذا التأويل في موضع نصب، التقدير: أتتخذ آزر إلها، أتتخذ أصناما. وقيل: في ~~الكلام تقديم وتأخير، التقدير: # أتتخذ آزر أصناما. # قلت: فعلى هذا آزر اسم جنس. والله أعلم. وقال الثعلبي في كتاب العرائس: ~~إن اسم أبي إبراهيم الذي سماه به أبوه تارح، فلما صار مع النمروذ قيما على ~~خزانة آلهته سماه آزر (4). وقال مجاهد: إن آزر ليس باسم أبيه وإنما هو اسم ~~صنم. وهو إبراهيم بن تارح بن ناخور بن ساروع # PageV07P022 # ابن أوغو بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوج عليه السلام. ~~و " آزر " فيه قراءات: " أإزرا " بهمزتين، الأولى مفتوحة والثانية مكسورة، ~~عن ابن عباس. وعنه " أأزرا " بهمزتين مفتوحتين. وقرئ بالرفع، وروي ذلك عن ~~ابن عباس. وعلى ms2428 القراءتين الأوليين عنه " تتخذ " بغير همزة. قال المهدوي: ~~أإزرا؟ فقيل: إنه اسم صنم، فهو منصوب على تقدير أتتخذ إزرا، وكذلك أأزرا. ~~ويجوز أن يجعل أإزرا على أنه مشتق من الأزر وهو الظهر فيكون مفعولا من ~~أجله، كأنه قال: أللقوة تتخذ أصناما. ويجوز أن يكون إزر بمعنى وزر، أبدلت ~~الواو همزة. قال القشيري: ذكر في الاحتجاج على المشركين قصة إبراهيم ووده ~~على أبيه في عبادة الأصنام. وأولى الناس بأتباع إبراهيم العرب، فإنهم ~~ذريته. # أي وأذكر إذ قال إبراهيم. أو " وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت " وذكر إذ ~~قال إبراهيم. # وقرئ " آزر " أي يا آزر، على النداء المفرد، وهي قراءة أبي ويعقوب ~~وغيرهما. وهو يقوي قول من يقول: إن آزر اسم أب إبراهيم " أتتخذ أصناما آلهة ~~" مفعولان لتتخذ (1) وهو استفهام) فيه معنى الإنكار. # قوله تعالى: وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين ~~(75) قوله تعالى: (وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض) أي ملك، وزيدت ~~الواو والتاء للمبالغة في الصفة. ومثله الرغبوت والرهبوت والجبروت. وقرأ ~~أبو السمال (2) العدوي " ملكوت " بإسكان اللام. ولا يجوز عند سيبويه حذف ~~الفتحة لخفتها، ولعلها لغة. # و " نري " بمعنى أرينا، (فهو (3) بمعنى المضي. فقيل: أراد به ما في ~~السماوات من عبادة الملائكة والعجائب وما في الأرض من عصيان بني آدم، فكان ~~يدعو على من يراه يعصي فيهلكه الله، فأوحى الله إليه يا إبراهيم أمسك عن ~~عبادي، أما علمت أن من أسمائي الصبور. روى معناه علي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وقيل: كشف الله له عن السماوات والأرض حتى # PageV07P023 # العرش وأسفل الأرضين. وروى ابن جريج عن القاسم عن إبراهيم النخعي قال: ~~فرجت له السماوات السبع فنظر إليهن حتى انتهى إلى العرش، وفرجت له الأرضون ~~فنظر إليهن، ورأى مكانه في الجنة، فذلك قول: " وآتيناه أجره في الدنيا " ~~(1)، عن السدي.. وقال الضحاك: أراه ملكوت السماء ما قصه من الكواكب، ومن ~~ملكوت الأرض البحار والجبال والأشجار، ونحو ذلك مما استدل به. وقال بنحوه ~~ابن عباس. وقال: جعل حين ولد في ms2429 سرب (2) وجعل رزقه في أطراف أصابعه فكان ~~يمصها، وكان نمروذ اللعين رأى رؤيا فعبرت له أنه يذهب ملكه على يدي مولود ~~يولد، فأمر بعزل الرجال عن النساء. وقيل: # أمر بقتل كل مولود ذكر. وكان آزر من المقربين عند (الملك) (3) نمروذ ~~فأرسله يوما في بعض حوائجه فواقع امرأته فحملت بإبراهيم. وقيل: بل واقعها ~~في بيت الأصنام فحملت وخرت الأصنام على وجوهها حينئذ، فحملها إلى بعض ~~الشعاب حتى ولدت إبراهيم، وحفر لإبراهيم سربا في الأرض ووضع على بابه صخرة ~~لئلا تفترسه السباع، وكانت أمه تختلف إليه فترضعه، وكانت تجده يمص أصابعه، ~~من أحدها عسل ومن الآخر ماء ومن الآخر لبن، وشب فكان على سنة مثل ابن ثلاث ~~سنين. فلما أخرجه من السرب توهمه الناس أنه ولد منذ سنين، فقال لأمه: من ~~ربي؟ فقالت أنا. فقال: ومن ربك؟ قالت أبوك. قال: ومن ربه؟ # قالت نمروذ. قال: ومن ربه (4)؟ فلطمته، وعلمت أنه الذي يذهب ملكهم على ~~يديه. # والقصص في هذا تام في قصص الأنبياء للكسائي، وهو كتاب (5) مما يقتدى به. ~~وقال بعضهم: # كان مولده بحران ولكن أبوه نقله إلى أرض بابل. وقال عامة السلف من أهل ~~العلم: ولد إبراهيم في زمن النمروذ بن كنعان بن سنجاريب بن كوش بن سام بن ~~نوج. وقد مضى ذكره في " البقرة " (6). وكان بين الطوفان وبين مولد إبراهيم ~~ألف ومائتا سنة وثلاث وستون سنة، وذلك بعد خلق آدم بثلاث آلاف سنة ~~وثلاثمائة سنة وثلاثين سنة. # قوله تعالى: (وليكون من الموقنين) أي وليكون من الموقنين أريناه ذلك، أي ~~الملكوت. # PageV07P024 # قوله تعالى: فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربى فلما أفل قال لا ~~أحب الآفلين (76) قوله تعالى: (فلما جن عليه الليل) أي ستره بظلمته، ومنه ~~الجنة والجنة والجنة والجنين والمجن والجن كله بمعنى الستر. وجنان الليل ~~أدلهمامه وستره. قال الشاعر: (1) ولولا جنان الليل أدرك ركضنا * بذي الرمث ~~والأرطى (2) عياض بن ناشب ويقال: جنون الليل أيضا. ويقال: جنة الليل وأجنه ~~الليل لغتان. (رآى كوكبا) هذه قصة أخرى، غير قصة عرض ms2430 الملكوت عليه. فقيل: ~~رأى ذلك من شق الصخرة الموضوعة على رأس السرب. وقيل: لما أخرجه أبوه من ~~السرب وكان وقت غيبوبة الشمس فرأى الإبل والخيل والغنم فقال: لا بد لها من ~~رب. ورأى المشتري أو الزهرة ثم القمر ثم الشمس، وكان هذا في أخر الشهر. قال ~~محمد بن إسحاق: وكان ابن خمس عشرة سنة. # وقيل: ابن سبع سنين. وقيل: لما حاج نمروذا كان ابن سبع عشرة سنة. # قوله تعالى: (قال هذا ربى) اختلف في معناه على أقوال، فقيل: كان هذا منه ~~في مهلة النظر وحال الطفولية وقبل قيام الحجة، وفي تلك الحال لا يكون كفر ~~ولا إيمان. # فاستدل قائلو هذه المقالة بما روي عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: " ~~فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي " فعبده حتى غاب عنه، وكذلك ~~الشمس والقمر، فلما تم نظره قال: " إني برئ مما تشركون " واستدل بالأفول، ~~لأنه أظهر الآيات على الحدوث. وقال قوم: هذا لا يصح، وقالوا: غير جائز أن ~~يكون لله تعالى رسول يأتي عليه وقت من الأوقات إلا وهو لله تعالى موحد وبه ~~عارف، ومن كل معبود سواه برئ. قالوا: وكيف يصح أن يتوهم هذا على من عصمه ~~الله وآتاه رشده من قبل، وأراه ملكوته ليكون من الموقنين، ولا يجوز # PageV07P025 # أن يوصف بالخلو عن المعرفة، بل عرف الرب أول النظر. قال الزجاج: هذا ~~الجواب عندي خطأ وغلط ممن قال، وقد أخبر الله تعالى عن إبراهيم أنه قال: " ~~واجنبني وبني أن نعبد الأصنام (1) " وقال جل وعز: " إذ جاء ربه بقلب سليم ~~(2) " أي لم يشرك به قط. قال: والجواب عندي أنه قال " هذا ربي " على قولكم، ~~لأنهم كانوا يعبدون الأصنام والشمس والقمر، ونظير هذا قوله تعالى: " أين ~~شركائي (3) " وهو جل وعلا واحد لا شريك له. والمعنى: ابن شركائي على قولكم. ~~وقيل: لما خرج إبراهيم من السرب رأى ضوء الكوكب وهو طالب لربه، فظن أنه ~~ضوءه قال: " هذا ربي " أي بأنه يتراءى لي نوره. (فلما أفل) علم أنه ليس ms2431 ~~بربه. " فلما رأى القمر بازغا " ونظر إلى ضوئه " قال هذا ربي فلما أفل قال ~~لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين. فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ~~ربي " وليس هذا شركا. إنما نسب ذلك الضوء إلى ربه فلما رآه زائلا (4) دله ~~العلم على أنه غير مستحق لذلك، فنفاه بقلبه وعلم أنه مربوب وليس برب. وقيل: ~~إنما قال " هذا ربي " لتقرير الحجة على قومه فأظهر موافقتهم، فلما أفل ~~النجم قرر الحجة وقال: ما تغير لا يجوز أن يكون ربا. وكانوا يعظمون النجوم ~~ويعبدونها ويحكمون بها. وقال النحاس: ومن أحسن ما قيل في هذا ما صح عن ابن ~~عباس أنه قال في قول الله عز وجل: " نور على نور (5) " قال: كذلك قلب ~~المؤمن يعرف الله عز وجل ويستدل عليه بقلبه، فإذا عرفه أزداد نورا على نور، ~~وكذا إبراهيم عليه السلام عرف الله عز وجل بقلبه واستدل عليه بدلائله، فعلم ~~أن له ربا وخالقا. فلما عرفه الله عز وجل بنفسه ازداد معرفة فقال: " ~~أتحاجوني في الله وقد هدان " وقيل: هو على معنى الاستفهام والتوبيخ، منكرا ~~لفعلهم. والمعنى: أهذا ربي، أو مثل هذا يكون ربا؟ فحذف الهمزة. # وفي التنزيل " أفإن مت فهم الخالدون (6) " أي أفهم الخالدون. وقال الهذلي ~~(7): # رفوني وقالوا يا خويلد لا ترع * فقلت وأنكرت الوجوه هم هم # PageV07P026 # آخر (1): # لعمدك ما أدري وإن كنت داريا * بسبع رمين الجمر أم بثمان وقيل: المعنى ~~هذا ربي على زعمكم، كما قال تعالى: " أين شركائي الذين كنتم تزعمون (2) " ~~وقال: # " ذق إنك أنت العزيز الكريم (3) " أي عند نفسك. وقيل: المعنى أي وأنتم ~~تقولون هذا ربي، فأضمر القول، وإضماره في القرآن كثير. وقيل: المعنى في هذا ~~ربي، أي هذا دليل على ربي. # قوله تعالى: فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربى فلما أفل قال لئن لم يهدني ~~ربى لأكونن من القوم الضالين (77) قوله تعالى: (فلما رأى القمر بازغا) أي ~~طالعا. يقال: بزغ القمر إذا ابتدأ في الطلوع، والبزغ الشق، كأنه يشق بنوره ~~الظلمة، ومنه بزغ البيطار الدابة إذا ms2432 أسال دمها. (لئن لم يهدني ربى) أي لم ~~يثبتني على الهداية. وقد كان مقتديا فيكون جرى هذا في مهلة النظر، أو سأل ~~التثبيت لإمكان الجواز العقلي كما قال شعيب: # وما كان لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله (4). وفي التنزيل " اهدنا ~~الصراط المستقيم " أي ثبتنا على الهداية. وقد تقدم (5). # قوله تعالى: فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربى هذا أكبر فلما أفلت قال ~~يقوم إني برئ مما تشركون (78) قوله تعالى: (فلما رآى الشمس بازغة) نصب على ~~الحال، لأن هذا من رؤية العين. بزغ يبزغ إذا طلع. وأفل يأفل أفولا إذا غاب. ~~وقال: " هذا " والشمس مؤنثة، لقوله " فلما أفلت " فقيل: إن تأنيث الشمس ~~لتفخيمها وعظمها، فهو كقولهم: رجل نسابة وعلامة. وإنما قال: " هذا ربي " ~~على معنى: هذا الطالع ربي # PageV07P027 # قاله الكسائي والأخفش. وقال غيرهما: أي هذا الضوء. قال أبو الحسن علي بن ~~سليمان: # أي هذا الشخص، كما قال الأعشى: # قامت تبكيه على قبره * من لي من بعدك يا عامر تركتني في الدار ذا غربة * ~~قد ذل من ليس له ناصر (1) قوله تعالى: إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات ~~والأرض حنيفا وما أنا من المشركين (79) قوله تعالى: (إني وجهت وجهي) أي ~~قصدت بعبادتي وتوحيدي لله عز وجل وحده. وذكر الوجه لأنه أظهر ما يعرف به ~~(الإنسان) (2) صاحبه. " حنيفا " مائلا إلى الحق. (وما أنا من المشركين) اسم ~~" ما " وخبرها. وإذا وقفت قلت: " أنا " زدت الألف لبيان الحركة، وهي اللغة ~~الفصيحة. وقال الأخفش: ومن العرب من يقول: # " أن ". وقال الكسائي: ومن العرب من يقول: " أنه ". ثلاث لغات. وفي الوصل ~~أيضا ثلاث لغات: أن تحذف الألف في الإدراج، لأنها زائدة لبيان الحركة في ~~الوقف. # ومن العرب من يثبت الألف في الوصل، كما قال الشاعر: # * أنا سيف العشيرة فاعرفوني (3) * وهي لغة بعض بني قيس وربيعة، عن ~~الفراء. ومن العرب من يقول في الوصل: # أن فعلت، مثل عان فعلت، حكاه الكسائي عن بعض قضاعة. # قوله تعالى: وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ms2433 ما ~~تشركون به إلا أن يشاء ربى شيئا وسع ربى كل شئ علما أفلا تتذكرون (80) # PageV07P028 # قوله تعالى: (وحاجه قومه) دليل على الحجاج والجدال؟ حاجوه في توحيد الله. # (قال أتحاجوني في الله) قرأ نافع بتخفيف النون، وشدد النون الباقون. وفيه ~~عن ابن عامر من رواية هشام عنه خلاف، فمن شدد قال: الأصل فيه نونان، الأولى ~~علامة الرفع والثانية فاصلة بين الفعل والياء، فلما اجتمع مثلان في فعل ~~وذلك ثقيل أدغم النون في الأخرى فوقع التشديد ولا بد من مد الواو لئلا ~~يلتقي الساكنان، الواو وأول المشدد، فصارت المدة فاصلة بين الساكنين. ومن ~~خفف حذف النون الثانية استخفافا لاجتماع المثلين، ولم تحذف الأولى لأنها ~~علامة الرفع، فلو حذفت لاشتبه المرفوع بالمجزوم والمنصوب. وحكي عن أبي عمرو ~~ابن العلاء أن هذه القراءة لحن. وأجاز سيبويه ذلك فقال: استثقلوا التضعيف. ~~وأنشد: # تراه كالثغام يعل مسكا * يسوء الفاليات إذا فليني (1) قوله تعالى: (ولا ~~أخاف ما تشركون به) أي لأنه لا ينفع ولا يضر - وكانوا خوفوه بكثرة آلهتهم - ~~إلا أن يحييه (الله) (2) ويقدره فيخاف ضرره حينئذ، وهو معنى قوله: # (إلا أن يشاء ربى شيئا) أي إلا أن يشاء أن يلحقني شئ من المكروه بذنب ~~عملته فتتم مشيئته. وهذا استثناء ليس من الأول. والهاء في " به " يحتمل أن ~~تكون لله عز وجل، ويجوز أن تكون للمعبود. وقال: " إلا أن يشاء ربي " يعني ~~أن الله تعالى لا يشاء أن أخافهم. ثم قال: (وسع ربى كل شئ علما) أي وسع ~~علمه كل شئ. وقد تقدم (3). قوله تعالى: وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون ~~أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطنا فأي الفريقين أحق بالأمن إن ~~كنتم تعلمون (81) الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم ~~مهتدون (82) # PageV07P029 # قوله تعالى: (وكيف أخاف ما أشركتم) ففي " كيف " معنى الإنكار، أنكر عليهم ~~تخويفهم إياه بالأصنام وهم لا يخافون الله عز وجل، أي كيف أخاف مواتا وأنتم ~~لا تخافون الله القادر على كل شئ (ما لم ينزل به عليكم سلطانا) ms2434 أي حجة، وقد ~~تقدم (1). (فأي الفريقين أحق بالأمن) أي من عذاب الله: الموحد أم المشرك، ~~فقال الله قاضيا بينهم: (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم) أي بشرك، ~~قال أبو بكر الصديق وعلي وسلمان وحذيفة، رضي الله عنهم. وقال ابن عباس: هو ~~من قوم إبراهيم، كما يسأل العالم ويجيب نفسه. # وقيل: هو من قول (قوم) (2) إبراهيم، أي أجابوا بما وهو حجة عليهم، قاله ~~ابن جريج. # وفي الصحيحين عن ابن مسعود لما نزلت " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم ~~بظلم " شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: أينا لم ~~يظلم نفسه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس هو كما تظنون إنما هو ~~كما قال لقمان لابنه " يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم (3). (وهم ~~مهتدون) أي في الدنيا. # قوله تعالى: وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجت من نشاء إن ~~ربك حكيم عليم (83) قوله تعالى: (وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم) (تلك) (4) ~~إشارة إلى جميع احتجاجاته حتى خاصمهم وغلبهم بالحجة. وقال مجاهد: هي قول: " ~~الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ". # وقيل: حجته عليهم أنهم لما قالوا له: أما تخاف (5) أن تخبلك آلهتنا لسبك ~~إياها؟ قال لهم: # أفلا تخافون أنتم منها إذ سويتم بين الصغير والكبير في العبادة والتعظيم، ~~فيغضب الكبير فيخبلكم؟. (نرفع درجات من نشاء) أي بالعلم والفهم والإمامة ~~والملك. وقرأ الكوفيون " درجات " بالتنوين. ومثله في " يوسف (6) " أوقعوا ~~الفعل على " من " لأنه المرفوع في الحقيقة، التقدير: ونرفع من نشاء إلى ~~درجات. ثم حذفت إلى. وقرأ أهل الحرمين وأبو عمرو بغير تنوين على الإضافة، ~~والفعل واقع على الدرجات، إذا رفعت فقد رفع # PageV07P030 # صاحبها. يقوي هذه القراءة قوله تعالى: " رفيع الدرجات (1) " وقول عليه ~~السلام: " اللهم أرفع درجته ". فأضاف الرفع إلى الدرجات. وهو لا إله إلا هو ~~الرفيع المتعالي في شرفه وفضله. فالقراءتان متقاربتان، لأن من رفعت درجاته ~~فقد رفع، ومن رفع فقد رفعت درجاته، فأعلم. (إن ربك حكيم عليم) يضع كل شئ ~~موضعه. قوله تعالى: ووهبنا له إسحاق ms2435 ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ~~ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهرون وكذلك نجزى المحسنين (84) ~~وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين (85) وإسماعيل واليسع ويونس ~~ولوطا وكلا فضلنا على العالمين (86) فيه ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (ووهبنا له إسحاق ويعقوب) أي جزاءا له على الاحتجاج ~~في الدين وبذل النفس فيه. (كلا هدينا) أي كل واحد منهم مهتد. و " كلا " نصب ~~ب‍ " هدينا " (ونوحا) نصب ب‍ " هدينا " الثاني. (ومن ذريته) أي ذرية ~~إبراهيم. # وقيل: من ذرية نوح، قاله الفراء وأختاره الطبري وغير واحد من المفسرين ~~كالقشيري وابن عطية وغيرهما. والأول قاله الزجاج، واعترض بأنه عد من (هذه ~~(2)) الذرية يونس ولوط وما كانا من ذرية إبراهيم. وكان لوط ابن أخيه. وقيل: ~~ابن أخته. وقال ابن عباس: هؤلاء الأنبياء جميعا مضافون إلى ذرية إبراهيم، ~~وإن كان فيهم من لم تلحقه ولادة من جهته من جهة أب ولا أم، لأن لوطا ابن ~~أخي إبراهيم. والعرب تجعل العم أبا كما أخبر الله عن ولد يعقوب أنهم قالوا ~~" نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق (3) ". # وإسماعيل عم يعقوب. وعد عيسى من ذرية إبراهيم وإنما هو ابن البنت. فأولاد ~~فاطمة رضي الله عنها ذرية النبي صلى الله عليه وسلم. وبهذا تمسك من رأى أن ~~ولد البنات يدخلون في اسم الولد وهي: # PageV07P031 # الثانية - قال أبو حنيفة والشافعي: من وقف وقفا على ولده وولد ولده أنه ~~يدخل فيه ولد ولده وولد بناته ما تناسلوا. وكذلك إذا أوصى لقرابته يدخل فيه ~~ولد البنات. # والقرابة عند أبي حنيفة كل ذي رحم محرم. ويسقط عنده ابن العم والعمة وابن ~~الخال والخالة، لأنهم ليسوا بمحرمين. وقال الشافعي: القرابة كل ذي رحم محرم ~~وغيره. فلم يسقط عنده ابن العم (1) ولا غيره. وقال مالك: لا يدخل في ذلك ~~ولد البنات. وقول: لقرابتي وعقبي كقول: لولدي وولد ولدي. يدخل في ذلك ولد ~~البنين ومن يرجع إلى عصبة الأب وصلبه، ولا يدخل في ذلك ولد البنات. وقد ~~تقدم نحو هذا عن الشافعي في " آل ms2436 عمران (2) ". # والحجة لهما قول سبحانه: " يوصيكم الله (3) في أولادكم " فلم يعقل ~~المسلمون من ظاهر الآية إلا ولد الصلب وولد الابن خاصة. وقال تعالى: " ~~وللرسول ولذي (4) القربى " فأعطى عليه السلام القرابة منهم من أعمامه دون ~~بني أخواله. فكذلك ولد البنات لا ينتمون إليه بالنسب، ولا يلتقون معه في ~~أب. قال ابن القصار: وحجة من أدخل البنات في الأقارب قوله عليه السلام ~~للحسن بن علي " إن ابني هذا سيد ". ولا نعلم أحدا يمتنع أن يقول في ولد ~~البنات إنهم ولد لأبي أمهم. والمعنى يقتضي ذلك، لأن الولد مشتق من التولد ~~وهم متولدون عن أبي أمهم لا محالة، والتولد من جهة الأم كالتولد من جهة ~~الأب. وقد دل القرآن على ذلك، قال الله تعالى: (ومن ذريته داود وسليمان) ~~إلى قول (من الصالحين) فجعل عيسى من ذريته وهو ابن ابنته. # الثالثة - قد تقدم في النساء (3) بيان ما لا ينصرف من هذه الأسماء. ولم ~~ينصرف داود لأنه اسم أعجمي، ولما كان على فاعول لا يحسن فيه الألف واللام ~~لم ينصرف. وإلياس أعجمي. قال الضحاك: كان إلياس من ولد إسماعيل. وذكر ~~القتبي قال: كان من سبط يوشع بن نون. وقرأ الأعرج والحسن وقتادة " والياس " ~~بوصل الألف. وقرأ أهل الحرمين وأبو عمرو وعاصم " واليسع " بلام مخففة. وقرأ ~~الكوفيون إلا عاصما " والليسع ". # PageV07P032 # وكذا قرأ الكسائي، ورد قراءة من قرأ " واليسع " قال: لأنه لا يقال اليفعل ~~مثل اليحيى. # قال النحاس: وهذا الرد لا يلزم، والعرب تقول: اليعمل واليحمد، ولو نكرت ~~يحيى لقلت اليحيى. ورد أبو حاتم على من قرأ " الليسع " وقال: لا يوجد ليسع. ~~وقال النحاس: # وهذا الرد لا يلزم، فقد جاء في كلام العرب حيدر وزينب، والحق في هذا أنه ~~اسم أعجمي، والعجمة لا تؤخذ بالقياس إنما تؤخذ سماعا والعرب تغيرها كثيرا، ~~فلا ينكر أن يأتي الاسم بلغتين. قال مكي: من قرأ بلامين فأصل الاسم ليسع، ~~ثم دخلت الألف واللام للتعريف. # ولو كان أصله يسع ما دخلته الألف واللام، إذ لا يدخلان على يزيد ويشكر: ~~اسمين لرجلين، لأنهما ms2437 معرفتان علمان. فأما " ليسع " نكرة فتدخله الألف ~~واللام للتعريف، والقراءة بلام واحدة أحب إلي، لأن أكثر القراء عليه. وقال ~~المهدوي: من قرأ " اليسع " بلام واحدة فالاسم يسع، ودخلت الألف واللام ~~زائدتين، كزيادتهما في نحو الخمسة عشر، وفي نحو قوله: وجدنا اليزيد بن ~~الوليد مباركا * شديدا بأعباء الخلافة كأهله (1) وقد زادوها في الفعل ~~المضارع نحو قوله: فيستخرج اليربوع من نافقائه * ومن بيته بالشيخة اليتقصع ~~(2) يريد الذي يتقصع. قال القشيري: قرئ بتخفيف اللام والتشديد. والمعنى ~~واحد في أنه اسم لنبي معروف، مثل إسماعيل وإبراهيم، ولكن خرج عما عليه ~~الأسماء الأعجمية بإدخال الألف واللام. وتوهم قوم أن اليسع (هو) (3) إلياس، ~~وليس كذلك، لأن الله تعالى أفرد كل واحد بالذكر. وقال وهب: اليسع (هو) (3) ~~صاحب إلياس، وكانا قبل زكريا ويحيى وعيسى. وقيل: # إلياس هو إدريس (وهذا غير صحيح لأن إدريس (4)) جد نوج وإلياس من ذريته ~~(5). وقيل: إلياس هو الخضر. وقيل: لا، بل اليسع هو الخضر " ولوطا " (اسم) ~~(6) أعجمي انصرف لخفته. # وسيأتي اشتقاقه في " الأعراف (7). # PageV07P033 # قوله تعالى: ومن آبائهم وذريتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط ~~مستقيم (87) قوله تعالى: (ومن ابائهم وذرياتهم) " من " للتبعيض، أي هدينا ~~بعض آبائهم وذرياتهم وإخوانهم. واجتبيناهم قال مجاهد: خلصناهم، وهو عند أهل ~~اللغة بمعنى اخترناهم، مشتق من جبيت الماء في الحوض أي جمعته. فالاجتباء ضم ~~الذي تجتبيه إلى خاصتك. # قال الكسائي: وجبيت الماء في الحوض جبا، مقصور. والجابية الحوض. قال: # * كجابية الشيخ العراقي * تفهق (1) وقد تقدم معنى الاصطفاء والهداية (2). ~~قوله تعالى: ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ~~ما كانوا يعلمون (88) قوله تعالى: (ذلك هدى الله يهدى به من يشاء من عباده ~~ولو أشركوا) أي لو عبدوا غيري لحبطت أعمالهم، ولكني عصمتهم. والحبوط ~~البطلان. وقد تقدم في البقرة (3). # قوله تعالى: أولئك الذين آتيناهم الكتب والحكم والنبوة فإن يكفر بها ~~هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين (89) قوله تعالى: (أولئك الذين ~~اتيناهم الكتاب والحكم والنبوة) ابتداء وخبر " والحكم " العلم والفقه. (فإن ~~يكفر بها) أي بآياتنا. ms2438 هؤلاء أي كفار عصرك يا محمد. # (فقد وكلنا بها) جواب الشرط، أي وكلنا بالإيمان بها (قوما ليسوا بها ~~بكافرين) يريد # PageV07P034 # الأنصار من أهل المدينة والمهاجرين من أهل مكة. وقال قتادة: يعنى النبيين ~~الذين قص الله عز وجل. قال النحاس: وهذا القول أشبه بالمعنى، لأنه قال بعد: ~~" أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ". وقال أبو رجاء: هم الملائكة. ~~وقيل: هو عام في كل مؤمن من الجن والإنس والملائكة. والباء في " بكافرين " ~~زائدة (على جهة (1)) التأكيد. # قوله تعالى: أولئك الذين هدى الله فبهديهم اقتده قل لا أسئلكم عليه أجرا ~~إن هو إلا ذكرى للعالمين (90) قوله تعالى: (أولئك الذين هدى الله فبهداهم ~~اقتده) فيه مسألتان: # الأولى قوله تعالى: (فبهداهم اقتده) الاقتداء طلب موافقة الغير في فعله. ~~فقيل: # المعنى أصبر كما صبروا. وفيل: معنى " فبهداهم اقتده " التوحيد والشرائع ~~مختلفة. وقد احتج بعض العلماء بهذه الآية على وجوب أتباع شرائع الأنبياء ~~فيما عدم فيه النص، كما في صحيح مسلم وغيره: أن أخت الربيع (2) أم حارثة ~~جرحت إنسانا فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى ~~الله وعليه وسلم: " القصاص القصاص " فقالت أم الربيع: يا رسول الله أيقتص ~~من فلانة؟! والله لا يقتص منها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~سبحان الله يا أم الربيع القصاص كتاب الله). قالت: والله لا يقتص منها ~~أبدا. قال: فما زالت (3) حتى قبلوا الدية. فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: (إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره). فأحال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على قول: " وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس (4) " الآية. ~~وليس في كتاب الله تعالى نص على القصاص في السن إلا في هذه الآية، وهي خبر ~~عن شرع التوراة ومع ذلك فحكم بها وأحال عليها. وإلى هذا ذهب معظم أصحاب ~~مالك وأصحاب الشافعي، وأنه يجب العمل بما وجد منها. قال ابن بكير: وهو الذي ~~تقتضيه أصول مالك # PageV07P035 # وخالف في ذلك كثير من أصحاب مالك وأصحاب الشافعي والمعتزلة، لقول تعالى: ms2439 ~~" لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا (1) ". وهذا لا حجة فيه، لأنه يحتمل ~~التقييد: إلا فيما قص عليكم من الأخبار عنهم مما لم يأت من كتابكم. وفي ~~صحيح البخاري عن العوام قال: سألت مجاهدا عن سجدة " ص " فقال: سألت ابن ~~عباس عن سجدة " ص " فقال: أو تقرأ " ومن ذريته داود وسليمان " إلى قوله " ~~أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده "؟ وكان داود عليه السلام ممن أمر ~~نبيكم صلى الله عليه وسلم بالاقتداء به. # الثانية - قرأ حمزة والكسائي " اقتد قل " بغير هاء في الوصل. وقرأ ابن ~~عامر " اقتد هي قل ". قال النحاس: وهذا لحن، لأن الهاء لبيان الحركة في ~~الوقف وليست بهاء إضمار ولا بعدها واو ولا ياء، وكذلك أيضا لا يجوز " ~~فبهداهم اقتد قل ". ومن اجتنب اللحن وأتبع السواد قرأ " فبهداهم اقتده " ~~فوقف ولم يصل، لأنه إن وصل بالهاء لحن وإن حذفها خالف السواد. وقرأ الجمهور ~~بالهاء في الوصل على نية الوقف وعلى نية الإدراج أتباعا لثباتها في الخط. ~~وقرأ ابن عياش وهشام " اقتده قل " بكسر الهاء، وهو غلط لا يجوز في العربية. # قوله تعالى: (قل لا أسألكم عليه أجرا) أي جعلا على القرآن. (إن هو) أي ~~القرآن. # (إلا ذكرى للعالمين) أي هو موعظة للخلق. وأضاف الهداية إليهم فقال: " ~~فبهداهم اقتده " لوقوع الهداية بهم. وقال: " ذلك هدى الله " لأنه الخالق ~~للهداية. # قوله تعالى: وما قدروا الله حق قدره إذا قالوا ما أنزل الله على بشر من ~~شئ قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس ~~تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم ~~في خوضهم يلعبون (91). # PageV07P036 # قوله تعالى: (وما قدروا الله حق قدره) أي فيما وجب له واستحال عليه وجاز. # قال ابن عباس: ما آمنوا أنه على كل شئ قدير. وقال الحسن: ما عظموه حق ~~عظمته. # وهذا يكون من قولهم: لفلان قدر. وشرح هذا أنهم لما قالوا: " ما أنزل الله ~~على بشر من شئ " نسبوا الله عز وجل إلى أنه لا يقيم ms2440 الحجة على عباده، ولا ~~يأمرهم بما لهم فيه الصلاح، فلم يعظموه حق عظمته ولا عرفوه حق معرفته. وقال ~~أبو عبيدة: أي ما عرفوا الله حق معرفته. قال النحاس: وهذا معنى حسن، لأن ~~معنى قدرت الشئ وقدرته عرفت مقداره. # ويدل عليه قول تعالى: " إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شئ " أي لم ~~يعرفوه حق معرفته، إذ أنكروا أن يرسل رسولا. والمعنيان متقاربان. وقد قيل: ~~وما قدروا نعم الله حق تقديرها. وقرأ أبو حياة " وما قدروا الله حق قدره " ~~بفتح الدال، وهي لغة. # (إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شئ) قال ابن عباس وغيره: يعني مشركي ~~قريش. # وقال الحسن وسعيد بن جبير: الذي قاله أحد اليهود، قال: لم ينز الله كتابا ~~من السماء. # قال السدي: اسمه فنحاص. وعن سعيد بن جبير أيضا قال: هو مالك بن الصيف ~~(1)، جاء يخاصم النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه ~~وسلم: (أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى أما تجد في التوراة أن الله يبغض ~~الحبر السمين)؟ وكان حبرا سمينا. فغضب وقال: والله ما أنزل الله على بشر من ~~شئ. فقال له أصحابه الذين معه: ويحك! ولا على موسى؟ فقال والله ما أنزل ~~الله على بشر من شئ، فنزلت الآية. ثم قال نقضا لقولهم وردا عليهم: " قل من ~~أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس يجعلونه قراطيس - أي في ~~قراطيس - يبدونها ويخفون كثيرا " هذا لليهود الذين أخفوا صفة النبي صلى ~~الله عليه وسلم وغيرها من الأحكام. وقال مجاهد: قوله تعالى (2) " قل من ~~أنزل الكتاب الذي جاء به موسى " خطاب للمشركين، وقوله " يجعلونه قراطيس " ~~لليهود (وقوله (2)) (وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم) للمسلمين. وهذا ~~يصح على قراءة من قرأ " يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون " بالياء والوجه على ~~قراءة التاء أن يكون كله لليهود، ويكون معنى " وعلمتم ما لم تعلموا # PageV07P037 # أي وعلمتم ما لم تكونوا تعلمونه أنتم ولا آباؤكم، على وجه المن عليهم ~~بإنزال التوراة. وجعلت التوراة صحفا فلذلك ms2441 قال " قراطيس تبدونها " أي تبدون ~~(1) القراطيس. وهذا ذم لهم، ولذلك كره العلماء كتب القرآن أجزاء. (قل الله) ~~أي قل يا محمد الله (الذي (2)) أنزل ذلك الكتاب على موسى وهذا الكتاب علي. ~~أو قل الله علمكم الكتاب. (ثم ذرهم في خوضهم يلعبون) أي لاعبين، ولو كان ~~جوابا للأمر لقال يلعبوا. ومعنى الكلام التهديد. وقيل: # هو من المنسوخ بالقتال، ثم قيل: " يجعلونه " في موضع الصفة لقوله " نورا ~~هدى " فيكون في الصلة. ويحتمل أن يكون مستأنفا، والتقدير: يجعلونه ذا ~~قراطيس. وقوله: # " يبدونها ويخفون كثيرا " يحتمل أن يكون صفة لقراطيس، لأن النكرة توصف ~~بالجمل. # ويحتمل أن يكون مستأنفا حسبما تقدم. # قوله تعالى: وهذا كتب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ~~ومن حولها والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون (92) ~~قوله تعالى: (وهذا كتاب) يعني القرآن (أنزلناه) صفة (مبارك) أي بورك فيه، ~~والبركة الزيادة. ويجوز نصبه في غير القرآن على الحال. كذا (مصدق الذي بين ~~يديه) أي من الكتب المنزلة قبله، فإنه يوافقها في نفي الشرك وإثبات ~~التوحيد. (ولتنذر أم القرى) يريد المكة - وقد تقدم معنى تسميتها بذلك (3) - ~~والمراد أهلها، فحذف المضاف، أي أنزلناه للبركة والإنذار. " ومن حولها " ~~يعني جميع الآفاق. (والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به) يريد أتباع محمد صلى ~~الله عليه وسلم، بدليل قوله: (وهم على صلاتهم يحافظون) إيمان من آمن ~~بالآخرة ولم يؤمن بالنبي عليه السلام ولا بكتابه غير معتد به. # PageV07P038 # قوله تعالى: ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحى إلى ولم يوح ~~إليه شئ ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ولو ترى إذ الظالمون في غمرت الموت ~~والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم ~~تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون (93) قوله تعالى: (ومن ~~أظلم) ابتداء وخبر، أي لا أحد أظلم. (ممن افترى) أي اختلق. # (على الله كذبا أو قال أوحى إلى) فزعم أنه نبي (ولم يوح إليه شئ) نزلت في ~~رحمان اليمامة والأسود العنسي وسجاح زوج ms2442 مسيلمة، كلهم تنبأ وزعم أن الله قد ~~أوحى إليه. # قال قتادة: بلغنا أن الله أنزل هذا في مسيلمة، وقال ابن عباس. # قلت: ومن هذا النمط من أعرض عن الفقه والسنن وما كان عليه السلف من السنن ~~فيقول: وقع في خاطري كذا، أو أخبرني قلبي بكذا، فيحكمون بما يقع في قلوبهم ~~ويغلب عليهم من خواطرهم، ويزعمون أن ذلك لصفائها من الأكدار وخلوها من ~~الأغيار، فتتجلى لهم العلوم الإلهية والحقائق الربانية، فيقفون على أسرار ~~الكليات ويعلمون أحكام الجزئيات فيستغنون بها عن أحكام الشرائع الكليات، ~~ويقولون: هذه الأحكام الشرعية العامة، إنما يحكم بها على الأغبياء والعامة، ~~وأما الأولياء وأهل الخصوص، فلا يحتاجون لتلك النصوص. # وقد جاء فيما ينقلون: استفت قلبك وإن أفتاك المفتون (1)، ويستدلون على ~~هذا بالخضر، وأنه استغنى بما تجلى له من تلك العلوم، عما كان عند موسى من ~~تلك الفهوم. وهذا القول زندقة وكفر، يقتل قائله ولا يستتاب، ولا يحتاج معه ~~إلى سؤال ولا جواب، فإنه يلزم منه هد الأحكام وإثبات أنبياء بعد نبينا صلى ~~الله عليه وسلم. وسيأتي لهذا المعنى في " الكهف (2) " مزيد بيان إن شاء ~~الله تعالى. # PageV07P039 # قوله تعالى: (ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله) " من " في موضع خفض، أي ~~ومن أظلم ممن قال سأنزل، والمراد عبد الله بن أبي سرح الذي كان يكتب الوحي ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ارتد ولحق بالمشركين. وسبب ذلك فيما ذكر ~~المفسرون أنه لما نزلت الآية التي في " المؤمنون ": " ولقد خلقنا الإنسان ~~من سلالة من طين (1) " دعاه النبي صلى الله عليه وسلم فأملاها عليه، فلما ~~انتهى إلى قوله " ثم أنشأنا خلقا آخر " عجب عبد الله في تفصيل خلق الإنسان ~~فقال: " تبارك الله أحسن الخالقين ". فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # (وهكذا أنزلت على) فشك عبد الله حينئذ وقال: لئن كان محمد صادقا لقد أوحي ~~إلى كما أوحى إليه ولئن كان كاذبا لقد قلت كما قال. فارتد عن الإسلام ولحق ~~بالمشركين، فذلك قوله: " ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ms2443 " رواه الكلبي عن ~~ابن عباس. وذكره محمد بن إسحاق قال حدثني شرحبيل قال: نزلت في عبد الله بن ~~سعد بن أبي سرح " ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله " ارتد عن الإسلام، فلما ~~دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة أمر بقتله وقتل عبد الله بن خطل ~~ومقيس بن صبابة ولو وجدوا تحت أستار الكعبة، ففر عبد الله بن أبي سرح إلى ~~عثمان رضي الله عنه، وكان أخاه من الرضاعة، أرضعت أمه عثمان، فغيبه عثمان ~~حتى أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما اطمأن أهل مكة فاستأمنه ~~له، فصمت رسول الله صلى الله عليه وسلم طويلا ثم قال: (نعم). فلما انصرف ~~عثمان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما صمت إلا ليقوم إليه بعضكم ~~فيضرب عنقه). فقال رجل من الأنصار: فهلا أومأت إلي يا رسول الله؟ فقال: (إن ~~النبي لا ينبغي أن تكون له خائنة الأعين (2). قال أبو عمر: # وأسلم عبد الله بن سعد بن أبي سرح أيام الفتح فحسن إسلامه، ولم يظهر منه ~~ما ينكر عليه بعد ذلك. وهو أحد النجباء العقلاء الكرماء من قريش، وفارس بني ~~عامر بن لؤي المعدود فيهم، ثم ولاه عثمان بعد ذلك مصر سنة خمس وعشرين. وفتح ~~على يديه إفريقية سنة سبع وعشرين، وغزا منها الأساود من أرض النوبة سنة ~~إحدى وثلاثين، وهو هادنهم الهدنة الباقية إلى اليوم. # PageV07P040 # وغزا الصواري (1) من أرض الروم سنة أربع وثلاثين، فلما رجع من وفاداته ~~منعه ابن أبي حذيفة من دخول الفسطاط، فمضى إلى عسقلان، فأقام فيها حتى قتل ~~عثمان رضي الله عنه. وقيل: # بل أقام بالرملة حتى مات فارا من الفتنة. ودعا ربه فقال: اللهم أجعل ~~خاتمة عملي صلاة الصبح، فتوضأ ثم صلى فقرأ في الركعة الأولى بأم القرآن ~~والعاديات (2)، وفي الثانية بأم القرآن وسورة، ثم سلم عن يمينه، ثم ذهب ~~يسلم عن يساره فقبض الله روحه. ذكر ذلك كله يزيد بن أبي حبيب وغيره. ولم ~~يبايع لعلي ولا لمعاوية (رضي الله عنهما) ms2444 (3). وكانت وفاته قبل اجتماع ~~الناس على معاوية. وقيل: إنه توفي بإفريقية. والصحيح أنه توفي بعسقلان سنة ~~ست أو سبع وثلاثين. وقيل: سنة ست وثلاثين. وروى حفص بن عمر عن الحكم بن ~~أبان عن عكرمة أن هذه الآية نزلت في النضر بن الحارث، لأنه عارض القرآن ~~فقال: # والطاحنات طحنا. والعاجنات عجنا. فالخابزات خبزا. فاللاقمات لقما. # قوله تعالى: (ولو ترى إذا الظالمون في غمرات الموت) أي شدائده وسكراته. # والغمرة الشدة، وأصلها الشئ الذي يغمر الأشياء فيغطيها. ومنه غمره (4) ~~الماء. ثم وضعت في معنى الشدائد والمكاره. ومنه غمرات الحرب. قال الجوهري: ~~والغمرة الشدة، والجمع غمر مثل نوبة ونوب. قال القطامي يصف سفينة نوح عليه ~~السلام: # * وحان لتالك الغمر انحسار * وغمرات الموت شدائده (والملائكة باسطوا ~~أيديهم) ابتداء وخبر. والأصل باسطون. # قيل: بالعذاب ومطارق الحديد، عن الحسن والضحاك. وقيل: لقبض أرواحهم، وفي ~~التنزيل: " ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ~~(5) " # PageV07P041 # فجمعت هذه الآية القولين. يقال: بسط إليه يده بالمكروه. (أخرجوا أنفسكم) ~~أي خلصوها من العذاب إن أمكنكم، وهو توبيخ. وقيل: أخرجوها كرها، لأن روح ~~المؤمن تنشط للخروج للقاء ربه، وروح الكافر تنتزع انتزاعا شديدا، ويقال: ~~أيتها النفس الخبيثة أخرجي ساخطة مسخوطا عليك إلى عذاب الله وهو أن، كذا ~~جاء في حديث أبي هريرة وغيره. وقد أتينا عليه في كتاب " التذكرة " والحمد ~~لله. وقيل: هو بمنزلة قول القائل لمن يعذبه: # لأذيقنك العذاب ولأخرجن نفسك، وذلك لأنهم لا يخرجون أنفسهم بل يقبضها ملك ~~الموت وأعوانه. وقيل: يقال هذا للكفار وهم في النار. والجواب محذوف لعظم ~~الأمر، أي ولو رأيت الظالمين في هذه الحال لرأيت عذابا عظيما. والهون ~~والهوان سواء. # و (تستكبرون) أي تتعظمون وتأنفون عن قبول آياته. # قوله تعالى: ولقد جئتمونا فردي كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم ~~وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع ~~بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون (94) قوله تعالى: (ولقد جئتمونا فرادى) هذه ~~عبارة عن الحشر و " فرادى " في موضع نصب على الحال، ms2445 ولم ينصرف لأن فيه ألف ~~تأنيث. وقرأ أبو حياة " فرادا " بالتنوين وهي لغة تميم، ولا يقولون في موضع ~~الرفع فراد. وحكى أحمد بن يحيى " فراد " بلا تنوين، قال: # مثل ثلاث ورباع. و " فرادى " جمع فردان كسكارى جمع سكران، وكسالى جمع ~~كسلان. # وقيل: واحده " فرد " بجزم الراء، و " فرد " بكسرها، و " فرد " بفتحها، و ~~" فريد ". # والمعنى: جئتمونا واحدا واحدا، كل واحد منكم منفردا بلا أهل ولا مال ولا ~~ولد ولا ناصر ممن كان يصاحبكم في الغي، ولم ينفعكم ما عبدتم من دون الله. ~~وقرأ الأعرج (1) " فردي " مثل سكرى وكسلى بغير ألف. (كما خلقناكم أول مرة) ~~أي منفردين كما خلقتم. وقيل: عراة كما خرجتم # PageV07P042 # من بطون أمهاتكم حفاة غرلا بهما (1) ليس معهم شئ. وقال العلماء: يحشر ~~العبد غدا وله من الأعضاء ما كان له يوم ولد، فمن قطع منه عضو يرد في ~~القيامة عليه. وهذا معنى قوله: # " غرلا " أي غير مختونين، أي يرد عليهم ما قطع منه عند الختان. # قوله تعالى: (وتركتم ما خولناكم) أي أعطيناكم وملكناكم والخول: ما أعطاه ~~الله للإنسان من العبيد والنعم (2). (وراء ظهوركم) أي خلفكم. (وما نرى معكم ~~شفعاءكم) أي الذين عبدتموهم وجعلتموهم شركاء - يريد الأصنام - أي شركائي. ~~وكان المشركون يقولون الأصنام شركاء الله وشفعاؤنا عنده. (لقد تقطع بينكم) ~~قرأ نافع والكسائي وحفص بالنصب على الظرف، على معنى لقد تقطع وصلكم بينكم. ~~ودل على حذف الوصل قوله " وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم ". فدل هذا على ~~التقاطع والتهاجر بينهم وبين شركائهم: إتبرءوا منهم ولم يكونوا معهم. ~~ومقاطعتهم لهم هو تركهم وصلهم لهم، فحسن إضمار الوصل بعد " تقطع " لدلالة ~~الكلام عليه. وفي حرف ابن مسعود ما يدل على النصب فيه (لقد تقطع ما بينكم) ~~وهذا لا يجوز فيه إلا النصب، لأنك ذكرت المتقطع وهو " ما ". كأنه قال: لقد ~~تقطع الوصل بينكم. وقيل: المعنى لقد تقطع الأمر بينكم. والمعنى متقارب. ~~وقرأ الباقون " بينكم " بالرفع على أنه اسم غير ظرف، فأسند الفعل إليه ~~فرفع. ويقوي جعل " بين " اسما من جهة دخول ms2446 حرف الجر عليه في قول تعالى: " ~~ومن بيننا وبينك حجاب (3) " و " هذا فراق بيني وبينك (4) ". ويجوز أن تكون ~~قراءة النصب على معنى الرفع، وإنما نصب لكثرة استعماله ظرفا منصوبا وهو في ~~موضع رفع، وهو مذهب الأخفش، فالقراءتان على هذا بمعنى واحد، فاقرأ بأيهما ~~شئت. (وضل عنكم) أي ذهب. (ما كنتم تزعمون) أي تكذبون به في الدنيا. # روي أن الآية نزلت في، النضر بن الحارث وروي أن عائشة رضي الله عنها قرأت ~~قول الله تعالى: " ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة " فقالت: يا ~~رسول الله، وا سوءتاه! إن # PageV07P043 # الرجال والنساء يحشرون جميعا، ينظر بعضهم إلى سوأة بعض؟ فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # (لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه لا ينظر الرجال إلى النساء ولا النساء ~~إلى الرجال شغل بعضهم عن بعض). وهذا حديث ثابت في الصحيح أخرجه مسلم ~~بمعناه. # قوله تعالى: إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من ~~الحي ذلكم الله فأنى تؤفكون (96) قوله تعالى: (إن الله فالق الحب والنوى) ~~عد من عجائب صنعه ما يعجز عن أدنى شئ منه آلهتهم. والفلق: الشق، أي يشق ~~النواة الميتة فيخرج منها ورقا أخضر، وكذلك الحبة. وخرج من الورق الأخضر ~~نواة ميتة وحبة، وهذا معنى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي، عن ~~الحسن وقتادة. وقال ابن عباس والضحاك: معنى فالق خالق. وقال مجاهد: عني ~~بالفلق الشق الذي في الحب وفي النوى. والنوى جمع نواة. ويجري في كل ما له ~~كالمشمش (1) والخوخ. (يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي) يخرج البشر ~~الحي من النطفة الميتة، والنطفة الميتة من البشر الحي، عن ابن عباس. وقد ~~تقدم قول قتادة والحسن. وقد مضى ذلك في (آل عمران) (2). وفي صحيح مسلم عن ~~علي: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة (3) إنه لعهد النبي الأمي صلى الله عليه ~~وسلم إلى أن لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق. (ذلكم الله) ابتداء ~~وخبر. (فأنى تؤفكون) فمن أين تصرفون عن الحق مع ms2447 ما ترون من قدرة الله جل ~~وعز. # قوله تعالى: فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك ~~تقدير العزيز العليم (96) قوله تعالى: " فالق الإصباح " نعت لاسم الله ~~تعالى، أي ذلكم الله ربكم فالق الإصباح. # وقيل المعنى إن الله فالق الإصباح. والصبح والصباح أول النهار، وكذلك ~~الإصباح، أي # PageV07P044 # فالق الصبح كل يوم، يريد الفجر. والإصباح مصدر أصبح. والمعنى: شاق الضياء ~~عن الظلام وكاشفه. وقال الضحاك: فالق الإصباح خالق النهار. وهو معرفة لا ~~يجوز فيه التنوين عند أحد من النحويين. وقرأ الحسن وعيسى بن عمر " فالق ~~الإصباح " بفتح الهمزة، وهو جمع صبح. وروى الأعمش عن إبراهيم النخعي أنه ~~قرأ " فلق الإصباح " على فعل، والهمزة مكسورة والحاء منصوبة. وقرأ الحسن ~~وعيسى بن عمر وحمزة والكسائي " وجعل الليل سكنا " بغير ألف. ونصب " الليل " ~~حملا على معنى " فالق " في الموضعين، لأنه بمعنى فلق، لأنه أمر قد كان فحمل ~~على المعنى. وأيضا فإن بعده أفعالا ماضية وهو قوله: # " جعل لكم النجوم ". " أنزل من السماء ماء ". فحمل أول الكلام على آخره. ~~يقوي ذلك إجماعهم على نصب الشمس والقمر على إضمار فعل، ولم يحملوه على فاعل ~~فيخفضوه، قاله مكي رحمه الله. وقال النحاس: وقد قرأ يزيد بن قطيب السكوني " ~~جاعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا " بالخفض عطفا على اللفظ. # قلت: فيريد مكي والمهدوي وغيرهما إجماع القراء السبعة. والله أعلم. وقرأ ~~يعقوب في رواية رويس عنه " وجاعل الليل ساكنا ". وأهل المدينة " وجاعل ~~الليل سكنا " أي محلا للسكون. وفي الموطأ عن يحيى بن سعيد أنه بلغه أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو فيقول: " اللهم فالق الإصباح وجاعل الليل ~~سكنا والشمس والقمر حسبانا أقض عني الدين واغنني من الفقر وأمتعني بسمعي ~~وبصري وقوتي في سبيلك ". فإن قيل: كيف قال (وأمتعني بسمعي وبصري) وفي كتاب ~~النسائي والترمذي وغيرهما (واجعله الوارث مني) وذلك يفنى مع البدن؟ قيل له: ~~في الكلام تجوز، والمعنى اللهم لا تعدمه قبلي. وقد قيل: # إن المراد بالسمع والبصر هنا أبو بكر وعمر، لقوله عليه السلام ms2448 فيهما: ~~(هما السمع والبصر). # وهذا تأويل بعيد، إنما المراد بهما الجارحتان. ومعنى " حسبانا " أي بحساب ~~يتعلق به مصالح العباد. وقال ابن عباس في قول جل وعز: " والشمس والقمر ~~حسبانا " أي بحساب. # الأخفش: حسبان جمع حساب، مثل شهاب وشهبان. وقال يعقوب: حسبان مصدر ~~PageV07P045 # حسبت الشئ أحسبه حسبانا وحسابا وحسبة، والحساب الاسم. وقال غيره: جعل ~~الله تعالى سير الشمس. والقمر بحساب لا يزيد ولا ينقص، فدلهم الله عز وجل ~~بذلك على قدرته ووحدانيته. وقيل: " حسبانا " أي ضياء. والحسبان: النار في ~~لغة، وقد قال الله تعالى: # " ويرسل عليها حسبانا من السماء (1) ". قال ابن عباس: نارا. والحسبانة: ~~الوسادة الصغيرة. # قوله تعالى: وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر ~~قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون (97) قوله تعالى: (وهو الذي جعل لكم النجوم ~~(2)) بين كمال قدرته، وفي النجوم منافع جمة. # ذكر في هذه الآية بعض منافعها، وهي التي ندب الشرع إلى معرفتها، وفي ~~التنزيل: " وحفظا من كل شيطان مارد (3) ". " وجعلناها رجوما للشياطين (4) ~~". و " جعل " هنا بمعنى خلق. # (قد فصلنا الآيات) أي بيناها مفصلة لتكون أبلغ في الاعتبار. (لقوم ~~يعلمون) خصهم لأنهم المنتفعون (5) بها. # قوله تعالى: وهو الذي أنشأكم من نفس وحدة فمستقر ومستودع قد فصلنا الآيات ~~لقوم يفقهون (98) قوله تعالى: (وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة) يريد آدم ~~عليه السلام. وقد تقدم في أول السورة (6). (فمستقر) قرأ ابن عباس وسعيد بن ~~جبير والحسن وأبو عمرو وعيسى والأعرج وشيبة والنخعي بكسر القاف، والباقون ~~بفتحها. وهي في موضع رفع بالابتداء، إلا أن التقدير فيمن كسر القاف فمنها " ~~مستقر " والفتح بمعنى لها " مستقر ". قال عبد الله بن مسعود: # فلها مستقر في الرحم ومستودع في الأرض التي تموت فيها، وهذا التفسير يدل ~~على الفتح. وقال الحسن: فمستقر في القبر. وأكثر أهل التفسير يقولون: ~~المستقر ما كان في الرحم، والمستودع # PageV07P046 # ما كان في الصلب، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، وقاله النخعي. وعن ابن ~~عباس أيضا: مستقر في الأرض، ومستودع في الأصلاب. قال سعيد بن جبير: قال ms2449 لي ~~ابن عباس هل تزوجت؟ قلت: لا، فقال: إن الله عز وجل يستخرج من ظهرك ما ~~استودعه فيه. # وروي عن ابن عباس أيضا أن المستقر من خلق، والمستودع من لم يخلق، ذكره ~~الماوردي. # وعن ابن عباس أيضا: ومستودع عند الله. # قلت: وفي التنزيل " ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين " والاستيداع ~~إشارة إلى كونهم في القبر إلى أن يبعثوا للحساب. وقد تقدم في البقرة (1). ~~(قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون) قال قتادة: " فصلنا " بينا (وقررنا. والله ~~(2) أعلم). # قوله تعالى: وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شئ فأخرجنا ~~منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنت من ~~أعناب والزيتون والرمان مشتبها وغير متشبه انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه ~~إن في ذلكم لأيت لقوم يؤمنون (99) فيه سبع مسائل: الأولى - قوله تعالى: ~~(وهو الذي أنزل من السماء ماء) أي المطر. (فأخرجنا به نبات كل شئ) أي كل ~~صنف من النبات. وقيل: رزق كل حيوان. (فأخرجنا منه خضرا) قال الأخفش: أي ~~أخضر، كما تقول العرب: أرينها نمرة أركها (3) مطرة. والخضر (4) رطب # PageV07P047 # البقول. وقال ابن عباس: يريد القمح والشعير والسلت (1) والذرة والأرز ~~وسائر الحبوب. # (نخرج منه حبا متراكبا) أي يركب بعضه على بعض كالسنبلة. # الثانية - قوله تعالى: (ومن النخل من طلعها قنوان دانية) ابتداء وخبر. ~~وأجاز الفتراء في غير القرآن " قنوانا دانية " على العطف على ما قبله. قال ~~سيبويه: ومن العرب من يقول: قنوان. قال الفراء: هذه لغة قيس، وأهل الحجاز ~~يقولون: قنوان، وتميم يقولون: # قنيان، ثم يجتمعون في الواحد فيقولون: قنو وقنو. والطلع الكفري قبل أن ~~ينشق عن الإغريض. والإغريض يسمى طلعا أيضا. والطلع، ما يرى من عذق النخلة. ~~والقنوان: # جمع قنو، وتثنيته قنوان كصنو وصنوان (بكسر النون). وجاء الجمع على لفظ ~~الاثنين. قال الجوهري وغيره: الاثنان صنوان والجمع صنوان (برفع النون). ~~والقنو: العذق والجمع القنوان والأقناء، قال: # * طويلة الأقناء والأثاكل (2) * غيره: " أقناء " جمع القلة. قال المهدوي: ~~قرأ ابن هرمز " قنوان " بفتح القاف، وروي عنه ms2450 ضمها. فعلى الفتح هو اسم ~~للجمع غير مكسر، بمنزلة ركب عند سيبويه، وبمنزلة الباقر والجامل، لأن فعلان ~~ليس من أمثلة الجمع، وضم القاف على أنه جمع قنو وهو العذق (بكسر العين) وهي ~~الكباسة، وهي عنقود النخلة. والعذق (بفتح العين) النخلة نفسها. # وقيل: القنوان الجمار. " دانية " قريبة، ينالها القائم والقاعد. عن ابن ~~عباس والبراء بن عازب وغيرهما. وقال الزجاج: منها دانية ومنها بعيدة، فحذف، ~~ومثله " سرابيل تقيكم (3) الحر " وخص الدانية بالذكر، لأن من الغرض في ~~الآية ذكر القدرة والامتنان بالنعمة، والامتنان فيما يقرب متناولة أكثر. # PageV07P048 # الثالثة - قوله تعالى: (وجنات من أعناب) أي وأخرجنا جنات. وقرأ محمد بن ~~عبد الرحمن بن أبي ليلى والأعمش، وهو الصحيح من قراءة عاصم " وجنات " ~~بالرفع. # وأنكر هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم، حتى قال أبو حاتم: همحال، لأن ~~الجنات لا تكون من النخل. قال النحاس. والقراءة جائزة، وليس التأويل على ~~هذا، ولكنه رفع بالابتداء والخبر محذوف، أي ولهم جنات. كما قرأ جماعة من ~~القراء " وحور (1) عين ". وأجاز مثل هذا سيبويه والكسائي والفراء، ومثله ~~كثير. وعلى هذا أيضا " وحورا عينا " حكاه سيبويه، وأنشد: # جئني بمثل بني بدر لقومهم * أو مثل أسرة منظور بن سيار (2) وقيل: التقدير ~~" وجنات من أعناب " أخرجناها، كقولك: أكرمت عبد الله وأخوه، أي وأخوه أكرمت ~~أيضا. فأما الزيتون والرمان فليس فيه إلا النصب للإجماع على ذلك. # وقيل: " وجنات " بالرفع عطف على " قنوان " لفظا، وإن لم تكن في المعنى من ~~جنسها. # (والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه) أي متشابها في الأوراق، أي ورق ~~الزيتون يشبه ورق الرمان في اشتمال على جميع الغصن وفي حجم الورق، وغير ~~متشابه في الذواق، عن قتادة وغيره. # قال ابن جريج: " متشابها " في النظر " وغير متشابه " في الطعم، مثل ~~الرمانتين لونهما واحد وطعامهما مختلف. وخص الرمان والزيتون بالذكر لقربهما ~~منهم ومكانهما عندهم. وهو كقوله: " أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت (3) ". ~~ردهم إلى الإبل لأنها أغلب ما يعرفونه. # الرابعة - قوله تعالى: (انظر إلى ثمره إذا أثمر) أي نظر الاعتبار لا نظر ~~الإبصار المجرد ms2451 عن التفكر. والثمر في اللغة جنى الشجر. وقرأ حمزة والكسائي ~~" ثمره " بضم الثاء والميم. # والباقون بالفتح فيهما جمع ثمرة، مثل بقرة وبقر وشجرة وشجر. قال مجاهد ~~الثمر أصناف المال، والتمر ثمر النخل. وكأن المعنى على قول مجاهد: انظروا ~~إلى الأموال التي يتحصل منه # PageV07P049 # الثمر، فالثمر بضمتين جمع ثمار وهو المال المثمر. وروي عن الأعمش (1) " ~~ثمره " بضم الثاء وسكون الميم، حذفت الضمة لثقلها طلبا للخفة. ويجوز أن ~~يكون ثمر جمع ثمرة مثل بدنة وبدن. ويجوز أن يكون ثمر جمع جمع، فتقول: ثمرة ~~وثمار وثمر مثل حمار وحمر. ويجوز أن يكون جمع ثمرة كخشبة وخشب لا جمع ~~الجمع. # الخامسة - قوله تعالى: (وينعه) قرأ محمد بن السميقع " ويانعه (2) ". وابن ~~محيصن وابن أبي إسحاق " وينعه " بضم الياء. قال الفراء: هي لغة بعض أهل ~~نجد، يقال: ينع الثمر يينع، والثمر يانع. وأينع يونع و (التمر (3) مونع). ~~والمعنى: ونضجه. ينع وأينع إذا نضج وأدرك. قال الحجاج في خطبته: أرى رؤوسا ~~قد أينعت وحان قطافها. قال ابن الأنباري: # الينع جمع يانع، كراكب وركب، وتاجر وتجر، وهو المدرك البالغ. وقال ~~الفراء: أينع أكثر من ينع، ومعناه أحمر، ومنه ما روي في حديث الملاعنة (إن ~~ولدته أحمر مثل الينعة) وهي خرزة حمراء، يقال: إنه العقيق أو نوع منه. فدلت ~~الآية لمن تدبر ونظر ببصره وقلبه، نظر من تفكر، أن المتغيرات لا بد لها من ~~مغير، وذلك أنه تعالى قال: " انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه ". # فتراه أولا طلعا ثم إغريضا إذا انشق عنه الطلع. والإغريض يسمى ضحكا أيضا، ~~ثم بلحا، ثم سيابا، ثم جدا لا إذ اخضر واستدار قبل أن يشتد، ثم بسرا إذا ~~عظم، ثم زهوا إذا أحمر، يقال: أزهى يزهي، ثم موكتا إذا بدت فيه نقط من ~~الإرطاب. فإن كان ذلك من قبل الذنب فهي مذنبة، وهو التذنوب، فإذا لانت فهي ~~ثعدة، فإذا بلغ الإرطاب نصفها فهي مجزعة، فإذا بلغ ثلثيها فهي حلقانة، فإذا ~~عمها الإرطاب فهي منسبتة، يقال: رطب منسبت، ثم ييبس فيصير تمرا. فنبه الله ms2452 ~~تعالى بانتقالها من حال إلى حال وتغيرها ووجودها بعد أن لم تكن بعد على ~~وحدانيته وكمال قدرته، وأن لها صانعا قادرا عالما. ودل على جواز البعث، ~~لإيجاد النبات بعد الجفاف. قال الجوهري ينع الثمر يينع ويينع ينعا وينوعا، ~~أي نضج. # السادسة - قال ابن العربي قال ما لك: الإيناع الطيب بغير فساد ولا نقش. ~~قال مالك: والنقش أن ينقش أهل البصر الثمر حتى يرطب، يريد يثقب فيه بحيث ~~يسرع دخول # PageV07P050 # الهواء إليه فيرطب معجلا. فليس ذلك الينع المراد في القرآن، ولا هو الذي ~~ربط به رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) البيع، وإنما (هو (1) ما يكون من ~~ذاته بغير محاولة. وفي بعض بلاد التين، وهي البلاد الباردة، لا ينضج حتى ~~يدخل في فمه عود قد دهن زيتا، فإذا طاب حل بيعه، لأن ذلك ضرورة الهواء ~~وعادة البلاد، ولولا ذلك ما طاب في وقت الطيب. # قلت: وهذا الينع الذي يقف عليه جواز بيع التمر وبه يطيب أكلها ويأمن من ~~العاهة، هو عند طلوع الثريا بما أجرى الله سبحانه من العادة وأحكمه من ~~العلم والقدرة. ذكر المعلى ابن أسد عن وهيب عن عسل بن سفيان عن عطاء عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا طلعت الثريا ~~صباحا رفعت العاهة عن أهل البلد). # والثريا النجم، لا خلاف في ذلك. وطلوعها صباحا لاثنتي عشرة ليلة تمضي من ~~شهر أيار، وهو شهر مايو. وفي البخاري: وأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت أن زيد ~~بن ثابت لم يكن يبيع ثمار أرضه حتى تطلع الثريا فيتبين الأصفر من الأحمر. # السابعة - وقد استدل من أسقط (2) الجوائح في الثمار بهذه الآثار، وما كان ~~مثلها من نهيه عليه السلام عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، وعن بيع الثمار ~~حتى تذهب العاهة. قال عثمان بن سراقة: فسألت ابن عمر متى هذا؟ فقال: طلوع ~~الثريا. قال الشافعي: لم يثبت عندي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر ~~بوضع الجوائح، ولو ثبت عندي لم أعده، ms2453 والأصل المجتمع عليه أن كل من ابتاع ~~ما يجوز بيعه وقبضه كانت المصيبة منه، قال: # ولو كنت قائلا بوضع الجوائح لو ضعتها في القليل والكثير. وهو قول الثوري ~~والكوفيين. # وذهب مالك وأكثر أهل المدينة إلى وضعها، لحديث جابر أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أمر بوضع الجوائح. أخرجه مسلم. وبه كان يقضي عمر بن عبد ~~العزيز، وهو قول أحمد بن حنبل وسائر أصحاب الحديث. وأهل الظاهر وضعوها عن ~~المبتاع في القليل والكثير على عموم الحديث، إلا أن مالكا وأصحابه اعتبروا ~~أن تبلغ الجائحة ثلث الثمرة فصاعدا، وما كان دون الثلث ألغوه وجعلوه تبعا، ~~إذ لا تخلو ثمرة من أن يتعذر القليل من طيبها وأن يلحقها في اليسير منها # PageV07P051 # فساد. وكان أصبغ وأشهب لا ينظران إلى الثمرة ولكن إلى القيمة، فإذا كانت ~~القيمة الثلث فصاعدا وضع عنه. والجائحة ما لا يمكن دفعه عند ابن القاسم. ~~وعليه فلا تكون السرقة جائحة، وكذا في كتاب محمد. وفي الكتاب أنه جائحة، ~~وروي عن ابن القاسم، وخالفه أصحابه والناس. # وقال مطرف وابن الماجشون: ما أصاب الثمرة من السماء من عفن أو برد، أو ~~عطش أو حر أو كسر الشجر بما ليس بصنع ادمي فهو جائحة. واختلف في العطش (1)، ~~ففي رواية ابن القاسم هو جائحة. والصحيح في البقول أنها (فيها جائحة (2)) ~~كالثمرة. ومن باع ثمرا قبل بدو صلاحه بشرط التبقية فسخ بيعه ورد، للنهي ~~عنه، ولأنه من أكل المال بالباطل، لقوله عليه السلام: # (أرأيت إن منع الله الثمرة فبم أخذ أحدكم مال أخيه بغير حق)؟ هذا قول ~~الجمهور، وصححه أبو حنيفة وأصحابه وحملوا النهي على الكراهة. وذهب الجمهور ~~إلى جواز بيعها قبل بدو الصلاح بشرط القطع. ومنعه الثوري وابن أبي ليلى ~~تمسكا بالنهي الوارد في ذلك. وخصصه الجمهور بالقياس الجلي، لأنه مبيع معلوم ~~يصح قبضه حالة العقد فصح بيعه كسائر المبيعات. # قوله تعالى: وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنت بغير علم ~~سبحانه وتعالى عما يصفون (100) قوله تعالى: " وجعلوا لله شركاء الجن " هذا ms2454 ~~ذكر نوع آخر من جهالاتهم، أي فيهم من أعتقد لله شركاء من الجن. قال النحاس: ~~" الجن " مفعول أول، و " شركاء " مفعول ثان، مثل " وجعلكم ملوكا (3) ". " ~~وجعلت له مالا ممدودا (4) ". وهو في القرآن كثير. والتقدير وجعلوا لله الجن ~~شركاء. ويجوز أن يكون " الجن " بدلا من شركاء، والمفعول الثاني " لله ". # وأجاز الكسائي رفع " الجن " بمعنى هم الجن. " وخلقهم " كذا قراءة الجماعة ~~(5)، أي خلق الجاعلين له شركاء. وقيل: خلق الجن الشركاء. وقرأ ابن مسعود " ~~وهو خلقهم " بزيادة هو. وقرأ يحيى بن يعمر " وخلقهم " بسكون اللام، وقال: ~~أي وجعلوا خلقهم لله شركاء، لأنهم كانوا يخلقون الشئ ثم يعبدونه. والآية ~~نزلت في مشركي العرب. ومعنى إشراكهم # PageV07P052 # بالجن أنهم أطاعوهم كطاعة الله عز وجل، روي ذلك عن الحسن وغيره. قال ~~قتادة والسدي: # هم الذين قالوا الملائكة بنات الله. وقال الكلبي: نزلت في الزنادقة، ~~قالوا: إن الله وإبليس أخوان، فالله خالق الناس والدواب، وإبليس خالق (1) ~~الجان والسباع والعقارب. ويقرب من هذا قول المجوس، فإنهم قالوا: للعالم ~~صانعان: إله قديم، والثاني شيطان حادث من فكر الإله القديم، وزعموا أن صانع ~~الشر حادث. وكذا الحائطية من المعتزلة من أصحاب أحمد بن حائط، زعموا أن ~~للعالم صانعين: الإله القديم، والآخر محدث، خلقه الله عز وجل أولا ثم فوض ~~إليه تدبير العالم، وهو الذي يحاسب الخلق في الآخرة. تعالى الله عما يقول ~~الظالمون والجاحدون علوا كبيرا. " وخرقوا " قراءة نافع بالتشديد على ~~التكثير، لأن المشركين ادعوا أن لله بنات وهم الملائكة، وسموهم جنا ~~لاجتنانهم. والنصارى ادعت المسيح ابن الله. # واليهود قالت: عزير ابن الله، فكثر ذلك من كفرهم (2)، فشدد الفعل لمطابقة ~~المعنى. تعالى الله عما يقولون. وقرأ الباقون بالتخفيف على التقليل. وسئل ~~الحسن البصري عن معنى " وخرقوا له " بالتشديد فقال: إنما هو " وخرقوا " ~~بالتخفيف، كلمة عربية، كان الرجل إذا كذب في النادي قيل: خرقها ورب الكعبة. ~~وقال أهل اللغة: معنى " خرقوا " اختلقوا وافتعلوا " وخرقوا " على التكثير. ~~قال مجاهد وقتادة وابن زيد وابن جريج: " خرقوا " كذبوا. يقال: إن معنى خرق ~~واخترق واختلق سواء، ms2455 أي أحدث: # قوله تعالى: بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صحبة وخلق ~~كل شئ وهو بكل شئ عليم - (101) قوله تعالى: (بديع السماوات والأرض) أي ~~مبدعهما، فكيف يجوز أن يكون له ولد. # و " بديع " خبر ابتداء مضمر أي هو بديع. وأجاز الكسائي خفضه على النعت ~~لله عز وجل، ونصبه بمعنى بديعا السماوات والأرض. وذا خطأ عند البصريين لأنه ~~لما مضى (3). # PageV07P053 # (أنى يكون له ولد) أي من أين يكون له ولد. وولد كل شئ شبيهه، ولا شبيه ~~له. # (ولم تكن له صاحبة) أي زوجة (وخلق كل شئ) عموم معناه الخصوص، أي خلق ~~العالم. # ولا يدخل في ذلك كلامه وصفات ذاته. ومثله " ورحمتي وسعت كل شئ (1) " ولم ~~تسع إبليس ولا من مات كافرا. ومثله " تدمر كل شئ (2) " ولم تدمر السماوات ~~والأرض. # قوله تعالى: ذلكم الله ربكم لا اله الا هو خالق كل شئ فاعبدوه وهو على كل ~~شئ وكيل (102) قوله تعالى: (ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو) " ذلكم " في ~~موضع رفع بالابتداء. # " الله ربكم " على البدل. " خالق كل شئ " خبر الابتداء. ويجوز أن يكون " ~~ربكم " الخبر، و " خالق " خبرا ثانيا، أو على إضمار مبتدأ، أي هو خالق. ~~وأجاز الكسائي والقراء فيه النصب. # قوله تعالى: لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو الطيف الخبير (103) ~~قوله تعالى: " لا تدركه الأبصار " بين سبحانه أنه منزه عن سمات الحدوث، ~~ومنها الإدراك بمعنى الإحاطة والتحديد، كما تدرك سائر المخلوقات، والرؤية ~~ثابتة. فقال الزجاج: # أي لا يبلغ كنه حقيقته، كما تقول: أدركت كذا وكذا، لأنه قد صح عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم الأحاديث في الرؤية يوم القيامة. وقال ابن عباس: " لا ~~تدركه الأبصار " في الدنيا، ويراه المؤمنون في الآخرة، لإخبار الله بها في ~~قوله: " وجوه يومئذ (3) ناضرة إلى ربها ناظرة " وقال السدي. وهو أحسن ما ~~قيل لدلالة التنزيل والأخبار الواردة برؤية الله في الجنة. # وسيأتي بيانه في " يونس (4) ". وقيل: " لا تدركه الأبصار " لا تحيط به ~~وهو يحيط بها، # PageV07P054 # عن ابن عباس أيضا. وقيل: ms2456 المعنى لا تدركه أبصار القلوب، أي لا تدركه ~~العقول فتتوهمه، إذ " ليس كمثله شئ (1) " وقيل المعنى لا تدركه الأبصار ~~المخلوقة في الدنيا، لكنه يخلق لمن يريد كرامته بصرا وإدراكا يراه فيه ~~كمحمد عليه السلام، إذ رؤيته تعالى في الدنيا جائزة عقلا، إذ لو لم تكن ~~جائزة لكان سؤال موسى عليه السلام مستحيلا، ومحال أن يجهل نبي ما يجوز على ~~الله وما لا يجوز، بل لم يسأل إلا جائزا غير مستحيل. وأختلف السلف في رؤية ~~نبينا عليه السلام ربه، ففي صحيح مسلم عن مسروق قال: كنت متكئا عند عائشة، ~~فقالت: # يا أبا عائشة (2)، ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية. ~~قلت: ما هن؟ قالت من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية. قال: ~~وكنت متكئا فجلست فقلت: # يا أم المؤمنين، أنظريني ولا تعجليني، ألم يقل الله عز وجل " ولقد رآه ~~بالأفق المبين (3) " " ولقد رآه نزلة أخرى (4) "؟ فقالت: أنا أول هذه الأمة ~~(من (5) سأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (إنما هو جبريل لم ~~أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين رأيته منهبطا من السماء ~~سادا عظم خلقه ما بين السماء والأرض). فقالت: أو لم تسمع أن الله عز وجل ~~يقول: " لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير "؟ # أو لم تسمع الله عز وجل يقول: " وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو ~~من وراء حجاب أو يرسل رسولا - إلى قول - علي حكيم (1) "؟ قالت: ومن زعم أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كتم شيئا من كتاب الله فقد أعظم على الله ~~الفرية، والله تعالى يقول: # " يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ~~(6) " قالت: ومن زعم أنه يخبر بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية، ~~والله تعالى يقول: " قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله (7) ~~" وإلى ما ذهبت إليه عائشة رضي الله عنها من عدم ms2457 الرؤية، وأنه إنما رأى ~~جبريل: # ابن مسعود، ومثله عن أبي هريرة رضي الله عنه، وأنه رأى جبريل، وأختلف ~~عنهما. # PageV07P055 # وقال بإنكار هذا وامتناع رؤيته جماعة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين. ~~وعن ابن عباس أنه رآه بعينه، هذا هو المشهور عنه. وحجته قوله تعالى: " ما ~~كذب الفؤاد ما رأى (1) ". وقال عبد الله بن الحارث: أجتمع ابن عباس وأبي بن ~~كعب، فقال ابن عباس: أما نحن بنو (2) هاشم فنقول إن محمدا رأى ربه مرتين. ~~ثم قال ابن عباس: أتعجبون أن الخلة تكون لإبراهيم والكلام لموسى، والرؤية ~~لمحمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين. قال: فكبر كعب حتى جاوبته الجبال، ~~ثم قال: إن الله قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى عليهما السلام، فكلم موسى ~~ورآه محمد صلى الله عليه وسلم. وحكى عبد الرزاق أن الحسن كان يحلف بالله ~~لقد رأى محمد ربه. وحكاه أبو عمر الطلمنكي عن عكرمة، وحكاه بعض المتكلمين ~~عن ابن مسعود، والأول عنه أشهر. وحكى ابن إسحاق أن مروان سأل أبا هريرة: هل ~~رأى محمد ربه؟ فقال نعم وحكى النقاش عن أحمد بن حنبل أنه قال: أنا أقول ~~بحديث ابن عباس: بعينه رآه رآه! # حتى انقطع نفسه، يعني نفس أحمد. وإلى هذا ذهب الشيخ أبو الحسن الأشعري ~~وجماعة من أصحابه (أن (3) محمدا صلى الله عليه وسلم) رأى الله ببصره وعيني ~~رأسه. وقال أنس وابن عباس وعكرمة والربيع والحسن. وكان الحسن يحلف بالله ~~الذي لا إله إلا هو لقد رأى محمد ربه. # وقال جماعة منهم أبو العالية والقرظي والربيع بن أنس: إنه إنما رأى ربه ~~بقلبه وفؤاده، وحكي عن ابن عباس أيضا وعكرمة. وقال أبو عمر: قال أحمد بن ~~حنبل رآه بقلبه، وجبن عن القول برؤيته في الدنيا بالأبصار. وعن مالك بن أنس ~~قال: لم ير في الدنيا، لأنه باق ولا يرى الباقي بالفاني، فإذا كان في ~~الآخرة ورزقوا أبصارا باقية رأوا الباقي بالباقي. قال القاضي عياض: وهذا ~~كلام حسن مليح، وليس فيه دليل على الاستحالة إلا من حيث ضعف القدرة، فإذا ms2458 ~~قوى الله تعالى من شاء من عباده وأقدره على حمل أعباء الرؤية لم يمتنع في ~~حقه. وسيأتي شئ من هذا في حق موسى عليه السلام في " الأعراف (4) " إن شاء ~~الله. # قوله تعالى: " وهو يدرك الأبصار " أي لا يخفى عليه شئ إلا يراه ويعلمه. ~~إنما خص الأبصار، لتجنيس الكلام. وقال الزجاج: وفي هذا الكلام دليل على أن ~~الخلق لا يدركون # PageV07P056 # الأبصار، أي لا يعرفون كيفية حقيقة البصر، وما الشئ الذي صار به الإنسان ~~يبصر من عينيه دون أن يبصر من غيرهما من سائر أعضائه. ثم قال: " وهو اللطيف ~~الخبير " أي الرفيق بعباده، يقال: لطف فلان بفلان يلطف، أي رفق به. واللطف ~~في الفعل الرفق فيه. # واللطف من الله تعالى التوفيق والعصمة. وألطفه بكذا، أي بره به. والاسم ~~اللطف بالتحريك. # يقال: جاءتنا من فلان لطفه، أي هدية. والملاطفة المبارة، عن الجوهري وابن ~~فارس. # قال أبو العالية: المعنى لطيف باستخراج الأشياء خبير بمكانها. وقال ~~الجنيد: اللطيف من نور قلبك بالهدى، وربى جسمك بالغذاء، وجعل لك الولاية في ~~البلوى، ويحرسك وأنت في لظى، ويدخلك جنة المأوى. وقيل غير هذا، مما معناه ~~راجع إلى معنى الرفق وغيره. # وسيأتي ما للعلماء من الأقوال في ذلك في " الشورى (1) " إن شاء الله ~~تعالى. # قوله تعالى: قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمى فعليها وما ~~أنا عليكم بحفيظ (104) قوله تعالى: (قد جاءكم بصائر من ربكم) أي آيات ~~وبراهين يبصر بها ويستدل، جمع بصيرة وهي الدلالة. قال الشاعر: # جاءوا بصائرهم على أكتافهم * وبصيرتي يعدو بها عتد وآى (2) يعني بالبصيرة ~~الحجة البينة الظاهرة. ووصف الدلالة بالمجئ لتفخيم شأنها، إذ كانت بمنزلة ~~الغائب المتوقع حضوره للنفس، كما يقال: جاءت العافية وقد أنصرف المرض، ~~وأقبل السعود وأدبر النحوس (فمن أبصر فلنفسه) الإبصار: هو الإدراك بحاسة ~~البصر، أي فمن استدل وتعرف فنفسه نفع. (ومن عمى) لم يستدل، فصار بمنزلة ~~الأعمى، فعلى نفسه يعود # PageV07P057 # عماه. (وما أنا عليكم بحفيظ) أي لم أومر بحفظكم على أن تهلكوا أنفسكم. ~~وقيل: أي لا أحفظكم من ms2459 عذاب الله. وقيل: " بحفظ " برقيب، أحصي عليكم ~~أعمالكم، إنما أنا رسول أبلغكم رسالات ربي، وهو الحفيظ عليكم لا يخفى عليه ~~شئ من أفعالكم. قال الزجاج: # نزل هذا قبل فرض القتال، ثم أمر أن يمنعهم بالسيف من عبادة الأوثان. # قوله تعالى: وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعلمون (105) ~~قوله تعالى: " وكذلك نصرف الآيات " الكاف (في (1) كذلك) في موضع نصب، أي ~~نصرف الآيات مثل ما تلونا عليك. أي كما صرفنا الآيات في الوعد والوعيد ~~والوعظ والتنبيه في هذه السورة نصرف في غيرها. " وليقولوا درست " والواو ~~للعطف على مضمر، أي نصرف الآيات لتقوم الحجة وليقولوا درست. وقيل: أي " ~~وليقولوا درست " صرفناها، فهي لام الصيرورة. # وقال الزجاج: هذا كما تقول كتب فلان هذا الكتاب لحتفه، أي آل أمره إلى ~~ذلك. # وكذا لما صرفت الآيات آل أمرهم إلى أن قالوا: درست وتعلمت من جبر ويسار، ~~وكانا غلامين نصرانيين بمكة، فقال أهل مكة: إنما يتعلم منهما. قال النحاس: ~~وفي المعنى قول آخر حسن، وهو أن يكون معنى " نصرف الآيات " نأتي بها آية ~~بعد آية ليقولوا درست علينا، فيذكرون (2) الأول بالآخر. فهذا حقيقة، والذي ~~قاله أبو إسحاق مجاز. # وفي " درست " سبع قراءات. قرأ أبو عمرو وابن كثير " دارست " بالألف بين ~~الدال والراء، كفاعلت. وهي قراءة علي وابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد ~~وعكرمة وأهل مكة. # قال ابن عباس: معنى " دارست " تاليت. وقرأ ابن عامر " درست " بفتح السين ~~وإسكان التاء غير ألف، كخرجت. وهي قراءة الحسن. وقرأ الباقون " درست " ~~كخرجت. # فعلى الأولى: دارست أهل الكتاب ودارسوك، أي ذاكرتهم وذاكروك، قال سعيد بن ~~جبير. # ودل على هذا المعنى قوله تعالى إخبارا عنهم: " وأعانه عليه قوم آخرون (3) ~~" أي أعان اليهود النبي # PageV07P058 # صلى الله عليه وسلم على القرآن وذاكروه فيه. وهذا كله قول المشركين. ~~ومثله قولهم: # " وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا (1) ". " إذا ~~قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين (2) ". وقيل: المعنى دارستنا، ~~فيكون معناه كمعنى درست، ذكره النحاس واختاره، والأول ذكره مكي. وزعم ~~النحاس أنه ms2460 مجاز، كما قال: # * فللموت ما تلد الوالدة (3) * ومن قرأ " درست " فأحسن ما قيل في قراءته ~~أن المعنى: ولئلا يقولوا انقطعت وامحت، وليس يأتي محمد صلى الله عليه وسلم ~~بغيرها. وقرأ قتادة " درست " أي قرئت. وروى سفيان بن عيينة عن عمرو بن عبيد ~~عن الحسن أنه قرأ " دارست ". وكان أبو حاتم يذهب إلى أن هذه القراءة لا ~~تجوز، قال: لأن الآيات لا تدارس. وقال غيره: القراءة بهذا تجوز، وليس ~~المعنى على ما ذهب إليه أبو حاتم، ولكن معناه دارست أمتك، أي دارستك أمتك، ~~وإن كان لم يتقدم لها ذكر، مثل قول: " حتى توارت بالحجاب (4) ". وحكى ~~الأخفش " وليقولوا درست " وهو بمعنى " درست " إلا أنه أبلغ. وحكى أبو ~~العباس أنه قرئ " وليقولوا درست " بإسكان اللام على الأمر. وفيه معنى ~~التهديد، أي فليقولوا بما شاءوا فإن الحق بين، كما قال عز وجل " فليضحكوا ~~قليلا وليبكوا كثيرا (5) " فأما من كسر اللام فإنها عنده لام كي. وهذه ~~القراءات كلها يرجع اشتقاقها إلى شئ واحد، إلى التليين والتذليل. و " درست ~~" من درس يدرس دراسة، وهي القراءة على الغير. وقيل: درسته أي ذللته بكثرة ~~القراءة، وأصله درس الطعام أي داسه. والدياس الدراس بلغة أهل الشام. وقيل: ~~أصله من درست الثوب أدرسه درسا أي أخلقته. وقد درس الثوب درسا أي أخلق. ~~ويرجع هذا إلى التذلل أيضا. # ويقال: سمي إدريسي لكثرة دراسته لكتاب الله. ودارست الكتب وتدارستها ~~وادارستها أي درستها. ودرست الكتاب درسا ودراسة. ودرست المرأة درسا أي ~~حاضت. ويقال: # PageV07P059 # إن فرج المرأة يكنى أبا أدراس، وهو من الحيض. والدرس أيضا: الطريق الخفي. # وحكى الأصمعي: بعير لم يدرس أي لم يركب، ودرست من درس المنزل إذا عفا. ~~وقرأ ابن مسعود وأصحابه وأبي وطلحة والأعمش " وليقولوا درس " أي درس محمد ~~الآيات. # " ولنبينه " يعني القول والتصريف، أو القرآن " لقوم يعلمون ". # قوله تعالى: (اتبع ما أوحى إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين ~~(106) قوله تعالى: " اتبع ما أوحي إليك من ربك " يعني القرآن، أي لا تشغل ~~قلبك وخاطرك بهم، بل ms2461 أشتغل بعبادة الله. " لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين ~~" منسوخ. # قوله تعالى: ولو شاء الله ما أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت ~~عليهم بوكيل قوله تعالى: (ولو شاء الله ما أشركوا) نص على أن الشرك ~~بمشيئته، وهو إبطال لمذهب القدرية. كمتقدم. (وما جعلناك عليهم حفيظا) أي لا ~~يمكنك حفظهم من عذاب الله. (وما أنت عليهم بوكيل) أي قيم بأمورهم في ~~مصالحهم لدينهم أو دنياهم، حتى تلطف لهم في تناول ما يجب لهم، فلست بحفيظ ~~في ذلك ولا وكيل في هذا، إنما أنت مبلغ. وهذا قبل أن يؤمر بالقتال. # قوله تعالى: ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير ~~علم كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعلمون ~~(108) PageV07P060 # فيه خمس مسائل: الأولى - قوله تعالى: (ولا تسبوا الذين يدعون من دون ~~الله) نهي. (فيسبوا الله) جواب النهي. فنهى سبحانه لمؤمنين أن يسبوا ~~أوثانهم، لأنه علم إذا سبوها نفر الكفار وازدادوا كفرا. قال ابن عباس: قالت ~~كفار قريش لأبي طالب إما أن تنهى محمدا وأصحابه عن سب آلهتنا والغض منها ~~وإما أن إلهه ونهجوه، فنزلت الآية. # الثانية - قال العلماء: حكمها باق في هذه الأمة على كل حال، فمتى كان ~~الكافر في منعة وخيف أن يسب الإسلام أو النبي عليه السلام أو الله عز وجل، ~~فلا يحل لمسلم أيسب صلبانهم ولا دينهم ولا كنائسهم، ولا يتعرض إلى ما يؤدي ~~إلى ذلك، لأنه بمنزلة البعث على المعصية. وعبر عن الأصنام وهي لا تعقل ب‍ " ~~الذين " على معتقد الكفرة فيها. # الثالثة - في هذه الآية أيضا ضرب من الموادعة، ودليل على وجوب الحكم بسد ~~الذرائع، وفيها دليل على أن المحق قد يكف عن حق له إذا أدى إلى ضرر يكون في ~~الدين. ومن هذا المعنى ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: لا ~~تبتوا الحكم بين ذوي القرابات مخافة القطيعة قال ابن العربي: إن كان الحق ~~واجبا فيأخذه بكل حال وإن كان جائزا ms2462 ففيه يكون هذا القول. # الرابعة - قوله تعالى: (عدوا) أي جهلا واعتداء. وروي عن أهل مكة أنهم ~~قرأوا " عدوا " بضم العين والدال وتشديد الواو، وهي قراءة الحسن وأبي رجاء ~~وقتادة، وهي راجعة إلى القراءة الأولى، وهما جميعا بمعنى الظلم. وقرأ أهل ~~مكة أيضا " عدوا " بفتح العين وضم الدال بمعنى عدو. وهو واحد يؤدي عن جمع، ~~كما قال: " فإنهم عدو لي إلا رب العالمين (1) ". وقال تعالى: " هم (2) ~~العدو " وهو منصوب على المصدر أو على المفعول من أجله. # الخامسة - قوله تعالى: (كذلك زينا لكل أمة عملهم) أي كما زينا لهؤلاء ~~أعمالهم كذلك زينا لكل أمة عملهم. قال ابن عباس. زينا لأهل الطاعة الطاعة، ~~ولأهل الكفر # PageV07P061 # الكفر، وهو كقوله: " كذلك يضل الله من يشاء ويهدي (1) من يشاء ". وفي هذا ~~رد على القدرية. # قوله تعالى: وأقسموا بالله جهد أيمنهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما ~~الآيات عند الله وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون (109) قوله تعالى: ~~(وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها) فيه مسألتان: # الأولى - قوله تعالى: " وأقسموا " أي حلفوا. وجهد اليمين أشدها، وهو ~~بالله فقوله: " جهد أيمانهم " أي غاية أيمانهم التي بلغها علمهم، وانتهت ~~إليها قدرتهم. وذلك أنهم كانوا يعتقدون أن الله هو الإله الأعظم، وأن هذه ~~الآلهة إنما يعبدونها ظنا منهم أنها تقربهم إلى الله زلفى، كما أخبر عنهم ~~بقوله تعالى: " ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى (2) ". وكانوا يحلفون ~~بآبائهم وبالأصنام وبغير ذلك، وكانوا يحلفون بالله تعالى وكانوا يسمونه جهد ~~اليمين إذا كانت اليمين بالله. " جهد " منصوب على المصدر والعامل فيه " ~~أقسموا " على مذهب سيبويه، لأنه في معناه. والجهد (بفتح الجيم): المشقة ~~يقال: فعلت ذلك بجهد. والجهد (بضمها): # الطاقة يقال: هذا جهدي، أي طاقتي. ومنهم من يجعلهما واحدا، ويحتج بقول " ~~والذين لا يجدون إلا جهدهم (3) ". وقرئ " جهدهم " بالفتح، عن ابن قتيبة. ~~وسبب الآية فيما ذكر المفسرون: القرظي والكلبي وغيرهما، أن قريشا قالت: يا ~~محمد، تخبرنا بأن موسى ضرب بعصاه الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، وأن ~~عيسى ms2463 كان يحيي الموتى، وأن ثمود كانت لهم ناقة، فائتنا ببعض هذه الآيات حتى ~~نصدقك. فقال: (أي شئ تحبون)؟ قالوا: أجعل لنا الصفا ذهبا، فوالله إن فعلته ~~لنتبعنك أجمعون. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو، فجاءه جبريل عليه ~~السلام فقال: (إن شئت أصبح (الصفا (4) ذهبا، ولئن أرسل الله آية ولم يصدقوا ~~عندها ليعذبنهم فأتركهم حتى يتوب تائبهم) فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # PageV07P062 # (بل يتوب تائبهم) فنزلت هذه الآية. وبين الرب (1) بأن من سبق العلم ~~الأزلي بأنه لا يؤمن فإنه لا يؤمن وإن أقسم ليؤمنن. # الثانية - قوله تعالى: " جهد أيمانهم " قيل: معناه بأغلظ الأيمان عندهم. # وتعرض هنا مسألة من الأحكام عظمي، وهي قول الرجل: الأيمان تلزمه إن كان ~~كذا وكذا. # قال ابن العربي: وقد كانت هذه اليمين في صدر الإسلام معروفة بغير هذه ~~الصورة، كانوا يقولون: على أشد ما أخذه أحد على أحد، فقال مالك: تطلق ~~نساؤه. ثم تكاثرت الصورة حتى آلت بين الناس إلى صورة هذه أمها. وكان شيخنا ~~الفهري الطرسوسي يقول: # يلزمه إطعام ثلاثين مسكينا إذا حنث فيها، لأن قوله " الإيمان " جمع يمين، ~~وهو لو قال علي يمين وحنث ألزمناه كفارة. ولو قال: علي يمينان للزمته (2) ~~كفارتان إذا حنث. والإيمان جمع يمين فيلزمه فيها ثلاث كفارات. # قلت: وذكر أحمد بن محمد بن مغيث في وثائقه: اختلف شيوخ القيروان فيها، ~~فقال أبو محمد بن أبي زيد، يلزمه في زوجته ثلاث تطليقات، والمشي إلى مكة، ~~وتفريق ثلث ماله، وكفارة يمين، وعتق رقبة. قال ابن مغيث: وبه قال ابن أرفع ~~رأسه وابن بدر من فقهاء طليطلة. وقال الشيخ أبو عمران الفاسي وأبو الحسن ~~القابسي وأبو بكر بن عبد الرحمن القروي: تلزمه طلقة واحدة إذا لم تكن له ~~نية. ومن حجتهم في ذلك رواية ابن الحسن في سماعه من ابن وهب في قوله: " ~~وأشد ما أخذه أحد على أحد أن عليه ذلك كفارة يمين ". قال ابن مغيث: فجعل ~~(3) من سميناه على القائل: " الإيمان تلزمه " طلقة واحدة، لأنه لا يكون ~~أسوأ ms2464 حالا من قوله: أشد ما أخذه أحد على أحد أن عليه كفارة يمين، قال (4) ~~وبه نقول. قال: واحتج الأولون بقول ابن القاسم من قال: علي عهد الله وغليظ ~~ميثاقه وكفالته وأشد ما أخذه أحد على أحد على أمر ألا يفعله ثم فعله، فقال: ~~إن لم يرد الطلاق ولا العتاق وعزلهما عن ذلك فلتكن ثلاث كفارات. فان لم تكن ~~له نية حين حلف فليكفر كفارتين في قوله: على عهد الله وغليظ ميثاقه. ويعتق ~~رقبة وتطلق نساؤه، ويمشي إلى مكة # PageV07P063 # ويتصدق بثلث ما له في قوله: وأشد ما أخذه على أحد. قال ابن العربي: أما ~~طريق الأدلة فإن الألف واللام في الإيمان لا تخلو أن يراد بها الجنس أو ~~العهد، فإن دخلت للعهد فالمعهود قولك " بالله " فيكون ما قاله الفهري. فإن ~~دخلت للجنس فالطلاق جنس فيدخل فيها ولا يستوفى عدده، فإن الذي يكفي أن يدخل ~~في كل جنس معنى واحد، فإنه لو دخل في الجنس المعنى كله للزمه أن يتصدق ~~بجميع ماله، إذ قد تكون الصدقة بالمال يمينا. والله أعلم. # قوله تعالى: (قل إنما الآيات عند الله) أي قل يا محمد: الله القادر على ~~الآتيان بها، وإنما يأتي بها إذا شاء. " وما يشعركم " أي وما يدريكم ~~أيمانكم، فحذف المفعول. ثم استأنف فقال: " إنها إذا جاءت لا يؤمنون " بكسر ~~إن، وهي قراءة مجاهد وأبي عمرو وابن كثير. # ويشهد لهذا قراءة ابن مسعود " وما يشعركم إذا جاءت لا يؤمنون ". وقال ~~مجاهد وابن زيد: # المخاطب بهذا المشركون، وتم الكلام. حكم عليهم بأنهم لا يؤمنون، وقد ~~أعلمنا في الآية بعد هذه أنهم لا يؤمنون. وهذا التأويل يشبه قراءة من قرأ " ~~تؤمنون " بالتاء. وقال الفراء وغيره، الخطاب للمؤمنين، لأن المؤمنين قالوا ~~للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، لو نزلت الآية لعلهم يؤمنون، فقال ~~الله تعالى: وما يشعركم أي يعلمكم ويدريكم أيها المؤمنون. # " أنها " بالفتح، وهي قراءة أهل المدينة والأعمش وحمزة، أي لعلها إذا ~~جاءت لا يؤمنون. قال الخليل: " أنها " بمعنى لعلها، وحكاه عنه سيبويه. وفي ms2465 ~~التنزيل: " وما يدريك لعله يزكى (1) " أي أنه يزكى. وحكي عن العرب: ايت ~~السوق أنك تشتري لنا شيئا، أي لعلك. وقال أبو النجم: # قلت لشيبان آدن من لقائه * أن تغدي القوم من شوائه وقال عدي بن زيد: # أعاذل ما يدريك أن منيتي * إلى ساعة في اليوم أو في ضحى الغد أي لعل. ~~وقال دريد (2) بن الصمة. # أريني جوادا مات هزلا لأنني * أرى ما ترين أو بخيلا مخلدا # PageV07P064 # أي لعلني (1). وهو في كلام العرب كثير " أن " بمعنى لعل. وحكى الكسائي ~~أنه كذلك في مصحف أبي بن كعب " وما أدراكم لعلها ". وقال الكسائي والفراء: ~~أن " لا " زائدة، والمعنى: وما يشعركم أنها - أي الآيات - إذا جاءت ~~المشركين يؤمنون، فزيدت " لا "، كما زيدت " لا " في قول تعالى: " حرام على ~~قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون (2) ". لأن المعنى: وحرام على قرية مهلكة ~~رجوعهم. وفي قول: " ما منعك ألا تسجد ". والمعنى: # ما منعك أن تسجد. وضعف الزجاج والنحاس وغيرهما زيادة " لا " وقالوا: هو ~~غلط وخطأ، لأنها إنما تزاد فيما لا يشكل. وقيل: في الكلام حذف، والمعنى: ~~وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون أو يؤمنون، ثم حذف هذا لعلم السامع، ~~ذكره النحاس وغيره. # قوله تعالى: ونقلب أفئدتهم وأبصرهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في ~~طغيانهم يعمهون (110). # هذه آية مشكلة، ولا سيما وفيها " ونذرهم في طغيانهم يعمهون ". قيل: ~~المعنى ونقلب أفئدتهم وأنظارهم يوم القيامة على لهب النار وحر الجمر، كما ~~لم يؤمنوا في الدنيا. " ونذرهم " في الدنيا، أي نمهلهم ولا نعاقبهم، فبعض ~~الآية في الآخرة، وبعضها في الدنيا. ونظيرها " وجوه يومئذ خاشعة (4) " فهذا ~~في الآخرة. " عاملة ناصبة " في الدنيا. وقيل: ونقلب في الدنيا، أي نحول ~~بينهم وبين الإيمان لو جاءتهم تلك الآية، كما حلنا بينهم وبين الإيمان أول ~~مرة، لما دعوتهم وأظهرت المعجزة. وفي التنزيل: " واعلموا أن الله يحول بين ~~المرء وقلبه ". والمعنى: كان ينبغي أن يؤمنوا إذا جاءتهم الآية فرأوها ~~بأبصارهم وعرفوها بقلوبهم، فإذا لم يؤمنوا كان ذلك بتقليب الله قلوبهم ~~وأبصارهم. كما لم يؤمنوا به ms2466 أول مرة ودخلت الكاف على محذوف، أي فلا يؤمنون ~~كما لم يؤمنوا به أول مرة، أي أول مرة أتتهم الآيات التي عجزوا عن معارضتها ~~مثل القرآن وغيره. وقيل ونقلب أفئدة هؤلاء كيلا # PageV07P065 # يؤمنوا، كما لم تؤمن كفار الأمم السالفة لما رأوا ما اقترحوا من الآيات. ~~وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، أي أنها إذا جاءت لا يؤمنون كما لم يؤمنوا ~~أول مرة ونقلب أفئدتهم وأبصارهم. # (ونذرهم في طغيانهم يعمهون) يتحيرون. وقد مضى في " البقرة (1) ". # قوله تعالى: ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم ~~كل شئ قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون (111) ~~قوله تعالى: (ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة) فرأوهم عيانا. (وكلهم الموتى) ~~بإحيائنا إياهم. (وحشرنا عليهم كل شئ) سألوه من الآيات. قبلا مقابلة، عن ~~ابن عباس وقتادة وابن زيد. وهي قراءة نافع وابن عامر. وقيل: معاينة، لما ~~آمنوا. وقال محمد بن يزيد: # يكون " قبلا " بمعنى ناحية، كما نقول: لي قبل فلان مال، فقبلا نصب على ~~الظرف. وقرأ الباقون " قبلا " بضم القاف والباء، ومعناه ضمناء، فيكون جمع ~~قبيل بمعنى كفيل، نحو رغيف ورغف، كما قال: " أو تأتي بالله والملائكة قبيلا ~~(2) "، أي يضمنون ذلك، عن الفراء. وقال الأخفش: هو بمعنى قبيل قبيل، أي ~~جماعة جماعة، وقال مجاهد، وهو نصب على الحال على القولين. وقال محمد بن ~~يزيد " قبلا " أي مقابلة، ومنه " إن كان قميصه قد من قبل (3) " . ومنه قبل ~~الرجل ودبره لما كان من بين يديه ومن ورائه. ومنه قبل الحيض. حكى أبو زيد: # لقيت فلانا قيلا ومقابلة وقبلا وقبلا، كله بمعنى المواجهة، فيكون الضم ~~كالكسر في المعنى وتستوي القراءتان، قاله مكي. وقرأ الحسن " قبلا " حذف ~~الضمة من الباء لثقلها. وعلى قول الفراء يكون فيه نطق ما لا ينطق، وفي ~~كفالة ما يعقل آية عظيمة لهم. وعلى قول الأخفش يكون فيه اجتماع الأجناس ~~الذي ليس بمعهود. والحشر الجمع. ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله " أن " ~~في موضع استثناء ليس من الأول، أي لكن إن شاء ms2467 ذلك لهم. وقيل: # PageV07P066 # الاستثناء لأهل السعادة الذين سبق لهم في علم الله الإيمان. وفى هذا ~~تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم. (ولكن أكثرهم يجهلون) أي يجهلون الحق ~~وقيل: يجهلون أنه لا يجوز اقتراح الآيات بعد أن رأوا آية واحدة. # قوله تعالى: وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحى بعضهم إلى ~~بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون (112) قوله ~~تعالى: (وكذلك جعلنا لكل نبي) يعزي نبيه ويسليه، أي كما ابتليناك بهؤلاء ~~القوم فكذلك جعلنا لكل نبي قبلك (عدوا) أي أعداء. ثم نعتهم فقال (شياطين ~~الإنس والجن) حكى سيبويه جعل بمعنى وصف. " عدوا " مفعول أول. " لكل نبي " ~~في موضع المفعول الثاني. " شياطين الإنس والجن " بدل من عدو. ويجوز أن يكون ~~" شياطين " مفعولا أول، " عدوا " مفعولا ثانيا، كأنه قيل: جعلنا شياطين ~~الإنس والجن عدوا. وقرأ الأعمش: # " شياطين الجن والإنس " بتقديم الجن. والمعنى واحد. (يوحى بعضهم إلى بعض ~~زخرف القول غرورا) عبارة عما يوسوس به شياطين الجن إلى شياطين الإنس. وسمي ~~وحيا لأنه إنما يكون خفية، وجعل تمويههم زخرفا لتزيينهم إياه، ومنه سمي ~~الذهب زخرفا. وكل شئ حسن مموه فهو زخرف. والمزخرف المزين. وزخارف الماء ~~طرائقه. و " غرورا " نصب على المصدر، لأن معنى " يوحي بعضهم إلى بعض " ~~يغرونهم بذلك غرورا. ويجوز أن يكون في موضع الحال والغرور الباطل. قال ~~النحاس: وروي عن ابن عباس بإسناد ضعيف أنه قال في قول الله عز وجل " يوحي ~~بعضهم إلى بعض " قال: مع كل جني شيطان، ومع كل إنسي شيطان، فيلقى أحدهما ~~الآخر فيقول: إني قد أضللت صاحبي بكذا فأضل صاحبك بمثله. ويقول الآخر مثل ~~ذلك، فهذا وحي بعضهم إلى بعض. وقاله عكرمة والضحاك PageV07P067 # والسدي والكلبي. قال النحاس: والقول الأول يدل عليه " وإن الشياطين ~~ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم (1) "، فهذا يبين معنى ذلك. # قلت: ويدل عليه من صحيح السنة قول عليه السلام: (ما منكم من أحد إلا وقد ~~وكل به قرينه من الجن) قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: (ولا أنا ms2468 إلا أن ~~الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير). روي (فأسلم) برفع الميم ~~ونصبها. فالرفع على معنى فأسلم من شره. # والنصب على معنى فأسلم هو. فقال: (ما منكم من أحد) ولم يقل ولا من ~~الشياطين، إلا أنه يحتمل أن يكون نبه على أحد الجنسين بالآخر، فيكون من باب ~~" سرابيل تقيكم (2) الحر " وفيه بعد، والله أعلم. وروى عوف بن مالك عن أبي ~~ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا أبا ذر هل تعوذت بالله من شر ~~شياطين الإنس والجن)؟ قال قلت: يا رسول الله، وهل للإنس من شياطين؟ قال: ~~(نعم هم شر من شياطين الجن). وقال مالك بن دينار: # إن شيطان الإنس أشد علي من شيطان الجن، وذلك أني إذا تعوذت بالله ذهب عني ~~شيطان الجن، وشيطان الإنس يجيئني فيجرني إلى المعاصي عيانا. وسمع عمر بن ~~الخطاب رضي (3) الله عنه امرأة تنشد: # إن النساء رياحين خلقن لكم * وكلكم يشتهي شم الرياحين فأجابها عمر رضي ~~الله عنه: # إن النساء شياطين خلقن لنا * نعوذ بالله من شر الشياطين قوله تعالى: (ولو ~~شاء ربك ما فعلوه) أي ما فعلوا إيحاء القول بالغرور. فذرهم أمر فيه معنى ~~التهديد. قال سيبويه: ولا يقال وذر ولا ودع، استغنوا عنهما (4) بترك. # قلت: هذا إنما خرج على الأكثر. وفي التنزيل: " وذر الذين (5) " و " ذرهم ~~" و " ما ودعك (6) " . وفي السنة (لينتهن أقوام عن ودعهم الجمعات). وقول: ~~(إذا فعلوا - يريد المعاصي - # PageV07P068 # فقد تودع منهم). قال الزجاج: الواو ثقيلة، فلما كان " ترك " ليس فيه واو ~~بمعنى ما فيه الواو ترك ما فيه الواو. وهذا معنى قول وليس بنصه. # قوله تعالى: ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه ~~وليقترفوا ما هم مقترفون (113). # قوله تعالى: (ولتصغى إليه أفئدة) تصغي تميل، يقال: صغوت أصغو صغوا وصغوا، ~~وصغيت أصغي، وصغيت بالكسر أيضا. يقال منه: صغي يصغى صغى وصغيا، وأصغيت إليه ~~إصغاء بمعنى قال الشاعر: ترى السفيه به عن كل محكمة (1) * وزيغ وفيه إلى ~~التشبيه إصغاء ويقال: أصغيت الإناء إذا أملته ليجتمع ms2469 ما فيه. وأصله الميل ~~إلى الشئ لغرض من الأغراض. ومنه صغت النجوم: مالت للغروب. وفي التنزيل: " ~~فقد صغت قلوبكما (2) " . قال أبو زيد: يقال (3) ضغوه معك وصغوه، وصغاه معك، ~~أي ميله. وفي الحديث: (فأصغى لها الإناء) يعني للهرة. وأكرموا فلانا في ~~صاغيته، أي في قرابته الذين يميلون إليه ويطلبون ما عنده. وأصغت الناقة إذا ~~أمالت رأسها إلى الرجل كأنها تستمع شيئا حين يشد عليها الرحل. قال ذو ~~الرمة: # تصغي إذا شدها بالكور جانحة * حتى إذا ما استوى في غرزها تثب (4) واللام ~~في " ولتصغى " لام كي، والعامل فيها " يوحي " تقديره: يوحي بعضهم إلى بعض ~~ليغروهم ولتصغى. وزعم بعضهم أنها لام الأمر، وهو غلط، لأنه كان يجب " ولتصغ ~~إليه " بحذف الألف، وإنما هي لام كي. وكذلك وليقترفوا إلا أن الحسن قرأ " ~~وليرضوه # PageV07P069 # وليقترفوا " بإسكان اللام، جحلها لام أمر فيه معنى التهديد، كما يقال: ~~أفعل ما شئت. ومعنى واقترفوا ما هم مقترفون أي وليكتسبوا، عن ابن عباس ~~والسدي وابن زيد. يقال خرج يقترف أهله أي يكتسب لهم. وقارف فلان هذا الأمر ~~إذا واقعه وعمله. وقرفتني بما ادعيت علي، أي رميتني بالريبة. وقرف القرحة ~~إذا قشر منها. واقترف كذبا. قال رؤبة: # أعيا اقتراف الكذب المقروف * تقوى التقي وعفة العفيف (1) وأصله اقتطاع ~~قطعة من الشئ. # قوله تعالى: أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتب مفصلا ~~والذين آتيناهم الكتب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين ~~(114) قوله تعالى: (أفغير الله أبتغي حكما) " غير " نصب ب‍ " أبتغي ". " ~~حكما " نصب على البيان، وإن شئت على الحال. والمعنى: أفغير الله أطلب لكم ~~حاكما وهو كفاكم مئونة المسألة في الآيات بما أنزله إليكم من الكتاب ~~المفصل، أي المبين. ثم قيل: الحكم أبلغ من الحاكم، إذ لا يستحق التسمية ~~بحكم إلا من يحكم بالحق، لأنها صفة تعظيم في مدح. والحاكم صفة جارية على ~~الفعل، فقد يسمى بها من يحكم بغير الحق. (والذين آتيناهم الكتاب) يريد ~~اليهود والنصارى. وقيل: من أسلم منهم كسلمان وصهيب وعبد الله بن سلا. ms2470 ~~(يعلمون أنه) أي القرآن. (منزل من ربك بالحق) أي أن كل ما فيه من الوعد ~~والوعيد لحق فلا تكونن من الممترين أي من الشاكين في أنهم يعلمون أنه منزل ~~من عند الله. وقال عطاء: الذين آتينا الكتاب وهم رؤساء أصحاب محمد عليه ~~السلام: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم. # قوله تعالى: وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلمته وهو السميع العليم ~~(115) # PageV07P070 # قوله تعالى: (وتمت كلمات ربك) قراءة أهل الكوفة بالتوحيد، والباقون ~~بالجمع. # قال ابن عباس: مواعيد ربك، فلا مغير لها. والكلمات ترجع إلى العبارات أو ~~إلى المتعلقات من الوعد والوعيد وغيرهما. قال قتادة: الكلمات هي القرآن لا ~~مبدل له، لا يزيد فيه المفترون ولا ينقصون. (صدقا وعدلا) أي فيما وعد وحكم، ~~لا راد لقضائه ولا خلف في وعده. وحكى الرماني، عن قتادة. وحكى الرماني عن ~~قتادة. لا مبدل لها فيما حكم به، أي إنه وإن أمكنه التغيير والتبديل في ~~الألفاظ كما غير أهل الكتاب التوراة والإنجيل فإنه لا يعتد بذلك. ودلت ~~الآية على وجوب اتباع دلالات القرآن، لأنه حق لا يمكن تبديله بما يناقضه، ~~لأنه من عند حكيم لا يخفى عليه شئ من الأمور (كلها (1). # قوله تعالى: وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا ~~الضن وإن هم إلا يخرصون (116) إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم ~~بالمهتدين (117) قوله تعالى: (وإن تطيع أكثر من في الأرض) أي الكفار. ~~(يضلونك عن سبيل الله) أي عن الطريق التي تؤدي إلى ثواب الله. (إن يتبعون ~~إلا الظن) " إن " بمعنى ما، وكذلك (وإن هم إلا يخرصون) أي يحدسون ويقدرون، ~~ومنه الخرص، وأصله القطع. # قال الشاعر: ترى قصد المران فينا كأنه * تذرع خرصان بأيدي الشواطب (2) ~~يعني جريدا يقطع طولا ويتخذ منه الخرص. وهو جمع الخرص، ومنه خرص يخرص النخل ~~خرصا إذا حزره ليأخذ الخراج منه. فالخارص يقطع بما لا يجوز القطع به، إذ لا ~~يقين معه. # PageV07P071 # وسيأتي لهذا مزيد بيان في " الذاريات (1) " إن شاء ms2471 الله تعالى. (إن ربك ~~هو اعلم) قال بعض الناس: إن " أعلم " هنا بمعنى يعلم، وأنشد قول حاتم ~~الطائي: # تحالفت طئ من دوننا حلفا * والله أعلم ما كنا لهم خذلا (2) وقول الخنساء: # الله (3) أعلم أن جفنته * تغدو غداة الريح أو تسري وهذا لا حجة فيه، لأنه ~~لا يطابق " هو أعلم بالمهتدين ". ولأنه يحتمل أن يكون على أصله. # (من يضل عن سبيله) " من " بمعنى أي، فهو في محل رفع والرافع له " يضل ". ~~وقيل: # في محل نصب بأعلم، أي إن ربك أعلم أي الناس يضل عن سبيله. وقيل: في محل ~~نصب بنزع الخافض، أي بمن يضل. قال بعض البصريين، وهو حسن، لقوله: (وهو أعلم ~~بالمهتدين) وقول في آخر النحل: " إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم ~~بالمهتدين (4) " . وقرئ " يضل " وهذا على حذف المفعول، والأول أحسن، لأنه ~~قال: " وهو أعلم بالمهتدين ". # فلو كان من الإضلال لقال وهو أعلم بالهادين. # قوله تعالى: فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين (118) ~~قوله تعالى: (فكلوا مما ذكر اسم الله عليه) نزلت بسبب أناس أتوا النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله إنا نأكل ما نقتل ولا نأكل ما قتل ~~الله؟ فنزلت " فكلوا " إلى قوله " وإن أطعتموهم إنكم لمشركون " خرجه ~~الترمذي وغيره. قال عطاء (5): # هذه الآية أمر بذكر اسم الله على الشراب والذبح وكل مطعوم. وقوله: (إن ~~كنتم بآياته مؤمنين) أي بأحكامه وأوامره آخذين، فإن الإيمان بها يتضمن ~~ويقتضي الأخذ بها والانقياد لها. # PageV07P072 # قوله تعالى: وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما ~~حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك ~~هو أعلم بالمهتدين (119) قوله تعالى: (وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله ~~عليه): المعنى ما المانع لمن أكل ما سميتم عليه ربكم وإن قتلتموه بأيديكم. ~~(وقد فصل) أي بين لكم الحلال من الحرام، وأزيل عنكم اللبس والشك. ف‍ " ما " ~~استفهام يتضمن التقرير. وتقدير الكلام: وأي شئ لكم في ms2472 ألا تأكلوا. " فأن " ~~في موضع خفض بتقدير حرف الجر. ويصح أن تكون في موضع نصب على ألا يقدر حرف ~~جر، ويكون الناصب معنى الفعل الذي في قوله " ما لكم " تقديره أي ما يمنعكم. ~~ثم استثنى فقال (إلا ما اضطررتم إليه) يريد من جميع ما حرم كالميتة وغيرها ~~كما تقدم في (1) البقرة. وهو استثناء منقطع. وقرأ نافع ويعقوب " وقد فصل ~~لكم ما حرم " بفتح الفعلين. وقرأ أبو عمرو وابن عامر وابن كثير بالضم ~~فيهما، والكوفيون " فصل " بالفتح " حرم " بالضم. وقرأ عطية العوفي " فصل " ~~بالتخفيف. ومعناه أبان وظهر، كما قرئ " الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت (2) " ~~أي استبانت. واختار أبو عبيدة قراءة أهل المدينة. # وقيل: " فصل " أي بين، وهو ما ذكره في سورة " المائدة " من قوله: " حرمت ~~عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير (3) " الآية. # قلت: هذا فيه نظر، فإن " الأنعام " مكية والمائدة مدنية فكيف يحيل ~~بالبيان على ما لم ينزل بعد، إلا أن يكون فصل بمعنى يفصل. والله أعلم. # قوله تعالى: (وإن كثيرا ليضلون (4) وقرأ الكوفيون " يضلون " من أضل ~~(بأهوائهم بغير) علم يعني المشركين حيث قالوا: ما ذبح الله بسكينة خير مما ~~ذبحتم بسكاكينكم " بغير علم " أي بغير علم يعلمونه في أمر الذبح، إذ الحكمة ~~فيه إخراج ما حرمه الله علينا من الدم بخلاف ما مات حتف أنفه، ولذلك شرع ~~الذكاة في محل مخصوص ليكون الذبح فيه سببا لجذب كل دم في الحيوان بخلاف ~~غيره من الأعضاء والله أعلم. # PageV07P073 # قوله تعالى: وذروا ظهر الاثم وباطنه إن الذين يكسبون الاثم سيجزون بما ~~كانوا يقترفون (120) قوله تعالى: (وذروا ظاهر الاثم وباطنه) للعلماء فيه ~~أقوال كثيرة وحاصلها راجع إلى أن الظاهر ما كان عملا بالبدن مما نهى الله ~~عنه، وباطنه ما عقد بالقلب من مخالفة أمر الله فيما أمر ونهى، وهذه المرتبة ~~لا يبلغها إلا من اتقى وأحسن، كما قال: " ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا ~~". وهي المرتبة الثالثة. حسب ما تقدم بيانه في المائدة (1). # وقيل: هو ما كان عليه الجاهلية من الزنا الظاهر واتخاذ الحلائل ms2473 في ~~الباطن. وما قدمنا جامع لكل إثم (وموجب لكل أمر (2). # قوله تعالى: ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشيطين ~~ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون (121) قوله ~~تعالى: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق) فيه خمس مسائل: # الأولى - روى أبو داود قال: جاءت اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقالوا: نأكل مما قتلنا ولا نأكل مما قتل الله؟ فأنزل الله عز وجل: " ولا ~~تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه " إلى أخر الآية. وروى النسائي عن ابن ~~عباس في قوله تعالى: " ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه " قال: خاصمهم ~~(3) المشركون فقالوا: ما ذبح الله فلا تأكلوه وما ذبحتم أنتم أكلتموه، فقال ~~الله سبحانه لهم: لا تأكلوا، فإنكم لم تذكروا اسم الله عليها. وتنشأ هنا ~~مسألة أصولية، وهي: # الثانية - وذلك أن اللفظ الوارد على سبب هل يقصر عليه أم لا، فقال ~~علماؤنا: # لا إشكال في صحة دعوى العموم فيما يذكره الشارع ابتداء من صيغ ألفاظ ~~العموم. أما ما ذكره # PageV07P074 # جوابا لسؤال ففيه تفصيل، على ما هو معروف في أصول الفقه، إلا أنه إن أتى ~~بلفظ مستقل دون السؤال لحق بالأول في صحة القصد إلى التعميم. فقول: " لا ~~تأكلوا ا " ظاهر في تناول الميتة، وتدخل فيه ما ذكر عليه غير اسم الله ~~بعموم أنه لم يذكر عليه اسم الله، وبزيادة ذكر غير اسم الله سبحانه عليه ~~الذي يقتضي تحريمه نصا بقول: " وما أهل به لغير الله (1) ". وهل يدخل فيه ~~ما ترك المسلم التسمية عمدا عليه من الذبح، وعند إرسال الصيد. اختلف ~~العلماء في ذلك على أقوال خمسة، وهي (المسألة (2): - الثالثة - القول (2) ~~الأول -: إن تركها سهوا أكلا جميعا، وهو قول إسحاق ورواية عن أحمد بن حنبل. ~~فإن تركها عمدا لم يؤكلا، وقال في الكتاب مالك وابن القاسم، وهو قول أبي ~~حنيفة وأصحابه والثوري والحسن بن حي وعيسى وأصبغ، وقاله سعيد بن جبير ~~وعطاء، وأختاره النحاس وقال: هذا أحسن، لأنه لا ms2474 يسمى فاسقا إذا كان ناسيا. # الثاني: إن تركها عامدا أو ناسيا يأكلهما. وهو قول الشافعي والحسن، وروي ~~ذلك عن ابن عباس وأبي هريرة وعطاء وسعيد بن المسيب وجابر بن زيد وعكرمة ~~وأبي عياض وأبي رافع وطاوس وإبراهيم النخعي وعبد الرحمن بن أبي ليلى ~~وقتادة. وحكى الزهراوي عن مالك بن أنس أنه قال: تؤكل الذبيحة التي تركت ~~التسمية عليها عمدا أو نسيانا. # و (روي (2) عن ربيعة أيضا. قال عبد الوهاب: التسمية سنة، فإذا تركها ~~الذابح ناسيا أكلت الذبيحة في قول مالك وأصحابه. # الثالث: إن تركها عامدا أو ساهيا (3) حرم أكلها، قال محمد بن سيرين وعبد ~~الله بن عياش بن أبي ربيعة وعبد الله بن عمر ونافع وعبد الله بن زيد الخطمي ~~والشعبي، وبه قال أبو ثور وداود بن علي وأحمد في رواية. # الرابع: إن تركها عامدا كره أكلها، قاله القاضي أبو الحسن والشيخ أبو بكر ~~من علمائنا. # PageV07P075 # الخامس: قال أشهب: تؤكل ذبيحة تارك التسمية عمدا إلا أن يكون مستخفا، ~~وقال نحوه الطبري. (أدلة (1) قال الله تعالى: " فكلوا مما ذكر اسم الله ~~عليه " وقال: # " ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه " فبين الحالين وأوضح الحكمين. ~~فقول: " لا تأكلوا " نهي على التحريم لا يجوز حمله على الكراهة، لتناول في ~~بعض مقتضياته الحرام المحض، ولا يجوز أن يتبعض، أي يراد به التحريم ~~والكراهة معا، وهذا من نفيس الأصول. وأما الناسي فلا خطاب توجه إليه إذ ~~يستحيل خطابه، فالشرط ليس بواجب عليه. وأما التارك للتسمية عمدا فلا يخلو ~~من ثلاثة أحوال: إما أن يتركها إذا أضجع الذبيحة ويقول: قلبي مملوء من ~~أسماء الله تعالى وتوحيده فلا أفتقر إلى ذكر بلساني، فذلك يجزئه لأنه ذكر ~~الله جل جلاله وعظمه. أو يقول: إن هذا ليس بموضع تسمية صريحة، إذ ليست ~~بقربة، فهذا أيضا يجزئه. أو يقول: لا أسمي، وأي قدر للتسمية، فهذا متهاون ~~فاسق لا تؤكل ذبيحته. # قال ابن العربي: وأعجب لرأس المحققين أمام الحرمين حيث قال: ذكر الله ~~تعالى إنما شرع في القرب، والذبح ليس ms2475 بقربة. وهذا يعارض القرآن والسنة، قال ~~صلى الله عليه وسلم في الصحيح: (ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل). فإن ~~قيل: المراد بذكر اسم الله بالقلب، لأن الذكر يضاد النسيان ومحل النسيان ~~القلب فمحل الذكر القلب، وقد روى البراء بن عازب: اسم الله على قلب كل مؤمن ~~سمى أو لم يسم. قلنا: الذكر باللسان وبالقلب، والذي كانت العرب تفعله تسمية ~~الأصنام والنصب باللسان، فنسخ الله ذلك بذكره في الألسنة، واشتهر ذلك في ~~الشريعة حتى قيل لمالك: هل يسمي الله تعالى إذا توضأ فقال: أيريد أن يذبح. ~~وأما الحديث الذي تعلقوا به من قوله: (اسم الله على قلب كل مؤمن) فحديث ~~ضعيف. وقد استدل جماعة من أهل العلم على أن التسمية على الذبيحة ليست ~~بواجبة، لقوله عليه السلام لأناس سألوه، قالوا: يا رسول الله، إن قوما ~~يأتوننا باللحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " سموا الله عليه وكلوا ". أخرجه الدارقطني عن عائشة ومالك ~~مرسلا عن هشام بن عروة عن أبيه، لم يختلف عليه في إرساله. # PageV07P076 # وتأوله بأن قال في آخره: وذلك في أول الإسلام. يريد قبل أن ينزل عليه " ~~ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ". قال أبو عمر: وهذا ضعيف، وفي ~~الحديث نفسه ما يرده، وذلك أنه أمرهم فيه بتسمية الله على الأكل، فدل على ~~أن الآية قد كانت نزلت عليه. # ومما يدل على صحة ما قلناه أن هذا الحديث كان بالمدينة، ولا يختلف ~~العلماء أن قوله تعالى: # " ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه " نزل في سورة " الأنعام " بمكة. ~~ومعنى (وإنه لفسق) أي لمعصية عن ابن عباس. والفسق: الخروج. وقد تقدم (1). # الرابعة - قوله تعالى: (وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم) أي يوسوسون ~~فيلقون في قلوبهم الجدال بالباطل. روى أبو داود عن ابن عباس في قول: " وإن ~~الشياطين ليوحون إلى أوليائهم " يقولون: ما ذبح الله فلا تأكلوه، وما ذبحتم ~~أنتم فكلوه، فأنزل الله " ولا تأكلوا مما لو يذكر اسم ms2476 الله عليه " قال ~~عكرمة: عنى بالشياطين في هذه الآية مردة الإنس من مجوس فارس. وقال ابن عباس ~~وعبد الله بن كثير: بل الشياطين الجن، وكفرة الجن أولياء قريش. وروي عن عبد ~~الله بن الزبير أنه قيل له: إن المختار يقول: يوحى إلى فقال: صدق، إن ~~الشياطين ليوحون إلى أوليائهم. (وقوله: (2) " ليجادلوكم ". يريد (قولهم ~~(2): # ما قتل الله لم تأكلوه وما قتلتموه أكلتموه. والمجادلة: دفع القول على ~~طريق الحجة بالقوة، مأخوذ من الأجدل، طائر قوي. وقيل: هو مأخوذ من الجدالة، ~~وهي الأرض، فكأنه يغلبه بالحجة يقهره حتى يصير كالمجدول بالأرض. وقيل: هو ~~مأخوذ من الجدل، وهو شدة القتل، فكأن كل واحد منهما يفتل حجة صاحبه حتى ~~يقطعها (3)، وتكون حقا في نصرة الحق وباطلا في نصرة الباطل. # الخامسة - قوله تعالى: (وإن أطعتموهم) أي في تحليل الميتة (إنكم لمشركون) ~~فدلت الآية على أن من استحل شيئا مما حرم الله تعالى صار به مشركا. وقد حرم ~~الله سبحانه المية نصا، فإذا قبل تحليلها من غيره فقد أشرك. قال ابن ~~العربي: إنما يكون المؤمن بطاعة # PageV07P077 # المشرك مشركا إذا أطاعه في الاعتقاد، فأما إذا أطاعه في الفعل وعقده سليم ~~مستمر على التوحيد والتصديق فهو عاص، فافهموه. وقد مضى في " المائدة (1) ". # قوله تعالى: أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشى به في الناس ~~كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون ~~(122) قوله تعالى: (أو من كان ميتا فأحييناه) قرأ الجمهور بفتح الواو، دخلت ~~عليها همزة الاستفهام. وروى المسيبي عن نافع بن أبي نعيم " أو من كان " ~~بإسكان الواو. قال النحاس: يحوز أن يكون محمولا على المعنى، أي انظروا ~~وتدبروا أغير الله أبتغي حكما. # " أو من كان ميتا فأحييناه " قيل: معناه كان ميتا حين كان نطفة فأحييناه ~~بنفخ الروح فيه، حكاه ابن بحر. وقال ابن عباس: أو من كان كافرا فهديناه. ~~نزلت في حمزة بن عبد المطلب وأبي جهل. وقال زيد بن أسلم والسدي: " فأحييناه ~~" عمر (رضي الله عنه (2). " كمن مثله في ms2477 الظلمات " أبو جهل لعنه الله (2). ~~والصحيح أنها عامة في كل مؤمن وكافر. وقيل: # كان ميتا بالجهل فأحييناه بالعلم. وأنشد بعض أهل العلم ما يدل على صحة ~~هذا التأويل لبعض شعراء (البصرة (3): # وفي الجهل قبل الموت موت لأهله * فأجسامهم قبل القبور قبور وإن امرأ لم ~~يحي بالعلم ميت * فليس له حتى النشور نشور والنور عبارة عن الهدى والإيمان. ~~وقال الحسن: القرآن. وقيل: الحكمة. وقيل: هو النور المذكور في قول: " يسعى ~~نورهم بين أيديهم وبأيمانهم (4) " وقوله: " انظرونا نقتبس من نوركم ". " ~~يمشى به " أي بالنور في الناس كمن مثله في الظلمات " أي كمن هو فمثل زائدة. ~~تقول: أنا أكرم مثلك، أي أكرمك. ومثله " فجزاء مثل ما قتل من النعم (5) "، # PageV07P078 # " ليس كمثله (1) شئ ". وقيل: المعنى كمن مثله مثل من هو في الظلمات. ~~والمثل والمثل واحد. (كذلك زين للكافرين ما كانوا يعلمون) أي زين لهم ~~الشيطان عبادة الأصنام وأوهمهم أنهم أفضل من المسلمين. # قوله تعالى: وكذلك جعلنا في كل قرية أكبر مجرميها ليمكروا فيها وما ~~يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون (123) قوله تعالى: (وكذلك جعلنا في كل قرية ~~أكابر مجرميها) المعنى: وكما زينا للكافرين ما كانوا يعملون كذلك جعلنا في ~~كل قرية. " مجرميها " مفعول أول لجعل " أكابر " مفعول ثاني على التقديم ~~والتأخير. وجعل بمعنى صير. والأكابر جمع الأكبر. قال مجاهد: يريد العظماء ~~(2). وقيل: الرؤساء والعظماء. وخصهم بالذكر لأنهم أقدر على الفساد. والمكر ~~الحيلة في مخالفة الاستقامة، أصله الفتل، فالماكر يفتل عن الاستقامة أي ~~يصرف عنها. قال مجاهد: كانوا يجلسون على كل عقبة أربعة ينفرون الناس عن ~~اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، كما فعل من قبلهم من الأمم السالفة ~~بأنبيائهم. (وما يمكرون إلا بأنفسهم) أي وبال مكرهم راجع إليهم. وهو من ~~الله عز وجل الجزاء على مكر الماكرين بالعذاب الأليم. # (وما يشعرون) في الحال، لفرط جهلهم أن وبال مكرهم عائد إليهم. # قوله تعالى: وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتى رسل ~~الله الله أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا صغار عند ms2478 الله وعذاب ~~شديد بما كانوا يمكرون (124) قوله تعالى: " وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن ~~" بين شيئا آخر من جهلهم، وهو أنهم قالوا لن نؤمن حتى نكون أنبياء، فنؤتي ~~مثل ما أوتي موسى وعيسى من الآيات، ونظيره # PageV07P079 # " بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة (1) " والكناية في " جاءتهم " ~~ترجع إلى الأكابر الذين جرى ذكرهم. قال الوليد بن المغيرة: لو كانت النبوة ~~حقا لكنت أولى بها منك، لأني أكبر منك سنا، وأكثر منك ما لا. وقال أبو جهل: ~~والله لا نرضى به ولا نتبعه أبدا، إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه، فنزلت ~~الآية. وقيل: لم يطلبوا النبوة ولكن قالوا لا نصدقك حتى يأتينا جبريل ~~والملائكة يخبروننا بصدقك. والأول أصح، لأن الله تعالى قال: " الله أعلم ~~حيث يجعل رسالته (2) " أي بمن هو مأمون عليها وموضع لها. و " حيث " ليس ~~ظرفا هنا، بل هو اسم نصب نصب المفعول به على الاتساع، أي الله أعلم أهل ~~الرسالة. وكان الأصل الله أعلم بمواضع رسالته، ثم حذف الحرف، ولا يجوز أن ~~يعمل " أعلم " في " حيث " ويكون ظرفا، لأن المعنى يكون على ذلك الله أعلم ~~في هذا الموضع، وذلك لا يجوز أن يوصف به الباري تعالى، وإنما موضعها نصب ~~بفعل مضمر دل عليه " أعلم ". وهي اسم كما ذكرنا. # والصغار: الضيم والذل والهوان، وكذلك الصغر (بالضم). والمصدر الصغر ~~(بالتحريك). # وأصله من الصغر دون الكبر، فكأن الذل يصغر إلى المرء نفسه، وقيل: أصله من ~~الصغر وهو الرضا بالذل، يقال منه: صغر يصغر بفتح الغين في الماضي وضمها في ~~المستقبل. وصغر بالكسر يصغر بالفتح لغتان، صغرا وصغارا، واسم الفاعل صاغر ~~وصغير. والصاغر: الراضي بالضيم. والمصغوراء الصغار. وأرض مصغرة: نبتها (3) ~~لم يطل، عن ابن السكيت. " عند الله " أي من عند الله، فحذف. وقيل: فيه ~~تقديم وتأخير، أي سيصيب الذين أجرموا عند الله صغار. الفراء: سيصيب الذين ~~أجرموا صغار من الله. وقيل: المعنى سيصيب الذين أجرموا صغار ثابت عند الله. ~~قال النحاس: وهذا أحسن الأقوال، لأن " عند " في موضعها. # قوله تعالى: فمن ms2479 يرد الله أن يهديه يشرح صدره للأسلم ومن يرد أن يضله ~~يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين ~~لا يؤمنون (125) # PageV07P080 # قوله تعالى: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام) أي يوسعه له، ~~ويوفقه ويزين عنده ثوابه. ويقال: شرح شق، وأصله التوسعة. وشرح الله صدره ~~وسعه بالبيان لذلك. وشرحت الأمر: بنته وأوضحته. وكانت قريش تشرح النساء ~~شرحا، وهو مما تقدم: # من التوسعة والبسط، وهو وطء المرأة مستلقية على قفاها. فالشرح: الكشف، ~~تقول: # شرحت الغامض، ومنه تشريح اللحم. قال الراجز: # كم قد أكلت كبدا وإنفحه * ثم ادخرت إليه مشرحه والقطعة منه شريحة. وكل ~~سمين من اللحم ممتد فهو شريحة. (ومن يرد أن يضله) يغويه (يجعل صدره ضيقا ~~حرجا) وهذا رد على القدرية. ونظير هذه الآية من السنة قوله عليه السلام: ~~(من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين) أخرجه الصحيحان. ولا يكون ذلك إلا ~~بشرح الصدر وتنويره. والدين العبادات، كما قال: " إن الدين عند الله ~~الإسلام (1) " ودليل خطابه أن من لم يرد الله به خيرا ضيق صدره، وأبعد فهمه ~~فلم يفقهه. والله أعلم. وروي أن عبد الله بن مسعود قال: يا رسول الله، وهل ~~ينشرح الصدر؟ فقال: (نعم يدخل القلب نور) فقال: وهل لذلك من علامة؟ فقال ~~صلى الله عليه وسلم: (التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود ~~والاستعداد للموت قبل نزول الموت). وقرأ ابن كثير " ضيقا " بالتخفيف، مثل ~~(2) هين ولين لغتان. ونافع وأبو بكر " حرجا " بالكسر، ومعناه الضيق. # كرر (3) المعنى، وحسن ذلك لاختلاف اللفظ. والباقون بالفتح. جمع حرجة، وهو ~~شدة الضيق أيضا، والحرجة الغيضة (4)، والجمع حرج وحرجات. ومنه فلان يتحرج ~~أي يضيق على نفسه في تركه هواه للمعاصي، قال الهروي. وقال ابن عباس: الحرج ~~موضع الشجر الملتف، فكأن قلب الكافر لا تصل إليه الحكمة كما لا تصل الراعية ~~إلى الموضع الذي التف شجره. # وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذا المعنى، ذكره مكي والثعلبي ~~وغيرهما. وكل ضيق حرج. قال الجوهري: ms2480 مكان حرج وحرج أي ضيق كثير الشجر لا ~~تصل إليه # PageV07P081 # الراعية. وقرئ " يجعل صدره ضيقا حرجا " و " حرجا ". وهو بمنزلة الوحد ~~والوحد والفرد والفرد والدنف والدنف، في معنى واحد، وحكاه غيره عن الفراء. ~~وقد حرج صدره يحرج حرجا. والحرج الإثم. والحرج أيضا: الناقة الضامرة. ~~ويقال: الطويلة على وجه الأرض، عن أبي زيد، فهو لفظ مشترك. والحرج: خشب يشد ~~بعضه إلى بعض يحمل فيه الموتى، عن الأصمعي. وهو قول امرئ القيس: # فإما تريني في رحالة جابر * على حرج كالقر تخفق أكفاني (1) وربما وضع فوق ~~نعش النساء، قال عنترة يصف ظليما: # يتبعن قلة رأسه وكأنه * حرج على نعش لهن مخيم (2) وقال الزجاج: الحرج: ~~أضيق الضيق. فإذا قيل. فلان حرج الصدر، فالمعنى ذو حرج في صدره. فإذا قيل: ~~حرج فهو فاعل. قال النحاس: حرج اسم الفاعل، وحرج مصدر وصف به، كما يقال: ~~رجل عدل ورضا. # قوله تعالى: (كأنما يصعد في السماء) قرأه ابن كثير بإسكان الصاد مخففا، ~~من الصعود هو الطلوع. شبه الله الكافر في نفوره من الإيمان وثقله عليه ~~بمنزلة من تكلف ما لا يطيقه، كما أن صعود السماء لا يطاق. وكذلك يصاعد ~~وأصله يتصاعد، أدغمت التاء في الصاد، وهي قراءة أبي، بكر والنخعي، إلا أن ~~فيه معنى فعل شئ بعد شئ، وذلك أثقل على فاعله. وقرأ الباقون بالتشديد من ~~غير ألف، وهو كالذي قبله. معناه يتكلف ما لا يطيق شيئا بعد شئ، كقولك: ~~يتجرع ويتفوق (3). وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قرأ " كأنما يتصعد ". قال ~~النحاس: ومعنى هذه القراءة وقراءة من قرأ يصعد ويصاعد واحد. والمعنى فيهما ~~أن الكافر من ضيق صدره كأنه يريد أن يصعد إلى السماء وهو لا يقدر على ذلك، # PageV07P082 # فكأنه يستدعي ذلك. وقيل: المعنى كاد قلبه يصعد إلى السماء نبوا عن ~~الإسلام. كذلك يجعل الله الرجس عليهم، كجعله ضيق الصدر في أجسادهم. وأصل ~~الرجس في اللغة النتن. # قال ابن زيد: هو العذاب وقال ابن عباس: (الرجس (1) هو) الشيطان، أي يسلطه ~~عليهم. # وقال مجاهد: الرجس ما لا ms2481 خير فيه. وكذلك الرجس عند أهل اللغة هو النتن. ~~فمعنى الآية والله أعلم: ويجعل اللعنة في الدنيا والعذاب في الآخرة. (على ~~الذين لا يؤمنون). # قوله تعالى: وهذا صراط ربك مستقيما قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون (126) ~~قوله تعالى: (وهذا صراط ربك مستقيما) أي هذا الذي أنت عليه يا محمد ~~والمؤمنون دين ربك لا اعوجاج فيه. (قد فصلنا الآيات) أي بيناها (لقوم ~~يذكرون). # قوله تعالى: لهم دار السلم عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعلمون (127) ~~قوله تعالى: (لهم) أي للمتذكرين. (دار السلام) أي الجنة، فالجنة دار الله، ~~كما يقال: الكعبة بيت الله. ويجوز أن يكون المدار السلامة، أي التي يسلم ~~فيها من الآفات. ومعنى (عند ربهم) أي مضمونة لهم عنده يوصلهم إليها بفضله. ~~(وهو وليهم) أي ناصرهم ومعينهم. # قوله تعالى: ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الانس وقال ~~أولياؤهم من الانس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال ~~النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم (128) # PageV07P083 # قوله تعالى: (ويوم نحشرهم (1) نصب على الفعل المحذوف، أي ويوم نحشرهم ~~نقول. # (جميعا) نصب على الحال. والمراد حشر جميع الخلق في موقف القيامة. (يا ~~معشر الجن) نداء مضاف. (قد استكثرتم من الإنس) أي من الاستمتاع بالإنس، ~~فحذف المصدر المضاف إلى المفعول، وحرف الجر، يدل على ذلك قوله: (ربنا ~~استمتع بعضا ببعض) وهذا يرد قول من قال: إن الجن هم الذين استمتعوا من ~~الإنس، لأن الإنس قبلوا منهم. والصحيح أن كل واحد مستمتع بصاحبه. والتقدير ~~في العربية: استمتع بعضنا بعضا، فاستمتاع الجن من الإنس إنهم تلذذوا بطاعة ~~الإنس إياهم، وتلذذ الإنس بقبولهم من الجن حتى زنوا وشربوا الخمور بإغواء ~~الجن إياهم. وقيل: كان الرجل إذا مر بواد في سفره وخاف على نفسه قال: أعوذ ~~برب (2) هذا الوادي من جميع ما أحذر. وفي التنزيل: " وأنه كان رجال من ~~الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا (3) ". فهذا استمتاع الإنس بالجن. ~~وأما استمتاع الجن بالإنس فما كانوا يلقون إليهم من ms2482 الأراجيف والكهانة ~~والسحر. وقيل: استمتاع الجن بالإنس أنهم يعترفون أن الجن يقدرون أن يدفعوا ~~عنهم ما يحذرون. ومعنى الآية تقريع الضالين والمضلين وتوبيخهم في الآخرة ~~على أعين العالمين. (وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا) يعني الموت والقبر، ~~ووافينا نادمين. (قال النار مثواكم) أي موضع مقامكم. والمثوى المقام. ~~(خالدين فيها إلا ما شاء الله) استثناء ليس من الأول. قال الزجاج: يرجع إلى ~~يوم القيامة، أي خالدين في النار إلا ما شاء الله من مقدار حشرهم من قبورهم ~~ومقدار مدتهم في الحساب، فالاستثناء قطع. وقيل: يرجع الاستثناء إلى النار، ~~أي إلا ما شاء الله من تعذيبكم بغير النار في بعض الأوقات. وقال ابن عباس: ~~الاستثناء لأهل الإيمان. ف‍ " ما " على هذا بمعنى من. وعنه أيضا أنه قال: # هذه الآية توجب الوقف في جميع الكفار. ومعنى ذلك أنها توجب الوقف فيمن لم ~~يمت، إذ قد يسلم. وقيل: " إلا ما شاء الله " من كونهم في الدنيا بغير عذاب. ~~ومعنى هذه الآية معنى الآية التي في " هود ". قول: " فأما الذين شقوا ففي ~~النار " وهناك يأتي مستوفى إن شاء (4) الله. # إن ربك حكيم أي في عقوبتهم وفي جميع أفعال عليم بمقدار مجازاتهم. # PageV07P084 # قوله تعالى: وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون (129) قوله ~~تعالى: " وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا " المعنى وكما فعلنا بهؤلاء مما ~~وصفته لكم من استمتاع بعضهم ببعض أجعل بعض الظالمين أولياء بعض، ثم يتبرأ ~~بعضهم من بعض غدا. ومعنى " نولي " على هذا نجعل وليا. قال ابن زيد: نسلط ~~ظلمة الجن على ظلمة الإنس. # وعنه أيضا: نسلط بعض الظلمة على بعض فيهلكه ويذله. وهذا تهديد للظالم إن ~~لم يمتنع من ظلمه سلط الله عليه ظالما آخر. ويدخل في الآية جميع من يظلم ~~نفسه (1) أو يظلم الرعية، أو التاجر يظلم الناس في تجارته أو السارق ~~وغيرهم. وقال فضيل بن عياض: إذا رأيت ظالما ينتقم من ظالم فقف، وانظر فيه ~~متعجبا. وقال ابن عباس: إذا رضي الله عن قوم ولى أمرهم خيارهم، إذا سخط ~~الله على قوم ms2483 ولى أمرهم شرارهم. وفي الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم: # (من أعان ظالما سلطه الله عليه). وقيل: المعنى نكل بعضهم إلى بعض فيما ~~يختارونه من الكفر، كما نكلهم غدا إلى رؤسائهم الذين لا يقدرون على تخليصهم ~~من العذاب أي كما نفعل بهم ذلك في الآخرة كذلك نفعل بهم في الدنيا. وقد قيل ~~في قوله تعالى: " نوله ما تولى (2) " نكله إلى ما وكل إليه نفسه. قال ابن ~~عباس: تفسيرها هو أن الله إذا أراد بقوم شرا (3) ولى أمرهم شرارهم. يدل ~~عليه قول تعالى: " وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم (4) " . قوله ~~تعالى: يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي ~~وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا ~~وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كفرين (130) قوله تعالى: (يا معشر الجن ~~والإنس ألم يأتكم) أي يوم نحشرهم نقول (لهم (5)) ألم يأتكم رسل فحذف، ~~فيعترفون بما فيه افتضاحهم. ومعنى " منكم " في الخلق والتكليف والمخاطبة. # PageV07P085 # ولما كانت الجن ممن يخاطب ويعقل قال: " منكم " وإن كانت الرسل من الإنس ~~وغلب الإنس في الخطاب كما يغلب المذكر على المؤنث. وقال ابن عباس: رسل الجن ~~هم الذين بلغوا قومهم ما سمعوه من الوحي، كما قال: " ولوا إلى قومهم منذرين ~~(1) ". وقال مقاتل والضحاك: # أرسل الله رسلا من الجن كما أرسل من الإنس. وقال مجاهد: الرسل من الإنس، ~~والنذر من الجن، تقرأ " إلى قومهم منذرين (1) ". وهو معنى قول ابن عباس، ~~وهو الصحيح على ما يأتي بيانه في " الأحقاف (1) ". وقال الكلبي (2): كانت ~~الرسل قبل أن يبعث محمد صلى الله عليه وسلم يبعثون إلى الإنس والجن جميعا. # قلت: وهذا لا يصح، بل في صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أعطيت خمسا لم يعطهن نبي قبلي كان ~~كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود) الحديث. على ما يأتي ~~بيانه في " الأحقاف (1) ". # وقال ابن عباس: كانت الرسل تبعث إلى الإنس وإن محمدا ms2484 صلى الله عليه وسلم ~~بعث إلى الجن والإنس، ذكره أبو الليث السمرقندي. وقيل: كان قوم من الجن: ~~استمعوا إلى الأنبياء ثم عادوا إلى قومهم وأخبروهم، كالحال مع نبينا عليه ~~السلام. فيقال لهم رسل الله، وإن لم ينص على إرسالهم. وفي التنزيل: " يخرج ~~منهما اللؤلؤ والمرجان (3) " أي من أحدهما، وإنما يخرج من الملح دون العذب، ~~فكذلك الرسل من الإنس دون الجن، فمعنى " منكم " أي من أحدكم. وكان هذا ~~جائزا، لأن ذكرهما سبق. وقيل: إنما صير الرسل في مخرج اللفظ من الجميع لأن ~~الثقلين قد ضمتهما عرصة القيامة، والحساب عليهم دون الخلق، فلما صاروا في ~~تلك العرصة في حساب واحد في شأن الثواب والعقاب خوطبوا يومئذ بمخاطبة واحدة ~~كأنهم جماعة واحدة، لأن بدء خلقهم للعبودية، والثواب والعقاب على العبودية، ~~ولأن الجن أصلهم من مارج من نار، وأصلنا من تراب، وخلقهم غير خلقنا، فمنهم ~~مؤمن وكافر. # PageV07P086 # وعدونا إبليس عدو لهم، يعادي مؤمنهم ويوالي كافرهم. وفيهم أهواء: شيعة ~~وقدرية ومرجئة يتلون كتابنا. وقد وصف الله عنهم في سورة " الجن " من قوله: ~~" وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون ". " وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك ~~كنا طرائق قددا (1) " على ما يأتي بيانه هناك. " يقصون " في موضع رفع نعت ~~لرسل. (قالوا شهدنا على أنفسنا) أي شهدنا أنهم بلغوا. (وغرتهم الحياة ~~الدنيا) قيل: هذا خطاب من الله للمؤمنين، أي أن هؤلاء قد غرتهم الحياة ~~الدنيا، أي خدعتهم وظنوا أنها تدوم، وخافوا زوالها عنهم إن آمنوا. (وشهدوا ~~على أنفسهم) أي اعترفوا بكفرهم. قال مقاتل: هذا حين شهدت عليهم الجوارح ~~بالشرك وبما كانوا يعملون (2). # قوله تعالى: ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غفلون (131) قوله ~~تعالى: " ذلك " في موضع رفع عند سيبويه، أي الأمر ذلك. و " أن " مخففة من ~~الثقيلة، أي إنما فعلنا هذا بهم لأني لم أكن أهلك القرى بظلمهم، أي بشركهم ~~قبل إرسال الرسل إليهم فيقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير. وقيل: لم أكن ~~أهلك القرى بشرك من أشرك منهم، فهو مثل " ولا تزر وازرة وزر ms2485 أخرى (3) ". ~~ولو أهلكهم قبل بعثة الرسل فله أن يفعل ما يريد. وقد قال عيسى: " إن تعذبهم ~~فإنهم عبادك (4) " وأجاز الفراء أن يكون " ذلك " في موضع نصب، المعنى: فعل ~~ذلك بهم، لأنه لم يكن يهلك القرى بظلم. # قوله تعالى: ولكل درجت مما عملوا وما ربك بغافل عما يعلمون (132) قوله ~~تعالى: (ولكل درجت مما عملوا) أي من الجن والإنس، كما قال في أية أخرى: " ~~أولئك الذين حق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم ~~كانوا خاسرين " ثم قال: " ولكل درجات مما عملوا وليوفيهم أعمالهم وهم لا ~~يظلمون ". وفي هذا ما يدل على أن المطيع من الجن في الجنة، والعاصي منهم في ~~النار، كالإنس سواء. وهو أصح # PageV07P087 # ما قيل في ذلك فاعلمه. ومعنى " ولكل درجات " أي ولكل عامل بطاعة درجات في ~~الثواب ولكل عامل بمعصية دركات في العقاب. (وما ربك بغافل) أي ليس بلاه ولا ~~ساه. والغفلة أن يذهب الشئ عنك لاشتغالك بغيره. (عما يعلمون) قرأه ابن عامر ~~بالتاء، الباقون بالياء. # قوله تعالى: وربك الغنى ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما ~~يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين (133) قوله تعالى: (وربك الغنى) أي عن ~~خلقه وعن أعمالهم. (ذو الرحمة) أي بأوليائه وأهل طاعته (إن يشأ يذهبكم) ~~بالإماتة والاستئصال بالعذاب. (ويستخلف من بعدكم ما يشاء) أي خلقا آخر أمثل ~~منكم وأطوع. (كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين) والكاف في موضع نصب، أي يستخلف ~~من بعدكم ما يشاء استخلافا مئل ما أنشأكم، ونظيره " إن يشأ يذهبكم أيها ~~الناس ويأت بآخرين (1) ". " وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم (2) ". فالمعنى ~~يبدل غيركم مكانكم، كما تقول: أعطيتك من دينارك ثوبا. # قوله تعالى: إن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين (134) قوله تعالى: (إن ما ~~توعدون لآت) يحتمل أن يكون من " أوعدت " في الشر، والمصدر الإيعاد. والمراد ~~عذاب الآخرة. ويحتمل أن يكون من " وعدت " على أن يكون المراد الساعة التي ~~في مجيئها الخير والشر فغلب الخير. روي معناه عن الحسن. (وما أنتم بمعجزين) ~~أي ms2486 فائتين، يقال: أعجزني فلان، أي فاتني وغلبني. # قوله تعالى: قل يقوم اعلموا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من تكون له ~~عقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون (135) # PageV07P088 # قوله تعالى: (قل يا قوم اعملوا على مكانتكم) وقرأ أبو بكر بالجمع " ~~مكاناتكم ". والمكانة الطريقة. والمعنى أثبتوا على ما أنتم عليه فأنا أثبت ~~على ما أنا عليه. فإن قيل: كيف يجوز أن يؤمروا بالثبات على ما هم عليه وهم ~~كفار. فالجواب أن هذا تهديد، كما قال عز وجل: # " فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا (1) ". ودل عليه " فسوف تعلمون من تكون ~~له عاقبة الدار " أي العاقبة المحمودة التي يحمد صاحبها عليها، أي من له ~~النصر في دار الإسلام، ومن له وراثة الأرض، ومن له الدار الآخرة، أي الجنة. ~~قال الزجاج: " مكانتكم " تمكنكم في الدنيا. # ابن عباس والحسن والنخعي: على ناحيتكم. القتبي: على موضعكم. (إني عامل) ~~على مكانتي، فحذف لدلالة الحال عليه. " ومن " من قوله " من تكون له عاقبة ~~الدار " في موضع نصب بمعنى الذي، لوقوع العلم عليه. ويجوز تكون في موضع ~~رفع، لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله فيكون الفعل معلفا. أي تعلمون أينا ~~تكون له عاقبة الدار، كقول: " لنعلم أي الحزبين أحصى (2) " وقرأ حمزة ~~والكسائي " من يكون " بالياء. # وجعلوا الله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا ~~لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى ~~شركائهم ساء ما يحكمون (136) قوله تعالى: (وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث ~~والأنعام نصيبا) فيه مسألة واحدة ويقال: ذرأ يذرأ ذرءا، أي خلق. وفي الكلام ~~حذف واختصار (3)، وهو وجعلوا لأصنامهم نصيبا، دل عليه ما بعده. وكان هذا ~~مما زينه الشيطان وسوله لهم، (حتى (4) صرفوا من ماله طائفة إلى الله بزعمهم ~~وطائفة إلى أصنامهم، قاله ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة. والمعنى متقارب. # جعلوا لله جزءا ولشركائهم جزءا، فإذا ذهب ما لشركائهم بالإنفاق عليها ~~وعلى سدنتها عوضوا منه ما لله، وإذا ذهب ما لله بالإنفاق على الضيفان ~~والمساكين لم يعوضوا منه ms2487 شيئا، وقالوا: # PageV07P089 # الله مستغن عنه وشركاؤنا فقراء. وكان هذا من جهالاتهم وبزعمهم. والزعم ~~الكذب. قال شريح القاضي: إن لكل شئ كنية وكنية الكذب زعموا. وكانوا يكذبون ~~في هذه الأشياء لأنه لم ينزل بذلك شرع. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه ~~قال: من أراد أن يعلم جهل العرب فليقرأ ما فوق الثلاثين والمائة من سورة ~~الأنعام إلى قوله: " قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم ". قال ابن ~~العربي: وهذا الذي قاله كلام صحيح، فإنها تصرفت بعقولها العاجزة في تنويع ~~الحلال والحرام سفاهة بغير معرفة ولا عدل، والذي تصرفت بالجهل فيه من اتخاذ ~~الآلهة أعظم جهلا وأكبر جرما، فإن الاعتداء على الله تعالى أعظم من ~~الاعتداء على المخلوقات. والدليل في أن الله واحد في ذاته واحد في صفاته ~~واحد في مخلوقاته أبين وأوضح من الدليل على أن هذا حلال وهذا حرام. وقد روي ~~أن رجلا قال لعمرو بن العاص: إنكم على كمال عقولكم ووفور أحلامكم عبدتم ~~الحجر! فقال عمرو: تلك عقول كادها باريها. فهذا الذي أخبر الله سبحانه من ~~سخافة العرب وجهلها أمر أذهبه الإسلام، وأبطله الله ببعثه الرسول عليه ~~السلام. فكان من الظاهر لنا أن نميته حتى لا يظهر، وننساه حتى لا يذكر، إلا ~~أن ربنا تبارك وتعالى ذكره بنصه وأورده بشرحه، كما ذكر كفر الكافرين به. ~~وكانت الحكمة في ذلك - والله أعلم - أن قضاءه قد سبق، وحكمه قد نفذ بأن ~~الكفر والتخليط لا ينقطعان إلى يوم القيامة. وقرأ يحيى بن وثاب والسلمي ~~والأعمش والكسائي " بزعمهم " بضمه الزاي. # والباقون بفتحها، وهما لغتان. (فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله) أي ~~إلى المساكين. # (ساء ما يحكمون) أي ساء الحكم حكمهم. قال ابن زيد: كانوا إذا ذبحوا ما ~~لله ذكروا عليه اسم الأوثان، وإذا ذبحوا ما لأوثانهم لم يذكروا عليه اسم ~~الله، فهذا معنى " فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله ". فكان تركهم لذكر ~~الله مذموما منهم وكان داخلا في ترك أكل ما لم يذكر اسم الله عليه. # قوله تعالى: ms2488 وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم ~~وليلبسوا عليهم دينهم ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون (137) ~~PageV07P090 # قوله تعالى: (وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم) المعنى: # فكما زين لهؤلاء أن جعلوا لله نصيبا ولأصنامهم نصيبا كذلك زين لكثير من ~~المشركين قتل أولادهم شركاؤهم. قال مجاهد وغيره: زينت لهم قتل البنات مخافة ~~العيلة. قال الفراء والزجاج: شركاؤهم ها هنا هم الذين كانوا يخدمون ~~الأوثان. وقيل: هم الغواة من الناس. # وقيل: هم الشياطين. وأشار بهذا إلى الوأد الخفي (1) وهو دفن البنت حية ~~مخافة السباء والحاجة، وعدم ما حر من من النصرة. وسمى الشياطين شركاء لأنهم ~~أطاعوهم في معصية الله فأشركوهم مع الله في وجوب طاعتهم. وقيل: كان الرجل ~~في الجاهلية يحلف بالله لئن ولد له كذا وكذا غلاما لينحرن أحدهم، كما فعله ~~عبد المطلب حين نذر ذبح ولده عبد الله. ثم قيل: # في الآية أربع قراءات، أصحها قراءة الجمهور: " وكذلك زين لكثير من ~~المشركين قتل أولادهم شركاؤهم " وهذه قراءة أهل الحرمين وأهل الكوفة وأهل ~~البصرة. " شركاؤهم " رفع ب‍ " زين "، لأنهم زينوا ولم يقتلوا. " قتل " نصب ~~ب‍ " زين " و " أولادهم " مضاف إلى المفعول، والأصل في المصدر أن يضاف إلى ~~الفاعل، لأنه أحدثه ولأنه لا يستغني عنه ويستغني عن المفعول، فهو هنا مضاف ~~إلى المفعول لفظا مضاف إلى الفاعل معنى، لأن التقدير زين لكثير من المشركين ~~قتلهم أولادهم شركاؤهم، ثم حذف المضاف وهو الفاعل كما حذف من قوله تعالى: # " لا يسأم الإنسان من دعاء الخير (2) " أي من دعائه الخير. فالهاء فاعلة ~~الدعاء، أي لا يسأم الإنسان من أن يدعو بالخير. وكذا قوله: زين لكثير من ~~المشركين في أن يقتلوا أولادهم شركاؤهم. # قال مكي: وهذه القراءة هي الاختيار، لصحة الإعراب فيها ولأن عليها ~~الجماعة. القراءة الثانية " زين " (بضم الزاي). " لكثير من المشركين قتل " ~~(بالرفع). " أولادهم " بالخفض. " شركاؤهم " (بالرفع) قراءة الحسن. ابن عامر ~~وأهل الشام " زين " بضم الزاي " لكثير من المشركين قتل أولادهم برفع " قتل ~~" ونصب " أولادهم ". " شركائهم " بالخفض فيما حكى ms2489 أبو عبيد، وحكى غيره عن ~~أهل الشام أنهم قرأوا " وكذلك زين " بضم الزاي " لكثير من المشركين قتل " # PageV07P091 # بالرفع " أولادهم " بالخفض " شركائهم " بالخفض أيضا. فالقراءة الثانية ~~قراءة الحسن جائزة، يكون " قتل " اسم ما لم يسم فاعله، " شركاؤهم "، رفع ~~بإضمار فعل يدل عليه " زين "، أي زينه شركاؤهم. ويجوز على هذا ضرب زيد ~~عمرو، بمعنى ضربه عمرو، وأنشد سيبويه: # * لبيك يزيد ضارع لخصومة * أي يبكيه ضارع. وقرأ ابن عامر وعاصم من رواية ~~أبي بكر " يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال (1) " التقدير يسبحه رجال. ~~وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة " قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود (2) " ~~بمعنى قتلهم النار. قال النحاس: وأما ما حكاه أبو عبيد عن ابن عامر وأهل ~~الشام فلا يجوز في كلام ولا في شعر، وإنما أجاز النحويون التفريق بين ~~المضاف والمضاف إليه بالظرف لأنه لا يفصل، فأما بالأسماء غير الظروف فلحن. ~~قال مكي: وهذه القراءة فيها ضعف للتفريق (3) بين المضاف والمضاف إليه، لأنه ~~إنما يجوز مثل هذا التفريق في الشعر مع الظروف لاتساعهم فيها وهو في ~~المفعول به في الشعر بعيد، فإجازته في القراءة (4) أبعد. # وقال المهدوي: قراءة ابن عامر هذه على التفرقة بين المضاف والمضاف إليه، ~~ومثله قول الشاعر: # فزججتها بمزجة * زج القلوص أبي مزادة (5) يريد: زج أبي مزادة القلوص. ~~وأنشد: # تمر على ما تستمر وقد شفت * غلائل عبد القيس منها صدورها يريد شقت عبد ~~القيس غلائل صدورها. وقال أبو غانم أحمد بن حمدان النحوي: قراءة ابن عامر ~~لا تجوز في العربية، وهي زلة عالم، وإذا زل العالم لم يجز اتباعه، ورد قوله ~~إلى الإجماع، وكذلك يجب أن يرد من زل منهم أو سها إلى الإجماع، فهو أولى من ~~الإصرار # PageV07P092 # على غير الصواب. وإنما أجازوا في الضرورة للشاعر أن يفرق بين المضاف ~~والمضاف إليه بالظرف، لأنه لا يفصل. كما قال: # كما خط الكتاب بكف يوما * يهودي يقارب أو يزيل (1) وقال آخر: # كأن أصوات من إيغالهن بنا * أواخر الميس أصوات الفراريج (2) وقال آخر: # لما رأت ساتيد ما استعبرت * لله در اليوم ms2490 من لامها (3) وقال القشيري: ~~وقال قوم هذا قبيح، وهذا محال، لأنه إذا ثبتت (القراءة (4) بالتواتر عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم فهو الفصيح لا القبيح. وقد ورد ذلك في كلام العرب ~~وفي مصحف عثمان " شركائهم " بالياء وهذا يدل على قراءة ابن عامر. وأضيف ~~القتل في هذه القراءة إلى الشركاء، لأن الشركاء هم الذين زينوا ذلك ودعوا ~~إليه، فالفعل مضاف إلى فاعله على ما يجب في الأصل، لكنه فرق بين المضاف ~~والمضاف إليه، وقدم المفعول وتركه منصوبا على حاله، إذ كان متأخرا في ~~المعنى، وأخر المضاف وتركه مخفوضا على حاله، إذ كان متقدما بعد القتل. ~~والتقدير: وكذلك زين لكثير من المشركين قتل شركائهم أولادهم. أي أن قتل ~~شركاؤهم أولادهم. قال النحاس: فأما ما حكاه غير أبي عبيد (وهي القراءة ~~الرابعة) فهو جائز. على أن تبدل شركاءهم من أولادهم، لأنهم شركاؤهم في ~~النسب والميراث. (ليردوهم) # PageV07P093 # اللام لام كي. والإرداء الإهلاك. (وليلبسوا عليهم دينهم) الذي ارتضى لهم. ~~أي يأمرونهم بالباطل ويشككونهم في دينهم. وكانوا على دين إسماعيل، وما كان ~~فيه (1) قتل الولد، فيصير الحق مغطى عليه، فبهذا يلبسون. (ولو شاء الله ما ~~فعلوه) بين (تعالى (1) أن كفرهم بمشيئة الله. وهو رد على القدرية. (فذرهم ~~وما يفترون) يريد قولهم إن لله شركاء. # قوله تعالى: وقالوا هذه أنعم وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم ~~وأنعم حرمت ظهورها وأنعم لا يذكرون اسم الله عليها افتراء سيجزيهم بما ~~كانوا يفترون (138) ذكر (تعالى) نوعا آخر جهالتهم. وقرأ أبان بن عثمان " ~~حجر " بضم الحاء والجيم. # وقرأ الحسن وقتادة " حجر " بفتح الحاء وإسكان الجيم، لغتان بمعنى. وعن ~~الحسن أيضا " حجر " بضم الحاء. قال أبو عبيد عن هارون قال: كان الحسن يضم ~~الحاء في " حجر " في جميع القرآن إلا في قوله: " برزخا وحجرا محجورا (2) " ~~فإنه كان يكسرها ها هنا. وروي عن ابن عباس وابن الزبير " وحرث حرج " الراء ~~قبل الجيم، وكذا في مصحف أبي، وفيه قولان: أحدهما أنه مثل جبذ وجذب. والقول ~~الآخر - وهو أصح - أنه من الحرج، فإن ms2491 الحرج (بكسر الحاء) لغة في الحرج ~~(بفتح الحاء) وهو الضيق والإثم، فيكون معناه الحرام. # ومنفلان يتحرج أي يضيق على نفسه الدخول فيما يشتبه عليه من الحرام. ~~والحجر: لفظ مشترك. وهو هنا بمعنى الحرام، وأصله المنع. وسمي العقل حجرا ~~لمنعه عن القبائح. وفلان في حجر القاضي أي منعه. حجرت على الصبي حجرا. ~~والحجر العقل، قال الله تعالى: # " هل في ذلك قسم لذي حجر (3) " والحجر الفرس الأنثى. والحجر القرابة. ~~قال: # يريدون أن يقصوه عني وإنه * لذو حسب دان إلي وذو حجر وحجر الإنسان وحجره ~~لغتان، والفتح أكثر. أي حرموا أنعاما وحرثا وجعلوها لأصنامهم وقالوا: (لا ~~يطعمها إلا من نشاء) وهم خدام الأصنام. ثم بين أن هذا تحكم لم يرد به # PageV07P094 # شرع، ولهذا قال: " بزعمهم ". (وأنعام حرمت ظهورها) يريد ما يسيبونه ~~لآلهتهم على ما تقدم من النصيب، وقال مجاهد: المراد الجيرة والوصيلة والحام ~~(1). (وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها) يعني ما ذبحوه لآلهتهم. قال أبو ~~وائل: لا يحجون عليها. (افتراء) أي للافتراء " على الله "، لأنهم كانوا ~~يقولون: الله أمرنا بهذا. فهو نصب على المفعول له. # وقيل: أي يفترون افتراء، وانتصابه لكونه مصدورا. قوله تعالى: وقالوا ما ~~في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وإن يكن ميته فهم فيه ~~شركاء سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم (139) قوله تعالى: (وقالوا ما في بطون ~~هذه الأنعام خالصة لذكورنا) هذا نوع آخر من جهلهم. قال ابن عباس: هو اللبن، ~~جعلوه حلالا للذكور وحراما على الإناث. وقيل: # الأجنة، قالوا: إنها لذكورنا. ثم إن مات منها شئ أكله الرجال والنساء. ~~والهاء في " خالصة " للمبالغة في الخلوص، ومثله رجل علامة ونسابة، عن ~~الكسائي والأخفش. و " خالصة " بالرفع خبر المبتدأ الذي هو " ما ". وقال ~~الفراء: تأنيثها لتأنيث الأنعام. وهذا القول عند قوم خطأ، لأن ما في بطونها ~~ليس منها، فلا يشبه (قوله (2) " يلتقطه بعض السيارة (3) " لأن بعض السيارة ~~سيارة، وهذا لا يلزم (قال (2) الفراء: فإن ما في بطون الأنعام أنعام مثلها، ~~فأنث لتأنيثها، أي الأنعام التي في بطون الأنعام خالصة ms2492 لذكورنا. وقيل: أي ~~جماعة ما في البطون. # وقيل: إن " ما " ترجع إلى الألبان أو الأجنة، فجاء التأنيث على المعنى ~~والتذكير على اللفظ. # PageV07P095 # ولهذا قال " ومحرم على أزواجنا " على اللفظ. ولو راعى المعنى لقال ~~ومحرمة. ويعضد هذا قراءة الأعمش " خالص " بغير هاء. قال الكسائي: معنى خالص ~~وخالصة واحد، إلا أن الهاء للمبالغة، كما يقال: رجل داهية وعلامة، كما ~~تقدم. وقرأ قتادة " خالصة " بالنصب على الحال من الضمير في الظرف الذي هو ~~صلة " ما ". وخبر المبتدأ محذوف، كقولك: # الذي في الدار قائما زيد. هذا مذهب البصريين. وانتصب عند الفراء على ~~القطع. وكذا القول في قراءة سعيد بن جبير " خالصا ". وقرأ ابن عباس " خالصه ~~" على الإضافة فيكون ابتداء ثانيا، والخبر " لذكورنا " والجملة خبر " ما ". ~~ويجوز أن يكون " خالصه " بدلا من " ما ". فهذه خمس قراءات. (ومحرم على ~~أزواجنا) أي بناتنا، عن ابن زيد. وغيره: # نساؤهم. وإن يكن ميته قرئ بالياء والتاء، أي إن يكن ما في بطون الأنعام ~~(1) ميتة (فهم فيه شركاء) أي الرجال والنساء. وقال " فيه " لأن المراد ~~بالميتة الحيوان، وهي تقوي قراءة الياء، ولم يقل فيها. " ميتة " بالرفع ~~بمعنى تقع أو تحدث. " ميتة " بالنصب، أي وإن تكن النسمة ميتة. (سيجزيهم ~~وصفهم) أي كذبهم وافتراءهم، أي يعذبهم على ذلك. # وانتصب " وصفهم " بنزع الخافض، أي بوصفهم وفي الآية دليل على أن العالم ~~ينبغي له أن يتعلم قول من خالفه وإن لم يأخذ به، حتى يعرف فساد قول، ويعلم ~~كيف يرد عليه، لأن الله تعالى أعلم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قول ~~من خالفهم من (أهل (2) زمانهم، ليعرفوا فساد قولهم. # قوله تعالى: قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم ~~الله افتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين (140) أخبر بخسرانهم لو ~~أدهم البنات وتحريمهم البحيرة وغيرها بعقولهم، فقتلوا أولادهم سفها خوف ~~الإملاق، وحجروا على أنفسهم في أموالهم ولم يخشوا الإملاق، فأبان ذلك عن ~~تناقض رأيهم. # قلت: إنه كان من العرب من يقتل ولده خشية الإملاق، كما ذكر الله عز وجل ms2493 ~~في غير هذا الموضع. وكان منهم من يقتله سفها بغير حجة منهم في قتلهم، وهم ~~ربيعة ومضر، وكانوا # PageV07P096 # يقتلون بناتهم لأجل الحمية. ومنهم من يقول: الملائكة بنات الله، فألحقوا ~~البنات بالبنات. # وروي أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يزال مغتما بين ~~يدي رسول الله صلى عليه وسلم: (مالك تكون محزونا)؟ فقال: # يا رسول الله، إن أذنبت ذنبا في الجاهلية فأخاف ألا يغفره الله (لي (1) ~~وإن أسلمت! فقال له: # (أخبرني عن ذنبك). فقال: يا رسول الله، إن كنت، من الذين يقتلون بناتهم، ~~فولدت لي بنت فتشفعت إلى امرأتي أن أتركها فتركتها حتى كبرت وأدركت، وصارت ~~من أجمل النساء فخطبوها، فدخلتني الحمية ولم يحتمل قلبي أن أزوجها أو ~~أتركها في البيت بغير زوج، فقلت للمرأة: إني أريد أن أذهب إلى قبيلة كذا ~~وكذا في زيارة أقربائي فابعثيها معي، فسرت بذلك وزينتها بالثياب والحلي، ~~وأخذت علي المواثيق بألا أخونها، فذهبت بها إلى رأس بئر فنظرت في البئر ~~ففطنت الجارية أني أريد أن ألقيها في البئر، فالتزمتني وجعلت تبكي وتقول: ~~يا أبت! إيش (2) تريد أن تفعل بي! فرحمتها، ثم نظرت في البئر فدخلت علي ~~الحمية، ثم التزمتني وجعلت تقول: يا أبت لا تضيع أمانة أمي، فجعلت مرة أنظر ~~في البئر ومرة أنظر إليها فأرحمها، حتى غلبني الشيطان فأخذتها وألقيتها في ~~البئر منكوسة، وهي تنادي في البئر: # يا أبت، قتلتني. فمكثت (3) هناك حتى انقطع صوتها فرجعت. فبكى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقال: (لو أمرت أن أعاقب أحدا بما فعل في ~~الجاهلية لعاقبتك). # قوله تعالى: وهو الذي أنشأ جنت معروشات وغير معروشات والنخل والزرع ~~مختلفا أكله والزيتون والرمان متشابها وغير متشبه كلوا من ثمره إذا أثمر ~~وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين (141) # PageV07P097 # فيه ثلاث وعشرون مسألة: الأولى - قوله تعالى: (أنشأ) أي خلق. جنات ~~معروشات أي بساتين ممسوكات (1) مرفوعات. وغير معروشات غير مرفوعات. قال ابن ~~عباس: " معروشات " ما انبسط على الأرض مما يفرش مثل الكروم ms2494 والزروع ~~والبطيخ. " وغير معروشات " ما قام على ساق مثل النخل وسائر الأشجار. وقيل: ~~المعروشات ما ارتفعت أشجارها. وأصل التعريش الرفع. # وعن ابن عباس أيضا: المعروشات ما أثبته ورفعه الناس. وغير المعروشات ما ~~خرج في البراري والجبال من الثمار. يدل عليه قراءة علي رضي الله عنه " ~~مغروسات وغير مغروسات " بالغين المعجمة والسين المهملة. # الثانية - قوله تعالى: (والنخل والزرع) أفردهما بالذكر وهما داخلان في ~~الجنات لما فيهما من الفضيلة، على ما تقدم بيانه في " البقرة " عند قول: " ~~من كان عدوا (2) لله وملائكته " الآية. # " مختلفا أكله " يعني طعمه منه الجيد والدون. وسماه أكلا لأنه يؤكل. و " ~~أكله " مرفوع بالابتداء. و " مختلفا " نعته، ولكنه لما تقدم عليه وولي ~~منصوبا نصب. كما تقول: عندي طباخا غلام. قال: # الشر منتشر يلقاك عن عرض * والصالحات عليها مغلقا باب وقيل: " مختلفا " ~~نصب على الحال. قال أبو إسحاق الزجاج: وهذه مسألة مشكلة من النحو، لأنه ~~يقال: قد أنشأها ولم يختلف أكلها وهو ثمرها، فالجواب أن الله سبحانه أنشأها ~~بقوله: # " خالق كل شئ " فأعلم أنه أنشأها مختلفا أكلها، أي (3) أنه أنشأها مقدرا ~~فيه الاختلاف، وقد بين هذا سيبويه بقوله: مررت برجل معه صقر صائدا به غدا، ~~على الحال، كما تقول، لتدخلن الدار آكلين شاربين، أي مقدرين ذلك. جواب ~~ثالث: أي لما أنشأه كان مختلفا أكله، على معنى أنه لو كان له لكان مختلفا ~~أكله. ولم يقل أكلهما، لأنه اكتفى بإعادة الذكر على أحدهما، كقول: " وإذا ~~رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها (4) " أي إليهما. وقد تقدم هذا المعنى. # PageV07P098 # الثالثة - قوله تعالى: (والزيتون والرمان) عطف عليه (متشابها وغير ~~متشابه) نصب على الحال، وفي هذه أدلة ثلاثة، أحدها ما تقدم من قيام الدليل ~~على أن المتغيرات لا بدلها من مغير. الثاني على المنة منه سبحانه علينا، ~~فلو شاء إذ خلقنا ألا يخلق لنا غذاء، إذ خلقه ألا يكون جميل المنظر طيب ~~الطعم، وإذ خلقه كذلك ألا يكون سهل الجني، فلم يكن عليه أن يفعل ذلك ~~ابتداء، لأنه لا يجب عليه شئ. الثالث على ms2495 القدرة في أن يكون الماء الذي من ~~شأنه الرسوب يصعد بقدرة الله الواحد علام الغيوب من أسافل الشجرة إلى ~~أعاليها، حتى إذا انتهى إلى آخرها نشأ فيها أوراق ليست من جنسها، وثمر خارج ~~من صفته الجرم الوافر، واللون الزاهر، والجنى الجديد، والطعم اللذيذ، فأين ~~الطبائع وأجناسها، وأين الفلاسفة وأناسها، هل في قدرة الطبيعة أن تتقن هذا ~~الإتقان، أو ترتب هذا الترتيب العجيب! # كلا! لا يتم ذلك في العقول إلا لحي عالم قدير مريد. فسبحان من له في كل ~~شئ آية ونهاية! # ووجه اتصال هذا بما قبله أن الكفار لما افتروا على الله الكذب وأشركوا ~~معه وحللوا وحرموا دلهم على وحدانيته بأنه خالق الأشياء، وأنه جعل هذه ~~الأشياء أرزاقا لهم. # الرابعة - قوله تعالى: (كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده) ~~فهذان بناء ان جاءا بصيغة أفعل، أحدهما مباح كقول: " فانتشروا في الأرض (1) ~~" والثاني واجب. # وليس يمتنع في الشريعة اقتران المباح والواجب، وبدأ بذكر نعمة الأكل قبل ~~الأمر بإيتاء الحق ليبين أن الابتداء بالنعمة كان من فضله قبل التكليف. # الخامسة - قوله تعالى: (وآتوا حقه يوم حصاده) اختلف الناس في تفسير هذا ~~الحق، ما هو، فقال أنس بن مالك وابن عباس وطاوس والحسن وابن زيد وابن ~~الحنفية والضحاك وسعيد بن المسيب: هي الزكاة المفروضة، العشر ونصف العشر. ~~ورواه ابن وهب وابن القاسم عن مالك في تفسير الآية، وبه قال بعض أصحاب ~~الشافعي. وحكى الزجاج أن هذه الآية قيل فيها إنها نزلت بالمدينة. وقال علي ~~بن الحسين وعطاء والحكم وحماد وسعيد بن جبير ومجاهد: هو حق في المال سوى ~~(2) الزكاة، الله به ندبا. وروى عن # PageV07P099 # ابن عمر ومحمد ابن الحنفية أيضا، ورواه أبو سعيد الخدري عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم. # قال مجاهد: إذا حصدت فحضرك المساكين فاطرح لهم من السنبل، وإذا جذذت فألق ~~لهم من الشماريخ، وإذا درسته ودسته (1) وذريته فاطرح لهم منه، وإذا عرفت ~~(2) كيله فأخرج منه زكاته. وقول ثالث هو منسوخ بالزكاة، لأن هذه السورة ~~مكية وآية الزكاة لم ms2496 تنزل إلا بالمدينة: # " خذ من أموالهم صدقة (3) "، " وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة (4) ". روى ~~عن ابن عباس وابن الحنفية والحسن وعطية العوفي والنخعي وسعيد بن جبير. وقال ~~سفيان: سألت السدي عن هذه الآية فقال. نسخها العشر ونصف العشر. فقلت عمن؟ ~~فقال عن العلماء. # السادسة - وقد تعلق أبو حنيفة بهذه الآية وبعموم ما في قوله عليه السلام: ~~" فيما سقت السماء العشر وفيما سقي بنضح (5) أو دالية نصف العشر " في إيجاب ~~الزكاة في كل ما تنبت الأرض طعاما كان أو غيره. وقال أبو يوسف عنه: إلا ~~الحطب والحشيش والقضب والتين والسعف (6) وقصب الذريرة (7) وقصب السكر. ~~وأباه الجمهور، معولين على أن المقصود من الحديث بيان ما يؤخذ منه العشر ~~وما يؤخذ منه نصف العشر. قال أبو عمر: لا اختلاف بين العلماء فيما علمت أن ~~الزكاة واجبة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب (8). وقالت طائفة: لا زكاة ~~في غيرها. # روي ذلك عن الحسن وابن سيرين والشعبي. وقال به من الكوفيين ابن أبي ليلى ~~والثوري والحسن بن صالح وابن المبارك يحيى بن آدم، وإليه ذهب أبو عبيد. ~~وروي ذلك عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو مذهب أبي موسى، ~~فإنه كان لا يأخذ الزكاة إلا من الحنطة والشعير والتمر والزبيب، ذكره وكيع ~~عن طلحة بن يحيى عن أبي بردة عن أبيه. وقال مالك وأصحابه: الزكاة واجبة في ~~كل مقتات مدخر، وبه قال الشافعي. وقال الشافعي: إنما تجب الزكاة فيما ييبس ~~يدخر في كل مقتات مأكولا. ولا شئ في الزيتون لأنه إدام. وقال أبو ثور مثله. ~~وقال أحمد أقوالا أظهرها أن الزكاة إنما تجب في كل ما قال أبو حنيفة إذا ~~كان # PageV07P100 # يوسق، فأوجبها في اللوز لأنه مكيل دون الجوز لأنه معدود. واحتج بقول عليه ~~السلام: # (ليس فيما دون خمسة أوسق من تمر أو حب صدقة) قال: فبين النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن محل الواجب هو الوسق، وبين المقدار الذي يجب إخراج الحق منه. ~~وذهب النخعي إلى أن الزكاة واجبة في كل ما أخرجته الأرض، ms2497 حتى في عشر دساتج ~~(1) من بقل دستجة بقل. # وقد اختلف عنه في ذلك، وهو قول عمر بن عبد العزيز فإنه كتب أن يؤخذ مما ~~تنبت الأرض من قليل أو كثير العشر، ذكره عبد الرزاق عن معمر عن سماك بن ~~الفضل، قال: كتب عمر (2)...، فذكره. وهو قول حماد بن أبي سليمان وتلميذه ~~أبي حنيفة. وإلى هذا مال ابن العربي في أحكامه فقال: وأما أبو حنيفة فجعل ~~الآية مرآته فأبصر الحق، وأخذ يعضد مذهب الحنفي ويقويه. وقال في كتاب ~~(القبس بما عليه الإمام مالك بن أنس) فقال: # قال الله تعالى: " والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه ". واختلف الناس ~~في وجوب الزكاة في جميع ما تضمنته أو بعضه، وقد بينا ذلك، في (الأحكام) ~~لبابه، أن الزكاة إنما تتعلق بالمقتات كما بينا دون الخضراوات، وقد كان ~~بالطائف الرمان والفرسك (3) والأترج فما اعترضه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ولا ذكره ولا أحد من خلفائه. # قلت: هذا وإن لم يذكره في الأحكام هو الصحيح في المسألة، وأن الخضراوات ~~ليس فيها شئ. وأما الآية فقد اختلف فيها، هل هي محكمة أو منسوخة أو محمولة ~~على الندب. # ولا قاطع يبين أحد محاملها (4)، بل القاطع المعلوم ما ذكره ابن بكير في ~~أحكامه: أن الكوفة افتتحت بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم وبعد استقرار ~~الأحكام في المدينة، أفيجوز أن يتوهم متوهم أو من له أدنى بصيرة أن تكون ~~شريعة مثل هذه عطلت فلم يعمل بها في دار الهجرة ومستقر الوحي ولا في خلافة ~~أبي بكر، حتى عمل بذلك الكوفيون؟. إن هذه لمصيبة فيمن ظن هذا وقال به! # قلت: ومما يدل على هذا من معنى التنزيل قوله تعالى: " يا أيها الرسول بلغ ~~ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته (5) " أتراه يكتم شيئا ~~أمر بتبليغه أو ببيانه؟ حاشاه عن ذلك # PageV07P101 # وقال تعالى: " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي (1) " ومن كمال ~~الدين كونه لم يأخذ من الخضراوات شيئا. وقال جابر بن عبد الله فيما رواه ~~الدارقطني: إن ms2498 المقاثئ (2) كانت تكون عندنا تخرج عشرة آلاف فلا يكون فيها ~~شئ. وقال الزهري والحسن: تزكى أثمان الخضر إذا بيعت (3) وبلغ الثمن مائتي ~~درهم، وقاله الأوزاعي في ثمن الفواكه. ولا حجة في قولهما لما ذكرنا. وقد ~~روى الترمذي عن معاذ أنه كتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن ~~الخضراوات وهي البقول فقال: (ليس فيها شئ). وقد روي هذا المعنى عن جابر ~~وأنس وعلي ومحمد بن عبد الله بن جحش وأبي موسى وعائشة. ذكر أحاديثهم ~~الدارقطني رحمه الله. # قال الترمذي: ليس يصح في هذا الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم شئ. ~~واحتج بعض أصحاب أبي حنيفة بحديث صالح بن موسى عن منصور عن إبراهيم عن ~~الأسود عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فيما أنبتت الأرض ~~من الخضر زكاة). قال أبو عمر: # وهذا حديث لم يروه من ثقات أصحاب منصور أحد هكذا، وإنما هو من قول ~~إبراهيم. # قلت: وإذا سقط الاستدلال من جهة السنة لضعف أسانيدها فلم يبق إلا ما ~~ذكرناه من تخصيص عموم الآية، وعموم قول عليه السلام: (فيما سقت السماء ~~العشر) ما ذكرنا. # وقال أبو يوسف ومحمد: ليس في شئ من الخضر زكاة إلا ما كانت له ثمرة ~~باقية، سوى الزعفران ونحوه مما يوزن ففيه الزكاة. وكان محمد يعتبر في ~~العصفر والكتان البزر، فإذا بلغ بزرهما من القرطم والكتان خمسة أوسق كان ~~العصفر والكتان تبعا للبزر، وأخذ منه العشر أو نصف العشر. وأما القطن فليس ~~(فيه (4) عنده دون خمسة أحمال شئ، والحمل ثلاثمائة من بالعراقي. والورس ~~والزعفران ليس فيما دون خمسة أمنان منها شئ. فإذا بلغ أحدهما خمسة أمنان ~~كانت فيه الصدقة، عشرا أو نصف، العشر. وقال أبو يوسف: وكذلك قصب السكر الذي ~~يكون منه السكر، ويكون في أرض العشر دون أرض الخراج، فيه ما في الزعفران. # وأوجب عبد الملك بن الماجشون الزكاة في أصول الثمار دون البقول. وهذا ~~خلاف # PageV07P102 # ما عليه مالك وأصحابه، لا زكاة عندهم لا في اللوز ولا في الجوز ولا ms2499 في ~~الجلوز (1) وما كان مثلها، وإن كان ذلك يدخر. كما أنه لا زكاة عندهم في ~~الإجاص (2) ولا في التفاح ولا في الكمثرى، ولا ما كان مثل ذلك كله مما لا ~~ييبس ولا يدخر. واختلفوا في التين، والأشهر عند أهل المغرب ممن يذهب مذهب ~~مالك أنه لا زكاة عندهم في التين. إلا عبد الملك بن حبيب فإنه كان يرى فيه ~~الزكاة على مذهب مالك، قياسا على التمر والزبيب. وإلى هذا ذهب جماعة من أهل ~~العلم البغداديين المالكيين، إسماعيل بن إسحاق ومن اتبعه. قال مالك في ~~الموطأ: # السنة التي لا اختلاف فيها عندنا، والذي سمعته من أهل العلم، أنه ليس في ~~شئ من الفواكه كلها صدقة: الرمان والفرسك والتين وما أشبه ذلك. وما لم ~~يشبهه إذا كان من الفواكه. # قال أبو عمر: فأدخل التين في هذا الباب، وأظنه (والله أعلم) لم يعلم بأنه ~~ييبس ويدخر ويقتات، ولو علم ذلك ما أدخله في هذا الباب، لأنه أشبه بالتمر ~~والزبيب منه بالرمان. # وقد بلغني عن الأبهري وجماعة من أصحابه أنهم كانوا يفتون بالزكاة فيه، ~~ويرونه مذهب مالك على أصوله عندهم. والتين مكيل يراعى فيه الخمسة الأوسق ~~وما كان مثلها وزنا، ويحكم في التين عندهم بحكم التمر والزبيب المجتمع ~~عليهما. وقال الشافعي: لا زكاة في شئ من الثمار غير التمر والعنب، لأن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أخذ الصدقة منهما وكانا قوتا بالحجاز يدخر. قال: ~~وقد يدخر الجوز واللوز ولا زكاة فيهما، لأنهما لم يكونا بالحجاز قوتا فيما ~~علمت، وإنما كانا فاكهة. ولا زكاة في الزيتون، لقول تعالى: " والزيتون ~~والرمان " فقرنه مع الرمان، ولا زكاة فيه. وأيضا فإن التين أنفع منه في ~~القوت ولا زكاة فيه. وللشافعي قول بزكاة الزيتون قاله بالعراق، والأول (3) ~~قال بمصر، فاضطرب قول الشافعي في الزيتون، ولم يختلف فيه قول مالك. # فدل على أن الآية محكمة عندهما غير منسوخة. واتفقا (4) جميعا على أن لا ~~زكاة في الرمان، وكان يلزمهما إيجاب الزكاة فيه. قال أبو عمر: فإن كان ~~الرمان خرج باتفاق ms2500 فقد بان بذلك المراد بأن الآية ليست على عمومها، وكان ~~الضمير عائدا على بعض المذكور دون بعض. والله أعلم. # PageV07P103 # قلت: بهذا استدل من أوجب العشر في الخضراوات فإنه تعالى قال: " واتوا حقه ~~يوم حصاده " والمذكور قبله الزيتون والرمان، والمذكور عقيب. جملة ينصرف إلى ~~الأخير بلا خلاف، قال الكيا الطبري. وروي عن ابن عباس أنه قال: ما لقحت ~~رمانة قط إلا بقطرة من ماء الجنة. وروي عن علي كرم الله وجهه أنه قال: إذا ~~أكلتم الرمانة فكلوها بشحمها فإنه دباغ المعدة. وذكر ابن عساكر في تاريخ ~~دمشق عن ابن عباس قال: لا تكسروا الرمانة من رأسها فإن فيها دودة يعتري ~~منها الجذام. وسيأتي منافع زيت الزيتون في سورة " المؤمنون (1) " إن شاء ~~الله تعالى. وممن قال بوجوب زكاة الزيتون الزهري والأوزاعي والليث والثوري ~~وأبو حنيفة وأصحابه وأبو ثور. قال الزهري والأوزاعي والليث: يخرص (2) ~~زيتونا ويؤخذ زيتا صافيا. وقال مالك: لا يخرص، ولكن يؤخذ العشر بعد أن يعصر ~~ويبلغ كيله خمسة أوسق. وقال أبو حنيفة والثوري: يؤخذ من حبه. # السابعة - قوله تعالى: " يوم حصاده " قرأ أبو عمرو وابن عامر وعاصم " ~~حصاده " بفتح الحاء، والباقون بكسرها، وهما لغتان مشهورتان، ومثله الصرام ~~والصرام والجذاذ والجذاذ والقطاف والقطاف واختلف العلماء في وقت الوجوب على ~~ثلاثة أقوال: # الأولى: أنه وقت الجذاذ، قال محمد بن مسلمة، لقول تعالى: " يوم حصاده ". # الثاني: يوم الطيب، لأن ما قبل الطيب يكون علفا لا قوتا ولا طعاما، فإذا ~~طاب وحان (3) الأكل الذي أنعم الله به وجب الحق الذي أمر الله به، إذ بتمام ~~النعمة يجب شكر النعمة، ويكون الإيتاء الحصاد لما قد وجب يوم الطيب. # الثالث: أنه يكون بعد تمام الخرص، لأنه حينئذ يتحقق الواجب فيه من الزكاة ~~فيكون شرطا لوجوبها. أصله مجئ الساعي في الغنم، وبه قال المغيرة. والصحيح ~~الأول لنص التنزيل. والمشهور من المذهب الثاني، وبه قال الشافعي. وفائدة ~~الخلاف إذا مات بعد الطيب # PageV07P104 # زكيت على ملكه، أو قبل الخرص على ورثته. وقال محمد بن مسلمة: إنما قدم ~~الخرص توسعة ms2501 على أرباب الثمار، ولو قدم رجل زكاته بعد الخرص وقبل الجذاذ ~~يجزه، لأنه أخرجها قبل وجوبها. وقد اختلف العلماء في القول بالخرص وهي: - ~~الثامنة - فكرهه الثوري ولم يجزه بحال، وقال: الخرص غير مستعمل. قال: # وإنما على رب الحائط أن يؤدي عشر ما يصير في يده للمساكين إذا بلغ خمسة ~~أوسق. # وروى الشيباني عن الشعبي أنه قال: الخرص اليوم بدعة. والجمهور على خلاف ~~هذا، ثم اختلفوا فالمعظم على جوازه في النخل والعنب، لحديث عتاب بن أسيد أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه وأمره أن يخرص العنب كما يخرص النخل ~~وتؤخذ زكاته زبيبا كما تؤخذ زكاة النخل تمرا. رواه أبو داود. وقال داود بن ~~علي: الخرص للزكاة جائز في النخل، وغير جائز في العنب، ودفع حديث عتاب بن ~~أسيد لأنه منقطع ولا يتصل من طريق صحيح، قال أبو محمد عبد الحق. # التاسعة: وصفة الخرص أن يقدر ما على نخله رطبا ويقدر ما ينقص لو يتمر ~~(1)، ثم يعتد بما بقي بعد النقص ويضيف بعض ذلك إلى بعض حتى يكمل الحائط ~~(2)، وكذلك في العنب (في كل دالية). # العاشر - ويكفي في الخرص الواحد كالحاكم. فإذا كان في التمر زيادة على ما ~~خرص لم يلزم رب الحائط الإخراج عنه، لأنه حكم قد نفذ، قال عبد الوهاب. ~~وكذلك إذا نقص لم تنقص الزكاة. قال الحسن: كان المسلمون يخرص عليهم ثم يؤخذ ~~منهم على ذلك الخرص. # الحادية عشرة - فإن استكثر رب الحائط الخرص خيره الخارص في أن يعطيه ما ~~خرص وأخذ خرصه، ذكره عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج عن أبي (4) الزبير أنه سمع ~~جابر بن عبد الله يقول: خرص ابن رواحة أربعين ألف وسق، وزعم أن اليهود لما ~~خيرهم أخذوا التمر وأعطوه عشرين ألف وسق. قال ابن جريج فقلت لعطاء: فحق على ~~الخارص إذا استكثر سيد المال # PageV07P105 # الخرص أن يخيره كما خير ابن رواحة اليهود؟ قال: أي لعمري! وأي سنة خير من ~~سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. # الثانية عشرة - ولا يكون الخرص إلا بعد ms2502 الطيب، لحديث عائشة قالت: كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث ابن رواحة إلى اليهود فيحرص عليهم النخل ~~حين تطيب أول التمرة قبل أن يؤكل منها، ثم يخير يهودا يأخذونها بذلك الخرص ~~أو يدفعونها إليه. وإنما كان أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخرص لكي ~~تحصى الزكاة قبل أن تؤكل الثمار وتفرق. أخرجه الدارقطني من حديث ابن جريج ~~عن الزهري عن عروة عن عائشة. قال: ورواه صالح بن أبي الأخضر عن الزهري عن ~~ابن المسيب عن أبي هريرة، وأرسله مالك ومعمر وعقيل عن الزهري عن سعيد عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # الثالثة عشرة - فإذا خرص الخارص فحكمه أن يسقط من خرصه مقدارا ما، لما ~~رواه أبو داود والترمذي والبستي (1) في صحيحه عن سهل بن أبي حثمة أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان يقول: (إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث فإن لم تدعوا ~~الثلث فدعوا الربع). لفظ الترمذي. # قال أبو داود: الخارص يدع الثلث للخرفة: وكذا قال يحيى القطان. وقال أبو ~~حاتم البستي لهذا الخبر صفتان: أحدهما أن يترك الثلث أو الربع من العشر، ~~والثاني أن يترك ذلك من نفس التمر قبل أن يعشر، إذا كان ذلك حائطا كبيرا ~~يحتمله. الخرفة بضم الخاء: ما يخترف من النخل حين يدرك ثمره، أي يجتنى. ~~يقال: التمر خرفة الصائم، عن الجوهري والهروي. # والمشهور من مذهب مالك أنه لا يترك الخارص شيئا في حين خرصه من تمر النخل ~~والعنب إلا خرصه. وقد روى بعض المدنيين أنه يخفف في الخرص ويترك (2) ~~للعرايا والصلة ونحوها. # الرابعة عشرة - فإن لحقت الثمرة جائحة بعد الخرص وقبل الجذاذ سقطت الزكاة ~~عنه بإجماع من أهل العلم، إلا أن يكون فيما بقي منه خمسة أوسق فصاعدا. # PageV07P106 # الخامسة عشرة - ولا زكاة في أقل من خمسة أوسق، كذا جاء مبينا عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم. وهو في الكتاب مجمل، قال الله تعالى: " يا أيها الذين ~~آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض (1) ". وقال ~~تعالى: " وآتوا حقه ms2503 ". ثم وقع البيان بالعشر ونصف العشر. ثم لما كان ~~المقدار الذي إذا بلغه المال أخذ منه الحق مجملا بينه أيضا فقال: (ليس فيما ~~دون خمسة أوسق من تمر أو حب صدقة) وهو ينفي الصدقة في الخضراوات، إذ ليست ~~مما يوسق، فمن حصل له خمسة أوسق في نصيبه من تمر أو حب وجبت عليه الزكاة، ~~وكذلك من زبيب، وهو المسمى بالنصاب عند العلماء. يقال: وسق ووسق (بكسر ~~الواو وفتحها) وهو ستون صاعا، والصاع أربعة أمداد، والمد رطل وثلث ~~بالبغدادي ومبلغ الخمسة الأوسق من الأمداد ألف مد ومائتا مد، وهي بالوزن ~~ألف رطل وستمائة رطل (2). # السادسة عشرة - ومن حصل له من تمر وزبيب معا خمسة أوسق لم تلزمه الزكاة ~~(إجماعا (3) لأنهما صنفان مختلفان. وكذلك أجمعوا على أنه لا يضاف التمر إلى ~~البر ولا البر إلى الزبيب، ولا الإبل إلى البقر، ولا البقر إلى الغنم. ~~ويضاف الضأن إلى المعز بإجماع. # واختلفوا في ضم البر إلى الشعير والسلت وهي: # السابعة عشرة - فأجازه مالك في هذه الثلاثة خاصة فقط، لأنها في معنى ~~الصنف الواحد لتقاربها في المنفعة واجتماعها في المنبت والمحصد، وافتراقها ~~في الاسم لا يوجب افتراقها في الحكم كالجواميس والبقر، والمعز والغنم. وقال ~~الشافعي وغيره: لا يجمع بينها، لأنها أصناف مختلفة، وصفاتها متباينة، ~~وأسماؤها متغايرة، وطعمها مختلف، وذلك يوجب افتراقها. والله أعلم. قال ~~مالك: والقطاني كلها صنف واحد، يضم إلى بعض. # وقال الشافعي: لا يضم حبة عرفت باسم منفرد دون صاحبتها، وهي خلافها ~~مباينه في الخلقة والطعم إلى غيرها يضم كل صنف بعضه إلى بعض، رديئه إلى ~~جيده، كالتمر وأنواعه، والزبيب أسوده وأحمره، والحنطة وأنواعها من السمراء ~~وغيرها. وهو قول الثوري # PageV07P107 # وأبي حنيفة وصاحبيه أبي يوسف ومحمد وأبي ثور. وقال الليث: تضم الحبوب ~~كلها: # القطنية (1) وغيرها بعضها إلى بعض في الزكاة. وكان أحمد بن حنبل يجبن عن ~~ضم الذهب إلى الورق، وضم الحبوب بعضها إلى بعض، ثم كان في آخر أمره يقول ~~فيها بقول الشافعي. # الثامنة عشرة - قال مالك: وما استهلكه منه ربه بعد ms2504 بدو صلاحه أو بعدما ~~أفرك حسب عليه، وما أعطاه ربه منه في حصاده وجذاذه، ومن الزيتون في ~~التقاطه، تحرى ذلك وحسب عليه. وأكثر الفقهاء يخالفونه في ذلك، ولا يوجبون ~~الزكاة إلا فيما حصل في يده بعد الدرس. # قال الليث في زكاة الحبوب: يبدأ بها قبل النفقة، وما أكل من فريك هو ~~وأهله فلا يحسب عليه، بمنزلة الذي يترك لأهل الحائط يأكلونه فلا يخرص ~~عليهم. وقال الشافعي: # يترك الخارص لرب الحائط ما يأكله هو وأهله رطبا، لا يخرصه عليهم. وما ~~أكله وهو رطب لم يحسب عليه. قال أبو عمر: أحتج الشافعي ومن وافقه بقول الله ~~تعالى: " كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ". واستدلوا على أنه ~~لا يحتسب بالمأكول قبل الحصاد بهذه الآية. واحتجوا بقول عليه السلام: (إذا ~~خرصتم فدعوا الثلث فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع). وما أكلت الدواب ~~والبقر منه عند الدرس لم يحسب منه شئ على صاحبه عند مالك وغيره. # التاسعة - عشرة - وما بيع من الفول والحمص والجلبان أخضر، تحري مقدار ذلك ~~يابسا وأخرجت زكاته حبا. وكذا ما بيع من الثمر أخضر أعتبر وتوخي وخرص يابسا ~~وأخرجت زكاته على ذلك الخرص زبيبا وتمرا. وقيل: يخرج من ثمنه. # الموفية عشرين - وأما ما لا يتتمر من ثمر النخل ولا يتزبب من العنب كعنب ~~مصر (وبلحها (2)، وكذلك زيتونها الذي لا يعصر، فقال مالك: تخرج زكاته من ~~ثمنه، لا يكلف غير ذلك صاحبه، ولا يراعى فيه بلوغ ثمنه عشرين مثقالا أو ~~مائتي درهم، وإنما ينظر إلى ما يرى أنه يبلغه خمسة أوسق فأكثر. وقال ~~الشافعي: (يخرج (2) عشره أو نصف عشره من وسطه تمرا إذا أكله أهله رطبا أو ~~أطعموه. # PageV07P108 # الحادية والعشرون - روى أبو داود عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى عليه ~~وسلم: # (فيما سقت السماء والأنهار والعيون أو كان بعلا العشر (1)، وفيما سقي ~~بالسواني (2) أو النضح نصف العشر وكذلك إن كان يشرب سيحا فيه العشر). وهو ~~الماء الجاري على وجه الأرض، قال ابن السكيت. ولفظ السيح مذكور في ms2505 الحديث، ~~خرجه النسائي (3). فإن كان يشرب بالسيح لكن رب الأرض لا يملك ماء وإنما ~~يكتريه له فهو كالسماء، على المشهور من المذهب. # ورأى أبو الحسن اللخمي أنه كالنضح، فلو سقي مرة بماء السماء ومرة بدالية، ~~فقال مالك: # ينظر إلى ما تم به الزرع وحيي وكان أكثر، فيتعلق الحكم عليه. هذه رواية ~~ابن القاسم عنه. # وروى عنه ابن وهب: إذا سقي نصف سنة بالعيون ثم انقطع فسقي بقية السنة ~~بالناضح فإن عليه نصف زكاته عشرا، والنصف الآخر نصف العشر. وقال مرة: زكاته ~~بالذي تمت به حياته. وقال الشافعي: يزكى واحد منهما بحسابه. مثاله أن يشرب ~~شهرين بالنضح وأربعة بالسماء، فيكون فيه ثلثا العشر لماء السماء وسدس العشر ~~للنضح! وهكذا ما زاد ونقصي بحساب. وبهذا كان يفتي بكار بقتيبة. وقال أبو ~~حنيفة وأبو يوسف: ينظر إلى الأغلب فيزكى، ولا يلتفت إلى ما سوى ذلك. وروي ~~عن الشافعي. قال الطحاوي: قد اتفق الجميع على أنه لو سقاه بماء المطر يوما ~~أو يومين أنه لا اعتبار به، ولا يجعل لذلك حصة، فدل على أن الاعتبار ~~بالأغلب، والله أعلم. # قلت: فهذه جملة من أحكام هذه الآية، ولعل غيرنا يأتي بأكثر منها على ما ~~يفتح الله له. # وقد مضى في " البقرة (4) " جملة من معنى هذه الآية، والحمد لله. # الثانية والعشرون - وأما قوله صلى الله عليه وسلم: (ليس في حب ولا تمر ~~صدقة (5) فخرجه النسائي. قال حمزة الكناني: لم يذكر في هذا الحديث (في حب) ~~غير إسماعيل بن أمية، وهو ثقة قرشي من ولد سعيد بن العاص. قال: وهذه السنة ~~لم يروها أحد عن النبي # PageV07P109 # صلى الله عليه وسلم من أصحابه غير أبي سعيد الخدري. قال أبو عمر: هو كما ~~قال حمزة، وهذه سنة جليلة تلقاها الجميع بالقبول، ولم يروها أحد عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم من وجه ثابت محفوظ غير أبي سعيد. وقد روى جابر عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم مثل ذلك، ولكنه غريب، وقد وجدناه من حديث أبي هريرة ~~بإسناد حسن. # الثالثة والعشرون ms2506 - قوله تعالى: (ولا تسرفوا) الإسراف في اللغة الخطأ. ~~وقال أعرابي أراد قوما: طلبتكم فسرفتكم، أي أخطأت موضعكم. وقال الشاعر: # وقال قائلهم والخيل تخبطهم * أسرفتم فأجبنا أننا سرف والإسراف في النفقة: ~~التبذير. ومسرف لقب مسلم بن عقبة المري صاحب وقعة الحرة (1)، لأنه قد أسرف ~~فيها. قال علي بن عبد الله بن العباس: # هم منعوا ذماري يوم جاءت * كتائب مسرف وبني (2) اللكيعة والمعنى المقصود ~~من الآية: لا تأخذوا الشئ بغير حقه ثم تضعوه في غير حقه، قاله أصبغ بن ~~الفرج. ونحوه قول إياس بن معاوية: ما جاوزت به أمر الله فهو سرف والأسراف ~~في النفقة: التبذير. ومسرف لقب مسلم بن عقبة المرى صاحب وقعة الحرة (1)، ~~لأنه قد أسرف فيها. # قال علي بن عبد الله بن العباس: هم منعوا ذمارى يوم جاءت * كتائب مسرف ~~وبنى (2) اللكيعة والمعنى المقصود من الآية: لا تأخذوا الشئ بغير حقه ثم ~~تضعوه في غير حقه، قاله أصبع ابن الفرج. ونحوه قول إياس بن معاوية: ما ~~جاوزت به أمر الله فهو سرف وإسراف. # وقال ابن زيد: هو خطاب للولاة، يقول: لا تأخذوا فوق حقكم وما لا يجب على ~~الناس. # والمعنيان يحتملهما قوله عليه السلام: (المعتدي في الصدقة كمانعها). وقال ~~مجاهد: لو كان أبو قبيس ذهبا لرجل فأنفقه في طاعة الله لم يكن مسرفا، ولو ~~أنفق درهما أو مدا في معصية الله كان مسرفا. وفي هذا المعنى قيل لحاتم: لا ~~خير في السرف، فقال: لا سرف في الخير. # قلت: وهذا ضعيف، يرده ما روى ابن عباس أن ثابت بن قيس بن شماس عمد إلى ~~خمسمائة نخلة فجذها ثم قسمها في يوم واحد ولم يترك لأهله شيئا، فنزلت " ولا ~~تسرفوا " أي لا تعطوا كله. وروى عبد الرزاق عن ابن جريج قال: جذ معاذ بن ~~جبل نخله فلم يزل يتصدق حتى لم يبق منه شئ: فنزل " ولا تسرفوا ". قال ~~السدي: " ولا تسرفوا " أي لا تعطوا أموالكم فتقعدوا فقراء. وروي عن معاوية ~~بن أبي سفيان أنه سئل عن قوله تعالى: # " ولا تسرفوا " قال: ms2507 الإسراف ما قصرت (3) عن حق الله تعالى. # PageV07P110 # قلت: فعلى هذا تكون الصدقة بجميع المال ومنه إخراج حق المساكين داخلين، ~~في حكم السرف، والعدل خلاف هذا، فيتصدق ويبقي كما قال عليه السلام: (خير ~~الصدقة ما كان عن ظهر غنى (1) إلا أن يكون قوي النفس غنيا بالله متوكلا ~~عليه منفردا لا عيال له، فله أن يتصدق بجميع ماله، وكذلك يخرج الحق الواجب ~~عليه من زكاة وما يعن في بعض الأحوال من الحقوق المتعينة في المال. وقال ~~عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الإسراف ما لم يقدر على رده إلى الصلاح. والسرف ~~ما يقدر على رده إلى الصلاح. وقال النضر بن شميل: # الإسراف التبذير والإفراط، والسرف الغفلة والجهل. قال جرير: # أعطوا هنيدة يحدوها ثمانية * ما في عطائهم من ولا سرف أي إغفال، ويقال: ~~خطأ. ورجل سرف الفؤاد، أي مخطئ الفؤاد غافله. قال طرفة: # إن امرأ سوف الفؤاد يرى * عسلا بماء سحابة شتمي قوله تعالى: ومن الأنعام ~~حمولة وفرشا كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو ~~مبين (142) قوله تعالى: (ومن الأنعام حمولة وفرشا) عطف (على ما (2) تقدم). ~~أي وأنشأ حمولة وفرشا من الأنعام. وللعلماء في الأنعام ثلاثة أقوال: أحدها ~~- أن الأنعام الإبل خاصة، وسيأتي في " النحل (3) " بيانه. الثاني - أن ~~الأنعام الإبل وحدها، وإذا كان معها بقر وغنم فهي أنعام أيضا. الثالث - وهو ~~أصحها قال أحمد بن يحيى: الأنعام كل ما أحله الله عز وجل من الحيوان. ويدل ~~على صحة هذا قول تعالى: " أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم (4) " ~~وقد تقدم. والحمولة ما أطاق الحمل والعمل، عن ابن مسعود وغيره. # ثم قيل: يختص اللفظ بالإبل. وقيل: كل ما أحتمل عليه الحي من حمار أو بغل ~~أو بعير، عن أبي زيد، سواء كانت عليه الأحمال أو لم تكن. # PageV07P111 # قال عنترة: # ما راعني إلا حمولة أهلها * وسط الديار تسف حب الحمحم (1) وفعولة بفتح ~~الفاء إذا كانت بمعنى الفاعل استوى فيها المؤنث والمذكر، نحو قولك: رجل ~~فروقة وامرأة فروقة للجبان والخائف. ورجل ms2508 صرورة وامرأة صرورة إذا لم يحجا، ~~ولا جمع له. فإذا كانت بمعنى المفعول فرق بين المذكر والمؤنث بالهاء ~~كالحلوبة والركوبة. والحمولة (بضم الحاء): الأحمال. وأما الحمول (بالضم بلا ~~هاء) فهي الإبل التي عليها الهوادج، كان فيها نساء أو لم يكن، عن أبي زيد. ~~" و فرشا " قال الضحاك: الحمولة من الإبل والبقر. # والفرش: الغنم. النحاس: واستشهد لصاحب هذا القول بقول: " ثمانية أزواج " ~~قال: # ف‍ " ثمانية " بدل من قوله: " حمولة وفرشا ". وقال الحسن: الحمولة الإبل. ~~والفرش: الغنم. # وقال ابن عباس: الحمولة كل ما حمل من الإبل والبقر والخيل والبغال ~~والحمير. والفرش: # الغنم. وقال ابن زيد: الحمولة ما يركب، والفرش ما يؤكل لحمه ومحلب، مثل ~~الغنم والفصلان والعجاجيل، سميت فرشا للطافة أجسامها وقربها من الفرش، وهي ~~الأرض المستوية التي يتوطؤها الناس. قال الراجز: # أورثني حمولة وفرشا * أمشها في كل يوم مشا (2) وقال آخر: # وحوينا الفرش من أنعامكم * والحمولات وربات الحجل قال الأصمعي: لم أسمع ~~له بجمع. قال: ويحتمل أن يكون مصدرا سمي به، من قولهم: # فرشها الله فرشا، أي بثها بثا. والفرش: المفروش من متاع البيت. والفرش: ~~الزرع إذا فرش. والفرش: الفضاء الواسع. والفرش في رجل البعير: أتساع قليل، ~~وهو محمود. # وافترش الشئ انبسط، فهو لفظ مشترك. وقد يرجع قول تعالى: " وفرشا " إلى ~~هذا. # قال النحاس: ومن أحسن ما قيل فيهما أن الحمولة المسخرة المذللة للحمل. ~~والفرش ما خلقه الله عز وجل من الجلود والصوف مما يجلس ويتمهد. وباقي الآية ~~قد تقدم. # PageV07P112 # قوله تعالى: ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل آلذكرين حرم ~~أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم صادقين ~~ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت ~~عليه أرحام الأنثيين أم كنتم شهداء إذ وصكم الله بهذا فمن أظلم ممن افترى ~~على الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدى القوم الظالمين (144) ~~فيه ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (ثمانية أزواج) " ثمانية " منصوب بفعل مضمر، أي ~~وأنشأ " ثمانية أزواج ms2509 "، عن الكسائي. وقال الأخفش سعيد: هو منصوب على البدل ~~من " حمولة وفرشا ". # وقال الأخفش علي بن سليمان: يكون منصوبا " بكلوا "، أي كلوا لحم ثمانية ~~أزواج. # ويجوز أن يكون منصوبا على البدل من " ما " على الموضع. ويجوز أن يكون ~~منصوبا بمعنى كلوا المباح " ثمانية أزواج من الضأن اثنين ". ونزلت الآية في ~~مالك بن عوف وأصحابه حيث قالوا: " ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ~~ومحرم على أزواجنا " فنبه الله عز وجل نبيه والمؤمنين بهذه الآية على ما ~~أحله لهم، لئلا يكونوا بمنزلة من حرم ما أحله الله تعالى. والزوج خلاف ~~الفرد، يقال: زوج أو فرد. كما يقال: خسا أو زكا، شفع (1) أو وتر. # فقول: " ثمانية أزواج " يعني ثمانية أفراد. وكل فرد عند العرب يحتاج إلى ~~آخر يسمى زوجا، فيقال للذكر زوج وللأنثى زوج. ويقع لفظ الزوج للواحد ~~وللاثنين، يقال هما زوجان، وهما زوج، كما يقال: هما سيان وهما سواء. وتقول: ~~اشتريت زوجي حمام. وأنت تعني ذكرا وأنثى. # الثانية - قوله تعالى: (من الضان اثنين) أي الذكر والأنثى. والضأن: ذوات ~~الصوف من الغنم، وهي جمع ضائن. والأنثى ضائنة، والجمع ضوائن. وقيل: هو جمع # PageV07P113 # لا واحد له. وقيل في جمعه: ضئين، كعبد وعبيد. ويقال فيه ضئين. كما يقال ~~في شعير: # شعير، كسرت الضاد اتباعا. وقرأ طلحة بن مصرف " من الضأن اثنين " بفتح ~~الهمزة، وهي لغة مسموعة عند البصريين. وهو مطرد عند الكوفيين في كل ما ~~ثانيه حرف حلق. # وكذلك الفتح والإسكان في المعز. وقرأ أبان بن عثمان " من الضأن اثنان ومن ~~المعز اثنان " رفعا بالابتداء. وفي حرف أبي. (ومن المعز اثنان (1)) وهي ~~قراءة الأكثر. وقرأ ابن عامر وأبو عمرو بالفتح. قال النحاس: الأكثر في كلام ~~العرب المعز والضأن بالإسكان. ويدل على هذا قولهم في الجمع: معيز، فهذا جمع ~~معز. كما يقال: عبد وعبيد. قال أمرؤ القيس: # ويمنحها بنو شمجى بن جرم * معيزهم حنانك ذا الحنان ومثله ضأن وضئين. ~~والمعز من الغنم خلاف الضأن، وهي ذوات الأشعار والأذناب القصار، وهو اسم ~~جنس، وكذلك المعز والمعيز ms2510 والأمعوز والمعزى. وواحد المعز ماعز، مثل صاحب ~~وصحب وتاجر وتجر. والأنثى ماعزة وهي العنز، والجمع مواعز. وأمعز القوم كثرت ~~معزاهم. والمعاز صاحب المعزى. قال أبو محمد الفقعسي يصف إبلا بكثرة اللبن ~~ويفضلها على الغنم في شدة الزمان: # يكلن كليلا ليس بالممحوق * إذ رضي المعاز باللعوق والمعز الصلابة من ~~الأرض. والأمعز: المكان الصلب الكثير الحصى، والمعزاء أيضا. # واستمعز الرجل في أمره: جد. (قل آلذكرين) منصوب " بحرم ". (أم الأنثيين) ~~عطف عليه. وكذا (أما اشتملت). وزيدت مع ألف الوصل مدة للفرق بين الاستفهام ~~والخبر. ويجوز حذف الهمزة لأن " أم " تدل على الاستفهام. كما قال: # تروح من الحي أم تبتكر الثالثة - قال العلماء: الآية احتجاج على المشركين ~~في أمر البحيرة وما ذكر معها. # وقولهم: " ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا ". ~~فدلت على إثبات المناظرة في العلم، لأن الله تعالى أمر نبيه عليه السلام ~~بأن يناظرهم، ويبين لهم فساد قولهم. # وفيها إثبات القول بالنظر والقياس. وفيها دليل بأن القياس إذا ورد عليه ~~النص بطل القول به. # PageV07P114 # ويروى: " إذا ورد عليه النقض "، لأن الله تعالى أمرهم بالمقايسة الصحيحة، ~~وأمرهم بطرد علتهم. والمعنى: قل لهم إن كان حرم الذكور فكل ذكر حرام. لان ~~كان حرم الإناث فكل أنثى حرام. لان كان حرم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين، ~~يعني من الضأن والمعز، فكل مولود حرام، ذكرا كان أو أنثى. وكلها مولود ~~فكلها إذا حرام لوجود العلة فيها، فبين (1) انتقاض علتهم وفساد قولهم، ~~فأعلم الله سبحانه أن ما فعلوه من ذلك افتراء عليه (نبئوني بعلم) أي بعلم ~~إن كان عندكم، من أين هذا التحريم الذي افتعلتموه؟ ولا علم عندهم، لأنهم لا ~~يقرءون الكتب. والقول في: " ومن الإبل اثنين وما بعده كما سبق (أم كنتم ~~شهداء) أي (هل (2)) شاهدتم الله قد حرم هذا. ولما لزمتهم الحجة أخذوا في ~~الافتراء فقالوا: # كذا أمر الله. كذا أمر الله. فقال الله تعالى: (فمن أظلم ممن افترى على ~~الله كذبا ليضل الناس بغير علم) بين أنهم كذبوا، إذ قالوا ما ms2511 لم يقم عليه ~~دليل. # قوله تعالى: قل لا أجد في ما أوحى إلى محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ~~ميته أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن ~~اضطر غير باغ ولا فإن ربك غفور رحيم (145) فيه أربع مسائل: الأولى - قوله ~~تعالى: (قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما) أعلم الله عز وجل في هذه الآية بما ~~حرم. والمعنى: يا محمد لا أجد فيما أوحي إلي محرما إلا هذه الأشياء لا ما ~~تحرمونه بشهوتكم. والآية مكية. ولم يكن في الشريعة في ذلك الوقت محرم غير ~~هذه الأشياء، ثم نزلت سورة " المائدة " بالمدينة. وزيد في المحرمات ~~كالمنخنقة والموقوذة (3) والمتردية والنطيحة والخمر وغير ذلك. وحرم رسول ~~الله صلى الله عليه بالمدينة أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من ~~الطير. # PageV07P115 # وقد اختلف العلماء في حكم هذه الآية وتأويلها على أقوال: الأول - ما ~~أشرنا إليه من أن هذه الآية مكية، وكل محرم حرمه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أو جاء في الكتاب مضموم إليها، فهو زيادة حكم من الله عز وجل على لسان ~~نبيه عليه السلام. على هذا أكثر أهل العلم من (أهل (1)) النظر، والفقه ~~والأثر. ونظيره نكاح (2) المرأة على عمتها وعلى خالتها مع قوله: " وأحل لكم ~~ما وراء (3) ذلكم " وكحكمه باليمين مع الشاهد مع قول: " فإن لم يكونا رجلين ~~فرجل وامرأتان (4) " وقد قيل: إنها منسوخة بقوله عليه السلام (أكل كل ذي ~~ناب من السباع حرام) أخرجه مالك، وهو حديث صحيح. وقيل: الآية محكمة ولا ~~حرام إلا ما فيها وهو قول يروى عن ابن عباس وابن عمر وعائشة، وروي عنهم ~~خلافه. قال مالك: لا حرام بين إلا ما ذكر في هذه الآية. وقال ابن خويز ~~منداد: تضمنت هذه الآية تحليل كل شئ من الحيوان وغيره إلا ما استثني في ~~الآية من الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير. ولهذا قلنا: # إن لحوم السباع وسائر الحيوان ما سوى الإنسان والخنزير مباح. وقال الكيا ~~الطبري: وعليها ms2512 بنى الشافعي تحليل كل مسكوت عنه، أخذا من هذه الآية، إلا ما ~~دل عليه الدليل. وقيل: # إن الآية جواب لمن سأل عن شئ بعينه فوقع الجواب مخصوصا. وهذا مذهب ~~الشافعي. # وقد روى الشافعي عن سعيد بن جبير أنه قال: في هذه الآية أشياء سألوا عنها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجابهم عن المحرمات من تلك الأشياء. وقيل: ~~أي لا أجد فيما أوحي إلى أي في، هذه الحال حال الوحي ووقت نزوله، ثم لا ~~يمتنع حدوث وحي بعد ذلك بتحريم أشياء أخر. وزعم ابن العربي أن هذه الآية ~~مدنية (وهي (5)) مكية في قول الأكثرين، نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم ~~يوم نزل عليه " اليوم أكملت لكم دينكم (6) " ولم ينزل بعدها ناسخ فهي ~~محكمة، فلا محرم إلا ما فيها، وإليه أميل. # قلت: وهذا ما رأيته قال غيره. وقد ذكر أبو عمر بن عبد البر الإجماع في أن ~~سورة " الأنعام " مكية إلا قوله تعالى: " قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ~~" الثلاث الآيات، وقد # PageV07P116 # نزل بعدها قرآن كثير وسنن جمة. فنزل تحريم الخمر بالمدينة في " المائدة ~~". وأجمعوا على أن نهيه عليه السلام عن أكل كل ذي ناب من السباع إنما كان ~~منه بالمدينة. قال إسماعيل بن إسحاق: وهذا كله يدل على أنه أمر كان ~~بالمدينة بعد نزول قوله: " قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما " لأن ذلك مكي. # قلت: وهذا هو مثار الخلاف بين العلماء. فعدل جماعة عن ظاهر الأحاديث ~~الواردة بالنهي عن أكل كل ذي ناب من السباع، لأنها متأخرة عنها والحصر فيها ~~ظاهر فالأخذ بها أولى، لأنها إما ناسخة لما تقدمها أو راجحة على تلك ~~الأحاديث. وأما القائلون بالتحريم فظهر لهم وثبت عندهم أن سورة " الأنعام " ~~مكية، نزلت قبل الهجرة، وأن هذه الآية قصد بها الرد على الجاهلية في تحريم ~~البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي، ثم بعد ذلك حرم أمورا كثيرة كالحمر ~~الإنسية ولحوم البغال وغيرها، وكل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير. # قال أبو عمر: ويلزم ms2513 على قول من قال: " لا محرم إلا ما فيها " ألا يحرم ما ~~لم يذكر اسم الله عليه عمدا، وتستحل الخمر المحرمة عند جماعة المسلمين. وفي ~~إجماع المسلمين على تحريم خمر العنب دليل واضح على أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قد وجد فيما أوحي إليه محرما غير ما في سورة " الأنعام " مما (1) ~~قد نزل بعدها من القرآن. وقد اختلفت الرواية عن مالك في لحوم السباع ~~والحمير والبغال فقال (مرة (2)): هي محرمة، لما ورد من نهيه عليه السلام عن ~~ذلك، وهو الصحيح من قول على ما في الموطأ. وقال مرة: هي مكروهة، وهو ظاهر ~~المدونة، لظاهر الآية، ولما روي عن ابن عباس وابن عمر وعائشة من إباحة ~~أكلها وهو قول الأوزاعي. # روى البخاري من رواية عمرو بن دينار قال: قلت لجابر بن زيد إنهم يزعمون ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لحوم الحمر الأهلية؟ فقال: قد كان ~~يقول ذلك الحكم بن عمرو الغفاري عندنا بالبصرة، ولكن أبى ذلك البحر ابن ~~عباس، وقرأ " قل لا أجد فيما أوحي إلى محرما ". وروي عن ابن عمر أنه سئل عن ~~لحوم السباع فقال: لا بأس بها. فقيل له: حديث أبي ثعلبة الخشني (3) # PageV07P117 # فقال: لا ندع كتاب الله ربنا لحديث (1) أعرابي يبول على ساقيه. وسئل ~~الشعبي عن لحم الفيل والأسد فتلا هذه الآية: وقال القاسم: كانت عائشة تقول ~~لما سمعت الناس يقولون حرم كل ذي ناب من السباع: ذلك حلال، وتتلو هذه الآية ~~" قل لا أجد فيما أوحي إلى محرما " ثم قالت: إن كانت البرمة ليكون ماؤها ~~أصفر من الدم ثم يراها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يحرمها. والصحيح ~~في هذا الباب ما بدأنا بذكره، وإن ما ورد من المحرمات بعد الآية مضموم ~~إليها معطوف عليها. وقد أشار القاضي أبو بكر بن العربي إلى هذا في قبسه ~~خلاف ما ذكر في أحكامه قال: روي عن ابن عباس أن هذه الآية من آخر ما نزل، ~~فقال البغداديون من أصحابنا: إن كل ms2514 ما عداها حلال، لكنه يكره أكل السباع. ~~وعند فقهاء الأمصار منهم مالك والشافعي وأبو حنيفة وعبد الملك أن أكل كل ذي ~~ناب من السباع حرام، وليس يمتنع أن تقع الزيادة بعد قوله: " قل لا أجد فيما ~~أوحي إلي محرما " بما يرد من الدليل فيها، كما قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث) فذكر الكفر والزنى والقتل. ثم ~~قال علماؤنا: إن أسباب القتل عشرة بما ورد من الأدلة، إذ النبي صلى الله ~~عليه وسلم إنما يخبر بما وصل إليه من العلم عن الباري تعالى، وهو يمحو ما ~~يشاء ويثبت وينسخ ويقدم. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~(أكل كل ذي ناب من السباع حرام) وقد روي أنه نهى عن أكل كل ذي ناب من ~~السباع وذي مخلب من الطير. وروى مسلم عن معن عن مالك: " نهي عن أكل كل ذي ~~مخلب من الطير " والأول أصح وتحريم كل ذي ناب من السباع هو صريح المذهب وبه ~~ترجم مالك في الموطأ حين قال: # تحريم أكل كل ذي ناب من السباع. ثم ذكر الحديث وعقبه بعد ذلك بأن قال: # وهو الأمر عندنا. فأخبر أن العمل أطرد مع الأثر. قال القشيري: فقول مالك ~~" هذه الآية من أواخر ما نزل " لا يمنعنا من (2) أن نقول: ثبت تحريم بعض ~~هذه الأشياء بعد هذه الآية، وقد أحل الله الطيبات وحرم الخبائث، ونهى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع، وعن أكل كل ذي مخلب ~~من الطير، ونهى عن لحوم الحمر الأهلية # PageV07P118 # عام خيبر. والذي يدل على صحة هذا التأويل الإجماع على تحريم العذرة ~~والبول والحشرات المستقذرة والحمر مما ليس مذكورا في هذه الآية. # الثانية - قوله تعالى: " محرما " قال ابن عطية: لفظة التحريم إذا وردت ~~على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنها صالحة أن تنتهي بالشئ المذكور ~~غاية الحظر والمنع، وصالحة (أيضا (1)) بحسب اللغة أن تقف دون الغاية في حيز ms2515 ~~الكراهة ونحوها، فما اقترنت به قرينة التسليم من الصحابة المتأولين وأجمع ~~الكل منهم ولم تضطرب فيه ألفاظ الأحاديث وجب بالشرع أن يكون تحريمه قد وصل ~~الغاية من الحظر والمنع، ولحق بالخنزير والميتة والدم، وهذه صفة تحريم ~~الخمر. وما اقترنت به قرينة اضطراب ألفاظ الأحاديث واختلفت الأئمة فيه مع ~~علمهم بالأحاديث كقوله عليه السلام: (أكل كل ذي ناب من السباع حرام). وقد ~~ورد نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع، ثم ~~اختلفت الصحابة ومن بعدهم في تحريم ذلك، فجاز لهذه الوجوه لمن ينظر أن يحمل ~~لفظ التحريم على المنع الذي هو الكراهة ونحوها. وما اقترنت به قرينة ~~التأويل كتحريمه عليه السلام لحوم الحمر الإنسية فتأول بعض الصحابة ~~الحاضرين ذلك لأنه نجس، وتأول بعضهم ذلك لئلا تفنى حمولة الناس، وتأول ~~بعضهم التحريم المحض. وثبت في الأمة الاختلاف في تحريم لحمها، فجائز لمن ~~ينظر من العلماء أن يحمل لفظ التحريم على المنع الذي هو الكراهة ونحوها ~~نحوها (1)) بحسب اجتهاده وقياسه. # قلت: وهذا عقد حسن في هذا الباب وفي سبب الخلاف على ما تقدم. وقد قيل: إن ~~الحمار لا يؤكل، لأنه أبدى جوهره الخبيث حيث نزا على ذكر وتلوط، فسمي رجسا. # قال محمد بن سيرين: ليس شئ من الدواب يعمل عمل قوم لوط إلا الخنزير ~~والحمار، ذكره الترمذي في نوادر الأصول. # الثالثة - روى عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء عن ابن عباس قال: كان أهل ~~الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء، فبعث الله نبيه عليه السلام وأنزل ~~كتابه وأحل حلاله وحرم حرامه، فما أحل فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت ~~عنه فهو عفو، وتلا هذه الآية # PageV07P119 # " قل لا أجد " الآية. يعني ما لم يبين تحريمه فهو مباح بظاهر هذه الآية. ~~وروى الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عباس أنه قرأ " قل لا أجد فيما ~~أوحي إلي محرما " قال: إنما حرم من الميتة أكلها، ما يؤكل منها وهو اللحم، ~~فأما الجلد والعظم والصوف والشعر فحلال. ms2516 # وروى أبو داود عن ملقام بن تلب عن أبيه قال: صحبت النبي صلى الله عليه ~~وسلم فلم أسمع لحشرة الأرض تحريما. الحشرة: صغار دواب الأرض كاليرابيع ~~والضباب والقنافذ. # ونحوها، قال الشاعر: # أكلنا الربى (1) يا أم عمرو ومن يكن * غريبا لديكم يأكل الحشرات أي ما دب ~~ودرج. والربى جمع ربية وهي الفأرة. قال الخطابي: وليس في قوله " لم أسمع ~~لها تحريما " دليل على أنها مباحة، لجواز أن يكون غيره قد سمعه. وقد اختلف ~~الناس في اليربوع والوبر (2) والجمع وبار ونحوهما من الحشرات، فرخص في ~~اليربوع عروة وعطاء والشافعي وأبو ثور. قال الشافعي: لا بأس بالوبر وكرهه ~~ابن سيرين والحكم وحماد وأصحاب الرأي. وكره أصحاب الرأي القنفذ. وسئل عنه ~~مالك بن أنس فقال: لا أدري. وحكى أبو عمرو: وقال مالك لا بأس بأكل القنفذ. ~~وكان أبو ثور لا يرى به بأسا، وحكاه عن الشافعي. وسئل عنه ابن عمر فتلا " ~~قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما " الآية، فقال شيخ عنده سمعت أبا هريرة ~~يقول: ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (خبيثة من الخبائث). فقال ~~ابن عمر: إن كان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا فهو كما قال. ذكره ~~أبو داود. # وقال مالك: لا بأس بأكل الضب واليربوع والورل (3). وجائز عنده أكل الحيات ~~إذا ذكيت، وهو قول ابن أبي ليلى والأوزاعي. وكذلك الأفاعي والعقارب والفأر ~~و (4) العظاية والقنفذ والضفدع. # وقال ابن القاسم: ولا بأس بأكل خشاش الأرض وعقاربها ودودها في قول مالك، ~~لأنه قال: # موته في الماء لا يفسده. وقال مالك: لا بأس بأكل فراخ النحل ودود الجبن ~~والتمر ونحوه. # PageV07P120 # والحجة له حديث ملقام (1) بن تلب، وقول ابن عباس وأبي الدرداء: ما أحل ~~الله فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو. وقالت عائشة في ~~الفأرة: ما هي بحرام، وقرأت " قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما ". ومن علماء ~~أهل المدينة جماعة لا يجيزون أكل كل شئ من خشاش الأرض وهوامها، مثل الحيات ~~والأوزاغ والفأر وما ms2517 أشبهه. وكل ما يجوز قتله فلا يجوز عند هؤلاء أكله، ولا ~~تعمل الذكاة عندهم فيه. وهو قول ابن شهاب وعروة والشافعي وأبي حنيفة ~~وأصحابه وغيرهم. ولا يؤكل عند مالك وأصحابه شئ من سباع الوحش كلها، ولا ~~الهر الأهلي ولا الوحشي لأنه سبع. وقال: ولا يؤكل الضبع ولا الثعلب، ولا ~~بأس بأكل سباع الطير كلها: الرخم والنسور والعقبان وغيرها، ما أكل الجيف ~~منها وما لم يأكل. # وقال الأوزاعي الطير كله حلال، إلا أنهم يكرهون الرخم. وحجة مالك أنه لم ~~يجد أحدا من أهل العلم يكره أكل سباع الطير، وأنكر الحديث عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم (أنه نهى عن أكل كل ذي مخلب من الطير). وروي عن أشهب أنه ~~قال: لا بأس بأكل الفيل إذا ذكي، وهو قول الشعبي، ومنع منه الشافعي. وكره ~~النعمان وأصحابه أكل الضبع والثعلب. ورخص في ذلك الشافعي، وروي عن سعد بن ~~أبي وقاص أنه كان يأكل الضباع. وحجة مالك، عموم النهي عن أكل كل ذي ناب من ~~السباع، ولم يخصى سبعا من سبع. وليس حديث الضبع الذي خرجه النسائي في إباحة ~~أكلها مما يعارض به حديث النهي، لأنه حديث أنفرد به عبد الرحمن بن أبي ~~عمار، وليس مشهورا بنقل العلم، ولا ممن يحتج به إذا خالفه من هو أثبت منه. ~~قال أبو عمر: وقد روي النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع من طرق متواترة. ~~وروى ذلك جماعة من الأئمة الثقات الأثبات، ومحال أن يعارضوا بمثل حديث ابن ~~أبي عمار. قال أبو عمر: أجمع المسلمون على أنه لا يجوز أكل القرد لنهي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن أكله، ولا يجوز بيعه لأنه لا منفعة فيه. قال: ~~وما علمت أحدا رخص في أكله إلا ما ذكره عبد الرزاق عن معمر عن أيوب. سئل ~~مجاهد عن أكل القرد فقال: # ليس من بهيمة الأنعام. # PageV07P121 # قلت: ذكر ابن المنذر أنه قال: روينا عن عطاء أنه سئل عن القرد يقتل في ~~الحرم فقال: يحكم به ذوا عدل. قال: ms2518 فعلى مذهب عطاء يجوز أكل لحمه، لأن ~~الجزاء لا يجب على من قتل غير الصيد. وفي (بحر المذهب) للروياني على مذهب ~~الإمام الشافعي: وقال الشافعي يجوز بيع القرد لأنه يعلم وينتفع به لحفظ ~~المتاع. وحكى الكشفلي عن ابن شريح يجوز بيعه لأنه ينتفع به. فقيل له: وما ~~وجه الانتفاع به؟ قال تفرح به الصبيان. قال أبو عمر: # والكلب والفيل وذو الناب كله عندي مثل القرد. والحجة في قول رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لا في قول غيره. وقد زعم ناس أنه لم يكن في العرب من ~~يأكل لحم الكلب إلا قوم من فقعس. وروى أبو داود عن ابن عمر قال: نهى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن أكل الجلالة وألبانها. في رواية: عن الجلالة في ~~الإبل أن يركب عليها أو يشرب من ألبانها. قال الحليمي أبو عبد الله: فأما ~~الجلالة فهي التي تأكل العذرة من الدواب والدجاج المخلاة. # ونهى النبي عن لحومها. وقال العلماء: كل ما ظهر منها ريح العذرة في لحمه ~~أو طعمه فهو حرام، وما لم يظهر فهو حلال. وقال الخطابي: هذا نهي تنزه ~~وتنظف، وذلك أنها إذا اغتذت الجلة وهي العذرة وجد نتن رائحتها في لحومها، ~~وهذا إذا كان غالب علفها منها، فأما إذا رعت الكلأ واعتلفت الحب وكانت تنال ~~مع ذلك شيئا من الجلة فليست بجلالة، وإنما هي كالدجاج المخلاة، ونحوها من ~~الحيوان الذي ربما نال الشئ منها وغالب غذائه وعلفه من غيره فلا يكره ~~أكلها. وقال أصحاب الرأي والشافعي وأحمد: لا تؤكل حتى تحبس أياما وتعلف ~~علفا غيرها، فإذا طاب لحمها أكلت. وقد روي في الحديث (أن البقر تعلف أربعين ~~يوما ثم يؤكل لحمها). وكان ابن عمر يحبس الدجاج ثلاثا ثم يذبح. وقال إسحاق: ~~لا بأس بأكلها بعد أن يغسل لحمها غسلا جيدا. وكان الحسن لا يرى بأسا بأكل ~~لحم الجلالة، وكذلك مالك بن أنس. ومن هذا الباب نهي أن تلقى في الأرض ~~العذرة. # روي عن بعضهم قال: كنا نكري أرض رسول الله ms2519 صلى الله عليه وسلم ونشترط على ~~من يكريها ألا يلقي فيها العذرة. وعن ابن عمر أنه كان يكري أرضه ويشترط ألا ~~تدمن (1) بالعذرة. وروي أن رجل كان يزرع أرضه بالعذرة فقال له عمر: أنت ~~الذي تطعم الناس ما يخرج ما منهم. # PageV07P122 # واختلفوا في أكل الخيل، فأباحها الشافعي، وهو الصحيح، وكرهها مالك. وأما ~~البغل فهو متولد من بين الحمار والفرس، وأحدهما مأكول أو مكروه وهو الفرس، ~~والآخر محرم وهو الحمار، فغلب حكم التحريم، لأن التحليل والتحريم إذا ~~اجتمعا في عين واحدة غلب حكم التحريم. وسيأتي بيان هذه المسألة في " النحل ~~(1) " إن شاء الله بأوعب من هذا. وسيأتي حكم الجراد في " الأعراف (2) ". ~~والجمهور من الخلف والسلف على جواز أكل الأرنب. # وقد حكي عن عبد الله بن عمرو بن العاص تحريمه. وعن ابن أبي ليلى كراهته. ~~قال عبد الله بن عمرو: جئ بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا جالس ~~فلم يأكلها ولم ينه عن أكلها. وزعم أنها تحيض. ذكره أبو داود. وروى النسائي ~~مرسلا عن موسى بن طلحة قال: أتي النبي بأرنب قد شواها رجل وقال: يا رسول ~~الله، إني رأيت بها دما، فتركها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يأكلها، ~~وقال لمن عنده: (كلوا فإني لو اشتهيتها أكلتها). # قلت: وليس في هذا ما يدل على تحريمه، وإنما هو نحو من قول عليه السلام: ~~(إنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه). وقد روى مسلم في صحيحه عن أنس بن ~~مالك قال: # مررنا بمر الظهران فاستنفجنا (3) أرنبا فسعوا عليه فلغبوا (4). قال: ~~فسعيت حتى أدركتها، فأتيت بها أبا طلحة فذبحها، فبعث بوركها وفخذها إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتيت بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقبله. # الرابعة - قوله تعالى: على طاعم يطعمه أي أكل يأكله. وروي عن ابن عامر ~~أنه قرأ " أوحى " بفتح الهمزة. وقرأ علي بن أبي طالب " يطعمه " مثقل الطاء، ~~أراد يتطعمه فأدغم. وقرأت عائشة ومحمد ابن الحنفية " على طاعم طعمه " بفعل ~~ماض إلا أن يكون ms2520 ميتة قرئ بالياء والتاء، أي إلا أن تكون العين أو الجثة أو ~~النفس ميتة. وقرئ " يكون " بالياء " ميتة " بالرفع بمعنى تقع وتحدث ميتة. ~~والمسفوح: الجاري الذي يسيل # PageV07P123 # وهو المحرم. وغيره معفو عنه. وحكى الماوردي أن الدم غير المسفوح أنه إن ~~كان ذا عروق يجمد عليها كالكبد والطحال فهو حلال، لقول عليه السلام: (أحلت ~~لنا ميتتان ودمان) الحديث. وإن كان غير ذي عروق يجمد عليها، وإنما هو مع ~~اللحم ففي تحريمه قولان: # أحدهما أنه حرام، لأنه من جملة المسفوح أو بعضه. وإنما ذكر المسفوح ~~لاستثناء الكبد والطحال منه. والثاني أنه لا يحرم، لتخصيص التحريم ~~بالمسفوح. # قلت: وهو الصحيح. قال عمران بن حدير: سألت أبا مجلز عما يتلطخ من اللحم ~~بالدم، وعن القدر تعلوها الحمرة من الدم فقال: لا بأس به، إنما حرم الله ~~المسفوح. وقالت نحوه عائشة وغيرها، وعليه إجماع العلماء. وقال عكرمة: لولا ~~هذه الآية لاتبع المسلمون من العروق ما تتبع اليهود. وقال إبراهيم النخعي: ~~لا بأس بالدم في عرق أو مخ. وقد تقدم هذا وحكم المضطر في (البقرة (1) ~~(والله أعلم (2). # قوله تعالى: وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا ~~عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك ~~جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون (146) فيه ست مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر) لما ذكر الله ~~عز وجل ما حرم على أمة محمد صلى الله عليه وسلم عقب ذلك بذكر ما حرم على ~~اليهود، لما في ذلك من تكذيبهم في قولهم: إن الله لم يحرم علينا شيئا، ~~وإنما نحن حرمنا على أنفسنا ما حرمه إسرائيل على نفسه. وقد تقدم في البقرة ~~معنى (هادوا (3). وهذا التحريم على الذين هادوا إنما هو تكليف بلوى وعقوبة. ~~فأول ما ذكر من المحرمات عليهم كل ذي ظفر. وقرأ الحسن " ظفر " بإسكان ~~الفاء. وقرأ أبو السمال " ظفر " بكسر الظاء وإسكان الفاء. وأنكر أبو حاتم ~~كسر # PageV07P124 # الظاء وإسكان الفاء، ولم يذكر هذه القراءة وهي لغة. " وظفر ms2521 " بكسرهما. ~~والجمع أظفار وأظفور وأظافير (1)، قال الجوهري. وزاد النحاس عن الفراء ~~أظافير وأظافره، قال ابن السكيت: يقال رجل أظفر بين الظفر إذا كان طويل ~~الأظفار، كما يقال: رجل أشعر للطويل الشعر. قال مجاهد وقتادة: " ذي ظفر " ~~ما ليس بمنفرج الأصابع من البهائم والطير، مثل الإبل والنعام والإوز والبط. ~~وقال ابن زيد: الإبل فقط. وقال ابن عباس: # " ذي ظفر " البعير والنعامة، لأن النعامة ذات ظفر كالإبل. وقيل: يعني كل ~~ذي مخلب من الطير وذي حافر من الدواب. ويسمى الحافر ظفرا استعارة. وقال ~~الترمذي الحكيم: # الحافر ظفر، والمخلب ظفر، إلا أن هذا على قدره، وذاك على قدره وليس ههنا ~~استعارة، ألا ترى أن كليهما يقص ويؤخذ منهما وكلاهما جنس واحد: عظم لين ~~رخو. أصله من غذاء ينبت فيقص مثل ظفر الإنسان، وإنما سمي حافرا لأنه يحفر ~~الأرض بوقعه عليها. # وسمي مخلبا لأنه يخلب الطير برؤوس تلك الإبر منها. وسمي ظفرا لأنه يأخذ ~~الأشياء بظفره، أي يظفر به الآدمي والطير. # الثانية - قوله تعالى: (ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما) قال ~~قتادة: يعني الثروب وشحم الكليتين، وقال السدي. والثروب جمع الثرب، وهو ~~الشحم الرقيق الذي يكون على الكرش. قال ابن جريج: حرم عليهم كل شحم غير ~~مختلط بعظم أو على عظم، وأحل لهم شحم الجنب والألية، لأنه على العصعص. # الثالثة - قوله تعالى: (إلا ما حملت ظهورهما) " ما " في موضع نصب على ~~الاستثناء " ظهورهما " رفع " بحملت ". (أو الحوايا) في موضع رفع عطف على ~~الظهور أي أو حملت حواياهما، والألف واللام بدل من الإضافة. وعلى هذا تكون ~~الحوايا من جملة ما أحل. (أو ما اختلط بعظم) " ما " في موضع نصب عطف على " ~~ما حملت " أيضا هذا أصح ما قيل فيه. وهو. قول الكسائي والفراء وأحمد بن ~~يحيى. والنظر يوجب أن يعطف # PageV07P125 # الشئ على ما يليه، إلا ألا يصح معناه أو يدل دليل على غير ذلك. وقيل: إن ~~الاستثناء في التحليل إنما هو ما حملت الظهور خاصة، وقوله: " أو الحوايا أو ~~ما اختلط بعظم " معطوف على المحرم. ms2522 والمعنى: حرمت عليهم شحومهما أو الحوايا ~~أو ما اختلط بعظم، إلا ما حملت الظهور فإنه غير محرم. وقد احتج الشافعي ~~بهذه الآية في أن من حلف ألا يأكل الشحم حنث بأكل شحم الظهور، لاستثناء ~~الله عز وجل ما على ظهورهما من جملة الشحم. # الرابعة - قوله تعالى: (أو الحوايا): الحوايا: هي المباعر، عن ابن عباس ~~وغيره. # وهو جمع مبعر، سمي بذلك لاجتماع البعر فيه. وهو الزبل. وواحد الحوايا ~~حاوياء، مثل قاصعاء وقواصع. وقيل: حاوية مثل ضاربة وضوارب. وقيل: حوية مثل ~~سفينة وسفائن. # قال أبو عبيدة: الحوايا ما تحوى من البطن أي استدار. وهي منحوية أي ~~مستديرة. وقيل: # الحوايا خزائن اللبن، وهو يتصل بالمباعر وهي المصارين. وقيل: الحوايا ~~الأمعاء التي عليها الشحوم. والحوايا في غير هذا الموضع: كساء يحوى حول ~~سنام البعير. قال امرؤ القيس: # جعلن حوايا واقتعدن قعائدا * وخففن من حوك العراق المنمق فأخبر الله ~~سبحانه أنه كتب عليهم تحريم هذا في التوراة ردا لكذبهم. ونصه فيها: " حرمت ~~عليكم " الميتة والدم ولحم الخنزير وكل دابة ليست مشقوقة الحافر وكل حوت ~~ليس فيه سفاسق (1) " أي بياض. ثم نسخ الله ذلك كله بشريعة محمد. وأباح لهم ~~ما كان محرما عليهم من الحيوان، وأزال الحرج بمحمد عليه السلام، وألزم ~~الخليقة دين الإسلام بحله وحرمه وأمره ونهيه. # الخامسة - لو ذبحوا أنعامهم فأكلوا ما أحل الله لهم في التوراة وتركوا ما ~~حرم (عليهم (2)) فهل يحل لنا، قال مالك في كتاب محمد: هي محرمة. وقال في ~~سماع المبسوط: هل محللة وبه قال ابن نافع وقال ابن القاسم: أكرهه. وجه ~~الأول أنهم يدينون بتحريمها ولا يقصدونها عند الذكاة، فكانت محرمة كالدم. ~~ووجه الثاني وهو الصحيح أن الله عز وجل رفع ذلك التحريم بالإسلام، ~~واعتقادهم فيه لا يؤثر، لأنه اعتقاد فاسد، قاله ابن العربي. # PageV07P126 # قلت: ويدل على صحته ما رواه الصحيحان عن عبد الله بن مغفل قال: كنا ~~محاصرين قصر خيبر، فرمى إنسان بجراب فيه شحم فنزوت (1) لآخذه فالتفت فإذا ~~النبي صلى الله عليه وسلم فاستحييت منه. لفظ البخاري. ms2523 ولفظ مسلم: قال عبد ~~الله بن مغفل: أصبت جرابا من شحم يوم خيبر، قال فالتزمته وقلت: لا أعطي ~~اليوم أحدا من هذا شيئا، قال: فالتفت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~متبسما. قال علماؤنا: تبسمه عليه السلام إنما كان لما رأى من شدة حرص ابن ~~مغفل على أخذ الجراب ومن ضنته به، ولم يأمره بطرحه ولا نهاه. # وعلى جواز الأكل مذهب أبي حنيفة والشافعي وعامة العلماء، غير أن مالكا ~~كرهه للخلاف فيه. وحكى ابن المنذر عن مالك تحريمها، وإليه ذهب كبراء أصحاب ~~مالك. ومتمسكهم ما تقدم، والحديث حجة عليهم، فلو ذبحوا كل ذي ظفر قال أصبغ: ~~ما كان محرما في كتاب الله من ذبائحهم فلا يحل أكله، لأنهم يدينون ~~بتحريمها. وقاله أشهب وابن القاسم، وأجازه ابن وهب. وقال ابن حبيب: ما كان ~~محرما عليهم، وعلمنا ذلك من كتابنا فلا يحل لنا من ذبائحهم، وما لم نعلم ~~تحريمه إلا من أقوالهم واجتهادهم فهو غير محرم علينا من ذبائحهم. # السادسة - قوله تعالى: (ذلك) أي ذلك التحريم. فذلك في موضع رفع، أي الأمر ~~ذلك. (جزيناهم ببغيهم) أي بظلمهم، عقوبة لهم لقتلهم الأنبياء وصدهم عن سبيل ~~الله، وأخذهم الربا واستحلالهم أموال الناس بالباطل. وفي هذا دليل على أن ~~التحريم إنما يكون بذنب، لأنه ضيق فلا يعدل عن السعة إليه إلا عند ~~المؤاخذة. (وإنا لصادقون) في إخبارنا عن هؤلاء اليهود عما حرمنا عليهم من ~~اللحوم والشحوم. # قوله تعالى: فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة وسعة ولا يرد بأسه عن القوم ~~المجرمين (147) # PageV07P127 # قوله تعالى: (فإن كذبوك) شرط والجواب (فقل ربكم ذو رحمة واسعة) أي من سعة ~~رحمته حلم عنكم فلم يعاقبكم في الدنيا. ثم أعده لهم في الآخرة من العذاب ~~فقال: # (ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين) وقيل: المعنى ولا يرد بأسه عن القوم ~~المجرمين إذا أراد حلوله في الدنيا. # قوله تعالى: سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا ~~حرمنا من شئ كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل ms2524 هل عندكم من علم ~~فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون (148) قوله تعالى: ~~(سيقول الذين أشركوا) قال مجاهد: يعني كفار قريش. (قالوا (1)) (لو شاء الله ~~ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شئ) يريد البحيرة والسائبة والوصيلة. ~~أخبر الله عز وجل بالغيب عما سيقولونه (1)، وظنوا أن هذا متمسك لهم لما ~~لزمتهم الحجة وتيقنوا باطل ما كانوا عليه. والمعنى: لو شاء الله لأرسل إلى ~~آبائنا رسولا فنهاهم عن الشرك وعن تحريم ما أحل (لهم (1)) فينتهوا ~~فأتبعناهم على ذلك. فرد الله عليهم ذلك فقال: (هل عندكم من علم فتخرجوه ~~لنا) أي أعندكم دليل على أن هذا كذا؟: (إن تتبعون إلا الظن) في هذا القول. ~~(وإن أنتم إلا تخرصون) لتوهموا ضعفتكم أن لكم حجة. (وقوله (1)) " ولا ~~آباؤنا " عطف على النون في " أشركنا ". ولم يقل نحن ولا آباؤنا، لأن قول " ~~ولا " قام مقام توكيد المضمر، ولهذا حسن أن يقال: ما قمت ولا زيد. # قوله تعالى: قل فلله الحجة البلغة فلو شاء لهديكم أجمعين (149) قوله ~~تعالى: " قل فلله الحجة البالغة " أي التي تقطع عذر المحجوج، وتزيل الشك ~~عمن نظر فيها. فحجته البالغة على هذا تبيينه أنه الواحد، وإرساله الرسل ~~والأنبياء، فبين التوحيد بالنظر في المخلوقات، وأيد الرسل بالمعجزات، ولزم ~~أمره كل مكلف. فأما علمه وإرادته # PageV07P128 # وكلامه فغيب لا يطلع عليه العبد، إلا من ارتضى من رسول. ويكفي في التكليف ~~أن يكون العبد بحيث لو أراد أن يفعل ما أمر به لأمكنه. وقد لبست المعتزلة ~~بقول: " لو شاء الله ما أشركنا " فقالوا: قد ذم الله هؤلاء الذين جعلوا ~~شركهم عن مشيئته. وتعلقهم بذلك باطل، لأن الله تعالى إنما ذمهم على ترك ~~اجتهادهم في طلب الحق. وإنما قالوا ذلك على جهة الهزء واللعب. نظيره " ~~وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم (1) ". ولو قالوه على جهة التعظيم ~~والإجلال والمعرفة به لما عابهم، لأن الله تعالى يقول: " لو شاء الله ما ~~أشركوا (2) ". و " ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله (2) ". " ولو شاء ~~لهداكم أجمعين (3) ". ومثله كثير. فالمؤمنون ms2525 يقولونه لعلم منهم بالله ~~تعالى. # قوله تعالى: قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا فإن شهدوا فلا ~~تشهد معهم ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة ~~وهم بربهم يعدلون (150) قوله تعالى: (قل هلم شهداءكم) أي قل لهؤلاء ~~المشركين أحضروا شهداءكم على أن الله حرم ما حرمتم. و " هلم " كلمة دعوة ~~إلى شئ، ويستوي فيه الواحد والجماعة والذكر والأنثى عند أهل الحجاز، إلا في ~~لغة نجد فإنهم يقولون: هلما هلموا هلمي، يأتون بالعلامة كما تكون في سائر ~~الأفعال. وعلى لغة (أهل (4)) الحجاز جاء القرآن، قال الله تعالى: " ~~والقائلين لإخوانهم هلم إلينا (5) " يقول: هلم أي أحضر أو ادن. وهلم ~~الطعام، أي هات الطعام. والمعنى ها هنا: هاتوا شهداءكم، وفتحت الميم ~~لالتقاء الساكنين، كما تقول: رد يا هذا، ولا يجوز ضمها ولا كسرها. والأصل ~~عند الخليل " ها " ضمت إليها " لم " ثم حذفت الألف لكثرة الاستعمال. وقال ~~غيره. الأصل " هل " زيدت عليها " لم ". وقيل: هي على لفظها تدل على معنى ~~هات. وفي كتاب العين للخليل: أصلها هل أؤم، أي هل أقصدك، ثم كثر استعمالهم # PageV07P129 # إياها حتى صار المقصود بقولها (أحضر (1)) كما أن (تعال (1)) أصلها أن ~~يقولها المتعالي للمتسافل، فكثر استعمالهم إياها حتى صار المتسافل يقول ~~للمتعالي تعال. # (فإن شهدوا) أي شهد بعضهم لبعض (فلا تشهد معهم) أي فلا تصدق أداء الشهادة ~~إلا من كتاب أو على لسان نبي، وليس معهم شئ من ذلك. # قوله تعالى: قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا ~~وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا ~~تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا ~~بالحق ذلكم وصكم به لعلكم تعقلون (151) ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي ~~أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها ~~وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصكم به لعلكم ~~تذكرون (152) وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا ms2526 السبل فتفرق بكم عن ~~سبيله ذلكم وصيكم به لعلكم تتقون (153) فيه أربع عشرة مسألة: الأولى - قوله ~~تعالى: (قل تعالوا أتل) أي تقدموا واقرأوا حقا يقينا كما أوحى إلى ربي، لا ~~ظنا ولا كذبا كما زعمتم. ثم بين ذلك فقال " ألا تشركوا به شيئا " يقال ~~للرجل: # تعال، أي تقدم، وللمرأة تعالي، وللاثنين والاثنتين تعاليا، ولجماعة ~~الرجال تعالوا، ولجماعة النساء تعالين، قال الله تعالى: " فتعالين أمتعكن ~~(2) ". وجعلوا التقدم ضربا من التعالي # PageV07P130 # والارتفاع، لأن المأمور بالتقدم في أصل وضع هذا الفعل كأنه كان قاعدا ~~فقيل له تعال، أي ارفع شخصك بالقيام وتقدم، واتسعوا فيه حتى جعلوه للواقف ~~والماشي، قال ابن الشجري. # الثانية - قوله تعالى: (ما حرم) الوجه في " ما " أن تكون خبرية في موضع ~~نصب " بأتل " والمعنى: تعالوا أتل الذي حرم ربكم عليكم، فإن علقت " عليكم " ~~" بحرم " فهو الوجه، لأنه الأقرب وهو اختيار البصر بين. وإن علقته " بأتل " ~~فجيد لأنه الأسبق، وهو اختيار الكوفيين، فالتقدير في هذا القول أتل عليكم ~~الذي حرم ربكم. # (ألا تشركوا) في موضع نصب بتقدير فعل من لفظ الأول، أي أتل عليكم ألا ~~تشركوا، أي أتل عليكم تحريم الإشراك، ويحتمل أيكون منصوبا بما في " عليكم " ~~من الإغراء، وتكون " عليكم " منقطعة مما قبلها، أي عليكم ترك الإشراك، ~~وعليكم إحسانا بالوالدين، وألا تقتلوا أولادكم وألا تقربوا الفواحش. كما ~~تقول: عليك شأنك، أي الزم أنك. # وكما قال: " عليكم أنفسكم (1) " قال جميعه ابن الشجري. وقال النحاس: يجوز ~~أن تكون " أن " في موضع نصب بدلا من " ما "، أي أتل عليكم تحريم الإشراك. ~~واختار الفراء أن تكون " لا " للنهي، لأن بعده " ولا ". # الثالثة - هذه الآية أمر من الله تعالى لنبيه عليه السلام بأن يدعو جميع ~~الخلق إلى سماع تلاوة ما حرم الله. وهكذا يجب على من بعده من العلماء أن ~~يبلغوا الناس ويبينوا لهم ما حرم الله عليهم مما حل. قال الله تعالى: " ~~لتبيننه للناس ولا تكتمونه (2) ". وذكر ابن المبارك: أخبرنا عيسى بن عمر عن ~~عمرو بن مرة أنه حدثهم قال: قال ربيع بن خيثم ms2527 (3) لجليس له: أيسرك أن تؤتى ~~بصحيفة من النبي صلى الله عليه وسلم لم يفك خاتمها؟ قال نعم. # قال فاقرأ " قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم " فقرأ إلى آخر الثلاث ~~الآيات. وقال كعب الأحبار: هذه الآية مفتتح (4) التوراة: (بسم الله الرحمن ~~الرحيم قل تعالوا أتل ما حرم # PageV07P131 # ربكم عليكم) الآية. وقال ابن عباس: هذه الآيات المحكمات التي ذكرها الله ~~في سورة " آل عمران (1) " أجمعت عليها شرائع الخلق، ولم تنسخ قط في ملة. ~~وقد قيل: إنها العشر كلمات المنزلة على موسى. الرابعة - قوله تعالى: ~~(وبالوالدين إحسانا) الإحسان إلى الوالدين برهما وحفظهما و صيانتهما ~~وامتثال أمرهما وإزالة الرق عنهما وترك السلطنة عليهما. و " إحسانا " نصب ~~على المصدر، وناصبه فعل مضمر من لفظه، تقديره وأحسنوا بالوالدين إحسانا. # الخامسة - قوله تعالى: (ولا تقتلوا أولادكم من إملاق) الإملاق الفقر: أي ~~لا تئدوا - من الموؤودة (2) - بناتكم خشية العيلة، فإني رازقكم وإياهم. وقد ~~كان منهم من يفعل ذلك بالإناث والذكور خشية الفقر، كما هو ظاهر الآية. أملق ~~أي افتقر. وأملقه أي أفقره، فهو لازم ومتعد. وحكى النقاش عن مؤرج أنه قال: ~~الإملاق الجوع بلغة لخم. # وذكر منذر بن سعيد أن الإملاق الإنفاق، يقال: أملق ماله بمعنى أنفقه. ~~وذكر أن عليا رضي الله عنه قال لامرأته: أملقي من مالك ما شئت. ورجل ملق ~~يعطي بلسانه ما ليس في قلبه. فالملق لفظ مشترك يأتي (4) بيانه في موضعه. # السادسة - وقد يستدل بهذا من يمنع العزل، لأن الوأد يرفع الموجود والنسل، ~~والعزل منع أصل النسل فتشابها، إلا أن قتل النفس أعظم وزرا وأقبح فعلا، ~~ولذلك قال بعض علمائنا: إنه يفهم من قوله عليه السلام في العزل: (ذلك الوأد ~~الخفي) الكراهة لا التحريم وقال به جماعة من الصحابة وغيرهم. وقال بإباحته ~~أيضا جماعة من الصحابة والتابعين والفقهاء، لقوله عليه السلام: (لا عليكم ~~ألا تفعلوا فإنما هو القدر) أي ليس عليكم جناح في ألا تفعلوا. # وقد فهم منه الحسن ومحمد بن المثنى النهي والزجر عن العزل. والتأويل ~~الأول أولى، لقوله عليه السلام: (إذا ms2528 أراد الله خلق شئ لم يمنعه شئ). قال ~~مالك والشافعي: لا يجوز العزل عن الحرة إلا (5) بإذنها. وكأنهم رأوا ~~الإنزال من تمام لذاتها، ومن حقها في الولد، ولم يروا ذلك في الموطوءة بملك ~~اليمين، إذ له أن يعزل عنها بغير إذنها، إذ لا حق لها في شئ مما ذكر. # PageV07P132 # السابعة - قوله تعالى: (ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن) نظيره " ~~وذروا ظاهر الإثم وباطنه (1) ". فقوله: " ما ظهر " نهي عن جميع أنواع ~~الفواحش وهي المعاصي. " وما بطن " ما عقد عليه القلب المخالفة. وظهر وبطن ~~حالتان تستوفيان أقسام ما جعلت له من الأشياء. و " ما ظهر " نصب على البدل ~~من " الفواحش ". # " وما بطن " عطف عليه. الثامنة - قوله تعالى: (ولا تقتلوا النفس التي حرم ~~الله إلا بالحق) الألف واللام في " النفس " لتعريف الجنس، كقولهم: أهلك ~~الناس حب الدرهم والدينار. ومثله " إن الإنسان خلق (2) هلوعا " ألا ترى قول ~~سبحانه: " إلا المصلين "؟ وكذلك قوله: " والعصر. إن الإنسان لفي خسر (3) " ~~لأنه قال: " إلا الذين آمنوا " وهذه الآية نهي عن قتل النفس المحرمة، مؤمنة ~~كانت أو معاهدة إلا بالحق الذي يوجب قتلها. قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله ~~إلا الله فقد عصم ماله ونفسه إلا بحقه وحسابهم على الله) وهذا الحق أمور: ~~منها منع الزكاة وترك الصلاة، وقد قاتل الصديق مانعي الزكاة وفي التنزيل " ~~فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم (4) " وهذا بين. وقال ~~صلى الله عليه وسلم: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث الثيب الزاني ~~والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة). وقال عليه السلام: (إذا ~~بويع لخليفتين فاقتلوا (5) الآخر منهما). أخرجه مسلم. وروى أبو داود عن ابن ~~عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط ~~فاقتلوا الفاعل والمفعول به). وسيأتي بيان هذا في " الأعراف (1) ". وفي ~~التنزيل: " إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن ~~يقتلوا (6) " (الآية (7)). وقال: ms2529 " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا (8) " ~~الآية. وكذلك من شق عصا المسلمين وخالف إمام جماعتهم وفرق كلمتهم وسعى في ~~الأرض فسادا بانتهاب الأهل والمال والبغي على السلطان والامتناع من حكمه ~~يقتل. فهذا معنى قوله: " إلا بالحق ". # PageV07P133 # وقال عليه السلام: (المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم لا يقتل ~~مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده ولا يتوارث أهل ملتين). وروى أبو داود ~~والنسائي عن أبي بكر قال: # سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من قتل معاهدا في غير كنهه (1) ~~حرم الله عليه الجنة ". # وفي رواية أخرى لأبي داود قال: (من قتل رجل من أهل الذمة لم يجد ريح ~~الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين عاما). في البخاري في هذا الحديث ~~(وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما). خرجه من حديث عبد الله بن عمرو بن ~~العاص. # التاسعة - قوله تعالى: (ذلكم) إشارة إلى هذه المحرمات. والكاف والميم ~~للخطاب، ولاحظ لهما من الإعراب. (وصاكم به) الوصية الأمر المؤكد المقدور. ~~والكاف والميم محله النصب، لأنه ضمير موضوع للمخاطبة. وفي وصى ضمير فاعل ~~يعود على الله. وروى مطر الوراق عن نافع عن ابن عمر أن عثمان بن عفان رضي ~~الله عنه أشرف على أصحابه فقال: # علام تقتلوني! فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يحل دم ~~امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث رجل زنى بعد احصانه (2) فعليه الرجم أو قتل عمدا ~~فعليه القود أو ارتد بعد إسلامه فعليه القتل) فوالله ما زنيت في جاهلية ولا ~~إسلام، ولا قتلت أحدا فأقيد نفسي به (3)، ولا ارتددت منذ أسلمت، إني أشهد ~~أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسول، ذلكم الذي ذكرت لكم وصاكم به ~~لعلكم تعقلون! # العاشرة - قوله تعالى: (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن) أي بما ~~فيه صلاحه وتثميره (4)، وذلك بحفظ أصول وتثمير فروعه. وهذا أحسن الأقوال في ~~هذا، فإنه جامع قال مجاهد: " ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن " ~~بالتجارة فيه، ولا تشتري منه ولا تستقرض. # الحادية ms2530 عشرة - قوله تعالى: (حتى يبلغ أشده) يعني قوته، وقد تكون في ~~البدن، وقد تكون في المعرفة بالتجربة، ولا بد من حصول الوجهين، فإن الأشد ~~وقعت هنا مطلقة # PageV07P134 # وقد جاء بيان حال اليتيم في سورة " النساء " مقيدة، فقال: " وابتلوا ~~اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا (1) " فجمع بين قوة ~~البدن وهو بلوغ النكاح، وبين قوة المعرفة وهو إيناس الرشد، فلو مكن اليتيم ~~من ماله قبل حصول المعرفة وبعد حصول القوة لأذهبه في شهوته وبقي صعلوكا لا ~~مال له. وخص اليتيم بهذا الشرط لغفلة الناس عنه وافتقاد الآباء لأبنائهم ~~فكان الاهتبال (2) بفقيد الأب أولى. وليس بلوغ الأشد مما يبيح قرب ماله ~~بغير الأحسن، لأن الحرمة في حق البالغ ثابتة. وخص اليتيم بالذكر لأن خصمه ~~الله. والمعنى: ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن على الأبد حتى ~~يبلغ أشده. وفي الكلام حذف، فإذا بلغ أشده وأونس منه الرشد فادفعوا إليه ~~ماله. واختلف العلماء في أشد اليتيم، فقال ابن زيد: بلوغه. # وقال أهل المدينة. بلوغه وإيناس رشده. وعند أبي حنيفة: خمس وعشرون سنة. ~~قال ابن العربي: وعجبا من أبي حنيفة، فإنه يرى أن المقدرات لا تثبت قياسا ~~ولا نظرا وإنما تثبت نقلا، وهو يثبتها بالأحاديث الضعيفة، ولكنه سكن دار ~~الضرب فكثر عنده المدلس، ولو سكن المعدن كما قيض الله لمالك لما صدر عنه ~~إلا إبريز الدين (3). وقد قيل: إن انتهاء الكهولة فيها مجتمع الأشد، كما ~~قال سحيم بن وثيل: # أخو خمسين مجتمع أشدي * ونجذني مداورة الشؤون (4) يروى " نجدني " بالدال ~~والذال. والأشد واحد لا جمع له، بمنزلة الآنك وهو الرصاص. # وقد قيل: واحده شد، كفلس وأفلس. وأصله من شد النهار أي ارتفع، يقال: ~~أتيته شد النهار ومد النهار. وكان محمد بن الضبي ينشد بيت عنترة: # عهدي به النهار كأنما * خضب اللبان ورأسه بالعظلم (5) # PageV07P135 # (وقال (1) آخر: # تطيف به شد النهار ظعينة * طويلة أنقاء اليدين سحوق (2) وكان سيبويه ~~يقول: واحده شدة. قال الجوهري: وهو حسن في المعنى، لأنه يقال: # بلغ الغلام شدته، ولكن لا ms2531 تجمع فعلة على أفعل، وأما أنعم فإنما هو جمع ~~نعم، من قولهم: يوم بؤس ويوم نعم. وأما قول من قال: واحده شد، مثل كلب ~~وأكلب، وشد مثل ذئب وأذؤب فإنما هو قياس. كما يقولون في واحد الأبابيل: ~~أبول، قياسا على عجول، وليس هو شيئا سمع من العرب. قال أبو زيد: أصابتني ~~شدى على فعلى، أي شدة. وأشد الرجل إذا كانت معه دابة شديدة. الثانية عشرة - ~~قوله تعالى: (وأوفوا الكيل والميزان بالقسط). أي بالاعتدال في الأخذ ~~والعطاء عند البيع والشراء. والقسط: العدل. (لا نكلف نفسا إلا وسعها) أي ~~طاقتها في إيفاء الكيل والوزن. وهذا يقتضي أن هذه الأوامر إنما هي فيما يقع ~~تحت قدرة البشر من التحفظ والتحرر. وما لا يمكن الاحتراز عنه من تفاوت ما ~~بين الكيلين، ولا يدخل تحت قدرة البشر فمعفو عنه. وقيل: الكيل بمعنى ~~المكيال. يقال: هذا كذا وكذا كيلا، ولهذا عطف عليه بالميزان. وقال بعض ~~العلماء: لما علم الله سبحانه من عباده أن كثيرا منهم تضيق نفسه عن أن تطيب ~~للغير بما لا يجب عليها له أمر المعطي بإيفاء رب الحق حقه الذي هو له، ولم ~~يكلفه الزيادة، لما في الزيادة عليه من ضيق نفسه بها. وأمر صاحب الحق بأخذ ~~حقه ولم يكلفه الرضا بأقل منه، لما في النقصان من ضيق نفسه. وفي موطأ مالك ~~عن يحيى بن سعيد أنه بلغه عن عبد الله بن عباس أنه قال: ما ظهر الغلول في ~~قوم قط إلا ألقى الله في قلوبهم الرعب، ولا فشا الزنى في قوم إلا كثر فيهم ~~الموت، ولا نقص قوم المكيال والميزان إلا قطع عنهم الرزق، ولا حكم قوم بغير ~~الحق إلا فشا فيهم الدم، ولا ختر (3) قوم بالعهد إلا سلط الله عليهم العدو ~~(4). وقال ابن عباس أيضا: إنكم معشر الأعاجم قد وليتم أمرين بهما هلك من ~~كان قبلكم الكيل والميزان (5). # PageV07P136 # الثالثة عشرة - قوله تعالى: (وإذا قلتم فاعدلوا يتضمن الأحكام والشهادات. # ولو كان ذا قربى أي ولو كان الحق على مثل قراباتكم. كما تقدم ms2532 في النساء ~~(1). (وبعهد الله أوفوا) عام في جميع ما عهده الله إلى عباده. ومحتمل أن ~~يراد به جميع ما انعقد بين إنسانين. # وأضيف ذلك العهد إلى الله من حيث أمر بحفظه والوفاء به (لعلكم تذكرون) ~~تتعظون. # الرابعة عشرة - قوله تعالى: (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه) هذه آية ~~عظيمة عطفها على ما تقدم، فإنه لما نهى وأمر حذر هنا عن اتباع غير سبيله، ~~فأمر فيها باتباع طريقه على ما نبينه بالأحاديث الصحيحة وأقاويل السلف. " ~~وأن " في موضع نصب، أي واتل أن هذا صراطي. عن الفراء والكسائي. قال الفراء: ~~ويجوز أن يكون خفضا، أي وصاكم به وبأن هذا صراطي. وتقديرها عند الخليل ~~وسيبويه: ولأن هذا صراطي، كما قال: # " وأن المساجد (2) لله " وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي " وإن هذا " بكسر ~~الهمزة على الاستئناف، أي الذي ذكر في الآيات (4) صراطي مستقيما. وقرأ ابن ~~أبي إسحاق ويعقوب " وأن هذا " بالتخفيف. والمخففة مثل المشددة، إلا أن فيه ~~ضمير القصة والشأن، أي وأنه هذا. فهي في موضع رفع. ويجوز النصب. ويجوز أن ~~تكون زائدة للتوكيد، كما قال عز وجل: " فلما أن جاء البشير (4) ". والصراط: ~~الطريق الذي هو دين الإسلام. # " مستقيما " نصب على الحال، ومعناه مستويا قويما لا اعوجاج فيه. فأمر ~~باتباع طريقه الذي طرقه على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وشرعه ~~ونهايته الجنة. وتشعبت منه طرق فمن سلك الجادة نجا، ومن خرج إلى تلك الطرق ~~أفضت به إلى النار. # قال الله تعالى: (ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) أي تميل. روى ~~الدارمي أبو محمد في مسنده بإسناد صحيح: أخبرنا عفان حدثنا حماد بن زيد ~~حدثنا عاصم بن بهدلة عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود قال: خط لنا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يوما خطا، ثم قال: (هذا سبيل الله) ثم خط خطوطا عن ~~يمينه وخطوطا عن يساره ثم قال (هذه سبل على كل سبيل # PageV07P137 # منها شيطان يدعو إليها) ثم قرأ هذه الآية. وأخرجه ابن ماجة في سننه عن ~~جابر بن عبد الله ms2533 قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فخط خطا، وخط خطين ~~عن يمينه، وخط خطين عن يساره، ثم وضع يده في الخط الأوسط فقال: (هذا سبيل ~~الله - ثم تلا هذه الآية - " وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتعبوا ~~السبل فتفرق بكم عن سبيله ". وهذه السبل تعم اليهودية والنصرانية والمجوسية ~~وسائر أهل الملل وأهل البدع والضلالات من أهل الأهواء والشذوذ في الفروع، ~~وغير ذلك من أهل التعمق في الجدل والخوض في الكلام. هذه كلها عرضة للزلل، ~~ومظنة لسوء المعتقد، قال ابن عطية. # قلت: وهو الصحيح. ذكر الطبري في كتاب آداب النفوس: حدثنا محمد بن عبد ~~الأعلى الصنعاني قال حدثنا محمد بن ثور عن معمر عن أبان أن رجلا قال لابن ~~مسعود: ما الصراط المستقيم؟ قال: تركنا محمد صلى الله عليه وسلم في أدناه ~~وطرفه في الجنة، وعن يمينه جواد (1) وعن يساره جواد، وثم رجال يدعون من مر ~~بهم فمن أخذ في تلك الجواد انتهت به إلى النار، ومن أخذ على الصراط انتهى ~~به إلى الجنة، ثم قرأ ابن مسعود: " وأن هذا صراطي مستقيما " الآية. وقال ~~عبد الله بن مسعود: تعلموا العلم قبل أن يقبض، وقبضه أن يذهب أهله، ألا ~~وإياكم والتنطع والتعمق والبدع (2)، وعليكم بالعتيق (3). أخرجه الدارمي. ~~وقال مجاهد في قوله: # " ولا تتبعوا السبل " قال: البدع. قال ابن شهاب: وهذا كقوله تعالى: " إن ~~الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا (4) " الآية. فالهرب الهرب، والنجاة النجاة! ~~والتمسك بالطريق المستقيم والسنن القويم، الذي سلكه السلف الصالح، وفيه ~~المتجر الرابح. روى الأئمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: (ما أمرتكم به فخذوه وما نهيتكم عنه فانتهوا). وروى ابن ماجة وغيره ~~عن العرباض بن سارية قال: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة ذرفت # PageV07P138 # منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقلنا: يا رسول الله، إن هذه لموعظة ~~مودع، فما تعهد إلينا؟ فقال: (قد تركتكم على البيضاء (1) ليلها كنهارها لا ~~يزيغ عنها بعدي إلا هالك من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم ms2534 بما عرفتم ~~من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين بعدي عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ~~والأمور المحدثات فإن كل بدعة ضلالة وعليكم بالطاعة وإن عبد ا حبشيا فإنما ~~المؤمن كالجمل الأنف (2) حيثما قيد انقاد) أخرجه الترمذي بمعناه وصححه. # وروى أبو داود قال حدثنا ابن كثير قال أخبرنا سفيان قال: كتب رجل إلى عمر ~~بن عبد العزيز يسأل عن القدر، فكتب (إليه (3)): أما بعد، فإني أوصيك بتقوى ~~الله والاقتصاد في أمره واتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وترك ما ~~أحدث المحدثون بعد ما جرت به سنته، وكفوا مؤونته، فعليك بلزوم الجماعة ~~فإنها لك بإذن الله عصمة، ثم أعلم أنه لم يبتدع الناس بدعة إلا قد مضى ~~قبلها ما هو دليل عليها أو عبرة فيها، فان السنة إنما سنها من قد علم ما في ~~خلافها من الخطأ و الزلل، والحمق والتعمق، فارض لنفسك ما رضي به القوم ~~لأنفسهم، فإنهم على علم وقفوا، وببصر نافذ كفوا، وإنهم على كشف الأمور ~~كانوا أقوى، وبفضل ما كانوا فيه أولى، فإن كان الهدي ما أنتم عليه فقد ~~سبقتموهم إليه، ولئن قلتم إنما حدث بعدهم فما أحدثه إلا من اتبع غير سبيلهم ~~ورغب بنفسه عنهم، فإنهم هم السابقون، قد تكلموا فيه بما يكفي ووصفوا ما ~~يشفي، فما دونهم من مقصر، وما فوقهم من مجسر، وقد قصر قوم دونهم فجفوا، ~~وطمح عنهم أقوام فغلوا وإنهم مع (4) ذلك لعلى مستقيم. وذكر الحديث. وقال ~~سهل بن عبد الله التستري: عليكم بالاقتداء بالأثر والسنة، فإني أخاف أنه ~~سيأتي عن قليل زمان إذا ذكر إنسان النبي صلى الله عليه وسلم والاقتداء به ~~في جميع أحوال ذموه ونفروا عنه وتبرأوا منه وأذلوه وأهانوه. قال سهل: إنما ~~ظهرت البدعة على يدي أهل السنة لأنهم ظاهروهم وقاولوهم (5)، فظهرت أقاويلهم ~~وفشت في العامة فسمعه من لم يكن يسمعه، فلو تركوهم # PageV07P139 # ولم يكلموهم لمات كل واحد منهم على ما في صدره ولم يظهر منه شئ وحمله معه ~~إلى قبره. # وقال سهل: لا يحدث أحدكم بدعة حتى يحدث ms2535 له إبليس عبادة فيتعبد بها ثم ~~يحدث له بدعة، فإذا نطق بالبدعة ودعا الناس إليها نزع منه تلك الخذمة (1). ~~قال سهل: لا أعلم حديثا جاء في المبتدعة أشد هذا الحديث: (حجب الله الجنة ~~عن صاحب البدعة). قال: فاليهودي والنصراني أرجى منهم. قال سهل: من أراد أن ~~يكرم دينه فلا يدخل على السلطان، ولا يخلون بالنسوان، ولا يخاصمن أهل ~~الأهواء. وقال أيضا: أتبعوا ولا تبتدعوا، فقد كفيتم. وفي مسند الدارمي: أن ~~أبا موسى الأشعري جاء إلى عبد الله بن مسعود فقال: # يا أبا عبد الرحمن، إن رأيت في المسجد آنفا شيئا أنكرته ولم أر والحمد ~~لله إلا خيرا، قال: # فما هو؟ قال: إن عشت فستراه، قال: رأيت في المسجد قوما حلقا حلقا جلوسا ~~ينتظرون الصلاة، في كل حلقة رجل وفي أيديهم حصى فيقول لهم: كبروا مائة، ~~فيكبرون مائة. # فيقول: هللوا مائة، فيهللون مائة. ويقول: سبحوا مائة، فيسبحون مائة. قال: ~~فماذا قلت لهم؟ قال: ما قلت لهم شيئا، انتظار رأيك وانتظار أمرك. قال أفلا ~~أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم وضمنت لهم ألا يضيع من حسناتهم. ثم مضى ومضينا معه ~~حتى أتى حلقة من تلك الحلق، فوقف عليهم فقال: ما هذا الذي (أراكم (2)) ~~تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبد الرحمن، حصى نعد به التكبير والتهليل والتسبيح. ~~قال: فعدوا سيئاتكم وأنا ضامن لكم ألا يضيع من حسناتكم شئ، ويحكم يا أمة ~~محمد! ما أسرع هلكتكم. أو مفتتحي (3) باب ضلالة! قالوا: والله يا أبا عبد ~~الرحمن، ما أردنا إلا الخير. فقال: وكم من مريد للخير لن يصيبه. وعن عمر بن ~~عبد العزيز وسأله رجل عن شئ من أهل الأهواء والبدع، فقال: عليك بدين ~~الأعراب والغلام في الكتاب، وآله عما سوى ذلك. وقال الأوزاعي: قال إبليس ~~لأوليائه من أي شئ تأتون بني آدم؟ فقالوا: من كل شئ. قال: فهل تأتونهم من ~~قبل الاستغفار؟ قالوا: # PageV07P140 # هيهات! ذلك شئ قرن بالتوحيد. قال: لأبثن فيهم شيئا لا يستغفرون الله منه. ~~قال: # فبث فيهم الأهواء. وقال مجاهد: ولا أدري أي النعمتين علي ms2536 أعظم أن هداني ~~للإسلام، أو عافاني من هذه الأهواء. وقال الشعبي: إنما سموا أصحاب الأهواء ~~لأنهم يهوون في النار. # كله عن الدارمي. وسئل سهل بن عبد الله عن الصلاة خلف المعتزلة والنكاح ~~منهم وتزوجهم. # فقال: لا، ولا كرامة! هم كفار (1)، كيف يؤمن من يقول: القرآن مخلوق، ولا ~~جنة مخلوقة ولا نار مخلوقة، ولا لله صراط ولا شفاعة، ولا أحد من المؤمنين ~~يدخل النار ولا يخرج من النار من مذنبي أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ولا ~~عذاب القبر ولا منكر ولا نكير، ولا رؤية لربنا في الآخرة ولا زيادة، وأن ~~علم الله مخلوق، ولا يرون السلطان ولا جمعة، ويكفرون من يؤمن بهذا. وقال ~~الفضيل بن عياض: من أحب صاحب بدعة أحبط الله عمله، وأخرج نور الإسلام من ~~قلبه. وقال سفيان الثوري: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، المعصية يتاب ~~منها، والبدعة لا يتاب منها. وقال ابن عباس: # النظر إلى الرجل من أهل السنة يدعو إلى السنة وينهى عن البدعة، عبادة. ~~وقال أبو العالية: # عليكم بالأمر الأول الذي كانوا عليه قبل أن يفترقوا. قال عاصم الأحول: ~~فحدثت به الحسن فقال: قد نصحك والله وصدقك. وقد مضى في " آل عمران " معنى ~~قول عليه السلام: # (تفرقت بنو إسرائيل على ثنتين وسبعين فرقة وأن هذه الأمة ستفترق على ثلاث ~~وسبعين). # الحديث (2). وقد قال بعض العلماء العارفين: هذه الفرقة التي زادت في فرق ~~أمة محمد صلى الله عليه وسلم هم قوم يعادون العلماء ويبغضون الفقهاء، ولم ~~يكن ذلك قط في الأمم السالفة. # وقد روى رافع بن خديج أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (يكون ~~في أمتي قوم يكفرون بالله وبالقرآن وهم لا يشعرون كما كفرت اليهود ~~والنصارى). قال فقلت: # جعلت فداك يا رسول الله! كيف ذاك؟ قال: (يقرون ببعض ويكفرون ببعض). # قال قلت: جعلت فداك يا رسول الله! وكيف يقولون؟ قال: (يجعلون إبليس عدلا ~~لله في خلقه # PageV07P141 # وقوته ورزقه ويقولون الخير من الله والشر من إبليس). قال: فيكفرون بالله ~~ثم يقرءون على ms2537 ذلك كتاب الله، فيكفرون بالقرآن بعد الإيمان و المعرفة؟ قال: ~~(فما تلقى أمتي منهم من العداوة والبغضاء والجدال أولئك زنادقة هذه الأمة). ~~وذكر الحديث. ومضى في " النساء " وهذه السورة النهي عن مجالسة أهل البدع ~~والأهواء، وأن من جالسهم حكمه حكمهم فقال: # " وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا (1) " الآية. ثم بين في سورة " ~~النساء " وهي مدنية عقوبة من فعل ذلك وخالف ما أمر الله به فقال: " وقد نزل ~~عليكم في الكتاب " الآية (2). فألحق من جالسهم بهم. وقد ذهب إلى هذا جماعة ~~من أئمة هذه الأمة وحكم بموجب هذه الآيات في مجالس (3) أهل البدع على ~~المعاشرة والمخالطة منهم أحمد بن حنبل والأوزاعي وابن المبارك فإنهم قالوا ~~في رجل شأنه مجالسة أهل البدع قالوا: ينهي عن مجالستهم، فإن انتهى وإلا ~~ألحق بهم، يعنون في الحكم. وقد حمل عمر بن عبد العزيز الحد على مجالس شربة ~~الخمر، وتلا " إنكم إذا مثلهم ". قيل له (4): فإنه يقول إني أجالسهم ~~لأباينهم وأرد عليهم. قال (4) ينهى عن مجالستهم، فإن لم ينته ألحق بهم. # قوله تعالى: ثم آتينا موسى الكتب تماما على الذي أحسن وتفصيلا لكل شئ ~~وهدى ورحمة لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون (154) وهذا كتب أنزلناه مبارك فاتبعوه ~~واتقوا لعلكم ترحمون (155) قول تعالى: (ثم آتينا موسى الكتاب) مفعولان. ~~(تماما) مفعول من أجله أو مصدر. (على الذين أحسن) قرئ بالنصب والرفع. فمن ~~رفع - وهي قراءة يحيى بن يعمر وابن أبي إسحاق - فعلى تقدير: تماما على الذي ~~هو أحسن. قال المهدوي: وفيه بعد من أجل حذف المبتدأ العائد على الذي. وحكى ~~سيبويه عن الخليل أنه سمع " ما أنا بالذي قائل لك شيئا ". # ومن نصب فعلى أنه فعل ماضي داخل في الصلة، هذا قول البصريين. وأجاز ~~الكسائي والفراء # PageV07P142 # أن يكون اسما نعتا للذي. وأجازا " مررت بالذي أخيك " ينعتان الذي ~~بالمعرفة وما قاربها. # قال النحاس: وهذا محال عند البصريين، لأنه نعت للاسم قبل أن يتم، والمعنى ~~عندهم: # على المحسن. قال مجاهد: تماما على المحسن المؤمن. وقال الحسن في معنى ~~قول: " تماما على الذين ms2538 أحسن " كان فيهم محسن وغير محسن، فأنزل الله الكتاب ~~تماما على المحسنين. # والدليل على صحة هذا القول أن ابن مسعود قرأ: " تماما على الذين أحسنوا ~~". وقيل: # المعنى أعطينا موسى التوراة زيادة على ما كان يحسنه موسى مما كان علمه ~~الله قبل نزول التوراة عليه. قال محمد بن يزيد: فالمعنى " تماما على الذي ~~أحسن " أي تماما على الذي أحسنه الله عز وجل إلى موسى عليه السلام من ~~الرسالة وغيرها. وقال عبد الله بن زيد: معناه على إحسان الله تعالى إلى ~~أنبيائه عليهم السلام (من الرسالة (1) وغيرها). وقال الربيع بن أنس: # تماما على إحسان موسى من طاعته لله عز وجل، وقاله الفراء. ثم قيل: " ثم " ~~يدل على أن الثاني بعد الأول، وقصة موسى صلى الله عليه وسلم وإتيانه الكتاب ~~قبل هذا، فقيل: " ثم " بمعنى الواو، أي وآتينا موسى الكتاب، لأنهما حرفا ~~عطف. وقيل: تقدير الكلام ثم كنا قد آتينا موسى الكتاب قبل إنزالنا القرآن ~~على محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: المعنى قل تعالوا أتل ما حرم ربكم ~~عليكم، ثم أتل ما آتينا موسى تماما. " وتفصيلا " عطف عليه. وكذا " وهدى ~~ورحمة " " وهذا كتاب " ابتداء وخبر. " أنزلناه مبارك " نعت، أي كثير ~~الخيرات. ويجوز في غير القرآن " مباركا " على الحال. " فاتبعوه " أي أعملوا ~~بما فيه. # " واتقوا " أي اتقوا تحريفه. " لعلكم ترحمون " أي لتكونوا راجين للرحمة ~~فلا تعذبون. # قوله تعالى: أن تقولوا إنما أنزل الكتب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن ~~دراستهم لغافلين (156) أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتب لكنا أهدى منهم ~~فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها ~~سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون (157) # PageV07P143 # قوله تعالى: (أن تقولوا) في موضع نصب. قال الكوفيون. لئلا تقولوا. وقال ~~البصريون: أنزلناه كراهية أن تقولوا. وقال الفراء والكسائي: المعنى فاتقوا ~~أن تقولوا يا أهل مكة. (أنما أنزل الكتاب) أي التوراة والإنجيل. (على ~~طائفتين من قبلنا) أي على اليهود والنصارى، ولم ينزل علينا كتاب. (وإن ms2539 كنا ~~عن دراستهم لغافلين) أي عن تلاوة كتبهم وعن لغاتهم. ولم يقل عن دراستهما، ~~لأن كل طائفة جماعة. (أو تقولوا) عطف على " أن تقولوا ". (فقد جاءكم بينه ~~من ربكم) أي قد زال العذر بمجئ محمد صلى الله عليه وسلم. # والبينة والبيان واحد، والمراد محمد صلى الله عليه وسلم، سماه سبحانه ~~بينة. (وهدى ورحمة) أي لمن أتبعه. ثم قال: (فمن أظلم) أي فإن كذبتم فلا أحد ~~أظلم منكم. (صدف) أعرض، يصدفون (يصدفون) يعرضون. وقد تقدم (1). # قوله تعالى: هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض ~~آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل ~~أو كسبت في إيمانها خيرا قل انتظروا إنا منتظرون (158) قوله تعالى: (هل ~~ينظرون) معناه أقمت عليهم الحجة وأنزلت عليهم الكتاب فلم يؤمنوا، فماذا ~~ينتظرون. (هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة) أي عند الموت لقبض أرواحهم. # (أو يأتي ربك) قال ابن عباس والضحاك: أمر ربك فيهم بالقتل أو غيره، وقد ~~يذكر المضاف إليه والمراد به المضاف، كقول تعالى: " واسأل القرية (2) " ~~يعني أهل القرية. وقوله: # " وأشربوا في قلوبهم العجل (3) " أي حب العجل. كذلك هنا: يأتي أمر ربك، ~~أي عقوبة ربك وعذاب ربك. ويقال: هذ من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا ~~الله. وقد تقدم القول # PageV07P144 # في مثله في " البقرة " وغيرها (أو يأتي بعض آيات ربك) قيل: هو طلوع الشمس ~~من مغربها. بين بهذا أنهم يمهلون في الدنيا فإذا ظهرت الساعة فلا إمهال. ~~وقيل: إتيان الله تعالى مجيئه لفصل القضاء بين خلقه في موقف القيامة، كما ~~قال تعالى: " وجاء ربك والملك صفا (1) صفا " وليس مجيئه تعالى حركة ولا ~~انتقالا ولا زوالا، لأن ذلك إنما يكون إذا كان الجائي جسما أو جوهرا. والذي ~~عليه جمهور أئمة أهل السنة أنهم يقولون: يجئ وينزل ويأتي. ولا يكيفون، لأنه ~~" ليس كمثله شئ وهو السميع البصير (2) " وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاث إذا خرجن لا ms2540 ينفع نفسا إيمانها لم ~~تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا: طلوع الشمس من مغربها والدجال ~~ودابة الأرض). وعن صفوان بن عسال المرادي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: (إن بالمغرب باب مفتوحا للتوبة مسيرة سبعين سنة لا يغلق حتى ~~تطلع الشمس من نحوه). أخرجه الدارقطني والدارمي (3) والترمذي وقال: هذا ~~حديث حسن صحيح. وقال سفيان (4): قبل الشام، خلقه الله يوم خلق السماوات ~~والأرض. (مفتوحا) يعني للتوبة لا يغلق حتى تطلع الشمس منه. قال: حديث حسن ~~صحيح. # قلت: وكذب بهذا كله الخوارج (5) والمعتزلة كما تقدم. وروى ابن عباس قال: ~~سمعت عمر بن الخطاب فقال (6): أيها الناس، إن الرجم حق فلا تخدعن عنه، وإن ~~آية ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رجم، وأن أبا بكر قد رجم وأنا ~~قد رجمنا بعدهما، وسيكون قوم من هذه الأمة يكذبون بالرجم، ويكذبون بالدجال، ~~ويكذبون بطلوع الشمس من مغربها، ويكذبون بعذاب القبر، ويكذبون بالشفاعة، ~~ويكذبون بقوم يخرجون من النار بعد ما امتحشوا (7). ذكر أبو عمر. وذكر ~~الثعلبي في حديث فيه طول عن أبي هريرة عن النبي صلى الله # PageV07P145 # عليه وسلم ما معناه: أن الشمس تحبس عن الناس - حين تكثر المعاصي في ~~الأرض، ويذهب المعروف فلا يأمر به أحد، ويفشو المنكر فلا ينهى عنه - مقدار ~~ليلة تحت العرش، كلما سجدت واستأذنت ربها تعالى من ابن تطلع لم يجئ (1) لها ~~جواب حتى يوافيها القمر فيسجد معها، ويستأذن من أين يطلع فلا يجاء (2) ~~إليهما جواب حتى يحبسا مقدار ثلاث ليال للشمس وليلتين للقمر، فلا يعرف طول ~~تلك الليلة إلا المتهجدون في الأرض وهم يومئذ عصابة قليلة في كل بلدة من ~~بلاد المسلمين فإذا تم لهما مقدار ثلاث ليال أرسل الله تعالى إليهما جبريل ~~عليه السلام فيقول: (إن الرب سبحانه وتعالى يأمركما أن ترجعا إلى مغاربكما ~~فتطلعا منه، وأنه لا ضوء لكما عندنا ولا نور) فيطلعان من مغاربهما أسودين، ~~لا ضوء للشمس ولا نور للقمر، مثلهما في كسوفهما قبل ذلك. فذلك قوله ms2541 (تعالى ~~(3): " وجمع الشمس والقمر (4) " وقوله: # " إذا الشمس كورت (4) " فيرتفعان كذلك مثل البعيرين المقرونين، فإذا ما ~~الشمس والقمر سرة السماء وهي منصفها جاءهما جبريل (عليه (3) السلام) فأخذ ~~بقرونهما وردهما إلى المغرب، فلا يغربهما من مغاربهما ولكن يغربهما من باب ~~التوبة ثم يرد المصراعين، ثم يلتئم ما بينهما فيصير كأنه لم يكن بينهما ~~صدع. فإذا أغلق باب التوبة لم تقبل لعبد بعد ذلك توبة، ولم تنفعه بعد ذلك ~~حسنة يعملها، إلا من كان قبل ذلك محسنا فإنه يجري عليه ما كان عليه قبل ذلك ~~اليوم، فذلك قول تعالى: (يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم ~~تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا). ثم إن الشمس والقمر يكسيان بعد ~~ذلك الضوء والنور، ثم يطلعان على الناس ويغربان كما (5) كانا قبل ذلك ~~يطلعان ويغربان. قال العلماء: وإنما لا ينفع نفسا إيمانها عند طلوعها من ~~مغربها، لأنه خلص إلى قلوبهم من الفزع ما تخمد معه كل شهوة من شهوات النفس، ~~وتفتر كل قوة من قوى البدن، فيصير الناس كلهم لإيقانهم بدنو القيامة في حال ~~من حضره الموت في انقطاع الدواعي إلى أنواع المعاصي عنهم، وبطلانها من ~~أبدانهم، فمن تاب في مثل هذه الحال لم تقبل توبته، كما لا تقبل توبة من ~~حضره الموت. قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله يقبل توبة # PageV07P146 # العبد ما لم يغرغر) أي تبلغ روحه رأس حلقه وذلك وقت المعاينة الذي يرى ~~فيه مقعده من الجنة أو مقعده من النار، فالمشاهد لطلوع الشمس من مغربها ~~مثله. وعلى هذا ينبغي أن تكون توبة كل من شاهد ذلك أو كان كالمشاهد له ~~مردودة ما عاش، لأن علمه بالله تعالى وبنبيه صلى الله عليه وسلم وبوعده (1) ~~قد صار ضرورة. فإن امتدت أيام الدنيا إلى أن ينسى الناس من هذا الأمر ~~العظيم ما كان، ولا يتحدثوا عنه إلا قليلا، فيصير الخبر عنه خاصا وينقطع ~~التواتر عنه، فمن أسلم في ذلك الوقت أو تاب قبل منه. والله أعلم. وفي صحيح ~~مسلم ms2542 عن عبد الله قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا لم أنسه ~~بعد، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن أول الآيات خروجا طلوع ~~الشمس من مغربها وخروج الدابة على الناس ضحى وأيهما ما كانت قبل صاحبتها ~~فالأخرى على إثرها قريبا). وفيه عن حذيفة قال: كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في غرفة ونحن أسفل منه، فأطلع إلينا فقال: # (ما تذكرون)؟ قلنا: الساعة. قال: إن الساعة لا تكون حتى تكون عشر آيات. ~~خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف في جزيرة العرب والدخان والدجال ودابة الأرض ~~ويأجوج ومأجوج وطلوع الشمس من مغربها ونار تخرج من قعر عدن ترحل الناس). ~~قال شعبة: # وحدثني عبد العزيز بن رفيع عن أبي الطفيل عن أبي سريحة مثل ذلك، لا يذكر ~~النبي صلى الله عليه وسلم. وقال أحدهما في العاشرة: ونزول عيسى ابن مريم ~~صلى الله عليه وسلم. وقال الآخر: وريح تلقي الناس في البحر. # قلت: وهذا حديث متقن (2) في ترتيب العلامات. وقد وقع بعضها وهي الخسوفات ~~على ما ذكر أبو الفرج الجوزي من وقوعها بعراق العجم والمغرب. وهلك، بسببها ~~خلق كثير، ذكره في كتاب فهوم الآثار وغيره. ويأتي ذكر الدابة في " النمل ~~(3) ". ويأجوج ومأجوج في " الكهف (4) ". # ويقال: إن الآيات تتابع كالنظم في الخيط عاما فعاما. وقيل: إن الحكم في ~~طلوع الشمس من مغربها أن إبراهيم عليه السلام قال لنمروذ: " فإن الله يأتي ~~بالشمس من المشرق فأت بها # PageV07P147 # من المغرب فبهت الذي كفر (1) " وأن الملحدة والمنجمة عن آخرهم ينكرون ذلك ~~ويقولون: # هو غير كائن، فيطلعها الله تعالى يوما من المغرب ليري المنكرين قدرته أن ~~الشمس في ملكه، إن شاء أطلعها من المشرق وإن شاء أطلعها من المغرب. وعلى ~~هذا يحتمل أن يكون رد التوبة والإيمان على من آمن وتاب من المنكرين لذلك ~~المكذبين لخبر النبي صلى الله عليه وسلم بطلوعها، فأما المصدقون لذلك فإنه ~~تقبل توبتهم وينفعهم إيمانهم قبل ذلك. وروي عن عبد الله بن عباس أنه قال: ~~لا يقبل من ms2543 كافر (2) عمل ولا توبة إذا أسلم حين يراها، إلا من كان صغيرا ~~يومئذ، فإنه لو أسلم بعد ذلك قبل ذلك منه. ومن كان مؤمنا مذنبا فتاب من ~~الذنب قبل منه. # وروي عن عمران بن حصين أنه قال: إنما لم تقبل (توبته (3)) وقت طلوع ~~(الشمس (3)) حين تكون صيحة فيهلك فيها كثير من الناس، فمن أسلم أو تاب في ~~ذلك الوقت وهلك لم تقبل توبته، ومن تاب بعد ذلك قبلت توبته، ذكره أبو الليث ~~السمرقندي في تفسيره. وقال عبد الله بن عمر: يبقى الناس بعد طلوع الشمس من ~~مغربها مائة وعشرين سنة حتى يغرسوا النحل. والله بغيبه أعلم. وقرأ ابن عمر ~~وابن الزبير (4) " يوم تأتي " بالتاء، مثل " تلقطه بعض السيارة (5) ". ~~وذهبت بعض أصابعه. وقال جرير: # لما أتى خبر الزبير تواضعت * سور المدينة والجبال الخشع (6) قال المبرد: ~~التأنيث على المجاورة لمؤنث لا على الأصل. وقرأ ابن سيرين " لا تنفع " ~~بالتاء. # قال أبو حاتم: يذكرون أن هذا غلط من ابن سيرين. قال النحاس: في هذا شئ ~~دقيق من النحو ذكره سيبويه، وذلك أن الإيمان والنفس كل واحد منهما مشتمل ~~على الآخر فأنث الإيمان إذ هو من النفس وبها، وأنشد سيبويه: # مشين كما اهتزت رماح تسفهت * أعاليها مر الرياح النواسم (7) # PageV07P148 # قال المهدوي: وكثيرا ما يؤنثون فعل المضاف المذكر إذا كانت إضافته إلى ~~مؤنث، وكان المضاف بعض المضاف إليه منه أو به، وعليه قول ذي الرمة: # * مشين... البيت فأنث المر لإضافته إلى الرياح وهي مؤنثة، إذ كان المر من ~~الرياح. قال النحاس: وفيه قول آخر وهو أن يؤنث الإيمان لأنه مصدر كما يذكر ~~المصدر المؤنث، مثل " فمن جاءه موعظة من ربه (1) " وكما قال (2): # * فقد عذرتنا في صحابته العذر * ففي أحد الأقوال أنث العذر لأنه بمعنى ~~المعذرة. " قل انتظروا إنا منتظرون " بكم العذاب. # قوله تعالى: إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شئ إنما أمرهم ~~إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون (159) قوله تعالى: (إن الذين فرقوا ~~دينهم) قرأه حمزة والكسائي (فارقوا (3)) بالألف، وهي قراءة ms2544 علي بن أبي طالب ~~كرم الله وجهه، من المفارقة والفراق. على معنى أنهم تركوا دينهم وخرجوا ~~عنه. وكان علي يقول: والله ما فرقوه ولكن فارقوه. وقرأ الباقون بالتشديد، ~~إلا النخعي فإنه قرأ " فرقوا " مخففا، أي آمنوا ببعض وكفروا ببعض. والمراد ~~اليهود والنصارى في قول مجاهد وقتادة والسدي والضحاك. وقد وصفوا بالتفرق، ~~قال الله تعالى: # " وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة (4) ". وقال: ~~" ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله (5) ". وقيل: عنى المشركين، عبد بعضهم ~~الصنم وبعضهم الملائكة. وقيل: # الآية عامة في جميع الكفار. وكل من ابتدع وجاء بما لم يأمر الله عز وجل ~~به فقد فرق دينه. وروي أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية ~~" إن الذين فرقوا دينهم " هم أهل البدع والشبهات، وأهل الضلالة من هذه ~~الأمة. وروي بقية بن الوليد # PageV07P149 # حدثنا شعبة بن الحجاج حدثنا مجالد عن الشعبي عن شريح عن عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة: (إن الذين فرقوا ~~دينهم وكانوا شيعا إنما هم أصحاب البدع وأصحاب الأهواء وأصحاب الضلالة من ~~هذه الأمة، يا عائشة إن لكل صاحب ذنب توبة غير أصحاب البدع وأصحاب الأهواء ~~ليس لهم توبة وأنا برئ منهم وهم منا برآء). وروى ليث بن أبي سليم عن طاوس ~~عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ " إن الذين فارقوا دينهم ". ~~ومعنى (شيعا) فرقا وأحزابا. وكل قوم أمرهم واحد يتبع بعضهم رأي بعض فهم ~~شيع. (لست منهم في شئ) فأوجب براءته منهم، وهو كقول عليه السلام: (من غشنا ~~فليس منا) أي نحن برآء منه. وقال الشاعر: # إذا حاولت في أسد فجورا * فإني لست منك ولست مني (1) أي أنا أبرأ منك. ~~وموضع " في شئ " نصب على الحال من المضمر الذي في الخبر، قاله أبو علي. ~~وقال الفراء هو على حذف مضاف، المعنى لست من عقابهم في شئ، وإنما عليك ~~الإنذار (2). (إنما أمرهم إلى الله) تعزية للنبي صلى الله ms2545 عليه وسلم. # قوله تعالى: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى ~~إلا مثلها وهم لا يظلمون (160) قوله تعالى: (من جاء بالحسنة) ابتداء، وهو ~~شرط، والجواب (فله عشر أمثالها) فله عشر حسنات أمثالها، فحذفت الحسنات ~~وأقيمت الأمثال التي هي صفتها مقامها، جمع مثل وحكى سيبويه: عندي عشرة ~~نسابات، أي عندي عشرة رجال نسابات. # وقال أبو علي: حسن التأنيث في " عشر أمثالها " لما كان الأمثال مضافا إلى ~~مؤنث، والإضافة إلى المؤنث إذا كان إياه في المعنى يحسن فيه ذلك، نحو " ~~تلقطه بعض السيارة ". # PageV07P150 # وذهبت بعض أصابعه (1). وقرأ الحسن وسعيد بن جبير والأعمش " فله عشر ~~أمثالها ". # والتقدير: فله عشر حسنات أمثالها، أي له من الجزاء عشرة أضعاف مما يجب ~~له. ويجوز أن يكون له مثل، ويضاعف المثل فيصير عشرة. والحسنة هنا: الإيمان. ~~أي من جاء بشهادة أن لا إله إلا الله فله بكل عمل عمله في الدنيا من الخير ~~عشرة أمثاله من الثواب. # (ومن جاء بالسيئة) يعني الشرك (فلا يجزى إلا مثلها) وهو الخلود في النار، ~~لأن الشرك أعظم الذنوب، والنار أعظم العقوبة، فذلك قول تعالى: " جزاء وفاقا ~~(2) " يعني جزاء وافق العمل. وأما الحسنة فبخلاف ذلك، لنص الله تعالى على ~~ذلك. وفي الخبر (الحسنة بعشر أمثالها وأزيد والسيئة واحدة وأغفر فالويل لمن ~~غلبت آحاده أعشاره). وروى الأعمش عن أبي صالح قال: الحسنة لا إله إلا الله ~~والسيئة الشرك. (وهم لا يظلمون) أي لا ينقص ثواب أعمالهم. وقد مضى في " ~~البقرة (3) " بيان هذه الآية، وأنها مخالفة للإنفاق في سبيل الله، ولهذا ~~قال بعض العلماء: العشر لسائر الحسنات والسبعمائة للنفقة في سبيل الله، ~~والخاص والعام فيه سواء. وقال بعضهم: يكون للعوام عشرة وللخواص سبعمائة ~~وأكثر إلى ما لا يحصى، وهذا يحتاج إلى توقيف. والأول أصح، لحديث خريم بن ~~فاتك عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه: (وأما حسنة بعشر فمن عمل حسنة فله ~~عشر أمثالها وأما حسنة بسبعمائة فالنفقة في سبيل الله). # قوله تعالى: قل إنني هداني ربى إلى صراط مستقيم ms2546 دينا قيما ملة إبراهيم ~~حنيفا وما كان من المشركين (161) قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب ~~العالمين (162) لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين (163) # PageV07P151 # فيه أربع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (قل إنني هداني ربى إلى صراط مستقيم) لما بين تعالى ~~أن الكفار تفرقوا بين أن الله هداه إلى الدين المستقيم وهو دين إبراهيم ~~(دينا) نصب على الحال، عن قطرب. وقيل: نصب " بهداني " عن الأخفش. (قال (1)) ~~غيره: انتصب حملا على المعنى، لأن معنى هداني عرفني دينا. ويجوز أن يكون ~~بدلا من الصراط، أي هداني صراطا مستقيما دينا. وقيل: منصوب بإضمار فعل، ~~فكأنه قال: اتبعوا دينا، واعرفوا دينا. (قيما) قرأه الكوفيون وابن عامر (2) ~~بكسر القاف والتخفيف وفتح الياء، مصدر كالشبع فوصف به. والباقون بفتح القاف ~~وكسر الياء وشدها، وهما لغتان. وأصل الياء الواو " قيوم " ثم أدغمت الواو ~~في الياء كميت. ومعناه دينا مستقيما لا عوج فيه (ملة إبراهيم) بدل (حنيفا) ~~قال الزجاج: هو حال من إبراهيم. وقال علي بن سليمان: # هو نصب بإضمار أعني. # الثانية - قوله تعالى: (قل إن صلاتي ونسكي) قد تقدم اشتقاق لفظ الصلاة ~~(3). # وقيل: المراد بها هنا صلاة الليل. وقيل: صلاة العيد. والنسك جمع نسيكة، ~~وهي الذبيحة، وكذلك قال مجاهد والضحاك وسعيد بن جبير وغيرهم. والمعنى: ذبحي ~~في الحج والعمرة. وقال الحسن: نسكي ديني. وقال الزجاج: عبادتي، ومنه الناسك ~~الذي يتقرب إلى الله بالعبادة. # وقال قوم: النسك في هذه الآية جميع أعمال (البر (4)) والطاعات، من قولك ~~نسك فلان فهو ناسك، إذا تعبد. (ومحياي) أي ما أعمله في حياتي (ومماتي) أي ~~ما أوصي به بعد وفاتي. # لله رب العالمين أي أفرده بالتقرب بها إليه. وقيل: " ومحياي ومماتي لله " ~~أي حياتي وموتي له. # وقرأ الحسن: " نسكي " بإسكان السين. وأهل المدينة " ومحياي " بسكون الياء ~~في الإدراج. والعامة بفتحها، لأنه يجتمع ساكنان. قال النحاس: لم يجزه أحد ~~من النحويين إلا يونس، وإنما أجازه لأن قبله ألفا، والألف المدة التي فيها ~~تقوم مقام الحركة. وأجاز يونس آضربان زيدا، وإنما منع النحويون هذا ms2547 لأنه ~~جمع بين ساكنين وليس في الثاني # PageV07P152 # إدغام، ومن قرأ بقراءة أهل المدينة وأراد أن يسلم من اللحن وقف على " ~~محياي " فيكون غير لاحن عند جميع النحويين. وقرأ ابن أبي إسحاق وعيسى بن ~~عمر وعاصم الجحدري " ومحيي " بتشديد الياء الثانية من غير ألف، وهي لغة ~~عليا مضر يقولون: قفي وعصي. # وأنشد أهل اللغة: # سبقوا هوي وأعنقوا لهواهم (1) وقد تقدم. الثالثة - قال الكيا الطبري: قول ~~تعالى: " قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم " إلى قوله: " قل إن صلاتي ~~ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين " استدل به الشافعي على افتتاح الصلاة ~~بهذا الذكر، فإن الله أمر نبيه صلى الله عليه وسلم وأنزل في كتابه، ثم ذكر ~~حديث علي رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا افتتح الصلاة ~~قال: # " وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين. إن ~~صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين - إلى قوله - وأنا من ~~المسلمين). # قلت: روي مسلم في صحيحه عن علي بن أبي طالب عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنه كان إذا قام إلى الصلاة قال: (وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض ~~حنيفا وما أنا من المشركين. إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ~~لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين. اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، ~~أنت ربي وأنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعا إنه لا ~~يغفر الذنوب إلا أنت واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف ~~عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت لبيك وسعديك والخير كله في يديك والشر ~~ليس إليك. تباركت وتعاليت. أستغفرك وأتوب إليك). # الحديث. وأخرجه الدارقطني وقال في آخره: بلغنا عن النضر بن شميل وكان من ~~العلماء باللغة وغيرها قال: معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (والشر ~~ليس إليك) الشر ليس مما # PageV07P153 # يتقرب به إليك. قال مالك: ليس التوجيه في الصلاة بواجب على الناس، ~~والواجب عليهم التكبير ثم القراءة. قال ms2548 ابن القاسم: لم ير مالك هذا الذي ~~يقوله الناس قبل القراءة: سبحانك اللهم وبحمدك. وفي مختصر ما ليس في ~~المختصر: أن مالكا كان يقوله في خاصة نفسه، لصحة الحديث به، وكان لا يراه ~~للناس مخافة أن يعتقدوا وجوبه. قال أبو الفرج الجوزي: وكنت أصلى وراء شيخنا ~~أبي بكر الدينوري الفقيه في زمان الصبا، فرآني مرة أفعل هذا فقال: # يا بني، إن الفقهاء قد اختلفوا في وجوب قراءة الفاتحة خلف الإمام، ولم ~~يختلفوا أن الافتتاح سنه، فاشتغل بالواجب ودع السنن. والحجة لمالك قوله صلى ~~الله عليه وسلم للأعرابي الذي علمه الصلاة: (إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم ~~اقرأ) ولم يقل له سبح كما يقول أبو حنيفة، ولا قل وجهت وجهي، كما يقول ~~الشافعي. وقال لأبي: (كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة)؟ قال: قلت الله أكبر ~~الحمد لله رب العالمين. فلم يذكر توجيها ولا تسبيحا. # فإن قيل: فإن عليا قد أخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوله. قلنا: ~~يحتمل أن يكون قاله قبل التكبير ثم كبر، وذلك حسن عندنا. فإن قيل: فقد روى ~~النسائي والدارقطني أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا افتتح (1) الصلاة ~~كبر ثم يقول: (إن صلاتي ونسكي) الحديث قلنا: هذا نحمله على النافلة في صلاة ~~الليل، كما جاء في كتاب النسائي عن أبي سعيد قال: # كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا افتتح (2) الصلاة بالليل قال: ~~(سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك). أو في النافلة ~~مطلقا، فإن النافلة أخف من الفرض، لأنه يجوز أن يصليها قائما وقاعدا ~~وراكبا، وإلى القبلة وغيرها في السفر، فأمرها أيسر. # وقد روى النسائي عن محمد بن مسلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~إذا قام يصلي تطوعا قال: (الله أكبر. وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض ~~حنيفا وما أنا من المشركين. إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين. ~~لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين. اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ~~سبحانك ms2549 وبحمدك). ثم يقرأ. وهذا نص في التطوع لا في الواجب. وإن صح أن ذلك ~~كان في الفريضة بعد التكبير، فيحمل # PageV07P154 # على الجواز والاستحباب، وأما المسنون فالقراءة بعد التكبير، والله بحقائق ~~الأمور عليم. # ثم إذا قال فلا يقل: " وأنا أول المسلمين ". وهي: # الرابعة - إذ ليس أحدهم بأولهم إلا محمدا صلى الله عليه وسلم. فإن قيل: ~~أو ليس إبراهيم والنبيون قبله؟ قلنا عنه ثلاثة أجوبة: الأول: أنه أول الخلق ~~أجمع معنى، كما في حديث أبي هريرة من قوله عليه السلام: (نحن الآخرون ~~الأولون يوم القيامة ونحن أول من يدخل الجنة). وفي حديث حذيفة (نحن الآخرون ~~من أهل الدنيا والأولون يوم القيامة المقضي لهم قبل الخلائق) الثاني: أنه ~~أولهم لكونه مقدما في الخلق عليهم، قال الله تعالى: # " وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح (1) ". قال قتادة: إن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: (كنت أول الأنبياء في الخلق وآخرهم في البعث (2). ~~فلذلك وقع ذكره هنا مقدما قبل نوح وغيره. الثالث: أول المسلمين من أهل ~~ملته، قال ابن العربي وهو قول قتادة وغيره. واختلفت الروايات في " أول " ~~ففي بعضها ثبوتها وفي بعضها لا، على ما ذكرنا. # وروى عمران بن حصين قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا فاطمة ~~قومي فاشهدي أضحيتك فإنه يغفر لك في أول قطرة من دمها كل ذنب عملتيه ثم ~~قولي: " إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين. لا شريك له وبذلك ~~أمرت وأنا أول المسلمين ". # قال عمران: يا رسول الله، هذا لك ولأهل بيتك خاصة أم للمسلمين عامة؟ قال: # (بل للمسلمين عامة). # قوله تعالى: قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شئ ولا تكسب كل نفس إلا ~~عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه ~~تختلفون قوله تعالى: (قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شئ) أي مالكه. روي ~~أن الكفار قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ارجع يا محمد إلى ديننا، واعبد ~~آلهتنا، وأترك ما أنت # PageV07P155 # عليه، ms2550 ونحن نتكفل لك بكل تباعة تتوقعها في دنياك وآخرتك، فنزلت الآية. ~~وهي استفهام يقتضي التقرير والتوبيخ. و " غير " نصب " بأبغي " و " ربا " ~~تمييز. # قوله تعالى: (ولا تكسب كل نفس إلا عليها) فيه مسألتان: الأولى: قوله ~~تعالى: " ولا تكسب كل نفس إلا عليها " أي لا ينفعني في ابتغاء رب غير الله ~~كونكم على ذلك، إلا تكسب كل نفس إلا عليها، أي لا يؤخذ بما أتت من المعصية، ~~وركبت من الخطيئة سواها. # الثانية: وقد استدل بعض العلماء من المخالفين بهذه الآية على أن بيع ~~الفضولي لا يصح، وهو قول الشافعي. وقال علماؤنا: المراد من الآية تحمل ~~الثواب والعقاب دون أحكام الدنيا، بدليل قول تعالى: " ولا تزر وازرة وزر ~~أخرى " على ما يأتي. وبيع الفضولي عندنا موقوف على إجازة المالك، فإن أجازه ~~جاز. هذا عروة البارقي قد باع للنبي صلى الله عليه وسلم واشترى وتصرف بغير ~~أمره، فأجازه النبي صلى الله عليه وسلم، وبه قال أبو حنيفة. # وروى البخاري والدارقطني عن عروة بن أبي الجعد قال: عرض للنبي صلى الله ~~عليه وسلم جلب (1) فأعطاني دينارا وقال: (أي عروة ايت الجلب فاشتر لنا شاة ~~بهذا الدينار) فأتيت الجلب فساومت فاشتريت شاتين بدينار، فجئت أسوقهما - أو ~~قال أقودهما - فلقيني رجل في الطريق فساومني فبعته إحدى الشاتين بدينار، ~~وجئت بالشاة الأخرى وبدينار، فقلت: # يا رسول الله، هذه الشاة وهذا ديناركم. قال: (كيف صنعت)؟ فحدثته الحديث. ~~قال: # (اللهم بارك له في صفقة يمينه). قال: فلقد رأيتني أقف في كناسة (2) ~~الكوفة فأربح أربعين ألفا قبل أن أصل إلى أهلي. لفظ الدارقطني. قال أبو ~~عمر: وهو حديث جيد، وفيه (3) صحة ثبوت النبي صلى الله عليه وسلم للشاتين ~~(4)، ولولا ذلك ما أخذ منه الدينار ولا أمضى له البيع. # وفيه دليل على جواز الوكالة، ولا خلاف فيها بين العلماء. فإذا قال الموكل ~~لو كيله: اشتر كذا، فاشترى زيادة على ما وكل به فهل يلزم ذلك الأمر أم لا؟. ~~كرجل قال لرجل: أشتر بهذا # PageV07P156 # الدرهم رطل لحم، صفته كذا، فاشترى له أربعة ms2551 أرطال من تلك الصفة بذلك ~~الدرهم. فالذي عليه مالك وأصحابه أن الجميع يلزمه إذا وافق الصفة ومن ~~جنسها، لأنه محسن. وهو قول أبي يوسف ومحمد بن الحسن. وقال أبو حنيفة: ~~الزيادة للمشتري. وهذا الحديث حجة عليه. # قوله تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى) " أي لا تحمل حاملة ثقل أخرى، أي ~~لا تؤخذ نفس بذنب غيرها، بل كل نفس مأخوذة بجرمها ومعاقبة بإثمها. وأصل ~~الوزر الثقل، ومنه قوله تعالى: " ووضعنا عنك وزرك (1) ". وهو هنا الذنب، ~~كما قال تعالى: " وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ". وقد تقدم (2). قال ~~الأخفش: يقال وزر يوزر، ووزر يزر، ووزر يوزر وزرا. ويجوز إزرا، كما يقال: ~~إسادة (3). والآية نزلت في الوليد بن المغيرة، كان يقول: اتبعوا سبيلي أحمل ~~أو زاركم، ذكره ابن عباس. وقيل: إنها نزلت ردا على العرب في الجاهلية من ~~مؤاخذة الرجل بأبيه وبابنه وبجريرة حليفه. # قلت: ويحتمل أن يكون المراد بهذه الآية في الآخرة، وكذلك التي قبلها، ~~فأما التي (4) في الدنيا فقد يؤاخذ فيها بعضهم بجرم بعض، لا سيما إذا لم ~~ينه الطائعون العاصين، كما تقدم في حديث أبي بكر في قول: " عليكم أنفسكم ~~(2) ". وقوله تعالى: " واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة (5) ". ~~" إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم (6) ". وقالت زينب بنت ~~جحش: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: (نعم إذا كثر الخبث). قال ~~العلماء: معناه أولاد الزنى. والخبث (بفتح الباء) اسم للزنى. فأوجب الله ~~تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم دية الخطأ على العاقلة حتى لا يطل ~~(7) دم الحر (8) المسلم تعظيما للدماء. # وأجمع أهل العلم على ذلك من غير خلاف بينهم في ذلك ز، فدل على ما قلناه. ~~وقد يحتمل أن يكون هذا في الدنيا، في ألا يؤاخذ زيد بفعل عمرو، وأن كل ~~مباشر لجريمة فعليه مغبتها. وروى أبو داود عن أبي رمثة قال، انطلقت مع أبي ~~نحو النبي صلى الله عليه وسلم، ثم إن النبي # PageV07P157 # صلى الله عليه وسلم قال لأبي: (ابنك هذا)؟ قال: إي ms2552 ورب الكعبة. قال: ~~(حقا). قال: # أشهد به. قال: فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم ضاحكا من ثبت (1) شبهي في ~~أبي، ومن حلف أبي علي. ثم قال: (أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه). وقرأ ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم " ولا تزر وازرة وزر أخرى ". ولا يعارض ما ~~قلناه أولا بقوله: " وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم (2) "، فإن هذا ~~مبين في الآية الأخرى قوله: " ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار ~~الذين يضلونهم بغير علم (3) ". فمن كان إماما في الضلالة ودعا إليها واتبع ~~عليها فإنه يحمل وزر من أضله من غير أن ينقص من وزر المضل (4) شئ، على ما ~~يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: (وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجت ~~ليبلوكم في ما آتاكم إن ربك سريع العقاب وإنه لغور رحيم (165) قوله تعالى: ~~(وهو الذي جعلكم خلائف الأرض " خلائف " جمع خليفة، ككرائم جمع كريمة. وكل ~~من جاء بعد من مضى فهو خليفة. أي جعلكم خلفا للأمم الماضية والقرون ~~السالفة. قال الشماخ: # تصيبهم وتخطئني المنايا * وأخلف في ربوع عن ربوع (ورفع بعضكم فوق بعض) في ~~الخلق والرزق والقوة والبسطة والفضل والعلم. (درجات) نصب بإسقاط الخافض، أي ~~إلى درجات. (ليبلوكم) نصب بلام كي. والابتلاء الاختبار، أي ليظهر منكم ما ~~يكون غايته الثواب والعقاب. ولم يزل بعلمه غنيا، فأبتلي الموسر: بالغني ~~وطلب منه الشكر، وأبتلي المعسر بالفقر وطلب منه الصبر. ويقال: " ليبلوكم " ~~أي بعضكم ببعض. كما قال: " وجعلنا بعضكم لبعض فتنة (2) " على ما يأتي ~~بيانه. ثم خوفهم # PageV07P158 # فقال: (إن ربك سريع العقاب) لمن عصاه. (وإنه لغفور رحيم) لمن أطاعه. ~~وقال: # " سريع العقاب " مع وصفه سبحانه بالإمهال، ومع أن عقاب النار في الآخرة، ~~لأن كل آت قريب، فهو سريع على هذا. كما قال تعالى: " وما أمر الساعة إلا ~~كلمح البصر أو هو أقرب (1) ". وقال " يرونه بعيدا. ونراه قريبا (2) ". ~~ويكون أيضا سريع العقاب لمن استحقه في دار الدنيا، فيكون تحذير المواقع (3) ~~الخطيئة على هذه الجهة. والله أعلم. # تمت ms2553 سورة الأنعام بحمد الله تعالى وصلواته على محمد وعلى آله وصحبه وسلم ~~تسليما كثيرا (4). # PageV07P159 # بسم الله الرحمن الرحيم تفسير سورة الأعراف وهي مكية، إلا ثمان آيات، وهي ~~قوله تعالى: " واسألهم عن القرية " إلى قوله: # " وإذ نتقنا الجبل فوقهم (1) ". وروى النسائي عن عائشة أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قرأ في صلاة المغرب بسورة الأعراف، فرقها في ركعتين. صححه ~~أبو محمد عبد الحق. # قوله تعالى: المص (1) كتب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به ~~وذكرى للمؤمنين (2) قوله تعالى: (المص) تقدم في أول البقرة (2) وموضعه رفع ~~بالابتدك. و " كتاب " خبره. كأنه قال: " المص " حروف " كتاب أنزل إليك " ~~وقال الكسائي: # أي هذا كتاب. # قوله تعالى: (فلا يكن في صدرك حرج منه) فيه مسألتان: الأولى - قوله ~~تعالى: " حرج " أي ضيق، أي لا يضيق صدرك بالإبلاغ، لأنه روي عنه عليه ~~السلام أنه قال: (إني أخاف أن يثلغوا (3) رأسي فيدعوه خبزة) الحديث. # خرجه مسلم. قال الكيا: فظاهره النهي، ومعناه نفي الحرج عنه، أي لا يضيق ~~صدرك ألا يؤمنوا به، فإنما عليك البلاغ، وليس عليك سوى الإنذار به من شئ من ~~إيمانهم # PageV07P160 # أو كفرهم، ومثله قوله تعالى: " فلعلك باخع نفسك (1) " الآية. وقال: " ~~لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين (2) ". ومذهب مجاهد وقتادة أن الحرج هنا ~~الشك، وليس هذا شك الكفر إنما هو شك الضيق. وكذلك قوله تعالى: " ولقد نعلم ~~أنك يضيق صدرك بما يقولون (1) ". # وقيل: الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته. وفيه بعد. والهاء ~~في " منه " للقرآن. وقيل: للإنذار، أي أنزل إليك الكتاب لتنذر به فلا يكن ~~في صدرك حرج منه. # فالكلام فيه تقديم وتأخير. وقيل للتكذيب الذي يعطيه قوة الكلام. أي فلا ~~يكن في صدرك ضيق من تكذيب المكذبين له. # الثانية - قوله تعالى: " وذكرى " يجوز أن يكون في موضع رفع ونصب وخفض. # فالرفع من وجهين، قال البصريون: هي رفع على إضمار مبتدأ. وقال الكسائي: ~~عطف على " كتاب " والنصب من وجهين، على المصدر، أي وذكر به ذكرى، قال ~~البصريون. # وقال الكسائي: عطف ms2554 على الهاء في " أنزلناه (3) ". والخفض حملا على موضع " ~~لتنذر به " والإنذار للكافرين، والذكرى للمؤمنين، لأنهم المنتفعون به. # قوله تعالى: اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء ~~قليلا ما تذكرون (3) فيه مسألتان: # الأولى - قوله تعالى: (اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم) يعني الكتاب ~~والسنة. # قال الله تعالى: " وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا (4) ". ~~وقالت فرقة: هذا أمر يعم النبي صلى الله عليه وسلم وأمته. والظاهر أنه أمر ~~لجميع الناس دونه. أي اتبعوا ملة الإسلام والقرآن، وأحلوا حلاله وحرموا ~~حرامه، وامتثلوا أمره، واجتنبوا نهيه. ودلت الآية على ترك اتباع الآراء مع ~~وجود النص. # PageV07P161 # الثانية - قوله تعالى: (ولا تتبعوا من دونه أولياء) " من دونه " من غيره. ~~والهاء تعود على الرب سبحانه، والمعنى: لا تعبدوا معه غيره، ولا تتخذوا من ~~عدل عن دين الله وليا. # وكل من رضي مذهبا فأهل ذلك المذهب أولياؤه. وروي عن مالك بن دينار أنه ~~قرأ " ولا تبتغوا من دونه أولياء " أي ولا تطلبوا. ولم ينصرف " أولياء " ~~لأن فيه ألف التأنيث. # وقيل: تعود على " ما " من قوله: " اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ". ~~(قليلا ما تذكرون) " ما " زائدة. وقيل: تكون مع الفعل مصدرا. # قوله تعالى: وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون فما ~~كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين قوله تعالى: (وكم ~~من قرية أهلكناها) " كم " للتكثير، كما أن " رب " للتقليل. وهي في موضع رفع ~~بالابتداء، و " أهلكنا " الخبر. أي وكثير من القرى - وهي مواضع اجتماع ~~الناس - أهلكناها. ويجوز النصب بإضمار فعل بعدها، ولا يقدر قبلها، لأن ~~الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله. ويقوي الأول قوله: " وكم أهلكنا من القرون ~~من بعد نوح (1) " ولولا اشتغال " أهلكنا " بالضمير لانتصب به موضع " كم ". ~~ويجوز أن يكون " أهلكنا " صفة للقرية، و " كم " في المعنى هي القرية، فإذا ~~وصفت القرية فكأنك قد وصفت كم. # يدل على ذلك قوله تعالى: " وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا ~~" فعاد الضمير ms2555 على " كم ". على المعنى، إذ كانت الملائكة في المعنى. فلا ~~يصح على هذا التقدير أن يكون " كم " في موضع نصب بإضمار فعل بعدها. # " فجاءها بأسنا " فيه إشكال للعطف بالفاء. # فقال الفراء: الفاء بمعنى الواو، فلا يلزم الترتيب. وقيل: أي وكم من قرية ~~أردنا إهلاكها فجاءها بأسنا، كقوله: " فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من ~~الشيطان الرجيم (2) ". وقيل: إن # PageV07P162 # الهلاك. واقع ببعض القوم، فيكون التقدير: وكم من قرية أهلكنا بعضها ~~فجاءها بأسنا فأهلكنا الجميع. وقيل: المعنى وكم من قرية أهلكناها في حكمنا ~~فجاءها بأسنا. وقيل: أهلكناها بإرسالنا ملائكة العذاب إليها، فجاءها بأسنا ~~وهو الاستئصال. والبأس، العذاب الآتي على النفس. وقيل: المعنى أهلكناها ~~فكان إهلاكنا إياهم في وقت كذا، فمجئ البأس على هذا هو الإهلاك. وقيل: ~~البأس غير الإهلاك، كما ذكرنا. وحكى الفراء أيضا أنه إذا كان معنى الفعلين ~~واحدا أو كالواحد قدمت أيهما شئت، فيكون المعنى وكم من قرية جاءها بأسنا ~~فأهلكناها، مثل دنا فقرب، وقرب فدنا، وشتمني فأساء، وأساء فشتمني، لأن ~~الإساءة والشتم شئ واحد. وكذلك قوله: " اقتربت الساعة وانشق القمر (1) ". ~~المعنى - والله أعلم - انشق القمر فاقتربت الساعة. والمعنى واحد. " بياتا " ~~أي ليلا، ومنه البيت، لأنه يبات فيه. # يقال: بات يبيت بيتا وبياتا. أوهم قائلون أي " أو هم قائلون " أي أو وهم ~~قائلون، فاستثقلوا فحذفوا الواو، قاله الفراء. وقال الزجاج: هذا خطأ، إذا ~~عاد الذكر استغني عن الواو، تقول: # جاءني زيد راكبا أو هو ماش، ولا يحتاج إلى الواو. قال المهدوي: ولم يقل ~~بياتا أو وهم قائلون لأن في الجملة ضميرا يرجع إلى الأول فاستغني عن الواو. ~~وهو معنى قول الزجاج سواء، وليس أو للشك بل للتفصيل، كقولك: لأكرمنك منصفا ~~لي أو ظالما. وهذه الواو تسمى عند النحويين واو الوقت. و " قائلون " من ~~القائلة وهي القيلولة، وهي نوم نصف النهار وقيل: الاستراحة نصف النهار إذا ~~اشتد الحر وإن لم يكن معها نوم. والمعنى جاءهم عذابنا وهم غافلون إما ليلا ~~وإما نهارا. والدعوى الدعاء، ومنه قول: " وآخر دعواهم (2) ". # وحكى النحويون: اللهم أشركنا ms2556 في صالح دعوى من دعاك. وقد تكون الدعوى ~~بمعنى الادعاء. # والمعنى: أنهم لم يخلصوا عند الإهلاك إلا على الإقرار بأنهم كانوا ~~ظالمين. " دعواهم " في موضع نصب خبر كان، واسمها " إلا أن قالوا ". نظيره ~~(فما كان جواب قومه إلا أن قالوا (3) # PageV07P163 # ويجوز أن تكون الدعوى رفعا، و " أن قالوا " نصبا، كقول تعالى: " ليس البر ~~أن تولوا (1) " برفع " البر " وقوله: " ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوءى ~~أن كذبوا (2) " برفع " عاقبة ". # قوله تعالى: فلنسئلن الذين أرسل إليهم ولنسئلن المرسلين (6) فلنقصن عليهم ~~بعلم وما كنا غائبين (7) قوله تعالى: (فلنسألن الذين أرسل إليهم) دليل على ~~أن الكفار يحاسبون. وفي التنزيل " ثم إن علينا (3) حسابهم ". وفي سورة ~~القصص " ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون (4) " يعني إذا استقروا في العذاب. ~~والآخرة مواطن: موطن يسألون فيه للحساب. وموطن لا يسألون فيه. وسؤالهم ~~تقرير وتوبيخ وإفضاح. وسؤال الرسل سؤال استشهاد بهم وإفصاح، أي عن جواب ~~القوم لهم. وهو معنى قوله: " ليسأل الصادقين عن صدقهم (2) " على ما يأتي. # وقيل: المعنى " فلنسألن الذين أرسل إليهم " أي الأنبياء " ولنسألن ~~المرسلين " أي الملائكة الذين أرسلوا إليهم. واللام في " فلنسألن " لام ~~القسم وحقيقتها التوكيد. كذا (فلنقصن عليهم بعلم) قال ابن عباس: ينطق عليهم ~~(5). (وما كنا غائبين) أي كنا شاهدين لأعمالهم. # ودلت الآية على أن الله تعالى عالم بعلم. # قوله تعالى: والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون (8) ~~ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون (9) ~~قوله تعالى: (والوزن يومئذ الحق) ابتداء وخبر. ويجوز أن يكون " الحق " ~~نعته، والخبر " يومئذ ". ويجوز نصب " الحق " على المصدر. والمراد بالوزن ~~وزن أعمال العباد # PageV07P164 # بالميزان. قال ابن عمر: توزن صحائف أعمال العباد. وهذا هو الصحيح، وهو ~~الذي ورد به الخبر على ما يأتي. وقيل: الميزان الكتاب الذي فيه أعمال ~~الخلق. وقال مجاهد: الميزان الحسنات والسيئات بأعيانها. وعنه أيضا والضحاك ~~والأعمش: الوزن والميزان بمعنى العدل والقضاء، وذكر الوزن ضرب مثل، كما ~~تقول: هذا الكلام في وزن هذا وفي وزانه، أي يعادله ويساويه وإن لم يكن هناك ms2557 ~~وزن. قال الزجاج: هذا سائغ من جهة اللسان، والأولى أن يتبع ما جاء في ~~الأسانيد الصحاح من ذكر الميزان. قال القشيري: وقد أحسن فيما قال، إذ لو ~~حمل الميزان على هذا فليحمل الصراط على الذين الحق، والجنة والنار على ما ~~يرد على الأرواح دون الأجساد، والشياطين والجن على الأخلاق المذمومة، ~~والملائكة على القوى المحمودة. وقد أجمعت الأمة في الصدر الأول على الأخذ ~~بهذه الظواهر من غير تأويل. # وإذا أجمعوا على منع التأويل وجب الأخذ بالظاهر، وصارت هذه الظواهر ~~نصوصا. # قال ابن فورك: وقد أنكرت المعتزلة (1) الميزان بناء منهم على أن الأعراض ~~يستحيل وزنها، إذ لا تقوم بأنفسها. ومن المتكلمين من يقول: إن الله تعالى ~~يقلب الأعراض أجساما فيزنها يوم القيامة. وهذا ليس بصحيح عندنا، والصحيح أن ~~الموازين تثقل بالكتب التي فيها الأعمال مكتوبة، وبها تخف. وقد روي في ~~الخبر ما يحقق ذلك، وهو أنه روي (أن ميزان بعض بني آدم كاد يخف بالحسنات ~~فيوضع فيه رق مكتوب فيه " لا إله إلا الله " فيثقل). # فقد علم أن لك يرجع إلى وزن ما كتب فيه الأعمال لا نفس الأعمال، وأن الله ~~سبحانه يخفف الميزان إذا أراد، ويثقله إذا أراد بما يوضع في كفتيه من الصحف ~~التي فيها الأعمال. # وفي صحيح مسلم عن صفوان بن محرز قال قال رجل لابن عمر: كيف سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في النجوى (2)؟ قال سمعته يقول: (يدنى المؤمن من ~~ربه يوم القيامة حتى يضع عليه كنفه فيقرره بذنوبه فيقول هل تعرف فيقول أي ~~رب أعرف قال فإني قد سترتها عليك في الدنيا وإني أغفرها لك اليوم فيعطي ~~صحيفة حسناته وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الخلائق هؤلاء ~~الذين كذبوا على الله). فقوله: (فيعطى صحيفة حسناته) # PageV07P165 # دليل على أن الأعمال تكتب في الصحف وتوزن. وروى ابن ماجة من حديث عبد ~~الله بن عمرو قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يصاح برجل من أمتي ~~يوم القيامة على رؤوس الخلائق فينشر عليه تسعة وتسعون سجلا ms2558 كل سجل مد البصر ~~ثم يقول الله تبارك وتعالى هل تنكر من هذا شيئا فيقول لا يا رب فيقول ~~أظلمتك كتبتي الحافظون فيقول لا ثم يقول ألك عذر ألك حسنة فيهاب الرجل ~~فيقول لا فيقول بلى إن لك عندنا حسنات وإنه لا ظلم عليك اليوم فتخرج له ~~بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله فيقول يا رب ما ~~هذه البطاقة مع هذه السجلات فيقول إنك لا تظلم فتوضع السجلات في كفة ~~والبطاقة في كفة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة). زاد الترمذي (فلا يثقل مع ~~اسم الله شئ) وقال: # حديث حسن غريب. وسيأتي لهذا الباب مزيد بيان في " الكهف (1) والأنبياء ~~(2) " إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: " فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون. ومن خفت موازينه ~~فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون " " موازينه " جمع ~~ميزان، وأصله موزان، قلبت الواو ياء لكسرة ما قبلها. وقيل: يجوز أن يكون ~~هناك موازين للعامل الواحد يوزن بكل ميزان منها صنف من أعماله. ويمكن أن ~~يكون ذلك ميزانا واحدا عبر عنه بلفظ الجمع، كما تقول: خرج فلان إلى مكة على ~~البغال، وخرج إلى البصرة في السفن. وفي التنزيل: # " كذبت قوم نوح المرسلين ". " كذبت عاد المرسلين (2) ". وإنما هو رسول ~~واحد في أحد التأويلين. وقيل: الموازين جمع موزون، لا جمع ميزان. أراد ~~بالموازين الأعمال الموزونة. # " ومن خفت موازينه " مثله. وقال ابن عباس: توزن الحسنات والسيئات في ~~ميزان له لسان كفتان، فأما المؤمن فيؤتى بعمله في أحسن صورة فيوضع في كفة ~~الميزان فتثقل حسناته على سيئاته، فذلك قوله: " فمن ثقلت موازينه فأولئك هم ~~المفلحون " ويؤتى بعمل الكافر في أقبح صورة فيوضع في كفة الميزان فيخف وزنه ~~حتى يقع في النار. وما أشار إليه # PageV07P166 # ابن عباس قريب مما قيل: يخلق الله تعالى كل جزء من أعمال العباد جوهرا ~~فيقع الوزن على تلك الجواهر. ورده ابن فورك وغيره. وفي الخبر (إذا خفت ~~حسنات المؤمن أخرج رسول الله صل الله عليه وسلم بطاقة كالأنملة فيلقيها في ~~كفة ms2559 الميزان اليمنى التي فيها حسناته فترجح الحسنات فيقول ذلك العبد المؤمن ~~للنبي صلى الله عليه وسلم بأبي أنت وأمي! ما أحسن وجهك وما أحسن خلقك فمن ~~أنت؟ فيقول أنا محمد نبيك وهذه صلواتك التي كنت تصلي علي قد وفيتك أحوج ما ~~تكون إليها). ذكره القشيري في تفسيره. وذكر أن البطاقة (بكسر الباء) رقعة ~~فيها رقم المتاع بلغة. أهل مصر. وقال ابن ماجة: قال محمد بن يحيى: البطاقة ~~الرقعة، وأهل مصر يقولون للرقعة بطاقة. وقال حذيفة: صاحب الموازين يوم ~~القيامة جبريل عليه السلام، يقول الله تعالى: (يا جبريل زن بينهم فرد من ~~بعض على بعض). قال: وليس ثم ذهب ولا فضة، فإن كان للظالم حسنات أخذ من ~~حسناته فرد على المظلوم، وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات المظلوم فتحمل ~~على الظالم، فيرجع الرجل وعليه مثل الجبال. وروي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: (أن الله تعالى يقول يوم القيامة يا آدم أبرز إلى جانب الكرسي عند ~~الميزان وانظر ما يرفع إليك من أعمال بنيك فمن رجح خيره على شره مثقال حبة ~~فله الجنة ومن رجح شره على خيره مثقال حبة فله النار حتى تعلم أني لا أعذب ~~إلا ظالما). # قوله تعالى: ولقد مكنكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معيش قليلا ما تشكرون ~~(10) أي جعلناها لكم قرارا ومهادا، وهيأنا لكم فيها أسباب المعيشة. ~~والمعايش جمع معيشة، أي ما يتعيش به من المطعم والمشرب وما تكون به الحياة. ~~يقال: عاش يعيش عيشا ومعاشا ومعيشا ومعيشة وعيشة. وقال الزجاج: المعيشة ما ~~يتوصل به إلى العيش. ومعيشة في قول الأخفش وكثير من النحويين مفعلة. وقرأ ~~الأعرج: " معائش " بالهمز. وكذا روى خارجة بن مصعب عن نافع. قال النحاس: ~~والهمز لحن لا يجوز، لأن الواحدة معيشة، أصلها معيشة، فزيدت ألف الوصل وهي ~~ساكنة والياء ساكنة، فلا بد من تحريك إذ لا سبيل PageV07P167 # إلى الحذف، والألف لا تحرك فحركت الياء بما كان يجب لها في الواحد. ~~ونظيره من الواو مناور ومناور، ومقام ومقاوم، كما قال الشاعر: ms2560 # وإني لقوام مقاوم لم يكن * جرير ولا مولى جرير يقومها وكذا مصيبة ومصاوب. ~~هذا الجيد، ولغة شاذة مصائب. قال الأخفش: إنما جاز مصائب لأن الواحدة ~~معتلة. قال الزجاج: هذا خطأ يلزمه عليه أن يقول مقائم. ولكن القول أنه مثل ~~وسادة وإسادة. وقيل: لم يجز الهمز في معايش لأن المعيشة مفعلة، فالياء ~~أصلية، وإنما يهمز إذا كانت الياء زائدة مثل مدينة ومدائن، وصحيفة وصحائف، ~~وكريمة وكرائم، ووظيفة ووظائف، وشبهه. # قوله تعالى: ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ~~فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين (11) قوله تعالى: (ولقد خلقناكم ثم ~~صورناكم) لما ذكر نعمه ذكر ابتداء خلقه. وقد تقدم معنى الخلق (1) في غير ~~موضع. " ثم صورناكم " أي خلقناكم نطفا ثم صورناكم، ثم إنا نخبركم أنا قلنا ~~للملائكة اسجدوا لآدم. وعن ابن عباس والضحاك وغيرهما: المعنى خلقنا آدم ثم ~~صورناكم في ظهره. وقال الأخفش: " ثم " بمعنى الواو. وقيل: المعنى " ولقد ~~خلقناكم " يعني آدم عليه السلام، ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم، ثم ~~صورناكم، على التقديم والتأخير. وقيل: # " ولقد خلقناكم " يعني آدم، ذكر بلفظ الجمع لأنه أبو البشر. " ثم صورناكم ~~" راجع إليه أيضا. كما يقال: نحن قتلناكم، أي قتلنا سيدكم. # " ثم قلنا لملائكة اسجدوا لآدم " وعلى هذا لا تقديم ولا تأخير، عن ابن ~~عباس أيضا. وقيل: المعنى ولقد خلقناكم، يريد آدم وحواء، فآدم من التراب ~~وحواء من ضلع من أضلاعه، ثم وقع التصوير بعد ذلك. # فالمعنى: ولقد خلقنا أبويكم ثم صورناهما، قاله الحسن. وقيل: المعنى ~~خلقناكم في ظهر آدم # PageV07P168 # ثم صورناكم حين أخذنا عليكم الميثاق. هذا قول مجاهد، رواه عنه ابن جريج ~~وابن أبي نجيح. # قال النحاس: وهذا أحسن الأقوال. يذهب مجاهد إلى أنه خلقهم في ظهر آدم، ثم ~~صورهم حين أخذ عليهم الميثاق، ثم كان السجود بعد. ويقوي هذا " وإذ أخذ ربك ~~من بني آدم من ظهورهم (1) ذريتهم ". والحديث (أنه أخرجهم أمثال الذر فأخذ ~~عليهم الميثاق). وقيل: # " ثم " للإخبار، أي ولقد خلقناكم يعني في ظهر آدم صلى الله عليه وسلم، ثم ms2561 ~~صورناكم أي في الأرحام. قال النحاس: هذا صحيح عن ابن عباس. # قلت: كل هذه الأقوال محتمل، والصحيح منها ما يعضده التنزيل، قال الله ~~تعالى: # " ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين (2) " يعني آدم. وقال: " وخلق منها ~~زوجها (3) ". # ثم قال: " جعلناه " أي جعلنا نسله وذريته " نطفة في قرار مكين " الآية ~~(2). فآدم خلق من طين ثم صور وأكرم بالسجود، وذريته صوروا في أرحام الأمهات ~~بعد أن خلقوا فيها وفي أصلاب الآباء. وقد تقدم في أول سورة الأنعام (4) أن ~~كل إنسان مخلوق من نطفة وتربة، فتأمله وقال هنا: " خلقناكم ثم صورناكم " ~~وقال في آخر الحشر: " هو الله الخالق البارئ المصور (5) ". فذكر التصوير ~~بعد البرء. وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى. وقيل: # معنى " ولقد خلقناكم " أي خلقنا الأرواح أولا ثم صورنا الأشباح آخرا. # قوله تعالى: (إلا إبليس لم يكن من الساجدين) استثناء من غير الجنس. وقيل: # من الجنس. وقد اختلف العلماء: هل كان من الملائكة أم لا. كما سبق بيانه ~~في البقرة (6). # قوله تعالى: قال ما منعك ألا تسجد إذا أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من ~~نار وخلقته من طين (12) # PageV07P169 # فيه أربع مسائل: الأولى - قوله تعالى: (ما منعك) " ما " في موضع رفع ~~بالابتداء، أي أي شئ منعك. وهذا سؤال توبيخ. ألا تسجد في موضع نصب، أي من ~~أن تسجد. # و " لا " زائدة. وفي ص " ما منعك أن تسجد (1) " وقال الشاعر: # أبي جوده لا البخل فاستعجلت به * نعم من فتى لا يمنع الجود نائله أراد ~~أبي جوده البخل، فزاد " لا ". وقيل: ليست بزائدة، فان المنع فيه طرف من ~~القول والدعاء، فكأنه قال: من قال لك ألا تسجد؟ أو من دعاك إلى ألا تسجد؟ ~~كما تقول: # قد قلت لك ألا تفعل كذا. وقيل: في الكلام حذف، والتقدير: ما منعك من ~~الطاعة وأحوجك إلى ألا تسجد. قال العلماء: الذي أحوجه إلى ترك السجود هو ~~الكبر والحسد، وكان أضمر ذلك في نفسه إذا أمر بذلك. وكان أمره من قبل خلق ~~آدم، يقول الله تعالى: # " إني خالق ms2562 بشرا من طين. فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ~~(1) ". # فكأنه دخله أمر عظيم من قوله " فقعوا له ساجدين ". فإن في الوقوع توضيع ~~الواقع وتشريفا لمن وقع له، فأضمر في نفسه ألا يسجد إذا أمره في ذلك الوقت. ~~فلما نفخ فيه الروح وقعت الملائكة سجدا، وبقي هو قائما بين أظهرهم، فأظهر ~~بقيامه وترك السجود ما في ضميره. فقال الله تعالى: " ما منعك ألا تسجد " أي ~~ما منعك من الانقياد لأمري، فأخرج سر ضميره فقال: " أنا خير منه ". # الثانية - قوله تعالى: (إذا أمرتك) يدل علما يقوله الفقهاء من أن الأمر ~~يقتضي الوجوب بمطلقه من غير قرينة، لأن الذم علق على ترك الأمر المطلق الذي ~~هو قوله عز وجل للملائكة: " اسجدوا لآدم " وهذا بين. # الثالثة - قوله تعالى: (قال أنا خير منه) أي منعني من السجود فضلي عليه، ~~فهذا من إبليس جواب على المعنى. كما تقول: لمن هذه الدار؟ فيقول المخاطب: ~~مالكها # PageV07P170 # زيد. فليس هذا عين الجواب، بل هو كلام يرجع إلى معنى الجواب. (خلقتني من ~~نار وخلقته من طين) فرأى أن النار أشرف من الطين، لعلوها وصعودها وخفتها، ~~ولأنها جوهر مضئ. قال ابن عباس والحسن وابن سيرين: أول من قاس إبليس فأخطأ ~~القياس. فمن قاس الدين برأيه قرنه مع إبليس. قال ابن سيرين: وما عبدت الشمس ~~والقمر إلا بالمقاييس. وقالت الحكماء: أخطأ عدو الله من حيث فضل النار على ~~الطين، وإن كانا في درجة واحدة من حيث هي جماد مخلوق. فإن الطين أفضل من ~~النار من وجوه أربعة: # أحدها - أن من جوهر الطين الرزانة والسكون، والوقار والأناة، والحلم، ~~والحياء، والصبر. وذلك هو الداعي لآدم عليه السلام بعد السعادة التي سبقت ~~له إلى التوبة والتواضع والتضرع، فأورثه المغفرة والاجتباء والهداية. ومن ~~جوهر النار الخفة، والطيش، والحدة، والارتفاع، والاضطراب. وذلك هو الداعي ~~لإبليس بعد الشقاوة التي سبقت له إلى الاستكبار والإصرار، فأورثه الهلاك ~~والعذاب واللعنة والشقاء، قال القفال. # الثاني - إن الخبر ناطق بأن تراب الجنة مسك أذفر، ولم ينطق الخبر بأن في ms2563 ~~الجنة نارا وأن في النار ترابا. # الثالث - أن النار سبب العذاب، وهي عذاب الله لأعدائه، وليس التراب سببا ~~للعذاب. # الرابع - أن الطين مستغن عن النار، والنار محتاجة إلى المكان ومكانها ~~التراب. # قلت - ومحتمل قولا خامسا وهو أن التراب مسجد وطهور، كما جاء في صحيح ~~الحديث. # والنار تخويف وعذاب، كما قال تعالى: " ذلك يخوف الله به عباده (1) ". ~~وقال ابن عباس: # كانت الطاعة أولى بإبليس من القياس فعصى ربه، وهو أول من قاس برأيه. ~~والقياس في مخالفة النص مردود. # الرابعة - واختلف الناس في القياس إلى قائل به، وراد له، فأما القائلون ~~به فهم الصحابة والتابعون، وجمهور من بعدهم، وأن التعبد به جائز عقلا واقع ~~شرعا، وهو الصحيح. # PageV07P171 # وذهب القفال من الشافعية وأبو الحسين البصري إلى وجوب التعبد به عقلا. ~~وذهب النظام إلى أنه يستحيل التعبد به عقلا وشرعا، ورده بعض أهل الظاهر. ~~والأول الصحيح. قال البخاري في (كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة): المعنى لا ~~عصمة لأحد إلا في كتاب الله أو سنة نبيه أو في إجماع العلماء إذا وجد فيها ~~الحكم فإن لم يوجد فالقياس. وقد ترجم على هذا (باب من شبه أصلا معلوما بأصل ~~مبين قد بين الله حكمها ليفهم السائل). وترجم بعد هذا (باب الأحكام التي ~~تعرف بالدلائل وكيف معنى الدلالة وتفسيرها). وقال الطبري: الاجتهاد ~~والاستنباط من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وإجماع الأمة هو ~~الحق الواجب، والفرض اللازم لأهل العلم. وبذلك جاءت الأخبار عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وعن جماعة الصحابة والتابعين. وقال أبو تمام المالكي: ~~أجمعت الأمة على القياس، فمن ذلك أنهم أجمعوا على قياس الذهب والورق في ~~الزكاة. وقال أبو بكر: أقيلوني بيعتي. فقال علي: والله لا نقيلك ولا ~~نستقيلك، رضيك رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا أفلا نرضاك لدنيانا؟ ~~فقاس الإمامة على الصلاة. وقاس الصديق الزكاة على الصلاة وقال: والله لا ~~أفرق بين ما جمع الله. وصرح علي بالقياس في شارب الخمر بمحضر من الصحابة ~~وقال: إنه إذا سكر هذى، وإذا هذى ms2564 افترى، فحده حد القاذف. وكتب عمر إلى أبي ~~موسى الأشعري كتابا فيه: الفهم فيما يختلج في صدرك مما لم يبلغك في الكتاب ~~والسنة، أعرف الأمثال والأشباه، ثم قس الأمور عند ذلك، فاعمد إلى أحبها إلى ~~الله تعالى وأشبهها بالحق فيما ترى. الحديث بطوله ذكره الدارقطني. # وقد قال أبو عبيدة لعمر (رضي الله (1) عنهما) في حديث الوباء، حين رجع ~~عمر من سرغ (2): # نفر من قدر الله؟ فقال عمر: نعم! نفر من قدر الله إلى قدر الله. ثم قال ~~له عمر: # أرأيت (3)... فقايسه وناظره بما يشبه من مسألته بمحضر المهاجرين ~~والأنصار، وحسبك. # وأما الآثار وأي القرآن في هذا المعنى فكثير. وهو يدل على أن القياس أصل ~~من أصول الدين، وعصمة من عصم المسلمين، يرجع إليه المجتهدون، ويفزع إليه ~~العلماء العاملون، فيستنبطون # PageV07P172 # به الأحكام. وهذا قول الجماعة الذين هم الحجة، ولا يلتفت إلى من شذ عنها. ~~وأما الرأي المذموم والقياس المتكلف (1) المنهي عنه فهو ما لم يكن على هذه ~~الأصول المذكورة، لأن ذلك ظن و (2) نزغ من الشيطان، قال الله تعالى: " ولا ~~تقف ما ليس لك به علم (3) ". وكل ما يورده المخالف من الأحاديث الضعيفة ~~والأخبار الواهية في ذم القياس فهي محمولة على هذا النوع من القياس ~~المذموم، الذي ليس له في الشرع أصل معلوم. وتتميم هذا الباب في كتب الأصول. # قوله تعالى: قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من ~~الصاغرين (13) قوله تعالى: (قال فاهبط منها) أي من السماء. (فما يكون لك أن ~~تتكبر فيها لأن أهلها الملائكة المتواضعون. (فاخرج إنك من الصاغرين) أي من ~~الأذلين. ودل هذا أن من عصى مولاه فهو ذليل. وقال أبو روق والبجلي: " فاهبط ~~منها " أي من صورتك التي أنت فيها، لأنه افتخر بأنه من النار فشوهت صورته ~~بالإظلام وزوال إشراقه. وقيل: # " فاهبط منها " أي انتقل من الأرض إلى جزائر البحار، كما يقال: هبطنا أرض ~~كذا أي انتقلنا إليها من مكان أخر، فكأنه أخرج من الأرض إلى جزائر البحار ~~فسلطانه فيها، فلا يدخل ms2565 الأرض إلا كهيئة السارق (4) يخاف فيها حتى يخرج ~~منها. والقول الأول أظهر. وقد تقدم في البقرة (5). # قوله تعالى: قال أنظرني إلى يوم يبعثون (14) قال إنك من المنظرين (15) ~~سأل النظرة والإمهال إلى يوم البعث والحساب. طلب ألا يموت لأن يوم البعث لا ~~موت بعده، فقال الله تعالى: (إنك من المنظرين). قال ابن عباس والسدي ~~وغيرها: # PageV07P173 # أنظره إلى النفخة الأولى حيث يموت الخلق كلهم. وكان طلب الإنظار إلى ~~النفخة الثانية حيث يقوم الناس لرب العالمين، فأبى الله ذلك عليه. وقال: " ~~إلى يوم يبعثون " ولم يتقدم من يبعث، لأن القصة في آدم وذريته، فدلت ~~القرينة على أنهم هم المبعوثون. # قوله تعالى: قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم (16) ثم لأتينهم ~~من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمنهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين ~~(17) فيه ثلاث مسائل: الأولى - قوله تعالى: (فبما أغويتني) الإغواء إيقاع ~~الغي في القلب، أي فبما أوقعت في قلبي من الغي والعناد والاستكبار. وهذا ~~لأن كفر إبليس ليس كفر جهل، بل هو كفر عناد واستكبار. وقد تقدم في البقرة ~~(1). قيل: معنى الكلام القسم، أي فبإغوائك إياي لأقعدن لهم على صراطك، أو ~~في صراطك، فحذف. دليل على هذا القول قوله في (ص): # " فبعزتك لأغوينهم أجمعين (2) " كأن إبليس أعظم قدر إغواء الله إياه لما ~~فيه من التسليط على العباد، فأقسم به إعظاما لقدره عنده. وقيل: الباء بمعنى ~~اللام، كأنه قال: فلإغوائك إياي. وقيل: هي بمعنى مع، والمعنى فمع إغوائك ~~إياي. وقيل: هو استفهام، كأنه سأل بأي شئ أغواه؟. وكان ينبغي على هذا أن ~~يكون: فبم أغويتني؟. وقيل: المعنى فبما أهلكتني بلعنك إياي. والإغواء ~~الإهلاك، قال الله تعالى: " فسوف يلقون غيا (3) " أي هلاكا. وقيل: # فبما أضللتني. والإغواء: الإضلال والإبعاد، قال ابن عباس. وقيل: خيبتني ~~من رحمتك، ومنه قول الشاعر (4): # * ومن يغو لا يعدم على الغي لائما * # PageV07P174 # أي من يخب. وقال ابن الأعرابي: يقال غوى الرجل يغوي (1) غيا إذا فسد عليه ~~أمره، أو فسد هو في نفسه. وهو أحد معاني قول تعالى: " وعصى آدم ربه ms2566 فغوى ~~(2) " أي فسد عيشه في الجنة. ويقال: غوي الفصيل إذا لم يدر لبن أمه. # الثانية - مذهب أهل السنة أي أن الله تعالى أضله وخلق فيه الكفر، ولذلك ~~نسب الإغواء في هذا إلى الله تعالى وهو الحقيقة، فلا شئ في الوجود إلا وهو ~~مخلوق له، صادر عن إرادته تعالى. وخالف الإمامية والقدرية وغيرهما شيخهم ~~إبليس الذي طاوعوه في كل ما زينه لهم، ولم يطاوعوه في هذه المسألة ويقولون: ~~أخطأ إبليس، وهو أهل للخطأ حيث نسب الغواية إلى ربه، تعالى الله عن ذلك. ~~فيقال لهم: وإبليس وإن كان أهلا للخطأ فما تصنعون في نبي مكرم معصوم، وهو ~~ونوح عليه السلام حيث قال لقومه: " ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن ~~كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون (3) " وقد روي أن طاوسا جاءه ~~رجل في المسجد الحرام، وكان متهما بالقدر، وكان من الفقهاء الكبار، فجلس ~~إليه فقال له طاوس: تقوم أو تقام؟ فقيل لطاوس: تقول هذا لرجل فقيه! فقال: ~~إبليس أفقه منه، يقول إبليس: رب بما أغويتني. ويقول هذا: أنا أغوي نفسي. # الثالثة - قوله تعالى: (لأقعدن لهم صراطك المستقيم) أي بالصد عنه، وتزيين ~~الباطل حتى يهلكوا كما هلك، أو يضلوا كما ضل، أو يخيبوا كما خيب، حسب ما ~~تقدم من المعاني الثلاثة ف‍ " أغويتني ". والصراط المستقيم هو الطريق ~~الموصل إلى الجنة. و " صراطك " منصوب على حذف " على " أو " في " من قوله: " ~~صراطك المستقيم "، كما حكى سيبويه " ضرب زيد الظهر والبطن ". وأنشد: # لدن بهز الكف يعسل متنه * فيه كما عسل الطريق الثعلب (4) # PageV07P175 # ومن أحسن ما قيل في تأويل (ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن ~~أيمانهم وعن شمائلهم) أي لأصدنهم (1) عن الحق، وأرغبنهم في الدنيا، وأشككهم ~~في الآخرة. وهذا غاية في الضلالة. كما قال: " ولأضلنهم (2) " حسب ما تقدم. ~~وروى سفيان عن منصور عن الحكم بن عتيبة: " من بين أيديهم " من دنياهم. " ~~ومن خلفهم " من آخرتهم. " وعن أيمانهم " يعني حسناتهم. " وعن شمائلهم " ~~يعني سيئاتهم. قال النحاس: وهذا قول حسن وشرحه: ms2567 أن معنى " ثم لآتينهم من ~~بين أيديهم " من دنياهم، حتى يكذبوا بما فيها (3) من الآيات وأخبار الأمم ~~السالفة " ومن خلفهم " من آخرتهم حتى يكذبوا بها. " وعن أيمانهم " من ~~حسناتهم وأمور دينهم. ويدل على هذا قوله: " إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين ". # " وعن شمائلهم " يعني سيئاتهم، أي يتبعون الشهوات، لأنه يزينها لهم. (ولا ~~تجد أكثرهم شاكرين) أي موحدين طائعين مظهرين الشكر. # قوله تعالى: قال اخرج منها مذؤما مدحورا لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم ~~أجمعين قوله تعالى: (قال اخرج منها) أي من الجنة. (مذءوما مدحورا) " مذءوما ~~" أي مذموما. والذأم: العيب، بتخفيف (4) الميم. قال ابن زيد: مذءوما ~~ومذموما سواء، يقال: ذأمته وذممته وذمته بمعنى واحد. وقرأ الأعمش " مذوما ~~". والمعنى واحد، إلا أنه خفف الهمزة. وقال مجاهد: المذءوم المنفي. ~~والمعنيان متقاربان. والمدحور: المبعد المطرود، عن مجاهد وغيره. وأصله ~~الدفع. (لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين) اللام لام القسم، والجواب ~~" لأملأن جهنم ". وقيل: " لمن تبعك " لام توكيد. # " لأملأن " لام قسم. والدليل على هذا أنه يجوز في غير القراءة حذف اللام ~~الأولى، ولا يجوز # PageV07P176 # حذف الثانية. وفي الكلام معنى الشرط والمجازاة، أي من تبعك عذبته. ولو ~~قلت: من تبعك أعذبه لم يجز، إلا أن تريد لأعذبه. وقرأ عاصم من رواية أبي ~~بكر بن عياش " لمن تبعك منهم " بكسر اللام. وأنكره بعض النحويين. قال ~~النحاس: وتقديره - والله أعلم - من أجل من تبعك. كما يقال: أكرمت فلانا لك. ~~وقد يكون المعنى: الدحر لمن تبعك. # ومعنى " منكم أجمعين " أي منكم ومن بني آدم، لأن ذكرهم قد جرى إذ قال: " ~~ولقد خلقناكم " خاطب ولد آدم. # قوله تعالى: ويا آدم أسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا ~~هذه الشجرة فتكونا من الظالمين (91) قال لآدم بعد إخراج إبليس من موضعه من ~~السماء: أسكن أنت وحواء الجنة. وقد تقدم في البقرة (1) معنى الإسكان، فأغنى ~~عن إعادته. وقد تقدم معنى ولا تقربا هذه الشجرة هناك. والحمد لله. # قوله تعالى: فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ورى عنهما من سوأتهما وقال ms2568 ~~ما نهاكما ربكما عن هذه الشجة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخلدين قوله ~~تعالى: (فوسوس لهما الشيطان) أي إليهما. قيل: داخل الجنة بإدخال الحية إياه ~~وقيل: من خارج بالسلطنة (2) التي جعلت له. وقد مضى هذا في البقرة. # والوسوسة: الصوت الخفي. والوسوسة: حديث النفس يقال: وسوست إليه نفسه ~~وسوسه ووسواسا (بكسر الواو). والوسواس (بالفتح): اسم مثل الزلزال. ويقال ~~لهمس الصائد والكلاب وأصوات الحلي: وسواس. قال الأعشى: # PageV07P177 # تسمع للحلي وسواسا إذا انصرفت * كما استعان بريح عشرق زجل (1) والوسواس: ~~اسم الشيطان قال الله تعالى: (من شر الوسواس الخناس (2)). (ليبدي لهما) أي ~~ليظهر لهما. واللام لام العاقبة كما قال (ليكون لهم عدوا وحزنا (3)) وقيل: ~~لام كي و (وورى) أي ستر وغطى عنهما. ويجوز في غير القرآن أورى مثل أقتت ومن ~~سوأتهما من (عوراتهما (4)) وسمعي الفرج عورة لأن إظهاره يسوء صاحبه. ودل ~~هذا على قبح كشفها فقيل: إنما بدت سوأتهما لهما لا لغيرهما كان عليهما نور ~~(5) لا ترى عوراتهما فزال النور. # وقيل: ثوب فتهافت (6)، والله أعلم. (إلا أن تكونا ملكين) (أن) في موضع ~~نصب، بمعنى إلا، كراهية أن فحذف المضاف. هذا قول البصريين. والكوفيون ~~يقولون: لئلا تكونا. # وقيل: أي إلا ألا تكونا ملكين تعلمان الخير والشر. وقيل طمع آدم في ~~الخلود لأنه علم أن الملائكة لا يموتون إلى يوم القيامة. قال النحاس: وبين ~~الله عز وجل فضل الملائكة على جميع الخلق في غير موضع من القرآن فمنها هذا ~~وهو (إلا أن تكونا ملكين). # ومنه (ولا أقول إني ملك (7)). ومنه (ولا الملائكة المقربون (8)). وقال ~~الحسن: فضل الله الملائكة بالصور. والأجنحة والكرامة. وقال غيره: فضلهم جل ~~وعز بالطاعة وترك المعصية، فلهذا يقع التفضيل في كل شئ. وقال ابن فورك. لا ~~حجة في هذه الآية، لأنه يحتمل أن يريد ملكين في ألا يكون لهما شهوة في ~~طعام. واختيار ابن عباس والزجاج وكثير من العلماء تفضيل المؤمنين على ~~الملائكة، وقد مضى في البقرة (9). وقال الكلبي: فضلوا على الخلائق كلهم، ~~غير طائفة من الملائكة: جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك ms2569 الموت، لأنهم من جملة ~~رسل الله. وتمسك كل فريق بظواهر من الشريعة، والفضل بيد الله. وقرأ ابن ~~عباس " ملكين " بكسر اللام، وهي قراءة يحيى بن أبي (10) كثير والضحاك. ~~وأنكر # PageV07P178 # أبو عمرو بن العلاء كسر اللام وقال: لم يكن قبل آدم صلى الله عليه وسلم. ~~ملك فيصيرا ملكين. قال النحاس: ويجوز على هذه القراءة إسكان اللام، ولا ~~يجوز على القراءة الأولى لخفة الفتحة. قال ابن عباس: أتاهما الملعون من جهة ~~الملك، ولهذا قال: " هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى (1) ". وزعم أبو ~~عبيد أن احتجاج يحيى بن أبي كثير بقوله: # " وملك لا يبلى " حجة بينة، ولكن الناس على تركها فلهذا تركناها. قال ~~النحاس: # " إلا أن تكون ملكين " قراءة شاذة. وقد أنكر على أبى عبيد هذا الكلام، ~~وجعل من الخطأ الفاحش. وهل يجوز أن يتوهم آدم عليه السلام أنه يصل إلى أكثر ~~من ملك الجنة، وهو غاية الطالبين. وإنما معنى " وملك لا يبلى " المقام في ~~ملك الجنة، والخلود فيه. # قوله تعالى: وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين (21) قوله تعالى: (وقاسمهما) ~~أي حلف لهما. يقال: أقسم إقساما، أي حلف. # قال الشاعر: # وقاسمها بالله جهدا لأنتم * ألذ من السلوى إذا ما نشورها (2) وجاء " ~~فاعلت " من واحد. وهو يرد على من قال: إن المفاعلة لا تكون إلا من اثنين. # وقد تقدم في المائدة. (إني لكما لمن الناصحين) ليس " لكما " داخلا في ~~الصلة. # والتقدير: إني ناصح لكما لمن الناصحين، قاله هشام النحوي. وقد تقدم مثله ~~في البقرة. # ومعنى الكلام: اتبعاني أرشدكما، ذكره قتادة. # قوله تعالى: فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوأتهما وطفقا ~~يخصفان عليهما من ورق الجنة وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة ~~وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين (22) قالا ربنا # PageV07P179 # ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين (23) قال ~~اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتع إلى حين (24) قوله تعالى: ~~(فدلاهما بغرور) أوقعهما في الهلاك. قال ابن عباس: غرهما باليمين. وكان يظن ~~آدم أنه لا يحلف أحد ms2570 بالله كاذبا، فغررهما بوسوسته وقسمه لهما. وقال قتادة: ~~حلف بالله لهما حتى خدعهما. وقد يخدع المؤمن بالله. كان بعض العلماء يقول: # من خادعنا بالله خدعنا. وفي الحديث عنه صلى: (المؤمن غر (1) كريم والفاجر ~~خب لئيم). وأنشد نفطويه: # إن الكريم إذا تشاء خدعته * وترى اللئيم مجربا لا يخدع " فدلاهما " يقال: ~~أدلى دلوه: أرسلها. ودلاها: أخرجها. وقيل: " دلاهما " أي دللهما، من الدالة ~~وهي الجرأة. أي جرأهما على المعصية فخرجا من الجنة. # قوله تعالى: (فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوأتهما وطفقا يخصفان عليها من ~~ورق الجنة) فيه ثلاث مسائل: الأولى - قوله تعالى: " فلما ذاقا الشجرة " أي ~~أكلا منها. وقد مضى في " البقرة " الخلاف في هذه الشجرة (2)، وكيف أكل آدم ~~منها. " بدت لهما سوآتهما " أكلت حواء أولا فلم يصبها شئ، فلما أكل آدم حلت ~~العقوبة، لأن النهي ورد عليهما كما تقدم في " البقرة (2) ". قال ابن عباس: ~~تقلص النور الذي كان لباسهما فصار أظفارا في الأيدي والأرجل. # الثانية - " وطفقا " ويجوز إسكان (3) الفاء. وحكى الأخفش طفق يطفق، مثل ~~ضرب يضرب. يقال: طفق، أي أخذ في الفعل. " يخصفان " وقرأ الحسن بكسر الخاء ~~وشد الصاد. والأصل " يختصفان " فأدغم، وكسر الخاء # PageV07P180 # وشد الصاد. والأصل يخصفان فأدغم وكسر الخاء لالتقاء الساكنين. وقرأ ابن ~~بريدة ويعقوب بفتح الخاء، ألقيا حركة التاء عليها. ويجوز " يخصفان " بضم ~~الياء، من خصف يخصف. # وقرأ الزهري " يخصفان " من أخصف. وكلاهما منقول بالهمزة أو التضعيف ~~والمعنى: يقطعان الورق ويلزقانه ليستترا به، ومنه خصف النعل. والخصاف الذي ~~يرقعها. # والمخصف المثقب. قال ابن عباس: هو ورق التين. ويروى أن آدم عليه السلام ~~لما بدت سوأته وظهرت عورته طاف على أشجار الجنة يسل (1) منها ورقة يغطي بها ~~عورته، فزجرته أشجار الجنة حتى رحمته شجرة التين فأعطته ورقة. " فطفقا " ~~يعني آدم وحواء " يخصفان عليهما من ورق الجنة " فكافأ الله التين بأن سوى ~~ظاهره وباطنه في الحلاوة والمنفعة وأعطاه ثمرتين في عام واحد مرتين. # الثالثة - وفي الآية دليل على قبح كشف العورة، وأن الله أوجب عليهما ~~الستر، ولذلك ابتدرا إلى سترها، ولا ms2571 يمتنع أن يؤمرا بذلك في الجنة، كما قيل ~~لهما: " ولا تقربا هذه الشجرة ". وقد حكى صاحب البيان عن الشافعي أن من لم ~~يجد ما يستر به عورته إلا ورق الشجر لزمه أن يستتر بذلك، لأنه سترة ظاهرة ~~يمكنه التستر بها، كما فعل آدم في الجنة. # والله أعلم. # قوله (2) تعالى: (وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما ~~إن الشيطان لكما عدو مبين. قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا ~~لنكونن من الخاسرين) أي قال لهما: ألم أنهكما. قالا ربنا نداء مضاف. والأصل ~~يا ربنا. وقيل. إن في حذف " يا " معنى التعظيم. فاعترفا بالخطيئة وتابا ~~(صلى الله عليهما وسلم (3)). وقد مضى في (البقرة (4)) ومعنى قوله: (قال ~~اهبطوا) تقدم أيضا إلى آخر الآية. # قوله تعالى: قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون (25) الضمائر كلها ~~للأرض. ولم يذكر الواو في " قال "، ولو ذكرها لجاز (5) أيضا. وهو كقولك: ~~قال زيد لعمرو كذا قال له كذا. # PageV07P181 # قوله تعالى: يا بني ادم قد أنزلنا عليكم لباسا يورى سوآتكم وريشا ولباس ~~التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون (26) فيه أربع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (يا بني آدم أنزلنا عليكم لباسا يوارى سوآتكم) قال ~~كثير من العلماء: هذه الآية دليل على وجوب ستر العورة، لأنه قال: " يواري ~~سوآتكم ". # وقال قوم إنه ليس فيها دليل على ما ذكروه، بل فيها دلالة على الإنعام ~~فقط. # قلت: القول الأول أصح. ومن جملة الإنعام ستر العورة، فبين أنه (سبحانه ~~وتعالى (1)) جعل لذريته ما يسترون به عوراتهم، ودل على الأمر بالستر. ولا ~~خلاف بين العلماء في وجوب ستر العورة عن أعين الناس. واختلفوا في العورة ما ~~هي؟ فقال ابن أبي ذئب: هي من الرجل الفرج نفسه، القبل والدبر دون غيرهما. ~~وهو قول داود وأهل الظاهر وابن أبي عبلة (2) والطبري، لقوله تعالى: " لباسا ~~يواري سوآتكم "، " بدت لهما سوآتهما "، " ليريهما سوآتهما ". وفي البخاري ~~عن أنس: " فأجرى (3) رسول الله صلى الله عليه وسلم في زقاق خيبر - وفيه - ~~ثم حسر (4) الإزار عن ms2572 فخذه حتى إني أنظر إلى بياض فخذ نبي الله صلى الله ~~عليه وسلم ". وقال مالك: السرة ليست بعورة، وأكره للرجل أن يكشف فخذه بحضرة ~~زوجته. # وقال أبو حنيفة: الركبة عورة. وهو قول عطاء. وقال الشافعي: ليست السرة ~~ولا الركبتان من العورة على الصحيح. وحكى أبو حامد الترمذي أن للشافعي في ~~السرة قولين. وحجة مالك قوله عليه السلام لجرهد: (غط فخذك فإن الفخذ عورة). ~~خرجه البخاري تعليقا وقال: # حديث أنس أسند (5)، وحديث جرهد أحوط حتى يخرج من اختلافهم. وحديث جرهد ~~هذا # PageV07P182 # يدل على خلاف ما قال أبو حنيفة. وروي أن أبا هريرة قبل سرة الحسن بن علي ~~وقال: # أقبل منك ما كان رسول الله صلى عليه وسلم يقبل منك. فلو كانت السرة عورة ~~ما قبلها أبو هريرة، ولا مكنه الحسن منها. وأما المرأة الحرة فعورة كلها ~~إلا الوجه والكفين. على هذا أكثر أهل العلم. وقد قال النبي صلى: (من أراد ~~أن يتزوج امرأة فلينظر إلى وجهها وكفيها). ولأن ذلك واجب كشفه في الإحرام. ~~وقال أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: كشئ من المرأة عورة حتى ~~ظفرها. وروي عن أحمد بن حنبل نحوه. وأما أم الولد فقال الأثرم: سمعته - ~~يعني أحمد بن حنبل - يسأل عن أم الولد كيف تصلي؟ فقال: تغطي رأسها وقدميها، ~~لأنها لا تباع، وتصلي كما تصلي الحرة. # وأما الأمة فالعورة منها ما تحت ثديها، ولها أن تبدي رأسها ومعصميها. ~~وقيل: حكمها حكم الرجل. وقيل: يكره لها كشف رأسها وصدرها. وكان عمر رضي ~~الله عنه يضرب الإماء على تغطيتهن رؤوسهن ويقول: لا تشبهن بالحرائر. وقال ~~أصبغ: إن انكشف فخذها أعادت الصلاة في الوقت. وقال أبو بكر بن عبد الرحمن ~~بن الحارث بن هشام: كل شئ من الأمة عورة حتى ظفرها. وهذا خارج عن أقوال ~~الفقهاء، لإجماعهم على أن المرأة الحرة لها أن تصلي المكتوبة ويداها ووجهها ~~مكشوف ذلك كله، تباشر الأرض به. فالأمة أولى، وأم الولد أغلظ حالا من ~~الأمة. والصبي الصغير لا حرمة لعورته. فإذا بلغت ms2573 الجارية إلى حد تأخذها ~~العين وتشتهي سترت عورتها. وحجة أبي بكر بن عبد الرحمن قول تعالى: " يا ~~أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن (1) ~~". وحديث أم سلمة أنها سئلت: ماذا تصلي فيه المرأة من الثياب؟ فقالت: تصلي ~~الدرع والخمار السابغ الذي يغيب ظهور قدميها. وقد روي مرفوعا. والذين ~~أوقفوه على أم سلمة أكثر وأحفظ، منهم مالك وابن إسحاق وغيرهما. قال أبو ~~داود: ورفعه عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن محمد بن زيد عن أمه (2) عن ~~أم سلمة أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم. # PageV07P183 # قال أبو عمر: عبد الرحمن هذا ضعيف عندهم، إلا أنه قد خرج البخاري بعض ~~حديثه. # والإجماع في هذا الباب أقوى من الخبر. # الثانية - قوله تعالى: " أنزلنا عليكم لباسا " يعني المطر الذي ينبت ~~القطن والكتان، ويقيم البهائم (1) الذي منها الأصواف والأوبار والأشعار، ~~فهو مجاز مثل " وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج (2) " على ما يأتي. ~~وقيل: هذا الإنزال إنزال شئ اللباس مع آدم وحواء، ليكون مثالا لغيره. وقال ~~سعيد بن جبير: " أنزلنا عليكم " (أي (3)) خلقنا لكم، كقوله: " وأنزل لكم من ~~الأنعام ثمانية أزواج " أي خلق. على ما يأتي. وقيل: ألهمناكم كيفية صنعته. # الثالثة - قوله تعالى: (وريشا) قرأ أبو عبد الرحمن والحسن وعاصم من رواية ~~المفضل الضبي، وأبو عمرو من رواية الحسين بن علي الجعفي " ورياشا ". ولم ~~يحكه أبو عبيد (4) إلا عن الحسن، ولم يفسر معناه. وهو جمع ريش. وهو ما كان ~~من المال واللباس. وقال الفراء: ريش ورياش، كما يقال: لبس ولباس. وريش ~~الطائر ما ستره الله به. وقيل: هو الخصب ورفاهية العيش. والذي عليه أكثر ~~أهل اللغة أن الريش ما ستر من لباس أو معيشة. وأنشد سيبويه: # فريشي منكم وهواي معكم * وإن كانت زياتكم لماما وحكى أبو حاتم عن أبي ~~عبيدة: وهت له دابة بريشها، أي بكسوتها وما عليها من اللباس. # الرابعة - قوله تعالى: (ولباس التقوى ذلك خير) بين أن التقوى خير لباس، ~~كما قال: # إذا المرء لم يلبس ثيابا ms2574 من التقى * تقلب عيانا وإن كان كاسيا وخير لباس ~~المرء طاعة ربه * ولا خير فيمن كان لله عاصيا وروى قاسم بن مالك عن عوف عن ~~معبد الجهني قال: " لباس التقوى " الحياء. # وقال ابن عباس: " لباس التقوى " هو العمل الصالح. وعنه أيضا: السمت الحسن # PageV07P184 # في الوجه. وقيل: ما علمه عز وجل وهدى به. وقيل: " لباس التقوى " لبس ~~الصوف والخشن من الثياب، مما يتواضع به لله تعالى ويتعبد له خير من غيره. ~~وقال زيد بن علي: # " لباس التقوى " الدرع والمغفر، والساعدان، والساقان، يتقى بهما في ~~الحرب. وقال عروة بن الزبير: هو الخشية لله. وقيل: هو استشعار تقوى الله ~~تعالى فيما أمر به ونهى عنه. # قلت: وهو الصحيح، وإليه يرجع قول ابن عباس وعروة. وقول زيد بن علي حسن، ~~فإنه خض على الجهاد. وقال ابن زيد: هو ستر العورة. وهذا فيه تكرار، إذ قال ~~أولا: # " قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم ". ومن قال: إنه لبس الخشن من ~~الثياب فإنه أقرب إلى التواضع وترك الرعونات فدعوى، فقد كان الفضلاء من ~~العلماء يلبسون الرفيع من الثياب مع حصول التقوى، على ما يأتي مبينا إن شاء ~~الله تعالى. وقرأ أهل المدينة والكسائي " لباس " بالنصب عطفا على " لباسا " ~~الأول. وقيل: انتصب بفعل مضمر، أي وأنزلنا لباس التقوى. والباقون بالرفع ~~على الابتداء. و " ذلك " نعته و " خير " خبر الابتداء. # والمعنى: ولباس التقوى المشار إليه، الذي علمتموه، خير لكم من لباس ~~الثياب التي تواري سوآتكم، ومن الرياش الذي أنزلنا إليكم، فألبسوه. وقيل: ~~ارتفع بإضمار هو، أي وهو لباس التقوى، أي هو ستر العورة. وعليه يخرج قول ~~ابن زيد. وقيل: المعنى ولباس التقوى هو خير، " فذلك " بمعنى هو. والإعراب ~~الأول أحسن ما قيل فيه. وقرأ الأعمش " ولباس التقوى خير " ولم يقرأ " ذلك ~~". وهو خلاف المصحف. (ذلك من آيات الله) أي مما يدل على أن له خالقا. و " ~~ذلك " رفع على الصفة، أو على البدل، أو عطف بيان. # قوله تعالى: يا بني ادم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ms2575 ~~ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوأتهما إنه يريكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم ~~إنا جعلنا الشيطان أولياء الذين لا يؤمنون (27) PageV07P185 # فيه مسألتان: الأولى - قوله تعالى: (لا يفتننكم) أي لا يصرفنكم الشيطان ~~عن الدين، كما فتن أبويكم بالإخراج من الجنة. " أب " للمذكر، و " أبة " ~~للمؤنث. فعلى هذا قيل: أبوان (ينزع عنهما لباسهما) في موضع نصب على الحال. ~~ويكون مستأنفا فيوقف على " من الجنة ". " ليريهما " نصب بلام كي. (إنه ~~يراكم هو وقبيله) الأصل يرءاكم ثم خففت الهمزة. وقبيله عطف على المضمر وهو ~~توكيد ليحسن العطف كقوله: # (أسكن أنت وزوجك الجنة) وهذا يدل على أنه يقبح رأيتك وعمرو، وأن المضمر ~~كالمظهر وفي هذا أيضا دليل على وجوب ستر العورة، لقوله: (ينزع عنهما ~~لباسهما). # قال الآخرون: إنما فيه التحذير من زوال النعمة، كما نزل بآدم. هذا أن لو ~~ثبت أن شرع آدم يلزمنا، والأمر بخلاف ذلك. # الثانية - قوله تعالى: (إنه يراكم هو وقبيله) " قبيله " جنوده. قال ~~مجاهد: # يعني الجن والشياطين. ابن زيد: " قبيله " نسله. وقيل: جيله. من حيث لا ~~ترونهم قال بعض العلماء: في هذا دليل على أن الجن لا يرون، لقوله " من حيث ~~لا ترونهم " قيل: جائز أن يروا، لأن الله تعالى إذا أراد أن يريهم كشف ~~أجسامهم حتى ترى. # قال النحاس: " من حيث لا ترونهم " يدل على أن الجن لا يرون إلا في وقت ~~نبي، ليكون ذلك دلالة على نبوته، لأن الله جل وعز خلقهم خلقا لا يرون فيه، ~~وإنما يرون إذا نقلوا عن صورهم. وذلك من المعجزات التي لا تكون إلا في وقت ~~الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم. قال القشيري: أجرى الله العادة بأن بني ~~آدم لا يرون الشياطين اليوم. # وفي الخبر (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم). وقال تعالى: " الذي ~~يوسوس في صدور الناس (1) ". وقال عليه السلام: (إن للملك لمة وللشيطان لمة ~~- أي بالقلب - فأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق وأما لمة الشيطان ~~فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق). وقد تقدم # PageV07P186 # في البقرة (1). وقد جاء في رؤيتهم أخبار صحيحة. ms2576 وقد خرج البخاري عن أبي ~~هريرة قال: # وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان، وذكر قصة طويلة، ~~ذكر فيها أنه أخذ الجني الذي كان يأخذ التمر، وأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال له: (ما فعل أسيرك البارحة). وفي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # (والله لولا دعوة أخي سليمان لأصبح موثقا يلعب به ولدان أهل المدينة) - ~~في العفريت الذي تفلت (2) عليه. وسيأتي في " ص " إن (3) شاء الله تعالى. ~~(إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون) أي زيادة في عقوبتهم وسوينا ~~بينهم في الذهاب عن الحق. قوله تعالى: وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها ~~آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله مالا ~~تعلمون (28) الفاحشة هنا في قول كثر المفسرين طوافهم بالبيت عراة. وقال ~~الحسن: هي الشرك والكفر. واحتجوا على ذلك بتقليدهم أسلافهم، وبأن الله ~~أمرهم بها. وقال الحسن: # " والله أمرنا بها " قالوا: لو كره الله ما نحن عليه لنقلنا عنه. (قل إن ~~الله لا يأمر بالفحشاء) بين أنهم متحكمون، ولا دليل لهم على أن الله أمرهم ~~بما ادعوا. وقد مضى ذم التقليد وذم كثير من جهالاتهم. وهذا منها. # قوله تعالى: قل أمر ربى بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين ~~له الدين كما بدأكم تعودون فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا ~~الشيطان أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون (30) # PageV07P187 # قوله تعالى: (قل أمر ربى بالقسط) قال ابن عباس: لا إله إلا الله. وقيل: # القسط العدل، أي أمر: العدل فأطيعوه. ففي الكلام حذف. (وأقيموا وجوهكم) ~~أي توجهوا إليه في كل صلاة إلى القبلة. (عند كل مسجد) أي في أي مسجد كنتم. # (وادعوا مخلصين له) الدين أي وحدوه ولا تشركوا به. (كما بدأكم تعودون) ~~نظيره " ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة (1) " وقد تقدم. والكاف في ~~موضع نصب، أي تعودون كما بدأكم، أي كما خلقكم أول مرة يعيدكم. وقال الزجاج: ~~هو متعلق بما قبله. # أي ومنها تخرجون ms2577 كما بدأكم تعودون. (فريقا هدى) " فريقا " نصب على الحال ~~من المضمر في " تعودون " أي تعودون فريقين: سعداء، وأشقياء. يقوي هذا قراءة ~~أبي " تعودون فريقين فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة "، عن الكسائي. ~~وقال محمد بن (2) كعب القرظي في قوله تعالى " فريقا هدى وفريقا حق عليهم ~~الضلالة " قال: من ابتدأ الله خلقه للضلالة صيره إلى الضلالة، وإن عمل ~~بأعمال الهدى. ومن ابتدأ الله خلقه على الهدى صيره إلى الهدى، وإن عمل ~~بأعمال الضلالة. ابتدأ الله خلق إبليس على الضلالة، وعمل بأعمال السعادة مع ~~الملائكة، ثم رده الله إلى ما ابتدأ عليه خلقه. قال: " وكان من الكافرين " ~~وفي هذا رد واضح على القدرية ومن تابعهم. وقيل: " فريقا " نصب " بهدى "، " ~~وفريقا " الثاني نصب بإضمار فعل، أي وأضل فريقا. وأنشد سيبويه: # أصبحت لا أحمل السلاح ولا * أملك رأس البعير إن نفرا والذئب أخشاه إن ~~مررت به * وحدي وأخشى الرياح والمطرا (3) قال الفراء: ولو كان مرفوعا (4) ~~لجاز. (إنهم اتخذوا الشيطان أولياء من دون الله) وقرأ عيسى بن عمر: " أنهم ~~" ب‍ الهمزة، يعني لأنهم. # قوله تعالى: يا بني ادم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا ~~تسرفوا إنه لا يحب المسرفين (31) # PageV07P188 # فيه سبع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (يا بني آدم) هو خطاب لجميع العالم، وإن كان ~~المقصود بها من كان يطوف من العرب بالبيت عريانا، فإنه عام في كل مسجد ~~للصلاة. لأن العبرة للعموم لا! للسبب. ومن العلماء من أنكر أن يكون المراد ~~به الطواف، لأن الطواف لا يكون إلا في مسجد واحد، والذي يعم كل مسجد هو ~~الصلاة. وهذا قول من خفي عليه مقاصد الشريعة. وفي صحيح مسلم عن ابن عباس ~~قال: كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة وتقول: من يعيرني تطوافا (1)؟ ~~تجعله على فرجها. وتقول: # اليوم يبدو بعضه أو كله * وما بدا منه فلا أحله فنزلت هذه الآية " خذوا ~~زينتكم عند كل مسجد " التطواف (بكسر التاء). وهذه المرأة هي ضباعة بنت عامر ~~بن قرط، قاله القاضي عياض. وفي صحيح مسلم أيضا عن هشام ms2578 بن عروة عن أبيه ~~قال: كانت العرب تطوف بالبيت عراة إلا الحمس (2)، والحمس قريش وما ولدت، ~~كانوا يطوفون بالبيت عراة إلا أن تعطيهم الحمس ثيابا فيعطي الرجال الرجال ~~والنساء النساء. وكانت الحمس لا يخرجون من المزدلفة، وكان الناس كلهم يقفون ~~بعرفات (3). # في غير مسلم: ويقولون نحن أهل الحرم، فلا ينبغي لأحد من العرب أن يطوف ~~إلا في ثيابنا، ولا يأكل إذا دخل أرضنا إلا من طعامنا. فمن لم يكن له من ~~العرب صديق بمكة يعيره ثوبا ولا يسار يستأجره به كان بين أحد أمرين: إما أن ~~يطوف بالبيت عريانا، وإما أن يطوف في ثيابه، فإذا فرغ من طوافه ألقى ثوبه ~~عنه فلم يمسه أحد. وكان ذلك الثوب يسمى اللقى، قال قائل من العرب: # كفى حزنا كري عليه كأنه * لقي بين أيدي الطائفين حريم فكانوا على تلك ~~الجهالة والبدعة والضلالة حتى بعث الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم، ~~فأنزل الله تعالى: " يا بني آدم خذوا زينتكم " الآية (4). وأذن مؤذن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ألا لا يطوف بالبيت عريان. # PageV07P189 # قلت: ومن قال بأن المراد الصلاة فزينتها النعال، لما رواه كرز بن وبرة عن ~~عطاء عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ذات يوم: (خذوا ~~زينة الصلاة) قيل: # وما زينة الصلاة؟ قال: (البسوا نعالكم فصلوا فيها). # الثانية - دلت الآية على وجوب ستر العورة كما تقدم. وذهب جمهور أهل العلم ~~إلى أنها فرض من فروض الصلاة. وقال الأبهري هي فرض في الجملة، وعلى الإنسان ~~أن يسترها عن أعين الناس في الصلاة وغيرها. وهو الصحيح، لقوله عليه السلام ~~للمسور بن مخرمة: (أرجع إلى ثوبك فخذه ولا تمشوا عراة). أخرجه مسلم. وذهب ~~إسماعيل القاضي إلى أن ستر العورة من سنن الصلاة، وأحتج بأنه لو كان فرضا ~~في الصلاة لكان العريان لا يجوز له أن يصلي، لأن كل شئ من فروض الصلاة يجب ~~الإتيان به مع القدرة عليه، أو بدله مع عدمه، أو تسقط الصلاة جملة، وليس ~~كذلك. قال ابن ms2579 العربي: وإذا قلنا إن ستر العورة فرض في الصلاة فسقط ثوب ~~إمام فانكشف دبره وهو راكع فرفع رأسه فغطاه أجزأه، قاله ابن القاسم. وقال ~~سحنون: وكل من نظر إليه من المأمومين أعاد. وروي عن سحنون أيضا: أنه يعيد ~~ويعيدون، لأن ستر العورة شرط من شروط الصلاة، فإذا ظهرت بطلت الصلاة. أصله ~~الطهارة. قال القاضي ابن العربي: أما من قال، إن صلاتهم لا تبطل فإنهم لم ~~يفقدوا شرطا، وأما من قال إن أخذه مكانه صحت صلاته وتبطل صلاة من نظر إليه ~~فصحيفة يجب محوها ولا يجوز الاشتغال بها. وفي البخاري والنسائي عن عمرو بن ~~سلمة قال: لما رجع قومي من عند النبي صلى الله عليه وسلم قالوا قال: ~~(ليؤمكم أكثركم قراءة للقرآن). قال: فدعوني فعلموني الركوع والسجود، فكنت ~~أصلي بهم وكانت علي بردة مفتوقة، وكانوا يقولون لأبي: ألا تغطي عنا است ~~ابنك. لفظ النسائي. وثبت عن سهل بن سعد قال: لقد كانت الرجال عاقدي أزرهم ~~في أعناقهم من ضيق الأزر خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة ~~كأمثال الصبيان، فقال قائل: يا معشر النساء، لا ترفعن رؤوسكن حتى ترفع ~~الرجال. أخرجه البخاري والنسائي وأبو داود. PageV07P190 # الثالثة - واختلفوا إذا رأى عورة نفسه، فقال الشافعي: إذا كان الثوب ضيقا ~~يزره أو يخلله بشئ لئلا يتجافى القميص فترى من الجيب العورة، فإن لم يفعل ~~ورأى عورة نفسه أعاد الصلاة. وهو قول أحمد. ورخص مالك في الصلاة في القميص ~~محلول الأزرار، ليس عليه سراويل. وهو قول أبي حنيفة وأبي ثور. وكان سالم ~~يصلي محلول الأزرار. # وقال داود الطائي: إذا كان عظيم اللحية فلا بأس به. وحكى معناه الأثرم عن ~~أحمد. # فإن كان إماما فلا يصلي إلا بردائه، لأنه من الزينة. وقيل: من الزينة ~~الصلاة في النعلين، رواه أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يصح. وقيل: ~~زينة الصلاة رفع الأيدي في الركوع وفي الرفع منه. قال أبو عمر: لكل شئ زينة ~~وزينة الصلاة التكبير ورفع الأيدي. # وقال عمر رضي الله عنه: إذا ms2580 وسع الله عليكم فأوسعوا على أنفسكم، جمع رجل ~~عليه ثيابه، صلى في إزار (1) ورداء، في إزار وقميص، في إزار وقباء، في ~~سراويل ورداء، في سراويل وقميص، في سراويل وقباء - (2) وأحسبه قال: في تبان ~~(3) وقميص - في تبان ورداء، في تبان وقباء. رواه البخاري والدارقطني. # الرابعة - قوله تعالى: (وكلوا واشربوا ولا تسرفوا) قال ابن عباس: أحل ~~الله في هذه الآية الأكل والشرب ما لم يكن سرفا أو مخيلة (4). فأما ما تدعو ~~الحاجة إليه، وهو ما سد الجوعة وسكن الظمأ، فمندوب إليه عقلا وشرعا، لما ~~فيه من حفظ النفس وحراسة الحواس، ولذلك ورد الشرع بالنهي عن الوصال، لأنه ~~يضعف الجسد ويميت النفس، ويضعف عن العبادة، وذلك يمنع منه الشرع وتدفعه ~~العقل. وليس لمن منع نفسه قدر الحاجة حظ من بر ولا نصيب من زهد، لأن ما ~~حرمها من فعل الطاعة بالعجز والضعف أكثر ثوابا وأعظم أجرا. وقد اختلف في ~~الزائد على قدر الحاجة على قولين: فقيل حرام، وقيل مكروه. قال ابن العربي: ~~وهو الصحيح، فإن قدر الشبع يختلف باختلاف البلدان والأزمان # PageV07P191 # والأسنان والطعمان. ثم قيل: في قلة الأكل منافع كثيرة، منها أن يكون ~~الرجل أصح جسما وأجود حفظا وأزكى فهما وأقل نوما وأخف نفسا. وفي كثرة الأكل ~~كظ المعدة ونتن التخمة (1)، ويتولد منه الأمراض المختلفة، فيحتاج من العلاج ~~أكثر مما يحتاج إليه القليل الأكل. وقال بعض الحكماء: أكبر الدواء تقدير ~~الغذاء. وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى بيانا شافيا يغني عن ~~كلام الأطباء فقال: (ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن بحسب ابن آدم لقيمات يقمن ~~صلبه فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه). # خرجه الترمذي من حديث المقدام بن معدي كرب. قال علماؤنا: لو سمع بقراط ~~هذه القسمة لعجب من هذه الحكمة. ويذكر أن الرشيد كان له طبيب نصراني حاذق ~~فقال لعلي بن الحسين: ليس في كتابكم من علم الطب شئ، والعلم علمان: علم ~~الأديان وعلم الأبدان. # فقال له علي: قد جمع الله الطب كله في ms2581 نصف آية من كتابنا. فقال له: ما ~~هي؟ قال قوله عز وجل: " وكلوا وأشربوا ولا تسرفوا ". فقال النصراني: ولا ~~يؤثر عن رسولكم شئ من الطب. فقال علي: جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الطب في ألفاظ يسيرة (2). قال: # ما هي؟ قال: (المعدة بيت الأدواء والحمية رأس كل دواء وأعط كل جسد ما ~~عودته). # فقال النصراني: ما ترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طبا. # قلت: ويقال إن معالجة المريض نصفان: نصف دواء ونصف حمية: فإن اجتمعا ~~فكأنك بالمريض قد برأ وصح. وإلا فالحمية به أولى، إذ ينفع دواء مع ترك ~~الحمية. ولقد تنفع الحمية مع ترك الدواء. ولقد قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: (أصل كل دواء الحمية). والمعني بها - والله أعلم - أنها تغني عن كل ~~دواء، ولذلك يقال: إن الهند جل معالجتهم الجمية، يمتنع المريض عن الأكل ~~والشراب والكلام عدة أيام فيبرأ ويصح. # الخامسة - روى مسلم عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: (الكافر يأكل في سبعة أمعاء والمؤمن يأكل في معي واحد). وهذا منه صلى ~~الله # PageV07P192 # عليه وسلم حض على التقليل من الدنيا والزهد فيها والقناعة بالبلغة. وقد ~~كانت العرب تمتدح بقلة الأكل وتذم بكثرته. كما قال قائلهم: # تكفيه فلذة كبد إن ألم بها * من الشواء ويروي شربه الغمر (1) وقالت أم ~~زرع في ابن (2) أبي زرع: ويشبعه ذراع الجفرة (3). وقال حاتم الطائي يذم ~~بكثرة الأكل: # فإنك إن أعطيت بطنك سؤله * وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا (4) وقال الخطاب: ~~معنى قوله (صلى الله (5) عليه وسلم): المؤمن يأكل في معي واحد أنه يتناول ~~دون شبعه، ويؤثر على نفسه ويبقي من زاده لغيره، فيقنعه ما أكل. والتأويل ~~الأول أولى والله أعلم. وقيل في قوله عليه السلام: (والكافر يأكل في سبعة ~~أمعاء) ليس على عمومه، لأن المشاهدة تدفعه، فإنه قد يوجد كافر أقل أكلا من ~~مؤمن، ويسلم الكافر فلا يقل أكله ولا يزيد. وقيل: هو إشارة إلى معين. ضاف ~~النبي صلى الله عليه وسلم ضيف كافر يقال: إنه ms2582 الجهجاه الغفاري. وقيل: ثمامة ~~بن أثال. وقيل: نضلة بن عمرو الغفاري. وقيل: بصرة بن أبي بصرة الغفاري. ~~فشرب حلاب سبع شياه، ثم إنه أصبح فأسلم فشرب حلاب شاة فلم يستتمه، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم ذلك. فكأنه قال: هذا الكافر. والله أعلم. وقيل: ~~إن القلب لما تنور بنور التوحيد نظر إلى الطعام بعين التقوى على الطاعة، ~~فأخذ منه قدر الحاجة، وحين كان مظلما بالكفر كان أكله كالبهيمة ترتع حتى ~~تثلط (6). # واختلف في هذه الأمعاء، هل هي حقيقة أم لا؟ فقبل حقيقة، ولها أسماء ~~معروفة عند أهل العلم بالطب والتشريح. وقيل: هي كنايات عن أسباب سبعة يأكل ~~بها النهم: # يأكل للحاجة والخبر (7) والشم والنظر واللمس والذوق ويزيد استغناما (8). ~~وقيل: المعنى أن يأكل أكل من له سبعة أمعاء. والمؤمن بخفة أكله يأكل أكل من ~~ليس له إلا معي واحد، # PageV07P193 # فيشارك الكافر بجزء من أجزاء أكله، ويزيد الكافر عليه بسبعة أمثال. ~~والمعى في هذا الحديث هو المعدة. # السادسة - وإذا تقرر هذا فأعلم أنه يستحب للإنسان غسل اليد قبل الطعام ~~وبعده، لقوله عليه السلام: (الوضوء قبل الطعام وبعده بركة). وكذا في ~~التوراة. رواه زاذان عن سلمان. وكان مالك يكره غسل اليد النظيفة. والاقتداء ~~بالحديث أولى. ولا يأكل طعاما حتى يعرف أحارا هو أم باردا؟ فإنه إن كان ~~حارا فقد يتأذى. وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أبردوا ~~بالطعام فإن الحار غير ذي بركة) حديث صحيح. وقد تقدم في البقرة ولا يشمه ~~فإن ذلك من عمل البهائم، بل إن اشتهاه أكله، وإن كرهه تركه، ويصغر اللقمة ~~ويكثر مضغها لئلا يعد شرها. ويسمي الله تعالى في أوله ويحمده في آخره. ولا ~~ينبغي أن يرفع صوته بالحمد إلا أن يكون جلساؤه قد فرغوا من الأكل، لأن في ~~رفع الصوت منعا لهم من الأكل. وآداب الأكل كثيرة، هذه جملة منها. وسيأتي ~~بعضها في سورة " هود (1) " إن شاء الله تعالى. وللشراب أيضا آداب معروفة، ~~تركنا ذكرها لشهرتها. وفي صحيح مسلم عن ابن عمر أن ms2583 رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: (إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه وإذا شرب فليشرب بيمينه فإن ~~الشيطان يأكل بشمال ويشرب بشماله). # السابعة - قوله تعالى: " ولا تسرفوا " أي في كثرة الأكل، وعنه يكون كثرة ~~الشرب، وذلك يثقل المعدة، ويثبط الإنسان عن خدمة ربه، والأخذ بحظه من نوافل ~~الخير. # فإن تعدى ذلك إلى ما فوقه مما يمنعه القيام الواجب عليه حرم عليه، وكان ~~قد أسرف في مطعمه ومشربه. روى أسد بن موسى من حديث عون بن أبي جحيفة عن ~~أبيه قال: أكلت ثريدا بلحم سمين، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم وأنا ~~أتجشى (2)، فقال: (اكفف عليك من جشائك أبا جحيفة فإن أكثر الناس شبعا في ~~الدنيا أطولهم جوعا يوم القيامة). فما أكل أبو جحيفة بملء ء بطنه حتى فارق ~~الدنيا، وكان إذا تغدى لا يتعشى، وإذا تعشى لا يتغدى. # PageV07P194 # قلت: وقد يكون هذا معنى قوله عليه السلام: (المؤمن يأكل في معي واحد) أي ~~التام الإيمان، لأن من حسن إسلامه وكمل إيمانه كأبي جحيفة تفكر فيما يصير ~~إليه من أمر الموت وما بعده، فيمنعه الخوف والإشفاق من تلك الأهوال من ~~استيفاء شهواته. والله أعلم. # وقال ابن زيد: معنى " ولا تسرفوا " لا تأكلوا حراما. وقيل: (من السرف أن ~~تأكل كل ما اشتهيت). رواه أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم، خرجه ~~ابن ماجة في سننه. وقيل: من الإسراف الأكل بعد الشبع. وكل ذلك محظور. وقال ~~لقمان لابنه: # يا بني لا تأكل شبعا فوق شبع، فإنك إن تنبذه (1) للكلب خير من أن تأكله. ~~وسأل سمرة بن جندب عن ابنه ما فعل؟ قالوا: بشم البارحة. قال: بشم! فقالوا: ~~نعم. قال: أما إنه لو مات ما صليت عليه. وقيل: إن العرب في الجاهلية كانوا ~~لا يأكلون دسما في أيام حجهم، ويكتفون باليسير من الطعام، ويطوفون عراة. ~~فقيل لهم: " خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا " في تحريم ~~ما لم يحرم عليكم. # قوله تعالى: قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات ms2584 من الرزق قل ~~هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيمة كذلك نفصل الآيات لقوم ~~يعلمون فيه أربع مسائل: الأولى - قوله تعالى: (قل من حرم زينة الله) بين ~~أنهم حرموا من تلقاء أنفسهم ما لم يحرمه الله عليهم. والزينة هنا الملبس ~~الحسن، إذا قدر عليه صاحبه. وقيل: جميع الثياب، كما روي عن عمر: إذا وسع ~~الله عليكم فأوسعوا. وقد تقدم. وروي عن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ~~شيخ مالك رضي الله عنهم أنه كان يلبس كساء خز بخمسين دينارا، يلبسه في ~~الشتاء، فإذا كان في الصيف تصدق به، أو باعه فتصدق بثمنه، وكان يلبس في ~~الصيف # PageV07P195 # ثوبين من متاع بمصر ممشقين (1) ويقول: " قل من حرم زينة الله التي أخرج ~~لعباده والطيبات من الرزق ". # الثانية - وإذا كان هذا فقد دلت الآية على لباس الرفيع من الثياب، ~~والتجمل بها في الجمع والأعياد، وعند لقاء الناس ومزاورة الإخوان. قال أبو ~~العالية: كان المسلمون إذا تزاوروا تجملوا. وفي صحيح مسلم من حديث عمر بن ~~الخطاب أنه رأى حلة سيراء (2) تباع عند باب المسجد، فقال: يا رسول الله، لو ~~اشتريتها ليوم الجمعة وللوفود إذا قدموا عليك؟ فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: (إنما يلبس هذا من لأخلاق له في الآخرة). فما أنكر عليه ذكر ~~التجمل، فما أنكر عليه ذكر التجمل، وإنما أنكر عليه كونها سيراء. وقد اشترى ~~تميم الداري حلة بألف درهم كان يصلي فيها. وكان مالك بن دينار يلبس الثياب ~~العدنية الجياد. وكان ثوب أحمد بن حنبل يشترى بنحو الدينار. أين هذا ممن ~~يرغب عنه ويؤثر لباس الخشن من الكتان والصوف من الثياب. ويقول: " ولباس ~~التقوى ذلك خير " هيهات! أترى من ذكرنا تركوا لباس التقوى، لا والله! بل هم ~~أهل التقوى وأولو المعرفة والنهى، وغيرهم أهل دعوى، وقلوبهم خالية من ~~التقوى. قال خالد بن شوذب: شهدت الحسن وأتاه فرقد، فأخذه الحسن بكسائه فمده ~~إليه وقال: يا فريقد، يا بن أم فريقد، إن البر ليس في هذا الكساء، إنما ~~البر ms2585 ما وقر في الصدر وصدقه العمل. ودخل أبو محمد ابن أخي معروف الكرخي على ~~أبي الحسن بن يسار (3) وعليه جبة صوف، فقال له أبو الحسن: يا أبا محمد، ~~صوفت قلبك أو جسمك؟ صوف قلبك والبس القوهي على القوهي (4). وقال رجل ~~للشبلي: قد ورد جماعة من أصحابك وهم في الجامع، فمضى فرأى عليهم المرقعات ~~والفوط، فأنشأ يقول: # أما الخيام فإنها كخيامهم * وأرى نساء الحي غير نسائه # PageV07P196 # قال أبو الفرج بن الجوزي رحمه الله: وأنا أكره ليس الفوط والمرقعات ~~لأربعة أوجه: # أحدها: أنه ليس من لبس السلف، وإنما كانوا يرقعون ضرورة. والثاني: أنه ~~يتضمن ادعاء الفقر، وقد أمر الإنسان أن يظهر أثر نعم (1) الله عليه. ~~والثالث - إظهار التزهد، وقد أمرنا بستره. والرابع - أنه تشبه بهؤلاء ~~المتزحزحين عن الشريعة. ومن تشبه بقوم فهو منهم وقال الطبري: ولقد أخطأ من ~~أثر لباس الشعر والصوف على لباس القطن والكتان مع وجود السبيل إليه من حله. ~~ومن أكل البقول والعدس وأختاه على خبز البر. ومن ترك أكل اللحم خوفا من ~~عارض شهوة النساء. وسئل بشر بن الحارث عن لبس الصوف، فشق عليه وتبينت ~~الكراهة في وجهه ثم قال: لبس الخزز والمعصفر أحب إلي من لبس الصوف في ~~الأمصار. # وقال أبو الفرج: وقد كان السلف يلبسون الثياب المتوسطة، لا المترفعة ولا ~~الدون، ويتخيرون أجودها للجمعة والعيد وللقاء الإخوان، ولم يكن تخير الأجود ~~عندهم قبيحا. وأما اللباس الذي بزري بصاحبه فإنه يتضمن إظهار الزهد وإظهار ~~الفقر، وكأنه لسان شكوى من الله تعالى، ويوجب احتقار اللابس، وكل ذلك مكروه ~~منهي عنه. فإن قال قائل تجويد اللباس هوى النفس وقد أمرنا بمجاهدتها، وتزين ~~للخلق وقد أمرنا أن تكون أفعالنا لله لا للخلق. فالجواب ليس كل ما تهواه ~~النفس يذم، وليس كل ما يتزين به للناس يكره، وإنما ينهي عن ذلك إذا كان ~~الشرع قد نهى عنه أو على وجه الرياء في باب الدين. فإن الإنسان يجب أن يرى ~~جميلا. # وذلك حظ للنفس لا يلام فيه. ولهذا يسرح شعره وينظر في ms2586 المرآة ويسوي ~~عمامته ويلبس بطانة الثوب الخشنة إلى داخل وظهارته الحسنة إلى خارج. وليس ~~في شئ من هذا ما يكره ولا يذم. وقد روى مكحول عن عائشة قالت: كان نفر من ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظرونه على الباب، فخرج يريدهم، وفي ~~الدار ركوة فيها ماء، فجعل ينظر في الماء ويسوي لحيته وشعره. فقلت: يا رسول ~~الله، وأنت تفعل هذا؟ قال: (نعم إذا خرج الرجل إلى إخوانه فليهيئ من نفسه ~~فإن الله جميل يحب الجمال). وفي صحيح. مسلم عن ابن مسعود عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر). # PageV07P197 # فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة. قال: (إن الله ~~جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس). والأحاديث في هذا المعنى ~~كثيرة، تدل كلها على النظافة وحسن الهيئة. وقد روى محمد بن سعد أخبرنا ~~الفضل بن دكين قال حدثنا مندل عن ثور عن خالد بن معدان قال: كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يسافر بالمشط والمرآة والدهن والسواك والكحل. وعن ابن ~~جريج: مشط عاج يمتشط به. قال ابن سعد: وأخبرنا قبيصة بن عقبة قال حدثنا ~~سفيان عن ربيع بن صبيح عن يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يكثر دهن رأسه ويسرح لحيته بالماء. أخبرنا يزيد بن ~~هارون حدثنا عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس قال: كانت لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مكحلة يكتحل بها عند النوم ثلاثا في كل عين. # الثالثة - قوله تعالى: (والطيبات من الرزق) الطيبات اسم عام لما طاب كسبا ~~وطعما. قال ابن عباس وقتادة: يعني بالطيبات من الرزق ما حرم أهل الجاهلية ~~من البحائر والسوائب والوصائل والحوامي. وقيل: هي كل مستلذ من الطعام. وقد ~~اختلف في ترك الطيبات والإعراض عن اللذات، فقال قوم: ليس ذلك من القربات، ~~والفعل والترك يستوي في المباحات. وقال آخرون: ليس قربة في ذاته، وإنما ms2587 هو ~~سبيل إلى الزهد في الدنيا، وقصر الأمل فيها، وترك التكلف لأجلها، وذلك ~~مندوب إليه، والمندوب قربة. وقال آخرون: # ونقل عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قوله: لو شئنا لاتخذنا صلاء وصلائق ~~وصنابا، ولكني سمعت الله تعالى يذم أقواما فقال: " أذهبتم طيباتكم في ~~حياتكم الدنيا (1) " ويروى " صرائق " بالراء، وهما جميعا الجرادق (2). ~~والصلائق (باللام): ما يلصق من اللحوم والبقول. # والصلاء (بكسر الصاد والمد): الشواء: والصناب: الخردل بالزبيب. وفرق ~~آخرون بين حضور ذلك كله بكلفة وبغير كلفة. قال أبو الحسن علي بن المفضل ~~المقدسي شيخ أشياخنا: # وهو الصحيح إشاء الله عز وجل، فإنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه امتنع من # PageV07P198 # طعام لأجل طيبه قط، بل كان يأكل الحلوى والعسل والبطيخ والرطب، وإنما ~~يكره التكلف لما فيه من التشاغل بشهوات الدنيا عن مهمات الآخرة. والله ~~تعالى أعلم. # قلت: وقد كره بعض الصوفية أكل الطيبات، واحتج بقول عمر رضي الله عنه: ~~إياكم واللحم فإن له ضراوة كضرواة (1) الخمر. والجواب أن هذا من عمر قول ~~خرج على من خشي منه إيثار التنعم في الدنيا، والمداومة على الشهوات، وشفاء ~~النفس من اللذات، ونسيان الآخرة والإقبال على الدنيا، ولذلك كان يكتب عمر ~~إلى عمال: إياكم والتنعم وزي أهل العجم، واخشوشنوا. ولم يرد رضي الله عنه ~~تحريم شئ أحله الله، ولا تحظير ما أباحه الله تبارك اسمه. # وقول الله عز وجل أولى ما امتثل واعتمد عليه. قال الله تعالى: " قل من ~~حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ". وقال عليه السلام: ~~(سيد آدام الدنيا والآخرة اللحم). وقد روى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأكل الطبيخ بالرطب ويقول: (يكسر حر هذا ~~برد هذا وبرد هذا حر هذا). والطبيخ لغة في البطيخ، وهو من المقلوب. وقد (2) ~~مضى في " المائدة " الرد على من آثر أكل الخشن من الطعام. وهذه الآية ترد ~~عليه وغيرها: والحمد لله. # الرابعة - قوله تعالى: (قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا) ms2588 يعني بحقها ~~من توحيد الله تعالى والتصديق له، فإن الله ينعم ويرزق، فإن وحده المنعم ~~عليه وصدقه فقد قام بحق النعمة، وإن كفر فقد أمكن الشيطان من نفسه. وفي ~~صحيح الحديث (لا أحد أصبر على أذى من الله يعافيهم ويرزقهم وهم يدعون له ~~الصاحبة والولد). وتم الكلام على " الحياة الدنيا ". # ثم قال " خالصة " بالرفع وهي قراءة ابن عباس ونافع. " خالصة يوم القيامة ~~" أي يخلص الله الطيبات في الآخرة للذين آمنوا، وليس للمشركين فيها شئ كما ~~كان لهم في الدنيا من الاشتراك فيها. ومجاز الآية: قل هي للذين آمنوا ~~مشتركة في الدنيا مع غيرهم، وهي للمؤمنين # PageV07P199 # خالصة يوم القيامة. فخالصة مستأنف على خبر مبتدأ مضمر. وهذا قول ابن عباس ~~والضحاك والحسن وقتادة والسدي وابن جريج وابن زيد. وقيل: المعنى أن هذه ~~الطيبات الموجودات في الدنيا هي خالصة يوم القيامة، للمؤمنين في الدنيا، ~~وخلوصها أنهم لا يعاقبون عليها ولا يعذبون فقوله: " في الحياة الدنيا " ~~متعلق " بآمنوا ". وإلى هذا يشير تفسير سعيد بن جبير. وقرأ الباقون بالنصب ~~على الحال والقطع، لأن الكلام قد تم دونه. ولا يجوز الوقف على هذه القراءة ~~على " الدنيا "، لأن ما بعده متعلق بقول " للذين آمنوا " حال منه، بتقدير ~~قل هي ثابتة للذين آمنوا في الحياة الدنيا في حال خلوصها لهم يوم القيامة، ~~قاله أبو علي. وخبر الابتداء " للذين آمنوا ". والعالم في الحال ما في ~~اللام من معنى الفعل في قوله: " للذين " واختار سيبويه النصب لتقدم الظرف. ~~" كذلك نفصل الآيات " أي كالذي فصلت لكم الحلال والحرام أفصل لكم ما ~~تحتاجون إليه. # قوله تعالى: قل إنما حرم ربى الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي ~~بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطنا وأن تقولوا على الله مالا ~~تعلمون. # فيه مسألة واحدة. # قال الكلبي: لما لبس المسلمون الثياب وطافوا بالبيت غيرهم المشركون، ~~فنزلت هذه الآية. والفواحش: الأعمال المفرطة في القبح، ما ظهر منها وما ~~بطن. وروى روح بن عبادة عن زكريا بن إسحاق عن ابن أبي نجيح ms2589 عن مجاهد قال: ~~ما ظهر منها " ما ظهر منها " نكاح الأمهات في الجاهلية. وما بطن " وما بطن ~~" الزنى. وقال قتادة: سرها وعلانيتها. وهذا فيه نظر، فإنه ذكر الإثم والبغي ~~فدل أن المراد بالفواحش. بعضها، وإذا كان كذلك فالظاهر من الفواحش الزنى. ~~والله أعلم. (والإثم) قال الحسن: الخمر. قال الشاعر: # شربت الإثم حتى ضل عقلي * كذاك الإثم تذهب بالعقول PageV07P200 # وقال أخر: # نشرب الإثم بالصواع جهارا * وترى المسك بيننا مستعارا (1) " والبغي " ~~الظلم وتجاوز الحد فيه. وقد تقدم. وقال ثعلب: البغي أن يقع الرجل في الرجل ~~فيتكلم فيه، ويبغي عليه بغير الحق، إلا أن ينتصر منه بحق. وأخرج الإثم ~~والبغي من الفواحش وهما منه لعظمهما وفحشهما، فنص على ذكرهما تأكيدا ~~لأمرهما وقصدا للزجر عنهما. وكذا وأن تشركوا وأن تقولوا وهما في موضع نصب ~~عطفا على ما قبل. # وقد أنكر جماعة أن يكون الإثم بمعنى الخمر. قال الفراء: الإثم ما دون ~~الحد والاستطالة على الناس. قال النحاس: فأما أن يكون الإثم الخمر فلا يعرف ~~ذلك، وحقيقة الإثم أنه جميع المعاصي، كما قال الشاعر: # إني وجدت الأمر أرشده * تقوى الإله وشره الإثم قلت: وأنكره ابن العربي ~~أيضا وقال: " ولا حجة في البيت (2)، لأنه لو قال: شربت الذنب أو شربت الوزر ~~لكان كذلك، ولم يوجب قول أن يكون الذنب والوزر اسما من أسماء الخمر كذلك ~~الإثم. والذي أوجب التكلم بمثل هذا الجهل باللغة وبطريق الأدلة في المعاني ~~". # قلت: وقد ذكرناه عن الحسن. وقال الجوهري في الصحاح: وقد يسمى الخمر إثما، ~~وأنشد: # شربت الإثم.... * البيت وأنشده الهروي في غريبيه، على أن الخمر الإثم. ~~فلا يبعد أن يكون الإثم يقع على جميع المعاصي وعلى الخمر أيضا لغة، فلا ~~تناقض. والبغي: التجاوز في الظلم، وقيل: الفساد. # قوله تعالى: ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ~~فيه مسألة واحدة: # PageV07P201 # قوله تعالى: (ولكل أمة أجل) أي وقت مؤقت. (فإذا جاء أجلهم) أي الوقت ~~المعلوم عند الله عز وجل. وقرأ ابن سيرين " جاء آجالهم " بالجمع لا ~~يستأخرون عنه ms2590 ساعة ولا أقل من ساعة، إلا أن الساعة خصت بالذكر لأنها أقل ~~أسماء الأوقات، وهي ظرف زمان. ولا يستقدمون فدل بهذا على أن المقتول إنما ~~يقتل بأجله. وأجل الموت هو وقت الموت، كما أن أجل الدين هو وقت حلوله. وكل ~~شئ وقت به شئ فهو أجل له. وأجل الإنسان هو الوقت الذي يعلم الله أنه يموت ~~(1) الحي فيه لا محالة وهو وقت لا يجوز تأخير موته عنه، لامن حيث إنه ليس ~~مقدورا تأخيره. وقال كثير من المعتزلة إلا من شذ منهم: # إن المقتول مات بغير أجله الذي ضرب له، وإنه لو لم يقتل لحيي. وهذا غلط، ~~لأن المقتول لم يمت من أجل قتل غيره له، بل من أجل ما فعله الله من إزهاق ~~نفسه عند الضرب له. # فإن قيل: فإن مات بأجله فلم تقتلون ضاربه وتقتصون منه؟. قيل له: نقتله ~~لتعديه وتصرفه فيما ليس له أن يتصرف فيه، لا لموته وخروج الروح إذ ليس ذلك ~~من فعله. ولو ترك الناس والتعدي من غير قصاص لأدى ذلك إلى الفساد ودمار ~~العباد. وهذا واضح. قوله تعالى: يا بني ادم إما يأتينكم رسل منكم يقصون ~~عليكم آياتي فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولاهم يحزنون والذين كذبوا ~~بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحب النار هم فيها خلدون قوله تعالى: (يا ~~بني آدم إما يأتينكم رسل منكم) شرط. ودخلت النون توكيدا لدخول " ما ". ~~وقيل: ما صلة، أي إن يأتكم. أخبر أنه يرسل إليهم الرسل منهم لتكون إجابتهم ~~أقرب. والقصص اتباع الحديث بعضه بعضا. # (آياتي) أي فرائضي وأحكامي. # فمن اتقى وأصلح شرط، وما بعده جوابه، وهو جواب الأول. أي وأصلح منكم ما ~~بيني وبينه. فلا خوف عليهم ولاهم يحزنون دليل على أن المؤمنين يوم القيامة ~~لا يخافون ولا يحزنون، ولا يلحقهم رعب ولا فزع. وقيل: قد يلحقهم أهوال يوم ~~القيامة، ولكن # PageV07P202 # مآلهم الأمن. وقيل: جواب " إما يأتينكم " ما دل عليه الكلام، أي فأطيعوهم ~~" فمن اتقى وأصلح " والقول الأول قول الزجاج. # قوله تعالى: فمن أظلم ممن افترى ms2591 على الله كذبا أو كذب بآياته أولئك ~~ينالهم نصيبهم من الكتب حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم قالوا أين ما كنتم ~~تدعون من دون الله قالوا ضلوا عنا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كفرين (37) ~~قوله تعالى: (فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآيته) المعنى أي ~~ظلم أشنع من الافتراء على الله تعالى والتكذيب بآياته. ثم قال: (أولئك ~~ينالهم نصيبهم من الكتاب) أي ما كتب لهم من رزق وعمر وعمل، عن ابن زيد. ابن ~~جبير: من شقاء وسعادة. # ابن عباس: من خير وشر. الحسن وأبو صالح: من العذاب بقدر كفرهم. واختيار ~~الطبري أن يكون المعنى: ما كتب لهم، أي ما قدر لهم من خير وشر ورزق وعمل ~~وأجل، على ما تقدم عن ابن زيد وابن عباس وابن جبير. قال: ألا ترى أنه أتبع ~~ذلك بقوله: (حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم) يعني رسل ملك الموت. وقيل: " ~~الكتاب " هنا القرآن، لأن عذاب الكفار مذكور فيه. وقيل: " الكتاب " اللوح ~~المحفوظ. ذكر الحسن بن علي الحلواني قال: # أملى علي علي بن المديني قال: سألت عبد الرحمن بن مهدي عن القدر فقال لي: ~~كل شئ بقدر، والطاعة والمعصية بقدر، وقد أعظم الفرية من قال: إن المعاصي ~~ليست بقدر. # قال علي وقال لي عبد الرحمن بن مهدي: العلم والقدر والكتاب سواء. ثم عرضت ~~كلام عبد الرحمن بن مهدي على يحيى بن سعيد فقال: لم يبق بعد هذا قليل ولا ~~كثير. وروى يحيى بن معين حدثنا مروان الفزاري حدثنا إسماعيل بن سميع عن ~~بكير الطويل عن مجاهد عن ابن عباس " أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب " قال: ~~قوم يعملون أعمالا لابد لهم من أن يعملوها. # و " حتى " ليست غاية، بل هي ابتداء خبر عنهم. قال الخليل وسيبويه: حتى ~~وإما وألا PageV07P203 # لا يملن لأنهن حروف ففرق بينها وبين الأسماء نحو حبلى وسكرى. قال الزجاج: ~~تكتب حتى بالياء لأنها أشبهت سكرى، ولو كتبت ألا بالياء لأشبهت إلى. ولم ~~تكتب إما بالياء لأنها " إن " ضمت إليها ما. (قالوا أينما كنتم ms2592 تدعون من ~~دون الله) سؤال توبيخ. ومعنى " تدعون " تعبدون. (قالوا ضلوا عنا) أي بطلوا ~~وذهبوا. قيل: يكون هذا في الآخرة. # (وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين) أي أقروا بالكفر على أنفسهم. # قوله تعالى: قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار ~~كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخريهم لأولهم ~~ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون ~~(38) وقالت أولهم لأخراهم فيها كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما ~~كنتم تكسبون (39) قوله تعالى: (قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن ~~والإنس في النار) أي مع أمم، ف‍ " في " بمعنى مع. وهذا لا يمتنع، لأن قولك: ~~زيد في القوم، أي مع القوم. # وقيل: هي على بابها، أي ادخلوا في جملتهم. والقائل قيل: هو الله عز وجل، ~~أي قال الله ادخلوا. وقيل: هو مالك خازن النار. (كلما دخلت أمة لعنت أختها) ~~أي التي سبقتها إلى النار، وهي أختها في، الدين والملة. حتى إذا ادركوا ~~فيها جميعا أي اجتمعوا. وقرأ الأعمش " تداركوا " وهو الأصل، ثم وقع الإدغام ~~فاحتيج إلى ألف الوصل. وحكاها المهدوي عن ابن مسعود. النحاس: وقرأ ابن ~~مسعود " حتى إذا أدركوا " أي أدرك بعضهم بعضا. وعصمة عن أبي عمرو " حتى إذا ~~اداركوا " بإثبات الألف على الجمع بين الساكنين. # وحكى: هذان عبد الله. وله ثلثا المال. وعن أبي عمرو أيضا: " إذا اداركوا ~~" بقطع ألف PageV07P204 # الوصل، فكأنه سكت على " إذا " للتذكر، فلما طال سكوته قطع ألف الوصل، ~~كالمبتدئ بها. وقد جاء في الشعر قطع ألف الوصل نحو قوله: # يا نفس صبرا كل حي لاقي * وكل اثنين إلى افتراق وعن مجاهد وحميد بن قيس " ~~حتى إذ ادركوا " بحذف ألف " إذا " لالتقاء الساكنين، وحذف الألف التي بعد ~~الدال. " جميعا " نصب على الحال. (قالت أخراهم لأولاهم) أي آخرهم دخولا وهم ~~الأتباع لأولاهم وهم القادة. ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار. ~~فاللام في " لأولاهم " لام أجل، ms2593 لأنهم لم يخاطبوا أولاهم ولكن قالوا في حق ~~أولاهم ربنا هؤلاء أضلونا. والضعف المثل الزائد على مثله مرة أو مرات. وعن ~~ابن مسعود أن الضعف ها هنا الأفاعي والحيات. ونظير هذه الآية " ربنا آتهم ~~ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا (1) ". وهناك يأتي ذكر الضعف بأبشع من ~~هذا وما يترتب عليه من الأحكام، إن شاء الله تعالى. قال لكل ضعف أي للتابع ~~والمتبوع. (ولكن لا يعلمون) على قراءة من قرأ بالياء، أي لا يعلم كل فريق ~~ما بالفريق الآخر، إذ لو علم بعض من في النار أن عذاب أحد فوق عذابه لكان ~~نوع سلوة له. وقيل المعنى " ولكن لا تعلمون " بالتاء، أي ولكن لا تعلمون ~~أيها المخاطبون ما يجدون من العذاب. ويجوز أن يكون المعنى ولكن لا تعلمون ~~يأهل الدنيا مقدار ما هم فيه من العذاب. (وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم ~~علينا من فضل) أي قد كفرتم وفعلتم كما فعلنا، فليس تستحقون تخفيفا من ~~العذاب فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون. # قوله تعالى: إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب ~~السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط وكذلك نجزي المجرمين ~~(40) لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش وكذلك نجزى الظالمين (41) # PageV07P205 # قوله تعالى: (إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب ~~السماء) أي لأرواحهم. جاءت بذلك أخبار صحاح ذكرناها في كتاب (التذكرة). ~~منها حديث البراء بن عازب، وفيه في قبض روح الكافر قال: ويخرج منها ريح ~~كأنتن جيفة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها فلا يمرون على ملأ من الملائكة ~~إلا قالوا: ما هذه الروح الخبيثة. # فيقولون فلان بن فلان، بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، حتى ~~ينتهوا بها إلى السماء الدنيا فيستفتحون فلا يفتح لهم، ثم قرأ رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: " لا تفتح لهم أبواب السماء " الآية. وقيل: لا تفتح ~~لهم أبواب السماء إذا دعوا، قاله مجاهد والنخعي. وقيل: # المعنى لا تفتح لهم أبواب الجنة، لأن الجنة في السماء. ms2594 ودل على ذلك قوله: ~~(ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط) والجمل لا يلج فلا يدخلونها ~~البتة. وهذا دليل قطعي لا يجوز العفو عنهم. وعلى هذا أجمع المسلمون الذين ~~لا يجوز عليهم الخطأ أن الله سبحانه وتعالى لا يغفر لهم ولا لأحد منهم. قال ~~القاضي أبو بكر بن الطيب: فإن قال قائل كيف يكون هذا إجماعا من الأمة؟ وقد ~~زعم قوم من المتكلمين بأن مقلدة اليهود والنصارى وغيرهم من أهل الكفر ليسوا ~~في النار. قيل له: هؤلاء قوم أنكروا أن يكون المقلد كافرا لشبهة دخلت ~~عليهم، ولم يزعموا أن المقلد كافر وأنه مع ذلك ليس في النار، والعلم بأن ~~المقلد كافر أو غير كافر طريقه النظر دون التوقيف والخبر. وقرأ حمزة ~~والكسائي: " لا تفتح " بالياء مضمومة على تذكير الجمع. وقرأ الباقون بالتاء ~~على تأنيث الجماعة، كما قال: " مفتحة لهم الأبواب (1) " فأنث. ولما كان ~~التأنيث في الأبواب غير حقيقي جاز تذكير الجمع. وهي قراءة ابن عباس بالياء ~~وخفف أبو عمرو وحمزة والكسائي، على معنى أن التخفيف يكون للقليل والكثير، ~~والتشديد للتكثير والتكرير مرة بعد مرة لا غير، والتشديد هنا أولى لأنه على ~~الكثير أدل. # والجمل من الإبل. قال الفراء: الجمل زوج الناقة. وكذا قال عبد الله بن ~~مسعود لما سئل عن الجمل فقال: هو زوج الناقة، كأنه استجهل من سأله عما ~~يعرفه الناس جميعا. والجمع # PageV07P206 # جمال وأجمال وجمالات وجمائل. وإنما يسمى جملا إذا أربع. وفي قراءة عبد ~~الله: " حتى يلج الجمل الأصفر في سم الخياط ". ذكره أبو بكر الأنباري حدثنا ~~أبي حدثنا نصر بن داود حدثنا أبو عبيد حدثنا حجاج عن ابن جريج عن ابن كثير ~~عن مجاهد قال في قراءة عبد الله...، فذكره. وقرأ ابن عباس " الجمل " بضم ~~الجيم وفتح الميم وتشديدها. وهو حبل السفينة الذي يقال له القلس، وهو حبال ~~مجموعة، جمع جملة، قاله أحمد بن يحيى ثعلب. وقيل: # الحبل الغليظ من القنب. وقيل: الحبل الذي يصعد به في النخل. وروي عنه ~~أيضا وعن سعيد بن جبير: ms2595 " الجمل " بضم الجيم وتخفيف الميم هو القلس أيضا ~~والحبل، على ما ذكرنا آنفا. وروي عنه أيضا " الجمل " بضمتين جمع جمل، كأسد ~~وأسد، والجمل مثل أسد وأسد. # وعن أبي السمال " الجمل " بفتح الجيم وسكون الميم، تخفيف " جمل ". وسم ~~الخياط: ثقب الإبرة، عن ابن عباس وغيره. وكل ثقب لطيف في البدن يسمى سما ~~وسما وجمعه سموم. وجمع السم القاتل سمام. وقرأ ابن سيرين " في سم " بضم ~~السين. والخياط: # ما يخاط به، يقال: خياط ومخيط، مثل إزار ومئزر وقناع ومقنع. " المهاد " ~~الفراش. # و " غواش " جمع غاشية، أي نيران تغشاهم. (وكذلك نجزى الظالمين) يعني ~~الكفار. والله أعلم. # قوله تعالى: والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها أولئك ~~أصحب الجنة هم فيها خلدون (41) قوله تعالى: (لا نكلف نفسا إلا وسعها) كلام ~~معترض، أي والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون. ~~ومعنى " لا نكلف نفسا إلا وسعها " أي أنه لم يكلف أحدا من نفقات الزوجات ~~إلا ما وجد وتمكن منه، دون ما لا تناله يده، ولم يرد إثبات الاستطاعة قبل ~~الفعل، قال ابن الطيب. نظيره " لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها (1) ". # PageV07P207 # قوله تعالى: ونزعنا ما في صدورهم من غل تجرى من تحتهم الأنهر وقالوا ~~الحمد لله الذي هدينا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدينا الله لقد جاءت رسل ~~ربنا بالحق ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعلمون (43) ذكر الله ~~عز وجل فيما ينعم به على أهل الجنة نزع الغل من صدورهم. والنزع: # الاستخراج والغل: الحقد الكامن في الصدر. والجمع غلال. أي أذهبنا في ~~الجنة ما كان في قلوبهم من الغل في الدنيا. قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~(الغل على باب الجنة كمبارك الإبل قد نزعه الله من قلوب المؤمنين). وروي عن ~~علي رضي الله عنه أنه قال: أرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين ~~قال الله تعالى فيهم: " ونزعنا ما في صدورهم من غل ". وقيل: نزع الغل في ~~الجنة ألا يحسد بعضهم بعضا في تفاضل ms2596 منازلهم. وقد قيل: # إن ذلك يكون عن شراب الجنة، ولهذا قال: " وسقاهم ربهم شرابا طهورا (1) " ~~أي يطهر الأوضار من الصدور، على ما يأتي بيانه في سورة " الإنسان " و " ~~الزمر (2) " إن شاء الله تعالى. # (وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا) (أي لهذا (3)) الثواب، بأن أرشدنا ~~وخلق لنا الهداية. وهذا رد على القدرية. (وما كنا) قراءة ابن عامر بإسقاط ~~الواو. والباقون بإثباتها. (لنهتدي) لام كي. (لولا أن هدانا الله) في موضع ~~رفع. (ونودوا) أصله. نوديوا (أن) في موضع نصب مخففة من الثقيلة، أي بأنه ~~(تلكم الجنة). وقد تكون تفسيرا لما نودوا به، لأن النداء قول، فلا يكون لها ~~موضع. أي قيل لهم: " تلكم الجنة " لأنهم وعدوا بها في الدنيا، أي قيل لهم: ~~هذه تلكم الجنة التي وعدتم بها، أو يقال ذلك قبل الدخول حين عاينوها من ~~بعد. وقيل: " تلكم " بمعنى هذه. ومعنى (أورثتموها بما كنتم تعلمون) أي ~~ورثتم منازلها بعملكم، ودخولكم إياها برحمة الله وفضله. كما قال: " ذلك ~~الفضل من الله (4) ". # PageV07P208 # وقال: " فسيدخلهم في رحمة منه وفضل (1) ". وفي صحيح مسلم: (لن يدخل أحدا ~~منكم عمله الجنة) قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: (ولا أنا إلا أن ~~يتغمدني الله برحمته منه وفضل). # وفي غير الصحيح: ليس من كافر ولا مؤمن إلا وله في الجنة والنار منزل، ~~فإذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار رفعت الجنة لأهل النار فنظروا ~~(2) إلى منازلهم فيها، فقيل لهم: # هذه منازلكم لو عملتم بطاعة الله. ثم يقال: يأهل الجنة رثوهم بما كنتم ~~تعملون، فتقسم بين أهل الجنة منازلهم. # قلت: وفي صحيح مسلم: (لا يموت رجل مسلم إلا أدخل الله مكانه في النار ~~يهوديا أو نصرانيا). فهذا أيضا ميراث، نعم بفضله من شاء وعذب بعدله من شاء. ~~وبالجملة فالجنة ومنازلها لا تنال إلا برحمته، فإذا دخلوها بأعمالهم فقد ~~ورثوها برحمته، ودخلوها برحمته، إذ أعمالهم رحمة منه لهم وتفضل عليهم. وقرئ ~~" أورثتموها " من غير إدغام. وقرئ بإدغام التاء في الثاء. # قوله تعالى: ونادى أصحب الجنة أصحب النار أن قد ms2597 وجدنا ما وعدنا ربنا حقا ~~فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على ~~الظالمين (44) قوله تعالى: (ونادى أصحاب الجنة) هذا سؤال تقريع وتعيير. (أن ~~قد وجدنا) مثل " أن تلكم الجنة " أي أنه قد وجدنا. وقيل: هو نفس النداء. ~~(فأذن مؤذن بينهم) أي نادى وصوت، يعني من الملائكة. " بينهم " ظرف، كما ~~تقول: أعلم وسطهم. وقرأ الأعمش والكسائي: " نعم " بكسر العين وتجوز على هذه ~~اللغة بإسكان العين. قال مكي: # من قال " نعم " بكسر العين أراد أن يفرق بين " نعم " التي هي جواب وبين " ~~نعم " التي هي اسم للإبل والبقر والغنم. وقد روي عن عمر إنكار " نعم " بفتح ~~العين في الجواب، وقال: قل # PageV07P209 # نعم. ونعم ونعم، لغتان بمعنى العدة والتصديق. فالعدة إذا استفهمت عن موجب ~~نحو قولك: # أيقوم زيد؟ فيقول نعم. والتصديق إذا أخبرت عما وقع، تقول: قد كان كذا ~~وكذا، فيقول نعم. فإذا استفهمت عن منفي فالجواب بلى نحو قولك ألم أكرمك، ~~فيقول بلى. فنعم لجواب الاستفهام الداخل على الإيجاب كما في هذه الآية. ~~وبلى، لجواب الاستفهام الداخل على النفي، كما قال تعالى: " ألست بربكم ~~قالوا بلى (1) ". وقرأ البزي وابن عامر وحمزة والكسائي " أن لعنة الله " ~~وهو الأصل. وقرأ الباقون بتخفيف " أن " ورفع اللعنة على الابتداء. ف‍ " أن ~~" في موضع نصب على القراءتين على إسقاط الخافض. ويجوز في المخففة ألا يكون ~~لها موضع من الإعراب، وتكون مفسرة كما تقوم. وحكي عن الأعمش أنه قرأ " إن ~~لعنة الله " بكسر الهمزة، فهذا على إضمار القول كما قرأ الكوفيون (2) " ~~فناداه الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب إن الله " ويروى أن طاوسا دخل ~~على هشام بن عبد الملك فقال له: اتق الله واحذر يوم الأذان. فقال: وما يوم ~~الأذان؟ قال: قوله تعالى: " فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين " ~~فصعق هشام. فقال طاوس: هذا ذل الصفة فكيف ذل المعاينة. # قوله تعالى: (الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة كافرون ~~(45) قوله تعالى: (الذين يصدون عن سبيل الله) ms2598 في موضع خفض ل‍ " ظالمين " ~~على النعت. # ويجوز الرفع والنصب على إضمارهم أو أعني. أي الذين كانوا يصدون في الدنيا ~~الناس عن الإسلام. فهو من الصد الذي هو المنع. أو يصدون بأنفسهم عن سبيل ~~الله أي يعرضون. # وهذا من الصدود. (ويبغونها عوجا) يطلبون اعوجاجها ويذمونها فلا يؤمنون ~~بها. وقد مضى هذا (3) المعنى. - (وهم بالآخرة كافرون) أي وكانوا بها ~~كافرين، فحذف وهو كثير في الكلام. # PageV07P210 # قوله تعالى: وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ونادوا ~~أصحب الجنة أن سلم عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون قوله تعالى: (وبينهما حجاب) ~~أي بين النار والجنة - لأنه جرى ذكرهما - حاجز، أسور. وهو السور الذي ذكره ~~الله في قوله: " فضرب بينهم بسور (1) ". (وعلى الأعراف رجال) أي على أعراف ~~السور، وهي شرفه. ومنه عرف الفرس وعرف الديك. روى عبد الله بن أبي (2) يزيد ~~عن ابن عباس أنه قال: الأعراف الشئ المشرف. وروى مجاهد عن ابن عباس أنه ~~قال: الأعراف سور له عرف كعرف الديك. والأعراف في اللغة: المكان المشرف، ~~جمع عرف. قال يحيى بن آدم: سألت الكسائي عن واحد الأعراف فسكت، فقلت: حدثنا ~~إسرائيل عن جابر عن مجاهد عن ابن عباس قال: الأعراف سور له عرف كعرف الديك. ~~فقال: نعم والله، واحده يعني، وجماعته أعراف، يا غلام، هات القرطاس، فكتبه. ~~وهذا الكلام خرج مخرج. المدح، كما قال فيه: " رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع ~~عن ذكر الله (2) " وقد تكلم العلماء في أصحاب الأعراف على عشرة أقوال: فقال ~~عبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان وابن عباس والشعبي والضحاك وابن جبير: ~~هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم. قال ابن عطية: وفي مسند خيثمة بن سليمان ~~(في آخر الجزء الخامس عشر) حديث عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: (توضع الموازين يوم القيامة فتوزن الحسنات والسيئات فمن ~~رجحت حسناته على سيئاته مثقال صؤابة (3) دخل الجنة ومن رجحت سيئاته على ~~حسناته مثقال صؤابة دخل النار). قيل: يا وسول الله، فمن استوت حسناته ~~وسيئاته؟ قال: ms2599 (أولئك أصحاب الأعراف لم يدخلوها وهم يطمعون). وقال مجاهد: # هم قوم صالحون فقهاء علماء. وقيل: هم الشهداء، ذكره المهدوي. وقال ~~القشيري: وقيل هم فضلاء المؤمنين والشهداء، فرغوا من شغل أنفسهم، وتفرغوا ~~لمطالعة حال الناس، فإذا # PageV07P211 # رأوا أصحاب النار تعوذوا بالله أن يردوا إلى النار، فإن في قدرة الله كل ~~شئ، وخلاف المعلوم مقدور. فإذا رأوا أهل الجنة وهم لم يدخلوها بعد يرجون ~~لهم دخولها. وقال شرحبيل بن سعد: هم المستشهدون في سبيل الله الذين خرجوا ~~عصاة لآبائهم. وذكر الطبري في ذلك حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه ~~تعادل عقوقهم واستشهادهم. وذكر الثعلبي بإسناده عن ابن عباس في قول عز وجل: ~~" وعلى الأعراف رجال " قال: الأعراف موضع عال على الصراط، عليه العباس ~~وحمزة وعلي بن أبي طالب وجعفر ذو الجناحين، رضي الله عنهم، يعرفون محبيهم ~~ببياض الوجوه ومبغضيهم بسواد الوجوه. وحكى الزهراوي أنهم عدول القيامة ~~الذين يشهدون على الناس بأعمالهم، وهم في كل أمة. واختار هذا القول النحاس، ~~وقال: وهو من أحسن ما قيل فيه، فهم على السور بين الجنة والنار. وقال ~~الزجاج: هم قوم أنبياء. # وقيل: هم قوم كانت لهم صغائر لم تكفر عنهم بالآلام والمصائب في الدنيا ~~وليست لهم كبائر فيحبسون عن الجنة لينالهم بذلك غم فيقع في مقابلة صغائرهم. ~~وتمنى سالم مولى أبي حذيفة أن يكون من أصحاب الأعراف، لأن مذهبه أنهم ~~مذنبون. وقيل: هم أولاد الزنى (1)، ذكره القشيري عن ابن عباس. وقيل: هم ~~ملائكة موكلون بهذا السور، يميزون الكافرين من المؤمنين قبل إدخالهم الجنة ~~والنار، ذكره أبو مجلز. فقيل له: لا يقال للملائكة رجال؟ # فقال: إنهم ذكور وليسوا بإناث، فلا يبعد إيقاع لفظ الرجال عليهم، كما ~~أوقع على الجن في قوله: " وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن (2) ~~" فهؤلاء الملائكة يعرفون المؤمنين بعلاماتهم والكفار بعلاماتهم، فيبشرون ~~المؤمنين قبل دخولهم الجنة وهم لم يدخلوها بعد فيطمعون فيها. وإذا رأوا أهل ~~النار دعوا لأنفسهم بالسلامة من العذاب. قال ابن عطية: واللازم من الآية أن ~~على ms2600 الأعراف رجالا من أهل الجنة يتأخر دخولهم ويقع لهم ما وصف من الاعتبار ~~في الفريقين. أي بعلاماتهم، وهي بياض الوجوه وحسنها في أهل الجنة، وسوادها ~~وقبحها في أهل النار، إلى غير ذلك من معرفة حيز هؤلاء وحيز هؤلاء. # PageV07P212 # قلت: فوقف عن التعيين لاضطراب الأثر والتفصيل، والله بحقائق الأمور عليم. # ثم قيل: الأعراف جمع عرف وهو كل عال مرتفع، لأنه بظهوره أعرف من المنخفض. # قال ابن عباس: الأعراف شر ف الصراط. وقيل: هو جبل أحد يوضع هناك. قال ابن ~~عطية: وذكر الزهراوي حديثا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن أحدا ~~جبل يحبنا ونحبه وإنه يوم القيامة يمثل بين الجنة والنار يحبس عليه أقوام ~~يعرفون كلا بسيماهم هم إن شاء الله من أهل الجنة). وذكر حديثا آخر عن صفوان ~~بن سليم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن أحدا على ركن من أركان ~~الجنة). # قلت: وذكر أبو عمر عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أحد ~~جبل يحبنا ونحبه وإنه لعلى ترعة من ترع الجنة). # قوله تعالى: (ونادوا أصحاب الجنة) أي نادى أصحاب الأعراف أصحاب الجنة. # أن سلام عليكم أي قالوا لهم سلام عليكم. وقيل: المعنى سلمتم من العقوبة. # لم يدخلوها وهم يطعمون أي لم يدخل الجنة أصحاب الأعراف، أي لم يدخلوها ~~بعد. # " وهم يطمعون " على هذا التأويل بمعنى وهم يعلمون أنهم يدخلونها. وذلك ~~معروف في اللغة أن يكون طمع بمعنى علم، ذكره النحاس. وهذا قول ابن مسعود ~~وابن عباس وغيرهما، أن المراد أصحاب الأعراف. وقال أبو مجلز: هم أهل الجنة، ~~أي قال لهم أصحاب الأعراف سلام عليكم وأهل الجنة لم يدخلوا الجنة بعد وهم ~~يطمعون في دخولها للمؤمنين المارين على أصحاب الأعراف. والوقف على قوله: " ~~سلام عليكم ". وعلى قوله: " لم يدخلوها ". ثم يبتدئ " وهم يطمعون " على ~~معنى وهم يطمعون في دخولها. ويجوز أن يكون " وهم يطمعون " حالا، ويكون ~~المعنى: لم يدخلها المؤمنون المارون على أصحاب الأعراف طامعين، وإنما ~~دخلوها غير طامعين في دخولها، ms2601 فلا يوقف على " لم يدخلوها ". # قوله تعالى: وإذا صرفت أبصرهم تلقاء أصحب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع ~~القوم الظالمين (47) PageV07P213 # قوله تعالى: (وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار) أي جهة اللقاء وهي ~~جهة المقابلة. ولم يأت مصدر على تفعال غير حرفين (1): تلقاء وتبيان. ~~والباقي بالفتح، مثل تسيار وتهمام وتذكار. وأما الاسم بالكسر فيه فكثير، ~~مثل تقصار وتمثال. قالوا أي قال أصحاب الأعراف. (ربنا لا تجعلنا مع القوم ~~الظالمين) سألوا الله ألا يجعلهم معهم، وقد علموا أنه لا يجعلهم معهم. فهذا ~~على سبيل التذلل، كما يقول أهل الجنة: " ربنا أتمم لنا نورنا (2) " ~~ويقولون: الحمد لله. على سبيل الشكر لله عز وجل. ولهم في ذلك لذة. # قوله تعالى: ونادى أصحب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى ~~عنكم جمعكم وما كنتم وما تستكبرون (48) أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله ~~برحمة ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون (49) قوله تعالى: (ونادى ~~أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم) أي من أهل النار. # (قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون) أي للدنيا واستكباركم عن ~~الإيمان. # (أهؤلاء الذين) إشارة إلى قوم من المؤمنين الفقراء، كبلال وسلمان وخباب ~~وغيرهم. # (أقسمتم) في الدنيا. (لا ينالهم الله) في الآخرة. (برحمة) يوبخونهم بذلك. ~~وزيدوا غما وحسرة بأن قالوا لهم (ادخلوا الجنة) وقرأ عكرمة " دخلوا الجنة " ~~بغير ألف والدال مفتوحة. وقرأ طلحة بن مصرف " أدخلوا الجنة " بكسر الخاء ~~على أنه فعل ماض (3). # ودلت الآية على أن أصحاب الأعراف ملائكة أو أنبياء، فإن قولهم ذلك إخبار ~~عن الله تعالى ومن جعل أصحاب الأعراف المذنبين كان آخر قولهم لأصحاب النار ~~" وما كنتم تستكبرون " ويكون " أهؤلاء الذين " إلى آخر الآية من قول الله ~~تعالى لأهل النار توبيخا لهم على ما كان من قولهم في الدنيا. وروي عن ابن ~~عباس، والأول عن الحسن. وقيل: هو من كلام الملائكة # PageV07P214 # الموكلين بأصحاب الأعراف، فإن أهل النار يحلفون أن أصحاب الأعراف يدخلون ~~معهم النار فتقول الملائكة لأصحاب الأعراف: " ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ~~ولا أنتم تحزنون " قوله ms2602 تعالى: ونادى أصحب النار أصحب الجنة أن أفيضوا ~~علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين قوله ~~تعالى: (ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما ~~رزقكم الله) فيه ثلاث مسائل: الأولى - قوله تعالى: (ونادى) قيل: إذا صار ~~أهل الأعراف إلى الجنة طمع أهل النار فقالوا: يا ربنا إن لنا قرابات في ~~الجنة فأذن لنا حتى نراهم ونكلمهم. وأهل الجنة لا يعرفونهم لسواد وجوههم. ~~فيقولون: (أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله) فبين أن ابن آدم لا ~~يستغني عن الطعام والشراب وإن كان في العذاب. (قالوا إن الله حرمهما على ~~الكافرين) يعني طعام الجنة وشرابها. # والإفاضة التوسعة، يقال: أفاض عليه نعمه. # الثانية - في هذه الآية دليل على أن سقي الماء من أفضل الأعمال. وقد سئل ~~ابن عباس: أي الصدقة أفضل؟ فقال: الماء، ألم تروا إلى أهل النار حين ~~استغاثوا بأهل الجنة " أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله "؟. ~~وروى أبو داود أن سعدا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أي الصدقة (1) ~~أعجب إليك؟ قال: (الماء). وفي رواية: فحفر بئرا فقال: (هذه لأم سعد). وعن ~~أنس قال قال سعد: يا رسول الله، إن أم سعد كانت تحب الصدقة، أفينفعها أن ~~أتصدق عنها؟ قال: (نعم وعليك بالماء). وفي رواية أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أمر سعد بن عبادة أن يسقي عنها الماء. فدل على أن سقي الماء من أعظم ~~القربات عند الله تعالى. وقد قال بعض التابعين: من كثرت ذنوبه فعليه بسقي ~~الماء. # وقد غفر الله ذنوب الذي سقى الكلب، فكيف بمن سقى رجلا مؤمنا موحدا ~~وأحياه. روى # PageV07P215 # البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~(بينا رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش فنزل بئرا فشرب منها ثم خرج فإذ كلب ~~يأكل الثرى من العطش فقال لقد بلغ هذا الكلب مثل الذي بلغ بي فملأ خفه ثم ~~أمسكه بفيه ثم رقي ms2603 فسقى الكلب فشكر الله (1) له فغفر له). قالوا: يا رسول ~~الله، وإن لنا في البهائم لأجرا؟ قال: (في كل ذات كبد رطبة (2) أجر ". وعكس ~~هذا ما رواه مسلم عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~(عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت فدخلت فيها النار لاهي أطعمتها وسقتها ~~إذ هي حبستها ولا هي تركتها تأكل من خشاش (3) الأرض). وفي حديث عائشة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم (ومن سقى مسلما شربة من ماء حيث يوجد الماء ~~فكأنما أعتق رقبة ومن سقى مسلما شربة من ماء حيث لا يوجد الماء فكأنما ~~أحياها). خرجه ابن ماجة في السنن. # الثالثة - وقد استدل بهذه الآية من قال: إن صاحب الحوض والقربة أحق ~~بمائه، وأن له منعه ممن أراده، لأن معنى قول أهل الجنة: " إن الله حرمهما ~~على الكافرين " لا حق لكم فيها. وقد بوب البخاري رحمه الله على هذا المعنى: ~~(باب من رأى أن صاحب الحوض والقربة أحق بمائه) وأدخل في الباب عن أبي هريرة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # (والذي نفسي بيده لأذودن رجالا عن حوضي كما تذاد الغريبة من الإبل عن ~~الحوض). # قال المهلب: لا خلاف أن صاحب الحوض أحق بمائه، لقوله عليه السلام: ~~(لأذودن رجالا عن حوضي). # قوله تعالى: الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحياة الدنيا فاليوم ~~ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا وما كانوا بآياتنا يجحدون (51) " الذين " ~~في موضع خفض نعت للكافرين. وقد يكون رفعا ونصبا بإضمار. قيل: # هو من قول أهل الجنة. فاليوم ننساهم أي نتركهم في النار. كما نسوا لقاء ~~يومهم # PageV07P216 # هذا أي تركوا العمل به وكذبوا به. و " ما " مصدرية، أي كنسيهم. (وما ~~كانوا بآياتنا يجحدون) عطف عليه، وجحدهم. # قوله تعالى: ولقد جئناهم بكتب فصلنه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون (52) ~~قوله تعالى: (ولقد جئناهم بكتاب) يعني القرآن. " فصلناه " أي بيناه حتى ~~يعرفه من تدبره وقيل: " فصلناه " أنزلناه متفرقا. (على علم) منا به، لم يقع ~~فيه سهو ولا ms2604 غلط. # (هدى ورحمة) قال الزجاج: أي هاديا وذا رحمة، فجعله حالا من الهاء التي في ~~" فصلناه " . قال ويجوز هدى ورحمة، بمعنى هو هدى ورحمة. وقيل: يجوز هدى ~~ورحمة بالخفض على المن كتاب. وقال الكسائي والفراء: ويجوز هدى ورحمة بالخفض ~~على النعت لكتاب. قال الفراء: مثل " وهذا كتاب أنزلناه مبارك (1) ". (لقوم ~~يؤمنون) خص المؤمنون لأنهم المنتفعون به. # قوله تعالى: هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من ~~قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير ~~الذي كنا نعمل قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون (53) قوله تعالى: ~~(هل ينظرون إلا تأويله) بالهمز، من آل. وأهل المدينة يخففون الهمزة. ~~والنظر: الانتظار، أي هل ينتظرون إلا ما وعدوا به في القرآن من العقاب ~~والحساب. وقيل: " ينظرون " من النظر إلى يوم القيامة. فالكناية في " تأويله ~~" ترجع إلى الكتاب. وعاقبة (2) الكتاب ما وعد الله فيه من البعث والحساب. ~~وقال مجاهد: " تأويله " # PageV07P217 # جزاؤه، أي جزاء تكذيبهم بالكتاب. قال قتادة: " تأويله " عاقبته. والمعنى ~~متقارب. # (يوم يأتي تأويله) أي تبدو عواقبه يوم القيامة. و " يوم " منصوب ب‍ " ~~يقول "، أي يقول الذين نسوه من قبل يوم يأتي تأويله. (قد جاءت رسل ربنا ~~بالحق فهل لنا من شفعاء) استفهام فيه معنى التمني. (فيشفعوا) نصب لأنه جواب ~~الاستفهام. (لنا أو نرد) قال الفراء: المعنى أو هل نرد. (فنعمل غير الذي ~~كنا نعمل) قال الزجاج: نرد عطف على المعنى، أي هل يشفع لنا أحد أو نرد. ~~وقرأ ابن إسحاق " أنرد فنعمل " بالنصب فيهما. # والمعنى إلا أن نرد، كما قال (1): # فقلت له لا تبك عينك إنما * نحاول ملكا أو نموت فنعذرا وقرأ الحسن " أو ~~نرد فنعمل " برفعهما جميعا. (قد خسروا أنفسهم) أي فلم ينتفعوا بها، وكل من ~~لم ينتفع بنفسه فقد خسرها. وقيل: خسروا النعم وحظ أنفسهم منها. (وضل عنهم ~~ما كانوا يفترون) أي بطل ما كانوا يقولون من أن مع الله إلها آخر. # قوله تعالى: إن ربكم الله الذي خلق ms2605 السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى ~~على العرش يغشى الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات ~~بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العلمين (54) قوله تعالى: (إن ~~ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام) بين أنه المنفرد بقدرة ~~الإيجاد، فهو الذي يجب أن يعبد وأصل " ستة " سدسة، فأرادوا إدغام الدال في ~~السين فالتقيا عند مخرج التاء فغلبت عليهما. وإن شئت قلت: أبدل من إحدى ~~السينين تاء وأدغم في الدال، لأنك تقول في تصغيرها: سديسة، وفي الجمع ~~أسداس، والجمع والتصغير يردان الأسماء إلى أصولها. ويقولون: جاء فلان سادسا ~~وسادتا وساتا، فمن قال: # PageV07P218 # سادتا أيدل من السين تاء. واليوم: من طلوع الشمس إلى غروبها. فإن لم يكن ~~شمس فلا يوم، قال القشيري. وقال: ومعنى (في ستة أيام) أي من أيام الآخرة، ~~كل يوم ألف سنة، لتفخيم خلق السماوات والأرض. وقيل: من أيام الدنيا. قال ~~مجاهد وغيره: # أولها الأحد وآخرها الجمعة. وذكر هذه المدة ولو أراد خلقها في لحظة لفعل، ~~إذ هو القادر على أن يقول لها كوني فتكون. ولكنه أراد أن يعلم العباد الرفق ~~والتثبت في الأمور، ولتظهر قدرته للملائكة شيئا بعد شئ. وهذا عند من يقول: ~~خلق الملائكة قبل خلق السماوات والأرض. وحكمة أخرى - خلقها في ستة أيام لأن ~~لكل شئ عنده أجلا. وبين بهذا ترك معاجلة العصاة بالعقاب، لأن لكل شئ عنده ~~أجلا. وهذا كقول: (ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما ~~مسنا من لغوب. فاصبر على ما يقولون (1)) . بعد أن قال: " وكم أهلكنا قبلهم ~~من قرن هم أشد منهم بطشا " قوله تعالى: (ثم استوى على العرش) هذه مسألة ~~الاستواء، وللعلماء فيها كلام وإجراء. # وقد بينا أقوال العلماء فيها في الكتاب (الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى ~~وصفاته العلى) وذكرنا فيها هناك أربعة عشر قولا. والأكثر من المتقدمين ~~والمتأخرين أنه إذا وجب تنزيه الباري سبحانه عن الجهة والتحيز فمن ضرورة ~~ذلك ولواحقه اللازمة عليه عند عامة العلماء المتقدمين وقادتهم من المتأخرين ~~تنزيهه ms2606 تبارك وتعالى عن الجهة، فليس بجهة فوق عندهم، لأنه يلزم من ذلك ~~عندهم متى اختص بجهة أن يكون في مكان أو حيز، ويلزم على المكان والحيز ~~الحركة والسكون للمتحيز، والتغير والحدوث. هذا قول المتكلمين. وقد كان ~~السلف الأول رضي الله عنهم لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك، بل نطقوا ~~هم والكافة بإثباتها لله تعالى كما نطق كتابه وأخبرت رسله. ولم ينكر أحد من ~~السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة. وخص العرش بذلك لأنه أعظم ~~مخلوقاته، وإنما جهلوا كيفية الاستواء فإنه لاتعلم حقيقته. قال مالك رحمه ~~الله: الاستواء معلوم - يعني في اللغة - والكيف # PageV07P219 # مجهول، والسؤال عن هذا بدعة. وكذا قالت أم سلمة رضي الله عنها. وهذا ~~القدر كاف، ومن أراد زيادة عليه فليقف عليه في موضعه من كتب العلماء. ~~والاستواء في كلام العرب هو العلو والاستقرار. قال الجوهري: واستوى من ~~اعوجاج، واستوى على ظهر دابته، أي استقر. واستوى إلى السماء أي قصد. واستوى ~~أي استولى وظهر. قال: # قد استوى بشر على العراق * من غير سيف ودم مهراق واستوى الرجل أي انتهى ~~شبابه. واستوى الشئ إذا اعتدل. وحكى أبو عمر بن عبد البر عن أبي عبيدة في ~~قوله تعالى: " الرحمن على العرش استوى (1) " قال: علا. وقال الشاعر: # فأوردتهم ماء بفيفاء قفرة * وقد حلق النجم اليماني فاستوى أي علا وارتفع. # قلت: فعلو الله تعالى وارتفاعه عبارة عن علو مجده وصفاته وملكوته. أي ليس ~~فوقه فيما يجب له من معاني الجلال أحد، ولا معه من يكون العلو مشتركا بينه ~~وبينه، لكنه العلي بالإطلاق سبحانه. # قوله تعالى: (على العرش) لفظ مشترك يطلق على أكثر من واحد. قال الجوهري ~~وغيره: العرش سرير الملك. وفي التنزيل " نكروا لها عرشها (2) "، " ورفع ~~أبويه على العرش (3) " والعرش: سقف البيت. وعرش القدم: ما نتأ في ظهرها ~~وفيه الأصابع. وعرش السماك: أربعة كواكب صغار أسفل من العواء (4)، يقال: ~~إنها عجز الأسد. وعرش البئر: # طيها بالخشب، بعد أن يطوى أسفلها بالحجارة قدر قامة، فذلك الخشب هو ~~العرش، والجمع عروش. والعرش اسم ms2607 لمكة. والعرش الملك والسلطان. يقال: ثل عرش ~~فلان إذا ذهب ملكه وسلطانه وعزه. قال زهير: # تداركتما عبسا وقد ثل عرشها * وذبيان إذ ذلت بأقدامها النعل # PageV07P220 # وقد يئول العرش في الآية بمعنى الملك، أي ما استوى الملك إلا له جل وعز. ~~وهو قول حسن وفيه نظر، وقد بيناه في جملة الأقوال في كتابنا. والحمد لله. # قوله تعالى: (يغشى الليل النهار) أي يجعله كالغشاء، أي يذهب نور النهار ~~ليتم قوام الحياة في الدنيا بمجئ الليل. فالليل للسكون، والنهار للمعاش. ~~وقرئ " يغشى " بالتشديد، ومثله في " الرعد (1) ". وهي قراءة أبي بكر عن ~~عاصم وحمزة والكسائي. وخفف الباقون. # وهما لغتان أغشى وغشى. وقد أجمعوا على " فغشاها (2) ما غشى " مشددا. ~~وأجمعوا على " فأغشيناهم (3) " فالقراءتان متساويتان. وفي التشديد معنى ~~التكرير والتكثير. والتغشية والإغشاء: # إلباس الشئ الشئ. ولم يذكر في هذه الآية دخول النهار على الليل، فاكتفى ~~بأحدهما عن الآخر، مثل " سرابيل تقيكم (4) الحر ". " بيدك الخير (5) ". ~~وقرأ حميد بن قيس " يغشي الليل النهار " ومعناه أن النهار يغشى الليل. ~~(يطلبه حثيثا) أي يطلبه دائما من غير فتور. و " يغشي الليل النهار " في ~~موضع نصب على الحال. والتقدير: استوى على العرش مغشيا الليل النهار. وكذا " ~~يطلبه حثيثا " حال من الليل، أي يغشي الليل النهار طالبا له. ويحتمل أن ~~تكون الجملة مستأنفة ليست بحال. " حثيثا " بدل من طالب المقدر أو نعت له، ~~أو نعت لمصدر محذوف، أي يطلبه طلبا سريعا. والحث: الإعجال والسرعة. وولى ~~حثيثا أي مسرعا. (والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره) قال الأخفش: هي ~~معطوفة على السماوات، أي وخلق الشمس. وروي عن عبد الله بن عامر بالرفع فيها ~~كلها على الابتداء والخبر. # قوله تعالى: (ألا له الخلق والأمر) فيه مسألتان الأولى - صدق الله في ~~خبره، فله الخلق وله الأمر، خلقهم وأمرهم بما أحب. وهذا الأمر يقتضي النهي. ~~قال ابن عيينة: فرق بين الخلق والأمر، فمن جمع بينهما فقد كفر. # PageV07P221 # فالخلق المخلوق، والأمر كلامه الذي هو غير مخلوق وهو قوله: " كن ". " ~~إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ms2608 (1) " وفي تفرقته بين الخلق ~~والأمر دليل بين على فساد قول من قال بخلق القرآن، إذ لو كان كلامه الذي هو ~~أمر مخلوقا لكان قد قال: ألا له الخلق والخلق. وذلك عي من الكلام ومستهجن ~~ومستغث. والله يتعالى عن التكلم بما لا فائدة فيه. # ويدل عليه قوله سبحانه. " ومن آياته أن تقوم السماء والأرض (2) بأمره ". ~~" والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره (3) ". فأخبر سبحانه أن المخلوقات ~~قائمة بأمره، فلو كان الأمر مخلوقا لافتقر إلى أمر آخر يقوم به، وذلك الأمر ~~إلى أمر آخر إلى ما لا نهاية له. وذلك محال. # فثبت أن أمره الذي هو كلامه قديم أزلي غير مخلوق، ليصح قيام المخلوقات ~~به. ويدل عليه أيضا قوله تعالى: " وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما ~~إلا (3) بالحق ". وأخبر تعالى أنه خلقهما بالحق، يعني القول وهو قوله ~~للمكونات: " كن ". فلو كان الحق مخلوقا لما صح أن يخلق به المخلوقات، لأن ~~الخلق لا يخلق بالمخلوق. يدل عليه " ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين " . ~~" إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون (4) ". " ولكن حق القول ~~مني (2) ". وهذا كله إشارة إلى السبق في القول في القدم (5)، وذلك يوجب ~~الأزل في الوجود. وهذه النكتة كافية في الرد عليهم. ولهم آيات احتجوا بها ~~على مذهبهم، مثل قوله تعالى: " ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث " الآية. ~~ومثل قوله تعالى: " وكان أمر الله قدرا مقدورا (2) ". و " مفعولا (2) " وما ~~كان مثله. قال القاضي أبو بكر: معنى " ما يأتيهم من ذكر (4) " أي من وعظ من ~~النبي صلى الله عليه وسلم ووعد وتخويف " إلا استمعوه وهم يلعبون "، لأن وعظ ~~الرسل صلوات الله عليهم وسلامه وتحذيرهم ذكر. قال الله تعالى: " فذكر إنما ~~أنت مذكر (6) ". ويقال: # فلان في مجلس الذكر. ومعنى " وكان أمر الله قدرا مقدورا " و " مفعولا " ~~أراد سبحانه # PageV07P222 # عقابه وانتقامه من الكافرين ونصره للمؤمنين وما حكم به وقدره من أفعاله. ~~ومن ذلك قوله تعالى: " حتى إذا جاء أمرنا (1) " وقال عز وجل: " وما أمر ~~فرعون برشيد " يعني به شأنه وأفعال وطرائقه. قال الشاعر: # لها ms2609 أمرها حتى إذا ما تبوأت * بأخفافها مرعى تبوأ مضجعا الثانية - وإذا ~~تقرر هذا فأعلم أن الأمر ليس من الإرادة في شئ. والمعتزلة تقول: # الأمر نفس الإرادة. وليس بصحيح، بل يأمر بما لا يريد وينهى عما يريد. ألا ~~ترى أنه أمر إبراهيم بذبح ولده ولم يرده منه، وأمر نبيه أن يصلي مع أمته ~~خمسين صلاة، ولم يرد منه إلا خمس صلوات. وقد أراد شهادة حمزة حيث يقول: " ~~ويتخذ منكم شهداء (2) ". وقد نهى الكفار عن قتله ولم يأمرهم به. وهذا صحيح ~~نفيس فبابه، فتأمله. # قوله تعالى: (تبارك الله رب العالمين) " تبارك " تفاعل، من البركة وهي ~~الكثرة والاتساع. يقال بورك الشئ وبورك فيه، قال ابن عرفة. وقال الأزهري: " ~~تبارك " تعالى وتعاظم وارتفع. وقيل: إن باسمه يتبرك ويتيمن. وقد مضى في ~~الفاتحة معنى " رب العالمين (3) " قوله تعالى: ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه ~~لا يحب المعتدين (55) فيه ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (ادعوا ربكم) هذا أمر بالدعاء وتعبد به. ثم قرن جل ~~وعز بالأمر صفات تحسن معه، وهي الخشوع والاستكانة والتضرع. ومعنى " خفية " ~~أي سرا في النفس ليبعد عن الرياء، وبذلك أثنى على نبيه زكريا عليه السلام ~~إذ قال مخبرا عنه: # " إذ نادى ربه نداء خفيا (4) ". ونحوه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ~~(خير الذكر الخفي وخير الرزق ما يكفي). والشريعة مقررة أن السر فيما لم ~~يعترض من أعمال البر أعظم أجرا من الجهر. # PageV07P223 # وقد تقدم هذا المعنى في " البقرة (1) ". قال الحسن بن أبي الحسن: لقد ~~أدركنا أقواما ما كان على الأرض عمل يقدرون على أن يكون سرا فيكون جهرا ~~أبدا. ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء فلا يسمع لهم صوت، إن هو إلا ~~الهمس بينهم وبين ربهم. وذلك أن الله تعالى يقول: # (ادعوا ربكم تضرعا وخفية). وذكر عبد ا صالحا رضي فعله فقال: " إذ نادى ~~ربه نداء خفيا ". وقد استدل أصحاب أبي حنيفة بهذا على أن إخفاء " آمين " ~~أولى من الجهر بها، لأنه دعاء. وقد مضى القول فيه في " الفاتحة (2) ". وروى ~~مسلم عن أبي ms2610 موسى قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر - وفي رواية ~~في غزاة - فجعل الناس يجهرون بالتكبير - وفي رواية فجعل رجل كلما علا ثنية ~~قال: لا إله إلا الله - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيها الناس ~~اربعوا (3) على أنفسكم إنكم لستم تدعون أصم ولا غائبا إنكم تدعون سميعا ~~قريبا وهو معكم). الحديث. # الثانية - واختلف العلماء في رفع اليدين في الدعاء، فكرهه طائفة منهم ~~جبير بن مطعم وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير. ورأى شريح رجلا رافعا يديه ~~فقال: من تتناول بهما، لا أم لك! وقال مسروق لقوم رفعوا أيديهم: قطعها ~~الله. واختاروا إذا دعا الله في حاجة أن يشير بأصبعه السبابة. ويقولون: ذلك ~~الإخلاص. وكان قتادة يشير بأصبعه ولا يرفع يديه. وكره رفع الأيدي عطاء ~~وطاوس ومجاهد وغيرهم. وروى جواز الرفع عن جماعة من الصحابة والتابعين، وروي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم، ذكره البخاري. قال أبو موسى الأشعري: دعا ~~النبي صلى الله عليه وسلم ثم رفع يديه ورأيت بياض إبطيه. ومثله عن أنس. # وقال ابن عمر: رفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه وقال: (اللهم إني أبرأ ~~إليك مما صنع خالد (4). # وفي صحيح مسلم من حديث عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم بدر نظر رسول الله ~~صلى الله # PageV07P224 # عليه وسلم إلى المشركين، وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وسبعة عشر (1) رجلا، ~~فاستقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم القبلة مادا يديه، فجعل يهتف بربه، ~~وذكر الحديث. وروى الترمذي عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~رفع يديه لم يحطهما حتى يمسح بهما وجهه. قال: # هذا حديث صحيح غريب. وروى ابن ماجة عن سلمان عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # (إن ربكم حيي كريم يستحيي من عبده أن يرفع يديه إليه فيردهما صفرا (أو ~~قال (2)) خائبتين). # احتج الأولون بما رواه مسلم عن عمارة بن رويبة ورأى بشر بن مروان على ~~المنبر رافعا يديه فقال: قبح الله هاتين اليدين، لقد رأيت رسول الله صلى ms2611 ~~الله عليه وسلم ما يزيد على أن يقول بيده هكذا، وأشار بأصبعه المسبحة. وبما ~~روى سعيد بن أبي عروبة عن قتادة أن أنس ابن مالك حدثه أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان لا يرفع يديه في شئ من الدعاء إلا عند الاستسقاء فإنه كان ~~يرفعهما حتى يرى بياض إبطيه. والأول أصح طرقا وأثبت من حديث سعيد بن أبي ~~عروبة، فإن سعيدا كان قد تغير عقله في آخر عمره. وقد خالفه شعبة في روايته ~~عن قتادة عن أنس (بن مالك (3)) فقال فيه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يرفع يديه حتى يرى بياض إبطيه. وقد قيل: إنه إذا نزلت بالمسلمين نازلة أن ~~الرفع عند ذلك جميل حسن كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء ~~ويوم بدر. # قلت: والدعاء حسن كيفما تيسر، وهو المطلوب من الإنسان لإظهار موضع الفقر ~~والحاجة إلى الله عز وجل، والتذلل له والخضوع. فإن شاء استقبل القبلة ورفع ~~يديه فحسن، وإن شاء فلا، فقد فعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم حسبما ورد ~~في الأحاديث. # وقد قال تعالى: " ادعوا ربكم تضرعا وخفية ". ولم يرد (4) صفة من رفع يدين ~~وغيرها. وقال: # " الذين يذكرون الله قياما وقعودا (5) " فمدحهم ولم يشترط حالة غير ما ~~ذكر. وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته يوم الجمعة وهو غير مستقبل ~~القبلة. # PageV07P225 # الثالثة - قوله تعالى: (إنه لا يحب المعتدين) يريد في الدعاء وإن كان ~~اللفظ عاما (إلى هذا هي الإشارة (1). والمعتدي هو المجاوز للحد ومرتكب ~~الحظر. وقد يتفاضل بحسب ما اعتدى فيه. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: (سيكون قوم يعتدون في الدعاء). أخرجه ابن ماجة عن أبي بكر بن أبي ~~شيبة. حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة أخبرنا سعيد الجريري عن أبي نعامة أن ~~عبد الله بن مغفل سمع ابنه يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين ~~الجنة إذا دخلتها. فقال: أي بني، سل الله الجنة وعذبه من النار، فإني سمعت ~~رسول الله صلى ms2612 الله عليه وسلم يقول: (سيكون قوم يعتدون في الدعاء). ~~والاعتداء في الدعاء على وجوه: منها الجهر الكثير والصياح، كما تقدم. ومنها ~~أن يدعو الإنسان في أن تكون له منزلة نبي، أو يدعو في محال، ونحو هذا من ~~الشطط. ومنها أن يدعو طالبا معصية وغير ذلك. ومنها أن يدعو بما ليس في ~~الكتاب والسنة، فيتخير ألفاظا مفقرة (2) وكلمات مسجعة قد وجدها في كراريس ~~لا أصل لها ولا معول عليها، فيجعلها شعاره ويترك ما دعا به رسوله عليه ~~السلام. وكل هذا يمنع من استجابة الدعاء. كما تقدم في البقرة بيانه. قوله ~~تعالى: ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمت الله ~~قريب من المحسنين قوله تعالى: (ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها) فيه مسألة ~~واحدة وهو أنه سبحانه نهى عن كل فساد قل أو كثر بعد صلاح قل أو كثر. فهو ~~على العموم على الصحيح من الأقوال. وقال الضحاك: معناه لا تعوروا (4) الماء ~~المعين، ولا تقطعوا الشجر المثمر ضرارا. وقد ورد: قطع الدنانير من الفساد ~~في الأرض. وقد قيل: تجارة الحكام من الفساد في الأرض. وقال القشيري: المراد ~~ولا تشركوا، فهو نهي عن الشرك وسفك الدماء والهرج في الأرض، وأمر بلزوم ~~الشرائع بعد إصلاحها، بعد أن أصلحها الله ببعثه الرسل، وتقرير (5) # PageV07P226 # الشرائع ووضوح ملة محمد صلى الله عليه وسلم. قال ابن عطية: وقائل هذه ~~المقالة قصد إلى أكبر فساد بعد أعظم صلاح فخصه بالذكر. # قلت: وأما ما ذكره الضحاك فليس على عمومه، وإنما ذلك إذا كان فيه ضرر على ~~المؤمن، وأما ما يعود ضرره على المشركين فذلك جائز، فإن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قد عور ماء قليب (1) بدر وقطع شجر الكافرين. وسيأتي الكلام في ~~قطع الدنانير في " هود (2) " إن شاء الله تعالى. # (وادعوه خوفا وطمعا) أمر بأن يكون الإنسان في حالة ترقب وتخوف وتأميل لله ~~عز وجل، حتى يكون الرجاء والخوف للإنسان كالجناحين للطائر يحملانه في طريق ~~استقامته، وإن انفرد أحدهما هلك الإنسان، قال الله تعالى: " نبئ عبادي ms2613 أني ~~أنا الغفور الرحيم. وأن عذابي هو العذاب الأليم (3) ". فرجى وخوف. فيدعو ~~الإنسان خوفا من عقابه وطمعا في ثوابه، قال الله تعالى: " ويدعوننا رغبا ~~ورهبا (4) ". وسيأتي القول فيه. والخوف: الانزعاج لما لا يؤمن من المضار. ~~والطمع: توقع المحبوب، قال القشيري. وقال بعض أهل العلم: # ينبغي أن يغلب (5) الخوف الرجاء طول الحياة، فإذا جاء الموت غلب الرجاء. ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله). ~~صحيح أخرجه مسلم. # قوله تعالى: (إن رحمة الله قريب من المحسنين) ولم يقل قريبة. ففيه سبعة ~~أوجه: # أولها أن الرحمة والرحم واحد، وهي بمعنى العفو الغفران، قاله الزجاج ~~واختاره النحاس. # وقال النضر بن شميل: الرحمة مصدر، وحق المصدر التذكير، كقوله: " فمن جاءه ~~موعظة (6) " . وهذا قريب من قول الزجاج، لأن الموعظة بمعنى الوعظ. وقيل: ~~أراد بالرحمة الإحسان، # PageV07P227 # ولأن ما لا يكون تأنيثه حقيقيا جاز تذكيره، ذكره الجوهري. وقيل: أراد ~~بالرحمة هنا المطر، قاله الأخفش. قال: ويجوز أن يذكر كما يذكر بعض المؤنث. ~~وأنشد: # فلا مزنة ودقت ودقها * ولا أرض أبقل إبقالها (1) وقال أبو عبيدة: ذكر " ~~قريب " على تذكير المكان، أي مكانا قريبا. قال علي بن سليمان: # وهذا خطأ، ولو كان كما قال لكان " قريب " منصوبا في القرآن، كما تقول: إن ~~زيدا قريبا منك. وقيل: ذكر على النسب، كأنه قال: إن رحمة الله ذات قرب، كما ~~تقول: امرأة طالق وحائض. وقال الفراء: إذا كان القريب في معنى المسافة يذكر ~~مؤنث، إن كان في معنى النسب يؤنث بلا اختلاف بينهم. تقول: هذه المرأة ~~قريبتي، أي ذات قرابتي، ذكره الجوهري. وذكره غيره عن الفراء: يقال في النسب ~~قريبة فلان، وفي غير النسب يجوز التذكير والتأنيث، يقال: دارك منا قريب، ~~وفلانة منا قريب، قال الله تعالى: " وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا (2) ~~". وقال من احتج له: كذا كلام العرب، كما قال امرؤ القيس: # له الويل إن أمسى ولا أم هاشم * قريب ولا البسباسة ابنة يشكرا قال ~~الزجاج: وهذا خطأ، لأن سبيل المذكر والمؤنث أن يجريا ms2614 على أفعالهما. # قوله تعالى: وهو الذي يرسل الريح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ~~ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج ~~الموتى لعلكم تذكرون (57) قوله تعالى: (وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي ~~رحمته) عطف على قوله: " يغشي الليل النهار ". ذكر شيئا آخر من نعمه، ودل ~~على وحدانيته وثبوت إلهيته. وقد مضى الكلام # PageV07P228 # في الريح في البقرة (1). ورياح جمع كثرة وأرواح جمع قلة. وأصل ريح روح. ~~وقد خطئ من قال في جمع القلة أرياح. " بشرا " فيه سبع قراءات: قرأ أهل ~~الحرمين وأبو عمرو " نشرا " بضم النون والشين جمع ناشر على معنى النسب، أي ~~ذات نشر، فهو مثل شاهد وشهد. ويجوز أن يكون جمع نشور كرسول ورسل. يقال: ريح ~~النشور إذا أتت من هاهنا وهاهنا. # والنشور بمعنى المنشور، كالركوب بمعنى المركوب. أي وهو الذي يرسل الرياح ~~منشرة. # وقرأ الحسن وقتادة " نشرا " بضم النون وإسكان الشين مخففا من نشر، كما ~~يقال: كتب ورسل. وقرأ الأعمش وحمزة " نشرا " بفتح النون وإسكان الشين على ~~المصدر، أعمل فيه معنى ما قبله، كأنه قال: وهو الذي ينشر الرياح نشرا. نشرت ~~الشئ فانتشر، فكأنها كانت مطوية فنشرت عند الهبوب. ويجوز أن يكون مصدرا في ~~موضع الحال من الرياح، كأنه قال يرسل الرياح منشرة، أي محيية، من أنشر الله ~~الميت فنشر، كما تقول أتانا ركضا، أي راكضا. وقد قيل: إن نشرا (بالفتح) من ~~النشر الذي هو خلاف الطي على ما ذكرنا. كأن الريح في سكونها كالمطوية ثم ~~ترسل من طيها ذلك فتصير كالمنفتحة. وقد فسره أبو عبيد بمعنى متفرقة في ~~وجوهها، على معنى ينشرها هاهنا وهاهنا. وقرأ عاصم: " بشرا " بالباء وإسكان ~~الشين والتنوين جمع بشير، أي الرياح تبشر بالمطر. وشاهده قوله: " ومن آياته ~~أن يرسل الرياح مبشرات (2) ". وأصل الشين الضم، لكن سكنت تخفيفا كرسل ورسل. ~~وروي عنه " بشرا " بفتح الباء. قال النحاس: ويقرأ " بشرا " و " بشر مصدر ~~بشره يبشره بمعنى بشره " فهذه خمس قراءات. وقرأ محمد اليماني " بشرى " على ms2615 ~~وزن حبلى. وقراءة سابعة " بشرى " بضم الباء والشين. # (حتى إذا أقلت سحابا ثقالا) السحاب يذكر ويؤنث. وكذا كل جمع بينه وبين ~~واحدته هاء. ويجوز نعته بواحد فتقول: سحاب ثقيل وثقيلة. والمعنى: حملت ~~الريح سحابا ثقالا بالماء، أي أثقلت بحمله. يقال: أقل فلان الشئ أي حمله. ~~سقناه # PageV07P229 # أي السحاب. (لبلد ميت) أي ليس فيه نبات. يقال: سقته لبلد كذا وإلى بلد ~~كذا. وقيل لأجل بلد ميت، فاللام لام أجل. والبلد كل موضع من الأرض عامر أو ~~غير عامر خال أو مسكون. والبلدة والبلد واحد البلاد والبلدان. والبلد الأثر ~~وجمعه أبلاد. # قال الشاعر: # من بعد ما شمل البلى أبلادها (1) والبلد: أدحي (2) النعام. يقال: هو أذل ~~من بيضة البلد، أي من بيضة النعام التي يتركها. # والبلدة الأرض، يقال: هذه بلدتنا كما يقال بحرتنا. والبلدة من منازل ~~القمر، وهي ستة أنجم من القوس تنزلها الشمس في أقصر يوم في السنة. والبلدة ~~الصدر، يقال: فلان واسع البلدة أي واسع قال الشاعر: # أنيخت فألقت بلدة فوق (3) بلدة * قليل بها الأصوات إلا بغامها يقول: بركت ~~الناقة فألقت صدرها على الأرض. والبلدة (بفتح الباء وضمها): نقاوة ما بين ~~الحاجبين، فهما من الألفاظ المشتركة. (فأنزلنا به الماء) أي بالبلد. وقيل: # أنزلنا بالسحاب الماء، لأن السحاب آلة لإنزال الماء. ويحتمل أن يكون ~~المعنى فأنزلنا منه الماء، كقوله: " يشرب بها عباد الله (4) " أي منها. ~~(فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون) الكاف في موضع ~~نصب. أي مثل ذلك الإخراج نحيي الموتى. # وخرج البيهقي وغيره عن أبي رزين العقيلي قال: قلت يا رسول الله، كيف يعيد ~~الله الخلق، وما آية ذلك في خلقه؟ قال: (أما مررت بوادي قومك جدبا ثم مررت ~~به يهتز خضرا) قال: نعم، قال: (فتلك آية الله في خلقه). وقيل: وجه التشبيه ~~أن إحياءهم من قبورهم يكون بمطر يبعثه الله على قبورهم، فتنشق عنهم القبور، ~~ثم تعود إليهم الأرواح. وفي صحيح # PageV07P230 # مسلم من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم (ثم يرسل ms2616 ~~الله - أو قال ينزل الله - مطرا كأنه الطل فتنبت منه أجساد الناس ثم يقال ~~يا أيها الناس هلموا إلى ربكم وقفوهم إنهم مسؤولون). وذكر الحديث. وقد ~~ذكرناه بكماله في كتاب (التذكرة) والحمد لله. فدل على البعث والنشور، وإلى ~~الله ترجع الأمور. # قوله تعالى: والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا ~~نكدا كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون (58) قوله تعالى: (والبلد الطيب يخرج ~~نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا) أي التربة الطيبة. والخبيث ~~الذي في تربته حجارة أو شوك، عن الحسن. وقيل: معناه التشبيه، شبه تعالى ~~السريع الفهم بالبلد الطيب، والبليد بالذي خبث، عن النحاس. # وقيل: هذا مثل للقلوب، فقلب يقبل الوعظ والذكرى، وقلب فاسق ينبو عن ذلك، ~~قال الحسن أيضا. وقال قتادة: مثل للمؤمن يعمل محتسبا متطوعا، والمنافق غير ~~محتسب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم ~~أنه يجد عظما سمينا أو مرماتين (1) حسنتين لشهد العشاء). " نكدا " نصب على ~~الحال، وهو العسر الممتنع من إعطاء الخير. وهذا تمثيل. قال مجاهد: يعني أن ~~في بني آدم الطيب والخبيث. وقرأ طلحة " إلا نكدا " حذف الكسرة لثقلها. وقرأ ~~ابن القعقاع " نكدا " بفتح الكاف، فهو مصدر بمعنى ذا نكد. كما قال: # فإنما هي إقبال وإدبار (2) وقيل: " نكدا " بنصب الكاف وخفضها بمعنى، ~~كالدنف والدنف، لغتان. (كذلك نصرف الآيات) أي كما صرفنا من الآيات، وهي ~~الحجج والدلالات، في إبطال الشرك، كذلك نصرف الآيات في كل ما يحتاج إليه ~~الناس. (لقوم يشكرون) وخص الشاكرين لأنهم المنتفعون بذلك. # PageV07P231 # قوله تعالى: لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يقوم اعبدوا الله ما لكم من ~~إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم (59) قوله تعالى: (لقد أرسلنا نوحا ~~إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله) لما بين أنه الخالق القادر على الكمال ~~ذكر أقاصيص الأمم وما فيها من تحذير الكفار. واللام في " لقد " للتأكيد ~~المنبه على القسم. والفاء دالة على أن الثاني بعد الأول. " يا قوم " نداء ~~مضاف. ويجوز ms2617 " يا قومي " على الأصل. ونوح أول الرسل إلى الأرض بعد آدم ~~عليهما السلام بتحريم البنات والأخوات والعمات والخالات. قال النحاس: ~~وانصرف لأنه على ثلاثة أحرف. وقد يجوز أن يشتق من ناح ينوح، وقد تقدم إن في ~~" آل عمران (1) " هذا المعنى وغيره فأغنى عن إعادته. # قال ابن العربي: ومن قال إن إدريس كان قبله من المؤرخين فقد وهم. والدليل ~~على صحة وهمه الحديث الصحيح في الإسراء حين لقي النبي صلى الله عليه وسلم ~~آدم وإدريس فقال له آدم: # (مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح). وقال له إدريس: (مرحبا بالنبي ~~الصالح والأخ الصالح). فلو كان إدريس أبا لنوح لقال مرحبا بالنبي الصالح ~~والابن الصالح. فلما قال له والأخ الصالح دل ذلك على أنه يجتمع معه في نوح، ~~صلوات الله عليهم أجمعين. ولا كلام لمنصف بعد هذا. قال القاضي عياض: وجاء ~~جواب الآباء ها هنا كنوح وإبراهيم وآدم (مرحبا بالابن الصالح). وقال عن ~~إدريس (بالأخ الصالح) كما ذكر عن موسى وعيسى ويوسف وهارون ويحيى ممن ليس ~~بأب باتفاق للنبي صلى الله عليه وسلم. وقال المازري: قد ذكر المؤرخون أن ~~إدريس جد نوح عليهما السلام. فإن قام الدليل على أن إدريس بعث أيضا لم يصح ~~قول النسابين أنه قبل نوح، لما أخبر عليه السلام من قول آدم أن نوحا أول ~~رسول بعث، وإن لم يقم دليل جاز ما قالوا: وصح أن يحمل أن إدريس كان نبيا ~~غير مرسل. قال القاضي عياض: # قد يجمع بين هذا بأن يقال: اختص بعث نوح لأهل الأرض - كما قال في الحديث ~~- كافة كنبينا عليه السلام. ويكون إدريس لقومه كموسى وهود وصالح ولوط ~~وغيرهم. وقد استدل # PageV07P232 # بعضهم على هذا بقوله تعالى: " وإن إلياس لمن المرسلين. إذ قال لقومه ألا ~~تتقون (1) ". وقد قيل: إن إلياس هو إدريس. وقد قرئ " سلام على إدراسين ". ~~قال القاضي عياض: # وقد رأيت أبا الحسن بن بطال ذهب إلى أن آدم ليس برسول، ليسلم من هذا ~~الاعتراض. # وحديث أبي ذر الطويل يدل على أن آدم وإدريس رسولان. قال ms2618 ابن عطية: ومجمع ~~ذلك بأن تكون بعثة نوح مشهورة لإصلاح الناس وحملهم بالعذاب والإهلاك على ~~الإيمان، فالمراد أنه أول نبي بعث على هذه الصفة. والله أعلم. وروي عن ابن ~~عباس أن نوحا عليه السلام بعث وهو ابن أربعين سنة. قال الكلبي: بعد آدم ~~بثمانمائة سنة. وقال ابن عباس: وبقي في قومه يدعوهم ألف سنة إلا خمسين ~~عاما، كما أخبر التنزيل. ثم عاش بعد الطوفان ستين سنة. حتى كثر الناس ~~وفشوا. وقال وهب: بعث نوح وهو ابن خمسين سنة. وقال عون بن شداد: بعث نوح ~~وهو ابن ثلاثمائة وخمسين سنة. وفي كثير من كتب الحديث: الترمذي وغيره أن ~~جميع الخلق الآن من ذرية نوح عليه السلام. وذكر النقاش عن سليمان بن أرقم ~~عن الزهري: أن العرب وفارس والروم وأهل الشام وأهل اليمن من ولد سام بن ~~نوح. # والسند والهند والزنج والحبشة والزط والنوبة، وكل جلد أسود من ولد حام بن ~~نوح. # والترك وبربر ووراء الصين ويأجوج ومأجوج والصقالبة كلهم من ولد يافث بن ~~نوح. # والخلق كلهم ذرية نوح. # قوله تعالى: (ما لكم من إله غيره) برفع " غيره " قراءة نافع وأبي عمرو ~~وعاصم وحمزة. أي ما لكم إله غيره. نعت على الموضع. وقيل: " غير " بمعنى ~~إلا، أي ما لكم من إله إلا الله. قال أبو عمرو: ما أعرف الجر ولا النصب. ~~وقرأ الكسائي بالخفض على الموضع. # ويجوز النصب على الاستثناء، وليس بكثير، غير أن الكسائي والفراء أجازا ~~نصب " غير " في كل موضع يحسن فيه " إلا " تم الكلام أو لم يتم فأجازا: ما ~~جاءني غيرك. قال الفراء: # هي لغة بعض بني أسد وقضاعة. وأنشد: # PageV07P233 # لم يمنع الشرب منها غير أن هتفت * حمامة في سحوق ذات أوقال (1) قال ~~الكسائي: ولا يجوز جاءني غيرك، في الإيجاب، لأن إلا لا تقع هاهنا قال ~~النحاس لا يجوز عند البصريين نصب " غير " إذا لم يتم الكلام. وذلك عندهم من ~~أقبح اللحن. # قوله تعالى: قال الملأ من قومه إنا لنريك في ضلل مبين (60) قال يقوم ليس ~~بي ضللة ولكني ms2619 رسول من رب العالمين (61) أبلغكم رسالات ربى وأنصح لكم وأعلم ~~من الله ما لا تعلمون (62) " الملأ " أشرف القوم ورؤساؤهم. وقد تقدم بيانه ~~في البقرة (2). الضلال والضلالة: # العدول عن طريق الحق، والذهاب عنه. أي إنا لنراك في دعائنا إلى إله واحد ~~في ضلال عن الحق. (أبلغكم) بالتشديد من التبليغ، وبالتخفيف من الإبلاغ. ~~وقيل: هما بمعنى واحد لغتان، مثل كرمه وأكرمه. (وأنصح لكم) النصح: إخلاص ~~النية من شوائب الفساد في المعاملة، بخلاف الغش. يقال: نصحته ونصحت له ~~نصيحة ونصاحة ونصحا. وهو باللام أفصح. قال الله تعالى: " وأنصح لكم " ~~والاسم النصيحة. والنصيح الناصح، وقوم نصحاء. ورجل ناصح الجيب أي نقي ~~القلب. قال الأصمعي: الناصح الخالص من العسل وغيره. مثل الناصع. وكل شئ خلص ~~فقد نصح. وانتصح فلان أقبل على النصيحة. # يقال: انتصحني إنني لك ناصح. والناصح الخياط. والنصاح السلك يخاط به. ~~والنصاحات أيضا الجلود. قال الأعشى: # فترى الشرب نشاوى كلهم * مثل ما مدت نصاحات الربح الربح لغة في الربع، ~~وهو الفصيل. والربح أيضا طائر. وسيأتي لهذا زيادة معنى في " براءة (3) " إن ~~شاء الله تعالى. # PageV07P234 # قوله تعالى: أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ~~ولعلكم ترحمون (63) فكذبوه فأنجيناه والذين معه. # في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوما عمين (64) قوله ~~تعالى: (أوعجبتم) فحت الواو لأنها واو عطف، دخلت عليها ألف الاستفهام ~~للتقرير. وسبيل الواو أن تدخل على حروف الاستفهام إلا الألف لقوتها. (أن ~~جاءكم ذكر) أي وعظ من ربكم. (على رجل منكم) أي على لسان رجل. وقيل: " على " ~~بمعنى " مع "، أي مع رجل وقيل: المعنى أن جاءكم ذكر من ربكم منزل على رجل ~~منكم، أي تعرفون نسبه. أي على رجل من جنسكم. ولو كان ملكا فربما كان في ~~اختلاف الجنس تنافر الطبع. # " الفلك " يكون واحدا ويكون جمعا. وقد تقدم في البقرة (1). و " عمين " أي ~~عن الحق، قال قتادة. وقيل: عن معرفة الله تعالى وقدرته، يقال: رجل عم بكذا، ~~أي جاهل. # قوله تعالى: وإلى عاد أخاهم هودا قال يقوم ms2620 اعبدوا الله مالكم من إله غيره ~~أفلا تتقون (65) قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنريك في سفاهة وإنا ~~لنظنك من الكاذبين (66) قال يقوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين ~~(67) أبلغكم رسالات ربى وأنا لكم ناصح أمين (68) أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ~~ربكم على رجل منكم لينذركم واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم ~~في الخلق بصطة فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون (69) قوله تعالى: (وإلى عاد ~~أخاهم هودا) أي وأرسلنا إلى عاد أخاهم هودا. قال ابن عباس أي ابن أبيهم. ~~وقيل: أخاهم في القبيلة. وقيل: أي بشرا من بني أبيهم آدم. # PageV07P235 # وفي مصنف أبي داود أن أخاهم هودا أي صاحبهم. وعاد من ولد سام بن نوح. قال ~~ابن إسحاق: وعاد هو ابن عوص بن إرم بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح عليه ~~السلام. # وهود هو هود بن عبد الله بن رباح بن الجلود بن عاد بن عوص بن إرم بن سام ~~بن نوح. # بعثه الله إلى عاد نبيا. وكان من أوسطهم نسبا وأفضلهم حسبا. و " عاد " من ~~لم يصرفه جعله اسما للقبيلة، ومن صرفه جعله اسما للحي. قال أبو حاتم: وفي ~~حرف أبي وابن مسعود " عاد الأولى (1) " بغير ألف. # و " هود " أعجمي، وانصرف لخفته، لأنه على ثلاثة أحرف. وقد يجوز أن يكون ~~عربيا مشتقا من هاد يهود. والنصب على البدل. وكان بين هود ونوح فيما ذكر ~~المفسرون سبعة آباء. وكانت عاد فيما روي ثلاث عشرة قبيلة، ينزلون الرمال، ~~رمل عالج. وكانوا أهل بساتين وزروع وعمارة، وكانت بلادهم أخصب البلاد، فسخط ~~الله عليهم فجعلها مفاوز. وكانت فيما روي بنواحي حضرموت إلى اليمن، وكانوا ~~يعبدون الأصنام. # ولحق هود حين أهلك قومه بمن آمن معه بمكة، فلم يزالوا بها حتى ماتوا. ~~(إنا لنريك في سفاهة) أي في حمق وخفة عقل. قال (2): # مشين كما اهتزت رماح تسفهت * أعاليها مر الرياح النواسم وقد تقدم هذا ~~المعنى في " البقرة (2) ". والرؤية هنا وفي قصة نوح قيل: هي من رؤية البصر. ms2621 # وقيل: يجوز أن يراد بها الرأي الذي هو أغلب الظن. # قوله تعالى: (واذكروا إذا جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح) " خلفاء " جمع ~~خليفة على التذكير والمعنى، وخلائف على اللفظ. من عليهم بأن جعلهم سكان ~~الأرض بعد قوم نوح. # (وزادكم في الخلق بسطة) ويجوز " بصطة " بالصاد لأن بعدها طاء، أي طولا في ~~الخلق وعظم الجسم. قال ابن عباس: كان أطولهم مائة ذراع، وأقصرهم ستين ~~ذراعا. وهذه الزيادة كانت على خلق آبائهم. وقيل: على خلق قوم نوح. قال وهب: ~~كان رأس أحدهم # PageV07P236 # مثل قبة عظيمة، وكان عين الرجل يفرخ فيها السباع، وكذلك مناخرهم. وروى ~~شهر بن حوشب عن أبي هريرة قال: أن كان الرجل من قوم عاد يتخذ المصراعين من ~~حجارة لو اجتمع عليها خمسمائة رجل من هذه الأمة لم يطيقوه، وأن كان أحدهم ~~ليغمز برجله الأرض فتدخل فيها. (فاذكروا آلاء الله) أي نعم الله، واحدها ~~إلى وإلي وإلو وألى. # كالإناء واحدها إني وإني وإنو وأنى. (لعلكم تفلحون) تقدم (1). # قوله تعالى: قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا فأتنا ~~بما تعدنا إن كنت من الصدقين (70) قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب ~~أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطن ~~فانتظروا إني معكم من المنتظرين (71) فأنجيناه والذين معه برحمة منا وقطعنا ~~دابر الذين كذبوا بآياتنا وما كانوا مؤمنين (72) طلبوا العذاب الذي خوفهم ~~به وحذرهم منه. فقال لهم: (قد وقع عليكم). ومعنى وقع أي وجب. يقال: وقع ~~القول والحكم أي وجب! ومثله: " ولما وقع عليهم الرجز (2) " . أي نزل بهم. " ~~وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض (3) ". والرجس العذاب وقيل: ~~عني بالرجس الرين على القلب بزيادة الكفر (أتجادلونني في أسماء) يعني ~~الأصنام التي عبدوها، وكان لها أسماء مختلفة. ما نزل الله بها من سلطان أي ~~من حجة لكم في عبادتها. فالإسم هنا بمعنى المسمى. نظيره " إن هي إلا أسماء ~~سميتموها (4) " وهذه الأسماء مثل العزى من العز والأعز واللات، وليس لها من ~~العز والإلهية شئ. ms2622 # دابر آخر. وقد تقدم (5). أي لم يبق لهم بقية. # PageV07P237 # قوله تعالى: وإلى ثمود أخاهم صلحا قال يقوم اعبدوا الله ما لكم من إله ~~غيره قد جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض ~~الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم (73) وهو ثمود بن عاد بن إرم بن ~~سام بن نوح. وهو أخو جديس، وكانوا في سعة من معايشهم، فخالفوا أمر الله ~~وعبدوا غيره، وأفسدوا في الأرض. فبعث الله إليهم صالحا نبيا، وهو صالح بن ~~عبيد بن آسف بن كاشح بن عبيد بن حاذر بن ثمود. وكانوا قوما عربا. وكان صالح ~~من أوسطهم نسبا وأفضلهم حسبا فدعاهم إلى الله تعالى حتى شمط (1) ولا يتبعه. ~~منهم إلا قليل مستضعفون. ولم ينصرف " ثمود " لأنه جعل اسما للقبيلة. وقال ~~أبو حاتم: # لم ينصرف، لأنه اسم أعجمي. قال النحاس: وهذا غلط، لأنه مشتق من الثمد وهو ~~الماء القليل. وقد قرأ القراء " ألا إن ثمود كفروا ربهم (2) " على أنه اسم ~~للحي. وكانت مساكن ثمود الحجر بين الحجاز والشام إلى وادي القرى وهم من ولد ~~سام بن نوح. وسميت ثمود لقلة مائها. وسيأتي بيانه في " الحجر (3) " إن شاء ~~الله تعالى. # (هذه ناقة الله لكم آية) أخرج لهم الناقة حين سألوه من حجر صلد، فكان لها ~~يوم تشرب فيه ماء الوادي كله، وتسقيهم مثله لبنا لم يشرب قط ألذ وأحلى منه. ~~وكان بقدر حاجتهم على كرتهم، قال الله تعالى: " لها شرب ولكم شرب يوم معلوم ~~(4) ". وأضيفت الناقة إلى الله عز وجل على جهة إضافة الخلق إلى الخالق. ~~وفيه معنى التشريف والتخصيص. # (فذروها تأكل في أرض الله) أي ليس عليكم رزقها ومؤونتها. # PageV07P238 # قوله تعالى: واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض تتخذون ~~من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في ~~الأرض مفسدين (74) فيه ثلاث مسائل: الأولى - قوله تعالى: (وبوأكم في الأرض) ~~فيه محذوف، أي بوأكم في الأرض منازل. (تتخذون من سهولها قصورا) أي تبنون ~~القصور بكل موضع. ms2623 (وتنحتون الجبال بيوتا) اتخذوا البيوت في الجبال لطول ~~أعمارهم، فإن السقوف والأبنية كانت تبلى قبل فناء أعمارهم. وقرأ الحسن بفتح ~~الحاء، وهي لغة. وفيه حرف من حروف الحلق فلذلك جاء على فعل يفعل. # الثانية - استدل بهذه الآية من أجاز (1) البناء الرفيع كالقصور ونحوها، ~~وبقوله: # " قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق (2) ". ذكر أن ~~ابنا لمحمد بن سيرين بنى دارا وأنفق فيها مالا كثيرا فذكر ذلك لمحمد بن ~~سيرين فقال: ما أرى بأسا أن يبني الرجل بناء ينفعه. وروي أنه عليه السلام ~~قال: (إذا أنعم الله على عبد أحب أن يرى أثر النعمة عليه). ومن آثار النعمة ~~البناء الحسن، والثياب الحسنة. ألا ترى أنه إذا اشترى جارية جميلة بمال ~~عظيم فإنه يجوز وقد يكفيه دون ذلك، فكذلك البناء. وكره ذلك آخرون، منهم ~~الحسن البصري وغيره. واحتجوا بقوله عليه السلام: (إذا أراد الله بعبد شرا ~~أهلك ماله في الطين واللبن). وفي خبر آخر عنه أنه عليه السلام قال: (من بنى ~~فوق ما يكفيه جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه). # قلت: بهذا أقول، لقول عليه السلام: (وما أنفق المؤمن من نفقة فإن خلفها ~~على الله عز وجل إلا ما كان في بنيان أو معصية). رواه جابر بن عبد الله ~~وخرجه الدارقطني. # PageV07P239 # وقوله عليه السلام: (ليس لابن آدم حق في سوى هذه الخصال بيت يسكنه وثوب ~~يواري عورته وجلف (1) الخبز والماء) أخرجه الترمذي. # الثالثة - قوله تعالى: " فاذكروا آلاء الله " أي نعمه. وهذا يدل على أن ~~الكفار منعم عليهم. وقد مضى في " آل عمران (2) " القول فيه. " ولا تعثوا في ~~الأرض مفسدين " تقدم في (البقرة (3)). والعثي والعثو لغتان. وقرأ الأعمش " ~~تعثوا " بكسر التاء أخذه من عثي بعثي لا من عثا يعثو. # قوله تعالى: قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن ~~منهم أتعملون أن صلحا مرسل من ربه قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون (75) قال ~~الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون (76) قوله تعالى: (قال الملأ ~~الذين استكبروا من ms2624 قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم) الثاني بدل من الأول، ~~لأن المستضعفين هم المؤمنون. وهو بدل البعض من الكل. # قوله تعالى: فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم وقالوا يصلح ائتنا بما ~~تعدنا إن كنت من المرسلين (77) فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين ~~(78) فتولى عنهم وقال يقوم لقد أبلغتكم رسالة ربى ونصحت لكم ولكن لا تحبون ~~الناصحين (79) قوله تعالى: (فعقروا الناقة) العقر الجرح. وقيل: قطع عضو ~~يؤثر في النفس. وعقرت الفرس: إذا ضربت قوائمه بالسيف. وخيل عقرى. وعقرت ظهر ~~الدابة: إذا أدبرته. # PageV07P240 # قال امرؤ القيس: # تقول وقد مال الغبيط بنا معا * عقرت بعيري يا امرأ القيس فأنزل أي جرحته ~~وأدبرته قال القشيري: العقر كشف (1) عرقوب البعير، ثم قيل للنحر عقر، لأن ~~العقر سبب النحر في الغالب. وقد اختلف في عاقر الناقة على أقوال. أصحها ما ~~في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن زمعة قال، خطب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فذكر الناقة وذكر الذي عقرها فقال: (إذ انبعث أشقاها انبعث لها رجل ~~عزيز عارم (2) منيع في رهطه (3) مثل أبي زمعة) وذكر الحديث. وقيل في اسمه: ~~قدار بن سالف. وقيل: إن ملكهم كان إلى امرأة يقال لها ملكي، فحسدت صالحا ~~لما مال إليه الناس، وقالت لامرأتين كان لهما خليلان يعشقانهما: لا ~~تطيعاهما واسألاهما عقر الناقة، ففعلتا. وخرج الرجلان وألجئا الناقة إلى ~~مضيق ورماها أحدهما بسهم وقتلاها. وجاء السقب وهو ولدها إلى الصخرة التي ~~خرجت الناقة منها فرغا ثلاثا وانفجرت الصخرة فدخل فيها. ويقال: إنه الدابة ~~التي تخرج في آخر الزمان على الناس، على ما يأتي بيانه في " النمل (4) ". ~~وقال ابن إسحاق: أتبع السقب أربعة نفر ممن كان عقر الناقة، مصدع وأخوه ذؤاب ~~(5). فرماه مصدع بسهم فانتظم قلبه (6)، ثم جره برجله فألحقه بأمه، وأكلوه ~~معها. والأول أصح، فإن صالحا قال لهم: إنه بقي من عمركم ثلاثة أيام، ولهذا ~~رغا ثلاثا. وقيل: عقرها عاقرها ومعه ثمانية رجال، وهم الذين قال الله فيهم: ~~" وكان في المدينة تسعة رهط (4) " على ما يأتي بيانه في ms2625 " النمل ". وهو ~~معنى قوله " فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر (7) ". وكانوا يشربون فأعوزهم الماء ~~ليمزجوا شرابهم، وكان يوم لبن الناقة، فقام أحدهم وترصد الناس وقال: لأريحن ~~الناس منها، فعقرها. # قوله تعالى: (وعتوا عن أمر ربهم) أي استكبروا. # عتا يعتو عتوا أي استكبر. وتعتى فلان إذا لم يطع. والليل العاتي: الشديد ~~الظلمة، عن الخليل. # PageV07P241 # (وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا) أي من العذاب. (فأخذتهم الرجفة) أي ~~الزلزلة الشديدة. وقيل: كان صيحة شديدة خلعت (1) قلوبهم، كما (في (2) قصة ~~ثمود) في سورة " هود (3) " في قصة ثمود فأخذتهم الصيحة. يقال: رجف الشئ ~~يرجف رجفا رجفانا. وأرجفت الريح الشجر حركته. وأصله حركة مع صوت، ومنه قوله ~~تعالى " يوم ترجف الراجفة (4) " قال الشاعر: # ولما رأيت الحج قد آن وقته * وظلت مطايا القوم بالقوم ترجف (فأصبحوا في ~~دارهم) أي بلدهم. وقيل: وحد على طريق الجنس، والمعنى: في دورهم. # وقال في موضع آخر: " في ديارهم " إي في منازلهم. (جاثمين) أي لاصقين ~~بالأرض على ركبهم ووجوههم، كما يجثم الطائر. أي صاروا خامدين من شدة ~~العذاب. وأصل الجثوم للأرنب وشبهها، والموضع مجثم. قال زهير: # بها العين والآرام يمشين خلفة * وأطلاؤها ينهضن من كل مجثم (5) وقيل: ~~احترقوا بالصاعقة فأصبحوا ميتين، إلا رجلا واحدا كان في حرم الله، فلما خرج ~~من الحرم أصابه ما أصاب قومه. (فتولى عنهم) أي عند اليأس منهم. (وقال يا ~~قوم لقد أبلغتكم رسالة ربى ونصحت لكم) يحتمل أنه قال ذلك قبل موتهم. ويحتمل ~~أنه قال بعد موتهم، كقوله عليه السلام لقتلى بدر: (هل وجدتم ما وعد ربكم ~~حقا) فقيل: أتكلم هؤلاء الجيف؟ فقال: (ما أنتم بأسمع منهم ولكنهم لا يقدرون ~~على الجواب). والأول أظهر. يدل عليه (ولكن لا تحبون الناصحين) أي لم تقبلوا ~~نصحي. # قوله تعالى: ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من ~~العلمين (80) فيه أربع مسائل: # PageV07P242 # الأولى - قوله تعالى: (ولوطا إذ قال لقومه) قال الفراء: لوط مشتق من ~~قولهم: # هذا أليط بقلبي، أي ألصق. وقال النحاس: قال الزجاج زعم بعض النحويين - ~~يعني الفراء ms2626 - أن لوطا يجوز أن يكون مشتقا من لطت إذا ملسته بالطين. قال: ~~وهذا غلط، لأن الأسماء الأعجمية لا تشتق كإسحاق، فلا يقال: إنه من السحق ~~وهو البعد. وإنما صرف لوط لخفته (1) لأنه على ثلاثة أحرف وهو ساكن الوسط. ~~قال النقاش: لوط من الأسماء الأعجمية وليس من العربية. فأما لطت الحوض، ~~وهذا أليط بقلبي من هذا، فصحيح. # ولكن الاسم أعجمي كإبراهيم وإسحاق. قال سيبويه: نوح ولوط أسماء أعجمية، ~~إلا أنها خفيفة فلذلك صرفت. بعثه الله تعالى إلى أمة تسمى سدوم، وكان ابن ~~أخي إبراهيم. ونصبه إما ب‍ " أرسلنا " المتقدمة فيكون معطوفا. ويجوز أن ~~يكون منصوبا بمعنى واذكر. # الثانية - قوله تعالى: (أتأتون الفاحشة) يعني إتيان الذكور. ذكرها الله ~~باسم الفاحشة ليبين أنها زنى، كما قال الله تعالى: " ولا تقربوا الزنى إنه ~~كان فاحشة (2) " . واختلف العلماء فيما يجب على من فعل ذلك بعد إجماعهم على ~~تحريمه، فقال مالك: # يرجم، أحصن أو لم يحصن. وكذلك يرجم المفعول به إن كان محتلما. وروي عنه ~~أيضا: # يرجم إن كان محصنا، ويحبس ويؤدب إن كان غير محصن. وهو مذهب عطاء والنخعي ~~وابن المسيب وغيرهم. وقال أبو حنيفة: يعزر المحصن وغيره، وروي عن مالك. ~~وقال الشافعي: يحد حد الزنى قياسا عليه. احتج مالك بقول تعالى: " وأمطرنا ~~عليهم حجارة من سجيل ". فكان ذلك عقوبة لهم وجزاء على فعلهم. فإن قيل: لا ~~حجة فيها لوجهين، أحدهما - أن قوم لوط إنما عوقبوا على الكفر والتكذيب ~~كسائر الأمم. الثاني - أن صغيرهم وكبيرهم دخل فيها، فدل على خروجها من باب ~~الحدود. قيل: أما الأول فغلط، فإن الله سبحانه أخبر عنهم أنهم كانوا على ~~معاصي فأخذهم بها، منها هذه. وأما الثاني فكان منهم فاعل وكان منهم راض، ~~فعوقب الجميع لسكوت الجماهير عليه. وهي حكمة الله وسنته في عباده. # PageV07P243 # وبقي أمر العقوبة على الفاعلين مستمرا. والله أعلم. وقد روى أبو داود ~~وابن ماجة والترمذي والنسائي والدارقطني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: (من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به). لفظ ms2627 أبي ~~داود وابن ماجة. وعند الترمذي (أحصنا أو لم يحصنا). وروى أبو داود ~~والدارقطني عن ابن عباس في البكر يوجد على اللوطية قال: # يرجم. وقد روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه حرق رجلا يسمى الفجاءة ~~حين عمل عمل قوم لوط بالنار. وهو رأي علي بن أبي طالب، فإنه لما كتب خالد ~~بن الوليد إلى أبي بكر في ذلك جمع أبو بكر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~واستشارهم فيه، فقال علي: إن هذا الذنب لم تعص به أمة من الأمم إلا أمة ~~واحدة صنع الله بها ما علمتم، أرى أن يحرق بالنار. # فاجتمع رأي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحرق بالنار. فكتب أبو ~~بكر إلى خالد بن الوليد أن يحرقه بالنار فأحرقه. ثم أحرقهم ابن الزبير في ~~زمانه. ثم أحرقهم هشام بن الوليد. # ثم أحرقهم خالد القسري بالعراق. وروي أن سبعة أخذوا في زمن ابن الزبير في ~~لواط، فسأل عنهم فوجد أربعة قد أحصنوا فأمر بهم فخرجوا (بهم (1)) من الحرم ~~فرجموا بالحجارة حتى ماتوا، وحد الثلاثة، وعنده ابن عباس وابن عمر فلم ~~ينكرا عليه. وإلى هذا ذهب الشافعي. قال ابن العربي: والذي صار إليه مالك ~~أحق، فهو أصح سندا وأقوى معتمدا. وتعلق الحنفيون بأن قالوا: عقوبة الزنى ~~معلومة، فلما كانت هذه المعصية غيرها وجب ألا يشاركها في حدها. # ويأثرون (2) في هذا حديثا: (من وضع حدا في غير حد فقد تعدى وظلم). وأيضا ~~فإنه وطء في فرج لا يتعلق به إحلال ولا إحصان، ولا وجوب مهر ولا ثبوت نسب، ~~فلم يتعلق به حد. # الثالثة - فإن أتى بهيمة فقد قيل: لا يقتل هو ولا البهيمة. وقيل: يقتلان، ~~حكاه ابن المنذر عن أبي سلمة بن عبد الرحمن. وفي الباب حديث رواه أبو داود ~~والدارقطني عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من وقع على ~~بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة معه). فقلنا لابن عباس: ما شأن البهيمة؟ ~~قال: ما أراه قال ذلك، إلا أنه كره ms2628 أن يؤكل لحمها وقد عمل بها ذلك العمل. ~~قال ابن المنذر: إن يك الحديث ثابتا فالقول (3) به # PageV07P244 # يجب، وإن لم يثبت فليستغفر الله من فعل ذلك كثيرا، وإن عزره الحاكم كان ~~حسنا. والله أعلم. وقد قيل: إن قتل البهيمة لئلا تلقي خلقا مشوها، فيكون ~~قتلها مصلحة لهذا المعنى مع ما جاء من السنة. والله أعلم. وقد روى أبو داود ~~عن ابن عباس قال: ليس على الذي زنى بالبهيمة حد. قال أبو داود: وكذا قال ~~عطاء. وقال الحكم: أرى أن يجلد ولا يبلغ به الحد. وقال الحسن: هو بمنزلة ~~الزاني. وقال الزهري: يجلد مائة أحصن أو لم يحصن. # وقال مالك والثوري وأحمد وأصحاب الرأي يعزر. وروي عن عطاء والنخعي ~~والحكم. # واختلفت الرواية (1) عن الشافعي، وهذا أشبه على مذهبه في هذا الباب. وقال ~~جابر بن زيد: # يقام عليه الحد، إلا أن تكون البهيمة له. # الرابعة - قوله تعالى: (ما سبقكم بها من أحد من العالمين) " من " ~~لاستغراق الجنس، أي لم يكن اللواط في أمة قبل (2) قوم لوط. والملحدون ~~يزعمون أن ذلك كان قبلهم. # والصدق ما ورد به القرآن. وحكى النقاش أن إبليس كان أصل عملهم بأن دعاهم ~~إلى نفسه لعنه الله، فكان ينكح بعضهم بعضا. قال الحسن: كانوا يفعلون ذلك ~~بالغرباء، ولم يكن يفعله بعضهم ببعض. وروى ابن ماجة عن جابر بن عبد الله ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أخوف ما أخاف على أمتي عمل قوم ~~لوط). وقال محمد بن سيرين: # ليس شئ من الدواب يعمل عمل قوم لوط إلا الخنزير والحمار. # قوله تعالى: إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون ~~(81) قوله تعالى: (إنكم) قرأ نافع وحفص على الخبر بهمزة واحدة مكسورة، ~~تفسيرا للفاحشة المذكورة، فلم يحسن إدخال الاستفهام عليه لأنه يقطع ما بعده ~~مما قبله. وقرأ الباقون بهمزتين على لفظ الاستفهام الذي معناه التوبيخ وحسن ~~ذلك لأن ما قبله وبعده (3) كلام مستقل. # واختار الأول أبو عبيد والنسائي وغيرهما، واحتجوا بقوله عز وجل: " أفإن ~~مت ms2629 فهم # PageV07P245 # الخالدون (1) " ولم يقل أفهم. وقال: " أفإن مات أو قتل انقلبتم على ~~أعقابكم (2) " ولم يقل انقلبتم. # وهذا من أقبح الغلط لأنهما شبها شيئين بما لا يشتبهان، لأن الشرط وجوابه ~~بمنزلة شئ واحد كالمبتدأ والخبر، فلا يجوز أن يكون فيهما استفهامان. فلا ~~يجوز: أفإن مت أفهم، كما لا يجوز أزيد أمنطلق. وقصة لوط عليه السلام فيها ~~جملتان، فلك أن تستفهم عن كل واحدة منهما. هذا قول الخليل وسيبويه، واختاره ~~النحاس ومكي وغيرهما " شهوة " نصب على المصدر، أي تشتهونهم شهوة. ويجوز أن ~~يكون مصدرا في موضع الحال. " بل أنتم قوم مسرفون " نظيرة " بل أنتم قوم ~~عادون (3) " في جمعكم إلى الشرك هذه الفاحشة. # قوله تعالى: وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس ~~يتطهرون (82) فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين (83) قوله تعالى: ~~(وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم) أي لوطا وأتباعه. ومعنى ~~(يتطهرون) عن الإتيان في هذا المأتى. يقال: تطهر الرجل أي تنزه عن الإثم. ~~قال قتادة: # عابوهم والله بغير عيب. (من الغابرين) أي الباقين في عذاب الله، قال ابن ~~عباس وقتادة. غبر الشئ إذا مضى، وغبر إذا بقي. وهو من الأضداد. وقال قوم: ~~الماضي عابر بالعين غير معجمة. والباقي غابر بالغين معجمة. حكاه ابن فارس ~~في (4) المجمل. وقال الزجاج: " من الغابرين " أي من الغائبين عن النجاة ~~وقيل: لطول عمرها. قال النحاس: # وأبو عبيدة يذهب إلى أن المعنى من المعمرين، أي أنها قد هرمت. والأكثر في ~~اللغة أن يكون الغابر الباقي، قال الراجز: # فما ونى محمد مذ أن غفر * له الإله ما مضى وما غبر قوله تعالى: وأمطرنا ~~عليهم مطرا فانظر كيف كان عقبة المجرمين (84) # PageV07P246 # سرى لوط بأهله كما وصف الله " بقطع من الليل (1) " ثم أمر جبريل، عليه ~~السلام فأدخل جناحه تحت مدائنهم فاقتلعها ورفعها حتى سمع أهل السماء صياح ~~الديكة ونباح الكلاب، ثم جعل عاليها سافلها، وأمطرت عليهم حجارة من سجيل، ~~قيل: على من غاب منهم. وأدرك امرأة لوط، وكانت معه حجر فقتلها. وكانت فيما ms2630 ~~ذكر أربع قرى. وقيل: خمس فيها أربعمائة ألف. وسيأتي في سورة " هود (1) " ~~قصة لوط بأبين من هذا، إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يقوم اعبدوا الله ما لكم من إله ~~غيره قد جاءتكم بينه من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس ~~أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين (85) ~~ولا تقعدوا بكل صرط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا ~~واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم وانظروا كيف كان عقبة المفسدين (86) وإن كان ~~طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله ~~بيننا وهو خير الحاكمين (87) فيه أربع مسائل: الأولى - قوله تعالى: (وإلى ~~مدين) قيل في مدين: اسم بلد وقطر. وقيل: اسم قبيلة كما يقال: بكر وتميم. ~~وقيل: هم من ولد مدين بن إبراهيم الخليل عليه السلام. فمن رأى أن مدين اسم ~~رجل لم يصرفه لأنه معرفة أعجمي. ومن رآه اسما للقبيلة أو الأرض فهو أحرى ~~بألا يصرفه. قال المهدوي: ويروى أنه كان ابن بنت لوط. وقال مكي: كان زوج ~~بنت لوط. # واختلف في نسبه، فقال عطاء وابن إسحاق وغيرهما: وشعيب هو ابن ميكيل بن ~~يشجر # PageV07P247 # ابن مدين بن إبراهيم عليه السلام. وكان اسمه بالسريانية بيروت. وأمه ~~ميكائيل بنت لوط. # وزعم الشرقي بن القطامي أن شعيبا بن عيفاء بن يوبب بن مدين بن إبراهيم. ~~وزعم ابن سمعان أن شعيبا بن جزى بن يشجر بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن ~~إبراهيم. وشعيب تصغير شعب أو شعب (1). وقال قتادة: هو شعيب بن يوبب (2). ~~وقيل: شعيب بن صفوان بن عيفاء بن ثابت بن مدين بن إبراهيم (3). والله أعلم. ~~وكان أعمى (4)، ولذلك قال قومه: " وإنا لنراك فينا ضعيفا (5) ". وكان يقال ~~له: خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه. وكان قومه أهل كفر بالله وبخس ~~للمكيال والميزان. # (قد جاءتكم بينه من ربكم) أي بيان، وهو مجئ شعيب بالرسالة. ولم يذكر له ~~معجزة في القرآن. وقيل: معجزته فيما ذكر الكسائي ms2631 في قصص الأنبياء. # الثانية - قوله تعالى: (ولا تبخسوا الناس أشياءهم) البخس النقص. وهو يكون ~~في السلعة بالتعييب والتزهيد فيها، أو المخادعة عن القيمة، والاحتيال في ~~التزيد في الكيل والنقصان منه. وكل ذلك من أكل المال بالباطل، وذلك منهي ~~عنه في الأمم المتقدمة والسالفة على ألسنة الرسل (صلوات الله وسلامه على ~~جميعهم (6)) وحسبنا الله ونعم الوكيل. # الثالثة - قوله تعالى: (ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها) عطف على " ولا ~~تبخسوا ". وهو لفظ يعم دقيق الفساد وجليله. قال ابن عباس: كانت الأرض قبل ~~أن يبعث الله شعيبا رسولا يعمل فيها بالمعاصي وتستحل فيها المحارم وتسفك ~~فيها الدماء. # قال: فذلك فسادها. فلما بعث الله شعيبا ودعاهم إلى الله صلحت الأرض. وكل ~~نبي بعث إلى قومه فهو صلاحهم. # الرابعة - قوله تعالى: (ولا تقعدوا بكل صراط) نهاهم عن القعود بالطرق ~~والصد عن الطريق الذي يؤدي إلى طاعة الله، وكانوا يوعدون العذاب من آمن. ~~واختلف العلماء # PageV07P248 # في معنى قعودهم على الطرق على ثلاثة معان، قال ابن عباس وقتادة ومجاهد ~~والسدي: كانوا يقعدون على الطرقات المفضية إلى شعيب فيتوعدون من أراد المجئ ~~إليه ويصدونه ويقولون: # إنه كذاب فلا تذهب إليه، كما كانت قريش تفعله مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم. وهذا ظاهر الآية. وقال أبو هريرة: هذا نهي عن قطع الطريق (1)، وأخذ ~~السلب، وكان ذلك من فعلهم. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (رأيت ليلة أسري بي خشبة على ~~الطريق لا يمر بها ثوب إلا شقته ولا شئ إلا خرقته فقلت ما هذا يا جبريل قال ~~هذا مثل لقوم من أمتك يقعدون على الطريق فيقطعونه) - ثم تلا - " ولا تقعدوا ~~بكل صراط توعدون " الآية. # وقد مضى القول في اللصوص والمحاربين، والحمد لله (2). وقال السدي أيضا: ~~كانوا عشارين متقبلين. ومثلهم اليوم هؤلاء المكاسون الذين يأخذون ما لا ~~يلزمهم شرعا من الوظائف المالية بالقهر والجبر، فضمنوا ما لا يجوز ضمان ~~أصله من الزكاة والمواريث والملاهي. والمترتبون في الطرق إلى غير ذلك مما ~~قد كثر في الوجود وعمل به ms2632 في سائر البلاد. # وهو من أعظم الذنوب وأكبرها وأفحشها، فإنه غصب وظلم وعسف على الناس ~~وإذاعة للمنكر وعمل به ودوام عليه وإقرار له، وأعظمه تضمين الشرع والحكم ~~للقضاء، فإنا لله وإنا إليه راجعون! لم يبق من الإسلام إلا رسمه، ولا من ~~الدين إلا اسمه. يعضد هذا التأويل ما تقدم من النهي في شأن المال في ~~الموازين والأكيال والبخس. # قوله تعالى: (من آمن به) الضمير في " به " يحتمل أن يعود على اسم الله ~~تعالى، وأن يعود إلى شعيب في قول من رأى القعود على الطريق للصد، وأن يعود ~~على السبيل. # " عوجا " قال أبو عبيدة والزجاج: كسر العين في المعاني. وفتحها في ~~الأجرام. # قوله تعالى: (واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم) أي كثر عددكم، أو كثركم ~~بالغنى بعد الفقر. أي كنتم فقراء فأغناكم. " فاصبروا " ليس هذا أمرا ~~بالمقام على الكفر، ولكنه وعيد وتهديد. وقال: (وإن كان طائفة منكم) فذكر ~~على المعنى، ولو راعى (3) اللفظ قال: كانت. # PageV07P249 # قوله تعالى: قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين ~~آمنوا معك من قريتنا أو لتعودون في ملتنا قال أولو كنا كارهين (88) قد ~~افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجينا الله منها وما يكون ~~لنا أن نعود فيها إلا يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شئ علما على الله توكلنا ~~ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفتحين (89) قوله تعالى: (قال ~~الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا ~~أو لتعودن في ملتنا) تقدم معناه. ومعنى " أو لتعودن في ملتنا " أي لتصيرن ~~إلى ملتنا وقيل: كان أتباع شعيب قبل الإيمان به على الكفر أي لتعودن إلينا ~~كما كنتم من قبل. قال الزجاج: يجوز أن يكون العود بمعنى الابتداء، يقال: ~~عاد إلي من فلان مكروه، أي صار، وإن لم يكن سبقه مكروه قبل ذلك، أي لحقني ~~ذلك منه. فقال لهم شعيب: (أو لو كنا كارهين) أي ولو كنا كارهين تجبروننا ~~عليه، أي على الخروج من الوطن ms2633 أو العود في ملتكم. أي إن فعلتم هذا أتيتم ~~عظيما. # (قد افتريا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها) إياس ~~من العود إلى ملتهم. (وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا) ~~قال أبو إسحاق الزجاج: أي إلا بمشيئة الله عز وجل، قال: وهذا قول أهل ~~السنة، أي وما يقع منا العود إلى الكفر إلا أن يشاء الله ذلك. فالاستثناء ~~منقطع. وقيل: الاستثناء هنا على جهة التسليم لله عز وجل، كما قال: " وما ~~توفيقي إلا بالله (1) ". والدليل على هذا أن بعده " وسع ربنا كل شئ علما ~~على الله توكلنا ". وقيل: هو كقولك ألا أكلمك حتى يبيض الغراب، وحتى يلج ~~الجمل في سم الخياط. والغراب لا يبيض أبدا، والجمل لا يلج (في سم الخياط ~~(2)). # PageV07P250 # قوله تعالى: (وسع ربنا كل شئ علما) أي علم ما كان وما يكون. " علما " نصب ~~على التمييز. " وما يكون لنا أن نعود فيها " أي في القرية بعد أن كرهتم ~~مجاورتنا، بل نخرج من قريتكم مهاجرين إلى غيرها. " إلا أن يشاء الله " ردنا ~~إليها. وفيه بعد، لأنه يقال: عاد للقرية ولا يقال عاد في القرية. # قوله تعالى: (على الله توكلنا) أي اعتمدنا. وقد تقدم في غير موضع (1). ~~(ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق) قال قتادة: بعثه الله إلى أمتين: أهل ~~مدين، وأصحاب الأيكة. # قال ابن عباس: وكان شعيب كثير الصلاة، فلما (طال (3)) تمادى قومه في ~~كفرهم وغيهم، ويئس من صلاحهم، دعا عليهم فقال: " ربنا افتح بيننا وبين ~~قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين (4) " فاستجاب الله دعاءه فأهلكهم بالرجفة. # قوله تعالى: وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا ~~لخاسرون (90) فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين (91) الذين كذبوا ~~شعيبا كأن لم يغنوا فيها الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين (92) فتولى ~~عنهم وقال يقوم لقد أبلغتكم رسالات ربى ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كفرين ~~(93) قوله تعالى: (وقال الملأ الذين كفروا من قومه) أي قالوا لمن دونهم. ~~(لئن اتبعتم شعيبا ms2634 إنكم إذا لخاسرون) أي هالكون. (فأخذتهم الرجفة) أي ~~الزلزلة. وقيل: الصيحة. # وأصحاب الأيكة أهلكوا بالظلة (5)، على ما يأتي. # قوله تعالى: (الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها) قال الجرجاني: قيل ~~هذا كلام مستأنف، أي الذين كذبوا شعيبا صاروا كأنهم لم يزالوا موتى. " ~~يغنوا " يقيموا، يقال: # PageV07P251 # غنيت بالمكان إذا أقمت به. وغني القوم في دارهم أي طال مقامهم فيها. ~~والمغنى: المنزل، والجمع المغاني. قال لبيد: # وعنيت ستا قبل مجرى داحس * لو كان للنفس اللجوج خلود وقال حاتم طي: # غنينا زمانا بالتصعلك والغنى * (كما الدهر في أيامه العسر واليسر (1)) ~~(كسبنا صروف الدهر لينا وغلظة (1)) * وكلا سقاناه بكأسهما الدهر فما زادنا ~~بغيا على ذي قرابة * غنانا ولا أزرى بأحسابنا الفقر (الذين كذبوا شعيبا ~~كانوا هم الخاسرين) ابتداء خطاب، وهو مبالغة في الذم والتوبيخ وإعادة ~~لتعظيم الأم وتفخيمه. ولما قالوا: من اتبع شعيبا خاسر قال الله الخاسرون هم ~~الذين قالوا هذا القول. (فكيف آسى على قوم كافرين) أي أحزن. أسيت على الشئ ~~آسى (أسى (2))، وأنا آس. # قوله تعالى: وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء ~~لعلهم يضرعون (94) ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مس ~~آباءنا الضراء والسراء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون (95) قوله تعالى: (وما ~~أرسلنا في قرية من نبي) فيه إضمار، وهو فكذب أهلها. # إلا أخذناهم. (بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون) تقدم القول فيه (3). (ثم ~~بدلنا مكان السيئة الحسنة) أي أبدلناهم بالجدب خصبا. حتى عفوا أي كثروا، عن ~~ابن عباس. # وقال ابن زيد: كثرت أموالهم وأولادهم. وعفا: من الأضداد: عفا: كثر. وعفا: # درس. أعلم الله تعالى أنه أخذهم بالشدة والرخاء فلم يزدجروا ولم يشكروا. ~~وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء فنحن مثلهم. فأخذناهم بغتة أي فجأة ~~ليكون أكثر حسرة. # PageV07P252 # قوله تعالى: ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء ~~والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون قوله تعالى: (ولو أن أهل ~~القرى) يقال للمدينة قرية لاجتماع الناس فيها. من قريت الماء إذا جمعته. ~~وقد ms2635 مضى في " البقرة " مستوفى (1). (آمنوا) أي صدقوا. (واتقوا) أي الشرك. ~~(لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض) يعني المطر والنبات. وهذا في أقوام ~~على الخصوص جرى ذكرهم. إذ قد يمتحن المؤمنون بضيق العيش ويكون تكفيرا ~~لذنوبهم. # ألا ترى أنه أخبر عن نوح إذ قال لقومه " استغفروا ربكم إنه كان غفارا. ~~يرسل السماء عليكم مدرارا (2) " وعن هود " ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم ~~مدرارا (3) ". فوعدهم المطر والخصب على التخصيص. يدل عليه (ولكن كذبوا ~~فأخذناهم بما كانوا يكسبون) أي كذبوا الرسل. # والمؤمنون صدقوا ولم يكذبوا. # قوله تعالى: أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بيتا وهم نائمون (97) أو ~~أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون (98) قوله تعالى: (أفأمن أهل ~~القرى) الاستفهام للإنكار، والفاء للعطف. نظيره: # " أفحكم الجاهلية (4) ". والمراد بالقرى مكة وما حولها، لأنهم كذبوا ~~محمدا صلى الله عليه وسلم وقيل: # هو عام في جميع القرى. (أن يأتيهم بأسنا) أي عذابنا. (بياتا) أي ليلا ~~(وهم نائمون) (أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا) قرأه الحرميان وابن عامر ~~بإسكان الواو للعطف، على معنى الإباحة، مثل " ولا تطع منهم آثما أو كفورا ~~(5) ". جالس الحسن أو ابن سيرين. # والمعنى: أو أمنوا هذه الضروب من العقوبات. أي إن أمنتم ضربا منها لم ~~تأمنوا الآخر. # PageV07P253 # ويجوز أن يكون " أو " لأحد الشيئين، كقولك: ضربت زيدا أو عمرا. وقرأ ~~الباقون بفتحها بهمزة بعدها. جعلها واو العطف دخلت عليها ألف الاستفهام، ~~نظيره " أو كلما عاهدوا عهدا (1) ". ومعنى (ضحى وهم يلعبون) أي وهم فيما لا ~~يجدي عليهم، يقال لكل من كان فيما يضره ولا يجدي عليه لاعب، ذكر النحاس. ~~وفي الصحاح. اللعب معروف، واللعب مثله. وقد لعب يلعب. وتلعب: (لعب (2)) مرة ~~بعد أخرى. ورجل تلعابة: كثير اللعب، والتلعاب (3) (بالفتح) المصدر. وجارية ~~لعوب. # قوله تعالى: أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون قوله ~~تعالى: (أفأمنوا مكر الله) أي عذابه وجزاءه على مكرهم. وقيل: مكره استدراجه ~~بالنعمة والصحة. # قوله تعالى: أو لم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها أن لو ms2636 نشاء ~~أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون قوله تعالى: (أو لم يهد) ~~أي يبين. (للذين يرثون الأرض) يريد كفار مكة ومن حولهم. (أصبناهم) أي ~~أخذناهم (بذنبهم) أي بكفرهم وتكذيبهم. (ونطبع) أي ونحن نطبع، فهو مستأنف. ~~وقيل: هو معطوف على أصبنا، نصيبهم ونطبع، فوقع الماضي موقع المستقبل. # قوله تعالى: تلك القرى نقص عليك من أنبائها ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات ~~فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين ~~(101) # PageV07P254 # قوله تعالى: (تلك القرى) أي هذه القرى التي أهلكناها، وهي قرى نوح وعاد ~~(1) ولوط وهود وشعيب المتقدمة الذكر. (نقص) أي نتلو. (عليك من أنباءها) أي ~~من أخبارها. # وهي تسلية للنبي عليه السلام والمسلمين. (فما كانوا ليؤمنوا) أي فما كان ~~أولئك الكفار ليؤمنوا بعد هلاكهم لأحييناهم، قاله مجاهد. نظيره " ولو ردوا ~~لعادوا (2) ". وقال ابن عباس والربيع: كان في علم الله تعالى يوم أخذ عليهم ~~الميثاق أنهم لا يؤمنون بالرسل. # (بما كذبوا من قبل) يريد يوم الميساق حين أخرجهم من ظهر آدم فآمنوا كرها ~~لا طوعا. # قال السدي: آمنوا يوم أخذ عليهم الميثاق كرها فلم يكونوا ليؤمنوا الآن ~~حقيقة. # وقيل: سألوا المعجزات، فلما رأوها ما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل ~~رؤية المعجزة (3). نظيره " كما لم يؤمنوا به أول مرة (4) ". (كذلك يطبع ~~الله على قلوب الكافرين) أي مثل طبعه على قلوب هؤلاء المذكورين كذلك يطبع ~~الله على قلوب الكافرين بمحمد صلى الله عليه وسلم. # قوله تعالى: وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين (102) ~~قوله تعالى: (وما وجدنا لأكثرهم من عهد). # " من " زائدة، وهي تدل على معنى الجنس، ولولا " من " لجاز أن يتوهم أنه ~~واحد في المعنى. قال ابن عباس: يريد العهد المأخوذ عليهم وقت الذر، ومن نقض ~~العهد قيل له إنه لا عهد له، أي كأنه لم يعهد. وقال الحسن: العهد الذي عهد ~~إليهم مع الأنبياء أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا. وقيل: أراد أن الكفار ~~منقسمون، فالأكثرون منهم من لا أمانة له ولا وفاء، ومنهم ms2637 من له أمانة مع ~~كفره وإن قلوا، روي عن أبي عبيدة. قوله تعالى: ثم بعثنا من بعدهم موسى ~~بآياتنا إلى فرعون وملأه فظلموا بها فانظر كيف كان عقبة المفسدين (103) # PageV07P255 # قوله تعالى: (ثم بعثنا من بعدهم) أي من بعد نوح وهود (1) وصالح ولوط ~~وشعيب. # (موسى) أي موسى بن عمران (بآياتنا) أي بمعجزاتنا. (فظلموا بها) أي كفروا ~~ولم يصدقوا بالآيات. والظلم: وضع الشئ في غير موضعه. # قوله تعالى: (فانظر كيف كان عاقبة المفسدين) أي آخر أمرهم. # قوله تعالى: وقال موسى يفرعون إني رسول من رب العلمين (104) حقيق على أن ~~لا أقول على الله إلا الحق قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معي بني إسرائيل ~~(105) قال إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصدقين (106) فألقى عصاه ~~فإذا هي ثعبان مبين (107) ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين (108) قال الملأ ~~من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم (109) يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا ~~تأمرون (110) قالوا أرجه وأخاه وأرسل في المدائن حشرين (111) يأتوك بكل سحر ~~عليم (112) (حقيق على (2)) أي واجب. ومن قرأ " على ألا " فالمعنى حريص على ~~ألا أقول. # وفي قراءة عبد الله " حقيق ألا أقول " بإسقاط " على ". وقيل: " على " ~~بمعنى الباء، أي حقيق بألا أقول. وكذا في قراءة أبي والأعمش " بألا أقول ". ~~كما تقول: رميت بالقوس وعلى القوس. ف‍ " حقيق " على هذا بمعنى محقوق. ومعنى ~~" فأرسل معي بني إسرائيل " أي خلهم. وكان يستعملهم (3) في الأعمال الشاقة. ~~(فألقى عصاه) يستعمل في الأجسام والمعاني. وقد تقدم (4). والثعبان: الحية ~~الضخم الذكر، وهو أعظم الحيات. (مبين) # PageV07P256 # " أي حية لا لبس فيها. (ونزع يده) أي أخرجها وأظهرها. قيل: من جيبه أو من ~~جناحه كما في التنزيل (وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء (1)) أي من ~~غير برص. وكان موسى أسمر شديد السمرة، ثم أعاد يده إلى جيبه فعادت إلى ~~لونها الأول. قال ابن عباس: # كان ليده نور ساطع يضئ ما بين السماء والأرض. وقيل: كانت تخرج يده بيضاء ~~كالثلج تلوح، فإذا ردها عادت إلى مثل سائر ms2638 بدنه. ومعنى (عليم) أي بالسحر. ~~(من أرضكم) أي من ملككم معاشر القبط، بتقديمه بني إسرائيل عليكم. (فماذا ~~تأمرون) أي قال فرعون: # فماذا تأمرون. وقيل: هو من قول الملأ، أي قالوا لفرعون وحده فماذا ~~تأمرون. # كما يخاطب الجبارون والرؤساء: ما ترون في كذا. ويجوز أن يكون قالوا له ~~ولأصحابه. # و " ما " في موضع رفع، على أن " ذا " بمعنى الذي. وفي موضع نصب، على أن " ~~ما " و " ذا " شئ واحد. (قالوا أرجه) قرأ أهل المدينة وعاصم والكسائي بغير ~~حمزة، إلا أن ورشا والكسائي أشبعا كسرة الهاء. وقرأ أبو عمرو بهمزة ساكنة ~~والهاء مضمومة. وهما لغتان، يقال: أرجأته وأرجيته، أي أخرته. وكذلك قرأ ابن ~~كثير وابن محيصن وهشام، إلا أنهم أشبعوا ضمة الهاء. وقرأ سائر أهل الكوفة " ~~أرجه " بإسكان الهاء. قال الفراء: هي لغة للعرب، يقفون على الهاء المكني ~~عنها في الوصل إذا تحرك ما قبلها، وكذا هذه طلحة قد أقبلت. # وأنكر البصريون هذا. قال قتادة: معنى " أرجه " احبسه. وقال ابن عباس: ~~أخره. # وقيل: " أرجه " مأخوذ من رجا يرجو، أي أطمعه ودعه يرجو، حكاه النحاس عن ~~محمد بن يزيد. وكسر الهاء على الإتباع. ويجوز ضمها على الأصل. وإسكانها لحن ~~(2) لا يجوز إلا في شذوذ من الشعر. (وأخاه) عطف على الهاء. (حاشرين) نصب ~~على الحال. # (يأتوك) جزم، لأنه جواب الأمر ولذلك حذفت منه النون. قرأ أهل الكوفة إلا ~~عاصما " بكل سحار " وقرأ سائر الناس " ساحر " وهما متقاربان، إلا أفعالا ~~أشد مبالغة. # PageV07P257 # قوله تعالى: وجاء السحرة فرعون قالوا إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين ~~(113) قال نعم وإنكم لمن المقربين (114) قوله تعالى: (وجاء السحرة فرعون) ~~وحذف ذكر الإرسال لعلم السامع. قال ابن عبد الحكم: كانوا اثني عشر نقيبا، ~~مع كل نقيب عشرون عريفا، تحت يدي كل عريف ألف ساحر. وكان رئيسهم شمعون في ~~قول مقاتل بن سليمان. وقال ابن جريج: كانوا تسعمائة من العريش والفيوم ~~والإسكندرية أثلاثا. وقال ابن إسحاق: كانوا خمسة عشر ألف ساحر، وروي عن ~~وهب. وقيل: كانوا اثني عشر ألفا. وقال ابن ms2639 المنكدر: ثمانين ألفا. # وقيل: أربعة عشر ألفا. وقيل: كانوا ثلاثمائة ألف ساحر من الريف، ~~وثلاثمائة ألف ساحر من الصعيد، وثلاثمائة ألف ساحر من الفيوم وما والاها. ~~وقيل: كانوا سبعين رجلا. # وقيل: ثلاثة وسبعين، فالله أعلم. وكان معهم فيما روي حبال وعصي يحملها ~~ثلاثمائة بعير. # فالتقمت الحية ذلك كله. قال ابن عباس والسدي: كانت إذا فتحت فاها صار ~~شدقها ثمانين ذراعا، واضعة فكها الأسفل على الأرض، وفكها الأعلى على سور ~~القصر. وقيل: # كان سعة فمها أربعين ذراعا، فالله أعلم. فقصدت فرعون لتبتلعه، فوثب من ~~سريره فهرب منها واستغاث بموسى، فأخذها فإذا هي عصا كما كانت. قال وهب: مات ~~من خوف العصا خمسة وعشرون ألفا. (قالوا أئن لنا لأجرا) أي جائزة ومالا. ولم ~~يقل فقالوا بالفاء، لأنه أراد لما جاءوا قالوا. وقرئ " إن لنا " على الخبر. ~~وهي قراءة نافع وابن كثير. # ألزموا فرعون أن يجعل لهم مالا إن غلبوا. فقال لهم فرعون: (نعم وإنكم لمن ~~المقربين) أي لمن أهل المنزلة الرفيعة لدينا، فزادهم على ما طلبوا. وقيل: ~~إنهم إنما قطعوا ذلك لأنفسهم في حكمهم إن غلبوا. أي قالوا: يجب لنا الأجر ~~إن غلبنا. وقرأ الباقون بالاستفهام على جهة الاستخبار. استخبروا فرعون: هل ~~يجعل لهم أجرا إن غلبوا أو لا، فلم يقطعوا على فرعون بذلك، إنما استخبروه ~~هل يفعل ذلك، فقال لهم " نعم " لكم الأجر والقرب إن غلبتم. PageV07P258 # قوله تعالى: قالوا يا موسى إما أن تلقى وإما أن نكون نحن الملقين (115) ~~قال ألقوا فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاؤا بسحر عظيم (116) ~~وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون (117) تأدبوا مع موسى ~~عليه السلام فكان ذلك سبب إيمانهم. و " أن " في موضع نصب عند الكسائي ~~والفراء، على معنى إما أن تفعل الإلقاء. ومثله قول الشاعر: # قالوا الركوب فقلنا تلك عادتنا (1) قال ألقوا قال الفراء: في الكلام حذف. ~~والمعنى: قال لهم موسى إنكم لن تغلبوا ربكم ولن تبطلوا آياته. وهذا من معجز ~~القرآن الذي لا يأتي مثله في كلام الناس، ms2640 ولا يقدرون عليه. يأتي اللفظ ~~اليسير بجمع المعاني الكثيرة. وقيل: هو تهديد. أي ابتدأوا بالإلقاء، فسترون ~~ما يحل بكم من الافتضاح، إذا لا يجوز على موسى أن يأمرهم بالسحر. وقيل: # أمرهم بذلك ليبين كذبهم وتمويههم. (فلما ألقوا) أي الحبال والعصي (سحروا ~~أعين الناس) أي خيلوا لهم وقلبوها عن صحة إدراكها، بما يتخيل من التمويه ~~الذي جرى مجرى الشعوذة وخفة اليد. كما تقدم في البقرة (2) بيانه. ومعنى ~~(عظيم) أي عندهم، لأنه كان كثيرا وليس بعظيم على الحقيقة. قال ابن زيد: كان ~~الاجتماع بالإسكندرية فبلغ ذنب الحية وراء البحيرة. وقال غيره: وفتحت فاها ~~فجعلت تلقف - أي تلتقم - ما ألقوا من حبالهم وعصيهم. وقيل: كان ما ألقوا ~~حبالا من أدم فيها زئبق فتحركت وقالوا هذه حياة. وقرأ حفص " تلقف " بإسكان ~~اللام والتخفيف. جعله مستقبل لقف يلقف. قال النحاس: # ويجوز على هذه القراءة " تلقف " لأنه من لقف. وقرأ الباقون بالتشديد وفتح ~~اللام، وجعلوه مستقبل تلقف، فهي تتلقف. يقال: لقفت الشئ وتلقفته إذا أخذته ~~أو بلعته. تلقف وتلقم # PageV07P259 # وتلهم بمعنى واحد. قال أبو حاتم: وبلغني في بعض القراءات " تلقم " بالميم ~~والتشديد. # قال الشاعر: # أنت عصا موسى التي لم تزل * تلقم ما يأفكه الساحر ويروى: تلقف. (ما ~~يأفكون) أي ما يكذبون، لأنهم جاءوا بحبال وجعلوا فيها زئبقا حتى، تحركت. # قوله تعالى: فوقع الحق وبطل ما كانوا (118) يعملون فغلبوا هنالك وانقلبوا ~~صاغرين (119) وألقى السحرة ساجدين (120) قالوا آمنا برب العلمين (121) رب ~~موسى وهرون (122) قوله تعالى: (فوقع الحق) قال مجاهد: فظهر الحق. (وانقلبوا ~~صاغرين) نصب على الحال. والفعل منه صغر يصغر صغرا وصغرا وصغارا (1). أي ~~انقلب قوم فرعون وفرعون معهم أذلاء مقهورين مغلوبين. فأما السحرة فقد ~~آمنوا. # قوله تعالى: قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم إن هذا لمكر مكرتموه في ~~المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلون (123) لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلف ~~ثم لأصلبنكم أجمعين (124) قالوا إنا إلى ربنا منقلبون (125) وما تنقم منا ~~إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين ~~(126) قوله تعالى: ms2641 (قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم) إنكار منه عليهم. ~~(إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها) أي جرت بينكم وبينه ~~مواطأة في هذا لتستولوا على مصر، أي كان هذا منكم في مدينة مصر قبل أن ~~تبرزوا إلى هذه الصحراء # PageV07P260 # (فسوف تعلمون) تهديدا لهم. قال ابن عباس: كان فرعون أول من صلب، وقطع ~~الأيدي والأرجل من خلاف، الرجل اليمنى واليد اليسرى، واليد اليمنى والرجل ~~اليسرى، عن الحسن. # (وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا) قرأ الحسن بفتح القاف. قال ~~الأخفش: هي لغة يقال: نقمت الأمر ونقمته أنكرته، أي لست تكره منا سوى أن ~~آمنا بالله وهو الحق. # (لما جاءتنا) آياته وبيناته. (ربنا أفرغ علينا صبرا) الإفراغ الصب، أي ~~اصببه علينا عند القطع والصلب. (وتوفنا مسلمين) فقيل: إن فرعون أخذ السحرة ~~وقطعهم على شاطئ النهر، وإنه آمن بموسى عند إيمان ستمائة ألف. # قوله تعالى: وقال الملأ من قوم فرعون أنذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ~~ويذرك وآلهتك قال سنقتل أبناءهم ونستحي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون (127) قال ~~موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده ~~والعقبة للمتقين (128) قوله تعالى: (وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى ~~وقومه ليفسدوا في الأرض) أي بإيقاع الفرقة وتشتيت الشمل. (ويذرك) بنصب ~~الراء جواب الاستفهام، والواو نائبة عن الفاء. (وآلهتك) قال الحسن: كان ~~فرعون يعبد الأصنام، فكان يعبد ويعبد. قال سليمان التيمي: بلغني أن فرعون ~~كان يعبد البقر قال التيمي: فقلت للحسن هل كان فرعون يعبد شيئا؟ قال نعم، ~~إنه كان يعبد (1) شيئا كان قد جعل في عنقه. وقيل: معنى " وآلهتك " أي ~~وطاعتك، كما قيل في قول: اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله (2) " ~~إنهم ما عبدوهم ولكن أطاعوهم، فصار تمثيلا. وقرأ نعيم بن ميسرة " ويذرك " ~~بالرفع على تقدير وهو يذرك. وقرأ الأشهب العقيلي " ويذرك " مجزوما مخفف ~~يذرك لثقل الضمة. وقرأ أنس # PageV07P261 # ابن مالك " ونذرك " بالرفع والنون. أخبروا عن أنفسهم أنهم يتركون عبادته ~~إن ترك موسى حيا. وقرأ ms2642 علي بن أبي طالب وابن عباس والضحاك " وإلاهتك " ~~ومعناه وعبادتك. وعلى هذه القراءة كان يعبد ولا يعبد، أي ويترك عبادته لك. ~~قال أبو بكر الأنباري: فمن مذهب أصحاب هذه القراءة أن فرعون لما قال " أنا ~~ربكم الأعلى (1) " و " ما علمت لكم من إله غيري (2) " نفى أن يكون له رب ~~وآلهة. فقيل له: ويذرك وإلاهتك، بمعنى ويتركك وعبادة الناس لك. # وقرا العامة " وآلهتك " كما تقدم، وهي مبنية على أن فرعون ادعى الربوبية ~~في ظاهر أمره وكان يعلم أنه مربوب. ودليل هذا قوله عند حضور الحمام " آمنت ~~أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل " فلم يقبل هذا القول منه (لما ~~أتى به (4)) بعد إغلاق (باب (4)) التوبة. وكان قبل هذا الحال له إله يعبده ~~سرا دون رب العالمين جل وعز، قال الحسن وغيره. وفي حرف أبي " أتذر موسى ~~وقومه ليفسدوا في الأرض وقد تركوك أن يعبدوك ". وقيل: " وإلاهتك " قيل: # كان يعبد بقرة، وكان إذا استحسن بقرة أمر بعبادتها، وقال: أنا ربكم ورب ~~هذه. ولهذا قال: # " فأخرج لهم (5) عجلا جسدا ". ذكره ابن عباس والسدي. قال الزجاج: كان له ~~أصنام صغار يعبدها قومه تقربا إليه فنسبت إليه، ولهذا قال: " أنا ربكم ~~الأعلى ". قال إسماعيل بن إسحاق: قول فرعون " أنا ربكم الأعلى ". يدل على ~~أنهم كانوا يعبدون شيئا غيره. وقد قيل: إن المراد بالإلاهة على قراءة ابن ~~عباس البقرة التي كان يعبدها. وقيل: أرادوا بها الشمس وكانوا يعبدونها. قال ~~الشاعر: # * وأعجلنا الإلاهة أن تؤبا * ثم آنس قومه فقال (سنقتل أبناءهم) بالتخفيف، ~~قراءة نافع وابن كثير. والباقون بالتشديد على التكثير. (ونستحيي نساءهم) أي ~~لا تخافوا جانبهم. (وإنا فوقهم قاهرون) آنسهم بهذا الكلام. ولم يقل سنقتل ~~موسى لعلمه أنه لا يقدر عليه. وعن سعيد بن جبير قال: كان فرعون قد ملئ من ~~موسى رعبا، فكان إذا رآه بال كما يبول الحمار. ولما بلغ قوم # PageV07P262 # موسى من فرعون هذا قال لهم موسى: (استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله ~~يورثها من يشاء) أطمعهم في أن يورثهم الله أرض ms2643 مصر. (والعاقبة للمتقين) أي ~~الجنة لمن اتقى. # وعاقبة كل شئ: آخره، ولكنها إذا أطلقت فقيل: العاقبة لفلان فهم منه في ~~العرف الخير. # قوله تعالى: (قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا) أي في ابتداء ولادتك بقتل ~~الأبناء واسترقاق النساء. (ومن بعد ما جئتنا) أي والآن أعيد علينا ذلك، ~~يعنون الوعيد الذي كان من فرعون. وقيل: الأذى من قبل تسخيرهم لبني إسرائيل ~~في أعمالهم إلى نصف النهار، وإرسالهم بقيته ليكتسبوا لأنفسهم. والأذى من ~~بعد: تسخيرهم جميع النهار كله بلا طعام ولا شراب، قاله جويبر. وقال الحسن ~~الأذى من قبل ومن بعد واحد، وهو أخذ الجزية. # (قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض) " عسى " من الله واجب، ~~جدد (1) لهم الوعد وحققه. وقد استحلفوا في مصر في زمان داود وسليمان عليهما ~~السلام، وفتحوا بيت المقدس مع يوشع بن نون، كما تقدم. وروي أنهم قالوا ذلك ~~حين خرج بهم موسى وتبعهم فرعون فكان وراءهم والبحر أمامهم، فحقق الله ~~الوعيد بأن غرق فرعون وقومه وأنجاهم. # (فينظر كيف تعلمون) تقدم نظائره. أي يرى ذلك العمل الذي يجب به الجزاء، ~~لأن الله لا يجازيهم على ما يعلمه منهم، إنما يجازيهم على ما يقع منهم. # قوله تعالى: ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون ~~(130) قوله تعالى: (ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين) يعني الجدوب. وهذا معروف ~~في اللغة، يقال: أصابتهم سنة، أي جدب. وتقديره جدب سنة. وفي الحديث: (اللهم # PageV07P263 # أجعلها عليهم سنين كسني يوسف). ومن العرب من يعرب النون في السنين، وأنشد ~~الفراء: # أرى مر السنين أخذن مني * كما أخذ السرار (1) من الهلال قال النحاس: ~~وأنشد سيبويه هذا البيت بفتح النون، ولكن أنشد (2) في هذا مالا يجوز غيره، ~~وهو قوله: # * وقد جاوزت رأس الأربعين * وحكى الفراء عن بني عامر أنهم يقولون: أقمت ~~عنده سنينا يا هذا، مصروفا. قال: وبنو تميم لا يصرفون ويقولون: مضت له سنين ~~يا هذا. وسنين جمع سنة، والسنة هنا بمعنى الجدب لا بمعنى الحول. ومنه أسنت ~~القوم أي أجدبوا. قال عبد ms2644 الله بن الزبعري: # عمرو العلا هشم الثريد لقومه * ورجال مكة مسنتون عجاف (3) (لعلهم يذكرون) ~~أي ليتعظوا وترق قلوبهم. # قوله تعالى: فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا ~~بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون (131) فيه ~~مسئلتان: الأولى - قوله تعالى: (فإذا جاءتهم الحسنة) أي الخصب والسعة. ~~(قالوا لنا هذه) أي أعطيناها باستحقاق. (وإن تصبهم سيئة) أي قحط ومرض وهي ~~المسألة: - الثانية - (يطيروا بموسى) أي يتشاءموا به. نظيره " وإن تصبهم ~~سيئة يقولوا هذه من عندك (4) ". والأصل " يتطيروا " أدغمت التاء في الطاء. ~~وقرأ طلحة: " تطيروا " على أنه فعل ماض. والأصل في هذا من الطيرة وزجر ~~الطير، ثم كثر استعمالهم حتى قيل لكل # PageV07P264 # من تشاءم: تطير. وكانت العرب تتيمن بالسانح: وهو الذي يأتي من ناحية ~~اليمين. وتتشاءم بالبارح: وهو الذي يأتي من ناحية الشمال. وكانوا يتطيرون ~~أيضا بصوت الغراب، ويتأولونه البين. وكانوا يستدلون بمجاوبات الطيور بعضها ~~بعضا على أمور، وبأصواتها في غير أوقاتها المعهودة على مثل ذلك. وهكذا ~~الظباء إذا مضت سانحة أو بارحة، ويقولون إذا برحت: # " من لي بالسانح بعد البارح (1) ". إلا أن أقوى ما عندهم كان يقع في جميع ~~الطير، فسموا الجميع تطيرا من هذا الوجه. وتطير الأعاجم إذا رأوا صبيا يذهب ~~به إلى العلم بالغداة، ويتيمنون برؤية صبي يرجع من عند المعلم إلى بيته، ~~ويتشاءمون برؤية السقاء على ظهره قربة مملوءة مشدودة، ويتيمنون برؤية فارغ ~~السقاء مفتوحة (قربته (2))، ومتشاءمون بالحمال المثقل بالحمل، والدابة ~~الموقرة (3)، ويتيمنون بالحمال الذي وضع جمله، وبالدابة يحط عنها ثقلها. # فجاء الإسلام بالنهي عن التطير والتشاؤم بما يسمع من صوت طائر ما كان، ~~وعلى أي حال كان، فقال عليه السلام: (أقروا الطير على مكناتها (4)). وذلك ~~أن كثيرا من أهل الجاهلية كان إذا أراد الحاجة أتى الطير في وكرها فنفرها، ~~فإذا أخذت ذات اليمين مضى لحاجته، وهذا هو السانح عندهم. وإن أخذت ذات ~~الشمال رجع، وهذا هو البارح عندهم. فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا ~~بقول: (أقروا الطير على ms2645 مكناتها) هكذا في الحديث. # وأهل العربية يقولون: (وكناتها) قال امرؤ القيس: # * وقد أغتدي والطير في وكناتها * والوكنة: اسم لكل وكر وعش. والوكن: موضع ~~الطائر الذي يبيض فيه ويفرخ، وهو الخرق في الحيطان والشجر. ويقال: وكن ~~الطائر يكن وكونا إذا حضن بيضه. وكان أيضا من العرب من لا يرى التطير شيئا، ~~ويمدحون من كذب به. قال المرقش: # PageV07P265 # ولقد غدوت وكنت لا * أغدو على واق وحاتم (1) فإذا الأشائم كالأيامن * ~~والأيامن كالأشائم وقال عكرمة: كنت عند ابن عباس فمر طائر يصيح، فقال رجل ~~من القوم: خير، خير. فقال ابن عباس: ما عند هذا لا خير ولا شر. قال ~~علماؤنا: وأما أقوال الطير فلا تعلق لها بما يجعل دلالة عليه، ولا لها علم ~~بكائن فضلا عن مستقبل فتخبر به، ولا في الناس من يعلم منطق الطير، إلا ما ~~كان الله تعال خص به سليمان صلى الله عليه وسلم من ذلك، فالتحق التطير ~~بجملة الباطل. والله أعلم. وقال صلى الله عليه وسلم: (ليس منا من تحلم (2) ~~أو تكهن أو رده عن سفره تطير). وروى أبو داود عن عبد الله بن مسعود عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الطيرة شرك - ثلاثا - وما منا إلا ولكن (3) ~~الله يذهبه بالتوكل). # وروى عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~(من رجعته الطيرة عن حاجته فقد أشرك). قيل: وما كفارة ذلك يا رسول الله؟ ~~قال: (أن يقول أحدهم اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك ولا إله غيرك ~~ثم يمضي لحاجته). وفي خبر آخر: (إذا وجد ذلك أحدكم فليقل اللهم لا يأتي ~~بالحسنات إلا أنت ولا يذهب بالسيئات إلا أنت لا حول ولا قوة إلا بك). ثم ~~يذهب متوكلا على الله، فإن الله يكفيه ما وجد في نفسه من ذلك، وكفاه الله ~~تعالى ما يهمه. وقد تقدم في المائدة الفرق بين الفأل والطيرة (4). (ألا ~~إنما طائرهم عند الله) وقرأ الحسن " طيرهم " جمع طائر. أي ما قدر لهم # PageV07P266 # وعليهم. (ولكن أكثرهم ms2646 لا يعلمون) أن ما لحقهم من القحط والشدائد إنما هو ~~من عند الله عز وجل بذنوبهم لا من عند موسى وقومه. # قوله تعالى: وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين ~~(132) قوله تعالى: (وقالوا مهما تأتنا به من آية) أي قال قوم فرعون لموسى " ~~مهما ". قال الخليل: الأصل ما، ما، الأولى للشرط، والثانية زائدة توكيد ~~للجزاء، كما تزاد في سائر الحروف، مثل إما وحيثما وأينما وكيفما. فكرهوا ~~حرفين لفظهما واحد، فأبدلوا من الألف الأولى هاء فقالوا مهما. وقال ~~الكسائي: أصله مه، أي اكفف، ما تأتنا به من آية. وقيل: # هي كلمة مفردة، يجازي بها ليجزم ما بعدها على تقدير إن. والجواب " فما ~~نحن لك بمؤمنين " (لتسحرنا) لتصرفنا عما نحن عليه. وقد مضى في البقرة بيان ~~هذه اللفظة (1). قيل: بقي موسى في القبط بعد إلقاء السحرة سجدا عشرين سنة ~~يريهم الآيات إلى أن أغرق الله فرعون، فكان هذا قولهم. # قوله تعالى: فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات ~~مفصلات فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين (133) فيه خمس مسائل: # الأولى - روى إسرائيل عن سماك عن نوف الشامي قال: مكث موسى صلى الله عليه ~~وسلم في آل فرعون بعد ما غلب السحرة أربعين عاما. وقال محمد بن عمان بن أبي ~~شيبة عن منجاب: عشرين سنة، يريهم الآيات: الجراد والقمل والضفادع والدم. # الثانية - قوله تعالى: (الطوفان) أي المطر الشديد حتى عاموا فيه. وقال ~~مجاهد وعطاء: الطوفان الموت قال الأخفش: واحدته طوفانة. وقيل: هو مصدر ~~كالرجحان # PageV07P267 # والنقصان، فلا يطلب له واحد. قال النحاس: الطوفان في اللغة ما كان مهلكا ~~من موت أو سيل، أي ما يطيف بهم فيهلكهم. وقال السدي: ولم يصب بني إسرائيل ~~قطرة من ماء، بل دخل بيوت القبط حتى قاموا في الماء إلى تراقيهم (1)، ودام ~~عليهم سبعة أيام. وقيل: # أربعين يوما. فقالوا: ادع لنا ربك يكشف عنا فنؤمن بك، فدعا ربه فرفع عنهم ~~الطوفان فلم يؤمنوا. فأنبت الله لهم في تلك السنة ما لم ينبته قبل ذلك من ~~الكلأ ms2647 والزرع. فقالوا: # كان ذلك الماء نعمة، فبعث الله عليها الجراد وهو الحيوان المعروف، جمع ~~جرادة في المذكر والمؤنث. فإن أردت الفصل نعت فقلت رأيت جرادة ذكرا - فأكل ~~زروعهم وثمارهم حتى أنها كانت تأكل السقوف والأبواب حتى تنهدم ديارهم. ولم ~~يدخل دور بني إسرائيل منها شئ. # الثالثة - واختلف العلماء في قتل الجراد إذا حل بأرض فأفسد، فقيل: لا ~~يقتل. # وقال أهل الفقه كلهم: يقتل. احتج الأولون بأنه خلق عظيم من خلق الله يأكل ~~من رزق الله ولا يجري عليه القلم. وبما روي (لا تقتلوا الجراد فإنه جند ~~الله الأعظم). واحتج الجمهور بأن في تركها فساد الأموال، وقد رخص النبي صلى ~~الله عليه وسلم بقتال المسلم إذا أراد أخذ مال، فالجراد إذا أرادت فساد ~~الأموال كانت أولى أن يجوز قتلها. ألا ترى أنهم قد اتفقوا على أنه يجوز قتل ~~الحية والعقرب؟ لأنهما يؤذيان الناس فكذلك الجراد. روى ابن ماجة عن جابر ~~وأنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دعا على الجراد قال: ~~(اللهم أهلك كباره واقتل صغاره وأفسد بيضه واقطع دابره وخذ بأفواهه عن ~~معايشنا وأرزاقنا إنك سميع الدعاء). قال رجل: يا رسول الله، كيف تدعو على ~~جند من أجناد الله بقطع دابره؟ # قال: (إن الجراد (2) نثرة الحوت في البحر). # الرابعة: ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن أبي أوفى قال: غزونا مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات كنا نأكل الجراد معه. ولم يختلف العلماء ~~في أكله على الجملة، # PageV07P268 # وأنه إذا أخذ حيا وقطعت رأسه أنه حلال باتفاق. وإن ذلك يتنزل منه منزلة ~~الذكاة فيه. # وإنما اختلفوا هل يحتاج إلى سبب يموت به إذا صيد أم لا، فعامتهم على أنه ~~لا يحتاج إلى ذلك، ويؤكل كيفما مات. وحكمه عندهم حكم الحيتان، وإليه ذهب ~~ابن نافع ومطرف وذهب مالك إلى أنه لابد له من سبب يموت به، كقطع رؤوسه أو ~~أرجله أو أجنحته إذا مات من ذلك، أو يصلق أو يطرح في النار، لأنه عنده ms2648 من ~~حيوان البر فميتته محرمة. # وكان الليث يكره أكل ميت الجراد، إلا ما أخذ حيا ثم مات فإن أخذه ذكاة. ~~وإليه ذهب سعيد بن المسيب. وروى الدارقطني عن ابن عمر أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: # (أحل لنا ميتتان الحوت والجراد ودمان الكبد والطحال). وقال ابن ماجة: ~~حدثنا أحمد ابن منيع حدثنا سفيان بن عيينة عن أبي سعيد سمع أنس بن مالك ~~يقول: كن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يتهادين الجراد على الأطباق. ذكره ~~ابن المنذر أيضا. # الخامسة - روى محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله عن عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الله تعالى خلق ~~ألف أمة ستمائة منها في البحر وأربعمائة في البر وإن أول هلاك هذه الأمم ~~الجراد فإذا هلكت الجراد تتابعت الأمم مثل نظام السلك إذا انقطع). ذكره ~~الترمذي الحكيم في (نوادر الأصول) وقال: وإنما صار الجراد أول هذه الأمم ~~هلاكا لأنه خلق من الطينة التي فضلت من طينة آدم. وإنما تهلك الأمم لهلاك ~~الآدمين لأنها مسخرة لهم. # رجعنا إلى قصة القبط - فعاهدوا موسى أن يؤمنوا لو كشف عنهم الجراد، فدعا ~~فكشف وكان قد بقي من زروعهم شئ فقالوا: يكفينا ما بقي، ولم يؤمنوا فبعث ~~الله عليهم القمل، وهو صغار الدبى، قاله قتادة. والدبى: الجراد قبل أن ~~يطير، الواحدة دباة. وأرض مدبية إذا أكل الدبى نباتها. وقال ابن عباس: ~~القمل السوس الذي في الحنطة. وقال ابن زيد: # البراغيث. وقال الحسن: دواب سود صغار. وقال أبو عبيدة: الحمنان، وهو ضرب ~~من القراد، واحدها حمنانة. فأكلت دوابهم وزروعهم، ولزمت جلودهم كأنها ~~الجدري عليهم، PageV07P269 # ومنعهم النوم والقرار. وقال حبيب بن (أبي (1)) ثابت: القمل الجعلان (2). ~~والقمل عند أهل اللغة ضرب من القردان. قال أبو الحسن الأعرابي العدوي: ~~القمل دواب صغار من جنس القردان، إلا أنها أصغر منها، واحدتها قملة. قال ~~النحاس: وليس هذا بناقض لما قاله أهل التفسير، لأنه يجوز أن تكون هذه ~~الأشياء كلها أرسلت ms2649 عليهم، وهي أنها كلها تجتمع في أنها تؤذيهم. وذكر بعض ~~المفسرين أنه كان " بعين شمس (3) " كثيب من رمل فضربه موسى بعصاه فصار ~~قملا. وواحد القمل قملة. وقيل: القمل القمل، قاله عطاء الخراساني. وفي ~~قراءة الحسن " والقمل " بفتح القاف وإسكان الميم فتضرعوا فلما كشف عنهم لم ~~يؤمنوا، فأرسل الله عليهم الضفادع، جمع ضفدع (4) وهي المعروفة التي تكون في ~~الماء، (وفيه مسألة (5) واحدة هي أن) النهي ورد عن قتلها، أخرجه أبو داود ~~وابن ماجة بإسناد صحيح. أخرجه أبو داود عن أحمد بن حنبل عن عبد الرزاق وابن ~~ماجة عن محمد بن يحيى النيسابوري الذهلي عن أبي هريرة قال: نهى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن قتل الصرد والضفدع والنملة والهدهد. وخرج النسائي عن ~~عبد الرحمن بن عثمان أن طبيبا ذكر ضفدعا في دواء عند النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن قتله. صححه أبو محمد عبد الحق. وعن أبي هريرة قال: الصرد أول طير ~~صام. # ولما خرج إبراهيم عليه السلام من الشأم إلى الحرم في بناء البيت كانت ~~السكينة (6) معه والصرد، فكان الصرد دليله إلى الموضع، والسكينة مقداره. ~~فلما صار إلى البقعة وقعت السكينة على موضع البيت ونادت: ابن يا إبراهيم ~~على مقدار ظلي، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل الصرد لأنه كان دليل ~~إبراهيم على البيت، وعن الضفدع لأنها كانت تصب الماء على نار إبراهيم. # ولما تسلطت على فرعون جاءت فأخذت الأمكنة كلها، فلما صارت إلى التنور ~~وثبت فيها وهي نار تسعر، طاعة لله. فجعل (الله (7) نقيقها تسبيحا. يقال: ~~إنها أكثر الدواب تسبيحا. # قال عبد الله بن عمرو: لا تقتلوا الضفدع فإن نقيقه الذي تسمعون تسبيح. ~~فروي أنها ملأت # PageV07P270 # فرشهم وأوعيتهم وطعامهم وشرابهم، فكان الرجل يجلس إلى ذقنه في الضفادع، ~~وإذا تكلم وثب الضفدع في فيه. فشكوا إلى موسى وقالوا: نتوب، فكشف الله عنهم ~~ذلك فعادوا إلى كفرهم، فأرسل الله عليهم الدم فسال النيل عليهم (1) دما. ~~وكان الإسرائيلي يغترف منه الماء، والقبطي الدم. وكان الإسرائيلي يصب الماء ~~في فم ms2650 القبطي فيصير دما، والقبطي يصب الدم في فم الإسرائيلي فيصير ماء ~~زلالا. (آيات مفصلات) أي مبينات ظاهرات، عن مجاهد. # قال الزجاج: (آيات مفصلات) نصب على الحال. ويروى أنه كان بين الآية ~~والآية ثمانية أيام. وقيل: أربعون يوما. وقيل: شهر، فلهذا قال " مفصلات ". ~~(فاستكبروا) أي ترفعوا عن الإيمان بالله تعالى. # قوله تعالى: ولما وقع عليهم الرجز قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد ~~عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل (134) فلما ~~كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بلغوه إذا هم ينكثون (135) فانتقمنا منهم ~~فأغرقناهم في اليم بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين قوله تعالى: ~~(ولما وقع عليهم الرجز) أي العذاب. وقرئ بضم الراء، لغتان. قال ابن جبير: ~~كان طاعونا مات به من القبط في يوم واحد سبعون (2) ألفا. وقيل: المراد ~~بالرجز ما تقدم ذكره من الآيات. (بما عهد عندك) " ما " بمعنى الذي، أي بما ~~استودعك من العلم، أو بما اختصك به فنبأك. وقيل: هذا قسم، أي بعهده عندك ~~إلا ما دعوت لنا، ف‍ " ما " صلة (3). # (لئن كشفت عنا الرجز) أي بدعائك لإلهك حتى يكشف عنا. (لنؤمنن لك) أي ~~نصدقك بما جئت به. (ولنرسلن معك بني إسرائيل) وكانوا يستخدمونهم، على ما ~~تقدم (إلى أجل هم بالغوه) يعني أجلهم الذي ضرب لهم في التغريق. (إذا هم ~~ينكثون) أي ينقضون ما عقدوه # PageV07P271 # على أنفسهم. (فانتقمناه منهم فأغرقناهم في اليم بأنهم كذبوا بآياتنا ~~وكانوا عنها غافلين) واليم البحر. " وكانوا عنها " أي النقمة. دل عليها " ~~فانتقمنا ". وقيل: عن الآيات أي لم يعتبروا بها حتى صاروا كالغافلين عنها. # قوله تعالى: وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشرق الأرض ومغربها التي ~~باركنا فيها وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان ~~يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون (137) قوله تعالى: (وأورثناه القوم) ~~يريد بني إسرائيل. (الذين كانوا يستضعفون) أي يستذلون بالخدمة. (مشارق ~~الأرض ومغاربها) زعم الكسائي والفراء أن الأصل " في مشارق الأرض ومغاربها " ~~ثم حذف " في " فنصب. والظاهر أنهم ورثوا أرض ms2651 القبط. فهما نصب على المفعول ~~الصريح، يقال: ورثت المال وأورثته المال، فلما تعدى الفعل بالهمزة نصب ~~مفعولين. والأرض هي أرض الشأم ومصر. ومشارقها ومغاربها جهات الشرق والغرب ~~بها، فالأرض مخصوصة، عن الحسن وقتادة وغيرهما. وقيل: أراد جميع الأرض، لأن ~~بن بني إسرائيل داود وسليمان وقد ملكا الأرض. (التي باركنا فيها) أي بإخراج ~~الزروع والثمار والأنهار. (وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل) هي قوله: ~~" ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ~~(1) ". (بما صبروا) أي بصبرهم على أذى فرعون، وعلى أمر الله بعد أن آمنوا ~~بموسى. (ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون) يقال: عرش يعرش ~~إذا بنى. قال ابن عباس ومجاهد: # أي ما كانوا يبنون من القصور وغيرها. وقال الحسن: هو تعريش الكرم. وقرأ ~~ابن عامر وأبو بكر عن عاصم " يعرشون " بضم الراء. قال الكسائي: هي لغة ~~تميم. وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة " يعرشون " بتشديد الراء وضم الياء. # PageV07P272 # قوله تعالى: وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام ~~لهم قالوا يا موسى قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم ~~تجهلون (138) قوله تعالى: (وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم ~~يعكفون على أصنام لهم) قرأ حمزة والكسائي بكسر الكاف، والباقون بضمها. ~~يقال: عكف يعكف ويعكف بمعنى أقام على الشئ ولزمه. والمصدر منهما على فعول. ~~قال قتادة: كان أولئك القوم من لخم، وكانوا نزولا بالرقة وقيل: كانت ~~أصنامهم تماثيل بقر، ولهذا أخرج لهم السامري عجلا. (قالوا يا موسى اجعل لنا ~~إلها كما لهم آلهة) نظيره قول جهال الأعراب وقد رأوا شجرة خضراء للكفار ~~تسمى ذات أنواط (1) يعظمونها في كل سنة يوما: يا رسول الله، اجعل لنا ذات ~~أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال عليه الصلاة والسلام: (الله أكبر. قلتم ~~والذي نفسي بيده كما قال قوم موسى " اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم ~~قوم تجهلون " لتركبن سنن في قبلكم حذو القذة (2) بالقذة حتى إنهم لو دخلوا ~~حجر ms2652 ضب لدخلتموه). وكان هذا في مخرجه إلى حنين، على ما يأتي بيانه في " ~~براءة (3) " إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: إن هؤلاء متبر ما هم فيه وبطل ما كانوا يعلمون (139) قال ~~أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على العلمين (140) قوله تعالى: (إن هؤلاء ~~متبر ما هم فيه) أي مهلك، والتبار: الهلاك. وكل إناء مكسر متبر. وأمر متبر. ~~أي إن العابد والمعبود مهلكان. وقوله: (وباطل) أي ذاهب # PageV07P273 # مضمحل. (ما كانوا يعملون) كانوا صلة رائدة. (قال أغير الله أبغيكم إلها) ~~أي أطلب لكم إلها غير الله تعالى. يقال: بغيته وبغيت له. (وهو فضلكم على ~~العالمين) أي على عالمي زمانكم. وقيل: فضلهم بإهلاك عدوهم، وبما خصهم به من ~~الآيات. قوله تعالى: وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يقتلون ~~أبناءكم ويستحيون نساءكم وفى ذلكم بلاء من ربكم عظيم (141) ذكرهم منته. ~~وقيل: هو خطاب ليهود عصر النبي صلى الله عليه وسلم. أي واذكروا إذ أنجينا ~~أسلافكم. حسب ما تقدم بيانه في سورة (البقرة (1)). # قوله تعالى: ووعدنا موسى ثلثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ~~ليلة وقال موسى لأخيه هارون أخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين ~~(142) قوله تعالى: (ووعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه ~~أربعين ليلة) فيه ثلاث مسائل: الأولى - قوله تعالى: (ووعدنا موسى ثلاثين ~~ليلة) ذكر أن مما كرم الله (2) به موسى صلى الله عليه وسلم هذا فكان وعده ~~المناجاة إكراما له. (وأتممناها بعشر) قال ابن عباس ومجاهد ومسروق رضي الله ~~عنهم: هي ذو القعدة وعشر من ذي الحجة. أمره أن يصوم الشهر وينفرد فيه ~~بالعبادة، فلما صامه أنكر خلوف فمه فاستاك. قيل: بعود خرنوب، فقالت ~~الملائكة: إنا كنا نستنشق من فيك رائحة المسك فأفسدته بالسواك. فزيد عليه ~~عشر ليال من ذي الحجة. وقيل: إن الله تعالى أوحى إليه لما استاك: (يا موسى ~~لا أكلمك حتى يعود # PageV07P274 # فوك إلى ما كان عليه قبل، أما علمت أن رائحة الصائم أحب إلي من ريح ~~المسك). # وأمره بصيام عشرة أيام. ms2653 وكان كلام الله تعالى لموسى (صلى الله عليه وسلم ~~(1)) غداة النحر حين فدى إسماعيل من الذبح، وأكمل لمحمد صلى الله عليه وسلم ~~الحج. وحذفت الهاء من عشر لأن المعدود مؤنث. # والفائدة في قوله: " فتم ميقات ربه أربعين ليلة " وقد علم أن ثلاثين ~~وعشرة أربعون، لئلا يتوهم أن المراد أتممنا الثلاثين بعشر منها، فبين أن ~~العشر سوى الثلاثين. فإن قيل: فقد قال في البقرة أربعين وقال هنا ثلاثين، ~~فيكون ذلك من البداء. # قيل: ليس كذلك، فقد قال: " وأتممناها بعشر " والأربعون، والثلاثون ~~والعشرة قول واحد ليس بمختلف. وإنما قال القولين على تفصيل وتأليف، قال ~~أربعين في قول مؤلف، وقال ثلاثين، يعني شهرا متتابعا وعشرا. وكل ذلك ~~أربعون، كما قال الشاعر: # " عشر وأربع... " يعني أربع عشرة، ليلة البدر. وهذا جائز في كلام العرب. # الثانية - قال علماؤنا: دلت هذه الآية على أن ضرب الأجل للمواعدة سنة ~~ماضية، ومعنى قديم أسسه الله تعالى في القضايا، وحكم به للأمم، وعرفهم به ~~مقادير التأني في الأعمال. # وأول أجل ضربه الله تعالى الأيام الستة التي خلق فيها جميع المخلوقات، " ~~ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب (2) ~~". وقد بينا معناه فيما تقدم في هذه السورة من قوله: " إن ربكم الله الذي ~~خلق السماوات والأرض في ستة أيام (3) ". قال ابن العربي: فإذا ضرب الأجل ~~لمعنى يحاول فيه تحصيل المؤجل فجاء الأجل ولم يتيسر زيد فيه تبصرة ومعذرة. ~~وقد بين الله تعالى ذلك لموسى عليه السلام فضرب له أجلا ثلاثين ثم زاده ~~عشرا تتمة أربعين. وأبطأ موسى عليه السلام في هذه العشر على قومه، فما ~~عقلوا جواز التأني والتأخر حتى قالوا: إن موسى ضل أو نسي، ونكثوا عهده ~~وبدلوا بعده، وعبدوا إلها غير الله. قال ابن عباس: إن موسى قال لقومه: إن ~~ربي وعدني ثلاثين ليلة أن ألقاه، وأخلف فيكم # PageV07P275 # هارون، فلما فصل (1) موسى إلى ربه زاده الله عشرا، فكانت فتنتهم في العشر ~~التي زاده الله بما فعلوه من عبادة العجل، على ما يأتي بيانه. ms2654 ثم الزيادة ~~التي تكون على الأجل تكون مقدرة، كما أن الأجل مقدر. ولا يكون إلا باجتهاد ~~من الحاكم بعد النظر إلى المعاني المتعلقة بالأمر: # من وقت وحال وعمل، فيكون مثل ثلث المدة السالفة، كما أجل الله لموسى. فإن ~~رأى الحاكم أن يجمع له الأصل في الأجل والزيادة في مدة واحدة جاز، ولكن لا ~~بد من التربص بعدها لما يطرأ من العذر على البشر، قال ابن العربي. روى ~~البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أعذر الله إلى ~~امرئ أخر أجله حتى بلغ ستين سنة (2). # قلت: وهذا أيضا أصل لإعذار الحكام إلى المحكوم عليه مرة بعد أخرى. وكان ~~هذا لطفا بالخلق، ولينفذ القيام عليهم بالحق. يقال: أعذر في الأمر أي بالغ ~~فيه، أي أعذر غاية الإعذار الذي لا إعذار بعده. وأكبر الإعذار إلى بني آدم ~~بعثة الرسل إليهم لتتم حجته عليهم، " وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا (3) ". ~~وقال " وجاءكم النذير (4) " قيل: هم الرسل. ابن عباس: هو الشيب. فإنه يأتي ~~في سن الاكتهال، فهو علامة لمفارقة سن الصبا. # وجعل الستين غاية الإعذار لأن الستين قريب من معترك العباد، وهو سن ~~الإنابة والخشوع والاستسلام لله، وترقب المنية ولقاء الله، ففيه إعذار بعد ~~إعذار (5). الأول بالنبي عليه السلام، والثاني بالشيب، وذلك عند كمال ~~الأربعين، قال الله تعالى: " وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك ~~(6) ". فذكر عز وجل أن من بلغ أربعين فقد أن له أن يعلم مقدار نعم الله ~~عليه وعلى والديه ويشكرها (7). قال مالك: أدركت أهل العلم ببلدنا، وهم ~~يطلبون الدنيا ويخالطون الناس حتى يأتي لأحدهم أربعون سنة، فإذا أتت عليهم ~~اعتزلوا الناس. # الثالثة - ودلت الآية أيضا على أن التاريخ يكون بالليالي دون الأيام، ~~لقوله تعالى: # " ثلاثين ليلة " لأن الليالي أوائل الشهور. وبها كانت الصحابة رضي الله ~~عنهم تخبر عن # PageV07P276 # الأيام، حتى روي عنها أنها كانت تقول: صمنا خمسا مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. # والعجم تخالف في ذلك، فتحسب بالأيام لأن معولها على الشمس. ابن ms2655 العربي: ~~وحساب الشمس للمنافع، وحساب القمر للمناسك، ولهذا قال: " وواعدنا موسى ~~ثلاثين ليلة ". # فيقال: أرخت تاريخا، وورخت توريخا، لغتان. # قوله تعالى: (وقال موسى لأخيه هارون أخلفني في قومي وأصلح) المعنى: وقال ~~موسى حين أراد المضي للمناجاة والمغيب فيها لأخيه هارون: كن خليفتي، فدل ~~على النيابة. # وفي صحيح مسلم عن سعد بن أبي وقاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول لعلي حين خلفه في بعض مغازيه: (أما ترضى أن تكون مني بمنزلة ~~هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي). فاستدل بهذا الروافض والإمامية وسائر ~~فرق الشيعة على أن النبي صلى الله عليه وسلم استخلف عليا على جميع الأمة، ~~حتى كفر الصحابة الإمامية - قبحهم الله - لأنهم عندهم تركوا العمل الذي هو ~~النص على استخلاف علي واستخلفوا غيره بالاجتهاد منهم. ومنهم من كفر عليا إذ ~~لم يقم بطلب حقه. وهؤلاء لاشك في كفرهم وكفر من تبعهم على مقالتهم، ولم ~~يعلموا أن هذا استخلاف في حياة كالوكالة التي تنقضي بعزل الموكل أو بموته، ~~لا يقتضي أنه متماد بعد وفاته، فينحل على هذا ما تعلق به الإمامية وغيرهم. ~~وقد استخلف النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة ابن أم مكتوم وغيره، ولم ~~يلزم من ذلك استخلافه دائما بالاتفاق. على أنه قد كان هارون شرك مع موسى في ~~أصل الرسالة، فلا يكون لهم فيه على ما راموه دلالة. والله الموفق للهداية. # قوله تعالى: " وأصلح " أمر بالإصلاح. قال ابن جريج: كان من الإصلاح أن ~~يزجر. السامري ويغير عليه. وقيل: أي ارفق بهم، وأصلح أمرهم، وأصلح نفسك، أي ~~كن مصلحا. ولا تتبع سبيل المفسدين أي لا تسلك سبيل العاصين، ولا تكن عونا ~~للظالمين. PageV07P277 # قوله تعالى: واما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال ~~لن تريني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تريني فلما تجلى ربه ~~للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول ~~المؤمنين (143) قوله تعالى: (ولما جاء موسى لميقاتنا) أي في ms2656 الوقت الموعود. ~~(وكلمه ربه) أي أسمعه كلامه من غير واسطة. (قال رب أرني أنظر إليك) سأل ~~النظر إليه، واشتاق إلى رؤيته لما أسمعه كلامه. ف‍ (قال لن تراني) أي في ~~الدنيا. ولا يجوز الحمل على أنه أراد: أرني آية عظيمة لأنظر إلى قدرتك، ~~لأنه قال " إليك " و " قال لن تراني ". # ولو سأل آية لأعطاه الله ما سأل، كما أعطاه سائر الآيات. وقد كان لموسى ~~عليه السلام فيها مقنع عن طلب آية أخرى، فبطل هذا التأويل. (ولكن انظر إلى ~~الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني) ضرب له مثالا مما هو أقوى من بنيته ~~وأثبت. أي فإن ثبت الجبل وسكن فسوف تراني، وإن لم يسكن فإنك لا تطيق رؤيتي، ~~كما أن الجبل لا يطيق رؤيتي. وذكر القاضي عياض عن القاضي أبي بكر بن الطيب ~~ما معناه: أن موسى عليه السلام رأى الله فلذلك خر صعقا، وأن الجبل رأى ربه ~~فصار دكا بإدراك خلقه الله له. واستنبط ذلك من قوله: " ولكن انظر إلى الجبل ~~فإن استقر مكانه فسوف تراني ". ثم قال (فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر ~~موسى صعقا) وتجلى معناه ظهر، من قولك: جلوت العروس أي أبرزتها. وجلوت السيف ~~أبرزته من الصدأ، جلاء فيهما. وتجلى الشئ انكشف. # وقيل: تجلى أمره وقدرته، قاله قطرب وغيره. وقراءة أهل المدينة وأهل ~~البصرة " دكا "، يدل على صحتها " دكت الأرض دكا " وأن الجبل مذكر. (2) وقرأ ~~أهل الكوفة " دكاء " أي جعله مثل أرض دكاء، وهي الناتئة (3) لا تبلغ أن ~~تكون جبلا. والمذكر أدك، وجمع دكاء دكاوات # PageV07P278 # ودك، مثل حمراوات وحمر. قال الكسائي: الدك من الجبال: العراض، واحدها ~~أدك. # غيره: والدكاوات جمع دكاء: رواب من طين ليست بالغلاظ. والدكداك كذلك من ~~الرمل: ما التبد بالأرض فلم يرتفع. وناقة دكاء لا سنام لها. وفي التفسير: ~~فساخ الجبل في الأرض، فهو يذهب فيها حتى الآن. وقال ابن عباس: جعله ترابا. ~~عطية العوفي: # رملا هائلا. (وخر موسى صعقا) أي مغشيا عليه، عن ابن عباس والحسن وقتادة. ~~وقيل: # ميتا، يقال: صعق الرجل ms2657 فهو صعق. وصعق فهو مصعوق. وقال قتادة والكلبي: خر ~~موسى صعقا يوم الخميس يوم عرفة، وأعطي التوراة يوم الجمعة يوم النحر. فلما ~~أفاق قال سبحانك تبت إليك قال مجاهد: من مسألة الرؤية في الدنيا. وقيل: سأل ~~من غير استئذان، فلذلك تاب. وقيل: قال على جهة الإنابة إلى الله والخشوع له ~~عند ظهور الآيات. وأجمعت الأمة على أن هذه التوبة ما كانت عن معصية، فإن ~~الأنبياء معصومون. # وأيضا عند أهل السنة والجماعة الرؤية جائزة. وعند المبتدعة سأل لأجل ~~القوم ليبين لهم أنها غير جائزة، وهذا لا يقتضي التوبة. فقيل: أي تبت إليك ~~من قتل القبطي، ذكره القشيري. وقد مضى في " الأنعام (1) " بيان أن الرؤية ~~جائزة. قال علي بن مهدي الطبري: # لو كان سؤال موسى مستحيلا ما أقدم عليه مع معرفته بالله، كما لم يجز أن ~~يقول له يا رب ألك صاحبة وولد. وسيأتي في " القيامة (2) " مذهب المعتزلة ~~والرد عليهم، إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: (وأنا أول المؤمنين) قيل: بن قومي. وقيل: من بني إسرائيل في ~~هذا العصر. وقيل: بأنك لا ترى في الدنيا لوعدك السابق، في ذلك. وفي الحديث ~~الصحيح من حديث أبي هريرة وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا ~~يخيروا بين الأنبياء فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأرفع رأسي فإذا أنا ~~بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أصعق فيمن صعق فأفاق قبلي أو ~~حوسب بصفته الأولى). أو قال (كفته صعقته الأولى). وذكر أبو بكر بن أبي شيبة ~~عن كعب قال: إن الله تبارك وتعالى قسم # PageV07P279 # كلامه ورؤيته بين محمد وموسى صلى الله وسلم عليهما، فكلمه موسى مرتين، ~~ورآه محمد صلى الله عليه وسلم مرتين. # قوله تعالى: قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالتي وبكلامي فخذ ما ~~آتيتك وكن من الشاكرين (144) قوله تعالى: (يا موسى إني اصطفيتك على الناس ~~برسالاتي وبكلامي) الاصطفاء: # الاجتباء، أي فضلتك. ولم يقل على الخلق، لأن من هذا الاصطفاء أنه كلمه ~~وقد كلم الملائكة وأرسله وأرسل غيره. فالمراد " على ms2658 الناس " المرسل إليهم. ~~وقرأ " برسالتي " على الإفراد نافع وابن كثير. والباقون بالجمع. والرسالة ~~مصدر، فيجوز إفرادها. ومن جمع على أنه أرسل بضروب من الرسالة فاختلفت ~~أنواعها، فجمع المصدر لاختلاف أنواعه، كما قال: " إن أنكر الأصوات لصوت ~~الحمير (1) ". فجمع لاختلاف أجناس الأصوات واختلاف المصوتين. ووحد في قوله ~~" الصوت " لما أراد به جنسا واحدا من الأصوات. ودل هذا على أن قومه لم ~~يشاركه في التكليم ولا واحد من السبعين، كما بيناه في " البقرة (2) ". # قوله تعالى: (فخذ ما آتيك) إشارة إلى القناعة، أي اقنع بما أعطيتك. (وكن ~~من الشاكرين) أي من المظهرين لإحساني إليك وفضلي عليك، يقال: دابة شكور إذا ~~ظهر عليها من السمن فوق ما تعطى من العلف. والشاكر معرض للمزيد كما قال: " ~~لئن شكرتم لأزيدنكم (3) ". ويروى أن موسى عليه السلام مكث بعد أن كلمه الله ~~تعالى أربعين ليلة لا يراه أحد إلا مات من نور الله عز وجل. # قوله تعالى: وكتبنا له في الألواح من كل شئ موعظة وتفصيلا لكل شئ فخذها ~~بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها سأوريكم دار الفسقين (145) # PageV07P280 # قوله تعالى: (وكتبنا له في الألواح من كل شئ) يريد لتوراة. وروي في الخبر ~~أنه قبض عليه جبريل عليه السلام بجناحه فمر به في العلا حتى أدناه حتى سمع ~~صريف القلم حين كتب الله له الألواح، ذكره الترمذي الحكيم. وقال مجاهد: ~~كانت الألواح من زمردة خضراء. ابن جبير: من ياقوتة حمراء. أبو العالية: من ~~زبرجد. الحسن: من خشب، نزلت من السماء. وقيل: من صخرة صماء، لينها الله ~~لموسى عليه السلام فقطعها بيده ثم شقها بأصابعه، فأطاعته كالحديد لداود. ~~قال مقاتل: أي كتبنا (له (1)) في الألواح كنقش الخاتم. # ربيع بن أنس: نزلت التوراة وهي سبعون وقر (2) بعير. وأضاف الكتابة إلى ~~نفسه على جهة التشريف، إذ هي مكتوبة بأمره كتبها جبريل بالقلم الذي كتب به ~~الذكر. واستمد من نهر النور. وقيل: هي كتابة أظهرها الله وخلقها في ~~الألواح. وأصل اللوح: (لوح (3)) (بفتح اللام)، قال الله تعالى: " بل هو ~~قرآن مجيد. في لوح محفوظ ms2659 (4) ". فكأن اللوح تلوح فيه المعاني. ويروى أنها ~~لوحان، وجاء بالجمع لأن الاثنين جمع. ويقال: رجل عظيم الألواح إذا كان كبير ~~عظم اليدين والرجلين. ابن عباس: وتكسرت الألواح حين ألقاها فرفعت إلا ~~سدسها. وقيل: بقي سبعها ورفعت ستة أسباعها. فكان في الذي رفع تفصيل كل شئ، ~~وفي الذي بقي الهدى والرحمة. وأسند أبو نعيم الحافظ عن عمرو بن دينار قال: ~~بلغني أن موسى بن عمران نبي الله صلى الله عليه وسلم صام أربعين ليلة، فلما ~~ألقى الألواح تكسرت فصام مثلها فردت إليه. ومعنى " من كل شئ " مما يحتاج ~~إليه في دينه من الأحكام وتبيين الحلال والحرام، عن الثوري وغيره. وقيل: هو ~~لفظ يذكر تفخيما ولا يراد به التعميم، تقول: دخلت السوق فاشتريت كل شئ. ~~وعند فلان كل شئ. و " تدمر كل شئ (5) " . " وأوتيت من كل شئ (6) " وقد ~~تقدم. (موعظة وتفصيلا لكل شئ) أي لكل شئ أمروا به من الأحكام، فإنه لم يكن ~~عندهم اجتهاد، وإنما خص بذلك أمة محمد صلى الله عليه وسلم. # (فخذها بقوة) في الكلام حذف، أي فقلنا له: خذها بقوة، أي بجد ونشاط. ~~نظيره # PageV07P281 # " خذوا ما آتيناكم بقوة " وقد تقدم (1). (وأمر قومك يأخذوا بأحسنها) أي ~~يعملوا بالأوامر ويتركوا النواهي، ويتدبروا الأمثال والمواعظ. نظيره " ~~واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم (2) ". وقال: " فيتبعون أحسنه (2) ". ~~والعفو أحسن من الاقتصاص. والصبر أحسن من الانتصار. وقيل: أحسنها الفرائض ~~والنوافل، وأدونها المباح. سأريكم دار الفاسقين قال الكلبي: " دار الفاسقين ~~" ما مروا عليه إذا سافروا من منازل عاد وثمود، والقرون التي (3) أهلكوا. ~~وقيل: هي جهنم، عن الحسن ومجاهد. أي فلتكن منكم على ذكر، فاحذروا أن تكونوا ~~منها. وقيل: أراد بها مصر، أي سأريكم ديار القبط ومساكن فرعون خالية عنهم، ~~عن ابن جبير. قتادة: المعنى سأريكم منازل الكفار التي سكنوها قبلكم من ~~الجبابرة والعمالقة لتعتبروا بها يعني الشأم. وهذان القولان يدل عليهما " ~~وأورثنا القوم (4) " الآية. " ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ~~(5) " الآية، وقد تقدم. وقرأ ابن عباس وقسامة بن زهير " سأورثكم " من ورث. ms2660 ~~وهذا ظاهر. وقيل: الدار الهلاك، وجمعه أدوار. وذلك أن الله تعالى لما أغرق ~~فرعون أوحى إلى البحر أن اقذف بأجسادهم إلى الساحل، قال: ففعل، فنظر إليهم ~~بنو إسرائيل فأراهم هلاك الفاسقين. # قوله تعالى: سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا ~~كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل ~~الغى يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين (146) ~~والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعملهم هل يجزون إلا ما كانوا ~~يعلمون (147) # PageV07P282 # قوله تعالى: (سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق) قال ~~قتادة: # سأمنعهم فهم كتابي. وقاله سفيان بن عيينة. وقيل: سأصرفهم عن الإيمان بها. ~~وقيل: # سأصرفهم عن نفعها، وذلك مجازاة على تكبرهم. نظيره: " فلما زاغوا أزاغ ~~الله (1) قلوبهم " . والآيات على هذا المعجزات أو الكتب المنزلة. وقيل: خلق ~~السماوات والأرض. أي أصرفهم عن الاعتبار بها. (يتكبرون) يرون أنهم أفضل ~~الخلق. وهذا ظن باطل، فلهذا قال: # (بغير الحق) فلا يتبعون نبيا ولا يصغون إليه لتكبرهم. # قوله تعالى: (وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن سبيل الرشد لا يتخذوه ~~سبيلا وإن يروا سبيل الغى يتخذوه سبيلا) يعني هؤلاء المتكبرون. أخبر عنهم ~~أنهم يتركون طريق الرشاد ويتبعون سبيل الغي والضلال، أي الكفر يتخذونه ~~دينا. ثم علل فقال: (ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا) أي ذلك الفعل الذي فعلته بهم ~~بتكذيبهم. (وكانوا عنها غافلين) أي كانوا في تركهم تدبر الحق كالغافلين. ~~ويحتمل أن يكونوا غافلين عما يجازون به، كما يقال: ما أغفل فلان عما يراد ~~به، وقرأ مالك بن دينار " وإن يروا " بضم الياء في الحرفين، أي يفعل ذلك ~~بهم. # وقرأ أهل المدينة وأهل البصرة " سبيل الرشد " بضم الراء وإسكان الشين. ~~وأهل الكوفة إلا عاصما " الرشد " بفتح الراء والشين. قال أبو عبيد: فرق أبو ~~عمرو بين الرشد والرشد فقال: الرشد في الصلاح. والرشد في الدين. قال ~~النحاس: " سيبويه يذهب إلى أن الرشد والرشد مثل السخط والسخط، وكذا قال ~~الكسائي. والصحيح عن أبي عمرو ms2661 غير ما قال أبو عبيد. قال إسماعيل بن إسحاق: ~~حدثنا نصر بن علي عن أبيه عن أبي عمرو بن العلاء قال: إذا كان الرشد وسط ~~الآية فهو مسكن، وإذا كان رأس الآية فهو محرك. قال النحاس: # يعني برأس الآية نحو " وهئ لنا من أمرنا رشدا (2) " فهما عنده لغتان ~~بمعنى واحد، إلا أنه فتح هذا لتتفق الآيات. ويقال: رشد يرشد، ورشد يرشد. ~~وحكى سيبويه رشد يرشد. وحقيقة الرشد والرشد في اللغة أن يظفر الإنسان بما ~~يريد، وهو ضد الخيبة ". # PageV07P283 # قوله تعالى: واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ألم يروا ~~أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين (148) قوله تعالى: ~~(واتخذ قوم موسى من بعده) أي من بعد خروجه إلى الطور. (من حليهم) هذه قراءة ~~أهل المدينة وأهل البصرة. وقرأ أهل الكوفة عاصما " من حليهم " بكسر الحاء. ~~وقرأ يعقوب " من حليهم " بفتح الحاء والتخفيف. قال النحاس: جمع حلي وحلي ~~وحلي، مثل ثدي وثدي وثدي. والأصل " حلوى " ثم أدغمت الواو في الياء فانكسرت ~~اللام لمجاورتها الياء، وتكسر الحاء لكسرة اللام. وضمها على الأصل. (عجلا) ~~مفعول. # (جسدا) نعت أو بدل. (له خوار) رفع بالابتداء. يقال: خار يخور خوارا إذا ~~صاح. # وكذلك جأر يجأر جؤارا. ويقال: خور يخور خورا إذا جبن وضعف. وروي في قصص ~~العجل: أن السامري، واسمه موسى بن ظفر، ينسب إلى قرية تدعى سامرة. ولد عام ~~قتل الأبناء، وأخفته أمه في كهف جبل فغذاه جبريل فعرفه لذلك، فأخذ حين عبر ~~البحر على فرس وديق (1) ليتقدم فرعون في البحر - قبضة من أثر حافر الفرس. ~~وهو معنى قوله: " فقبضت قبضة من أثر الرسول (2) ". وكان موسى وعد قومه ~~ثلاثين يوما، فلما أبطأ في العشر الزائد ومضت ثلاثون ليلة قال لبني إسرائيل ~~وكان مطاعا فيهم: إن معكم حليا من حلي آل فرعون، وكان لهم عيد يتزينون فيه ~~ويستعيرون من القبط الحلي فاستعاروا لذلك اليوم، فلما أخرجهم الله من مصر ~~وغرق القبط بقي ذلك الحلي في أيديهم، فقال لهم السامري: إنه ms2662 حرام عليكم، ~~فهاتوا ما عندكم فنحرقه. وقيل: هذا الحلي ما أخذه بنو إسرائيل من قوم فرعون ~~بعد الغرق، وأن هارون قال لهم: إن الحلي غنيمة، وهي لا تحل لكم، فجمعها في ~~حفرة حفرها فأخذها السامري. # وقيل: استعاروا الحلي ليلة أرادوا الخروج من مصر، وأوهموا القبط أن لهم ~~عرسا أو مجتمعا، # PageV07P284 # وكان السامري سمع قولهم " اجعل لنا إلها كما لهم (1) آلهة ". وكانت تلك ~~الآلهة على مثال البقر، فصاغ لهم عجلا جسدا، أي مصمتا، غير أنهم كانوا ~~يسمعون منه خوار. وقيل: قلبه الله لحما ودما. وقيل: إنه لما ألقى تلك ~~القبضة من التراب في النار على الحلي صار عجلا له خوار، فخار خورة واحدة ~~ولم يثن ثم قال للقوم: " هذا إلهكم وإله موسى فنسي (2) ". يقول: نسيه ها ~~هنا وذهب يطلبه فضل عنه - فتعالوا نعبد هذا العجل. فقال الله لموسى وهو ~~يناجيه: # " فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري ". فقال موسى: يا رب، هذا ~~السامري أخرج لهم عجلا من حليهم، فمن جعل له جسدا؟ - يريد اللحم والدم - ~~ومن جعل له خوارا؟ فقال الله سبحانه: أنا فقال: وعزتك وجلالك ما أضلهم ~~غيرك. قال صدقت يا حكيم الحكماء. وهو معنى قوله: " إن هي إلا فتنتك (2) ". ~~وقال القفال: كان السامري احتال بأن جوف العجل، وكان قابل به الريح، حتى ~~جاء من ذلك ما يحاكي الخوار، وأوهمهم أن ذلك إنما صار كذلك لما طرح في ~~الجسد من التراب الذي كان أخذه من تراب قوائم فرس جبريل. وهذا كلام فيه ~~تهافت (3)، قال القشيري. # قوله تعالى: (ألم يروا أنه لا يكلمهم) بين أن المعبود يجب أن يتصف ~~بالكلام. # (ولا يهديهم سبيلا) أي طريقا إلى حجة. (اتخذوه) أي إلها. (وكانوا ظالمين) ~~أي لأنفسهم فيما فعلوا من اتخاذه (4). وقيل: وصاروا ظالمين أي مشركين ~~لجعلهم العجل إلها. # قوله تعالى: ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ~~ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين (149) قوله تعالى: (ولما سقط في أيديهم) ~~أي بعد عود موسى من الميقات. يقال للنادم ms2663 المتحير: قد سقط في يده. قال ~~الأخفش: يقال سقط في يده، وأسقط. ومن قال: سقط في أيديهم على بناء الفاعل، ~~فالمعنى عنده: سقط الندم، قال الأزهري والنحاس وغيرهما. # PageV07P285 # والندم يكون في القلب، ولكنه ذكر اليد لأنه يقال لمن تحصل على شئ: قد حصل ~~في يده أمر كذا، لأن مباشرة الأشياء في الغالب باليد، قال الله تعالى: " ~~ذلك بما قدمت يداك (1) " . وأيضا: الندم وإن حل في القلب فأثره يظهر في ~~البدن، لأن النادم يعض يده، ويضرب إحدى يديه على الأخرى، وقال الله تعالى: ~~" فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها (2) " أي ندم. # " ويوم يعض الظالم على يديه (3) " أي من الندم. والنادم يضع ذقنه في يده. ~~وقيل: أصله من الاستئسار، وهو أن يضرب الرجل الرجل أو يصرعه فيرمي به من ~~يديه إلى الأرض ليأسره أو يكتفه، فالمرمي مسقوط به في يد الساقط. (ورأوا ~~أنهم قد ضلوا) أي انقلبوا (4) بمعصية الله. (قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ~~ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين) أخذوا في الإقرار بالعبودية والاستغفار. ~~وقرأ حمزة والكسائي: " لئن لم ترحمنا ربنا وتغفر لنا " بالتاء على الخطاب. ~~وفيه معنى الاستغاثة والتضرع والابتهال في السؤال والدعاء. " ربنا " بالنصب ~~على حذف النداء. # وهو أيضا أبلغ في الدعاء والخضوع. فقراءتهما أبلغ في الاستكانة والتضرع، ~~فهي أولى. # قوله تعالى: ولما رجع موسى إلى قومه غضبن أسفا قال بئسما خلفتموني من ~~بعدي أعجلتم أمر ربكم وألقى الأرواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه قال ابن أم ~~إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع ~~القوم الظالمين (150) قال رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم ~~الراحمين (151) قوله تعالى: (ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا) لم ينصرف ~~" غضبان " لأن مؤنثه غضبى، ولأن الألف والنون فيه بمنزلة ألفي التأنيث في ~~قولك حمراء. وهو نصب على الحال. و " أسفا " شديد الغضب. قال أبو الدرداء: ~~الأسف منزلة وراء الغضب أشد من ذلك. وهو أسف وأسف وأسفان وأسوف. والأسيف ~~أيضا الحزين. ابن عباس # PageV07P286 # والسدي: رجع حزينا من ms2664 صنيع قومه. وقال الطبري: أخبره الله عز وجل قبل ~~رجوعه أنهم قد فتنوا بالعجل، فلذلك رجع وهو غضبان. ابن العربي: وكان موسى ~~عليه السلام من أعظم الناس غضبا، لكنه كان سريع الفيئة (1)، فتلك بتلك. قال ~~ابن القاسم: سمعت مالكا يقول: كان موسى عليه السلام إذا غضب طلع الدخان من ~~قلنسوته، ورفع شعر بدنه جبته. # وذلك أن الغضب جمرة تتوقد في القلب. ولأجله أمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~من غضب أن يضطجع. فإن لم يذهب غضبه اغتسل، فيخمدها اضطجاعه ويطفئها ~~اغتساله. وسرعة غضبه كان سببا لصكه ملك الموت ففقأ عينه. وقد تقدم في ~~المائدة (2) ما للعلماء في هذا. وقال الترمذي الحكيم: وإنما استجاز موسى ~~عليه السلام ذلك لأنه كليم الله، كأنه رأى أن من اجترأ عليه أو مد إليه يدا ~~بأذى فقد عظم الخطب فيه. ألا ترى أنه احتج عليه فقال: من أين تنزع روحي؟ ~~أمن فمي وقد ناجيت به ربي! أم من سمعي وقد سمعت به كلام ربي! أم من يدي وقد ~~قبضت منه (3) الألواح! أم من قدمي وقد قمت بين يديه أكلمه بالطور! أم من ~~عيني وقد أشرق وجهي لنوره. فرجع إلى ربه مفحما. وفي مصنف أبي داود عن أبي ~~ذر قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا: (إذا غضب أحدكم وهو قائم ~~فليجلس فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع). وروي أيضا عن أبي وائل القاص قال: ~~دخلنا على عروة بن محمد السعدي فكلمه رجل فأغضبه، فقام ثم رجع وقد توضأ، ~~فقال: حدثني أبي عن جدي عطية قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن ~~الغضب من الشيطان وإن الشيطان خلق من النار وإنما تطفأ النار بالماء فإذا ~~غضب أحدكم فليتوضأ). # قوله تعالى: (بئسما خلفتموني من بعدي) ذم منه لهم، أي بئس العمل عملتم ~~(4) بعدي. # يقال: خلفه، بما يكره. ويقال في الخير أيضا. يقال منه: خلفه بخير أو بشر ~~في أهله وقومه # PageV07P287 # بعد شخوصه. (أعجلتم أمر ربكم) أي سبقتموه. والعجلة: التقدم بالشئ قبل ~~وقته، ms2665 وهي مذمومة. والسرعة: عمل الشئ في أول أوقاته، وهي محمودة. قال ~~يعقوب: يقال عجلت الشئ سبقته. وأعجلت الرجل استعجلته، أي حملته على العجلة. ~~ومعنى " أمر ربكم " أي ميعاد ربكم، أي وعد أربعين ليلة. وقيل: أن تعجلتم ~~سخط ربكم. وقيل: أعجلتم بعبادة العجل قبل أن يأتيكم أمر من ربكم. # قوله تعالى: (وألقى الألواح) فيه مسألتان: # الأولى - قوله تعالى: (وألقى الألواح) أي مما اعتراه من الغضب والأسف حين ~~أشرف على قومه وهم عاكفون على عبادة العجل، وعلى أخيه في إهمال أمرهم، قال ~~سعيد بن جبير. ولهذا قيل: ليس الخبر كالمعاينة. ولا التفات لما روي عن ~~قتادة إن صح عنه، ولا يصح أن إلقاءه الألواح إنما كان لما رأى فيها من ~~فضيلة أمة محمد صلى الله عليه وسلم ولم يكن ذلك لأمته. وهذا قول ردئ ينبغي ~~أن يضاف إلى موسى صلى الله عليه وسلم. # وقد تقدم عن ابن عباس رضي الله عنه أن الألواح تكسرت، وأنه رفع منها ~~التفصيل وبقي (فيها (1)) الهدى والرحمة. # الثانية - وقد استدل بعض جهال المتصوفة بهذا على جواز رمي الثياب إذا ~~اشتد طربهم على المغنى. ثم منهم من يرمي بها صحاحا، ومنهم من يخرقها ثم ~~يرمي بها. قال: هؤلاء في غيبة فلا يلامون، فإن موسى عليه السلام لما غلب ~~عليه الغم بعبادة قومه العجل، رمى الألواح فكسرها، ولم يدر ما صنع. قال أبو ~~الفرج الجوزي: من يصحح عن موسى عليه السلام أنه رماها رمي كاسر؟ والذي ذكر ~~في القرآن ألقاها، فمن أين لنا أنها تكسرت؟ ثم لو قيل: # تكسرت فمن أين لنا أنه قصد كسرها؟ ثم لو صححنا ذلك عنه قلنا كان في غيبة، ~~حتى لو كان بين يديه بحر من نار لخاضه. ومن يصحح لهؤلاء غيبتهم وهم يعرفون ~~المغنى من غيره، ويحذرون من بئر لو كانت عندهم. ثم كيف تقاس أحوال الأنبياء ~~على أحوال هؤلاء السفهاء. # وقد سئل ابن عقيل عن تواجدهم وتخريق ثيابهم فقال: خطأ وحرام، وقد نهى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال. ms2666 فقال له قائل: فإنهم لا ~~يعقلون ما يفعلون. فقال: # PageV07P288 # إن حضروا هذه الأمكنة مع علمهم أن الطرب يغلب عليهم فيزيل عقولهم أثموا ~~بما أدخلوه على أنفسهم من التخريق وغيره مما أفسدوا، ولا يسقط عنهم خطاب ~~الشرع، لأنهم مخاطبون قبل الحضور بتجنب هذا الموضع الذي يفضي إلى ذلك. كما ~~هم منهيون عن شرب المسكر، كذلك هذا الطرب الذي يسميه أهل التصوف وجدا إن ~~صدقوا أن فيه سكر طبع، وإن كذبوا أفسدوا مع الصحو، فلا سلامة فيه مع ~~الحالين، وتجنب مواضع الريب واجب. # قوله تعالى: (وأخذ برأس أخيه يجره إليه) أي بلحيته وذؤابته. وكان هارون ~~أكبر من موسى - صلوات الله وسلامه عليهما - بثلاث سنين، وأحب إلى بني ~~إسرائيل من موسى، لأنه كان لين الغضب. # للعلماء في أخذ موسى برأس أخيه أربع تأويلات الأول - أن ذلك كان متعارفا ~~عندهم، كما كانت العرب تفعله من قبض الرجل على لحية أخيه وصاحبه إكراما ~~وتعظيما، فلم يكن ذلك على طريق الإذلال. # الثاني - أن ذلك إنما كان ليسر إليه نزول الألواح عليه، لأنها نزلت عليه ~~في هذه المناجاة وأراد أن يخفيها عن بني إسرائيل قبل التوراة. فقال له ~~هارون: لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي، لئلا يشتبه سراره على بني إسرائيل ~~بإذلاله. # الثالث - إنما فعل ذلك به لأنه وقع في نفسه أن هارون مائل مع بني إسرائيل ~~فيما فعلوه من أمر العجل. ومثل هذا لا يجوز على الأنبياء. # الرابع - ضم إليه أخاه ليعلم ما لديه، فكره ذلك هارون لئلا يظن بنو ~~إسرائيل أنه أهانه، فبين له أخوه أنهم استضعفوه، يعني عبدة العجل، وكادوا ~~يقتلونه أي قاربوا. فلما سمع عذره قال: رب اغفر لي ولأخي، أي اغفر لي ما ~~كان من الغضب الذي ألقيت من أجله الألواح، ولأخي لأنه ظنه مقصرا في الإنكار ~~عليهم وإن لم يقع منه تقصير، أي اغفر لأخي إن قصر. # قال الحسن: عبد كلهم العجل غير هارون، إذ لو كان ثم مؤمن غير موسى وهارون ~~لما اقتصر على قوله: رب اغفر لي ولأخي، ولدعا لذلك ms2667 المؤمن أيضا. وقيل: ~~استغفر لنفسه من فعله بأخيه، PageV07P289 # فعل ذلك لموجدته عليه، إذ لم يلحق به فيعرفه ما جرى ليرجع فيتلافاهم، ~~ولهذا قال: " يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن (1) " الآية. فبين ~~هارون أنه إنما أقام خوفا على نفسه من القتل. فدلت الآية على أن لمن خشي ~~القتل على نفسه عند تغيير المنكر أن يسكت. # وقد تقدم بيان هذا في " آل عمران (2) " ابن العربي: وفيها دليل على أن ~~الغضب لا يغير الأحكام كما زعم بعض الناس، فإن موسى عليه السلام لم يغير ~~غضبه شيئا من أفعاله، بل اطردت على مجراها من إلقاء لوح وعتاب أخ وصك ملك. ~~الهدوي: لأن غضبه كان لله عز وجل، وسكوته عن بني إسرائيل خوفا أن يتحاربوا ~~أو يتفرقوا. # قوله تعالى: (قال ابن أم) وكان ابن أمه وأبيه. ولكنها كلمة لين وعطف. قال ~~الزجاج: قيل كان هارون أخا موسى لأمه لا لأبيه. وقرئ بفتح الميم وكسرها، ~~فمن فتح جعل " ابن أم " اسما واحدا كخمسة عشر، فصار كقولك: يا خمسة عشر ~~أقبلوا. # ومن كسر الميم جعله مضاف إلى ضمير المتكلم ثم حذف ياء الإضافة، لأن مبنى ~~النداء على الحذف، وأبقى الكسرة في الميم لتدل على الإضافة، كقوله: " يا ~~عباد (3) ". يدل عليه قراءة ابن السميقع " يا بن أمي " بإثبات الياء على ~~الأصل. وقال الكسائي والفراء وأبو عبيد: " يا بن أم " بالفتح، تقديره يا بن ~~أماه. وقال البصريون: هذا القول خطأ، لأن الألف خفيفة لا تحذف، ولكن جعل ~~الاسمين اسما واحدا. وقال الأخفش وأبو حاتم: " يا بن أم " بالكسر كما تقول: ~~يا غلام غلام أقبل، وهي لغة شاذة والقراءة بها بعيدة. وإنما هذا فيما يكون ~~مضافا إليك، فأما المضاف إلى مضاف إليك فالوجه أن تقول: يا غلام غلامي، ويا ~~بن أخي. وجوزوا يا بن أم، يا بن عم، لكثرتها في الكلام. قال الزجاج ~~والنحاس: ولكن لها وجه حسن جيد، يجعل الابن مع الأم ومع العم اسما واحدا، ~~بمنزلة قولك: يا خمسة عشر أقبلوا، فحذفت الياء كما حذفت ms2668 من يا غلام إن ~~القوم استضعفوني استذلوني وعدوني ضعيفا. وكادوا أي قاربوا. يقتلونني ~~بنونين، لأنه فعل مستقبل. ويجوز الإدغام في غير (4) القرآن. فلا تشمت بي ~~الأعداء # PageV07P290 # أي لا تسرهم. والشماتة: السرور بما يصيب أخاك من المصائب في الدين ~~والدنيا. وهي محرمة منهي عنها. وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: ~~(لا تظهر الشماتة بأخيك فيعافيه الله ويبتليك). وكان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يتعوذ منها ويقول: (اللهم إني أعوذ بك من سوء القضاء ودرك الشقاء ~~وشماتة الأعداء). أخرجه البخاري وغيره. وقال الشاعر: # إذا ما الدهر جر على أناس * كلاكله أناخ بآخرينا فقل للشامتين بنا أفيقوا ~~* سيلقى الشامتون كما لقينا وقرأ مجاهد ومالك بن دينار " تشمت " بالنصب في ~~التاء وفتح الميم، " الأعداء " بالرفع. # والمعنى: لا تفعل بي ما تشمت من أجله الأعداء، أي لا يكون ذلك منهم لفعل ~~تفعله أنت بي. وعن مجاهد أيضا " تشمت " بالفتح فيهما " الأعداء " بالنصب. ~~قال ابن جني: # المعنى فلا تشمت بي أنت يا رب. وجاز هذا كما قال: " الله يستهزئ بهم (1) ~~" ونحوه. # ثم عاد إلى المراد فأضمر فعلا نصب به الأعداء، كأنه قال: ولا تشمت بي، ~~الأعداء. قال أبو عبيد: وحكيت عن حميد: " فلا تشمت " بكسر الميم. قال ~~النحاس: ولا وجه لهذه القراءة، لأنه إن كان من شمت وجب أن يقول تشمت. وإن ~~كان من أشمت وجب أن يقول تشمت. وقوله: (ولا تجعلني مع القوم الظالمين) قال ~~مجاهد: يعني الذين عبدوا العجل. (قال رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك ~~وأنت أرحم الراحمين (2)) تقدم. # قوله تعالى: إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة ~~الدنيا وكذلك نجزى المفترين (152) والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها ~~وآمنوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم (153) قوله تعالى: (إن الذين اتخذوا ~~العجل سينالهم غضب من ربهم). الغضب من الله العقوبة. وذلة في الحياة الدنيا ~~لأنهم أمروا بقتل بعضهم بعضا. وقيل: الذلة الجزية. # PageV07P291 # وفيه بعد، لأن الجزية لم تؤخذ منهم وإنما أخذت من ذرياتهم. ثم قيل: ms2669 هذا ~~من تمام كلام موسى عليه السلام، أخبر الله عز وجل به عنه، وتم الكلام. ثم ~~قال الله تعالى: " وكذلك نجزى المفترين ". وكان هذا القول من موسى عليه ~~السلام قبل أن يتوب القوم بقتلهم أنفسهم، فإنهم لما تابوا وعفا الله عنهم ~~بعد أن جرى القتل العظيم - كما تقدم بيانه في البقرة (1) - أخبرهم أن من ~~مات منهم قتيلا فهو شهيد، ومن بقي حيا فهو مغفور له. وقيل: كان ثم طائفة ~~أشربوا في قلوبهم العجل، أحبه، فلم يتوبوا، فهم المعنيون. بقوله: (إن الذين ~~اتخذوا العجل) وقيل: أراد من مات منهم قبل رجوع موسى من الميقات. وقيل: ~~أراد أولادهم. # وهو ما جرى على قريظة والنضير، أي سينال أولادهم. والله أعلم. (وكذلك ~~نجزي المفترين) أي مثل ما فعلنا بهؤلاء نفعل بالمفترين. وقال مالك بن أنس ~~رحمة الله عليه: ما من مبتدع إلا وتجد فوق رأسه ذلة، ثم قرأ " إن الذين ~~اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم - حتى قال - وكذلك نجزي المفترين " أي ~~المبتدعين. وقيل: إن موسى أمر بذبح العجل، فجرى منه دم وبرده بالمبرد ~~وألقاه مع الدم في اليم وأمرهم بالشرب من ذلك الماء، فمن عبد ذلك العجل ~~وأشربه (2) ظهر ذلك على أطراف فمه، فبذلك عرف عبدة العجل قد مضى هذا في ~~البقرة ثم أخبر الله تعالى أن الله يقبل توبة التائب من الشرك وغيره. موضع ~~(والذين عملوا السيئات) أي الكفر والمعاصي. (ثم تابوا من بعدها) أي من بعد ~~فعلها. (وآمنوا إن ربك من بعدها) أي من بعد التوبة لغفور رحيم. # قوله تعالى: ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفى نسختها هدى ورحمة ~~للذين هم لربهم يرهبون (154) قوله تعالى: (ولما سكت عن موسى الغضب) أي سكن. ~~وكذلك قرأها معاوية بن قرة " سكن " بالنون وأصل السكوت السكون والإمساك، ~~يقال: جرى الوادي ثلاثا # PageV07P292 # ثم سكن، أي أمسك عن الجري. وقال عكرمة: سكت موسى عن الغضب، فهو من ~~المقلوب. كقولك: أدخلت الأصبع في الخاتم وأدخلت الخاتم في الأصبع. وأدخلت ~~القلنسوة في رأسي، وأدخلت رأسي في القلنسوة. ms2670 (أخذ الألواح) التي ألقاها. ~~(وفى نسختها هدى ورحمة) أي " هدى " من الضلالة، " ورحمة " أي من العذاب. ~~والنسخ: نقل ما في كتاب إلى كتاب آخر. ويقال للأصل الذي كتبت منه: نسخة، ~~وللفرع نسخة. # فقيل: لما تكسرت الألواح صام موسى أربعين يوما، فردت عليه وأعيدت له تلك ~~الألواح في لوحين، ولم يفقد منها شيئا، ذكره ابن عباس. قال القشيري: فعلى ~~هذا " وفي نسختها " أي وفيما نسخ من الألواح المتكسرة ونقل إلى الألواح ~~الجديدة هدى ورحمة. وقال عطاء: # وفيما بقي منها. وذلك أنه لم يبق منها إلا سبعها، وذهب ستة أسباعها. ولكن ~~لم يذهب من الحدود والأحكام شئ. وقيل: المعنى " وفي نسختها " أي وفيما نسخ ~~له منها من اللوح المحفوظ هدى. وقيل: المعنى وفيما كتب له فيها هدى ورحمة، ~~فلا يحتاج إلى أصل ينقل عنه. وهذا كما يقال: انسخ ما يقول فلان، أي أثبته ~~في كتابك. قوله تعالى: (للذين هم لربهم يرهبون) أي يخافون. وفي اللام ثلاثة ~~أقوال: قول الكوفيين هي زائدة. قال الكسائي: حدثني من سمع الفرزدق يقول ~~نقدت لها مائة درهم، بمعنى نقدتها. وقيل: هي لام أجل، المعنى: والذين هم من ~~أجل ربهم يرهبون رياء ولا سمعة، عن الأخفش. وقال محمد بن يزيد: هي متعلقة ~~بمصدر، المعنى: للذين هم رهبتهم لربهم. وقيل: لما تقدم المفعول حسن دخول ~~اللام، كقول: " إن كنتم للرؤيا تعبرون (1) ". فلما تقدم المعمول وهو ~~المفعول ضعف عمل الفعل فصار بمنزلة ما لا يتعدى. # قوله تعالى: واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة ~~قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا # PageV07P293 # بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدى من تشاء أنت ~~ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين (155) قوله تعالى: (واختار موسى ~~قومه سبعين رجلا لميقاتنا) مفعولان، أحدهما حذفت منه من، وأنشد سيبويه: # منا الذي اختير الرجال سماحة * وبرا إذا هب الرياح الزعازع (1) وقال ~~الراعي يمدح رجلا: # اخترتك الناس إذ رثت خلائقهم * واختل (2) من كان يرجى عنده السول يريد: ~~اخترتك ms2671 من الناس. وأصل اختار اختير، فلما تحركت الياء وقبلها فتحة قلبت ~~ألفا، نحو قال وباع. قوله تعالى: (فلما أخذتهم الرجفة) أي ماتوا. والرجفة ~~في اللغة الزلزلة الشديدة. # ويروى أنهم زلزلوا حتى ماتوا. # قوله تعالى: (قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي) أي أمتهم، كما قال عز ~~وجل: " إن امرؤ هلك (3) ". " وإياي " عطف. والمعنى: لو شئت أمتنا من قبل أن ~~نخرج إلى الميقات بمحضر بني إسرائيل حتى لا يتهموني. أبو بكر بن أبي شيبة: ~~حدثنا يحيى بن سعيد القطان عن سفيان عن أبي إسحاق عن عمارة بن عبد عن علي ~~رضي الله عنه قال: # انطلق موسى وهارون صلى الله عليهما وانطلق شبر وشبير - هما ابنا هارون - ~~فانتهوا إلى جبل فيه سرير، فقام عليه هارون فقبض روحه. فرجع موسى إلى قومه، ~~فقالوا: أنت قتلته، حسدتنا (4) على لينه وعلى خلقه، أو كلمة نحوها، الشك من ~~سفيان، فقال: كيف أقتله ومعي ابناه! قال: فاختاروا من شئتم، فاختاروا من كل ~~سبط عشرة. قال: فذلك قوله: " واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا " ~~فانتهوا إليه، فقالوا: من قتلك يا هارون؟ قال: ما قتلني # PageV07P294 # أحد ولكن الله توفاني. قالوا: يا موسى، ما تعصى (1). فأخذتهم الرجفة، ~~فجعلوا يترددون (2) يمينا وشمالا، ويقول: (لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي ~~أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك) قال فأحياهم وجعلهم أنبياء ~~كلهم. وقيل: أخذتهم الرجفة لقولهم: أرنا الله جهرة كما قال الله تعالى: ~~(وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة " على ما ~~تقدم بيانه في البقرة (3). وقال ابن عباس: إنما أخذتهم الرجفة لأنهم لم ~~ينهوا من عبد العجل، ولم يرضوا عبادته. وقيل: هؤلاء السبعون غير من قالوا ~~أرنا الله جهرة. وقال وهب: ما ماتوا، ولكن أخذتهم الرجفة من الهيبة حتى ~~كادت أن تبين مفاصلهم، وخاف موسى عليهم الموت. وقد تقدم في " البقرة " عن ~~وهب أنهم ماتوا يوما وليلة. وقيل غير هذا في معنى سبب أخذهم بالرجفة. والله ~~أعلم بصحة ذلك. # ومقصود الاستفهام في ms2672 قوله: " أتهلكنا " الجحد، أي لست تفعل ذلك. وهو كثير ~~في كلام العرب. وإذا كان نفيا كان بمعنى الإيجاب، كما قال: # ألستم خير من ركب المطايا * وأندى العالمين بطون راح (4) وقيل: معناه ~~الدعاء والطلب، أي لا تهلكنا، وأضاف إلى نفسه. والمراد القوم الذين ماتوا ~~من الرجفة. وقال المبرد: المراد بالاستفهام استفهام استعظام، كأنه يقول: لا ~~تهلكنا، وقد علم موسى أن الله لا يهلك أحدا بذنب غيره، ولكنه كقول عيسى: " ~~إن تعذبهم فإنهم عبادك (5) ". وقيل: المراد بالسفهاء السبعون. والمعنى: ~~أتهلك بني إسرائيل بما فعل هؤلاء السفهاء في قولهم " أرنا الله جهرة ". " ~~إن هي إلا فتنتك " أي ما هذا إلا اختبارك وامتحانك. وأضاف الفتنة إلى الله ~~عز وجل ولم يضفها إلى نفسه، كما قال إبراهيم: " وإذا مرضت فهو يشفين (6) " ~~فأضاف المرض إلى نفسه والشفاء إلى الله تعالى: وقال يوشع: # " وما أنسانيه إلا الشيطان (7) ". وإنما استفاد ذلك موسى عليه السلام من ~~قوله تعالى له: # PageV07P295 # " فإنا قد فتنا قومك من بعدك (1) ". فلما رجع إلى قومه ورأى العجل منصوبا ~~للعبادة وله خوار قال (إن هي إلا فتنتك تضل بها) أي بالفتنة. (من تشاء ~~وتهدى من تشاء) وهذا رد على القدرية. قوله تعالى: واكتب لنا في هذه الدنيا ~~حسنة وفى الآخرة إنا هدنا إليك قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل ~~شئ فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون (156) ~~قوله تعالى: (واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة) أي وفقنا للأعمال الصالحة التي ~~تكتب لنا بها الحسنات. (وفى الآخرة) أي جزاء عليها. (إنا هدنا إليك) أي ~~تبنا، قاله مجاهد وأبو العالية وقتادة. والهود: التوبة، وقد تقدم في البقرة ~~(2). # قوله تعالى: (قال عذابي أصيب به من أشاء) أي المستحقين له، أي هذه الرجفة ~~والصاعقة عذاب مني أصيب به من أشاء. وقيل: المعنى " من أشاء " أي من أشاء ~~أن أضله. # قوله تعالى: (ورحمتي وسعت كل شئ) عموم، أي لا نهاية لها أي من دخل فيها ~~لم تعجز عنه. وقيل: وسعت كل شئ من الخلق حتى إن ms2673 البهيمة لها رحمة وعطف على ~~ولدها. # قال بعض المفسرين: طمع في هذه الآية كل شئ حتى إبليس فقال: أنا شئ، فقال ~~الله تعالى: (فسأكتبها للذين يتقون) فقالت اليهود والنصارى: نحن متقون، ~~فقال الله تعالى: " الذين يتبعون الرسول النبي الأمي " الآية. فخرجت الآية ~~عن العموم، والحمد لله. # روى حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ~~كتبها الله عز وجل لهذه الأمة. # PageV07P296 # قوله تعالى: الذين يتبعون الرسول الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في ~~التورية والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ~~ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين ~~آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون ~~(157) فيه عشر مسائل: الأولى - روى يحيى بن أبي كثير عن نوف البكالي ~~الحميري: لما اختار موسى قومه سبعين رجلا لميقات ربه قال الله تعالى لموسى: ~~أن أجعل لكم الأرض مسجدا وطهورا تصلون حيث أدركتكم الصلاة إلا عند مرحاض أو ~~حمام أو قبر، وأجعل السكينة في قلوبكم، وأجعلكم تقرءون التوراة عن ظهر ~~قلوبكم، يقرأها الرجل منكم والمرأة والحر والعبد والصغير والكبير. فقال ذلك ~~موسى لقومه، فقالوا: لا نريد أن نصلي إلا في الكنائس، ولا نستطيع حمل ~~السكينة في قلوبنا، ونريد أن تكون كما كانت في التابوت، ولا نستطيع أن نقرأ ~~التوراة عن ظهر قلوبنا، ونريد أن نقرأها إلا نظرا. فقال الله تعالى: " ~~فسأكتبها للذين يتقون - إلى قوله - المفلحون ". فجعلها لهذه الأمة. فقال ~~موسى: يا رب، اجعلني نبيهم. # فقال: نبيهم منهم. قال: رب اجعلني (1) منهم. قال: إنك لن تدركهم. فقال ~~موسى: # يا رب، أتيتك بوفد بني إسرائيل، فجعلت وفادتنا لغيرنا. فأنزل الله عز ~~وجل: " ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون (2) ". فرضي موسى. قال ~~نوف: فاحمدوا الله الذي جعل وفادة بني إسرائيل لكم. وذكر أبو نعيم أيضا هذه ~~القصة من حديث الأوزاعي قال: حدثنا يحيى بن أبي عمرو السيباني (3) قال ~~حدثني نوف البكالي (4) إذا افتتح موعظة قال: ألا تحمدون ms2674 ربكم الذي حفظ ~~غيبتكم وأخذ لكم بعد سهمكم وجعل وفادة القوم لكم. وذلك أن موسى عليه السلام # PageV07P297 # وفد ببني إسرائيل فقال (الله (1)) لهم: إني قد جعلت لكم الأرض مسجدا ~~حيثما صليتم فيها تقبلت صلاتكم إلا في ثلاثة مواطن من صلى فيمن لم أقبل ~~صلاته المقبرة والحمام والمرحاض. قالوا: # لا، إلا في الكنيسة. قال: وجعلت لكم التراب طهورا إذا لم تجدوا الماء. ~~قالوا: لا، إلا بالماء. قال: وجعلت لكم حيثما صلى الرجل فكان وحده تقبلت ~~صلاته. قالوا: لا، إلا في جماعة. # الثانية - قوله تعالى: (الذين يتبعون الرسول النبي الأمي) هذه الألفاظ ~~كما ذكرنا أخرجت اليهود والنصارى من الاشتراك الذي يظهر في، قوله: " ~~فسأكتبها للذين يتقون " وخلصت هذه العدة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، قال ~~ابن عباس وابن جبير وغيرهما. # و " يتبعون " يعني في شرعه ودينه وما جاء به. والرسول والنبي صلى الله ~~عليه وسلم اسمان لمعنيين، فإن الرسول أخص من النبي. وقدم الرسول اهتماما ~~بمعنى الرسالة، وإلا فمعنى النبوة هو المتقدم، ولذلك رد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على البراء حين قال: وبرسولك الذي أرسلت. فقال له: # (قل آمنت بنبيك الذي أرسلت) خرجه في الصحيح. وأيضا فإن في قوله: " ~~وبرسولك الذي أرسلت " تكرير الرسالة، وهو معنى واحد فيكون كالحشو الذي لا ~~فائدة فيه. بخلاف قوله: # " ونبيك الذي أرسلت " فإنهما لا تكرار فيهما. وعلى هذا فكل رسول نبي، ~~وليس كل نبي رسولا، لأن الرسول والنبي قد اشتركا في أمر عام وهو النبأ، ~~وافترقا في أمر (خاص (2)) وهي الرسالة. فإذا قلت: محمد رسول من عند الله ~~تضمن ذلك أنه نبي ورسول الله. وكذلك غيره من الأنبياء صلوات الله وسلامه ~~عليهم. # الثالثة - قوله تعالى: " الأمي " هو منسوب إلى الأمة الأمية، التي هي على ~~أصل ولادتها، لم تتعلم الكتابة ولا قراءتها، قال ابن (3) عزيز. وقال ابن ~~عباس رضي الله عنه: # كان نبيكم صلى الله عليه وسلم أميا لا يكتب ولا يقرأ ولا يحسب، قال الله ~~تعالى: " وما كنت تتلو من قبله من كتاب ms2675 ولا تخطه بيمينك (4) ". وروي في ~~الصحيح عن ابن عمر عن النبي # PageV07P298 # صلى الله عليه وسلم قال: (إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب). الحديث. وقيل: ~~نسب النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة أم القرى، ذكره النحاس. # الرابعة - قوله تعالى: (الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل) ~~روى البخاري قال: حدثنا محمد بن سنان قال حدثنا فليح قال حدثنا هلال عن ~~عطاء بن يسار لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص قلت: أخبرني عن صفة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في التوراة. # فقال: أجل، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: (يا أيها ~~النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا (1))، وحرزا للأميين، أنت عبدي ~~ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب (2) في الأسواق، ولا ~~يدفع بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله تعالى حتى يقيم به ~~الملة العوجاء بأن يقولوا لا إله إلا الله، ويفتح بها أعينا عميا، وآذانا ~~صما، وقلوبا غلقا. (في غير البخاري (3)) قال عطاء: ثم لقيت كعبا فسألته عن ~~ذلك فما اختلفا حرفا، إلا أن كعبا قال بلغته: قلوبا غلوفيا وآذانا صموميا ~~وأعينا عموميا. قال ابن عطية: وأظن هذا وهما أو عجمة. وقد روي عن كعب أنه ~~قالها: قلوبا غلوفا وآذانا صموما وأعينا عموميا. قال الطبري: هي لغة ~~حميرية. وزاد كعب في صفة النبي صلى الله عليه وسلم قال: مولده بمكة، وهجرته ~~بطابة (4)، وملكه بالشأم، وأمته الحامدون، يحمدون الله على كل حال وفي كل ~~منزل، يوضئون أطرافهم ويأتزرون إلى أنصاف ساقهم، رعاة الشمس، يصلون الصلوات ~~حيثما أدركتهم ولو على ظهر الكناسة (5)، صفهم في القتال مثل (6) صفهم في ~~الصلاة. ثم قرأ " إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان ~~مرصوص (7) " . الخامسة - قوله تعالى: (يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر) ~~قال عطاء: # " يأمرهم بالمعروف " بخلع الأنداد، ومكارم الأخلاق، وصلة الأرحام. " ~~وينهاهم عن المنكر " عبادة الأصنام، وقطع الأرحام. # PageV07P299 # السادسة - قوله تعالى: (ويحل لهم الطيبات) مذهب مالك أن الطيبات هي ~~المحللات، فكأنه وصفها بالطيب، إذ ms2676 هي لفظة تتضمن مدحا وتشريفا. وبحسب هذا ~~نقول في الخبائث: إنها المحرمات، ولذلك قال ابن عباس: الخبائث هي لحم ~~الخنزير والربا وغيره. # وعلى هذا حلل مالك المتقذرات كالحيات والعقارب والخنافس ونحوها. ومذهب ~~الشافعي رحمه الله أن الطيبات هي من جهة الطعم، إلا أن اللفظة عنده ليست ~~على عمومها، لأن عمومها بهذا الوجه من الطعم يقتضي تحليل الخمر والخنزير، ~~بل يراها مختصة فيما حلله الشرع. # ويرى الخبائث لفظا عاما في المحرمات بالشرع وفي المتقذرات، فيحرم العقارب ~~والخنافس والوزغ وما جرى هذا المجرى. والناس على هذين القولين. وقد تقدم في ~~البقرة (1) هذا المعنى. # السابعة - قوله تعالى: (ويضع عنهم إصرهم) الإصر: الثقل، قال مجاهد وقتادة ~~وابن جبير. والإصر أيضا: العهد، قال ابن عباس والضحاك والحسن. وقد جمعت هذه ~~الآية المعنيين، فإن بني إسرائيل قد كان أخذ عليهم عهد أن يقوموا بأعمال ~~ثقال، فوضع عنهم بمحمد صلى الله عليه وسلم ذلك العهد وثقل تلك الأعمال، ~~كغسل البول، وتحليل الغنائم، ومجالسة الحائض ومؤاكلتها ومضاجعتها، فإنهم ~~كانوا إذا أصاب ثوب أحدهم بول قرضه. # وروي: جلد أحدهم. وإذا جمعوا الغنائم نزلت نار من السماء فأكلتها، وإذا ~~حاضت المرأة لم يقربوها، إلى غير ذلك مما ثبت في الحديث (2) الصحيح وغيره. # الثامنة - قوله تعالى: (والأغلال التي كانت عليهم) فالأغلال عبارة ~~مستعارة لتلك الأثقال. ومن الأثقال ترك الاشتغال يوم السبت، فإنه يروى أن ~~موسى عليه السلام رأى يوم السبت رجلا يحمل قصبا فضرب عنقه. هذا قول جمهور ~~المفسرين ولم يكن فيهم الدية، وإنما كان القصاص. وأمروا بقتل أنفسهم علامة ~~لتوبتهم، إلى غير ذلك. فشبه ذلك بالأغلال، كما قال الشاعر: # PageV07P300 # فليس كعهد الدار يا أم مالك * ولكن أحاطت بالرقاب السلاسل وعاد الفتى ~~كالكهل ليس بقائل * سوى العدل شيئا فاستراح العواذل فشبه حدود الإسلام ~~وموانعه عن التخطي إلى المحظورات بالسلاسل المحيطات بالرقاب. # ومن هذا المعنى قول أبي أحمد بن جحش لأبي سفيان: # اذهب بها اذهب بها * طوقتها طوق الحمامة أي لزمك عارها. يقال: طوق فلان ~~كذا إذا لزمه. التاسعة - إن قيل: كيف ms2677 عطف الأغلال وهو جمع على الإصر وهو ~~مفرد، فالجواب أن الإصر مصدر يقع على الكثرة. وقرأ ابن عامر " آصارهم " ~~بالجمع، مثل أعمالهم. فجمعه لاختلاف ضروب المآثم. والباقون بالتوحيد، لأنه ~~مصدر يقع على القليل والكثير من جنسه مع إفراد لفظه. وقد أجمعوا على ~~التوحيد في قوله: " ولا تحمل علينا إصرا (1) ". وهكذا كلما يرد عليك من هذا ~~المعنى، مثل " وعلى سمعهم (1) ". " لا يرتد إليهم طرفهم (2) " و " من طرف ~~خفي (3) ". كله بمعنى الجمع. # العاشرة - قوله تعالى: (فالذين آمنوا به وعزروه) أي وقروه ونصروه. قال ~~الأخفش: وقرأ الجحدري وعيسى " وعزروه " بالتخفيف. وكذا " وعزرتموهم (4) ". ~~يقال: # عزره يعزره ويعزره. و (النور) القرآن " الفلاح " الظفر بالمطلوب. وقد ~~تقدم (هذا (5)). # قوله تعالى: قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك ~~السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فأمنوا بالله ورسوله النبي الأمي ~~الذي يؤمن بالله وكلمته واتبعوه لعلكم تهتدون (158) # PageV07P301 # ذكر أن موسى بشر به، وأن عيسى بشر به. ثم أمره أن يقول بنفسه " إني رسول ~~الله إليكم جميعا ". و (كلماته) كلمات الله تعالى كتبه من التوراة والإنجيل ~~والقرآن. # قوله تعالى: ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون (159) أي يدعون ~~الناس إلى الهداية. و (يعدلون) معناه في الحكم. وفي التفسير: إن هؤلاء قوم ~~من وراء الصين، من وراء نهر الرمل، يعبدون الله بالحق والعدل، آمنوا بمحمد ~~وتركوا السبت، يستقبلون قبلتنا، لا يصل إلينا منهم أحد، ولا منا إليهم أحد. ~~فروي أنه لما وقع الاختلاف بعد موسى كانت منهم أمة يهدون بالحق، ولم يقدروا ~~أن يكونوا بين ظهراني بني إسرائيل حتى أخرجهم الله إلى ناحية من أرضه في ~~عزلة من الخلق، فصار لهم سرب في الأرض، فمشوا فيه سنة ونصف سنة حتى خرجوا ~~وراء الصين، فهم على الحق إلى الآن. وبين الناس وبينهم بحر لا يوصل إليهم ~~بسببه. ذهب جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم إليهم ليلة المعراج فآمنوا به ~~وعلمهم سورا من القرآن وقال لهم: هل لكم مكيال وميزان؟ قالوا: لا، قال: # فمن ms2678 أين معاشكم؟ قالوا: نخرج إلى البرية فنزرع، فإذا حصدنا وضعناه هناك، ~~فإذا احتاج أحدنا إليه يأخذ حاجته. قال: فأين نساؤكم؟ قالوا: في ناحية منا، ~~فإذا احتاج أحدنا لزوجته صار إليها في وقت الحاجة. قال: فيكذب أحدكم في ~~حديثه؟ قالوا: لو فعل ذلك أحدنا أخذته لظى، إن النار تنزل فتحرقه. قال: فما ~~بال بيوتكم مستوية؟ قالوا لئلا يعلو بعضنا على بعض. قال: فما بال قبوركم ~~على أبوابكم؟ قالوا: لئلا نغفل عن ذكر الموت. # ثم لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الدنيا ليلة الإسراء أنزل ~~عليه: " وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون (1) " يعني أمة محمد عليه ~~السلام. يعلمه أن الذي أعطيت موسى في قومه أعطيتك في أمتك. وقيل: هم الذين ~~آمنوا بنبينا محمد عليه السلام من أهل الكتاب. # وقيل: هم قوم من بني إسرائيل تمسكوا بشرع موسى قبل نسخه، ولم يبدلوا ولم ~~يقتلوا الأنبياء. # PageV07P302 # قوله تعالى: وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما وأوحينا إلى موسى إذا ~~استسقاه قومه أن اضرب بعصاك الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عيناه قد علم كل ~~أناس مشربهم وظللنا عليهم الغمم وأنزلنا عليهم المن والسلوى كلوا من طيبت ~~ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (160) وإذا قيل لهم اسكنوا ~~هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم ~~خطيئتكم سنزيد المحسنين (161) فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم ~~فأرسلنا عليهم رجزا من السماء بما كانوا يظلمون (162) قوله تعالى: ~~(وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما) عدد نعمه على بني إسرائيل، وجعلهم ~~أسباطا ليكون أمر كل سبط معروفا من جهة رئيسهم، فيخف الأمر على موسى. وفي ~~التنزيل " وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا " وقد تقدم (1). وقوله: " اثنتي عشرة ~~والسبط مذكر لأن بعده " أمما " فذهب التأنيث إلى الأمم. ولو قال: اثني عشر ~~لتذكير السبط جاز، عن الفراء. وقيل: أراد بالأسباط القبائل والفرق، فلذلك ~~أنث العدد. قال الشاعر: # وإن قريشا كلها عشر أبطن * وأنت برئ من قبائلها العشر فذهب بالبطن إلى ~~القبيلة والفصيلة، فلذلك ms2679 أنثها. والبطن مذكر، كما أن الأسباط جمع مذكر. ~~الزجاج: المعنى قطعناهم اثنتي عشرة فرقة. " أسباطا " بدل من اثنتي عشرة " ~~أمما " نعت للأسباط. وروى المفضل عن عاصم " وقطعناهم " مخففا. " أسباطا " ~~الأسباط في ولد إسحاق بمنزلة القبائل في ولد إسماعيل عليهما السلام. ~~والأسباط مأخوذ من السبط وهو شجر تعلفه الإبل. وقد مضى في البقرة (2) ~~مستوفى. وروى معمر عن همام بن منبه # PageV07P303 # عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله عز وجل: " فبدل الذين ~~ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم " قالوا: حبة في شعرة. وقيل لهم: " ~~ادخلوا الباب سجدا " فدخلوا متوركين على أستاههم. (بما كانوا يظلموا) ~~مرفوع، لأنه فعل مستقبل وموضعه نصب. # و " ما " بمعنى المصدر، أي بظلمهم. وقد مضى في " البقرة " ما في هذه ~~الآية من المعاني والأحكام (1). والحمد لله. # قوله تعالى: وسئلهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذا يعدون في السبت ~~إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم ~~بما كانوا يفسقون (163) وإذا قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو ~~معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون (164) قوله تعالى: ~~(واسألهم عن القرية) أي عن أهل القرية، فعبر عنهم بها لما كانت مستقرا لهم ~~أو سبب اجتماعهم. نظيره " واسأل القرية التي كنا فيها (2) ". وقوله عليه ~~السلام: # (اهتز العرش لموت سعد بن معاذ) يعني أهل العرش من الملائكة، فرحا ~~واستبشارا (3) بقدومه، رضي الله عنه. أي واسأل اليهود الذين هم جيرانك عن ~~أخبار أسلافهم وما مسخ الله منهم قردة وخنازير. هذا سؤال تقرير وتوبيخ. ~~وكان ذلك علامة لصدق النبي صلى الله عليه وسلم، إذ أطلعه الله على تلك ~~الأمور من غير تعلم. وكانوا يقولون: نحن أبناء الله وأحباؤه، لأنا من سبط ~~خليله إبراهيم، ومن سبط إسرائيل وهم بكر (4) الله، ومن سبط موسى كليم الله، ~~ومن سبط ولده عزير، فنحن من أولادهم. فقال الله عز وجل لنبيه: سلهم يا محمد ~~عن القرية، أما عذبتهم بذنوبهم، وذلك بتغيير فرع من فروع الشريعة. ms2680 # PageV07P304 # واختلف في تعيين هذه القرية، فقال ابن عباس وعكرمة والسدي: هي أيلة. وعن ~~ابن عباس أيضا أنها مدين بين أيلة والطور. الزهري: طبرية. قتادة وزيد بن ~~أسلم: هي ساحل من سواحل الشأم، بين مدين وعينون، يقال لها: مقناة. وكان ~~اليهود يكتمون هذه القصة لما فيها من السبة عليهم. (التي كانت حاضرة البحر) ~~أي كانت بقرب (1) البحر، تقول: # كنت بحضرة الدار أي بقربها. (إذا يعدون في السبت) أي يصيدون الحيتان، وقد ~~نهوا عنه، يقال سبت اليهود، تركوا العمل في سبتهم. وسبت الرجل للمفعول ~~سباتا أخذه ذلك، من الخرس. وأسبت سكن فلم يتحرك. والقوم صاروا في السبت. ~~واليهود دخلوا في السبت، وهو اليوم المعروف. وهو من الراحة والقطع. ويجمع ~~أسبت وسبوت وأسبات. # وفي الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (من احتجم يوم السبت فأصابه ~~برص فلا يلومن إلا نفسه). قال علماؤنا: وذلك لأن الدم يجمد يوم السبت، فإذا ~~مددته لتستخرجه لم يجر وعاد برصا. وقراءة الجماعة " يعدون ". وقرأ أبو نهيك ~~" يعدون " بضم الياء وكسر العين وشد الدال. الأولى من الاعتداء والثانية من ~~الإعداد، أي يهيئو الآلة لأخذها. وقرأ ابن السميقع " في الأسبات " على جمع ~~السبت. (إذا تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم) وقرئ " أسباتهم ". # شرعا أي شوارع ظاهرة على الماء كثيرة. وقال الليث: حيتان شرع رافعة ~~رؤوسها. # وقيل: معناه أن حيتان البحر كانت ترد يوم السبت عنقا (2) من البحر فتزاحم ~~أيلة. ألهمها الله تعالى أنها لا تصاد يوم السبت، لنهيه تعالى اليهود عن ~~صيدها. وقيل: إنها كانت تشرع على أبوابهم، كالكباش البيض رافعة رؤوسها. ~~حكاه بعض المتأخرين، فتعدوا فأخذوها في السبت، قاله الحسن. وقيل: يوم ~~الأحد، وهو الأصح على ما يأتي بيانه. (ويوم لا يسبتون) أي لا يفعلون السبت، ~~يقال: سبت يسبت إذا عظم السبت. وقرأ الحسن " يسبتون " بضم الياء، أي يدخلون ~~في السبت، كما يقال: أجمعنا وأظهرنا وأشهرنا، أي دخلنا في الجمعة والظهر ~~والشهر. لا تأتيهم أي حيتانهم. كذلك نبلوهم أي نشدد # PageV07P305 # عليهم في العبادة ونختبرهم. والكاف في موضع نصب. (بما ms2681 كانوا يفسقون) أي ~~بفسقهم. # وسئل الحسين بن الفضل: هل تجد في كتاب الله الحلال لا يأتيك إلا قوتا، ~~والحرام يأتيك جزفا جزفا؟ قال: نعم، في قصة داود وأيلة " إذ تأتيهم حيتانهم ~~يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم ". وروي في قصص هذه الآية أنها ~~كانت في زمن داود عليه السلام، وأن إبليس أوحى إليهم فقال: إنما نهيتم عن ~~أخذها يوم السبت، فاتخذوا الحياض، فكانوا يسوقون الحيتان إليها يوم الجمعة ~~فتبقى فيها، فلا يمكنها الخروج منها لقلة الماء، فيأخذونها يوم الأحد. وروى ~~أشهب عن مالك قال: زعم ابن رومان أنهم كانوا يأخذ الرجل خيطا ويضع فيه وهقة ~~(1)، وألقاها في ذنب الحوت، وفي الطرف الآخر من الخيط وتد وتركه كذلك إلى ~~الأحد، ثم تطرق الناس حين رأوا من صنع هذا لا يبتلى حتى كثر صيد الحوت، ~~ومشي به في الأسواق، وأعلن الفسقة بصيده، فقامت فرقة من بني إسرائيل ونهت، ~~وجاهرت بالنهي واعتزلت. وقيل (2): إن الناهين قالوا: لا نساكنكم، فقسموا ~~القرية بجدار. فأصبح الناهون ذات يوم في مجالسهم ولم يخرج من المعتدين أحد، ~~فقالوا: إن للناس لشأنا، فعلوا على الجدار فنظروا فإذا هم قردة، ففتحوا ~~الباب ودخلوا عليهم، فعرفت القردة أنسابها من الإنس، ولم تعرف الإنس ~~أنسابهم من القردة، فجعلت القردة تأتي نسيبها من الإنس فتشم ثيابه وتبكي، ~~فيقول: ألم ننهكم! فتقول برأسها نعم. قال قتادة: صار الشبان قردة والشيوخ ~~خنازير، فما نجا إلا الذين نهوا وهلك سائرهم. فعلى هذا القول إن بني ~~إسرائيل لم تفترق إلا فرقتين. ويكون المعنى في قوله تعالى (وإذا قالت أمة ~~منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا) أي قال الفاعلون ~~للواعظين حين وعظوهم: إذا علمتم أن الله مهلكنا فلم تعظوننا؟ فمسخهم الله ~~قردة. (قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون) أي قال الواعظون: # موعظتنا إياكم معذرة (إلى (3) ربكم)، أي إنما يجب علينا أن نعظكم لعلكم ~~تتقون. أسند # PageV07P306 # هذا القول الطبري عن ابن الكلبي. وقال جمهور المفسرين: إن بني إسرائيل ~~افترقت ثلاث فرق، وهو الظاهر ms2682 من الضمائر في الآية. فرقة عصمت وصادت، وكانوا ~~نحوا من سبعين ألفا. # وفرقة اعتزلت ولم تنه ولم تعص، وإن هذه الطائفة قالت للناهية: لم تعظون ~~قوما - تريد العاصية - الله مهلكهم أو معذبهم على غلبة الظن، وما عهد من ~~فعل الله تعالى حينئذ بالأمم العاصية. فقالت الناهية: موعظتنا معذرة إلى ~~الله لعلهم يتقون. ولو كانوا فرقتين لقالت الناهية للعاصية: ولعلكم تتقون، ~~بالكاف. # ثم اختلف بعد هذا، فقالت فرقة: إن الطائفة التي لم تنه ولم تعص هلكت مع ~~العاصية عقوبة على ترك النهي، قاله ابن عباس. وقال أيضا: ما أدري ما فعل ~~بهم، وهو الظاهر من الآية. وقال عكرمة: قلت لابن عباس لما قال ما أدري ما ~~فعل بهم: ألا ترى أنهم قد كرهوا ما هم عليه وخالفوهم فقالوا: لم تعظون قوما ~~الله مهلكهم؟ فلم أزل به حتى عرفته أنهم قد نحوا، فكساني حلة. وهذا مذهب ~~الحسن. ومما يدل على أنه إنما هلكت الفرقة العادية لا غير قوله: " وأخذنا ~~الذين ظلموا ". وقوله: " ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت " الآية. ~~وقرأ عيسى وطلحة " معذرة " بالنصب. ونصبه عند الكسائي من وجهين: أحدهما على ~~المصدر. والثاني على تقدير فعلنا ذلك معذرة. وهي قراءة حفص عن عاصم. ~~والباقون بالرفع: وهو الاختيار، لأنهم لم يريدوا أن يعتذروا اعتذارا ~~مستأنفا من أمر ليموا عليه، ولكنهم قيل لهم: لم تعظون؟ فقالوا: موعظتنا ~~معذرة. ولو قال رجل لرجل: معذرة إلى الله وإليك من كذا، يريد اعتذارا، ~~لنصب. هذا قول سيبويه. ودلت الآية على القول بسد الذرائع. # وقد مضى في (البقرة). ومضى فيها الكلام في الممسوخ هل ينسل أم لا، مبينا ~~(1). والحمد لله. # ومضى في " آل عمران " و " المائدة " الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ~~(2). ومضى في (النساء (3)) اعتزال أهل الفساد ومجانبتهم، وأن من جالسهم كان ~~مثلهم، فلا معنى للإعادة. # PageV07P307 # قوله تعالى: فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا ~~الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون (165) والنسيان يطلق على الساهي. ~~والعامد: التارك، لقوله تعالى: (فلما نسوا ما ms2683 ذكروا به) أي تركوه عن قصد، ~~ومنه " نسوا الله فنسيهم (1) ". ومعنى (بعذاب بئيس) أي شديد. # وفيه إحدى عشرة قراءة: الأولى - قراءة أبي عمرو وحمزة والكسائي " بئيس " ~~على وزن فعيل. الثانية - قراءة أهل مكة " بئيس " بكسر الباء والوزن واحد. ~~والثالثة - قراءة أهل المدينة " بيس " الباء مكسورة بعدها ياء ساكنة بعدها ~~سين مكسورة منونة، وفيها (2) قولان. قال الكسائي: الأصل فيه " بييس " خفيفة ~~الهمزة، فالتقت ياءان فحذفت إحداهما وكسر أوله: كما يقال: رغيف وشهيد. ~~وقيل: أراد " بئس " على وزن فعل، فكسر أوله وخفف الهمزة وحذف الكسرة، كما ~~يقال: رحم ورحم. الرابعة - قراءة الحسن، الباء مكسورة بعدها همزة ساكنة ~~بعدها سين مفتوحة. الخامسة - قرأ أبو عبد الرحمن المقرئ " بئس " الباء ~~مفتوحة والهمزة مكسورة والسين مكسورة منونة. السادسة - قال يعقوب القارئ: ~~وجاء عن بعض القراء " بعذاب بئس " الباء مفتوحة والهمزة مكسورة والسين ~~مفتوحة. السابعة - قراءة الأعمش " بيئس " على وزن فيعل. وروي عنه " بيأس " ~~على وزن فيعل. وروي عنه " بئس " بباء مفتوحة وهمزة مشددة مكسورة، والسين في ~~كله مكسورة منونة، أعني قراءة الأعمش. العاشرة - قراءة نصر بن عاصم (3) " ~~بعذاب بيس " الباء مفتوحة والياء مشددة بغير همز. قال يعقوب القارئ: وجاء ~~عن بعض القراء " بئيس " الباء مكسورة بعدها همزة ساكنة بعدها ياء مفتوحة. ~~فهذه إحدى عشرة قراءة ذكرها النحاس. # قال علي بن سليمان: العرب تقول جاء ببنات بيس أي بشئ ردئ. فمعنى " بعذاب ~~بيس " بعذاب ردئ. وأما قراءة الحسن فزعم أبو حاتم أنه لا وجه لها، قال: ~~لأنه لا يقال مررت برجل بئس، حتى يقال: بئس الرجل، أو بئس رجلا. قال ~~النحاس: وهذا مردود من # PageV07P308 # كلام أبي حاتم، حكى النحويون: إن فعلت كذا وكذا فبها ونعمت. يريدون فيها ~~ونعمت الخصلة. والتقدير على قراءة الحسن: بعذاب بئس العذاب. # قوله تعالى: فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين قوله ~~تعالى: (فلما عتوا عما نهوا عنه) أي فلما تجاوزوا في معصية الله. (قلنا لهم ~~كونوا قردة خاسئين) يقال: خسأته فخسأ، أي باعدته وطردته. وقد تقدم في ms2684 ~~البقرة (1). # ودل على أن المعاصي سبب (2) النقمة: وهذا لا خفاء به. فقيل: قال لهم ذلك ~~بكلام يسمع، فكانوا كذلك. وقيل: المعنى كوناهم قردة. # قوله تعالى: وإذا تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيمة من يسومهم سوء ~~العذاب إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم (167) أي أعلم أسلافهم أنهم إن ~~غيروا ولم يؤمنوا بالنبي الأمي بعث الله عليهم من يعذبهم. # وقال أبو علي: " أذن " بالمد، أعلم. و " أذن " بالتشديد، نادى. وقال قوم: ~~آذن وأذن بمعنى أعلم، كما يقال: أيقن وتيقن. قال زهير: # فقلت تعلم إن للصيد غرة * فإلا تضعيها فإنك قاتلة وقال آخر: # تعلم إن شر الناس حي * ينادى في شعارهم يسار أي اعلم (3). ومعنى " يسومهم ~~" يذيقهم، وقد تقدم في (البقرة (4)). قيل: المراد بختنصر. # وقيل: العرب. وقيل: أمة محمد صلى الله عليه وسلم وهو أظهر، فإنهم الباقون ~~إلى يوم القيامة. والله أعلم. قال ابن عباس: " سوء العذاب " هنا أخذ ~~الجزية. فإن قيل: فقد # PageV07P309 # مسخوا، فكيف تؤخذ منهم الجزية؟ فالجواب أنها تؤخذ من أبنائهم وأولادهم، ~~وهم أذل قوم، وهم اليهود. وعن سعيد بن جبير " سوء العذاب " قال: الخراج، ~~ولم يجب نبي قط الخراج، إلا موسى عليه السلام هو أول من وضع الخراج، فجباه ~~ثلاث عشرة سنة، ثم أمسك، ونبينا عليه السلام. # قوله تعالى: وقطعناهم في الأرض أمما منهم الصالحون ومنهم دون ذلك ~~وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون (168) قوله تعالى: (وقطعناهم في ~~الأرض أمما) أي فرقناهم في البلاد. أراد به تشتيت أمرهم، فلم تجمع لهم ~~كلمة. (منهم الصالحون) رفع على الابتداء. والمراد من آمن بمحمد عليه ~~السلام. ومن لم يبدل منهم ومات نسخ شرع موسى. أو هم الذين وراء الصين، كما ~~سبق. (ومنهم دون ذلك) منصوب على الظرف. قال النحاس: ولا نعلم أحدا رفعه. # والمراد الكفار منهم. (وبلوناهم) أي اختبرناهم. (بالحسنات) أي بالخصب ~~والعافية. # (والسيئات) أي الجدب والشدائد. (لعلهم يرجعون) ليرجعوا عن كفرهم. # قوله تعالى: فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتب يأخذون عرض هذا الأدنى ~~ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ms2685 ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتب ~~أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير للذين ~~يتقون أفلا تعقلون (169) قوله تعالى: (فخلف من بعدهم خلف) يعني أولاد الذين ~~فرقهم في الأرض. قال أبو حاتم: " الخلف " بسكون اللام: الأولاد الواحد ~~والجميع فيه سواء. و " الخلف " بفتح اللام البدل، ولدا كان أو غريبا. وقال ~~ابن الأعرابي: " الخلف " بالفتح الصالح، وبالجزم الطالح. قال لبيد: # ذهب الذين يعاش في أكنافهم * وبقيت في خلف كجلد الأجرب PageV07P310 # ومنه قيل للردئ من الكلام: خلف. ومنه المثل السائر " سكت ألفا ونطق خلفا ~~". # فخلف في الذم بالإسكان، وخلف بالفتح في المدح. هذا هو المستعمل المشهور. ~~قال صلى الله عليه وسلم: " يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ". وقد يستعمل ~~كل واحد منهما موضع الآخر. قال حسان بن ثابت: # لنا القدم الأولى إليك وخلقنا * لأولنا في طاعة الله تابع وقال آخر. # إنا وجدنا خلفا بئس الخلف * أغلق عنا بابه ثم حلف (1) لا يدخل البواب إلا ~~من عرف * عبد ا إذا ما ناء بالحمل وقف ويروى: خضف، أي ردم (2). والمقصود من ~~الآية الذم. (ورثوا الكتاب) قال المفسرون: هم اليهود، ورثوا كتاب الله ~~فقرءوه وعلموه، وخالفوا حكمه وأتوا محارمه مع دراستهم له. فكان هذا توبيخا ~~لهم وتقريعا. يأخذون عرض هذا الأدنى ثم أخبر عنهم أنهم يأخذون ما يعرض لهم ~~من متاع الدنيا لشدة حرصهم ونهمهم. (ويقولون سيغفر لنا) وهم لا يتوبون. ودل ~~على أنهم لا يتوبون. # قوله تعالى: (وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه) والعرض: متاع الدنيا، بفتح ~~الراء. وبإسكانها ما كان من المال سوى الدراهم والدنانير. والإشارة في هذه ~~الآية إلى الرشا والمكاسب الخبيثة. ثم ذمهم باغترارهم في قولهم (سيغفر لنا) ~~وأنهم بحال إذا أمكنتهم ثانية ارتكبوها، فقطعوا باغترارهم بالمغفرة وهم ~~مصرون، وإنما يقول سيغفر لنا من أقلع وندم. # قلت: وهذا الوصف الذي ذم الله تعالى به هؤلاء موجود فينا. أسند الدارمي ~~أبو محمد: # حدثنا محمد بن المبارك حدثنا صدقة بن خالد عن ابن جابر عن شيخ يكنى أبا ms2686 ~~عمرو عن معاذ # PageV07P311 # بن جبل رضي الله عنه قال: سيبلى القرآن في صدور أقوام كما يبلى الثوب ~~فيتهافت، يقرءونه لا يجدون له شهوة ولا لذة، يلبسون جلود الضأن على قلوب ~~الذئاب، أعمالهم طمع لا يخالطه خوف، إن قصروا قالوا سنبلغ، وإن أساءوا ~~قالوا سيغفر لنا، إنا لا نشرك بالله شيئا. # وقيل: إن الضمير في " يأتهم " ليهود المدينة، أي وإن يأت يهود يثرب الذين ~~كانوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم عرض مثله يأخذوه كما أخذه أسلافهم. # قوله تعالى: (ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ألا يقولوا على الله ألا الحق ~~ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون) فيه مسألتان. # الأولى - قوله تعالى: (ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب) يريد التوراة. وهذا ~~تشديد في لزوم قول الحق في الشرع والأحكام، وألا يميل الحكام بالرشا إلى ~~الباطل. # قلت: وهذا الذي لزم هؤلاء وأخذ عليهم به الميثاق في قول الحق، لازم لنا ~~على لسان نبينا صلى الله عليه وسلم وكتاب ربنا، على ما تقدم بيانه في ~~(النساء (1)). ولا خلاف فيه في جميع الشرائع، والحمد لله. # الثانية - قوله تعالى: (ودرسوا ما فيه) أي قرءوه، وهم قريبو عهد به. وقرأ ~~أبو عبد الرحمن وادرسوا ما فيه فأدغم (2) التاء في الدال. قال ابن زيد: كان ~~يأتيهم المحق برشوة فيخرجون له كتاب الله فيحكمون له به، فإذا جاء المبطل ~~أخذوا منه الرشوة وأخرجوا له كتابهم الذي كتبوه بأيديهم وحكموا له. وقال ~~ابن عباس: " ألا يقولوا على الله إلا الحق " وقد قالوا الباطل في غفران ~~ذنوبهم الذي يوجبونه ويقطعون به. وقال ابن زيد: يعني في الأحكام التي ~~يحكمون بها، كما ذكرنا. وقال بعض العلماء إن معنى " ودرسوا ما فيه " أي ~~محوه بترك العمل به والفهم له، من قولك: درست الريح الآثار، إذا محتها. وخط ~~دارس وربع دارس، إذا أمحى وعفا أثره. وهذا المعنى مواطئ - أي موافق - لقوله # PageV07P312 # تعالى: " نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم (1) " ~~الآية. وقوله: # " فنبذوه وراء ظهورهم (2) ". حسب ما تقدم ms2687 بيانه في (البقرة). # قوله تعالى: والذين يمسكون بالكتب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر ~~المصلحين (170) قوله تعالى: " والذين يمسكون بالكتاب " أي بالتوراة، أي ~~بالعمل بها، يقال: # مسك به وتمسك به أي استمسك به. وقرأ أبو العالية وعاصم في رواية أبي بكر ~~" يمسكون " بالتخفيف من أمسك يمسك. والقراءة الأولى أولى، لأن فيها معنى ~~التكرير والتكثير للتمسك بكتاب الله تعالى وبدينه فبذلك يمدحون. فالتمسك ~~بكتاب الله والدين يحتاج إلى الملازمة والتكرير لفعل ذلك. وقال كعب بن ~~زهير: # فما تمسك بالعهد الذي زعمت * إلا كما تمسك الماء الغرابيل فجاء به على ~~طبعه يذم بكثرة نقض العهد. # قوله تعالى: وإذا نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما ~~آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون (171) قوله تعالى (وإذ نتقنا ~~الجبل) " نتقنا " معناه رفعنا. وقد تقدم بيانه في البقرة. # " كأنه ظلة " أي كأنه لارتفاعه سحابة تظل. " خذوا ما آتيناكم بقوة " أي ~~بجد. وقد مضى في البقرة (3) إلى آخر الآية. # قوله تعالى: وإذا أخذ ربك من بني ادم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على ~~أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم # PageV07P313 # القيمة إنا كنا عن هذا غافلين (172) أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل ~~وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكا بما فعل المبطلون (173) وكذلك نفصل الآيات ~~ولعلهم يرجعون (174) فيه ست مسائل: الأولى - قوله تعالى: (وإذ أخذ ربك) أي ~~واذكر لهم مع ما سبق من تذكير المواثيق في كتابهم ما أخذت من المواثيق من ~~العباد يوم الذر. وهذه آية مشكلة وقد تكلم العلماء في تأويلها وأحكامها، ~~فنذكر ما ذكروه من ذلك حسب ما وقفنا عليه فقال قوم: # معنى الآية أن الله تعالى أخرج من ظهور بني آدم بعضهم من بعض. قالوا: ~~معنى " أشهدهم على أنفسهم ألست بربكم " دلهم بخلقه على توحيده، لأن كل بالغ ~~يعلم ضرورة أن له ربا واحدا. " ألست بربكم " أي قال. فقام ذلك مقام الإشهاد ~~عليهم، والإقرار منهم، كما قال تعالى في السماوات والأرض: " قالتا أتينا ~~طائعين (1) ". ذهب إلى هذا القفال ms2688 وأطنب. # وقيل: إنه سبحانه أخرج الأرواح قبل خلق الأجساد، وإنه جعل فيها من ~~المعرفة ما علمت به ما خاطبها. # قلت: وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم غير هذين القولين، وأنه ~~تعالى أخرج الأشباح فيها الأرواح من ظهر آدم عليه السلام. وروى مالك في ~~موطئه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سئل عن هذه الآية " وإذ أخذ ربك من ~~بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا ~~أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين " فقال عمر رضي الله عنه: ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل عنها، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " إن الله تعالى خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية ~~فقال خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ثم مسح ظهره فاستخرج منه ~~ذرية فقال خلقت # PageV07P314 # هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعلمون ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال ~~خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون ". فقال رجل: ففيم العمل؟ قال ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله ~~بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله الجنة وإذا خلق ~~العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار ~~فيدخله الله النار ". قال أبو عمر: هذا حديث منقطع الإسناد، لأن مسلم بن ~~يسار لم يلق عمر. وقال فيه يحيى بن معين: مسلم بن يسار لا (1) يعرف، بينه ~~وبين عمر نعيم بن ربيعة، ذكره النسائي، ونعيم غير معروف بحمل العلم. لكن ~~معنى هذا الحديث قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه ثابتة كثيرة من ~~حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وعبد الله بن مسعود وعلي بن أبي طالب ~~وأبي هريرة رضي الله عنهم أجمعين وغيرهم. روى الترمذي وصححه عن أبي هريرة ~~قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لما خلق الله آدم مسح ظهره ms2689 فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها (من ذريته ~~(2)) إلى يوم القيامة وجعل بين عيني كل رجل منهم وبيصا من نور ثم عرضهم على ~~آدم فقال يا رب من هؤلاء قال هؤلاء ذريتك فرأى رجلا منهم فأعجبه وبيص ما ~~بين عينيه فقال أي رب من هذا؟ # فقال هذا رجل من آخر الأمم من ذريتك يقال له داود فقال رب كم جعلت عمره ~~قال ستين سنة قال أي رب زده من عمري أربعين سنة فلما انقضى عمر آدم عليه ~~السلام جاءه ملك الموت فقال أو لم يبق من عمري أربعون سنة قال أو لم تعطها ~~ابنك داود قال فجحد آدم فجحدت ذريته ونسي آدم فنسيت ذريته ". في غير ~~الترمذي: فحينئذ أمر بالكتاب والشهود. في رواية: # فرأى فيهم الضعف والغني والفقير (والذليل (3)) والمبتلى والصحيح. فقال ~~(له (3)) آدم: يا رب، ما هذا؟ # ألا سويت بينهم! قال: أردت أن أشكر. وروى عبد الله بن عمرو عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال " أخذوا من ظهره كما يؤخذ بالمشط من الرأس ". وجعل ~~الله لهم عقولا كنملة سليمان، وأخذ عليهم العهد بأنه ربهم وأن لا إله غيره. ~~فأقروا بذلك والتزموه، وأعلمهم # PageV07P315 # بأنه سيبعث إليهم الرسل، فشهد بعضهم على بعض. قال أبي بن كعب: وأشهد ~~عليهم السماوات السبع، فليس من أحد يولد إلى يوم القيامة إلا وقد أخذ عليه ~~العهد. # واختلف في الموضع الذي أخذ فيه الميثاق حين أخرجوا على أربعة أقوال، فقال ~~ابن عباس: # ببطن نعمان، واد إلى جنب عرفة. و (روي (1)) عنه أن ذلك برهبا - أرض ~~بالهند - الذي هبط فيه آدم عليه السلام. وقال يحيى بن سلام قال ابن عباس في ~~هذه الآية: أهبط الله آدم بالهند، ثم مسح على ظهره فأخرج منه كل نسمة هو ~~خالقها إلى يوم القيامة، ثم قال: " ألست بربكم قالوا بلى شهدنا " قال يحيى ~~قال الحسن: ثم أعادهم في صلب آدم عليه السلام. وقال الكلبي: # بين مكة والطائف. وقال السدي: في السماء الدنيا حين أهبط من الجنة إليها ~~مسح ms2690 على ظهره فأخرج من صفحة ظهره اليمنى ذرية بيضاء مثل اللؤلؤ، فقال لهم ~~ادخلوا الجنة برحمتي. وأخرج من صفحة ظهره اليسرى ذرية سوداء وقال لهم ~~ادخلوا النار ولا أبالي. قال ابن جريج: # خرجت كل نفس مخلوقة للجنة بيضاء، وكل نفس مخلوقة للنار سوداء. # الثانية - قال ابن العربي (رحمه الله (2)): " فإن قيل فكيف يجوز أن يعذب ~~الخلق وهم لم يذنبوا، أو يعاقبهم على ما أراده منهم وكتبه عليهم وساقهم ~~إليه، قلنا: ومن أين يمتنع ذلك، أعقلا أم شرعا؟ فإن قيل: لأن الرحيم الحكيم ~~منا لا يجوز أن يفعل ذلك. # قلنا: لأن فوقه آمرا يأمره وناهيا ينهاه، وربنا تعالى لا يسأل عما يفعل ~~وهم يسئلون ولا يجوز أن يقاس الخلق بالخالق، ولا تحمل أفعال العباد على ~~أفعال الإله، وبالحقيقة الأفعال كلها لله جل جلاله، والخلق بأجمعهم له، ~~صرفهم كيف شاء، وحكم بينهم (3) بما أراد، وهذا الذي يجده الآدمي إنما تبعث ~~عليه رقة الجبلة وشفقة الجنسية وحب الثناء والمدح، لما يتوقع فذلك من ~~الانتفاع، والباري تعالى متقدس عن ذلك كله، فلا يجوز أن يعتبر به ". # واختلف في هذه الآية، هل هي خاصة أو عامة. فقيل: الآية خاصة، لأنه تعالى ~~قال: " من بني آدم من ظهورهم " فخرج من هذا (الحديث (4)) من كان من ولد آدم ~~لصلبه. وقال جل وعز: (أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل) فخرج منها كل من ~~لم يكن له آباء مشركون. # PageV07P316 # وقيل: هي مخصوصة فيمن أخذ عليه العهد على ألسنة الأنبياء. وقيل: بل هي ~~عامة لجميع الناس، لأن كل أحد يعلم أنه كان طفلا فغذي وربي، وأن له مدبرا ~~وخالقا. فهذا معنى " وأشهدهم على أنفسهم ". ومعنى (قالوا بلى) أي إن ذلك ~~واجب عليهم. فلما اعترف الخلق لله سبحانه بأنه الرب ثم ذهلوا عنه ذكرهم ~~بأنبيائه وختم الذكر بأفضل أصفيائه لتقوم حجته عليهم فقال له: " فذكر إنما ~~أنت مذكر. لست عليهم بمصيطر (1) ". ثم مكنه من الصيطرة، وأتاه السلطنة، ~~ومكن له دينه في الأرض. قال الطرطوشي (2): إن هذا العهد يلزم البشر وإن ms2691 ~~كانوا لا يذكرونه في هذه الحياة، كما يلزم الطلاق من شهد عليه به وقد نسيه ~~". # الرابعة - وقد استدل بهذه الآية من قال: إن من مات صغيرا دخل الجنة ~~لإقراره في، الميثاق الأول. ومن بلغ العقل لم يغنه الميثاق الأول. وهذا ~~القائل يقول: أطفال المشركين في الجنة، وهو الصحيح في الباب. وهذه المسألة ~~اختلف فيها لاختلاف الآثار، والصحيح ما ذكرناه. وسيأتي الكلام في هذا في " ~~الروم (3) " إن شاء الله. وقد أتينا عليها في كتاب " التذكرة " والحمد لله. # الخامسة - قوله تعالى: " من ظهورهم " بدل اشتمال من قوله " من بني آدم ". ~~وألفاظ الآية تقتضي أن الأخذ إنما كان من بني آدم، وليس لآدم في الآية ذكر ~~بحسب اللفظ. ووجه النظم على هذا: وإذ أخذ ربك من ظهور بني آدم ذريتهم. ~~وإنما لم يذكر ظهر آدم لأن المعلوم أنهم كلهم بنوه. وأنهم أخرجوا يوم ~~الميثاق من ظهره. فاستغنى عن ذكره لقوله: " من بني آدم ". (ذريتهم) قرأ ~~الكوفيون وابن كثير بالتوحيد وفتح التاء، وهي تقع للواحد والجمع، قال الله ~~تعالى: " هب لي من لدنك ذرية طيبة (4) " فهذا للواحد، لأنه إنما سأل هبة ~~ولد فبشر بيحيى. وأجمع القراء على التوحيد في قوله: " من ذرية آدم (5) " ~~ولا شئ أكثر من ذرية آدم. وقال: " وكنا ذرية من بعدهم " فهذا للجمع. وقرأ ~~الباقون # PageV07P317 # " ذرياتهم " بالجمع، لأن الذرية لما كانت تقع للواحد أتى بلفظ لا يقع ~~للواحد فجمع لتخلص الكلمة إلى معناها المقصود إليه لا يشركها فيه شئ وهو ~~الجمع، لأن ظهور بني آدم استخرج منها ذريات كثيرة متناسبة، أعقاب بعد ~~أعقاب، لا يعلم عددهم إلا الله، فجمع لهذا المعنى. # السادسة - قوله تعالى: (بلى) تقدم القول فيها في " البقرة " عند قوله بلى ~~من كسب سيئة مستوفى، فتأمله هناك (1). (أن يقولوا) " أو يقولوا " قرأ أبو ~~عمرو بالياء فيهما. ردهما على لفظ الغيبة المتكرر قبله، وهو قول: " من بني ~~آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشدهم على أنفسهم ". وقوله: " قالوا بلى " أيضا لفظ ~~غيبة. وكذا " وكنا ذرية من بعدهم " " ولعلهم " فحمله على ما قبله ms2692 وما بعده ~~من لفظ الغيبة. وقرأ الباقون بالتاء فيهما، ردوه على لفظ الخطاب المتقدم في ~~قوله: " ألست بربكم قالوا بلى ". ويكون " شهدنا " من قول الملائكة. # لما قالوا " بلى " قالت الملائكة: " شهدنا أن تقولوا " " أو تقولوا " أي ~~لئلا تقولوا. وقيل: معنى ذلك أنهم لما قالوا بلى، فأقروا له بالربوبية، قال ~~الله تعالى للملائكة: اشهدوا قالوا شهدنا بإقراركم لئلا تقولوا أو تقولوا. ~~وهذا قول مجاهد والضحاك والسدي. وقال ابن عباس وأبي بن كعب: # قوله " شهدنا " هو من قول بني آدم، والمعنى: شهدنا أنك ربنا وإلهنا، وقال ~~ابن عباس: # أشهد بعضهم على بعض، فالمعنى على هذا قالوا بلى شهد بعضنا على بعض، فإذا ~~كان ذلك من قول الملائكة فيوقف على " بلى " ولا يحسن الوقف عليه إذا كان من ~~قول بني آدم، لأن " أن " متعلقة بما قبل بلى، من قوله: " وأشهدهم على ~~أنفسهم " لئلا يقولوا. وقد روى مجاهد (2) عن ابن عمر أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: (أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم كما يؤخذ بالمشط من ~~الرأس فقال لهم ألست بربكم قالوا بلى قالت الملائكة شهدنا أن تقولوا ". أي ~~شهدنا عليكم بالإقرار بالربوبية لئلا تقولوا. فهذا يدل على التاء. قال مكي: # وهو الاختيار لصحة معناه، ولأن الجماعة عليه. وقد قيل: إن قوله " شهدنا " ~~من قول الله تعالى والملائكة. والمعنى: فشهدنا على إقراركم، قاله أبو مالك، ~~وروي عن السدي أيضا. # PageV07P318 # (وكنا ذرية من بعدهم) أي اقتدينا بهم. (أفتهلكنا بما فعل المبطلون) ~~بمعنى: لست تفعل هذا. ولا عذر للمقلد في التوحيد. # قوله تعالى: واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه ~~الشيطان فكان من الغاوين (175) ذكر أهل الكتاب قصة عرفوها في التوراة. ~~واختلف في تعيين الذي أوتي الآيات فقال ابن مسعود وابن عباس: هو بلعام بن ~~باعوراء، ويقال ناعم (1)، من بني إسرائيل في زمن موسى عليه السلام، وكان ~~بحيث إذا نظر رأى العرش. وهو المعني بقوله " واتل عليهم نبأ الذي آتيناه ~~آياتنا " ولم يقل آية، وكان في مجلسه اثنتا عشرة ألف ms2693 محبرة للمتعلمين الذين ~~يكتبون عنه. ثم صار بحيث (أنه (2)) كان أول من صنف كتابا (في (2)) أن " ليس ~~للعالم صانع ". قال مالك ابن دينار: بعث بلعام بن باعوراء إلى ملك مدين ~~ليدعوه إلى الإيمان، فأعطاه وأقطعه فاتبع دينه وترك دين موسى، ففيه نزلت ~~هذه الآيات. (روى (2)) المعتمر بن سليمان عن أبيه قال: كان بلعام قد أوتي ~~النبوة، (3) وكان مجاب الدعوة، فلما أقبل موسى في بني إسرائيل يريد قتال ~~الجبارين، سأل الجبارون بلعام بن باعوراء أن يدعوا على موسى فقام ليدعو ~~فتحول لسانه بالدعاء على أصحابه. # فقيل له في ذلك، لا أقدر على أكثر مما تسمعون، واندلع لسانه على صدره. ~~فقال: # قد ذهبت مني الآن الدنيا والآخرة، فلم يبق إلا المكر والخديعة والحيلة، ~~وسأمكر لكم، فإني أرى أن تخرجوا إليهم فتياتكم فإن الله يبغض الزنى، فإن ~~وقعوا فيه هلكوا، ففعلوا فوقع بنو إسرائيل في الزنى، فأرسل الله عليهم ~~الطاعون فمات منهم سبعون ألفا. وقد ذكر هذا الخبر بكماله الثعلبي وغيره. ~~وروي أن بلعام بن باعوراء دعا ألا يدخل موسى مدينة الجبارين، فاستجيب له ~~وبقي في التيه (4). فقال موسى: يا رب، بأي ذنب بقينا في التيه. فقال: بدعاء ~~بلعام. # قال: فكما سمعت دعاءه علي فاسمع دعائي عليه. فدعا موسى أن ينزع الله عنه ~~الاسم الأعظم، # PageV07P319 # فسلخه الله ما كان عليه، وقال أبو حامد في (آخر (1)) كتاب منهاج العارفين ~~له: وسمعت بعض العارفين يقول إن بعض الأنبياء سأل الله تعالى عن أمر بلعام ~~وطرد بعد تلك الآيات والكرامات، فقال الله تعالى: لم يشكرني يوما من الأيام ~~على ما أعطيته، ولو شكرني على ذلك مرة لما سلبته. وقال عكرمة: كان بلعام ~~نبيا وأوتي كتابا. وقال مجاهد: إنه أوتي النبوة، فرشاه قومه على أن يسكت ~~ففعل وتركهم على ما هم عليه. قال الماوردي: وهذا غير صحيح، لأن الله تعالى ~~لا يصطفي لنبوته إلا من علم أنه لا يخرج عن طاعته إلى معصيته. وقال عبد ~~الله بن عمرو بن العاص وزيد بن أسلم: نزلت في أمية بن ms2694 أبي الصلت الثقفي، ~~وكان قد قرأ الكتب وعلم أن الله مرسل رسولا في ذلك الوقت، وتمنى أن يكون هو ~~ذلك الرسول، فلما أرسل الله محمدا صلى الله عليه وسلم حسده وكفر به. وهو ~~الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: " آمن شعره وكفر قلبه ". وقال ~~سعيد بن المسيب: نزلت في أبي عامر بن صيفي، وكان يلبس المسوح في الجاهلية، ~~فكفر بالنبي صلى الله عليه وسلم. وذلك أنه دخل على النبي صلى الله عليه ~~وسلم المدينة فقال: يا محمد، ما هذا الذي جئت به؟ قال: " جئت بالحنيفية دين ~~إبراهيم ". قال: فإني عليها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لست عليها ~~لأنك أدخلت فيها ما ليس منها ". فقال أبو عامر: أمات الله الكاذب منا طريدا ~~وحيدا. # فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " نعم أمات الله الكاذب منا كذلك " وإنما ~~قال هذا يعرض برسول الله صلى الله عليه وسلم حيث خرج من مكة. فخرج أبو عامر ~~إلى الشأم ومر إلى قيصر وكتب إلى المنافقين: استعدوا فإني آتيكم من عند ~~قيصر بجند لنخرج محمدا من المدينة، فمات بالشام وحيدا. وفيه نزل: " وإرصادا ~~لمن حارب الله ورسوله من قبل (2) " وسيأتي في براءة. وقال ابن عباس في ~~رواية: نزلت في رجل كان له ثلاث دعوات يستجاب له فيها، وكانت له امرأة يقال ~~لها " البسوس " فكان له منها ولد، فقالت: اجعل لي منها دعوة واحدة. فقال: ~~لك واحدة، فما تأمرين؟ قالت: ادع الله أن يجعلني أجمل امرأة # PageV07P320 # في بني إسرائيل. فلما علمت أنه ليس فيهم مثلها رغبت عنه، فدعا الله عليها ~~أن يجعلها كلبة نباحة. فذهب فيها دعوتان، فجاء بنوها وقالوا: لا صبر لنا عن ~~هذا، وقد صارت أمنا كلبة يعيرنا الناس بها، فادع الله أن يردها كما كانت، ~~فدعا فعادت إلى ما كانت، وذهبت الدعوات فيها. والقول الأول أشهر وعليه ~~الأكثر. قال عبادة بن الصامت: نزلت في قريش، آتاهم الله آياته التي أنزلها ~~الله تعالى على محمد صلى الله عليه وسلم فانسلخوا منها ولم ms2695 يقبلوها. قال ~~ابن عباس: كان بلعام من مدينة الجبارين. وقيل: كان من اليمن. (فانسلخ منها) ~~أي من معرفة الله تعالى، أي نزع منه العلم الذي كان يعلمه. وفي الحديث عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم: (العلم علمان علم في القلب فذلك العلم النافع ~~وعلم على اللسان فذلك حجة الله تعالى على ابن آدم). فهذا مثل علم بلعام ~~وأشباهه، نعوذ بالله منه، ونسأل التوفيق والممات على التحقيق. والانسلاخ: ~~الخروج، يقال: انسلخت الحية من جلدها أي خرجت منه. # وقيل: هذا من المقلوب، أي انسلخت الآيات منه. (فاتبعه الشيطان) أي لحق ~~به، يقال: أتبعت القوم أي لحقتهم. وقيل: نزلت في اليهود والنصارى، انتظروا ~~خروج محمد صلى الله عليه وسلم فكفروا به. # قوله تعالى: ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله ~~كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا ~~بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون (176) ساء مثلا القوم الذين كذبوا ~~بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون (177) قوله تعالى: (ولو شئنا لرفعناه) يريد ~~بلعام. أي لو شئنا لأمتناه قبل أن يعصي فرفعناه إلى الجنة. (بها) أي بالعمل ~~بها. (ولكنه أخلد إلى الأرض) أي ركن إليها، عن PageV07P321 # ابن جبير والسدي. مجاهد: سكن إليها، أي سكن إلى لذاتها. وأصل الإخلاد ~~اللزوم. # يقال: أخلد فلان بالمكان إذا أقام به ولزمه. قال زهير: # لمن الديار غشيتها بالغرقد * كالوحي في حجر المسيل المخلد (1) يعني ~~المقيم، فكأن المعنى لزم لذات الأرض فعبر عنها بالأرض، لأن متاع الدنيا على ~~وجه الأرض. (وأتبع هواه) أي ما زين له الشيطان. وقيل: كان هواه مع الكفار. ~~وقيل: # اتبع رضا زوجته، وكانت رغبت في أموال حتى حملته على الدعاء على موسى. ~~(فمثله كمثل الكلب) ابتداء وخبر. (إن تحمل عليه يلهث) شرط وجوابه. وهو في ~~موضع الحال، أي فمثله كمثل الكلب لاهثا. والمعنى: أنه على شئ واحد لا يرعوي ~~عن المعصية، كمثل الكلب الذي هذه حالته. فالمعنى: أنه لاهث على كل حال، ~~طردته أو لم تطرده. قال ابن جريج: # الكلب ms2696 منقطع الفؤاد، لا فؤاد له، إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث، كذلك ~~الذي يترك الهدى لا فؤاد له، وإنما فؤاده منقطع. قال القتيبي: كل شئ يلهث ~~فإنما يلهث من إعياء أو عطش، إلا الكلب فإنه يلهث في حال الكلال وحال ~~الراحة وحال المرض وحال الصحة وحال الري وحال العطش. فضربه الله مثلا لمن ~~كذب بآياته فقال: إن وعظته ضل وإن تركته ضل، فهو كالكلب إن تركته لهث وإن ~~طردته لهث، كقول تعالى: " وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم ~~أدعوتموهم أم أنتم صامتون (2) ". قال الجوهري: لهث الكلب " بالفتح " يلهث ~~لهثا ولهاثا " بالضم " إذا أخرج لسانه من التعب أو العطش، وكذلك الرجل إذا ~~أعيا. وقوله تعالى " إن تحمل عليه يلهث " لأنك إذا حملت على الكلب نبح وولى ~~هاربا، وإذا تركته شد عليك ونبح، فيتعب نفسه مقبلا عليك ومدبرا عنك فيعتريه ~~عند ذلك ما يعتريه عند العطش من إخراج اللسان. قال الترمذي الحكيم في نوادر ~~(3) الأصول: # PageV07P322 # إنما شبهه بالكلب من بين السباع لأن الكلب ميت الفؤاد، وإنما لهاثه لموت ~~فؤاده. وسائر السباع ليست كذلك فلذلك لا يلهثن. وإنما صار الكلب كذلك لأنه ~~لما نزل آدم صلى الله عليه وسلم إلى الأرض شمت به العدو، فذهب إلى السباع ~~فأشلاهم (1) على آدم، فكان الكلب من أشدهم طلبا. فنزل جبريل بالعصا التي ~~صرفت إلى موسى بمدين وجعلها آية له إلى فرعون وملئه، وجعل فيها سلطانا ~~عظيما وكانت من آس الجنة، فأعطاها آدم (صلى الله عليه وسلم يومئذ (2)) ~~ليطرد بها السباع عن نفسه، وأمره فيما روي أن يدنو من الكلب ويضع يده على ~~رأسه، فمن ذلك ألفه الكلب ومات الفؤاد منه لسلطان العصا، وألف به وبولده ~~إلى يومنا هذا، لوضع يده على رأسه، وصار حارسا من حراس ولده. وإذا أدب وعلم ~~الاصطياد تأدب وقبل التعليم (3)، وذلك قوله: " تعلمونهن مما علمكم الله (4) ~~". السدي: كان بلعام بعد ذلك يلهث كما يلهث الكلب. وهذا المثل في قول كثير ~~من أهل العلم بالتأويل عام في كل من أوتي ms2697 القرآن فلم يعمل به. وقيل: هو في ~~كل منافق. والأول أصح. قال مجاهد في قوله تعالى: " فمثله كمثل الكلب إن ~~تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث " أي إن تحمل عليه بدابتك أو برجلك يلهث أو ~~تتركه يلهث. وكذلك من يقرأ الكتاب ولا يعمل بما فيه. # وقال غيره: هذا شر تمثيل، لأنه مثله في أنه قد غلب عليه هواه حتى صار لا ~~يملك لنفسه ضرا ولا نفعا بكلب لاهث أبدا، حمل عليه أو لم يحمل عليه، فهو لا ~~يملك لنفسه ترك اللهثان. # وقيل: من أخلاق الكلب الوقوع بمن لم يخفه على جهة الابتداء بالجفاء، ثم ~~تهدأ طائشته بنيل كل عوض (5) خسيس. ضربه الله مثلا للذي قبل الرشوة في ~~الدين حتى انسلخ من آيات ربه. فدلت الآية لمن تدبرها على ألا يغتر أحد ~~بعمله ولا بعلمه، إذ لا يدري بما يختم له. # ودلت على منع أخذ الرشوة لإبطال حق أو تغييره. وقد مضى بيانه في " ~~المائدة (4) ". ودلت أيضا على منع التقليد لعالم إلا بحجة يبينها، لأن الله ~~تعالى أخبر أنه أعطى هذا آياته فانسلخ منها فوجب أن يخاف مثل هذا على غيره ~~وألا يقبل منه إلا بحجة. # PageV07P323 # قوله تعالى: (ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص لعلهم يتفكرون. # ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآيتنا وأنفسهم كانوا يظلمون) أي هو مثل جميع ~~الكفار. # وقوله: " ساء مثلا القوم " يقال: ساء الشئ قبح، فهو لازم، وساء يسوء ~~مساءة، فهو متعد، أي قبح مثلهم. وتقديره: ساء مثلا مثل القوم، فحذف المضاف، ~~ونصب " مثلا " على التمييز. قال الأخفش: فجعل المثل القوم مجازا. والقوم ~~مرفوع بالابتداء أو على إضمار مبتدأ. التقدير: ساء المثل مثلا هو مثل ~~القوم. وقدره أبو علي: ساء مثلا مثل القوم. # وقرأ عاصم الجحدي والأعمش " ساء مثل القوم " رفع مثلا بساء. # قوله تعالى: من يهد الله فهو المهتدى ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون (178) ~~تقدم معناه في غير هذه موضع. وهذه الآية ترد على القدرية كما سبق، وترد على ~~من قال إن الله تعالى هدى جميع ms2698 المكلفين ولا يجوز أن يضل أحدا. # قوله تعالى: ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون ~~بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم ~~أضل أولئك هم الغافلون (179) أخبر تعالى أنه خلق للنار أهلا بعدله. ثم ~~وصفهم فقال: " لهم قلوب لا يفقهون بها " بمنزلة من لا يفقه، لأنهم لا ~~ينتفعون بها، ولا يعقلون ثوابا ولا يخافون عقابا. (أعين لا يبصرون) بها ~~الهدى. (وآذن لا يسمعون بها) المواعظ. وليس الغرض نفي الإدراكات عن حواسهم ~~جملة. كما بيناه في (البقرة (1)). (أولئك كالأنعام بل هم أضل) لأنهم لا ~~يهتدون إلى ثواب، فهم كالأنعام، أي همتهم الأكل والشرب، وهم أضل لأن ~~الأنعام تبصر منافعها # PageV07P324 # ومضارها وتتبع مالكها، وهم بخلاف ذلك. وقال عطاء: الأنعام تعرف الله، ~~والكافر لا يعرفه. وقيل: الأنعام مطيعة لله تعالى، والكافر غير مطيع. ~~(أولئك هم الغافلون) أي تركوا التدبر وأعرضوا عن الجنة والنار. # قوله تعالى: ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في ~~أسمائه سيجزون ما كانوا يعلمون (180) قوله تعالى: (ولله الأسماء الحسنى ~~فادعوه بها) فيه ست مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها) أمر بإخلاص ~~العبادة لله، ومجانبة المشركين والملحدين. # قال مقاتل وغيره من المفسرين: نزلت الآية في رجل من المسلمين، كان يقول ~~في صلاته: يا رحمن يا رحيم. فقال رجل من مشركي مكة: أليس يزعم محمد وأصحابه ~~أنهم يعبدون ربا واحدا، فما بال هذا يدعو ربين اثنين؟ فأنزل الله سبحانه ~~وتعالى: " ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ". # الثانية - جاء في كتاب الترمذي وسنن ابن ماجة وغيرهما حديث عن أبي هريرة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم نص فيه (أن لله) تسعة وتسعين اسما، في أحدهما ~~ما ليس في الآخر. وقد بينا ذلك في (الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله ~~الحسنى). قال ابن عطية - وذكر حديث الترمذي - وذلك الحديث ليس بالمتواتر، ~~وإن كان قد قال فيه أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث صفوان بن ms2699 ~~صالح، وهو ثقة عند أهل الحديث. وإنما المتواتر منه قوله صلى الله عليه ~~وسلم: " إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة ". ~~ومعنى " أحصاها " عدها وحفظها. وقيل غير هذا مما بيناه في كتابنا. وذكرنا ~~هناك تصحيح حديث الترمذي، وذكرنا من الأسماء ما اجتمع عليه وما اختلف فيه ~~مما وقفنا عليه في كتب أئمتنا ما ينيف على مائتي اسم. وذكرنا قبل تعيينها ~~في مقدمة الكتاب اثنين وثلاثين فصلا فيما يتعلق بأحكامها، فمن أراده وقف ~~عليه هناك وفي غيره من الكتب الموضوعة في هذا الباب. والله الموفق (للصواب ~~(1))، لا رب سواه. # PageV07P325 # الثالثة - واختلف العلماء من هذا الباب في الاسم والمسمى، وقد ذكرنا ما ~~للعلماء من ذلك في " الكتاب الأسنى ". قال ابن الحصار: وفي هذه الآية وقوع ~~الاسم على المسمى ووقوعه على التسمية. فقوله: " ولله " وقع على المسمى، ~~وقوله: " الأسماء " وهو جمع اسم واقع على التسميات. يدل على صحة ما قلناه ~~قوله: " فادعوه بها "، والهاء في قوله: " فادعوه " تعود على المسمى سبحانه ~~وتعالى، فهو المدعو. والهاء في قوله " بها " تعود على الأسماء، وهي ~~التسميات التي يدعى بلا بغيرها. هذا الذي يقتضيه لسان العرب. ومثل ذلك قول ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لي خمسة أسماء أنا محمد وأحمد " الحديث. ~~وقد تقدم في البقرة شئ من هذا (1). # والذي يذهب إليه أهل الحق أن الاسم هو المسمى، أو صفة له تتعلق به، وأنه ~~غير التسمية. # قال ابن العربي عند كلامه على قوله تعالى: " ولله الأسماء الحسنى ": فيه ~~ثلاثة أقوال. قال بعض علمائنا: في ذلك دليل على أن الاسم المسمى، لأنه لو ~~كان غيره لوجب أن تكون الأسماء لغير الله تعالى. الثاني: قال آخرون: المراد ~~به التسميات، لأنه سبحانه واحد والأسماء جمع. # قلت - ذكر ابن عطية في تفسيره أن الأسماء في الآية بمعنى التسميات إجماعا ~~من المتأولين لا يجوز غيره. وقال القاضي أبو بكر في كتاب التمهيد: وتأويل ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم: " لله تسعة وتسعون اسما من أحصاها دخل الجنة ms2700 ~~" أي أن له تسعة وتسعين تسمية بلا خلاف، وهي عبارات عن كون الله تعالى على ~~أوصاف شتى، منها ما يستحقه لنفسه ومنها ما يستحقه لصفة تتعلق به، وأسماؤه ~~العائدة إلى نفسه هي هو، وما تعلق بصفة له فهي أسماء له. ومنها صفات لذاته. ~~ومنها صفات أفعال. وهذا هو تأويل قوله تعالى: " ولله الأسماء الحسنى فادعوه ~~بها " أي التسميات الحسنى. الثالث - قال آخرون منهم: ولله الصفات. # الرابعة - سمى الله سبحانه أسماءه بالحسنى لأنها حسنة في الأسماع ~~والقلوب، فإنها تدل على توحيده وكرمه وجوده ورحمته وإفضاله. والحسنى مصدر ~~وصف به. ويجوز أن يقدر # PageV07P326 # " الحسنى " فعلى، مؤنث الأحسن، كالكبرى تأنيث الأكبر، والجمع الكبر ~~والحسن. # وعلى الأول أفرد كما أفرد وصف ما لا يعقل، كما قال تعالى: " مآرب أخرى ~~(1) " و " يا جبال أوبي معه (2) " . الخامسة - قوله تعالى: (فادعوه بها) أي ~~اطلبوا منه بأسمائه، فيطلب بكل اسم ما يليق به، تقول يا رحيم ارحمني، يا ~~حكيم احكم لي، يا رازق ارزقني، يا هادي اهدني، يا فتاح افتح لي، يا تواب تب ~~علي، هكذا. فإن دعوت باسم عام قلت: يا مالك ارحمني، يا عزيز احكم لي، يا ~~لطيف ارزقني. وإن دعوت بالأعم الأعظم فقلت: يا ألله، فهو متضمن لكل اسم. ~~ولا تقول: يا رزاق اهدني، إلا أن تريد يا رزاق ارزقني الخير. قال ابن ~~العربي: # وهكذا، رتب دعاءك تكن من المخلصين. وقد تقدم في " البقرة (3) " شرائط ~~الدعاء وفى هذه السورة أيضا (4). الحمد لله. # السادسة - أدخل القاضي أبو بكر بن العربي عدة من الأسماء في أسمائه ~~سبحانه، مثل متم نوره، وخير الوارثين، وخير الماكرين، ورابع ثلاثة، وسادس ~~خمسة، والطيب، والمعلم، وأمثال ذلك. قال ابن الحصار: واقتدى في ذلك بابن ~~برجان (5)، إذ ذكر في الأسماء " النظيف " وغير ذلك مما لم يرد في كتاب ولا ~~سنة. # قلت: أما ما ذكر من قوله: " مما لم يرد في كتاب ولا سنة " فقد جاء في ~~صحيح مسلم " الطيب ". وخرج الترمذي " النظيف ". وخرج عن ابن عباس أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان ms2701 يقول في دعائه (رب أعني ولا تعن علي وانصرني ولا ~~تنصر علي وامكر لي ولا تمكر علي " الحديث. وقال فيه: حديث حسن صحيح. فعلى ~~هذا جائز أن يقال: يا خير الماكرين امكر لي ولا تمكر علي. والله أعلم. وقد ~~ذكرنا " الطيب، والنظيف " في كتابنا وغيره مما جاء # PageV07P327 # ذكره في الأخبار، وعن السلف الأخيار، وما يجوز أن يسمى به ويدعى، وما ~~يجوز أن يسمى به ولا يدعى، وما لا يجوز أن يسمى به ولا يدعى. حسب ما ذكره ~~الشيخ أبو الحسن الأشعري. وهناك يتبين لك ذلك إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: (وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعلمون) فيه ~~مسألتان: # الأولى - قوله تعالى: " يلحدون " الإلحاد: الميل وترك القصد، يقال: ألحد ~~الرجل في الدين. وألحد إذا مال. ومنه اللحد في القبر، لأنه في ناحيته. وقرئ ~~" يلحدون " لغتان والإلحاد يكون بثلاثة أوجه أحدها: بالتغيير فيها كما فعله ~~المشركون، وذلك أنهم عدلوا بها عما هي عليه فسموا بها أوثانهم، فاشتقوا ~~اللات من الله، والعزى من العزيز، ومناة من المنان قاله ابن عباس وقتادة. # الثاني - بالزيادة فيها. # الثالث - بالنقصان منها، كما يفعله الجهال الذين يخترعون أدعية يسمون ~~فيها الله تعالى بغير أسمائه، ويذكرون بغير ما يذكر من أفعاله، إلى غير ذلك ~~مما لا يليق به. قال ابن العربي: " فحذار منها، ولا يدعون أحدكم إلا بما في ~~كتاب الله والكتب الخمسة، وهي البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود والنسائي. # فهذه الكتب التي يدور الإسلام عليها، وقد دخل فيها ما في الموطأ الذي هو ~~أصل التصانيف، وذروا ما سواها، ولا يقولن أحدكم أختار دعاء كذا وكذا، فإن ~~الله قد اختار له وأرسل بذلك إلى الخلق رسوله صلى الله عليه وسلم. # الثانية - معنى الزيادة في الأسماء التشبيه، والنقصان التعطيل. فإن ~~المشبهة وصفوه بما لم يأذن فيه، والمعطلة سلبوه ما اتصف به، ولذلك قال أهل ~~الحق: إن ديننا طريق بين طريقين، لا بتشبيه ولا بتعطيل. وسئل الشيخ أبو ~~الحسن البوشنجي عن التوحيد فقال: إثبات ذات غير مشبهة ms2702 بالذوات، ولا معطلة ~~من الصفات. وقد قيل في قوله تعالى: # " وذروا الذين يلحدون " معناه اتركوهم ولا تحاجوهم ولا تعرضوا لهم. ~~فالآية على هذا منسوخة بالقتال، قاله ابن زيد. وقيل: معناه الوعيد، كقوله ~~تعالى: " ذرني ومن خلقت PageV07P328 # وحيدا (1) " وقوله: " ذرهم يأكلوا ويتمتعوا (2) ". وهو الظاهر من الآية، ~~لقول تعالى: # سيجزون ما كانوا يعلمون. والله أعلم. # قوله تعالى: وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون (181) في الخبر أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: (هم هذه الأمة). وروي أنه قال: (هذه لكم وقد ~~أعطى الله قوم موسى مثلها) وقرأ هذه الآية وقال: " إن من أمتي قوما على ~~الحق حتى ينزل عيسى ابن مريم ". فدلت الآية على أن الله عز وجل لا يخلي ~~الدنيا في وقت من الأوقات من داع يدعو إلى الحق. # قوله تعالى: والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون (182) أخبر ~~تعالى عمن كذب بآياته أنه سيستدرجهم. قال ابن عباس: هم أهل مكة. # والاستدراج هو الأخذ بالتدريج، منزلة بعد منزلة. والدرج: لف الشئ، يقال: ~~أدرجته ودرجته. ومنه أدرج الميت في أكفانه. وقيل: هو من الدرجة، فالاستدراج ~~أن يحط درجة بعد درجة إلى المقصود. قال الضحاك: كلما جددوا لنا معصية جددنا ~~لهم نعمة. # وقيل لذي النون: ما أقصى ما يخدع به العبد؟ قال: بالألطاف والكرامات، ~~لذلك قال سبحانه وتعالى: " سنستدرجهم من حيث لا يعلمون " نسبغ عليهم النعم ~~وننسيهم الشكر، وأنشدوا: # أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت * ولم تخف سوء ما يأتي به القدر وسالمتك ~~الليالي فاغتررت بها * وعند صفو الليالي يحدث الكدر قوله تعالى: وأملى لهم ~~إن كيدي متين (183) قوله تعالى: (وأملى لهم) أي أطيل لهم المدة وأمهلهم ~~وأؤخر عقوبتهم. (إن كيدي) أي مكري. (متين) أي شديد قوي. وأصله من المتن، ~~وهو اللحم الغليظ الذي عن جانب # PageV07P329 # الصلب. قيل: نزلت في المستهزئين من قريش قتلهم الله في ليلة واحدة بعد أن ~~أمهلهم مدة. نظيره " حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة (1) ". وقد ~~تقدم. # قوله تعالى: أو لم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة إن ms2703 هو إلا نذير مبين (184) ~~قوله تعالى: (أو لم يتفكروا) أي فيما جاءهم به محمد صلى الله عليه وسلم. ~~والوقف على " يتفكروا " حسن. ثم قال: " ما بصاحبهم من جنة " رد لقولهم: " ~~يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون (2) ". وقيل: نزلت بسبب أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قام ليلة على الصفا يدعو قريشا، فخذا فخذا، فيقول: ~~" يا بني فلان ". يحذرهم بأس الله وعقابه. فقال قائلهم: إن صاحبهم هذا ~~لمجنون، بات يصوت حتى الصباح. # قوله تعالى: أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شئ ~~وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون (185) قوله تعالى: ~~(أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض) فيه أربع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (أو لم ينظروا) عجب من إعراضهم عن النظر في آياته، ~~ليعرفوا كمال قدرته، حسب ما بيناه في سورة (البقرة (3)). والملكوت من أبنية ~~المبالغة ومعناه الملك العظيم. وقد تقدم (4). # الثانية - استدل بهذه الآية - وما كان مثلها من قوله تعالى: " قل انظروا ~~ماذا في السماوات والأرض (5) " وقوله تعالى: " أفلم ينظروا إلى السماء ~~فوقهم كيف بنيناها (6) " وقوله: # PageV07P330 # " أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت (1) " الآية. وقوله: " وفي أنفسكم أفلا ~~تبصرون (2) " - من قال بوجوب النظر في آياته والاعتبار بمخلوقاته. قالوا: ~~وقد ذم الله تعالى من لم ينظر، وسلبهم الانتفاع بحواسهم فقال: " لهم قلوب ~~لا يفقهون بها " الآية. # وقد اختلف العلماء في أول الواجبات، هل هو النظر والاستدلال، أو الإيمان ~~الذي هو التصديق الحاصل في القلب الذي ليس من شرط صحته المعرفة. فذهب ~~القاضي وغيره إلى أن أول الواجبات النظر والاستدلال، لأن الله تبارك وتعالى ~~لا يعلم ضرورة، وإنما يعلم بالنظر والاستدلال بالأدلة التي نصبها لمعرفته. ~~وإلى هذا ذهب البخاري رحمه الله حيث بوب في كتابه (باب العلم قبل القول ~~والعمل لقول الله عز وجل: " فاعلم أنه لا إله إلا الله (3)) . قال القاضي: ~~من لم يكن عالما بالله فهو جاهل، والجاهل به كافر. قال ابن رشد في مقدماته: ~~وليس هذا بالبين، لأن الإيمان يصح ms2704 باليقين الذي قد يحصل لمن هداه الله ~~بالتقليد، وبأول وهلة من الاعتبار بما أرشد الله إلى الاعتبار به في غير ما ~~آية. قال: وقد استدل الباجي على من قال إن النظر والاستدلال أول الواجبات ~~بإجماع المسلمين في جميع الأعصار على تسمية العامة والمقلد مؤمنين. قال: ~~فلو كان ما ذهبوا إليه صحيحا لما صح أن يسمى مؤمنا إلا من عنده علم بالنظر ~~والاستدلال. قال: وأيضا فلو كان الإيمان لا يصح إلا بعد النظر والاستدلال ~~لجاز للكفار إذا غلب عليهم المسلمون أن يقولوا لهم: لا يحل لكم قتلنا، لأن ~~من دينكم أن الإيمان لا يصح إلا بعد النظر والاستدلال فأخرونا حتى ننظر ~~ونستدل. قال: # وهذا يؤدي إلى تركهم على كفرهم، وألا يقتلوا حتى ينظروا يستدلوا. # قلت: هذا هو الصحيح في الباب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أمرت ~~أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا ~~فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ". وترجم ~~ابن المنذر في كتاب الأشراف (ذكر صفة كمال الإيمان) أجمع كل من يحفظ عنه من ~~أهل العلم على أن الكافر إذا قال: أشهد أن # PageV07P331 # لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وأن كل ما جاء به محمد حق، ~~وأبرأ من كل دين يخالف دين الإسلام - وهو بالغ صحيح العقل - أنه مسلم. وإن ~~رجع بعد ذلك وأظهر الكفر كان مرتدا يجب عليه ما يجب على المرتد. وقال أبو ~~حفص الزنجاني وكان شيخنا القاضي أبو جعفر أحمد بن محمد السمناني يقول: أول ~~الواجبات الإيمان بالله وبرسوله وبجميع ما جاء به، ثم النظر والاستدلال ~~المؤديان إلى معرفة الله تعالى، فيتقدم وجوب الإيمان بالله تعالى عنده على ~~المعرفة بالله. قال: وهذا أقرب إلى الصواب وأرفق بالخلق، لأن أكثرهم لا ~~يعرفون حقيقة المعرفة والنظر والاستدلال. فلو قلنا: إن أول الواجبات ~~المعرفة بالله لأدى إلى تكفير الجم الغفير والعدد الكثير، وألا يدخل الجنة ~~إلا آحاد الناس، وذلك بعيد، لأن الرسول ms2705 صلى الله عليه وسلم قطع بأن أكثر ~~أهل الجنة أمته، وأن أمم الأنبياء كلهم صف واحد وأمته ثمانون صفا. وهذا بين ~~لا إشكال فيه. والحمد لله. # الثالثة - ذهب بعض المتأخرين والمتقدمين من المتكلمين إلى أن من لم يعرف ~~الله تعالى بالطرق التي طرقوها والأبحاث التي حرروها لم يصح إيمانه وهو ~~كافر، فيلزم على هذا تكفير أكثر المسلمين، وأول من يبدأ بتكفيره آباؤه ~~وأسلافه وجيرانه. وقد أورد على بعضهم هذا فقال: لا تشنع علي بكثرة أهل ~~النار. أو كما قال. # قلت: وهذا القول لا يصدر إلا من جاهل بكتاب الله وسنة نبيه، لأنه ضيق ~~رحمة الله الواسعة على شرذمة يسيرة من المتكلمين، واقتحموا في تكفير عامة ~~المسلمين. أي هذا من قول الأعرابي الذي كشف عن فرجه ليبول، وانتهره أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحدا. فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " لقد حجرت واسعا ". # خرجه البخاري والترمذي وغيرهما من الأئمة. أترى هذا الأعرابي عرف الله ~~بالدليل والبرهان والحجة والبيان؟ وأن رحمته وسعت كل شئ، وكم من مثله محكوم ~~له بالإيمان. بل اكتفى صلى الله عليه وسلم من كثير ممن أسلم بالنطق ~~بالشهادتين، وحتى إنه اكتفى بالإشارة في ذلك. # ألا تراه لما قال للسوداء: " أين الله "؟ قالت: في السماء. قال: " من أنا ~~"؟ قالت: PageV07P332 # أنت رسول الله. قال: " أعتقها فإنها مؤمنة ". ولم يكن هناك نظر ولا ~~استدلال، بل حكم بإيمانهم من أول وهلة، وإن كان هناك عن النظر والمعرفة ~~غفلة. والله أعلم. # الرابعة - ولا يكون النظر أيضا والاعتبار في الوجوه الحسان من المرد ~~والنسوان. # قال أبو الفرج الجوزي: قال أبو الطيب طاهر بن عبد الله الطبري بلغني عن ~~هذه الطائفة التي تسمع السماع أنها تضيف إليه النظر إلى وجه الأمرد، وربما ~~زينته بالحلي والمصبغات من الثياب، وتزعم أنها تقصد به الازدياد في الإيمان ~~بالنظر والاعتبار والاستدلال بالصنعة على الصانع. وهذه النهاية في متابعة ~~الهوى ومخادعة العقل ومخالفة العلم. قال أبو الفرج: # وقال الإمام أبو الوفاء بن عقيل ms2706 لم يحل الله النظر إلا على صور لا ميل ~~للنفس إليها، ولا حظ للهوى فيها، بل عبرة لا يمازجها شهوة، ولا يقارنها ~~لذة. ولذلك ما بعث الله سبحانه امرأة بالرسالة، ولا جعلها قاضيا ولا إماما ~~ولا مؤذنا، كل ذلك لأنها محل شهوة وفتنة. فمن قال: # أنا أجد (1) من الصور المستحسنة عبرا كذبناه. وكل من ميز نفسه بطبيعة ~~تخرجه عن طباعنا كذبناه، وإنما هذه خدع الشيطان للمدعين. وقال بعض الحكماء: ~~كل شئ في العالم الكبير له نظير في العالم الصغير، ولذلك قال تعالى: " لقد ~~خلقنا الإنسان في أحسن (2) تقويم " وقال: # " وفي أنفسكم أفلا تبصرون (3) ". وقد بينا وجه التمثيل في أول " الأنعام ~~(4) ". فعلى العاقل أن ينظر إلى نفسه ومتفكر في خلقه من حين كونه ماء دافقا ~~إلى كونه خلقا سويا، يعان بالأغذية ويربى بالرفق، ويحفظ باللين حتى يكتسب ~~القوى، ويبلغ الأشد. وإذا هو قد قال: أنا، وأنا، ونسي حين أتى عليه حين من ~~الدهر لم يكن شيئا مذكورا، وسيعود مقبورا، فيا ويحه إن كان محسورا. قال ~~الله تعالى " ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين. ثم جعلناه نطفة في قرار ~~مكين - إلى قوله - تبعثون (5) " فينظر أنه عبد مربوب مكلف، مخوف بالعذاب إن ~~قصر، مرتجيا (6) بالثواب إن ائتمر (7)، فيقبل على عبادة مولاه (فإنه (8)) ~~وإن كان لا يراه يراه و (لا (7)) يخشى الناس # PageV07P333 # والله أحق أن يخشاه، ولا يتكبر على أحد من عباد الله، فإنه مؤلف من ~~أقذار، مشحون من أوضار (1)، صائر إلى جنة إن أطاع أو إلى نار. وقال ابن ~~العربي: وكان شيوخنا يستحبون أن ينظر المرء في الأبيات الحكمية التي جمعت ~~هذه الأوصاف العلمية: # كيف يزهو من رجيعه (2) * أبد الدهر ضجيعه فهو منه وإليه * وأخوه ورضيعه ~~وهو يدعوه إلى الحش * (3) بصغر فيعطيه قوله تعالى: (وما خلق الله من شئ) ~~معطوف على ما قبله، أي وفيما خلق الله من الأشياء. (وأن عسى أن يكون قد ~~اقترب أجلهم) أي وفي آجالهم التي عسى أن تكون قد قربت، فهو في موضع خفض ~~معطوف على ما ms2707 قبله. وقال ابن عباس: أراد باقتراب الأجل يوم بدر ويوم أحد. ~~(فبأي حديث بعده يؤمنون) أي بأي قرآن غير ما جاء به محمد (صلى الله عليه ~~وسلم (4)) يصدقون. وقيل: الهاء للأجل، على معنى بأي حديث بعد الأجل يؤمنون ~~حين لا ينفع الإيمان، لأن الآخرة ليست بدار تكليف. # قوله تعالى: من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون (186) ~~بين أن إعراضهم لأن الله أضلهم. وهذا رد على القدرية. (ويذرهم في طغيانهم) ~~بالرفع على الاستئناف. وقرئ بالجزم حملا على موضع الفاء وما بعدها. ~~(يعمهون) أي يتحيرون. وقيل: يترددون. وقد مضى في أول البقرة (5) مستوفى. # PageV07P334 # قوله تعالى: يسئلونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربى لا ~~يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسئلونك ~~كأنك حفى عنها قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون (187) ~~قوله تعالى: (يسألونك عن الساعة أيان مرساها) " أيان " سؤال عن الزمان، مثل ~~متى. قال الراجز: # أيان تقضي حاجتي أيانا * أما ترى لنجحها أوانا وكانت اليهود تقول للنبي ~~صلى الله عليه وسلم: إن كنت نبيا فأخبرنا عن الساعة متى تقوم. # وروي أن المشركين قالوا ذلك لفرط الإنكار. و " مرساها " في موضع رفع ~~بالابتداء عند سيبويه، والخبر " أيان ". وهو ظرف مبني على الفتح، بني لأن ~~فيه معنى الاستفهام. # و " مرساها " بضم الميم، من أرساها الله، أي أثبتها، أي متى مثبتها، أي ~~متى وقوعها. # وبفتح الميم من رست، أي ثبتت ووقفت، ومنه " وقدور راسيات (1) ". قال ~~قتادة: # أي ثابتات. (قل إنما علمها عند ربى) ابتداء وخبر، أي لم يبينها لأحد، حتى ~~يكون العبد أبدا على حذر (لا يجليها) أي لا يظهرها. # " لوقتها " أي في وقتها " إلا هو " والتجلية: # إظهار الشئ، يقال: جلا لي فلان الخبر إذا أظهره وأوضحه. ومعنى (ثقلت في ~~السماوات والأرض خفي علمها على أهل السماوات والأرض). وكل ما خفي، علمه فهو ~~ثقيل على الفؤاد. # وقيل: كبر مجيئها على أهل السماوات والأرض، عن الحسن وغيره. ابن جريج ~~والسدي: # عظم ms2708 وصفها (2) على أهل السماوات والأرض. وقال قتادة: وغيره: المعنى ~~تطيقها السماوات والأرض لعظمها: لأن السماء تنشق والنجوم تتناثر والبحار ~~تنضب. وقيل: المعنى ثقلت المسألة (3) عنها. (لا تأتيكم إلا بغتة) أي فجأة، ~~مصدر في موضع الحال (يسألونك كأنك حفى) # PageV07P335 # عنها) أي عالم بها كثير السؤال عنها. قال ابن فارس: الحفي العالم بالشئ. ~~والحفي المستقصي في السؤال. قال الأعشى: # فإن تسألي عني فيارب سائل * خفي عن الأعشى به حيث أصعدا يقال: أحفى في ~~المسألة وفي الطلب، فهو محف وحفي على التكثير، مثل مخصب وخصيب. # قال محمد بن يزيد: المعنى يسألونك كأنك حفي بالمسألة عنها، أي ملح. يذهب ~~إلى أنه ليس في الكلام تقديم وتأخير. وقال ابن عباس وغيره: هو على التقديم ~~والتأخير، والمعنى: # يسألونك عنها كأنك حفي بهم أي حفي ببرهم وفرح بسؤالهم. وذلك لأنهم قالوا: ~~بيننا وبينك قرابة فأسر إلينا بوقت الساعة. (قل إنما علمها عند الله ولكن ~~أكثر الناس لا يعلمون) ليس هذا تكريرا، ولكن أحد المسلمين لوقوعها والآخر ~~لكنهها. # قوله تعالى: قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم ~~الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون ~~(188) قوله تعالى: (قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا) أي لا أملك أن أجلب إلى ~~نفسي خيرا ولا أدفع عنها شرا، فكيف أملك علم الساعة. وقيل: لا أملك لنفسي ~~الهدى والضلال. # (إلا ما شاء الله) في موضع نصب بالاستثناء. والمعنى: إلا ما شاء الله أن ~~يملكني يمكنني منه. وأنشد سيبويه: # * مهما شاء بالناس يفعل (1) * (ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير) ~~المعنى لو كنت أعلم ما يريد الله عز وجل مني من قبل أن يعرفنيه لفعلته. ~~وقيل: لو كنت أعلم متى يكون لي النصر في الحرب لقاتلت فلم أغلب. وقال ابن ~~عباس: لو كنت أعلم سنة الجدب لهيأت لها في زمن الخصب ما يكفيني. وقيل: ~~المعنى لو كنت أعلم التجارة التي تنفق لاشتريتها وقت كسادها. وقيل: # PageV07P336 # المعنى لو كنت أعلم ms2709 متى أموت لاستكثرت من العمل الصالح، عن الحسن وابن ~~جريج. # وقيل: المعنى لو كنت أعلم الغيب لأجبت عن كل ما أسأل عنه. وكله مراد، ~~والله أعلم. # (وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون) هذا استئناف كلام، ~~أي ليس بي جنون، لأنهم نسبوه إلى الجنون. وقيل: هو متصل، والمعنى لو علمت ~~الغيب لما مسني سوء ولحذرت، " ودل على هذا قوله تعالى: إن أنا إلا نذير ~~مبين (1) ". # قوله تعالى: هو الذي خلقكم من نفس وحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما ~~تغشيها حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا ~~صالحا لنكونن من الشاكرين (186) فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما ~~آتاهما فتعالى الله عما يشركون (190) فيه سبع مسائل: الأولى - قوله تعالى: ~~(هو الذي خلقكم من نفس واحدة) قال جمهور المفسرين: # المراد بالنفس الواحدة آدم. (وجعل منها زوجها) يعني حواء. (ليسكن إليها) ~~ليأنس بها ويطمئن، وكان هذا كله في الجنة. ثم ابتدأ بحالة أخرى هي في ~~الدنيا بعد هبوطهما فقال: # (فلما تغشاها) كناية عن الوقاع. (حملت حملا خفيفا) كل ما كان في بطن أو ~~على رأس شجرة فهو حمل بالفتح. وإذا كان على ظهر أو على رأس فهو حمل بالكسر. ~~وقد حكى يعقوب في حمل النخلة الكسر. وقال أبو سعيد السيرافي: يقال في حمل ~~المرأة حمل وجمل، يشبه مرة لاستبطانه بحمل المرأة، ومرة لبروزه وظهوره بحمل ~~الدابة. والحمل أيضا مصدر حمل عليه يحمل حملا إذا صال. (فمرت به) يعني ~~المني، أي استمرت بذلك الحمل الخفيف. يقول: # تقوم وتقعد وتقلب، ولا تكترث بحمله إلى أن ثقل، عن الحسن ومجاهد وغيرهما. ~~وقيل: # PageV07P337 # المعنى فاستمر بها الحمل، فهو من المقلوب، كما تقول: أدخلت القلنسوة في ~~رأسي. وقرأ عبد الله بن عمر " فمارت به " بألف والتخفيف، من مار يمور إذا ~~ذهب وجاء وتصرف. # وقرأ ابن عباس ويحيى بن يعمر " فمرت به " خفيفة من المرية، أي شكت فيما ~~أصابها، هل هو حمل أو مرض، أو نحو ذلك. # الثانية - قوله تعالى: ms2710 (فلما أثقلت) صارت ذات ثقل، كما تقول: أثمر النخل. # وقيل: دخلت في الثقل، كما تقول: أصبح وأمسى. (دعوا الله ربهما) الضمير في ~~" دعوا " عائد على آدم وحواء. وعلى هذا القول روي في قصص هذه الآية أن حواء ~~لما حملت أول حمل لم تدر ما هو. وهذا يقوي قراءة من قرأ " فمرت به " ~~بالتخفيف. فجزعت بذلك، فوجد إبليس السبيل إليها. قال الكلبي: إن إبليس أتى ~~حواء في صورة رجل لما أثقلت في أول ما حملت فقال: ما هذا الذي في بطنك؟ ~~قالت: ما أدري! قال: إني أخاف أن يكون بهيمة. فقالت ذلك لآدم عليه السلام. ~~فلم يزالا في هم من ذلك. ثم عاد إليها فقال: هو من الله بمنزلة، فإن دعوت ~~الله فولدت إنسانا أفتسمينه (1) بي؟ قالت نعم. قال: فإني أدعو الله. فأتاها ~~وقد ولدت فقال: سميه باسمي. فقالت: وما اسمك؟ قال: الحارث - ولو سمى لها ~~نفسه لعرفته - فسمته عبد الحارث. ونحو هذا مذكور من ضعيف الحديث، في ~~الترمذي وغيره. وفي الإسرائيليات كثير ليس لها ثبات، فلا يعول عليها من لم ~~قلب، فإن آدم وحواء عليهما السلام وإن غرهما بالله الغرور فلا يلدغ المؤمن ~~من جحر مرتين، على أنه قد سطر وكتب. قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~" خدعهما مرتين (خدعهما) في الجنة وخدعهما في الأرض ". وعضد هذا بقراءة ~~السلمي " أتشركون " بالتاء. ومعنى (صالحا) يريد ولدا سويا. (فلما آتاهما ~~صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما) واختلف العلماء في تأويل الشرك المضاف ~~إلى آدم وحواء، وهي: # الثالثة - قال المفسرون: كان شركا في التسمية والصفة، لا في العباد ~~والربوبية. # وقال أهل المعاني: إنهما لم يذهبا إلى أن الحارث ربهما بتسميتهما ولدهما ~~عبد الحارث، # PageV07P338 # لكنهما قصدا إلى أن الحارث كان سبب نجاة الولد فسمياه به كما يسمي الرجل ~~نفسه عبد ضيفه على جهة الخضوع له، لا على أن الضيف ربه، كما قال حاتم: # وإني لعبد الضيف ما دام ثاويا * وما في إلا تيك من شيمة العبد وقال قوم: ~~إن هذا راجع إلى ms2711 جنس الآدميين والتبيين عن حال المشركين من ذرية آدم عليه ~~السلام، وهو الذي يعول عليه. فقوله: " جعلا له " يعني الذكر والأنثى ~~الكافرين، ويعني به الجنسان. ودل على هذا (فتعالى الله عما يشركون) ولم يقل ~~يشركان. وهذا قول حسن. # وقيل: المعنى " هو الذي خلقكم من نفس واحدة " من هيئة واحدة وشكل واحد " ~~وجعل منها زوجها " أي من جنسها " فلما تغشاها " يعني الجنسين. وعلى هذا ~~القول لا يكون لآدم وحواء ذكر في الآية، فإذا آتاهما الولد صالحا سليما ~~سويا كما أراداه صرفاه عن الفطرة إلى الشرك، فهذا فعل المشركين. قال صلى ~~الله عليه وسلم " ما من مولود إلا يولد على الفطرة - في رواية (على هذه ~~(1)) الملة - أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه ". قال عكرمة: لم يخص بها ~~آدم، ولكن جعلها عامة لجميع الخلق بعد آدم. وقال الحسين بن الفضل: وهذا ~~أعجب إلى أهل النظر، لما في القول الأول من المضاف من العظائم بنبي الله ~~آدم. وقرأ أهل المدينة وعاصم " شركا " على التوحيد. وأبو عمرو وسائر أهل ~~الكوفة بالجمع، على مثل فعلاء، جمع شريك. وأنكر الأخفش سعيد القراءة ~~الأولى، وهي صحيحة على حذف المضاف، أي جعلا له ذا شرك، مثل " واسأل القرية ~~" فيرجع المعنى إلى أنهم جعلوا له شركاء. # الرابعة - ودلت الآية على أن الحمل مرض من الأمراض. روى ابن القاسم ويحيى ~~عن مالك قال: أول الحمل يسر (2) وسرور، وآخره مرض من الأمراض. وهذا الذي ~~قاله مالك: # " إنه مرض من الأمراض " يعطيه ظاهر قوله: " دعوا الله ربهما " وهذه ~~الحالة مشاهدة في الحمال، ولأجل عظم الأمر وشدة الخطب جعل موتها شهادة، كما ~~ورد في الحديث (3). # PageV07P339 # وإذا ثبت هذا من ظاهر الآية فحال الحامل حال المريض في أفعاله. ولا خلاف ~~بين علماء الأمصار أن فعل المريض فيما يهب ويحابي في ثلثه. وقال أبو حنيفة ~~والشافعي: وإنما يكون ذلك في الحامل بحال الطلق، فأما قبل ذلك فلا. واحتجوا ~~بأن الحمل عادة والغالب فيه السلامة. قلنا: كذلك أكثر الأمراض غالبه ~~السلامة، وقد يموت من لم يمرض. # الخامسة - قال مالك: ms2712 إذا مضت للحامل ستة أشهر من يوم حملت لم يجز لها ~~قضاء في مالها إلا في الثلث. ومن طلق زوجته وهي حامل طلاقا بائنا فلما أتى ~~عليها ستة أشهر فأراد ارتجاعها لم يكن له ذلك، لأنها مريضة ونكاح المريضة ~~لا يصح. # السادسة - قال يحيى: وسمعت مالكا يقول في الرجل يحضر القتال: إنه إذا زحف ~~في الصف للقتال لم يجز له أن يقضي في ما له شيئا إلا في الثلث، وإنه بمنزلة ~~الحامل والمريض المخوف عليه ما كان بتلك الحال. ويلتحق بهذا المحبوس للقتل ~~في قصاص. وخالف في هذا أبو حنيفة والشافعي وغيرهما. قال ابن العربي: وإذا ~~استوعبت النظر لم ترتب في أن المحبوس على القتل أشد حالا من المريض، وإنكار ~~ذلك غفلة في النظر، فإن سبب الموت موجود عندهما، كما أن المرض سبب الموت، ~~قال الله تعالى: " ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه ~~وأنتم تنظرون ". وقال رويشد الطائي: # يا أيها الراكب المزجي مطيته * سائل بني أسد ما هذه الصوت (2) وقل لهم ~~بادروا بالعذر والتمسوا * قولا يبرئكم إني أنا الموت ومما يدل على هذا قوله ~~تعالى: " إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب ~~الحناجر (3) ". فكيف يقول الشافعي وأبو حنيفة: الحال الشديدة إنما هي ~~المبارزة، وقد أخبر الله عز وجل عن مقاومة (4) العدو وتداني الفريقين بهذه ~~الحالة العظمى من بلوغ القلوب الحناجر، ومن سوء الظنون بالله، ومن زلزلة ~~القلوب واضطرابها، # PageV07P340 # هل هذه حالة ترى على المريض أم لا؟ هذا ما لا يشك فيه منصف، وهذا لمن ثبت ~~في اعتقاده، وجاهد في الله حق جهاده، وشاهد الرسول وآياته، فكيف بنا؟ # السابعة - وقد اختلف علماؤنا في راكب البحر وقت الهول، هل حكمه حكم ~~الصحيح أو الحامل. فقال ابن القاسم: حكمه حكم الصحيح. وقال ابن وهب وأشهب: ~~حكمه حكم الحامل إذا بلغت ستة أشهر. قال القاضي أبو محمد: وقولهما أقيس، ~~لأنها حالة خوف على النفس كإثقال الحمل. قال ابن العربي: وابن القاسم لم ~~يركب البحر، ولا ms2713 رأى دودا على عود. ومن أراد أن يوقن بالله أنه الفاعل وحده ~~لا فاعل معه، وأن الأسباب ضعيفة لا تعلق لموقن بها، ويتحقق التوكل والتفويض ~~فليركب البحر. # قوله تعالى: أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون (191) ولا يستطيعون لهم ~~نصرا ولا أنفسهم ينصرون (192) قوله تعالى: (أيشركون ما لا يخلق شيئا) أي ~~أيعبدون ما لا يقدر على خلق شئ. # (وهم يخلقون) أي الأصنام مخلوقة. وقال: " يخلقون " بالواو والنون لأنهم ~~اعتقدوا أن الأصنام تضر وتنفع، فأجريت مجرى الناس، كقوله: " في فلك يسبحون ~~(1) ". وقوله: # " يا أيها النمل ادخلوا (2) مساكنكم ". (ولا يستطيعون لهم نصرا ولا ~~أنفسهم ينصرون) أي إن الأصنام، لا تنصر ولا تنتصر. # قوله تعالى: وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم أم ~~أنتم صامتون (193) قوله تعالى: (إن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم) قال ~~الأخفش: أي وإن تدعو الأصنام إلى الهدى لا يتبعوكم. (سواء عليكم أدعوتموهم ~~أم أنتم صامتون) قال أحمد # PageV07P341 # ابن يحيى: لأنه رأس آية. يريد أنه قال: " أم أنتم صامتون " ولم يقل أم ~~صمتم. وصامتون وصمتم عند سيبويه واحد. وقيل: المراد من سبق في علم الله أنه ~~لا يؤمن. وقرئ " لا يتبعوكم " مشددا ومخففا " لغتان بمعنى. وقال بعض أهل ~~اللغة: " أتبعه " - مخففا - إذا مضى خلفه ولم يدركه. و " اتبعه " - مشددا - ~~إذا مضى خلفه فأدركه. # قوله تعالى: إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا ~~لكم إن كنتم صادقين (194) ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم ~~لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا ~~تنظرون (195) إن وليي الله الذي نزل الكتب وهو يتولى الصالحين (196). # قوله تعالى: (إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم) حاجهم في عبادة ~~الأصنام. # " تدعون " تعبدون. وقيل: تدعونها آلهة. " من دون الله " أي من غير الله. ~~وسميت الأوثان عباد ا لأنها مملوكة لله مسخرة. الحسن: المعنى أن الأصنام ~~مخلوقة أمثالكم. ولما اعتقد المشركون أن الأصنام تضر وتنفع أجراها مجرى ~~الناس فقال: (فادعوهم) ولم يقل ms2714 فادعوهن. # وقال: " عباد "، وقال: " إن الذين " ولم يقل إن التي. # ومعنى " فادعوهم " أي (1) فاطلبوا منهم النفع والضر. أن عبادة الأصنام ~~تنفع. قال ابن عباس: معنى فادعوهم فاعبدوهم. ثم وبخهم الله تعالى وسفه ~~عقولهم فقال: " ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين ~~يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها " الآية. # أي أنتم أفضل منهم فكيف تعبدونهم. والغرض بيان جهلهم، لأن المعبود يتصف ~~بالجوارح. # وقرأ سعيد بن جبير: " إن الذين تدعون من دون الله عباد ا أمثالكم " ~~بتخفيف " إن " وكسرها لالتقاء الساكنين، ونصب " عباد ا " بالتنوين، " ~~أمثالكم " بالنصب. والمعنى: ما الذين تدعون من دون الله عباد ا أمثالكم، أي ~~هي حجارة وخشب، فأنتم تعبدون ما أنتم أشرف منه. # PageV07P342 # قال النحاس: وهذه قراءة لا ينبغي أن يقرأ بها من ثلاث جهات: أحدها: أنها ~~مخالفة للسواد. والثانية - أن سيبويه يختار الرفع في خبر إن إذا كانت بمعنى ~~ما، فيقول: إن زيد منطلق، لأن عمل " ما " ضعيف، و " إن " بمعناها فهي أضعف ~~منها. والثالثة - إن الكسائي زعم أن " إن " لا تكاد تأتي في كلام العرب ~~بمعنى " ما "، إلا أن يكون بعدها إيجاب، كما قال عز وجل: " إن الكافرون إلا ~~في غرور (1) ". " فليستجيبوا لكم " الأصل أن تكون اللام مكسورة، فحذفت ~~الكسرة لثقلها. ثم قيل: في الكلام حذف، المعنى: فادعوهم إلى أن يتبعوكم ~~فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين أنهم آلهة. وقرأ أبو جعفر وشيبة " أم لهم ~~أيد يبطشون بها " بضم الطاء، وهي لغة. واليد والرجل والأذن مؤنثات يصغرن ~~بالهاء. وتزاد في اليد ياء في التصغير، ترد إلى أصلها فيقال: يدية بالتشديد ~~لاجتماع الياءين. # قوله تعالى: (قل ادعوا شركاءكم) أي الأصنام. (ثم كيدون) أنتم وهي. (فلا ~~تنظرون) أي فلا تؤخرون. والأصل " كيدوني " حذفت الياء لأن الكسرة تدل ~~عليها. # وكذا " فلا تنظرون ". والكيد المكر. والكيد الحرب، يقال: غزا فلم يلق ~~كيدا. # (إن وليي الله الذي نزل الكتاب) أي الذي يتولى نصري وحفظي الله. وولي ~~الشئ: الذي يحفظه ويمنع عنه الضرر. والكتاب: القرآن. (وهو يتولى ms2715 الصالحين) ~~أي يحفظهم. # وفي صحيح مسلم عن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~جهارا غير مرة يقول: " ألا إن آل أبي - يعني (2) فلانا - ليسوا لي بأولياء ~~إنما وليي الله وصالح المؤمنين ". # وقال الأخفش: وقرئ " إن ولي الله الذي نزل الكتاب " يعني جبريل. النحاس. ~~هي قراءة عاصم الجحدي. والقراءة الأولى أبين، لقوله: " وهو يتولى الصالحين ~~". # PageV07P343 # قوله تعالى: والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون ~~(197) وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتريهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون ~~(198) قوله تعالى: (والذين تدعون من دونه) كرره ليبين أن ما يعبدونه لا ~~ينفع ولا يضر. # (وإن تدعوهم إلى الهدى) شرط، والجواب (لا يسمعوا). (وتراهم) مستأنف. # (ينظرون إليك) في موضع الحال. يعني الأصنام. ومعنى النظر فتح العينين ~~المنظور إليه، وتراهم كالناظرين إليك. وخبر عنهم بالواو وهي جماد لا تبصر، ~~لأن الخبر جرى على فعل من يعقل. وقيل: كانت لهم أعين من جواهر مصنوعة فلذلك ~~قال " وتراهم ينظرون " وقيل: المراد بذلك المشركون، أخبر عنهم بأنهم لا ~~يبصرون حين لم ينتفعوا بأبصارهم. # قوله تعالى: خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجهلين (199) فيه ثلاث ~~مسائل: الأولى - هذه الآية من ثلاث كلمات، تضمنت قواعد الشريعة في ~~المأمورات والمنهيات. فقوله: (خذ العفو) دخل فيه صلة القاطعين، والعفو عن ~~المذنبين، والرفق بالمؤمنين، وغير ذلك من أخلاق المطيعين ودخل في قوله: ~~(وأمر بالعرف) صلة الأرحام، وتقوى الله في الحلال والحرام، وغض الأبصار، ~~والاستعداد لدار القرار. وفي قوله (وأعرض عن الجاهلين) الحض على التعلق ~~بالعلم، والإعراض عن أهل الظلم، والتنزه عن منازعة السفهاء، ومساواة الجهلة ~~الأغبياء، وغير ذلك من الأخلاق الحميدة والأفعال الرشيدة. # قلت: هذه الخصال تحتاج إلى بسط، وقد جمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لجابر بن سليم. قال جابر بن سليم أبو جري: ركبت قعودي ثم أتيت إلى مكة ~~فطلبت رسول الله PageV07P344 # صلى الله عليه وسلم، فأنخت قعودي بباب المسجد، فدلوني على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فإذا هو جالس عليه برد ms2716 من صوف فيه طرائق حمر، فقلت: السلام ~~عليك يا رسول الله. # فقال: " وعليك السلام ". فقلت: إنا معشر أهل البادية، قوم فينا الجفاء، ~~فعلمني كلمات ينفعني الله بها. قال: " آدن " ثلاثا، فدنوت فقال: " أعد علي ~~" فأعدت عليه فقال: # (اتق الله ولا تحقرن من المعروف شيئا وأن تلقى أخاك بوجه منبسط وأن تفرغ ~~من دلوك في إناء المستسقي وإن أمرؤ سبك بما لا يعلم منك فلا تسبه بما تعلم ~~فيه فإن الله جاعل لك أجرا وعليه وزرا ولا تسبن شيئا مما خولك الله تعالى). ~~قال أبو جري: فوالذي نفسي بيده، ما سببت بعده شاة ولا بعيرا. أخرجه أبو بكر ~~البزار في مسنده بمعناه. وروى أبو سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إنكم لا تسعون الناس بأموالكم ولكن ~~يسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق ". وقال ابن الزبير: ما أنزل الله هذه ~~الآية إلا في أخلاق الناس. وروى البخاري من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن ~~عبد الله بن الزبير في قوله: " خذ العفو وأمر بالعرف " قال: ما أنزل الله ~~هذه الآية إلا في أخلاق الناس. وروى سفيان بن عيينة عن الشعبي أنه قال: إن ~~جبريل نزل على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه ~~وسلم: " ما هذا يا جبريل "؟ فقال: # " لا أدري حتى أسأل العالم " في رواية " لا أدري حتى أسأل ربي " فذهب ~~فمكث ساعة ثم رجع فقال: " إن الله تعالى يأمرك أن تعفو عمن ظلمك وتعطي من ~~حرمك وتصل من قطعك ". فنظمه بعض الشعراء فقال: # مكارم الأخلاق في ثلاثة * وممن كملت فيه فذلك الفتى (1) إعطاء من تحرمه ~~ووصل من * تقطعه والعفو عمن اعتدى وقال جعفر الصادق: أمر الله نبيه بمكارم ~~الأخلاق في هذه الآية، وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه ~~الآية. وقال صلى الله عليه وسلم: (بعثت لأتمم مكارم الأخلاق). وقال الشاعر: # PageV07P345 # كل الأمور تزول عنك وتنقضي * إلا الثناء فإنه لك باقي ولو أنني خيرت ms2717 كل ~~فضيلة * ما اخترت غير مكارم الأخلاق وقال سهل بن عبد الله: كلم الله موسى ~~بطور سيناء. قيل له: بأي شئ أوصاك؟ # قال: بتسعة أشياء، الخشية في السر والعلانية، وكلمة الحق في الرضا ~~والغضب، والقصد في الفقر والغني، وأمرني أن أصل من قطعني، وأعطي من حرمني، ~~وأعفو عمن ظلمني، وأن يكون نطقي ذكرا، وصمتي فكرا، ونظري عبرة. # قلت: وقد روي عن نبينا محمد أنه قال، (أمرني ربي بتسع الإخلاص في السر ~~والعلانية والعدل في الرضا والغضب والقصد في الغنى والفقر وأن أعفو عمن ~~ظلمني وأصل من قطعني وأعطي من حرمني وأن يكون نطقي ذكرا وصمتي فكرا نظري ~~عبرة). # وقيل: المراد بقوله: " خذ العفو " أي الزكاة، لأنها يسير من كثير. وفيه ~~بعد، لأنه من عفا إذا درس. وقد يقال: خذ العفو منه، أي لا تنقص عليه ~~وسامحه. وسبب النزول يرده، والله أعلم. فإنه لما أمره بمحاجة المشركين دله ~~على مكارم الأخلاق، فإنها سبب جر المشركين إلى الإيمان. أي اقبل من الناس ~~ما عفا لك من أخلاقهم وتيسر، تقول: أخذت حقي عفوا صفوا، أي سهلا. # الثانية - قوله تعالى: (وأمر بالعرف) أي بالمعروف. وقرأ عيسى بن عمر " ~~العرف " بضمتين، مثل الحلم، وهما لغتان. والعرف والمعروف والعارفة: كل خصلة ~~حسنة ترتضيها العقول، وتطمئن إليها النفوس. # قال الشاعر: # من يفعل الخير لا يعدم جوازيه * لا يذهب العرف بين الله والناس وقال ~~عطاء: " وأمر بالعرف " يعني بلا إله إلا الله. # الثالثة - قوله تعالى: (وأعرض عن الجاهلين) أي إذا أقمت عليهم الحجة ~~وأمرتهم بالمعروف فجهلوا عليك فأعرض عنهم، صيانة له عليهم ورفعا لقدره عن ~~مجاوبتهم. وهذا وإن PageV07P346 # كان خطابا لنبيه عليه السلام فهو تأديب لجميع خلقه. وقال ابن زيد وعطاء: ~~هي منسوخة بآية السيف. وقال مجاهد وقتادة: هي محكمة، وهو الصحيح لما رواه ~~البخاري عن عبد الله بن عباس قال: قدم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر فنزل ~~على ابن أخيه الحر بن قيس بن حصن، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر، وكان ~~القراء أصحاب مجالس ms2718 عمر ومشاورته، كهولا كانوا أو شبانا. فقال عيينة لابن ~~أخيه: يا بن أخي، هل لك وجه عند هذا الأمير، فتستأذن لي عليه. قال سأستأذن ~~لك عليه، فاستأذن لعيينة. فلما دخل قال: يا بن الخطاب، والله ما تعطينا ~~الجزل، ولا تحكم بيننا بالعدل! قال: فغضب عمر حتى هم بأن يقع به. # فقال الحر، يا أمير المؤمنين، إن الله قال لنبيه عليه السلام (خذ العفو ~~وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين) وإن هذا من الجاهلين. فوالله ما جاوزها عمر ~~حين تلاها عليه، وكان وقافا (1) عند كتاب الله عز وجل. # قلت: فاستعمال عمر رضي الله عنه لهذه الآية واستدلال الحر بها يدل على ~~أنها محكمة لا منسوخة. وكذلك استعملها الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنهما، على ما يأتي بيانه. وإذا كان الجفاء على السلطان تعمدا واستخفافا ~~بحقه فله تعزيره. وإذا كان غير ذلك فالإعراض والصفح والعفو، كما فعل ~~الخليفة العدل. قوله تعالى: وإما ينزغنك من الشيطان نزع فاستعذ بالله إنه ~~سميع عليم (200) فيه مسألتان: الأولى - لما نزل قوله تعالى: (خذ العفو) قال ~~عليه السلام: " كيف يا رب والغضب " فنزلت: " وإما ينزغنك " ونزغ الشيطان: ~~وساوسه. وفيه لغتان: نزغ ونغز، يقال: إياك والنزاغ والنغاز، وهم المورشون ~~(2). الزجاج: النزغ أدنى حركة تكون، ومن # PageV07P347 # الشيطان أدنى وسوسة. قال سعيد بن المسيب: شهدت عثمان وعليا وكان بينهما ~~نزغ من الشيطان فما أبقى واحد منهما لصاحبه شيئا، ثم لم يبرحا حتى استغفر ~~كل واحد منهما لصاحبه. ومعنى (ينزغنك): يصيبنك ويعرض لك عند الغضب وسوسة ~~بما لا يحل. # (فاستعذ بالله) أي اطلب النجاة من ذلك بالله. فأمر تعالى أن يدفع الوسوسة ~~بالالتجاء إليه والاستعاذة به، ولله المثل الأعلى. فلا يستعاذ من الكلاب ~~إلا برب الكلاب. وقد حكي عن بعض السلف أنه قال لتلميذه: ما تصنع بالشيطان ~~إذا سول لك الخطايا؟ قال: أجاهده. # قال: فإن عاد؟ قال: أجاهده. قال: فإن عاد؟ قال: أجاهده. قال: هذا يطول، ~~أرأيت لو مررت بغنم فنبحك كلبها ومنع من العبور ما تصنع؟ قال: أكابده ms2719 وأرده ~~جهدي. # قال: هذا يطول عليك، ولكن استغث بصاحب الغنم يكفه عنك. # الثانية - النغز والنزغ والهمز والوسوسة سواء، قال الله تعالى: " وقل رب ~~أعوذ بك من همزات الشياطين (1) " وقال: " من شر الوسواس الخناس (2) ". وأصل ~~النزغ الفساد، يقال: نزغ بيننا، أي أفسد. ومنه قوله: " نزغ الشيطان بيني ~~وبين إخوتي (3) " أي أفسد. # وقيل: النزغ الإغواء والإغراء، والمعنى متقارب. # قلت: ونظير هذه الآية ما في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: (يأتي الشيطان أحدكم فيقول له من خلق كذا وكذا حتى ~~يقول له من خلق ربك فإذا بلغ ذلك فليستعذ بالله ولينته). وفيه عن عبد الله ~~قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الوسوسة قال: (تلك محض الإيمان). وفي ~~حديث أبي هريرة: (ذلك صريح الإيمان) والصريح الخالص. وهذا ليس على ظاهره، ~~إذ لا يصح أن تكون الوسوسة نفسها هي الإيمان، لأن الإيمان اليقين، وإنما ~~الإشارة إلى ما وجدوه من الخوف من الله تعالى أن يعاقبوا على ما وقع في ~~أنفسهم. فكأنه قال جزعكم من هذا هو محض الإيمان وخالصه، لصحة إيمانكم، ~~وعلمكم بفسادها. فسمى الوسوسة إيمانا لما كان دفعها والإعراض عنها والرد ~~لها وعدم قبولها # PageV07P348 # والجزع منها صادرا عن الإيمان. وأما أمره بالاستعاذة فلكون تلك الوساوس ~~من آثار الشيطان. # وأما الأمر بالانتهاء فعن الركون إليها والالتفات نحوها. فمن كان صحيح ~~الإيمان واستعمل ما أمره به ربه ونبيه نفعه وانتفع به. وأما من خالجته ~~الشبهة وغلب عليه الحس ولم يقدر على الانفكاك عنها فلا بد من مشافهته ~~بالدليل العقلي، كما قال صلى الله عليه وسلم للذي خالطته شبهة الإبل الجرب ~~حين قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا عدوى ". وقال أعرابي: # فما بال الإبل تكون في الرمل كأنها الظباء فإذا دخل فيها البعير الأجرب ~~أجربها؟ فقال صلى الله عليه وسلم: " فمن أعدى الأول " فاستأصل الشبهة من ~~أصلها. فلما يئس الشيطان من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بالإغراء ~~والإضلال أخذ يشوش عليهم أوقاتهم بتلك الألقيات. # والوساوس: ms2720 الترهات، فنفرت عنها قلوبهم وعظم عليهم وقوعها عندهم فجاءوا - ~~كما في الصحيح - فقالوا: يا رسول الله، إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا ~~أن يتكلم به. # قال: " أو قد وجدتموه "؟ قالوا: نعم. قال: (ذلك صريح الإيمان رغما ~~للشيطان حسب ما نطق به القرآن في قوله: " إن عبادي ليس لك عليهم سلطان (1) ~~". فالخواطر التي ليست بمستقرة ولا اجتلبتها الشبهة فهي التي تدفع بالإعراض ~~عنها، وعلى مثلها يطلق اسم الوسوسة. # والله أعلم. وقد مضى في آخر البقرة (2) هذا المعنى، والحمد لله. # قوله تعالى: إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم ~~مبصرون (201) وإخوانهم يمدونهم في الغى ثم لا يقصرون (202) فيه مسئلتان: ~~الأولى - قوله تعالى: (إن الذين اتقوا) يريد الشرك والمعاصي. (إذا مسهم طيف ~~من الشيطان) هذه قراءة أهل البصرة وأهل مكة. وقراءة أهل المدينة وأهل ~~الكوفة " طائف ". وروي عن سعيد بن جبير " طيف " بتشديد الياء. قال النحاس: ~~كلام العرب في مثل هذا " طيف " بالتخفيف، على أنه مصدر من طاف يطيف. قال ~~الكسائي: # PageV07P349 # هو مخفف من " طيف " مثل ميت وميت. قال النحاس: ومعنى " طيف " في اللغة ما ~~يتخيل في القلب أو يرى في النوم، وكذا معنى طائف. وقال أبو حاتم: سألت ~~الأصمعي عن طيف، فقال: ليس في المصادر فيعل. قال النحاس: ليس هو بمصدر، ~~ولكن يكون بمعنى طائف. والمعنى إن الذين اتقوا المعاصي إذا لحقهم شئ تفكروا ~~في قدرة الله عز وجل وفي إنعامه عليهم فتركوا المعصية، وقيل: الطيف والطائف ~~معنيان مختلفان فالأول - التخيل. والثاني - الشيطان نفسه. فالأول مصدر طاف ~~الخيال يطوف طيفا، ولم يقولوا من هذا طائف في اسم الفاعل. قال السهيلي: ~~لأنه تخيل لا حقيقة له. فأما قوله: " فطاف عليها طائف من ربك (1) " فلا ~~يقال فيه: طيف، لأنه اسم فاعل حقيقة، ويقال: إنه جبريل. # قال الزجاج: طفت عليهم أطوف، وطاف الخيال يطيف. وقال حسان: # فدع هذا ولكن من لطيف * يؤرقني إذا ذهب العشاء مجاهد: الطيف الغضب. ويسمى ~~الجنون والغضب والوسوسة طيفا، لأنه لمة من الشيطان تشبه بلمة (2) الخيال. ms2721 ~~(فإذا هم مبصرون) أي منتهون. وقيل: فإذا هم على بصيرة. # وقرأ سعيد بن جبير: " تذكروا " بتشديد الذال. ولا وجه له في العربية، ~~ذكره النحاس. # الثانية - قال عصام بن المصطلق: دخلت المدينة فرأيت الحسن بن علي عليهما ~~السلام، فأعجبني سمته وحسن روائه، فأثار مني الحسد ما كان يجنه صدري لأبيه ~~من البغض، فقلت: أنت ابن أبي طالب! قال نعم. فبالغت في شتمه وشتم أبيه، ~~فنظر إلي نظرة عاطف رؤوف، ثم قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله ~~الرحمن الرحيم " خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين " فقرأ إلى قوله: ~~" فإذا هم مبصرون " ثم قال لي: # خفض عليك، استغفر الله لي ولك إنك لو استعنتنا أعناك، ولو استرفدتنا ~~أرفدناك، # PageV07P350 # ولو استرشدتنا أرشدناك. فتوسم في الندم على ما فرط مني فقال: " لا تثريب ~~عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين (1) " أمن أهل الشأم أنت؟ قلت ~~نعم. فقال: # * شنشنة أعرفها من أخزم (2) * حياك الله وبياك، وعافاك، وآداك (3)، انبسط ~~(4) إلينا في حوائجك وما يعرض لك، تجدنا عند أفضل ظنك، إن شاء الله. قال ~~عصام: فضاقت علي الأرض بما رحبت، ووددت أنها ساخت بي، ثم تسللت منه لواذا ~~(5)، وما على وجه الأرض أحب إلي منه ومن أبيه. # قوله تعالى: (وإخوانهم يمدونهم في الغى ثم لا يقصرون) قيل: المعنى وإخوان ~~الشياطين وهم الفجار من ضلال الإنس تمدهم الشياطين في الغي. وقيل للفجار ~~إخوان الشياطين لأنهم يقبلون منهم. وقد سبق فهذه الآية ذكر الشيطان. هذا ~~أحسن ما قيل فيه، وهو قول قتادة والحسن والضحاك ومعنى " لا يقصرون " أي لا ~~يتوبون ولا يرجعون. وقال الزجاج: # في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: والذين تدعون من دونه لا يستطيعون لكم ~~نصرا ولا أنفسهم ينصرون، وإخوانهم يمدونهم في الغي، لأن الكفار إخوان ~~الشياطين. ومعنى الآية: إن المؤمن إذا مسه طيف من الشيطان تنبه عن قرب، ~~فأما المشركون فيمدهم الشيطان. # و " لا يقصرون " قيل: يرجع إلى الكفار على القولين جميعا. وقيل: يجوز أن ~~يرجع إلى الشيطان. # قال قتادة: المعنى ثم لا يقصرون ms2722 عنهم ولا يرحمونهم. والإقصار: الانتهاء ~~عن الشئ، أي لا تقصر الشياطين في مدهم الكفار بالغي. وقوله: " في الغي " ~~يجوز أن يكون متصلا بقوله: # PageV07P351 # " يمدونهم " ويجوز أن يكون متصلا بالإخوان. والغي: الجهل. وقرأ نافع " ~~يمدونهم " بضم الياء وكسر الميم. والباقون بفتح الياء وضم الميم. وهما ~~لغتان مد وأمد. ومد أكثر، بغير الألف، قاله مكي. النحاس: وجماعة من أهل ~~العربية ينكرون قراءة أهل المدينة، منهم أبو حاتم وأبو عبيد، قال أبو حاتم: ~~لا أعرف لها وجها، إلا أن يكون المعنى يزيدونهم في الغي. # وحكى جماعة من أهل اللغة منهم أبو عبيد أنه يقال إذا كثر شئ شيئا بنفسه ~~مده، وإذا كثره (1) بغيره قيل أمده، نحو " يمددكم ربكم بخمسة آلاف من ~~الملائكة (2) مسومين ". وحكي عن محمد بن يزيد أنه احتج لقراءة أهل المدينة ~~قال: يقال مددت له في كذا أي زينته له واستدعيته أن يفعله. وأمددته فكذا أي ~~أعنته برأي أو غير ذلك. قال مكي: والاختيار الفتح، لأنه يقال: مددت في ~~الشر، وأمددت في الخير، قال الله تعالى: " ويمدهم في طغيانهم يعمهون (3) " ~~. فهذا يدل على قوة الفتح في هذا الحرف، لأنه في الشر، والغي هو الشر، ولأن ~~الجماعة عليه. # وقرأ عاصم الجحدي " يمادونهم في الغي ". وقرأ عيسى بن عمر " يقصرون " ~~بفتح الياء وضم الصاد وتخفيف القاف. الباقون " يقصرون " بضده، وهما لغتان. ~~قال امرؤ القيس: # * سمالك شوق بعد ما كان أقصرا * قوله تعالى: وإذا لم تأتهم بأية قالوا ~~لولا اجتبيتها قل إنما أتبع ما يوحى إلى من ربى هذا بصائر من ربكم وهدى ~~ورحمة لقوم يؤمنون (203) قوله تعالى: (وإذا لم تأتيهم بآية) أي تقرؤها ~~عليهم. (قالوا لولا اجتبيتها) لولا بمعنى هلا، ولا يليها على هذا المعنى ~~إلا الفعل ظاهرا أو مضمرا. وقد تقدم القول فيها في البقرة مستوفى (4). ~~ومعنى " اجتبيتها " اختلقتها من نفسك. فأعلمهم أن الآيات من قبل الله # PageV07P352 # عز وجل، وأنه لا يقرأ عليهم إلا ما أنزل عليه. يقال: اجتبيت الكلام أي ~~ارتجلته واختلقته واخترعته إذا جئت به من عند نفسك. (قل إنما ms2723 أتبع ما يوحى ~~إلى من ربى) أي من عند الله لا من عند نفسي. (هذا بصائر من ربكم) يعني ~~القرآن، جمع بصيرة، هي الدلالة والعبرة. أي هذا الذي دللتكم به على أن وجل ~~واحد. بصائر، أي يستبصر بها. وقال الزجاج: " بصائر " أي طرق. والبصائر طرق ~~الدين. قال الجعفي: # راحوا بصائرهم على أكتافهم * وبصيرتي يعدو بها عتد وأي (1) " وهدى " رشد ~~وبيان. " ورحمة " أي ونعمة. # قوله تعالى: وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون (204) فيه ~~مسئلتان: # الأولى - قوله تعالى: (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا) قيل: إن هذا ~~نزل في الصلاة، روي عن ابن مسعود وأبي هريرة وجابر والزهري وعبيد الله بن ~~عمير وعطاء بن أبي رباح وسعيد بن المسيب. قال سعيد: كان المشركون يأتون ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى، فيقول بعضهم لبعض بمكة: " لا تسمعوا ~~لهذا القرآن والغوا فيه (2) ". فأنزل الله جل وعز جوابا لهم " وإذا قرئ ~~القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ". # وقيل: إنها نزلت في الخطبة، قاله سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وعمرو بن ~~دينار وزيد بن أسلم والقاسم بن مخيمرة ومسلم بن يسار وشهر بن حوشب وعبد ~~الله بن المبارك. وهذا ضعيف، لأن القرآن فيها قليل، والإنصات يجب في ~~جميعها، قاله ابن العربي. النقاش: # والآية مكية، ولم يكن بمكة خطبة ولا جمعة. وذكر الطبري عن سعيد بن جبير ~~أيضا أن هذا في الإنصات يوم الأضحى ويوم الفطر ويوم الجمعة، وفيما يجهر به ~~الإمام فهو عام. وهو الصحيح # PageV07P353 # لأنه يجمع جميع ما أوجبته هذه الآية وغيرها من السنة في الإنصات. قال ~~النقاش: أجمع أهل التفسير أن هذا الاستماع في الصلاة المكتوبة وغير ~~المكتوبة. النحاس: وفي اللغة يجب أن يكون في كل شئ، إلا أن يدل دليل على ~~اختصاص شئ. وقال الزجاج: يجوز أن يكون " فاستمعوا له وأنصتوا " اعملوا بما ~~فيه ولا تجاوزوه. والإنصات: السكوت للاستماع والإصغاء والمراعاة. انصت ينصت ~~إنصاتا، ونصت أيضا، قال الشاعر: # قال الإمام عليكم أمر سيدكم * فلم نخالف وأنصتنا كما قالا ويقال: أنصتوه ~~وأنصتوا ms2724 له، قال الشاعر: # إذا قالت حذام فأنصتوها * فإن القول ما قالت حذام وقال بعضهم في قوله " ~~فاستمعوا له وأنصتوا ": كان هذا لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصا ليعيه ~~عنه أصحابه. # قلت: هذا فيه بعد، والصحيح القول بالعموم، لقوله: " لعلكم ترحمون " ~~والتخصيص يحتاج إلى دليل. وقال عبد الجبار بن أحمد في فوائد القرآن له: إن ~~المشركين كانوا يكثرون اللغط والشغب تفنتا وعنادا، على ما حكاه الله عنهم: ~~" وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون ". فأمر ~~الله المسلمين حالة أداء الوحي أن يكونوا على خلاف هذه الحالة وأن يستمعوا، ~~ومدح الجن على ذلك فقال: " وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن (1) ~~" الآية. وقال محمد بن كعب القرظي: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~قرأ في الصلاة أجابه من وراءه، إذا قال: بسم الله الرحمن الرحيم، قالوا مثل ~~قوله، حتى يقضي فاتحة الكتاب والسورة. فلبث بذلك ما شاء الله أن يلبث، ~~فنزل: " وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له لعلكم ترحمون " فأنصتوا. وهذا يدل على ~~أن المعنى بالإنصات ترك الجهر على ما كانوا يفعلون من مجاوبة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. وقال قتادة في هذه الآية: كان الرجل يأتي وهم في الصلاة ~~فيسألهم كم صليتم، كم بقي، فأنزل الله تعالى: " وإذا قرئ القرآن فاستمعوا ~~له # PageV07P354 # وأنصتوا ". وعن مجاهد هذا أيضا: كانوا يتكلمون في الصلاة بحاجتهم، فنزل ~~قوله تعالى: # " لعلكم ترحمون ". وقد مضى في الفاتحة الاختلاف في قراءة المأموم خلف ~~الإمام. ويأتي في " الجمعة (1) " حكم الخطبة، إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو ~~والأصال ولا تكن من الغافلين قوله تعالى: (واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة) ~~نظيره " ادعوا ربكم تضرعا وخفية (2) " وقد تقدم. قال أبو جعفر النحاس: ولم ~~يختلف في معنى " واذكر ربك في نفسك " أنه في الدعاء. # قلت: قد روي عن ابن عباس أنه يعني بالذكر القراءة في الصلاة. وقيل: ~~المعنى اقرأ القرآن بتأمل وتدبر. " تضرعا ms2725 " مصدر، وقد يكون في موضع الحال. ~~" وخفية " معطوف عليه. وجمع خيفة خوف، لأنه بمعنى الخوف، ذكره النحاس. وأصل ~~خيفة خوفة، قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها. خاف الرجل يخاف خوفا وخيفة ~~ومخافة، فهو خائف، وقوم خوف على الأصل، وخيف على اللفظ. وحكى الفراء أنه ~~يقال أيضا في جمع خيفة خيف. قال الجوهري: والجيفة الخوف، والجمع خيف، وأصله ~~الواو. (ودون الجهر) أي دون الرفع في القول. أي أسمع نفسك، كما قال: " ~~وابتغ بين ذلك سبيلا (3) " أي بين الجهر والمخافتة. ودل هذا على أن رفع ~~الصوت بالذكر ممنوع. على ما تقدم في غير موضع. # (بالغدو والآصال) قال قتادة وابن زيد: الآصال العشيات. والغدو جمع غدوة. ~~وقرأ أبو مجلز " بالغدو والإيصال " وهو مصدر آصلنا، أي دخلنا في العشي. ~~والآصال جمع أصل، مثل طنب وأطناب، فهو جمع الجمع، والواحد أصيل، جميع على ~~أصل، عن الزجاج. # PageV07P355 # الأخفش: الآصال جمع أصيل، مثل يمين وأيمان. الفراء: أصل جمع أصيل، وقد ~~يكون أصل واحدا، كما قال الشاعر: # * ولا بأحسن منها إذ دنا الأصل * الجوهري: الأصيل الوقت بعد العصر إلى ~~المغرب، وجمعه أصل وآصال وأصائل، كأنه جمع أصيلة، قال الشاعر: # لعمري لأنت البيت أكرم أهله * وأقعد في أفيائه بالأصائل ويجمع أيضا على ~~أصلان، مثل بعير وبعران، ثم صغروا الجمع فقالوا أصيلان، ثم أبدلوا من النون ~~لاما فقالوا أصيلال، ومنه قول النابغة: # وقفت فيها أصيلا لا أسائلها * عيت جوابا وما بالربع من أحد وحكى ~~اللحياني: لقيته أصيلالا. (ولا تكن من الغافلين) أي عن الذكر. # قوله تعالى: إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون ~~(206) فيه ثمان مسائل: الأولى: قوله تعالى: (إن الذين عند ربك) يعني ~~الملائكة بإجماع. وقال: " عند ربك " والله تعالى بكل مكان لأنهم قريبون من ~~رحمته، وكل قريب من رحمة الله عز وجل فهو عنده، عن الزجاج. وقال غيره لأنهم ~~في موضع لا ينفذ فيه إلا حكم الله. وقيل: # لأنهم رسل الله، كما يقال: عند الخليفة جيش كثير. وقيل: هذا على جهة ~~التشريف لهم، وأنهم ms2726 بالمكان المكرم، فهو عبارة عن قربهم في الكرامة لا في ~~المسافة. " ويسبحونه " أي ويعظمونه وينزهونه عن كل سوء. " وله يسجدون " ~~قيل: يصلون. وقيل: يذلون، خلاف أهل المعاصي. PageV07P356 # الثانية: والجمهور من العلماء في أن هذا موضع سجود للقارئ. وقد اختلفوا ~~في عدد سجود القرآن، فأقصى ما قيل: خمس عشرة. أولها خاتمة الأعراف، وآخرها ~~خاتمة العلق. # وهو قول ابن حبيب وابن وهب - في رواية - وإسحاق. ومن العلماء من زاد سجدة ~~الحجر قوله تعالى: " وكن من الساجدين " على ما يأتي (1) بيانه إن شاء الله ~~تعالى. فعلى هذا تكون ست عشرة. وقيل: أربع عشرة، قاله ابن وهب في الرواية ~~الأخرى عنه. فأسقط ثانية الحج. وهو قول أصحاب الرأي والصحيح سقوطها، لأن ~~الحديث لم يصح بثبوتها. # ورواه ابن ماجة وأبو داود في سننهما عن عبد الله بن منين من بني عبد كلال ~~عن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرأه خمس عشرة سجدة في ~~القرآن، منها ثلاث في المفصل، وفي الحج سجدتان. وعبد الله بن منين لا يحتج ~~به، قاله أبو محمد عبد الحق. وذكر أبو داود أيضا من حديث عقبة بن عامر قال ~~قلت: يا رسول الله، أفي سورة الحج سجدتان؟. قال: # " نعم ومن لم يسجدهما فلا يقرأهما ". في إسناده عبد الله بن لهيعة، وهو ~~ضعيف جدا. # وأثبتهما الشافعي وأسقط سجدة ص. وقيل: إحدى عشرة سجدة، وأسقط آخرة الحج ~~وثلاث المفصل. وهو مشهور مذهب مالك. وروي عن ابن عباس وابن عمر وغيرهم. وفي ~~سنن ابن ماجة عن أبي الدرداء قال: سجدت مع النبي صلى الله عليه وسلم إحدى ~~عشرة سجدة ليس فيها من المفصل شئ، الأعراف والرعد والنحل وبنى إسرائيل ~~ومريم والحج سجدة والفرقان وسليمان سورة النمل والسجدة وص وسجدة الحواميم. ~~وقيل: عشر، وأسقط آخرة الحج وص وثلاث المفصل، ذكر عن ابن عباس. وقيل: إنها ~~أربع، سجدة آلم تنزيل وحم تنزيل والنجم والعلق. وسبب الخلاف اختلاف النقل ~~في الأحاديث والعمل، واختلافهم في الأم المجرد بالسجود في القرآن، هل ~~المراد به ms2727 سجود التلاوة أو سجود الفرض في الصلاة؟ # الثالثة - واختلفوا في وجوب سجود التلاوة، فقال مالك والشافعي: ليس ~~بواجب. # وقال أبو حنيفة: هو واجب. وتعلق بأن مطلق الأمر بالسجود على الوجوب، ~~وبقوله عليه السلام: " إذا قرأ ابن آدم سجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول ~~يا ويله ". وفي رواية # PageV07P357 # أبي كريب " يا ويلي "، وبقوله عليه السلام إخبارا عن إبليس لعنه الله: " ~~أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار " أخرجه ~~مسلم. ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحافظ عليه. وعول علماؤنا على ~~حديث عمر الثابت - خرجه البخاري - أنه قرأ آية سجدة على المنبر (فنزل (1)) ~~فسجد وسجد الناس معه، ثم قرأها في الجمعة الأخرى فتهيأ الناس للسجود، فقال: ~~" أيها الناس على رسلكم! إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء ". وذلك ~~بمحضر الصحابة (رضي الله عنهم أجمعين (2)) من الأنصار والمهاجرين. فلم ينكر ~~عليه أحد فثبت الإجماع به في ذلك. وأما قول: " أمر ابن آدم بالسجود " ~~فإخبار عن السجود الواجب. # ومواظبة النبي صلى الله عليه وسلم تدل على الاستحباب! والله أعلم. # الرابعة - ولا خلاف في أن سجود القرآن يحتاج إلى ما تحتاج إليه الصلاة من ~~طهارة حدث ونجس ونية واستقبال قبلة ووقت. إلا ما ذكر البخاري عن ابن عمر ~~أنه كان يسجد على غير طهارة. وذكره ابن المنذر عن الشعبي. وعلى قول الجمهور ~~هل يحتاج إلى تحريم ورفع يدين عنده وتكبير وتسليم؟ اختلفوا في ذلك، فذهب ~~الشافعي وأحمد وإسحاق إلى أنه يكبر ويرفع للتكبير لها. وقد روي في الأثر عن ~~ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد كبر، وكذلك إذا رفع كبر. ~~ومشهور مذهب مالك أنه يكبر لها في الخفض والرفع في الصلاة. # واختلف عنه في التكبير لها في غير الصلاة، وبالتكبير لذلك قال عامة ~~الفقهاء، ولا سلام لها عند الجمهور. وذهب جماعة من السلف وإسحاق إلى أنه ~~يسلم منها. وعلى هذا المذهب يتحقق أن التكبير في أولها للإحرام. وعلى قول ~~من لا يسلم يكون ms2728 للسجود فحسب. # والأول أولى، لقوله عليه السلام: " مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير ~~وتحليلها التسليم " وهذه عبادة لها تكبير، فكان لها تحليل كصلاة الجنازة بل ~~أولى، لأنها فعل وصلاة الجنازة قول. وهذا اختيار ابن العربي. # الخامسة - وأما وقته فقيل: يسجد في سائر الأوقات مطلقا، لأنها صلاة لسبب. # وهو قول الشافعي وجماعة. وقيل: ما لم يسفر الصبح، أو ما لم تصفر الشمس ~~بعد العصر (3). # PageV07P358 # وقيل: لا يسجد بعد الصبح ولا بعد العصر. وقيل: يسجد بعد الصبح ولا يسجد ~~بعد العصر. وهذه الثلاثة الأقوال في مذهبنا. وسبب الخلاف معارضة ما يقتضيه ~~سبب قراءة السجدة من السجود المرتب عليها لعموم النهي عن الصلاة بعد العصر ~~وبعد الصبح. # واختلافهم في المعنى الذي لأجله نهي عن الصلاة في هذين الوقتين، والله ~~أعلم. # السادسة - فإذا سجد يقول في سجوده: اللهم احطط عني بها وزرا، واكتب لي ~~بها أجرا، واجعلها لي عندك ذخرا. رواه ابن عباس عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، ذكره ابن ماجة. # السابعة - فإن قرأها في صلاة، فإن كان في نافلة سجد إن كان منفردا أو في ~~جماعة وأمن التخليط فيها. وإن كان في جماعة لا يأمن ذلك فيها فالمنصوص ~~جوازه. وقيل: # لا يسجد. وأما في الفريضة فالمشهور عن مالك النهي عنه فيها، سواء كانت ~~صلاة سر أو جهر، جماعة أو فرادى. وهو معلل بكونها زيادة في أعداد سجود ~~الفريضة. وقيل: # معلل بخوف التخليط على الجماعة، وهذا أشبه. وعلى هذا لا يمنع منه الفرادى ~~ولا الجماعة التي يأمن فيها التخليط. # الثامنة - روى البخاري عن أبي رافع قال: صليت مع أبي هريرة العتمة، فقرأ ~~" إذا السماء انشقت " فسجد، فقلت: ما هذه؟ قال: سجدت بها خلف أبي القاسم ~~صلى الله عليه وسلم، فلا أزال أسجد فيها حتى ألقاه. انفرد بإخراجه. وفيه: " ~~وقيل لعمران بن حصين: الرجل يسمع السجدة ولم يجلس لها؟ قال: أرأيت لو قعد ~~لها! كأنه لا يوجبه عليه. وقال سلمان: ما لهذا غدونا (1). وقال عثمان (2): ~~إنما السجدة على من استمعها. وقال الزهري: لا يسجد إلا ms2729 أن يكون طاهرا، فإذا ~~سجدت وأنت في حضر فاستقبل القبلة، فإن كنت راكبا فلا عليك، حيث كان وجهك. ~~وكان السائب لا يسجد لسجود القاص (3) " والله أعلم. # PageV07P359 # بسم الله الرحمن الرحيم سورة الأنفال مدنية بدرية في قول الحسن وعكرمة ~~وجابر وعطاء. وقال ابن عباس: هي مدنية إلا سبع آيات، من قوله تعالى: " وإذ ~~يمكر بك الذين كفروا (1) " إلى آخر السبع آيات. # قوله تعالى: يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله ~~وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين (1) فيه ست مسائل: # الأولى - روى عبادة بن الصامت قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~بدر فلقوا العدو، فلما هزمهم الله اتبعتهم طائفة من المسلمين يقتلونهم، ~~وأحدقت طائفة برسول الله صلى الله عليه وسلم، واستولت طائفة على العسكر ~~والنهب، فلما نفى الله العدو ورجع الذين طلبوهم قالوا: لنا النفل، نحن ~~الذين طلبنا العدو وبنا نفاهم الله وهزمهم. وقال الذين أحدقوا برسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: ما أنتم أحق به منا، بل هو لنا، نحن أحدقنا برسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لئلا ينال العدو منه غرة. وقال الذين استلووا على ~~العسكر والنهب: ما أنتم بأحق منا، هو لنا، نحن حويناه واستولينا عليه، ~~فأنزل الله عز وجل: (يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا ~~الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين). # فقسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فواق بينهم. قال أبو عمر: قال أهل ~~العلم بلسان العرب: # استلووا أطافوا وأحاطوا، يقال: الموت مستلو على العباد. وقوله: " فقسمه ~~عن فواق " يعني عن سرعة. قالوا: والفواق ما بين حلبتي الناقة. يقال: انتظره ~~فواق ناقة، أي هذا # PageV07P360 # المقدار. ويقولونها بالضم والفتح: فواق وفواق. وكان هذا قبل أن ينزل: " ~~واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه " الآية. وكأن المعنى عند العلماء: ~~أي إلى الله وإلى الرسول الحكم فيها والعمل بها بما يقرب من الله تعالى. ~~وذكر محمد بن إسحاق قال: حدثني عبد الرحمن بن الحارث ms2730 وغيره من أصحابنا عن ~~سليمان بن موسى الأشدق عن مكحول عن أبي أمامة الباهلي قال: سألت عبادة بن ~~الصامت عن الأنفال فقال: فينا معشر أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل، ~~وساءت فيه أخلاقنا، فنزعه الله من أيدينا وجعله إلى الرسول، فقسمه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن بواء. يقول: على السواء. فكان ذلك تقوى الله ~~وطاعة رسوله وصلاح ذات البين وروي في الصحيح عن سعد بن أبي وقاص قال: اغتنم ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم غنيمة عظيمة، فإذا فيها سيف، فأخذته ~~فأتيت به النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: نفلني هذا السيف، فأنا من قد علمت ~~حاله. قال: " رده من حيث أخذته " فانطلقت حتى أردت أن ألقيه في القبض (1) ~~لامتني نفسي فرجعت إليه فقلت: أعطنيه. # قال: فشد لي صوته (رده من حيث أخذته) فانطلقت حتى أردت أن ألقيه في القبض ~~لامتني نفسي فرجعت إليه فقلت: أعطنيه، قال: فشد لي صوته " رده من حيث أخذته ~~" فأنزل الله " يسألونك عن الأنفال ". لفظ مسلم. والروايات كثيرة، وفيما ~~ذكرناه كفاية، والله الموفق للهداية. # الثانية: الأنفال واحدها نفل بتحريك الفاء، قال (2): # إن تقوى ربنا خير نفل * وبإذن الله ريثي والعجل أي خير غنيمة. والنفل: ~~اليمين، ومنه الحديث " فتبرئكم يهود بنفل خمسين منهم ". والنفل الانتفاء، ~~ومنه الحديث " فانتفل من ولدها ". والنفل: نبت معروف. والنفل: الزيادة على ~~الواجب، وهو التطوع. وولد الولد نافلة، لأنه زيادة على الولد. والغنيمة ~~نافلة، لأنها # PageV07P361 # زيادة فيما أحل الله لهذه الأمة مما كان محرما على غيرها. قال صلى الله ~~عليه وسلم: " فضلت على الأنبياء بست - وفيها - وأحلت لي الغنائم ". ~~والأنفال: الغنائم أنفسها. قال عنترة: # إنا إذا احمر الوغى نروي القنا * ونعف عند مقاسم الأنفال أي الغنائم. # الثالثة - واختلف العلماء في محل الأنفال على أربعة أقوال: الأول - محلها ~~فيما شد عن الكافرين إلى المسلمين أو أخذ بغير حرب. الثاني - محلها الخمس. ~~الثالث - خمس الخمس. الرابع - رأس الغنيمة، حسب ما يراه الإمام. ومذهب مالك ~~رحمه الله أن الأنفال مواهب الإمام ms2731 من الخمس، على ما يرى من الاجتهاد، وليس ~~في الأربعة الأخماس نفل، وإنما لم ير النفل من رأس الغنيمة لأن أهلها ~~معينون وهم الموجفون (1)، والخمس مردود قسمه إلى اجتهاد الإمام. وأهله غير ~~معينين. قال صلى الله عليه وسلم: " ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس ~~والخمس مردود عليكم ". فلم يمكن بعد هذا أن يكون النفل من حق أحد، وإنما ~~يكون من حق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الخمس. هذا هو المعروف من ~~مذهبه وقد روي عنه أن ذلك من خمس الخمس. وهو قول ابن المسيب والشافعي وأبي ~~حنيفة. # وسبب الخلاف حديث ابن عمر، رواه مالك قال: بعث رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم سرية قبل نجد فغنموا إبلا كثيرة، وكانت سهمانهم اثني عشر بعيرا أو أحد ~~عشر بعيرا، ونفلوا بعيرا بعيرا. هكذا رواه مالك على الشك في رواية يحيى ~~عنه، وتابعه على ذلك جماعة رواة الموطأ إلا الوليد بن مسلم فإنه رواه عن ~~مالك عن نافع عن ابن عمر، فقال فيه: فكانت سهمانهم اثني عشر بعيرا، ونفلوا ~~بعيرا بعيرا ولم يشك. وذكر الوليد بن مسلم والحكم بن نافع عن شعيب بن أبي ~~حمزة عن نافع عن ابن عمر قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في جيش ~~قبل نجد - في رواية الوليد: أربعة آلاف - وانبعثت سرية من الجيش - في رواية ~~الوليد: فكنت ممن خرج فيها - فكان سهمان الجيش اثني عشر بعيرا، اثني عشر ~~بعيرا، ونقل أهل السرية بعيرا بعيرا، فكان سهمانهم ثلاثة عشر بعيرا، ذكره ~~أبو داود. فاحتج بهذا من # PageV07P362 # يقول: إن النفل إنما يكون من جملة الخمس. وبيانه أن هذه السرية لو نزلت ~~على أن أهلها كانوا عشرة مثلا أصابوا في غنيمتهم مائة وخمسين، أخرج منها ~~خمسها ثلاثين وصار لهم مائة وعشرون، قسمت على عشرة وجب لكل واحد اثنا عشر ~~بعيرا، اثنا عشر بعيرا، ثم أعطي القوم من الخمس بعيرا بعيرا، لأن خمس ~~الثلاثين لا يكون فيه عشرة أبعرة. فإذا عرفت ما للعشرة عرفت ما ms2732 للمائة ~~والألف وأزيد. واحتج من قال: إن ذلك كان من خمس الخمس بأن قال: # جائز أن يكون هناك ثياب تباع ومتاع غير الإبل، فأعط من لم يبلغه البعير ~~قيمة البعير من تلك العروض. ومما يعضد هذا ما روى مسلم في بعض طرق هذا ~~الحديث: فأصبنا إبلا وغنما، الحديث. وذكر محمد بن إسحاق في هذا الحديث أن ~~الأمير نفلهم قبل القسم، وهذا يوجب أن يكون النفل من رأس الغنيمة، وهو خلاف ~~قول مالك. وقول من روى خلافه أولى لأنهم حفاظ، قاله أبو عمر رحمه الله. ~~وقال مكحول والأوزاعي: لا ينفل بأكثر من الثلث، وهو قول الجمهور من ~~العلماء. قال الأوزاعي: فإن زادهم فليف لهم ويجعل ذلك من الخمس. وقال ~~الشافعي: ليس في النفل حد لا يتجاوزه الإمام. # الرابعة - ودل حديث ابن عمر على ما ذكره الوليد والحكم عن شعيب عن نافع ~~أن السرية إذا خرجت من العسكر فغنمت أن العسكر شركاؤهم. وهذه مسألة وحكم لم ~~يذكره في الحديث غير شعيب عن نافع، ولم يختلف العلماء فيه، والحمد لله. # الخامسة - واختلف العلماء في الإمام يقول قبل القتال: من هدم كذا من ~~الحصن فله كذا، ومن بلغ إلى موضع كذا فله كذا، ومن جاء برأس فله كذا، ومن ~~جاء بأسير فله كذا، يضريهم (1). فروي عن مالك أنه كرهه. وقال: هو قتال على ~~الدنيا. وكان لا يجيزه. قال الثوري: ذلك جائز ولا بأس به. # قلت: وقد جاء هذا المعنى مرفوعا من حديث ابن عباس قال: لما كان يوم بدر ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: " من قتل قتيلا فله كذا ومن أسر أسيرا فله ~~كذا ". الحديث بطوله. # PageV07P363 # وفي رواية عكرمة عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: " من فعل كذا وكذا ~~وأتى مكان كذا وكذا فله كذا ". فتسارع الشبان وثبت الشيوخ مع الرايات، فلما ~~فتح لهم جاء الشبان يطلبون ما جعل لهم فقال لهم الأشياخ: لا تذهبون به ~~دوننا، فقد كنا ردءا لكم، فأنزل الله تعالى: # " وأصلحوا ذات بينكم " ذكره إسماعيل بن إسحاق أيضا. ms2733 وروي عن عمر بن ~~الخطاب أنه قال لجرير بن عبد الله البجلي لما قدم عليه في قومه وهو يريد ~~الشأم: هل لك أن تأتي الكوفة ولك الثلث بعد الخمس من كل أرض وسبي؟. وقال ~~بهذا جماعة فقهاء الشأم: الأوزاعي ومكحول وابن حياة وغيرهم. ورأوا الخمس من ~~جملة الغنيمة، والنفل بعد الخمس ثم الغنيمة بين أهل العسكر، وبه قال إسحاق ~~وأحمد وأبو عبيد. قال أبو عبيد: والناس اليوم على أن لا نفل من جهة الغنيمة ~~حتى تخمس. وقال مالك: لا يجوز أن يقول الإمام لسرية: # ما أخذتم فلكم ثلثه. قال سحنون: يريد ابتداء. فإن نزل (1) مضى، ولهم ~~أنصباؤهم في الباقي. # وقال سحنون: إذا قال الإمام لسرية ما أخذتم فلا خمس عليكم فيه، فهذا لا ~~يجوز، فإن نزل (1) رددته، لأن هذا حكم شاذ لا يجوز ولا يمضى. # السادسة - واستحب مالك رحمه الله ألا ينفل الإمام إلا ما يظهر كالعمامة ~~والفرس والسيف. ومنع بعض العلماء أن ينفل الإمام ذهبا أو فضة أو لؤلؤا ~~ونحوه. وقال بعضهم: # النفل جائز من كل شئ. وهو الصحيح لقول عمر ومقتضى الآية، والله أعلم. # السابعة - قوله تعالى: (فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم) أمر بالتقوى ~~والإصلاح، أي كونوا مجتمعين على أمر الله في الدعاء: اللهم أصلح ذات البين، ~~أي الحال التي يقع بها الاجتماع. فدل هذا على التصريح بأنه شجر بينهم ~~اختلاف، أو مالت النفوس إلى التشاح، كما هو منصوص في الحديث. وتقدم معنى ~~التقوى (2)، أي اتقوا الله في أقوالكم، وأفعالكم، وأصلحوا ذات بينكم. ~~(وأطيعوا الله ورسوله) في الغنائم ونحوها. (إن كنتم مؤمنين) أي إن سبيل ~~المؤمن أن يمتثل ما ذكرنا. وقيل: " إن " بمعنى " إذ ". # PageV07P364 # قوله تعالى: إنما المؤمنين الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت ~~عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون (2) الذين يقيمون الصلاة ومما ~~رزقناهم ينفقون (3) أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجت عند ربهم ومغفرة ورزق ~~كريم (4) قوله تعالى: (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا ~~تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم ms2734 يتوكلون). # فيه ثلاث مسائل: الأولى - قال العلماء: هذ الآية تحريض على إلزام طاعة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أمر به من قسمة تلك الغنيمة. والوجل: ~~الخوف. وفي مستقبله أربع لغات: وجل يوجل وياجل وييجل وييجل، حكاه سيبويه. ~~والمصدر وجل جلا وموجلا، بالفتح. # وهذا موجله (بالكسر) للموضع والاسم. فمن قال: ياجل في المستقبل جعل الواو ~~ألفا لفتحة ما قبلها. ولغة القرآن الواو " قالوا لا توجل (1) " ومن قال: " ~~ييجل " بكسر الياء فهي على لغة بني أسد، فإنهم يقولون: أنا إيجل، ونحن ~~نيجل، وأنت تيجل، كلها بالكسر. ومن قال: " ييجل " بناه على هذه اللغة، ~~ولكنه فتح الياء كما فتحوها في يعلم، ولم تكسر الياء في يعلم لاستثقالهم ~~الكسر على الياء. وكسرت في " ييجل " لتقوي إحدى الياءين بالأخرى. والأمر ~~منه " إيجل " صارت الواو ياء الكسرة ما قبلها. وتقول: إني منه لأوجل. ولا ~~يقال في المؤنث: # وجلاء: ولكن وجلة. وروى سفيان عن السدي في قوله جل وعز: " الذين إذا ذكر ~~الله وجلت قلوبهم " قال: إذا أراد أن يظلم مظلمة قيل له: اتق الله، ووجل ~~قلبه. # الثانية - وصف الله تعالى المؤمنين في هذه الآية بالخوف والوجل عند ذكره. ~~وذلك لقوة إيمانهم ومراعاتهم لربهم، وكأنهم بين يديه. ونظير هذه الآية " ~~وبشر المخبتين. الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم (2) ". وقال " وتطمئن ~~قلوبهم بذكر (3) الله ". فهذا يرجع إلى كمال # PageV07P365 # المعرفة وثقة القلب. والوجل: الفزع من عذاب الله، فلا تناقض. وقد جمع ~~الله بين المعنيين في قوله " الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني ~~تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله (1) ~~". أي تسكن نفوسهم من حيث اليقين إلى الله وإن كانوا يخافون الله. فهذه ~~حالة العارفين بالله، الخائفين من سطوته وعقوبته، لا كما يفعله جهال العوام ~~والمبتدعة الطغام (2) من الزعيق والزئير ومن النهاق الذي يشبه نهاق الحمير. ~~فيقال لمن تعاطى ذلك وزعم أن ذلك وجد وخشوع: لم تبلغ أن تساوي حال الرسول ~~ولا حال أصحابه في المعرفة بالله، والخوف منه، والتعظيم لجلاله، ومع ms2735 ذلك ~~فكانت حالهم عند المواعظ الفهم عن الله والبكاء خوفا من الله. ولذلك وصف ~~الله أحوال أهل المعرفة عند سماع ذكره وتلاوة كتابه فقال: " وإذا سمعوا ما ~~أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا ~~آمنا فاكتبنا مع الشاهدين (3) ". فهذا وصف حالهم وحكاية مقالهم. ومن لم يكن ~~كذلك فليس على هديهم ولا على طريقتهم، فمن كان مستنا فليستن، ومن تعاطى ~~أحوال المجانين والجنون فهو من أخسهم حالا، والجنون فنون. روى مسلم عن أنس ~~بن مالك أن الناس سألوا النبي صلى الله عليه وسلم حتى أحفوه (4) في ~~المسألة، فخرج ذات يوم فصعد المنبر فقال: " سلوني لا تسألوني عن شئ إلا ~~بينته لكم ما دمت في مقامي هذا ". فلما سمع ذلك القوم أرموا (5) ورهبوا أن ~~يكون بين (يدي (6)) أمر قد حضر. قال أنس: فجعلت ألتفت يمينا وشمالا فإذا كل ~~إنسان لاف رأسه في ثوبه يبكي. وذكر الحديث. وروى الترمذي وصححه عن العرباض ~~بن سارية قال: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة ذرفت منها ~~العيون، ووجلت منها القلوب. الحديث. ولم يقل: زعقنا ولا رقصنا ولا زفنا (7) ~~ولا قمنا. # PageV07P366 # الثالثة - قوله تعالى: (وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا) أي تصديقا. ~~فإن إيمان هذه الساعة زيادة على إيمان أمس، فمن صدق ثانيا وثالثا فهو زيادة ~~تصديق بالنسبة إلى ما تقدم. وقيل: هو زيادة انشراح الصدر بكثرة الآيات ~~والأدلة، وقد مضى هذا المعنى " في آل عمران (1) ". (وعلى ربهم يتوكلون) ~~تقدم معنى التوكل في " آل عمران (1) " أيضا. # (الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون) تقدم في أول سورة " البقرة ~~(2) ". (أولئك هم المؤمنون حقا) أي الذي استوى في الإيمان ظاهرهم وباطنهم. ~~ودل هذا على أن لكل حق حقيقة، وقد قال عليه السلام لحارثة: " إن لكل حق ~~حقيقة فما حقيقة إيمانك "؟ الحديث. # وسأل رجل الحسن فقال: يا أبا سعيد، أمؤمن أنت؟ فقال له: الإيمان إيمانان، ~~فإن كنت تسألني عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والجنة والنار ~~والبعث والحساب فأنا به مؤمن. ms2736 وإن كنت تسألني عن قول الله تبارك وتعالى: " ~~إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم - إلى قوله - أولئك هم ~~المؤمنون حقا " فوالله ما أدري أنا منهم أم لا. وقال أبو بكر الواسطي: من ~~قال أنا مؤمن بالله حقا، قيل له: الحقيقة تشير إلى إشراف واطلاع وإحاطة، ~~فمن فقده بطل دعواه فيها. يريد بذلك ما قاله أهل السنة: إن المؤمن الحقيقي ~~من كان محكوما له بالجنة، فمن لم يعلم ذلك من سر حكمته تعالى فدعواه بأنه ~~مؤمن حقا غير صحيح. # قوله تعالى: كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون ~~قوله تعالى: (كما أخرجك ربك من بيتك بالحق) قال الزجاج: الكاف في موضع نصب، ~~أي الأنفال ثابتة لك كما أخرجك ربك من بيتك بالحق. أي مثل إخراجك ربك من ~~بيتك بالحق. والمعنى: امض لأمرك في الغنائم ونفل من شئت وإن كرهوا، لأن بعض # PageV07P367 # الصحابة قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين جعل لكل من أتى بأسير ~~شيئا قال: يبقى أكثر الناس بغير شئ. فموضع الكاف في " كما " نصب كما ذكرنا. ~~وقال الفراء أيضا. # قال أبو عبيدة: هو قسم، أي والذي أخرجك، فالكاف بمعنى الواو، وما بمعنى ~~الذي. وقال سعيد بن مسعدة: المعنى أولئك هم المؤمنون حقا كما أخرجك ربك من ~~بيتك بالحق. قال وقال بعض العلماء " كما أخرجك ربك من بيتك بالحق " فاتقوا ~~الله وأصلحوا ذات بينكم. # وقال عكرمة: المعنى أطيعوا الله ورسوله كما أخرجك. وقيل: " كما أخرجك " ~~متعلق بقوله " لهم درجات " المعنى: لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم. ~~أي هذا الوعد للمؤمنين حق في الآخرة كما أخرجك ربك من بيتك بالحق الواجب ~~له، فأنجزك وعدك. وأظفرك بعدوك وأوفى لك، لأنه قال عز وجل: " وإذ يعدكم ~~الله إحدى الطائفتين أنها لكم ". فكما أنجز هذا الوعد في الدنيا كذا ينجزكم ~~ما وعدكم به في الآخرة. وهذا قول حسن ذكره النحاس واختاره. # وقيل: الكاف في " كما " كاف التشبيه، ومخرجه على سبيل، المجازاة، كقول ~~القائل لعبده: # كما وجهتك ms2737 إلى أعدائي فاستضعفوك وسألت مددا فأمددتك وقويتك وأزحت علتك، ~~فخذهم الآن فعاقبهم بكذا. وكما كسوتك وأجريت عليك الرزق فاعمل كذا وكذا. ~~وكما أحسنت إليك فاشكرني عليه. فقال: كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وغشاكم ~~النعاس أمنة منه - يعني به إياه ومن معه - وأنزل من السماء ماء ليطهركم به، ~~وأنزل عليكم من السماء ملائكة مردفين، فاضربوا فوق الأعناق وأضربوا منهم كل ~~بنان. كأنه يقول: قد أزحت عللكم، وأمددتكم بالملائكة فاضربوا منهم هذه ~~المواضع، وهو المقتل، لتبلغوا مراد الله في إحقاق الحق وإبطال الباطل. ~~والله أعلم. (وإن فريقا من المؤمنين لكارهون) أي لكارهون ترك مكة وترك ~~أموالهم وديارهم. # قوله تعالى: يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ~~ينظرون (6) PageV07P368 # قوله تعالى: (يجادلونك في الحق بعد ما تبين) مجادلتهم: قولهم لما ندبهم ~~إلى العير وفات العير وأمرهم بالقتال ولم يكن معهم كبير أهبة شق ذلك عليهم ~~وقالوا: لو أخبرتنا بالقتال لأخذنا العدة. ومعنى " في الحق " أي في القتال. ~~" بعد ما تبين " لهم أنك لا تأمر بشئ إلا بإذن الله. وقيل: بعد ما تبين لهم ~~أن الله وعدهم إما الظفر بالعير أو بأهل مكة، وإذ فات العير فلا بد من أهل ~~مكة والظفر بهم. فمعنى الكلام الإنكار لمجادلتهم. (كأنما يساقون إلى الموت) ~~كراهة للقاء القوم. (وهم ينظرون) أي يعلمون أن ذلك واقع بهم، قال الله ~~تعالى: " يوم ينظر المرء ما قدمت يداه (1) " أي يعلم. # قوله تعالى: وإذا يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات ~~الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلمته ويقطع دابر الكافرين (7) ~~ليحق الحق ويبطل البطل ولو كره المجرمون (8) قوله تعالى: (وإذا يعدكم الله ~~إحدى الطائفين أنها لكم) " إحدى " في موضع نصب مفعول ثان. " أنها لكم " في ~~موضع نصب أيضا بدلا من " إحدى ". وتودون أي تحبون (أن غير ذات الشوكة تكون ~~لكم) قال أبو عبيدة: أي غير ذات الحد. والشوكة: السلاح. # والشوك: النبت الذي له حد، ومنه رجل شائك السلاح، أي حديد السلاح. ثم ms2738 ~~يقلب فيقال: شاكي السلاح. أي تودون أن تظفروا بالطائفة التي ليس معها سلاح ~~ولا فيها حرب، عن الزجاج. (ويريد الله أن يحق الحق بكلماته) أي أن يظهر ~~الإسلام. والحق حق أبدا، ولكن إظهاره تحقيق له من حيث إنه إذا لم يظهر أشبه ~~الباطل. " بكلماته " أي بوعده، فإنه وعد نبيه ذلك في سورة " الدخان " فقال: ~~" يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون (2) " أي من أبي جهل وأصحابه. وقال: ~~" ليظهره على الدين كله (3) ". وقيل: " بكلماته " أي # PageV07P369 # بأمره، إياكم أن تجاهدوهم. (ويقطع دابر الكافرين) أي يستأصلهم بالهلاك. ~~(ليحق الحق) أي يظهر دين الإسلام (1) ويعزه. (ويبطل الباطل) أي الكفر. ~~وإبطاله إعدامه، كما أن إحقاق الحق إظهاره " بل نقذف بالحق على الباطل ~~فيدمغه فإذا هو (2) زاهق " . (ولو كره المجرمون). # قوله تعالى: إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أنى ممدكم بألف من الملائكة ~~مردفين (9) وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند ~~الله إن الله عزيز حكيم (10) قول تعالى: (إذ تستغيثون ربكم) الاستغاثة: طلب ~~الغوث والنصر. غوث الرجل قال: وا غوثاه. والاسم الغوث والغواث والغواث. # واستغاثني فلان فأغثته، والاسم الغياث (3)، عن الجوهري. وروى مسلم عن عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه قال: لما كان يوم بدر نظر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وسبعة (4) عشر رجلا، فاستقبل ~~نبي الله صلى الله عليه وسلم القبلة، ثم مد يديه، فجعل يهتف بربه: (اللهم ~~أنجز لي ما وعدتني. اللهم ائتني ما وعدتني. اللهم إن تهلك هذه العصابة من ~~أهل الإسلام لا تعبد في الأرض). فما زال يهتف بربه مادا يديه مستقبل القبلة ~~حتى سقط رداؤه عن منكبيه. # فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه وقال: ~~يا نبي الله، كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك. فأنزل الله تعالى: ~~" وإذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين " ~~فأمده الله بالملائكة. وذكر الحديث. (مردفين) بفتح الدال قراءة نافع. ~~والباقون بالكسر اسم فاعل، أي ms2739 متتابعين، تأتي فرقة بعد فرقة، وذلك أهيب في ~~العيون. و " مردفين " بفتح الدال على ما لم يسم فاعله، لأن الناس الذين ~~قاتلوا يوم بدر أردفوا بألف من الملائكة، أي أنزلوا إليهم لمعونتهم على # PageV07P370 # الكفار. فمردفين بفتح الدال نعت لألف. وقيل: هو حال من الضمير المنصوب في ~~" ممدكم ". أي ممدكم في حال إردافكم بألف من الملائكة، وهذا مذهب مجاهد. # وحكى أبو عبيدة أن ردفني وأردفني واحد. وأنكر أبو عبيد أن يكون أردف ~~بمعنى ردف، قال لقول الله عز وجل: " تتبعها الرادفة (1) " ولم يقل المردفة. ~~قال النحاس ومكي وغيرهما: # وقراءة كسر الدال أولى، لأن أهل التأويل على هذه القراءة يفسرون. أي أردف ~~بعضهم بعضا، ولأن فيها معنى الفتح على ما حكى أبو عبيدة، ولأن عليه أكثر ~~القراء. قال سيبويه: # وقرأ بعضهم " مردفين " بفتح الراء وشد الدال. وبعضهم " مردفين " بكسر ~~الراء. وبعضهم " مردفين " بضم الراء. والدال مكسورة مشددة في القراءات ~~الثلاث. فالقراءة الأولى تقديرها عند سيبويه مرتدفين، ثم أدغم التاء في ~~الدال، وألقى حركتها على الراء لئلا يلتقي ساكنان. والثانية كسرت فيها ~~الراء لالتقاء الساكنين. وضمت الراء في الثالثة اتباعا لضمة الميم، كما ~~تقول: (رد ورد (2) ورد) يا هذا. وقرأ جعفر بن محمد وعاصم الجحدري: " بآلف " ~~جمع ألف، مثل فلس وأفلس. وعنهما أيضا " بألف ". وقد مضى في " آل عمران " ~~ذكر نزول الملائكة وسيماهم وقتالهم. وتقدم فيها القول في معنى قوله: " وما ~~جعله الله إلا بشرى (3) " . والمراد الإمداد. ويجوز أن يكون الإرداف. (وما ~~النصر إلا من عند الله) نبه على أن النصر من عنده جل وعز لا من الملائكة، ~~أي لولا نصره لما انتفع بكثرة العدد بالملائكة. # والنصر من عند الله يكون بالسيف ويكون بالحجة. # قوله تعالى: إذ يغشيكم النعاس أمنه منه وينزل عليكم من السماء ماء ~~ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام ~~(11) قوله تعالى: (إذ (4) يغشيكم النعاس) مفعولان. وهي قراءة أهل المدينة، ~~وهي حسنة لإضافة الفعل إلى الله عز وجل لتقدم ذكره في قوله: " وما النصر ~~إلا ms2740 من عند الله ". # PageV07P371 # ولأن بعده " وينزل عليكم " فأضاف الفعل إلى الله عز وجل. فكذلك الإغشاء ~~يضاف إلى الله عز وجل ليتشاكل الكلام. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو " يغشاكم ~~النعاس " بإضافة الفعل إلى النعاس. دليله " أمنة نعاسا يغشى (1) " في قراءة ~~من قرأ بالياء أو بالتاء، فأضاف الفعل إلى النعاس أو إلى الأمنة. والأمنة ~~هي النعاس، فأخبر أن النعاس هو الذي يغشى القوم. وقرأ الباقون " يغشيكم " ~~بفتح الغين وشد الشين. " النعاس " بالنصب على معنى قراءة نافع، لغتان بمعنى ~~غشى وأغشى، قال الله تعالى: " فأغشيناهم (2) ". وقال: " فغشاها ما غشى (3) ~~". وقال: " كأنما أغشيت وجوههم (4) ". قال مكي: والاختيار ضم الياء ~~والتشديد ونصب النعاس، لأن بعده " أمنة منه " والهاء في " منه " لله، فهو ~~الذي يغشيهم النعاس، ولأن الأكثر عليه. وقيل: أمنة من العدو و " أمنة " ~~مفعول من أجله أو مصدر، يقال: أمن أمنة وأمنا وأمانا، كلها سواء. والنعاس ~~حالة الآمن الذي لا يخاف. وكان هذا النعاس في الليلة التي كان القتال من ~~غدها، فكان النوم عجيبا مع ما كان بين أيديهم من الأمر المهم، ولكن الله ~~ربط جأشهم. وعن علي رضي الله عنه قال: ما كان فينا فارس يوم بدر غير ~~المقداد على فرس أبلق، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح، ذكره البيهقي. (5) الماوردي: ~~وفي امتنان الله عليهم بالنوم في هذه الليلة وجهان: - أحدهما: أن قواهم ~~بالاستراحة على القتال من الغد. # الثاني: أن أمنهم بزوال الرعب من قلوبهم، كما يقال: الأمن منيم، والخوف ~~مسهر. # وقيل: غشاهم في حال التقاء الصفين. وقد مضى مثل هذا في يوم أحد في " آل ~~عمران ". # قوله تعالى: (وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز ~~الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام) ظاهر القرآن يدل على أن ~~النعاس كان قبل المطر. # وقال ابن أبي نجيح: كان المطر قبل النعاس. وحكى الزجاج: أن الكفار يوم ~~بدر سبقوا المؤمنين إلى ماء بدر فنزلوا عليه، وبقى المؤمنون لا ماء ms2741 لهم، ~~فوجست (6) نفوسهم وعطشوا وأجنبوا وصلوا # PageV07P372 # كذلك، فقال بعضهم في نفوسهم بإلقاء الشيطان إليهم: نزعم أنا أولياء الله ~~وفينا رسول وحالنا هذه والمشركون على الماء. فأنزل الله المطر ليلة بدر ~~السابعة عشرة من رمضان حتى سالت الأودية، فشربوا وتطهروا وسقوا الظهر (1) ~~وتلبدت السبخة (2) التي كانت بينهم وبين المشركين حتى ثبتت فيها أقدام ~~المسلمين وقت القتال. وقد قيل: إن هذ الأحوال كانت قبل وصولهم إلى بدر، وهو ~~أصح، وهو الذي ذكره ابن إسحاق في سيرته وغيره. وهذا اختصاره: # قال ابن عباس لما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي سفيان أنه مقبل ~~من الشأم ندب المسلمين إليهم وقال: " هذه عير قريش فيها الأموال فأخرجوا ~~إليهم لعل الله أن ينفلكموها " قال: فانبعث معه من خف، وثقل قوم وكرهوا ~~الخروج، وأسرع رسول الله صلى الله عليه وسلم (3) لا يلوي على من تعذر، ولا ~~ينتظر من غاب ظهره، فسار في ثلاثمائة وثلاثة عشر من أصحابه من مهاجري ~~وأنصاري. وفي البخاري عن البراء بن عازب قال: كان المهاجرون يوم بدر نيفا ~~وثمانين، وكان الأنصار نيفا وأربعين ومائتين. وخرج أيضا عنه قال: كنا نتحدث ~~أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر، على عدد أصحاب ~~طالوت الذين جاوزوا معه النهر، وما جاوز معه إلا مؤمن. وذكر البيهقي عن أبي ~~أيوب الأنصاري قال: # فخرجنا - يعنى إلى بدر - فلما سرنا يوما أو يومين أمرنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن نتعاد، ففعلنا فإذا نحن ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، ~~فأخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم بعدتنا، فسر بذلك وحمد الله وقال: " عدة ~~أصحاب طالوت ". قال ابن إسحاق: وقد ظن الناس بأجمعهم أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لا يلقى حربا فلم يكثر استعدادهم. وكان أبو سفيان حين دنا من ~~الحجاز يتجسس الأخبار ويسأل من لقي من الركبان تخوفا على أموال الناس، حتى ~~أصاب خبرا من بعض الركبان أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استنفر ~~لكم الناس، فحذر عند ذلك واستأجر ms2742 ضمضم بن عمرو الغفاري وبعثه إلى مكة، ~~وأمره أن يأتي قريشا # PageV07P373 # يستنفرهم إلى أموالهم ويخبرهم أن محمدا صلى الله عليه وسلم قد عرض لها في ~~أصحابه، ففعل ضمضم. فخرج أهل مكة في ألف رجل أو نحو ذلك، وخرج النبي صلى ~~الله عليه وسلم في أصحابه، وأتاه الخبر عن قريش بخروجهم ليمنعوا عيرهم، ~~فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم الناس، فقام أبو بكر فقال فأحسن، وقام ~~عمر فقال فأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو فقال: # يا رسول الله، امض لما أمرك الله فنحن معك، والله لا نقول كما قالت بنو ~~إسرائيل " فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون " ولكن اذهب أنت وربك ~~فقاتلا إنا معكم مقاتلون، والذي بعثك بالحق لو سرت إلى برك الغماد - يعني ~~مدينة الحبشة - لجالدنا معك من دونه (1)، فسر بذلك رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ودعا له بخير. ثم قال: " أشيروا علي أيها الناس " يريد الأنصار. وذلك ~~أنهم عدد الناس، وكانوا حين بايعوه بالعقبة قالوا: # يا رسول الله، إنا برآء من ذمامك حتى تصل إلى ديارنا، فإذا وصلت إلينا ~~فأنت في ذممنا، نمنعك مما نمنع منه أنفسنا وأبناءنا ونساءنا. فكان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يتخوف ألا تكون الأنصار ترى أن عليها نصرته إلا ~~بالمدينة، وأنه ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو بغير بلادهم. فلما قال ذلك ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمه سعد بن معاذ - وقيل سعد بن عبادة، ويمكن ~~أنهما تكلما جميعا في ذلك اليوم - فقال: يا رسول الله، كأنك تريدنا معشر ~~الأنصار؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أجل) فقال: إنا قد آمنا بك ~~واتبعناك، فامض لما أمرك الله، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر ~~فخضته لخضناه معك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " امضوا على بركة ~~الله فكأني أنظر إلى مصارع القوم ". فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وسبق قريشا إلى ماء بدر. ومنع قريشا من السبق إليه مطر عظيم أنزله الله ~~عليهم، ولم ms2743 يصب منه المسلمين إلا ما شد لهم دهس الوادي وأعانهم على المسير. ~~والدهس: الرمل اللين الذي تسوخ فيه الأرجل. فنزل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على أدنى ماء من مياه بدر إلى المدينة، فأشار عليه الحباب # PageV07P374 # ابن المنذر بن عمرو بن الجموح بغير ذلك وقال له: يا رسول الله، أرأيت هذا ~~المنزل، أمنزلا أنزلكه الله فليس لنا أن نتقدمه أو نتأخر عنه، أم هو الرأي ~~والحرب والمكيدة؟ # فقال عليه السلام: " بل هو الرأي والحرب والمكيدة ". فقال: يا رسول الله، ~~إن هذا ليس لك بمنزل، فانهض بنا إلى أدنى ماء من القوم فننزله ونعور (1) ما ~~وراءه من القلب (2)، ثم نبني عليه حوضا فنملأه فنشرب ولا يشربون. فاستحسن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك من رأيه، وفعله. ثم التقوا فنصر الله ~~نبيه والمسلمين، فقتل من المشركين سبعين وأسر منهم سبعين، وانتقم منهم ~~للمؤمنين، وشفى الله صدر رسوله عليه السلام وصدور أصحابه من غيظهم. وفي ذلك ~~يقول حسان: # عرفت ديار زينب بالكثيب * كخط الوحي في الورق القشيب (3) تداولها الرياح ~~وكل جون * من الوسمي منهمر سكوب (4) فأمسى ربعها خلقا وأمست * يبابا (5) ~~بعد ساكنها الحبيب فدع عنك التذكر كل يوم * ورد حرارة الصدر الكئيب (6) ~~وخبر بالذي لا عيب فيه * بصدق غير إخبار الكذوب بما صنع الإله غداة بدر * ~~لنا في المشركين من النصيب غداة كأن جمعهم حراء * بدت أركانه جنح الغروب ~~فلاقيناهم منا بجمع * كأسد الغاب مردان وشيب أمام محمد قد وازروه * على ~~الأعداء في لفح الحروب بأيديهم صوارم مرهفات * وكل مجرب خاظي الكعوب (7) # PageV07P375 # بنو الأوس الغطارف وازرتها * بنو النجار في الدين الصليب (1) فغادرنا أبا ~~جهل صريعا * وعتبة قد تركنا بالجبوب (2) وشيبة قد تركنا في رجال * ذوي نسب ~~إذا نسبوا حسيب يناديهم رسول الله لما * قذفناهم كباكب في القليب (3) ألم ~~تجدوا كلامي كان حقا * وأمر الله يأخذ بالقلوب فما نطقوا، ولو نطقوا لقالوا ~~* أصبت وكنت ذا رأي مصيب وهنا ثلاث مسائل: الأولى - قال مالك: بلغني أن ~~جبريل عليه السلام قال للنبي صلى الله ms2744 عليه وسلم: # (كيف أهل بدر فيكم)؟ قال: " خيارنا " فقال: " إنهم كذلك فينا ". فدل هذا ~~على أن شرف المخلوقات ليس بالذوات، وإنما هو بالأفعال. فللملائكة أفعالها ~~الشريفة من المواظبة على التسبيح الدائم. ولنا أفعالنا بالإخلاص بالطاعة. ~~وتتفاضل الطاعات بتفضيل الشرع لها، وأفضلها الجهاد، وأفضل الجهاد يوم بدر، ~~لأن بناء الإسلام كان عليه. # الثانية - ودل خروج النبي صلى الله عليه وسلم ليلقى العير على جواز ~~النفير للغنيمة لأنها كسب حلال. وهو يرد ما كره مالك من ذلك، إذ قال: ذلك ~~قتال على الدنيا، وما جاء أن من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في ~~سبيل الله دون من يقاتل للغنيمة، يراد به إذا كان قصده وحده وليس للدين فيه ~~حظ. وروى عكرمة عن ابن عباس قال: قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم حين فرغ ~~من بدر: عليك بالعير، ليس دونها شئ. فناداه العباس وهو في الأسرى: لا يصلح ~~هذا. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (ولم)؟ قال: لأن الله وعدك إحدى ~~الطائفتين، وقد أعطاك الله ما وعدك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # PageV07P376 # " صدقت ". وعلم ذلك العباس بحديث أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وبما ~~كان من شأن بدر، فسمع ذلك في أثناء الحديث. # الثالثة - روى مسلم عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك ~~قتلى بدر ثلاثا، ثم قام عليهم فناداهم فقال: (يا أبا جهل بن هشام يا أمية ~~بن خلف يا عتبة بن ربيعة يا شيبة بن ربيعة أليس قد وجدتم ما وعد ربكم حقا ~~فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقا ". فسمع عمر قول النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال يا رسول الله، كيف يسمعون، وأنى يجيبون وقد جيفوا؟ قال: (والذي نفسي ~~بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكنهم لا يقدرون أن يجيبوا). ثم أمر بهم ~~فسحبوا فألقوا في القليب، قليب بدر. " جيفوا " بفتح الجيم والياء، ومعناه ~~أنتنوا فصاروا جيفا. وقول عمر: " يسمعون " استبعاد على ما جرت به (حكم (1)) ~~العادة. فأجابه النبي ms2745 صلى الله عليه وسلم بأنهم يسمعون كسمع الأحياء. # وفي هذا ما يدل على أن الموت ليس بعدم محض ولا فناء صرف، وإنما هو انقطاع ~~تعلق الروح بالبدن ومفارقته، وحيلولة بينهما، وتبدل حال وانتقال من دار إلى ~~دار. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الميت إذا وضع في قبره وتولى ~~عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم) الحديث. أخرجه الصحيح. # قوله تعالى: (ويثبت به الأقدام) الضمير في " به " عائد على الماء الذي شد ~~دهس الوادي، كما تقوم. وقيل: هو عائد على ربط القلوب، فيكون تثبيت الأقدام ~~عبارة عن النصر والمعونة في موطن الحرب. # قوله تعالى: إذ يوحى ربك إلى الملائكة أنى معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي ~~في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان # PageV07P377 # قوله تعالى: (إذ يوحى ربك إلى الملائكة أنى معكم) العامل في " إذ، يثبت " ~~أي يثبت به الأقدام ذلك الوقت. وقيل: العامل " ليربط " أي وليربط إذ يوحي. ~~وقد يكون التقدير: أذكر " إذ يوحى ربك إلى الملائكة أني معكم " في موضع ~~نصب، والمعنى: # بأني معكم، أي بالنصر والمعونة. " معكم " بفتح العين ظرف، ومن أسكنها فهي ~~عنده حرف. (فثبتوا الذين آمنوا) أي بشروهم بالنصر أو القتال معهم أو الحضور ~~معهم من غير قتال، فكان الملك يسير أمام الصف في، صورة الرجل ويقول: سيروا ~~فإن الله ناصركم. # ويظن المسلمون أنه منهم، وقد تقدم في " آل (1) عمران " أن الملائكة قاتلت ~~ذلك اليوم. # فكانوا يرون رؤوسا تندر (2) عن الأعناق من غير ضارب يرونه. وسمع بعضهم ~~قائلا يسمع قوله ولا يرى شخصه: أقدم حيزوم (3). وقيل: كان هذا التثبيت ذكر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم للمؤمنين نزول الملائكة مددا. # قوله تعالى: (سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب) تقدم في آل عمران بيانه. # (فاضربوا فوق الأعناق) هذا أم للملائكة. وقيل: للمؤمنين، أي اضربوا ~~الأعناق، و " فوق " زائدة، قاله الأخفش والضحاك وعطية. وقد روى المسعودي ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إني لم أبعث لأعذب بعذاب الله ~~وإنما بعثت ms2746 بضرب الرقاب وشد الوثاق). وقال محمد بن يزيد: هذا خطأ، لأن " ~~فوق " تفيد معنى فلا يجوز زيادتها، ولكن المعنى أنهم أبيح لهم ضرب الوجوه ~~وما قرب منها. وقال ابن عباس: كل هام وجمجمة. وقيل: أي ما فوق الأعناق، وهو ~~الرؤوس، قال عكرمة. والضرب على الرأس أبلغ، لأن أدنى شئ يؤثر في الدماغ. ~~وقد مضى شئ من هذا المعنى في " النساء " وأن " فوق " ليست بزائدة، عند ~~قوله: " فوق اثنتين (4) ". واضربوا منهم كل بنان قال الزجاج: واحد البنان ~~بنانة، وهي هنا الأصابع وغيرها من الأعضاء. والبنان مشتق من # PageV07P378 # قولهم: أبن الرجل بالمكان إذا أقام به. فالبنان يعتمل به ما يكون للإقامة ~~والحياة. وقيل: # المراد بالبنان هنا أطراف الأصابع من اليدين والرجلين. وهو عبارة عن ~~الثبات في الحرب وموضع الضرب، فإذا ضربت البنان تعطل من المضروب القتال ~~بخلاف سائر الأعضاء. # قال عنترة: # وكان فتى الهيجاء يحمي ذمارها * ويضرب عند الكرب كل بنان ومما جاء أن ~~البنان الأصابع قول عنترة أيضا: # وأن الموت طوع يدي إذا ما * وصلت بنانها بالهندواني وهو كثير في أشعار ~~العرب، البنان: الأصابع. قال ابن فارس: البنان الأصابع، ويقال: # الأطراف. وذكر بعضهم أنها سميت بنانا لأن بها صلاح الأحوال التي بها ~~يستقر الإنسان ويبن (1) وقال الضحاك: البنان كل مفصل. # قوله تعالى: ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله ~~شديد العقاب (13) ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار (14) قوله تعالى: ~~(ذلك بأنهم شاقوا الله) " ذلك " في موضع رفع على الابتداء، والتقدير: # ذلك الأمر، أو الأمر ذلك. " شاقوا الله " أي أولياءه. والشقاق: أن يصير ~~كل واحد في شق. وقد تقدم (2). (ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار) قال ~~الزجاج: " ذلكم " رفع بإضمار الأمر أو القصة، أي الأمر ذلكم فذوقوه. ويجوز ~~أن يكون في موضع نصب ب‍ " ذوقوا " كقولك: زيدا فاضربه. ومعنى الكلام ~~التوبيخ للكافرين. " وأن " في موضع رفع عطف على ذلكم. قال الفراء: ويجوز أن ~~يكون في موضع نصب بمعنى وبأن للكافرين. # قال: ويجوز أن يضمر واعلموا أن. الزجاج: لو ms2747 جاز إضمار واعلموا لجاز زيد ~~منطلق # PageV07P379 # وعمرا جالسا، بل كان يجوز في الابتداء زيدا منطلقا، لأن المخبر معلم، ~~وهذا لا يقوله أحد من النحويين. # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم ~~الأدبار (15) ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد ~~باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير (16) فيه سبع مسائل: الأولى - ~~قوله تعالى: (زحفا) الزحف الدنو قليلا قليلا. وأصله الاندفاع على الألية، ~~ثم سمي كل ماش في الحرب إلى آخر زاحفا. والتزاحف: التداني والتقارب، يقال: ~~زحف إلى العدو زحفا. وازدحف القوم، أي مشى بعضهم إلى بعض. ومنه زحاف الشعر، ~~وهو أن يسقط بين الحرفين حرف فيزحف أحدهما إلى الآخر. يقول: # إذا تدانيتم وتعاينتم فلا تفروا عنهم ولا تعطوهم أدباركم. حرم الله ذلك ~~على المؤمنين حين فرض عليهم الجهاد وقتال الكفار. قال ابن عطية: والأدبار ~~جمع دبر. والعبارة بالدبر في هذه الآية متمكنة الفصاحة، لأنها بشعة على ~~الفار، ذامة له. # الثانية - أمر الله عز وجل في هذه الآية ألا يولي المؤمنون أمام الكفار. ~~وهذا الأمر مقيد بالشريطة المنصوصة في مثلي المؤمنين، فإذا لقيت فئة من ~~المؤمنين فئة هي ضعف المؤمنين (2) من المشركين فالفرض ألا يفروا أمامهم. ~~فمن فر من اثنين فهو فار من الزحف. ومن فر من ثلاثة فليس بفار من الزحف، ~~ولا يتوجه عليه الوعيد. والفرار كبيرة موبقة بظاهر القرآن وإجماع الأكثر من ~~الأئمة. وقالت فرقة منهم ابن الماجشون في الواضحة: إنه يراعى الضعف والقوة ~~والعدة، فيجوز على قولهم أن يفر مائة فارس (2) من مائة فارس إذا علموا أن ~~ما عند المشركين من النجدة والبسالة ضعف ما عندهم. وأما على قول الجمهور ~~فلا يحل فرار مائة إلا # PageV07P380 # مما زاد على، المائتين، فمهما كان في مقابلة مسلم أكثر من اثنين فيجوز ~~الانهزام، والصبر أحسن. وقد وقف جيش مؤتة وهم ثلاثة آلاف في مقابلة مائتي ~~ألف، منهم مائة ألف من الروم، ومائة ألف من المستعربة من لخم وجذام. # قلت: ووقع في ms2748 تاريخ فتح الأندلس، أن طارقا مولى موسى بن نصير سار في ألف ~~وسبعمائة رجل إلى الأندلس، وذلك في رجب سنة ثلاث وتسعين من الهجرة، فالتقى ~~وملك الأندلس لذريق وكان في سبعين ألف عنان، فزحف إليه طارق وصبر له فهزم ~~الله الطاغية لذريق، وكان الفتح. قال ابن وهب: سمعت مالكا يسأل عن القوم ~~يلقون العدو أو يكونون في محرس يحرسون فيأتيهم العدو وهم يسير، أيقاتلون أو ~~ينصرفون فيؤذنون أصحابهم؟ قال: إن كانوا يقوون على قتالهم قاتلوهم، وإلا ~~انصرفوا إلى أصحابهم فأذنوهم. # الثانية - واختلف الناس هل الفرار يوم الزحف مخصوص بيوم بدر أم عام في ~~الزحوف كلها إلى يوم القيامة؟ فروي عن أبي سعيد الخدري أن ذلك مخصوص بيوم ~~بدر، وبه قال نافع والحسن وقتادة ويزيد بن أبي حبيب والضحاك، وبه قال أبو ~~حنيفة. وأن ذلك خاص بأهل بدر فلم يكن لهم أن ينحازوا، ولو انحازوا لانحازوا ~~للمشركين، ولم يكن في الأرض يومئذ مسلمون غيرهم، ولا للمسلمين فئة إلا ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فأما بعد ذلك فإن بعضهم فئة لبعض. قال الكيا: ~~وهذا فيه نظر، لأنه كان بالمدينة خلق كثير من الأنصار لم يأمرهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم بالخروج ولم يكونوا يرون أنه قتال، وإنما ظنوا أنها العير، ~~فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن خف معه. ويروى عن ابن عباس وسائر ~~العلماء أن الآية باقية إلى يوم القيامة. احتج الأولون بما ذكرنا، وبقوله ~~تعالى: # " يومئذ " فقالوا: هو إشارة إلى يوم بدر، وأنه نسخ حكم الآية بآية الضعف. ~~وبقي حكم الفرار من الزحف ليس بكبيرة. وقد فر الناس يوم أحد فعفا الله ~~عنهم، وقال الله فيهم يوم حنين " ثم وليتم مدبرين (1) " ولم يقع على ذلك ~~تعنيف. وقال الجمهور من العلماء: إنما ذلك إشارة # PageV07P381 # إلى يوم الزحف الذي يتضمنه قوله تعالى: " إذا لقيتم ". وحكم الآية باق ~~إلى يوم القيامة بشرط الضعف الذي بينه الله تعالى في آية أخرى، وليس في ~~الآية نسخ. والدليل عليه أن الآية نزلت بعد القتال وانقضاء ms2749 الحرب وذهاب ~~اليوم بما فيه. وإلى هذا ذهب مالك والشافعي وأكثر العلماء. وفي صحيح مسلم ~~عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # (اجتنبوا السبع الموبقات - وفيه - والتولي يوم الزحف) وهذا نص في ~~المسألة. وأما يوم أحد فإنما فر الناس من أكثر من ضعفهم ومع ذلك عنفوا. ~~وأما يوم حنين فكذلك من فر إنما انكشف عن الكثرة، على ما يأتي بيانه. # الرابعة - قال ابن القاسم: لا تجوز شهادة من فر من الزحف، ولا يجوز لهم ~~الفرار وإن فر إمامهم، ومن يولهم يومئذ دبره الآية. قال: ويجوز الفرار من ~~أكثر من ضعفهم، وهذا ما لم يبلغ عدد المسلمين اثني عشر ألفا، فإن بلغ اثني ~~عشر ألفا لم يحل لهم الفرار وإن زاد عدد المشركين على الضعف، لقول رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " ولن يغلب اثنا عشر ألفا من قلة " فإن أكثر أهل العلم خصصوا هذا العدد ~~بهذا الحديث من عموم الآية. # قلت: رواه أبو بشر وأبو سلمة العاملي، وهو الحكم بن عبد الله بن خطاف وهو ~~متروك. قالا: حدثنا الزهري عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وغلم ~~قال: (يا أكثم بن الجون اغز مع غير قومك يحسن خلقك وتكرم على رفقائك. يا ~~أكثم بن الجون خير الرفقاء أربعة وخير الطلائع أربعون وخير السرايا ~~أربعمائة وخير الجيوش أربعة آلاف ولن يؤتى اثنا عشر ألفا من قلة). وروي عن ~~مالك ما يدل على ذلك من مذهبه وهو قوله للعمري (1) العابد إذ سأله هل لك ~~سعة في ترك مجاهدة من غير الأحكام وبدلها؟ فقال: # إن كان معك اثنا عشر ألفا فلا سعة لك في ذلك. # PageV07P382 # الخامسة - فإن فر فليستغفر الله عز وجل. روى الترمذي عن بلال بن يسار بن ~~زيد قال: حدثني أبي عن جدي سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " من قال ~~أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه غفر الله له وإن ~~كان قد فر من الزحف ". # قال: هذا ms2750 حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. # السادسة - قوله تعالى: (إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة) التحرف: ~~الزوال عن جهة الاستواء. فالمتحرف من جانب إلى جانب لمكايد الحرب غير ~~منهزم، وكذلك المتحيز إذا نوى التحيز إلى فئة من المسلمين ليستعين بهم ~~فيرجع إلى القتال غير منهزم أيضا. روى أبو داود عن عبد الله بن عمر أنه كان ~~في سرية من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # فحاص (1) الناس حيصة، فكنت فيمن حاص، قال: فلما برزنا قلنا كيف نصنع وقد ~~فررنا من الزحف وبؤنا بالغضب. فقلنا: ندخل المدينة فنتثبت فيها ونذهب ولا ~~يرانا أحد. # قال: فدخلنا فقلنا لو عرضنا أنفسنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فإن كانت لنا توبة أقمنا، وإن كان غير ذلك ذهبنا. قال: فجلسنا لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قبل صلاة الفجر، فلما خرج قمنا إليه فقلنا، نحن ~~الفرارون، فأقبل إلينا فقال: " لا بل أنتم العكارون " قال: فدنونا فقبلنا ~~يده. فقال: (أنا فئة المسلمين). قال ثعلب: العكارون هم العطافون. # وقال غيره: يقال للرجل الذي يولي عند الحرب ثم يكر راجعا: عكر واعتكر. ~~وروى جرير عن منصور عن إبراهيم قال: انهزم رجل من القادسية فأتى المدينة ~~إلى عمر فقال: يا أمير المؤمنين، هلكت! فررت من الزحف. فقال عمر: أنا فئتك. ~~وقال محمد بن سيرين: # لما قتل أبو عبيدة جاء الخبر إلى عمر فقال: لو انحاز إلي لكنت له فئة، ~~فأنا فئة كل مسلم. # وعلى هذه الأحاديث لا يكون الفرار كبيرة، لأن الفئة هنا المدينة والإمام ~~وجماعة المسلمين حيث كانوا. وعلى القول الآخر يكون كبيرة، لأن الفئة هناك ~~الجماعة من الناس الحاضرة للحرب. هذا على قول الجمهور أن الفرار من الزحف ~~كبيرة. قالوا: وإنما كان ذلك القول # PageV07P383 # من النبي صلى الله عليه وسلم وعمر على جهة الحيطة على المؤمنين، إذ كانوا ~~في ذلك الزمان يثبتون لأضعافهم مرارا. والله أعلم. وفي قوله: " والتولي يوم ~~الزحف " ما يكفي. # السابعة - قوله تعالى: (فقد باء بغضب من ms2751 الله) أي استحق الغضب. وأصل " ~~باء " رجع وقد تقدم (1). (ومأواه جهنم) أي مقامه. وهذا لا يدل على الخلود، ~~كما تقدم في غير موضع. وقد قال صلى الله عليه وسلم: (من قال أستغفر الله ~~الذي لا إله إلا هو الحي القيوم غفر له وإن كان قد فر من الزحف ". # قوله تعالى: فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ~~وليبلى المؤمنين منه بلاء حسنا إن الله سميع عليم (17) ذلكم وأن الله موهن ~~كيد الكافرين (18) قوله تعالى (فلم تقتولهم ولكن الله قتلهم) أي يوم بدر. ~~روي أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما صدروا عن بدر ذكر كل واحد ~~منهم ما فعل: قتلت كذا، فعلت كذا، فجاء من ذلك تفاخر (2) ونحو ذلك. فنزلت ~~الآية إعلاما بأن الله تعالى هو المميت والمقدر لجميع الأشياء، وأن العبد ~~إنما يشارك بتكسبه وقصده. وهذه الآية ترد على من يقول بأن أفعال العباد خلق ~~(3) لهم. فقيل: المعنى فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم بسوقهم إليكم حتى ~~أمكنكم منهم. # وقيل: ولكن الله قتلهم بالملائكة الذين أمدكم بهم. (وما رميت إذ رميت) ~~مثله، " ولكن الله رمى ". واختلف العلماء في هذا الرمي على أربعة أقوال: # الأول - إن هذا الرمي إنما كان في حصب (4) رسول الله صلى الله صلى الله ~~عليه وسلم يوم حنين، رواه ابن وهب عن مالك. قال مالك: ولم يبق في ذلك اليوم ~~أحد إلا وقد أصابه ذلك. # وكذلك روى عنه ابن القاسم أيضا. # PageV07P384 # الثاني - أن هذا كان يوم أحد حين رمى أبي بن خلف بالحربة في عنقه، فكر ~~أبي منهزما. فقال له المشركون: والله ما بك من بأس. فقال: والله لو بصق علي ~~لقتلني. # أليس قد قال: بل أنا أقتله. وكان أوعد أبي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالقتل بمكة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بل أنا أقتلك " فمات ~~عدو الله من ضربة رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرجعه إلى مكة، بموضع ~~يقال له " سرف (1) ". قال ms2752 موسى بن عقبة عن ابن شهاب: لما كان يوم أحد أقبل ~~أبي مقنعا في الحديد على فرسه لا نجوت إن نجا محمد، فحمل على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يريه قتله. قال موسى بن عقبة قال سعيد بن المسيب: فاعترض له ~~رجال من المؤمنين، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فخلوا طريقه، ~~فاستقبله مصعب بن عمير يقي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقتل مصعب ابن ~~عمير، وأبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ترقوه أبي بن خلف من فرجة بين ~~سابغة البيضة والدرع، فطعنه بحربته فوقع أبي عن فرسه ولم يخرج من طعنته دم. ~~قال سعيد: # فكسر ضلعا من أضلاعه، فقال: ففي ذلك نزل " وما رميت إذ رميت ولكن الله ~~رمى ". # وهذا ضعيف، لأن الآية نزلت عقيب بدر. # الثالث - أن المراد السهم الذي رمى به رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~حصن خيبر، فسار في الهواء حتى أصاب ابن أبي الحقيق وهو على فراشه. وهذا ~~أيضا فاسد، وخيبر وفتحها أبعد من أحد بكثير. والصحيح في صورة قتل ابن أبي ~~الحقيق غير هذا. # الرابع - أنها كانت يوم بدر، قال ابن إسحاق. وهو أصح، لأن السورة بدرية، ~~وذلك أن جبريل عليه السلام قال للنبي صلى الله عليه وسلم: (خذ قبضة من ~~التراب) فأخذ قبضة من التراب فرمى بها وجوههم فما من المشركين، من أحد إلا ~~وأصاب عينيه ومنخريه وفمه تراب من تلك القبضة، وقاله ابن عباس، وسيأتي. قال ~~ثعلب: المعنى " وما رميت " الفزع والرعب في قلوبهم " إذ رميت " بالحصباء ~~فانهزموا " ولكن الله رمى " أي أعانك وأظفرك. والعرب تقول: رمى الله لك، أي ~~أعانك وأظفر وصنع لك. حكى هذا أبو عبيدة # PageV07P385 # في كتاب المجاز. وقال محمد بن يزيد: وما رميت بقوتك، إذ رميت، ولكنك بقوة ~~الله رميت. # (وليبلى المؤمنين منه بلاء حسنا) البلاء ها هنا النعمة. واللام تتعلق ~~بمحذوف، أي وليبلي المؤمنين فعل ذلك. (ذلكم وأن الله موهن كيد الكافرين) ~~قراءة أهل الحرمين وأبي عمرو. # وقراءة أهل الكوفة (موهن ms2753 كيد الكافرين). وفي التشديد معنى المبالغة. وروي ~~عن الحسن " موهن كيد الكافرين " بالإضافة والتخفيف (1). والمعنى: أن الله ~~عز وجل يلقى في قلوبهم الرعب حتى يتشتتوا ويتفرق جمعهم فيضعفوا. والكيد: ~~المكر. وقد تقدم (2). # قوله تعالى: إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح وإن تنتهوا فهو خير لكم وإن ~~تعودوا ولن تغنى عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين (19) قوله ~~تعالى: (إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح) شرطه وجوابه. وفيه ثلاثة أقوال: # يكون خطابا للكفار، لأنهم استفتحوا فقالوا: اللهم أقطعنا للرحم وأظلمنا ~~لصاحبه فانصره عليه، قاله الحسن ومجاهد وغيرهما. وكان هذا القول منهم وقت ~~خروجهم لنصره العير. # وقيل: قاله أبو جهل وقت القتال. وقال النضر بن الحارث: اللهم إن كان هذا ~~هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم. وهو ممن ~~قتل ببدر. # والاستفتاح: طلب النصر، أي قد جاءكم الفتح ولكنه كان للمسلمين عليكم. أي ~~فقد جاءكم ما بان به الأمر، وانكشف لكم الحق. " وإن تنتهوا " (أي (3)) عن ~~الكفر (فهو خير لكم). (وإن تعودوا) أي إلى هذا القول وقتال محمد. (نعد) إلى ~~نصر المؤمنين. # (ولن تغني عنكم فئتكم) أي (عن (4)) جماعتكم (شيئا). (ولو كثرت) أي في ~~العدد. # الثاني - يكون خطابا للمؤمنين، أي إن تستنصروا فقد جاءكم النصر. وإن " ~~تنتهوا " أي عن مثل ما فعلتموه من أخذ الغنائم والأسرى قبل الإذن، " فهو ~~خير لكم ". و " وإن تعودوا " أي إلى مثل ذلك نعد إلى توبيخكم. كما قال: " ~~لولا كتاب من الله سبق " الآية (5). # PageV07P386 # والقول الثالث - أن يكون " إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح " خطابا ~~للمؤمنين، وما بعده للكفار. أي وإن تعودوا إلى القتال نعد إلى مثل وقعة ~~بدر. القشيري: والصحيح أنه خطاب للكفار، فإنهم لما نفروا إلى نصر العير ~~تعلقوا بأستار الكعبة وقالوا: اللهم انصر أهدى الطائفتين، وأفضل الدينين. ~~المهدوي: وروي أن المشركين خرجوا معهم بأستار الكعبة يستفتحون بها، أي ~~يستنصرون قلت: ولا تعارض لاحتمال أن يكونوا فعلوا الحالتين. (وإن الله مع ~~المؤمنين) بكسر الألف على الاستئناف، وبفتحها عطف على قوله: ms2754 " وأن الله ~~موهن كيد الكافرين ". # أو على قوله: " أني معكم ". والمعنى: ولأن الله، والتقدير لكثرتها وأن ~~الله. أي من كان الله في نصره لم تغلبه فئة وإن كثرت. # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم ~~تسمعون (20) قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله) الخطاب ~~للمؤمنين المصدقين. # أفردهم بالخطاب دون المنافقين إجلالا لهم. جدد الله عليهم الأمر بطاعة ~~الله والرسول ونهاهم عن التولي عنه. هذا قول الجمهور. وقالت فرقة: الخطاب ~~بهذه الآية إنما هو للمنافقين. # والمعنى: يا أيها الذين آمنوا بألسنتهم فقط. قال ابن عطية: وهذا وإنما ~~كان محتملا على بعد فهو ضعيف جدا، لأن (1) الله تعالى وصف من خاطب في هذه ~~الآية بالإيمان. والإيمان التصديق، والمنافقون لا يتصفون من التصديق بشئ. ~~وأبعد من هذا من قال: إن الخطاب لبني إسرائيل، فإنه أجنبي من (2) الآية. # (ولا تولوا عنه) التولي الإعراض. وقال " عنه " ولم يقل عنهما لأن طاعة ~~الرسول طاعته، وهو كقوله تعالى: " والله ورسوله أحق أن يرضوه (3) ". (وأنتم # PageV07P387 # تسمعون) ابتداء وخبر في موضع الحال. والمعنى: وأنتم تسمعون ما يتلى عليكم ~~من الحجج والبراهين في القرآن. # قوله تعالى: ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون (21) إن شر ~~الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون (22) قوله تعالى: (ولا تكونوا ~~كالذين قالوا سمعنا) أي كاليهود أو المنافقين أو المشركين. # وهو من سماع الأذن. (وهم لا يسمعون) أي لا يتدبرون ما سمعوا، ولا يفكرون ~~فيه، فهم بمنزلة من لم يسمع وأعرض عن الحق. نهى المؤمنين أن يكونوا مثلهم. ~~فدلت الآية على أن قول المؤمن: سمعت وأطعت، لا فائدة فيه ما لم يظهر أثر ~~ذلك عليه بامتثال فعله. فإذا قصر في الأوامر فلم يأتها، واعتمد النواهي ~~فاقتحمها فأي سمع عنده وأي طاعة! وإنما يكون حينئذ بمنزلة المنافقين الذي ~~يظهر الإيمان، ويسر الكفر، وذلك هو المراد بقوله: " ولا تكونوا كالذين ~~قالوا سمعنا وهم لا يسمعون ". يعني بذلك المنافقين، أو اليهود أو المشركين، ~~على مما تقدم. ثم أخبر ms2755 تعالى أن الكفار شر ما دب على الأرض. وفي البخاري عن ~~ابن عباس " إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون " قال: هم ~~نفر من بني عبد الدار. # والأصل أشر، حذفت الهمزة لكثرة الاستعمال. وكذا خير، الأصل أخير. # قوله تعالى: ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم ~~معرضون (23) قوله تعالى: (ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم) قيل: الحجج ~~والبراهين، إسماع تفهم. # ولكن سبق علمه بشقاوتهم (ولو أسمعهم) أي لو أفهمهم لما آمنوا بعد علمه ~~الأزلي بكفرهم. وقيل: المعنى لأسمعهم كلام الموتى الذين طلبوا إحياءهم، ~~لأنهم طلبوا إحياء قصي بن كلاب وغيره ليشهدوا بنبوة محمد صلى الله عليه ~~وسلم. الزجاج: لأسمعهم جواب كل ما سألوا عنه. (ولو أسمعهم لتولوا وهم ~~معرضون) إذ سبق في علمه أنهم لا يؤمنون. PageV07P388 # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما ~~يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون (24) فيه ~~ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول) هذا ~~الخطاب للمؤمنين المصدقين بلا خلاف. والاستجابة: الإجابة. و (يحييكم) أصله ~~يحييكم، حذفت الضمة من الياء لثقلها. ولا يجوز الإدغام. قال أبو عبيدة: ~~معنى " استجيبوا " أجيبوا، ولكن عرف الكلام أن يتعدى استجاب بلام، ويتعدى ~~أجاب دون لام. قال الله تعالى: # " يا قومنا أجيبوا داعي الله (1) ". وقد يتعدى استجاب بغير لام، والشاهد ~~له قول الشاعر (2): # وداع دعا يا من يجيب إلى الندى * فلم يستجبه عند ذاك مجيب تقول: أجابه ~~وأجاب عن سؤاله. والمصدر الإجابة. والاسم الجابة، بمنزلة الطاقة والطاعة. ~~تقول: أساء سمعا فأساء إجابة (3). هكذا يتكلم بهذا الحرف. والمجاوبة ~~والتجاوب: # التحاور. وتقول: إنه لحسن الجيبة (بالكسر) أي الجواب. (لما يحييكم) متعلق ~~بقوله: # " استجيبوا ". المعنى: استجيبوا لما يحييكم إذا دعاكم. وقيل: اللام بمعنى ~~إلى، أي إلى ما يحييكم، أي يحيي دينكم ويعلمكم. وقيل: أي إلى ما يحيي به ~~قلوبكم فتوحدوه، وهذا إحياء مستعار، لأنه من موت الكفر والجهل. وقال مجاهد ~~والجمهور: المعنى استجيبوا للطاعة ms2756 وما تضمنه القرآن من أوامر ونواهي، ففيه ~~الحياة الأبدية، والنعمة السرمدية، وقيل: المراد بقوله " لما يحييكم " ~~الجهاد، فإنه سبب الحياة في الظاهر، لأن العدو إذا لم # PageV07P389 # يغز غزا، وفي غزوه الموت، والموت في الجهاد الحياة الأبدية، قال الله عز ~~وجل: # " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء (1) " والصحيح ~~العموم كما قال الجمهور. # الثانية - روى البخاري عن أبي سعيد بن المعلى قال: كنت أصلي في المسجد ~~فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أجبه، ثم أتيته فقلت: يا رسول ~~الله، إني كنت أصلي. فقال: " ألم يقل الله عز وجل " استجيبوا لله وللرسول ~~إذا دعاكم لمما يحييكم " " وذكر الحديث. وقد تقدم في الفاتحة (2). وقال ~~الشافعي رحمه الله: هذا دليل على أن الفعل الفرض أو القول الفرض إذا أتي به ~~في الصلاة لا تبطل، لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإجابة وإن كان في ~~الصلاة. # قلت: وفيه حجة لقول الأوزاعي: لو أن رجلا يصلي فأبصر غلاما يريد أن يسقط ~~في، بئر فصاح به وانصرف إليه وانتهره لم يكن بذلك بأس. والله أعلم. # الثالثة - قوله تعالى: (واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه) قيل: إنه ~~يقتضي النص منه على خلقه تعالى الكفر والإيمان فيحول بين المرء الكافر وبين ~~الإيمان الذي أمره به، فلا يكتسبه إذا لم يقدره عليه بل أقدره على ضده وهو ~~الكفر. وهكذا المؤمن يحول بينه وبين الكفر. فبان بهذا النص أنه تعالى خالق ~~لجميع اكتساب (3) العباد خيرها وشرها. وهذا معنى قوله عليه السلام: " لا، ~~ومقلب القلوب ". وكان فعل الله تعالى ذلك عدلا فيمن أضله وخذله، إذ لم ~~يمنعهم حقا وجب عليه فتزول صفة العدل، وإنما منعهم ما كان له أن يتفضل به ~~عليهم لا ما وجب لهم. قال السدي: يحول بين المرء وقلبه فلا يستطيع أن يؤمن ~~إلا بإذنه، ولا يكفر أيضا إلا بإذنه، أي بمشيئته. والقلب موضع الفكر. # وقد تقدم في " البقرة (4) " بيانه. وهو بيد الله، متى شاء حال بين العبد ~~وبينه بمرض أو آفة ms2757 كيلا يعقل. # أي بادروا إلى الاستجابة قبل ألا تتمكنوا منها بزوال العقل. وقال مجاهد: ~~المعنى يحول بين المرء # PageV07P390 # وعقله حتى لا يدري ما يصنع. وفي التنزيل: " إن في ذلك لذكرى لمن كان له ~~(1) قلب " أي عقل. وقيل: يحول بينه وبينه بالموت، فلا يمكنه استدراك ما ~~فات. وقيل: خاف المسلمون يوم بدر كثرة العدو فأعلمهم الله أنه يحول بين ~~المرء وقلبه بأن يبدلهم بعد الخوف أمنا، ويبدل عدوهم من الأمن خوفا. وقيل: ~~المعنى يقلب الأمور من حال إلى حال، وهذا جامع. واختيار الطبري أن يكون ذلك ~~إخبارا من الله عز وجل بأنه أملك لقلوب العباد منهم، وأنه يحول بينهم ~~وبينها إذا شاء، حتى لا يدرك الإنسان شيئا إلا بمشيئة الله عز وجل. # (وأنه إليه تحشرون) عطف. قال الفراء: ولو استأنفت فكسرت، " وأنه " كان ~~صوابا. # قوله تعالى: واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلوا أن الله ~~شديد العقاب (25) فيه مسألتان: # الأولى - قال ابن عباس: أمر الله المؤمنين ألا يقروا المنكر بين أظهرهم ~~فيعمهم العذاب. وكذلك تأول فيها الزبير بن العوام فإنه قال يوم الجمل، وكان ~~سنة ست وثلاثين: # ما علمت أنا أردنا بهذه الآية إلا اليوم، وما كنت أظنها إلا فيمن خوطب ~~ذلك الوقت. وكذلك تأول الحسن البصري والسدي وغيرهما. قال السدي: نزلت ~~(الآية (2)) في أهل بدر خاصة، فأصابتهم الفتنة يوم الجمل فاقتتلوا. وقال ~~ابن عباس رضي الله عنه: نزلت هذه الآية في أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: وقال: أمر الله المؤمنين ألا يقروا المنكر فيما بينهم فيعمهم الله ~~بالعذاب. وعن حذيفة بن اليمان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يكون ~~بين ناس من أصحابي فتنة يغفرها الله لهم بصحبتهم إياي يستن بهم فيها ناس ~~بعدهم يدخلهم الله بها النار). # قلت: وهذه التأويلات هي التي تعضدها الأحاديث الصحيحة، ففي صحيح مسلم عن ~~زينب بنت جحش أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت له: يا رسول ~~الله، أنهلك وفينا # PageV07P391 # الصالحون؟ قال: (نعم إذا كثر الخبث ms2758 ". وفي صحيح الترمذي: (إن الناس إذا ~~رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده) وقد ~~تقدمت هذه الأحاديث. # وفي صحيح البخاري والترمذي عن النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: " مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا (1) ~~على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها فكان الذين في أسفلها إذا ~~استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم ~~نؤذ من فوقنا فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا وإن أخذوا على أيديهم ~~نجوا ونجوا جميعا ". ففي هذا الحديث تعذيب العامة بذنوب الخاصة. وفيه ~~استحقاق العقوبة بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال علماؤنا: ~~فالفتنة إذا عملت هلك الكل. وذلك عند ظهور المعاصي وانتشار المنكر وعدم ~~التغيير، وإذا لم تغير وجب على المؤمنين المنكرين لها بقلوبهم هجران تلك ~~البلدة والهرب منها. وهكذا كان الحكم فيمن كان قبلنا من الأمم، كما في قصة ~~السبت حين هجروا العاصين وقالوا لا نساكنكم. وبهذا قال السلف رضي الله ~~عنهم. روى ابن وهب عن مالك أنه قال: تهجر الأرض التي يصنع فيها المنكر ~~جهارا ولا يستقر فيها. واحتج بصنيع أبي الدرداء في خروجه عن أرض معاوية حين ~~أعلن بالربا، فأجاز بيع سقاية الذهب بأكثر من وزنها. خرجه الصحيح. وروى ~~البخاري عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا أنزل الله ~~بقوم عذابا أصاب العذاب من كان فيهم ثم بعثوا على أعمالهم ". فهذا يدل على ~~أن الهلاك العام منه ما يكون طهرة للمؤمنين ومنه ما يكون نقمة للفاسقين. ~~وروى مسلم عن عبد الله بن الزبير أن عائشة رضي الله عنها قالت: # عبث (2) رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامه، فقلت: يا رسول الله، ~~صنعت شيئا في منامك لم تكن تفعله؟ فقال: (العجب، إن ناسا من أمتي يؤمون هذا ~~البيت برجل من قريش قد لجأ بالبيت حتى إذا كانوا بالبيداء خسف بهم ". ~~فقلنا: يا رسول الله، إن ms2759 الطريق # PageV07P392 # قد يجمع الناس. قال: " نعم، فيهم المستبصر (1) والمحبور وابن السبيل ~~يهلكون مهلكا واحدا ويصدرون مصادر شتى يبعثهم الله تعالى على نياتهم ". فإن ~~قيل: فقد قال الله تعالى " ولا تزر وازرة وزر أخرى (2) ". " كل نفس بما ~~كسبت رهينة (3) ". " لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت (4) ". وهذا يوجب ألا ~~يؤخذ أحد بذنب أحد، وإنما تتعلق العقوبة بصاحب الذنب. فالجواب أن الناس إذا ~~تظاهروا بالمنكر فمن الفرض على كل من رآه أن يغيره، فإذا سكت (5) عليه ~~فكلهم عاص. هذا بفعله وهذا برضاه. وقد جعل الله في حكمه وحكمته الراضي ~~بمنزلة العامل، فانتظم في العقوبة (6)، قاله ابن العربي. وهو مضمون ~~الأحاديث كما ذكرنا. # ومقصود الآية: واتقوا فتنة تتعدى الظالم، فتصيب الصالح والطالح. # الثانية - واختلف النحاة في دخول النون في " لا تصيبن ". قال الفراء: هو ~~بمنزلة قولك: انزل عن الدابة لا تطرحنك، فهو جواب الأمر بلفظ النهي، أي إن ~~تنزل عنها لا تطرحنك. ومثله قوله تعالى: " ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم (7) ~~". أي إن تدخلوا لا يحطمنكم، فدخلت النون لما فيه من معنى الجزاء. وقيل: ~~لأنه خرج مخرج القسم، والنون لا تدخل إلا على فعل النهي ألا على جواب ~~القسم. وقال أبو العباس المبرد: إنه نهي بعد أمر، والمعنى النهي للظالمين، ~~أي لا تقربن الظلم. وحكى سيبويه: لا أرينك ها هنا، أي لا تكن ها هنا، فإنه ~~من كان ها هنا رأيته. وقال الجرجاني: المعنى اتقوا فتنة تصيب الذين ظلموا ~~خاصة. # فقوله " لا تصيبن " نهي في موضع وصف النكرة، وتأويله الإخبار بإصابتها ~~الذين ظلموا. # وقرأ علي وزيد بن ثابت وأبي وابن مسعود " لتصيبن " بلا ألف. قال المهدوي: ~~من قرأ " لتصيبن " جاز أن يكون مقصورا من " لا تصيبن " حذفت الألف كما حذفت ~~من " ما " وهي أخت " لا " في نحو أم والله لأفعلن، وشبهه. ويجوز أن تكون ~~مخالقة لقراءة الجماعة، فيكون المعنى أنها تصيب الظالم خاصة. # PageV07P393 # قوله تعالى: واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم ~~الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون (26) قوله ~~تعالى: ms2760 (واذكروا إذ أنتم قليل) قال الكلبي: نزلت في المهاجرين، يعني وصف ~~حالهم قبل الهجرة وفي ابتداء الإسلام. (مستضعفون) نعت. (في الأرض) أي أرض ~~مكة. # (تخافون) نعت. (أن يتخطفكم) في موضع نصب. والخطب: الأخذ بسرعة. (الناس) ~~رفع على الفاعل. قتادة وعكرمة: هم مشركو قريش. وهب بن منبه: فارس والروم. # (فآواكم) قال ابن عباس: إلى الأنصار. السدي: إلى المدينة، والمعنى واحد. ~~أوى إليه (بالمد): ضم إليه. وأوى إليه (بالقصر): انضم إليه. (وأيديكم) ~~قواكم. # (بنصره) أي بعونه (1). وقيل: بالأنصار. وقيل: بالملائكة يوم بدر. (ورزقكم ~~من الطيبات) أي الغنائم. (لعلكم تشكرون) قد تقدم معناه (2). # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أمنتكم ~~وأنتم تعلمون (27) روي أنها نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر حين أشار إلى ~~بني قريظة بالذبح. قال أبو لبابة: والله ما زالت قدماي حتى علمت أني قد خنت ~~الله ورسوله، فنزلت هذه الآية. # فلما نزلت شد نفسه إلى سارية من سواري المسجد، وقال: والله لا أذوق طعاما ~~ولا شرابا حتى أموت، أو يتوب الله علي. الخبر مشهور (3). وعن عكرمة قال: ~~لما كان شأن قريظة بعث النبي صلى الله عليه وسلم عليا رضي الله عنه فيمن ~~كان عنده من الناس، فلما انتهى إليهم وقعوا في رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وجاء جبريل عليه السلام على فرس أبلق فقالت عائشة رضي الله عنها: ~~فلكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح الغبار عن وجه # PageV07P394 # جبريل عليهما السلام، فقلت: هذا دحية يا رسول الله؟ فقال: " هذا جبريل ~~عليه السلام ". # قال: " يا رسول الله ما يمنعك من بني قريظة أن تأتيهم)؟ فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " فكيف لي بحصنهم " فقال جبريل: " فإني أدخل فرسي هذا عليهم ". فركب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فرسا معروري (1)، فلما رآه علي رضي الله عنه قال: ~~يا رسول الله، لا عليك ألا تأتيهم، فإنهم يشتمونك. فقال: " كلا إنها ستكون ~~تحية ". فأتاهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (يا إخوة القردة ms2761 والخنازير) ~~فقالوا: يا أبا القاسم، ما كنت فحاشا! فقالوا: لا ننزل على حكم محمد، ولكنا ~~ننزل على حكم سعد بن معاذ، فنزل. فحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ~~ذراريهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بذلك طرقني الملك سحرا ". ~~فنزل فيهم " يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم ~~وأنتم تعلمون ". نزلت في أبي لبابة، أشار إلى بني قريظة حين قالوا: ننزل ~~على حكم سعد بن معاذ، لا تفعلوا فإنه الذبح، وأشار إلى حلقه. وقيل: نزلت ~~الآية في أنهم يسمعون الشئ من النبي صلى الله عليه وسلم فيلقونه إلى ~~المشركين ويفشونه. وقيل: المعنى بغلول الغنائم. ونسبتها إلى الله، لأنه هو ~~(2) الذي أمر بقسمتها. وإلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه المؤدي عن ~~الله عز وجل والقيم بها. والخيانة: الغدر وإخفاء الشئ، ومنه: (يعلم خائنة ~~الأعين (3)) وكان عليه السلام يقول: (اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس ~~الضجيع ومن الخيانة فإنها بئست البطانة). # خرجه النسائي عن أبي هريرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول، ~~فذكره. # (وتخونوا أماناتكم) في موضع جزم، نسقا على الأول. وقد يكون على الجواب، ~~كما يقال: # لا تأكل السمك وتشرب اللبن. والأمانات: الأعمال التي ائتمن الله عليها ~~العباد. وسميت أمانة لأنها يؤمن معها من منع الحق، مأخوذ من الأمن. وقد ~~تقدم في " النساء " القول في أداء الأمانات والودائع (4) وغير ذلك. (وأنتم ~~تعلمون) أي ما في الخيانة من القبح والعار. # وقيل: تعلمون أنها أمانة. # PageV07P395 # قوله تعالى: واعلوا أنما أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم ~~(28) قوله تعالى: (واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة) كان لأبي لبابة ~~أموال وأولاد في بني قريظة: وهو الذي حمله على ملاينتهم، فهذا إشارة إلى ~~ذلك. (فتنة) أي اختبار، امتحنهم بها. (وأن الله عنده أجر عظيم) فآثروا حقه ~~على حقكم. # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر ~~عنكم سيأتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم (29) قد تقدم معنى " التقوى ~~". وكان الله ms2762 عالما بأنهم يتقون أم لا يتقون. فذكر بلفظ الشرط، لأنه خاطب ~~العباد بما يخاطب بعضهم بعضا. فإذا اتقى العبد ربه - وذلك باتباع أوامره ~~واجتناب نواهيه - وترك الشبهات مخافة الوقوع في المحرمات، وشحن قلبه بالنية ~~الخالصة، وجوارحه بالأعمال الصالحة، وتحفظ من شوائب الشرك الخفي والظاهر ~~بمراعاة غير الله في الأعمال، والركون إلى الدنيا بالعفة عن المال، جعل له ~~بين الحق والباطل فرقانا، ورزقه فيما يريد من الخير إمكانا. قال ابن وهب: ~~سألت مالكا عن قوله سبحانه وتعالى: # " إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا " قال: مخرجا، ثم قرأ " ومن يتق الله ~~يجعل له مخرجا (1) " . وحكى ابن القاسم وأشهب عن مالك مثله سواء، وقاله ~~مجاهد قبله. وقال الشاعر: # مالك من طول الأسى فرقان * بعد قطين رحلوا وبانوا وقال آخر: # وكيف أرجي الخلد والموت طالبي * وما لي من كأس المنية فرقان ابن إسحاق: " ~~فرقانا " فصلا بين الحق والباطل، وقال ابن زيد. السدي: نجاة. الفراء: # فتحا ونصرا. وقيل: في الآخرة، فيدخلكم الجنة ويدخل الكفار النار. # PageV07P396 # قوله تعالى: وإذا يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ~~ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين (30) هذا إخبار بما اجتمع عليه ~~المشركون من المكر بالنبي صلى الله عليه وسلم في دار الندوة، فاجتمع رأيهم ~~على قتله فبيتوه، ورصدوه على باب منزل طول ليلتهم ليقتلوه إذا خرج، فأمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب أن ينام على فراشه، ودعا الله عز ~~وجل أن يعمى عليهم أثره، فطمس الله على أبصارهم، فخرج وقد غشيهم النوم، ~~فوضع على رؤوسهم ترابا ونهض. فلما أصبحوا خرج عليهم علي فأخبرهم أن ليس في ~~الدار أحد، فعلموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فات ونجا. الخبر ~~مشهور في السيرة وغيرها. ومعنى " ليثبتوك " ليحبسوك، يقال: أثبته إذا ~~حبسته. وقال قتادة: " ليثبتوك " وثاقا. وعنه أيضا وعبد الله بن كثير: ~~ليسجنوك. وقال أبان بن تغلب وأبو حاتم: ليثخنوك بالجراحات والضرب الشديد. ~~قال الشاعر: # فقلت ويحكما ما في صحيفتكم * قالوا الخليفة أمسى مثبتا وجعا ms2763 (أو يقتلوك ~~أو يخرجوك) عطف. (ويمكرون) مستأنف. والمكر: التدبير في الأمر في خفية. # (والله خير الماكرين) ابتداء وخبر. والمكر من الله هو جزاؤهم بالعذاب على ~~مكرهم من حيث لا يشعرون. # قوله تعالى: وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل ~~هذا إن هذا إلا أساطير الأولين (31) نزلت في النضر بن الحارث، كان خرج إلى ~~الحيرة في التجارة فاشترى أحاديث كليلة ودمنة، وكسرى وقيصر، فلما قص رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أخبار من مضى قال النضر: لو شئت لقلت مثل هذا. ~~وكان هذا وقاحة وكذبا. وقيل: إنهم توهموا أنهم PageV07P397 # يأتون بمثله، كما توهمت سحرة موسى، ثم راموا ذلك فعجزوا عنه وقالوا ~~عنادا: إن هذا إلا أساطير الأولين. وقد تقدم (1). # قوله تعالى: وإذا قالوا اللهم إن كان هذا الحق من عندك فأمطر علينا حجارة ~~من السماء أو ائتنا بعذاب أليم (32) القراء على نصب " الحق " على خبر ~~(كان). ودخلت (هو) للفصل. ويجوز (هو الحق) بالرفع. (من عندك) قال الزجاج: ~~ولا أعلم أحدا قرأ بها. ولا اختلاف بين النحويين في إجازتها ولكن القراءة ~~سنة، لا يقرأ فيها إلا بقراءة مرضية. واختلف فيمن قال هذه المقالة، فقال ~~مجاهد وابن جبير: قائل هذا هو النضر بن الحارث. أنس بن مالك: قائله أبو ~~جهل، رواه البخاري ومسلم. ثم يجوز أن يقال: قالوه لشبهة كانت في صدورهم، أو ~~على وجه العناد والإبهام على الناس أنهم على بصيرة، ثم حل بهم يوم بدر ما ~~سألوا حكي أن ابن عباس لقيه رجل من اليهود، فقال اليهودي: ممن أنت؟ قال: من ~~قريش. فقال: أنت من القوم الذين قالوا: " اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك ~~" الآية. فهلا عليهم أن يقولوا: إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا له! إن ~~هؤلاء قوم يجهلون. قال ابن عباس: وأنت يا إسرائيلي، من القوم الذين لم تجف ~~أرجلهم من بلل البحر الذي أغرق فيه فرعون وقومه، وأنجى موسى وقومه، حتى ~~قالوا: " اجعل لنا إلها كما لهم آلهة (2) " فقال لهم ms2764 موسى: " إنكم قوم ~~تجهلون " فأطرق اليهودي مفحما. (فأمطر) أمطر في العذاب. ومطر في الرحمة، عن ~~أبي عبيدة. وقد تقدم. # قوله تعالى: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم ~~يستغفرون (33) # PageV07P398 # لما قال أبو جهل: " اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك " الآية، نزلت " ~~وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم " كذا في صحيح مسلم. وقال ابن عباس: لم ~~يعذب أهل قرية حتى يخرج النبي صلى الله عليه وسلم منها والمؤمنون، يلحقوا ~~بحيث أمروا. (وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون) ابن عباس: كانوا يقولون في ~~الطواف: غفرانك. والاستغفار وإن وقع من الفجار يدفع به ضرب من الشرور ~~والإضرار. وقيل: إن الاستغفار راجع إلى المسلمين الذين هم بين أظهرهم. أي ~~وما كان الله معذبهم وفيهم من يستغفر من المسلمين، فلما خرجوا عذبهم الله ~~يوم بدر وغيره،. قاله الضحاك وغيره. وقيل: إن الاستغفار هنا يراد به ~~الإسلام. أي " وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون " أي يسلمون، قاله مجاهد ~~وعكرمة. # وقيل: " وهم يستغفرون " أي في أصلابهم من يستغفر الله. روي عن مجاهد ~~أيضا. # وقيل: معنى " يستغفرون " لو استغفروا. أي لو استغفروا لم يعذبوا. ~~استدعاهم إلى الاستغفار، قاله قتادة وابن زيد. وقال المدائني عن بعض ~~العلماء قال: كان رجل من العرب في زمن النبي صلى الله عليه وسلم مسرفا على ~~نفسه، لم يكن يتحرج، فلما أن توفي النبي صلى الله عليه وسلم لبس الصوف ورجع ~~عما كان عليه، وأظهر الدين والنسك. # فقيل له: لو فعلت هذا والنبي صلى الله عليه وسلم حي لفرح بك. قال: كان لي ~~أمانان، فمضى واحد وبقي الآخر، قال الله تبارك وتعالى: " وما كان الله ~~ليعذبهم وأنت فيهم " فهذا أمان. والثاني " وما كان الله معذبهم وهم ~~يستغفرون ". # قوله تعالى: وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما ~~كانوا أولياءه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون (34) قوله تعالى: (وما ~~لهم ألا يعذبهم الله) المعنى: وما يمنعهم من أن يعذبوا. أي إنهم مستحقون ~~العذاب لما ارتكبوا من ms2765 القبائح والأسباب، ولكن لكل أجل كتاب، فعذبهم الله ~~PageV07P399 # بالسيف بعد خروج النبي صلى الله عليه وسلم. وفي ذلك نزلت: " سأل سائل ~~بعذاب واقع (1) " وقال الأخفش: إن " أن " زائدة. قال النحاس: لو كان كما ~~قال لرفع " يعذبهم ". # " ولكن أكثرهم لا يعلمون " أي إن المتقين أولياؤه. # قوله تعالى: وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية فذوقوا العذاب بما ~~كنتم تكفرون (35) إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله ~~فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون ~~(36) ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا ~~فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون (37) قال ابن عباس: كانت قريش تطوف ~~بالبيت عراة، يصفقون ويصفرون، فكان ذلك عبادة في ظنهم والمكاء: الصفير. ~~والتصدية: التصفيق، قاله مجاهد والسدي وابن عمر رضي الله عنهم. ومنه قول ~~عنترة: # وحليل غانية تركت مجدلا * تمكو فريصته كشدق الأعلم (2) أي تصوت. ومنه مكت ~~است الدابة إذا نفخت بالريح. قال السدي: المكاء الصفير، على لحن (3) طائر ~~أبيض بالحجاز يقال له المكاء. قال الشاعر: # إذا غرد المكاء في غير روضة * فويل لأهل الشاء والحمرات قتادة: المكاء ~~ضرب بالأيدي، والتصدية صياح. وعلى التفسيرين ففيه رد على الجهال من الصوفية ~~الذين يرقصون ويصفقون (ويصعقون (4)). وذلك كله منكر يتنزه عن مثله العقلاء، ~~ويتشبه فاعله بالمشركين فيما كانوا يفعلونه عند البيت. وروى ابن جريج وابن ~~أبي نجيح عن مجاهد أنه # PageV07P400 # قال: المكاء إدخالهم أصابعهم في أفواههم. والتصدية: الصفير، يريدون أن ~~يشغلوا بذلك محمدا صلى الله عليه وسلم عن الصلاة. قال النحاس: المعروف في ~~اللغة ما روي عن ابن عمر. # حكى أبو عبيد وغيره أنه يقال: مكا يمكو ومكاء إذا صفر. وصدى يصدي تصدية ~~إذا صفق، ومنه قول عمرو بن الإطنابة (1): # وظلوا جميعا لهم ضجة * مكاء لدى البيت بالتصدية أي بالتصفيق. سعيد بن ~~جبير وابن زيد: معنى التصدية صدهم عن البيت، فالأصل على هذا تصدده، فأبدل ~~من أحد الدالين ياء. (ليميز الله الخبيث من الطيب) أي المؤمن من الكافر. ~~وقيل: ms2766 هو عام في كل شئ، من الأعمال والنفقات وغير ذلك. # قوله تعالى: قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد ~~مضت سنت الأولين (38) فيه مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (قل للذين كفروا) أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~يقول للكفار هذا المعنى، وسواء قال بهذه العبارة أو غيرها. قال ابن عطية: ~~ولو كان كما ذكر الكسائي أنه في مصحف عبد الله بن مسعود " قل للذين كفروا ~~إن تنتهوا يغفر لكم " لما تأدت الرسالة إلا بتلك الألفاظ بعينها، هذا بحسب ~~ما تقتضيه الألفاظ. # الثانية - قوله تعالى: (إن ينتهوا) يريد عن الكفر. قال ابن عطية: ولا بد، ~~والحامل على ذلك جواب الشرط " يغفر لهم ما قد سلف " ومغفرة ما قد سلف لا ~~تكون إلا لمنته عن الكفر. ولقد أحسن القائل أبو سعيد أحمد بن محمد الزبيري: # يستوجب العفو الفتى إذا اعترف * ثم انتهى عما أتاه واقترف لقوله سبحانه ~~في المعترف * إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف # PageV07P401 # روى مسلم عن أبي شماسة المهري قال: حضرنا عمرو بن العاص وهو في سياقة ~~الموت يبكي طويلا. الحديث. وفيه: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أما ~~علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها وأن الحج ~~يهدم ما كان قبله " الحديث. قال ابن العربي: هذه لطيفة من الله سبحانه من ~~بها على الخلق، وذلك أن الكفار يقتحمون الكفر والجرائم، ويرتكبون المعاصي ~~والمآثم، فلو كان ذلك يوجب مؤاخذة لهم لما استدركوا أبدا توبة ولا نالتهم ~~مغفرة. فيسر الله تعالى عليهم قبول التوبة عند الإنابة، وبذل المغفرة ~~بالإسلام، وهدم جميع ما تقدم، ليكون ذلك أقرب لدخولهم في الدين، وأدعى إلى ~~قبولهم لكلمة المسلمين، ولو علموا أنهم يؤاخذون لما تابوا ولا أسلموا. وفي ~~صحيح مسلم: أن رجلا فيمن كان قبلكم قتل تسعة وتسعين نفسا ثم سأل هل له من ~~توبة فجاء عابدا فسأل هل له من توبة فقال: لا توبة لك فقتله فكمل به مائة، ~~الحديث. فانظروا إلى ms2767 قول العابد: لا توبة لك، فلما علم أنه قد أيئسه قتله، ~~فعل الآيس من الرحمة. فالتنفير مفسدة للخليفة، والتيسير مصلحة لهم. وروي عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان إذا جاء إليه رجل لم يقتل فسأل: هل لقاتل ~~من توبة؟ فيقول: لا توبة، تخويفا وتحذيرا. فإذا جاءه من قتل فسأله: # هل لقاتل من توبة؟ قال له: لك توبة، تيسيرا وتأليفا. وقد تقدم. # الثالثة - قال ابن القاسم وابن وهب عن مالك فيمن طلق في الشرك ثم أسلم: # فلا طلاق له. وكذلك من حلف فأسلم فلا حنث عليه. وكذا من وجبت عليه هذه ~~الأشياء، فذلك مغفور له. فأما من افترى على مسلم ثم أسلم أو سرق ثم أسلم ~~أقيم عليه الحد للفرية والسرقة. # ولو زنى وأسلم، أو اغتصب مسلمة سقط عنه الحد. وروى أشهب عن مالك أنه قال: ~~إنما يعني الله عز وجل ما قد مضى قبل الإسلام، من مال أو دم أو شئ. قال ابن ~~العربي: # وهذا هو الصواب، لما قدمناه من عموم قوله تعالى: " قل للذين كفروا إن ~~ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف "، وقوله: (الإسلام يهدم ما قبله)، وما بيناه من ~~المعنى من التيسير وعدم التنفير. # قلت: أما الكافر الحربي فلا خلاف في إسقاط ما فعله في حال كفره في دار ~~الحرب. # وأما إن دخل إلينا بأمان فقذف مسلما فإنه يحد، وإن سرق قطع. وكذلك الذمي ~~إذا قذف PageV07P402 # حد ثمانين، وإذا سرق قطع، وإن قتل قتل. ولا يسقط الإسلام ذلك عنه لنقضه ~~العهد حال كفره، على رواية ابن القاسم وغيره. قال ابن المنذر: واختلفوا في ~~النصراني يزني ثم يسلم، وقد شهدت عليه بينة من المسلمين، فحكي عن الشافعي ~~رضي الله عنه إذ هو بالعراق لا حد عليه ولا تغريب، لقول الله عز وجل: " قل ~~للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف " قال ابن المنذر: وهذا موافق ~~لما روي عن مالك. وقال أبو ثور: إذا أقر وهو مسلم أنه زنى وهو كافر أقيم ~~عليه الحد. وحكي عن ms2768 الكوفي أنه قال: لا يحد. # الرابعة - فأما المرتد إذا أسلم وقد فاتته صلوات، وأصاب جنايات وأتلف ~~أموالا، فقيل: حكمه حكم الكافر الأصلي إذا أسلم، لا يؤخذ بشئ مما أحدثه في ~~حال ارتداده. # وقال الشافعي في أحد قوليه: يلزمه كل حق لله عز وجل وللآدمي، بدليل أن ~~حقوق الآدميين تلزمه فوجب أن تلزمه حقوق الله تعالى. وقال أبو حنيفة: ما ~~كان لله يسقط، وما كان للآدمي لا يسقط. قال ابن العربي: وهو قول علمائنا، ~~لأن الله تعالى مستغن عن حقه، والآدمي مفتقر إليه. ألا ترى أن حقوق الله عز ~~وجل لا تجب على الصبي وتلزمه حقوق الآدميين. قالوا: وقوله تعالى: " قل ~~للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف " عام في الحقوق لله تعالى. # الخامسة - قوله تعالى: (وإن يعودوا) يريد إلى القتال، لأن لفظة " عاد " ~~إذا جاءت مطلقة فإنما تتضمن الرجوع إلى حالة كان الإنسان عليها ثم انتقل ~~عنها. قال ابن عطية: ولسنا نجد في هذه الآية لهؤلاء الكفار حالة تشبه ما ~~ذكرنا إلا القتال. ولا يجوز أن يتأول إلى الكفر، لأنهم لم ينفصلوا عنه، ~~وإنما قلنا ذلك في " عاد " إذا كانت مطلقة لأنها قد تجئ في كلام العرب ~~داخلة على الابتداء والخبر، فيكون معناها معنى صار، كما تقول: # عاد زيد ملكا، يريد صار، ومنه قول أمية بن أبي الصلت: # تلك المكارم لا قعبان من لبن * شيبا بماء فعادا بعد أبوالا وهذه لا تتضمن ~~الرجوع إلى حالة قد كان العائد عليها قبل. فهي مقيدة بخبرها لا يجوز ~~الاقتصار دونها، فحكمها حكم صار. PageV07P403 # قوله تعالى: (فقد مضت سنة الأولين) عبارة تجمع الوعيد والتهديد والتمثيل ~~بمن هلك من الأمم في سالف الدهر بعذاب الله. # قوله تعالى: وقتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا ~~فإن الله بما يعملون بصير (39) وإن تولوا فاعلموا أن الله موليكم نعم ~~المولى ونعم النصير (40) قوله تعالى: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة) أي كفر. ~~إلى آخر الآية تقدم معناها وتفسير ألفاظها في البقرة (1) وغيرها والحمد ms2769 ~~لله. # PageV07P404 # مصححه أبو إسحاق إبراهيم أطفيش * * * تم الجزء السابع من تفسير القرطبي ~~يتلوه إن شاء الله تعالى الجزء الثامن، وأوله قوله تعالى: " واعلموا أنما ~~غنمتم من شئ " بعون الله وجميل توفيقه قد تم طبع الجزء السابع من " تفسير ~~القرطبي " PageV07P405 # الجامع لاحكام القرآن لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي الجزء ~~الثامن أعاد طبعه دار احياء التراث العربي بيروت - لبنان 1405 ه‍ 1985 م ~~بسم الله الرحمن الرحيم تفسير بقية سورة الأنفال قوله تعالى: وأعلموا أنما ~~غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن ~~السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى ~~الجمعان والله على كل شئ قدير (41) قوله تعالى: (واعلموا أنما غنمتم من شئ ~~فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى وابن السبيل إن كنتم آمنتم ~~بالله). فيه ست (1) وعشرون مسألة: # الأولى: قوله تعالى " وأعلموا أنما غنمتم من شئ " الغنيمة في اللغة ما ~~يناله الرجل أو الجماعة بسعي، ومن ذلك قول الشاعر: # وقد طوفت في الآفاق حتى * رضيت من الغنيمة بالإياب وقال آخر: # ومطعم الغنم يوم الغنم مطعمه * أنى توجه والمحروم محروم والمغنم والغنيمة ~~بمعنى، يقال: غنم القوم غنما. وأعلم أن الاتفاق حاصل على أن المراد بقوله ~~تعالى: " غنمتم من شئ " مال الكفار إذا ظفر به المسلمون على وجه الغلبة ~~والقهر. # ولا تقتضي اللغة هذا التخصيص على ما بيناه (2)، ولكن عرف الشرع قيد اللفظ ~~بهذا النوع. # وسمى الشرع الواصل من الكفار إلينا من الأموال باسمين: غنيمة وفيئا. ~~فالشئ الذي يناله المسلمون من عدوهم بالسعي وإيجاف (3) الخيل والركاب يسمى ~~غنيمة. ولزم هذا الاسم هذا # PageV08P001 # المعنى حتى صار عرفا. والفئ مأخوذ من فاء يفئ إذا رجع، وهو كل مال دخل ~~على المسلمين من غير حرب ولا إيجاف. كخراج الأرضين وجزية الجماجم وخمس ~~الغنائم. ونحو هذا قال سفيان الثوري وعطاء بن السائب. وقيل: إنهما واحد، ~~وفيهما الخمس، قاله قتادة. # وقيل: الفئ عبارة عن كل ما صار للمسلمين من الأموال بغير قهر. والمعنى ~~متقارب. ms2770 # الثانية - هذه الآية ناسخة لأول السورة، عند الجمهور. وقد ادعى ابن عبد ~~البر الاجماع على أن هذه الآية نزلت بعد قوله: " يسألونك عن الأنفال " ~~[الأنفال: 1] وأن أربعة أخماس الغنيمة مقسومة على الغانمين، على ما يأتي ~~بيانه. وأن قوله: " يسألونك عن الأنفال " نزلت في حين تشاجر أهل بدر في ~~غنائم بدر، على ما تقدم أول السورة. # قلت: ومما يدل على صحة هذا ما ذكره إسماعيل بن إسحاق قال: حدثنا محمد بن ~~كثير قال حدثنا سفيان قال حدثني محمد بن السائب عن أبي صالح عن ابن عباس ~~قال: (لما كان يوم بدر قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من قتل قتيلا فله ~~كذا ومن أسر أسيرا فله كذا) وكانوا قتلوا سبعين، وأسروا سبعين، فجاء أبو ~~اليسر بن عمرو بأسيرين، فقال: يا رسول الله إنك وعدتنا من قتل قتيلا فله ~~كذا، وقد جئت بأسيرين. فقام سعد فقال: يا رسول الله، إنا لم يمنعنا زيادة ~~في الاجر ولا جبن عن العدو ولكنا قمنا هذا المقام خشية أن يعطف المشركون، ~~فإنك إن تعطي هؤلاء لا يبقى لأصحابك شئ. قال: وجعل هؤلاء يقولون وهؤلاء ~~يقولون فنزلت " يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله ~~وأصلحوا ذات بينكم " [الأنفال: 1] فسلموا الغنيمة لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ثم نزلت " وأعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه " الآية. وقد قيل: ~~إنها محكمة غير منسوخة، وأن الغنيمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وليست ~~مقسومة بين الغانمين، وكذلك لمن بعده من الأئمة. كذا حكاه المازري عن كثير ~~من أصحابنا، رضي الله عنهم، وأن للامام أن يخرجها عنهم. واحتجوا بفتح مكة ~~وقصة حنين. # وكان أبو عبيد يقول: افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عنوة ومن ~~على أهلها فردها عليهم ولم يقسمها ولم يجعلها عليهم فيئا. ورأى بعض الناس ~~أن هذا جائز للأئمة بعده. PageV08P002 # قلت: وعلى هذا يكون معنى قوله تعالى: " واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله ~~خمسه " والأربعة الأخماس للامام، إن شاء حبسها وإن شاء ms2771 قسمها بين الغانمين. ~~وهذا ليس بشئ، لما ذكرناه، ولأن الله سبحانه أضاف الغنيمة للغانمين فقال: " ~~وأعلموا أنما غنمتم من شئ " ثم عين الخمس لمن سمى في كتابه، وسكت عن ~~الأربعة الأخماس، كما سكت عن الثلثين في قوله: " وورثه أبواه فلأمه الثلث " ~~(1) [النساء: 11] فكان للأب الثلثان اتفاقا. وكذا الأربعة الأخماس للغانمين ~~إجماعا، على ما ذكره ابن المنذر وابن عبد البر والداودي والمازري أيضا ~~والقاضي عياض وابن العربي. والاخبار بهذا المعنى متظاهرة، وسيأتي بعضها. ~~ويكون معنى قوله: " يسئلونك عن الأنفال " الآية، ما ينفله الامام لمن شاء ~~لما يراه من المصلحة قبل القسمة. وقال عطاء والحسن: هي مخصوصة بما شذ من ~~المشركين إلى المسلمين، من عبد أو أمة أو دابة، يقضي فيها الامام بما أحب. ~~وقيل: المراد بها أنفال السرايا أي غنائمها، إن شاء خمسها الامام، وإن شاء ~~نفلها كلها. وقال إبراهيم النخعي في الامام يبعث السرية فيصيبون المغنم: إن ~~شاء الامام نفله كله، وإن شاء خمسه. وحكاه أبو عمر عن مكحول وعطاء. قال علي ~~بن ثابت: سألت مكحول وعطاء عن الامام ينفل القوم ما أصابوا، قال: ذلك لهم. ~~قال أبو عمر: من ذهب إلى هذا تأول قول الله عز وجل: " يسألونك عن الأنفال ~~قل الأنفال لله والرسول " [الأنفال: 1] أن ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ~~يضعها حيث شاء. ولم ير أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: # " واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه ". وقيل: غير هذا مما قد أتينا ~~عليه في كتاب (القبس في شرح موطأ مالك بن أنس). ولم يقل أحد من العلماء ~~فيما أعلم أن قوله تعالى " يسئلونك عن الأنفال " الآية، ناسخ لقوله: " ~~وأعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه " بل قال الجمهور على ما ذكرنا: إن ~~قوله: " ما غنمتم " ناسخ، وهم الذين لا يجوز عليهم التحريف ولا التبديل ~~لكتاب الله تعالى. وأما قصة فتح مكة فلا حجة فيها لاختلاف العلماء في ~~فتحها. # وقد قال أبو عبيد: ولا نعلم مكة يشبهها شئ من البلدان من جهتين: إحداهما ~~أن ms2772 رسول # PageV08P003 # الله صلى الله عليه وسلم كان الله قد خصه من الأنفال والغنائم ما لم ~~يجعله لغيره، وذلك لقوله: # " يسألونك عن الأنفال " [الأنفال: 1] الآية، فنرى أن هذا كان خاصا له. ~~والجهة الأخرى أنه سن لمكة سننا ليست لشئ من البلاد. وأما قصة حنين فقد عوض ~~الأنصار لما قالوا: يعطي الغنائم قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم! ~~فقال لهم: (أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا وترجعون برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى بيوتكم). خرجه مسلم وغيره. وليس لغيره أن يقول هذا القول، مع ~~أن ذلك خاص به على ما قاله بعض علمائنا. والله أعلم. # الثالثة - لم يختلف العلماء أن قوله: " وأعلموا أنما غنمتم من شئ " ليس ~~على عمومه، وأنه يدخله الخصوص، فمما خصصوه بإجماع أن قالوا: سلب المقتول ~~لقاتله إذا نادى به الامام. وكذلك الرقاب، أعني الأسارى، الخيرة فيها إلى ~~الامام بلا خلاف، على ما يأتي بيانه. ومما خص به أيضا الأرض. والمعنى: ما ~~غنمتم من ذهب وفضة وسائر الأمتعة والسبي. # وأما الأرض فغير داخلة في عموم هذه الآية، لما روى أبو داود عن عمر بن ~~الخطاب أنه قال: (لولا أخر الناس ما فتحت قرية إلا قسمتها كما قسم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم خيبر). # ومما يصحح هذا المذهب ما رواه الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # (منعت العراق قفيزها ودرهمها ومنعت الشام مدها ودينارها) الحديث. قال ~~الطحاوي: # " منعت " بمعنى ستمنع، فدل ذلك على أنها لا تكون للغانمين، لان ما ملكه ~~الغانمون لا يكون فيه قفيز ولا درهم، ولو كانت الأرض تقسم ما بقي لمن جاء ~~بعد الغانمين شئ. والله تعالى يقول: # " والذين جاءوا من بعدهم " (1) [الحشر: 10] بالعطف على قوله: " للفقراء ~~المهاجرين " [الحشر: 8]. قال: وإنما يقسم ما ينقل من موضع إلى موضع. وقال ~~الشافعي: كل ما حصل من الغنائم من أهل دار الحرب من شئ قل أو كثر من دار أو ~~أرض أو متاع أو غير ذلك قسم، إلا الرجال البالغين فإن الامام فيهم ms2773 مخير أن ~~يمن أو يقتل أو يسبي. وسبيل ما أخذ منهم وسبي سبيل الغنيمة. واحتج بعموم ~~الآية. قال: والأرض مغنومة لا محالة، فوجب أن تقسم كسائر الغنائم. وقد قسم # PageV08P004 # رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أفتتح عنوة من خيبر. قالوا: ولو جاز أن ~~يدعى الخصوص في الأرض جاز أن يدعى في غير الأرض فيبطل حكم الآية. وأما آية ~~" الحشر " فلا حجة فيها، لان ذلك إنما هو في الفئ لا في الغنيمة. وقوله: " ~~والذين جاءوا من بعدهم " [الحشر: 10] استئناف كلام بالدعاء لمن سبقهم ~~بالايمان لا لغير ذلك. قالوا: وليس يخلو فعل عمر في توقيفه الأرض من أحد ~~وجهين: إما أن تكون غنيمة استطاب أنفس أهلها، وطابت بذلك فوقفها. # وكذلك روى جرير أن عمر استطاب أنفس أهلها. وكذلك صنع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في سبي هوازن، لما أتوه استطاب أنفس أصحابه عما كان في أيديهم. ~~وإما أن يكون ما وقفه عمر فيئا فلم يحتج إلى مراضاة أحد. وذهب الكوفيون إلى ~~تخيير الامام في قسمها أو إقرارها وتوظيف الخراج عليها، وتصير ملكا لهم ~~كأرض الصلح: قال شيخنا أبو العباس رضي الله عنه: وكأن هذا جمع بين الدليلين ~~ووسط بين المذهبين، وهو الذي فهمه عمر رضي الله عنه قطعا، ولذلك قال: لولا ~~أخر الناس، فلم يخبر بنسخ فعل النبي صلى الله عليه وسلم ولا بتخصيصه بهم، ~~غير أن الكوفيين زادوا على ما فعل عمر، فإن عمر إنما وقفها على مصالح ~~المسلمين ولم يملكها لأهل الصلح، وهم الذين قالوا للامام أن يملكها لأهل ~~الصلح. # الرابعة - ذهب مالك وأبو حنيفة والثوري إلى أن السلب ليس للقاتل، وأن ~~حكمه حكم الغنيمة، إلا أن يقول الأمير: من قتل قتيلا فله سلبه، فيكون حينئذ ~~له. وقال الليث والأوزاعي والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد والطبري وابن ~~المنذر: السلب للقاتل على كل حال، قاله الامام أو لم يقله. إلا أن الشافعي ~~رضي الله عنه قال: إنما يكون السلب للقاتل إذا قتل قتيلا مقبلا عليه: وأما ~~إذا قتله ms2774 مدبرا عنه فلا. قال أبو العباس بن سريج من أصحاب الشافعي: ليس ~~الحديث (من قتل قتيلا فله سلبه) على عمومه، لاجماع العلماء على أن من قتل ~~أسيرا أو امرأة أو شيخا أنه ليس له سلب واحد منهم. وكذلك من ذفف (1) على ~~جريح، ومن قتل من قطعت يداه ورجلاه. قال: وكذلك المنهزم لا يمتنع في ~~انهزامه، وهو # PageV08P005 # كالمكتوف (1). قال: فعلم بذلك أن الحديث إنما جعل السلب لمن لقتله معنى ~~زائد، أو لمن في قتله فضيلة، وهو القاتل في الاقبال، لما في ذلك من المؤنة. ~~وأما من أثخن (2) فلا. # وقال الطبري: السلب للقاتل، مقبلا قتله أو مدبرا، هاربا أو مبارزا إذا ~~كان في المعركة. # وهذا يرده ما ذكره عبد الرزاق ومحمد بن بكر عن ابن جريج قال سمعت نافعا ~~مولى ابن عمر يقول: لم نزل نسمع إذا التقى المسلمون والكفار فقتل رجل من ~~المسلمين رجلا من الكفار فإن سلبه له إلا أن يكون في معمعة القتال، لأنه ~~حينئذ لا يدري من قتل قتيلا. فظاهر هذا يرد قول الطبري لاشتراطه في السلب ~~القتل في المعركة خاصة. وقال أبو ثور وابن المنذر: # السلب للقاتل في معركة كان أو غير معركة، في الاقبال والادبار والهروب ~~والانتهار، على كل الوجوه، لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (من قتل قتيلا ~~فله سلبه). # قلت: روى مسلم عن سلمة بن الأكوع قال: (غزونا مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم هوازن فبينا نحن نتضحى (3) مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء ~~رجل على جمل أحمر فأناخه، ثم انتزع طلقا من حقبه (4) فقيد به الجمل، ثم ~~تقدم يتغدى مع القوم، وجعل ينظر، وفينا ضعفة ورقة في الظهر (5)، وبعضنا ~~مشاة، إذ خرج يشتد (6)، فأتى جمله فأطلق قيده ثم أناخه وقعد عليه فأثاره ~~فاشتد به الجمل، فاتبعه رجل على ناقة ورقاء (7). قال سلمة: وخرجت أشتد فكنت ~~عند ورك الناقة، ثم تقدمت حتى كنت عند ورك الجمل، ثم تقدمت حتى أخذت بخطام ~~الجمل فأنخته، فلما وضع ركبته في الأرض اخترطت سيفي ms2775 فضربت رأس الرجل فندر ~~(8)، ثم جئت بالجمل أقوده، عليه رحله وسلاحه، فاستقبلني رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم والناس معه فقال: (من قتل الرجل)؟ قالوا: ابن الأكوع. قال: (له ~~سلبه أجمع). فهذا سلمة قتله هاربا غير مقبل، وأعطاه سلبه. وفيه حجة لمالك ~~من أن السلب لا يستحقه القاتل # PageV08P006 # إلا بإذن الامام، إذ لو كان واجبا له بنفس القتل لما احتاج إلى تكرير هذا ~~القول. # ومن حجته أيضا ما ذكره أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا أبو الأحوص عن ~~الأسود بن قيس عن بشر بن علقمة قال: بارزت رجلا يوم القادسية فقتلته وأخذت ~~سلبه، فأتيت سعدا فخطب سعد أصحابه ثم قال: هذا سلب بشر بن علقمة، فهو خير ~~من أثني عشر ألف درهم، وإنا قد نفلناه إياه. فلو كان السلب للقاتل قضاء من ~~النبي صلى الله عليه وسلم ما احتاج الامر أن يضيفوا ذلك إلى أنفسهم ~~باجتهادهم، ولآخذه القاتل دون أمرهم. والله أعلم. وفي الصحيح أن معاذ بن ~~عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء ضربا أبا جهل بسيفيهما حتى قتلاه، فأتيا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (أيكما قتله)؟ فقال كل واحد منهما: أنا ~~قتلته. # فنظر في السيفين فقال: (كلا كما قتله) وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن ~~الجموح، وهذا نص على أن السلب ليس للقاتل، إذ لو كان له لقسمه النبي صلى ~~الله عليه وسلم بينهما. وفي الصحيح أيضا عن عوف بن مالك قال: خرجت مع من ~~خرج مع زيد بن حارثة في غزوة مؤتة، ورافقني مددي (1) من اليمن. وساق ~~الحديث، وفيه: فقال عوف: يا خالد، أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قضى بالسلب للقاتل؟ قال: بلى، ولكني استكثر ته. # وأخرجه أبو بكر البر قاني بإسناده الذي أخرجه به مسلم، وزاد فيه بيانا أن ~~عوف بن مالك قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يخمس السلب، وإن ~~مدديا كان رفيقا لهم في غزوة مؤتة في طرف من الشام، قال: فجعل رومي منهم ms2776 ~~يشتد على المسلمين وهو على فرس أشقر وسرج مذهب ومنطقة ملطخة وسيف محلى ~~بذهب. قال: فيغري بهم، قال: فتلطف له المددي حتى مر به فضرب عرقوب فرسه ~~فوقع، وعلاه بالسيف فقتله وأخذ سلاحه. # قال: فأعطاه خالد بن الوليد وحبس منه، قال عوف: فقلت له أعطه كله، أليس ~~قد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (السلب للقاتل)! قال: بلى، ~~ولكني استكثرته. قال عوف: وكان بيني وبينه كلام، فقلت له: لأخبرن رسول الله ~~صلى الله # PageV08P007 # عليه وسلم. قال عوف: فلما اجتمعنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر ~~عوف ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لخالد: (لم لم تعطه)؟ قال ~~فقال: استكثرته. قال: # (فادفعه إليه) فقلت له: ألم أنجز لك ما وعدتك؟ قال: فغضب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وقال: (يا خالد لا تدفعه إليه هل أنتم تاركون لي أمرائي) ~~(1). فهذا يدل دلالة واضحة على أن السلب لا يستحقه القاتل بنفس القتل بل ~~برأي الامام ونظره. وقال أحمد ابن حنبل: لا يكون السلب للقاتل إلا في ~~المبارزة خاصة. # الخامسة - اختلف العلماء في تخميس السلب، فقال الشافعي: لا يخمس. وقال ~~إسحاق: إن كان السلب يسيرا فهو للقاتل، وإن كان كثيرا خمس. وفعله عمر بن ~~الخطاب مع البراء بن مالك حين بارز المرزبان فقتله، فكانت قيمة منطقته ~~وسواريه ثلاثين ألفا فخمس ذلك. أنس عن البراء بن مالك أنه قتل من المشركين ~~مائة رجل إلا رجلا مبارزة، وأنهم لما غزوا الزارة (2) خرج دهقان الزارة ~~فقال: رجل ورجل، فبرز البراء فاختلفا بسيفيهما ثم اعتنقا فتوركه البراء ~~فقعد على كبده، ثم أخذ السيف فذبحه، وأخذ سلاحه ومنطقته وأتى به عمر، فنفله ~~السلاح وقوم المنطقة بثلاثين ألفا فخمسها، وقال: إنها مال. وقال الأوزاعي ~~ومكحول: السلب مغنم وفيه الخمس. وروي نحوه عن عمر بن الخطاب. والحجة ~~للشافعي ما رواه أبو داود عن عوف بن مالك الأشجعي وخالد بن الوليد أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قضى في السلب للقاتل ولم يخمس السلب. ms2777 # السادسة - ذهب جمهور العلماء إلى أن السلب لا يعطى للقاتل إلا أن يقيم ~~البينة على قتله. قال أكثرهم: ويجزئ شاهد واحد، على حديث أبي قتادة. وقيل: ~~شاهدان أو شاهد ويمين. وقال الأوزاعي: يعطاه بمجرد دعواه، وليست البينة ~~شرطا في الاستحقاق، بل إن اتفق ذلك فهو الأولى دفعا للمنازعة. ألا ترى أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أعطى أبا قتادة سلب مقتوله من غير شهادة ولا ~~يمين. ولا تكفي شهادة واحد، ولا يناط بها حكم بمجردها. # وبه قال الليث بن سعد. # PageV08P008 # قلت: سمعت شيخنا الحافظ المنذري الشافعي أبا محمد عبد العظيم يقول: إنما ~~أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم السلب بشهادة الأسود بن خزاعي وعبد الله بن ~~أنيس. وعلى هذا يندفع النزاع ويزول الاشكال، ويطرد الحكم. وأما المالكية ~~فيخرج على قولهم أنه لا يحتاج الامام فيه إلى بينة، لأنه من الامام ابتداء ~~عطية، فإن شرط الشهادة كان له، وإن لم يشترط جاز أن يعطيه من غير شهادة. # السابعة - واختلفوا في السلب ما هو، فأما السلاح وكل ما يحتاج للقتال فلا ~~خلاف أنه من السلب، وفرسه إن قاتل عليه وصرع عنه. وقال أحمد في الفرس: ليس ~~من السلب. # وكذلك إن كان في هميانه (1) وفي منطقته دنانير أو جواهر أو نحو هذا، فلا ~~خلاف أنه ليس من السلب. واختلفوا فيما يتزين به للحرب، فقال الأوزاعي: ذلك ~~كله من السلب. وقالت فرقة: ليس من السلب. وهذا مروي عن سحنون رحمه الله، ~~إلا المنطقة فإنها عنده من السلب. وقال ابن حبيب في الواضحة: والسواران من ~~السلب. # الثامنة - قوله تعالى: " فأن لله خمسه " قال أبو عبيد: هذا ناسخ لقوله عز ~~وجل في أول السورة " قل الأنفال لله والرسول " [الأنفال: 1] ولم يخمس رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم غنائم بدر، فنسخ حكمه في ترك التخميس بهذا. إلا ~~أنه يظهر من قول علي رضي الله عنه في صحيح مسلم " كان لي شارف (2) من نصيبي ~~من المغنم يوم بدر، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاني شارفا من ms2778 ~~الخمس يومئذ " الحديث - أنه خمس، فإن كان هذا فقول أبي عبيد مردود. قال ابن ~~عطية: ويحتمل أن يكون الخمس الذي ذكر علي من إحدى الغزوات التي كانت بين ~~بدر وأحد، فقد كانت غزوة بني (3) سليم وغزوة بني المصطلق وغزوة ذي أمر ~~وغزوة بحران، ولم يحفظ فيها قتال، ولكن يمكن أن غنمت غنائم. والله أعلم. # قلت: وهذا التأويل يرده قول علي يومئذ، وذلك إشارة إلى يوم قسم غنائم ~~بدر، إلا أنه يحتمل أن يكون من الخمس إن كان لم يقع في بدر تخميس، من خمس ~~سرية عبد الله بن جحش # PageV08P009 # فإنها أول غنيمة غنمت في الاسلام، وأول خمس كان في الاسلام، ثم نزل ~~القرآن " واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه ". وهذا أولى من التأويل ~~الأول والله أعلم. # التاسعة - " ما " في قوله: " ما غنمتم " بمعنى الذي والهاء محذوفة، أي ~~الذي غنمتموه. ودخلت الفاء لان في الكلام معنى المجازاة. و " أن " الثانية ~~توكيد للأولى، ويجوز كسرها، وروى عن أبي عمرو. قال الحسن (1): هذا مفتاح ~~(2) كلام، الدنيا والآخرة لله، ذكره النسائي. واستفتح عز وجل الكلام في ~~الفئ والخمس بذكر نفسه، لأنهما أشرف الكسب، ولم ينسب الصدقة إليه لأنها ~~أوساخ الناس. # العاشرة - واختلف العلماء في كيفية قسم الخمس على أقوال ستة: # الأول - قالت طائفة: يقسم الخمس على ستة، فيجعل السدس للكعبة، وهو الذي ~~لله. والثاني لرسول الله صلى الله عليه وسلم. والثالث لذوي القربى. والرابع ~~لليتامى. والخامس للمساكين،. والسادس لابن السبيل. وقال بعض أصحاب هذا ~~القول: يرد السهم الذي لله على ذوي الحاجة. # الثاني - قال أبو العالية والربيع: تقسم الغنيمة على خمسة، فيعزل منها ~~سهم واحد، وتقسم الأربعة على الناس، ثم يضرب بيده على السهم الذي عزله فما ~~قبض عليه من شئ جعله للكعبة، ثم يقسم بقية السهم الذي عزله على خمسة، سهم ~~للنبي صلى الله عليه وسلم، وسهم لذوي القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، ~~وسهم لابن السبيل. # الثالث - قال المنهال بن عمرو: سألت عبد الله بن محمد بن علي وعلي بن ~~الحسين ms2779 عن الخمس فقال: هو لنا. قلت لعلي: إن الله تعالى يقول: " واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل " فقال: أيتامنا ومساكيننا. # الرابع - قال الشافعي: يقسم على خمسة. ورأى أن سهم الله ورسوله واحد، ~~وأنه يصرف في مصالح المؤمنين، والأربعة الأخماس على الأربعة الأصناف ~~المذكورين في الآية. # PageV08P010 # الخامس - قال أبو حنيفة: يقسم على ثلاثة: اليتامى والمساكين وابن السبيل. # وارتفع عنده حكم قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بموته، كما ارتفع ~~حكم سهمه. قالوا: # ويبدأ من الخمس بإصلاح القناطر، وبناء المساجد، وأرزاق القضاة والجند، ~~وروي نحو هذا عن الشافعي أيضا. # السادس - قال مالك: هو موكول إلى نظر الامام واجتهاده، فيأخذ منه من غير ~~تقدير، ويعطي منه القرابة باجتهاد، ويصرف الباقي في مصالح المسلمين. وبه ~~قال الخلفاء الأربعة، وبه عملوا. وعليه يدل قوله صلى الله عليه وسلم: (ما ~~لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود عليكم). فإنه لم يقسمه ~~أخماسا ولا أثلاثا، وإنما ذكر في الآية من ذكر على وجه التنبيه عليهم، ~~لأنهم من أهم من يدفع إليه. قال الزجاج محتجا لمالك: قال الله عز وجل: " ~~يسئلونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل " (1) [البقرة: 215] وللرجل جائز بإجماع أن ينفق في ~~غير هذه الأصناف إذا رأى ذلك. # وذكر النسائي عن عطاء قال: خمس الله وخمس رسوله واحد، كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يحمل منه ويعطي منه ويضعه حيث شاء ويصنع به ما شاء. # الحادية عشرة - قوله تعالى: " ولذي القربى " ليست اللام لبيان الاستحقاق ~~والملك، وإنما هي لبيان المصرف والمحل. والدليل عليه ما رواه مسلم أن الفضل ~~بن عباس وربيعة ابن عبد المطلب أتيا النبي صلى الله عليه وسلم، فتكلم ~~أحدهما فقال: يا رسول الله، أنت أبر الناس، وأوصل الناس، وقد بلغنا النكاح ~~فجئنا لتؤمرنا على بعض هذه الصدقات، فنؤدي إليك كما يؤدي الناس، ونصيب كما ~~يصيبون. فسكت طويلا حتى أردنا أن نكلمه، قال: # وجعلت زينب تلمع (2) إلينا من وراء الحجاب ألا تكلماه، قال: ثم قال: ms2780 (إن ~~الصدقة لا تحل لآل محمد إنما هي أوساخ الناس ادعوا لي محمية (3) - وكان على ~~الخمس - ونوفل بن الحارث بن # PageV08P011 # عبد المطلب) قال: فجاءاه فقال لمحمية: (أنكح هذا الغلام أبنتك) - للفضل ~~بن عباس - فأنكحه. وقال لنوفل بن الحارث: (أنكح هذا الغلام أبنتك) يعني ~~ربيعة بن عبد المطلب. # وقال لمحمية: (أصدق عنهما من الخمس كذا وكذا). وقال صلى الله عليه وسلم: ~~(ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود عليكم). وقد أعطى جميعه ~~وبعضه، وأعطى منه المؤلفة قلوبهم، وليس ممن ذكرهم الله في التقسيم، فدل على ~~ما ذكرناه، والموفق الاله. # الثانية عشرة - واختلف العلماء في ذوي القربى على ثلاثة أقوال: قريش ~~كلها، قاله بعض السلف، لان النبي صلى الله عليه وسلم لما صعد الصفا جعل ~~يهتف: (يا بني فلان يا بني عبد مناف يا بني عبد المطلب يا بني كعب يا بني ~~مرة يا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار) الحديث. وسيأتي في " الشعراء " ~~(1). وقال الشافعي وأحمد وأبو ثور ومجاهد وقتادة وابن جريج ومسلم بن خالد: ~~بنو هاشم وبنو عبد المطلب، لان النبي صلى الله عليه وسلم لما قسم سهم ذوي ~~القربى بين بني هاشم وبني عبد المطلب قال: (إنهم لم يفارقوني في جاهلية ولا ~~إسلام إنما بنو هاشم وبنو المطلب شئ واحد) وشبك بين أصابعه، أخرجه النسائي ~~والبخاري. قال البخاري: قال الليث حدثني يونس، وزاد: ولم يقسم النبي صلى ~~الله عليه وسلم لبني عبد شمس ولا لبني نوفل شيئا. قال ابن إسحاق: وعبد شمس ~~وهاشم والمطلب إخوة لام، وأمهم عاتكة بنت مرة. وكان نوفل أخاهم لأبيهم. قال ~~النسائي: # وأسهم النبي صلى الله عليه وسلم لذوي القربى، وهم بنو هاشم وبنو المطلب، ~~بينهم الغني والفقير. وقد قيل: إنه للفقير منهم دون الغني، كاليتامى وابن ~~السبيل - وهو أشبه القولين بالصواب عندي. والله أعلم - والصغير والكبير ~~والذكر والأنثى سواء، لان الله تعالى جعل ذلك لهم، وقسمه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فيهم. وليس في الحديث أنه فضل بعضهم على ms2781 بعض. # الثالث - بنو هاشم خاصة، قاله مجاهد وعلي بن الحسين. وهو قول مالك ~~والثوري والأوزاعي وغيرهم. # PageV08P012 # الثالثة عشرة - لما بين الله عز وجل حكم الخمس وسكت عن الأربعة الأخماس، ~~دل ذلك على أنها ملك للغانمين. وبين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله: ~~(وأيما قرية عصت الله ورسوله فإن خمسها لله ورسوله ثم هي لكم). وهذا ما لا ~~خلاف فيه بين الأمة ولا بين الأئمة، على ما حكاه ابن العربي في (أحكامه) ~~وغيره. بيد أن الامام إن رأى أن يمن على الأسارى بالاطلاق فعل، وبطلت حقوق ~~الغانمين فيهم، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بثمامة بن أثال وغيره، ~~وقال: (لو كان المطعم بن عدي حيا ثم كلمني في هؤلاء النتنى (1) - يعني ~~أسارى بدر - لتركته له) أخرجه البخاري. مكافأة له لقيامه في شأن [نقض] ~~الصحيفة (2). وله أن يقتل جميعهم، وقد قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عقبة ابن أبي معيط من بين الاسرى صبرا (3)، وكذلك النضر بن الحارث قتله ~~بالصفراء (4) صبرا، وهذا ما لا خلاف فيه. وكان لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم سهم كسهم الغانمين، حضر أو غاب. # وسهم الصفي، يصطفي سيفا أو سهما أو خادما أو دابة. وكانت صفية بنت حيي من ~~الصفي من غنائم خيبر. وكذلك ذو الفقار (5) كان من الصفي. وقد انقطع بموته، ~~إلا عند أبي ثور فإنه رآه باقيا للامام يجعله مجعل سهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم. وكانت الحكمة في ذلك أن أهل الجاهلية كانوا يرون للرئيس ربع الغنيمة. ~~قال شاعرهم: # لك المرباع منها والصفايا * وحكمك والنشيطة والفضول (6) وقال آخر: # منا الذي ربع الجيوش، لصلبه * عشرون وهو يعد في الاحياء # PageV08P013 # يقال: ربع الجيش يربعه رباعة إذا أخذ ربع الغنيمة. قال الأصمعي: ربع في ~~الجاهلية وخمس في الاسلام، فكان يأخذ بغير شرع ولا دين الربع من الغنيمة، ~~ويصطفي منها، ثم يتحكم بعد الصفي في أي شئ أراد، وكان ما شذ منها وما فضل ~~من خرثي (1) ومتاع له. فأحكم الله سبحانه الدين بقوله: " واعلموا أنما ms2782 ~~غنمتم من شئ فأن لله خمسه ". وأبقى سهم الصفي لنبيه صلى الله عليه وسلم ~~وأسقط حكم الجاهلية. وقال عامر الشعبي: كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~سهم يدعى الصفي إن شاء عبدا أو أمة أو فرسا يختاره قبل الخمس، أخرجه أبو ~~داود. # وفي حديث أبي هريرة قال: فيلقى العبد فيقول: (أي فل (2) ألم أكرمك وأسودك ~~وأزوجك وأسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع) الحديث. أخرجه مسلم. " ~~تربع " بالباء الموحدة من تحتها: تأخذ المرباع، أي الربع مما يحصل لقومك من ~~الغنائم والكسب. وقد ذهب بعض أصحاب الشافعي رضي الله عنه إلى أن خمس الخمس ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم يصرفه في كفاية أولاده ونسائه، ويدخر من ذلك ~~قوت سنته، ويصرف الباقي في الكراع (3) والسلاح. وهذا يرده ما رواه عمر قال: ~~كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف عليه المسلمون ~~بخيل ولا ركاب، فكانت للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة، فكان ينفق على نفسه ~~(4) منها قوت سنة، وما بقي جعله في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله. أخرجه ~~مسلم. وقال: (والخمس مردود عليكم). # الرابعة عشرة - ليس في كتاب (5) الله تعالى دلالة (6) على تفضيل الفارس ~~على الراجل، بل فيه أنهم سواء، لان الله تعالى جعل الأربعة أخماس لهم ولم ~~يخص راجلا من فارس. # ولولا الأخبار الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم لكان الفارس كالراجل، ~~والعبد كالحر، والصبي كالبالغ. وقد اختلف العلماء في قسمة الأربعة الأخماس، ~~فالذي عليه عامة أهل # PageV08P014 # العلم فيما ذكر ابن المنذر أنه يسهم للفارس سهمان، وللراجل سهم. وممن قال ~~ذلك مالك ابن أنس ومن تبعه من أهل المدينة. وكذلك قال الأوزاعي ومن وافقه ~~من أهل الشام. وكذلك قال الثوري ومن وافقه من أهل العراق. وهو قول الليث بن ~~سعد ومن تبعه من أهل مصر. # وكذلك قال الشافعي رضي الله عنه وأصحابه. وبه قال أحمد بن حنبل وإسحاق ~~وأبو ثور ويعقوب ومحمد. قال ابن المنذر: ولا نعلم أحدا خالف في ذلك إلا ~~النعمان ms2783 فإنه خالف فيه السنن وما عليه جل أهل العلم في القديم والحديث. ~~قال: لا يسهم للفارس إلا سهم واحد. # قلت: ولعله شبه عليه بحديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل ~~للفارس سهمين، وللراجل سهما. خرجه الدارقطني وقال: قال الرمادي كذا يقول ~~ابن نمير قال لنا النيسابوري: هذا عندي وهم من ابن أبي شيبة أو من الرمادي، ~~لان أحمد بن حنبل وعبد الرحمن بن بشر وغيرهما رووه عن ابن عمر (1) [رضي ~~الله عنهما] بخلاف هذا، وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسهم للرجل ~~ولفرسه ثلاثة أسهم، سهما له وسهمين لفرسه، هكذا رواه عبد الرحمن ابن بشر عن ~~عبد الله بن نمير عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر، وذكر الحديث. ~~وفي صحيح البخاري عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل للفرس ~~سهمين ولصاحبه سهما. وهذا نص. وقد روى الدارقطني عن الزبير قال: أعطاني ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة أسهم يوم بدر، سهمين لفرسي وسهما لي ~~وسهما لأمي من ذوي القرابة. وفي رواية: وسهما لامه سهم ذوي القربى. وخرج عن ~~بشير بن عمرو ابن محصن قال: أسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لفرسي أربعة ~~أسهم، ولي سهما، فأخذت خمسة أسهم. وقيل: إن ذلك راجع إلى اجتهاد الامام، ~~فينفذ ما رأى. # والله أعلم. # الخامسة عشرة - لا يفاضل بين الفارس والراجل بأكثر من فرس واحد، وبه قال ~~الشافعي. وقال أبو حنيفة: يسهم لأكثر من فرس واحد، لأنه أكثر عنا وأعظم ~~منفعة، # PageV08P015 # وبه قال ابن الجهم من أصحابنا، ورواه سحنون عن ابن وهب. ودليلنا أنه لم ~~ترد رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم بأن يسهم لأكثر من فرس واحد، وكذلك ~~الأئمة بعده، ولأن العدو لا يمكن أن يقاتل إلا على فرس واحد، وما زاد على ~~ذلك فرفاهية وزيادة عدة، وذلك لا يؤثر في زيادة السهمان، كالذي معه زيادة ~~سيوف أو رماح، واعتبارا بالثالث والرابع. # وقد روي عن سليمان ms2784 بن موسى أنه يسهم لمن كان عنده أفراس، لكل فرس سهم. # السادسة عشرة - لا يسهم إلا للعتاق من الخيل، لما فيها من الكر والفر، ~~وما كان من البراذين والهجن بمثابتها في ذلك. وما لم يكن كذلك لم يسهم له. ~~وقيل: إن أجازهم الامام أسهم لها، لان الانتفاع بها يختلف بحسب الموضع، ~~فالهجن والبراذين تصلح للمواضع المتوعرة كالشعاب والجبال، والعتاق تصلح ~~للمواضع التي يتأتى فيها الكر والفر، فكان ذلك متعلقا برأي الامام. ~~والعتاق: خيل العرب. والهجن والبراذين: خيل الروم. # السابعة عشرة - واختلف علماؤنا في الفرس الضعيف، فقال أشهب وابن نافع: # لا يسهم له، لأنه لا يمكن القتال عليه فأشبه الكسير. وقيل: يسهم له لأنه ~~يرجى برؤه. # ولا يسهم للأعجف إذا كان في حيز ما لا ينتفع به، كما لا يسهم للكسير. ~~فأما المريض مرضا خفيفا مثل الرهيص (1)، وما يجري مجراه مما لا يمنعه المرض ~~عن حصول المنفعة المقصودة منه فإنه يسهم له. ويعطى الفرس المستعار ~~والمستأجر، وكذلك المغصوب، وسهمه لصاحبه. # ويستحق السهم للخيل وإن كانت في السفن ووقعت الغنيمة في البحر، لأنها ~~معدة لنزول إلى البر. # الثامنة عشرة - لا حق في الغنائم للحشوة (2) كالاجراء والصناع الذين ~~يصحبون الجيش للمعاش، لأنهم لم يقصدوا قتالا ولا خرجوا مجاهدين. وقيل: يسهم ~~لهم، لقوله صلى الله عليه وسلم: (الغنيمة لمن شهد الوقعة). أخرجه البخاري. ~~وهذا لا حجة فيه لأنه جاء بيانا # PageV08P016 # لمن باشر الحرب وخرج إليه، وكفى ببيان الله عز وجل المقاتلين وأهل المعاش ~~من المسلمين حيث جعلهم فرقتين متميزتين، لكل واحدة حالها في حكمها، فقال: " ~~علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون ~~يقاتلون في سبيل الله " (1) [المزمل: 20] إلا أن هؤلاء إذا قاتلوا لا يضرهم ~~كونهم على معاشهم، لان سبب الاستحقاق قد وجد منهم. # وقال أشهب: لا يستحق أحد منهم وإن قاتل، وبه قال ابن القصار في الأجير: ~~لا يسهم له وإن قاتل. وهذا يرده حديث سلمة بن الأكوع قال: كنت تبيعا لطلحة ~~بن عبيد الله أسقي فرسه ms2785 وأحسه (2) وأخدمه وآكل من طعامه، الحديث. وفيه: ثم ~~أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم سهمين، سهم الفارس وسهم الراجل، ~~فجمعهما لي. خرجه مسلم. واحتج ابن القصار ومن قال بقوله بحديث عبد الرحمن ~~بن عوف، ذكره عبد الرزاق، وفيه: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد ~~الرحمن: (هذه الثلاثة الدنانير حظه (3) ونصيبه من غزوته في أمر دنياه ~~وآخرته). # التاسعة عشرة - فأما العبيد والنساء فمذهب الكتاب أنه لا يسهم لهم ولا ~~يرضخ (4). وقيل: # يرضخ لهم، وبه قال جمهور العلماء. وقال الأوزاعي: إن قاتلت المرأة أسهم ~~لها. وزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسهم للنساء يوم خيبر. قال: ~~وأخذ المسلمون بذلك عندنا. # وإلى هذا القول مال ابن حبيب من أصحابنا. خرج مسلم عن ابن عباس أنه كان ~~في كتابه إلى نجدة (5): تسألني هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو ~~بالنساء؟ وقد كان يغزو بهن فيداوين الجرحى ويحذين (6) من الغنيمة، وأما ~~بسهم فلم يضرب لهن. وأما الصبيان فإن كان مطيقا للقتال ففيه عندنا ثلاثة ~~أقوال: الاسهام ونفيه حتى يبلغ، لحديث ابن عمر، وبه قال أبو حنيفة ~~والشافعي. والتفرقة بين أن يقاتل فيسهم له أو يقاتل فلا يسهم له. والصحيح # PageV08P017 # الأول، لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني قريظة أن يقتل منهم من ~~أنبت ويخلي منهم من لم ينبت. وهذه مراعاة لا طاقة القتال لا للبلوغ. وقد ~~روى أبو عمر في الاستيعاب عن سمرة بن جندب قال: كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يعرض عليه الغلمان من الأنصار فيلحق من أدرك منهم، فعرضت عليه ~~عاما فألحق غلاما وردني، فقلت: يا رسول الله، ألحقته ورددتني، ولو صارعني ~~صرعته قال: فصارعني فصرعته فألحقني. وأما العبيد فلا يسهم لهم أيضا ويرضخ ~~لهم. # الموفية عشرين - الكافر إذا حضر بإذن الامام وقاتل ففي الاسهام له عندنا ~~ثلاثة أقوال: الاسهام ونفيه، وبه قال مالك وابن القاسم. زاد ابن حبيب: ولا ~~نصيب لهم. # ويفرق في الثالث - وهو لسحنون - بين أن يستقل المسلمون بأنفسهم ms2786 فلا يسهم ~~له، أو لا يستقلوا ويفتقروا إلى معونته فيسهم له. فإن لم يقاتل فلا يستحق ~~شيئا. وكذلك العبيد مع الأحرار. وقال الثوري والأوزاعي: إذا استعين بأهل ~~الذمة أسهم لهم. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يسهم لهم، ولكن يرضخ لهم. وقال ~~الشافعي رضي الله عنه: يستأجرهم الامام من مال لا مالك له بعينه. فإن لم ~~يفعل أعطاهم سهم النبي صلى الله عليه وسلم. وقال في موضع آخر: يرضخ ~~للمشركين إذا قاتلوا مع المسلمين. قال أبو عمر: اتفق الجميع أن العبد، وهو ~~ممن (1) يجوز أمانه، إذا قاتل لم يسهم له ولكن يرضخ، فالكافر بذلك أولى ألا ~~يسهم له. # الحادية والعشرون - لو خرج العبد وأهل الذمة لصوصا وأخذوا مال أهل الحرب ~~فهو لهم ولا يخمس، لأنه لم يدخل في عموم قوله عز وجل: " وأعلموا أنما غنمتم ~~من شئ فأن لله خمسه " أحد منهم ولا من النساء. فأما الكفار فلا مدخل لهم من ~~غير خلاف. وقال سحنون. لا يخمس ما ينوب العبد. وقال ابن القاسم: يخمس، لأنه ~~يجوز أن يأذن له سيده في القتال ويقاتل على الدين، بخلاف الكافر. وقال أشهب ~~في كتاب محمد: إذا خرج العبد والذمي من الجيش وغنما فالغنيمة للجيش دونهم. # PageV08P018 # الثانية والعشرون - سبب استحقاق السهم شهود الوقعة لنصر المسلمين، على ما ~~تقدم. # فلو شهد آخر الوقعة استحق. ولو حضر بعد انقضاء القتال فلا. ولو غاب ~~بانهزام فكذلك. # فإن كان قصد التحيز إلى فئة فلا يسقط استحقاقه. روى البخاري وأبو داود أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبان بن سعيد على سرية من المدينة قبل ~~نجد، فقدم أبان بن سعيد وأصحابه على رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر ~~بعد أن فتحها، وإن حزم خيلهم ليف، فقال أبان: أقسم لنا يا رسول الله. قال ~~أبو هريرة: [فقلت] (1) لا تقسم لهم يا رسول الله. # فقال أبان: أنت بها يا وبرا (2) تحدر علينا من رأس ضال (2). فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # (اجلس يا أبان) ولم يقسم لهم رسول ms2787 الله صلى الله عليه وسلم. # الثالثة والعشرون - واختلف العلماء فيمن خرج لشهود الوقعة فمنعه العذر ~~منه كمرض، ففي ثبوت الاسهام له ونفيه ثلاثة أقوال: يفرق في الثالث، وهو ~~المشهور، فيثبته إن كان الضلال قبل القتال وبعد الادراب (3)، وهو الأصح، ~~قاله ابن العربي. وينفيه إن كان قبله. وكمن بعثه الأمير من الجيش في أمر من ~~مصلحة الجيش فشغله ذلك عن شهود الوقعة فإنه يسهم له، قاله ابن المواز، ~~ورواه ابن وهب وابن نافع عن مالك. وروي لا يسهم له بل يرضخ له لعدم السبب ~~الذي يستحق به السهم، والله أعلم. وقال أشهب: يسهم للأسير وإن كان في ~~الحديد. والصحيح أنه لا يسهم له، لأنه ملك مستحق بالقتال، فمن غاب أو حضر ~~مريضا كمن لم يحضر. # الرابعة والعشرون - الغائب المطلق لا يسهم له، ولم يسهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لغائب قط إلا يوم خيبر، فإنه أسهم لأهل الحديبية من حضر ~~منهم ومن غاب، لقول الله عز وجل: " وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها " (4) ~~[الفتح: 20]، قاله موسى بن عقبة. وروي ذلك عن جماعة من السلف. وقسم يوم بدر ~~لعثمان ولسعيد بن زيد وطلحة، وكانوا غائبين، فهم # PageV08P019 # كمن حضرها إن شاء الله تعالى. فأما عثمان فإنه تخلف على رقية بنت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بأمره من أجل مرضها. فضرب له رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بسهمه وأجره، فكان كمن شهدها (1). وأما طلحة بن عبيد الله فكان ~~بالشام في تجارة فضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه وأجره، فيعد ~~لذلك في أهل بدر. وأما سعيد بن زيد فكان غائبا بالشام أيضا فضرب له رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بسهمه وأجره. فهو معدود في البدريين. # قال ابن العربي: أما أهل الحديبية فكان ميعادا من الله اختص به أولئك ~~النفر فلا يشاركهم فيه غيرهم. وأما عثمان وسعيد وطلحة فيحتمل أن يكون أسهم ~~لهم من الخمس، لان الأمة مجمعة على أن من بقي لعذر فلا يسهم له. # قلت: الظاهر أن ذلك ms2788 مخصوص بعثمان وطلحة وسعيد فلا يقاس عليهم غيرهم. وأن ~~سهمهم كان من صلب الغنيمة كسائر من حضرها لا من الخمس. هذا الظاهر من ~~الأحاديث والله أعلم. وقد روى البخاري عن ابن عمر قال: لما تغيب عثمان عن ~~بدر فإنه كان تحته ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت مريضة، فقال له ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # (إن لك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه). # الخامسة والعشرون - قوله تعالى " إن كنتم آمنتم بالله " قال الزجاج عن ~~فرقة: # المعنى فأعلموا أن الله مولاكم إن كنتم، ف‍ (إن) متعلقة بهذا الوعد. ~~وقالت فرقة: # إن (إن) متعلقة بقوله " وأعلموا أنما غنمتم ". قال ابن عطية: وهذا هو ~~الصحيح، لان قوله " وأعلموا " يتضمن الامر بالانقياد والتسليم لأمر الله في ~~الغنائم، فعلق (إن) بقوله: " وأعلموا " على هذا المعنى، أي إن كنتم مؤمنين ~~بالله فانقادوا وسلموا لأمر الله فيما أعلمكم به من حال قسمة الغنيمة. # قوله تعالى: (وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان) (2) (ما) في موضع خفض ~~عطف على اسم الله " يوم الفرقان " أي اليوم الذي فرقت فيه بين الحق ~~والباطل، وهو يوم بدر. # (يوم التقى الجمعان) حزب الله وحزب الشيطان. (والله على كل شئ قدير). # PageV08P020 # قوله تعالى: إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم ~~ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضى الله أمرا كان مفعولا ليهلك من ~~هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم (42) قوله تعالى: (إذ ~~أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى) أي أنزلنا إذ أنتم على هذه الصفة. ~~أو يكون المعنى: واذكروا إذ أنتم. والعدوة: جانب الوادي. وقرئ بضم العين ~~وكسرها، فعلى الضم يكون الجمع عدى وعلى الكسر عدى، مثل لحية ولحى، وفرية ~~وفرى. # والدنيا: تأنيث الأدنى. والقصوى: تأنيث الأقصى. من دنا يدنو، وقصا يقصو. # ويقال: القصيا، والأصل الواو، وهي لغة أهل الحجاز قصوى. فالدنيا كانت مما ~~يلي المدينة، والقصوى مما يلي مكة. أي إذ أنتم نزول بشفير الوادي بالجانب ~~الأدنى إلى المدينة، وعدوكم بالجانب الأقصى. ms2789 (والركب أسفل منكم) يعني ركب ~~أبي سفيان وغيره. كانوا في موضع أسفل منهم إلى ساحل البحر فيه الأمتعة. ~~وقيل: هي الإبل التي كانت تحمل أمتعتهم، وكانت في موضع يأمنون عليها توفيقا ~~من الله عز وجل لهم، فذكرهم نعمه عليهم. " الركب " ابتداء " أسفل منكم " ~~ظرف في موضع الخبر. أي مكانا أسفل منكم. وأجاز الأخفش والكسائي والفراء " ~~والركب أسفل منكم " أي أشد تسفلا منكم. والركب جمع راكب. ولا تقول العرب: ~~ركب إلا للجماعة الراكبي الإبل. وحكى ابن السكيت وأكثر أهل اللغة أنه لا ~~يقال راكب وركب إلا للذي على الإبل، ولا يقال لمن كان على فرس أو غيرها ~~راكب. والركب والأركب والركبان والراكبون لا يكونون إلا على جمال، عن ابن ~~فارس. (ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد) أي لم يكن يقع الاتفاق لكثرتهم ~~وقلتكم، فإنكم لو عرفتم كثرتهم لتأخرتم (1) فوفق الله عز وجل لكم. (ليقضى ~~الله أمرا كان مفعولا) من نصر المؤمنين وإظهار الدين. # واللام في (ليقضي) متعلقة بمحذوف والمعنى: جمعهم ليقضي الله، ثم كررها ~~فقال: " ليهلك " # PageV08P021 # أي جمعهم هنالك ليقضي أمرا. (ليهلك من هلك) (من) في موضع رفع. (ويحيا) في ~~موضع نصب عطف على ليهلك. والبينة إقامة الحجة والبرهان. أي ليموت من يموت ~~عن بينة رآها وعبرة عاينها، فقامت عليه الحجة. وكذلك حياة من يحيا. وقال ~~ابن إسحاق: # ليكفر من كفر بعد حجة قامت عليه وقطعت عذره، ويؤمن من آمن على ذلك. وقرئ ~~" من حيي " بيائين على الأصل. وبياء واحدة مشددة، الأولى قراءة أهل المدينة ~~والبزي وأبي بكر. والثانية قراءة الباقين، وهي اختيار أبي عبيد، لأنها كذلك ~~وقعت في المصحف. # قوله تعالى: إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ~~ولتنازعتم في الامر ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور (43) قال مجاهد: ~~رآهم النبي صلى الله عليه وسلم في منامه قليلا، فقص ذلك على أصحابه، فثبتهم ~~الله بذلك. وقيل: عني بالمنام محل النوم وهو العين، أي في موضع منامك، ~~فحذف، عن الحسن. قال الزجاج: وهذا مذهب حسن، ولكن الأولى أسوغ ms2790 في العربية، ~~لأنه قد جاء " وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ~~" فدل بهذا على أن هذه رؤية الالتقاء، وأن تلك رؤية النوم. ومعنى (لفشلتم) ~~لجبنتم عن الحرب. # (ولتنازعتم في الامر) اختلفتم. (ولكن الله سلم) أي سلمكم من المخالفة. ~~ابن عباس: # من الفشل. ويحتمل منهما. وقيل: سلم أي أتم أمر المسلمين بالظفر. # قوله تعالى: (وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا) هذا في اليقظة. ~~يجوز حمل الأولى على اليقظة أيضا إذا قلت: المنام موضع النوم، وهو العين، ~~فتكون الأولى على هذا خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهذه للجميع. قال ~~ابن مسعود: قلت لانسان كان بجانبي PageV08P022 # يوم بدر: أتراهم سبعين؟ فقال: هم نحو المائة. فأسرنا رجلا فقلنا: كم ~~كنتم؟ فقال: كنا ألفا. (ويقللكم في أعينهم) كان هذا في ابتداء القتال حتى ~~قال أبو جهل في ذلك اليوم: # إنما هم أكلة جزور (1)، خذوهم أخذا واربطوهم بالحبال. فلما أخذوا في ~~القتال عظم المسلمون في أعينهم فكثروا، كما قال: " يرونهم مثليهم رأي العين ~~" [آل عمران: 13] حسب ما تقدم في (آل عمران) (2) بيانه. (ليقضي الله أمرا ~~كان مفعولا) تكرر هذا، لان المعنى في الأول من اللقاء، وفي الثاني من قتل ~~المشركين وإعزاز الدين، وهو إتمام النعمة على المسلمين. # (وإلى الله ترجع الأمور) أي مصيرها ومردها إليه. # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله ~~كثيرا لعلكم تفلحون (45) قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة) ~~أي جماعة (فاثبتوا) أمر بالثبات عند قتال الكفار، كما في الآية قبلها النهي ~~عن الفرار عنهم، فالتقى الأمر والنهي على سواء. # وهذا تأكيد على الوقوف للعدو والتجلد له. # قوله تعالى: (واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون) للعلماء في هذا الذكر ~~ثلاثة أقوال: # الأول - اذكروا الله عند جزع قلوبكم، فإن ذكره يعين على الثبات في ~~الشدائد. الثاني - أثبتوا بقلوبكم، واذكروه بألسنتكم، فإن القلب لا يسكن ~~عند اللقاء ويضطرب اللسان، فأمر بالذكر حتى يثبت القلب على اليقين، ويثبت ~~اللسان على الذكر، ويقول ما قاله ms2791 أصحاب طالوت: " ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت ~~أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين " (3) [البقرة: 250]. وهذه الحالة لا ~~تكون إلا عن قوة المعرفة، واتقاد البصيرة، وهي الشجاعة المحمودة في الناس. ~~الثالث - أذكروا ما عندكم من وعد الله لكم في ابتياعه أنفسكم ومثامنته لكم. # PageV08P023 # قلت: والأظهر أنه ذكر اللسان الموافق للجنان. قال محمد بن كعب القرظي: لو ~~رخص لاحد في ترك الذكر لرخص لزكريا، يقول الله عز وجل: " ألا تكلم الناس ~~ثلاثة أيام إلا رمزا واذكر ربك كثيرا " (1) [آل عمران: 41]. ولرخص للرجل ~~يكون في الحرب، يقول الله عز وجل: " إذا لقيتم فئة فاثبوا واذكروا الله ~~كثيرا ". وقال قتادة: افترض الله عز وجل ذكره على عباده، أشغل ما يكونون ~~عند الضراب (2) بالسيوف. وحكم هذا الذكر أن يكون خفيا، لان رفع الصوت في ~~مواطن القتال ردئ مكروه إذا كان الذاكر واحدا (3). فأما إذا كان من الجميع ~~عند الحملة فحسن، لأنه يفت في أعضاد العدو. وروى أبو داود عن قيس بن عباد ~~قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرهون الصوت عند القتال. ~~وروى أبو بردة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك. قال ابن عباس: ~~يكره التلثم عند القتال. قال ابن عطية: # وبهذا والله أعلم استن (4) المرابطون بطرحه عند القتال على صيانتهم به. # قوله تعالى: وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ~~واصبروا إن الله مع الصابرين (46) قوله تعالى: (وأطيعوا الله ورسوله ولا ~~تنازعوا) هذا استمرار على الوصية لهم، والاخذ على أيديهم في اختلافهم في أم ~~بدر وتنازعهم. (فتفشلوا) نصب بالفاء في جواب النهي. # ولا يجيز سيبويه حذف الفاء والجزم وأجازه الكسائي. وقرئ " تفشلوا " بكسر ~~الشين. # وهو غير معروف. (وتذهب ريحكم) أي قوتكم ونصركم، كما تقول: الريح لفلان، ~~إذا كان غالبا في الامر قال الشاعر: # إذا هبت رياحك فاغتنمها * فإن لكل خافقة سكون (5) # PageV08P024 # وقال قتادة وابن زيد: إنه لم يكن نصر قط إلا بريح تهب فتضرب في وجوه ~~الكفار. # ومنه قوله عليه السلام: (نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور) (1). قال ms2792 ~~الحكم: " وتذهب ريحكم " يعني الصبا، إذ بها نصر محمد عليه الصلاة والسلام ~~وأمته. وقال مجاهد: وذهبت ريح أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم حين نازعوه ~~يوم أحد. # قوله تعالى: (واصبروا إن الله مع الصابرين) أمر بالصبر، وهو محمود في كل ~~المواطن وخاصة موطن الحرب، كما قال: " إذا لقيتم فئة فاثبتوا ". # قوله تعالى: ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ويصدون ~~عن سبيل الله والله بما يعملون محيط (47) يعني أبا جهل وأصحابه الخارجين ~~يوم بدر لنصرة العير. خرجوا بالقيان (2) والمغنيات والمعازف، فلما وردوا ~~الجحفة بعث خفاف الكناني - وكان صديقا لأبي جهل - بهدايا إليه مع ابن له، ~~وقال: إن شئت أمددتك بالرجال، وإن شئت أمددتك بنفسي مع من خف من قومي. فقال ~~أبو جهل: إن كنا نقاتل الله كما يزعم محمد، فوالله ما لنا بالله من طاقة. # وإن كنا نقاتل الناس فوالله إن بنا على الناس لقوة، والله لا نرجع عن ~~قتال محمد حتى نرد بدرا فنشرب فيها الخمور، وتعزف علينا القيان، فإن بدرا ~~موسم من مواسم العرب، وسوق من أسواقهم، حتى تسمع العرب بمخرجنا فتهابنا آخر ~~الأبد. فوردوا بدرا و [لكن] (3) جرى ما جرى من هلاكهم. والبطر في اللغة. ~~التقوية بنعم الله عز وجل وما ألبسه من العافية على المعاصي. وهو مصدر في ~~موضع الحال. أي خرجوا بطرين مراءين صادين. وصدهم إضلال الناس. # PageV08P025 # قوله تعالى: وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من ~~الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني برئ منكم ~~إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب (48) روي أن الشيطان ~~تمثل لهم يومئذ في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، وهو من بني بكر بن كنانة، ~~وكانت قريش تخاف من بني بكر أن يأتوهم من ورائهم، لأنهم قتلوا رجلا منهم. ~~فلما تمثل لهم قال ما أخبر الله به عنه. وقال الضحاك: جاءهم إبليس يوم بدر ~~برايته وجنوده، وألقى في قلوبهم أنهم لن يهزموا وهم يقاتلون ms2793 على دين ~~آبائهم. وعن ابن عباس قال: أمد الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم ~~والمؤمنين بألف من الملائكة، فكان جبريل عليه السلام في خمسمائة من ~~الملائكة مجنبة (1)، وميكائيل في خمسمائة من الملائكة مجنبة. وجاء إبليس في ~~جند من الشياطين ومعه راية في صورة رجال من بني مدلج، والشيطان في صورة ~~سراقة بن مالك بن جعشم. فقال الشيطان للمشركين: لا غالب لكم اليوم من الناس ~~وإني جار لكم، فلما اصطف القوم قال أبو جهل: اللهم أولانا بالحق فانصره. ~~ورفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده فقال: # (يا رب إنك تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبدا). فقال جبريل: (خذ ~~قبضة من التراب) فأخذ قبضة من التراب فرمى بها وجوههم، فما من المشركين من ~~أحد إلا أصاب عينيه ومنخريه وفمه. فولوا مدبرين، وأقبل جبريل عليه السلام ~~إلى إبليس فلما رآه كانت يده في يد رجل من المشركين انتزع إبليس يده ثم ولى ~~مدبرا وشيعته، فقال له الرجل: # يا سراقة، ألم تزعم أنك لنا جار، قال: إني برئ منكم إني أرى ما لا ترون. ~~ذكره البيهقي وغيره. # وفي موطأ مالك عن إبراهيم بن أبي عبلة عن طلحة بن عبيد الله بن كريز أن ~~رسول الله صلى الله # PageV08P026 # عليه وسلم قال: (ما رأى الشيطان نفسه يوما هو فيه أصغر ولا أحقر ولا أدحر ~~ولا أغيظ منه في يوم عرفة وما ذاك إلا لما رأى من تنزل الرحمة وتجاوز الله ~~عن الذنوب العظام إلا ما رأى يوم بدر) قيل: وما رأى يوم بدر يا رسول الله؟ ~~قال (أما إنه رأى جبريل يزع (1) الملائكة). ومعنى نكص: رجع بلغة سليم، عن ~~مؤرج (2) وغيره. وقال الشاعر: # ليس النكوص على الادبار مكرمة * إن المكارم إقدام على الأسل (3) وقال ~~آخر: # وما ينفع المستأخرين نكوصهم * ولا ضر أهل السابقات التقدم وليس (4) ها ~~هنا قهقري بل هو فرار، كما قال: (إذا سمع الاذان أدبر وله ضراط). # (إني أخاف الله) قيل: خاف إبليس أن يكون يوم بدر اليوم الذي أنظر ms2794 إليه. ~~وقيل: # كذب إبليس في قوله: " إني أخاف الله " ولكن علم أنه لا قوة له. ويجمع جار ~~على أجوار وجيران، وفي القليل جيرة. # قوله تعالى: إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غير هؤلاء دينهم ومن ~~يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم (49) قيل: المنافقون: الذين أظهروا ~~الايمان وأبطنوا الكفر. والذين في قلوبهم مرض: # الشاكون، وهم دون المنافقين، لأنهم حديثو عهد بالاسلام، وفيهم بعض ضعف ~~نية. قالوا عند الخروج إلى القتال وعند التقاء الصفين: غر هؤلاء دينهم. ~~وقيل: هما واحد، وهو أولى. ألا ترى إلى قوله عز وجل: " الذين يؤمنون بالغيب ~~" [البقرة: 3] ثم قال " والذين يؤمنون بما أنزل إليك " (5) [البقرة: 4] ~~وهما لواحد. # PageV08P027 # قوله تعالى: ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم ~~وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق (50) ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام ~~للعبيد (51) قيل: أراد من بقي ولم يقتل يوم بدر. وقيل: هي فيمن قتل ببدر. ~~وجواب " لو " محذوف، تقديره: لرأيت أمرا عظيما. (يضربون) في موضع الحال. ~~(وجوههم وأدبارهم) أي أستاههم، كنى عنها بالأدبار، قاله مجاهد وسعيد بن ~~جبير. الحسن: # ظهورهم، وقال: إن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، ~~إني رأيت بظهر أبي جهل مثل الشراك؟ (1) قال: (ذلك ضرب الملائكة). وقيل: هذا ~~الضرب يكون عند الموت. وقد يكون يوم القيامة حين يصيرون بهم إلى النار. ~~(وذوقوا عذاب الحريق) قال الفراء: المعنى ويقولون ذوقوا، فحذف. وقال الحسن: ~~هذا يوم القيامة، تقول لهم خزنة جهنم: ذوقوا عذاب الحريق. وروي أن في بعض ~~التفاسير أنه كان مع الملائكة مقامع من حديد، كلما ضربوا التهبت النار في ~~الجراحات، فذلك قوله: " وذوقوا عذاب الحريق ". # والذوق يكون محسوسا ومعنى. وقد يوضع موضع الابتلاء والاختبار، تقول: اركب ~~هذا الفرس فذقه. وأنظر فلانا فذق ما عنده. قال الشماخ يصف فرسا: # فذاق فأعطته من اللين جانبا * كفى ولها أن يغرق السهم حاجز (2) وأصله من ~~الذوق بالفم. (ذلك) في موضع رفع، أي الامر ذلك. أو " ذلك " جزاؤكم. # (بما قدمت أيديكم) أي اكتسبتم ms2795 من الآثام. (وأن الله ليس بظلام للعبيد) إذ ~~قد أوضح السبيل وبعث الرسل، فلم خالفتم؟. " وأن " في موضع خفض عطف على " ما ~~" وإن شئت نصبت، بمعنى وبأن، وحذفت الباء. أو بمعنى: وذلك أن الله. ويجوز ~~أن يكون في موضع رفع نسقا على ذلك. # PageV08P028 # قوله تعالى: كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كفروا بآيات الله فأخذهم الله ~~بذنوبهم إن الله قوى شديد العقاب (52) الدأب العادة. وقد تقدم في " أل ~~عمران " (1). أي العادة في تعذيبهم عند قبض الأرواح وفي القبور كعادة آل ~~فرعون. وقيل: المعنى جوزي هؤلاء بالقتل والسبي كما جوزي آل فرعون بالغرق. ~~أي دأبهم كدأب آل فرعون. # قوله تعالى: ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما ~~بأنفسهم وأن الله سميع عليم (53) تعليل. أي هذا العقاب، لأنهم غيروا ~~وبدلوا، ونعمة الله على قريش الخصب والسعة، والامن والعافية. " أو لم يروا ~~أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم " (2) [العنكبوت: 67] الآية. # وقال السدي: نعمة الله عليهم محمد صلى الله عليه وسلم فكفروا به، فنقل ~~إلى المدينة وحل بالمشركين العقاب. # قوله تعالى: كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم فأهلكناهم ~~بذنوبهم وأغرقنا آل فرعون وكل كانوا ظالمين (54) ليس هذا بتكرير، لان الأول ~~للعادة في التكذيب، والثاني للعادة في التغيير، وباقي الآية بين. # قوله تعالى: إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون (55) الذين ~~عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون (56) # PageV08P029 # قوله تعالى: (إن شر الدواب عند الله) أي من يدب على وجه الأرض في علم ~~الله وحكمه. (الذين كفروا فهم لا يؤمنون) نظيره " الصم البكم الذين لا ~~يعقلون " (1) [الأنفال: 22]. ثم وصفهم فقال: (الذين عاهدت منهم ثم ينقضون ~~عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون) أي لا يخافون الانتقام. " ومن " في قوله " ~~منهم " للتبعيض، لان العهد إنما كان يجري مع أشرافهم ثم ينقضونه. والمعني ~~بهم قريظة والنضير، في قول مجاهد وغيره. نقضوا العهد فأعانوا مشركي مكة ~~بالسلاح، ثم اعتذروا فقالوا: ms2796 نسينا، فعاهدهم عليه السلام ثانية فنقضوا يوم ~~الخندق. # قوله تعالى: فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون (57) ~~شرط وجوابه. ودخلت النون توكيدا لما دخلت ما، هذا قول البصريين. وقال ~~الكوفيون: تدخل النون الثقيلة والخفيفة مع " إما " في المجازاة للفرق بين ~~المجازاة والتخيير. # ومعنى " تثقفنهم " تأسرهم وتجعلهم في ثقاف، أو تلقاهم بحال ضعف، تقدر ~~عليهم فيها وتغلبهم. وهذا لازم من اللفظ، لقوله: " في الحرب ". وقال بعض ~~الناس: تصادفنهم وتلقاهم. # يقال: ثقفته أثقفه ثقفا، أي وجدته. وفلان ثقف لقف أي سريع الوجود لما ~~يحاوله ويطلبه. وثقف لقف. وامرأة ثقاف. والقول الأول أولى، لارتباطه بالآية ~~كما بينا. # والمصادف قد يغلب فيمكن التشريد به، وقد لا يغلب. والثقاف في اللغة: ما ~~يشد به القناة ونحوها. ومنه قول النابغة: # تدعو قعينا وقد عض الحديد بها * عض الثقاف على صم الأنابيب (2) (فشرد بهم ~~من خلفهم) قال سعيد بن جبير: المعنى أنذر بهم من خلفهم. قال أبو عبيد: # هي لغة قريش، شرد بهم سمع بهم. وقال الضحاك: نكل بهم. الزجاج: افعل بهم ~~فعلا # PageV08P030 # من القتل تفرق به من خلفهم. والتشريد في اللغة: التبديد والتفريق، يقال: ~~شردت بني فلان قلعتهم عن مواضعهم وطردتهم عنها حتى فارقوها. وكذلك الواحد، ~~تقول: تركته شريدا عن وطنه وأهله. قال الشاعر من هذيل: # أطوف في الأباطح كل يوم * مخافة أن يشرد بي حكيم ومنه شرد البعير والدابة ~~إذا فارق صاحبه. و " من " بمعنى الذي، قال الكسائي. وروى عن ابن مسعود " ~~فشرذ " بالذال المعجمة، وهما لغتان. وقال قطرب: التشريذ (بالذال المعجمة) ~~التنكيل. وبالدال المهملة التفريق، حكاه الثعلبي. وقال المهدوي: الذال لا ~~وجه لها، إلا أن تكون بدلا من الدال المهملة لتقاربهما، ولا يعرف في اللغة ~~" فشرذ ". # وقرئ " من خلفهم " بكسر الميم والفاء. (لعلهم يدكرون) أي يتذكرون بوعدك ~~إياهم. # وقيل: هذا يرجع إلى من خلفهم، [لان من قتل لا يتذكر أي شرد بهم من خلفهم] ~~(1) من عمل بمثل عملهم. # قوله تعالى: وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله ms2797 لا ~~يحب الخائنين (58) فيه ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (وإما تخافن من قوم خيانة) أي غشا ونقضا للعهد. # (فانبذ إليهم على سواء) وهذه الآية نزلت في بني قريظة وبني النضير. وحكاه ~~الطبري عن مجاهد. قال ابن عطية: والذي يظهر في ألفاظ القرآن أن أم بني ~~قريظة انقضى عند قوله " فشرد بهم من خلفهم " ثم ابتدأ تبارك وتعالى في هذه ~~الآية بأمره فيما يصنعه في المستقبل مع من يخاف منه خيانة، فتترتب فيهم هذه ~~الآية. [وبنو قريظة لم يكونوا في حد من تخاف خيانته]، وإنما كانت خيانتهم ~~ظاهرة [مشهورة] (2). # الثانية - قال ابن العربي: فإن قيل كيف يجوز نقض العهد مع خوف الخيانة، ~~والخوف ظن لا يقين معه، فكيف يسقط يقين العهد مع ظن الخيانة. فالجواب من # PageV08P031 # وجهين: أحدهما - أن الخوف قد يأتي بمعنى اليقين، كما قد يأتي الرجاء ~~بمعنى العلم، قال الله تعالى: " ما لكم لا ترجون لله وقارا " (1) [نوح: ~~13]. الثاني - إذا ظهرت آثار الخيانة وثبتت دلائلها، وجب نبذ العهد لئلا ~~يوقع التمادي عليه في الهلكة، وجاز إسقاط اليقين هنا ضرورة. وأما إذا علم ~~اليقين فيستغنى عن نبذ العهد إليهم، وقد سار النبي صلى الله عليه وسلم إلى ~~أهل مكة عام الفتح، لما اشتهر منهم نقض العهد من غير أن ينبذ إليهم عهدهم. ~~والنبذ: # الرمي والرفض. وقال الأزهري: معناه إذا عاهدت قوما فعلمت منهم النقض ~~بالعهد فلا توقع بهم سابقا إلى النقض حتى تلقى إليهم أنك قد نقضت العهد ~~والموادعة، فيكونوا في علم النقض مستويين، ثم أوقع بهم. قال النحاس: هذا من ~~معجز ما جاء في القرآن مما لا يوجد في الكلام مثله على اختصاره وكثرة ~~معانيه. والمعنى: وإما تخافن من قوم بينك وبينهم عهد خيانة فأنبذ إليهم ~~العهد، أي قل لهم قد نبذت إليكم عهدكم، وأنا مقاتلكم، ليعلموا ذلك فيكونوا ~~معك في العلم سواء، ولا تقاتلهم وبينك وبينهم عهد وهم يثقون بك، فيكون ذلك ~~خيانة وغدرا. ثم بين هذا بقوله: " إن الله لا يحب الخائنين ". # قلت: ما ذكره الأزهري والنحاس ms2798 من إنباذ العهد مع العلم بنقضه يرده فعل ~~النبي صلى الله عليه وسلم في فتح مكة، فإنهم لما نقضوا لم يوجه إليهم بل ~~قال: (اللهم اقطع خبر عنهم) وغزاهم. وهو أيضا معنى الآية، لان في قطع العهد ~~منهم ونكثه مع العلم به حصول نقض عهدهم والاستواء معهم. فأما مع غير العلم ~~بنقض العهد منهم فلا يحل ولا يجوز. # روى الترمذي وأبو داود عن سليم بن عامر قال: كان بين معاوية والروم عهد ~~وكان يسير نحو بلادهم ليقرب حتى إذا انقضى العهد غزاهم، فجاءه رجل على فرس ~~أو برذون وهو يقول: الله أكبر، الله أكبر، [وفاء لا غدر] (2)، فنظروا فإذا ~~هو عمرو بن عنبسة، فأرسل إليه معاومة فسأله فقال: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: (من كان بينه وبين قوم عهد فلا يشد عقدة ولا يحلها حتى ~~ينقضي أمدها أو ينبذ إليهم على سواء) فرجع معاوية بالناس. قال الترمذي: هذا ~~حديث حسن صحيح. والسواء: المساواة والاعتدال. # PageV08P032 # وقال الراجز فأضرب وجوه الغدر الأعداء * حتى يجيبوك إلى السواء وقال ~~الكسائي: السواء العدل. وقد يكون بمعنى الوسط، ومنه قوله تعالى: " في سواء ~~الجحيم " (1) [الصافات: 55]. ومنه قول حسان: # يا ويح أصحاب النبي ورهطه * بعد المغيب في سواء الملحد الفراء: ويقال " ~~فأنبذ إليهم على سواء " جهرا لا سرا. # الثالثة - روى مسلم عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # (لكل غادر لواء يوم القيامة يرفع له بقدر غدره ألا ولا غادر أعظم غدرا من ~~أمير عامة). # قال علماؤنا رحمة الله عليهم: إنما كان الغدر في حق الامام أعظم وأفحش ~~منه في غيره لما في ذلك من المفسدة، فإنهم إذا غدروا وعلم ذلك منهم ولم ~~ينبذوا بالعهد لم يأمنهم العدو على عهد ولا صلح، فتشتد شوكته ويعظم ضرره، ~~ويكون ذلك منفرا عن الدخول في الدين، وموجبا لذم أئمة المسلمين. فأما إذا ~~لم يكن للعدو عهد فينبغي أن يتحيل عليه بكل حيلة، وتدار عليه كل خديعة. ~~وعليه يحمل قوله صلى الله عليه ms2799 وسلم: (الحرب خدعة) (2). وقد اختلف العلماء ~~هل يجاهد مع الامام الغادر (3)، على قولين. فذهب أكثرهم إلى أنه لا يقاتل ~~معه، بخلاف الخائن والفاسق. وذهب بعضهم إلى الجهاد معه. والقولان في ~~مذهبنا. # قوله تعالى: ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا أنهم لا يعجزون (59) قوله ~~تعالى: (ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا) أي من أفلت من وقعة بدر سبق إلى ~~الحياة. ثم استأنف فقال: " إنهم لا يعجزون " أي في الدنيا حتى يظفرك الله ~~بهم. # وقيل: يعني في الآخرة. وهو قول الحسن. وقرأ ابن عامر وحفص وحمزة " يحسبن ~~" بالياء والباقون بالتاء، على أن يكون في الفعل ضمير الفاعل. و " الذين ~~كفروا " مفعول أول. و " سبقوا " مفعول ثان. وأما قراءة الياء فزعم جماعة من ~~النحويين منهم أبو حاتم # PageV08P033 # أن هذا لحن لا تحل القراءة به، ولا تسع لمن عرف الاعراب أو عرفه. قال أبو ~~حاتم: # لأنه لم يأت ل‍ " - يحسبن " بمفعول وهو يحتاج إلى مفعولين. قال النحاس: ~~وهذا تحامل شديد، والقراءة تجوز ويكون المعنى: ولا يحسبن من خلفهم الذين ~~كفروا سبقوا، فيكون الضمير يعود على ما تقدم، إلا أن القراءة بالتاء أبين. ~~المهدوي: ومن قرأ بالياء احتمل أن يكون في الفعل ضمير النبي صلى الله عليه ~~وسلم، ويكون " الذين كفروا سبقوا " المفعولين. # ويجوز أن يكون " الذين كفروا " فاعلا، والمفعول الأول محذوف، المعنى: ولا ~~يحسبن الذين كفروا أنفسهم سبقوا. مكي: ويجوز أن يضمر مع سبقوا أن، فيسد مسد ~~المفعولين والتقدير: ولا يحسبن الذين كفروا أن سبقوا، فهو مثل " أحسب الناس ~~أن يتركوا " (1) [العنكبوت: 2] في سد أن مسد المفعولين. وقرأ ابن عامر " ~~أنهم لا يعجزون " بفتح الهمزة. واستبعد هذه القراءة أبو حاتم وأبو عبيد. ~~قال أبو عبيد: وإنما يجوز على أن يكون المعنى: ولا تحسبن الذين كفروا أنهم ~~لا يعجزون. قال النحاس: الذي ذكره أبو عبيد لا يجوز عند النحويين البصريين، ~~[لا يجوز] (2) حسبت زيدا أنه خارج، إلا بكسر الألف، وإنما لم يجز لأنه في ~~موضع المبتدأ، كما تقول: حسبت زيدا [أبوه خارج، ولو فتحت لصار المعنى حسبت ms2800 ~~زيدا] (2) خروجه. وهذا محال، وفيه أيضا من البعد أنه لا وجه لما قاله يصح ~~به معنى، إلا أن يجعل " لا " زائدة، ولا وجه لتوجيه حرف في كتاب الله عز ~~وجل إلى التطول بغير حجة يجب التسليم لها. والقراءة جيدة على أن يكون ~~المعنى: لأنهم لا يعجزون. مكي: فالمعنى لا يحسبن الكفار أنفسهم فأتوا لأنهم ~~لا يعجزون، أي لا يفوتون. ف‍ " - أن " في موضع نصب بحذف اللام، أو في موضع ~~خفض على إعمال اللام لكثرة حذفها مع " أن "، وهو يروى عن الخليل والكسائي. ~~وقرأ الباقون بكسر " إن " على الاستئناف والقطع مما قبله، وهو الاختيار، ~~لما فيه من معنى التأكيد، ولأن الجماعة عليه. وروي عن ابن محيصن أنه قرأ " ~~لا يعجزون " بالتشديد وكسر النون. النحاس: وهذا خطأ من وجهين: أحدهما - # PageV08P034 # أن معنى عجزه ضعفه وضعف أمره. والآخر - أنه كان يجب أن يكون بنونين. ~~ومعنى أعجزه سبقه وفاته حتى لم يقدر عليه. # قوله تعالى: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو ~~الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شئ في ~~سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون (60) فيه ست مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " وأعدوا لهم " أمر الله سبحانه المؤمنين بإعداد ~~القوة للأعداء بعد أن أكد تقدمة التقوى. فإن الله سبحانه لو شاء لهزمهم ~~بالكلام والتفل في وجوههم وبحفنة من تراب، كما فعل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. ولكنه أراد أن يبتلي بعض الناس ببعض بعلمه السابق وقضائه النافذ. ~~وكلما تعده لصديقك من خير أو لعدوك من شر فهو داخل في عدتك. قال ابن عباس: ~~القوة هاهنا السلاح والقسي. وفي صحيح مسلم عن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر يقول: (وأعدوا لهم ما استطعتم من ~~قوة ألا إن القوة الرمي ألا إن القوة الرمي ألا إن القوة الرمي). وهذا نص ~~رواه عن عقبة أبو علي ثمامة بن شفي الهمداني، وليس له في الصحيح غيره. ~~وحديث ms2801 آخر في الرمي عن عقبة أيضا قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: (ستفتح عليكم أرضون ويكفيكم الله فلا يعجز أحدكم أن يلهو بأسهمه). ~~وقال صلى الله عليه وسلم: (كل شئ يلهو به الرجل باطل إلا رميه بقوسه ~~وتأديبه فرسه وملاعبته أهله فإنه من الحق). ومعنى هذا والله أعلم: # أن كل ما يتلهى به الرجل مما لا يفيده في العاجل ولا في الآجل فائدة فهو ~~باطل، والاعراض عنه أولى. وهذه الأمور الثلاثة فإنه وإن كان يفعلها على أنه ~~يتلهى بها وينشط، فإنها حق لاتصالها بما قد يفيد، فإن الرمي بالقوس وتأديب ~~الفرس جميعا من معاون (1) القتال. وملاعبة # PageV08P035 # الأهل قد تؤدي إلى ما يكون عنه ولد يوحد الله ويعبده، فلهذا كانت هذه ~~الثلاثة من الحق. # وفي سنن أبي داود والترمذي والنسائي عن عقبة بن عامر عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # (إن الله يدخل ثلاثة نفر الجنة بسهم واحد صانعه يحتسب في صنعته الخير ~~والرامي ومنبله). # وفضل الرمي عظيم ومنفعته عظيمة للمسلمين، ونكايته شديدة على الكافرين. ~~قال صلى الله عليه وسلم: (يا بني إسماعيل أرموا فإن أباكم كان راميا). ~~وتعلم الفروسية واستعمال الأسلحة فرض كفاية. وقد يتعين. # الثانية - قوله تعالى: " ومن رباط الخيل " وقرأ الحسن وعمرو بن دينار ~~وأبو حياة " ومن ربط الخيل " بضم الراء والباء، جمع رباط، ككتاب وكتب قال ~~أبو حاتم عن ابن زيد: الرباط من الخيل الخمس فما فوقها، وجماعته ربط. وهي ~~التي ترتبط، يقال منه: ربط يربط ربطا. وارتبط يرتبط ارتباطا. ومربط الخيل ~~ومرابطها وهي ارتباطها بإزاء العدو. قال الشاعر: # أمر الاله بربطها لعدوه * في الحرب إن الله خير موفق وقال مكحول بن عبد ~~الله: # تلوم على ربط الجياد وحبسها * وأوصى بها الله النبي محمدا ورباط الخيل ~~فضل عظيم ومنزلة شريفة. وكان لعروة البارقي سبعون فرسا معدة للجهاد. # والمستحب منها الإناث، قاله عكرمة وجماعة. وهو صحيح، فإن الأنثى بطنها ~~كنز وظهرها عز. وفرس جبريل كان أنثى. وروى الأئمة عن أبي هريرة أن رسول ~~الله صلى ms2802 الله عليه وسلم قال: (الخيل ثلاثة لرجل أجر ولرجل ستر ولرجل وزر) ~~الحديث. ولم يخص ذكرا من أنثى. وأجودها أعظمها أجرا وأكثرها نفعا. وقد سئل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # أي الرقاب أفضل؟ فقال: (أغلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها). وروى النسائي عن ~~أبي وهب الجشمي - وكانت له صحبة - قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # (تسموا بأسماء الأنبياء وأحب الأسماء إلى الله عز وجل عبد الله وعبد ~~الرحمن وارتبطوا الخيل PageV08P036 # وامسحوا بنواصيها وأكفالها وقلدوها ولا تقلدوها الأوتار (1) وعليكم بكل ~~كميت (2) أغر محجل أو أشقر أغر محجل أو أدهم أغر محجل). وروى الترمذي عن ~~أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خير الخيل الأدهم الأقرح ~~الأرثم (3) [ثم الأقرح المحجل] (4) طلق اليمين فإن لم يكن أدهم فكميت على ~~هذه الشية). ورواه الدارمي عن أبي قتادة أيضا، أن رجلا قال: # يا رسول الله، إني أريد أن أشتري فرسا، فأيها أشتري؟ قال: (أشتر أدهم ~~أرثم محجلا طلق اليد اليمنى أو من الكميت على هذه الشية تغنم وتسلم). وكان ~~صلى الله عليه وسلم يكره الشكال من الخيل. والشكال: أن يكون الفرس في رجله ~~اليمنى بياض وفي يده اليسرى، أو في يده اليمنى ورجله اليسرى. خرجه مسلم عن ~~أبي هريرة رضي الله عنه. ويذكر أن الفرس الذي قتل عليه الحسين بن علي رضي ~~الله عنهما كان أشكل. # الثالثة - فإن قيل: إن قوله " وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة " كان يكفي، ~~فلم خص الرمي والخيل بالذكر؟ قيل له: إن الخيل لما كانت أصل الحروب ~~وأوزارها (6) التي عقد الخير في نواصيها، وهي أقوى القوة وأشد العدة وحصون ~~الفرسان، وبها يجال في الميدان، خصها بالذكر تشريفا، وأقسم بغبارها تكريما. ~~فقال: " والعاديات ضبحا " (7) [العاديات: 1] الآية. ولما كانت السهام من ~~أنجع ما يتعاطى في الحروب والنكاية في العدو وأقربها تناولا للأرواح، خصها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذكر لها والتنبيه عليها. ونظير هذا في ~~التنزيل، " وجبريل وميكال " (8) [البقرة: 98] ومثله كثير. # الرابعة - وقد استدل بعض علمائنا بهذه ms2803 الآية على جواز وقف الخيل والسلاح، ~~واتخاذ الخزائن والخزان لها عدة للأعداء. وقد اختلف العلماء (9) في جواز ~~وقف الحيوان # PageV08P037 # كالخيل والإبل على قولين: المنع، وبه قال أبو حنيفة. والصحة، وبه قال ~~الشافعي رضي الله عنه. وهو أصح، لهذه الآية، ولحديث ابن عمر في الفرس الذي ~~حمل عليه في سبيل الله وقوله عليه السلام في حق خالد: (وأما خالد فإنكم ~~تظلمون خالدا فإنه قد احتبس أدراعه واعتاده (1) في سبيل الله) الحديث. وما ~~روي أن امرأة جعلت بعيرا في سبيل الله، فأراد زوجها الحج، فسألت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال: (ادفعيه إليه ليحج عليه فإن الحج من سبيل الله). ~~ولأنه مال ينتفع به في وجه قربة، فجاز أن يوقف كالرباع. وقد ذكر السهيلي في ~~هذه الآية تسمية خيل النبي صلى الله عليه وسلم، وآلة حربه. من أرادها وجدها ~~في كتاب الاعلام (2). # الخامسة - قوله تعالى: (ترهبون عدو الله وعدوكم) يعني تخيفون به [عدو ~~الله و] (3) عدوكم من اليهود وقريش وكفار العرب. (وآخرين من دونهم) يعني ~~فارس والروم، قاله السدي. # وقيل: الجن. وهو اختيار الطبري. وقيل: المراد بذلك كل من لا تعرف عداوته. ~~قال السهيلي: قيل لهم قريظة. وقيل: هم من الجن. وقيل غير ذلك. ولا ينبغي أن ~~يقال فيهم شئ، لان الله سبحانه قال: " وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله ~~يعلمهم "، فكيف يدعي أحد علما بهم، إلا أن يصح حديث جاء في ذلك عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وهو قوله في هذه الآية: (هم الجن). ثم قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: (إن الشيطان لا يخبل أحدا في دار فيها فرس عتيق) ~~وإنما سمي عتيقا لأنه قد تخلص من الهجانة. # وهذا الحديث أسنده الحارث بن أبي أسامة عن ابن المليكي عن أبيه عن جده عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. وروي: أن الجن لا تقرب دارا فيها فرس، وأنها ~~تنفر من صهيل الخيل. # السادسة - قوله تعالى: (وما تنفقوا من شئ) أي تتصدقوا. وقيل: تنفقوه على ~~أنفسكم أو ms2804 خيلكم. (في سبيل الله يوف إليكم) في الآخرة، الحسنة بعشر أمثالها ~~إلى سبعمائة [ضعف] (4)، إلى أضعاف كثيرة. (وأنتم لا تظلمون). # PageV08P038 # قوله تعالى: وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع ~~العليم (61) فيه مسألتان: # الأولى - قوله تعالى: " وإن جنحوا للسلم فاجنح لها " إنما قال " لها " ~~لان السلم مؤنثة. ويجوز أن يكون التأنيث للفعلة. والجنوح الميل. يقول: إن ~~مالوا - يعني الذين نبذ إليهم عهدهم - إلى المسالمة، أي الصلح، فمل إليها. ~~وجنح الرجل إلى الآخر: مال إليه، ومنه قيل للأضلاع جوانح، لأنها مالت على ~~الحشوة (1). وجنحت الإبل: إذا مالت أعناقها في السير. وقال ذو الرمة: # إذا مات فوق الرحل أحييت روحه * بذكراك والعيس المراسيل (2) جنح وقال ~~النابغة: (3) جوانح قد أيقن أن قبيله * إذا ما التقى الجمعان أول غالب يعني ~~الطير. وجنح الليل إذا أقبل وأمال أطنابه على الأرض. والسلم والسلام هو ~~الصلح. # وقرأ الأعمش وأبو بكر وابن محيصن والمفضل " للسلم " بكسر السين. الباقون ~~بالفتح. وقد تقدم معنى ذلك في " البقرة " (4) مستوفى. وقد يكون السلام من ~~التسليم. وقرأ الجمهور " فاجنح " بفتح النون، وهي لغة تميم. وقرأ الأشهب ~~العقيلي " فاجنح " بضم النون، وهي لغة قيس. قال ابن جني: وهذه اللغة هي ~~القياس. # الثانية - وقد اختلف في هذه الآية، هل هي منسوخة أم لا. فقال قتادة ~~وعكرمة: # نسخها " فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم " (5) [التوبة: 5]. " وقاتلوا ~~المشركين كافة " [التوبة: 36] وقالا: نسخت براءة كل موادعة، حتى يقولوا لا ~~إله إلا الله. ابن عباس: الناسخ لها " فلا تهنوا وتدعوا إلى # PageV08P039 # السلم " (1) [محمد: 35]. وقيل: ليست بمنسوخة، بل أراد قبول الجزية من أهل ~~الجزية. وقد صالح أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في زمن عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه ومن بعده من الأئمة كثيرا من بلاد العجم، على ما أخذوه منهم، ~~وتركوهم على ما هم فيه، وهم قادرون على استئصالهم. وكذلك صالح رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كثيرا من أهل البلاد على مال يؤدونه، من ذلك خيبر، رد ~~أهلها إليها بعد الغلبة على أن يعملوا ويؤدوا ms2805 النصف. قال ابن إسحاق: قال ~~مجاهد عنى بهذه الآية قريظة، لان الجزية تقبل منهم، فأما المشركون فلا يقبل ~~منهم شئ. وقال السدي وابن زيد.: معنى الآية إن دعوك إلى الصلح فأجبهم. ولا ~~نسخ فيها. قال ابن العربي: وبهذا يختلف الجواب عنه، وقد قال الله عز وجل: " ~~فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم " (1) [محمد: 35]. ~~فإذا كان المسلمون على عزة وقوة ومنعة، وجماعة عديدة، وشدة شديدة فلا صلح، ~~كما قال: # فلا صلح حتى تطعن الخيل بالقنا * وتضرب بالبيض الرقاق الجماجم وإن كان ~~للمسلمين مصلحة في الصلح، لنفع يجتلبونه، أو ضرر يدفعونه، فلا بأس أن يبتدئ ~~المسلمون [به] (2) إذا احتاجوا إليه. وقد صالح رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أهل خيبر على شروط نقضوها فنقض صلحهم. وقد صالح الضمري (3) وأكيدر ~~دومة وأهل نجران، وقد هادن قريشا لعشرة أعوام حتى نقضوا عهده. وما زالت ~~الخلفاء والصحابة على هذه السبيل التي شرعناها سالكة، وبالوجوه التي ~~شرحناها عاملة. قال القشيري: إذا كانت القوة للمسلمين فينبغي ألا تبلغ ~~الهدنة سنة. وإذا كانت القوة للكفار جاز مهادنتهم عشر سنين، ولا تجوز ~~الزيادة. # وقد هادن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل مكة عشر سنين. قال ابن النذر: ~~اختلف العلماء في المدة التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وبين أهل ~~مكة عام الحديبية، فقال عروة: كانت أربع سنين. وقال ابن جريج: كانت ثلاث ~~سنين. وقال ابن إسحاق: كانت # PageV08P040 # عشر سنين. وقال الشافعي رحمه الله: لا تجوز مهادنة المشركين أكثر من عشر ~~سنين، على ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية، فإن هودن ~~المشركون أكثر من ذلك فهي منتقضة، لان الأصل فرض قتال المشركين حتى يؤمنوا ~~أو يعطوا الجزية. وقال ابن حبيب عن مالك رضي الله عنه: تجوز مهادنة ~~المشركين السنة والسنتين والثلاث، وإلى غير مدة. قال المهلب: # إنما قاضاهم النبي صلى الله عليه وسلم هذه القضية التي ظاهرها الوهن على ~~المسلمين، لسبب حبس الله ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ms2806 مكة، حين ~~توجه إليها فبركت. وقال: # (حبسها حابس الفيل). على ما خرجه البخاري من حديث المسور بن مخرمة. ودل ~~على جواز صلح المشركين ومهادنتهم دون مال يؤخذ منهم، إذا رأى ذلك الامام ~~وجها. ويجوز عند الحاجة للمسلمين عقد الصلح بمال يبذلونه للعدو، لموادعة ~~النبي صلى الله عليه وسلم عيينة بن حصن الفزاري، والحارث بن عوف (1) المري ~~يوم الأحزاب، على أن يعطيهما ثلث ثمر المدينة، وينصرفا بمن معهما من غطفان ~~ويخذلا قريشا، ويرجعا بقومهما عنهم. وكانت هذه المقالة مراوضة (2) ولم تكن ~~عقدا. فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم منهما أنهما قد أنابا ورضيا ~~استشار سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، فقالا: يا رسول الله، هذا أمر تحبه ~~فنصنعه لك، أو شئ أمرك الله به فنسمع له ونطيع، أو أمر تصنعه لنا؟ فقال: ~~(بل أمر أصنعه لكم فإن العرب قد رمتكم عن قوس واحدة)، فقال له سعد بن معاذ: ~~يا رسول الله، والله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك وعبادة الأوثان، لا ~~نعبد الله ولا نعرفه، وما طمعوا قط أن ينالوا منا ثمرة، إلا شراء أو قرى، ~~فحين أكرمنا الله بالاسلام، وهدانا له وأعزنا بك، نعطيهم أموالنا! والله لا ~~نعطيهم إلا السيف، حتى يحكم الله بيننا وبينهم. فسر بذلك رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وقال: (أنتم وذاك). وقال لعيينة والحارث: (انصرفا فليس لكما ~~عندنا إلا السيف). وتناول سعد الصحيفة، وليس فيها شهادة [أن لا إله إلا ~~الله] (3) فمحاها. # PageV08P041 # قوله تعالى: وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره ~~وبالمؤمنين (62) وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين ~~قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم (63) قوله تعالى: (وإن يريدوا أن ~~يخدعوك) أي بأن يظهروا لك السلم، ويبطنوا الغدر والخيانة، فاجنح فما عليك ~~من نياتهم الفاسدة. (فإن حسبك الله) كافيك الله، أي يتولى كفايتك وحياطتك. ~~قال الشاعر: # إذا كانت الهيجاء وانشقت العصا * فحسبك والضحاك سيف مهند أي كافيك وكافي ~~الضحاك سيف. # قوله ms2807 تعالى: (هو الذي أيدك بنصره) أي قواك بنصره. يريد يوم بدر. ~~(وبالمؤمنين) قال النعمان بن بشير: نزلت في الأنصار. (وألف بين قلوبهم) أي ~~جمع بين قلوب الأوس والخزرج. وكان تألف القلوب مع العصبية الشديدة في العرب ~~من آيات النبي صلى الله عليه وسلم ومعجزاته، لان أحدهم كان يلطم اللطمة ~~فيقاتل عنها حتى يستقيدها. وكانوا أشد خلق الله حمية، فألف الله بالايمان ~~بينهم، حتى قاتل الرجل أباه وأخاه بسبب الدين. وقيل: # أراد التأليف بين المهاجرين والأنصار. والمعنى متقارب. # قوله تعالى: يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين (64) ليس هذا ~~تكريرا فإنه قال فيما سبق: (وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله) وهذه ~~كفاية خاصة. وفي قوله: (يا أيها النبي حسبك الله) أراد التعميم، أي حسبك ~~الله في كل حال وقال ابن عباس: نزلت في إسلام عمر فإن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان أسلم معه ثلاثة وثلاثون رجلا وست نسوة، فأسلم عمر وصاروا أربعين. ~~والآية مكية، كتبت بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في سورة مدنية، ذكره ~~القشيري. PageV08P042 # قلت: ما ذكره من إسلام عمر رضي الله عنه عن ابن عباس، فقد وقع في السيرة ~~خلافه. # عن عبد الله بن مسعود قال: (ما كنا نقدر على أن نصلي عند الكعبة حتى أسلم ~~عمر، فلما أسلم قاتل قريشا حتى صلى عند الكعبة وصلينا معه. وكان إسلام عمر ~~بعد خروج من خرج من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحبشة. قال ~~ابن إسحاق: وكان جميع من لحق بأرض الحبشة وهاجر إليها من المسلمين، سوى ~~أبنائهم الذين خرجوا بهم صغارا أو ولدوا بها، ثلاثة وثمانين رجلا، إن كان ~~عمار بن ياسر منهم. وهو يشك فيه. وقال الكلبي: نزلت الآية بالبيداء في غزوة ~~بدر قبل القتال. # قوله تعالى: (ومن اتبعك من المؤمنين) قيل: المعنى حسبك الله، وحسبك ~~المهاجرون والأنصار. وقيل: المعنى كافيك الله، وكافي من تبعك، قاله الشعبي ~~وابن زيد. والأول عن الحسن. وأختاره النحاس وغيره. ف‍ " - من " على القول ~~الأول ms2808 في موضع رفع، عطفا على اسم الله تعالى. على معنى: فإن حسبك الله ~~وأتباعك من المؤمنين. وعلى الثاني على إضمار. # ومثله قوله صلى الله عليه وسلم: (يكفينيه الله وأبناء قيلة) (1). وقيل: ~~يجوز أن يكون [المعنى] (2) " ومن اتبعك من المؤمنين " حسبهم الله، فيضمر ~~الخبر. ويجوز أن يكون " من " في موضع نصب، على معنى: يكفيك الله ويكفي من ~~اتبعك (3). # PageV08P043 # قوله تعالى: يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون ~~صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم ~~قوم لا يفقهون (65) ألآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم ~~مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله ~~مع الصابرين (66) قوله تعالى: (يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال) أي ~~حثهم وحضهم. يقال: حارض على الامر وواظب وواصب وأكب بمعنى واحد. والحارض: ~~الذي قد قارب الهلاك، ومنه قوله عز وجل: " حتى تكون حرضا " (1) [يوسف: 85] ~~أي تذوب غما، فتقارب الهلاك فتكون من الهالكين (إن يكن منكم عشرون صابرون ~~يغلبوا مائتين) لفظ خبر، ضمنه وعد بشرط، لان معناه إن يصبر منكم عشرون ~~صابرون يغلبوا مائتين. وعشرون وثلاثون وأربعون كل واحد منها اسم موضوع على ~~صورة الجمع لهذا العدد. ويجري هذا الاسم مجرى فلسطين. فإن قال قائل: # لم كسر أول عشرين وفتح أول ثلاثين وما بعده إلى الثمانين إلا ستين؟ ~~فالجواب عند سيبويه أن عشرين من عشرة بمنزلة اثنين من واحد، فكسر أول عشرين ~~كما كسر اثنان. والدليل على هذا قولهم: ستون وتسعون، كما قيل: ستة وتسعة. ~~وروى أبو داود عن ابن عباس قال: # نزلت " إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين " فشق ذلك على المسلمين، ~~حين فرض الله عليهم ألا يفر واحد من عشرة، ثم إنه جاء التخفيف فقال: " ألآن ~~خفف الله عنكم " [قرأ أبو (2) توبة] إلى قوله: " مائة صابرة يغلبوا مائتين ~~". قال: فلما خفف الله تعالى عنهم من العدد نقص من الصبر بقدر ما خفف عنهم. ~~وقال ابن العربي: ms2809 قال قوم إن هذا كان يوم بدر ونسخ. وهذا خطأ من قائله. ولم ~~ينقل قط أن المشركين صافوا المسلمين # PageV08P044 # عليها، ولكن الباري عز وجل فرض ذلك عليهم أولا، وعلق (1) ذلك بأنكم ~~تفقهون ما تقاتلون عليه، وهو الثواب. وهم لا يعلمون ما يقاتلون عليه. # قلت: وحديث ابن عباس يدل على أن ذلك فرض. ثم لما شق ذلك عليهم حط الفرض ~~إلى ثبوت الواحد للاثنين، فخفف عنهم وكتب عليهم ألا يفر مائة من مائتين، ~~فهو على هذا القول تخفيف لا نسخ. وهذا حسن. وقد ذكر القاضي ابن الطيب أن ~~الحكم إذا نسخ بعضه أو بعض أوصافه، أو غير عدده فجائز أن يقال إنه نسخ، ~~لأنه حينئذ ليس بالأول، بل هو غيره. وذكر في ذلك خلافا. # قوله تعالى: ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض ~~الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم (67) فيه خمس مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " أسرى " جمع أسير، مثل قتيل وقتلى وجريح وجرحى. # ويقال في جمع أسير أيضا: أسارى (بضم الهمزة) وأسارى (بفتحها) وليست ~~بالعالية. وكانوا يشدون الأسير بالقد وهو الأسئار، فسمي كل أخيذ وإن لم ~~يؤسر أسيرا. قال الأعشى: # وقيدني الشعر في بيته * كما قيد الآسرات الحمارا وقد مضى هذا في سورة " ~~البقرة " (2). وقال أبو عمر بن العلاء: الاسرى هم غير الموثقين عند ما ~~يؤخذون، والأسارى هم الموثقون ربطا. وحكى أبو حاتم أنه سمع هذا من العرب. # الثانية - هذه الآية نزلت يوم بدر، عتابا من الله عز وجل لأصحاب نبيه صلى ~~الله عليه وسلم. والمعنى: ما كان ينبغي لكم أن تفعلوا هذا الفعل الذي أوجب ~~أن يكون للنبي # PageV08P045 # صلى الله عليه وسلم أسرى قبل الاثخان (1). ولهم هذا الاخبار بقوله " ~~تريدون عرض الدنيا ". # والنبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر باستبقاء الرجال وقت الحرب، ولا أراد ~~قط عرض الدنيا، وإنما فعله جمهور مباشري الحرب، فالتوبيخ والعتاب إنما كان ~~متوجها بسبب من أشار على النبي صلى الله عليه وسلم بأخذ الفدية. هذا قول ~~أكثر المفسرين، ms2810 وهو الذي لا يصح غيره. # وجاء ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في الآية حين لم ينه عنه حين رآه من ~~العريش وإذ كره سعد ابن معاذ وعمر بن الخطاب وعبد الله بن رواحة، ولكنه ~~عليه السلام شغله بغت الامر ونزول النصر فترك النهي عن الاستبقاء، ولذلك ~~بكى هو وأبو بكر حين نزلت الآيات. والله أعلم. # روى مسلم من حديث عمر بن الخطاب، وقد تقدم أوله في " آل عمران " (2) وهذا ~~تمامه. # قال أبو زميل: قال ابن عباس فلما أسروا الأسارى قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لأبي بكر وعمر: (ما ترون في هؤلاء الأسارى)؟ فقال أبو بكر: يا ~~رسول الله، هم بنو العم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فدية، فتكون لنا قوة ~~على الكفار، فعسى الله أن يهديهم للاسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: (ما ترى يا بن الخطاب)؟ قلت: لا والله يا رسول الله، ما أرى الذي رأى ~~أبو بكر، ولكني أرى أن تمكنا فنضرب أعناقهم، فتمكن عليا من عقيل فيضرب ~~عنقه، وتمكني من فلان (نسيبا لعمر) فأضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر ~~وصناديدها. فهوي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ولم يهو ما ~~قلت، فلما كان من الغد جئت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر ~~قاعدين يبكيان، فقلت: # يا رسول الله، أخبرني من أي شئ تبكي أنت وصاحبك، فإن وجدت بكاء بكيت، وإن ~~لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أبكي ~~للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه ~~الشجرة) (شجرة قريبة كانت من نبي الله صلى الله عليه وسلم) وأنزل الله عز ~~وجل " ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض " إلى قوله تعالى: " ~~فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا " [الأنفال: 69] فأحل الله الغنيمة لهم. وروى ~~يزيد بن هارون # PageV08P046 # قال: أخبرنا يحيى قال حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي ms2811 ~~عبيدة عن عبد الله قال: لما كان يوم بدر جئ بالأسارى وفيهم العباس، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما ترون في هؤلاء الأسارى) فقال أبو بكر: ~~يا رسول الله قومك وأهلك، استبقهم لعل الله أن يتوب عليهم. وقال عمر: كذبوك ~~وأخرجوك وقاتلوك، قدمهم فأضرب أعناقهم. # وقال عبد الله بن رواحة: أنظر واديا كثير الحطب فأضرمه عليهم. فقال ~~العباس وهو يسمع: # قطعت رحمك. قال: فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يرد عليهم شيئا. ~~فقال أناس: # يأخذ بقول أبي بكر رضي الله عنه. وقال أناس: يأخذ بقول عمر. وقال أناس: ~~يأخذ بقول عبد الله بن رواحة. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (إن ~~الله ليلين قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من اللبن ويشدد قلوب رجال فيه حتى ~~تكون أشد من الحجارة). مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم قال " فمن تبعني فإنه ~~مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم " (1) [إبراهيم: 36] ومثلك يا أبا بكر مثل ~~عيسى إذ قال " إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ~~" (2) [المائدة: 118]. ومثلك يا عمر كمثل نوح عليه السلام إذ قال " رب لا ~~تذر على الأرض من الكافرين ديارا " (3) [نوح: 26]. ومثلك يا عمر مثل موسى ~~عليه السلام إذ قال " ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا ~~حتى يروا العذاب الأليم " (4) [يونس: 88] أنتم عالة فلا ينفلتن أحد إلا ~~بفداء أو ضربة عنق). فقال عبد الله: إلا سهيل بن بيضاء فإني سمعته يذكر ~~الاسلام. فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فما رأيتني أخوف أن تقع ~~علي الحجارة من السماء مني في ذلك اليوم. فأنزل الله عز وجل: " ما كان لنبي ~~أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض " إلى آخر الآيتين. في رواية فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: (إن كاد ليصيبنا في خلاف ابن الخطاب عذاب ولو نزل ~~عذاب ما أفلت إلا عمر). وروى أبو داود عن عمر قال: لما كان يوم بدر وأخذ - ~~يعني ms2812 رسول الله صلى الله عليه وسلم - الفداء، أنزل الله عز وجل " ما كان ~~لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض " إلى قوله " لمسكم فيما أخذتم - ~~من الفداء - عذاب عظيم " [الأنفال: 68]. ثم أحل الغنائم. وذكر القشيري أن ~~سعد بن معاذ قال: يا رسول الله، إنه أول وقعة لنا مع المشركين # PageV08P047 # فكان الاثخان أحب إلي. والاثخان: كثرة القتل، عن مجاهد وغيره. أي يبالغ ~~في قتل المشركين. تقول العرب: أثخن فلان في هذا الامر أي بالغ. وقال بعضهم: ~~حتى يقهر ويقتل. وأنشد المفضل: # تصلي الضحى ما دهرها بتعبد * وقد أثخنت فرعون في كفره كفرا وقيل: " حتى ~~يثخن " يتمكن. وقيل: الاثخان القوة والشدة. فأعلم الله سبحانه وتعالى أن ~~قتل الاسرى الذين فودوا ببدر كان أولى من فدائهم. وقال ابن عباس رضي الله ~~عنه: # كان هذا يوم بدر والمسلمون يومئذ قليل، فلما كثروا واشتد سلطانهم أنزل ~~الله عز وجل بعد هذا في الأسارى: " فإما منا بعد وإما فداء " (1) [محمد: 4] ~~على ما يأتي بيانه في سورة " القتال " إن شاء الله تعالى. وقد قيل: إنما ~~عوتبوا لان قضية بدر كانت عظيمة الموقع والتصريف في صناديد قريش وأشرافهم ~~وساداتهم وأموالهم بالقتل والاسترقاق والتملك. وذلك كله عظيم الموقع فكان ~~حقهم أن ينتظروا الوحي ولا يستعجلوا، فلما استعجلوا ولم ينتظروا توجه عليهم ~~ما توجه. والله أعلم. # الثالثة - أسند الطبري وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للناس: ~~(إن شئتم أخذتم فداء الأسارى ويقتل منكم في الحرب سبعون على عددهم وإن شئتم ~~قتلوا وسلمتم). # فقالوا: نأخذ الفداء ويستشهد منا سبعون. وذكر عبد بن حميد بسنده أن جبريل ~~عليه السلام نزل على النبي صلى الله عليه وسلم بتخيير الناس هكذا. وقد مضى ~~في " آل عمران " (2) القول في هذا. وقال عبيدة السلماني: طلبوا الخيرتين ~~كلتيهما، فقتل منهم يوم أحد سبعون. # وينشأ هنا إشكال وهي: - الرابعة - وهو أن يقال: إذا كان التخيير فكيف وقع ~~التوبيخ بقوله " لمسكم ". # فالجواب - أن التوبيخ وقع أولا لحرصهم على أخذ الفداء، ثم وقع التخيير ~~بعد ms2813 ذلك. ومما يدل على ذلك أن المقداد قال حين أمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بقتل عقبة بن أبي معيط: # أسيري يا رسول الله. وقال مصعب بن عمير الذي أسر أخاه: شد عليه يدك، فإن ~~له أما # PageV08P048 # موسرة. إلى غير ذلك من قصصهم وحرصهم على أخذ الفداء. فلما تحصل الأسارى ~~وسيقوا إلى المدينة وأنفذ رسول الله صلى الله عليه وسلم القتل في النضر ~~وعقبة وغيرهما وجعل يرتئي في سائرهم نزل التخيير من الله عز وجل، فاستشار ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه حينئذ، فمر عمر على أول رأيه في ~~القتل، ورأى أبو بكر المصلحة في قوه المسلمين بمال الفداء. ومال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلى رأي أبي بكر. وكلا الرأيين اجتهاد بعد تخيير. فلم ~~ينزل بعد على هذا شئ من تعنيت (1). والله أعلم. # الخامسة - قال ابن وهب: قال مالك كان ببدر أسارى مشر كون فأنزل الله " ما ~~كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض ". وكانوا يومئذ مشركين وفادوا ~~ورجعوا، ولو كانوا مسلمين لأقاموا ولم يرجعوا. وكان عدة من قتل منهم أربعة ~~وأربعين رجلا، ومثلهم أسروا. وكان الشهداء قليلا. وقال عمرو بن العلاء: إن ~~القتلى كانوا سبعين، والأسرى كذلك. # وكذلك قال ابن عباس وابن المسيب وغيرهم. وهو الصحيح كما في صحيح مسلم، ~~فقتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين. وذكر البيهقي قالوا: فجئ بالأسارى وعليهم ~~شقران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم تسعة وأربعون رجلا الذين ~~أحصوا، وهم سبعون في الأصل، مجتمع عليه لا شك فيه. قال ابن العربي: إنما ~~قال مالك " وكانوا مشركين " لان المفسرين رووا أن العباس قال للنبي صلى ~~الله عليه وسلم: إني مسلم. وفي رواية أن الأسارى قالوا للنبي صلى الله عليه ~~وسلم: آمنا بك. وهذا كله ضعفه مالك، واحتج على إبطاله بما ذكر من رجوعهم ~~وزيادة عليه أنهم غزوه في أحد. قال أبو عمر بن عبد البر: اختلفوا في وقت ~~إسلام العباس، فقيل: أسلم قبل يوم بدر، ولذلك قال ms2814 صلى الله عليه وسلم: (من ~~لقي العباس فلا يقتله فإنما أخرج كرها). وعن ابن عباس أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال يوم بدر: (إن أناسا من بني هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرها ~~لا حاجة لهم بقتالنا فمن لقي منكم أحدا من بني هاشم فلا يقتله ومن لقي أبا ~~البختري فلا يقتله ومن لقي العباس فلا يقتله فإنه إنما أخرج مستكرها) وذكر ~~الحديث. وذكر أنه أسلم حين أسر يوم بدر. وذكر أنه أسلم عام خيبر، وكان يكتب # PageV08P049 # لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأخبار المشركين، وكان يحب أن يهاجر فكتب ~~إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أمكث بمكة فمقامك بها أنفع لنا). # قوله تعالى: لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم (68) فيه ~~مسألتان: # الأولى: قوله تعالى: " لولا كتاب من الله سبق " في أنه لا يعذب قوما حتى ~~يبين لهم ما يتقون. واختلف الناس في كتاب الله السابق على أقوال، أصحها ما ~~سبق من إحلال الغنائم، فإنها كانت محرمة على من قبلنا. فلما كان يوم بدر، ~~أسرع الناس إلى الغنائم فأنزل الله عز وجل " لولا كتاب من الله سبق " أي ~~بتحليل الغنائم. وروى أبو داود الطيالسي في مسنده: حدثنا سلام عن الأعمش عن ~~أبي صالح عن أبي هريرة قال: لما كان يوم بدر تعجل الناس إلى الغنائم ~~فأصابوها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الغنيمة لا تحل لاحد سود ~~الرؤوس غيركم). فكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إذا غنموا الغنيمة ~~جمعوها ونزلت نار من السماء فأكلتها (1)، فأنزل الله تعالى: " لولا كتاب من ~~الله سبق " إلى آخر الآيتين. وأخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، وقاله ~~مجاهد والحسن. وعنهما أيضا وسعيد بن جبير: الكتاب السابق هو مغفرة الله ~~لأهل بدر، ما تقدم أو تأخر من ذنوبهم. وقالت فرقة: الكتاب السابق هو عفو ~~الله عنهم في هذا الذنب، معينا. والعموم أصح، لقول رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لعمر في أهل بدر: (وما يدريك لعل الله ms2815 اطلع على أهل بدر فقال أعملوا ~~ما شئتم فقد غفرت لكم). خرجه مسلم. وقيل: الكتاب السابق هو ألا يعذبهم ~~ومحمد عليه السلام فيهم. وقيل: الكتاب السابق هو ألا يعذب أحدا بذنب أتاه ~~جاهلا حتى يتقدم إليه. وقالت فرقة: الكتاب السابق هو مما قضى الله من محو ~~الصغائر باجتناب الكبائر. وذهب الطبري إلى أن هذه المعاني كلها داخلة تحت ~~اللفظ وأنه يعمها، ونكب عن تخصيص معنى دون معنى. # PageV08P050 # الثانية - ابن العربي: وفي الآية دليل على أن العبد إذا أقتحم ما يعتقده ~~حراما مما هو في علم الله حلال له لا عقوبة عليه، كالصائم إذا قال: هذا يوم ~~نوبي (1) فأفطر الآن. أو تقول المرأة: هذا يوم حيضتي فأفطر، ففعلا ذلك، ~~وكان النوب والحيض الموجبان للفطر، ففي المشهور من المذهب فيه الكفارة، وبه ~~قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا كفارة عليه، وهي الرواية الأخرى. وجه ~~الرواية الأولى أن طرو الإباحة لا يثبت عذرا في عقوبة التحريم عند الهتك، ~~كما لو وطئ امرأة ثم نكحها. وجه الرواية الثانية أن حرمة اليوم ساقطة عند ~~الله عز وجل فصادف الهتك محلا لا حرمة له في علم الله، فكان بمنزلة ما لو ~~قصد وطئ امرأة قد زفت إليه وهو يعتقدها أنها ليست بزوجته فإذا هي زوجته. ~~وهذا أصح. والتعليل الأول لا يلزم، لان علم الله سبحانه وتعالى مع علمنا قد ~~استوى في مسألة التحريم، وفي مسألتنا اختلف فيها علمنا وعلم الله فكان ~~المعول على علم الله. كما قال: " لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم ~~عذاب عظيم ". # قوله تعالى: فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا واتقوا الله إن الله غفور رحيم ~~(69) يقتضي ظاهره أن تكون الغنيمة كلها للغانمين، وأن يكونوا مشتركين فيها ~~على السواء، إلا أن قوله تعالى: " واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه " ~~[الأنفال: 41] بين وجوب إخراج الخمس منه وصرفه إلى الوجوه المذكورة. وقد ~~تقدم القول في هذا مستوفى. # قوله تعالى: يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسارى إن يعلم الله في ms2816 ~~قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم (70) وإن ~~يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم والله عليم حكيم (71) فيه ~~ثلاث مسائل: # PageV08P051 # الأولى - قوله تعالى: (يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الاسرى) قيل: ~~الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. وقيل: له وحده. وقال ابن عباس ~~رضي الله عنه: # الاسرى في هذه الآية عباس وأصحابه. قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: أمنا ~~بما جئت به، ونشهد أنك رسول الله، لننصحن لك على قومك، فنزلت هذه الآية. ~~وقد تقدم بطلان هذا من قول مالك. وفي مصنف أبي داود عن ابن عباس رضي الله ~~عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل فداء أهل الجاهلية يوم بدر أربعمائة. ~~وعن ابن إسحاق: بعثت قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في فداء ~~أسراهم، ففدى كل قوم أسيرهم بما رضوا. وقال العباس: يا رسول الله، إني قد ~~كنت مسلما. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الله أعلم بإسلامك فإن يكن ~~كما تقول فالله يجزيك بذلك فأما ظاهر أمرك فكان علينا فافد نفسك وابني ~~أخويك نوفل بن الحارث بن عبد المطلب وعقيل بن أبي طالب وحليفك عتبة بن عمرو ~~أخا بني الحارث بن فهر). وقال: ما ذاك عندي يا رسول الله. قال: (فأين المال ~~الذي دفنته أنت وأم الفضل فقلت لها إن أصبت في سفري هذا فهذا المال لبني ~~الفضل وعبد الله وقثم)؟ فقال: يا رسول الله، إني لاعلم أنك رسول الله، إن ~~هذا لشئ ما علمه غيري وغير أم الفضل، فاحسب لي يا رسول الله ما أصبتم مني ~~عشرين أوقية من مال كان معي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا ذاك ~~شئ أعطانا الله منك). ففدى نفسه وابني أخويه وحليفه، وأنزل الله فيه: " يا ~~أيها النبي قل لمن في أيديكم من الاسرى " الآية. قال ابن إسحاق: # وكان أكثر الأسارى فداء العباس بن عبد المطلب، لأنه كان رجلا موسرا، ~~فافتدى نفسه بمائة أوقية ms2817 من ذهب. وفي البخاري: وقال موسى بن عقبة قال ابن ~~شهاب: حدثني أنس بن مالك أن رجالا من الأنصار استأذنوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله، ائذن لنا فلنترك لابن أختنا عباس فداءه. ~~فقال: (لا والله لا تذرون درهما). وذكر النقاش وغيره أن فداء كل واحد من ~~الأسارى كان أربعين أوقية، إلا العباس فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~(أضعفوا الفداء على العباس) وكلفه أن يفدي ابني أخويه عقيل بن أبي طالب ~~ونوفل PageV08P052 # ابن الحارث فأدى عنهما ثمانين أوقية، وعن نفسه ثمانين أوقية وأخذ منه ~~عشرون [أوقية] (1) وقت الحرب. وذلك أنه كان أحد العشرة الذين ضمنوا الاطعام ~~لأهل بدر، فبلغت النوبة إليه يوم بدر فاقتتلوا قبل أن يطعم، وبقيت العشرون ~~معه فأخذت منه وقت الحرب، فأخذ منه يومئذ مائة أوقية وثمانون أوقية. فقال ~~العباس للنبي صلى الله عليه وسلم: لقد تركتني ما حييت أسأل قريشا بكفي. ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أين الذهب الذي تركته عند امرأتك أم ~~الفضل)؟ فقال العباس: أي ذهب؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: # (إنك قلت لها لا أدري ما يصيبني في وجهي هذا فإن حدث بي حدث فهو لك ~~ولولدك) فقال: يا بن أخي، من أخبرك بهذا؟ قال: (الله أخبرني). قال العباس: ~~أشهد أنك صادق، وما علمت أنك رسول الله قط إلا اليوم، وقد علمت أنه لم ~~يطلعك عليه إلا عالم السرائر، أشهد أن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله، ~~وكفرت بما سواه. وأمر ابني أخويه فأسلما، ففيهما نزلت " يا أيها النبي قل ~~لمن في أيديكم من الاسرى ". وكان الذي أسر العباس أبا اليسر كعب بن عمرو ~~أخا بني سلمة، وكان رجلا قصيرا، وكان العباس ضخما طويلا، فلما جاء به إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (لقد أعانك عليه ملك). # الثانية - قوله تعالى: (إن يعلم الله في قلوبكم خيرا) أي إسلاما. يؤتكم ~~خيرا مما أخذ منكم) أي من الفدية. قيل في الدنيا. وقيل ms2818 في الآخرة. وفي صحيح ~~مسلم أنه لما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم مال من البحرين قال له ~~العباس: إني فاديت نفسي وفاديت عقيلا. فقال له رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: (خذ) فبسط ثوبه وأخذ ما استطاع أن يحمله. مختصر. في غير الصحيح: فقال ~~له العباس هذا خير مما أخذ مني، وأنا بعد أرجو أن يغفر الله لي. قال ~~العباس: وأعطاني زمزم، وما أحب أن لي بها جميع أموال أهل مكة. # وأسند الطبري إلى العباس أنه قال: في نزلت حين أعلمت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بإسلامي، وسألته أن يحاسبني بالعشرين أوقية التي أخذت مني قبل ~~المفاداة فأبى. وقال: # (ذلك فئ) فأبدلني الله من ذلك عشرين عبدا كلهم تاجر بمالي. وفي مصنف أبي ~~داود عن # PageV08P053 # عائشة رضي الله عنها قالت: لما بعث أهل مكة في فداء أسراهم بعثت زينب في ~~فداء أبي العاص بمال، وبعثت فيه بقلادة لها كانت عند خديجة أدخلتها بها على ~~أبي العاص. قالت: فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم رق لها رقة شديدة ~~وقال: (إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها الذي لها)؟ فقالوا: ~~نعم. وكان النبي صلى الله عليه وسلم أخذ عليه أو وعده أن يخلي سبيل زينب ~~إليه. وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة ورجلا من الأنصار ~~فقال: # (كونا ببطن يأجج (1) حتى تمر بكما زينب فتصحباها حتى تأتيا بها). قال ابن ~~إسحاق: وذلك بعد بدر بشهر. قال عبد الله بن أبي بكر: حدثت عن زينب بنت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أنها قالت: لما قدم أبو العاص مكة قال لي: تجهزي، ~~فالحقي بأبيك. قالت: فخرجت أتجهز فلقيتني هند بنت عتبة فقالت: يا بنت محمد، ~~ألم يبلغني أنك تريدين اللحوق بأبيك؟ فقلت لها: ما أردت ذلك. فقالت، أي بنت ~~عم، لا تفعلي، إني امرأة موسرة وعندي سلع من حاجتك، فإن أردت سلعة بعتكها، ~~أو قرضا من نفقة أقرضتك، فإنه لا يدخل بين النساء ما ms2819 بين الرجال. قالت: ~~فوالله ما أراها قالت ذلك إلا لتفعل، فخفتها فكتمتها وقلت: ما أريد ذلك. ~~فلما فرغت زينب من جهازها ارتحلت وخرج بها حموها يقود بها نهارا كنانة بن ~~الربيع. # وتسامع بذلك أهل مكة، وخرج في طلبها هبار بن الأسود ونافع بن عبد القيس ~~الفهري، وكان أول من مبق إليها هبار فروعها بالرمح وهي في هودجها. وبرك ~~كنانة ونثر نبله، ثم أخذ قوسه وقال: والله لا يدنو مني رجل إلا وضعت فيه ~~سهما. وأقبل أبو سفيان في أشراف قريش فقال: يا هذا، أمسك عنا نبلك حتى ~~نكلمك، فوقف عليه أبو سفيان وقال: إنك لم تصنع شيئا، خرجت بالمرأة على رؤوس ~~الناس، وقد عرفت مصيبتنا التي أصابتنا ببدر فتظن العرب وتتحدث أن هذا وهن ~~منا وضعف خروجك إليه بابنته على رؤوس الناس من بين أظهرنا. أرجع بالمرأة ~~فأقم بها أياما، ثم سلها (2) سلا رفيقا في الليل فألحقها بأبيها، فلعمري ما ~~لنا # PageV08P054 # بحبسها عن أبيها من حاجة، وما لنا في ذلك الآن من ثؤرة (1) فيما أصاب ~~منا، ففعل فلما مر به يومان أو ثلاثة سلها، فانطلقت حتى قدمت على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. # فذكروا أنها قد كانت ألقت - للروعة التي أصابتها حين روعها هبار بن أم ~~درهم - ما في بطنها. # الثالثة - قال ابن العربي: " لما أسر من أسر من المشركين تكلم قوم منهم ~~بالاسلام ولم يمضوا فيه عزيمة ولا اعترفوا به اعترافا جازما. ويشبه أنهم ~~أرادوا أن يقربوا من المسلمين ولا يبعدوا من المشركين. قال علماؤنا: إن ~~تكلم الكافر بالايمان في قلبه وبلسانه ولم يمض فيه عزيمة لم يكن مؤمنا. ~~وإذا وجد مثل ذلك من المؤمن كان كافرا، إلا ما كان من الوسوسة التي لا يقدر ~~على دفعها فإن الله قد عفا عنها وأسقطها. وقد بين الله لرسوله صلى الله ~~عليه وسلم الحقيقة فقال: (وإن يريدوا خيانتك) أي إن كان هذا القول منهم ~~خيانة ومكرا " فقد خانوا الله من قبل " بكفرهم ومكرهم بك وقتالهم لك. وإن ~~كان هذا القول ms2820 منهم خيرا ويعلمه الله فيقبل منهم ذلك ويعوضهم خيرا مما خرج ~~عنهم ويغفر لهم ما تقدم من كفرهم وخيانتهم ومكرهم ". وجمع خيانة خيائن، ~~وكان يجب أن يقال: خوائن لأنه من ذوات الواو، إلا أنهم فرقوا بينه وبين جمع ~~خائنة. ويقال: خائن وخوان وخونة وخانة. # قوله تعالى: إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل ~~الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ~~ما لكم من ولايتهم من شئ حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر ~~إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير (72) والذين كفروا ~~بعضهم أولياء بعض # PageV08P055 # إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير (73) والذين آمنوا وهاجروا ~~وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ~~ورزق كريم (74) والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم ~~وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شئ عليم (75) فيه ~~سبع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (إن الذين آمنوا) ختم السورة بذكر الموالاة ليعلم ~~كل فريق وليه الذي يستعين به. وقد تقدم معنى الهجرة والجهاد (1) لغة ومعنى. ~~(والذين آووا ونصروا) معطوف عليه. وهم الأنصار الذين تبوءوا الدار والايمان ~~من قبلهم، وانضوى إليهم النبي صلى الله عليه وسلم والمهاجرون. (أولئك) رفع ~~بالابتداء. (بعضهم) ابتداء ثان (أولياء بعض) خبره، والجميع خبر " إن ". قال ~~ابن عباس: " أولياء بعض " في الميراث، فكانوا يتوارثون بالهجرة، وكان لا ~~يرث من آمن ولم يهاجر من هاجر فنسخ الله ذلك بقوله: # " وأولوا الأرحام " الآية. أخرجه أبو داود. وصار الميراث لذوي الأرحام من ~~المؤمنين. # ولا يتوارث أهل ملتين شيئا. ثم جاء قوله عليه السلام: (ألحقوا الفرائض ~~بأهلها) على ما تقدم بيانه في آية المواريث. وقيل: ليس هنا نسخ، وإنما ~~معناه في النصرة والمعونة، كما تقدم في " النساء " (2). (والذين آمنوا) ~~ابتداء والخبر (مالكم من ولايتهم من شئ) وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة " ~~من ولايتهم " بكسر الواو. وقيل هي لغة. وقيل: # هي من وليت الشئ، يقال: ms2821 ولي بين الولاية. ووال بين الولاية. والفتح في ~~هذا أبين وأحسن، لأنه بمعنى النصرة والنسب. وقد تطلق الولاية والولاية ~~بمعنى الامارة. # PageV08P056 # الثانية - قوله تعالى: (وإن استنصروكم في الدين) يريد إن دعوا هؤلاء ~~المؤمنون الذين لم يهاجروا من أرض الحرب عونكم بنفير أو مال لاستنقاذهم ~~فأعينوهم، فذلك فرض عليكم فلا تخذلوهم. إلا أن يستنصر وكم على قوم كفار ~~بينكم وبينهم ميثاق فلا تنصر وهم عليهم، ولا تنقضوا العهد حتى تتم مدته. ~~ابن العربي: إلا أن يكونوا [أسراء] (1) مستضعفين فإن الولاية معهم قائمة ~~والنصرة لهم واجبة، حتى لا تبقى منا عين تطرف حتى تخرج إلى استنقاذهم إن ~~كان عددنا يحتمل ذلك، أو نبذل جميع أموالنا في استخراجهم حتى لا يبقى لاحد ~~درهم. # كذلك قال مالك وجميع العلماء، فإنا لله وإنا إليه راجعون، على ما حل ~~بالخلق في تركهم إخوانهم في أسر العدو وبأيديهم خزائن الأموال، وفضول ~~الأحوال والقدرة والعدد والقوة والجلد. الزجاج: ويجوز " فعليكم النصر " ~~بالنصب على الاغراء. # الثالثة - قوله تعالى: (والذين كفروا بعضهم أولياء بعض) قطع الله الولاية ~~بين الكفار والمؤمنين، فجعل المؤمنين بعضهم أولياء بعض، والكفار بعضهم ~~أولياء بعض، يتناصرون بدينهم ويتعاملون باعتقادهم. قال علماؤنا في الكافرة ~~يكون لها الأخ المسلم: # لا يزوجها، إذ لا ولاية بينهما، ويزوجها أهل ملتها. فكما لا يزوج المسلمة ~~إلا مسلم فكذلك الكافرة لا يزوجها إلا كافر قريب لها، أو أسقف، ولو من ~~مسلم، إلا أن تكون معتقة، فإن عقد على غير المعتقة فسخ إن كان لمسلم، ولا ~~يعرض للنصراني. وقال أصبغ: لا يفسخ، عقد المسلم أولى وأفضل. # الرابعة - قوله تعالى: (إلا تفعلوه) الضمير عائد على الموارثة والتزامها. ~~المعنى: # إلا تتركوهم يتوارثون كما كانوا يتوارثون، قاله ابن زيد. وقيل: هي عائدة ~~على التناصر والمؤازرة والمعاونة واتصال الأيدي. ابن جريج وغيره: وهذا إن ~~لم يفعل تقع الفتنة عنه عن قريب، فهو آكد من الأول. وذكر الترمذي عن عبد ~~الله بن مسلم بن هرمز عن محمد وسعد ابني عبيد عن أبي حاتم المزني قال قال ~~رسول الله ms2822 صلى الله عليه وسلم: (إذا جاءكم من ترضون # PageV08P057 # دينه وخلقه فأنكحوه إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير). قالوا: يا ~~رسول الله، وإن كان فيه؟ قال: (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه) ~~ثلاث مرات. # قال: حديث غريب. وقيل: يعود على حفظ العهد والميثاق الذي تضمنه قوله: " ~~إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق ". وهذا وإن لم يفعل فهو الفتنة نفسها. ~~وقيل: يعود على النصر للمسلمين في الدين. وهو معنى القول الثاني. قال ابن ~~إسحاق: جعل الله المهاجرين والأنصار أهل ولايته في الدين دون من سواهم، ~~وجعل الكافرين بعضهم أولياء بعض. ثم قال: # " إلا تفعلوه " وهو أن يتولى المؤمن الكافر دون المؤمنين. " تكن فتنة " ~~أي محنة بالحرب، وما أنجر معها من الغارات والجلاء والأسر. والفساد الكبير: ~~ظهور الشرك. قال الكسائي: # ويجوز النصب في قوله: " تكن فتنة " على معنى تكن فعلتكم فتنة وفسادا ~~كبيرا. (حقا) مصدر، أي حققوا إيمانهم بالهجرة والنصرة. وحقق الله إيمانهم ~~بالبشارة في قوله: # (لهم مغفرة ورزق كريم) أي ثواب عظيم في الجنة. # الخامسة - قوله تعالى: (والذين آمنوا من بعد وهاجروا) يريد من بعد ~~الحديبية وبيعة الرضوان. وذلك أن الهجرة من بعد ذلك كانت أقل رتبة من ~~الهجرة الأولى. # والهجرة الثانية هي التي وقع فيها الصلح، ووضعت الحرب أوزارها نحو عامين ~~ثم كان فتح مكة. ولهذا قال عليه السلام: (لا هجرة بعد الفتح). فبين أن من ~~آمن وهاجر من بعد يلتحق بهم. ومعنى " منكم " أي مثلكم في النصر والموالاة. # السادسة - قوله تعالى: (وأولوا الأرحام) ابتداء. والواحد ذو، والرحم ~~مؤنثة، والجمع أرحام. والمراد بها ها هنا العصبات دون المولود بالرحم. ومما ~~يبين أن المراد بالرحم العصبات قول العرب: وصلتك رحم. لا يريدون قرابة ~~الام. قالت قتيلة بنت الحارث - أخت النضر بن الحارث - كذا قال ابن هشام. ~~قال السهيلي: الصحيح أنها بنت النضر لا أخته، كذا وقع في كتاب الدلائل - ~~ترثي أباها حين قتله النبي صلى الله عليه وسلم صبرا - بالصفراء: (1) # PageV08P058 # يا راكبا إن الأثيل مظنة * من صبح خامسة وأنت ms2823 موفق أبلغ بها ميتا بأن ~~تحية * ما إن تزال بها النجائب تخفق مني إليك وعبرة مسفوحة * جادت بواكفها ~~وأخرى تخنق هل يسمعني النضر إن ناديته * أم كيف يسمع ميت لا ينطق أمحمد يا ~~خير ضن ء (1) كريمة * في قومها والفحل فحل معرق ما كان ضرك لو مننت وربما * ~~من الفتى وهو المغيط المحنق لو كنت قابل فدية لفديته * بأعز ما يفدى به ما ~~ينفق فالنضر أقرب من أسرت قرابة * وأحقهم إن كان عتق يعتق ظلت سيوف بني ~~أبيه تنوشه * لله أرحام هناك تشقق صبرا يقاد إلى المنية متعبا * رسف المقيد ~~وهو عان موثق السابعة - واختلف السلف ومن بعدهم في توريث ذوي الأرحام - وهو ~~من لا سهم له في الكتاب - من قرابة الميت وليس بعصبة، كأولاد البنات، ~~وأولاد الأخوات، وبنات الأخ، والعمة والخالة، والعم أخ الأب للام، والجد ~~أبي الام، والجدة أم الام، ومن أدلى بهم. فقال قوم: لا يرث من لا فرض له من ~~ذوي الأرحام. # وروي عن أبي بكر الصديق وزيد بن ثابت وابن عمر، ورواية عن علي، وهو قول ~~أهل المدينة، وروي عن مكحول والأوزاعي، وبه قال الشافعي رضي الله عنه. وقال ~~بتوريثهم: # عمر بن الخطاب وابن مسعود ومعاذ وأبو الدرداء وعائشة وعلي في رواية عنه، ~~وهو قول الكوفيين وأحمد وإسحاق. واحتجوا بالآية، وقالوا: وقد اجتمع في ذوي ~~الأرحام سببان القرابة والاسلام، فهم أولى ممن له سبب واحد وهو الاسلام. ~~أجاب الأولون فقالوا: # هذه آية مجملة جامعة، والظاهر بكل رحم قرب أو بعد، وآيات المواريث مفسرة ~~والمفسر قاض على المجمل ومبين. قالوا: وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم ~~الولاء سببا ثابتا، أقام # PageV08P059 # المولى فيه مقام العصبة فقال: (الولاء لمن أعتق). ونهى عن بيع الولاء وعن ~~هبته. # احتج الآخرون بما روى أبو داود والدار قطني عن المقدام قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: (من ترك كلا فإلي - وربما قال فإلى الله وإلى رسوله - ~~ومن ترك مالا فلورثته فأنا وارث من لا وارث له أعقل عنه وأرثه ms2824 والخال وأرث ~~من لا وارث له يعقل عنه ويرثه). وروى الدارقطني عن طاوس قال قالت عائشة رضي ~~الله عنها: (الله مولى من لا مولى له، والخال وارث من لا وارث له). موقوف. ~~وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~(الخال وارث). وروي عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~ميراث العمة والخالة فقال (لا أدري حتى يأتيني جبريل) ثم قال: (أين السائل ~~عن ميراث العمة والخالة)؟ قال: فأتى الرجل فقال: (سارني جبريل أنه لا شئ ~~لهما). قال الدارقطني: لم يسنده غير مسعدة عن محمد بن عمرو وهو ضعيف، ~~والصواب مرسل. وروي عن الشعبي قال قال زياد بن أبي سفيان لجليسه: هل تدري ~~كيف قضى عمر في العمة والخالة؟ قال لا. قال: إني لاعلم خلق الله كيف قضى ~~فيهما عمر، جعل الخالة بمنزلة الام، والعمة بمنزلة الأب. PageV08P060 # تفسير سورة براءة مدنية باتفاق قوله تعالى: براءة من الله ورسوله إلى ~~الذين عاهدتم من المشركين (1) فيه خمس مسائل: # الأولى - في أسمائها قال سعيد بن جبير: سألت ابن عباس رضي الله عنه عن ~~سورة براءة فقال: تلك الفاضحة ما زال ينزل: ومنهم ومنهم، حتى خفنا ألا تدع ~~أحدا. قال القشيري أبو نصر عبد الرحيم: هذه السورة نزلت في غزوة تبوك ونزلت ~~بعدها. وفي أولها نبذ عهود الكفار إليهم. وفي السورة كشف أسرار المنافقين. ~~وتسمى الفاضحة والبحوث، لأنها تبحث عن أسرار المنافقين. وتسمى المبعثرة ~~والبعثرة: البحث. # الثانية - واختلف العلماء في سبب سقوط البسملة من أول هذه السورة على ~~أقوال خمسة: الأول - أنه قيل كان من شأن العرب في زمانها في الجاهلية إذا ~~كان بينهم وبين قوم عهد فإذا أرادوا نقضه كتبوا إليهم كتابا ولم يكتبوا فيه ~~بسملة فلما نزلت سورة براءة بنقض العهد الذي كان بين النبي صلى الله عليه ~~وسلم والمش ركين بعث بها النبي صلى الله عليه وسلم علي ابن أبي طالب رضي ~~الله عنه فقرأها عليهم في الموسم ولم ms2825 يبسمل في ذلك على ما جرت به عاد تهم ~~في نقض العهد من ترك البسملة. وقول ثان - روى النسائي قال حدثنا أحمد قال ~~حدثنا محمد بن المثنى عن يحيى بن سعيد قال حدثنا عوف قال حدثنا يزيد ~~الرقاشي (1) قال قال # PageV08P061 # لنا ابن عباس: قلت لعثمان ما حملكم إلى أن عمدتم إلى [الأنفال] وهي من ~~المثاني وإلى " براءة " وهي من المئين فقرنتم بينهما ولم تكتبوا سطر بسم ~~الله الرحمن الرحيم ووضعتموها في السبع الطول (1) فما حملكم على ذلك؟ قال ~~عثمان: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل عليه الشئ يدعو بعض من ~~يكتب عنده فيقول: (ضعوا هذا في السورة التي فيها كذا وكذا). وتنزل عليه ~~الآيات فيقول: (ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا). # وكانت " الأنفال " من أوائل ما أنزل (2)، و " براءة " من آخر القرآن، ~~وكانت قصتها شبيهة بقصتها وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبين لنا ~~أنها منها فظننت أنها منها فمن ثم قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر بسم ~~الله الرحمن الرحيم. وخرجه أبو عيسى الترمذي وقال: هذا حديث حسن. وقول ثالث ~~- روي عن عثمان أيضا. وقال مالك فيما رواه ابن وهب وابن القاسم وابن عبد ~~الحكم: إنه لما سقط أو لها سقط بسم الله الرحمن الرحيم معه. وروي ذلك عن ~~ابن عجلان أنه بلغه أن سورة " براءة " كانت تعدل البقرة أو قربها فذهب منها ~~فلذلك لم يكتب بينهما بسم الله الرحمن الرحيم. وقال سعيد بن جبير: كانت مثل ~~سورة البقرة. # وقول رابع - قاله خارجة وأبو عصمة وغيرهما. قالوا: لما كتبوا المصحف في ~~خلافة عثمان اختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال بعضهم: براءة ~~والأنفال سورة واحدة. # وقال بعضهم: هما سورتان. فتركت بينهما فرجة لقول من قال أنهما سورتان ~~وتركت بسم الله الرحمن الرحيم لقول من قال هما سورة واحدة فرضي الفريقان ~~معا وثبتت حجتاهما في المصحف. وقول خامس - قال عبد الله بن عباس: سألت علي ~~بن أبي طالب ms2826 لم لم يكتب في براءة بسم الله الرحمن الرحيم؟ قال: لان بسم ~~الله الرحمن الرحيم أمان وبراءة نزلت بالسيف ليس فيها أمان. وروي معناه عن ~~المبرد قال: ولذلك لم يجمع بينهما فإن بسم الله الرحمن الرحيم رحمة وبراءة ~~نزلت سخطة (3). ومثله عن سفيان. قال سفيان بن عيينة: إنما لم # PageV08P062 # تكتب في صدر هذه السورة بسم الله الرحمن الرحيم لان التسمية رحمة والرحمة ~~أمان وهذه السورة نزلت في المنافقين وبالسيف ولا أمان للمنافقين. والصحيح ~~أن التسمية لم تكتب لان جبريل عليه السلام ما نزل بها في هذه السورة قاله ~~القشيري. وفي قول عثمان: قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبين لنا ~~أنها منها دليل على أن السور كلها انتظمت بقوله وتبيينه وأن براءة وحدها ~~ضمت إلى الأنفال من غير عهد من النبي صلى الله عليه وسلم لما عاجله من ~~الحمام قبل تبيينه ذلك. وكانتا تدعيان القرينتين فوجب أن تجمعا وتضم ~~إحداهما إلى الأخرى للوصف الذي لزمهما من الاقتران ورسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حي. # الثالثة - قال ابن العربي: هذا دليل على أن القياس أصل في الدين ألا ترى ~~إلى عثمان وأعيان الصحابة كيف لجئوا إلى قياس الشبه عند عدم النص ورأوا أن ~~قصة " براءة " شبيهة بقصة " الأنفال " فألحقوها بها؟ فإذا كان الله تعالى ~~قد بين دخول القياس في تأليف القرآن فما ظنك بسائر الاحكام. # الرابعة - قوله تعالى: " براءة " تقول: برئت من الشئ أبرأ براءة فأنا منه ~~برئ إذا أزلته عن نفسك وقطعت سبب ما بينك وبينه. و " براءة " رفع على خبر ~~ابتداء مضمر تقديره هذه براءة. ويصح أن ترفع بالابتداء. والخبر في قوله: " ~~إلى الذين ". # وجاز الابتداء بالنكرة لأنها موصوفة فتعرفت تعريفا ما وجاز الاخبار عنها. ~~وقرأ عيسى ابن عمر " براءة " بالنصب على تقدير التزموا براءة ففيها معنى ~~الاغراء. وهي مصدر على فعالة كالشناءة والدناءة. # الخامسة - قوله تعالى: (إلى الذين عاهدتم من المشركين) يعني إلى الذين ~~عاهدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه كان المتولي للعقود وأصحابه ms2827 بذلك ~~كلهم راضون فكأنهم عاقد وا وعاهد وا فنسب العقد إليهم. وكذلك ما عقده أئمة ~~الكفر على قومهم منسوب إليهم محسوب عليهم يؤاخذون به إذ لا يمكن غير ذلك ~~فإن تحصيل الرضا من الجميع متعذر فإذا عقد الامام لما يراه من المصلحة أمرا ~~لزم جميع الرعايا. PageV08P063 # قوله تعالى: فسيحوا في الأرض أربعة أشهر وا علموا أنكم غير معجزي الله ~~وأن الله مخزي الكافرين (2) فيه ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " فسيحوا " رجع من الخبر إلى الخطاب أي قل لهم ~~سيحوا أي سيروا في الأرض مقبلين ومدبرين آمنين غير خائفين أحدا من المسلمين ~~بحرب ولا سلب ولا قتل ولا أسر. يقال ساح فلان في الأرض يسيح سياحة وسيوحا ~~وسيحانا ومنه السيح في الماء الجاري المنبسط ومنه قول طرفة بن العبد: # لو خفت هذا منك ما نلتني * حتى ترى أمامي تسيح الثانية - واختلف العلماء ~~في كيفية هذا التأجيل وفي هؤلاء الذين برئ الله منهم ورسوله. فقال محمد بن ~~إسحاق وغيره: هما صنفان من المشركين أحدهما كانت مدة عهده أقل من أربعة ~~أشهر فأمهل تمام أربعة أشهر والآخر كانت مدة عهده بغير أجل محدود فقصر به ~~على أربعة أشهر ليرتاد لنفسه. ثم هو حرب بعد ذلك لله ولرسوله وللمؤمنين ~~يقتل حيث ما أدرك ويؤسر إلا أن يتوب. وابتداء هذا الاجل يوم الحج الأكبر ~~وانقضاؤه إلى عشر من شهر ربيع الآخر. فأما من لم يكن له عهد فإنما أجله ~~انسلاخ الأربعة الأشهر الحرم. وذلك خمسون يوما: عشرون من ذي الحجة والمحرم. ~~وقال الكلبي: إنما كانت الأربعة الأشهر لمن كان بينه وبين رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عهد دون أربعة أشهر ومن كان عهده أكثر من أربعة أشهر فهو ~~الذي أمر الله أن يتم له عهده بقوله " فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم " ~~[التوبة: 4] وهذا اختيار الطبري وغيره. وذكر محمد بن إسحاق ومجاهد وغيرهما: # أن هذه الآية نزلت في أهل مكة. وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~صالح قريشا عام الحديبية، على أن يضعوا ms2828 الحرب عشر سنين، يأمن فيها الناس ~~ويكف بعضهم عن بعض، فدخلت خزاعة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخل ~~بنو بكر في عهد قريش، فعدت PageV08P064 # بنو بكر على خزاعة ونقضوا عهدهم. وكان سبب ذلك دما كان لبني بكر عند ~~خزاعة قبل الاسلام بمدة، فلما كانت الهدنة المنعقدة يوم الحديبية، امن ~~الناس بعضهم بعضا، فاغتنم بنو الديل من بني بكر - وهم الذين كان الدم لهم - ~~تلك الفرصة وغفلة خزاعة، وأرادوا إدراك ثأر بني الأسود بن رزن (1)، الذين ~~قتلهم خزاعة، فخرج نوفل بن معاوية الديلي فيمن أطاعه من بني بكر بن عبد ~~مناة، حتى بيتوا (2) خزاعة واقتتلوا، وأعانت قريش بني بكر بالسلاح، وقوم من ~~قريش أعانوهم بأنفسهم، فانهزمت خزاعة إلى الحرم على ما هو مشهور مسطور (3)، ~~فكان ذلك نقضا للصلح الواقع يوم الحديبية، فخرج عمرو بن سالم الخزاعي وبديل ~~بن ورقاء الخزاعي وقوم من خزاعة، فقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مستغيثين به فيما أصا بهم به بنو بكر وقريش، وأنشده عمرو بن سالم فقال: # يا رب إني ناشد محمدا * حلف أبينا وأبيه ألا تلدا كنت لنا أبا وكنا ولدا ~~* ثمت أسلمنا ولم ننزع يدا فانصر هداك الله نصرا عتدا * وادع عباد الله ~~يأتوا مددا فيهم رسول الله قد تجردا * أبيض مثل الشمس ينمو صعدا إن سيم ~~خسفا وجهه تربدا * في فليق كالبحر يجري مزبدا إن قريشا أخلفوك الموعدا * ~~ونقضوا ميثاقك المؤكدا وزعموا أن لست تدعو أحدا * وهم أذل وأقل عددا هم ~~بيتونا بالوتير (4) هجدا * وقتلونا ركعا وسجدا فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: (لا نصرت إن لم أنصر كعب). ثم نظر إلى سحابة فقال: (إنها لتستهل ~~لنصر بني كعب) يعني خزاعة. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV08P065 # لبديل بن ورقاء ومن معه: (إن أبا سفيان سيأتي ليشد العقد ويزيد في الصلح ~~(1) وسينصرف بغير حاجة). فندمت قريش على ما فعلت، فخرج أبو سفيان إلى ~~المدينة ليستديم العقد ويزيد في الصلح، فرجع بغير حاجة كما أخبر رسول ms2829 الله ~~صلى الله عليه وسلم، على ما هو معروف من خبره. # وتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ففتحها الله، وذلك في سنة ~~ثمان من الهجرة. # فلما بلغ هوازن فتح مكة جمعهم مالك بن عوف النصري، على ما هو معروف مشهور ~~من غزاة حنين. وسيأتي بعضها. وكان الظفر والنصر للمسلمين على الكافرين. ~~وكانت وقعة هوازن يوم حنين في أول شوال من السنة الثامنة من الهجرة. وترك ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم الغنائم من الأموال والنساء، فلم يقسمها ~~حتى أتى الطائف، فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعا وعشرين ليلة. ~~وقيل غير ذلك. ونصب عليهم المنجنيق ورماهم به، على ما هو معروف من تلك ~~الغزاة. ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الجعرانة، وقسم غنائم ~~حنين، على ما هو مشهور من أمرها وخبرها. ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وتفرقوا، وأقام الحج للناس عتاب بن أسيد في تلك السنة. وهو أول أمير ~~أقام الحج في الاسلام. وحج المشر كون على مشاعرهم. وكان عتاب بن أسيد خيرا ~~فاضلا ورعا. وقدم كعب بن زهير بن أبي سلمى إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وامتدحه، وأقام على رأسه بقصيدته التي أولها: # * بانت سعاد فقلبي اليوم متبول * وأنشدها إلى آخرها، وذكر فيها المهاجرين ~~فأثنى عليهم - وكان قبل دلك قد حفظ له هجاء في النبي صلى الله عليه وسلم - ~~فعاب عليه الأنصار إذ لم يذكرهم، فغدا على النبي صلى الله عليه وسلم بقصيدة ~~يمتدح فيها الأنصار فقال: # من سره كرم الحياة فلا يزل * في مقنب من صالحي الأنصار ورثوا المكارم ~~كابرا عن كابر * إن الخيار هم بنو الأخيار المكرهين السمهري بأذرع * كسوافل ~~الهندي غير قصار (3) # PageV08P066 # والناظرين بأعين محمرة * كالجمر غير كليلة الابصار والبائعين نفوسهم ~~لنبيهم * للموت يوم تعانق وكرار يتطهرون يرونه نسكا لهم * بدماء من علقوا ~~من الكفار دربوا كما دربت ببطن خفية * غلب الرقاب من الأسود ضوار (1) وإذا ~~حللت ليمنعوك إليهم * أصبحت عند معاقل الاغفار ms2830 (2) ضربوا عليا يوم بدر ضربة ~~* دانت لوقعتها جميع نزار (3) لو يعلم الأقوام علمي كله * فيهم لصدقني ~~الذين أماري قوم إذا خوت النجوم فإنهم * للطارقين النازلين مقاري (4) ثم ~~أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة بعد انصرافه من الطائف ذا ~~الحجة والمحرم وصفر وربيع الأول وربيع الآخر وجمادى الأول وجمادى الآخرة، ~~وخرج في رجب من سنة تسع بالمسلمين إلى غزوة الروم غزوة تبوك. وهي آخر غزوة ~~غزاها. قال ابن جريج عن مجاهد: # لما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك أراد الحج ثم قال: (إنه ~~يحضر البيت عراة مشركون يطوفون بالبيت فلا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك). ~~فأرسل أبا بكر أميرا على الحج، وبعث معه بأربعين آية من صدر " براءة " ~~ليقرأها على أهل الموسم. فلما خرج دعا النبي صلى الله عليه وسلم عليا وقال: ~~(أخرج بهذه القصة من صدر براءة فأذن بذلك في الناس إذا اجتمعوا). فخرج علي ~~على ناقة النبي صلى الله عليه وسلم العضباء حتى أدرك أبا بكر الصديق رضي ~~الله عنهما بذي الحليفة. فقال له أبو بكر لما رآه: أمير أو مأمور؟ فقال: # بل مأمور ثم نهضا، فأقام أبو بكر للناس الحج على منازلهم التي كانوا ~~عليها في الجاهلية. في كتاب النسائي عن جابر: وأن عليا قرأ على الناس " ~~براءة " حتى ختمها قبل يوم التروية بيوم. # PageV08P067 # وفي يوم عرفة وفي يوم النحر عند انقضاء خطبة أبي بكر في الثلاثة الأيام. ~~فلما كان يوم النفر الأول قام أبو بكر فخطب الناس، فحدثهم كيف ينفرون وكيف ~~يرمون، يعلمهم مناسكهم. # فلما فرغ قام علي فقرأ على الناس " براءة " حتى ختمها. وقال سليمان بن ~~موسى: لما خطب أبو بكر بعرفة قال: قم يا علي فأد رسالة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فقام علي ففعل. # قال: ثم وقع في نفسي أن جميع الناس لم يشاهدوا خطبة أبي بكر، فجعلت أتتبع ~~الفساطيط يوم النحر. وروى الترمذي عن زيد بن يثيع قال: سألت عليا بأي شئ ~~بعثت في الحج؟ ms2831 # قال: بعثت بأربع: ألا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين النبي صلى ~~الله عليه وسلم عهد فهو إلى مدته، ومن لم يكن له عهد فأجله أربعة أشهر، ولا ~~يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يجتمع المسلمون والمشركون بعد عامهم هذا. ~~قال: هذا حديث حسن صحيح. وأخرجه النسائي وقال: فكنت أنادي حتى صحل (1) ~~صوتي. قال أبو عمر: بعث علي لينبذ إلى كل ذي عهد عهده، ويعهد إليهم ألا يحج ~~بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. وأقام الحج في ذلك العام سنة تسع ~~أبو بكر. ثم حج رسول الله صلى الله عليه وسلم من قابل حجته التي لم يحج ~~غيرها من المدينة، فوقعت حجته في ذي الحجة. فقال: (إن الزمان قد استدار...) ~~الحديث، على ما يأتي في آية النسئ بيانه (2). وثبت الحج في ذي الحجة إلى ~~يوم القيامة. وذكر مجاهد: # أن أبا بكر حج في ذي القعدة من سنة تسع. ابن العربي: وكانت الحكمة في ~~إعطاء " براءة " لعلي أن براءة تضمنت نقض العهد الذي كان عقده النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وكانت سيرة العرب ألا يحل العقد إلا الذي عقده أو رجل من ~~أهل بيته، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يقطع ألسنة العرب بالحجة، ~~ويرسل ابن عمه الهاشمي من بيته ينقض العهد، حتى لا يبقى لهم متكلم. قال ~~معناه الزجاج. # الثالثة - قال العلماء: وتضمنت الآية جواز قطع العهد بيننا وبين ~~المشركين. # ولذلك حالتان: حالة تنقضي المدة بيننا وبينهم فنؤذنهم بالحرب. والايذان ~~اختيار. # PageV08P068 # والثانية - أن نخاف منهم غدرا، فننبذ إليهم عهدهم كما سبق. ابن عباس: ~~والآية منسوخة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم عاهد ثم نبذ العهد لما أمر ~~بالقتال. # قوله تعالى: وأذن من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله برئ ~~من المشركين ورسوله فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير ~~معجزي الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم (3) فيه ثلاث مائل: # الأولى - قوله تعالى: " وأذان " الاذان: الاعلام لغة من غير خلاف. وهو ~~عطف ms2832 على " براءة ". " إلى الناس " الناس هنا جميع الخلق. " يوم الحج الأكبر ~~" ظرف، والعامل فيه " أذان ". وإن كان قد وصف بقوله: " من الله "، فإن ~~رائحة الفعل فيه باقية، وهي عاملة في الظروف. وقيل: العامل فيه " مخزي " ~~ولا يصح عمل " أذان "، لأنه قد وصف فخرج عن حكم الفعل. # الثانية - واختلف العلماء في الحج الأكبر، فقيل: يوم عرفة. روي عن عمر ~~وعثمان وابن عباس وطاوس ومجاهد. وهو مذهب أبي حنيفة، وبه قال الشافعي. وعن ~~علي وابن عباس أيضا وابن مسعود وابن أبي أوفى والمغيرة بن شعبة أنه يوم ~~النحر. واختاره الطبري. # وروى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف يوم النحر في الحجة ~~التي حج فيها فقال: # (أي يوم هذا) فقالوا: يوم النحر فقال: هذا يوم الحج الأكبر). أخرجه أبو ~~داود. وخرج البخاري عن أبي هريرة قال: بعثني أبو بكر الصديق رضي الله عنه ~~فيمن يؤذن يوم النحر بمنى: لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان. ~~ويوم الحج الأكبر يوم النحر. # وإنما قيل الأكبر من أجل قول الناس: الحج الأصغر. فنبذ أبو بكر إلى الناس ~~في ذلك العام، فلم يحج عام حجة الوداع الذي حج فيه النبي صلى الله عليه ~~وسلم مشرك. وقال ابن أبي أوفى: يوم النحر يوم الحج الأكبر، يهراق فيه الدم، ~~ويوضع فيه الشعر، ويلقى فيه التفث، PageV08P069 # وتحل فيه الحرم. وهذا مذهب مالك، لان يوم النحر فيه كالحج كله، لان ~~الوقوف إنما هو ليلته، والرمي والنحر والحلق والطواف في صبيحته. احتج ~~الأولون بحديث مخرمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يوم الحج الأكبر ~~يوم عرفة). رواه إسماعيل القاضي. # وقال الثوري وابن جريج: الحج الأكبر أيام منى كلها. وهذا كما يقال: يوم ~~صفين ويوم الجمل ويوم بعاث (1)، فيراد به الحين والزمان لا نفس اليوم. وروي ~~عن مجاهد: الحج الأكبر القران (2)، والأصغر الافراد. وهذا ليس من الآية في ~~شئ. وعنه وعن عطاء: الحج الأكبر الذي فيه الوقوف بعرفة، والأصغر العمرة. ~~وعن مجاهد أيضا: أيام الحج كلها. ms2833 وقال الحسن وعبد الله بن الحارث بن نوفل: ~~إنما سمي يوم الحج الأكبر لأنه حج ذلك العام المسلمون والمشركون، واتفقت ~~فيه يومئذ أعياد الملل: اليهود والنصارى والمجوس. قال ابن عطية: وهذا ضعيف ~~أن يصفه الله عز وجل في كتابه بالأكبر لهذا. وعن الحسن أيضا: إنما سمي ~~الأكبر لأنه حج فيه أبو بكر ونبذت فيه العهود. وهذا الذي يشبه نظر الحسن. ~~وقال ابن سيرين: يوم الحج الأكبر العام الذي حج فيه النبي صلى الله عليه ~~وسلم حجة الوداع، وحجت معه فيه الأمم. # الثالثة - قوله تعالى: (أن الله برئ من المشركين ورسوله) " أن " بالفتح ~~في موضع نصب. والتقدير بأن الله. ومن قرأ بالكسر قدره بمعنى قال إن الله. " ~~برئ " خبر أن. " ورسوله " عطف على الموضع، وإن شئت على المضمر المرفوع في " ~~برئ ". كلاهما حسن، لأنه قد طال الكلام. وإن شئت على الابتداء والخبر ~~محذوف، التقدير: ورسوله برئ منهم. ومن قرأ " ورسوله " بالنصب - وهو الحسن ~~وغيره - عطفه على اسم الله عز وجل # PageV08P070 # على اللفظ. وفي الشواذ " ورسوله " بالخفض على القسم، أي وحق رسوله، ورويت ~~عن الحسن. وقد تقدمت قصة عمر فيها أول (1) الكتاب. (فإن تبتم) أي عن الشرك. # (فهو خير لكم) أي أنفع لكم. (وإن توليتم) أي عن الايمان. (فاعلموا أنكم ~~غير معجزي الله) أي فائتيه، فإنه محيط بكم ومنزل عقابه عليكم. # قوله تعالى: إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم ~~يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين (4) ~~قوله تعالى: (إلا الذين عاهدتم من المشركين) في موضع نصب بالاستثناء ~~المتصل، المعنى: أن الله برئ من المشركين إلا من المعاهدين في مدة عهدهم. ~~وقيل: الاستثناء منقطع، أي أن الله برئ منهم ولكن الذين عاهدتم فثبتوا على ~~العهد فأتموا إليهم عهدهم. # وقوله: (ثم لم ينقصوكم) يدل على أنه كان من أهل العهد من خاس (2) بعهده ~~ومنهم من ثبت على الوفاء، فأذن الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم في ~~نقض عهد من خاس، وأمر بالوفاء لمن بقي ms2834 على عهده إلى مدته. ومعنى " لم ~~ينقصوكم " أي من شروط العهد شيئا. (ولم يظاهروا) لم يعاونوا. وقرأ عكرمة ~~وعطاء بن يسار " ثم لم ينقضوكم " بالضاد معجمة على حذف مضاف، التقدير ثم لم ~~ينقضوا عهدهم (3). يقال: إن هذا مخصوص يراد به بنو ضمرة خاصة. ثم قال: # (فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم) أي وإن كانت أكثر من أربعة أشهر. # قوله تعالى: فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشر كين حيث وجدتموهم ~~وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم (5) فيه ست مسائل: # PageV08P071 # الأولى - قوله تعالى: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم) أي خرج. وسلخت الشهر إذا ~~صرت في أواخر أيامه، تسلخه سلخا وسلوخا بمعنى خرجت منه. وقال الشاعر: # إذا ما سلخت الشهر أهللت قبله (1) * كفى قاتلا سلخي الشهور وإهلالي ~~وانسلخ الشهر وانسلخ النهار من الليل المقبل. وسلخت المرأة درعها نزعته. ~~وفي التنزيل: # " وآية لهم الليل نسلخ منه النهار " (2) [يس: 37]. ونخلة مسلاخ، وهي التي ~~ينتثر بسرها أخضر. # والأشهر الحرم فيها للعلماء قولان: قيل هي الأشهر المعروفة، ثلاثة سرد ~~وواحد فرد. # قال الأصم: أريد به من لا عقد له من المشركين، فأوجب أن يمسك عن قتالهم ~~حتى ينسلخ الحرم، وهو مدة خمسين يوما على ما ذكره ابن عباس، لان النداء كان ~~بذلك يوم النحر. # وقد تقدم هذا. وقيل: شهور العهد أربعة، قاله مجاهد وابن إسحاق وابن زيد ~~وعمرو بن شعيب. وقيل لها حرم لان الله حرم على المؤمنين فيها دماء المشركين ~~والتعرض لهم إلا على سبيل الخير. # الثانية - قوله تعالى: (فاقتلوا المشركين) عام في كل مشرك، لكن السنة خصت ~~منه ما تقدم بيانه في سورة " البقرة " (3) من امرأة وراهب وصبي وغيرهم. ~~وقال الله تعالى في أهل الكتاب: " حتى يعطوا الجزية " (4). إلا أنه يجوز أن ~~يكون لفظ المشركين لا يتناول أهل الكتاب (5)، ويقتضي ذلك منع أخذ الجزية من ~~عبدة الأوثان وغيرهم، على ما يأتي بيانه. واعلم أن مطلق قوله: " اقتلوا ~~المشركين " يقتضي جواز قتلهم بأي وجه كان، إلا ms2835 أن الاخبار وردت بالنهي عن ~~المثلة. ومع هذا فيجوز أن يكون الصديق رضي الله عنه حين قتل أهل الردة ~~بالاحراق بالنار، وبالحجارة وبالرمي من رؤوس الجبال، والتنكيس في الآبار، ~~تعلق بعموم الآية. وكذلك إحراق علي رضي الله عنه قوما من أهل الردة يجوز أن ~~يكون ميلا إلى هذا المذهب، واعتمادا على عموم اللفظ. والله أعلم. # PageV08P072 # الثالثة - قوله تعالى: (حيث وجدتموهم) عام في كل موضع. وخص أبو حنيفة رضي ~~الله عنه المسجد الحرام، كما سبق في سورة " البقرة " (1). ثم اختلفوا، فقال ~~الحسين بن الفضل: نسخت هذه كل آية في القرآن فيها ذكر الاعراض والصبر على ~~أذى الأعداء. # وقال الضحاك والسدي وعطاء: هي منسوخة بقوله: " فإما منا بعد وإما فداء " ~~(2) [محمد: 4]. وأنه لا يقتل أسير صبرا، إما أن يمن عليه وإما أن يفادى. ~~وقال مجاهد وقتادة: بل هي ناسخة لقوله تعالى: " فإما منا بعد وإما فداء " ~~وأنه لا يجوز في الأسارى من المشركين إلا القتل. # وقال ابن زيد: الآيتان محكمتان. وهو الصحيح، لان المن والقتل والفداء لم ~~يزل من حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم من أول حرب حاربهم، وهو يوم ~~بدر كما سبق. وقوله: # (وخذوهم) يدل عليه. والاخذ هو الأسر. والأسر إنما يكون للقتل أو الفداء ~~أو المن على ما يراه الامام. ومعنى (احصروهم) يريد عن التصرف إلى بلادكم ~~والدخول إليكم، إلا أن تأذنوا لهم فيدخلوا إليكم بأمان. # الرابعة - قوله تعالى: (واقعدوا لهم كل مرصد) المرصد: الموضع الذي يرقب ~~فيه العدو، يقال: رصدت فلانا أرصده، أي رقبته. أي اقعدوا لهم في مواضع ~~الغرة حيث يرصدون. قال عامر بن الطفيل: # ولقد علمت وما إخالك ناسيا * أن المنية للفتى بالمرصد وقال عدي: (3) ~~أعاذل إن الجاهل من لذة الفتى * وإن المنايا للنفوس بمرصد وفي هذا دليل على ~~جواز اغتيالهم قبل الدعوة. ونصب " كل " على الظرف، وهو اختيار الزجاج، ~~ويقال: ذهبت طريقا وذهبت كل طريق. أو بإسقاط الخافض، التقدير: # في كل مرصد وعلى كل مرصد، فيجعل المرصد اسما للطريق. وخطأ أبو علي الزجاج ms2836 # PageV08P073 # في جعله الطريق ظرفا وقال: الطريق مكان مخصوص كالبيت والمسجد، فلا يجوز ~~حذف حرف الجر منه إلا فيما ورد فيه الحذف سماعا، كما حكى سيبويه: دخلت ~~الشام ودخلت البيت، وكما قيل: # * كما عسل الطريق الثعلب (1) * الخامسة - قوله تعالى: (فإن تابوا) أي من ~~الشرك. (وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم) هذه الآية فيها تأمل، ~~وذلك أن الله تعالى علق القتل على الشرك، ثم قال: " فإن تابوا ". والأصل أن ~~القتل متى كان الشرك يزول بزواله، وذلك يقتضي زوال القتل بمجرد التوبة، من ~~غير اعتبار إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ولذلك سقط القتل بمجرد التوبة قبل ~~وقت الصلاة والزكاة. وهذا بين في هذا المعنى، غير أن الله تعالى ذكر التوبة ~~وذكر معها شرطين آخرين، فلا سبيل إلى إلغائهما. نظيره قوله صلى الله عليه ~~وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة ~~ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم ~~على الله). وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: والله لأقاتلن من فرق بين ~~الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال. وقال ابن عباس: رحم الله أبا بكر ما ~~كان أفقهه. وقال ابن العربي: فانتظم القرآن والسنة واطردا. ولا خلاف بين ~~المسلمين أن من ترك الصلاة وسائر الفرائض مستحلا كفر، ومن ترك السنن ~~متهاونا فسق، ومن ترك النوافل لم يحرج، إلا أن يجحد فضلها فيكفر، لأنه يصير ~~رادا على الرسول عليه السلام ما جاء به وأخبر عنه. واختلفوا فيمن ترك ~~الصلاة من غير جحد لها ولا استحلال، فروى يونس ابن عبد الا على قال: سمعت ~~ابن وهب يقول قال مالك: من آمن بالله وصدق المرسلين وأبى أن يصلي قتل، وبه ~~قال أبو ثور وجميع أصحاب الشافعي. وهو قول حماد بن زيد ومكحول ووكيع. وقال ~~أبو حنيفة: يسجن ويضرب ولا يقتل، وهو قول ابن شهاب وبه يقول داود ابن علي. ~~ومن حجتهم قوله صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا ~~إله # PageV08P074 # إلا الله فإذا ms2837 قالوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها). وقالوا: ~~حقها الثلاث التي قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا ~~بإحدى ثلاث كفر بعد إيمان أو زنى بعد إحصان أو قتل نفس بغير نفس). وذهبت ~~جماعة من الصحابة والتابعين إلى أن من ترك صلاة واحدة متعمدا حتى يخرج ~~وقتها لغير عذر، وأبى من أدائها وقضائها وقال لا أصلي فإنه كافر، ودمه ~~وماله حلالان، ولا يرثه ورثته من المسلمين، ويستتاب، فإن تاب وإلا قتل، ~~وحكم ماله كحكم مال المرتد، وهو قول إسحاق. قال إسحاق: وكذلك كان رأي أهل ~~العلم من لدن النبي صلى الله عليه وسلم إلى زماننا هذا. وقال ابن خويز ~~منداد: # واختلف أصحابنا متى يقتل تارك الصلاة، فقال بعضهم في آخر الوقت المختار، ~~وقال بعضهم آخر وقت الضرورة، وهو الصحيح من ذلك. وذلك أن يبقى من وقت العصر ~~(1) أربع ركعات إلى مغيب الشمس، ومن الليل أربع ركعات لوقت العشاء، ومن ~~الصبح ركعتان قبل طلوع الشمس. وقال إسحاق: وذهاب الوقت أن يؤخر الظهر إلى ~~غروب الشمس والمغرب إلى طلوع الفجر. # السادسة - هذه الآية دالة على أن من قال: قد تبت أنه لا يجتزأ بقوله حتى ~~ينضاف إلى ذلك أفعاله المحققة للتوبة، لان الله عز وجل شرط هنا مع التوبة ~~إقام الصلاة وإيتاء الزكاة ليحقق بهما التوبة. وقال في آية الربا " وإن ~~تبتم فلكم رؤوس أموالكم " (2) [البقرة: 279]. # وقال: " إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا " [البقرة: 160] وقد تقدم معنى ~~هذا في سورة البقرة (3). # قوله تعالى: وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم ~~أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون (6) فيه أربع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (وإن أحد من المشركين) أي من الذين أمرتك بقتالهم. # " استجارك " أي سأل جوارك، أي أمانك وذمامك، فأعطه إياه ليسمع القرآن، أي ~~يفهم # PageV08P075 # أحكامه وأوامره ونواهيه. فإن قبل أمرا فحسن، وإن أبى فرده إلى مأمنه. ~~وهذا ما لا خلاف فيه. والله أعلم (1). قال مالك: إذا وجد الحربي في طريق ~~بلاد المسلمين ms2838 فقال: # جئت أطلب الأمان. قال مالك: هذه أمور مشتبهة، وأرى أن يرد إلى مأمنه. ~~وقال ابن القاسم: وكذلك الذي يوجد وقد نزل تاجرا بساحلنا فيقول: ظننت ألا ~~تعرضوا لمن جاء تاجرا حتى يبيع. وظاهر الآية إنما هي فيمن يريد سماع القرآن ~~والنظر في الاسلام، فأما الإجارة لغير ذلك فإنما هي لمصلحة المسلمين والنظر ~~فيما تعود عليهم به منفعته. # الثانية - ولا خلاف بين كافة العلماء أن أمان السلطان جائز، لأنه مقدم ~~للنظر والمصلحة، نائب عن الجميع في جلب المنافع ودفع المضار. واختلفوا في ~~أمان غير الخليفة، فالحر يمضي أمانه عند كافة العلماء. إلا أن ابن حبيب ~~قال: ينظر الامام فيه. وأما العبد فله الأمان في مشهور المذهب، وبه قال ~~الشافعي وأصحابه وأحمد وإسحاق والأوزاعي والثوري وأبو ثور وداود ومحمد بن ~~الحسن. وقال أبو حنيفة: لا أمان له، وهو القول الثاني لعلمائنا. # والأول أصح، لقوله صلى الله عليه وسلم: (المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى ~~بذمتهم أدناهم). # قالوا: فلما قال (أدناهم) جاز أمان العبد، وكانت المرأة الحرة أحرى بذلك، ~~ولا اعتبار بعلة (لا يسهم له). وقال عبد الملك بن الماجشون: لا يجوز أمان ~~المرأة إلا أن يجيزه الامام، فشذ بقوله عن الجمهور. وأما الصبي فإذا أطاق ~~القتال جاز أمانه، لأنه من جملة المقاتلة، ودخل في الفئة الحامية. وقد ذهب ~~الضحاك والسدي إلى أن هذه الآية منسوخة بقوله: # " فاقتلوا المشركين ". وقال الحسن: هي محكمة سنة (2) إلى يوم القيامة، ~~وقاله مجاهد. # وقيل: هذه الآية إنما كان حكمها باقيا مدة الأربعة الأشهر التي ضربت لهم ~~أجلا، وليس بشئ. وقال سعيد بن جبير: جاء رجل من المشركين إلى علي بن أبي ~~طالب فقال: إن أراد الرجل منا أن يأتي محمدا بعد انقضاء الأربعة الأشهر ~~فيسمع كلام الله أو يأتيه بحاجة قتل! # PageV08P076 # فقال علي بن أبي طالب: لا، لان الله تبارك وتعالى يقول: " وإن أحد من ~~المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ". وهذا هو صحيح. والآية محكمة. # " الثالثة - قوله تعالى: (وإن أحد) " أحد " مرفوع بإضمار فعل كالذي بعده. ms2839 # وهذا حسن في " إن " وقبيح في أخواتها. ومذهب سيبويه في الفرق بين " إن " ~~وأخواتها، أنها لما كانت أم حروف الشرط خصت بهذا، ولأنها لا تكون في غيره. ~~وقال محمد بن يزيد: # أما قوله - لأنها لا تكون في غيره - فغلط، لأنها تكون بمعنى (ما) ومخففة ~~من الثقيلة ولكنها مبهمة، وليس كذا غيرها. وأنشد سيبويه: # لا تجزعي إن منفسا أهلكته * وإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي (1) الرابعة - قال ~~العلماء: في قوله تعالى: " حتى يسمع كلام الله " دليل على أن كلام الله عز ~~وجل مسموع عند قراءة القارئ، قاله الشيخ أبو الحسن والقاضي أبو بكر وأبو ~~العباس القلانسي وابن مجاهد وأبو إسحاق الأسفرايني وغيرهم، لقوله تعالى: " ~~حتى يسمع كلام الله ". # فنص على أن كلامه مسموع عند قراءة القارئ لكلامه. ويدل عليه إجماع ~~المسلمين على أن القارئ إذا قرأ فاتحة الكتاب أو سورة قالوا: سمعنا كلام ~~الله. وفرقوا بين أن يقرأ كلام الله تعالى وبين أن يقرأ شعر امرئ القيس. ~~وقد مضى في سورة " البقرة " (2) معنى كلام الله تعالى، وأنه ليس بحرف ولا ~~صوت، والحمد لله. # قوله تعالى: كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم ~~عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين (7) # PageV08P077 # قوله تعالى: (كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين ~~عاهدتم عند المسجد الحرام) كيف هنا للتعجب، كما تقول: كيف يسبقني فلان أي ~~لا ينبغي أن يسبقني. و " عهد " اسم يكون. وفي الآية إضمار، أي كيف يكون ~~للمشركين عهد مع إضمار الغدر، كما قال: # وخبر تماني إنما الموت بالقرى * فكيف وهاتا هضبة (1) وكثيب التقدير: فكيف ~~مات، عن الزجاج. وقيل: المعنى كيف يكون للمشركين عهد عند الله يأمنون به ~~عذابه غدا، وكيف يكون لهم عند رسوله عهد يأمنون به عذاب الدنيا. # ثم استثنى فقال: " إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام ". قال محمد بن ~~إسحاق: # هم بنو بكر، أي ليس العهد إلا لهؤلاء الذين لم ينقضوا ولم ينكثوا. # قوله تعالى: (فما استقاموا لكم فاستقيموا ms2840 لهم) أي فما أقاموا على الوفاء ~~بعهد كم فأقيموا لهم على مثل ذلك. ابن زيد: فلم يستقيموا فضرب لهم أجلا ~~أربعة أشهر. فأما من لا عهد له فقاتلوه حيث وجدتموه إلا أن يتوب. # قوله تعالى: (كيف وإن يظهروا عليكم) أعاد التعجب من أن يكون لهم عهد مع ~~خبث أعمالهم، أي كيف يكون لهم عهد وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ~~ذمة. # يقال: ظهرت على فلان أي غلبته، وظهرت البيت علوته، ومنه " فما اسطاعوا أن ~~يظهروه " (2) [الكهف: 97] أي يعلوا عليه. # PageV08P078 # قوله تعالى: (لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة) " يرقبوا " يحافظوا. والرقيب ~~الحافظ. # وقد تقدم (1). (إلا) عهدا، عن مجاهد وابن زيد. وعن مجاهد أيضا: هو اسم من ~~أسماء الله عز وجل. ابن عباس والضحاك: قرابة. الحسن: جوارا. قتادة: حلفا، و ~~" ذمة " عهدا. أبو عبيدة: يمينا. وعنه أيضا: إلا العهد، والذمة التذمم. ~~الأزهري: اسم الله بالعبرانية، وأصله من الأليل وهو البريق، يقال أل لونه ~~يؤل ألا، أي صفا ولمع. وقيل: # أصله من الحدة، ومنه الآلة للحربة، ومنه أذن مؤللة أي محددة. ومنه قول ~~طرفة بن العبد يصف أذني ناقته بالحدة والانتصاب. # مؤللتان تعرف العتق فيهما * كسامعتي شاة بحومل مفرد (2) فإذا قيل للعهد ~~والجوار والقرابة " إل " فمعناه أن الاذن تصرف إلى تلك الجهة، أي تحدد لها. ~~والعهد يسمى " إلا " لصفائه وظهوره. ويجمع في القلة الآل. وفي الكثرة إلال. ~~وقال الجوهري وغيره: الال بالكسر هو الله عز وجل، والال أيضا العهد ~~والقرابة. # قال حسان: # لعمرك إن إلك من قريش * كإل السقب من رأل النعام (3) قوله تعالى: (ولا ~~ذمة) أي عهدا. وهي كل حرمة يلزمك إذا ضيعتها ذنب. قال ابن عباس والضحاك ~~وابن زيد: الذمة العهد. ومن جعل الال العهد فالتكرير لاختلاف اللفظين. وقال ~~أبو عبيدة معمر: الذمة التذمم. وقال أبو عبيد: الذمة الأمان في قوله عليه ~~السلام: (ويسعى بذمتهم أدناهم). وجمع ذمة ذمم. وبئر ذمة (بفتح الذال) قليلة ~~الماء، وجمعها ذمام. قال ذو الرمة: # PageV08P079 # على حمير يأت كأن عيونها * ذمام الركايا أنكزتها المواتح ms2841 (1) أنكزتها ~~أذهبت ماءها. وأهل الذمة أهل العقد. # قوله تعالى: (يرضونكم بأفواههم) أي يقولون بألسنتهم ما يرضي (2) ظاهره. ~~(وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون) أي ناقضون العهد. وكل كافر فاسق، ولكنه أراد ~~ها هنا المجاهرين بالقبائح ونقض العهد. # قوله تعالى: اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا فصدوا عن سبيله إنهم ساء ما ~~كانوا يعملون (9) يعني المشركين في نقضهم العهود بأكلة أطعمهم إياها أبو ~~سفيان، قاله مجاهد. وقيل: # إنهم استبدلوا بالقرآن متاع الدنيا. (فصدوا عن سبيله) أي أعرضوا، من ~~الصدود. # أو منعوا عن سبيل الله، من الصد. # قوله تعالى: لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة وأولئك هم المعتدون (10) قال ~~النحاس: ليس هذا تكريرا، ولكن الأول لجميع المشركين والثاني لليهود خاصة. # والدليل على هذا " اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا " يعني اليهود، باعوا ~~حجج الله عز وجل وبيانه بطلب الرياسة وطمع في شئ. (وأولئك هم المعتدون) أي ~~المجاوزون الحلال إلى الحرام بنقض العهد. # قوله تعالى: فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ~~ونفصل الآيات لقوم يعلمون (11) # PageV08P080 # قوله تعالى: (فإن تابوا) أي عن الشرك والتزموا أحكام الاسلام. (فإخوانكم) ~~أي فهم إخوانكم (في الدين). قال ابن عباس: حرمت هذه دماء أهل القبلة. وقد ~~تقدم هذا المعنى. وقال ابن زيد: افترض الله الصلاة والزكاة وأبى أن يفرق ~~بينهما وأبى أن يقبل الصلاة إلا بالزكاة. وقال ابن مسعود: أمرتم بالصلاة ~~والزكاة فمن لم يزك فلا صلاة له. # وفي حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من فرق بين ثلاث فرق الله ~~بينه وبين رحمته يوم القيامة من قال أطيع الله ولا أطيع الرسول والله تعالى ~~يقول: " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول " [النساء: 59] ومن قال أقيم الصلاة ~~ولا أوتي الزكاة والله تعالى يقول: " وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة " ~~[البقرة: 43] ومن فرق بين شكر الله وشكر والديه والله عز وجل يقول: " أن ~~اشكر لي ولوالديك " [لقمان: 14]). # قوله تعالى: (ونفصل الآيات) أي نبينها. (لقوم يعلمون) خصهم لأنهم هم ~~المنتفعون بها. والله أعلم. # قوله تعالى: وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في ms2842 دينكم فقاتلوا ~~أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون (12) فيه سبع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (وإن نكثوا) النكث النقض، وأصله في كل ما فتل ثم ~~حل. # فهي في الايمان والعهود مستعارة. قال: # وإن حلفت لا ينقض النأي عهدها * فليس لمخضوب البنان يمين أي عهد. وقوله: ~~(وطعنوا في دينكم) أي بالاستنقاض والحرب وغير ذلك مما يفعله المشرك. يقال: ~~طعنه بالرمح وطعن بالقول السئ فيه يطعن، بضم العين فيهما. وقيل: # يطعن بالرمح (بالضم) ويطعن بالقول (بالفتح). وهي هنا استعارة، ومنه قوله ~~صلى الله PageV08P081 # عليه وسلم حين أمر أسامة: (إن تطعنوا في إمارته فقد طعنتم في إمارة أبيه ~~من قبل وأيم الله إن كان لخليقا للامارة). خرجه الصحيح (1). # الثانية - استدل بعض العلماء بهذه الآية على وجوب قتل كل من طعن في ~~الدين، إذ هو كافر. والطعن أن ينسب إليه ما لا يليق به، أو يعترض ~~بالاستخفاف على ما هو من الدين، لما ثبت من الدليل القطعي على صحة أصوله ~~واستقامة فروعه. وقال ابن المنذر: # أجمع عامة أهل العلم على أن من سب النبي صلى الله عليه وسلم عليه القتل. ~~وممن قال ذلك مالك والليث وأحمد وإسحاق، وهو مذهب الشافعي. وقد حكي عن ~~النعمان أنه قال: # لا يقتل من سب النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الذمة، على ما يأتي. وروي ~~أن رجلا قال في مجلس علي: ما قتل كعب بن الأشرف إلا غدرا، فأمر علي بضرب ~~عنقه. وقاله آخر في مجلس معاوية فقام محمد بن مسلمة فقال: أيقال هذا في ~~مجلسك وتسكت! والله لا أساكنك تحت سقف (2) أبدا، ولئن خلوت به لأقتلنه. قال ~~علماؤنا: هذا يقتل ولا يستتاب إن نسب الغدر للنبي صلى الله عليه وسلم. وهو ~~الذي فهمه علي ومحمد بن مسلمة رضوان الله عليهما من قائل ذلك، لان ذلك ~~زندقة. فأما إن نسبه للمباشرين لقتله بحيث يقول: إنهم أمنوه ثم غدروه لكانت ~~هذه النسبة كذبا محضا، فإنه ليس في كلامهم معه ما يدل على أنهم أمنوه ولا ~~صرحوا له ms2843 بذلك، ولو فعلوا ذلك لما كان أمانا، لان النبي صلى الله عليه وسلم ~~إنما وجههم لقتله لا لتأمينه، وأذن لمحمد بن مسلمة في أن يقول. وعلى هذا ~~فيكون في قتل من نسب ذلك لهم نظر وتردد. وسببه هل يلزم من نسبة الغدر لهم ~~نسبته للنبي صلى الله عليه وسلم، لأنه قد صوب فعلهم ورضى به فيلزم منه أنه ~~قد رضي بالغدر ومن صرح بذلك قتل، أولا يلزم من نسبة الغدر لهم نسبته للنبي ~~صلى الله عليه وسلم فلا يقتل. # وإذا قلنا لا يقتل، فلا بد من تنكيل ذلك القائل وعقوبته بالسجن، والضرب ~~الشديد والإهانة العظيمة. # PageV08P082 # الثالثة - فأما الذمي إذا طعن في الدين انتقض عهده في المشهور من مذهب ~~مالك، لقوله: " وإن نكثوا أيمانهم " الآية. فأمر بقتلهم وقتالهم. وهو مذهب ~~الشافعي رحمه الله. وقال أبو حنيفة في هذا: إنه يستتاب، وإن مجرد الطعن لا ~~ينقض به العهد إلا مع وجود النكث، لان الله عز وجل إنما أمر بقتلهم بشرطين: ~~أحدهما نقضهم العهد، والثاني طعنهم في الدين. قلنا: إن عملوا بما يخالف ~~العهد انتقض عهدهم، وذكر الامرين لا يقتضي توقف قتاله على وجودهما، فإن ~~النكث يبيح لهم ذلك بانفراده عقلا وشرعا. # وتقدير الآية عندنا: فإن نكثوا عهدهم حل قتالهم، وإن لم ينكثوا بل طعنوا ~~في الدين مع الوفاء بالعهد حل قتالهم. وقد روي أن عمر رفع إليه: ذمي نخس ~~دابة عليها امرأة مسلمة فرمحت فأسقطتها فانكشفت بعض عورتها، فأمر بصلبه في ~~الموضع. # الرابعة - إذا حارب الذمي نقض عهده وكان ماله وولده فيئا معه. وقال محمد ~~ابن مسلمة: لا يؤاخذ ولده به، لأنه نقض وحده. وقال: أما ماله فيؤخذ. وهذا ~~تعارض لا يشبه منصب محمد بن مسلمة، لان عهده هو الذي حمى ماله وولده، فإذا ~~ذهب عنه ماله ذهب عنه ولده. وقال أشهب: إذا نقض الذمي العهد فهو على عهده ~~ولا يعود في الرق أبدا. # وهذا من العجب، وكأنه رأى العهد معنى محسوسا. وإنما العهد حكم اقتضاه ~~النظر، والتزمه المسلمون له، فإذا نقضه ms2844 انتقض كسائر العقود. # الخامسة - أكثر العلماء على أن من سب النبي صلى الله عليه وسلم من أهل ~~الذمة أو عرض أو استخف (1) بقدره أو وصفه بغير الوجه الذي كفر به فإنه ~~يقتل، فإنا (2) لم نعطه الذمة أو العهد على هذا. إلا أبا حنيفة والثوري ~~وأتباعهما من أهل الكوفة فإنهم قالوا: لا يقتل، ما هو عليه من الشرك أعظم، ~~ولكن يؤدب ويعزر. والحجة عليه قوله تعالى: " وإن نكثوا " الآية. واستدل ~~عليه بعضهم بأمره صلى الله عليه وسلم بقتل كعب بن الأشرف وكان معاهدا. # وتغيظ أبو بكر على رجل من أصحابه فقال أبو برزة: ألا أضرب عنقه! فقال: ما ~~كانت لاحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وروى الدارقطني عن ابن عباس: ~~أن رجلا أعمى كانت له # PageV08P083 # أم ولد، له منها ابنان مثل اللؤلؤتين، فكانت تشتم النبي صلى الله عليه ~~وسلم وتقع فيه، فينهاها فلم تنته، ويزجرها فلم تنزجر، فلما كان ذات ليلة ~~ذكرت النبي صلى الله عليه وسلم فما صبر سيدها أن قام إلى معول فوضعه في ~~بطنها ثم اتكأ عليها حتى أنفذه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا ~~اشهدوا إن دمها هدر). وفي رواية عن ابن عباس: فقتلها، فلما أصبح قيل ذلك ~~للنبي صلى الله عليه وسلم، فقام الأعمى فقال: يا رسول الله، أنا صاحبها، ~~كانت تشتمك وتقع فيك (1) فأنهاها فلا تنتهي، وأزجرها فلا تنزجر، ولي منها ~~ابنان مثل اللؤلؤتين، وكانت بي رفيقة فلما كان البارحة جعلت تشتمك وتقع فيك ~~فقتلتها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا اشهدوا إن دمها هدر). # السادسة - واختلفوا إذا سبه ثم أسلم تقية من القتل، فقيل: يسقط إسلامه ~~قتله، وهو المشهور من المذهب، لان الاسلام يجب ما قبله. بخلاف المسلم إذا ~~سبه ثم تاب قال الله عز وجل: " قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد ~~سلف " (2) [الأنفال: 38]. وقيل: لا يسقط الاسلام قتله، قاله في العتبية ~~لأنه حق للنبي صلى الله عليه وسلم وجب لانتهاكه حرمته وقصده إلحاق النقيصة ~~والمعرة به، ms2845 فلم يكن رجوعه إلى الاسلام بالذي يسقطه، ولا يكون أحسن حالا من ~~المسلم. # السابعة - قوله تعالى: (فقاتلوا أئمة الكفر) " أئمة " جمع إمام، والمراد ~~صناديد قريش - في قول بعض العلماء - كأبي جهل وعتبة وشيبة وأمية بن خلف. ~~وهذا بعيد، فإن الآية في سورة " براءة " وحين نزلت وقرئت على الناس كان ~~الله قد استأصل شأفة قريش فلم يبق إلا مسلم أو مسالم، فيحتمل أن يكون ~~المراد " فقاتلوا أئمة الكفر " (3). أي من أقدم على نكث العهد والطعن في ~~الدين يكون أصلا ورأسا في الكفر، فهو من أئمة الكفر على هذا. # ويحتمل أن يعنى به المتقدمون والرؤساء منهم، وأن قتالهم قتال لاتباعهم ~~وأنهم لا حرمة لهم. # والأصل أأممة كمثال وأمثلة، ثم أدغمت الميم في الميم وقلبت الحركة على ~~الهمزة فاجتمعت # PageV08P084 # همزتان، فأبدلت من الثانية ياء. وزعم الأخفش أنك تقول: هذا أيم من هذا، ~~بالياء. # وقال المازني: أوم من هذا، بالواو. وقرأ حمزة " أئمة ". وأكثر النحويين ~~يذهب إلى أن هذا لحن (1)، لأنه جمع بين همزتين في كلمة واحدة. (إنهم لا ~~أيمان لهم) أي لا عهود لهم، أي ليست عهودهم صادقة يوفون بها. وقرأ ابن عامر ~~" لا إيمان لهم " بكسر الهمزة من الايمان، أي لا إسلام لهم. ويحتمل أن يكون ~~مصدر آمنته إيمانا، من الامن الذي ضده الخوف، أي لا يؤمنون، من آمنته ~~إيمانا أي أجرته، فلهذا قال: " فقاتلوا أئمة الكفر ". # " لعلهم ينتهون " أي عن الشرك. قال الكلبي: كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~وادع أهل مكة سنة وهو بالحديبية فحبسوه عن البيت، ثم صالحوه على أن يرجع ~~فمكثوا ما شاء الله، ثم قاتل حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم من خزاعة ~~حلفاء بني أمية من كنانة، فأمدت بنو أمية حلفاءهم بالسلاح والطعام، ~~فاستعانت (2) خزاعة برسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية وأمر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعين حلفاءه كما سبق. وفى البخاري عن زيد ~~بن وهب قال: كنا عند حذيفة فقال ما بقي من أصحاب هذه الآية - يعني " ~~فقاتلوا ms2846 أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم " - إلا ثلاثة، ولا بقي من المنافقين ~~إلا أربعة. فقال أعرابي: إنكم أصحاب محمد تخبرون أخبارا لا ندري ما هي! ~~تزعمون ألا منافق إلا أربعة، فما بال هؤلاء الذين يبقرون (3) بيوتنا ~~ويسرقون أعلاقنا (4). قال: أولئك الفساق. أجل لم يبق منهم إلا أربعة، أحدهم ~~شيخ كبير لو شرب الماء البارد لما وجد برده (5). # PageV08P085 # قوله تعالى: (لعلهم ينتهون) أي عن كفرهم وباطلهم وأذيتهم للمسلمين. وذلك ~~يقتضي أن يكون الغرض من قتالهم دفع ضررهم لينتهوا عن مقاتلتنا ويدخلوا في ~~ديننا. # قوله تعالى: ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم ~~بدؤوكم أول مرة أتحشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين (13) قوله ~~تعالى: (ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم) توبيخ وفيه معنى التحضيض. نزلت في ~~كفار مكة كما ذكرنا آنفا. (وهموا بإخراج الرسول) أي كان منهم سبب الخروج، ~~فأضيف الاخراج إليهم. وقيل: أخرجوا الرسول عليه السلام من المدينة لقتال ~~أهل مكة للنكث الذي كان منهم: عن الحسن. (وهم بدؤوكم) بالقتال. (أول مرة) ~~أي نقضوا العهد وأعانوا بني بكر على خزاعة. وقيل: بدؤوكم بالقتال يوم بدر، ~~لان النبي صلى الله عليه وسلم خرج للعير ولما أحرزوا عيرهم كان يمكنهم ~~الانصراف، فأبوا إلا الوصول إلى بدر وشرب الخمر بها، كما تقدم. (فالله أحق ~~أن تخشوه) أي تخافوا عقابه في ترك قتالهم من أن تخافوا أن ينالكم في قتالهم ~~مكروه. وقيل: إخراجهم الرسول منعهم إياه من الحج والعمرة والطواف، وهو ~~ابتداؤهم. والله أعلم. # قوله تعالى: قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم وبشف صدور ~~قوم مؤمنين (14) ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم ~~(15) قوله تعالى: " قاتلوهم " أمر. " يعذبهم الله " جوابه. وهو جزم بمعنى ~~المجازاة. # والتقدير: إن تقاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف ~~صدور قوم مؤمنين. (ويذهب غيظ قلوبهم) دليل على أن غيظهم كان قد اشتد. وقال ~~مجاهد: PageV08P086 # يعني خزاعة حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكله عطف، ويجوز فيه كله ~~الرفع على القطع من ms2847 الأول. ويجوز النصب على إضمار (أن) وهو الصرف عند ~~الكوفيين، كما قال: # فإن يهلك أبو قابوس يهلك * ربيع الناس والشهر الحرام ونأخذ بعده بذناب ~~عيش * أجب الظهر ليس له سنام (1) وإن شئت رفعت (ونأخذ) وإن شئت نصبته. ~~والمراد بقوله: (ويشف صدور قوم مؤمنين) بنو خزاعة على ما ذكرنا عن مجاهد. ~~فإن قريشا أعانت بني بكر عليهم وكانت خزاعة حلفاء النبي صلى الله عليه ~~وسلم. فأنشد رجل من بني بكر هجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له بعض ~~خزاعة: لئن أعدته لأكسرن فمك فأعاده فكسر فاه وثار بينهم قتال فقتلوا من ~~الخزاعيين أقواما فخرج عمرو بن سالم الخزاعي في نفر إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأخبره به فدخل منزل ميمونة وقال: (اسكبوا إلي ماء) فجعل يغتسل ~~وهو يقول: # (لا نصرت إن لم أنصر بني كعب) (2). ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالتجهز والخروج إلى مكة فكان الفتح. # قوله تعالى: (ويتوب الله على من يشاء) القراءة بالرفع على الاستئناف لأنه ~~ليس من جنس الأول ولهذا لم يقل (ويتب) بالجزم لان القتال غير موجب لهم ~~التوبة من الله عز وجل وهو موجب لهم العذاب والخزي وشفاء صدور المؤمنين ~~وذهاب غيظ قلوبهم ونظيره: " فإن يشأ الله يختم على قلبك " [الشورى: 24] تم ~~الكلام. ثم قال: " ويمح الله الباطل " (3) [الشورى: 24]. # والذين تاب الله عليهم مثل أبي سفيان وعكرمة بن أبي جهل وسليم بن أبي ~~عمرو، فإنهم أسلموا. وقرأ ابن أبي إسحاق " ويتوب " بالنصب. وكذا روي عن ~~عيسى الثقفي والأعرج، وعليه فتكون التوبة داخلة في جواب الشرط، لان المعنى: ~~إن تقاتلوهم يعذبهم الله. # PageV08P087 # وكذلك ما عطف عليه. ثم قال: " ويتوب الله " أي إن تقاتلوهم. فجمع بين ~~تعذيبهم بأيديكم وشفاء صدوركم وإذهاب غيظ قلوبكم والتوبة عليكم. والرفع ~~أحسن، لان التوبة لا يكون سببها القتال، إذ قد توجد بغير قتال لمن شاء الله ~~أن يتوب عليه في كل حال. # قوله تعالى: أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم ~~يتخذوا من ms2848 دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما تعملون ~~(16) قوله تعالى: (أم حسبتم) خروج من شئ إلى شئ. (أن تتركوا) في موضع ~~المفعولين على قول سيبويه. وعند المبرد أنه قد حذف الثاني. ومعنى الكلام: ~~أم حسبتم أن تتركوا من غير أن تبتلوا بما يظهر به المؤمن والمنافق الظهور ~~الذي يستحق به الثواب والعقاب. وقد تقدم هذا المعنى في غير موضع. " ولما ~~يعلم " جزم بلما وإن كانت ما زائدة، فإنها تكون عند سيبويه جوابا لقولك: قد ~~فعل كما تقدم (1). وكسرت الميم لالتقاء الساكنين. " وليجة " بطانة ومداخلة ~~من الولوج وهو الدخول ومنه سمي الكناس (2) الذي تلج فيه الوحوش تولجا. ولج ~~يلج ولوجا إذا دخل. والمعنى: دخيلة مودة من دون الله ورسوله. وقال أبو ~~عبيدة: كل شئ أدخلته في شئ ليس منه فهو وليجة والرجل يكون في القوم وليس ~~منهم وليجة. وقال ابن زيد: الوليجة الدخيلة والولجاء الدخلاء فوليجة الرجل ~~من يختص بدخلة أمره دون الناس. تقول: هو وليجتي وهم وليجتي الواحد والجمع ~~فيه سواء. قال أبان بن تغلب رحمه الله: # فبئس الوليجة للهاربين * والمعتدين وأهل الريب وقيل: وليجة بطانة، ~~والمعنى واحد، نظيره " لا تتخذوا بطانة من دونكم " (1) [آل عمران: 118]. ~~وقال الفراء: # وليجة بطانة من المشركين يتخذونهم ويفشون إليهم أسرارهم ويعلمونهم ~~أمورهم. # PageV08P088 # قوله تعالى: ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم ~~بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون (17) قوله تعالى: (ما كان ~~للمشركين أن يعمروا مساجد الله) الجملة من " أن يعمروا " في موضع رفع اسم ~~كان. " شاهدين " على الحال. واختلف العلماء في تأويل هذه الآية، فقيل: أراد ~~ليس لهم الحج بعد ما نودي فيهم بالمنع عن المسجد الحرام، وكانت أمور البيت ~~كالسدانة والسقاية والرفادة إلى المشركين، فبين أنهم ليسوا أهلا لذلك، بل ~~أهله المؤمنون. # وقيل: إن العباس لما أسر وعير بالكفر وقطيعة الرحم قال: تذكرون مساوئنا ~~ولا تذكرون محاسننا. فقال علي: ألكم محاسن؟ قال: نعم إنا لنعمر المسجد ~~الحرام ونحجب الكعبة ونسقي الحاج ونفك العاني، فنزلت هذه ms2849 الآية ردا عليه. ~~فيجب إذا على المسلمين تولى أحكام المساجد ومنع المشركين من دخولها. وقراءة ~~العامة " يعمر " بفتح الياء وضم الميم، من عمر يعمر. وقرأ ابن السميقع بضم ~~الياء وكسر الميم أي يجعلوه عامرا أو يعينوا على عمارته. # وقرئ " مسجد الله " على التوحيد أي المسجد الحرام. وهي قراءة ابن عباس ~~وسعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح ومجاهد وابن كثير وأبي عمرو وابن محيصن ~~ويعقوب. والباقون " مساجد " على التعميم. وهو اختيار أبي عبيد، لأنه أعم ~~والخاص يدخل تحت العام. # وقد يحتمل أن يراد بقراءة الجمع المسجد الحرام خاصة. وهذا جائز فيما كان ~~من أسماء الجنس، كما يقال: فلان يركب الخيل وإن لم يركب إلا فرسا. والقراءة ~~" مساجد " أصوب، لأنه يحتمل المعنيين. وقد أجمعوا على قراءة قوله: " إنما ~~يعمر مساجد الله " على الجمع، قاله النحاس. وقال الحسن: إنما قال مساجد وهو ~~المسجد الحرام، لأنه قبلة المساجد كلها وإمامها. # قوله تعالى: (شاهدين). قيل: أراد وهم شاهدون فلما طرح " وهم " نصب. # قال ابن عباس: شهادتهم على أنفسهم بالكفر سجودهم لأصنامهم، وإقرارهم أنها ~~مخلوقة. PageV08P089 # وقال السدي: شهادتهم بالكفر هو أن النصراني تقول (1) له ما دينك؟ فيقول ~~نصراني، واليهودي فيقول يهودي والصابئ فيقول صابئ. ويقال للمشرك ما دينك ~~فيقول مشرك. # (أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون) تقدم معناه. # قوله تعالى: إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام ~~الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين ~~(18) فيه ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " إنما يعمر مساجد الله " دليل على أن الشهادة ~~لعمار المساجد بالايمان صحيحة لان الله سبحانه ربطه بها وأخبر عنه ~~بملازمتها. وقد قال بعض السلف: # إذا رأيتم الرجل يعمر المسجد فحسنوا به الظن. وروى الترمذي عن أبي سعيد ~~الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال (إذا رأيتم الرجل يعتاد ~~المسجد فاشهدوا له بالايمان) قال الله تعالى: " إنما يعمر مساجد الله من ~~آمن بالله واليوم الآخر ". وفي رواية: # (يتعاهد المسجد). قال: حديث حسن غريب. قال ms2850 ابن العربي: وهذا في ظاهر ~~الصلاح ليس في مقاطع الشهادات، فإن الشهادات لها أحوال عند العارفين بها ~~فإن منهم الذكي الفطن المحصل لما يعلم اعتقادا وإخبارا ومنهم المغفل، وكل ~~واحد ينزل على منزلته ويقدر على صفته. # الثانية - قوله تعالى: (ولم يخش إلا الله) إن قيل: ما من مؤمن إلا وقد ~~خشي غير الله، وما زال المؤمنون والأنبياء (2) يخشون الأعداء من غيرهم. قيل ~~له: المعنى ولم يخش إلا الله مما يعبد: فإن المشركين كانوا يعبدون الأوثان ~~ويخشونها ويرجونها. جواب ثان - أي لم يخف في باب الدين إلا الله. # الثالثة - فإن قيل: فقد أثبت الايمان في الآية لمن عمر المساجد بالصلاة ~~فيها، وتنظيفها وإصلاح ما وهى منها، وآمن بالله. ولم يذكر الايمان بالرسول ~~فيها ولا إيمان لمن لم يؤمن # PageV08P090 # بالرسول. قيل له: دل على الرسول ما ذكر من إقامة الصلاة وغيرها لأنه مما ~~جاء به، فإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة إنما يصح من المؤمن بالرسول، فلهذا لم ~~يفرده بالذكر. و (عسى) من الله واجبة، عن ابن عباس وغيره. وقيل: عسى بمعنى ~~خليق أي فحليق " أن يكونوا من المهتدين ". # قوله تعالى: أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله ~~واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستون عند الله والله لا يهدي القوم ~~الظالمين (19) فيه مسألتان (1): # الأولى - قوله تعالى: " أجعلتم سقاية الحاج " التقدير في العربية: أجعلتم ~~أصحاب سقاية الحاج أو أهل سقاية الحاج مثل من آمن بالله وجاهد في سبيله. ~~ويصح أن يقدر الحذف في " من آمن " أي أجعلتم عمل سقى الحاج كعمل من آمن. ~~وقيل: التقدير كإيمان من آمن. والسقاية مصدر كالسعاية والحماية. فجعل الاسم ~~بموضع المصدر إذ علم معناه، مثل إنما السخاء حاتم، وإنما الشعر زهير. ~~وعمارة المسجد الحرام مثل " واسأل القرية " [يوسف: 82]. # وقرأ أبو (2) وجزة " أجعلتم سقاة الحاج وعمرة المسجد الحرام " سقاة جمع ~~ساق والأصل سقية على فعلة، كذا يجمع المعتل من هذا، نحو قاض وقضاة وناس ~~ونساة. فإن لم يكن معتلا جمع على فعلة نحو ناسئ ونسأة، للذين كانوا ms2851 ينسئون ~~الشهور. وكذا قرأ ابن الزبير وسعيد بن جبير " سقاة وعمرة " إلا أن ابن جبير ~~نصب " المسجد " على إرادة التنوين في " عمرة ". وقال الضحاك: سقاية بضم ~~السين، وهي لغة. والحاج اسم جنس الحجاج. وعمارة المسجد الحرام: # معاهدته والقيام بمصالحه. وظاهر هذه الآية أنها مبطلة قول من افتخر من ~~المشركين بسقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام، كما ذكره السدي. قال: افتخر ~~عباس بالسقاية، وشيبة بالعمارة، وعلي بالاسلام والجهاد، فصدق الله عليا ~~وكذبهما، وأخبر أن العمارة لا تكون بالكفر، # PageV08P091 # وإنما تكون بالايمان والعبادة وأداء الطاعة. وهذا بين لا غبار عليه. ~~ويقال: إن المشركين سألوا اليهود وقالوا: نحن سقاة الحاج وعمار المسجد ~~الحرام، أفنحن أفضل أم محمد وأصحابه؟ # فقالت لهم اليهود عنادا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أنتم أفضل. وقد ~~اعترض هنا إشكال وهو ما جاء في صحيح مسلم عن النعمان بن بشير قال: كنت عند ~~منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رجل: ما أبالي ألا أعمل عملا بعد ~~الاسلام إلا أن أسقي الحاج. وقال آخر: # ما أبالي ألا أعمل عملا بعد الاسلام إلا أن أعمر المسجد الحرام. وقال ~~آخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم. فزجرهم عمر وقال: لا ترفعوا ~~أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو يوم الجمعة - ولكن ~~إذا صليت الجمعة دخلت واستفتيته فيما اختلفتم فيه. فأنزل الله عز وجل: " ~~أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر " إلى ~~آخر الآية. وهذا المساق يقتضي أنها إنما نزلت عند اختلاف المسلمين في ~~الأفضل من هذه الأعمال. وحينئذ لا يليق أن يقال لهم في آخر الآية: " والله ~~لا يهدي القوم الظالمين " فتعين الاشكال. وإزالته بأن يقال: إن بعض الرواة ~~تسامح في قوله، فأنزل الله الآية. وإنما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم ~~الآية على عمر حين سأله فظن الراوي أنها نزلت حينئذ. واستدل بها النبي صلى ~~الله عليه وسلم على أن الجهاد أفضل مما قال أولئك الذين سمعهم عمر، فاستفتى ~~لهم فتلا عليه ms2852 ما قد كان أنزل عليه، لا أنها نزلت في هؤلاء. والله أعلم. ~~فإن قيل: فعلى هذا يجوز الاستدلال على المسلمين بما أنزل في الكافرين، ~~ومعلوم أن أحكامهم مختلفة. قيل له: # لا يستبعد أن ينتزع مما أنزل الله في المشركين أحكام تليق بالمسلمين. وقد ~~قال عمر: إنا لو شئنا لاتخذنا سلائق (1) وشواء وتوضع صحفة وترفع أخرى ولكنا ~~سمعنا قول الله تعالى: " أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها " ~~(2) [الأحقاف: 20]. وهذه الآية نص في الكفار، ومع ذلك ففهم منها عمر الزجر ~~عما يناسب أحوالهم بعض المناسبة، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة. فيمكن أن ~~تكون هذه الآية من هذا النوع. وهذا نفيس وبه يزول الاشكال ويرتفع الابهام، ~~والله أعلم. # PageV08P092 # قوله تعالى: الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ~~أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون (20) قوله تعالى: " الذين آمنوا " ~~في موضع رفع بالابتداء. وخبره " أعظم درجة عند الله ". و " درجة " نصب على ~~البيان، أي من الذين افتخروا بالسقي والعمارة. وليس للكافرين درجة عند الله ~~حتى يقال: المؤمن أعظم درجة. والمراد أنهم قدروا لأنفسهم الدرجة بالعمارة ~~والسقي فخاطبهم على ما قدروه في أنفسهم وإن كان التقدير خطأ كقوله تعالى: " ~~أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا " (1) [الفرقان: 24]. وقيل: " أعظم درجة " من ~~كل ذي درجة، أي لهم المزية والمرتبة العلية. " وأولئك هم الفائزون " بذلك. # قوله تعالى: يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم (21) ~~خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم (22) قوله تعالى: " يبشرهم ربهم " ~~أي يعلمهم في الدنيا ما لهم في الآخرة من الثواب الجزيل والنعيم المقيم. ~~والنعيم: لين العيش ورغده. (خالدين) نصب على الحال. والخلود الإقامة. (إن ~~الله عنده أجر عظيم) أي أعد لهم في دار كرامته ذلك الثواب. # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن ~~استحبوا الكفر على الايمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون (23) ظاهر ~~هذه الآية أنها خطاب لجميع المؤمنين كافة، وهي باقية الحكم إلى يوم القيامة ~~في قطع الولاية بين ms2853 المؤمنين والكافرين. وروت فرقة أن هذه الآية إنما نزلت ~~في الحض على الهجرة ورفض بلاد الكفرة. فالمخاطبة على هذا إنما هي للمؤمنين ~~الذين كانوا بمكة وغيرها # PageV08P093 # من بلاد العرب، خوطبوا بألا يوالوا الآباء والاخوة فيكونوا لهم تبعا في ~~سكنى بلاد الكفر. # " إن استحبوا " أي أحبوا، كما يقال: استجاب بمعنى أجاب. أي لا تطيعوهم ~~ولا تخصوهم. # وخص الله سبحانه الآباء والاخوة إذ لا قرابة أقرب منها. فنفى الموالاة ~~بينهم كما نفاها بين الناس بقوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا ~~اليهود والنصارى أولياء " (1) [المائدة: 51] ليبين أن القرب قرب الأديان لا ~~قرب الأبدان. وفي مثله تنشد الصوفية: # يقولون لي دار الأحبة قد دنت * وأنت كئيب إن ذا لعجيب فقلت وما تغني ديار ~~قريبة * إذا لم يكن بين القلوب قريب فكم من بعيد الدار نال مراده * وآخر ~~جار الجنب مات كئيب ولم يذكر الأبناء في هذه الآية إذ الأغلب من البشر أن ~~الأبناء هم التبع للآباء. والاحسان والهبة مستثناة من الولاية. قالت أسماء: ~~يا رسول الله، إن أمي قدمت علي راغبة وهي مشركة أفأصلها؟ قال: (صلي أمك) ~~خرجه البخاري. # قوله تعالى: (ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون) قال ابن عباس: هو مشرك ~~مثلهم لان من رضي بالشرك فهو مشرك. # قوله تعالى: قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم ~~وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ~~ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدى القوم ~~الفاسقين (24) لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهجرة من مكة إلى ~~المدينة جعل الرجل يقول لأبيه والأب لابنه والأخ لأخيه والرجل لزوجته: إنا ~~قد أمرنا بالهجرة، فمنهم من تسارع # PageV08P094 # لذلك، ومنهم من أبى أن يهاجر، فيقول: والله لئن لم تخرجوا إلى دار الهجرة ~~لا أنفعكم ولا أنفق عليكم شيئا أبدا. ومنهم من تتعلق به امرأته وولده ~~ويقولون له: أنشدك بالله ألا تخرج فنضيع بعدك، فمنهم من يرق فيدع الهجرة ~~ويقيم معهم، فنزلت " يا أيها الذين آمنوا لا ms2854 تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء ~~إن استحبوا الكفر على الايمان ". يقول: [إن اختاروا] الإقامة على الكفر ~~بمكة على الايمان بالله والهجرة إلى المدينة. " ومن يتولهم منكم " بعد نزول ~~الآية " فأولئك هم الظالمون ". ثم نزل في الذين تخلفوا ولم يهاجروا: " قل ~~إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم " وهي الجماعة التي ~~ترجع إلى عقد واحد كعقد العشرة فما زاد، ومنه المعاشرة وهي الاجتماع على ~~الشئ. (وأموال اقترفتموها) يقول: اكتسبتموها بمكة. # وأصل الاقتراف اقتطاع الشئ من مكانه إلى غيره. (وتجارة تخشون كسادها) قال ~~ابن المبارك: هي البنات والأخوات إذا كسدن في البيت لا يجدن لهن خاطبا. قال ~~الشاعر: # كسدن من الفقر في قومهن * وقد زادهن مقامي كسودا (ومساكن ترضونها) يقول: ~~ومنازل تعجبكم الإقامة فيها. (أحب إليكم) من أن تهاجروا إلى الله ورسوله ~~بالمدينة. " وأحب " خبر كان. ويجوز في غير القرآن رفع " أحب " على الابتداء ~~والخبر، واسم كان مضمر فيها. وأنشد سيبويه: # إذا مت كان الناس صنفان: شامت * وآخر مثن بالذي كنت أصنع (1) وأنشد: # هي الشفاء لدائي لو ظفرت بها * وليس منها شفاء الداء مبذول (2) وفي الآية ~~دليل على وجوب حب الله ورسوله، ولا خلاف في ذلك بين الأمة، وأن ذلك مقدم ~~على كل محبوب. وقد مضى في " آل عمران " (3) معنى محبة الله تعالى ومحبة ~~رسوله. # (وجهاد في سبيله فتربصوا) صيغته صيغة أمر ومعناه التهديد. يقول: انتظروا. ~~(حتى # PageV08P095 # يأتي الله بأمره) يعني بالقتال وفتح مكة عن مجاهد. الحسن: بعقوبة آجلة أو ~~عاجلة، وفي قوله: " وجهاد في سبيله " دليل على فضل الجهاد، وإيثاره على ~~راحة النفس وعلائقها بالأهل والمال. وسيأتي فضل الجهاد في آخر السورة. وقد ~~مضى من أحكام الهجرة في " النساء " (1) ما فيه كفاية، والحمد لله. وفي ~~الحديث الصحيح (إن الشيطان قعد لابن آدم ثلاث مقاعد قعد له في طريق الاسلام ~~فقال لم تذر دينك ودين آبائك فخالفه وأسلم وقعد له في طريق الهجرة فقال له ~~أتذر مالك وأهلك فخالفه وهاجر ثم قعد في طريق الجهاد فقال له تجاهد فتقتل ~~فينكح أهلك ويقسم مالك ms2855 فخالفه وجاهد فحق على الله أن يدخله الجنة). # وأخرجه النسائي من حديث سبرة بن أبي فاكه قال: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: (إن الشيطان...) فذكره. قال البخاري: (ابن الفاكه) ولم ~~يذكر فيه اختلافا. # وقال ابن أبي عدي: يقال ابن الفاكه وابن أبي الفاكه. انتهى. # قوله تعالى: لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم ~~فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين (25) ثم ~~أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين ~~كفروا وذلك جزاء الكافرين (26) ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله ~~غفور رحيم (27) فيه ثمان مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (لقد نصركم الله في مواطن كثيرة) لما بلغ هوازن فتح ~~مكة جمعهم مالك بن عوف النصري من بنى نصر بن مالك، وكانت الرياسة في جميع ~~العسكر إليه، # PageV08P096 # وساق مع الكفار أموالهم ومواشيهم ونساءهم وأولادهم، وزعم أن ذلك يحمي به ~~نفوسهم وتشتد في القتال عند ذلك شوكتهم. وكانوا ثمانية آلاف في قول الحسن ~~ومجاهد. وقيل: أربعة آلاف، من هوازن وثقيف. وعلى هوازن مالك بن عوف، وعلى ~~ثقيف كنانة بن عبد، فنزلوا بأوطاس (1). وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي عينا، فأتاه وأخبره بما شاهد منهم، فعزم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على قصدهم، واستعار من صفوان ابن أمية بن خلف ~~الجمحي دروعا. قيل: مائة درع. وقيل: أربعمائة درع. واستسلف من ربيعة ~~المخزومي ثلاثين ألفا أو أربعين ألفا، فلما قدم قضاه إياها. ثم قال له ~~النبي صلى الله عليه وسلم: (بارك الله لك في أهلك ومالك إنما جزاء السلف ~~الوفاء والحمد) خرجه ابن ماجة في السنن. وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في اثني عشر ألفا من المسلمين، منهم عشرة آلاف صحبوه من المدينة وألفان من ~~مسلمة الفتح وهم الطلقاء إلى من انضاف إليه من الاعراب، من سليم وبني كلاب ~~وعبس وذبيان. واستعمل على مكة عتاب ms2856 بن أسيد. # وفي مخرجه هذا رأى جهال الاعراب شجرة خضراء وكان لهم في الجاهلية شجرة ~~معروفة تسمى ذات أنواط يخرج إليها الكفار يوما معلوما في السنة يعظمونها، ~~فقالوا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال عليه ~~السلام: (الله أكبر قلتم والذي نفسي بيده كما قال قوم موسى اجعل لنا إلها ~~كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون لتركبن سنن من قبلكم حذو القذة بالقذة ~~حتى أنهم لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه). فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حتى أتى وادي حنين، وهو من أودية تهامة، وكانت هوازن قد كمنت في جنبتي ~~الوادي وذلك في غبش الصبح فحملت على المسلمين حملة رجل واحد، فانهزم جمهور ~~المسلمين ولم يلو (2) أحد على أحد، وثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم وثبت ~~معه أبو بكر وعمر، ومن أهل بيته علي والعباس وأبو سفيان بن الحارث بن عبد ~~المطلب وابنه جعفر، وأسامة بن زيد، وأيمن بن عبيد - وهو أيمن بن أم أيمن ~~قتل يومئذ بحنين - وربيعة # PageV08P097 # ابن الحارث، والفضل بن عباس، وقيل في موضع جعفر بن أبي سفيان: قثم بن ~~العباس. # فهؤلاء عشرة رجال، ولهذا قال العباس: # نصرنا رسول الله في الحرب تسعة * وقد فر من قد فر عنه (1) وأقشعوا ~~وعاشرنا لاقى الحمام بنفسه * بما مسه في الله لا يتوجع وثبتت أم سليم في ~~جملة من ثبت محتزمة ممسكة بعيرا لأبي طلحة وفي يدها خنجر. ولم ينهزم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ولا أحد من هؤلاء، وكان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على بغلته الشهباء واسمها دلدل. وفي صحيح مسلم عن أنس قال عباس (2): ~~وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم أكفها إرادة ألا تسرع ~~وأبو سفيان آخذ بركاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: (أي عباس ناد أصحاب السمرة) (3). فقال عباس - وكان رجلا ~~صيتا. ويروى من شدة صوته أنه أغير يوما على مكة فنادى وا صباحاه! ms2857 # فأسقطت كل حامل سمعت صوته جنينها -: فقلت بأعلى صوتي: أين أصحاب السمرة؟ # قال: فوالله لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها. فقالوا: ~~يا لبيك يا لبيك. قال: فاقتتلوا والكفار...) الحديث. وفيه: (قال ثم أخذ ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حصيات فرمى بهن وجوه الكفار). ثم قال: ~~(انهزموا ورب محمد). قال فذهبت أنظر فإذا القتال على هيئته فيما أرى. قال: ~~فوالله ما هو إلا أن رماهم بحصياته، فما زلت أرى حدهم كليلا وأمرهم مدبرا. ~~قال أبو عمر: روينا من وجوه عن بعض من أسلم من المشركين ممن شهد حنينا أنه ~~قال - وقد سئل عن يوم حنين -: لقينا المسلمين فما لبثنا أن هزمناهم ~~وأتبعناهم حتى انتهينا إلى رجل راكب على بغلة بيضاء، فلما رآنا زجرنا زجرة ~~وانتهرنا، وأخذ بكفه حصى (4) وترابا فرمى به وقال: (شاهت الوجوه) فلم تبق ~~عين إلا دخلها من ذلك، وما ملكنا أنفسنا أن رجعنا على أعقابنا. وقال سعيد ~~بن جبير: حدثنا # PageV08P098 # رجل من المشركين، يوم حنين قال: لما التقينا مع أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لم يقفوا لنا حلب شاة، حتى إذا انتهينا إلى صاحب البغلة الشهباء ~~- يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم - تلقانا رجال بيض الوجوه حسان، ~~فقالوا لنا: شاهت الوجوه، ارجعوا، فرجعنا وركبوا أكتافنا فكانت إياها. يعني ~~الملائكة. # قلت: ولا تعارض فإنه يحتمل أن يكون شاهت الوجوه من قوله صلى الله عليه ~~وسلم ومن قول الملائكة معا ويدل على أن الملائكة قاتلت يوم حنين. فالله ~~أعلم. وقتل علي رضي الله عنه يوم حنين أربعين رجلا بيده. وسبى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أربعة آلاف رأس. وقيل: ستة آلاف، واثنتي عشرة ألف ناقة ~~سوى ما لا يعلم من الغنائم. # الثانية - قال العلماء في هذه الغزاة: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من ~~قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه). وقد مضى في " الأنفال " (1) بيانه. قال ~~ابن العربي: ولهذه النكتة وغيرها أدخل الأحكاميون هذه الآية في الاحكام. # قلت: وفيه أيضا جواز ms2858 استعارة السلاح وجواز الاستمتاع بما استعير إذا كان ~~على المعهود مما يستعار له مثله، وجواز استلاف الامام المال عند الحاجة إلى ~~ذلك ورده إلى صاحبه. # وحديث صفوان أصل في هذا الباب. وفي هذه الغزاة أمر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم (ألا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تحيض حيضة). وهو يدل على أن ~~السبي يقطع العصمة. وقد مضى بيانه في سورة " النساء " مستوفى (2). وفي حديث ~~مالك أن صفوان خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو كافر، فشهد حنينا ~~والطائف وامرأته مسلمة. الحديث. # قال مالك: ولم يكن ذلك بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أرى أن ~~يستعان بالمشركين على المشركين إلا أن يكونوا خدما أو نواتية. وقال أبو ~~حنيفة والشافعي والثوري والأوزاعي: # PageV08P099 # لا بأس بذلك إذا كان حكم الاسلام هو الغالب، وإنما تكره الاستعانة بهم ~~إذا كان حكم الشرك هو الظاهر. وقد مضى القول في الاسهام لهم في " الأنفال " ~~(1) الثالثة - قوله تعالى (ويوم حنين) " حنين " واد بين مكة والطائف، ~~وانصرف لأنه اسم مذكر، وهي لغة القرآن. ومن العرب من لا يصرفه، يجعله اسما ~~للبقعة. وأنشد: # نصروا نبيهم وشدوا أزره * بحنين يوم تواكل الابطال (2) " ويوم " ظرف، ~~وانتصب هنا على معنى: ونصركم يوم حنين. وقال الفراء: لم تنصرف " مواطن " ~~لأنه ليس لها نظير في المفرد وليس لها جماع، إلا أن الشاعر ربما اضطر فجمع، ~~وليس يجوز في الكلام كلما يجوز في الشعر. وأنشد: # * فهن يعلكن حدائداتها * وقال النحاس: رأيت أبا إسحاق يتعجب من هذا قال: ~~أخذ قول الخليل وأخطأ فيه، لان الخليل يقول فيه: لم ينصرف لأنه جمع لا نظير ~~له في الواحد، ولا يجمع جمع التكسير، وأما بالألف والتاء فلا يمتنع. # الرابعة - قوله تعالى: (إذ أعجبتكم كثرتكم) قيل: كانوا اثني عشر ألفا. # وقيل: أحد عشر ألفا وخمسمائة. وقيل: ستة عشر ألفا. فقال بعضهم: لن نغلب ~~اليوم عن قلة. فوكلوا إلى هذه الكلمة، فكان ما ذكرناه من الهزيمة في ~~الابتداء إلى أن تراجعوا، فكان النصر والظفر للمسلمين ms2859 ببركة سيد المرسلين ~~صلى الله عليه وسلم. فبين الله عز وجل في هذه الآية أن الغلبة إنما تكون ~~بنصر الله لا بالكثرة وقد قال: " وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده " ~~(3) [آل عمران: 160]. # الخامسة - قوله تعالى: (وضاقت عليكم الأرض بما رحبت) أي من الخوف، كما ~~قال: # كأن بلاد الله وهي عريضة * على الخائف المطلوب كفة حابل (4) # PageV08P100 # والرحب (بضم الراء) السعة. تقول منه: فلان رحب الصدر. والرحب (بالفتح): # الواسع. تقول منه: بلد رحب، وأرض رحبة. وقد رحبت ترحب رحبا ورحابة. # وقيل: الباء بمعنى مع أي مع رحبها. وقيل: بمعنى على، أي على رحبها. وقيل: ~~المعنى برحبها، ف‍ " - ما " مصدرية. # السادسة - قوله تعالى: (ثم وليتم مدبرين) روى مسلم عن أبي إسحاق قال: # جاء رجل إلى البراء فقال: أكنتم وليتم يوم حنين يا أبا عمارة. فقال: أشهد ~~على نبي الله صلى الله عليه وسلم ما ولى، ولكنه انطلق أخفاء (1) من الناس، ~~وحسر إلى هذا الحي من هوازن. وهم قوم رماة فرموهم برشق من نبل كأنها رجل من ~~جراد فانكشفوا، فأقبل القوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو سفيان ~~يقود به بغلته، فنزل ودعا واستنصر وهو يقول: # (أنا النبي لا كذب. أنا ابن عبد المطلب. اللهم نزل نصرك). قال البراء: ~~كنا والله إذا احمر البأس نتقي به، وإن الشجاع منا للذي يحاذي به، يعني ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # السابعة - قوله تعالى: (ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين) أي ~~أنزل عليهم ما يسكنهم ويذهب خوفهم، حتى اجترءوا على قتال المشركين بعد أن ~~ولوا. (وأنزل جنودا لم تروها) وهم الملائكة، يقوون المؤمنين بما يلقون في ~~قلوبهم من الخواطر والتثبيت، ويضعفون الكافرين بالتجبين لهم من حيث لا ~~يرونهم ومن غير قتال، لان الملائكة لم تقاتل إلا يوم بدر. وروي أن رجلا من ~~بني نصر قال للمؤمنين بعد القتال: أين الخيل البلق، والرجال الذين كانوا ~~عليها بيض، ما كنا فيهم إلا كهيئة الشامة، وما كان قتلنا إلا بأيديهم. # أخبروا النبي صلى الله ms2860 عليه وسلم بذلك فقال: (تلك الملائكة). (وعذب الذين ~~كفروا) # PageV08P101 # أي بأسيافكم. (وذلك جزاء الكافرين. ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء) ~~أي على من انهزم فيهديه إلى الاسلام. كمالك بن عوف النصري رئيس حنين ومن ~~أسلم معه من قومه. # الثانية - ولما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائم حنين بالجعرانة ~~(1)، أتاه وفد هوازن مسلمين راغبين في العطف عليهم والاحسان إليهم، وقالوا: ~~يا رسول الله، انك خير الناس وأبر الناس، وقد أخذت أبناءنا ونساءنا ~~وأموالنا. فقال لهم: (إني قد كنت استأنيت بكم وقد وقعت المقاسم وعندي من ~~ترون وإن خير القول أصدقه فاختاروا إما ذراريكم وإما أموالكم). فقالوا: لا ~~نعدل بالأنساب شيئا. فقام خطيبا وقال: (هؤلاء جاؤونا مسلمين وقد خيرناهم ~~فلم يعدلوا بالأنساب فرضوا برد الذرية وما كان لي ولبني عبد المطلب وبني ~~هاشم فهو لهم). وقال المهاجرون والأنصار: أما ما كان لنا فهو لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. # وامتنع الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن في قومهما من أن يردوا عليهم شيئا ~~مما وقع لهم في سهامهم. وامتنع العباس بن مرداس السلمي كذلك، وطمع أن ~~يساعده قومه كما ساعد الأقرع وعيينة قومهما. فأبت بنو سليم وقالوا: بل ما ~~كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: (من ضن منكم بما في يديه فإنا نعوضه منه). # فرد عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءهم وأولادهم، وعوض من لم تطب ~~نفسه بترك نصيبه أعواضا رضوا بها. وقال قتادة: ذكر لنا أن ظئر النبي صلى ~~الله عليه وسلم التي أرضعته من بني سعد أتته يوم حنين فسألته سبايا حنين. ~~فقال صلى الله عليه وسلم: (إني لا أملك إلا ما يصيبني منهم ولكن ايتيني غدا ~~فاسأليني والناس عندي فإذا أعطيتك حصتي أعطاك الناس). فجاءت الغد فبسط لها ~~ثوبه فأقعدها عليه. ثم سألته فأعطاها نصيبه فلما رأى ذلك الناس أعطوها ~~أنصباءهم. وكان عدد سبي هو زان في قول سعيد بن المسيب ستة ms2861 آلاف رأس. وقيل: ~~أربعة آلاف قال أبو عمر: فيهن الشيماء أخت النبي صلى الله عليه وسلم من ~~الرضاعة، وهي بنت الحارث بن عبد العزى من بنى سعد بن بكر [وبنت] حليمة ~~السعدية، فأكرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطاها وأحسن إليها، ورجعت ~~مسرورة # PageV08P102 # إلى بلادها بدينها وبما أفاء الله عليها. قال ابن عباس: رأى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يوم أوطاس امرأة تعدو وتصيح ولا تستقر، فسأل عنها فقيل: ~~فقدت بنيا لها. ثم رآها وقد وجدت ابنها وهي تقبله وتدنيه، فدعاها وقال ~~لأصحابه: (أطارحة هذه ولدها في النار)؟ # قالوا: لا. قال: (لم)؟ قالوا: لشفقتها. قال: (الله أرحم بكم منها). وخرجه ~~مسلم بمعناه، والحمد لله. # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد ~~الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن ~~الله عليم حكيم (28) فيه سبع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس) ابتداء ~~وخبر. # واختلف العلماء في معنى وصف المشرك بالنجس، فقال قتادة ومعمر بن راشد ~~وغيرهما: # لأنه جنب إذ غسله من الجنابة ليس بغسل. وقال ابن عباس وغيره: بل معنى ~~الشرك هو الذي نجسه. قال الحسن البصري من صافح مشركا فليتوضأ. والمذهب كله ~~على إيجاب الغسل على الكافر إذا أسلم إلا ابن عبد الحكم فإنه قال: ليس ~~بواجب، لان الاسلام يهدم ما كان قبله. وبوجوب الغسل عليه قال أبو ثور ~~وأحمد. وأسقطه الشافعي وقال: أحب إلي أن يغتسل. ونحوه لابن القاسم. ولمالك ~~قول: إنه لا يعرف الغسل، رواه عنه ابن وهب وابن أبي أويس. وحديث ثمامة وقيس ~~بن عاصم يرد هذه الأقوال. # رواهما أبو حاتم البستي في صحيح مسنده. وأن النبي صلى الله عليه وسلم مر ~~بثمامة يوما فأسلم فبعث به إلى حائط (1) أبي طلحة فأمره أن يغتسل، فاغتسل ~~وصلى ركعتين. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لقد حسن إسلام صاحبكم) ~~وأخرجه مسلم بمعناه. وفيه: أن ثمامة # PageV08P103 # لما من عليه النبي ms2862 صلى الله عليه وسلم انطلق إلى نخل قريب من المسجد ~~فاغتسل. وأمر قيس ابن عاصم أن يغتسل بماء وسدر. فإن كان إسلامه قبيل ~~احتلامه فغسله مستحب. ومتى أسلم بعد بلوغه لزمه أن ينوي بغسله الجنابة. هذا ~~قول علمائنا، وهو تحصيل المذهب. # وقد أجاز ابن القاسم للكافر أن يغتسل قبل إظهاره للشهادة بلسانه إذا ~~اعتقد الاسلام بقلبه وهو قول ضعيف في النظر مخالف للأثر. وذلك أن أحدا لا ~~يكون بالنية مسلما دون القول. # هذا قول جماعة أهل السنة في الايمان: إنه قول باللسان وتصديق بالقلب، ~~ويزكو بالعمل. # قال الله تعالى: " إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح (1) يرفعه " ~~[فاطر: 10]. # الثانية - قوله تعالى: (فلا يقربوا المسجد الحرام) " فلا يقربوا " نهي، ~~ولذلك حذفت منه النون. " المسجد الحرام " هذا اللفظ يطلق على جميع الحرم، ~~وهو مذهب عطاء فإذا يحرم تمكين المشرك من دخول الحرم أجمع. فإذا جاءنا رسول ~~منهم خرج الامام إلى الحل ليسمع ما يقول. ولو دخل مشرك الحرم مستورا ومات ~~نبش قبره وأخرجت عظامه. فليس لهم الاستيطان ولا الاجتياز. وأما جزيرة ~~العرب، وهي مكة والمدينة واليمامة واليمن ومخاليفها (2)، فقال مالك: يخرج ~~من هذه المواضع كل من كان على غير الاسلام، ولا يمنعون من التردد بها ~~مسافرين. وكذلك قال الشافعي رحمه الله، غير أنه استثنى من ذلك اليمن. ويضرب ~~لهم أجل ثلاثة أيام كما ضربه لهم عمر رضي الله عنه حين أجلاهم. ولا يدفنون ~~فيها ويلجئون إلى الحل. # الثالثة - واختلف العلماء في دخول الكفار المساجد والمسجد الحرام على ~~خمسة أقوال، فقال أهل المدينة: الآية عامة في سائر المشركين وسائر المساجد. ~~وبذلك كتب عمر ابن عبد العزيز إلى عماله ونزع في كتابه بهذه الآية. ويؤيد ~~ذلك قوله تعالى: " في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه " (3) [النور: ~~36]. ودخول الكفار فيها مناقض لترفيعها. وفي صحيح مسلم وغيره: (إن هذه ~~المساجد لا تصلح لشئ من البول والقذر). الحديث. والكافر لا يخلو عن # PageV08P104 # ذلك. وقال صلى الله عليه وسلم: (لا أحل المسجد لحائض ولا لجنب) والكافر ~~جنب. ms2863 # وقوله تعالى: " إنما المشركون نجس " فسماه الله تعالى نجسا. فلا يخلو أن ~~يكون نجس العين أو مبعدا من طريق الحكم. وأي ذلك كان فمنعه من المسجد واجب ~~لان العلة وهي النجاسة موجودة فيهم، والحرمة موجودة في المسجد. يقال: رجل ~~نجس، وامرأة نجس، ورجلان نجس، وامرأتان نجس، ورجال نجس، ونساء نجس، لا يثنى ~~ولا يجمع لأنه مصدر. فأما النجس (بكسر النون وجزم الجيم) فلا يقال إلا إذا ~~قيل معه رجس. فإذا أفرد قيل نجس (بفتح النون وكسر الجيم) ونجس (بضم الجيم). ~~وقال الشافعي رحمه الله: الآية عامة في سائر المشركين، خاصة في المسجد ~~الحرام، ولا يمنعون من دخول غيره، فأباح دخول اليهودي والنصراني في سائر ~~المساجد. قال ابن العربي: وهذا جمود منه على الظاهر، لان قوله عز وجل: " ~~إنما المشركون نجس " تنبيه على العلة بالشرك والنجاسة. فإن قيل: فقد ربط ~~النبي صلى الله عليه وسلم ثمامة في المسجد وهو مشرك. قيل له: أجاب علماؤنا ~~عن هذا الحديث - وإن كان صحيحا - بأجوبة: أحدها - أنه كان متقدما على نزول ~~الآية. # الثاني - أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد علم بإسلامه فلذلك ربطه. # الثالث - أن ذلك قضية في عين فلا ينبغي أن تدفع بها الأدلة التي ذكرناها، ~~لكونها مقيدة حكم القاعدة الكلية. وقد يمكن أن يقال: إنما ربطه في المسجد ~~لينظر حسن صلاة المسلمين واجتماعهم عليها، وحسن آدابهم في جلوسهم في ~~المسجد، فيستأنس بذلك ويسلم، وكذلك كان. ويمكن أن يقال: إنهم لم يكن لهم ~~موضع يربطونه فيه إلا في المسجد، والله أعلم. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا ~~يمنع اليهود والنصارى من دخول المسجد الحرام ولا غيره، ولا يمنع دخول ~~المسجد الحرام إلا المشر كون وأهل الأوثان. وهذا قول يرده كل ما ذكرناه من ~~الآية وغيرها. قال الكيا الطبري: ويجوز للذمي دخول سائر المساجد عند أبي ~~حنيفة من غير حاجة. وقال الشافعي: تعتبر الحاجة، ومع الحاجة لا يجوز دخول ~~المسجد الحرام. وقال عطاء بن أبي رباح: الحرم كله قبلة ومسجد، فينبغي أن ~~يمنعوا من ms2864 دخول PageV08P105 # الحرم، لقوله تعالى: " سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام " ~~(1) [الاسراء: 1]. وإنما رفع من بيت أم هانئ. وقال قتادة: لا يقرب المسجد ~~الحرام مشرك إلا أن يكون صاحب جزية أو عبدا كافرا لمسلم. وروى إسماعيل بن ~~إسحاق حدثنا يحيى بن عبد الحميد قال حدثنا شريك عن أشعث عن الحسن عن جابر ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يقرب المسجد مشرك إلا أن يكون عبدا ~~أو أمة فيدخله لحاجة). وبهذا قال جابر بن عبد الله فإنه قال: العموم يمنع ~~المشرك عن قربان المسجد الحرام، وهو مخصوص في العبد والأمة. # الرابعة - قوله تعالى: (بعد عامهم هذا) فيه قولان: أحدهما - أنه سنة تسع ~~التي حج فيها أبو بكر. الثاني - سنة عشر قاله قتادة. ابن العربي: " وهو ~~الصحيح الذي يعطيه مقتضى اللفظ وإن من العجب أن يقال: إنه سنة تسع وهو ~~العام الذي وقع فيه الاذان. ولو دخل غلام رجل داره يوما فقال له مولاه: لا ~~تدخل هذه الدار بعد يومك لم يكن المراد اليوم الذي دخل فيه ". # الخامسة - قوله تعالى: (وإن خفتم عيلة) قال عمرو بن فائد: المعنى وإذ ~~خفتم. وهذه عجمة، والمعنى بارع ب‍ " - أن ". وكان المسلمون لما منعوا ~~المشركين من الموسم وهم كانوا يجلبون الأطعمة والتجارات، قذف الشيطان في ~~قلوبهم الخوف من الفقر وقالوا: من أين نعيش. فوعدهم الله أن يغنيهم من ~~فضله. قال الضحاك: ففتح الله عليهم باب الجزية من أهل الذمة بقوله عز وجل: ~~" قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر " [التوبة: 29] الآية. ~~وقال عكرمة: أغناهم الله بإدرار المطر والنبات وخصب الأرض. فأخصبت تبالة ~~(2) وجرش وحملوا إلى مكة الطعام والودك (3) وكثر الخير. وأسلمت العرب: أهل ~~نجد وصنعاء وغيرهم فتمادى حجهم وتجرهم. وأغنى الله من فضله بالجهاد والظهور ~~على الأمم. # والعيلة: الفقر. يقال: عال الرجل يعيل إذا افتقر. قال الشاعر: (4) وما ~~يدري الفقير متى غناه * وما يدري الغني متى يعيل # PageV08P106 # وقرأ علقمة وغيره من أصحاب ابن مسعود " عائلة " وهو مصدر كالقائلة من قال ~~يقيل. # وكالعافية. ms2865 ويحتمل أن يكون نعتا لمحذوف تقديره: حالا عائلة، ومعناه خصلة ~~شاقة. # يقال منه: عالني الامر يعولني: أي شق علي واشتد. وحكى الطبري أنه يقال: ~~عال يعول إذا افتقر. # السادسة - في هذه الآية دليل على أن تعلق القلب بالأسباب في الرزق جائز ~~وليس ذلك بمناف للتوكل وإن كان الرزق مقدرا وأمر الله وقسمه مفعولا ولكنه ~~علقه بالأسباب حكمة ليعلم القلوب التي تتعلق بالأسباب من القلوب التي تتوكل ~~على رب الأرباب. وقد تقدم أن السبب لا ينافي التوكل. قال صلى الله عليه ~~وسلم: (لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا ~~وتروح بطانا) (1). أخرجه البخاري. فأخبر أن التوكل الحقيقي لا يضاده الغدو ~~والرواح في طلب الرزق. ابن العربي: ولكن شيوخ الصوفية قالوا: إنما يغدو ~~ويروح في الطاعات فهو [السبب] (2) الذي يجلب الرزق ". قالوا: والدليل عليه ~~أمران: أحدهما - قوله تعالى: " وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك ~~رزقا نحن نرزقك " (3) [طه: 132] الثاني - قوله تعالى: " إليه يصعد الكلم ~~الطيب والعمل الصالح يرفعه " (4) [فاطر: 10]. فليس ينزل الرزق من محله، وهو ~~السماء، إلا ما يصعد وهو الذكر الطيب والعمل الصالح وليس بالسعي في الأرض ~~فإنه ليس فيها رزق. والصحيح ما أحكمته السنة عند فقهاء الظاهر وهو العمل ~~بالأسباب الدنيوية من الحرث والتجارة في الأسواق والعمارة للأموال وغرس ~~الثمار. وقد كانت الصحابة تفعل ذلك والنبي صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم. ~~قال أبو الحسن بن بطال: أمر الله سبحانه عباده بالانفاق من طيبات ما كسبوا، ~~إلى غير ذلك من الآي. وقال: " فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه " (5) ~~[البقرة: 173]. فأحل للمضطر # PageV08P107 # ما كان حرم عليه عند عدمه للغذاء الذي أمره باكتسابه والاغتذاء به، ولم ~~يأمره بانتظار طعام ينزل عليه من السماء، ولو ترك السعي في ترك ما يتغذى به ~~لكان لنفسه قاتلا. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلوى من الجوع ما ~~يجد ما يأكله، ولم ينزل عليه طعام من السماء، وكان يدخر لأهله قوت سنته حتى ~~فتح الله ms2866 عليه الفتوح. وقد روى أنس بن مالك أن رجلا أتى النبي صلى الله ~~عليه وسلم ببعير فقال: يا رسول الله، أعقله وأتوكل أو أطلقه وأتوكل؟ # قال: (اعقله وتوكل). # قلت: ولا حجة لهم في أهل الصفة، فإنهم كانوا فقراء يقعدون في المسجد ما ~~يحرثون ولا يتجرون، ليس لهم كسب ولا مال، إنما هم أضياف الاسلام عند ضيق ~~البلدان، ومع ذلك فإنهم كانوا يحتطبون بالنهار ويسوقون الماء إلى بيت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، ويقرؤون القرآن بالليل ويصلون. هكذا وصفهم ~~البخاري وغيره. فكانوا يتسببون. وكان صلى الله عليه وسلم إذا جاءته هدية ~~أكلها معهم، وإن كانت صدقة خصهم بها، فلما كثر الفتح وانتشر الاسلام خرجوا ~~وتأمروا - كأبي هريرة وغيره - وما قعدوا. ثم قيل: الأسباب التي يطلب بها ~~الرزق ستة أنواع: # أعلاها كسب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، قال: (جعل رزقي تحت ظل رمحي ~~وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري). خرجه الترمذي وصححه. فجعل الله رزق ~~نبيه صلى الله عليه وسلم في كسبه لفضله، وخصه بأفضل أنواع الكسب، وهو أخذ ~~الغلبة والقهر لشرفه. # الثاني - أكل الرجل من عمل يده، قال صلى الله عليه وسلم: (إن أطيب ما أكل ~~الرجل من عمل يده وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده) خرجه البخاري. ~~وفي التنزيل " وعلمناه صنعة لبوس لكم " (1) [الأنبياء: 80]، وروي أن عيسى ~~عليه السلام كان يأكل من غزل أمه. # الثالث - التجارة، وهي كانت عمل جل الصحابة رضوان الله عليهم، وخاصة ~~المهاجرين، وقد دل عليها التنزيل في غير موضع. # PageV08P108 # الرابع - الحرث والغرس. وقد بيناه في سورة " البقرة " (1) الخامس - إقراء ~~القرآن وتعليمه والرقية، وقد مضى في الفاتحة (2). # السادس - يأخذ بنية الأداء إذا احتاج، قال صلى الله عليه وسلم: (من أخذ ~~أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه ~~الله). خرجه البخاري. # رواه أبو هريرة رضي الله عنه. # السابعة - قوله تعالى: (إن شاء) دليل على أن الرزق ليس بالاجتهاد، وإنما ~~هو من فضل الله تولى قسمته بين عباده ms2867 وذلك بين في قوله تعالى: " نحن قسمنا ~~بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا " (3) [الزخرف: 32] الآية. # قوله تعالى: قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ~~ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا ~~الجزية عن يد وهم صاغرون (29) فيه خمس مسألة: # الأولى - قوله تعالى: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر) ~~لما حرم الله تعالى على الكفار أن يقربوا المسجد الحرام، وجد المسلمون في ~~أنفسهم بما قطع عنهم من التجارة التي كان المشر كون يوافون بها، قال الله ~~عز وجل: " وإن خفتم عيلة " [التوبة: 28] الآية. # على ما تقدم. ثم أحل في هذه الآية الجزية وكانت لم تؤخذ قبل ذلك، فجعلها ~~عوضا مما منعهم من موافاة المشركين بتجارتهم. فقال الله عز وجل: " قاتلوا ~~الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر " الآية. فأمر سبحانه وتعالى ~~بمقاتلة جميع الكفار لاصفاقهم (4) على هذا الوصف، وخص أهل الكتاب بالذكر ~~إكراما لكتابهم، ولكونهم عالمين بالتوحيد والرسل # PageV08P109 # والشرائع والملل، وخصوصا ذكر محمد صلى الله عليه وسلم وملته وأمته. فلما ~~أنكروه تأكدت عليهم الحجة وعظمت منهم الجريمة، فنبه على محلهم ثم جعل ~~للقتال غاية وهي إعطاء الجزية بدلا عن القتل. وهو الصحيح. قال ابن العربي: ~~سمعت أبا الوفاء علي بن عقيل في مجلس النظر يتلوها ويحتج بها. فقال: " ~~قاتلوا " وذلك أمر بالعقوبة. ثم قال: " الذين لا يؤمنون " وذلك بيان للذنب ~~الذي أوجب العقوبة. وقوله: " ولا باليوم الآخر " تأكيد للذنب في جانب ~~الاعتقاد. ثم قال: " ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله " زيادة للذنب في ~~مخالفة الأعمال. ثم قال: " ولا يدينون دين الحق " إشارة إلى تأكيد المعصية ~~بالانحراف والمعاندة والأنفة عن الاستسلام. ثم قال: " من الذين أوتوا ~~الكتاب " تأكيد للحجة، لأنهم كانوا يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة ~~والإنجيل. ثم قال: " حتى يعطوا الجزية عن يد " فبين الغاية التي تمتد إليها ~~العقوبة وعين البدل الذي ترتفع به. # الثانية - وقد اختلف العلماء فيمن تؤخذ منه الجزية، قال الشافعي رحمه ~~الله: # لا تقبل الجزية إلا ms2868 من أهل الكتاب خاصة عربا كانوا أو عجما لهذه الآية، ~~فإنهم هم الذين خصوا بالذكر فتوجه الحكم إليهم دون من سواهم لقوله عز وجل: ~~" فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم " (1) [التوبة: 5]. ولم يقل: حتى يعطوا ~~الجزية كما قال في أهل الكتاب. وقال: وتقبل من المجوس بالسنة (2)، وبه قال ~~أحمد وأبو ثور. وهو مذهب الثوري وأبي حنيفة وأصحابه. # وقال الأوزاعي: تؤخذ الجزية من كل عابد وثن أو نار أو جاحد أو مكذب. ~~وكذلك مذهب مالك، فإنه رأى أن الجزية تؤخذ من جميع أجناس الشرك والجحد، ~~عربيا أو عجميا، تغلبيا أو قرشيا، كائنا من كان، إلا المرتد. وقال ابن ~~القاسم وأشهب وسحنون: تؤخذ الجزية من مجوس العرب والأمم كلها. وأما عبدة ~~الأوثان من العرب فلم يستن الله فيهم جزية، ولا يبقى على الأرض منهم أحد، ~~وإنما لهم القتال أو الاسلام. ويوجد لابن القاسم: أن الجزية تؤخذ منهم، كما ~~يقول مالك. وذلك في التفريع لابن الجلاب وهو احتمال لا نص. وقال ابن وهب: # PageV08P110 # لا تقبل الجزية من مجوس العرب وتقبل من غيرهم. قال: لأنه ليس في العرب ~~مجوسي إلا وجميعهم أسلم، فمن وجد منهم بخلاف الاسلام فهو مرتد، يقتل بكل ~~حال إن لم يسلم ولا تقبل منهم جزية. وقال ابن الجهم: تقبل الجزية من كل من ~~دان بغير الاسلام إلا ما أجمع عليه من كفار قريش. وذكر في تعليل ذلك أنه ~~إكرام لهم عن الذلة والصغار، لمكانهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~وقال غيره: إنما ذلك لان جميعهم أسلم يوم فتح مكة. والله أعلم. # الثالثة - وأما المجوس فقال ابن المنذر: لا أعلم خلافا أن الجزية تؤخذ ~~منهم. # وفي الموطأ: مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه أن عمر بن الخطاب ذكر أمر ~~المجوس فقال: # ما أدري كيف أصنع في أمرهم. فقال عبد الرحمن بن عوف: أشهد لسمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: (سنوا بهم سنة أهل الكتاب). قال أبو عمر: ~~يعني في الجزية خاصة. وفي قول رسول الله صلى الله عليه ms2869 وسلم: (سنوا بهم سنة ~~أهل الكتاب) دليل على أنهم ليسوا أهل كتاب. وعلى هذا جمهور الفقهاء. وقد ~~روي عن الشافعي أنهم كانوا أهل كتاب فبدلوا. وأظنه ذهب في ذلك إلى شئ روي ~~عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه من وجه فيه ضعف، يدور على أبي سعيد ~~البقال، ذكره عبد الرزاق وغيره. قال ابن عطية: # وروي أنه قد كان بعث في المجوس نبي اسمه زرادشت. والله أعلم. # الرابعة - لم يذكر الله سبحانه وتعالى في كتابه مقدارا للجزية المأخوذة ~~منهم. وقد اختلف العلماء في مقدار الجزية المأخوذة منهم، فقال عطاء بن أبي ~~رباح: لا توقيت فيها، وإنما هو على ما صولحوا عليه. وكذلك قال يحيى بن آدم ~~وأبو عبيد والطبري، إلا أن الطبري قال: أقله دينار وأكثره لا حد له. ~~واحتجوا بما رواه أهل الصحيح عن عمرو بن عوف: # أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صالح أهل البحرين على الجزية. وقال ~~الشافعي: دينار على الغني والفقير من الأحرار البالغين لا ينقص منه شئ ~~واحتج بما رواه أبو داود وغيره عن معاذ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بعثه إلى اليمن وأمره أن يأخذ من كل حالم PageV08P111 # دينارا في الجزية. قال الشافعي: وهو المبين عن الله تعالى مراده. وهو قول ~~أبي ثور. قال الشافعي: وإن صولحوا على أكثر من دينار جاز، وإن زادوا وطابت ~~بذلك أنفسهم قبل منهم. وإن صولحوا على ضيافة ثلاثة أيام جاز، إذا كانت ~~الضيافة معلومة في الخبز والشعير والتبن (1) والادام، وذكر ما على الوسط من ~~ذلك وما على الموسر وذكر موضع النزول والكن من البرد والحر. وقال مالك فيما ~~رواه عنه ابن القاسم وأشهب ومحمد بن الحارث بن زنجويه: # إنها أربعة دنانير على أهل الذهب وأربعون درهما على أهل الورق، الغني ~~والفقير سواء ولو كان مجوسيا. لا يزاد ولا ينقص على ما فرض عمر لا يؤخذ ~~منهم غيره. وقد قيل: إن الضعيف يخفف عنه بقدر ما يراه الامام. وقال ابن ~~القاسم: لا ينقص من فرض ms2870 عمر لعسر ولا يزاد عليه لغنى. قال أبو عمر: ويؤخذ ~~من فقرائهم بقدر ما يحتملون ولو درهما. وإلى هذا رجع مالك. وقال أبو حنيفة ~~وأصحابه ومحمد بن الحسن وأحمد بن حنبل: اثنا عشر، وأربعة وعشرون، وأربعون. ~~قال الثوري: جاء عن عمر بن الخطاب في ذلك ضرائب مختلفة، فللوالي أن يأخذ ~~بأيها شاء، إذا كانوا أهل ذمة. وأما أهل الصلح فما صولحوا عليه لا غير. # الخامسة - قال علماؤنا رحمة الله عليهم: والذي دل عليه القرآن أن الجزية ~~تؤخذ من الرجال المقاتلين، لأنه تعالى قال: " قاتلوا الذين " إلى قوله: " ~~حتى يعطوا الجزية " فيقتضي ذلك وجو بها على من يقاتل. ويدل على أنه ليس على ~~العبد وإن كان مقاتلا، لأنه لا مال له، ولأنه تعالى قال: " حتى يعطوا ". ~~ولا يقال لمن لا يملك حتى يعطي. وهذا إجماع من العلماء على أن الجزية إنما ~~توضع على جماجم الرجال الأحرار البالغين، وهم الذين يقاتلون دون النساء ~~والذرية والعبيد والمجانين المغلوبين على عقولهم والشيخ الفاني. واختلف في ~~الرهبان، فروى ابن وهب عن مالك أنها لا تؤخذ منهم. قال مطرف وابن الماجشون: # هذا إذا لم يترهب بعد فرضها فإن فرضت ثم ترهب لم يسقطها ترهبه. # السادسة - إذا أعطى أهل الجزية الجزية لم يؤخذ منهم شئ من ثمارهم ولا ~~تجارتهم ولا زروعهم إلا أن يتجروا في بلاد غير بلادهم التي أقروا فيها ~~وصولحوا عليها. فإن خرجوا # PageV08P112 # تجارا عن بلادهم التي أقروا فيها إلى غيرها أخذ منهم العشر إذا باعوا ونض ~~(1) ثمن ذلك بأيديهم ولو كان ذلك في السنة مرارا إلا في حملهم الطعام ~~الحنطة والزيت إلى المدينة ومكة خاصة، فإنه يؤخذ منهم نصف العشر على ما فعل ~~عمر. ومن أهل المدينة من لا يرى أن يؤخذ من أهل الذمة العشر في تجارتهم إلا ~~مرة في الحول، مثل ما يؤخذ من المسلمين. وهو مذهب عمر بن عبد العزيز وجماعة ~~من أئمة الفقهاء. والأول قول مالك وأصحابه. # السابعة - إذا أدى أهل الجزية جزيتهم التي ضربت عليهم أو صولحوا عليها ~~خلي ms2871 بينهم وبين أموالهم كلها، وبين كرومهم وعصرها ما ستروا خمورهم ولم ~~يعلنوا بيعها من مسلم ومنعوا من إظهار الخمر والخنزير في أسواق المسلمين، ~~فإن أظهروا شيئا من ذلك أريقت الخمر عليهم، وأدب من أظهر الخنزير. وإن ~~أراقها مسلم من غير إظهارها فقد تعدى، ويجب عليه الضمان. وقيل: لا يجب ولو ~~غصبها وجب عليه ردها. ولا يعترض لهم في أحكا مهم ولا متاجرتهم فيما بينهم ~~بالربا. فإن تحاكموا إلينا فالحاكم مخير، إن شاء حكم بينهم بما أنزل الله ~~وإن شاء أعرض. وقيل: يحكم بينهم في المظالم على كل حال، ويؤخذ من قويهم ~~لضعيفهم، لأنه من باب الدفع عنهم وعلى الامام أن يقاتل عنهم عدوهم ويستعين ~~بهم في قتالهم. ولا حظ لهم في الفئ، وما صولحوا عليه من الكنائس لم يزيدوا ~~عليها، ولم يمنعوا من إصلاح ما وهى منها، ولا سبيل لهم إلى إحداث غيرها. ~~ويأخذون من اللباس والهيئة بما يبينون (2) به من المسلمين، ويمنعون من ~~التشبه بأهل الاسلام. ولا بأس باشتراء أولاد العدو منهم إذا لم تكن لهم ~~ذمة. # ومن لد في أداء جزيته أدب على لدده (3) وأخذت منه صاغرا. # الثامنة - اختلف العلماء فيما وجبت الجزية عنه، فقال علماء المالكية: ~~وجبت بدلا عن القتل بسبب الكفر. وقال الشافعي: وجبت بدلا عن الدم وسكنى ~~الدار. وفائدة الخلاف أنا إذا قلنا وجبت بدلا عن القتل فأسلم سقطت عنه ~~الجزية لما مضى، ولو أسلم قبل تمام الحول بيوم أو بعده عند مالك. وعند ~~الشافعي أنها دين مستقر في الذمة فلا يسقطه # PageV08P113 # الاسلام كأجرة الدار. وقال بعض الحنفية بقولنا. وقال بعضهم: إنما وجبت ~~بدلا عن النصر والجهاد. واختاره القاضي أبو زيد وزعم أنه سر الله في ~~المسألة. وقول مالك أصح، لقوله صلى الله عليه وسلم: (ليس على مسلم جزية). ~~قال سفيان: معناه إذا أسلم الذمي بعد ما وجبت الجزية عليه بطلت عنه. أخرجه ~~الترمذي وأبو داود. قال علماؤنا: وعليه يدل قوله تعالى: " حتى يعطوا الجزية ~~عن يد وهم صاغرون " لان بالاسلام يزول هذا المعنى. # ولا ms2872 خلاف أنهم إذا أسلموا فلا يؤدون الجزية عن يد وهم صاغرون. والشافعي ~~لا يأخذ بعد الاسلام على الوجه الذي قاله الله تعالى. وإنما يقول: إن ~~الجزية دين، وجبت عليه بسبب سابق وهو السكنى أو توقي شر القتل، فصارت ~~كالديون كلها. # التاسعة - لو عاهد الامام أهل بلد أو حصن ثم نقضوا عهدهم وامتنعوا من ~~أداء ما يلزمهم من الجزية وغيرها وامتنعوا من حكم الاسلام من غير أن يظلموا ~~وكان الامام غير جائر عليهم وجب على المسلمين غزوهم وقتالهم مع إمامهم. فإن ~~قاتلوا وغلبوا حكم فيهم بالحكم في دار الحرب سواء. وقد قيل: هم ونساؤهم فئ ~~ولا خمس فيهم، وهو مذهب. # العاشرة - فإن خرجوا متلصصين قاطعين الطريق فهم بمنزلة المحاربين ~~المسلمين إذا لم يمنعوا الجزية. ولو خرجوا متظلمين نظر في أمرهم وردوا إلى ~~الذمة وأنصفوا من ظالمهم ولا يسترق منهم أحد وهم أحرار. فإن نقض بعضهم دون ~~بعض فمن لم ينقض على عهده، ولا يؤخذ بنقض غيره وتعرف إقامتهم على العهد ~~بإنكارهم على الناقضين. # الحادية عشرة - الجزية وزنها فعلة، من جزى يجزي إذا كافأ عما أسدي إليه، ~~فكأنهم أعطوها جزاء ما منحوا من الامن، وهي كالقعدة والجلسة. ومن هذا ~~المعنى قول الشاعر: # يجزيك أو يثني عليك وإن من * أثنى عليك بما فعلت كمن جزى PageV08P114 # الثانية عشرة - روى مسلم عن هشام بن حكيم بن حزام ومر على ناس من الأنباط ~~(1) بالشأم قد أقيموا في الشمس - في رواية: وصب على رؤوسهم الزيت - فقال: ~~ما شأنهم؟ # فقال يحبسون في الجزية. فقال هشام: أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: # (إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا). في رواية: وأميرهم يومئذ ~~عمير بن سعد على فلسطين، فدخل عليه فحدثه فأمر بهم فخلوا. قال علماؤنا: أما ~~عقوبتهم إذا امتنعوا من أدائها مع التمكين فجائز، فأما مع تبين عجزهم فلا ~~تحل عقوبتهم، لان من عجز عن الجزية سقطت عنه. ولا يكلف الأغنياء أداءها عن ~~الفقراء. وروى أبو داود عن صفوان بن سليم عن عدة من ms2873 أبناء أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن آبائهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من ~~ظلم معاهدا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ شيئا منه بغير طيب نفس فأنا ~~حجيجه يوم القيامة). # الثالثة عشرة - قوله تعالى: " عن يد " قال ابن عباس: يدفعها بنفسه غير ~~مستنيب فيها أحدا. روى أبو البختري عن سلمان قال: مذمومين. وروى معمر عن ~~قتادة قال: # عن قهر وقيل: " عن يد " عن إنعام منكم عليهم، لأنهم إذا أخذت منهم الجزية ~~فقد أنعم عليهم بذلك. عكرمة: يدفعها وهو قائم والآخذ جالس وقاله سعيد بن ~~جبير. # ابن العربي: وهذا ليس من قوله: " عن يد " وإنما هو من قوله: " وهم صاغرون ~~". # الرابعة عشرة - روى الأئمة عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: # (اليد العليا خير من اليد السفلى واليد العليا المنفقة والسفلى السائلة) ~~وروى: (واليد العليا هي المعطية). فجعل يد المعطي في الصدقة عليا، وجعل يد ~~المعطي في الجزية سفلى. ويد الآخذ عليا، ذلك بأنه الرافع الخافض، يرفع من ~~يشاء ويخفض من يشاء، لا إله غيره. # الخامسة عشرة - عن حبيب بن أبي ثابت قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: # إن أرض الخراج يعجز عنها أهلها أفأعمرها وأزرعها وأؤدي خراجها؟ فقال: لا. ~~وجاءه آخر # PageV08P115 # فقال له ذلك فقال: لا وتلا قوله تعالى: " قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ~~ولا باليوم الآخر " إلى قوله: " وهم صاغرون " أيعمد أحدكم إلى الصغار في ~~عنق أحدهم فينتزعه فيجعله في عنقه! # وقال كليب بن وائل: قلت لابن عمر اشتريت أرضا قال الشراء حسن. قلت: فإني ~~أعطي عن كل جريب (1) أرض درهما وقفيز طعام. قال: لا تجعل في عنقك صغارا. ~~وروى ميمون بن مهران عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ما يسرني أن لي الأرض ~~كلها بجزية خمسة دراهم أقر فيها بالصغار على نفسي. # قوله تعالى: وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ~~ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من ms2874 قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون ~~(30) فيه سبع مسائل: # الأولى - قرأ عاصم والكسائي " عزير ابن الله " بتنوين عزير. والمعنى أن " ~~ابنا " على هذا خبر ابتداء عن عزير و " عزير " ينصرف عجميا كان أو عربيا. ~~وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر " عزير ابن " بترك التنوين ~~لاجتماع الساكنين، ومنه قراءة من قرأ " قل هو الله أحد الله الصمد " (2) ~~[الاخلاص: 1 - 2]. قال أبو علي: وهو كثير في الشعر. وأنشد الطبري في ذلك: # لتجدني بالأمير برا * وبالقناة مدعسا (3) مكرا * إذا غطيف السلمي فرا * ~~الثانية - قوله تعالى: (وقالت اليهود) هذا لفظ خرج على العموم ومعناه ~~الخصوص، لان ليس كل اليهود قالوا ذلك. وهذا مثل قوله تعالى: " الذين قال ~~لهم # PageV08P116 # الناس " (1) [آل عمران: 173] ولم يقل ذلك كل الناس. وقيل: إن قائل ما حكى ~~عن اليهود سلام بن مشكم ونعمان بن أبي أوفى وشاس بن قيس ومالك بن الصيف، ~~قالوه للنبي صلى الله عليه وسلم. قال النقاش: لم يبق يهودي يقولها بل ~~انقرضوا فإذا قالها واحد فيتوجه أن تلزم الجماعة شنعة المقالة، لأجل نباهة ~~القائل فيهم. وأقوال النبهاء أبدا مشهورة في الناس يحتج بها. فمن ها هنا صح ~~أن تقول الجماعة قول نبيهها. والله أعلم. وقد روي أن سبب ذلك القول أن ~~اليهود قتلوا الأنبياء بعد موسى عليه السلام فرفع الله عنهم التوراة ومحاها ~~من قلوبهم، فخرج عزير يسيح في الأرض، فأتاه جبريل فقال: (أين تذهب)؟ قال: ~~أطلب العلم، فعلمه التوراة كلها فجاء عزير بالتوراة إلى بني إسرائيل ~~فعلمهم. وقيل: بل حفظها الله عزيرا كرامة منه له، فقال لبني إسرائيل: إن ~~الله قد حفظني التوراة، فجعلوا يدرسونها من عنده. وكانت التوراة مدفونة، ~~كان دفنها علماؤهم حين أصابهم من الفتن والجلاء والمرض ما أصاب وقتل بختنصر ~~إياهم. ثم إن التوراة المدفونة وجدت فإذا هي متساوية لما كان عزير يدرس ~~فضلوا عند ذلك وقالوا: إن هذا لم يتهيأ لعزير إلا وهو ابن الله حكاه ~~الطبري. وظاهر قول النصارى أن المسيح ابن الله، إنما أرادوا بنوة النسل كما ~~قالت ms2875 العرب في الملائكة. # وكذلك يقتضي قول الضحاك والطبري وغيرهما. وهذا أشنع الكفر. قال أبو ~~المعالي: # أطبقت النصارى على أن المسيح إله وإنه ابن إله. قال ابن عطية: ويقال إن ~~بعضهم يعتقدها بنوة حنو ورحمة. وهذا المعنى أيضا لا يحل أن تطلق البنوة ~~عليه وهو كفر. # الثالثة - قال ابن العربي: في هذا دليل من قول ربنا تبارك وتعالى على أن ~~من أخبر عن كفر غيره الذي لا يجوز لاحد أن يبتدئ به لا حرج عليه، لأنه إنما ~~ينطق به على معنى الاستعظام له والرد عليه ولو شاء ربنا ما تكلم به أحد، ~~فإذا مكن من إطلاق الألسن به فقد أذن بالاخبار عنه على معنى إنكاره بالقلب ~~واللسان والرد عليه بالحجة والبرهان. # PageV08P117 # الرابعة - قوله تعالى: (ذلك قولهم بأفواههم) قيل: معناه التأكيد، كما قال ~~تعالى: # " يكتبون الكتاب بأيديهم " (1) [البقرة: 79] وقوله: " ولا طائر يطير ~~بجناحيه " (2) [الانعام: 38] وقوله: " فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة " (3) ~~[الحاقة: 13] ومثله كثير. وقيل: المعنى أنه لما كان قول ساذج ليس فيه بيان ~~ولا برهان، وإنما هو قول بالفم مجرد نفس دعوى لا معنى تحته صحيح لأنهم ~~معترفون بأن الله سبحانه لم يتخذ صاحبة فكيف يزعمون أن له ولدا، فهو كذب ~~وقول لساني فقط بخلاف الأقوال الصحيحة التي تعضدها الأدلة ويقوم عليها ~~البرهان. قال أهل المعاني: إن الله سبحانه لم يذكر قولا مقرونا بذكر ~~الأفواه والألسن إلا وكان قولا زورا، كقوله: " يقولون بأفواههم ما ليس في ~~قلوبهم " (4) [آل عمران: 167] و " كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا ~~كذبا " (5) [الكهف: 5] و " يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم " [الفتح: 11] ~~(6). # الخامسة - قوله تعالى: (يضاهئون الذين كفروا من قبل) " يضاهئون " ~~يشابهون، ومنه قول العرب: امرأة ضهيأ للتي لا تحيض أو التي لا ثدي لها، ~~كأنها أشبهت الرجال. وللعلماء في " قول الذين كفروا " ثلاثة أقوال: الأول - ~~قول عبدة الأوثان: اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى. الثاني - قول ~~الكفرة: الملائكة بنات الله. الثالث - قول أسلافهم، فقلدوهم في الباطل ~~واتبعوهم على الكفر، كما أخبر عنهم بقوله تعالى: # " إنا ms2876 وجدنا آباءنا على أمة " (7) [الزخرف: 23]. # السادسة - اختلف العلماء (8) في " ضهيأ " هل يمد أو لا، فقال ابن ولاد: ~~امرأة ضهيأ، وهي التي لا تحيض، مهموز غير ممدود. ومنهم من يمد وهو سيبويه ~~فيجعلها على فعلاء بالمد، والهمزة فيها زائدة لأنهم يقولون نساء ضهي ~~فيحذفون الهمزة. قال أبو الحسن قال لي # PageV08P118 # النجيرمي: ضهيأة بالمد والهاء. جمع بين علامتي تأنيث، حكاه عن أبي عمرو ~~الشيباني في النوادر. وأنشد: # * ضهيأة أو عاقر جماد (1) * ابن عطية: من قال " يضاهئون " مأخوذ من ~~قولهم: امرأة ضهياء فقوله خطأ، قاله أبو علي، لان الهمزة في (ضاهأ) أصلية، ~~وفي (ضهياء) زائدة كحمراء. # السابعة - قوله تعالى: (قاتلهم الله أنى يؤفكون) أي لعنهم الله، يعني ~~اليهود والنصارى، لان الملعون كالمقتول. قال ابن جريج: " قاتلهم الله " هو ~~بمعنى التعجب. # وقال ابن عباس: كل شئ في القرآن قتل فهو لعن، ومنه قول أبان ابن تغلب: # قاتلها الله تلحاني وقد علمت * أني لنفسي إفسادي وإصلاحي وحكى النقاش أن ~~أصل " قاتل الله " الدعاء، ثم كثر في استعمالهم حتى قالوه على التعجب في ~~الخير والشر، وهم لا يريدون الدعاء. وأنشد الأصمعي: # يا قاتل الله ليلى كيف تعجبني * وأخبر الناس أني لا أباليها قوله تعالى: ~~اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا ~~إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون (31) قوله تعالى: ~~(اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح بن مريم) الأحبار جمع ~~حبر، وهو الذي يحسن القول وينظمه ويتقنه بحسن البيان عنه. ومنه ثوب محبر أي ~~جمع الزينة. وقد قيل في واحد الأحبار: حبر بكسر الحاء، والمفسرون على ~~فتحها. # وأهل اللغة على كسرها. قال يونس: لم أسمعه إلا بكسر الحاء، والدليل على ~~ذلك أنهم قالوا: # [مداد] (2) حبر يريدون مداد عالم، ثم كثر الاستعمال حتى قالوا للمداد ~~حبر. قال الفراء: الكسر # PageV08P119 # والفتح لغتان. وقال ابن السكيت: الحبر بالكسر المداد، والحبر بالفتح ~~العالم. والرهبان جمع راهب مأخوذ من الرهبة، وهو الذي حمله خوف الله تعالى ~~على أن يخلص له ms2877 النية دون الناس، ويجعل زمانه له وعمله معه وأنسه به. # قوله تعالى: (أربابا من دون الله) قال أهل المعاني: جعلوا أحبارهم ~~ورهبانهم كالأرباب حيث أطاعوهم في كل شئ، ومنه قوله تعالى: " قال انفخوا ~~حتى إذا جعله نارا " (1) [الكهف: 96] أي كالنار. قال عبد الله بن المبارك: # وهل أفسد الدين إلا الملوك * وأحبار سوء ورهبانها روى الأعمش وسفيان عن ~~حبيب بن أبي ثابت عن أبي البختري قال: سئل حذيفة عن قول الله عز وجل: " ~~اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله " هل عبد وهم؟ فقال لا، ولكن ~~أحلوا لهم الحرام فاستحلوه، وحرموا عليهم الحلال فحرموه. وروى الترمذي عن ~~عدي بن حاتم قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب. ~~فقال: # (ما هذا يا عدي اطرح عنك هذا الوثن) وسمعته يقرأ في سورة " براءة " " ~~اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم " ثم قال: ~~(أما إنهم لم يكونوا يعبد ونهم ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه ~~وإذا حرموا عليهم شيئا حرموه). قال: هذا حديث غريب لا يعرف إلا من حديث عبد ~~السلام بن حرب. وغطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث. # قوله تعالى: (والمسيح بن مريم) مضى الكلام في اشتقاقه في [آل عمران] (2). # والمسيح: العرق يسيل من الجبين. ولقد أحسن بعض المتأخرين فقال: # افرح فسوف تألف الاحزانا * إذا شهدت الحشر والميزانا وسال من جبينك ~~المسيح * كأنه جداول تسيح ومضى في [النساء] معنى إضافته إلى مريم أمه. # PageV08P120 # قوله تعالى: يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم ~~نوره ولو كره الكافرون (32) قوله تعالى: (يريدون أن يطفئوا نور الله) أي ~~دلالته وحججه على توحيده. جعل البراهين بمنزلة النور لما فيها من البيان. ~~وقيل: المعنى نور الاسلام، أي أن يخمدوا دين الله بتكذيبهم. (بأفواههم) جمع ~~فوه على الأصل، لان الأصل في فم فوه، مثل حوض وأحواض. (ويأبى الله إلا أن ~~يتم نوره) يقال: كيف دخلت " إلا " وليس في الكلام حرف نفي، ولا يجوز ضربت ~~إلا زيدا. ms2878 فزعم الفراء أن " إلا " إنما دخلت لان في الكلام طرفا من الجحد. ~~قال الزجاج: الجحد والتحقيق ليسا بذوي أطراف. وأدوات الجحد: ما، ولا، وإن، ~~وليس: وهذه لا أطراف لها ينطق بها ولو كان الامر كما أراد لجاز كرهت إلا ~~زيدا، ولكن الجواب أن العرب تحذف مع أبي. والتقدير: ويأبى الله كل شئ إلا ~~أن يتم نوره. وقال علي بن سليمان: إنما جاز هذا في " أبى " لأنها منع أو ~~امتناع فضارعت النفي. قال النحاس: فهذا حسن، كما قال الشاعر: # وهل لي أم غيرها إن تركتها * أبى الله إلا أن أكون لها ابنما قوله تعالى: ~~هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره ~~المشركون (33) قوله تعالى: (هو الذي أرسل رسوله) يريد محمدا صلى الله عليه ~~وسلم. (بالهدى) أي بالفرقان. (ودين الحق ليظهره على الدين كله) أي بالحجة ~~والبراهين. وقد أظهره على شرائع الدين حتى لا يخفى عليه شئ منها، عن ابن ~~عباس وغيره. وقيل: " ليظهره " أي ليظهر الدين دين الاسلام على كل دين. قال ~~أبو هريرة والضحاك: هذا عند نزول عيسى عليه السلام. وقال السدي: ذاك عند ~~خروج المهدي، لا يبقى أحد إلا دخل في الاسلام أو أدى الجزية. وقيل: المهدي ~~هو عيسى فقط وهو غير صحيح لان الاخبار الصحاح قد PageV08P121 # تواترت على أن المهدي من عترة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يجوز ~~حمله على عيسى. # والحديث الذي ورد في أنه (لا مهدي إلا عيسى) غير صحيح. قال البيهقي في ~~كتاب البعث والنشور: لان راويه محمد بن خالد الجندي وهو مجهول، يروي عن ~~أبان بن أبي عياش - وهو متروك - عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ~~منقطع. والأحاديث التي قبله في التنصيص على خروج المهدي، وفيها بيان كون ~~المهدي من عترة رسول الله صلى الله عليه وسلم أصح إسنادا. # قلت: قد ذكرنا هذا وزدناه بيانا في كتابنا (كتاب التذكرة) وذكرنا أخبار ~~المهدي مستوفاة والحمد لله. وقيل: أراد " ليظهره على الدين كله " في جزيرة ms2879 ~~العرب، وقد فعل. # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إن كثير من الأحبار والرهبان ليأكلون ~~أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ~~ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم (34) فيه إحدى عشرة مسألة: # الأولى - قوله تعالى " ليأ كلون أموال الناس بالباطل " دخلت اللام على ~~يفعل، ولا تدخل على فعل لمضارعة يفعل الأسماء. والأحبار علماء اليهود. ~~والرهبان مجتهدو النصارى في العبادة. " بالباطل " قيل: إنهم كانوا يأخذون ~~من أموال أتباعهم ضرائب وفروضا باسم الكنائس والبيع وغير ذلك، مما يوهمونهم ~~أن النفقة فيه من الشرع والتزلف إلى الله تعالى، وهم خلال ذلك يحجبون تلك ~~الأموال، كالذي ذكره سلمان الفارسي عن الراهب الذي استخرج كنزه، ذكره ابن ~~إسحاق في السير. وقيل: كانوا يأخذون من غلاتهم وأموالهم ضرائب باسم حماية ~~الدين والقيام بالشرع. وقيل: كانوا يرتشون في الاحكام، كما يفعله اليوم ~~PageV08P122 # كثير من الولاة والحكام. وقوله: " بالباطل " يجمع ذلك كله. (ويصدون عن ~~سبيل الله) أي يمنعون أهل دينهم عن الدخول في دين الاسلام، واتباع محمد صلى ~~الله عليه وسلم. # الثانية - قوله تعالى: (والذين يكنزون الذهب والفضة) الكنز أصله في اللغة ~~الضم والجمع ولا يختص ذلك بالذهب والفضة. ألا ترى قوله عليه السلام: (ألا ~~أخبر كم بخير ما يكنز المرء المرأة الصالحة). أي يضمه لنفسه ويجمعه. قال: # ولم تزود من جميع الكنز * غير خيوط ورثيث بز (1) وقال آخر: # لا در دري إن أطعمت جائعهم * قرف الحتي وعندي البر مكنوز قرف الحتي هو ~~سويق المقل (2). يقول: إنه نزل بقوم فكان قراه عندهم سويق المقل، وهو ~~الحتي، فلما نزلوا به قال هو: لا در دري... البيت. وخص الذهب والفضة بالذكر ~~لأنه مما لا يطلع عليه، بخلاف سائر الأموال. قال الطبري: الكنز كل شئ مجموع ~~بعضه إلى بعض، في بطن الأرض كان أو على ظهرها. وسمي الذهب ذهبا لأنه يذهب، ~~والفضة لأنها تنفض فتتفرق، ومنه قوله تعالى: " انفضوا إليها " (3) [الجمعة: ~~11] - لانفضوا من حولك " (4) [آل عمران: 159] وقد مضى هذا المعنى في [آل ~~عمران] الثالثة - واختلفت ms2880 الصحابة (5) في المراد بهذه الآية، فذهب معاوية ~~إلى أن المراد بها أهل الكتاب وإليه ذهب الأصم لان قوله: " والذين يكنزون " ~~مذكور بعد قوله: # " إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأ كلون أموال لناس بالباطل ". وقال أبو ~~ذر وغيره: المراد بها أهل الكتاب وغيرهم من المسلمين. وهو الصحيح، لأنه لو ~~أراد أهل الكتاب خاصة لقال: ويكنزون، بغير والذين. فلما قال: " والذين " ~~فقد استأنف معنى آخر يبين أنه عطف جملة على جملة. فالذين يكنزون كلام ~~مستأنف، وهو رفع على الابتداء. قال السدي: # عنى أهل القبلة. فهذه ثلاثة أقوال. وعلى قول الصحابة فيه دليل على أن ~~الكفار عند هم # PageV08P123 # مخاطبون بفروع الشريعة. روى البخاري عن زيد بن وهب قال: مررت بالربذة (1) ~~فإذا أنا بأبي ذر فقلت له: ما أنزلك منزلك هذا؟ قال: كنت بالشام فاختلفت ~~أنا ومعاوية في " الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله "، ~~فقال معاوية: نزلت في أهل الكتاب. فقلت: نزلت فينا وفيهم، وكان بيني وبينه ~~في ذلك. فكتب إلى عثمان يشكوني، فكتب إلي عثمان أن أقدم المدينة، فقدمتها ~~فكثر علي الناس حتى كأنهم لم يروني قبل ذلك، فذكرت ذلك لعثمان فقال: إن شئت ~~تنحيت فكنت قريبا، فذاك الذي أنزلني هذا المنزل ولو أمروا علي حبشيا لسمعت ~~وأطعت. # الرابعة - قال ابن خويز منداد: تضمنت هذه الآية زكاة العين، وهي تجب ~~بأربعة شروط: حرية، وإسلام، وحول، ونصاب سليم من الدين. والنصاب مائتا درهم ~~أو عشرون دينارا. أو يكمل نصاب أحدهما من الآخر وأخرج ربع العشر من هذا ~~وربع العشر من هذا. # وإنما قلنا إن الحرية شرط، فلان العبد ناقص الملك. وإنما قلنا إن الاسلام ~~شرط، فلان الزكاة طهرة والكافر لا تلحقه طهرة، ولأن الله تعالى قال: " ~~وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة " (2) [البقرة: 43] فخوطب بالزكاة من خوطب ~~بالصلاة. وإنما قلنا إن الحول شرط، فلان النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~(ليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول). وإنما قلنا إن النصاب شرط، فلان ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليس في أقل ms2881 من مائتي درهم زكاة وليس في أقل ~~من عشرين دينارا زكاة). ولا يراعى كمال النصاب في أول الحول، وإنما يراعى ~~عند آخر الحول، لاتفاقهم أن الربح في حكم الأصل. يدل على هذا أن من كانت ~~معه مائتا درهم فتجر فيها فصارت آخر الحول ألفا أنه يؤدي زكاة الألف، ولا ~~يستأنف للربح حولا. فإذا كان كذلك لم يختلف حكم الربح، كان صادرا عن نصاب ~~أو دونه. وكذلك اتفقوا أنه لو كان له أربعون من الغنم، فتوالدت له رأس ~~الحول ثم ماتت الأمهات إلا واحدة منها، وكانت السخال تتمة النصاب فإن ~~الزكاة تخرج عنها. # PageV08P124 # الخامسة - واختلف العلماء في المال الذي أديت زكاته هل يسمى كنزا أم لا؟ # فقال قوم: نعم. ورواه أبو الضحا عن جعدة بن هبيرة عن علي رضي الله عنه، ~~قال علي: أربعة آلاف فما دونها نفقة، وما كثر فهو كنز وإن أديت زكاته، ولا ~~يصح. وقال قوم: ما أديت زكاته منه أو من غيره عنه فليس بكنز. قال ابن عمر: ~~ما أدي زكاته فليس بكنز وإن كان تحت سبع أرضين، وكل ما لم تؤد زكاته فهو ~~كنز وإن كان فوق الأرض. ومثله عن جابر، وهو الصحيح. وروى البخاري عن أبي ~~هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # (من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع له ~~زبيبتان يطوقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه - يعني شدقيه - ثم يقول أنا ~~مالك أنا كنزك - ثم تلا - " ولا يحسبن الذين يبخلون " (1) [آل عمران: 180] ~~الآية. وفيه أيضا عن أبي ذر، قال: انتهيت إليه - يعني النبي صلى الله عليه ~~وسلم - قال: (والذي نفسي بيده - أو والذي لا إله غيره أو كما حلف - ما من ~~رجل تكون له إبل أو بقر أو غنم لا يؤدي حقها إلا أتي بها يوم القيامة أعظم ~~ما تكون وأسمنه تطؤه بأخفافها وتنطحه بقرونها كلما جازت أخراها ردت عليه ~~أولاها حتى يقضى بين الناس). # فدل دليل خطاب هذين الحديثين على صحة ما ذكرنا. وقد ms2882 بين ابن عمر في صحيح ~~البخاري هذا المعنى، قال له أعرابي: أخبرني عن قول الله تعالى: " والذين ~~يكنزون الذهب والفضة " قال ابن عمر: من كنزها فلم يؤد زكاتها فويل له، إنما ~~كان هذا قبل أن تنزل الزكاة، فلما أنزلت جعلها الله طهرا للأموال. وقيل: ~~الكنز ما فضل عن الحاجة. روى عن أبي ذر، وهو مما نقل من مذهبه، وهو من ~~شدائده ومما انفرد به رضي الله عنه. # قلت: ويحتمل أن يكون مجمل ما روي عن أبي ذر في هذا، ما روي أن الآية نزلت ~~في وقت شدة الحاجة وضعف المهاجرين وقصر يد رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~كفايتهم، ولم يكن في بيت المال ما يسعهم، وكانت السنون الجوائح هاجمة ~~عليهم، فنهوا عن إمساك شئ من المال إلا على قدر الحاجة ولا يجوز ادخار ~~الذهب والفضة في مثل ذلك الوقت. # PageV08P125 # فلما فتح الله على المسلمين ووسع عليهم أوجب صلى الله عليه وسلم في مائتي ~~درهم خمسة دراهم وفي عشرين دينارا نصف دينار ولم يوجب الكل واعتبر مدة ~~الاستنماء، فكان ذلك منه بيانا صلى الله عليه وسلم. وقيل: الكنز ما لم تؤد ~~منه الحقوق العارضة، كفك الأسير وإطعام الجائع وغير ذلك. وقيل: الكنز لغة ~~المجموع من النقدين، وغيرهما من المال محمول عليهما بالقياس. وقيل: المجموع ~~منهما ما لم يكن حليا، لان الحلي مأذون في اتخاذه ولا حق فيه. # والصحيح ما بدأنا بذكره، وأن ذلك كله يسمى كنزا لغة وشرعا. والله أعلم. # السادسة - واختلف العلماء في زكاة الحلي، فذهب مالك وأصحابه وأحمد وإسحاق ~~وأبو ثور وأبو عبيد إلى أن لا زكاة فيه. وهو قول الشافعي بالعراق، ووقف فيه ~~بعد ذلك بمصر وقال: استخير الله فيه. وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه ~~والأوزاعي: في ذلك كله الزكاة. احتج الأولون فقالوا: قصد النماء يوجب ~~الزكاة في العروض وهي ليست بمحل لايجاب الزكاة، كذلك قطع النماء في الذهب ~~والفضة باتخاذهما حليا للقنية (1) يسقط الزكاة. # احتج أبو حنيفة بعموم الألفاظ في إيجاب الزكاة في النقدين، ولم ms2883 يفرق بين ~~حلي وغيره. # وفرق الليث بن سعد فأوجب الزكاة فيما صنع حليا ليفر به من الزكاة وأسقطها ~~فيما كان منه يلبس ويعار. وفي المذهب في الحلي تفصيل بيانه في كتب الفروع. # السابعة - روى أبو داود عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية " والذين ~~يكنزون الذهب والفضة " قال: كبر ذلك على المسلمين، فقال عمر: أنا أفرج عنكم ~~فانطلق فقال: يا نبي الله إنه كبر على أصحابك هذه الآية. فقال: (إن الله لم ~~يفرض الزكاة إلا ليطيب ما بقي من أموالكم وإنما فرض المواريث - وذكر (2) ~~كلمة - لتكون لمن بعدكم) قال: فكبر عمر. ثم قال له رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: (ألا أخبرك بخير ما يكنز المرء المرأة الصالحة إذا نظر إليها سرته ~~وإذا أمرها أطاعته وإذا غاب عنها حفظته). وروى # PageV08P126 # الترمذي وغيره عن ثوبان أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: قد ~~ذم الله سبحانه الذهب والفضة، فلو علمنا أي المال خير حتى نكسبه. فقال عمر: ~~أنا أسأل لكم رسول الله صلى اله عليه وسلم، فسأله فقال: (لسان ذاكر وقلب ~~شاكر وزوجة تعين المرء على دينه). # قال حديث حسن. # الثامنة - قوله تعالى: (ولا ينفقونها في سبيل الله) ولم يقل ينفقونهما، ~~ففيه أجوبة ستة: الأول - قال ابن الأنباري: قصد الأغلب والأعم وهي الفضة، ~~ومثله قوله: " واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة " (1) [البقرة: 45] ~~رد الكناية إلى الصلاة لأنها أعم. ومثله " وإذا رأو تجارة أو لهوا انفضوا ~~(2) إليها " [الجمعة: 11] فأعاد الهاء إلى التجارة لأنها الأهم وترك اللهو ~~قاله كثير من المفسرين. وأباه بعضهم وقال: لا يشبهها، لان " أو " قد فصلت ~~التجارة من اللهو فحسن عود الضمير على أحدهما. الثاني - العكس وهو أن يكون ~~" ينفقونها " للذهب والثاني معطوفا عليه. والذهب تؤنثه العرب تقول: هي ~~الذهب الحمراء. وقد تذكر والتأنيث أشهر. الثالث - أن يكون الضمير للكنوز. ~~الرابع - للأموال المكنوزة. # الخامس - للزكاة التقدير ولا ينفقون زكاة الأموال المكنوزة. السادس - ~~الاكتفاء بضمير الواحد عن ضمير الآخر إذا فهم المعنى، وهذا كثير في كلام ~~العرب. أنشد ms2884 سيبويه: # نحن بما عندنا وأنت بما * عندك راض والرأي مختلف (3) ولم يقل راضون. # وقال آخر. # (4) رماني بأمر كنت منه ووالدي * بريئا ومن أجل الطوي رماني ولم يقل ~~بريئين. ونحوه قول حسان بن ثابت رضي الله عنه: # PageV08P127 # إن شرخ الشباب والشعر الأسود * ما لم يعاص كان جنونا ولم يقل يعاصيا. # التاسعة - إن قيل: من لم يكنز ولم ينفق في سبيل الله وأنفق في المعاصي، ~~هل يكون حكمه في الوعيد حكم من كنز ولم ينفق في سبيل الله. قيل له: إن ذلك ~~أشد، فإن من بذر ماله في المعاصي عصى من جهتين: بالانفاق والتناول، كشراء ~~الخمر وشربها. بل من جهات إذا كانت المعصية مما تتعدى، كمن أعان على ظلم ~~مسلم من قتله أو أخذ ماله إلى غير ذلك. والكانز عصى من جهتين، وهما منع ~~الزكاة وحبس المال لا غير. وقد لا يراعى حبس المال، والله أعلم. # العاشرة - قوله تعالى: (فبشرهم بعذاب أليم) قد تقدم معناه. وقد فسر النبي ~~صلى الله عليه وسلم هذا العذاب بقوله: (بشر الكنازين بكي في ظهورهم يخرج من ~~جنوبهم وبكي من قبل أقفائهم يخرج من جباههم) الحديث. أخرجه مسلم. رواه أبو ~~ذر في رواية: # (بشر الكنازين برضف (1) يحمى عليه في نار جهنم فيوضع على حلمة ثدي أحدهم ~~حتى يخرج من نغض (2) كتفيه ويوضع على نغض كتفيه حتى يخرج من حلمة ثدييه ~~فيتزلزل) الحديث. قال علماؤنا: فخروج الرضف من حلمة ثديه إلى نغض كتفه ~~لتعذيب قلبه وباطنه حين امتلأ بالفرح بالكثرة في المال والسرور في الدنيا، ~~فعوقب في الآخرة بالهم والعذاب. # الحادية عشرة - قال علماؤنا: ظاهر الآية تعليق الوعيد على من كنز ولا ~~ينفق في سبيل الله ويتعرض للواجب وغيره، غير أن صفة الكنز لا ينبغي أن تكون ~~معتبرة، فإن من لم يكنز ومنع الانفاق في سبيل الله فلا بد وأن يكون كذلك، ~~إلا أن الذي يخبأ تحت الأرض هو الذي يمنع إنفاقه في الواجبات عرفا، فلذلك ~~خص الوعيد به. والله أعلم. # PageV08P128 # قوله تعالى: يوم يحمى عليها في نار ms2885 جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم ~~وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون (35) فيه أربع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (يوم يحمى عليها في نار جهنم) " يوم " ظرف، ~~والتقدير يعذبون يوم يحمى. ولا يصح أن يكون على تقدير: فبشرهم يوم يحمى ~~عليها، لان البشارة لا تكون حينئذ. يقال: أحميت الحديدة في النار، أي أوقدت ~~عليها. ويقال: أحميته، ولا يقال: أحميت عليه. وها هنا قال عليها، لأنه جعل ~~" على " من صلة معنى الأحماء، ومعنى الأحماء الايقاد. أي يوقد عليها فتكوى. ~~الكي: إلصاق الحار من الحديد والنار بالعضو حتى يحترق الجلد. والجباه جمع ~~الجبهة، وهو مستوى ما بين الحاجب إلى الناصية. # وجبهت فلانا بكذا، أي استقبلته به وضربت جبهته. والجنوب جمع الجنب. والكي ~~في الوجه أشهر وأشنع، وفي الجنب والظهر آلم وأوجع، فلذلك خصها بالذكر من ~~بين سائر الأعضاء. وقال علماء الصوفية: لما طلبوا المال والجاه شان الله ~~وجوههم، ولما طووا كشحا (1) عن الفقير إذا جالسهم كويت جنوبهم، ولما أسندوا ~~ظهورهم إلى أموالهم ثقة بها واعتمادا عليها كويت ظهورهم. وقال علماء ~~الظاهر: إنما خص هذه الأعضاء لان الغني إذا رأى الفقير زوى ما بين عينيه ~~(2) وقبض وجهه. كما قال: (3) يزيد يغض الطرف عني (4) كأنما * زوى بين عينيه ~~علي المحاجم فلا ينبسط من بين عينيك ما انزوى * ولا تلقني إلا وأنفك راغم ~~وإذا سأله طوى كشحه، وإذا زاده في السؤال وأكثر عليه ولاه ظهره. فرتب الله ~~العقوبة على حال المعصية. # PageV08P129 # الثانية - واختلفت الآثار في كيفية الكي بذلك، ففي صحيح مسلم من حديث أبي ~~ذر ما ذكرنا من ذكر الرضف. وفيه من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم (ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم ~~القيامة صفحت له صفائح من نار فأحمي عليها في نار جهنم فيكوى بها جنبه ~~وجبينه وظهره كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى ~~بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما ms2886 إلى النار). الحديث. وفي ~~البخاري: أنه يمثل له كنزه شجاعا أقرع. وقد تقدم في غير الصحيح عن عبد الله ~~بن مسعود أنه قال: (من كان له مال فلم يؤد زكاته طوقه يوم القيامة شجاعا ~~أقرع ينقر رأسه. # قلت: ولعل هذا يكون في مواطن: موطن يمثل المال فيه ثعبانا، وموطن يكون ~~صفائح وموطن يكون رضفا. فتتغير الصفات والجسمية واحدة، فالشجاع جسم والمال ~~جسم. وهذا التمثيل حقيقة، بخلاف قوله: (يؤتى بالموت كأنه كبش أملح) فإن تلك ~~طريقة أخرى، ولله سبحانه وتعالى أن يفعل ما يشاء. وخص الشجاع بالذكر لأنه ~~العدو الثاني للخلق. # والشجاع من الحيات هو الحية الذكر الذي يواثب الفارس والراجل، ويقوم على ~~ذنبه وربما بلغ الفارس، ويكون في الصحارى. وقيل: هو الثعبان. قال اللحياني: ~~يقال للحية شجاع، وثلاثة أشجعة، ثم شجعان. والأقرع من الحيات هو الذي تمعط ~~رأسه وابيض من السم. في الموطأ: # له زبيبتان، أي نقطتان منتفختان في شدقيه كالرغوتين. ويكون ذلك في شدقي ~~الانسان إذا غضب وأكثر من الكلام. قالت [أم] غيلان بنت جرير ربما أنشدت أبي ~~حتى يتزبب شدقاي. ضرب مثلا للشجاع الذي كثر سمه فيمثل المال بهذا الحيوان ~~فيلقى صاحبه غضبان. # وقال ابن دريد: نقطتان سوداوان فوق عينيه. في رواية: مثل له شجاع يتبعه ~~فيضطره فيعطيه يده فيقضمها كما يقضم الفحل. وقال ابن مسعود: والله لا يعذب ~~الله أحدا بكنز فيمس درهم درهما ولا دينار دينارا، ولكن يوسع جلده حتى يوضع ~~كل درهم ودينار على حدته. وهذا إنما يصح في الكافر - كما ورد في الحديث - ~~لا في المؤمن. والله أعلم. PageV08P130 # الثالثة - أسند الطبري إلى أبي أمامة الباهلي قال: مات رجل من أهل الصفة ~~فوجد في بردته دينار. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كية). ثم مات ~~آخر فوجد له ديناران. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (كيتان). وهذا إما ~~لأنهما كانا يعيشان من الصدقة وعندهما التبر، وإما لان هذا كان في صدر ~~الاسلام، ثم قرر الشرع ضبط المال وأداء حقه. ولو كان ضبط المال ms2887 ممنوعا لكان ~~حقه أن يخرج كله، وليس في الأمة من يلزم هذا. وحسبك حال الصحابة وأموالهم ~~رضوان الله عليهم. وأما ما ذكر عن أبي ذر فهو مذهب له، رضي الله عنه. وقد ~~روى موسى بن عبيدة عن عمران بن أبي أنس عن مالك بن أوس بن الحدثان عن أبي ~~ذر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من جمع دينارا أو درهما أو تبرا ~~أو فضة ولا يعده لغريم ولا ينفقه في سبيل الله فهو كنز يكوى به يوم ~~القيامة). # قلت: هذا الذي يليق بأبي ذر رضي الله عنه أن يقول به، وأن ما فضل عن ~~الحاجة فليس بكنز إذا كان معدا لسبيل الله. وقال أبو أمامة: من خلف بيضا أو ~~صفرا كوي بها مغفورا له أو غير مغفور له، ألا إن حلية السيف من ذلك. وروى ~~ثوبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما من رجل يموت وعنده أحمر أو ~~أبيض إلا جعل الله له بكل قيراط صفيحة يكوى بها من فرقه (1) إلى قدمه ~~مغفورا له بعد ذلك أو معذبا). # قلت: وهذا محمول على ما لم تؤد زكاته بدليل ما ذكرنا في الآية قبل هذا. ~~فيكون التقدير: وعنده أحمر أو أبيض لم يؤد زكاته. وكذلك ما روي عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه: من ترك عشرة آلاف جعلت صفائح يعذب بها صاحبها يوم ~~القيامة. أي إن لم يؤد زكاتها، لئلا تتناقض الأحاديث. والله أعلم. # الرابعة - قوله تعالى: (هذا ما كنزتم لأنفسكم) أي يقال لهم هذا ما كنزتم، ~~فحذف. (فذوقوا ما كنتم تكنزون) أي عذاب ما كنتم تكنزون. # PageV08P131 # قوله تعالى: إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق ~~السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم ~~وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين (36) ~~قوله تعالى: (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق ~~السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك ms2888 الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم). # فيه ثمان مسائل (1): # الأولى - قوله تعالى: (إن عدة الشهور) جمع شهر. فإذا قال الرجل لأخيه: # لا أكلمك الشهور، وحلف على ذلك فلا يكلمه حولا، قاله بعض العلماء. وقيل: ~~لا يكلمه أبدا. ابن العربي: وأرى إن لم تكن له نية أن يقتضي ذلك ثلاثة أشهر ~~لأنه أقل الجمع الذي يقتضيه صيغة فعول في جمع فعل. ومعنى (عند الله) أي في ~~حكم الله وفيما كتب في اللوح المحفوظ. (اثنا عشر شهرا) أعربت " اثنا عشر ~~شهرا " دون نظائرها، لان فيها حرف الاعراب ودليله. وقرأ العامة " عشر " ~~بفتح العين والشين. وقرأ أبو جعفر " عشر " بجزم الشين. (في كتاب الله) يريد ~~اللوح المحفوظ. وأعاده بعد أن قال " عند الله " لان كثيرا من الأشياء يوصف ~~بأنه عند الله، ولا يقال إنه مكتوب في كتاب الله، كقوله: # " إن الله عنده علم الساعة " (2) [لقمان: 34]. # الثانية - قوله تعالى: (يوم خلق السماوات والأرض) إنما قال " يوم خلق ~~السماوات والأرض " ليبين أن قضاءه وقدره كان قبل ذلك، وأنه سبحانه وضع هذه ~~الشهور وسماها بأسمائها على ما رتبها عليه يوم خلق السماوات والأرض، وأنزل ~~ذلك على أنبيائه في كتبه المنزلة. وهو معنى قوله تعالى: " إن عدة الشهور ~~عند الله اثنا عشر شهرا ". وحكمها باق # PageV08P132 # على ما كانت عليه لم يزلها عن ترتيبها تغيير المشركين لأسمائها، وتقديم ~~المقدم في الاسم منها. # والمقصود من ذلك اتباع أمر الله فيها ورفض ما كان عليه أهل الجاهلية من ~~تأخير أسماء الشهور وتقديمها، وتعليق الاحكام على الأسماء التي رتبوها ~~عليه، ولذلك قال عليه السلام في خطبته في حجة الوداع: (أيها الناس إن ~~الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض) على ما يأتي بيانه. ~~وأن الذي فعل أهل الجاهلية من جعل المحرم صفرا وصفر محرما ليس يتغير به ما ~~وصفه الله تعالى. والعامل في " يوم " المصدر الذي هو " في كتاب الله " وليس ~~يعنى به واحد الكتب، لان الا عيان لا تعمل في الظروف. والتقدير: فيما كتب ~~الله يوم خلق السماوات ms2889 والأرض. و " عند " متعلق بالمصدر الذي هو العدة، وهو ~~العامل فيه. # و " في " من قوله: " في كتاب الله " متعلقة بمحذوف، هو صفة لقوله: " أثنا ~~عشر ". # والتقدير: اثنا عشر شهرا معدودة أو مكتوبة في كتاب الله. ولا يجوز أن ~~تتعلق بعدة لما فيه من التفرقة بين الصلة والموصول بخبر إن. # الثالثة - هذه الآية تدل على أن الواجب تعليق الاحكام من العبادات وغيرها ~~إنما يكون بالشهور والسنين التي تعرفها العرب، دون الشهور التي تعتبرها ~~العجم والروم والقبط وإن لم تزد على اثني عشر شهرا، لأنها مختلفة الاعداد، ~~منها ما يزيد على ثلاثين ومنها ما ينقص، وشهور العرب لا تزيد على ثلاثين ~~وإن كان منها ما ينقص، والذي ينقص ليس يتعين له شهر، وإنما تفاوتها في ~~النقصان والتمام على حسب اختلاف سير القمر في البروج. # الرابعة - قوله تعالى: (منها أربعة حرم) الأشهر الحرم المذكورة في هذه ~~الآية ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب الذي بين جمادى الآخرة وشعبان، وهو ~~رجب مضر، وقيل له رجب مضر لان ربيعة بن نزار كانوا يحرمون شهر رمضان ~~ويسمونه رجبا. وكانت مضر تحرم رجبا نفسه، فلذلك قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم فيه: (الذي بين جمادى وشعبان) ورفع ما وقع في اسمه من الاختلال ~~بالبيان. وكانت العرب أيضا تسميه منصل الأسنة (1)، # PageV08P133 # روى البخاري عن أبي رجاء العطاردي - واسمه عمران بن ملحان وقيل عمران بن ~~تيم - قال: كنا نعبد الحجر، فإذا وجدنا حجرا هو خير منه ألقيناه وأخذنا ~~الآخر، فإذا لم نجد حجرا جمعنا حثوة من تراب ثم جئنا بالشاء فحلبنا عليه ثم ~~طفنا به فإذا دخل شهر رجب قلنا منصل الأسنة، فلم ندع رمحا فيه حديدة ولا ~~سهما فيه حديدة إلا نزعناها فألقيناه. # الخامسة - قوله تعالى: (ذلك الدين القيم) أي الحساب الصحيح والعدد ~~المستوفى. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: " ذلك الدين " أي ذلك القضاء. # مقاتل: الحق. ابن عطية: والأصوب عندي أن يكون الدين ها هنا على أشهر ~~وجوهه، أي ذلك الشرع والطاعة. " القيم " أي القائم ms2890 المستقيم، من قام يقوم. ~~بمنزلة سيد، من ساد يسود. أصله قيوم. # السادسة - قوله تعالى: (فلا تظلموا فيهن أنفسكم) على قول ابن عباس راجع ~~إلى جميع الشهور. وعلى قول بعضهم إلى الأشهر الحرم خاصة، لأنه إليها أقرب ~~ولها مزية في تعظيم الظلم، لقوله تعالى: " فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في ~~الحج " (1) [البقرة: 197] لا أن الظلم في غير هذه الأيام جائز على ما ~~نبينه. ثم قيل: في الظلم قولان: أحدهما لا تظلموا فيهن أنفسكم بالقتال، ثم ~~نسخ بإباحة القتال في جميع الشهور، قاله قتادة وعطاء الخراساني والزهري ~~وسفيان الثوري. وقال ابن جريج: حلف بالله عطاء بن أبي رباح أنه ما يحل ~~للناس أن يغزوا في الحرم ولا في الأشهر الحرم إلا أن يقاتلوا فيها، وما ~~نسخت. والصحيح الأول، لان النبي صلى الله عليه وسلم غزا هوازن بحنين وثقيفا ~~بالطائف، وحاصرهم في شوال وبعض ذي القعدة. وقد تقدم هذا المعنى في البقرة. ~~الثاني (2) - لا تظلموا فيهن أنفسكم بارتكاب الذنوب، لان الله سبحانه إذا ~~عظم شيئا من جهة واحدة صارت له حرمة واحدة وإذا عظمه من جهتين أو جهات صارت ~~حرمته متعددة فيضاعف فيه العقاب بالعمل السئ كما يضاعف الثواب بالعمل ~~الصالح. فإن من أطاع الله في الشهر الحرام في البلد الحرام ليس # PageV08P134 # ثوابه ثواب من أطاعه في الشهر الحلال في البلد الحرام. ومن أطاعه في ~~الشهر الحلال في البلد الحرام ليس ثوابه ثواب من أطاعه في شهر حلال في بلد ~~حلال. وقد أشار تعالى إلى هذا بقوله تعالى: " يا نساء النبي من يأت منكن ~~بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين " (1) [الأحزاب: 30]. # السابعة - وقد اختلف العلماء من هذا المعنى فيمن قتل في الشهر الحرام ~~خطأ، هل تغلظ عليه الدية أم لا، فقال الأوزاعي: القتل في الشهر الحرام تغلظ ~~فيه الدية فيما بلغنا وفي الحرم فتجعل دية وثلثا. ويزاد في شبه العمد في ~~أسنان الإبل. قال الشافعي: تغلظ الدية في النفس وفي الجراح في الشهر الحرام ~~وفي البلد الحرام وذوي الرحم. وروي عن القاسم ms2891 ابن محمد وسالم بن عبد الله ~~وابن شهاب وأبان بن عثمان: من قتل في الشهر الحرام أو في الحرم زيد على ~~ديته مثل ثلثها. وروي ذلك عن عثمان بن عفان أيضا. وقال مالك وأبو حنيفة ~~وأصحابهما وابن أبي ليلى: القتل في الحل والحرم سواء، وفي الشهر الحرام ~~وغيره سواء، وهو قول جماعة من التابعين. وهو الصحيح، لان النبي صلى الله ~~عليه وسلم سن الديات ولم يذكر فيها الحرم ولا الشهر الحرام. وأجمعوا أن ~~الكفارة على من قتل خطأ في الشهر الحرام وغيره سواء. فالقياس أن تكون الدية ~~كذلك. والله أعلم. # الثامنة - خص الله تعالى الأربعة الأشهر الحرم بالذكر، ونهى عن الظلم ~~فيها تشريفا لها وإن كان منهيا عنه في كل الزمان. كما قال: " فلا رفث ولا ~~فسوق ولا جدال في الحج " [البقرة: 197] على هذا أكثر أهل التأويل. أي لا ~~تظلموا في الأربعة الأشهر أنفسكم. وروى حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن يوسف ~~بن مهران عن ابن عباس قال: " فلا تظلموا فيهن أنفسكم " في الاثني عشر. وروى ~~قيس بن مسلم عن الحسن عن محمد بن الحنفية قال: # فيهن كلهن. فإن قيل على القول الأول: لم قال فيهن ولم يقل فيها؟ وذلك أن ~~العرب يقولون لما بين الثلاثة إلى العشرة: هن وهؤلاء فإذا جاوزوا العشرة ~~قالوا: هي وهذه، إرادة أن تعرف تسمية القليل من الكثير. وروي عن الكسائي ~~أنه قال: إني لا تعجب من فعل # PageV08P135 # العرب هذا. وكذلك يقولون فيما دون العشرة من الليالي: خلون. وفيما فوقها ~~خلت. # لا يقال: كيف جعل بعض الأزمنة أعظم حرمة من بعض، فإنا نقول: للبارئ تعالى ~~أن يفعل ما يشاء، ويخص بالفضيلة ما يشاء، ليس لعمله علة ولا عليه حجر، بل ~~يفعل ما يريد بحكمته، وقد تظهر فيه الحكمة وقد تخفى. # قوله تعالى: (وقاتلوا المشركين كافة) فيه مسألة واحدة: # قوله تعالى: " قاتلوا " أمر بالقتال. و " كافة " معناه جميعا، وهو مصدر ~~في موضع الحال. أي محيطين بهم ومجتمعين. قال الزجاج: مثل هذا من المصادر ~~عافاه ms2892 الله عافية وعاقبه عاقبة. ولا يثنى ولا يجمع، وكذا عامة وخاصة. قال ~~بعض العلماء: كان الغرض بهذه الآية قد توجه على الا عيان ثم نسخ ذلك وجعل ~~فرض كفاية. قال ابن عطية: وهذا الذي قاله لم يعلم قط من شرع النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه ألزم الأمة جميعا النفر، وإنما معنى هذه الآية الحض على ~~قتالهم والتحزب عليهم وجمع الكلمة. ثم قيدها بقوله: " كما يقاتلونكم كافة " ~~فبحسب قتالهم واجتماعهم لنا يكون فرض اجتماعنا لهم. والله أعلم. # قوله تعالى: إنما النسئ زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ~~ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء ~~أعمالهم والله لا يهدى القوم الكافرين (37) قوله تعالى: (إنما النسئ زيادة ~~في الكفر) هكذا يقرأ أكثر الأئمة. قال النحاس: # ولم يرو أحد عن نافع فيما علمناه " إنما النسي " بلا همز إلا ورش وحده. ~~وهو مشتق من نسأه وأنسأه إذا أخره، حكى اللغتين الكسائي. الجوهري: النسئ ~~فعيل بمعنى مفعول، من قولك: نسأت الشئ فهو منسوء إذا أخرته. ثم يحول منسوء ~~إلى نسئ كما يحول مقتول إلى قتيل. ورجل ناسئ وقوم نسأة، مثل فاسق وفسقة. ~~قال الطبري: النسئ بالهمزة معناه الزيادة، يقال: نسأ ينسأ إذا زاد. قال: ~~ولا يكون بترك الهمز إلا من النسيان، كما قال تعالى: PageV08P136 # " نسوا الله (1) فنسيهم " [التوبة: 67]، ورد على نافع قراءته، واحتج بأن ~~قال: إنه يتعدى بحرف الجر يقال: # نسأ الله في أجلك كما تقول زاد الله في أجلك، ومنه قوله عليه الصلاة ~~والسلام: (من سره أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره (2) فليصل رحمه). ~~قال الأزهري: أنسأت الشئ إنساء ونسيئا اسم وضع موضع المصدر الحقيقي. وكانوا ~~يحرمون القتال في المحرم فإذا احتاجوا إلى ذلك حرموا صفرا بدله وقاتلوا في ~~المحرم. وسبب ذلك أن العرب كانت أصحاب حروب وغارات فكان يشق عليهم أن ~~يمكثوا ثلاثة أشهر متوالية لا يغيرون فيها، وقالوا: لئن توالت علينا ثلاثة ~~أشهر لا نصيب فيها شيئا لنهلكن. فكانوا ms2893 إذا صدروا عن منى يقوم من بني ~~كنانة، ثم من بني فقيم منهم رجل يقال له القلمس، فيقول أنا الذي لا يرد لي ~~قضاء. فيقولون: # أنسئنا شهرا، أي أخر عنا حرمة المحرم واجعلها في صفر، فيحل لهم المحرم. ~~فكانوا كذلك شهرا فشهرا حتى استدار التحريم على السنة كلها. فقام الاسلام ~~وقد رجع المحرم إلى موضعه الذي وضعه الله فيه. وهذا معنى قوله عليه السلام: ~~(إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض). وقال مجاهد: ~~كان المشركون يحجون في كل شهر عامين، فحجوا في ذي الحجة عامين، ثم حجوا في ~~المحرم عامين، ثم حجوا في صفر عامين، وكذلك في الشهور كلها حتى وافقت حجة ~~أبي بكر التي حجها قبل حجة الوداع ذا القعدة من السنة التاسعة. ثم حج النبي ~~صلى الله عليه وسلم في العام المقبل حجة الوداع فوافقت ذا الحجة، فذلك قوله ~~في خطبته: # (إن الزمان قد استدار) الحديث. أراد بذلك أن أشهر الحج رجعت إلى مواضعها، ~~وعاد الحج إلى ذي الحجة وبطل النسئ. وقول ثالث. قال إياس بن معاوية: كان ~~المشركون يحسبون السنة اثني عشر شهرا وخمسة عشر يوما، فكان الحج يكون في ~~رمضان وفي ذي القعدة، وفي كل شهر من السنة بحكم استدارة الشهر بزيادة ~~الخمسة عشر يوما فحج أبو بكر سنة تسع في ذي القعدة بحكم الاستدارة، ولم يحج ~~النبي صلى الله عليه وسلم فلما كان في العام المقبل وافق الحج ذا الحجة # PageV08P137 # في العشر، ووافق ذلك الأهلة. وهذا القول أشبه بقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # (إن الزمان قد استدار). أي زمان الحج عاد إلى وقته الأصلي الذي عينه الله ~~يوم خلق السماوات والأرض بأصل المشروعية التي سبق بها علمه، ونفذ بها حكمه. ~~ثم قال: السنة اثنا عشر شهرا. ينفي بذلك الزيادة التي زادوها في السنة - ~~وهي الخمسة عشر يوما - بتحكمهم، فتعين الوقت الأصلي وبطل التحكم الجهلي. ~~وحكى الامام المازري عن الخوارزمي أنه قال: أول ما خلق الله الشمس أجراها ~~في برج الحمل، وكان ms2894 الزمان الذي أشار به النبي صلى الله عليه وسلم صادف ~~حلول الشمس برج الحمل. وهذا يحتاج إلى توقيف، فإنه لا يتوصل إليه إلا ~~بالنقل عن الأنبياء، ولا نقل صحيحا عنهم بذلك، ومن ادعاه فليسنده. ثم إن ~~العقل يجوز خلاف ما قال، وهو أن يخلق الله الشمس قبل البروج، ويجوز أن يخلق ~~ذلك كله دفعة واحدة. ثم إن علماء التعديل قد اختبروا ذلك فوجدوا الشمس في ~~برج الحوت وقت قوله عليه السلام: (إن الزمان قد استدار) بينها وبين الحمل ~~عشرون درجة. ومنهم من قال عشر درجات. والله أعلم. واختلف أهل التأويل في ~~أول من نسأ، فقال ابن عباس وقتادة والضحاك: بنو مالك بن كنانة، وكانوا ~~ثلاثة. وروى جويبر (1) عن الضحاك عن ابن عباس أن أول من فعل ذلك عمرو بن ~~لحي بن قمعة بن خندف. وقال الكلبي: أول من فعل ذلك رجل من بني كنانة يقال ~~له نعيم بن ثعلبة، ثم كان بعده رجل يقال له: جنادة بن عوف، وهو الذي أدركه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال الزهري: حي من بني كنانة ثم من بني ~~فقيم منهم رجل يقال له القلمس واسمه حذيفة بن عبيد. وفي رواية: مالك بن ~~كنانة. # وكان الذي يلي النسئ يظفر بالرياسة لتريس العرب إياه. وفي ذلك يقول ~~شاعرهم: # * ومنا ناسئ الشهر القلمس * وقال الكميت (2): # ألسنا الناسئين على معد * شهور الحل نجعلها حراما # PageV08P138 # قوله تعالى: (زيادة في الكفر) بيان لما فعلته العرب من جمعها من أنواع ~~الكفر فإنها أنكرت وجود البارئ تعالى فقالت: " وما الرحمن " (1) في أصح ~~الوجوه. وأنكرت البعث فقالت: " قال من يحيي العظام وهي رميم " (2). وأنكرت ~~بعثة الرسل فقالوا: " أبشرا منا واحدا نتبعه " (3). وزعمت أن التحليل ~~والتحريم إليها، فابتدعته من ذاتها مقتفية لشهواتها فأحلت ما حرم الله. ولا ~~مبدل لكلماته ولو كره المشر كون. # قوله تعالى: (يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ~~ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء أعمالهم والله لا يهدي القوم ~~الكافرين) فيه ms2895 ثلاث قراءات. # قرأ أهل الحرمين وأبو عمرو " يضل " وقرأ الكوفيون " يضل " على الفعل ~~المجهول. وقرأ الحسن وأبو رجاء " يضل " والقراءات الثلاث كل واحدة منها ~~تؤدي عن معنى، إلا أن القراءة الثالثة حذف منها المفعول. والتقدير: ويضل به ~~الذين كفروا من يقبل منهم. # و " الذين " في محل رفع. ويجوز أن يكون الضمير راجعا إلى الله عز وجل. ~~التقدير: # يضل الله به الذين كفروا، كقوله تعالى: " يضل من يشاء " (4) [الرعد: 27]، ~~وكقوله في آخر الآية: # " والله لا يهدي القوم الكافرين ". والقراءة الثانية " يضل به الذين ~~كفروا " يعني المحسوب لهم، واختار هذه القراءة أبو عبيد، لقوله تعالى: " ~~زين لهم سوء أعمالهم ". والقراءة الأولى اختارها أبو حاتم، لأنهم كانوا ~~ضالين به أي بالنسئ لأنهم كانوا يحسبونه فيضلون به. # والهاء في " يحلونه " ترجع إلى النسئ. وروي عن أبي رجاء " يضل " بفتح ~~الياء والضاد. # وهي لغة، يقال: ضللت أضل، وضللت أضل. " ليواطئوا " نصب بلام كي أي ~~ليوافقوا. تواطأ القوم على كذا أي اجتمعوا عليه، أي لم يحلوا شهرا إلا ~~حرموا شهرا لتبقى الأشهر الحرم أربعة. وهذا هو الصحيح، لا ما يذكر أنهم ~~جعلوا الأشهر خمسة. قال قتادة: إنهم عمدوا إلى صفر فزادوه في الأشهر الحرم، ~~وقرنوه بالمحرم في التحريم، وقاله عنه قطرب والطبري. وعليه يكون النسئ ~~بمعنى الزيادة. والله أعلم. # PageV08P139 # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله ~~اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا ~~في الآخرة إلا قليل (38) فيه مسألتان: # الأولى - قوله تعالى: (ما لكم) " ما " حرف استفهام معناه التقرير ~~والتوبيخ التقدير: أي شئ يمنعكم عن كذا كما تقول: مالك عن فلان معرضا. ولا ~~خلاف أن هذه الآية نزلت عتابا على تخلف من تخلف عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في غزوة تبوك، وكانت سنة تسع من الهجرة بعد الفتح بعام، وسيأتي ذكرها ~~في آخر السورة إن شاء الله. # والنفر: هو التنقل بسرعة من مكان إلى مكان لأمر يحدث، يقال في ابن آدم: ms2896 ~~نفر إلى الام ينفر نفورا. وقوم نفور، ومنه قوله تعالى: " ولوا على أدبارهم ~~نفورا " (1) [الاسراء: 46]. ويقال في الدابة: نفرت تنفر (بضم الفاء وكسر ~~ها) نفارا ونفورا. يقال: في الدابة نفار، وهو اسم مثل الحران. ونفر الحاج ~~من منى نفرا. # الثانية - قوله تعالى: (اثاقلتم إلى الأرض) قال المفسرون: معناه اثاقلتم ~~إلى نعيم الأرض، أو إلى الإقامة بالأرض. وهو توبيخ على ترك الجهاد وعتاب ~~على التقاعد عن المبادرة إلى الخروج، وهو نحو من أخلد إلى الأرض. وأصله ~~تثاقلتم، أدغمت التاء في الثاء لقربها منها، واحتاجت إلى ألف الوصل لتصل ~~إلى النطق بالساكن، ومثله " اداركوا " (2) [الأعراف: 38] و " ادارأتم " (3) ~~[البقرة: 72] و " اطيرنا " (4) [النمل: 47] و " ازينت " (5) [يونس: 24]. ~~وأنشد الكسائي: # تولي الضجيع إذا ما استافها خصرا * عذب المذاق إذا ما أتابع القبل (6) # PageV08P140 # وقرأ الأعمش " تثاقلتم " على الأصل. حكاه المهدوي. وكانت تبوك - ودعا ~~الناس إليها (1) - في حرارة القيظ وطيب الثمار وبرد الظلال - كما جاء في ~~الحديث الصحيح على ما يأتي - فاستولى على الناس الكسل فتقاعدوا وتثاقلوا ~~فوبخهم الله بقوله هذا وعاب عليهم الايثار للدنيا على الآخرة. ومعنى ~~(أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة) أي بدلا، التقدير: أرضيتم بنعيم الدنيا ~~بدلا من نعيم الآخرة ف‍ " - من " تتضمن معنى البدل، كقوله تعالى: " ولو ~~نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون " (2) [الزخرف: 60] أي بدلا منكم. # وقال الشاعر: (3) فليت لنا من ماء زمزم شربة * مبردة باتت على طهيان ~~ويروى من ماء حمنان (4). أراد: ليت لنا بدلا من ماء زمزم شربة مبردة. ~~والطهيان: عود ينصب في ناحية الدار للهواء، يعلق عليه الماء حتى يبرد. ~~عاتبهم الله على إيثار الراحة في الدنيا على الراحة في الآخرة، إذ لا تنال ~~راحة الآخرة إلا بنصب الدنيا. قال صلى الله عليه وسلم لعائشة وقد طافت ~~راكبة: (أجرك على قدر نصبك). خرجه البخاري. # قوله تعالى: إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه ~~شيئا والله على كل شئ قدير (39) فيه مسألة واحدة - وهو أن قوله تعالى: " ~~إلا تنفروا " شرط، فلذلك حذفت منه النون. والجواب " يعذبكم "، " ويستبدل ms2897 ~~قوما غيركم " وهذا تهديد شديد ووعيد مؤكد في ترك النفير. قال ابن العربي: ~~ومن محققات الأصول أن الامر إذا ورد فليس في وروده أكثر من اقتضاء الفعل. ~~فأما العقاب عند الترك فلا يؤخذ من نفس الامر ولا يقتضيه # PageV08P141 # الاقتضاء، وإنما يكون العقاب بالخبر عنه، كقوله: إن لم تفعل كذا عذبتك ~~بكذا، كما ورد في هذه الآية. فوجب بمقتضاها النفير للجهاد والخروج إلى ~~الكفار لمقاتلتهم على أن تكون كلمة الله هي العليا. وروى أبو داود عن ابن ~~عباس قال: " إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما " و " ما كان لأهل المدينة - ~~إلى قوله - يعملون " (1) [التوبة: 120] نسختها الآية التي تليها: " وما كان ~~المؤمنون لينفروا كافة " [التوبة: 122]. وهو قول الضحاك والحسن وعكرمة. " ~~يعذبكم " قال ابن عباس: # هو حبس المطر عنهم. قال ابن العربي: فإن صح ذلك عنه فهو أعلم من أين ~~قاله، وإلا فالعذاب الأليم هو في الدنيا باستيلاء العدو وبالنار في الآخرة. # قلت: قول ابن عباس خرجه الإمام أبو داود في سننه عن ابن نفيع قال: سألت ~~ابن عباس عن هذه الآية " إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما " قال: فأمسك عنهم ~~المطر فكان عذابهم. وذكره الإمام أبو محمد بن عطية مرفوعا عن ابن عباس قال: ~~استنفر رسول الله صلى الله عليه وسلم قبيلة من القبائل فقعدت، فأمسك الله ~~عنهم المطر وعذبها به. و " أليم " بمعنى مؤلم، أي موجع. وقد تقدم. (ويستبدل ~~قوما غيركم) توعد بأن يبدل لرسوله قوما لا يقعدون عند استنفاره إياهم. قيل: ~~أبناء فارس. وقيل: أهل اليمن. (ولا تضروه شيئا) عطف. # والهاء قيل لله تعالى، وقيل للنبي صلى الله عليه وسلم. والتثاقل عن ~~الجهاد مع إظهار الكراهة حرام على كل أحد. فأما من غير كراهة فمن عينه ~~النبي صلى الله عليه وسلم حرم عليه التثاقل وإن أمن منهما فالفرض فرض ~~كفاية، ذكره القشيري. وقد قيل: إن المراد بهذه الآية وجوب النفير عند ~~الحاجة وظهور الكفرة واشتداد شوكتهم. وظاهر الآية يدل على أن ذلك على وجه ~~الاستدعاء فعلى هذا لا يتجه الحمل على وقت ms2898 ظهور المشركين فإن وجوب ذلك لا ~~يختص بالاستدعاء، لأنه متعين. وإذا ثبت ذلك فالاستدعاء والاستنفار يبعد أن ~~يكون موجبا شيئا لم يجب من قبل إلا أن الامام إذا عين قوما وندبهم إلى ~~الجهاد لم يكن لهم أن يتثاقلوا عند التعيين ويصير بتعيينه فرضا على من عينه ~~لا لمكان الجهاد ولكن لطاعة الامام. والله أعلم. # PageV08P142 # قوله تعالى: إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثان اثنين إذ ~~هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه ~~وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا ~~والله عزيز حكيم (40) فيه إحدى عشرة مسألة: # الأولى قوله تعالى: (إلا تنصروه) يقول: تعينوه بالنفر معه في غزوة تبوك. ~~عاتبهم الله بعد انصراف نبيه عليه السلام من تبوك. قال النقاش: هذه أول آية ~~نزلت من سورة [براءة]. # والمعنى: إن تركتم نصره فالله يتكفل به، إذ قد نصره الله في مواطن القلة ~~وأظهره على عدوه بالغلبة والعزة. وقيل: فقد نصره الله بصاحبه في الغار ~~بتأنيسه له وحمله على عنقه، وبوفائه ووقايته له بنفسه ومواساته له بماله. ~~قال الليث بن سعد: ما صحب الأنبياء عليهم السلام مثل أبي بكر الصديق. وقال ~~سفيان بن عيينة. خرج أبو بكر بهذه الآية من المعاتبة التي في قوله: " إلا ~~تنصروه " الثانية - قوله تعالى: (إذ أخرجه الذين كفروا) وهو خرج بنفسه ~~فارا، لكن بإلجائهم إلى ذلك حتى فعله، فنسب الفعل إليهم ورتب الحكم فيه ~~عليهم، فلهذا يقتل المكره على القتل ويضمن المال المتلف بالاكراه، لالجائه ~~القاتل والمتلف إلى القتل والاتلاف. # الثالثة - قوله تعالى: (ثاني اثنين) أي أحد اثنين. وهذا كثالث ثلاثة ~~ورابع أربعة. فإذا اختلف اللفظ فقلت رابع ثلاثة وخامس أربعة، فالمعنى صير ~~الثلاثة أربعة بنفسه والأربعة خمسة. وهو منصوب على الحال، أي أخرجوه منفردا ~~من جميع الناس إلا من أبي بكر. والعامل فيها " نصره الله " أي نصره منفردا ~~ونصره أحد اثنين. وقال علي بن سليمان: التقدير فخرج ثاني اثنين، مثل ms2899 " ~~والله أنبتكم من الأرض (1) نباتا " [نوح: 17]. وقرأ جمهور الناس # PageV08P143 # " ثاني " بنصب الياء. قال أبو حاتم: لا يعرف غير هذا. وقرأت فرقة " ثاني ~~" بسكون الياء. # قال ابن جني: حكاها أبو عمرو بن العلاء ووجهه أنه سكن الياء تشبيها لها ~~بالألف. # قال ابن عطية: فهي كقراءة الحسن " ما بقي من الربا " وكقول جرير: # هو الخليفة فارضوا ما رضي لكم * ماضي العزيمة ما في حكمه جنف (1) الرابعة ~~- قوله تعالى: (إذ هما في الغار) الغار: ثقب في الجبل، يعني غار ثور. # ولما رأت قريش أن المسلمين قد صاروا إلى المدينة قالوا: هذا شر شاغل لا ~~يطاق، فأجمعوا أمرهم على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبيتوه ورصدوه ~~على باب منزله طول ليلتهم ليقتلوه إذا خرج، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~علي بن أبي طالب أن ينام على فراشه، ودعا الله أن يعمي عليهم أثره، فطمس ~~الله على أبصارهم فخرج وقد غشيهم النوم، فوضع على رؤوسهم ترابا ونهض فلما ~~أصبحوا خرج عليهم علي رضي الله عنه وأخبرهم أن ليس في الدار أحد فعلموا أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فات ونجا. وتواعد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مع أبي بكر الصديق للهجرة، فدفعا راحلتيهما إلى عبد الله بن أرقط. ~~ويقال ابن أريقط، وكان كافرا لكنهما وثقا به، وكان دليلا بالطرق فاستأجراه ~~ليدل بهما إلى المدينة. # وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من خوخة في ظهر دار أبي بكر التي في ~~بني جمح ونهضا نحو الغار في جبل ثور، وأمر أبو بكر ابنه عبد الله أن يستمع ~~ما يقول الناس، وأمر مولاه عامر بن فهيرة أن يرعى غنمه ويريحها (2) عليهما ~~ليلا فيأخذ منها حاجتهما. ثم نهضا فدخلا الغار. # وكانت أسماء بنت أبي بكر الصديق تأتيهما بالطعام ويأتيهما عبد الله بن ~~أبي بكر بالاخبار، ثم يتلوهما عامر بن فهيرة بالغنم فيعفي آثارهما. فلما ~~فقدته قريش جعلت تطلبه بقائف معروف بقفاء الأثر، حتى وقف على الغار فقال: ~~هنا انقطع الأثر. فنظروا فإذا ms2900 بالعنكبوت قد نسج على فم الغار من ساعته، ~~ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتله فلما رأوا نسج العنكبوت أيقنوا ~~أن لا أحد فيه فرجعوا وجعلوا في النبي صلى الله عليه وسلم مائة ناقة لمن ~~رده عليهم. # PageV08P144 # الخبر مشهور، وقصة سراقة بن مالك بن جعشم في ذلك مذكورة. وقد روي من حديث ~~أبي الدرداء وثوبان [رضي الله عنهما] (1): أن الله عز وجل أمر حمامة فباضت ~~على نسج العنكبوت، وجعلت ترقد على بيضها، فلما نظر الكفار إليها ردهم ذلك ~~عن الغار. # الخامسة - روى البخاري عن عائشة قالت: استأجر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأبو بكر رجلا من بني الديل هاديا خريتا (2)، وهو على دين كفار قريش ~~فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال فأتاهما براحلتيهما ~~صبيحة ثلاث فارتحلا وارتحل (3) معهما عامر بن فهيرة والدليل الديلي فأخذ ~~بهم طريق الساحل (4). # قال المهلب: فيه من الفقه ائتمان أهل الشرك (5) على السر والمال إذا علم ~~منهم وفاء ومروءة كما ائتمن النبي صلى الله عليه وسلم هذا المشرك على سره ~~في الخروج من مكة وعلى الناقتين. # وقال ابن المنذر: فيه استئجار المسلمين الكفار على هداية الطريق. وقال ~~البخاري في ترجمته: [باب استئجار المشركين عند الضرورة أو إذا لم يوجد أهل ~~الاسلام] قال ابن بطال: إنما قال البخاري في ترجمته [أو إذا لم يوجد أهل ~~الاسلام] من أجل أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما عامل أهل خيبر على العمل ~~في أرضها إذ لم يوجد من المسلمين من ينوب منابهم في عمل الأرض، حتى قوي ~~الاسلام واستغني عنهم أجلاهم عمر. وعامة الفقهاء يجيزون استئجارهم عند ~~الضرورة وغيرها. وفيه: استئجار الرجلين الرجل الواحد على عمل واحد لهما. ~~وفيه: دليل على جواز الفرار بالدين خوفا من العدو، والاستخفاء في الغيران ~~وغيرها ألا يلقي الانسان بيده إلى العدو توكلا على الله واستسلاما له. ولو ~~شاء ربكم لعصمه مع كونه معهم ولكنها سنة الله في الأنبياء وغيرهم، ولن تجد ~~لسنة الله تبديلا. وهذا أدل دليل ms2901 على فساد من منع ذلك وقال: من خاف مع الله ~~سواه كان ذلك نقصا في توكله، ولم يؤمن بالقدر. وهذا كله في معنى الآية، ~~ولله الحمد والهداية # PageV08P145 # السادسة - قوله تعالى: (إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا) هذه الآية ~~تضمنت فضائل الصديق رضي الله عنه. روى أصبغ وأبو زيد عن ابن القاسم عن مالك ~~" ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا " هو ~~الصديق. فحقق الله تعالى قوله له بكلامه ووصف الصحبة في كتابه. قال بعض ~~العلماء: من أنكر أن يكون عمر وعثمان أو أحد من الصحابة صاحب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فهو كذاب مبتدع. # ومن أنكر أن يكون أبو بكر رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فهو كافر، لأنه رد نص القرآن. ومعنى " إن الله معنا " أي بالنصر ~~والرعاية والحفظ والكلاءة. روى الترمذي والحارث بن أبي أسامة قالا: حدثنا ~~عفان قال حدثنا همام قال أخبرنا ثابت عن أنس أن أبا بكر حدثه قال: قلت ~~للنبي صلى الله عليه وسلم ونحن في الغار: لو أن أحدهم نظر إلى قدميه ~~لأبصرنا تحت قدميه، فقال: (يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما). قال ~~المحاسبي: يعني معهما بالنصر والدفاع، لا على معنى ما عم به الخلائق، فقال: ~~" ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم " (1) [المجادلة: 7]. فمعناه العموم ~~أنه يسمع ويرى من الكفار والمؤمنين. # السابعة - قال ابن العربي: قالت الامامية قبحها الله: حزن أبي بكر في ~~الغار دليل على جهله ونقصه وضعف قلبه وخرقه (2). وأجاب علماؤنا عن ذلك بأن ~~إضافة الحزن إليه ليس بنقص، كما لم ينقص إبراهيم حين قال عنه: " نكرهم ~~وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف " (3) [هود: 70]. ولم ينقص موسى قوله: " ~~فأوجس في نفسه خيفة موسى. قلنا لا تخف " (4) [طه 67، 68]. # وفى لوط: " ولا تحزن إنا منجوك وأهلك " (5) [العنكبوت: 33]. فهؤلاء ~~العظماء صلوات الله عليهم قد وجدت عندهم التقية نصا ولم يكن ذلك طعنا عليهم ~~ووصفا لهم بالنقص، وكذلك ms2902 في أبي بكر. # ثم هي عند الصديق احتمال، فإنه قال: لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا. ~~جواب ثان - إن حزن الصديق إنما كان خوفا على النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~يصل إليه ضرر، # PageV08P146 # ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت معصوما وإنما نزل عليه " ~~والله يعصمك من الناس " (1) [المائدة: 67 [بالمدينة] (2). # الثامنة - قال ابن العربي: قال لنا أبو الفضائل العدل (3) قال لنا جمال ~~الاسلام أبو القاسم قال موسى صلى الله عليه وسلم: " كلا إن معي ربي سيهدين ~~" (4) [الشعراء: 62] وقال في محمد صلى الله عليه وسلم: " لا تحزن إن الله ~~معنا " لا جرم لما كان الله مع موسى وحده ارتد أصحابه بعده، فرجع من عند ~~ربه ووجدهم يعبدون العجل. ولما قال في محمد صلى الله عليه وسلم " لا تحزن ~~إن الله معنا " بقي أبو بكر مهتديا موحدا عالما جازما قائما بالامر ولم ~~يتطرق إليه اختلال. # التاسعة - خرج الترمذي من حديث نبيط بن شريط عن سالم بن عبيد - له صحبة - ~~قال: أغمي على رسول الله صلى الله عليه وسلم...، الحديث. وفيه: واجتمع ~~المهاجرون يتشاورون فقالوا: انطلقوا بنا إلى إخواننا من الأنصار ندخلهم ~~معنا في هذا الامر. فقالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير. فقال عمر رضي الله ~~عنه: من له مثل هذه الثلاث " ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا ~~تحزن إن الله معنا " من " هما "؟ قال: ثم بسط يده فبايعه وبايعه الناس بيعة ~~حسنة جميلة. # قلت: ولهذا قال بعض العلماء: في قوله تعالى: " ثاني اثنين إذ هما في ~~الغار " ما يدل على أن الخليفة بعد النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر ~~الصديق [رضي الله عنه] (5)، لان الخليفة لا يكون أبدا إلا ثانيا. وسمعت ~~شيخنا الامام أبا العباس أحمد بن عمر يقول: إنما استحق الصديق أن يقال له ~~ثاني اثنين لقيامه بعد النبي صلى الله عليه وسلم بالامر، كقيام النبي صلى ~~الله عليه وسلم به أولا. وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ms2903 مات ارتدت ~~العرب كلها، ولم يبق الاسلام إلا بالمدينة ومكة وجواثا (6)، فقام أبو بكر ~~يدعو الناس إلى الاسلام ويقا تلهم على # PageV08P147 # الدخول في الدين كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فاستحق من هذه الجهة ~~أن يقال في حقه ثاني اثنين. # قلت - وقد جاء في السنة أحاديث صحيحة، يدل ظاهرها على أنه الخليفة بعده، ~~وقد انعقد الاجماع على ذلك ولم يبق منهم مخالف. والقادح في خلافته مقطوع ~~بخطئه وتفسيقه. # وهل يكفر أم لا، يختلف فيه، والأظهر تكفيره. وسيأتي لهذا المعنى مزيد ~~بيان في سورة [الفتح] (1) إن شاء الله. والذي يقطع به من الكتاب والسنة ~~وأقوال علماء الأمة ويجب أن تؤمن به القلوب والأفئدة فضل الصديق على جميع ~~الصحابة. ولا مبالاة بأقوال أهل الشيع ولا أهل البدع، فإنهم بين مكفر تضرب ~~رقبته، وبين مبتدع مفسق لا تقبل كلمته. ثم بعد الصديق عمر الفاروق، ثم بعده ~~عثمان. روى البخاري عن ابن عمر قال: كنا نخير بين الناس في زمن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فنخير أبا بكر ثم عمر ثم عثمان. واختلف أئمة أهل السلف ~~(2) في عثمان وعلي، فالجمهور منهم على تقديم عثمان. وروي عن مالك أنه توقف ~~في ذلك. # وروي عنه [أيضا] (3) أنه رجع إلى ما عليه الجمهور. وهو الأصح إن شاء ~~الله. # العاشرة - قوله تعالى: (فأنزل الله سكينته عليه) فيه قولان: أحدهما: على ~~النبي صلى الله عليه وسلم. والثاني: على أبي بكر. ابن العربي: قال علماؤنا ~~وهو الأقوى، لأنه خاف على النبي صلى الله عليه وسلم من القوم فأنزل الله ~~سكينته عليه بتأمين النبي صلى الله عليه وسلم، فسكن جأشه وذهب روعه وحصل ~~الامن وأنبت الله سبحانه ثمامة، (4) وألهم الوكر هناك حمامة وأرسل (5) ~~العنكبوت فنسجت بيتا عليه. فما أضعف هذه الجنود في ظاهر الحس وما أقواها في ~~باطن المعنى! ولهذا المعنى قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر حين تغامر ~~(6) مع الصديق: (هل أنتم تاركو لي صاحبي إن الناس كلهم قالوا كذبت وقال أبو ~~بكر صدقت) رواه أبو الدرداء. ms2904 # PageV08P148 # الحادية عشرة - قوله تعالى: (وأيده بجنود لم تروها) أي من الملائكة. ~~والكناية في قوله " وأيده " ترجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم. والضميران ~~يختلفان، وهذا كثير في القرآن وفي كلام العرب. (وجعل كلمة الذين كفروا ~~السفلى) أي كلمة الشرك. (وكلمة الله هي العليا) قيل: لا إله إلا الله. ~~وقيل: وعد النصر. وقرأ الأعمش ويعقوب " وكلمة الله " بالنصب حملا على " جعل ~~" والباقون بالرفع على الاستئناف. وزعم الفراء أن قراءة النصب بعيدة، قال: ~~لأنك تقول أعتق فلان غلام أبيه، ولا تقول غلام أبي فلان. وقال أبو حاتم ~~نحوا من هذا. قال: كان يجب أن يقال وكلمته هي العليا. قال النحاس: # الذي ذكره الفراء لا يشبه الآية، ولكن يشبهها ما أنشد سيبويه: # لا أرى الموت يسبق الموت شئ * نغص الموت ذا الغنى والفقيرا فهذا حسن جيد ~~لا إشكال فيه، بل يقول النحويون الحذاق: في إعادة الذكر في مثل هذا فائدة ~~وهي أن فيه معنى التعظيم، قال الله تعالى: " إذا زلزلت الأرض زلزالها. ~~وأخرجت الأرض أثقالها " (1) [الزلزلة: 1، 2] فهذا لا إشكال فيه. وجمع ~~الكلمة كلم. وتميم تقول: هي كلمة بكسر الكاف. وحكى الفراء فيها ثلاث لغات: ~~كلمة وكلمة وكلمة مثل كبد وكبد وكبد، وورق وورق وورق. والكلمة أيضا القصيدة ~~بطولها، قاله الجوهري. # قوله تعالى: انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ~~ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون (41) فيه سبع مسائل: # الأولى - روى سفيان عن حصين بن عبد الرحمن عن أبي مالك الغفاري قال: أول ~~ما نزل من سورة براءة " انفروا خفافا وثقالا ". وقال أبو الضحا كذلك أيضا. ~~قال: # ثم نزل أولها وآخرها. # PageV08P149 # الثانية - قوله تعالى: (انفروا خفافا وثقالا) نصب على الحال، وفيه عشرة ~~أقوال: الأول - يذكر عن ابن عباس " انفروا ثبات " (1) [النساء: 71]: سرايا ~~متفرقين. [الثاني] روي عن ابن عباس أيضا وقتادة: نشاطا وغير نشاط. [الثالث] ~~الخفيف: الغني، والثقيل: # الفقير، قاله مجاهد. [الرابع] الخفيف: الشاب، والثقيل: الشيخ، قاله ~~الحسن. [الخامس] مشاغيل وغير مشاغيل، قاله زيد بن علي والحكم بن عتبة. ~~[السادس] الثقيل: الذي له ms2905 عيال، والخفيف: الذي لا عيال له، قاله زيد بن ~~أسلم. [السابع] الثقيل: الذي له ضيعة يكره أن يدعها، والخفيف: الذي لا ضيعة ~~له، قاله ابن زيد. [الثامن] الخفاف: الرجال، والثقال: الفرسان، قاله ~~الأوزاعي. [التاسع] الخفاف: الذين يسبقون إلى الحرب كالطليعة وهو مقدم ~~الجيش والثقال: الجيش بأسره [العاشر] الخفيف: الشجاع، والثقيل: # الجبان، حكاه النقاش. والصحيح في معنى الآية أن الناس أمروا جملة أي ~~انفروا خفت عليكم الحركة أو ثقلت. وروي أن ابن أم مكتوم جاء إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وقال له: أعلي أن أنفر؟ فقال: (نعم) حتى أنزل الله ~~تعالى " ليس على الأعمى حرج " (2) [النور: 61]. # وهذه الأقوال إنما هي على معنى المثال في الثقل والخفة. # الثالثة - واختلف في هذه الآية، فقيل إنها منسوخة بقوله تعالى: " ليس على ~~الضعفاء ولا على المرضى " (3) [التوبة: 91]. وقيل: الناسخ لها قوله: " ~~فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة " (3) [التوبة: 122]. # والصحيح أنها ليست بمنسوخة. روى ابن عباس عن أبي طلحة في قوله تعالى: " ~~انفروا خفافا وثقالا " قال شبانا وكهولا، ما سمع الله عذر أحد. فخرج إلى ~~الشام فجاهد حتى مات رضي الله عنه. وروى حماد عن ثابت وعلي بن زيد عن أنس ~~أن أبا طلحة قرأ سورة [براءة] فأتى على هذه الآية " انفروا خفافا وثقالا " ~~فقال: أي بني جهزوني جهزوني فقال بنوه: يرحمك الله! لقد غزوت مع النبي صلى ~~الله عليه وسلم حتى مات ومع أبي بكر حتى # PageV08P150 # مات ومع عمر حتى مات فنحن نغزو عنك. قال. لا، جهزوني. فغزا في البحر فمات ~~في البحر، فلم يجدوا له جزيرة يدفنونه فيها إلا بعد سبعة أيام فدفنوه فيها، ~~ولم يتغير رضي الله عنه. وأسند الطبري عمن رأى المقداد بن الأسود بحمص على ~~تابوت صراف، وقد فضل على التابوت من سمنه وهو يتجهز للغزو. فقيل له: لقد ~~عذرك الله. فقال: أتت علينا سورة البعوث " انفروا خفافا وثقالا ". وقال ~~الزهري: خرج سعيد بن المسيب إلى الغزو وقد ذهبت إحدى عينيه. فقيل له: إنك ~~عليل. فقال: استنفر الله ms2906 الخفيف والثقيل، فإن لم يمكني الحرب كثرت السواد ~~وحفظت المتاع. وروي أن بعض الناس رأى في غزوات الشأم رجلا قد سقط حاجباه ~~على عينيه من الكبر، فقال له: يا عم إن الله قد عذرك فقال: يا بن أخي، قد ~~أمرنا بالنفر خفافا وثقالا. ولقد قال ابن أم مكتوم رضي الله عنه - واسمه ~~عمرو - يوم أحد: أنا رجل أعمى، فسلموا لي اللواء، فإنه إذا انهزم حامل ~~اللواء انهزم الجيش، وأنا ما أدري من يقصدني بسيفه فما أبرح فأخذ اللواء ~~يومئذ مصعب ابن عمير على ما تقدم في [آل عمران] بيانه (1). فلهذا وما كان ~~مثله مما روي عن الصحابة والتابعين. قلنا: إن النسخ لا يصح. وقد تكون حالة ~~يجب فيها نفير الكل، وهي: # الرابعة - وذلك إذا تعين الجهاد بغلبة العدو على قطر من الأقطار، أو ~~بحلوله بالعقر، فإذا كان ذلك وجب على جميع أهل تلك الدار أن ينفروا ويخرجوا ~~إليه خفافا وثقالا، شبابا وشيوخا، كل على قدر طاقته، من كان له أب بغير ~~إذنه ومن لا أب له، ولا يتخلف أحد يقدر على الخروج، من مقاتل أو مكثر. فإن ~~عجز أهل تلك البلدة عن القيام بعدوهم كان على من قاربهم وجاورهم أن يخرجوا ~~على حسب ما لزم أهل تلك البلدة، حتى يعلموا أن فيهم طاقة على القيام بهم ~~ومدافعتهم. وكذلك كل من علم بضعفهم عن عدوهم وعلم أنه يدركهم ويمكنه غياثهم ~~لزمه أيضا الخروج إليهم، فالمسلمون كلهم يد على من سواهم، حتى إذا قام بدفع ~~العدو أهل الناحية التي نزل العدو عليها واحتل بها سقط الفرض عن الآخرين. ~~ولو قارب العدو # PageV08P151 # دار الاسلام ولم يدخلوها لزمهم أيضا الخروج إليه، حتى يظهر دين الله ~~وتحمى البيضة وتحفظ الحوزة ويخزي العدو. ولا خلاف في هذا. # وقسم ثان من واجب الجهاد - فرض أيضا على الامام إغزاء طائفة إلى العدو كل ~~سنة مرة يخرج معهم بنفسه أو يخرج من يثق به ليدعوهم إلى الاسلام ويرغبهم ~~(1)، ويكف أذاهم ويظهر دين الله عليهم حتى يدخلوا في الاسلام أو ms2907 يعطوا ~~الجزية عن يد. # ومن الجهاد أيضا ما هو نافلة وهو إخراج الامام طائفة بعد طائفة وبعث ~~السرايا في أوقات الغرة وعند إمكان الفرصة والأرصاد لهم بالرباط في موضع ~~الخوف وإظهار القوة. فإن قيل: كيف يصنع الواحد إذا قصر الجميع، وهي: # الخامسة - قيل له: يعمد إلى أسير واحد فيفديه، فإنه إذا فدى الواحد فقد ~~أدى في الواحد أكثر مما كان يلزمه في الجماعة، فإن الأغنياء لو اقتسموا ~~فداء الأسارى ما أدى كل واحد منهم إلا أقل من درهم. ويغزو بنفسه إن قدر ~~وإلا جهز غازيا. قال صلى الله عليه وسلم: (من جهز غازيا فقد غزا ومن خلفه ~~في أهله بخير فقد غزا) أخرجه الصحيح. وذلك لان مكانه لا يغني وماله لا ~~يكفي. # السادسة - روي أن بعض الملوك عاهد كفارا على ألا يحبسوا أسيرا، فدخل رجل ~~من المسلمين جهة بلادهم فمر على بيت مغلق، فنادته امرأة إني أسيرة فأبلغ ~~صاحبك خبري فلما اجتمع به واستطعمه عنده وتجاذبا ذيل الحديث انتهى الخبر ~~إلى هذه المعذبة فما أكمل حديثه حتى قام الأمير على قدميه وخرج غازيا من ~~فوره ومشى إلى الثغر حتى أخرج الأسيرة واستولى على الموضع رضي الله عنه. ~~ذكره ابن العربي وقال: ولقد نزل بنا العدو - قصمه الله - سنة سبع وعشرين ~~وخمسمائة فجاس ديارنا وأسر خيرتنا وتوسط بلادنا في عدد هال الناس عدده وكان ~~كثيرا وإن لم يبلغ ما حددوه. فقلت للوالي والمولى عليه: # هذا عدو الله قد حصل في الشرك والشبكة فلتكن عندكم بركة، ولتظهر منكم إلى ~~نصرة الدين المتعينة عليكم حركة فليخرج إليه جميع الناس حتى لا يبقى منهم ~~أحد في جميع الأقطار فيحاط # PageV08P152 # به فإنه هالك لا محالة إن يسركم الله له فغلبت الذنوب ورجفت القلوب ~~بالمعاصي وصار كل أحد من الناس ثعلبا يأوي إلى وجاره (1) وإن رأى المكيدة ~~بجاره. فإنا لله وإنا إليه راجعون. وحسبنا الله ونعم الوكيل). # السابعة - قوله تعالى: (وجاهدوا) أمر بالجهاد، وهو مشتق من الجهد ~~(بأموالكم وأنفسكم) روى أبو داود عن أنس أن رسول ms2908 الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: (جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم). وهذا وصف لأكمل ما يكون ~~من الجهاد وأنقعه عند الله تعالى. # فحض على كمال الأوصاف، وقدم الأموال في الذكر إذ هي أول مصرف وقت ~~التجهيز. # فرتب الامر كما هو نفسه. # قوله تعالى: لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم ~~الشقة وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم ~~إنهم لكاذبون (42) لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك أظهر ~~الله نفاق قوم. والعرض: # ما يعرض من منافع الدنيا. والمعنى: غنيمة قريبة. أخبر عنهم أنهم لو دعوا ~~إلى غنيمة لاتبعوه. " عرضا " خبر كان. " قريبا " نعته. " وسفرا قاصدا " عطف ~~عليه. وحذف اسم كان لدلالة الكلام عليه. التقدير: لو كان المدعو إليه عرضا ~~قريبا وسفرا قاصدا - أي سهلا معلوم الطرق - لاتبعوك. وهذه الكناية ~~للمنافقين كما ذكرنا، لأنهم داخلون في جملة من خوطب بالنفير. وهذا موجود في ~~كلام العرب يذكرون الجملة ثم يأتون بالاضمار عائدا على بعضها، كما قيل في ~~قوله تعالى: " وإن منكم إلا واردها " (2) [مريم: 71] أنها القيامة. ثم قال ~~جل وعز: " ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا " (2) [مريم: 72] ~~يعني عز وجل جهنم. ونظير هذه الآية من السنة في المعنى قوله عليه السلام: ~~(لو يعلم أحدهم أنه يجد عظما سمينا # PageV08P153 # أو مرماتين (1) حسنتين لشهد العشاء). يقول: لو علم أحدهم أنه يجد شيئا ~~حاضرا معجلا يأخذه لاتى المسجد من أجله. (ولكن بعدت عليهم الشقة) حكى أبو ~~عبيدة وغيره أن الشقة السفر إلى أرض بعيدة. يقال: منه شقة شاقة. والمراد ~~بذلك كله غزوة تبوك. # وحكى الكسائي أنه يقال: شقة وشقة. قال الجوهري: الشقة بالضم من الثياب، ~~والشقة أيضا السفر البعيد وربما قالوه بالكسر. والشقة شظية تشظى من لوح أو ~~خشبة. يقال للغضبان: احتد فطارت منه شقة، بالكسر. (وسيحلفون بالله لو ~~استطعنا) أي لو كان لنا سعة في الظهر والمال. (لخرجنا معكم) نظيره " ولله ~~على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا " [آل عمران: 97] فسرها النبي ms2909 صلى ~~الله عليه وسلم فقال: (زاد وراحلة) وقد تقدم (2). (يهلكون أنفسهم) أي ~~بالكذب والنفاق. (والله يعلم إنهم لكاذبون) في الاعتلال. # قوله تعالى: عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم ~~الكاذبين (43) قوله تعالى: (عفا الله عنك لم أذنت لهم) قيل: هو افتتاح ~~كلام، كما تقول: # أصلحك الله وأعزك ورحمك! كان كذا وكذا. وعلى هذا التأويل يحسن الوقف على ~~قوله: # " عفا الله عنك "، حكاه مكي والمهدوي والنحاس. وأخبره بالعفو قبل الذنب ~~لئلا يطير قلبه فرقا (3). وقيل: المعنى عفا الله عنك ما كان من ذنبك في أن ~~أذنت لهم، فلا يحسن الوقف على قوله: " عفا الله عنك " على هذا التقدير، ~~حكاه المهدوي واختاره النحاس. ثم قيل: # في الاذن قولان: [الأول] " لم أذنت لهم " في الخروج معك، وفي خروجهم بلا ~~عدة ونية صادقة فساد. [الثاني] - " لم أذنت لهم " في القعود لما اعتلوا ~~بأعذار، ذكرهما القشيري قال: وهذا عتاب تلطف إذ قال: " عفا الله عنك ". ~~وكان عليه السلام أذن من غير وحي نزل فيه. قال قتادة وعمرو بن ميمون: ثنتان ~~فعلهما النبي صلى الله عليه وسلم [و] (4) لم يؤمر # PageV08P154 # بهما: إذنه لطائفة من المنافقين في التخلف عنه ولم يكن له أن يمضي شيئا ~~إلا بوحي وأخذه من الأسارى الفدية فعاتبه الله كما تسمعون. قال بعض ~~العلماء: إنما بدر منه ترك الأولى فقدم الله له العفو على الخطاب الذي هو ~~في صورة العتاب. # قوله تعالى: (حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين) أي ليتبين لك من ~~صدق ممن نافق. قال ابن عباس: وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن ~~يومئذ يعرف المنافقين وإنما عرفهم بعد نزول سورة [التوبة]. وقال مجاهد: ~~هؤلاء قوم قالوا: نستأذن في الجلوس فإن أذن لنا جلسنا وإن لم يؤذن لنا ~~جلسنا. وقال قتادة: نسخ هذه الآية بقوله في سورة " النور ": " فإذا ~~استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم " (1) [النور: 62]. ذكره النحاس في ~~معاني القرآن له. # قوله تعالى: لا يستئذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر ms2910 أن يجاهدوا ~~بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين (44) إنما يستئذنك الذين لا يؤمنون ~~بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون (45) قوله تعالى: ~~(لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر) أي في القعود ولا في الخروج، ~~بل إذا أمرت بشئ ابتدروه، فكان الاستئذان في ذلك الوقت من علامات النفاق ~~لغير عذر، ولذلك قال: (إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون). روى أبو داود عن ابن عباس قال: (لا ~~يستأذنك الذين يؤمنون بالله) نسختها التي في (النور) (إنما المؤمنون الذين ~~آمنوا بالله ورسوله - إلى قوله - غفور رحيم) (1) " أن يجاهدوا " في موضع ~~نصب بإضمار في، عن الزجاج. وقيل: التقدير # PageV08P155 # كراهية أن يجاهدوا، كقوله: " يبين الله لكم أن تضلوا " (1) [النساء: ~~176]. (وارتابت قلوبهم) شكت في الدين. (فهم في ريبهم يترددون) أي في شكهم ~~يذهبون ويرجعون. # قوله تعالى: ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم ~~فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين (46) قوله تعالى: (ولو أرادوا الخروج ~~لأعدوا له عدة) أي لو أرادوا الجهاد لتأهبوا أهبة السفر. فتركهم الاستعداد ~~دليل على إرادتهم التخلف. (ولكن كره الله انبعاثهم) أي خروجهم معك. ~~(فثبطهم) أي حبسهم عنك وخذلهم، لأنهم قالوا: إن لم يؤذن لنا في الجلوس ~~أفسدنا وحرضنا على المؤمنين. ويدل على هذا أن بعده " لو خرجوا فيكم ما ~~زادوكم إلا خبالا ". (وقيل اقعدوا مع القاعدين) قيل: هو من قول بعضهم لبعض. ~~وقيل: # هو من قول النبي صلى الله عليه وسلم، ويكون هذا هو الاذن الذي تقدم ذكره. ~~قيل: # قاله النبي صلى الله عليه وسلم غضبا فأخذوا بظاهر لفظه وقالوا. قد أذن ~~لنا. وقيل: # هو عبارة عن الخذلان، أي أوقع الله في قلوبهم القعود. ومعنى (مع ~~القاعدين) أي مع أولى الضرر والعميان والزمني والنسوان والصبيان. # قوله تعالى: لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولا وضعوا خلالكم يبغونكم ~~الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين (47) قوله تعالى: (لو خرجوا ~~فيكم ما زادوكم إلا خبالا) هو تسلية للمؤمنين في تخلف المنافقين ms2911 عنهم. ~~والخبال: الفساد والنميمة وإيقاع الاختلاف والأراجيف. وهذا استثناء منقطع، ~~أي ما زادوكم قوة ولكن طلبوا الخبال. وقيل: المعنى لا يزيدونكم فيما ~~يترددون [فيه] (2) من الرأي إلا خبالا، فلا يكون الاستثناء منقطعا. # PageV08P156 # قوله تعالى: (ولأوضعوا خلالكم) المعنى لأسرعوا فيما بينكم بالافساد. ~~والايضاع، سرعة السير. وقال الراجز: (1) يا ليتني فيها جذع * أخب فيها وأضع ~~يقال: وضع البعير إذا عدا، يضع وضعا ووضوعا (2) إذا أسرع السير. وأوضعته ~~حملته على العدو. وقيل: الايضاع سير مثل الخبب. والخلل الفرجة بين الشيئين، ~~والجمع الخلال، أي الفرج التي تكون بين الصفوف. أي لأوضعوا خلالكم بالنميمة ~~وإفساد ذات البين. # (يبغونكم الفتنة) مفعول ثان. والمعنى يطلبون لكم الفتنة، أي الافساد ~~والتحريض. # ويقال: أبغيته كذا أعنته على طلبه، وبغيته كذا طلبته له. وقيل: الفتنة ~~هنا الشرك. # (وفيكم سماعون لهم) أي عيون لهم ينقلون إليهم الاخبار منكم. قتادة: وفيكم ~~من يقبل منهم قولهم ويطيعهم. النحاس: القول الأول أولى، لأنه الأغلب من ~~معنييه أن معنى سماع يسمع الكلام: ومثله " سماعون للكذب " (3) [المائدة: ~~41]. والقول الثاني: لا يكاد يقال فيه إلا سامع، مثل قائل. # قوله تعالى: لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور حتى جاء الحق ~~وظهر أمر الله وهم كارهون (4) قوله تعالى: (لقد ابتغوا الفتنة من قبل) أي ~~لقد طلبوا الافساد والخبال من قبل أن يظهر أمرهم، وينزل الوحي بما أسروه ~~وبما سيفعلونه. وقال ابن جريج: أراد اثني عشر رجلا من المنافقين، وقفوا على ~~ثنية (4) الوداع ليلة العقبة ليفتكوا بالنبي صلى الله عليه وسلم. # (وقلبوا لك الأمور) أي صرفوها وأجالوا الرأي في إبطال ما جئت به (حتى جاء ~~الحق وظهر أمر الله) أي دينه " وهم كارهون " # PageV08P157 # قوله تعالى: ومنهم من يقول أئذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن ~~جهنم لمحيطة بالكافرين (49) إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد ~~أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا وهم فرحون (50) قوله تعالى: (ومنهم من يقول ~~ائذن لي) من أذن يأذن. وإذا أمرت زدت همزة مكسورة وبعدها همزة هي فاء ~~الفعل، ولا يجتمع ms2912 همزتان فأبدلت من الثانية ياء لكسرة ما قبلها فقلت إيذن. ~~فإذا وصلت زالت العلة في الجمع بين همزتين، ثم همزت فقلت: # " ومنهم من يقول ائذن لي " وروى ورش عن نافع " ومنهم من يقول اوذن لي " ~~خفف الهمزة (1). قال النحاس: يقال إيذن لفلان ثم إيذن له هجاء الأولى ~~والثانية واحد بألف وياء قبل الذال في الخط. فإن قلت: إيذن لفلان وأذن ~~لغيره كان الثاني بغير ياء وكذا الفاء. # والفرق بين ثم والواو أن ثم يوقف عليها وتنفصل والواو والفاء لا يوقف ~~عليهما ولا ينفصلان. قال محمد بن إسحاق: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~للجد بن قيس أخي بني سلمة لما أراد الخروج إلى تبوك: (يا جد، هل لك في جلاد ~~بني الأصفر تتخذ منهم سراري ووصفاء) فقال الجد: قد عرف قومي أني مغرم ~~بالنساء، وإني أخشى إن رأيت بني الأصفر ألا أصبر عنهن فلا تفتني وأذن لي في ~~القعود وأعينك بمالي فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: (قد ~~أذنت لك) فنزلت هذه الآية. أي لا تفتني بصباحة وجوههم، ولم يكن به علة إلا ~~النفاق. قال المهدوي: والأصفر رجل من الحبشة كانت له بنات لم يكن في وقتهن ~~أجمل منهن وكان ببلاد الروم. وقيل: سموا بذلك لان الحبشة غلبت على الروم، ~~وولدت لهم بنات فأخذن من بياض الروم وسواد الحبشة، فكن صفرا لعسا (2). قال ~~ابن عطية: في قول ابن ابن إسحاق فتور. وأسند الطبري أن رسول الله # PageV08P158 # صلى الله عليه وسلم قال: (اغزوا تغنموا بنات الأصفر) فقال له الجد: إيذن ~~لنا ولا تفتنا بالنساء. وهذا منزع غير الأول، وهو أشبه بالنفاق والمحادة. ~~ولما نزلت قال النبي صلى الله عليه وسلم لبني سلمة - وكان الجد بن قيس ~~منهم: (من سيدكم يا بني سلمة)؟ قالوا: # جد بن قيس، غير أنه بخيل جبان. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (وأي داء ~~أدوى (1) من البخل بل سيدكم الفتى الأبيض بشر بن البراء بن معرور). فقال ~~حسان بن ثابت الأنصاري فيه: # وسود ms2913 بشر بن البراء لجوده * وحق لبشر بن البرا أن يسودا إذا ما أتاه ~~الوفد أذهب ماله * وقال خذوه إنني عائد غدا (ألا في الفتنة سقطوا) أي في ~~الاثم والمعصية وقعوا. وهي النفاق والتخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم. ~~(وإن جهنم لمحيطة بالكافرين) أي مسيرهم إلى النار، فهي تحدق بهم. # قوله تعالى: (وإن تصبك حسنة تسؤهم) شرط ومجازاة، وكذا " وإن تصبك مصيبة ~~يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا " عطف عليه. والحسنة: الغنيمة ~~والظفر. # والمصيبة الانهزام. ومعنى قولهم: (أخذنا أمرنا من قبل) أي احتطنا ~~لأنفسنا، وأخذنا بالحزم فلم نخرج إلى القتال. (ويتولوا) أي عن الايمان. ~~(وهم فرحون) أي معجبون بذلك. # قوله تعالى: قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله ~~فليتوكل المؤمنون (51) قوله تعالى: (قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا) ~~قيل: في اللوح المحفوظ. # وقيل: ما أخبرنا به في كتابه من أنا إما أن نظفر فيكون الظفر حسنى لنا، ~~وإما أن نقتل # PageV08P159 # فتكون الشهادة أعظم حسنى لنا. والمعنى كل شئ بقضاء وقدر. وقد تقدم في ~~[الأعراف] أن العلم والقدر والكتاب سواء (1). (هو مولانا) أي ناصرنا. ~~والتوكل تفويض الامر إليه. # وقراءة الجمهور " يصيبنا " نصب بلن. وحكى أبو عبيدة أن من العرب من يجزم ~~بها. وقرأ طلحة بن مصرف " هل يصيبنا " وحكي عن أعين قاضي الري أنه قرأ (قل ~~لن يصيبنا) بنون مشددة. وهذا لحن، لا يؤكد بالنون ما كان خبرا، ولو كان هذا ~~في قراءة طلحة لجاز. قال الله تعالى: " هل يذهبن كيده ما يغيظ " (2) [الحج: ~~15]. # قوله تعالى: قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن ~~يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون (52) قوله ~~تعالى " قل هل تربصون بنا " والكوفيون يدغمون اللام في التاء. فأما لام ~~المعرفة فلا يجوز إلا الادغام، كما قال عز وجل: " التائبون " [التوبة: 112] ~~لكثرة لام المعرفة في كلامهم. # ولا يجوز الادغام في قوله: " قل تعالوا " [الانعام: 151] لان " قل " ~~معتل، فلم يجمعوا عليه علتين. # والتربص ms2914 الانتظار. يقال: تربص بالطعام أي انتظر به إلى حين الغلاء. ~~والحسنى تأنيث الأحسن. وواحد الحسنيين حسنى، والجمع الحسنى. ولا يجوز أن ~~ينطق به إلا معرفا. # لا يقال: رأيت امرأة حسنى. والمراد بالحسنيين الغنيمة والشهادة، عن ابن ~~عباس ومجاهد وغيرهما. واللفظ استفهام والمعنى توبيخ. (ونحن نتربص بكم أن ~~يصيبكم الله بعذاب من عنده) أي عقوبة تهلككم كما أصاب الأمم الخالية من ~~قبلكم. (أو بأيدينا) أي يؤذن لنا في قتالكم. (فتربصوا) تهديد ووعيد. أي ~~انتظروا مواعد الشيطان إنا منتظرون مواعد الله. # PageV08P160 # قوله تعالى: قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما فاسقين ~~(53) فيه أربع مسائل [الأولى] قال ابن عباس: نزلت في الجد بن قيس إذ قال ~~ائذن لي في القعود وهذا مالي أعينك به. ولفظ " أنفقوا " أمر، ومعناه الشرط ~~والجزاء. وهكذا تستعمل العرب في مثل هذا تأتي بأو كما قال الشاعر: (1) ~~أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة * لدينا ولا مقلية إن تقلت والمعنى إن أسأت أو ~~أحسنت فنحن على ما تعرفين. ومعنى الآية: إن أنفقتم طائعين أو مكرهين فلن ~~يقبل منكم. ثم بين عز وجل لم لا يقبل منهم فقال: " وما منعهم أن تقبل منهم ~~نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله " [التوبة: 54] فكان في هذا أدل دليل ~~وهي: # الثانية - على أن أفعال الكافر إذا كانت برا كصلة القرابة وجبر الكسير ~~وإغاثة الملهوف لا يثاب عليها ولا ينتفع بها في الآخرة، بيد أنه يطعم بها ~~في الدنيا. دليله ما رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت يا رسول ~~الله، ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم ويطعم المسكين فهل ذلك نافعه؟ ~~قال: (لا ينفعه، إنه لم يقل يوما رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين). وروي عن ~~أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # (إن الله لا يظلم مؤمنا حسنة يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة ~~وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل لله بها في الدنيا حتى إذا أفضى إلى ~~الآخرة لم يكن له حسنة ms2915 يجزى بها). # وهذا نص. ثم قيل: هل بحكم هذا الوعد الصادق لا بد أن يطعم الكافر ويعطى ~~بحسناته في الدنيا أو ذلك مقيد بمشيئة الله المذكورة في قوله: " عجلنا له ~~فيها ما نشاء لمن نريد " (2) [الاسراء: 18] وهذا هو الصحيح من القولين، ~~والله أعلم. وتسمية ما يصدر عن الكافر حسنة إنما هو بحسب # PageV08P161 # ظن الكافر، وإلا فلا يصح منه قربة، لعدم شرطها المصحح لها وهو الايمان. ~~أو سميت حسنة لأنها تشبه صورة حسنة المؤمن ظاهرا. قولان أيضا. # الثالثة - فإن قيل: فقد روى مسلم عن حكيم بن حزام أنه قال لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: أي وسول الله، أرأيت أمورا كنت أتحنث (1) بها في الجاهلية ~~من صدقة أو عتاقة أو صلة رحم أفيها أجر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: (أسلمت على ما أسلفت من خير) قلنا قوله: (أسلمت على ما أسلفت من خير) ~~مخالف ظاهره للأصول، لان الكافر لا يصح منه التقرب لله تعالى فيكون مثابا ~~على طاعته، لان من شرط المتقرب أن يكون عارفا بالمتقرب إليه، فإذا عدم ~~الشرط انتفى صحة المشروط. فكان المعنى في الحديث: # إنك اكتسبت طباعا جميلة في الجاهلية أكسبتك عادة جميلة في الاسلام. وذلك ~~أن حكيما رضي الله عنه عاش مائة وعشرين سنة، ستين في الاسلام وستين في ~~الجاهلية، فأعتق في الجاهلية مائة رقبة وحمل على مائة بعير؟ وكذلك فعل في ~~الاسلام. وهذا واضح. وقد قيل: لا يبعد في كرم الله أن يثيبه على فعله ذلك ~~بالاسلام، كما يسقط عنه ما ارتكبه في حال كفره من الآثام. وإنما لا يثاب من ~~لم يسلم ولا تاب، ومات كافرا. وهذا ظاهر الحديث. # وهو الصحيح إن شاء الله. وليس عدم شرط الايمان في عدم ثواب ما يفعله من ~~الخير ثم أسلم ومات مسلما بشرط عقلي لا يتبدل، والله أكرم من أن يضيع عمله ~~إذا حسن إسلامه. # وقد تأول الحربي الحديث على هذا المعنى فقال: (أسلمت على ما أسلفت)، أي ~~ما تقدم لك من خير عملته فذلك لك. ms2916 كما تقول: أسلمت على ألف درهم، أي على أن ~~أحرزها لنفسه. والله أعلم. # الرابعة - فإن قيل: فقد روى مسلم عن العباس قال: قلت يا رسول الله [إن] ~~أبا طالب كان يحوطك وينصرك، فهل نفعه ذلك؟ قال: (نعم وجدته في غمرات من ~~النار فأخرجته إلى ضحضاح) (2). قيل له: لا يبعد أن يخفف عن الكافر بعض ~~العذاب # PageV08P162 # بما عمل من الخير، لكن مع انضمام شفاعة، كما جاء في أبي طالب. فأما غيره ~~فقد أخبر التنزيل بقوله: " فما تنفعهم شفاعة الشافعين " (1) [المدثر: 48]. ~~وقال مخبرا عن الكافرين: " فما لنا من شافعين. ولا صديق حميم " (2) ~~[الشعراء: 100، 101]. وقد روى مسلم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ذكر عنده عمه أبو طالب فقال: (لعله تنفعه شفاعتي يوم ~~القيامة فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه). من حديث ~~العباس [رضي الله عنه] (3): # (ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار). # قوله تعالى: (إنكم كنتم قوما فاسقين) أي كافرين. # قوله تعالى: وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله ~~وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون (54) ~~فيه ثلاث مسائل: # الأولى - [قوله تعالى] (4): (وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم) " ~~أن " الأولى في موضع نصب، والثانية في موضع رفع. والمعنى: وما منعهم من أن ~~تقبل منهم نفقاتهم إلا كفرهم وقرأ الكوفيون " أن يقبل منهم " بالياء، لان ~~النفقات والانفاق واحد. # الثانية - قوله تعالى: (ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى) قال ابن عباس: # إن كان في جماعة صلى وإن انفرد لم يصل، وهو الذي لا يرجو على الصلاة ~~ثوابا ولا يخشى في تركها عقابا. فالنفاق يورث الكسل في العبادة لا محالة. ~~وقد تقدم في [النساء] (5) القول في هذا كله. وقد ذكرنا هناك حديث العلاء ~~(6) موعبا. والحمد لله. # الثالثة - قوله تعالى: (ولا ينفقون إلا وهم كارهون) لأنهم يعدونها مغرما ~~ومنعها مغنما وإذا كان الامر كذلك فهي غير متقبلة ولا مثاب عليها حسب ما ~~تقدم. # PageV08P163 # قوله تعالى: فلا ms2917 تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها ~~في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون (55) ويحلفون بالله إنهم لمنكم ~~وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون (56) أي لا تستحسن ما أعطيناهم ولا تمل إليه ~~فإنه استدراج " إنما يريد الله ليعذبهم بها " قال الحسن: المعنى بإخراج ~~الزكاة والانفاق في سبيل الله. وهذا اختيار الطبري. وقال ابن عباس وقتادة: ~~في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة ~~الدنيا إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة. وهذا قول أكثر أهل العربية، ~~ذكره النحاس. وقيل: يعذبهم بالتعب في الجمع. وعلى هذا التأويل وقول الحسن ~~لا تقديم فيه ولا تأخير، وهو حسن. وقيل: المعنى فلا تعجبك أموالهم ولا ~~أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الدنيا لأنهم منافقون، فهم ينفقون ~~كارهين فيعذبون بما ينفقون. (وتزهق أنفسهم وهم كافرون) نص في أن الله يريد ~~أن يموتوا كافرين، سبق بذلك القضاء. # (ويحلفون بالله إنهم لمنكم) بين أن من أخلاق المنافقين الحلف بأنهم ~~مؤمنون. نظيره " إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله " (1) ~~[المنافقون: 1] الآية. والفرق الخوف، أي يخافون أن يظهروا ما هم عليه ~~فيقتلوا. # قوله تعالى: لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون ~~(57) قوله تعالى: (لو يجدون ملجأ) كذا الوقف عليه. وفي الخط بألفين: الأولى ~~همزة، والثانية عوض من التنوين، وكذا [رأيت] جزءا. والملجأ الحصن، عن قتادة ~~وغيره. # ابن عباس: الحرز، وهما سواء. يقال: لجأت إليه لجأ (بالتحريك) (2) وملجأ ~~والتجأت إليه # PageV08P164 # بمعنى. والموضع أيضا لجأ وملجأ. والتلجئة الاكراه. وألجأته إلى الشئ ~~اضطررته إليه. # وألجأت أمري إلى الله أسندته. وعمرو بن لجأ التميمي (1) الشاعر عن ~~الجوهري. (أو مغارات) جمع مغارة، من غار يغير. قال الأخفش: ويجوز أن يكون ~~من أغار يغير، كما قال الشاعر: # * الحمد لله ممسانا ومصبحنا (2) * قال ابن عباس: المغارات الغيران ~~والسراديب، وهي المواضع التي يستتر فيها، ومنه غار الماء وغارت العين. (أو ~~مدخلا) مفتعل من الدخول، أي مسلكا نختفي بالدخول فيه، وأعاده لاختلاف ~~اللفظ. قال النحاس: الأصل ms2918 فيه مدتخل، قلبت التاء دالا، لان الدال مجهورة ~~والتاء مهموسة وهما من مخرج واحد. وقيل: الأصل فيه متدخل على متفعل، كما في ~~قراءة أبي: " أو متدخلا " ومعناه دخول بعد دخول، أي قوما يدخلون معهم. ~~المهدوي: # متدخلا من تدخل مثل تفعل إذا تكلف الدخول. وعن أبي أيضا: مندخلا من ~~اندخل، وهو شاذ، لان ثلاثيه غير متعد عند سيبويه وأصحابه. وقرأ الحسن وابن ~~أبي إسحاق وابن محيصن: " أو مدخلا " بفتح الميم وإسكان الدال. قال الزجاج: ~~ويقرأ " أو مدخلا " بضم الميم وإسكان الدال. الأول من دخل يدخل. والثاني من ~~أدخل يدخل. كذا المصدر والمكان والزمان كما أنشد سيبويه: # * مغار ابن همام على حي خثعما (3) * وروي عن قتادة وعيسى والأعمش " أو ~~مدخلا " بتشديد الدال والخاء. والجمهور بتشديد الدال وحدها، أي مكانا ~~يدخلون فيه أنفسهم. فهذه ست قراءات. (لولوا إليه) # PageV08P165 # أي لرجعوا إليه. (وهم يجمحون) أي يسرعون، لا يرد وجوههم شئ. من جمح الفرس ~~إذا لم يرده اللجام. قال الشاعر: # سبوحا جموحا وإحضارها * كمعمعة السعف الموقد (1) والمعنى: لو وجدوا شيئا ~~من هذه الأشياء المذكورة لولوا إليه مسرعين هربا من المسلمين. # قوله تعالى: ومنهم من يلزمك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن يعطوا ~~منها إذا هم يسخطون (58) قوله تعالى: " ومنهم من يلزمك في الصدقات " أي ~~يطعن عليك، عن قتادة. # الحسن: يعيبك. وقال مجاهد: أي يروزك (2) ويسألك. النحاس: والقول عند أهل ~~اللغة قول قتادة والحسن. يقال: لمزه يلمزه إذا عابه. واللمز في اللغة العيب ~~في السر. قال الجوهري: اللمز العيب، وأصله الإشارة بالعين ونحوها، وقد لمزه ~~يلمزه ويلمزه وقرئ بهما " ومنهم من يلمزك في الصدقات ". ورجل لماز ولمزة أي ~~عياب. ويقال أيضا: لمزه يلمزه إذا دفعه وضربه. والهمز مثل اللمز. والهامز ~~والهماز العياب، والهمزة مثله. يقال: # رجل همزة وامرأة همزة أيضا. وهمزه أي دفعه وضربه. ثم قيل: اللمز في ~~الوجه، والهمز بظهر الغيب. وصف الله قوما من المنافقين بأنهم عابوا النبي ~~صلى الله عليه وسلم في تفريق الصدقات، وزعموا أنهم فقراء ليعطيهم. قال أبو ~~سعيد الخدري: ms2919 بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم مالا إذ جاءه حرقوص ~~بن زهير أصل الخوارج، ويقال له ذو الخويصرة التميمي، فقال: اعدل يا رسول ~~الله. فقال: (ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل) فنزلت الآية. حديث صحيح أخرجه ~~مسلم بمعناه. وعندها قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: # دعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق. فقال: (معاذ الله أن يتحدث الناس ~~أني أقتل أصحابي إن هذا وأصحابه يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون منه ~~كما يمرق السهم من الرمية). # PageV08P166 # قوله تعالى: ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله ~~سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون (59) قوله تعالى: " ولو ~~أنهم رضوا ما آتاهم الله " جواب " لو " محذوف، التقدير لكان خيرا لهم. # قوله تعالى: إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة ~~قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله ~~والله عليم حكيم (60) فيه ثلاثون مسألة: # الأولى - قوله تعالى: (إنما الصدقات للفقراء) خص الله سبحانه بعض الناس ~~بالأموال دون بعض نعمة منه عليهم، وجعل شكر ذلك منهم إخراج سهم يؤدونه إلى ~~من لا مال له، نيابة عنه سبحانه فيما ضمنه بقوله: " وما من دابة في الأرض ~~إلا على الله رزقها " (1) [هود: 6]. # الثانية - قوله تعالى: " للفقراء " تبيين لمصارف الصدقات والمحل، حتى لا ~~تخرج عنهم. ثم الاختيار إلى من يقسم، هذا قول مالك وأبي حنيفة وأصحابهما. ~~كما يقال: السرج للدابة والباب للدار. وقال الشافعي: اللام لام التمليك، ~~كقولك: المال لزيد وعمرو وبكر، فلا بد من التسوية بين المذكورين. قال ~~الشافعي وأصحابه: وهذا كما لو أوصى لأصناف معينين أو لقوم معينين. واحتجوا ~~بلفظة " إنما " وأنها تقتضي الحصر في وقوف الصدقات على الثمانية الأصناف ~~وعضدوا هذا بحديث زياد بن الحارث الصدائي قال: أتيت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهو يبعث إلى قومي جيشا فقلت: يا رسول الله احبس جيشك فأنا لك ~~بإسلامهم وطاعتهم، وكتبت إلى قومي فجاء إسلامهم وطاعتهم. فقال رسول الله ~~صلى الله عليه # PageV08P167 # وسلم: (يا ms2920 أخا صداء المطاع في قومه). قال: قلت بل من الله عليهم وهداهم، ~~قال: # ثم جاءه رجل يسأل عن الصدقات، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن ~~الله لم يرض في الصدقات بحكم نبي ولا غيره حتى جزأها ثمانية أجزاء فإن كنت ~~من أهل تلك الأجزاء أعطيتك) رواه أبو داود والدارقطني. واللفظ للدارقطني. ~~وحكي عن زين العابدين أنه قال: إنه تعالى علم قدر ما يدفع من الزكاة وما ~~تقع به الكفاية لهذه الأصناف، وجعله حقا لجميعهم، فمن منعهم ذلك فهو الظالم ~~لهم رزقهم. وتمسك علماؤنا بقول تعالى: " إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن ~~تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم " (1) [البقرة: 271]. والصدقة متى ~~أطلقت في القرآن فهي صدقة الفرض. وقال صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن آخذ ~~الصدقة من أغنيائكم وأردها على فقرائكم). وهذا نص في ذكر أحد الأصناف ~~الثمانية قرآنا وسنة، وهو قول عمر بن الخطاب وعلي وابن عباس وحذيفة. وقال ~~به من التابعين جماعة. قالوا: # جائز أن يدفعها إلى الأصناف الثمانية، وإلى أي صنف منها دفعت جاز. روى ~~المنهال بن عمرو عن زر بن حبيش عن حذيفة في قوله: " إنما الصدقات للفقراء ~~والمساكين " قال: # إنما ذكر الله هذه الصدقات لتعرف وأي صنف منها أعطيت أجزأك. وروى سعيد ~~ابن جبير عن ابن عباس " إنما الصدقات للفقراء والمساكين " قال: في أيها ~~وضعت أجزأ عنك. وهو قول الحسن وإبراهيم وغيرهما. قال الكيا الطبري: حتى ~~ادعى مالك الاجماع على ذلك. # قلت: يريد إجماع الصحابة، فإنه لا يعلم لهم مخالف منهم على ما قال أبو ~~عمر، والله أعلم. ابن العربي: والذي جعلناه فيصلا بيننا وبينهم أن الأمة ~~اتفقت على أنه لو أعطي كل صنف حظه لم يجب تعميمه، فكذلك تعميم الأصناف ~~مثله. والله أعلم. # الثالثة - واختلف علماء اللغة وأهل الفقه في الفرق بين الفقير والمسكين ~~على تسعة أقوال: فذهب يعقوب بن السكيت والقتبي ويونس بن حبيب إلى أن الفقير ~~أحسن حالا من # PageV08P168 # المسكين. قالوا: الفقير هو الذي له بعض ما يكفيه ويقيمه، والمسكين ms2921 الذي ~~لا شئ له، واحتجوا بقول الراعي: # أما الفقير الذي كانت حلوبته * وفق العيال فلم يترك له سبد (1) وذهب إلى ~~هذا قوم من أهل اللغة والحديث منهم أبو حنيفة والقاضي عبد الوهاب، والوفق ~~من الموافقة بين الشيئين كالالتحام، يقال: حلوبته وفق عياله أي لها لبن قدر ~~كفايتهم لا فضل فيه، عن الجوهري. وقال آخرون بالعكس، فجعلوا المسكين أحسن ~~حالا من الفقير. # واحتجوا بقوله تعالى: " أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر " (2) ~~[الكهف: 79]. فأخبر أن لهم سفينة من سفن البحر. وربما ساوت جملة من المال. ~~وعضدوه بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تعوذ من الفقر. وروي عنه ~~أنه قال: " اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا ". فلو كان المسكين أسوأ حالا ~~من الفقير لتناقض الخبران، إذ يستحيل أن يتعوذ من الفقر ثم يسأل ما هو أسوأ ~~حالا منه، وقد استجاب الله دعاءه وقبضه وله مما أفاء الله عليه، ولكن لم ~~يكن معه تمام الكفاية، ولذلك رهن درعه. قالوا: وأما بيت الراعي فلا حجة ~~فيه، لأنه إنما ذكر أن الفقير كانت له حلوبة في حال. قالوا: والفقير معناه ~~في كلام العرب المفقور الذي نزعت فقره (3) من ظهره من شدة الفقر فلا حال ~~أشد من هذه. وقد أخبر الله عنهم بقوله " لا يستطيعون ضربا في الأرض " (4) ~~[البقرة: 273]. واستشهدوا بقول الشاعر: # لما رأى لبد النسور تطايرت * رفع القوادم كالفقير الأعزل (5) أي لم يطق ~~الطيران فصار بمنزلة من انقطع صلبه ولصق بالأرض. ذهب إلى هذا الأصمعي ~~وغيره، وحكاه الطحاوي عن الكوفيين. وهو أحد قولي الشافعي وأكثر أصحابه. ~~وللشافعي # PageV08P169 # قول آخر: أن الفقير والمسكين سواء، لا فرق بينهما في المعنى وإن افترقا ~~في الاسم، وهو القول الثالث. وإلى هذا ذهب ابن القاسم وسائر أصحاب مالك، ~~وبه قال أبو يوسف. # قلت: ظاهر اللفظ يدل على أن المسكين غير الفقير، وأنهما صنفان، إلا أن ~~أحد الصنفين أشد حاجة من الآخر، فمن هذا الوجه يقرب قول من جعلهما صنفا ~~واحدا، والله أعلم. ولا حجة في قول من احتج ms2922 بقوله تعالى: " أما السفينة ~~فكانت لمساكين " [الكهف: 79] لأنه يحتمل أن تكون مستأجرة لهم، كما يقال: ~~هذه دار فلان إذا كان ساكنها وإن كانت لغيره. وقد قال تعالى في وصف أهل ~~النار: " ولهم مقامع من حديد " (1) [الحج: 21] فأضافها إليهم. # وقال تعالى: " ولا تؤتوا السفهاء أموالكم " (2) [النساء: 5]. وقال صلى ~~الله عليه وسلم: (من باع عبدا وله مال) وهو كثير جدا يضاف الشئ إليه وليس ~~له. ومنه قولهم: باب الدار. وجل الدابة، وسرج الفرس، وشبهه. ويجوز أن يسموا ~~مساكين على جهة الرحمة والاستعطاف، كما يقال لمن امتحن بنكبة أو دفع إلى ~~بلية مسكين. وفي الحديث (مساكين أهل النار) وقال الشاعر: # مساكين أهل الحب حتى قبورهم * عليها تراب الذل بين المقابر وأما ما ~~تأولوه من قوله عليه السلام: (اللهم أحيني مسكينا) الحديث. رواه أنس، فليس ~~كذلك، وإنما المعنى ها هنا: التواضع لله الذي لا جبروت فيه ولا نخوة، ولا ~~كبر ولا بطر، ولا تكبر ولا أشر. ولقد أحسن أبو العتاهية حيث قال: # إذا أردت شريف القوم كلهم * فانظر إلى ملك في زي مسكين ذاك الذي عظمت في ~~الله رغبته * وذاك يصلح للدنيا وللدين وليس بالسائل، لان النبي صلى الله ~~عليه وسلم قد كره السؤال ونهى عنه، وقال في امرأة سوداء أبت أن تزول [له] ~~(3) عن الطريق: (دعوها فإنها جبارة) (4) وأما قوله تعالى: " للفقراء الذين ~~أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض " [البقرة: 273] فلا يمتنع ~~أن يكون لهم شئ. # والله أعلم. وما ذهب إليه أصحاب مالك والشافعي في أنهما سواء حسن. ويقرب ~~منه # PageV08P170 # ما قاله مالك في كتاب ابن سحنون، قال: الفقير المحتاج المتعفف، والمسكين ~~السائل، وروي عن ابن عباس وقاله الزهري، واختاره ابن شعبان (1) وهو القول ~~الرابع. وقول خامس - قال محمد بن مسلمة: الفقير الذي له المسكن والخادم إلى ~~من هو أسفل من ذلك. والمسكين الذي لا مال له. # قلت: وهذا القول عكس ما ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو، وسأله رجل ~~فقال: ألسنا من فقراء المهاجرين؟ فقال له ms2923 عبد الله: ألك امرأة تأوي إليها؟ ~~قال نعم. # قال: ألك مسكن تسكنه؟ قال نعم. قال: فأنت من الأغنياء. قال: فإن لي خادما ~~قال: فأنت من الملوك. وقول سادس: روي عن ابن عباس قال: الفقراء من ~~المهاجرين، والمساكين من الاعراب الذين لم يهاجروا وقال الضحاك. وقول سابع ~~- وهو أن المسكين الذي يخشع ويستكن وإن لم يسأل. والفقير الذي يتحمل ويقبل ~~الشئ سرا ولا يخشع، قاله عبيد الله بن الحسن. وقول ثامن قاله مجاهد وعكرمة ~~والزهري - المساكين الطوافون، والفقراء فقراء المسلمين. وقول تاسع قاله ~~عكرمة أيضا - أن الفقراء فقراء المسلمين، والمساكين فقراء أهل الكتاب. ~~وسيأتي. # الرابعة - وهي فائدة الخلاف في الفقراء والمساكين، هل هما صنف واحد أو ~~أكثر تظهر فيمن أوصى بثلث ماله لفلان وللفقراء والمساكين، فمن قال هما صنف ~~واحد قال: # يكون لفلان نصف الثلث وللفقراء والمساكين نصف الثلث الثاني. ومن قال هما ~~صنفان يقسم الثلث بينهم أثلاثا. # الخامسة - وقد اختلف العلماء في حد الفقر الذي يجوز معه الاخذ - بعد ~~إجماع أكثر من يحفظ عنه من أهل العلم - أن من له دارا وخادما لا يستغني ~~عنهما أن له أن يأخذ من الزكاة، وللمعطي أن يعطيه. وكان مالك يقول: إن لم ~~يكن في ثمن الدار والخادم فضلة عما يحتاج إليه منهما جاز له الاخذ وإلا لم ~~يجز، ذكره ابن المنذر. وبقول مالك قال النخعي والثوري. وقال أبو حنيفة: من ~~معه عشرون دينارا أو مائتا درهم فلا يأخذ من الزكاة. # PageV08P171 # فاعتبر النصاب لقوله عليه السلام: (أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأرد ~~ها في فقرائكم). وهذا واضح، ورواه المغيرة عن مالك. وقال الثوري وأحمد ~~وإسحاق وغيرهم: # لا يأخذ من له خمسون درهما أو قدرها من الذهب، ولا يعطي منها أكثر من ~~خمسين در هما إلا أن يكون غارما، قاله أحمد وإسحاق. وحجة هذا القول ما رواه ~~الدارقطني عن عبد الله ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تحل ~~الصدقة لرجل له خمسون درهما). # في إسناده عبد الرحمن بن إسحاق ضعيف، ms2924 وعنه بكر بن خنيس ضعيف أيضا. ورواه ~~حكيم ابن جبير عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد عن أبيه عن عبد الله عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم نحوه، وقال: خمسون درهما. وحكيم بن جبير ضعيف تركه شعبة ~~وغيره، قاله الدارقطني رحمه الله. وقال أبو عمر: هذا الحديث يدور على حكيم ~~بن جبير وهو متروك. وعن علي وعبد الله قالا: لا تحل الصدقة لمن له خمسون ~~درهما أو قيمتها من الذهب، ذكره الدارقطني وقال الحسن البصري: لا يأخذ من ~~له أربعون درهما. ورواه الواقدي عن مالك. وحجة هذا القول ما رواه الدارقطني ~~عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من سأل ~~الناس وهو غني جاء يوم القيامة وفي وجهه كدوح وخدوش). فقيل: # يا رسول الله وما غناؤه؟ قال: (أربعون درهما). وفي حديث مالك عن زيد بن ~~أسلم عن عطاء بن يسار عن رجل من بني أسد فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ~~من سأل منكم وله أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافا والأوقية أربعون درهما). ~~والمشهور عن مالك ما رواه ابن القاسم عنه أنه سئل: هل يعطى من الزكاة من له ~~أربعون درهما؟ قال نعم. قال أبو عمر: يحتمل أن يكون الأول قويا على ~~الاكتساب حسن التصرف. والثاني ضعيفا عن الاكتساب، أو من له عيال. والله ~~أعلم. وقال الشافعي وأبو ثور. من كان قويا على الكسب والتحرف مع قوة البدن ~~وحسن التصرف حتى يغنيه ذلك عن الناس فالصدقة عليه حرام. واحتج بحديث النبي ~~صلى الله عليه وسلم (لا تحل الصدقة لغنى ولا لذي مرة (1) سوي) رواه عبد ~~الله بن عمر، # PageV08P172 # وأخرجه أبو داود والترمذي والدارقطني. وروى جابر قال: جاءت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم صدقة فركبه الناس، فقال: (إنها لا تصلح لغني ولا لصحيح ولا ~~لعامل) أخرجه الدارقطني. وروى أبو داود عن عبيد الله بن عدي بن الخيار قال: ~~أخبرني رجلان أنهما أتيا النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وهو يقسم ms2925 ~~الصدقة فسألاه منها، فرفع فينا النظر وخفضه، فرآنا جلدين فقال: (إن شئتما ~~أعطيتكما ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب). ولأنه قد صار غنيا بكسبه كغنى ~~غيره بماله فصار كل واحد منهما غنيا عن المسألة. وقاله ابن خويز منداد، ~~وحكاه عن المذهب. وهذا لا ينبغي أن يعول عليه، فإن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان يعطيها الفقراء ووقوفها على الزمن باطل. قال أبو عيسى الترمذي في ~~جامعه: إذا كان الرجل قويا محتاجا ولم يكن عنده شئ فتصدق عليه أجزأ عن ~~المتصدق عند أهل العلم. ووجه الحديث عند بعض أهل العلم على المسألة. وقال ~~الكيا الطبري: والظاهر يقتضي جواز ذلك، لأنه فقير مع قوته وصحة بدنه. وبه ~~قال أبو حنيفة وأصحابه. وقال عبيد الله بن الحسن: من لا يكون له ما يكفيه ~~ويقيمه سنة فإنه يعطى الزكاة. وحجته ما رواه ابن شهاب عن مالك بن أوس بن ~~الحدثان عن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدخر مما ~~أفاء الله عليه قوت سنة، ثم يجعل ما سوى ذلك في الكراع (1) والسلاح مع قوله ~~تعالى: " ووجدك عائلا فأغنى " (2) [الضحى: 8]. وقال بعض أهل العلم: لكل ~~واحد أن يأخذ من الصدقة فيما لا بد له منه. وقال قوم: من عنده عشاء ليلة ~~فهو غني وروي عن علي. # واحتجوا بحديث علي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من سأل مسألة ~~عن ظهر غنى استكثر بها من رضف (3) جهنم) قالوا: يا رسول الله، وما ظهر ~~الغنى؟ قال: (عشاء ليلة) أخرجه الدارقطني وقال: في إسناده عمرو بن خالد وهو ~~متروك. وأخرجه أبو داود عن سهل ابن الحنظلية عن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وفيه: (من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من النار). وقال النفيلي في ~~موضع آخر (من جمر جهنم). فقالوا: يا رسول الله وما يغنيه؟ # PageV08P173 # وقال النفيلي في موضع آخر: وما الغنى الذي لا تنبغي معه المسألة؟ قال: ~~(قدر ما يغديه ويعشيه). وقال النفيلي في موضع آخر: (أن يكون ms2926 له شبع يوم ~~وليلة أو ليلة ويوم). # قلت: فهذا ما جاء في بيان الفقر الذي يجوز معه الاخذ. ومطلق لفظ الفقراء ~~لا يقتضي الاختصاص بالمسلمين دون أهل الذمة، ولكن تظاهرت الاخبار في أن ~~الصدقات تؤخذ من أغنياء المسلمين فترد في فقرائهم. وقال عكرمة: الفقراء ~~فقراء المسلمين، والمساكين فقراء أهل الكتاب. وقال أبو بكر العبسي: رأى عمر ~~بن الخطاب ذميا مكفوفا مطروحا على باب المدينة فقال له عمر: مالك؟ قال: ~~استكروني في هذه الجزية، حتى إذا كف بصري تركوني وليس لي أحد يعود علي بشئ. ~~فقال عمر: ما أنصفت إذا، فأمر له بقوته وما يصلحه. # ثم قال: هذا من الذين قال الله تعالى [فيهم] (1): " إنما الصدقات للفقراء ~~والمساكين " الآية. # وهم زمني أهل الكتاب) ولما قال تعالى: " إنما الصدقات للفقراء والمساكين ~~" الآية، وقابل الجملة بالجملة وهي جملة الصدقة بجملة المصرف بين النبي صلى ~~الله عليه وسلم ذلك، فقال لمعاذ حين أرسله إلى اليمن: (أخبرهم أن الله ~~افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم). فاختص أهل كل بلد ~~بزكاة بلده. وروى أبو داود أن زيادا أو بعض الامراء بعث عمران بن حصين على ~~الصدقة، فلما رجع قال لعمران: أين المال؟ قال: وللمال أرسلتني! أخذناها من ~~حيث كنا نأخذها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ووضعنا ها حيث كنا ~~نضعها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وروى الدارقطني والترمذي عن ~~عون بن أبي جحيفة [عن أبيه] (2) قال: قدم علينا مصدق النبي صلى الله عليه ~~وسلم فأخذ الصدقة من أغنيائنا فجعلها في فقرائنا فكنت غلاما يتيما فأعطاني ~~منها قلوصا. قال الترمذي: # وفي الباب عن ابن عباس حديث ابن أبي جحيفة حديث حسن. # PageV08P174 # السادسة - وقد اختلفت العلماء في نقل الزكاة عن موضعها على ثلاثة أقوال ~~لا تنقل، قاله سحنون وابن القاسم، وهو الصحيح لما ذكرناه. قال ابن القاسم ~~أيضا: وإن نقل بعضها لضرورة رأيته صوابا. وروي عن سحنون أنه قال: ولو بلغ ~~الامام أن ببعض البلاد حاجة شديدة جاز له ms2927 نقل بعض الصدقة المستحقة لغيره ~~إليه، فإن الحاجة إذا نزلت وجب تقديمها على من ليس بمحتاج (والمسلم أخو ~~المسلم لا يسلمه (1) ولا يظلمه). والقول الثاني تنقل. وقاله مالك أيضا. # وحجة هذا القول ما روي أن معاذا قال لأهل اليمن: ايتوني بخميس أو لبيس ~~آخذه منكم مكان الذرة والشعير في الصدقة فإنه أيسر عليكم وأنفع للمهاجرين ~~بالمدينة. أخرجه الدارقطني وغيره. # والخميس لفظ مشترك، وهو هنا الثوب طوله خمس أذرع. ويقال: سمي بذلك لان ~~أول من عمله الخمس ملك من ملوك اليمن، ذكره ابن فارس في المجمل والجوهري ~~أيضا. وفي هذا الحديث دليلان: أحدهما: ما ذكرناه من نقل الزكاة من اليمن ~~إلى المدينة، فيتولى النبي صلى الله عليه وسلم قسمتها. ويعضد هذا قوله ~~تعالى: " إنما الصدقات للفقراء " ولم يفصل بين فقير بلد وفقير آخر. والله ~~أعلم. الثاني - أخذ القيمة في الزكاة. وقد اختلفت الرواية عن مالك في إخراج ~~القيم في الزكاة (2)، فأجاز ذلك مرة ومنع منه أخرى، فوجه الجواز - وهو قول ~~أبي (3) حنيفة - هذا الحديث. وثبت في صحيح البخاري من حديث أنس عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم (من بلغت عنده [من الإبل (4)] صدقة الجذعة وليست عنده ~~[جذعة] (4) وعنده حقة فإنه تؤخذ (5) منه وما استيسرنا من شاتين أو عشرين ~~درهما). الحديث. وقال صلى الله عليه وسلم: # (اغنوهم عن سؤال هذا اليوم) يعني يوم الفطر. وإنما أراد أن يغنوا بما يسد ~~حاجتهم، فأي شئ سد حاجتهم جاز. وقد قال تعالى: " خذ من أموالهم صدقة " ~~[التوبة: 103] ولم يخص شيئا من شئ. ولا يدفع عند أبي حنيفة سكنى دار بدل ~~الزكاة، مثل أن يجب عليه خمسة دراهم فأسكن فيها فقيرا شهرا فإنه لا يجوز. ~~قال: لان السكنى ليس بمال. # PageV08P175 # ووجه قوله: لا تجزي القيم - وهو ظاهر المذهب - فلان النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: (في خمس من الإبل شاة وفي أربعين شاة شاة) فنص على الشاة، فإذا ~~لم يأت بها لم يأت بمأمور به، وإذا لم يأت بالمأمور به فالامر باق عليه. # القول الثالث - وهو ms2928 أن سهم الفقراء والمساكين يقسم في الموضع، وسائر ~~السهام تنقل باجتهاد الامام. والقول الأول أصح. والله أعلم. # السابعة - وهل المعتبر مكان المال وقت تمام الحول فتفرق الصدقة فيه، أو ~~مكان المالك إذ هو المخاطب، قولان. واختار الثاني أبو عبد الله محمد بن ~~خويزمنداد في أحكامه قال: لان الانسان هو المخاطب بإخراجها فصار المال تبعا ~~له، فيجب أن يكون الحكم فيه بحيث المخاطب. كابن السبيل فإنه يكون غنيا في ~~بلده فقيرا في بلد آخر، فيكون الحكم له حيث هو. # مسألة: واختلفت الرواية عن مالك فيمن أعطى فقيرا مسلما فانكشف في ثاني ~~حال أنه أعطى عبدا أو كافرا أو غنيا، فقال مرة: تجزيه ومرة لا تجزيه. وجه ~~الجواز - وهو الأصح - ما رواه مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: (قال رجل لا تصدقن الليلة بصدقة فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية ~~فأصبحوا يتحدثون تصدق الليلة على زانية قال اللهم لك الحمد على زانية لا ~~تصدقن بصدقة فخرج بصدقته فوضعها في يد غني فأصبحوا يتحدثون تصدق على غني ~~قال اللهم لك الحمد على غني لا تصدقن بصدقة فخرج بصدقته فوضعها في يد سارق ~~فأصبحوا يتحدثون تصدق على سارق فقال اللهم لك الحمد على زانية وعلى غني ~~وعلى سارق فأتي فقيل له أما صدقتك فقد قبلت أما الزانية فلعلها تستعف بها ~~عن زناها ولعل الغني يعتبر فينفق مما أعطاه الله ولعل السارق يستعف بها عن ~~سرقته). وروي أن رجلا أخرج زكاة ماله فأعطاها أباه، فلما أصبح علم بذلك، ~~فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: # (قد كتب لك أجر زكاتك وأجر صلة الرحم فلك أجران). ومن جهة المعنى أنه سوغ ~~له الاجتهاد في المعطى، فإذا اجتهد وأعطى من يظنه من أهلها فقد أتى بالواجب ~~عليه. PageV08P176 # ووجه قوله: لا يجزي. أنه لم يضعها في مستحقها، فأشبه العمد، ولأن العمد ~~والخطأ في ضمان الأموال واحد فوجب أن يضمن ما أتلف، على المساكين حتى يوصله ~~إليهم. # الثامنة - فإن أخرج الزكاة عند محلها ms2929 فهلكت من غير تفريط لم يضمن، لأنه ~~وكيل للفقراء. فإن أخرجها بعد ذلك بمدة فهلكت ضمن، لتأخيرها عن محلها ~~فتعلقت بذمته فلذلك ضمن. والله أعلم. # التاسعة - وإذا كان الامام يعدل في الاخذ والصرف لم يسغ للمالك أن يتولى ~~الصرف بنفسه في الناض (1) ولا في غيره. وقد قيل: إن زكاة الناض على (2) ~~أربابه. وقال ابن الماجشون: ذلك إذا كان الصرف للفقراء والمساكين خاصة، فإن ~~احتيج إلى صرفها لغيرهما من الأصناف فلا يفرق عليهم إلا الامام. وفروع هذا ~~الباب كثيرة، هذه أمهاتها. # العاشرة - قوله تعالى: (والعاملين عليها) يعني السعاة والجباة الذين ~~يبعثهم الامام لتحصيل الزكاة بالتوكيل على ذلك. روى البخاري عن أبي حميد ~~الساعدي قال: استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من الأسد على صدقات ~~بني سليم يدعى ابن اللتبية (3)، فلما جاء حاسبه. واختلف العلماء في المقدار ~~الذي يأخذونه على ثلاثة أقوال: قال مجاهد والشافعي: هو الثمن. ابن عمر ~~ومالك: يعطون قدر عملهم من الأجرة، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه. قالوا: لأنه ~~عطل نفسه لمصلحة الفقراء، فكانت كفايته وكفاية أعوانه في مالهم، كالمرأة ~~لما عطلت نفسها لحق الزوج كانت نفقتها ونفقة أتباعها من خادم أو خادمين على ~~زوجها. ولا تقدر بالثمن، بل تعتبر الكفاية ثمنا كان أو أكثر، كرزق القاضي. ~~ولا تعتبر كفاية الأعوان في زماننا لأنه إسراف محض. القول الثالث - يعطون ~~من بيت المال. قال ابن العربي: وهذا قول صحيح عن مالك بن أنس من رواية ابن # PageV08P177 # أبي أويس وداود بن سعيد بن زنبوعة، وهو ضعيف دليلا، فإن الله سبحانه قد ~~أخبر بسهمهم فيها نصا فكيف يخلفون عنه استقراء وسبرا. والصحيح الاجتهاد في ~~قدر الأجرة، لان البيان في تعديد الأصناف إنما كان للمحل لا للمستحق، على ~~ما تقدم. # واختلفوا في العامل إذا كان هاشميا، فمنعه أبو حنيفة لقوله عليه السلام: ~~(إن الصدقة لا تحل لآل محمد إنما هي أوساخ الناس). وهذه صدقة من وجه، لأنها ~~جزء من الصدقة فتلحق بالصدقة من كل وجه كرامة وتنزيها لقرابة رسول الله صلى ms2930 ~~الله عليه وسلم عن غسالة الناس. وأجاز عمله مالك والشافعي، ويعطى أجر ~~عمالته، لان النبي صلى الله عليه وسلم بعث علي بن أبي طالب مصدقا، وبعثه ~~عاملا إلى اليمن على الزكاة، وولى جماعة من بني هاشم وولى الخلفاء بعده ~~كذلك. ولأنه أجير على عمل مباح فوجب أن يستوي فيه الهاشمي وغيره اعتبارا ~~بسائر الصناعات. قالت الحنفية: حديث علي ليس فيه أنه فرض له من الصدقة، فإن ~~فرض له من غيرها جاز. وروي عن مالك. # الحادية عشرة - ودل قوله تعالى: " والعاملين عليها " على أن كل ما كان من ~~فروض الكفايات كالساعي والكاتب والقسام والعاشر وغيرهم فالقائم به يجوز له ~~أخذ الأجرة عليه. # ومن ذلك الإمامة، فإن الصلاة وإن كانت متوجهة على جميع الخلق فإن تقدم ~~بعضهم بهم من فروض الكفايات، فلا جرم يجوز أخذ الأجرة عليها. وهذا أصل ~~الباب، وإليه أشار النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (ما تركت بعد نفقة ~~نسائي (1) ومؤنة عاملي فهو صدقة) قاله ابن العربي. # الثانية عشرة - قوله تعالى: لا ذكر للمؤلفة قلوبهم في التنزيل في غير قسم ~~الصدقات، وهم قوم كانوا في صدر الاسلام ممن يظهر الاسلام، يتألفون بدفع سهم ~~من الصدقة إليهم لضعف يقينهم. قال الزهري: المؤلفة من أسلم من يهودي أو ~~نصراني وإن كان غنيا. وقال بعض المتأخرين: اختلف في صفتهم، فقيل: هم صنف من ~~الكفار # PageV08P178 # يعطون ليتألفوا على الاسلام، وكانوا لا يسلمون بالقهر والسيف، ولكن ~~يسلمون بالعطاء والاحسان. وقيل: هم قوم أسلموا في الظاهر ولم تستيقن ~~قلوبهم، فيعطون ليتمكن الاسلام في صدورهم. وقيل: هم قوم من عظماء المشركين ~~لهم أتباع يعطون ليتألفوا أتباعهم على الاسلام. قال: وهذه الأقوال متقاربة ~~والقصد بجميعها الاعطاء لمن لا يتمكن إسلامه حقيقة إلا بالعطاء، فكأنه ضرب ~~من الجهاد. # والمشركون ثلاثة أصناف: صنف يرجع بإقامة البرهان. # وصنف بالقهر. وصنف بالاحسان. والامام الناظر للمسلمين يستعمل مع كل صنف ~~ما يراه سببا لنجاته وتخليصه من الكفر. وفي صحيح مسلم من حديث أنس، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أعني للأنصار ms2931 -: (فإني أعطي رجالا حديثي عهد ~~بكفر أتألفهم) الحديث. # قال ابن إسحاق: أعطاهم يتألفهم ويتألف بهم قومهم. وكانوا أشرافا، فأعطى ~~أبا سفيان بن حرب مائة بعير، وأعطى ابنه مائة بعير، وأعطى حكيم بن حزام ~~مائة بعير، وأعطى الحارث ابن هشام مائة بعير، وأعطى سهيل بن عمرو مائة ~~بعير، وأعطى حويطب بن عبد العزى مائة بعير، وأعطى صفوان بن أمية مائة بعير. ~~وكذلك أعطى مالك بن عوف والعلاء بن جارية. # قال: فهؤلاء أصحاب المئين. وأعطى رجالا من قريش دون المائة منهم مخرمة بن ~~نوفل الزهري وعمير بن وهب الجمحي، وهشام بن عمرو العامري. قال ابن إسحاق: ~~فهؤلاء لا أعرف ما أعطاهم. وأعطى سعيد بن يربوع خمسين بعيرا، وأعطى عباس بن ~~مرداس السلمي أباعر قليلة فسخطها. فقال في ذلك: # كانت نهابا تلافيتها * بكري على المهر في الأجرع (1) وإيقاظي القوم أن ~~يرقدوا * إذا هجع الناس لم أهجع فأصبح نهبي ونهب العبيد * بين عيينة ~~والأقرع (2) وقد كنت في الحرب ذا تدرإ * فلم أعط شيئا ولم أمنع (3) # PageV08P179 # إلا أفائل أعطيتها * عديد قوائمه الأربع (1) وما كان حصن ولا حابس * ~~يفوقان مرداس في المجمع وما كنت دون امرئ منهما * ومن تضع اليوم لا يرفع ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اذهبوا فاقطعوا عني لسانه) فأعطوه (2) ~~حتى رضي، فكان ذلك قطع لسانه. قال أبو عمر: وقد ذكر في المؤلفة قلوبهم ~~النضير بن الحارث بن علقمة ابن كلدة، أخو النضر بن الحارث المقتول ببدر ~~صبرا. وذكر آخرون أنه فيمن هاجر إلى الحبشة، فإن كان منهم فمحال أن يكون من ~~المؤلفة قلوبهم، ومن هاجر إلى أرض، الحبشة فهو من المهاجرين الأولين ممن ~~رسخ الايمان في قلبه وقاتل دونه، وليس ممن يؤلف عليه. # قال أبو عمر: واستعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك بن عوف بن سعد ~~[بن يربوع] (3) النصري على من أسلم من قومه من قبائل قيس، وأمره بمغاورة ~~ثقيف ففعل وضيق عليهم، وحسن إسلامه وإسلام المؤلفة قلوبهم، حاشا عيينة بن ~~حصن فلم يزل مغموزا (4) عليه. وسائر المؤلفة متفاضلون، ms2932 منهم الخير الفاضل ~~المجتمع على فضله، كالحارث بن هشام، وحكيم بن حزام، وعكرمة بن أبي جهل، ~~وسهيل بن عمرو، ومنهم دون هؤلاء. وقد فضل الله النبيين وسائر عباده ~~المؤمنين بعضهم على بعض وهو أعلم بهم. قال مالك: بلغني أن حكيم بن حزام ~~أخرج ما كان أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم في المؤلفة قلوبهم فتصدق به ~~بعد ذلك. # قلت: حكيم بن حزام وحويطب بن عبد العزى عاش كل واحد منهما مائة وعشرين ~~سنة ستين في الاسلام وستين في الجاهلية. وسمعت [الامام] (5) شيخنا الحافظ ~~أبا محمد عبد العظيم يقول: # شخصان من الصحابة عاشا في الجاهلية ستين سنة وفي الاسلام ستين سنة، وماتا ~~بالمدينة سنة أربع وخمسين، أحدهما حكيم بن حزام، وكان مولده في جوف الكعبة ~~قبل عام الفيل بثلاث عشرة سنة. والثاني حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام ~~الأنصاري. وذكر هذا أيضا أبو عمر وعثمان الشهرزوري في كتاب معرفة أنواع علم ~~الحديث له، ولم يذكرا غيرهما. وحويطب ذكره # PageV08P180 # أبو الفرج الجوزي في كتاب الوفا في شرف المصطفى. وذكره أبو عمر في كتاب ~~الصحابة أنه أدرك الاسلام وهو ابن ستين سنة، ومات وهو ابن مائة وعشرين سنة. ~~وذكر أيضا حمنن ابن عوف أخو عبد الرحمن بن عوف، أنه عاش في الاسلام ستين ~~سنة وفي الجاهلية ستين سنة. # وقد عد في المؤلفة قلوبهم معاوية وأبوه أبو سفيان بن حرب. أما معاوية ~~فبعيد أن يكون منهم، فكيف يكون منهم وقد ائتمنه النبي صلى الله عليه وسلم ~~على وحي الله وقراءته وخلطه بنفسه. # وأما حاله في أيام أبي بكر فأشهر من هذا وأظهر. وأما أبوه فلا كلام فيه ~~أنه كان منهم. # وفي عددهم اختلاف، وبالجملة فكلهم مؤمن ولم يكن فيهم كافر على ما تقدم، ~~والله أعلم وأحكم. # الثالثة - واختلف العلماء في بقائهم، فقال عمر والحسن والشعبي وغيرهم: ~~انقطع هذا الصنف بعز الاسلام وظهوره. وهذا مشهور من مذهب مالك وأصحاب ~~الرأي. قال بعض علماء الحنفية: لما أعز الله الاسلام وأهله وقطع دابر ~~الكافرين - لعنهم الله ms2933 - اجتمعت الصحابة رضوان الله عنهم أجمعين في خلافة ~~أبي بكر (1) رضي الله عنه على سقوط سهمهم. # وقال جماعة من العلماء: هم باقون لان الامام ربما أحتاج أن يستألف على ~~الاسلام. # وإنما قطعهم عمر لما رأى من إعزاز الدين. قال يونس: سألت الزهري عنهم ~~فقال: # لا أعلم نسخا في ذلك. قال أبو جعفر النحاس: فعلى هذا الحكم فيهم ثابت، ~~فإن كان أحد يحتاج إلى تألفه ويخاف أن تلحق المسلمين منه آفة أو يرجى أن ~~يحسن إسلامه بعد دفع إليه. # قال القاضي عبد الوهاب: إن احتيج إليهم في بعض الأوقات أعطوا من الصدقة. ~~وقال [القاضي] (2) ابن العربي: الذي عندي أنه إن قوي الاسلام زالوا، وإن ~~احتيج إليهم أعطوا سهمهم كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيهم، فإن ~~في الصحيح: (3) (بدأ الاسلام غريبا وسيعود كما بدأ). # الرابعة عشرة - فإذا فزعنا على أنه لا يرد إليهم سهمهم فإنه يرجع إلى ~~سائر الأصناف أو ما يراه الامام. وقال الزهري: يعطى نصف سهمهم لعمار ~~المساجد. وهذا مما يدلك على أن الأصناف الثمانية محل لا مستحقون تسوية، ولو ~~كانوا مستحقين لسقط سهمهم بسقوطهم ولم يرجع إلى غيرهم، كما لو أوصى لقوم ~~معينين فمات أحدهم لم يرجع نصيبه إلى من بقي منهم. والله أعلم. # PageV08P181 # الخامسة عشرة - قوله تعالى: (وفي الرقاب) أي في فك الرقاب، قاله ابن عباس ~~وابن عمر، وهو مذهب مالك وغيره. فيجوز للامام أن يشتري رقابا من مال الصدقة ~~يعتقها عن المسلمين، ويكون ولاؤهم لجماعة المسلمين. وإن اشتراهم صاحب ~~الزكاة وأعتقهم جاز. هذا تحصيل مذهب مالك، وروي عن ابن عباس والحسن، وبه ~~قال أحمد وإسحاق وأبو عبيد. وقال أبو ثور: لا يبتاع منها صاحب الزكاة نسمة ~~يعتقها بجر ولاء. وهو قول الشافعي وأصحاب الرأي ورواية عن مالك. والصحيح ~~الأول، لان الله عز وجل قال: " وفي الرقاب " فإذا كان للرقاب سهم من ~~الصدقات كان له أن يشتري رقبة فيعتقها. ولا خلاف بين أهل العلم أن للرجل أن ~~يشتري الفرس فيحمل عليه في سبيل الله. فإذا ms2934 كان له أن يشتري فرسا بالكمال ~~من الزكاة جاز أن يشتري رقبة بالكمال، لا فرق بين ذلك. والله أعلم. # السادسة عشرة - قوله تعالى: (وفي الرقاب) الأصل في الولاء، قال مالك: هي ~~الرقبة تعتق وولاؤها للمسلمين، وكذلك إن أعتقها الامام. وقد نهى النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن بيع الولاء وعن هبته. وقال عليه السلام: (الولاء لحمة ~~كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب). وقال عليه السلام: (الولاء لمن أعتق). ولا ~~ترث النساء من الولاء شيئا، لقوله عليه السلام: (لا ترث النساء من الولاء ~~شيئا إلا ما أعتقن أو أعتق من أعتقن) وقد ورث النبي صلى الله عليه وسلم ~~ابنة حمزة من مولى لها النصف ولابنته النصف. فإذا ترك المعتق أولادا ذكورا ~~وإناثا فالولاء للذكور من ولده دون الإناث. وهو إجماع الصحابة رضي الله ~~عنهم. والولاء إنما يورث بالتعصيب المحض، والنساء لا تعصيب فيهن فلم يرثن ~~من الولاء شيئا. فافهم تصب. # السابعة عشرة - واختلف هل يعان منها المكاتب، فقيل لا. روي ذلك عن مالك، ~~لان الله عز وجل لما ذكر الرقبة دل على أنه أراد العتق الكامل، وأما ~~المكاتب فإنما هو داخل في كلمة الغارمين بما عليه من دين الكتابة، فلا يدخل ~~في الرقاب. والله أعلم. وقد روي عن مالك من رواية المدنيين وزياد عنه: أنه ~~يعان منها المكاتب في آخر كتابته بما يعتق. PageV08P182 # وعلى هذا جمهور العلماء في تأويل قول الله تعالى: " وفي الرقاب ". وبه ~~قال ابن وهب والشافعي والليث والنخعي وغيرهم. وحكى علي بن موسى القمي ~~الحنفي في أحكامه: أنهم أجمعوا على أن المكاتب مراد. واختلفوا في عتق ~~الرقاب، قال الكيا الطبري: " وذكر (1) وجها (2) بينه في منع ذلك فقال: إن ~~العتق إبطال ملك وليس بتمليك، وما يدفع إلى المكاتب تمليك، ومن حق الصدقة ~~ألا تجزي إلا إذا جرى فيها التمليك. وقوى ذلك بأنه لو دفع من الزكاة عن ~~الغارم في دينه بغير أمره لم يجزه من حيث لم يملك فلان لا يجزي ذلك في ~~العتق أولى. وذكر أن في العتق ms2935 جر الولاء إلى نفسه وذلك لا يحصل في دفعه ~~للمكاتب. وذكر أن ثمن العبد إذا دفعه إلى العبد لم يملكه العبد، وإن دفعه ~~إلى سيده فقد ملكه العتق. وإن دفعه بعد الشراء والعتق فهو قاض دينا، وذلك ~~لا يجزي في الزكاة ". # قلت: قد ورد حديث ينص على معنى ما ذكرنا من جواز عتق الرقبة وإعانة ~~المكاتب معا أخرجه الدارقطني عن البراء قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال: دلني على عمل يقربني من الجنة ويباعدني من النار. قال: ~~(لئن كنت أقصرت الخطبة لقد أعرضت المسألة (3) أعتق النسمة وفك الرقبة). ~~فقال: يا رسول الله، أو ليستا واحدا؟ # قال: (لا، عتق النسمة أن تنفرد بعتقها وفك الرقبة أن تعين في ثمنها) وذكر ~~الحديث. # الثامنة عشرة - واختلفوا في فك الأسارى منها، فقال أصبغ: لا يجوز. وهو ~~قول ابن قاسم. وقال ابن حبيب: يجوز، لأنها رقبة ملكت بملك الرق فهي تخرج من ~~رق إلى عتق، وكان ذلك أحق وأولى من فكاك الرقاب الذي بأيدينا، لأنه إذا كان ~~فك المسلم عن رق المسلم عبادة وجائزا من الصدقة، فأحرى وأولى أن يكون ذلك ~~في فك المسلم عن رق الكافر وذله. # التاسعة عشرة - قوله تعالى: (والغارمين) هم الذين ركبهم الدين ولا وفاء ~~عندهم به، ولا خلاف فيه. اللهم إلا من ادان في سفاهة فإنه لا يعطى منها ولا ~~من غيرها إلا أن يتوب. # PageV08P183 # ويعطى منها من له مال وعليه دين محيط به ما يقضي به دينه، فإن لم يكن له ~~مال وعليه دين فهو فقير وغارم فيعطى بالوصفين. روى مسلم عن أبي سعيد الخدري ~~قال: أصيب رجل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمار ابتاعها فكثر ~~دينه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تصدقوا عليه). فتصدق الناس عليه ~~فلم يبلغ ذلك وفاء دينه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لغرمائه: (خذوا ~~ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك). # الموفية عشرين - ويجوز للمتحمل في صلاح وبر أن يعطى من الصدقة ما ms2936 يؤدي ما ~~تحمل به إذا وجب عليه وإن كان غنيا، إذا كان ذلك يجحف بماله كالغريم. وهو ~~قول الشافعي وأصحابه وأحمد بن حنبل وغيرهم. واحتج من ذهب هذا المذهب بحديث ~~قبيصة بن مخارق قال: تحملت حمالة (1) فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم أسأله ~~فيها فقال: (أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها - ثم قال - يا قبيصة إن ~~المسألة لا تحل إلا لاحد ثلاثة رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ~~ثم يمسك ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من ~~عيش - أو قال سدادا من عيش - ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا ~~من قومه (2) لقد أصابت فلانا فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش - ~~أو قال سدادا من عيش - فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحتا (3) يأكلها ~~صاحبها سحتا). فقوله: (ثم يمسك) دليل على أنه غني، لان الفقير ليس عليه أن ~~يمسك. والله أعلم. وروي عنه عليه السلام أنه قال: (إن المسألة لا تحل إلا ~~لاحد ثلاثة ذوي فقر مدقع (4) أو لذي غرم مفظع (5) أو لذي دم موجع) (6). ~~وروي عنه عليه السلام: (لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة) الحديث. وسيأتي. # PageV08P184 # الحادية والعشرون - واختلفوا، هل يقضى منها دين الميت أم لا، فقال أبو ~~حنيفة: # لا يؤدى من الصدقة دين ميت. وهو قول ابن المواز. قال أبو حنيفة: ولا يعطى ~~منها من عليه كفارة ونحو ذلك من حقوق الله تعالى، وإنما الغارم من عليه دين ~~يسجن فيه. وقال علماؤنا وغيرهم: يقضى منها دين الميت لأنه من الغارمين، قال ~~صلى الله عليه وسلم: (أنا أولى بكل مؤمن من نفسه من ترك مالا فلأهله ومن ~~ترك دينا أو ضياعا (1) فإلي وعلي). # الثانية والعشرون - قوله تعالى: (وفي سبيل الله) وهم الغزاة وموضع ~~الرباط، يعطون ما ينفقون في غزوهم كانوا أغنياء أو فقراء. وهذا قول أكثر ~~العلماء، وهو تحصيل مذهب مالك رحمه الله. وقال ابن عمر: الحجاج والعمار. ~~ويؤثر عن أحمد وإسحاق رحمهما الله أنهما قالا: ms2937 سبيل الله الحج. وفي ~~البخاري: ويذكر عن أبي لاس (2): حملنا النبي صلى الله عليه وسلم على إبل ~~الصدقة للحج، ويذكر عن ابن عباس: يعتق من [زكاة] (3) ماله ويعطي في الحج. # خرج أبو محمد عبد الغني الحافظ حدثنا محمد بن محمد الخياش حدثنا أبو غسان ~~مالك بن يحيى حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا مهدي بن ميمون عن محمد بن أبي ~~يعقوب عن عبد الرحمن ابن أبي نعم ويكنى أبا الحكم قال: كنت جالسا مع عبد ~~الله بن عمر فأتته امرأة فقالت له: # يا أبا عبد الرحمن، إن زوجي أوصى بماله في سبيل الله. قال ابن عمر: فهو ~~كما قال في سبيل الله. فقلت له: ما زدتها فيما سألت عنه إلا غما. قال: فما ~~تأمرني يا ابن أبي نعم، آمر ها أن تدفعه إلى هؤلاء الجيوش الذين يخرجون ~~فيفسدون في الأرض ويقطعون السبيل! قال: # قلت فما تأمرها. قال: آمرها أن تدفعه إلى قوم صالحين، إلى حجاج بيت الله ~~الحرام، أولئك وفد الرحمن، أولئك وفد الرحمن، أولئك وفد الرحمن، ليسوا كوفد ~~الشيطان، ثلاثا يقولها. # قلت: يا أبا عبد الرحمن، وما وفد الشيطان؟ قال: قوم يدخلون على هؤلاء ~~الامراء فينمون إليهم الحديث، ويسعون في المسلمين بالكذب، فيجازون الجوائز ~~ويعطون عليه العطايا. # PageV08P185 # وقال محمد بن عبد الحكم: ويعطى من الصدقة في الكراع والسلاح وما يحتاج ~~إليه من آلات الحرب، وكف العدو عن الحوزة، لأنه كله من سبيل الغزو ومنفعته. ~~وقد أعطى النبي صلى الله عليه وسلم مائة ناقة في نازلة سهل بن أبي حثمة ~~إطفاء للثائرة. # قلت: أخرج هذا الحديث أبو داود عن بشير بن يسار، أن رجلا من الأنصار يقال ~~له سهل بن أبي حثمة أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وداه مائة من ~~إبل الصدقة، يعني دية الأنصاري الذي قتل بخيبر، وقال عيسى بن دينار: تحل ~~الصدقة لغاز في سبيل الله، قد احتاج في غزوته وغاب عنه غناؤه ووفره. قال: ~~ولا تحل لمن كان معه ماله من الغزاة، إنما تحل لمن ms2938 كان ماله غائبا عنه ~~منهم. وهذا مذهب الشافعي وأحمد وإسحاق وجمهور أهل العلم. وقال أبو حنيفة ~~وصاحباه: لا يعطى الغازي إلا إذا كان فقيرا منقطعا به. وهذه زيادة على ~~النص، والزيادة عنده على النص نسخ، والنسخ لا يكون إلا بقرآن أو خبر ~~متواتر، وذلك معدوم هنا، بل في صحيح السنة خلاف ذلك من قوله عليه السلام: ~~(لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة لغاز في سبيل الله أو لعامل عليها أو لغارم ~~أو لرجل اشتراها بماله أو لرجل له جار مسكين فتصدق على المسكين فأهدى ~~المسكين للغني). رواه مالك مرسلا عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار. ورفعه ~~معمر عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم. فكان هذا الحديث مفسرا لمعنى الآية، وأنه يجوز لبعض الأغنياء ~~أخذها، ومفسرا لقوله عليه السلام: (لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي) ~~لان قوله هذا مجمل ليس على عمومه بدليل الخمسة الأغنياء المذكورين. وكان ~~ابن القاسم يقول: لا يجوز لغني أن يأخذ من الصدقة ما يستعين به على الجهاد ~~وينفقه في سبيل الله، وإنما يجوز ذلك لفقير. قال: وكذلك الغارم لا يجوز له ~~أن يأخذ من الصدقة ما يقي به ماله ويؤدي منها دينه وهو عنها غني. قال: وإذا ~~احتاج الغازي في غزوته وهو غني له مال غاب عنه لم يأخذ من الصدقة شيئا ~~يستقرض، فإذا بلغ بلده أدى ذلك من ماله. هذا كله ذكره ابن حبيب عن ابن ~~القاسم، وزعم أن ابن نافع وغيره خالفوه في ذلك. وروى أبو زيد وغيره ~~PageV08P186 # عن ابن القاسم أنه قال: يعطى من الزكاة الغازي وإن كان معه في غزاته ما ~~يكفيه من ماله وهو غني في بلده. وهذا هو الصحيح، لظاهر الحديث: (لا تحل ~~الصدقة لغني إلا لخمسة). # وروى ابن وهب عن مالك أنه يعطى منها الغزاة ومواضع الرباط فقراء كانوا أو ~~أغنياء. # الثالثة والعشرون - قوله تعالى: (وابن السبيل) السبيل الطريق، ونسب ~~المسافر إليها لملازمته ms2939 إياها ومروره عليها، كما قال الشاعر: # إن تسألوني عن الهوى فأنا الهوى * وابن الهوى وأخو الهوى وأبوه والمراد ~~الذي انقطعت به الأسباب في سفره عن بلده ومستقره وماله، فإنه يعطى منها وإن ~~كان غنيا في بلده، ولا يلزمه أن يشغل ذمته بالسلف. وقال مالك في كتاب ابن ~~سحنون: # إذا وجد من يسلفه فلا يعطى. والأول أصح، فإنه لا يلزمه أن يدخل تحت منة ~~أحد وقد وجد منة الله تعالى. فإن كان له ما يغنيه ففي جواز الاخذ له لكونه ~~ابن السبيل روايتان: # المشهور أنه لا يعطى، فإن أخذ فلا يلزمه رده إذا صار إلى بلده ولا ~~إخراجه. # الرابعة والعشرون - فإن جاء وادعى وصفا من الأوصاف، هل يقبل قوله أم لا ~~ويقال له أثبت ما تقول. فأما الدين فلا بد أن يثبته، وأما سائر الصفات ~~فظاهر الحال يشهد له ويكتفى به فيها. والدليل على ذلك حديثان صحيحان ~~أخرجهما أهل الصحيح، وهو ظاهر القرآن. روى مسلم عن جرير [عن أبيه] (1) قال: ~~كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم في صدر النهار، قال: فجاءه قوم حفاة عراة ~~مجتابي النمار (2) أو العباء متقلدي السيوف، عامتهم من مضر بل كلهم من مضر، ~~فتمعر (3) وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى بهم من الفاقة، فدخل ~~ثم خرج فأمر بلالا فأذن وأقام فصلى، ثم خطب فقال: " يا أيها الناس اتقوا ~~ربكم الذي خلقكم - الآية إلى قوله - رقيبا " (4) [النساء: 1] والآية التي ~~في الحشر " ولتنظر نفس ما قدمت لغد " (5) [الحشر: 18] تصدق رجل من ديناره ~~من درهمه من ثوبه من صاع بره - حتى قال - ولو بشق تمرة. قال: فجاء رجل # PageV08P187 # من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها بل قد عجزت، قال: ثم تتابع الناس حتى ~~رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يتهلل كأنه مذهبة (1) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من سن في ~~الاسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم ms2940 ~~شئ ومن سن في الاسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من ~~غبر أن ينقص من أوزارهم شئ). فاكتفى صلى الله عليه وسلم بظاهر حالهم وحث ~~على الصدقة، ولم يطلب منهم بينة، ولا استقصى هل عند هم مال أم لا. ومثله ~~حديث أبرص وأقرع وأعمى أخرجه مسلم وغيره. وهذا لفظه: عن أبي هريرة أنه سمع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن في بني إسرائيل أبرص وأقرع وأعمى ~~فأراد الله أن يبتليهم فبعث إليهم ملكا فأتى الأبرص فقال أي شئ أحب إليك ~~فقال لون حسن وجلد حسن ويذهب عني الذي قد قذرني الناس قال فمسحه فذهب عنه ~~قذره وأعطي لونا حسنا وجلدا حسنا قال فأي المال أحب إليك قال الإبل - أو ~~قال البقر، شك إسحاق، إلا (2) أن الأبرص أو الأقرع قال أحدهما الإبل وقال ~~الآخر البقر - قال فأعطي ناقة عشراء قال بارك الله لك فيها قال فأتى الأقرع ~~فقال أي شئ أحب إليك قال شعر حسن ويذهب عني هذا الذي قد قذرني الناس قال ~~فمسحه فذهب عنه قال فأعطي شعرا حسنا قال فأي المال أحب إليك قال البقر ~~فأعطي بقرة حاملا قال بارك الله لك فيها قال فأتى الأعمى فقال أي شئ أحب ~~إليك قال أن يرد الله إلي بصري فأبصر به الناس قال فمسحه فرد الله إليه ~~بصره قال فأي المال أحب إليك قال الغنم فأعطي شاة والدا فأنتج هذان (3) ~~وولد هذا قال فكان لهذا واد من الإبل ولهذا واد من البقر ولهذا واد من ~~الغنم قال ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته فقال رجل مسكين قد انقطعت بي ~~الحبال (4) في سفري فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله وبك أسألك بالذي أعطاك ~~اللون الحسن والجلد الحسن والمال بعيرا أتبلغ عليه في سفري # PageV08P188 # فقال له الحقوق كثيرة فقال له كأني أعرفك ألم تكن أبرص يقذرك الناس فقيرا ~~فأعطاك الله فقال إنما ورثت هذا المال كابرا عن كابر فقال إن كنت كاذبا ~~فصيرك الله ms2941 إلى ما كنت فقال وأتى الأقرع في صورته فقال له مثل ما قال لهذا ~~ورد عليه مثل ما رد على هذا فقال إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت قال ~~وأتى الأعمى في صورته وهيئته فقال رجل مسكين وابن سبيل انقطعت بي الحبال في ~~سفري فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك أسألك بالذي رد عليك بصرك شاة ~~أتبلغ بها في سفري فقال قد كنت أعمى فرد الله إلي بصري فخذ ما شئت ودع ما ~~شئت فوالله لا أجهدك اليوم شيئا أخذته لله فقال أمسك مالك فإنما ابتليتم ~~فقد رضي عنك وسخط على صاحبيك). وفي هذا أدل دليل على أن من ادعى زيادة على ~~فقره من عيال أو غيره لا يكشف عنه خلافا لمن قال يكشف عنه إن قدر، فإن في ~~الحديث (فقال رجل مسكين وابن سبيل أسألك شاة) ولم يكلفه إثبات السفر. فأما ~~المكاتب فإنه يكلف إثبات الكتابة لان الرق هو الأصل حتى تثبت الحرية. # الخامسة والعشرون - ولا يجوز أن يعطي من الزكاة من تلزمه نفقته وهم ~~الوالدان والولد والزوجة. وإن أعطى الامام صدقة الرجل لولده ووالده وزوجته ~~جاز. وأما أن يتناول ذلك هو نفسه فلا، لأنه يسقط بها عن نفسه فرضا. قال أبو ~~حنيفة: ولا يعطى منها ولد ابنه ولا ولد ابنته، ولا يعطي منها مكاتبه ولا ~~مدبره ولا أم ولده ولا عبدا أعتق نصفه، لأنه مأمور بالايتاء والاخراج إلى ~~الله تعالى بواسطة كف الفقير، ومنافع الأملاك مشتركة بينه وبين هؤلاء، ~~ولهذا لا تقبل شهادة بعضهم لبعض. قال: والمكاتب عبد ما بقي عليه درهم وربما ~~يعجز فيصير الكسب له. ومعتق البعض عند أبي حنيفة بمنزلة المكاتب. وعند ~~صاحبيه أبي يوسف ومحمد بمنزلة حر عليه دين فيجوز أداؤها إليه. # السادسة والعشرون - فإن أعطاها لمن لا تلزمه نفقتهم فقد اختلف فيه، فمنهم ~~من جوزه ومنهم من كرهه. قال مالك: خوف المحمدة. وحكى مطرف أنه قال: رأيت ~~مالكا يعطي زكاته لأقاربه. وقال الواقدي قال مالك: أفضل من وضعت فيه ms2942 زكاتك ~~PageV08P189 # قرابتك الذين لا تعول. وقد قال صلى الله عليه وسلم لزوجة عبد الله بن ~~مسعود: (لك أجران أجر القرابة وأجر الصدقة). واختلفوا في إعطاء المرأة ~~زكاتها لزوجها، فذكر عن ابن حبيب أنه كان يستعين بالنفقة عليها بما تعطيه. ~~وقال أبو حنيفة: لا يجوز، وخالفه صاحباه فقالا: # يجوز. وهو الأصح لما ثبت أن زينب امرأة عبد الله أتت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقالت: إني أريد أن أتصدق على زوجي أيجزيني؟ فقال عليه السلام: ~~(نعم لك أجران أجر الصدقة وأجر القرابة). والصدقة المطلقة هي الزكاة، ولأنه ~~لا نفقة للزوج عليها، فكان بمنزلة الأجنبي. اعتل أبو حنيفة فقال: منافع ~~الأملاك بينهما مشتركة، حتى لا تقبل شهادة أحدهما لصاحبه. والحديث محمول ~~على التطوع. وذهب الشافعي وأبو ثور وأشهب إلى إجازة ذلك، إذا لم يصرفه ~~إليها فيما يلزمه لها، وإنما يصرف ما يأخذه منها في نفقته وكسوته على نفسه ~~وينفق عليها من ماله. # السابعة والعشرون - واختلفوا أيضا في قدر المعطى، فالغارم يعطى قدر دينه، ~~والفقير والمسكين يعطيان كفايتهما وكفاية عيالهما. وفي جواز إعطاء النصاب ~~أو أقل منه خلاف ينبني على الخلاف المتقدم في حد الفقر الذي يجوز معه ~~الاخذ. وروى علي بن زياد وابن نافع: ليس في ذلك حد وإنما هو على اجتهاد ~~الوالي. وقد تقل المساكين وتكثر الصدقة فيعطى الفقير قوت سنة. وروى ~~المغيرة: يعطى دون النصاب ولا يبلغه. وقال بعض المتأخرين: إن كان في البلد ~~زكاتان نقد وحرث أخذ ما يبلغه إلى الأخرى. قال ابن العربي: # الذي أراه أن يعطى نصابا، وإن كان في البلد زكاتان أو أكثر، فإن الغرض ~~إغناء الفقير حتى يصير غنيا. فإذا أخذ ذلك فإن حضرت الزكاة الأخرى وعنده ما ~~يكفيه أخذها غيره. # قلت: هذا مذهب أصحاب الرأي في إعطاء النصاب. وقد كره ذلك أبو حنيفة مع ~~الجواز، وأجازه أبو يوسف، قال: لان بعضه لحاجته مشغول للحال، فكان الفاضل ~~عن حاجته للحال دون المائتين، وإذا أعطاه أكثر من مائتي درهم جملة كان ~~الفاضل عن حاجته للحال ms2943 قدر المائتين فلا يجوز. ومن متأخري الحنفية من قال: ~~هذا إذا لم يكن له عيال PageV08P190 # ولم يكن عليه دين، فإن كان عليه دين فلا بأس أن يعطيه مائتي درهم أو ~~أكثر، مقدار ما لو قضى به دينه يبقى له دون المائتين. وإن كان معيلا لا بأس ~~بأن يعطيه مقدار ما لو وزع على عياله أصاب كل واحد منهم دون المائتين، لان ~~التصدق عليه في المعنى تصدق عليه وعلى عياله. وهذا قول حسن. # الثامنة والعشرون - اعلم أن قوله تعالى: (للفقراء) مطلق ليس فيه شرط ~~وتقييد، بل فيه دلالة على جواز الصرف إلى جملة الفقراء كانوا من بني هاشم ~~أو غيرهم إلا أن السنة وردت باعتبار شروط: منها ألا يكونوا من بني هاشم ~~وألا يكونوا ممن تلزم المتصدق نفقته. # وهذا لا خلاف فيه. وشرط ثالث ألا يكون قويا على الاكتساب لأنه عيه السلام ~~قال: # (لا تحل الصدقة لغنى ولا لذي مرة سوي). وقد تقدم القول فيه. ولا خلاف بين ~~علماء المسلمين أن الصدقة المفروضة لا تحل للنبي صلى الله عليه وسلم ولا ~~لبني هاشم ولا لمواليهم. # وقد روى عن أبي يوسف صرف صدقة الهاشمي للهاشمي: حكاه الكيا الطبري. # وشذ بعض أهل العلم فقال: إن موالي بني هاشم لا يحرم عليهم شئ من الصدقات. ~~وهذا خلاف الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم فإنه قال لأبي رافع مولاه: ~~(وإن مولى القوم منهم). # التاسعة والعشرون - واختلفوا في جواز صدقة التطوع لبني هاشم، فالذي عليه ~~جمهور أهل العلم - وهو الصحيح - أن صدقة التطوع لا بأس بها لبني هاشم ~~ومواليهم، لان عليا والعباس وفاطمة رضوان الله عليهم تصدقوا وأوقفوا أوقافا ~~على جماعة من بني هاشم، وصدقا تهم الموقوفة معروفة مشهورة. وقال ابن ~~الماجشون ومطرف وأصبغ وابن حبيب: لا يعطى بنو هاشم من الصدقة المفروضة ولا ~~من التطوع. وقال ابن القاسم: يعطى بنو هاشم من صدقة التطوع. قال ابن ~~القاسم: والحديث الذي جاء [عن النبي صلى الله عليه وسلم] (1): # (لا تحل الصدقة لآل محمد) إنما ذلك في ms2944 الزكاة لا في التطوع. واختار هذا ~~القول ابن خويز منداد، وبه قال أبو يوسف ومحمد. قال ابن القاسم: ويعطى ~~مواليهم من الصدقتين. وقال مالك في الواضحة: لا يعطى لآل محمد من التطوع. ~~قال ابن القاسم: - قيل له يعني مالكا - # PageV08P191 # فمواليهم؟ قال: لا أدري ما الموالي. فاحتججت عليه بقوله عليه السلام: ~~(مولى القوم منهم). فقال قد قال: (ابن أخت القوم منهم). قال أصبغ: وذلك في ~~البر والحرمة. # الموفية ثلاثين - قوله تعالى: (فريضة من الله) بالنصب على المصدر عند ~~سيبويه. # أي فرض الله الصدقات فريضة. ويجوز الرفع على القطع في قول الكسائي، أي هن ~~فريضة. # قال الزجاج: ولا أعلم [أنه] قرئ به. # قلت: قرأ بها إبراهيم بن أبي عبلة، جعلها خبرا، كما تقول: إنما زيد خارج. # قوله تعالى: ومنهم الذين يؤذون النبي يقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن ~~بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم ~~عذاب أليم (61) بين تعالى أن في المنافقين من كان يبسط لسانه بالوقيعة في ~~أذية النبي صلى الله عليه وسلم ويقول: إن عاتبني حلفت له بأني ما قلت هذا ~~فيقبله، فإنه أذن سامعة. قال الجوهري: # يقال رجل أذن إذا كان يسمع مقال كل أحد، يستوي فيه الواحد والجمع. وروى ~~علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: " هو أذن " قال: مستمع وقابل. ~~وهذه الآية نزلت في عتاب بن قشير، قال: إنما محمد أذن يقبل كل ما قيل له. ~~وقيل: هو نبتل بن الحارث، قال ابن إسحاق. وكان نبتل رجلا جسيما ثائر شعر ~~الرأس واللحية، آدم أحمر العينين أسفع الخدين مشوه الخلقة، وهو الذي قال ~~فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (من أراد أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى ~~نبتل بن الحارث). السفعة بالضم: سواد مشرب بحمرة. والرجل أسفع، عند ~~الجوهري. وقرئ " أذن " بضم الذال وسكونها. (قل أذن خير لكم) أي هو أذن خير ~~لا أذن شر، أي يسمع الخير ولا يسمع الشر. وقرأ " قل أذن خير لكم " بالرفع ~~والتنوين، ms2945 الحسن وعاصم في رواية أبي بكر. والباقون بالإضافة، وقرأ حمزة " ~~ورحمة " بالخفض. والباقون بالرفع عطف على " أذن "، والتقدير: قل هو أذن خير ~~وهو رحمة، PageV08P192 # أي هو مستمع خير لا مستمع شر، أي هو مستمع ما يحب (1) استماعه، وهو رحمة. ~~ومن خفض فعلى العطف على " خير ". قال النحاس: وهذا عند أهل العربية بعيد، ~~لأنه قد تباعد ما بين الاسمين، وهذا يقبح في المخفوض. المهدوي: ومن جر ~~الرحمة فعلى العطف على " خير " والمعنى مستمع خير ومستمع رحمة، لان الرحمة ~~من الخير. ولا يصح عطف الرحمة على المؤمنين، لان المعنى يصدق بالله ويصدق ~~المؤمنين، فاللام زائدة في قول الكوفيين. ومثله " لربهم يرهبون " (2) ~~[الأعراف: 154] أي يرهبون ربهم. وقال أبو علي: كقوله " ردف لكم " (3) ~~[النمل: 72] وهي عند المبرد متعلقة بمصدر دل عليه الفعل، التقدير: إيمانه ~~للمؤمنين، أي تصديقه للمؤمنين لا للكفار. # أو يكون محمولا على المعنى، فإن معنى يؤمن يصدق، فعدي باللام كما عدي في ~~قوله تعالى: # " مصدقا لما بين يديه " (4) [المائدة: 46]. # قوله تعالى: يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن ~~كانوا مؤمنين (2) فيه ثلاث مسائل: # الأولى - روي أن قوما من المنافقين اجتمعوا، فيهم الجلاس بن سويد ووديعة ~~ابن ثابت، وفيهم غلام من الأنصار يدعى عامر بن قيس، فحقروه فتكلموا وقالوا: ~~إن كان ما يقول محمد حقا لنحن شر من الحمير. فغضب الغلام وقال: والله إن ما ~~يقول حق وأنتم شر من الحمير، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بقولهم، ~~فحلفوا أن عامرا كاذب، فقال عامر: # هم الكذبة، وحلف على ذلك وقال: اللهم لا تفرق بيننا حتى يتبين صدق الصادق ~~وكذب الكاذب. فأنزل الله هذه الآية وفيها " يحلفون بالله لكم ليرضوكم ". # الثانية - قوله تعالى: (والله ورسوله أحق أن ترضوه) ابتداء وخبر. ومذهب ~~سيبويه أن التقدير: والله أحق أن يرضوه ورسوله أحق أن يرضوه، ثم حذف، كما ~~قال [بعضهم] (5): # نحن بما عندنا وأنت بما * عندك راض والرأي مختلف # PageV08P193 # وقال محمد بن يزيد: ليس في الكلام محذوف، والتقدير، والله أحق أن يرضوه ~~ورسوله، على ms2946 التقديم والتأخير. وقال الفراء: المعنى ورسوله أحق أن يرضوه، ~~والله افتتاح كلام، كما تقول: ما شاء الله وشئت. قال النحاس: قول سيبويه ~~أولاها، لأنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن أن يقال: ما شاء ~~الله وشئت، ولا يقدر في شئ تقديم ولا تأخير، ومعناه صحيح. # قلت: وقيل إن الله سبحانه جعل رضاه في رضاه، ألا ترى أنه قال: " من يطع ~~الرسول فقد أطاع (1) الله " [النساء 80]. وكان الربيع ابن خيثم إذا مر بهذه ~~الآية وقف، ثم يقول: حرف وأيما حرف فوض إليه فلا يأمرنا إلا بخير. # الثالثة - قال علماؤنا: تضمنت هذه الآية قبول يمين الحالف وإن لم يلزم ~~المحلوف له الرضا. واليمين حق للمدعي. وتضمنت أن يكون اليمين بالله عز وجل ~~حسب [ما تقدم] (2). # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من حلف فليحلف بالله أو ليصمت ومن حلف ~~له فليصدق). # وقد مضى القول في الايمان والاستثناء فيها مستوفى في المائدة (3). # قوله تعالى: ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم خالدا ~~فيها ذلك الخزي العظيم (63) قوله تعالى: (ألم يعلموا) يعني المنافقين. وقرأ ~~ابن هرمز والحسن " تعلموا " بالتاء على الخطاب. (أنه) في موضع نصب بيعلموا، ~~والهاء كناية عن الحديث. (من يحادد الله) في موضع رفع بالابتداء. والمحادة: ~~وقوع هذا في حد وذاك في حد، كالمشاقة. يقال: # حاد فلان فلانا أي صار في حد غير حده. (فأن له نار جهنم) يقال: ما بعد ~~الفاء في الشرط مبتدأ، فكان يجب أن يكون " فإن " بكسر الهمزة. وقد أجاز ~~الخليل وسيبويه " فإن له نار جهنم " بالكسر. قال سيبويه: وهو جيد وأنشد: # PageV08P194 # وعلمي بأسدام المياه فلم تزل * قلائص تخدي في طريق طلائح وأني إذا ملت ~~ركابي مناخها * فإني على حظي من الامر جامح (1) إلا أن قراءة العامة " فأن ~~" بفتح الهمزة. فقال الخليل أيضا وسيبويه: إن " أن " الثانية مبدلة من ~~الأولى. وزعم المبرد أن هذا القول مردود، وأن الصحيح ما قاله الجرمي، قال: # إن الثانية مكررة للتوكيد لما طال الكلام، ونظيره ms2947 " وهم في الآخرة هم ~~الأخسرون " (2) [النمل: 5]. # وكذا " فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها " (3) [الحشر: 17]. ~~وقال الأخفش: المعنى فوجوب النار له. وأنكره المبرد وقال: هذا خطأ من أجل ~~إن " أن " المفتوحة المشددة لا يبتدأ بها ويضمر الخبر. وقال علي بن سليمان: ~~المعنى فالواجب أن له نار جهنم، فإن الثانية خبر ابتداء محذوف. وقيل: ~~التقدير فله أن له نار جهنم. فإن مرفوعة بالاستقرار على إضمار المجرور بين ~~الفاء وأن. # قوله تعالى: يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل ~~استهزءوا إن الله مخرج ما تحذرون (64) فيه ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (يحذر المنافقون) خبر وليس بأمر. ويدل على أنه خبر ~~أن ما بعده " إن الله مخرج ما تحذرون " لأنهم كفروا عنادا. وقال السدي: قال ~~بعض المنافقين والله وددت لو أني قدمت فجلدت مائة ولا ينزل فينا شئ يفضحنا، ~~فنزلت الآية. " يحذر " أي يتحرز. وقال الزجاج: معناه ليحذر، فهو أمر، كما ~~يقال: # يفعل ذلك. # PageV08P195 # الثانية قوله تعالى: (أن تنزل عليهم) " أن " في موضع نصب، أي من أن تنزل. ~~ويجوز على قول سيبويه أن تكون في موضع خفض على حذف من. ويجوز أن تكون في ~~موضع نصب مفعولة ليحذر، لان سيبويه أجاز: حذرت زيدا، وأنشد: # حذر أمورا لا تضير وآمن * ما ليس منجيه من الاقدار ولم يجزه المبرد، لان ~~الحذر شئ في الهيئة. ومعنى " عليهم " أي على المؤمنين (سورة) في شأن ~~المنافقين تخبرهم بمخازيهم ومسا ويهم ومثالبهم، ولهذا سميت الفاضحة ~~والمثيرة والمبعثرة، كما تقدم أول السورة. وقال الحسن: كان المسلمون يسمون ~~هذه السورة الحفارة لأنها حفرت ما في قلوب المنافقين فأظهرته. # الثالثة - قوله تعالى: (قل استهزؤوا) هذا أمر وعيد وتهديد. (إن الله ~~مخرج) أي مظهر " ما تحذرون " ظهوره. قال ابن عباس: أنزل الله أسماء ~~المنافقين وكانوا سبعين رجلا، ثم نسخ تلك الأسماء من القرآن رأفة منه ~~ورحمة، لان أولادهم كانوا مسلمين والناس يعير بعضهم بعضا. فعلى هذا قد أنجز ~~الله وعده بإظهاره ذلك إذ قال: " إن الله مخرج ما تحذرون ms2948 ". وقيل: إخراج ~~الله أنه عرف نبيه عليه السلام أحو الهم وأسماء هم لا أنها نزلت في القرآن، ~~ولقد قال الله تعالى: " ولتعرفنهم في لحن القول " (1) [محمد: 30] وهو نوع ~~إلهام. # وكان من المنافقين من يتردد ولا يقطع بتكذيب محمد عليه السلام ولا بصدقه. ~~وكان فيهم من يعرف صدقه ومعاند. # قوله تعالى: ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ~~ورسوله كنتم تستهزءون (65) فيه ثلاث مسائل: # الأولى - هذه الآية نزلت في غزوة تبوك. قال الطبري وغيره عن قتادة: بينا ~~النبي صلى الله عليه وسلم يسير في غزوة تبوك وركب من المنافقين يسيرون بين ~~يديه فقالوا: # PageV08P196 # انظروا، هذا يفتح قصور الشام ويأخذ حصون بني الأصفر! فأطلعه الله سبحانه ~~على ما في قلوبهم وما يتحدثون به، فقال: (احبسوا علي الركب - ثم أتاهم فقال ~~- قلتم كذا وكذا) فحلفوا: ما كنا إلا نخوض ونلعب، يريدون كنا غير مجدين. ~~وذكر الطبري عن عبد الله بن عمر قال: رأيت قائل هذه المقالة وديعة بن ثابت ~~متعلقا بحقب ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم يماشيها والحجارة تنكبه وهو ~~يقول: إنما كنا نخوض ونلعب. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: " أبا لله ~~وآياته ورسوله كنتم تستهزئون ". وذكر النقاش أن هذا المتعلق كان عبد الله ~~بن أبي بن سلول. وكذا ذكر القشيري عن ابن عمر. قال ابن عطية: وذلك خطأ، ~~لأنه لم يشهد تبوك. قال القشيري: وقيل إنما قال عليه السلام هذا لوديعة بن ~~ثابت وكان من المنافقين وكان في غزوة تبوك. والخوض: الدخول في الماء، ثم ~~استعمل في كل دخول فيه تلويث وأذى. # الثانية - قال القاضي أبو بكر بن العربي: لا يخلو أن يكون ما قالوه من ~~ذلك جدا أو هزلا، وهو كيفما كان كفر، فإن الهزل بالكفر كفر لا خلاف فيه بين ~~الأمة. فإن التحقيق أخو العلم والحق، والهزل أخو الباطل والجهل. قال ~~علماؤنا: انظر إلى قوله: # " أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين " (1) [البقرة: 67]. # الثالثة - واختلف العلماء في الهزل في سائر الأحكام كالبيع ms2949 والنكاح ~~والطلاق على ثلاثة أقوال: لا يلزم مطلقا. يلزم مطلقا. التفرقة بين البيع ~~وغيره. فيلزم في النكاح والطلاق، وهو قول الشافعي في الطلاق قولا واحدا. ~~ولا يلزم في البيع. قال مالك في كتاب محمد: يلزم نكاح الهازل. وقال أبو زيد ~~عن ابن القاسم في العتبية: لا يلزم. وقال علي بن زياد: يفسخ قبل وبعد. ~~وللشافعي في بيع الهازل قولان. وكذلك يخرج من قول علمائنا القولان. وحكى ~~ابن المنذر الاجماع في أن جد الطلاق وهزله سواء. وقال بعض المتأخرين من ~~أصحابنا: إن اتفقا على الهزل في النكاح والبيع لم يلزم، وإن اختلفا غلب ~~الجد الهزل. وروى أبو داود والترمذي والدارقطني عن أبي هريرة قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاث # PageV08P197 # جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والرجعة). قال الترمذي: حديث حسن غريب، ~~والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم. # قلت: كذا في الحديث (والرجعة) وفي موطأ مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد ابن ~~المسيب قال: ثلاث ليس فيهم لعب النكاح والطلاق والعتق. وكذا روي عن علي ابن ~~أبي طالب وعبد الله بن مسعود وأبي الدرداء، كلهم قال: ثلاث لا لعب فيهن ~~[ولا رجوع فيهن] (1) واللاعب فيهن جاد النكاح والطلاق والعتق. وعن سعيد بن ~~المسيب عن عمر قال: أربع جائزات على كل أحد العتق والطلاق والنكاح والنذور. ~~وعن الضحاك قال: ثلاث لا لعب فيهن النكاح والطلاق والنذور. # قوله تعالى: لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب ~~طائفة بأنهم كانوا مجرمين (66) قوله تعالى: (لا تعتذروا قد كفرتم بعد ~~إيمانكم) على جهة التوبيخ، كأنه يقول: # لا تفعلوا ما لا ينفع، ثم حكم عليهم بالكفر وعدم الاعتذار من الذنب. ~~واعتذر بمعنى أعذر، أي صار ذا عذر. قال لبيد: # * ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر (2) * والاعتذار: محو أثر الموجدة، يقال: ~~اعتذرت المنازل درست. والاعتذار الدروس. # قال الشاعر: (3) أم كنت تعرف آيات فقد جعلت * أطلال إلفك بالودكاء تعتذر ~~وقال ابن الأعرابي: أصله ms2950 القطع. واعتذرت إليه قطعت ما في قلبه من الموجدة. ~~ومنه عذرة الغلام وهو ما يقطع منه عند الختان. ومنه عذرة الجارية لأنه يقطع ~~خاتم عذرتها. # PageV08P198 # قوله تعالى: (إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين) قيل: # كانوا ثلاثة نفر، هزئ اثنان وضحك واحد، فالمعفو عنه هو الذي ضحك ولم ~~يتكلم. والطائفة الجماعة، ويقال للواحد على معنى نفس طائفة. وقال ابن ~~الأنباري: يطلق لفظ الجمع على الواحد، كقولك: خرج فلان على البغال. قال: ~~ويجوز أن تكون الطائفة إذا أريد بها الواحد طائفا، والهاء للمبالغة. واختلف ~~في اسم هذا الرجل الذي عفي عنه على أقوال. # فقيل: مخشي بن حمير، قاله ابن إسحاق. وقال ابن هشام: ويقال فيه ابن مخشي. ~~وقال خليفة بن خياط في تاريخه: اسمه مخاشن بن حمير. وذكر ابن عبد البر ~~مخاشن الحميري [وذكر السهيلي مخشن بن خمير] (1). وذكر جميعهم أنه استشهد ~~باليمامة، وكان تاب وسمي عبد الرحمن، فدعا الله أن يقتل شهيدا ولا يعلم ~~بقبره. واختلف هل كان منافقا أو مسلما. # فقيل: كان منافقا ثم تاب توبة نصوحا. وقيل: كان مسلما، إلا أنه سمع ~~المنافقين فضحك لهم ولم ينكر عليهم. # قوله تعالى: المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن ~~المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون (67) ~~قوله تعالى: (المنافقون والمنافقات) ابتداء. " بعضهم " ابتداء ثان. ويجوز ~~أن يكون بدلا، ويكون الخبر " من بعض ". ومعنى " بعضهم من بعض " أي هم كالشئ ~~الواحد في الخروج عن الدين. وقال الزجاج، هذا متصل بقوله: " يحلفون بالله ~~إنهم لمنكم وما هم منكم " [التوبة: 56] أي ليسوا من المؤمنين، ولكن بعضهم ~~من بعض، أي متشابهون في الامر بالمنكر والنهي عن المعروف. وقبض أيديهم ~~عبارة عن [ترك] الجهاد، وفيما يجب عليهم من حق. والنسيان: الترك هنا، أي ~~تركوا ما أمرهم الله به فتركهم في الشك. وقيل: إنهم تركوا أمره حتى صار ~~كالمنسي فصيرهم بمنزلة المنسي من ثوابه. وقال قتادة: " نسيهم " أي من ~~الخير، فأما من الشر فلم ينسهم. والفسق: الخروج عن ms2951 الطاعة والدين. وقد ~~تقدم. # (2) # PageV08P199 # قوله تعالى: وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها ~~هي حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم (68) قوله تعالى: (وعد الله ~~المنافقين) يقال: وعد الله بالخير وعدا. ووعد بالشر وعيدا " خالدين " نصب ~~على الحال والعامل محذوف، أي يصلونها خالدين. (هي حسبهم) ابتداء وخبر، أي ~~هي كفاية ووفاء لجزاء أعمالهم. واللعن: البعد، أي من رحمة الله، وقد تقدم ~~(1). (ولهم عذاب مقيم) أي واصب دائم. # قوله تعالى كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا ~~فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم ~~وخضتم كالذي خاضوا أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم ~~الخاسرون (69) فيه ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " كالذين من قبلكم " قال الزجاج: الكاف في موضع ~~نصب، أي وعد الله الكفار نار جهنم وعدا كما وعد الذين من قبلهم. وقيل: ~~المعنى فعلتم كأفعال الذين من قبلكم في الامر بالمنكر والنهي عن المعروف ~~(2)، فحذف المضاف. وقيل: # أي أنتم كالذين من قبلكم، فالكاف في محل رفع لأنه خبر ابتداء محذوف. ولم ~~ينصرف " أشد " لأنه أفعل صفة. والأصل فيه أشدد، أي كانوا أشد منكم قوة فلم ~~يتهيأ لهم ولا أمكنهم رفع عذاب الله عز وجل. # الثانية - روى سعيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~(تأخذون كما أخذت الأمم قبلكم ذراعا بذراع وشبرا بشبر وباعا بباع حتى لو أن ~~أحدا من أولئك دخل # PageV08P200 # جحر ضب لدخلتموه). قال أبو هريرة: وإن شئتم فاقرءوا القرآن: " كالذين من ~~قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم " قال ~~أبو هريرة: والخلاق، الدين - فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم ~~بخلاقهم " حتى فرغ من الآية. قالوا: # يا نبي الله، فما صنعت اليهود والنصارى؟ قال: (وما الناس إلا هم). وفي ~~الصحيح عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم (لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر ~~وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه) قالوا: يا رسول الله، اليهود ~~والنصارى؟ قال: (فمن)؟ وقال ابن عباس: ما ms2952 أشبه الليلة بالبارحة، هؤلاء بنو ~~إسرائيل شبهنا بهم. ونحوه عن ابن مسعود. # الثالثة - قوله تعالى: " فاستمتعوا بخلاقهم " أي انتفعوا بنصيبهم من ~~الدين كما فعل الذين من قبلهم. " وخضتم " خروج من الغيبة إلى الخطاب. " ~~كالذي خاضوا " أي كخوضهم. فالكاف في موضع نصب نعت لمصدر محذوف، أي وخضتم ~~خوضا كالذين خاضوا. و " الذي " اسم ناقص مثل من، يعبر به عن الواحد والجمع. ~~وقد مضى في (البقرة) (1). ويقال: خضت الماء أخوضه خوضا وخياضا. والموضع ~~مخاضة، وهو ما جاز الناس فيها مشاة وركبانا. وجمعها المخاض والمخاوض أيضا، ~~عن أبي زيد. وأخضت دابتي في الماء. وأخاض القوم، أي خاضت خيلهم. وخضت ~~الغمرات: اقتحمتها. ويقال: # خاضه بالسيف، أي حرك سيفه في المضروب. وخوض في نجيعه (2) شدد للمبالغة. ~~والمخوض للشراب كالمجدح (3) للسويق، يقال منه: خضت الشراب. وخاض القوم في ~~الحديث وتخاوضوا أي تفاوضوا فيه، فالمعنى: خضتم في أسباب الدنيا باللهو ~~واللعب. وقيل: # في أمر محمد [صلى الله عليه وسلم] (4) بالتكذيب. (أولئك حبطت) بطلت وقد ~~تقدم (5). # (أعمالهم) حسناتهم. (وأولئك هم الخاسرون) وقد تقدم أيضا (6). # PageV08P201 # قوله تعالى: ألم يأتيهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم ~~إبراهيم وأصحاب مدين والمؤتفكات أتتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ~~ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (70) قوله تعالى: (ألم يأتهم نبأ) أي خبر (الذين ~~من قبلهم). والألف لمعنى التقرير والتحذير، أي ألم يسمعوا إهلاكنا الكفار ~~من قبل. (قوم نوح وعاد وثمود) بدل من الذين. # (وقوم إبراهيم) أي نمرود بن كنعان وقومه. (وأصحاب مدين) [مدين] (1) اسم ~~للبلد الذي كان فيه شعيب، أهلكوا بعذاب يوم الظلة. (والمؤتفكات) قيل: يراد ~~به قوم لوط، لان أرضهم ائتفكت بهم، أي انقلبت، قاله قتادة. وقيل: المؤتفكات ~~كل من أهلك، كما يقال: # انقلبت عليهم الدنيا. (اتتهم رسلهم بالبينات) يعني جميع الأنبياء. وقيل: ~~أتت أصحاب المؤتفكات رسلهم، فعلى هذا رسولهم لوط وحده، ولكنه بعث في كل ~~قرية رسولا، وكانت ثلاث قريات، وقيل أربع. وقوله تعالى في موضع آخر: " ~~والمؤتفكة " (2) [النجم: 53] على طريق الجنس. # وقيل: أراد بالرسل الواحد، كقوله " يا أيها ms2953 الرسل كلوا من الطيبات " (3) ~~[المؤمنون: 51] ولم يكن في عصره غيره. # قلت - وهذا فيه نظر، للحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن ~~الله خاطب المؤمنين بما أمر به المرسلين) الحديث. وقد تقدم في " البقرة " ~~(4). والمراد جميع الرسل، والله أعلم. # [قوله تعالى:] (5) (فما كان الله ليظلمهم) أي ليهلكهم حتى يبعث إليهم ~~الأنبياء. (ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) ولكن ظلموا أنفسهم بعد قيام الحجة ~~عليهم. # قوله تعالى: والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف ~~وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك ~~سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم (71) # PageV08P202 # فيه أربع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (بعضهم أولياء بعض) أي قلوبهم متحدة في التواد ~~والتحاب والتعاطف. وقال في المنافقين " بعضهم من بعض " لان قلوبهم مختلفة ~~ولكن يضم بعضهم إلى بعض في الحكم. # الثانية - قوله تعالى: (يأمرون بالمعروف) أي بعبادة الله تعالى وتوحيده، ~~وكل ما أتبع ذلك. (وينهون عن المنكر) عن عبادة الأوثان وكل ما أتبع ذلك. ~~وذكر الطبري عن أبي العالية أنه قال: كل ما ذكر [الله] (1) في القرآن من ~~الامر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو النهي عن عبادة الأوثان والشياطين. ~~وقد مضى القول في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر في سورة المائدة (2) وآل ~~عمران (3) والحمد لله. # الثالثة - قوله تعالى: (ويقيمون الصلاة) تقدم في أول " البقرة " القول ~~فيه (4). # وقال ابن عباس: هي الصلوات الخمس، وبحسب هذا تكون الزكاة هنا المفروضة. ~~ابن عطية: والمدح عندي بالنوافل أبلغ، إذ من يقيم النوافل أحرى بإقامة ~~الفرائض. # الرابعة - قوله تعالى: (ويطيعون الله) في الفرائض (ورسوله) فيما سن لهم. # والسين في قوله: " سيرحمهم الله " مدخلة في الوعد مهلة لتكون النفوس ~~تتنعم برجائه، وفضله تعالى زعيم بالانجاز. # قوله تعالى: وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز ~~العظيم (72) # PageV08P203 # قوله تعالى: (وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات) أي بساتين (تجري من ~~تحتها الأنهار) أي من تحت أشجارها وغرفها الأنهار. وقد تقدم في " البقرة " ~~أنها ms2954 تجري منضبطة بالقدرة في غير أخدود (1). (خالدين فيها ومساكن طيبة) ~~قصور من الزبرجد والدر والياقوت يفوح طيبها من مسيرة خمسمائة عام. (في جنات ~~عدن) أي في دار إقامة. يقال: عدن بالمكان إذا أقام به، ومنه المعدن. وقال ~~عطاء الخراساني: " جنات عدن " هي قصبة الجنة، وسقفها عرش الرحمن عز وجل. ~~وقال ابن مسعود: هي بطنان الجنة، أي وسطها. # وقال الحسن: هي قصر من ذهب لا يدخلها إلا نبي أو صديق أو شهيد أو حكم ~~عدل، ونحوه عن الضحاك. وقال مقاتل والكلبي: عدن أعلى درجة في الجنة، وفيها ~~عين التسنيم، والجنان حولها محفوفة بها، وهي مغطاة من يوم خلقها الله حتى ~~ينزلها الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون ومن يشاء الله. (ورضوان من ~~الله أكبر) أي أكبر من ذلك. # " ذلك هو الفوز العظيم ". # قوله تعالى: يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم ~~جهنم وبئس المصير (83) فيه مسألتان: # الأولى - قوله تعالى: (يا أيها النبي جاهد الكفار) الخطاب للنبي صلى الله ~~عليه وسلم وتدخل فيه أمته من بعده. قيل: المراد جاهد بالمؤمنين الكفار. ~~وقال ابن عباس: # أمر بالجهاد مع الكفار بالسيف، ومع المنافقين باللسان وشدة الزجر ~~والتغليظ. وروي عن ابن مسعود أنه قال: جاهد المنافقين بيدك، فإن لم تستطع ~~فبلسانك، فإن لم تستطع فاكفهر (2) في وجوههم. وقال الحسن: جاهد المنافقين ~~بإقامة الحدود عليهم وباللسان - واختاره قتادة - وكانوا أكثر من يصيب ~~الحدود. ابن العربي: أما إقامة الحجة باللسان فكانت دائمة وأما بالحدود لان ~~أكثر إصابة الحدود كانت عندهم فدعوى لا برهان # PageV08P204 # عليها وليس العاصي بمنافق إنما المنافق بما يكون في قلبه من النفاق كامنا ~~لا بما تتلبس به الجوارح ظاهرا وأخبار المحدودين يشهد سياقها أنهم لم ~~يكونوا منافقين الثانية - قوله تعالى: (واغلظ عليهم) الغلظ: نقيض الرأفة، ~~وهي شدة القلب على إحلال الامر بصاحبه. وليس ذلك في اللسان، فإن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد ولا يثرب (1) عليها). ومنه قوله ~~تعالى: " ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك " (2) [آل ms2955 عمران: 159]. ~~ومنه قول النسوة لعمر: أنت أفظ وأغلظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم (3) ~~ومعنى الغلظ خشونة الجانب. فهي ضد قوله تعالى: " واخفض جناحك لمن اتبعك من ~~المؤمنين " (4) [الشعراء: 215]. " واخفض لهما جناح الذل من الرحمة " (5) ~~[الاسراء: 24]. وهذه الآية نسخت كل شئ من العفو والصلح والصفح. # قوله تعالى: يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد ~~إسلامهم وهموا بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله ~~فإن يتوبوا يك خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا ~~والآخرة وما لهم في الأرض من ولى ولا نصير (74) # PageV08P205 # فيه ست مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (يحلفون بالله ما قالوا) روى أن هذه الآية نزلت في ~~الجلاس ابن سويد بن الصامت، ووديعة بن ثابت، وقعوا في النبي صلى الله عليه ~~وسلم وقالوا: والله لئن كان محمد صادقا على إخواننا الذين هم ساداتنا ~~وخيارنا لنحن شر من الحمير. فقال له عامر ابن قيس: أجل! والله إن محمدا ~~لصادق مصدق، وإنك لشر من حمار. وأخبر عامر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم. ~~وجاء الجلاس فحلف بالله عند منبر النبي صلى الله عليه وسلم إن عامرا لكاذب. ~~وحلف عامر لقد قال، وقال: اللهم أنزل على نبيك الصادق شيئا، فنزلت. # وقيل: إن الذي سمعه عاصم بن عدي. وقيل حذيفة. وقيل: بل سمعه ولد امرأته ~~واسمه عمير بن سعد، فيما قال ابن إسحاق. وقال غيره: اسمه مصعب. فهم الجلاس ~~بقتله لئلا يخبر بخبره، ففيه نزل: " وهموا بما لم ينالوا ". قال مجاهد: ~~وكان الجلاس لما قال له صاحبه إني سأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بقولك هم بقتله، ثم لم يفعل، عجز عن ذلك. # قال، ذلك هي الإشارة بقوله، " وهموا بما لم ينالوا ". وقيل: إنها نزلت في ~~عبد الله بن أبي، رأى رجلا من غفار يتقاتل مع رجل من جهينة، وكانت جهينة ~~حلفاء الأنصار، فعلا الغفاري الجهني. فقال ابن أبي: يا بني الأوس والخزرج، ~~انصروا أخاكم! فوالله ما مثلنا ومثل محمد ms2956 إلا كما قال القائل: " سمن كلبك ~~يأكلك "، ولئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. فأخبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم بذلك، فجاءه عبد الله بن أبي فحلف أنه لم يقله، قاله قتادة. ~~وقول ثالث أنه قول جميع المنافقين، قاله الحسن. ابن العربي: وهو الصحيح، ~~لعموم القول ووجود المعنى فيه وفيهم، وجملة ذلك اعتقادهم فيه أنه ليس بنبي. # الثانية - قوله تعالى: (ولقد قالوا كلمة الكفر) قال النقاش: تكذيبهم بما ~~وعد الله من الفتح. وقيل: " كلمة الكفر " قول الجلاس: إن كان ما جاء به ~~محمد حقا لنحن أشر من الحمير. وقول عبد الله بن أبي: لئن رجعنا إلى المدينة ~~ليخرجن الأعز منها الأذل. # قال القشيري: كلمة الكفر سب النبي صلى الله عليه وسلم والطعن في الاسلام. ~~(وكفروا PageV08P206 # بعد إسلامهم) أي بعد الحكم بإسلامهم. فدل هذا على أن المنافقين كفار، وفي ~~قوله تعالى: " ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا " (1) [المنافقون: 3] دليل قاطع. # ودلت الآية أيضا على أن الكفر يكون بكل ما يناقض التصديق والمعرفة، وإن ~~كان الايمان لا يكون إلا بلا إله إلا الله دون غيره من الأقوال والافعال ~~إلا في الصلاة. قال إسحاق ابن راهويه: ولقد أجمعوا في الصلاة على شئ لم ~~يجمعوا عليه في سائر الشرائع، لأنهم بأجمعهم قالوا: من عرف بالكفر ثم رأوه ~~يصلي الصلاة في وقتها حتى صلى صلوات كثيرة. ولم يعلموا منه إقرارا باللسان ~~أنه يحكم له بالايمان، ولم يحكموا له في الصوم والزكاة بمثل دلك. # الثالثة - قوله تعالى: (وهموا بما لم ينالوا) يعني المنافقين من قتل ~~النبي صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة في غزوة تبوك، وكانوا اثني عشر رجلا. ~~قال حذيفة: سماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عدهم كلهم. فقلت: ألا ~~تبعث إليهم فتقتلهم؟ فقال: # (أكره أن تقول العرب لما ظفر بأصحابه أقبل يقتلهم بل يكفيهم لله ~~بالدبيلة). قيل: # يا رسول الله وما الدبيلة؟ قال: (شهاب من جهنم يجعله على نياط فؤاد أحدهم ~~حتى تزهق نفسه). فكان كذلك. خرجه مسلم بمعناه. وقيل هموا بعقد ms2957 التاج على ~~رأس ابن أبي ليجتمعوا عليه. وقد تقدم قول مجاهد في هذا. # الرابعة - قوله تعالى: (وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله) أي ~~ليس ينقمون شيئا، كما قال النابغة: # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم * بهن فلول من قراع الكتائب ويقال: نقم ينقم، ~~ونقم ينقم، قال الشاعر [في الكسر] (2): # ما نقموا من بني أمية إلا * أنهم يحلمون إن غضبوا وقال زهير: # يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر * ليوم الحساب أو يعجل فينقم # PageV08P207 # ينشد بكسر القاف وفتحها. قال الشعبي: كانوا يطلبون دية فيقضي لهم بها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستغنوا. ذكر عكرمة أنها كانت اثني عشر ~~ألفا. ويقال: إن القتيل كان مولى الجلاس. # وقال الكلبي: كانوا قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم في ضنك من العيش، ~~لا يركبون الخيل ولا يحوزون الغنيمة، فلما قدم عليهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم استغنوا بالغنائم. وهذا المثل مشهور (اتق شر من أحسنت إليه). قال ~~القشيري أبو نصر: قيل للبجلي أتجد في كتاب الله تعالى اتق شر من أحسنت ~~إليه؟ قال نعم، " وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله ". # الخامسة - قوله تعالى: (فإن يتوبوا يك خيرا لهم) روي أن الجلاس قام حين ~~نزلت الآية فاستغفر وتاب. فدل هذا على توبة الكافر الذي يسر الكفر ويظهر ~~الايمان، وهو الذي يسميه الفقهاء الزنديق. وقد اختلف في ذلك العلماء، فقال ~~الشافعي: تقبل توبته. وقال مالك: توبة الزنديق لا تعرف، لأنه كان يظهر ~~الايمان ويسر الكفر، ولا يعلم إيمانه إلا بقوله. وكذلك يفعل الآن في كل ~~حين، يقول: أنا مؤمن وهو يضمر خلاف ما يظهر، فإذا عثر عليه وقال: تبت، لم ~~يتغير حاله عما كان عليه. فإذا جاءنا تائبا من قبل نفسه قبل أن يعثر عليه ~~قبلت توبته، وهو المراد بالآية. والله أعلم. # السادسة - قوله تعالى: (وإن يتولوا) أي يعرضوا عن الايمان والتوبة ~~(يعذبهم الله عذابا أليما) في الدنيا بالقتل، وفي الآخرة بالنار. (وما لهم ~~في الأرض من ولي) أي مانع يمنعهم ms2958 (ولا نصير) أي معين. وقد تقدم (1). # قوله تعالى: ومنهم من عاهد الله لئن آتنا من فضله لنصدقن ولنكونن من ~~الصالحين (75) فلما آتهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون (76) فأعقبهم ~~نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا ~~يكذبون (77) ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب ~~(78) # PageV08P208 # فيه ثمان مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (ومنهم من عاهد الله) قال قتادة: هذا رجل من ~~الأنصار قال: لئن رزقني الله شيئا لأؤدين فيه (1) حقه ولأتصدقن، فلما آتاه ~~الله ذلك فعل ما نص عليكم، فاحذروا الكذب فإنه يؤدي إلى الفجور. وروى علي ~~بن يزيد (2) عن القاسم عن أبي أمامة الباهلي أن ثعلبة بن حاطب الأنصاري ~~(فسماه) قال للنبي صلى الله عليه وسلم: # ادع الله أن يرزقني مالا. فقال عليه السلام (ويحك يا ثعلبة قليل تؤدي ~~شكره خير من كثير لا تطيقه) ثم عاود ثانيا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~(أما ترضي أن تكون مثل نبي الله لو شئت أن تسير معي الجبال ذهبا لسارت) ~~فقال: والذي بعثك بالحق لئن دعوت الله فرزقني مالا لأعطين كل ذي حق حقه. ~~فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم، فأتخذ غنما فنمت كما تنمي الدود، فضاقت ~~عليه المدينة فتنحى عنها ونزل واديا من أوديتها حتى جعل يصلي الظهر والعصر ~~في جماعة، وترك ما سواهما. ثم نمت وكثرت حتى ترك الصلوات إلا الجمعة، وهي ~~تنمي حتى ترك الجمعة أيضا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا ويح ~~ثعلبة) ثلاثا. ثم نزل " خذ من أموالهم صدقة " [التوبة: 103]. فبعث صلى الله ~~عليه وسلم رجلين على الصدقة، وقال لهما: (مرا بثعلبة وبفلان - رجل من بني ~~سليم - فخذا صدقاتهما) فأتيا ثعلبة وأقرأه كتاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فقال: ما هذه إلا أخت (3) الجزية! انطلقا حتى تفرغا ثم تعودا. ~~الحديث، وهو مشهور. وقيل: سبب غناء ثعلبة أنه ورث ابن عم له. قال ابن عبد ~~البر: قيل إن ثعلبة بن حاطب هو الذي ms2959 نزل فيه " ومنهم من عاهد الله " الآية، ~~إذ منع الزكاة، فالله أعلم. وما جاء فيمن شاهد بدرا يعارضه قوله تعالى في ~~الآية: # " فأعقبهم نفاقا في قلوبهم " الآية. # قلت: وذكر عن ابن عباس في سبب نزول الآية أن حاطب بن أبي بلتعة أبطأ عنه ~~ماله بالشام فحلف في مجلس (4) من مجالس الأنصار: إن سلم ذلك لأتصدقن منه ~~ولأصلن منه. # فلما سلم بخل بذلك فنزلت. # PageV08P209 # قلت: وثعلبة بدري أنصاري وممن شهد الله له ورسوله بالايمان، حسب ما يأتي ~~بيانه في أول الممتحنة (1) فما روي عنه غير صحيح. قال أبو عمر: ولعل قول من ~~قال في ثعلبة أنه مانع الزكاة الذي نزلت فيه الآية غير صحيح، والله أعلم. ~~وقال الضحاك: إن الآية نزلت في رجال من المنافقين نبتل بن الحارث وجد بن ~~قيس ومعتب بن قشير. # قلت: وهذا أشبه بنزول الآية فيهم، إلا أن قوله " فأعقبهم نفاقا " يدل على ~~أن الذي عاهد الله لم يكن منافقا من قبل، إلا أن يكون المعنى: زادهم نفاقا ~~ثبتوا عليه إلى الممات، وهو قوله تعالى: " إلى يوم يلقونه " على ما يأتي. # الثانية - قال علماؤنا: لما قال الله تعالى: " ومنهم من عاهد الله " ~~احتمل أن يكون عاهد الله بلسانه ولم يعتقده بقلبه. واحتمل أن يكون عاهد ~~الله بهما ثم أدركته سوء الخاتمة، فإن الأعمال بخواتيمها والأيام بعواقبها. ~~و " من " رفع بالابتداء والخبر في المجرور. ولفظ اليمين ورد في الحديث وليس ~~في ظاهر القرآن يمين إلا بمجرد الارتباط والالتزام، أما إنه في صيغة القسم ~~في المعنى فإن اللام تدل عليه، وقد أتى بلامين الأولى للقسم والثانية لام ~~الجواب، وكلاهما للتأكيد. ومنهم من قال: إنهما لا ما القسم، والأول أظهر، ~~والله أعلم. # الثالثة - العهد والطلاق وكل حكم ينفرد به المرء ولا يفتقر إلى غيره فيه ~~فإنه يلزمه منه ما يلتزمه بقصده وإن لم يلفظ به، قاله علماؤنا. وقال ~~الشافعي وأبو حنيفة: لا يلزم أحدا حكم إلا بعد أن يلفظ به وهو القول الآخر ~~لعلمائنا. ابن العربي: والدليل على صحة ما ms2960 ذهبنا إليه ما رواه أشهب عن ~~مالك، وقد سئل: إذا نوى الرجل الطلاق بقلبه ولم يلفظ به بلسانه فقال: ~~يلزمه، كما يكون مؤمنا بقلبه، وكافرا بقلبه. قال ابن العربي: وهذا أصل ~~بديع، وتحريره أن يقال: عقد لا يفتقر فيه المرء إلى غيره في التزامه فانعقد ~~عليه بنية. أصله الايمان والكفر. # PageV08P210 # قلت: وحجة القول الثاني ما رواه مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: (إن الله تجاوز لامتي عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل ~~أو تتكلم به) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل ~~العلم إن رجل إذا حدث نفسه بالطلاق لم يكن شيئا حتى يتكلم به. قال أبو عمر: ~~ومن اعتقد بقلبه الطلاق ولم ينطق به لسانه فليس بشئ. هذا هو الأشهر عن ~~مالك. وقد روي عنه أنه يلزمه الطلاق إذا نواه بقلبه، كما يكفر بقلبه وإن لم ~~ينطق به لسانه. والأول أصح في النظر وطريق الأثر، لقول رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: (تجاوز الله لامتي عما وسوست به نفوسها ما لم ينطق به لسان أو ~~تعمله يد). # الرابعة - إن كان نذرا فالوفاء بالنذر واجب من غير خلاف وتركه معصية. وإن ~~كانت يمينا فليس الوفاء باليمين واجبا باتفاق. بيد أن المعنى فيه إن كان ~~الرجل فقيرا لا يتعين عليه فرض الزكاة، فسأل الله مالا تلزمه فيه الزكاة ~~ويؤدي ما تعين عليه من فرضه، فلما آتاه الله ما شاء من ذلك ترك ما التزم ~~مما كان يلزمه في أصل الدين لو لم يلتزمه، لكن التعاطي بطلب المال لأداء ~~الحقوق هو الذي أورطه إذ كان طلبه من الله تعالى بغير نية خالصة، أو نية ~~لكن سبقت فيه البداية المكتوب عليه فيها الشقاوة. نعوذ بالله من ذلك. # قلت: ومن هذا المعنى قوله عليه السلام: (إذا تمنى أحدكم فلينظر ما يتمنى ~~فإنه لا يدري ما كتب له في غيب الله عز وجل من أمنيته) أي من عاقبتها، فرب ~~أمنية يفتتن بها أو يطغي ms2961 فتكون سببا للهلاك دنيا وأخرى، لان أمور الدنيا ~~مبهمة عواقبها خطرة غائلتها. وأما تمني أمور الدين والأخرى فتمنيها محمود ~~العاقبة محضوض عليها مندوب إليها. # الخامسة - قوله تعالى: (لئن آتانا من فضله لنصدقن) دليل على أن من قال: # إن ملكت كذا وكذا فهو صدقة فإنه يلزمه، وبه قال أبو حنيفة: وقال الشافعي: ~~لا يلزمه. # والخلاف في الطلاق مثله، وكذلك في العتق. وقال أحمد بن حنبل: يلزمه ذلك ~~في العتق ولا يلزمه في الطلاق، لان العتق قربة وهي تثبت في الذمة بالنذر، ~~بخلاف الطلاق فإنه PageV08P211 # تصرف في محل، وهو لا يثبت في الذمة. احتج الشافعي بما رواه أبو داود ~~والترمذي وغيرهما عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: (لا نذر لابن آدم فيما لا يملك ولا عتق له فيما لا يملك ~~ولا طلاق له فيما لا يملك) لفظ الترمذي. # وقال: وفي الباب عن علي ومعاذ وجابر وابن عباس وعائشة حديث عبد الله بن ~~عمرو حديث حسن، وهو أحسن شئ روي في هذا الباب. وهو قول أكثر أهل العلم من ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم. ابن العربي: وسرد أصحاب الشافعي في ~~هذا الباب أحاديث كثيرة لم يصح منها شئ فلا يعول عليها، ولم يبق إلا ظاهر ~~الآية. # السادسة - قوله تعالى: (فلما آتاهم من فضله) أي أعطاهم. (بخلوا به) أي ~~بإعطاء الصدقة وبإنفاق المال في الخير، وبالوفاء بما ضمنوا والتزموا. وقد ~~مضى البخل في [آل عمران] (1). (وتولوا) أي عن طاعة الله. (وهم معرضون) أي ~~عن الاسلام، أي مظهرون للاعراض عنه. # السابعة - قوله تعالى: (فأعقبهم نفاقا) مفعولان أي أعقبهم الله تعالى ~~نفاقا في قلوبهم. وقيل: أي أعقبهم البخل نفاقا، ولهذا قال: " بخلوا به ". ~~(إلى يوم يلقونه) في موضع خفض، أي يلقون بخلهم أي جزاء بخلهم كما يقال: أنت ~~تلقى غدا عملك. # وقيل: (إلى يوم يلقونه) أي يلقون الله. وفي هذا دليل على أنه مات منافقا. # وهو يبعد أن يكون المنزل فيه ثعلبة أو حاطب ms2962 لان النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال لعمر: # (وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت ~~لكم). وثعلبة وحاطب ممن حضر بدرا وشهدها. (بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما ~~كانوا يكذبون) كذبهم نقضهم العهد وتركهم الوفاء بما التزموه من ذلك. # الثامنة - قوله تعالى: " نفاقا " النفاق إذا كان في القلب فهو الكفر. ~~فأما إذا كان في الأعمال فهو معصية. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أربع ~~من كن فيه كان منافقا خالصا # PageV08P212 # ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها. إذا ائتمن ~~خان وإذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر) خرجه البخاري. وقد مضى في ~~[البقرة] اشتقاق هذه الكلمة (1)، فلا معنى لإعادتها. واختلف الناس في تأويل ~~هذا الحديث، فقالت طائفة: إنما ذلك لمن يحدث بحديث يعلم أنه كذب، ويعهد ~~عهدا لا يعتقد الوفاء به، وينتظر الأمانة للخيانة فيها. وتعلقوا بحديث ضعيف ~~الاسناد، وأن علي بن أبي طالب رضي الله عنه لقي أبا بكر وعمر رضي الله ~~عنهما خارجين من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهما ثقيلان (2) فقال ~~علي: مالي أراكما ثقيلين؟ (2) قالا حديثا سمعناه من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من خلال المنافقين (إذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا ائتمن خان ~~وإذا وعد أخلف) فقال علي: # أفلا سألتماه؟ فقالا: هبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لكني ~~سأسأله، فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، خرج ~~أبو بكر وعمر وهما ثقيلان، ثم ذكر ما قالاه، فقال: (قد حدثتهما ولم أضعه ~~على الوضع الذي وضعاه ولكن المنافق إذا حدث وهو يحدث نفسه أنه يكذب وإذا ~~وعد وهو يحدث نفسه أنه يخلف وإذا ائتمن وهو يحدث نفسه أنه يخون) ابن ~~العربي: قد قام الدليل الواضح على أن متعمد هذه الخصال لا يكون كافرا، ~~وإنما يكون كافرا باعتقاد يعود إلى الجهل بالله وصفاته أو تكذيب له [تعالى ~~الله وتقدس عن اعتقاد الجاهلين ms2963 وعن زيغ الزائغين (3)]. وقالت طائفة: ذلك ~~مخصوص بالمنافقين زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم. وتعلقوا بما رواه ~~مقاتل بن حيان عن سعيد بن جبير عن ابن عمر وابن عباس قالا: أتينا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في أناس من أصحابه فقلنا: يا رسول الله، إنك قلت (ثلاث ~~من كن فيه فهو منافق وإن صام وصلي وزعم أنه مؤمن إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف ~~وإذا ائتمن خان ومن كانت فيه خصلة منهن ففيه ثلث النفاق) فظننا أنا لم نسلم ~~منهن أو من بعضهن ولم يسلم منهن كثير من الناس، قال: فضحك رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وقال: (مالكم ولهن إنما خصصت بهن المنافقين كما خصهم الله ~~في كتابه أما قولي إذا حدث كذب فذلك قوله عز وجل " إذا جاءك المنافقون... " ~~[المنافقون: 1] - الآية - أفأنتم # PageV08P213 # كذلك؟ قلنا: لا. قال: (لا عليكم أنتم من ذلك براء وأما قولي إذا وعد أخلف ~~فذلك فيما أنزل الله علي (ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله) - الآيات ~~الثلاث - (أفأنتم كذلك)؟ # قلنا لا، والله لو عاهدنا الله على شئ أو فينا به. قال: (لا عليكم أنتم ~~من ذلك براء وأما قولي وإذا اؤتمن خان فذلك فيما أنزل الله علي " إنا عرضنا ~~الأمانة على السماوات والأرض والجبال " (1) [الأحزاب: 72] - الآية - (فكل ~~إنسان مؤتمن على دينه فالمؤمن يغتسل من الجنابة في السر والعلانية ~~[والمنافق لا يفعل ذلك إلا في العلانية] أفأنتم كذلك)؟ قلنا لا قال: (لا ~~عليكم أنتم من ذلك براء). وإلى هذا صار كثير من التابعين والأئمة. قالت ~~طائفة: هذا فيمن كان الغالب عليه هذه الخصال. ويظهر من مذهب البخاري وغيره ~~من أهل العلم أن هذه الخلال الذميمة منافق من اتصف بها إلى يوم القيامة. ~~قال ابن العربي: والذي عندي أنه لو غلبت عليه المعاصي ما كان بها كافرا ما ~~لم يؤثر في الاعتقاد. قال علماؤنا: إن إخوة يوسف عليه السلام عاهدوا أباهم ~~فأخلفوه، وحدثوه فكذبوه، وائتمنهم على يوسف فخانوه وما كانوا منافقين. قال ~~عطاء ms2964 بن أبي رباح: قد فعل هذه الخلال إخوة يوسف ولم يكونوا منافقين بل ~~كانوا أنبياء (2). وقال الحسن بن أبي الحسن البصري: النفاق نفاقان، نفاق ~~الكذب ونفاق العمل، فأما نفاق الكذب فكان على عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وأما نفاق العمل فلا ينقطع إلى يوم القيامة. وروى البخاري عن حذيفة ~~أن النفاق كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما اليوم فإنما هو ~~الكفر بعد الايمان. # قوله تعالى: (ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم) هذا توبيخ، وإذا كان ~~عالما فإنه سيجازيهم. # قوله تعالى: الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا ~~يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم (79) # PageV08P214 # قوله تعالى: (الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات) هذا أيضا من ~~صفات المنافقين. قال قتادة: " يلمزون " يعيبون. قال: وذلك أن عبد الرحمن بن ~~عوف تصدق بنصف ماله، وكان ماله ثمانية آلاف فتصدق منها بأربعة آلاف. فقال ~~قوم: # ما أعظم رياءه، فأنزل الله: " الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في ~~الصدقات ". وجاء رجل من الأنصار بنصف صبرة (1) من تمره فقالوا: ما أغنى ~~الله عن هذا، فأنزل الله عز وجل " والذين لا يجدون إلا جهدهم " الآية. وخرج ~~مسلم عن أبي مسعود قال: أمرنا بالصدقة - قال: كنا نحامل (2)، في رواية: على ~~ظهورنا - قال: فتصدق أبو عقيل بنصف صاع. # قال: وجاء إنسان بشئ أكثر منه فقال المنافقون: إن الله لغني عن صدقة هذا، ~~وما فعل هذا الآخر إلا رياء: فنزلت " الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في ~~الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم ". يعني أبا عقيل، واسمه الحبحاب. ~~والجهد: شئ قليل يعيش به المقل. والجهد والجهد بمعنى واحد. وقد تقدم (3). و ~~" يلمزون " يعيبون. وقد تقدم. # و " المطوعين " أصله المتطوعين أدغمت التاء في الطاء، وهم الذين يفعلون ~~الشئ تبرعا من غير أن يجب عليهم. " والذين " في موضع خفض عطف على " ~~المؤمنين ". ولا يجوز أن يكون عطفا على الاسم قبل تمامه. " فيسخرون " عطف ~~على " يلمزون ". " سخر الله منهم " خبر الابتداء، ms2965 وهو دعاء عليهم. وقال ابن ~~عباس: هو خبر، أي سخر منهم حيث صاروا إلى النار. ومعنى سخر الله مجازاتهم ~~على سخريتهم. وقد تقدم في " البقرة " (4). # قوله تعالى: استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن ~~يغفر الله لهم ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدى القوم الفاسقين ~~(80) # PageV08P215 # قوله تعالى: " استغفر لهم " يأتي بيانه عند قوله تعالى: (ولا تصل على أحد ~~منهم مات أبدا). # قوله تعالى: فرح المخلفون بمقعدهم خلف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا ~~بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد ~~حرا لم كانوا يفقهون (81) قوله تعالى: (فرح المخلفون بمقعدهم) أي بقعودهم. ~~قعد قعودا ومقعدا، أي جلس. # وأقعده غيره، عن الجوهري. والمخلف المتروك، أي خلفهم الله وثبطهم، أو ~~خلفهم رسول الله والمؤمنون لما علموا تثاقلهم عن الجهاد، قولان، وكان هذا ~~في غزوة تبوك. (خلاف رسول الله) مفعول من أجله، وإن شئت كان مصدرا. والخلاف ~~المخالفة. ومن قرأ " خلف رسول الله " أراد التأخر عن الجهاد. (وقالوا لا ~~تنفروا في الحر) أي قال بعضهم لبعض ذلك. (قل نار جهنم) أي قل لهم يا محمد ~~نار جهنم. (أشد حرا لو كانوا يفقهون) ابتداء وخبر. " حرا " نصب على البيان، ~~أي من ترك أمر الله تعرض لتلك النار. # قوله تعالى: فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون (115) ~~فيه مسألتان: # الأولى - قوله تعالى: " فليضحكوا قليلا " أمر، معناه معنى التهديد وليس ~~أمرا بالضحك. والأصل أن تكون اللام مكسورة فحذفت الكسرة لثقلها. قال الحسن: # " فليضحكوا قليلا " في الدنيا " وليبكوا كثيرا " في جهنم. وقيل: هو أمر ~~بمعنى الخبر. # أي إنهم سيضحكون قليلا ويبكون كثيرا. " جزاء " مفعول من أجله، أي للجزاء. ~~PageV08P216 # الثانية - من الناس من كان لا يضحك اهتماما بنفسه وفساد حاله في اعتقاده ~~من شدة الخوف، وإن كان عبدا صالحا. قال صلى الله عليه وسلم: (والله لو ~~تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ولخرجتم إلى الصعدات (1) تجأرون ~~إلى الله تعالى لوددت (2) أني كنت شجرة تعضد) ms2966 خرجه الترمذي. وكان الحسن ~~البصري رضي الله عنه ممن قد غلب عليه الحزن فكان لا يضحك. وكان ابن سيرين ~~يضحك ويحتج على الحسن ويقول: الله أضحك وأبكى. وكان الصحابة يضحكون، إلا أن ~~الاكثار منه وملازمته حتى يغلب على صاحبه مذموم منهي عنه، وهو من فعل ~~السفهاء والبطالة. وفي الخبر: (أن كثرته تميت القلب) وأما البكاء من خوف ~~الله و [عذابه وشدة] (3) عقابه فمحمود، قال عليه السلام: (ابكوا فإن لم ~~تبكوا فتباكوا فإن أهل النار يبكون حتى تسيل دموعهم في وجوههم كأنها جداول ~~حتى تنقطع الدموع فتسيل الدماء فتقرح العيون فلو أن سفنا أجريت فيها لجرت) ~~خرجه ابن المبارك من حديث أنس وابن ماجة أيضا. # قوله تعالى: فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستئذنوك للخروج فقل لن ~~تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا ~~مع الخالفين (83) قوله تعالى: (فإن رجعك الله إلى طائفة منهم) أي ~~المنافقين. وإنما قال: " إلى طائفة " لان جميع من أقام بالمدينة ما كانوا ~~منافقين بل كان فيهم معذورون ومن لا عذر له، ثم عفا عنهم وتاب عليهم، ~~كالثلاثة الذين خلفوا. وسيأتي. (فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا) ~~أي عاقبهم بألا تصحبهم أبدا. وهو كما قال في " سورة الفتح ": " قل لن ~~تتبعونا " (4) [الفتح: 15]. و " الخالفين " جمع خالف، كأنهم خلفوا ~~الخارجين. قال ابن عباس: # PageV08P217 # " الخالفين " من تخلف من المنافقين. وقال الحسن: مع النساء والضعفاء من ~~الرجال، فغلب المذكر. وقيل: المعنى فاقعدوا مع الفاسدين، من قولهم فلان ~~خالفة أهل بيته إذا كان فاسدا فيهم، من خلوف فم الصائم. ومن قولك: خلف ~~اللبن، أي فسد بطول المكث في السقاء، فعلى هذا يعني فاقعدوا مع الفاسدين. ~~وهذا يدل على أن استصحاب المخذل في الغزوات لا يجوز. # قوله تعالى: ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا ~~بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون (84) فيه إحدى عشرة مسألة: # الأولى - روي أن هذه الآية نزلت في شأن عبد الله بن أبي سلول وصلاة النبي ms2967 ~~صلى الله عليه وسلم عليه. ثبت ذلك في الصحيحين وغيرهما. وتظاهرت الروايات ~~بأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى عليه، وأن الآية نزلت بعد ذلك. وروي عن ~~أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما تقدم ليصلي عليه جاءه جبريل ~~فجبذ ثوبه وتلا عليه " ولا تصل على أحد منهم مات أبدا " الآية، فانصرف رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ولم يصل عليه. # والروايات الثابتة على خلاف هذا، ففي البخاري عن ابن عباس قال: فصلي عليه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم انصرف، فلم يمكث إلا يسيرا حتى نزلت ~~الآيتان من [براءة] " ولا تصل على أحد منهم مات أبدا " ونحوه عن ابن عمر، ~~خرجه مسلم. قال ابن عمر: لما توفي عبد الله بن أبي بن سلول جاء ابنه عبد ~~الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه ~~فأعطاه ثم سأله أن يصلي عليه، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي ~~عليه، فقام عمر وأخذ بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول ~~الله، أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي عليه؟ فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: (إنما خيرني الله تعالى فقال: " استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن ~~تستغفر لهم سبعين مرة " [التوبة: 80] وسأزيد على PageV08P218 # سبعين) قال: إنه منافق. فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل ~~الله عز وجل " ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره " فترك ~~الصلاة عليهم. وقال بعض العلماء: إنما صلى النبي صلى الله عليه وسلم على ~~عبد الله بن أبي بناء على الظاهر من لفظ إسلامه. ثم لم يكن يفعل ذلك لما ~~نهي عنه. # الثانية - إن قال قائل فكيف قال عمر: أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي ~~عليه، ولم يكن تقدم نهى عن الصلاة عليهم. قيل له: يحتمل أن يكون ذلك وقع له ~~في خاطره، ويكون من قبيل الالهام والتحدث الذي شهد له به النبي ms2968 صلى الله ~~عليه وسلم، وقد كان القرآن ينزل على مراده، كما قال: وافقت ربي في ثلاث. ~~وجاء: في أربع. وقد تقدم في البقرة (1). # فيكون هذا من ذلك. ويحتمل أن يكون فهم ذلك من قوله تعالى: " استغفر لهم ~~أو لا تستغفر لهم " [التوبة: 80] الآية. لا أنه كان تقدم نهي على ما دل ~~عليه حديث البخاري ومسلم. والله أعلم. # قلت: ويحتمل أن يكون فهمه من قوله تعالى: " ما كان للنبي والذين آمنوا أن ~~يستغفروا (2) للمشركين " [التوبة: 113] لأنها نزلت بمكة. وسيأتي القول ~~فيها. # الثالثة - قوله تعالى: (استغفر لهم) الآية. بين تعالى أنه وإن استغفر لهم ~~لم ينفعهم ذلك وإن أكثر من الاستغفار. قال القشيري: ولم يثبت ما يروى أنه ~~قال: # (لأزيدن على السبعين). # قلت: وهذا خلاف ما ثبت في حديث ابن عمر (وسأزيد على السبعين) وفي حديث ~~ابن عباس (لو أعلم أنى إن زدت على السبعين يغفر لهم لزدت عليها). قال: فصلى ~~عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. خرجه البخاري. # الرابعة - واختلف العلماء في تأويل قوله: (استغفر لهم) هل هو إياس وتخيير ~~فقالت طائفة: المقصود به اليأس بدليل قوله تعالى: (فلن يغفر الله لهم). ~~وذكر السبعين وفاق جرى أو هو عادتهم في العبارة عن الكثير والاغياء. فإذا ~~قال قائلهم: لا أكلمه # PageV08P219 # سبعين سنة صار عندهم بمنزلة قوله: لا أكلمه أبدا. ومثله في الاغياء قوله ~~تعالى: # (في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا) (1)، وقوله عليه السلام: (من صام يوما في ~~سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفا). وقالت طائفة: هو تخيير - ~~منهم الحسن وقتادة وعروة - إن شئت استغفر لهم وإن شئت لا تستغفر. ولهذا لما ~~أراد أن يصلى على ابن أبي قال عمر: أتصلي على عدو الله القائل يوم كذا كذا ~~وكذا؟. فقال: (إني خيرت فاخترت). قالوا: ثم نسخ هذا لما نزل (سواء عليهم ~~أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم (2)). # (ذلك بأنهم كفروا) أي لا يغفر الله لهم لكفرهم. # الخامسة - قوله تعالى: (ما كان للنبي والذين آمنوا أن تستغفروا للمشركين) ~~الآية. وهذه الآية ms2969 نزلت بمكة عند موت أبي طالب، على ما يأتي بيانه. وهذا ~~يفهم منه النهى عن الاستغفار لمن مات كافرا. وهو متقدم على هذه الآية التي ~~فهم منها التخيير بقوله: # (انما خيرني الله) وهذا مشكل. فقيل: إن استغفاره لعمه إنما كان مقصوده ~~استغفارا مرجو الإجابة حتى تحصل له المغفرة. وفي هذا الاستغفار استأذن عليه ~~السلام ربه في أن يأذن له فيه لامه فلم يأذن له فيه. وأما الاستغفار ~~للمنافقين الذي خير فيه فهو استغفار لساني لا ينفع وغايته تطييب قلوب بعض ~~الاحياء من قرابات المستغفر له. والله أعلم. # السادسة - واختلف في أعطاء النبي صلى الله عليه وسلم قميصه لعبد الله، ~~فقيل: # إنما أعطاه لان عبد الله كان قد أعطي العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم ~~قميصه يوم بدر. # وذلك أن العباس لما أسر يوم بدر - على ما تقدم - وسلب ثوبه رآه النبي صلى ~~الله عليه وسلم كذلك فأشفق عليه، فطلب له قميصا فما وجد له قميص يقادره إلا ~~قميص عبد الله، لتقاربهما في طول القامة، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم ~~بإعطاء القميص أن يرفع اليد عنه في الدنيا، حتى لا يلقاه في الآخرة وله ~~عليه يد يكافئه بها، وقيل: إنما أعطاه القميص إكراما لابنه وإسعافا له في ~~طلبته وتطييبا لقلبه. والأول أصح، خرجه البخاري عن جابر # PageV08P220 # ابن عبد الله قال: لما كان يوم بدر أتي بأسارى وأتى بالعباس ولم يكن عليه ~~ثوب، فطلب (1) النبي صلى الله عليه وسلم له قميصا فوجدوا قميص عبد الله بن ~~أبي يقدر عليه، فكساه النبي صلى الله عليه وسلم إياه، فلذلك نزع النبي صلى ~~الله عليه وسلم قميصه الذي ألبسه. وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: [إن قميصي لا يغني عنه من الله شيئا وإني لأرجو أن يسلم بفعلي هذا ألف ~~رجل من قومي]. كذا في بعض الروايات (من قومي) يريد من منافقي العرب. # والصحيح أنه قال: (رجال من قومه). ووقع في مغازي ابن إسحاق وفي بعض كتب ~~التفسير: فأسلم وتاب ms2970 لهذه الفعلة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ألف رجل ~~من الخزرج. # السابعة - لما قال تعالى: " ولا تصل على أحد منهم مات أبدا " قال ~~علماؤنا: # هذا نص في الامتناع من الصلاة على الكفار، وليس فيه دليل على الصلاة على ~~المؤمنين. # واختلف هل يؤخذ من مفهومه وجوب الصلاة على المؤمنين على قولين. يؤخذ لأنه ~~علل المنع من الصلاة على الكفار لكفرهم لقوله تعالى: " إنهم كفروا بالله ~~ورسوله " فإذا زال الكفر وجبت الصلاة. ويكون هذا نحو قوله تعالى: " كلا ~~إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون " (2) [المطففين: 15] يعني الكفار، فدل على أن ~~غير الكفار يرونه وهم المؤمنون، فذلك مثله. والله أعلم. أو تؤخذ الصلاة من ~~دليل خارج عن الآية، وهي الأحاديث الواردة في الباب، والاجماع. ومنشأ ~~الخلاف القول بدليل الخطاب وتركه. روى مسلم عن جابر بن عبد الله قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أخا لكم قد مات فقوموا فصلوا عليه) قال: ~~فقمنا فصففنا (3) صفين، يعني النجاشي. وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم نعى للناس النجاشي في اليوم الذي مات فيه، فخرج بهم إلى المصلي ~~وكبر أربع تكبيرات. وأجمع المسلمون على أنه لا يجوز ترك الصلاة على جنائز ~~المسلمين، من أهل الكبائر كانوا أو صالحين، وراثة عن نبيهم صلى الله عليه ~~وسلم قولا وعملا. والحمد لله. وأتفق العلماء على ذلك إلا في الشهيد كما ~~تقدم، وإلا في أهل البدع والبغاة. # PageV08P221 # الثامنة - والجمهور من العلماء على أن التكبير أربع. قال ابن سيرين: كان ~~التكبير ثلاثا فزادوا واحدة. وقالت طائفة: يكبر خمسا، وروي عن ابن مسعود ~~وزيد بن أرقم. # وعن علي: ست تكبيرات. وعن ابن عباس وأنس بن مالك وجابر بن زيد: ثلاث ~~تكبيرات والمعول عليه أربع. روى الدارقطني عن أبي بن كعب أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: (إن الملائكة صلت على آدم فكبرت عليه أربعا وقالوا هذه ~~سنتكم يا بني آدم). # التاسعة - ولا قراءة في هذه الصلاة في المشهور من مذهب مالك، وكذلك أبو ms2971 ~~حنيفة والثوري، لقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا صليتم على الميت فأخلصوا له ~~الدعاء) رواه أبو داود من حديث أبي هريرة. وذهب الشافعي وأحمد وإسحاق ومحمد ~~بن مسلمة وأشهب من علمائنا وداود إلى أنه يقرأ بالفاتحة، لقوله عليه ~~السلام: (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب) حملا له على عمومه. وبما خرجه البخاري ~~عن ابن عباس وصلى على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب وقال: # لتعلموا أنها سنة. وخرج النسائي من حديث أبي أمامة قال: السنة في الصلاة ~~على الجنائز أن يقرأ في التكبيرة الأولى بأم القرآن مخافتة، ثم يكبر ثلاثا، ~~والتسليم عند الآخرة. وذكر محمد بن نصر المروزي عن أبي أمامة أيضا قال: ~~السنة في الصلاة على الجنائز أن تكبر، ثم تقرأ بأم القرآن، ثم تصلي على ~~النبي صلى الله عليه وسلم، ثم تخلص الدعاء للميت. ولا يقرأ إلا في التكبيرة ~~الأولى ثم يسلم. قال شيخنا أبو العباس: وهذان الحديثان صحيحان، وهما ملحقان ~~عند الأصوليين بالمسند. والعمل على حديث أبي أمامة أولى، إذ فيه جمع بين ~~قوله عليه السلام: # (لا صلاة) وبين إخلاص الدعاء للميت. وقراءة الفاتحة فيها إنما هي استفتاح ~~للدعاء. والله أعلم. # العاشرة - وسنة الامام أن يقوم عند رأس الرجل وعجيزة المرأة، لما رواه ~~أبو داود عن أنس وصلى على جنازة فقال له العلاء بن زياد: يا أبا حمزة، هكذا ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على الجنائز كصلاتك يكبر أربعا ~~ويقوم عند رأس الرجل وعجيزة المرأة؟ # قال: نعم. ورواه مسلم عن سمرة بن جندب قال: صليت خلف النبي صلى الله عليه ~~وسلم وصلى على أم كعب ماتت وهي نفساء، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~للصلاة عليها وسطها. PageV08P222 # الحادية عشرة - قوله تعالى: " ولا تقم على قبره " كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إذا دفن الميت وقف على قبره ودعا له بالتثبيت، على ما بيناه [في ~~التذكرة] والحمد لله. # قوله تعالى: ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في ~~الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون ms2972 (85) كرره تأكيدا. وقد تقدم الكلام فيه. # قوله تعالى: وإذا أنزلت سورة أن تؤمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استئذنك ~~أولوا الطول منهم وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين (86) انتدب (1) المؤمنون إلى ~~الإجابة وتعلل المنافقون. فالامر للمؤمنين باستدامة الايمان وللمنافقين ~~بابتداء الايمان. و " أن " في موضع نصب، أي بأن آمنوا. و " الطول " الغني، ~~وقد تقدم (2). وخصهم بالذكر لان من لا طول له لا يحتاج إلى إذن لأنه معذور. ~~" (وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين) أي العاجزين عن الخروج. # قوله تعالى: رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون ~~(87) لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم ~~الخيرات وأولئك هم المفلحون (88) أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها ذلك الفوز العظيم (89) قوله تعالى: (رضوا بأن يكونوا مع ~~الخوالف) " الخوالف " جمع خالفة، أي مع النساء والصبيان وأصحاب الاعذار من ~~الرجال. وقد يقال للرجل: خالفة وخالف أيضا إذا كان غير نجيب، على ما تقدم. ~~يقال: فلان خالفة أهله إذا كان دونهم. قال النحاس: # PageV08P223 # وأصله من خلف اللبن يخلف إذا حمض من طول مكثه. وخلف فم الصائم إذا تغير ~~ريحه، ومنه فلان خلف سوء، إلا أن فواعل جمع فاعلة. ولا يجمع (فاعل) صفة على ~~فواعل إلا في الشعر، إلا في حرفين، وهما فارس وهالك. وقوله تعالى في وصف ~~المجاهدين: " وأولئك لهم الخيرات " قيل: النساء الحسان، عن الحسن. دليله ~~قوله عز وجل: " فيهن خيرات حسان " (1) [الرحمن: 70]. ويقال: هي خيرة ~~النساء. والأصل خيرة فخفف، مثل هينة وهينة. وقيل: جمع خير. # فالمعنى لهم منافع الدارين وقد تقدم معنى الفلاح (2). والجنات: ~~والبساتين. وقد تقدم (2) أيضا. # قوله تعالى: وجاء المعذرون من الاعراب ليؤذن لهم وقعد الذين كذبوا الله ~~ورسوله سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم (90) قوله تعالى: " وجاء المعذرون ~~من الاعراب " قرأ الأعرج والضحاك " المعذرون " مخففا. ورواها أبو كريب عن ~~أبي بكر عن عاصم، ورواها أصحاب القراءات عن ابن عباس. # قال الجوهري: وكان ابن عباس يقرأ " وجاء المعذرون " مخففة، من أعذر. ~~ويقول: # والله لهكذا أنزلت. ms2973 قال النحاس: إلا أن مدارها عن الكلبي، وهي من أعذر، ~~ومنه قد أعذر من أنذر، أي قد بالغ في العذر من تقدم إليك فأنذرك. وأما " ~~المعذرون " بالتشديد ففيه قولان: أحدهما أنه يكون المحق، فهو في المعنى ~~المعتذر، لان له عذرا. فيكون " المعذرون " على هذه أصله المعتذرون، ولكن ~~التاء قلبت ذالا فأدغمت فيها وجعلت حركتها على العين، كما قرئ " يخصمون " ~~(3) [يس: 49] بفتح الخاء. ويجوز " المعذرون " بكسر العين لاجتماع الساكنين. # ويجوز ضمها اتباعا للميم. ذكره الجوهري والنحاس. إلا أن النحاس حكاه عن ~~الأخفش والفراء وأبي حاتم وأبي عبيد. ويجوز أن يكون الأصل المعتذرون، ثم ~~أدغمت التاء في الذال، ويكونون الذين لهم عذر. قال لبيد: # إلى الحول ثم اسم السلام عليكما * ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر # PageV08P224 # والقول الآخر أن المعذر قد يكون غير محق، وهو الذي يعتذر ولا عذر له. قال ~~الجوهري: # فهو المعذر على جهة المفعل، لأنه الممرض والمقصر يعتذر بغير عذر. قال ~~غيره: يقال عذر فلان في أمر كذا تعذيرا، أي قصر ولم يبالغ فيه. والمعنى ~~أنهم اعتذروا بالكذب. قال الجوهري: # وكان ابن عباس يقول: لعن الله المعذرين. كأن الامر عنده أن المعذر ~~بالتشديد هو المظهر للعذر، اعتلالا من غير حقيقة له في العذر. النحاس: قال ~~أبو العباس محمد بن يزيد ولا يجوز أن يكون الأصل فيه المعتذرين، ولا يجوز ~~الادغام فيقع اللبس. ذكر إسماعيل بن إسحاق أن الادغام مجتنب على قول الخليل ~~وسيبويه، [بعد] (1) أن كان سياق الكلام يدل على أنهم مذمومون لا عذر لهم، ~~قال: # لأنهم جاءوا ليؤذن لهم ولو كانوا من الضعفاء والمرضى والذين لا يجدون ما ~~ينفقون لم يحتاجوا أن يستأذنوا. قال النحاس: وأصل المعذرة والاعذار ~~والتعذير من شئ واحد وهو مما يصعب ويتعذر. وقول العرب: من عذيري من فلان، ~~معناه قد أتى أمرا عظيما يستحق أن أعاقبه عليه ولم يعلم الناس به، [فمن ~~يعذرني] إن عاقبته. فعلى قراءة التخفيف قال ابن عباس: هم الذين تخلفوا بعذر ~~فأذن لهم النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: هم ms2974 رهط عامر بن الطفيل قالوا: # يا رسول الله، لو غزونا معك أغارت أعراب طئ على حلائلنا وأولادنا ~~ومواشينا، فعذرهم النبي صلى الله عليه وسلم. وعلى قراءة التشديد في القول ~~الثاني، هم قوم من غفار اعتذروا فلم يعذرهم النبي صلى الله عليه وسلم، ~~لعلمه أنهم غير محقين، والله أعلم. وقعد قوم بغير عذر أظهروه جرأة على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وهم الذين أخبر الله تعالى عنهم فقال: " وقعد ~~الذين كذبوا الله ورسوله " والمراد بكذبهم قولهم: إنا مؤمنون. و " ليؤذن " ~~نصب بلام كي. # قوله تعالى: ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ~~ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم ~~(91) ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا ~~وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون (92) # PageV08P225 # فيه ست مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " ليس على الضعفاء " الآية. أصل في سقوط التكليف عن ~~العاجز، فكل من عجز عن شئ سقط عنه، فتارة إلى بدل هو فعل، وتارة إلى بدل هو ~~غرم، ولا فرق بين العجز من جهة القوة أو العجز من جهة المال، ونظير هذه ~~الآية قوله تعالى: # " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها " (1) [البقرة: 286] وقوله: " ليس على ~~الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض (2) حرج " [النور: 61]. وروى ~~أبو داود عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لقد تركتم بالمدينة ~~(3) أقواما ما سرتم مسيرا ولا أنفقتم من نفقة ولا قطعتم من واد إلا وهم ~~معكم فيه). قالوا: يا رسول الله، وكيف يكونون معنا وهم بالمدينة؟ قال: ~~(حبسهم العذر). # فبينت هذه الآية مع ما ذكرنا من نظائرها أنه لا حرج على المعذورين، وهم ~~قوم عرف عذرهم كأرباب الزمانة والهرم والعمى والعرج، وأقوام لم يجدوا ما ~~ينفقون، فقال: ليس على هؤلاء حرج. (إذا نصحوا لله ورسوله) إذا عرفوا الحق ~~وأحبوا أولياءه وأبغضوا أعداءه قال العلماء: فعذر الحق سبحانه أصحاب ~~الاعذار، وما ms2975 صبرت القلوب، فخرج ابن أم مكتوم إلى أحد وطلب أن يعطي اللواء ~~فأخذه مصعب بن عمير، فجاء رجل من الكفار فضرب يده التي فيها اللواء فقطعها، ~~فأمسكه باليد الأخرى فضرب اليد الأخرى فأمسكه بصدره وقرأ " وما محمد إلا ~~رسول قد خلت من قبله الرسل " (4) [آل عمران: 144]. هذه عزائم القوم. والحق ~~يقول: " ليس على الأعمى حرج " [النور: 61] وهو في الأول. " ولا على الأعرج ~~حرج " [النور: 61] وعمرو بن الجموح من نقباء الأنصار أعرج وهو في أول ~~الجيش. قال له الرسول عليه السلام: (إن الله قد عذرك) فقال: والله لأحفرن ~~(5) بعرجتي هذه في الجنة، إلى أمثالهم حسب ما تقدم في هذه السورة من ذكرهم ~~رضي الله عنهم. وقال عبد الله بن مسعود: ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى (6) ~~بين الرجلين حتى يقام في الصف. # PageV08P226 # الثانية - قوله تعالى: " إذا نصحوا " النصح إخلاص العمل من الغش. ومنه ~~التوبة النصوح. قال نفطويه: نصح الشئ إذا خلص. ونصح له القول أي أخلصه له. # وفي صحيح مسلم عن تميم الداري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الدين ~~النصيحة) ثلاثا. قلنا لمن؟ قال: (لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين ~~وعامتهم ". قال العلماء: # النصيحة لله إخلاص الاعتقاد في الوحدانية، ووصفه بصفات الألوهية، وتنزيهه ~~عن النقائص والرغبة في محابه والبعد من مساخطه. والنصيحة لرسوله: التصديق ~~بنبوته، والتزام طاعته في أمره ونهيه، وموالاة من والاه ومعاداة من عاداه، ~~وتوقيره، ومحبته ومحبة آل بيته، وتعظيمه وتعظيم سنته، وإحياؤها بعد موته ~~بالبحث عنها، والتفقه فيها والذب عنها ونشرها والدعاء إليها، والتخلق ~~بأخلاقه الكريمة صلى الله عليه وسلم. وكذا النصح لكتاب الله: قراءته ~~والتفقه فيه، والذب عنه وتعليمه وإكرامه والتخلق به. والنصح لائمة ~~المسلمين: ترك الخروج عليهم، إرشادهم إلى الحق وتنبيههم فيما أغفلوه من ~~أمور المسلمين، ولزوم طاعتهم والقيام بواجب حقهم. والنصح للعامة: ترك ~~معاداتهم، وإرشادهم وحب الصالحين منهم، والدعاء لجميعهم وإرادة الخير ~~لكافتهم. وفي الحديث الصحيح (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل ~~الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى). ms2976 # الثالثة - قوله تعالى: (ما على المحسنين من سبيل) " من سبيل " في موضع ~~رفع اسم " ما " أي من طريق إلى العقوبة. وهذه الآية أصل في رفع العقاب عن ~~كل محسن. # ولهذا قال علماؤنا في الذي يقتص من قاطع يده فيفضي ذلك في السراية إلى ~~إتلاف نفسه: # إنه لا دية له (1)، لأنه محسن في اقتصاصه من المعتدي عليه. وقال أبو ~~حنيفة: تلزمه الدية. # وكذلك إذا صال فحل على رجل فقتله في دفعه عن نفسه فلا ضمان عليه، وبه قال ~~الشافعي. # وقال أبو حنيفة: تلزمه لمالكه القيمة. قال ابن العربي: وكذلك القول في ~~مسائل الشريعة كلها. # PageV08P227 # الرابعة - قوله تعالى: (ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم) روي أن الآية ~~نزلت في عرباض بن سارية. وقيل: نزلت في عائذ بن عمرو. وقيل: نزلت في بني ~~مقرن - وعلى هذا جمهور المفسرين - وكانوا سبعة إخوة، كلهم صحبوا النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وليس في الصحابة سبعة إخوة غيرهم، وهم النعمان ومعقل وعقيل ~~وسويد وسنان وسابع لم يسم (1). بنو مقرن المزنيون سبعة إخوة هاجروا وصحبوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يشاركهم - فيما ذكره ابن عبد البر وجماعة ~~- في هذه المكرمة غيرهم. وقد قيل: إنهم شهدوا الخندق كلهم. وقيل: نزلت في ~~سبعة نفر من بطون شتى، وهم البكاءون أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~غزوة تبوك ليحملهم، فلم يجد ما يحملهم عليه، ف‍ " - تولوا وأعينهم تفيض من ~~الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون " فسموا البكائين. وهم سالم بن عمير من بني ~~عمرو بن عوف وعلبة بن زيد أخو بني حارثة. وأبو ليلى عبد الرحمن بن كعب من ~~بني مازن بن النجار. # وعمرو بن الحمام من بني سلمة. وعبد الله بن المغفل المزني، وقيل: بل هو ~~عبد الله بن عمرو المزني. وهرمي بن عبد الله أخو بني واقف، وعرباض بن سارية ~~الفزاري، هكذا سماهم أبو عمر في كتاب الدرر له. وفيهم اختلاف. قال القشيري: ~~معقل بن يسار وصخر بن خنساء وعبد الله بن كعب الأنصاري، ms2977 وسالم بن عمير، ~~وثعلبة بن غنمة، وعبد الله بن مغفل وآخر. # قالوا: يا نبي الله، قد ندبتنا للخروج معك، فاحملنا على الخفاف المرفوعة ~~والنعال المخصوفة نغز معك. فقال: " لا أجد ما أحملكم عليه " فتولوا وهم ~~يبكون. وقال ابن عباس: سألوه أن يحملهم على الدواب، وكان الرجل يحتاج إلى ~~بعيرين، بعير يركبه وبعير يحمل ماءه وزاده لبعد الطريق. وقال الحسن: نزلت ~~في أبي موسى وأصحابه أتوا النبي صلى الله عليه وسلم ليستحملوه، ووافق ذلك ~~منه غضبا فقال: " والله لا أحملكم ولا أجد ما أحملكم عليه " فتولوا يبكون، ~~فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطاهم ذودا (2). فقال أبو موسى: # PageV08P228 # ألست حلفت يا رسول الله؟ فقال: (إني إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى ~~غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني). # قلت: وهذا حديث صحيح أخرجه البخاري ومسلم بلفظه ومعناه. وفي مسلم: فدعا ~~بنا فأمر لنا بخمس ذود غر الذرى (1)... الحديث. وفي آخره: (فانطلقوا فإنما ~~حملكم الله). وقال الحسن أيضا وبكر بن عبد الله: نزلت في عبد الله بن مغفل ~~المزني، أتى النبي صلى الله عليه وسلم يستحمله. قال الجرجاني: التقدير أي ~~ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم وقلت لا أجد. # فهو مبتدأ معطوف (2) على ما قبله بغير واو، والجواب " تولوا ". (وأعينهم ~~تفيض من الدمع) الجملة في موضع نصب على الحال. " حزنا " مصدر. " ألا يجدوا ~~" نصب بأن. # وقال النحاس: قال الفراء يجوز أن لا يجدون، يجعل لا بمعنى ليس. وهو عند ~~البصريين بمعنى أنهم لا يجدون. # الخامسة - والجمهور من العلماء على أن من لا يجد ما ينفقه في غزوه أنه لا ~~يجب عليه. وقال علماؤنا: إذا كانت عادته المسألة لزمه كالحج وخرج على ~~العادة لان حاله إذا لم تتغير يتوجه الفرض عليه كتوجهه على الواجد. والله ~~أعلم. # السادسة - في قوله تعالى: " وأعينهم تفيض من الدمع " ما يستدل به على ~~قرائن الأحوال. ثم منها ما يفيد العلم الضروري، ومنها ما يحتمل الترديد. ~~فالأول كمن يمر على دار ms2978 قد علا فيها النعي وخمشت الخدود وحلقت الشعور وسلقت ~~(3) الأصوات وخرقت الجيوب ونادوا على صاحب الدار بالثبور، فيعلم أنه قد ~~مات. وأما الثاني فكدموع الأيتام على أبواب الحكام، قال الله تعالى مخبرا ~~عن إخوة يوسف عليه السلام: " وجاءوا أباهم عشاء يبكون " (4) [يوسف: 16]. ~~وهم الكاذبون، قال الله تعالى مخبرا عنهم: " وجاءوا على قميصه بدم كذب " ~~[يوسف: 18]. # PageV08P229 # ومع هذا فإنها قرائن يستدل بها في الغالب فتبني عليها الشهادات بناء على ~~ظواهر الأحوال وغالبها. وقال الشاعر: # إذا اشتبكت دموع في خدود * تبين من بكى ممن تباكي وسيأتي هذا المعنى في " ~~يوسف " مستوفى إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: إنما السبيل على الذين يستئذنوك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا ~~مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون (93) قوله تعالى: (إنما ~~السبيل) أي العقوبة والمأثم. (على الذين يستأذنوك وهم أغنياء) والمراد ~~المنافقون. كرر ذكرهم للتأكيد في التحذير من سوء أفعالهم. # قوله تعالى: يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد ~~نبأنا الله من أخباركم وسيرى الله عملكم ورسوله ثم تردون إلى عالم الغيب ~~والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون (94) قوله تعالى: (يعتذرون إليكم) يعنى ~~المنافقين. (لن نؤمن لكم) أي لن نصدقكم. # (قد نبأنا الله من أخباركم) أي أخبرنا بسرائركم. (وسيرى الله عملكم) فيا ~~تستأنفون. # (ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون) أي يجازيكم ~~بعملكم. # وقد مضى هذا كله مستوفي. # قوله تعالى سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا ~~عنهم أنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون (95) قوله تعالى: ~~(سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم) أي من تبوك. والمحلوف عليه محذوف، ~~أي يحلفون أنهم ما قدروا على الخروج. (لتعرضوا عنهم) أي لتصفحوا عن ~~PageV08P230 # لومهم. وقال ابن عباس: أي لا تكلموهم. وفي الخبر أنه قال عليه السلام لما ~~قدم من تبوك: (ولا تجالسوهم ولا تكلموهم). (أنهم رجس) أي عملهم رجس، ~~والتقدير: # إنهم ذوو رجس، أي عملهم قبيح. (ومأواهم جهنم) أي منزلهم ومكانهم. قال ~~الجوهري: # المأوى كل مكان ms2979 يأوي إليه شئ ليلا أو نهارا. وقد أوى فلان إلى منزله يأوي ~~أويا، على فعول، وإواء. ومنه قوله تعالى: " سآوي إلى جبل يعصمني من الماء " ~~(1) [هود: 43]. وآويته أنا إيواء. وأويته إذا أنزلته بك، فعلت وأفعلت، ~~بمعنى، عن أبي زيد. ومأوي الإبل " بكسر الواو " لغة في مأوى الإبل خاصة، ~~وهو شاذ. # قوله تعالى: يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن ~~القوم الفاسقين (96) حلف عبد الله بن أبي ألا يتخلف عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بعد ذلك وطلب أن يرضي عنه. # قوله تعالى: الاعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله ~~على رسوله والله عليم حكيم (97) قوله تعالى: (الاعراب أشد كفرا ونفاقا) فيه ~~مسألتان: # الأولى - لما ذكر عز وجل أحوال المنافقين بالمدينة ذكر من كان خارجا منها ~~ونائيا عنها من الاعراب، فقال كفرهم أشد. قال قتادة: لأنهم أبعد عن معرفة ~~السنن. وقيل: # لأنهم أقسى قلبا وأجفى قولا وأغلظ طبعا وأبعد عن سماع التنزيل، ولذلك قال ~~الله تعالى في حقهم: (وأجدر) أي أخلق. (ألا يعلموا) " أن " في موضع نصب ~~بحذف الباء، تقول: أنت جدير بأن تفعل وأن تفعل، فإذا حذفت الباء لم يصلح ~~إلا ب‍ " - أن " وإن أتيت بالباء صلح ب‍ " - أن " وغيره، تقول: أنت جدير أن ~~تقوم، وجدير بالقيام. ولو قلت: # PageV08P231 # أنت جدير القيام كان خطأ. وإنما صلح مع " أن " لان أن يدل على الاستقبال ~~فكأنها عوض من المحذوف. (حدود ما أنزل الله) أي فرائض الشرع. وقيل: حجج ~~الله في الربوبية وبعثة الرسل لقلة نظرهم. # الثانية - ولما كان ذلك ودل على نقصهم وحطهم عن المرتبة الكاملة عن سواهم ~~ترتبت على ذلك أحكام ثلاثة: # أولها - لا حق لهم في الفئ والغنيمة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في ~~صحيح مسلم من حديث بريدة وفيه: " ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار ~~المهاجرين وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على ~~المهاجرين فإن أبوا أن يتحولوا عنها فأخبرهم أنهم ms2980 يكونون كأعراب المسلمين ~~يجري عليهم حكم الله الذي يجرى على المؤمنين ولا يكون لهم في الغنيمة والفئ ~~شئ إلا أن يجاهدوا مع المسلمين ". # وثانيها - إسقاط شهادة أهل البادية عن الحاضرة لما في ذلك من تحقق ~~التهمة. # وأجازها أبو حنيفة قال: لأنها لا تراعى كل تهمة والمسلمون كلهم عنده على ~~العدالة. وأجازها الشافعي إذا كان عدلا مرضيا وهو الصحيح لما بيناه في ~~(البقرة) (1). وقد وصف الله تعالى الاعراب هنا أوصافا ثلاثة: أحدها - ~~بالكفر والنفاق. والثاني - بأنه يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بكم الدوائر. ~~والثالث - بالايمان بالله وباليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله ~~وصلوات الرسول فمن كانت هذه صفته فبعيد ألا تقبل شهادته فيلحق بالثاني ~~والأول وذلك باطل. وقد مضى الكلام في هذا في (النساء) (2). # وثالثها - أن إمامتهم بأهل الحاضرة ممنوعة لجهلهم بالسنة وتركهم الجمعة. ~~وكره أبو مجلز إمامة الأعرابي. وقال مالك: لا يؤم وإن كان أقرأهم. وقال ~~سفيان الثوري والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي: الصلاة خلف الأعرابي جائزة. ~~واختاره ابن المنذر إذا أقام حدود الصلاة. # PageV08P232 # قوله تعالى: (أشد) أصله أشدد وقد تقدم. (كفرا) نصب على البيان. # (ونفاقا) عطف عليه. (وأجدر) عطف على أشد ومعناه أخلق يقال: فلان جدير ~~بكذا أي خليق به وأنت جدير أن تفعل كذا والجمع جدراء وجديرون وأصله من جدر ~~الحائط وهو رفعه بالبناء. فقوله: هو أجدر بكذا أي أقرب إليه وأحق به. (ألا ~~يعلموا) أي بألا يعلموا. والعرب: جيل من الناس والنسبة إليهم عربي بين ~~العروبة وهم أهل الأمصار. والاعراب منهم سكان البادية خاصة. وجاء في الشعر ~~الفصيح أعاريب. والنسبة إلى الاعراب أعرابي لأنه لا واحد له وليس الاعراب ~~جمعا للعرب كما كان الأنباط جمعا لنبط وإنما العرب اسم جنس. والعرب العاربة ~~هم الخلص منهم وأخذ من لفظه وأكد به كقولك: ليل لائل. وربما قالوا: العرب ~~العرباء. وتعرب أي تشبه بالعرب. # وتعرب بعد هجرته أي صار أعرابيا. والعرب المستعربة هم الذين ليسوا بخلص ~~وكذلك المتعربة والعربية هي هذه اللغة. ويعرب بن قحطان أول من تكلم ~~بالعربية ms2981 وهو أبو اليمن كلهم. والعرب والعرب واحد مثل العجم والعجم. ~~والعريب تصغير العرب قال الشاعر: # ومكن الضباب طعام العريب * ولا تشتهيه نفوس العجم (1) إنما صغرهم تعظيما ~~كما قال: أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب (2) كله عن الجوهري. # وحكى القشيري وجمع العربي العرب وجمع الأعرابي أعراب وأعاريب. والأعرابي ~~إذا قيل له يا عربي فرح والعربي إذا قيل له يا أعرابي غضب. والمهاجرون ~~والأنصار عرب لا أعراب. وسميت العرب عربا لان ولد إسماعيل نشئوا من عربة ~~وهي من تهامة فنسبوا إليها. وأقامت قريش بعربة وهي مكة وانتشر سائر العرب ~~في جزيرتها # PageV08P233 # قوله تعالى: ومن الاعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بكم الدوائر عليهم ~~دائرة السوء والله سميع عليم (98) قوله تعالى: (ومن الاعراب من يتخذ) " من ~~" في موضع رفع بالابتداء. # " ما ينفق مغرما " مفعولان، والتقدير ينفقه، فحذفت الهاء لطول الاسم. " ~~مغرما " معناه غرما وخسرانا وأصله لزوم الشئ، ومنه: " إن عذابها كان غراما ~~" [الفرقان: 65] أي لازما، أي يرون ما ينفقونه في جهاد وصدقة غرما ولا ~~يرجون عليه ثوابا. (ويتربص بكم الدوائر) التربص الانتظار، وقد تقدم (2). ~~والدوائر جمع دائرة، وهي الحالة المنقلبة عن النعمة إلى البلية، أي يجمعون ~~إلى الجهل بالانفاق سوء الدخلة وخبث القلب. (عليهم دائرة السوء) قرأه ابن ~~كثير وأبو عمرو بضم السين هنا وفي الفتح، وفتحها الباقون. وأجمعوا على فتح ~~السين في قوله: " ما كان أبوك امرأ سوء " (3) [مريم: 28]. والفرق بينهما أن ~~السوء بالضم المكروه. قال الأخفش: أي عليهم دائرة الهزيمة والشر. وقال ~~الفراء: أي عليهم دائرة العذاب والبلاء. # قالا: ولا يجوز امرأ سوء بالضم، كما لا يقال: هو أمرؤ عذاب ولا شر. وحكي ~~عن محمد ابن يزيد قال: السوء بالفتح الرداءة. قال سيبويه: مررت برجل صدق، ~~ومعناه برجل صلاح. وليس من صدق اللسان، ولو كان من صدق اللسان لما قلت: ~~مررت بثوب صدق. ومررت برجل سوء ليس هو من سؤته، وإنما معناه مررت برجل ~~فساد. وقال الفراء: السوء بالفتح مصدر سؤته سوءا ومساءة وسوائية. قال غيره: ~~والفعل منه ساء يسوء. # والسوء ms2982 بالضم اسم لا مصدر، وهو كقولك: عليهم دائرة البلاء والمكروه. # قوله تعالى: ومن الاعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات ~~عند الله وصلوات الرسول ألا إنها قربة لهم سيدخلهم الله في رحمته إن الله ~~غفور رحيم (99) # PageV08P234 # قوله تعالى: " ومن الاعراب من يؤمن بالله " أي صدق. والمراد بنو مقرن من ~~مزينة، ذكره المهدوي. " قربات " جمع قربة، وهي ما يتقرب به إلى الله تعالى، ~~والجمع قرب وقربات وقربات وقربات، حكاه النحاس. والقربات (بالضم) ما تقرب ~~به إلى الله تعالى، تقول منه: قربت لله قربانا. والقربة بكسر القاف ما ~~يستقي فيه الماء، والجمع في أدنى العدد قربات وقربات وقربات، وللكثير قرب. ~~وكذلك جمع كل ما كان على فعلة، مثل سدرة وفقرة، لك أن تفتح العين وتكسر ~~وتسكن، حكاها الجوهري. وقرأ نافع في رواية ورش " قربة " بضم الراء وهي ~~الأصل. والباقون بسكونها تخفيفا، مثل كتب ورسل، ولا خلاف في قربات. وحكى ~~ابن سعدان أن يزيد بن القعقاع قرأ " ألا إنها قربة لهم ". ومعنى " وصلوات ~~الرسول " استغفاره ودعاؤه. والصلاة تقع على ضروب، فالصلاة من الله عز وجل ~~الرحمة والخير والبركة، قال الله تعالى: " هو الذي يصلي عليكم وملائكته " ~~(1) [الأحزاب: 43] والصلاة من الملائكة الدعاء، وكذلك هي من النبي صلى الله ~~عليه وسلم، كما قال: " وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم " [التوبة: 103] أي ~~دعاؤك تثبيت لهم وطمأنينة. # (ألا إنها قربة لهم) أي تقربهم من رحمة الله، يعني نفقاتهم. # قوله تعالى: والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم ~~بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجرى تحتها الأنهار خالدين ~~فيها أبدا ذلك الفوز العظيم (100) فيه سبع مسائل: # الأولى - لما ذكر عز وجل أصناف الاعراب ذكر المهاجرين والأنصار، وبين أن ~~منهم السابقين إلى الهجرة وأن منهم التابعين، وأثنى عليهم. وقد اختلف في ~~عدد طبقاتهم وأصنافهم. ونحن نذكر من ذلك طرفا نبين الغرض فيه إن شاء الله ~~تعالى. وروى عمر ابن الخطاب أنه قرأ " والأنصار " رفعا عطفا على السابقين. ~~قال الأخفش: الخفض # PageV08P235 # في الأنصار الوجه، ms2983 لان السابقين منهما. والأنصار اسم إسلامي. قيل لانس بن ~~مالك: # أرأيت قول الناس لكم: الأنصار، اسم سماكم الله به أم كنتم تدعون به في ~~الجاهلية؟ قال: # بل اسم سمانا الله به في القرآن، ذكره أبو عمر في الاستذكار. # الثانية - نص القرآن على تفضيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ~~وهم الذين صلوا إلى القبلتين، في قول سعيد بن المسيب وطائفة. وفي قول أصحاب ~~الشافعي هم الذين شهدوا بيعة الرضوان، وهي بيعة الحديبية، وقاله الشعبي. ~~وعن محمد بن كعب وعطاء بن يسار: هم أهل بدر. واتفقوا على أن من هاجر قبل ~~تحويل القبلة فهو من [المهاجرين] (1) الأولين من غير خلاف بينهم. أما ~~أفضلهم وهي: # الثالثة - فقال أبو منصور البغدادي التميمي: أصحابنا مجمعون على أن ~~أفضلهم الخلفاء الأربعة، ثم الستة الباقون إلى تمام العشرة، ثم البدريون ثم ~~أصحاب أحد ثم أهل بيعة الرضوان بالحديبية. # الرابعة - وأما أولهم إسلاما فروى مجالد عن الشعبي قال: سألت ابن عباس من ~~أول الناس إسلاما؟ قال أبو بكر، أو ما سمعت قول حسان: # إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة * فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا خير البرية ~~أتقاها وأعدلها * بعد النبي وأوفاها بما حملا الثاني التالي المحمود مشهده ~~* وأول الناس منهم صدق الرسلا وذكر أبو الفرج الجوزي عن يوسف بن يعقوب بن ~~الماجشون [أنه] (2) قال: أدركت أبي وشيخنا (3) محمد بن المنكدر وربيعة بن ~~أبي عبد الرحمن وصالح بن كيسان وسعد بن إبراهيم وعثمان بن محمد الأخنسي وهم ~~لا يشكون أن أول القوم إسلاما أبو بكر، وهو قول ابن عباس وحسان وأسماء بنت ~~أبي بكر، وبه قال إبراهيم النخعي. وقيل: أول من أسلم علي، روي ذلك عن زيد ~~ابن أرقم وأبي ذر والمقداد وغيرهم. قال الحاكم أبو عبد الله: لا أعلم خلافا ~~بين أصحاب التواريخ أن عليا أولهم إسلاما. وقيل: أول من أسلم زيد بن حارثة. ~~وذكر معمر نحو # PageV08P236 # ذلك عن الزهري. وهو قول سليمان بن يسار وعروة بن الزبير وعمران بن أبي ~~أنس. # وقيل: أول من أسلم خديجة ms2984 أم المؤمنين، روي ذلك من وجوه عن الزهري، وهو ~~قول قتادة ومحمد بن إسحاق بن يسار وجماعة، وروي أيضا عن ابن عباس. وادعى ~~الثعلبي المفسر اتفاق العلماء على أن أول من أسلم خديجة، وأن اختلافهم إنما ~~هو فيمن أسلم بعدها. # وكان إسحاق بن إبراهيم بن راهويه الحنظلي يجمع بين هذه الأخبار، فكان ~~يقول: أول من أسلم من الرجال أبو بكر، ومن النساء خديجة، ومن الصبيان علي، ~~ومن الموالي زيد بن حارثة، ومن العبيد بلال. والله أعلم. وذكر محمد بن سعد ~~قال: أخبرني مصعب بن ثابت قال حدثني أبو الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل ~~قال: كان إسلام الزبير بعد أبي بكر وكان رابعا أو خامسا. قال الليث بن سعد ~~وحدثني أبو الأسود قال: أسلم الزبير وهو ابن ثمان سنين. # وروي إن عليا أسلم ابن سبع سنين. وقيل: ابن عشر. # الخامسة - والمعروف عن طريقة أهل الحديث أن كل مسلم رأى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فهو من أصحابه. قال البخاري في صحيحه: من صحب النبي صلى ~~الله عليه وسلم أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه (1). وروي عن سعيد بن ~~المسيب أنه كان لا يعد الصحابي إلا من أقام مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم سنة أو سنتين، وغزا معه غزوة أو غزوتين. وهذا القول إن صح عن سعيد بن ~~المسيب يوجب ألا يعد من الصحابة جرير بن عبد الله البجلي أو من شاركه في ~~فقد ظاهر ما اشترطه فيهم ممن لا نعرف خلافا في عده من الصحابة. # السادسة - لا خلاف أن أول السابقين من المهاجرين أبو بكر الصديق. وقال ~~ابن العربي: السبق يكون بثلاثة أشياء: الصفة وهو الايمان، والزمان، ~~والمكان. وأفضل هذه الوجوه سبق الصفات، والدليل عليه قوله صلى الله عليه ~~وسلم في الصحيح: (نحن الآخرون الأولون بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا ~~وأوتيناه من بعدهم فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله له فاليهود غدا ~~والنصارى بعد غد). فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من ms2985 سبقنا من الأمم ~~بالزمان سبقناهم بالايمان والامتثال لأمر الله تعالى والانقياد إليه، ~~والاستسلام لامره والرضا # PageV08P237 # بتكليفه والاحتمال لوظائفه، لا نعترض عليه ولا نختار معه، ولا نبدل ~~بالرأي شريعته كما فعل أهل الكتاب، وذلك بتوفيق الله لما قضاه، وبتيسيره ~~لما يرضاه، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. # السابعة - قال ابن خويز منداد: تضمنت هذه الآية تفضيل السابقين إلى كل ~~منقبة من مناقب الشريعة، في علم أو دين أو شجاعة أو غير ذلك، من العطاء في ~~المال والرتبة في الاكرام. وفي هذه المسألة خلاف بين أبي بكر وعمر رضي الله ~~عنهما. واختلف (1) العلماء في تفضيل السابقين بالعطاء على غيرهم، فروي عن ~~أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه كان لا يفضل بين الناس في العطاء بعضهم ~~على بعض بحسب السابقة. وكان عمر يقول له: # أتجعل ذا السابقة كمن لا سابقة له؟ فقال أبو بكر: إنما عملوا لله وأجرهم ~~عليه. وكان عمر يفضل في خلافته، ثم قال عند وفاته: لئن عشت إلى غد لألحقن ~~أسفل الناس بأعلاهم، فمات من ليلته. والخلافة (2) إلى يومنا هذا على هذا ~~الخلاف. # قوله تعالى: (والذين اتبعوهم بإحسان) فيه مسألتان: # الأولى - قرأ عمر " والأنصار " رفعا. " الذين " بإسقاط الواو نعتا ~~للأنصار، فراجعه زيد ابن ثابت، فسأل عمر أبي بن كعب فصدق زيدا، فرجع إليه ~~عمر وقال: ما كنا نرى إلا أنا رفعنا رفعة لا ينالها معنا أحد. فقال أبي: ~~[إني أجد] (3) مصداق ذلك في كتاب الله في أول سورة الجمعة: # " وآخرين منهم لما يلحقوا بهم " (4) [الجمعة: 3] وفي سورة الحشر: " ~~والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا ~~بالايمان " (4) [الحشر: 10]. وفي سورة الأنفال بقوله: " والذين آمنوا من ~~بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم " (5) [الأنفال: 74]. فثبتت القراءة ~~بالواو. وبين تعالى بقوله: " بإحسان " ما يتبعون فيه من أفعالهم وأقوالهم، ~~لا فيما صدر عنهم من الهفوات والزلات، إذ لم يكونوا معصومين رضي الله عنهم. # الثانية - واختلف العلماء في التابعين ومراتبهم، فقال الخطيب الحافظ: ~~التابعي من صحب الصحابي، ويقال للواحد منهم: ms2986 تابع وتابعي. وكلام الحاكم أبي ~~عبد الله وغيره # PageV08P238 # مشعر بأنه يكفي فيه أن يسمع من الصحابي أو يلقاه وإن لم توجد الصحبة ~~العرفية. وقد قيل: إن اسم التابعين ينطلق على من أسلم بعد الحديبية، كخالد ~~بن الوليد وعمرو بن العاص ومن داناهم من مسلمة الفتح، لما ثبت أن عبد ~~الرحمن بن عوف شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم لخالد: (دعوا لي أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق ~~أحدكم كل يوم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه). ومن العجب عد ~~الحاكم أبو عبد الله النعمان وسويدا ابني مقرن المزني في التابعين عندما ~~ذكر الاخوة من التابعين، وهما صحابيان معروفان مذكوران في الصحابة، وقد ~~شهدا الخندق كما تقدم. والله أعلم. وأكبر التابعين الفقهاء السبعة من أهل ~~المدينة، وهم سعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد، وعروة بن الزبير، وخارجه بن ~~زيد، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعبد الله ابن عتبة بن مسعود، وسليمان بن ~~يسار. وقد نظمهم بعض الأجلة في بيت واحد فقال: # فخذهم عبيد الله (1) عروة قاسم * سعيد أبو بكر (2) سليمان خارجه وقال ~~أحمد بن حنبل: أفضل التابعين سعيد بن المسيب، فقيل له: فعلقمة والأسود. ~~فقال: # سعيد بن المسيب وعلقمة والأسود. وعنه أيضا أنه قال: أفضل التابعين قيس ~~وأبو عثمان وعلقمة ومسروق، هؤلاء كانوا فاضلين ومن علية التابعين. وقال ~~أيضا: كان عطاء مفتي مكة والحسن مفتي البصرة فهذان أكثر الناس عنهم، وأبهم. ~~وروي عن أبي بكر بن أبي داود قال: سيدتا التابعين من النساء حفصة بنت سيرين ~~وعمرة بنت عبد الرحمن، وثالثهما - وليست كهما - أم الدرداء (3). وروي عن ~~الحاكم أبي عبد الله قال: طبقة تعد في التابعين ولم يصح سماع أحد منهم من ~~الصحابة، منهم إبراهيم بن سويد النخعي وليس بإبراهيم بن يزيد النخعي ~~الفقيه. وبكير بن أبي السميط (4)، وبكير بن عبد الله الأشج. وذكر غيرهم ~~قال: # وطبقة عدادهم عند الناس في أتباع التابعين. وقد لقوا الصحابة منهم أبو ms2987 ~~الزناد عبد الله بن ذكوان لقي عبد الله بن عمر وأنسا. وهشام بن عروة، وقد ~~أدخل على عبد الله بن عمر، # PageV08P239 # وجابر بن عبد الله وموسى بن عقبة، وقد أدرك أنس بن مالك. وأم خالد بنت ~~خالد بن سعيد. # وفي التابعين طبقة تسمى بالمخضرمين، وهم الذين أدركوا الجاهلية وحياة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسلموا ولا صحبة لهم. واحدهم مخضرم بفتح ~~الراء كأنه خضرم، أي قطع عن نظرائه الذين أدركوا الصحبة وغيرها. وذكرهم ~~مسلم فبلغ بهم عشرين نفسا، منهم أبو عمرو الشيباني، وسويد بن غفلة الكندي، ~~وعمرو بن ميمون الأودي، وأبو عثمان النهدي وعبد خير بن يزيد الخيراني بفتح ~~الخاء، بطن من همدان، وعبد الرحمن بن مل. وأبو الحلال العتكي ربيعة (1) بن ~~زرارة. وممن لم يذكره مسلم، منهم أبو مسلم الخولاني عبد الله بن ثوب، ~~والأحنف بن قيس. فهذه نبذة من معرفة الصحابة والتابعين الذين نطق بفضلهم ~~القرآن الكريم، رضوان الله عليهم أجمعين. وكفانا نحن قوله عز وجل: " كنتم ~~خير أمة أخرجت للناس " (2) [آل عمران: 110] على ما تقدم، وقوله عز وجل: " ~~وكذلك جعلناكم أمة وسطا " (3) [البقرة: 143] الآية. وقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: (وددت أنا لو رأينا إخواننا...) (4). الحديث. فجعلنا ~~إخوانه، إن اتقينا الله واقتفينا آثاره حشرنا الله في زمرته ولا حاد بنا عن ~~طريقته وملته بحق (5) محمد وآله. # قوله تعالى: وممن حولكم من الاعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على ~~النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم (101) ~~قوله تعالى (وممن حولكم من الاعراب منافقون) ابتداء وخبر. أي قوم منافقون، ~~يعني مزينة وجهينة وأسلم وغفار وأشجع. (ومن أهل المدينة مردوا على النفاق) ~~أي قوم مردوا على النقاق. وقيل: " مردوا " من نعت المنافقين، فيكون في ~~الكلام تقديم وتأخير، المعنى. ومن حولكم من الاعراب منافقون مردوا على ~~النقاق، ومن أهل المدينة مثل ذلك. # ومعنى: " مردوا " أقاموا ولم يتوبوا، عن ابن زيد. وقال غيره: لجوا فيه ~~وأبوا غيره، # PageV08P240 # والمعنى متقارب. وأصل الكلمة من اللين والملامسة والتجرد. ms2988 فكأنهم تجردوا ~~للنفاق. ومنه (1) رملة مرداء لا نبت فيها. وغصن أمرد لا ورق عليه. وفرس ~~أمرد لا شعر على ثنته (2). # وغلام أمرد بين المرد، ولا يقال: جارية مرداء. وتمريد البناء تمليسه، ~~ومنه قوله: # " صرح ممرد " (3) [النمل: 44]. وتمريد الغصن تجريده من الورق، يقال: مرد ~~(4) يمرد مرودا ومرادة. # قوله تعالى: (لا تعلمهم نحن نعلمهم) هو مثل قوله: " لا تعلمونهم الله ~~يعلمهم " (5) [الأنفال: 60] على ما تقدم. وقيل: المعنى لا تعلم يا محمد ~~عاقبة أمورهم وإنما نختص نحن بعلمها، وهذا يمنع أن يحكم على أحد بجنة أو ~~نار. # قوله تعالى: (سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم) قال ابن عباس: # بالأمراض في الدنيا وعذاب الآخرة. فمرض المؤمن كفارة، ومرض الكافر عقوبة. # وقيل: العذاب الأول الفضيحة باطلاع النبي صلى الله عليه وسلم عليهم، على ~~ما يأتي بيانه في المنافقين. والعذاب الثاني عذاب القبر. الحسن وقتادة: ~~عذاب الدنيا وعذاب القبر. # ابن زيد: الأول بالمصائب في أموالهم وأولادهم، والثاني عذاب القبر. ~~مجاهد: الجوع والقتل. الفراء: القتل وعذاب القبر. وقيل: السباء والقتل. ~~وقيل: الأول أخذ الزكاة من أموالهم وإجراء الحدود عليهم، والثاني عذاب ~~القبر. وقيل: أحد العذابين ما قال تعالى: # " فلا تعجبك أموالهم - إلى قوله - إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة ~~الدنيا " (5) [التوبة: 55]. # والغرض من الآية اتباع العذاب، أو تضعيف العذاب عليهم. # قوله تعالى: وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله ~~أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم (102) أي ومن أهل المدينة وممن حولكم قوم ~~أقروا بذنوبهم، وآخرون مرجون لأمر الله يحكم فيهم بما يريد. فالصنف الأول ~~يحتمل أنهم كانوا منافقين وما مردوا على النفاق، ويحتمل # PageV08P241 # أنهم كانوا مؤمنين. وقال ابن عباس: نزلت في عشرة تخلفوا عن غزوة تبوك ~~فأوثق سبعة منهم أنفسهم في سواري المسجد. وقال بنحوه قتادة وقال: وفيهم نزل ~~" خذ من أموالهم صدقة " [التوبة: 103]، ذكره المهدوي. وقال زيد بن أسلم: ~~كانوا ثمانية. وقيل: كانوا ستة. وقيل: # خمسة. وقال مجاهد: نزلت الآية في أبي لبابة الأنصاري خاصة في شأنه مع بني ~~قريظة، ms2989 وذلك أنهم كلموه في النزول على حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ~~فأشار لهم إلى حلقه. # يريد أن النبي صلى الله عليه وسلم يذبحهم إن نزلوا، فلما افتضح تاب وندم ~~وربط نفسه في سارية من سواري المسجد، وأقسم ألا يطعم ولا يشرب حتى يعفو ~~الله عنه أو يموت، فمكث كذلك حتى عفا الله عنه، ونزلت هذه الآية، وأمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بحله، ذكره الطبري عن مجاهد، وذكره ابن إسحاق في ~~السيرة أوعب من هذا. وقال أشهب عن مالك: نزلت " وآخرون " في شأن أبي لبابة ~~وأصحابه، وقال حين أصاب الذنب: يا رسول الله، أجاورك وأنخلع من مالي؟ فقال: ~~(يجزيك من ذلك الثلث وقد قال تعالى: " خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم ~~بها " [التوبة 103] ورواه ابن القاسم وابن وهب عن مالك. والجمهور أن الآية ~~نزلت في شأن المتخلفين عن غزوة تبوك، وكانوا ربطوا أنفسهم كما فعل أبو ~~لبابة، وعاهدوا الله ألا يطلقوا أنفسهم حتى يكون رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم هو الذي يطلقهم ويرضى عنهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (وأنا ~~أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى أومر بإطلاقهم رغبوا عني وتخلفوا عن ~~الغزو مع المسلمين) فأنزل الله هذه الآية، فلما نزلت أرسل إليهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم فأطلقهم وعذرهم. فلما أطلقوا قالوا: يا رسول الله، هذه ~~أموالنا التي خلفتنا عنك، فتصدق بها عنا وطهرنا واستغفر لنا. فقال: (ما ~~أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا) فأنزل الله تعالى: " خذ من أموالهم صدقة " ~~[التوبة: 103] الآية. قال ابن عباس: كانوا عشرة أنفس منهم أبو لبابة، فأخذ ~~ثلث أموالهم وكانت كفارة الذنوب التي أصابوها. فكان عملهم السئ التخلف ~~بإجماع من أهل هذه المقالة. واختلفوا في الصالح، فقال الطبري وغيره: ~~الاعتراف والتوبة والندم. وقيل: عملهم الصالح الذي عملوه أنهم لحقوا برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وربطوا PageV08P242 # أنفسهم بسواري المسجد وقالوا: لا نقرب أهلا ولا ولدا حتى ينزل الله ~~عذرنا. وقالت فرقة: # بل العمل الصالح غزوهم فيما سلف ms2990 من غزو النبي صلى الله عليه وسلم. وهذه ~~الآية وإن كانت نزلت في أعراب فهي عامة إلى يوم القيامة فيمن له أعمال ~~صالحة وسيئة، فهي ترجى. # ذكر الطبري عن حجاج بن أبي زينب قال: سمعت أبا عثمان يقول: ما في القرآن ~~آية أرجى عندي لهذه الأمة من قوله تعالى: " وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا ~~عملا صالحا وآخر سيئا ". # وفي البخاري عن سمرة بن جندب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا: ~~(أتاني الليلة آتيان فابتعثاني فانتهينا إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة ~~فتلقانا رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء وشطر كأقبح ما أنت راء قالا ~~لهم: اذهبوا فقعوا في ذلك النهر فوقعوا فيه ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك ~~السوء عنهم فصاروا في أحسن صورة قالا لي هذه جنة عدن وهذاك منزلك قالا: أما ~~القوم الذي كانوا شطر منهم حسن وشطر منهم قبيح فإنهم خلطوا عملا صالحا وآخر ~~سيئا تجاوز الله عنهم). وذكر البيهقي من حديث الربيع بن أنس عن أبي هريرة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث الاسراء وفيه قال: (ثم صعد بي إلى ~~السماء...) ثم ذكر الحديث إلى أن ذكر صعوده إلى السماء السابعة فقالوا: ~~(حياه الله من أخ وخليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجئ جاء فإذا برجل ~~أشمط (1) جالس على كرسي عند باب الجنة وعنده قوم بيض الوجوه وقوم سود ~~الوجوه وفي ألوانهم شئ فأتوا نهرا فاغتسلوا فيه فخرجوا منه وقد خلص من ~~ألوانهم شئ ثم إنهم أتوا نهرا آخر فاغتسلوا فيه فخرجوا منه وقد خلص من ~~ألوانهم شئ ثم دخلوا النهر الثالث فخرجوا منه وقد خلصت ألوانهم مثل ألوان ~~أصحابهم فجلسوا إلى أصحابهم فقال يا جبريل من هؤلاء بيض الوجوه وهؤلاء ~~الذين في ألوانهم شئ فدخلوا النهر وقد خلصت ألوانهم فقال هذا أبوك إبراهيم ~~هو أول رجل شمط على وجه الأرض وهؤلاء بيض الوجوه قوم لم يلبسوا إيمانهم ~~بظلم - قال - وأما هؤلاء الذين في ألوانهم شئ خلطوا عملا صالحا وآخر ms2991 سيئا ~~فتابوا فتاب الله عليهم. فأما النهر الأول فرحمة الله وأما النهر الثاني ~~فنعمة الله. # PageV08P243 # وأما النهر الثالث فسقاهم ربهم شرابا طهورا) وذكر الحديث. والواو في ~~[قوله] (1): " وآخر سيئا " قيل: هي بمعنى الباء، وقيل: بمعنى مع، كقولك ~~استوى الماء والخشبة. وأنكر ذلك الكوفيون وقالوا: لان الخشبة لا يجوز ~~تقديمها على الماء، و " آخر " في الآية يجوز تقديمه على الأول، فهو بمنزلة ~~خلطت الماء باللبن. # قوله تعالى: خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلواتك ~~سكن لهم والله سميع عليم (103) فيه ثمان مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (خذ من أموالهم صدقة) اختلف في هذه الصدقة المأمور ~~بها، فقيل: هي صدقة الفرض، قاله جويبر عن ابن عباس، وهو قول عكرمة فيما ذكر ~~القشيري. # وقيل: هو مخصوص بمن نزلت فيه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ منهم ثلث ~~أموالهم، وليس هذا من الزكاة المفروضة في شئ، ولهذا قال مالك: إذا تصدق ~~الرجل بجميع ماله أجزأه إخراج الثلث، متمسكا بحديث أبي لبابة. وعلى القول ~~الأول فهو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم يقتضي بظاهره اقتصاره عليه فلا ~~يأخذ الصدقة سواه، ويلزم على هذا سقوطها بسقوطه وزوالها بموته. وبهذا تعلق ~~مانعو الزكاة على أبي بكر الصديق [رضي الله عنه] (2) وقالوا: إنه كان ~~يعطينا عوضا منها التطهير والتزكية والصلاة علينا وقد عدمناها من غيره. ~~ونظم في ذلك شاعرهم فقال: # أطعنا رسول الله ما كان بيننا * فيا عجبا ما بال ملك أبي بكر وإن الذي ~~سألوكم فمنعتم * لكالتمر أو أحلى لديهم من التمر سنمنعهم ما دام فينا بقية ~~* كرام على الضراء في العسر واليسر وهذا صنف من القائمين على أبي بكر ~~أمثلهم طريقة، وفي حقهم قال أبو بكر: (والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة ~~والزكاة). ابن العربي: أما قولهم إن هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم فلا ~~يلتحق به غيره فهو كلام جاهل بالقرآن غافل عن مأخذ الشريعة متلاعب بالدين، ~~فإن الخطاب في القرآن لم يرد بابا واحدا ولكن اختلفت موارده على وجوه، ms2992 ~~فمنها خطاب توجه إلى # PageV08P244 # جميع الأمة كقوله: " يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة " (1) ~~[المائدة: 6] وقوله: " يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام " (2) ~~[البقرة: 183] ونحوه. ومنها خطاب خص به ولم يشركه فيه غيره لفظا ولا معنى ~~كقوله: " ومن الليل فتهجد به نافلة لك " (3) [الاسراء: 79] وقوله: " خالصة ~~لك " [الأحزاب: 50]. ومنها خطاب خص به لفظا وشركه جميع الأمة معنى وفعلا، ~~كقوله " أقم الصلاة لدلوك الشمس " (3) [الاسراء: 78] الآية. # وقوله: " فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله " (4) [النحل: 98] وقوله: " وإذا ~~كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة " (5) [النساء: 102] فكل من دلكت عليه الشمس ~~مخاطب بالصلاة. وكذلك كل من قرأ القرآن مخاطب بالاستعاذة. وكذلك [كل] (6) ~~من خاف يقيم الصلاة [بتلك الصفة]. ومن هذا القبيل قوله تعالى: " خذ من ~~أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ". وعلى هذا المعنى جاء قوله تعالى: " يا ~~أيها النبي اتق الله " (7) [الأحزاب: 1] و " يا أيها النبي إذا طلقتم ~~النساء " (8) [الطلاق: 1]. # الثانية - قوله تعالى: " من أموالهم " ذهب بعض العرب وهم دوس: إلى أن ~~المال الثياب والمتاع والعروض. ولا تسمي العين مالا. وقد جاء هذا المعنى في ~~السنة الثابتة من رواية مالك عن ثور بن زيد الديلي عن أبي الغيث سالم مولى ~~ابن مطيع عن أبي هريرة قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام ~~خيبر فلم نغنم ذهبا ولا ورقا إلا الأموال الثياب والمتاع. الحديث. وذهب ~~غيرهم إلى أن المال الصامت من الذهب والورق. # وقيل: الإبل خاصة، ومنه قولهم: المال الإبل. وقيل: جميع الماشية. وذكر ~~ابن الأنباري عن أحمد بن يحيى [ثعلب] (9) النحوي قال: ما قصر عن بلوغ ما ~~تجب فيه الزكاة من الذهب والورق فليس بمال، وأنشد: # والله ما بلغت لي قط ماشية * حد الزكاة ولا إبل ولا مال قال أبو عمر: ~~والمعروف من كلام العرب أن كل ما تمول وتملك هو مال، لقوله صلى الله عليه ~~وسلم: (يقول ابن آدم مالي مالي وإنما له من ماله ما أكل فأفنى أو لبس فأبلى ~~أو تصدق # PageV08P245 # فأمضي). وقال أبو قتادة: فأعطاني الدرع فابتعث به ms2993 مخرفا (1) في بني سلمة، ~~فإنه لأول مال تأثلته (2) في الاسلام. فمن حلف بصدقة ماله كله فذلك على كل ~~نوع من ماله، سواء كان مما تجب فيه الزكاة أو لم يكن، إلا أن ينوي شيئا ~~بعينه فيكون على ما نواه. وقد قيل: إن ذلك على أموال الزكاة. والعلم محيط ~~واللسان شاهد بأن ما تملك يسمى مالا. والله أعلم. # الثالثة - قوله تعالى: " خذ من أموالهم صدقة " مطلق غير مقيد بشرط في ~~المأخوذ والمأخوذ منه، ولا تبيين مقدار المأخوذ ولا المأخوذ منه. وإنما ~~بيان ذلك في السنة والاجماع. حسب ما نذكره فتؤخذ الزكاة من جميع الأموال. ~~وقد أوجب النبي صلى الله عليه وسلم الزكاة في المواشي والحبوب والعين، وهذا ~~ما لا خلاف فيه. واختلفوا فيما سوى ذلك كالخيل وسائر العروض. وسيأتي ذكر ~~الخيل (3) والعسل (3) في [النحل] إن شاء الله. روى الأئمة عن أبي سعيد عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة ~~وليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة وليس فيما دون خمس ذود من الإبل ~~صدقة). وقد مضى الكلام في [الانعام] (4) في زكاة الحبوب وما تنبته الأرض ~~مستوفي. # وفي المعادن في [البقرة] (5) وفي الحلي في هذه السورة. وأجمع العلماء على ~~أن الأوقية أربعون درهما، فإذا ملك الحر المسلم مائتي درهم من فضة مضروبة - ~~وهي الخمس أواق المنصوصة في الحديث - حولا كاملا فقد وجبت عليه صدقتها، ~~وذلك ربع عشرها خمسة دراهم. # وإنما اشترط الحول لقوله عليه السلام: (ليس في مال زكاة حتى يحول عليه ~~الحول). أخرجه الترمذي. وما زاد على المائتي درهم من الورق فبحساب ذلك من ~~كل شئ منه ربع عشره قل أو كثر، هذا قول مالك والليث والشافعي وأكثر أصحاب ~~أبي حنيفة وابن أبي ليلى والثوري والأوزاعي وأحمد بن حنبل وأبي ثور وإسحق ~~وأبي عبيد. وروي ذلك عن علي وابن عمر. # وقالت طائفة: لا شئ فيما زاد على مائتي درهم حتى تبلغ الزيادة أربعين ~~درهما، فإذا بلغتها # PageV08P246 # كان فيها درهم وذلك ربع ms2994 عشرها. هذا قول سعيد بن المسيب والحسن وعطاء ~~وطاوس والشعبي والزهري ومكحول وعمرو بن دينار وأبي حنيفة. # الرابعة - وأما زكاة الذهب فالجمهور من العلماء على أن الذهب إذا كان ~~عشرين دينارا قيمتها مائتا درهم فما زاد أن الزكاة فيها واجبة، على حديث ~~علي، أخرجه الترمذي عن ضمرة والحارث عن علي. قال الترمذي: سألت محمد بن ~~إسماعيل عن هذا الحديث فقال كلاهما عندي صحيح عن أبي إسحاق، يحتمل أن يكون ~~عنهما جميعا. وقال الباجي في المنتقى: # وهذا الحديث ليس إسناده هناك، غير أن اتفاق العلماء على الاخذ به دليل ~~على صحة حكمه، والله أعلم. وروي عن الحسن والثوري، وإليه مال بعض أصحاب ~~داود بن علي على أن الذهب لا زكاة فيه حتى يبلغ أربعين دينارا. وهذا يرده ~~حديث علي وحديث ابن عمر وعائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأخذ من كل ~~عشرين دينارا نصف دينار، ومن الأربعين دينارا دينارا، على هذا جماعة أهل ~~العلم إلا من ذكر. # الخامسة - اتفقت الأمة على أن ما كان دون خمس ذود من الإبل فلا زكاة فيه. # فإذا بلغت خمسا ففيها شاة. والشاة تقع على واحدة من الغنم، والغنم الضأن ~~والمعز جميعا. # وهذا أيضا اتفاق من العلماء أنه ليس في خمس إلا شاة واحدة، وهي فريضتها. ~~وصدقة المواشي مبينة في الكتاب الذي كتبه الصديق لانس لما وجهه إلى ~~البحرين، أخرجه البخاري وأبو داود والدارقطني والنسائي وابن ماجة وغيرهم، ~~وكله متفق عليه. والخلاف فيه في موضعين أحدهما في زكاة الإبل، وهي إذا بلغت ~~إحدى وعشرين ومائة فقال مالك: المصدق بالخيار إن شاء أخذ ثلاث بنات لبون، ~~وإن شاء أخذ حقتين (1). وقال ابن القاسم: وقال ابن شهاب: # فيها ثلاث بنات لبون إلى أن تبلغ ثلاثين ومائة فتكون فيها حقة وابنتا ~~لبون. قال ابن القاسم: # ورأيي على قول ابن شهاب. وذكر ابن حبيب أن عبد العزيز بن أبي سلمة وعبد ~~العزيز # PageV08P247 # ابن أبي حازم وابن دينار يقولون بقول مالك. وأما الموضع الثاني فهو في ~~صدقة الغنم، وهي ms2995 إذا زادت على ثلاثمائة شاة وشاة، فإن الحسن بن صالح بن حي ~~قال: فيها أربع شياه. # وإذا كانت أربعمائة شاة وشاة ففيها خمس شياه، وهكذا كلما زادت، في كل ~~مائة شاة. وروي عن إبراهيم النخعي مثله. وقال الجمهور: في مائتي شاة وشاة ~~ثلاث شياه، ثم لا شئ فيها إلى أربعمائة فيكون فيها أربع شياه، ثم كلما زادت ~~مائة ففيها شاة، إجماعا واتفاقا. قال ابن عبد البر: وهذه مسألة وهم فيها ~~ابن المنذر، وحكى فيها عن العلماء الخطأ، وخلط وأكثر الغلط. # السادسة - لم يذكر البخاري ولا مسلم في صحيحهما تفصيل زكاة البقر. وخرجه ~~أبو داود والترمذي والنسائي والدارقطني ومالك في موطئه وهي مرسلة ومقطوعة ~~وموقوفة. # قال أبو عمر: وقد رواه قوم عن طاوس عن معاذ، إلا أن الذين أرسلوه أثبت من ~~الذين أسندوه. وممن أسنده بقية عن المسعودي عن الحكم عن طاوس. وقد اختلفوا ~~فيما ينفرد به بقية عن الثقات. ورواه الحسن بن عمارة عن الحكم كما رواه ~~بقية عن المسعودي عن الحكم، والحسن مجتمع على ضعفه. وقد روي هذا الخبر ~~بإسناد متصل صحيح ثابت من غير رواية طاوس، ذكره عبد الرزاق قال: أخبرنا ~~معمر والثوري عن الأعمش عن أبي وائل عن مسروق عن معاذ بن جبل قال: بعثني ~~رسول الله عليه وسلم إلى اليمن فأمره أن يأخذ من كل ثلاثين بقرة تبيعا أو ~~تبيعة (1)، ومن أربعين مسنة [، ومن كل حالم دينار] (2) أو عدله معافر (3)، ~~ذكره الدارقطني وأبو عيسى الترمذي وصححه. قال أبو عمر. ولا خلاف بين ~~العلماء أن الزكاة في زكاة البقر عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ما ~~قال معاذ بن جبل: في ثلاثين بقرة تبيع، وفي أربعين مسنة إلا شئ روي عن سعيد ~~بن المسيب وأبي قلابة والزهري وقتادة، فإنهم يوجبون في كل خمس من البقر شاة ~~إلى ثلاثين. فهذه جملة من تفصيل الزكاة بأصولها وفروعها في كتب الفقه. ~~ويأتي ذكر الخلطة في سورة [ص] (4) إن شاء الله تعالى. # PageV08P248 # السابعة - قوله تعالى: " صدقة " مأخوذ من الصدق، إذ ms2996 هي دليل على صحة ~~إيمانه، وصدق باطنه مع ظاهره، وأنه ليس من المنافقين الذين يلمزون المطوعين ~~من المؤمنين في الصدقات. " تطهرهم وتزكيهم بها " حالين للمخاطب، التقدير: ~~خذها مطهرا لهم ومزكيا لهم بها. ويجوز أن يجعلهما صفتين للصدقة، أي صدقة ~~مطهرة لهم مزكية، ويكون فاعل تزكيهم المخاطب، ويعود الضمير الذي في " بها " ~~على الموصوف المنكر. وحكى النحاس ومكي أن " تطهرهم " من صفة الصدقة " ~~وتزكيهم بها " حال من الضمير في " خذ " وهو النبي صلى الله عليه وسلم. ~~ويحتمل أن تكون حالا من الصدقة، وذلك ضعيف لأنها حال من نكرة. وقال الزجاج: ~~والأجود أن تكون المخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم، أي فإنك تطهرهم ~~وتزكيهم بها، على القطع والاستئناف. ويجوز الجزم على جواب الامر، والمعنى: # إن تأخذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم، ومنه قول امرئ القيس: # * قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل * وقرأ الحسن تطهرهم " بسكون الطاء " وهو ~~منقول بالهمزة من طهر وأطهرته، مثل ظهر وأظهرته. # الثامنة - قوله تعالى: (وصل عليهم) أصل في فعل كل إمام يأخذ الصدقة أن ~~يدعو للمتصدق بالبركة. روى مسلم عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: (اللهم صل عليهم) فأتاه ~~ابن أبي أوفى بصدقته فقال: (اللهم صل على آل أبي أوفى). ذهب قوم إلى هذا، ~~وذهب آخرون إلى أن هذا منسوخ بقوله تعالى: " ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ~~" [التوبة: 84]. قالوا: فلا يجوز أن يصلى على أحد إلا على النبي صلى الله ~~عليه وسلم وحده خاصة، لأنه خص بذلك. واستدلوا بقوله تعالى: " لا تجعلوا ~~دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا " (1) [النور: 63] الآية. وبأن عبد ~~الله بن عباس كان يقول: لا يصلى على أحد إلا على النبي صلى الله عليه وسلم. ~~والأول أصح، فإن الخطاب ليس مقصورا عليه كما تقدم، ويأتي في الآية بعد هذا. ~~فيجب الاقتداء برسول الله صلى الله # PageV08P249 # عليه وسلم، والتأسي به، لأنه كان يمتثل قوله: " وصل عليهم إن صلاتك سكن ~~لهم " أي ms2997 إذا دعوت لهم حين يأتون بصدقاتهم سكن ذلك قلوبهم وفرحوا به. وقد ~~روى جابر ابن عبد الله قال: أتاني النبي صلى الله عليه وسلم فقلت لامرأتي: ~~لا تسألي رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا، فقالت: يخرج رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من عندنا ولا نسأله شيئا! # فقالت: يا رسول الله، صل على زوجي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~(صلى الله عليك وعلى زوجك). والصلاة هنا الرحمة والترحم. قال النحاس: وحكى ~~أهل اللغة جميعا فيما علمناه أن الصلاة في كلام العرب الدعاء، ومنه الصلاة ~~على الجنائز. وقرأ حفص وحمزة والكسائي: " إن صلاتك " بالتوحيد. وجمع ~~الباقون. وكذلك الاختلاف في " أصلاتك تأمرك " (1) [هود: 87] وقرئ " سكن " ~~بسكون الكاف. قال قتادة: معناه وقار لهم. والسكن: # ما تسكن به النفوس وتطمئن به القلوب. # قوله تعالى: ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات ~~وأن الله هو التواب الرحيم (104) فيه مسألتان: # الأولى - قيل: قال الذين لم يتوبوا من المتخلفين: هؤلاء كانوا معنا ~~بالأمس، لا يكلمون ولا يجالسون، فما لهم الآن؟ وما هذه الخاصة التي خصوا ~~بها دوننا، فنزلت: # " ألم يعلموا " فالضمير في " يعلموا " عائد إلى الذين لم يتوبوا من ~~المتخلفين. قال معناه ابن زيد. ويحتمل أن يعود إلى الذين تابوا وربطوا ~~أنفسهم. وقوله تعالى: " هو " تأكيد لانفراد الله سبحانه وتعالى بهذه ~~الأمور. وتحقيق ذلك أنه لو قال: إن الله يقبل التوبة لاحتمل أن يكون قبول ~~رسوله قبولا منه، فبينت (2) الآية أن ذلك مما لا يصل إليه نبي ولا ملك. # PageV08P250 # الثانية - قوله تعالى: " ويأخذ الصدقات " هذا نص صريح في أن الله تعالى ~~هو الآخذ لها والمثيب عليها وأن الحق له عز وجل، والنبي صلى الله عليه وسلم ~~واسطة فإن توفي فعامله هو الواسطة بعده، والله عز وجل حي لا يموت. وهذا ~~يبين أن قوله سبحانه وتعالى: # " خذ من أموالهم صدقة " ليس مقصورا على النبي صلى الله عليه وسلم: روى ~~الترمذي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ms2998 (إن الله يقبل ~~الصدقة ويأخذها بيمينه فيربيها لاحد كم كما يربي أحد كم مهره حتى أن اللقمة ~~لتصير مثل أحد وتصديق ذلك في كتاب الله " وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ~~ويأخذ الصدقات " " ويمحق الله الربا ويربي الصدقات ". # قال: هذا حديث حسن صحيح. وفي صحيح مسلم: (لا يتصدق أحد بتمرة من كسب طيب ~~إلا أخذها الله بيمينه - في رواية - فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من ~~الجبل) الحديث. وروي (إن الصدقة لتقع في كف الرحمن قبل أن تقع في كف السائل ~~فيربيها كما يربي أحدكم فلوه (1) أو فصيله والله يضاعف لمن يشاء). قال ~~علماؤنا رحمة الله عليهم في تأويل هذه الأحاديث: إن هذا كناية عن القبول ~~والجزاء عليها، كما كنى بنفسه الكريمة المقدسة عن المريض تعطفا عليه بقوله: ~~(يا بن آدم مرضت فلم تعدني) الحديث. وقد تقدم هذا المعنى في [البقرة]. وخص ~~اليمين والكف [بالذكر] (2) إذ كل قابل لشئ إنما يأخذه بكفه وبيمينه أو يوضع ~~له فيه، فخرج على ما يعرفونه، والله عز وجل منزه عن الجارحة. وقد جاءت ~~اليمين في كلام العرب بغير معنى الجارحة، كما قال الشاعر: # إذا ما راية رفعت لمجد * تلقاها عرابة باليمين أي هو مؤهل للمجد والشرف، ~~ولم يرد بها يمين الجارحة، لان المجد معنى فاليمين التي تتلقى به رايته ~~معنى. وكذلك اليمين في حق الله تعالى. وقد قيل: إن معنى (تربو في كف ~~الرحمن) عبارة عن كفة الميزان التي توزن فيها الأعمال، فيكون من باب حذف ~~المضاف، كأنه قال. # فتربو كفة ميزان الرحمن. وروي عن مالك والثوري وابن المبارك أنهم قالوا ~~في تأويل هذه # PageV08P251 # الأحاديث وما شابهها: أمروها بلا كيف، قال الترمذي وغيره. وهكذا قول أهل ~~العلم من أهل السنة والجماعة. # قوله تعالى: وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى ~~عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون (105) قوله تعالى: (وقل ~~اعملوا) خطاب للجميع. (فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) أي بإطلاعه ~~إياهم على أعمالكم. وفي الخبر: (لو أن رجلا عمل في صخرة ms2999 لا باب لها ولا كوة ~~لخرج عمله إلى الناس كائنا ما كان). # قوله تعالى: وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذ بهم وإما يتوب عليهم والله ~~عليم حكيم (106) نزلت في الثلاثة الذين تيب عليهم: كعب بن مالك وهلال بن ~~أمية من بنى واقف ومرارة بن الربيع، وقيل: ابن ربعي العمرى ذكره المهدوي. ~~كانوا قد تخلفوا عن تبوك وكانوا مياسر، على ما يأتي من ذكرهم. والتقدير: ~~ومنهم آخرون مرجون، من أرجأته أي أخرته. ومنه قيل: مرجئة، لأنهم أخروا ~~العمل. وقرأ حمزة والكسائي " مرجون " بغير همزة، فقيل: هو من أرجيته أي ~~أخرته. وقال المبرد: لا يقال أرجيته بمعنى أخرته، ولكن يكون من الرجاء. " ~~إما يعذ بهم وإما يتوب عليهم " " إما " في العربية لاحد أمرين، والله عز ~~وجل عالم بمصير الأشياء، ولكن المخاطبة للعباد على ما يعرفون، أي ليكن ~~أمرهم عند كم على الرجاء لأنه ليس للعباد أكثر من هذا. # قوله تعالى: والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين ~~وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله ~~يشهد إنهم لكاذبون (107 PageV08P252 # فيه عشر مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (الذين اتخذوا مسجدا) معطوف، أي ومنهم الذين اتخذوا ~~مسجدا، عطف جملة على جملة. ويجوز أن يكون رفعا بالابتداء والخبر محذوف ~~كأنهم (1) " يعذبون " أو نحوه. ومن قرأ " الذين " بغير واو وهي قراءة ~~المدنيين فهي عنده رفع بالابتداء، والخبر " لا تقم " التقدير: الذين اتخذوا ~~مسجدا لا تقم فيه أبدا، أي لا تقم في مسجدهم، قاله الكسائي. وقال النحاس: ~~يكون خبر الابتداء " لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم " [التوبة: ~~110]. وقيل: الخبر " يعذبون " كما تقدم. ونزلت الآية فيما روي في أبو عامر ~~الراهب، لأنه كان خرج إلى قيصر وتنصر ووعدهم قيصر أنه سيأتيهم، فبنوا مسجد ~~الضرار يرصدون مجيئه فيه، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم، وقد تقدمت ~~قصته في الأعراف (2) وقال أهل التفسير: إن بني عمرو بن عوف اتخذوا مسجد ~~قباء وبعثوا للنبي صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم فأتاهم فصلى فيه، فحسدهم ms3000 ~~إخوانهم بنو غنم بن عوف وقالوا: نبني مسجدا ونبعث إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم يأتينا فيصلي لنا كما صلى في مسجد إخواننا، ويصلي فيه أبو عامر إذا ~~قدم من الشام، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتجهز إلى تبوك فقالوا: ~~يا رسول الله، قد بنينا مسجدا لذي الحاجة، والعلة والليلة المطيرة، ونحب أن ~~تصلي لنا فيه وتدعو بالبركة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم (إني على سفر ~~وحال شغل فلو قدمنا لأتيناكم وصلينا لكم فيه) فلما أنصرف النبي صلى الله ~~عليه وسلم من تبوك أتوه وقد فرغوا منه وصلوا فيه الجمعة والسبت والأحد، ~~فدعا بقميصه ليلبسه ويأتيهم فنزل عليه القرآن بخبر مسجد الضرار، فدعا النبي ~~صلى الله عليه وسلم مالك بن الدخشم ومعن بن عدي وعامر بن السكن ووحشيا قاتل ~~حمزة، فقال: (انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وأحرقوه) فخرجوا ~~مسرعين، وأخرج مالك بن الدخشم من منزله شعلة نار، ونهضوا فأحرقوا المسجد ~~وهدموه، وكان الذين بنوه أثني عشر رجلا: خذام بن خالد من بني عبيد بن زيد ~~أحد بني عمرو بن عوف # PageV08P253 # ومن داره أخرج مسجد الضرار، ومعتب بن قشير، وأبو حبيبة بن الأزعر، وعباد ~~ابن حنيف أخو سهل بن حنيف من بني عمرو بن عوف. وجارية بن عامر، وابناه مجمع ~~وزيد ابنا جارية، ونبتل بن الحارث، وبحزج، وبجاد بن عثمان، ووديعة بن ثابت، ~~وثعلبة ابن حاطب مذكور فيهم. قال أبو عمر بن عبد البر: وفيه نظر، لأنه شهد ~~بدرا. وقال عكرمة: سأل عمر بن الخطاب رجلا منهم بماذا أعنت في هذا المسجد؟ ~~فقال: أعنت فيه بسارية. فقال: أبشر بها! سارية في عنقك من نار جهنم. # الثانية - قوله تعالى: " ضرارا " مصدر مفعول من أجله. " وكفرا وتفريقا ~~بين المؤمنين وإرصادا " عطف كله. وقال أهل التأويل: ضرارا بالمسجد، وليس ~~للمسجد ضرار، إنما هو لأهله. وروى الدارقطني عن أبي سعيد الخدري قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا ضرر ولا ضرار من ضار ضار الله به ومن شاق ms3001 ~~شاق الله عليه). قال بعض العلماء: # الضرر: الذي لك به منفعة وعلى جارك فيه مضرة. والضرار: الذي ليس لك فيه ~~منفعة وعلى جارك فيه المضرة. وقد قيل: هما بمعنى واحد، تكلم بهما جميعا على ~~جهة التأكيد. # الثالثة - قال علماؤنا: لا يجوز أن يبني مسجد إلى جنب مسجد، ويجب هدمه، ~~والمنع من بنائه لئلا ينصرف أهل المسجد الأول فيبقى شاغرا، إلا أن تكون ~~المحلة كبيرة فلا يكفي أهلها مسجد واحد فيبنى حينئذ. وكذلك قالوا. لا ينبغي ~~أن يبنى في المصر الواحد جامعان وثلاثة، ويجب منع الثاني، ومن صلى فيه ~~الجمعة لم تجزه. وقد أحرق النبي صلى الله عليه وسلم مسجد الضرار وهدمه. ~~وأسند الطبري عن شقيق أنه جاء ليصلي في مسجد بني غاضرة (1) فوجد الصلاة قد ~~فاتته، فقيل له: إن مسجد بني فلان لم يصل فيه بعد، فقال: # لا أحب أن أصلي فيه، لأنه بني على ضرار. قال علماؤنا: وكل مسجد بني على ~~ضرار أو رياء وسمعة فهو في حكم مسجد الضرار لا تجوز الصلاة فيه. وقال ~~النقاش: يلزم من هذا ألا يصلي في كنيسة ونحوها، لأنها بنيت على شر. # PageV08P254 # قلت: هذا لا يلزم، لان الكنيسة لم يقصد ببنائها الضرر بالغير، وإن كان ~~أصل بنائها على شر، وإنما اتخذ النصارى الكنيسة واليهود البيعة موضعا ~~يتعبدون فيه بزعمهم كالمسجد لنا فافترقا. وقد أجمع العلماء على أن من صلى ~~في كنيسة أو بيعة على موضع طاهر أن صلاته ماضية جائزة. وقد ذكر البخاري أن ~~ابن عباس كان يصلي في البيعة إذا لم يكن فيها تماثيل. وذكر أبو داود عن ~~عثمان بن أبي العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يجعل مسجد الطائف ~~حيث كانت طواغيتهم. # الرابعة - قال العلماء: إن من كان إماما لظالم لا يصلي وراءه إلا أن يظهر ~~عذره أو يتوب فإن بني عمرو بن عوف الذين بنوا مسجد قباء سألوا عمر بن ~~الخطاب في خلافته ليأذن لمجمع بن جارية أن يصلي بهم في مسجدهم، فقال: لا ~~ولا نعمة عين! ms3002 أليس بإمام مسجد الضرار! فقال له مجمع: يا أمير المؤمنين، لا ~~تعجل علي فوالله لقد صليت فيه وأنا لا أعلم ما قد أضمروا عليه ولو علمت ما ~~صليت بهم فيه كنت غلاما قارئا للقرآن وكانوا شيوخا قد عاشوا (1) على ~~جاهليتهم وكانوا لا يقرءون من القرآن شيئا فصليت ولا أحسب ما صنعت إثما ولا ~~أعلم بما في أنفسهم فعذره عمر [رضي الله عنهما] (2) وصدقه وأمره بالصلاة في ~~مسجد قباء. # الخامسة - قال علماؤنا رحمة الله عليهم: وإذا كان المسجد الذي يتخذ ~~للعبادة وحض الشرع على بنائه فقال: (من بنى لله مسجدا ولو كمفحص (3) قطاة ~~بنى الله له بيتا في الجنة) يهدم وينزع إذا كان فيه ضرر بغيره، فما ظنك ~~بسواه! بل هو أحرى أن يزال ويهدم حتى لا يدخل ضرر على الأقدم. وذلك كمن بنى ~~فرنا أو رحى أو حفر بئرا أو غير ذلك مما يدخل به الضرر على الغير. وضابط ~~هذا الباب: أن من أدخل على أخيه ضررا منع. فإن أدخل على أخيه ضررا بفعل ما ~~كان له فعله في ماله فأضر ذلك بجاره أو غير جاره نظر إلى ذلك الفعل، فإن ~~كان تركه أكبر ضررا من الضرر الداخل على الفاعل قطع أكبر # PageV08P255 # الضررين وأعظمهما حرمة في الأصول. مثال ذلك: رجل فتح كوة في منزله يطلع ~~منها على دار أخيه وفيها العيال والأهل، ومن شأن النساء في بيوتهن إلقاء ~~بعض ثيابهن والانتشار في حوائجهن، ومعلوم أن الاطلاع على العورات محرم وقد ~~ورد النهي فيه (1) فلحرمة الاطلاع على العورات رأى العلماء أن يغلقوا على ~~فاتح الباب والكوة ما فتح مما له فيه منفعة وراحة وفي غلقه عليه ضرر لأنهم ~~قصدوا إلى قطع أعظم الضررين، إذ لم يكن بد من قطع أحدهما وهكذا الحكم في ~~هذا الباب، خلافا للشافعي ومن قال بقوله. قال أصحاب الشافعي: لو حفر رجل في ~~ملكه بئرا وحفر آخر في ملكه بئرا يسرق منها ماء البئر الأولة جاز، لان كل ~~واحد منهما حفر في ملكه فلا يمنع من ذلك. ms3003 ومثله عندهم: لو حفر إلى جنب بئر ~~جاره كنيفا يفسده عليه لم يكن له منعه، لأنه تصرف في ملكه. والقرآن والسنة ~~يردان هذا القول. # وبالله التوفيق. # ومن هذا الباب وجه آخر من الضرر منع العلماء منه، كدخان الفرن والحمام ~~وغبار الأندر (2) والدود المتولد من الزبل المبسوط في الرحاب، وما كان مثل ~~هذا فإنه يقطع منه ما بان ضرره وخشي تماديه. وأما ما كان ساعة خفيفة مثل ~~نفض الثياب والحصر عند الأبواب، فإن هذا مما لا غنى بالناس عنه، وليس مما ~~يستحق به شئ، فنفي الضرر في منع مثل هذا أعظم وأكبر من الصبر على ذلك ساعة ~~خفيفة. وللجار على جاره في أدب السنة أن يصبر على أذاه على ما يقدر كما ~~عليه ألا يؤذيه وأن يحسن إليه. # السادسة - ومما يدخل في هذا الباب مسألة ذكرها إسماعيل بن أبي أويس عن ~~مالك أنه سئل عن امرأة عرض لها، يعني مسا من الجن، فكانت إذا أصابها زوجها ~~وأجنبت أو دنا منها يشتد ذلك بها. فقال مالك: لا أرى أن يقربها، وأرى ~~للسلطان أن يحول بينه وبينها. # PageV08P256 # السابعة - قوله تعالى: (وكفرا) لما كان اعتقادهم أنه لا حرمة لمسجد قباء ~~ولا لمسجد النبي صلى الله عليه وسلم كفروا بهذا الاعتقاد، قاله ابن العربي. ~~وقيل: # " وكفرا " أي بالنبي صلى الله عليه وسلم وبما جاء به، قاله القشيري ~~وغيره. # الثامنة - قوله تعالى: (وتفريقا بين المؤمنين) أي يفرقون به جماعتهم ~~ليتخلف أقوام عن النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا يدلك على أن المقصد الأكبر ~~والغرض الأظهر من وضع الجماعة تأليف القلوب والكلمة على الطاعة، وعقد ~~الذمام والحرمة بفعل الديانة حتى يقع الانس بالمخالطة، وتصفو القلوب من وضر ~~الأحقاد. # التاسعة - تفطن مالك رحمه الله من هذه الآية فقال: لا تصلي جماعتان في ~~مسجد واحد بإمامين، خلافا لسائر العلماء. وقد روي عن الشافعي المنع، حيث ~~كان تشتيتا للكلمة وإبطالا لهذه الحكمة وذريعة إلى أن نقول: من يريد ~~الانفراد عن الجماعة كان له عذر فيقيم جماعته ويقدم إمامته فيقع الخلاف ms3004 ~~ويبطل النظام، وخفي ذلك عليهم. قال ابن العربي: # وهذا كان شأنه معهم، وهو أثبت قدما منهم في الحكمة وأعلم بمقاطع الشريعة. # العاشرة - قوله تعالى: (وإرصادا لمن حارب الله ورسوله) يعني أبا عامر ~~الراهب، وسمي بذلك لأنه كان يتعبد ويلتمس العلم فمات كافرا بقنسرين (1) ~~بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه كان قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ~~لا أجد قوما يقاتلونك إلا قاتلتك معهم، فلم يزل يقاتله إلى يوم حنين. فلما ~~انهزمت هوازن خرج إلى الورم يستنصر، وأرسل إلى المنافقين وقال: استعدوا بما ~~استطعتم من قوة وسلاح، وابنوا مسجدا فإني ذاهب إلى قيصر فلت بجند من الروم ~~لأخرج محمدا من المدينة، فبنوا مسجد الضرار. وأبو عامر هذا هو والد حنظلة ~~غسيل (2) الملائكة. والأرصاد: الانتظار، تقول: أرصدت كذا إذا أعددته مرتقبا ~~له به. # قال أبو زيد: يقال رصدته وأرصدته في الخير، وأرصدت له في الشر. وقال ابن ~~الأعرابي: # لا يقال إلا أرصدت، ومعناه ارتقبت. وقوله تعالى: (من قبل) أي من قبل بناء ~~مسجد الضرار. # PageV08P257 # الضرار. (وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى) أي ما أردنا ببنائه إلا الفعلة ~~الحسني، وهي الرفق بالمسلمين كما ذكروا لذي العلة والحاجة. وهذا يدل على أن ~~الافعال تختلف بالمقصود والإرادات، ولذلك قال: " وليحلفن إن أردنا إلا ~~الحسنى ". " والله يشهد إنهم لكاذبون " أي يعلم خبث ضمائرهم وكذبهم فيما ~~يحلفون عليه. # قوله تعالى: لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن ~~تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين (108) فيه إحدى ~~عشرة مسألة: # الأولى - قوله تعالى: (لا تقم فيه أبدا) يعني مسجد الضرار، أي لا تقم فيه ~~للصلاة. وقد يعبر عن الصلاة بالقيام، يقال: فلان يقوم الليل أي يصلي، ومنه ~~الحديث الصحيح: (من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه). ~~أخرجه البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال...، فذكره. ~~وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية كان لا يمر ~~بالطريق ms3005 التي فيها المسجد، وأمر بموضعه أن يتخذ كناسة (1) تلقى فيها الجيف ~~والأقذار والقمامات. # الثانية - قوله تعالى: " أبدا " " أبدا " ظرف زمان. وظرف الزمان على ~~قسمين: # ظرف مقدر كاليوم، وظرف مبهم كالحين والوقت، والأبد من هذا القسم، وكذلك ~~الدهر. # وتنشأ هنا مسألة أصولية، وهي أن " أبدا " وإن كانت ظرفا مبهما لا عموم ~~فيه ولكنه إذا اتصل بلا النافية أفاد العموم، فلو قال: لا تقم، لكفى في ~~الانكفاف المطلق. فإذا قال: " أبدا " فكأنه قال في وقت من الأوقات ولا في ~~حين من الأحيان. فأما النكرة في الاثبات إذا كانت خبرا عن واقع لم تعم، وقد ~~فهم ذلك أهل اللسان وقضى به فقهاء الاسلام فقالوا: لو قال رجل لامرأته أنت ~~طالق أبدا طلقت طلقة واحدة. # PageV08P258 # الثالثة - قوله تعالى: (لمسجد أسس على التقوى) أي بنيت جدره ورفعت ~~قواعده. والاس أصل البناء، وكذلك الأساس. والأسس مقصور منه. وجمع الاس ~~إساس، مثل عس وعساس. وجمع الأساس أسس، مثل قذال وقذل. وجمع الأسس أساس، مثل ~~سبب وأسباب. وقد أسست البناء تأسيسا. وقولهم: كان ذلك على أس الدهر، وأس ~~الدهر، وإس الدهر، ثلاث لغات، أي على قدم الدهر ووجه الدهر. # واللام في قوله " لمسجد " لام قسم. وقيل لام الابتداء، كما تقول: لزيد ~~أحسن الناس فعلا، وهي مقتضية تأكيدا. " أسس على التقوى " نعت لمسجد. " أحق ~~" خبر الابتداء الذي هو " لمسجد " ومعنى التقوى هنا الخصال التي تتقى بها ~~العقوبة، وهي فعلى من وقيت، وقد تقدم (1). # الرابعة - واختلف العلماء في المسجد الذي أسس على التقوى، فقالت طائفة: ~~هو مسجد قباء، يروى عن ابن عباس والضحاك والحسن. وتعلقوا بقوله: " من أول ~~يوم "، ومسجد قباء كان أسس بالمدينة أول يوم، فإنه بني قبل مسجد النبي صلى ~~الله عليه وسلم، قاله ابن عمر وابن المسيب، ومالك فيما رواه عنه ابن وهب ~~وأشهب وابن القاسم. وروى الترمذي عن أبي سعيد الخدري: قال تماري (2) رجلان ~~في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، فقال رجل هو مسجد قباء، وقال ~~آخر هو مسجد النبي صلى الله عليه ms3006 وسلم. # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هو مسجدي هذا). [قال] (3) حديث ~~صحيح. والقول الأول أليق بالقصة، لقوله: " فيه " وضمير الظرف يقتضي الرجال ~~المتطهرين، فهو مسجد قباء. # والدليل على ذلك حديث أبي هريرة قال: نزلت هذه الآية في أهل قباء " فيه ~~رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين " قال: كانوا يستنجون بالماء ~~فنزلت فيهم هذه الآية. # قال الشعبي: هم أهل مسجد قباء، أنزل الله فيهم هذا. وقال قتادة: لما نزلت ~~هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل قباء: (إن الله سبحانه قد ~~أحسن عليكم الثناء # PageV08P259 # في التطهر فما تصنعون)؟ قالوا: إنا نغسل أثر الغائط والبول بالماء، رواه ~~أبو داود. # وروى الدارقطني عن طلحة بن نافع قال: حدثني أبو أيوب وجابر بن عبد الله ~~وأنس بن مالك الأنصاريون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الآية " ~~فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين " فقال: (يا معشر الأنصار إن ~~الله قد أثنى عليكم خيرا في الطهور فما طهوركم هذا)؟ قالوا: يا رسول الله، ~~نتوضأ للصلاة ونغتسل من الجنابة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فهل ~~مع ذلك من غيره)؟ فقالوا: لا غير، إن أحدنا إذا خرج من الغائط أحب أن ~~يستنجي بالماء. قال: (هو ذاك فعليكموه) وهذا الحديث يقتضي أن المسجد ~~المذكور في الآية هو مسجد قباء، إلا أن حديث أبي سعيد الخدري نص فيه النبي ~~صلى الله عليه وسلم على أنه مسجده فلا نظر معه. وقد روى أبو كريب قال: ~~حدثنا أبو أسامة قال حدثنا صالح بن حيان قال حدثنا عبد الله بن بريدة في ~~قوله عز وجل: # " في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه " (1) [النور: 36] قال: إنما ~~هي أربعة مساجد لم يبنهن إلا نبي: الكعبة بناها إبراهيم وإسماعيل عليهما ~~السلام، وبيت أريحا بيت المقدس بناه داود وسليمان عليهما السلام، ومسجد ~~المدينة ومسجد قباء اللذين أسسا على التقوى، بناهما رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. # الخامسة - (من أول يوم) " من " عند ms3007 النحويين مقابلة منذ، فمنذ في الزمان ~~بمنزلة من في المكان. فقيل: إن معناها هنا معنى منذ، والتقدير: منذ أول يوم ~~ابتدئ بنيانه. وقيل: المعنى من تأسيس أول الأيام، فدخلت على مصدر الفعل ~~الذي هو أسس، كما قال: # لمن الديار بقنة الحجر * أقوين من حجج ومن دهر (2) # PageV08P260 # أي من مر حجج ومن مر دهر. وإنما دعا إلى هذا أن من أصول النحويين أن " من ~~" لا يجر بها الأزمان، وإنما تجر الأزمان بمنذ، تقول ما رأيته منذ شهر أو ~~سنة أو يوم، ولا تقول: من شهر ولا من سنة ولا من يوم. فإذا وقعت في الكلام ~~وهي يليها زمن فيقدر مضمر يليق أن يجر بمن، كما ذكرنا في تقدير البيت. ابن ~~عطية. ويحسن عندي أن يستغنى في هذه الآية عن تقدير، وأن تكون " من " تجر ~~لفظة " أول " لأنها بمعنى البداءة، كأنه قال: من مبتدأ الأيام. # السادسة - قوله تعالى: (أحق أن تقوم فيه) أي بأن تقوم، فهو في موضع نصب. ~~و " أحق " هو أفعل من الحق، وأفعل لا يدخل إلا بين شيئين مشتركين، لأحدهما ~~في المعنى الذي اشتركا فيه مزية على الآخر، فمسجد الضرار وإن كان باطلا ~~لاحق فيه، فقد اشتركا في الحق من جهة اعتقاد بانيه، أو من جهة اعتقاد من ~~كان يظن أن القيام فيه جائز للمسجدية، لكن أحد الاعتقادين باطل باطنا عند ~~الله، والآخر حق باطنا وظاهرا، ومثل هذا قوله تعالى: " أصحاب الجنة يومئذ ~~خير مستقرا وأحسن مقيلا " (1) [الفرقان: 24] ومعلوم أن الخيرية من النار ~~مبعودة، ولكنه جرى على اعتقاد كل فرقة أنها على خير وأن مصيرها إليه خير، ~~إذ كل حزب بما لديهم فرحون. وليس هذا من قبيل: العسل أحلى من الخل، فإن ~~العسل! وإن كان حلوا فكل شئ ملائم فهو حلو، ألا ترى أن من الناس من يقدم ~~الخل على العسل (2) مفردا بمفرد ومضافا إلى غيره بمضاف. # السابعة - قوله تعالى: (فيه) من قال: إن المسجد يراد به مسجد النبي صلى ~~الله عليه وسلم فالهاء في " أحق أن تقوم فيه ms3008 " عائد إليه. و " فيه رجال " ~~له أيضا. ومن قال: # إنه مسجد قباء، فالضمير في " فيه " عائد إليه على الخلاف المتقدم. # الثامنة - أثنى الله سبحانه وتعالى في هذه الآية على من أحب الطهارة وآثر ~~النظافة، وهي مروءة آدمية ووظيفة شرعية، وفى الترمذي عن عائشة رضوان الله ~~عليها أنها قالت: # مرن أزواجكن أن يستطيبوا بالماء فإني أستحييهم. قال: حديث صحيح. وثبت أن # PageV08P261 # النبي صلى الله عليه وسلم كان يحمل الماء معه في الاستنجاء، فكان يستعمل ~~الحجارة تخفيفا والماء تطهيرا. ابن العربي: وقد كان علماء القيروان يتخذون ~~في متوضئاتهم أحجارا في تراب ينقون بها ثم يستنجون بالماء. # التاسعة - اللازم من نجاسة المخرج التخفيف، وفي نجاسة سائر البدن والثوب ~~التطهير. وذلك رخصة من الله لعباده في حالتي وجود الماء وعدمه، وبه قال ~~عامة العلماء. # وشذ ابن حبيب فقال: لا يستجمر بالأحجار إلا عند عدم الماء. والاخبار ~~الثابتة في الاستجمار بالأحجار مع وجود الماء ترده. # العاشرة - واختلف العلماء من هذا الباب في إزالة النجاسة من الأبدان ~~والثياب، بعد إجماعهم على التجاوز والعفو عن دم البراغيث ما لم يتفاحش على ~~ثلاثة أقوال: الأول - أنه واجب فرض، ولا تجوز صلاة من صلى بثوب نجس عالما ~~كان بذلك أو ساهيا، روي عن ابن عباس والحسن وابن سيرين، وهو قول الشافعي ~~وأحمد وأبي ثور، ورواه ابن وهب عن مالك، وهو قول أبي الفرج المالكي ~~والطبري، إلا أن الطبري قال: إن كانت النجاسة قدر الدرهم أعاد الصلاة. وهو ~~قول أبي حنيفة وأبي يوسف في مراعاة قدر الدرهم قياسا على حلقة الدبر. وقالت ~~طائفة: إزالة النجاسة واجبة بالسنة من الثياب والأبدان، وجوب سنة وليس ~~بفرض. قالوا: ومن صلى بثوب نجس أعاد الصلاة في الوقت فإن خرج الوقت فلا شئ ~~عليه، هذا قول مالك وأصحابه إلا أبا الفرج، ورواية ابن وهب عنه. وقال مالك ~~في يسير الدم: لا تعاد منه الصلاة في الوقت ولا بعده، وتعاد من يسير البول ~~والغائط، ونحو هذا كله من مذهب مالك قول الليث. وقال ابن القاسم عنه: ms3009 تجب ~~إزالتها في حالة الذكر دون النسيان، وهي من مفرداته. والقول الأول أصح إن ~~شاء الله، لان النبي صلى الله عليه وسلم مر على قبرين فقال: (إنهما ليعذبان ~~وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة وأما الآخر فكان لا ~~يستتر من بوله). الحديث، خرجه البخاري ومسلم، وحسبك. وسيأتي في سورة ~~[سبحان] (1). قالوا: ولا يعذب الانسان إلا على ترك واجب، وهذا ظاهر. # PageV08P262 # وروى أبو بكر بن أبي شيبة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~(أكثر عذاب القبر من البول) (1). احتج الآخرون بخلع النبي صلى الله عليه ~~وسلم نعليه في الصلاة لما أعلمه جبريل عليه السلام أن فيهما قذرا وأذى... ~~الحديث. خرجه أبو داود وغيره من حديث أبي سعيد الخدري، وسيأتي في سورة [طه] ~~إن شاء الله تعالى (2). قالوا: ولما لم يعد ما صلى دل على أن إزالتها سنة ~~وصلاته صحيحة، ويعيد ما دام في الوقت طلبا للكمال. والله أعلم. # الحادية عشرة - قال القاضي أبو بكر بن العربي: وأما الفرق بين القليل ~~والكثير بقدر الدرهم البغلي (3)، [يعني كبار الدارهم التي هي على قدر ~~استدارة الدينار] (4) قياسا على المسربة (5) ففاسد من وجهين، أحدهما: أن ~~المقدرات لا تثبت قياسا فلا يقبل هذا التقدير. # الثاني: أن هذا الذي خفف عنه في المسربة رخصة للضرورة، والحاجة والرخص لا ~~يقاس عليها، لأنها خارجة عن القياس فلا ترد إليه. # قوله تعالى: أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس ~~بنيانه على شفا جرف هار فأنهار به في نار جهنم والله لا يهدى القوم ~~الظالمين (109) فيه خمس مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (أفمن أسس) أي أصل، وهو استفهام معناه التقرير. # و " من " بمعنى الذي، وهي في موضع رفع بالابتداء، وخبره " خير ". وقرأ ~~نافع وابن عامر وجماعة " أسس بنيانه " على بناء أسس للمفعول ورفع بنيان ~~فيهما. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي [وجماعة] (6) " أسس بنيانه ~~" على بناء الفعل للفاعل ونصب بنيانه فيهما، وهي اختيار أبي عبيد لكثرة من ~~قرأ به، ms3010 وأن الفاعل سمي فيه. وقرأ نصر بن عاصم بن علي # PageV08P263 # " أفمن أسس " بالرفع " بنيانه " بالخفض. وعنه أيضا " أساس بنيانه " وعنه ~~أيضا " أس بنيانه " بالخفض. والمراد أصول البناء كما تقدم. وحكى أبو حاتم ~~قراءة سادسة وهي " أفمن أساس بنيانه " قال النحاس: وهذا جمع أس، كما يقال: ~~خف وأخفاف، والكثير " إساس " مثل خفاف. قال الشاعر: # أصبح الملك ثابت الأساس * في البهاليل من بني العباس (1) الثانية - قوله ~~تعالى: (على تقوى من الله) قراءة عيسى بن عمر - فيما حكى سيبويه - ~~بالتنوين، والألف ألف إلحاق كألف تترى فيما نون، وقال الشاعر: (2) * يستن ~~في علقي وفي مكور (2) * وأنكر سيبويه التنوين، وقال: لا أدري ما وجهه. " ~~على شفا " الشفا: الحرف والحد، وقد مضى في [آل عمران] (3) مستوفي. و " جرف ~~" قرئ برفع الراء، وأبو بكر وحمزة بإسكانها، مثل الشغل والشغل، والرسل ~~والرسل، يعني جرفا ليس له أصل. والجرف: ما يتجرف بالسيول من الأودية، وهو ~~جوانبه التي تنحفر بالماء، وأصله من الجرف والاجتراف، وهو اقتلاع الشئ من ~~أصله. " هار " ساقط، يقال. تهور البناء إذا سقط، وأصله هائر، فهو من ~~المقلوب يقلب وتؤخر ياؤها، فيقال: هار وهائر، قاله الزجاج. ومثله لاث الشئ ~~به إذا دار، فهو لاث أي لائث. وكما قالوا: شاكي السلاح وشائك [السلاح] (4). ~~قال العجاج: # * لاث به الاشاء والعبري * الاشاء النخل، والعبري السدر الذي على شاطئ ~~الأنهار. ومعنى لاث به مطيف به. # وزعم أبو حاتم أن الأصل فيه هاور، ثم يقال هائر مثل صائم، ثم يقلب فيقال ~~هار. وزعم الكسائي أنه من ذوات الواو ومن ذوات الياء، وأنه يقال: تهور ~~وتهير. # قلت: ولهذا يمال ويفتح. # PageV08P264 # الثالثة - قوله تعالى. " فأنهار به في نار جهنم " فاعل انهار الجرف، كأنه ~~قال: # فانهار الجرف بالبنيان في النار، لان الجرف مذكر. ويجوز أن يكون الضمير ~~في به يعود على " من " وهو الباني، والتقدير: فانهار من أسس بنيانه على غير ~~تقوى. وهذه الآية ضرب مثل لهم، أي من أسس بنيانه على الاسلام خير أم من أسس ~~بنيانه على الشرك والنفاق. # وبين أن بناء الكافر ms3011 كبناء على جرف جهنم يتهور بأهله فيها. والشفا: ~~الشفير. وأشفى على كذا أي دنا منه. # الرابعة - في هذه الآية دليل على أن كل شئ ابتدئ بنية تقوى الله تعالى ~~والقصد لوجهه الكريم فهو الذي يبقى ويسعد به صاحبه ويصعد إلى الله ويرفع ~~إليه، ويخبر عنه بقوله: (ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام (1)) على أحد ~~الوجهين ويخبر عنه أيضا بقوله: (والباقيات الصالحات (2)) على ما يأتي بيانه ~~إن شاء الله تعالى. # الخامسة - واختلف العلماء في قوله تعالى: " فانهار به في نار جهنم " هل ~~ذلك حقيقة أو مجاز على قولين، الأول - أن ذلك حقيقة وأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم إذ أرسل إليه فهدم رؤي الدخان يخرج منه، من رواية سعيد بن جبير. ~~وقال بعضهم: كان الرجل يدخل فيه سعفة من سعف النخل فيخرجها سوداء محترقة. ~~وذكر أهل التفسير أنه كان يحفر ذلك الموضع الذي انهار فيخرج منه دخان. وروى ~~عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش عن ابن مسعود أنه قال: جهنم في الأرض، ثم ~~تلا " فانهار به في نار جهنم ". وقال جابر ابن عبد الله: أنا رأيت الدخان ~~يخرج منه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. والثاني - أن ذلك مجاز، ~~والمعنى: صار البناء في نار جهنم، فكأنه انهار إليه وهوى فيه، وهذا كقوله ~~تعالى: " فأمه هاوية " (3) [القارعة: 9]. والظاهر الأول، إذ لا إحالة في ~~ذلك. والله أعلم. # قوله تعالى: لا يزال بنيا نهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع ~~قلوبهم والله عليم حكيم (110) # PageV08P265 # قوله تعالى: (لا يزال بنيا نهم الذي بنوا) يعني مسجد الضرار. (ريبة) أي ~~شكا في قلوبهم ونفاقا، قاله ابن عباس وقتادة والضحاك. وقال النابغة: # حلفت فلم أترك لنفسك ريبة * وليس وراء الله للمرء مذهب وقال الكلبي: حسرة ~~وندامة، لأنهم ندموا على بنيانه. وقال السدي وحبيب والمبرد: # " ريبة " أي حزازة وغيظا. (إلا أن تقطع قلوبهم) قال ابن عباس: أي تنصدع ~~قلوبهم فيموتوا، كقوله: " لقطعنا منه الوتين " (1) [الحاقة: 46] لان الحياة ~~تنقطع بانقطاع الوتين (2)، وقاله قتادة والضحاك ms3012 ومجاهد. وقال سفيان: إلا أن ~~يتوبوا. عكرمة: إلا أن تقطع قلوبهم في قبورهم، وكان أصحاب عبد الله بن ~~مسعود يقرؤونها: " ريبة في قلوبهم ولو تقطعت قلوبهم ". # وقرأ الحسن ويعقوب وأبو حاتم " إلى أن تقطع " على الغاية، أي لا يزالون ~~في شك منه إلى أن يموتوا فيستيقنوا ويتبينوا. واختلف القراء في قوله " تقطع ~~" فالجمهور " تقطع " بضم التاء وفتح القاف وشد الطاء على الفعل المجهول. ~~وقرأ ابن عامر وحمزة وحفص ويعقوب كذلك إلا أنهم فتحوا التاء. وروي عن يعقوب ~~وأبي عبد الرحمن " تقطع " على الفعل المجهول مخفف القاف. وروي عن شبل وابن ~~كثير " تقطع " خفيفة القاف " قلوبهم " نصبا، أي أنت تفعل ذلك بهم. وقد ~~ذكرنا قراءة أصحاب عبد الله. (والله عليم حكيم) تقدم (3). # قوله تعالى: إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ~~يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل ~~والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو ~~الفوز العظيم (111) # PageV08P266 # فيه ثمان مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم) قيل: هذا ~~تمثيل، مثل قوله تعالى: " أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى " (1) ~~[البقرة: 16]. ونزلت الآية في البيعة الثانية، وهي بيعة العقبة الكبرى، وهي ~~التي أناف فيها رجال الأنصار على السبعين، وكان أصغر هم سنا عقبة بن عمرو، ~~وذلك أنهم اجتمعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عند العقبة، فقال عبد ~~الله بن رواحة للنبي صلى الله عليه وسلم: اشترط لربك ولنفسك ما شئت، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: (أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا ~~وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم). قالوا: فإذا ~~فعلنا ذلك فما لنا؟ قال: (الجنة) قالوا: ربح البيع، لا نقيل ولا نستقيل، ~~فنزلت: " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة " ~~الآية. ثم هي بعد ذلك عامة في كل مجاهد في سبيل الله من أمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم إلى يوم القيامة. # الثانية - هذه الآية دليل ms3013 على جواز معاملة السيد مع عبده، وإن كان الكل ~~للسيد لكن إذا ملكه عامله فيما جعل إليه. وجائز بين السيد وعبده ما لا يجوز ~~بينه وبين غيره، لان ماله له وله انتزاعه. # الثالثة - أصل الشراء بين الخلق أن يعوضوا عما خرج من أيديهم ما كان أنفع ~~لهم أو مثل ما خرج عنهم في النفع، فاشترى الله سبحانه من العباد إتلاف ~~أنفسهم وأموالهم في طاعته، وإهلاكها في مرضاته، وأعطاهم سبحانه الجنة عوضا ~~عنها إذا فعلوا ذلك. وهو عوض عظيم لا يدانيه المعوض ولا يقاس به، فأجرى ذلك ~~على مجاز ما يتعارفونه في البيع والشراء [فمن العبد تسليم النفس والمال، ~~ومن الله الثواب والنوال فسمي هذا شراء] (2). # وروى الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن فوق كل بر بر حتى ~~يبذل العبد دمه فإذا فعل ذلك فلا بر فوق ذلك). وقال الشاعر [في معنى البر] ~~(3): # الجود بالماء جود فيه مكرمة * والجود بالنفس أقصى غاية الجود # PageV08P267 # وأنشد الأصمعي لجعفر الصادق رضي الله عنه: # أثامن بالنفس النفيسة ربها * وليس لها في الخلق كلهم ثمن بها تشتري ~~الجنات إن أنا بعتها * بشئ سواها إن ذلكم غبن لئن ذهبت نفسي بدنيا أصبتها * ~~لقد ذهبت نفسي وقد ذهب الثمن قال الحسن: ومر أعرابي على النبي صلى الله ~~عليه وسلم وهو يقرأ هذه الآية: " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم " فقال: ~~كلام من هذا؟ قال: (كلام الله) قال: بيع والله مربح لا نقيله ولا نستقيله. ~~فخرج إلى الغزو واستشهد. # الرابعة - قال العلماء: كما اشترى من المؤمنين البالغين المكلفين كذلك ~~اشترى من الأطفال فألمهم وأسقمهم، لما في ذلك من المصلحة وما فيه من ~~الاعتبار للبالغين، فإنهم لا يكونون عند شئ أكثر صلاحا وأقل فسادا منهم عند ~~ألم الأطفال، وما يحصل للوالدين الكافلين من الثواب فيما ينالهم من الهم ~~ويتعلق بهم من التربية والكفالة. ثم هو عز وجل يعوض هؤلاء الأطفال عوضا إذا ~~صاروا إليه. ونظير هذا في الشاهد أنك تكتري الأجير ليبني وينقل التراب وفي ~~كل ms3014 ذلك له ألم وأذى، ولكن ذلك جائز لما في عمله من المصلحة ولما يصل إليه ~~من الاجر. # الخامسة - قوله تعالى: (يقاتلون في سبيل الله) بيان لما يقاتل له وعليه، ~~وقد تقدم. # (فيقتلون ويقتلون) قرأ النخعي والأعمش وحمزة والكسائي وخلف بتقديم ~~المفعول على الفاعل، ومنه قول امرئ القيس: # * فإن تقتلونا نقتلكم... * أي إن تقتلوا بعضنا يقتلكم بعضنا. وقرأ ~~الباقون بتقديم الفاعل على المفعول. # السادسة - قوله تعالى: (وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن) ~~إخبار من الله تعالى أن هذا كان في هذه الكتب، وأن الجهاد ومقاومة الأعداء ~~أصله من عهد موسى عليه السلام. و " وعدا " و " حقا " مصدران مؤكدان. ~~PageV08P268 # السابعة - قوله تعالى: (ومن أوفى بعهده من الله) أي لا أحد أو في بعهده ~~من الله. وهو يتضمن الوفاء بالوعد والوعيد، ولا يتضمن وفاء البارئ بالكل، ~~فأما وعده فللجميع، وأما وعيده فمخصوص ببعض المذنبين وببعض الذنوب وفي بعض ~~الأحوال. # وقد تقدم هذا المعنى مستوفي. (1) الثامنة - قوله تعالى: (فاستبشروا ~~ببيعكم الذي بايعتم به) أي أظهروا السرور بذلك. # والبشارة إظهار السرور في البشرة. وقد تقدم (2). وقال الحسن: والله ما ~~على الأرض مؤمن إلا يدخل في هذه البيعة. (وذلك هو الفوز العظيم) أي الظفر ~~بالجنة والخلود فيها. # قوله تعالى: التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون ~~الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين ~~(112) فيه ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى " التائبون العابدون " التائبون هم الراجعون عن ~~الحالة المذمومة في معصية الله إلى الحالة المحمودة في طاعة الله. والتائب ~~هو الراجع. والراجع إلى الطاعة هو أفضل من الراجع عن المعصية لجمعه بين ~~الامرين. " العابدون " أي المطيعون الذين قصدوا بطاعتهم الله سبحانه. " ~~الحامدون " أي الراضون بقضائه المصرفون نعمته في طاعته، الذين يحمدون الله ~~على كل حال. " السائحون " الصائمون، عن ابن مسعود وابن عباس وغيرهما. # ومنه قوله تعالى: " عابدات سائحات " (3) [التحريم: 5]. وقال سفيان بن ~~عيينة: إنما قيل للصائم سائح لأنه يترك اللذات كلها من المطعم والمشرب ~~والمنكح. وقال أبو طالب:! # وبالسائحين لا يذوقون قطرة * لربهم والذاكرات العوامل ms3015 # PageV08P269 # وقال آخر: # برا يصلي ليله ونهاره * يظل كثير الذكر لله سائحا وروي عن عائشة أنها ~~قالت: سياحة هذه الأمة الصيام، أسنده الطبري. ورواه أبو هريرة مرفوعا عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (سياحة أمتي الصيام). قال الزجاج: # ومذهب الحسن أنهم الذين يصومون القرض. وقد قيل: إنهم الذين يديمون ~~الصيام. # وقال عطاء: السائحون المجاهدون. وروى أبو أمامة أن رجلا استأذن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في السياحة فقال: (إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله). ~~صححه أبو محمد عبد الحق. وقيل: السائحون المهاجرون قاله عبد الرحمن بن زيد. ~~وقيل: هم الذين يسافرون لطلب الحديث والعلم، قاله عكرمة. وقيل: هم الجائلون ~~بأفكارهم في توحيد ربهم وملكوته وما خلق من العبر والعلامات الدالة على ~~توحيده وتعظيمه حكاه النقاش وحكي أن بعض العباد أخذ القدح ليتوضأ لصلاة ~~الليل فأدخل أصبعه في أذن القدح وقعد يتفكر حتى طلع الفجر فقيل له في ذلك ~~فقال: أدخلت أصبعي في أذن القدح فتذكرت قول الله تعالى: " إذ الأغلال في ~~أعناقهم والسلاسل " (1) [غافر: 71] وذكرت كيف أتلقى الغل وبقيت ليلي في ذلك ~~أجمع. # قلت: لفظ " س ي ح " يدل على صحة هذه الأقوال فإن السياحة أصلها الذهاب ~~على وجه الأرض كما يسيح الماء، فالصائم مستمر على الطاعة في ترك ما يتركه ~~من الطعام وغيره فهو بمنزلة السائح. والمتفكرون تجول قلوبهم فيما ذكروا. ~~وفي الحديث: (إن لله ملائكة سياحين مشائين في الآفاق يبلغونني صلاة أمتي) ~~ويروى " صياحين " بالصاد، من الصياح. # " الراكعون الساجدون " يعني في الصلاة المكتوبة وغيرها. " الآمرون ~~بالمعروف " أي بالسنة، وقيل: بالايمان. " والناهون عن المنكر " قيل: عن ~~البدعة. وقيل: عن الكفر. # وقيل: هو عموم في كل معروف ومنكر. " والحافظون لحدود الله " أي القائمون ~~بما أمر به والمنتهون عما نهى عنه. # PageV08P270 # الثانية - واختلف أهل التأويل في هذه الآية هل هي متصلة بما قبل أو ~~منفصلة فقال جماعة: الآية الأولى مستقلة بنفسها يقع تحت تلك المبايعة كل ~~موحد قاتل في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا وإن لم ms3016 يتصف بهذه الصفات ~~في هذه الآية الثانية أو بأكثرها. # وقالت فرقة: هذه الأوصاف جاءت على جهة الشرط والآيتان مرتبطتان فلا يدخل ~~تحت المبايعة إلا المؤمنون الذين هم على هذه الأوصاف ويبذلون أنفسهم في ~~سبيل الله قاله الضحاك. قال ابن عطية: وهذا القول تحريج وتضييق ومعنى الآية ~~على ما تقتضيه أقوال العلماء والشرع أنها أوصاف الكملة من المؤمنين ذكرها ~~الله ليستبق إليها أهل التوحيد حتى يكونوا في أعلى مرتبة. وقال الزجاج: ~~الذي عندي أن قوله: " التائبون العابدون " رفع بالابتداء وخبره مضمر، أي ~~التائبون العابدون - إلى آخر الآية - لهم الجنة أيضا وإن لم يجاهدوا إذا لم ~~يكن منهم عناد وقصد إلى ترك الجهاد لان بعض المسلمين يجزي عن بعض في ~~الجهاد. واختار هذا القول القشيري وقال: وهذا حسن إذ لو كان صفة للمؤمنين ~~المذكورين في قوله: " اشترى من المؤمنين " لكان الوعد خاصا للمجاهدين. وفي ~~مصحف عبد الله " التائبين العابدين " إلى آخرها، ولذلك وجهان: أحدهما الصفة ~~للمؤمنين على الاتباع. والثاني النصب على المدح. # الثالثة - واختلف العلماء في الواو في قوله: " والناهون عن المنكر " ~~فقيل: دخلت في صفة الناهين كما دخلت في قوله تعالى: " حم. تنزيل الكتاب من ~~الله العزيز العليم. # غافر الذنب وقابل التوب " (1) [غافر: 1 - 2 - 3] فذكر بعضها بالواو ~~والبعض بغيرها. وهذا سائغ معتاد في الكلام ولا يطلب لمثله حكمة ولا علة. ~~وقيل: دخلت لمصاحبة الناهي عن المنكر الآمر بالمعروف فلا يكاد يذكر واحد ~~منها مفردا. وكذلك [قوله]: (2) " ثيبات وأبكارا " (3) [التحريم: 5]. ودخلت ~~في [قوله] (4): " والحافظون " لقربه من المعطوف. وقد قيل: إنها زائدة، وهذا ~~ضعيف لا معنى له. وقيل: هي واو الثمانية لان السبعة عند العرب عدد كامل ~~صحيح. وكذلك قالوا # PageV08P271 # في قوله: " ثيبات وأبكارا " [التحريم: 5]. وقوله في أبو أب الجنة: " ~~وفتحت أبوابها " (1) [الزمر: 73] وقوله: # " ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم " (2) [الكهف: 22] وقد ذكرها ابن خالويه في ~~مناظرته لأبي علي الفارسي في معنى قوله: " وفتحت أبوابها " [الزمر: 73] ~~وأنكرها أبو علي. قال ابن عطية: وحدثني أبي رضي الله عنه عن الأستاذ النحوي ~~أبي عبد الله الكفيف ms3017 المالقي، وكان ممن استوطن غرناطة وأقرأ فيها في مدة ~~ابن حبوس أنه قال: هي لغة فصيحة لبعض العرب من شأنهم أن يقولوا إذا عدوا: ~~واحد اثنان ثلاثة أربعة خمسة ستة سبعة وثمانية تسعة عشرة وهكذا هي لغتهم. # ومتى جاء في كلامهم أمر ثمانية أدخلوا الواو. قلت: هي لغة قريش. وسيأتي ~~بيانه ونقضه في سورة [الكهف] (2) إن شاء الله تعالى وفي الزمر (1) [أيضا ~~بحول الله تعالى] (3). # قوله تعالى: ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا ~~أولى قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم (113) فيه ثلاث مسائل: # الأولى - روى مسلم عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: لما حضرت أبا طالب ~~الوفاة جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن ~~أبي أمية ابن المغيرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا عم قل لا ~~إله إلا الله كلمة أشهد لك بها عند الله) فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي ~~أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب. # فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه ويعيد له تلك المقالة ~~حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب وأبى أن يقول لا إله ~~إلا الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أما والله لأستغفرن لك ما ~~لم أنه عنك) فأنزل الله عز وجل: # " ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى ~~من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم " وأنزل الله في أبي طالب فقال لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " إنك # PageV08P272 # لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين " (1) ~~[القصص: 56]. فالآية على هذا ناسخة لاستغفار النبي صلى الله عليه سلم لعمه ~~فإنه استغفر له بعد موته على ما روي في غير الصحيح. # وقال الحسين بن الفضل: وهذا بعيد لان السورة من آخر ما نزل من القرآن ~~ومات أبو طالب في عنفوان الاسلام والنبي ms3018 صلى الله عليه وسلم بمكة. # الثانية - هذه الآية تضمنت قطع موالاة الكفار حيهم وميتهم فإن الله لم ~~يجعل للمؤمنين أن يستغفروا للمشركين فطلب الغفران للمشرك مما لا يجوز. فإن ~~قيل: فقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم أحد حين كسروا رباعيته ~~وشجوا وجهه: (اللهم أغفر لقومي فإنهم لا يعلمون) فكيف يجتمع هذا مع منع ~~الله تعالى رسوله والمؤمنين من طلب المغفرة للمشركين. قيل له: إن ذلك القول ~~من النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان على سبيل الحكاية عمن تقدمه من ~~الأنبياء والدليل عليه ما رواه مسلم عن عبد الله قال: كأني أنظر إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم يحكي نبيا من الأنبياء ضربه قومه وهو يمسح الدم عن وجهه ~~ويقول: # (رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون). وفي البخاري أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم ذكر نبيا قبله شجه قومه فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يخبر عنه بأنه ~~قال: (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون). # قلت: وهذا صريح في الحكاية عمن قبله، لا أنه قاله ابتداء عن نفسه كما ظنه ~~بعضهم. # والله أعلم. والنبي الذي حكاه هو نوح عليه السلام، على ما يأتي بيانه في ~~سورة [هود] (2) إن شاء الله. وقيل: إن المراد بالاستغفار في الآية الصلاة. ~~قال بعضهم: ما كنت لأدع الصلاة على أحد من أهل القبلة ولو كانت حبشية حبلى ~~من الزني لأني لم أسمع الله حجب الصلاة إلا عن المشركين بقوله: " ما كان ~~للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين " الآية. # قال عطاء بن أبي رباح: الآية في النهي عن الصلاة على المشركين والاستغفار ~~هنا يراد به الصلاة. جواب ثالث: وهو أن الاستغفار للاحياء جائز لأنه مرجو ~~إيمانهم ويمكن # PageV08P273 # تألفهم بالقول الجميل وترغيبهم في الدين. وقد قال كثير من العلماء: لا ~~بأس أن يدعو الرجل لأبويه الكافرين ويستغفر لهما ما داما حيين. فأما من مات ~~فقد انقطع عنه الرجاء فلا يدعي له. # قال ابن عباس: كانوا يستغفرون لموتاهم فنزلت فأمسكوا عن الاستغفار ولم ~~ينههم ms3019 أن يستغفروا للاحياء حتى يموتوا. # الثالثة - قال أهل المعاني: " ما كان " في القرآن يأتي على وجهين: على ~~النفي نحو قوله: " ما كان لكم أن تنبتوا شجرها " (1) [النمل: 60]، " وما ~~كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله " (2) [آل عمران: 145]. # والآخر بمعنى النهي كقوله: " وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله " (3) ~~[الأحزاب: 53]، و " ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ". # قوله تعالى: وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعد ها إياه ~~فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم (114) فيه ثلاث ~~مسائل: # الأولى - روى النسائي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: سمعت رجلا ~~يستغفر لأبويه وهما مشركان فقلت: أتستغفر لهما وهما مشركان؟ فقال: أو لم ~~يستغفر إبراهيم عليه السلام لأبيه. فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ~~ذلك [له] (4) فنزلت: " وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها ~~إياه ". والمعنى: لا حجة لكم أيها المؤمنون في استغفار إبراهيم الخليل عليه ~~السلام لأبيه فإن ذلك لم يكن إلا عن عدة. وقال ابن عباس: كان أبو إبراهيم ~~وعد إبراهيم الخليل أن يؤمن بالله ويخلع الأنداد فلما مات على الكفر علم ~~أنه عدو الله فترك الدعاء له فالكناية في قوله: " إياه " ترجع إلى إبراهيم ~~والواعد أبوه. وقيل: الواعد إبراهيم أي وعد إبراهيم أباه أن يستغفر له فلما ~~مات مشركا تبرأ منه. ودل على هذا الوعد قوله: " سأستغفر لك ربي " (5) ~~[مريم: 47]. قال القاضي أبو بكر بن العربي: تعلق النبي صلى الله عليه # PageV08P274 # وسلم في الاستغفار لأبي طالب بقوله تعالى: " سأستغفر لك ربي " [مريم: 47] ~~فأخبره الله تعالى أن استغفار إبراهيم لأبيه كان وعدا قبل أن يتبين الكفر ~~منه فلما تبين له الكفر منه تبرأ منه فكيف تستغفر أنت لعمك يا محمد وقد ~~شاهدت موته كافرا. # الثانية - ظاهر حالة المرء عند الموت يحكم عليه بها فإن مات على الايمان ~~حكم له به وإن مات على الكفر حكم له به وربك أعلم بباطن حاله بيد أن النبي ~~صلى الله ms3020 عليه وسلم قال له العباس: يا رسول الله هل نفعت عمك بشئ؟ قال: ~~(نعم). وهذه شفاعة في تخفيف العذاب لا في الخروج من النار على ما بيناه في ~~كتاب " التذكرة ". # الثالثة - قوله تعالى: (إن إبراهيم لأواه حليم) اختلف العلماء في الأواه ~~على خمسة عشر قولا: الأول - أنه الدعاء الذي يكثر الدعاء، قاله ابن مسعود ~~وعبيد بن عمير. # الثاني - أنه الرحيم بعباد الله قاله الحسن وقتادة، وروي عن ابن مسعود. ~~والأول أصح إسنادا عن ابن مسعود قاله النحاس. الثالث - إنه الموقن قاله ~~عطاء وعكرمة ورواه أبو ظبيان عن ابن عباس. الرابع - أنه المؤمن بلغة الحبشة ~~قاله ابن عباس أيضا. # الخامس - أنه المسبح الذي يذكر الله في الأرض القفر الموحشة، قاله الكلبي ~~وسعيد ابن المسيب. السادس - أنه الكثير الذكر لله تعالى قاله عقبة بن عامر ~~وذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم رجل يكثر ذكر الله ويسبح فقال: (إنه ~~لأواه). السابع - أنه الذي يكثر تلاوة القرآن. وهذا مروي عن ابن عباس. # قلت: وهذه الأقوال متداخلة وتلاوة القرآن يجمعها. الثامن - أنه المتأوه، ~~قاله أبو ذر وكان إبراهيم عليه السلام يقول: (آه من النار قبل ألا تنفع ~~آه). وقال أبو ذر: كان رجل يكثر الطواف بالبيت ويقول في دعائه: أوه أوه، ~~فشكاه أبو ذر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (دعه فإنه أواه) فخرجت ~~ذات ليلة فإذا النبي صلى الله عليه وسلم يدفن ذلك الرجل ليلا ومعه المصباح. ~~التاسع - أنه الفقيه قاله مجاهد والنخعي. العاشر - أنه المتضرع الخاشع رواه ~~عبد الله بن شداد بن الهاد عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال أنس: # تكلمت امرأة عند النبي صلى الله عليه وسلم بشئ كرهه فنهاها عمر فقال ~~النبي صلى الله عليه PageV08P275 # وسلم: (دعوها فإنها أواهة) قيل: يا رسول الله، وما الأواهة؟ قال: ~~(الخاشعة). # الحادي عشر - أنه الذي إذا ذكر خطاياه استغفر منها قاله أبو أيوب. الثاني ~~عشر - أنه الكثير التأوه من الذنوب قاله الفراء. الثالث عشر - أنه المعلم ~~(1) للخير قاله سعيد ابن جبير. الرابع ms3021 عشر - أنه الشفيق قاله عبد العزيز بن ~~يحيى. وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يسمى الأواه لشفقته ورأفته. الخامس ~~عشر - أنه الراجع عن كل ما يكره الله تعالى قاله عطاء. وأصله من التأوه، ~~وهو أن يسمع للصدر صوت من تنفس الصعداء. # قال كعب: كان إبراهيم عليه السلام إذا ذكر النار تأوه. قال الجوهري: ~~قولهم عند الشكاية أوه من كذا (ساكنة الواو) إنما هو توجع. قال الشاعر: # فأوه لذكراها إذا ما ذكرتها * ومن بعد أرض بيننا وسماء وربما قلبوا الواو ~~ألفا فقالوا: آه من كذا. وربما شددوا الواو وكسروها وسكنوا الهاء فقالوا: ~~أوه من كذا. وربما حذفوا مع التشديد الهاء فقالوا: أو من كذا بلا مد. # وبعضهم يقول: آوه بالمد والتشديد وفتح الواو ساكنة الهاء لتطويل الصوت ~~بالشكاية. # وربما أدخلوا فيها التاء فقالوا: أوتاه يمد ولا يمد. وقد أوه الرجل ~~تأويها وتأوه تأوها إذا قال أوه، والاسم منه الآهة بالمد. قال المثقب ~~العبدي: # إذا ما قمت أرحلها بليل * تأوه آهة الرجل الحزين والحليم: الكثير الحلم ~~وهو الذي يصفح عن الذنوب ويصبر على الأذى. وقيل: الذي لم يعاقب أحدا قط إلا ~~في الله ولم ينتصر لاحد إلا لله. وكان إبراهيم عليه السلام كذلك وكان إذا ~~قام يصلي سمع وجيب (2) قلبه على ميلين. # قوله تعالى: وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون ~~إن الله بكل شئ عليم (115) إن الله له ملك السماوات والأرض يحيى ويميت وما ~~لكم من دون الله من ولي ولا نصير (116) # PageV08P276 # أي ما كان الله ليوقع الضلالة في قلوبهم بعد الهدى حتى يبين لهم ما يتقون ~~فلا يتقوه فعند ذلك يستحقون الاضلال. # قلت: ففي هذا أدل دليل على أن المعاصي إذا ارتكبت وانتهك حجابها كانت ~~سببا إلى الضلالة والردى وسلما إلى ترك الرشاد والهدى. نسأل الله السداد ~~والتوفيق والرشاد بمنه. # وقال أبو عمرو بن العلاء رحمه الله في قوله: " حتى يبين لهم " أي حتى ~~يحتج عليهم بأمره، كما قال: " وإذا أردنا أن نهلك ms3022 قرية أمرنا مترفيها ~~ففسقوا فيها " (1) [الاسراء: 16] وقال مجاهد: " حتى يبين لهم " أي أمر ~~إبراهيم ألا يستغفروا للمشركين خاصة ويبين لهم الطاعة والمعصية عامة. # وروي أنه لما نزل تحريم الخمر وشدد فيها سألوا النبي صلى الله عليه وسلم ~~عمن مات وهو يشربها فأنزل الله تعالى: " وما كان الله ليضل قوما بعد إذ ~~هداهم حتى يبين لهم ما يتقون " وهذه الآية رد على المعتزلة وغيرهم الذين ~~يقولون بخلق هداهم وإيما نهم كما تقدم. # (2) قوله تعالى: (إن الله بكل شئ عليم. إن الله له ملك السماوات والأرض ~~يحيى ويميت وما لكم من دون الله من ولى ولا نصير) تقدم معناه غير مرة (3). # قوله تعالى: لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ~~ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف ~~رحيم (117) روى الترمذي: حدثنا عبد بن حميد حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر ~~عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه قال: لم أتخلف عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها حتى كانت غزوة تبوك إلا بدرا ولم يعاتب ~~النبي صلى الله عليه وسلم أحدا تخلف عن بدر إنما خرج يريد العير فخرجت قريش ~~مغوثين لعيرهم فالتقوا عن غير موعد (4) # PageV08P277 # كما قال الله تعالى ولعمري إن أشرف مشاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في الناس لبدر وما أحب (1) أني كنت شهدتها مكان بيعتي ليلة العقبة حين ~~تواثقنا على الاسلام ثم لم أتخلف بعد عن النبي صلى الله عليه وسلم حتى كانت ~~غزوة تبوك وهي آخر غزوة غزاها وآذن النبي صلى الله عليه وسلم بالرحيل فذكر ~~الحديث بطوله قال: فانطلقت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإذا هو جالس في ~~المسجد وحوله المسلمون وهو يستنير كاستنارة القمر وكان إذا سر بالامر ~~استنار فجئت فجلست بين يديه فقال: (أبشر يا كعب بن مالك بخير يوم أتى عليك ~~منذ ولدتك أمك) فقلت: يا نبي الله أمن عند الله أم من عند ms3023 ك؟ قال: (بل من ~~عند الله - ثم تلا هذه الآية - " لقد تاب الله على النبي والمهاجرين ~~والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة - حتى بلغ - إن الله هو التواب ~~الرحيم " قال: وفينا أنزلت أيضا " اتقوا الله وكونوا مع الصادقين " ~~[التوبة: 119] وذكر الحديث. وسيأتي بكماله من صحيح مسلم في قصة الثلاثة إن ~~شاء الله تعالى. # واختلف العلماء في هذه التوبة التي تابها الله على النبي والمهاجرين ~~والأنصار على أقوال فقال ابن عباس: كانت التوبة على النبي لأجل إذنه ~~للمنافقين في القعود دليله قوله: # " عفا الله عنك لم أذنت لهم " [التوبة: 43] وعلى المؤمنين من ميل قلوب ~~بعضهم إلى التخلف عنه. # وقيل: توبة الله عليهم استنقاذهم من شدة العسرة. وقيل: خلاصهم من نكاية ~~العدو، وعبر عن ذلك بالتوبة وإن خرج عن عرفها لوجود معنى التوبة فيه وهو ~~الرجوع إلى الحالة الأولى. وقال أهل المعاني: إنما ذكر النبي صلى الله عليه ~~وسلم في التوبة لأنه لما كان سبب توبتهم ذكر معهم كقوله: " فأن لله خمسه ~~وللرسول " (2) [الأنفال: 41]. # قوله تعالى: (الذين اتبعوه في ساعة العسرة) أي في وقت العسرة، والمراد ~~جميع أوقات تلك الغزاة ولم يرد ساعة بعينها. وقيل: ساعة العسرة أشد الساعات ~~التي مرت بهم في تلك الغزاة. والعسرة صعوبة الامر. قال جابر: اجتمع عليهم ~~عسرة الظهر وعسرة الزاد # PageV08P278 # وعسرة الماء. قال الحسن: كانت العسرة من المسلمين يخرجون على بعير ~~يعتقبونه بينهم وكان زادهم التمر المتسوس والشعير المتغير والإهالة (1) ~~المنتنة وكان النفر يخرجون ما معهم - إلا التمرات - بينهم فإذا بلغ الجوع ~~من أحدهم أخذ التمرة فلاكها حتى يجد طعمها ثم يعطيها صاحبه حتى يشرب عليها ~~جرعة من ماء كذلك حتى تأتي على آخرهم فلا يبقى من التمرة إلا النواة فمضوا ~~مع النبي صلى الله عليه وسلم على صدقهم ويقينهم رضي الله عنهم. وقال عمر ~~رضي الله عنه وقد سئل عن ساعة العسرة: خرجنا في قيظ شديد فنزلنا منزلا ~~أصابنا فيه عطش شديد حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع من العطش، وحتى أن الرجل ~~لينحر بعيره فيعصر ms3024 فرثه (2) فيشربه ويجعل ما بقي على كبده. فقال أبو بكر: ~~يا رسول الله، إن الله قد عودك في الدعاء خيرا فادع لنا. قال: (أتحب ذلك)؟ ~~قال: نعم فرفع يديه فلم يرجعهما حتى أظلت السماء ثم سكبت فملئوا ما معهم ثم ~~ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر. وروى أبو هريرة وأبو سعيد قالا: # كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فأصاب الناس مجاعة وقالوا: ~~يا رسول الله، لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا (3) فأكلنا وأدهنا. [فقال: رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم (افعلوا)] فجاء عمر وقال (4): يا رسول الله إن ~~فعلوا قل الظهر ولكن ادعهم بفضل أزواد هم فادع الله عليها بالبركة لعل الله ~~أن يجعل في ذلك [البركة] (5). قال: (نعم) ثم دعا بنطع (6) فبسط ثم دعا بفضل ~~الأزواد فجعل الرجل يجئ بكف ذرة ويجئ الآخر بكف تمر ويجئ الآخر بكسرة حتى ~~اجتمع على النطع من ذلك شئ يسير. قال أبو هريرة: فحزرته فإذا هو قدر ربضة ~~العنز (7) فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبركة. ثم قال: (خذوا في ~~أوعيتكم) فأخذوا في أوعيتهم حتى - والذي لا إله إلا هو - ما بقي في العسكر ~~وعاء إلا ملئوه، وأكل القوم حتى شبعوا وفضلت فضلة فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: (أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقي الله بهما عبد غير ~~شاك فيهما فيحجب عن الجنة). خرجه مسلم في صحيحه # PageV08P279 # بلفظه ومعناه، والحمد لله. وقال ابن عرفة: سمي جيش تبوك جيش العسرة لان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ندب الناس إلى الغزو في حمارة القيظ، فغلظ ~~عليهم وعسر، وكان إبان ابتياع الثمرة. قال: وإنما ضرب المثل بجيش العسرة ~~لان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يغز قبله في عدد مثله لان أصحابه يوم ~~بدر كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر ويوم أحد سبعمائة ويوم خيبر ألفا وخمسمائة ~~ويوم الفتح عشرة آلاف ويوم حنين اثني عشر ألفا وكان جيشه في غزوة تبوك ~~ثلاثين ألفا وزيادة، وهي آخر ms3025 مغازيه [صلى الله عليه وسلم] (1). وخرج رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في رجب وأقام بتبوك شعبان وأياما من رمضان وبث ~~سراياه وصالح أقواما على الجزية. وفي هذه الغزاة خلف عليا على المدينة فقال ~~المنافقون: خلفه بغضا له، فخرج خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره فقال ~~عليه السلام: (أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى) وبين أن قعوده ~~بأمره عليه السلام يوازي في الاجر خروجه معه لان المدار على أمر الشارع. ~~وإنما قيل لها: غزوة تبوك لان النبي صلى الله عليه وسلم رأى قوما من أصحابه ~~يبوكون حسي تبوك أي يدخلون فيه القدح ويحركونه ليخرج الماء، فقال: (ما زلتم ~~تبوكونها بوكا) فسميت تلك الغزوة غزوة تبوك. الحسي (بالكسر) ما تنشفه الأرض ~~من الرمل فإذا صار إلى صلابة أمسكته فتحفر عنه الرمل فتستخرجه وهو الاحتساء ~~قاله الجوهري. # قوله تعالى: (من بعد ما كاد تزيغ قلوب فريق منهم) " قلوب " رفع ب‍ " - ~~تزيغ " عند سيبويه. ويضمر في " كاد " الحديث تشبيها بكان، لان الخبر يلزمها ~~كما يلزم كان. وإن شئت رفعتها بكاد، ويكون التقدير: من بعد ما كاد قلوب ~~فريق منهم تزيغ. وقرأ الأعمش وحمزة وحفص " يزيغ " بالياء، وزعم أبو حاتم أن ~~من قرأ " يزيغ " بالياء فلا يجوز له أن يرفع القلوب بكاد. قال النحاس: ~~والذي لم يجزه جائز عند غيره على تذكير الجميع. حكى الفراء: رحب البلاد ~~وأرحبت، ورحبت لغة أهل الحجاز. واختلف في معنى تزيغ، فقيل: تتلف بالجهد ~~والمشقة والشدة. وقال ابن عباس: تعدل - أي تميل - عن الحق في الممانعة ~~والنصرة. # PageV08P280 # وقيل: من بعد ما هم فريق منهم بالتخلف والعصيان ثم لحقوا به. وقيل: هموا ~~بالقفول فتاب الله عليهم وأمرهم به. # قوله تعالى: (ثم تاب عليهم) قيل: توبته عليهم أن تدارك قلوبهم حتى لم ~~تزغ، وكذلك (1) سنة الحق مع أوليائه إذا أشرفوا على العطب، ووطنوا أنفسهم ~~على الهلاك أمطر عليهم سحائب الجود فأحيا قلوبهم. وينشد: # منك أرجو ولست أعرف ربا * يرتجى منه بعض ما منك أرجو وإذا اشتدت الشدائد ms3026 ~~في الأرض * على الخلق فاستغاثوا وعجوا وابتليت العباد بالخوف والجوع * ~~وصروا (2) على الذنوب ولجوا لم يكن لي سواك ربي ملاذ * فتيقنت أنني بك أنجو ~~وقال في حق الثلاثة: " ثم تاب عليهم ليتوبوا " فقيل: معنى " ثم تاب عليهم " ~~أي وفقهم للتوبة ليتوبوا. وقيل: المعنى تاب عليهم، أي فسح لهم ولم يعجل ~~عقابهم ليتوبوا. وقيل: # تاب عليهم ليثبتوا على التوبة. وقيل: المعنى تاب عليهم ليرجعوا إلى حال ~~الرضا عنهم. # وبالجملة فلولا ما سبق لهم في علمه أنه قضى لهم بالتوبة ما تابوا، دليله ~~قوله عليه السلام: # (اعملوا فكل ميسر لما خلق له). # قوله تعالى: وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت ~~وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أو لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ~~ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم (118) قوله تعالى: (وعلى الثلاثة الذين ~~خلفوا) قيل: عن التوبة عن مجاهد وأبي مالك. # وقال قتادة: عن غزوة تبوك. وحكي عن محمد بن زيد (3) معنى " خلفوا " ~~تركوا، لان معنى خلفت فلانا تركته وفارقته قاعدا عما نهضت فيه. وقرأ عكرمة ~~بن خالد " خلفوا " أي أقاموا # PageV08P281 # بعقب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وروي عن جعفر بن محمد أنه قرأ " ~~خالفوا ". # وقيل " خلفوا " أي أرجئوا وأخروا عن المنافقين فلم يقض فيهم بشئ. وذلك أن ~~المنافقين لم تقبل توبتهم، واعتذر أقوام فقبل عذرهم، وأخر النبي صلى الله ~~عليه وسلم هؤلاء الثلاثة حتى نزل فيهم القرآن. وهذا هو الصحيح لما رواه ~~مسلم والبخاري وغيرهما. واللفظ لمسلم قال كعب: كنا خلفنا أيها الثلاثة عن ~~أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حلفوا له ~~فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا حتى قضى ~~الله فيه، فبذلك قال الله عز وجل: " وعلى الثلاثة الذين خلفوا " وليس الذي ~~ذكر الله مما خلفنا تخلفنا عن الغزو، وإنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا ~~عمن حلف له وأعتذر إليه فقبل منه. وهذا الحديث فيه طول، هذا آخره (1). # والثلاثة الذين خلفوهم: ms3027 كعب بن مالك ومرارة بن ربيعة العامري وهلال ابن ~~أمية الواقفي وكلهم من الأنصار. وقد خرج البخاري ومسلم حديثهم، فقال مسلم ~~عن كعب بن مالك قال: لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة ~~غزاها قط إلا في غزوة تبوك غير أني قد تخلفت في غزوة بدر ولم يعاتب أحدا ~~تخلف عنه إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون يريدون عير قريش ~~حتى جمع الله بينهم وبين عدو هم على غير ميعاد ولقد شهدت مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ليلة العقبة حين تواثقنا على الاسلام وما أحب أن لي بها ~~مشهد بدر وإن كانت بدر أذكر في الناس منها وكان من خبري حين تخلفت عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك: أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني ~~حين تخلفت عنه في تلك الغزوة والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما ~~في تلك الغزوة فغزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد واستقبل ~~سفرا بعيدا ومفازا واستقبل عدوا كثيرا فجلا للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة ~~غزوهم (2) فأخبرهم بوجهه الذي يريد والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كثير ولا يجمعهم كتاب حافظ # PageV08P282 # - يريد بذلك الديوان - قال كعب: فقل رجل يريد أن يتغيب يظن أن ذلك سيخفى ~~له ما لم ينزل فيه وحي من الله تعالى وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال فأنا إليها أصعر (1) فتجهز إليها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه وطفقت أغدو لكي أتجهز معهم فأرجع ~~ولم أقض شيئا وأقول في نفسي: أنا قادر على ذلك إذا أردت! فلم يزل ذلك ~~يتمادى بي حتى استمر بالناس الجد فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم غازيا ~~والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئا ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئا فلم يزل ~~كذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو فهممت أن أرتحل فأدركهم فيا ليتني ~~فعلت! ثم ms3028 لم يقدر ذلك لي فطفقت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يحزنني أني لا أرى لي أسوة إلا رجلا مغموصا (2) عليه في ~~النفاق أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء ولم يذكرني رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حتى بلغ تبوك فقال وهو جالس في القوم بتبوك: (ما فعل كعب بن ~~مالك)؟ فقال رجل من بني سلمة: # يا رسول الله، حبسه برداه والنظر في عطفيه (3). فقال له معاذ بن جبل: بئس ~~ما قلت! # والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا. فسكت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فبينما هو على ذلك رأى رجلا مبيضا يزول به السراب (4) فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: (كن أبا خيثمة) فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري وهو ~~الذي تصدق بصاع التمر حتى لمزه المنافقون. فقال كعب بن مالك: فلما بلغني أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه قافلا من تبوك حضرني بثي فطفقت أتذكر ~~الكذب وأقول: بم أخرج من سخطه غدا وأستعين على ذلك كل ذي رأي من أهلي فلما ~~قيل لي: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادما زاح عني الباطل حتى ~~عرفت أني لن أنجو منه بشئ أبدا، فأجمعت صدقه، وصبح رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قادما، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه # PageV08P283 # ركعتين ثم جلس للناس فلما فعل ذلك جاءه المتخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ~~ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلا فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله حتى جئت فلما ~~سلمت تبسم تبسم المغضب ثم قال: # (تعال) فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: (ما خلفك ألم تكن قد ابتعت ~~ظهرك)؟ قال: قلت: يا رسول الله، إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا ~~لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر ولقد أعطيت جدلا (1) ولكني والله لقد علمت ~~لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى ms3029 به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن ~~حدثتك حديث صدق تجد (2) علي فيه إني لأرجو فيه عقبى الله، والله ما كان لي ~~عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك. قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: (أما هذا فقد صدق فقم حتى يقضي الله فيك). فقمت وثار (3) ~~رجال من بني سلمة فاتبعوني فقالوا لي: # والله ما علمناك أذنبت ذنبا قبل هذا! لقد عجزت في ألا تكون اعتذرت إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر به إليه المتخلفون، فقد كان كافيك ~~ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك!. قال: فوالله ما زالوا ~~يؤنبوني حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكذب نفسي. ~~قال: ثم قلت لهم هل لقي هذا معي من أحد؟ قالوا: # نعم! لقيه معك رجلان قالا مثل ما قلت، فقيل لهما مثل ما قيل لك. قال قلت: ~~من هما؟ # قالوا: مرارة بن ربيعة العامري وهلال بن أمية الواقفي. قال: فذكروا لي ~~رجلين صالحين قد شهدا بدرا فيهما أسوة، قال: فمضيت حين ذكروهما لي. قال: ~~ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين ~~من تخلف عنه. قال: فاجتنبنا الناس، وقال: وتغيروا لنا، حتى تنكرت لي في ~~نفسي الأرض، فما هي بالأرض التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما ~~صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشب القوم ~~وأجلدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد، وآتى # PageV08P284 # رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول ~~في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام أم لا! ثم أصلي قريبا منه وأسارقه النظر، ~~فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي وإذا التفت نحوه أعرض عني حتى إذا طال ذلك ~~علي من جفوة المسلمين مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي ~~وأحب الناس إلي فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام، ms3030 فقلت له: يا أبا ~~قتادة أنشدك بالله! هل تعلمن أني أحب الله ورسوله؟ # قال: فسكت فعدت فناشدته فسكت، فعدت فناشدته فقال: الله ورسوله أعلم! ~~ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار، فبينا أنا أمشي في سوق المدينة إذا ~~نبطي من نبط أهل الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدل على ~~كعب بن مالك؟ قال: فطفق الناس يشيرون له إلي حتى جاءني فدفع إلي كتابا من ~~ملك غسان، وكنت كاتبا فقرأته فإذا فيه: أما بعد! فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد ~~جفاك، ولم يجعلك الله بدار هو ان ولا مضيعة فالحق بنا نواسك. قال فقلت، حين ~~قرأتها: وهذه أيضا من البلاء! فتياممت بها التنور فسجرته (1) بها حتى إذا ~~مضت أربعون من الخمسين واستلبث الوحي إذا رسول (2) رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يأتيني فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك. ~~قال فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: لا بل اعتزلها فلا تقربنها. قال: ~~فأرسل إلى صاحبي بمثل ذلك. قال فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى ~~يقضي الله في هذا الامر. # قال: فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت له: ~~يا رسول الله، إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟ ~~قال: (لا ولكن لا يقربنك) فقالت: إنه والله ما به حركة إلى شئ! ووالله ما ~~زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا. قال: فقال بعض أهلي لو ~~استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأتك فقد أذن لامرأة هلال بن ~~أمية أن تخدمه. قال فقلت: لا أستأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وما ~~يدريني ماذا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا # PageV08P285 # استأذنته فيها وأنا رجل شاب! قال: فلبثت بذلك عشر ليال فكمل لنا خمسون ~~ليلة من حين نهي عن كلامنا. قال: ثم صليت صلاة الفجر صباح خمسين ليلة على ~~ظهر بيت من بيوتنا فبينا أنا ms3031 جالس على الحال التي ذكر الله منا قد ضاقت علي ~~نفسي وضاقت علي الأرض بما رحبت سمعت صوت صارخ أوفى على سلع (1) يقول بأعلى ~~صوته: يا كعب بن مالك أبشر. # قال: فخررت ساجدا وعرفت أن قد جاء فرج. قال: فآذن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الناس بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر فذهب الناس يبشروننا ~~فذهب قبل صاحبي مبشرون وركض رجل إلي فرسا وسعى ساع من أسلم قبلي وأوفى ~~الجبل فكان الصوت أسرع من الفرس فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ~~ثوبي فكسوته إياهما ببشارته، والله ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين ~~فلبستهما فانطلقت أتأمم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتلقاني الناس فوجا ~~فوجا يهنئونني بالتوبة ويقولون: لتهنئك توبة الله عليك حتى دخلت المسجد ~~فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحوله الناس فقام طلحة ~~بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني والله ما قام رجل من المهاجرين غيره. ~~قال: فكان كعب لا ينساها لطلحة. قال كعب: فلما سلمت على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال وهو يبرق وجهه من السرور ويقول: (أبشر بخير يوم مر عليك منذ ~~ولدتك أمك). قال: فقلت أمن عند الله يا رسول الله أم من عندك؟ قال: (لا بل ~~من عند الله). # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه حتى كأن وجهه قطعة ~~قمر. قال: # وكنا نعرف ذلك. قال: فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله، إن من توبة ~~الله علي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: (أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك). قال فقلت: فإني أمسك ~~سهمي الذي بخيبر. قال وقلت: يا رسول الله، إن الله إنما أنجاني بالصدق، وإن ~~من توبتي ألا أحدث إلا صدقا ما بقيت. قال: فوالله ما علمت أحدا من المسلمين ~~أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت # PageV08P286 # ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ms3032 إلى يومي هذا أحسن مما أبلاني الله ~~به، والله ما تعمدت كذبة منذ قلت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~يومي هذا وإني لأرجو الله أن يحفظني فيما بقي فأنزل الله عز وجل: " لقد تاب ~~الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين أتبعوه في ساعة العسرة - حتى بلغ ~~- إنه بهم رؤوف رحيم. وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض ~~بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم - حتى بلغ - اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ". ~~قال كعب: والله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد إذ هداني الله للاسلام ~~أعظم في نفسي من صدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أكون كذبته فأهلك ~~كما هلك الذين كذبوا، إن الله قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شر ما قال ~~لاحد، وقال الله تعالى: # " سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنه فأعرضوا عنهم إنهم ~~رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون. يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا ~~عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين " [التوبة: 95 - 96]. قال كعب: ~~كنا خلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حين حلفوا له فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله عز وجل: " وعلى الثلاثة ~~" وليس الذي ذكر الله مما خلفنا تخلفنا عن الغزو، وإنما هو تخليفه إيانا ~~وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له وأعتذر إليه فقبل منه. # قوله تعالى: (ضاقت عليهم الأرض بما رحبت) أي بما اتسعت يقال: منزل رحب ~~ورحيب ورحاب. و " ما " مصدرية، أي ضاقت عليهم الأرض برحبها، لأنهم كانوا ~~مهجورين لا يعاملون ولا يكلمون. وفي هذا دليل على هجران أهل المعاصي حتى ~~يتوبوا. # قوله تعالى: (وضاقت عليه أنفسهم) أي ضاقت صدورهم بالهم والوحشة، وبما ~~لقوه من الصحابة من الجفوة. (وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه) أي تيقنوا ~~أن لا ملجأ يلجئون إليه في الصفح عنهم وقبول التوبة منهم إلا إليه. ms3033 قال أبو ~~بكر الوراق. التوبة النصوح أن تضيق على التائب الأرض بما رحبت، وتضيق عليه ~~نفسه، كتوبة كعب وصاحبيه. PageV08P287 # قوله تعالى: (ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم) فبدأ ~~بالتوبة منه. # قال أبو زيد: غلطت في أربعة أشياء: في الابتداء مع الله تعالى، ظننت أني ~~أحبه فإذا هو أحبني، قال الله تعالى: " يحبهم ويحبونه " [المائدة: 54]. ~~وظننت أني أرضى عنه فإذا هو قد رضي عني، قال الله تعالى: " رضي الله عنهم ~~ورضوا عنه " [المائدة: 119]. وظننت أني أذكره فإذا هو يذكرني، قال الله ~~تعالى: " ولذكر الله أكبر ". وظننت أني أتوب فإذا هو قد تاب على، قال الله ~~تعالى: " ثم تاب عليهم ليتوبوا ". وقيل: المعنى ثم تاب عليهم ليثبتوا على ~~التوبة، كما قال تعالى: " يا أيها الذين آمنوا آمنوا " (1) [النساء: 136] ~~وقيل: أي فسح لهم ولم يعجل عقابهم كما فعل بغيرهم، قال عز وجل: " فبظلم من ~~الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم " (2) [النساء: 160]. # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين (119) ~~فيه مسألتان: # الأولى - قوله تعالى: " وكونوا مع الصادقين " هذا الامر بالكون مع أهل ~~الصدق حسن بعد قصة الثلاثة حين نفعهم الصدق وذهب بهم عن منازل المنافقين. ~~قال مطرف: # سمعت مالك بن أنس يقول: قلما كان رجل صادقا لا يكذب إلا متع بعقله ولم ~~يصبه ما يصيب غيره من الهرم والخرف. # واختلف في المراد هنا بالمؤمنين والصادقين على أقوال، فقيل: هو خطاب لمن ~~آمن من أهل الكتاب. وقيل: هو خطاب لجميع المؤمنين، أي اتقوا مخالفة أمر ~~الله. " وكونوا مع الصادقين " أي مع الذين خرجوا مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم لا مع المنافقين. أي كونوا على مذهب الصادقين وسبيلهم. وقيل: هم ~~الأنبياء، أي كونوا معهم بالاعمال الصالحة في الجنة. # وقيل: هم المراد بقوله: " ليس البر أن تولوا وجوهكم (3) - الآية إلى قوله ~~- أولئك الذين صدقوا " [البقرة: 177]. وقيل: هم الموفون بما عاهدوا، وذلك ~~لقوله تعالى: " رجال صدقوا ما عاهدوا الله (4) عليه " وقيل: هم المهاجرون، ~~لقول أبي بكر يوم السقيفة إن ms3034 الله سمانا الصادقين # PageV08P288 # فقال: " للفقراء المهاجرين " (1) [الحشر: 8] الآية، ثم سماكم بالمفلحين ~~فقال: " والذين تبوءوا الدار والايمان " [الحشر: 9] الآية. وقيل: هم الذين ~~استوت ظواهرهم وبواطنهم. قال ابن العربي: وهذا القول هو الحقيقة والغاية ~~التي إليها المنتهى فإن هذه الصفة يرتفع بها النفاق في العقيدة والمخالفة ~~في الفعل، وصاحبها يقال له الصديق كأبي بكر وعمر وعثمان ومن دونهم على ~~منازلهم وأزمانهم. # وأما من قال: إنهم المراد بآية البقرة فهو معظم الصدق ويتبعه الأقل وهو ~~معنى آية الأحزاب. # وأما تفسير أبي بكر الصديق فهو الذي يعم الأقوال كلها فإن جميع الصفات ~~فيهم موجودة. # الثانية - حق من فهم عن الله وعقل عنه أن يلازم الصدق في الأقوال، ~~والاخلاص في الأعمال، والصفاء (2) في الأحوال، فمن كان كذلك لحق بالأبرار ~~ووصل إلى رضا الغفار، قال صلى الله عليه وسلم: (عليكم بالصدق فإن الصدق ~~يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق ~~حتى يكتب عند الله صديقا). والكذب على الضد من ذلك، قال صلى الله عليه ~~وسلم: إياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار ~~وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا). # خرجه مسلم. فالكذب عار وأهله مسلوبو الشهادة، وقد رد صلى الله عليه وسلم ~~شهادة رجل في كذبة كذبها. قال معمر: لا أدري أكذب على الله أو كذب على ~~رسوله أو كذب على أحد من الناس. وسئل شريك بن عبد الله فقيل له: يا أبا عبد ~~الله، رجل سمعته (3) يكذب متعمدا أأصلي خلفه؟ قال لا. وعن ابن مسعود قال: ~~إن الكذب لا يصلح منه جد ولا هزل، ولا أن يعد أحدكم شيئا ثم لا ينجزه، ~~اقرؤوا إن شئتم " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين " هل ~~ترون في الكذب رخصة؟ وقال مالك: لا يقبل خبر الكاذب في حديث الناس وإن صدق ~~في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال غيره: يقبل حديثه. # والصحيح أن الكاذب لا تقبل شهادته ولا ms3035 خبره لما ذكرناه، فإن القبول مرتبة ~~عظيمة وولاية شريفة لا تكون إلا لمن كملت خصاله ولا خصلة هي أشر من الكذب ~~فهي تعزل الولايات وتبطل الشهادات. # PageV08P289 # قوله تعالى: ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الاعراب أن يتخلفوا عن ~~رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا ~~مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا ~~إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين (120) ولا ينفقون ~~نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما ~~كانوا يعملون (121) فيه ست مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الاعراب أن ~~يتخلفوا عن رسول الله) ظاهره خبر ومعناه أمر، كقوله: " وما كان لكم أن ~~تؤذوا رسول الله " (1) [الأحزاب: 53] وقد تقدم. " أن يتخلفوا " في موضع رفع ~~اسم كان. وهذه معاتبة للمؤمنين من أهل يثرب وقبائل العرب المجاورة لها، ~~كمزينة وجهينة وأشجع وغفار وأسلم على التخلف عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في غزوة تبوك. والمعنى: ما كان لهؤلاء المذكورين أن يتخلفوا، فإن ~~النفير كان فيهم، بخلاف غيرهم فإنهم لم يستنفروا، في قول بعضهم. ويحتمل أن ~~يكون الاستنفار في كل مسلم، وخص هؤلاء بالعتاب لقربهم وجوارهم، وأنهم أحق ~~بذلك من غيرهم. # الثانية - قوله تعالى: (ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه) أي لا يرضوا لأنفسهم ~~بالخفض والدعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم في المشقة. يقال: رغبت عن كذا ~~أي ترفعت عنه. # الثالثة - قوله تعالى (ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ) أي عطش. وقرأ عبيد ابن ~~عمير " ظماء " بالمد. وهما لغتان مثل خطأ وخطاء. (ولا نصب) عطف، أي تعب، ~~ولا زائدة للتوكيد. وكذا (ولا مخمصة) أي مجاعة. وأصله ضمور البطن، ومنه رجل ~~خميص # PageV08P290 # وامرأة خمصانة. وقد تقدم (1). (في سبيل الله) أي في طاعته. (ولا يطئون ~~موطئا) أي أرضا. (يغيظ الكفار) أي بوطئهم إياها، وهو في موضع نصب لأنه نعت ~~للموطئ، أي غائظا. ms3036 (ولا ينالون من عدو نيلا) أي قتلا وهزيمة. وأصله من نلت ~~الشئ أنال أي أصبت. قال الكسائي: هو من قولهم أمر منيل منه، وليس هو من ~~التناول، إنما التناول من نلته العطية (2). قال غيره: نلت أنول من العطية، ~~من الواو والنيل من الياء، تقول: # نلته فأنا نائل، أي أدركته. (ولا يقطعون واديا) العرب تقول: واد وأودية ~~على غير قياس. # قال النحاس: ولا يعرف فيما علمت فاعل وأفعلة سواه والقياس أن يجمع ووادي ~~فاستثقلوا الجمع بين واوين وهم قد يستثقلون واحدة حتى قالوا: أقتت في وقتت. ~~وحكى الخليل وسيبويه في تصغير واصل اسم رجل أو يصل فلا يقولون غيره. وحكى ~~الفراء في جمع واد أو داء. # قلت: وقد جمع أوداه قال جرير: # عرفت ببرقة الاوداه رسما * محيلا طال عهدك من رسوم (3) (إلا كتب لهم به ~~عمل صالح) قال ابن عباس: بكل روعة تنالهم في سبيل الله سبعون ألف حسنة. وفي ~~الصحيح: (الخيل ثلاثة... - وفيه - وأما التي هي له أجر فرجل ربطها في سبيل ~~الله لأهل الاسلام في مرج (4) أو روضة فما أكلت من ذلك المرج أو الروضة إلا ~~كتب له عدد ما أكلت حسنات وكتب له عدد أرواثها وأبو الها حسنات...). ~~الحديث. هذا وهي في مواضعها فكيف إذا أدرب بها (5). # الرابعة - استدل بعض (6) العلماء بهذه الآية على أو الغنيمة تستحق ~~بالادراب والكون في بلاد العدو فإن مات بعد ذلك فله سهمه وهو قول أشهب وعبد ~~الملك وأحد قولي الشافعي. وقال مالك وابن القاسم: لا شئ له لان الله عز وجل ~~إنما ذكر في هذه الآية الاجر ولم يذكر السهم. # PageV08P291 # قلت - الأول أصح لان الله تعالى جعل وطئ ديار الكفار بمثابة النيل من ~~أموالهم وإخراجهم من ديارهم وهو الذي يغيظهم ويدخل الذل عليهم فهو بمنزلة ~~نيل الغنيمة والقتل والأسر وإذا كان كذلك فالغنيمة تستحق بالادراب لا ~~بالحيازة ولذلك قال علي رضي الله عنه: ما وطئ قوم في عقر دارهم إلا ذلوا. ~~والله أعلم. # الخامسة - هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: (وما كان المؤمنون ms3037 لينفروا ~~كافة) وأن حكمها كان حين كان المسلمون في قلة فلما كثروا نسخت وأباح الله ~~التخلف لمن شاء قاله ابن زيد. وقال مجاهد: بعث النبي صلى الله عليه وسلم ~~قوما إلى البوادي ليعلموا الناس فلما نزلت هذه الآية خافوا ورجعوا فأنزل ~~الله: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة). وقال قتادة: كان هذا خاصا بالنبي ~~صلى الله عليه وسلم إذا غزا بنفسه فليس لأحد أن يتخلف عنه إلا بعذر فأما ~~غيره من الأئمة والولاة فلمن شاء أن يتخلف خلفه من المسلمين إذا لم يكن ~~بالناس حاجة إليه ولا ضرورة. وقول ثالث - أنها محكمة قال الوليد بن مسلم: ~~سمعت الأوزاعي و. ابن المبارك والفزاري والسبيعي وسعيد بن عبد العزيز ~~يقولون في هذه الآية إنها لأول هذه الأمة وآخرها. # قلت: قول قتادة حسن بدليل غزاة تبوك والله أعلم. # السادسة - روى أبو داود عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # (لقد تركتم بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا أنفقتم من نفقة ولا قطعتم ~~من واد إلا وهم معكم فيه) قالوا: يا رسول الله، وكيف يكونون معنا وهم ~~بالمدينة.؟ قال: (حبسهم العذر). خرجه مسلم من حديث جابر قال: كنا مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في غزاة فقال: (إن بالمدينة لرجالا ما سرتم مسيرا ~~ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم حبسهم المرض). # فأعطى صلى الله عليه وسلم للمعذور من الاجر مثل ما أعطى للقوي العامل. ~~وقد قال بعض الناس: إنما يكون الاجر للمعذور غير مضاعف، ويضاعف للعامل ~~المباشر. قال ابن العربي: وهذا تحكم على الله تعالى وتضييق لسعة رحمته، وقد ~~عاب بعض الناس فقال: PageV08P292 # إنهم يعطون الثواب مضاعفا قطعا، ونحن لا نقطع بالتضعيف في موضع فإنه مبني ~~على مقدار النيات، وهذا أمر مغيب، والذي يقطع به أن هناك تضعيفا وربك أعلم ~~بمن يستحقه. # قلت: الظاهر من الأحاديث والآي المساواة في الاجر، منها قوله عليه ~~السلام: (من دل على خير فله مثل أجر فاعله) وقوله: (من توضأ وخرج إلى ~~الصلاة فوجد ms3038 الناس قد صلوا أعطاه الله مثل أجر من صلاها وحضرها). وهو ظاهر ~~قوله تعالى: " ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد ~~وقع أجره على الله " [النساء: 100] وبدليل أن النية الصادقة هي أصل ~~الأعمال، فإذا صحت في فعل طاعة فعجز عنها صاحبها لمانع منع منها فلا بعد في ~~مساواة أجر ذلك العاجز لاجر القادر الفاعل ويزيد عليه، لقوله عليه السلام: # (نية المؤمن خير من عمله). والله أعلم. # قوله تعالى: وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم ~~طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ~~(122) فيه ست مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (وما كان المؤمنون) وهي أن الجهاد ليس على الأعيان ~~وأنه فرض كفاية كما تقدم، إذ لو نفر الكل لضاع من وراءهم من العيال، فليخرج ~~فريق منهم للجهاد وليقم فريق يتفقهون في الدين ويحفظون الحريم، حتى إذا عاد ~~النافرون أعلمهم المقيمون ما تعلموه من أحكام الشرع، وما تجدد نزول على ~~النبي صلى الله عليه وسلم. وهذه الآية ناسخة لقوله تعالى: " إلا تنفروا " ~~[التوبة: 39] وللآية التي قبلها، على قول مجاهد وابن زيد. # الثانية - هذه الآية أصل في وجوب طلب العلم، لان المعنى: وما كان ~~المؤمنون لينفروا كافة والنبي صلى الله عليه وسلم مقيم لا ينفر فيتركوه ~~وحده. " فلولا نفر " بعد ما علموا أن النفير لا يسع جميعهم. " من كل فرقة ~~منهم طائفة " وتبقى بقيتها مع النبي صلى الله PageV08P293 # عليه وسلم ليتحملوا عنه الدين ويتفقهوا، فإذا رجع النافرون إليهم أخبروهم ~~بما سمعوا وعلموه. وفى هذا إيجاب التفقه في الكتاب والسنة، وأنه على ~~الكفاية دون الأعيان. ويدل عليه أيضا قوله تعالى: " فاسألوا أهل الذكر إن ~~كنتم لا تعلمون " (1) [النحل: 43]. فدخل في هذا من لا يعلم الكتاب والسنن. # الثالثة - قوله تعالى: " فلولا نفر " قال الأخفش: أي فهلا نفر. " من كل ~~فرقة منهم طائفة " الطائفة في اللغة الجماعة، وقد تقع على أقل من ذلك حتى ~~تبلغ الرجلين، وللواحد على معنى نفس طائفة. وقد تقدم أن ms3039 المراد بقوله ~~تعالى: " إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة " (2) [التوبة: 66] رجل واحد. ~~ولا شك أن المراد هنا جماعة لوجهين، أحدهما عقلا، والآخر لغة. أما العقل ~~فلان العلم لا يتحصل بواحد في الغالب، وأما اللغة فقوله: " ليتفقهوا في ~~الدين ولينذروا قومهم " فجاء بضمير الجماعة. قال ابن العربي: والقاضي أبو ~~بكر والشيخ أبو الحسن قبله يرون أن الطائفة هاهنا واحد، ويعتضدون (3) فيه ~~بالدليل على وجوب العمل بخبر الواحد، وهو صحيح لا من جهة أن الطائفة تنطلق ~~على الواحد ولكن من جهة أن خبر الشخص الواحد أو الاشخاص خبر واحد، وأن ~~مقابله وهو التواتر لا ينحصر. # قلت: أنص ما يستدل به على أن الواحد يقال له طائفة قوله تعالى: " وإن ~~طائفتان من المؤمنين اقتتلوا " (4) [الحجرات: 9] يعني نفسين. دليله قوله ~~تعالى: " فأصلحوا بين أخويكم " (4) [الحجرات: 9] فجاء بلفظ التثنية، ~~والضمير في " اقتتلوا " وإن كان ضمير جماعة فأقل الجماعة اثنان في أحد ~~القولين للعلماء. # الرابعة - قوله تعالى: (ليتفقهوا) الضمير في " ليتفقهوا، ولينذروا " ~~للمقيمين مع النبي صلى الله عليه وسلم، قاله قتادة ومجاهد. وقال الحسن: هما ~~للفرقة النافرة، واختاره الطبري. ومعنى " ليتفقهوا في الدين " أي يتبصروا ~~ويتيقنوا بما يريهم الله من الظهور على # PageV08P294 # المشركين ونصرة الدين. (ولينذروا قومهم) من الكفار. (إذا رجعوا إليهم) من ~~الجهاد فيخبرونهم بنصرة الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ~~وأنهم لا يدان (1) لهم بقتالهم وقتال النبي صلى الله عليه وسلم فينزل بهم ~~ما نزل بأصحابهم من الكفار. # قلت: قول مجاهد وقتادة أبين، أي لتتفقه الطائفة المتأخرة مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن النفور في السرايا. وهذا يقتضي الحث على طلب العلم ~~والندب إليه دون الوجوب والالزام، إذ ليس ذلك في قوة الكلام، وإنما لزم طلب ~~العلم بأدلته، قال أبو بكر بن العربي. # الخامسة - طلب العلم ينقسم قسمين: فرض على الأعيان، كالصلاة والزكاة ~~والصيام. # قلت: وفي هذا المعنى جاء الحديث المروي (إن طلب العلم فريضة). روى عبد ~~القدوس بن حبيب: أبو سعيد (2) الوحاظي عن حماد بن أبي سليمان عن ms3040 إبراهيم ~~النخعي قال سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: (طلب العلم فريضة على كل مسلم). قال إبراهيم: لم أسمع من أنس بن مالك ~~إلا هذا الحديث. # وفرض على الكفاية، كتحصيل الحقوق (3) وإقامة الحدود والفصل بين الخصوم ~~ونحوه، إذ لا يصلح (4) أن يتعلمه جميع الناس فتضيع أحوالهم وأحوال سراياهم ~~(5) وتنقص أو تبطل معايشهم، فتعين بين الحالين أن يقوم به البعض من غير ~~تعيين، وذلك بحسب ما يسره الله لعباده وقسمه بينهم من رحمته وحكمته بسابق ~~قدرته وكلمته. # السادسة - طلب العلم فضيلة عظيمة ومرتبة شريفة لا يوازيها عمل، روى ~~الترمذي من حديث أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~(من سلك طريقا يلتمس فيه علما سلك الله به طريقا إلى الجنة وإن الملائكة ~~لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في ~~الأرض والحيتان في جوف الماء وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة ~~البدر على سائر الكواكب وإن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا ~~دينارا ولا درهما إنما ورثوا العلم فمن أخذ به أخذ بحظ # PageV08P295 # وافر). وروى الدارمي أبو محمد في مسنده قال: حدثنا أبو المغيرة حدثنا ~~الأوزاعي عن الحسن قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجلين كانا في ~~بني إسرائيل، أحدهما كان عالما يصلي المكتوبة ثم يجلس فيعلم الناس الخير. ~~والآخر يصوم النهار ويقوم الليل، أيهما أفضل؟ # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فضل هذا العالم الذي يصلي المكتوبة ~~ثم يجلس فيعلم الناس الخير على العابد الذي يصوم النهار ويقوم الليل كفضلي ~~على أدناكم). أسنده أبو عمر في كتاب (بيان العلم) عن أبي سعيد الخدري قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # (فضل العالم على العابد كفضلي على أمتي). وقال ابن عباس: أفضل الجهاد من ~~بنى مسجدا يعلم فيه القرآن والفقه والسنة. رواه شريك عن ليث بن أبي سليم عن ~~يحيى بن أبي كثير عن علي الأزدي ms3041 قال: أردت الجهاد فقال لي ابن عباس ألا ~~أدلك على ما هو خير لك من الجهاد، تأتي مسجدا فتقرئ فيه القرآن وتعلم فيه ~~الفقه (1). وقال الربيع سمعت الشافعي يقول: # طلب العلم أوجب من الصلاة النافلة. وقوله عليه السلام: (إن الملائكة لتضع ~~أجنحتها) الحديث يحتمل وجهين: أحدهما - أنها تعطف عليه وترحمه، كما قال ~~الله تعالى فيما وصى به الأولاد من الاحسان إلى الوالدين بقوله: " واخفض ~~لهما جناح الذل من الرحمة " (2) [الاسراء: 24] أي تواضع لهما. والوجه الآخر ~~- أن يكون المراد بوضع الأجنحة فرشها، لان في بعض الروايات (وإن الملائكة ~~تفرش أجنحتها) أي إن الملائكة إذا رأت طالب العلم يطلبه من وجهه ابتغاء ~~مرضات الله وكانت سائر أحواله مشاكلة لطلب العلم فرشت له أجنحتها في رحلته ~~وحملته عليها، فمن هناك يسلم فلا يحفى إن كان ماشيا ولا يعيا، وتقرب عليه ~~الطريق البعيدة ولا يصيبه ما يصيب المسافر من أنواع الضرر كالمرض وذهاب ~~المال وضلال الطريق. # وقد مضى شئ من هذا المعنى في [آل عمران] عند قوله تعالى: " شهد الله " ~~الآية (3). # روى عمران بن حصين قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا تزال طائفة ~~من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة). قال يزيد بن هارون: إن لم ~~يكونوا أصحاب الحديث فلا أدري من هم؟. # PageV08P296 # قلت: وهذا قول عبد الرزاق في تأويل الآية، إنهم أصحاب الحديث، ذكره ~~الثعلبي. # سمعت شيخنا الأستاذ المقرئ النحوي المحدث أبا جعفر أحمد بن محمد بن محمد ~~القيسي القرطبي المعروف بابن أبي حجة رحمه الله يقول في تأويل قوله عليه ~~السلام: (لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة) إنهم ~~العلماء، قال: وذلك أن الغرب لفظ مشترك يطلق على الدلو الكبيرة وعلى مغرب ~~الشمس، ويطلق على فيضة من الدمع. فمعنى (لا يزال أهل الغرب) أي لا يزال أهل ~~فيض الدمع من خشية الله عن علم به وبأحكامه ظاهرين، الحديث. قال الله ~~تعالى: " إنما يخشى الله من عباده العلماء " (1) [فاطر: 28]. # قلت: وهذا التأويل يعضده قوله عليه السلام ms3042 في صحيح مسلم: (من يرد الله به ~~خيرا يفقهه في الدين ولا تزال عصابة من المسلمين يقاتلون على الحق ظاهرين ~~على من ناوأ هم إلى يوم القيامة). وظاهر هذا المساق أن أوله مرتبط بآخره. ~~والله أعلم. # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا ~~فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين (123) فيه مسألة واحدة - وهو أنه ~~سبحانه عرفهم كيفية الجهاد وأن الابتداء بالأقرب فالأقرب من العدو ولهذا ~~بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعرب، فلما فرغ قصد الروم وكانوا ~~بالشام. وقال الحسن: نزلت قبل أن يؤمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتال ~~المشركين، فهي من التدريج الذي كان قبل الاسلام. وقال ابن زيد: المراد بهذه ~~الآية وقت نزولها العرب، فلما فرغ منهم نزلت في الروم وغيرهم: " قاتلوا ~~الذين لا يؤمنون بالله " (2) [التوبة: 29]. وقد روي عن ابن عمر أن المراد ~~بذلك الديلم. وروي عنه أنه سئل بمن يبدأ بالروم أو بالديلم؟ فقال بالروم. # وقال الحسن: هو قتال الديلم والترك والروم. وقال قتادة: الآية على العموم ~~في قتال الأقرب فالأقرب، والأدنى فالأدنى. # PageV08P297 # قلت: قول قتادة هو ظاهر الآية، واختار ابن العربي أن يبدأ بالروم قبل ~~الديلم، على ما قاله ابن عمر لثلاثة أوجه. أحدها - أنهم أهل كتاب، فالحجة ~~عليهم أكثر وآكد. # الثاني - أنهم إلينا أقرب أعني أهل المدينة. الثالث - أن بلاد الأنبياء ~~في بلادهم أكثر فاستنقاذها منهم أوجب. والله أعلم. # (وليجدوا فيكم غلظة) أي شدة وقوة وحمية. وروى الفضل عن الأعمش وعاصم " ~~غلظة " بفتح الغين وإسكان اللام. قال الفراء: لغة أهل الحجاز وبني أسد بكسر ~~الغين، ولغة بني تميم " غلظة " بضم الغين. # قوله تعالى: وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا ~~فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون (124) " ما " صلة، والمراد ~~المنافقون. " أيكم زادته هذه إيمانا " قد تقدم القول في زيادة الايمان ~~ونقصانه في سورة [آل عمران] (1). وقد تقدم معنى السورة في مقدمة الكتاب ~~(2)، فلا معنى للإعادة. وكتب الحسن إلى عمر بن عبد ms3043 العزيز (3) (إن للايمان ~~سننا وفرائض من استكملها فقد استكمل الايمان ومن لم يستكملها لم يستكمل ~~الايمان) قال عمر بن عبد العزيز: # (فإن أعش فسأبينها لكم وإن أمت فما أنا على صحبتكم بحريص). ذكره البخاري. ~~وقال ابن المبارك: لم أجد بدا من أن أقول بزيادة الايمان وإلا رددت القرآن. # قوله تعالى: وأما الذين في قلوبهم مرض فزاد تهم رجسا إلى رجسهم وماتوا ~~وهم كافرون (125) # PageV08P298 # قوله تعالى: (وأما الذين في قلوبهم مرض) أي شك وريب ونفاق. وقد تقدم. (1) ~~(فزادتهم رجسا إلى رجسهم) أي شكا إلى شكهم وكفرا إلى كفرهم. وقال مقاتل: # إثما إلى إثمهم، والمعنى متقارب قوله تعالى: أو لا يرون أنهم يفتنون في ~~كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون (126) قوله تعالى. (أو لا ~~يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين) قراءة العامة بالياء، خبرا عن ~~المنافقين. وقرأ حمزة ويعقوب بالتاء خبرا عنهم وخطابا للمؤمنين. وقرأ ~~الأعمش " أو لم يروا ". وقرأ طلحة بن مصرف " أولا ترى " وهي قراءة ابن ~~مسعود، خطابا للرسول صلى الله عليه وسلم. و " يفتنون " قال الطبري: ~~يختبرون. قال مجاهد: بالقحط والشدة. # وقال عطية: بالأمراض والأوجاع، وهي روائد الموت. وقال قتادة والحسن ~~ومجاهد: # بالغزو والجهاد مع النبي صلى الله عليه وسلم، ويرون ما وعد الله من النصر ~~" ثم لا يتوبون " لذلك " ولا هم يذكرون ". # قوله تعالى: وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ثم ~~انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون (127) قوله تعالى: (وإذا ما ~~أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض) " ما " صلة، والمراد المنافقون، أي إذا ~~حضروا الرسول وهو يتلو قرآنا أنزل فيه فضيحتهم أو فضيحة أحد منهم جعل ينظر ~~بعضهم إلى بعض نظر الرعب على جهة التقرير، يقول: هل يراكم من أحد إذا ~~تكلمتم بهذا فينقله إلى محمد، وذلك جهل منهم بنبوته عليه السلام، وأن الله ~~يطلعه على ما يشاء من غيبه. وقيل إن " نظر " في هذه الآية بمعنى أنبأ. وحكى ~~الطبري عن بعضهم ms3044 أنه قال: " نظر " في هذه الآية موضع قال. # قوله تعالى: (ثم انصرفوا) أي انصرفوا عن طريق الاهتداء. وذلك أنهم حينما ~~بين لهم كشف أسرارهم والاعلام بمغيبات أمورهم يقع لهم لا محالة تعجب وتوقف ~~ونظر، # PageV08P299 # فلو اهتدوا لكان ذلك الوقت مظنة لايمانهم، فهم إذ يصممون على الكفر ~~ويرتبكون (1) فيه كأنهم انصرفوا عن تلك الحال التي كانت مظنة النظر الصحيح ~~والاهتداء، ولم يسمعوا قراءة النبي صلى الله عليه وسلم سماع من يتدبره ~~وينظر في آياته، " إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون " (2) ~~[الأنفال: 22]. " أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها " (3) [محمد: ~~24]. # قوله تعالى: (صرف الله قلوبهم) فيه ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (صرف الله قلوبهم) دعاء عليهم، أي قولوا لهم هذا. ~~ويجوز أن يكون خبرا عن صرفها عن الخير مجازاة على فعلهم. وهي كلمة يدعي ~~بها، كقوله: # " قاتلهم الله [التوبة: 30] والباء في قوله: " بأنهم " صلة ل‍ " - صرف ". # الثانية - قال ابن عباس: يكره أن يقال انصرفنا من الصلاة، لان قوما ~~انصرفوا فصرف الله قلوبهم، ولكن قولوا قضينا الصلاة، أسنده الطبري عنه. قال ~~ابن العربي: # وهذا فيه نظر وما أظنه بصحيح فإن نظام الكلام أن يقال: لا يقل أحد ~~انصرفنا من الصلاة، فإن قوما قيل فيهم: " ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم ". ~~أخبرنا محمد بن عبد الملك القيسي الواعظ حدثنا أبو الفضل الجوهري سماعا منه ~~يقول: كنا في جنازة فقال المنذر بها: انصرفوا رحمكم الله! فقال: لا يقل أحد ~~انصرفوا فإن الله تعالى قال في قوم ذمهم: " ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم " ~~ولكن قولوا: انقلبوا رحمكم الله فإن الله تعالى قال في قوم مدحهم: # " فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء " (4) [آل عمران: 174]. # الثالثة - أخبر الله سبحانه وتعالى في هذه الآية أنه صارف القلوب ومصرفها ~~وقالبها ومقلبها، ردا على القدرية في اعتقادهم أن قلوب الخلق بأيد يهم ~~وجوارحهم بحكمهم، يتصرفون بمشيئتهم ويحكمون بإرادتهم واختيارهم، ولذلك قال ~~مالك فيما رواه عنه أشهب: ما أبين هذا في الرد على القدرية " لا يزال ~~بنيانهم ms3045 الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم " [التوبة: 110]. ~~وقوله عز وجل لنوح: " أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن " (5) [هود: 36] ~~فهذا لا يكون أبدا ولا يرجع ولا يزول. # PageV08P300 # قوله تعالى: لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم ~~بالمؤمنين رؤوف رحيم (128) فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه ~~توكلت وهو رب العرش العظيم (129) هاتان الآيتان في قول أبي أقرب القرآن ~~بالسماء عهدا. وفي قول سعيد بن جبير: آخر ما نزل من القرآن " واتقوا يوما ~~ترجعون فيه إلى الله " [البقرة: 281] على ما تقدم (1). فيحتمل أن يكون قول ~~أبي: أقرب القرآن بالسماء عهدا بعد قوله: " واتقوا يوما ترجعون فيه إلى ~~الله ". والله أعلم. # والخطاب للعرب في قول الجمهور، وهذا على جهة تعديد النعمة عليهم في ذلك، ~~إذ جاء بلسانهم وبما يفهمونه، وشرفوا به غابر الأيام. وقال الزجاج: هي ~~مخاطبة لجميع العالم والمعنى: لقد جاءكم رسول من البشر، والأول أصوب. قال ~~ابن عباس: ما من قبيلة من العرب إلا ولدت النبي صلى الله عليه وسلم فكأنه ~~قال: يا معشر العرب لقد جاءكم رسول من بني إسماعيل. والقول الثاني أوكد ~~للحجة أي هو بشر مثلكم لتفهموا عنه وتأتموا به. # قوله تعالى: " من أنفسكم " يقتضى مدحا لنسب النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأنه من صميم العرب وخالصها. وفي صحيح مسلم عن واثلة بن الأسقع قال: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل ~~واصطفى قريشا من كنانة واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم). ~~وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: # (إني من نكاح ولست من سفاح). معناه أن نسبه صلى الله عليه وسلم إلى آدم ~~عليه السلام لم يكن النسل فيه إلا من نكاح ولم يكن فيه زنى. وقرأ عبد الله ~~بن قسيط المكي من " أنفسكم " بفتح الفاء من النفاسة، ورويت عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم وعن فاطمة رضي الله عنها أي جاءكم ms3046 رسول من أشرفكم وأفضلكم ~~من قولك: شئ نفيس إذا كان مرغوبا فيه. وقيل: من أنفسكم أي أكثر كم طاعة. # PageV08P301 # قوله تعالى: (عزيز عليه ما عنتم) أي يعز عليه مشقتكم. والعنت: المشقة، من ~~قولهم: أكمة عنوت إذا كانت شاقة مهلكة. وقال ابن الأنباري: أصل التعنت ~~التشديد، فإذا قالت العرب: فلان يتعنت فلانا ويعنته فمرادهم يشدد عليه ~~ويلزمه بما يصعب عليه أداؤه. وقد تقدم في [البقرة] (1). " وما " في " ما ~~عنتم " مصدرية، وهي ابتداء و " عزيز " خبر مقدم. ويجوز أن يكون " ما عنتم " ~~فاعلا بعزيز، و " عزيز " صفة للرسول، وهو أصوب. وكذا " حريص عليكم " وكذا " ~~رؤوف رحيم " رفع على الصفة. قال الفراء: # ولو قرئ عزيزا عليه ما عنتم حريصا رؤوفا رحيما، نصبا على الحال جاز. قال ~~أبو جعفر النحاس: # وأحسن ما قيل في معناه مما يوافق كلام العرب ما حدثنا أحمد بن محمد ~~الأزدي قال حدثنا عبد الله بن محمد الخزاعي قال سمعت عمرو بن علي يقول: ~~سمعت عبد الله بن داود الخريبي يقول في قوله عز وجل: " لقد جاءكم رسول من ~~أنفسكم عزيز عليه ما عنتم " قال: أن تدخلوا النار، (حريص عليكم) قال: أن ~~تدخلوا الجنة. وقيل: حريص عليكم أن تؤمنوا. # وقال الفراء: شحيح بأن تدخلوا النار. والحرص على الشئ: الشح عليه أن يضيع ~~ويتلف. # (بالمؤمنين رؤوف رحيم) الرؤوف: المبالغ في الرأفة والشفقة. وقد تقدم في ~~[البقرة] معنى " رؤوف رحيم " مستوفى (2). وقال الحسين بن الفضل: لم يجمع ~~الله لاحد من الأنبياء اسمين من أسمائه إلا للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، ~~فإنه قال: " بالمؤمنين رؤوف رحيم " وقال: # " إن الله بالناس لرءوف رحيم " [الحج: 65]. وقال عبد العزيز بن يحيى: نظم ~~الآية لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز حريص بالمؤمنين رؤوف رحيم، عزيز عليه ~~ما عنتم لا يهمه إلا شأنكم، وهو القائم بالشفاعة لكم فلا تهتموا بما عنتم ~~ما أقمتم على سنته، فإنه لا يرضيه إلا دخولكم الجنة. # قوله تعالى: (فإن تولوا فقل حسبي الله) أي إن أعرض الكفار يا محمد بعد ~~هذه النعم ms3047 التي من الله عليهم بها فقل حسبي الله أي كافي الله تعالى. (لا ~~إله إلا هو عليه توكلت) أي اعتمدت وإليه فوضت جميع أموري. (وهو رب العرش ~~العظيم) خص العرش # PageV08P302 # لأنه أعظم المخلوقات فيدخل فيه ما دونه إذا ما ذكره. وقراءة العامة بخفض ~~" العظيم " نعتا للعرش. وقرئ بالرفع صفة للرب، رويت عن ابن كثير، وهي قراءة ~~ابن محيصن وفي كتاب أبي داود عن أبي الدرداء قال: من قال إذا أصبح وإذا ~~أمسى حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم سبع مرات ~~كفاه الله ما أهمه صادقا كان بها أو كاذبا. # وفي نوادر الأصول عن بريدة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من ~~قال عشر كلمات عند دبر كل صلاة وجد الله عندهن مكفيا مجزيا خمس للدنيا وخمس ~~للآخرة حسبي الله لديني حسبي الله لدنياي حسبي الله لما أهمني حسبي الله ~~لمن بغى علي حسبي الله لمن حسدني حسبي الله لمن كادني بسوء حسبي الله عند ~~الموت حسبي الله عند المسألة في القبر حسبي الله عند الميزان حسبي الله عند ~~الصراط حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه أنيب). وحكى النقاش عن ~~أبي بن كعب أنه قال: أقرب القرآن عهدا بالله تعالى هاتان الآيتان " لقد ~~جاءكم رسول من أنفسكم " إلى آخر السورة، وقد بيناه. وروى يوسف بن مهران عن ~~ابن عباس أن آخر ما نزل من القرآن " لقد جاءكم رسول من أنفسكم " وهذه ~~الآية، ذكره الماوردي. وقد ذكرنا عن ابن عباس خلافه، على ما ذكرناه في ~~[البقرة] وهو أصح. وقال مقاتل: تقدم نزولها بمكة. وهذا فيه بعد لان السورة ~~مدنية والله أعلم. # وقال يحيى بن جعدة: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا يثبت آية في ~~المصحف حتى يشهد عليها رجلان فجاءه رجل من الأنصار بالآيتين من آخر سورة ~~براءة " لقد جاءكم رسول من أنفسكم " فقال عمر: والله لا أسألك عليهما بينة ~~كذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم فأثبتهما. قال ms3048 علماؤنا: الرجل هو خزيمة ~~بن ثابت وإنما أثبتهما عمر رضي الله عنه بشهادته وحده لقيام الدليل على ~~صحتها في صفة النبي صلى الله عليه وسلم فهي قرينة تغني عن طلب شاهد آخر ~~بخلاف آية الأحزاب " رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه " (1) [الأحزاب: 23] ~~فإن تلك ثبتت بشهادة زيد وخزيمة لسماعهما إياها من النبي صلى الله عليه ~~وسلم. وقد تقدم هذا المعنى في مقدمة الكتاب. والحمد لله. # PageV08P303 # بسم الله الرحمن الرحيم تفسير سورة يونس عليه السلام سورة يونس عليه ~~السلام مكية في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر. وقال ابن عباس: # إلا ثلاث آيات من قوله تعالى: " فإن كنت في شك " (1) [يونس: 94] إلى ~~آخرهن. وقال مقاتل: إلا آيتين وهي قوله: " فإن كنت في شك " نزلت بالمدينة. ~~وقال الكلبي: مكية إلا قوله: # " ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به " (2) [يونس: 40] نزلت بالمدينة ~~في اليهود. وقالت فرقة: نزل من أولها نحو من أربعين آية بمكة وباقيها ~~بالمدينة. # قوله تعالى: الر تلك آيات الكتاب الحكيم (1) قوله تعالى: (الر) قال ~~النحاس: قرئ على أبي جعفر أحمد بن شعيب بن علي ابن الحسين بن حريث قال: ~~أخبرنا علي بن الحسين عن أبيه عن يزيد أن عكرمة حدثه عن ابن عباس: الر، ~~وحم، ونون [حروف] الرحمن مفرقة، فحدثت به الأعمش فقال: عندك أشباه هذا ولا ~~تخبرني به؟. وعن ابن عباس أيضا قال: معنى " الر " أنا الله أرى. قال ~~النحاس: ورأيت أبا إسحاق يميل إلى هذا القول، لان سيبويه قد حكى مثله عن ~~العرب وأنشد: # بالخير خيرات وإن شرا فا * ولا أريد الشر (3) إلا أن تا وقال الحسن ~~وعكرمة: " الر " قسم. وقال سعيد عن قتادة: " الر " اسم السورة، قال: وكذلك ~~كل هجاء في القرآن. وقال مجاهد: هي فواتح السور. وقال محمد بن يزيد: # هي تنبيه، وكذا حروف التهجي. وقرئ " الر " من غير إمالة. وقرئ بالإمالة ~~لئلا تشبه ما ولا من الحروف. # PageV08P304 # قوله تعالى: (تلك آيات الكتاب الحكيم) ابتداء وخبر، أي تلك التي جرى ~~ذكرها آيات الكتاب الحكيم. قال ms3049 مجاهد وقتادة: أراد التوراة والإنجيل والكتب ~~المتقدمة، فإن " تلك " إشارة إلى غائب مؤنث. وقيل: " تلك " بمعنى هذه، أي ~~هذه آيات الكتاب الحكيم. ومنه قول الأعشى: # تلك خيلي منه وتلك ركابي * هن صفر أولادها كالزبيب أي هذه خيلي. والمراد ~~القرآن وهو أولى بالصواب، لأنه لم يجر للكتب المتقدمة ذكر، ولأن " الحكيم " ~~من نعت القرآن. دليله قوله تعالى: " الر كتاب أحكمت آياته " (1) [هود: 1] ~~وقد تقدم هذا المعنى في أول سورة " البقرة " (2). والحكيم: المحكم بالحلال ~~والحرام والحدود والاحكام، قاله أبو عبيدة وغيره. وقيل: الحكيم بمعنى ~~الحاكم، أي إنه حاكم بالحلال والحرام، وحاكم بين الناس بالحق، فعيل بمعنى ~~فاعل. دليله قوله: " وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا ~~فيه " (3) [البقرة: 213]. وقيل: الحكيم بمعنى المحكوم فيه، أي حكم الله فيه ~~بالعدل والاحسان وإيتاء ذي القربى، وحكم فيه بالنهي عن الفحشاء والمنكر، ~~وبالجنة لمن أطاعه وبالنار لمن عصاه، فهو فعيل بمعنى المفعول، قاله الحسن ~~وغيره. وقال مقاتل: الحكيم بمعنى المحكم من الباطل لا كذب فيه ولا اختلاف، ~~فعيل بمعنى مفعل، كقول الأعشى يذكر قصيدته التي قالها: # وغريبة تأتي الملوك حكيمة * قد قلتها ليقال من ذا قالها قوله تعالى: أكان ~~للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم ~~قدم صدق عند ربهم قال الكافرون إن هذا لساحر مبين (2) # PageV08P305 # قوله تعالى: (أكان للناس عجبا) استفهام معناه التقرير والتوبيخ. " وعجبا ~~" خبر كان، واسمها (أن أوحينا) وهو في موضع رفع، أي كان إيحاؤنا عجبا ~~للناس. وفي قراءة عبد الله " عجب " على أنه اسم كان. والخبر " أن أوحينا ". ~~(إلى رجل منهم) قرئ " رجل " بإسكان الجيم. وسبب النزول فيما روي عن ابن ~~عباس أن الكفار قالوا لما بعث محمد: # إن الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا. وقالوا: ما وجد الله من يرسله إلا ~~يتيم أبي طالب، فنزلت: " أكان للناس " يعني أهل مكة " عجبا ". وقيل: إنما ~~تعجبوا من ذكر البعث. # قوله تعالى: (أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا) في موضع نصب بإسقاط ~~الخافض، ms3050 أي بأن أنذر الناس، وكذا (أن لهم قدم صدق). وقد تقدم معنى النذارة ~~والبشارة (1) وغير ذلك من ألفاظ الآية. واختلف في معنى " قدم صدق " فقال ~~ابن عباس: قدم صدق منزل صدق، دليله قوله تعالى: " وقل رب أدخلني مدخل صدق " ~~(2) [الاسراء: 80]. وعنه أيضا أجرا حسنا بما قدموا من أعمالهم. وعنه أيضا " ~~قدم صدق " سبق السعادة في الذكر الأول، وقاله مجاهد. الزجاج: درجة عالية. ~~قال ذو الرمة: # لكم قدم لا ينكر الناس أنها * مع الحسب العالي (3) طمت على البحر قتادة: ~~سلف صدق. الربيع: ثواب صدق. عطاء: مقام صدق. يمان: إيمان صدق. وقيل: دعوة ~~الملائكة. وقيل: ولد صالح قدموه. الماوردي: أن يوافق صدق الطاعة صدق ~~الجزاء. وقال الحسن وقتادة أيضا: هو محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه شفيع ~~مطاع يتقد مهم، كما قال: (أنا فرطكم على الحوض) (4). وقد سئل صلى الله عليه ~~وسلم فقال: # (هي شفاعتي توسلون بي إلى ربكم). وقال الترمذي الحكيم: قدمه صلى الله ~~عليه وسلم في المقام المحمود. وعن الحسن أيضا: مصيبتهم في النبي صلى الله ~~عليه وسلم. وقال # PageV08P306 # عبد العزيز بن يحيى: " قدم صدق " قوله تعالى: " إن الذين سبقت لهم منا ~~الحسنى أولئك عنها مبعدون " (1) [الأنبياء: 101]. وقال مقاتل: أعمالا ~~قدموها، واختاره الطبري. قال الوضاح: # صل لذي العرش واتخذ قدما * تنجيك يوم العثار والزلل وقيل: هو تقديم الله ~~هذه الأمة في الحشر من القبر وفي إدخال الجنة. كما قال: (نحن الآخرون ~~السابقون يوم القيامة المقضي لهم قبل الخلائق). وحقيقته أنه كناية عن السعي ~~في العمل الصالح، فكنى عنه بالقدم كما يكنى عن الانعام باليد وعن الثناء ~~باللسان. وأنشد حسان: # لنا القدم العليا إليك وخلفنا * لأولنا في طاعة الله تابع يريد السابقة ~~بإخلاص الطاعة، والله أعلم. وقال أبو عبيدة والكسائي: كل سابق من خير أو شر ~~فهو عند العرب قدم، يقال: لفلان قدم في الاسلام، له عندي قدم صدق وقدم شر ~~وقدم خير. وهو مؤنث وقد يذكر، يقال: قدم حسن وقدم صالحة. وقال ابن ~~الأعرابي: القدم التقدم في الشرف، قال العجاج: ms3051 # زل بنو العوام عن آل الحكم * وتركوا الملك لملك ذي قدم وفي الصحاح عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لي خمسة أسماء. أنا محمد وأحمد وأنا ~~الماحي الذي يمحو الله بي الكفر وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي وأنا ~~العاقب) يريد آخر الأنبياء، كما قال تعالى: " وخاتم النبيين " (2) ~~[الأحزاب: 40]. # قوله تعالى: (قال الكافرون إن هذا لساحر مبين) قرأ ابن محيصن وابن كثير ~~والكوفيون عاصم وحمزة والكسائي وخلف والأعمش " لساحر " نعتا لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. # وقرأ الباقون " لسحر " نعتا للقرآن وقد تقدم معنى السحر في " البقرة " ~~(3). # قوله تعالى: إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى ~~على العرش يدبر الامر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم فاعبدوه ~~أفلا تذكرون (3) # PageV08P307 # قوله تعالى: (إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم ~~استوى على العرش) تقدم في الأعراف (1). (يدبر الامر) قال مجاهد: يقضيه ~~ويقدره وحده. ابن عباس: لا يشركه في تدبير خلقه أحد. وقيل: يبعث بالامر. ~~وقيل: ينزل به. وقيل: # يأمر به ويمضيه، والمعنى متقارب. فجبريل للوحي، وميكائيل للقطر، وإسرافيل ~~للصور، وعزرائيل للقبض. وحقيقته تنزيل الأمور في مراتبها على أحكام ~~عواقبها، واشتقاقه من الدبر. والامر اسم لجنس الأمور. (ما من شفيع) في موضع ~~رفع، والمعنى ما شفيع (إلا من بعد إذنه) وقد تقدم في " البقرة " (2) معنى ~~الشفاعة. فلا يشفع أحد نبي ولا غيره إلا بإذنه سبحانه، وهذا رد على الكفار ~~في قولهم فيما عبدوه من دون الله: " هؤلاء شفعاؤنا عند الله " (3) [يونس: ~~18] فأعلمهم الله أن أحدا لا يشفع لاحد إلا بإذنه، فكيف بشفاعة أصنام لا ~~تعقل. # قوله تعالى: (ذلكم الله ربكم فاعبدوه) أي ذلكم الذي فعل هذه الأشياء من ~~خلق السماوات والأرض هو ربكم لا رب لكم غيره. " فاعبدوه " أي وحدوه وأخلصوا ~~له العبادة. (أفلا تذكرون) أي أنها مخلوقاته فتستدلوا بها عليه. # قوله تعالى: إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا إنه يبدؤا الخلق ثم يعيده ~~ليجزى الذين آمنوا ms3052 وعملوا الصالحات بالقسط والذين كفروا لهم شراب من حميم ~~وعذاب أليم بما كانوا يكفرون (4) قوله تعالى: (إليه مرجعكم) رفع بالابتداء. ~~" جميعا " نصب على الحال. ومعنى الرجوع إلى الله الرجوع إلى أجزائه. (وعد ~~الله حقا) مصدران، أي وعد الله ذلك وعدا وحققه " حقا " صدقا لا خلف فيه. ~~وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة " وعد الله حق " على الاستئناف. # PageV08P308 # قوله تعالى: " إنه يبدأ الخلق " أي من التراب. " ثم يعيده " إليه. مجاهد: ~~ينشئه ثم يميته ثم يحييه للبعث، أو ينشئه من الماء ثم يعيده من حال إلى ~~حال. وقرأ يزيد بن القعقاع " أنه يبدأ الخلق " تكون " أن " في موضع نصب، أي ~~وعدكم أنه يبدأ الخلق. ويجوز أن يكون التقدير لأنه يبدأ الخلق، كما يقال: ~~لبيك إن الحمد والنعمة لك، والكسر أجود. # وأجاز الفراء أن تكون " أن " في موضع رفع فتكون اسما. قال أحمد بن يحيى: ~~يكون التقدير حقا إبداؤه الخلق. # قوله تعالى: (ليجزى الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط) أي بالعدل. ~~(والذين كفروا لهم شراب من حميم) أي ماء حار قد انتهى حره، والحميمة مثله. ~~يقال: حممت الماء أحمه فهو حميم، أي محموم، فعيل بمعنى مفعول. وكل مسخن عند ~~العرب فهو حميم. # (وعذاب أليم) أي موجع، يخلص وجعه إلى قلوبهم. (بما كانوا يكفرون) أي ~~بكفرهم، وكان معظم قريش يعترفون بأن الله خالقهم، فاحتج عليهم بهذا فقال: ~~من قدر على الابتداء قدر على الإعادة بعد الأفناء أو بعد تفريق الاجزاء. # قوله تعالى: هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد ~~السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون (5) ~~قوله تعالى: (هو الذي جعل الشمس ضياء) مفعولان، أي مضيئة، ولم يؤنث لأنه ~~مصدر، أو ذات ضياء (والقمر نورا) عطف، أي منيرا، أو ذا نور، فالضياء ما يضئ ~~الأشياء، والنور ما يبين فيخفى لأنه من النار من أصل واحد. والضياء جمع ~~ضوء، كالسياط والحياض جمع سوط وحوض. وقرأ قنبل عن ابن كثير " ضئاء " بهمز ~~الياء ولا وجه له، لان ياءه كانت ms3053 واوا مفتوحة وهي عين الفعل، أصلها ضواء ~~فقلبت وجعلت ياء كما جعلت في الصيام والقيام. قال المهدوي: ومن قرأ ضئاء ~~بالهمز فهو مقلوب، قدمت PageV08P309 # الهمزة التي بعد الألف فصارت قبل الألف ضئايا، ثم قلبت الياء همزة ~~لوقوعها بعد ألف زائدة. وكذلك إن قدرت أن الياء حين تأخرت رجعت إلى الواو ~~التي انقلبت عنها فإنها تقلب همزة أيضا فوزنه فلاع مقلوب من فعال. ويقال: ~~إن الشمس والقمر تضئ وجوههما لأهل السماوات السبع وظهورهما لأهل الأرضين ~~السبع. # قوله تعالى: (وقدره منازل) أي ذا منازل، أو قدر له منازل. ثم قيل: المعنى ~~وقدرهما، فوحد إيجازا واختصارا، كما قال: " وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا ~~إليها " (1). # وكما قال: # نحن بما عندنا وأنت بما * عندك راض والرأي مختلف وقيل: إن الاخبار عن ~~القمر وحده، إذ به تحصى الشهور التي عليها العمل في المعاملات ونحوها، كما ~~تقدم في " البقرة " (2). وفي سورة يس: " والقمر قدرناه منازل " (3) [يس: ~~39] أي على عدد الشهر، وهو ثمانية وعشرون منزلا. ويومان للنقصان والمحاق ~~(4)، وهناك يأتي بيانه. # قوله تعالى: (لتعلموا عدد السنين والحساب) قال ابن عباس: لو جعل شمسين، ~~شمسا بالنهار وشمسا بالليل ليس فيهما ظلمة ولا ليل، لم يعلم عدد السنين ~~وحساب الشهور. # وواحد " السنين " سنة، ومن العرب من يقول: سنوات في الجمع ومنهم من يقول: # سنهات. والتصغير سنية وسنيهة. # قوله تعالى: (ما خلق الله ذلك إلا بالحق) أي ما أراد الله عز وجل بخلق ~~ذلك إلا الحكمة والصواب، وإظهارا لصنعته وحكمته، ودلالة على قدرته وعلمه، ~~ولتجزى كل نفس بما كسبت، فهذا هو الحق. # قوله تعالى: (يفصل الآيات لقوم يعلمون) تفصيل الآيات تبيينها ليستدل بها ~~على قدرته تعالى، لاختصاص الليل بظلامه والنهار بضيائه من غير استحقاق لهما ~~ولا إيجاب، # PageV08P310 # فيكون هذا لهم دليلا على أن ذلك بإرادة مريد. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ~~وحفص ويعقوب " يفصل " بالياء، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم، لقوله من قبله: ~~" ما خلق الله ذلك إلا بالحق " وبعده " وما خلق الله في السماوات والأرض " ~~فيكون متبعا له. وقرأ ms3054 ابن السميقع " تفصل " بضم التاء وفتح الصاد على الفعل ~~المجهول، " والآيات " رفعا. # الباقون " نفصل " بالنون على التعظيم. # قوله تعالى: إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السماوات والأرض ~~لآيات لقوم يتقون (6) تقدم في " البقرة " وغيرها معناه (1)، والحمد لله. ~~وقد قيل: إن سبب نزولها أن أهل مكة سألوا آية فردهم إلى تأمل مصنوعاته ~~والنظر فيها، قاله ابن عباس. " لقوم يتقون " أي الشرك، فأما من أشرك ولم ~~يستدل فليست الآية له آية. # قوله تعالى: إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها ~~والذين هم عن آياتنا غافلون (7) أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون (8) ~~قوله تعالى: (إن الذين لا يرجون لقاءنا) " يرجون " يخافون، ومنه قول ~~الشاعر: # إذا لسعته النحل لم يرج لسعها * وخالفها في بيت نوب عواسل (2) وقيل يرجون ~~يطمعون، ومنه قول الآخر: # أيرجو بنو مروان سمعي وطاعتي * وقومي تميم والفلاة ورائيا # PageV08P311 # فالرجاء يكون بمعنى الخوف والطمع، أي لا يخافون عقابا ولا يرجون ثوابا. ~~وجعل لقاء العذاب والثواب لقاء لله تفخيما لهما. وقيل: يجري اللقاء على ~~ظاهره، وهو الرؤية، أي لا يطمعون في رؤيتنا. وقال بعض العلماء: لا يقع ~~الرجاء بمعنى الخوف إلا مع الجحد، كقوله تعالى: # " ما لكم لا ترجون لله وقارا " (1) [نوح: 13]. وقال بعضهم: بل يقع بمعناه ~~في كل موضع دل عليه المعنى. # قوله تعالى: (ورضوا بالحياة الدنيا) أي رضوا بها عوضا من الآخرة فعملوا ~~لها. # (واطمأنوا بها) أي فرحوا بها وسكنوا إليها، وأصل اطمأن طأمن طمأنينة، ~~فقدمت ميمه وزيدت نون وألف وصل، ذكره الغزنوي. (والذين هم عن آياتنا) أي عن ~~أدلتنا (غافلون) لا يعتبرون ولا يتفكرون. (أولئك مأواهم) أي مثواهم ~~ومقامهم. (النار بما كانوا يكسبون) أي من الكفر والتكذيب. # قوله تعالى: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجرى ~~من تحتهم الأنهار في جنات النعيم (9) قوله تعالى: ((إن الذين آمنوا) أي ~~صدقوا. (وعملوا الصالحات يهد يهم ربهم بإيمانهم) أي يزيدهم (2) هداية، ~~كقوله: " والذين اهتدوا زادهم هدى " (3) [محمد: 17]. وقيل: # " يهديهم ربهم بإيمانهم " إلى مكان تجري من ms3055 تحتهم الأنهار. وقال أبو روق: ~~يهديهم ربهم بإيمانهم إلى الجنة. وقال عطية: " يهديهم " يثيبهم ويجزيهم. ~~وقال مجاهد: " يهد يهم ربهم " بالنور على الصراط إلى الجنة، يجعل لهم نورا ~~يمشون به. ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يقوي هذا أنه قال: (يتلقى ~~المؤمن عمله في أحسن صورة فيؤنسه ويهديه ويتلقى الكافر عمله في أقبح صورة ~~فيوحشه ويضله). هذا معنى الحديث. وقال ابن جريج: # يجعل عملهم هاديا لهم. الحسن: " يهد يهم " يرحمهم. # قوله تعالى: (تجرى من تحتهم الأنهار) قيل: في الكلام واو محذوفة، أي ~~وتجري من تحتهم، أي من تحت بساتينهم. وقيل: من تحت أسرتهم، وهذا أحسن في ~~النزهة والفرجة. # PageV08P312 # قوله تعالى: دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن ~~الحمد لله رب العالمين (10) قوله تعالى: (دعواهم فيها سبحانك اللهم) ~~دعواهم: أي دعاؤهم، والدعوى مصدر دعا يدعو، كالشكوى مصدر شكا يشكو، أي ~~دعاؤهم في الجنة أن يقولوا سبحانك اللهم وقيل: إذا أرادوا أن يسألوا شيئا ~~أخرجوا السؤال بلفظ التسبيح ويختمون بالحمد. وقيل: # نداؤهم الخدم ليأتوهم بما شاءوا ثم سبحوا. وقيل: إن الدعاء هنا بمعنى ~~التمني قال الله تعالى " ولكم فيها ما تدعون " (1) [فصلت: 31] أي ما ~~تتمنون. والله أعلم. # قوله تعالى: (وتحيتهم فيها سلام) أي تحية الله لهم أو تحية الملك أو تحية ~~بعضهم لبعض: سلام. وقد مضى في " النساء " معنى التحية مستوفى (2). والحمد ~~لله. # قوله تعالى: (وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين) فيه أربع مسائل: # الأولى - قيل: إن أهل الجنة إذا مر بهم الطير واشتهوه قالوا: سبحانك ~~اللهم، فيأ تيهم الملك بما اشتهوا، فإذا أكلوا حمدوا الله فسؤالهم بلفظ ~~التسبيح والختم بلفظ الحمد. ولم يحك أبو عبيد إلا تخفيف " أن " ورفع ما ~~بعدها، قال: وإنما نراهم اختاروا هذا وفرقوا بينها وبين قوله عز وجل: " أن ~~لعنة الله " و " أن غضب الله " لأنهم أرادوا الحكاية حين يقال الحمد لله. ~~قال النحاس: مذهب الخليل وسيبويه أن " أن " هذه مخففة من الثقيلة، والمعنى ~~أنه الحمد لله. قال محمد بن يزيد: ms3056 ويجوز " أن الحمد لله " يعملها خفيفة ~~عملها ثقيلة، والرفع أقيس. قال النحاس: وحكى أبو حاتم أن بلال بن أبي بردة ~~قرأ " وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ". # قلت: وهي قراءة ابن محيصن، حكاها الغزنوي لأنه يحكي عنه. # PageV08P313 # الثانية - التسبيح والحمد والتهليل قد يسمى دعاء، روى مسلم والبخاري عن ~~ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول عند الكرب: (لا إله إلا ~~الله العظيم الحليم. # لا إله إلا الله رب العرش العظيم. لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ~~ورب العرش الكريم). قال الطبري: كان السلف يدعون بهذا الدعاء ويسمونه دعاء ~~الكرب. وقال ابن عيينة وقد سئل عن هذا فقال: أما علمت أن الله تعالى يقول ~~(إذا شغل عبدي ثناؤه عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين). والذي يقطع ~~النزاع وأن هذا يسمى دعاء وإن لم يكن فيه من معنى الدعاء شئ وإنما هو تعظيم ~~لله تعالى وثناء عليه ما رواه النسائي عن سعد ابن أبي وقاص قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: (دعوة ذي النون إذا دعا بها في بطن الحوت لا إله ~~إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فإنه لن يدعو بها مسلم في شئ إلا ~~استجيب له). # الثالثة - من السنة لمن بدأ بالاكل أن يسمي الله عند أكله وشربه ويحمده ~~عند فراغه اقتداء بأهل الجنة، وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الاكلة فيحمده ~~عليها أو يشرب الشربة فيحمده عليها). # الرابعة - يستحب للداعي أن يقول في آخر دعائه كما قال أهل الجنة: وآخر ~~دعواهم أن الحمد لله رب العالمين، وحسن أن يقرأ آخر " والصافات " (1) فإنها ~~جمعت تنزيه البارئ تعالى عما نسب إليه، والتسليم على المرسلين، والختم ~~بالحمد لله رب العالمين. # قوله تعالى: ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضى إليهم أجلهم ~~فنذر الذين لا يرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون (11) # PageV08P314 # قوله تعالى: (ولو يعجل الله ms3057 للناس الشر استعجالهم بالخير لقضى إليهم ~~أجلهم) فيه ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (ولو يعجل الله للناس الشر) قيل: معناه ولو عجل ~~الله للناس العقوبة كما يستعجلون الثواب والخير لماتوا، لأنهم خلقوا في ~~الدنيا خلقا ضعيفا، وليس هم كذا يوم القيامة، لأنهم يوم القيامة يخلقون ~~للبقاء. وقيل: المعنى لو فعل الله مع الناس في إجابته إلى المكروه مثل ما ~~يريدون فعله معهم في إجابته إلى الخير لأهلكهم، وهو معنى " لقضي إليهم ~~أجلهم ". وقيل: إنه خاص بالكافر، أي ولو يجعل الله للكافر العذاب على كفره ~~كما عجل له خير الدنيا من المال والولد لعجل له قضاء أجله ليتعجل عذاب ~~الآخرة، قاله ابن إسحاق. مقاتل: هو قول النضر بن الحارث: اللهم إن كان هذا ~~هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء، فلو عجل لهم هذا لهلكوا. ~~وقال مجاهد: نزلت في الرجل يدعو على نفسه أو ماله أو ولده إذا غضب: اللهم ~~أهلكه، اللهم لا تبارك له فيه والعنه، أو نحو هذا، فلو استجيب ذلك منه كما ~~يستجاب الخير لقضي إليهم أجلهم. فالآية نزلت ذامة لخلق ذميم هو في بعض ~~الناس يدعون في الخير فيريدون تعجيل الإجابة ثم يحملهم أحيانا سوء الخلق ~~على الدعاء في الشر، فلو عجل لهم لهلكوا. # الثانية - واختلف في إجابة هذا الدعاء، فروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: (إني سألت الله عز وجل ألا يستجيب دعاء حبيب على حبيبه). وقال شهر ~~ابن حوشب: قرأت في بعض الكتب أن الله تعالى يقول للملائكة الموكلين بالعبد: # لا تكتبوا على عبدي في حال ضجره شيئا، لطفا من الله تعالى عليه. قال ~~بعضهم: وقد يستجاب ذلك الدعاء، واحتج بحديث جابر الذي رواه مسلم في صحيحه ~~آخر الكتاب، قال جابر: سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بطن ~~بواط (1) وهو يطلب المجدي بن عمرو الجهني # PageV08P315 # وكان الناضح يعتقبه (1) منا الخمسة والستة والسبعة، فدارت عقبة رجل من ~~الأنصار على ناضح له فأناخه فركب، ثم بعثه فتلدن (2) عليه ms3058 بعض التلدن، فقال ~~له: شاء، لعنك الله! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من هذا اللاعن ~~بعيره)؟ قال: أنا يا رسول الله، قال: (انزل عنه فلا تصحبنا بملعون لا تدعوا ~~على أنفسكم ولا تدعوا على أولادكم ولا تدعوا على أموالكم لا توافقوا من ~~الله ساعة يسأل فيها عطاء فيستجيب لكم). # في غير [كتاب] (3) مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في سفر فلعن رجل ~~ناقته فقال: # (أبن الذي لعن ناقته)؟ فقال الرجل: أنا هذا يا رسول الله، فقال: (أخرها ~~عنك فقد أجبت فيها) ذكره الحليمي في منهاج الدين. " شاء " يروى بالسين ~~والشين، وهو زجر للبعير بمعنى سر. # الثالثة - قوله تعالى: " ولو يعجل الله " قال العلماء: التعجيل من الله، ~~والاستعجال من العبد. وقال أبو علي: هما من الله، وفي الكلام حذف، أي ولو ~~يعجل الله للناس الشر تعجيلا مثل استعجالهم بالخير، ثم حذف تعجيلا وأقام ~~صفته مقامه، ثم حذف صفته وأقام المضاف إليه مقامه، هذا مذهب الخليل ~~وسيبويه. وعلى قول الأخفش والفراء كاستعجالهم، ثم حذف الكاف ونصب. قال ~~الفراء: كما تقول ضربت زيدا ضربك، أي كضربك. وقرأ ابن عامر " لقضى إليهم ~~أجلهم ". وهي قراءة حسنة، لأنه متصل بقوله: " ولو يعجل الله للناس الشر ". # قوله تعالى: (فنذر الذين لا يرجون لقاءنا) أي لا يعجل لهم الشر فربما ~~يتوب منهم تائب، أو يخرج من أصلابهم مؤمن. (في طغيانهم يعمهون) أي يتحيرون. ~~والطغيان: # العلو والارتفاع، وقد تقدم في " البقرة " (4). وقد قيل: إن المراد بهذه ~~الآية أهل مكة، وإنها نزلت حين قالوا: " اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك ~~" [الأنفال: 32] الآية، على ما تقدم (5) والله أعلم. # PageV08P316 # قوله تعالى: وإذا مس الانسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما ~~كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه كذلك زين للمسرفين ما كانوا ~~يعملون (12) قوله تعالى: (وإذا مس الانسان الضر دعانا لجنبه) قيل: المراد ~~بالانسان هنا الكافر، قيل: هو أبو حذيفة بن المغيرة المشرك، تصيبه البأساء ~~والشدة (1) والجهد. " دعانا لجنبه " أي ms3059 على جنبه مضطجعا. (أو قاعدا أو ~~قائما) وإنما أراد جميع حالاته، لان الانسان لا يعدو إحدى هذه الحالات ~~الثلاثة. قال بعضهم: إنما بدأ بالمضطجع لأنه بالضر أشد في غالب الامر، فهو ~~يدعو أكثر، واجتهاده أشد، ثم القاعد ثم القائم. (فلما كشفنا عنه ضره مر) أي ~~استمر على كفره ولم يشكر ولم يتعظ. # قلت: وهذه صفة كثير من المخلطين الموحدين، إذا أصابته العافية مر على ما ~~كان عليه من المعاصي، فالآية تعم الكافر وغيره. (كأن لم يدعنا) قال الأخفش: ~~هي " كأن " الثقيلة خففت، والمعنى كأنه وأنشد: # وي كأن من يكن له نشب يحبب * ومن يفتقر يعش عيش ضر (2) (كذلك زين) أي كما ~~زين لهذا الدعاء عند البلاء والاعراض عند الرخاء. (زين للمسرفين) أي ~~للمشركين أعمالهم من الكفر والمعاصي. وهذا التزيين يجوز أن يكون من الله، ~~ويجوز أن يكون من الشيطان، وإضلاله دعاؤه إلى الكفر. # قوله تعالى: ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم ~~بالبينات وما كانوا ليؤمنوا كذلك نجزى القوم المجرمين (13) قوله تعالى: ~~(ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا) يعني الأمم الماضية من قبل أهل ~~مكة أهلكناهم. (لما ظلموا) أي كفروا وأشركوا. (وجاء تهم رسلهم بالبينات) # PageV08P317 # أي بالمعجزات الواضحات والبراهين النيرات. (وما كانوا ليؤمنوا) أي ~~أهلكناهم لعلمنا أنهم لا يؤمنون. يخوف كفار مكة عذاب الأمم الماضية، أي نحن ~~قادرون على إهلاك هؤلاء بتكذيبهم محمدا صلى الله عليه وسلم، ولكن نمهلهم ~~لعلمنا بأن فيهم من يؤمن، أو يخرج من أصلابهم من يؤمن. وهذه الآية ترد على ~~أهل الضلال القائلين بخلق الهدى والايمان. # وقيل: معنى " ما كانوا ليؤمنوا " أي جازاهم على كفرهم بأن طبع على ~~قلوبهم، ويدل على هذا أنه قال: " كذلك نجزي القوم المجرمين ". # قوله تعالى: ثم جعلنا كم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون (14) ~~قوله تعالى: " ثم جعلنا كم خلائف " مفعولان. والخلائف جمع خليفة، وقد تقدم ~~آخر " الانعام " (1) أي جعلنا كم سكانا في الأرض. " من بعدهم " أي من بعد ~~القرون المهلكة. # " لننظر " نصب بلام كي، وقد ms3060 تقدم نظائره وأمثاله، أي ليقع منكم ما ~~تستحقون به الثواب والعقاب، ولم يزل يعلمه غيبا. وقيل: يعاملكم معاملة ~~المختبر إظهارا للعدل. وقيل: النظر راجع إلى الرسل، أي لينظر رسلنا ~~وأولياؤنا كيف أعمالكم. و " كيف " نصب بقوله: # تعملون: لان الاستفهام له صدر الكلام فلا يعمل فيه ما قبله. # قوله تعالى: وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا أئت ~~بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ~~ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم (15) # PageV08P318 # فيه ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (وإذا تتلى عليهم آياتنا) " تتلى " تقرأ، و " بينات ~~" نصب على الحال، أي واضحات لا لبس فيها ولا إشكال. (قال الذين لا يرجون ~~لقائنا) يعني لا يخافون يوم البعث والحساب ولا يرجون الثواب. قال قتادة: ~~يعنى مشركي أهل مكة. # (أئت بقرآن غير هذا أو بدله) والفرق بين تبديله والآتيان بغيره أن تبديله ~~لا يجوز أن يكون معه، والآتيان بغيره قد يجوز أن يكون معه، وفي قو لهم ذلك ~~ثلاثة أوجه: # أحدها - أنهم سألوه أن يحول الوعد وعيدا والوعيد وعدا، والحلال حراما ~~والحرام حلالا، قاله ابن جرير الطبري. # الثاني - سألوه أن يسقط ما في القرآن من عيب آلهتهم وتسفيه أحلامهم، قاله ~~ابن عيسى. # الثالث - أنهم سألوه إسقاط ما فيه من ذكر البعث والنشور، قاله الزجاج. # الثانية - قوله تعالى: (قل ما يكون لي) أي قل يا محمد ما كان لي. " أن ~~أبدله من تلقاء نفسي " ومن عندي، كما ليس لي أن ألقاه بالرد والتكذيب. (إن ~~أتبع إلا ما يوحى إلي) أي لا أتبع إلا ما أتلوه عليكم من وعد ووعيد، وتحريم ~~وتحليل، وأمر ونهي. وقد يستدل بهذا من يمنع نسخ الكتاب بالسنة، لأنه تعالى ~~قال: " قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي " وهذا فيه بعد، فإن الآية ~~وردت في طلب المشركين مثل القرآن نظما، ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم ~~قادرا على ذلك، ولم يسألوه تبديل ms3061 الحكم دون اللفظ، ولأن الذي يقوله الرسول ~~صلى الله عليه وسلم إذا كان وحيا لم يكن من تلقاء نفسه، بل كان من عند الله ~~تعالى. # الثالثة - قوله تعالى: (إني أخاف إن عصيت ربي) أي إن خالفت في تبديله ~~وتغييره أو في ترك العمل به. (عذاب يوم عظيم) يعني يوم القيامة. ~~PageV08P319 # قوله تعالى: قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم ~~عمرا من قبله أفلا تعقلون (16) قوله تعالى: (قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ~~ولا أدراكم به) أي لو شاء الله ما أرسلني إليكم فتلوت عليكم القرآن، ولا ~~أعلمكم الله ولا أخبركم به، يقال: دريت الشئ وأدراني الله به، ودريته ودريت ~~به. وفي الدراية معنى الختل، ومنه دريت الرجل أي ختلته، ولهذا لا يطلق ~~الداري في حق الله تعالى وأيضا عدم فيه التوقيف. وقرأ ابن كثير: " ولأدراكم ~~به " بغير ألف بين اللام والهمزة، والمعنى: لو شاء الله لأعلمكم به من غير ~~أن أتلوه عليكم، فهي لام التأكيد دخلت على ألف أفعل. وقرأ ابن عباس والحسن ~~" ولا أدراتكم به " بتحويل الياء ألفا (1)، على لغة بني عقيل، فال الشاعر: # لعمرك ما أخشى التصعلك ما بقى * على الأرض قيسي يسوق الأباعرا وقال آخر: # ألا آذنت أهل اليمامة طئ * بحرب كناصات الأغر المشهر قال أبو حاتم: سمعت ~~الأصمعي يقول سألت أبا عمرو بن العلاء: هل لقراءة الحسن " ولا أدراتكم به " ~~وجه؟ فقال لا. وهل أبو عبيد: لا وجه لقراءة الحسن " ولا أدراتكم به " إلا ~~الغلط. قال النحاس: معنى قول أبي عبيد: لا وجه، إن شاء الله على الغلط، ~~لأنه يقال: # دريت أي علمت، وأدريت غيري، ويقال: درأت أي دفعت، فيقع الغلط بين دريت ~~ودرأت. قال أبو حاتم: يريد الحسن فيما أحسب " ولا أدريتكم به " فأبدل من ~~الياء ألفا على لغة بني الحارث بن كعب، يبدلون من الياء ألفا إذا انفتح ما ~~قبلها، مثل: " إن هذان لساحران " (2) [طه: 63]. # قال المهدوي: ومن قرأ " أدرأتكم " فوجهه أن أصل الهمزة ياء، فأصله " ~~أدريتكم ms3062 " فقلبت الياء ألفا وإن كانت ساكنة، كما قال: يايس في ييس وطايئ في ~~طيئ، ثم قلبت الألف # PageV08P320 # همزة على لغة من قال في العالم العألم وفي الخاتم الخأتم. قال النحاس: ~~وهذا غلط، والرواية عن الحسن " ولا أدرأتكم " بالهمزة، وأبو حاتم وغيره ~~تكلم أنه بغير همز، ويجوز أن يكون من درأت أي دفعت، أي ولا أمرتكم أن ~~تدفعوا فتتركوا الكفر بالقرآن. # قوله تعالى: (فقد لبثت فيكم عمرا) ظرف، أي مقدارا من الزمان وهو أربعون ~~سنة. # (من قبله) أي من قبل القرآن، تعرفونني بالصدق والأمانة، لا أقرأ ولا ~~أكتب، ثم جئتكم بالمعجزات. (أفلا تعقلون) أن هذا لا يكون إلا من عند الله ~~لا من قبلي. وقيل: معنى (لبثت فيكم عمرا) أي لبثت فيكم مدة شبابي لم أعص ~~الله أفتر يدون مني الآن وقد بلغت أربعين سنة أن أخالف أمر الله وأغير ما ~~ينزله علي. قال قتادة: لبثت فيهم أربعين سنة وأقام سنتين يرى رؤيا الأنبياء ~~وتوفى صلى الله عليه وسلم وهو ابن اثنتين وستين سنة. # قوله تعالى: فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح ~~المجرمون (17) هذا استفهام بمعنى الجحد، أي لا أحد أظلم ممن افترى على الله ~~الكذب، وبدل كلامه وأضاف شيئا إليه مما لم ينزله. وكذلك لا أحد أظلم منكم ~~إذا أنكرتم القرآن وافتريتم على الله الكذب، وقلتم ليس هذا كلامه. وهذا مما ~~أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم. # وقيل: هو من قول الله ابتداء. وقيل: المفتري المشرك، والمكذب بالآيات أهل ~~الكتاب. # " إنه لا يفلح المجرمون ". # قوله تعالى: ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء ~~شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض ~~سبحانه وتعالى عما يشركون (18) PageV08P321 # قوله تعالى: (ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم) يريد الأصنام. # (ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله) وهذه غاية الجهالة منهم، حيث ينتظرون ~~الشفاعة في المآل ممن لا يوجد منه نفع ولا ضر ms3063 في الحال. وقيل: " شفعاؤنا " ~~أي تشفع لنا عند الله في إصلاح معائشنا في الدنيا. (قل أتنبئون الله بما لا ~~يعلم في السماوات ولا في الأرض) قراءة العامة " تنبئون " بالتشديد. وقرأ ~~أبو السمال العدوي " أتنبئون الله " مخففا، من أنبأ ينبئ. وقراءة العامة من ~~نبأ ينبئ تنبئة، وهما بمعنى واحد، جمعهما قوله تعالى: " من أنبأك هذا قال ~~نبأني العليم الخبير " (1) [التحريم: 3] أي أتخبرون الله أن له شريكا في ~~ملكه أو شفيعا بغير إذنه، والله لا يعلم لنفسه شريكا في السماوات ولا في ~~الأرض، لأنه لا شريك له فلذلك لا يعلمه. نظيره قوله: " أم تنبئونه بما لا ~~يعلم في الأرض " (2) [الرعد: 33] ثم نزه نفسه وقدسها عن الشرك فقال: " ~~سبحانه وتعالى عما يشركون " أي هو أعظم من أن يكون له شريك وقيل: المعنى أي ~~يعبدون ما لا يسمع ولا يبصر (3) ولا يميز " ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله ~~" فيكذبون، وهل يتهيأ لكم أن تنبئوه بما لا يعلم، سبحانه وتعالى عما يشر ~~كون!. وقرأ حمزة والكسائي " تشر كون " بالتاء، وهو اختيار أبي عبيد. ~~الباقون بالياء. # قوله تعالى: وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت من ~~ربك لقضى بينهم فيما فيه يختلفون (19) تقدم في " البقرة " (4) معناه فلا ~~معنى للإعادة. وقال الزجاج: هم العرب كانوا على الشرك. # وقيل: كل مولود يولد على الفطرة، فاختلفوا عند البلوغ. " ولولا كلمة سبقت ~~من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون " إشارة إلى القضاء والقدر، أي لولا ما ~~سبق في حكمه أنه لا يقضى بينهم فيما اختلفوا فيه بالثواب والعقاب دون ~~القيامة لقضي بينهم في الدنيا، فأدخل المؤمنين الجنة بأعمالهم والكافرين ~~النار بكفرهم، ولكنه سبق من الله الاجل مع علمه بصنيعهم فجعل # PageV08P322 # موعدهم القيامة، قاله الحسن. وقال أبو روق: " لقضي بينهم " لأقام عليهم ~~الساعة. وقيل: # لفرغ من هلاكهم. وقال الكلبي: " الكلمة " أن الله أخر هذه الأمة فلا ~~يهلكهم بالعذاب في الدنيا إلى يوم القيامة، فلولا هذا التأخير لقضي بينهم ~~بنزول العذاب أو بإقامة الساعة. # والآية تسلية للنبي صلى الله عليه ms3064 وسلم في تأخير العذاب عمن كفر به. ~~وقيل: الكلمة السابقة أنه لا يأخذ أحدا إلا بحجة وهو إرسال الرسل، كما قال: ~~" وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا " (1) [الاسراء: 15] وقيل: الكلمة قوله: ~~(سبقت رحمتي غضبي) ولولا ذلك لما أخر العصاة إلى التوبة. وقرأ عيسى " لقضى ~~" بالفتح. # قوله تعالى: ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه فقل إنما الغيب لله ~~فانتظروا إني معكم من المنتظرين (20) يريد أهل مكة، أي هلا أنزل عليه آية، ~~أي معجزة غير هذه المعجزة، فيجعل لنا الجبال ذهبا ويكون له بيت من زخرف، ~~ويحيى لنا من مات من آبائنا. وقال الضحاك: عصا كعصا موسى. (فقل إنما الغيب ~~لله) أي قل يا محمد إن نزول الآية غيب. (فانتظروا) أي تربصوا. (إني معكم من ~~المنتظرين) لنزولها. وقيل: انتظروا قضاء الله بيننا بإظهار المحق على ~~المبطل. # قوله تعالى: وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم إذا لهم مكر في ~~آياتنا قل الله أسرع مكرا إن رسلنا يكتبون ما تمكرون (21) يريد كفار مكة. ~~(رحمة من بعد ضراء مستهم) قيل: رخاء بعد شدة، وخصب بعد جدب. (إذا لهم مكر ~~في آياتنا) أي استهزاء وتكذيب. وجواب قوله: " وإذا أذقنا ": # " إذا لهم " على قول الخليل وسيبويه. " قل الله أسرع " ابتداء وخبر. " ~~مكرا " على البيان، # PageV08P323 # أي أعجل عقوبة على جزاء مكرهم، أي أن ما يأتيهم من العذاب أسرع في ~~إهلاكهم مما أتوه من المكر. (إن رسلنا يكتبون ما تمكرون) يعني بالرسل ~~الحفظة. وقراءة العامة " تمكرون " بالتاء خطابا. وقرأ يعقوب في رواية رويس ~~وأبو عمرو في رواية هارون العتكي " يمكرون " بالياء، لقوله: " إذا لهم مكر ~~في آياتنا " قيل: قال أبو سفيان قحطنا بل بدعائك فإن سقيتنا صدقناك، فسقوا ~~باستسقائه صلى الله عليه وسلم فلم يؤمنوا، فهذا مكرهم. # قوله تعالى: هو الذي يسير كم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين ~~بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا ~~أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا ms3065 من هذه لنكونن من ~~الشاكرين (22) فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق يا أيها الناس ~~إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما ~~كنتم تعملون (23) قوله تعالى: (هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم ~~في الفلك وجرين بهم) أي يحملكم في البر على الدواب وفي البحر على الفلك. ~~وقال الكلبي: يحفظكم في السير. والآية تتضمن تعديد النعم فيما هي الحال ~~بسبيله من ركوب الناس الدواب والبحر. وقد مضى الكلام في ركوب البحر في " ~~البقرة " (1). " يسير كم " قراءة العامة. ابن عامر " ينشر كم " بالنون ~~والشين، أي يبثكم ويفرقكم. والفلك يقع على الواحد والجمع، ويذكر ويؤنث، وقد ~~تقدم القول فيه (1). وقوله: " وجرين بهم " خروج من الخطاب إلى الغيبة، وهو ~~في القرآن وأشعار العرب كثير، قال النابغة: # يا دار مية بالعلياء فالسند * أقوت وطال عليها سالف الأمد # PageV08P324 # قال ابن الأنباري: وجائز في اللغة أن يرجع من خطاب الغيبة إلى لفظ ~~المواجهة بالخطاب، قال الله تعالى: " وسقاهم ربهم شرابا طهورا إن هذا كان ~~لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا " (1) [الانسان: 21 - 22] فأبدل الكاف من ~~الهاء. # قوله تعالى " بريح طيبة وفرحوا بها " تقدم الكلام (2) فيها في البقرة ~~(جاءتها ريح عاصف) الضمير في " جاءتها " للسفينة. وقيل للريح الطيبة. ~~والعاصف الشديدة، يقال: # عصفت الريح وأعصفت، فهي عاصف ومعصف ومعصفة أي شديدة، قال الشاعر: # حتى إذا أعصفت ريح مزعزعة * فيها قطار ورعد صوته زجل وقال " عاصف " ~~بالتذكير لان لفظ الريح مذكر، وهي القاصف أيضا. والطيبة غير عاصف ولا ~~بطيئة. (وجاءهم الموج من كل مكان) والموج ما ارتفع من الماء (وظنوا) أي ~~أيقنوا (أنهم أحيط بهم) أي أحاط بهم البلاء، يقال لمن وقع في بلية: قد أحيط ~~به، كأن البلاء قد أحاط به، وأصل هذا أن العدو إذا أحاط بموضع فقد هلك ~~أهله. (دعوا الله مخلصين له الدين) أي دعوه وحده وتركوا ما كانوا يعبدون. ~~وفي هذا دليل على أن الخلق جبلوا على الرجوع إلى الله في الشدائد، وأن ~~المضطر يجاب دعاؤه، ms3066 وإن كان كافرا، لانقطاع الأسباب ورجوعه إلى الواحد رب ~~الأرباب، على ما يأتي بيانه في " النمل " إن شاء الله تعالى (3). وقال بعض ~~المفسرين: إنهم قالوا في دعائهم أهيا شراهيا، أي يا حي يا قيوم. وهي لغة ~~العجم. # مسألة - هذه الآية تدل على ركوب البحر مطلقا، ومن السنة حديث أبي هريرة ~~وفيه: إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء... الحديث. وحديث أنس في ~~قصة أم حرام يدل على جواز ركوبه في الغزو، وقد مضى هذا المعنى في " البقرة ~~" مستوفى (2) والحمد لله. وقد تقدم في آخر " الأعراف " حكم راكب البحر في ~~حال ارتجاجه وغليانه، هل حكمه حكم الصحيح أو المريض المحجور عليه، فتأمله ~~هناك (4). # PageV08P325 # قوله تعالى: (لئن أنجيتنا من هذه) أي من هذه الشدائد والأهوال. وقال ~~الكلبي: # من هذه الريح. (لنكونن من الشاكرين) أي من العاملين بطاعتك على نعمة ~~الخلاص. # (فلما أنجاهم) أي خلصهم وأنقذهم. (إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق) أي ~~يعملون في الأرض بالفساد وبالمعاصي. والبغي: الفساد والشرك، من بغى الجرح ~~إذا فسد، وأصله الطلب، أي يطلبون الاستعلاء بالفساد. (بغير الحق) أي ~~بالتكذيب، ومنه بغت المرأة طلبت غير زوجها. # قوله تعالى: (يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم) أي وباله عائد عليكم، ~~وتم الكلام، ثم ابتدأ فقال: " متاع (1) الحياة الدنيا " أي هو متاع الحياة ~~الدنيا، ولا بقاء له. قال النحاس: ' بغيكم " رفع بالابتداء وخبره " متاع ~~الحياة الدنيا ". و " على أنفسكم " مفعول معنى فعل البغي. ويجوز أن يكون ~~خبره " على أنفسكم " وتضمر مبتدأ، أي ذلك متاع الحياة الدنيا، أو هو متاع ~~الحياة الدنيا، وبين المعنيين حرف (2) لطيف، إذا رفعت متاعا على أنه خبر " ~~بغيكم " فالمعنى إنما بغي بعضكم على بعض، مثل: " فسلموا على أنفسكم " ~~[النور: 61] وكذا " لقد جاءكم رسول من أنفسكم " [التوبة: 128]. وإذا كان ~~الخبر " على أنفسكم " فالمعنى إنما فسادكم راجع عليكم، مثل " وإن أسأتم ~~فلها ". وروي عن سفيان بن عيينة أنه قال: أراد أن البغي متاع الحياة ~~الدنيا، أي عقوبته تعجل لصاحبه في الدنيا، كما يقال: البغي مصرعة. ms3067 وقرأ ابن ~~أبي إسحاق " متاع " بالنصب على أنه مصدر، أي تتمتعون متاع الحياة الدنيا. ~~أو ينزع الخافض، أي لمتاع، أو مصدر، بمعنى المفعول على الحال، أي متمتعين. ~~أو هو نصب على الظرف، أي في متاع الحياة الدنيا، ومتعلق الظرف والجار ~~والحال معنى الفعل في البغي. و " على أنفسكم " مفعول ذلك المعنى. # قوله تعالى: إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به ~~نبات الأرض مما يأكل الناس والانعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن ~~أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم ~~تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون (24) # PageV08P326 # قوله تعالى: (إنما الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء) معنى الآية ~~التشبيه والتمثيل، أي صفة الحياة الدنيا في فنائها وزوالها وقلة خطرها ~~والملاذ بها كماء، أي مثل ماء، فالكاف في موضع رفع. وسيأتي لهذا التشبيه ~~مزيد بيان في " الكهف " (1) إن شاء الله تعالى. " أنزلناه من السماء " نعت ~~ل‍ " - ماء ". (فاختلط) روي عن نافع أنه وقف على " فاختلط " أي فاختلط ~~الماء بالأرض، ثم ابتدأ (به نبات الأرض) أي بالماء نبات الأرض، فأخرجت ~~ألوانا من النبات، فنبات على هذا ابتداء، وعلى مذهب من لم يقف على " فاختلط ~~" مرفوع باختلط، أي اختلط النبات بالمطر، أي شرب منه فتندى وحسن وأخضر. ~~والاختلاط تداخل الشئ بعضه في بعض. # قوله تعالى: (مما يأكل الناس) من الحبوب والثمار والبقول. (والانعام) من ~~الكلأ والتبن والشعير. (حتى إذا أخذت الأرض زخرفها) أي حسنها وزينتها. # والزخرف كمال حسن الشئ، ومنه قيل للذهب: زخرف. (وأزينت) أي بالحبوب ~~والثمار والأزهار، والأصل تزينت أدغمت التاء في الزاي وجئ بألف الوصل، لان ~~الحرف المدغم مقام حرفين الأول منهما ساكن والساكن لا يمكن الابتداء به. ~~وقرأ ابن مسعود وأبي بن كعب " وتزينت " على الأصل. وقرأ الحسن والأعرج وأبو ~~العالية " وأزينت " أي أتت بالزينة عليها، أي الغلة والزرع، وجاء بالفعل ~~على أصله ولو أعله لقال وازانت. وقال عوف ابن أبي جميلة الأعرابي: قرأ ~~أشياخنا " وازيانت " وزنه اسوادت. وفي رواية المقدمي ms3068 " وازاينت " والأصل ~~فيه تزاينت، وزنه تقاعست ثم أدغم. وقرأ الشعبي وقتادة " وأزينت " مثل ~~أفعلت. وقرأ أبو عثمان النهدي " وازينت " مثل أفعلت، وعنه أيضا " وازيانت ~~مثل افعالت، وروى عنه " ازيأنت " بالهمزة، ثلاث قراءات. # قوله تعالى: (وظن أهلها) أي أيقن. (أنهم قادرون عليها) أي على حصادها ~~والانتفاع بها، أخبر عن الأرض والمعني النبات إذ كان مفهوما وهو منها. ~~وقيل: رد # PageV08P327 # إلى الغلة، وقيل: إلى الزينة. (أتاها أمرنا) أي عذابنا، أو أمرنا ~~بهلاكها. (ليلا أو نهارا) ظرفان. (فجعلناها حصيدا) مفعولان، أي محصودة ~~مقطوعة لا شئ فيها. وقال " حصيدا " ولم يؤنث لأنه فعيل بمعنى مفعول. قال ~~أبو عبيد: الحصيد المستأصل. (كأن لم تغن بالأمس) أي لم تكن عامرة، من غني ~~إذا أقام فيه وعمره. والمغاني في اللغة: المنازل التي يعمرها الناس. وقال ~~قتادة: كأن لم تنعم. قال لبيد: # وغنيت سبتا قبل مجرى داحس * لو كان للنفس اللجوج خلود (1) وقراءة العامة ~~" تغن " بالتاء لتأنيث الأرض. وقرأ قتادة " يغن " بالياء، يذهب به إلى ~~الزخرف، يعني فكما يهلك هذا الزرع هكذا كذلك الدنيا. (نفصل الآيات) أي ~~نبينها. # (لقوم يتفكرون) في آيات الله. # قوله تعالى: والله يدعوا إلى دار السلام ويهدى من يشاء إلى صراط مستقيم ~~(25) قوله تعالى: (والله يدعو إلى دار السلام) لما ذكر وصف هذه الدار وهي ~~دار الدنيا وصف الآخرة فقال: إن الله لا يدعو كم إلى جمع الدنيا بل يدعوكم ~~إلى الطاعة لتصيروا إلى دار السلام، أي إلى الجنة. قال قتادة والحسن: ~~السلام هو الله، وداره الجنة، وسميت الجنة دار السلام لان من دخلها سلم من ~~الآفات. ومن أسمائه سبحانه " السلام "، وقد بيناه في (الكتاب الأسنى في شرح ~~أسماء الله الحسنى). ويأتي في سورة " الحشر (2) " إن شاء الله. # وقيل: المعنى والله يدعو إلى دار السلامة. والسلام والسلامة بمعنى ~~كالرضاع والرضاعة، قاله الزجاج. قال الشاعر: # تحيي بالسلامة أم بكر * وهل لك بعد قومك من سلام # PageV08P328 # وقيل: أراد والله يدعو إلى دار التحية، لان أهلها ينالون من الله التحية ~~والسلام، وكذلك من الملائكة. قال الحسن: إن ms3069 السلام لا ينقطع عن أهل الجنة، ~~وهو تحيتهم، كما قال: # " وتحيتهم فيها سلام " [يونس: 10]. وقال يحيى بن معاذ: يا بن آدم، دعاك ~~الله إلى دار السلام فانظر من أين تجيبه، فإن أجبته من دنياك دخلتها، وإن ~~أجبته من قبرك منعتها. وقال ابن عباس: # الجنان سبع: دار الجلال، ودار السلام، وجنة عدن، وجنة المأوى، وجنة ~~الخلد، وجنة الفردوس، وجنة النعيم. # قوله تعالى: (ويهدى من يشاء إلى صراط مستقيم) عم بالدعوة إظهارا لحجته، ~~وخص بالهداية استغناء عن خلقه. والصراط المستقيم، قيل: كتاب الله، رواه علي ~~بن أبي طالب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~(الصراط المستقيم كتاب الله تعالى). وقيل: الاسلام، رواه النواس بن سمعان ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وقيل: الحق، قاله قتادة ومجاهد. وقيل: رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وصاحباه من بعده أبو بكر وعمر رضي الله عنهما. وروى جابر بن عبد الله قال: ~~خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال: (رأيت في المنام كأن جبريل ~~عند رأسي وميكائيل عند رجلي فقال أحدهما لصاحبه اضرب له مثلا فقال له اسمع ~~سمعت أذناك واعقل عقل قلبك وإنما مثلك ومثل أمتك كمثل ملك اتخذ دارا ثم بنى ~~فيها بيتا ثم جعل فيها مأدبة ثم بعث رسولا يدعو الناس إلى طعامه فمنهم من ~~أجاب الرسول ومنهم من تركه فالله الملك والدار الاسلام والبيت الجنة وأنت ~~يا محمد الرسول فمن أجابك دخل في الاسلام ومن دخل في الاسلام دخل الجنة ومن ~~دخل الجنة أكل مما فيها) ثم تلا يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم (ويهدي ~~من يشاء إلى صراط مستقيم " (1). ثم تلا قتادة ومجاهد: " والله يدعوا إلى ~~دار السلام ". # وهذه الآية بينة الحجة في الرد على القدرية، لأنهم قالوا: هدى الله الخلق ~~كلهم إلى صراط مستقيم، والله قال: " ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم " فردوا ~~على الله نصوص القرآن. # PageV08P329 # قوله تعالى: للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة ~~أولئك ms3070 أصحاب الجنة هم فيها خالدون (26) قوله تعالى: (للذين أحسنوا الحسنى ~~وزيادة) روي من حديث أنس قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله ~~تعالى: " وزيادة " قال: (للذين أحسنوا العمل في الدنيا لهم الحسنى وهي ~~الجنة والزيادة النظر إلى وجه الله الكريم) وهو قول أبي بكر الصديق وعلي بن ~~أبي طالب في رواية. وحذيفة وعبادة بن الصامت وكعب بن عجرة وأبي موسى وصهيب ~~وابن عباس في رواية، وهو قول جماعة من التابعين، وهو الصحيح في الباب. # وروى مسلم في صحيحه عن صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا دخل ~~أهل الجنة الجنة قال الله تبارك وتعالى تريدون شيئا أزيدكم فيقولون ألم ~~تبيض وجوهنا ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار قال فيكشف الحجاب فما أعطوا ~~شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل) - وفي رواية ثم تلا - " للذين ~~أحسنوا الحسنى وزيادة " وخرجه النسائي أيضا عن صهيب قال قيل لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: هذه الآية " للذين أحسنوا الحسنى وزيادة " قال: (إذا دخل ~~أهل الجنة الجنة وأهل النار النار نادى مناد يا أهل الجنة إن لكم موعدا عند ~~الله يريد أن ينجزكموه قالوا ألم يبيض وجوهنا ويثقل موازيننا ويجرنا من ~~النار قال فيكشف الحجاب فينظرون إليه فوالله ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم ~~من النظر ولا أقر لأعينهم). وخرجه ابن المبارك في دقائقه عن أبي موسى ~~الأشعري موقوفا، وقد ذكرناه في كتاب التذكرة، وذكرنا هناك معنى كشف الحجاب، ~~والحمد لله. وخرج الترمذي الحكيم أبو عبد الله رحمه الله: حدثنا علي بن حجر ~~حدثنا الوليد بن مسلم عن زهير عن أبي العالية عن أبي بن كعب قال: سألت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن الزيادتين في كتاب الله، في قوله للذين أحسنوا ~~الحسنى وزيادة " قال: (النظر إلى وجه الرحمن) وعن قوله: " وأرسلناه إلى ~~مائة ألف أو يزيدون " (1) [الصافات: 147] قال: # PageV08P330 # (عشرون ألفا). وقد قيل: إن الزيادة أن تضاعف الحسنة عشر حسنات إلى أكثر ~~من ذلك، روي عن ابن ms3071 عباس. وروي عن علي [بن أبي طالب] (1) رضي الله عنه: ~~الزيادة غرفة من لؤلؤة واحدة لها أربعة آلاف باب. وقال مجاهد: الحسنى حسنة ~~مثل حسنة، والزيادة مغفرة من الله ورضوان. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ~~الحسنى الجنة، والزيادة ما أعطاهم الله في الدنيا من فضله لا يحاسبهم به ~~يوم القيامة. وقال عبد الرحمن بن سابط: الحسنى البشرى، والزيادة النظر إلى ~~وجه الله الكريم، قال الله تعالى: " وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة " (2) ~~[القيامة: 22 - 23]. # وقال يزيد بن شجرة: الزيادة أن تمر السحابة بأهل الجنة فتمطرهم من كل ~~النوادر التي لم يروها، وتقول: يا أهل الجنة، ما تريدون أن أمطركم؟ فلا ~~يريدون شيئا إلا أمطرتهم إياه. وقيل: # الزيادة أنه ما يمر عليهم مقدار يوم من أيام الدنيا إلا حتى يطيف بمنزل ~~أحدهم سبعون ألف ملك، مع كل ملك هدايا من عند الله ليست مع صاحبه، ما رأوا ~~مثل تلك الهدايا قط، فسبحان [الواسع العليم الغني الحميد العلى الكبير ~~العزيز القدير البر الرحيم المدبر الحكيم اللطيف الكريم الذي] (1) لا ~~تتناهى مقدوراته. وقيل: " أحسنوا " أي معاملة الناس، " الحسنى ": # شفاعتهم، والزيادة: إذن الله تعالى فيها وقبوله. # قوله تعالى: (ولا يرهق) قيل: معناه يلحق، ومنه قيل: غلام مراهق إذا لحق ~~بالرجال. وقيل: يعلو. وقيل: يغشى، والمعنى متقارب. " قتر " غبار. " ولا ذلة ~~" أي مذلة، كما يلحق أهل النار، أي لا يلحقهم غبار في محشرهم إلى الله ولا ~~تغشاهم ذلة. # وأنشد أبو عبيدة للفرزدق: # متوج برداء الملك يتبعه * موج ترى فوقه الرايات والقترا وقرأ الحسن " قتر ~~" بإسكان التاء. والقتر والقترة والقترة بمعنى واحد، قاله النحاس. وواحد ~~القتر قترة، ومنه قوله تعالى: " ترهقها قترة " (2) [عبس: 41] أي تعلوها ~~غبرة. وقيل: قتر كآبة وكسوف. # ابن عباس: القتر سواد الوجوه. ابن بحر: دخان النار، ومنه قتار القدر. ~~وقال ابن أبي ليلى: # هو بعد نظرهم إلى ربهم عز وجل. # PageV08P331 # قلت: هذا فيه نظر، فإن الله عز وجل يقول: " إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ~~أولئك عنها مبعدون. - إلى قوله - " لا ms3072 يحزنهم الفزع (1) الأكبر " ~~[الأنبياء: 101 - 103] وقال في غير آية: # " ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون " (2) [البقرة: 62] وقال: " إن الذين ~~قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا " ~~(3) [فصلت: 30] [الآية] (4). وهذا عام فلا يتغير بفضل الله في موطن من ~~المواطن لا قبل النظر ولا بعده وجه المحسن بسواد من كآبة ولا حزن، ولا ~~يعلوه شئ من دخان جهنم ولا غيره. (وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله ~~هم فيها خالدون) (5). # قوله تعالى: والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ما لهم ~~من الله من عاصم كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما أولئك أصحاب النار ~~هم فيها خالدون (27) قوله تعالى: (والذين كسبوا السيئات) أي عملوا المعاصي. ~~وقيل: الشرك. # (جزاء سيئة بمثلها) " جزاء " مرفوع بالابتداء، وخبره " بمثلها ". قال ابن ~~كيسان: # الباء زائدة، والمعنى جزاء سيئة مثلها. وقيل: الباء مع ما بعدها الخبر، ~~وهي متعلقة بمحذوف قامت مقامه، والمعنى: جزاء سيئة كائن بمثلها، كقولك: ~~إنما أنا بك، أي وإنما أنا كائن بك. # ويجوز أن تتعلق بجزاء، التقدير: جزاء سيئة بمثلها كائن، فحذف خبر ~~المبتدأ. ويجوز أن يكون " جزاء " مرفوعا على تقدير فلهم جزاء سيئة، فيكون ~~مثل قوله: " فعدة من أيام أخر " (6) [البقرة: 184] أي فعليه عدة، وشبهه، ~~والباء على هذا التقدير تتعلق بمحذوف، كأنه قال لهم جزاء سيئة ثابت بمثلها، ~~أو تكون مؤكدة أو زائدة. # ومعنى هذه المثلية أن ذلك الجزاء مما يعد مماثلا لذنوبهم، أي هم غير ~~مظلومين، وفعل الرب [جلت قدرته وتعالى شأنه] (4) غير معلل بعلة. (وترهقهم ~~ذلة) أي يغشاهم هوان وخزي. (ما لهم من الله) أي من عذاب الله. (من عاصم) أي ~~مانع يمنعهم منه. # PageV08P332 # (كأنما أغشيت) أي ألبست. (وجوههم قطعا) جمع قطعة، وعلى هذا يكون " مظلما ~~" حال من " الليل " أي أغشيت وجوههم قطعا من الليل في حال ظلمته. وقرأ ~~الكسائي وابن كثير " قطعا " بإسكان الطاء، ف‍ " - مظلما " على هذا نعت، ~~ويجوز أن يكون حالا من الليل. والقطع اسم ما قطع فسقط. وقال ابن السكيت: ~~القطع ms3073 طائفة من الليل، وسيأتي في " هود " (1) إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم ~~وشركاؤكم فزيلنا بينهم وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون (28) قوله تعالى: ~~(ويوم نحشرهم) أي نجمعهم، والحشر الجمع. " جميعا " حال. (ثم نقول للذين ~~أشركوا) أي اتخذوا مع الله شريكا. (مكانكم) أي الزموا واثبتوا مكانكم، ~~وقفوا مواضعكم. (أنتم وشركاؤكم) وهذا وعيد. (فزيلنا بينهم) أي فرقنا وقطعنا ~~ما كان بينهم من التواصل في الدنيا، يقال: زيلته فتزيل، أي فرقته فتفرق، ~~وهو فعلت، لأنك تقول في مصدره تزييلا، ولو كان فيعلت لقلت زيلة. والمزايلة ~~المفارقة، يقال: زايله الله مزايلة وزيالا إذا فارقه. والتزايل التباين. ~~قال الفراء: وقرأ بعضهم " فزايلنا بينهم "، يقال: # لا أزايل فلانا، أي لا أفارقه، فإن قلت: لا أزاوله فهو بمعنى آخر، معناه ~~لا أخاتله. # (وقال شركاؤهم) عنى بالشركاء الملائكة. وقيل: الشياطين، وقيل: الأصنام، ~~فينطقها الله تعالى فتكون بينهم هذه المحاورة. وذلك أنهم ادعوا على ~~الشياطين الذين أطاعوهم والأصنام التي عبد وها أنهم أمروهم بعبادتهم ~~ويقولون ما عبدناكم حتى أمرتمونا. قال مجاهد: # ينطق الله الأوثان فتقول ما كنا نشعر بأنكم إيانا تعبدون، وما أمرناكم ~~بعبادتنا. وإن حمل الشركاء على الشياطين فالمعنى أنهم يقولون ذلك دهشا، أو ~~يقولون كذبا واحتيالا للخلاص، وقد يجري مثل هذا غدا، وإن صارت المعارف ~~ضرورية. # قوله تعالى: فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين ~~(29) # PageV08P333 # قوله تعالى: (فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم) " شهيدا " مفعول، أي كفى ~~الله شهيدا، أو تمييز، أي اكتف به شهيدا بيننا وبينكم إن كنا أمرناكم بهذا ~~أو رضيناه منكم. (إن كنا) أي ما كنا (عن عبادتكم لغافلين) إلا غافلين لا ~~نسمع ولا نبصر ولا نعقل، لأنا كنا جمادا لا روح فينا. # قوله تعالى: هنالك تبلوا كل نفس ما أسلفت ورودا إلى الله مولاهم الحق وضل ~~عنهم ما كانوا يفترون (30) قوله تعالى: (هنالك) في موضع نصب على الظرف. ~~(تبلوا) أي في ذلك الوقت. # " تبلو " أي تذوق. وقال الكلبي: تعلم. مجاهد: تختبر. (كل ms3074 نفس ما أسلفت) ~~أي جزاء ما عملت وقدمت. وقيل: تسلم، أي تسلم ما عليها من الحقوق إلى ~~أربابها بغير اختيارها. # وقرأ حمزة والكسائي " تتلو " أي تقرأ كل نفس كتابها الذي كتب عليها. ~~وقيل: " تتلو " تتبع، أي تتبع كل نفس ما قدمت في الدنيا، قاله السدي. ومنه ~~قول الشاعر: # إن المريب يتبع المريبا * كما رأيت الذيب يتلو الذيبا قوله تعالى: (وردوا ~~إلى الله مولاهم الحق) بالخفض على البدل أو الصفة. ويجوز نصب الحق من ثلاث ~~جهات، يكون التقدير: وردوا حقا، ثم جئ بالألف واللام. ويجوز أن يكون ~~التقدير: مولاهم حقا لا ما يعبدون من دونه. والوجه الثالث أن يكون مدحا، أي ~~أعني الحق. ويجوز أن يرفع " الحق "، ويكون المعنى مولاهم الحق - على ~~الابتداء والخبر والقطع مما قبل - لا ما يشركون من دونه. ووصف نفسه سبحانه ~~بالحق لان الحق منه كما وصف نفسه بالعدل لان العدل منه، أي كل عدل وحق فمن ~~قبله، وقال ابن عباس: # " مولاهم بالحق " أي الذي يجازيهم بالحق. (وضل عنهم) أي بطل. (ما كانوا ~~يفترون) " يفترون " في موضع رفع وهو بمعنى المصدر، أي افتراؤهم. فإن قيل: ~~كيف قال " وردوا إلى الله مولاهم الحق " وقد أخبر بأن الكافرين لا مولى ~~لهم. قيل: ليس بمولاهم في النصرة والمعونة وهو مولى لهم في الرزق وإدرار ~~النعم. PageV08P334 # قوله تعالى: قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والابصار ومن ~~يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الامر فسيقولون الله فقل ~~أفلا تتقون (31) المراد بمساق هذا الكلام الرد على المشركين وتقرير الحجة ~~عليهم، فمن اعترف منهم فالحجة ظاهرة عليهم، ومن لم يعترف فيقرر عليه أن هذه ~~السماوات والأرض لا بد لهما من خالق، ولا يتمارى في هذا عاقل. وهذا قريب من ~~مرتبة الضرورة. " من السماء " أي بالمطر. # " والأرض " بالنبات. (أمن يملك السمع والابصار) أي من جعلهما وخلقهما ~~لكم. # (ومن يخرج الحي من الميت) أي النبات من الأرض، والانسان من النطفة، ~~والسنبلة من الحبة، والطير من البيضة، والمؤمن من الكافر. ms3075 (ومن يدبر الامر) ~~أي يقدره ويقضيه. # (فسيقولون الله) لأنهم كانوا يعتقدون أن الخالق هو الله، أو فسيقولون هو ~~الله إن فكروا وأنصفوا (فقل) لهم يا محمد. (أفلا تتقون) أي أفلا تخافون ~~عقابه ونقمته في الدنيا والآخرة. # قوله تعالى: فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون ~~(32) قوله تعالى: (فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال) فيه ~~ثماني مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " فذلكم الله ربكم الحق " أي هذا الذي يفعل هذه ~~الأشياء هو ربكم الحق، لا ما أشركتم معه. " فماذا بعد الحق " " ذا " صلة أي ~~ما بعد عبادة الاله الحق إذا تركت عبادته إلا الضلال. وقال بعض المتقدمين: ~~ظاهر هذه الآية يدل على أن ما بعد الله هو الضلال، لان أولها " فذلكم الله ~~ربكم الحق " وآخرها " فماذا بعد الحق إلا الضلال " فهذا في الايمان والكفر، ~~ليس في الأعمال. وقال بعضهم: إن الكفر تغطية الحق، وكل ما كان غير الحق جرى ~~هذا المجرى، فالحرام ضلال والمباح هدى، فإن الله هو المبيح والمحرم. ~~والصحيح الأول، لان قبل " قل من يرزقكم من السماء والأرض " PageV08P335 # ثم قال " فذلكم الله ربكم الحق " أي هذا الذي رزقكم، وهذا كله فعله هو. " ~~ربكم الحق " أي الذي تحق له الألوهية ويستوجب العبادة، وإذا كان ذلك فتشريك ~~غيره ضلال وغير حق. # الثانية - قال علماؤنا: حكمت هذه الآية بأنه ليس بين الحق والباطل منزلة ~~ثالثة في هذه المسألة التي هي توحيد الله تعالى، وكذلك هو الامر في ~~نظائرها، وهي مسائل الأصول التي الحق فيها في طرف واحد، لان الكلام فيها ~~إنما هو في تعديد وجود ذات كيف هي، وذلك بخلاف مسائل الفروع التي قال الله ~~تعالى فيها: " لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا " (1) [المائدة: 48]، وقوله ~~عليه السلام: (الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور متشابهات). والكلام في ~~الفروع إنما هو في أحكام طارئة على وجود ذات متقررة لا يختلف فيها وإنما ~~يختلف في الأحكام المتعلقة بها. # الثالثة - ثبت عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه ms3076 وسلم كان ~~إذا قام إلى الصلاة في جوف الليل قال: (اللهم لك الحمد) الحديث. وفيه (أنت ~~الحق ووعدك الحق وقولك الحق ولقاؤك الحق والجنة حق والنار حق والساعة حق ~~والنبيون حق ومحمد حق) الحديث. فقوله: (أنت الحق) أي الواجب الوجود، وأصله ~~من حق الشئ أي ثبت ووجب. وهذا الوصف لله تعالى بالحقيقة إذ وجوده لنفسه لم ~~يسبقه عدم ولا يلحقه عدم، وما عداه مما يقال عليه هذا الاسم مسبوق بعدم، ~~ويجوز عليه لحاق العدم، ووجوده من موجده لا من نفسه. وباعتبار هذا المعنى ~~كان أصدق كلمة قالها الشاعر، كلمة لبيد: # * ألا كل شئ ما خلا الله باطل * وإليه الإشارة بقوله تعالى: " كل شئ هالك ~~إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون " (2) [القصص: 88]. # الرابعة - مقابلة الحق بالضلال عرف لغة وشرعا، كما في هذه الآية. وكذلك ~~أيضا مقابلة الحق بالباطل عرف لغة وشرعا، قال الله تعالى: " ذلك بأن الله ~~هو الحق وأن # PageV08P336 # ما يدعون من دونه هو الباطل " (1) [لقمان: 30]. والضلال حقيقته الذهاب عن ~~الحق، أخذ من ضلال الطريق، وهو العدول عن سمته. قال ابن عرفة: الضلالة عند ~~العرب سلوك غير سبيل القصد، يقال: ضل عن الطريق وأضل الشئ إذا أضاعه. وخص ~~في الشرع بالعبارة (2) [في العدول] (3) عن السداد في الاعتقاد دون الأعمال، ~~ومن غريب أمره أنه يعبر به عن عدم المعرفة بالحق سبحانه إذا قابله غفلة ولم ~~يقترن بعدمه جهل أو شك، وعليه حمل العلماء قوله تعالى: " ووجدك ضالا فهدى " ~~(4) [الضحى: 7] أي غافلا، في أحد التأويلات، يحققه قوله تعالى: # " ما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان " (5) [الشورى: 52]. # الخامسة - روى عبد الله بن عبد الحكم وأشهب عن مالك في قوله تعالى: # " فماذا بعد الحق إلا الضلال " قال: اللعب بالشطرنج والنرد من الضلال. ~~وروى يونس عن ابن وهب أنه سئل عن الرجل يلعب في بيته مع امرأته بأربع عشرة، ~~فقال مالك: # ما يعجبني! وليس من شأن المؤمنين، يقول الله تعالى: " فماذا بعد الحق إلا ~~الضلال ". # وروى يونس عن أشهب قال: سئل - يعني مالكا - عن اللعب ms3077 بالشطرنج فقال: لا ~~خير فيه، وليس بشئ وهو من الباطل، واللعب كله من الباطل، وإنه لينبغي لذي ~~العقل أن تنهاه اللحية والشيب عن الباطل. وقال الزهري لما سئل عن الشطرنج: ~~هي من الباطل ولا أحبها. # السادسة - اختلف العلماء في جواز اللعب بالشطرنج وغيره إذا لم يكن على ~~وجه القمار، فتحصيل مذهب مالك وجمهور الفقهاء في الشطرنج أن من لم يقامر ~~بها ولعب مع أهله في بيته مستترا به مرة في الشهر أو العام، لا يطلع عليه ~~ولا يعلم به أنه معفو عنه غير محرم عليه ولا مكروه له، وأنه إن تخلع (6) به ~~واشتهر فيه سقطت مروءته وعدالته وردت شهادته. وأما الشافعي فلا تسقط في ~~مذهب أصحابه شهادة اللاعب بالنرد والشطرنج، إذا كان عدلا في جميع أصحابه، ~~ولم يظهر منه سفه ولا ريبة ولا كبيرة إلا أن يلعب به قمارا، # PageV08P337 # فإن لعب بها قمارا وكان بذلك معروفا سقطت عدالته وسفه نفسه لاكله المال ~~بالباطل. # وقال أبو حنيفة: يكره اللعب بالشطرنج والنرد والأربعة عشر وكل اللهو، فإن ~~لم تظهر من اللاعب بها كبيرة وكانت محاسنه أكثر من مساويه قبلت شهادته ~~عندهم. قال ابن العربي: # قالت الشافعية إن الشطرنج يخالف النرد لان فيه إكداد الفهم واستعمال ~~القريحة. والنرد قمار غرر لا يعلم ما يخرج له فيه كالاستقسام بالأزلام. # السابعة: قال علماؤنا: النرد قطع مملوءة من خشب البقس ومن عظم الفيل، ~~وكذا هو الشطرنج إذ هو أخوه غذي بلبانه. والنرد هو الذي يعرف بالباطل (1)، ~~ويعرف بالكعاب ويعرف في الجاهلية أيضا بالأرن (2) ويعرف أيضا بالنرد شير. ~~وفي صحيح مسلم عن سليمان بن بريدة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: (من لعب بالنرد شير فكأنما غمس يده في لحم خنزير ودمه). # قال علماؤنا: ومعنى هذا أي هو كمن غمس يده في لحم الخنزير يهيئه لان ~~يأكله، وهذا الفعل في الخنزير حرام لا يجوز، يبينه قوله صلى الله عليه وسلم ~~(من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله) رواه مالك وغيره من حديث أبي موسى ms3078 ~~الأشعري وهو حديث صحيح، وهو يحرم اللعب بالنرد جملة واحدة، وكذلك الشطرنج، ~~لم يستثن وقتا من وقت ولا حالا من حال، وأخبر أن فاعل ذلك عاص لله ورسوله، ~~إلا أنه يحتمل أن يكون المراد باللعب بالنرد المنهي عنه أن يكون على وجه ~~القمار، لما روي من إجازة اللعب بالشطرنج عن التابعين على غير قمار. # وحمل ذلك على العموم قمارا وغير قمار أولى وأحوط إن شاء الله. قال أبو ~~عبد الله الحليمي في كتاب منهاج الدين: ومما جاء في الشطرنج حديث يروى فيه ~~كما يروى في النرد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من لعب بالشطرنج ~~فقد عصى الله ورسوله). وعن علي رضي الله عنه أنه مر على مجلس من [مجالس] ~~(3) بني تميم وهم يلعبون بالشطرنج فوقف عليهم فقال: (أما والله لغير هذا ~~خلقتم! أما والله لولا أن تكون سنة لضربت به وجوهكم). وعنه رضي الله عنه ~~أنه مر بقوم يلعبون بالشطرنج فقال: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون، ~~لان يمس أحدكم # PageV08P338 # جمرا حتى يطفأ خير من أن يمسها. وسئل ابن عمر عن الشطرنج فقال: هي شر من ~~النرد. # وقال أبو موسى الأشعري: لا يلعب بالشطرنج إلا خاطئ. وسئل أبو جعفر عن ~~الشطرنج فقال: دعونا من هذه المجوسية. وفي حديث طويل عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم: (وأن من لعب بالنرد والشطرنج والجوز والكعاب مقته الله ومن جلس ~~إلى من يلعب بالنرد والشطرنج لينظر إليهم محيت عنه حسناته كلها وصار ممن ~~مقته الله). وهذه الآثار كلها تدل على تحريم اللعب بها بلا قمار، والله ~~أعلم. وقد ذكرنا في " المائدة " بيان تحريمها (1) وأنها كالخمر في التحريم ~~لاقترانها به، والله أعلم. قال ابن العربي في قبسه: وقد جوزه الشافعي، ~~وانتهى حال بعضهم إلى أن يقول: هو مندوب إليه، حتى اتخذوه في المدرسة، فإذا ~~أعيا الطالب من القراءة لعب به في المسجد. وأسندوا إلى قوم من الصحابة ~~والتابعين أنهم لعبوا بها، وما كان ذلك قط! # وتالله ما مستها يد تقي. ويقولون: ms3079 إنها تشحذ الذهن، والعيان يكذبهم، ما ~~تبحر فيها قط رجل له ذهن. سمعت الامام أبا الفضل عطاء المقدسي يقول بالمسجد ~~الأقصى في المناظرة: إنها تعلم الحرب. فقال له الطرطوشي: بل تفسد تدبير ~~الحرب، لان الحرب المقصود منها الملك واغتياله، وفي الشطرنج تقول: شاه ~~إياك: الملك نحه عن طريقي، فاستضحك الحاضرين. # وتارة شدد فيها مالك وحرمها وقال فيها: " فماذا بعد الحق إلا الضلال " ~~وتارة استهان بالقليل منها والأهون، والقول الأول أصح والله أعلم. فإن قال ~~قائل: روى عن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه أنه سئل عن الشطرنج فقال: وما ~~الشطرنج؟ فقيل له: إن امرأة كان لها ابن وكان ملكا فأصيب في حرب دون ~~أصحابه، فقالت: كيف يكون هذا أرونيه عيانا، فعمل لها الشطرنج، فلما رأته ~~تسلت بذلك. ووصفوا الشطرنج لعمر رضي الله عنه فقال: لا بأس بما كان من آلة ~~الحرب، قيل له: هذا لا حجة فيه لأنه لم يقل لا بأس بالشطرنج وإنما قال لا ~~بأس بما كان من آلة الحرب. وإنما قال هذا لأنه شبه عليه أن اللعب بالشطرنج ~~مما يستعان به على معرفة أسباب الحرب، فلما قيل له ذلك ولم يحط به علمه ~~قال: # PageV08P339 # لا بأس بما كان من آلة الحرب، إن كان كما تقولون فلا بأس به، وكذلك من ~~روى عنه من الصحابة أنه لم ينه عنه، فإن ذلك محمول منه على أنه ظن أن ذلك ~~ليس يتلهى به، وإنما يراد به التسبب إلى علم القتال والمضاربة فيه، أو على ~~أن الخبر المسند لم يبلغهم. قال الحليمي: # وإذا صح الخبر فلا حجة لاحد معه، وإنما الحجة فيه على الكافة. # الثامنة: ذكر ابن وهب بإسناده أن عبد الله بن عمر مر بغلمان يلعبون ~~بالكجة، وهي حفر فيها حصى يلعبون بها، قال: فسدها ابن عمر ونهاهم عنها. ~~وذكر الهروي في باب (الكاف مع الجيم) في حديث ابن عباس: في كل شئ قمار حتى ~~في لعب الصبيان بالكجة، قال ابن الأعرابي: هو أن يأخذ الصبي خرقة فيدورها ~~كأنها كرة، ms3080 ثم يتقامرون بها. وكج إذا لعب بالكجة. # قوله تعالى: (فأنى تصرفون) أي كيف تصرفون عقولكم إلى عبادة ما لا يرزق ~~ولا يحيي ولا يميت. # قوله تعالى: كذلك حقت كلمت ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون (33) قوله ~~تعالى: (كذلك حقت كلمة ربك) أي حكمه وقضاؤه وعلمه السابق. (على الذين ~~فسقوا) أي خرجوا عن الطاعة وكفروا وكذبوا. (أنهم لا يؤمنون) أي لا يصدقون. # وفي هذا أوفى دليل على القدرية. وقرأ نافع وابن عامر هنا وفي آخرها " ~~كذلك حقت كلمات ربك " وفي سورة غافر بالجمع في الثلاثة. الباقون بالافراد و ~~" أن " في موضع نصب، أي بأنهم أو لأنهم. قال الزجاج: ويجوز أن تكون في موضع ~~رفع على البدل من كلمات. # قال الفراء: يجوز " إنهم " بالكسر على الاستئناف. # قوله تعالى: قل هل من شركائكم من يبدؤا الخلق ثم يعيده قل الله يبدؤا ~~الخلق ثم يعيده فأنى تؤفكون (34) PageV08P340 # قوله تعالى: (قل هل من شركائكم) أي آلهتكم ومعبوداتكم. (من يبدأ الخلق ثم ~~يعيده) أي قل لهم يا محمد ذلك على جهة التوبيخ والتقرير، فإن أجابوك وإلا ~~ف‍ (- قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده) وليس غيره يفعل ذلك. (فأنى تؤفكون) أي ~~فكيف تنقلبون وتنصرفون عن الحق إلى الباطل. # قوله تعالى: قل هل من شركائكم من يهدى إلى الحق قل الله يهدى للحق أفمن ~~يهدى إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدى إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون ~~(35) قوله تعالى: (قل هل من شركائكم من يهدى إلى الحق) يقال: هداه للطريق ~~وإلى الطريق بمعنى واحد، وقد تقدم (1). أي هل من شركائكم من يرشد إلى دين ~~الاسلام، فإذا قالوا لا ولا بد منه ف‍ (- قل) لهم (الله يهدى للحق) ثم قل ~~لهم موبخا ومقررا. (أفمن يهدى) أي يرشد. (إلى الحق) وهو الله سبحانه ~~وتعالى. (أحق أن يتبع أمن لا يهدى إلا أن يهدى) يريد الأصنام التي لا تهدي ~~أحدا، ولا تمشي إلا أن تحمل، ولا تنتقل عن مكانها إلا أن تنقل. قال الشاعر: ~~(2) للفتى عقل يعيش ms3081 به * حيث تهدي ساقه قدمه وقيل: المراد الرؤساء والمضلون ~~الذين لا يرشدون أنفسهم إلى هدى إلا أن يرشدوا. # وفي " يهدي " قراءات ست: # الأولى: قرأ أهل المدينة إلا ورشا " يهدي " بفتح الياء وإسكان الهاء ~~وتشديد الدال، فجمعوا في قراءتهم بين ساكنين كما فعلوا في قوله: " لا تعدوا ~~" (3) وفي قوله: " يخصمون ". قال النحاس: والجمع بين الساكنين لا يقدر أحد ~~أن ينطق به. قال محمد بن يزيد: لا بد لمن رام مثل هذا أن يحرك حركة خفيفة ~~إلى الكسر، وسيبويه يسمي هذا اختلاس الحركة. # PageV08P341 # الثانية - قرأ أبو عمرو وقالون في رواية بين الفتح والاسكان، على مذهبه ~~في الاخفاء والاختلاس. # الثالثة - قرأ ابن عامر وابن كثير وورش وابن محيصن " يهدي " بفتح الياء ~~والهاء وتشديد الدال، قال النحاس: هذه القراءة بينة في العربية، والأصل ~~فيها يهتدى أدغمت التاء في الدال وقلبت حركتها على الهاء. # الرابعة - قرأ حفص ويعقوب والأعمش عن أبي بكر مثل قراءة ابن كثير، إلا ~~أنهم كسروا الهاء، قالوا: لان الجزم إذا اضطر إلى حركته حرك إلى الكسر. قال ~~أبو حاتم: # هي لغة سفلى مضر. # الخامسة - قرأ أبو بكر عن عاصم " يهدي " بكسر الياء والهاء وتشديد الدال، ~~كل ذلك لاتباع الكسر كما تقدم في البقرة في " يخطف " (1) [البقرة: 20] ~~وقيل: هي لغة من قرأ " نستعين (2)، و " لن تمسنا النار " ونحوه. وسيبويه لا ~~يجيز " يهدي " ويجيز " تهدي " و " نهدي " و " إهدي " قال: لان الكسرة في ~~الياء تثقل. # السادسة - قرأ حمزة والكسائي وخلف ويحيى بن وثاب والأعمش " يهدي " بفتح ~~الياء وإسكان الهاء وتخفيف الدال، من هدى يهدي. قال النحاس: وهذه القراءة ~~لها وجهان في العربية وإن كانت بعيدة، وأحد الوجهين أن الكسائي والفراء ~~قالا: " يهدي " بمعنى يهتدي. # قال أبو العباس: لا يعرف هذا، ولكن التقدير أمن لا يهدي غيره، تم الكلام، ~~ثم قال: # " إلا أن يهدى " استأنف من الأول، أي لكنه يحتاج أن يهدى، فهو استثناء ~~منقطع، كما تقول: فلان لا يسمع غيره إلا أن يسمع، أي لكنه يحتاج أن يسمع. ~~وقال أبو إسحاق: # " قما لكم ms3082 " كلام تام، والمعنى: فأي شئ لكم في عبادة الأوثان. ثم قيل ~~لهم: " كيف تحكمون " أي لأنفسكم وتقضون بهذا الباطل الصراح، تعبدون آلهة لا ~~تغني عن أنفسها شيئا إلا أن يفعل بها، والله يفعل ما يشاء فتتركون عبادته، ~~فموضع " كيف " نصب ب‍ " - تحكمون ". # PageV08P342 # قوله تعالى: وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغنى من الحق شيئا إن ~~الله عليم بما يفعلون (36) قوله تعالى: (وما يتبع أكثرهم إلا ظنا) يريد ~~الرؤساء منهم، أي ما يتبعون إلا حدسا وتخريصا في أنها آلهة وأنها تشفع، ولا ~~حجة معهم. وأما أتباعهم فيتبعونهم تقليدا. (إن الظن لا يغنى من الحق شيئا) ~~أي من عذاب الله، فالحق هو الله. وقيل " الحق " هنا اليقين، أي ليس الظن ~~كاليقين. وفي هذه الآية دليل على أنه لا يكتفى بالظن في العقائد. (إن الله ~~عليم بما يفعلون) من الكفر والتكذيب، خرجت مخرج التهديد. # قوله تعالى: وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي ~~بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين (37) قوله تعالى: (وما ~~كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله) " أن " مع " يفترى " مصدر، والمعنى: ~~وما كان هذا القرآن افتراء، كما تقول: فلان يحب أن يركب، أي يحب الركوب، ~~قاله الكسائي. وقال الفراء: المعنى وما ينبغي لهذا القرآن أن يفترى، كقوله: # " وما كان لنبي أن يغل " (1) [آل عمران: 161] " " وما كان المؤمنون ~~لينفروا كافة " (2) [التوبة: 122]. وقيل: " أن " بمعنى اللام، تقديره: وما ~~كان هذا القرآن ليفترى. وقيل: بمعنى لا، أي لا يفترى. وقيل: المعنى ما كان ~~يتهيأ لاحد أن يأتي بمثل هذا القرآن من عند غير الله ثم ينسبه إلى الله ~~تعالى لاعجازه، لوصفه (3) ومعانيه وتأليفه. (ولكن تصديق الذي بين يديه) قال ~~الكسائي والفراء ومحمد ابن سعدان: التقدير ولكن كان تصديق، ويجوز عندهم ~~الرفع بمعنى: ولكن هو تصديق. # " الذي بين يديه " أي من التوراة والإنجيل وغيرهما من الكتب، فإنها قد ~~بشرت به فجاء # PageV08P343 # مصدقا لها في تلك البشارة، وفي الدعاء إلى التوحيد والايمان بالقيامة. ms3083 ~~وقيل: المعنى ولكن تصديق النبي بين يدي القرآن وهو محمد صلى الله عليه ~~وسلم، لأنهم شاهدوه قبل أن سمعوا منه القرآن. (وتفصيل) بالنصب والرفع على ~~الوجهين المذكورين في تصديق. والتفصيل التبيين، أي يبين ما في كتب الله ~~المتقدمة. والكتاب اسم الجنس. وقيل: أراد بتفصيل الكتاب ما بين في القرآن ~~من الاحكام. (لا ريب فيه) الهاء عائدة للقرآن، أي لا شك فيه أي في نزوله من ~~قبل الله تعالى. # قوله تعالى: أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من ~~دون الله إن كنتم صادقين (38) قوله تعالى: (أم يقولون أفتراه) أم هاهنا في ~~موضع ألف الاستفهام لأنها اتصلت بما قبلها. وقيل: هي أم المنقطعة التي تقدر ~~بمعنى بل والهمزة، كقوله تعالى: " ألم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب ~~العالمين (1). أم يقولون افتراه " [السجدة: 1 - 2 - 3] أي بل أيقولون ~~افتراه. وقال أبو عبيدة: أم بمعنى الواو، مجازه: ويقولون افتراه. وقيل: ~~الميم صلة، والتقدير: أيقولون افتراه، أي اختلق محمد القرآن من قبل نفسه، ~~فهو استفهام معناه التقريع. (قل فأتوا بسورة مثله) ومعنى الكلام الاحتجاج، ~~فإن الآية الأولى دلت على كون القرآن من عند الله، لأنه مصدق الذي بين يديه ~~من الكتب وموافق لها من غير أن يتعلم (2) محمد عليه السلام عن أحد. # وهذه الآية إلزام بأن يأتوا بسورة مثله إن كان مفترى. وقد مضى القول في ~~إعجاز القرآن، وأنه معجز في مقدمة الكتاب (2)، والحمد لله. # قوله تعالى: بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك كذب ~~الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين (39) # PageV08P344 # قوله تعالى: (بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه) أي كذبوا بالقرآن وهم جاهلون ~~بمعانيه وتفسيره، وعليهم أن يعلموا ذلك بالسؤال، فهذا يدل على أنه يجب أن ~~ينظر في التأويل. # وقوله: (ولما يأتهم تأويله) أي ولم يأتهم حقيقة عاقبة التكذيب من نزول ~~العذاب بهم. # أو كذبوا بما في القرآن من ذكر البعث والجنة والنار، ولم يأتهم تأويله أي ~~حقيقة ما وعدوا في الكتاب، قاله الضحاك. ms3084 وقيل للحسين بن الفضل: هل تجد في ~~القرآن (من جهل شيئا عاداه) قال نعم، في موضعين: " بل كذبوا بما لم يحيطوا ~~بعلمه " وقوله: " وإذا لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم " (1) [الأحقاف: ~~11]. (كذلك كذب الذين من قبلهم) يريد الأمم الخالية، أي كذا كانت سبيلهم. ~~والكاف في موضع نصب. (فانظر كيف كان عاقبة الظالمين) أي أخذهم بالهلاك ~~والعذاب. # قوله تعالى: ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به وربك أعلم بالمفسدين ~~(40) قوله تعالى: (ومنهم من يؤمن به) قيل: المراد أهل مكة، أي ومنهم من ~~يؤمن به في المستقبل وإن طال تكذيبه، لعلمه تعالى السابق فيهم أنهم من ~~السعادة. و " من " رفع بالابتداء والخبر في المجرور (2). وكذا. (ومنهم من ~~لا يؤمن به) والمعنى ومنهم من يصر على كفره حتى يموت، كأبي طالب وأبي لهب ~~ونحوهما. وقيل: المراد أهل الكتاب. # وقيل: هو عام في جميع الكفار، وهو الصحيح. وقيل. إن الضمير في " به " ~~يرجع إلى محمد صلى الله عليه وسلم، فأعلم الله سبحانه أنه إنما أخر العقوبة ~~لان منهم من سيؤمن. # (وربك أعلم بالمفسدين) أي من يصر على كفره، وهذا تهديد لهم. # قوله تعالى: وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا ~~برئ مما تعملون (41) # PageV08P345 # قوله تعالى: (وإن كذبوك فقل لي عملي) رفع بالابتداء، والمعنى: لي ثواب ~~عملي في التبليغ والانذار والطاعة لله تعالى. (ولكم عملكم) أي جزاؤه من ~~الشرك. (أنتم بريئون مما أعمل وأنا برئ مما تعملون) مثله، أي لا يؤاخذ أحد ~~بذنب الآخر. وهذه الآية منسوخة بآية السيف، في قول مجاهد والكلبي ومقاتل ~~وابن زيد. # قوله تعالى: ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون ~~(42) ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدى العمى ولو كانوا لا يبصرون (43) قوله ~~تعالى: (ومنهم من يستمعون إليك) يريد بظواهرهم، وقلوبهم لا تعي شيئا مما ~~يقوله من الحق ويتلوه من القرآن، ولهذا قال: (أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا ~~يعقلون) أي لا تسمع، فظاهره الاستفهام ومعناه النفي، وجعلهم كالصم ms3085 للختم ~~على قلوبهم والطبع عليها، أي لا تقدر على هداية من أصمه الله عن سماع ~~الهدى. وكذا المعنى في: " ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمى ولو كانوا ~~لا يبصرون " أخبر تعالى أن أحدا لا يؤمن إلا بتوفيقه وهدايته. وهذا وما كان ~~مثله يرد على القدرية قولهم، كما تقدم في غير موضع. وقال: # " يستمعون " على معنى " من " و " ينظر " على اللفظ، والمراد تسلية النبي ~~صلى الله عليه وسلم، أي كما لا تقدر أن تسمع من سلب السمع ولا تقدر أن تخلق ~~للأعمى بصرا يهتدي به، فكذلك لا تقدر أن توفق هؤلاء للايمان وقد حكم الله ~~عليهم ألا يؤمنوا. ومعنى: " ينظر إليك " أي يديم النظر إليك، كما قال: " ~~ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت " (1) [الأحزاب: 19]. # قيل: إنها نزلت في المستهزئين، والله أعلم. # قوله تعالى: إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون (44) # PageV08P346 # لما ذكر أهل الشقاء ذكر أنه لم يظلمهم، وأن تقدير الشفاء عليهم وسلب سمع ~~القلب وبصره ليس ظلما منه، لأنه مصرف في ملكه بما شاء، وهو في جميع أفعاله ~~عادل. # " ولكن الناس أنفسهم يظلمون " بالكفر والمعصية ومخالفة أمر خالقهم. وقرأ ~~حمزة والكسائي " ولكن " مخففا " الناس " رفعا. قال النحاس: زعم جماعة من ~~النحويين منهم الفراء أن العرب إذا قالت " ولكن " بالواو آثرت التشديد، ~~وإذا حذفوا الواو آثرت التخفيف، واعتل في ذلك فقال: لأنها إذا كانت بغير ~~واو أشبهت بل فخففوها ليكون ما بعدها كما بعد بل، وإذا جاءوا بالواو خالفت ~~بل فشددوها ونصبوا بها، لأنها " إن " زيدت عليها لام وكاف وصيرت حرفا واحد، ~~وأنشد: # * ولكنني من حبها لعميد * فجاء باللام لأنها " إن ". # قوله تعالى: ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون ~~بينهم قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين (45) قوله تعالى: ~~(ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا) بمعنى كأنهم خففت، أي كأنهم لم يلبثوا في ~~قبورهم. (إلا ساعة من النهار) أي قدر ساعة: يعني أنهم استقصروا طول مقامهم ~~في القبور لهول ms3086 ما يرون من البعث، دليله قولهم: " لبثنا يوما أو بعض يوم " ~~(1) [الكهف: 19]. وقيل: # إنما قصرت مدة لبثهم في الدنيا من هول ما استقبلوا لا مدة كونهم في ~~القبر. ابن عباس: # رأوا أن طول أعمارهم في مقابلة الخلود كساعة. (يتعارفون بينهم) في موضع ~~نصب على الحال من الهاء والميم في " يحشرهم ". ويجوز أن يكون منقطعا، فكأنه ~~قال فهم يتعارفون. قال الكلبي: يعرف بعضهم بعضا كمعرفتهم في الدنيا إذا ~~خرجوا من قبورهم، وهذا التعارف تعارف توبيخ وافتضاح، يقول بعضهم لبعض: أنت ~~أضللتني وأغويتني وحملتني على الكفر، وليس # PageV08P347 # تعارف شفقة ورأفة وعطف. ثم تنقطع المعرفة إذا عاينوا أهوال يوم القيامة ~~كما قال: # " ولا يسأل حميم حميما " (1) [المعارج: 10]. وقيل: يبقى تعارف التوبيخ، ~~وهو الصحيح لقوله تعالى: " ولو ترى إذ الظالمون موقوفون " إلى قوله " ~~وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا " (2) [سبأ: 31 - 33] وقوله: # " كلما دخلت أمة لعنت أختها " (3) [الأعراف: 38] الآية، وقوله: " ربنا ~~إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا " (4) [الأحزاب: 67] الآية. # فأما قوله: " ولا يسأل حميم حميما " وقوله: " فإذا نفخ في الصور فلا ~~أنساب بينهم " (5) [المؤمنون: 101] فمعناه لا يسأله سؤال رحمة وشفقة، والله ~~أعلم. وقيل: القيامة مواطن. وقيل: معنى " يتعارفون " يتساءلون، أي يتساءلون ~~كم لبثتم، كما قال: " وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون " (6) [الصافات: 27] ~~وهذا حسن. # وقال الضحاك: ذلك تعارف تعاطف المؤمنين، والكافرون لا تعاطف عليهم، كما ~~قال: # " فلا أنساب بينهم ". والأول أظهر، والله أعلم. # قوله تعالى: (قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله) أي بالعرض على الله. ثم ~~قيل: # يجوز أن يكون هذا إخبارا من الله عز وجل بعد أن دل على البعث والنشور، أي ~~خسروا ثواب الجنة. وقيل: خسروا في حال لقاء الله، لان الخسران إنما هو في ~~تلك الحالة التي لا يرجى فيها إقالة ولا تنفع توبة. قال النحاس: ويجوز أن ~~يكون المعنى يتعارفون بينهم، يقولون هذا. " وما كانوا مهتدين " بريد في علم ~~الله. # قوله تعالى: وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم ثم الله ~~شهيد على ما يفعلون (46) قوله تعالى: (وما نرينك) شرط. (بعض ms3087 الذي نعدهم) أي ~~من إظهار دينك في حياتك. وقال المفسرون: كان البعض الذي وعدهم قتل من قتل ~~وأسر من أسر ببدر. # (أو نتوفينك) عطف على " نرينك " أي نتوفينك قبل ذلك. (فإلينا مرجعهم) ~~جواب # PageV08P348 # " إما ". والمقصود إن لم ننتقم منهم عاجلا انتقمنا منهم آجلا. (ثم الله ~~شهيد) أي شاهد لا يحتاج إلى شاهد. (على ما يفعلون) من محاربتك وتكذيبك. ولو ~~قيل: " ثم الله شهيد " بمعنى هناك، جاز. # قوله تعالى: ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضى بينهم بالقسط وهم لا ~~يظلمون (47) قوله تعالى: (ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضى بينهم بالقسط) ~~يكون المعنى: # ولكل أمة رسول شاهد عليهم، فإذا جاء رسولهم يوم القيامة قضي بينهم، مثل. ~~" فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد " (1) [النساء: 41]. وقال ابن عباس: تنكر ~~الكفار غدا مجئ الرسل إليهم، فيؤتى بالرسول فيقول: قد أبلغتكم الرسالة، ~~فحينئذ يقضى عليهم بالعذاب. دليله قوله: " ويكون الرسول عليكم شهيدا " (2). ~~ويجوز أن يكون المعنى أنهم لا يعذبون في الدنيا حتى يرسل إليهم، فمن آمن ~~فاز ونجا، ومن لم يؤمن هلك وعذب. دليله قوله تعالى: " وما كنا معذبين حتى ~~نبعث رسولا " (3) [الاسراء: 15]. والقسط: العدل. (وهم لا يظلمون) أي لا ~~يعذبون بغير ذنب ولا يؤاخذون بغير حجة. # قوله تعالى: ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (48) يريد كفار مكة ~~لفرط إنكارهم واستعجالهم العذاب، أي متى العقاب أو متى القيامة التي يعدنا ~~محمد. وقيل: هو عام في كل أمة كذبت رسولها. # قوله تعالى: قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله لكل أمة أجل ~~إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون (49) # PageV08P349 # قوله تعالى: (قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا) لما استعجلوا النبي صلى ~~الله عليه وسلم بالعذاب قال الله له: قل لهم يا محمد لا أملك لنفسي ضرا ولا ~~نفعا، أي ليس ذلك لي ولا لغيري. # (إلا ما شاء الله) أن أملكه وأقدر عليه، فكيف أقدر أن أملك ما استعجلتم ~~فلا تستعجلوا. # (لكل أمة أجل) أي لهلاكهم وعذابهم وقت ms3088 معلوم في علمه سبحانه. (إذا جاء ~~أجلهم) أي وقت انقضاء أجلهم. (فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون) أي لا ~~يمكنهم أن يستأخروا ساعة باقين في الدنيا ولا يتقدمون فيؤخرون. # قوله تعالى: قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ماذا يستعجل منه ~~المجرمون (50) قوله تعالى: (قل أرأيتم أن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا) ~~ظرفان، وهو جواب لقولهم: # " متى هذا الوعد " وتسفيه لآرائهم في استعجالهم العذاب، أي إن أتاكم ~~العذاب فما نفعكم فيه، ولا ينفعكم الايمان حينئذ. (ماذا يستعجل منه ~~المجرمون) استفهام معناه التهويل والتعظيم، أي ما أعظم ما يستعجلون به، كما ~~يقال لمن يطلب أمرا يستوخم عاقبته: ماذا تجني على نفسك! والضمير في " منه " ~~قيل: يعود على العذاب، وقيل: يعود على الله سبحانه وتعالى. قال النحاس: إن ~~جعلت الهاء في " منه " تعود على العذاب كان لك في " ماذا " تقديران: أحدهما ~~أن يكون " ما " في موضع رفع بالابتداء، و " ذا ": بمعنى الذي، وهو خبر " ما ~~" والعائد محذوف. والتقدير الآخر أن يكون " ماذا " اسما واحدا في موضع ~~بالابتداء، وأخبر في الجملة، قاله الزجاج. وإن جعلت الهاء في " منه " تعود ~~على اسم الله تعالى جعلت " ما "، و " ذا " شيئا واحدا، وكانت في موضع نصب ~~ب‍ " - يستعجل "، والمعنى: أي شئ يستعجل منه المجرمون من الله عز وجل. # قوله تعالى: أثم إذا ما وقع آمنتم به الآن وقد كنتم به تستعجلون (51) ~~PageV08P350 # قوله تعالى: (أثم إذا ما وقع آمنتم به الآن) في الكلام حذف، والتقدير: ~~أتأمنون أن ينزل بكم العذاب ثم يقال لكم إذا حل: الآن آمنتم به؟ قيل: هو من ~~قول الملائكة استهزاء بهم. وقيل: هو من قول الله تعالى، ودخلت ألف ~~الاستفهام على " ثم " والمعنى: التقرير والتوبيخ، وليدل على أن معنى الجملة ~~الثانية بعد الأولى. وقيل: إن " ثم " ها هنا بمعنى: # " ثم " بفتح الثاء، فتكون ظرفا، والمعنى: أهنالك، وهو مذهب الطبري، ~~وحينئذ لا يكون فيه معنى الاستفهام. و " الآن " قيل: أصله فعل مبني مثل ~~حان، والألف واللام لتحويله إلى الاسم. الخليل: بنيت لالتقاء الساكنين، ~~والألف ms3089 واللام للعهد والإشارة إلى الوقت، وهو حد الزمانين. (وقد كنتم به) ~~أي بالعذاب (تستعجلون). # قوله تعالى: ثم قيل للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد هل تجزون إلا بما كنتم ~~تكسبون (52) قوله تعالى: (ثم قيل للذين ظلموا) أي تقول لهم خزنة جهنم. ~~(ذوقوا عذاب الخلد) أي الذي لا ينقطع. (هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون) أي ~~جزاء كفركم. # قوله تعالى: ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه الحق وما أنتم بمعجزين ~~(53) قوله تعالى: (ويستنبئونك) أي يستخبرونك يا محمد عن العذاب وقيام ~~الساعة. # (أحق) ابتداء. (هو) سد مسد الخبر، وهذا قول سيبويه. ويجوز أن يكون " هو " ~~مبتدأ، و " أحق " خبره. (قل إي) " إي " كلمة تحقيق وإيجاب وتأكيد بمعنى ~~نعم. # (وربي) قسم. (إنه لحق) جوابه، أي كائن لا شك فيه. (وما أنتم بمعجزين) أي ~~فائتين عن عذابه ومجازاته. PageV08P351 # قوله تعالى: ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به وأسروا الندامة ~~لما رأوا العذاب وقضى بينهم بالقسط وهم لا يظلمون (54) قوله تعالى: (ولو أن ~~لكل نفس ظلمت) أي أشركت وكفرت. (ما في الأرض) أي ملكا. (لافتدت به) أي من ~~عذاب الله، يعني ولا يقبل منها، كما قال: " إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار ~~فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به " [آل عمران: 91] وقد تقدم ~~(1) قوله تعالى: (وأسروا الندامة) أي أخفوها، يعني رؤساءهم، أي أخفوا ~~ندامتهم عن أتباعهم. (لما رأوا العذاب) وهذا قبل الاحراق بالنار فإذا وقعوا ~~في النار ألهتهم النار عن التصنع بدليل قولهم: (ربنا غلبت علينا شقوتنا) ~~(2). فبين أنهم لا يكتمون ما بهم. # وقيل: " أسروا " أظهروا، والكلمة من الأضداد، ويدل عليه أن الآخرة ليست ~~دار تجلد وتصبر. وقيل: وجدوا ألم الحسرة في قلوبهم، لان الندامة لا يمكن ~~إظهارها. قال كثير: # فأسررت الندامة يوم نادى * بسرد جمال غاضرة المنادي وذكر المبرد فيه وجها ~~ثالثا: أنه بدت بالندامة أسرة وجوههم، وهي تكاسير الجبهة، واحدها سرار. ~~والندامة: الحسرة لوقوع شئ أو فوت شئ، وأصلها اللزوم، ومنه النديم لأنه ~~يلازم المجالس. وفلان نادم ms3090 سادم. والسدم اللهج بالشئ. وندم وتندم (3) بالشئ ~~أي اهتم به. قال الجوهري: السدم (بالتحريك) الندم والحزن، وقد سدم بالكسر ~~أي اهتم وحزن ورجل نادم سادم، وندمان سدمان، وقيل: هو اتباع. وماله هم ولا ~~سدم إلا ذلك. وقيل: # الندم مقلوب الدمن، والدمن اللزوم، ومنه فلان مدمن الخمر. والدمن: ما ~~اجتمع في الدار وتلبد من الأبوال والأبعار، سمي به للزومه. والدمنة: الحقد ~~الملازم للصدر، والجمع دمن. # وقد دمنت قلوبهم بالكسر، يقال: دمنت على فلان أي ضغنت. (وقضى بينهم ~~بالقسط) أي بين الرؤساء والسفل بالعدل. (وهم لا يظلمون). # PageV08P352 # قوله تعالى: ألا إن لله ما في السماوات والأرض ألا إن وعد الله حق ولكن ~~أكثرهم لا يعلمون (55) (ألا) كلمة تنبيه للسامع تزاد في أول الكلام، أي ~~انتبهوا لما أقول لكم (إن لله ما في السماوات والأرض ألا إن وعد الله حق)، ~~" له ملك السماوات والأرض " [الحديد: 2] فلا مانع يمنعه من إنفاذ ما وعده ~~(1). (ولكن أكثرهم لا يعلمون) ذلك. # قوله تعالى: هو يحيى ويميت وإليه ترجعون (56) بين المعنى. وقد تقدم قوله ~~تعالى: يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ~~ورحمة للمؤمنين (57) قوله تعالى: (يا أيها الناس) يعني قريشا. (قد جاءتكم ~~موعظة) أي وعظ. (من ربكم) يعني القرآن، فيه مواعظ وحكم. (وشفاء لما في ~~الصدور) أي من الشك والنفاق والخلاف، والشقاق. (وهدى) أي ورشدا لمن اتبعه. ~~(ورحمة) أي نعمة. (للمؤمنين) خصهم لأنهم المنتفعون بالايمان، والكل صفات ~~القرآن، والعطف لتأكيد المدح. قال الشاعر: # إلى الملك القرم وابن الهمام * وليث الكتيبة في المزدحم قوله تعالى: قل ~~بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون (58) قوله تعالى: (قل ~~بفضل الله وبرحمته) قال أبو سعيد الخدري وابن عباس رضي الله عنهما: فضل ~~الله القرآن، ورحمته الاسلام. وعنهما أيضا: فضل الله القرآن، ورحمته أن ~~جعلكم من أهله. وعن الحسن والضحاك ومجاهد وقتادة: فضل الله الايمان، ورحمته ~~القرآن، على العكس من القول الأول. وقيل: غير هذا. (فبذلك فليفرحوا) إشارة ~~إلى الفضل والرحمة. والعرب تأتي " بذلك ms3091 " للواحد والاثنين والجمع. وروي عن ~~النبي صلى # PageV08P353 # الله عليه وسلم أنه قرأ " فبذلك فلتفرحوا " بالتاء، وهي قراءة يزيد بن ~~القعقاع ويعقوب وغيرهما، وفي الحديث (لتأخذوا مصافكم). والفرح لذة في القلب ~~بإدراك المحبوب. وقد ذم الفرح في مواضع، كقوله: " لا تفرح إن الله لا يحب ~~الفرحين " (1) [القصص: 76] وقوله: " إنه لفرح فخور " (2) [هود: 10] ولكنه ~~مطلق. فإذا قيد الفرح لم يكن ذما، لقوله: " فرحين بما آتاهم الله من فضله " ~~(3) [آل عمران: 170] وها هنا قال تبارك وتعالى: " فبذلك فليفرحوا " أي ~~بالقرآن والاسلام فليفرحوا، فقيد. قال هارون: وفي حرف أبي " فبذلك فافرحوا ~~". قال النحاس: سبيل الامر أن يكون باللام ليكون معه حرف جازم كما أن مع ~~النهي حرفا، إلا أنهم يحذفون، من الامر للمخاطب استغناء بمخاطبته، وربما ~~جاءوا به على الأصل، منه " فبذلك فلتفرحوا ". (هو خير مما يجمعون) يعني في ~~الدنيا. وقراءة العامة بالياء في الفعلين، وروي عن ابن عامر أنه قرأ " ~~فليفرحوا " بالياء " تجمعون " بالتاء خطابا للكافرين. وروي عن الحسن أنه ~~قرأ بالتاء في الأول، و " يجمعون " بالياء على العكس. وروى أبان عن أنس أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من هداه الله للاسلام وعلمه القرآن ثم شكا ~~الفاقة كتب الله الفقر بين عينيه إلى يوم يلقاه - ثم تلا - " قل بفضل الله ~~وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون ". # قوله تعالى: قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا ~~قل أألله أذن لكم أم على الله تفترون (59) قوله تعالى: (قل أرأيتم ما أنزل ~~الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا). # فيه مسألتان: # الأولى - قوله تعالى: (قل أرأيتم) يخاطب كفار مكة. (ما أنزل الله لكم من ~~رزق) " ما " في موضع نصب " بأرأيتم ". وقال الزجاج: في موضع نصب ب‍ " أنزل ~~". # " وأنزل " بمعنى خلق، كما قال: " وأنزل لكم من الانعام ثمانية أزواج " ~~(4) [الزمر: 6]. " وأنزلنا الحديد فيه # PageV08P354 # بأس شديد " (1) [الحديد: 25]. فيجوز أن يعبر عن الخلق بالانزال، لان الذي ~~في الأرض من الرزق إنما هو بما ينزل من السماء من المطر. (فجعلتم منه ms3092 حراما ~~وحلالا) قال مجاهد: هو ما حكموا به من تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة ~~والحام (2). وقال الضحاك: هو قول الله تعالى: " وجعلوا لله مما ذرأ من ~~الحرث والانعام نصيبا " (3) [الانعام: 136]. (قل الله أذن لكم) أي في ~~التحليل والتحريم. # (أم على الله) " أم " بمعنى بل. (تفترون) هو قولهم إن الله أمرنا بها. # الثانية: استدل بهذه الآية من نفي القياس، وهذا بعيد، فإن القياس دليل ~~الله تعالى، فيكون التحليل والتحريم من الله تعالى عند وجود دلالة نصبها ~~الله تعالى على الحكم، فإن خالف في كون القياس دليلا لله تعالى فهو خروج عن ~~هذا الغرض ورجوع إلى غيره. # قوله تعالى: وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة إن الله لذو ~~فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون (60) قوله تعالى: (وما ظن الذين ~~يفترون على الله الكذب يوم القيامة) " يوم " منصوب على الظرف، أو بالظن، ~~نحو ما ظنك زيدا، والمعنى: أيحسبون أن الله لا يؤاخذهم به. # (إن الله لذو فضل على الناس) أي في التأخير والامهال. وقيل: أراد أهل مكة ~~حين جعلهم في حرم آمن. (ولكن أكثرهم) يعني الكفار. (لا يشكرون) الله على ~~نعمه ولا في تأخير العذاب عنهم. وقيل: " لا يشكرون " لا يوحدون. # قوله تعالى: وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرآن ولا تعملون من عمل ~~إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ~~ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين (61) # PageV08P355 # قوله تعالى: (وما تكون في شأن) " ما " للجحد، أي لست في شأن، يعني من ~~عبادة أو غيرها إلا والرب مطلع عليك. والشأن الخطب، والامر، وجمعه شؤون. ~~قال الأخفش: تقول العرب ما شأنت شأنه، أي ما عملت عمله. (وما تتلوا منه من ~~قرآن) قال الفراء والزجاج: الهاء في " منه " تعود على الشأن، أي تحدث شأنا ~~فيتلى من أجله القرآن فيعلم كيف حكمه، أو ينزل فيه قرآن فيتلى. وقال ~~الطبري: " منه " أي من كتاب الله تعالى. " من ms3093 قرآن " أعاد تفخيما، كقوله: " ~~إني أنا الله " (1) [القصص: 30]. (ولا تعملون من عمل) يخاطب النبي صلى الله ~~عليه وسلم والأمة. وقوله: " وما تكون في شأن " خطاب له والمراد هو وأمته، ~~وقد يخاطب الرسول والمراد هو وأتباعه. وقيل: المراد كفار قريش. (إلا كنا ~~عليكم شهودا) أي نعلمه، ونظيره " ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم " ~~(2) [المجادلة: 4] (إذ تفيضون فيه) أي تأخذون فيه، والهاء عائدة على العمل، ~~يقال: أفاض فلان في الحديث والعمل إذا اندفع فيه. قال الراعي: # فأفضن بعد كظومهن بجرة * من ذي الأباطح (3) إذ رعين حقيلا ابن عباس: " ~~تفيضون فيه " تفعلونه. الأخفش: تتكلمون. ابن زيد: تخوضون. # ابن كيسان: تنشرون القول. وقال الضحاك: الهاء عائدة على القرآن، المعنى: ~~إذ تشيعون في القرآن الكذب. (وما يعزب عن ربك) قال ابن عباس: يغيب. وقال ~~أبو روق: # يبعد. وقال ابن كيسان: يذهب. وقرأ الكسائي " يعزب " بكسر الزاي حيث وقع، ~~وضم الباقون، وهما لغتان فصيحتان، نحو يعرش ويعرش. (من مثقال) " من " صلة، ~~أي وما يعزب عن ربك مثقال (ذرة) أي وزن ذرة، أي نميلة حمراء صغيرة، وقد ~~تقدم في (النساء) (4). (في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر) ~~عطف على لفظ مثقال، وإن شئت على ذرة. وقرأ يعقوب وحمزة برفع الراء فيهما ~~عطفا على موضع مثقال لان من زائدة للتأكيد. وقال الزجاج: ويجوز الرفع على ~~الابتداء. وخبره # PageV08P356 # (إلا في كتاب مبين) يعني اللوح المحفوظ مع علم الله تعالى به. قال ~~الجرجاني " إلا " بمعنى واو النسق، أي وهو في كتاب مبين، كقوله تعالى: " ~~إني لا يخاف لدي المرسلون إلا من ظلم " (1) [النمل: 10 - 11] أي ومن ظلم. ~~وقوله: " لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم " (2) [البقرة: ~~150] أي والذين ظلموا منهم، ف‍ " - إلا " بمعنى واو النسق، وأضمر هو بعده ~~كقوله: " وقولوا حطة " (3) [البقرة: 58] أي هي حطة. وقوله: " ولا تقولوا ~~ثلاثة " (4) [النساء: 171] أي هم ثلاثة. ونظير ما نحن فيه: # " وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس ms3094 ~~إلا في كتاب مبين " (5) [الانعام: 59] وهو في كتاب مبين. # قوله تعالى: ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون (62) قوله ~~تعالى: " ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم " أي في الآخرة. " ولا هم يحزنون ~~" لفقد الدنيا. وقيل: " لا خوف عليهم ولا هم يحزنون " أي من تولاه الله ~~تعالى وتولى حفظه وحياطته ورضي عنه فلا يخاف يوم القيامة ولا يحزن، قال ~~الله تعالى: " إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها - أي عن جهنم - ~~مبعدون - إلى قوله " لا يحزنهم الفزع الأكبر " (6) [الأنبياء: 101 - 103]. ~~وروى سعيد بن جبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: من أولياء الله؟ # فقال: (الذين يذكر الله برؤيتهم). وقال عمر بن الخطاب في هذه الآية: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن من عباد الله عبادا ما هم بأنبياء ~~ولا شهداء تغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة لمكانهم من الله تعالى). ~~قيل: يا رسول الله، خبرنا من هم وما أعمالهم فلعلنا نحبهم. قال: (هم قوم ~~تحابوا في الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطون بها فوالله إن ~~وجوههم لنور وإنهم على منابر من نور لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون ~~إذا حزن الناس - ثم قرأ - ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ~~". وقال # PageV08P357 # علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أولياء الله قوم صفر الوجوه من السهر، عمش ~~العيون من العبر، خمص البطون من الجوع، يبس الشفاه من الذوي (1). وقيل: " ~~لا خوف عليهم " في ذريتهم، لان الله يتولاهم. " ولا هم يحزنون " على دنياهم ~~لتعويض الله إياهم في أولاهم وأخراهم لأنه وليهم ومولاهم. # قوله تعالى: الذين آمنوا وكانوا يتقون (63) هذه صفة أولياء الله تعالى، ~~فيكون: " الذين " في موضع نصب على البدل من اسم " إن " وهو " أولياء ". وإن ~~شئت على أعني. وقيل: هو ابتداء، وخبره. " لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي ~~الآخرة " فيكون مقطوعا مما قبله. أي يتقون الشرك والمعاصي. # قوله تعالى: لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا ms3095 تبديل لكلمات ~~الله ذلك هو الفوز العظيم (64) قوله تعالى: (لهم البشرى في الحياة الدنيا) ~~عن أبي الدرداء قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها فقال: (ما ~~سألني أحد عنها غيرك منذ أنزلت هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له) ~~خرجه الترمذي في جامعه. وقال الزهري وعطاء وقتادة: هي البشارة التي تبشر ~~بها الملائكة المؤمن في الدنيا عند الموت. وعن محمد بن كعب القرظي قال: إذا ~~استنقعت (2) نفس العبد المؤمن جاءه ملك الموت فقال: (السلام عليك ولي الله ~~الله يقرئك السلام). ثم نزع بهذه الآية: " الذين تتوفاهم الملائكة طيبين ~~يقولون سلام عليكم " (3) [النحل: 32] ذكره ابن المبارك. وقال قتادة ~~والضحاك: هي أن يعلم أين هو من قبل أن يموت. وقال الحسن: هي ما يبشرهم الله ~~تعالى في كتابه من جنته وكريم ثوابه، لقوله: " يبشرهم ربهم # PageV08P358 # برحمة منه ورضوان " (1) [التوبة: 21]، وقوله: " وبشر الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات أن لهم جنات " (2) [البقرة: 25]. # وقوله: " وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون " (3) [فصلت: 30] ولهذا قال: " ~~لا تبديل لكلمات الله " أي لا خلف لمواعيده، وذلك لان مواعيده بكلماته. (في ~~الآخرة) قيل: بالجنة إذا خرجوا من قبورهم. وقيل: إذا خرجت الروح بشرت ~~برضوان الله. وذكر أبو إسحاق الثعلبي: # سمعت أبا بكر محمد بن عبد الله الجوزقي (4) يقول: رأيت أبا عبد الله ~~الحافظ في المنام راكبا برذونا عليه طيلسان وعمامة، فسلمت عليه وقلت له: ~~أهلا بك، إنا لا نزال نذكرك ونذكر محاسنك، فقال: ونحن لا نزال نذكرك ونذكر ~~محاسنك، قال الله تعالى: " لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة " ~~الثناء الحسن: وأشار بيده. (لا تبديل لكلمات الله) أي لا خلف لوعده. وقيل: ~~لا تبديل لاخباره، أي لا ينسخها بشئ، ولا تكون إلا كما قال. # (ذلك هو الفوز العظيم) أي ما يصير إليه أولياؤه فهو الفوز العظيم. # قوله تعالى: ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا هو السميع العليم (65) ~~قوله تعالى: (ولا يحزنك قولهم) ثم الكلام، أي لا يحزنك افتراؤهم وتكذيبهم ~~لك، ثم ابتدأ فقال: " إن العزة لله " أي القوة ms3096 الكاملة والغلبة الشاملة ~~والقدرة التامة لله وحده، فهو ناصرك ومعينك ومانعك. (جميعا) نصب على الحال، ~~ولا يعارض هذا قوله: # " ولله العزة ولرسوله (5) وللمؤمنين " [المنافقون: 8] فإن كل عزة بالله ~~فهي كلها لله، قال الله سبحانه: # " سبحان ربك رب العزة عما يصفون " (6) [الصافات: 180]. (هو السميع ~~العليم) السميع لأقوالهم وأصواتهم، العليم بأعمالهم وأفعالهم وجميع ~~حركاتهم. # PageV08P359 # قوله تعالى: ألا إن لله من في السماوات ومن في الأرض وما يتبع الذين ~~يدعون من دون الله شركاء إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون (66) قوله ~~تعالى: (ألا إن لله من في السماوات ومن في الأرض) أي يحكم فيهم بما يريد ~~ويفعل فيهم ما يشاء سبحانه!. # قوله تعالى: (وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء) " ما " للنفي، أي ~~لا يتبعون شركاء على الحقيقة، بل يظنون أنها تشفع أو تنفع. وقيل: " ما " ~~استفهام، أي أي شئ يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء تقبيحا لفعلهم، ثم ~~أجاب فقال: # " إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون " أي يحدسون ويكذبون، وقد تقدم ~~(1). # قوله تعالى: هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن في ذلك ~~لآيات لقوم يسمعون (67) قوله تعالى: (هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه) ~~بين أن الواجب عبادة من يقدر على خلق الليل والنهار لا عبادة من لا يقدر ~~على شئ. " لتسكنوا فيه " أي مع أزواجكم وأولاد كم ليزول التعب والكلال بكم. ~~والسكون: الهدوء عن الاضطراب. # قوله تعالى: (والنهار مبصرا) أي مضيئا لتهتدوا به في حوائجكم. والمبصر: ~~الذي يبصر، والنهار يبصر فيه. وقال: " مبصرا " تجوزا وتوسعا على عادة العرب ~~في قولهم: # " ليل قائم، ونهار صائم ". وقال جرير: # لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى * ونمت وما ليل المطي بنائم وقال قطرب: ~~قال أظلم الليل أي صار ذا ظلمة، وأضاء النهار وأبصر أي صار ذا ضياء وبصر. # PageV08P360 # قوله تعالى: (إن في ذلك لآيات) أي علامات ودلالات. (لقوم يسمعون) أي سماع ~~اعتبار. # قوله تعالى: قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغنى له ما في السماوات ms3097 وما ~~في الأرض إن عندكم من سلطان بهذا أتقولون على الله ما لا تعلمون (68) قوله ~~تعالى: (قالوا اتخذ الله ولدا) يعني الكفار. وقد تقدم (1). (سبحانه) نزه ~~نفسه عن الصحابة والأولاد وعن الشركاء والأنداد. (هو الغني له ما في ~~السماوات وما في الأرض) ثم أخبر بغناه المطلق، وأن له ما في السماوات ~~والأرض ملكا وخلقا وعبيدا، " إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن ~~عبدا " (2) [مريم: 93]. (إن عندكم من سلطان بهذا) أي ما عندكم من حجة بهذا. ~~(أتقولون على الله ما لا تعلمون) من إثبات الولد له، والولد يقتضي المجانسة ~~والمشابهة والله تعالى لا يجانس شيئا ولا يشابه (3) شيئا. # قوله تعالى: قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون (69) متاع في ~~الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون (70) ~~قوله تعالى: (قل إن الذين يفترون) أي يختلقون. (على الله الكذب لا يفلحون) ~~أي لا يفوزون ولا يأمنون، وتم الكلام. (متاع في الدنيا) أي ذلك متاع أو هو ~~متاع في الدنيا، قاله الكسائي. وقال الأخفش: لهم متاع في الدنيا. قال أبو ~~إسحاق: ويجوز النصب في غير القرآن على معنى يتمتعون متاعا. (ثم إلينا ~~مرجعهم) أي رجوعهم. # (ثم نذيقهم العذاب الشديد) أي الغليظ. (بما كانوا يكفرون) أي بكفرهم. # PageV08P361 # قوله تعالى: واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم ~~مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا ~~يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلى ولا تنظرون (71) قوله تعالى: (واتل عليهم ~~نبأ نوح) أمره عليه السلام أن يذكرهم أقاصيص المتقدمين، ويخوفهم العذاب ~~الأليم على كفرهم. وحذفت الواو من " أتل " لأنه أمر، أي اقرأ عليهم خبر ~~نوح. (إذ قال لقومه) " إذ " في موضع نصب. (يا قوم إن كان كبر عليكم) أي عظم ~~وثقل عليكم. (مقامي) المقام (بفتح الميم): الموضع الذي يقوم فيه. والمقام ~~(بالضم) الإقامة. ولم يقرأ به فيما علمت، أي إن طال عليكم لبثي فيكم. ~~(وتذكيري) إياكم وتخويفي لكم. (بآيات الله) ms3098 وعزمتم على قتلي وطردي. (فعلى ~~الله توكلت) أي اعتمدت. وهذا هو جواب الشرط، ولم يزل عليه السلام متوكلا ~~على الله في كل حال، ولكن بين أنه متوكل في هذا على الخصوص ليعرف قومه أن ~~الله يكفيه أمرهم، أي إن لم تنصروني فإني أتوكل على من ينصرني. # قوله تعالى: (فأجمعوا أمركم وشركاءكم) قراءة العامة (1) " فأجمعوا " بقطع ~~الألف " شركاءكم " بالنصب. وقرأ عاصم الجحدري " فاجمعوا " بوصل الألف وفتح ~~الميم، من جمع يجمع. " شركاءكم " بالنصب. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق ويعقوب ~~" فأجمعوا " بقطع الألف " شركاؤكم " بالرفع. فأما القراءة الأولى من أجمع ~~على الشئ إذا عزم عليه. وقال الفراء: أجمع الشئ أعده. وقال المؤرج: أجمعت ~~الامر أفصح من أجمعت عليه. وأنشد: # يا ليت شعري والمنى لا تنفع * هل أغدون يوما وأمري مجمع # PageV08P362 # قال النحاس: وفي نصب الشركاء على هذه القراءة ثلاثة أوجه، قال الكسائي ~~والفراء: هو بمعنى وادعوا شركاءكم لنصرتكم، وهو منصوب عندهما على إضمار هذا ~~الفعل. وقال محمد بن يزيد: هو معطوف على المعنى، كما قال: # يا ليت زوجك في الوغى * متقلدا سيفا ورمحا والرمح لا يتقلد، إلا أنه ~~محمول كالسيف. وقال أبو إسحاق الزجاج: المعنى مع شركائكم على تناصر كم، كما ~~يقال: التقى الماء والخشبة. والقراءة الثانية من الجمع، اعتبارا بقوله ~~تعالى: # " فجمع كيده ثم أتى " (1) [طه: 60]. قال أبو معاذ: ويجوز أن يكون جمع ~~وأجمع بمعنى واحد، " وشركاءكم " على هذه القراءة عطف على " أمركم "، أو على ~~معنى فأجمعوا أمركم وأجمعوا شركاءكم، وإن شئت بمعنى مع. قال أبو جعفر ~~النحاس: وسمعت أبا إسحاق يجيز قام زيد وعمرا. والقراءة الثالثة على أن يعطف ~~الشركاء على المضمر المرفوع في أجمعوا، وحسن ذلك لان الكلام قد طال. قال ~~النحاس وغيره: وهذه القراءة تبعد، لأنه لو كان مرفوعا لوجب أن تكتب بالواو، ~~ولم ير في المصاحف واو في قوله " وشركاء كم "، وأيضا فإن شركاء هم الأصنام، ~~والأصنام لا تصنع شيئا ولا فعل لها حتى تجمع. قال المهدوي: ويجوز أن يرتفع ~~الشركاء بالابتداء والخبر محذوف، أي وشركاءكم ليجمعوا أمرهم، ms3099 ونسب ذلك إلى ~~الشركاء وهي لا تسمع ولا تبصر ولا تميز على جهة التوبيخ لمن عبدها. # قوله تعالى: (ثم لا يكن أمركم عليكم غمة) اسم يكن وخبرها. وغمة وغم سواء، ~~ومعناه التغطية، من قولهم: غم الهلال إذا استتر، أي ليكن أمركم ظاهرا ~~منكشفا تتمكنون فيه مما شئتم، لا كمن يخفى أمره فلا يقدر على ما يريد. قال ~~طرفة: # لعمرك ما أمري علي بغمة * نهاري ولا ليلي علي بسرمد # PageV08P363 # الزجاج: غمة ذا غم، والغم والغمة كالكرب والكربة. وقيل: إن الغمة ضيق ~~الامر الذي يوجب الغم فلا يتبين صاحبه لامره مصدرا لينفرج عنه ما يغمه. وفي ~~الصحاح: والغمة الكربة. قال العجاج: # بل لو شهدت الناس إذ تكموا (1) * بغمة لو لم تفرج غموا يقال: أمر غمة، أي ~~مبهم ملتبس، قال تعالى: " ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ". قال أبو عبيدة: ~~مجازها ظلمة وضيق. والغمة أيضا: قعر النحي (2) وغيره. قال غيره: وأصل هذا ~~كله مشتق من الغمامة. # قوله تعالى: (ثم اقضوا إلي ولا تنظرون) ألف " اقضوا " ألف وصل، من قضى ~~يقضي. قال الأخفش والكسائي: وهو مثل: " وقضينا إليه ذلك الامر " (3) ~~[الحجر: 66] أي أنهيناه إليه وأبلغناه إياه. وروي عن ابن عباس " ثم اقضوا ~~إلي ولا تنظرون " قال: امضوا إلي ولا تؤخرون. قال النحاس: هذا قول صحيح في ~~اللغة، ومنه: قضى الميت أي مضى. # وأعلمهم بهذا أنهم لا يصلون إليه، وهذا من دلائل النبوات. وحكى الفراء عن ~~بعض القراء " ثم أفضوا إلي " بالفاء وقطع الألف، أي توجهوا، يقال: أفضت ~~الخلافة إلى فلان، وأفضى إلي الوجع. وهذا إخبار من الله تعالى عن نبيه نوح ~~عليه السلام أنه كان بنصر الله واثقا، ومن كيدهم غير خائف، علما منه بأنهم ~~وآلهتهم لا ينفعون ولا يضرون. وهو تعزية لنبيه صلى الله عليه وسلم وتقوية ~~لقلبه. # قوله تعالى: فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجرى إلا على الله وأمرت أن ~~أكون من المسلمين (72) # PageV08P364 # قوله تعالى: (فإن توليتم فما سألتكم من أجر) أي فإن أعرضتم عما جئتكم به ~~فليس ذلك لأني ms3100 سألتكم أجرا فيثقل عليكم مكافأتي. (إن أجرى إلا على الله) في ~~تبليغ رسالته. # (وأمرت أن أكون من المسلمين) أي الموحدين لله تعالى. فتح أهل المدينة ~~وأبو عمرو وابن عامر وحفص ياء " أجري " حيث وقع، وأسكن الباقون. # قوله تعالى: فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك وجعلنا هم خلائف وأغرقنا ~~الذين كذبوا بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين (73) قوله تعالى: ~~(فكذبوه) يعني نوحا. (فنجيناه ومن معه) أي من المؤمنين. # (في الفلك) أي السفينة، وسيأتي ذكرها. (وجعلناهم خلائف) أي سكان الأرض ~~وخلفا ممن غرق. (فأنظر كيف كان عاقبة المنذرين) يعنى آخر أمر الذين أنذرهم ~~الرسل فلم يؤمنوا. # قوله تعالى: ثم بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات فما كانوا ~~ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل كذلك نطبع على قلوب المعتدين (74) قوله تعالى: ~~(ثم بعثنا من بعده) أي من بعد نوح. (رسلا إلى قومهم) كهود وصالح وإبراهيم ~~ولوط وشعيب وغيرهم. (فجاءوهم بالبينات) أي بالمعجزات. (فما كانوا ليؤمنوا ~~بما كذبوا به من قبل) التقدير: بما كذب به قوم نوح من قبل. وقيل: " بما ~~كذبوا به من قبل " أي من قبل يوم الذر، فإنه كان فيهم من كذب بقلبه وإن قال ~~الجميع: # بلى. قال النحاس: ومن أحسن ما قيل في هذا أنه لقوم بأعيانهم، مثل: " ~~أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون " (1) [البقرة: 6] (كذلك نطبع) أي نختم. ~~(على قلوب المعتدين) أي المجاوزين الحد في الكفر والتكذيب فلا يؤمنوا. وهذا ~~يرد على القدرية قولهم كما تقدم. # PageV08P365 # قوله تعالى: ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون إلى فرعون وملائه بآياتنا ~~فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين (75) قوله تعالى: (ثم بعثنا من بعدهم) أي من ~~بعد الرسل والأمم. (موسى وهارون إلى فرعون وملئه) أي أشراف قومه. (بآياتنا) ~~يريد الآيات التسع، وقد تقدم ذكرها (1). # (فاستكبروا) أي عن الحق. (وكانوا قوما مجرمين) أي مشركين. # قوله تعالى: فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا إن هذا لسحر مبين (76) قال ~~موسى أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا ولا يفلح الساحرون (77) قوله تعالى: ~~(فلما جاءهم الحق من عندنا) ms3101 يريد فرعون وقومه (قالوا إن هذا لسحر مبين) ~~حملوا المعجزات على السحر. قال لهم موسى: (أتقولون للحق لما جاءكم أسحر ~~هذا) قيل: في الكلام حذف، المعنى: أتقولون للحق هذا سحر. ف‍ " - أتقولون " ~~إنكار وقولهم محذوف أي هذا سحر، ثم استأنف إنكارا آخر من قبله فقال: أسحر ~~هذا! فحذف قولهم الأول اكتفاء بالثاني من قولهم، منكرا على فرعون وملئه. ~~وقال الأخفش: هو من قولهم، ودخلت الألف حكاية لقولهم، لأنهم قالوا أسحر ~~هذا. فقيل لهم: أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا، وروي عن الحسن. (ولا يفلح ~~الساحرون) أي لا يفلح من أتى به. # قوله تعالى: قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا وتكون لكما ~~الكبرياء في الأرض وما نحن لكما بمؤمنين (78) # PageV08P366 # قوله تعالى: (قالوا أجئتنا لتلفتنا) أي تصرفنا وتلوينا، يقال: لفته يلفته ~~لفتا إذا لواه وصرفه. قال الشاعر: # تلفت نحو الحي حتى رأيتني * وجعت من الاصغاء ليتا وأخدعا (1) ومن هذا ~~التفت (2) إنما هو عدل عن الجهة التي بين يديه. (عما وجدنا عليه آباءنا) ~~يريد من عبادة الأصنام. (وتكون لكما الكبرياء) أي العظمة والملك والسلطان. ~~(في الأرض) يريد أرض مصر. ويقال للملك: الكبرياء لأنه أعظم ما يطلب في ~~الدنيا. " وما نحن لكما بمؤمنين " وقرأ ابن مسعود والحسن وغيرهما " ويكون " ~~بالياء لأنه تأنيث غير حقيقي وقد فصل بينهما. وحكى سيبويه: حضر القاضي ~~اليوم امرأتان. # قوله تعالى: وقال فرعون أئتوني بكل ساحر عليم (79) إنما قاله لما رأى ~~العصا واليد البيضاء واعتقد أنهما سحر. وقرأ حمزة والكسائي وابن وثاب ~~والأعمش " سحار " وقد تقدم في الأعراف القول (3) فيهما. # قوله تعالى: فلما جاء السحرة قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون (80) أي ~~اطرحوا على الأرض ما معكم من حبالكم وعصيكم. وقد تقدم في الأعراف القول في ~~هذا مستوفى (3). # قوله تعالى: فلما ألقوا قال موسى ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن ~~الله لا يصلح عمل المفسدين (81) # PageV08P367 # قوله تعالى: (فلما ألقوا قال موسى ما جئتم به السحر) تكون " ما " في موضع ~~رفع بالابتداء، والخبر " جئتم به " والتقدير: أي ms3102 شئ جئتم به، على التوبيخ ~~والتصغير لما جاءوا به من السحر. وقراءة أبي عمرو " السحر " على الاستفهام ~~على إضمار مبتدأ والتقدير أهو السحر. ويجوز أن يكون مبتدأ والخبر محذوف، ~~التقدير: السحر جئتم به. ولا تكون " ما " على قراءة من استفهم بمعنى الذي، ~~إذ لا خبر لها. وقرأ الباقون " السحر " على الخبر، ودليل هذه القراءة قراءة ~~ابن مسعود: " ما جئتم به سحر ". وقراءة أبي: " ما أتيتم به سحر "، ف‍ " - ~~ما " بمعنى الذي، و " جئتم به " الصلة، وموضع " ما " رفع بالابتداء، والسحر ~~خبر الابتداء. ولا تكون " ما " إذا جعلتها بمعنى الذي نصبا لان الصلة لا ~~تعمل في الموصول. # وأجاز الفراء نصب السحر بجئتم، وتكون ما للشرط، وجئتم في موضع جزم بما ~~والفاء محذوفة، التقدير: فإن الله سيبطله. ويجوز أن ينصب السحر على المصدر، ~~أي ما جئتم به سحرا، ثم دخلت الألف واللام زائدتين، فلا يحتاج على هذا ~~التقدير إلى حذف الفاء. واختار هذا القول النحاس، وقال: حذف الفاء في ~~المجازاة لا يجيزه كثير من النحويين إلا في ضرورة الشعر، كما قال: # * من يفعل الحسنات الله يشكرها * بل (1) ربما قال بعضهم: إنه لا يجوز ~~ألبتة. وسمعت علي بن سليمان يقول: حدثني محمد ابن يزيد قال حدثني المازني ~~قال سمعت الأصمعي يقول: غير النحويون هذا البيت، وإنما الرواية: # * من يفعل الخير فالرحمن يشكره * وسمعت علي بن سليمان يقول: حذف الفاء في ~~المجازاة جائز. قال: والدليل على ذلك " وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت ~~أيديكم " (2). " وما أصابكم من مصيبة بما كسبت أيديكم " قراءتان مشهورتان ~~معروفتان. (إن الله لا يصلح عمل المفسدين) يعني السحر. قال ابن عباس: # من أخذ مضجعه من الليل ثم تلا هذه الآية. (ما جئتم به السحر إن الله ~~سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين) لم يضره كيد ساحر. ولا تكتب على ~~مسحور إلا دفع الله عنه السحر. # PageV08P368 # قوله تعالى: ويحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون (82) قوله تعالى: ~~(ويحق الله الحق) أي يبينه ويوضحه. (بكلماته) أي بكلامه وحججه وبراهينه. ~~وقيل: بعداته ms3103 بالنصر. (ولو كره المجرمون) من آل فرعون. # قوله تعالى: فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملأهم أن ~~يفتنهم وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين (83) قوله تعالى: (فما ~~آمن لموسى إلا ذرية من قومه) الهاء عائدة على موسى. قال مجاهد: # أي لم يؤمن منهم أحد، وإنما آمن أولاد من أرسل موسى إليهم من بني ~~إسرائيل، لطول الزمان هلك الآباء وبقي الأبناء فآمنوا، وهذا اختيار الطبري. ~~والذرية أعقاب الانسان وقد تكثر. وقيل: أراد بالذرية مؤمني بني إسرائيل. ~~قال ابن عباس: كانوا ستمائة ألف، وذلك أن يعقوب عليه السلام دخل مصر في ~~اثنين وسبعين إنسانا فتوالدوا بمصر حتى بلغوا ستمائة ألف. وقال ابن عباس ~~أيضا: " من قومه " يعني من قوم فرعون، منهم مؤمن آل فرعون وخازن فرعون ~~وامرأته وماشطة ابنته وامرأة خازنه. وقيل: هم أقوام آباؤهم من القبط، ~~وأمهاتهم من بني إسرائيل فسموا ذرية كما يسمى أولاد الفرس الذين توالدوا ~~باليمن وبلاد العرب الأبناء، لان أمهاتهم من غير جنس آبائهم، قاله الفراء. ~~وعلى هذا فالكناية في " قومه " ترجع إلى موسى للقرابة من جهة الأمهات، وإلى ~~فرعون إذا كانوا من القبط. # قوله تعالى: (على خوف من فرعون) لأنه كان مسلطا عليهم عاتبا. (وملئهم) ~~ولم يقل وملئه، وعنه ستة أجوبة: أحدها - أن فرعون لما كان جبارا أخبر عنه ~~بفعل الجميع. الثاني - أن فرعون لما ذكر علم أن معه غيره، فعاد الضمير عليه ~~وعليهم، وهذا أحد قولي الفراء. الثالث: أن تكون الجماعة سميت بفرعون مثل ~~ثمود. الرابع: أن يكون التقدير: على خوف من آل فرعون، فيكون من باب حذف ~~المضاف مثل: " واسأل القرية " (1) [يوسف: 82] # PageV08P369 # وهو القول الثاني للفراء. وهذا الجواب على مذهب سيبويه والخليل خطأ، لا ~~يجوز عندهما قامت هند، وأنت تريد غلامها. الخامس: مذهب الأخفش سعيد أن يكون ~~الضمير يعود على الذرية، أي ملا الذرية، وهو اختيار الطبري. السادس: أن ~~يكون الضمير يعود على قومه. قال النحاس: وهذا الجواب كأنه أبلغها. (أن ~~يفتنهم) وحد " يفتنهم " على الاخبار عن ms3104 فرعون، أي يصرفهم عن دينهم ~~بالعقوبات، وهو في موضع خفض على أنه بدل اشتمال. ويجوز أن يكون في موضع نصب ~~ب‍ " - خوف ". ولم ينصرف فرعون لأنه اسم أعجمي وهو معرفة. (وإن فرعون لعال ~~في الأرض) أي عات متكبر (وإنه لمن المسرفين) أي المجاوزين الحد في الكفر، ~~لأنه كان عبدا فادعى الربوبية. # قوله تعالى: وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم ~~مسلمين (84) فقالوا على الله توكلنا ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين ~~(85) قوله تعالى: (وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم) أي صدقتم. (بالله فعليه ~~توكلوا) أي اعتمدوا. (إن كنتم مسلمين) كرر الشرط تأكيدا، وبين أن كمال ~~الايمان بتفويض الامر إلى الله. (فقالوا على الله توكلنا) أي أسلمنا أمورنا ~~إليه، ورضينا بقضائه وقدره، وانتهينا إلى أمره. (ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم ~~الظالمين) أي لا تنصرهم علينا، فيكون ذلك فتنة لنا عن الدين، أو لا تمتحنا ~~بأن تعذبنا على أيديهم. وقال مجاهد: المعنى لا تهلكنا بأيدي أعدائنا، ولا ~~تعذبنا بعذاب من عندك، فيقول أعداؤنا لو كانوا على حق لم نسلط عليهم، ~~فيفتنوا. وقال أبو مجلز وأبو الضحا: يعني لا تظهرهم علينا فيروا أنهم خير ~~منا فيزدادوا طغيانا. # قوله تعالى: ونجنا برحمتك من القوم الكافرين (86) قوله تعالى: (ونجنا ~~برحمتك) أي خلصنا. (من القوم الكافرين) أي من فرعون وقومه لأنهم كانوا ~~يأخذونهم بالاعمال الشاقة. PageV08P370 # قوله تعالى: وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا ~~بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين (87) قوله تعالى: (وأوحينا إلى ~~موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا) فيه خمس مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا " أي اتخذا. # " لقومكما بمصر بيوتا " يقال: بوأت زيدا مكانا وبوأت لزيد مكانا. والمبوأ ~~المنزل الملزوم، ومنه بوأه الله منزلا، أي ألزمه إياه وأسكنه، ومنه الحديث: ~~(من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار) قال الراجز: # نحن بنو عدنان ليس شك * تبوأ المجد بنا والملك ومصر في هذه الآية هي ~~الإسكندرية، في قول مجاهد. وقال ms3105 الضحاك: إنه البلد المسمى مصر، ومصر ما بين ~~البحر إلى أسوان، والإسكندرية من أرض مصر. # الثانية - قوله تعالى: (واجعلوا بيوتكم قبلة) قال أكثر المفسرين: كان بنو ~~إسرائيل لا يصلون إلا في مساجدهم وكنائسهم وكانت ظاهرة، فلما أرسل موسى أمر ~~فرعون بمساجد بني إسرائيل فخربت كلها ومنعوا من الصلاة، فأوحى الله إلى ~~موسى وهارون أن اتخذا لبني إسرائيل بيوتا بمصر، أي مساجد، ولم يرد المنازل ~~المسكونة. # هذا قول إبراهيم وابن زيد والربيع وأبي مالك وابن عباس وغيرهم. وروي عن ~~ابن عباس وسعيد بن جبير أن المعنى: واجعلوا بيوتكم يقابل بعضها بعضا. ~~والقول الأول أصح، أي اجعلوا مساجدكم إلى القبلة، قيل: بيت المقدس، وهي ~~قبلة اليهود إلى اليوم، قاله ابن بحر. # وقيل الكعبة. عن ابن عباس قال: وكانت الكعبة قبلة موسى ومن معه، وهذا يدل ~~على أن القبلة في الصلاة كانت شرعا لموسى عليه السلام، ولم تخل الصلاة عن ~~شرط الطهارة وستر العورة واستقبال القبلة، فإن ذلك أبلغ في التكليف وأوفر ~~للعبادة. وقيل: المراد صلوا في بيوتكم سرا لتأمنوا، وذلك حين أخافهم فرعون ~~فأمروا بالصبر واتخاذ المساجد في البيوت، PageV08P371 # والاقدام على الصلاة، والدعاء إلى أن ينجز الله وعده، وهو المراد بقوله: ~~" قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا " (1) الآية. وكان من دينهم أنهم ~~لا يصلون إلا في البيع والكنائس ما داموا على أمن، فإذا خافوا فقد أذن لهم ~~أن يصلوا في بيوتهم. قال ابن العربي: والأول أظهر القولين، لان الثاني ~~دعوى. # قلت: قوله: " دعوى " صحيح، فإن في الصحيح قوله عليه السلام: (جعلت لي ~~الأرض مسجدا وطهورا) وهذا مما خص به دون الأنبياء، فنحن بحمد الله نصلي في ~~المساجد والبيوت، وحيث أدركتنا الصلاة، إلا أن النافلة في المنازل أفضل ~~منها في المساجد، حتى الركوع قبل الجمعة وبعدها. وقبل الصلوات المفروضات ~~وبعدها، إذ النوافل يحصل فيها الرياء، والفرائض لا يحصل فيها ذلك، وكلما ~~خلص العمل من الرياء كان أوزن وأزلف عند الله سبحانه وتعالى. روى مسلم عن ~~عبد الله بن شقيق قال: سألت عائشة عن ms3106 صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~تطوعه قالت: (كان يصلي في بيتي قبل الظهر أربعا، ثم يخرج فيصلي بالناس، ثم ~~يدخل فيصلي ركعتين، وكان يصلى بالناس المغرب، ثم يدخل فيصلي ركعتين، ثم ~~يصلي بالناس العشاء، ويدخل بيتي فيصلي ركعتين..) الحديث. وعن ابن عمر قال: # صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل الظهر سجدتين وبعدها سجدتين وبعد ~~المغرب سجدتين، فأما المغرب والعشاء والجمعة فصليت مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم في بيته. وروى أبو داود عن كعب بن عجرة أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أتى مسجد بني الأشهل فصلى فيه المغرب، فلما قضوا صلاتهم رآهم يسبحون بعدها ~~فقال: (هذه صلاة البيوت). # الثالثة - واختلف العلماء من (2) هذا الباب في قيام رمضان، هل إيقاعه في ~~البيت أفضل أو في المسجد؟ فذهب مالك إلى أنه في البيت أفضل لمن قوي عليه، ~~وبه قال أبو يوسف وبعض أصحاب الشافعي. وذهب ابن عبد الحكم وأحمد وبعض أصحاب ~~الشافعي إلى أن حضورها في الجماعة أفضل. وقال الليث: لو قام الناس في ~~بيوتهم ولم يقم أحد في المسجد # PageV08P372 # لا ينبغي أن يخرجوا إليه. والحجة لمالك ومن قال بقوله قوله صلى الله عليه ~~وسلم في حديث زيد بن ثابت: (فعليكم بالصلاة في بيوتكم فإن خير صلاة المرء ~~في بيته إلا المكتوبة) خرجه البخاري. احتج المخالف بأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قد صلاها في الجماعة في المسجد، ثم أخبر بالمانع الذي منع منه على ~~الدوام على ذلك، وهو خشية أن تفرض عليهم فلذلك قال لهم: # (فعليكم بالصلاة في بيوتكم). ثم إن الصحابة كانوا يصلونها في المسجد ~~أوزاعا متفرقين، إلى أن جمعهم عمر على قارئ واحد فاستقر الامر على ذلك وثبت ~~سنة. # الرابعة - وإذا تنزلنا على أنه كان أبيح لهم أن يصلوا في بيوتهم إذا ~~خافوا على أنفسهم فيستدل به على أن المعذور بالخوف وغيره يجوز له ترك ~~الجماعة والجمعة. والعذر الذي يبيح له ذلك كالمرض الحابس، أو خوف زيادته، ~~أو خوف جور السلطان في مال ms3107 أو بدن دون القضاء عليه بحق. والمطر الوابل مع ~~الوحل عذر إن لم ينقطع، ومن له ولي حميم قد حضرته الوفاة ولم يكن عنده من ~~يمرضه، وقد فعل ذلك ابن عمر. # الخامسة - قوله تعالى: (وبشر المؤمنين) قيل: الخطاب لمحمد صلى الله عليه ~~وسلم. وقيل لموسى عليه السلام، وهو أظهر، أي بشر بني إسرائيل بأن الله ~~سيظهرهم على عدوهم. # قوله تعالى: وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة ~~الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا ~~يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم (88) قوله تعالى: (وقال موسى ربنا إنك آتيت ~~فرعون وملأه) " آتيت " أي أعطيت. # (زينة وأموالا في الحياة الدنيا) أي مال الدنيا، وكان لهم من فسطاط مصر ~~إلى أرض الحبشة جبال فيها معادن الذهب والفضة والزبرجد والزمرد والياقوت. ~~PageV08P373 # قوله تعالى: (ربنا ليضلوا عن سبيلك) اختلف في هذه اللام، وأصح ما قيل ~~فيها - وهو قول الخليل وسيبويه - أنها لام العاقبة والصيرورة، وفي الخبر ~~(إن لله تعالى ملكا ينادي كل يوم لدوا للموت وابنوا للخراب). أي لما كان ~~عاقبة أمرهم إلى الضلال صار كأنه أعطاهم ليضلوا. وقيل: هي لام كي أي ~~أعطيتهم لكي يضلوا ويبطروا ويتكبروا. # وقيل: هي لام أجل، أي أعطيتهم لأجل إعراضهم عنك فلم يخافوا أن تعرض عنهم. ~~وزعم قوم أن المعنى: أعطيتهم ذلك لئلا يضلوا، فحذفت لا كما قال عز وجل: ~~(يبين الله لكم أن تضلوا) (1). والمعنى: لان لا تضلوا. قال النحاس: ظاهر ~~هذا الجواب حسن، إلا أن العرب لا تحذف " لا " إلا مع أن، فموه صاحب هذا ~~الجواب بقوله عز وجل: " أن تضلوا ". # وقيل: اللام للدعاء، أي ابتلاهم بالضلال عن سبيلك، لان بعده: " اطمس على ~~أموالهم واشدد ". وقيل: الفعل معنى المصدر أي إضلالهم كقوله عز وجل: " ~~لتعرضوا عنهم ". # قرأ الكوفيون: " ليضلوا " بضم الياء من الاضلال، وفتحها الباقون. # قوله تعالى: (ربنا اطمس على أموالهم) أي عاقبهم عل كفرهم بإهلاك أموالهم. # قال الزجاج: طمس الشئ إذهابه عن صورته. قال ابن عباس ومحمد بن ms3108 كعب: صارت ~~أموالهم ودراهمهم حجارة منقوشة كهيئتها صحاحا وأثلاثا وأنصافا، ولم يبق لهم ~~معدن إلا طمس الله عليه فلم ينتفع به أحد بعد. وقال قتادة: بلغنا أن ~~أموالهم وزروعهم صارت حجارة. # وقال مجاهد وعطية: أهلكها حتى لا ترى، يقال: عين مطموسة، وطمس الموضع إذا ~~عفا ودرس. وقال ابن زيد: صارت دنانيرهم ودراهمهم وفرشهم وكل شئ لهم حجارة. ~~محمد ابن كعب: وكان الرجل منهم يكون مع أهله في فراشه وقد صارا حجرين، قال: ~~وسألني عمر بن عبد العزيز فذكرت ذلك له فدعا بخريطة (2) أصيبت بمصر فأخرج ~~منها الفواكه والدراهم والدنانير وإنها لحجارة. وقال السدي: وكانت إحدى ~~الآيات التسع. (واشدد على قلوبهم) قال ابن عباس: أي أمنعهم الايمان. وقيل: ~~قسها واطبع عليها حتى لا تنشرح للايمان، والمعنى # PageV08P374 # واحد. " قلا يؤمنوا " قيل: هو عطف على قوله: " ليضلوا " أي آتيتهم النعم ~~ليضلوا ولا يؤمنوا، قاله الزجاج والمبرد. وعلى هذا لا يكون فيه من معنى ~~الدعاء شئ. وقوله: (ربنا اطمس، واشدد) كلام معترض. وقال الفراء والكسائي ~~وأبو عبيدة: هو دعاء، فهو في موضع جزم عندهم، أي اللهم فلا يؤمنوا، أي فلا ~~آمنوا. ومنه قول الأعشى: # فلا ينبسط من بين عينيك ما انزوى * ولا تلقني إلا وأنفك راغم أي لا ~~انبسط. ومن قال " ليضلوا " دعاء - أي ابتلاهم بالضلال - قال: عطف عليه " ~~فلا يؤمنوا ". وقيل: هو في موضع نصب لأنه جواب الامر، أي واشدد على قلوبهم ~~فلا يؤمنوا. وهذا قول الأخفش والفراء أيضا، وأنشد الفراء: # يا ناق سيري عنقا فسيحا * إلى سليمان فنستريحا فعلى هذا حذفت النون لأنه ~~منصوب. (حتى يروا العذاب الأليم) قال ابن عباس: هو الغرق. وقد استشكل بعض ~~الناس هذه الآية فقال: كيف دعا عليهم وحكم الرسل استدعاء إيمان قومهم، ~~فالجواب أنه لا يجوز أن يدعو نبي على قومه إلا بإذن من الله، وإعلام أنه ~~ليس فيهم من يؤمن ولا يخرج من أصلابهم من يؤمن، دليله قوله لنوح عليه ~~السلام: " إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن " (1) [هود: 36] وعند ذلك ~~قال: " رب ms3109 لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا " (2) [الآية] (3) [نوح: ~~26]. والله أعلم. # قوله تعالى: قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا ~~يعلمون (89) قوله تعالى: (قال قد أجيبت دعوتكما) قال أبو العالية: دعا موسى ~~وأمن هارون، [فسمي هارون] (4) وقد أمن على الدعاء داعيا. والتأمين على ~~الدعاء أن يقول آمين، فقولك آمين # PageV08P375 # دعاء، أي يا رب استجب لي. وقيل: دعا هارون مع موسى أيضا. وقال أهل ~~المعاني: # ربما خاطبت العرب الواحد بخطاب الاثنين، قال الشاعر: # فقلت لصاحبي لا تعجلانا * بنزع أصوله فاجتز شيحا وهذا على أن آمين ليس ~~بدعاء، وأن هارون لم يدع. قال النحاس: سمعت علي بن سليمان يقول: الدليل على ~~أن الدعاء لهما قول موسى عليه السلام " ربنا " ولم يقل رب. وقرأ علي ~~والسلمي " دعواتكما " بالجمع. وقرأ ابن السميقع " أجبت دعوتكما " خبرا عن ~~الله تعالى، ونصب دعوة بعده. وتقدم القول في " آمين " في آخر الفاتحة (1) ~~مستوفى. وهو مما خص به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وهارون وموسى عليهما ~~السلام. روى أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله ~~قد أعطى أمتي ثلاثا لم تعط أحدا قبلهم السلام وهي تحية أهل الجنة وصفوف ~~الملائكة وآمين إلا ما كان من موسى وهارون) ذكره الترمذي الحكيم في نوادر ~~الأصول. وقد تقدم في الفاتحة. (1) قوله تعالى: (فاستقيما) قال الفراء ~~وغيره: أمر بالاستقامة. على أمرهما والثبات عليه من دعاء فرعون وقومه إلى ~~الايمان، إلى أن يأتيهما تأويل الإجابة. قال محمد بن علي وابن جريج: # مكث فرعون وقومه بعد هذه الإجابة أربعين سنة ثم أهلكوا. وقيل: " استقيما ~~" أي على الدعاء، والاستقامة في الدعاء ترك الاستعجال في حصول المقصود، ولا ~~يسقط الاستعجال من القلب إلا باستقامة السكينة فيه، ولا تكون تلك السكينة ~~إلا بالرضا الحسن لجميع ما يبدو من الغيب. (ولا تتبعان سبيل الذين لا ~~يعلمون) بتشديد النون في موضع جزم على النهي، والنون للتوكيد وحركت لالتقاء ~~الساكنين واختير لها الكسر لأنها أشبهت نون الاثنين. وقرأ ابن ذكوان بتخفيف ms3110 ~~النون على النفي. وقيل: هو حال من استقيما، أي استقيما غير متبعين، ~~والمعنى: لا تسلكا طريق من لا يعلم حقيقة وعدي ووعيدي. # PageV08P376 # قوله تعالى: وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا ~~حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل ~~وأنا من المسلمين (90) قوله تعالى: (وجاوزنا ببني إسرائيل البحر) تقدم ~~القول فيه في " البقرة " في قوله: # " وإذ فرقنا بكم البحر " (1). وقرأ الحسن " وجوزنا " وهما لغتان. ~~(فأتبعهم فرعون وجنوده) يقال: تبع وأتبع بمعنى واحد، إذا لحقه وأدركه. ~~وأتبع (بالتشديد) إذا سار خلفه. وقال الأصمعي: أتبعه (بقطع الألف) إذا لحقه ~~وأدركه، وأتبعه (بوصل الألف) إذا أتبع أثره، أدركه أو لم يدركه. وكذلك قال ~~أبو زيد. وقرأ قتادة " فاتبعهم " بوصل الألف. وقيل: # " اتبعه " (بوصل الألف) في الامر اقتدى به. وأتبعه (بقطع الألف) خيرا أو ~~شرا، هذا قول أبي عمرو. وقد قيل هما بمعنى واحد. فخرج موسى ببني إسرائيل ~~وهم ستمائة ألف وعشرون ألفا، وتبعه فرعون مصبحا في ألفي ألف وستمائة ألف. ~~وقد تقدم. # (2) (بغيا) نصب على الحال. # (وعدوا) معطوف عليه، أي في حال بغي واعتداء وظلم، يقال: عدا يعدو عدوا، ~~مثل غزا يغزو غزوا. وقرأ الحسن " وعدوا " بضم العين والدال وتشديد الواو، ~~مثل علا يعلو علوا. وقال المفسرون: " بغيا " طلبا للاستعلاء بغير حق في ~~القول، " وعدوا " في الفعل، فهما نصب على المفعول له. (حتى إذا أدركه ~~الغرق) أي ناله ووصله. (قال آمنت) أي صدقت. (أنه) أي بأنه. (لا إله إلا ~~الذي آمنت به بنو إسرائيل) فلما حذف الخافض تعدى الفعل فنصب. # وقرئ بالكسر، أي صرت مؤمنا ثم استأنف. وزعم أبو حاتم أن القول محذوف، أي ~~آمنت فقلت إنه، والايمان لا ينفع حينئذ، والتوبة مقبولة قبل رؤية البأس، ~~وأما بعدها وبعد المخالطة فلا تقبل، حسب ما تقدم في " النساء " (3) بيانه. ~~ويقال: إن فرعون هاب دخول البحر وكان على حصان أدهم ولم يكن في خيل فرعون ~~فرس أنثى، فجاء جبريل على فرس وديق # PageV08P377 # - أي شهي - (1) في صورة ms3111 هامان وقال له: تقدم، ثم خاض البحر فتبعها حصان ~~فرعون، وميكائيل يسوقهم لا يشذ منهم أحد، فلما صار آخرهم في البحر وهم ~~أولهم أن يخرج انطبق عليهم البحر، وألجم فرعون الغرق فقال: آمنت بالذي آمنت ~~به بنو إسرائيل، فدس جبريل في فمه حال البحر. وروى الترمذي عن ابن عباس أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لما أغرق الله فرعون قال آمنت أنه لا إله ~~إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل قال جبريل يا محمد فلو رأيتني وأنا آخذ من ~~حال البحر فأدسه في فيه مخافة أن تدركه الرحمة). قال أبو عيسى: # هذا حديث حسن. حال البحر: الطين الأسود الذي يكون في أرضه، قاله أهل ~~اللغة. # وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر: (أن جبريل جعل يدس في ~~في فرعون الطين خشية أن يقول لا إله إلا الله فيرحمه الله أو خشية أن ~~يرحمه). قال: هذا حديث حسن غريب صحيح. وقال عون بن عبد الله: بلغني أن ~~جبريل قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ما ولد إبليس أبغض إلي من فرعون، فإنه ~~لما أدركه الغرق قال: " آمنت " الآية، فخشيت أن يقولها فيرحم، فأخذت تربة ~~أو طينة فحشوتها في فيه. وقيل: إنما فعل هذا به عقوبة له على عظيم ما كان ~~يأتي. وقال كعب الأحبار: أمسك الله نيل مصر عن الجري في زمانه. فقالت له ~~القبط: إن كنت ربنا فأجر لنا الماء، فركب وأمر بجنوده قائدا قائدا وجعلوا ~~يقفون على درجاتهم وقفز (2) حيث لا يرونه ونزل عن دابته ولبس ثيابا له أخرى ~~وسجد وتضرع لله تعالى فأجرى الله له الماء، فأتاه جبريل وهو وحده في هيئة ~~مستفت وقال: ما يقول الأمير في رجل له عبد قد نشأ في نعمته لا سند (3) له ~~غيره، فكفر نعمه وجحد حقه وادعى السيادة دونه، فكتب فرعون: يقول أبو العباس ~~الوليد بن مصعب بن الريان جزاؤه أن يغرق في البحر، فأخذه جبريل ومر فلما ~~أدركه الغرق ناوله جبريل عليه السلام خطه. وقد ms3112 مضى هذا في " البقرة " (4) ~~عن عبد الله بن عمرو بن العاص وابن عباس مسندا، وكان هذا في يوم عاشوراء ~~على ما تقدم بيانه في " البقرة " أيضا فلا معنى للإعادة. # PageV08P378 # قوله تعالى: (وأنا من المسلمين) أي من الموحدين المستسلمين بالانقياد ~~والطاعة. # قوله تعالى: الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين (91) قيل: هو من قول ~~الله تعالى. وقيل: هو من قول جبريل. وقيل: ميكائيل، صلوات عليهما، أو ~~غيرهما من الملائكة [له] (1) صلوات الله عليهم. وقيل: هو من قول فرعون في ~~نفسه، ولم يكن ثم قول اللسان بل وقع ذلك في قلبه فقال في نفسه ما قال: حيث ~~لم تنفعه الندامة، ونظيره. " إنما نطعمكم لوجه الله " (2) [الانسان: 9] ~~أثنى عليهم الرب بما في ضميرهم لا أنهم قالوا ذلك بلفظهم، والكلام الحقيقي ~~كلام القلب. # قوله تعالى: فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وإن كثيرا من الناس ~~عن آياتنا لغافلون (92) قوله تعالى: (فاليوم ننجيك ببدنك) أي نلقيك على ~~نجوة من الأرض. وذلك أن بني إسرائيل لم يصدقوا أن فرعون غرق، وقالوا: هو ~~أعظم شأنا من ذلك، فألقاه الله على نجوة من الأرض، أي مكان مرتفع من البحر ~~حتى شاهدوه. قال أوس بن حجر يصف مطرا: # فمن بعقوته كمن بنجوته * والمستكن كمن يمشي بقرواح (3) وقرأ اليزيدي وابن ~~السميقع " ننحيك " بالحاء من التنحية، وحكاها علقمة عن ابن مسعود، أي تكون ~~على ناحية من البحر. قال ابن جريج: فرمي به على ساحل البحر حتى رآه بنو ~~إسرائيل، وكان قصيرا أحمر كأنه ثور. وحكى علقمة عن عبد الله أنه قرأ " ~~بندائك " من النداء. قال أبو بكر الأنباري: وليس بمخالف لهجاء مصحفنا، إذ ~~سبيله أن يكتب بياء وكاف بعد الدال، لان الألف تسقط من ندائك في ترتيب خط ~~المصحف كما سقط من الظلمات والسماوات، فإذا وقع بها الحذف استوى هجاء بدنك ~~وندائك، على أن هذه القراءة مرغوب عنها لشذوذها وخلافها ما عليه عامة ~~المسلمين، والقراءة سنة يأخذها آخر عن أول، وفي معناها نقص عن # PageV08P379 # تأويل قراءتنا، إذ ليس فيها للدرع ms3113 ذكر، الذي تتابعت الآثار بأن بني ~~إسرائيل اختلفوا في غرق فرعون، وسألوا الله تعالى أن يريهم إياه غريقا ~~فألقوه على نجوة من الأرض ببدنه وهو درعه التي يلبسها في الحروب. قال ابن ~~عباس ومحمد بن كعب القرظي: وكانت درعه من لؤلؤ منظوم. وقيل: من الذهب وكان ~~يعرف بها. وقيل: من حديد، قاله أبو صخر: # والبدن الدرع القصيرة. وأنشد أبو عبيدة للأعشى: # وبيضاء كالنهي موضونة * لها قونس فوق جيب البدن (1) وأنشد أيضا لعمرو بن ~~معد يكرب: # ومضى نساؤهم بكل مفاضة * جدلاء سابغة وبالأبدان (2) وقال كعب بن مالك: # ترى الأبدان فيها مسبغات * على الابطال واليلب الحصينا أراد بالأبدان ~~الدروع واليلب الدروع اليمانية، كانت تتخذ من الجلود يخرز بعضها إلى بعض، ~~وهو اسم جنس، الواحد يلبة. قال عمرو بن كلثوم: # علينا البيض واليلب اليماني * وأسياف يقمن وينحنينا وقيل " ببدنك " بجسد ~~لا روح فيه، قاله مجاهد. قال الأخفش: وأما قول من قال بدرعك فليس بشئ. قال ~~أبو بكر: لأنهم لما ضرعوا إلى الله يسألونه مشاهدة فرعون غريقا أبرزه لهم ~~فرأوا جسدا لا روح فيه، فلما رأته بنو إسرائيل قالوا نعم! يا موسى هذا ~~فرعون وقد غرق، فخرج الشك من قلوبهم وابتلع البحر فرعون كما كان. فعلى هذا ~~" ننجيك ببدنك " احتمل معنيين: أحدهما - نلقيك على نجوة من الأرض. والثاني ~~- نظهر جسدك الذي لا روح فيه. والقراءة الشاذة " بندائك " يرجع معناها إلى ~~معنى قراءة الجماعة، لان النداء يفسر تفسيرين، أحدهما - نلقيك بصياحك بكلمة ~~التوبة، وقولك بعد أن أغلق بابها ومضى # PageV08P380 # وقت قبولها: " آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من ~~المسلمين " [يونس: 90] على موضع رفيع. والآخر - فاليوم نعزلك عن غامض البحر ~~بندائك لما قلت أنا ربكم الاعلى، فكانت تنجيته بالبدن معاقبة من رب ~~العالمين له على ما فرط من كفره الذي منه نداؤه الذي افترى فيه وبهت، وادعى ~~القدرة والامر الذي يعلم أنه كاذب فيه وعاجز عنه وغير مستحق له. # قال أبو بكر الأنباري: فقراءتنا تتضمن ما في القراءة الشاذة من المعاني ms3114 ~~وتزيد عليها. # قوله تعالى: (لتكون لمن خلفك آية) أي لبني إسرائيل ولمن بقي من قوم فرعون ~~ممن لم يدركه الغرق ولم ينته إليه هذا الخبر. (وإن كثيرا من الناس عن ~~آياتنا لغافلون) أي معرضون عن تأمل آياتنا والتفكر فيها. وقرئ " لمن خلفك " ~~(بفتح اللام)، أي لمن بقي بعدك يخلفك في أرضك. وقرأ علي بن أبي طالب " لمن ~~خلقك " بالقاف، أي تكون آية لخالقك. # قوله تعالى: ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق ورزقناهم من الطيبات فما ~~اختلفوا حتى جاءهم العلم إن ربك يقضى بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه ~~يختلفون (93) قوله تعالى: (ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق) أي منزل صدق ~~محمود مختار، يعني مصر. وقيل: الأردن وفلسطين. وقال الضحاك: هي مصر والشأم. ~~(ورزقناهم من الطيبات) أي من الثمار وغيرها. وقال ابن عباس: يعني قريظة ~~والنضير وأهل عصر النبي صلى الله عليه وسلم من بني إسرائيل، فإنهم كانوا ~~يؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم وينتظرون خروجه، ثم لما خرج حسدوه، ولهذا ~~قال (فما اختلفوا) أي في أمر محمد صلى الله عليه وسلم. # (حتى جاءهم العلم) أي القرآن، ومحمد صلى الله عليه وسلم. والعلم بمعنى ~~المعلوم، لأنهم كانوا يعلمونه قبل خروجه، قاله ابن جرير الطبري. (إن ربك ~~يقضى بينهم) أي يحكم بينهم ويفصل. # (يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون) في الدنيا، فيثيب الطائع ويعاقب ~~العاصي. PageV08P381 # قوله تعالى: فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فسئل الذين يقرءون الكتاب من ~~قبلك لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين (94) ولا تكونن من الذين ~~كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين (95) قوله تعالى: (فإن كنت في شك مما ~~أنزلنا إليك) الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد غيره، أي لست في شك ~~ولكن غيرك شك. قال أبو عمر محمد بن عبد الواحد الزاهد: # سمعت الامامين ثعلبا والمبرد يقولان: معنى " فإن كنت في شك " أي قل يا ~~محمد للكافر فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك (فأسأل الذين يقرءون الكتاب من ~~قبلك) أي يا عابد ms3115 الوثن إن كنت في شك من القرآن فأسأل من أسلم من اليهود، ~~يعني عبد الله بن سلام وأمثاله، لان عبدة الأوثان كانوا يقرون لليهود أنهم ~~أعلم منهم من أجل أنهم أصحاب كتاب، فدعاهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ~~أن يسألوا من يقرون بأنهم أعلم منهم، هل يبعث الله برسول من بعد موسى. وقال ~~القتبي: هذا خطاب لمن كان لا يقطع بتكذيب محمد ولا بتصديقه صلى الله عليه ~~وسلم، بل كان في شك. وقيل: المراد بالخطاب النبي صلى الله عليه وسلم لا ~~غيره، والمعنى: لو كنت يلحقك الشك فيما أخبرناك به فسألت أهل الكتاب ~~لأزالوا عنك الشك. # وقيل: الشك ضيق الصدر، أي إن ضاق صدرك بكفر هؤلاء فاصبر، واسأل الذين ~~يقرءون الكتاب من قبلك يخبروك صبر الأنبياء من قبلك على أذى قومهم وكيف ~~عاقبة أمرهم. والشك في اللغة أصله الضيق، يقال: شك الثوب أي ضمه بخلال حتى ~~يصير كالوعاء. وكذلك السفرة تمد (1) علائقها حتى تنقبض، فالشك يقبض الصدر ~~ويضمه حتى يضيق. وقال الحسين بن الفضل: الفاء مع حروف الشرط لا توجب الفعل ~~ولا تثبته، والدليل عليه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لما ~~نزلت هذه الآية: (والله # PageV08P382 # لا أشك) - ثم استأنف الكلام فقال - لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من ~~الممترين أي الشاكين المرتابين. (ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله ~~فتكون من الخاسرين) والخطاب في هاتين الآيتين للنبي صلى الله عليه وسلم ~~والمراد غيره. # قوله تعالى: إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون (96) ولو جاءتهم كل ~~آية حتى يروا العذاب الأليم (97) قوله تعالى: (إن الذين حقت عليهم كلمة ربك ~~لا يؤمنون) تقدم القول فيه في هذه السورة (1). قال قتادة: أي الذين حق ~~عليهم غضب الله وسخطه بمعصيتهم لا يؤمنون. # (ولو جاءتهم كل آية) أنث " كلا " على المعنى، أي ولو جاءتهم الآيات. (حتى ~~يروا العذاب الأليم) فحينئذ يؤمنون ولا ينفعهم. # قوله تعالى: فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا ~~كشفنا ms3116 عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين (98) قوله تعالى: ~~(فلولا كانت قرية آمنت) قال الأخفش والكسائي: أي فهلا. # وفي مصحف أبي وابن مسعود " فهلا " وأصل لولا في الكلام التحضيض أو ~~الدلالة على منع أمر لوجود غيره. ومفهوم من معنى الآية نفي إيمان أهل القرى ~~ثم استثنى قوم يونس، فهو بحسب اللفظ استثناء منقطع، وهو بحسب المعنى متصل، ~~لان تقديره ما آمن أهل قرية إلا قوم يونس. والنصب في " قوم " هو الوجه، ~~وكذلك أدخله سيبويه في (باب مالا يكون إلا منصوبا). قال النحاس: " إلا قوم ~~يونس " نصب لأنه استثناء ليس من الأول، أي لكن قوم يونس، هذا قول الكسائي ~~والأخفش والفراء. ويجوز. " إلا قوم يونس " # PageV08P383 # بالرفع، ومن أحسن ما قيل في الرفع ما قاله أبو إسحاق الزجاج قال: يكون ~~المعنى غير قوم يونس، فلما جاء بإلا أعرب الاسم الذي بعدها بإعراب غير، كما ~~قال: # وكل أخ مفارقه أخوه * لعمر أبيك إلا الفرقدان وروي في قصة قوم يونس عن ~~جماعة من المفسرين: أن قوم يونس كانوا بنينوى من أرض الموصل وكانوا يعبدون ~~الأصنام، فأرسل الله إليهم يونس عليه السلام يدعوهم إلى الاسلام وترك ما هم ~~عليه فأبوا، فقيل: إنه أقام يدعوهم تسع سنين فيئس من إيمانهم، فقيل له: # أخبرهم أن العذاب مصبحهم إلى ثلاث ففعل، وقالوا: هو رجل لا يكذب فارقبوه ~~فإن أقام معكم وبين أظهركم فلا عليكم، وإن ارتحل عنكم فهو نزول العذاب لا ~~شك، فلما كان الليل تزود يونس وخرج عنهم فأصبحوا فلم يجدوه فتابوا ودعوا ~~الله ولبسوا المسوح وفرقوا بين الأمهات والأولاد من الناس والبهائم، وردوا ~~المظالم في تلك الحالة. وقال ابن مسعود: # وكان الرجل يأتي الحجر قد وضع عليه أساس بنيانه فيقتلعه فيرده، والعذاب ~~منهم فيما روي عن ابن عباس على ثلثي ميل. وروي على ميل. وعن ابن عباس أنهم ~~غشيتهم ظلة وفيها حمرة فلم تزل تدنو حتى وجدوا حرها بين أكتافهم. وقال ابن ~~جبير: غشيهم العذاب كما يغشى الثوب القبر، فلما صحت توبتهم رفع الله ms3117 عنهم ~~العذاب. وقال الطبري: خص قوم يونس من بين سائر الأمم بأن تيب عليهم بعد ~~معاينة العذاب، وذكر ذلك عن جماعة من المفسرين. # وقال الزجاج: إنهم لم يقع بهم العذاب، وإنما رأوا العلامة التي تدل على ~~العذاب، ولو رأوا عين العذاب لما نفعهم الايمان. # قلت: قول الزجاج حسن، فإن المعاينة التي لا تنفع التوبة معها هي التلبس ~~بالعذاب كقصة فرعون، ولهذا جاء بقصة قوم يونس على أثر قصة فرعون لأنه آمن ~~حين رأى العذاب فلم ينفعه ذلك، وقوم يونس تابوا قبل ذلك. ويعضد هذا قوله ~~عليه السلام: (إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر). والغرغرة الحشرجة، ~~وذلك هو حال التلبس بالموت، وأما قبل ذلك فلا. # والله أعلم. وقد روي معنى ما قلناه عن ابن مسعود، أن ويونس لما وعدهم ~~العذاب إلى ثلاثة PageV08P384 # أيام خرج عنهم فأصبحوا فلم يجدوه فتابوا وفرقوا بين الأمهات والأولاد، ~~وهذا يدل على أن توبتهم قبل رؤية علامة العذاب. وسيأتي مسندا مبينا في سورة ~~" والصافات " (1) إن شاء الله تعالى. ويكون معنى (كشفنا عنهم عذاب الخزي) ~~أي العذاب الذي وعدهم به يونس أنه ينزل بهم، لا أنهم رأوه عيانا ولا ~~مخايلة، وعلى هذا لا إشكال ولا تعارض ولا خصوص، والله أعلم. # وبالجملة فكان أهل نينوى في سابق العلم من السعداء. وروي عن علي رضي الله ~~عنه أنه قال: # إن الحذر لا يرد القدر، وإن الدعاء ليرد القدر. وذلك أن الله تعالى يقول: ~~" إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ". قال ~~رضي الله عنه: # وذلك يوم عاشوراء. # قوله تعالى: (ومتعناهم إلى حين) قيل: إلى أجلهم، قاله السدي. وقيل: إلى ~~أن يصيروا إلى الجنة أو إلى النار، قاله ابن عباس. # قوله تعالى: ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس ~~حتى يكونوا مؤمنين (99) قوله تعالى: (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم ~~جميعا) أي لاضطرهم إليه. # " كلهم " تأكيد ل‍ " - من ". " جميعا " عند سيبويه نصب على الحال. وقال ~~الأخفش: # جاء ms3118 بقوله جميعا بعد كل تأكيدا، كقوله: " لا تتخذوا إلهين اثنين " (2) ~~[النحل: 51] قوله تعالى: (أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) قال ابن ~~عباس: كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصا على إيمان جميع الناس، فأخبره ~~الله تعالى أنه لا يؤمن إلا من سبقت له السعادة في الذكر الأول، ولا يضل ~~إلا من سبقت له الشقاوة في الذكر الأول. وقيل: # المراد بالناس هنا أبو طالب، وهو عن ابن عباس أيضا. # قوله تعالى: وما كان لنفس أن يؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذين ~~لا يعقلون (100) # PageV08P385 # قوله تعالى: (وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله) " ما " نفي، أي ما ~~ينبغي أن تؤمن نفس إلا بقضائه وقدره ومشيئته وإرادته. (ويجعل الرجس) وقرأ ~~الحسن وأبو بكر والمفضل " ونجعل " بالنون على التعظيم. والرجس: العذاب، بضم ~~الراء وكسرها لغتان. # (على الذين لا يعقلون) أمر الله عز وجل ونهيه. # قوله تعالى: قل انظروا ماذا في السماوات والأرض وما تغنى الآيات والنذر ~~عن قوم لا يؤمنون (101) قوله تعالى: (قل انظروا ماذا في السماوات والأرض) ~~أمر للكفار بالاعتبار والنظر في المصنوعات الدالة على الصانع والقادر على ~~الكمال. وقد تقدم القول في هذا المعنى في غير موضع مستوفى. (1) (وما تغنى) ~~" ما " نفي، أي ولن تغني. وقيل: استفهامية، التقدير أي شئ تغني. (الآيات) ~~أي الدلالات. (والنذر) أي الرسل، جمع نذير، وهو الرسول صلى الله عليه وسلم. ~~(عن قوم لا يؤمنون) أي عمن سبق له في علم الله أنه لا يؤمن. # قوله تعالى: فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم قل فانتظروا ~~إني معكم من المنتظرين (102) قوله تعالى: (فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين ~~خلوا من قبلهم) الأيام هنا بمعنى الوقائع، يقال: فلان عالم بأيام العرب أي ~~بوقائعهم. قال قتادة: يعني وقائع الله في قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم. ~~والعرب تسمي العذاب أياما والنعم أياما، كقوله تعالى: " وذكر هم بأيام الله ~~" (2). وكل ما مضى لك من خير أو شر فهو أيام. (فانتظروا) أي تربصوا، وهذا ~~تهديد ووعيد. (إني معكم ms3119 من المنتظرين) أي المتربصين لموعد وربي. # PageV08P386 # قوله تعالى: ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا كذلك حقا علينا ننج المؤمنين ~~(103) قوله تعالى: (ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا) أي من سنتنا إذا أنزلنا ~~بقوم عذابا أخرجنا من بينهم الرسل والمؤمنين، و " ثم " معناه ثم اعلموا أنا ~~ننجي رسلنا. (كذلك حقا علينا) أي واجبا علينا، لأنه أخبر ولا خلف في خبره. ~~وقرأ يعقوب. " ثم ننجي " مخففا. وقرأ الكسائي وحفص ويعقوب. " ننجي المؤمنين ~~" مخففا، وشدد الباقون، وهما لغتان فصيحتان: أنجى ينجي إنجاء، ونجى ينجي ~~تنجية بمعنى واحد. # قوله تعالى: قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني فلا أعبد الذين ~~تعبدون من دون الله ولكن أ عبد الله الذي يتوفاكم وأمرت أن أكون من ~~المؤمنين (104) قوله تعالى: (قل يا أيها الناس) يريد كفار مكة. (إن كنتم في ~~شك من ديني) أي في ريب من دين الاسلام الذي أدعوكم إليه. (فلا أ عبد الذين ~~تعبدون من دون الله) من الأوثان التي لا تعقل. (ولكن أ عبد الله الذي ~~يتوفاكم) أي يميتكم ويقبض أرواحكم. # (وأمرت أن أكون من المؤمنين) أي المصدقين بآيات ربهم. # قوله تعالى: وأن أقم وجهك للدين حنيفا ولا تكونن من المشركين (105) ولا ~~تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين (106) ~~قوله تعالى: (وأن أقم وجهك) " أن " عطف على " أن أكون " أي قيل لي كن من ~~المؤمنين وأقم وجهك. قال ابن عباس: عملك، وقيل: نفسك، أي استقم بإقبالك على ~~PageV08P387 # ما أمرت به من الدين. (حنيفا) أي قويما به مائلا عن كل دين. قال حمزة بن ~~عبد المطلب [رضي الله عنه] (1): # حمدت الله حين هدى فؤادي * من الاشراك للدين الحنيف وقد مضى في " الانعام ~~" (2) اشتقاقه والحمد لله. (ولا تكونن من المشركين) أي وقيل لي ولا تشرك، ~~والخطاب له والمراد غيره، وكذلك قوله: (ولا تدع) أي لا تعبد. (ومن دون الله ~~ما لا ينفعك) إن عبد ته. (ولا يضرك) إن عصيته. (فإن فعلت) أي عبد ت غير ~~الله. ms3120 # (فإنك إذا من الظالمين) أي الواضعين العبادة في غير موضعها. # قوله تعالى: وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا ~~راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم (107) قوله تعالى: ~~(وإن يمسسك الله بضر) أي يصبك به. (فلا كاشف) أي لا دافع (له إلا هو وإن ~~يردك بخير) أي يصبك برخاء ونعمة. (فلا راد لفضله يصيب به) أي بكل ما أراد ~~من الخير والشر. (من يشاء من عباده وهو الغفور) لذنوب عباده وخطايا هم ~~(الرحيم) بأوليائه في الآخرة. # قوله تعالى: قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما ~~يهتدى لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل (108) قوله تعالى: ~~(قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق) أي القرآن. وقيل: الرسول صلى الله عليه ~~وسلم. (من ربكم فمن اهتدى) أي صدق محمدا وآمن بما جاء به. (فإنما يهتدى ~~لنفسه) # PageV08P388 # أي لخلاص نفسه. (ومن ضل) أي ترك الرسول والقرآن واتبع الأصنام والأوثان. # (فإنما يضل عليها) أي وبال ذلك على نفسه. (وما أنا عليكم بوكيل) أي بحفيظ ~~أحفظ أعمالكم إنما أنا رسول. قال ابن عباس: نسختها آية السيف. # قوله تعالى: واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين ~~(109) قوله تعالى: (واتبع ما يوحى إليك واصبر) قيل: نسخ بآية القتال: وقيل: # ليس منسوخا، ومعناه اصبر على الطاعة وعن المعصية. وقال ابن عباس: لما ~~نزلت جمع النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار ولم يجمع معهم غيرهم فقال: ~~(إنكم ستجدون بعدي أثرة (1) فاصبروا حتى تلقوني على الحوض). وعن أنس بمثل ~~ذلك، ثم قال أنس: فلم يصبروا فأمرهم بالصبر كما أمره الله تعالى، وفي ذلك ~~يقول عبد الرحمن بن حسان: # ألا أبلغ معاوية بن حرب * أمير المؤمنين نثا كلامي بأنا صابرون ومنظروكم ~~* إلى يوم التغابن والخصام (حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين) ابتداء وخبر، ~~لأنه عز وجل لا يحكم إلا بالحق. # تمت سورة يونس، والحمد لله وحده محققه أبو إسحاق ms3121 إبراهيم أطفيش تم الجزء ~~الثامن من تفسير القرطبي يتلوه إن شاء الله تعالى الجزء التاسع وأوله: # (سورة هود) # PageV08P389 # الجامع لاحكام القرآن لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي الجزء ~~التاسع أعاد طبعه دار احياء التراث العربي بيروت - لبنان 1405 ه‍ 1985 م ~~بسم الله الرحمن الرحيم سورة هود عليه السلام مكية في قول الحسن وعكرمة ~~وعطاء وجابر. وقال ابن عباس وقتادة: إلا آية، وهي قوله تعالى: " وأقم ~~الصلاة طرفي النهار (1) " [هود: 114]. وأسند أبو محمد الدارمي في مسنده عن ~~كعب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " اقرؤوا سورة هود يوم الجمعة ". ~~وروى الترمذي عن ابن عباس قال قال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله قد ~~شبت! قال: " شيبتني هود والواقعة والمرسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت ~~". قال: هذا حديث حسن غريب، وقد روي شئ من هذا مرسلا. وأخرجه الترمذي ~~الحكيم أبو عبد الله في " نوادر الأصول ": حدثنا سفيان بن وكيع قال حدثنا ~~محمد بن بشر عن علي بن صالح عن أبي إسحاق عن أبي جحيفة قال: قالوا يا رسول ~~الله نراك قد شبت! قال: " شيبتني هود وأخواتها ". # قال أبو عبد الله: فالفزع يورث الشيب وذلك أن الفزع يذهل النفس فينشف ~~رطوبة الجسد، وتحت كل شعرة منبع، ومنه يعرق، فإذا انتشف الفزع رطوبته يبست ~~المنابع فيبس الشعر وابيض، كما ترى الزرع الأخضر بسقائه، فإذا ذهب سقاؤه ~~يبس فابيض، وإنما يبيض شعر الشيخ لذهاب رطوبته ويبس جلده، فالنفس تذهل ~~بوعيد الله، وأهوال ما جاء به الخبر عن الله، فتذبل، وينشف ماءها ذلك ~~الوعيد والهول (2) الذي جاء به، فمنه تشيب. وقال الله تعالى: " يوما يجعل ~~الولدان شيبا (3) " [المزمل: 17] فإنما شابوا من الفزع. وأما سورة " هود " ~~فلما ذكر الأمم، وما حل بهم من عاجل بأس الله تعالى، فأهل اليقين إذا تلوها ~~تراءى على قلوبهم من ملكه وسلطانه ولحظاته البطش بأعدائه، فلو ماتوا من ~~الفزع لحق لهم، ولكن الله تبارك وتعالى اسمه يلطف (4) بهم في تلك الأحايين ~~حتى يقرءوا كلامه. وأما ms3122 أخواتها فما أشبهها من السور، مثل " الحاقة " ~~[الحاقة: 1] و " سأل سائل " [المعارج: 1] و " إذا الشمس كورت " [التكوير: ~~1] # PageV09P001 # و " القارعة " [القارعة: 1]، ففي تلاوة هذه السور ما يكشف لقلوب العارفين ~~سلطانه وبطشه فتذهل منه النفوس، وتشيب منه الرؤوس. [قلت] (1) وقد قيل: إن ~~الذي شيب النبي صلى الله عليه وسلم من سورة " هود " قول: " فاستقم كما أمرت ~~" (2) [هود: 112] على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. وقال يزيد بن أبان: ~~رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامي فقرأت عليه سورة " هود " فلما ~~ختمتها قال: (يا يزيد هذه القراءة فأين البكاء). قال علماؤنا: قال أبو جعفر ~~النحاس: # يقال هذه هود فاعلم بغير تنوين على أنه اسم للسورة، لأنك لو سميت امرأة ~~بزيد. لم تصرف، وهذا قول الخليل وسيبويه. وعيسي ابن عمر يقول: هذه هود ~~بالتنوين على أنه اسم للسورة، وكذا إن سمى امرأة بزيد، لأنه لما سكن وسطه ~~خف فصرف، فإن أردت الحذف صرفت على قول الجميع، فقلت: هذه هود وأنت تريد ~~سورة هود، قال سيبويه: والدليل على هذا أنك تقول هذه الرحمن، فلولا أنك ~~تريد هذه سورة الرحمن ما قلت هذه. # قوله تعالى: الر كتب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير (1) ألا ~~تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير (2) وأن استغفروا ربكم ثم توبوا ~~إليه يمتعكم متعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله وإن تولوا فإني ~~أخاف عليكم عذاب يوم كبير (3) إلى الله مرجعكم وهو على كل شئ قدير (4) قوله ~~تعالى: (الر). تقدم القول فيه (3). (كتاب) بمعنى هذا كتاب. (أحكمت آياته) ~~في موضع رفع نعت لكتاب. وأحسن ما قيل في معنى " أحكمت آياته " قول قتادة، ~~أي جعلت محكمة كلها لا خلل فيها ولا باطل. والإحكام منع القول من الفساد، ~~أي نظمت نظما محكما لا يلحقها تناقض ولا خلل. وقال ابن عباس: أي لم ينسخها ~~كتاب، بخلاف التوراة والإنجيل. # وعلى هذا المعنى، أحكم بعض آياته بأن جعل ناسخا غير منسوخ. وقد تقدم ~~القول فيه. # PageV09P002 # وقد يقع ms3123 اسم الجنس على النوع، فيقال: أكلت طعام زيد، أي بعض طعامه. وقال ~~الحسن وأبو العالية: " أحكمت آياته " بالأمر والنهي. (ثم فصلت) بالوعد ~~والوعيد والثواب والعقاب. وقال قتادة: أحكمها الله من الباطل، ثم فصلها ~~بالحلال والحرام. مجاهد: # أحكمت جملة، ثم بينت بذكر آية آية بجميع ما يحتاج إليه من الدليل على ~~التوحيد والنبوة والبعث وغيرها. وقيل: جمعت في اللوح المحفوظ، ثم فصلت في ~~التنزيل. وقيل: # " فصلت " أنزلت نجما نجما لتتدبر. وقرأ عكرمة " فصلت " مخففا أي حكمت ~~بالحق. (من لدن) أي من عند. (حكيم) أي محكم للأمور. (خبير) بكل كائن وغير ~~كائن. # قوله تعالى (ألا تعبدوا إلا الله) قال الكسائي والفراء: أي بألا، أي ~~أحكمت ثم فصلت بألا تعبدوا إلا الله. قال الزجاج: لئلا، أي أحكمت ثم فصلت ~~لئلا تعبدوا إلا الله. # قيل: أمر رسوله أن يقول للناس ألا تعبدوا إلا الله. (إنني لكم منه) أي من ~~الله. # (نذير) أي مخوف من عذابه وسطوته لمن عصاه. (وبشير) بالرضوان والجنة لمن ~~أطاعه. # وقيل: هو من قول الله أولا وآخرا، أي لا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه ~~نذير، أي الله نذير لكم من عبادة غيره، كما قال: " ويحذركم الله نفسه " (1) ~~[آل عمران: 28]. # قوله تعالى: (وإن استغفروا ربكم) عطف على الأول. (ثم توبوا إليه) أي ~~ارجعوا إليه بالطاعة والعبادة. قال الفراء: " ثم " هنا بمعنى الواو، أي ~~وتوبوا إليه، لأن الاستغفار هو التوبة، والتوبة هي الاستغفار. وقيل: ~~استغفروه من سالف ذنوبكم، وتوبوا إليه من المستأنف متى وقعت منكم. قال بعض ~~الصلحاء: الاستغفار بلا إقلاع توبة الكذابين. وقد تقدم هذا المعنى في " آل ~~عمران " (1) مستوفى. وفي " البقرة " (2) عند قوله: # " ولا تتخذوا آيات الله هزوا " [البقرة: 231]. وقيل: إنما قدم ذكر ~~الاستغفار لأن المغفرة هي الغرض المطلوب، والتوبة هي السبب إليها، فالمغفرة ~~أول في المطلوب وآخر في السبب. ويحتمل أن يكون المعنى استغفروه من الصغائر، ~~وتوبوا إليه من الكبائر. (يمتعكم متاعا حسنا) # PageV09P003 # هذه ثمرة الاستغفار والتوبة، أي يمتعكم بالمنافع من سعة الرزق ورغد ~~العيش، ولا يستأصلكم بالعذاب كما ms3124 فعل بمن أهلك قبلكم. وقيل: يمتعكم يعمركم، ~~وأصل الإمتاع الإطالة، ومنه أمتع الله بك ومتع. وقال سهل بن عبد الله: ~~المتاع الحسن ترك الخلق والإقبال على الحق. # وقيل: هو القناعة بالموجود، وترك الحزن على المفقود. (إلى أجل مسمى) قيل: ~~هو الموت. وقيل: القيامة. وقيل: دخول الجنة. والمتاع الحسن على هذا وقاية ~~كل مكروه وأمر مخوف، مما يكون في القبر وغيره من أهوال القيامة وكربها، ~~والأول أظهر، لقوله في هذه السورة: " ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه ~~يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم " (1) [هود: 52] وهذا ينقطع ~~بالموت وهو الأجل المسمى. والله أعلم. قال مقاتل: فأبوا فدعا عليهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فابتلوا بالقحط سبع سنين حتى أكلوا العظام ~~المحرقة والقذر والجيف والكلاب. (ويؤت كل ذي فضل فضله) أي يؤت كل ذي عمل من ~~الأعمال الصالحات جزاء عمله. وقيل: ويؤت كل من فضلت حسناته على سيئاته " ~~فضله " أي الجنة، وهي فضل الله، فالكناية في قوله: " فضله " ترجع إلى الله ~~تعالى. وقال مجاهد: # هو ما يحتسبه الإنسان من كلام يقوله بلسانه، أو عمل يعمله بيده أو رجله، ~~أو ما تطوع به من ماله فهو فضل الله، يؤتيه ذلك إذا آمن، ولا يتقبله منه إن ~~كان كافرا. (وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير) أي يوم القيامة، وهو ~~كبير لما فيه من الأهوال. # وقيل: اليوم الكبير هو يوم بدر وغيره: و " تولوا " يجوز أن يكون ماضيا ~~ويكون المعنى: # وإن تولوا فقل لهم إني أخاف عليكم. ويجوز أن يكون مستقبلا حذفت منه إحدى ~~التاءين والمعنى: قل لهم إن تتولوا فإني أخاف عليكم. # قوله تعالى: إلى الله مرجعكم) أي بعد الموت. (وهو على كل شئ قدير) من ~~ثواب وعقاب. # قوله تعالى: ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم ~~يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور (5) # PageV09P004 # قوله تعالى: (ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه) أخبر عن معاداة ~~المشركين للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، ويظنون أنه ms3125 تخفي على الله ~~أحوالهم. " يثنون صدورهم " أي يطوونها على عداوة المسلمين ففيه هذا الحذف، ~~قال ابن عباس: يخفون ما في صدورهم من الشحناء والعداوة، ويظهرون خلافه. ~~نزلت في الأخنس بن شريق، وكان رجلا حلو الكلام حلو المنطق، يلقى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بما يجب، وينطوي له بقلبه على ما يسوء. وقال مجاهد: " ~~يثنون صدورهم " شكا وامتراء. وقال الحسن: يثنونها على ما فيها من الكفر. ~~وقيل: نزلت في بعض المنافقين، كان إذا مر بالنبي صلى الله عليه وسلم ثنى ~~صدره وظهره، وطأطأ رأسه وغطى وجهه، لكيلا يراه النبي صلى الله عليه وسلم ~~فيدعوه إلى الإيمان، حكي معناه عن عبد الله بن شداد فالهاء في " منه " تعود ~~على النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: قال المنافقون إذا غلقنا أبوابنا، ~~واستغشينا ثيابنا، وثنينا صدورنا على عداوة محمد فمن يعلم بنا؟ فنزلت ~~الآية. وقيل: إن قوما من المسلمين كانوا يتنسكون بستر أبدانهم ولا يكشفونها ~~تحت السماء، فبين الله تعالى أن التنسك ما اشتملت قلوبهم قلوبهم من معتقد، ~~وأظهروه من قول وعمل. وروى ابن جرير عن محمد ابن عباد بن جعفر قال: سمعت ~~ابن عباس رضي الله عنهما يقول: " ألا أنهم تثنوني صدورهم ليستخفوا منه " ~~(1) قال: كانوا لا يجامعون النساء، ولا يأتون الغائط وهم يفضون إلى السماء، ~~فنزلت هذه الآية. وروى غير محمد بن عباد عن ابن عباس: " ألا إنهم تثنوي ~~صدورهم " بغير نون بعد الواو، في وزن تنطوي، ومعنى " تثنوي " والقراءتين ~~الأخريين متقارب، لأنها لا تثنوي حتى يثنوها. وقيل: # كان بعضهم ينحني على بعض يساره في الطعن على المسلمين، وبلغ من جهلهم أن ~~توهموا أن ذلك يخفي على الله تعالى: " ليستخفوا " أي ليتواروا عنه، أي عن ~~محمد أو عن الله. " ليستخفوا " أي ليتواروا عنه، أي عن محمد أو عن الله. # PageV09P005 # (ألا حين يستغشون ثيابهم) أي يغطون رؤوسهم بثيابهم. قال قتادة: أخفى ما ~~يكون العبد إذا حنى ظهره، واستغشى ثوبه، وأضمر في نفسه همه. # قوله تعالى: وما من دابة في الأرض إلا على ms3126 الله رزقها ويعلم مستقرها ~~ومستودعها كل في كتب مبين (6) قوله تعالى: (وما من دابة في الأرض إلا على ~~الله رزقها) " ما " نفي و " من " زائدة و " دابة " في موضع رفع، التقدير: ~~وما دابة. " إلا على الله رزقها " " على " بمعنى " من "، أي من الله رزقها، ~~يدل عليه قول، مجاهد: كل ما جاءها من رزق فمن الله. وقيل: # " على الله " أي فضلا لا وجوبا. وقيل: وعدا منه حقا. وقد تقدم بيان هذا ~~المعنى في " النساء " (1) وأنه سبحانه لا يجب عليه شئ. " رزقها " رفع ~~بالابتداء، وعند الكوفيين بالصفة، وظاهر الآية العموم ومعناها الخصوص، لأن ~~كثيرا من الدواب هلك قبل أن يرزق. وقيل: هي عامة [في كل دابة] (2): وكل ~~دابة لم ترزق رزقا تعيش به فقد رزقت روحها، ووجه النظم به قبل: أنه سبحانه ~~أخبر برزق الجميع، وأنه لا يغفل عن تربيته، فكيف تخفى عليه أحوالكم يا معشر ~~الكفار وهو يرزقكم؟! والدابة كل حيوان يدب. # والرزق حقيقته ما يتغذى به الحي ويكون فيه بقاء روحه ونماء جسده. ولا ~~يجوز أن يكون الرزق بمعنى الملك، لأن البهائم ترزق وليس يصح وصفها بأنها ~~مالكة لعلفها، وهكذا الأطفال ترزق اللبن ولا يقال: إن اللبن الذي في الثدي ~~ملك للطفل. وقال تعالى: # " وفي السماء رزقكم " (3) [الذاريات: 22] وليس لنا في السماء ملك، ولأن ~~الرزق لو كان ملكا لكان إذا أكل الإنسان من ملك غيره أن يكون قد أكل من رزق ~~غيره، وذلك محال، لأن العبد لا يأكل إلا رزق نفسه. وقد تقدم في " البقرة " ~~هذا المعنى والحمد لله. وقيل لبعضهم: من أين تأكل؟ وقال: الذي خلق الرحى ~~يأتيها بالطحين، والذي شدق الأشداق هو خالق الأرزاق. # PageV09P006 # وقيل لأبي أسيد: من أين تأكل؟ فقال: سبحانه الله والله أكبر! إن الله ~~يرزق الكلب أفلا يرزق أبا أسيد!. وقيل لحاتم الأصم: من أين تأكل؟ فقال: من ~~عند الله، فقيل له: # الله ينزل لك دنانير ودراهم من السماء؟ فقال: كأن ماله إلا السماء! يا ~~هذا الأرض له والسماء له، فإن لم يؤتني رزقي من ms3127 السماء ساقه لي من الأرض، ~~وأنشد: # وكيف أخاف الفقر والله رازقي * ورازق هذا الخلق في العسر واليسر تكفل ~~بالأرزاق للخلق كلهم * وللضب في البيداء والحوت في البحر وذكر الترمذي ~~الحكيم في " نوادر الأصول " بإسناده عن زيد بن أسلم: أن الأشعريين أبا موسى ~~وأبا مالك وأبا عامر في نفر منهم، لما هاجروا وقدموا على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في ذلك وقد أرملوا (1) من الزاد، فأرسلوا رجلا منهم إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله، فلما انتهى إلى باب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم سمعه يقرأ هذه الآية " وما من دابة في الأرض إلا على الله ~~رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين " فقال الرجل: # ما الأشعريون بأهون الدواب على الله، فرجع ولم يدخل على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فقال لأصحابه: أبشروا أتاكم الغوث، ولا يظنون إلا أنه قد ~~كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فوعده، فبينما هم كذلك إذ أتاهم رجلان ~~يحملان قصعة بينها مملوءة خبزا ولحما فأكلوا منها ما شاءوا، ثم قال بعضهم ~~لبعض: لو أنا رددنا هذا الطعام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقضي به ~~حاجته، فقالوا للرجلين: اذهبا بهذا الطعام إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فإنا قد قضينا منه حاجتنا، ثم إنهم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقالوا: يا رسول الله ما رأينا طعاما أكثر ولا أطيب من طعام أرسلت به، قال: ~~" ما أرسلت إليكم طعاما " فأخبروه أنهم أرسلوا صاحبهم، فسأله رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فأخبره ما صنع، وما قال لهم، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " ذلك شئ رزقكموه الله ". # PageV09P007 # قوله تعالى: (ويعلم مستقرها) أي من الأرض حيث تأوي إليه. (ومستودعها) أي ~~الموضع الذي تموت فيه فتدفن، قاله مقسم عن ابن عباس رضي الله عنهما. وقال ~~الربيع بن أنس: " مستقرها " أيام حياتها. " ومستودعها " حيث تموت وحيث ~~تبعث. وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: " مستقرها " في الرحم " ومستودعها " ~~في الصلب. ms3128 # وقيل: " يعلم مستقرها " في الجنة أو النار. " ومستودعها " في القبر، يدل ~~عليه قوله تعالى في وصف أهل الجنة وأهل النار: " حسنت مستقرا ومقاما " ~~[الفرقان: 76] " وساءت مستقرا ومقاما " (1) [الفرقان: 66]. (كل في كتاب ~~مبين) أي في اللوح المحفوظ. # قوله تعالى: وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على ~~الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن ~~الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين (7) قوله تعالى: (وهو الذي خلق السماوات ~~والأرض في ستة أيام) تقدم في " الأعراف " (2) بيانه والحمد لله (وكان عرشه ~~على الماء) بين أن خلق العرش والماء قبل خلق الأرض والسماء. قال كعب: خلق ~~الله ياقوتة خضراء فنظر إليها بالهيبة فصارت ماء يرتعد من مخافة الله ~~تعالى، فلذلك يرتعد الماء إلى الآن وإن كان ساكنا، ثم خلق الريح فجعل الماء ~~على متنها، ثم وضع العرش على الماء. وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: إنه ~~سئل عن قوله عز وجل: " وكان عرشه على الماء " فقال: على أي شئ كان الماء؟ ~~قال: على متن الريح. وروى البخاري عن عمران بن حصين. قال: كنت عند النبي ~~صلى الله عليه وسلم إذ جاءه قوم من بني تميم فقال: " أقبلوا البشرى بابني ~~تميم " قالوا: بشرتنا فأعطنا [مرتين] (3) فدخل ناس من أهل اليمن فقال: " ~~أقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميم " قالوا: قبلنا، جئنا ~~لنتفقه في الدين، ولنسألك عن هذا الأمر ما كان؟ (4) قال: # " كان الله ولم يكن شئ غيره وكان عرشه على الماء ثم خلق السماوات والأرض ~~وكتب # PageV09P008 # في الذكر كل شئ " ثم أتاني رجل فقال: يا عمران أدرك ناقتك فقد ذهبت، ~~فانطلقت أطلبها فإذا هي يقطع دونها السراب، وأيم الله لوددت أنها قد ذهبت ~~ولم أقم. # قوله تعالى: (ليبلوكم أيكم أحسن عملا) أي خلق ذلك ليبتلي عباده بالاعتبار ~~والاستدلال على كمال قدرته وعلى البعث. وقال قتادة: معنى " أيكم أحسن عملا ~~" [أيكم] (1) أتم عقلا. وقال الحسن وسفيان الثوري: أيكم أزهد في الدنيا. ~~وذكر أن ms3129 عيسى عليه السلام مر برجل نائم فقال: يا نائم قم فتعبد، فقال: يا ~~روح الله قد تعبدت، فقال " وبم تعبدت "؟ # قال: قد تركت الدنيا لأهلها، قال: نم فقد فقت العابدين. الضحاك: أيكم ~~أكثر شكرا. # مقاتل: أيكم أتقى لله. ابن عباس: أيكم أعمل بطاعة الله عز وجل. وروي عن ~~ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا: " أيكم أحسن عملا " قال: " أيكم ~~أحسن عقلا وأورع عن محارم الله وأسرع في طاعة الله " فجمع الأقاويل كلها، ~~وسيأتي في " الكهف " (2) هذا أيضا إن شاء الله تعالى. وقد تقدم معنى ~~الابتلاء. (ولئن قلت إنكم مبعوثون) أي دللت يا محمد على البعث. (من بعد ~~الموت) وذكرت ذلك للمشركين لقالوا: هذا سحر. وكسرت " إن " لأنها بعد القول ~~مبتدأة. وحكى سيبويه الفتح. (ليقولن الذين كفروا) فتحت اللام لأنه فعل ~~متقدم لا ضمير فيه، وبعده " ليقولن " لأن فيه ضميرا. و (سحر) أي غرور باطل، ~~لبطلان السحر عندهم. وقرأ حمزة والكسائي " إن هذا إلا ساحر عليم " كناية عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم. قوله تعالى: ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة ~~معدودة ليقولن ما يحبسه ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم وحاق بهم ما كانوا ~~به يستهزءون (8) قوله تعالى: (ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى إمة معدودة) ~~اللام في " لئن " للقسم، والجواب " ليقولن ". ومعنى " إلى إمة " إلى أجل ~~معدود وحين معلوم، فالأمة هنا المدة، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وجمهور ~~المفسرين. وأصل الأمة الجماعة، فعبر عن # PageV09P009 # الحين والسنين بالأمة لأن الأمة تكون فيها. وقيل: هو على حذف المضاف، ~~والمعنى إلى مجئ أمة ليس فيها من يؤمن فيستحقون الهلاك. أو إلى انقراض أمة ~~فيها من يؤمن فلا يبقى بعد انقراضها من يؤمن. والأمة اسم مشترك يقال على ~~ثمانية أوجه: فالأمة تكون الجماعة، كقوله تعالى: " وجد عليه أمة من الناس " ~~(1) [القصص: 23]. والأمة أيضا اتباع الأنبياء عليهم السلام. # والأمة الرجل الجامع للخير الذي يقتدى به، كقوله تعالى: " إن إبراهيم كان ~~أمة قانتا لله حنيفا " (2) [النحل: 120]. والأمة الدين والملة، كقوله ~~تعالى: " إنا وجدنا ms3130 آباءنا على أمة " (3) [الزخرف: 22]. والأمة الحين ~~والزمان، كقوله تعالى: " ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة " وكذلك ~~قوله تعالى: " وادكر بعد أمة " (4) [يوسف: 45] والأمة القامة، وهو طول ~~الإنسان وارتفاعه، يقال من ذلك: فلان حسن الأمة أي القامة. والأمة الرجل ~~المنفرد بدينه وحده لا يشركه فيه أحد، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " ~~يبعث زيد بن عمرو بن نفيل أمة وحده " (5). والأمة الأم، يقال: هذه أمة زيد، ~~يعني أم زيد. (ليقولن ما يحبسه) يعني العذاب، وقالوا هذا إما تكذيبا للعذاب ~~لتأخره عنهم، أو استعجالا واستهزاء، أي ما الذي يحبسه عنا. (ألا يوم يأتيهم ~~ليس مصروفا عنهم) قيل: هو قتل المشركين ببدر، وقتل جبريل المستهزئين على ما ~~يأتي (2). (وحاق بهم) أي نزل وأحاط. (ما كانوا به يستهزئون) أي جزاء ما ~~كانوا به يستهزئون، والمضاف محذوف. # قوله تعالى: ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليؤس كفور ~~(9) ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عنى إنه لفرح فخور ~~(10) إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير (11) قوله ~~تعالى: (ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة) الإنسان اسم شائع (6) للجنس في جميع ~~الكفار. ويقال: إن الإنسان هنا الوليد بن المغيرة وفيه نزلت. وقيل: في عبد ~~الله بن # PageV09P010 # أبي أمية المخزومي. " رحمة " أي نعمة. (ثم نزعناها منه) أي سلبناه إياها. ~~(إنه ليؤوس) أي يائس من الرحمة. (كفور) للنعم جاحد لها، قال ابن الأعرابي. ~~النحاس: " ليئوس " من يئس ييأس، وحكى سيبويه يئس ييئس على فعل يفعل، ونظير ~~حسب يحسب ونعم ينعم، ويأس ييئس (1)، وبعضهم يقول: يئس ييئس، ولا يعرف في ~~الكلام [العربي] (2) إلا هذه الأربعة الأحرف من السالم جاءت على فعل يفعل، ~~وفي واحد منها اختلاف. وهو يئس و " يئوس " على التكثير كفخور للمبالغة. # قوله تعالى: (ولئن أذقناه نعماء) أي صحة ورخاء وسعة في الرزق. (بعد ضراء ~~مسته) أي بعد ضر وفقر وشدة. (ليقولن ذهب السيئات عنى) أي الخطايا التي تسوء ~~صاحبها من الضر والفقر. (إنه لفرح فخور) أي يفرح ويفخر بما ms3131 ناله من السعة ~~وينسى شكر الله عليه، يقال: رجل فاخر إذا افتخر - وفخور للمبالغة - قال ~~يعقوب القارئ: وقرأ بعض أهل المدينة " لفرح " بضم الراء كما يقال: رجل فطن ~~وحذر وندس. ويجوز في كلتا اللغتين (3) الإسكان لثقل الضمة والكسرة. # قوله تعالى: (إلا الذين صبروا) يعني المؤمنين، مدحهم بالصبر على الشدائد. ~~وهو في موضع نصب. قال الأخفش: هو استثناء ليس من الأول، أي لكن الذين صبروا ~~وعملوا الصالحات في حالتي النعمة والمحنة. وقال الفراء هو استثناء من " ~~ولئن أذقناه " أي من الإنسان، فإن الإنسان بمعنى الناس، والناس يشمل الكافر ~~والمؤمن، فهو استثناء متصل وهو حسن. (أولئك لهم مغفرة) ابتداء وخبر. (وأجر) ~~معطوف. (كبير) صفة. # قوله تعالى: فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا ~~أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك إنما أنت نذير والله على كل شئ وكيل (12) أم ~~يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون ~~الله إن كنتم صادقين (13) # PageV09P011 # قوله تعالى: (فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك) أي فلعلك لعظيم ما تراه منهم ~~من الكفر والتكذيب تتوهم أنهم يزيلونك عن بعض ما أنت عليه. وقيل: إنهم لما ~~قالوا: " لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك " هم أن يدع سب آلهتهم فنزلت ~~هذه الآية، فالكلام معناه الاستفهام، أي هل أنت تارك ما فيه سب آلهتهم كما ~~سألوك؟ وتأكد عليه الأمر في الإبلاغ، كقوله: " يا أيها الرسول بلغ ما أنزل ~~إليك من ربك " (1) [المائدة: 67]. وقيل: معنى الكلام النفي استبعاد، أي لا ~~يكون منك ذلك، بل تبلغهم كل ما أنزل إليك، وذلك أن مشركي مكة قالوا للنبي ~~صلى الله عليه وسلم: لو أتيتنا بكتاب ليس فيه سب آلهتنا لاتبعناك، فهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن يدع سب آلهتهم، فنزلت. # قوله تعالى: (وضائق به صدرك) عطف على " تارك " و " صدرك " مرفوع به، ~~والهاء في " به " تعود على " ما " أو على بعض، أو على التبليغ، أو التكذيب. ~~وقال: " ضائق " ولم يقل ضيق ليشاكل ms3132 " تارك " الذي قبله، ولأن الضائق عارض، ~~والضيق ألزم منه. (أن يقولوا) في موضع نصب، أي كراهية أن يقولوا، [أو لئلا ~~يقولوا] (2) كقوله: " يبين الله لكم أن تضلوا " (3) [النساء: 176] أي لئلا ~~تضلوا. أو لأن يقولوا. (لولا) أي هلا (أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك) ~~يصدقه، قاله عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة المخزومي، فقال الله تعالى: # يا محمد (إنما أنت نذير) إنما عليك أن تنذرهم، لا بأن تأتيهم بما ~~يقترحونه من الآيات. # (والله على كل شئ وكيل) أي حافظ وشهيد. # قوله تعالى: (أم يقولون افتراه) " أم " بمعنى بل، وقد تقدم في " يونس " ~~(4) أي قد أزحت علتهم وإشكالهم في نبوتك بهذا القرآن، وحججتهم به، فإن ~~قالوا: افتريته - أي اختلقته - فليأتوا بمثله مفترى بزعمهم. (وادعوا من ~~استطعتم من دون الله) أي من الكهنة والأعوان. # قوله تعالى: فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله ~~إلا هو فهل أنتم مسلمون (14) # PageV09P012 # قوله تعالى: (فإن لم يستجيبوا لكم) أي في المعارضة ولم تتهيأ لهم فقد ~~قامت عليهم الحجة، إذ هم اللسن البلغاء، وأصحاب الألسن الفصحاء. (فاعلموا ~~أنما أنزل بعلم الله) واعلموا صدق محمد صلى الله عليه وسلم، (و) اعلموا (أن ~~لا إله إلا الله هو فهل أنتم مسلمون) استفهام معناه الأمر. وقد تقدم القول ~~في معنى هذه الآية، وأن القرآن معجز في مقدمة الكتاب. # والحمد لله. وقال: " قل فأتوا " وبعده. " فإن لم يستجيبوا لكم " ولم يقل ~~لك، فقيل: # هو على تحويل المخاطبة (1) من الإفراد، إلى الجمع تعظيما وتفخيما، وقد ~~يخاطب الرئيس بما يخاطب به الجماعة. وقيل: الضمير في " لكم " وفي " فاعلموا ~~" للجميع، أي فليعلم للجميع " أنما أنزل بعلم الله "، قاله مجاهد. وقيل: ~~الضمير في " لكم " وفي " فاعلموا " للمشركين، والمعنى: فإن لم يستجب لكم من ~~تدعونه إلى المعاونة، ولا تهيأت لكم المعارضة " فاعلموا أنما أنزل بعلم ~~الله ". وقيل: الضمير في " لكم " للنبي صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، وفي ~~" فاعلموا " للمشركين. # قوله تعالى: من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم ms3133 فيها ~~وهم لا يبخسون (15) فيه ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (من كان) كان زائدة (2)، ولهذا جزم بالجواب فقال: # (نوف إليهم) قاله الفراء. وقال الزجاج: " من كان " في موضع جزم بالشرط، ~~وجوابه " نوف إليهم " أي من يكن يريد، والأول في اللفظ ماضي والثاني ~~مستقبل، كما قال زهير: # ومن هاب أسباب المنية يلقها * ولو رام أسباب السماء بسلم واختلف العلماء ~~في تأويل هذه الآية، فقيل: نزلت في الكفار، قال الضحاك، واختاره النحاس، ~~بدليل الآية التي بعدها " أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار " [هود: ~~16] أي من أتى منهم بصلة رحم أو صدقة نكافئه بها في الدنيا، بصحة الجسم، ~~وكثرة الرزق، لكن لا حسنة # PageV09P013 # له في الآخرة. وقد تقدم هذا المعنى في " براءة " (1) مستوفى. وقيل: ~~المراد بالآية المؤمنون، أي من أراد بعمله ثواب الدنيا عجل له الثواب ولم ~~ينقص شيئا في الدنيا، وله في الآخرة العذاب لأنه جرد قصده إلى الدنيا، وهذا ~~كما قال صلى الله عليه وسلم: " إنما الأعمال بالنيات " فالعبد إنما يعطي ~~على وجه قصده، وبحكم ضميره، وهذا أمر متفق عليه في الأمم بين كل ملة. # وقيل: هو لأهل الرياء، وفي الخبر أنه يقال لأهل الرياء: " صمتم وصليتم ~~وتصدقتم وجاهدتم وقرأتم ليقال ذلك فقد قيل ذلك " ثم قال: " إن هؤلاء أول من ~~تسعر بهم النار ". رواه أبو هريرة، ثم بكى بكاء شديدا وقال: صدق رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: # " من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها " وقرأ الآيتين،. خرجه مسلم [في ~~صحيحه] (2) بمعناه والترمذي أيضا. وقيل: الآية عامة في كل من ينوي بعمله ~~غير الله تعالى، كان معه أصل إيمان أو لم يكن، قال مجاهد وميمون بن مهران، ~~وإليه ذهب معاوية رحمه الله تعالى. وقال ميمون بن مهران: # ليس أحد يعمل حسنة إلا وفي ثوابها، فإن كان مسلما مخلصا وفي في الدنيا ~~والآخرة، وإن كان كافرا وفي الدنيا. وقيل: من كان يريد [الدنيا] بغزوه مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم وفيها، أي وفي أجر الغزاة ولم ينقص ms3134 منها، وهذا ~~خصوص والصحيح العموم. # الثانية: قال بعض العلماء: معنى هذه الآية قوله عليه السلام: " إنما ~~الأعمال بالنيات " وتدلك هذه الآية على أن من صام في رمضان لا عن رمضان لا ~~يقع عن رمضان، وتدل على أن من توضأ للتبرد والتنظف لا يقع قربة عن جهة ~~الصلاة، وهكذا كل ما كان في معناه. # الثالثة - ذهب أكثر العلماء إلى أن هذه الآية مطلقة، وكذلك الآية. التي ~~في " الشورى " " من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث ~~الدنيا نؤته منها " (3) [الشورى: 20] الآية. # وكذلك " ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها " (4) [آل عمران: 145] قيدها ~~وفسرها التي في " سبحان " " من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن ~~نريد " (5) [الإسراء: 18] إلى قوله: " محظورا " [الإسراء: 20] فأخبر سبحانه ~~أن العبد ينوي ويريد والله سبحانه يحكم ما يريد، وروى الضحاك عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما " # PageV09P014 # أي قوله: " من كان يريد الحياة الدنيا " أنها منسوخة بقوله: " من كان ~~يريد العاجلة " [الإسراء: 18]. # والصحيح ما ذكرناه، وأنه من باب الإطلاق والتقييد، ومثله قوله: " وإذا ~~سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان " (1) [البقرة: 186] ~~فهذا ظاهره خبر عن إجابة كل داع دائما على كل حال، وليس كذلك، لقوله تعالى: ~~" فيكشف ما تدعون إليه إن شاء " (2) [الأنعام: 41] والنسخ في الأخبار لا ~~يجوز، لاستحالة تبدل الواجبات العقلية، ولاستحالة الكذب على الله تعالى ~~فأما الأخبار عن الأحكام الشرعية فيجوز نسخها على خلاف فيه، على ما هو ~~مذكور في الأصول، ويأتي في " النحل " (3) بيانه إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها ~~وبطل ما كانوا يعملون (16) قوله تعالى: (أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا ~~النار) إشارة إلى التخليد، والمؤمن لا يخلد، لقوله تعالى: " إن الله لا ~~يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك " (4) [النساء: 48] الآية. فهو محمول على ~~ما لو كانت. موافاة هذا المرائي على الكفر. وقيل: المعنى ليس لهم إلا النار ~~في أيام معلومة ms3135 ثم يخرج، إما بالشفاعة، وإما بالقبضة. والآية تقتضي الوعيد ~~بسلب الإيمان، وفي الحديث [الماضي] (5) يريد الكفر وخاصة الرياء، إذ هو شرك ~~على ما تقدم بيانه في " النساء " (4) ويأتي في آخر " الكهف " (6). (وباطل ~~ما كانوا يعملون) ابتداء وخبر، قال أبو حاتم: وحذف الهاء، قال النحاس: هذا ~~لا يحتاج إلى حذف، لأنه بمعنى المصدر، أي وباطل عمله. وفي حرف أبي وعبد ~~الله " وباطلا ما كانوا يعملون " وتكون " ما " زائدة، أي وكانوا يعملون ~~باطلا. # PageV09P015 # قوله تعالى: أفمن كان على بينه من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتب موسى ~~إماما ورحمة أولئك يؤمنون به ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده فلا تك ~~في مرية منه إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون (17) قوله تعالى: ~~(أفمن كان على بينه من ربه) ابتداء والخبر محذوف، أي أفمن كان على بينة من ~~ربه في اتباع النبي صلى الله عليه وسلم ومعه من الفضل ما يتبين به كغيره ~~ممن يريد الحياة الدنيا وزينتها؟! عن علي بن الحسين والحسن بن أبي الحسن. ~~وكذلك قال ابن زيد: # إن الذي على بينة هو (1) من اتبع النبي محمد (2) صلى الله عليه وسلم. ~~(ويتلوه شاهد منه) من الله، وهو النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل المراد ~~بقوله " أفمن كان على بينة من ربه " النبي صلى الله عليه وسلم والكلام راجع ~~إلى قوله: " وضائق به صدرك " [هود: 12]، أي أفمن كان معه بيان من الله، ~~ومعجزة كالقرآن، ومعه شاهد كجبريل - على ما يأتي - وقد بشرت به الكتب ~~السالفة يضيق صدره بالإبلاغ، وهو يعلم أن الله لا يسلمه. والهاء في " ربه " ~~تعود عليه، وقوله: # " ويتلوه شاهد منه ". وروى عكرمة عن ابن عباس أنه جبريل، وهو قول مجاهد ~~والنخعي. # والهاء في " منه " لله عز وجل، أي ويتلو البيان والبرهان شاهد من الله عز ~~وجل. # وقال مجاهد: الشاهد ملك من الله عز وجل يحفظه ويسدده. وقال الحسن البصري ~~وقتادة: # الشاهد لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال محمد بن علي بن الحنفية: ~~قلت ms3136 لأبي أنت الشاهد؟ فقال: وددت أن أكون أنا هو، ولكنه لسان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. # وقيل: هو علي بن أبي طالب، روي عن ابن عباس أنه قال: هو علي بن أبي طالب، ~~وروي عن علي أنه قال: ما من رجل من قريش إلا وقد أنزلت فيه الآية والآيتان، ~~فقال له رجل: أي شئ نزل فيك؟ فقال علي: " ويتلوه شاهد منه ". وقيل: الشاهد ~~صورة رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجهه ومخائله، لأن من كان له فضل وعقل ~~فنظر إلى # PageV09P016 # النبي صلى الله عليه وسلم علم أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالهاء ~~على هذا ترجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، على قول ابن زيد وغيره. وقيل: ~~الشاهد القرآن في نظمه وبلاغته، والمعاني الكثيرة منه في اللفظ الواحد، قال ~~الحسين بن الفضل، فالهاء في " منه " للقرآن. وقال الفراء قال بعضهم: " ~~ويتلوه شاهد منه " الإنجيل، وإن كان قبله فهو يتلو القرآن في التصديق، ~~والهاء في " منه " لله عز وجل. وقيل: البينة معرفة الله التي أشرقت لها ~~القلوب، والشاهد الذي يتلوه العقل الذي ركب في دماغه وأشرق صدره بنوره (ومن ~~قبله) أي من قبل الإنجيل. (كتاب موسى) رفع بالابتداء، قال أبو إسحاق ~~الزجاج: # والمعنى ويتلوه من قبله كتاب موسى، لأن النبي صلى الله عليه وسلم موصوف ~~في كتاب موسى " يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل " (1) [الأعراف: ~~157] وحكى أبو حاتم عن بعضهم أنه قرأ " ومن قبله كتاب موسى " بالنصب، ~~وحكاها المهدوي عن الكلبي، يكون معطوفا على الهاء في " يتلوه " والمعنى: ~~ويتلو كتاب موسى جبريل عليه السلام، وكذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما، ~~المعنى من قبله تلا جبريل كتاب موسى على موسى. ويجوز على ما ذكره ابن عباس ~~أيضا من هذا القول أن يرفع " كتاب " على أن يكون المعنى: ومن قبله كتاب ~~موسى كذلك، أي تلاه جبريل على موسى كما تلا القرآن على محمد. (إماما) نصب ~~على الحال. (ورحمة) معطوف. (أولئك يؤمنون به) إشارة إلى بني إسرائيل، أي ~~يؤمنون بما ms3137 في التوراة من البشارة بك، وإنما كفر بك هؤلاء المتأخرون فهم ~~الذين موعدهم النار، حكاه القشيري. والهاء في " به " يجوز أن تكون للقرآن، ~~ويجوز أن تكون للنبي صلى الله عليه وسلم. (ومن يكفر به) أي بالقرآن أو ~~بالنبي أعليه السلام. (من الأحزاب) يعني من الملل كلها، عن قتادة، وكذا قال ~~سعيد بن جبير: " الأحزاب " أهل الأديان كلها، لأنهم يتحازبون. وقيل: قريش ~~وحلفاؤهم. (فالنار موعده) أي هو من أهل النار، وأنشد حسان: # أوردتموها حياض الموت ضاحية * فالنار موعدها والموت لاقيها # PageV09P017 # وفي صحيح مسلم من حديث أبي يونس عن النبي صلى الله عليه وسلم: " والذي ~~نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني [ثم يموت] (1) ~~ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار. (فلا تك في مرية) أي في ~~شك. (منه) أي من القرآن. # (إنه الحق من ربك) أي القرآن من الله، قاله مقاتل. وقال الكلبي: المعنى ~~فلا تك في مرية في أن الكافر في النار. " إنه الحق " أي القول الحق الكائن، ~~والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد جميع المكلفين. # قوله تعالى: ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أولئك يعرضون على ربهم ~~ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين (18) ~~الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة هم كافرون (19) قوله ~~تعالى: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا) أي لا أحد أظلم منهم لأنفسهم ~~لأنهم افتروا على الله كذبا، فأضافوا كلامه إلى غيره، وزعموا أن له شريكا ~~وولدا، وقالوا للأصنام هؤلاء شفعاؤنا عند الله. (أولئك يعرضون على ربهم) أي ~~يحاسبهم على أعمالهم. # (ويقول الأشهاد) يعني الملائكة الحفظة، عن مجاهد وغيره، وقال سفيان سألت ~~الأعمش عن " الأشهاد " فقال: الملائكة. الضحاك: هم الأنبياء والمرسلون، ~~دليله قوله: " فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا " ~~(2) [النساء: 41]. وقيل: الملائكة والأنبياء والعلماء الذين بلغوا ~~الرسالات. وقال قتادة: عن الخلائق أجمع. وفي صحيح مسلم من حديث صفوان بن ~~محرز ms3138 عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه قال: " وأما الكفار ~~والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الخلائق هؤلاء الذين كذبوا على الله ". ~~(ألا لعنة الله على الظالمين) أي بعده وسخطه وإبعاده من رحمته على الذين ~~وضعوا العبادة في غير موضعها. # PageV09P018 # قوله تعالى: (الذين يصدون عن سبيل الله) يجوز أن تكون " الذين " في موضع ~~خفض نعتا للظالمين، ويجوز أن تكون في موضع رفع، أي هم الذين. وقيل: هو ~~ابتداء خطاب من الله تعالى، أي هم الذين يصدون أنفسهم وغيرهم عن الإيمان ~~والطاعة. (ويبغونها عوجا) أي يعدلون بالناس عنها إلى المعاصي والشرك. (وهم ~~بالآخرة هم كافرون) أعاد لفظ " هم " تأكيدا. # قوله تعالى: أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض وما كان لهم من دون الله من ~~أولياء يضعف لهم العذاب ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون (20) ~~قوله تعالى: (أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض) أي فائتين من عذاب الله. ~~وقال ابن عباس: لم يعجزوني أن آمر الأرض فتنخسف بهم. (وما كان لهم من دون ~~الله من أولياء) يعني أنصارا، و " من " زائدة. وقيل: " ما " بمعنى الذي ~~تقديره: أولئك لم يكونوا معجزين، لا هم ولا الذين كانوا لهم من أولياء دون ~~الله، وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما. (يضاعف لهم العذاب) أي على قدر ~~كفرهم ومعاصيهم. (ما كانوا يستطيعون السمع) " ما " في موضع نصب على أن يكون ~~المعنى: بما كانوا يستطيعون السمع. (وما كانوا يبصرون) ولم يستعملوا ذلك في ~~استماع الحق وإبصاره. والعرب تقول: جزيته ما فعل وبما فعل، فيحذفون الباء ~~مرة ويثبتونها أخرى، وأنشد سيبويه (1): # أمرتك الخير فافعل ما أمرت به * فقد تركتك ذا مال وذا نشب ويجوز أن تكون ~~" ما " ظرفا، والمعنى: يضاعف لهم أبدا، أي وقت استطاعتهم السمع والبصر، ~~والله سبحانه يجعلهم في جهنم مستطيعي ذلك أبدا. ويجوز أن تكون " ما " نافية ~~لا موضع لها، إذ الكلام قد تم قبلها، والوقف على العذاب كاف، والمعنى: ما ~~كانوا # PageV09P019 # يستطيعون في الدنيا أن يسمعوا سمعا ينتفعون به، ولا أن ms3139 يبصروا إبصار ~~مهتد. قال الفراء: # ما كانوا يستطيعون السمع، لأن الله أضلهم في اللوح المحفوظ. وقال الزجاج: ~~لبغضهم النبي صلى الله عليه وسلم وعداوتهم له لا يستطيعون أن يسمعوا منه ~~ولا يفقهوا (1) عنه. قال النحاس: # وهذا معروف في كلام العرب، يقال: فلان لا يستطيع أن ينظر إلى فلان إذا ~~كان ذلك ثقيلا عليه. # قوله تعالى: أولئك الذين خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون (21) لا ~~جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون (22) قوله تعالى: (أولئك الذين خسروا ~~أنفسهم) ابتداء وخبر. (وضل عنهم ما كانوا يفترون) أي ضاع عنهم افتراؤهم ~~وتلف. # قوله تعالى: (لاجرم) للعلماء فيها أقوال، فقال الخليل وسيبويه: " لا جرم ~~" بمعنى حق، ف " لا " و " جرم " عندهما كلمة واحدة، و " أن " عندهما في ~~موضع رفع، وهذا قول الفراء ومحمد بن يزيد، حكاه النحاس. قال المهدوي: وعن ~~الخليل أيضا أن معناها لابد ولا محالة، وهو قول الفراء أيضا، ذكره الثعلبي. ~~وقال الزجاج: " لا " ها هنا نفي وهو رد لقولهم: إن الأصنام تنفعهم، كأن ~~المعنى لا ينفعهم ذلك، وجرم بمعنى كسب، أي كسب ذلك الفعل لهم الخسران، ~~وفاعل كسب مضمر، و " أن " منصوبة بجرم، كما تقول كسب جفاؤك زيدا غضبه عليك، ~~وقال الشاعر: # نصبنا رأسه في جذع نخل (2) * بما جرمت يداه وما اعتدينا أي بما كسبت. ~~وقال الكسائي: معنى " لا جرم " لا صد ولا منع عن أنهم. وقيل: # المعنى لا قطع قاطع، فحذف الفاعل حين كثر استعماله، والجرم القطع، وقد ~~جرم النخل واجترمه أي صرمه فهو جارم، وقوم وجرم وجرام وهذا زمن الجرام ~~والجرام، وجرمت صوف الشاة أي جززته، وقد جرمت منه أي أخذت منه، مثل جلمت ~~الشئ جلما أي قطعت، # PageV09P020 # وجلمت الجزور أجلمها جلما إذا أخذت ما على عظامها من اللحم، وأخذت الشئ ~~بجلمته - ساكنة اللام - إذا أخذته أجمع، وهذه جلمة الجزور - بالتحريك - أي ~~لحمها أجمع، قاله الجوهري. قال النحاس: وزعم الكسائي أن فيها أربع لغات: لا ~~جرم، ولا عن ذا جرم، ولا أن ذا جرم، قال: وناس من فزارة يقولون: ms3140 لأجرأنهم ~~بغير ميم. وحكى الفراء فيه (1) لغتين أخريين قال: بنو عامر يقولون لا ذا ~~جرم، قال: وناس من العرب. يقولون: لا جرم بضم الجيم. # قوله تعالى: إن الذين أمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم أولئك أصحب ~~الجنة هم فيها خلدون (23) قوله تعالى: (إن الذين آمنوا) " الذين " اسم " إن ~~" و " آمنوا " صلة، أي صدقوا. (وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم) عطف على ~~الصلة. قال ابن عباس: # أخبتوا أنابوا. مجاهد: أطاعوا. قتادة: خشعوا وخضعوا. مقاتل: أخلصوا. ~~الحسن: # الإخبات الخشوع للمخافة الثابتة في القلب، وأصل الإخبات الاستواء، من ~~الخبت وهو الأرض المستوية الواسعة: فالإخبات الخشوع والاطمئنان، أو الإنابة ~~إلى الله عز وجل المستمرة ذلك على استواء. " إلى ربهم " قال الفراء: إلى ~~ربهم ولربهم واحد، وقد يكون المعنى: وجهوا إخباتهم إلى ربهم. (أولئك) خبر " ~~إن ". # قوله تعالى: مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان ~~مثلا أفلا تذكرون (24) قوله تعالى: (مثل الفريقين) ابتداء، والخبر ~~(كالأعمى) (2) وما بعده. قال الأخفش: # أي كمثل الأعمى. النحاس: التقدير مثل فريق الكافر [كالأعمى] والأصم، ومثل ~~فريق المؤمن كالسميع والبصير، ولهذا قال: (هل يستويان) فرد إلى الفريقين ~~وهما اثنان، # PageV09P021 # روى معناه عن قتادة وغيره. قال الضحاك: الأعمى والأصم مثل للكافر، ~~والسميع والبصير مثل للمؤمن. وقيل: المعنى هل يستوي الأعمى والبصير، وهل ~~يستوي الأصم والسميع. (مثلا) منصوب على التمييز (1). (أفلا تذكرون) في ~~الوصفين وتنظرون. # قوله تعالى: ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم نذير مبين (25) أن لا ~~تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم (26) قوله تعالى: (ولقد ~~أرسلنا نوحا إلى قومه) ذكر سبحانه قصص الأنبياء عليهم السلام للنبي صلى ~~الله عليه وسلم تنبيها له على ملازمة الصبر على أذى الكفار إلى أن يكفيه ~~الله أمرهم. # (إني) أي فقال: إني، لأن في الإرسال معنى القول. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ~~والكسائي " أني " بفتح الهمزة، أي أرسلناه بأني لكم نذير مبين. ولم يقل " ~~إنه " لأنه رجع من الغيبة إلى خطاب نوح لقومه (2)، كما قال: " وكتبنا له في ~~الألواح من كل شئ " [الأعراف: ms3141 145] ثم قال: " فخذها بقوة " (3) [الأعراف ~~145]. # قوله تعالى: (ألا تعبدوا إلا الله) أي اتركوا الأصنام فلا تعبدوها، ~~وأطيعوا الله وحده. ومن قرأ " إني " بالكسر جعله معترضا في الكلام، والمعنى ~~أرسلناه بألا تعبدوا [إلا الله]. (إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم). # قوله تعالى: فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نريك إلا بشرا مثلنا وما ~~نريك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل ~~نظنكم كذبين (27) فيه أربع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (فقال الملاء) قال أبو إسحاق الزجاج: الملأ ~~الرؤساء، أي هم مليئون بما يقولون. وقد تقدم هذا في " البقرة " (4) وغيرها. ~~(ما نراك إلا بشرا) # PageV09P022 # أي آدميا. (مثلنا) نصب على الحال. و " مثلنا " مضاف إلى معرفة وهو نكرة ~~يقدر فيه التنوين، كما قال الشاعر (1): # يا رب مثلك في النساء غريرة الثانية - قوله تعالى: (وما نراك اتبعك إلا ~~الذين هم أراذلنا) أراذل جمع أرذل وأرذل جمع رذل، مثل كلب وأكلب وأكالب. ~~وقيل: والأراذل جمع الأرذل، كأساود جمع الأسود من الحيات. والرذل النذل، ~~أرادوا اتبعك أخساؤنا وسقطنا وسفلتنا. قال الزجاج: نسبوهم إلى الحياكة، ولم ~~يعلموا أن الصناعات لا أثر لها في الديانة. قال النحاس: # الأراذل هم الفقراء، والذين لأحسب لهم، والخسيسو الصناعات. وفي الحديث " ~~أنهم كانوا حاكة وحجامين ". وكان هذا جهلا منهم، لأنهم عابوا نبي الله صلى ~~الله عليه وسلم بما لا عيب فيه، لأن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، ~~إنما عليهم أن يأتوا بالبراهين والآيات، وليس عليهم تغيير الصور والهيئات، ~~وهم يرسلون إلى الناس جميعا، فإذا أسلم منهم الدنئ لم يلحقهم من ذلك نقصان، ~~لأن عليهم أن يقبلوا إسلام كل من أسلم منهم. # قلت: الأراذل هنا هم الفقراء والضعفاء، كما قال هرقل لأبي سفيان: أشراف ~~الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فقال: بل ضعفاؤهم، فقال: هم أتباع الرسل. قال ~~علماؤنا: إنما كان ذلك لاستيلاء الرياسة على الأشراف، وصعوبة الانفكاك ~~عنها، والأنفة من الانقياد للغير، والفقير خلي عن تلك الموانع، فهو سريع ~~إلى الإجابة والانقياد. وهذا غالب أحوال أهل الدنيا. ms3142 # الثالثة - اختلف العلماء في تعيين السفلة على أقوال، فذكر ابن المبارك عن ~~سفيان أن السفلة هم الذين يتقلسون (2)، ويأتون أبواب القضاة والسلاطين ~~يطلبون الشهادات. # PageV09P023 # وقال ثعلب عن ابن الأعرابي: السفلة الذين يأكلون الدنيا بدينهم (1)، قيل ~~له: فمن سفلة السفلة؟ قال: الذي يصلح دنيا غيره بفساد دينه. وسئل علي رضي ~~الله عنه عن السفلة فقال: الذين إذا اجتمعوا غلبوا، وإذا تفرقوا لم يعرفوا. ~~وقيل لمالك بن أنس رضي الله عنه: من السفلة؟ قال: الذي يسب الصحابة. وروي ~~عن ابن عباس رضي الله عنهما: # الأرذلون الحاكة والحجامون. يحيى بن أكثم: الدباغ والكناس إذا كان من غير ~~العرب. # الرابعة - إذا قالت المرأة لزوجها: يا سفلة، فقال: إن كنت منهم فأنت ~~طالق، فحكى النقاش أن رجلا جاء إلى الترمذي فقال: إن امرأتي قالت لي يا ~~سفلة، فقلت: إن كنت سفلة فأنت طالق، قال الترمذي: ما صناعتك؟ قال: سماك، ~~قال: سفلة والله، سفلة والله [سفلة] (2). # قلت: وعلى ما ذكره ابن المبارك عن سفيان لا تطلق، وكذلك على قول مالك، ~~وابن الأعرابي لا يلزمه شئ. # قوله تعالى: (بادي الرأي). أي الرأي، وباطنهم على خلاف ذلك. يقال: # بدا يبدو إذا ظهر، كما قال: # فاليوم حين بدون للنظار ويقال للبرية بادية لظهورها. وبدا لي أن أفعل ~~كذا، أي ظهر لي رأى غير الأول. # وقال الأزهري: معناه فيما يبدو لنا من الرأي. ويجوز أن يكون " بادي الرأي ~~" من بدأ يبدأ وحذف الهمزة. وحقق أبو عمرو الهمزة فقرأ: " بادئ الرأي " أي ~~أول الرأي، أي اتبعوك حين ابتدؤوا ينظرون، ولو أمعنوا النظر والفكر لم ~~يتبعوك، ولا يختلف المعنى هاهنا بالهمز وترك الهمز. وانتصب على حذف " في " ~~كما قال عز وجل: " واختار موسى قومه " (3) [الأعراف: 155]. # (وما نرى لكم علينا من فضل) أي في اتباعه، وهذا جحد منهم لنبوته صلى الله ~~عليه وسلم. # (بل نظنكم كاذبين) الخطاب لنوح ومن آمن معه (4). # PageV09P024 # قوله تعالى: قال يقوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربى وآتني رحمة من عنده ~~فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون (28) ويقوم ms3143 لا أسئلكم عليه مالا ~~إن أجرى إلا على الله وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملقوا ربهم ولكني ~~أراكم قوما تجهلون (29) ويقوم من ينصرني من الله إن طردتهم أفلا تذكرون ~~(30) ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك ولا ~~أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم إني ~~إذا لمن الظالمين (31) قوله تعالى: (قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ~~ربى) أي على يقين، قاله أبو عمران الجوني. وقيل: على معجزة، وقد تقدم في " ~~الأنعام " (1) هذا المعنى. (وآتاني رحمة من عنده) أي نبوة ورسالة، عن ابن ~~عباس، وهي رحمة على الخلق. وقيل: الهداية إلى الله بالبراهين. وقيل: ~~بالإيمان والإسلام. (فعميت عليكم) (2) أي عميت عليكم الرسالة والهداية فلم ~~تفهموها. يقال: عميت عن كذا، وعمي علي كذا أي لم أفهمه. والمعنى: فعميت ~~الرحمة، فقيل: هو مقلوب، لأن الرحمة لا تعمى إنما يعمى عنها، فهو كقولك: ~~أدخلت في القلنسوة رأسي، ودخل الخف في رجلي. وقرأها الأعمش وحمزة والكسائي ~~" فعميت " بضم العين وتشديد الميم على ما لم يسم فاعله، أي فعماها الله ~~عليكم، وكذا في قراءة أبي " فعماها " ذكرها الماوردي. (أنلزمكموها) قيل: ~~شهادة أن لا إله إلا الله. وقيل: # الهاء ترجع إلى الرحمة. وقيل: إلى البينة، أي أنلزمكم قبولها، وأوجبها ~~عليكم؟! وهو استفهام بمعنى الإنكار، أي لا يمكنني أن أضطركم إلى المعرفة ~~بها، وإنما قصد نوح عليه السلام # PageV09P025 # بهذا القول أن يرد عليهم. وحكى الكسائي والفراء " أنلزمكموها " بإسكان ~~الميم الأولى تخفيفا، وقد أجاز مثل هذا سيبويه، وأنشد (1): # فاليوم أشرب غير مستحقب * إثما من الله ولا واغل وقال النحاس: ويجوز على ~~قول يونس [في غير القرآن] أنلزمكمها يجري المضمر مجرى المظهر، كما تقول: ~~أنلزمكم ذلك. (وأنتم لها كارهون) أي لا يصح قبولكم لها مع الكراهة عليها. # قال قتادة: والله لو استطاع نبي الله نوح عليه السلام لألزمها قومه ولكنه ~~لم يملك ذلك. # (ويا قوم لا أسألكم عليه) أي على التبليغ، والدعاء إلى الله، ms3144 والإيمان به ~~[أجرا (3) أي] (مالا) فيثقل عليكم. (إن أجرى إلا على الله) أي ثوابي في ~~تبليغ الرسالة. # (وما أنا بطارد الذين آمنوا) سألوه أن يطرد الأراذل الذين آمنوا به، كما ~~سألت قريش النبي صلى الله عليه وسلم أن يطرد الموالي والفقراء، حسب ما تقدم ~~في " الأنعام " (4) بيانه، فأجابهم بقوله: (وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ~~ملاقو ربهم) يحتمل أن يكون قال هذا على وجه الإعظام لهم بلقاء الله عز وجل، ~~ويحتمل أن يكون قاله على وجه الاختصام، أي لو فعلت ذلك لخاصموني عند الله، ~~فيجازيهم على إيمانهم، ويجازي من طردهم. # (ولكني أراكم قوما تجهلون) في استرذالكم لهم، وسؤالكم طردهم. # قوله تعالى: (ويا قوم من ينصرني من الله) قال الفراء: أي يمنعني من ~~عذابه. # (إن طردتهم) أي لأجل إيمانهم. (أفلا تذكرون) أدغمت التاء في الذال. ويجوز ~~حذفها فتقول: تذكرون. # قوله تعالى: (ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب) أخبر بتذلله ~~وتواضعه لله عز وجل، وأنه لا يدعي ما ليس له من خزائن الله، وهي إنعامه على ~~من يشاء # PageV09P026 # من عباده، وأنه لا يعلم الغيب، لأن الغيب لا يعلمه إلا الله عز وجل. (ولا ~~أقول إني ملك) أي لا أقول إن منزلتي عند الناس منزلة الملائكة. وقد قالت ~~العلماء: الفائدة في الكلام الدلالة على أن الملائكة أفضل من الأنبياء، ~~لدوامهم على الطاعة، واتصال عباداتهم إلى يوم القيامة، صلوات الله عليهم ~~أجمعين. وقد تقدم هذا المعنى في " البقرة " (1). (ولا أقول للذين تزدري ~~أعينكم) أي تستثقل وتحتقر أعينكم، والأصل تزدريهم حذفت الهاء والميم لطول ~~الاسم. والدال مبدلة من تاء، لأن الأصل في تزدري تزتري، ولكن التاء تبدل ~~بعد الزاي دالا، لأن الزاي مجهورة والتاء مهموسة، فأبدل من التاء حرف مجهور ~~من مخرجها. ويقال: # أزريت عليه إذا عبته. وزريت عليه إذا حقرته. وأنشد الفراء: # يباعده الصديق وتزدريه * حليلته وينهره الصغير (لن يؤتيهم الله من خيرا) ~~أي ليس لاحتقاركم لهم تبطل أجورهم، أو ينقص ثوابهم. # (الله أعلم بما في أنفسهم) فيجازيهم عليه ويؤاخذهم به. ms3145 (إني إذا لمن ~~الظالمين) أي إن قلت هذا الذي تقدم ذكره. و " إذا " ملغاة، لأنها متوسطة. # قوله تعالى: قالوا ينوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت ~~من الصادقين (32) قال إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين (33) ~~ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم ~~وإليه ترجعون (34) أم يقولون افتراه قل إن افتريته فعلى إجرامي وأنا برئ ~~مما تجرمون قوله تعالى: (قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا) أي ~~خاصمتنا فأكثرت خصومتنا وبالغت فيها. والجدل في كلام العرب المبالغة في ~~الخصومة، مشتق من الجدل # PageV09P027 # وهو شدة الفتل، ويقال للصقر أيضا أجدل لشدته في الطير، وقد مضى هذا ~~المعنى في " الأنعام " (1) بأشبع من هذا. وقرأ ابن عباس " فأكثرت جدالنا " ~~ذكره النحاس. والجدل في الدين محمود، ولهذا جادل نوج والأنبياء قومهم حتى ~~يظهر الحق، فمن قبله أنجح وأفلح، ومن رده خاب وخسر. وأما الجدال لغير الحق ~~حتى يظهر الباطل في صورة الحق فمذموم، وصاحبه في الدارين ملوم. (فأتنا بما ~~تعدنا) أي من العذاب. (إن كنت من الصادقين) في قولك. # قوله تعالى: (قال إنما يأتيكم به الله إن شاء) أي إن أراد إهلاككم عذبكم. # (وما أنتم بمعجزين) أي بفائتين. وقيل: بغالبين بكثرتكم، لأنهم أعجبوا ~~بذلك، كانوا ملئوا الأرض سهلا وجبلا على ما يأتي. # قوله تعالى: (ولا ينفعكم نصحي) أي إبلاغي واجتهادي في إيمانكم. (إن أردت ~~أن أنصح لكم) أي لأنكم لا تقبلون نصحا، وقد تقدم في " براءة " (2) معنى ~~النصح لغة. # (إن كان الله يريد أن يغويكم) أي يضلكم. وهذا مما يدل على بطلان مذهب ~~المعتزلة والقدرية ومن وافقهما، إذ زعموا أن الله تعالى لا يريد أن يعصي ~~العاصي، ولا يكفر الكافر، ولا يغوي الغاوي، وأن يفعل ذلك، والله لا يريد ~~ذلك، فرد الله عليهم بقوله: # " إن كان الله يريد أن يغويكم ". وقد مضى هذا المعنى في " الفاتحة " (3) ~~وغيرها. وقد أكذبوا شيخهم اللعين إبليس على ما بيناه في " الأعراف " في ~~إغواء الله ms3146 تعالى إياه حيث قال: # " فبما أغويتني " [الأعراف: 16] ولا محيص لهم عن قول نوح عليه السلام: " ~~إن كان الله يريد أن يغويكم " فأضاف إغواءهم إلى الله سبحانه وتعالى، إذ هو ~~الهادي والمضل، سبحانه عما يقول الجاحدون والظالمون علوا كبيرا. وقيل: " أن ~~يغويكم " يهلككم، لأن الإضلال يفضي إلى الهلاك. الطبري: " يغويكم " يهلككم ~~بعذابه، حكي عن طئ أصبح فلان غاويا أي مريضا، وأغويته أهلكته، ومنه " فسوف ~~يلقون غيا " (4) [مريم: 59]. (هو ربكم) فإليه الإغواء، وإليه الهداية. ~~(وإليه ترجعون) تهديد ووعيد. # PageV09P028 # قوله تعالى: (أم يقولون افتراه) يعنون النبي صلى الله عليه وسلم. افترى ~~أفتعل، أي اختلق القرآن من قبل نفسه، وما أخبر به عن نوح وقومه، قال مقاتل. ~~وقال ابن عباس: # هو من محاورة نوح لقومه وهو أظهر، لأنه ليس قبله ولا بعده إلا ذكر نوح ~~وقومه، فالخطاب منهم ولهم. (قل إن افتريته) أي اختلقته وافتعلته، يعني ~~الوحي والرسالة. # (فعلى إجرامي) أي عقاب إجرامي، وإن كنت محقا فيما أقوله فعليكم عقاب ~~تكذيبي. # والإجرام مصدر أجرم، وهو اقتراف السيئة. وقيل [المعنى] (1): أي جزاء جرمي ~~وكسبي. وجرم وأجرم بمعنى، عن النحاس وغيره. قال (2): # طريد عشيرة ورهين جرم * بما جرمت يدي وجنى لساني ومن قرأ " أجرامي " بفتح ~~الهمزة ذهب إلى أنه جمع جرم، وذكره النحاس أيضا. # (وأنا برئ مما تجرمون) أي من الكفر والتكذيب. # قوله تعالى: وأوحى إلى نوح إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس ~~بما كانوا يفعلون (36) واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ~~ظلموا إنهم مغرقون (37) قوله تعالى: (وأوحى إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك ~~إلا من قد آمن) " أنه " في موضع رفع على أنه اسم ما لم يسم فاعله. ويجوز أن ~~يكون في موضع نصب، ويكون التقدير: ب " أنه ". و " آمن " في موضع نصب ب " ~~يؤمن " ومعنى الكلام الإياس من إيمانهم، واستدامة كفرهم، تحقيقا لنزول ~~الوعيد بهم. قال الضحاك: فدعا عليهم لما أخبر بهذا فقال: " رب لا تذر على ~~الأرض من الكافرين ديارا " (3) [نوح: 26] الآيتين. وقيل: إن رجلا ms3147 من قوم ~~نوح حمل ابنه على كتفه، فلما رأى الصبي نوحا قال لأبيه: اعطني حجرا، فأعطاه ~~حجرا، ورمى به نوحا عليه السلام فأدماه، فأوحى الله تعالى إليه " أنه لن ~~يؤمن من قومك # PageV09P029 # إلا من قد آمن ". (فلا تبتئس بما كانوا يفعلون) أي فلا تغتم بهلاكهم حتى ~~تكون بائسا، أي حزينا. والبؤس الحزن، ومنه قول الشاعر: # وكم من خليل أو حميم رزئته * فلم أبتئس والرزء فيه جليل يقال: ابتأس ~~الرجل إذا بلغه شئ يكرهه. والابتئاس حزن في استكانة. # قوله تعالى: (واصنع الفلك بأعيننا ووحينا) أي اعمل السفينة لتركبها أنت ~~ومن آمن معك. " بأعيننا " أي بمرأى منا وحيث نراك. وقال الربيع بن أنس: ~~بحفظنا إياك حفظ من يراك. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: (بحراستنا)، ~~والمعنى واحد، فعبر عن الرؤية بالأعين، لأن الرؤية تكون بها. ويكون جمع ~~الأعين للعظمة لا للتكثير، كما قال تعالى: " فنعم القادرون " (1) ~~[المرسلات: 23] " فنعم الماهدون " " وإنا لموسعون " (2) [الذاريات: 47]. ~~وقد يرجع معنى الأعين في هذه الآية وغيرها إلى معنى عين، كما قال: " ولتصنع ~~على عيني " (3) وذلك كله عبارة عن الإدراك والإحاطة، وهو سبحانه منزه عن ~~الحواس والتشبيه والتكييف، لا رب غيره. # وقيل: المعنى " بأعيننا " أي بأعين ملائكتنا الذين جعلناهم عيونا على ~~حفظك ومعونتك، فيكون الجمع على هذا التكثير على بابه. وقيل: " بأعيننا " أي ~~بعلمنا، قاله مقاتل: # وقال الضحاك وسفيان: " بأعيننا " بأمرنا. وقيل: بوحينا. وقيل: بمعونتنا ~~لك على صنعها. " ووحينا " أي على ما أوحينا إليك، من صنعتها. (ولا تخاطبني ~~في الذين ظلموا إنهم مغرقون) أي لا تطلب إمهالهم فإني مغرقهم. # قوله تعالى: ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال إن ~~تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون (38) فسوف تعلمون من يأتيه عذاب ~~يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم (39) حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل ~~فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه ~~إلا قليل (40) # PageV09P030 # قوله تعالى: (ويصنع الفلك) أي وطفق يصنع. قال زيد بن أسلم: مكث نوح ms3148 صلى ~~الله عليه وسلم مائة سنة يغرس الشجر ويقطعها وييبسها، ومائة سنة يعملها. ~~وروى ابن القاسم عن ابن أشرس عن مالك قال: بلغني أن قوم نوح ملؤا الأرض، ~~حتى ملؤا السهل والجبل، فما يستطيع هؤلاء أن ينزلوا إلى هؤلاء، ولا هؤلاء ~~أن يصعدوا إلى هؤلاء فمكث نوح يغرس الشجر مائة عام لعمل السفينة، ثم جمعها ~~ييبسها مائة عام، وقومه يسخرون، وذلك لما رأوه يصنع من ذلك، حتى كان من ~~قضاء الله فيهم ما كان. وروي عن عمرو بن الحارث قال: عمل نوح سفينته ببقاع ~~دمشق، وقطع خشبها من جبل لبنان. # وقال، القاضي أبو بكر بن العرابي: لما استنقذ الله سبحانه وتعالى من في ~~الأصلاب والأرحام من المؤمنين أوحى الله إليه. " أنه لن يؤمن من قومك إلا ~~من قد آمن " " فاصنع الفلك " قال: يا رب ما أنا بنجار، قال: " بلى فإن ذلك ~~بعيني " فأخذ القدوم فجعله بيده، وجعلت يده لا تخطئ، فجعلوا يمرون به ~~ويقولون: هذا الذي يزعم أنه نبي صار نجارا، فعملها في أربعين سنة. # وحكى الثعلبي وأبو نصر القشيري عن ابن عباس قال: اتخذ نوح السفينة في ~~سنتين. # زاد الثعلبي: وذلك لأنه لم يعلم كيف صنعة الفلك، فأوحى الله إليه أن ~~أصنعها كجؤجؤ الطائر. # وقال كعب: بناها في ثلاثين سنة، والله أعلم. المهدوي: وجاء في الخبر أن ~~الملائكة كانت تعلمه كيف يصنعها. واختلفوا في طولها وعرضها، فعن ابن عباس ~~رضي الله عنهما كان طولها ثلاثمائة ذراع، وعرضها خمسون، وسمكها ثلاثون ~~ذراعا، وكانت من خشب الساج. # وكذا قال الكلبي وقتادة وعكرمة كان طولها ثلاثمائة ذراع، والذراع إلى ~~المنكب. قال سلمان الفارسي. وقال الحسن البصري: إن طول السفينة ألف ذراع ~~ومائتا ذراع، وعرضها ستمائة ذراع. وحكاه الثعلبي في كتاب العرائس. وروى علي ~~بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال: قال الحواريون لعيسى عليه ~~السلام: لو بعثت لنا رجلا شهد السفينة يحدثنا عنها، فانطلق بهم حتى انتهى ~~إلى كثيب من تراب فأخذ كفا من ذلك التراب، قال أتدرون ما ms3149 هذا؟ PageV09P031 # قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: [هذا كعب (1) حام بن نوح] قال فضرب الكثيب ~~بعصاه وقال: قم بإذن الله فإذا هو قائم ينفض التراب (2) من رأسه، وقد شاب ~~(2)، فقال له عيسى: # أهكذا هلكت؟ قال: لا بل مت وأنا شاب، ولكنني ظننت أنها الساعة فمن ثم ~~شبت. قال: # أخبرنا عن سفينة نوح؟ قال: كان طولها ألف ذراع ومائتي ذراع، وعرضها ~~ستمائة ذراع، وكانت ثلاث طبقات، طبقة فيها الدواب والوحش، وطبقة فيها ~~الإنس، وطبقة فيها الطير. # وذكر باقي الخبر (4) على ما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى. وقال الكلبي ~~فيما حكاه النقاش: ودخل الماء فيها أربعة أذرع، وكان لها ثلاثة أبواب، باب ~~فيه السباع والطير، وباب فيه الوحش، وباب فيه الرجال والنساء. ابن عباس ~~جعلها ثلاث بطون، البطن الأسفل للوحوش والسباع والدواب، والأوسط للطعام ~~والشراب وركب هو في البطن الأعلى، وحمل معه جسد أدم عليه السلام معترضا بين ~~الرجال والنساء، ثم دفنه بعد ببيت المقدس، وكان إبليس معهم في الكوثل (5). ~~وقيل: جاءت الحية والعقرب لدخول السفينة فقال نوح: لا أحملكما، لأنكما سبب ~~الضرر والبلاء، فقالتا: احملنا فنحن نضمن لك ألا نضر أحدا ذكرك، فمن قرأ ~~حين يخاف مضرتهما " سلام على نوح في العالمين " (6) [الصافات: 79] لم ~~تضراه، ذكره القشيري وغيره. وذكر الحافظ ابن عساكر في التاريخ له مرفوعا من ~~حديث أبي أمامة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من قال حين يمسي ~~صلى الله على نوح وعلى نوح السلام لم تلدغه عقرب تلك الليلة ". قوله تعالى: ~~(وكلما) ظرف. (مر عليه ملأ من قومه سخروا منه). # قال الأخفش والكسائي يقال: سخرت به ومنه. وفي سخريتهم منه قولان: أحدهما ~~- أنهم كانوا يرونه يبني سفينته في البر، فيسخرون به ويستهزئون ويقولون: يا ~~نوح صرت بعد النبوة نجارا. الثاني - لما رأوه يبني السفينة ولم يشاهدوا ~~قبلها سفينة بنيت قالوا: يا نوح # PageV09P032 # ما تصنع؟ قال: أبني بيتا يمشي على الماء، فعجبوا من قوله وسخروا منه. قال ~~ابن عباس: # ولم يكن في الأرض قبل الطوفان نهر ولا ms3150 بحر، فلذلك سخروا منه، ومياه ~~البحار هي بقية الطوفان. (قال إن تسخروا منا) أي من فعلنا اليوم عند بناء ~~السفينة. (فإنا نسخر منكم) غدا عند الغرق. والمراد بالسخرية هنا الاستجهال، ~~ومعناه إن تستجهلونا فإنا نستجهلكم كما تستجهلونا. # قوله تعالى: (فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه) تهديد، و " من " متصلة ب ~~" سوف تعلمون " و " تعلمون " هنا من باب التعدية إلى مفعول، أي فسوف تعلمون ~~الذي يأتيه العذاب. ويجوز أن تكون " من " استفهامية، أي أينا يأتيه ~~العذاب؟. # وقيل: " من " في موضع رفع بالابتداء و " يأتيه " الخبر، و " يخزيه " صفة ~~ل " عذاب ". # وحكى الكسائي: أن أناسا من أهل الحجاز يقولون: سو تعلمون، وقال من قال: " ~~ستعلمون " أسقط الواو والفاء جميعا. وحكى الكوفيون: سف (1) تعلمون، ولا ~~يعرف البصريون إلا سوف تفعل، وستفعل لغتان ليست إحداهما من الأخرى (ويحل ~~عليه) أي يجب عليه وينزل به. (عذاب مقيم) أي دائم، يريد عذاب الآخرة. # قوله تعالى: (حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور) اختلف في التنور على أقوال ~~سبعة: # الأول - أنه وجه الأرض، والعرب تسمي وجه الأرض تنورا، قاله ابن عباس ~~وعكرمة والزهري وابن عيينة، وذلك أنه قيل له: إذا رأيت الماء على وجه الأرض ~~فاركب أنت ومن معك. الثاني - أنه تنور الخبز الذي يخبز فيه، وكان تنورا من ~~حجارة، وكان لحواء حتى صار لنوح، فقيل له: إذا رأيت الماء يفور من التنور ~~فاركب أنت وأصحابك. وأنبع الله الماء من التنور، فعلمت به امرأته فقالت: يا ~~نوح فار الماء من التنور، فقال: جاء وعد ربي حقا. وهذا قول الحسن، وقال ~~مجاهد وعطية عن ابن عباس. الثالث - أنه # PageV09P033 # موضع اجتماع الماء في السفينة، عن الحسن أيضا. الرابع - أنه طلوع الفجر، ~~ونور الصبح، من قولهم: نور الفجر تنويرا، قاله علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه. الخامس - أنه مسجد الكوفة، قاله علي بن أبي طالب أيضا، وقال مجاهد. ~~قال مجاهد: كان ناحية التنور بالكوفة. وقال: اتخذ نوح السفينة في جوف مسجد ~~الكوفة، وكان التنور على يمين الداخل مما يلي كندة. ms3151 وكان فوران الماء منه ~~علما لنوح، ودليلا على هلاك قومه. قال الشاعر وهو أمية: # فار تنورهم وجاش بماء * صار فوق الجبال حتى علاها السادس - أنه أعالي ~~الأرض، والمواضع المرتفعة منها، قاله قتادة. # السابع - أنه العين التي بالجزيرة " عين الوردة " رواه عكرمة. وقال ~~مقاتل: كان ذلك تنور آدم، وإنما كان بالشام بموضع يقال له: " عين وردة " ~~وقال ابن عباس أيضا: # فار تنور آدم بالهند. قال النحاس: وهذه الأقوال ليست بمتناقضة، لأن الله ~~عز وجل أخبرنا أن الماء جاء من السماء والأرض، قال: " ففتحنا أبواب السماء ~~بماء منهمر. وفجرنا الأرض عيونا " (1) [القمر: 11 - 12]. فهذه الأقوال ~~تجتمع في أن ذلك كان علامة. والفوران الغليان. والتنور أسم أعجمي عربته ~~العرب، وهو على بناء فعل، لأن أصل بنائه تنر، وليس في كلام العرب نون قبل ~~راء (2). وقيل: معنى " فار التنور " (2) التمثيل لحضور العذاب، كقولهم: حمي ~~الوطيس إذا اشتدت الحرب. والوطيس التنور. ويقال: فارت قدر القوم إذا اشتد ~~حربهم، قال شاعرهم: # تركتم قدركم لا شئ فيها * وقدر القوم حامية تفور قوله تعالى: (قلنا احمل ~~فيها من كل زوجين اثنين) يعني ذكرا وأنثى، لبقاء أصل النسل بعد الطوفان. ~~وقرأ حفص " من كل زوجين اثنين " بتنوين " كل " أي من كل شئ زوجين. ~~والقراءتان ترجعان إلى معنى واحد: [شئ] (3) معه آخر لا يستغني عنه. ويقال ~~للاثنين: # هما زوجان، في كل اثنين لا يستغني أحدهما عن صاحبه، فإن العرب تسمي كل ~~واحد منهما زوجا يقال: له زوجا نعل إذا كان له نعلان. وكذلك عنده زوجا ~~حمام، وعليه زوجا # PageV09P034 # قيود، قال الله تعالى: " وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى " (1) [النجم: ~~45]. ويقال للمرأة هي زوج الرجل، وللرجل هو زوجها. وقد يقال للاثنين هما ~~زوج، وقد يكون الزوجان بمعنى الضربين، والصنفين، وكل ضرب يدعى زوجا، قال ~~الله تعالى: " وأنبتت من كل زوج بهيج " (1) [الحج: 5] أي من كل لون وصنف. ~~وقال الأعشى: # وكل زوج من الديباج يلبسه * أبو قدامة محبو بذاك معا أراد كل ضرب ولون. و ~~" ومن كل زوجين " في موضع نصب ب " احمل ms3152 ". " اثنين " تأكيد. (وأهلك) أي ~~وأحمل أهلك. (إلا من سبق) " من " في موضع نصب بالاستثناء. (عليه القول) ~~منهم أي بالهلاك، وهو ابنه كنعان وامرأته واعلة كانا كافرين. # (ومن آمن) قال الضحاك وابن جريج: أي احمل من آمن بي، أي من صدقك، ف " من ~~" في موضع نصب ب " احمل ". (وما آمن معه إلا قليل) قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما: # آمن من قومه ثمانون إنسانا، منهم ثلاثة من بنيه، سام وحام ويافث، وثلاث ~~كنائن له (2). # ولما خرجوا من السفينة بنوا قرية وهي اليوم تدعى قرية الثمانين بناحية ~~الموصل. وورد في الخبر أنه كان في السفينة ثمانية أنفس، نوح وزوجته غير ~~التي عوقبت، وبنوه الثلاثة وزوجاتهم، وهو قول قتادة والحكم بن عتيبة وابن ~~جريج ومحمد بن كعب، فأصاب حام امرأته في السفينة، فدعا نوح الله أن يغير ~~نطفته فجاء بالسودان. قال عطاء: ودعا نوح على حام ألا يعدو شعر أولاده ~~آذانهم، وأنهم حيثما كان ولده يكونون عبيدا لولد سام ويافث. وقال الأعمش: ~~كانوا سبعة، نوح وثلاث كنائن وثلاثة بنين، وأسقط امرأة نوح. وقال ابن ~~إسحاق: # كانوا عشرة سوى نسائهم، نوح وبنوه سام وحام ويافث، وستة أناس ممن كان آمن ~~به، وأزواجهم جميعا. و " قليل " رفع بآمن، ولا يجوز نصبه على الاستثناء، ~~لأن الكلام قبله لم يتم، إلا أن الفائدة في دخول " إلا " و " ما " لأنك لو ~~قلت: آمن معه فلان وفلان جاز أن يكون غيرهم قد أمن، فإذا جئت بما وإلا، ~~أوجبت لما بعد إلا ونفيت عن غيرهم. # PageV09P035 # قوله تعالى: وقال اركبوا فيها بسم الله مجريها ومرسيها إن ربى لغفور رحيم ~~(41) وهي تجرى بهم في موج كالجبال ونادى نوح ابنه وكان في معز ل يبنى اركب ~~معنا ولا تكن مع الكافرين (42) قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا ~~عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين ~~(43) وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضى الأمر واستوت ~~على الجودي وقيل بعد للقوم الظالمين ms3153 (44) قوله تعالى: (وقال اركبوا فيها) ~~أمر بالركوب، ويحتمل أن يكون من الله تعالى، ويحتمل أن يكون من نوح لقومه. ~~والركوب العلو على ظهر الشئ. ويقال: ركبه الدين. # وفي الكلام حذف، أي اركبوا الماء في السفينة. وقيل: المعنى اركبوها. و " ~~في " للتأكيد كقوله تعالى: " إن كنتم للرؤيا تعبرون " (1) [يوسف: 43] ~~وفائدة " في " أنهم أمروا أن يكونوا في جوفها لا على ظهرها. قال عكرمة: ركب ~~نوح عليه السلام في الفلك لعشر خلون من رجب، واستوت على الجودي لعشر خلون ~~من المحرم، فذلك ستة أشهر، وقال قتادة وزاد، وهو يوم عاشوراء، فقال لمن كان ~~معه: من كان صائما فليتم صومه، ومن لم يكن صائما فليصمه. # وذكر الطبري في هذا حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم أن نوحا ركب في ~~السفينة أول يوم من رجب، وصام الشهر. أجمع، وجرت بهم السفينة إلى يوم ~~عاشوراء، ففيه أرست على الجودي، فصامه نوح ومن معه. وذكر الطبري عن ابن ~~إسحاق ما يقتضي أنه أقام على الماء نحو السنة، ومرت بالبيت فطافت به سبعا، ~~وقد رفعه الله عن الغرق فلم ينله غرق، ثم مضت إلى اليمن ورجعت إلى الجودي ~~فاستوت عليه. # قوله تعالى: (بسم الله مجريها ومرساها) قراءة أهل الحرمين وأهل البصرة ~~بضم الميم فيهما إلا من شذ، على معنى بسم الله إجراؤها وإرساؤها، فمجراها ~~ومرساها في موضع رفع # PageV09P036 # بالابتداء، ويجوز أن تكون في موضع نصب، ويكون التقدير: بسم الله وقت ~~إجرائها ثم حذف وقت، وأقيم " مجراها " مقامه. وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي: ~~" بسم الله مجريها " بفتح الميم و " مرساها " بضم الميم. وروى يحيى بن عيسى ~~عن الأعمش عن يحيى بن وثاب " بسم الله مجراها ومرساها " بفتح الميم فيهما، ~~على المصدر من جرت تجري جريا ومجرى، ورست رسوا ومرسي إذا ثبتت. وقرأ مجاهد ~~وسليمان بن جندب وعاصم الجحدري وأبو رجاء العطاردي: " بسم الله مجريها ~~ومرسيها " نعت لله عز وجل في موضع جر. ويجوز أن يكون في موضع رفع على إضمار ~~مبتدأ، أي هو مجريها ومرسيها. ويجوز النصب على الحال. ms3154 وقال الضحاك. كان نوح ~~عليه السلام إذا قال بسم الله مجراها جرت، وإذا قال بسم الله مرساها رست. ~~وروى مروان بن سالم عن طلحة بن عبد الله بن كريز عن الحسين بن علي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: أمان لأمتي من الغرق إذا ركبوا في الفلك بسم الله ~~الرحمن الرحيم " وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة ~~والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون " (1) [الزمر: 67] " بسم ~~الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم ". وفي هذه الآية دليل، على ذكر ~~البسملة عند ابتداء كل (2) فعل، كما بيناه في البسملة (3)، والحمد لله. (إن ~~ربى لغفور رحيم) أي لأهل السفينة. وروي عن ابن عباس قال: (لما كثرت الأرواث ~~والأقذار أوحى الله إلى نوح اغمز ذنب الفيل، فوقع منه خنزير وخنزيرة فأقبلا ~~على الروث، فقال نوح: # لو غمزت ذنب هذا الخنزير! ففعل، فخرج منه فأر وفأرة فلما وقعا أقبلا على ~~السفينة وحبالها تقرضها، وتقرض الأمتعة والأزواد حتى خافوا عل حبال ~~السفينة، فأوحى الله إلى نوح أن امسح جبهة الأسد فمسحها، فخرج منها سنوران ~~فأكلا الفأرة. ولما حمل الأسد في السفينة قال: # يا رب من أين أطعمه؟ قال: سوف أشغله، فأخذته الحمى، فهو الدهر محموم. قال ~~ابن عباس: # وأول ما حمل نوح من البهائم في الفلك حمل الإوزة، وآخر ما حمل حمل ~~الحمار، قال: وتعلق إبليس بذنبه، ويداه قد دخلتا في السفينة، ورجلاه خارجة ~~بعد فجعل الحمار يضطرب # PageV09P037 # ولا يستطيع أن يدخل، فصاح به نوح: ادخل ويلك فجعل يضطرب، فقال: ادخل ~~ويلك! وإن كان معك الشيطان، كلمة زلت على لسانه، فدخل ووثب الشيطان فدخل. # ثم إن نوحا رآه يغني في السفينة، فقال له: يا لعين ما أدخلك بيتي؟! قال: ~~أنت أذنت لي، فذكر له، فقال له: قم فأخرج. قال: مالك بد في أن تحملني معك، ~~فكان فيما يزعمون في ظهر الفلك. وكان مع نوح عليه السلام خرزتان مضيئتان، ~~واحدة مكان الشمس، والأخرى مكان القمر. ابن عباس: إحداهما بيضاء كبياض ~~النهار، ms3155 والأخرى سوداء كسواد الليل، فكان يعرف بهما مواقيت الصلاة، فإذا ~~أمسوا غلب سواد هذه بياض هذه، وإذا أصبحوا غلب بياض هذه سواد هذه، على قدر ~~الساعات. # قوله تعالى: (وهي تجرى بهم في موج كالجبال) الموج جمع موجة، وهي ما ارتفع ~~من جملة الماء الكثير عند اشتداد الريح. والكاف للتشبيه، وهي في موضع خفض ~~نعت للموج. وجاء في التفسير أن الماء جاوز كل شئ بخمسة عشر ذراعا. (ونادى ~~نوح ابنه) قيل: كان كافرا واسمه كنعان. وقيل: يام. ويجوز على قول سيبويه: " ~~ونادى نوح ابنه " بحذف الواو من " ابنه " في اللفظ، وأنشد (1): # له زجل كأنه صوت حاد فأما " ونادى نوح ابنه (2) وكان " فقراءة شاذة، وهي ~~مروية عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وعروة بن الزبير. وزعم أبو حاتم ~~أنها تجوز على أنه يريد " ابنها " فحذف الألف كما تقول: " ابنه "، فتحذف ~~الواو. وقال النحاس: وهذا الذي قال أبو حاتم لا يجوز على مذهب سيبويه، لأن ~~الألف خفيفة فلا يجوز حذفها، والواو ثقيلة يجوز حذفها. (وكان في معزل) أي ~~من دين أبيه. وقيل: عن السفينة. وقيل: إن نوحا لم يعلم أن ابنه كان كافرا، ~~وأنه # PageV09P038 # ظن أنه مؤمن، ولذلك قال له: (ولا تكن مع الكافرين) وسيأتي. وكان هذا ~~النداء من قبل أن يستيقن القوم الغرق، وقبل رؤية اليأس، بل كان في أول ما ~~فار التنور، وظهرت العلامة لنوح. وقرأ عاصم: " يا بنى اركب معنا " بفتح ~~الياء، والباقون بكسرها. وأصل " يا بني " أن تكون بثلاث ياءات، ياء ~~التصغير، وياء الفعل، وياء الإضافة، فأدغمت ياء التصغير في لام الفعل، ~~وكسرت لام الفعل من أجل ياء الإضافة، وحذفت ياء الإضافة لوقوعها موقع ~~التنوين، أو لسكونها وسكون الراء في هذا الموضع، هذا أصل قراءة من كسر ~~الياء، وهو أيضا أصل قراءة من فتح، لأنه قلب ياء الإضافة ألفا لخفة الألف، ~~ثم حذف الألف لكونها عوضا من حرف يحذف، أو لسكونها وسكون الراء. قال ~~النحاس: أما قراءة عاصم فمشكلة، قال أبو حاتم: يريد يا بنياه ثم يحذف، ms3156 قال ~~النحاس: رأيت علي بن سليمان يذهب إلى أن هذا لا يجوز، لأن الألف خفيفة. قال ~~أبو جعفر النحاس: ما علمت أن أحدا من النحويين جوز الكلام في هذا إلا أبا ~~إسحاق، فإنه زعم أن الفتح من جهتين، والكسر من جهتين، فالفتح على أنه يبدل ~~من الياء ألفا، قال الله عز وجل إخبارا: " يا ويلتا " (1) [هود: 72] وكما ~~قال الشاعر: # فيا عجبا من رحلها المتحمل فيريد يا بنيا، ثم تحذف الألف، لالتقاء ~~الساكنين، كما تقول: جاءني عبدا الله في التثنية. والجهة الأخرى أن تحذف ~~الألف، لأن النداء موضع حذف. والكسر على أن تحذف الياء للنداء. # والجهة الأخرى على أن تحذفها لالتقاء الساكنين. # قوله تعالى: (قال سآوي) أي ارجع وانضم. (إلى جبل يعصمني) أي يمنعني (من ~~الماء) فلا أغرق. (قال لا عاصم اليوم من أمر الله) أي لا مانع، فإنه يوم حق ~~فيه العذاب على الكفار. وانتصب " عاصم " على التبرئة ويجوز " لا عاصم اليوم ~~" تكون لا بمعني ليس. (إلا من رحم) في موضع نصب استثناء ليس من الأول، أي ~~لكن من رحمه الله فهو يعصمه، قال الزجاج. ويجوز أن يكون في موضع رفع، على ~~أن عاصما بمعنى معصوم، مثل: " ماء دافق " (2) [الطارق: 6] أي مدفوق، ~~فالاستثناء. على هذا متصل، قال الشاعر: # PageV09P039 # بطئ القيام رخيم الكلأ * م أمسى فؤادي به فاتنا أي مفتونا. وقال أخر (1): # دع المكارم لا تنهض لبغيتها * واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي أي المطعوم ~~المكسو. قال النحاس: ومن أحسن ما قيل فيه أن تكون " من " في موضع رفع، ~~بمعنى لا يعصم اليوم من أمر الله إلا الراحم، أي إلا الله. وهذا اختيار ~~الطبري. # ويحسن هذا أنك لم تجعل عاصما بمعنى معصوم فتخرجه من بابه، ولا " إنه " ~~بمعنى " لكن ". # (وحال بينهما الموج) يعنى بين نوح وابنه. (فكان من المغرقين) قيل: إنه ~~كان راكبا على فرس قد بطر بنفسه، وأعجب بها، فلما رأى الماء جاء قال: يا ~~أبت فار التنور، فقال له أبوه: " يا بني اركب معنا " فما استتم المراجعة ~~حتى جاءت موجة ms3157 عظيمة فالتقمته هو وفرسه، وحيل بينه وبين نوح فغرق. وقيل: ~~إنه اتخذ لنفسه بيتا من زجاج يتحصن فيه من الماء، فلما فار التنور دخل فيه ~~وأقفله (2) عليه من داخل، فلم يزل يتغوط فيه ويبول حتى غرق بذلك. # وقيل: إن الجبل الذي أوى إليه " طور سيناء ". # قوله تعالى: (وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي) هذا مجاز لأنها ~~موات. # وقيل: جعل فيها ما تميز به. والذي قال إنه مجاز قال: لو فتش كلام العرب ~~والعجم ما وجد فيه مثل هذه الآية على حسن نظمها، وبلاغة رصفها، واشتمال ~~المعاني فيها. وفي الأثر: # إن الله تعالى لا يخلي الأرض من مطر عام أو عامين، وأنه ما نزل من السماء ~~ماء قط إلا بحفظ ملك موكل به إلا ما كان من ماء الطوفان، فإنه خرج منه ما ~~لا يحفظه الملك. وذلك قوله تعالى: " إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية ~~" (3) [الحاقة: 11] فجرت بهم السفينة إلى أن تناهى الأمر، فأمر الله الماء ~~المنهمر من السماء بالإمساك، وأمر الله الأرض بالابتلاع. ويقال: بلع الماء ~~يبلعه مثل منع يمنع وبلع يبلع مثل حمد ويحمد، لغتان حكاهما الكسائي ~~والفراء. والبالوعة # PageV09P040 # الموضع الذي يشرب الماء. قال ابن العربي: التقى الماءان على أمر قد قدر، ~~ما كان في الأرض وما نزل من السماء، فأمر الله ما نزل من السماء بالإقلاع، ~~فلم تمتص الأرض منه قطرة، وأمر الأرض بابتلاع ما خرج منها فقط. وذلك قوله ~~تعالى: " وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء " وقيل: ميز ~~الله بين الماءين، فما كان من ماء الأرض أمرها فبلعته (1)، وصار ماء السماء ~~بحارا. # قوله تعالى: (وغيض الماء) أي نقص (2)، يقال: غاض الشئ وغضته أنا، كما ~~يقال: # نقص بنفسه ونقصه غيره، ويجوز " غيض " بضم الغين (3). (وقضى الأمر) أي ~~أحكم وفرغ منه، يعني أهلك قوم نوح على تمام وإحكام. ويقال: إن الله تعالى ~~أعقم أرحامهم أي أرحام نسائهم قبل الغرق بأربعين سنة، فلم يكن فيمن هلك ~~صغير. والصحيح أنه أهلك الولدان بالطوفان، كما ms3158 هلكت الطير والسباع. ولم يكن ~~الغرق عقوبة للصبيان والبهائم والطير، بل ماتوا بآجالهم. وحكي أنه لما كثر ~~الماء في السكك خشيت أم صبي عليه، وكانت تحبه حبا شديدا، فخرجت به إلى ~~الجبل، حتى بلغت ثلثه، فلما بلغها الماء خرجت حتى بلغت ثلثيه، فلما بلغها ~~الماء استوت على الجبل، فلما بلغ الماء رقبتها رفعت يديها بابنها حتى ذهب ~~بها الماء، فلو رحم الله منهم أحدا لرحم أم الصبي. # قوله تعالى: (واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين) أي هلاكا لهم. # الجودي جبل بقرب الموصل، استوت عليه في العاشر من المحرم يوم عاشوراء، ~~فصام نوح وأمر جميع من معه من الناس والوحش والطير والدواب وغيرها فصاموه، ~~شكرا لله تعالى، وقد تقدم هذا المعنى. وقيل: كان ذلك يوم الجمعة. وروي أن ~~الله تعالى أوحى إلى الجبال أن السفينة ترسي على واحد منها فتطاولت، وبقي ~~الجودي لم يتطاول تواضعا لله، فاستوت السفينة عليه: وبقيت عليه أعوادها. ~~وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لقد بقي منها شئ أدركه ~~أوائل هذه الأمة ". وقال مجاهد: تشامخت الجبال وتطاولت لئلا ينالها # PageV09P041 # الغرق، فعلا الماء فوقها خمسة عشر ذراعا، وتطامن الجودي، وتواضع لأمر ~~الله تعالى فلم يغرق، ورست السفينة عليه. وقد قيل: إن الجودي اسم لكل جبل، ~~ومنه قول زيد بن عمرو بن نفيل (1). # سبحانه ثم سبحانا يعود له * وقبلنا سبح الجودي والجمد ويقال: إن الجودي ~~من جبال الجنة، فلهذا استوت عليه. ويقال: أكرم الله ثلاثة جبال بثلاثة نفر: ~~الجودي بنوح، وطور سيناء بموسى، وحراء بمحمد صلوات الله وسلامه عليهم ~~أجمعين. # مسألة: لما تواضع الجودي وخضع عز، ولما ارتفع غيره واستعلى ذل، وهذه سنة ~~الله في خلقه، يرفع من تخشع، ويضع من ترفع، ولقد أحسن القائل: # وإذا تذللت الرقاب تخشعا * منا إليك فعزها في ذلها وفي صحيح البخاري ~~ومسلم عن أنس بن مالك قال: كانت ناقة للنبي صلى الله عليه وسلم تسمى ~~العضباء، وكانت لا تسبق، فجاء أعرابي على قعود له فسبقها، فاشتد ذلك على ~~المسلمين، ms3159 وقالوا: سبقت العضباء! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن ~~حقا على الله ألا يرفع شيئا من الدنيا إلا وضعه ". وخرج مسلم عن أبي هريرة ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ما نقصت صدقة من مال وما زاد الله ~~عبدا بعفو إلا عزا وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله ". وقال صلى الله عليه ~~وسلم: " إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد ولا يفخر أحد ~~على أحد ". خرجه البخاري. # مسألة: نذكر فيها من قصة نوح مع قومه وبعض ذكر السفينة. ذكر الحافظ ابن ~~عساكر في التاريخ له عن الحسن: أن نوحا أول رسول بعثه الله إلى [أهل] (2) ~~الأرض، فذلك قوله تعالى: " ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة ~~إلا خمسين عاما " (3) [العنكبوت: 14] وكان قد كثرت فيهم المعاصي، وكثرت ~~الجبابرة وعتوا عتوا كبيرا، وكان نوح يدعوهم ليلا ونهارا، سرا وعلانية، ~~وكان صبورا حليما، ولم يلق أحد من الأنبياء أشد مما لقي نوح، فكانوا يدخلون ~~عليه # PageV09P042 # فيخنقونه حتى يترك وقيذا، ويضربونه في المجالس ويطرد، وكان لا يدعو على ~~من يصنع به بل يدعوهم ويقول: " رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون " فكان لا ~~يزيدهم ذلك إلا فرارا منه، حتى أنه ليكلم الرجل منهم فيلف رأسه بثوبه، ~~ويجعل أصبعيه في أذنيه لكيلا يسمع شيئا من كلامه، فذلك قوله تعالى: " وإني ~~كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في أذانهم واستغشوا ثيابهم " (1) ~~[نوح: 7]. وقال مجاهد وعبيد بن عمير: كانوا يضربونه حتى يغشى عليه فإذا ~~أفاق قال: " رب اغفر لقومي فأنهم لا يعلمون ". وقال ابن عباس: إن نوحا كان ~~يضرب ثم يلف في لبد فيلقى في بيته يرون أنه قد مات، ثم يخرج فيدعوهم، حتى ~~إذا يئس من إيمان قومه جاءه رجل معه ابنه وهو يتوكأ على عصا، فقال: يا بني ~~أنظر هذا الشيخ لا يغرنك، قال: يا أبت أمكني من العصا، [فأمكنه] (2) فأخذ ~~العصا ثم قال: ضعني في الأرض فوضعه، فمشى إليه بالعصا فضربه فشجه شجة ms3160 موضحة ~~في رأسه، وسالت الدماء، فقال نوح: " رب قد ترى ما يفعل بي عبادك فإن يك لك ~~في عبادك خيرية فاهدهم وإن يك غير ذلك فصبرني إلى أن تحكم وأنت خير ~~الحاكمين " فأوحى الله إليه وآيسه من إيمان قومه، وأخبره أنه لم يبق في ~~أصلاب الرجال ولا في أرحام النساء مؤمن، قال: " وأوحى إلى نوح أنه لن يؤمن ~~من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون "، أي لا تحزن عليهم. " ~~واصنع الفلك بأعيننا ووحينا " قال: يا رب وأين الخشب؟ قال: اغرس الشجر. ~~قال: فغرس الساج عشرين سنه، وكف عن الدعاء، وكفوا عن الاستهزاء. وكانوا ~~يسخرون منه، فلما أدرك الشجر أمره ربه فقطعها وجففها: فقال: يا رب كيف أتخذ ~~هذا البيت؟ قال: اجعله على ثلاثة صور، رأسه كرأس الديك، وجؤجؤه كجؤجؤ ~~الطير، وذنبه كذنب الديك، واجعلها مطبقة واجعل لها أبوابا في جنبها، وشدها ~~بدسر، يعني مسامير الحديد. وبعث الله جبريل فعلمه صنعة السفينة، وجعلت يده ~~لا تخطئ. قال ابن عباس: كانت دار نوح عليه السلام دمشق، وأنشأ سفينته من ~~خشب لبنان بين زمزم وبين الركن والمقام، فلما كملت حمل فيها السباع والدواب ~~في الباب الأول، وجعل الوحش والطير في الباب الثاني، وأطبق عليهما # PageV09P043 # وجعل أولاد آدم أربعين رجلا وأربعين امرأة في الباب الأعلى وأطبق عليهم، ~~وجعل الذر معه في الباب الأعلى لضعفها ألا تطأها الدواب. # قال الزهري: إن الله عز وجل بعث ريحا فحمل إليه من كل زوجين اثنين، من ~~السباع والطير والوحش والبهائم. وقال جعفر بن محمد: بعث الله جبريل فحشرهم، ~~فجعل يضرب بيديه على الزوجين فتقع يده اليمنى على الذكر واليسرى على ~~الأنثى، فيدخله السفينة. # وقال زيد بن ثابت: استصعبت على نوح الماعزة أن تدخل السفينة، فدفعها بيده ~~في ذنبها، فمن ثم انكسر ذنبها فصار معقوفا وبدا حياؤها. ومضت النعجة حتى ~~دخلت فمسح على ذنبها فستر حياؤها، قال إسحاق: أخبرنا رجل من أهل العلم أن ~~نوحا حمل أهل السفينة، وجعل فيها من كل زوجين اثنين، وحمل ms3161 من الهدهد زوجين، ~~فماتت الهدهدة في السفينة قبل أن تظهر الأرض. فحملها الهدهد فطاف بها ~~الدنيا ليصيب لها مكانا، فلم يجد طينا ولا ترابا، فرحمه ربه فحفر لها في ~~قفاه قبرا فدفنها فيه، فذلك الريش الناتئ في قفا الهدهد موضع القبر، فلذلك ~~نتأت أقفية الهداهد. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كان حمل نوح معه ~~في السفينة من جميع الشجر وكانت العجوة من الجنة مع نوح في السفينة ". وذكر ~~صاحب كتاب " العروس " وغيره: أن نوحا عليه السلام لما أراد أن يبعث من ~~يأتيه بخبر الأرض قال الدجاج: أنا، فأخذها وختم على جناحها وقال لها: أنت ~~مختومة بخاتمي لا تطيري أبدا، أنت ينتفع بك أمتي، فبعث الغراب فأصاب جيفة ~~فوقع عليها فاحتبس فلعنه، ولذلك يقتل في [الحل] (1) والحرم ودعا عليه ~~بالخوف، فلذلك لا يألف البيوت. وبعث الحمامة فلم تجد قرارا فوقعت على شجرة ~~بأرض سيناء (2) فحملت ورقة زيتونة، ورجعت إلى نوح فعلم أنها لم تستمكن من ~~الأرض، ثم بعثها بعد ذلك فطارت حتى وقعت بوادي الحرم، فإذا الماء قد نضب من ~~مواضع الكعبة، وكانت طينتها حمراء، فاختضبت رجلاها، ثم جاءت إلى نوح عليه ~~السلام فقالت: بشراي منك أن تهب لي الطوق في عنقي، والخضاب في رجلي، وأسكن ~~الحرم، فمسح يده على عنقها وطوقها، ووهب لها الحمرة في رجليها، ودعا لها ~~ولذريتها بالبركة. وذكر الثعلبي أنه بعث # PageV09P044 # بعد الغراب التدرج (1) وكان من جنس الدجاج، وقال: إياك أن تعتذر، فأصاب ~~الخضرة والفرجة فلم يرجع، وأخذ أولاده عنده رهنا إلى يوم القيامة. # قوله تعالى: ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت ~~أحكم الحاكمين (45) قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسئلن ~~ما ليس لك به علم إني أعظك إن تكون من الجاهلين (46) قال رب إني أعوذ بك أن ~~أسئلك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين (47) فيه خمس ~~مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (ونادى نوح ربه) أي دعاه. ms3162 (فقال رب إن ابني من ~~أهلي) أي من أهلي الذين وعدتهم أن تنجيهم من الغرق، ففي الكلام حذف. (وإن ~~وعدك الحق) يعني الصدق. وقال علماؤنا: وإنما سأل نوح ربه ابنه لقوله: " ~~وأهلك " وترك قوله: # " إلا من سبق عليه القول " [هود: 40] فلما كان عنده من أهله قال: " رب إن ~~ابني من أهلي " يدل على ذلك قوله: " ولا تكن مع الكافرين " أي لا تكن ممن ~~لست منهم، لأنه كان عنده مؤمنا في ظنه، ولم يك نوح يقول لربه: " إن ابني من ~~أهلي " إلا وذلك عنده كذلك إذ محال أن يسأل هلاك الكفار، ثم يسأل في إنجاء ~~بعضهم، وكان ابنه يسر الكفر ويظهر الإيمان، فأخبر الله تعالى نوحا بما هو ~~منفرد به من علم الغيوب، أي علمت من حال ابنك ما لم تعلمه أنت. وقال الحسن: ~~كان منافقا، ولذلك استحل نوح أن يناديه. وعنه أيضا: # كان ابن امرأته، دليله قراءة علي " ونادى نوح ابنها ". (وأنت أحكم ~~الحاكمين) ابتداء وخبر. أي حكمت على قوم بالنجاة، وعلى قوم بالغرق. # PageV09P045 # الثانية - قوله تعالى: (قال يا نوح إنه ليس من أهلك) [أي ليس من أهلك] ~~الذين وعدتهم أن أنجيهم، قاله سعيد بن جبير. وقال الجمهور: ليس من أهل دينك ~~ولا ولايتك، فهو على حذف مضاف، وهذا يدل على أن حكم الاتفاق في الدين أقوى ~~من [حكم] (1) النسب. (إنه عمل غير صالح) قرأ ابن عباس وعروة وعكرمة ويعقوب ~~والكسائي " إنه عمل غير صالح " أي من الكفر والتكذيب، واختاره أبو عبيد. ~~وقرأ الباقون " عمل " ابنك ذو عمل غير صالح فحذف المضاف، قاله الزجاج ~~وغيره. قال (2): # ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت * فإنما هي إقبال وإدبار أي ذات إقبال ~~وإدبار. وهذا القول والذي قبله يرجع إلى معنى واحد. ويجوز أن تكون الهاء ~~للسؤال، أي إن سؤالك إياي أن أنجيه. عمل غير صالح. قاله قتادة. وقال الحسن: # معنى عمل غير صالح أنه ولد على فراشه ولم يكن ابنه. وكان لغير رشدة، وقال ~~أيضا مجاهد. # قال قتادة سألت الحسن عنه فقال: والله ms3163 ما كان ابنه، قلت إن الله أخبر عن ~~نوح أنه قال: # " إن ابني من أهلي " فقال: لم يقل مني، وهذه إشارة إلى أنه كان ابن ~~امرأته من زوج آخر، فقلت له: إن الله حكى عنه أنه قال: " إن أبني من أهلي " ~~" ونادى نوح ابنه " ولا يختلف أهل الكتابين أنه ابنه، فقال الحسن: ومن يأخذ ~~دينه عن أهل الكتاب! # إنهم يكذبون. وقرأ: " فخانتاهما " [التحريم: 10]. وقال ابن جريج: ناداه ~~وهو يحسب أنه ابنة، وكان ولد على فراشه، وكانت امرأته خانته فيه، ولهذا ~~قال: " فخانتاهما " (3). وقال ابن عباس: # ما بغت امرأة نبي قط، وأنه كان ابنه لصلبه. وكذلك قال الضحاك وعكرمة ~~وسعيد بن جبير وميمون بن مهران وغيرهم، وأنه كان ابنه لصلبه. وقيل لسعيد بن ~~جبير يقول نوح: # " إن ابني من أهلي " أكان من أهله؟ أكان ابنه؟ فسبح الله طويلا ثم قال: ~~لا اله إلا الله! # يحدث الله محمدا صلى الله عليه وسلم أنه ابنه، وتقول إنه ليس ابنه! نعم ~~كان ابنه، ولكن كان مخالفا في النية والعمل والدين، ولهذا قال الله تعالى: ~~" إنه ليس من أهلك "، وهذا # PageV09P046 # هو الصحيح في الباب إن شاء الله تعالى لجلالة من قال به، وإن قوله: " إنه ~~ليس من أهلك " ليس مما ينفي عنه أنه ابنه. وقوله: " فخانتاهما " [التحريم: ~~10] يعني في الدين لا في الفراش، وذلك أن هذه كانت تخبر الناس أنه مجنون، ~~وذلك أنها قالت له: أما ينصرك ربك؟ فقال لها: نعم. قالت: فمتى؟ قال: إذا ~~فار التنور، فخرجت تقول لقومها: يا قوم والله إنه لمجنون، يزعم أنه لا ~~ينصره ربه إلا أن يفور هذا التنور، فهذه خيانتها. وخيانة الأخرى أنها كانت ~~تدل على الأضياف على ما سيأتي إن شاء الله. والله أعلم. وقيل: الولد قد ~~يسمى عملا كما يسمى كسبا، كما في الخبر " أولادكم من كسبكم ". ذكره ~~القشيري. # الثالثة - في هذه الآية تسلية للخلق في فساد أبنائهم وإن كانوا صالحين. ~~وروي أن ابن مالك بن أنس نزل من فوق ومعه حمام قد غطاه، قال: فعلم ms3164 مالك أنه ~~قد فهمه الناس، فقال مالك: الأدب أدب الله لا أدب الآباء والأمهات، والخير ~~خير الله لا خير الآباء والأمهات. وفيها أيضا دليل على أن الابن من الأهل ~~لغة وشرعا، ومن أهل البيت، فمن وصى لأهله دخل في ذلك ابنه، ومن تضمنه ~~منزله، وهو في عياله. وقال تعالى في آية أخرى: " ولقد نادانا نوح فلنعم ~~المجيبون. ونجيناه وأهله من الكرب العظيم " (1) [الصافات: 75] فسمى جميع من ~~ضمه منزله من أهله. # الرابعة - ودلت الآية على قول الحسن ومجاهد وغيرهما: أن الولد للفراش، ~~ولذلك قال نوح ما قال آخذا بظاهر الفراش. وقد روى سفيان بن عيينة عن عمرو ~~بن دينار أنه سمع عبيد بن عمير يقول: نرى رسول الله صلى عليه وسلم إنما قضى ~~بالولد للفراش من أجل ابن نوح عليه السلام، ذكره أبو عمر في كتاب " التمهيد ~~". وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " الولد للفراش ~~وللعاهر الحجر " يريد الخيبة. وقيل: # الرجم بالحجارة. وقرأ عروة بن الزبير. " ونادى نوح ابنها " يريد ابن ~~امرأته، وهي تفسير القراءة المتقدمة عنه، وعن علي رضي الله عنه، وهي حجة ~~للحسن ومجاهد، إلا أنها قراءة شاذة، فلا نترك المتفق عليها لها. والله ~~أعلم. # PageV09P047 # الخامسة - قوله تعالى: (إني أعظك أن تكون من الجاهلين) أي أنهاك عن هذا ~~السؤال، وأحذرك لئلا تكون، أو كراهية أن تكون من الجاهلين، أي الآثمين. ~~ومنه قوله تعالى: " يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا (1) [النور: 17] أي ~~يحذركم الله وينهاكم. وقيل: المعنى أرفعك أن تكون من الجاهلين. قال ابن ~~العربي: وهذه زيادة من الله وموعظة يرفع بها نوحا عن مقام الجاهلين، ويعليه ~~بها إلى مقام العلماء والعارفين، ف‍ (قال) نوح: (رب إني أعوذ بك أن أسألك ~~ما ليس لي به علم) [الآية] (2) وهذه ذنوب الأنبياء عليهم السلام، فشكر الله ~~تذلله وتواضعه. # (وإلا تغفر لي) ما فرط من السؤال. (وترحمني) أي بالتوبة. (أكن من ~~الخاسرين) أي أعمالا. فقال: " يا نوح اهبط بسلام منا ". # قوله تعالى: قيل ينوح اهبط بسلام منا وبركات ms3165 عليك وعلى أمم ممن معك وأمم ~~سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم (48) قوله تعالى: (قيل يا نوح اهبط بسلام ~~منا) أي قالت [له] (2) الملائكة، أو قال الله تعالى له: اهبط من السفينة ~~إلى الأرض، أو من الجبل إلى الأرض، فقد ابتلعت الماء وجفت. # " بسلام منا " أي بسلامة وأمن. وقيل: بتحية. (وبركات عليك) أي نعم ثابتة، ~~مشتق من بروك الجمل وهو ثبوته وإقامته. ومنه البركة لثبوت الماء فيها. وقال ~~ابن عباس رضي الله عنهما: نوح آدم الأصغر، فجميع الخلائق الآن من نسله، ولم ~~يكن معه في السفينة من الرجال والنساء إلا من كان من ذريته، على قول قتادة ~~وغيره، حسب ما تقدم، وفي التنزيل " وجعلنا ذريته هم الباقين " (3) ~~[الصافات: 77]. (وعلى أمم ممن معك) قيل: دخل في هذا كل مؤمن إلى يوم ~~القيامة. ودخل في قوله (وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم) كل كافر إلى ~~يوم القيامة، روي ذلك عن محمد بن كعب. والتقدير على هذا: وعلى ذرية أمم ممن ~~معك، وذرية أمم سنمتعهم. وقيل: " من " للتبعيض، وتكون لبيان الجنس. " وأمم ~~سنمتعهم " ارتفع و " أمم " على معنى وتكون أمم. قال الأخفش سعيد كما تقول: ~~كلمت زيدا وعمرو جالس. وأجاز الفراء في غير القراءة وأمما، وتقديره: ونمتع ~~أمما. وأعيدت " على " مع # PageV09P048 # " أمم " لأنه معطوف على الكاف من " عليك " وهي ضمير المجرور، ولا يعطف ~~على ضمير المجرور إلا بإعادة الجار على قول سيبويه وغيره. وقد تقدم في " ~~النساء " (1) بيان هذا مستوفى في قوله تعالى: " واتقوا الله الذي تساءلون ~~به والأرحام " [النساء: 1] بالخفض. والباء في قوله: # " بسلام " متعلقة بمحذوف، لأنها في موضع الحال، أي اهبط مسلما عليك. و " ~~منا " في موضع جر متعلق بمحذوف، لأنه نعت للبركات. " وعلى أمم " متعلق بما ~~تعلق به " عليك "، لأنه أعيد من أجل المعطوف على الكاف. و " من " في قوله: ~~" ممن معك " متعلق بمحذوف، لأنه في موضع جر نعت للأمم. و " معك " متعلق ~~بفعل محذوف، لأنه صلة " لمن " أي ممن استقر معك، أو آمن معك، أو ركب معك. # قوله ms3166 تعالى: تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك ~~من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين (49) قوله تعالى: (تلك من أنباء ~~الغيب) أي تلك الأنباء، وفي موضع آخر " ذلك " أي ذلك النبأ والقصص من أنباء ~~ما غاب عنك. (نوحيها إليك) أي لتقف عليها. # (ما كنت تعلمها أنت ولا قومك) أي كانوا غير عارفين بأمر الطوفان، والمجوس ~~الآن ينكرونه. [(من قبل هذا) خبر أي مجهولة عندك وعند قومك. (فاصبر) على ~~مشاق الرسالة وإذاية القوم كما صبر نوح (2)]. وقيل: أراد جهلهم بقصة ابن ~~نوح وإن سمعوا أمر الطوفان [فإنه] (3) على الجملة. " فاصبر " أي اصبر يا ~~محمد على القيام بأمر الله وتبليغ رسالته، وما تلقى من أذى العرب الكفار، ~~كما صبر نوح على [أذى] (2) قومه. (إن العاقبة) في الدنيا بالظفر، وفي ~~الآخرة بالفوز. (للمتقين) عن الشرك والمعاصي. # قوله تعالى: وإلى عاد أخاهم هود قال يقوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره ~~إن أنتم إلا مفترون (50) يقوم لا أسئلكم عليه أجرا إن أجرى إلا على الذي ~~فطرني أفلا تعقلون (51) ويقوم استغفروا # PageV09P049 # ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا ~~تتولوا مجرمين (52) قالوا يهود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن ~~قولك وما نحن لك بمؤمنين (53) إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني ~~أشهد الله واشهدوا أنى برئ مما تشركون (54) من دون الله فكيدوني جميعا ثم ~~لا تنظرون (55) إني توكلت على الله ربى وربكم مامن دابة إلا هو آخذ ~~بناصيتها إن ربى على صراط مستقيم (56) فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به ~~إليكم ويستخلف ربى قوما غيركم ولا تضرونه شيئا إن ربى على كل شئ حفيظ (57) ~~ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب ~~غليظ (58) وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد ~~(59) وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيمة ألا لعنة إن عاد كفروا ربهم ~~ألا بعدا لعاد قوم هود (60) قوله تعالى: (وإلى ms3167 عاد أخاهم هودا) أي وأرسلنا، ~~فهو معطوف على " أرسلنا نوحا ". وقيل له أخوهم لأنه منهم، وكانت القبيلة ~~تجمعهم، كما تقول: يا أخا تميم. وقيل: # إنما قيل له أخوهم لأنه من بني آدم كما أنهم من بني آدم، وقد تقدم هذا في ~~" الأعراف " (1) وكانوا عبدة الأوثان. وقيل: هم عادان، عاد الأولى وعاد ~~الأخرى، فهؤلاء هم الأولى، وأما الأخرى فهو شداد ولقمان المذكوران في قوله ~~تعالى: " إرم ذات العماد " (2) [الفجر: 7]. وعاد اسم # PageV09P050 # رجل ثم استمر على قوم انتسبوا إليه. (قال يا قوم اعبد والله مالكم من أله ~~غيره) بالخفض على اللفظ، و " غيره " بالرفع على الموضع، و " غيره " بالنصب ~~على الاستثناء. (أن أنتم إلا مفترون) أي ما أنتم في اتخاذكم إلها غيره إلا ~~كاذبون عليه جل وعز. # قوله تعالى: (ويا قوم لا أسئلكم عليه أجرا إن أجرى إلا على الذي فطرني) ~~تقدم معناه. والفطرة ابتداء الخلق. (أفلا تعقلون) ما جرى على قوم نوح لما ~~كذبوا الرسل. # قوله تعالى: (ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه) تقدم في أول السورة. ~~(يرسل السماء) جزم لأنه جواب وفيه معنى المجازاة. (عليكم مدرارا) نصب على ~~الحال، وفيه معنى التكثير، أي يرسل السماء بالمطر متتابعا يتلو بعضه بعضا، ~~والعرب تحذف الهاء في مفعال على النسب، وأكثر ما يأتي مفعال من أفعل، وقد ~~جاء هاهنا من فعل، لأنه من درت السماء تدر وتدر فهي مدرار. وكان قوم هود - ~~أعني عادا - أهل بساتين وزروع وعمارة، وكانت مساكنهم الرمال التي بين الشام ~~واليمن كما تقدم في " الأعراف " (1). (ويزدكم) عطف على يرسل. (قوة إلى ~~قوتكم) قال مجاهد: شدة على شدتكم. الضحاك: خصبا إلى خصبكم. # علي بن عيسى: عزا على عزكم. عكرمة: ولدا إلى ولدكم. وقيل: إن الله حبس ~~عنهم المطر [وأعقم الأرحام] (2) ثلاث سنين فلم يولد لهم ولد، فقال لهم هود: ~~إن آمنتم أحيى الله بلادكم ورزقكم المال والولد، فتلك القوة. وقال الزجاج: ~~المعنى يزدكم قوة في النعم. # (ولا تتولوا مجرمين) أي لا تعرضوا عما أدعوكم إليه، وتقيموا على الكفر. # قوله ms3168 تعالى: (قالوا يا هود ما جئتنا بينة) أي حجة واضحة. (وما نحن لك ~~بمؤمنين) إصرارا منهم على الكفر. # قوله تعالى: (إن نقول إلا اعتراك) أي أصابك. (بعض آلهتنا) أي أصنامنا. # (بسوء) أي بجنون لسبك إياها، عن ابن عباس وغيره. يقال: عراه الأمر ~~واعتراه إذا ألم به. ومنه " وأطعموا القانع والمعتر " (3) [الحج: 36]. (قال ~~أنى أشهد الله) أي على نفسي. (واشهدوا) # PageV09P051 # أي وأشهدكم، لا أنهم كانوا أهل شهادة، ولكنه نهاية للتقرير، أي لتعرفوا ~~(إني برئ مما) أي من عبادة الأصنام التي تعبدونها. (فكيدوني جميعا) أي أنتم ~~وأوثانكم في عداوتي وضري. (ثم لا تنظرون) أي لا تؤخرون. وهذا القول مع كثرة ~~الأعداء يدل على كمال الثقة بنصر الله تعالى. وهو من أعلام النبوة، أن يكون ~~الرسول وحده يقول لقومه: # " فكيدوني جميعا ". وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لقريش. وقال نوح ~~صلى الله عليه وسلم " فاجمعوا أمركم وشركاءكم " (1) [يونس: 71] الآية. # قوله تعالى: (إني توكلت على الله ربى وربكم) أي رضيت بحكمه، ووثقت بنصره. # (ما من دابة) أي نفس تدب على الأرض، وهو في موضع رفع بالابتداء. (إلا هو ~~آخذ بناصيتها) أي يصرفها كيف يشاء، ويمنعها مما يشاء، أي فلا تصلون إلى ~~ضري. وكل ما فيه روح يقال له داب ودابة، والهاء للمبالغة. وقال الفراء: ~~مالكها، والقادر عليها. وقال القتبي: قاهرها، لأن من أخذت بناصيته فقد ~~قهرته. وقال الضحاك: يحييها ثم يميتها، والمعنى متقارب. والناصية قصاص ~~الشعر في مقدم الرأس. ونصوت الرجل أنصوه نصوا أي مددت ناصيته. قال ابن ~~جريج: إنما خص الناصية، لأن العرب تستعمل ذلك إذا وصفت إنسانا بالذلة ~~والخضوع، فيقولون. ما ناصية فلان إلا بيد فلان، ألا إنه مطيع له يصرفه كيف ~~يشاء. وكانوا إذا أسروا أسيرا وأرادوا إطلاقه والمن عليه جزوا ناصيته ~~ليعرفوا بذلك فخرا عليه، فخاطبهم بما يعرفونه في كلامهم. وقال، الترمذي ~~الحكيم في " نوادر الأصول " قوله تعالى: " ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها ~~" وجهه عندنا أن الله تعالى قدر مقادير أعمال العباد، ثم نظر إليها، ثم خلق ms3169 ~~خلقه، وقدر نفذ بصره في جميع ما هم فيه عاملون من قبل أن يخلقهم، فلما ~~خلقهم وضع نور تلك النظرة في نواصيهم فذلك النور أخذ بنواصيهم، يجريهم إلى ~~أعمالهم المقدرة عليهم يوم المقادير. وخلق الله المقادير قبل أن يخلق ~~السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، رواه عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " قدر الله المقادير قبل أن يخلق ~~السماوات والأرض بخمسين ألف سنة ". ولهذا # PageV09P052 # قويت الرسل وصاروا من أولي العزم لأنهم لاحظوا نور النواصي، وأيقنوا أن ~~جميع خلقه منقادون بتلك الأنوار إلى ما نفذ بصره فيهم من الأعمال، فأوفرهم ~~حظا من الملاحظة أقواهم في العزم، ولذلك ما قوي هود النبي صلى الله عليه ~~وسلم حتى قال: " فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون. إني توكلت على الله ربي وربكم ~~ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها ". وإنما سميت ناصية لأن الأعمال قد نصت ~~وبرزت من غيب الغيب فصارت منصوصة في المقادير، قد نفذ بصر الخالق في جميع ~~حركات الخلق بقدرة، ثم وضعت حركات كل من دب على الأرض حيا في جبهته بين ~~عينيه، فسمي ذلك الموضع منه ناصية، لأنها تنص حركات العباد بما قدر، ~~فالناصية مأخوذة بمنصوص الحركات التي نظر الله تعالى إليها قبل أن يخلقها. # ووصف ناصية أبي جهل فقال: " ناصية كاذبة خاطئة " (1) [العلق: 16] يخبر أن ~~النواصي فيها كاذبة خاطئة، فعلى سبيل ما تأولوه يستحيل أن تكون الناصية ~~منسوبة إلى الكذب والخطأ. # [والله أعلم] (2). (إن ربى على صراط مستقيم) قال النحاس: الصراط في اللغة ~~المنهاج الواضح، والمعنى أن الله جل ثناؤه وإن كان يقدر على كل شئ فإنه لا ~~يأخذهم إلا بالحق. # وقيل: معناه لا خلل في تدبيره، ولا تفاوت في خلقه سبحانه. # (قوله تعالى: (فإن تولوا) في موضع جزم، فلذلك حذفت منه النون، والأصل ~~تتولوا، فحذفت التاء لاجتماع تاءين. (فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم) بمعنى ~~قد بينت لكم. # (ويستخلف ربى قوما غيركم) أي يهلككم ويخلق من هو أطوع له منكم يوحدونه ms3170 ~~ويعبدونه. " ويستخلف " مقطوع مما قبله فلذلك ارتفع، أو معطوف على ما يجب ~~فيما بعد الفاء من قوله: " فقد أبلغتكم ". وروي عن حفص عن عاصم " ويستخلف " ~~بالجزم حملا على موضع الفاء وما بعدها، مثل: " ويذرهم (3) في طغيانهم ~~يعمهون " [الأعراف: 186]. # قوله تعالى: (ولا تضرونه شيئا) أي بتوليكم وإعراضكم. (إن ربى على كل شئ ~~حفيظ) أي لكل شئ حافظ. " على " بمعنى اللام، فهو يحفظني من أن تنالوني ~~بسوء. # PageV09P053 # (قوله تعالى: (ولما جاء أمرنا) أي عذابنا بهلاك عاد. (نجينا هودا والذين ~~آمنوا معه برحمة منا) لأن أحدا لا ينجو إلا برحمة الله تعالى، وإن كانت له ~~أعمال صالحة. # وفي صحيح مسلم والبخاري وغيرهما عن النبي صلى الله عليه وسلم " لن ينجي ~~أحدا منكم عمله " قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: " ولا أنا إلا أن ~~يتغمدني الله برحمة منه ". وقيل: # معنى " برحمة منا " بأن بينا لهم الهدى الذي هو رحمة. وكانوا أربعة آلاف. ~~وقيل: ثلاثة آلاف. (ونجيناهم من عذاب غليظ) أي عذاب يوم القيامة. وقيل: هو ~~الريح العقيم كما ذكر الله في " الذاريات " (1) وغيرها وسيأتي. قال القشيري ~~أبو نصر: والعذاب الذي يتوعد به النبي أمته إذا حضر ينجي الله منه النبي ~~والمؤمنين معه، نعم! لا يبعد أن يبتلي الله نبيا وقومه فيعمهم ببلاء فيكون ~~ذلك عقوبة للكافرين، وتمحيصا للمؤمنين إذا لم يكن مما توعدهم النبي به. # (قوله تعالى: (وتلك عاد) ابتداء وخبر. وحكى الكسائي أن من العرب من لا ~~يصرف " عادا " فيجعله اسما للقبيلة. (جحدوا بآيات ربهم) أي كذبوا بالمعجزات ~~وأنكروها. # (وعصوا رسله) يعني هودا وحده، لأنه لم يرسل إليهم من الرسل سواه. ونظيره ~~قوله تعالى: " يا أيها الرسل كلوا من الطيبات " (2) [المؤمنون: 51] يعني ~~النبي صلى الله عليه وسلم وحده، لأنه لم يكن في عصره رسول سواه، وإنما جمع ~~هاهنا لأن من كذب رسولا واحدا فقد كفر بجميع الرسل. # وقيل: عصوا هودا والرسل قبله، وكانوا بحيث لو أرسل إليهم ألف رسول لجحدوا ~~الكل. # (واتبعوا أمر كل جبار عنيد) أي اتبع سقاطهم رؤساءهم. والجبار المتكبر. ms3171 ~~والعنيد الطاغي الذي لا يقبل الحق ولا يذعن له (3). قال أبو عبيد: العنيد ~~والعنود والعاند والمعاند المعارض بالخلاف، ومنه قيل للعرق الذي ينفجر ~~بالدم عاند. وقال الراجز: # إني كبير لا أطيق العندا (4) قوله تعالى: (واتبعوا في هذه الدنيا لعنة) ~~أي ألحقوها. (ويوم القيامة) أي واتبعوا يوم القيامة مثل ذلك، فالتمام على ~~قوله: " ويوم القيامة ". (ألا إن عادا كفروا # PageV09P054 # ربهم) قال الفراء: أي كفروا نعمة ربهم، قال: ويقال كفرته وكفرت به، مثل ~~شكرته وشكرت له. (ألا بعدا لعاد قوم هود) أي لا زالوا مبعدين عن رحمة الله. ~~والبعد الهلاك. # والبعد التباعد من الخير. يقال: بعد يبعد بعدا إذا تأخر وتباعد. وبعد ~~يبعد بعدا إذا هلك، قال: # لا يبعدن قومي الذين هم * سم العداة وآفة الجزر (1) وقال النابغة: # فلا تبعدن إن المنية منهل * وكل امرئ يوما به الحال زائل قوله تعالى: ~~وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يقوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره هو أنشأكم ~~من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربى قريب مجيب (61) ~~فيها خمس مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (وإلى ثمود) أي أرسلنا إلى ثمود (أخاهم) أي في ~~النسب. # (صالحا). وقرأ يحيي بن وثاب " وإلى ثمود " بالتنوين في كل القرآن، وكذلك ~~روي عن الحسن. واختلف سائر القراء فيه فصرفوه في موضع ولم يصرفوه في موضع. ~~وزعم أبو عبيدة أنه لولا مخالفة السواد لكان الوجه ترك الصرف، إذ كان ~~الأغلب عليه التأنيث. قال النحاس: # الذي قال أبو عبيدة - رحمه الله - من أن الغالب عليه التأنيث كلام مردود، ~~لأن ثمودا يقال له حي، ويقال له قبيلة، وليس الغالب عليه القبيلة، بل الأمر ~~على ضد ما قال عند سيبويه. # والأجود عند سيبويه فيما لم يقل فيه بنو فلان الصرف، نحو قريش وثقيف وما ~~أشبههما، وكذلك ثمود، والعلة في ذلك أنه لما كان التذكير الأصل، وكان يقع ~~له مذكر ومؤنث كان الأصل الأخف أولى. والتأنيث جيد بالغ حسن. وأنشد سيبويه ~~(2) في التأنيث: # غلب المساميح الوليد سماحة * وكفى قريش المعضلات وسادها # PageV09P055 # الثانية - قوله ms3172 تعالى: (قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره) تقدم. # (هو أنشأكم من الأرض) أي ابتدأ خلقكم من الأرض، وذلك أن آدم خلق من الأرض ~~على ما تقدم في " البقرة " (1) و " الأنعام " (2) وهم منه، وقيل: " أنشأكم ~~في الأرض ". ولا يجوز إدغام الهاء من " غيره " في الهاء من " هو " إلا على ~~لغة من حذف الواو في الإدراج. # (واستعمركم فيها) أي جعلكم عمارها وسكانها. قال مجاهد: ومعنى " استعمركم ~~" أعمركم من قوله: أعمر فلان فلانا داره، فهي له عمرى. وقال قتادة: أسكنكم ~~فيها، وعلى هذين القولين تكون استفعل بمعنى أفعل، مثل استجاب بمعنى أجاب. ~~وقال الضحاك: أطال أعماركم، وكانت أعمارهم من ثلاثمائة إلى ألف. ابن عباس: ~~أعاشكم فيها. زيد بن أسلم: # امركم بعمارة ما تحتاجون إليه فيها من بناء مساكن، وغرس أشجار. وقيل: ~~المعنى ألهمكم عمارتها من الحرث والغرس وحفر الأنهار وغيرها. الثالثة - قال ~~ابن عربي قال بعض علماء الشافعية: الاستعمار طلب العمارة، والطلب المطلق من ~~الله تعالى على الوجوب، قال القاضي أبو بكر: تأتى كلمة استفعل في لسان ~~العرب على معان: منها، استفعل بمعنى طلب الفعل كقوله: استحملته أي طلبت منه ~~حملانا، وبمعنى اعتقد، كقولهم: استسهلت هذا الأمر اعتقدته سهلا، أو وجدته ~~سهلا، واستعظمته أي اعتقدته عظيما ووجدته، ومنه استفعلت بمعنى أصبت، ~~كقولهم: استجدته أي أصبته (3) جيدا: ومنها بمعنى فعل: كقوله: قر في المكان ~~واستقر، وقالوا وقوله: # " يستهزئون " و " يستسخرون " منه، فقوله تعالى: " استعمركم فيها " خلقكم ~~لعمارتها "، لا معنى استجدته واستسهلته، أي أصبته جيدا وسهلا، وهذا يستحيل ~~في الخالق، فيرجع إلى أنه خلق، لأنه الفائدة، وقد يعبر عن الشئ بفائدته ~~مجازا، ولا يصح ان يقال إنه طلب من الله لعمارتها، فإن هذا اللفظ لا يجوز ~~في حقه، أما أنه يصح أن يقال: أنه استدعى # PageV09P056 # عمارتها فأنه جاء بلفظ استفعل، وهو استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه إذا ~~كان أمرا، وطلب للفعل إذا كان من الأدنى إلى الاعلى [رغبة] (1). # قلت: لم يذكر استفعل بمعنى أفعل، مثل قوله: استوقد بمعنى أوقد، وقد ~~ذكرناه، ms3173 (2) وهي: # الرابعة - ويكون فيها دليل على الإسكان والعمري وقد مضى القول في " ~~البقرة " (2) في السكنى والرقبى. وأما العمرى فاختلف العلماء فيها على ~~ثلاثة أقوال: أحدهما - أنها تمليك لمنافع الرقبة حياة المعمر مدة عمره، فإن ~~لم يذكر عقبا فمات المعمر رجعت إلى الذي أعطاها أو لورثته، هذا قول القاسم ~~بن محمد ويزيد بن قسيط والليث بن سعد، وهو مشهور مذهب مالك، وأحد أقوال ~~الشافعي، وقد تقدم في " البقرة " حجة هذا القول. الثاني أنها تمليك الرقبة ~~ومنافعا وهي هبة مبتولة (3) وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأصحابهما والثوري ~~والحسن ابن حي وأحمد بن حنبل وابن شبرمة وأبى عبيد، قالوا من أعمر رجلا ~~شيئا حياته فهو له حياته، وبعد وفاته لورثته، لأنه قد ملك رقبتها، وشرط ~~المعطى الحياة والعمر باطل، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ~~العمرى جائزة " " والعمري لمن وهبت له " الثالث - إن قال عمرك وليم يذكر ~~العقب كان كالقول الأول: وإن قال لعقبك كان كالقول الثاني، وبه قال الزهري ~~وأبو ثور وأبو سلمه بن عبد الرحمن وابن أبي ذئب، وقد روى عن مالك، وهو ظاهر ~~قوله في الموطأ. والمعروف عنه وعن أصحابه أنها ترجع إلى المعمر، إذا انقرض ~~عقب المعمر، إذا كان المعمر حيا، وإلا فإلى من كان حيا من ورثته، وأولى ~~الناس بميراثه. ولا يملك المعمر بلفظ العمرى عند مالك في الحبس أيضا: إذا ~~حبس على رجل وعقبه أنه لا يرجع إليه. وإن حبس على رجل بعينه حياته رجع ~~إليه، وكذلك العمرى قياسا، وهو ظاهر الموطأ. وفى صحيح مسلم عن جابر بن عبد ~~الله أن رسول الله صلى الله # PageV09P057 # عليه وسلم قال " أيما رجل أعمر رجل عمرى له ولعقبه فقال قد أعطيتكها ~~وعقبك ما بقى منكم أحد فإنها لمن أعطيها وأنها لا ترجع إلى صاحبها من أجل ~~أنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث " وعنه قال: إن العمرى التي أجاز رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن يقول: هي لك ولعقبك، فأما إذا قال: هي لك ما ~~عشت فإنها ترجع ms3174 إلى صاحبها، قال معمر: وبذلك كان الزهري يفتى. # قلت: معنى القرآن يجرى مع أهل القول الثاني، لأن الله سبحانه قال: " ~~واستعمركم " بمعنى أعمركم، فأعمر الرجل الصالح فيها مدة حياته بالعمل ~~الصالح، وبعد موته بالذكر الجميل والثناء الحسن، وبالعكس الرجل الفاجر، ~~فالدنيا ظرف لهما حياة وموتا. وقد يقال: إن الثناء الحسن يجرى مجرى العقب. ~~وفى التنزيل: " واجعل لي لسان صدق في الآخرين " (1) أي ثناء حسنا. وقيل: هو ~~محمد صلى الله عليه وسلم. وقال: " وجعلنا ذريته هم الباقين " (2) وقال: " ~~وباركنا عليه وعلى إسحاق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين " (2). # الخامسة - قوله تعالى: (فاستغفروه) أي سلوه المغفرة من عبادة الأصنام. # (ثم توبوا إليه) أي ارجعوا إلى عبادته. (إن ربى قريب مجيب) أي قريب ~~الإجابة لمن دعاه. قد مضى في " البقرة " (3) عند قوله: " فإني قريب أجيب ~~دعوة الداعي " القول فيه. # قوله تعالى: قالوا يصلح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا أتنهانا أن نعبد ما ~~يعبد آباؤنا وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب (62) قال يقوم أرأيتم إن ~~كنت على بينة من ربى وآتني منه رحمة فمن ينصرني من الله إن عصيته فما ~~تزيدونني غير تخسير (63) ويقوم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض ~~الله ولا تمسوها # PageV09P058 # بسوء فيأخذكم عذاب قريب (64) فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ~~ذلك وعد غير مكذوب (65) فلما جاء أمرنا نجينا صلحا والذين آمنوا معه برحمة ~~منا ومن خزي يومئذ إن ربك هو القوى العزيز (66) وأخذ الذين ظلموا الصيحة ~~فأصبحوا في ديرهم جاثمين (67) كأن لم يغنوا فيها ألا إن ثمود كفروا ربهم ~~ألا بعدا لثمود (68) قوله تعالى: (قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل ~~هذا) أي كنا نرجوا أن تكون فينا سيدا قبل هذا، أي قبل دعوتك النبوة. وقيل: ~~كان صالح يعيب آلهتهم ويشنؤها، وكانوا يرجون رجوعه إلى دينهم، فلما دعاهم ~~إلى الله قالوا: انقطع رجاؤنا منك. (أتنهانا) استفهام معناه الإنكار. (أن ~~نعبد) أي عن أن نعبد. (ما يعبد آباؤنا) فأن في محل نصب بإسقاط حرف الجر. ms3175 ~~(وأننا لفي شك) وفى سورة " إبراهيم " " وإنا " والأصل وإننا، فاستثقل ثلاث ~~نونات فأسقط الثالثة. (مما تدعونا) الخطاب لصالح، وفى سورة " إبراهيم " " ~~تدعوننا " (1) لأن الخطاب للرسل [صلوات الله وسلامه عليهم] (2) (إليه مريب) ~~من أربته فأنا أريبه إذا فعلت به فعلا يوجب لديه الريبة. قال الهذلي (3): # كنت إذا أتوته من غيب * يشم عطفي ويبز ثوبي (4) كأنما أربته بريب * قوله ~~تعالى: (قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربى وآتاني منه رحمة) تقدم ~~معناه في قول نوح. (فمن ينصرني من الله أن عصيته) استفهام معنا ه النفي، أي ~~لا ينصرني منه إن عصيته أحد. (فما تزيدونني غير تخسير) أي تضليل وإبعاد من ~~الخير، قاله الفراء. # PageV09P059 # والتخسير لهم لا له صلى الله عليه وسلم. كأنه قال: غير تخسير لكم لا لي. ~~وقيل: المعنى ما تزيدونني باحتجاجكم بدين آبائكم غير بصيرة بخسارتكم، عن ~~ابن عباس. # قوله تعالى: (ويا قوم هذه ناقة الله) ابتداء وخبر. (لكم آية) نصب على ~~الحال، والعامل معنى الإشارة أو التنبيه في " هذه ". وإنما قيل: ناقة الله، ~~لأنه أخرجها من جبل - على ما طلبوا - على أنهم يؤمنون. وقيل: أخرجها من ~~صخرة صماء منفردة في ناحية الحجر يقال لها الكاثبة (1)، فلما خرجت الناقة - ~~على ما طلبوا - قال لهم [نبي الله (2)] صالح: # " هذه ناقة الله لكم آية ". (فذروها تأكل) أمر وجوابه، وحذفت النون من " ~~فذروها " . لأنه أمر. ولا يقال: وذر ولا واذر إلا شاذا. وللنحويين فيه ~~قولان، قال سيبويه: # استغنوا عنه بترك. وقال غيره: لما كانت الواو ثقيله وكان في الكلام فعل ~~بمعناه لا واو فيه ألغوه، قال أبو إسحاق الزجاج: ويجوز رفع " تأكل " على ~~الحال والاستئناف. (ولا تمسوها) جزم بالنهي. (بسوء) قال الفراء: بعقر. ~~(فيأخذكم) جواب النهى. (عذاب قريب) أي قريب من عقرها. # قوله تعالى: (فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام) فيه مسئلتان: ~~الأولى - قوله تعالى: (فعقروها) إنما عقرها بعضهم، وأضيف إلى الكل لأنه كان ~~برضا الباقين. وقد تقدم الكلام في عقرها في " الأعراف " (3). ويأتي أيضا. ~~(فقال تمتعوا) أي قال ms3176 لهم صالح تمتعوا، أي بنعم الله عز وجل قبل العذاب. ~~(في داركم) أي في بلدكم، ولو أراد المنزل لقال في دوركم. وقيل: أي يتمتع كل ~~واحد منكم في داره ومسكنه، كقوله: " يخرجكم طفلا " (4) أي كل واحد طفلا. ~~وعبر عن التمتع بالحياة لأن الميت لا يتلذذ ولا يتمتع بشئ، فعقرت يوم ~~الأربعاء، فأقاموا يوم الخميس والجمعة والسبت وأتاهم العذاب يوم الأحد. ~~وإنما أقاموا ثلاثة أيام، لأن الفصيل رغا ثلاثا على ما تقدم في " الأعراف " ~~فاصفرت ألوانهم في اليوم الأول، ثم احمرت في اليوم الثاني، ثم اسودت في ~~اليوم الثالث، وهلكوا في الرابع، وقد تقدم في " الأعراف ". # PageV09P060 # الثانية - استدل علماؤنا بإرجاء العذاب عن قوم صالح ثلاثة أيام على أن ~~المسافر إذا لم يجمع على إقامة أربع ليال قصر، لأن الثلاثة الأيام خارجة عن ~~حكم الإقامة. # وقد تقدم في " النساء " (1) ما للعلماء في هذا. # قوله تعالى: (ذلك وعد غير مكذوب) أي غير كذب. وقيل: غير مكذوب فيه. # قوله تعالى: (فلما جاء أمرنا) أي عذابنا. (نجينا صالحا والذين آمنوا معه ~~برحمة منا) تقدم. (ومن خزي يومئذ) أي ونجيناهم من خزي يومئذ، أي من فضيحته ~~وذلته. وقيل الواو زائدة، أي نجيناهم من خزي يومئذ. ولا يجوز زيادتها عند ~~سيبويه وأهل البصرة، وعند الكوفيين يجوز زيادتها مع " لما " " وحتى " لا ~~غير. وقرأ نافع و الكسائي " يومئذ " بالنصب. الباقون بالكسر على إضافة " ~~يوم " إلى " إذ ". وقال أبو حاتم: # حدثنا أبو زيد عن أبي عمر أنه قرأ " ومن خزي يومئذ " أدغم الياء في ~~الياء، وأضاف، وكسر الميم في " يومئذ ". قال النحاس: الذي يرويه النحويون - ~~مثل سيبويه ومن قاربه عن أبي عمرو في مثل هذا - الإخفاء، فأما الإدغام فلا ~~يجوز، لأنه يلتقي ساكنان، ولا يجوز كسر الزاي. قوله تعالى: (وأخذ الذين ~~ظلموا الصيحة) أي في اليوم الرابع صيح بهم فماتوا، وذكر لأن الصيحة والصياح ~~واحد. قيل: صيحة جبريل. وقيل: صيحة من السماء فيها صوت كل صاعقة، وصوت كل ~~شئ في الأرض، فتقطعت قلوبهم وماتوا. وقال هنا: " وأخذ الذين ظلموا ms3177 الصيحة " ~~وقال في " الأعراف " " وأخذتهم الرجفة " وقد تقدم بيانه هناك (2) وفى ~~التفسير: أنهم لما أيقنوا بالعذاب قال بعضهم لبعض ما مقامكم أن يأتيكم ~~الأمر بغتة؟! قالوا: فما نصنع؟ فأخذوا سيوفهم ورماحهم وعددهم، وكانوا فيما ~~يقال اثنى عشر ألف قبيلة، في كل قبيلة اثنا عشر ألف مقاتل، فوقفوا على ~~الطرق والفجاج، زعموا يلاقون العذاب، فأوحى الله تعالى إلى الملك الموكل ~~بالشمس أن يعذبهم بحرها، # PageV09P061 # فأدناها من رؤوسهم فاشتوت أيديهم، وتدلت ألسنتهم على صدورهم من العطش، ~~ومات كل ما كان معهم من البهائم. وجعل الماء يتفور من تلك العيون من غليانه ~~حتى يبلغ السماء، لا يسقط على شئ إلا أهلكه من شده حره، فما زالوا كذلك، ~~وأوحى الله إلى ملك الموت ألا يقبض أرواحهم تعذيبا لهم إلى أن غربت الشمس، ~~فصيح بهم فأهلكوا. (فأصبحوا في ديارهم جاثمين) أي ساقطين على وجوههم، قد ~~لصقوا بالتراب كالطير إذ جثمت. # (ألا إن ثمودا كفروا ربهم ألا بعدا لثمود) تقدم معناه. قوله تعالى: ولقد ~~جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلما قال سلم فما لبث أن جاء بعجل حنيذ ~~(69) فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف إنا ~~أرسلنا إلى قوم لوط (70) وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء ~~إسحاق يعقوب (71) قوله تعالى: (ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى) هذه قصة ~~لوط عليه السلام، وهو ابن عم إبراهيم عليه السلام لحا (2)، وكانت قرى لوط ~~بنواحي الشام، وإبراهيم ببلاد فلسطين، فلما أنزل الله الملائكة بعذاب قوم ~~لوط ومروا بإبراهيم ونزلوا عنده، وكان كل من نزل عنده يحسن قراه، وكانوا ~~مروا ببشارة إبراهيم، فظنهم أضيافا. وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل عليم ~~السلام، قاله ابن عباس. الضحاك: كانوا تسعة. السدى: أحد عشر ملكا على صورة ~~الغلمان الحسان الوجوه، ذوو وضاءة وجمال بارع. " بالبشرى " قيل: # بالولد. وقيل: بإهلاك قوم لوط. وقيل: بشروه بأنهم رسل الله عز وجل، وأنه ~~لا خوف عليه. (قالوا سلاما) نصب بوقوع الفعل عليه، كما تقول: قالوا خيرا. ~~وهذا اختيار الطبري. وأما قوله " سيقولون ثلاثة ms3178 " فالثلاثة اسم غير [قول] ~~(4) مقول. ولو رفعا جميعا # PageV09P062 # أو نصبا جميعا " قالوا سلاما قال سلام " جاز في العربية. وقيل: انتصب على ~~المصدر. # وقيل: " قالوا سلاما " أي فاتحوه بصواب من القول، كما قال: " وإذا خاطبهم ~~الجاهلون قالوا سلاما (1) " أي صوابا، فسلاما معنى قولهم لا لفظه، قال ~~معناه ابن العربي واختاره. # قال ألا ترى أن الله تعالى لما أراد ذكر اللفظ قاله بعينه فقال مخبرا عن ~~الملائكة: " سلام عليكم بما صبرتم (2) " " سلام عليكم طبتم (3) ". وقيل ~~دعوا له، والمعنى سلمت سلاما. # (قال سلام) في رفعه وجهان: أحدهما - على إضمار مبتدأ أي هو سلام، وأمري ~~سلام. # والآخر بمعنى سلام عليكم إذا جعل بمعنى التحية، فأضمر الخبر. وجاز سلام ~~على التنكير لكثرة استعماله، فحذف الألف والام كما حذفت من لا هم في قولك ~~اللهم. وقرئ " سلم " قال الفراء: السلم والسلام بمعنى، مثل الحل والحلال. ~~قوله تعالى: (فما لبث أن جاء بعجل حنيذ) فيه أربع عشرة مسألة (4): # الأولى - قوله تعالى: (فما لبث أن جاء) " أن " بمعنى حتى، قاله كبراء (5) ~~النحويين، حكاه ابن العربي. التقدير: فما لبث حتى جاء. وقيل: " أن " في ~~موضع نصب بسقوط حرف الجر، التقدير: فما لبث عن أن جاء، أي ما أبطأ عن مجيئه ~~بعجل، فلما حذف حرف الجر بقى " أن " في محل النصب. وفى " لبث " ضمير اسم ~~إبراهيم. # و " ما " نافيه، قاله سيبويه. وقال الفراء: فما لبث مجيئه، أي ما أبطأ ~~مجيئه، فإن في موضع رفع، ولا ضمير في " لبث " و " ما " نافية، ويصح أن تكون ~~" ما " بمعنى الذي، وفى " لبث " ضمير إبراهيم و " أن جاء " خبر " ما " أي ~~فالذي لبث إبراهيم هو مجيئه بعجل حنيذ. و (حنيذ) مشوي. وقيل هو المشوي بحر ~~الحجارة من غير أن تمسه النار. # يقال حنذت الشاة أحنذها حنذا أي أشويها، وجعلت فوقها حجارة محماة لتنضجها ~~فهي حنيذ. وحنذت الفرس أحنذه حنذا، وهو أن تحضره شوطا أو شوطين ثم تظاهر ~~عليه الجلال في الشمس ليعرق، فهو محنوذ وحنيذ. فإن لم يعرق قيل: كبا. وحنذ ~~موضع قريب # PageV09P063 # من ms3179 المدينة (1). وقيل: الحنيذ السميط. ابن عباس وغيره: حنيذ نضيج. وحنيذ ~~بمعنى محنوذ، وأنما جاء بعجل لأن البقر كانت أكثر أمواله. # الثانية - في هذه الآية من أدب الضيف أن يعجل قراه، فيقدم الموجود الميسر ~~في الحال، ثم يتبعه بغيره إن كان له جدة، ولا يتكلف ما يضر به. والضيافة من ~~مكارم الأخلاق، ومن آداب الإسلام، ومن خلق النبيين والصالحين. وإبراهيم أول ~~من أضاف على ما تقدم في " البقرة " (2) وليست بواجبة عند عامة أهل العلم ~~لقوله صلى الله عليه وسلم: " الضيافة ثلاثة أيام وجائزته يوم وليلة فما كان ~~وراء ذلك فهو صدقة ". والجائزة العطية والصلة التي أصلها على الندب. وقال ~~صلى الله عليه وسلم: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره ومن كان ~~يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ". وإكرام الجار ليس بواجب إجماعا، ~~فالضيافة مثله. والله أعلم. وذهب الليث إلى وجوبها تمسكا بقوله صلى الله ~~عليه وسلم: " ليله الضيف حق " إلى غير ذلك من الأحاديث. وفيما أشرنا إليه ~~كفاية، والله الموفق للهداية. قال ابن العربي: وقد قال قوم: إن وجوب ~~الضيافة كان في صدر الإسلام ثم نسخ، وهذا ضعيف، فأن الوجوب لم يثبت، ~~والناسخ لم يرد وذكر حديث أبي سعيد الخدري خرجه الأئمة، وفيه: " فاستضفناهم ~~فأبوا أن يضيفونا فلدغ سيد ذلك الحي " الحديث. وقال: هذا ظاهر في أن ~~الضيافة لو كانت حقا للام النبي صلى الله عليه وسلم القوم الذين أبوا، ~~ولبين لهم ذلك. الثالثة - اختلف العلماء فيمن يخاطب بها، فذهب الشافعي ~~ومحمد بن عبد الحكم إلى أن المخاطب بها أهل الحضر والبادية. وقال مالك: ليس ~~على أهل الحضر ضيافة. قال سحنون: إنما الضيافة على أهل القرى، وأما الحضر ~~فالفندق ينزل فيه المسافر [حكى اللغتين (3) صاحب العين وغيره]. واحتجوا ~~بحديث ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " الضيافة على أهل الوبر وليست على أهل المدر ". وهذا حديث لا يصح، ~~وإبراهيم ابن أخي # PageV09P064 # عبد الرزاق متروك الحديث منسوب إلى الكذب، وهذا مما انفرد به، ونسب إلى ~~وضعه، قاله ms3180 أبو عمر بن عبد البر. قال ابن العربي: الضيافة حقيقة فرض على ~~الكفاية، ومن الناس من قال: إنها واجبة في القرى حيث لاطعام ولا مأوى، ~~بخلاف الحواضر فإنها مشحونة بالمأواة والأقوات، ولا شك أن الضيف كريم، ~~والضيافة كرامة، فإن كان غريبا فهي فريضة. # الرابعة - قال ابن العربي قال بعض علمائنا: كانت ضيافة إبراهيم قليلة ~~فشكرها الحبيب من الحبيب، وهذا حكم بالظن في موضع القطع، وبالقياس في موضع ~~النقل، من أبن علم أنه قليل؟! بل قد نقل المفسرون أن الملائكة كانوا ثلاثة، ~~جبريل وميكائيل وإسرافيل صلى الله عليه وسلم، وعجل لثلاثة عظيم، فما هذا ~~التفسير لكتاب الله بالرأي؟! # هذا بأمانة الله هو التفسير المذموم فاجتنبوه فقد علمتموه. # الخامسة - السنة إذا قدم للضيف الطعام أن يبادر المقدم إليه بالأكل، فإن ~~كرامة الضيف تعجيل التقديم، وكرامة صاحب المنزل المبادرة بالقبول، فلما ~~قبضوا أيديهم نكرهم إبراهيم، لأنهم خرجوا عن ا لعادة، وخالفوا السنة، وخاف ~~أن يكون وراءهم مكروه يقصدونه. # وروى أنهم كانوا ينكتون بقداح (1) كانت في أيديهم في اللحم ولا تصل ~~أيديهم إلى اللحم، فلما رأى ذلك منهم. (نكرهم وأوجس منهم خيفة) أي أضمر. ~~وقيل: أحس، والوجوس الدخول، قال الشاعر: # جاء البريد بقرطاس يخب به * فأوجس القلب من قرطاسه جزعا " خيفة " خوفا، ~~أي فزعا. وكانوا إذا رأوا الضيف لا يأكل ظنوا به شرا، فقالت الملائكة (لا ~~تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط). # السادسة - من أدب الطعام أن لصاحب الضيف أن ينظر في ضيفه هل يأكل أم لا؟ ~~وذلك ينبغي أن يكون بتلفت ومسارقة (2) لا بتحديد النظر. روى أن أعرابيا أكل ~~مع # PageV09P065 # سليمان ابن عبد الملك، فرأى سليمان في لقمة الإعرابي شعرة فقال له: أزل ~~الشعرة عن لقمتك، فقال له: أتنظر إلى نظر من يرى الشعرة في لقمتي؟! والله ~~لا أكلت معك. # قلت وقد ذكر أن هذه الحكاية إنما كانت مع هشام بن عبد الملك لا مع ~~سليمان، وأن الأعرابي خرج من عنده وهو يقول: # وللموت خير من [زيارة] (1) باخل * يلاحظ أطراف الأكيل على عمد ms3181 السابعة - ~~قوله تعالى: (فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم) يقول: أنكرهم، تقول: ~~نكرتك [وأنكرتك] (2) واستنكرتك إذا وجدته على غير ما عهدته، قال الشاعر ~~(3): # وأنكرتني وما كان الذي نكرت * من الحوادث إلا الشيب والصلعا فجمع بين ~~اللغتين. ويقال: نكرت لما تراه بعينك. وأنكرت لما تراه بقلبك. # الثامنة - قوله تعالى: (وامرأته قائمة) ابتداء وخبر، أي قائمة بحيث ترى ~~الملائكة. # قيل: كانت من وراء الستر. وقيل كانت تخدم الملائكة وهو جالس. وقال محمد ~~ابن إسحاق: قائمة تصلى. وفى قراءة عبد الله بن مسعود " وامرأته قائمة وهو ~~قاعد ". # التاسعة قوله تعالى: (فضحكت) قال مجاهد وعكرمة: حاضت، وكانت آيسة، تحقيقا ~~للبشارة، وأنشد على ذلك اللغويون: # وإني لآتي العرس عند طهورها * وأهجرها يوما إذا تك ضاحكا وقال آخر: # وضحك الأرانب فوق الصفا * كمثل دم الجوف يوم اللقا والعرب تقول: ضحكت ~~الأرنب إذا حاضت، وروى عن ابن عباس رضي الله عنهما وعكرمة، أخذ من قولهم: ~~ضحكت الكافورة - وهي قشرة الطلعة - إذا انشقت. وقد أنكر بعض اللغويين أن ~~يكون في كلام العرب ضحكت بمعنى حاضت. وقال الجمهور: هو الضحك المعروف، ~~واختلفوا فيه، فقيل: هو ضحك التعجب، قال أبو ذؤيب: # PageV09P066 # فجاء بمزج لم يرى الناس مثله * هو الضحك (1) إلا أنه عمل النحل وقال ~~مقاتل: ضحكت من خوف إبراهيم، ورعدته من ثلاثة نفر، وإبراهيم في حشمه وخدمه، ~~وكان إبراهيم يقوم وحده بمائة رجل. قال وليس الضحك الحيض في اللغة بمستقيم. ~~وأنكر أبو عبيد والفراء ذلك، قال الفراء: لم أسمعه من ثقة، وإنما هو كناية. # وروى أن الملائكة مسحت العجل، فقام من موضعه فلحق بأمه، فضحكت سارة عند ~~ذلك فبشروها بإسحق. ويقال: كان إبراهيم عليه السلام إذا أراد أن يكرم ~~أضيافه أقام سارة تخدمهم، فذلك قوله: " وامرأته قائمة " أي قائمة في ~~خدمتهم. ويقال: " قائمة " لروع إبراهيم " فضحكت " لقولهم: لا تخف " سرورا ~~بالأمن. وقال الفراء: فيه تقديم وتأخير، المعنى: فبشرناها بإسحق فضحكت، أي ~~ضحكت سرورا بالولد، وقد هرمت، والله أعلم أي ذلك كان. قال النحاس فيه ~~أقوال: أحسنها - أنهم لما لم ms3182 يأكلوا أنكرهم وخافهم، فلما قالوا لا تخف، ~~وأخبروه أنهم رسل [الله (2)]، فرح بذلك، فضحكت امرأته سرورا بفرحه. وقيل: ~~أنها كانت قالت له: أحسب أن هؤلاء القوم سينزل بهم عذاب فضم لوطا إليك، ~~فلما جاءت الرسل بما قالته سرت به فضحكت، قال النحاس: وهذا إن صح إسناده ~~فهو حسن. والضحك انكشاف الأسنان. ويجوز أن يكون الضحك إشراق الوجه، تقول ~~رأيت فلانا ضاحكا، أي مشرقا. وأتيت على روضة تضحك، أي مشرقة، وفى الحديث " ~~إن الله سبحانه (2) يبعث السحاب فيضحك أحسن الضحك ". جعل انجلاءه عن البرق ~~ضحكا، وهذا كلام مستعار. وروى عن رجل من قراء مكة يقال له محمد بن زياد ~~الأعرابي. " ضحكت " بفتح الحاء، قال المهدوي: وفتح " الحاء " من " فضحكت " ~~غير معروف. وضحك يضحك ضحكا وضحكا وضحكا [وضحكا] (2) أربع لغات. والضحكة ~~المرة الواحدة، ومنه قول كثير: غلقت لضحكته رقاب المال (3) قاله الجوهري: # PageV09P067 # العاشرة - روى مسلم عن سهل بن سعد قال: دعا أبو أسيد الساعدي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في عرسه، فكانت امرأته خادمهم يومئذ وهي العروس. قال ~~سهل: # أتدرون ما سقت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أنقعت له تمرات من الليل في ~~تور (1)، فلما أكل سقته إياه. وأخرجه البخاري وترجم له " باب قيام المرأة ~~على الرجال في العرس وخدمتهم بالنفس ". قال علماؤنا: فيه جواز خدمة العروس ~~زوجها وأصحابه في عرسها. وفيه أنه لا بأس أن يعرض الرجل أهله على صالح ~~إخوانه، ويستخدمهن (2) لهم. ويحتمل أن يكون هذا قبل نزول الحجاب والله أعلم ~~الحادية عشرة - ذكر الطبري أن إبراهيم عليه السلام لما قدم العجل قالوا: لا ~~نأكل طعاما إلا بثمن، فقال لهم: " ثمنه أن تذكروا الله في أوله وتحمدوه في ~~آخره " فقال جبريل لأصحابه: بحق اتخذ الله هذا خليلا. قال علماؤنا: ولم ~~يأكلوا لأن الملائكة لا تأكل. وقد كان من الجائز كما يسر الله للملائكة أن ~~يتشكلوا في صفة الآدمي جسدا وهيئة أن ييسر لهم أكل الطعام، إلا أنه في قول ~~العلماء أرسلهم في صفة الآدمي وتكلف إبراهيم عليه السلام ms3183 الضيافة [حتى إذا ~~رأى التوقف وخاف جاءته البشرى فجأة (3)] الثانية عشرة - ودل هذا على أن ~~التسمية في أول الطعام، والحمد في آخره مشروع في الأمم قبلنا، وقد جاء في ~~الإسرائيليات أن إبراهيم كان لا يأكل وحده، فإذا حضر طعامه أرسل يطلب من ~~يأكل معه، فلقي يوما رجلا، فلما جلس معه على الطعام، قال له إبراهيم: سم ~~الله، قال الرجل لا أدرى ما الله؟ فقال له: فاخرج عن طعامي، فلما خرج نزل ~~إليه جبريل فقال له: يقول الله إنه يرزقه على كفره مدى عمره وأنت بخلت عليه ~~بلقمة، فخرج إبراهيم فزعا يجر رداءه، وقال: ارجع، فقال: لا أرجع حتى تخبرني ~~لم تردني لغير معنى؟ # فأخبره بالأمر، فقال هذا رب كريم، آمنت، ودخل وسمى الله وأكل مؤمنا (4) # PageV09P068 # الثالثة عشرة - قوله تعالى: (فبشرناها بإسحق) لما ولد لإبراهيم إسماعيل ~~من هاجر تمنت سارة أن يكون لها ابن، وأيست لكبر سنها، فبشرت بولد يكون نبيا ~~ويلد نبيا، فكان هذا بشارة لها بأن ترى ولد ولدها. # الرابعة عشرة - قوله تعالى: (ومن وراء إسحاق يعقوب) قرأ حمزة وعبد الله ~~ابن عامر " يعقوب " بالنصب. ورفع الباقون، فالرفع على معنى: ويحدث لها من ~~وراء إسحاق يعقوب. ويجوز أن يرتفع بالفعل الذي يعمل في " من " كأن المعنى: ~~وثبت لها من وراء إسحاق يعقوب. ويجوز أن يرتفع بالابتداء، ويكون في موضع ~~الحال، أي بشروها بإسحق مقابلا له يعقوب. والنصب على معنى: ووهبنا لها من ~~وراء إسحاق يعقوب. وأجاز الكسائي والأخفش وأبو حاتم أن يكون " يعقوب " في ~~موضع جر على معنى: وبشرناها من وراء إسحاق يعقوب. قال الفراء: ولا يجوز ~~الخفض إلا بإعادة الحرف الخافض، قال سيبويه ولو قلت: مررت بزيد أول من أمس ~~وأمس عمرو (1) كان قبيحا [خبيثا] (2)، لأنك فرقت بين المجرور وما يشركه وهو ~~الواو، كما تفرق بين الجار والمجرور، لأن الجار لا يفصل بينه وبين المجرور، ~~ولا بينه وبين الواو. # قوله تعالى: قالت يا ويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشئ ~~عجيب (72) فيه مسئلتان: # الأولى - قوله ms3184 تعالى: (يا ويلتا) قال الزجاج: أصلها يا ويلتى، فأبدل من ~~الياء ألف، لأنها أخف من الياء والكسرة، ولم ترد الدعاء على نفسها بالويل، ~~ولكنها كلمة تخف على أفواه النساء إذا طرأ عليهن ما يعجن منه، وعجبت من ~~ولادتها [ومن] (3) كون بعلها شيخا لخروجه عن العادة، وما خرج عن العادة ~~مستغرب ومستنكر. و (أألد) استفهام معناه التعجب. # (وأنا عجوز) أي شيخة. ولقد عجزت تعجز عجزا وعجزت تعجيزا، أي طعنت في ~~السن. # PageV09P069 # وقد يقال: عجوزة أيضا. وعجزت ا لمرأة بكسر الجيم، عظمت عجيزتها عجزا ~~وعجزا بضم العين وفتحها. قال مجاهد: كانت بنت تسع وتسعين سنة. وقال ابن ~~إسحاق: كانت بنت تسعين [سنة] (1). وقيل غير هذا. الثانية - قوله تعالى: ~~(وهذا بعلي) أي زوجي. (شيخا) نصب على الحال، والعامل فيه التنبيه أو ~~الإشارة. " وهذا بعلي " ابتداء وخبر. وقال الأخفش: وفى قراءة ابن مسعود ~~وأبى " وهذا بعلي شيخا " قال النحاس: كما تقول هذا زيد قائم، فزيد بدل من ~~هذا، وقائم خبر الابتداء. ويجوز أن يكون " هذا " مبتدأ " وزيد قائم " ~~خبرين، وحكى سيبويه: هذا حلو حامض. وقيل كان إبراهيم ابن مائة وعشرين سنة. ~~وقيل: ابن مائة فكان يزيد عليها في قول مجاهد سنة. وقيل: أنها عرضت بقولها: ~~" وهذا بعلي شيخا " أي عن ترك غشيانه لها. وسارة هذه امرأة إبراهيم بنت ~~هاران بن ناخور بن شاروع بن أرغو بن فالغ، وهي بنت عم إبراهيم. (إن هذا لشئ ~~عجيب) أي الذي بشرتموني به لشئ عجيب. قوله تعالى: قالوا أتعجبين من أمر ~~الله رحمت الله وبركته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد (73) فيه أربع مسائل: ~~الأولى - قوله تعالى: (قالوا أتعجبين من أمر الله) لما قالت: " وأنا عجوز ~~وهذا بعلي شيخا " وتعجبت، أنكرت الملائكة عليها تعجبها من أمر الله، أي من ~~قضائه وقدره، أي لا عجب من أن يرزقكما الله الولد، وهو إسحاق. وبهذه الآية ~~استدل كثير من العلماء على أن الذبيح إسماعيل، وأنه أسن من إسحاق، لأنها ~~بشرت بأن إسحاق يعيش حتى يولد له يعقوب. وسيأتي الكلام في هذا، ms3185 وبيانه في " ~~الصافات " (2) إن شاء الله تعالى. # PageV09P070 # الثانية - قوله تعالى: (رحمة الله وبركاته) مبتدأ، والخبر (عليكم). وحكى ~~سيبويه " عليكم " بكسر الكاف لمجاورتها الياء. وهل هو خبر أو دعاء؟ وكونه ~~إخبارا أشرف، لأن ذلك يقتضى حصول الرحمة والبركة لهم، المعنى: أوصل الله ~~لكم رحمته وبركاته أهل البيت. وكونه دعاء إنما يقتضى أنه أمر يترجى ولم ~~يحصل بعد. ونصب (أهل البيت) على الاختصاص، وهذا مذهب سيبويه. وقيل: على ~~النداء. # الثالثة - هذه الآية تعطى أن زوجة الرجل من أهل البيت، فدل هذا على أن ~~أزواج الأنبياء من أهل البيت، فعائشة رضي الله عنها وغيرها من جملة أهل بيت ~~النبي صلى الله عليه وسلم، ممن قال الله فيهم: " ويطهركم تطهيرا " وسيأتي. # الرابعة - ودلت الآية أيضا على أن منتهى السلام " وبركاته " كما أخبر ~~الله عن صالحي عباده " رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت ". والبركة النمو ~~والزيادة، ومن تلك البركات أن جميع الأنبياء والمرسلين كانوا في ولد ~~إبراهيم وسارة. وروى مالك عن وهب بن كيسان أبى نعيم عن محمد بن عمرو بن ~~عطاء قال: كنت جالسا عند عبد الله بن عباس فدخل عليه رجل من أهل اليمن ~~فقال: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، ثم زاد شيئا مع ذلك، فقال ابن عباس ~~- وهو يومئذ قد ذهب بصره - من هذا؟ فقالوا اليماني الذي يغشاك، فعرفوه ~~إياه، فقال: إن السلام انتهى إلى البركة. وروى عن علي رضي الله عنه أنه ~~قال: # دخلت المسجد فإذا أنا بالنبي صلى الله عليه وسلم في عصبة من أصحابه، ~~فقلت: السلام عليكم، فقال: " وعليك السلام ورحمة الله عشرون لي وعشره لك ". ~~قال: ودخلت الثانية، فقلت: # السلام عليكم ورحمة الله فقال: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ثلاثون ~~لي وعشرون لك ". # فدخلت الثالثة فقلت: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: فقال: " وعليك ~~السلام ورحمة الله وبركاته ثلاثون لي وثلاثون لك أنا وأنت في السلام سواء. ~~(إنه حميد مجيد) أي محمود ماجد. وقد بيناهما في " الأسماء الحسنى ". # PageV09P071 # قوله تعالى: فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في ms3186 قوم لوط ~~(74) إن إبراهيم لحليم أوه منيب (75) يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء ~~أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود (76) قوله تعالى: (فلما ذهب عن إبراهيم ~~الروع) أي الخوف، يقال: ارتاع من كذا إذا خاف، قال النابغة: فارتاع من صوت ~~كلاب (1) فبات له * طوع الشوامت من خوف ومن صرد (وجاءته البشرى) أي بإسحق ~~ويعقوب. وقال قتادة: بشروه بأنهم إنما أتوا بالعذاب إلى قوم لوط، وأنه لا ~~يخاف. (يجادلنا) أي يجادل رسلنا، وأضافه إلى نفسه، لأنهم نزلوا بأمره. وهذه ~~المجادلة رواها حميد بن هلال عن جندب عن حذيفة، وذلك أنهم لما قالوا: # " إنا مهلكوا أهل هذه القرية (2) " قال لهم: أرأيتم إن كان فيها خمسون من ~~المسلمين أتهلكونهم؟ # قالوا: لا. قال: فأربعون؟ قالوا: لا. قال: فثلاثون؟ قالوا: لا قال: ~~فعشرون؟ # قالوا: لا. قال فإن كان فيها عشرة - أو خمسة شك حميد - قالوا: لا. قال ~~قتادة: # نحوا منه، قال فقال يعنى إبراهيم: قوم ليس فيهم عشرة من المسلمين لا خير ~~فيهم. وقيل إن إبراهيم قال: أرأيتم إن كان فيها رجل مسلم أتهلكونها؟ قالوا: ~~لا. فقال إبراهيم عند ذلك: " إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه ~~وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين ". # وقال عبد الرحمن بن سمرة: كانوا أربعمائة ألف. ابن جريج. وكان في قرى قوم ~~لوط أربعة آلاف ألف. ومذهب الأخفش والكسائي أن " يجادلنا " في موضع " ~~جادلنا ". # قال النحاس: لما كان جواب " لما " يجب أن يكون بالماضي جعل المستقبل ~~مكانه، كما أن الشرط يجب أن يكون بالمستقبل فجعل الماضي مكانه. وفيه جواب ~~آخر - أن يكون " يجادلنا " في موضع الحال، أي أقبل يجادلنا، وهذا قول ~~الفراء. (إن إبراهيم لحليم # PageV09P072 # أواه منيب) تقدم في " براءة " معنى " لأواه حليم ". والمنيب الراجع، ~~يقال: أناب إذا رجع. وإبراهيم صلى الله عليه وسلم كان راجعا إلى الله في ~~أموره كلها. وقيل: الأواه المتأوه أسفا على ما قد فات قوم لوط من الإيمان. # قوله تعالى: (يا إبراهيم أعرض عن هذا) أي دع عنك الجدال في قوم ms3187 لوط. (إنه ~~قد جاء أمر ربك) أي عذابه لهم. (وإنهم آتيهم) أي نازل بهم. (عذاب غير ~~مردود) أي غير مصروف عنهم ولا مدفوع. # قوله تعالى: ولما جاءت رسلنا لوطا سئ بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم ~~عصيب (77) وجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات قال يقوم ~~هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد ~~(78) قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد (79) قال لو ~~أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد (80) قالوا يلوط إنا رسل ربك لن يصلوا ~~إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحدا إلا امرأتك إنه مصيبها ~~ما أصابهم إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب (81) فلما جاء أمرنا جعلنا ~~عليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود (82) مسومة عند ربك وما هي ~~من الظالمين ببعيد (83) قوله تعالى: (ولما جاءت رسلنا لوطا سئ بهم) لما ~~خرجت الملائكة من عند إبراهيم، وكان بين إبراهيم وقرية لوط أربعة فراسخ ~~بصرت بنتا لوط - وهما تستقيان - بالملائكة # PageV09P073 # ورأتا هيئة حسنة، فقالتا: ما شأنكم؟ ومن أين أقبلتم؟ قالوا: من موضع كذا ~~نريد هذه القرية قالتا: فإن أهلها أصحاب الفواحش، فقالوا: أبها من يضيفنا؟ ~~قالتا: نعم! هذا الشيخ وأشارتا إلى لوط، فلما رأى لوط هيئتهم خاف قومه ~~عليهم. (سئ بهم) أي ساءه مجيئهم، يقال: ساء يسوء فهو لازم، وساءه يسوءه فهو ~~متعد أيضا، وإن شئت ضممت السين، لأن أصلها الضم، والأصل سوئ بهم من السوء، ~~قلبت حركة الواو على السين فانقلبت ياء، وإن خففت الهمزة ألقيت حركتها على ~~الياء فقلت: " سي بهم " مخففا، ولغة شاذة بالتشديد. (وضاق بهم ذرعا) أي ضاق ~~صدره بمجيئهم وكرهه. وقيل: ضاق وسعه وطاقته. وأصله أن يذرع البعير بيديه في ~~سيره ذرعا على قدر سعة خطوه، فإذ حمل على أكثر من طوقه ضاق عن ذلك، وضعف ~~ومد عنقه، فضيق الذرع عبارة عن ضيق الوسع. # وقيل: هو من ذرعه القئ أي غلبه، ms3188 أي ضاق عن حبسه المكروه في نفسه، وإنما ~~ضاق ذرعه بهم لما رأى من جمالهم، وما يعلم من فسق قومه. (وقال هذا يوم ~~عصيب) أي شديد في الشر. وقال الشاعر: # وإنك إلا ترض بكر بن وائل * يكن لك يوم بالعراق عصيب وقال آخر: # يوم عصيب يعصب الأبطالا * عصب القوي السلم الطوالا ويقال: عصيب وعصبصب ~~على التكثير، أي مكروه مجتمع الشر وقد. عصب، أي عصب بالشر عصابة، ومنه قيل: ~~عصبة وعصابة أي مجتمعو الكلمة، أي مجتمعون في أنفسهم. # وعصبة الرجل المجتمعون معه في النسب، وتعصبت لفلان صرت كعصبته، ورجل ~~معصوب، أي مجتمع الخلق. # (قوله تعالى: (وجاء قومه يهرعون) في موضع الحال. " يهرعون " أي يسرعون. # قال الكسائي والفراء وغيرهما من أهل اللغة: لا يكون الإهراع إلا إسراعا ~~مع رعدة، يقال: # أهرع الرجل إهراعا أي أسرع في رعدة من برد أو غضب أو حمى، وهو مهرع، قال ~~مهلهل: # PageV09P074 # فجاءوا يهرعون وهم أسارى * نقودهم على رغم الأنوف وقال آخر: # بمعجلات نحوه مهارع وهذا مثل: أولع فلان بالأمر، وأرعد زيد. وزهي فلان ~~وتجئ ولا تستعمل إلا على هذا الوجه. وقيل: أهرع أي أهرعه حرصه، وعلى هذا " ~~يهرعون " أي يستحثون عليه. ومن قال بالأول قال: لم يسمع إلا أهرع الرجل أي ~~أسرع، على لفظ ما لم يسم فاعله. قال ابن القوطية: هرع الإنسان هرعا، وأهرع: ~~سيق واستعجل. وقال الهروي يقال: هرع الرجل وأهرع أي استحث. قال ابن عباس ~~وقتادة والسدي: # " يهرعون " يهرولون. الضحاك: يسعون. ابن عيينة: كأنهم يدفعون. وقال شمر ~~بن عطية: # هو مشي بين الهرولة والجمزي. وقال الحسن: مشي بين مشيين، والمعنى متقارب. ~~وكان سبب إسراعهم ما روي أن امرأة لوط الكافرة، لما رأت الأضياف وجمالهم ~~وهيئتهم، خرجت حتى أتت مجالس قومها، فقالت لهم: إن لوطا قد أضاف الليلة ~~فتية ما رؤي مثلهم جمالا، وكذا وكذا، فحينئذ جاءوا يهرعون إليه. ويذكر أن ~~الرسل لما وصلوا إلى بلد لوط وجدوا لوطا في حرث له. وقيل: وجدوا ابنته ~~تستقي ماء من نهر سدوم، فسألوها الدلالة على من ms3189 يضيفهم، ورأت هيئتهم فخافت ~~عليهم من قوم لوط، وقالت لهم: مكانكم! وذهبت إلى أبيها فأخبرته، فخرج ~~إليهم، فقالوا: نريد أن تضيفنا الليلة، فقال لهم: أوما سمعتم بعمل هؤلاء ~~القوم؟ فقالوا: وما عملهم؟ فقال أشهد بالله إنهم لشر قوم في الأرض - وقد ~~كان الله عز وجل، قال لملائكته لا تعذبوهم حتى يشهد لوط عليهم أربع شهادات ~~- فلما قال لوط هذه المقالة، قال جبريل لأصحابه: هذه واحدة، وتردد القول ~~بينهم حتى كرر لوط الشهادة أربع مرات، ثم دخل بهم المدينة. قوله تعالى: ~~(ومن قبل) أي ومن قبل مجئ الرسل. وقيل: من قبل لوط. # (كانوا يعملون السيئات) أي كانت عادتهم إتيان الرجال. فلما جاءوا إلى لوط ~~وقصدوا PageV09P075 # أضيافه قام إليهم لوط مدافعا، وقال: (هؤلاء بناتي) ابتداء وخبر. وقد ~~اختلف في قوله: # " هؤلاء بناتي " فقيل: كان له ثلاث بنات من صلبه. وقيل: بنتان، زيتا (1) ~~وزعوراء، فقيل: كان لهم سيدان مطاعان فأراد أن يزوجهما ابنتيه. وقيل: ندبهم ~~في هذه الحالة إلى النكاح، وكانت سنتهم جواز نكاح الكافر المؤمنة، وقد كان ~~هذا في أول الإسلام جائزا ثم نسخ، فزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بنتا ~~له من عتبة بن أبي لهب، والأخرى من أبي العاص بن الربيع قبل الوحي، وكانا ~~كافرين. وقالت فرقة - منهم مجاهد وسعيد بن جبير - أشار بقوله: " بناتي " ~~إلى النساء جملة، إذ نبي القوم أب لهم، ويقوي هذا أن في قراءة ابن مسعود. " ~~النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم [الأحزاب: 6]. ~~وقالت طائفة: إنما كان الكلام مدافعة ولم يرد إمضاءه، روي هذا القول عن أبي ~~عبيدة، كما يقال لمن ينهى عن أكل مال الغير: الخنزير أحل لك من هذا. وقال ~~عكرمة: لم يعرض عليهم بناته ولا بنات أمته، وإنما قال لهم هذا لينصرفوا. # قوله تعالى: (هن أطهر لكم) ابتداء وخبر، أي أزوجكموهن، فهو أطهر لكم مما ~~تريدون، أي أحل. والتطهر التنزه عما لا يحل. وقال ابن عباس: كان رؤساؤهم ~~خطبوا بناته فلم يجبهم، وأراد ذلك اليوم أن يفدي أضيافه ms3190 ببناته. وليس ألف " ~~أطهر " للتفضيل حتى يتوهم أن في نكاح [الرجال] (2) طهارة، بل هو كقولك: ~~الله أكبر وأعلى وأجل، وإن لم يكن تفضيل، وهذا جائز شائع (3) في كلام ~~العرب، ولم يكابر الله تعالى أحد حتى يكون الله تعالى أكبر منه. وقد قال ~~أبو سفيان بن حرب يوم أحد: اعل هبل (4) اعل هبل، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم لعمر: " قل الله أعلى وأجل ". وهبل لم يكن قط عاليا ولا جليلا. وقرأ ~~العامة برفع الراء. وقرأ الحسن وعيسى بن عمرو " هن أطهر " بالنصب على ~~الحال. و " هن " عماد. ولا يجيز الخليل وسيبويه والأخفش أن يكون " هن " ~~هاهنا عمادا، وإنما يكون عمادا فيما لا يتم الكلام إلا بما بعدها، نحو كان ~~زيد هو أخاك، لتدل بها على أن الأخ ليس بنعت. # PageV09P076 # قال الزجاج: ويدل بها على أن كان تحتاج إلى خبر. وقال غيره: يدل بها على ~~أن الخبر معرفة أو ما قارنها. # قوله تعالى: (فاتقوا الله ولا تخزوني في ضيفي) أي لا تهينوني ولا تذلوني. ~~ومنه قول حسان: # فأخزاك ربي يا عتيب بن مالك * ولقاك قبل الموت إحدى الصواعق مددت يمينا ~~للنبي تعمدا * ودميت فاه قطعت بالبوارق ويجوز أن يكون من الخزاية، وهو ~~الحياء، والخجل، قال ذو الرمة: # خزاية (1) أدركته بعد جولته * من جانب الحبل مخلوطا بها الغضب وقال آخر: # من البيض لا تخزى إذا الريح ألصقت * بها مرطها أو زايل الحلي جيدها وضيف ~~يقع للاثنين والجميع على لفظ الواحد، لأنه في الأصل مصدر، قال الشاعر: # لا تعدمي الدهر شفار الجازر * للضيف والضيف أحق زائر ويجوز فيه التثنية ~~والجمع، والأول أكثر كقولك: رجال صوم وفطر وزور. وخزي الرجل خزاية، أي ~~استحيا مثل ذل وهان. وخزي خزيا إذا افتضح، يخزى فيهما جميعا. # ثم وبخهم بقوله: (أليس منكم رجل رشيد) أي شديد يأمر بالمعروف وينهى عن ~~المنكر. # وقيل: " رشيد " أي ذو رشد. أو بمعنى راشد أو مرشد، أي صالح أو مصلح ابن ~~عباس: # مؤمن. أبو مالك: ناه عن المنكر. وقيل: الرشيد بمعنى الرشد، والرشد ms3191 ~~والرشاد الهدى والاستقامة. ويجوز أي يكون بمعنى المرشد، كالحكيم بمعنى ~~المحكم. # قوله تعالى: (قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق) روي أن قوم لوط ~~خطبوا بناته فردهم، وكانت سنتهم أن من رد في خطبة امرأة لم تحل أبدا، فذلك ~~قوله تعالى: # PageV09P077 # " قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق " وبعد ألا تكون هذه الخاصية. ~~فوجه الكلام أنه ليس، لنا إلى بناتك تعلق، ولا هن قصدنا، ولا لنا عادة نطلب ~~ذلك. (وإنك تعلم ما نريد) إشارة إلى الأضياف. # قوله تعالى: (قال لو أن لي بكم قوة) لما رأى استمرارهم في غيهم، وضعف ~~عنهم، ولم يقدر على دفعهم، تمنى لو وجد عونا على ردهم، فقال على جهة التفجع ~~والاستكانة.: " لو أن لي بكم قوة " أي أنصارا وأعوانا. وقال ابن عباس: أراد ~~الولد. و " أن " في موضع رفع بفعل مضمر، تقديره: لو اتفق أو وقع. وهذا يطرد ~~في " أن " التابعة ل " لو ". وجواب " لو " محذوف، أي لرددت أهل الفساد، ~~وحلت بينهم وبين ما يريدون. (أو آوى إلى ركن شديد) أي ألجأ وأنضوي. وقرئ " ~~أو آوي " بالنصب عطفا على " قوة " كأنه قال: " لو أن لي بكم قوة " أو إيواء ~~إلى ركن شديد، أي وأن آوي، فهو منصوب بإضمار " أن ". ومراد لوط بالركن ~~العشيرة، والمنعة بالكثرة. وبلغ بهم قبيح فعلهم إلى قوله هذا مع علمه بما ~~عند الله تعالى، فيروى أن الملائكة وجدت عليه حين قال هذه الكلمات، وقالوا: ~~إن ركنك لشديد. وفي البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: " يرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد " الحديث، وقد تقدم في " ~~البقرة " (1). وخرجه الترمذي وزاد " ما بعث الله بعده نبيا إلا في ثروة من ~~قومه ". قال محمد بن عمرو: والثروة الكثرة والمنعة، حديث حسن. ويروى أن ~~لوطا عليه السلام لما غلبه قومه، وهموا بكسر الباب وهو يمسكه، قالت له ~~الرسل: # تنح عن الباب، فتنحى وانفتح الباب، فضربهم جبريل بجناحه فطمس أعينهم، ~~وعموا وانصرفوا على أعقابهم ms3192 يقولون: النجاء، قال الله تعالى: " ولقد راودوه ~~عن ضيفه فطمسنا أعينهم " (2) [القمر: 37]. وقال ابن عباس وأهل التفسير: ~~أغلق لوط بابه والملائكة معه في الدار، وهو يناظر قومه ويناشدهم من وراء ~~الباب، وهم يعالجون تسور الجدار، فلما رأت الملائكة ما لقي من الجهد والكرب ~~والنصب بسببهم، قالوا: يا لوط إن ركنك لشديد، وأنهم آتيهم عذاب غير مردود، # PageV09P078 # وإنا رسل ربك، فافتح الباب ودعنا وإياهم، ففتح الباب فضربهم جبريل بجناحه ~~على ما تقدم. وقيل: أخذ جبريل قبضة من تراب فأذراها في وجوههم، فأوصل الله ~~إلى عين من بعد ومن قرب من ذلك التراب فطمس أعينهم، فلم يعرفوا طريقا، ولا ~~اهتدوا إلى بيوتهم، وجعلوا يقولون: النجاء النجاء! فإن في بيت لوط قوما هم ~~أسحر من على وجه الأرض، وقد سحرونا فأعموا أبصارنا. وجعلوا يقولون: يا لوط ~~كما أنت حتى نصبح فسترى، يتوعدونه. # (قوله تعالى: (قالوا يا لوط إنا رسل ربك) لما رأت الملائكة حزنه واضطرابه ~~ومدافعته عرفوه بأنفسهم، فلما علم أنهم رسل مكن قومه من الدخول، فأمر جبريل ~~عليه السلام يده على أعينهم فعموا، وعلى أيديهم فجفت. (لن يصلوا إليك) أي ~~بمكروه (فأسر بأهلك) قرئ " فاسر " بوصل الألف وقطعها، لغتان فصيحتان. قال ~~الله تعالى: # " والليل إذا يسر " (1) [الفجر: 4] وقال: " سبحان الذي أسرى " (2) ~~[الإسراء: 1] وقال النابغة: فجمع بين اللغتين: # أسرت (3) عليه من الجوزاء سارية * تزجي الشمال عليه جامد البرد وقال آخر: # حي النضيرة ربة الخدر * أسرت إليك ولم تكن تسري وقد قيل: " فأسر " بالقطع ~~إذا سار من أول الليل، وسرى إذا سار من آخره، ولا يقال في النهار إلا سار. ~~وقال لبيد: # إذا المرء أسرى ليلة ظن أنه * قضى عملا والمرء ما عاش عامل وقال عبد الله ~~بن رواحة: # عند الصباح يحمد القوم السرى وتنجلي عنهم غيابات الكرى (بقطع من الليل) ~~قال ابن عباس: بطائفة من الليل. الضحاك: ببقية من الليل. # قتادة: بعد مضي صدر من الليل. الأخفش: بعد جنح من الليل. ابن الأعرابي: # بساعة من الليل. وقيل: بظلمة من الليل. وقيل: بعد هدء ms3193 من الليل. وقيل: ~~هزيع # PageV09P079 # من الليل. وكلها متقاربة، وقيل: إنه نصف الليل، مأخوذ من قطعه نصفين، ~~ومنه قول الشاعر: (1) ونائحة تنوح بقطع ليل * على رجل بقارعة الصعيد فإن ~~قيل: السرى لا يكون إلا بالليل، فما معنى " بقطع من الليل "؟ فالجواب: أنه ~~لو لم يقل: " بقطع من الليل " جاز أن يكون أوله. (ولا يلتفت منكم أحد) أي ~~لا ينظر وراءه منكم أحد، قال مجاهد. ابن عباس: لا يتخلف منكم أحد. علي بن ~~عيسى: # لا يشتغل منكم أحد بما يخلفه من مال أو متاع. (إلا امرأتك) بالنصب، وهي ~~القراءة الواضحة البينة المعنى، أي فأسر بأهلك إلا امرأتك. وكذا في قراءة ~~ابن مسعود " فأسر بأهلك إلا امرأتك " فهو استثناء من الأهل. وعلى هذا لم ~~يخرج بها معه. وقد قال الله عز وجل: " كانت من الغابرين " (2) [الأعراف: ~~83] أي من الباقين. وقرأ أبو عمرو وابن كثير: " إلا امرأتك " بالرفع على ~~البدل من " أحد ". وأنكر هذه القراءة جماعة منهم أبو عبيد، وقال: لا يصح ~~ذلك إلا برفع " يلتفت " ويكون نعتا، لأن المعنى يصير - إذا أبدلت وجزمت - ~~أن المرأة أبيح لها الالتفات، وليس المعنى كذلك. قال النحاس: وهذا الحمل من ~~أبي عبيد وغيره على مثل أبي عمرو مع جلالته ومحله من العربية لا يجب أن ~~يكون، والرفع على البدل له معنى صحيح، والتأويل له على ما حكى محمد بن ~~الوليد عن محمد بن يزيد أن يقول الرجل لحاجبه: # لا يخرج فلان، فلفظ النهي لفلان ومعناه للمخاطب، أي لا تدعه يخرج، ومثله ~~قولك: لا يقم أحد إلا زيد، يكون معناه: انههم عن القيام إلا زيدا، وكذلك ~~النهي للوط ولفظه لغيره، كأنه قال: انههم لا يلتفت منهم أحد إلا امرأتك ~~فإنها تلتفت وتهلك، وأن النهي عن الالتفات لأنه كلام تام، أي لا يلتفت، ~~منكم أحد إلا امرأتك فإنها تلتفت وتهلك، وأن لوطا خرج بها، ونهى من معه ممن ~~أسرى بهم ألا يلتفت، فلم يلتفت منهم أحد سوى زوجته، فإنها لما سمعت هدة ~~العذاب التفتت وقالت: وا قوماه! فأدركها حجر ms3194 فقتلها. (إنه مصيبها) # PageV09P080 # أي من العذاب، والكناية في " إنه " ترجع إلى الأمر والشأن، فإن الأمر ~~والشأن والقصة. (مصيبها ما أصابهم إن موعدهم الصبح) لما قالت الملائكة: " ~~إنا مهلكو أهل هذه القرية " [العنكبوت: 31] قال لوط: الآن الآن. استعجلهم ~~بالعذاب لغيظه على قومه، فقالوا: # (أليس الصبح بقريب) وقرأ عيسى بن عمر " أليس الصبح " بضم الباء وهي لغة. ~~ويحتمل أن يكون جعل الصبح ميقاتا لهلاكهم، لأن النفوس فيه أودع، والناس فيه ~~أجمع. وقال بعض أهل التفسير: إن لوطا خرج بابنتيه ليس معه غيرهما عند طلوع ~~الفجر، وأن الملائكة قالت له: إن الله قد وكل بهذه القرية ملائكة معهم صوت ~~رعد، وخطف برق، وصواعق عظيمة، وقد ذكرنا لهم أن لوطا سيخرج فلا تؤذوه، ~~وأمارته أنه لا يلتفت، ولا تلتفت ابنتاه فلا يهولنك ما ترى. فخرج لوط وطوى ~~الله له الأرض في وقته حتى نجا ووصل إلى إبراهيم. # (قوله تعالى: (فلما جاء أمرنا) أي عذابنا. (جعلنا عاليها سافلها) وذلك أن ~~جبريل عليه السلام أدخل جناحه تحت قرى قوم لوط، وهي خمس: سدوم - وهي القرية ~~العظمى، - وعامورا، ودادوما، وضعوه، وقتم (1)، فرفعها من تخوم الأرض حتى ~~أدناها من السماء بما في فيها، حتى سمع أهل السماء نهيق حمرهم وصياح ~~ديكتهم، لم تنكفئ لهم جرة، ولم ينكسر (2) لهم إناء، ثم نكسوا على رؤوسهم، ~~وأتبعهم الله بالحجارة. مقاتل. أهلكت أربعة، ونجت ضعوه. وقيل: غير هذا، ~~والله أعلم. قوله تعالى: (وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل) دليل على أن من فعل ~~فعلهم حكمه الرجم، وقد تقدم في " الأعراف " (3). وفي التفسير: أمطرنا في ~~العذاب، ومطرنا في الرحمة. # وأما كلام العرب فيقال: مطرت السماء وأمطرت: حكاه الهروي. واختلف في " ~~السجيل " فقال النحاس (4): السجيل الشديد الكثير، وسجيل وسجين اللام والنون ~~أختان. وقال أبو عبيدة: # السجيل الشديد، وأنشد ضربا تواصى به الأبطال سجينا # PageV09P081 # قال النحاس: ورد عليه هذا القول عبد الله بن مسلم وقال: هذا سجين وذلك ~~سجيل فكيف يستشهد به؟! قال النحاس: وهذا الرد لا يلزم، لأن أبا عبيدة ذهب ~~إلى أن اللام تبدل ms3195 من النون لقرب إحداهما من الأخرى، وقول أبي عبيدة يرد من ~~جهة أخرى، وهي أنه لو كان على قوله لكان حجارة سجيلا، لأنه لا يقال: حجارة ~~من شديد، لأن شديدا نعت. # وحكى أبو عبيدة عن الفراء أنه قد يقال لحجارة الأرحاء سجيل. وحكى عنه ~~محمد بن الجهم أن سجيلا طين يطبخ حتى يصير بمنزلة الأرحاء. وقالت طائفة ~~منهم ابن عباس وسعيد بن جبير وابن إسحاق: إن سجيلا لفظة غير عربية عربت، ~~أصلها سنج وجيل. ويقال: سنك وكيل، بالكاف موضع الجيم، وهما بالفارسية حجر ~~وطين عربتهما العرب فجعلتهما اسما واحدا. # وقيل: هو من لغة العرب. وقال قتادة وعكرمة: السجيل الطين بدليل قوله " ~~لنرسل عليهم حجارة من طين " (1) [الذاريات: 33]. وقال الحسن: كان أصل ~~الحجارة طينا فشددت. والسجيل عند العرب كل شديد صلب. وقال الضحاك: يعني ~~الآجر. وقال ابن زيد: طين طبخ حتى كان كالاجر، وعنه أن سجيلا اسم السماء ~~الدنيا، ذكره المهدوي، وحكاه الثعلبي عن أبي العالية، وقال ابن عطية: وهذا ~~ضعيف يرده وصفه ب " منضود ". وعن عكرمة: أنه بحر معلق في الهواء بين السماء ~~والأرض منه نزلت الحجارة. وقيل: هي جبال في السماء، وهي التي أشار الله ~~تعالى إليها بقوله: " وينزل من السماء من جبال فيها من برد " (2) [النور: ~~43]. وقيل: هو مما سجل لهم أي كتب لهم أن يصيبهم، فهو في معنى سجين، قال ~~الله تعالى: " وما أدراك ما سجين. كتاب مرقوم " (3) [المطففين: 8] قاله ~~الزجاج واختاره. وقيل: هو فعيل من أسجلته أي أرسلته، فكأنها مرسلة عليهم. # وقيل: هو من أسجلته إذا أعطيته، فكأنه عذاب أعطوه، قال (4): # من يساجلني يساجل ماجدا * يملأ الدلو إلى عقد الكرب # PageV09P082 # وقال أهل المعاني: السجيل والسجين الشديد من الحجر والضرب، قال ابن مقبل: ~~ورجلة يضربون البيض ضاحية (1) * ضربا تواصى به الأبطال سجينا (منضود) قال ~~ابن عباس: متتابع. وقال قتادة: نضد بعضها فوق بعض. وقال الربيع: نضد بعضه ~~على بعض حتى صار جسدا واحدا. وقال عكرمة: مصفوف. وقال بعضهم مرصوص، والمعنى ~~متقارب. يقال: نضدت المتاع واللبن إذا جعلت ms3196 بعضه على بعض، فهو منضود ونضيد ~~ونضد، قال: # ورفعته إلى السجفين فالنضد وقال أبو بكر الهذلي: معد، أي هو مما أعده ~~الله لأعدائه الظلمة. (مسومة) أي معلمة، من السيما وهي العلامة، أي كان ~~عليها أمثال الخواتيم. وقيل: مكتوب على كل حجر اسم من رمي به، وكانت لا ~~تشاكل حجارة الأرض. وقال الفراء: زعموا أنها كانت بحمرة وسواد في بياض، ~~فذلك تسويمها. وقال كعب: كانت معلمة ببياض وحمرة، وقال الشاعر (2): # غلام رماه الله بالحسن يافعا * له سيمياء لا تشق على البصر و " مسومة " ~~من نعت حجارة. و " منضود " من نعت " سجيل ". وفى قوله: (عند ربك) دليل على ~~أنها ليست من حجارة الأرض، قاله الحسن. (وما هي من الظالمين ببعيد) يعني ~~قوم لوط، أي لم تكن تخطئهم. وقال مجاهد: يرهب قريشا، المعنى: ما الحجارة من ~~ظالمي قومك يا محمد ببعيد. وقال قتادة وعكرمة: يعني ظالمي هذه الأمة، والله ~~ما أجار الله منها ظالما بعد. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ~~سيكون في آخر أمتي قوم يكتفي رجالهم بالرجال ونساؤهم بالنساء فإذا كان ذلك ~~فارتقبوا عذاب قوم لوط أن يرسل الله عليهم حجارة من سجيل " ثم تلا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم " وما هي من الظالمين # PageV09P083 # ببعيد ". وفي رواية عنه عليه السلام " لا تذهب الليالي والأيام حتى تستحل ~~هذه الأمة أدبار الرجال كما استحلوا أدبار النساء فتصيب طوائف من هذه الأمة ~~حجارة من ربك ". وقيل: # المعنى ما هذه القرى من الظالمين ببعيد، وهي بين الشام والمدينة. وجاء " ~~ببعيد " مذكرا على معنى بمكان بعيد. وفي الحجارة التي أمطرت قولان: أحدهما ~~- أنها أمطرت على المدن حين رفعها جبريل. الثاني - أنها أمطرت على من لم ~~يكن في المدن من أهلها وكان خارجا عنها. # قوله تعالى: وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يقوم اعبدوا الله مالكم من إله ~~غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم ~~محيط (84) ويقوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ~~ولا تعثوا في ms3197 الأرض مفسدين (85) بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا ~~عليكم بحفيظ (86) قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن ~~نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد (87) قال يقوم أرأيتم إن ~~كنت على بينة من ربى ورزقني منه رزقا حسنا وما أريد أن أخالفكم إلى ما ~~أنهكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت ~~وإليه أنيب (88) ويقوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو ~~قوم هود أو قوم صلح وما قوم لوط عنكم ببعيد (89) واستغفروا ربكم ثم توبوا ~~إليه إن ربى رحيم ودود (90) قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا ~~لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك PageV09P084 # وما أنت علينا بعزيز (91) قال يقوم أرهطي أعز عليكم من الله واتخذتموه ~~وراءكم ظهريا إن ربى بما تعلمون محيط (92) ويقوم اعملوا على مكانتكم إني ~~عمل سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كذب وارتقبوا إني معكم رقيب ~~(93) ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ~~ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديرهم جاثمين (94) كأن لم يغنوا فيها ألا بعدا ~~لمدين كما بعدت ثمود (95) قوله تعالى: (وإلى مدين أخاهم شعيبا) أي وأرسلنا ~~إلى مدين، ومدين هم قوم شعيب. وفي تسميتهم بذلك قولان: أحدهما - أنهم بنو ~~مدين بن إبراهيم، فقيل: مدين والمراد بنو مدين. كما يقال مضر والمراد بنو ~~مضر. الثاني - أنه أسم مدينتهم، فنسبوا إليها. قال النحاس: لا ينصرف مدين ~~لأنه أسم مدينة، وقد تقدم في " الأعراف " (1) هذا المعنى وزيادة. (قال يا ~~قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره) تقدم. (ولا تنقصوا المكيال والميزان) ~~كانوا مع كفرهم أهل بخس وتطفيف، كانوا إذا جاءهم البائع بالطعام أخذوا بكيل ~~زائد، واستوفوا بغاية ما يقدرون [عليه] (2) وظلموا، وإن جاءهم مشتر للطعام ~~باعوه بكيل ناقص، وشححوا له بغاية ما يقدرون، فأمروا بالإيمان إقلاعا عن ~~الشرك، وبالوفاء نهيا عن التطفيف. # (إني أراكم بخير) أي في سعة من ms3198 الرزق، وكثرة من النعم. وقال الحسن: كان ~~سعرهم رخيصا. (وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط) وصف اليوم بالإحاطة، وأراد ~~وصف ذلك اليوم بالإحاطة بهم، فإن يوم العذاب إذا أحاط بهم فقد أحاط العذاب ~~بهم، وهو كقولك: # يوم شديد، أي شديد حره. واختلف في ذلك العذاب، فقيل: هو عذاب النار في ~~الآخرة. # PageV09P085 # وقيل: عذاب الاستئصال في الدنيا. وقيل: غلاء السعر، روي معناه عن ابن ~~عباس. # وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: " ما أظهر قوم البخس في المكيال ~~والميزان إلا ابتلاهم الله بالقحط والغلاء ". وقد تقدم. # قوله تعالى: (ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط) أمر بالإيفاء بعد ~~أن نهى عن التطفيف تأكيدا. والإيفاء الإتمام. " بالقسط " أي بالعدل والحق، ~~والمقصود أن يصل كل ذي كل نصيب إلى نصيبه، وليس يريد إيفاء المكيال ~~والموزون لأنه لم يقل: أوفوا بالمكيال وبالميزان، بل أراد ألا تنقصوا حجم ~~المكيال عن المعهود، وكذا الصنجات. (ولا تبخسوا الناس أشياءهم) أي لا ~~تنقصوهم مما استحقوه شيئا. (ولا تعثوا في الأرض مفسدين) بين أن الخيانة في ~~المكيال والميزان مبالغة في الفساد في الأرض، وقد مضى في " الأعراف " (1) ~~زيادة لهذا، والحمد لله. # قوله تعالى: (بقية الله خير لكم) أي ما يبقيه الله لكم بعد إيفاء الحقوق ~~بالقسط أكثر بركة، وأحمد عاقبة مما تبقونه أنتم لأنفسكم من فضل التطفيف ~~بالتجبر والظلم، قال معناه الطبري، وغيره. وقال مجاهد: " بقية الله خير لكم ~~" يريد طاعته. وقال الربيع: وصية الله. وقال الفراء: مراقبة الله. ابن زيد: ~~رحمة الله. قتادة والحسن: حظكم من ربكم خير لكم. وقال ابن عباس: رزق الله ~~خير لكم. (إن كنتم مؤمنين) شرط هذا لأنهم إنما يعرفون صحة هذا إن كانوا ~~مؤمنين. وقيل: يحتمل أنهم كانوا يعترفون بأن الله خالقهم فخاطبهم بهذا. # (وما أنا عليكم بحفيظ) أي رقيب أرقبكم عند كيلكم ووزنكم، أي لا يمكنني ~~شهود كل معاملة تصدر منكم حتى أؤاخذكم بإيفاء الحق. وقيل: أي لا يتهيأ لي ~~أن أحفظكم من إزالة نعم الله عليكم بمعاصيكم. # (قوله تعالى: (قالوا يا ms3199 شعيب أصلواتك) وقرئ " أصلاتك " من غير جمع. ~~(تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا) " أن " في موضع نصب، قال الكسائي: موضعها ~~خفض على إضمار الباء. # PageV09P086 # وروي أن شعيبا عليه السلام كان كثير الصلاة، مواظبا على العبادة فرضها ~~ونفلها ويقول: # الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، فلما أمرهم ونهاهم عيروه بما رأوه يستمر ~~عليه من كثرة الصلاة، واستهزءوا به فقالوا ما أخبر الله عنهم. وقيل: إن ~~الصلاة هنا بمعنى القراءة، قاله سفيان عن الأعمش، أي قراءتك تأمرك، ودل ~~بهذا على أنهم كانوا كفارا. وقال الحسن: لم يبعث الله نبيا إلا فرض عليه ~~الصلاة والزكاة. (أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء) زعم الفراء أن التقدير: # أو تنهانا أن نفعل في أموالنا ما نشاء. وقرأ السلمي والضحاك بن قيس " أو ~~أن تفعل في أموالنا ما تشاء " بالتاء في الفعلين، والمعنى: ما تشاء أنت يا ~~شعيب. وقال النحاس: " أو أن " على هذه القراءة معطوفة على " أن " الأولى. ~~وروي عن زيد بن أسلم أنه قال: كان مما نهاهم عنه حذف الدراهم (1). وقيل: ~~معنى. " أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء " إذا تراضينا فيما بيننا بالبخس ~~فلم تمنعنا منه؟!. (إنك لأنت الحليم الرشيد) يعنون عند نفسك بزعمك. # ومثله في صفة أبي جهل: " ذق إنك أنت العزيز الكريم " (2) [الدخان: 49] أي ~~عند نفسك بزعمك. وقيل: # قالوه على وجه الاستهزاء والسخرية، قاله قتادة. ومنه قولهم للحبشي: أبو ~~البيضاء، وللأبيض أبو الجون (3)، ومنه قول خزنة جهنم لأبي جهل: " ذق إنك ~~أنت العزيز الكريم ". وقال سفيان بن عيينة: العرب تصف الشئ بضده للتطير ~~والتفاؤل، كما قيل للديغ سليم، وللفلاة مفازة. وقيل: هو تعريض أرادوا به ~~السب، وأحسن من هذا كله، ويدل ما قبله على صحته، أي إنك أنت الحليم الرشيد ~~حقا، فكيف تأمرنا أن نترك ما يعبد آباؤنا! ويدل عليه. " أصلاتك تأمرك أن ~~نترك ما يعبد آباؤنا " أنكروا لما رأوا من كثرة صلاته وعبادته، وأنه حليم ~~رشيد بأن يكون يأمرهم بترك ما كان يعبد آباؤهم، وبعده أيضا ما يدل عليه. " ~~قال يا ms3200 قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربى ورزقني منه رزقا حسنا " أي أفلا ~~أنهاكم عن الضلال؟! وهذا كله يدل على أنهم قالوه على وجه الحقيقة، وأنه ~~اعتقادهم فيه. ويشبه هذا المعنى قول اليهود من بني قريظة للنبي صلى الله ~~عليه وسلم حين قال لهم: " يا إخوة القردة " (4) فقالوا: يا محمد ما علمناك ~~جهولا!. # PageV09P087 # مسألة - قال أهل التفسير: كان مما ينهاهم عنه، وعذبوا لأجله قطع الدنانير ~~والدراهم، كانوا يقرضون من أطراف الصحاح لتفضل لهم القراضة، وكانوا ~~يتعاملون على الصحاح عدا، وعلى المقروضة وزنا، وكانوا يبخسون في الوزن. ~~وقال ابن وهب قال مالك: كانوا يكسرون الدنانير والدراهم، وكذلك قال جماعة ~~من المفسرين المتقدمين كسعيد بن المسيب، وزيد بن أسلم وغيرهما، وكسرهما ذنب ~~عظيم. وفي كتاب أبي داود عن علقمة بن عبد الله عن أبيه قال: نهى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أن تكسر سكة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس، فإنها ~~إذا كانت صحاحا قام معناها، وظهرت فائدتها، وإذا كسرت صارت سلعة، وبطلت ~~منها الفائدة، فأضر ذلك، بالناس، ولذلك حرم. وقد قيل في تأويل قوله تعالى: ~~" وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون " [النمل: 48] أنهم ~~كانوا يكسرون الدراهم، قاله زيد بن أسلم. قال أبو عمر بن عبد البر: زعموا ~~أنه لم يكن بالمدينة أعلم بتأويل القرآن من زيد بن أسلم بعد محمد بن كعب ~~القرظي. # مسألة: قال اصبغ قال عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جنادة مولى زيد بن ~~الحارث العتقي: من كسرها لم تقبل شهادته، وإن اعتذر بالجهالة لم يعذر، وليس ~~هذا بموضع عذر، قال ابن العربي: أما قوله: لم تقبل شهادته فلأنه أتى كبيرة، ~~والكبائر تسقط العدالة دون الصغائر، وأما قوله: لا يقبل عذره بالجهالة في ~~هذا فلأنه أمر بين لا يخفى على أحد، وإنما يقبل العذر إذا ظهر الصدق فيه، ~~أو خفي وجه الصدق فيه، وكان الله أعلم به من العبد كما قال مالك. # مسألة: إذا كان هذا معصية وفسادا ترد به الشهادة ms3201 فإنه يعاقب من فعل ذلك، ~~ومر ابن المسيب برجل قد جلد فقال: ما هذا؟ قال رجل: يقطع الدنانير ~~والدراهم، قال ابن المسيب: هذا من الفساد في الأرض، ولم ينكر جلده، ونحوه ~~عن سفيان. وقال أبو عبد الرحمن النجيبي: كنت قاعدا عند عمر بن عبد العزيز ~~وهو إذ ذاك أمير المدينة فأتى برجل [يقطع الدراهم] وقد شهد عليه فضربه ~~وحلقه، وأمر فطيف به، وأمره أن يقول: هذا جزاء من يقطع # PageV09P088 # الدراهم، ثم أمر أن يرد إليه، فقال: إنه لم يمنعني أن أقطع يدك إلا أني ~~لم أكن تقدمت في ذلك قبل اليوم، وقد تقدمت في ذلك فمن شاء فليقطع. قال ~~القاضي أبو بكر بن العربي: # أما أدبه بالسوط فلا كلام فيه، وأما حلقه فقد فعله عمر، وقد كنت أيام ~~الحكم [بين الناس] (1) أضرب وأحلق، وإنما كنت أفعل ذلك بمن يرى شعره عونا ~~له على المعصية، وطريقا إلى التجمل به في الفساد، وهذا هو الواجب في كل ~~طريق للمعصية، أن يقطع إذا كان غير مؤثر في البدن، وأما قطع يده فإنما أخذ ~~ذلك عمر من فصل السرقة، وذلك أن قرض الدراهم غير كسرها، فإن الكسر إفساد ~~الوصف، والقرض تنقيص للقدر، فهو أخذ مال على جهة الاختفاء، فإن قيل: أليس ~~الحرز أصلا في القطع؟ قلنا: يحتمل أن يكون عمر يرى أن تهيئتها للفصل بين ~~الخلق دينارا أو درهما حرز لها، وحرز كل شئ على قدر حاله، وقد أنفذ ذلك ابن ~~الزبير، وقطع يد رجل في قطع الدنانير والدراهم. وقد قال علماؤنا المالكية: ~~إن الدنانير والدراهم خواتيم الله عليها اسمه، ولو قطع على قول أهل التأويل ~~من كسر خاتما لله كان أهلا لذلك، أو من كسر خاتم سلطان عليه اسمه أدب، ~~وخاتم الله تقضى به الحوائج فلا يستويان في العقوبة. قال ابن العربي: وأرى ~~أن يقطع في قرضها دون كسرها، وقد كنت أفعل ذلك أيام توليتي الحكم، إلا أني ~~كنت محفوفا بالجهال، فلم أجبن (1) بسبب المقال للحسدة الضلال فمن قدر عليه ~~يوما من أهل ms3202 الحق فليفعله احتسابا لله تعالى. # قوله تعالى: (قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربى) تقدم (ورزقني ~~منه رزقا حسنا) أي واسعا حلالا، وكان شعيب عليه السلام كثير المال، قاله ~~ابن عباس وغيره. # وقيل: أراد به. الهدى والتوفيق، والعلم والمعرفة، وفي الكلام حذف، وهو ما ~~ذكرناه، أي أفلا أنهاكم عن الضلال! وقيل: المعنى " أرأيتم إن كنت على بينة ~~من ربي " أتبع الضلال؟ وقيل: # المعنى " أرأيتم إن كنت على بينة من ربي " أتأمرونني (3) بالعصيان في ~~البخس والتطفيف، وقد أغناني الله [عنه] (1). (وما أريد أن أخالفكم) في موضع ~~نصب ب " أريد ". (إلى ما أنهاكم عنه) أي ليس أنهاكم عن شئ وأرتكبه كما لا ~~أترك ما أمرتكم به. (إن أريد إلا الإصلاح # PageV09P089 # ما استطعت) أي ما أريد إلا فعل الصلاح، أي أن تصلحوا دنياكم بالعدل ~~وآخرتكم بالعبادة، وقال: " ما استطعت " لأن الاستطاعة من شروط الفعل دون ~~الإرادة. و " ما " مصدرية، أي إن أريد إلا الإصلاح جهدي واستطاعتي. (وما ~~توفيقي) أي رشدي، والتوفيق الرشد. (إلا بالله عليه توكلت) أي اعتمدت. ~~(وإليه أنيب) أي أرجع فيما ينزل بي من جميع النوائب. وقيل: إليه أرجع في ~~الآخرة. وقيل: إن الإنابة الدعاء، ومعناه وله أدعو. # قوله تعالى: (ويا قوم لا يجرمنكم) وقرأ يحيى بن وثاب " يجرمنكم ". ~~(شقاقي) في موضع رفع. (أن يصيبكم) في موضع نصب، أي لا يحملنكم معاداتي على ~~ترك الأيمان فيصيبكم ما أصاب الكفار [قبلكم] (1) قاله الحسن وقتادة. وقيل ~~لا: يكسبنكم شقاقي إصابتكم العذاب، كما أصاب من كان قبلكم، قاله الزجاج. ~~وقد تقدم معنى " يجرمنكم " في " المائدة " (2) و " الشقاق " في " البقرة " ~~(3) وهو بمعنى العداوة، قاله السدى، ومنه قول الأخطل: # ألا من مبلغ عني (4) رسولا * فكيف وجدتم طعم الشقاق وقال الحسن [البصري] ~~(5): إضراري. وقال قتادة: فراقي. (وما قوم لوط عنكم ببعيد) وذلك أنهم كانوا ~~حديثي عهد بهلاك قوم لوط. وقيل: وما ديار قوم لوط منكم ببعيد، أي بمكان ~~بعيد، فلذلك وحد البعيد. قال الكسائي: أي دورهم في دوركم. # قوله تعالى: (ويا قوم استغفروا ربكم ms3203 ثم توبوا إليه) تقدم (إن ربى رحيم ~~ودود) اسمان من أسمائه سبحانه، وقد بيناهما في كتاب " الأسنى في شرح ~~الأسماء الحسنى ". قال الجوهري: وددت الرجل أوده ودا إذا أحببته، والودود ~~المحب، والود والود والود والمودة المحبة. وروي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه كان إذا ذكر شعيبا قال: " ذاك خطيب الأنبياء ". # PageV09P090 # قوله تعالى: (قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول) أي ما نفهم، لأنك ~~تحملنا على أمور غائبة من البعث والنشور وتعظنا بما لا عهد لنا بمثله. ~~وقيل: قالوا ذلك إعراضا عن سماعه، واحتقارا لكلامه، يقال: فقه يفقه إذا فهم ~~فقها، وحكى الكسائي: فقه فقها وفقها إذا صار فقيها (1). (وإنا لنراك فينا ~~ضعيفا) قيل: إنه كان مصابا ببصره (2)، قاله سعيد ابن جبير وقتادة. وقيل: ~~كان ضعيف البصر، قاله الثوري، وحكى عنه النحاس مثل قول سعيد بن جبير ~~وقتادة. قال النحاس: وحكى أهل اللغة أن حمير تقول للأعمى ضعيفا، أي قد ضعف ~~بذهاب بصره، كما يقال، له ضرير، أي قد ضر بذهاب بصره، كما يقال له: # مكفوف، أي قد كف عن النظر بذهاب بصره. قال الحسن: معناه مهين. وقيل: # المعنى ضعيف البدن، حكاه علي بن عيسى. وقال السدي: وحيدا ليس لك جند ~~وأعوان تقدر بها على مخالفتنا. وقيل: قليل المعرفة بمصالح الدنيا وسياسة ~~أهلها و " ضعيفا " نصب على الحال. (ولولا رهطك) رفع بالابتداء، ورهط الرجل ~~عشيرته الذي يستند إليهم ويتقوى بهم، ومنه الراهطاء لجحر اليربوع، لأنه ~~يتوثق به ويخبأ فيه ولده. ومعنى (لرجمناك) لقتلناك بالرجم، وكانوا إذا ~~قتلوا إنسانا رجموه بالحجارة، وكان رهطه من أهل ملتهم. وقيل: معنى " ~~لرجمناك " لشتمناك، ومنه قول الجعدي: # تراجمنا بمر القول حتى * نصير كأننا فرسا رهان والرجم أيضا اللعن، ومنه ~~الشيطان الرجيم. (وما أنت علينا بعزيز) أي ما أنت علينا بغالب ولا قاهر ولا ~~ممتنع. # قوله تعالى: (قال يا قوم أرهطي) أرهطي " رفع بالابتداء، والمعنى أرهطي في ~~قلوبكم (أعز عليكم من الله) وأعظم وأجل وهو يملككم. (واتخذتموه وراءكم ~~ظهريا) أي اتخذتم ما جئتكم به ms3204 من أمر الله ظهريا، أي جعلتموه وراء ظهوركم، ~~وامتنعتم من قتلي مخافة قومي، # PageV09P091 # يقال: جعلت أمره بظهر إذا قصرت فيه، وقد مضى في " البقرة " (1)، (إن ربى ~~بما تعملون) أي من الكفر والمعصية. (محيط) أي عليم وقيل حفيظ. # قوله تعالى: (ويا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل سوف تعلمون) تهديد ~~ووعيد، وقد تقدم في " الأنعام " (2). (من يأتيه عذاب يخزيه) أي يهلكه. و " ~~من " في موضع نصب، مثل " يعلم المفسد من المصلح " (3) [البقرة: 220]. (ومن ~~هو كاذب) عطف عليها. وقيل: # أي وسوف تعلمون من هو كاذب منا. وقيل: في محل رفع، تقديره: ويخزي من هو ~~كاذب. وقيل: تقديره ومن هو كاذب فسيعلم كذبه، ويذوق وبال أمره. وزعم الفراء ~~أنهم إنما جاءوا ب " هو " في " ومن هو كاذب " لأنهم لا يقولون من قائم، ~~إنما يقولون: # من قام، ومن يقوم، ومن القائم، فزادوا " هو " ليكون جملة تقوم مقام فعل ~~يفعل. قال النحاس: ويدل على خلاف هذا قوله (4): # من رسولي إلى الثريا بأني * ضقت ذرعا بهجرها والكتاب (وارتقبوا إني معكم ~~رقيب) أي انتظروا العذاب والسخطة، فإني منتظر النصر والرحمة. # قوله تعالى: (ولما جاء أمرنا) قيل: صاح بهم جبريل صيحة فخرجت أرواحهم من ~~أجسادهم (نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا ~~الصيحة) أي صيحة جبريل. وأنث الفعل على لفظ الصيحة، وقال في قصة صالح: " ~~وأخذ الذين ظلموا الصيحة " فذكر على معنى الصياح. قال ابن عباس: ما أهلك ~~الله أمتين بعذاب واحد إلا قوم صالح وقوم شعيب، أهلكهم الله بالصيحة، غير ~~أن قوم صالح أخذتهم الصيحة من تحتهم، وقوم شعيب أخذتهم الصيحة من فوقهم. ~~(فأصبحوا في دارهم جاثمين. كأن لم يغنوا فيها ألا بعدا لمدين كما بعدت ~~ثمود) تقدم معناه. وحكى الكسائي أن أبا عبد الرحمن السلمي قرأ " كما بعدت ~~ثمود " بضم العين. قال النحاس: المعروف في اللغة إنما يقال بعد # PageV09P092 # يبعد بعدا وبعدا إذا هلك. وقال المهدوي: من ضم العين من " بعدت " فهي لغة ~~تستعمل في الخير والشر، ومصدرها البعد، وبعدت تستعمل في الشر ms3205 خاصة، يقال: ~~بعد يبعد بعدا، فالبعد على قراءة الجماعة بمعنى اللعنة، وقد يجتمع معنى ~~اللغتين لتقاربهما في المعنى، فيكون مما جاء مصدره على غير لفظه لتقارب ~~المعاني. # قوله تعالى: ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين (96) إلى فرعون وملأه ~~فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد (97) يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم ~~النار وبئس الورد المورود (98) وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد ~~المرفود (99) قوله تعالى: (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا) بين أنه أتبع النبي ~~النبي لإقامة الحجة، وإزاحة كل علة " بآياتنا " أي بالتوراة. وقيل: ~~بالمعجزات. (وسلطان مبين) أي حجة بينة، يعني العصا. وقد مضى في " آل عمران ~~" (1) معنى السلطان واشتقاقه فلا معنى للإعادة. # (إلى فرعون وملئه فاتبعوا أمر فرعون) أي شأنه وحاله، حتى اتخذوه إلها، ~~وخالفوا أمر الله تعالى. (وما أمر فرعون برشيد) أي بسديد يؤدي إلى صواب: ~~وقيل: " برشيد " أي بمرشد إلى خير. # قوله تعالى: (يقدم قومه يوم القيامة) يعني أنه يتقدمهم إلى النار إذ هو ~~رئيسهم. # يقال: قدمهم يقدمهم قدما وقدوما إذا تقدمهم. (فأوردهم النار) أي أدخلهم ~~فيها. # ذكر بلفظ الماضي، والمعنى فيوردهم النار، وما تحقق وجوده فكأنه كائن، ~~فلهذا يعبر عن المستقبل بالماضي. (وبئس الورد المورود) أي بئس المدخل ~~المدخول، ولم يقل بئست لأن الكلام يرجع إلى المورود، وهو كما تقول: نعم ~~المنزل دارك، ونعمت المنزل دارك والمورود الماء الذي يورد، والموضع الذي ~~يورد، وهو بمعنى المفعول. # PageV09P093 # قوله تعالى: (وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة) أي في الدنيا. (ويوم القيامة) ~~أي ولعنة يوم القيامة، وقد تقدم هذا المعنى. (بئس الرفد المرفود) حكى ~~الكسائي وأبو عبيدة: رفدته أرفده رفدا، أي أعنته وأعطيته. واسم العطية ~~الرفد، أي بئس العطاء والإعانة. والرفد أيضا القدح الضخم، قاله الجوهري، ~~والتقدير: بئس الرفد رفد المرفود. وذكر الماوردي: أن الرفد بفتح الراء ~~القدح، والرفد بكسرها ما في القدح من الشراب، حكى ذلك عن الأصمعي، فكأنه ذم ~~بذلك ما يسقونه في النار. وقيل: إن الرفد الزيادة، أي بئس ما يرفدون به بعد ~~الغرق النار، قاله الكلبي. # قوله ms3206 تعالى: ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد (100) وما ~~ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من ~~شئ لما جاء أمر ربك وما زادهم غير تتبيب (101) وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى ~~وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد (102) إن في ذلك لأية لمن خاف عذاب الآخرة ذلك ~~يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود (103) وما نؤخره إلا لأجل معدود (104) ~~يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد (105) فأما الذين شقوا ففي ~~النار لهم فيها زفير وشهيق (106) خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ~~ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد (107) وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين ~~فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ (108) فلا تك ~~في مرية مما يعبد هؤلاء ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل وإنا لموفوهم ~~نصيبهم غير منقوص (109) PageV09P094 # قوله تعالى: (ذلك من أنباء القرى نقصه عليك) " ذلك " رفع على إضمار ~~مبتدأ، أي الأمر ذلك. وإن شئت بالابتداء، والمعنى: ذلك النبأ المتقدم من ~~أنباء القرى نقصه عليك. (منها قائم وحصيد) قال قتادة: القائم ما كان خاويا ~~على عروشه، والحصيد ما لا أثر له. وقيل: القائم العامر، والحصيد الخراب، ~~قاله ابن عباس: وقال مجاهد: قائم خاوية على عروشها، وحصيد مستأصل، يعني ~~محصودا كالزرع إذا حصد، قال الشاعر: # والناس في قسم المنية بينهم * كالزرع منه قائم وحصيد وقال آخر (1): # إنما نحن مثل خامة زرع * فمتى يأن يأت محتصده قال الأخفش سعيد: حصيد أي ~~محصود، وجمعه حصدى وحصاد مثل مرضى ومراض، قال: يكون فيمن يعقل حصدى، مثل ~~قتيل وقتلى. (وما ظلمناهم) أصل الظلم في اللغة وضع الشئ في غير موضعه، وقد ~~تقدم في " البقرة " (2) مستوفى. (ولكن ظلموا أنفسهم) بالكفر والمعاصي. وحكى ~~سيبويه أنه يقال: ظلم إياه (فما أغنت) أي دفعت. (عنهم آلهتهم التي يدعون من ~~دون الله من شئ) في الكلام حذف، أي التي كانوا يعبدون، أي يدعون. (لما جاء ~~أمر ربك وما ms3207 زادهم غير تتبيب) أي غير تخسير، قاله مجاهد وقتادة. وقال لبيد: # فلقد بليت وكل صاحب جده * لبلى يعود وذاكم التتبيب والتبات الهلاك ~~والخسران، وفيه إضمار، أي ما زادتهم عبادة الأصنام، فحذف المضاف، أي كانت ~~عبادتهم إياها قد خسرتهم ثواب الآخرة. # (قوله تعالى: (وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى) أي كما أخذ هذه القرى التي ~~كانت لنوح وعاد وثمود يأخذ جميع القرى الظالمة. وقرأ عاصم الجحدري وطلحة بن ~~مصرف " وكذلك أخذ ربك إذ أخذ القرى " وعن الجحدري أيضا " وكذلك أخذ ربك " ~~كالجماعة " إذ أخذ # PageV09P095 # القرى ". قال المهدوي من قرأ: " وكذلك أخذ ربك إذ أخذ " فهو إخبار عما ~~جاءت به العادة في إهلاك من تقدم من الأمم، والمعنى: وكذلك أخذ ربك من أخذه ~~من الأمم المهلكة إذ أخذهم. وقراءة الجماعة على أنه مصدر، والمعنى: كذلك ~~أخذ ربك من أراد إهلاكه متى أخذه، فإذ لما مضى، أي حين أخذ القرى، وإذا ~~للمستقبل (وهي ظالمة) أي وأهلها ظالمون، فحذف المضاف مثل: " واسأل القرية " ~~[يوسف: 82]. (إن أخذه أليم شديد) أي عقوبته لأهل الشرك موجعة غليظة. وفي ~~صحيح مسلم والترمذي حديث أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ~~إن الله تعالى يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته " ثم قرأ " وكذلك أخذ ربك ~~إذا أخذ القرى " الآية. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب. # قوله تعالى: (إن في ذلك لآية) أي لعبرة وموعظة. (لمن خاف عذاب الآخرة). # (ذلك يوم) ابتداء وخبر. (مجموع) من نعته. (له الناس) اسم ما لم يسم ~~فاعله، ولهذا لم يقل مجموعون، فإن قدرت ارتفاع " الناس " بالابتداء، والخبر ~~" مجموع له " فإنما لم يقل: مجموعون على هذا التقدير، لأن " له " يقوم مقام ~~الفاعل. والجمع الحشر، أي يحشرون لذلك اليوم. (وذلك يوم مشهود) أي يشهده ~~البر والفاجر، ويشهده أهل السماء. وقد ذكرنا هذين الاسمين مع غيرهما من ~~أسماء القيامة في كتاب " التذكرة " وبينا هما والحمد الله. # قوله تعالى: (وما نؤخره) أي ما نؤخر ذلك اليوم. (إلا لأجل معدود) أي لأجل ~~سبق ms3208 به قضاؤنا، وهو معدود عندنا. (يوم يأتي) وقرئ " يوم يأت " لأن الياء ~~تحذف إذا كان قبلها كسرة، تقول: لا أدر، ذكره القشيري. قال النحاس: قرأه ~~أهل المدينة وأبو عمرو والكسائي بإثبات الياء في الإدراج، وحذفها في الوقف، ~~وروي أن أبيا وابن مسعود قرءا " يوم يأتي " بالياء في الوقف والوصل. وقرأ ~~الأعمش وحمزة " يوم يأت " بغير ياء في الوقف والوصل، قال أبو جعفر النحاس: ~~الوجه في هذا ألا يوقف عليه، وأن يوصل بالياء، لأن جماعة من النحويين ~~قالوا: لا تحذف الياء، ولا يجزم الشئ بغير جازم، فأما الوقف بغير ياء ففيه ~~قول للكسائي، قال: لأن الفعل السالم يوقف عليه كالمجزوم، فحذف الياء، كما ~~PageV09P096 # تحذف الضمة. وأما قراءة حمزة فقد احتج أبو عبيد لحذف الياء في الوصل ~~والوقف بحجتين إحداهما - أنه زعم أنه رآه في الإمام الذي يقال له إنه مصحف ~~عثمان رضي الله عنه بغير ياء. # والحجة الأخرى - أنه حكى أنها لغة هذيل، تقول: ما أدر، قال النحاس: أما ~~حجته بمصحف عثمان رضي الله عنه فشئ يرده عليه أكثر العلماء، قال مالك بن ~~أنس رحمه الله: سألت عن مصحف عثمان رضي الله عنه فقيل لي ذهب، وأما حجته ~~بقولهم: " ما أدر " فلا حجة فيه، لأن هذا الحذف قد حكاه النحويون القدماء، ~~وذكروا علته، وأنه لا يقاس عليه. # وأنشد الفراء في حذف الياء. # كفاك كف ما تليق درهما * جودا وأخرى تعط بالسيف الدما أي تعطي. وقد حكى ~~سيبويه والخليل أن العرب تقول: لا أدر، فتحذف الياء وتجتزئ بالكسرة، إلا ~~أنهم يزعمون أن ذلك لكثرة الاستعمال. قال الزجاج: والأجود في النحو إثبات ~~الياء، قال: والذي أراه اتباع المصحف وإجماع القراء، لأن القراءة سنة، وقد ~~جاء مثله في كلام العرب. (لاتكلم نفس إلا بإذنه) الأصل تتكلم، حذفت إحدى ~~التاءين تخفيفا. وفيه إضمار، أي لا تتكلم فيه نفس إلا بالمأذون فيه من حسن ~~الكلام، لأنهم ملجئون إلى ترك القبيح. وقيل: المعنى لا تكلم بحجة ولا شفاعة ~~إلا بإذنه. وقيل: إن لهم في الموقف وقتا يمنعون ms3209 فيه من الكلام إلا بإذنه. ~~وهذه الآية أكثر ما يسأل عنها أهل الإلحاد في الدين. فيقول لم قال: " ~~لاتكلم نفس إلا بإذنه " و " هذا يوم لا ينطقون. ولا يؤذن لهم فيعتذرون " ~~(1) [المرسلات: 36]. # وقال في موضع من ذكر القيامة: " وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون " (2) ~~[الصافات: 27]. وقال: " يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها " (3) [النحل: ~~111]. وقال: " وقفوهم إنهم مسؤولون " (2) [الصافات: 24]. وقال: " فيومئذ لا ~~يسأل عن ذنبه إنس ولا جان " (4) [الرحمن: 39]. والجواب ما ذكرناه، وأنهم لا ~~ينطقون بحجة تجب لهم وإنما يتكلمون بالإقرار بذنوبهم، ولوم بعضهم بعضا، ~~وطرح بعضهم الذنوب على بعض، فأما التكلم والنطق بحجة لهم فلا، وهذا كما ~~تقول للذي يخاطبك كثيرا، وخطابه فارغ عن # PageV09P097 # الحجة: ما تكلمت بشئ، وما نطقت بشئ، فسمي من يتكلم بلا حجة فيه له غير ~~متكلم. وقال: # قوم: ذلك اليوم طويل، وله مواطن ومواقف في بعضها يمنعون من الكلام، وفي ~~بعضها يطلق لهم الكلام، فهذا يدل على أنه لا تتكلم نفس إلا بإذنه. (فمنهم ~~شقي وسعيد) أي من الأنفس، أو من الناس، وقد ذكرهم قوله: " يوم مجموع له ~~الناس ". والشقي الذي كتبت عليه الشقاوة. والسعيد الذي كتبت عليه السعادة، ~~قال لبيد: # فمنهم سعيد آخذ بنصيبه * ومنهم شقي بالمعيشة قانع وروى الترمذي عن ابن ~~عمر عن عمر بن الخطاب قال لما نزلت هذه الآية " فمنهم شقي وسعيد " سألت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا نبي الله فعلام نعمل؟ على شئ قد ~~فرغ منه، أو على شئ لم يفرغ منه؟ فقال: " بل على شئ قد فرغ منه وجرت به ~~الأقلام يا عمر ولكن كل ميسر لما خلق له ". قال: هذا حديث حسن غريب من هذا ~~الوجه لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن عمر، وقد تقدم في " الأعراف " (1). # قوله تعالى: (فأما الذين شقوا) ابتداء. (ففي النار) في موضع الخبر، وكذا ~~(لهم فيها زفير وشهيق) قال أبو العالية: الزفير من الصدر. والشهيق من ~~الحلق، وعنه أيضا ضد ذلك. وقال الزجاج: الزفير من شدة الأنين، والشهيق من ms3210 ~~الأنين المرتفع جدا، قال: وزعم أهل اللغة من الكوفيين والبصريين أن الزفير ~~بمنزلة ابتداء صوت الحمير في النهيق، والشهيق بمنزلة [آخر] صوت الحمار في ~~النهيق. وقال ابن عباس رضي الله عنه عكسه، قال: الزفير الصوت الشديد، ~~والشهيق الصوت الضعيف. وقال الضحاك ومقاتل: الزفير مثل أول نهيق الحمار، ~~والشهيق مثل آخره حين فرغ من صوته، قال الشاعر (2): # حشرج في الجوف سحيلا (3) أو شهق * حتى يقال ناهق وما نهق وقيل: الزفير ~~إخراج النفس، وهو أن يمتلئ الجوف غما فيخرج بالنفس، والشهيق رد النفس وقيل: ~~الزفير ترديد النفس من شدة الحزن، مأخوذ من الزفر وهو الحمل على الظهر ~~لشدته، # PageV09P098 # والشهيق النفس الطويل الممتد، مأخوذ من قولهم: جبل شاهق، أي طويل (1). ~~والزفير والشهيق من أصوات المحزونين. # قوله تعالى: (خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض) " ما دامت " في موضع ~~نصب على الظرف، أي دوام السماوات والأرض، والتقدير: وقت ذلك. واختلف في ~~تأويل هذا، فقالت. طائفة منهم الضحاك: المعنى ما دامت سماوات الجنة والنار ~~وأرضهما والسماء كل ما علاك فأظلك، والأرض ما استقر عليه قدمك، وفي ~~التنزيل: " وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء " (2) [الزمر: 74]. ~~وقيل: أراد به السماء والأرض المعهودتين في الدنيا وأجرى ذلك على عادة ~~العرب في الإخبار. عن دوام الشئ وتأبيده، كقولهم: لا آتيك ما جن ليل، أو ~~سال سيل، وما اختلف الليل والنهار، وما ناح الحمام، وما دامت السماوات ~~والأرض، ونحو هذا مما يريدون به طولا من غير نهاية، فأفهمهم الله تخليد ~~الكفرة بذلك. # وإن كان قد أخبر بزوال السماوات والأرض. وعن ابن عباس أن جميع الأشياء ~~المخلوقة أصلها من نور العرش، وأن السماوات والأرض في الآخرة تردان إلى ~~النور الذي أخذتا منه، فهما دائمتان أبدا في نور العرش. # قوله تعالى: (إلا ما شاء ربك) في موضع نصب، لأنه استثناء ليس من الأول، ~~وقد اختلف فيه على أقوال عشرة: الأولى - أنه استثناء من قوله: " ففي النار ~~" كأنه قال: إلا ما شاء ربك من تأخير قوم عن ذلك، وهذا قول رواه أبو نضرة ms3211 ~~عن أبي سعيد الخدري وجابر رضي الله عنهما. وإنما لم يقل من شاء، لأن المراد ~~العدد لا الأشخاص، كقوله: " ما طاب لكم " (3) [النساء: 3]. وعن أبي نضرة عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم " إلا من شاء ألا يدخلهم وإن شقوا بالمعصية ~~". الثاني - أن الاستثناء إنما هو للعصاة من المؤمنين في إخراجهم بعد مدة ~~من النار، وعلى هذا يكون قوله: " فأما الذين شقوا " عاما في الكفرة ~~والعصاة، ويكون الاستثناء من " خالدين "، قاله قتادة والضحاك وأبو سنان ~~وغيرهم. # وفي الصحيح من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~" يدخل ناس # PageV09P099 # جهنم حتى إذا صاروا كالحممة (1) أخرجوا منها ودخلوا الجنة فيقال هؤلاء ~~الجهنميون " وقد تقدم هذا المعنى في " النساء " (2) وغيرها. الثالث - أن ~~الاستثناء من الزفير والشهيق، أي لهم فيها زفير وشهيق إلا ما شاء ربك من ~~أنواع العذاب الذي لم يذكره، وكذلك لأهل الجنة من النعيم ما ذكر، وما لم ~~يذكر. حكاه ابن الأنباري. الرابع - قال ابن مسعود: " خالدين فيها ما دامت ~~السماوات والأرض " لا يموتون فيها، ولا يخرجون منها " إلا ما شاء ربك " وهو ~~أن يأمر النار فتأكلهم وتفنيهم، ثم يجدد خلقهم. # قلت: وهذا القول خاص بالكافر والاستثناء له في الأكل، وتجديد الخلق. ~~الخامس - أن " إلا " بمعنى " سوى " كما تقول في الكلام: ما معي رجل إلا ~~زيد، ولي عليك ألفا درهم إلا الألف التي لي عليك (3). قيل: فالمعنى ما دامت ~~السماوات والأرض سوى ما شاء ربك من الخلود. السادس - أنه استثناء من ~~الإخراج، وهو لا يريد أن يخرجهم منها. كما تقول في الكلام: أردت أن أفعل ~~ذلك إلا أن أشاء غيره، وأنت مقيم على ذلك الفعل، فالمعنى أنه لو شاء أن ~~يخرجهم لأخرجهم، ولكنه قد أعلمهم أنهم خالدون فيها، ذكر هذين القولين ~~الزجاج عن أهل اللغة، قال: ولأهل المعاني قولان آخران، فأحد القولين: " ~~خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك " من مقدار موقفهم على ~~رأس قبورهم، وللمحاسبة، وقدر مكثهم في الدنيا، والبرزخ، والوقوف للحساب. ms3212 ~~والقول الآخر - وقوع الاستثناء في الزيادة على النعيم والعذاب، وتقديره: " ~~خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك " من زيادة النعيم ~~لأهل النعيم، وزيادة العذاب لأهل الجحيم. # قلت: فالاستثناء في الزيادة من الخلود على مدة كون السماء والأرض ~~المعهودتين في الدنيا واختاره الترمذي (4) الحكيم أبو عبد الله محمد بن ~~علي، أي خالدين فيها مقدار دوام السماوات والأرض، وذلك مدة العالم، وللسماء ~~والأرض وقت يتغيران فيه، وهو قوله سبحانه: # " يوم تبدل الأرض غير الأرض " (5) [إبراهيم: 48] فخلق الله سبحانه ~~الآدميين وعاملهم، واشترى منهم أنفسهم # PageV09P100 # وأموالهم الجنة، وعلى ذلك بايعهم يوم الميثاق، فمن وفى بذلك العهد فله ~~الجنة، ومن ذهب برقبته يخلد في النار بمقدار دوام السماوات والأرض، فإنما ~~دامتا للمعاملة، وكذلك أهل الجنة خلود في الجنة بمقدار ذلك، فإذا تمت هذه ~~المعاملة وقع الجميع في مشيئة الله، قال الله تعالى: # " وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين. ما خلقناهما إلا بالحق " ~~[الدخان: 39] فيخلد أهل الدارين بمقدار دوامهما، وهو حق الربوبية بذلك ~~المقدار من العظمة، ثم أوجب لهم الأبد في كلتا الدارين لحق الأحدية، فمن ~~لقيه موحدا لأحديته بقي في داره أبدا، ومن لقيه مشركا بأحديته إلها بقي في ~~السجن أبدا، فأعلم الله العباد مقدار الخلود، ثم قال: " إلا ما شاء ربك " ~~من زيادة المدة التي تعجز القلوب عن إدراكها لأنه لا غاية لها، فبالاعتقاد ~~دام خلودهم في الدارين أبدا. وقد قيل: إن " إلا " بمعنى الواو، قاله الفراء ~~وبعض أهل النظر وهو - الثامن - والمعنى: وما شاء ربك من الزيادة في الخلود ~~على مدة دوام السماوات والأرض في الدنيا. وقد قيل في قوله تعالى: " إلا ~~الذين ظلموا " (2) [البقرة: 150] أي ولا الذين ظلموا. # وقال الشاعر: # وكل أخ مفارقه أخوه * لعمر أبيك إلا الفرقدان أي والفرقدان. وقال أبو ~~محمد مكي: وهذا قول بعيد عند البصريين أن تكون " إلا " بمعنى الواو، وقد ~~مضى في " البقرة " (2) بيانه. وقيل: معناه كما شاء ربك، كقوله تعالى: # " ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف " (4) [النساء: ms3213 22] ~~أي كما قد سلف، وهو - التاسع، العاشر - وهو أن قوله تعالى: " إلا ما شاء ~~ربك " إنما ذلك على طريق الاستثناء الذي ندب الشرع إلى استعماله في كل ~~كلام، فهو على حد قوله تعالى: " لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين " ~~(1) [الفتح: 27] فهو استثناء في واجب، وهذا الاستثناء في حكم الشرط كذلك، ~~كأنه قال: # إن شاء ربك، فليس يوصف بمتصل ولا منقطع، ويؤيده ويقويه قوله تعالى: " ~~عطاء غير مجذوذ " ونحوه عن أبي عبيد قال: تقدمت عزيمة المشيئة من الله ~~تعالى في خلود # PageV09P101 # الفريقين في الدارين، فوقع لفظ الاستثناء، والعزيمة قد تقدمت في الخلود، ~~قال: وهذا مثل قوله تعالى: " لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين " ~~[الفتح: 27] وقد علم أنهم يدخلونه حتما، فلم يوجب الاستثناء في الموضعين ~~خيارا، إذ المشيئة قد تقدمة، بالعزيمة في الخلود في الدارين والدخول في ~~المسجد الحرام، ونحوه عن الفراء. وقول: حادي عشر - وهو أن الأشقياء هم ~~السعداء، والسعداء هم الأشقياء لا غيرهم، والاستثناء في الموضعين راجع ~~إليهم، وبيانه أن " ما " بمعنى " من " استثنى الله عز وجل من الداخلين في ~~النار المخلدين فيها الذين يخرجون منها من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بما ~~معهم من الإيمان، واستثنى من الداخلين في الجنة المخلدين فيها الذين يدخلون ~~النار بذنوبهم قبل دخول الجنة ثم يخرجون منها إلى الجنة. وهم الذين وقع ~~عليهم الاستثناء الثاني، كأنه قال تعالى: " فأما الذين شقوا ففي النار لهم ~~فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك " ألا ~~يخلده فيها، وهم الخارجون منها من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بإيمانهم ~~وبشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم، فهم بدخولهم النار يسمون الأشقياء، ~~وبدخولهم الجنة يسمون السعداء، كما روى الضحاك عن ابن عباس إذ قال: الذين ~~سعدوا شقوا بدخول النار ثم سعدوا بالخروج منها ودخولهم الجنة. # وقرأ الأعمش وحفص وحمزة والكسائي " وأما الذين سعدوا " بضم السين. وقال ~~أبو عمرو: والدليل على أنه سعدوا أن الأول شقوا ولم يقل أشقوا. قال النحاس: ~~ورأيت ms3214 علي بن سليمان يتعجب من قراءة الكسائي " سعدوا " مع علمه بالعربية! ~~إذ كان هذا لحنا لا يجوز، لأنه إنما يقال: سعد فلان وأسعده الله، وأسعد مثل ~~أمرض، وإنما احتج الكسائي بقولهم: مسعود ولا حجة له فيه، لأنه يقال: مكان ~~مسعود فيه، ثم يحذف فيه ويسمى به. قال المهدوي: ومن ضم السين من " سعدوا " ~~فهو محمول على قولهم: مسعود وهو شاذ قليل، لأنه لا يقال: سعده الله، إنما ~~يقال: أسعده الله. وقال الثعلبي: " سعدوا " بضم السين أي رزقوا السعادة، ~~يقال: سعد وأسعد بمعنى واحد وقرأ الباقون " سعدوا " بفتح PageV09P102 # السين قياسا على " شقوا " واختاره أبو عبيد وأبو حاتم. وقال الجوهري: ~~والسعادة خلاف الشقاوة، تقول: منه سعد الرجل بالكسر فهو سعيد، مثل سلم فهو ~~سليم، وسعد فهو مسعود، ولا يقال فيه: مسعد، كأنهم استغنوا عنه بمسعود. وقال ~~القشيري أبو نصر عبد الرحيم: # وقد ورد سعده الله فهو مسعود، وأسعده الله فهو مسعد، فهذا يقوي قول ~~الكوفيين وقال سيبويه: لا يقال سعد فلان كما لا يقال شقي فلان، لأنه مما لا ~~يتعدى. (عطاء غير مجذوذ) أي غير مقطوع، من جذه يجذه أي قطعه، قال النابغة: # تجذ السلوقي المضاعف نسجه * وتوقد بالصفاح نار الحباحب (1) قوله تعالى: ~~(فلا تك) جزم بالنهي، وحذفت النون لكثرة الاستعمال. (في مرية) أي في شك. ~~(مما يعبد هؤلاء) من الآلهة أنها باطل. وأحسن من هذا: أي قل يا محمد لكل من ~~شك " لا تك في مرية مما يعبد هؤلاء " أن الله عز وجل ما أمرهم به، وإنما ~~يعبدونها كما كان آباؤهم يفعلون تقليدا لهم. (وإنا لموفوهم نصيبهم غير ~~منقوص) فيه ثلاثة أقوال: أحدها - نصيبهم من الرزق، قاله أبو العالية. ~~الثاني - نصيبهم من العذاب، قال ابن زيد. الثالث - ما وعدوا به من خير أو ~~شر، قاله ابن عباس رضي الله عنهما. # قوله تعالى: ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ولولا كلمة سبقت من ربك ~~لقضى بينهم وإنهم لفي شك منه مريب (110) قوله تعالى: (ولولا كلمة سبقت من ~~ربك) الكلمة: أن الله عز ms3215 وجل حكم أن يؤخرهم إلى يوم القيامة لما علم في ذلك ~~من الصلاح، ولولا ذلك لقضى بينهم أجلهم بأن يثيب المؤمن ويعاقب الكافر. ~~قيل: المراد بين المختلفين في كتاب موسى، فإنهم كانوا بين مصدق [به] (2) ~~ومكذب. وقيل: بين هؤلاء المختلفين فيك يا محمد بتعجيل العقاب، ولكن # PageV09P103 # سبق الحكم بتأخير العقاب هذه الأمة إلى يوم القيامة. (وإنهم لفي شك منه ~~مريب) إن حملت على قوم موسى، أي لفي شك من كتاب موسى فهم في شك من القرآن. ~~قوله تعالى: وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم إنه بما يعملون خبير (111) ~~قوله تعالى: (وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم) أي إن كلا من الأمم التي ~~عددناهم يرون جزاء أعمالهم، فكذلك قومك يا محمد. واختلف القراء في قراءة " ~~وإن كلا لما " فقرأ أهل الحرمين - نافع وابن كثير وأبو بكر معهم - " وإن ~~كلا لما " بالتخفيف، على أنها " إن " المخففة من الثقيلة معملة، وقد ذكر ~~هذا الخليل وسيبويه، قال سيبويه: حدثنا من أثق به أنه سمع العرب تقول: إن ~~زيدا لمنطلق، وأنشد قول الشاعر (1): # كأن ظبية تعطو إلى وارق السلم أراد كأنها ظبية فخفف ونصب ما بعدها، ~~والبصريون يجوزون تخفيف " إن " المشددة مع إعمالها، وأنكر ذلك الكسائي ~~وقال: ما أدري على أي شئ قرئ " وإن كلا "! وزعم الفراء أنه نصب كلا " في ~~قراءة من خفف بقوله: " ليوفينهم " أي وإن ليوفينهم كلا، وأنكر ذلك جميع ~~النحويين، وقالوا: هذا من كبير الغلط، لا يجوز عند أحد زيدا لأضربنه (2). # وشدد الباقون " إن " ونصبوا بها " كلا " على أصلها. وقرأ عاصم وحمزة وابن ~~عامر " لما " بالتشديد. وخففها الباقون على معنى: وإن كلا ليوفينهم، جعلوا ~~" ما " صلة. وقيل: # دخلت لتفصل بين اللامين اللتين تتلقيان القسم، وكلاهما مفتوح ففصل بينهما ~~ب " ما ". # وقال الزجاج: لام " لما " لام " إن " و " ما " زائدة مؤكدة، تقول: إن ~~زيدا لمنطلق، فإن # PageV09P104 # تقتضي أن يدخل على خبرها أو اسمها لام كقولك: إن الله لغفور رحيم، وقوله: # " إن في ذلك لذكرى (1) ". واللام في " ليوفينهم " هي التي يتلقى بها ~~القسم، ms3216 وتدخل على الفعل ويلزمها النون المشددة أو المخففة، ولما اجتمعت ~~اللامان فصل بينهما ب " ما " و " ما " زائدة مؤكدة، وقال الفراء: " ما " ~~بمعنى " من " كقوله: " وإن منكم لمن ليبطئن " [النساء: 72] أي وإن كلا لمن ~~ليوفينهم، واللام في " ليوفينهم " للقسم، وهذا يرجع معناه إلى قول الزجاج، ~~غير أن " ما " عند الزجاج زائدة وعند الفراء اسم بمعنى " من ". وقيل: ليست ~~بزائدة، بل هي اسم دخل عليها لام التأكيد، وهي خبر " إن " و " ليوفينهم " ~~جواب القسم، التقدير: # وإن كلا خلق ليوفينهم ربك أعمالهم. وقيل: " ما " بمعنى " من " كقوله: " ~~فانكحوا (2) ما طاب لكم من النساء " [النساء: 3] أي من، وهذا كله هو قول ~~الفراء بعينه. وأما من شدد " لما " وقرأ " وإن كلا لما " بالتشديد فيهما - ~~وهو حمزة ومن وافقه - فقيل: إنه لحن، حكي عن محمد بن زيد أن هذا لا يجوز، ~~ولا يقال: إن زيدا إلا لأضربنه، ولا لما لضربته. # وقال الكسائي: الله أعلم بهذه القراءة، وما أعرف لها وجها. وقال هو وأبو ~~علي الفارسي: # التشديد فيهما مشكل. قال النحاس وغيره: وللنحويين في ذلك أقوال: الأول - ~~أن أصلها " لمن ما " فقلبت النون ميما، واجتمعت ثلاث ميمات فحذفت الوسطى ~~فصارت " لما " و " ما " على هذا القول بمعنى " من " تقديره: وإن كلا لمن ~~الذين، كقولهم: # وإني لما أصدر الأمر وجهه * إذا هو أعيا بالسبيل مصادره وزيف الزجاج هذا ~~القول، وقال: " من " اسم على حرفين فلا يجوز حذفه. الثاني - أن الأصل. لمن ~~ما، فحذفت الميم المكسورة لاجتماع الميمات، والتقدير: وإن كلا لمن خلق ~~ليوفينهم. وقيل: " لما " مصدر " لم " وجاءت بغير تنوين حملا للوصل على ~~الوقف، فهي على هذا كقوله: " وتأكلون التراث أكلا لما " (3) [الفجر: 19] أي ~~جامعا للمال المأكول، فالتقدير على هذا: وإن كلا ليوفينهم ربك أعمالهم ~~توفية لما، أي جامعة لأعمالهم جمعا، فهو كقولك: قياما لأقومن. وقد قرأ ~~الزهري " لما " بالتشديد والتنوين على هذا المعنى. الثالث - # PageV09P105 # أن " لما " بمعنى " إلا " حكى أهل اللغة: سألتك بالله لما فعلت، بمعنى ~~إلا فعلت، ومثله قوله تعالى: " إن كل نفس لما عليها ms3217 حافظ " (1) [الطارق: 4] ~~أي إلا عليها، فمعنى الآية: ما كل واحد منهم إلا ليوفينهم، قال القشيري: ~~وزيف الزجاج هذا القول بأنه لا نفي لقوله: # " وإن كلا لما " حتى تقدر " إلا " ولا يقال: ذهب الناس لما زيد. الرابع - ~~قال أبو عثمان المازني: الأصل وإن كلا لما بتخفيف " لما " ثم ثقلت كقوله ~~(2): # لقد خشيت أن أرى جدبا * في عامنا ذا بعد ما أخصبا وقال أبو إسحاق الزجاج: ~~هذا خطأ، إنما يخفف المثقل، ولا يثقل المخفف. الخامس - قال أبو عبيد القاسم ~~بن سلام: يجوز أن يكون التشديد من قولهم: لممت الشئ ألمه لما إذا جمعته، ثم ~~بني منه فعلى، كما قرئ " ثم أرسلنا رسلنا تترى " (3) [المؤمنون: 44] بغير ~~تنوين وبتنوين. فالألف على هذا للتأنيث، وتمال على هذا القول لأصحاب ~~الإمالة، قال أبو إسحاق: القول الذي لا يجوز غيره عندي أن تكون مخففة من ~~الثقيلة، وتكون بمعنى " ما " مثل: " إن كل نفس لما عليها حافظ " [الطارق: ~~4] وكذا أيضا تشدد على أصلها، وتكون بمعنى " ما " و " لما " بمعنى " إلا " ~~حكى ذلك الخليل وسيبويه وجميع البصريين، وأن " لما " يستعمل بمعنى " إلا " ~~قلت: # هذا القول [الذي] (4) ارتضاه الزجاج حكاه عنه النحاس وغيره، وقد تقدم ~~مثله وتضعيف الزجاج له، إلا أن ذلك القول صوابه (5) " إن " فيه نافية، وهنا ~~مخففة من الثقيلة فافترقا (6) وبقيت قراءتان، قال أبو حاتم: وفي حرف أبي: " ~~وإن كلا إلا ليوفينهم " (7) [هود: 111] وروي عن الأعمش " وإن كل لما " ~~بتخفيف " إن " ورفع " كل " وبتشديد " لما ". قال النحاس: وهذه القراءات ~~المخالفة للسواد تكون فيها " إن " بمعنى " ما " لا غير، وتكون على التفسير، ~~لأنه لا يجوز أن يقرأ بما خالف السواد إلا على هذه الجهة. (إنه بما تعملون ~~خبير) تهديد ووعيد. # PageV09P106 # قوله تعالى: فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير ~~(112) قوله تعالى: (فاستقم كما أمرت) الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ~~ولغيره. وقيل: # له والمراد أمته، قاله السدى. وقيل: " استقم " اطلب الإقامة على الدين من ~~الله واسأله ذلك. فتكون السين سين السؤال، كما تقول: استغفر ms3218 الله أطلب ~~الغفران [منه] (1). والاستقامة الاستمرار في جهة واحدة من غير أخذ في جهة ~~اليمين والشمال، فاستقم على امتثال أمر الله. # وفي صحيح مسلم عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت يا رسول الله قل لي ~~في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك! قال: " قل آمنت بالله ثم استقم ". ~~وروى الدارمي أبو محمد في مسنده عن عثمان بن حاضر الأزدي قال: دخلت على ابن ~~عباس فقلت أوصني! # فقال: نعم! عليك بتقوى الله والاستقامة، اتبع ولا تبتدع. (ومن تاب معك) ~~أي استقم أنت وهم، يريد أصحابه الذين تابوا من الشرك ومن بعده ممن اتبعه من ~~أمته. قال ابن عباس ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية هي أشد ~~ولا أشق من هذه الآية عليه، ولذلك قال لأصحابه حين قالوا له: لقد أسرع إليك ~~الشيب! فقال: " شيبتني هود وأخواتها ". # وقد تقدم في أول السورة. وروي عن أبي عبد الرحمن السلمي قال سمعت أبا علي ~~السري (2) يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقلت: يا رسول ~~الله! روي عنك أنك قلت: # " شيبتني هود ". فقال: " نعم " فقلت له: ما الذي شيبك منها؟ قصص الأنبياء ~~وهلاك الأمم! فقال: " لا ولكن قوله: فاستقم كما أمرت " (3). (ولا تطغوا) ~~نهى عن الطغيان والطغيان مجاوزة الحد، ومنه " إنا لما طغى الماء ". وقيل: ~~أي لا تتجبروا على أحد. # قوله تعالى: ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون ~~الله من أولياء ثم لا تنصرون (113) # PageV09P107 # فيه أربع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (ولا تركنوا) الركون حقيقة الاستناد والاعتماد ~~والسكون إلى، الشئ والرضا به، قال قتادة: معناه لا تودوهم ولا تطيعوهم. ابن ~~جريج: لا تميلوا إليهم. # أبو العالية: لا ترضوا أعمالهم، وكله متقارب. وقال ابن زيد: الركون هنا ~~الإدهان (1) وذلك ألا ينكر عليهم كفرهم. # الثانية - قرأ الجمهور: " تركنوا " بفتح الكاف، قال أبو عمرو: هي لغة أهل ~~الحجاز. # وقرأ طلحة بن مصرف وقتادة وغيرهما: " تركنوا " بضم الكاف، قال الفراء: ~~وهي لغة تميم وقيس. وجوز ms3219 قوم ركن يركن مثل منع يمنع (2). # الثالثة - قوله تعالى: (إلى الذين ظلموا) قيل: أهل الشرك. وقيل: عامة ~~فيهم وفي العصاة، على نحو قوله تعالى: " وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا ~~" (3) [الأنعام: 68] الآية. # وقد تقدم. وهذا هو الصحيح في معنى الآية، وأنها دالة على هجران أهل الكفر ~~والمعاصي من أهل البدع وغيرهم، فإن صحبتهم كفر أو معصية، إذ الصحبة لا تكون ~~إلا عن مودة، وقد قال حكيم (4): # عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه * فكل قرين بالمقارن يقتدي فإن كانت ~~الصحبة عن ضرورة وتقية فقد مضى القول فيها في " آل عمران " (5) و " المائدة ~~" (3). # وصحبة الظالم على التقية مستثناة من النهي بحال الاضطرار. والله أعلم. # الرابعة - قوله تعالى: (فتمسكم النار) ي تحرقكم. بمخالطتهم ومصاحبتهم ~~وممالأتهم على إعراضهم (6) وموافقتهم في أمورهم. # قوله تعالى: وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن ~~السيئات ذلك ذكرى للذاكرين (144) # PageV09P108 # فيه ست مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (وأقم الصلاة طرفي النهار) لم يختلف أحد من أهل ~~التأويل في أن الصلاة في هذه الآية يراد بها الصلوات المفروضة، وخصها ~~بالذكر لأنها ثانية الإيمان، وإليها يفزع في النوائب، وكان النبي صلى الله ~~عليه وسلم إذا حزبه (1) أمر فزع إلى الصلاة. # وقال شيوخ الصوفية: إن المراد بهذه الآية استغراق الأوقات بالعبادة فرضا ~~ونفلا (2)، قال ابن العربي: وهذا ضعيف، فإن الأمر لم يتناول ذلك إلا واجبا ~~لا نفلا، فإن الأوراد معلومة، وأوقات النوافل المرغب فيها محصورة، وما ~~سواها من الأوقات يسترسل عليها الندب على البدل لا على العموم، وليس ذلك في ~~قوة بشر. # الثانية - قوله تعالى: (طرفي النهار) قال مجاهد: الطرف الأول، صلاة ~~الصبح، والطرف الثاني صلاة الظهر والعصر، واختاره ابن عطية. وقيل: الطرفان ~~الصبح والمغرب، قال ابن عباس والحسن. وعن الحسن أيضا: الطرف الثاني العصر ~~وحده، وقال قتادة والضحاك. وقيل: الطرفان الظهر والعصر. والزلف المغرب ~~والعشاء والصبح، كأن هذا القائل راعى جهر القراءة. وحكى الماوردي أن الطرف ~~الأول صلاة الصبح باتفاق. # قلت: وهذا الاتفاق ينقصه القول الذي قبله. ورجح الطبري ms3220 أن الطرفين الصبح ~~والمغرب، وأنه ظاهر، قال ابن عطية: ورد عليه بأن المغرب لا تدخل فيه لأنها ~~من صلاة الليل. # قال ابن العربي: والعجب من الطبري الذي يرى أن طرفي النهار الصبح ~~والمغرب، وهما طرفا الليل! فقلب القوس ركوة (3)، وحاد عن البرجاس (4) غلوة، ~~قال الطبري: والدليل عليه إجماع الجميع على أن أحد الطرفين الصبح، فدل على ~~أن الطرف الآخر المغرب، ولم يجمع معه على ذلك أحد. # PageV09P109 # قلت: هذا تحامل من ابن العربي في الرد، وأنه لم يجمع معه على ذلك أحد، ~~وقد ذكرنا عن مجاهد أن الطرف الأول صلاة الصبح، وقد وقع الاتفاق - إلا من ~~شذ - بأن من أكل أو جامع بعد طلوع الفجر متعمدا أن يومه ذلك يوم فطر، وعليه ~~القضاء والكفارة، وما ذلك إلا وما بعد طلوع الفجر من النهار، فدل على صحة ~~ما قاله الطبري في الصبح، وتبقى عليه المغرب والرد عليه فيه ما تقدم. والله ~~أعلم. # الثالثة - قوله تعالى: (وزلفا من الليل) أي في زلف من الليل، والزلف ~~الساعات القريبة بعضها من بعض، ومنه سميت المزدلفة، لأنها منزل بعد عرفة ~~بقرب مكة. وقرأ ابن القعقاع وابن أبي إسحاق وغيرهما " وزلفا " بضم اللام ~~جمع زليف، لأنه قد نطق بزليف، ويجوز أن يكون واحده " زلفة " لغة، كبسرة ~~وبسر، في لغة من ضم السين. # وقرأ ابن محيصن " وزلفا " من الليل بإسكان اللام، والواحدة زلفة تجمع جمع ~~الأجناس التي هي أشخاص كدرة ودر وبرة وبر. وقرأ مجاهد وابن محيصن أيضا " ~~زلفى " مثل قربى. # وقرأ الباقون " وزلفا " بفتح اللام كغرفة وغرف. قال ابن الأعرابي: الزلف ~~الساعات، واحدها زلفة. وقال قوم: الزلفة أول ساعة من الليل بعد مغيب الشمس، ~~فعلى هذا يكون المراد بزلف الليل صلاة العتمة، قاله ابن عباس. وقال الحسن: ~~المغرب والعشاء. وقيل: # المغرب والعشاء والصبح، وقد تقدم. وقال الأخفش: يعني صلاة الليل ولم ~~يعين. # الرابعة - قوله تعالى: (إن الحسنات يذهبن السيئات) ذهب جمهور المتأولين ~~من الصحابة والتابعين [رضي الله عنهم أجمعين (1)] إلى أن الحسنات هاهنا هي ~~الصلوات الخمس وقال ms3221 مجاهد: الحسنات قول الرجل سبحان الله والحمد لله ولا ~~إله إلا الله والله أكبر، قال ابن عطية: وهذا على جهة المثال في الحسنات، ~~والذي يظهر أن اللفظ عام في الحسنات خاص في السيئات، لقوله صلى الله عليه ~~وسلم: " ما اجتنبت الكبائر ". # قلت: سبب النزول يعضد قول الجمهور، نزلت في رجل من الأنصار، قيل: هو أبو ~~اليسر بن عمرو. وقيل: اسمه عباد، خلا بامرأة فقبلها وتلذذ بها فيما دون ~~الفرج. روى # PageV09P110 # الترمذي عن عبد الله قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:: ~~إني عالجت امرأة في أقصى المدينة وإني أصبت منها ما دون أن أمسها وأنا هذا ~~فاقض في ما شئت. فقال له عمر: لقد سترك الله! لو سترت على نفسك، فلم يرد ~~عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا فانطلق الرجل فأتبعه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم رجلا فدعاه، فتلا عليه: " أقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من ~~الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين " إلى آخر الآية، فقال ~~رجل من القوم: هذا له خاصة؟ قال: " [لا] (1) بل للناس كافة ". قال الترمذي: # حديث حسن صحيح. وخرج أيضا عن ابن مسعود أن رجلا أصاب من امرأة قبلة حرام ~~فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن كفارتها فنزلت: " أقم الصلاة طرفي ~~النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات " فقال الرجل: ألي هذه يا ~~رسول الله؟ فقال: " لك ولمن عمل بها من أمتي ". قال الترمذي: هذا حديث حسن ~~صحيح. وروي عن أبي اليسر قال: أتتني امرأة تبتاع تمرا فقلت: إن في البيت ~~تمرا أطيب من هذا، فدخلت معي في البيت فأهويت إليها فقبلتها، فأتيت أبا بكر ~~فذكرت ذلك له فقال: استر على نفسك وتب ولا تخبر أحدا فلم أصبر، فأتيت عمر ~~فذكرت ذلك له فقال: استر على نفسك وتب ولا تخبر أحدا فلم أصبر، فأتيت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال: " أخلفت غازيا في سبيل الله في ~~أهله بمثل هذا "؟ حتى تمنى ms3222 أنه لم يكن أسلم إلا تلك الساعة، حتى ظن أنه من ~~أهل النار. قال: وأطرق رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أوحى الله إليه " ~~أقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى ~~للذاكرين ". قال أبو اليسر: فأتيته فقرأها علي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال أصحابه: يا رسول الله! ألهذا خاصة أم للناس عامة؟ فقال: " بل ~~للناس عامة ". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب (2)، وقيس بن الربيع ضعفه ~~وكيع وغيره، وقد روى أن النبي صلى الله عليه وسلم أعرض عنه، وأقيمت صلاة ~~العصر فلما فرغ منها نزل جبريل عليه السلام عليه بالآية فدعاه فقال له: " ~~أشهدت معنا # PageV09P111 # الصلاة "؟ قال نعم، قال: " اذهب فإنها كفارة لما فعلت ". وروي أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لما تلا عليه هذه الآية قال له: " قم فصل أربع ركعات ". ~~والله أعلم. وخرج الترمذي الحكيم في " نوادر الأصول " من حديث ابن عباس عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لم أر شيئا أحسن طلبا ولا أسرع إدراكا ~~من حسنة حديثة لذنب قديم، " إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين " ~~". الخامسة - دلت الآية مع هذه الأحاديث على أن القبلة الحرام واللمس ~~الحرام لا يجب فيهما الحد، وقد يستدل به على أن لا حد ولا أدب على الرجل ~~والمرأة وإن وجدا في ثوب واحد، وهو اختيار ابن المنذر، لأنه لما ذكر اختلاف ~~العلماء في هذه المسألة ذكر هذا الحديث مشيرا إلى أنه لا يجب عليهما شئ، ~~وسيأتي ما للعلماء في هذا في " النور " (1) إن شاء الله تعالى. # السادسة - ذكر الله سبحانه في كتابه الصلاة بركوعها وسجودها وقيامها ~~وقراءتها وأسمائها فقال: " أقم الصلاة " الآية. وقال: " أقم الصلاة لدلوك ~~الشمس " (2) [الإسراء: 78] الآية. # وقال: " فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون. وله الحمد في السماوات ~~والأرض وعشيا وحين تظهرون " (3) [الروم: 17 - 18]. وقال: " وسبح بحمد ربك ~~قبل طلوع الشمس وقبل غروبها " (4) [طه: 130]. # وقال: " اركعوا واسجدوا " [الحج: 77]. وقال: " وقوموا لله قانتين " (5) ~~[البقرة: 238]. وقال: " وإذا قرئ ms3223 القرآن فاستمعوا له وأنصتوا " (6) ~~[الأعراف: 204] على ما تقدم. وقال: " ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها " (2) ~~[الإسراء: 110] أي بقراءتك، وهذا كله مجمل أجمله في كتابه، وأحال على نبيه ~~في بيانه، فقال جل ذكره: # " وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم " (2) [النحل: 44] فبين ~~صلى الله عليه وسلم مواقيت الصلاة، وعدد الركعات والسجدات، وصفة جميع ~~الصلوات فرضها وسننها، وما لا تصح [الصلاة] (7) إلا به من الفرائض وما ~~يستحب فيها من السنن والفضائل، فقال في صحيح البخاري: # " صلوا كما رأيتموني أصلي ". ونقل ذلك عنه الكافة عن الكافة، على ما هو ~~معلوم، ولم # PageV09P112 # يمت النبي صلى الله عليه وسلم حتى بين جميع ما بالناس الحاجة إليه، فكمل ~~الدين، وأوضح السبيل، قال الله تعالى: " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت ~~عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا " (1) [المائدة: 3]. # قوله تعالى: (ذلك ذكرى للذاكرين) أي القرآن موعظة وتوبة لمن اتعظ وتذكر، ~~وخص الذاكرين بالذكر لأنهم المنتفعون بالذكرى. والذكرى مصدر جاء بألف ~~التأنيث. # قوله تعالى: واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين (115) فلولا كان من ~~القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا ~~منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين (116) قوله تعالى: ~~(واصبر) أي على الصلاة، كقوله: " وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها " (2) ~~[طه: 132]. # وقيل: المعنى واصبر يا محمد على ما تلقى من الأذى. (فإن الله لا يضيع أجر ~~المحسنين) يعني المصلين. # قوله تعالى (فلولا كان) أي فهلا كان. (من القرون من قبلكم) أي من الأمم ~~التي قبلكم. (أولو بقية) أي أصحاب طاعة ودين وعقل وبصر. (ينهون) قومهم. (عن ~~الفساد في الأرض) لما أعطاهم الله تعالى من العقول وأراهم من الآيات، وهذا ~~توبيخ للكفار. # وقيل: ولولا هاهنا للنفي، أي ما كان من قبلكم، كقوله: " فلولا كانت قرية ~~آمنت " (3) [يونس: 98] أي ما كانت. # (إلا قليلا) استثناء منقطع، أي لكن قليلا. (ممن أنجينا منهم) نهوا عن ~~الفساد في الأرض. # قيل: هم قوم يونس، لقوله: " إلا قوم يونس ". وقيل: هم أتباع الأنبياء ~~وأهل الحق. # (واتبع ms3224 الذين ظلموا) أي أشركوا وعصوا. (ما أترفوا فيه) أي من الاشتغال ~~بالمال واللذات، وإيثار ذلك على الآخرة. (وكانوا مجرمين). # PageV09P113 # قوله تعالى: وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون (117) ولو شاء ~~ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين (118) إلا من رحم ربك ولذلك ~~خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين (119) قوله تعالى: ~~(وما كان ربك ليهلك القرى) أي أهل القرى. (بظلم) أي بشرك وكفر. (وأهلها ~~مصلحون) أي فيما بينهم في تعاطي الحقوق، أي لم يكن ليهلكهم بالكفر وحده حتى ~~ينضاف إليه الفساد، كما أهلك قوم شعيب ببخس المكيال والميزان، وقوم لوط ~~باللواط، ودل هذا على أن المعاصي أقرب إلى عذاب الاستئصال في الدنيا من ~~الشرك، وإن كان عذاب الشرك في الآخرة أصعب. وفي صحيح الترمذي من حديث أبي ~~بكر الصديق رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ~~إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من ~~عنده ". وقد تقدم (1). وقيل: المعنى وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها ~~مسلمون، فإنه يكون ذلك ظلما لهم ونقصا من حقهم، أي ما أهلك قوما إلا بعد ~~إعذار وإنذار. وقال الزجاج: يجوز أن يكون المعنى ما كان ربك ليهلك أحدا وهو ~~يظلمه وإن كان على نهاية الصلاح، لأنه تصرف في ملكه، دليله قوله: " إن الله ~~لا يظلم الناس شيئا " (2) [يونس: 44]. وقيل: المعنى وما كان الله ليهلكهم ~~بذنوبهم وهم مصلحون، أي مخلصون في الإيمان. فالظلم المعاصي على هذا. # قوله تعالى: (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة) قال سعيد بن جبير: على ~~ملة الإسلام وحدها. وقال الضحاك: أهل دين واحد، أهل ضلالة أو أهل هدى. (ولا ~~يزالون مختلفين) أي على أديان شتى، قاله مجاهد وقتادة. (إلا من رحم ربك) ~~استثناء منقطع، أي لكن من رحم ربك بالإيمان والهدى فإنه لم يختلف. وقيل: ~~مختلفين في الرزق، فهذا # PageV09P114 # غني وهذا فقير. " إلا من رحم ربك " بالقناعة، قاله الحسن. (ولذلك خلقهم) ~~قال الحسن ms3225 ومقاتل، وعطاء [ويمان] (1): الإشارة للاختلاف، أي وللاختلاف ~~خلقهم. وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك: ولرحمته خلقهم، وإنما قال: " ~~ولذلك " ولم يقل ولتلك، والرحمة مؤنثة لأنه مصدر، وأيضا فإن تأنيث الرحمة ~~غير حقيقي، فحملت على معنى الفضل. وقيل. الإشارة بذلك للاختلاف والرحمة، ~~وقد يشار ب " ذلك " إلى شيئين متضادين، كقوله تعالى: # " لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك " (2) [البقرة: 68] ولم يقل بين ذينك ولا ~~تينك، وقال: " والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما ~~" (3) [الفرقان: 67] وقال: " ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك ~~سبيلا " (4) [الإسراء: 110] وكذلك قوله: " قل بفضل الله وبرحمته فبذلك ~~فليفرحوا " (5) [يونس: 58] وهذا أحسن الأقوال إن شاء الله تعالى، لأنه يعم، ~~أي ولما ذكر خلقهم، وإلى هذا أشار مالك رحمه الله فيما روى عنه أشهب، قال ~~أشهب: سألت مالكا عن هذه الآية قال: خلقهم ليكون فريق في الجنة وفريق في ~~السعير، أي خلق أهل الاختلاف للاختلاف، وأهل الرحمة للرحمة. وروي عن ابن ~~عباس أيضا قال: خلقهم فريقين، فريقا يرحمه وفريقا لا يرحمه. # قال المهدوي: وفي الكلام على هذا التقدير تقديم وتأخير، المعنى: ولا ~~يزالون مختلفين إلا من رحم ربك، وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس ~~أجمعين، ولذلك خلقهم. # وقيل: هو. متعلق بقوله " ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود " [هود: ~~103] والمعنى: # ولشهود ذلك اليوم خلقهم. وقيل: هو متعلق بقوله: " فمنهم شقي وسعيد " ~~[هود: 105] أي للسعادة والشقاوة خلقهم. # قوله تعالى: (وتمت كلمة ربك) معنى " تمت " ثبت ذلك كما أخبر وقدر في ~~أزله، وتمام الكلمة امتناعها عن قبول التغيير والتبديل. (لأملأن جهنم من ~~الجنة والناس أجمعين) " من " لبيان الجنس، أي من جنس الجنة وجنس الناس. " ~~أجمعين " تأكيد، وكما أخبر أنه يملأ ناره كذلك أخبر على لسان نبيه [صلى ~~الله (6) عليه وسلم] أنه يملأ جنته بقوله: " ولكل واحدة منكما ملؤها ". ~~خرجه البخاري من حديث أبي هريرة وقد تقدم. # PageV09P115 # قوله تعالى: وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه ~~الحق ms3226 وموعظة وذكرى للمؤمنين (120) قوله تعالى: (وكلا نقص عليك) " كلا " نصب ~~ب " نقص " معناه وكل الذي تحتاج إليه من أنباء الرسل نقص عليك. وقال ~~الأخفش: " كلا " حال مقدمة، كقولك: # كلا ضربت القوم. (من أنباء الرسل) أي من أخبارهم وصبرهم على أذى قومهم. # (ما نثبت به فؤادك) أي على أداء الرسالة، والصبر على ما ينالك فيها من ~~الأذى. وقيل: # نزيدك به تثبيتا ويقينا. وقال ابن عباس: ما نشد به قلبك. وقال ابن جريج: ~~نصبر به قلبك حتى لا تجزع. وقال أهل المعاني: نطيب، والمعنى متقارب. و " ما ~~" بدل من " كلا " المعنى: نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك. ~~(وجاءك في هذه الحق) أي في هذه السورة، عن ابن عباس وأبي موسى وغيرهما، وخص ~~هذه السورة لأن فيها أخبار الأنبياء والجنة والنار. وقيل: خصها بالذكر ~~تأكيدا وإن كان الحق في كل القرآن. # وقال قتادة والحسن: المعنى في هذه الدنيا، يريد النبوة. (وموعظة وذكرى ~~للمؤمنين) الموعظة ما يتعظ به من إهلاك الأمم الماضية، والقرون الخالية ~~المكذبة، وهذا تشريف لهذه السورة، لأن غيرها من السور قد جاء فيها الحق ~~والموعظة (1) والذكرى ولم يقل فيها كما قال في هذه على التخصيص. " وذكرى ~~للمؤمنين " أي يتذكرون ما نزل بمن هلك فيتوبون، وخص المؤمنين لأنهم ~~المتعظون إذا سمعوا قصص الأنبياء. # قوله تعالى: وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون (121) ~~وانتظروا إنا منتظرون (122) ولله غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر كله ~~فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون (123) # PageV09P116 # قوله تعالى: (وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم) تهديد ووعيد. # (إنا عاملون. وانتظروا إنا منتظرون) تهديد آخر، وقد تقدم معناه. # قوله تعالى: (ولله غيب السماوات والأرض) أي غيبهما وشهادتهما، فحذف ~~لدلالة المعنى. وقال ابن عباس: خزائن السماوات والأرض وقال الضحاك: جميع ما ~~غاب عن العباد فيهما. وقال الباقون: غيب السماوات والأرض نزول العذاب من ~~السماء وطلوعه من الأرض. وقال أبو علي الفارسي: " ولله غيب السماوات والأرض ~~" أي علم ما غاب فيهما، أضاف الغيب وهو مضاف ms3227 إلى المفعول توسعا، لأنه حذف ~~حرف الجر، تقول: # غبت في الأرض وغبت ببلد كذا. (وإليه يرجع الأمر كله) أي يوم القيامة، إذ ~~ليس لمخلوق أمر إلا بإذنه. وقرأ نافع وحفص " يرجع " بضم الياء وبفتح الجيم، ~~أي يرد. # (فاعبده وتوكل عليه) أي ألجأ إليه وثق به. (وما ربك بغافل عما تعملون) أي ~~يجازي كلا بعمله. وقرأ أهل المدينة والشام وحفص بالتاء على المخاطبة. ~~الباقون بياء على الخبر. # قال الأخفش سعيد: " يعملون " إذا لم يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم ~~معهم، قال: # بعضهم وقال: " تعملون " بالتاء لأنه خاطب النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ~~قل لهم " وما ربك بغافل عما تعملون ". وقال كعب الأحبار: خاتمة التوراة ~~خاتمة " هود " من قول: " ولله غيب السماوات والأرض " إلى آخر السورة. تمت ~~سورة " هود " ويتلوها سورة " يوسف " عليه السلام. PageV09P117 # بسم الله الرحمن الرحيم سورة يوسف عليه السلام وهي مكية كلها. وقال ابن ~~عباس وقتادة: إلا أربع آيات منها. وروي أن اليهود سألوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن قصة يوسف فنزلت السورة، وسيأتي. وقال سعد ابن أبي وقاص: أنزل ~~القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلاه عليهم زمانا فقالوا: # لو قصصت علينا، فنزل: " نحن نقص عليك " [يوسف: 3] فتلاه عليهم زمانا ~~فقالوا: لو حدثتنا، فأنزل: # " الله نزل أحسن الحديث " (1) [الزمر: 23]. قال العلماء: وذكر الله ~~أقاصيص الأنبياء في القرآن وكررها بمعنى واحد في وجوه مختلفة، بألفاظ ~~متباينة على درجات البلاغة، وقد ذكر قصة يوسف ولم يكررها، فلم يقدر مخالف ~~على معارضة ما تكرر، ولا على معارضة غير المتكرر، والإعجاز لمن تأمل. # قوله تعالى: الر تلك آيات الكتب المبين (1) قوله تعالى: (الر) (2) تقدم ~~القول فيه، والتقدير هنا: تلك آيات الكتاب، على الابتداء والخبر. وقيل: " ~~الر " اسم السورة، أي هذه السورة المسماة " الر " (تلك آيات الكتاب المبين) ~~يعني [بالكتاب (3) المبين] القرآن المبين، أي المبين حلاله وحرامه، وحدوده ~~وأحكامه وهداه وبركته. وقيل: أي هذه تلك الآيات التي كنتم توعدون بها في ~~التوراة. # قوله تعالى: إنا أنزلناه قرأنا عربيا ms3228 لعلكم تعقلون (2) قوله تعالى: (إنا ~~أنزلناه قرآنا عربيا) يجوز أن يكون المعنى: إنا أنزلنا القرآن عربيا، نصب " ~~قرآنا " على الحال، أي مجموعا. و " عربيا " نعت لقوله " قرآنا ". ويجوز أن ~~يكون توطئة للحال، كما تقول: مررت بزيد رجلا صالحا، و " عربيا " على الحال، # PageV09P118 # أي يقرأ بلغتكم يا معشر العرب. أعرب بين، ومنه الثيب تعرب عن نفسها. # (لعلكم تعقلون) أي لكي تعلموا معانيه، وتفهموا ما فيه. وبعض العرب يأتي ~~بأن مع " لعل " تشبيها بعسى. واللام في " لعل " زائدة للتوكيد، كما قال ~~الشاعر (1): # يا أبتا علك أو عساكا وقيل: " لعلكم تعقلون " أي لتكونوا على رجاء من ~~تدبره، فيعود معنى الشك إليهم لا إلى الكتاب، ولا إلى الله عز وجل. وقيل: ~~معنى " أنزلناه " أي أنزلنا خبر يوسف، قال النحاس: وهذا أشبه بالمعنى، لأنه ~~يروى أن اليهود قالوا: سلوه لم انتقل آل يعقوب من الشام إلى مصر؟ وعن خبر ~~يوسف، فأنزل الله عز وجل هذا بمكة موافقا لما في التوراة، وفيه زيادة ليست ~~عندهم. فكان هذا للنبي صلى الله عليه وسلم - إذ أخبرهم ولم يكن يقرأ كتابا ~~[قط] (2) ولا هو في موضع كتاب - بمنزلة إحياء عيسى عليه السلام الميت على ~~ما يأتي فيه. # قوله تعالى: نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت ~~من قبله لمن الغافلين (3) قوله تعالى: (نحن نقص عليك) ابتداء وخبره. (أحسن ~~القصص) بمعنى المصدر، والتقدير: قصصنا أحسن القصص. وأصل القصص تتبع الشئ، ~~ومنه قول تعالى: # " وقالت لأخته قصيه " (3) [القصص: 11] أي تتبعي أثره، فالقاص يتبع الآثار ~~فيخبر بها. والحسن يعود إلى القصص لا إلى القصة. يقال: فلان حسن الاقتصاص ~~للحديث أي جيد السياقة له. وقيل: # القصص ليس مصدرا، بل هو في معنى الاسم، كما يقال: الله رجاؤنا، أي مرجونا ~~فالمعنى على هذا: نحن نخبرك بأحسن الأخبار. (بما أوحينا إليك) أي بوحينا ف‍ ~~" ما " مع الفعل بمنزلة المصدر. (هذا القرآن) نصب القرآن على أنه نعت لهذا، ~~أو بدل منه، أو عطف بيان. وأجاز الفراء الخفض، قال: على التكرير، وهو ms3229 عند ~~البصريين على البدل من " ما ". # PageV09P119 # وأجاز أبو إسحاق الرفع على إضمار مبتدأ، كان سائلا سأله عن الوحي فقيل ~~له: هو [هذا] (1) القرآن. (وإن كنت من قبله لمن الغافلين) أي من الغافلين ~~عما عرفناكه (1). # مسألة: - وأختلف العلماء لم سميت هذه السورة أحسن القصص من بين سائر ~~الأقاصيص؟ فقيل: لأنه ليست قصة في القرآن تتضمن من العبر والحكم ما تتضمن ~~هذه القصة، وبيانه قوله في آخرها: " لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب " ~~(2) [يوسف: 111]. وقيل: # سماها أحسن القصص لحسن مجاوزة يوسف عن إخوته، وصبره على أذاهم، وعفوه ~~عنهم - بعد الالتقاء بهم - عن ذكر ما تعاطوه، وكرمه في العفو عنهم، حتى ~~قال: # " لا تثريب عليكم اليوم " (2) [يوسف: 92]. وقيل: لأن فيها ذكر الأنبياء ~~والصالحين والملائكة والشياطين، والجن والإنس والأنعام والطير، وسير الملوك ~~والممالك، والتجار والعلماء والجهال، والرجال والنساء وحيلهن ومكرهن، وفيها ~~ذكر التوحيد والفقه والسير وتعبير الرؤيا، والسياسة والمعاشرة وتدبير ~~المعاش، وجمل الفوائد التي تصلح للدين والدنيا. وقيل لأن فيها ذكر الحبيب ~~والمحبوب وسيرهما. وقيل: " أحسن " هنا بمعنى أعجب. وقال بعض أهل المعاني: ~~إنما كانت أحسن القصص لأن كل من ذكر فيها كان مآله السعادة، انظر إلى يوسف ~~وأبيه وإخوته، وامرأة العزيز، قيل: والملك أيضا أسلم بيوسف وحسن إسلامه، ~~ومستعبر الرؤيا الساقي، والشاهد فيما يقال: فما كان أمر الجميع إلا إلى ~~خير. # قوله تعالى: إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس ~~والقمر رأيتهم لي ساجدين (4) قوله تعالى: (إذ قال يوسف) " إذ " في موضع نصب ~~على الظرف، أي أذكر لهم حين قال يوسف. وقراءة العامة بضم السين. وقرأ طلحة ~~بن مصرف " يؤسف " بالهمز وكسر السين. وحكى أبو زيد: " يؤسف " بالهمزة وفتح ~~السين. ولم ينصرف لأنه أعجمي، وقيل: # هو عربي. وسئل أبو الحسن الأقطع - وكان حكيما - عن " يوسف " فقال: الأسف ~~في اللغة # PageV09P120 # الحزن، والأسيف العبد، وقد اجتمعا في يوسف، فلذلك سمي يوسف. (لأبيه يا ~~أبت) بكسر التاء قراءة أبي عمرو وعاصم ونافع وحمزة والكسائي، وهي عند ~~البصريين علامة التأنيث أدخلت ms3230 على الأب في النداء خاصة بدلا من ياء ~~الإضافة، وقد تدخل علامة التأنيث على المذكر فيقال: رجل نكحة وهزأة، قال ~~النحاس: إذا قلت " يا أبت " بكسر التاء فالتاء عند سيبويه بدل من ياء ~~الإضافة، ولا يجوز على قوله الوقف إلا بالهاء، وله على قوله دلائل: # منها - أن قولك: " يا أبه " يؤدي عن معنى " يا أبي "، وأنه لا يقال: " يا ~~أبت " إلا في المعرفة، ولا يقال: جاءني أبت، ولا تستعمل العرب هذا إلا في ~~النداء خاصة، ولا يقال: " يا أبتي " لأن التاء بدل من الياء فلا يجمع ~~بينهما. وزعم الفراء أنه إذا قال: " يا أبت " فكسر دل على الياء لا غير، ~~لأن الياء في النية. وزعم أبو إسحاق أن هذا خطأ، والحق ما قال، كيف تكون ~~الياء في النية وليس يقال: " يا أبتي "؟ وقرأ أبو جعفر والأعرج وعبد الله ~~بن عامر " يا أبت " بفتح التاء، قال البصريون: أرادوا " يا أبتي " بالياء، ~~ثم أبدلت الياء ألفا فصارت " يا أبتا " فحذفت الألف وبقيت الفتحة على ~~التاء. وقيل: الأصل الكسر، ثم أبدل من الكسرة فتحة، كما يبدل من الياء ألف ~~فيقال: يا غلاما أقبل. وأجاز الفراء " يا أبت " بضم التاء. (أنى رأيت أحد ~~عشر كوكبا) ليس بين النحويين اختلاف أنه يقال: جاءني أحد عشر، ورأيت ومررت ~~بأحد عشر، وكذلك ثلاثة عشر وتسعة عشر وما بينهما، جعلوا الا سمين اسما ~~واحدا وأعربوهما بأخف الحركات. قال السهيلي: أسماء هذه الكواكب جاء ذكرها ~~مسندا، رواه الحارث بن أبي أسامة قال: جاء بستانة - وهو رجل من أهل الكتاب ~~- فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الأحد عشر كوكبا الذي رأى يوسف فقال: " ~~الحرثان (1) والطارق والذيال وقابس والمصبح (2) والضروح (3) وذو الكنفات ~~وذو القرع والفليق ووثاب والعمودان، رآها يوسف عليه السلام تسجد له ". قال ~~ابن عباس وقتادة: الكواكب إخوته، والشمس أمه، والقمر أبوه. وقال قتادة ~~أيضا: الشمس خالته، لأن أمه كانت قد ماتت، وكانت خالته تحت # PageV09P121 # أبيه. (رأيتهم) توكيد. وقال: " رأيتهم لي ساجدين " فجاء مذكرا، فالقول ~~عند الخليل وسيبويه أنه ms3231 لما أخبر عن هذه الأشياء بالطاعة السجود وهما من ~~أفعال من يعقل أخبر عنهما كما يخبر عمن يعقل. وقد تقدم هذا المعنى في قوله: ~~" وتراهم ينظرون إليك (1) ". والعرب تجمع مالا يعقل جمع من يعقل إذا أنزلوه ~~منزله، وإن كان خارجا عن الأصل. قوله تعالى: قال يبنى لا تقصص رؤياك على ~~إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للإنسان عدو مبين (5) وفيه إحدى عشرة ~~مسألة: # الأولى - قوله تعالى: (فيكيدوا لك كيدا) أي يحتالون في هلاكك، لأن ~~تأويلها ظاهر، فربما يحملهم الشيطان على قصدك بسوء حينئذ. واللام في " لك " ~~تأكيد، كقوله: " إن كنتم للرؤيا تعبرون ". # الثانية - الرؤيا حالة شريفة، ومنزلة رفيعة، قال صلى الله عليه وسلم: " ~~لم يبق بعدي من المبشرات إلا الرؤيا الصالحة الصادقة يراها الرجل الصالح أو ~~ترى له ". وقال: # أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثا ". وحكم صلى الله عليه وسلم بأنها جزء من ستة ~~وأربعين جزءا من النبوة، وروى " من سبعين جزءا من النبوة ". وروى من حديث ~~ابن عباس رضي الله عنهما " جزءا من أربعين جزءا من النبوة ". ومن حديث ابن ~~عمر " جزء من تسعة وأربعين جزءا ". ومن حديث العباس " جزء من خمسين جزءا من ~~النبوة ". ومن حديث أنس " من ستة وعشرين " وعن عبادة بن الصامت " من أربعة ~~وأربعين من النبوة ". والصحيح منها حديث الستة والأربعين، ويتلوه في الصحة ~~حديث السبعين، ولم يخرج مسلم في صحيحه غير هذين الحديثين، أما سائرها فمن ~~أحاديث الشيوخ، قاله ابن بطال. قال أبو عبد الله المازوي: # والأكثر والأصح عند أهل الحديث " من ستة وأربعين ". قال الطبري: والصواب ~~أن # PageV09P122 # يقال إن عامة هذه الأحاديث أو أكثرها صحاح، ولكل حديث منها مخرج معقول، ~~فأما قوله: # " إنها جزء من سبعين جزءا من النبوة " فإن ذلك قول عام في كل رؤيا صالحة ~~صادقة، ولكل مسلم رآها في منامه على أي أحواله كان، وأما قوله: " إنها من ~~أربعين - أو - ستة وأربعين " فإنه يريد بذلك من كان صاحبها بالحال التي ~~ذكرت عن الصديق - رضي الله عنه - أنه كان بها، فمن كان من ms3232 أهل إسباغ الوضوء ~~في السبرات (1)، والصبر في الله على المكروهات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، ~~فرؤياه صالحة - إن شاء الله - جزء من أربعين جزءا من النبوة، ومن كانت حاله ~~في ذاته بين ذلك فرؤياه الصادقة بين جزءين، ما بين الأربعين إلى الستين، ~~ولا تنقص عن سبعين، وتزيد على الأربعين، وإلى هذا المعنى أشار أبو عمر ابن ~~عبد البر فقال: اختلاف الآثار في هذا الباب في عدد أجزاء الرؤيا ليس ذلك ~~عندي اختلاف متضاد متدافع - والله أعلم - لأنه يحتمل أن تكون الرؤيا ~~الصالحة من بعض من يراها على حسب ما يكون من صدق الحديث، وأداء الأمانة، ~~والدين المتين، وحسن اليقين، فعلى قدر اختلاف الناس فيما وصفناه تكون ~~الرؤيا منهم على الأجزاء المختلفة العدد، فمن خلصت نيته في عبادة ربه ~~ويقينه وصدق حديثه، كانت رؤياه أصدق، وإلى النبوة أقرب: كما أن الأنبياء ~~يتفاضلون، قال الله تعالى: " ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض (2) ". # قلت: فهذا التأويل يجمع شتات الأحاديث، وهو أولى من تفسير بعضها دون ~~البعض وطرحه، ذكره أبو سعيد الأسفاقسي (3) عن بعض أهل العلم قال: معنى ~~قوله: " جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة " فإن الله تعالى أوحى إلى محمد ~~صلى الله عليه وسلم في النبوة ثلاثة وعشرين عاما - فيما رواه عكرمة وعمرو ~~بن دينار عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما - فإذا نسبنا ستة أشهر من ثلاثة ~~وعشرين عاما وجدنا ذلك جزءا من ستة وأربعين جزءا، وإلى هذا القول أشار ~~المازري في كتابه " المعلم " واختاره القونوى (4) في تفسيره من سورة " يونس ~~" عند قوله تعالى: " لهم البشرى في الحياة الدنيا ". وهو فاسد من وجهين: # PageV09P123 # أحدهما - ما رواه أبو سلمة عن ابن عباس وعائشة بأن مدة الوحي كانت عشرين ~~سنة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث على رأس أربعين، فأقام بمكة عشر ~~سنين، وهو قول عروة والشعبي وابن شهاب والحسن وعطاء والخراساني وسعيد بن ~~المسيب على اختلاف عنه، وهي رواية ربيعة وأبى غالب عن أنس، وإذا ثبت هذا ~~الحديث (1) بطل ذلك التأويل - الثاني: ms3233 أن سائر الأحاديث في الأجزاء ~~المختلفة تبقى بغير معنى. # الثالثة - إنما كانت الرؤيا جزءا من النبوة، لأن فيها ما يعجز ويمتنع ~~كالطيران، وقلب الأعيان، والاطلاع على شئ من علم الغيب، كما قال عليه ~~السلام: " إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصادقة في النوم " ~~الحديث. وعلى الجملة فإن الرؤيا الصادقة من الله، وأنها من النبوة، قال صلى ~~الله عليه وسلم: " الرؤيا من الله والحلم من الشيطان " وأن التصديق بها حق، ~~ولها التأويل الحسن، وربما أغنى بعضها عن التأويل، وفيها من بديع الله ~~ولطفه ما يزيد المؤمن في إيمانه، ولا خلاف في هذا بين أهل الدين والحق من ~~أهل الرأي والأثر، ولا ينكر الرؤيا إلا أهل الإلحاد وشر ذمة من المعتزلة. # الرابعة - إن قيل: إذا كانت الرؤيا الصادقة جزءا من ا لنبوة فكيف يكون ~~الكافر والكاذب والمخلط أهلا لها؟ وقد وقعت من بعض الكفار وغيرهم ممن لا ~~يرضى دينه منامات صحيحه صادقة، كمنام رؤيا الملك الذي رأى سبع بقرات، ومنام ~~الفتيين في السجن، ورؤيا بختنصر، التي فسرها دانيال في ذهاب ملكه، ورؤيا ~~كسرى في ظهور النبي صلى الله عليه وسلم، ومنام عاتكة، عمة رسول الله صلى ا ~~لله عليه وسلم في أمره وهي كافرة، وقد ترجم البخاري " باب رؤيا أهل السجن " ~~- فالجواب أن الكافر والفاجر والفاسق والكاذب وإن صدقت رؤياهم في بعض ~~الأوقات لا تكون من الوحي ولا من النبوة، إذ ليس كل من صدق في حديثه عن غيب ~~يكون خبره ذلك نبوة، وقد تقدم في " الأنعام " (2) أن الكاهن وغيره قد يخبر ~~بكلمة الحق فيصدق، لكن ذلك على الندور والقلة، فكذلك رؤيا هؤلاء، قال ~~المهلب: إنما ترجم البخاري # PageV09P124 # بهذا لجواز أن تكون رؤيا أهل الشرك رؤيا صادقة، كما كانت رؤيا الفتيين ~~صادقة، إلا أنه لا يجوز أن تضاف إلى النبوة إضافة رؤيا المؤمن إليها، إذ ~~ليس كل ما يصح له تأويل من الرؤيا حقيقة يكون جزءا من النبوة. # الخامسة - الرؤيا المضافة إلى الله تعالى التي خلصت من الأضغاث والأوهام، ~~وكان ms3234 تأويلها موافقا لما في اللوح المحفوظ، والتي هي من خبر (1) الأضغاث هي ~~الحلم، وهي المضافة إلى الشيطان، وإنما سميت ضغثا، لأن فيها أشياء متضادة، ~~قال معناه المهلب. # وقد قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم الرؤيا أقساما تغنى عن قول كل ~~قائل، روى عوف ابن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الرؤيا ~~ثلاثة منها أهاويل الشيطان ليحزن ابن آدم ومنها ما يهتم به في يقظته فيراه ~~في منامه ومنها جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة،. قال قلت: سمعت هذا من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال نعم! سمعته من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. # السادسة - قوله تعالى: (قال يبنى لا تقصص رؤياك على إخوتك) الآية. # الرؤيا مصدر رأى في المنام، رؤيا على وزن فعلى كالسقيا والبشرى، وألفه ~~للتأنيث ولذلك لم ينصرف. وقد اختلف العلماء في حقيقة الرؤيا، فقيل: هي ~~إدراك في أجزاء لم تحلها آفة، كالنوم المستغرق وغيره، ولهذا أكثر ما تكون ~~الرؤيا في آخر الليل لقلة غلبة النوم، فيخلق الله تعالى للرائي علما ناشئا، ~~ويخلق له الذي يراه على ما يراه ليصح الإدراك، قال ابن العربي: # ولا يرى في المنام إلا ما يصح إدراكه في اليقظة، ولذلك لا يرى في المنام ~~شخصا قائما قاعدا بحال، وإنما يرى الجائزات المعتادات. وقيل إن لله ملكا ~~يعرض المرئيات على المحل المدرك من النائم، فيمثل له صورا محسوسة، فتارة ~~تكون تلك الصور أمثلة موافقة لما يقع في الوجود، وتارة تكون لمعاني معقولة ~~غير محسوسة، وفى الحالتين تكون مشرة أو منذرة، قال صلى الله عليه وسلم في ~~صحيح مسلم وغيره: " رأيت سوداء (2) ثائرة الرأس تخرج من المدينة إلى مهيعة ~~(3) فأولتها الحمى ". # PageV09P125 # و " رأيت سيفي قد انقطع صدره وبقرا تنحر فأولتها رجل من أهل بيتي يقتل ~~والبقر نفر من أصحابي يقتلون ". و " رأيت أنى أدخلت يدي في درع حصينة ~~فأولتها المدينة ". و " رأيت في يدي سوارين فأولتهما كذابين يخرجان بعدي ". ~~إلى غير ذلك مما ضربت له الأمثال، ومنها ما ms3235 يظهر معناه أولا [فأول] (1)، ~~ومنها ما لا يظهر إلا بعد التفكر، وقد رأى النائم في زمن يوسف عليه السلام ~~بقرا فأولها يوسف السنين، ورأى أحد عشر كوكبا فأولها بإخوته وأبويه. # السابعة - إن قيل: إن يوسف عليه السلام كان صغيرا حين رؤياه، والصغير ~~لاحكم لفعله، فكيف تكون له رؤيا لها حكم حتى يقول له أبوه: " لا تقصص رؤياك ~~على إخوتك "؟ فالجواب - أن الرؤيا إدراك حقيقة على ما قدمناه، فتكون من ~~الصغير كما يكون منه الإدراك الحقيقي في اليقظة، وإذا أخبر عما رأى صدق، ~~فكذلك إذا أخبر عما يرى في المنام، وقد أخبر الله سبحانه عن رؤياه وأنها ~~وجدت كما رأى فلا اعتراض، ورى أن يوسف عليه السلام كان ابن اثنتي عشرة سنة. # الثامنة - هذه الآية أصل في ألا نقص الرؤيا على غير شفيق ولا ناصح، ولا ~~على من لا يحسن التأويل فيها، روى أبو رزين العقيلي أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " الرؤيا جزء من أربعين جزءا من النبوة ". و " الرؤيا معلقة برجل طائر ما ~~لم يحدث بها صاحبها فإذا حدث بها وقعت فلا تحدثوا بها إلا عاقلا أو محبا أو ~~ناصحا " أخرجه الترمذي وقال فيه: # حديث حسن صحيح، وأبو رزين اسمه لقيط بن عامر. وقيل لمالك: أيعبر الرؤيا ~~كل أحد؟ فقال: أبالنبوة يلعب؟ وقال مالك: لا يعبر الرؤيا إلا من يحسنها، ~~فإن رأى خيرا أخبر به، وإن رأى مكروها فليقل خيرا أو ليصمت، قيل: فهل ~~يعبرها على الخير وهي عنده على المكروه لقول من قال إنها على ما تأولت ~~عليه؟ فقال: لا! ثم قال: الرؤيا جزء من النبوة فلا يتلاعب بالنبوة. # التاسعة - وفى هذه الآية دليل على أن مباحا أن يحذر المسلم (2) أخاه ~~المسلم ممن يخافه عليه، ولا يكون داخلا في معنى الغيبة، لأن يعقوب - عليه ~~السلام - قد حذر يوسف أن # PageV09P126 # يقص رؤياه على إخوته فيكيدوا له، وفيها ما يدل على جواز ترك إظهار النعمة ~~عند من تخشى غائلته حسدا وكيدا، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " استعينوا ~~على ms3236 [إنجاح] (1) حوائجكم بالكتمان فإن كل ذي نعمة محسود ". وفيها دليل واضح ~~على معرفة يعقوب عليه السلام بتأويل الرؤيا، فإنه علم من تأويلها أنه سيظهر ~~عليهم، ولم يبال بذلك من نفسه، فإن الرجل يود أن يكون ولده خير منه، والأخ ~~لا يود ذلك لأخيه. ويدل أيضا على أن يعقوب عليه السلام كان أحس من بنيه حسد ~~يوسف وبغضه، فنهاه عن قصص (2) الرؤيا عليهم خوفا أن تغل بذلك صدورهم، ~~فيعملوا الحيلة في هلاكه، ومن هذا ومن فعلهم بيوسف يدل على أنهم كانوا غير ~~أنبياء في ذلك الوقت، ووقع في كتاب الطبري لابن زيد أنهم كانوا أنبياء، ~~وهذا يرده القطع بعصمة الأنبياء عن الحسد الدنيوي، وعن عقوق الآباء، وتعريض ~~مؤمن للهلاك، والتآمر في قتله، ولا التفات لقول من قال إنهم كانوا أنبياء، ~~ولا يستحيل في العقل زلة نبي، إلا أن هذه الزلة قد جمعت أنواعا من الكبائر، ~~وقد أجمع المسلمون على عصمتهم منها، وإنما اختلفوا في الصغائر على ما تقدم ~~ويأتي. # العاشرة - روى البخاري عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: " لم يبق من النبوة إلا المبشرات " قالوا: وما المبشرات؟ قال: " ~~الرؤيا الصالحة " وهذا الحديث بظاهره يدل على أن الرؤيا بشرى على الإطلاق ~~وليس كذلك، فإن الرؤيا الصادقة قد تكون منذرة من قبل الله تعالى لا تسر ~~رائيها، وإنما يريها الله تعالى المؤمن رفقا به ورحمة، ليستعد لنزول البلاء ~~قبل وقوعه، فإن أدرك تأولها بنفسه، وإلا سأل عنها من له أهلية ذلك. وقد رأى ~~الشافعي رضي الله عنه وهو بمصر رؤيا لأحمد بن حنبل تدل على محنته فكتب إليه ~~بذلك ليستعد لذلك، وقد تقدم في " يونس " في تفسير قوله تعالى: " لهم البشرى ~~في الحياة الدنيا " (3) [يونس: 64] أنها الرؤيا الصالحة. # وهذا وحديث البخاري مخرجه على الأغلب، والله أعلم. # PageV09P127 # الحادية عشر - روى البخاري عن أبي سلمة قال: لقد كنت أرى الرؤيا فتمرضني ~~حتى سمعت أبا قتادة يقول: وأنا كنت لأرى الرؤيا فتمرضني حتى سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ms3237 يقول: " الرؤيا الحسنة من الله فإذا رأى أحدكم ما يحب ~~فلا يحدث به إلا من يحب وإذا رأى ما يكره فليتعوذ بالله من شرها وليتفل ~~ثلاث مرات ولا يحدث بها أحدا فإنها لن تضره ". قال علماؤنا: فجعل الله ~~الاستعاذة منها مما يرفع أذاها، ألا ترى قول أبي قتادة: # إني كنت لأرى الرؤيا هي أثقل علي من الجبل، فلما سمعت بهذا الحديث كنت لا ~~أعدها شيئا. وزاد مسلم من رواية جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: " إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها فليبصق عن يساره ثلاثا وليتعوذ بالله ~~من الشيطان ثلاثا وليتحول عن جنبه الذي كان عليه ". وفي حديث أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا رأى أحدكم ما يكره فليقم فليصل ". قال ~~علماؤنا: وهذا كله ليس بمتعارض، وإنما هذا الأمر بالتحول، والصلاة زيادة، ~~فعلى الرائي أن يفعل الجميع، والقيام إلى الصلاة يشمل الجميع، لأنه إذا صلى ~~تضمن فعله للصلاة جميع تلك الأمور، لأنه إذا قام إلى الصلاة تحول عن جنبه، ~~وإذا تمضمض تفل وبصق، وإذا قام إلى الصلاة تعوذ ودعا وتضرع لله تعالى في أن ~~يكفيه شرها في حال هي أقرب الأحوال إلى الإجابة، وذلك السحر من الليل. قوله ~~تعالى: وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك وعلى آل ~~يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وأسحق أن ربك عليم حكيم (6) قوله ~~تعالى: (وكذلك يجتبيك ربك) الكاف في موضع نصب، لأنها نعت لمصدر محذوف، ~~وكذلك الكاف في قوله: " كما أتمها على أبويك من قبل " و " ما " كافة. وقيل: # " وكذلك " أي كما أكرمك بالرؤيا فكذلك يجتبيك، ويحسن إليك بتحقيق الرؤيا. ~~قال مقاتل: # بالسجود لك. الحسن: بالنبوة. والاجتباء اختيار معالي الأمور للمجتبى، ~~وأصله من جبيت PageV09P128 # الشئ أي حصلته، ومنه جبيت الماء في الحوض، قال النحاس. وهذا ثناء من الله ~~تعالى على يوسف عليه السلام، وتعديد فيما عدده عليه من النعم التي آتاه ~~الله تعالى، من التمكين في الأرض، وتعليم تأويل الأحاديث، وأجمعوا ms3238 أن ذلك ~~في تأويل الرؤيا. قال عبد الله بن شداد بن الهاد: كان تفسير رؤيا يوسف صلى ~~الله عليه وسلم بعد أربعين سنة، وذلك منتهى الرؤيا. وعنى بالأحاديث ما يراه ~~الناس في المنام، وهي معجزة له، فإنه لم يلحقه فيها خطأ. # وكان يوسف عليه السلام أعلم الناس بتأويلها، وكان نبينا صلى الله عليه ~~وسلم نحو ذلك، وكان الصديق رضي الله عنه من أعبر الناس لها، وحصل لابن ~~سيرين فيها التقدم العظيم، والطبع والإحسان، ونحوه أو قريب منه كان سعيد بن ~~المسيب فيما ذكروا. وقد قيل في تأويل قوله: (ويعلمك من تأويل الأحاديث) أي ~~أحاديث الأمم والكتب ودلائل التوحيد، فهو إشارة إلى النبوة، وهو المقصود ~~بقوله: (ويتم نعمته عليك) أي بالنبوة. # وقيل: بإخراج إخوتك، إليك، وقيل: بإنجائك من كل مكروه. (كما أتمها على ~~أبويك من قبل إبراهيم) بالخلة، وإنجائه من النار. (وإسحق) بالنبوة. وقيل: ~~من الذبح (1)، قاله عكرمة. بما يعطيك. وأعلمه الله تعالى بقوله: " وعلى آل ~~يعقوب " أنه سيعطى بنى يعقوب كلهم النبوة، قاله جماعة من المفسرين. (إن ربك ~~عليم) بما يعطيك. (حكيم) في فعله بك. # قوله تعالى: لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين (7) إذ قالوا ليوسف ~~وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلل مبين (8) اقتلوا يوسف ~~أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما صالحين (9) قوله ~~تعالى: (لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين) يعني، من سأل عن حديثهم. ~~وقرأ أهل مكة " آية " على التوحيد، واختار أبو عبيد " آيات " على الجمع، ~~قال: # لأنها خير كثير. قال النحاس: و " آية " هنا قراءة حسنة، أي لقد كان للذين ~~سألوا عن خبر # PageV09P129 # يوسف آية فيما خبروا به، لأنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو بمكة ~~فقالوا: أخبرنا عن رجل من الأنبياء كان بالشام أخرج ابنه إلى مصر، فبكى ~~عليه حتى عمي؟ - ولم يكن بمكة أحد من أهل الكتاب، ولا من يعرف خبر ~~الأنبياء، وإنما وجه اليهود [إليهم] (1) من المدينة يسألونه عن هذا - فأنزل ~~الله ms3239 عز وجل سورة " يوسف " جملة واحدة، فيها كل ما في التوراة من خبر ~~وزيادة، فكان ذلك آية للنبي صلى الله عليه وسلم، بمنزلة إحياء عيسى ابن ~~مريم عليه السلام الميت. " آيات " (2) موعظة، وقيل: عبرة. وروي أنها في بعض ~~المصاحف " عبرة ". # وقيل: بصيرة. وقيل: عجب، تقول فلان آية في العلم والحسن أي عجب. قال ~~الثعلبي في تفسيره: لما بلغت الرؤيا إخوة يوسف حسدوه، وقال ابن زيد: كانوا ~~أنبياء، وقالوا: # ما يرضى أن يسجد له إخوته حتى يسجد له أبواه! فبغوه بالعداوة، وقد تقدم ~~رد هذا القول. # قال الله تعالى: (لقد كان في يوسف وإخوته) وأسماؤهم: روبيل وهو أكبرهم، ~~وشمعون ولاوي ويهوذا وزيالون ويشجر، وأمهم ليا بنت ليان، وهي بنت خال ~~يعقوب، وولد له من سريتين أربعة نفر، دان ونفتالي وجاد وآشر، ثم توفيت ليا ~~فتزوج يعقوب أختها راحيل، فولدت له يوسف وبنيامين، فكان بنو يعقوب اثني عشر ~~رجلا. قال السهيلي: وأم يعقوب اسمها رفقا، وراحيل ماتت في نفاس بنيامين، ~~وليان بن ناهر بن آزر هو خال يعقوب. # وقيل: في اسم الأمتين ليا وتلتا، كانت إحداهما لراحيل، والأخرى لأختها ~~ليا، وكانتا قد وهبتاهما ليعقوب، وكان يعقوب قد جمع بينهما، ولم يحل لأحد ~~بعده، لقول الله تعالى: # " وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف " (3) [النساء: 23]. وقد تقدم ~~الرد على ما قاله ابن زيد، والحمد لله. # قوله تعالى: (إذ قالوا ليوسف) " يوسف " رفع بالابتداء، واللام للتأكيد، ~~وهي التي يتلقى بها القسم، أي والله ليوسف. (وأخوه) عطف عليه. (أحب إلى ~~أبينا منا) خبره، ولا يثنى ولا يجمع لأنه بمعنى الفعل، وإنما قالوا هذا لأن ~~خبر المنام بلغهم فتآمروا في كيده. (ونحن عصبة) أي جماعة، وكانوا عشرة. ~~والعصبة ما بين الواحد إلى العشرة، وقيل: إلى الخمسة عشر. وقيل: ما بين ~~الأربعين إلى العشرة، ولا واحد لها من لفظها كالنفر # PageV09P130 # والرهط. (إن أبانا لفي ظلال مبين) لم يريدوا ضلال الدين، إذ لو أرادوه ~~لكانوا كفارا، بل أرادوا لفي ذهاب عن وجه التدبير، في إيثار اثنين على ms3240 عشرة ~~مع استوائهم في الانتساب إليه. وقيل: لفي خطأ بين بإيثاره يوسف وأخاه ~~علينا. # قولته تعالى: (اقتلوا يوسف) في الكلام حذف، أي قال قائل منهم: " اقتلوا ~~يوسف " ليكون أحسم لمادة الأمر. (أو اطرحوه أرضا) أي في أرض، فأسقط الخافض ~~وانتصب الأرض، وأنشد سيبويه فيما حذف منه " في ": # لدن بهز الكف يعسل متنه * فيه كما عسل الطريق الثعلب (1) قال النحاس: إلا ~~أنه في الآية حسن كثير، لأنه يتعدى إلى مفعولين، أحدهما بحرف، فإذا حذفت ~~الحرف تعدى الفعل إليه. والقائل قيل: هو شمعون، قال وهب بن منبه. # وقال كعب الأحبار، دان. وقال مقاتل: روبيل، والله أعلم. والمعنى أرضا ~~تبعد عن أبيه، فلا بد من هذا الإضمار لأنه كان عند أبيه في أرض (2). (يخل) ~~جزم لأنه جواب الأمر، معناه: يخلص ويصفو. (لكم وجه أبيكم) فيقبل عليكم ~~بكليته. (وتكونوا من بعده) أي من بعد الذنب، وقيل: من بعد يوسف. (قوما ~~صالحين) أي تائبين، أي تحدثوا توبة بعد ذلك فيقبلها الله منكم، وفي هذا ~~دليل على أن توبة القاتل مقبولة، لأن الله تعالى لم ينكر هذا القول منهم. ~~وقيل: " صالحين " أي يصلح شأنكم عند أبيكم من غير أثرة ولا تفضيل. # قوله تعالى: قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيبت الجب يلتقطه ~~بعض السيارة إن كنتم فعلين (10) # PageV09P131 # فيه ثلاث عشر مسألة: # الأولى - قوله تعالى: (قال قائل منهم) القائل هو يهوذا، وهو أكبر ولد ~~يعقوب، قاله ابن عباس. وقيل: روبيل، وهو ابن خالته، وهو الذي قال: " فلن ~~أبرح الأرض " [يوسف: 80] [الآية] (2). وقيل: شمعون. (وألقوه في غيابة الجب) ~~قرأ أهل مكة وأهل البصرة وأهل الكوفة " في غيابة الجب ". وقرأ أهل المدينة ~~" في غيابات الجب " واختار أبو عبيد التوحيد، لأنه على موضع واحد ألقوه ~~فيه، وأنكر الجمح لهذا. قال النحاس: وهذا تضييق في اللغة، " وغيابات " على ~~الجمع يجوز [من وجهين]: حكى سيبويه سير عليه عشيانات وأصيلانات، يريد عشية ~~وأصيلا، فجعل كل وقت منها عشية وأصيلا، فكذا جعل كل موضع مما يغيب غيابة. ~~[والآخر - أن يكون في الجب ms3241 غيابات (جماعة). ويقال: غاب يغيب] غيبا وغيابة ~~وغيابا، كما قال الشاعر: # ألا فالبثا شهرين أو نصف ثالث * أنا ذاكما قد غيبتني غيابيا قال الهروي: ~~والغيابة شبه لجف (3) أو طاق في البئر فويق الماء، يغيب الشئ عن العين. # وقال ابن عزيز: كل شئ غيب عنك شيئا فهو غيابة. قلت: ومنه قيل للقبر ~~غيابة، قال الشاعر: # فإن أنا يوما غيبتني غيابتي * فسيروا بسيري في العشيرة والأهل والجب ~~الركية التي لم تطو، فإذا طويت فهي بئر، قال الأعشى: # لئن كنت في جب ثمانين قامة * ورقيت أسباب السماء بسلم (4) وسميت جبا ~~لأنها قطعت في الأرض قطعا، وجمع الجب جببة وجباب وأجباب، وجمع بين الغيابة ~~والجب لأنه أراد القوة في موضع مظلم من الجب حتى لا يلحقه نظر الناظرين. ~~قيل: # PageV09P132 # هو بئر بيت المقدس، وقيل: هو بالأردن، قال وهب بن منبه. مقاتل: وهو على ~~ثلاثة فراسخ من منزل يعقوب. # الثانية - قوله تعالى: (يلتقطه بعض السيارة) جزم على جواب الأمر. وقرأ ~~مجاهد وأبو رجاء والحسن وقتادة: " تلتقطه " بالتاء، وهذا محمول على المعنى، ~~لأن بعض السيارة سيارة، وقال سيبويه: سقطت بعض أصابعه، وأنشد (1): # وتشرق بالقول الذي قد أذعته * كما شرقت صدر القناة من الدم وقال آخر: # أرى مر السنين أخذن مني * كما أخذ السرار (2) من الهلال ولم يقل شرق ولا ~~أخذت. والسيارة الجمع الذي يسيرون في الطريق للسفر، وإنما قال القائل هذا ~~حتى لا يحتاجوا إلى حمله إلى موضع بعيد ويحصل المقصود، فإن من التقطه من ~~السيارة يحمله إلى موضع بعيد، وكان هذا وجها في التدبير حتى لا يحتاجوا إلى ~~الحركة بأنفسهم، فربما لا يأذن لهم أبوهم، وربما يطلع على قصدهم. # الثالثة - وفي هذا ما يدل على أن إخوة يوسف ما كانوا أنبياء لا أولا ولا ~~آخرا، لأن الأنبياء لا يدبرون في قتل مسلم، بل كانوا مسلمين، فارتكبوا ~~معصية ثم تابوا. وقيل: # كانوا أنبياء، ولا يستحيل في العقل زلة نبي، فكانت هذه زلة منهم، وهذا ~~يرده أن الأنبياء معصومون من الكبائر على ما قدمناه. وقيل: ما كانوا ms3242 في ذلك ~~الوقت أنبياء ثم نبأهم الله، وهذا أشبه، والله أعلم. # الرابعة - قال ابن وهب قال مالك: طرح يوسف في الجب وهو غلام، وكذلك روى ~~ابن القاسم عنه، يعني أنه كان صغيرا، والدليل عليه قوله تعالى: " لا تقتلوا ~~يوسف وألقوه # PageV09P133 # في غيابة الجب يلتقطه بعض السيارة " قال: ولا يلتقط إلا الصغير، وقوله: " ~~وأخاف أن يأكله الذئب " [يوسف: 13] وذلك [أمر] (1) يختص بالصغار، وقولهم: " ~~أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون " [يوسف: 12]. # الخامسة - الالتقاط تناول الشئ من الطريق، ومنه اللقيط واللقطة، ونحن ~~نذكر من أحكامها ما دلت عليه الآية والسنة، وما قال في ذلك أهل العلم ~~واللغة، قال ابن عرفة: # الالتقاط وجود الشئ على غير طلب، ومنه قوله تعالى: " يلتقطه بعض السيارة ~~" أي يجده من غير أن يحتسبه. وقد اختلف العلماء في اللقيط، فقيل: أصله ~~الحرية لغلبة الأحرار على العبيد، وروي عن الحسن بن علي أنه قضى بأن اللقيط ~~حر، وتلا " وشروه بثمن بخس دراهم معدودة " [يوسف: 20] وإلى هذا ذهب أشهب ~~صاحب مالك، وهو قول عمر بن الخطاب، وكذلك روي عن علي وجماعة. وقال إبراهيم ~~النخعي: إن نوى رقه فهو مملوك، وإن نوى الحسبة فهو حر. وقال مالك في موطئه: ~~الأمر عندنا في المنبوذ أنه حر، وأن ولاءه لجماعة المسلمين، هم يرثونه ~~ويعقلون عنه، وبه قال الشافعي، واحتج بقوله عليه السلام: " وإنما الولاء ~~لمن أعتق " قال: فنفى الولاء عن غير المعتق. واتفق مالك والشافعي وأصحابهما ~~على أن اللقيط لا يوالي أحدا، ولا يرثه أحد بالولاء. وقال أبو حنيفة ~~وأصحابه وأكثر الكوفيين: # اللقيط يوالي من شاء، فمن ولاه فهو يرثه ويعقل عنه، وعند أبي حنيفة له أن ~~ينتقل بولائه حيث شاء، ما لم يعقل عنه الذي والاه، فإن عقل عنه جناية لم ~~يكن له أن ينتقل عنه بولائه أبدا. وذكر أبو بكر بن أبي شيبة عن علي رضي ~~الله عنه: المنبوذ حر، فان أحب أن يوالي الذي التقطه والاه، وإن أحب أن ~~يوالي غيره والاه، ونحوه عن عطاء، وهو قول ابن شهاب ms3243 وطائفة من أهل المدينة، ~~وهو حر. قال ابن العربي: إنما كان أصل اللقيط الحرية لغلبة الأحرار على ~~العبيد، فقضى بالغالب، كما حكم أنه مسلم أخذا بالغالب، فإن كان في قرية ~~فيها نصارى ومسلمون قال ابن القاسم: يحكم بالأغلب، فإن وجد عليه زي اليهود ~~فهو يهودي، وإن وجد عليه زي النصارى فهو نصراني، وإلا فهو مسلم، إلا أن ~~يكون أكثر أهل القرية # PageV09P134 # على غير الإسلام. وقال غيره: لو لم يكن فيها إلا مسلم واحد قضي للقيط ~~بالإسلام تغليبا لحكم الإسلام الذي يعلو ولا يعلى عليه، وهو مقتضى قول ~~أشهب، قال أشهب: هو مسلم أبدا، لأني أجعله مسلما على كل حال، كما أجعله حرا ~~على كل حال. واختلف الفقهاء في المنبوذ تدل (1) البينة على أنه عبد، فقالت ~~طائفة من أهل المدينة: لا يقبل قولها (2) في ذلك، وإلى هذا ذهب أشهب لقول ~~عمر: هو حر، ومن قضى بحريته لم تقبل البينة في أنه عبد. # وقال ابن القاسم: تقبل البينة في ذلك وهو قول الشافعي والكوفي. # السادسة - قال مالك في اللقيط: إذا أنفق عليه الملتقط ثم أقام رجل البينة ~~أنه ابنه فإن الملتقط يرجع على الأب إن كان طرحه متعمدا، وإن لم يكن طرحه ~~ولكنه ضل منه فلا شئ على الأب، والملتقط متطوع بالنفقة. وقال أبو حنيفة: ~~إذا أنفق على اللقيط فهو متطوع، إلا أن يأمره الحاكم. وقال الأوزاعي: كل من ~~أنفق علي من لا تجب عليه نفقة رجع بما أنفق. وقال الشافعي: إن لم يكن للقيط ~~مال وجبت نفقته في بيت المال، فإن لم يكن ففيه قولان: أحدهما - يستقرض له ~~في ذمته. والثاني - يقسط على المسلمين من غير عوض. # السابعة - وأما اللقطة والضوال فقد اختلف العلماء في حكمهما، فقالت طائفة ~~من أهل العلم: اللقطة والضوال سواء في المعنى، والحكم فيهما سواء، وإلى هذا ~~ذهب أبو جعفر الطحاوي (3)، وأنكر قول أبي عبيد القاسم بن سلام - أن الضالة ~~لا تكون إلا في الحيوان واللقطة غير الحيوان - وقال هذا غلط، واحتج بقوله ~~صلى الله عليه وسلم ms3244 في حديث الإفك للمسلمين: " إن أمكم ضلت قلادتها " فأطلق ~~ذلك على القلادة. # الثامنة - أجمع العلماء على أن اللقطة ما لم تكن تافها يسيرا أو شيئا لا ~~بقاء لها فإنها تعرف حولا كاملا، وأجمعوا أن صاحبها إن جاء فهو أحق بها من ~~ملتقطها إذا ثبت له أنه صاحبها، وأجمعوا أن ملتقطها إن أكلها بعد الحول ~~وأراد صاحبها أن يضمنه فإن ذلك له، وإن تصدق بها فصاحبها مخير بين التضمين ~~وبين أن ينزل على أجرها، فأي ذلك تخير كان # PageV09P135 # ذلك له بإجماع، ولا تنطلق يد ملتقطها عليها بصدقة، ولا تصرف قبل الحول. ~~وأجمعوا أن ضالة الغنم المخوف عليها له أكلها. # التاسعة - واختلف الفقهاء في الأفضل من تركها أو أخذها، فمن ذلك أن في ~~الحديث دليلا على إباحة التقاط اللقطة وأخذ الضالة ما لم تكن إبلا. وقال في ~~الشاة: # " لك أو لأخيك أو للذئب " يحضه على أخذها، ولم يقل في شئ دعوه حتى يضيع ~~أو يأتيه ربه. ولو كان ترك اللقطة أفضل لأمر به رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كما قال في ضالة الإبل، والله أعلم. وجملة مذهب أصحاب مالك أنه في ~~سعة، إن شاء أخذها وإن شاء تركها، هذا قول إسماعيل بن إسحاق رحمه الله. ~~وقال المزني عن الشافعي: لا أحب لأحد ترك اللقطة إن وجدها إذا كان أمينا ~~عليها، قال: وسواء قليل اللقطة وكثيرها. # العاشرة - روى الأئمة مالك وغيره عن زيد بن خالد الجهني قال: جاء رجل إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن اللقطة فقال: " اعرف عفاصها (1) ووكاءها ~~ثم عرفها سنة فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها " قال: فضالة الغنم يا رسول ~~الله؟ قال: " لك أو لأخيك أو للذئب " قال: فضالة الإبل؟ قال: " ما لك ولها ~~معها سقاؤها وحذاؤها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها ". وفي حديث ~~أبي قال: " احفظ عددها ووعاءها ووكاءها فإن جاء صاحبها وإلا فاستمتع بها " ~~ففي هذا الحديث زيادة العدد، خرجه مسلم وغيره. # وأجمع العلماء أن عفاص اللقطة ووكاءها من إحدى علاماتها وأدلها ms3245 عليها، ~~فإذا أتى صاحب اللقطة بجميع أوصافها دفعت له، قال ابن القاسم: يجبر على ~~دفعها، فإن جاء مستحق يستحقها ببينة أنها كانت له لم يضمن الملتقط شيئا، ~~وهل يحلف مع الأوصاف أو لا؟ قولان: الأول لأشهب، والثاني لابن القاسم، ولا ~~تلزمه بينة عند مالك وأصحابه وأحمد بن حنبل وغيرهم. # وقال أبو حنيفة والشافعي: لا تدفع له إلا إذا أقام بينة أنها له، وهو ~~بخلاف نص الحديث، # PageV09P136 # ولو كانت البينة شرطا في الدفع لما كان لذكر العفاص والوكاء والعدد معنى، ~~فإنه يستحقها بالبينة على كل حال، ولما جاز سكوت النبي صلى الله عليه وسلم ~~عن ذلك، فإنه تأخير البيان عن وقت الحاجة. والله أعلم. # الحادية عشرة - نص الحديث على الإبل والغنم وبين حكمهما، وسكت عما عداهما ~~من الحيوان. وقد اختلف علماؤنا في البقر هل تلحق بالإبل أو بالغنم؟ قولان، ~~وكذلك اختلف أئمتنا في التقاط الخيل والبغال والحمير، وظاهر قول ابن القاسم ~~أنها تلتقط، وقال أشهب وابن كنانة: لا تلتقط، وقول ابن القاسم أصح، لقوله ~~عليه السلام: " احفظ على أخيك المؤمن ضالته ". # الثانية عشرة - واختلف العلماء في النفقة على الضوال، فقال مالك فيما ذكر ~~عنه ابن القاسم: إن أنفق الملتقط على الدواب والإبل وغيرها فله أن يرجع على ~~صاحبها بالنفقة، وسواء أنفق عليها بأمر السلطان أو بغير أمره، قال: وله أن ~~يحبس بالنفقة ما أنفق عليه ويكون أحق به كالرهن. وقال الشافعي: إذا أنفق ~~على الضوال من أخذها فهو متطوع، حكاه عنه الربيع. وقال المزني عنه: إذا ~~أمره الحاكم بالنفقة كانت دينا، وما ادعى قبل منه إذا كان مثله قصدا. وقال ~~أبو حنيفة: إذا أنفق على اللقطة والإبل بغير أمر القاضي فهو متطوع، وإن ~~أنفق بأمر القاضي فذلك دين على صاحبها إذا جاء، وله أن يحبسها إذا حضر ~~صاحبها، والنفقة عليها ثلاثة أيام ونحوها، حتى يأمر القاضي ببيع الشاة وما ~~أشبهها ويقضي بالنفقة. # الثالثة عشرة - ليس في قوله صلى الله عليه وسلم في اللقطة بعد التعريف: " ~~فاستمتع بها " أو " فشأنك بها " أو ms3246 " فهي لك " أو " فاستنفقها " أو " ثم ~~كلها " أو " فهو مال الله يؤتيه من يشاء " على ما في صحيح مسلم وغيره، ما ~~يدل على التمليك، وسقوط الضمان عن الملتقط إذا جاء ربها، فان في حديث زيد ~~بن خالد الجهني عن النبي صلى الله عليه وسلم: " فإن لم تعرف (1) # PageV09P137 # فاستنفقها ولتكن وديعة عندك فإن جاء صاحبها يوما من الدهر فأدها إليه " ~~في رواية " ثم كلها فإن جاء صاحبها فأدها إليه " خرجه البخاري ومسلم. وأجمع ~~العلماء على أن صاحبها متى جاء فهو أحق بها، إلا ما ذهب إليه داود من أن ~~الملتقط يملك اللقطة بعد التعريف، لتلك الظواهر، ولا التفات لقوله، لمخالفة ~~الناس، ولقوله عليه السلام: " فأدها إليه ". # قوله تعالى: قالوا يأبانا مالك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون (11) ~~أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون (12) قوله تعالى: (قالوا يا ~~أبانا مالك لا تأمنا على يوسف) قيل للحسن: أيحسد المؤمن؟ # قال: ما أنساك ببني يعقوب! ولهذا قيل: الأب جلاب والأخ سلاب، فعند ذلك ~~أجمعوا على التفريق بينه وبين ولده بضرب من الاحتيال. وقالوا ليعقوب: " يا ~~أبانا ما لك لا تأمنا على يوسف " وقيل: لما تفاوضوا وافترقوا على رأي ~~المتكلم الثاني عادوا إلى يعقوب عليه السلام وقالوا هذا القول. وفيه دليل ~~على أنهم سألوه قبل ذلك أن يخرج معهم يوسف فأبي علي ما يأتي. قرأ يزيد بن ~~القعقاع وعمرو بن عبيد والزهري " لا تأمنا " بالإدغام، وبغير إشمام وهو ~~القياس، لأن سبيل ما يدغم أن يكون ساكنا. وقرأ طلحة بن مصرف " لا تأمننا " ~~بنونين ظاهرتين على الأصل. وقرأ يحيى بن وثاب وأبو رزبن - وروي عن الأعمش - ~~" ولا تيمنا " بكسر التاء، وهي لغة تميم، يقولون: أنت تضرب، وقد تقدم. # وقرأ سائر الناس بالإدغام والإشمام ليدل على حال الحرف قبل إدغامه. (وإنا ~~له لناصحون) أي في حفظه [وحيطته] (1) حتى نرده إليك. قال مقاتل: في الكلام ~~تقديم وتأخير، وذلك أن إخوة يوسف قالوا لأبيهم: " أرسله معنا غدا " الآية، ~~فحينئذ قال أبوهم: " إني ليحزنني أن تذهبوا به ms3247 " [يوسف: 13] فقالوا حينئذ ~~جوابا لقول: " ما لك لا تأمنا على يوسف " الآية. (أرسله معنا غدا) إلى ~~الصحراء. (يرتع ويلعب) " غدا " ظرف، والأصل عند سيبويه غدو، وقد نطق به على ~~الأصل، قال النضر بن شميل: ما بين الفجر وصلاة الصبح يقال له غدوة، # PageV09P138 # وكذا بكرة. " نرتع ونلعب " بالنون وإسكان العين قراءة أهل البصرة. ~~والمعروف من قراءة أهل مكة. " نرتع " بالنون وكسر العين. وقراءة أهل ~~الكوفة. " يرتع ويلعب " بالياء وإسكان العين. وقراءة أهل المدينة بالياء ~~وكسر العين، القراءة الأولى من قول العرب رتع الإنسان والبعير إذا أكلا كيف ~~شاءا، والمعنى: نتسع في الخصب، وكل مخصب راتع، قال: # فارعي فزارة لا هناك المرتع وقال آخر (1): # ترتع ما غفلت حتى إذا ادكرت * فإنما هي إقبال وإدبار وقال آخر (2): # أكفرا بعد رد الموت عني * وبعد عطائك المائة الرتاعا أي الراتعة لكثرة ~~المرعى. وروى معمر عن قتادة " ترتع " تسعى، قال النحاس: أخذه من قوله: " ~~إنا ذهبنا نستبق " لأن المعنى: نستبق في العدو إلى غاية بعينها، وكذا " ~~يرتع " بإسكان العين، إلا أنه ليوسف وحده صلى الله عليه وسلم. و " يرتع " ~~بكسر العين من رعي الغنم، أي ليتدرب بذلك ويترجل، فمرة يرتع، ومرة يلعب ~~لصغره. وقال القتبي " نرتع " نتحارس ونتحافظ، ويرعى بعضنا بعضا، من قولك: ~~رعاك الله، أي حفظك. " ونلعب " من اللعب وقيل لأبي عمرو بن العلاء: كيف ~~قالوا " ونلعب " وهم أنبياء؟ فقال: لم يكونوا يومئذ أنبياء. # وقيل: المراد باللعب المباح من الانبساط، لا اللعب المحظور الذي هو ضد ~~الحق، ولذلك لم ينكر يعقوب قولهم " ونلعب ". ومنه قوله عليه السلام: " فهلا ~~بكرا تلاعبها وتلاعبك " (3). # PageV09P139 # وقرأ مجاهد وقتادة: " يرتع " (1) على معنى يرتع مطيته، فحذف المفعول، " ~~ويلعب " بالرفع على الاستئناف، والمعنى: هو ممن يلعب. (وإنا له لحافظون) من ~~كل ما تخاف عليه. # ثم يحتمل أنهم كانوا يخرجون ركبانا، ويحتمل أنهم كانوا رجالة. وقد نقل ~~أنهم حملوا يوسف على أكتافهم ما دام يعقوب يراهم، ثم لما غابوا عن عينه ~~طرحوه ليعدو معهم إضرارا به. # قوله تعالى: قال إني ليحزنني أن تذهبوا ms3248 به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم ~~عنه غفلون (13) قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون (14) قوله ~~تعالى: (قال إني ليحزنني أن تذهبوا به) في موضع رفع، أي ذهابكم به. أخبر عن ~~حزنه لغيبته. (وأخاف أن يأكله الذئب) وذلك أنه رأى في منامه أن الذئب شد ~~على يوسف، فلذلك خافه عليه، قاله الكلبي. وقيل: إنه رأى في منامه كأنه على ~~ذروة جبل، وكأن يوسف في بطن الوادي، فإذا عشرة من الذئاب قد احتوشته تريد ~~أكله، فدرأ عنه واحد، ثم انشقت الأرض فتوارى يوسف فيها ثلاثة أيام، فكانت ~~العشرة إخوته، لما تمالئوا على قتله، والذي دافع عنه أخوه الأكبر يهوذا، ~~وتواريه في الأرض هو مقامه في الجب ثلاثة أيام. وقيل: # إنما قال ذلك لخوفه منهم عليه، وأنه أرادهم بالذئب، فخوفه إنما كان من ~~قتلهم له، فكنى عنهم بالذئب مساترة لهم، قال ابن عباس: فسماهم ذئابا. وقيل: ~~ما خافهم عليه، ولو خافهم لما أرسله معهم، وإنما خاف الذئب، لأنه أغلب ما ~~يخاف في الصحارى. # والذئب مأخوذ من تذاءبت (2) الريح إذا جاءت من كل وجه، كذا قال أحمد بن ~~يحيى، قال: والذئب مهموز # PageV09P140 # لأنه يجئ من كل وجه. وروى ورش عن نافع " الذيب " بغير همز، لما كانت ~~الهمزة ساكنة وقبلها كسرة فخففها صارت ياء. (وأنتم عنه غافلون) أي مشغلون ~~بالرعي. # قوله تعالى: (قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة) أي جماعة نرى الذئب ثم لا ~~نرده عنه. (إنا إذا لخاسرون) أي في حفظنا أغنامنا، أي إذا كنا لا نقدر على ~~دفع الذئب عن أخينا فنحن أعجز أن ندفعه عن أغنامنا. وقيل: " لخاسرون " ~~لجاهلون بحقه. وقيل: لعاجزون. # قوله تعالى: فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيبت الجب وأوحينا إليه ~~لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون (15) قوله تعالى: (فلما ذهبوا به ~~وأجمعوا أن يجعلوه) " أن " في موضع نصب، أي على أن يجعلوه في غيابة الجب. ~~قيل في القصة: إن يعقوب عليه السلام لما أرسله معهم أخذ عليهم ميثاقا غليظا ~~ليحفظنه، وسلمه إلى روبيل وقال: ms3249 يا روبيل! إنه صغير، وتعلم يا بني شفقتي ~~عليه، فإن جاع فأطعمه، وإن عطش فاسقه، وإن أعيا (1) فاحمله ثم عجل برده ~~إلي. قال: # فأخذوا يحملونه على أكتافهم، لا يضعه واحد إلا رفعه آخر، ويعقوب يشيعهم ~~ميلا ثم رجع، فلما انقطع بصر أبيهم عنهم رماه الذي كان يحمله إلى الأرض حتى ~~كاد ينكسر، فالتجأ إلى آخر فوجد عند كل واحد منهم أشد مما عند الآخر من ~~الغيظ والعسف، فاستغاث بروبيل وقال: " أنت أكبر إخوتي، والخليفة من بعد ~~والدي علي، وأقرب الإخوة إلي، فارحمني وارحم ضعفي " فلطمه لطمة شديدة وقال: ~~لا قرابة بيني وبينك، فادع الأحد عشرك كوكبا فلتنجك منا، فعلم أن حقدهم من ~~أجل رؤياه، فتعلق بأخيه يهوذا وقال: يا أخي! ارحم ضعفي وعجزي وحداثة سني، ~~وارحم قلب أبيك يعقوب، فما أسرع ما تناسيتم وصيته ونقضتم عهده، فرق قلب ~~يهوذا فقال: والله لا يصلون إليك أبدا ما دمت حيا، ثم قال: يا إخوتاه! # إن قتل النفس التي حرم الله من أعظم الخطايا، فردوا هذا الصبي إلى أبيه، ~~ونعاهده # PageV09P141 # ألا يحدث والده بشئ مما جرى أبدا، فقال له إخوته: والله ما تريد إلا أن ~~تكون لك المكانة عند يعقوب، والله لئن لم تدعه لنقتلنك معه، قال: فإن أبيتم ~~إلا ذلك فهاهنا هذا الجب الموحش القفر، الذي هو مأوى الحيات والهوام فألقوه ~~فيه، فإن أصيب بشئ من ذلك فهو المراد، وقد استرحتم من دمه، وإن انفلت على ~~أيدي سيارة يذهبون به إلى أرض فهو المراد، فأجمع رأيهم على ذلك، فهو قول ~~الله تعالى: (فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب) وجواب " لما ~~" محذوف، أي فلما ذهبوا به وأجمعوا على طرحه في الجب عظمت فتنتهم. وقيل: ~~جواب " لما " قولهم: " قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق " [يوسف: 17]. وقيل: # التقدير فلما ذهبوا به من عند أبيهم وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب ~~جعلوه فيها، هذا على مذهب البصريين، وأما على قول الكوفيين فالجواب. " ~~أوحينا " والواو مقحمة، والواو عندهم تزاد مع لما وحتى، قال الله ms3250 تعالى: " ~~حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها " (1) [الزمر: 73] أي فتحت وقوله: " حتى إذا ~~جاء أمرنا وفار التنور " (2) [هود: 40] أي فار. قال امرؤ القيس: # فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى (3) أي انتحى، ومنه قوله تعالى: " فلما ~~أسلما وتله للجبين وناديناه " [الصافات: 103 - 104] أي ناديناه (1). وفى ~~قوله: # (وأوحينا إليه) دليل على نبوته في ذلك الوقت. قال الحسن ومجاهد والضحاك ~~وقتادة: # أعطاه الله النبوة وهو في الجب على حجر مرتفع عن الماء. وقال الكلبي: ~~ألقى في الجب وهو ابن ثماني عشرة سنة، فما كان صغيرا، ومن قال كان صغيرا ~~فلا يبعد في العقل أن يتنبأ الصغير ويوحى إليه. وقيل: كان وحى إلهام كقوله: ~~" وأوحى ربك إلى النحل " (4). وقيل: كان مناما، والأول أظهر - والله أعلم - ~~وأن جبريل جاءه بالوحي. قوله تعالى: (لتنبئنهم بأمرهم هذا) فيه وجهان: ~~أحدهما - أنه أوحى إليه أنه سيلقاهم ويوبخهم على ما صنعوا، فعلى هذا يكون ~~الوحي بعد إلقائه في الجب تقوية لقلبه، وتبشير له بالسلامة. الثاني - أنه ~~أوحى إليه بالذي يصنعون به، فعلى هذا [يكون] الوحي قبل إلقائه # PageV09P142 # في الجب إنذار له. (وهم لا يشعرون) أنك يوسف، وذلك أن الله تعالى أمره ~~لما أفضى إليه الأمر بمصر ألا يخبر أباه وأخوته بمكانه. وقيل: بوحي الله ~~تعالى بالنبوة، قاله ابن عباس ومجاهد. وقيل: " الهاء " ليعقوب، أوحى الله ~~تعالى إليه ما فعلوه بيوسف، وأنه سيعرفهم بأمره، وهم لا يشعرون بما أوحى ~~الله إليه، والله أعلم. ومما ذكر من قصته إذ ألقي في الجب - ما ذكره السدي ~~وغيره - أن إخوته لما جعلوا يدلونه في البئر، تعلق بشفير البئر، فربطوا ~~يديه ونزعوا قميصه، فقال: يا إخوتاه! ردوا علي قميصي أتوارى به في هذا ~~الجب، فان مت كان كفني، وإن عشت أواري (1) به عورتي، فقالوا: ادع الشمس ~~والقمر والأحد عشر كوكبا فلتؤنسك وتكسك، فقال: إني لم أر شيئا، فدلوه في ~~البئر حتى إذا بلغ نصفها ألقوه إرادة أن يسقط فيموت، فكان في البئر ماء ~~فسقط فيه، ثم آوى إلى صخرة فقام عليها. # وقيل: إن شمعون هو الذي ms3251 قطع الحبل إرادة أن يتفتت على الصخرة، وكان جبريل ~~تحت ساق العرش، فأوحى الله إليه أن أدرك عبدي، قال جبريل: فأسرعت وهبطت حتى ~~عارضته بين الرمي والوقوع فأقعدته على الصخرة سالما. وكان ذلك الجب مأوى ~~الهوام، فقام على الصخرة وجعل يبكي، فنادوه، فظن أنها رحمة عليه أدركتهم، ~~فأجابهم، فأرادوا أن يرضخوه بالصخرة فمنعهم يهوذا، وكان يهوذا يأتيه ~~بالطعام، فلما وقع عريانا نزل جبريل إليه، وكان إبراهيم حين ألقي في النار ~~عريانا أتاه جبريل بقميص من حرير الجنة فألبسه إياه، فكان ذلك عند إبراهيم، ~~ثم ورثه إسحاق، ثم ورثه يعقوب، فلما شب يوسف جعل يعقوب ذلك القميص في ~~تعويذة وجعله في عنقه، فكان لا يفارقه، فلما ألقي في الجب عريانا أخرج ~~جبريل دلك القميص فألبسه إياه. قال وهب: فلما قام على الصخرة قال: يا ~~إخوتاه إن لكل ميت وصية، فاسمعوا وصيتي، قالوا: وما هي؟ قال: # إذا اجتمعتم كلكم فأنس بعضكم بعضا فاذكروا وحشتي، وإذا أكلتم فاذكروا ~~جوعي، وإذا شربتم فاذكروا عطشي، وإذا رأيتم غريبا فاذكروا غربتي، وإذا ~~رأيتم شابا فاذكروا شبابي، فقال له جبريل: يا يوسف كف عن هذا واشتغل ~~بالدعاء، فإن الدعاء عند الله # PageV09P143 # بمكان، ثم علمه فقال: قل اللهم يا مؤنس كل غريب، ويا صاحب كل وحيد، ويا ~~ملجأ كل خائف، ويا كاشف كل كربة، ويا عالم كل نجوى، ويا منتهى كل شكوى، ويا ~~حاضر كل ملأ، يا حي يا قيوم! أسألك أن تقذف رجاءك في قلبي، حتى لا يكون لي ~~هم ولا شغل غيرك، وأن تجعل لي من أمري فرجا ومخرجا، إنك على كل شئ قدير، ~~فقالت الملائكة: # إلهنا! نسمع صوتا ودعاء، الصوت صوت صبي، والدعاء دعاء نبي. وقال الضحاك: # نزل جبريل عليه السلام على يوسف وهو في الجب فقال له: ألا أعلمك كلمات ~~إذا أنت قلتهن عجل الله لك خروجك من هذا الجب؟ فقال: نعم فقال له: قل يا ~~صانع كل مصنوع، ويا جابر كل كسير، ويا شاهد كل نجوى، ويا حاضر كل ملأ، ويا ~~مفرج كل ms3252 كربة، ويا صاحب كل غريب، ويا مؤنس كل وحيد، ايتني بالفرج والرجاء، ~~واقذف رجاءك في قلبي حتى لا أرجو أحدا سواك، فرددها يوسف في ليلته مرارا، ~~فأخرجه الله في صبيحة يومه ذلك من الجب. # قوله تعالى: وجاءوا أباهم عشاء يبكون (16) فيه مسئلتان: # الأولى - قوله تعالى: (وجاءوا أباهم عشاء) أي ليلا، وهو ظرف يكون في موضع ~~الحال، وإنما جاءوا عشاء ليكونوا أقدر على الاعتذار في الظلمة، ولذا قيل: ~~لا تطلب الحاجة بالليل، فإن الحياء في العينين، ولا تعتذر بالنهار من ذنب ~~فتتلجلج في الاعتذار، فروي أن يعقوب عليه السلام لما سمع بكاءهم قال: ما ~~بكم؟ أجرى في الغنم شئ؟ قالوا: لا. قال: # فأين يوسف؟ قالوا: ذهبنا نستبق فأكله الذئب، فبكى وصاح وقال: أين قميصه؟ ~~على ما يأتي بيانه [إن شاء الله]. وقال السدي وابن حبان: إنه لما قالوا ~~أكله الذئب خر مغشيا عليه، فأفاضوا عليه الماء فلم يتحرك، ونادوه فلم يجب، ~~قال وهب: ولقد وضع يهوذا يده على مخارج نفس يعقوب فلم يحس بنفس، ولم يتحرك ~~له عرق، فقال لهم يهوذا: ويل لنا من ديان يوم الدين! ضيعنا أخانا، وقتلنا ~~أبانا، فلم يفق يعقوب إلا ببرد السحر، فأفاق ورأسه # PageV09P144 # في حجر روبيل، فقال: يا روبيل! ألم آتمنك على ولدي؟ ألم أعهد إليك عهدا؟ ~~فقال: # يا أبت كف عني بكاءك أخبرك، فكف يعقوب بكاءه فقال: يا أبت " إنا ذهبنا ~~نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب ". # الثانية - قال علماؤنا: هذه الآية دليل على أن بكاء المرء لا يدل على صدق ~~مقاله، لاحتمال أن يكون تصنعا، فمن الخلق من يقدر على ذلك، ومنهم من لا ~~يقدر. وقد قيل: # إن الدمع المصنوع لا يخفى، كما قال حكيم: # إذا اشتبكت دموع في خدود * تبين من بكى ممن تباكى قوله تعالى: قالوا ~~يأبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متعنا فأكله الذئب وما أنت بمؤمن ~~لنا ولو كنا صادقين (17) فيه سبع مسائل: # الأولى - قوله تعالى " نستبق " نفتعل، من، المسابقة. وقيل: أي ننتضل، ~~وكذا في قراءة عبد ms3253 الله " إنا ذهبنا ننتضل " وهو نوع من المسابقة، قاله ~~الزجاج. وقال الأزهري: # النضال في السهام، والرهان في الخيل، والمسابقة تجمعهما. قال القشيري أبو ~~نصر: " نستبق " أي في الرمي، أو على الفرس، أو على الأقدام، والغرض من ~~المسابقة على الأقدام تدريب النفس على العدو، لأنه الآلة في قتال العدو، ~~ودفع الذئب عن الأغنام. وقال السدي وابن حبان: " نستبق " نشتد جريا لنرى ~~أينا أسبق. قال ابن العربي: المسابقة شرعة في الشريعة، وخصلة بديعة، وعون ~~على الحرب، وقد فعلها صلى الله عليه وسلم بنفسه وبخيله، وسابق عائشة رضي ~~الله عنها على قدميه فسبقها، فلما كبر رسول الله صلى الله عليه وسلم سابقها ~~فسبقته، فقال لها: " هذه بتلك ". # قلت: وسابق سلمة بن الأكوع رجلا لما رجعوا من ذي (1) قرد إلى المدينة ~~فسبقه سلمة، خرجه مسلم. # PageV09P145 # الثانية: وروى مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~سابق بين الخيل التي قد أضمرت (1) [من الحفياء] (2) وكان أمدها ثنية (3) ~~الوداع، وسابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق، وأن ~~عبد الله بن عمر كان ممن سابق بها، وهذا الحديث مع صحته في هذا الباب تضمن ~~ثلاثة شروط، فلا تجوز المسابقة بدونها، وهي: أن المسافة لا بد أن تكون ~~معلومة. الثاني - أن تكون الخيل متساوية الأحوال. الثالث - ألا يسابق ~~المضمر مع غير المضمر في أمد واحد وغاية واحدة. والخيل التي يجب أن تضمر ~~ويسابق عليها، وتقام هذه السنة فيها هي الخيل المعدة لجهاد العدو لا لقتال ~~المسلمين في الفتن. # الثالثة - وأما المسابقة بالنصال والإبل، فروى مسلم عن عبد الله بن عمرو ~~قال: # سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلنا منزلا فمنا من يصلح ~~خباءه، ومنا من ينتضل، وذكر الحديث. وخرج النسائي عن أبي هريرة أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لا سبق (4) إلا في نصل أو خف أو حافر ". وثبت ذكر النصل من حديث ابن ~~أبي ذئب عن نافع بن أبي نافع عن أبي هريرة، ms3254 ذكره النسائي، وبه يقول فقهاء ~~الحجاز والعراق. # وروى البخاري عن أنس قال: كان للنبي صلى الله عليه وسلم ناقة تسمى ~~العضباء لا تسبق - قال حميد: أولا تكاد تسبق - فجاء أعرابي على قعود ~~فسبقها، فشق ذلك على المسلمين حتى عرفه، فقال: " حق على الله ألا يرتفع شئ ~~من الدنيا إلا وضعه ". # الرابعة - أجمع المسلمون (5) على أن السبق لا يجوز على وجه الرهان إلا في ~~الخف والحافر والنصل، قال الشافعي: ما عدا هذه الثلاثة فالسبق فيها قمار. ~~وقد زاد أبو البختري # PageV09P146 # القاضي في حديث الخف والحافر والنصل " أو جناح " وهي لفظة وضعها للرشيد، ~~فترك العلماء حديثه لذلك ولغيره من موضوعاته، فلا يكتب العلماء حديثه بحال. ~~وقد روي عن مالك أنه قال: لا سبق إلا في الخيل والرمي، لأنه قوة على أهل ~~الحرب، قال: وسبق الخيل أحب إلينا من سبق الرمي. وظاهر الحديث يستوي بين ~~السبق على النجب والسبق على الخيل. # وقد منع بعض العلماء الرهان في كل شئ إلا في الخيل، لأنها التي كانت عادة ~~العرب المراهنة عليها. وروي عن عطاء أن المراهنة في كل شئ جائزة، وقد تؤول ~~قوله، لأن حمله على العموم [في كل شئ] (1) يؤدي إلى، إجازة القمار، وهو ~~محرم باتفاق. # الخامسة - لا يجوز السبق في الخيل والإبل إلا في غاية معلومة وأمد معلوم، ~~كما ذكرنا، وكذلك الرمي لا يجوز السبق فيه إلا بغاية معلومة ورشق معلوم، ~~ونوع من الإصابة، مشترط خسقا (2) أو إصابة بغير شرط. والأسباق ثلاثة: سبق ~~يعطيه الوالي أو الرجل غير الوالي من ماله متطوعا فيجعل للسابق شيئا ~~معلوما، فمن سبق أخذه. وسبق يخرجه أحد المتسابقين دون صاحبه، فإن سبقه ~~صاحبه أخذه، وإن سبق هو صاحبه أخذه، وحسن أن يمضيه في الوجه الذي أخرجه له، ~~ولا يرجع إلى ماله، وهذا مما لا خلاف فيه. والسبق الثالث - اختلف فيه، وهو ~~أن يخرج كل واحد منهما شيئا مثل ما يخرجه صاحبه، فأيهما سبق أحرز سبقه وسبق ~~صاحبه، وهذا الوجه (3) لا يجوز حتى يدخلا بينهما محللا لا يأمنا أن ms3255 ~~يسبقهما، فإن سبق المحلل أحرز السبقين جميعا وأخذهما وحده، وإن سبق أحد ~~المتسابقين أحرز سبقه وأخذ سبق صاحبه، ولا شئ للمحلل فيه، ولا شئ عليه. وإن ~~سبق الثاني منهما الثالث كان كمن لم يسبق واحد منهما. وقال أبو علي بن ~~خيران - من أصحاب الشافعي -: وحكم الفرس المحلل أن يكون مجهولا جريه، وسمي ~~محللا لأنه يحلل السبق للمتسابقين أو له. واتفق العلماء على أنه إن لم يكن ~~بينهما محلل واشترط كل واحد من المتسابقين أنه إن سبق أخذ سبقه وسبق صاحبه ~~أنه قمار، ولا يجوز. وفي سنن أبي داود عن أبي هريرة عن النبي صلى الله # PageV09P147 # عليه وسلم قال: " من أدخل فرسا بين فرسين وهو لا يأمن أن يسبق فليس بقمار ~~ومن أدخله وهو يأمن أن يسبق فهو قمار ". وفي الموطأ عن سعيد بن المسيب قال: ~~ليس برهان الخيل بأس إذا دخل فيها محلل، فإن سبق أخذ السبق، وإن سبق لم يكن ~~عليه شئ، وبهذا قال الشافعي وجمهور أهل العلم. واختلف في ذلك قول مالك، ~~فقال مرة لا يجب المحلل في الخيل، ولا نأخذ فيه بقول سعيد، ثم قال: لا يجوز ~~إلا بالمحلل، وهو الأجود من قوله. # السادسة - ولا يحمل على الخيل والإبل في المسابقة إلا محتلم، ولو ركبها ~~أربابها كان أولى، وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: لا يركب ~~الخيل في السباق إلا أربابها. وقال الشافعي: وأقل السبق أن يسبق بالهادي ~~(1) أو بعضه، أو بالكفل أو بعضه. # والسبق من الرماة على هذا النحو عنده، وقول محمد بن الحسن في هذا الباب ~~نحو قول الشافعي. # السابعة - روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سابق أبا بكر وعمر رضي ~~الله عنهما، فسبق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصلى أبو بكر وثلت عمر، ~~ومعنى وصلى أبو بكر: يعني أن رأس فرسه كان عند صلا فرس رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، والصلوان موضع العجز. # قوله تعالى: (وتركنا يوسف عند متاعنا) أي عند ثيابنا وأقمشتنا حارسا لها. ms3256 # (فأكله الذئب) وذلك أنهم ما سمعوا أباهم يقول: " وأخاف أن يأكله الذئب " ~~أخذوا ذلك من فيه فتحرموا به، لأنه كان أظهر المخاوف عليه. (وما أنت بمؤمن ~~لنا) أي بمصدق. # (ولو كنا) أي وإن كنا، قاله المبرد وابن إسحاق. (صادقين) في قولنا، ولم ~~يصدقهم يعقوب لما ظهر له منهم من قوة التهمة وكثرة الأدلة على خلاف ما ~~قالوه على ما يأتي بيانه. # وقيل: " ولو كنا صادقين " أي ولو كنا عندك من أهل الثقة والصدق ما ~~صدقتنا، ولا تهمتنا في هذه القضية، لشدة محبتك في يوسف، قال معناه الطبري ~~والزجاج وغيرهما. # PageV09P148 # قوله تعالى: وجاؤا على قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر ~~جميل والله المستعان على ما تصفون (18) قوله تعالى: (وجاءوا على قميصه بدم ~~كذب). # فيه ثلاث مسائل الأولى - قوله تعالى: " بدم كذب " قال مجاهد: كان دم سخلة ~~أو جدي ذبحوه (1). # وقال قتادة: كان دم ظبية، أي جاءوا على قميصه بدم مكذوب فيه، فوصف الدم ~~بالمصدر، فصار تقديره: بدم ذي كذب، مثل: " واسأل القرية [يوسف: 82] والفاعل ~~والمفعول قد يسميان بالمصدر، يقال: هذا ضرب الأمير، أي مضروبه وماء سكب أي ~~مسكوب، وماء غور أي غائر، ورجل عدل أي عادل. # وقرأ الحسن وعائشة: " بدم كدب " بالدال غير المعجمة، أي بدم طري، يقال ~~للدم الطري الكدب. وحكي أنه المتغير، قاله الشعبي. والكدب أيضا البياض الذي ~~يخرج في أظفار الأحداث، فيجوز أن يكون شبه الدم في القميص بالبياض الذي ~~يخرج في الظفر من جهة اختلاف اللونين. # الثانية - قال علماؤنا رحمة الله عليهم: لما أرادوا أن يجعلوا الدم علامة ~~على صدقهم قرن الله بهذه العلامة علامة تعارضها، وهي سلامة القميص من ~~التنييب (2)، إذ لا يمكن افتراس الذئب ليوسف وهو لابس القميص ويسلم القميص ~~من التخريق، ولما تأمل يعقوب عليه السلام القميص فلم يجد فيه خرقا ولا أثرا ~~استدل بذلك على كذبهم، وقال لهم: متى كان هذا الذئب حكيما يأكل يوسف ولا ~~يخرق القميص! قاله ابن عباس وغيره، روى إسرائيل عن سماك بن حرب عن ms3257 عكرمة عن ~~ابن عباس قال: كان الدم دم سخلة. وروى سفيان عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس ~~قال: لما نظر إليه قال كذبتم، لو كان الذئب أكله لخرق القميص. وحكى ~~الماوردي أن في القميص ثلاث آيات: حين جاءوا عليه بدم كذب، وحين قد قميصه ~~من دبر، وحين ألقي على وجه أبيه فارتد بصيرا. # PageV09P149 # قلت: وهذا مردود، فإن القميص الذي جاءوا عليه بالدم غير القميص الذي قد، ~~وغير القميص الذي أتاه البشير به. وقد قيل: إن القميص الذي قد هو الذي أتي ~~به فارتد بصيرا، على ما يأتي بيانه آخر السورة إن شاء الله تعالى. وروي ~~أنهم قالوا له: بل اللصوص قتلوه، فاختلف قولهم، فاتهمهم، فقال لهم يعقوب: ~~تزعمون أن الذئب أكله، ولو أكله لشق قميصه قبل أن يفضي إلى جلده، وما أرى ~~بالقميص من شق، وتزعمون أن اللصوص قتلوه، ولو قتلوه لأخذوا قميصه، هل ~~يريدون إلا ثيابه؟! فقالوا عند ذلك: " وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين " ~~عن الحسن وغيره، أي لو كنا موصوفين بالصدق لا تهمتنا. # الثالثة - استدل الفقهاء بهذه الآية في إعمال الأمارات في مسائل من الفقه ~~كالقسامة وغيرها، وأجمعوا على أن يعقوب عليه السلام ستدل على كذبهم بصحة ~~القميص، وهكذا يجب على الناظر أن يلحظ الأمارات والعلامات إذا تعارضت، فما ~~ترجح منها قضى بجانب الترجيح، وهي قوة التهمة، ولا خلاف بالحكم بها، قاله ~~بن العربي. # قوله تعالى: (قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل). # فيه ثلاث مسائل: الأولى - روي أن يعقوب لما قالوا له: " فأكله الذئب " ~~قال لهم: ألم يترك الذئب له عضوا فتأتوني به أستأنس به؟! ألم يترك لي ثوبا ~~(1) أشم فيه رائحته؟ قالوا: بلى! هذا قميصه ملطوخ بدمه، فذلك قوله تعالى: " ~~وجاءوا على قميصه بدم كذب " فبكى يعقوب عند ذلك وقال، لبنيه: أروني قميصه، ~~فأروه فشمه وقبله، ثم جعل يقلبه فلا يرى فيه شقا ولا تمزيقا، فقال: والله ~~الذي لا إله إلا هو ما رأيت كاليوم ذئبا أحكم منه، أكل ابني واختلسه من ms3258 ~~قميصه ولم يمزقه عليه، وعلم أن الأمر ليس كما قالوا، وأن الذئب لم يأكله، ~~فأعرض عنهم كالمغضب باكيا حزينا وقال: يا معشر ولدي! دلوني على ولدي، فإن ~~كان حيا رددته إلي، وإن كان ميتا كفنته ودفنته، فقيل قالوا حينئذ: ألم تروا ~~إلى أبينا كيف يكذبنا في مقالتنا! تعالوا نخرجه من الجب ونقطعه عضوا عضوا، ~~ونأت أبانا بأحد أعضائه فيصدقنا # PageV09P150 # في مقالتنا ويقطع يأسه، فقال يهوذا: والله لئن فعلتم لأكونن لكم عدوا ما ~~بقيت، ولأخبرن أباكم بسوء صنيعكم، قالوا: فإذا منعتنا من هذا فتعالوا نصطد ~~له ذئبا، قال: فاصطادوا ذئبا ولطخوه بالدم، وأوثقوه بالحبال، ثم جاءوا به ~~يعقوب وقالوا: يا أبانا! إن هذا الذئب الذي يحل بأغنامنا ويفترسها، ولعله ~~الذي أفجعنا بأخينا لا نشك فيه، وهذا دمه عليه، فقال يعقوب: اطلقوه، ~~فاطلقوه، وتبصبص له الذئب، فأقبل يدنو [منه] (1) ويعقوب يقول له: ادن ادن، ~~حتى ألصق خده بخده (2) فقال له يعقوب: أيها الذئب! لم فجعتني بولدي ~~وأورثتني حزنا طويلا؟! ثم قال اللهم أنطقه، فأنطقه الله تعالى فقال: والذي ~~اصطفاك نبيا ما أكلت لحمه، ولا مزقت جلده، ولا نتفت شعرة من شعراته، والله! ~~ما لي بولدك عهد، وإنما أنا ذئب غريب أقبلت من نواحي مصر في طلب أخ لي فقد، ~~فلا أدري أحي هو أم ميت، فاصطادني أولادك وأوثقوني، وإن لحوم الأنبياء حرمت ~~علينا وعلى جميع الوحوش، وتالله! # لا أقمت في بلاد يكذب فيها أولاد الأنبياء على الوحوش، فأطلقه يعقوب ~~وقال: والله لقد أتيتم بالحجة على أنفسكم، هذا ذئب بهيم خرج يتبع ذمام ~~أخيه، وأنتم ضيعتم أخاكم، وقد علمت أن الذئب برئ مما جئتم به. (بل سولت ~~لكم) أي زينت. (لكم أنفسكم أمرا) غير ما تصفون وتذكرون. ثم قال توطئة ~~لنفسه: (فصبر جميل) وهي: الثانية - قال الزجاج: أي فشأني والذي اعتقده صبر ~~جميل. وقال قطرب: # أي فصبري صبر جميل. وقيل: أي فصبر جميل أولى بي، فهو مبتدأ وخبره محذوف. # ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الصبر الجميل فقال: " هو الذي ms3259 ~~لا شكوى معه ". وسيأتي له مزيد بيان آخر السورة إن شاء الله. قال أبو حاتم: ~~قرأ عيسى بن عمر فيما زعم سهل بن يوسف " فصبرا جميلا " قال: وكذا قرأ ~~الأشهب العقيلي، قال وكذا في مصحف أنس وأبي صالح. قال المبرد: " فصبر جميل ~~" بالرفع أولى من النصب، لأن المعنى: قال رب عندي صبر جميل، قال: وإنما ~~النصب على المصدر، أي فلأصبرن صبرا جميلا، قال: # PageV09P151 # شكا إلي جملي طول السرى * صبرا (1) جميلا فكلانا مبتلى والصبر الجميل هو ~~الذي لا جزع فيه ولا شكوى. وقيل: المعنى لا أعاشركم على كآبة الوجه وعبوس ~~الجبين، بل أعاشركم على ما كنت عليه معكم، وفي هذا ما يدل على أنه عفا عن ~~مؤاخذتهم. وعن حبيب بن أبي ثابت أن يعقوب كان قد سقط حاجباه على عينيه، ~~فكان يرفعهما بخرقة، فقيل له: ما هذا؟ قال: طول الزمان وكثرة الأحزان، ~~فأوحى الله إليه أتشكوني يا يعقوب؟! قال: يا رب! خطيئة أخطأتها فاغفر لي. ~~(والله المستعان) ابتداء وخبر. (على ما تصفون) أي على احتمال ما تصفون من ~~الكذب. # الثالثة - قال ابن أبي رفاعة ينبغي لأهل الرأي أن يتهموا رأيهم عند ظن ~~يعقوب صلى الله عليه وسلم وهو نبي، حين قال له بنو ه: " إنا ذهبنا نستبق ~~وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب " قال: " بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر ~~جميل " فأصاب هنا، ثم قالوا له: " إن ابنك سرق وما شهدنا إلا بما علمنا وما ~~كنا للغيب حافظين " (2) قال: " بل سولت لكم أنفسكم أمرا " فلم يصب. # قوله تعالى: وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه قال يا بشرى هذا غلام ~~وأسروه بضعة والله عليم بما يعملون (19) قوله تعالى: (وجاءت سيارة) أي رفقة ~~مارة يسيرون من الشام إلى مصر فأخطئوا الطريق وهاموا حتى نزلوا قريبا من ~~الجب، وكان الجب في قفرة بعيدة من العمران، إنما هو للرعاة والمجتاز، وكان ~~ماؤه ملحا فعذب حين ألقي فيه يوسف. (فأرسلوا واردهم) فذكر على المعنى، ولو ~~قال: فأرسلت واردها لكان على اللفظ، مئل " وجاءت ". # والوارد الذي يرد ms3260 الماء يستقي للقوم، وكان اسمه - فيما ذكر المفسرون - ~~مالك بن دعر (3)، # PageV09P152 # من العرب العاربة. (فأدلى دلوه) أي أرسله، يقال: أدلى دلوه إذا أرسلها ~~ليملأها، ودلاها أي أخرجها: عن الأصمعي وغيره. ودلا - من ذات الواو - يدلو ~~دلوا، أي جذب وأخرج، وكذلك أدلى إذا أرسل، فلما ثقل ردوه إلى الياء، لأنها ~~أخف من الواو، قاله الكوفيون. وقال الخليل وسيبويه: لما جاوز ثلاثة أحرف ~~رجع (1) إلى الياء، اتباعا للمستقبل. # وجمع دلو في أقل العدد أدل فإذا كثرت قلت: دلي ودلي، فقلبت الواو ياء، ~~إلا أن الجمع بابه التغيير، وليفرق بين الواحد والجمع، ودلاء أيضا. فتعلق ~~يوسف بالحبل، فلما خرج إذا غلام كالقمر ليلة البدر، أحسن ما يكون من ~~الغلمان. قال صلى الله عليه وسلم في حديث الإسراء من صحيح مسلم: " فإذا أنا ~~بيوسف إذا هو قد أعطي شطر الحسن ". وقال كعب الأحبار: كان يوسف حسن الوجه، ~~جعد الشعر، ضخم العينين، مستوي الخلق، أبيض اللون، غليظ الساعدين والعضدين، ~~خميص البطن، صغير السرة، إذا ابتسم رأيت النور من ضواحكه، وإذا تكلم رأيت ~~في كلامه شعاع الشمس من ثناياه، لا يستطيع أحد وصفه، وكان حسنه كضوء النهار ~~عند الليل، وكان يشبه آدم عليه السلام يوم خلقه الله ونفخ فيه من روحه قبل ~~أن يصيب المعصية، وقيل: إنه ورث ذلك الجمال من جدته سارة، وكانت قد أعطيت ~~سدس الحسن، فلما رآه مالك بن دعر قال: " يا بشراي هذا غلام " وهذه قراءة ~~أهل المدينة وأهل البصرة، إلا ابن أبي إسحاق فإنه قرأ " يا بشري هذا غلام " ~~فقلب الألف ياء، لأن هذه الياء يكسر ما قبلها، فلما لم يجز كسر الألف كان ~~قلبها عوضا. # وقرأ أهل الكوفة " يا بشرى " غير مضاف، وفي معناه قولان: أحدهما - اسم ~~الغلام، والثاني - [معناه] (2) يا أيتها البشرى هذا حينك وأوانك. قال قتادة ~~والسدي: لما أدلى المدلي دلوه تعلق بها يوسف فقال: يا بشرى هذا غلام، قال ~~قتادة: بشر أصحابه بأنه وجد عبدا. # وقال السدي: نادى رجلا اسمه بشرى. قال النحاس: قول قتادة أولى، لأنه ms3261 لم ~~يأت في القرآن تسمية أحد إلا يسيرا، وإنما يأتي بالكناية كما قال عز وجل: " ~~ويوم يعض الظالم على يديه " (3) [الفرقان: 27] وهو عقبة بن أبي معيط، وبعده ~~" يا ليتني لم أتخذ فلانا خليلا " [الفرقان: 28] وهو أمية # PageV09P153 # بن خلف، قال النحاس. والمعنى في نداء البشرى: التبشير لمن حضر، وهو أوكد ~~من قولك تبشرت، كما تقول: يا عجباه! أي يا عجب هذا من أيامك ومن آياتك، ~~فاحضر، وهذا مذهب سيبويه، وكذا قال السهيلي. وقيل: هو كما تقول: وا سروراه! ~~وأن البشرى مصدر من الاستبشار: وهذا أصح، لأنه لو كان اسما علما لم يكن ~~مضافا إلى ضمير المتكلم، وعلى هذا يكون " بشراي " في موضع نصب، لأنه نداء ~~مضاف، ومعنى النداء هاهنا التنبيه، أي انتبهوا لفرحتي وسروري، وعلى قول ~~السدي يكون في موضع رفع كما تقول: يا زيد هذا غلام. ويجوز أن يكون محله ~~نصبا كقولك: يا رجلا، وقوله: " يا حسرة على العباد " (1) [يس: 30] ولكنه لم ~~ينون " بشرى " لأنه لا ينصرف. (وأسروه بضاعة) الهاء كناية عن يوسف عليه ~~السلام، فأما الواو فكناية عن إخوته. وقيل: عن التجار الذين اشتروه، وقيل: ~~عن الوارد وأصحابه. # " بضاعة " نصب على الحال. قال مجاهد: أسره مالك بن دعر وأصحابه من التجار ~~الذين معهم في الرفقة، وقالوا لهم: هو بضاعة استبضعناها بعض أهل الشام أو ~~أهل هذا الماء إلى مصر، وإنما قالوا هذا خيفة الشركة. وقال ابن عباس: أسره ~~إخوة يوسف بضاعة لما استخرج من الجب، وذلك أنهم جاءوا فقالوا: بئس ما ~~صنعتم! هذا عبد لنا أبق، وقالوا ليوسف بالعبرانية: إما أن تقر لنا ~~بالعبودية فنبيعك من هؤلاء، وإما أن نأخذك فنقتلك، فقال: أنا أقر لكم ~~بالعبودية، فأقر لهم فباعوه منهم. وقيل: إن يهوذا وصى أخاه يوسف بلسانهم أن ~~اعترف لإخوتك بالعبودية فإني أخشى إن لم تفعل قتلوك، فلعل الله أن يجعل لك ~~مخرجا، وتنجو من القتل، فكتم يوسف شأنه مخافة أن يقتله إخوته، فقال مالك: ~~والله ما هذه سمة العبيد!، قالوا: هو تربى في حجورنا، وتخلق بأخلاقنا، ~~وتأدب بآدابنا، ms3262 فقال: ما تقول يا غلام؟ قال: صدقوا! تربيت في حجورهم، ~~وتخلقت بأخلاقهم، فقال مالك: إن بعتموه مني اشتريته (2) منكم، فباعوه منه، ~~فذلك: # قوله تعالى: وشروه بثمن بخس درهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين (20) # PageV09P154 # فيه ست مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (وشروه) يقال: شريت بمعنى اشتريت، وشريت بمعنى بعت ~~لغة، قال الشاعر (1): # وشريت بردا ليتني * من بعد برد كنت هامه أي بعت. وقال آخر: # فلما شراها فاضت العين عبرة * وفي الصدر حزاز من اللوم حامز (2) (بثمن ~~بخس) أي نقص، وهو هنا مصدر وضع موضع الاسم، أي باعوه بثمن مبخوس، أي منقوص. ~~ولم يكن قصد إخوته ما يستفيدونه من ثمنه، وإنما كان قصدهم ما يستفيدونه من ~~خلو وجه أبيهم عنه. وقيل: إن يهوذا رأى من بعيد أن يوسف أخرج من الجب فأخبر ~~إخوته فجاءوا وباعوه من الواردة. وقيل: لا بل عادوا بعد ثلاث إلى البئر ~~يتعرفون الخبر، فرأوا أثر السيارة فاتبعوهم وقالوا: هذا عبدنا أبق منا ~~فباعوه منهم. وقال قتادة: " بخس " ظلم. وقال الضحاك ومقاتل والسدي وابن ~~عطاء: " بخس " حرام. وقال ابن العربي: # ولا وجه له، وإنما الإشارة فيه إلى أنه لم يستوف ثمنه بالقيمة، لأن إخوته ~~إن كانوا باعوه فلم يكن قصدهم ما يستقيدونه من ثمنه، وإنما كان قصدهم ما ~~يستفيدون من خلو وجه أبيهم عنه، وإن كان الذين باعوه الواردة فإنهم أخفوه ~~مقتطعا، أو قالوا (3) لأصحابهم: أرسل معنا بضاعة فرأوا أنهم لم يعطوا عنه ~~ثمنا وأن ما أخذوا فيه ربح كله. # قلت: قوله " وإنما الإشارة فيه إلى أنه لم يستوف ثمنه بالقيمة " يدل على ~~أنهم لو أخذوا القيمة فيه (4) كاملة كان ذلك جائزا وليس كذلك، فدل على صحة ~~ما قاله السدي وغيره، لأنهم أوقعوا البيع على نفس لا يجوز بيعها، فلذلك كان ~~لا يحل لهم ثمنه. وقال عكرمة والشعبي: # قليل. وقال ابن حيان: زيف. وعن ابن عباس وابن مسعود باعوه بعشرين درهما ~~أخذ كل واحد من إخوته درهمين، وكانوا عشرة، وقاله قتادة والسدي. وقال أبو ~~العالية # PageV09P155 # ومقاتل: اثنين وعشرين درهما، وكانوا ms3263 أحد عشر أخذ كل واحد درهمين، وقاله ~~مجاهد. # وقال عكرمة: أربعين درهما، وما روي عن الصحابة أولى. و " بخس " من نعت " ~~ثمن ". (دراهم) على البدل والتفسير له. ويقال: دراهيم على أنه جمع درهام، ~~وقد يكون اسما للجمع عند سيبويه، ويكون أيضا عنده على أنه مد الكسرة فصارت ~~ياء، وليس هذا مثل مد المقصور، لأن مد المقصور لا يجوز عند البصريين في شعر ~~ولا غيره. وأنشد النحويون: # تنفي يداها الحصى في كل هاجرة * نفي الدراهيم تنقاد الصياريف (1) ~~(معدودة) نعت، وهذا يدل على أن الأثمان كانت تجري عندهم عدا لا وزنا بوزن ~~(2). وقيل: # هو عبارة عن قلة الثمن، لأنها دراهم لم تبلغ أن توزن لقلتها، وذلك أنهم ~~كانوا لا يزنون ما [كان] (3) دون الأوقية، وهي أربعون درهما. # الثانية - قال القاضي ابن العربي: وأصل النقدين الوزن، قال صلى الله عليه ~~وسلم: # " لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الفضة بالفضة إلا وزنا بوزن من زاد أو ~~ازداد فقد أربى ". # والزنة لا فائدة فيها إلا المقدار، فأما عينها فلا منفعة فيه، ولكن جرى ~~فيها العد (4) تخفيفا عن الخلق لكثرة المعاملة، فيشق الوزن، حتى لو ضرب ~~مثاقيل أو دراهم لجاز بيع بعضها ببعض عدا (4) إذا لم يكن بها نقصان ولا ~~رجحان، فإن نقصت عاد الأمر إلى الوزن، ولأجل ذلك كان كسرها أو قرضها من ~~الفساد في الأرض حسب ما تقدم. # الثالثة - واختلف العلماء في الدراهم والدنانير هل تتعين أم لا؟ وقد ~~اختلفت الرواية في ذلك عن مالك: فذهب أشهب إلى أن ذلك لا يتعين، وهو الظاهر ~~من قول مالك، وبه قال أبو حنيفة. وذهب ابن القاسم إلى أنها تتعين، وحكي عن ~~الكرخي، وبه قال الشافعي. وفائدة الخلاف أنا إذا قلنا لا تتعين فإذا قال: ~~بعتك، هذه الدنانير بهذه # PageV09P156 # الدراهم تعلقت الدنانير بذمة صاحبها، والدراهم بذمة صاحبها، ولو تعينت ثم ~~تلفت لم يتعلق بذمتهما شئ، وبطل العقد كبيع الأعيان من العروض وغيرها. # الرابعة - روي عن الحسن بن علي رضي الله عنهما أنه قضى، في اللقيط أنه ~~حر، وقرأ: ms3264 " وشروره بثمن بخس دراهم معدودة " وقد مضى، القول فيه. # الخامسة - قوله تعالى: (وكانوا فيه من الزاهدين) قيل: المراد إخوته. # وقيل: السيارة. وقيل: الواردة، وعلى أي تقدير فلم يكن عندهم غبيطا، لا ~~عند الإخوة، لأن المقصد زواله عن أبيه لا ماله، ولا عند السيارة لقول ~~الإخوة إنه عبد أبق منا - والزهد قلة الرغبة - ولا عند الواردة لأنهم خافوا ~~اشتراك أصحابهم معهم، ورأوا أن القليل من ثمنه في الانفراد أولى. # السادسة - في هذه الآية دليل واضح على جواز شراء الشئ الخطير بالثمن ~~اليسير، ويكون البيع لازما، ولهذا قال مالك: لو باع درة ذات خطر عظيم بدرهم ~~ثم قال لم أعلم أنها درة وحسبتها مخشلبة (1) لزمه البيع ولم يلتفت إلى قوله ~~وقيل: " وكانوا فيه من الزاهدين " أي في حسنه، لأن الله تعالى وإن أعطى ~~يوسف شطر الحسن صرف عنه دواعي نفوس القوم إليه إكراما له. وقيل: " وكانوا ~~فيه من الزاهدين " لم يعلموا منزلته عند الله تعالى. # وحكى سيبويه والكسائي: زهدت وزهدت بكسر الهاء وفتحها. # قوله تعالى: وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا ~~أو أن نتخذه ولدا وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث ~~والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون (21) # PageV09P157 # قوله تعالى: (وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه) قيل: ~~الاشتراء هنا بمعنى الاستبدال، إذا لم يكن ذلك عقدا، مثل: " أولئك الذين ~~اشتروا الضلالة بالهدى " (1) [البقرة: 16]. # وقيل: إنهم ظنوه في ظاهر الحال اشتراء، فجرى هذا اللفظ على ظاهر الظن. ~~قال الضحاك: # هذا الذي اشتراه ملك مصر، ولقبه العزيز. السهيلي: واسمه قطفير. وقال ابن ~~إسحاق: # إطفير بن رويحب اشتراه لامرأته راعيل، ذكره الماوردي. وقيل: كان اسمها ~~زليخاء. # وكان الله ألقى محبة يوسف على قلب العزيز، فأوصى به أهله، ذكره القشيري. ~~وقد ذكر القولين في اسمها الثعلبي وغيره. وقال ابن عباس: إنما اشتراه قطفير ~~وزير ملك مصر، وهو الريان بن الوليد. وقيل: الوليد بن الريان، وهو رجل من ~~العمالقة. وقيل: هو فرعون موسى، لقول موسى: ms3265 " ولقد جاءكم يوسف من قبل ~~بالبينات " [غافر: 34] وأنه عاش أربعمائة سنة. # وقيل: فرعون موسى من أولاد فرعون يوسف، على ما يأتي في " غافر " (2) ~~بيانه. وكان هذا العزيز الذي اشترى يوسف على خزائن الملك، واشترى يوسف من ~~مالك بن دعر بعشرين دينارا، وزاده حلة ونعلين. وقيل: اشتراه من أهل الرفقة. ~~وقيل: تزايدوا في ثمنه فبلغ أضعاف وزنه مسكا وعنبرا وحريرا وورقا وذهبا ~~ولآلئ وجواهر لا يعلم قيمتها إلا الله، فابتاعه قطفير من مالك بهذا الثمن، ~~قاله وهب بن منبه. وقال وهب أيضا وغيره: ولما اشترى مالك بن دعر يوسف من ~~إخوته كتب بينهم وبينه كتابا: هذا ما اشترى مالك بن دعر من بني يعقوب، وهم ~~فلان وفلان مملوكا لهم بعشرين درهما، وقد شرطوا له أنه آبق، وأنه لا ينقلب ~~به إلا مقيدا مسلسلا، وأعطاهم على ذلك عهد الله. قال: فودعهم يوسف عند ذلك، ~~وجعل يقول: حفظكم الله وإن ضيعتموني، نصركم الله وإن خذلتموني، رحمكم الله ~~وإن لم ترحموني، قالوا: فألقت الأغنام ما في بطونها دما عبيطا (3) لشدة هذا ~~التوديع، وحملوه على قتب بغير غطاء ولا وطاء، مقيدا مكبلا مسلسلا، فمر على ~~مقبرة آل كنعان فرأى قبر أمه - وقد كان وكل به أسود يحرسه فغفل الأسود - ~~فألقى يوسف نفسه على قبر أمه فجعل يتمرغ # PageV09P158 # ويعتنق القبر ويضطرب ويقول: يا أماه! ارفعي رأسك ترى ولدك مكبلا مقيدا ~~مسلسلا مغلولا، فرقوا بيني وبين والدي، فاسألي الله أن يجمع بيننا في مستقر ~~رحمته إنه أرحم الراحمين، فتفقده الأسود على البعير فلم يره، فقفا أثره، ~~فإذا هو بياض على قبر، فتأمله فإذا هو إياه، فركضه برجله في التراب ومرغه ~~وضربه ضربا وجيعا، فقال له: لا تفعل! والله ما هربت ولا أبقت وإنما مررت ~~بقبر أمي فأحببت أن أودعها، ولن أرجع إلى ما تكرهون، فقال الأسود: # والله إنك لعبد سوء، تدعو أباك مرة وأمك أخرى! فهلا كان هذا عند مواليك، ~~فرفع يديه إلى السماء وقال: اللهم إن كانت لي عندك خطيئة أخلقت بها وجهي ~~فأسألك بحق آبائي ms3266 إبراهيم وإسحاق ويعقوب أن تغفر لي وترحمني، فضجت الملائكة ~~في السماء، ونزل جبريل فقال له: يا يوسف! غض صوتك فلقد أبكيت ملائكة ~~السماء! أفتريد أن أقلب الأرض فأجعل عاليها سافلها؟ قال: تثبت يا جبريل، ~~فإن الله حليم لا يعجل، فضرب الأرض بجناحه فأظلمت، وارتفع الغبار، وكسفت ~~الشمس، وبقيت القافلة لا يعرف بعضها بعضا، فقال رئيس القافلة: من أحدث منكم ~~حدثا؟ - فإني أسافر منذ كيت وكيت ما أصابني قط مثل هذا - فقال الأسود: أنا ~~لطمت ذلك الغلام العبراني فرفع يده إلى السماء وتكلم بكلام لا أعرفه، ولا ~~أشك أنه دعا علينا، فقال له: ما أردت إلا هلاكنا! ايتنا به، فأتاه به، فقال ~~له: # يا غلام! لقد لطمك فجاءنا ما رأيت، فإن كنت تقتص فاقتص ممن شئت، وإن كنت ~~تعفو فهو الظن بك، قال: قد عفوت رجاء أن يعفو الله عني، فانجلت الغبرة، ~~وظهرت الشمس، وأضاء مشارق الأرض ومغاربها، وجعل التاجر يزوره بالغداة ~~والعشي ويكرمه، حتى وصل إلى مصر فاغتسل في نيلها وأذهب الله عنه كآبة ~~السفر، ورد عليه جماله، ودخل به البلد نهارا فسطع نوره على الجدران، ~~وأوقفوه للبيع فاشتراه قطفير وزير الملك، قاله ابن عباس على ما تقدم. وقيل: ~~إن هذا الملك لم يمت حتى آمن واتبع يوسف على دينه، ثم مات الملك ويوسف ~~يومئذ على خزائن الأرض، فملك بعده قابوس وكان كافرا، فدعاه يوسف إلى ~~الإسلام فأبى. (أكرمي مثواه) أي منزله ومقامه بطيب المطعم واللباس الحسن، ~~وهو PageV09P159 # مأخوذ من ثوى بالمكان أي أقام به، وقد تقدم في " آل عمران " (1) وغيره. ~~(عسى أن ينفعنا) أي يكفينا بعض المهمات إذا بلغ. (أو أن نتخذه ولدا) قال ~~ابن عباس: كان حصورا لا يولد له، وكذا قال ابن إسحاق: كان قطفير لا يأتي ~~النساء ولا يولد له. فإن قيل: كيف قال " أو نتخذه ولدا " وهو ملكه، ~~والولدية مع العبدية تتناقض؟ قيل له: يعتقه ثم يتخذه ولدا بالتبني، وكان ~~التبني في الأمم معلوما عندهم، وكذلك كان في أول الإسلام، على ما يأتي ~~بيانه في ms3267 " الأحزاب " (2) إن شاء الله تعالى. وقال عبد الله بن مسعود: أحسن ~~الناس فراسة ثلاثة، العزيز حين تفرس في يوسف فقال: " عسى أن ينفعنا أو ~~نتخذه ولدا " وبنت شعيب حين قالت لأبيها في موسى " استأجره إن خير من ~~استأجرت القوي الأمين " (3) [القصص: 26]، وأبو بكر حين استخلف عمر. قال ابن ~~العربي: عجبا للمفسرين في اتفاقهم على جلب هذا الخبر! # والفراسة هي علم غريب على ما يأتي بيانه في سورة " الحجر " (4) وليس كذلك ~~فيما نقلوه، لأن الصديق إنما ولى عمر بالتجربة في الأعمال، والمواظبة على ~~الصحبة وطولها، والاطلاع على ما شاهد منه من العلم والمنة، وليس ذلك من ~~طريق الفراسة، وأما بنت شعيب فكانت معها العلامة البينة على ما يأتي بيانه ~~في " القصص " (4). وأما أمر العزيز فيمكن أن يجعل فراسة، لأنه لم يكن معه ~~علامة ظاهرة. والله أعلم. # قوله تعالى: (وكذلك مكنا ليوسف في الأرض) الكاف في موضع نصب، أي وكما ~~أنقذناه من إخوته ومن الجب فكذلك مكنا له، أي عطفنا عليه قلب الملك الذي ~~اشتراه حتى تمكن من الأمر والنهي في البلد الذي الملك مستول عليه. (ولنعلمه ~~من تأويل الأحاديث) أي فعلنا ذلك تصديقا لقول يعقوب: " ويعلمك من تأويل ~~الأحاديث ". وقيل: المعنى مكناه لنوحي إليه بكلام منا، ونعلمه تأويله ~~وتفسيره، وتأويل الرؤيا، وتم الكلام. (والله غالب على أمره) الهاء راجعة ~~إلى الله تعالى، أي لا يغلب الله شئ، بل هو الغالب على أمر # PageV09P160 # نفسه فيما يريده أن يقول له: كن فيكون. وقيل: ترجع إلى يوسف، أي الله ~~غالب على أمر يوسف يدبره ويحوطه ولا يكله إلى غيره، حتى لا يصل إليه كيد ~~كائد. (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) أي لا يطلعون على غيبه. وقيل: المراد ~~بالأكثر الجميع، لان أحدا لا يعلم الغيب. وقيل: هو مجرى على ظاهره، إذ قد ~~يطلع من يريد على بعض غيبه. وقيل: # المعنى " ولكن أكثر الناس لا يعلمون " أن الله غالب على أمره، وهم ~~المشركون ومن لا يؤمن بالقدر. وقالت الحكماء في هذه الآية: " والله غالب ~~على أمره ms3268 " حيث، أمره يعقوب ألا يقص رؤياه على إخوته فغلب أمر الله حتى قص، ~~ثم أراد إخوته قتله فغلب أمر الله حتى صار ملكا وسجدوا بين يديه، ثم أراد ~~الإخوة أن يخلو لهم وجه أبيهم فغلب أمر الله حتى ضاق عليهم قلب أبيهم، ~~وافتكره بعد سبعين سنة أو ثمانين سنة، فقال: " يا أسفا على يوسف " ثم ~~تدبروا أن يكونوا من بعده قوما صالحين، أي تائبين فغلب أمر الله حتى نسوا ~~الذنب وأصروا عليه حتى أقروا بين يدي يوسف في آخر الأمر بعد سبعين سنة، ~~وقالوا لأبيهم: " إنا كنا خاطئين " [يوسف: 97] ثم أرادوا أن يخدعوا أباهم ~~بالبكاء والقميص [فغلب أمر الله] (1) فلم ينخدع، وقال: " بل سولت لكم ~~أنفسكم أمرا " [يوسف: 18] ثم احتالوا في أن تزول محبته من قلب أبيهم فغلب ~~أمر الله فازدادت المحبة والشوق في قلبه، ثم دبرت امرأة العزيز أنها إن ~~ابتدرته بالكلام غلبته، فغلب أمر الله حتى قال العزيز: " استغفري لذنبك إنك ~~كنت من الخاطئين " [يوسف: 29]، ثم دبر يوسف أن يتخلص من السجن بذكر الساقي ~~فغلب أمر الله فنسي الساقي، ولبث يوسف في السجن بضع سنين. قوله تعالى: ولما ~~بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزى المحسنين (22) قوله تعالى: (ولما ~~بلغ أشده) " أشده " عند سيبويه جمع واحده شده. وقال الكسائي: واحده شد، كما ~~قال الشاعر (1): (1) عهدي به شد النهار كأنما * خضب اللبان ورأسه بالعظلم # PageV09P161 # وزعم أبو عبيد أنه لا واحد له من لفظه عند العرب، ومعناه استكمال القوة ~~ثم يكون النقصان بعد. وقال مجاهد وقتادة: الأشد ثلاث وثلاثون سنة. وقال ~~ربيعة وزيد بن أسلم ومالك بن أنس: الأشد بلوغ الحلم، وقد مضى ما للعلماء في ~~هذا في " النساء " (1) و " الأنعام " (2) مستوفي. # (آتيناه حكما وعلما) قيل: جعلناه المستولي على الحكم، فكان يحكم في سلطان ~~الملك، أي وآتيناه علما بالحكم. وقال مجاهد: العقل والفهم والنبوة. وقيل: ~~الحكم النبوة، والعلم علم الدين، وقيل: علم الرؤيا، ومن قال: أوتي النبوة ~~صبيا قال: لما بلغ أشده زدناه فهما وعلما. (وكذلك نجزى المحسنين) يعني ~~المؤمنين. ms3269 وقيل: الصابرين على النوائب كما صبر يوسف، قاله الضحاك. وقال ~~الطبري: هذا وإن كان مخرجه ظاهرا على كل محسن فالمراد به محمد صلى الله ~~عليه وسلم، يقول الله تعالى: كما فعلت هذا بيوسف بعد أن قاسى ما قاسى ثم ~~أعطيته ما أعطيته، كذلك أنجيك من مشركي قومك الذين يقصدونك بالعداوة، وأمكن ~~لك في الأرض. # قوله تعالى: وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت ~~لك قال معاذ الله انه ربى أحسن مثواي أنه لا يفلح الظالمون (23) ولقد همت ~~به وهم بها لولا أن رأى برهن ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء أنه من ~~عبادنا المخلصين (24) قوله تعالى: (وراودته التي هو في بيتها عنه نفسه) وهي ~~امرأة العزيز، طلبت منه أن يواقعها. وأصل المراودة الإرادة والطلب برفق ~~ولين. والرود والرياد طلب الكلأ، وقيل: # هي من رويد، يقال: فلان يمشي رويدا، أي برفق، فالمراودة الرفق في الطلب، ~~يقال # PageV09P162 # في الرجل: راودها عن نفسها، وفي المرأة راودته عن نفسه. والرود التأني، ~~يقال: أرودني أمهلني. (وغلقت الأبواب) غلق للكثير، ولا يقال: غلق الباب، ~~وأغلق يقع للكثير والقليل، كما قال الفرزدق في أبي عمرو بن العلاء: # ما زلت أغلق أبوابا وأفتحها * حتى أتيت أبا عمرو بن عمار يقال: إنها كانت ~~سبعة أبواب غلقتها ثم دعته إلى نفسها. (وقالت هيت لك) أي هلم وأقبل وتعال، ~~ولا مصدر له ولا تصريف. قال النحاس: فيها سبع قراءات، فمن أجل ما فيها ~~وأصحه إسنادا ما رواه الأعمش عن أبي وائل قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقرأ ~~" هيت لك " قال فقلت: إن قوما يقرؤونها " هيت لك " فقال: إنما أقرأ كما ~~علمت. # قال أبو جعفر: وبعضهم يقول عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، ولا يبعد ذلك، لأن قوله: إنما أقرأ كما علمت يدل على أنه مرفوع، وهذه ~~القراءة بفتح التاء والهاء هي الصحيحة من قراءة ابن عباس وسعيد بن جبير ~~والحسن ومجاهد وعكرمة، وبها قرأ أبو عمرو بن العلاء وعاصم والأعمش وحمزة ms3270 ~~والكسائي. قال عبد الله ابن مسعود: لا تقطعوا في القرآن، فإنما هو مثل، قول ~~أحدكم: هلم وتعال. وقرأ ابن أبي إسحاق النحوي " قالت هيت لك " بفتح الهاء ~~وكسر التاء. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وابن كثير " هيت لك " بفتح الهاء ~~وضم التاء، قال طرفة: # ليس قومي بالأبعدين إذا ما * وقال داع من العشيرة هيت فهذه ثلاث قراءات ~~الهاء فيهن مفتوحة. وقرأ أبو جعفر وشيبة ونافع " وقالت هيت لك " بكسر الهاء ~~وفتح التاء. وقرأ يحيى بن وثاب " وقالت هيت لك " بكسر الهاء وبعدها ياء ~~ساكنة والتاء مضمومة. وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وابن عباس ~~ومجاهد وعكرمة: " وقالت هئت، لك " بكسر الهاء وبعدها همزة ساكنة والتاء ~~مضمومة. # وعن ابن عامر وأهل الشام: " وقالت هئت " بكسر الهاء وبالهمزة وبفتح ~~التاء، قال أبو جعفر: # " هئت لك " بفتح التاء لالتقاء الساكنين، لأنه صوت نحو مه وصه يجب ألا ~~يعرب، PageV09P163 # والفتح خفيف، لأن قبل التاء ياء مثل، أين وكيف، ومن كسر التاء فإنما ~~كسرها لأن الأصل الكسر، لأن الساكن إذا حرك حرك إلى الكسر، ومن ضم فلأن فيه ~~معنى الغاية، أي قالت: # دعائي لك، فلما حذفت الإضافة بني على الضم، مثل حيث وبعد. وقراءة أهل ~~المدينة فيها قولان: أحدهما - أن يكون الفتح لالتقاء الساكنين كما مر. ~~والآخر - أن يكون فعلا من هاء يهيئ مثل جاء يجئ، فيكون المعنى في " هئت " ~~أي حسنت هيئتك، ويكون " لك " من كلام آخر، كما تقول: لك أعني. ومن همز وضم ~~التاء فهو فعل بمعنى تهيأت لك، وكذلك من قرأ " هيت لك ". وأنكر أبو عمرو ~~هذه القراءة، قال أبو عبيدة - معمر بن المثنى: # سئل أبو عمرو عن قراءة من قرأ بكسر الهاء وضم التاء مهموزا فقال أبو ~~عمرو: باطل، جعلها من تهيأت! اذهب فاستعرض العرب حتى تنتهي إلى اليمن هل ~~تعرف أحدا يقول هذا؟! # وقال الكسائي أيضا: لم تحك " هئت " عن العرب. قال عكرمة: " هئت لك " أي ~~تهيأت لك وتزينت وتحسنت، وهي قراءة غير مرضية، لأنها لم تسمع ms3271 في العربية. ~~قال النحاس: # وهي جيدة عند البصريين، لأنه يقال: هاء الرجل يهاء ويهيئ هيأة فهاء يهيئ ~~مثل جاء يجئ وهئت مثل جئت. وكسر الهاء في " هيت " لغة لقوم يؤثرون كسر ~~الهاء على فتحها. # قال الزجاج: أجود القراءات " هيت " بفتح الهاء والتاء، قال طرفة: # ليس قومي بالأبعدين إذا ما * وقال داع من العشيرة هيت بفتح الهاء والتاء. # وقال الشاعر في علي بن أبي طالب رضي الله عنه: # أبلغ أمير المؤمنين * أخا العراق إذا أتيتا إن العراق وأهله * سلم إليك ~~فهيت هيتا قال ابن عباس والحسن: " هيت " كلمة بالسريانية تدعوه إلى نفسها. ~~وقال السدي: # معناها بالقبطية (1) هلم لك. قال أبو عبيد: كان الكسائي يقول: هي لغة ~~لأهل حوران وقعت إلى أهل الحجاز معناه تعال، قال أبو عبيد: فسألت شيخا ~~عالما من حوران فذكر أنها # PageV09P164 # لغتهم، وبه قال عكرمة. وقال مجاهد وغيره: هي لغة عربية تدعوه بها إلى ~~نفسها، وهي كلمة حث وإقبال على الأشياء، قال الجوهري: يقال هوت به وهيت به ~~إذا صاح به ودعاه، قال: # قد رابني أن الكري أسكتا * لو كان معنيا بها لهيتا أي صاح، وقال آخر: # يحدو بها كل فتى هيات قوله تعالى: (قال معاذ الله) أي أعوذ بالله وأستجير ~~به مما دعوتني إليه، وهو مصدر، أي أعوذ بالله معاذا، فيحذف المفعول وينتصب ~~المصدر بالفعل المحذوف، ويضاف المصدر إلى اسم الله كما يضاف المصدر إلى ~~المفعول، كما تقول: مررت بزيد مرور عمرو أي كمروري بعمرو. (إنه ربي) يعني ~~زوجها، أي هو سيدي أكرمني فلا أخونه، قاله مجاهد وابن إسحاق والسدي. وقال ~~الزجاج: أي إن الله ربي تولاني بلطفه، فلا أرتكب ما حرمه. # (إنه لا يفلح الظالمون) وفي الخبر أنها قالت له: يا يوسف! ما أحسن صورة ~~وجهك! # قال: في الرحم صورني ربي، قالت: يا يوسف ما أحسن شعرك! قال: هو أول شئ ~~يبلى مني في قبري، قالت: يا يوسف! ما أحسن عينيك؟ قال: بهما أنظر إلى ربي. # قالت: يا يوسف! ارفع بصرك فانظر في وجهي، قال: إني ms3272 أخاف العمى في آخرتي. # قالت يا يوسف! أدنو منك وتتباعد مني؟! قال: أريد بذلك القرب من ربي. ~~قالت: # يا يوسف! القيطون (1) [فرشته لك] (2) فادخل معي، قال: القيطون لا يسترني ~~من ربي. قالت: # يا يوسف! فراش الحرير قد فرشته لك، قم فاقض حاجتي، قال: إذا يذهب من ~~الجنة نصيبي، إلى غير ذلك من كلامها وهو يراجعها، إلى أن هم بها. وقد ذكر ~~بعضهم ما زال النساء يملن إلى يوسف ميل شهوة حتى نبأه الله، فألقى عليه ~~هيبة النبوة، فشغلت هيبته كل من رآه عن حسنه. واختلف العلماء في همه. ولا ~~خلاف أن همها كان المعصية، وأما يوسف فهم بها # PageV09P165 # (لولا أن رأى برهان ربه) ولكن لما رأى البرهان ما هم، وهذا لوجوب العصمة ~~للأنبياء، قال الله تعالى: (كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا ~~المخلصين) فإذا في الكلام تقديم وتأخير، أي لولا أن رأى برهان (1) ربه هم ~~بها. قال أبو حاتم: كنت أقرأ غريب القرآن على أبي عبيدة فلما أتيت على ~~قوله: " ولقد همت به وهم بها " الآية، قال أبو عبيدة: # هذا على التقديم والتأخير، كأنه أراد ولقد همت به ولولا أن رأى برهان ربه ~~لهم بها. وقال أحمد بن يحيى: أي همت زليخاء بالمعصية وكانت مصرة، وهم يوسف ~~ولم يواقع ما هم به، فبين الهمتين فرق، ذكر هذين القولين الهروي في كتابه. ~~قال جميل: # هممت بهم من بثينة لو بدا * شفيت غليلات الهوى من فؤاديا آخر: # هممت ولم أفعل وكدت وليتني * تركت على عثمان تبكي حلائله فهذا كله حديث ~~نفس من غير عزم. وقيل: هم بها تمنى زوجيتها. وقيل: هم بها أي بضربها (2) ~~ودفعها عن نفسه، والبرهان كفه عن الضرب، إذ لو ضربها لأوهم أنه قصدها ~~بالحرام فامتنعت فضربها. وقيل: إن هم يوسف كان معصية، وأنه جلس منها مجلس ~~الرجل من امرأته، وإلى هذا القول ذهب معظم المفسرين وعامتهم، فيما ذكر ~~القشيري أبو نصر، وابن الأنباري والنحاس والماوردي وغيرهم. فال ابن عباس: # حل الهميان (3) وجلس منها مجلس الخاتن، وعنه: ms3273 استلقت على قفاها وقعد بين ~~رجليها ينزع ثيابه. وقال سعيد بن جبير: أطلق تكة سراويله. وقال مجاهد: حل ~~السراويل حتى بلغ الأليتين، وجلس منها مجلس الرجل من امرأته. قال ابن عباس: ~~ولما قال: " ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب " [يوسف: 52] قال له جبريل: ولا ~~حين هممت بها يا يوسف؟! فقال عند ذلك: " وما أبرئ نفسي " [يوسف: 53]. ~~قالوا: والانكفاف في مثل هذه الحالة دال على الإخلاص، وأعظم للثواب. # PageV09P166 # قلت: وهذا كان سبب ثناء الله تعالى على ذي الكفل حسب، ما يأتي بيانه في " ~~ص " (1) إن شاء الله تعالى. وجواب " لولا " على هذا محذوف، اي لولا أن ~~برهان ربه لأمضى ما هم به، ومثله " كلا لو تعلمون علم اليقين " (2) ~~[التكاثر: 5] وجوابه لم تتنافسوا، قال ابن عطية: روي هذا القول عن ابن عباس ~~وجماعة من السلف، وقالوا: الحكمة في ذلك أن يكون مثلا للمذنبين ليروا أن ~~توبتهم ترجع إلى عفو الله تعالى كما رجعت ممن هو خير منهم، ولم يوبقه القرب ~~من الذنب، وهذا كله على أن هم يوسف بلغ فيما روت هذه الفرقة إلى أن جلس بين ~~رجلي زليخاء وأخذ في حل ثيابه وتكته ونحو ذلك، وهي قد استلقت له، حكاه ~~الطبري. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: وابن عباس ومن دونه لا يختلفون في ~~أنه هم بها، وهم أعلم بالله وبتأويل كتابه، وأشد تعظيما للأنبياء من أن ~~يتكلموا فيهم بغير علم. وقال الحسن: إن الله عز وجل لم يذكر معاصي الأنبياء ~~ليعيرهم بها، ولكنه ذكرها لكيلا تيأسوا من التوبة. قال الغزنوي: # مع أن لزلة الأنبياء حكما: زيادة الوجل، وشدة الحياء بالخجل، والتخلي عن ~~عجب العمل، والتلذذ بنعمة العفو بعد الأمل، وكونهم أئمة رجاء أهل الزلل. ~~قال القشيري أبو نصر: # وقال قوم جرى من يوسف هم، وكان ذلك [الهم] (3) حركة طبع من غير تصميم ~~للعقد على الفعل، وما كان من هذا القبيل لا يؤخذ به العبد، وقد يخطر بقلب ~~المرء وهو صائم شرب الماء البارد، وتناول الطعام اللذيذ، فإذا لم يأكل ولم ms3274 ~~يشرب، ولم يصمم عزمه على الأكل والشرب لا يؤاخذ بما هجس في النفس، والبرهان ~~صرفه عن هذا الهم حتى لم يصر عزما مصمما. # قلت: هذا قول حسن، وممن قال به الحسن. قال ابن عطية: الذي أقول به في هذه ~~الآية إن كون يوسف نبيا في وقت هذه النازلة لم يصح، ولا تظاهرت به رواية، ~~وإذا كان كذلك فهو مؤمن قد أوتي حكما وعلما، ويجوز عليه الهم الذي هو إرادة ~~الشئ دون مواقعته وأن يستصحب الخاطر الردئ على ما في ذلك من الخطيئة، وإن ~~فرضناه نبيا في ذلك الوقت فلا يجوز عليه عندي إلا الهم الذي هو خاطر، ولا ~~يصح عليه شئ مما ذكر من حل تكته # PageV09P167 # ونحوه، لأن العصمة مع النبوة. وما روي من أنه قيل له: " تكون في ديوان ~~الأنبياء وتفعل فعل السفهاء ". فإنما معناه العدة بالنبوة فيما بعد. # قلت: ما ذكره من [هذا] (1) التفصيل صحيح، لكن قول تعالى: " وأوحينا إليه ~~" [يوسف: 15] يدل على أنه كان نبيا على ما ذكرناه، وهو قول جماعة من ~~العلماء، وإذا كان نبيا فلم يبق إلا أن يكون الهم الذي هم به ما يخطر في ~~النفس ولا يثبت في الصدر، وهو الذي رفع الله فيه المؤاخذة عن الخلق، إذ لا ~~قدرة للمكلف على دفعه، ويكون قوله: " وما أبرئ نفسي " [يوسف: 53] - إن كان ~~من قول يوسف - أي من هذا الهم، أو يكون ذلك منه على طريق التواضع ~~والاعتراف، لمخالفة النفس لما زكي به قبل وبرئ، وقد أخبر الله تعالى عن حال ~~يوسف من حين بلوغه فقال: " ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما " [يوسف: 22] ~~على ما تقدم بيانه، وخبر الله تعالى صدق، ووصفه صحيح، وكلامه حق، فقد عمل ~~يوسف بما علمه الله من تحريم الزنى ومقدماته، وخيانة السيد والجار والأجنبي ~~في أهله، فما تعرض لامرأة العزيز، ولا أجاب إلى المراودة، بل أدبر عنها وفر ~~منها، حكمة خص بها، وعملا بمقتضى ما علمه الله. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ~~رضي الله عنه قال قال رسول الله ms3275 صلى الله عليه وسلم: " قالت الملائكة رب ~~ذاك عبدك يريد أن يعمل سيئة وهو أبصر به فقال ارقبوه فإن عملها فاكتبوها له ~~بمثلها وإن تركها فاكتبوها له حسنة إنما تركها من جراي " (2). وقال عليه ~~السلام مخبرا عن ربه: " إذا هم عبدي بسيئة فلم يعملها كتبت حسنة ". فإن كان ~~ما يهم به العبد من السيئة يكتب له بتركها حسنة فلا ذنب، وفي الصحيح: # " إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تكلم به " وقد ~~تقدم. قال ابن العربي: # كان بمدينة السلام إمام من أئمة الصوفية، - وأي إمام - يعرف بابن عطاء! ~~تكلم يوما على يوسف وأخباره حتى ذكر تبرئته مما نسب إليه من مكروه، فقام ~~رجل من آخر مجلسه وهو مشحون بالخليقة من كل طائفة فقال: يا شيخ! يا سيدنا! ~~فإذا يوسف هم وما تم؟ قال: # نعم! لأن العناية من ثم. فانظر إلى حلاوة العالم والمتعلم، وانظر إلى ~~فطنة العامي في سؤاله، # PageV09P168 # وجواب العالم في اختصاره واستيفائه، ولذلك قال علماء الصوفية: إن فائدة ~~قوله: " ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما " [يوسف: 22] إنما أعطاه ذلك إبان ~~غلبة الشهوة لتكون له سببا للعصمة. # قلت: وإذا تقررت عصمته وبراءته بثناء الله تعالى عليه فلا يصح ما قال ~~مصعب بن عثمان: إن سليمان بن يسار كان من أحسن الناس وجها، فاشتاقته امرأة ~~فسامته نفسها فامتنع عليها وذكرها، فقالت: إن لم تفعل لأشهرنك، فخرج ~~وتركها، فرأى في منامه يوسف الصديق عليه السلام جالسا فقال: أنت يوسف؟ ~~فقال: أنا يوسف الذي هممت، وأنت سليمان الذي لم تهم؟! فإن هذا يقتضي أن ~~تكون درجة الولاية أرفع من درجة النبوة وهو محال، ولو قدرنا يوسف غير نبي ~~فدرجته الولاية، فيكون محفوظا كهو، ولو غلقت على سليمان الأبواب، وروجع في ~~المقال والخطاب، والكلام والجواب مع طول الصحبة لخيف عليه الفتنة، وعظيم ~~المحنة، والله أعلم. # قوله تعالى: (لولا أن رأى برهان ربه) [" أن " في موضع رفع أي لولا رؤية ~~برهان ربه] (1) والجواب محذوف لعلم السامع، أي لكان ما ms3276 كان. وهذا البرهان ~~غير مذكور في القرآن، فروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن زليخاء قامت ~~إلى صنم مكلل بالدر والياقوت في زاوية البيت فسترته بثوب، فقال: ما تصنعين؟ ~~قالت: أستحي من إلهي هذا أن يراني في (2) هذه الصورة، فقال يوسف: أنا أولى ~~أن أستحي من الله، وهذا أحسن ما قيل فيه، لأن فيه إقامة الدليل. وقيل: رأى ~~مكتوبا في سقف البيت " ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا " (3) ~~[الإسراء: 32]. وقال (4) ابن عباس: بدت كف مكتوب عليها " وإن عليكم لحافظين ~~" (5) [الانفطار: 10] وقال قوم: تذكر عهد. الله وميثاقه. وقيل: نودي يا ~~يوسف! أنت مكتوب في [ديوان] (6) الأنبياء وتعمل عمل السفهاء؟! وقيل: رأى ~~صورة يعقوب على الجدران عاضا على أنملته يتوعده فسكن، وخرجت شهوته من ~~أنامله، قال قتادة ومجاهد والحسن والضحاك وأبو صالح وسعيد بن جبير. وروى ~~الأعمش عن مجاهد قال: حل سراويله فتمثل له يعقوب، وقال له: # PageV09P169 # يا يوسف! فولى هاربا. وروى سفيان عن أبي حصين عن سعيد بن جبير قال: مثل ~~له يعقوب فضرب صدره فخرجت شهوته من أنامله، قال مجاهد: فولد لكل واحد من ~~أولاد يعقوب اثنا عشر ذكرا إلا يوسف لم يولد له إلا غلامان، ونقص بتلك ~~الشهوة ولده، وقيل غير هذا. وبالجملة: فذلك البرهان آية من آيات الله أراها ~~الله يوسف حتى قوي إيمانه، وامتنع عن المعصية. # قوله تعالى: (كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء) الكاف من " كذلك " يجوز أن ~~تكون رفعا، بأن يكون خبر ابتداء محذوف، التقدير.: البراهين كذلك، ويكون ~~نعتا لمصدر محذوف، أي أريناه البراهين رؤية كذلك. والسوء الشهوة، والفحشاء ~~المباشرة. # وقيل: السوء الثناء القبيح، والفحشاء الزنى. وقيل: السوء خيانة صاحبه، ~~والفحشاء ركوب الفاحشة. وقيل: السوء عقوبة الملك العزيز. وقرأ ابن كثير ~~وأبو عمرو وابن عامر " المخلصين " بكسر اللام، وتأويلها الذين أخلصوا طاعة ~~الله. وقرأ الباقون بفتح اللام، وتأويلها: الذين أخلصهم الله لرسالته، وقد ~~كان يوسف صلى الله عليه وسلم بهاتين الصفتين، لأنه كان مخلصا في طاعة الله ~~تعالى، مستخلصا لرسالة الله ms3277 تعالى. قوله تعالى: واستبقا الباب وقدت قميصه ~~من دبر وألفيا سيدها لدى الباب قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا ألا أن ~~يسجن أو عذاب أليم (25) قوله تعالى: (واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر). # فيه مسئلتان: # الأولى - قوله تعالى: (واستبقا الباب) قال العلماء: وهذا من اختصار ~~القرآن المعجز الذي يجتمع فيه المعاني، وذلك أنه لما رأى برهان ربه هرب ~~منها فتعاديا، هي لترده إلى نفسها، وهو ليهرب عنها، فأدركته قبل أن يخرج. " ~~وقدت قميصه من دبر " أي من خلفه، قبضت في أعلى قميصه فتخرق القميص عند ~~طوقه، ونزل التخريق إلى أسفل القميص. PageV09P170 # والاستباق طلب السبق إلى الشئ، ومنه السباق. والقد القطع، وأكثر ما ~~يستعمل فيما كان طولا، قال النابغة (1): # تقد السلوقي المضاعف نسجه وتوقد بالصفاح نار الحباحب والقط بالطاء يستعمل ~~فيما كان عرضا. وقال المفضل بن حرب: قرأت في مصحف " فلما رأى قميصه عط من ~~دبر " أي شق. قال يعقوب: العط الشق في الجلد الصحيح والثوب الصحيح. وحذفت ~~الألف من " استبقا " في اللفظ لسكونها وسكون اللام بعدها، كما يقال: # جاءني عبد الله في التثنية، ومن العرب من يقول: جاءني عبد الله بإثبات ~~الألف بغير همز، يجمع بين ساكنين، لأن الثاني مدغم، والأول حرف مد ولين. ~~ومنهم من يقول: عبد الله بأثبات الألف والهمز، كما تقول في الوقف. # الثانية - في الآية دليل على القياس والاعتبار، والعمل بالعرف والعادة، ~~لما ذكر من قد القميص مقبلا ومدبرا، وهذا أمر انفرد به المالكية في كتبهم، ~~وذلك أن القميص إذا جبذ من خلف تمزق من تلك الجهة، وإذا جبذ من قدام تمزق ~~من تلك الجهة، وهذا هو (2) الأغلب. قوله تعالى: (وألفيا سيدها لدى الباب) ~~أي وجدا العزيز عند الباب، وعني بالسيد الزوج، والقبط يسمون الزوج سيدا. ~~يقال: ألفاه وصادفه ووارطه ووالطه ولاطه كله بمعنى واحد (3)، فلما رأت ~~زوجها طلبت وجها للحيلة وكادت ف (قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا) أي زنى. ~~(إلا أن يسجن أو عذاب أليم) تقول: يضرب ضربا وجيعا. # و " ما جزاء ms3278 " ابتداء، وخبره " أن يسجن ". " أو عذاب " عطف على موضع " أن ~~يسجن " لأن المعنى: إلا السجن. ويجوز أو عذابا أليما بمعنى: أو يعذب عذابا ~~أليما، قاله الكسائي. # PageV09P171 # قوله تعالى: قال هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد ~~من قبل فصدقت وهو من الكاذبين (26) وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من ~~الصادقين (27) فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم ~~(28) يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك أنك كنت من الخاطئين (29) قوله ~~تعالى: (قال هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد من أهلها). # فيه ثلاث مسائل: # الأولى - قال العلماء: (1) لما برأت نفسها، ولم تكن صادقة في حبه - لأن ~~من شأن المحب إيثار المحبوب - قال: " هي راودتني عن نفسي " نطق يوسف بالحق ~~في مقابلة بهتها وكذبها عليه. قال نوف الشامي وغيره: كأن يوسف عليه السلام ~~لم يبن عن كشف القضية، فلما بغت به غضب فقال الحق. # الثانية - (شهد شاهد من أهلها) لأنهما لما تعارضا في القول احتاج الملك ~~إلى شاهد ليعلم الصادق من الكاذب، فشهد شاهد من أهلها. أي حكم حاكم من ~~أهلها، لأنه حكم منه وليس بشهادة. وقد اختلف في هذا الشاهد على أقوال ~~أربعة: الأول - أنه طفل في المهد تكلم، قال السهيلي: وهو الصحيح، للحديث ~~الوارد فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو قوله: " لم يتكلم في المهد ~~إلا ثلاثة " وذكر فيهم شاهد يوسف. وقال القشيري أبو نصر: قيل [فيه] (2): ~~كان صبيا في المهد في الدار وهو ابن خالتها، وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " تكلم أربعة وهم صغار " فذكر منهم ~~شاهد يوسف، فهذا قول. الثاني - أن الشاهد قد القميص، رواه ابن أبي نجيح عن ~~مجاهد، وهو مجاز صحيح من جهة اللغة، فإن لسان الحال أبلغ من لسان المقال، # PageV09P172 # وقد تضيف العرب الكلام إلى الجمادات وتخبر عنها بما هي عليه من الصفات، ~~وذلك كثير في أشعارها وكلامها، ومن أحلاه قول بعضهم: ms3279 قال الحائط للوتد لم ~~تشقني؟ قال له: سل من يدقني. إلا أن قول الله تعالى بعد " من أهلها " يبطل ~~أن يكون القميص. الثالث - أنه خلق من خلق الله تعالى ليس بإنسي ولا بجني، ~~قاله مجاهد أيضا، وهذا يرده قول تعالى: # " من أهلها ". الرابع - أنه رجل حكيم ذو عقل كان الوزير يستشيره في ~~أموره، وكان من جملة أهل المرأة، وكان مع زوجها فقال: قد سمعت الاستبدار ~~والجلبة من وراء الباب، وشق القميص، فلا يدري أيكما كان قدام صاحبه، فإن ~~كان شق القميص من قدامه فأنت صادقة، وإن كان من خلفه فهو صادق، فنظروا إلى ~~القميص فإذا هو مشقوق من خلف، هذا قول الحسن وعكرمة وقتادة والضحاك ومجاهد ~~أيضا والسدي. قال السدي: كان ابن عمها، وروي عن ابن عباس، وهو الصحيح في ~~الباب، والله أعلم. وروي عن ابن عباس - رواه [عنه] (2) إسرائيل عن سماك عن ~~عكرمة - قال: كان رجلا ذا لحية. وقال سفيان عن جابر عن ابن أبي مليكة عن ~~ابن عباس أنه قال: كان من خاصة الملك. وقال عكرمة: لم يكن بصبي، ولكن كان ~~رجلا حكيما. وروى سفيان عن منصور عن مجاهد قال: كان رجلا. قال أبو جعفر ~~النحاس: والأشبه بالمعنى - والله أعلم - أن يكون رجلا عاقلا حكيما شاوره ~~الملك فجاء بهذه الدلالة، ولو كان طفلا لكانت شهادته ليوسف صلى الله عليه ~~وسلم تغني عن أن يأتي بدليل من العادة، لأن كلام الطفل آية معجزة، فكادت ~~أوضح من الاستدلال بالعادة، وليس هذا بمخالف للحديث " تكلم أربعة وهم صغار ~~" منهم صاحب يوسف، يكون المعنى: # صغيرا ليس بشيخ، وفي هذا دليل آخر وهو: أن ابن عباس رضي الله عنهما روى ~~الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد تواترت الرواية عنه أن صاحب يوسف ~~ليس بصبي. # قلت: قد روي عن ابن عباس وأبي هريرة وابن جبير وهلال بن يساف (3) والضحاك ~~أنه كان صبيا في المهد، إلا أنه لو كان صبيا تكلم لكان الدليل نفس كلامه، ~~دون أن يحتاج إلى # PageV09P173 # استدلال بالقميص، وكان يكون ms3280 ذلك خرق عادة، ونوع معجزة، والله أعلم. ~~وسيأتي من تكلم في المهد من الصبيان في سورة " البروج " (1) إن شاء الله. ~~الثالثة - وإذا تنزلنا على أن يكون الشاهد طفلا صغيرا فلا يكون فيه دلالة ~~على العمل بالإمارات كما ذكرنا، وإذا كان رجلا فيصح أن يكون حجة بالحكم ~~بالعلامة في اللقطة وكثير من المواضع، حتى قال مالك في اللصوص: إذا وجدت ~~معهم أمتعة فجاء قوم فادعوها، وليست لهم بينة فإن السلطان يتلوم (2) لهم في ~~ذلك، فإن لم يأت غيرهم دفعها إليهم. وقال محمد في متاع البيت إذا اختلفت ~~فيه المرأة والرجل: إن ما كان للرجال فهو للرجل، وما كان للنساء فهو ~~للمرأة، وما كان للرجل والمرأة فهو للرجل. وكان شريح وإياس بن معاوية ~~يعملان على العلامات في الحكومات، وأصل ذلك هذه الآية، والله أعلم. # قوله تعالى: (إن كان قميصه قد من قبل) كان في موضع جزم بالشرط، وفيه من ~~النحو ما يشكل، لأن حروف الشرط ترد الماضي إلى المستقبل، وليس هذا في كان، ~~فقال المبرد محمد بن يزيد: هذا لقوة كان، وأنه يعبر بها عن جميع الأفعال. ~~وقال الزجاج: المعنى إن يكن، أي إن يعلم، والعلم لم يقع، وكذا الكون لأنه ~~يؤدي عن العلم. " قد من قبل " فخبر عن " كان " بالفعل الماضي، كما قال ~~زهير: # وكان طوى كشحا على مستكنة * فلا هو أبداها ولم يتقدم (3) وقرأ يحيى بن ~~يعمر وابن أبي إسحاق " من قبل " بضم القاف والباء واللام، وكذا " دبر " قال ~~الزجاج: يجعلهما غايتين كقبل وبعد، كأنه قال: من قبله ومن دبره، فلما حذف ~~المضاف إليه - وهو مراد - صار المضاف غاية نفسه بعد أن كان المضاف إليه ~~غاية له. # ويجوز " من قبل " " ومن دبر " بفتح الراء واللام تشبيها بما لا ينصرف، ~~لأنه معرفة ومزال عن بابه. وروى محبوب عن أبي عمرو " من قبل " " ومن دبر " ~~مخففان مجروران. # PageV09P174 # قوله تعالى: (فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن) قيل: قال لها ~~ذلك العزيز عند قولها: " ما جزاء من أراد بأهلك سوءا ms3281 " [يوسف: 25]. وقيل: ~~قاله لها الشاهد. # والكيد: المكر والحيلة، وقد تقدم في [الأنفال] (1). (إن كيدكن عظيم) ~~وإنما قال " عظيم " لعظم فتنتهن واحتيالهن في التخلص من ورطتهن. وقال مقاتل ~~عن يحيى بن أبي كثير عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~إن كيد النساء أعظم من كيد الشيطان لأن الله تعالى يقول: " إن كيد الشيطان ~~كان ضعيفا " (2) [النساء: 76] وقال: # " إن كيدكن عظيم ". # قوله تعالى: (يوسف أعرض عن هذا) القائل هذا هو الشاهد. و " يوسف " نداء ~~مفرد، أي يا يوسف، فحذف. " أعرض عن هذا " أي لا تذكره لأحد واكتمه. # ثم أقبل عليها فقال: وأنت (استغفري لذنبك) يقول: استغفري زوجك من ذنبك لا ~~يعاقبك. (إنك كنت من الخاطئين) ولم يقل من الخاطئات لأنه قصد الإخبار عن ~~المذكر والمؤنث، فغلب المذكر، والمعنى: من الناس الخاطئين، أو من القوم ~~الخاطئين، مثل: " إنها كانت من قوم كافرين " (3) [النمل: 43] " وكانت من ~~القانتين " (4) [التحريم: 12]. وقيل: إن القائل ليوسف أعرض ولها استغفري ~~زوجها الملك، وفيه قولان: أحدهما - أنه لم يكن غيورا، فلذلك، كان ساكنا. ~~وعدم الغيرة في كثير من أهل مصر موجود. الثاني - أن الله تعالى سلبه الغيرة ~~وكان فيه لطف بيوسف حتى كفي بادرته وعفا (5) عنها. # قوله تعالى: وقال نسوة في المدينة امرأت العزيز تراود فتاها عن نفسه قد ~~شغفها حبا إنا لنراها في ظلل مبين (30) فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن ~~وأعتدت لهن متكئا وآتت كل واحدة منهن سكينا وقالت اخرج عليهن فلما رأينه ~~أكبرنه وقطعن أيديهن # PageV09P175 # وقلن حاشا لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم (31) قالت فذلك الذي ~~لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن ~~وليكونا من الصاغرين (32) قوله تعالى: (وقالت نسوة في المدينة) ويقال: " ~~نسوة " بضم النون، وهي قراءة الأعمش والمفضل والسلمي، والجمع الكثير نساء. ~~ويجوز: وقالت نسوة، وقال نسوة، مثل قالت الأعراب وقال الأعراب، وذلك أن ~~القصة انتشرت في أهل مصر فتحدث النساء. قيل: امرأة ساقي العزيز، وامرأة ~~خبازه، وامرأة صاحب دوابه، وامرأة صاحب ms3282 سجنه. وقيل: امرأة الحاجب، عن ابن ~~عباس وغيره. (تراود فتاها عن نفسه) الفتى في كلام العرب الشاب، والمرأة ~~فتاة. (قد شغفها حبا) قيل: شغفها غلبها. وقيل: # دخل حبه في شغافها، عن مجاهد وغيره. وروى عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن ~~عباس قال: دخل تحت شغافها. وقال الحسن: الشغف باطن القلب. السدي وأبو عبيد ~~(1): # شغاف القلب غلافه، وهو جلدة عليه. وقيل: هو وسط القلب، والمعنى في هذه ~~الأقوال متقارب، والمعنى: وصل حبه إلى شغافها فغلب عليه، قال النابغة: # وقد حال هم دون ذلك داخل * دخول الشغاف تبتغيه الأصابع (2) وقد قيل: إن ~~الشغاف داء، وأنشد الأصمعي للراجز: # يتبعها وهي له شغاف وقرأ أبو جعفر بن محمد وابن محيصن والحسن " شعفها " ~~بالعين غير معجمة، قال ابن الأعرابي: # معناه أحرق حبه قلبها، قال: وعلى الأول العمل. قال الجوهري: وشعفه الحب ~~أحرق قلبه. وقال أبو زيد: أمرضه. وقد شعف بكذا فهو مشعوف. وقرأ الحسن " قد ~~شعفها " قال: بطنها حبا. قال النحاس: معناه عند أكثر أهل اللغة قد ذهب بها ~~كل مذهب، # PageV09P176 # لأن شعاف الجبال. أعاليها، وقد شغف بذلك شغفا بإسكان الغين إذا أولع به، ~~إلا أن أبا عبيدة أنشد بيت امرئ القيس: # لتقتلني (1) وقد شعفت فؤادها * كما شعف المهنوءة (2) الرجل الطالي قال: ~~فشبهت لوعة الحب وجواه بذلك. وروي عن الشعبي أنه قال: الشغف بالغا لمعجمة ~~حب، والشعف بالعين غير المعجمة جنون. قال النحاس: وحكي " قد شغفها " بكسر ~~الغين، ولا يعرف في كلام العرب إلا " شغفها " بفتح الغين، وكذا " شعفها " ~~أي تركها مشعوفة. وقال سعيد بن أبي عروبة عن الحسن: الشغاف حجاب القلب، ~~والشعاف سويداء القلب، فلو وصل الحب إلى الشعاف لماتت، وقال الحسن: ويقال ~~إن الشغاف الجلدة اللاصقة بالقلب (3) التي لا ترى، وهي الجلدة البيضاء، ~~فلصق حبه بقلبها كلصوق الجلدة بالقلب (3). قوله تعالى: (إنا لنراها في ضلال ~~مبين) أي في هذا الفعل. وقال قتادة: " فتاها " وهو فتى زوجها، لأن يوسف كان ~~عندهم في حكم المماليك، وكان ينفذ أمرها فيه. وقال مقاتل عن أبي عثمان ms3283 ~~النهدي عن سلمان الفارسي قال: إن امرأة العزيز استوهبت زوجها يوسف فوهبه ~~لها، وقال: ما تصنعين به؟ قالت أتخذه ولدا، قال: هو لك، فربته حتى أيفع وفى ~~نفسها منه ما في نفسها، فكانت تنكشف له وتتزين وتدعوه من وجه اللطف فعصمه ~~الله. # قوله تعالى: (فلما سمعت بمكرهن) أي بغيبتهن إياها، واحتيالهن في ذمها. ~~وقيل: # إنها أطلعتهن واستأمنتهن فأفشين سرها، فسمي ذلك مكرا. وقوله: (أرسلت ~~إليهن) في الكلام حذف، أي أرسلت إليهن تدعوهن إلى وليمة لتوقعهن فيما وقعت ~~فيه، فقال مجاهد عن ابن عباس: إن امرأة العزيز قالت لزوجها إني أريد أن ~~أتخذ طعاما فأدعو هؤلاء النسوة، فقال لها: افعلي، فاتخذت طعاما، ثم نجدت ~~لهن البيوت، نجدت أي زينت، والنجد ما ينجد # PageV09P177 # به البيت من المتاع أي يزين، والجمع نجود عن أبي عبيد (1)، والتنجيد ~~التزيين، وأرسلت إليهن أن يحضرن طعامها، ولا تتخلف منكن امرأة ممن سميت. ~~قال وهب بن منبه: إنهن كن أربعين امرأة فجئن على كره منهن، وقد قال فيهن ~~أمية بن أبي الصلت: # حتى إذا جئنها قسرا * ومهدت لهن أنضادا وكبابا (2) ويروى: أنماطا. قال ~~وهب بن [منبه] (3): فجئن وأخذن مجالسهن. (وأعتدت لهن متكئا) أي هيأت لهن ~~مجالس يتكئن عليها. قال ابن جبير: في كل مجلس جام فيه عسل وأترج وسكين حاد. ~~وقرأ مجاهد وسعيد بن جبير " متكئا " مخففا غير مهموز، والمتكأ هو الأترج ~~بلغة القبط، وكذلك فسره مجاهد. روى سفيان عن منصور عن مجاهد قال: المتكأ ~~مثقلا [هو] (3) الطعام، والمتكأ مخففا [هو] (3) الأترج، وقال الشاعر: # نشرب الإثم بالصواع جهارا * وترى المتك بيننا مستعارا وقد تقول أزد ~~شنوءة: الأترجة المتكة، قال الجوهري: المتك ما تبقيه الخاتنة. وأصل المتك ~~الزماورد (4). والمتكاء من النساء التي لم تخفض (5). قال الفراء: حدثني شيخ ~~من ثقات أهل البصرة أن المتك مخففا الزماورد. وقال بعضهم: إنه الأترج، حكاه ~~الأخفش. ابن زيد: # أترجا وعسلا يؤكل به، قال الشاعر: # فظلنا بنعمة واتكأنا * وشربنا الحلال من قلله أي أكلنا. # النحاس: قوله تعالى: " واعتدت " من العتاد، وهو كل ما جعلته ms3284 عدة لشئ. " ~~متكأ " أصح ما قيل فيه ما رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: مجلسا، ~~وأما قول جماعة من أهل التفسير إنه الطعام فيجوز على تقدير: طعام متكأ، ~~مثل: " واسأل القرية "، ودل على # PageV09P178 # هذا الحذف " وآتت كل واحدة منهن سكينا " لأن حضور النساء معهن سكاكين ~~إنما هو لطعام يقطع بالسكاكين، كذا قال في كتاب " إعراب القرآن " له. وقال ~~في كتاب " معاني القرآن " [له] (1): وروى معمر عن قتادة قال: " المتكأ " ~~الطعام. وقيل: # " المتكأ " كل ما أتكئ عليه عند طعام أو شراب أو حديث، وهذا هو المعروف ~~عند أهل اللغة، إلا أن الروايات قد صحت بذلك. وحكى القتبي أنه يقال: اتكأنا ~~عند فلان أي أكلنا، والأصل في " متكأ " موتكأ، ومثله متزن ومتعد، لأنه من ~~وزنت ووعدت ووكأت، ويقال: اتكأ يتكئ اتكاء. (كل واحدة منهن سكينا) مفعولان، ~~وحكى الكسائي والفراء أن السكين يذكر ويؤنث، وأنشد الفراء: # فعيث (2) في السنام غداة قر * بسكين موثقة النصاب الجوهري: والغالب عليه ~~التذكير، وقال: # يرى ناصحا فيما بدا فإذا خلا * فذلك سكين على الحلق حاذق الأصمعي: لا ~~يعرف في السكين إلا التذكير. قوله تعالى: (وقالت اخرج عليهن) بضم التاء ~~لالتقاء الساكنين، لأن الكسرة تثقل إذا كان بعدها ضمة، وكسرت التاء على ~~الأصل. قيل: إنها قالت لهن: لا تقطعن ولا تأكلن حتى أعلمكن، ثم قالت ~~لخادمها: إذا قلت لك ادع لي إيلا فادع يوسف، وإيل: صنم كانوا يعبدونه، وكان ~~يوسف عليه السلام يعمل في الطين، وقد شد مئزره، وحسر عن ذراعيه، فقالت ~~للخادم: ادع لي إيلا، أي ادع لي الرب، وإيل بالعبرانية الرب، قال: # فتعجب النسوة وقلن: كيف يجئ؟! فصعدت الخادم فدعت يوسف، فلما انحدر قالت ~~لهن: اقطعن ما معكن. (فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن) بالمدي حتى بلغت ~~السكاكين إلى العظم، قاله وهب بن منبه. سعيد بن جبير: لم يخرج عليهن حتى ~~زينته، فخرج عليهن فجأة فدهشن فيه، وتحيرن لحسن وجهه وزينته وما عليه، ~~فجعلن يقطعن أيديهن، ويحسبن # PageV09P179 # أنهن يقطعن الأترج، واختلف في معنى " أكبرنه " فروى ms3285 جويبر عن الضحاك عن ~~ابن عباس: # أعظمنه (1) وهبنه، وعنه أيضا أمنين وأمذين من الدهش، وقال الشاعر: # إذا ما رأين الفحل من فوق قارة * صهلن وأكبرن المني المدفقا وقال ابن ~~سمعان عن عدة من أصحابه: إنهم قالوا أمذين عشقا، وهب بن منبه: عشقنه حتى ~~مات منهن عشر في ذلك المجلس دهشا وحيرة ووجدا بيوسف. وقيل: معناه حضن من ~~الدهش، قاله قتادة ومقاتل والسدي، قال الشاعر: # نأتي النساء على أطهارهن * ولا نأتي النساء إذا أكبرن إكبارا وأنكر ذلك ~~أبو عبيدة وغيره وقالوا: ليس ذلك في كلام العرب، ولكنه يجوز أن يكن حضن من ~~شدة إعظامهن له، وقد تفزع المرأة فتسقط ولدها أو تحيض. قال الزجاج يقال ~~أكبرنه، ولا يقال حضنه، فليس الإكبار بمعنى الحيض، وأجاب الأزهري فقال: ~~يجوز أكبرت بمعنى حاضت، لأن المرأة إذا حاضت في الابتداء خرجت من حيز الصغر ~~إلى الكبر، قال: والهاء في " أكبرنه " يجوز أن تكون هاء الوقف لا هاء ~~الكناية، وهذا مزيف، لأن هاء الوقف تسقط في الوصل، وأمثل منه قول ابن ~~الأنباري: إن الهاء كناية عن مصدر الفعل، أي أكبرن إكبارا، بمعنى حضن حيضا. ~~وعلى قول ابن عباس الأول تعود الهاء إلى يوسف، أي أعظمن يوسف وأجللنه. # قوله تعالى: (وقطعن أيديهن) قال مجاهد: قطعنها حتى ألقينها. وقيل: ~~خدشنها. # وروى ابن أبي نجيح [عن مجاهد] (4) قال: حزا بالسكين، قال النحاس: يريد ~~مجاهد أنه ليس قطعا تبين منه اليد، إنما هو خدش وحز، وذلك معروف في اللغة ~~أن يقال إذا خدش الإنسان يد صاحبه قطع يده. وقال عكرمة: " أيديهن " ~~أكمامهن، وفيه بعد. وقيل: أناملهن، أي ما وجدن ألما في القطع والجرح، أي ~~لشغل قلوبهن بيوسف، والتقطيع يشير إلى الكثرة، فيمكن أن ترجع الكثرة إلى ~~واحدة جرحت يدها في مواضع، ويمكن أن يرجع إلى عددهن. # PageV09P180 # قوله تعالى: (وقلن حاش لله) أي معاذ الله. وروى الأصمعي عن نافع أنه قرأ ~~كما قرأ أبو عمرو بن العلاء. " وقلن حاشا لله " بإثبات الألف وهو الأصل، ~~ومن حذفها جعل اللام في " لله " عوضا ms3286 منها. وفيها أربع لغات، يقال: حاشاك ~~وحاشا لك وحاش لك وحشا لك. # ويقال: حاشا زيد وحاشا زيدا، قال النحاس: وسمعت علي بن سليمان يقول سمعت ~~محمد بن يزيد يقول: النصب أولى، لأنه قد صح أنها فعل لقولهم حاش لزيد، ~~والحرف لا يحذف منه، وقد قال، النابغة: # ولا أحاشي من الأقوام من أحد (1) وقال بعضهم: حاش حرف، وأحاشى فعل. ويدل ~~على كون حاشا فعلا وقوع حرف الجر بعدها. وحكى أبو زيد عن أعرابي: اللهم ~~اغفر لي ولمن يسمع (2)، حاشا الشيطان وأبا الأصبغ (3)، فنصب بها. وقرأ ~~الحسن " وقلن حاش لله " بإسكان الشين، وعنه أيضا " حاش الإله ". # ابن مسعود وأبي: " حاش الله " بغير لام، ومنه قول الشاعر (4): # حاشا أبي ثوبان إن به * ضنا عن الملحاة والشتم قال الزجاج: وأصل الكلمة ~~من الحاشية، والحشا بمعنى الناحية، تقول: كنت في حشا فلان أي في ناحيته، ~~فقولك: حاشا لزيد أي تنحى زيد من هذا وتباعد عنه، والاستثناء إخراج وتنحية ~~عن جملة المذكورين. وقال أبو علي: هو فاعل من المحاشاة، أي حاشا يوسف وصار ~~في حاشية وناحية مما قرف به، أو من أن يكون بشرا، فحاشا وحاش في الاستثناء ~~حرف جر عند سيبويه، وعلى ما قال المبرد وأبو علي فعل. قوله تعالى: (ما هذا ~~بشرا) قال الخليل وسيبويه: " ما " بمنزلة ليس، تقول: ليس زيد قائما، و " ما ~~هذا بشر " و " ما هن أمهاتهم " (5) [المجادلة: 2]. وقال الكوفيون: لما حذفت ~~الباء # PageV09P181 # نصبت، وشرح هذا - فيما قاله أحمد بن يحيى، - إنك إذا قلت: ما زيد بمنطلق، ~~فموضع الباء موضع نصب، وهكذا سائر حروف الخفض، فلما حذفت الباء نصبت لتدل ~~على محلها، قال: وهذا قول الفراء، قال: ولم تعمل " ما " شيئا، فألزمهم ~~البصريون أن يقولوا: زيد القمر، لأن المعنى كالقمر! فرد أحمد بن يحيى بأن ~~قال: الباء أدخل في حروف الخفض من الكاف، لأن الكاف تكون اسما. قال النحاس: ~~لا يصح إلا قول البصريين، وهذا القول يتناقض، لأن الفراء أجاز (1) نصا ما ~~بمنطلق زيد، وأنشد: # أما والله أن لو كنت حرا ms3287 * وما بالحر أنت ولا العتيق ومنع (1) نصا النصب، ~~ولا نعلم بين النحويين اختلافا أنه جائز: ما فيك براغب زيد، وما إليك بقاصد ~~عمرو، ثم يحذفون الباء ويرفعون. وحكى البصريون والكوفيون ما زيد منطلق ~~بالرفع، وحكى البصريون أنها لغة تميم، وأنشدوا: # أتيما تجعلون إلي ندا * وما تيم لذي حسب نديد الند والنديد والنديدة ~~المثل والنظير. وحكى الكسائي أنها لغة تهامة ونجد. وزعم الفراء أن الرفع ~~أقوى الوجهين: قال أبو إسحاق: وهذا غلط، كتاب الله عز وجل ولغة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أقوى وأولى. # قلت: وفي مصحف حفصة رضي الله عنها " ما هذا ببشر " ذكره الغزنوي. قال ~~القشيري أبو نصر: وذكرت النسوة أن [صورة] يوسف أحسن، من صورة (2) البشر، بل ~~هو في صورة ملك، وقال الله تعالى: " لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم (3) " ~~[التين: 4] والجمع بين الآيتين أن قولهن: # " حاش لله " تبرئة ليوسف عما رمته به امرأة العزيز من المراودة، أي بعد ~~يوسف عن هذا، وقولهن: " لله " أي لخوفه، أي براءة لله من هذا، أي قد نجا ~~يوسف من ذلك، فليس هذا من الصورة في شئ، والمعنى: أنه في التبرئة عن ~~المعاصي كالملائكة، فعلى هذا لا تناقض. # وقيل: المراد تنزيهه عن مشابهة البشر في الصورة، لفرط جماله. وقوله: " ~~لله " تأكيد لهذا المعنى، فعلى هذا المعنى قالت النسوة ذلك ظنا منهن أن ~~صورة الملك أحسن، وما بلغهن قوله # PageV09P182 # تعالى: " لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم " [التين: 4] فإنه من كتابنا. ~~وقد ظن بعض الضعفة أن هذا القول لو كان ظنا باطلا منهن لوجب على الله أن ~~يرد عليهن، ويبين كذبهن، وهذا باطل، إذ لا وجوب على الله تعالى، وليس كل ما ~~يخبر به الله سبحانه من كفر الكافرين وكذب الكاذبين يجب عليه أن يقرن به ~~الرد عليه، وأيضا أهل العرف قد يقولون في القبيح كأنه شيطان، وفي الحسن ~~كأنه ملك، أي لم ير مثله، لأن الناس لا يرون الملائكة، فهو بناء على ظن في ~~أن صورة الملك أحسن، أو على الإخبار بطهارة ms3288 أخلاقه وبعده عن التهم. # (إن هذا إلا ملك) أي ما هذا إلا ملك، وقال الشاعر (1): # فلست لإنسي ولكن لملاك * تنزل من جو السماء يصوب وروي عن الحسن: " ما هذا ~~بشرى " بكسر الباء والشين، أي ما هذا عبدا مشترى، أي ما ينبغي لمثل هذا أن ~~يباع، فوضع المصدر موضع اسم المفعول، كما قال: " أحل لكم صيد البحر " (2) ~~[المائدة: 96] أي مصيده، وشبهه كثير. ويجوز أن يكون المعنى: ما هذا بثمن، ~~أي مثله لا يثمن ولا يقوم، فيراد بالشراء على هذا الثمن المشترى به: كقولك: ~~ما هذا بألف إذا نفيت قول القائل: هذا بألف. فالباء على هذا متعلقة بمحذوف ~~هو الخبر، كأنه قال: ما هذا مقدرا بشراء. وقراءة العامة أشبه، لأن بعده " ~~إن هذا إلا ملك كريم " مبالغة في تفضيله في جنس الملائكة تعظيما لشأنه، ~~ولأن مثل " بشرى " يكتب في المصحف بالياء. # قوله تعالى: (قالت فذلكن الذي لمتنني فيه) لما رأت افتتانهن بيوسف أظهرت ~~عذر نفسها بقولها: " لمتنني فيه " أي بحبه، و " ذلك " بمعنى " هذا " وهو ~~اختيار الطبري. وقيل: # الهاء للحب، و " ذلك " عل بابه، والمعنى: ذلكن الحب الذي لمتنني فيه، أي ~~حب هذا هو ذلك الحب. واللوم الوصف بالقبيح. ثم أقرت وقالت: (ولقد راودته عن ~~نفسه فاستعصم) أي أمتنع (3)، # PageV09P183 # وسميت العصمة عصمة لأنها تمنع من ارتكاب المعصية. وقيل: " استعصم " أي ~~استعصى، والمعنى واحد. (ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن) عاودته المراودة ~~بمحضر منهن، وهتكت جلباب (1) الحياء، ووعدت بالسجن إن لم يفعل، وإنما فعلت ~~هذا حين لم تخش لوما ولا مقالا خلاف أول أمرها إذ كان ذلك بينه وبينها. ~~(وليكونا من الصاغرين) أي الأذلاء. # وخط المصحف " وليكونا " بالألف وتقرأ بنون مخففة للتأكيد، ونون التأكيد ~~تثقل وتخفف والوقف على قوله: " ليسجنن " بالنون لأنها مثقلة، وعلى " ليكونا ~~" بالألف لأنها مخففة، وهي تشبه نون الإعراب في قولك: رأيت رجلا وزيدا ~~وعمرا، ومثله قوله: " لنسفعا بالناصية " (2) ونحوها الوقف عليها بالألف، ~~كقول الأعشى: # ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا أي أراد فاعبدا، فلما وقف عليه كان الوقف ~~بالألف. # قوله ms3289 تعالى: قال رب السجن أحب إلى مما يدعونني إليه وإلا تصرف عنى كيدهن ~~أصب إليهن وأكن من الجاهلين (33) فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو ~~السميع العليم (34) قوله تعالى: (قال رب السجن أحب إلى مما يدعونني إليه) ~~أي دخول السجن، فحذف المضاف، قاله الزجاج والنحاس. " أحب إلي " أي أسهل علي ~~وأهون من الوقوع في المعصية، لا أن دخول السجن مما يحب على التحقيق. وحكي ~~أن يوسف عليه السلام لما قال: " السجن أحب إلي " أوحى الله إليه " يا يوسف! ~~أنت حبست نفسك حيث قلت السجن أحب إلي، ولو قلت العافية أحب إلي لعوفيت ". ~~وحكى أبو حاتم أن عثمان بن عفان رضي الله عنه قرأ: " السجن " بفتح السين ~~وحكى أن ذلك قراءة ابن أبي إسحاق # PageV09P184 # وعبد الرحمن الأعرج ويعقوب، وهو مصدر سجنه سجنا. (وإلا تصرف عنى كيدهن) ~~أي كيد النسوان. وقيل: كيد النسوة اللاتي رأينه؟ فإنهن أمرنه بمطاوعة امرأة ~~العزيز، وقلن له: هي مظلومة وقد ظلمتها. وقيل: طلبت كل واحدة أن تخلو به ~~للنصيحة في امرأة العزيز، والقصد بذلك أن تعذله في حقها، وتأمره بمساعدتها، ~~فلعله يجيب، فصارت كل واحدة تخلو به على حدة فتقول له: يا يوسف! اقض لي ~~حاجتي فأنا خير لك من سيدتك، تدعوه كل واحدة لنفسها وتراوده، فقال: يا رب ~~كانت واحدة فصرن جماعة. وقيل: كيد امرأة العزيز فيما دعته إليه من الفاحشة، ~~وكنى عنها بخطاب الجمع إما لتعظيم شأنها في الخطاب، وإما ليعدل عن التصريح ~~إلى التعريض. والكيد الاحتيال والاجتهاد، ولهذا سميت الحرب كيدا لاحتيال ~~الناس فيها، قال عمر بن لجأ: # تراءت كي تكيدك أم بشر * وكيد بالتبرج ما تكيد (أصب إليهن) جواب الشرط، ~~أي أمل إليهن، من صبا يصبو - إذا مال واشتاق - صبوا وصبوة، قال (1): # إلى هند صبا قلبي * وهند مثلها يصبي أي إن لم تلطف بي في اجتناب المعصية ~~وقعت فيها. (واكن من الجاهلين) أي ممن يرتكب الإثم ويستحق الذم، أو ممن ~~يعمل عمل الجهال، ودل هذا على أن أحدا لا يمتنع عن معصية ms3290 الله إلا بعون ~~الله، ودل أيضا على قبح الجهل والذم لصاحبه. # قوله تعالى: (فاستجاب له ربه) لما قال. " وإلا تصرف عن كيدهن " تعرض ~~للدعاء، وكأنه قال: اللهم اصرف عني كيدهن، فاستجاب له دعاءه، ولطف به وعصمه ~~عن الوقوع في الزنى. " كيدهن " قيل: لأنهن جمع قد راودنه عن نفسه. # وقيل: يعني كيد النساء. وقيل: يعني كيد امرأة العزيز، على ما ذكر في ~~الآية قبل، والعموم أولى. # PageV09P185 # قوله تعالى: ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين (35) فيه ~~أربع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (ثم بدا لهم) أي ظهر للعزيز وأهل مشورته " من بعد ~~أن رأوا الآيات " أي علامات براءة يوسف - من قد القميص من دبر، وشهادة ~~الشاهد، وحز الأيدي، وقلة صبرهن عن لقاء يوسف - أن يسجنوه كتمانا للقصة ألا ~~تشيع في العامة، وللحيلولة بينه وبينها. وقيل: هي البركات التي كانت تنفتح ~~عليهم ما دام يوسف فيهم، والأول أصح. قال مقاتل عن مجاهد عن ابن عباس في ~~قول: " ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات " قال: القميص من الآيات، وشهادة ~~الشاهد من الآيات، وقطع الأيدي من الآيات، وإعظام النساء إياه من الآيات. ~~وقيل: ألجأها الخجل من الناس، والوجل من اليأس إلى أن رضيت بالحجاب مكان ~~خوف الذهاب، لتشتفي إذا منعت من نظره، قال: # وما صبابة مشتاق على أمل * من اللقاء كمشتاق بلا أمل أو كادته رجاء أن ~~يمل حبسه فيبذل نفسه. # قوله تعالى: (ليسجننه) " يسجننه " في موضع الفاعل، أي ظهر لهم أن يسجنوه، ~~هذا قول سيبويه. قال المبرد: وهذا غلط، لا يكون الفاعل جملة، ولكن الفاعل ~~ما دل عليه " بدا " وهو مصدر، أي بدا لهم بداء، فحذف لأن الفعل يدل عليه، ~~كما قال الشاعر: # وحق لمن أبو موسى أبوه * يوفقه الذي نصب الجبالا أي وحق الحق، فحذف. ~~وقيل: المعنى ثم بدا لهم رأي لم يكونوا يعرفونه، وحذف هذا لأن في الكلام ~~دليلا عليه، وحذف أيضا القول، أي قالوا: ليسجننه، واللام جواب ليمين مضمر، ~~قاله الفراء، وهو فعل مذكر لا ms3291 فعل مؤنث، ولو كان فعلا مؤنثا لكان يسجنانه، ~~PageV09P186 # ويدل على هذا قوله " لهم " ولم يقل لهن، فكأنه أخبر عن النسوة وأعوانهن ~~فغلب المذكر، قاله أبو علي. وقال السدي: كان سبب حبس يوسف أن امرأة العزيز ~~شكت إليه أنه شهرها ونشر خبرها، فالضمير على هذا في " لهم " للملك. # الثالثة - قوله تعالى: (حتى حين) أي إلى مدة غير معلومة، قاله كثير من ~~المفسرين. وقال ابن عباس: إلى انقطاع ما شاع في المدينة. وقال سعيد بن ~~جبير: # إلى ستة أشهر. وحكى الكيا أنه عنى ثلاثة عشر شهرا. عكرمة: تسع سنين. ~~الكلبي: خمس سنين. مقاتل: [سبع] (1). وقد مضى في " البقرة " (2) القول في ~~الحين وما يرتبط به من الأحكام. وقال وهب: أقام في السجن اثنتي عشرة سنة. و ~~" حتى " بمعنى إلى، كقوله: # " حتى مطلع الفجر " (3) [القدر: 5]. وجحل الله الحبس تطهيرا ليوسف صلى ~~الله (4) عليه وسلم من همه بالمرأة. # وكأن العزيز - وإن عرف براءة يوسف - أطاع المرأة في سجن يوسف. قال ابن ~~عباس: # عثر يوسف ثلاث عثرات: حين هم بها فسجن، وحين قال للفتى: " اذكرني عند ربك ~~" [يوسف: 42] فلبث في السجن بضع سنين، وحين قال لإخوته: " إنكم لسارقون " ~~[يوسف: 70] فقالوا: " إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل ". [يوسف: 77]. # الرابعة - أكره يوسف عليه السلام على الفاحشة بالسجن، وأقام خمسة أعوام، ~~وما رضي بذلك لعظيم منزلته وشريف قدره، ولو أكره رجل بالسجن على الزنى ما ~~جاز له إجماعا. فإن أكره بالضرب فقد اختلف فيه العلماء، والصحيح أنه إذا ~~كان فادحا فإنه يسقط عنه إثم الزنى وحده. وقد قال بعض علمائنا: إنه لا يسقط ~~عنه الحد، وهو ضعيف، فإن الله تعالى لا يجمع على عبده العذابين، ولا يصرفه ~~بين بلاءين، فإنه من أعظم الحرج في الدين. " وما جعل عليكم في الدين من حرج ~~". # (5) [الحج: 78]. وسيأتي بيان هذا في " النحل " (6) إن شاء الله. # وصبر يوسف، واستعاذ به من الكيد، فاستجاب له على ما تقدم. # PageV09P187 # قوله تعالى: ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا وقال ~~الآخر إني ms3292 أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك ~~من المحسنين (36) قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن ~~يأتيكما ذلكما مما علمني ربى إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة ~~هم كافرون (37) واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك ~~بالله من شئ ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون ~~(38) قوله تعالى: (ودخل معه السجن فتيان) " فتيان " تثنية فتى، وهو من ذوات ~~الياء، وقولهم: الفتو شاذ (1). قال وهب وغيره: حمل يوسف إلى السجن مقيدا ~~على حمار، وطيف به " هذا جزاء من يعصي سيدته " وهو يقول: هذا أيسر من ~~مقطعات (2) النيران، وسرابيل القطران، وشراب الحميم، وأكل الزقوم. فلما ~~انتهى يوسف إلى السجن وجد فيه قوما قد انقطع رجاؤهم، واشتد بلاؤهم، فجعل ~~يقول لهم: اصبروا وابشروا تؤجروا، فقالوا له: يا فتى! ما أحسن حديثك! لقد ~~بورك لنا في جوارك، من أنت يا فتى؟ قال: # أنا يوسف ابن صفي الله يعقوب، ابن ذبيح (3) الله إسحاق، ابن خليل الله ~~إبراهيم. وقال ابن عباس: لما قالت المرأة لزوجها إن هذا العبد العبراني قد ~~فضحني، وأنا أريد أن تسجنه، فسجنه في السجن، فكان يعزي فيه الحزين، ويعود ~~فيه المريض، ويداوي فيه الجريح، ويصلي الليل كله، ويبكي حتى تبكي معه جدر ~~البيوت وسقفها والأبواب، وطهر به السجن، واستأنس به أهل السجن، فكان إذا ~~خرج الرجل من السجن رجع حتى يجلس في السجن # PageV09P188 # مع يوسف، وأحبه صاحب السجن فوسع عليه فيه، ثم قال [له] (1): يا يوسف! لقد ~~أحببتك حبا لم أحب شيئا حبك، فقال: أعوذ بالله من حبك، قال: ولم ذلك؟ فقال: ~~أحبني أبي ففعل بي إخوتي ما فعلوه، وأحبتني سيدتي فنزل بي ما ترى، فكان في ~~حبسه حتى غضب الملك على خبازه وصاحب شرابه، وذلك أن الملك عمر فيهم فملوه، ~~فدسوا إلى خبازه وصاحب شرابه أن يسماه جميعا، فأجاب الخباز وأبى صاحب ~~الشراب، فانطلق صاحب الشراب فأخبر الملك بذلك، فأمر الملك ms3293 بحبسهما، ~~فاستأنسا بيوسف، فذلك قوله: " ودخل معه السجن فتيان " وقد قيل: إن الخباز ~~وضع السم في الطعام، فلما حضر الطعام قال الساقي: أيها الملك! # لا تأكل فإن الطعام مسموم. وقال الخباز: أيها (1) الملك لا تشرب! فإن ~~الشراب مسموم، فقال الملك للساقي: اشرب! فشرب فلم يضره، وقال للخباز: كل، ~~فأبى، فجرب الطعام على حيوان فنفق مكانه، فحبسهما سنة، وبقيا في السجن تلك ~~المدة مع يوسف. واسم الساقي منجا، والآخر مجلث، ذكره الثعلبي عن كعب. وقال ~~النقاش: اسم أحدهما شرهم، والآخر سرهم، الأول بالشين المعجمة، والآخر ~~بالسين المهملة. وقال الطبري: الذي رأى أنه يعصر خمرا هو نبو، قال السهيلي: ~~وذكر اسم الآخر ولم أقيده. وقال " فتيان " لأنهما كانا عبدين، والعبد يسمى ~~فتى، صغيرا كان أو كبيرا، ذكره الماوردي. وقال القشيري: # ولعل الفتى كان اسما للعبد في عرفهم، ولهذا قال: " تراود فتاها عن نفسه " ~~[يوسف: 30]. ويحتمل أن يكون الفتى اسما للخادم وإن لم يكن مملوكا. ويمكن أن ~~يكون حبسهما مع حبس يوسف أو بعده أو قبله، غير أنهما دخلا معه البيت الذي ~~كان فيه. " قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا " أي عنبا، كان يوسف قال لأهل ~~السجن: إني أعبر الأحلام، فقال أحد الفتيين لصاحبه: تعال حتى نجرب هذا ~~العبد العبراني، فسألاه من غير أن يكونا رأيا شيئا، قاله ابن مسعود. وحكى ~~الطبري أنهما سألاه عن علمه فقال: إني أعبر الرؤيا، فسألاه عن رؤياهما. قال ~~ابن عباس ومجاهد: كانت رؤيا صدق رأياها وسألاه عنها، ولذلك صدق تأويلها. ~~وفي الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: " أصدقكم رؤيا ~~أصدقكم # PageV09P189 # حديثا ". وقيل: إنها كانت رؤيا كذب سألاه عنها تجريبا، وهذا قول ابن ~~مسعود والسدي. وقيل: إن المصلوب منهما كان كاذبا، والآخر صادقا، قاله أبو ~~مجلز. وروى الترمذي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: قال: " من ~~تحلم كاذبا كلف يوم القيامة أن يعقد بين شعيرتين [ولن يعقد (1) بينهما] ". ~~قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. # وعن علي عن النبي صلى الله ms3294 عليه وسلم قال: " من كذب في حلمه كلف يوم ~~القيامة عقد شعيرة ". # قال: حديث حسن. قال ابن عباس: لما رأيا رؤياهما أصبحا مكروبين، فقال لهما ~~يوسف: # مالي أراكما مكروبين؟ قالا: يا سيدنا! إنا رأينا ما كرهنا، قال: فقصا ~~علي، فقصا عليه، قالا: نبئنا بتأويل ما رأينا، وهذا يدل على أنها كانت رؤيا ~~منام. (إنا نراك من المحسنين) فإحسانه، أنه كان يعود المرضى ويداويهم، ~~ويعزي الحزاني، قال الضحاك: كان إذا مرض الرجل من أهل السجن قام به، وإذا ~~ضاق وسع له، وإذا احتاج جمع له، وسأل له. # وقيل: " من المحسنين " أي العالمين الذين أحسنوا العلم، قاله الفراء. ~~وقال ابن إسحاق: # " من المحسنين " لنا إن فسرته، كما يقول: افعل كذا وأنت محسن. قال: فما ~~رأيتما؟ # قال الخباز: رأيت كأني اختبزت في ثلاث تنانير، وجعلته في ثلاث سلال، ~~فوضعته على رأسي فجاء الطير فأكل منه. وقال الآخر: رأيت كأني أخذت عناقيد ~~من عنب أبيض، فعصرتهن في ثلاث أوان، ثم صفيته فسقيت الملك كعادتي فيما مضى، ~~فذلك قوله: " إني أراني أعصر خمرا " أي عنبا، بلغة عمان، قاله الضحاك. وقرأ ~~ابن مسعود: " إني أراني أعصر عنبا ". وقال الأصمعي: أخبرني المعتمر بن ~~سليمان أنه لقي أعرابيا ومعه عنب فقال له: # ما معك؟ قال: خمر. وقيل: معنى. " أعصر خمرا " أي عنب، فحذف المضاف. # ويقال خمرة وخمر وخمور، مثل تمرة وتمر وتمور. " قال " لهما يوسف: (لا ~~يأتيكما طعام # PageV09P190 # ترزقانه) يعني لا يجيئكما غدا طعام من منزلكما (إلا نبأتكما بتأويله) ~~لتعلما أني أعلم تأويل رؤياكما، فقالا: افعل! فقال لهما: يجيئكما كذا وكذا، ~~فكان على ما قال، وكان هذا من علم الغيب خص به يوسف. وبين أن الله خصه بهذا ~~العلم لأنه ترك ملة قوم لا يؤمنون بالله، يعني دين الملك. ومعنى الكلام ~~عندي: العلم بتأويل رؤياكما، والعلم بما يأتيكما من طعامكما والعلم بدين ~~الله، فاسمعوا أولا ما يتعلق بالدين لتهتدوا، ولهذا لم يعبر لهما حتى ~~دعاهما إلى الإسلام، فقال: " يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله ~~الواحد القهار. ms3295 # ما تعبدون " [يوسف: 39 - 40] الآية كلها، على ما يأتي. وقيل: علم أن ~~أحدهما مقتول فدعاهما إلى الإسلام ليسعدا (1) به. وقيل: إن يوسف كره أن ~~يعبر لهما ما سألاه لما علمه من المكروه على أحدهما فأعرض عن سؤالهما، وأخذ ~~في غيره فقال: " لا يأتيكما طعام ترزقانه " في النوم " إلا نبأتكما " ~~بتفسيره في اليقظة، قاله السدي، فقالا له: هذا من فعل العرافين والكهنة، ~~فقال لهما يوسف عليه السلام: ما أنا بكاهن، وإنما ذلك مما علمنيه ربي، إني ~~لا أخبركما به تكهنا وتنجيما، بل هو بوحي من الله عز وجل. وقال ابن جريج: ~~كان الملك إذا أراد قتل إنسان صنع له طعاما معروفا فأرسل به إليه، فالمعنى: ~~لا يأتيكما طعام ترزقانه في اليقظة، فعلى هذا " ترزقانه " أي يجري عليكما ~~من جهة الملك أو غيره. ويحتمل يرزقكما الله. قال الحسن: # كان يخبرهما بما غاب، كعيسى عليه السلام. وقيل: إنما دعاهما بذلك إلى ~~الإسلام، وجعل المعجزة التي يستدلان بها إخبارهما بالغيوب. # قوله تعالى: (واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحق ويعقوب) لأنهم أنبياء على ~~الحق. # (ما كان) أي ما ينبغي لنا. (لنا أن نشرك بالله من شئ) " من " للتأكيد، ~~كقولك: ما جاءني من أحد. وقوله تعالى: (ذلك من فضل الله علينا) إشارة إلى ~~عصمته من الزنى. # (وعلى الناس) أي على المؤمنين الذين عصمهم الله من الشرك. وقيل: " ذلك من ~~فضل الله علينا " إذ جعلنا أنبياء، " وعلى الناس " إذ جعلنا الرسل إليهم. ~~(ولكن أكثر الناس لا يشكرون) على نعمة (2) التوحيد والإيمان. # PageV09P191 # قوله تعالى: يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ~~(39) ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله من ~~سلطن إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون (40) قوله تعالى: (يا صاحبي السجن) أي يا ساكني السجن، ~~وذكر الصحبة لطول مقامهما فيه، كقولك: أصحاب الجنة، وأصحاب النار. (أأرباب ~~متفرقون) أي في الصغر والكبر والتوسط، أو متفرقون في العدد. (خير أم الله ~~الواحد ms3296 القهار) وقيل: الخطاب لهما ولأهل السجن، وكان بين أيديهم أصنام ~~يعبدونها من دون الله تعالى، فقال ذلك إلزاما للحجة، أي آلهة شتى لا تضر ~~ولا تنفع. " خير أم الله الواحد القهار " الذي قهر كل شئ. نظيره: " الله ~~خير أما يشركون " (1) [النمل: 59]. وقيل: أشار بالتفرق إلى أنه لو تعدد ~~الإله لتفرقوا في الإرادة ولعلا بعضهم على بعض، وبين أنها إذا تفرقت لم تكن ~~آلهة. # قوله تعالى: (ما تعبدون من دون الله إلا أسماء) بين عجز الأصنام وضعفها ~~فقال: # " ما تعبدون من دونه " أي من دون الله إلا ذوات أسماء لا معاني لها. ~~(سميتموها) من تلقاء أنفسكم. وقيل: عنى بالأسماء المسميات، أي ما تعبدون ~~إلا أصناما ليس لها من الإلهية شئ إلا الاسم، لأنها جمادات. وقال: " ما ~~تعبدون " وقد ابتدأ بخطاب الاثنين، لأنه قصد جميع من هو على مثل حالهما من ~~الشرك. (إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم) فحذف، المفعول الثاني للدلالة، ~~والمعنى: سميتموها آلهة من عند أنفسكم. (ما أنزل الله) ذلك في كتاب. قال ~~سعيد بن جبير: (من سلطان) أي من حجة. (إن الحكم إلا لله) الذي هو خالق ~~الكل. (أمر ألا تعبدوا إلا إياه). (ذلك الدين القيم). أي القويم. # (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) # PageV09P192 # قوله تعالى: ي صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا وأما الآخر فيصلب ~~فتأكل الطير من رأسه قضى الأمر الذي فيه تستفتيان (41) فيه مسئلتان: # الأولى - قوله تعالى: (أما أحدكما فيسقي ربه خمرا) أي قال للساقي: إنك ~~ترد على عملك الذي كنت عليه من سقي الملك بعد ثلاثة أيام، وقال للآخر: وأما ~~أنت فتدعى إلى ثلاثة أيام فتصلب فتأكل الطير من رأسك، قال: والله ما رأيت ~~شيئا، قال: رأيت أو لم تر (قضي الأمر الذي فيه تستفتيان). وحكى أهل اللغة ~~أن سقى وأسقى لغتان بمعنى واحد، كما قال الشاعر (1): # سقى قومي بني مجد وأسقى * نميرا والقبائل من هلال قال النحاس: الذي عليه ~~أكثر أهل اللغة أن معنى سقاه ناوله فشرب، أو صب الماء في حلقه ومعنى أسقاه ~~جعل ms3297 له سقيا، قال الله تعالى: " وأسقيناكم ماء فراتا " (2) [المرسلات: 27]. # الثانية - قال علماؤنا: إن قيل من كذب في رؤياه ففسرها العابر له أيلزمه ~~حكمها؟ # قلنا: لا يلزمه، وإنما كان ذلك في يوسف لأنه نبي، وتعبير النبي حكم، وقد ~~قال: # إنه يكون كذا وكذا فأوجد الله تعالى ما أخبر كما قال تحقيقا لنبوته، فإن ~~قيل: فقد روى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب ~~فقال: إني رأيت كأني أعشبت ثم أجدبت ثم أعشبت ثم أجدبت، فقال له عمر: أنت ~~رجل تؤمن ثم تكفر، ثم تؤمن ثم تكفر، ثم تموت كافرا، فقال الرجل: ما رأيت ~~شيئا، فقال له عمر: قد قضى لك ما قضى لصاحب يوسف، قلنا: ليست لأحد بعد عمر، ~~لأن عمر كان محدثا (3)، [وكان إذا ظن (4) ظنا كان] # PageV09P193 # وإذا تكلم به وقع، على ما ورد في أخباره، وهي كثيرة، منها - أنه دخل عليه ~~رجل فقال له: أظنك كاهنا فكان كما ظن، خرجه البخاري. ومنها - أنه سأل رجلا ~~عن اسمه فقال له فيه أسماء النار كلها، فقال له: أدرك أهلك فقد احترقوا، ~~فكان كما قال: خرجه الموطأ. # وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة " الحجر " (1) إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ~~ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين (42) فيه خمس مسائل : الأولى - قوله تعالى: ~~(وقال للذي ظن) " ظن " هنا بمعنى أيقن، في قول أكثر المفسرين وفسره قتادة ~~على الظن الذي هو خلاف اليقين، قال: إنما ظن يوسف نجاته لأن العابر يظن ظنا ~~وربك يخلق ما يشاء، والأول أصح وأشبه بحال الأنبياء وأن ما قاله للفتيين في ~~تعبير الرؤيا كان عن وحي، وإنما يكون ظنا في حكم الناس، وأما في حق ~~الأنبياء فإن حكمهم حق كيفما وقع. # الثانية - قوله تعالى: (اذكرني عند ربك) أي سيدك، وذلك معروف في اللغة أن ~~يقال للسيد رب، قال الأعشى: # ربي كريم لا يكدر نعمة * وإذا تنوشد (2) في المهارق أنشدا أي أذكر ms3298 ما ~~رأيته، وما أنا عليه من عبارة الرؤيا للملك، وأخبره أني مظلوم محبوس بلا ~~ذنب. # وفي صحيح مسلم وغيره عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~" لا يقل أحدكم اسق ربك أطعم ربك وضئ ربك ولا يقل أحدكم ربي وليقل سيدي ~~مولاي ولا يقل أحدكم عبدي أمتي وليقل فتاي فتاتي غلامي ". وفي القرآن: " ~~اذكرني عند ربك " " إلى # PageV09P194 # ربك " " إنه ربي أحسن مثواي " [يوسف: 23] أي صاحبي، يعني العزيز. ويقال ~~لكل من قام بإصلاح شئ وإتمامه: قد ربه يربه، فهو رب له. قال العلماء قول ~~عليه السلام: " لا يقل أحدكم " " وليقل " من باب الإرشاد إلى إطلاق اسم ~~الأولى، لا أن إطلاق ذلك الاسم محرم، ولأنه قد جاء عنه عليه السلام " أن ~~تلد الأمة ربها " أي مالكها وسيدها، وهذا موافق للقرآن في إطلاق ذلك اللفظ، ~~فكان محل النهي في هذا الباب ألا نتخذ هذه الأسماء عادة فنترك الأولى ~~والأحسن. وقد قيل: إن قول الرجل عبدي وأمتي يجمع معنيين: أحدهما - أن ~~العبودية بالحقيقة إنما هي لله تعالى، ففي قول الواحد من الناس لمملوكه ~~عبدي وأمتي تعظيم عليه، وإضافة له إلى نفسه بما أضافه الله تعالى به إلى ~~نفسه، وذلك غير جائز. # والثاني - أن المملوك يدخله من ذلك شئ في استصغاره بتلك التسمية، فيحمله ~~ذلك على سوء الطاعة. وقال ابن شعبان في " الزاهي ": " لا يقل السيد عبدي ~~وأمتي ولا يقل المملوك ربي ولا ربتي " وهذا محمول على ما ذكرناه. وقيل: ~~إنما قال صلى الله عليه وسلم " لا يقل العبد ربي وليقل سيدي " لأن الرب من ~~أسماء الله تعالى المستعملة بالاتفاق، وأختلف في السيد هل هو من أسماء الله ~~تعالى أم لا؟ فإذا قلنا ليس من أسماء الله فالفرق واضح، إذ لا التباس ولا ~~إشكال، وإذا قلنا إنه من أسمائه فليس في الشهرة ولا الاستعمال كلفظ الرب، ~~فيحصل الفرق. وقال ابن العربي: يحتمل أن يكون ذلك جائزا في شرع يوسف عليه ~~السلام. # الثالثة - قوله تعالى: (فأنساه الشيطان ذكر ربه) الضمير في " فأنساه ms3299 " ~~فيه قولان: أحدهما - أنه عائد إلى يوسف عليه السلام، أي أنساه الشيطان ذكر ~~الله عز وجل، وذلك أنه لما قال يوسف لساقي الملك - حين علم أنه سينجو ويعود ~~إلى حالته الأولى مع الملك - " اذكرني عند ربك " نسي في ذلك الوقت أن يشكو ~~إلى الله ويستغيث به، وجنح إلى الاعتصام بمخلوق، فعقب باللبث. قال عبد ~~العزيز بن عمير الكندي: # دخل جبريل على يوسف النبي عليه السلام في السجن فعرفه يوسف، فقال: يا أخا ~~المنذرين! # مالي أراك بين الخاطئين؟! فقال جبريل عليه السلام: يا طاهر [ابن] (1) ~~الطاهرين! يقرئك # PageV09P195 # السلام رب العالمين ويقول: أما استحيت إذ استغثت (1) بالآدميين؟! وعزتي! ~~لألبثنك في السجن بضع سنين، فقال: يا جبريل! أهو عني راض؟ قال: نعم! قال: ~~لا أبالي الساعة. وروي أن جبريل عليه السلام جاءه فعاتبه عن الله تعالى في ~~ذلك وطول سجنه، وقال له: يا يوسف! من خلصك من القتل من أيدي إخوتك؟! قال: ~~الله تعالى، قال: # فمن أخرجك من الجب؟ قال: الله تعالى قال: فمن عصمك من الفاحشة؟ قال: # الله تعالى، قال: فمن صرف عنك كيد النساء؟ قال: الله تعالى، قال: فكيف ~~وثقت بمخلوق وتركت ربك فلم تسأله؟! قال: يا رب كلمة زلت مني! أسألك يا إله ~~إبراهيم وإسحاق والشيخ يعقوب عليهم السلام أن (2) ترحمني، فقال له جبريل: ~~فإن عقوبتك أن تلبث في السجن بضع سنين. وروى أبو سلمة عن أبي هريرة قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " رحم الله يوسف لولا الكلمة التي قال: " ~~اذكرني عند ربك " ما لبث في السجن بضع سنين ". وقال ابن عباس: عوقب يوسف ~~بطول الحبس بضع سنين لما قال للذي نجا منهما " اذكرني عند ربك " ولو ذكر ~~يوسف ربه لخلصه. وروى إسماعيل بن إبراهيم عن يونس عن الحسن قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " لولا كلمة يوسف - يعني قوله: " اذكرني عند ربك ~~" - ما لبث في السجن ما لبث " قال: ثم يبكي الحسن ويقول: # نحن ينزل بنا الأمر فنشكو إلى الناس. وقيل: إن الهاء تعود ms3300 على الناجي، ~~فهو الناسي، أي أنسى الشيطان الساقي أن يذكر يوسف لربه، أي لسيده، وفيه ~~حذف، أي أنساه الشيطان ذكره لربه، وقد رجح بعض العلماء هذا القول فقال: ~~لولا أن الشيطان أنسى يوسف ذكر الله لما استحق العقاب باللبث في السجن، إذ ~~الناسي غير مؤاخذ. وأجاب أهل القول الأول بأن النسيان قد يكون بمعنى الترك، ~~فلما ترك ذكر الله ودعاه الشيطان إلى ذلك عوقب، رد عليهم أهل القول الثاني ~~بقوله تعالى: " وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة " [يوسف: 45] فدل على أن ~~الناسي [هو] (3) الساقي لا يوسف، مع قوله تعالى: " إن عبادي ليس لك عليهم ~~سلطان " (4) [الحجر: 42] فكيف يصح أن يضاف نسيانه إلى الشيطان، وليس له على ~~الأنبياء سلطنة؟! قيل: أما # PageV09P196 # النسيان فلا عصمة للأنبياء عنه إلا في وجه واحد، وهو الخبر عن الله تعالى ~~فيما يبلغونه، فإنهم معصومون فيه، وإذا وقع منهم النسيان حيث يجوز وقوعه ~~فإنه ينسب إلى الشيطان إطلاقا، وذلك إنما يكون فيما أخبر الله عنهم، ولا ~~يجوز لنا نحن ذلك فيهم، قال صلى الله عليه وسلم: # " نسي أدم فنسيت ذريته ". وقال: " إنما أنا بشر أنسى كما تنسون ". وقد ~~تقدم. # الرابعة - قوله تعالى: (فلبث في السجن بضع سنين) البضع قطعة من الدهر ~~مختلف فيها، قال يعقوب عن أبي زيد (1): يقال بضع وبضع بفتح الباء وكسرها، ~~قال أكثرهم: # ولا يقال بضع ومائة، وإنما هو إلى التسعين. وقال الهروي: العرب تستعمل ~~البضع فيما بين الثلاث إلى التسع. والبضع والبضعة واحد، ومعناهما القطعة من ~~العدد. وحكى أبو عبيدة أنه قال: البضع ما دون نصف العقد، يريد ما بين ~~الواحد إلى أربعة، وهذا ليس بشئ. وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال لأبي بكر الصديق رضي الله عنه: # " وكم البضع " فقال: ما بين الثلاث إلى السبع. فقال: " اذهب فزائد في ~~الخطر " (2). # وعلى هذا أكثر المفسرين، أن البضع سبع، حكاه الثعلبي. قال الماوردي: وهو ~~قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه وقطرب. وقال مجاهد: من ثلاث إلى تسع، وقال ms3301 ~~الأصمعي. # ابن عباس: من ثلاث إلى عشرة. وحكى الزجاج أنه ما بين الثلاث إلى الخمس. ~~قال الفراء: والبضع لا يذكر العشرة والعشرين إلى التسعين، ولا يذكر بعد ~~المائة. # وفي المدة التي لبث فيها يوسف مسجونا ثلاثة أقاويل: أحدها - سبع سنين، ~~قاله ابن جريج وقتادة ووهب بن منه، قال وهب: أقام أيوب في البلاء سبع سنين، ~~وأقام يوسف في السجن سبع سنين. الثاني - اثنتا عشرة سنة، قال ابن عباس. ~~الثالث - أربع عشرة # PageV09P197 # سنة، قاله الضحاك. وقال مقاتل عن مجاهد عن ابن عباس قال: مكث يوسف في ~~السجن خمسا وبضعا. واشتقاقه من بضعت الشئ أي قطعته، فهو قطعة من العدد، ~~فعاقب الله يوسف بأن حبس سبع سنين أو تسع سنين بعد الخمس التي مضت، فالبضع ~~مدة العقوبة لا مدة الحبس كله. قال وهب بن منبه: حبس يوسف في السجن سبع ~~سنين، ومكث أيوب في البلاء سبع سنين، وعذب بختنصر بالمسخ سبع سنين. وقال ~~عبد الله بن راشد البصري عن سعيد بن أبي عروبة: إن البضع ما بين الخمس إلى ~~الاثنتي عشرة سنة. # الخامسة - في هذه الآية دليل على جواز التعلق بالأسباب وإن كان اليقين ~~حاصلا فإن الأمور بيد مسببها، ولكنه جعلها سلسلة، وركب بعضها على بعض، ~~فتحريكها سنة، والتعويل على المنتهى يقين. والذي يدل على جواز ذلك نسبة ما ~~جرى من النسيان إلى الشيطان كما جرى لموسى في لقيا الخضر، وهذا بين ~~فتأملوه. # قوله تعالى: وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع ~~سنبلات خضر وأخر يابسات يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا ~~تعبرون (43) قوله تعالى: (وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان) لما دنا فرج ~~يوسف عليه السلام رأى الملك رؤياه، فنزل جبريل فسلم على يوسف وبشره بالفرج ~~وقال: إن الله مخرجك من سجنك، وممكن لك في الأرض، يذل لك ملوكها، ويطيعك ~~جبابرتها، ومعطيك الكلمة العليا على إخوتك، وذلك بسبب رؤيا رآها الملك، وهي ~~كيت وكيت، وتأويلها كذا وكذا، فما لبث في السجن أكثر مما ms3302 رأى الملك الرؤيا ~~حتى خرج، فجعل الله الرؤيا أولا ليوسف بلاء وشدة، وجعلها آخرا بشرى ورحمة، ~~وذلك أن الملك الأكبر الريان بن الوليد رأى في نومه كأنما خرج من نهر يابس ~~سبع بقرات سمان، في أثرهن سبع عجاف - أي مهازيل - وقد أقبلت العجاف على ~~السمان فأخذن بآذانهن فأكلنهن، إلا القرنين، ورأى سبع سنبلات خضر قد أقبل ~~PageV09P198 # عليهن سبع يابسات فأكلنهن حتى أتين عليهن فلم يبق منهن شئ وهن يابسات، ~~وكذلك البقر كن عجافا فلم يزد فيهن شئ من أكلهن السمان، فهالته الرؤيا، ~~فأرسل إلى الناس وأهل العلم منهم والبصر بالكهانة والنجامة والعرافة ~~والسحر، وأشراف قومه، فقال: " يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي " فقص عليهم، ~~فقال القوم: " أضغاث أحلام " [يوسف: 44] قال ابن جريج قال لي عطاء: # إن أضغاث الأحلام الكاذبة المخطئة من الرؤيا. وقال جويبر عن الضحاك عن ~~ابن عباس قال: إن الرؤيا منها حق، ومنها أضغاث أحلام، يعني بها الكاذبة. ~~وقال الهروي: قوله تعالى: " أضغاث أحلام " أي أخلاط أحلام. والضغث في اللغة ~~الحزمة من الشئ كالبقل والكلأ وما أشبههما، أي قالوا: ليست رؤياك ببينة، ~~والأحلام الرؤيا المختلطة. وقال مجاهد: # أضغاث الرؤيا أهاويلها. وقال أبو عبيدة: الأضغاث ما لا تأويل له من ~~الرؤيا. # قوله تعالى: " سبع بقرات سمان " حذفت الهاء من " سبع " فرقا بين المذكر ~~والمؤنث " سمان " من نعت البقرات، ويجوز في غير القرآن سبع بقرات سمانا، ~~نعت للسبع، وكذا خضرا، قال الفراء: ومثله. " سبع سماوات طباقا " (1) [نوح: ~~15]. وقد مضى في سورة " البقرة " (2) اشتقاقها (3) ومعناها. وقال علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه: المعز والبقر إذا دخلت المدينة فإن كانت سمانا فهي ~~سني (4) رخاء، وإن كانت عجافا كانت شدادا، وإن كانت المدينة مدينة بحر ~~وإبان سفر قدمت سفن على عددها وحالها، وإلا كانت فتنا مترادفة، كأنها وجوه ~~البقر، كما في الخبر " يشبه بعضها بعضا ". وفي خبر آخر في الفتن " كأنها ~~صياصي البقر " (5) يريد لتشابهها، إلا أن تكون صفرا كلها فإنها أمراض تدخل ~~على الناس، وإن كانت مختلفة الألوان، شنيعة القرون وكان ms3303 الناس ينفرون منها، ~~أو كأن النار والدخان يخرج من أفواهها فإنه عسكر أو غارة، أو عدو يضرب ~~عليهم، وينزل بساحتهم. وقد تدل البقرة على الزوجة والخادم والغلة والسنة، ~~لما يكون فيها من الولد والغلة والنبات. (يأكلهن سبع عجاف) من عجف يعجف، ~~على وزن عظم يعظم، وروي عجف يعجف على وزن حمد يحمد. # PageV09P199 # قوله تعالى: (يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي) جمع الرؤيا رؤي: أي أخبروني ~~بحكم هذه الرؤيا. (إن كنتم للرؤيا تعبرون) العبارة مشتقة من عبور النهر، ~~فمتى عبرت النهر، بلغت شاطئه، فعابر، الرؤيا (1) يعبر بما يؤول إليه أمرها. ~~واللام في " للرؤيا " للتبيين، أي إن كنتم تعبرون، ثم بين فقال: للرؤيا، ~~قاله الزجاج. # قوله تعالى: قالوا أضغث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعلمين (44) فيه ~~مسئلتان: # الأولى - قوله تعالى: (أضغاث أحلام) قال الفراء: ويجوز " أضغاث أحلام " ~~قال النحاس: النصب بعيد، لأن المعنى: لم تر شيئا له تأويل، إنما هي أضغاث ~~أحلام، أي أخلاط. # وواحد الأضغاث ضغث، يقال لكل مختلط من بقل أو حشيش أو غيرهما ضغث، قال ~~الشاعر: # كضغث حلم غر منه حالمه (وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين) قال الزجاج: ~~المعنى بتأويل الأحلام المختلطة، نفوا عن أنفسهم علم ما لا تأويل له، لا ~~أنهم نفوا عن أنفسهم علم التأويل. وقيل: # نفوا عن أنفسهم علم التعبير. والأضغاث على هذا الجماعات من الرؤيا التي ~~منها صحيحة ومنها باطلة، ولهذا قال ا لساقي: " أنا أنبئكم بتأويله " فعلم ~~أن القوم عجزوا عن التأويل، لا أنهم ادعوا ألا تأويل لها. وقيل: إنهم لم ~~يقصدوا تفسيرا، وإنما أرادوا محوها من صدر الملك حتى لا تشغل باله، وعلى ~~هذا أيضا فعندهم علم. و " الأحلام " جمع حلم، والحلم بالضم ما يراه النائم، ~~تقول منه: حلم بالفتح واحتلم، وتقول: حلمت بكذا وحلمته، قال: # فحملتها وبنو رفيدة (2) دونها * لا يبعدن خيالها المحلوم أصله الأناة، ~~ومنه الحلم ضد الطيش، فقيل لما يرى في النوم حلم لأن النوم حالة أناة وسكون ~~ودعة # PageV09P200 # الثانية - في الآية دليل على بطلان قول من يقول: إن الرؤيا ms3304 على أول ما ~~تعبر، لأن القوم قالوا: " أضغاث أحلام " ولم تقع كذلك، فإن يوسف فسرها على ~~سني الجدب والخصب، فكان كما عبر، وفيها دليل على فساد أن الرؤيا على رجل ~~طائر، فإذا عبرت وقعت. # قوله تعالى: وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة انا أنبئكم بتأويله ~~فأرسلون (45) يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف ~~وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلى أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون (46) قوله ~~تعالى: (وقال الذي نجا منهما) يعني ساقي الملك. " وادكر بعد أمة " أي بعد ~~حين، عن ابن عباس وغيره، ومنه " إلى أمة معدودة " (1) [هود: 8] وأصله ~~الجملة من الحين. وقال ابن درستويه (2): والأمة لا تكون الحين إلا على حذف ~~مضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه، كأنه قال - والله أعلم -: وادكر بعد حين ~~أمة، أو بعد زمن أمة، وما أشبه ذلك، والأمة الجماعة الكثيرة من الناس. قال ~~الأخفش: هو في اللفظ واحد، وفي المعنى جمع، وكل جنس من الحيوان أمة، وفي ~~الحديث: " لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها ". # قوله تعالى: (وادكر) أي تذكر حاجة يوسف، وهو قول: " اذكرني عند ربك ". # وقرأ ابن عباس - فيما روى عفان عن همام عن قتادة عن عكرمة عنه - " وادكر ~~بعه أمة ". # النحاس: المعروف من قراءة ابن عباس وعكرمة والضحاك " وادكر بعد أمه " ~~بفتح الهمزة وتخفيف الميم، أي بعد نسيان، قال الشاعر: # أمهت وكنت لا أنسى حديثا * كذاك الدهر يودي بالعقول وعن شبيل بن عزرة ~~الضبعي: " بعد أمه " بفتح الألف وإسكان الميم وهاء خالصة، وهو مثل الأمه، ~~وهما لغتان، ومعناهما النسيان، ويقال: أمه يأمه أمها إذا نسي، فعلى هذا # PageV09P201 # " وادكر بعد أمه "، ذكره النحاس، ورجل أمه (1) ذاهب العقل. قال الجوهري: ~~وأما ما في حديث الزهري " أمه " بمعنى أقر واعترف فهي لغة غير مشهورة. وقرأ ~~الأشهب العقيلي - " بعد إمة " أي بعد نعمة، أي بعد أن أنعم الله عليه ~~بالنجاة. ثم قيل: نسي الفتى يوسف لقضاء الله تعالى في بقائه في السجن مدة. ~~وقيل: ما نسي، ولكنه خاف أن يذكر ms3305 الملك الذنب الذي بسببه حبس هو والخباز، ~~فقوله: " وادكر " أي ذكر وأخبر. قال النحاس: أصل ادكر اذتكر، والذال قريبة ~~المخرج من التاء، ولم يجز إدغامها فيها لأن الذال مجهورة، والتاء مهموسة، ~~فلو أدغموا ذهب الجهر، فأبدلوا من موضع التاء حرفا مجهورا وهو الدال، وكان ~~أولى من الطاء لأن الطاء مطبقة، فصار أذدكر، فأدغموا الذال في الدال لرخاوة ~~الدال ولينها، ثم قال: (أنا أنبئكم بتأويله) أي أنا أخبركم. وقرأ الحسن " ~~أنا آتيكم بتأويله " وقال: كيف ينبئهم العلج؟! (2) قال النحاس: ومعنى " ~~أنبئكم " صحيح حسن، أي أنا أخبركم إذا سألت. (فأرسلون) خاطب الملك ولكن ~~بلفظ التعظيم، أو خاطب الملك وأهل مجلسه. # (يوسف) نداء مفرد، وكذا (الصديق) أي الكثير الصدق. (أفتنا) أي فأرسلوه، ~~فجاء إلى يوسف فقال: أيها الصديق! وسأله عن رؤيا الملك. (لعلى أرجع إلى ~~الناس) أي إلى الملك وأصحابه. (لعلهم يعلمون) التعبير، أو " لعلهم يعلمون " ~~مكانك من الفضل والعلم فتخرج. ويحتمل أن يريد بالناس الملك وحده تعظيما له. # قوله تعالى: قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا ~~قليلا مما تأكلون (47) فيه مسئلتان: # الأولى - قوله تعالى: (قال تزرعون) لما أعلمه بالرؤيا جعل يفسرها له، ~~فقال: # السبع من البقرات السمان والسنبلات الخضر سبع سنين مخصبات، وأما البقرات ~~العجاف # PageV09P202 # والسنبلات اليابسات فسبع سنين مجدبات، فذلك قوله: (تزرعون سبع سنين دأبا) ~~أي متوالية متتابعة، وهو مصدر على غير المصدر، لأن معنى " تزرعون " تدأبون ~~كعادتكم في الزراعة سبع سنين. وقيل: هو حال، أي دائبين. وقيل: صفة لسبع ~~سنين، أي دائبة. وحكى أبو حاتم عن يعقوب " دأبا " بتحريك الهمزة، وكذا روى ~~حفص عن عاصم، وهما لغتان (1)، وفيه قولان، قول أبي حاتم: إنه من دئب. قال ~~النحاس: ولا يعرف أهل اللغة إلا دأب. والقول الآخر - إنه حرك لأن فيه حرفا ~~من حروف الحلق، قاله الفراء، قال: # وكذلك كل حرف فتح أوله وسكن ثانية فتثقيله جائز إذا كان ثانيه همزة، أو ~~هاء، أو عينا، أو غينا، أو حاء، أو خاء، وأصله العادة، قال (2): # كدأبك من أم ms3306 الحويرث قبلها وقد مضى في " آل عمران " القول فيه. (فما ~~حصدتم فذروه في سنبله) قيل: لئلا يتسوس (4)، وليكون أبقى، وهكذا الأمر في ~~ديار مصر. (إلا قليلا مما تأكلون) أي استخرجوا ما تحتاجون إليه بقدر ~~الحاجة، وهذا القول منه أمر، والأول خبر. ويحتمل أن يكون الأول أيضا أمرا، ~~وإن كان الأظهر منه الخبر، فيكون معنى: " تزرعون " أي ازرعوا. # الثانية - هذه الآية أصل في القول بالمصالح الشرعية التي هي حفظ الأديان ~~والنفوس والعقول والأنساب والأموال، فكل ما تضمن تحصيل شئ من هذه الأمور ~~فهو مصلحة، وكل ما يفوت شيئا منها فهو مفسدة، ودفعه مصلحة، ولا خلاف أن ~~مقصود الشرائع إرشاد الناس إلى مصالحهم الدنيوية، ليحصل لهم التمكن من ~~معرفة الله تعالى وعبادته الموصلتين إلى السعادة الأخروية، ومراعاة ذلك فضل ~~من الله عز وجل ورحمة رحم بها عباده، من غير وجوب عليه، ولا استحقاق، هذا ~~مذهب كافة المحققين من أهل السنة أجمعين، وبسطه في أصول الفقه. # PageV09P203 # قوله تعالى: ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا ~~مما تحصنون (48) فيه مسئلتان: # الأولى - قوله تعالى: (سبع شداد) يعني السنين المجدبات. (يأكلن) مجاز، ~~والمعنى يأكل أهلهن. (ما قدمتم لهن) أي ما ادخرتم لأجلهن، ونحوه قول ~~القائل: # نهارك يا مغرور سهو وغفلة * وليلك نوم والردى لك لازم والنهار لا يسهو، ~~والليل لا ينام، وإنما يسهى في النهار، وينام في الليل. وحكى زيد بن أسلم ~~عن أبيه: أن يوسف كان يضع طعام الاثنين فيقربه إلى رجل واحد فيأكل بعضه، ~~حتى إذا كان يوم قربه له فأكله كله، فقال يوسف: هذا أول يوم من السبع ~~الشداد. # (إلا قليلا) نصب على الاستثناء. (مما تحصنون) أي مما تحبسون لتزرعوا، لأن ~~في استبقاء البذر تحصين الأقوات. وقال أبو عبيدة: تحرزون. وقال قتادة: " ~~تحصنون " تدخرون، والمعنى واحد، وهو يدل على جواز احتكار الطعام إلى وقت ~~الحاجة (1). # الثانية - هذه الآية أصل في صحة رؤيا الكافر، وأنها تخرج على حسب ما رأى، ~~لا سيما إذا تعلقت بمؤمن، فكيف إذا كانت ms3307 آية لنبي. ومعجزة لرسول، وتصديقا ~~لمصطفى للتبليغ، وحجة للواسطة بين الله - جل جلال - [وبين] (2) عباده. # قوله تعالى: ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه ويعصرون (49) ~~قوله تعالى: (ثم يأتي من بعد ذلك عام) هذا خبر من يوسف عليه السلام عما لم ~~يكن في رؤيا الملك، ولكنه من علم الغيب الذي آتاه الله. قال قتادة: زاده ~~الله علم سنة لم يسألوه # PageV09P204 # عنها إظهارا لفضله، وإعلاما لمكانه من العلم وبمعرفته. (فيه يغاث الناس) ~~من الإغاثة أو الغوث، غوث الرجل فال وا غوثاه، والاسم الغوث والغواث ~~والغواث، واستغاثني فلان فأغثته، والاسم الغياث، صارت الواو ياء لكسرة ما ~~قبلها. والغيث المطر، وقد غاث الغيث الأرض أي أصابها، وغاث الله البلاد ~~يغيثها غيثا، وغيثت الأرض تغاث غيثا، فهي أرض مغيثة ومغيوثة، فمعنى " يغاث ~~الناس " يمطرون. (وفيه يعصرون) قال ابن عباس: يعصرون الأعناب والدهن، ذكره ~~البخاري. وروى حجاج عن ابن جريح قال: يعصرون العنب خمرا والسمسم دهنا، ~~والزيتون زيتا. وقيل: أراد حلب الألبان لكثرتها، ويدل ذلك على كثرة النبات. ~~وقيل: " يعصرون " أي ينجون، وهو من العصرة، وهي المنجاة. قال أبو عبيدة: # والعصر بالتحريك الملجأ والمنجاة، وكذلك العصرة، قال أبو زبيد (1): # صاديا يستغيث غير مغاث * ولقد كان عصره المنجود والمنجود الفزع. واعتصرت ~~بفلان وتعصرت أي التجأت إليه. قال أبو الغوث: " يعصرون " يستغلون، وهو من ~~عصر العنب. واعتصرت ماله أي استخرجته من يده. وقرأ عيسى " تعصرون " بضم ~~التاء وفتح الصاد، ومعناه: تمطرون، من قول [الله] (2): " وأنزلنا من ~~المعصرات ماء ثجاجا " (3) [النبأ: 14] وكذلك معنى " تعصرون " بضم التاء ~~وكسر الصاد، فيمن قرأه كذلك. # قوله تعالى: وقال الملك ائتوني به فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك ~~فسله ما بال النسوة التي قطعن أيديهن إن ربى بكيدهن عليم (50) قال ما خطبكن ~~إذ راودتن يوسف عن نفسه قلن حش لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأت العزيز ~~الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين (51) # PageV09P205 # قوله تعالى: (وقال الملك ائتوني به) أي فذهب الرسول فأخبر الملك، ms3308 فقال: ~~ائتوني به. (فلما جاءه الرسول) أي يأمره بالخروج قال: (ارجع إلى ربك فاسأله ~~ما بال النسوة) أي حال النسوة. (اللاتي قطعن أيديهن) فأبى أن يخرج إلا أن ~~تصح براءته [عند] (1) الملك مما قذف به، وأنه حبس بلا جرم. وروى الترمذي عن ~~أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الكريم ابن الكريم ~~ابن الكريم [ابن الكريم] (2) يوسف بن يعقوب بن إسحاق ابن إبراهيم - قال - ~~ولو لبثت في السجن ما لبث ثم جاءني الرسول أجبت - ثم قرأ - " فلما جاءه ~~الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن " - قال ~~- ورحمة الله على لوط لقد كان يأوي إلى ركن شديد [إذ قال " لو أن لي بكم ~~قوة أو آوي إلى ركن شديد] فما بعث الله من بعده نبيا إلا في ذروة من قومه ~~". وروى البخاري عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~يرحم الله لوطا لقد كان يأوى إلى ركن شديد ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف ~~لأجبت الداعي ونحن أحق من إبراهيم إذ قال له " أو لم تؤمن قال بلى ولكني ~~ليطمئن قلبي " [البقرة: 260] وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " ~~يرحم الله أخي يوسف لقد كان صابر حليما ولو لبثت في السجن ما لبثه أجبت ~~الداعي ولم ألتمس العذر ". وروي نحو هذا الحديث من طريق (3) عبد الرحمن بن ~~القاسم صاحب مالك، في كتاب التفسير من صحيح البخاري، وليس لابن القاسم في ~~الديوان غيره. # وفي رواية الطبري " يرحم الله يوسف لو كنت أنا المحبوس ثم أرسل إلي لخرجت ~~سريعا أن كان لحليما ذا أناة ". وقال صلى الله عليه وسلم: " لقد عجبت من ~~يوسف وصبره وكرمه والله يغفر له حين سئل عن البقرات لو كنت مكانه لما ~~أخبرتهم حتى اشترط أن يخرجوني ولقد عجبت منه حين آتاه الرسول ولو كنت مكانه ~~لبادرتهم الباب ". قال ابن عطية: # كان هذا الفعل من يوسف عليه السلام أناة وصبرا، وطلبا لبراءة الساحة، ms3309 ~~وذلك أنه - # PageV09P206 # فيما روي - خشي أن يخرج وينال من الملك مرتبة ويسكت عن أمر ذنبه صفحا ~~فيراه الناس بتلك العين أبدا ويقولون: هذا الذي راود امرأة مولاه، فأراد ~~يوسف عليه السلام أن يبين براءته، ويحقق منزلته من العفة والخير، وحينئذ ~~يخرج للإحظاء والمنزلة، فلهذا قال للرسول: ارجع إلى ربك وقل له ما بال ~~النسوة، ومقصد يوسف عليه السلام إنما كان: # وقل له يستقصي عن ذنبي، وينظر في أمري هل سجنت بحق أو بظلم، ونكب عن ~~امرأة العزيز حسن عشرة، ورعاية لذمام الملك العزيز له. فإن قيل: كيف مدح ~~النبي صلى الله عليه وسلم يوسف بالصبر والأناة وترك المبادرة إلى الخروج، ~~ثم هو يذهب بنفسه عن حالة قد مدح بها غيره؟ فالوجه في ذلك أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم إنما أخذ لنفسه وجها آخر من الرأي، له جهة أيضا من الجودة، ~~يقول: لو كنت أنا لبادرت بالخروج، ثم حاولت بيان عذري بعد ذلك، وذلك أن هذه ~~القصص والنوازل هي معرضة لأن يقتدي الناس بها إلى يوم القيامة، فأراد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حمل الناس على الأحزم من الأمور، وذلك أن تارك ~~الحزم في مثل هذه النازلة، التارك فرصة الخروج من مثل ذلك السجن، ربما نتج ~~له البقاء في سجنه، وانصرفت نفس مخرجه عنه، وإن كان يوسف، عليه السلام أمن ~~من ذلك بعلمه من الله، فغيره من الناس لا يأمن ذلك، فالحالة التي ذهب النبي ~~صلى الله عليه وسلم بنفسه إليها حالة حزم، وما فعله يوسف عليه السلام صبر ~~عظيم وجلد. # قوله تعالى: (فاسأله ما بال النسوة) ذكر النساء جملة ليدخل فيهن امرأة ~~العزيز مدخل العموم بالتلويح حتى لا يقع عليها تصريح، وذلك حسن عشرة وأدب، ~~وفى الكلام محذوف، أي فاسأله أن يتعرف ما بال النسوة. قال ابن عباس: فأرسل ~~الملك إلى النسوة وإلى امرأة العزيز - وكان قد مات العزيز فدعاهن ف‍ (قال ~~ما خطبكن) أي ما شأنكن. (إذ راودتن يوسف عن نفسه) وذلك أن كل واحدة منهن ~~كلمت ms3310 يوسف في حق نفسها، على ما تقدم، أو أراد قول كل واحدة قد ظلمت امرأة ~~العزيز، فكان ذلك مراودة منهن. (قلن حاشا لله) أي معاذ الله. (ما علمنا ~~عليه من سوء) أي زنى. (قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق) لما رأت إقرارهن ~~ببراءة يوسف، وخافت أن يشهدن عليها إن أنكرت أقرت PageV09P207 # هي أيضا، وكان ذلك لطفا من الله بيوسف. و " حصحص الحق " أي تبين وظهر، ~~وأصله حصص، فقيل: حصحص، كما قال: كبكبوا في كببوا، وكفكف في كفف، قال ~~الزجاج وغيره. وأصل الحص استئصال الشئ، يقال: حص شعره إذا استأصله جزا، قال ~~أبو القيس بن الأسلت: # قد حصت البيضة رأسي فما * أطعم نوما غير تهجاع (1) وسنة حصاء أي جرداء لا ~~خير فيها، قال جرير: # يأوي إليكم بلا من ولا جحد * من ساقه السنة الحصاء والذيب كأنه أراد أن ~~يقول: والضبع، وهي السنة المجدبة، فوضع الذئب موضعه لأجل القافية، فمعنى " ~~حصحص الحق " أي انقطع عن الباطل، بظهوره وثباته (2)، قال: # ألا مبلغ عني خداشا فإنه * كذوب إذا ما حصحص الحق ظالم وقيل: هو مشتق من ~~الحصة، فالمعنى: بانت حصة الحق من حصة الباطل. وقال مجاهد وقتادة: وأصله ~~مأخوذ من قولهم، حص شعره إذا استأصل قطعه، ومنه الحصة (3) من الأرض إذا ~~قطعت منها. والحصحص بالكسر التراب والحجارة، ذكره الجوهري. (أنا راودته عن ~~نفسه وإنه لمن الصادقين) وهذا القول منها - وإن لم يكن سأل عنه - إظهار ~~لتوبتها وتحقيق لصدق يوسف وكرامته، لأن إقرار المقر على نفسه أقوى من ~~الشهادة عليه، فجمع الله تعالى ليوسف لإظهار صدقه الشهادة والإقرار، حتى لا ~~يخامر نفسا ظن، ولا يخالطها شك. # وشددت النون في " خطبكن " و " راودتن " لأنها بمنزلة الميم والواو في ~~المذكر. # قوله تعالى: ذلك ليعلم أنى لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدى كيد الخائنين ~~(52) وما أبرى نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربى إن ربى غفور ~~رحيم (53) # PageV09P208 # قوله تعالى: (ذلك ليعلم أنى لم أخنه بالغيب) اختلف فيمن قاله، فقيل: هو ~~من قول امرأة العزيز، وهو ms3311 متصل بقولها: " الآن حصحص الحق " أي أقررت بالصدق ~~ليعلم أني لم أخنه بالغيب (1) أي بالكذب عليه، ولم أذكره بسوء وهو غائب، بل ~~صدقت وحدت (2) عن الخيانة، ثم قالت: " وما أبرئ نفسي " بل أنا راودته، وعلى ~~هذا هي كانت مقرة بالصانع، ولهذا قالت: " إن ربي غفور رحيم ". وقيل: هو من ~~قول يوسف، أي قال يوسف: # ذلك الأمر الذي فعلته، من رد الرسول " ليعلم " العزيز " أني لم أخنه ~~بالغيب " قاله الحسن وقتادة وغيرهما. ومعنى " بالغيب " وهو غائب. وإنما قال ~~يوسف ذلك بحضرة الملك، وقال: " ليعلم " على الغائب توقيرا للملك. وقيل: ~~قاله إذ عاد إليه الرسول وهو في السجن بعد، قال ابن عباس: جاء الرسول إلى ~~يوسف عليه السلام بالخبر وجبريل معه يحدثه، فقال يوسف: " ذلك ليعلم أني لم ~~أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين " أي لم أخن سيدي بالغيب، فقال ~~له جبريل عليه السلام: يا يوسف! ولا حين حللت الإزار، وجلست مجلس الرجل من ~~المرأة؟! فقال يوسف: " وما أبرئ نفسي " الآية. وقال السدي: إنما قالت له ~~امرأة العزيز ولا حين حللت سراويلك يا يوسف؟! فقال يوسف: " وما أبرئ نفسي ~~". وقيل: # " ذلك ليعلم " من قول العزيز، أي ذلك ليعلم يوسف أني لم أخنه بالغيب، ~~وأني لم أغفل عن مجازاته على أمانته. (وأن الله لا يهدى كيد الخائنين) ~~معناه: أن الله لا يهدي الخائنين بكيدهم. # قوله تعالى: (وما أبرى نفسي) قيل: هو من قول المرأة. وقال القشيري: # فالظاهر أن قوله: " ذلك ليعلم " وقوله: " وما أبرئ نفسي " من قول يوسف. # قلت: إذا أحتمل أن يكون من قول المرأة فالقول به أولى حتى نبرئ يوسف من ~~حل الإزار والسراويل، وإذا قدرناه من قول يوسف فيكون مما خطر بقلبه، على ما ~~قدمناه من القول المختار في قوله: " وهم بها ". قال أبو بكر الأنباري: من ~~الناس من يقول: " ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب " إلى قوله: " إن ربي غفور ~~رحيم " من كلام امرأة العزيز، # PageV09P209 # لأنه متصل بقولها: " أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين " [يوسف: 51] ~~وهذا ms3312 مذهب الذين ينفون الهم عن يوسف عليه السلام، فمن بنى على قولهم قال: ~~من قوله: " قالت امرأة العزيز " [يوسف: 51] إلى قوله: " إن ربي غفور رحيم " ~~كلام متصل بعضه ببعض، ولا يكون فيه وقف تام على حقيقة، ولسنا نختار هذا ~~القول ولا نذهب إليه. وقال الحسن: لما قال يوسف " ذلك ليعلم أني لم أخنه ~~بالغيب " كره نبي الله أن يكون قد زكى نفسه فقال: " وما أبرئ نفسي " لأن ~~(1) تزكية النفس مذمومة، قال الله تعالى: " فلا تزكوا أنفسكم " (2) [النجم: ~~32] وقد بيناه في " النساء " (3). وقيل: # هو من قول العزيز، أي وما أبرئ نفسي من سوء الظن بيوسف. (إن النفس لأمارة ~~بالسوء) أي مشتهية له. (إلا ما رحم ربى) في موضع نصب بالاستثناء، و " ما " ~~بمعنى من، أي إلا من رحم ربي فعصمه، و " ما " بمعنى من كثير، قال الله ~~تعالى: " فانكحوا ما طاب لكم من النساء " (3) [النساء: 3] وهو استثناء ~~منقطع، لأنه استثناء المرحوم بالعصمة من النفس الأمارة بالسوء، وفي الخبر ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ما تقولون في صاحب لكم إن أنتم ~~أكرمتموه وأطعمتموه وكسوتموه أفضى بكم إلى شر غاية وإن أهنتموه وأعريتموه ~~وأجعتموه أفضى بكم إلى خير غاية " قالوا: يا رسول الله! هذا شر صاحب في ~~الأرض. # قال: " فوالذي نفسي بيده إنها لنفوسكم التي بين جنوبكم ". # قوله تعالى: وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما كلمه قال إنك اليوم ~~لدينا مكين أمين (54) قوله تعالى: (وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي) ~~لما ثبت للملك براءته مما نسب إليه، وتحقق في القصة أمانته، وفهم أيضا صبره ~~وجلده عظمت منزلته عنده، وتيقن حسن خلاله قال: " ائتوني به استخلصه لنفسي " ~~فانظر إلى قول الملك أولا - حين تحقق علمه - " ائتوني به " فقط، فلما فعل ~~يوسف ما فعل ثانيا (4) قال: " ائتوني به استخلصه لنفسي " وروي عن وهب بن ~~منبه قال: لما دعي يوسف وقف بالباب فقال: حسبي ربي من خلقه، # PageV09P210 # عز جاره وجل ثناؤه ولا إله غيره. ثم دخل فلما نظر إليه الملك نزل عن ms3313 ~~سريره فخر له ساجدا، ثم أقعده الملك معه على سريره فقال. " إنك اليوم لدينا ~~مكين أمين " قال له يوسف " اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ " [يوسف: 55] ~~للخزائن " عليم " بوجوه تصرفاتها. وقيل: حافظ للحساب، عليم بالألسن. وفي ~~الخبر: " يرحم الله أخي يوسف لو لم يقل اجعلني على خزائن الأرض لاستعمله من ~~ساعته ولكن أخر ذلك سنة ". وقيل: إنما تأخر تمليكه إلى سنة لأنه لم يقل إن ~~شاء الله. وقد قيل في هذه القصة: إن يوسف عليه السلام لما دخل على الملك ~~قال: # اللهم إني أسألك بخيرك من خيره، وأعوذ بك من شره وشر غيره، ثم سلم على ~~الملك بالعربية فقال: ما هذا اللسان؟ قال: هذا لسان عمي إسماعيل، ثم دعا ~~[له] (1) بالعبرانية فقال: ما هذا اللسان؟ قال: لسان آبائي إبراهيم وإسحاق ~~ويعقوب، وكان الملك يتكلم بسبعين لسانا، فكلما [تكلم الملك (2)] بلسان ~~أجابه يوسف بذلك اللسان، فأعجب الملك أمره، وكان يوسف إذ ذاك ابن ثلاثين ~~سنة، ثم أجلسه على سريره وقال: أحب أن أسمع منك رؤياي، قال يوسف نعم أيها ~~الملك! رأيت سبع بقرات سمان شهبا غرا حسانا، كشف لك عنهن النيل فطلعن عليك ~~من شاطئه تشخب (3) أخلافها لبنا، فبينا أنت تنظر إليهن وتتعجب من حسنهن إذ ~~نضب النيل فغار ماؤه، وبدا أسه (4)، فخرج من حمئة ووحله سبع بقرات عجاف شعث ~~غبر مقلصات البطون، ليس لهن ضروع ولا أخلاف،، لهن أنياب وأضراس، وأكف كأكف ~~الكلاب وخراطيم كخراطيم السباع، فاختلطن بالسمان فافترسنهن افتراس السباع، ~~فأكلن لحومهن، ومزقن جلودهن، وحطمن عظامهن، ومشمشن مخهن، فبينا أنت تنظر ~~وتتعجب كيف غلبنهن وهن مهازيل! ثم لم يظهر منهن سمن ولا زيادة بعد أكلهن! # إذا بسبع سنابل خضر طريات ناعمات ممتلئات حبا وماء، وإلى جانبهن سبع ~~يابسات ليس فيهن ماء ولا خضرة في منبت واحد، عروقهن في الثرى والماء، فبينا ~~أنت تقول في نفسك: # أي شئ هذا؟! هؤلاء خضر مثمرات، وهؤلاء سود يابسات، والمنبت واحد، وأصولهن # PageV09P211 # في الماء، إذ هبت ريح فذرت الأوراق من اليابسات السود على الخضر ms3314 ~~المثمرات، فأشعلت فيهن النار فأحرقتهن، فصرن سودا مغبرات، فانتبهت مذعورا ~~أيها الملك، فقال الملك: # والله ما شأن هذه الرؤيا وإن كان عجبا بأعجب مما سمعت منك! فما ترى في ~~رؤياي (1) أيها الصديق؟ فقال يوسف: أرى أن تجمع الطعام، وتزرع زرعا كثيرا ~~في هذه السنين المخصبة، فإنك لو زرعت على حجر أو مدر لنبت، وأظهر الله فيه ~~النماء والبركة، ثم ترفع الزرع في قصبه وسنبله تبني له المخازن العظام (2)، ~~فيكون القصب والسنبل علفا للدواب، وحبه للناس، وتأمر الناس فيرفعون من ~~طعامهم إلى أهرائك (3) الخمس، فيكفيك من الطعام الذي جمعته لأهل مصر ومن ~~حولها، ويأتيك الخلق من النواحي يمتارون منك، ويجتمع عندك من الكنوز ما لم ~~يجتمع لأحد قبلك، فقال الملك: ومن لي بتدبير هذه الأمور؟ ولو جمعت أهل مصر ~~جميعا ما أطاقوا، ولم يكونوا فيه أمناء، فقال يوسف عليه السلام [عند ذلك] ~~(4): " اجعلني على خزائن الأرض " [يوسف: 55] أي على خزائن أرضك، وهي جمع ~~خزانة، ودخلت الألف واللام عوضا من الإضافة، كقول النابغة: # لهم شيمة لم يعطها الله غيرهم * من الجود والأحلام غير كواذب قوله تعالى: ~~(استخلصه لنفسي) جزم لأنه جواب الأمر، وهذا يدل على أن قوله: # " ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب " جرى في السجن. ويحتمل أنه جرى عند ~~الملك ثم قال في مجلس آخر: " ائتوني به " [يوسف: 50] تأكيدا " استخلصه ~~لنفسي " أي اجعله خالصا لنفسي، أفوض إليه أمر مملكتي، فذهبوا فجاءوا به، ~~ودل على هذا: (فلما كلمه) أي كلم الملك يوسف، وسأله عن الرؤيا فأجاب يوسف، ~~ف‍ (قال) الملك: (إنك اليوم لدينا مكين أمين) أي متمكن نافذ القول، " أمين ~~" لا تخاف غدرا. # قوله تعالى: قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم (55) # PageV09P212 # فيه أربع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (قال اجعلني على خزائن الأرض) قال سعيد بن منصور: # سمعت مالك بن أنس يقول: مصر خزانة الأرض، أما سمعت إلى قوله: " اجعلني ~~على خزائن الأرض " أي على حفظها، فحذف المضاف. (إني حفيظ) لما وليت (عليم) ~~بأمره. # وفي التفسير: إني حاسب كاتب، وأنه أول ms3315 من كتب في القراطيس. وقيل: " حفيظ ~~" لتقدير الأقوات " عليم " بسني المجاعات. قال جويبر عن الضحاك عن ابن عباس ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " رحم الله أخي يوسف لو لم يقل ~~اجعلني على خزائن الأرض لاستعمله من ساعته ولكن أخر ذلك عنه سنة ". قال ابن ~~عباس: لما انصرمت السنة من يوم سأل الإمارة دعاه الملك فتوجه ورداه (1) ~~بسيفه، ووضع له سريرا من ذهب، مكللا بالدر والياقوت، وضرب عليه حلة من ~~إستبرق، وكان طول السرير ثلاثين ذراعا وعرضه عشرة أذرع، عليه ثلاثون فراشا ~~وستون مرفقه (2)، ثم أمره أن يخرج، فخرج متوجا، لونه كالثلج، ووجهه كالقمر، ~~يرى الناظر وجهه من صفاء لون وجهه، فجلس على السرير ودانت له الملوك، ودخل ~~الملك بيته مع نسائه، وفوض إليه أمر مصر، وعزل قطفير عما كان عليه وجعل ~~يوسف مكانه. قال ابن زيد: كان لفرعون ملك مصر خزائن كثيرة غير الطعام، فسلم ~~سلطانه كله إليه، وهلك قطفير تلك الليالي، فزوج الملك يوسف راعيل امرأة ~~العزيز، فلما دخل عليها قال: أليس هذا خيرا مما كنت تريدين؟! فقالت: أيها ~~الصديق لا تلمني، فإني كنت امرأة حسناء ناعمة كما ترى، وكان صاحبي لا يأتي ~~النساء، وكنت كما جعلك الله من الحسن فغلبتني نفسي. فوجدها يوسف عذراء ~~فأصابها فولدت له رجلين: إفراثيم بن يوسف، ومنشأ بن يوسف. وقال وهب بن ~~منبه: إنما كان تزويجه زليخاء امرأة العزيز بين دخلتي الإخوة، وذلك أن ~~زليخاء مات زوجها ويوسف في السجن، وذهب مالها وعمي بصرها بكاء على يوسف، ~~فصارت تتكفف الناس، فمنهم من يرحمها ومنهم من لا يرحمها، # PageV09P213 # وكان يوسف يركب في كل أسبوع مرة في موكب زهاء مائة ألف من عظماء قومه، ~~فقيل لها: لو تعرضت له لعله يسعفك بشئ، ثم قيل لها: لا تفعلي، فربما ذكر ~~بعض ما كان منك من المراودة والسجن فيسئ إليك، فقالت: أنا أعلم بخلق حبيبي ~~منكم، ثم تركته حتى إذا ركب في موكبه، [قامت] فنادت بأعلى صوتها: سبحان من ~~جعل الملوك عبيدا بمعصيتهم، وجعل ms3316 العبيد ملوكا بطاعتهم، فقال يوسف: ما هذه؟ ~~فأتوا بها، فقالت: أنا التي كنت أخدمك (2) على صدور قدمي، وأرجل جمتك بيدي، ~~وتربيت في بيتي، وأكرمت مثواك، لكن فرط ما فرط من جهلي وعتوي فذقت وبال ~~أمري، فذهب مالي، وتضعضع ركني، وطال ذلي، وعمي بصري، وبعدما كنت مغبوطة أهل ~~مصر صرت مرحومتهم، أتكفف الناس، فمنهم من يرحمني، ومنهم من لا يرحمني، وهذا ~~جزاء المفسدين، فبكى يوسف بكاء شديدا، ثم قال لها: هل بقيت تجدين مما كان ~~في نفسك من حبك لي شيئا؟ فقالت: والله لنظرة إلى وجهك أحب إلي من الدنيا ~~بحذافيرها، لكن ناولني صدر سوطك، فناولها فوضعته على صدرها، فوجد للسوط في ~~يده اضطرابا وارتعاشا من خفقان قلبها، فبكى ثم مضى إلى منزله فأرسل إليها ~~رسولا: إن كنت أيما تزوجناك، وإن كنت ذات بعل أغنيناك، فقالت للرسول: أعوذ ~~بالله أن يستهزئ بي الملك! لم يردني أيام شبابي وغناي ومالي وعزي أفيريدني ~~اليوم وأنا عجوز عمياء فقيرة؟! فأعلمه الرسول بمقالتها، فلما ركب في ~~الأسبوع الثاني تعرضت له، فقال لها: ألم يبلغك الرسول؟ فقالت: قد أخبرتك أن ~~نظرة واحدة إلى وجهك أحب إلي من الدنيا وما فيها، فأمر بها فأصلح من شأنها ~~وهيئت، ثم زفت إليه، فقام يوسف يصلي ويدعو الله، وقامت وراءه، فسأل الله ~~تعالى أن يعيد إليها شبابها وجمالها وبصرها، فرد الله عليها شبابها وجمالها ~~وبصرها حتى عادت أحسن ما كانت يوم راودته، إكراما ليوسف عليه السلام لما عف ~~عن محارم الله، فأصابها فإذا هي عذراء، فسألها، فقالت: يا نبي الله إن زوجي ~~كان عنينا لا يأتي النساء، وكنت أنت من الحسن والجمال بما لا يوصف، قال: ~~فعاشا في خفض (3) عيش، في كل يوم يجدد الله لهما خيرا، وولدت له ولدين، ~~إفراثيم ومنشأ. وفيما روي # PageV09P214 # أن الله تعالى ألقى في قلب يوسف من محبتها أضعاف ما كان في قلبها، فقال ~~لها: ما شأنك لا تحبينني كما كنت في أول مرة؟ فقالت [له] (1): لما ذقت محبة ~~الله تعالى شغلني ذلك عن كل ms3317 شئ. # الثانية - قال بعض أهل العلم: في هذه الآية ما يبيح للرجل الفاضل أن يعمل ~~للرجل الفاجر، والسلطان الكافر، بشرط أن يعلم أنه يفوض إليه في فعل لا ~~يعارضه فيه، فيصلح منه ما شاء، وأما إذا كان عمله بحسب اختيار الفاجر ~~وشهواته وفجوره فلا يجوز ذلك. وقال قوم: إن هذا كان ليوسف خاصة، وهذا اليوم ~~غير جائز، والأول أولى إذا كان على الشرط الذي ذكرناه. والله أعلم. قال ~~الماوردي: فان كان المولي ظالما فقد اختلف الناس في جواز الولاية من قبله ~~على قولين: أحدهما - جوازها إذا عمل بالحق فيما تقلده، لأن يوسف ولي من قبل ~~فرعون، ولأن الاعتبار في حقه بفعله لا بفعل غيره. الثاني - أنه لا يجوز ~~ذلك، لما فيه من تولي الظالمين بالمعونة لهم، وتزكيتهم بتقلد أعمالهم، ~~فأجاب من ذهب إلى هذا المذهب عن ولاية يوسف من قبل فرعون بجوابين: أحدهما - ~~أن فرعون يوسف كان صالحا، وإنما الطاغي فرعون موسى. الثاني - أنه نظر في ~~أملاكه دون أعماله، فزالت عنه التبعة فيه. قال الماوردي: والأصح من إطلاق ~~هذين القولين أن يفصل ما يتولاه من جهة الظالم على ثلاثة أقسام: أحدها - ما ~~يجوز لأهله فعله من غير اجتهاد في تنفيذه كالصدقات والزكوات، فيجوز توليه ~~من جهة الظالم، لأن النص على مستحقه قد أغنى عن الاجتهاد فيه، وجواز تفرد ~~أربابه به قد أغنى عن التقليد. والقسم الثاني - ما لا يجوز أن يتفردوا به ~~ويلزم الاجتهاد في مصرفه كأموال الفئ، فلا يجوز توليه من جهة الظالم، لأنه ~~يتصرف بغير حق، ويجتهد فيما لا يستحق. والقسم الثالث - ما يجوز أن يتولاه ~~لأهله، وللاجتهاد فيه مدخل كالقضايا والأحكام، فعقد التقليد محلول، فإن كان ~~النظر تنفيذا للحكم بين متراضيين، وتوسطا بين مجبورين جاز، وإن كان إلزام ~~إجبار لم يجز. # الثالثة - ودلت الآية أيضا على جواز أن يخطب الإنسان عملا يكون له أهلا، ~~فإن قيل: فقد روى مسلم عن عبد الرحمن بن سمرة قال قال لي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # PageV09P215 # " يا عبد الرحمن لا ms3318 تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها ~~وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها ". وعن أبي بردة قال قال أبو موسى: ~~أقبلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعي رجلان من الأشعريين، أحدهما عن ~~يميني والآخر عن يساري، فكلاهما سأل العمل، والنبي صلى الله عليه وسلم ~~يستاك، فقال: " ما تقول يا أبا موسى - أو يا عبد الله بن قيس ". # قال قلت: والذي بعثك بالحق ما أطلعاني علما في أنفسهما، وما شعرت أنهما ~~يطلبان العمل، قال: وكأني أنظر إلى سواكه تحت شفته وقد قلصت (1)، فقال: " ~~لن - أو - لا نستعمل على عملنا من أراده " وذكر الحديث، خرجه مسلم أيضا ~~وغيره، فالجواب: أولا - أن يوسف عليه السلام إنما طلب الولاية لأنه علم أنه ~~لا أحد يقوم مقامه في العدل والإصلاح وتوصيل الفقراء إلى حقوقهم فرأى أن ~~ذلك فرض متعين عليه فإنه لم يكن هناك غيره، وهكذا الحكم اليوم، لو علم ~~إنسان من نفسه أنه يقوم بالحق في القضاء أو الحسبة ولم يكن هناك من يصلح ~~ولا يقوم مقامه لتعين ذلك عليه، ووجب أن يتولاها ويسأل ذلك، ويخبر بصفاته ~~التي يستحقها به من العلم والكفاية وغير ذلك، كما قال يوسف عليه السلام، ~~فأما لو كان هناك من يقوم بها ويصلح لها وعلم بذلك فالأولى ألا يطلب، لقول ~~عليه السلام لعبد الرحمن: " لا تسأل الإمارة " [وأيضا] (2) فإن في سؤالها ~~والحرص عليها مع العلم بكثرة آفاتها وصعوبة التخلص منها دليل على أنه ~~يطلبها لنفسه ولأغراضه، ومن كان هكذا يوشك أن تغلب عليه نفسه فيهلك، وهذا ~~معنى قوله عليه السلام: " وكل إليها " ومن أباها لعلمه بآفاتها، ولخوفه من ~~التقصير في حقوقها فر منها، ثم إن ابتلي بها فيرجى له التخلص منها، وهو ~~معنى قوله: # " أعين عليها ". الثاني - أنه لم يقل: إني حسيب كريم، وإن كان كما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " الكريم ابن الكريم ابن الكريم [ابن الكريم] ~~(3) يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم " ولا قال: إني جميل مليح، إنما ~~قال: " إني حفيظ ms3319 عليم " فسألها بالحفظ والعلم، لا بالنسب والجمال. الثالث - ~~إنما قال ذلك عند من لا يعرفه فأراد تعريف نفسه، وصار ذلك مستثنى # PageV09P216 # من قوله تعالى: " فلا تزكوا أنفسكم ". الرابع - أنه رأى ذلك فرضا متعينا ~~عليه، لأنه لم يكن هنالك غيره، وهو الأظهر، والله أعلم. [الرابعة] (1) ودلت ~~الآية أيضا على أنه يجوز للإنسان أن يصف نفسه بما فيه من علم وفضل، قال ~~الماوردي: وليس هذا على الإطلاق في عموم الصفات، ولكنه مخصوص فيما اقترن ~~بوصله، أو تعلق بظاهر من مكسب، وممنوع منه فيما سواه، لما فيه من تزكية ~~ومراءاة، ولو ميزه الفاضل عنه لكان أليق بفضله، فإن يوسف دعته الضرورة إليه ~~لما سبق من حاله، ولما يرجو من الظفر بأهله. # قوله تعالى: وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا ~~من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين (56) ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا ~~يتقون (57) قوله تعالى: (وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء) ~~أي ومثل هذا الإنعام الذي أنعمنا عليه في تقريبه إلى قلب الملك، وإنجائه من ~~السجن مكنا له في الأرض، [أي] (1) أقدرناه على ما يريد. وقال الكيا الطبري ~~قول تعالى: " وكذلك مكنا ليوسف في الأرض " دليل على إجازة الحيلة في التوصل ~~إلى المباح، وما فيه الغبطة والصلاح، واستخراج الحقوق، ومثله قول تعالى: " ~~وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث " (2) [ص: 44] وحديث أبي سعيد الخدري في ~~عامل خيبر، والذي أداه من التمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وما قاله ~~(3). # قلت: وهذا مردود على ما يأتي. يقال: مكناه ومكنا له، قال الله تعالى: " ~~مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم " (4) [الأنعام: 6]. قال الطبري: استخلف ~~الملك الأكبر الوليد بن الريان يوسف على عمل إطفير وعزله، قال مجاهد: وأسلم ~~على يديه. قال ابن عباس: ملكه بعد سنة # PageV09P217 # ونصف. وروى مقاتل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لو أن يوسف قال إني ~~حفيظ عليم إن شاء الله لملك في وقته ". ثم مات إطفير فزوجه الوليد بزوجة ~~إطفير راعيل، ms3320 فدخل بها يوسف فوجدها عذراء، وولدت له ولدين: إفراثيم ومنشأ، ~~ابني يوسف، ومن زعم أنها زليخاء قال: لم يتزوجها يوسف، وأنها لما رأته في ~~موكبه بكت، ثم قالت: الحمد لله الذي جعل الملوك عبيدا بالمعصية، والحمد لله ~~الذي جعل العبيد بالطاعة ملوكا، فضمها إليه، فكانت من عياله حتى ماتت عنده، ~~ولم يتزوجها، ذكره الماوردي، وهو خلاف ما تقدم عن وهب، وذكره الثعلبي، ~~فالله أعلم. ولما فوض الملك أمر مصر إلى يوسف تلطف بالناس، وجعل يدعوهم إلى ~~الإسلام حتى آمنوا به، وأقام فيهم العدل، فأحبه الرجال والنساء، قال وهب ~~والسدي وابن عباس وغيرهم: ثم دخلت السنون المخصبة، فأمر يوسف بإصلاح ~~المزارع، وأمرهم أن يتوسعوا في الزراعة، فلما أدركت الغلة أمر بها فجمعت، ~~ثم بنى لها الأهراء، فجمعت فيها في تلك السنة غلة ضاقت عنها المخازن ~~لكثرتها، ثم جمع عليه غلة كل سنة كذلك، حتى إذا انقضت السبع المخصبة وجاءت ~~السنون المجدبة نزل جبريل وقال: يا أهل مصر جوعوا، فإن الله سلط عليكم ~~الجوع سبع سنين. وقال بعض أهل الحكمة: للجوع والقحط علامتان: # إحداهما - أن النفس تحب الطعام أكثر من العادة، ويسرع إليها الجوع خلاف ~~ما كانت عليه قبل ذلك، وتأخذ من الطعام فوق الكفاية. والثانية - أن يفقد ~~الطعام فلا يوجد رأسا ويعز إلى الغاية، فاجتمعت هاتان العلامتان في عهد ~~يوسف، فانتبه الرجال والنساء والصبيان ينادون الجوع الجوع!! ويأكلون ولا ~~يشبعون، وانتبه الملك، ينادى الجوع الجوع!! # قال: فدعا له يوسف فأبرأه الله من ذلك، ثم أصبح فنادى يوسف في أرض مصر ~~كلها، معاشر الناس! لا يزرع أحد زرعا فيضيع الذر ولا يطلع شئ. وجاءت تلك ~~السنون بهول عظيم لا يوصف، قال ابن عباس: لما كان ابتداء القحط بينا الملك ~~في جوف الليل أصابه الجوع في نصف الليل، فهتف الملك يا يوسف! الجوع الجوع!! ~~فقال يوسف: هذا أوان القحط، فلما دخلت أول سنة من سني القحط هلك فيها كل شئ ~~أعدوه في السنين PageV09P218 # المخصبة، فجعل أهل مصر يبتاعون الطعام من يوسف، فباعهم أول ms3321 سنة بالنقود، ~~حتى لم يبق بمصر دينار ولا درهم إلا قبضه، وباعهم في السنة الثانية بالحلي ~~والجواهر، حتى لم يبق في أيدي الناس منها شئ، وباعهم في السنة الثالثة ~~بالمواشي والدواب، حتى احتوى عليها أجمع، وباعهم في السنة الرابعة بالعبيد ~~والإماء، حتى احتوى على الكل، وباعهم في السنة الخامسة بالعقار والضياع، ~~حتى ملكها كلها، وباعهم في السنة السادسة بأولادهم ونسائهم فاسترقهم جميعا ~~وباعهم في السنة السابعة برقابهم، حتى لم يبق [في السنة السابعة] بمصر حر ~~ولا عبد إلا صار عبدا له، فقال الناس: والله ما رأينا ملكا أجل ولا أعظم من ~~هذا، فقال يوسف لملك مصر: كيف رأيت صنع ربي فيما خولني! والآن كل هذا لك، ~~فما ترى فيه؟ فقال: # فوضت إليك الأمر فافعل ما شئت، وإنما نحن لك تبع، وما أنا بالذي يستنكف ~~عن عبادتك وطاعتك، ولا أنا إلا من بعض مماليكك، وخول من خولك، فقال يوسف ~~عليه السلام: إني لم أعتقهم من الجوع لأستعبدهم، ولم أجرهم من البلاء لأكون ~~عليهم بلاء، وإني أشهد الله وأشهدك أني أعتقت أهل مصر عن آخرهم، ورددت ~~عليهم أموالهم وأملاكهم، ورددت عليك ملكك بشرط أن تستن بسنتي. ويروى أن ~~يوسف عليه السلام كان لا يشبع من طعام في تلك السنين، فقيل له: أتجوع وبيدك ~~خزائن الأرض؟ فقال: إني أخاف إن شبعت أن أنسى الجائع، وأمر يوسف طباخ الملك ~~أن يجعل غذاءه نصف النهار، حتى يذوق الملك طعم الجوع. فلا ينسى الجائعين، ~~فمن ثم جعل الملوك غذاءهم نصف النهار. # قوله تعالى: (نصيب برحمتنا من نشاء) أي بإحساننا، والرحمة النعمة ~~والإحسان. # (ولا نضيع أجر المحسنين) أي ثوابهم. وقال ابن عباس ووهب: يعني الصابرين، ~~لصبره في الجب، وفي الرق، وفي السجن، وصبره عن محارم الله عما دعته إليه ~~المرأة. وقال الماوردي: واختلف فيما أوتيه يوسف من هذه الحال على قولين: ~~أحدهما - أنه ثواب من الله تعالى على ما ابتلاه. الثاني - أنه أنعم الله ~~عليه بذلك تفضلا منه عليه، وثوابه باق على حاله في الآخرة. # PageV09P219 # قوله تعالى: ms3322 (ولأجر الآخرة خير) أي ما نعطيه في الآخرة خير وأكثر مما ~~أعطيناه في الدنيا، لأن أجر الآخرة دائم، وأجر الدنيا ينقطع، وظاهر الآية ~~العموم في كل مؤمن متق، وأنشدوا: # أما في رسول الله يوسف أسوة * لمثلك محبوسا على الظلم والإفك أقام جميل ~~الصبر في الحبس برهة * فآل به الصبر الجميل إلى الملك وكتب بعضهم إلى صديق ~~له: # وراء مضيق الخوف متسع الأمن * وأول مفروح به آخر الحزن فلا تيئسن فالله ~~ملك يوسفا * خزائنه بعد الخلاص من السجن وأنشد بعضهم: # إذا الحادثات بلغن النهي * وكادت تذوب لهن المهج وحل البلاء وقل العزاء * ~~فعند التناهي يكون الفرج والشعر في هذا المعنى كثير. # قوله تعالى: وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون (58) قوله ~~تعالى: (وجاء إخوة يوسف) أي جاءوا إلى مصر لما أصابهم القحط ليمتاروا، وهذا ~~من اختصار القرآن المعجز. قال ابن عباس وغيره: لما أصاب الناس القحط ~~والشدة، ونزل ذلك بأرض كنعان بعث يعقوب عليه السلام ولده للميرة، وذاع أمر ~~يوسف عليه السلام في الآفاق، للينه وقربه ورحمته ورأفته وعدله وسيرته، وكان ~~يوسف عليه السلام حين نزلت الشدة بالناس يجلس [للناس] (1) عند البيع بنفسه، ~~فيعطيهم من الطعام على عدد رؤوسهم، لكل رأس وسقا (2). (وجاء إخوة يوسف ~~فدخلوا عليه فعرفهم) يوسف (وهم له منكرون) لأنهم خلفوه صبيا، ولم يتوهموا ~~أنه بعد العبودية يبلغ إلى تلك الحال من المملكة، مع طول المدة، وهي أربعون ~~سنة. وقيل: أنكروه لأنهم اعتقدوا أنه ملك كافر: وقيل: رأوه لابس حرير، وفي ~~عنقه طوق ذهب، وعلى رأسه تاج، وقد تزيا بزي فرعون مصر، ويوسف # PageV09P220 # رآهم على ما كان عهدهم في الملبس والحلية. ويحتمل أنهم رأوه وراء ستر فلم ~~يعرفوه. وقيل: # أنكروه لأمر خارق امتحانا امتحن الله به يعقوب. # قوله تعالى: ولما جهزهم بجهازهم قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم ألا ترون ~~أنى أوفى الكيل وأنا خير المنزلين (59) فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ~~ولا تقربون (60) قالوا سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون (61) قوله تعالى: ~~(ولما جهزهم ms3323 بجهازهم) يقال: جهزت القوم تجهيزا أي تكلفت لهم بجهازهم للسفر، ~~وجهاز العروس ما يحتاج إليه عند الإهداء إلى الزوج، وجوز بعض الكوفيين ~~الجهاز بكسر الجيم، والجهاز في هذه الآية الطعام الذي امتاروه من عنده. قال ~~السدي: # وكان مع إخوة يوسف أحد عشر بعيرا، وهم عشرة، فقالوا ليوسف: إن لنا أخا ~~تخلف عنا، وبعيره معنا، فسألهم لم تخلف؟ فقالوا: لحب أبيه إياه، وذكروا له ~~أنه كان له أخ أكبر منه فخرج إلى البرية فهلك، فقال لهم: أردت أن أرى أخاكم ~~هذا الذي ذكرتم، لأعلم وجه محبة أبيكم إياه، وأعلم صدقكم، ويروى أنهم تركوا ~~عنده شمعون رهينة، حتى يأتوا بأخيه بنيامين. وقال ابن عباس: قال [يوسف] (1) ~~للترجمان قل لهم: لغتكم مخالفة للغتنا، وزيكم مخالف لزينا، فلعلكم جواسيس، ~~فقالوا: والله! ما نحن بجواسيس، بل نحن بنو أب واحد، فهو شيخ صديق، قال: ~~فكم عدتكم؟ قالوا: كنا اثني عشر فذهب أخ لنا إلى البرية فهلك فيها، قال: ~~فأين الآخر؟ قالوا: عند أبينا، قال: فمن يعلم صدقكم؟ # قالوا: لا يعرفنا هاهنا أحد، وقد عرفناك أنسابنا، فبأي شئ تسكن نفسك ~~إلينا؟ فقال يوسف: (ائتوني بأخ لكم من أبيكم) إن كنتم صادقين، فأنا أرضى ~~بذلك " ألا ترون أنى أوف الكيل " أي أتمه ولا أبخسه، وأزيدكم حمل بعير ~~لأخيكم " فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي " توعدهم ألا يبيعهم الطعام إن ~~لم يأتوا به. # قوله تعالى: (ألا ترون أنى أوف الكيل) يحتمل وجهين: أحدهما - أنه رخص لهم ~~في السعر فصار زيادة في الكيل. والثاني - أنه كال لهم بمكيال واف. (وأنا ~~خير # PageV09P221 # المنزلين) فيه وجهان: أحدهما - أنه خير المضيفين، لأنه أحسن ضيافتهم، ~~قاله مجاهد. # الثاني - وهو محتمل، أي خير من نزلتم عليه من المأمونين، وهو على التأويل ~~الأول مأخوذ من النزل وهو الطعام، وعلى الثاني من المنزل وهو الدار. # قوله تعالى: (فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي) أي فلا أبيعكم شيئا ~~فيما بعد، لأنه قد وفاهم كيلهم في هذه الحال. (ولا تقربون) أي لا أنزلكم ~~عندي ms3324 منزلة القريب، ولم يرد أنهم يبعدون (1) منه ولا يعودون إليه، لأنه على ~~العود حثهم. قال السدي: وطلب منهم رهينة حتى يرجعوا، فارتهن شمعون عنده، ~~قال الكلبي: إنما اختار شمعون منهم لأنه كان يوم الجب أجملهم قولا، وأحسنهم ~~رأيا. و " تقربون " في موضع جزم بالنهي، فلذلك حذفت منه [النون وحذفت] (2) ~~الياء، لأنه رأس آية، ولو كان خبرا لكان " تقربون " بفتح النون. # قوله تعالى: (قالوا سنراود عنه أباه) أي سنطلبه منه، ونسأله أن يرسله ~~معنا. # (وإنا لفاعلون) أي لضامنون المجئ به، ومحتالون في ذلك. # مسألة - إن قيل: كيف استجاز يوسف إدخال الحزن على أبيه بطلب أخيه؟ # قيل له: عن هذا أربعة أجوبة: أحدها - يجوز أن يكون الله عز وجل أمره بذلك ~~ابتلاء ليعقوب، ليعظم له الثواب، فاتبع أمره فيه. الثاني - يجوز أن يكون ~~أراد بذلك أن ينبه يعقوب على حال يوسف عليهما السلام. الثالث - لتتضاعف ~~المسرة ليعقوب برجوع ولديه عليه. الرابع - ليقدم سرور أخيه بالاجتماع معه ~~قبل إخوته، لميل كان منه إليه، والأول أظهر. والله أعلم. # قوله تعالى: وقال لفتيته اجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونها إذا ~~انقلبوا إلى أهليهم لعلهم يرجعون (62) قوله تعالى: (وقال لفتيته) هذه قراءة ~~أهل المدينة وأبي عمرو وعاصم، وهي اختيار أبي حاتم والنحاس وغيرهما. وقرأ ~~سائر الكوفيين " لفتيانه " وهو اختيار أبي عبيد، وقال: # PageV09P222 # هو في مصحف عبد الله كذلك. قال الثعلبي: وهما لغتان جيدتان، مثل الصبيان ~~والصبية قال النحاس: " لفتيانه " مخالف للسواد الأعظم، لأنه في السواد لا ~~ألف فيه ولا نون، ولا يترك السواد المجتمع عليه لهذا الإسناد المنقطع، ~~وأيضا فإن فتية أشبه من فتيان، لأن فتية عند العرب لأقل العدد، والقليل بأن ~~يجعلوا البضاعة في الرحال أشبه. وكان هؤلاء الفتية يسوون جهازهم، ولهذا ~~أمكنهم جعل بضاعتهم في رحالهم. ويجوز أن يكونوا أحرارا (1)، وكانوا أعوانا ~~له، وبضاعتهم أثمان ما اشتروه من الطعام. وقيل: كانت دراهم ودنانير. # وقال ابن عباس: النعال والأدم ومتاع المسافر، ويسمى رحلا، قال ابن ~~الأنباري: # يقال للوعاء رحل، وللبيت رحل. وقال: (لعلهم يعرفونها) لجواز ms3325 ألا تسلم في ~~الطريق. # وقيل: إنما فعل ذلك ليرجعوا إذا وجدوا ذلك، لعلمه أنهم لا يقبلون الطعام ~~إلا بثمنه (2). # قيل: ليستعينوا بذلك على الرجوع لشراء الطعام. وقيل: استقبح أن يأخذ من ~~أبيه وإخوته ثمن الطعام. وقيل: ليروا فضله، ويرغبوا في الرجوع إليه. # قوله تعالى: فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يا أبانا منع منا الكيل فأرسل ~~معنا أخانا نكتل وإنا له لحافظون (63) قال هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم ~~على أخيه من قبل فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين (64) ولما فتحوا متاعهم ~~وجدوا بضاعتهم ردت إليهم قالوا يأبانا ما نبغي هذه بضاعتنا ردت إلينا ونمير ~~أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير ذلك كيل يسير (65) قوله تعالى: (فلما ~~رجعوا إلى أبيهم قالوا يا أبانا منع منا الكيل) لأنه قال لهم: # " فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي " وأخبروه بما كان من أمرهم ~~وإكرامهم إياه، وأن شمعون مرتهن حتى يعلم صدق قولهم. (فأرسل معنا أخانا ~~نكتل) أي قالوا عند ذلك: # PageV09P223 # " فأرسل معنا أخانا نكتل " والأصل نكتال، فحذفت الضمة من اللام للجزم، ~~وحذفت الألف لالتقاء الساكنين. وقراءة أهل الحرمين وأبي عمرو وعاصم " نكتل ~~" بالنون وقرأ سائر الكوفيين " يكتل " بالياء، والأول اختيار أبي عبيد، ~~ليكونوا كلهم داخلين فيمن يكتال، وزعم أنه إذا كان بالياء كان للأخ وحده. ~~قال النحاس: وهذا لا يلزم، لأنه لا يخلو الكلام من أحد جهتين، أن يكون ~~المعنى: فأرسل أخانا يكتل معنا، فيكون للجميع، أو يكون التقدير على غير ~~التقديم والتأخير، فيكون في الكلام دليل على الجميع، لقوله: " فإن لم ~~تأتوني به فلا كيل لكم عندي ". (وإنا له لحافظون) من أن يناله سوء. # قوله تعالى: (قال هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل) أي قد ~~فرطتم في يوسف فكيف آمنكم على أخيه!. (فالله خير حفظا) نصب على البيان، ~~وهذه قراءة أهل المدينة وأبي عمرو وعاصم. وقرأ سائر الكوفيين " حافظا " على ~~الحال. وقال الزجاج: # على البيان، وفي هذا دليل على أنه أجابهم إلى إرسال معهم، ومعنى الآية: ~~حفظ ms3326 الله له خير من حفظكم إياه. قال كعب الأحبار: لما قال يعقوب: " فالله ~~خير حافظا " قال الله تعالى: وعزتي وجلالي لأردن عليك ابنيك كليهما بعدما ~~توكلت علي قوله تعالى: (ولما فتحوا متاعهم) الآية ليس فيها معنى يشكل. (ما ~~نبغي) " ما " استفهام في موضع نصب، والمعنى: أي شئ نطلب وراء هذا؟! وفى لنا ~~الكيل، ورد علينا الثمن، أرادوا بذلك أن يطيبوا نفس أبيهم. وقيل: هي نافية، ~~أي لا نبغي منك دراهم ولا بضاعة، بل تكفينا بضاعتنا هذه التي ردت إلينا. ~~وروي عن علقمة " ردت إلينا " بكسر الراء، لأن الأصل، رددت، فلما أدغم قلبت ~~حركة الدال على الراء. وقوله: # (ونمير أهلنا) أي نجلب لهم الطعام، قال الشاعر: # بعثتك مائرا فمكثت حولا * متى يأتي غياثك من تغيث وقرأ السلمي بضم النون، ~~أي نعينهم على الميرة. (ونزداد كيل بعير ذلك كيل يسير) أي حمل بعير ~~لبنيامين. PageV09P224 # قوله تعالى: قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتنني به إلا ~~أن يحاط بكم فلما آتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل (66) فيه مسئلتان: # الأولى - قوله تعالى: (تؤتون) أي تعطوني. (موثقا من الله) أي عهدا يوثق ~~به. # قال السدي: حلفوا بالله ليردنه إليه ولا يسلمونه، واللام في (لتأتنني) ~~لام القسم. # (إلا أن يحاط بكم) قال مجاهد: إلا أن تهلكوا أو تموتوا. وقال قتادة: إلا ~~أن تغلبوا عليه. قال الزجاج: وهو في موضع نصب. (فلما آتوه موثقهم قال الله ~~على ما نقول وكيل) أي حافظ للحلف. وقيل: حفيظ للعهد قائم بالتدبير والعدل. # الثانية - هذه الآية أصل في جواز الحمالة (1) بالعين والوثيقة بالنفس، ~~وقد اختلف العلماء في ذلك، فقال مالك وجميع أصحابه وأكثر العلماء: هي جائزة ~~إذا كان المتحمل به مالا وقد ضعف الشافعي الحمالة بالوجه في المال، وله قول ~~كقول مالك. وقال عثمان البتي: # إذا تكفل بنفس في قصاص أو جراح فإنه إن لم يجئ به لزمه الدية وأرش ~~الجراح، وكانت له في مال الجاني، إذ لا قصاص على الكفيل، فهذه ثلاثة أقوال ~~في الحمالة ms3327 بالوجه. # والصواب تفرقة مالك في ذلك، وأنها تكون في المال، ولا تكون في حد أو ~~تعزير، على ما يأتي بيانه: # قوله تعالى: وقال يبنى لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة ~~وما أغنى عنكم من الله من شئ إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل ~~المتوكلون (67) # PageV09P225 # فيه سبع مسائل: # الأولى - لما عزموا على الخروج خشي عليهم العين، فأمرهم ألا يدخلوا مصر ~~من باب واحد، وكانت مصر لها أربعة أبواب، وإنما خاف عليهم العين لكونهم أحد ~~عشر رجلا لرجل واحد، وكانوا أهل جمال وكمال وبسطة، قاله ابن عباس والضحاك ~~وقتادة وغيرهم. # الثانية - إذا كان هذا معنى الآية فيكون فيها دليل على التحرز من العين، ~~والعين حق، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن العين لتدخل الرجل ~~القبر والجمل القدر ". # وفي تعوذه عليه السلام: " أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن ~~كل عين لامة " ما يدل على ذلك. وروى مالك عن محمد بن أبي أمامة بن سهل بن ~~حنيف أنه سمع أباه يقول: # اغتسل أبي سهل بن حنيف بالخرار (1) فنزع جبة كانت عليه، وعامر بن ربيعة ~~ينظر، قال: # وكان سهل رجلا ابيض حسن الجلد قال فقال له عامر بن ربيعة: ما رأيت كاليوم ~~ولا جلد عذراء! فوعك سهل مكانه واشتد وعكه، فأتي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فأخبر أن سهلا وعك، وأنه غير رائح معك يا رسول الله، فأتاه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فأخبره سهل بالذي كان من شأن عامر، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه سلم: " علام يقتل أحدكم أخاه (2) ألا بركت إن العين حق توضأ له " ~~فتوضأ عامر، فراح سهل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس به بأس، في ~~رواية " اغتسل " فغسل له عامر وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه ~~وداخل إزاره في قدح ثم صب عليه، فراح سهل مع رسول (3) الله صلى الله عليه ~~وسلم ليس به بأس. وركب سعد بن أبي وقاص يوما فنظرت إليه امرأة ms3328 فقالت: إن ~~أميركم هذا ليعلم أنه أهضم الكشحين، فرجع إلى منزله فسقط، فبلغه ما قالت ~~المرأة، فأرسل إليها فغسلت له، ففي هذين الحديثين أن العين حق، وأنها تقتل ~~كما قال [النبي] (4) صلى الله عليه وسلم، وهذا قول علماء الأمة، ومذهب أهل ~~السنة، وقد أنكرته طوائف من المبتدعة، وهم محجوجون بالسنة وإجماع علماء هذه ~~الأمة، وبما يشاهد من ذلك في الوجود، فكم من رجل # PageV09P226 # أدخلته العين القبر، وكم من جمل ظهير أدخلته القدر، لكن ذلك بمشيئة الله ~~تعالى كما قال: # " وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله " (1) [البقرة: 102]. قال ~~الأصمعي: رأيت رجلا عيونا سمع بقرة تحلب فأعجبه شخبها فقال: أيتهن هذه؟ ~~فقالوا: الفلانية لبقرة أخرى يورون عنها، فهلكتا جميعا، المورى بها والمورى ~~عنها. قال الأصمعي. وسمعته يقول: إذا رأيت الشئ يعجبني وجدت حرارة تخرج من ~~عيني. # الثالثة - واجب على كل مسلم أعجبه شئ أن يبرك، فإنه إذا دعا بالبركة صرف ~~المحذور لا محالة، ألا ترى قوله عليه السلام لعامر: " ألا بركت " فدل على ~~أن العين لا تضر ولا تعدو إذا برك العائن، وأنها إنما تعدو إذا لم يبرك. ~~والتبريك أن يقول: تبارك الله أحسن الخالقين! اللهم بارك فيه. # الرابعة - العائن إذا أصاب بعينه ولم يبرك فإنه يؤمر بالاغتسال، ويجبر ~~على ذلك إن أباه، لأن الأمر على الوجوب، لا سيما هذا (2)، فإنه قد يخاف على ~~المعين الهلاك، ولا ينبغي لأحد أن يمنع أخاه ما ينتفع به أخوه ولا يضره هو، ~~ولا سيما إذا كان بسببه وكان الجاني عليه. # الخامسة - من عرف بالإصابة بالعين منع من مداخلة الناس دفعا لضرره، وقد ~~قال بعض العلماء: يأمره الإمام بلزوم بيته، وإن كان فقيرا رزقه ما يقوم به، ~~ويكف أذاه عن الناس. وقد قيل: إنه ينفى، وحديث مالك الذي ذكرناه يرد هذه ~~الأقوال، فإنه عليه السلام لم يأمر في عامر بحبس ولا بنفي، بل قد يكون ~~الرجل الصالح عائنا، وأنه لا يقدح فيه ولا يفسق به، ومن قال: يحبس ويؤمر ~~بلزوم بيته. فذلك احتياط ms3329 ودفع ضرر، والله أعلم. # السادسة - روى مالك عن حميد بن قيس المكي أنه قال: دخل على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بابني جعفر بن أبي طالب فقال لحاضنتهما: " ما لي أراهما ~~ضارعين " (3) فقالت حاضنتهما: يا رسول الله! إنه تسرع إليهما العين، ولم ~~يمنعنا أن نسترقي لهما إلا أنا لا ندري ما يوافقك من ذلك؟ فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: " استرقوا لهما فإنه # PageV09P227 # لو سبق شئ القدر سبقته العين ". وهذا الحديث منقطع، ولكنه محفوظ لأسماء ~~بنت عميس الخثعمية عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه ثابته متصلة صحاح، ~~وفيه أن الرقي مما يستدفع به البلاء، وأن العين تؤثر في الإنسان وتضرعه، أي ~~تضعفه وتنحله، وذلك بقضاء الله تعالى وقدره. ويقال: إن العين أسرع إلى ~~الصغار منها إلى الكبار، والله أعلم. # السابعة - أمر صلى الله عليه وسلم في حديث أبي أمامة العائن بالاغتسال ~~للمعين، وأمر هنا بالاسترقاء، قال علماؤنا: إنما يسترقى من العين إذا لم ~~يعرف العائن، وأما إذا عرف الذي أصابه بعينه فإنه يؤمر بالوضوء على حديث ~~أبي أمامة، والله أعلم. # قوله تعالى: (وما أغنى عنكم من الله من شئ) أي من شئ أحذره عليكم، أي لا ~~ينفع الحذر مع القدر. (إن الحكم) أي الأمر والقضاء لله. (إلا لله عليه ~~توكلت) أي اعتمدت ووثقت. (وعليه فليتوكل المتوكلين). # قوله تعالى: ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغنى عنهم من الله من ~~شئ إلا حاجة في نفس يعقوب قضها وإنه لذو علم لما علمنه ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون (68) ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه قال إني أنا أخوك فلا تبتئس ~~بما كانوا يعملون (69) فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه ثم أذن ~~مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون (70) قوله تعالى: (ولما دخلوا من حيث أمرهم ~~أبوهم) أي من أبواب شتى. (ما كان يغنى عنهم من الله من شئ) إن أراد إيقاع ~~مكروه بهم. (إلا حاجة) استثناء ليس من الأول. (في نفس يعقوب قضاها) أي خاطر ms3330 ~~خطر بقلبه، وهو وصيته أن يتفرقوا، قال مجاهد: خشية العين، وقد تقدم القول ~~فيه. وقيل: لئلا يرى الملك عددهم وقوتهم PageV09P228 # فيبطش بهم حسدا أو حذرا، قاله بعض المتأخرين، واختاره النحاس، وقال: ولا ~~معنى للعين هاهنا. ودلت هذه الآية على أن المسلم يجب عليه أن يحذر أخاه مما ~~يخاف عليه، ويرشده إلى ما فيه طريق السلامة والنجاة، فإن الدين النصيحة، ~~والمسلم أخو المسلم. # قوله تعالى: (وإنه) يعني يعقوب. (لذو علم لما علمناه) أي بأمر دينه. # (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) أي لا يعلمون ما يعلم يعقوب عليه السلام من ~~أمر دينه. # وقيل: " لذو علم " أي عمل، فإن العلم أول أسباب العمل، فسمي بما (1) هو ~~بسببه. # قوله تعالى: (ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه) قال قتادة: ضمه إليه، ~~وأنزله معه. وقيل: أمر أن ينزل كل اثنين في منزل، فبقى أخوه منفردا فضمه ~~إليه وقال: # أشفقت عليه من الوحدة، قال له سرا من إخوته: (إني أنا أخوك فلا تبتئس) أي ~~لا تحزن (بما كانوا يعملون). # قوله تعالى: (فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه) لما عرف ~~بنيامين أنه يوسف قال له: لا تردني إليهم، فقال: قد علمت اغتمام يعقوب بي ~~فيزداد غمه، فأبى بنيامين الخروج، فقال يوسف: لا يمكن حبسك إلا بعد أن ~~أنسبك إلى ما لا يجمل بك: # فقال: لا أبالي! فدس الصاع في رحله، إما بنفسه من حيث لم يطلع عليه أحد، ~~أو أمر بعض خواصه بذلك. والتجهيز التسريح وتنجيز الأمر، ومنه جهز على ~~الجريح أي قتله، ونجز أمره. والسقاية والصواع شئ واحد، إناء له رأسان في ~~وسطه مقبض، كان الملك يشرب منه من الرأس الواحد، ويكال الطعام بالرأس ~~الآخر، قاله النقاش عن ابن عباس، وكل شئ يشرب به فهو صواع، وأنشد: # نشرب الخمر بالصواع جهارا (2) واختلف في جنسه، فروى شعبة عن أبي بشر عن ~~سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان صواع الملك شئ من فضة يشبه المكوك، من ~~فضة مرصع بالجوهر، يجعل على الرأس، # PageV09P229 # وكان للعباس ms3331 واحد في الجاهلية، وسأل نافع بن الأزرق ما الصواع؟ قال: ~~الإناء، قال فيه الأعشى: # له درمك في رأسه ومشارب * وقدر وطباخ وصاع وديسق (2) وقال عكرمة: كان من ~~فضة. وقال عبد الرحمن بن زيد: كان من ذهب، وبه كال طعامهم مبالغة في ~~إكرامهم. وقيل: إنما كان يكال به لعزة الطعام. والصاع يذكر ويؤنث، فمن أنثه ~~قال: أصوع، مثل أدور، ومن ذكره قال أصواع، مثل أثواب. وقال مجاهد وأبو ~~صالح: الصاع الطرجهالة بلغة حمير. وفيه قراءات: " صواع " قراءة العامة، و " ~~صوغ " بالغين المعجمة، وهي قراءة يحيى بن يعمر، قال: وكان إناء أصيغ من ~~ذهب. # " وصوع " بالعين غير المعجمة قراءة أبي رجا. " وصوع " بصاد مضمومة وواو ~~ساكنة وعين غير معجمة قراءة أبي. " وصياع " بياء بين الصاد والألف، قراءة ~~(3) سعيد بن جبير. # " وصاع " بألف بين الصاد والعين، وهي قراءة أبي هريرة. # قوله تعالى: (ثم أذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون) أي نادى مناد وأعلم. ~~" وأذن " للتكثير، فكأنه نادى مرارا " أيتها العير ". والعير ما امتير عليه ~~من الحمير والإبل والبغال. # قال مجاهد: كان عيرهم حميرا. قال أبو عبيدة: العير الإبل المرحولة ~~المركوبة، والمعنى: # يا أصحاب العير، كقوله: " واسأل القرية " [يوسف: 82] ويا خيل الله اركبي: ~~أي يا أصحاب خيل الله، وسيأتي. وهنا اعتراضان: الأول - إن قيل: كيف رضي ~~بنيامين بالقعود طوعا وفيه عقوق الأب بزيادة الحزن، ووافقه على ذلك يوسف؟ ~~وكيف نسب يوسف السرقة إلى إخوته وهم براء وهو - الثاني - فالجواب عن الأول: ~~أن الحزن كان قد غلب على يعقوب بحيث لا يؤثر فيه فقد بنيامين كل التأثير، ~~أولا تراه لما فقده قال: " يا أسفا على يوسف " [يوسف: 84] ولم يعرج على ~~بنيامين، ولعل يوسف إنما وافقه على القعود بوحي، فلا اعتراض. وأما نسبة # PageV09P230 # يوسف السرقة إلى إخوته فالجواب: أن القوم كانوا قد سرقوه من أبيه فألقوه ~~في الجب، ثم باعوه، فاستحقوا هذا الاسم بذلك الفعل، فصدق إطلاق ذلك عليهم. ~~جواب آخر - وهو أنه أراد أيتها العير حالكم حال السراق، والمعنى: إن شيئا ~~لغيركم صار عندكم من ms3332 غير رضا الملك ولا علمه. جواب آخر - وهو أن ذلك كان ~~حيلة لاجتماع شمله بأخيه، وفصله عنهم إليه، وهذا بناء على أن بنيامين لم ~~يعلم بدس الصاع في رحله، ولا أخبره بنفسه. # وقد قيل: إن معنى الكلام الاستفهام، أي أو إنكم لسارقون؟ كقوله: " وتلك ~~نعمة " (1) [الشعراء: 22] أي أو تلك نعمة تمنها علي؟ والغرض ألا يعزى إلى ~~يوسف صلى الله عليه وسلم الكذب. # قوله تعالى: قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون (71) قالوا نفقد صواع الملك ~~ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم (72) فيه سبع مسائل: # الأولى: قوله تعالى: (ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم). البعير هنا ~~الجمل في قول أكثر المفسرين. وقيل: إنه الحمار، وهي لغة لبعض العرب، قاله ~~مجاهد واختاره. # وقال مجاهد: الزعيم هو المؤذن الذي قال: " أيتها العير ". والزعيم ~~والكفيل والحميل والضمين والقبيل سواء والزعيم الرئيس. # قال (2): # وإني زعيم إن رجعت مملكا * بسير ترى منه الفرانق أزورا وقالت ليلى ~~الأخيلية ترثي أخاها (3): # ومخرق عنه القميص تخاله * يوم اللقاء من الحياء سقيما # PageV09P231 # حتى إذا رفع اللواء رأيته * [تحت اللواء] (1) على الخميس زعيما الثانية - ~~إن قيل: كيف ضمن حمل البعير وهو مجهول، وضمان المجهول لا يصح؟ # قيل له: حمل البعير كان معينا معلوما عندهم كالوسق، فصح ضمانه، غير أنه ~~[كان] (2) بدل مال للسارق، ولا يحل للسارق ذلك، فلعله كان يصح في شرعهم أو ~~كان هذا جعالة، وبذل مال لمن [كان] يفتش ويطلب. # الثالثة - قال بعض العلماء: في هذه الآية دليلان: أحدهما - جواز الجعل ~~وقد أجيز للضرورة، فإنه يجوز فيه من الجهالة ما لا يجوز في غيره، فإذا قال ~~الرجل: من فعل كذا فله كذا صح. وشأن الجعل أن يكون أحد الطرفين معلوما ~~والآخر مجهولا للضرورة إليه، بخلاف الإجارة، فإنه يتقدر فيها العوض والمعوض ~~من الجهتين، وهو من العقود الجائزة التي يجوز لأحدهما فسخه، إلا أن المجعول ~~له يجوز أن يفسخه قبل الشروع وبعده، إذا رضي بإسقاط حقه، وليس للجاعل أن ~~يفسخه إذا شرع المجعول له في العمل. ولا يشترط ms3333 في عقد الجعل حضور ~~المتعاقدين، كسائر العقود، لقوله: " ولمن جاء به حمل بعير " وبهذا كله قال ~~الشافعي. # الرابعة - متى قال الإنسان، من جاء بعبدي الآبق فله دينار لزمه ما جعله ~~فيه إذا جاء به، فلو جاء به من غير ضمان لزمه إذا جاء به على طلب الأجرة، ~~وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من جاء بآبق فله أربعون درهما " ~~ولم يفصل بين من جاء به من عقد ضمان أو غير عقد. قال ابن خويز منداد ولهذا ~~قال أصحابنا: إن من فعل بالإنسان ما يجب عليه أن يفعله بنفسه من مصالحه ~~لزمه ذلك، وكان له أجر مثله إن كان ممن يفعل ذلك بالأجر. # قلت: وخالفنا في هذا كله الشافعي. # PageV09P232 # الخامسة - الدليل الثاني - جواز الكفالة على الرجل، لأن المؤذن الضامن هو ~~غير يوسف عليه السلام، قال علماؤنا: إذا قال الرجل تحملت أو تكفلت أو ضمنت ~~أو وأنا حميل لك أو زعيم أو كفيل أو ضامن أو قبيل، أو هو لك عندي أو علي أو ~~إلي أو قبلي فذلك كله حمالة لازمة، وقد اختلف الفقهاء فيمن تكفل بالنفس أو ~~بالوجه، هل يلزمه ضمان المال أم لا؟ فقال الكوفيون: من تكفل بنفس رجل لم ~~يلزمه الحق الذي على المطلوب إن مات، وهو أحد قولي الشافعي في المشهور عنه. ~~وقال مالك والليث والأوزاعي: إذا تكفل بنفسه وعليه مال فإنه إن لم يأت به ~~غرم المال، ويرجع به على المطلوب، فإن اشترط ضمان نفسه أو وجهه وقال: لا ~~أضمن المال فلا شئ عليه من المال، والحجة لمن أوجب غرم المال أن الكفيل قد ~~علم أن المضمون وجهه لا يطلب بدم، وإنما يطلب بمال، فإذا ضمنه له ولم يأته ~~به فكأنه فوته عليه، وعزه منه، فلذلك لزمه المال. واحتج الطحاوي للكوفيين ~~فقال: أما ضمان المال بموت المكفول [به] (1) فلا معنى له، لأنه إنما تكفل ~~بالنفس ولم يتكفل بالمال، فمحال أن يلزمه ما لم يتكفل به. # السادسة - وأختلف العلماء إذا تكفل رجل عن رجل بمال، هل ms3334 للطالب أن يأخذ ~~من شاء منهما؟ فقال الثوري والكوفيون والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق: ~~يأخذ من شاء حتى يستوفي حقه، وهذا كان قول مالك ثم رجع عنه فقال: لا يؤخذ ~~الكفيل إلا أن يفلس الغريم أو يغيب، لأن التبدية بالذي عليه الحق أولى، إلا ~~أن يكون معدما فإنه يؤخذ من الحميل، لأنه معذور في أخذه في هذه الحالة، ~~وهذا قول حسن. والقياس أن للرجل مطالبة أي الرجلين شاء. وقال ابن أبي ليلى: ~~إذا ضمن الرجل عن صاحبه مالا تحول على الكفيل وبرئ صاحب الأصل، إلا أن ~~يشترط المكفول له عليهما أن يأخذ أيهما شاء، واحتج ببراءة الميت من الدين، ~~بضمان أبي قتادة (2)، وبنحوه قال أبو ثور. # PageV09P233 # السابعة - الزعامة لا تكون إلا في الحقوق التي تجوز (1) النيابة فيها، ~~مما يتعلق بالذمة من الأموال، وكان ثابتا مستقرا، فلا تصح الحمالة بالكتابة ~~لأنها ليست بدين ثابت مستقر، لأن العبد إن عجز رق وانفسخت الكتابة، وأما كل ~~حق لا يقوم به أحد عن أحد كالحدود فلا كفالة فيه، ويسجن المدعى عليه الحد، ~~حتى ينظر في أمره. # وشذ أبو يوسف ومحمد فأجازا الكفالة في الحدود والقصاص، وقالا: إذا قال ~~المقذوف أو المدعي القصاص بينتي حاضرة كفله ثلاثة أيام، واحتج لهم الطحاوي ~~بما رواه حمزة بن عمرو عن عمر وابن مسعود وجرير بن عبد الله والأشعث أنهم ~~حكموا بالكفالة بالنفس بمحضر الصحابة. # قوله تعالى: قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا ~~سارقين (73) قالوا فما جزؤه إن كنتم كذبين (74) قالوا جزؤه من وجد في رحله ~~فهو جزؤه كذلك نجزى الظالمين (75) قوله تعالى: (قالوا تالله لقد علمتم ما ~~جئنا لنفسد في الأرض) يروى أنهم كانوا لا ينزلون على أحد ظلما، ولا يرعون ~~زرع أحد، وأنهم جمعوا على أفواه إبلهم الأكمة لئلا تعيث في زروع الناس. ثم ~~قال: (وما كنا سارقين) يروى أنهم ردوا البضاعة التي كانت في رحالهم، أي فمن ~~رد ما وجد فكيف يكون سارقا؟!. # قوله تعالى: (قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين) المعنى: ms3335 فما جزاء الفاعل ~~إن بان كذبكم؟ # فأجاب إخوة يوسف: (جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه) أي يستعبد ويسترق. # " فجزاؤه " مبتدأ، و " من وجد في رحله " خبره، والتقدير: جزاؤه استعباد ~~من وجد في رحله، فهو كناية عن الاستعباد، وفي الجملة معنى التوكيد، كما ~~تقول: جزاء من سرق القطع فهذا جزاؤه. (كذلك نجزى الظالمين) أي كذلك نفعل في ~~الظالمين إذا سرقوا أن يسترقوا، وكان هذا من دين يعقوب عليه السلام وحكمه. ~~وقولهم هذا قول من لم يسترب نفسه، # PageV09P234 # لأنهم التزموا استرقاق من وجد في رحله، وكان حكم السارق عند أهل مصر أن ~~يغرم ضعفي ما أخذ، قاله الحسن والسدي وغيرهما. # مسألة - قد تقدم في سورة " المائدة " (1) أن القطع في السرقة ناسخ لما ~~تقدم من الشرائع، أو لما كان في شرع يعقوب من استرقاق السارق، والله أعلم. # قوله تعالى: فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه كذلك ~~كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله نرفع درجات من ~~نشاء وفوق كل ذي علم عليم (76) قوله تعالى: (فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه) ~~إنما بدأ يوسف برحالهم لنفي التهمة والريبة من قلوبهم إن بدأ بوعاء أخيه. ~~والوعاء يقال بضم الواو وكسرها، لغتان، وهو ما يحفظ فيه المتاع ويصونه. (ثم ~~استخرجها من وعاء أخيه) يعني بنيامين، أي استخرج السقاية أو الصواع عند من ~~يؤنث، وقال: " ولمن جاء به " [يوسف: 72] فذكر فلما رأى ذلك إخوته نكسوا ~~رؤوسهم، وظنوا الظنون كلها، وأقبلوا عليه وقالوا ويلك يا بنيامين! ما رأينا ~~كاليوم قط، ولدت أمك " راحيل " أخوين لصين! قال لهم أخوهم: والله ما سرقته، ~~ولا علم لي بمن وضعه في متاعي. ويروى (2) أنهم قالوا له: يا بنيامين! ~~أسرقت؟ قال: لا والله، قالوا: # فمن جعل الصواع في رحلك؟ قال: الذي جعل البضاعة في رحالكم. ويقال: إن ~~المفتش كان إذا فرغ من رحل رحل استغفر الله عز وجل تائبا من فعله ذلك، ~~وظاهر كلام قتادة وغيره أن المستغفر كان يوسف، لأنه كان يفتشهم ms3336 ويعلم أين ~~الصواع حتى فرغ منهم، وانتهى إلى رحل بنيامين فقال: ما أظن هذا الفتى رضي ~~بهذا ولا أخذ شيئا، فقال له إخوته: والله لا نبرح حتى تفتشه، فهو أطيب ~~لنفسك ونفوسنا، ففتش فأخرج السقاية، وهذا التفتيش من يوسف يقتضي أن المؤذن ~~سرقهم برأيه، فيقال: إن جميع ذلك كان أمر من الله تعالى، ويقوي ذلك قوله ~~تعالى: " كذلك كدنا ليوسف ". # PageV09P235 # قوله تعالى: (كذلك كدنا ليوسف). # فيه ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " كدنا " معناه صنعنا، عن ابن عباس. القتبي: دبرنا. # ابن الأنباري: أردنا، قال الشاعر: # كادت وكدت وتلك خير إرادة * لو عاد من عهد الصبا ما قد مضى وفيه جواز ~~التوصل إلى الأغراض بالحيل إذا لم تخالف شريعة، ولا هدمت أصلا، خلافا لأبي ~~حنيفة في تجويزه الحيل وإن خالفت الأصول، وخرمت التحليل. # الثانية - أجمع العلماء على أن للرجل قبل حلول الحول التصرف في ماله ~~بالبيع والهبة إذا لم ينو الفرار من الصدقة، وأجمعوا على أنه إذا حال الحول ~~وأظل الساعي أنه لا يحل له التحيل ولا النقصان، ولا أن يفرق بين مجتمع، ولا ~~أن يجمع بين متفرق. وقال مالك: # إذا فوت (1) من ماله شيئا ينوي به الفرار من الزكاة قبل الحول بشهر أو ~~نحوه لزمته الزكاة عند الحول، أخذا منه بقوله عليه السلام: " خشية الصدقة ~~". # وقال أبو حنيفة: إن نوى بتفريقه (2) الفرار من الزكاة قبل الحول بيوم لا ~~يضره، لأن الزكاة لا تلزم إلا بتمام الحول، ولا يتوجه إليه معنى قوله: " ~~خشية الصدقة " إلا حينئذ. قال ابن العربي: سمعت أبا بكر محمد بن الوليد ~~الفهري وغيره يقول: كان شيخنا قاضي القضاة أبو عبد الله محمد بن علي ~~الدامغاني صاحب عشرات آلاف [دينار] (3) من المال، فكان إذا جاء رأس الحول ~~دعا بنيه فقال لهم: كبرت سني، وضعفت قوتي، وهذا مال لا أحتاجه فهو لكم، ثم ~~يخرجه فيحمله الرجال على أعناقهم إلى دور بنيه، فإذا جاء رأس الحول ودعا ~~بنية لأمر قالوا: يا أبانا! إنما أملنا حياتك، وأما المال فأي رغبة لنا فيه ms3337 ~~ما دمت حيا، أنت ومالك لنا، فخذه إليك، ويسير الرجال به حتى يضعوه بين ~~يديه، فيرده إلى موضعه، يريد بتبديل الملك إسقاط الزكاة على رأي أبي حنيفة ~~في التفريق بين المجتمع، والجمع بين المتفرق، وهذا خطب عظيم وقد صنف ~~البخاري رضي الله عنه في جامعه كتابا مقصود فقال: " كتاب الحيل ". # PageV09P236 # قلت: وترجم فيه أبوابا منها: " باب الزكاة وألا يفرق بين مجتمع ولا يجمع ~~بين متفرق خشية الصدقة ". وأدخل فيه حديث أنس بن مالك، وأن أبا بكر كتب له ~~فريضة الصدقة، وحديث طلحة ابن عبيد الله أن أعرابيا جاء إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ثائر الرأس. # الحديث، وفي آخره: " أفلح إن صدق " أو " دخل الجنة إن صدق ". وقال بعض ~~الناس: في عشرين ومائة بعير حقتان، فإن أهلكها متعمدا أو وهبها أو احتال ~~فيها فرارا من الزكاة فلا شئ عليه، ثم أردف بحديث أبي هريرة قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " يكون كنز أحدكم يوم القيامة شجاعا أقرع له ~~زبيبتان ويقول أنا كنزك " الحديث، قال المهلب: إنما قصد البخاري في هذا ~~الباب أن يعرفك أن كل حيلة يتحيل بها أحد في إسقاط الزكاة فإن إثم ذلك ~~عليه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما منع من جمع الغنم وتفريقها خشية ~~الصدقة فهم منه هذا المعنى، وفهم من قوله: " أفلح إن صدق " أن من رام أن ~~ينقض شيئا من فرائض الله بحيلة يحتالها أنه لا يفلح، ولا يقوم بذلك عذره ~~عند الله، وما أجازه الفقهاء من تصرف صاحب المال في ماله قرب حلول الحول ~~إنما هو ما لم يرد بذلك الهرب من الزكاة، ومن نوى ذلك فالإثم، عنه غير ~~ساقط، والله حسيبه، وهو كمن فر من صيام رمضان قبل رؤية الهلال بيوم، ~~واستعمل سفرا لا يحتاج إليه رغبة عن فرض الله الذي كتبه الله على المؤمنين، ~~فالوعيد متوجه عليه، ألا ترى عقوبة من منع الزكاة يوم القيامة بأي وجه ~~متعمدا (1) كيف تطؤه الإبل، ويمثل له ماله شجاعا أقرع!؟ وهذا ms3338 يدل على أن ~~الفرار من الزكاة لا يحل، وهو مطالب بذلك في الآخرة. # الثالثة - قال ابن العربي: قال بعض علماء الشافعية في قوله تعالى: " ~~وكذلك مكنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه ". دليل على وجه الحيلة إلى المباح، ~~واستخراج الحقوق، وهذا وهم عظيم، وقوله تعالى: " وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ~~" قيل فيه: كما مكنا ليوسف ملك نفسه عن امرأة العزيز مكنا له ملك الأرض عن ~~العزيز، أو مثله مما لا يشبه ما ذكره. قال الشفعوي: ومثله قوله عز وجل: " ~~وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث " (2) [ص: 44] وهذا ليس # PageV09P237 # حيلة، إنما هو حمل لليمين على الألفاظ أو على المقاصد. قال الشفعوي: ~~ومثله حديث أبي سعيد الخدري في عامل خيبر أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم ~~بتمر جنيب، الحديث، ومقصود الشافعية من هذا الحديث أنه عليه السلام أمره أن ~~يبيع جمعا (1) ويبتاع جنيبا من الذي باع منه الجمع أو من غيره. وقالت ~~المالكية: معناه من غيره، لئلا يكون جنيبا بجمع، والدراهم ربا، كما قال ابن ~~عباس: جريرة بجريرة (2) والدراهم ربا. # قوله تعالى: (في دين الملك) أي سلطانه، عن ابن عباس. ابن عيسى: عاداته، ~~أي يظلم بلا حجة. مجاهد: في حكمه، وهو استرقاق السراق. (إلا أن يشاء الله) ~~أي إلا بأن يشاء الله أن يجعل السقاية في رحله تعلة وعذرا له. وقال قتادة: ~~بل كان حكم الملك الضرب والغرم ضعفين، ولكن شاء الله أن يجري على ألسنتهم ~~حكم بني إسرائيل، على ما تقدم. # قوله تعالى: (نرفع درجات من نشاء) أي بالعلم والإيمان. وقرئ " نرفع درجات ~~من نشاء " بمعنى: نرفع من نشاء درجات، وقد مضى في " الأنعام " (3) وقوله: ~~(وفوق كل ذي علم عليم) روى إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال: يكون ~~ذا أعلم من ذا وذا أعلم من ذا، والله فوق كل عالم. وروى سفيان عن عبد ~~الأعلى عن سعيد بن جبير قال: # كنا عند ابن عباس رحمه الله فتحدث بحديث فتعجب منه رجل فقال: سبحان الله! ~~وفوق كل ذي ms3339 علم عليم، فقال ابن عباس: بئس ما قلت، الله العليم وهو فوق كل ~~عالم. # قوله تعالى: قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل فأسرها يوسف في نفسه ولم ~~يبدها لهم قال أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون (77) قالوا يا أيها ~~العزيز إن له أبا شيخا فخذ أحدنا مكانه إنا نرك من المحسنين (78) قال معاذ ~~الله أن نأخذ إلا من وجدنا متعنا عنده إنا إذا لظالمون (79) # PageV09P238 # قوله تعالى: (قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل) المعنى: أي اقتدى ~~بأخيه، ولو اقتدى بنا ما سرق، وإنما قالوا ذلك ليبرأوا من فعله، لأنه ليس ~~من أمهم، وأنه إن سرق فقد جذبه عرق أخيه السارق، لأن الاشتراك في الأنساب ~~يشاكل في الأخلاق. وقد اختلفوا في السرقة التي نسبوا إلى يوسف، فروي عن ~~مجاهد وغيره أن عمة يوسف بنت إسحاق كانت أكبر من يعقوب، وكانت صارت إليها ~~منطقة إسحاق لسنها، لأنهم كانوا يتوارثون بالسن، وهذا مما نسخ حكمه بشرعنا، ~~وكان من سرق استعبد. # وكانت عمة يوسف حضنته وأحبته حبا شديدا، فلما ترعرع وشب قال لها يعقوب: ~~سلمي يوسف إلي، فلست أقدر أن يغيب عني ساعة، فولعت به، وأشفقت من فراقه، ~~فقالت له: # دعه عندي أياما أنظر إليه فلما خرج من عندها يعقوب عمدت إلى منطقة إسحاق، ~~فحزمتها على يوسف من تحت ثيابه، ثم قالت: لقد فقدت منطقة إسحاق، فانظروا من ~~أخذها ومن أصابها، فالتمست ثم قالت: اكشفوا أهل البيت فكشفوا، فوجدت مع ~~يوسف. فقالت: # إنه والله لي سلم أصنع فيه ما شئت، ثم أتاها يعقوب فأخبرته الخبر، فقال ~~لها: أنت وذلك، إن كان فعل ذلك فهو سلم لك، فأمسكته حتى ماتت، فبذلك عيره ~~إخوته في قولهم: " إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل " ومن هاهنا تعلم يوسف وضع ~~السقاية في رحل أخيه كما عملت به عمته. وقال سعيد بن جبير: إنما أمرته أن ~~يسرق صنما كان لجده أبي أمه، فسرقه وكسره وألقاه على الطريق، وكان ذلك ~~منهما تغييرا للمنكر، ms3340 فرموه بالسرقة وعيروه بها، وقاله قتادة. وفي كتاب ~~الزجاج: أنه كان صنم ذهب. وقال عطية العوفي: إنه كان مع إخوته على طعام ~~فنظر إلى عرق (1) فخبأه فغيره بذلك. وقيل: إنه كان يسرق من طعام المائدة ~~للمساكين، حكاه ابن عسى. # وقيل: إنهم كذبوا عليه فيما نسبوه إليه، قاله الحسن. # قوله تعالى: (فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم) أي أسر في نفسه قولهم: # " إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل " قاله ابن شجرة وابن عيسى. وقيل: إنه ~~أسر في نفسه قوله: " أنتم شر مكانا " ثم جهر فقال: " والله أعلم بما تصفون ~~". # PageV09P239 # [قاله ابن عباس، أي أنتم شر مكانا ممن نسبتموه إلى هذه السرقة. ومعنى ~~قوله " والله أعلم بما تصفون " (1)] أي الله أعلم أن ما قلتم كذب، وإن كانت ~~لله رضا. وقد قيل: إن إخوة يوسف في ذلك الوقت ما كانوا أنبياء. قوله تعالى: ~~(قالوا يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه) خاطبوه باسم ~~العزيز إذ كان في تلك اللحظة بعزل الأول (2) أو موته. وقولهم: " إن له أبا ~~شيخا كبيرا " أي كبير القدر، ولم يريدوا كبر السن، لأن ذلك معروف من حال ~~الشيخ. " فخذ أحدنا مكانه " أي عبدا بدله، وقد قيل: إن هذا مجاز، لأنهم ~~يعلمون أنه لا يصح أخذ حر يسترق بدل من قد أحكمت السنة عندهم رقه، وإنما ~~هذا كما تقول لمن تكره فعله: أقتلني ولا تفعل كذا وكذا، وأنت لا تريد أن ~~يقتلك، ولكنك مبالغ في استنزاله. ويحتمل أن يكون قولهم: " فخذ أحدنا مكانه ~~" حقيقة، وبعيد عليهم وهم أنبياء (3) أن يروا استرقاق حر، فلم يبق إلا أن ~~يريدوا بذلك طريق الحمالة، أي خذ أحدنا مكانه. حتى ينصرف إليك صاحبك، ~~ومقصدهم بذلك أن يصل بنيامين إلى أبيه، ويعرف يعقوب جلية الأمر، فمنع يوسف ~~عليه السلام من ذلك، إذ الحمالة في الحدود ونحوها - بمعنى إحضار المضمون ~~فقط - جائزة مع التراضي، غير لازمة إذا أبى الطالب، وأما الحمالة في مثل ~~هذا على أن يلزم الحميل ما كان ms3341 يلزم المضمون من عقوبة، فلا يجوز إجماعا. ~~وفي " الواضحة ": إن الحمالة في الوجه فقط في [جميع] (4) الحدود جائزة، إلا ~~في النفس. وجمهور الفقهاء على جواز الكفالة في النفس. وأختلف فيها عن ~~الشافعي، فمرة ضعفها، ومرة أجازها. # قوله تعالى: (إنا نراك من المحسنين) يحتمل أن يريدوا وصفه بما رأوا من ~~إحسانه في جميع أفعاله معهم، ويحتمل أن يريدوا: إنا نرى لك إحسانا علينا في ~~هذه اليد أن أسديتها إلينا، وهذا تأويل ابن إسحاق. # قوله تعالى: (قال معاذ الله) مصدر. (أن نأخذ) في موضع نصب، أي من أن ~~نأخذ. (إلا من وجدنا) في موضع نصب ب " نأخذ ". (متاعنا عنده) أي معاذ الله ~~أن نأخذ البرئ بالمجرم ونخالف ما تعاقدنا عليه. (إنا إذا لظالمون) أي أن ~~نأخذ غيره. # PageV09P240 # قوله تعالى: فلما استيئسوا منه خلصوا نجيا قال كبيرهم ألم تعلموا أن ~~أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله ومن قبل ما فرطتم في يوسف فلن أبرح الأرض ~~حتى يأذن لي أبى أو يحكم الله وهو خير الحاكمين (80) قوله تعالى: (فلما ~~استيئسوا منه) أي يئسوا، مثل عجب واستعجب، وسخر واستسخر. (خلصوا) أي ~~انفردوا وليس هو معهم. (نحيا) نصب على الحال من المضمر في " خلصوا " وهو ~~واحد يؤدي عن جمع، كما في هذه الآية، ويقع على الواحد كقوله تعالى: # " وقربناه نجيا " (1) [مريم: 52] وجمعه أنجية، قال الشاعر: # إني إذا ما القوم كانوا أنجية * واضطرب القوم اضطراب الأرشية * هناك ~~أوصيني ولا توصي بيه وقرأ ابن كثير: " استايسوا " " ولا تايسوا " " إنه لا ~~يايس " " أفلم يايس " بألف من غير همز على القلب، قدمت الهمزة وأخرت الياء، ~~ثم قلبت الهمزة ألفا لأنها ساكنة قبلها فتحة، والأصل قراءة الجماعة، لأن ~~المصدر ما جاء إلا على تقديم الياء - يأسا - والإياس ليس بمصدر أيس، بل هو ~~مصدر أسته أوسا وإياسا أي أعطيته. وقال قوم: # أيس ويئس لغتان، أي فلما يئسوا من رد أخيهم إليهم تشاوروا فيما بينهم لا ~~يخالطهم غيرهم من الناس، يتناجون فيما عرض لهم. والنجي فعيل بمعنى المناجي. # قوله تعالى: (قال كبيرهم) ms3342 قال قتادة: وهو روبيل، كان أكبرهم في السن. ~~مجاهد: # هو شمعون، كان أكبرهم في الرأي. وقال الكلبي: يهوذا، وكان أعقلهم. وقال ~~محمد بن كعب وابن إسحاق: هو لاوي، وهو أبو الأنبياء. (ألم تعلموا أن أباكم ~~قد أخذ عليكم # PageV09P241 # موثقا من الله) أي عهدا من الله في حفظ ابنه، ورده إليه. (ومن قبل ما ~~فرطتم في يوسف) " ما " في محل نصب عطفا على " أن " والمعنى: ألم تعلموا أن ~~أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله، وتعلموا تفريطكم في يوسف، ذكره النحاس ~~وغيره. و " من " في قوله: " ومن قبل " متعلقة ب " تعلموا ". ويجوز أن تكون ~~" ما " زائدة، فيتعلق الظرفان اللذان هما " من قبل " و " في يوسف " بالفعل ~~وهو " فرطتم ". ويجوز أن تكون " ما " والفعل مصدرا، و " من قبل " متعلقا ~~بفعل مضمر، التقدير: تفريطكم في يوسف واقع من قبل، فما والفعل في موضع رفع ~~بالابتداء، والخبر هو الفعل المضمر الذي يتعلق به " من قبل ". (فلن أبرح ~~الأرض) (1) أي ألزمها، ولا أبرح مقيما فيها، يقال: برح براحا وبروحا أي ~~زال، فإذا دخل النفي صار مثبتا. (حتى يأذن لي أبى) بالرجوع فإني أستحي منه. ~~(أو يحكم الله لي) بالممر مع أخي فأمضي معه إلى أبي. وقيل: المعنى أو يحكم ~~الله لي بالسيف فأحارب واخذ أخي، أو أعجز فانصرف بعذر، وذلك أن يعقوب قال: ~~" لتأتنني به إلا أن يحاط بكم " [يوسف: 66] ومن حارب وعجز فقد أحيط به، ~~وقال ابن عباس: وكان يهوذا إذا غضب وأخذ السيف فلا يرد وجهه مائة ألف، يقوم ~~شعره في صدره مثل المسال فتنفذ من ثيابه. وجاء في الخبر أن يهوذا قال ~~لإخوته - وكان أشدهم غضبا -: إما أن تكفوني الملك ومن معه أكفكم أهل مصر، ~~وإما أن تكفوني أهل مصر أكفكم الملك ومن معه، قالوا: بل أكفنا الملك ومن ~~معه نكفك أهل مصر، فبعث واحدا من إخوته فعدوا أسواق مصر فوجدوا فيها تسعة ~~أسواق، فأخذ كل، واحد منهم سوقا، ثم إن يهوذا دخل على يوسف وقال: أيها ~~الملك! لئن لم تخل معنا ms3343 أخانا لأصيحن صيحة تبقي في مدينتك حاملا إلا أسقطت ~~ما في بطنها، وكان ذلك خاصة فيهم عند الغضب، فأغضبه يوسف وأسمعه كلمه، فغضب ~~يهوذا واشتد غضبه، وانتفجت (2) شعراته، وكذا كان كل واحد من بني يعقوب، كان ~~إذا غضب، اقشعر جلده، وانتفخ جسده، وظهرت شعرات ظهره، من تحت الثوب، حتى ~~تقطر من كل شعرة قطرة دم، وإذا ضرب الأرض برجله تزلزلت وتهدم البنيان، وإن ~~صاح صيحة لم تسمعه حامل من النساء والبهائم # PageV09P242 # والطير إلا وضعت ما في بطنها، تماما أو غير تمام، فلا يهدأ غضبه إلا أن ~~يسفك دما، أو تمسكه يد من نسل يعقوب، فلما علم يوسف أن غضب أخيه يهوذا قد ~~تم وكمل كلم ولدا له صغيرا بالقبطية، وأمره أن يضع يده بين كتفي يهوذا من ~~حيث لا يراه، ففعل فسكن غضبه (1) وألقى السيف فالتفت يمينا وشمالا لعله يرى ~~أحدا من إخوته فلم يره، فخرج مسرعا إلى إخوته وقال: هل حضرني منكم أحد؟ ~~قالوا: لا! قال: فأين ذهب شمعون؟ قالوا: ذهب إلى الجبل، فخرج فلقيه، وقد ~~أحتمل صخرة عظيمة، قال: ما تصنع بهذه؟ قال أذهب إلى السوق الذي وقع في ~~نصيبي أشدخ بها رؤوس كل من فيه، قال: فارجع فردها أو ألقها في البحر، ولا ~~تحدثن حدثا، فوالذي أتخذ إبراهيم خليلا! لقد مسني كف من نسل يعقوب. # ثم دخلوا على يوسف، وكان يوسف أشدهم بطشا، فقال: يا معشر العبرانيين! ~~أتظنون أنه ليس أحد أشد منكم قوة، ثم عمد إلى حجر عظيم من حجارة الطاحونة ~~فركله برجله فدحا به من خلف الجدار - الركل الضرب بالرجل الواحدة، وقد ركله ~~يركله، قال الجوهري - ثم أمسك يهوذا بإحدى يديه فصرعه [لجنبه]، وقال: هات ~~الحدادين أقطع أيديهم وأرجلهم وأضرب أعناقهم، ثم صعد على سريره وجلس على ~~فراشه، وأمر بصواعه فوضع بين يديه، ثم نقره نقرة فخرج طنينه، فالتفت إليهم ~~وقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا! قال: فإنه يقول: # إنه ليس على قلب أبي هؤلاء هم ولا غم ولا كرب إلا بسببهم، ثم نقر نقرة ms3344 ~~ثانية وقال: إنه يخبرني أن هؤلاء أخذوا أخا لهم صغيرا فحسدوه ونزعوه من ~~أبيهم ثم أتلفوه، فقالوا: أيها العزيز! # أستر علينا ستر الله عليك، وامنن علينا من الله عليك، فنقره نقرة ثالثة ~~وقال إنه يقول: # إن هؤلاء طرحوا صغيرهم في الجب، ثم باعوه بيع العبيد بثمن بخس، وزعموا ~~لأبيهم أن الذئب أكله، ثم نقره رابعة وقال: إنه يخبرني أنكم أذنبتم ذنبا ~~منذ ثمانين سنة لم تستغفروا الله منه، ولم تتوبوا إليه، ثم نقره خامسة وقال ~~إنه يقول: إن أخاهم الذي زعموا أنه هلك لن تذهب الأيام حتى يرجع فيخبر ~~الناس بما صنعوا، ثم نقره سادسة وقال إنه يقول: لو كنتم أنبياء أو بني ~~أنبياء ما كذبتم ولا عققتم والدكم، لأجعلنكم نكالا للعالمين. ايتوني ~~بالحدادين أقطع # PageV09P243 # أيديهم وأرجلهم، فتضرعوا وبكوا وأظهروا التوبة وقالوا: لو قد أصبنا أخانا ~~يوسف إذ هو حي لنكونن طوع يده، وترابا يطأ علينا برجله، فلما رأى ذلك يوسف ~~من إخوته بكى وقال لهم: اخرجوا عني! قد خليت سبيلكم إكراما لأبيكم، ولولا ~~هو لجعلتكم نكالا. قوله تعالى: ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يأبانا إن ابنك سرق ~~وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين (81) قوله تعالى: (ارجعوا ~~إلى أبيكم) قاله الذي قال: " فلن أبرح الأرض ". (فقولوا يا أبانا إن ابنك ~~سرق) وقرأ ابن عباس والضحاك وأبو رزين " إن ابنك سرق ". النحاس: # وحدثني محمد بن أحمد بن عمر قال حدثنا ابن شاذان (1) قال حدثنا أحمد بن ~~أبي سريج البغدادي قال: سمعت، الكسائي يقرأ: " يا أبانا إن ابنك سرق " بضم ~~السين وتشديد الراء مكسورة، على ما لم يسم فاعله، أي نسب إلى السرقة ورمي ~~بها، مثل خونته وفسقته وجرته إذا نسبته إلى هذه الخلال. وقال الزجاج: " سرق ~~" يحتمل معنيين: أحدهما - علم منه السرق، والآخر - اتهم بالسرق. قال ~~الجوهري: والسرق والسرقة بكسر الراء فيهما هو اسم الشئ المسروق، والمصدر ~~يسرق سرقا بالفتح. # قوله تعالى: (وما شهدنا إلا بما علمنا). # فيه أربع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " وما شهدنا إلا بما علمنا " يريدون ms3345 ما شهدنا قط ~~إلا بما علمنا، وأما الآن فقد شهدنا بالظاهر وما نعلم الغيب، كأنهم وقعت ~~لهم تهمة من قول بنيامين: # دس هذا في رحلي من دس بضاعتكم في رحالكم، قال معناه ابن إسحاق. وقيل ~~المعنى: ما شهدنا عند يوسف بأن السارق يسترق إلا بما علمنا من دينك، قاله ~~ابن زيد. (وما كنا للغيب حافظين) أي لم نعلم وقت أخذناه منك أنه يسرق فلا ~~نأخذه. وقال مجاهد وقتادة: ما كنا # PageV09P244 # نعلم أن ابنك يسترق ويصير أمرنا إلى هذا، وإنما قلنا: نحفظ أخانا فيما ~~نطيق. وقال ابن عباس: يعنون أنه سرق ليلا وهم نيام، والغيب هو الليل بلغة ~~حمير، وعنه: ما كنا نعلم ما يصنع في ليله ونهاره وذهابه وإيابه. وقيل: ما ~~دام بمرأى منا لم يجز خلل، فلما غاب عنا خفيت عنا حالاته. وقيل معناه: قد ~~أخذت السرقة من رحله، ونحن أخرجناها وننظر إليها، ولا علم لنا بالغيب، ~~فلعلهم سرقوه ولم يسرق. # الثانية - تضمنت هذه الآية جواز الشهادة بأي وجه حصل العلم بها، فإن ~~الشهادة مرتبطة بالعلم عقلا وشرعا، فلا تسمع إلا ممن علم، ولا تقبل إلا ~~منهم، وهذا هو الأصل في الشهادات، ولهذا قال أصحابنا: شهادة الأعمى جائزة، ~~وشهادة المستمع جائزة، وشهادة الأخرس إذا فهمت إشارته جائزة، وكذلك الشهادة ~~على الخط - إذا تيقن أنه خطه أو خط فلان - صحيحة فكل من حصل له العلم بشئ ~~جاز أن يشهد به وإن لم يشهده المشهود عليه، قال الله تعالى: " إلا من شهد ~~بالحق وهم يعلمون " (1) [الزخرف: 86] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ألا أخبركم بخير الشهداء خير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها ~~" وقد مضى في " البقرة " (2). # الثالثة - اختلف قول مالك في شهادة المرور، وهو أن يقول: مررت بفلان ~~فسمعته يقول كذا فإن أستوعب القول شهد في أحد قوليه، وفي القول الآخر لا ~~يشهد حتى يشهداه. # والصحيح أداء الشهادة عند الاستيعاب، وبه قال جماعة العلماء، وهو الحق، ~~لأنه [قد] (3) حصل المطلوب وتعين عليه أداء العلم، فكان خير الشهداء إذا ms3346 ~~أعلم المشهود له، وشر الشهداء إذا كتمها [والله أعلم] (4). # الرابعة - إذا أدعى رجل شهادة لا يحتملها عمره ردت، لأنه ادعى باطلا ~~فأكذبه العيان ظاهر. # قوله تعالى: وسئل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها وإنا ~~لصادقون (82) # PageV09P245 # فيه مسألتان: # الأولى - قوله تعالى: (واسأل القرية التي كنا فيها والعير) حققوا بها ~~شهادتهم عنده، ورفعوا التهمة عن أنفسهم لئلا يتهمهم. فقولهم: (وأسأل ~~القرية) أي أهلها، فحذف، ويريدون بالقرية مصر. وقيل: قرية من قراها نزلوا ~~بها وامتاروا منها. وقيل المعنى " واسأل القرية " وإن كانت جمادا، فأنت نبي ~~الله، وهو (1) ينطق الجماد له، وعلى هذا فلا حاجة إلى إضمار، قال سيبويه: ~~ولا يجوز كلم هندا وأنت تريد غلام هند، لأن هذا يشكل. # والقول في العير كالقول في القرية سواء. (وإنا لصادقون) في قولنا. # الثانية - في هذه الآية من الفقه أن كل من كان على حق، وعلم أنه قد يظن ~~به أنه على خلاف ما هو عليه أو يتوهم أن يرفع التهمة وكل ريبة عن نفسه، ~~ويصرح (2) بالحق الذي هو عليه، حتى لا يبقى لأحد متكلم، وقد فعل هذا نبينا ~~محمد صلى الله عليه وسلم بقوله للرجلين اللذين مرا وهو قد خرج مع صفية ~~يقلبها (3) من المسجد: " على رسلكما إنما هي صفية بنت حيي " فقالا: سبحان ~~الله وكبر عليهما فقال النبي: " إن الشيطان يبلغ من الإنسان مبلغ الدم وإني ~~خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا " رواه البخاري ومسلم. # قوله تعالى: قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبرا جميل عسى الله أن يأتيني ~~بهم جميعا إنه هو العليم الحكيم (83) فيه مسئلتان: الأولى - قوله تعالى: ~~(قال بل سولت) أي زينت. (لكم أنفسكم) أن ابني سرق وما سرق، وإنما ذلك لأمر ~~يريده الله. (فصبر جميل) أي فشأني صبر جميل، أو صبر جميل أولى بي، على ما ~~تقدم أول السورة. # PageV09P246 # الثانية - الواجب على كل مسلم إذا أصيب بمكروه في نفسه أو ولده أو ماله ~~أن يتلقى ذلك بالصبر الجميل، والرضا والتسليم لمجريه عليه وهو العليم ~~الحكيم، ويقتدي [بنبي الله ms3347 (1)] يعقوب وسائر النبيين، صلوات الله عليهم ~~أجمعين. وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن قال: ما من جرعتين ~~يتجرعهما العبد أحب إلى الله من جرعة مصيبة يتجرعها العبد بحسن صبر وحسن ~~عزاء، وجرعة غيظ يتجرعها العبد بحلم وعفو. وقال ابن جريج عن مجاهد في قوله ~~تعالى: " فصبر جميل " أي لا أشكو ذلك إلى أحد. وروى قاتل بن سليمان عن عطاء ~~بن أبي رباح عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من بث لم ~~يصبر ". # وقد تقدم في " البقرة " (2) أن الصبر عند أول الصدمة، وثواب من ذكر ~~مصيبته واسترجع وأن تقادم عهدها. وقال جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال: إن ~~يعقوب أعطى على يوسف أجر مائة شهيد، وكذلك من احتسب من هذه الأمة في مصيبته ~~فله [مثل (3)] أجر يعقوب عليه السلام. # قوله تعالى: (عسى الله أن يأتيني بهم جميعا) لأنه كان عنده أن يوسف صلى ~~الله عليه وسلم لم يمت، وإنما غاب عنه خبره، لأن يوسف حمل وهو عبد لا يملك ~~لنفسه شيئا، ثم اشتراه الملك فكان في داره لا يظهر للناس، ثم حبس، فلما ~~تمكن احتال في أن يعلم أبوه خبره، ولم يوجه برسول لأنه كره من إخوته أن ~~يعرفوا ذلك فلا يدعوا الرسول يصل إليه. # وقال: " بهم " لأنهم ثلاثة، يوسف وأخوه، والمتخلف من أجل أخيه، وهو ~~القائل: # " فلن أبرح الأرض ". (إنه هو العليم) بحالي. (الحكيم) فيما يقضي. # قوله تعالى: وتولى عنهم وقال يا أسفى على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو ~~كظيم (84) فيه ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (وتولى عنهم) أي أعرض عنهم، وذلك أن يعقوب لما بلغه ~~خبر بنيامين تتام حزنه، وبلغ جهده، وجدد الله مصيبته له في يوسف فقال: (يا ~~أسفا # PageV09P247 # على يوسف) ونسى ابنه بنيامين فلم يذكره، عن ابن عباس. وقال سعيد بن جبير: ~~لم يكن عند يعقوب ما في كتابنا من الاسترجاع، ولو كان عنده لما قال: " يا ~~أسفا على يوسف ". # قال قتادة والحسن: والمعنى يا حزناه (1)! وقال ms3348 مجاهد والضحاك: يا جزعاه!، ~~قال كثير: # فيا أسفا للقلب كيف انصرافه * وللنفس لما سليت فتسلت والأسف شدة الحزن ~~على ما فات. والنداء على معنى: تعال يا أسف فإنه من أوقاتك. # وقال الزجاج: الأصل يا أسفي، فأبدل من الياء ألف لخفة الفتحة. (وابيضت ~~عيناه من الحزن) قيل: لم يبصر بهما ست سنين، وأنه عمي، قال مقاتل. وقيل: قد ~~تبيض العين ويبقى شئ من الرؤية، والله أعلم بحال يعقوب، وإنما ابيضت عيناه ~~من البكاء، ولكن سبب البكاء الحزن، فلهذا قال: " من الحزن ". وقيل: إن ~~يعقوب كان يصلي، ويوسف نائما معترضا بين يديه، فغط في نومه، فالتفت يعقوب ~~إليه، ثم غط ثانية فالتفت إليه، ثم غط ثالثة فالتفت إليه سرورا به وبغطيطه، ~~فأوحى الله تعالى إلى ملائكته: " أنظروا إلى صفيي وابن خليلي قائما في ~~مناجاتي يلتفت إلى غيري، وعزتي وجلالي! لأنزعن الحدقتين اللتين التفت بهما، ~~ولأفرقن بينه وبين من التفت إليه ثمانين سنة، ليعلم العاملون أن من قام بين ~~يدي يجب عليه مراقبة نظري ". # هذا يدل على أن الالتفات في الصلاة - وإن لم يبطل - يدل على العقوبة ~~عليها، والنقص فيها، وقد روى البخاري عن عائشة قالت: سألت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن الالتفات في الصلاة فقال: " هو اختلاس يختلسه الشيطان من ~~صلاة العبد ". # وسيأتي ما للعلماء في هذا في أول سورة " المؤمنون " موعبا إن شاء الله ~~تعالى. # الثالثة - قال النحاس: فإن سأل قوم عن معنى شدة حزن يعقوب - صلى الله ~~عليه وسلم وعلى نبينا - فللعلماء في هذا ثلاثة أجوبة: منها - أن يعقوب صلى ~~الله عليه وسلم لما علم أن يوسف صلى الله عليه وسلم حي خاف على دينه، فاشتد ~~حزنه لذلك. وقيل: # إنما حزن لأنه سلمه إليهم صغيرا، فندم على ذلك. والجواب الثالث - وهو ~~أبينها - هو أن # PageV09P248 # الحزن ليس بمحظور، وإنما المحظور الولولة وشق الثياب، والكلام بما لا ~~ينبغي وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول ~~ما يسخط الرب ". وقد بين الله جل وعز ذلك بقوله: ms3349 (فهو كظيم) أي مكظوم مملوء ~~من الحزن ممسك عليه لا يبثه، ومنه كظم الغيظ وهو إخفاؤه، فالمكظوم المسدود ~~عليه طريق حزنه، قال الله تعالى: " إذ نادى وهو مكظوم " (1) [القلم: 48] أي ~~مملوء كربا. ويجوز أن يكون المكظوم بمعنى الكاظم، وهو المشتمل على حزنه. ~~وعن ابن عباس: كظيم مغموم، قال الشاعر: # فإن أك كاظما لمصاب شاس * فإني اليوم منطلق لساني وقال ابن جريج عن مجاهد ~~عن ابن عباس قال: ذهبت عيناه من الحزن " فهو كظيم " قال: فهو مكروب. وقال ~~مقاتل بن سليمان عن عطاء عن ابن عباس في قوله: " فهو كظيم " قال: فهو كمد، ~~يقول: يعلم أن يوسف حي، وأنه لا يدري أين هو، فهو كمد من ذلك. # قال الجوهري: الكمد الحزن المكتوم، تقول منه كمد الرجل فهو كمد وكميد. ~~النحاس. # يقال فلان كظيم وكاظم، أي حزين لا يشكو حزنه، قال الشاعر: # فحضضت قومي واحتسبت قتالهم * والقوم من خوف المنايا كظم قوله تعالى: ~~قالوا تالله تفتؤا تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين (85) قال ~~إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون (86) قوله ~~تعالى: (قالوا تالله تفتأ تذكر يوسف) أي قال له ولده: " تالله تفتأ تذكر ~~يوسف " قال الكسائي: فتأت وفتئت أفعل ذلك أي ما زلت. وزعم الفراء أن " لا " ~~مضمرة، أي لا تفتأ، وأنشد (2): # فقلت يمين الله أبرح قاعدا * ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي # PageV09P249 # أي لا أبرح، قال النحاس: والذي قال حسن صحيح. وزعم الخليل وسيبويه أن " ~~لا " تضمر في القسم، لأنه ليس فيه إشكال، ولو كان (1) واجبا لكان باللام ~~والنون، وإنما قالوا له لأنهم علموا باليقين أنه يداوم على ذلك، يقال: ما ~~زال يفعل كذا، وما فتئ وفتأ فهما لغتان، ولا يستعملان إلا مع الجحد قال ~~الشاعر: # فما فتئت حتى كأن غبارها (3) * سرادق يوم ذي رياح ترفع أي ما برحت فتفتأ ~~تبرح. وقال ابن عباس: تزال. (حتى تكون حرضا) أي تالفا. # وقال ابن عباس ومجاهد: دنفا من المرض، وهو ما دون الموت، قال الشاعر: ms3350 # سرى همي فأمرضني * وقدما زادني مرضا كذا الحب قبل اليوم * مما يورث ~~الحرضا وقال قتادة: هرما. الضحاك: باليا داثرا. محمد بن إسحاق: فاسدا لا ~~عقل لك. الفراء: # الحارض الفاسد الجسم والعقل، وكذا الحرض. ابن زيد: الحرص الذي قد رد إلى ~~أرذل العمر. # الربيع بن أنس: يابس الجلد على العظم. المؤرج: ذائبا من الهم. وقال ~~الأخفش: ذاهبا. # ابن الأنباري: هالكا، وكلها متقاربة. وأصل الحرض الفساد في الجسم أو ~~العقل من الحزن أو العشق أو الهرم، عن أبي عبيدة وغيره، وقال العرجي: # إني امرؤ لج بي حب فأحرضني * حتى بليت وحتى شفني السقم قال النحاس: يقال ~~حرض حرضا وحرض حروضا وحروضة إذا بليي وسقم، ورجل حارض وحرض، إلا أن حرضا لا ~~يثني ولا يجمع، ومثله قمن وحري لا يثنيان ولا يجمعان. # الثعلبي: ومن العرب من يقول حارض للمذكر، والمؤنثة حارضة، فإذا وصف بهذا ~~اللفظ ثنى وجمع وأنث. ويقال: حرض يحرض حراضة فهو حريض وحرض. ويقال: رجل ~~محرض، وينشد: # طلبته الخيل يوما كاملا * ولو ألفته لأضحى محرضا # PageV09P250 # وقال امرؤ القيس: # أرى المرء ذا الأذواد يصبح محرضا كإحراض بكر في الديار مريض (1) قال ~~النحاس: وحكى أهل اللغة أحرضه الهم إذا أسقمه، ورجل حارض أي أحمق. وقرأ ~~أنس: " حرضا " بضم الحاء وسكون الراء، أي مثل عود الأشنان. وقرأ الحسن بضم ~~الحاء والراء. # قال الجوهري: الحرض والحرض الأشنان. (أو تكون من الهالكين) أي الميتين، ~~وهو قول الجميع، وغرضهم منع يعقوب من البكاء والحزن شفقة عليه، وإن كانوا ~~السبب في ذلك. # قوله تعالى: (قال إنما أشكو بثي) حقيقة البث في اللغة ما يرد على الإنسان ~~من الأشياء المهلكة التي لا يتهيأ له أن يخفيها، وهو من بثثته أي فرقته، ~~فسميت المصيبة بثا مجازا، قال ذو الرمة: # وقفت على ربع لمية ناقتي * فما زلت أبكي عنده وأخاطبه وأسقيه (2) حتى كاد ~~مما أبثه * تكلمني أحجاره وملاعبه وقال ابن عباس: " بثي " همي. الحسن: ~~حاجتي. وقيل: أشد الحزن، وحقيقة ما ذكرناه. (وحزني إلى الله) معطوف عليه، ~~أعاده بغير لفظه. (وأعلم من ms3351 الله مالا تعلمون) أي أعلم أن رؤيا يوسف صادقة، ~~وأني سأسجد له. قاله ابن عباس. قتادة: إني أعلم من إحسان الله تعالى إلى ما ~~يوجب حسن ظني به. وقيل: قال يعقوب لملك الموت هل قبضت روح يوسف؟ قال: لا، ~~فأكد هذا رجاءه. وقال السدي: أعلم أن يوسف حي، وذلك أنه لما أخبره ولده ~~بسيرة الملك وعدله وخلقه وقوله أحست نفس يعقوب أنه ولده فطمع، وقال: لعله ~~يوسف. [وقال: لا يكون في الأرض صديق إلا نبئ. وقيل: أعلم من إجابة دعاء ~~المضطرين ما لا تعلمون (3)]. # قوله تعالى: يبنى اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تايئسوا من روح الله ~~إنه لا يا يس من روح الله إلا القوم الكافرون (87) # PageV09P251 # قوله تعالى: (يا بنى اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه) هذا يدل على أنه تيقن ~~حياته، إما بالرؤيا، وإما بإنطاق الله تعالى الذئب كما في أول القصة، وإما ~~بإخبار ملك الموت إياه بأنه لم يقبض روحه، وهو أظهر. والتحسس طلب الشئ ~~بالحواس، فهو تفعل من الحس، أي اذهبوا إلى هذا الذي طلب منكم أخاكم، واحتال ~~عليكم في أخذه فاسألوا عنه وعن مذهبه. ويروى أن ملك الموت قال له: اطلبه من ~~هاهنا! وأشار إلى ناحية مصر. # وقيل: إن يعقوب تنبه على يوسف برد البضاعة، واحتباس أخيه، وإظهار ~~الكرامة، فلذلك وجههم إلى جهة مصر دون غيرها. (ولا تيئسوا من روح الله) أي ~~لا تقنطوا من فرج الله، قاله ابن زيد، يريد: أن المؤمن يرجو فرج الله، ~~والكافر يقنط في الشدة. وقال قتادة والضحاك: من رحمة الله. (إنه لا ييئس من ~~روح الله إلا القوم الكافرون) دليل على أن القنوط من الكبائر، وهو اليأس، ~~وسيأتي في " الزمر " (1) بيانه إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر ~~وجئنا ببضعة مزجة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا أن الله يجزى المتصدقين (88) ~~قوله تعالى: (فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز) أي الممتنع. (مسنا ~~وأهلنا الضر) هذه المرة الثالثة من عودهم إلى مصر، ms3352 وفي الكلام حذف، أي ~~فخرجوا إلى مصر، فلما دخلوا على يوسف قالوا: " مسنا " أي أصابنا " وأهلنا ~~الضر " أي الجوع والحاجة، وفي هذا دليل على جواز الشكوى عند الضر، أي ~~الجوع، بل واجب عليه إذا خاف على نفسه الضر من الفقر وغيره أن يبدي حالته ~~إلى من يرجو منه النفع، كما هو واجب عليه أن يشكو ما به من الألم إلى ~~الطبيب ليعالجه، ولا يكون ذلك قدحا في التوكل، وهذا ما لم يكن التشكي على ~~سبيل التسخط، والصبر والتجلد في النوائب أحسن، والتعفف عن المسألة أفضل، ~~وأحسن الكلام # PageV09P252 # في الشكوى سؤال المولى زوال البلوى، وذلك قول يعقوب: " إنما أشكو بثي ~~وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون " [يوسف: 86] أي من جميل صنعه، ~~وغريب لطفه، وعائدته على عباده، فأما الشكوى على غير مشك فهو السفه، إلا أن ~~يكون على وجه البث والتسلي، كما قال ابن دريد: # لا تحسبن يا دهر أني ضارع * لنكبة تعرقني عرق المدى مارست من لو (1) هوت ~~الأفلاك من * جوانب الجو عليه ما شكا لكنها نفثة مصدور إذا * جاش لغام (2) ~~من نواحيها غما قوله تعالى: (وجئنا ببضاعة) البضاعة القطعة من المال يقصد ~~بها شراء شئ، تقول: أبضعت الشئ واستبضعته أي جعلته بضاعة، وفي المثل: ~~كمستبضع التمر إلى هجر (3). # قوله تعالى: (مزجاة) صفة لبضاعة، والإزجاء السوق بدفع، ومنه قوله تعالى: # " ألم تر أن الله يزجي سحابا " (4) [النور: 43] والمعنى أنها بضاعة تدفع، ~~ولا يقبلها كل أحد. قال ثعلب: # البضاعة المزجاة الناقصة غير التامة. واختلفت في تعيينها هنا (5)، فقيل: ~~كانت قديدا وحيسا (6)، ذكره الواقدي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه. ~~وقيل: خلق الغرائر والحبال، روى عن ابن عباس. وقيل: متاع الأعراب صوف وسمن، ~~قال عبد الله بن الحارث. وقيل: الحبة الخضراء والصنوبر وهو البطم، حب شجرة ~~بالشام، يؤكل ويعصر الزيت منه لعمل الصابون، قاله أبو صالح، فباعوها بدراهم ~~لا تنفق في الطعام، وتنفق فيما بين الناس، فقالوا: خذها منا بحساب جياد ~~تنفق في الطعام. وقيل: دراهم رديئه، قاله ms3353 ابن عباس أيضا. وقيل: ليس عليها ~~صورة يوسف، وكانت دراهم مصر عليهم صورة يوسف. وقال الضحاك: النعال والأدم، ~~وعنه: كانت سويقا منخلا. والله أعلم. # PageV09P253 # قوله تعالى: (فأوف لنا الكيل وتصدق علينا) فيه أربع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " فأوف لنا الكيل " يريدون كما تبيع بالدراهم ~~الجياد لا تنقصنا بمكان دراهمنا، هذا قول أكثرا المفسرين. وقال ابن جريج. " ~~فأوف لنا الكيل " يريدون الكيل الذي كان قد كاله لأخيهم. " وتصدق علينا " ~~أي تفضل علينا بما بين سعر الجياد والرديئة. قاله سعيد بن جبير والسدي ~~والحسن: لأن الصدقة تحرم على الأنبياء. وقيل المعنى: # " تصدق علينا " بالزيادة على حقنا، قاله سفيان بن عيينة. قال مجاهد: ولم ~~تحرم الصدقة إلا على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. وقال ابن جريج: المعنى ~~" تصدق علينا " برد أخينا إلينا. وقال ابن شجرة: " تصدق علينا " تجوز عنا، ~~واستشهد بقول الشاعر: # تصدق علينا يا ابن عفان (1) واحتسب * وأمر علينا الأشعري لياليا (إن الله ~~يجزى المتصدقين) يعنى في الآخرة، يقال: هذا من معاريض الكلام، لأنه لم يكن ~~عندهم أنه على دينهم، لذلك لم يقولوا: إن الله يجزيك بصدقتك، فقالوا لفظا ~~يوهمه أنهم أرادوه، وهم يصح لهم إخراجه بالتأويل، قاله النقاش وفى الحديث: ~~" إن في المعاريض (2) لمندوحة عن الكذب ". الثانية - استدل مالك وغيره من ~~العلماء على أن أجرة الكيال على البائع، قال ابن القاسم وابن نافع قال ~~مالك: قالوا ليوسف " فأوف لنا الكيل " فكان يوسف هو الذي يكيل، وكذلك ~~الوزان والعداد وغيرهم، لأن الرجل إذا باع عدة معلومة من طعامه، وأوجب ~~العقد عليه، وجب عليه أن يبرزها ويميز حق المشتري من حقه، إلا أن يبيع منه ~~معينا - صبره (3) أو ما لا حق توفيه فيه - فخلى [ما] (4) بينه وبينه، فما ~~جرى على المبيع فهو علي المبتاع، وليس كذلك ما فيه حق توفيه من كيل أو وزن، ~~ألا ترى أنه لا يستحق البائع الثمن إلا بعد التوفية، وإن تلف فهو منه قبل ~~التوفية. # PageV09P254 # الثالثة - وأما أجرة النقد فعلى البائع أيضا، لأن المبتاع الدافع لدراهمه ~~يقول: ms3354 إنها طيبة، فأنت الذي تدعي الرداءة فانظر لنفسك، وأيضا فإن النفع يقع ~~له فصار الأجر عليه، وكذلك لا يجب على الذي [يجب] (1) عليه القصاص، لأنه لا ~~يجب عليه أن يقطع يد نفسه، إلا أن يمكن من ذلك طائعا، ألا ترى أن فرضا عليه ~~أن يفدي يده، ويصالح عليه إذا طلب المقتص ذلك منه، فأجر القطاع على المقتص. ~~وقال الشافعي في المشهور عنه: إنها على المقتص منه كالبائع. # الرابعة - يكره للرجل أن يقول في دعائه: اللهم تصدق علي، لأن الصدقة إنما ~~تكون ممن يبتغي الثواب، والله تعالى متفضل بالثواب بجميع النعم لا رب غيره، ~~وسمع الحسن رجلا يقول: اللهم تصدق علي، فقال الحسن: يا هذا! إن الله لا ~~يتصدق إنما يتصدق من يبتغي الثواب، أما سمعت قول الله تعالى: " إن الله ~~يجزي المتصدقين " قل: اللهم أعطني وتفضل علي. # قوله تعالى: قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون (89) ~~قالوا أإنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ~~ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين (90) قالوا تالله لقد آثرك الله علينا ~~وإن كنا لخاطئين (91) قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم ~~الراحمين (92) اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبى يأت بصيرا وأتوني ~~بأهلكم أجمعين (93) قوله تعالى: (قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه) ~~استفهام بمعنى التذكير والتوبيخ، وهو الذي قال (2) الله: " لتنبئنهم بأمرهم ~~هذا " [يوسف: 15] الآية (3). (إذ أنتم جاهلون) دليل على أنهم # PageV09P255 # كانوا صغارا في وقت أخذهم ليوسف، غير أنبياء، لأنه لا يوصف بالجهل إلا من ~~كانت هذه صفته، ويدل على أنه حسنت حالهم الآن، أي فعلتم ذلك إذ أنتم صغار ~~جهال، قال معناه ابن عباس والحسن، ويكون قولهم: " وإن كنا لخاطئين " على ~~هذا، لأنهم كبروا ولم يخبروا أباهم بما فعلوا حياء وخوفا منه. وقيل: جاهلون ~~بما تؤول إليه العاقبة. والله أعلم. # قوله تعالى: (قالوا أئنك لأنت يوسف) لما دخلوا عليه فقالوا: " مسنا ~~وأهلنا الضر " فخضعوا له وتواضعوا رق لهم، ms3355 وعرفهم بنفسه، فقال: " هل علمتم ~~ما فعلتم بيوسف وأخيه " فتنبهوا فقالوا: " أإنك لأنت يوسف " قاله ابن ~~إسحاق. وقيل: إن يوسف تبسم فشبهوه بيوسف واستفهموا. قال ابن عباس لما قال ~~لهم: " هل علمتم ما فعلتم بيوسف " الآية، ثم تبسم يوسف - وكان إذا تبسم كأن ~~ثناياه اللؤلؤ المنظوم - فشبهوه بيوسف، فقالوا له على جهة الاستفهام: " ~~أئنك لأنت يوسف ". وعن ابن عباس أيضا: أن إخوته لم يعرفوه حتى وضع التاج ~~عنه، وكان في قرنه علامة، وكان ليعقوب مثلها شبه الشامة، فلما قال لهم: " ~~هل علمتم ما فعلتم بيوسف " رفع التاج عنه فعرفوه، فقالوا: " أئنك لأنت يوسف ~~". وقال ابن عباس: كتب يعقوب إليه يطلب رد ابنه، وفي الكتاب: من يعقوب صفي ~~الله ابن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله إلى عزيز مصر - أما بعد - ~~فإنا أهل بيت بلاء ومحن، ابتلى الله جدي إبراهيم بنمرود وناره، ثم ابتلى ~~أبي إسحاق بالذبح، ثم ابتلاني بولد كان لي أحب أولادي إلي حتى كف بصري من ~~البكاء، وإني لم أسرق ولم ألد سارقا والسلام. فلما قرأ يوسف الكتاب ارتعدت ~~مفاصله، واقشعر جلده، وأرخى عينيه بالبكاء، وعيل صبره فباح بالسر. وقرأ ابن ~~كثير " إنك " على الخبر، ويجوز أن تكون هذه القراءة استفهاما كقوله: # " وتلك نعمة " (1) [الشعراء: 22]. (قال أنا يوسف) أي أنا المظلوم والمراد ~~قتله، ولم يقل أنا هو تعظيما للقصة. (قد من الله علينا) أي بالنجاة والملك. ~~(إنه من يتق ويصبر) أي يتق الله ويصبر على المصائب، وعن المعاصي. (فإن الله ~~لا يضيع أجر المحسنين) أي الصابرين في بلائه، القائمين بطاعته. وقرأ ابن ~~كثير: " إنه من يتقي " بإثبات الياء، والقراءة بها جائزة على أن تجعل # PageV09P256 # " من " بمعنى الذي، وتدخل " يتقي " في الصلة، فتثبت الياء لاغير، وترفع " ~~ويصبر ". وقد يجوز أن تجزم " ويصبر " على أن تجعل " يتقي " في موضع جزم و " ~~من " للشرط، وتثبت الياء، وتجعل علامة الجزم حذف الضمة التي كانت في الياء ~~على الأصل، كما قال: # ثم نادي إذا دخلت دمشقا * يا يزيد بن خالد بن يزيد ms3356 وقال آخر: # ألم يأتيك والأنباء تنمي * بما لاقت لبون بني زياد وقراءة الجماعة ظاهرة، ~~والهاء في " إنه " كناية عن الحديث، والجملة الخبر. # قوله تعالى: (قالوا تالله لقد آثرك الله علينا) الأصل همزتان خففت ~~الثانية، ولا يجوز تحقيقها، واسم الفاعل مؤثر، والمصدر إيثار. ويقال: أثرت ~~التراب إثارة فأنا مثير، وهو أيضا على أفعل ثم أعل، والأصل أثير (1) نقلت ~~حركة الياء على الثاء، فانقلبت الياء ألفا، ثم حذفت لالتقاء الساكنين. ~~وأثرت الحديث على فعلت فأنا آثر، والمعنى: لقد فضلك الله علينا، واختارك ~~بالعلم والحلم والحكم والعقل والملك. (وإن كنا لخاطئين) أي مذنبين من خطئ ~~يخطأ إذا أتى الخطيئة، وفي ضمن هذا سؤال العفو. وقيل لابن عباس: كيف قالوا ~~" وإن كنا لخاطئين " وقد تعمدوا لذلك؟ قال: وإن تعمدوا لذلك، فما تعمدوا ~~حتى أخطئوا الحق، وكذلك كل من أتى ذنبا تخطى المنهاج الذي عليه من الحق، ~~حتى يقع في الشبهة والمعصية. # قوله تعالى: (لا تثريب عليكم اليوم) أي قال يوسف - وكان حليما موفقا -: # " لا تثريب عليكم اليوم " وتم الكلام. ومعنى " اليوم ": الوقت. والتثريب ~~التعيير والتوبيخ، أي لا تعيير ولا توبيخ ولا لوم عليكم اليوم، قال سفيان ~~الثوري وغيره، ومنه قوله عليه السلام: " إذا زنت أمه أحدكم فليجلدها الحد ~~ولا يثرب عليها " أي لا يعيرها، وقال بشر: # فعفوت عنهم عفو غير مثرب * وتركتهم لعقاب يوم سرمد # PageV09P257 # وقال الأصمعي: ثربت عليه وعربت عليه بمعنى إذا قبحت عليه فعله. وقال ~~الزجاج: المعنى لا إفساد لما بيني وبينكم من الحرمة، وحق الإخوة، ولكم عندي ~~العفو والصفح، وأصل التثريب الإفساد، وهي لغة أهل الحجاز. وعن ابن عباس أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بعضادتي الباب يوم فتح مكة، وقد لاذ ~~الناس بالبيت فقال: " الحمد لله الذي صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ~~" ثم قال: " ماذا تظنون يا معشر قريش " قالوا: # خيرا، أخ كريم، وابن أخ كريم وقد قدرت، قال: " وأنا أقول كما قال أخي ~~يوسف " لا تثريب عليكم اليوم " " فقال عمر رضي الله عنه: ففضت عرقا ms3357 من ~~الحياء من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذلك أني قد كنت قلت لهم حين ~~دخلنا مكة: اليوم ننتقم منكم ونفعل، فلما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ما قال استحييت من قولي. (يغفر الله لكم) مستقبل فيه معنى الدعاء، سأل الله ~~أن يستر عليهم ويرحمهم. وأجاز الأخفش الوقف على " عليكم " والأول هو ~~المستعمل، فإن في الوقف على " عليكم " والابتداء ب " اليوم يغفر الله لكم " ~~جزم بالمغفرة في اليوم، وذلك لا يكون إلا عن وحي، وهذا بين. وقال عطاء ~~الخراساني: # طلب الحوائج من الشباب أسهل منه من الشيوخ، ألم تر قول يوسف: " لا تثريب ~~عليكم اليوم يغفر الله لكم " وقال يعقوب: " سوف أستغفر لكم ربي ". # قوله تعالى: (اذهبوا بقميصي هذا) نعت للقميص، والقميص مذكر، فأما قول ~~الشاعر (1): # تدعو هوازن والقميص مفاضة * فوق النطاق تشد بالأزرار فتقديره: [والقميص] ~~(2) درع مفاضة. قاله النحاس. وقال ابن السدي عن أبيه عن مجاهد: # قال لهم يوسف: " اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا " قال: ~~كان يوسف أعلم بالله من أن يعلم أن قميصه يرد على يعقوب بصره، ولكن ذلك ~~قميص إبراهيم الذي ألبسه الله في النار من حرير الجنة، وكان كساه إسحاق، ~~وكان إسحاق كساه يعقوب، وكان يعقوب أدرج ذلك القميص في قصبة من فضة وعلقة ~~في عنق يوسف، لما كان يخاف عليه من # PageV09P258 # العين، وأخبره جبريل بأن أرسل قميصك فإن فيه ريح الجنة، و [إن] (1) ريح ~~الجنة لا يقع على سقيم (2) ولا مبتلى إلا عوفي. وقال الحسن: لولا أن الله ~~تعالى أعلم يوسف بذلك لم يعلم أنه يرجع إليه بصره، وكان الذي حمل قميصه ~~يهوذا، قال ليوسف: أنا الذي حملت إليه قميصك بدم كذب فأحزنته، وأنا الذي ~~أحمله الآن لأسره، وليعود إليه بصره، فحمله، حكاه السدي. # (وأتوني بأهلكم أجمعين) لتتخذوا مصر دارا. قال مسروق: فكانوا ثلاثة ~~وتسعين، ما بين رجل وامرأة. وقد قيل: إن القميص الذي بعثه هو القميص الذي ~~قد من دبره، ليعلم يعقوب أنه عصم من الزنى، ms3358 والقول الأول أصح، وقد روى ~~مرفوعا من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم، ذكره القشيري والله أعلم. # قوله تعالى: ولما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون ~~(94) قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم (95) فلما أن جاء البشير ألقه على ~~وجهه فارتد بصيرا قال ألم أقل لكم إني اعلم من الله ما لا تعلمون (96) ~~قالوا يأبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خطئين (97) قال سوف أستغفر لكم ربى ~~إنه هو الغفور الرحيم (98) فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه وقال ادخلوا ~~مصر إن شاء الله آمنين (99) قوله تعالى: (ولما فصلت العير) أي خرجت منطلقة ~~من مصر إلى الشام، يقال: فصل فصولا، وفصلته فصلا، فهو لازم ومتعد. (قال ~~أبوهم) أي قال لمن حضر من قرابته ممن لم يخرج إلى مصر وهم ولد ولده: (إني ~~لأجد ريح يوسف). وقد يحتمل أن يكون خرج بعض بنيه، فقال لمن بقي: " إني لأجد ~~ريح يوسف لولا أن تفندون ". قال ابن عباس: هاجت (1) ريح فحملت ريح قميص ~~يوسف إليه، وبينهما مسيرة ثمان ليال. وقال الحسن: مسيرة عشر ليال، # PageV09P259 # وعنه أيضا مسيرة شهر. وقال مالك [بن أنس] (1) رضي الله عنه: إنما أوصل ~~ريحه من أوصل عرش بلقيس قبل أن يرتد إلى سليمان عليه السلام طرفه. وقال ~~مجاهد: هبت ريح فصفقت (2) القميص فراحت روائح الجنة في الدنيا واتصلت ~~بيعقوب، فوجد ريح الجنة فعلم أنه ليس في الدنيا من ريح الجنة إلا ما كان من ~~ذلك القميص، فعند ذلك قال: " إني لأجد " أي أشم، فهو وجود بحاسة الشم. ~~(لولا أن تفندون) قال ابن عباس ومجاهد: لولا أن تسفهون، ومنه قول النابغة: # إلا سليمان إذ قال المليك له * قم في البرية فاحددها عن الفند أي عن ~~السفه. وقال سعيد بن جبير والضحاك: لولا أن تكذبون. والفند الكذب. وقد أفند ~~إفنادا كذب، ومنه قول الشاعر: # هل في افتخار الكريم من أود * أم هل لقول الصدوق من فند أي من كذب. وقيل: ~~لولا أن تقبحون، قاله أبو عمرو، ms3359 والتفنيد التقبيح، قال الشاعر: # يا صاحبي دعا لومي وتفنيدي * فليس ما فات من أمري بمردود وقال ابن ~~الأعرابي: " لولا أن تفندون " لولا أن تضعفوا رأي، وقاله ابن إسحاق. والفند ~~ضعف الرأي من كبر. وقول رابع: تضللون، قاله أبو عبيدة. وقال الأخفش: ~~تلوموني، والتفنيد اللوم وتضعيف الرأي. وقال الحسن وقتادة ومجاهد أيضا: ~~تهرمون، وكله متقارب المعنى، وهو راجع إلى التعجيز وتضعيف الرأي، يقال: ~~فنده تفنيدا إذا أعجزه، كما قال: # أهلكني باللوم والتفنيد ويقال: أفند إذا تكلم بالخطأ، والفند الخطأ في ~~الكلام والرأي، كما قال النابغة: # فاحددها عن الفند أي امنعها عن الفساد في العقل، ومن ذلك قيل: اللوم ~~تفنيد، قال الشاعر: # يا عاذلي دعا الملام وأقصرا * طال الهوى وأطلتما التفنيدا # PageV09P260 # ويقال: أفند فلانا الدهر إذا أفسده، ومنه قول ابن مقبل: # دع الدهر يفعل ما أراد فإنه * إذا كلف الإفناد بالناس أفندا قوله تعالى: ~~(قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم) أي لفي ذهاب عن طريق الصواب. # وقال ابن عباس وابن زيد: لفي خطئك الماضي من حب يوسف لا تنساه. وقال سعيد ~~بن جبير: لفي جنونك القديم. قال الحسن: وهذا عقوق. وقال قتادة وسفيان: لفي ~~محبتك القديمة. وقيل: إنما قالوا هذا، لأن يوسف عندهم كان قد مات. وقيل: إن ~~الذي قال له ذلك من بقي معه من ولده ولم يكن عندهم الخبر. وقيل: قال له ذلك ~~من كان معه من أهله وقرابته. وقيل: بنو بنيه وكانوا صغارا، فالله أعلم. # قوله تعالى: (فلما أن جاء البشير ألقاه على وجه) أي على عينيه. (فارتد ~~بصيرا) " أن " زائدة، والبشير قيل هو شمعون. وقيل: يهوذا قال: أنا أذهب ~~بالقميص اليوم كما ذهبت به ملطخا بالدم، قاله ابن عباس. وعن السدي أنه قال ~~لإخوته: قد علمتم أني ذهبت إليه بقميص الترحة فدعوني أذهب إليه بقميص ~~الفرحة. وقال يحيى بن يمان عن سفيان: # لما جاء البشير إلى يعقوب قال له: على أي دين تركت يوسف؟ قال: على ~~الإسلام، قال: # الآن تمت النعمة، وقال الحسن: لما ورد البشير على يعقوب ms3360 لم يجد عنده شيئا ~~يثيبه به، فقال: والله ما أصبت عندنا شيئا، وما خبزنا شيئا منذ سبع ليال، ~~ولكن هون الله عليك سكرات الموت. # قلت: وهذا الدعاء من أعظم ما يكون من الجوائز، وأفضل العطايا والذخائر. ~~ودلت هذه الآية على جواز البذل والهبات عند البشائر. وفي الباب حديث كعب بن ~~مالك - الطويل - وفيه: " فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت ثوبي ~~فكسوتهما إياه ببشارته " وذكر الحديث، وقد تقدم بكماله في قصة الثلاثة ~~الذين خلفوا (1)، وكسوة كعب ثوبيه للبشير مع كونه ليس له غيرهما دليل على ~~جواز مثل ذلك إذا ارتجى حصول ما يستبشر به. وهو دليل على # PageV09P261 # جواز إظهار الفرح بعد زوال الغم والترح. ومن هذا الباب جواز حذاقة (1) ~~الصبيان، وإطعام الطعام فيها، وقد نحر عمر بعد [حفظه] (1) سورة " البقرة " ~~جزورا. والله أعلم. # قوله تعالى: (قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون) ذكرهم ~~قوله: # " إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون " [يوسف: ~~86]. # قوله تعالى: (قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين) في ~~الكلام حذف، التقدير: فلما رجعوا من مصر قالوا يا أبانا، وهذا يدل على أن ~~الذي قال له: " تالله إنك لفي ضلالك " القديم " بنو بنيه أو غيرهم من ~~قرابته وأهله لا ولده، فإنهم كانوا غيبا، وكان يكون ذلك زيادة في العقوق. ~~والله أعلم. وإنما سألوه المغفرة، لأنهم أدخلوا عليه من ألم الحزن ما لم ~~يسقط المأثم عنه إلا بإحلاله. # قلت: وهذا الحكم ثابت فيمن آذى مسلما في نفسه أو ماله أو غير ذلك ظالما ~~له، فإنه يجب عليه أن يتحلل له (3) ويخبره بالمظلمة (4) وقدرها، وهل ينفعه ~~التحليل المطلق أم لا؟ فيه خلاف، والصحيح أنه لا ينفع، فإنه لو أخبره ~~بمظلمة لها قدر وبال ربما لم تطب نفس المظلوم في التحلل منها. والله أعلم. ~~وفي صحيح البخاري وغيره عن أبي هريرة قال قال رسول صلى الله عليه وسلم: " ~~من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شئ فليحلله منه ms3361 اليوم قبل ألا يكون ~~دينار ولا درهم إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم يكن له ~~حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه " قال المهلب فقوله صلى الله عليه ~~وسلم: " أخذ منه بقدر مظلمته " يجب أن تكون المظلمة معلومة القدر مشارا ~~إليها مبينة، والله أعلم. # قوله تعالى: (قال سوف استغفر لكم ربى) قال ابن عباس: أخر دعاءه إلى ~~السحر. # وقال المثنى بن الصباح عن طاوس قال: سحر ليلة الجمعة، ووافق ذلك ليلة ~~عاشوراء. # وفي دعاء الحفظ - من كتاب الترمذي - عن ابن عباس أنه قال: بينما نحن عند ~~رسول الله # PageV09P262 # صلى الله عليه وسلم إذ جاءه علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - فقال: - ~~بأبي أنت وأمي - تفلت هذا القرآن من صدري، فما أجدني أقدر عليه، فقال له ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أفلا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن وينفع بهن من علمته ويثبت ما تعلمت في ~~صدرك " قال: أجل يا رسول الله! فعلمني، قال: " إذا كان ليلة الجمعة فإن ~~استطعت أن تقوم في ثلث الليل الآخر فإنها ساعة مشهودة والدعاء فيها مستجاب ~~وقد قال أخي يعقوب لبنيه " سوف أستغفر لكم ربي " يقول حتى تأتي ليلة الجمعة ~~" وذكر الحديث. وقال أيوب بن أبي تميمة السختياني عن سعيد بن جبير قال: " ~~سوف استغفر لكم ربي " في الليالي البيض، في الثالثة عشرة، والرابعة عشرة، ~~والخامسة عشرة فإن الدعاء فيها مستجاب. وعن عامر الشعبي قال: " سوف استغفر ~~لكم ربي " أي أسأل يوسف إن عفا عنكم استغفرت لكم ربي، وذكر سنيد بن داود ~~قال: حدثنا هشيم قال حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق عن محارب بن دثار عن عمه ~~قال: # كنت آتي المسجد في السحر فأمر بدار ابن مسعود فأسمعه يقول: اللهم إنك ~~أمرتني فأطعت، ودعوتني فأجبت، وهذا سحر فاغفر لي، فلقيت ابن مسعود فقلت: ~~كلمات أسمعك تقولهن في السحر فقال: إن يعقوب أخر بنيه إلى السحر بقوله: " ~~سوف استغفر لكم ربي ". # قوله تعالى: (فلما دخلوا على يوسف) أي قصرا كان ms3362 له هناك. (آوى إليه ~~أبويه) قيل: إن يوسف بعث مع البشير مائتي راحلة وجهازا، وسأل يعقوب أن ~~يأتيه بأهله وولده جميعا، فلما دخلوا عليه آوى إليه أبويه، أي ضم، ويعني ~~بأبويه أباه وخالته، وكانت أمه قد ماتت في ولادة أخيه بنيامين. وقيل: أحيا ~~الله [له] (1) أمه تحقيقا للرؤيا حتى سجدت له، قاله الحسن، وقد تقدم في " ~~البقرة " أن الله تعالى أحيا لنبيه عليه السلام أباه وأمه فآمنا به. # قوله تعالى: (ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين) قال ابن جريج: أي سوف أستغفر ~~لكم ربي إن شاء الله، قال: وهذا من تقديم القرآن وتأخيره، قال النحاس: يذهب ~~ابن جريج إلى أنهم قد دخلوا مصر فكيف يقول: " ادخلوا مصر إن شاء الله ". ~~وقيل: إنما قال: " إن شاء الله " تبركا وجزما. " آمنين " من القحط، أو من ~~فرعون، وكانوا لا يدخلونها إلا بجوازه. # PageV09P263 # قوله تعالى: ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال يا أبت هذا تأويل ~~رؤياي من قبل قد جعلها ربى حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من ~~البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي إن ربى لطيف لما يشاء إنه هو ~~العزيز الحكيم (100) قوله تعالى: (ورفع أبويه على العرش) قال قتادة: يريد ~~السرير، وقد تقدمت محامله، قد يعبر بالعرش عن الملك والملك نفسه، ومنه قول ~~النابغة الذبياني: # عروش تفانوا بعد وأمنة وقد تقدم (1). # قوله تعالى: (وخروا له سجدا). # فيه ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " وخروا له سجدا " الهاء في " خروا له " قيل: إنها ~~تعود على الله تعالى، المعنى: وخروا شكرا لله سجدا، ويوسف كالقبلة لتحقيق ~~روياه، وروي عن الحسن، قال النقاش: وهذا خطأ، والهاء راجعة إلى يوسف لقوله ~~تعالى في أول السورة: " رأيتهم لي ساجدين " [يوسف: 4]. وكان تحيتهم أن يسجد ~~الوضيع للشريف، والصغير للكبير، سجد يعقوب وخالته وإخوته ليوسف عليه ~~السلام، فاقشعر جلده وقال: " هذا تأويل رؤياي من قبل " وكان بين رؤيا يوسف ~~وبين تأويلها اثنتان وعشرون سنة. وقال سلمان الفارسي وعبد الله بن شداد: ms3363 # أربعون سنة، قال عبد الله بن شداد: وذلك أخر ما تبطئ الرؤيا. وقال قتادة: ~~خمس وثلاثون سنة. وقال السدي وسعيد بن جبير وعكرمة: ست وثلاثون سنة. وقال ~~الحسن وجسر بن فرقد وفضيل ابن عياض: ثمانون سنة. وقال وهب بن منبه: ألقي ~~يوسف في الجب وهو ابن سبع عشرة سنة، وغاب عن أبيه ثمانين سنة، وعاش بعد أن ~~التقى بأبيه ثلاثا وعشرين # PageV09P264 # سنة، ومات وهو ابن مائة وعشرين سنة. وفي التوراة مائة وست وعشرون سنة. ~~وولد ليوسف من امرأة العزيز إفراثيم ومنشأ ورحمة امرأة أيوب. وبين يوسف ~~وموسى أربعمائة سنة. # وقيل: إن يعقوب بقي عند يوسف عشرين سنة، ثم توفي صلى الله عليه وسلم. ~~وقيل: أقام عنده ثماني عشرة سنة. وقال بعض المحدثين: بعضا وأربعين سنة، ~~وكان بين يعقوب ويوسف ثلاث وثلاثون سنة حتى جمعهم الله. وقال ابن إسحاق: ~~ثماني عشرة سنة، والله أعلم. # الثاني - قال سعيد بن جبير عن قتادة عن الحسن: في قوله: " وخروا له سجدا ~~" - قال: لم يكن سجودا، لكنه سنة كانت فيهم، يومئون برؤوسهم إيماء، كذلك ~~كانت تحيتهم. وقال الثوري والضحاك وغيرهما: كان سجودا كالسجود المعهود ~~عندنا، وهو كان تحيتهم. وقيل: كان انحناء كالركوع، ولم يكن خرورا على ~~الأرض، وهكذا كان سلامهم بالتكفي والانحناء، وقد نسخ الله ذلك كله في ~~شرعنا، وجعل الكلام بدلا عن الانحناء. وأجمع المفسرون أن ذلك السجود على أي ~~وجه كان فإنما كان تحية لا عبادة، قال قتادة: هذه كانت تحية الملوك عندهم، ~~وأعطى الله هذه الأمة السلام تحية أهل الجنة. # قلت: هذا الانحناء والتكفي الذي نسخ عنا قد صار عادة بالديار المصرية، ~~وعند العجم، وكذلك قيام بعضهم إلى بعض، حتى أن أحدهم إذا لم يقم له وجد في ~~نفسه كأنه لا يؤبه به، وأنه لا قدر له، وكذلك إذا التقوا انحنى بعضهم لبعض، ~~عادة مستمرة، ووراثة مستقرة لا سيما عند التقاء الأمراء والرؤساء. نكبوا عن ~~السنن، وأعرضوا عن السنن. # وروى أنس بن مالك قال: قلنا يا رسول الله أينحني بعضنا إلى بعض ms3364 إذا ~~التقينا؟ قال: # " لا "، قلنا: أفيعتنق بعضنا بعضا؟ قال " لا ". قلنا: أفيصافح بعضنا ~~بعضا؟ قال " نعم ". # خرجه أبو عمر في " التمهيد " فإن قيل: فقد قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " قوموا إلى سيدكم وخيركم " - يعني سعد بن معاذ - قلنا: ذلك مخصوص ~~بسعد لما تقتضيه الحال المعينة، وقد قيل: إنما كان قيامهم لينزلوه عن ~~الحمار، وأيضا فإنه يجوز للرجل الكبير إذا لم يؤثر ذلك في نفسه، فإن أثر ~~فيه وأعجب به ورأى لنفسه حظا لم يجز عونه على ذلك، PageV09P265 # لقوله صلى الله عليه وسلم: " من سره أن يتمثل له الناس قياما فليتبوأ ~~مقعده من النار ". # وجاء عن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين أنه لم يكن وجه أكرم عليهم من ~~وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما كانوا يقومون له إذا رأوه، لما ~~يعرفون من كراهته لذلك. # الثالثة - فإن قيل: فما تقول في الإشارة بالإصبع؟ قيل له: ذلك جائز إذا ~~بعد عنك، لتعين له به وقت السلام، فإن كان دانيا فلا، وقد قيل بالمنع في ~~القرب والبعد، لما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من تشبه ~~بغيرنا فليس منا ". وقال: # " لا تسلموا تسليم اليهود والنصارى فإن تسليم اليهود بالأكف والنصارى ~~بالإشارة ". وإذا سلم فإنه لا ينحني، ولا أن يقبل مع السلام يده، ولأن ~~الانحناء على معنى التواضع لا ينبغي إلا لله. وأما تقبيل اليد فإنه من فعل ~~الأعاجم، ولا يتبعون على أفعالهم التي أحدثوها تعظيما منهم لكبرائهم، قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " لا تقوموا عند رأسي كما تقوم الأعاجم عند رؤوس ~~أكاسرتها " فهذا مثله. ولا بأس بالمصافحة، فقد صافح النبي صلى الله عليه ~~وسلم جعفر بن أبي طالب حين قدم من الحبشة، وأمر بها، وندب إليها، وقال: " ~~تصافحوا يذهب الغل " وروى غالب التمار عن الشعبي أن أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم كانوا إذا التقوا تصافحوا، وإذا قدموا من سفر تعانقوا، فإن قيل: ~~فقد كره مالك المصافحة؟ قلنا: روى ابن وهب عن مالك أنه كره ms3365 المصافحة ~~والمعانقة، وذهب إلى هذا سحنون وغيره من أصحابنا، وقد روي عن مالك خلاف ذلك ~~من جواز المصافحة، وهو الذي يدل عليه معنى ما في الموطأ، وعلى جواز ~~المصافحة جماعة العلماء من السلف والخلف. قال ابن العربي: إنما كره مالك ~~المصافحة لأنه لم يرها أمرا عاما في الدين، ولا منقولا نقل السلام، ولو ~~كانت منه (2) لاستوى معه. # قلت: قد جاء في المصافحة حديث يدل على الترغيب فيها، والدأب عليها ~~والمحافظة، وهو ما رواه البراء بن عازب قال: لقيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فأخذ بيدي فقلت: يا رسول الله! أن كنت لأحسب أن المصافحة للأعاجم؟ ~~فقال: " نحن أحق بالمصافحة منهم مامن مسلمين يلتقيان فيأخذ أحدهما بيد ~~صاحبه مودة بينهما ونصيحة إلا ألقيت ذنوبها بينهما ". # PageV09P266 # قوله تعالى: (وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن) ولم يقل من الجب استعمالا ~~للكرم، لئلا يذكر إخوته صنيعهم بعد عفوه [عنهم] (1) بقوله: " لا تثريب ~~عليكم ". # قلت: وهذا هو الأصل عند مشايخ الصوفية: ذكر الجفا في وقت الصفا جفا، وهو ~~قول صحيح دل عليه الكتاب. وقيل: لأن في دخول السجن كان باختياره بقوله: " ~~رب السجن حب إلي مما يدعونني إليه " [يوسف: 33] وكان في الجب بإرادة الله ~~تعالى له. وقيل: لأنه كان في السجن مع اللصوص والعصاة، وفي الجب مع الله ~~تعالى، وأيضا فإن المنة في النجاة من السجن كانت أكبر، لأنه دخله بسبب ~~أمرهم به، وأيضا دخله باختياره إذ قال: " رب السجن أحب إلي " فكان الكرب ~~فيه أكثر، وقال فيه أيضا: " اذكرني عند ربك " [يوسف: 42] فعوقب فيه. # (وجاء بكم من البدو) يروى أن مسكن يعقوب كان بأرض كنعان، وكانوا أهل مواش ~~وبرية، وقيل: كان يعقوب تحول إلى بادية وسكنها، وأن الله لم يبعث نبيا من ~~أهل البادية. وقيل: # إنه كان خرج إلى بدا، وهو موضع، وإياه عنى جميل بقوله: # وأنت التي حببت شغبا إلى بدا * إلي وأوطاني بلاد سواهما وليعقوب بهذا ~~الموضع مسجد تحت جبل. يقال: بدا القوم بدوا إذا أتوا بدا، كما يقال: # غاروا ms3366 غورا أي أتوا الغور، والمعنى: وجاء بكم من مكان بدا، ذكره القشيري، ~~وحكاه الماوردي عن الضحاك عن ابن عباس. (من بعد ما نزغ الشيطان بيني وبين ~~إخوتي) بإيقاع الحسد، قاله ابن عباس. وقيل: أفسد ما بيني وبين إخوتي، أحال ~~ذنبهم على الشيطان تكرما منه. (إن ربى لطيف لما يشاء) أي رفيق بعباده. وقال ~~الخطابي: اللطيف هو البر بعباده الذي يلطف بهم من حيث لا يعلمون، ويسبب لهم ~~مصالحهم من حيث لا يحتسبون، كقوله: " الله لطيف بعباده يرزق من يشاء (3) " ~~[الشورى: 19]. وقيل: اللطيف العالم بدقائق الأمور، والمراد هنا الإكرام ~~والرفق. قال قتادة، لطف بيوسف بإخراجه من السجن، وجاءه بأهله من البدو، ~~ونزع عن قلبه نزغ الشيطان. ويروى أن يعقوب لما قدم بأهله وولده وشارف أرض ~~مصر وبلغ ذلك يوسف أستأذن فرعون - واسمه الريان - أن يأذن له في تلقي أبيه ~~يعقوب، وأخبره # PageV09P267 # قدومه فأذن له، وأمر الملا من أصحابه بالركوب معه، فخرج يوسف والملك معه ~~في أربعة آلاف من الأمراء مع كل أمير خلق الله أعلم بهم، وركب أهل مصر معهم ~~يتلقون يعقوب، فكان يعقوب يمشي متكئا على يد يهوذا، فنظر يعقوب إلى الخيل ~~والناس والعساكر فقال: # يا يهوذا! هذا فرعون مصر؟ قال: لا، بل هذا ابنك يوسف، فلما دنا كل واحد ~~منهما من صاحبه ذهب يوسف ليبدأه بالسلام فمنع (1) من ذلك، وكان يعقوب أحق ~~بذلك منه وأفضل، فابتدأ يعقوب بالسلام فقال: السلام عليك يا مذهب الأحزان، ~~وبكى وبكى معه يوسف، فبكى يعقوب فرحا، وبكى يوسف لما رأى بأبيه من الحزن، ~~قال ابن عباس: فالبكاء أربعة، بكاء من الخوف، وبكاء من الجزع، وبكاء من ~~الفرح، وبكاء رياء. ثم قال يعقوب: الحمد لله الذي أقر عيني بعد الهموم ~~والأحزان، ودخل مصر في اثنين وثمانين من أهل بيته، فلم يخرجوا من مصر حتى ~~بلغوا ستمائة ألف ونيف ألف، وقطعوا البحر مع موسى عليه السلام، رواه عكرمة ~~عن ابن عباس. وحكى ابن مسعود أنهم دخلوا مصر وهم ثلاثة وتسعون إنسانا ما ~~بين رجل وامرأة، وخرجوا ms3367 مع موسى وهم ستمائة [ألف] (2) وسبعون ألفا. وقال ~~الربيع بن خيثم: دخلوها وهم اثنان وسبعون ألفا، وخرجوا مع موسى وهم ستمائة ~~ألف. وقال وهب: [بن منبه] (2) دخل يعقوب وولده مصر وهم تسعون إنسانا ما بين ~~رجل وامرأة وصغير، وخرجوا منها مع موسى فرارا من فرعون، وهم ستمائة ألف ~~وخمسمائة وبضع وسبعون رجل مقاتلين، سوى الذرية والهرمى والزمني، وكانت ~~الذرية ألف ألف ومائتي ألف سوى المقاتلة، وقال أهل التواريخ: # أقام يعقوب بمصر أربعا وعشرين سنة في أغبط حال ونعمة، ومات بمصر، وأوصى ~~إلى ابنه يوسف أن يحمل جسده حتى يدفنه عند أبيه إسحاق بالشام ففعل، ثم ~~انصرف إلى مصر. # قال سعيد بن جبير: نقل يعقوب صلى الله عليه وسلم في تابوت من ساج إلى بيت ~~المقدس، ووافق ذلك يوم مات عيصو، فدفنا في قبر واحد، فمن ثم تنقل اليهود ~~موتاهم إلى بيت المقدس، من فعل ذلك منهم، وولد يعقوب وعيصو في بطن واحد، ~~ودفنا في قبر واحد وكان عمرهما جميعا مائة وسبعا (3) وأربعين سنة. # PageV09P268 # قوله تعالى: رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر ~~السماوات والأرض أنت ولى في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين ~~(101) قوله تعالى: (رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث) قال ~~قتادة: # لم يتمن الموت أحد، نبي ولا غيره إلا يوسف عليه السلام، حين تكاملت عليه ~~النعم وجمع له الشمل اشتاق إلى لقاء ربه عز وجل. وقيل: إن يوسف لم يتمن ~~الموت، وإنما تمنى الوفاة على الإسلام، أي إذا جاء أجلي توفني مسلما، وهذا ~~قول الجمهور. وقال سهل بن عبد الله التستري: لا يتمنى الموت إلا ثلاث: رجل ~~جاهل بما بعد الموت، أو رجل يفر من أقدار الله تعالى عليه، أو مشتاق محب ~~للقاء الله عز وجل. وثبت في الصحيح عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به فإن كان لا بد متمنيا فليقل ~~اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفقني إذا كانت ms3368 الوفاة خيرا لي " ~~رواه مسلم. وفيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا ~~يتمنين أحدكم الموت ولا يدع (1) به من قبل أن يأتيه إنه إذا مات أحدكم ~~انقطع عمله وإنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيرا ". # وإذا ثبت هذا فكيف يقال: إن يوسف عليه السلام تمنى الموت والخروج من ~~الدنيا وقطع العمل؟ هذا بعيد! إلا أن يقال: إن ذلك كان جائزا في شرعه، أما ~~أنه يجوز تمني الموت والدعاء به عند ظهور الفتن وغلبتها، وخوف ذهاب الدين، ~~على ما بيناه في كتاب " التذكرة ". # " ومن " من قوله: " من الملك " للتبعيض، وكذلك قوله: " وعلمتني من تأويل ~~الأحاديث " لأن ملك مصر ما كان كل الملك، وعلم التعبير ما كان كل العلوم. ~~وقيل: " من " للجنس كقوله: " فاجتنبوا الرجس من (2) الأوثان " [الحج: 30] ~~وقيل: للتأكد. أي آتيتني الملك وعلمتني تأويل الأحاديث # PageV09P269 # قوله تعالى: (فاطر السماوات والأرض) نصب على النعت للنداء، وهو رب، وهو ~~نداء مضاف، والتقدير: يا رب! ويجوز أن يكون نداء ثانيا. والفاطر الخالق، ~~فهو سبحانه فاطر الموجودات، أي خالقها ومبدئها ومنشئها ومخترعها على ~~الإطلاق من غير شئ، ولا مثال سبق، وقد تقدم هذا المعنى في " البقرة " ~~مستوفى (1)، عند قوله: " بديع السماوات والأرض " [البقرة: 117] وزدناه ~~بيانا في الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى. (أنت وليي) أي ناصري ~~ومتولي أموري في الدنيا والآخرة. (توفني مسلما والحقني بالصالحين) يريد ~~آباءه الثلاثة، إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فتوفاه الله - طاهرا طيبا صلى الله ~~عليه وسلم - بمصر، ودفن في النيل في صندوق من رخام، وذلك أنه لما مات تشاح ~~الناس عليه، كل يحب أن يدفن في محلتهم، لما يرجون من بركته، واجتمعوا على ~~ذلك حتى هموا بالقتال، فرأوا أن يدفنوه في النيل من حيث مفرق الماء بمصر، ~~فيمر عليه الماء، ثم يتفرق في جميع مصر، فيكونوا فيه شرعا ففعلوا، فلما خرج ~~موسى ببني إسرائيل أخرجه من النيل: ونقل تابوته بعد أربعمائة سنة إلى بيت ~~المقدس، فدفنوه مع آبائه لدعوته: " وألحقني بالصالحين " وكان عمره مائة عام ms3369 ~~وسبعة أعوام. وعن الحسن قال: ألقي يوسف في الجب وهو ابن سبع عشرة سنة، وكان ~~في العبودية والسجن والملك ثمانين سنة، ثم جمع له شمله فعاش بعد ذلك ثلاثا ~~وعشرين سنه، وكان له من الولد إفراثيم، ومنشأ، ورحمة، زوجة أيوب، في قول ~~ابن لهيعة. قال الزهري: وولد لإفراثيم - بن يوسف - نون بن إفراثيم، وولد ~~لنون يوشع، فهو يوشع بن نون، وهو فتى موسى الذي كان معه صاحب أمره، ونبأه ~~الله في زمن موسى عليه السلام، فكان بعده نبيا، وهو الذي افتتح أريحا، وقتل ~~من كان بها من الجبابرة، واستوقفت له الشمس حسب ما تقدم في " المائدة " ~~(2). وولد لمنشأ بن يوسف موسى بن منشأ، قبل موسى بن عمران. # وأهل التوراة يزعمون أنه هو الذي طلب العالم ليتعلم منه حتى أدركه، ~~والعالم هو الذي خرق # PageV09P270 # السفينة، وقتل الغلام، وبنى الجدار، وموسى بن منشأ معه حتى بلغه معه حيث ~~بلغ، وكان ابن عباس ينكر ذلك، والحق الذي قاله ابن عباس، وكذلك في القرآن. ~~ثم كان بين يوسف وموسى أمم وقرون، وكان فيما بينهما شعيب، صلوات الله ~~وسلامه عليهم أجمعين. قوله تعالى: ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت ~~لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون (102) وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين ~~(103) وما تسئلهم عليه من أجر إن هو إلا ذكر للعلمين (104) قوله تعالى: ~~(ذلك من أنباء الغيب) ابتداء وخبر. (نوحيه إليك) خبر ثان. # قال الزجاج: ويجوز أن يكون " ذلك " بمعنى الذي، " نوحيه إليك " خبره، أي ~~الذي من أنباء الغيب نوحيه إليك، يعني هو الذي قصصنا عليك يا محمد من أمر ~~يوسف من أخبار الغيب " نوحيه إليك " أي نعلمك بوحي هذا إليك. (وما كنت ~~لديهم) أي مع إخوة يوسف (إذ إجمعوا أمرهم) في إلقاء يوسف في الجب. (وهم ~~يمكرون) أي بيوسف في إلقائه في الجب. وقيل: " يمكرون " بيعقوب حين جاءوه ~~بالقميص ملطخا بالدم، أي ما شاهدت تلك الأحوال، ولكن الله أطلعك عليها. # قوله تعالى: (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين) ظن أن العرب لما ms3370 سألته عن ~~هذه القصة وأخبرهم يؤمنون، فلم يؤمنوا، فنزلت الآية تسلية للنبي صلى الله ~~عليه وسلم، أي ليس تقدر على هداية من أردت هدايته، تقول: حرص يحرص، مثل: ~~ضرب يضرب. # وفي لغة ضعيفة حرص يحرص مثل حمد يحمد. والحرص طلب الشئ باختيار (1). # قوله تعالى: (وما تسألهم عليه من أجر) " من " صلة، أي ما تسألهم جعلا. ~~(إن هو) أي ما هو، يعني القرآن والوحي. (إلا ذكر) أي عظة وتذكرة ~~(للعالمين). # PageV09P271 # قوله تعالى: وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها ~~معرضون (105) وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون (106) أفأمنوا أن ~~تأتيهم غشية من عذاب الله أو تأتيهم الساعة بغتة وهم لا يشعرون (107) قل ~~هذه سبيلي ادعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من ~~المشركين (108) قوله تعالى: (وكأين من آية في السماوات والأرض) قال الخليل ~~وسيبويه: هي " أي " دخل عليها كاف التشبيه وبنيت معها، فصار في الكلام معنى ~~كم، وقد مضي في " آل عمران " (1) القول فيها مستوفى. ومضى القول في آية " ~~السماوات والأرض " في " البقرة " (2). # وقيل: الآيات آثار عقوبات الأمم السالفة، أي هم غافلون معرضون عن تأملها. ~~وقرأ عكرمة وعمرو بن فائد " والأرض " رفعا ابتداء، وخبره. (يمرون عليها). ~~وقرأ السدي " والأرض " نصبا بإضمار فعل، والوقف على هاتين القراءتين على " ~~السماوات ". وقرأ ابن مسعود: " يمشون عليها ". # قوله تعالى: (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون) نزلت في قوم أقروا ~~بالله خالقهم وخالق الأشياء كلها، وهم يعبدون الأوثان، قاله الحسن ومجاهد ~~وعامر الشعبي وأكثر المفسرين. وقال عكرمة هو قوله: " ولئن سألتهم من خلقهم ~~ليقولن الله " (3) [الزخرف: 87] ثم يصفونه بغير صفته ويجعلون له أندادا، ~~وعن الحسن أيضا: أنهم أهل كتاب معهم شرك وإيمان، آمنوا بالله وكفروا بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم، فلا يصح إيمانهم، حكاه ابن الأنباري. وقال ابن عباس: ~~نزلت في تلبية مشركي العرب: لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ~~ملك. وعنه أيضا أنهم النصارى. وعنه أيضا أنهم المشبهة، آمنوا مجملا وأشركوا # PageV09P272 # مفصلا. ms3371 وقيل: نزلت في المنافقين، المعنى: " وما يؤمن أكثرهم بالله " أي ~~باللسان إلا وهو كافر بقلبه، ذكره الماوردي عن الحسن أيضا. وقال عطاء: هذا ~~في الدعاء، وذلك أن الكفار ينسون ربهم في الرخاء، فإذا أصابهم البلاء ~~أخلصوا في الدعاء، بيانه: " وظنوا أنهم أحيط بهم " (1) [يونس: 22] الآية. ~~وقوله: " وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه " (1) [يونس: 12] الآية. وفي ~~آية أخرى: # " وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض " (2) [فصلت: 51]. وقيل: معناها أنهم ~~يدعون الله ينجيهم من الهلكة، فإذا أنجاهم قال قائلهم: لولا فلان ما نجونا، ~~ولولا الكلب لدخل علينا اللص، ونحو هذا، فيجعلون نعمة الله منسوبة إلى ~~فلان، ووقايته منسوبة إلى الكلب. # قلت: وقد يقع في هذا القول والذي قبله كثير من عوام المسلمين، ولا حول ~~ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وقيل: نزلت هذه الآية في قصة الدخان، وذلك ~~أن أهل مكة لما غشيهم الدخان في سني القحط قالوا: " ربنا اكشف عنا العذاب ~~إنا مؤمنون " (3) [الدخان: 12] فذلك إيمانهم، وشركهم عودهم إلى الكفر بعد ~~كشف العذاب، بيانه قوله: " إنكم عائدون " [الدخان: 15] والعود لا يكون إلا ~~بعد ابتداء، فيكون معنى: " إلا وهم مشركون " أي إلا وهم عائدون [إلى الشرك] ~~(4)، والله أعلم. # قوله تعالى: (أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله) قال ابن عباس: مجللة ~~(5). # وقال مجاهد: عذاب يغشاهم، نظيره. " يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت ~~أرجلهم " (6) [العنكبوت: 55]. # وقال قتادة: وقيعة تقع لهم. وقال الضحاك: يعني الصواعق والقوارع. (أو ~~تأتيهم الساعة) يعني القيامة. (بغتة) نصب على الحال، وأصله المصدر. وقال ~~المبرد: جاء عن العرب حال بعد نكرة، وهو قولهم: وقع أمر بغتة وفجأة، قال ~~النحاس: ومعنى " بغتة " إصابة (4) من حيث لم يتوقع. (وهم لا يشعرون) وهو ~~توكيد. وقوله: " بغتة " قال ابن عباس: # تصيح الصيحة بالناس وهم في أسواقهم ومواضعهم، كما قال: " تأخذهم وهم ~~يخصمون " [يس: 49] على ما يأتي (2). # PageV09P273 # قوله تعالى: (قل هذه سبيلي) ابتداء وخبر، أي قل يا محمد هذه طريقي وسنتي ~~ومنهاجي، قاله ابن زيد. وقال الربيع: دعوتي، مقاتل: ديني، والمعنى واحد، أي ~~الذي أنا ms3372 عليه وأدعو إليه يؤدي إلى الجنة. (على بصيرة) أي على يقين وحق، ~~ومنه: فلان مستبصر بهذا. # (أنا) توكيد. (ومن اتبعني) عطف على المضمر. (وسبحان الله) أي قل يا محمد: # " وسبحان الله ". (وما أنا من المشركين) الذين يتخذون من دون الله ~~أندادا. # قوله تعالى: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى أفلم ~~يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عقبة الذين من قبلهم ولدار الآخرة خير ~~للذين اتقوا أفلا تعقلون (109) حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا ~~جاءهم نصرنا فنجى من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين (110) قوله ~~تعالى: (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي (1) إليهم من أهل القرى) هذا رد ~~على القائلين: " لولا أنزل عليه ملك " (2) [الأنعام: 8] أي أرسلنا رجالا ~~ليس فيهم امرأة ولا جني ولا ملك، وهذا يرد ما يروى عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: " إن في النساء أربع نبيات حواء وآسية وأم موسى ومريم ". وقد ~~تقدم في " آل عمران " (3) شئ من هذا. " من أهل القرى " يريد المدائن، ولم ~~يبعث الله نبيا من أهل البادية لغلبة الجفاء والقسوة على أهل البدو، ولأن ~~أهل الأمصار أعقل وأحلم وأفضل وأعلم. قال الحسن: لم يبعث الله نبيا من أهل ~~البادية قط، ولا من النساء، ولا من الجن. وقال قتادة: " من أهل القرى " أي ~~من أهل الأمصار، لأنهم أعلم وأحلم. وقال العلماء: من شرط الرسول أن يكون ~~رجلا آدميا مدنيا، وإنما قالوا آدميا تحرزا، من قوله: " يعوذون برجال من ~~الجن " (4) [الجن: 6] والله أعلم. # PageV09P274 # قوله تعالى: (أفلم يسيروا في الأرض فينظروا) إلى مصارع الأمم المكذبة ~~لأنبيائهم فيعتبروا. (ولدار الآخرة خير) ابتداء وخبره. وزعم الفراء أن ~~الدار هي الآخرة، وأضيف الشئ إلى نفسه لاختلاف اللفظ، كيوم الخميس، وبارحة ~~الأولى، قال الشاعر: # ولو أقوت عليك ديار عبس (1) * عرفت الذل عرفان اليقين أي عرفانا يقينا، ~~واحتج الكسائي بقولهم: صلاة الأولى، واحتج الأخفش بمسجد الجامع. # قال النحاس: إضافة الشئ إلى نفسه محال، لأنه إنما يضاف الشئ إلى غيره ~~ليتعرف ms3373 به، والأجود الصلاة الأولى، ومن قال صلاة الأولى فمعناه: عند صلاة ~~الفريضة الأولى، وإنما سميت الأولى لأنها أول ما صلي حين فرضت الصلاة، وأول ~~ما أظهر، فلذلك قيل لها أيضا الظهر. والتقدير: ولدار الحال الآخرة خير، ~~وهذا قول البصريين، والمراد بهذه الدار الجنة، أي هي خير للمتقين. وقرئ: " ~~وللدار الآخرة ". وقرأ نافع وعاصم ويعقوب وغيرهم (أفلا تعقلون) بالتاء على ~~الخطاب. الباقون بالياء على الخبر. # قوله تعالى: (حتى إذا استيأس الرسل) تقدم القراءة فيه ومعناه (2). (وظنوا ~~أنهم كذبوا) وهذه الآية فيها تنزيه الأنبياء وعصمتهم عما لا يليق بهم. وهذا ~~الباب عظيم، وخطره جسيم، ينبغي الوقوف، عليه لئلا يزل الإنسان فيكون في ~~سواء الجحيم. المعنى: وما أرسلنا قبلك يا محمد إلا رجالا ثم لم نعاقب أممهم ~~بالعذاب. # (3) " حتى إذا استيأس الرسل " أي يئسوا من إيمان قومهم. " وظنوا أنهم قد ~~كذبوا " بالتشديد، أي أيقنوا أن قومهم كذبوهم. وقيل المعنى: # حسبوا أن من آمن بهم من قومهم كذبوهم، لا أن القوم كذبوا، ولكن الأنبياء ~~ظنوا وحسبوا أنهم يكذبونهم، أي خافوا أن يدخل قلوب أتباعهم شك، فيكون " ~~وظنوا " على بابه في هذا التأويل. وقرأ ابن عباس وابن مسعود وأبو عبد ~~الرحمن السلمي وأبو جعفر بن القعقاع والحسن وقتادة وأبو رجاء العطاردي ~~وعاصم وحمزة والكسائي ويحيى بن وثاب والأعمش وخلف " كذبوا " بالتخفيف، أي ~~ظن القوم أن الرسل كذبوهم فيما أخبروا به من العذاب، # PageV09P275 # ولم يصدقوا. وقيل: المعنى ظن الأمم أن الرسل قد كذبوا فيما وعدوا به من ~~نصرهم. وفي رواية عن ابن عباس، ظن الرسل أن الله أخلف ما وعدهم. وقيل: لم ~~تصح هذه الرواية، لأنه لا يظن بالرسل هذا الظن، ومن ظن هذا الظن لا يستحق ~~النصر، فكيف قال: (جاءهم نصرنا)؟! قال القشيري أبو نصر: ولا يبعد إن صحت ~~الرواية أن المراد خطر بقلوب الرسل (1) هذا من غير أن يتحققوه في نفوسهم، ~~وفي الخبر: " إن الله تعالى تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم ينطق به ~~لسان أو تعمل به ". ويجوز أن يقال: قربوا ms3374 من ذلك الظن، كقولك: بلغت المنزل، ~~أي قربت منه. وذكر الثعلبي والنحاس عن ابن عباس قال: كانوا بشرا فضعفوا من ~~طول البلاء، ونسوا وظنوا أنهم أخلفوا، ثم تلا: " حتى يقول الرسول والذين ~~آمنوا معه متى نصر الله " (2) [البقرة: 214]. وقال الترمذي الحكيم: وجهه ~~عندنا أن الرسل كانت تخاف بعد ما وعد الله النصر، لا من تهمة لوعد الله، ~~ولكن لتهمة النفوس أن تكون قد أحدثت، حدثا ينقض ذلك الشرط والعهد الذي عهد ~~إليهم، فكانت إذا طالت [عليهم] (1) المدة دخلهم الإياس والظنون من هذا ~~الوجه. وقال المهدوي عن ابن عباس: ظنت الرسل أنهم قد أخلفوا على ما يلحق ~~البشر، واستشهد بقول إبراهيم عليه السلام: " رب أرني كيف تحيى الموتى " (2) ~~[البقرة: 260] الآية. والقراءة الأولى أولى. وقرأ مجاهد وحميد - " قد كذبوا ~~" بفتح الكاف والذال مخففا، على معنى: وظن قوم الرسل أن الرسل قد كذبوا، ~~لما رأوا من تفضل الله عز وجل في تأخير العذاب. ويجوز أن يكون المعنى: و ~~[لما] أيقن الرسل أن قومهم قد كذبوا على الله بكفرهم جاء الرسل نصرنا. وفي ~~البخاري عن عروة عن عائشة قالت له وهو يسألها عن قول الله عز وجل: " حتى ~~إذا استيأس الرسل " قال قلت: أكذبوا أم كذبوا؟ قالت عائشة: كذبوا. قلت: فقد ~~استيقنوا أن قومهم كذبوهم فما هو بالظن؟ قالت: أجل! # لعمري! لقد استيقنوا بذلك، فقلت لها: " وظنوا أنهم قد كذبوا " قالت: معاذ ~~الله! # لم تكن الرسل تظن ذلك بربها. قلت: فما هذه الآية؟ قالت: هم أتباع الرسل ~~[الذين امنوا بربهم وصدقوهم، فطال عليهم البلاء، واستأخر عنهم النصر حتى ~~إذا استيأس الرسل (3)] # PageV09P276 # ممن كذبهم من قومهم، وظنت الرسل أن أتباعهم [قد] (1) كذبوهم جاءهم نصرنا ~~عند ذلك. # وفي قوله تعالى: " جاءهم نصرنا " قولان: أحدهما - جاء الرسل نصر الله، ~~قاله مجاهد. # الثاني - جاء قومهم عذاب الله، قاله ابن عباس. (فننجي من نشاء) قيل: ~~الأنبياء ومن آمن معهم. وروي عن عاصم " فنجي من نشاء " بنون واحدة مفتوحة ~~الياء، و " من " في موضع رفع، أسم ما لم يسم فاعله، ms3375 وأختار أبو عبيد هذه ~~القراءة لأنها في مصحف عثمان، وسائر مصاحف البلدان بنون واحدة (3). وقرأ ~~ابن محيصن " فنجا " فعل ماض، و " من " في موضع رفع لأنه الفاعل، وعلى قراءة ~~الباقين نصبا على المفعول. (ولا يرد بأسنا) أي عذابنا. # (عن القوم المجرمين) أي الكافرين المشركين. # قوله تعالى: لقد كان في قصصهم عبرة لأولى الألبب ما كان حديثا يفترى ولكن ~~تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شئ وهدى ورحمة لقوم يؤمنون (111) قوله ~~تعالى: (لقد كان في قصصهم) أي في قصة يوسف وأبيه وإخوته، أو في قصص الأمم. ~~(عبرة) أي فكرة وتذكرة وعظة. (لأولي الألباب) أي العقول. وقال محمد بن ~~إسحاق عن الزهري عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي: إن يعقوب عاش مائة ~~سنة وسبعا وأربعين سنة، وتوفي أخوه عيصو معه في يوم واحد، وقبرا في قبر ~~واحد، فذلك قوله: # " لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب " إلى آخر السورة. (ما كان حديثا ~~يفترى) أي ما كان القرآن حديثا يفترى، أو ما كانت هذه القصة حديثا يفترى. ~~(ولكن تصديق الذي بين يديه) أي [ولكن كان (4) تصديق، ويجوز الرفع بمعنى لكن ~~هو تصديق الذي بين يديه أي] ما كان قبله من التوراة والإنجيل وسائر كتب ~~الله تعالى، وهذا تأويل من زعم أنه القرآن. (وتفصيل كل شئ) مما يحتاج ~~العباد إليه من الحلال والحرام، والشرائع والأحكام. (وهدى ورحمة لقوم ~~يؤمنون). # PageV09P277 # بسم الله الرحمن الرحيم سورة الرعد مكية في قول الحسن وعكرمة وعطاء ~~وجابر، ومدنية في قول الكلبي ومقاتل. وقال ابن عباس وقتادة: مدنية إلا ~~آيتين منها نزلتا بمكة، وهما قوله عز وجل: " ولو أن قرآنا سيرت به الجبال " ~~[الرعد: 31] [إلى آخرهما] (1). قوله تعالى: المر تلك آيات الكتب والذي أنزل ~~إليك من ربك الحق ولكن أكثر الناس لا يؤمنون (1) قوله تعالى: (المر تلك ~~آيات الكتاب) تقدم القول فيها. (والذي أنزل إليك) يعنى وهذا القرآن الذي ~~أنزل إليك. (من ربك الحق) لا كما يقول المشركون: إنك تأتي به من تلقاء ~~نفسك، فاعتصم به، وأعمل بما فيه. ms3376 قال مقاتل: نزلت حين قال المشركون: إن ~~محمدا أتى بالقرآن من تلقاء نفسه. " والذي " في موضع رفع عطفا على " آيات " ~~أو على الابتداء، و " الحق " خبره، ويجوز أن يكون موضعه جرا على تقدير: ~~وآيات الذي أنزل إليك، وارتفاع " الحق " على هذا على إضمار مبتدأ، تقديره: ~~ذلك الحق، كقوله تعالى: " وهم يعلمون. # الحق " (2) [البقرة: 146 - 147] يعني ذلك الحق. قال الفراء: وإن شئت جعلت ~~" الذي " خفضا نعتا للكتاب، وإن كانت فيه الواو كما يقال: أتانا هذا الكتاب ~~عن أبي حفص والفاروق، ومنه قول الشاعر: # إلى الملك القرم وابن الهمام * وليث الكتيبة في المزدحم (3) يريد: إلى ~~الملك القرم بن الهمام، ليث الكتيبة. (ولكن أكثر الناس لا يؤمنون). # PageV09P278 # قوله تعالى: الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش ~~وسخر الشمس والقمر كل يجرى لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ~~ربكم توقنون (2) قوله تعالى: (الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها) ~~الآية. لما بين تعالى أن القرآن حق، بين أن من أنزله قادر على الكمال، ~~فانظروا في مصنوعاته لتعرفوا كمال قدرته، وقد تقدم هذا المعنى. وفي قوله: " ~~بغير عمد ترونها " قولان: أحدهما - أنها مرفوعة بغير عمد ترونها، قاله ~~قتادة وإياس بن معاوية وغيرهما. الثاني - لها عمد، ولكنا لا نراه، قال ابن ~~عباس: لها عمد على جبل قاف، ويمكن أن يقال على هذا القول: العمد قدرته التي ~~يمسك بها السماوات والأرض، وهي غير مرئية لنا، ذكره الزجاج. وقال ابن عباس ~~أيضا: هي توحيد المؤمن. أعمدت السماء حين كادت تنفطر من كفر الكافر، ذكره ~~الغزنوي. والعمد جمع عمود، قال النابغة: وخيس الجن إني قد أذنت لهم * يبنون ~~تدمر بالصفاح والعمد (1) (ثم استوى على العرش) تقدم الكلام فيه (2). (وسخر ~~الشمس والقمر) أي ذللهما لمنافع خلقه ومصالح عباده، وكل مخلوق مذلل للخالق. ~~(كل يجرى لأجل مسمى) أي إلى وقت معلوم، وهو فناء الدنيا، وقيام الساعة التي ~~عندها تكور الشمس، ويخسف القمر، وتنكدر النجوم، وتنتثر الكواكب. وقال ابن ~~عباس: أراد بالأجل المسمى درجاتهما ومنازلها التي ms3377 ينتهيان إليها لا يجاوز ~~انها. وقيل: معنى الأجل المسمى أن القمر يقطع فلكه في شهر، والشمس في سنة. # (يدبر الأمر) أي يصرفه على ما يريد. (يفصل الآيات) أي يبينها أي من قدر ~~على هذه الأشياء يقدر على الإعادة، ولهذا قال: (لعلكم بلقاء ربكم توقنون). # PageV09P279 # قوله تعالى: وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا ومن كل الثمرات ~~جعل فيها زوجين اثنين يغشى الليل النهار إن في ذلك لأيت لقوم يتفكرون (3) ~~قوله تعالى: (وهو الذي مد الأرض) لما بين آيات السماوات بين آيات الأرض، أي ~~بسط الأرض طولا وعرضا. (وجعل فيها رواسي) أي جبالا ثوابت، واحدها راسية، ~~لأن الأرض ترسو بها، أي تثبت، والإرساء الثبوت، قال عنترة: # فصبرت عارفة لذلك حرة * ترسوا إذا نفس الجبان تطلع (1) وقال جميل: # أحبها والذي أرسى قواعده * حبا إذا ظهرت آياته بطنا وقال ابن عباس وعطاء: ~~أول جبل وضع على الأرض أبو قبيس (2). مسألة: في هذه الآية رد على من زعم أن ~~الأرض كالكرة، ورد على من زعم أن الأرض تهوي أبوابها عليها، وزعم ابن ~~الراوندي أن تحت الأرض جسما صعادا كالريح الصعادة، وهي منحدرة فاعتدل ~~الهاوي والصعادي في الجرم والقوة فتوافقا. وزعم آخرون أن الأرض مركب من ~~جسمين، أحدهما منحدر، والآخر مصعد، فاعتدلا، فلذلك وقفت. والذي عليه ~~المسلمون وأهل الكتاب القول بوقوف الأرض وسكونها ومدها، وأن حركتها إنما ~~تكون في العادة بزلزلة تصيبها. وقوله تعالى: (وأنهارا) أي مياها جارية في ~~الأرض، فيها منافع الخلق. (ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين) بمعنى ~~صنفين. قال أبو عبيدة: # الزوج واحد، ويكون اثنين. الفراء: يعني بالزوجين هاهنا الذكر والأنثى، ~~وهذا خلاف # PageV09P280 # النص. وقيل: معنى " زوجين " نوعان، كالحلو والحامض، والرطب واليابس، ~~والأبيض والأسود، والصغير والكبير. (إن في ذلك لآيات) أي دلالات وعلامات ~~(لقوم يتفكرون) قوله تعالى: وفى الأرض قطع متجاورات وجنت من أعناب وزروع ~~ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ~~ذلك لأيت لقوم يعقلون (4) فيه خمس مسائل: # الأولى - قوله تعالى: ms3378 (وفى الأرض قطع متجاورات) في الكلام حذف، المعنى: # وفي الأرض قطع متجاورات وغير متجاورات، كما قال: " سرابيل تقيكم الحر " ~~(1) والمعنى: # وتقيكم البرد، ثم حذف لعلم السامع. والمتجاورات المدن وما كان عامرا، ~~وغير متجاورات الصحارى وما كان غير عامر. # الثانية - قوله تعالى: " متجاورات " أي قرى متدانيات، ترابها واحد، ~~وماؤها واحد، وفيها زروع وجنات، ثم تتفاوت في الثمار والتمر، فيكون البعض ~~حلوا، والبعض حامضا، والغصن الواحد من الشجرة قد يختلف الثمر فيه من الصغر ~~والكبر واللون والمطعم، وإن انبسط الشمس والقمر على الجميع على نسق واحد، ~~وفي هذا أدل دليل على وحدانيته وعظم صمديته، والإرشاد لمن ضل عن معرفته، ~~فإنه نبه سبحانه بقوله: " تسقى بماء واحد " على أن ذلك كله ليس إلا بمشيئته ~~وإرادته، وأنه مقدور بقدرته، وهذا أدل دليل على بطلان القول بالطبع، إذ لو ~~كان ذلك بالماء والتراب والفاعل له الطبيعة لما وقع الاختلاف. # وقيل: وجه الاحتجاج أنه أثبت التفاوت بين البقاع، فمن تربة عذبة، ومن ~~تربة سبخة مع تجاورهما، وهذا أيضا من دلالات كمال قدرته، جل وعز تعالى عما ~~يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا. # PageV09P281 # الثالثة - ذهبت الكفرة - لعنهم الله - إلى أن كل حادث يحدث بنفسه لا من ~~صانع، وادعوا ذلك في الثمار الخارجة من الأشجار، وقد أقروا بحدوثها، ~~وأنكروا محدثها، وأنكروا الأعراض. وقالت فرقة: بحدوث الثمار لامن صانع، ~~وأثبتوا للأعراض فاعلا، والدليل على أن الحادث لا بد له من محدث أنه يحدث ~~في وقت، ويحدث ما هو من جنسه في وقت أخر، فلو كان حدوثه في وقته لاختصاصه ~~به لوجب أن يحدث في وقته كل ما هو من جنسه، وإذا بطل اختصاصه بوقته صح أن ~~اختصاصه به لأجل مخصص خصصه به، ولولا تخصيصه إياه به لم يكن حدوثه في وقته ~~أولى من حدوثه قبل ذلك أو بعده، واستيفاء هذا في علم الكلام. # الرابعة - قوله تعالى: (وجنات من أعناب) قرأ الحسن " وجنات " بكسر التاء، ~~على التقدير: وجعل فيها جنات، فهو محمول على قوله: " وجعل فيها رواسي ". ~~ويجوز أن تكون مجرورة ms3379 على الحمل على " كل " التقدير: ومن كل الثمرات، ومن ~~جنات. الباقون: # " جنات " بالرفع على تقدير: وبينهما جنات. (وزروع ونخيل صنوان وغير ~~صنوان) بالرفع. # ابن كثير وأبو عمرو وحفص عطفا على الجنات، أي على تقدير: وفي الأرض زرع ~~ونخيل. # وخفضها الباقون نسقا على الأعناب، فيكون الزرع والنخيل من الجنات، ويجوز ~~أن يكون معطوفا على " كل " حسب ما تقدم في " وجنات ". وقرأ مجاهد والسلمي ~~وغيرهما " صنوان " بضم الصاد، الباقون بالكسر، وهما لغتان، وهما جمع صنو، ~~وهي النخلات والنخلتان، يجمعهن أصل واحد، وتتشعب منه رؤوس فتصير نخيلا، ~~نظيرها قنوان، واحدها قنو. وروى أبو إسحاق عن البراء قال: الصنوان المجتمع، ~~وغير الصنوان المتفرق، النحاس: وكذلك هو في اللغة، يقال للنخلة إذا كانت ~~فيها نخلة أخرى أو أكثر صنوان. والصنو المثل، ومنه قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: " عم الرجل صنو أبيه ". ولا فرق فيها بين التثنية والجمع، ولا ~~بالإعراب، فتعرب نون الجمع، وتكسر نون التثنية، قال الشاعر: # العلم والحلم خلتا كرم * للمرء زين إذا هما اجتمعا صنوان لا يستتم حسنهما ~~* إلا بجمع ذا وذاك معا PageV09P282 # الخامسة - قوله تعالى: (يسقى بماء واحد) كصالح بني آدم وخبيثهم، أبوهم ~~واحد، قاله النحاس والبخاري. وقرأ عاصم وابن عامر: " يسقى " بالياء، أي ~~يسقى ذلك كله. # وقرأ الباقون بالتاء، لقوله: " جنات " واختاره أبو حاتم وأبو عبيدة، قال ~~أبو عمرو: # والتأنيث أحسن، لقوله: (ونفضل بعضها على بعض في الأكل) ولم يقل بعضه. ~~وقرأ حمزة والكسائي وغيرهما " ويفضل " بالياء ردا على قوله: " يدبر الأمر " ~~[الرعد: 2] و " يفصل " [الرعد: 2] و " يغشي " [الرعد: 3] الباقون بالنون ~~على معنى: ونحن نفضل. وروى جابر بن عبد الله قال: سمعت النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقول لعلي رضي الله عنه: " الناس من شجر شتى وأنا وأنت من شجرة واحدة ~~" ثم قرأ النبي صلى الله عليه وسلم " وفي الأرض قطع متجاورات " حتى بلغ ~~قوله: # " يسقى بماء واحد " و " الأكل " الثمر. قال ابن عباس: يعني الحلو والحامض ~~والفارسي (1) والدقل (2). وروي مرفوعا من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى ~~الله ms3380 عليه وسلم قال في قول تعالى: " ونفضل بعضها على بعض في الأكل " قال: " ~~الفارسي والدقل والحلو والحامض " ذكره الثعلبي. قال الحسن: المراد بهذه ~~الآية المثل، ضربه الله تعالى لبني آدم، أصلهم واحد، وهم مختلفون في الخير ~~والشر. والإيمان والكفر، كاختلاف الثمار التي تسقى بماء واحد، ومنه قول ~~الشاعر: # الناس كالنبت والنبت ألوان * منها شجر الصندل والكافور والبان * ومنها ~~شجر ينضج طول الدهر قطران (إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون) أي لعلامات لمن ~~كان له قلب يفهم عن الله تعالى. # قوله تعالى: وإن تعجب فعجب قولهم أإذا كنا تربا أإنا لفي خلق جديد أولئك ~~الذين كفروا بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم وأولئك أصحب النار هم فيها ~~خالدون (5) # PageV09P283 # قوله تعالى: (وإن تعجب فعجب قولهم) أي إن تعجب يا محمد من تكذيبهم لك بعد ~~ما كنت عندهم الصادق الأمين فأعجب منه تكذيبهم بالبعث، والله تعالى لا ~~يتعجب، ولا يجوز عليه التعجب، لأنه تغير النفس بما تخفى أسبابه (1)، وإنما ~~ذكر ذلك ليتعجب منه نبيه والمؤمنون. # وقيل المعنى: أي إن عجبت يا محمد من إنكارهم الإعادة مع إقرارهم بأني ~~خالق السماوات والأرض والثمار المختلفة من الأرض الواحدة فقولهم عجب يعجب ~~منه الخلق، لأن الإعادة في معنى الابتداء. وقيل: الآية في منكري الصانع، أي ~~إن تعجب من إنكارهم الصانع مع الأدلة الواضحة بأن المتغير لا بد له من مغير ~~فهو محل التعجب، ونظم الآية يدل على الأول والثاني، لقوله: (أئذا كنا ~~ترابا) أي أنبعث إذا كنا ترابا؟!. (أئنا لفي خلق جديد) وقرئ " إنا ". و ~~(الأغلال) جمع غل، وهو طوق تشد به اليد إلى العنق، أي يغلون يوم القيامة، ~~بدليل قوله: " إذ الأغلال في أعناقهم " (2) [غافر: 71] إلى قوله: " ثم في ~~النار يسجرون " [غافر: 72]. وقيل: # الأغلال أعمالهم السيئة التي هي لازمة لهم. # قوله تعالى: ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات وإن ~~ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب (6) ويقول الذين كفروا ~~لولا أنزل عليه آية من ربه إنما أنت منذر ولكل قوم ms3381 هاد (7) قوله تعالى: ~~(ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة) أي لفرط إنكارهم وتكذيبهم يطلبون العذاب، ~~قيل هو قولهم: " اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من ~~السماء " (3) [الأنفال: 32]. قال قتادة: طلبوا العقوبة قبل العافية، وقد ~~حكم سبحانه بتأخير العقوبة عن هذه الأمة إلى يوم القيامة. وقيل: " قبل ~~الحسنة " أي قبل الإيمان الذي يرجى به الأمان والحسنات. (والمثلات) ~~العقوبات، الواحدة مثلة. ورى عن الأعمش أنه قرأ " المثلات " بضم الميم ~~وإسكان الثاء، وهذا جمع مثلة، ويجوز # PageV09P284 # " المثلات " تبدل من الضمة فتحة لثقلها، وقيل: يؤتى بالفتحة عوضا من ~~الهاء. # وروي عن الأعمش أنه قرأ " المثلات " بفتح الميم وإسكان الثاء، فهذا جمع ~~مثلة، ثم حذف الضمة لثقلها، ذكره جميعه النحاس رحمه الله. وعلى قراءة ~~الجماعة واحدة مثلة، نحو صدقة [وصدقة] (1)، وتميم تضم الثاء والميم جميعا، ~~واحدها على لغتهم مثلة، بضم الميم وجزم الثاء، مثل: # غرفة وغرفات، والفعل منه مثلت به أمثل مثلا، بفتح الميم وسكون الثاء. ~~(وإن ربك لذو مغفرة) أي لذو تجاوز عن المشركين إذا أمنوا، وعن المذنبين إذا ~~تابوا. وقال ابن عباس: أرجى آية في كتاب الله تعالى " وإن ربك لذو مغفرة ~~للناس على ظلمهم ". # (وإن ربك لشديد العقاب) إذا أصروا على الكفر. وروى حماد بن سلمة عن علي ~~بن زيد عن سعيد بن المسيب قال: لما نزلت: " وإن ربك لذو مغفرة للناس على ~~ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لولا ~~عفو الله ورحمته وتجاوزه لما هنأ أحد عيش ولولا عقابه ووعيده وعذابه لاتكل ~~كل أحد ". # قوله تعالى: (ويقول الذين كفروا لولا) أي هلا (أنزل عليه آية من ربه). # لما اقترحوا الآيات وطلبوها قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: ~~(إنما أنت منذر) أي معلم. (ولكل قوم هاد) أي نبي يدعوهم إلى الله. وقيل: ~~الهادي الله، أي عليك الإنذار، والله هادي كل قوم إن أراد هدايتهم. # قوله تعالى: الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل ~~شئ عنده بمقدار ms3382 (8) علم الغيب والشهدة الكبير المتعال (9) فيه ثمان مسائل: ~~الأولى - قوله تعالى: (الله يعلم ما تحمل كل أنثى) أي من ذكر وأنثى، صبيح ~~وقبيح، صالح وطالح، وقد تقدم في سورة " الأنعام " (2) أن الله سبحانه منفرد ~~بعلم الغيب وحده # PageV09P285 # لا شريك له، وذكرنا هناك حديث البخاري عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: " مفاتيح الغيب خمس " الحديث. وفيه " لا يعلم ما تغيض ~~الأرحام إلا الله ". # واختلف العلماء في تأويل قول: (وما تغيض الأرحام وما تزداد) فقال قتادة: ~~المعنى ما تسقط قبل التسعة الأشهر، وما تزداد فوق التسعة، وكذلك قال ابن ~~عباس. وقال مجاهد: # إذا حاضت المرأة في حملها كان ذلك نقصانا في ولدها، فإن زادت على التسعة ~~كان تماما لما نقص، وعنه: الغيض ما تنقصه الأرحام من الدم، والزيادة ما ~~تزداد منه. وقيل: # الغيض والزياد. يرجعان إلى الولد، كنقصان إصبع أو غيرها، وزيادة إصبع أو ~~غيرها. # وقيل: الغيض انقطاع دم الحيض. " وما تزداد " بدم النفاس بعد الوضع. # الثانية - في هذه الآية دليل على أن الحامل تحيض، وهو مذهب مالك والشافعي ~~في أحد قوليه. وقال عطاء والشعبي وغيرهما: لا تحيض، وبه قال أبو حنيفة، ~~ودليله الآية. # قال ابن عباس في تأويلها: إنه حيض الحبالى، وكذلك روي عن عكرمة ومجاهد، ~~وهو قول عائشة، وأنها كانت تفتي النساء الحوامل إذا حضن أن يتركن الصلاة، ~~والصحابة إذ ذاك متوافرون، ولم ينكر منهم أحد عليها، فصار كالإجماع، قاله ~~(1) ابن القصار. وذكر أن رجلين تنازعا ولدا، فترافعا إلى عمر رضي الله عنه ~~فعرضه على القافة، فألحقه القافة بهما، فعلاه عمر بالدرة، وسأل نسوة من ~~قريش فقال: انظرن ما شأن هذا الولد؟ فقلن: إن الأول خلا بها وخلاها، فحاضت ~~على الحمل، فظنت أن عدتها انقضت، فدخل بها الثاني، فانتعش الولد بماء ~~الثاني، فقال عمر: الله أكبر! وألحقه بالأول، ولم يقل إن الحامل لا تحيض، ~~ولا قال ذلك أحد من الصحابة، فدل أنه إجماع، والله أعلم. احتج المخالف بأن ~~قال لو كان الحامل تحيض، وكان ما ms3383 تراه المرأة من الدم حيضا لما صح استبراء ~~الأمة بحيض، وهو إجماع. # وروي عن مالك في كتاب محمد ما يقتضي أنه ليس بحيض. # الثالثة - في هذه الآية دليل على أن الحامل قد تضع حملها لأقل من تسعة ~~أشهر وأكثر، وأجمع العلماء على أن أقل الحمل ستة أشهر، وأن عبد الملك بن ~~مروان ولد لستة أشهر. # PageV09P286 # الرابعة - وهذه الستة الأشهر هي بالأهلة كسائر أشهر الشريعة، ولذلك قد ~~روي في المذهب عن بعض أصحاب مالك، وأظنه في كتاب ابن حارث أنه إن نقص عن ~~الأشهر الستة ثلاثة أيام فإن الولد يلحق لعلة نقص الأشهر وزيادتها، حكاه ~~ابن عطية. # الخامسة - واختلف العلماء في أكثر الحمل، فروى ابن جريج عن جميلة بنت سعد ~~عن عائشة قالت: يكون الحمل أكثر من سنتين قدر ما يتحول ظل المغزل، ذكره ~~الدارقطني. وقالت جميلة بنت سعد - أخت عبيد بن سعد، وعن الليث بن سعد -: إن ~~أكثره ثلاث سنين. وعن الشافعي أربع سنين، وروي عن مالك في إحدى روايتيه، ~~والمشهور عنه خمس سنين، وروي عنه لا حد له، ولو زاد على العشرة الأعوام، ~~وهي الرواية الثالثة عنه. # وعن الزهري ست وسبع. قال أبو عمر: ومن الصحابة من يجعله إلى سبع، ~~والشافعي: مدة الغاية منها أربع سنين. والكوفيون يقولون: سنتان لا غير. ~~ومحمد بن عبد الحكم يقول: # سنة لا أكثر. وداود يقول: تسعة أشهر، لا يكون عنده حمل أكثر منها. قال ~~أبو عمر: # وهذه مسألة لا أصل لها إلا الاجتهاد، والرد إلى ما عرف من أمر النساء ~~وبالله التوفيق. # روى الدارقطني عن الوليد بن مسلم قال: قلت لمالك ابن أنس إني حدثت عن ~~عائشة أنها قالت: لا تزيد المرأة في حملها على سنتين قدر ظل المغزل، فقال: ~~سبحان الله! من يقول هذا؟! هذه جارتنا امرأة محمد بن عجلان، تحمل وتضع في ~~أربع سنين، امرأة صدق، وزوجها رجل صدق، حملت ثلاثة أبطن في اثنتي عشرة سنة، ~~تحمل كل بطن أربع سنين. وذكره عن (1) المبارك ابن مجاهد قال: مشهور عندنا ~~كانت امرأة ms3384 محمد ابن عجلان تحمل وتضع في أربع سنين، وكانت تسمى حاملة ~~الفيل. وروى أيضا قال: بينما مالك بن دينار يوما جالس إذ جاءه رجل فقال: يا ~~أبا يحيى! ادع لامرأة حبلى منذ أربع سنين قد أصبحت في كرب شديد، فغضب مالك ~~وأطبق المصحف ثم قال: ما يرى هؤلاء القوم إلا أنا أنبياء! ثم قرأ، ثم دعا، ~~ثم قال: اللهم هذه المرأة إن كان في بطنها ريح فأخرجه عنها الساعة، وإن كان ~~في بطنها جارية فأبدلها [بها] (1) غلاما، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك # PageV09P287 # أم الكتاب، ورفع مالك يده، ورفع الناس أيديهم، وجاء الرسول إلى الرجل ~~فقال: أدرك امرأتك، فذهب الرجل، فما حط مالك يده حتى طلع الرجل من باب ~~المسجد على رقبته غلام جعد قطط (1)، ابن أربع سنين، قد استوت أسنانه، ما ~~قطعت سراره، وروي أيضا أن رجلا جاء إلى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير ~~المؤمنين! إني غبت عن امرأتي سنتين فجئت وهي حبلى، فشاور عمر الناس في ~~رجمها، فقال معاذ بن جبل: يا أمير المؤمنين! إن كان لك عليها سبيل فليس لك ~~على ما في بطنها سبيل، فاتركها حتى تضع، فتركها، فوضعت غلاما قد خرجت ~~ثنيتاه، فعرف الرجل الشبه فقال: ابني ورب الكعبة!، فقال عمر: عجزت النساء ~~أن يلدن مثل معاذ، لولا معاذ لهلك عمر. وقال الضحاك: وضعتني أمي وقد حملت ~~بي في بطنها سنتين، فولدتني وقد خرجت سني. ويذكر عن مالك أنه حمل به في بطن ~~أمه سنتين، وقيل: ثلاث سنين. ويقال: إن محمد بن عجلان مكث في بطن أمه ثلاث ~~سنين، فماتت به وهو يضطرب اضطرابا شديدا، فشق بطنها وأخرج وقد نبتت أسنانه. ~~وقال حماد بن سلمة: إنما سمي هرم بن حيان هرما لأنه بقي في بطن أمه أربع ~~سنين. وذكر الغزنوي أن الضحاك ولد لسنتين، وقد طلعت سنه فسمي ضحاكا. عباد ~~بن العوام: ولدت جارة لنا لأربع سنين غلاما شعره إلى منكبيه، فمر به طير ~~فقال: كش. # السادسة - قال ابن خويز منداد: أقل الحيض والنفاس ms3385 وأكثره وأقل الحمل ~~وأكثره مأخوذ من طريق الاجتهاد، لأن علم ذلك استأثر الله به، فلا يجوز أن ~~يحكم في شئ منه إلا بقدر ما أظهره لنا، ووجد ظاهرا في النساء نادرا أو ~~معتادا، ولما وجدنا امرأة قد حملت أربع سنين وخمس سنين حكمنا بذلك، والنفاس ~~والحيض لما لم نجد فيه أمرا مستقرا رجعنا فيه إلى ما يوجد في النادر منهن ~~(3). # السابعة - قال ابن العربي: نقل بعض المتساهلين من المالكيين أن أكثر ~~الحمل تسعة أشهر، وهذا ما لم ينطق به قط إلا هالكي، وهم الطبائعيون الذين ~~يزعمون أن مدبر الحمل # PageV09P288 # في الرحم الكواكب السبعة، تأخذه شهرا شهرا، ويكون الشهر الرابع منها ~~للشمس، ولذلك يتحرك ويضطرب، وإذا تكامل التداول في السبعة الأشهر بين ~~الكواكب السبعة عاد في الشهر الثامن إلى زحل، فيبقله ببرده، فيا ليتني ~~تمكنت من مناظرتهم أو مقاتلتهم! ما بال المرجع بعد تمام الدور يكون إلى زحل ~~دون غيره؟ الله أخبركم بهذا أم على الله تفترون؟! وإذا جاز أن يعود إلى ~~اثنين منها لم لا يجوز أن يعود التدبير إلى ثلاث أو أربع، أو يعود إلى ~~جميعها مرتين أو ثلاثا؟! ما هذا التحكم بالظنون الباطلة على الأمور ~~الباطنة!. # الثامنة - قوله تعالى: (وكل شئ عنده بمقدار) يعني من النقصان والزيادة. # ويقال: " بمقدار " قدر خروج الولد من بطن أمه، وقد مكثه في بطنها إلى ~~خروجه. وقال قتادة: في الرزق والأجل. والمقدار القدر، وعموم الآية يتناول ~~كل ذلك، والله سبحانه أعلم. # قلت: هذه الآية تمدح الله سبحانه وتعالى بها بأنه (عالم الغيب والشهادة) ~~أي هو عالم بما غاب عن الخلق، وبما شهدوه. فالغيب مصدر بمعنى الغائب. ~~والشهادة مصدر بمعنى الشاهد، فنبه سبحانه على انفراده بعلم الغيب، والإحاطة ~~بالباطن الذي يخفى على الخلق، فلا يجوز أن يشاركه في ذلك أحد، فأما أهل ~~الطب الذين يستدلون بالأمارات والعلامات فإن قطعوا بذلك فهو كفر، وإن قالوا ~~إنها تجربة تركوا وما هم عليه، ولم يقدح ذلك في الممدوح، فإن العادة يجوز ~~انكسارها، والعلم لا يجوز تبدله. و ms3386 (الكبير) الذي كل شئ دونه. # (المتعال) عما يقول المشركون، المستعلي على كل شئ بقدرته وقهره، وقد ~~ذكرناهما في شرح الأسماء مستوفى، والحمد لله. # قوله تعالى: سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف باليل وسارب ~~بالنهار (10) قوله تعالى: (سواء منكم من أسر القول ومن جهر به) إسرار ~~القول: ما حدث به المرء نفسه، والجهر ما حدث به غيره، والمراد بذلك أن الله ~~سبحانه يعلم ما أسره الإنسان من PageV09P289 # خير وشر، كما يعلم ما جهر به من خير وشر. و " منكم " يحتمل أن يكون وصفا ~~ل " سواء " التقدير: سر من أسر وجهر من جهر سواء منكم، ويجوز أن يتعلق " ~~بسواء " على معنى: # يستوي منكم، كقولك: مررت بزيد. ويجوز أن يكون على تقدير: سر من أسر منكم ~~وجهر من جهر منكم. ويجوز أن يكون التقدير: ذو سواء منكم من أسر القول ومن ~~جهر به، كما تقول: عدل زيد وعمرو أي ذوا عدل. وقيل: " سواء " أي مستو، فلا ~~يحتاج إلى تقدير حذف مضاف. (ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار) أي يستوي ~~في علم الله السر والجهر، والظاهر في الطرقات، والمستخفي في الظلمات. وقال ~~الأخفش وقطرب: # المستخفي بالليل الظاهر، ومنه خفيت الشئ وأخفيته أي أظهرته، وأخفيت الشئ ~~أي استخرجته، ومنه قيل للنباش: المختفي. وقال امرؤ القيس: # خفاهن من أنفاقهن كأنما * خفاهن ودق من عشي مجلب والسارب المتواري، أي ~~الداخل سربا، ومنه قولهم: انسرب الوحشي إذا دخل في كناسه. # وقال ابن عباس: " مستخف " مستتر، " وسارب " ظاهر. مجاهد: " مستخف " ~~بالمعاصي، " وسارب " ظاهر. وقيل: معنى " سارب " ذاهب، [قال] (2) الكسائي: # سرب يسرب سربا وسروبا إذا ذهب، وقال الشاعر (3): # وكل أناس قاربوا قيد فحلهم * ونحن خلعنا قيدة فهو سارب أي ذاهب. وقال أبو ~~رجاء: السارب الذاهب على وجهه في الأرض، قال الشاعر (4): # أني سربت وكنت غير سروب وقال القتبي: " سارب بالنهار " أي منصرف في ~~حوائجه بسرعة، من قولهم: أنسرب الماء. وقال الأصمعي: خل سربه أي طريقه. # PageV09P290 # قوله تعالى: له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه ms3387 من أمر الله إن الله ~~لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد ~~له وما لهم من دونه من وال (11) قوله تعالى: (له معقبات) أي لله ملائكة ~~يتعاقبون بالليل والنهار، فإذا صعدت ملائكة الليل أعقبتها ملائكة النهار. ~~وقال: " معقبات " والملائكة ذكران لأنه جمع معقبة، يقال: ملك معقب، وملائكة ~~معقبة، ثم معقبات جمع الجمع. وقرأ بعضهم - " له معاقيب من بين يديه ومن ~~خلفه ". ومعاقيب جمع معقب (1)، وقيل للملائكة معقبة على لفظ الملائكة. # وقيل: أنث لكثرة ذلك منهم، نحو نسابة وعلامة وراوية، قال الجوهري وغيره. ~~والتعقب العود بعد البدء، قال الله تعالى: " ولى مدبرا ولم يعقب " (2) ~~[النمل: 10] أي لم يرجع، وفي الحديث (3): # " معقبات لا يخيب قائلهن - أو - فاعلهن " فذكر التسبيح والتحميد ~~والتكبير. قال أبو الهيثم: سمين " معقبات " لأنهن عادت مرة بعد مرة، فعل من ~~عمل عملا ثم عاد إليه فقد عقب. والمعقبات من الإبل اللواتي يقمن عند أعجاز ~~الإبل المعتركات على الحوض، فإذا انصرفت ناقة دخلت مكانها أخرى. وقوله: (من ~~بين يديه) أي المستخفي بالليل والسارب بالنهار. (يحفظونه من أمر الله) ~~اختلف في [هذا] (4) الحفظ، فقيل: يحتمل أن يكون توكيل الملائكة بهم لحفظهم ~~من الوحوش والهوام والأشياء المضرة، لطفا منه به، فإذا جاء القدر. خلوا ~~بينه وبينه، قاله ابن عباس وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما. قال أبو مجلز: # جاء رجل من مراد (5) إلى علي فقال: احترس فإن ناسا من مراد يريدون قتلك، ~~فقال: إن مع كل # PageV09P291 # رجل ملكين يحفظانه ما لم يقدر، فإذا جاء القدر خليا بينه وبين قدر الله، ~~وإن الأجل حصن حصينة، وعلى هذا، " يحفظونه من أمر الله " أي بأمر الله ~~وبإذنه، ف " من " بمعنى الباء، وحروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض. وقيل: " ~~من " بمعنى عن، أي يحفظونه عن أمر الله، وهذا قريب من الأول، أي حفظهم عن ~~أمر الله لا من عند أنفسهم، وهذا قول الحسن، تقول: كسوته عن عري ومن عري، ~~ومنه قوله عز وجل: " أطعمهم من جوع " (1) [قريش: ms3388 4] أي عن جوع. وقيل: ~~يحفظونه من ملائكة العذاب، حتى لا تحل به عقوبة، لأن الله لا يغير ما بقوم ~~من النعمة والعافية حتى يغيروا ما بأنفسهم بالإصرار على الكفر، فإن أصروا ~~حان الأجل المضروب ونزلت بهم النقمة، وتزول عنهم الحفظة المعقبات. وقيل: # يحفظونه من الجن، قال كعب: لولا أن الله وكل بكم ملائكة يذبون عنكم في ~~مطعمكم ومشربكم وعوراتكم لتخطفتكم الجن. وملائكة العذاب من أمر الله، وخصهم ~~بأن قال: # " من أمر الله " لأنهم غير معاينين، كما قال: " قل الروح من أمر ربي " ~~(2) [الإسراء: 85] أي ليس مما تشاهدونه أنتم. وقال الفراء: في الكلام تقديم ~~وتأخير، تقديره، له معقبات من أمر الله من بين يديه ومن خلفه يحفظونه، وهو ~~مروي عن مجاهد وأبن جريج والنخعي، وعلى أن ملائكة العذاب والجن من امر الله ~~لا تقديم فيه ولا تأخير. وقال ابن جريج: إن المعنى يحفظون عليه عمله، فحذف ~~المضاف. وقال قتادة: يكتبون أقواله وأفعاله. ويجوز إذا كانت المعقبات ~~الملائكة أن تكون الهاء في " له " لله عز وجل، كما ذكرنا، ويجوز أن تكون ~~للمستخفي، فهذا قول. وقيل: " له معقبات من بين يديه ومن خلفه " يعني به ~~النبي صلى الله عليه وسلم، أي أن الملائكة تحفظه من أعدائه، وقد جرى ذكر ~~الرسول في قوله: " لولا أنزل عليه آية من ربه إنما أنت منذر " [الرعد: 7] ~~أي سواء منكم من أسر القول ومن جهر به في أنه لا يضر النبي صلى الله عليه ~~وسلم، بل له معقبات يحفظونه عليه السلام، ويجوز أن يرجع هذا إلى جميع ~~الرسل، لأنه قد قال: " ولكل قوم هاد " [الرعد: 7] أي يحفظون الهادي من بين ~~يديه ومن خلفه. # وقول رابع - أن المراد. بالآية السلاطين والأمراء الذين لهم قوم من بين ~~أيديهم ومن خلفهم # PageV09P292 # يحفظونهم، فإذا جاء أمر الله لم يغنوا عنهم من الله شيئا، قاله ابن عباس ~~وعكرمة، وكذلك قال الضحاك: هو السلطان المتحرس من أمر الله، المشرك. وقد ~~قيل: إن في الكلام على هذا التأويل نفيا محذوفا، تقديره: لا يحفظونه من أمر ms3389 ~~الله تعالى، ذكره الماوردي. قال المهدوي: ومن جعل المعقبات الحرس فالمعنى: ~~يحفظونه من أمر الله على ظنه وزعمه. # وقيل: سواء من أسر القول ومن جهر به فله حراس وأعوان يتعاقبون عليه ~~فيحملونه على المعاصي، ويحفظونه من أن ينجع فيه وعظ، قال القشيري: وهذا لا ~~يمنع الرب من الإمهال إلى أن يحق العذاب، وهو إذا غير هذا العاصي ما بنفسه ~~بطول الإصرار فيصير ذلك سببا للعقوبة، فكأنه الذي يحل العقوبة بنفسه، ~~فقوله: " يحفظونه من أمر الله " أي من امتثال أمر الله. وقال عبد الرحمن بن ~~زيد: المعقبات ما يتعاقب من أمر الله تعالى وقضائه في عباده، قال الماوردي: ~~ومن قال بهذا القول ففي تأويل قوله: " يحفظونه من أمر الله " وجهان: # أحدهما - يحفظونه من الموت ما لم يأت أجل، قاله الضحاك. الثاني - يحفظونه ~~من الجن والهوام المؤذية، ما لم يأت قدر، - قاله أبو أمامة وكعب الأحبار - ~~فإذا جاء المقدور خلوا عنه، والصحيح أن المعقبات الملائكة، وبه قال الحسن ~~ومجاهد وقتادة وابن جريج، وروي عن ابن عباس، واختاره النحاس، واحتج بقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " يتعاقبون (1) فيكم ملائكة بالليل وملائكة ~~بالنهار " الحديث، رواه الأئمة. وروى الأئمة عن عمرو عن ابن عباس قرأ - " ~~معقبات من بين يديه ورقباء من خلفه [من أمر الله] (2) يحفظونه " فهذا قد ~~بين المعنى. وقال كنانة العدوي: دخل عثمان رضي الله عنه على النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال: يا رسول الله! أخبرني عن العبد كم معه من ملك؟ قال: " ملك ~~عن يمينك يكتب الحسنات واخر عن الشمال يكتب السيئات والذي على اليمين أمير ~~على الذي على الشمال فإذا عملت حسنة كتبت عشرا وإذا عملت سيئة قال الذي على ~~الشمال للذي على اليمين أأكتب قال لا لعله يستغفر الله تعالى أو يتوب إليه ~~فإذا قال ثلاثا قال نعم اكتب أراحنا الله تعالى منه # PageV09P293 # فبئس القرين هو ما أقل مراقبته لله عز وجل وأقل استحياءه منا يقول الله ~~تعالى " ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد " (1) [ق: 18] وملكان من ms3390 بين ~~يديك ومن خلفك يقول الله تعالى " له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه ~~من أمر الله " [وملك قابض على ناصيتك فإذا تواضعت لله رفعك وإذا تجبرت على ~~الله قصمك] (2) وملكان على شفتيك وليس يحفظان عليك إلا الصلاة على محمد ~~وآله وملك قائم على فيك لا يدع أن تدخل الحية في فيك وملكان على عينيك ~~فهؤلاء عشرة أملاك على كل آدمي يتداولون ملائكة الليل على ملائكة النهار ~~لأن ملائكة الليل ليسوا بملائكة لنهار فهؤلاء عشرون ملكا على كل آدمي ~~وإبليس مع ابن آدم بالنهار وولده بالليل ". # ذكره الثعلبي. قال الحسن: المعقبات أربعة أملاك يجتمعون عند صلاة الفجر. ~~واختيار الطبري: أن المعقبات المواكب بين أيدي الأمراء وخلفهم، والهاء في " ~~له " لهن، على ما تقدم. وقال العلماء رضوان الله عليهم: إن الله سبحانه جعل ~~أوامره على وجهين: أحدهما - قضى حلوله ووقوعه بصاحبه، فذلك لا يدفعه أحد ~~ولا يغيره. # والآخر - قضى مجيئه ولم يقض حلوله ووقوعه، بل قضى صرفه بالتوبة والدعاء ~~والصدقة والحفظ. # قوله تعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) أخبر الله ~~تعالى في هذه الآية أنه لا يغير ما بقوم حتى يقع منهم تغيير، إما منهم أو ~~من الناظر لهم، أو ممن هو منهم بسبب، كما غير الله بالمنهزمين يوم أحد بسبب ~~تغيير الرماة بأنفسهم، إلى غير هذا من أمثلة الشريعة، فليس معنى الآية أنه ~~ليس ينزل بأحد عقوبة إلا بأن يتقدم منه ذنب، بل قد تنزل المصائب بذنوب ~~الغير، كما قال صلى الله عليه وسلم - وقد سئل أنهلك وفينا الصالحون؟ قال - ~~نعم إذا كثر الخبث " (3). والله أعلم. # قوله تعالى: (وإذا أراد الله بقوم سوءا) أي هلاكا وعذابا، (فلا مرد له) ~~وقيل: # إذا أراد بهم بلاء من أمراض وأسقام فلا مرد لبلائه. وقيل: إذا أراد الله ~~بقوم سوءا أعمى # PageV09P294 # أبصارهم حتى يختاروا ما فيه البلاء ويعملوه، فيمشون إلى هلاكهم بأقدامهم، ~~حتى يبحث أحدهم عن حتفه بكفه، ويسعى بقدمه إلى إراقة دمه. (وما لهم من وال) ~~أي ms3391 ملجأ، وهو معنى قول السدي. وقيل: من ناصر يمنعهم من عذابه، وقال الشاعر: # ما في السماء سوى الرحمن من وال ووال وولي كقادر وقدير. # قوله تعالى: هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا وينشئ السحاب الثقال (12) ~~ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم ~~يجادلون في الله وهو شديد المحال (13) قوله تعالى: (هو الذي يريكم البرق ~~خوفا وطمعا وينشئ السحاب الثقال) أي بالمطر. # " والسحاب " جمع، والواحدة سحابة، وسحب وسحائب في الجمع أيضا. (ويسبح ~~الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق) قد مضى في " البقرة " (1) ~~القول في الرعد والبرق والصواعق فلا معنى للإعادة، والمراد بالآية بيان ~~كمال قدرته، وأن تأخير العقوبة ليس عن عجز، أي يريكم البرق في السماء خوفا ~~للمسافر، فإنه يخاف أذاه لما ينال من المطر والهول والصواعق، قال الله ~~تعالى: " أذى من مطر " (2) [النساء: 102] وطمعا للحاضر أن يكون عقبه مطر ~~وخصب، قال معناه قتادة ومجاهد وغيرهما. وقال الحسن: خوفا من صواعق البرق، ~~وطمعا في غيثه المزيل للقحط. # " وينشئ السحاب الثقال " قال مجاهد: أي بالماء. " ويسبح الرعد بحمده " من ~~قال إن الرعد صوت السحاب فيجوز أن يسبح الرعد بدليل خلق الحياة فيه، ودليل ~~صحة هذا القول قوله: # " والملائكة من خيفته " فلو كان الرعد ملكا لدخل في جملة الملائكة. ومن ~~قال إنه ملك قال: معنى. " من خيفته " من خيفة الله، قاله الطبري وغيره. قال ~~ابن عباس: إن الملائكة # PageV09P295 # خائفون من الله ليس كخوف ابن ادم، لا يعرف واحدهم من على يمينه ومن على ~~يساره، لا يشغلهم عن عبادة الله طعام ولا شراب، وعنه قال: الرعد ملك يسوق ~~السحاب، وإن بخار الماء لفي نقرة إبهامه، وإنه موكل بالسحاب يصرفه حيث ~~يؤمر، وإنه يسبح الله، فإذا سبح الرعد لم يبق ملك في السماء إلا رفع صوته ~~بالتسبيح، فعندها ينزل القطر، وعنه أيضا كان إذا سمع صوت الرعد قال: سبحان ~~الذي سبحت له. وروى مالك عن عامر بن عبد الله عن أبيه أنه كان إذا سمع صوت ~~الرعد قال: ms3392 سبحانه الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته، ثم يقول: إن ~~هذا وعيد لأهل الأرض شديد. وقيل: إنه ملك جالس على كرسي بين السماء والأرض، ~~وعن يمينه سبعون ألف ملك وعن يساره مثل ذلك، فإذا أقبل على يمينه وسبح سبح ~~الجميع من خوف الله، وإذا أقبل على يساره وسبح سبح الجميع من خوف الله. # (ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء) ذكر الماوردي عن ابن عباس وعلي بن أبي ~~طالب ومجاهد: نزلت في يهودي قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أخبرني! من أي ~~شئ ربك، أمن لؤلؤ أم من ياقوت؟ فجاءت صاعقة فأحرقته. وقيل: نزلت في بعض ~~كفار العرب، قال الحسن: كان رجل من طواغيت العرب بعث النبي صلى الله عليه ~~وسلم نفرا يدعونه إلى الله ورسوله والإسلام فقال لهم: أخبروني عن رب محمد ~~ما هو، ومم هو، أمن فضة أم من حديد أم نحاس؟ فاستعظم القوم مقالته، فقال: ~~أجيب محمدا إلى رب لا يعرفه! فبعث النبي صلى الله عليه وسلم إليه مرارا وهو ~~يقول مثل هذا، فبينا النفر ينازعونه ويدعونه إذ ارتفعت سحابة فكانت فوق ~~رؤوسهم، فرعدت وأبرقت ورمت بصاعقة، فأحرقت الكافر وهم جلوس، فرجعوا إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فاستقبلهم بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فقالوا: أحترق صاحبكم، فقالوا: من أين علمتم؟ قالوا: أوحى الله إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم. " ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء ". ذكره ~~الثعلبي عن الحسن، والقشيري بمعناه عن أنس، وسيأتي. وقيل: نزلت الآية في ~~أربد بن ربيعة أخي لبيد بن ربيعة، وفي عامر بن الطفيل، قال ابن عباس: أقبل ~~عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة PageV09P296 # العامريان يريدان النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد جالس في نفر من ~~أصحابه، فدخلا المسجد، فاستشرف الناس لجمال عامر وكان أعور، وكان من أجمل ~~الناس، فقال رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: هذا يا رسول الله عامر ~~بن الطفيل قد أقبل نحوك، فقال: # " دعه فإن يرد الله به خيرا يهده ms3393 " فأقبل حتى قام عليه فقال، يا محمد ~~مالي إن أسلمت؟ فقال: # " لك ما للمسلمين وعليك ما على المسلمين ". قال: أتجعل لي الأمر من بعدك؟ ~~قال: # " ليس ذاك إلي إنما ذلك إلى الله يجعله حيث يشاء ". قال: أفتجعلني على ~~الوبر وأنت على المدر؟ قال: " لا ". قال: فما تجعل لي؟ قال: " أجعل لك أعنة ~~الخيل تغزو عليها في سبيل الله ". قال: أو ليس لي أعنة الخيل اليوم؟ قم معي ~~أكلمك، فقام معه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان عامر أومأ إلى أربد: ~~إذا رأيتني أكلمه فدر من خلفه واضربه بالسيف، فجعل يخاصم النبي صلى الله ~~عليه وسلم ويراجعه، فاخترط أربد من سيفه شبرا ثم حبسه الله، فلم يقدر على ~~سله، ويبست يده على سيفه، وأرسل الله عليه صاعقة في يوم صائف صاح فأحرقته، ~~وولى عامر هاربا وقال: يا محمد! دعوت ربك على أربد حتى قتلته، والله ~~لأملأنها عليك خيلا جردا، وفتيانا مردا، فقال عليه السلام: " يمنعك الله من ~~ذلك وأبناء قيلة " يعني الأوس والخزرج، فنزل عامر بيت امرأة سلولية، وأصبح ~~وهو يقول: # والله لئن أصحر (1) لي محمد وصاحبه - يريد ملك الموت - لأنفذتهما برمحي، ~~فأرسل الله ملكا فلطمه بجناحه فأذراه (2) في التراب، وخرجت على ركبته غدة ~~عظيمة في الوقت، فعاد إلى بيت السلولية وهو يقول: غدة كغدة البعير، وموت في ~~بيت سلولية، ثم ركب على فرسه فمات على ظهره. ورثى لبيد بن ربيعة أخاه أربد ~~فقال: # يا عين هلا بكيت أربد إذ قمنا * وقام الخصوم في كبد (3) أخشى على أربد ~~الحتوف ولا * أرهب نوء السماك والأسد فجعني الرعد والصواعق بالفارس * يوم ~~الكريهة النجد (4) # PageV09P297 # وفيه قال: # إن الرزية لا رزية مثلها * فقدان كل أخ كضوء الكوكب يا أربد الخير الكريم ~~جدوده * أفردتني أمشي بقرن أعضب (1) وأسلم لبيد بعد ذلك رضي الله عنه. # مسألة - روى أبان عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا ~~تأخذ الصاعقة ذاكرا لله عز وجل ". وقال أبو هريرة رضي الله عنه: كان النبي ~~صلى الله عليه ms3394 وسلم إذا سمع صوت الرعد يقول: " سبحان من يسبح الرعد بحمده ~~والملائكة من خيفته وهو على كل شئ قدير فإن أصابته صاعقة فعلي ديته (2) ". ~~وذكر الخطيب من حديث سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن جده ~~قال: كنا مع عمر في سفر فأصابنا رعد وبرد، فقال لنا كعب: من قال حين يسمع ~~الرعد: سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ثلاثا عوفي مما يكون ~~في ذلك الرعد، ففعلنا فعوفينا، ثم لقيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه فإذا ~~بردة (3) قد أصابت أنفه فأثرت به، فقلت: يا أمير المؤمنين ما هذا؟ قال بردة ~~أصابت أنفي فأثرت، فقلت: إن كعبا حين سمع الرعد قال لنا: من قال حين يسمع ~~الرعد سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ثلاثا عوفي مما يكون ~~في ذلك الرعد، فقلنا فعوفينا، فقال عمر: أفلا قلتم لنا حتى نقولها؟ وقد ~~تقدم هذا المعنى في " البقرة " (4). # قوله تعالى: (وهم يجادلون في الله) يعني جدال اليهودي حين سأل عن الله ~~تعالى: # من أي شئ هو؟ قال مجاهد. وقال ابن جريج: جدال أربد فيما هم به من قتل ~~النبي صلى الله عليه وسلم. ويجوز أن يكون، " وهم يجادلون في الله " حالا، ~~ويجوز أن يكون منقطعا. وروى أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى ~~عظيم من المشركين يدعوه إلى الله عز وجل، فقال لرسول الله: أخبرني عن إلهك ~~هذا؟ أهو من فضة أم من ذهب أم من نحاس؟ # PageV09P298 # فاستعظم ذلك، فرجع إليه فأعلمه، فقال: " ارجع إليه فادعه " فرجع إليه وقد ~~أصابته صاعقة، وعاد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد نزل: " وهم ~~يجادلون في الله ". (وهو شديد المحال) قال ابن الأعرابي: " المحال " المكر، ~~والمكر من الله عز وجل التدبير بالحق. النحاس: المكر من الله إيصال المكروه ~~إلى من يستحقه من حيث لا يشعر. وروى ابن اليزيدي عن أبي زيد " وهو شديد ~~المحال " أي النقمة. وقال الأزهري: " المحال " أي القوة والشدة. والمحل: # الشدة، ms3395 الميم أصلية، وما حلت فلانا محالا أي قاويته حتى يتبين أينا أشد. ~~وقال أبو عبيد: # " المحال " العقوبة والمكروه. وقال ابن عرفة: " المحال " الجدال، يقال: ~~ما حل عن أمره أي جادل. وقال القتيبي: أي شديد الكيد، وأصله من الحيلة، جعل ~~ميمه كميم المكان، وأصله من الكون، ثم يقال: تمكنت. وقال الأزهري: غلط ابن ~~قتيبة أن الميم فيه زائدة، بل هي أصلية، وإذا رأيت الحرف على مثال فعال ~~أوله ميم مكسورة فهي أصلية، مثل: مهاد وملاك ومراس، وغير ذلك من الحروف. ~~ومفعل إذا كانت من بنات الثلاثة فإنه يجئ بإظهار الواو (1) مثل: مزود ومحول ~~ومحور، وغيرها من الحروف، وقال (2): وقرأ الأعرج - " وهو شديد المحال " ~~بفتح الميم، وجاء تفسيره على هذه القراءة عن ابن عباس أنه الحول، ذكر هذا ~~كله أبو عبيد الهروي، إلا ما ذكرناه أولا عن ابن الأعرابي، وأقاويل الصحابة ~~والتابعين بمعناها، وهي ثمانية: أولها - شديد العداوة، قاله ابن عباس. ~~وثانيها - شديد الحول، قاله ابن عباس أيضا. وثالثها - شديد الأخذ، قاله علي ~~بن أبي طالب. ورابعها - شديد الحقد، قاله ابن عباس. وخامسها - شديد القوة، ~~قاله مجاهد. وسادسها - شديد الغضب، قاله وهب بن منبه. وسابعها - شديد ~~الهلاك بالمحل، وهو القحط، قاله الحسن أيضا. # وثامنها - شديد الحيلة، قاله قتادة. وقال أبو عبيدة معمر: المحال ~~والمماحلة المماكرة والمغالبة، وأنشد للأعشى. # فرع نبع يهتز في غصن المجد * كثير الندى شديد المحال # PageV09P299 # وقال أخر: # ولبس بين أقوام فكل * أعد له الشغازب والمحالا وقال عبد المطلب: # لا هم إن المرء يمنع * رحله فامنع حلالك (2) لا يغلبن صليبهم ومحالهم * ~~عدوا محالك قوله تعالى: له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم ~~بشئ إلا كبسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين ~~إلا في ضلل (14) قوله تعالى: (له دعوة الحق) أي لله دعوة الصدق. قال ابن ~~عباس وقتادة وغيرهما: # لا إله إلا الله. وقال الحسن: إن الله هو الحق، فدعاؤه دعوة الحق. وقيل: ~~إن الإخلاص في الدعاء هو دعوة الحق، قاله بعض المتأخرين. ms3396 وقيل: دعوة الحق ~~دعاؤه عند الخوف، فإنه لا يدعى فيه إلا إياه. كما قال: " ضل من تدعون إلا ~~إياه " (2) [الإسراء: 67]، قال الماوردي: وهو أشبه بسياق الآية، لأنه قال: ~~(والذين يدعون من دونه) يعني الأصنام والأوثان. (لا يستجيبون لهم بشئ) أي ~~لا يستجيبون لهم دعاء، ولا يسمعون لهم نداء. (إلا كباسط كفيه إلى الماء ~~ليبلغ فاه وما هو ببالغه) ضرب الله عز وجل الماء مثلا ليأسهم من الإجابة ~~لدعائهم، لأن العرب تضرب لمن سعى فيما لا يدركه مثلا بالقابض الماء باليد، ~~قال: # فأصبحت فيما كان بيني وبينها * من الود مثل القابض الماء باليد # PageV09P300 # وفي معنى هذا المثل ثلاثة أوجه: أحدها - أن الذي يدعو إلها من دون الله ~~كالظمآن الذي يدعو الماء إلى فيه من بعيد يريد تناوله ولا يقدر عليه ~~بلسانه، ويشير إليه بيده فلا يأتيه أبدا، لأن الماء لا يستجيب، وما الماء ~~ببالغ إليه، قاله مجاهد. الثاني - أنه كالظمآن الذي يرى خياله في الماء وقد ~~بسط كفه فيه ليبلغ فاه وما هو ببالغه، لكذب ظنه، وفساد توهمه، قاله ابن ~~عباس. الثالث - أنه كباسط كفه إلى الماء ليقبض عليه فلا يجمد في كفه شئ ~~منه. # وزعم الفراء أن المراد بالماء هاهنا البئر، لأنها معدن للماء، وأن المثل ~~كمن مد يده إلى البئر بغير رشاء، وشاهده قول الشاعر: # فإن الماء ماء أبي وجدي * وبئري ذو حفرت وذو طويت قال علي رضي الله عنه: ~~هو كالعطشان على شفة البئر، فلا يبلغ قعر البئر، ولا الماء يرتفع إليه، ~~ومعنى " إلا كباسط " إلا كاستجابة باسط كفيه " إلى الماء " فالمصدر مضاف ~~إلى الباسط، ثم حذف المضاف، وفاعل المصدر المضاف مراد في المعنى وهو الماء، ~~والمعنى: إلا كإجابة باسط كفيه إلى الماء، واللام في قوله: " ليبلغ فاه " ~~متعلقة بالبسط، وقوله: " وما هو ببالغه " كناية عن الماء، أي وما الماء ~~ببالغ فاه. ويجوز أن يكون " هو " كناية عن الفم، أي ما الفم ببالغ الماء. ~~(وما دعاء الكافرين إلا في ضلال) أي ليست عبادة الكافرين الأصنام إلا في ~~ضلال، ms3397 لأنها شرك. وقيل: إلا في ضلال أي يضل عنهم ذلك الدعاء، فلا يجدون منه ~~سبيلا، كما قال: " أين ما كنتم تدعون من دون الله قالوا ضلوا عنا " (1) ~~[الأعراف: 37] وقال ابن عباس: أي أصوات الكافرين محجوبة عن الله فلا يسمع ~~دعاءهم. # قوله تعالى: ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظللهم بالغدو ~~والأصال (15) قوله تعالى: (ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها) ~~قال الحسن وقتادة وغيرهما: المؤمن يسجد طوعا، والكافر يسجر كرها بالسيف. ~~وعن قتادة أيضا: يسجد الكافر كارها حين لا ينفعه الإيمان. وقال الزجاج: ~~سجود الكافر كرها ما فيه من الخضوع وأثر الصنعة. # PageV09P301 # وقال ابن زيد: " طوعا " من دخل في الإسلام رغبة، و " كرها " من دخل فيه ~~رهبة بالسيف. # وقيل: " طوعا " من طالت مدة إسلامه فألف السجود، و " كرها " من يكره نفسه ~~لله تعالى، فالآية في المؤمنين، وعلى هذا يكون معنى " والأرض " وبعض من في ~~الأرض. قال القشيري: وفي الآية مسلكان: أحدهما - أنها عامة والمراد بها ~~التخصيص، فالمؤمن يسجد طوعا، وبعض الكفار يسجدون إكراها وخوفا كالمنافقين، ~~فالآية محمولة على هؤلاء، ذكره الفراء. وقيل على هذا القول: الآية في ~~المؤمنين، منهم من يسجد طوعا لا يثقل عليه السجود، ومنهم من يثقل عليه، لأن ~~التزام التكليف مشقة، ولكنهم يتحملون المشقة إخلاصا وإيمانا، إلى أن يألفوا ~~الحق ويمرنوا عليه. والمسلك الثاني - وهو الصحيح - إجراء الآية على ~~التعميم، وعلى هذا طريقان: أحدهما - أن المؤمن يسجد طوعا، وأما الكافر ~~فمأمور: السجود مؤاخذ به. والثاني - وهو الحق - أن المؤمن يسجد ببدنه طوعا، ~~وكل مخلوق من المؤمن والكافر يسجد من حيث إنه مخلوق، يسجد دلالة وحاجة إلى ~~الصانع، وهذا كقوله: " وإن من شئ إلا يسبح بحمده " (1) [الإسراء: 44] وهو ~~تسبيح دلالة لا تسبيح عبادة. (وظلالهم بالغدو والآصال) أي ظلال الخلق ساجدة ~~لله تعالى بالغدو والآصال، لأنها تبين في هذين الوقتين، وتميل من ناحية إلى ~~ناحية، وذلك تصريف الله إياها على ما يشاء، وهو كقوله تعالى: " أو لم يروا ~~إلى ما خلق الله من شئ يتفيؤا ظلاله ms3398 عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم ~~داخرون " [النحل: 48] قاله ابن عباس وغيره. وقال مجاهد: ظل المؤمن يسجد ~~طوعا وهو طائع، وظل الكافر يسجد كرها وهو كاره. وقال ابن الأنباري: يجعل ~~للظلال عقول تسجد بها وتخشع بها، كما جعل للجبال أفهام حتى خاطبت وخوطبت. ~~قال القشيري: في هذا نظر، لأن الجبل عين، فيمكن أن يكون له عقل بشرط تقدير ~~الحياة، وأما الظلال فآثار وأعراض، ولا يتصور تقدير الحياة لها، والسجود ~~بمعنى الميل، فسجود الظلال ميلها من جانب إلى جانب، يقال: سجدت النخلة أي ~~مالت. و " الآصال " جمع أصل، والأصل جمع أصيل، وهو ما بين العصر إلى ~~الغروب، ثم أصائل جمع الجمع، قال أبو ذؤيب الهذلي: # لعمري لأنت البيت أكرم أهله * وأقعد في أفيائه بالأصائل # PageV09P302 # و " ظلالهم " يجوز أن يكون معطوفا على " من " ويجوز أن يكون ارتفع ~~بالابتداء والخبر محذوف، التقدير: وظلالهم سجد بالغدو والآصال و " بالغدو " ~~يجوز أن يكون مصدرا، ويجوز أن يكون جمع غداة، يقوى كونه جمعا مقابلة الجمع ~~الذي هو الآصال به. # قوله تعالى: قل من رب السماوات والأرض قل الله قل أفاتخذتم من دونه ~~أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا قل هل يستوى الأعمى والبصير أم هل ~~تستوى الظلمات والنور أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشبه الخلق عليهم قل ~~الله خلق كل شئ وهو الوحد القهر (16) قوله تعالى: (قل من رب السماوات ~~والأرض) أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول للمشركين: " قل من ~~رب السماوات والأرض " ثم أمره أن يقول [لهم] (1): هو الله إلزاما للحجة إن ~~لم يقولوا ذلك، وجهلوا من هو. (قل أفاتخذتم من دونه أولياء) هذا يدل على ~~اعترافهم بأن الله هو الخالق [وإلا] لم يكن للاحتجاج بقوله: " قل أفاتخذتم ~~من دونه أولياء " معنى، دليله قوله: " ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ~~ليقولن الله " (2) [الزمر: 38] أي فإذا اعترفتم فلم تعبدون غيره؟! وذلك ~~الغير لا ينفع ولا يضر، وهو إلزام صحيح. ثم ضرب لهم مثلا فقال: (قل هل ~~يستوي الأعمى والبصير) فكذلك ms3399 لا يستوي المؤمن الذي يبصر الحق، والمشرك الذي ~~لا يبصر الحق. وقيل: الأعمى مثل لما عبدوه من دون الله، والبصير مثل الله ~~تعالى: (أم هل تستوى الظلمات والنور) أي الشرك والإيمان. وقرأ ابن محيصن ~~وأبو بكر والأعمش وحمزة والكسائي " يسوي " بالياء لتقدم الفعل، ولأن تأنيث ~~" الظلمات " ليس بحقيقي. الباقون بالتاء، واختاره أبو عبيد، قال: لأنه لم ~~يحل بين المؤنث والفعل حائل. # و " الظلمات والنور " مثل الإيمان والكفر، ونحن لا نقف على كيفية ذلك. ~~(أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم) هذا من تمام ~~الاحتجاج، أي خلق غير الله مثل # PageV09P303 # خلقه فتشابه الخلق عليهم، فلا يدرون خلق الله من خلق آلهتهم. (قل الله ~~خالق كل شئ) أي قل لهم يا محمد: " الله خالق كل شئ "، فلزم لذلك أن يعبده ~~كل شئ. والآية رد على المشركين والقدرية الذين زعموا أنهم خلقوا كما خلق ~~الله. (وهو الواحد) قبل كل شئ. # " القهار " الغالب لكل شئ، الذي يغلب في مراده كل مريد. قال القشيري أبو ~~نصر: # ولا يبعد أن تكون الآية واردة فيمن لا يعترف بالصانع، أي سلهم عن خالق ~~السماوات والأرض، فإنه يسهل تقرير الحجة فيه عليهم، ويقرب الأمر من ~~الضرورة، فإن عجز الجماد وعجز كل مخلوق عن خلق السماوات والأرض معلوم، وإذا ~~تقرر هذا وبان أن الصانع هو الله فكيف يجوز اعتداد الشريك له؟! وبين في ~~أثناء الكلام أنه لو كان للعالم صانعان لاشتبه الخلق، ولم يتميز فعل هذا عن ~~فعل ذلك، فبم يعلم أن الفعل من اثنين؟!. # قوله تعالى: أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا ~~رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متع زبد مثله كذلك يضرب ~~الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في ~~الأرض كذلك يضرب الله الأمثال (17) للذين استجابوا لربهم الحسنى والذين لم ~~يستجيبوا له لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به أولئك لهم ~~سوء الحساب ومأواهم جهنم وبئس المهاد (18) أفمن يعلم ms3400 أنما أنزل إليك من ربك ~~الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولوا الألبب (19) قوله تعالى: (أنزل من ~~السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا) ضرب مثلا للحق ~~والباطل، فشبه الكفر بالزبد الذي يعلو الماء، فإنه يضمحل ويعلق بجنبات ~~الأودية، وتدفعه الرياح، فكذلك يذهب الكفر ويضمحل، على ما نبينه. قال ~~مجاهد: PageV09P304 # " فسالت أودية بقدرها " قال: بقدر ملئها. وقال ابن جريج: بقدر صغرها ~~وكبرها. وقرأ الأشهب العقيلي والحسن " بقدرها " بسكون الدال، والمعنى واحد. ~~وقيل: معناها بما قدر لها. والأودية. جمع الوادي، وسمي واديا لخروجه ~~وسيلانه، فالوادي على هذا اسم للماء السائل. وقال أبو علي: " فسالت أودية " ~~توسع، أي سال ماؤها فحذف، قال: ومعنى " بقدرها " بقدر مياهها، لأن الأودية ~~ما سالت بقدر أنفسها. " فاحتمل السيل زبدا رابيا " أي طالعا عاليا مرتفعا ~~فوق الماء، وتم الكلام، قاله مجاهد. ثم قال: (ومما يوقدون عليه في النار) ~~وهو المثل الثاني. (ابتغاء حلية) أي حلية الذهب والفضة. (أو متاع زبد مثله) ~~قال مجاهد: الحديد والنحاس والرصاص. وقوله: " زبد مثله " أي يعلو هذه ~~الأشياء زبد كما يعلو السيل، وإنما احتمل السيل الزبد لأن الماء خالطه تراب ~~الأرض فصار ذلك زبدا، كذلك ما يوقد عليه في النار من الجوهر ومن الذهب ~~والفضة مما ينبث في الأرض من المعادن فقد خالطه التراب، فإنما يوقد عليه ~~ليذوب فيزايله تراب الأرض. وقوله: (كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد ~~فيذهب جفاء) قال مجاهد: جمودا. وقال أبو عبيدة قال أبو عمرو بن العلاء: ~~أجفأت القدر إذا غلت حتى ينصب (1) زبدها، وإذا جمد في أسفلها. والجفاء ما ~~أجفاه الوادي أي رمى به. وحكى أبو عبيدة أنه سمع رؤبة يقرأ " جفالا " قال ~~أبو عبيدة: # يقال أجفلت القدر إذا قذفت بزبدها، وأجفلت الريح السحاب إذا قطعته. (وأما ~~ما ينفع الناس فيمكث في الأرض) قال مجاهد: هو الماء الخالص الصافي. وقيل: ~~الماء وما خلص من الذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص، وهو أن المثلين ~~ضربهما الله للحق في ثباته، والباطل في اضمحلاله، فالباطل وإن علا في ms3401 بعض ~~الأحوال فإنه يضمحل كاضمحلال الزبد والخبث. وقيل: المراد مثل ضربه الله ~~للقرآن وما يدخل منه القلوب، فشبه القرآن بالمطر لعموم خيره وبقاء نفعه، ~~وشبه القلوب بالأودية، يدخل فيها من القرآن مثل ما يدخل في الأودية بحسب ~~سعتها وضيقها. قال ابن عباس: " أنزل من الماء ماء " قال: قرآنا، " فسالت ~~أودية بقدرها " قال: الأودية قلوب العباد. قال صاحب # PageV09P305 # " سوق العروس " (1) إن صح هذا التفسير فالمعنى فيه أن الله سبحانه مثل ~~القرآن بالماء. ومثل القلوب بالأودية، ومثل المحكم بالصافي، ومثل المتشابه ~~بالزبد. وقيل: الزبد مخايل النفس وغوائل الشك ترتفع من حيث ما فيها فتضطرب ~~من سلطان تلعها، كما أن ماء السيل يجري صافيا فيرفع ما يجد في الوادي ~~باقيا، وأما حلية الذهب والفضة فمثل الأحوال السنية. والأخلاق الزكية، التي ~~بها جمال الرجال، وقوام صالح الأعمال، كما أن من الذهب والفضة زينة النساء. ~~وبهما قيمة الأشياء. وقرأ حميد وابن محيصن ويحيى والأعمش وحمزة والكسائي ~~وحفص، " يوقدون " بالياء واختاره أبو عبيد، لقوله: " ينفع الناس " فأخبر، ~~ولا مخاطبة هاهنا. الباقون بالتاء لقوله في أول الكلام: " أفاتخذتم من دونه ~~أولياء " [الرعد: 16] الآية. وقوله: " في النار " متعلق بمحذوف، وهو في ~~موضع الحال، وذو الحال الهاء التي في " عليه " التقدير: ومما توقدون عليه ~~ثابتا في النار أو كائنا. وفي قوله: " في النار " ضمير مرفوع يعود إلى ~~الهاء التي هي اسم ذي الحال ولا يستقيم أن يتعلق " في النار " ب‍ " يوقدون ~~" من حيث لا يستقيم أوقدت عليه في النار، لأن الموقد عليه يكون في النار، ~~فيصير قوله: " في النار " غير مقيد. وقوله: " ابتغاء حلية " مفعول له. " ~~زبد مثله " ابتداء وخبر، أي زبد مثل زبد السيل. وقيل: إن خبر " زبد " قوله: ~~" في النار " الكسائي: " زبد " ابتداء، و " مثله " نعت له، والخبر في ~~الجملة التي قبله، وهو " مما يوقدون ". (كذلك يضرب الله الأمثال) أي كما ~~بين لكم هذه الأمثال فكذلك يضربها بينات. تم الكلام، ثم قال: (للذين ~~استجابوا لربهم) أي أجابوا، واستجاب بمعنى أجاب، قال (2): # فلم يستجبه عند ذاك مجيب وقد ms3402 تقدم، أي أجاب إلى ما دعاه الله من التوحيد ~~والنبوات. (الحسنى) لأنها في نهاية الحسن. وقيل: من الحسنى النصر في ~~الدنيا، والنعيم المقيم غدا. (والذين لم يستجيبوا له) # PageV09P306 # أي لم يجيبوا إلى الإيمان به. (لو أن لهم ما في الأرض جميعا) أي من ~~الأموال. (ومثله معه) ملك لهم. (لافتدوا به) من عذاب يوم القيامة، نظيره في ~~" آل عمران " " إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله ~~شيئا " (1) [آل عمران: 10]، " إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من ~~أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به " [آل عمران: 91] حسب ما تقدم بيانه ~~هناك. (أولئك لهم سوء الحساب) أي لا يقبل لهم حسنة، ولا يتجاوز لهم عن ~~سيئة. وقال فرقد السبخي (2) قال [لي] (3) إبراهيم النخعي: يا فرقد! أتدري ~~ما سوء الحساب؟ قلت لا! قال أن يحاسب الرجل بذنبه كله لا يفقد منه شئ. ~~(ومأواهم) أي مسكنهم ومقامهم. (جهنم وبئس المهاد) أي الفراش الذي مهدوا ~~لأنفسهم. # قوله تعالى: (أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى) هذا مثل ~~ضربه الله للمؤمن والكافر، وروي أنها نزلت في حمزة بن عبد المطلب رضي الله ~~عنه، وأبي جهل لعنه الله. والمراد بالعمى عمى القلب، والجاهل بالدين أعمى ~~القلب. # (إنما يتذكر أولو الألباب). قوله تعالى: الذين يوفون بعهد الله ولا ~~ينقصون الميثاق (20) فيه مسألتان الأولى - قوله تعالى: (الذين يوفون بعهد ~~الله) هذا من صفة ذوي الألباب، أي إنما يتذكر أولو الألباب الموفون بعهد ~~الله. والعهد اسم الجنس، أي بجميع عهود الله، وهي أوامره ونواهيه التي وصى ~~بها عبيده، ويدخل في هذه الألفاظ التزام جميع الفروض، وتجنب جميع المعاصي. ~~وقوله: (ولا ينقضون الميثاق) يحتمل أن يريد به جنس المواثيق، أي إذا عقدوا ~~في طاعة الله عهدا لم ينقضوه. قال قتادة: تقدم الله إلى عباده في نقض ~~الميثاق ونهى عنه في بضع وعشرين آية، ويحتمل أن يشير إلى ميثاق بعينه، هو ~~الذي أخذه # PageV09P307 # الله على عباده حين أخرجهم من صلب أبيهم آدم. وقال ms3403 القفال: هو ما ركب في ~~عقولهم من دلائل التوحيد والنبوات. # الثانية - روى أبو داود وغيره عن عوف بن مالك قال: كنا عند رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم سبعة أو ثمانية أو تسعة فقال: " ألا تبايعون رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم " وكنا حديث عهد ببيعة (1) فقلنا: قد بايعناك [حتى قالها ~~ثلاثا، فبسطنا أيدينا فبايعناه، فقال قائل: يا رسول الله! إنا قد بايعناك ~~(2)] فعلى ماذا نبايعك؟ قال: " أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وتصلوا ~~الصلوات الخمس وتسمعوا وتطيعوا - وأسر كلمة خفية - قال: لا تسألوا الناس ~~شيئا ". قال: ولقد كان بعض أولئك النفر يسقط - سوطه فما يسأل أحدا أن ~~يناوله إياه. قال ابن العربي: من أعظم المواثيق في الذكر ألا يسأل سواه، ~~فقد كان أبو حمزة الخراساني من كبار العباد سمع أن أناسا بايعوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ألا يسألوا أحدا شيئا، الحديث، فقال أبو حمزة: رب! إن ~~هؤلاء عاهدوا نبيك إذ رأوه، وأنا أعاهدك ألا أسأل أحدا شيئا، قال: فخرج ~~حاجا من الشام يريد مكة فبينما هو يمشي في الطريق من الليل إذ بقي عن ~~أصحابه لعذر ثم أتبعهم، فبينما هو يمشي إليهم إذ سقط في بئر على حاشية ~~الطريق، فلما حل في قعره قال: استغيث لعل أحدا يسمعني. ثم قال: إن الذي ~~عاهدته يراني ويسمعني، والله! لا تكلمت بحرف للبشر، ثم لم يلبث إلا يسيرا ~~إذ مر بذلك البئر نفر، فلما رأوه على حاشية الطريق قالوا: إنه لينبغي سد ~~هذا البئر، ثم قطعوا خشبا ونصبوها على فم البئر وغطوها بالتراب، فلما رأى ~~ذلك أبو حمزة قال: هذه مهلكة، ثم أراد أن يستغيث بهم، ثم قال: والله! لا ~~أخرج منها أبدا، ثم رجع إلى نفسه فقال: أليس قد عاهدت من يراك؟ فسكت وتوكل، ~~ثم استند في قعر البئر مفكرا في أمره، فإذا بالتراب يقع عليه، والخشب يرفع ~~عنه، وسمع في أثناء ذلك من يقول: هات يدك! قال: فأعطيته يدي فأقلني في مرة ~~واحدة إلى فم البئر، فخرجت ms3404 فلم أر أحدا، فسمعت هاتفا يقول: كيف رأيت ثمرة ~~التوكل، وأنشد: # PageV09P308 # نهاني حيائي منك أن أكشف الهوى * فأغنيتني بالعلم منك عن الكشف تلطفت في ~~أمري فأبديت شاهدي * إلى غائبي واللطف يدرك باللطف تراءيت لي بالعلم حتى ~~كأنما * تخبرني بالغيب أنك في كف أراني وبي من هيبتي لك وحشة * فتؤنسني ~~باللطف منك وبالعطف وتحيي محبا أنت في الحب حتفه * وذا عجب كيف الحياة مع ~~الحتف قال ابن العربي: هذا رجل عاهد الله فوجد الوفاء على التمام والكمال، ~~فاقتدوا به إن شاء الله تهتدوا. قال أبو الفرج الجوزي: سكوت هذا الرجل في ~~هذا المقام على التوكل بزعمه إعانة على نفسه، وذلك لا يحل، ولو فهم معنى ~~التوكل لعلم أنه لا ينافي استغاثته في تلك الحالة، كما لم يخرج رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من التوكل بإخفائه الخروج من مكة، واستئجاره دليلا، ~~واستكتامه ذلك الأمر، واستتاره في الغار، وقوله لسراقة: # " أخف عنا ". فالتوكل الممدوح لا ينال بفعل محظور، وسكوت هذا الواقع في ~~البئر محظور عليه، وبيان ذلك أن الله تعالى قد خلق للآدمي آلة يدفع عنه بها ~~الضرر، وآلة يجتلب بها النفع، فإذا عطلها مدعيا للتوكل كان ذلك جهلا ~~بالتوكل، وردا لحكمة التواضع، لأن التوكل إنما هو اعتماد القلب على الله ~~تعالى، وليس من ضرورته قطع الأسباب، ولو أن إنسانا جاع فلم يسأل حتى مات ~~دخل النار، قاله سفيان الثوري وغيره، لأنه قد دل على طريقة السلامة، فإذا ~~تقاعد عنها أعان على نفسه. وقال أبو الفرج: ولا التفات إلى قول أبي حمزة: # " فجاء أسد فأخرجني " فإنه إن صح ذلك فقد يقع مثله اتفاقا، وقد يكون لطفا ~~من الله تعالى بالعبد الجاهل، ولا ينكر أن يكون الله تعالى لطف به، إنما ~~ينكر فعله الذي هو كسبه، وهو إعانته على نفسه التي هي وديعة لله تعالى ~~عنده، وقد أمره بحفظها. # قوله تعالى: والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون ~~سوء الحساب (21) والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما ms3405 ~~رزقناهم سرا وعلانية ويدرءون PageV09P309 # بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار (22) جنت عدن يدخلونها ومن صلح من ~~آبائهم وأزواجهم وذريتهم والملائكة يدخلون عليهم من كل باب (23) سلم عليكم ~~بما صبرتم فنعم عقبى الدار (24) قوله تعالى: (والذين يصلون ما أمر الله به ~~أن يوصل) ظاهر في صلة الأرحام، وهو قول قتادة وأكثر المفسرين، وهو مع ذلك ~~يتناول جميع الطاعات. (ويخشون ربهم) قيل: # في قطع الرحم. وقيل: في جميع المعاصي. (ويخافون سوء الحساب). سوء الحساب ~~الاستقصاء فيه والمناقشة، ومن نوقش الحساب عذب. وقال ابن عباس وسعيد بن ~~جبير: # معنى. " يصلون ما أمر الله به " الإيمان بجميع الكتب والرسل كلهم. الحسن: ~~هو صلة محمد صلى الله عليه وسلم. ويحتمل رابعا: أن يصلوا الإيمان بالعمل ~~الصالح، " ويخشون ربهم " فيما أمرهم بوصله، " ويخافون سوء الحساب " في ~~تركه، والقول الأول يتناول هذه الأقوال كما ذكرنا، وبالله توفيقنا. # قوله تعالى: (والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم) قيل: " الذين " مستأنف، لأن ~~" صبروا " ماض فلا ينعطف على " يوفون " وقيل.: هو من وصف من تقدم، ويجوز ~~الوصف تارة بلفظ الماضي، وتارة بلفظ المستقبل، لأن المعنى من يفعل كذا فله ~~كذا، ولما كان " الذين " يتضمن الشرط، [و] الماضي في الشرط كالمستقبل جاز ~~ذلك، ولهذا قال: " الذين يوفون " ثم قال: " والذين صبروا " ثم عطف عليه ~~فقال: " ويدرءون بالحسنة السيئة " قال ابن زيد: صبروا على طاعة الله، ~~وصبروا عن معصية الله. وقال عطاء: صبروا على الرزايا والمصائب، والحوادث ~~والنوائب. وقال أبو عمران الجوني: # صبروا على دينهم ابتغاء وجه الله. (وأقاموا الصلاة) أدوها بفروضها ~~وخشوعها في مواقيتها. # (وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية) يعني الزكاة المفروضة، عن ابن عباس، ~~وقد مضى القول في هذا في " البقرة " وغيرها. (ويدرءون بالحسنة السيئة) أي ~~يدفعون بالعمل # PageV09P310 # الصالح السئ من الأعمال، قاله ابن عباس. ابن زيد: يدفعون الشر بالخير. ~~سعيد بن جبير: # يدفعون المنكر بالمعروف. الضحاك: يدفعون الفحش بالسلام. جويبر: يدفعون ~~الظلم بالعفو. ابن شجرة: يدفعون الذنب بالتوبة. القتبي: يدفعون سفه الجاهل ~~بالحلم، فالسفه السيئة، والحلم الحسنة. وقيل: إذا هموا بسيئة ms3406 رجعوا عنها ~~واستغفروا. وقيل: يدفعون الشرك بشهادة أن لا اله إلا الله، فهذه تسعة ~~أقوال، معناها كلها متقارب، والأول يتناولها بالعموم، ونظيره: " إن الحسنات ~~يذهبن السيئات " (1) [هود: 114] ومنه قول عليه السلام لمعاذ: # " وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن ". قوله تعالى: (أولئك ~~لهم عقبى الدار) أي عاقبة الآخرة، وهي الجنة بدل النار، والدار غدا داران: ~~الجنة للمطيع، والنار للعاصي، فلما ذكر وصف المطيعين فدارهم الجنة لا ~~محالة. وقيل: عني بالدار دار الدنيا، أي لهم جزاء ما عملوا من الطاعات في ~~دار الدنيا. # قوله تعالى: (جنات عدن يدخلونها) أي لهم جنات عدن، ف‍ " جنات عدن " بدل ~~من " عقبي " ويجوز أن تكون تفسيرا ل‍ " عقبى الدار " أي لهم دخول جنات عدن، ~~لأن " عقبى الدار " حدث و " جنات عدن " عين، والحدث إنما يفسر بحدث مثله، ~~فالمصدر المحذوف مضاف إلى المفعول. ويجوز أن يكون " جنات عدن " خبر ابتداء ~~محذوف. و " جنات عدن " وسط الجنة وقصبتها، وسقفها عرش الرحمن، قال القشيري ~~أبو نصر عبد الملك. # وفي صحيح البخاري: إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى ~~الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة " فيحتمل أن يكون " جنات " ~~كذلك إن صح فذلك خبر (2). وقال عبد الله بن عمرو: إن في الجنة قصرا يقال له ~~عدن، حوله البروج والمروج، فيه ألف باب، على كل باب خمسة آلاف حبرة (3) لا ~~يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد. و " عدن " مأخوذ من عدن بالمكان إذا أقام ~~فيه، على ما يأتي بيانه في سورة " الكهف " (4) إن شاء الله تعالى. (ومن صلح ~~من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم) يجوز أن # PageV09P311 # يكون معطوفا على " أولئك " المعنى: أولئك ومن صلح من آبائهم وأزواجهم ~~وذرياتهم لهم عقبى الدار. ويجوز أن يكون معطوفا على الضمير المرفوع في " ~~يدخلونها " وحسن العطف لما حال الضمير المنصوب بينهما. ويجوز أن يكون ~~المعنى: يدخلونها ويدخلها من صلح من آبائهم، أي من كان صالحا، لا يدخلونها ~~بالأنساب. ويجوز أن يكون موضع " من " نصبا على تقدير: يدخلونها مع من صلح ms3407 ~~من آبائهم، وإن لم يعمل مثل أعمالهم يلحقه الله بهم كرامة لهم. وقال ابن ~~عباس: هذا الصلاح الإيمان بالله والرسول، ولو كان لهم مع الإيمان طاعات ~~أخرى لدخلوها بطاعتهم لا على وجه التبعية. قال القشيري: وفي هذا نظر، لأنه ~~لا بد من الإيمان، فالقول في اشتراط العمل الصالح كالقول في اشتراط ~~الإيمان. فالأظهر أن هذا الصلاح في جملة الأعمال، والمعنى: أن النعمة غدا ~~تتم عليهم بأن جعلهم مجتمعين مع قراباتهم في الجنة، وإن دخلها كل إنسان ~~بعمل نفسه، بل برحمة الله تعالى. # قوله تعالى: (والملائكة يدخلون عليهم من كل باب) أي بالتحف والهدايا من ~~عند الله تكرمة لهم. (سلام عليكم) أي يقولون: سلام عليكم، فأضمر القول، أي ~~قد سلمتم من الآفات والمحن. وقيل: هو دعاء لهم بدوام السلامة، وإن كانوا ~~سالمين، أي سلمكم الله، فهو خبر معناه الدعاء، ويتضمن الاعتراف بالعبودية. ~~(بما صبرتم) أي بصبركم، ف " ما " مع الفعل بمعنى المصدر، والباء في " بما " ~~متعلقة بمعنى. " سلام عليكم " ويجوز أن تتعلق بمحذوف، أي هذه الكرامة ~~بصبركم، أي على أمر الله تعالى ونهيه، قاله سعيد بن جبير. وقيل: # على الفقر في الدنيا، قاله أبو عمران الجوني. وقيل: على الجهاد في سبيل ~~الله، كما روي عن عبد الله بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~هل تدرون من يدخل الجنة من خلق الله "؟ قالوا: الله ورسول أعلم، قال: " ~~المجاهدون الذين تسد بهم الثغور وتتقي بهم المكاره فيموت أحدهم وحاجته في ~~نفسه لا يستطيع لها قضاء فتأتيهم الملائكة فيدخلون عليهم من كل باب سلام ~~عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ". وقال محمد بن إبراهيم: " كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يأتي قبور الشهداء على رأس كل حول فيقول: " السلام عليكم ~~بما صبرتم فنعم PageV09P312 # عقبى الدار " وكذلك أبو بكر وعمر وعثمان، وذكره البيهقي عن أبي هريرة ~~قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتي الشهداء، فإذا أتى فرضة الشعب ~~يقول: " السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ". ثم كان أبو بكر ms3408 بعد ~~النبي صلى الله عليه وسلم يفعله، وكان عمر بعد أبي بكر يفعله، وكان عثمان ~~بعد عمر يفعله. وقال الحسن البصري رحمه الله: " بما صبرتم " عن فضول ~~الدنيا. وقيل: " بما صبرتم " على ملازمة الطاعة، ومفارقة المعصية، قال ~~معناه الفضيل بن عياض. ابن زيد: " بما صبرتم " عما تحبونه إذا فقدتموه. ~~ويحتمل سابعا - " بما صبرتم " عن اتباع الشهوات. وعن عبد الله بن سلام وعلي ~~بن الحسين رضي الله عنهم [أنهما قالا]: إذا كان يوم القيامة ينادي مناد ~~ليقم أهل الصبر، فيقوم ناس من الناس فيقال لهم: انطلقوا إلى الجنة فتتلقاهم ~~الملائكة فيقولون: إلى أين؟ فيقولون: إلى الجنة، قالوا: قبل الحساب؟ قالوا ~~نعم! فيقولون: من أنتم؟ فيقولون: نحن أهل الصبر، قالوا: # وما كان صبركم؟ قالوا: صبرنا أنفسنا على طاعة الله، وصبرناها عن معاصي ~~الله وصبرناها على البلاء والمحن في الدنيا. قال علي بن الحسين: فتقول لهم ~~الملائكة: ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين. وقال ابن سلام: فتقول لهم ~~الملائكة: " سلام عليكم بما صبرتم ". " فنعم عقبى الدار " أي نعم عاقبة ~~الدار التي كنتم فيها، عملتم فيها ما أعقبكم هذا الذي أنتم فيه، فالعقبى ~~على هذا اسم، و " الدار " هي الدنيا. وقال أبو عمران الجوني: " فنعم عقبى ~~الدار " الجنة عن النار. وعنه: " فنعم عقبى الدار " الجنة عن الدنيا قوله ~~تعالى: والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن ~~يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار (25) الله يبسط ~~الرزق لمن يشاء ويقدر وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا في الآخرة ~~ألا متع (26) # PageV09P313 # قوله تعالى: (والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه) لما ذكر الموفين ~~بعهده، والمواصلين لأمره، وذكر ما لهم ذكر عكسهم. نقض الميثاق: ترك أمره. ~~وقيل: إهمال عقولهم، فلا يتدبرون بها ليعرفوا الله تعالى. (ويقطعون ما أمر ~~الله به أن يوصل) أي من الأرحام. والإيمان بجميع الأنبياء. (ويفسدون في ~~الأرض) أي بالكفر وارتكاب المعاصي (أولئك لهم اللعنة) أي الطرد والإبعاد من ~~الرحمة. (ولهم سوء الدار) أي سوء المنقلب، ms3409 وهو جهنم. وقال سعد بن أبي وقاص: ~~والله الذي لا إله إلا هو! إنهم الحرورية. # قوله تعالى: (الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر) لما ذكر عاقبة المؤمن ~~وعاقبة المشرك بين أنه تعالى الذي يبسط الرزق ويقدر في الدنيا، لأنها دار ~~امتحان، فبسط الرزق على الكافر لا يدل على كرامته، والتقتير على بعض ~~المؤمنين لا يدل على إهانتهم. " ويقدر " أي يضيق، ومنه " ومن قدر عليه رزقه ~~" (1) [الطلاق: 7] أي ضيق. وقيل: " يقدر " يعطي بقدر الكفاية. (وفرحوا ~~بالحياة الدنيا) يعني مشركي مكة، فرحوا بالدنيا ولم يعرفوا غيرها، وجهلوا ~~ما عند الله، وهو معطوف على " ويفسدون في الأرض ". وفي الآية تقديم وتأخير، ~~التقدير: والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن ~~يوصل ويفسدون في الأرض وفرحوا بالحياة الدنيا. (وما الحياة الدنيا في ~~الآخرة) أي في جنبها. (إلا متاع) أي متاع من الأمتعة، كالقصعة والسكرجة ~~(2). وقال مجاهد: شئ قليل ذاهب، من متع النهار إذا ارتفع، فلا بد له من ~~زوال. ابن عباس: زاد كزاد الراعي. وقيل: متاع الحياة الدنيا ما يستمتع بها ~~منها. وقيل: ما يتزود منها إلى الآخرة، من التقوى والعمل الصالح، " ولهم ~~سوء الدار " ثم ابتدأ. " الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر " أي يوسع ويضيق. # قوله تعالى: ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه قل إن الله يضل ~~من يشاء ويهدى إليه من أناب (27) الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا ~~بذكر الله تطمئن القلوب (28) # PageV09P314 # قوله تعالى: (ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه) بين في مواضع ~~أن اقتراح الآيات على الرسل جهل، بعد أن رأوا آية واحدة تدل على الصدق، ~~والقائل عبد الله ابن أبي أمية وأصحابه حين طالبوا النبي صلى الله عليه ~~وسلم بالآيات. (قل إن الله) عز وجل (يضل من يشاء) أي كما أضلكم بعد ما أنزل ~~من الآيات وحرمكم الاستدلال بها يضلكم عند نزول غيرها. (ويهدى إليه من ~~أناب) أي من رجع. والهاء في " إليه " للحق، أو للإسلام، أو لله ms3410 عز وجل، على ~~تقدير: ويهدي إلى دينه وطاعته من رجع إليه بقلبه. وقيل: هي للنبي صلى الله ~~عليه وسلم. قوله تعالى: (الذين آمنوا) " الذين " في موضع نصب، لأنه مفعول، ~~أي يهدي الله الذين أمنوا. وقيل بدل من قول: " من أناب " فهو في محل نصب ~~أيضا. (وتطمئن قلوبهم بذكر الله) أي تسكن وتستأنس بتوحيد الله فتطمئن، قال: ~~أي وهم تطمئن قلوبهم على الدوام بذكر الله بألسنتهم، قاله قتادة: وقال ~~مجاهد وقتادة وغيرهما: بالقرآن. وقال سفيان بن عيينة: بأمره. مقاتل: بوعده. ~~ابن عباس: بالحلف باسمه، أو تطمئن بذكر فضله وإنعامه، كما توجل بذكر عدله ~~وانتقامه وقضائه. وقيل: " بذكر الله " أي يذكرون الله ويتأملون آياته ~~فيعرفون كمال قدرته عن بصيرة. (ألا بذكر الله تطمئن القلوب) أي قلوب ~~المؤمنين. قال ابن عباس: هذا في الحلف، فإذا حلف خصمه بالله سكن قلبه. ~~وقيل: # " بذكر الله " أي بطاعة الله. وقيل بثواب الله. وقيل: بوعد الله. وقال ~~مجاهد: هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. # قوله تعالى: الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب (29) قوله ~~تعالى: (الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم) ابتداء وخبره. وقيل: معناه ~~لهم طوبى، ف " طوبى " رفع بالابتداء، ويجوز أن يكون موضعه نصبا على تقدير: ~~جعل PageV09P315 # لهم طوبى، ويعطف عليه " وحسن مآب " على الوجهين المذكورين، فترفع أو ~~تنصب. # وذكر عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن يحيى بن أبي كثير عن عمرو بن أبي يزيد ~~البكالي عن عتبة ابن عبد السلمي قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فسأله عن الجنة وذكر الحوض فقال: فيها فاكهة؟ قال: " نعم شجرة تدعى ~~طوبى " قال: يا رسول الله! أي شجر أرضنا تشبه؟ قال " لا تشبه شيئا من شجر ~~أرضك أأتيت الشام هناك شجرة تدعي الجوزة تنبت على ساق ويفترش أعلاها ". قال ~~يا رسول الله! فما عظم أصلها! قال: لو ارتحلت جذعة من إبل أهلك ما أحطت ~~بأصلها حتى تنكسر ترقوتها هرما ". وذكر الحديث، وقد كتبناه بكمال في أبواب ~~الجنة من كتاب " التذكرة "، والحمد لله. وذكر ms3411 ابن المبارك قال: أخبرنا معمر ~~عن الأشعث عن عبد الله عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة قال: في الجنة شجرة ~~يقال لها طوبى، يقول الله تعالى لها: تفتقي لعبدي عما شاء، فتفتق له عن فرس ~~بسرجه ولجامه وهيئته كما شاء، وتفتق عن الراحلة برحلها وزمامها وهيئتها كما ~~شاء، وعن النجائب والثياب. # وذكر ابن وهب من حديث شهر بن حوشب عن أبي أمامة الباهلي قال: " طوبى " ~~شجرة في الجنة ليس منها دار إلا وفيها غصن منها، ولا طير حسن إلا هو فيها، ~~ولا ثمرة إلا هي منها، وقد قيل: إن أصلها في قصر النبي صلى الله عليه وسلم ~~في الجنة، ثم تنقسم فروعها على منازل أهل الجنة، كما انتشر منه العلم ~~والإيمان على جميع أهل الدنيا. وقال ابن عباس: " طوبى لهم " فرح لهم وقرة ~~عين، وعنه أيضا أن " طوبي " اسم الجنة بالحبشية، وقال سعيد بن جبير. # الربيع بن أنس: هو البستان بلغة الهند، قال القشيري: إن صح هذا فهو وفاق ~~بين اللغتين. # وقال قتادة: " طوبى لهم " حسنى لهم. عكرمة: نعمى لهم. إبراهيم النخعي: ~~خير لهم، وعنه أيضا كرامة من الله لهم. الضحاك: غبطة لهم. النحاس: وهذه ~~الأقوال متقاربة، لأن طوبى فعلى من الطيب، أي العيش الطيب لهم، وهذه ~~الأشياء ترجع إلى الشئ الطيب. # وقال الزجاج: طوبى فعلى من الطيب، وهي الحالة المستطابة لهم، والأصل ~~طيبي، فصارت الياء واوا لسكونها وضم ما قبلها، كما قالوا: موسر وموقن. ~~PageV09P316 # قلت: والصحيح أنها شجرة، للحديث المرفوع الذي ذكرناه، وهو صحيح على ما ~~ذكره السهيلي، ذكره أبو عمر في التمهيد، ومنه نقلناه، وذكره أيضا الثعلبي ~~في تفسيره، وذكر أيضا المهدوي والقشيري عن معاوية بن قرة عن أبيه أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: " طوبى شجرة في الجنة غرسها الله بيده ونفخ ~~فيها من روحه تنبت الحلي والحلل وإن أغصانها لترى من وراء سور الجنة " ومن ~~أراد زيادة على هذه الأخبار فليطالع الثعلبي. وقال ابن عباس: # " طوبى " شجرة في الجنة أصلها في دار علي، ms3412 وفي دار كل مؤمن منها غصن. ~~وقال أبو جعفر محمد بن علي: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: " ~~طوبى لهم وحسن مآب " قال: " شجرة أصلها في داري وفروعها في الجنة " ثم سئل ~~عنها مرة أخرى فقال: " شجرة أصلها في دار على وفروعها في الجنة ". فقيل له: ~~يا رسول الله! سئلت عنها فقلت: # " أصلها في داري وفروعها في الجنة " ثم سئلت عنها فقلت: " أصلها في دار ~~علي وفروعها في الجنة " فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن داري ودار علي ~~غدا في الجنة واحدة في مكان واحد " وعنه صلى الله عليه وسلم: " هي شجرة ~~أصلها في داري وما من دار من دوركم إلا مدلى فيها غصن منها " (وحسن مآب) آب ~~إذا رجع. وقيل: تقدير الكلام الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله وعملوا ~~الصالحات طوبى لهم. # قوله تعالى: كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلوا عليهم الذي ~~أوحينا إليك وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربى لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه ~~متاب (30) قوله تعالى: (كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم) أي ~~أرسلناك كما أرسلنا الأنبياء من قبلك، قاله الحسن. وقيل: شبه الإنعام على ~~من أرسل إليه محمد عليه السلام بالإنعام على من أرسل إليه الأنبياء قبله. ~~(لتتلوا عليهم الذي أوحينا إليك) يعني القرآن. # (وهم يكفرون بالرحمن) قال مقاتل وابن جريج: نزلت في صلح الحديبية حين ~~أرادوا PageV09P317 # أن يكتبوا كتاب الصلح، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي: " اكتب بسم ~~الله الرحمن الرحيم " فقال سهيل بن عمرو والمشركون: ما نعرف الرحمن إلا ~~صاحب اليمامة، يعنون مسيلمة الكذاب، اكتب باسمك اللهم، وهكذا كان أهل ~~الجاهلية يكتبون، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي: " اكتب هذا ما صالح ~~عليه محمد رسول الله " فقال مشركو قريش: لئن كنت رسول الله ثم قاتلناك ~~وصددناك لقد ظلمناك، ولكن اكتب: هذا ما صالح عليه محمد ابن عبد الله، فقال ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: دعنا نقاتلهم، فقال: " لا ms3413 ولكن اكتب ما ~~يريدون " فنزلت. وقال ابن عباس: نزلت في كفار قريش حين قال لهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم: " اسجدوا للرحمن " (1) [الفرقان: 60] قالوا وما الرحمن؟ ~~فنزلت. (قل) لهم يا محمد: # الذي أنكرتم. (هو ربي لا إله إلا هو) ولا معبود سواه، هو واحد بذاته، وإن ~~اختلفت أسماء صفاته. (عليه توكلت) واعتمدت ووثقت. (وإليه متاب) أي مرجعي ~~غدا، واليوم أيضا عليه توكلت ووثقت، رضا بقضائه، وتسليما لأمره. وقيل: سمع ~~أبو جهل رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو في الحجر ويقول: " يا الله يا ~~رحمن " فقال: كان محمد ينهانا عن عبادة الآلهة وهو يدعو إلهين، فنزلت هذه ~~الآية، ونزل. " قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن " (2) [الإسراء: 110]. # قوله تعالى: ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به ~~الموتى بل لله الأمر جميعا أفلم يايس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى ~~الناس جميعا ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من ~~دارهم حتى يأتي وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد (31) قوله تعالى: (ولو أن ~~قرآنا سيرت به الجبال) هذا متصل بقول: " لولا أنزل عليه آية من ربه " ~~[يونس: 20]. وذلك أن نفرا من مشركي مكة فيهم أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية ~~المخزوميان # PageV09P318 # جلسوا خلف الكعبة، ثم أرسلوا إلى رسول الله فأتاهم، فقال له عبد الله: # إن سرك أن نتبعك فسير لنا جبال مكة بالقرآن، فأذهبها عنا حتى تنفسح، ~~فإنها أرض ضيقة، واجعل لنا فيها عيونا وأنهارا، حتى نغرس ونزرع، فلست كما ~~زعمت بأهون على ربك من داود حين سخر له الجبال تسير معه، وسخر لنا الريح ~~فنركبها إلى الشام نقضي عليها ميرتنا وحوائجنا، ثم نرجع من يومنا، فقد كان ~~سليمان سخرت له الريح كما زعمت، فلست بأهون على ربك من سليمان بن داود، ~~وأحي لنا قصيا (1) جدك، أو من شئت أنت من موتانا نسأله، أحق ما تقول أنت أم ~~باطل؟ فإن عيسى كان يحيى الموتى، ولست بأهون على الله منه، ms3414 فأنزل الله ~~تعالى: " ولو أن قرآنا سيرت به الجبال " الآية، قال معناه الزبير بن العوام ~~ومجاهد وقتادة والضحاك، والجواب محذوف تقديره: لكان هذا القرآن، لكن حذف ~~إيجازا، لما في ظاهر الكلام من الدلالة عليه، كما قال امرؤ القيس: # فلو أنها نفس تموت جميعة * ولكنها نفس تساقط أنفسا يعني لهان علي، هذا ~~معنى قول قتادة، قال: لو فعل هذا قرآن قبل قرآنكم لفعله قرآنكم. # وقيل: الجواب متقدم، وفي الكلام تقديم وتأخير، أي وهم يكفرون بالرحمن لو ~~أنزلنا القرآن وفعلنا بهم ما اقترحوا. الفراء: يجوز أن يكون الجواب لو فعل ~~بهم هذا لكفروا بالرحمن. الزجاج: " ولو أن قرآنا " إلى قوله: " الموتى " ~~لما آمنوا، والجواب المضمر هنا ما أظهر في قوله: " ولو أننا نزلنا إليهم ~~الملائكة " [الأنعام: 111] إلى قوله: " ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ~~" (2) [الأنعام: 111]. (بل لله الأمر جميعا) أي هو المالك لجميع الأمور، ~~الفاعل لما يشاء منها، فليس ما تلتمسونه مما يكون بالقرآن، إنما يكون بأمر ~~الله. # قوله تعالى: (أفلم ييئس الذين آمنوا) قال الفراء قال الكلبي: " ييأس " ~~بمعنى يعلم، لغة النخع، وحكاه القشيري عن ابن عباس، أي أفلم يعلموا، وقاله ~~الجوهري في الصحاح. # PageV09P319 # وقيل: هو لغة هوازن، أي أفلم يعلم، عن ابن عباس ومجاهد والحسن. وقال أبو ~~عبيدة: أفلم يعلموا ويتبينوا، وأنشد في ذلك أبو عبيدة لمالك بن عوف النصري ~~(1): # أقول لهم بالشعب إذ ييسرونني * ألم تيأسوا أني ابن فارس زهدم ييسرونني من ~~الميسر، وقد تقدم في " البقرة " (2) ويروى يأسرونني من الأسر. وقال رباح بن ~~عدي: # ألم ييأس الأقوام أني [أنا] ابنه * وإن كنت عن أرض العشيرة نائيا في كتاب ~~الرد " أني أنا ابنه " وكذا ذكره الغزنوي: ألم يعلم، والمعنى على هذا: أفلم ~~يعلم الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا من غير أن يشاهدوا ~~الآيات. وقيل: هو من اليأس المعروف، أي أفلم ييأس الذين آمنوا من إيمان ~~هؤلاء الكفار، لعلمهم أن الله تعالى لو أراد هدايتهم لهداهم، لأن المؤمنين ~~تمنوا نزول الآيات طمعا في إيمان الكفار. ms3415 # وقرأ علي وابن عباس: " أفلم يتبين الذين آمنوا " من البيان. قال القشيري: ~~وقيل لابن عباس المكتوب " أفلم ييئس " قال: أظن الكاتب كتبها وهو ناعس، أي ~~زاد بعض الحروف حتى صار " ييئس ". قال أبو بكر الأنباري: روي عن عكرمة عن ~~ابن أبي نجيح أنه قرأ - " أفلم يتبين الذين آمنوا " وبها احتج من زعم أنه ~~الصواب في التلاوة، وهو باطل عن بن عباس، لأن مجاهدا وسعيد بن جبير حكيا ~~الحرف عن ابن عباس، على ما هو في المصحف بقراءة أبي عمرو وروايته عن مجاهد ~~وسعيد بن جبير عن ابن عباس، ثم إن معناه: أفلم يتبين، فإن كان مراد الله ~~تحت اللفظة التي خالفوا بها الإجماع فقراءتنا تقع عليها، وتأتي بتأويلها، ~~وإن أراد الله المعنى الآخر الذي اليأس فيه ليس من طريق العلم فقد سقط مما ~~أوردوا، # PageV09P320 # وأما سقوطه يبطل القرآن، ولزوم أصحابه البهتان. (أن لو يشاء الله) " أن " ~~مخففة من الثقيلة، أي أنه لو يشاء الله (لهدى الناس جميعا) وهو يرد على ~~القدرية وغيرهم. قوله تعالى: (ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا ~~قارعة) أي داهية تفجؤهم بكفرهم وعتوهم، ويقال: قرعه أمر إذا أصابه، والجمع ~~قوارع، والأصل في القرع الضرب، قال (1): # أفنى تلادي وما جمعت من نشب * قرع القواقيز أفواه الأباريق أي لا يزال ~~الكافرون تصيبهم داهية مهلكة من صاعقة كما أصاب أربد أو من قتل أو من أسر ~~أو جدب، أو غير ذلك من العذاب والبلاء، كما نزل بالمستهزئين، وهم رؤساء ~~المشركين. وقال عكرمة عن ابن عباس: القارعة النكبة. وقال ابن عباس أيضا ~~وعكرمة: # القارعة الطلائع والسرايا التي كان ينفذها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لهم (أو تحل) أي القارعة. (قريبا من دارهم) قاله قتادة والحسن. وقال ابن ~~عباس: أو تحل أنت قريبا من دارهم. وقيل: نزلت الآية بالمدينة، أي لا تزال ~~تصيبهم القوارع فتنزل بساحتهم أو بالقرب منهم كقرى المدينة ومكة. (حتى يأتي ~~وعد الله) في فتح مكة، قاله مجاهد وقتادة. وقيل: نزلت بمكة، أي تصيبهم ~~القوارع، وتخرج عنهم ms3416 إلى المدينة يا محمد، فتحل قريبا من دارهم، أو تحل بهم ~~محاصرا لهم، وهذه المحاصرة لأهل الطائف، ولقلاع خيبر، ويأتي وعد الله ~~بالإذن لك في قتالهم وقهرهم. وقال الحسن: وعد الله يوم القيامة. # قوله تعالى: ولقد استهزئ برسل من قبلك فأمليت للذين كفروا ثم أخذتهم فكيف ~~كان عقاب (32) أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت وجعلوا لله شركاء قل سموهم ~~أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض أم بظهر من القول بل زين للذين كفروا ~~مكرهم وصدوا # PageV09P321 # عن السبيل ومن يضلل الله فما له من هاد (33) لهم عذاب في الحياة الدنيا ~~ولعذاب الآخرة أشق وما لهم من الله من واق (34) قوله تعالى: (ولقد استهزئ ~~برسل من قبلك فأمليت للذين كفروا ثم أخذتهم) تقدم معنى الاستهزاء في " ~~البقرة " (1) ومعنى الإملاء في " آل عمران " (2) أي سخر بهم، وأزري عليهم، ~~فأمهلت الكافرين مدة ليؤمن من كان في علمي أنه يؤمن منهم، فلما حق القضاء ~~أخذتهم بالعقوبة. # (فكيف كان عقاب) أي فكيف رأيتم ما صنعت بهم، فكذلك أصنع بمشركي قومك. ~~قوله تعالى: (أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت) ليس هذا القيام القيام ~~الذي هو ضد القعود، بل هو بمعنى التولي لأمور الخلق، كما يقال: قام فلان ~~بشغل كذا، فإنه قائم على كل نفس بما كسبت أي يقدرها على الكسب، ويخلقها ~~ويرزقها ويحفظها ويجازيها على عملها، فالمعنى: أنه حافظ لا يغفل، والجواب ~~محذوف، والمعنى: أفمن هو حافظ لا يغفل كمن يغفل. وقيل: " أفمن هو قائم " أي ~~عالم، قاله الأعمش. قال الشاعر: # فلولا رجال من قريش أعزة * سرقتم ثياب البيت والله قائم أي عالم، فالله ~~عالم بكسب كل نفس. وقيل: المراد بذلك الملائكة الموكلون ببني آدم، عن ~~الضحاك. (وجعلوا) حال، أي أوقد جعلوا، أو عطف على " استهزئ " أي استهزءوا ~~وجعلوا، أي سموا (لله شركاء) يعني أصناما جعلوها آلهة. (قل سموهم) أي قل ~~لهم يا محمد: " سموهم " أي بينوا أسماءهم، على جهة التهديد، أي إنما يسمون: ~~اللات والعزي ومناة وهبل. (أم تنبئونه بما لا ms3417 يعلم في الأرض) " أم " ~~استفهام توبيخ، أي أتنبئونه، وهو على التحقيق عطف على استفهام متقدم في ~~المعنى، لأن قوله: " سموهم " معناه: # ألهم أسماء الخالقين. " أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض "؟. وقيل: ~~المعنى قل لهم أتنبئون الله بباطن لا يعلمه. " أم بظاهر من القول " يعلمه؟ ~~فإن قالوا: بباطن لا يعلمه أحالوا، وإن قالوا: # PageV09P322 # بظاهر يعلمه فقل لهم: سموهم، فإذا سموهم اللات والعزي فقل لهم: إن الله ~~لا يعلم لنفسه شريكا. وقيل: " أم تنبئونه " عطف على قوله: " أفمن هو قائم " ~~أي أفمن هو قائم، أم تنبئون الله بما لا يعلم، أي أنتم تدعون لله شريكا، ~~والله لا يعلم لنفسه شريكا، أفتنبئونه بشريك له في الأرض وهو لا يعلمه! ~~وإنما خص الأرض بنفي الشريك عنها وإن لم يكن له شريك في غير الأرض لأنهم ~~ادعوا له شركاء في الأرض. ومعنى. (أم بظاهر من القول): # الذي أنزل الله على أنبيائه. وقال قتادة: معناه بباطل من القول، ومنه قول ~~الشاعر: # أعيرتنا ألبانها ولحومها * وذلك عار يا ابن ريطة ظاهر أي باطل. وقال ~~الضحاك: بكذب من القول. ويحتمل خامسا (1) - أن يكون الظاهر من القول حجة ~~يظهرونها بقولهم، ويكون معنى الكلام: أتجبرونه بذلك مشاهدين، أم تقولون ~~محتجين. # (بل زين للذين كفروا مكرهم) أي دع هذا! بل زين للذين كفروا مكرهم قيل: ~~استدراك على هذا الوجه، أي ليس لله شريك، لكن زين للذين كفروا مكرهم. وقرأ ~~ابن عباس ومجاهد - " بل زين للذين كفروا مكرهم " مسمى الفاعل، وعلى قراءة ~~الجماعة فالذي زين للكافرين مكرهم الله تعالى، وقيل: الشيطان. ويجوز أن ~~يسمى الكفر مكرا، لأن مكرهم بالرسول كان كفرا. (وصدوا عن السبيل) أي صدهم ~~الله، وهي قراءة حمزة والكسائي. # الباقون بالفتح، أي صدوا غيرهم، واختاره أبو حاتم، اعتبارا بقوله: " ~~ويصدون عن سبيل الله " (2) [الأنفال: 47] وقوله: " هم الذين كفروا وصدوكم ~~عن المسجد الحرام " (3) [الفتح: 25]. وقراءة الضم أيضا حسنة في " زين " و " ~~صدوا " لأنه معلوم أن الله فاعل ذلك في مذهب أهل السنة، ففيه إثبات القدر، ~~وهو اختيار أبي عبيد. وقرأ ms3418 يحيى بن وثاب وعلقمة - " وصدوا " بكسر الصاد، ~~وكذلك. " هذه بضاعتنا ردت إلينا " (4) [يوسف: 65] بكسر الراء أيضا على ما ~~لم يسم فاعله، وأصلها صددوا ورددت، فلما أدغمت الدال الأولى في الثانية ~~نقلت حركتها على ما قبلها فانكسر. # (ومن يضلل الله) بخذلانه. (فما له من هاد) أي موفق، وفي هذا إثبات قراءة ~~الكوفيين # PageV09P323 # ومن تابعهم، لقوله: " ومن يضلل الله " فكذلك قوله: " وصدوا ". ومعظم ~~القراء يقفون على الدال من غير الياء، وكذلك " وال " و " واق "، لأنك تقول ~~في الرجل: هذا قاض ووال وهاد، فتحذف الياء لسكونها والتقائها مع التنوين. ~~وقرئ " فما له من هادي "، " والي " و " واقي " بالياء، وهو على لغة من ~~يقول: هذا داعي ووالى وواقي بالياء، لأن حذف الياء في حالة الوصل لالتقائها ~~مع التنوين، وقد أمنا هذا في الوقف، فردت الياء فصار هادي ووالي وواقي. ~~وقال الخليل في نداء قاض: يا قاضي بإثبات الياء، إذ لا تنوين مع النداء، ~~كما لا تنوين في نحو الداعي والمتعالي. # قوله تعالى: (لهم عذاب في الحياة الدنيا) أي للمشركين الصادين، بالقتل ~~والسبي والإسار، وغير ذلك من الأسقام والمصائب. (ولعذاب الآخرة أشق) أي ~~أشد، من قولك: شق علي كذا يشق. (وما لهم من الله من واق) أي مانع يمنعهم من ~~عذابه ولا دافع. و " من " زائدة. # قوله تعالى: مثل الجنة التي وعد المتقون تجرى من تحتها الأنهار أكلها ~~دائم وظلها تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار (35) قوله تعالى: ~~(مثل الجنة التي وعد المتقون) اختلف النحاة في رفع " مثل " فقال سيبويه: ~~ارتفع بالابتداء والخبر محذوف، والتقدير: وفيما يتلى عليكم مثل الجنة. وقال ~~الخليل: ارتفع بالابتداء وخبره " تجري من تحتها الأنهار " أي صفة الجنة ~~التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار، كقولك: قولي يقوم زيد، فقولي ~~مبتدأ، ويقوم زيد خبره، والمثل بمعنى الصفة موجود، قال الله تعالى: " ذلك ~~مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل " (1) [الفتح: 29] وقال: # " ولله المثل الأعلى " (2) [النحل: 60] أي الصفة العليا، وأنكره أبو علي ~~وقال: لم يسمع مثل بمعنى الصفة، إنما معناه الشبه، ألا ms3419 تراه يجري مجراه في ~~مواضعه ومتصرفاته، كقولهم: مررت برجل مثلك، كما تقول: مررت برجل شبهك، قال: ~~ويفسد أيضا من جهة المعنى، لأن مثلا # PageV09P324 # إذا كان معناه صفة كان تقدير الكلام: صفة الجنة التي فيها أنهار، وذلك ~~غير مستقيم، لأن الأنهار في الجنة نفسها لا صفتها. وقال الزجاج: مثل الله ~~عز وجل لنا ما غاب عنا بما نراه، والمعنى: مثل الجنة جنة تجري من تحتها ~~الأنهار، وأنكره أبو علي فقال: لا يخلو المثل على قوله أن يكون الصفة أو ~~الشبه، وفي كلا الوجهين لا يصح ما قاله، لأنه إذا كان بمعنى الصفة لم يصح، ~~لأنك إذا قلت: صفة الجنة جنة، فجعلت الجنة خبرا لم يستقم ذلك، لأن الجنة لا ~~تكون الصفة، وكذلك أيضا شبه الجنة جنة، ألا ترى أن الشبه عبارة عن المماثلة ~~التي بين المتماثلين، وهو حدث، والجنة غير حدث، فلا يكون الأول الثاني. ~~وقال الفراء: المثل مقحم للتأكيد، والمعنى: الجنة التي وعد المتقون تجري من ~~تحتها الأنهار، والعرب تفعل ذلك كثيرا بالمثل، كقوله: " ليس كمثله شئ " (1) ~~[الشورى: 11]: أي ليس هو كشئ (2). وقيل التقدير: صفة الجنة التي وعد ~~المتقون صفة جنة " تجري من تحتها الأنهار ". وقيل معناه: شبه الجنة التي ~~وعد المتقون في الحسن والنعمة والخلود كشبه النار في العذاب والشدة ~~والخلود، قاله مقاتل. # (أكلها دائم) لا ينقطع، وفي الخبر: " إذا أخذت ثمرة عادت مكانها أخرى " ~~وقد بيناه في " التذكرة ". (وظلها) أي وظلها كذلك، فحذف، أي ثمرها لا ~~ينقطع، وظلها لا يزول، وهذا رد على الجهمية في زعمهم أن نعيم الجنة يزول ~~ويفني. (تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار) أي عاقبة أمر المكذبين ~~وآخرتهم النار يدخلونها. # قوله تعالى: والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب من ~~ينكر بعضه قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به إليه ادعوا وإليه مآب ~~(36) قوله تعالى: (والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك) أي بعض من ~~أوتي الكتاب يفرح بالقرآن، كابن سلام وسلمان، والذين جاءوا من الحبشة، ~~فاللفظ عام، والمراد ms3420 الخصوص. وقال قتادة: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ~~يفرحون بنور القرآن، وقاله مجاهد # PageV09P325 # وابن زيد. وعن مجاهد أيضا أنهم مؤمنو أهل الكتاب. وقيل: هم جماعة أهل ~~الكتاب من اليهود والنصارى يفرحون بنزول القرآن لتصديقه كتبهم. وقال أكثر ~~العلماء: كان ذكر الرحمن في القرآن قليلا في أول ما أنزل، فلما أسلم عبد ~~الله بن سلام وأصحابه ساءهم قلة ذكر الرحمن في القرآن مع كثرة ذكره في ~~التوراة، فسألوا النبي عن ذلك، فأنزل الله تعالى: " قل ادعوا الله أو ادعوا ~~الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى " (1) [الإسراء: 110] فقالت قريس: # ما بال محمد يدعو إلى إله واحد فأصبح اليوم يدعو إلهين، الله والرحمن! ~~والله ما نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة، يعنون مسيلمة الكذاب، فنزلت: " وهم ~~بذكر الرحمن هم كافرون " (2) [الأنبياء: 36] " وهم يكفرون بالرحمن " ~~[الرعد: 30] ففرح مؤمنو أهل الكتاب بذكر الرحمن، فأنزل الله تعالى: # " والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ". (ومن الأحزاب) يعني ~~مشركي مكة، ومن لم يؤمن من اليهود والنصارى والمجوس. وقيل: هم العرب ~~المتحزبون على النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: ومن أعداء المسلمون من ينكر ~~بعض ما في القرآن، لأن فيهم من كان يعترف ببعض الأنبياء، وفيهم من كان ~~يعترف بأن الله خالق السماوات والأرض. # (قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به) قراءة الجماعة بالنصب عطفا على ~~" أعبد ". # وقرأ أبو خالد (3) بالرفع على الاستئناف أي أفرده بالعبادة وحده لا شريك ~~له، وأتبرأ عن المشركين، ومن قال: المسيح ابن الله وعزير ابن الله، ومن ~~اعتقد التشبيه كاليهود. # (إليه أدعو) أي إلى عبادته أدعو الناس. (وإليه مآب) أي أرجع في أموري ~~كلها. # قوله تعالى: وكذلك أنزلناه حكما عربيا ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من ~~العلم مالك من الله من ولى ولا واق (37) قوله تعالى: (وكذلك أنزلناه حكما ~~عربيا) أي وكما أنزلنا عليك القرآن فأنكره بعض الأحزاب كذلك أنزلناه حكما ~~عربيا، وإنما وصفه بذلك لأنه أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم، وهو عربي، ~~فكذب الأحزاب بهذا ms3421 الحكم أيضا. وقيل نظم الآية: وكما أنزلنا الكتب على ~~الرسل بلغاتهم كذلك أنزلنا إليك القرآن حكما عربيا، أي بلسان العرب، ويريد ~~بالحكم ما فيه # PageV09P326 # من الأحكام. وقيل: أراد بالحكم العربي القرآن كله، لأنه يفصل بين الحق ~~والباطل ويحكم. # (ولئن اتبعت أهواءهم) أي أهواء المشركين في عبادة ما دون الله، وفي ~~التوجيه إلى غير الكعبة. (بعد ما جاءك من العلم مالك من الله من ولى) أي ~~ناصر ينصرك. (ولا واق) يمنعك من عذابه، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، ~~والمراد الأمة. # قوله تعالى: ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية وما كان ~~لرسول أن يأتي بأية إلا بإذن الله لكل أجل كتاب (38) فيه مسئلتان: # الأولى - قيل: إن اليهود عابوا على النبي صلى الله عليه وسلم الأزواج، ~~وعيرته بذلك وقالوا: ما نرى لهذا الرجل همة إلا النساء والنكاح، ولو كان ~~نبيا لشغله أمر النبوة عن النساء، فأنزل الله هذه والآية، وذكرهم أمر داود ~~وسليمان فقال: (ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية) أي ~~جعلناهم بشرا يقضون ما أحل الله من شهوات الدنيا، وإنما التخصيص في الوحي. # الثانية - هذه الآية تدل على الترغيب في النكاح والحض عليه، وتنهى عن ~~التبتل، وهو ترك النكاح، وهذه سنة المرسلين كما نصت عليه هذه الآية، والسنة ~~واردة بمعناها، قال صلى الله عليه وسلم: (تزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم) ~~الحديث. وقد تقدم في " آل عمران " (1) وقال: (من تزوج فقد استكمل نصف الدين ~~فليتق الله في النصف الثاني) (2). ومعنى ذلك أن النكاح يعف عن الزني، ~~والعفاف أحد الخصلتين اللتين ضمن رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهما ~~الجنة فقال: " من وقاه الله شر اثنتين ولج الجنة ما بين لحييه وما بين ~~رجليه " خرجه الموطأ وغيره. وفي صحيح البخاري عن أنس قال: (جاء ثلاثة رهط ~~إلى بيوت أزواج النبي # PageV09P327 # صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما ~~أخبروا كأنهم تقالوها فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم! قد ~~غفر ms3422 الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. # فقال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدا، وقال الآخر: إني أصوم الدهر ~~فلا أفطر. # وقال الآخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج، فجاء رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم [إليهم] (1) فقال: # " أنتم الذين قلتم كذا وكذا أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني ~~أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني ". خرجه ~~مسلم بمعناه، وهذا أبين. وفي صحيح مسلم عن سعد بن أبي وقاص قال: أراد عثمان ~~أن يتبتل فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم، ولو أجاز له ذلك لاختصينا، وقد ~~تقدم في " آل عمران " (2) الحض على طلب الولد والرد على من جهل ذلك. وقد ~~روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يقول: إني لا تزوج المرأة وما ~~لي فيها من حاجة، وأطؤها وما أشتهيها، قيل له: وما يحملك على ذلك يا أمير ~~المؤمنين؟ # قال: حبي أن يخرج الله مني من يكاثر به النبي صلى الله عليه وسلم النبيين ~~يوم القيامة، وإني سمعته يقول: " عليكم بالأبكار فإنهن أعذب أفواها وأحسن ~~أخلاقا وأنتق أرحاما وإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة " يعني بقول: " أنتق ~~أرحاما " أقبل للولد، ويقال للمرأة الكثيرة الولد ناتق، لأنها ترمي ~~بالأولاد رميا. وخرج أبو داود عن معقل بن يسار قال: جاء رجل إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال: إني أصبت امرأة ذات حسب وجمال، وإنها لا تلد، ~~أفأتزوجها؟ قال " لا " ثم أتاه الثانية فنهاه، ثم أتاه الثالثة فقال: " ~~تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم ". صححه أبو محمد عبد الحق ~~وحسبك. # قوله تعالى: (وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله) عاد الكلام إلى ~~ما اقترحوا من الآيات - ما تقدم ذكره في هذه السورة - فأنزل [الله] (3) ذلك ~~فيهم، وظاهر الكلام حظر ومعناه النفي، لأنه لا يحظر على أحد ما لا يقدر ~~عليه. (لكل أجل كتاب) أي لكل أمر قضاه الله كتاب عند الله، قال الحسن. ~~وقيل: فيه تقديم وتأخير، ms3423 المعنى: لكل كتاب أجل، قال الفراء # PageV09P328 # والضحاك، أي لكل أمر كتبه الله أجل مؤقت، ووقت معلوم، نظيره. " لكل نبأ ~~مستقر " (1) [الأنعام: 67]، بين أن المراد ليس على اقتراح الأمم في نزول ~~العذاب، بل لكل أجل كتاب. وقيل: المعنى لكل مدة كتاب مكتوب، وأمر مقدر لا ~~تقف عليه الملائكة. وذكر الترمذي الحكيم في " نوادر الأصول " عن شهر بن ~~حوشب عن أبي هريرة قال: لما ارتقى موسى صلوات الله عليه وسلامه طور سيناء ~~رأى الجبار في إصبعه خاتما، فقال: يا موسى ما هذا؟ وهو أعلم به، قال: شئ من ~~حلي الرجال، قال: فهل عليه شئ من أسمائي مكتوب أو كلامي؟ قال: لا، قال: ~~فاكتب عليه " لكل أجل كتاب ". # قوله تعالى: يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب (39) قوله تعالى: ~~(يمحو الله ما يشاء ويثبت) أي يمحو من ذلك الكتاب ما يشاء أن يوقعه بأهله ~~ويأتي به. " ويثبت " ما يشاء، أي يؤخره إلى وقته، يقال: محوت الكتاب محوا، ~~أي أذهبت أثره. " ويثبت " أي ويثبته، كقوله: " والذاكرين الله كثيرا ~~والذاكرات " (2) [الأحزاب: 35] أي والذاكرات الله. # وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم " ويثبت " بالتخفيف، وشدد الباقون، وفي ~~قراءة ابن عباس، واختيار أبي حاتم وأبي عبيد لكثرة من قرأ بها، لقول: " ~~يثبت الله الذين آمنوا " (3) [إبراهيم: 27]. # وقال ابن عمر: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " يمحو الله ما يشاء ~~ويثبت إلا السعادة والشقاوة والموت ". وقال ابن عباس: يمحو الله ما يشاء ~~ويثبت إلا أشياء (4)، الخلق والخلق والأجل والرزق والسعادة والشقاوة، وعنه: ~~هما كتابان سوى أم الكتاب، يمحو الله منهما ما يشاء ويثبت. (وعنده أم ~~الكتاب) الذي لا يتغير منه شئ. قال القشيري: وقيل السعادة والشقاوة والخلق ~~والخلق والرزق لا تتغير، فالآية فيما عدا هذه الأشياء، وفي هذا القول نوع ~~تحكم. # قلت: مثل هذا لا يدرك بالرأي والاجتهاد، وإنما يؤخذ توقيفا، فإن صح ~~فالقول به يجب ويوقف عنده، وإلا فتكون الآية عامة في جميع الأشياء، وهو ~~الأظهر والله أعلم، وهذا # PageV09P329 # يروي معناه عن عمر بن الخطاب رضي ms3424 الله عنه وابن مسعود وأبي وائل وكعب ~~الأحبار وغيرهم، وهو قول الكلبي. وعن أبي عثمان النهدي أن عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه كان يطوف بالبيت وهو يبكي ويقول: اللهم إن كنت كتبتني في أهل ~~السعادة فأثبتني فيها، وإن كنت كتبتني في أهل الشقاوة والذنب فامحني ~~وأثبتني في أهل السعادة والمغفرة، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك أم ~~الكتاب. وقال ابن مسعود: اللهم إن كنت كتبتني في السعداء فأثبتني فيهم، وإن ~~كنت كتبتني في الأشقياء فامحني من الأشقياء واكتبني في السعداء، فإنك: تمحو ~~ما تشاء وتثبت، وعندك أم الكتاب. وكان أبو وائل يكثر أن يدعو: اللهم إن كنت ~~كتبتنا أشقياء فامح واكتبنا سعداء، وإن كنت كتبتنا سعداء فأثبتنا، فإنك ~~تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب. وقال كعب لعمر بن الخطاب: لولا آية في ~~كتاب الله لأنبأتك بما هو كائن إلى يوم القيامة. " يمحو الله ما يشاء ويثبت ~~وعنده أم الكتاب ". وقال مالك بن دينار في المرأة التي دعا لها: اللهم إن ~~كان في بطنها جارية فأبدلها غلاما فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم ~~الكتاب. وقد تقدم في الصحيحين عن أبي هريرة قال: سمعت النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقول: " من سره أن يبسط له رزقه وينسأ له أثره (1) فليصل رحمه ". # ومثله عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من أحب " ~~فذكره بلفظه سواء، وفيه تأويلان: أحدهما - معنوي، وهو ما يبقى بعده من ~~الثناء الجميل والذكر الحسن، والأجر المتكرر، فكأنه لم يمت. والآخر - يؤخر ~~أجله المكتوب في اللوح المحفوظ، والذي في علم الله ثابت لا تبدل له، كما ~~قال: " يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب ". وقيل لابن عباس لما روى ~~الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من أحب أن يمد ~~الله في عمره وأجله ويبسط له في رزقه فليتق الله وليصل رحمه " كيف يزاد في ~~العمر والأجل؟! فقال: قال الله عز وجل: " هو الذي خلقكم من طين ms3425 ثم قضى أجلا ~~وأجل مسمى عنده " (2) [الأنعام: 2]. فالأجل الأول أجل العبد من حين ولادته ~~إلى حين موته، والأجل # PageV09P330 # الثاني - يعني المسمى عنده - من حين وفاته إلى يوم يلقاه في البرزخ لا ~~يعلمه إلا الله، فإذا اتقى العبد ربه ووصل رحمه زاده الله في أجل عمره ~~الأول من أجل البرزخ، ما شاء، وإذا عصى وقطع رحمه نقصه الله من أجل عمره في ~~الدنيا ما شاء، فيزيده في أجل البرزخ فإذا تحتم الأجل في علمه السابق امتنع ~~الزيادة والنقصان، لقوله تعالى: " فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا ~~يستقدمون " (1) [الأعراف: 34] فتوافق الخبر والآية، وهذه زيادة في نفس ~~العمر وذات الأجل على ظاهر اللفظ، في اختيار حبر الأمة، والله أعلم. وقال ~~مجاهد: يحكم الله أمر السنة في رمضان فيمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء، إلا ~~الحياة والموت، والشقاء والسعادة، وقد مضى القول فيه. # وقال الضحاك: يمحو الله ما يشاء من ديوان الحفظة ما ليس فيه ثواب ولا ~~عقاب، ويثبت ما فيه ثواب وعقاب، وروى معناه أبو صالح عن ابن عباس. وقال ~~الكلبي: يمحو من الرزق ويزيد فيه، ويمحو من الأجل ويزيد فيه، ورواه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم. ثم سئل الكلبي عن هذه الآية فقال: يكتب القول ~~كله، حتى إذا كان يوم الخميس طرح منه كل شئ ليس فيه ثواب ولا عقاب، مثل ~~قولك: أكلت وشربت ودخلت وخرجت ونحوه، وهو صادق، ويثبت ما فيه الثواب ~~والعقاب. وقال قتادة وابن زيد وسعيد بن جبير: يمحو الله ما يشاء من الفرائض ~~والنوافل فينسخه ويبدله، ويثبت ما يشاء فلا ينسخه، وجملة الناسخ والمنسوخ ~~عنده في أم الكتاب، ونحوه ذكره النحاس والمهدوي عن ابن عباس، قال النحاس: # وحدثنا بكر بن سهل، قال حدثنا أبو صالح، عن معاوية بن صالح، عن علي بن ~~أبي طلحة عن ابن عباس، " يمحو الله ما يشاء " يقول: يبدل الله من القرآن ما ~~يشاء فينسخه، " ويثبت " ما يشاء فلا يبدله، " وعنده أم الكتاب " يقول: جملة ~~ذلك عنده في أم الكتاب، الناسخ والمنسوخ. ms3426 وقال سعيد بن جبير أيضا: يغفر ما ~~يشاء - يعني - من ذنوب عباده، ويترك ما يشاء فلا يغفره. وقال عكرمة: يمحو ~~ما يشاء - يعني بالتوبة - جميع الذنوب ويثبت بدل الذنوب حسنات [قال تعالى] ~~(2): " إلا من تاب وأمن وعمل عملا صالحا " (3) [الفرقان: 70] الآية. وقال # PageV09P331 # الحسن: " يمحو الله ما يشاء " من جاء أجله، " ويثبت " من لم يأت أجله. ~~وقال الحسن: # يمحو الآباء، ويثبت الأبناء. وعنه أيضا. ينسي الحفظة من الذنوب ولا ينسى. ~~وقال السدي: " يمحو الله ما يشاء " يعني: القمر، " ويثبت " يعني: الشمس، ~~بيانه قوله: # " فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة " (1) [الإسراء: 12] وقال ~~الربيع بن أنس: هذا في الأرواح حالة النوم، يقبضها عند النوم، ثم إذا أراد ~~موته فجأة أمسكه، ومن أراد بقاءه أثبته ورده إلى صاحبه، بيانه قوله: " الله ~~يتوفى الأنفس حين موتها " (2) الآية [الزمر: 42]. وقال علي بن أبي طالب ~~يمحو الله ما يشاء من القرون، كقوله: " ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون ~~" (2) [يس: 31] ويثبت ما يشاء منها، كقوله: " ثم أنشأنا من بعدهم قرنا ~~آخرين " (3) [المؤمنون: 31] فيمحو قرنا، ويثبت قرنا. وقيل: # هو الرجل يعمل الزمن الطويل بطاعة الله، ثم يعمل بمعصية الله فيموت على ~~ضلاله، فهو الذي يمحو، والذي يثبت: الرجل يعمل بمعصية الله الزمان الطويل ~~ثم يتوب، فيمحوه الله من ديوان السيئات، ويثبته في ديوان الحسنات، ذكره ~~الثعلبي والماوردي عن ابن عباس. # وقيل: يمحو الله ما يشاء - يعني الدنيا - ويثبت الآخرة. وقال قيس بن عباد ~~في اليوم العاشر من رجب: هو اليوم الذي يمحو الله فيه ما يشاء، ويثبت فيه ~~ما يشاء، وقد تقدم عن مجاهد أن ذلك يكون في رمضان. وقال ابن عباس: إن لله ~~لوحا محفوظا مسيرة خمسمائة عام، من درة بيضاء، لها دفتان من ياقوتة حمراء، ~~لله فيه (4) كل يوم ثلاثمائة وستون نظرة، يثبت ما يشاء ويمحو ما يشاء. وروي ~~أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله سبحانه يفتح الذكر ~~في ثلاث ساعات يبقين من الليل فينظر في الكتاب الذي لا ينظر ms3427 فيه أحد غيره ~~فيثبت ما يشاء ويمحو ما يشاء ". والعقيدة أنه لا تبديل لقضاء الله، وهذا ~~المحو والإثبات مما سبق به القضاء، وقد تقدم أن من القضاء ما يكون واقعا ~~محتوما، وهو الثابت، ومنه ما يكون مصروفا بأسباب، وهو الممحو، والله أعلم. ~~وقال الغزنوي: وعندي أن ما في اللوح خرج عن الغيب لإحاطة بعض الملائكة، ~~فيحتمل التبديل، لأن إحاطة الخلق بجميع علم الله محال، وما في علمه من ~~تقدير الأشياء لا يبدل. " وعنده أم الكتاب " أصل ما كتب من الآجال # PageV09P332 # وغيرها. وقيل: أم الكتاب اللوح المحفوظ الذي لا يبدل ولا يغير. وقد قيل: ~~إنه يجري فيه التبديل. وقيل: إنما يجري في الجرائد الأخر. وسئل ابن عباس عن ~~أم الكتاب فقال: # علم الله ما هو خالق، وما خلقه عاملون، فقال لعلمه: كن كتابا، ولا تبديل ~~في علم الله، وعنه أنه الذكر، دليله قوله تعالى: " ولقد كتبنا في الزبور من ~~بعد الذكر " (1) [الأنبياء: 105] وهذا يرجع معناه إلى الأول، وهو معنى قول ~~كعب. قال كعب الأحبار: أم الكتاب علم الله تعالى بما خلق وبما هو خالق. # قوله تعالى: وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإنما عليك البلغ ~~وعلينا الحساب (40) أو لم يروا أنا نأتى الأرض ننقصا من أطرافها والله يحكم ~~لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب (41) قوله تعالى: (وإما نرينك بعض الذي ~~نعدهم) " ما " زائدة، والتقدير: وإن نرينك بعض الذي نعدهم، أي من العذاب ~~لقوله: " لهم عذاب في الحياة الدنيا " [الرعد: 34] وقوله: # " ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة " [الرعد: 31] أي إن ~~أريناك بعض ما وعدناهم (أو نتوفينك فإنما عليك البلاغ) فليس عليك إلا ~~البلاغ، أي التبليغ، (وعلينا الحساب) أي الجزاء والعقوبة. # قوله تعالى: (أو لم يروا) يعني، أهل مكة، (أنا نأتى الأرض) أي نقصدها. # (ننقصها من من أطرافها) اختلف فيه، فقال ابن عباس ومجاهد: " ننقصها من ~~أطرافها " موت علمائها وصلحائها قال القشيري: وعلى هذا فالأطراف الأشراف، ~~وقد قال ابن الأعرابي: الطرف والطرف الرجل الكريم، ولكن هذا القول بعيد، ~~لأن ms3428 مقصود الآية: أنا أريناهم النقصان في أمورهم، ليعلموا أن تأخير العقاب ~~عنهم ليس عن عجز، إلا أن يحمل قول ابن عباس على موت أحبار اليهود والنصارى. ~~وقال مجاهد أيضا # PageV09P333 # وقتادة والحسن: هو ما يغلب عليه المسلمون مما في أيدي المشركين، وروي ذلك ~~عن ابن عباس، وعنه أيضا هو خراب الأرض حتى يكون العمران في ناحية منها، وعن ~~مجاهد: # نقصانها خرابها وموت أهلها. وذكر وكيع بن الجراح عن طلحة بن عمير عن عطاء ~~بن أبي رباح في قول الله تعالى: " أو لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من ~~أطرافها " قال: ذهاب فقهائها وخيار أهلها. قال أبو عمر بن عبد البر: قول ~~عطاء في تأويل الآية حسن جدا، تلقاه أهل العلم بالقبول. # قلت: وحكاه المهدوي عن مجاهد وابن عمر، وهذا نص القول الأول نفسه، روى ~~سفيان عن منصور عن مجاهد، " ننقصها من أطرافها " قال: موت الفقهاء ~~والعلماء، ومعروف في اللغة أن الطرف الكريم من كل شئ، وهذا خلاف ما ارتضاه ~~أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم من قول ابن عباس. وقال عكرمة والشعبي: هو ~~النقصان وقبض الأنفس. # قال أحدهما: ولو كانت الأرض تنقص لضاق عليك حشك (1). وقال الآخر: لضاق ~~عليك حش تتبرز فيه. قيل: المراد به هلاك من هلك من الأمم قبل قريش وهلاك ~~أرضهم بعدهم، والمعنى: أو لم تر قريش هلاك من قبلهم، وخراب أرضهم بعدهم؟! ~~أفلا يخافون أن يحل بهم مثل ذلك، وروي ذلك أيضا عن ابن عباس ومجاهد وابن ~~جريج. وعن ابن عباس أيضا أنه بركات الأرض وثمارها وأهلها. وقيل: [نقصها] ~~(2) بجور ولاتها. # قلت: وهذا صحيح معنى، فإن الجور والظلم يخرب البلاد، بقتل أهلها ~~وانجلائهم عنها، وترفع من الأرض البركة، والله أعلم. # قوله تعالى: (والله يحكم لا معقب لحكمه) أي ليس يتعقب حكمه أحد بنقص ولا ~~تغيير. (وهو سريع الحساب) أي الانتقام من الكافرين، سريع الثواب للمؤمن. # وقيل: لا يحتاج في حسابه إلى روية قلب، ولا عقد بنان، حسب ما تقدم في " ~~البقرة " (3) بيانه. # PageV09P334 # قوله تعالى: وقد مكر ms3429 الذين من قبلهم فلله المكر جميعا يعلم ما تكسب كل ~~نفس وسيعلم الكفر لمن عقبى الدار (42) ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى ~~بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب (43) قوله تعالى: (وقد مكر ~~الذين من قبلهم) أي من قبل مشركي مكة، مكروا بالرسل وكادوا لهم وكفروا بهم. ~~(فلله المكر جميعا) أي هو مخلوق له مكر الماكرين، فلا يضر إلا بإذنه. وقيل: ~~فلله خير المكر، أي يجازيهم به. (يعلم ما تكسب كل نفس) من خير وشر، فيجازي ~~عليه. (وسيعلم الكافر) كذا قراءه نافع وابن كثير وأبي عمرو. الباقون " ~~الكفار " على الجمع. وقيل: عني [به] (1) أبو جهل. (لمن عقبى الدار) أي ~~عاقبة دار الدنيا ثوابا وعقابا، أو لمن الثواب والعقاب في الدار الآخرة، ~~وهذا تهديد ووعيد. # قوله تعالى: (ويقول الذين كفروا لست مرسلا) قال قتادة: هم مشركو العرب، ~~أي لست بنبي ولا رسول، وإنما أنت متقول، أي لما لم يأتهم بما اقترحوا قالوا ~~ذلك. # (قل كفى بالله) أي قل لهم يا محمد: " كفى بالله " أي كفى الله (شهيدا ~~بيني وبينكم) بصدقي وكذبكم. (ومن عنده علم الكتاب) وهذا إحجاج على مشركي ~~العرب لأنهم كانوا يرجعون إلى أهل الكتاب - من آمن منهم - في التفاسير. ~~وقيل: كانت شهادتهم قاطعة لقول الخصوم، وهم مؤمنو أهل الكتاب كعبد الله بن ~~سلام وسلمان الفارسي وتميم الداري والنجاشي وأصحابه، قاله قتادة وسعيد بن ~~جبير. وروى الترمذي عن ابن أخي عبد الله بن سلام قال: لما أريد [قتل] عثمان ~~جاء عبد الله بن سلام فقال له عثمان: ما جاء بك؟ قال: # جئت في نصرتك، قال: أخرج إلى الناس فاطردهم عني، فإنك خارج خير لي من ~~داخل، [قال] (1) فخرج عبد الله بن سلام إلى الناس فقال: أيها الناس! إنه ~~كان اسمي في الجاهلية فلان (2)، فسماني # PageV09P335 # رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله، ونزلت في آيات من كتاب الله، ~~فنزلت في. " وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم إن الله لا ~~يهدي القوم الظالمين " (1) [الأحقاف: 10] ونزلت في. ms3430 " قل كفى بالله شهيدا ~~بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب " الحديث. وقد كتبناه بكماله في كتاب " ~~التذكرة ". وقال فيه أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب. وكان اسمه في الجاهلية ~~حصين فسماه النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله. وقال أبو بشر: قلت لسعيد بن ~~جبير " ومن عنده علم الكتاب "؟ قال: هو عبد الله بن سلام. # قلت: وكيف يكون عبد الله بن سلام وهذه السورة مكية (1) وابن سلام ما أسلم ~~إلا بالمدينة؟! # ذكره الثعلبي. وقال القشيري: وقال ابن جبير السورة مكية وابن سلام أسلم ~~بالمدينة بعد هذه السورة، فلا يجوز أن تحمل هذه الآية على ابن سلام، فمن ~~عنده علم الكتاب جبريل، وهو قول ابن عباس. وقال الحسن ومجاهد والضحاك: هو ~~الله تعالى، وكانوا يقرءون " ومن عنده علم الكتاب " وينكرون على من يقول: ~~هو عبد الله بن سلام وسلمان، لأنهم يرون أن السورة مكية، وهؤلاء أسلموا ~~بالمدينة. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ " ومن عنده علم الكتاب ~~" وإن كان في الرواية ضعف، وروى ذلك سليمان بن أرقم عن الزهري عن سالم عن ~~أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وروى محبوب عن إسماعيل بن محمد اليماني ~~أنه قرأ كذلك - " ومن عنده " بكسر الميم والعين والدال " علم الكتاب " بضم ~~العين ورفع الكتاب. وقال عبد الله بن عطاء: قلت، لأبي جعفر بن علي بن ~~الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم زعموا أن الذي عنده علم الكتاب ~~عبد الله بن سلام فقال: إنما ذلك علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وكذلك قال ~~محمد ابن الحنفية. وقيل: جميع المؤمنين، والله أعلم. # قال القاضي أبو بكر بن العربي: أما من قال إنه علي فعول على أحد وجهين: ~~إما لأنه عنده أعلم المؤمنين وليس كذلك، بل أبو بكر وعمر وعثمان أعلم منه. ~~ولقول النبي صلى الله عليه وسلم. # " أنا مدينة العلم وعلي بابها " وهو حديث باطل (2)، النبي صلى الله عليه ~~وسلم مدينة علم وأصحابه أبوابها، فمنهم الباب المنفسح، ومنهم المتوسط، ms3431 على ~~قدر منازلهم في العلوم. وأما من قال # PageV09P336 # إنهم جميع المؤمنين فصدق، لأن كل مؤمن يعلم الكتاب، ويدرك وجه إعجازه، ~~ويشهد للنبي صلى الله عليه وسلم بصدقه. # قلت: فالكتاب على هذا هو القرآن. وأما من قال هو عبد الله بن سلام فعول ~~على حديث الترمذي، وليس يمتنع أن ينزل في عبد الله بن سلام شيئا ويتناول ~~جميع المؤمنين لفظا، ويعضده من النظام أن قوله تعالى: " ويقول الذين كفروا ~~" يعني قريشا، فالذين عندهم علم الكتاب هم المؤمنون من اليهود والنصارى، ~~الذين هم إلى معرفة النبوة والكتاب أقرب من عبدة الأوثان. قال النحاس: وقول ~~من قال هو عبد الله بن سلام وغيره يحتمل أيضا، لأن البراهين إذا صحت وعرفها ~~من قرأ الكتب التي أنزلت قبل القرآن كان أمرا مؤكدا، والله أعلم بحقيقة ~~ذلك. PageV09P337 # بسم الله الرحمن الرحيم [صلى الله على محمد وآله وسلم تسليما (1)] تفسير ~~سورة إبراهيم مكية كلها في قول الحسن وعكرمة وجابر. وقال ابن عباس وقتادة: ~~إلا آيتين منها مدنيتين وقيل: ثلاث، نزلت في الذين حاربوا الله ورسوله وهي ~~قوله تعالى: # " ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرا " [إبراهيم: 28] إلى قوله: " ~~فإن مصيركم إلى النار " [إبراهيم: 30]. # قوله تعالى: الر كتب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ~~ربهم إلى صرط العزيز الحميد (1) قوله تعالى: (الر كتاب أنزلناه إليك) تقدم ~~معناه. (لتخرج الناس) أي بالكتاب، وهو القرآن، أي بدعائك إليه. (من الظلمات ~~إلى النور) أي من ظلمات الكفر الضلالة والجهل إلى نور الإيمان والعلم، وهذا ~~على التمثيل، لأن الكفر بمنزلة الظلمة، والإسلام بمنزلة النور. وقيل: من ~~البدعة إلى السنة، ومن الشك إلى اليقين، والمعنى متقارب. (بإذن ربهم) أي ~~بتوفيقه إياهم ولطفه بهم، والباء في " بإذن ربهم " متعلقة ب " تخرج " وأضيف ~~الفعل إلى النبي صلى الله عليه وسلم لأنه الداعي والمنذر الهادي. (إلى صراط ~~العزيز الحميد) هو كقولك: خرجت إلى زيد العاقل الفاضل من غير واو، لأنهما ~~شئ واحد، والله هو العزيز الذي لا مثل له ولا شبيه. وقيل: ms3432 " العزيز " الذي ~~لا يغلبه غالب. وقيل: " العزيز " المنيع في ملكه وسلطانه. " الحميد " أي ~~المحمود بكل لسان، والممجد في كل مكان على كل حال. وروى مقسم عن ابن عباس ~~قال: كان قوم آمنوا بعيسى ابن مريم، وقوم كفروا به، فلما بعث محمد صلى الله ~~عليه وسلم آمن به الذين كفروا بعيسى، وكفر الذين آمنوا بعيسى، فنزلت هذه ~~الآية، ذكره الماوردي. # PageV09P338 # قوله تعالى: الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وويل للكافرين من ~~عذاب شديد (2) الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ويصدون عن سبيل الله ~~ويبغونها عوجا أولئك في ضلل بعيد (3) قوله تعالى: (الله الذي له ما في ~~السماوات وما الأرض) أي ملكا وعبيدا واختراعا وخلقا. وقرأ نافع وابن عامر ~~وغيرهما: " الله " بالرفع على الابتداء " الذي " خبره. وقيل: # " الذي " صفة، والخبر مضمر، أي الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ~~قادر على كل شئ. الباقون بالخفض نعتا للعزيز الحميد فقدم النعت على ~~المنعوت، كقولك: مررت بالظريف زيد. وقيل: على البدل من " الحميد " وليس ~~صفة، لأن أسم الله صار كالعلم فلا يوصف، كما لا يوصف بزيد وعمرو، بل يجوز ~~أن يوصف به من حيث المعنى، لأن معناه أنه المنفرد بقدرة الإيجاد. وقال أبو ~~عمرو: والخفض على التقديم والتأخير، مجازه: # إلى صراط الله العزيز الحميد الذي له ما في السماوات وما في الأرض. وكان ~~يعقوب إذا وقف على " الحميد " رفع، وإذا وصل خفض على النعت. قال ابن ~~الأنباري: من خفض وقف على " وما في الأرض ". # قوله تعالى: (وويل للكافرين من عذاب شديد) قد تقدم معنى الويل في " ~~البقرة " (1) وقال الزجاج: هي كلمة تقال للعذاب والهلكة. " من عذاب شديد " ~~أي من جهنم. # (الذين يستحبون الحياة الدنيا) أي يختارونها على الآخرة، والكافرون ~~يفعلون ذلك. ف‍ " الذين " في موضع خفض صفة لهم. وقيل: في موضع رفع خبر ~~ابتداء مضمر، أي هم الذين. # وقيل: " الذين يستحبون " مبتدأ وخبره. " أولئك ". وكل من آثر الدنيا ~~وزهرتها، واستحب # PageV09P339 # البقاء في نعيمها على النعيم في الآخرة، وصد عن ms3433 سبيل الله - أي صرف الناس ~~عنه وهو دين الله، الذي جاءت به الرسل، في قول ابن عباس وغيره - فهو داخل ~~في هذه الآية، وقد قال صلى الله عليه وسلم: " إن أخوف ما أخاف على أمتي ~~الأئمة المضلون " وهو حديث صحيح. وما أكثر ما هم في هذه الأزمان، والله ~~المستعان. وقيل: " يستحبون " أي يلتمسون الدنيا من غير وجهها، لأن نعمة ~~الله لا تلتمس إلا بطاعته دون معصيته. (ويبغونها عوجا) أي يطلبون لها زيغا ~~وميلا لموافقة أهوائهم، وقضاء حاجاتهم وأغراضهم. والسبيل تذكر وتؤنث. ~~والعوج بكسر العين في الدين والأمر والأرضي، وفي كل ما لم يكن قائما، وبفتح ~~العين في كل ما كان قائما، كالحائط والرمح ونحوه، وقد تقدم في " آل عمران " ~~وغيرها. # (أولئك في ضلال بعيد) أي ذهاب عن الحق بعيد عنه. # قوله تعالى: وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من ~~يشاء ويهدى من يشاء وهو العزيز الحكيم (4) قوله تعالى: (وما أرسلنا من ~~رسول) أي قبلك يا محمد (إلا بلسان قومه) أي بلغتهم، ليبينوا لهم أمر دينهم، ~~ووحد اللسان وإن أضافه إلى القوم لأن المراد اللغة، فهي اسم جنس يقع على ~~القليل والكثير، ولا حجة للعجم وغيرهم في هذه الآية، لأن كل من ترجم له ما ~~جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ترجمة يفهمها لزمته الحجة، وقد قال الله ~~تعالى: # " وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا " (2) [سبأ: 28]. وقال صلى ~~الله عليه وسلم: " أرسل كل نبي إلى أمته بلسانها وأرسلني الله إلى كل أحمر ~~وأسود من خلقه ". وقال صلى الله عليه وسلم: # " والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لم ~~يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار ". خرجه مسلم، وقد تقدم. (فيضل ~~الله من يشاء ويهدى من يشاء) رد على القدرية في نفوذ المشيئة، وهو مستأنف، ~~وليس بمعطوف على # PageV09P340 # " ليبين " لأن الإرسال إنما وقع للتبيين لا للإضلال. ويجوز النصب في " ~~يضل " لأن الإرسال صار سببا للإضلال، فيكون ms3434 كقوله: " ليكون لهم عدوا وحزنا ~~" (1) [القصص: 8] وإنما صار الإرسال سببا للإضلال لأنهم كفروا به لما ~~جاءهم، فصار كأنه سبب لكفرهم (والعزيز) تقدم معناه. قوله تعالى: ولقد ~~أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيم الله ~~إن في ذلك لأيت لكل صبار شكور (5) قوله تعالى: (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا) ~~أي بحجتنا وبراهيننا، أي بالمعجزات الدالة على صدقه. قال مجاهد: هي التسع ~~الآيات (2). (أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور " نظيره قوله تعالى: ~~لنبينا عليه السلام أول السورة: " لتخرج الناس من الظلمات إلى النور): " أن ~~" هنا بمعنى أي، كقوله تعالى: " وانطلق الملأ منهم أن امشوا " [ص: 6] أي ~~امشوا. قوله تعالى: (وذكرهم بأيام الله) أي قل لهم قولا يتذكرون به أيام ~~الله تعالى. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: بنعم الله عليهم، وقاله أبي بن ~~كعب ورواه مرفوعا، أي بما أنعم الله عليهم من النجاة من فرعون ومن التيه ~~إلى سائر النعم، وقد تسمى النعم الأيام، ومنه قول عمرو بن كلثوم (4): # وأيام لنا غر طوال # PageV09P341 # وعن ابن عباس أيضا ومقاتل: بوقائع الله في الأمم السالفة، يقال: فلان ~~عالم بأيام العرب، أي بوقائعها. قال ابن زيد: يعني الأيام التي انتقم فيها ~~من الأمم الخالية، وكذلك روى ابن وهب عن مالك قال: بلاؤه. وقال الطبري: ~~وعظهم بما سلف في الأيام الماضية لهم، أي بما كان في أيام الله من النعمة ~~(1) والمحنة، وقد كانوا عبيدا مستذلين، واكتفى بذكر الأيام عنه لأنها كانت ~~معلومة عندهم. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبي بن كعب قال: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: " بينا موسى عليه السلام في قومه يذكرهم ~~بأيام الله وأيام الله بلاؤه ونعماؤه " وذكر حديث الخضر، ودل هذا على جواز ~~الوعظ المرفق للقلوب، المقوي لليقين. الخالي من كل بدعة، والمنزه عن كل ~~ضلالة وشبهة. (إن في ذلك) أي في التذكير بأيام الله (لآيات) أي دلالات. # (لكل صبار) أي كثير الصبر على طاعة الله، وعن معاصيه. (شكور) لنعم الله. ~~وقال ms3435 قتادة: هو العبد، إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر. وروى عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: " الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر - ثم تلا هذه ~~الآية - " إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور " ". ونحوه عن الشعبي موقوفا. ~~وتواري الحسن البصري عن الحجاج سبع سنين، فلما بلغه موته قال: اللهم قد ~~أمته فأمت سنته، وسجد شكرا، وقرأ: " إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور ". ~~وإنما خص بالآيات كل صبار شكور، لأنه يعتبر بها ولا يغفل عنها، كما قال: " ~~إنما أنت منذر من يخشاها " (2) [النازعات: 45] وإن كان منذرا للجميع. # قوله تعالى: وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل ~~فرعون يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفى ذلكم بلاء ~~من ربكم عظيم (6) وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي ~~لشديد (7) # PageV09P342 # قوله تعالى: (وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل ~~فرعون يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفى ذلكم بلاء ~~من ربكم عظيم) تقدم في " البقرة " مستوفى والحمد لله. # قوله تعالى: (وإذ تأذن ربكم) قيل: هو من قول موسى لقومه. وقيل هو من قول ~~الله، أي وأذكر يا محمد إذ قال ربك كذا. و " تأذن " وأذن بمعنى أعلم، مثل ~~أوعد وتوعد، روي معنى ذلك عن الحسن وغيره. ومنه الأذان، لأنه إعلام، قال ~~الشاعر: # فلم نشعر بضوء الصبح حتى * سمعنا في مجالسنا الأذينا وكان ابن مسعود ~~يقرأ: " وإذ قال ربكم " والمعنى واحد. (لئن شكرتم لأزيدنكم) أي لئن شكرتم ~~إنعامي لأزيدنكم من فضلي. الحسن: لئن شكرتم نعمتي لأزيدنكم من طاعتي. # ابن عباس: لئن وحدتم وأطعتم لأزيدنكم من الثواب، والمعنى متقارب في هذه ~~الأقوال، والآية تنص في أن الشكر سبب المزيد، وقد تقدم في " البقرة " (2) ~~ما للعلماء في معنى الشكر. وسئل بعض الصلحاء عن الشكر لله فقال: ألا تتقوى ~~بنعمه على معاصيه. وحكي عن داود عليه السلام أنه قال: أي رب كيف أشكرك، ~~وشكري لك نعمة مجددة منك علي. قال: ms3436 يا داود الآن شكرتني. # قلت: فحقيقة الشكر على هذا الاعتراف بالنعمة للمنعم. وألا يصرفها في غير ~~طاعته، وأنشد الهادي وهو يأكل: # أنالك رزقه لتقوم فيه * بطاعته وتشكر بعض حقه فلم تشكر لنعمته ولكن * ~~قويت على معاصيه برزقه فغص باللقمة، وخنقته العبرة. وقال جعفر الصادق: إذا ~~سمعت النعمة الشكر فتأهب للمزيد. (ولئن كفرتم إن عذابي لشديد) أي جحدتم ~~حقي. وقيل: نعمي، وعد بالعذاب على الكفر، كما وعد بالزيادة على الشكر، ~~وحذفت الفاء التي في جواب الشرط من " إن " للشهرة. # PageV09P343 # قوله تعالى: وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغنى ~~حميد (8) ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم ~~لا يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم وقالوا ~~إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب (9) قوله ~~تعالى: (وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغنى حميد) ~~أي لا يلحقه بذلك نقص، بل هو الغني. " الحميد " أي المحمود. # قوله تعالى: (ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود) النبأ ~~الخبر، والجمع الأنباء، قال (1): # ألم يأتيك والأنباء تنمي ثم قيل: هو من قول موسى. وقيل: من قول الله، أي ~~واذكر يا محمد إذ قال ربك كذا. # وقيل: هو ابتداء خطاب من الله تعالى. وخبر قوم نوح وعاد وثمود مشهور قصه ~~الله في كتابه. وقوله: (والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله) أي لا يحصي ~~عددهم إلا الله، ولا يعرف نسبهم إلا الله، والنسابون وإن نسبوا إلى آدم فلا ~~يدعون إحصاء جميع الأمم، وإنما ينسبون البعض، ويمسكون عن نسب البعض، وقد ~~روى عن النبي صلى الله عليه وسلم لما سمع النسابين ينسبون إلى معد بن عدنان ~~ثم زادوا فقال: " كذب النسابون إن الله يقول: " لا يعلمهم إلا الله " ". ~~وقد روي عن عروة بن الزبير أنه قال: ما وجدنا أحدا يعرف ما بين عدنان ~~وإسماعيل. وقال بن عباس: بين عدنان وإسماعيل ثلاثون # PageV09P344 # أبا ms3437 لا يعرفون. وكان ابن مسعود يقول حين يقرأ: " لا يعلمهم إلا الله ". ~~كذب النسابون. # (جاءتهم رسلهم بالبينات) أي بالحجج والدلالات. (فردوا أيديهم في أفواههم) ~~أي جعل أولئك القوم أيدي أنفسهم في أفواههم ليعضوها غيظا (1) مما جاء به ~~الرسل، إذ كان فيه تسفيه أحلامهم، وشتم أصنامهم، قاله بن مسعود، ومثله قاله ~~عبد الرحمن بن زيد، وقرأ: " عضوا عليكم الأنامل من " الغيظ " (2) [آل ~~عمران: 119]. وقال ابن عباس: لما سمعوا كتاب الله عجبوا ورجعوا بأيديهم إلى ~~أفواههم. وقال أبو صالح: كانوا إذا قال لهم نبيهم أنا رسول الله إليكم ~~أشاروا بأصابعهم إلى أفواههم: أن أسكت، تكذيبا له، وردا لقوله، وهذه ~~الأقوال الثلاثة متقاربة المعنى. # والضميران للكفار، والقول الأول أصحها إسنادا، قال أبو عبيد: حدثنا عبد ~~الرحمن بن مهدي عن سفيان عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص [عن] (3) عبد الله في ~~قوله تعالى: " فردوا أيديهم في أفواههم " قال: عضوا عليها غيظا، وقال ~~الشاعر: # لو أن سلمى أبصرت تخددي (4) * ودقة في عظم ساقي ويدي وبعد أهلي وجفاء ~~عودي * عضت من الوجد بأطراف اليد وقد مضى هذا المعنى في " آل عمران " (2) ~~مجودا، والحمد لله. وقال مجاهد وقتادة: ردوا على الرسل قولهم وكذبوهم ~~بأفواههم، فالضمير الأول للرسل، والثاني للكفار. وقال الحسن وغيره: # جعلوا أيديهم في أفواه الرسل ردا لقولهم، فالضمير الأول على هذا للكفار، ~~والثاني للرسل. # وقيل معناه: أومأوا للرسل أن يسكتوا. وقال مقاتل: أخذوا أيدي الرسل ~~ووضعوها على أفواه الرسل ليسكتوهم ويقطعوا كلامهم. وقيل: رد الرسل أيدي ~~القوم في أفواههم. # وقيل: إن الأيدي هنا النعم، أي ردوا نعم الرسل بأفواههم، أي بالنطق ~~والتكذيب، ومجئ الرسل بالشرائع نعم، والمعنى: كذبوا بأفواههم ما جاءت به ~~الرسل. و " في " بمعنى الباء، يقال: جلست في البيت وبالبيت، وحروف الصفات ~~يقام بعضها مقام بعض. وقال أبو عبيدة: هو ضرب مثل، أي لم يؤمنوا ولم ~~يجيبوا، والعرب تقول للرجل إذا أمسك عن # PageV09P345 # الجواب وسكت: قد رد يده في فيه. وقاله الأخفش أيضا. وقال القتبي: لم نسمع ~~أحدا من العرب يقول: رد يده ms3438 في فيه إذا ترك ما أمر به، وقاله المغني: عضوا ~~على الأيدي حنقا وغيظا، لقول الشاعر: # تردون في فيه غش الحسود * حتى يعض علي الأكفا يعني أنهم يغيظون الحسود ~~حتى يعض على أصابعه وكفيه. وقال آخر: # قد أفني أنامل أزمة (1) * فأضحى يعض علي الوظيفا وقالوا: - يعني الأمم ~~للرسل: (إنا كفرنا بما أرسلتم به) أي بالإرسال على زعمكم، لا أنهم أقروا ~~أنهم أرسلوا. (وإنا لفي شك) أي في ريب ومرية. (مما تدعوننا إليه) من ~~التوحيد. (مريب) أي موجب للريبة، يقال: أربته إذ فعلت أمرا أوجب ريبة وشكا، ~~أي نظن أنكم تطلبون الملك والدنيا. # قوله تعالى: قالت لهم رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض يدعوكم ~~ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا ~~تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين (10) قوله تعالى: ~~(قالت لهم رسلهم) استفهام معناه الإنكار، أي لاشك في الله، أي في توحيده، ~~قال قتادة. وقيل: في طاعته. ويحتمل وجها ثالثا: أفي قدرة الله شك؟! # لأنهم متفقون عليها ومختلفون فيما عداها، يدل عليه قوله: (فاطر السماوات ~~والأرض) خالقها ومخترعها ومنشئها وموجدها بعد العدم، لينبه على قدرته فلا ~~تجوز العبادة إلا له. # (يدعوكم) أي إلى طاعته بالرسل والكتب. (ليغفر لكم من ذنوبكم) قال أبو ~~عبيد: # " من " زائدة. وقال سيبويه: هي للتبعيض، ويجوز أن يذكر البعض والمراد منه ~~الجميع. # PageV09P346 # وقيل: " من " للبدل وليست بزائدة ولا مبعضة، أي لتكون المغفرة بدلا من ~~الذنوب. # (ويؤخركم إلى أجل مسمى) يعني الموت، فلا يعذبكم في الدنيا. (قالوا إن ~~أنتم) أي ما أنتم. (إلا بشر مثلنا) في الهيئة والصورة، تأكلون مما نأكل، ~~وتشربون مما نشرب، ولستم ملائكة. (تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا) ~~من الأصنام والأوثان (فأتونا بسلطان مبين) أي بحجة ظاهرة، وكان محالا منهم، ~~فإن الرسل ما دعوا إلا ومعهم المعجزات. # قوله تعالى: قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من ~~يشاء من عباده وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان ms3439 إلا بإذن الله وعلى الله ~~فليتوكل المؤمنون (11) وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدنا سبلنا ولنصبرن ~~على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون (12) قوله تعالى: (قالت لهم ~~رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم) أي في الصورة والهيئة كما قلتم. # (ولكن الله يمن على من يشاء من عباده) أي يتفضل عليه بالنبوة. وقيل، ~~بالتوفيق والحكمة والمعرفة والهداية. وقال سهل بن عبد الله: بتلاوة القرآن ~~وفهم ما فيه. # قلت: وهذا قول حسن، وقد خرج الطبري من حديث ابن عمر قال قلت لأبي ذر: يا ~~عم أوصني، قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سألتني فقال: " ما ~~من يوم ولا ليلة ولا ساعة إلا ولله فيه صدقة يمن بها على من يشاء من عباده ~~وما من الله تعالى على عباده بمثل أن يلهمهم ذكره ". (وما كان لنا إن ~~نأتيكم بسلطان) أي بحجة وآية. (إلا بإذن الله) أي بمشيئته، وليس ذلك في ~~قدرتنا، أي لا نستطيع أن نأتي بحجة كما تطلبون إلا بأمره وقدرته، فلفظه لفظ ~~الخبر، ومعناه النفي، لأنه لا يحظر على أحد ما لا يقدر عليه. # (وعلى الله فليتوكل المؤمنون) تقدم معناه. PageV09P347 # قوله تعالى: (وما لنا ألا نتوكل على الله) " ما " استفهام في موضع رفع ~~بالابتداء، و " لنا " الخبر، وما بعدها في موضع الحال، التقدير: أي شئ لنا ~~في ترك التوكل على الله. # (وقد هدانا سبلنا) أي الطريق الذي يوصل إلى رحمته، وينجي من سخطه ونقمته. # (ولنصبرن) لام قسم، مجازه: والله لنصبرن (على ما آذيتمونا) به، أي من ~~الإهانة والضرب، والتكذيب والقتل، ثقة بالله أنه يكفينا ويثيبنا. (وعلى ~~الله فليتوكل المتوكلون). # قوله تعالى: وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ~~ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين (13) ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك ~~لمن خاف مقامي وخاف وعيد (14) قوله تعالى: (وقال الذين كفروا لرسلهم ~~لنخرجنكم من أرضنا) اللام لام قسم، أي والله لنخرجنكم. (أو لتعودن) أي حتى ~~تعودوا أو إلا أن تعودوا، قاله الطبري وغيره. قال ابن العربي: ms3440 وهو غير ~~مفتقر إلى هذا التقدير، فإن " أو " على بابها من التخيير، خير الكفار الرسل ~~بين أن يعودوا في ملتهم أو يخرجوهم من أرضهم، وهذه سيرة الله تعالى في رسله ~~وعباده، ألا ترى إلى قوله: " وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها ~~وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا. # سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا " (1) [الإسراء: 76 - 77] وقد تقدم هذا ~~المعنى في " الأعراف " (2) وغيرها. (في ملتنا) أي إلى ديننا، (فأوحى إليهم ~~ربهم لنهلكن الظالمين. ولنسكننكم الأرض من بعدهم). # قوله تعالى: (ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد) أي مقامه بين يدي يوم ~~القيامة، فأضيف المصدر إلى الفاعل. والمقام مصدر كالقيام، يقال: قام قياما ~~ومقاما، وأضاف ذلك إليه لاختصاصه به. والمقام بفتح الميم مكان الإمامة، ~~وبالضم فعل الإقامة، و " ذلك لمن خاف مقامي " أي قيامي عليه، ومراقبتي له، ~~قال الله تعالى: " أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت " (3) [الرعد 33]. ~~وقال الأخفش: " ذلك لمن خاف مقامي " أي عذابي، " وخاف وعيد " أي القرآن ~~وزواجره. وقيل: إنه العذاب. والوعيد الاسم من الوعد. # PageV09P348 # قوله تعالى: واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد (15) من ورائه جهنم ويسقى من ~~ماء صديد (16) يتجرعه ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ~~ومن ورائه عذاب غليظ (17) قوله تعالى: (واستفتحوا) أي واستنصروا، أي أذن ~~للرسل في الاستفتاح على قومهم، والدعاء بهلاكهم، قاله ابن عباس وغيره، وقد ~~مضى في " البقرة " (1). ومنه الحديث: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~يستفتح بصعاليك المهاجرين، أي يستنصر. وقال ابن زيد: استفتحت الأمم بالدعاء ~~كما قالت قريش: " اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك " (2) [الأنفال: 32] ~~الآية. وروي عن ابن عباس. وقيل قال الرسول: " إنهم كذبوني فافتح بيني ~~وبينهم فتحا " وقالت الأمم: # إن كان هؤلاء صادقين فعذبنا، عن ابن عباس أيضا، نظيره " ائتنا بعذاب الله ~~إن كنت من الصادقين " (3) [العنكبوت: 29] " ائتنا بما تعدنا إن كنت من ~~المرسلين " (4) [الأعراف: 77]. (وخاب كل جبار عنيد) الجبار المتكبر الذي لا ~~يري لأحد عليه حقا، هكذا هو عند أهل ms3441 اللغة، ذكره النحاس. والعنيد المعاند ~~للحق والمجانب له، عن ابن عباس وغيره، يقال: عند عن قومه أي تباعد عنهم. ~~وقيل: # هو من العند، وهو الناحية وعاند فلان أي أخذ في ناحية معرضا، قال الشاعر: # إذا نزلت فاجعلوني وسطا * إني كبير لا أطيق العندا وقال الهروي قوله ~~تعالى: " جبار عنيد " أي جائر عن القصد، وهو العنود والعنيد والعاند، وفي ~~حديث ابن عباس وسئل عن المستحاضة فقال: إنه عرق عاند. قال أبو عبيد: هو ~~الذي عند وبغى كالإنسان يعاند، فهذا العرق في كثرة ما يخرج منه بمنزلته. ~~وقال شمر: العاند الذي لا يرقأ. وقال عمر يذكر سيرته: أضم العنود، قال ~~الليث: العنود من الإبل الذي لا يخالطها إنما هو في ناحية أبدا، أراد من هم ~~بالخلاف أو بمفارقة الجماعة عطفت به إليها. # وقال مقاتل: العنيد المتكبر. وقال ابن كيسان: هو الشامخ بأنفه. وقيل: ~~العنود والعنيد الذي # PageV09P349 # يتكبر على الرسل ويذهب عن طريق الحق فلا يسلكها، تقول العرب: شر الإبل ~~العنود الذي يخرج عن الطريق. وقيل: العنيد العاصي. وقال قتادة: العنيد الذي ~~أبي أن يقول لا إله إلا الله. # قلت: والجبار والعنيد في الآية بمعنى واحد، وإن كان اللفظ مختلفا، وكل ~~متباعد عن الحق جبار وعنيد أي متكبر. وقيل: إن المراد به في الآية أبو جهل، ~~ذكره المهدوي. # وحكى الماوردي في كتاب {أدب الدنيا والدين} أن الوليد بن يزيد بن عبد ~~الملك تفاءل يوما في المصحف فخرج له قوله عز وجل: " واستفتحوا وخاب كل جبار ~~عنيد " فمزق المصحف وأنشأ يقول: # أتوعد كل جبار عنيد * فها أنا ذاك جبار عنيد إذا ما جئت ربك يوم حشر * ~~فقل يا رب مزقني الوليد فلم يلبث [إلا] (1) أياما حتى قتل شر قتلة، وصلب ~~رأسه على قصره، ثم على سور بلده. # قوله تعالى: (من ورائه جهنم) أي من وراء ذلك الكافر جهنم، أي من بعد ~~هلاكه. # ووراء بمعنى بعد، قال النابغة: # حلفت فلم أترك لنفسك ريبة * وليس وراء الله للمرء مذهب (2) أي بعد الله ~~جل جلاله، وكذلك قول ms3442 تعالى: " ومن ورائه عذاب غليظ " أي من بعده، وقوله ~~تعالى: " ويكفرون بما وراءه " [البقرة: 91] (3) أي بما سواه، قاله الفراء. ~~وقال أبو عبيد: # بما بعده: وقيل: " من وراثه " أي من أمامه، ومنه قول الشاعر: # ومن ورائك يوم أنت بالغه * لا حاضر معجز عنه ولا بادي وقال آخر: # أترجو بنو مروان سمعي وطاعتي * وقومي تميم والفلاة ورائيا وقال لبيد: # ليس ورائي إن [تراخت (1)] منيتي * لزوم العصا تحني عليها الأصابع # PageV09P350 # يريد أمامي. وفي التنزيل: " كان وراءهم ملك " (1) [الكهف: 79] أي أمامهم، ~~وإلى هذا ذهب أبو عبيدة وأبو علي قطرب وغيرهما. وقال الأخفش: هو كما يقال ~~هذا الأمر من ورائك، أي سوف يأتيك، وأنا من وراء فإن أي في طلبه وسأصل ~~إليه. وقال النحاس في قول " من ورائه جهنم " أي من أمامه، وليس من الأضداد ~~ولكنه من تواري، أي استتر. وقال الأزهري: إن وراء تكون بمعنى خلف وأمام فهو ~~من الأضداد، وقاله أبو عبيدة أيضا، واشتقاقهما مما توارى واستتر، فجهنم ~~توارى ولا تظهر، فصارت من وراء لأنها لا ترى، حكاه ابن الأنباري وهو حسن. # قوله تعالى: (ويسقى من ماء صديد) أي من ماء مثل الصديد، كما يقال للرجل ~~الشجاع أسد، أي مثل الأسد، وهو تمثيل وتشبيه. وقيل: هو ما يسيل من أجسام ~~أهل النار من القيح والدم. وقال محمد بن كعب القرظي والربيع بن أنس: هو ~~غسالة أهل النار، وذلك ماء يسيل من فروج الزناة والزواني. وقيل: هو من ماء ~~كرهته تصد عنه، فيكون الصديد مأخوذا من الصد. وذكر ابن المبارك، أخبرنا ~~صفوان بن عمرو عن عبيد الله بن بسر عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم في قوله: " ويسقي من ماء صديد يتجرعه " قال: # يقرب إلى فيه فيكرهه فإذا أدني منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه فإذا شربه ~~قطع أمعاءه حتى تخرج من دبره يقول الله: " وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم " ~~[محمد: 15] (2) ويقول الله: " وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه ~~بئس الشراب " [الكهف: 29] " خرجه الترمذي، وقال: حديث غريب، وعبيد الله بن ms3443 ~~بسر الذي روى عنه صفوان بن عمرو حديث أبي أمامة لعله أن يكون أخا عبد الله ~~بن بسر. (يتجرعه) أي يتحساه جرعا لا مرة واحدة لمرارته وحرارته. (ولا يكاد ~~يستسيغه) أي يبتلعه، يقال: جرع الماء واجترعه وتجرعه بمعنى. وساغ الشراب في ~~الحلق يسوغ سوغا إذا كان سلسا سهلا، وأساغه الله إساغة. و " يكاد " صلة، أي ~~يسيغه بعد إبطاء، قال الله تعالى: " وما كادوا يفعلون " (4) [البقرة: 71] ~~أي فعلوا بعد إبطاء، ولهذا قال: " يصهر به ما في بطونهم والجلود " [الحج: ~~20] فهذا يدل على الإساغة. وقال ابن عباس: يجيزه ولا يمر به (6). (ويأتيه ~~الموت # PageV09P351 # من كل مكان) قال ابن عباس: أي يأتيه أسباب الموت من كل جهة عن يمينه ~~وشماله، ومن فوقه وتحته ومن قدامه وخلفه، كقوله: " لهم من فوقهم ظلل من ~~النار ومن تحتهم ظلل " (1) [الزمر: 16]. وقال إبراهيم التيمي: يأتيه من كل ~~مكان من جسده حتى من أطراف شعره، للآلام التي في كل مكان من جسد. وقال ~~الضحاك: إنه ليأتيه الموت من كل ناحية ومكان حتى من إبهام رجليه. وقال ~~الأخفش: يعني البلايا التي تصيب الكافر في النار سماها موتا، وهي من أعظم ~~الموت. وقيل: إنه لا يبقى عضو من أعضائه إلا وكل به نوع من العذاب، لو مات ~~سبعين مرة لكان أهون عليه من نوع منها في فرد لحظة، إما حية تنهشه، أو عقرب ~~تلسبه (2)، أو نار تسفعه، أو قيد برجليه، أو غل في عنقه، أو سلسلة يقرن ~~بها، أو تابوت يكون فيه، أو زقوم أو حميم، أو غير ذلك من العذاب، وقال محمد ~~بن كعب: # إذا دعا الكافر في جهنم بالشراب فرآه مات موتات، فإذا دنا منه مات موتات، ~~فإذا شرب منه مات موتات، فذلك قوله: " ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ~~". قال الضحاك: لا يموت فيستريح. وقال ابن جريج: تعلق روحه في حنجرته فلا ~~تخرج من فيه فيموت، ولا ترجع إلى مكانها من جوفه فتنفعه الحياة، ونظيره ~~قوله: " لا يموت فيها ولا يحيا (3) " [طه: 74]. وقيل: يخلق الله ms3444 في جسده ~~آلاما كل واحد منها كألم الموت. وقيل: " وما هو بميت " لتطاول شدائد الموت ~~به، وامتداد سكراته عليه، ليكون ذلك زيادة في عذابه. # قلت: ويظهر من هذا أنه يموت، وليس كذلك، لقول تعالى: " لا يقضى عليهم ~~فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها " (4) [فاطر: 36] وبذلك وردت السنة، ~~فأحوال الكفار أحوال من استولى عليه سكرات الموت دائما، والله أعلم. (ومن ~~ورائه) أي من أمامه. (عذاب غليظ) أي شديد متواصل الآلام من غير فتور، ومنه ~~قوله: " وليجدوا فيكم غلظة " (5) [التوبة: 123] أي شدة وقوة. وقال فضيل بن ~~عياض في قول الله تعالى: " ومن ورائه عذاب غليظ " قال: حبس الأنفاس. # PageV09P352 # قوله تعالى: مثل الذين كفروا بربهم أعملهم كرماد اشتدت به الريح في يوم ~~عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شئ ذلك هو الضلل البعيد (18) ألم تر أن الله ~~خلق السماوات والأرض بالحق إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد (19) وما ذلك على ~~الله بعزيز (20) قوله تعالى: (مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد) اختلف ~~النحويون في رفع " مثل " فقال سيبويه: ارتفع بالابتداء والخبر مضمر، ~~التقدير: وفيما يتلي عليكم أو يقص " مثل الذين كفروا بربهم " ثم ابتدأ ~~فقال: " أعمالهم كرماد " أي كمثل رماد (اشتدت به الريح). وقال الزجاج: أي ~~مثل الذين كفروا فيما يتلي عليكم أعمالهم كرماد، وهو عند الفراء على إلغاء ~~المثل، التقدير: والذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد. وعنه أيضا أنه على حذف ~~مضاف، التقدير: # مثل أعمال الذين كفروا بربهم كرماد، وذكر الأول عنه المهدوي، والثاني ~~القشيري والثعلبي ويجوز أن يكون مبتدأ كما يقال: صفة فلان أسمر، ف " مثل " ~~بمعنى صفة. ويجوز في الكلام جر " أعمالهم " على بدل الاشتمال من " الذين " ~~واتصل هذا بقوله: " وخاب جبار عنيد " والمعنى: أعمالهم محبطة غير مقبولة. ~~والرماد ما بقي بعد احتراق الشئ، فضرب الله هذه الآية مثلا لأعمال الكفار ~~في أنه يمحقها كما تمحق الريح الشديدة الرماد في يوم عاصف. والعصف شدة ~~الريح، وإنما كان ذلك لأنهم أشركوا فيها غير الله تعالى. وفي وصف اليوم ~~بالعصوف ثلاثة أقاويل: أحدها - أن ms3445 العصوف وإن كان للريح فإن اليوم قد يوصف ~~به، لأن الريح تكون فيه، فجاز أن يقال: يوم عاصف، كما يقال: يوم حار ويوم ~~بارد، والبرد والحر فيهما. # والثاني - أن يريد " في يوم عاصف " الريح، لأنها ذكرت في أول الكلمة، كما ~~قال الشاعر: # إذا جاء يوم مظلم الشمس كاسف يريد كاسف الشمس فحذف، لأنه قد مر ذكره، ~~ذكرهما الهروي. والثالث - أنه من نعت الريح، غير أنه لما جاء بعد اليوم ~~أتبع إعرابه كما قيل: جحر ضب خرب، ذكره PageV09P353 # الثعلبي والماوردي. وقرأ ابن [أبي] (1) إسحاق وإبراهيم بن أبي بكر " في ~~يوم عاصف (2) ". # (لا يقدرون) يعني الكفار. (مما كسبوا على شئ) يريد في الآخرة، أي من ثواب ~~ما عملوا من البر في الدنيا، لإحباطه بالكفر. (ذلك هو الضلال البعيد) أي ~~الخسران الكبير، وإنما جعله كبيرا بعيدا لفوات استدراكه بالموت. # قوله تعالى: (ألم تر أن الله خلق السماوات والأرض بالحق) الرؤية هنا رؤية ~~القلب، لأن المعنى: ألم ينته علمك إليه؟. وقرأ حمزة والكسائي - " خالق ~~السماوات والأرض ". ومعنى " بالحق " ليستدل بها على قدرته. (إن يشأ يذهبكم) ~~أيها الناس، أي هو قادر على الإفناء كما قدر على إيجاد الأشياء، فلا تعصوه ~~فإنكم إن عصيتموه (يذهبكم ويأت بخلق جديد) أفضل وأطوع منكم، إذ لو كانوا ~~مثل الأولين فلا فائدة في الإبدال. # (وما ذلك على الله بعزيز) أي منيع متعذر. # قوله تعالى: وبرزوا لله جميعا فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم ~~تبعا فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شئ قالوا لو هدنا الله لهديناكم ~~سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص (21) وقال الشيطان لما قضى ~~الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان ~~إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما ~~أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتموني من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم (22) # PageV09P354 # قوله تعالى: (وبرزوا لله جميعا) أي برزوا من قبورهم، يعني يوم القيامة. ~~والبروز الظهور. والبراز المكان الواسع لظهوره، ms3446 ومنه امرأة برزة أي تظهر ~~(1) للناس، فمعنى، " برزوا " ظهروا من قبورهم. وجاء بلفظ، الماضي ومعناه ~~الاستقبال، وأتصل هذا بقوله: " وخاب كل جبار عنيد " أي وقاربوا لما ~~استفتحوا فأهلكوا، ثم بعثوا للحساب فبرزوا لله جميعا لا يسترهم عنه ساتر. " ~~لله " لأجل أمر الله إياهم بالبروز. (فقال الضعفاء) يعني الأتباع (للذين ~~استكبروا) وهم القادة. (إنا كنا لكم تبعا) يجوز أن يكون تبع مصدرا، ~~التقدير: # ذوي تبع. ويجوز أن يكون تابع، مثل حارس وحرس، وخادم وخدم، وراصد ورصد، ~~وباقر وبقر (2). (فهل أنتم مغنون) أي دافعون (عنا من عذاب الله من شئ) أي ~~شيئا، و " من " صلة، يقال: أغني عنه إذا دفع عنه الأذى، وأغناه إذا أوصل ~~إليه النفع. (قالوا لو هدانا الله لهديناكم) أي لو هدانا الله إلى الإيمان ~~لهديناكم إليه. # وقيل: لو هدانا الله إلى طريق الجنة لهديناكم إليها. وقيل، لو نجانا الله ~~من العذاب لنجيناكم منه. (سواء علينا) هذا ابتداء خبره " أجزعنا " أي: ~~(سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص) أي من مهرب وملجأ. ويجوز أن ~~يكون بمعنى المصدر، وبمعنى الاسم، يقال: حاص فلان عن كذا أي فر وزاغ يحيص ~~حيصا وحيوصا وحيصانا، والمعنى: # ما لنا وجه نتباعد به عن النار. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: " يقول أهل النار إذا أشتد بهم العذاب تعالوا نصبر فيصبرون خمسمائة ~~عام فلما رأوا أن ذلك لا ينفعهم قالوا هلم فلنجزع فيجزعون ويصيحون خمسمائة ~~عام فلما رأوا أن ذلك لا ينفعهم قالوا " سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا ~~من محيص " ". وقال محمد بن كعب القرظي: ذكر لما أن أهل النار يقول بعضهم ~~لبعض: يا هؤلاء! قد نزل بكم من البلا والعذاب ما قد ترون، فهلم فلنصبر، ~~فلعل الصبر ينفعنا كما صبر أهل الطاعة على طاعة الله فنفعهم الصبر إذ ~~صبروا، فأجمعوا رأيهم على الصبر فصبروا، فطال صبرهم فجزعوا، فنادوا: " سواء ~~علينا أجزعنا أم صبرنا # PageV09P355 # ما لنا من محيص " أي منجي، فقام إبليس عند ذلك فقال: " إن الله وعدكم ms3447 وعد ~~الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم ~~لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم " يقول: لست بمغن عنكم شيئا " ~~وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتموني من قبل " الحديث بطوله، وقد كتبناه ~~في كتاب " التذكرة " بكماله. # قوله تعالى: (وقال الشيطان لما قضي الأمر) قال الحسن: يقف إبليس يوم ~~القيامة خطيبا في جهنم على منبر من نار يسمعه الخلائق جميعا. ومعنى: " لما ~~قضي الأمر " أي حصل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار، على ما يأتي ~~بيانه في " مريم " (1) عليها السلام. # (إن الله وعدكم وعد الحق) يعني البعث والجنة والنار وثواب المطيع وعقاب ~~العاصي فصدقكم وعده، ووعدتكم أن لا بعث ولا جنة ولا نار ولا ثواب ولا عقاب ~~فأخلفتكم. # وروي ابن المبارك من حديث عقبة بن عامر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في حديث الشفاعة قال: " فيقول عيسى أدلكم على النبي الأمي فيأتوني فيأذن ~~الله لي أن أقوم فيثور مجلسي من أطيب ريح شمها أحد حتى آتي ربي فيشفعني ~~ويجعل لي نورا من شعر رأسي إلى ظفر قدمي ثم يقول الكافرون قد وجه المؤمنون ~~من يشفع لهم فمن يشفع لنا فيقولون ما هو غير إبليس هو الذي أضلنا فيأتونه ~~فيقولون قد وجد المؤمنون من يشفع لهم فاشفع لنا فإنك أضللتنا فيثور مجلسه ~~من أنتن ريح شمها أحد ثم يعظم نحيبهم ويقول عند ذلك: " إن الله وعدكم وعد ~~الحق ووعدتكم فأخلفتكم " الآية. " وعد الحق " هو إضافة الشئ إلى نعته (2) ~~كقولهم: # مسجد الجامع، قال الفراء قال البصريون: وعدكم وعد اليوم الحق أو وعدكم ~~وعد الوعد الحق فصدقكم، فحذف المصدر لدلالة الحال. (وما كان لي عليكم من ~~سلطان) أي من حجة وبيان، أي ما أظهرت لكم حجة على ما وعدتكم وزينته لكم في ~~الدنيا، (إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي) أي أغويتكم فتابعتموني. وقيل: لم ~~أقهركم على ما دعوتكم إليه. " إلا أن دعوتكم " هو استثناء منقطع، أي لكن ~~دعوتكم بالوسواس فاستجبتم لي باختياركم، " فلا ms3448 تلوموني ولوموا أنفسكم " ~~وقيل: " وما كان لي عليكم من سلطان " أي على قلوبكم وموضع إيمانكم لكن # PageV09P356 # دعوتكم فاستجبتم لي، وهذا على أنه خطب العاصي المؤمن والكافر الجاحد، ~~وفيه نظر، لقوله: # " لما قضي الأمر " فإنه يدل على أنه خطب الكفار دون العاصين الموحدين، ~~والله أعلم. # (فلا تلوموني ولوموا أنفسكم) إذا جئتموني من غير حجة. (ما أنا بمصرخكم) ~~أي بمغيثكم. (وما أنتم بمصرخي) أي بمغيثي. والصارخ والمستصرخ هو الذي يطلب ~~النصرة والمعاونة، والمصرخ هو المغيث. قال سلامة بن جندل. # كنا إذا ما أتانا صارخ فزع * وكان الصراخ له قرع الظنابيب (1) وقال أمية ~~بن أبي الصلت: # ولا تجزعوا إني لكم غير مصرخ * وليس لكم عندي غناء ولا نصر يقال: صرخ ~~فلان أي استغاث يصرخ صرخا وصراخا وصرخة. واصطرخ بمعنى صرخ. # والتصرخ تكلف الصراخ. والمصرخ المغيث، والمستصرخ المستغيث، تقول منه: ~~استصرخني فأصرخته. والصريخ صوت المستصرخ. والصريخ أيضا الصارخ، وهو المغيث ~~والمستغيث، وهو من الأضداد، قاله الجوهري. وقراءة العامة " بمصرخي " بفتح ~~الياء. وقرأ الأعمش وحمزة " بمصرخي " بكسر الياء. والأصل فيها بمصرخيين ~~فذهبت النون للإضافة، وأدغمت ياء الجماعة في ياء الإضافة، فمن نصب فلأجل ~~التضعيف، ولأن ياء الإضافة إذا سكن ما قبلها تعين فيها الفتح مثل: هواي ~~وعصاي، فإن تحرك ما قبلها جاز الفتح والإسكان، مثل: غلامي وغلامتي، ومن كسر ~~فلالتقاء الساكنين حركت إلى الكسر، لأن الياء أخت الكسرة. وقال الفراء: ~~قراءة حمزة وهم منه، وقل من سلم منهم (2) عن خطأ. وقال الزجاج: هذه قراءة ~~رديئة ولا وجه لها إلا وجه ضعيف. وقال قطرب: هذه لغة بني يربوع يزيدون على ~~ياء الإضافة ياء. القشيري: والذي يغني عن هذا أن ما يثبت بالتواتر عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم فلا يجوز أن يقال فيه هو خطأ أو قبيح أو ردئ، بل هو في ~~القرآن فصيح، وفيه ما هو أفصح منه، فلعل هؤلاء أرادوا أن غير هذا الذي قرأ ~~به حمزة أفصح. (إني كفرت بما أشركتموني # PageV09P357 # من قبل) أي كفرت بإشراككم إياي مع الله تعالى في الطاعة، ف ms3449 " ما " بمعنى ~~المصدر. # وقال ابن جريج (1): إني كفرت اليوم بما كنتم تدعونه في الدنيا من الشرك ~~بالله تعالى. قتادة: # إني عصيت الله. الثوري: كفرت بطاعتكم إياي في الدنيا. (إن الظالمين لهم ~~عذاب أليم). # وفي هذه الآيات رد على القدرية والمعتزلة والإمامية ومن كان على طريقهم، ~~انظر إلى قول المتبوعين: " لو هدانا الله لهديناكم " وقول إبليس: " إن الله ~~وعدكم وعد الحق " كيف اعترفوا بالحق في صفات الله تعالى وهم في دركات ~~النار، كما قال في موضع آخر: " كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها " [الملك: ~~8] إلى قوله: " فاعترفوا بذنبهم " (2) [الملك: 11] واعترافهم في دركات لظي ~~بالحق ليس بنافع، وإنما ينفع الاعتراف صاحبه في الدنيا، قال الله عز وجل: " ~~وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم ~~" (3) [التوبة: 102] و " عسى " من الله واجبة (4). # قوله تعالى: وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنت تجرى من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها بإذن ربهم تحيتهم فيها سلم (23) قوله تعالى: (وأدخل ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات) أي في جنات لأن دخلت لا يتعدى، كما لا ~~يتعدى نقيضه وهو خرجت، ولا يقاس عليه، قاله المهدوي. ولما أخبر تعالى بحال ~~أهل النار أخبر بحال أهل الجنة أيضا. وقراءة الجماعة " أدخل " على أنه فعل ~~مبني للمفعول. وقرأ الحسن " وأدخل " على الاستقبال والاستئناف. (بإذن ربهم) ~~أي بأمره. وقيل: بمشيئته وتيسيره. وقال: " بإذن ربهم " ولم يقل: بإذني ~~تعظيما وتفخيما. # (تحيتهم فيها سلام) تقدم في " يونس " (3). والحمد لله. # قوله تعالى: ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت ~~وفرعها في السماء (24) تؤتى أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال ~~للناس لعلهم يتذكرون (25) # PageV09P358 # فيه مسئلتان: # الأولى - قوله تعالى: (ألم تر كيف ضرب الله مثلا) لما ذكر تعالى مثل ~~أعمال الكفار وأنها كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف، ذكر مثل أقوال ~~المؤمنين وغيرها، ثم فسر ذلك المثل فقال: (كلمة طيبة) الثمر، فحذف لدلالة ~~الكلام عليه. قال ابن عباس: الكلمة الطيبة لا إله إلا الله والشجرة الطيبة ~~المؤمن. ms3450 وقال مجاهد وابن جريج: الكلمة الطيبة الإيمان. عطية العوفي والربيع ~~بن أنس: هي المؤمن نفسه. وقال مجاهد أيضا وعكرمة: الشجرة النخلة، فيجوز أن ~~يكون المعنى: أصل الكلمة في قلب المؤمن - وهو الإيمان - شبهه بالنخلة في ~~المنبت، وشبه ارتفاع عمله في السماء بارتفاع فروع النخلة، وثواب الله له ~~بالثمر. وروي من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن مثل ~~الإيمان كمثل شجرة ثابتة الإيمان عروقها والصلاة أصلها والزكاة فروعها ~~والصيام أغصانها والتأذي الله نباتها وحسن الخلق ورقها والكف عن محارم الله ~~ثمرتها ". ويجوز أن يكون المعنى: أصل النخلة ثابت في الأرض، أي عروقها تشرب ~~من الأرض وتسقيها السماء من فوقها، فهي زاكية نامية. وخرج الترمذي من حديث ~~أنس بن مالك قال: أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بقناع (1) فيه رطب، ~~فقال: # " مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل ~~حين بإذن ربها - قال - هي النخلة ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق ~~الأرض ما لها من قرار - قال - هي الحنظل ". وروي عن أنس قوله [وقال]: وهو ~~أصح (2). وخرج الدارقطني عن ابن عمر قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~" ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت " فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " أتدرون ما هي " فوقع في نفسي أنها النخلة. قال السهيلي ~~ولا يصح فيها ما روي عن علي بن أبي طالب أنها جوزة الهند، لما صح عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر " إن من الشجرة شجرة لا يسقط ورقها وهي ~~مثل المؤمن خبروني ما هي - ثم قال - هي النخلة " خرجه مالك في " الموطأ " ~~من رواية ابن القاسم وغيره إلا يحيى فإنه أسقطه من روايته. وخرجه أهل ~~الصحيح وزاد # PageV09P359 # فيه الحارث بن أسامة زيادة تساوي رحلة (1)، عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: " وهي النخلة لا تسقط لها أنملة وكذلك المؤمن لا تسقط له دعوة ". فبين ~~معنى الحديث والمماثلة وذكر الغزنوي عنه ms3451 عليه السلام: " مثل المؤمن كالنخلة ~~إن صاحبته نفعك وإن جالسته نفعك وإن شاورته نفعك كالنخلة كل شئ منها ينتفع ~~به ". وقال: " كلوا من عمتكم " يعني النخلة خلقت من فضلة طينة آدم عليه ~~السلام، وكذلك أنها برأسها تبقي، وبقلبها تحيا، وثمرها بامتزاج الذكر ~~والأنثى. وقد قيل: إنها لما كانت أشبه الأشجار بالإنسان شبهت به، وذلك أن ~~كل شجرة إذا قطع رأسها تشعبت الغصون من جوانبها، والنخلة إذا قطع رأسها ~~يبست وذهبت أصلا، ولأنها تشبه الإنسان وسائر الحيوان في الالتقاح لأنها لا ~~تحمل حتى تلقح قال النبي صلى الله عليه وسلم: " خير المال سكة مأبورة ومهرة ~~مأمورة (2) ". والإبار اللقاح وسيأتي في سورة " الحجر " (3) بيانه. ولأنها ~~من فضلة طينة آدم. ويقال: إن الله عز وجل لما صور آدم من الطين فضلت قطعة ~~طين فصورها بيده وغرسها في جنة عدن. قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " أكرموا عمتكم " قالوا: ومن عمتنا يا رسول الله؟ قال: " النخلة ". (تؤتي ~~أكلها كل حين) قال الربيع: " كل حين " غدوة وعشية كذلك يصعد عمل المؤمن أول ~~النهار وآخره، وقاله ابن عباس. # وعنه " تؤتى أكلها كل حين " قال: هو شجرة [جورة] (4) الهند لا تتعطل من ~~ثمرة، تحمل في كل شهر، شبه عمل المؤمن لله عز وجل في كل وقت: بالنخلة التي ~~تؤتي أكلها في أوقات مختلفة. وقال الضحاك: # كل ساعة من ليل أو نهار شتاء وصيفا يوكل في جميع الأوقات، وكذلك المؤمن ~~لا يخلو من الخير في الأوقات كلها. وقال النحاس: وهذه الأقوال متقاربة غير ~~متناقضة، لأن الحين عند جميع أهل اللغة إلا من شذ منهم بمعنى الوقت يقع ~~لقليل الزمان وكثيره، وأنشد الأصمعي بيت النابغة: # تناذرها الراقون من سوء سمها * تطلقه حينا وحينا تراجع # PageV09P360 # فهذا يبين لك أن الحين بمعنى الوقت، فالإيمان ثابت في قلب المؤمن، وعمله ~~وقوله وتسبيحه عال مرتفع في السماء ارتفاع فروع النخلة، وما يكسب من بركة ~~الإيمان وثوابه كما ينال من ثمرة النخلة في أوقات السنة كلها، من الرطب ~~والبسر والبلح (1) والزهو والتمر والطلع. # وفي ms3452 رواية عن ابن عباس: إن الشجرة شجرة في الجنة تثمر في كل وقت. و " ~~مثلا " مفعول ب " ضرب "، " وكلمة " بدل منه والكاف في قوله: " كشجرة " في ~~موضع نصب على الحال من " كلمة " التقدير: كلمة طيبة مشبهة بشجرة طيبة. # الثانية - قوله تعالى: " تؤتى أكلها كل حين " لما كانت الأشجار تؤتي ~~أكلها كل سنة مرة كان في ذلك بيان حكم الحين، ولهذا قلنا: من حلف ألا يكلم ~~فلانا حينا، ولا يقول كذا حينا إن الحين سنة. وقد ورد الحين في موضع آخر ~~يراد به أكثر من ذلك لقوله تعالى: # " هل أتى على الإنسان حين من الدهر " (2) [الإنسان: 1] قيل في " التفسير ~~": أربعون عاما. وحكى عكرمة أن رجلا قال: إن فعلت كذا وكذا إلى حين فغلامه ~~حر، فأتى عمر بن عبد العزيز فسأل، فسألني عنها فقلت: إن من الحين حينا لا ~~يدرك، قوله: " وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين " (3) [الأنبياء: 111] ~~فأرى أن تمسك ما بين صرام (4) النخلة إلى حملها، فكأنه أعجبه، وهو قول أبي ~~حنيفة في الحين أنه ستة أشهر اتباعا لعكرمة وغيره. وقد مضى ما للعلماء في ~~الحين في " البقرة " (5) مستوفي والحمد لله. (ويضرب الله الأمثال) أي ~~الأشباه (للناس لعلهم يتذكرون) ويعتبرون، وقد تقدم. # قوله تعالى: ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من ~~قرار (26) قوله تعالى: (ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة) الكلمة الخبيثة كلمة ~~الكفر. وقيل: # الكافر نفسه. والشجرة الخبيثة شجرة الحنظل كما في حديث أنس، وهو قول ابن ~~عباس ومجاهد # PageV09P361 # وغيرهما، وعن ابن عباس أيضا: أنها شجرة لم تخلق على الأرض. وقيل: هي شجرة ~~الثوم، عن ابن عباس أيضا. وقيل: الكمأة أو الطحلبة. وقيل: الكشوث، وهي شجرة ~~لا ورق لها ولا عروق في الأرض، قال الشاعر: # وهم كشوث فلا أصل ولا ورق (1) (اجتثت من فوق الأرض) اقتلعت من أصلها، قال ~~ابن عباس، ومنه قول لقيط: (2) هو الجلاء الذي تجتث أصلكم * فمن رأى مثل ذا ~~يوما ومن سمعا وقال المؤرج: أخذت جثتها وهي نفسها، والجثة شخص ms3453 الإنسان ~~قاعدا أو قائما. وجثه قلعه، واجتثه اقتلعه من فوق الأرض، أي ليس لها أصل ~~راسخ يشرب بعروقه من الأرض. (ما لها من قرار) أي من أصل في الأرض. وقيل: من ~~ثبات، فكذلك الكافر لا حجة له ولا ثبات ولا خير فيه، وما يصعد له قول طيب ~~ولا عمل صالح. وروى معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة في قوله تعالى: " ~~ضرب الله مثلا كلمة طيبة " قال: لا إله إلا الله " كشجرة طيبة " قال: ~~المؤمن، " أصلها ثابت " لا إله إلا الله ثابتة في قلب المؤمن، " ومثل كلمة ~~خبيثة " قال: الشرك، " شجرة خبيثة " قال: المشرك، " اجتثت من فوق الأرض ما ~~لها من قرار " أي ليس للمشرك أصل يعمل عليه. وقيل: يرجع المثل إلى الدعاء ~~إلى الإيمان، والدعاء إلى الشرك، لأن الكلمة يفهم منها القول والدعاء إلى ~~الشئ. قوله تعالى: يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا ~~وفى الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء (27) قوله تعالى: (يثبت ~~الله الذين آمنوا بالقول الثابت) قال ابن عباس: هو لا إله إلا الله. وروى ~~النسائي عن البراء قال قال: " يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت # PageV09P362 # في الحياة الدنيا وفي الآخرة " نزلت في عذاب القبر، يقال: من ربك؟ فيقول: ~~ربي الله وديني دين محمد، فذلك قوله: " يثبت الله الذين آمنوا بالقول ~~الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ". # قلت: وقد جاء هكذا موقوفا في بعض طرق مسلم عن البراء [أنه] قوله (1)، ~~والصحيح فيه الرفع كما في صحيح مسلم وكتاب النسائي وأبي داود وابن ماجة ~~وغيرهم، عن (2) البراء عن النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر البخاري، حدثنا ~~جعفر بن عمر، قال حدثنا شعبة عن علقمة بن مرثد عن سعد بن عبيدة عن البراء ~~بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا أقعد المؤمن في قبره أتاه ~~آت ثم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فذلك قوله " يثبت الله ~~الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ms3454 " ". وقد بينا هذا ~~الباب في كتاب " التذكرة " وبينا هناك من يفتن في قبره ويسأل، فمن أراد ~~الوقوف عليه تأمله هناك. وقال سهل بن عمار: رأيت يزيد بن هارون في المنام ~~بعد موته، فقلت له: ما فعل الله بك؟ فقال: # أتاني في قبري ملكان فظان غليظان، فقالا: ما دينك ومن ربك ومن نبيك؟ ~~فأخذت بلحيتي البيضاء وقلت: المثلي يقال هذا وقد علمت الناس جوابكما ثمانين ~~سنة؟! فذهبا وقالا (3): أكتبت عن حريز بن عثمان؟ قلت نعم! فقالا: إنه كان ~~يبغض [عليا] فأبغضه الله. وقيل: معنى، " يثبت الله " يديمهم الله على القول ~~الثابت، ومنه قول عبد الله بن رواحة: # يثبت الله ما آتاك من حسن * تثبيت موسى ونصرا كالذي نصرا وقيل: يثبتهم في ~~الدارين جزاء لهم على القول الثابت. وقال القفال وجماعة: " في الحياة ~~الدنيا " أي في القبر، لأن الموتى في الدنيا إلى أن يبعثوا، " وفي الآخرة " ~~أي عند الحساب، وحكاه الماوردي عن البراء قال: المراد بالحياة الدنيا ~~المسألة في القبر، وبالآخرة المسألة في القيامة: ويضل الله الظالمين) أي عن ~~حجتهم في قبورهم كما ضلوا في الدنيا # PageV09P363 # بكفرهم فلا يلقنهم كلمة الحق، فإذا سئلوا في قبورهم قالوا: لا ندري، ~~فيقول: لا دريت ولا تليت (1)، وعند ذلك يضرب بالمقامع (2) على ما ثبت في ~~الأخبار، وقد ذكرنا ذلك في كتاب " التذكرة ". وقيل: يمهلهم حتى يزدادوا ~~ضلالا في الدنيا. (ويفعل الله ما يشاء) من عذاب قوم وإضلال قوم. وقيل: إن ~~سبب نزول هذه الآية ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم لما وصف مسألة منكر ~~ونكير وما يكون من جواب الميت قال عمر: # يا رسول الله أيكون معي عقلي؟ قال: " نعم " قال: كفيت إذا، فأنزل الله عز ~~وجل هذه الآية. قوله تعالى: ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا ~~قومهم دار البوار (28) جهنم يصلونها وبئس القرار (29) وجعلوا لله أندادا ~~ليضلوا عن سبيله قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار (30) قوله تعالى: (ألم تر ~~إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا) أي جعلوا بدل نعمة الله ms3455 عليهم الكفر في ~~تكذيبهم محمدا صلى الله عليه وسلم، حين بعثه الله منهم وفيهم فكفروا، ~~والمراد مشركو قريش وأن الآية نزلت فيهم، عن ابن عباس وعلي وغيرهما. وقيل: ~~نزلت في المشركين الذين قاتلوا النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر. قال أبو ~~الطفيل: سمعت عليا رضي الله عنه يقول: # هم قريش الذين نحروا يوم بدر. وقيل: نزلت في الأفجرين من قريش بني محزوم ~~وبني أمية، فأما بنو أمية فمتعوا إلى حين، وأما بنو مخزوم فأهلكوا يوم بدر، ~~قاله علي بن أبي طالب وعمر ابن الخطاب رضي الله عنهما. وقول رابع: أنهم ~~متنصرة العرب جبلة بن الأيهم وأصحابه حين لطم فجعل له عمر القصاص بمثلها، ~~فلم يرض وأنف فارتد متنصرا ولحق بالروم في جماعة من قومه، عن ابن عباس ~~وقتادة. ولما صار إلى بلد الروم ندم فقال: # PageV09P364 # تنصرت الأشراف من عار لطمة * وما كان فيها لو صبرت لها ضرر تكنفني منها ~~لجاج ونخوة * وبعت لها العين الصحيحة بالعور فيا ليتني أرعى المخاض ببلدة * ~~ولم أنكر القول الذي قاله عمر وقال الحسن: إنها عامة في جميع المشركين. ~~(وأحلوا قومهم) أي أنزلوهم. قال ابن عباس: هم قادة المشركين يوم بدر. " ~~أحلوا قومهم " أي الذين أتبعوهم. (دار البوار) قيل: جهنم، قاله ابن زيد. ~~وقيل: يوم بدر، قاله علي بن أبي طالب ومجاهد. والبوار الهلاك، ومنه قول ~~الشاعر: # فلم أر مثلهم أبطال حرب * غداة الحرب إذ خيف البوار (جهنم يصلونها) بين ~~أن دار البوار جهنم كما قال ابن زيد، وعلى هذا لا يجوز الوقف على " دار ~~البوار " لأن جهنم منصوبة على الترجمة عن " دار البوار " فلو رفعها رافع ~~بإضمار، على معنى: هي جهنم، أو بما عاد من الضمير في " يصلونها " لحسن ~~الوقف على " دار البوار ". # (وبئس القرار) أي المستقر. قوله تعالى: (وجعلوا لله أندادا) أي أصناما ~~عبدوها، وقد تقدم في " البقرة " (1). (ليضلوا عن سبيله) أي عن دينه. وقرأ ~~ابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء، وكذلك في الحج " ليضل عن سبيل الله " (2) ~~[الحج: 9] ومثله في " لقمان ms3456 " (2) و " الزمر " (2) وضمها الباقون على معنى ~~ليضلوا الناس عن سبيله، وأما من فتح فعلى معنى أنهم هم يضلون عن سبيل الله ~~على اللزوم، أي عاقبتم إلى الإضلال والضلال، فهذه لام العاقبة. (قل تمتعوا) ~~وعيد لهم، وهو إشارة إلى تقليل ما هم فيه من ملاذ الدنيا إذ هو منقطع. (فإن ~~مصيركم إلى النار) أي مردكم ومرجعكم إلى عذاب جهنم. # قوله تعالى: قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم ~~سرا وعلانية من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلل (31) # PageV09P365 # قوله تعالى: (قل لعبادي الذين آمنوا) أي إن أهل مكة بدلوا نعمة الله ~~بالكفر، فقل لمن آمن وحقق عبوديته أن (يقيموا الصلاة) يعني الصلوات الخمس، ~~أي قل لهم أقيموا، والأمر معه شرط مقدر، تقول: أطع الله يدخلك الجنة، أي إن ~~أطعته يدخلك الجنة، هذا قول الفراء. وقال الزجاج: " يقيموا " مجزوم بمعنى ~~اللام، أي ليقيموا فأسقطت اللام لأن الأمر دل على الغائب ب " قل ". قال: ~~ويحتمل أن يقال: " يقيموا " جواب أمر محذوف، أي قل لهم أقيموا الصلاة ~~يقيموا الصلاة. (وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية) يعني الزكاة، عن ابن ~~عباس وغيره. وقال الجمهور: السر ما خفي والعلانية ما ظهر. وقال القاسم ابن ~~يحيى: إن السر التطوع والعلانية الفرض، وقد مضى هذا المعنى في " البقرة " ~~(1) مجودا عند قوله: " إن تبدوا الصدقات فنعما هي " [البقرة: 271]. (من قبل ~~أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال) تقدم في " البقرة " (1) أيضا. و " خلال " ~~جمع خلة كقلة وقلال. قال (2): # فلست بمقلي الخلال ولا قالي قوله تعالى: الله الذي خلق السماوات والأرض ~~وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجري في ~~البحر بأمره وسخر لكم الأنهر (32) وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم ~~الليل والنهار (33) وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ~~إن الإنسان لظلوم كفار (34) قوله تعالى: (الله الذي خلق السماوات والأرض) ~~أي أبدعها واخترعها على غير مثال سبق. (وأنزل من السماء) أي من السحاب. ~~(ماء ms3457 فأخرج به من الثمرات) أي من الشجر # PageV09P366 # ثمرات (رزقا لكم). (وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره) تقدم معناه في ~~" البقرة " (1). # (وسخر لكم الأنهار) يعني البحار العذبة لتشربوا منها وتسقوا وتزرعوا، ~~والبحار المالحة لاختلاف المنافع من الجهات. (وسخر لكم الشمس والقمر ~~دائبين) أي في إصلاح ما يصلحانه من النبات وغيره، والدؤوب مرور الشئ في ~~العمل على عادة جارية. وقيل: # دائبين في السير امتثالا لأمر الله، والمعنى يجريان إلى يوم القيامة لا ~~يفتران، روي معناه عن ابن عباس. (وسخر لكم الليل والنهار) أي لتسكنوا في ~~الليل ولتبتغوا من فضله في النهار، كما قال: " ومن رحمته جعل لكم الليل ~~والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله " (2) [القصص: 73]. # قوله تعالى: (وآتاكم من كل ما سألتموه) أي أعطاكم من كل مسؤول سألتموه ~~شيئا، فحذف، عن الأخفش. وقيل: المعنى وآتاكم من كل ما سألتموه، ومن كل ما ~~لم تسألوه فحذف، فلم نسأله شمسا ولا قمرا ولا كثيرا من نعمه التي ابتدأنا ~~بها. وهذا كما قال: # " سرابيل تقيكم الحر " (3) [النحل: 81] على ما يأتي. وقيل: " من " زائدة، ~~أي أتاكم كل ما سألتموه. # وقرأ ابن عباس والضحاك وغيرهما " وآتاكم من كل " بالتنوين " ما سألتموه " ~~وقد رويت هذه القراءة عن الحسن والضحاك وقتادة، هي على النفي أي من كل ما ~~لم تسألوه، كالشمس والقمر وغيرهما. وقيل: من كل شئ ما سألتموه أي الذي ما ~~سألتموه. (وإن تعدوا نعمة الله) أي نعم الله. (لا تحصوها) ولا تطيقوا عدها، ~~ولا تقوموا بحصرها لكثرتها، كالسمع والبصر وتقويم الصور إلى غير ذلك من ~~العافية والرزق، [نعم لا تحصى] (4) وهذه النعم من الله، فلم تبدلون نعمة ~~الله بالكفر؟! وهلا استعنتم بها على الطاعة؟! (إن الإنسان لظلوم كفار) ~~الإنسان لفظ جنس وأراد به الخصوص، قال ابن عباس: أراد أبا جهل. وقيل: جميع ~~الكفار. # قوله تعالى: وإذ قال إبراهيم ربى اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبنى أن ~~نعبد الأصنام (35) رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه منى ومن ~~عصاني فإنك غفور رحيم (36) # PageV09P367 # قوله تعالى: (وإذ ms3458 قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا) يعني مكة وقد مضى ~~في " البقرة " (1). (واجنبني وبنى أن نعبد الأصنام) أي اجعلني جانبا عن ~~عبادتها، وأراد بقوله: " بني " بنيه من صلبه وكانوا ثمانية، فما عبد أحد ~~منهم صنما. وقيل: هو دعاء لمن أراد الله أن يدعو له. وقرأ الجحدري وعيسى " ~~وأجنبني " بقطع الألف والمعنى واحد، يقال: جنبت ذلك الأمر، وأجنبته وجنبته ~~إياه فتجانبه واجتنبه أي تركه. وكان إبراهيم التيمي يقول في قصصه: من يأمن ~~البلاء بعد الخليل حين يقول " وأجنبني وبني أن نعبد الأصنام " كما عبدها ~~أبي وقومي. # قوله تعالى: (رب إنهن أضللن كثيرا من الناس) لما كانت سببا للإضلال أضاف ~~الفعل إليهن مجازا، فإن الأصنام جمادات لا تفعل (2). (فمن تبعني) في ~~التوحيد. (فإنه مني) أي من أهل ديني. (ومن عصاني) أي أصر على الشرك. (فإنك ~~غفور رحيم) قيل: # قال هذا قبل أن يعرفه الله أن الله لا يغفر أن يشرك به. وقيل: غفور رحيم ~~لمن تاب من معصيته قبل الموت. وقال مقاتل بن حيان: " ومن عصاني " فيما دون ~~الشرك. # قوله تعالى: ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ~~ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم وارزقهم من الثمرات ~~لعلهم يشكرون (37) فيه ست مسائل: # الأولى - روى البخاري عن ابن عباس: أول ما اتخذ النساء المنطق من قبل أم ~~إسماعيل، أتخذت منطقا لتعفي أثرها على سارة، ثم جاء بها إبراهيم وبابنها ~~إسماعيل وهي ترضعه، حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى ~~المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس # PageV09P368 # بها ماء، فوضعهما هنالك، ووضع عندهما جرابا فيه تمر، وسقاء فيه ماء، ثم ~~قفى إبراهيم منطلقا فتبعته أم إسماعيل، فقالت: يا إبراهيم! أين تذهب ~~وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس (1) ولا شئ، فقالت له ذلك مرارا وجعل ~~لا يلتفت إليها، فقالت له: الله أمرك بهذا؟ # قال: نعم. قالت إذا لا يضيعنا، ثم رجعت، فانطلق إبراهيم. حتى إذا كان عند ~~التثنية حيث لا يرونه، استقبل بوجهه ms3459 البيت ثم دعا بهذه الدعوات، ورفع يديه ~~فقال: " ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع " [إبراهيم: 37] حتى بلغ ~~" يشكرون " وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفد ~~ما في السقاء عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى - أو قال يتلبط (2) - ~~فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت ~~عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدا، فلم تر أحدا، فهبطت من الصفا، ~~حتى إذا بلغت الوادي، رفعت طرف درعها، ثم سعت سعي الإنسان المجهود، ثم ~~جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليه، فنظرت هل ترى أحدا فلم تر أحدا، ~~ففعلت ذلك سبع مرات، قال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم: " فذلك ~~سعي الناس بينهما " فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا فقالت: صه! تريد ~~نفسها، ثم تسمعت فسمعت أيضا فقالت: قد أسمعت، إن كان عندك غواث! (3) فإذا ~~هي بالملك عند موضع زمزم فبحث بعقبه - أو قال بجناحه - حتى ظهر الماء، ~~فجعلت تحوضه وتقول (4) بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور ~~بعد ما تغرف، قال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم: " يرحم الله أم ~~إسماعيل لو تركت زمزم - أو قال: لو لم تغرف من الماء - لكانت زمزم عينا ~~معينا " قال: فشربت وأرضعت ولدها فقال لها الملك: # لا تخافي الضيعة فإن ها هنا بيت الله يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله ~~لا يضيع أهله وذكر الحديث بطوله. # PageV09P369 # مسألة - لا يجوز لأحد أن يتعلق بهذا في طرح ولده وعياله بأرض مضيعة ~~اتكالا على العزيز الرحيم، واقتداء بفعل إبراهيم الخليل، كما تقول غلاة ~~الصوفية في حقيقة التوكل، فإن إبراهيم فعل ذلك بأمر الله لقوله في الحديث: ~~الله أمرك بهذا؟ قال: نعم. وقد روي أن سارة لما غارت من هاجر بعد أن ولدت ~~إسماعيل خرج بها إبراهيم عليه السلام إلى مكة، فروي أنه ركب البراق هو ~~وهاجر والطفل فجاء في يوم واحد من الشام إلى بطن مكة، وترك ms3460 ابنه وأمته ~~هنالك وركب منصرفا من يومه، فكان ذلك كله بوحي من الله تعالى، فلما ولي دعا ~~بضمن هذه الآية. # الثانية - لما أراد الله تأسيس الحال، وتمهيد المقام، وخط الموضع للبيت ~~المكرم، والبلد المحرم، أرسل الملك فبحث عن الماء وأقامه مقام الغذاء، وفي ~~الصحيح: أن أبا ذر رضي الله عنه اجتزأ به ثلاثين بين يوم وليلة، قال أبو ~~ذر: ما كان لي طعام إلا ماء زمزم فسمنت حتى تكسرت عكنى (1)، وما أجد على ~~كبدي سخفة جوع (2)، وذكر الحديث. وروي الدارقطني عن ابن عباس قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " ماء زمزم لما شرب له إن شربته تشتفي به شفاك ~~الله وإن شربته لشبعك أشبعك الله به وإن شربته لقطع ظمئك قطعه وهي هزمة (3) ~~جبريل وسقيا الله إسماعيل ". وروي أيضا عن عكرمة قال: كان ابن عباس إذا شرب ~~من زمزم قال: اللهم إني أسألك علما نافعا، ورزقا واسعا، وشفاء من كل داء. # قال ابن العربي: وهذا موجود فيه إلى يوم القيامة لمن صحت نيته، وسلمت ~~طويته، ولم يكن به مكذبا، ولا يشربه مجربا، فإن الله مع المتوكلين، وهو ~~يفضح المجربين. وقال أبو عبد الله محمد بن علي الترمذي وحدثني أبي رحمه ~~الله قال: دخلت الطواف في ليلة ظلماء فأخذني من البول ما شغلني، فجعلت ~~أعتصر (4) حتى آذاني، وخفت إن خرجت من المسجد أن أطأ بعض تلك الأقدام، وذلك ~~أيام الحج، فذكرت هذا الحديث، فدخلت زمزم فتضلعت (5) منه، فذهب عني إلى ~~الصباح. وروي عن عبد الله بن عمرو: إن في زمزم عينا في الجنة من قبل الركن. # PageV09P370 # الثالثة - قوله تعالى: (ومن ذريتي) " من " في قوله تعالى: " من ذريتي " ~~للتبعيض أي أسكنت بعض ذريتي، يعني إسماعيل وأمه، لأن إسحاق كان بالشام. ~~وقيل: # هي صلة، أي أسكنت ذريتي. # الرابعة - قوله تعالى: (عند بيتك المحرم) يدل على أن البيت كان قديما على ~~ما روي قبل الطوفان، وقد مضى هذا المعنى في سورة " البقرة " (1) وأضاف ~~البيت إليه لأنه لا يملكه غيره، ووصفه بأنه محرم، ms3461 أي يحرم فيه ما يستباح في ~~غيره من جماع واستحلال. وقيل: # محرم على الجبابرة، وأن تنتهك حرمته، ويستخف بحقه، قاله قتادة وغيره. وقد ~~مضى القول في هذا في " المائدة " (2). الخامسة - قوله تعالى: (ربنا ليقيموا ~~الصلاة) خصها من جملة الدين لفضلها فيه، ومكانها منه، وهي عهد الله عند ~~العباد، قال صلى الله عليه وسلم: " خمس صلوات كتبهن الله على العباد ". ~~الحديث. واللام في " ليقيموا الصلاة " لام كي، هذا هو الظاهر فيها وتكون ~~متعلقة ب " أسكنت " ويصح أن تكون لام أمر، كأنه رغب إلى الله [أن يأتمنهم ~~(3) و] أن يوفقهم لإقامة الصلاة. # السادسة - تضمنت هذه الآية أن الصلاة بمكة أفضل من الصلاة بغيرها، لأن ~~معنى " ربنا ليقيموا الصلاة " أي أسكنتهم عند بيتك المحرم ليقيموا الصلاة ~~فيه. وقد اختلف العلماء هل الصلاة بمكة أفضل أو في مسجد النبي صلى الله ~~عليه وسلم؟ فذهب عامة أهل الأثر إلى أن في المسجد الحرام أفضل من الصلاة في ~~مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم: " صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة ~~فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام وصلاة في المسجد الحرام أفضل من ~~صلاة مسجدي هذا بمائة صلاة ". قال الإمام الحافظ أبو عمر: وأسند هذا الحديث ~~حبيب المعلم عن عطاء بن أبي رباح عن عبد الله ابن الزبير وجوده، ولم يخلط ~~في لفظه ولا في معناه، وكان ثقة. قال ابن أبي خيثمة سمعت # PageV09P371 # يحيى بن معين يقول: حبيب المعلم ثقة. وذكر عبد الله بن أحمد قال سمعت أبي ~~يقول: # حبيب المعلم ثقة ما أصح حديثه! وسئل أبو زرعة الرازي عن حبيب المعلم ~~فقال: بصري ثقة. # قلت - وقد خرج حديث حبيب المعلم هذا عن عطاء بن أبي رباح عن عبد الله بن ~~الزبير عن النبي صلى الله عليه وسلم الحافظ أبو حاتم محمد بن حاتم التميمي ~~البستي في المسند الصحيح له، فالحديث صحيح وهو الحجة عند التنازع ~~والاختلاف. والحمد لله. قال أبو عمر: وقد روي عن ابن عمر عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم مثل ms3462 حديث ابن الزبير، رواه موسى الجهني عن نافع عن ابن عمرو، ~~وموسى الجهني [الكوفي] (1) ثقة، أثني عليه القطان وأحمد ويحيى وجماعتهم. ~~وروى عنه شعبة. والثوري ويحيى بن سعيد. وروى حكيم بن سيف، حدثنا عبيد الله ~~بن عمر، عن عبد الكريم عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما ~~سواه إلا المسجد الحرام وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف فيمن سواه ~~". وحكيم بن سيف هذا شيخ من أهل الرقة قد روى عنه أبو زرعة الرازي، وأخذ ~~عنه ابن وضاح، وهو عندهم شيخ صدوق لا بأس به. فإن كان (2) حفظ فهما حديثان، ~~وإلا فالقول قول حبيب المعلم. وروى محمد بن وضاح، حدثنا يوسف بن عدي عن عمر ~~بن عبيد عن عبد الملك عن عطاء عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة في غيره من المساجد إلا المسجد ~~الحرام فإن الصلاة فيه أفضل ". قال أبو عمر: وهذا كله نص في موضع الخلاف ~~قاطع له عند من ألهم رشده، ولم تمل به عصبيته. وذكر ابن حبيب عن مطرف وعن ~~أصبغ عن ابن وهب أنهما كانا يذهبان إلى تفضيل الصلاة في المسجد الحرام على ~~الصلاة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم على ما في هذا الباب. وقد اتفق ~~مالك وسائر العلماء على أن صلاة العيدين يبرز لهما في كل بلد إلا مكة فإنها ~~تصلي في المسجد الحرام. وكان عمر وعلي وابن مسعود وأبو الدرداء وجابر ~~يفضلون مكة ومسجدها وهم أولى بالتقليد ممن بعدهم، وإلى هذا ذهب الشافعي. ~~وهو قول عطاء والمكيين والكوفيين، وروي مثله عن مالك، ذكر ابن وهب في جامعه ~~عن مالك أن # PageV09P372 # آدم عليه السلام لما أهبط إلى الأرض قال: يا رب هذه أحب إليك أن تعبد ~~فيها؟ قال: # بل مكة. والمشهور عنه وعن أهل المدينة تفضيل المدينة، واختلف ms3463 أهل البصرة ~~والبغداديون في ذلك، فطائفة تقول مكة، وطائفة تقول المدينة. # قوله تعالى: (فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم) الأفئدة جمع فؤاد وهي ~~القلوب، وقد يعبر عن القلب بالفؤاد كما قال الشاعر: # وإن فؤادا قادني بصبابة * إليك على طول المدى لصبور وقيل: جمع وفد، ~~والأصل أوفدة، فقدمت الفاء وقلبت الواو ياء كما هي، فكأنه قال: واجعل وفودا ~~من الناس تهوي إليهم، أي تنزع، يقال: هوي نحوه إذا مال، وهوت الناقة تهوي ~~هويا فهي هاوية إذا عدت عدوا شديدا كأنها في هواء بئر، وقوله: " تهوي إليهم ~~" مأخوذ منه. قال ابن عباس ومجاهد: لو قال أفئدة الناس لازدحمت عليه فارس ~~والروم والترك والهند واليهود والنصارى والمجوس، ولكن قال: " من الناس " ~~فهم المسلمون، فقوله: " تهوي إليهم " أي تحن إليهم، وتحن إلى زيارة البيت. ~~وقرأ مجاهد " تهوى (1) إليهم " أي تهواهم وتجلهم. # (وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون) فاستجاب الله دعاءه، وأنبت لهم ~~بالطائف سائر الأشجار، وبما يجلب إليهم من الأمصار. وفي صحيح البخاري عن ~~ابن عباس الحديث الطويل وقد ذكرنا بعضه: " فجاء إبراهيم بعد ما تزوج ~~إسماعيل يطالع تركته فلم يجد إسماعيل، فسأل امرأته عنه فقالت: خرج يبتغي ~~لنا، ثم سألهم عن عيشهم وهيئتهم فقالت: نحن بشر، نحن في ضيق وشدة، فشكت ~~إليه، قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام وقولي له يغير عتبة بابه، ~~فلما جاء إسماعيل كأنه أنس شيئا فقال: هل جاءكم من أحد! قالت: نعم جاءنا ~~شيخ كذا وكذا فسألني عنك فأخبرته، وسألني كيف عيشتنا فأخبرته أنا في جهد ~~وشدة، قال: فهل أوصاك بشئ: قالت: أمرني أن أقرأ عليك السلام، ويقول: غير ~~عتبة بابك، قال: ذاك أبي وقد أمرني أن أفارقك ألحقي بأهلك، فطلقها وتزوج ~~منهم أخرى، فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله ثم أتاهم بعد فلم يجده، ودخل على ~~امرأته فسألها عنه فقالت: خرج يبتغي لنا. قال: # PageV09P373 # كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت: نحن بخير وسعة وأثنت على الله. ~~قال: # ما طعامكم؟ قالت: اللحم. قال فما شرابكم؟ قالت: الماء. قال: ms3464 اللهم بارك ~~لهم في اللحم والماء. # قال النبي صلى الله عليه وسلم: " ولم يكن لهم يومئذ حب ولو كان لهم دعا ~~لهم فيه ". قال: # فهما لا يخلو (1) عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه، وذكر الحديث. وقال ~~ابن عباس: قول إبراهيم " فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم " سأل أن يجعل ~~الله الناس يهوون السكنى بمكة، فيصير بيتا محرما، وكل ذلك كان والحمد لله. ~~وأول من سكنه جرهم. ففي البخاري - بعد قوله: # وإن الله لا يضيع أهله - وكان البيت مرتفعا من الأرض كالرابية تأتيه ~~السيول فتأخذ عن يمينه وعن شماله، وكذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم قافلين ~~من طريق كذا، فنزلوا بأسفل مكة، فرأوا طائرا عائفا (2) فقالوا: إن هذا ~~الطائر ليدور على ماء! لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء، فأرسلوا جريا أو ~~جريين (3) فإذا هم بالماء، فأخبروهم بالماء فأقبلوا. قال: وأم إسماعيل عند ~~الماء، فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ قالت: نعم ولكن لا حق لكم في ~~الماء. # قالوا: نعم. قال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم: " [فألفي] " (4) ~~ذلك أم إسماعيل وهي تحب الأنس " فنزلوا وأرسلوا إلى أهلهم فنزلوا معهم حتى ~~إذا كان بها أهل أبيات منهم، شب الغلام، وماتت أم إسماعيل، فجاء إبراهيم ~~بعد ما تزوج إسماعيل يطالع تركته، الحديث. # قوله تعالى: ربنا إنك تعلم ما نخفى وما نعلن وما يخفى على الله من شئ في ~~الأرض ولا في السماء (38) الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحق ~~إن ربى لسميع الدعاء (39) رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء ~~(40) ربنا اغفر لي ولولدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب (41) # PageV09P374 # قوله تعالى: (ربنا إنك تعلم ما نخفى وما نعلن) أي، ليس يخفي عليك شئ من ~~أحوالنا. # وقال ابن عباس ومقاتل: تعلم جميع ما أخفيه وما أعلنه من الوجد بإسماعيل ~~وأمه حيث أسكنا بواد غير ذي زرع. (وما يخفي على الله من شئ في الأرض ولا في ~~السماء) قيل: # هو من قول إبراهيم. وقيل: هو من قول الله ms3465 تعالى لما قال إبراهيم: " ربنا ~~إنك تعلم ما نخفي وما نعلن " قال الله: " وما يخفي على الله من شئ في الأرض ~~ولا في السماء ". # (الحمد لله الذي وهب لي على الكبر) أي على كبر سني وسن امرأتي، قال ابن ~~عباس: # ولد له إسماعيل وهو ابن تسع وتسعين سنة. وإسحاق وهو ابن مائة واثنتي عشرة ~~سنة. وقال سعيد بن جبير: بشر إبراهيم بإسحاق بعد عشر ومائة سنة. (إن ربي ~~لسميع الدعاء). # قوله تعالى: (رب اجعلني مقيم الصلاة) أي من الثابتين على الإسلام والتزام ~~أحكامه. # (ومن ذريتي) أي واجعل من ذريتي من يقيمها. (ربنا وتقبل دعاء) أي عبادتي ~~كما قال: " وقال ربكم ادعوني أستجب لكم " (1) [غافر: 60]. وقال عليه ~~السلام: " الدعاء مخ العبادة " وقد تقدم في " البقرة " (2). (ربنا اغفر لي ~~ولوالدي وللمؤمنين) قيل: استغفر إبراهيم لوالديه قبل أن يثبت عنده أنهما ~~عدوان لله. قال القشيري: ولا يبعد أن تكون أمه مسلمة لأن الله ذكر عذره في ~~استغفاره لأبيه دون أمه. # قلت: وعلى هذا قراءة سعيد بن جبير، " رب أغفر لي ولوالدي " يعني. أباه. ~~وقيل: # استغفر لهما طمعا في إيمانهما. وقيل: استغفر لهما بشرط أن يسلما وقيل: ~~أراد آدم وحواء. وقد روي أن العبد إذا قال: اللهم أغفر لي ولوالدي وكان ~~أبواه قد ماتا كافرين انصرفت المغفرة إلى آدم وحواء لأنهما والدا الخلق ~~أجمع. وقيل: إنه أراد ولديه إسماعيل وإسحاق. وكان إبراهيم النخعي يقرأ: " ~~ولولدي " يعني ابنيه، وكذلك قرأ يحيى بن يعمر، ذكره الماوردي والنحاس. ~~(وللمؤمنين) قال ابن عباس: من أمة محمد صلى الله عليه وسلم. # وقيل: " للمؤمنين " كلهم وهو أظهر. (يوم يقوم الحساب) أي يوم يقوم الناس ~~للحساب. # PageV09P375 # قوله تعالى: ولا تحسبن الله غفلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم ~~تشخص فيه الأبصر (42) مهطعين مقنعي رؤوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم ~~هواء (43) قوله تعالى: (ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون) وهذا ~~تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم بعد أن أعجبه من أفعال المشركين ومخالفتهم ~~دين إبراهيم، أي أصبر كما صبر إبراهيم، وأعلم ms3466 المشركين أن تأخير العذاب ليس ~~للرضا بأفعالهم، بل سنة الله إمهال العصاة مدة. قال ميمون بن مهران: هذا ~~وعيد للظالم، وتعزية للمظلوم. (إنما يؤخرهم) يعني مشركي مكة يمهلهم ويؤخر ~~عذابهم. وقراءة العامة " يؤخرهم " بالياء واختاره أبو عبيد وأبو حاتم ~~لقوله: # " ولا تحسبن الله ". وقرأ الحسن والسلمي وروي عن أبي عمرو أيضا " نؤخرهم ~~" بالنون للتعظيم. (ليوم تشخص فيه الأبصار) أي لا تغمض من هول ما تراه في ~~ذلك اليوم، قاله الفراء. يقال: شخص الرجل بصره وشخص البصر نفسه أي سما وطمح ~~من هول ما يرى. # قال ابن عباس: تشخص أبصار الخلائق يومئذ إلى الهواء لشدة الحيرة فلا ~~يرمضون. # (مهطعين) أي مسرعين، قاله الحسن وقتادة وسعيد بن حبير، مأخوذ من أهطع ~~يهطع إهطاعا إذا أسرع ومنه قوله تعالى: " مهطعين إلى الداع " (1) [القمر: ~~8] أي مسرعين. قال الشاعر: # بدجلة دارهم ولقد أراهم * بدجلة مهطعين إلى السماع وقيل: المهطع الذي ~~ينظر في ذل وخشوع، أي ناظرين من غير أن يطرفوا، قاله ابن عباس، وقال مجاهد ~~والضحاك: " مهطعين " أي مديمي النظر. وقال النحاس: والمعروف في اللغة أن ~~يقال: أهطع إذا أسرع، قال أبو عبيد: وقد يكون الوجهان جميعا يعني الإسراع ~~مع إدامة النظر. وقال ابن زيد: المهطع الذي لا يرفع رأسه. (مقنعي رؤوسهم) ~~أي رافعي رؤوسهم ينظرون في ذل. وإقناع الرأس رفعه، قاله ابن عباس ومجاهد. ~~قال ابن عرفة والقتبي وغيرهما: المقنع الذي يرفع رأسه ويقبل ببصره على ما ~~بين يديه، ومنه الإقناع في الصلاة (2) # PageV09P376 # وأقنع صوته إذا رفعه. وقال الحسن: وجوه الناس يومئذ إلى السماء لا ينظر ~~أحد إلى أحد. # وقيل: ناكسي رؤوسهم، قال المهدوي: ويقال أقنع إذا رفع رأسه، وأقنع إذا ~~طأطأ رأسه ذلة وخضوعا، والآية محتملة الوجهين، وقاله المبرد، والقول الأول ~~أعرف في اللغة، قال الراجز: # أنغض (1) نحوي رأسه وأقنعا * كأنما أبصر شيئا أطمعا وقال الشماخ يصف ~~إبلا: # يباكرن العضاه (2) بمقنعات * نواجذهن كالحدإ الوقيع يعني: برؤوس مرفوعات ~~إليها لتتناولهن. ومنه قيل: مقنعة (3) لارتفاعها. ومنه قنع الرجل إذا رضي، ~~أي رفع رأسه عن السؤال. ms3467 وقنع إذا سأل أي أتى ما يتقنع منه، عن النحاس. وفم ~~مقنع أي معطوفة أسنانه إلى داخل. ورجل مقنع بالتشديد، أي عليه بيضة قاله ~~الجوهري. (لا يرتد إليهم طرفهم) أي لا ترجع إليهم أبصارهم من شدة النظر فهي ~~شاخصة النظر. يقال: طرف الرجل يطرف طرفا إذا أطبق جفنه على الآخر، فسمي ~~النظر طرفا لأنه به يكون. والطرف العين. قال عنترة: # وأغض طرفي ما بدت لي جارتي * حتى يواري جارتي مأواها وقال جميل: # أقصر طرفي دون جمل كرامة * لجمل وللطرف الذي أنا قاصره (وأفئدتهم هواء) ~~أي لا تغني شيئا من شدة الخوف. ابن عباس: خالية من كل خير. # السدي: خرجت قلوبهم من صدورهم فنشبت في حلوقهم، وقال مجاهد ومرة وابن ~~زيد: # خاوية خربة متخرقة (4) ليس فيها خير ولا عقل، كقولك في البيت الذي ليس ~~فيه شئ: # إنما هو هواء، وقاله ابن عباس: والهواء في اللغة المجوف الخالي، ومنه قول ~~حسان: # ألا أبلغ أبا سفيان عني * فأنت مجوف (5) نخب هواء # PageV09P377 # وقال زهير يصف ناقة صغيرة الرأس: # كأن الرجل منها فوق صعل * من الظلمان جؤجؤه هواء فارغ أي خال، وفي ~~التنزيل: " وأصبح فؤاد أم موسى فارغا " (2) [القصص: 10] أي من كل شئ إلا من ~~هم موسى. وقيل: في الكلام إضمار، أي ذات هواء وخلاء. قوله تعالى: وأنذر ~~الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب ~~دعوتك ونتبع الرسل أو لم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال (44) قوله ~~تعالى: (وأنذر الناس) قال ابن عباس: أراد أهل مكة. (يوم يأتيهم العذاب) وهو ~~يوم القيامة، أي خوفهم ذلك اليوم. وإنما خصهم بيوم العذاب وإن كان يوم ~~الثواب، لأن الكلام خرج مخرج التهديد للعاصي. (فيقول الذين ظلموا) أي في ~~ذلك اليوم (ربنا أخرنا) أي أمهلنا. (إلى أجل قريب) سألوه الرجوع إلى الدنيا ~~حين ظهر الحق في الآخرة. (نجب دعوتك) أي إلى الإسلام. (ونتبع الرسل). ~~فيجابوا: (أو لم تكونوا أقسمتم من قبل) يعني في دار الدنيا. قال مجاهد: هو ~~قسم قريش أنهم ms3468 لا يبعثون. ابن جريج: هو ما حكاه عنهم في قوله: " وأقسموا ~~بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت " (3) [النحل: 38]. " ما لكم من ~~زوال " فيه تأويلان: أحدهما - ما لكم من انتقال عن الدنيا إلى الآخرة، أي ~~لا تبعثون ولا تحشرون، وهذا قول مجاهد. الثاني - " ما لكم من زوال " أي من ~~العذاب. وذكر البيهقي عن محمد بن كعب القرظي قال: لأهل النار خمس دعوات ~~يجيبهم الله في أربعة، فإذا كان في الخامسة لم يتكلموا بعدها أبدا، يقولون: # " ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من ~~سبيل " (4) [غافر: 11] فيجيبهم الله " ذلكم بأنه إذا دعى الله وحده كفرتم ~~وأن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير " [غافر: 12]. # PageV09P378 # ثم يقولون: " ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون " (1) ~~[السجدة: 12] فيجيبهم الله تعالى: # " فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا إنا نسيناكم وذوقوا عذاب الخلد بما ~~كنتم تعملون " [السجدة: 14] ثم يقولون: " ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب ~~دعوتك ونتبع الرسل " فيجيبهم الله تعالى " أو لم تكونوا أقسمتم من قبل ما ~~لكم من زوال " فيقولون: " ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل " ~~[فاطر: 37] فيجيبهم الله تعالى: " أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر ~~وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير " (1) [فاطر: 37]. ويقولون: " ~~ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين " [المؤمنون: 106] فيجيبهم الله ~~تعالى: " اخسئوا فيها ولا تكلمون " (2) [المؤمنون: 108] فلا يتكلمون بعدها ~~أبدا، خرجه ابن المبارك في " دقائقه " بأطول من هذا - وقد كتبناه في كتاب " ~~التذكرة " - وزاد في الحديث " وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين ~~لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال. # وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال " ~~[إبراهيم: 44 - 45] قال هذه الثالثة، وذكر الحديث وزاد بعد قوله: " اخسئوا ~~فيها ولا تكلمون " [المؤمنون: 108] فانقطع عند ذلك الدعاء والرجاء، وأقبل ~~بعضهم على بعض ينبح بعضهم في وجه بعضهم في وجه بعض، وأطبقت عليهم، قال: ~~فحدثني الأزهر ابن أبي الأزهر أنه ذكر له أن ذلك قوله: " هذا يوم ms3469 لا ينطقون ~~ولا يؤذن لهم فيعتذرون " (3) [المرسلات: 35 - 36]. # قوله تعالى: وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم ~~وضربنا لكم الأمثال (45) وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم ~~لتزول منه الجبال (46) قوله تعالى: (وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم ~~وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال) أي في بلاد ثمود ونحوها فهلا ~~اعتبرتم بمساكنهم، بعد ما تبين لكم ما فعلنا بهم، وبعد أن ضربنا لكم ~~الأمثال في القرآن. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي " ونبين لكم " بنون والجزم ~~على أنه مستقبل ومعناه الماضي، وليناسب قوله: " كيف فعلنا بهم ". # وقراءة الجماعة، " وتبين " وهي مثلها في المعنى، لأن ذلك لا يتبين لهم ~~إلا بتبيين الله إياهم. # PageV09P379 # قوله تعالى: (وقد مكروا مكرهم) أي بالشرك بالله وتكذيب الرسل والمعاندة، ~~عن ابن عباس وغيره. (وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال) " إن ~~" بمعنى " ما " أي ما كان مكرهم لتزول منه الجبال لضعفه ووهنه، " وإن " ~~بمعنى " ما " في القرآن في مواضع خمسة: أحدها هذا. الثاني - " فإن كنت في ~~شك مما أنزلنا إليك " (1) [يونس: 94]. الثالث - " لو أردنا أن نتخذ لهوا ~~لاتخذناه من لدنا إن كنا " (2) [الأنبياء: 17] أي ما كنا. الرابع - " قل إن ~~كان للرحمن ولد " (3) [الزخرف: 81]. # الخامس - " ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه " (3) [الأحقاف: 26]. وقرا ~~الجماعة " وإن كان " بالنون. # وقرأ عمرو بن علي وابن مسعود وأبي " وإن كاد " بالدال. والعامة على كسر ~~اللام في " لتزول " على أنها لام الجحود وفتح اللام الثانية نصبا. وقرأ بن ~~محيصن وابن جريج والكسائي " لتزول " بفتح اللام الأول على أنها لام ~~الابتداء ورفع الثانية " وإن " مخففة من الثقيلة، ومعنى هذه القراءة ~~استعظام مكرهم، أي ولقد عظم مكرهم حتى كادت الجبال تزول منه، قال الطبري: # الاختيار القراءة الأولى، لأنها لو كانت زالت لم تكن ثابتة، قال أبو بكر ~~الأنباري: ولا حجة على مصحف المسلمين في الحديث الذي حدثناه أحمد بن ~~الحسين: حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا وكيع بن الجراح عن إسرائيل عن أبي ~~إسحاق عن ms3470 عبد الرحمن بن دانيل (4) قال سمعت علي بن أبي طالب رضي الله عنه ~~يقول: إن جبارا من الجبابرة قال لا انتهى حتى أعلم من في السماوات، فعمد ~~إلى فراخ نسور، فأمر أن تطعم اللحم، حتى اشتدت وعضلت واستعلجت (5) أمر بأن ~~يتخذ تابوت يسع فيه رجلين، وأن يجعل فيه عصا في رأسها لحم شديد حمرته، وأن ~~يستوثق من أرجل النسور بالأوتاد، وتشد إلى قوائم التابوت، ثم جلس هو وصاحب ~~له من التابوت وأثار النسور، فلما رأت اللحم طلبته، فجعلت ترفع التابوت حتى ~~بلغت به ما شاء الله، فقال الجبار لصاحبه: افتح الباب فانظر ما ترى؟ فقال: ~~أرى الجبال كأنها ذباب، فقال: # أغلق الباب، ثم صعدت بالتابوت ما شاء الله أن تصعد، فقال الجبار لصاحبه: ~~افتح الباب فانظر ما ترى؟ فقال: ما أرى إلا السماء وما تزداد منا إلا بعدا، ~~فقال: نكس العصا فنكسها، فانقضت النسور. فلما وقع التابوت على الأرض سمعت ~~له هدة كادت الجبال تزول عن # PageV09P380 # مراتبها (1) منها، قال: فسمعت عليا رضي الله عنه يقرأ " وإن كان مكرهم ~~لتزول " بفتح اللام الأولى من " لتزول " وضم الثانية. وقد ذكر الثعلبي هذا ~~الخبر بمعناه، وأن الجبار هو النمرود الذي حاج إبراهيم في ربه، وقال عكرمة: ~~كان معه في التابوت غلام أمرد، وقد حمل القوس والنبل فرمى بهما فعاد إليه ~~ملطخا بالدماء وقال: كفيت نفسك (2) إله السماء. قال عكرمة: # تلطخ بدم سمكة من السماء، قفذفت نفسها إليه من بحر في الهواء معلق. وقيل: ~~طائر من الطير أصابه السهم ثم أمر نمرود صاحبه أن يضرب العصا وأن ينكس ~~اللحم، فهبطت النسور بالتابوت، فسمعت الجبال حفيف التابوت والنسور ففزعت، ~~وظنت أنه قد حدث بها حدث من السماء، وأن الساعة قد قامت، فذلك قوله: " وإن ~~كان مكرهم لتزول منه الجبال ". # قال القشيري: وهذا جائز بتقدير خلق الحياة في الجبال. وذكر الماوردي عن ~~ابن عباس: # أن النمرود بن كنعان بنى الصرح في قرية الرس من سواد الكوفة، وجعل طول ~~خمسة آلاف ذراع وخمسين ذراعا، وعرضه ثلاثة آلاف ms3471 ذراع وخمسة وعشرين ذراعا، ~~وصعد منه مع النسور، فلما علم أنه لا سبيل له إلى السماء اتخذه حصنا، وجمع ~~فيه أهله وولده ليتحصن فيه. فأتى الله بنيانه من القواعد، فتداعي الصرح ~~عليهم فهلكوا جميعا، فهذا معنى " وقد مكروا مكرهم " وفي الجبال التي عني ~~زوالها بمكرهم وجهان: أحدهما - جبال الأرض. # الثاني - الإسلام والقرآن، لأنه لثبوته ورسوخه كالجبال. وقال القشيري: " ~~وعند الله مكرهم " أي هو عالم بذلك فيجازيهم أو عند الله جزاء مكرهم فحذف ~~المضاف. " وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال " بكسر اللام، أي ما كان مكرهم ~~مكرا يكون له أثر وخطر عند الله تعالى، فالجبال مثل لأمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم. وقيل: " وإن كان مكرهم " في تقديرهم " لتزول منه الجبال " وتؤثر ~~في إبطال الإسلام. وقرئ " لتزول منه الجبال " بفتح اللام الأولى وضم ~~الثانية، أي كان مكرا عظيما تزول منه الجبال، ولكن الله حفظ رسول الله صلى ~~الله # PageV09P381 # عليه وسلم، وهو كقوله تعالى: " ومكروا مكرا كبارا " (1) [نوح: 22] ~~والجبال لا تزول ولكن العبارة عن تعظيم الشئ هكذا تكون. # قوله تعالى: فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو انتقام (47) ~~قوله تعالى: (فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله) اسم الله تعالى و " مخلف " ~~مفعولا تحسب، و " رسله " مفعول " وعده " وهو على الاتساع، والمعنى: مخلف ~~وعده رسله، قال الشاعر: # ترى الثور فيها مدخل الظل رأسه * وسائره باد إلى الشمس أجمع (2) قال ~~القتبي: هو من المقدم الذي يوضحه التأخير، والمؤخر الذي يوضحه التقديم، ~~وسواء في قولك: # مخلف وعده رسله، ومخلف رسله وعده. (إن الله عزيز ذو انتقام) أي من ~~أعدائه. # ومن أسمائه المنتقم وقد بيناه في " الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله ~~الحسنى ". # قوله تعالى: يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد ~~القهار (48) وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد (49) سرابيلهم من قطران ~~وتغشى وجوههم النار (50) ليجزى الله كل نفس ما كسبت إن الله سريع الحساب ~~(51) هذا بلغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولوا ~~الألباب (52) قوله تعالى: (يوم ms3472 تبدل الأرض غير الأرض) أي أذكر يوم تبدل ~~الأرض، فتكون متعلقة بما قبله. وقيل: هو صفة لقوله: " يوم يقوم الحساب " ~~[إبراهيم: 41]. واختلف في كيفية تبديل # PageV09P382 # الأرض، فقال كثير من الناس: إن تبدل الأرض عبارة عن تغير صفاتها، وتسوية ~~آكامها، ونسف جبالها، ومد أرضها، ورواه ابن مسعود رضي الله عنه، خرجه ابن ~~ماجة في سننه وذكره ابن المبارك من حديث شهر بن حوشب، قال حدثني ابن عباس ~~قال: إذا كان يوم القيامة مدت الأرض مد الأديم وزيد في سعتها كذا وكذا، ~~وذكر الحديث. وروي مرفوعا من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: " تبدل الأرض غير الأرض فيبسطها ويمدها مد الأديم العكاظي (1) لا ترى ~~فيها عوجا ولا أمتا ثم يزجر الله الخلق زجرة فإذا هم في الثانية في مثل ~~مواضعهم من الأولى من كان في بطنها ففي بطنها ومن كان على ظهرها كان على ~~ظهرها (2) " ذكره الغزنوي. وتبديل السماء تكوير شمسها وقمرها، وتناثر ~~نجومها، قاله ابن عباس. وقيل: اختلاف أحوالها، فمرة كالمهل (3) ومرة ~~كالدهان (4)، حكاه ابن الأنباري، وقد ذكرنا هذا الباب مبينا في كتاب " ~~التذكرة " وذكرنا ما للعلماء في ذلك، وأن الصحيح إزالة هذه الأرض حسب ما ~~ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم. روى مسلم عن ثوبان مولى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: كنت قائما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءه حبر ~~من أحبار اليهود فقال: السلام عليك، وذكر الحديث، وفيه، فقال اليهودي أين ~~يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات؟ فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " في الظلمة دون الجسر " (5). وذكر الحديث. وخرج عن عائشة قالت: ~~سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله: " يوم تبدل الأرض غير الأرض ~~والسماوات " فأين يكون الناس يومئذ؟ قال " على الصراط ". خرجه ابن ماجة ~~بإسناد مسلم سواء، وخرجه الترمذي عن عائشة وأنها هي السائلة، قال: هذا حديث ~~حسن صحيح، فهذه الأحاديث تنص على أن السماوات والأرض تبدل وتزال، ويخلق ~~الله أرضا أخرى يكون ms3473 الناس عليها بعد كونهم على الجسر. وفى صحيح مسلم عن ~~سهل بن سعد قال قال رسول الله صلى الله عليه # PageV09P383 # وسلم: " يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي (1) ليس ~~فيها علم لأحد ". # وقال جابر: سألت أبا جعفر محمد بن علي عن قول الله عز وجل: " يوم تبدل ~~الأرض غير الأرض " قال تبدل خبزة يأكل منها الخلق يوم القيامة، ثم قرأ: " ~~وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام (2) ". وقال ابن مسعود: إنها تبدل بأرض ~~غيرها بيضاء لم يعمل عليها خطيئة. وقال ابن عباس: بأرض من فضة بيضاء. وقال ~~على رضي الله عنه: تبدل الأرض يومئذ من فضة والسماء من ذهب وهذا تبديل ~~للعين، وحسبك. (وبرزوا لله الواحد القهار) أي من قبورهم، وقد تقدم. # قوله تعالى: (وترى المجرمين) وهم المشركون. (يومئذ) أي يوم القيامة. # (مقرنين) أي مشدودين (في الأصفاد) وهي الأغلال والقيود واحدها صفد وصفد. # ويقال: صفدته صفدا أي قيدته والاسم الصفد، فإذا أردت التكثير قلت: صفدته ~~تصفيدا، قال عمر بن كلثوم: فآبوا بالنهاب وبالسبايا * وابنا بالملوك ~~مصفدينا أي مقيدينا. وقال حسان: # من كل مأسور يشد صفاده * صقر إذا لاقى الكريهة حام أي غله، وأصفدته ~~إصفادا أعطيته. وقيل: صفدته وأصفدته جاريان في القيد والإعطاء جميعا، قال ~~النابغة: # فلم أعرض أبيت اللعن (2) بالصفد فالصفد العطاء، لأنه يقيد ويعبد، قال أبو ~~الطيب: # وقيدت نفسي في ذراك محبة * ومن وجد الإحسان قيدا تقيدا # PageV09P384 # قيل: يقرن كل كافر مع شيطان في غل، بيانه قوله: " احشروا الذين ظلموا ~~وأزواجهم (1) يعنى قرناءهم من الشياطين. وقيل أنهم الكفار يجمعون في ~~الأصفاد كما اجتمعوا في الدنيا على المعاصي. (سرابيلهم من قطران) أي قمصهم، ~~عن ابن دريد وغيره، واحدها سربال، والفعل تسربلت وسربلت غيري، قال كعب بن ~~مالك: # تلقاكم عصب حول النبي لهم * من نسج داود في الهيجا سراويل " من قطران " ~~يعنى قطران الإبل الذي تهنأ به (2)، قاله الحسن. وذلك أبلغ لاشتعال النار ~~فيهم وفى الصحيح: إن النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها ~~سربال من ms3474 قطران ودرع من جرب. وروى عن حماد أنهم قالوا: هو النحاس. وقرأ ~~عيسى بن عمر " قطران " بفتح القاف وتسكين الطاء. وفيه قراءه ثالثة: كسر ~~القاف وجزم الطاء، ومنه قول أبى النجم: # جون كأن العرق المنتوحا (3) * لبسه القطران والمسوحا وقراءة رابعة: " من ~~قطران " رويت عن ابن عباس وأبي هريرة وعكرمة وسعيد بن جبير ويعقوب، والقطر ~~النحاس والصفر المذاب، ومنه قوله تعالى: " آتوني أفرغ عليه قطرا " (5). # والآن: الذي قد انتهى إلى حره، ومنه قوله تعالى: " وبين حميم آن " (6). ~~(وتغشى) أي تضرب (وجوههم النار) فتغشيها. (ليجزى كل نفس ما كسبت) أي بما ~~اكتسبت. # (إن الله سريع الحساب) تقدم. # قوله تعالى: (هذا بلاغ للناس) أي هذا الذي أنزلنا إليك بلاغ، أي تبليغ ~~وعظة. # (ولينذروا به) أي ليخوفوا عقاب الله عز وجل، وقرئ. " ولينذروا " بفتح ~~الياء والذال، يقال: نذرت بالشئ أنذر إذا علمت به فاستعددت له، ولم ~~يستعملوا منه مصدرا كما لم يستعملوا من عسى وليس، وكأنهم استغنوا بأن ~~والفعل كقولك: سرني أن نذرت بالشئ. (وليعلموا # PageV09P385 # أنما هو إله واحد) أي وليعلموا وحدانية الله بما أقام من الحجج ~~والبراهين. (وليذكر أولو الألباب) أي وليتعظ أصحاب العقول. وهذه اللامات في ~~" ولينذروا " " وليعلموا " " وليذكر " متعلقة بمحذوف، التقدير: ولذلك ~~أنزلناه. وروى يمان بن رئاب أن هذه الآية نزلت في أبى بكر الصديق رضي الله ~~عنه. وسئل بعضهم هل لكتاب الله عنوان؟ # فقال: نعم، قيل: وأين هو؟ قال قوله تعالى: " هذا بلاغ للناس ولينذروا به ~~" إلى آخرها. تم تفسير سورة إبراهيم عليه السلام والحمد لله. # محققه أبو إسحاق إبراهيم أطفيش تم الجزء التاسع من تفسير القرطبي يتلوه ~~إن شاء الله تعالى الجزء العاشر، وأوله: # سورة " الحجر " PageV09P386 # الجامع لاحكام القرآن لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي الجزء ~~العاشر أعاد طبعه دار احياء التراث العربي بيروت - لبنان 1405 ه‍ 1985 م ~~بسم الله الرحمن الرحيم تفسير سورة الحجر قوله تعالى: الر تلك آيات الكتب ~~وقرآن مبين (1) تقدم (1) معناه. و " الكتاب " قيل فيه: إنه اسم لجنس الكتب ~~المتقدمة من التوراة ms3475 والإنجيل، ثم قرنهما بالكتاب المبين. وقيل: الكتاب هو ~~القرآن، جمع له بين الاسمين. # قوله تعالى: ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين (2) " رب " لا تدخل ~~على الفعل، فإذا لحقتها " ما " هيأتها للدخول على الفعل تقول: ربما قام ~~زيد، وربما يقوم زيد. ويجوز أن تكون " ما " نكرة بمعنى شئ، و " يود " صفة ~~له، أي رب شئ يود الكافر. وقرأ نافع وعاصم " ربما " مخفف الباء. الباقون ~~مشددة، وهما لغتان. # قال أبو حاتم: أهل الحجاز يخففون ربما، قال الشاعر: # ربما ضربة بسيف صقيل * بين بصرى وطعنة نجلاء (2) وتميم وقيس وربيعة ~~يثقلونها. وحكى فيها: ربما وربما، وربتما وربتما، بتخفيف الباء وتشديدها ~~أيضا (3). وأصلها أن تستعمل في القليل وقد تستعمل في الكثير، أي يود الكفار ~~في أوقات كثيرة لو كانوا مسلمين، قاله الكوفيون. ومنه قول الشاعر: # PageV10P001 # ألا ربما أهدت لك العين نظرة * قصاراك منها أنها عنك لا تجدي (1) وقال ~~بعضهم: هي للتقليل فهذا الموضع، لأنهم قالوا ذلك في بعض المواضع لا في ~~كلها، لشغلهم بالعذاب، والله أعلم. قال: " ربما يود " وهي إنما تكون لما ~~وقع، لأنه لصدق الوعد كأنه عيان قد كان. وخرج الطبراني أبو القاسم من حديث ~~جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن ناسا من أمتي ~~يدخلون النار بذنوبهم فيكونون في النار ما شاء الله أن يكونوا ثم يعيرهم ~~أهل الشرك فيقولون ما نرى ما كنتم تخالفونا فيه من تصديقكم وإيمانكم نفعكم ~~فلا يبقى موحد إلا أخرجه الله من النار - ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم - " ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ". قال الحسن: إذا رأى ~~المشركون المسلمين وقد دخلوا الجنة وما رأوهم في النار تمنوا أنهم كانوا ~~مسلمين. وقال الضحاك: هذا التمني إنما هو عند المعاينة في الدنيا حين تبين ~~لهم الهدى من الضلالة. # وقيل: في القيامة إذا رأوا كرامة المؤمنين وذل الكافرين. # قوله تعالى: ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الامل فسوف يعلمون (3) فيه ~~مسألتان: # الأولى: قوله تعالى: (ذرهم يأكلوا ويتمتعوا) تهديد لهم. (ويلههم ms3476 الامل) ~~أي يشغلهم عن الطاعة. يقال: ألهاه عن كذا أي شغله. ولهى هو عن الشئ يلهى. # (فسوف يعلمون) إذا رأوا القيامة وذاقوا وبال ما صنعوا. وهذه الآية منسوخة ~~بالسيف. # الثانية - في مسند البزار عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~" أربعة من الشقاء جمود العين وقساوة القلب وطول الامل والحرص على الدنيا ~~". وطول الامل داء # PageV10P002 # عضال ومرض مزمن، ومتى تمكن من القلب فسد مزاجه واشتد علاجه، ولم يفارقه ~~داء ولا نجع فيه دواء، بل أعيا الأطباء ويئس من برئه الحكماء والعلماء. ~~وحقيقة الامل: الحرص على الدنيا والانكباب عليها، والحب لها والاعراض عن ~~الآخرة. وروى (1) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " نجا أول هذه ~~الأمة باليقين والزهد ويهلك آخرها بالبخل والأمل ". ويروى عن أبي الدرداء ~~رضى الله أنه قام على درج مسجد دمشق فقال: # يأهل دمشق، ألا تسمعون من أخ لكم ناصح؟ إن من كان قبلكم كانوا يجمعون ~~كثيرا ويبنون مشيدا ويأملون بعيدا، فأصبح جمعهم بورا وبنيانهم قبورا وأملهم ~~غرورا. هذه عاد قد ملأت البلاد أهلا ومالا وخيلا ورجالا، فمن يشترى منى ~~اليوم تركتهم بدرهمين! # وأنشد: # يا ذا المؤمل آمالا وإن بعدت * منه ويزعم أن يحظى بأقصاها أنى تفوز بما ~~ترجوه ويك وما * أصبحت في ثقة من نيل أدناها وقال الحسن: ما أطال عبد الامل ~~إلا أساء العمل. وصدق رضي الله عنه! فالأمل يكسل عن العمل ويورث التراخي ~~والتواني، ويعقب التشاغل والتقاعس، ويخلد إلى الأرض ويميل إلى الهوى. وهذا ~~أمر قد شوهد بالعيان فلا يحتاج إلى بيان ولا يطلب صاحبه ببرهان، كما أن قصر ~~الامل يبعث على العمل، ويحيل على المبادرة، ويحث على المسابقة. # قوله تعالى: وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم (4) أي أجل مؤقت كتب ~~لهم في اللوح المحفوظ. # قوله تعالى: ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون (5) " من " صلة، كقولك: ~~ما جاءني من أحد. أي لا تتجاوز أجلها فتزيد عليه، ولا تتقدم قبله. ونظيره ~~قوله تعالى: " فإذ جاء أجلهم لا يستأخرون ms3477 ساعة ولا يستقدمون (2) ". # PageV10P003 # قوله تعالى: وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون (6) لوما ~~تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين (7 قاله كفار قريش لمحمد صلى الله ~~عليه وسلم على وجهة الاستهزاء، ثم طلبوا منه إتيان الملائكة دلالة على ~~صدقه. و (لوما) تحضيض على الفعل كلولا وهلا. وقال الفراء: # الميم في " لوما " بدل من اللام في لولا. ومثله استولى على الشئ واستومى ~~عليه، ومثله خالمته وخاللته، فهو خلمى وخلى، أي صديقي. وعلى هذا يجوز " ~~لوما " بمعنى الخبر، تقول: # لوما زيد لضرب عمرو. قال الكسائي: لولا ولوما سواء في الخبر والاستفهام. ~~قال ابن مقبل: # لوما الحياء ولوما الدين عبتكما * ببعض ما فيكما إذ عبتما عوري يريد لولا ~~الحياء. وحكى النحاس لوما ولولا وهلا واحد. وأنشد أهل اللغة على ذلك: # تعدون عقر النيب أفضل مجدكم * بنى ضوطرى لولا الكمي المقنعا (1) أي هلا ~~تعدون الكمي المقنعا. # قوله تعالى: ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين (8) قرأ ~~حفص وحمزة والكسائي (ما ننزل الملائكة إلا بالحق) واختاره أبو عبيد. وقرأ ~~أبو بكر والمفضل " ما تنزل الملائكة ". الباقون " ما تنزل الملائكة " ~~وتقديره: ما تتنزل بتاءين حذفت إحداهما تخفيفا، وقد شدد التاء البز ي، ~~واختاره أبو حاتم اعتبارا بقوله: # " تنزل الملائكة والروح (2) ". ومعنى " إلا بالحق " إلا بالقرآن. وقيل: ~~بالرسالة، عن مجاهد. # وقال الحسن: إلا بالعذاب إن لم يؤمنوا. (وما كانوا إذا منظرين) أي لو ~~تنزلت الملائكة بإهلاكهم لما أمهلوا ولا قبلت لهم توبة. وقيل: المعنى لو ~~تنزلت الملائكة تشهد لك فكفروا # PageV10P004 # بعد ذلك لم ينظروا. وأصل " إذا " إذ أن - ومعناه حينئذ - فضم إليها أن، ~~واستثقلوا الهمزة فحذفوها. # قوله تعالى: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون (9) قوله تعالى: (إنا ~~نحن نزلنا الذكر) يعنى القرآن. (وإنا له لحافظون) من أن يزاد فيه أو ينقص ~~منه. قال قتادة وثابت البناني: حفظه الله من أن تزيد فيه الشياطين باطلا أو ~~تنقص منه حقا، فتولى سبحانه حفظه فلم يزل محفوظا، وقال في غيره: " بما ~~استحفظوا (1) "، فوكل حفظه إليهم ms3478 فبدلوا وغيروا. أنبأنا الشيخ الفقيه ~~الإمام أبو القاسم عبد الله عن أبيه الشيخ الفقيه الامام المحدث أبى الحسن ~~على بن خلف بن معزوز الكومي التلمساني قال: # قرئ على الشيخة العالمة (2) فخر النساء شهدة بنت أبي نصر (3) أحمد بن ~~الفرج الدينوري وذلك بمنزلها بدار السلام في آخر جمادى الآخرة من سنة أربع ~~وستين وخمسمائة، قيل لها: أخبركم الشيخ الأجل العامل نقيب النقباء أبو ~~الفوارس طراد بن محمد الزيني قراءة عليه وأنت تسمعين سنة تسعين وأربعمائة، ~~أخبرنا على بن عبد الله بن إبراهيم حدثنا أبو على عيسى بن محمد بن أحمد ابن ~~عمر بن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المعروف بالطوماري حدثنا الحسين بن ~~فهم قال: سمعت يحيى بن أكثم يقول: كان للمأمون - وهو أمير إذ ذاك - مجلس ~~نظر، فدخل في جملة الناس رجل يهودي حسن الثوب حسن الوجه طيب الرائحة، قال: ~~فتكلم فأحسن الكلام والعبارة، قال: فلما أن تقوض المجلس دعاه المأمون فقال ~~له: إسرائيلي؟ قال نعم. # قال له: أسلم حتى أفعل بك وأصنع، ووعده. فقال: ديني ودين آبائي! وانصرف. ~~قال: # فلما كان بعد سنة جاءنا مسلما، قال: فتكلم على الفقه فأحسن الكلام، فلما ~~تقوض المجلس دعاه المأمون وقال: ألست صاحبنا بالأمس؟ قال له: بلى. قال: فما ~~كان سبب إسلامك؟ # قال: انصرفت من حضرتك فأحببت أن أمتحن هذه الأديان، وأنت (مع ما (4)) ~~تراني حسن # PageV10P005 # الخط، فعمدت إلى التوراة فكتبت ثلاث نسخ فزدت فيها ونقصت، وأدخلتها ~~الكنيسة فاشتريت منى، وعمدت إلى الإنجيل فكتب ثلاث نسخ فزدت فيها ونقصت، ~~وأدخلتها البيعة فاشتريت منى، وعمدت إلى القرآن فعملت ثلاث نسخ وزدت فيها ~~ونقصت، وأدخلتها الوراقين فتصفحوها، فلما أن وجدوا فيها الزيادة والنقصان ~~رموا بها فلم يشتروها، فعلمت أن هذا كتاب محفوظ، فكان هذا سبب إسلامي. قال ~~يحيى بن أكثم: فحججت تلك السنة فلقيت سفيان بن عيينة فذكرت له الخبر فقال ~~لي: مصداق هذا في كتاب الله عز وجل. # قال قلت: في أي موضع؟ قال: في قول الله تبارك وتعالى في التوراة ~~والإنجيل: ms3479 " بما استحفظوا من كتاب الله "، فجعل حفظه إليهم فضاع، وقال عز ~~وجل: " إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون " فحفظه الله عز وجل علينا فلم ~~يضع. وقيل: " وإنا له لحافظون " أي لمحمد صلى الله عليه وسلم من أن يتقول ~~علينا أو نتقول عليه. أو " وإنا له لحافظون " من أن يكاد أو يقتل. نظيره " ~~والله يعصمك من الناس (1) ". و " نحن " يجوز أن يكون موضعه رفعا بالابتداء ~~و " نزلنا " الخبر. والجملة خبر " إن ". ويجوز أن يكون " نحن " تأكيدا لاسم ~~" إن " في موضع نصب، ولا تكون فاصلة لان الذي بعدها ليس بمعرفة وإنما هو ~~جملة، والجمل تكون نعوتا للنكرات فحكمها حكم النكرات. # قوله تعالى: ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين (10) المعنى: ولقد ~~أرسلنا من قبلك رسلا، فحذف. والشيع جمع شيعة وهي الأمة، أي في أممهم، قاله ~~ابن عباس وقتادة. الحسن: في فرقهم. والشيعة: الفرقة والطائفة من الناس ~~المتآلفة المتفقة الكلمة. فكأن الشيع الفرق، ومنه قوله تعالى: " أو يلبسكم ~~شيعا (2) ". وأصله مأخوذ من الشياع وهو الحطب الصغار يوقد به الكبار - كما ~~تقدم في " الانعام ". - وقال الكلبي: إن الشيع هنا القرى. # PageV10P006 # قوله تعالى: وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزءون (11) تسلية للنبي ~~صلى الله عليه وسلم، أي كما فعل بك هؤلاء المشركون فكذلك فعل بمن قبلك من ~~الرسل. # قوله تعالى: كذلك نسلكه في قلوب المجرمين (12) لا يؤمنون به وقد خلت سنة ~~الأولين (13) قوله تعالى: " كذلك نسلكه " أي الضلال والكفر والاستهزاء ~~والشرك. (في قلوب المجرمين " من قومك، عن الحسن وقتادة وغيرهما. أي كما ~~سلكناه في قلوب من تقدم من شيع الأولين كذلك نسلكه في قلوب مشركي قومك حتى ~~لا يؤمنوا بك، كما لم يؤمن من قبلهم برسلهم. وروى ابن جريج عن مجاهد قال: ~~نسلك التكذيب. والسلك: إدخال الشئ في الشئ كإدخال الخيط في المخيط. يقال: ~~سلكه يسلكه سلكا وسلوكا، أسلكه إسلاكا. وسلك الطريق سلوكا وسلكا وأسلكه ~~دخله، والشئ في غيره مثله، والشئ كذلك والرمح، والخيط في الجوهر، كله فعل ~~وأفعل. وقال عدى بن زيد: ms3480 # * وقد سلكوك في يوم عصيب (1) * والسلك (بالكسر) الخيط. وفى الآية رد على ~~القدرية والمعتزلة. وقيل: المعنى نسلك القرآن في قلوبهم فيكذبون به. وقال ~~الحسن ومجاهد وقتادة القول الذي عليه أكثر أهل التفسير، وهو ألزم حجة على ~~المعتزلة. وعن الحسن أيضا: نسلك الذكر إلزاما للحجة، ذكره الغزنوي. (وقد ~~خلت سنة الأولين) أي مضت سنة الله بإهلاك الكفار، فما أقرب هؤلاء من ~~الهلاك. وقيل: " خلت سنة الأولين " بمثل ما فعل هؤلاء من التكذيب والكفر، ~~فهم يقتدون بأولئك. # PageV10P007 # قوله تعالى: ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون (14) ~~لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون (15) يقال: ظل يفعل كذا، أي ~~يفعله بالنهار. والمصدر الظلول. أي لو أجيبوا إلى ما اقترحوا من الآيات ~~لأصروا على الكفر وتعللوا بالخيالات، كما قالوا للقرآن المعجز: إنه سحر. " ~~يعرجون " من عرج يعرج أي صعد. والمعارج المصاعد. أي لو صعدوا إلى السماء ~~وشاهدوا الملكوت والملائكة لأصروا على الكفر، عن الحسن وغيره. وقيل: الضمير ~~في " عليهم " للمشركين. وفى " فظلوا " للملائكة، تذهب وتجئ أي لو كشف ~~لهؤلاء حتى يعاينوا أبوابا في السماء تصعد فيها الملائكة وتنزل لقالوا: ~~رأينا بأبصارنا ما لا حقيقة له، عن ابن عباس وقتادة. ومعنى (سكرت) سدت ~~بالسحر، قاله ابن عباس والضحاك. وقال الحسن: سحرت. الكلبي: أغشيت أبصارنا، ~~وعنه أيضا عميت. قتادة: أخذت. وقال المؤرج: دير بنا، من الدوران، أي صارت ~~أبصارنا سكرى. جويبر: خدعت. وقال أبو عمرو بن العلاء: " سكرت " غشيت وغطيت. ~~ومنه قول الشاعر: # وطلعت شمس عليها مغفر * وجعلت عين الحرور تسكر وقال مجاهد: " سكرت " ~~حبست. ومنه قول أوس بن حجر: # فصرت على ليلة ساهره * فليست بطلق ولا ساكره قلت: وهذه أقوال متقاربة ~~يجمعها قولك: منعت. قال ابن عزيز: " سكرت أبصارنا " سدت أبصارنا، هو من ~~قولك، سكرت النهر إذا سددته. ويقال: هو من سكر الشراب، كأن العين يلحقها ما ~~يلحق الشارب إذا سكر. وقرأ ابن كثير " سكرت " بالتخفيف. والباقون بالتشديد. ~~قال ابن الأعرابي: سكرت ملئت (2). قال المهدوي: والتخفيف والتشديد # PageV10P008 # في " سكرت " ظاهران، التشديد للتكثير ms3481 والتخفيف يؤدي عن معناه. والمعروف ~~أن " سكر " لا يتعدى. قال أبو على: يجوز أن يكون سمع متعديا في البصر. ومن ~~قرأ " سكرت " فإنه شبه ما عرض لأبصارهم بحال السكران، كأنها جرت مجرى ~~السكران لعدم تحصيله. وقد قيل: إنه بالتخفيف [من] سكر الشراب، وبالتشديد ~~أخذت، ذكرهما الماوردي. وقال النحاس: # والمعروف من قراءة مجاهد والحسن " سكرت " بالتخفيف. قال الحسن: أي سحرت. # وحكى أبو عبيد عن أبي عبيدة أنه يقال: سكرت أبصارهم إذا غشيها سمادير (1) ~~حتى لا يبصروا. # وقال الفراء: من قرأ " سكرت " أخذه من سكور الريح (2). قال النحاس: وهذه ~~الأقوال متقاربة. والأصل فيها ما قال أبو عمرو بن العلاء رحمه الله تعالى، ~~قال: هو من السكر في الشراب. وهذا قول حسن، أي غشيهم ما غطى أبصارهم كما ~~غشي السكران ما غطى عقله. # وسكور الريح سكونها وفتورها، فهو يرجع إلى معنى التحيير. # قوله تعالى: ولقد جعلنا في السماء بروجا وزينها للناظرين (16) لما ذكر ~~كفر الكافرين وعجز أصنامهم ذكر كمال قدرته ليستدل بها على وحدانيته. # والبروج: القصور والمنازل. قال ابن عباس: أي جعلنا في السماء بروج الشمس ~~والقمر، أي منازلهما. وأسماء هذه البروج: الحمل، والثور، والجوزاء، ~~والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدي، والدلو، ~~والحوت. والعرب تعد المعرفة لمواقع النجوم وأبوابها من أجل العلوم، ~~ويستدلون بها على الطرقات والأوقات والخصب والجدب. # وقالوا: الفلك اثنا عشر برجا، كل برج ميلان ونصف. وأصل البروج الظهور، ~~ومنه تبرج المرأة بإظهار زينتها. وقد تقدم هذا المعنى في النساء (3). وقال ~~الحسن وقتادة: البروج النجوم، وسميت بذلك لظهورها وارتفاعها. وقيل: الكواكب ~~العظام، قال أبو صالح، # PageV10P009 # يعنى السبعة السيارة (1). وقال قوم: " بروجا "، أي قصورا وبيوتا فيها ~~الحرس، خلقها الله في السماء. فالله أعلم. (وزيناها) يعنى السماء، كما قال ~~في سورة الملك: " ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح (2) ". " للناظرين " ~~للمعتبرين والمتفكرين. # قوله تعالى: وحفظناها من كل شيطان رجيم (17) أي مرجوم. والرجم الرمي ~~بالحجارة. وقيل: الرجم اللعن والطرد. وقد تقدم. وقال الكسائي: كل رجيم في ~~القرآن فهو بمعنى الشتم. وزعم الكلبي أن السماوات كلها ms3482 لم تحفظ من الشياطين ~~إلى زمن عيسى، فلما بعث الله تعالى عيسى حفظ منها ثلاث سماوات إلى مبعث ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحفظ جميعها بعد بعثه وحرست منهم بالشهب. ~~وقاله ابن عباس رضي الله عنه. قال ابن عباس: (وقد كانت الشياطين لا يحجبون ~~عن السماء، فكانوا يدخلونها ويلقون أخبارها على الكهنة، فيزيدون عليها تسعا ~~فيحدثون بها أهل الأرض، الكلمة حق والتسع باطل، فإذا رأوا شيئا مما قالوه ~~صدقوهم فيما جاءوا به، فلما ولد عيسى بن مريم عليهما السلام منعوا من ثلاث ~~سماوات، فلما ولد محمد صلى الله عليه وسلم منعوا من السماوات كلها، فما ~~منهم من أحد يريد استراق السمع إلا رمى بشهاب، على ما يأتي (4). # قوله تعالى: إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين (18) أي لكن من استرق ~~السمع، أي الخطفة اليسيرة، فهو استثناء منقطع. وقيل، هو متصل، أي إلا ممن ~~استرق السمع. أي حفظنا السماء من الشياطين أن تسمع شيئا من الوحي، وغيره، ~~إلا من استرق السمع فإنا لم نحفظها منه أن تسمع الخبر من أخبار السماء سوى ~~الوحي، فأما الوحي فلا تسمع منه شيئا، لقوله: " إنهم عن السمع لمعزولون ". ~~وإذا استمع الشياطين # PageV10P010 # إلى شئ ليس بوحي فإنهم يقذفونه إلى الكهنة في أسرع من طرفة عين، ثم ~~تتبعهم الشهب فتقتلهم أو تخبلهم (1)، ذكره الحسن وابن عباس. # قوله تعالى: (فأتبعه شهاب مبين) أتبعه: أدركه ولحقه. وشهاب: كوكب مضئ. # وكذلك شهاب ثاقب. وقوله: " بشهاب قبس (2) " بشعلة نار في رأس عود، قاله ~~ابن عزيز. # وقال ذو الرمة: # كأنه كوكب في إثر عفرية (3) * مسوم في سواد الليل منقضب وسمى الكوكب ~~شهابا لبريقه، بشبه النار. وقيل: شهاب لشعلة من نار، قبس لأهل الأرض، ~~فتحرقهم ولا تعود إذا أحرقت كما إذا أحرقت النار لم تعد، بخلاف الكوكب فإنه ~~إذا أحرق عاد إلى مكانه. قال ابن عباس: تصعد الشياطين أفواجا تسترق السمع ~~فينفرد المارد منها فيعلو، فيرمى بالشهاب فيصيب جبهته أو أنفه أو ما شاء ~~الله فيلتهب، فيأتي أصحابه وهو يلتهب فيقول: إنه ms3483 كان من الام كذا وكذا، ~~فيذهب أولئك إلى إخوانهم من الكهنة فيزيدون عليها تسعا، فيحدثون بها أهل ~~الأرض، الكلمة حق والتسع باطل. فإذا رأوا شيئا مما قالوا قد كان، صدقوهم ~~بكل ما جاءوا به من كذبهم. وسيأتي هذا المعنى مرفوعا في سورة " سبأ (4) " ~~إن شاء الله تعالى. # واختلف في الشهاب هل يقتل أم لا. فقال ابن عباس: الشهاب يجرح ويحرق ويخبل ~~ولا يقتل. وقال الحسن وطائفة: يقتل، فعلى هذا القول في قتلهم بالشهب قبل ~~إلقاء السمع إلى الجن قولان: أحدهما - أنهم يقتلون قبل إلقائهم ما استرقوه ~~من السمع إلى غيرهم، فعلى هذا لا تصل أخبار السماء إلى غير الأنبياء، ولذلك ~~انقطعت الكهانة. # والثاني: أنهم يقتلون بعد إلقائهم ما استرقوه من السمع إلى غيرهم من ~~الجن، ولذلك ما يعودون إلى استراقه، ولو لم يصل لانقطع الاستراق وانقطع ~~الاحراق، ذكره الماوردي # PageV10P011 # قلت والقول الأول أصح على ما يأتي بيانه في " الصافات ". واختلف هل كان ~~رمى بالشهب قبل المبعث؟ فقال الأكثرون نعم. وقيل: لا، وإنما ذلك بعد ~~المبعث. وسيأتي بيان هذه المسألة في سورة " الجن (1) " إن شاء الله تعالى. ~~وفى " الصافات " أيضا. قال الزجاج: # والرمي بالشهب من آيات النبي صلى الله عليه وسلم مما حدث بعد مولده، لان ~~الشعراء في القديم لم يذكروه في أشعارهم، ولم يشبهوا الشئ السريع به كما ~~شبهوا بالبرق وبالسيل. ولا يبعد أن يقال: انقضاض الكواكب كان في قديم ~~الزمان ولكنه لم يكن رجوما للشياطين، ثم صار رجوما حين ولد النبي صلى الله ~~عليه وسلم. # وقال العلماء: نحن نرى انقضاض الكواكب، فيجوز أن يكون ذلك كما نرى ثم ~~يصير نارا إذا أدرك الشيطان. ويجوز أن يقال: يرمون بشعلة من نار من الهوى ~~فيخيل إلينا أنه نجم سرى. والشهاب في اللغة النار الساطعة. وذكر أبو داود ~~عن عامر الشعبي قال: لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم رجمت الشياطين بنجوم ~~لم تكن ترجم بها قبل، فأتوا عبد يا ليل بن عمرو الثقفي فقالوا: إن الناس قد ~~فزعوا وقد أعتقوا رقيقهم ms3484 وسيبوا أنعامهم لما رأوا في النجوم. فقال لهم - ~~وكان رجلا أعمى -: # لا تعجلوا، وانظروا فإن كانت النجوم التي تعرف فهي عند فناء الناس، وإن ~~كانت لا تعرف فهي من حدث. فنظروا فإذا هي نجوم لا تعرف، فقالوا: هذا من ~~حدث. فلم يلبثوا حتى سمعوا بالنبي صلى الله عليه وسلم. # قوله تعالى: والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شئ ~~موزون (19) وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين (20) قوله تعالى: ~~(والأرض مددناها) هذا من نعمه أيضا، ومما يدل على كمال قدرته. # قال ابن عباس: بسطناها على وجه الماء، كما قال " والأرض بعد ذلك دحاها ~~(1) " أي # PageV10P012 # بسطها. وقال: " والأرض فرشناها فنعم الماهدون (1) ". وهو يرد على من زعم ~~أنها كالكرة. # وقد تقدم (2). (وألقينا فيها رواسي) جبالا ثابتة لئلا تتحرك بأهلها. ~~(وأنبتنا فيها من كل شئ موزون) أي مقدر معلوم، قاله ابن عباس وسعيد بن ~~جبير. وإنما قال " موزون " لان الوزن يعرف به مقدار الشئ. قال الشاعر: # قد كنت قبل لقائكم ذا مرة * عندي لكل مخاصم ميزانه وقال قتادة: موزون ~~يعنى مقسوم. وقال مجاهد: موزون معدود. ويقال: هذا كلام موزون، أي منظوم غير ~~منتثر. فعلى هذا أي أنبتنا في الأرض ما يوزن من الجواهر والحيوانات ~~والمعادن. وقد قال الله عز وجل في الحيوان: " وأنبتها نباتا حسنا (3) ". ~~والمقصود من الانبات الانشاء والايجاد. وقيل: " أنبتنا فيها " أي في الجبال ~~" من كل شئ موزون " من الذهب والفضة والنحاس والرصاص والقزدير، حتى الزرنيخ ~~والكحل، كل ذلك يوزن وزنا. روى معناه عن الحسن وابن زيد. وقيل: أنبتنا في ~~الأرض الثمار مما يكال ويوزن. وقيل: # ما يوزن فيه الأثمان لأنه أجل قدرا وأعم نفعا مما لا ثمن له. (وجعلنا لكم ~~فيها معايش) يعنى المطاعم والمشارب التي يعيشون بها، واحدها معيشة (بسكون ~~الياء). ومنه قول جرير: # تكلفني معيشة آل زيد * ومن لي بالمرقق والصناب (4) والأصل معيشة على ~~مفعلة (بتحريك الياء). وقد تقدم في الأعراف (5). وقيل: إنها الملابس، قاله ~~الحسن. وقيل: إنها التصرف في أسباب الرزق مدة الحياة. قال ms3485 الماوردي: # وهو الظاهر. (ومن لستم له برازقين) يريد الدواب والانعام، قاله مجاهد. ~~وعنده أيضا هم العبيد والأولاد الذين قال الله فيهم: " نحن نرزقهم وإياكم ~~(6) " ولفظ " من " يجوز أن يتناول العبيد والدواب إذا اجتمعوا، لأنه إذا ~~اجتمع من يعقل وما لا يعقل، غلب من يعقل. أي # PageV10P013 # جعلنا لكم فيها معايش وعبيدا وإماء ودواب وأولادا نرزقهم ولا ترزقونهم. ~~ف‍ " من " على هذا التأويل في موضع نصب، قال معناه مجاهد وغيره. وقيل: أراد ~~به الوحش. قال سعيد: قرأ علينا منصور " ومن لستم له برازقين " قال: الوحش. ~~ف " من " على هذا تكون لما لا يعقل، مثل " فمنهم من يمشى على بطنه " الآية. ~~وهي في محل خفض عطفا على الكاف والميم في قوله: " لكم ". وفيه قبح عند ~~البصريين، فإنه لا يجوز عندهم عطف الظاهر على المضمر إلا بإعادة حرف الجر، ~~مثل مررت به وبزيد. ولا يجوز مررت به وزيد إلا في الشعر. كما قال: # فاليوم قربت تهجونا وتشتمنا * فاذهب فما بك والأيام من عجب وقد مضى هذا ~~المعنى في " البقرة (1) " وسورة " النساء (2) ". # قوله تعالى: (وإن من شئ إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم (21) ~~قوله تعالى: (وإن من شئ إلا عندنا خزائنه) أي وإن من شئ من أرزاق الخلق ~~ومنافعهم إلا عندنا خزائنه، يعنى المطر المنزل من السماء، لان به نبات كل ~~شئ. قال الحسن: # المطر خزائن كل شئ. وقيل: الخزائن المفاتيح، أي في السماء مفاتيح ~~الأرزاق، قاله الكلبي. # والمعنى واحد. (وما ننزله إلا بقدر معلوم) أي ولكن لا ننزله إلا على حسب ~~مشيئتنا وعلى حسب حاجة الخلق إليه، كما قال: " ولو بسط الله الرزق لعباده ~~لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء (4) ". وروى عن ابن مسعود والحكم بن ~~عتيبة وغيرهما إنه ليس عام أكثر مطرا من عام، ولكن الله يقسمه كيف شاء، ~~فيمطر قوم ويحرم آخرون، وربما كان المطر. في البحار والقفار. # والخزائن جمع الخزانة، وهو الموضع الذي يستر فيه الانسان ماله والخزانة ~~أيضا مصدر خزن يخزن. وما كان في خزانة الانسان ms3486 كان معدا له. فكذلك ما يقدر ~~عليه الرب # PageV10P014 # فكأنه معد عنده، قاله القشيري. وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جده أنه ~~قال: في العرش مثال كل شئ خلقه الله في البر والبحر. وهو تأويل قوله تعالى: ~~" وإن من شئ إلا عندنا خزائنه ". والانزال بمعنى الانشاء والايجاد، كقوله: ~~" وأنزل لكم من الانعام ثمانية أزواج (1) " وقوله: " وأنزلنا الحديد فيه ~~بأس شديد (2) ". وقيل: الانزال بمعنى الاعطاء، وسماه إنزالا لان أحكام الله ~~إنما تنزل من السماء. # قوله تعالى: وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما ~~له برازقين (22) فيه خمس مسائل: # الأولى: قوله تعالى: (وأرسلنا الرياح) قراءة العامة " الرياح " بالجمع. ~~وقرأ حمزة بالتوحيد، لان معنى الريح الجمع أيضا وإن كان لفظها لفظ الواحد. ~~كما يقال: جاءت الريح من كل جانب. كما يقال: أرض سباسب (3) وثوب أخلاق. ~~وكذلك تفعل العرب في كل شئ اتسع. وأما وجه قراءة العامة فلان الله تعالى ~~نعتها ب (لواقح) وهي جمع. ومعنى " لواقح " حوامل، لأنها تحمل الماء والتراب ~~والسحاب والخير والنفع. قال الأزهري: وجعل الريح لاقحا لأنها تحمل السحاب، ~~أي تقله وتصرفه ثم تمريه (4) فتستدره، أي تنزله، قال الله تعالى: # " حتى إذا أقلت سحابا ثقالا (5) " أي حملت. وناقة لاقح ونوق لواقح إذا ~~حملت الأجنة في بطونها. # وقيل: لوافح بمعنى ملقحة وهو الأصل، ولكنها لا تلقح إلا وهي في نفسها ~~لاقح، كأن الرياح لقحت بخير. قيل: ذوات لقح، وكل ذلك صحيح، أي منها ما يلقح ~~الشجر، كقولهم: # عيشة راضية، أي فيها رضا، وليل نائم، أي فيه نوم. ومنها ما تأتى بالسحاب. ~~يقال: # لقحت الناقة (بالكسر) لقحا ولقاحا (بالفتح) فهي لاقح. وألقحها الفحل أي ~~ألقى إليها # PageV10P015 # الماء فحملته، فالرياح كالفحل للسحاب. قال الجوهري: ورياح لواقح ولا يقال ~~ملاقح، وهو من النوادر. وحكى المهدوي عن أبي عبيدة: لواقح بمعنى ملاقح، ذهب ~~إلى أنه جمع ملقحة وملقح، ثم حذفت زوائده. وقيل: هو جمع لاقحة ولاقح، على ~~معنى ذات اللقاح على النسب. ويجوز أن يكون معنى لاقح حاملا. والعرب تقول ~~للجنوب: لاقح وحامل، ms3487 وللشمال حامل وعقيم. وقال عبيد بن عمير: يرسل الله ~~المبشرة فتقم (1) الأرض قما، ثم يرسل المثيرة فتثير السحاب، ثم يرسل ~~المؤلفة فتؤلفه، ثم يبعث اللواقح فتلقح الشجر. وقيل: الريح الملاقح التي ~~تحمل الندى فتمجه في السحاب، فإذا اجتمع فيه صار مطرا. عن أبي هريرة قال: ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (الريح الجنوب من الجنة وهي الريح ~~اللواقح التي ذكرها الله في كتابه وفيها منافع ". للناس). وروى عنه عليه ~~السلام أنه قال: # (ما هبت جنوب إلا أنبع الله بها عينا غدقة ". وقال أبو بكر بن عياش: لا ~~تقطر قطرة من السحاب إلا بعد أن تعمل الرياح الأربع فيها، فالصبا تهيجه، ~~والدبور تلقحه، والجنوب تدره، والشمال تفرقه. # الثانية - روى ابن وهب وابن القاسم وأشهب وابن عبد الحكم عن مالك - ~~واللفظ لأشهب - قال مالك: قال الله تعالى: " وأرسلنا الرياح لواقح " فلقاح ~~القمح عندي أن يحبب ويسنبل، ولا أدرى ما ييبس في أكمامه، ولكن يحبب حتى ~~يكون لو يبس حينئذ لم يكن فسادا لا خير فيه. ولقاح الشجر كلها أن تثمر ثم ~~يسقط منها ما يسقط ويثبت ما يثبت، وليس ذلك بأن تورد. قال ابن العربي: إنما ~~عول مالك في هذا التفسير على تشبيه لقاح الشجر بلقاح الحمل، وأن الولد إذا ~~عقد وخلق ونفخ فيه الروح كان بمنزلة تحبب الثمر وتسنبله، لأنه سمى باسم ~~تشترك فيه كل حاملة وهو اللقاح، وعليه جاء الحديث (نهى النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن بيع الحب حتى يشتد ". قال ابن عبد البر: الابار عند أهل العلم في ~~النخل التلقيح، وهو أن يؤخذ شئ من طلع [ذكور] النخل فيدخل بين ظهراني طلع ~~الإناث. # PageV10P016 # ومعنى ذلك في سائر الثمار طلوع الثمرة من التين وغيره حتى تكون الثمرة ~~مرئية منظورا إليها والمعتبر عند مالك وأصحابه فيما يذكر من الثمار ~~التذكير، وفيما لا يذكر أن يثبت من نواره ما يثبت ويسقط ما يسقط. وحد ذلك ~~في الزرع ظهوره من الأرض، قاله مالك. # وقد روى عنه أن إباره أن يحبب. ms3488 ولم يختلف العلماء أن الحائط إذا انشق طلع ~~إناثه فأخر إباره وقد أبر غيره ممن حال مثل حاله، أن حكمه حكم ما أبر، لأنه ~~قد جاء عليه وقت الابار وثمرته ظاهرة بعد تغيبها في الحب. فإن أبر بعض ~~الحائط كان ما لم يؤبر تبعا له. كما أن الحائط إذا بدا صلاحه كان سائر ~~الحائط تبعا لذلك الصلاح في جواز بيعه. # الثالثة: روى الأئمة كلهم عن أبن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: " من ابتاع نخلا بعد أن تؤبر فثمرتها للذي باعها إلا أن يشترط ~~المبتاع. ومن ابتاع عبدا فماله للذي باعه إلا أن يشترطه المبتاع ". قال ~~علماؤنا: إنما لم يدخل الثمر المؤبر مع الأصول في البيع إلا بالشرط، لأنه ~~عين موجودة يحاط بها أمن سقوطها غالبا. بخلاف التي لم تؤبر، إذ ليس سقوطها ~~مأمونا فلم يتحقق لها وجود، فلم يجز للبائع اشتراطها ولا استثناؤها، لأنها ~~كالجنين. وهذا هو المشهور من مذهب مالك. وقيل: يجوز استثناؤها، هو قول ~~الشافعي. # الرابعة: لو اشترى النخل وبقى الثمر للبائع جاز لمشتري الأصل شراء الثمرة ~~قبل طيبها على مشهور قول مالك، ويرى لها حكم التبعية وإن أفردت بالعقد. ~~وعنه في رواية: # لا يجوز. وبذلك قال الشافعي وأبو حنيفة والثوري وأهل الظاهر وفقهاء ~~الحديث. وهو الأظهر من أحاديث النهى عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها. # الخامسة - ومما يتعلق بهذا الباب النهى عن بيع الملاقح، والملاقح الفحول ~~من الإبل، الواحد ملقح. والملاقح أيضا الإناث التي في بطونها أولادها، ~~الواحدة ملقحة (بفتح القاف) والملاقيح ما في بطون النوق من الأجنة، الواحدة ~~ملقوحة، من قولهم: لقحت، كالمحموم من حم، والمجنون من جن، وفى هذا جاء ~~النهى. وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم PageV10P017 # أنه نهى عن المجر وهو بيع ما في بطون الإناث. ونهى عن المضامين ~~والملاقيح). قال أبو عبيد: المضامين ما في البطون، وهي الأجنة. والملاقيح ~~ما في أصلاب الفحول. وهو قول سعيد بن المسيب وغيره. وقيل بالعكس: إن ~~المضامين ما في ظهور ms3489 الجمال، والملاقيح ما في بطون الإناث. وهو قول ابن ~~حبيب وغيره. وأي الامرين كان، فعلماء المسلمين مجمعون على أن ذلك لا يجوز. ~~وذكر المزني عن ابن هشام شاهدا بأن الملاقيح ما في البطون لبعض الاعراب: # منيتي ملاقحا في الا بطن * تنتج ما تلقح بعد أزمن (1) وذكر الجوهري على ~~ذلك شاهدا قول الراجز: # إنا وجدنا طرد الهوامل * خيرا من التنان والمسائل (2) وعدة العام وعام ~~قابل * ملقوحة في بطن ناب حامل قوله تعالى: (وأنزلنا من السماء) أي من ~~السحاب. وكل ما علاك فأظلك يسمى سماء. وقيل: من جهة السماء. (ماء) أي قطرا. ~~(فأسقيناكموه) أي جعلنا ذلك المطر لسقياكم ولشرب مواشيكم وأرضكم. وقيل: سقى ~~وأسقى بمعنى. وقيل بالفرق، وقد تقدم (3). # (وما أنتم له بخازنين) أي ليست خزائنه عندكم، أي نحن الخازنون لهذا الماء ~~ننزله إذا شئنا ونمسكه إذا شئنا. ومثله " وأنزلنا من السماء ماء طهورا) (4) ~~"، " وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض وإنا على ذهاب به ~~لقادرون " (5). وقال سفيان: لستم بمانعين المطر. # قوله تعالى: وإنا لنحن نحى ونميت ونحن الوارثون (23) أي الأرض ومن عليها، ~~ولا يبقى شئ سوانا. نظيره " إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون ". ~~فملك كل شئ لله تعالى. ولكن ملك عباده أملاكا فإذا ماتوا انقطعت # PageV10P018 # الدعاوي، فكان الله وارثا من هذا الوجه. وقيل: الاحياء في هذه الآية ~~إحياء النطفة في الأرحام. فأما البعث فقد ذكره بعد هذا في قوله: " إن ربك ~~هو يحشرهم ". # قوله تعالى: ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين (24) فيه ~~ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى: ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين ~~فيه ثمان تأويلات: الأول - " المستقدمين " في الخلق إلى اليوم، و " ~~المستأخرين " الذين لم يخلقوا بعد، قاله قتادة وعكرمة وغيرهما. الثاني - " ~~المستقدمين " الأموات، و " المستأخرين " الاحياء، قاله ابن عباس والضحاك. ~~الثالث - " المستقدمين " من تقدم أمة محمد، و " المستأخرين " أمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم، قاله مجاهد. الرابع - " المستقدمين " في الطاعة والخير، و ~~" المستأخرين " في المعصية والشر، قاله الحسن وقتادة أيضا. الخامس - " ~~المستقدمين " في صفوف ms3490 الحرب، و " المستأخرين " فيها، قاله سعيد بن المسيب. # السادس - " المستقدمين " من قتل في الجهاد، و " المستأخرين " من لم يقتل، ~~قاله القرظي. # السابع: - " المستقدمين " أول الخلق، و " المستأخرين " آخر الخلق، قاله ~~الشعبي. # الثامن - " المستقدمين " في صفوف الصلاة، و " المستأخرين " فيها بسبب ~~النساء. # وكل هذا معلوم لله تعالى، فإنه عالم بكل موجود ومعدوم، وعالم بمن خلق وما ~~هو خالقه إلى يوم القيامة. إلا أن القول الثامن هو سبب نزول الآية، لما ~~رواه النسائي والترمذي عن أبي الجوزاء عن ابن عباس قال: " كانت امرأة تصلى ~~خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم حسناء من أحسن الناس، فكان بعض القوم ~~يتقدم حتى يكون في الصف الأول لئلا يراها، ويتأخر بعضهم حتى يكون في الصف ~~المؤخر، فإذا ركع نظر من تحت إبطه، فأنزل الله عز وجل " ولقد علمنا ~~المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين ". وروى عن أبي الجوزاء ولم يذكر ~~ابن عباس. وهو أصح (1). # PageV10P019 # الثانية - هذا يدل على فضل أول الوقت في الصلاة وعلى فضل الصف الأول، قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم ~~يجدوا إلا أن يستهموا (1) عليه لاستهموا ". فإذا جاء الرجل عند الزوال فنزل ~~في الصف الأول مجاور الامام، حاز ثلاث مراتب في الفضل: أول الوقت، والصف ~~الأول، ومجاورة الامام. فإن جاء عند الزوال فنزل في الصف الآخر أو فيما نزل ~~عن الصف الأول، فقد حاز فضل أول الوقت وفاته فضل الصف الأول والمجاورة. فإن ~~جاء وقت الزوال ونزل في الصف الأول دون ما يلي الامام فقد حاز فضل أول ~~الوقت وفضل الصف الأول، وفاته مجاورة الامام. فإن جاء بعد الزوال ونزل في ~~الصف الأول فقد فاته فضيلة أول الوقت، وحاز فضيلة الصف الأول ومجاورة ~~الامام. وهكذا. ومجاورة الامام لا تكون لكل أحد، وإنما هي كما قال صلى الله ~~عليه: وسلم: # " ليليني منكم أولو الأحلام والنهى " الحديث. فيما يلي الامام ينبغي أن ~~يكون لمن كانت هذه صفته، فإن نزلها غيره أخر وتقدم وهو إلى الموضع، ms3491 لأنه ~~حقه بأمر صاحب الشرع، كالمحراب هو موضع الامام تقدم أو تأخر. قاله ابن ~~العربي. # قلت: وعليه يحمل قول عمر رضي الله عنه: تأخر يا فلان، تقدم يا فلان، ثم ~~يتقدم فيكبر. وقد روى عن كعب أن الرجل من هذه الأمة ليخر ساجدا فيغفر لمن ~~خلفه. وكان كعب يتوخى الصف المؤخر من المسجد رجاء ذلك، ويذكر أنه وجده كذلك ~~في التوراة. # ذكره الترمذي الحكيم في نوادر الأصول. وسيأتي في سورة " الصافات (3) " ~~زيادة بيان لهذا الباب إن شاء الله تعالى. # الثالثة - وكما تدل هذه الآية على فضل الصف الأول في الصلاة، فكذلك تدل ~~على فضل الصف الأول في القتال، فإن القيام في نحر العدو، وبيع العبد نفسه ~~من الله تعالى لا يوازيه عمل، فالتقدم إليه أفضل، ولا خلاف فيه ولا خفاء ~~به. ولم يكن أحد يتقدم الحرب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه ~~كان أشجع الناس. قال البراء:: كنا والله إذا احمر البأس نتقى به، وإن ~~الشجاع منا للذي يحاذي به، يعنى النبي صلى الله عليه وسلم). # PageV10P020 # قوله تعالى: وإن ربك هو يحشرهم إنه حكيم عليم (25) قوله تعالى: (وإن ربك ~~هو يحشرهم) أي للحساب والجزاء. (إنه حكيم عليم) تقدم (1). # قوله تعالى: ولقد خلقنا الانسان من صلصل من حمإ مسنون (26) قوله تعالى: ~~(ولقد خلقنا الانسان) يعنى آدم عليه السلام (من صلصال) . أي من طين يابس، ~~عن ابن عباس وغيره. والصلصال: الطين الحر خلط بالرمل فصار يتصلصل إذا جف، ~~فإذا طبخ بالنار فهو الفخار، عن أبي عبيدة. وهو قول أكثر المفسرين. # وأنشد أهل اللغة: # * كعدو المصلصل الجوال (2) * وقال مجاهد: هو الطين المنتن، واختاره ~~الكسائي. قال: وهو من قول العرب: صل اللحم وأصل إذا أنتن - مطبوخا كان أو ~~نيئا - يصل صلولا. قال الحطيئة: # ذاك فتى يبذل ذا قدره * لا يفسد اللحم لديه الصلول وطين صلال ومصلال، أي ~~يصوت إذا نقرته كما يصوت الحديد. فكان أول ترابا، أي متفرق الاجزاء ثم بل ~~فصار طينا، ثم ترك حتى أنتن فصار حمأ مسنونا، أي ms3492 متغيرا، ثم يبس فصار ~~صلصالا، على قول الجمهور. وقد مضى في " البقرة " بيان (1) هذا. والحمأ: ~~الطين الأسود، وكذلك الحمأة بالتسكين، تقول منه: حمئت البئر حمأ (بالتسكين) ~~إذا نزعت حمأتها. وحمئت البئر حمأ (بالتحريك) كثرت حمأتها. وأحماتها إحماء ~~ألقيت الحمأة، عن ابن السكيت. # وقال أبو عبيدة: الحمأة (بسكون الميم) مثل الكمأة. والجمع حم ء، مثل تمرة ~~وتمر. والحمأ المصدر، مثل الهلع والجزع، ثم سمى به. والمسنون المتغير. قال ~~ابن عباس: (هو التراب المبتل المنتن، # PageV10P021 # فجعل صلصالا كالفخار. ومثله قول مجاهد وقتادة، قالا: المنتن المتغير، من ~~قولهم: قد أسن الماء إذا تغير، ومنه " يتسنه (1) " و " ماء غير آسن (2) ". ~~ومنه قول أبى قيس بن الأسلت: # سقت صداي رضابا غير ذي أسن * كالمسك فت على ماء العناقيد وقال الفراء: هو ~~المتغير، وأصله من قولهم: سننت الحجر على الحجر إذا حككته به. وما يخرج من ~~الحجرين يقال له: السنانة والسنين، ومنه المسن. قال الشاعر: # ثم خاصرتها إلى القبة الحمراء * (3) تمشى تمشى في مرمر مسنون أي محكوك ~~مملس. حكى أن يزيد بن معاوية قال لأبيه: ألا ترى عبد الرحمن بن حسان يشبب ~~بابنتك. فقال معاوية: وما قال؟ فقال قال: # هي زهراء مثل لؤلؤة الغواص * ميزت من جوهر مكنون * فقال معاوية: صدق! ~~فقال يزيد [إنه يقول (4)]: # وإذا ما نسبتها لم تجدها * في سناء من المكارم دون فقال: صدق! فقال: أين ~~قوله: ثم خاصرتها... البيت. فقال معاوية: كذب. وقال أبو عبيدة: المسنون ~~المصبوب، وهو من قول العرب: سننت الماء وغيره على الوجه إذا صببته. والسن ~~الصب. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: المسنون الرطب، وهذا بمعنى ~~المصبوب، لأنه لا يكون مصبوبا إلا وهو رطب. النحاس: وهذا قول حسن، لأنه ~~يقال: سننت الشئ أي صببته. قال أبو عمرو بن العلاء: ومنه الأثر المروى عن ~~عمر (5) أنه كان يسن الماء على وجهه ولا يشنه. والشن (بالشين) تفريق الماء، ~~وبالسين المهملة صبه من غير تفريق. وقال سيبويه: المسنون المصور. أخذ من ~~سنة الوجه وهو صورته. وقال ذو الرمة: ms3493 # تريك سنة وجه مفرقة * ملساء ليس بها خال ولا ندب (6) # PageV10P022 # وقال الأخفش: المسنون. المنصوب القائم، من قولهم: وجه مسنون إذا كان فيه ~~طول. # وقد قيل: إن الصلصال للتراب المدقق، حكاه المهدوي. ومن قال: إن الصلصال ~~هو المنتن فأصله صلال، فأبدل من إحدى اللامين الصاد. و " من حمأ " مفسر ~~لجنس الصلصال، كقولك: أخذت هذا من رجل من العرب. # قوله تعالى: والجان خلقناه من قبل من نار السموم (27) قوله تعالى: ~~(والجان خلقناه من قبل) أي من قبل آدم. وقال الحسن: # يعنى إبليس، خلقه الله تعالى قبل آدم عليه السلام. وسمى جانا لتواريه عن ~~الأعين. وفى صحيح مسلم من حديث ثابت عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: " لما صور الله تعالى آدم عليه السلام في الجنة تركه ما شاء الله ~~أن يتركه فجعل إبليس يطيف به وينظر ما هو فلما رآه أجوف عرف أنه خلق خلقا ~~لا يتمالك (1) ". (من النار السموم) قال ابن مسعود: # (نار السموم التي خلق الله منها الجان جزء من سبعين جزءا من نار جهنم. ~~وقال ابن عباس: # السموم الريح الحارة التي تقتل. وعنه: أنها نار لا دخان لها، الصواعق ~~تكون منها، وهي نار تكون بين السماء والحجاب. فإذا أحدث الله أمرا اخترقت ~~الحجاب فهوت الصاعقة إلى ما أمرت. فالهدة (2) التي تسمعون خرق ذلك الحجاب. ~~وقال الحسن: نار السموم نار دونها حجاب، والذي تسمعون من انغطاط السحاب ~~صوتها. وعن ابن عباس أيضا قال: كان إبليس من حي من أحياء الملائكة يقال لهم ~~الجن خلقوا من نار السموم من بين الملائكة - قال - وخلقت الجن الذين ذكروا ~~في القرآن من مارج من نار. # قلت: هذا فيه نظر، فإنه يحتاج إلى سند يقطع العذر، إذ مثله لا يقال من ~~جهة الرأي. # وقد خرج مسلم من حديث عروة عن عائشة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " خلقت الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم ~~". # فقوله: # PageV10P023 # فقوله: " خلقت الملائكة من نور " يقتضى العموم. ms3494 والله أعلم. وقال ~~الجوهري: مارج من نار نار لا دخان لها خلق منها الجان، والسموم الريح ~~الحارة تؤنث، يقال منه: سم يومنا فهو يوم مسموم، والجمع سمائم. قال أبو ~~عبيدة: السموم بالنهار وقد تكون بالليل، والحرور بالليل وقد تكون بالنهار. ~~القشيري: وسميت الريح الحارة سموما لدخولها (بلطفها (1)) في مسام البدن. # قوله تعالى: وإذ قال ربك لملائكة إني خلق بشرا من صلصل من حما مسنون (28) ~~فإذا سويته ونفحت فيه من روحي فقعوا له ساجدين (29) قوله تعالى: (وإذ قال ~~ربك للملائكة) تقدم في " البقرة (2) ". (إني خالق بشرا من صلصال) من طين ~~(فإذا سويته) أي سويت خلقه وصورته. (ونفخت فيه من روحي) النفخ إجراء الريح ~~في الشئ. والروح جسم لطيف، أجرى الله العادة بأن يخلق الحياة في البدن مع ~~ذلك الجسم. وحقيقته إضافة خلق إلى خالق، فالروح خلق من خلقه أضافه إلى نفسه ~~تشريفا وتكريما، كقوله: " أرضى وسمائي وبيتي وناقة الله وشهر الله ". ومثله ~~" وروح منه " وقد تقدم في " النساء (3) " مبينا. وذكرنا في كتاب (التذكرة) ~~الأحاديث الواردة التي تدل على أن الروح جسم لطيف، وأن النفس والروح إسمان ~~لمسمى واحد. وسيأتي ذلك إن شاء الله. ومن قال إن الروح هو الحياة قال أراد: ~~فإذا ركبت فيه الحياة. (فقعوا له ساجدين) أي خروا له ساجدين. وهو سجود تحية ~~وتكريم لا سجود عبادة. ولله أن يفضل من يريد، ففضل الأنبياء على الملائكة. ~~وقد تقدم في " البقرة (2) " هذا المعنى. وقال القفال: # كانوا أفضل من آدم، وامتحنهم (الله (1) بالسجود له تعريضا لهم للثواب ~~الجزيل. وهو مذهب المعتزلة. وقيل: أمروا بالسجود لله عند آدم، وكان آدم ~~قبلة لهم. # PageV10P024 # قوله تعالى: فسجد الملكة كلهم أجمعون (30) إلا إبليس أبى أن يكون مع ~~الساجدين (31) قوله تعالى (فسجد الملائكة كلهم أجمعون. إلا إبليس) فيه ~~مسألتان: # الأولى - لا شك أن إبليس كان مأمورا بالسجود، لقول: " ما منعك ألا تسجد ~~إذ أمرتك (1) " وإنما منعه من ذلك الاستكبار والاستعظام، كما تقدم في " ~~البقرة (2) " بيانه. # ثم قيل: كان من الملائكة، فهو استثناء من الجنس. وقال قوم: ms3495 لم يكن من ~~الملائكة، فهو استثناء منقطع. وقد مضى في " البقرة (2) " هذا كله مستوفى. ~~وقال ابن عباس: الجان أبو الجن وليسوا شياطين. والشياطين ولد إبليس، لا ~~يموتون إلا مع إبليس. والجن يموتون، ومنهم المؤمن ومنهم الكافر. فآدم أبو ~~الانس. والجان أبو الجن. وإبليس أبو الشياطين، ذكره الماوردي. والذي تقدم ~~في " البقرة " خلاف هذا، فتأمله هناك. # الثانية - الاستثناء من الجنس غير الجنس صحيح عند الشافعي، حتى لو قال: ~~لفلان على دينار إلا ثوبا، أو عشرة أثواب إلا قفيز حنطة، وما جانس ذلك كان ~~مقبولا، ولا يسقط عنه من المبلغ قيمة الثوب والحنطة. ويستوى في ذلك ~~المكيلات والموزونات والمقدرات. # وقال مالك وأبو حنيفة رضي الله عنهما: استثناء المكيل من الموزون ~~والموزون من المكيل جائز، حتى لو استثنى الدراهم من الحنطة والحنطة من ~~الدراهم قبل. فأما إذا استثنى المقومات من المكيلات أو الموزونات، ~~والمكيلات من المقومات، مثل أن يقول: على عشرة دنانير إلا ثوبا، أو عشرة ~~أثواب إلا دينارا لا يصح الاستثناء، ويلزم المقر جميع المبلغ. وقال محمد بن ~~الحسن: الاستثناء من غير الجنس لا يصح، ويلزم المقر جملة (3) ما أقر به. ~~والدليل # PageV10P025 # لقول الشافعي أن لفظ الاستثناء يستعمل في الجنس وغير الجنس، قال الله ~~تعالى: " لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما. إلا قيلا سلاما (1) سلاما " ~~فاستثنى السلام من جملة اللغو. ومثله " فسجد الملائكة كلهم أجمعون. إلا ~~إبليس " وإبليس من جملة الملائكة، قال الله تعالى: # " إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر (2) ربه ". وقال الشاعر: # وبلدة ليس بها أنيس * إلا اليعافير وإلا العيس فاستثنى اليعافير وهي ذكور ~~الظباء، والعيس وهي الجمال البيض من الأنيس، ومثله قول النابغة (3): # حلفت يمينا غير ذي مثنوية * ولا علم إلا حسن ظن بصاحب قوله تعالى: قال يا ~~إبليس مالك ألا تكون مع الساجدين (32) قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصل ~~من حما مسنون (33) قال فاخرج منها فإنك رجيم (34) وإن عليك اللعنة إلى يوم ~~الدين (35) قوله تعالى: # (قال يا إبليس مالك) أي ما المانع لك. (ألا تكون ms3496 مع الساجدين) أي في ألا ~~تكون. (قال لم أكن لأسجد لبسر خلقته من صلصال من حما مسموم) بين تكبره ~~وحسده، وأنه خير منه، إذ هو من نار والنار تأكل الطين، كما تقدم في " ~~الأعراف (4) " بيانه. (قال فاخرج منها) أي من السماوات، أو من جنة عدن، أو ~~من جملة الملائكة. # (فإنك رجيم) أي مرجوم بالشهب. وقيل: ملعون مشئوم. وقد تقدم هذا كله ~~مستوفى في البقرة والأعراف. (وإن عليك اللعنة) أي لعنتي، كما في سورة " ص ~~(5) ". # PageV10P026 # قوله تعالى: * (قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون (36) قال فإنك من المنظرين ~~(37) إلى يوم الوقت المعلوم (38)) * قوله تعالى: (قال رب فأنظرني إلى يوم ~~يبعثون) هذا السؤال من إبليس لم يكن عن ثقته منه بمنزلته عند الله تعالى، ~~وأنه أهل أن يجاب له دعاء، ولكن سأل تأخير عذابه زيادة في بلائه، كفعل ~~الآيس من السلامة. وأراد بسؤاله الانظار إلى يوم يبعثون: أجلا يموت، لان ~~يوم البعث لا موت فيه ولا بعده. يعنى من المؤجلين. قال ابن عباس: (أراد به ~~النفخة الأولى)، أي حين تموت الخلائق. وقيل: الوقت المعلوم الذي استأثر ~~الله بعلمه، ويجهله إبليس. فيموت إبليس ثم يبعث، قال الله تعالى: " كل من ~~عليها فان (1) ". وفى كلام الله تعالى له قولان: # أحدهما - كلمه على لسان رسوله. الثاني - كلمه تغليظا في الوعيد لا على ~~وجه التكرمة والتقريب. # قوله تعالى: قال رب بما أغويتني لأزينن لهم الأرض ولأغوينهم أجمعين (39) ~~قوله تعالى: (قال رب بما أغويتهم لأزينن لهم في الأرض) تقدم معنى الاغواء ~~والزينة في الأعراف (3). وتزيينه هنا يكون بوجهين: إما بفعل المعاصي، وإما ~~بشغلهم بزينة الدنيا عن فعل الطاعة. ومعنى: (لأغوينهم أجمعين) أي لأضلنهم ~~عن طريق الهدى. # وروى ابن لهيعة عبد الله عن دراج أبى السمح عن أبي الهيثم عن أبي سعيد ~~الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن إبليس قال يا رب وعزتك ~~وجلالك لا أزال أغوى بني آدم ما دامت أرواحهم في أجسامهم فقال الرب وعزتي ~~وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني ". # PageV10P027 # قوله ms3497 تعالى: إلا عبادك منهم المخلصين (40) قرأ أهل المدينة وأهل الكوفة ~~بفتح اللام، أي الذين استخلصتهم وأخلصتهم. وقرأ الباقون بكسر اللام، أي ~~الذين أخلصوا لك العبادة من فساد أو رياء. حكى أبو ثمامة أن الحواريين ~~سألوا عيسى عليه السلام عن المخلصين لله فقال: " الذي يعمل ولا يحب أن ~~يحمده الناس ". # قوله تعالى: قال هذا صراط مستقيم (41) قال عمر بن الخطاب: معناه هذا صراط ~~يستقيم بصاحبه حتى يهجم به على الجنة. # الحسن: " على " بمعنى إلى. مجاهد والكسائي: هذا على الوعيد والتهديد، ~~كقولك لمن تهدده: طريقك على ومصيرك إلى. وكقوله: " إن ربك لبالمرصاد (1) ". ~~فكان معنى الكلام: هذا طريق مرجعه إلى فأجازي كلا بعمله، يعنى طريق ~~العبودية. وقيل: المعنى على أن أدل على الصراط المستقيم بالبيان والبرهان. ~~وقيل: بالتوفيق والهداية. وقرأ ابن سيرين وقتادة والحسن وقيس بن عباد وأبو ~~رجاء وحميد ويعقوب " هذا صراط على مستقيم " برفع " على " وتنوينه، ومعناه ~~رفيع مستقيم، أي رفيع في الدين والحق. وقيل: رفيع أن ينال، مستقيم أن يمال. # قوله تعالى: إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين (42) ~~الأولى - قوله تعالى: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان) قال العلماء: يعنى على ~~قلوبهم. وقال ابن عيينة: أي في أن يلقيهم في ذنب يمنعهم عفوي ويضيقه عليهم. # وهؤلاء الذين هداهم الله واجتباهم واختارهم واصطفاهم. # PageV10P028 # قلت: لعل قائلا يقول: قد أخبر الله عن صفة آدم وحواء عليهما السلام ~~بقوله: # " فأزلهما الشيطان (1) "، وعن جملة من أصحاب نبيه بقوله: " إنما استزلهم ~~الشيطان ببعض ما كسبوا (2) " فالجواب ما ذكر، وهو أنه ليس له سلطان على ~~قلوبهم، ولا موضع إيمانهم، ولا يلقيهم في ذنب يؤول إلى عدم القبول (3)، بل ~~تزيله التوبة وتمحوه الأوبة. ولم يكن خروج آدم عقوبة لما تناول، على ما ~~تقدم في " البقرة (1) " بيانه. وأما أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقد ~~مضى القول عنهم في آل عمران (2). ثم إن قوله سبحانه: " ليس لك عليهم سلطان ~~" يحتمل أن يكون خاصا فيمن حفظه الله، ويحتمل أن يكون في أكثر الأوقات ~~والأحوال، ms3498 وقد يكون في تسلطه تفريج كربة وإزالة غمة، كما فعل ببلال، إذ ~~أتاه يهديه كما يهدى الصبي حتى نام، ونام النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ~~فلم يستيقظوا حتى طلعت الشمس، وفزعوا وقالوا: ما كفارة ما صنعنا بتفريطنا ~~في صلاتنا؟ فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: " ليس في النوم تفريط " ~~ففرج عنهم. (إلا من أتبعك من الغاوين) أي الضالين المشركين. # أي سلطانه على هؤلاء، دليله " إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم ~~به مشركون (4) ". # الثانية - وهذه الآية والتي قبلها دليل على جواز استثناء القليل من ~~الكثير والكثير من القليل، مثل أن يقول: عشرة إلا درهما. أو يقول: عشرة إلا ~~تسعة. وقال أحمد ابن حنبل: لا يجوز أن يستثنى إلا قدر النصف فما دونه. وأما ~~استثناء الأكثر من الجملة فلا يصح. ودليلنا هذه الآية، فإن فيها استئتاء " ~~الغاوين " من العباد والعباد من الغاوين، وذلك يدل على أن استثناء الأقل من ~~الجملة واستثناء الأكثر من الجملة جائز. # قوله تعالى: وإن جهنم لموعدهم أجمعين (43) لها سبعة أبواب لكل باب منهم ~~جزء مقسوم (44) # PageV10P029 # قوله تعالى: (وإن جهنم لموعدهم أجمعين) يعنى إبليس ومن اتبعه. (لها سبعة ~~أبواب) أي أطباق، طبق فوق طبق (لكل باب) أي لكل طبقة (منهم جزء مقسوم) أي ~~حظ معلوم. ذكر ابن المبارك قال: أخبرنا إبراهيم أبو هارون الغنوي قال: سمعت ~~حطان بن عبد الله الرقاشي يقول سمعت عليا رضي الله عنه يقول: هل تدرون كيف ~~أبواب جهنم؟ # قلنا: هي مثل أبوابنا. قال لا، هي هكذا بعضها فوق بعض - زاد الثعلبي: ~~ووضع إحدى يديه على الأخرى - وأن الله وضع الجنان على الأرض، والنيران ~~بعضها فوق بعض، فأسفلها جهنم، وفوقها الحطمة، وفوقها سقر، وفوقها الجحيم، ~~وفوقها لظى، وفوقها السعير، وفوقها الهاوية، وكل باب أشد حرا من الذي يليه ~~سبعين مرة. # قلت: كذا وقع هذا التفسير. والذي عليه الأكثر من العلماء أن جهنم أعلى ~~الدركات، وهي مختصة بالعصاة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهي التي تخلى ~~من أهلها فتصفق الرياح أبوابها. ms3499 ثم لظى، ثم الحطمة، ثم سعير، ثم سقر، ثم ~~الجحيم، ثم الهاوية. قال الضحاك: # في الدرك الاعلى المحمديون، وفى الثاني النصارى، وفى الثالث اليهود، وفى ~~الرابع الصابئون، وفى الخامس المجوس، وفى السادس مشركو العرب، وفى السابع ~~المنافقون وآل فرعون ومن كفر من أهل المائدة. قال الله تعالى: " إن ~~المنافقين في الدرك الأسفل من النار " - وقد تقدم في النساء (1) -، وقال: " ~~أدخلوا آل فرعون أشد العذاب (2) "، وقال: # " فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين (3) ". ~~وقسم معاذ بن جبل رضي الله عنه العلماء السوء من هذه الأمة تقسيما على تلك ~~الأبواب، ذكرناه في كتاب (التذكرة). # وروى الترمذي من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~لجهنم سبعة أبواب باب منها لمن سل سيفه على أمتي " قال: حديث غريب. وقال ~~أبي بن كعب:: # لجهنم سبعة أبواب باب منها للحرورية (4). وقال وهب بن منبه: بين كل بابين ~~مسيرة سبعين # PageV10P030 # سنة، كل باب أشد حرا من الذي فوقه بسبعين ضعفا، وقد ذكرنا هذا كله في ~~كتاب التذكرة. # وروى سلام الطويل عن أبي سفيان عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم في قول الله تعالى: " لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم " " جزء ~~أشركوا بالله، وجزء شكوا في الله، وجزء غفلوا عن الله، وجزء آثروا شهواتهم ~~على الله، وجزء شفوا غيظهم بغضب الله، وجزء صيروا رغبتهم بحظهم من الله، ~~وجزء عتوا على الله ". ذكره الحليمي أبو عبد الله الحسين بن الحسن في كتاب ~~(منهاج الدين) له، وقال: فإن كان ثابتا فالمشركون بالله هم الثنوية (1). ~~والشاكون هم الذين لا يدرون أن لهم إلها أو لا إله لهم، ويشكون في شريعته ~~أنها من عنده أم لا. والغافلون عن الله هم الذين يجحدونه أصلا ولا يثبتونه، ~~وهم الدهرية. # والمؤثرون شهواتهم على الله هم المنهمكون في المعاصي، لتكذيبهم رسل الله ~~وأمره ونهيه. # والشافون غيظهم بغضب الله هم القاتلون أنبياء الله وسائر الداعين إليه، ~~المعذبون من ينصح لهم أو ms3500 يذهب غير مذهبهم، والمصيرون رغبتهم بحظهم من الله ~~هم المنكرون بالبعث والحساب، فهم يعبدون ما يرغبون فيه، لهم جميع حظهم من ~~الله تعالى، والعاتون على الله الذين لا يبالون، بأن يكون ما هم فيه حقا أو ~~باطلا، فلا يتفكرون ولا يعتبرون ولا يستدلون. والله أعلم بما أراد رسوله ~~صلى الله عليه وسلم إن ثبت الحديث. ويروى أن سلمان الفارسي رضي الله عنه ~~لما سمع هذه الآية " وإن جهنم لموعدهم أجمعين " فر ثلاثة أيام من الخوف لا ~~يعقل، فجئ به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله فقال: يا رسول الله، ~~أنزلت هذه الآية " وإن جهنم لموعدهم أجمعين "؟ فوالذي بعثك بالحق لقد قطعت ~~قلبي، فأنزل الله تعالى " إن المتقين في جنات وعيون ". وقال بلال: كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يصلى في مسجد المدينة وحده، فمرت به امرأة ~~أعرابية فصلت خلفه ولم يعلم بها، فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه ~~الآية " لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم " فخرت الاعرابية مغشيا ~~عليها، وسمع النبي صلى الله عليه وسلم وجبتها (2) فانصرف ودعا بماء فصب على ~~وجهها # PageV10P031 # حتى أفاقت وجلست، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " يا هذه مالك "؟ ~~فقالت: أهذا شئ من كتاب الله المنزل، أو تقوله من تلقاء نفسك؟ فقال: " يا ~~أعرابية، بل هو من كتاب الله تعالى المنزل " فقالت: كل عضو من أعضائي يعذب ~~على كل باب منها؟ قال: # " يا أعرابية، بل لكل باب منهم جزء مقسوم يعذب أهل كل منها على قدر ~~أعمالهم " فقالت: # والله إني امرأة مسكينة، ما لي مال، وما لي إلا سبعة أعبد، أشهدك يا رسول ~~الله، أن كل عبد منهم عن كل باب من أبواب جهنم حر لوجه الله تعالى. فأتاه ~~جبريل فقال. " يا رسول الله، بشر الاعرابية أن الله قد حرم عليها أبواب ~~جهنم كلها وفتح لها أبواب الجنة كلها ". قوله تعالى: إن المتقين في جنات ~~وعيون (45) ادخلوها بسلام أمنين (46) قوله تعالى: (إن المتقين في جنات ~~وعيون) أي الذين اتقوا ms3501 الفواحش والشرك. # أي بساتين. " وعيون " هي الأنهار الأربعة: ماء وخمر ولبن وعسل. وأما ~~العيون المذكورة في سورة " الانسان (1) ": الكافور والزنجبيل والسلسبيل، ~~وفى " المطففين (1) ": # التسنيم، فيأتي ذكرها وأهلها إن شاء الله. وضم العين من " عيون " على ~~الأصل، والكسر مراعاة للياء، وقرئ بهما.. قرى بهما. (ادخلوها بسلام آمنين) ~~قراءة العامة " ادخلوها " بوصل الألف وضم الخاء، من دخل يدخل، على الامر. ~~تقديره: قيل ادخلوها. وقرأ الحسن وأبو العالية ورويس عن يعقوب " ادخلوها " ~~بضم التنوين ووصل الألف وكسر الخاء على الفعل المجهول، من أدخل. أي أدخلهم ~~الله إياها. ومذهبهم كسر التنوين في مثل " برحمة ادخلوا (2) الجنة " وشبهه، ~~إلا أنهم ها هنا ألقوا حركة الهمزة على التنوين، إذ هي ألف قطع، ولكن فيه ~~انتقال من كسر إلى ضم ثم من ضم إلى كسر فيثقل على اللسان. " بسلام " أي ~~بسلامة من كل داء وآفة. وقيل: بتحية من الله لهم. (آمنين) أي من الموت ~~والعذاب والعزل والزوال. # PageV10P032 # قوله تعالى: ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين (47) لا ~~يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين (48) قال ابن عباس: أول ما يدخل أهل ~~الجنة الجنة تعرض لهم عينان، فيشربون من إحدى العينين فيذهب الله ما في ~~قلوبهم من غل، ثم يدخلون العين الأخرى فيغتسلون فيها فتشرق ألوانهم وتصفو ~~وجوههم، وتجري عليهم نضرة النعيم، ونحوه عن علي رضي الله عنه. وقال على بن ~~الحسين: نزلت في أبى بكر وعمر وعلى والصحابة، يعنى ما كان بينهم في ~~الجاهلية من الغل. والقول الأول أظهر، يدل عليه سياق الآية. وقال على رضي ~~الله عنه: أرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير من هؤلاء. والغل: الحقد ~~والعداوة، يقال منه: غل يغل. ويقال: # من الغلول وهو السرقة من المغنم: غل يغل. ويقال من الخيانة: أغل يغل. كما ~~قال (1): # جزى الله عنا حمزة ابنة نوفل * جزاء مغل بالأمانة كاذب وقد مضى هذا في آل ~~عمران (2). (إخوانا على سرر متقابلين) أي لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض تواصلا ~~وتحاببا، عن مجاهد وغيره. وقيل: الأسرة تدور ms3502 كيفما شاءوا، فلا يرى أحد قفا ~~أحد. وقيل: " متقابلين " قد أقبلت عليهم الأزواج وأقبلوا عليهن بالود. وسرر ~~جمع سرير، مثل جديد وجدد. وقيل: هو من السرور، فكأنه مكان رفيع ممهد ~~للسرور. # والأول أظهر. قال ابن عباس: على سرر مكللة بالياقوت والزبرجد والدر، ~~السرير ما بين صنعاء (3) إلى الجابية وما بين عدن إلى أيلة. " وإخوانا " ~~نصب على الحال من " المتقين " # PageV10P033 # أو من المضمر في " ادخلوها "، أو من المضمر في " آمنين "، أو يكون حالا ~~مقدرة من الهاء والميم في " صدورهم ". (لا يمسهم فيها نصب) أي إعياء وتعب. ~~(وما هم عنها بمخرجين) دليل على أن نعيم الجنة دائم لا يزول، وأن أهلها ~~فيها باقون. " أكلها (1) دائم ". " إن هذا لرزقنا ماله (2) من نفاد ". # قوله تعالى: نبي عبادي أنى أنا الغفور الرحيم (49) وأن عذابي هو العذاب ~~الأليم (50) هذه الآية وزان قوله عليه السلام: " لو يعلم المؤمن ما عند ~~الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ~~ما قنط من رحمته أحد " أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة. وقد تقدم في الفاتحة ~~(3). وهكذا ينبغي للانسان أن يذكر نفسه وغيره فيخوف ويرجى، ويكون الخوف في ~~الصحة أغلب عليه منه في المرض. وجاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~خرج على الصحابة وهم يضحكون فقال: " أتضحكون وبين أيديكم الجنة والنار " ~~فشق ذلك عليهم فنزلت الآية. ذكره الماوردي والمهدوي. # ولفظ الثعلبي عن ابن عمر قال: اطلع علينا النبي صلى الله عليه وسلم من ~~الباب الذي يدخل منه بنو شيبة ونحن نضحك فقال: " ما لكم تضحكون لا أراكم ~~تضحكون " ثم أدبر حتى إذا كان عند الحجر رجع القهقرى فقال لنا: " إني لما ~~خرجت جاءني جبريل فقال يا محمد لم تقنط عبادي من رحمتي " نبئ عبادي أنى أنا ~~الغفور الرحيم. وأن عذابي هو العذاب الأليم ". # فالقنوط إياس، والرجاء إهمال، وخير الأمور أوساطها. # قوله تعالى: ونبئهم عن ضيف إبراهيم (51) إذ دخلوا عليه فقالوا سلما قال ~~إنا منكم وجلون (52) قالوا لا توجل إنا نبشرك ms3503 بغلام عليم (53) قال ~~أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون (54) # PageV10P034 # قوله تعالى: (ونبئهم عن ضيف إبراهيم) ضيف إبراهيم: الملائكة الذين بشروه ~~بالولد وبهلاك قوم لوط. وقد تقدم ذكرهم (1). وكان إبراهيم عليه السلام يكنى ~~أبا الضيفان، وكان لقصره أربعة أبواب لكيلا يفوته أحد. وسمى الضيف ضيفا ~~لإضافته إليك ونزوله عليك. وقد مضى من حكم الضيف في " هود (1) " ما يكفي ~~والحمد لله. (إذ دخلوا عليه) جمع الخبر لان الضيف اسم يصلح للواحد والجمع ~~والتثنية والمذكر والمؤنث كالمصدر. ضافه وأضافه أماله، ومنه الحديث " حين ~~تضيف الشمس للغروب "، وضيفوفة (2) السهم، والإضافة والنحوية. (فقالوا ~~سلاما) أي سلموا سلاما. (قال إنا منكم وجلون) أي فزعون خائفون، وإنما قال ~~هذا بعد أن قرب العجل ورآهم لا يأكلون، على ما تقدم في هود (1). وقيل: أنكر ~~السلام ولم يكن في بلادهم رسم السلام. (قالوا لا توجل) أي قالت الملائكة لا ~~تخف. (إنا نبشرك بغلام عليم) أي حليم (3)، قاله مقاتل. وقال الجمهور: # عالم. وهو إسحاق. (قال أبشرتموني على أن مسني الكبر) " أن " مصدرية، أي ~~على مس الكبر إياي وزوجتي، وقد تقدم في هود وإبراهيم (1)، حيث يقول: (فبم ~~تبشرون) استفهام تعجب. وقيل: استفهام حقيقي. وقرأ الحسن " توجل " بضم ~~التاء. والأعمش " بشرتموني " بغير ألف، ونافع وشيبة " تبشرون " بكسر النون ~~والتخفيف، مثل، " أتحاجوني " وقد تقدم تعليله (4). وقرأ ابن كثير وابن ~~محيصن " تبشرون " بكسر النون مشددة، تقديره تبشرونني، فأدغم النون في ~~النون. الباقون " تبشرون " بنصب النون بغير إضافة. # قوله تعالى: قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين (55) قوله تعالى: ~~(قالوا بشرناك بالحق) أي بما لا خلف فيه، وأن الولد لا بد منه. # (فلا تكن من القانطين) أي من الآيسين من الولد، وكان قد أيس من الولد ~~لفرط # PageV10P035 # الكبر. وقراءة العامة " من القانطين " بالألف. وقرأ الأعمش ويحيى بن وثاب ~~" من القنطين " بلا ألف. وروى عن أبي عمرو. وهو مقصور من " القانطين ". ~~ويجوز أن يكون من لغة من قال: قنط يقنط، مثل حذر يحذر. وفتح النون وكسرها ~~من " يقنط " لغتان قرئ بهما. وحكى فيه " يقنط " بالضم. ms3504 ولم يأت فيه " قنط ~~يقنط " [و] من فتح النون في الماضي والمستقبل فإنه جمع بين اللغتين، فأخذ ~~في الماضي بلغة من قال: قنط يقنط، وفى المستقبل بلغة من قال: قنط يقنط، ~~ذكره المهدوي. # قوله تعالى: قال ومن يقنط من رحمة الله ربه إلا الضالون (56) أي المكذبون ~~الذاهبون عن طريق الصواب. يعنى أنه استبعد الولد لكبر سنه لا أنه قنط من ~~رحمة الله تعالى. # قوله تعالى: قال فما خطبكم أيها المرسلون (57) قالوا إنا أرسلنا إلى قوم ~~مجرمين (58) إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين (59) إلا امرأته قدرناها لمن ~~الغابرين (60) فيه مسئلتان: # الأولى - لما علم أنهم ملائكة - إذ أخبروه بأمر خارق للعادة وهو بشراهم ~~بالولد - قال: فما خطبكم؟ والخطب الامر الخطير. أي فما أمركم وشأنكم وما ~~الذي جئتم به. # (قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين) أي مشركين ضالين. وفى الكلام إضمار، ~~أي أرسلنا إلى قوم مجرمين لنهلكهم. # (إلا آل لوط) أتباعه وأهل دينه. # (إنا لمنجوهم) وقرأ حمزة والكسائي " لمنجوهم " بالتخفيف من أنجى. ~~الباقون: بالتشديد من نجى، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم. والتنجية والانجاء ~~التخليص. (إلا امرأته) استثنى من آل لوط امرأته وكانت كافرة فالتحقت ~~بالمجرمين في الهلاك. وقد تقدمت قصة قوم لوط PageV10P036 # في " الأعراف (1) " وسورة " هود (2) " بما فيه كفاية. (قدرنا إنها لمن ~~الغابرين) أي قضينا وكتبنا إنها لمن الباقين في العذاب. والغابر: الباقي. # قال (3): # لا تكسع الشول بأغبارها * إنك لا تدرى من الناتج الأغبار بقايا اللبن. ~~وقرأ أبو بكر والمفضل " قدرنا " بالتخفيف هنا وفى النمل (4)، وشدد الباقون. ~~الهروي: يقال قدر وقدر، بمعنى. # الثانية - لا خلاف بين أهل اللسان وغيرهم أن الاستثناء من النفي إثبات ~~ومن الاثبات نفى، فإذا قال رجل: له على عشرة دراهم إلا أربعة إلا درهما، ~~ثبت الاقرار بسبعة، لان الدرهم مستثنى من الأربعة، وهو مثبت لأنه مستثنى من ~~منفى، وكانت الأربعة منفية لأنها مستثناة من موجب وهو العشرة، فعاد الدرهم ~~إلى الستة فصارت سبعة. وكذلك لو قال: على خمسة دراهم إلا درهما إلا ثلثيه، ~~كان عليه أربعة دراهم وثلث. وكذلك ms3505 إذا قال: لفلان على عشرة إلا تسعة إلا ~~ثمانية إلا سبعة، كان الاستثناء الثاني راجعا إلى ما قبله، والثالث إلى ~~الثاني فيكون عليه درهمان، لان العشرة إثبات والثمانية إثبات فيكون مجموعها ~~ثمانية عشر. والتسعة نفى والسبعة نفى فيكون ستة عشر تسقط من ثمانية عشر ~~ويبقى درهمان، وهو القدر الواجب بالاقرار لا غير. فقوله سبحانه: " إنا ~~أرسلنا إلى قوم مجرمين. إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين. إلا امرأته " ~~فاستثنى آل لوط من القوم المجرمين، ثم قال: # " إلا امرأته " فاستثناها من آل لوط، فرجعت في التأويل إلى القوم ~~المجرمين كما بينا. وهكذا الحكم في الطلاق، لو قال لزوجته: أنت طالق ثلاثا ~~إلا اثنتين إلا واحدة طلقت اثنتين، لان الواحدة رجعت إلى الباقي من ~~المستثنى منه وهي الثلاث. وكذا كل ما جاء من هذا فتفهمه. # PageV10P037 # قوله تعالى: فلما جاء آل لوط المرسلون (61) قال إنكم قوم منكرون (62) ~~قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون (63) وأتيناك بالحق وإنا لصادقون (64) ~~فأسر بأهلك بقطع من الليل واتبع أدبارهم ولا يلتفت منكم أحد وامضوا حين ~~تؤمرون (65) قوله تعالى: (فلما جاء آل لوط المرسلون. قال إنكم قوم منكرون) ~~أي لا أعرفكم. # وقيل: كانوا شبابا ورأى جمالا فخاف عليهم من فتنة قومه، فهذا هو الانكار. ~~(قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون) أي يشكون أنه نازل بهم، وهو العذاب. ~~(وأتيناك بالحق) أي بالصدق. وقيل: بالعذاب. (وإنا لصادقون) أي في هلاكهم. ~~(فأسر بأهلك بقطع من الليل) " تقدم في هود (1). (وأتبع أدبارهم) أي كن من ~~ورائهم لئلا يتخلف منهم أحد فيناله العذاب. (ولا يلتفت منكم أحد) نهوا عن ~~الالتفات ليجدوا في السير ويتباعدوا عن القرية قبل أن يفاجئهم الصبح. وقيل: ~~المعنى لا يتخلف. (وامضوا حيث تؤمرون) قال ابن عباس: يعنى الشام. مقاتل: ~~يعنى صفد، قرية من قرى لوط. وقد تقدم. # وقيل: إنه مضى إلى أرض الخليل بمكان يقال له اليقين، وإنما سمى اليقين ~~لان إبراهيم لما خرجت الرسل شيعهم، فقال لجبريل: من أين يخسف بهم؟ قال: " ~~من هاهنا " وحد له حدا، وذهب ms3506 جبريل، فلما جاء لوط. جلس عند إبراهيم وارتقبا ~~ذلك العذاب، فلما اهتزت الأرض قال إبراهيم: " أيقنت بالله " فسمى اليقين. # قوله تعالى: وقضينا إليه ذلك الامر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين (66) وجاء ~~أهل المدينة يستبشرون (67) قال إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون (68) واتقوا الله ~~ولا تخزون (69) قالوا أو لم ننهك عن العلمين (70) قال هؤلاء بناتي إن كنتم ~~فاعلين (71) # PageV10P038 # قوله تعالى: (وقضينا إليه) أي أوحينا إلى لوط. (ذلك الامر أن دابر هؤلاء ~~مقطوع مصبحين) نظيره " فقطع دابر القوم الذين ظلموا (1) ". " مصبحين " أي ~~عند طلوع الصبح. وقد تقدم (2). (وجاء أهل المدينة) أي أهل مدينة لوط ~~(يستبشرون) مستبشرين بالأضياف طمعا منهم في ركوب الفاحشة. (إن هؤلاء ضيفي) ~~أي أضيافي. # (فلا تفضحون) أي تخجلون. (واتقوا الله ولا تخزون) يجوز أن يكون من الخزي ~~وهو الذل والهوان، ويجوز أن يكون من الخزاية وهو الحياء والخجل. وقد تقدم ~~في هود (2). # (قالوا أو لم ننهك عن العالمين) أي عن أن تضيف أحدا لأنا نريد منهم ~~الفاحشة. وكانوا يقصدون بفعلهم الغرباء، عن الحسن. وقد تقدم في الأعراف ~~(3). وقيل: أو لم ننهك عن أن تكلمنا في أحد من الناس إذا قصدناه بالفاحشة. ~~(قال هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين) أي فتزوجوهن ولا تركنوا إلى الحرام. وقد ~~تقدم بيان هذا في هود (2). # قوله تعالى: لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون (72) فيه ثلاث مسائل: # الأولى - قال القاضي أبو بكر بن العربي: قال المفسرون بأجمعهم أقسم الله ~~تعالى ها هنا بحياة محمد صلى الله عليه وسلم تشريفا له، أن قومه من قريش في ~~سكرتهم يعمهون وفى حيرتهم يترددون. # قلت: وهكذا قال القاضي عياض: أجمع أهل التفسير في هذا أنه قسم من الله جل ~~جلاله بمدة حياة محمد صلى الله عليه وسلم. وأصله ضم العين من العمر ولكنها ~~فتحت لكثرة الاستعمال. # ومعناه وبقائك يا محمد. وقيل: وحياتك. وهذا نهاية التعظيم وغاية البر ~~والتشريف. # قال أبو الجوزاء: ما أقسم الله بحياة أحد غير محمد صلى الله عليه وسلم، ~~لأنه أكرم البرية عنده. # قال ابن العربي: " ما الذي يمنع ms3507 أن يقسم الله سبحانه وتعالى بحياة لوط ~~ويبلغ به من التشريف # PageV10P039 # ما شاء، وكل ما يعطيه الله تعالى للوط من فضل يؤتى ضعفيه من شرف لمحمد ~~صلى الله عليه وسلم، لأنه أكرم على الله منه، أو لا ترى أنه سبحانه أعطى ~~إبراهيم الخلة وموسى التكليم وأعطى ذلك لمحمد، فإذا أقسم بحياة لوط فحياة ~~محمد أرفع. ولا يخرج من كلام إلى كلام لم يجر له ذكر لغير ضرورة ". # قلت: ما قاله حسن، فإنه كان يكون قسمه سبحانه بحياة محمد صلى الله عليه ~~وسلم كلاما معترضا في قصة لوط. قال القشيري أبو نصر عبد الرحيم بن عبد ~~الكريم في تفسيره: ويحتمل أن يقال: يرجع ذلك إلى قوم لوط، أي كانوا في ~~سكرتهم يعمهون. وقيل: لما وعظ لوط قومه وقال هؤلاء بناتي قالت الملائكة: يا ~~لوط، " لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون " ولا يدرون ما يحل بهم صباحا. فإن ~~قيل: فقد أقسم تعالى بالتين والزيتون وطور سينين، فما في هذا؟ قيل له: ما ~~من شئ أقسم الله به إلا وذلك دلالة على فضله على ما يدخل في عداده، فكذلك ~~نبينا صلى الله عليه وسلم يجب أن يكون أفضل ممن هو في عداده. والعمر والعمر ~~(بضم العين وفتحها) لغتان ومعناهما واحد، إلا أنه لا يستعمل في القسم إلا ~~بالفتح لكثرة الاستعمال. وتقول: عمرك الله، أي أسأل الله تعميرك. و " لعمرك ~~" رفع بالابتداء وخبره محذوف. المعنى لعمرك مما أقسم به. # الثانية - كره كثير من العلماء أن يقول الانسان لعمري، لان معناه وحياتي. ~~قال إبراهيم النخعي: يكره للرجل أن يقول لعمري، لأنه حلف بحياة نفسه، وذلك ~~من كلام ضعفة الرجال. ونحو هذا قال مالك: إن المستضعفين من الرجال ~~والمؤنثين يقسمون بحياتك وعيشك، وليس من كلام أهل الذكران، وإن كان الله ~~سبحانه أقسم به في هذه القصة، فذلك بيان لشرف المنزلة والرفعة لمكانه، فلا ~~يحمل عليه سواه ولا يستعمل في غيره. وقال ابن حبيب: # ينبغي أن يصرف " لعمرك " في الكلام لهذه الآية. وقال قتادة: هو من كلام ~~العرب. ms3508 # قال ابن العربي: وبه أقول، لكن الشرع قد قطعه في الاستعمال ورد القسم ~~إليه. # قلت. القسم ب " لعمرك ولعمري " ونحوه في أشعار العرب وفصيح كلامها كثير. ~~PageV10P040 # قال النابغة: # لعمري وما عمري على بهين * لقد نطقت بطلا على الاقارع (1) آخر: # لعمرك إن الموت ما أخطأ الفتى * لكالطول المرخى وثنياه باليد (2) آخر: # أيها المنكح الثريا سهيلا * عمرك الله كيف يلتقيان آخر: # إذا رضيت على بنو قشير * لعمر الله أعجبني رضاها وقال بعض أهل المعاني: ~~لا يجوز هذا، لأنه لا يقال لله عمر، وإنما هو تعالى أزلي. # ذكره الزهراوي. # الثالثة - قد مضى الكلام فيما يحلف به وما لا يجوز الحلف به في " المائدة ~~(3) "، وذكرنا هناك قول أحمد بن حنبل فيمن أقسم بالنبي صلى الله عليه وسلم ~~لزمته الكفارة. قال ابن خويز منداد: من جوز الحلف بغير الله تعالى مما يجوز ~~تعظيمه بحق من الحقوق فليس يقول إنها يمين تتعلق بها كفارة، إلا أنه من قصد ~~الكذب كان ملوما، لأنه في الباطن مستخف بما وجب عليه تعظيمه. قالوا: وقوله ~~تعالى " لعمرك " أي وحياتك. وإذا أقسم الله تعالى بحياة نبيه فإنما أراد ~~بيان التصريح لنا أنه يجوز لنا أن نحلف بحياته. وعلى مذهب مالك معنى قوله: ~~" لعمرك " و " التين والزيتون (4) " " والطور. وكتاب مسطور (5) " " والنجم ~~إذا هوى " " والشمس وضحاها (4) " " لا أقسم بهذا البلد. وأنت حل بهذا ~~البلد. ووالد وما ولد " (4). # كل هذا معناه: وخالق التين والزيتون، وبرب الكتاب المسطور، وبرب البلد ~~الذي حللت به، وخالق عيشك وحياتك، وحق محمد، فاليمين والقسم حاصل به سبحانه ~~لا بالمخلوق. قال ابن خويز منداد: ومن جوز اليمين بغير الله تعالى تأول ~~قوله صلى الله عليه وسلم: " لا تحلفوا # PageV10P041 # بآبائكم " وقال: إنما نهى عن الحلف بالآباء الكفار، ألا ترى أنه قال لما ~~حلفوا بآبائهم: # : " للجبل عند الله أكرم من آبائكم الذين ماتوا في الجاهلية ". ومالك حمل ~~الحديث على ظاهره. # قال ابن خويز منداد: واستدل أيضا من جوز ذلك بأن أيمان المسلمين جرت منذ ~~عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا ms3509 هذا أن يحلفوا بالنبي صلى الله ~~عليه وسلم، حتى أن أهل المدينة إلى يومنا هذا إذا حاكم أحدهم صاحبه قال: ~~احلف لي بحق ما حواه هذا القبر، وبحق ساكن هذا القبر، يعنى النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وكذلك بالحرم والمشاعر العظام، والركن والمقام والمحراب وما ~~يتلى فيه (1). قوله تعالى: فأخذتهم الصيحة مشرقين (73) فجعلنا عليها سافلها ~~وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل (74) قوله تعالى: (فأخذتهم الصيحة مشرقين) نصب ~~على الحال، أي وقت شروق الشمس. # يقال: أشرقت الشمس أي أضاءت، وشرقت إذا طلعت. وقيل: هما لغتان بمعنى. # وأشرق القوم أي دخلوا في وقت شروق الشمس. مثل أصبحوا وأمسوا، وهو المراد ~~في الآية. وقيل: أراد شروق الفجر. وقيل: أول العذاب كان عند الصبح وامتد ~~إلى شروق الشمس، فكان تمام الهلاك عند ذلك. والله أعلم. و " الصيحة " ~~العذاب. # وتقدم ذكر " سجيل (2) " قوله تعالى: إن في ذلك لآيات للمتوسمين (75) فيه ~~مسألتان: # الأولى - قوله تعالى: (للمتوسمين) روى الترمذي الحكيم في (نوادر الأصول) ~~من حديث أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ~~للمتفرسين " وهو قول مجاهد. وروى أبو عيسى الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال ~~قال رسول الله صلى الله # PageV10P042 # عليه وسلم: " اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله - ثم قرأ - " إن في ~~ذلك لآيات للمتوسمين " ". قال: هذا حديث غريب. وقال مقاتل وابن زيد: ~~للمتوسمين للمتفكرين. # الضحاك: للناظرين. قال الشاعر (1): # أو كلما وردت عكاظ قبيلة * بعثوا إلى عريفهم يتوسموا وقال قتادة: ~~للمعتبرين، قال زهير: # وفيهن ملهى للصديق ومنظر * أنيق لعين الناظر المتوسم وقال أبو عبيدة: ~~للمتبصرين، والمعنى متقارب. وروى الترمذي الحكيم من حديث ثابت عن أنس ابن ~~مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن لله عز وجل عبادا يعرفون ~~الناس بالتوسم ". قال العلماء: التوسم تفعل من الوسم، وهي العلامة التي ~~يستدل بها على مطلوب غيرها. يقال: توسمت فيه الخير إذا رأيت ميسم ذلك فيه، ~~ومنه قول عبد الله بن رواحة للنبي صلى الله عليه وسلم: # إني توسمت فيك الخير أعرفه ms3510 * والله يعلم أنى ثابت البصر آخر: # توسمته لما رأيت مهابة * عليه وقلت المرء من آل هاشم * واتسم الرجل إذا ~~جعل لنفسه علامة يعرف بها. وتوسم الرجل طلب كلا الوسمى. وأنشد: # وأصبحن كالدوم النواعم غدوة * على وجهة من ظاعن متوسم وقال ثعلب: الواسم ~~الناظر إليك من فرقك إلى قدمك. وأصل التوسم التثبت والتفكر، مأخوذ من الوسم ~~وهو التأثير بحديدة في جلد البعير وغيره، وذلك يكون بجودة القريحة وحدة ~~الخاطر وصفاء الفكر. زاد غيره: وتفريغ القلب من حشو الدنيا، وتطهيره من ~~أدناس المعاصي وكدورة الأخلاق وفضول الدنيا. روى نهشل عن ابن عباس " ~~للمتوسمين " قال: # لأهل الصلاح والخير. وزعمت الصوفية أنها كرامة. وقيل: بل هي استدلال ~~بالعلامات، # PageV10P043 # ومن العلامات ما يبدو ظاهرا لكل أحد وبأول نظرة، ومنها ما يخفى فلا يبدو ~~لكل أحد ولا يدرك ببادئ النظر. قال الحسن: المتوسمون هم الذين يتوسمون ~~الأمور فيعلمون أن الذي أهلك قوم لوط قادر على أن يهلك الكفار، فهذا من ~~الدلائل الظاهرة. ومثله قول ابن عباس: ما سألني أحد عن شئ إلا عرفت أفقيه ~~هو أو غير فقيه. وروى عن الشافعي ومحمد بن الحسن أنهما كانا بفناء الكعبة ~~ورجل على باب المسجد فقال أحدهما: أراه نجارا (1)، وقال الآخر: بل حدادا، ~~فتبادر من حضر إلى الرجل فسأله فقال: كنت نجارا (1) وأنا اليوم حداد. وروى ~~عن جندب بن عبد الله البجلي أنه أتى على رجل يقرأ القرآن فوقف فقال: # من سمع سمع الله به، ومن راءى راءى الله به. فقلنا له: كأنك عرضت بهذا ~~الرجل، فقال: # إن هذا يقرأ عليك القرآن اليوم ويخرج غدا حروريا، فكان رأس الحرورية، ~~واسمه مرداس. # وروى عن الحسن البصري أنه دخل عليه عمرو بن عبيد فقال: هذا سيد فتيان ~~البصرة إن لم يحدث، فكان من أمره من القدر ما كان، حتى هجره عامة إخوانه. ~~وقال لأيوب: هذا سيد فتيان أهل البصرة، ولم يستثن. وروى عن الشعبي أنه قال ~~لداود الأزدي وهو يماريه: # إنك لا تموت حتى تكوى في رأسك، وكان كذلك. وروى أن ms3511 عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه دخل عليه قوم من مذحج فيهم الأشتر، فصعد فيه النظر وصوبه وقال: ~~أيهم هذا؟ قالوا: # مالك بن الحارث. فقال: ما له قاتله الله! إني لأرى للمسلمين منه. يوما ~~عصيبا، فكان منه في الفتنة ما كان. وروى عن عثمان بن عفان رضي الله عنه: أن ~~أنس بن مالك دخل عليه، وكان قد مر بالسوق فنظر إلى امرأة، فلما نظر إليه ~~قال عثمان: يدخل أحدكم على وفى عينيه أثر الزنى فقال له أنس: أوحيا بعد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال لا ولكن برهان وفراسة وصدق). ومثله ~~كثير عن الصحابة والتابعين رضي الله عنهم أجمعين. # الثانية - قال (القاضي (2) أبو بكر بن العربي: " إذا ثبت أن التوسم ~~والتفرس من مدارك المعاني فإن ذلك لا يترتب عليه حكم ولا يؤخذ به موسوم ولا ~~متفرس. وقد كان قاضي القضاة الشامي المالكي ببغداد أيام كوني بالشام يحكم ~~بالفراسة في الاحكام، جريا على طريق إياس # PageV10P044 # ابن معاوية أيام كان قاضيا، وكان شيخنا فخر الاسلام أبو بكر الشاشي صنف ~~جزءا في الرد عليه، كتبه لي بخطه وأعطانيه، وذلك صحيح، فإن مدارك الأحكام ~~معلومة شرعا مدركة قطعا وليست الفراسة منها قوله تعالى: وإنها لبسبيل مقيم ~~(76) إن ذلك لآية للمؤمنين (77) وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين (78) ~~فانتقمنا منهم وإنهما لبإمام مبين (79) قوله تعالى: (وإنها) يعنى قرى قوم ~~لوط. (لبسبيل مقيم) أي على طريق قومك يا محمد إلى الشام. (إن في ذلك لآية ~~للمؤمنين) أي لعبرة للمصدقين. (وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين) يريد قوم ~~شعيب، كانوا أصحاب غياض ورياض وشجر مثمر. والأيكة: # الغيضة، وهي جماعة الشجر، والجمع الأيك. ويروى أن شجرهم كان دوما وهو ~~المقل. # قال النابغة: # تجلو بقادمتي حمامة أيكة * بردا أسف لثاته بالإثمد وقيل: الأيكة اسم ~~القرية. وقيل اسم البلدة. وقال أبو عبيدة: الأيكة وليكة مدينتهم، بمنزلة ~~بكة من مكة. وتقدم خبر شعيب وقومه (1). (وإنهما لبإمام مبين) أي بطريق واضح ~~في نفسه، يعنى مدينة قوم لوط وبقعة أصحاب الأيكة يعتبر بهما من يمر ms3512 عليهما. # قوله تعالى: ولقد كذب أصحب الحجر المرسلين (80) الحجر ينطلق على معان: ~~منها حجر الكعبة. ومنها الحرام، قال الله تعالى: " وحجرا محجورا " أي حراما ~~محرما. والحجر العقل، قال الله تعالى: " لذي حجر (3) " والحجر حجر القميص، ~~والفتح أفصح. والحجر الفرس الأنثى. والحجر ديار ثمود، وهو المراد هنا، # PageV10P045 # أي المدينة، قال الأزهري. قتادة: وهي ما بين مكة وتبوك، وهو الوادي الذي ~~فيه ثمود. # الطبري: هي أرض بين الحجاز والشام، وهم قوم صالح. وقال: " المرسلين " وهو ~~صالح وحده، ولكن من كذب نبيا فقد كذب الأنبياء كلهم، لأنهم على دين واحد في ~~الأصول فلا يجوز التفريق بينهم. وقيل: كذبوا صالحا ومن تبعه ومن تقدمه من ~~النبيين أيضا. والله أعلم روى البخاري عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لما نزل الحجر في غزوة تبوك أمرهم ألا يشربوا من بئرها ولا ~~يستقوا منها. فقالوا: قد عجنا واستقينا. فأمرهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن يهريقوا الماء وأن يطرحوا ذلك العجين. # وفى الصحيح عن ابن عمر أن الناس نزلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على الحجر أرض ثمود، فاستقوا من آبارها وعجنوا به العجين، فأمرهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أن يهريقوا ما استقوا ويعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن ~~يستقوا من البئر التي تردها الناقة. وروى أيضا عن ابن عمر قال: مررنا مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحجر فقال لنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين حذرا أن ~~يصيبكم مثل ما أصابهم) ثم زجر (1) فأسرع. # قلت: ففي هذه الآية التي بين الشارع حكمها وأوضح أمرها ثمان مسائل، ~~استنبطها العلماء واختلف في بعضها الفقهاء، فأولها - كراهة دخول تلك ~~المواضع، وعليها حمل بعض العلماء دخول مقابر الكفار، فإن دخل الانسان شيئا ~~من تلك المواضع والمقابر فعلى الصفة التي أرشد إليها النبي صلى الله عليه ~~وسلم من الاعتبار والخوف والاسراع. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~" لا ms3513 تدخلوا أرض بابل فإنها ملعونة ". # مسألة: أمر النبي بهرق ما استقوا من بئر ثمود وإلقاء ما عجن وخبز به لأجل ~~أنه ماء سخط، فلم يجز الانتفاع به فرارا من سخط الله. وقال " اعلفوه الإبل ~~". # PageV10P046 # قلت: وهكذا حكم الماء النجس وما يعجن به. وثانيها: قال مالك: إن ما لا ~~يجوز استعماله من الطعام والشراب يجوز أتعلفه الإبل والبهائم، إذ لا تكليف ~~عليها، وكذلك قال، في العسل النجس: إنه يعلفه النحل. وثالثها - أمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بعلف ما عجن بهذا الماء الإبل، ولم يأمر بطرحه كما ~~أمر لحوم الحمر الانسية يوم خيبر، فدل على أن لحم الحمر أشد. في التحريم ~~وأغلظ في التنجيس. وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بكسب الحجام أن ~~يعلف الناضح والرقيق، ولم يكن ذلك لتحريم ولا تنجيس. قال الشافعي: # ولو كان حراما لم يأمره أن يطعمه رقيقه، لأنه متعبد فيه كما تعبد في ~~نفسه. ورابعها - في أمره صلى الله عليه وسلم بعلف الإبل العجين دليل على ~~جواز حمل الرجل النجاسة إلى كلابه ليأكلوها، خلافا لمن منع ذلك من أصحابنا ~~وقال: تطلق الكلاب عليها ولا يحملها إليهم. وخامسها - أمره صلى الله عليه ~~وسلم أن يستقوا من بئر الناقة دليل على التبرك بآثار الأنبياء والصالحين، ~~وإن تقادمت أعصارهم وخفيت آثارهم، كما أن في الأول دليلا على بعض أهل ~~الفساد وذم ديارهم وآثارهم. هذا، وإن كان التحقيق أن الجمادات غير مؤاخذات، ~~لكن المقرون بالمحبوب محبوب، والمقرون بالمكروه المبغوض مبغوض، كما كثير: # أحب لحبها السودان حتى * أحب لحبها سود الكلاب وكما قال آخر: # أمر على الديار ديار ليلى * أقبل ذا الجدار وذا الجدارا وما تلك الديار ~~شغفن قلبي * ولكن حب من سكن الديارا وسادسها - منع بعض العلماء الصلاة بهذا ~~الموضع وقال: لا تجوز الصلاة فيها لأنها دار سخط وبقعة غضب. قال ابن ~~العربي: فصارت هذه البقعة مستثناة من قوله صلى الله عليه وسلم: # " جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا " فلا يجوز التيمم بترابها ولا الوضوء من ~~مائها ولا ms3514 الصلاة # PageV10P047 # فيها. وقد روى الترمذي عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى ~~أن يصلى في سبع مواطن: في المزبلة والمجزرة والمقبرة وقارعة الطريق، وفى ~~الحمام وفى معاطن الإبل وفوق بيت الله. وفى الباب عن أبي مرثد وجابر وأنس: ~~حديث ابن عمر إسناده ليس بذاك القوى، وقد تكلم في زيد بن جبيرة من قبل ~~حفظه. وقد زاد علماؤنا: الدار المغصوبة والكنيسة والبيعة والبيت الذي فيه ~~تماثيل، والأرض المغصوبة أو موضعا تستقبل فيه نائما أو وجه رجل أو جدارا ~~عليه نجاسة. قال ابن العربي: ومن هذه المواضع ما منع لحق الغير، ومنه ما ~~منع لحق الله تعالى، ومنه ما منع لأجل النجاسة المحققة أو لغلبتها، فما منع ~~لأجل النجاسة إن فرش فيه ثوب طاهر كالحمام والمقبرة فيها أو إليها فإن ذلك ~~جائز في المدونة. وذكر أبو مصعب عنه الكراهة. وفرق علماؤنا بين المقبرة ~~القديمة والجديدة لأجل النجاسة، وبين مقبرة المسلمين والمشركين، لأنها دار ~~عذاب وبقعة سخط كالحجر. وقال مالك في المجموعة: # لا يصلى في أعطان الإبل وإن فرش ثوبا، كأنه رأى لها علتين: الاستتار (1) ~~بها ونفارها فتفسد على المصلى صلاته، فإن كانت واحدة (2) فلا بأس، كما كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يفعل، في الحديث الصحيح. وقال مالك: لا يصلى على ~~بساط فيه تماثيل إلا من ضرورة. وكره ابن الصلاة إلى القبلة فيها تماثيل، ~~وفى الدار المغصوبة، فإن فعل أجزأه وذكر بعضهم عن مالك أن الصلاة في الدار ~~المغصوبة لا تجزئ. قال ابن العربي: وذلك عندي بخلاف الأرض. فإن الدار لا ~~تدخل إلا بإذن، والأرض وإن كانت ملكا فإن المسجدية فيها قائمة لا يبطلها ~~الملك. # قلت: الصحيح - إن شاء الله - الذي يدل عليه النظر والخبر أن الصلاة بكل ~~موضع طاهر جائزة صحيحة. وما روى من قوله صلى الله عليه وسلم: " إن هذا واد ~~به شيطان " وقد رواه معمر عن الزهري فقال: واخرجوا عن الموضع الذي أصابتكم ~~فيه الغفلة. وقول على: نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ms3515 أصلى بأرض ~~بابل فإنها ملعونة. وقوله عليه # PageV10P048 # السلام حين مر بالحجر من ثمود: " لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن ~~تكونوا باكين " ونهيه عن الصلاة في معاطن الإبل إلى ذلك مما في هذا الباب، ~~فإنه مردود إلى الأصول المجتمع عليها والدلائل الصحيح مجيئها. قال الامام ~~الحافظ أبو عمر: المختار عندنا في هذا الباب أن ذلك الوادي وغيره من بقاع ~~الأرض جائز أن يصلى فيها كلها ما لم تكن فيها نجاسة متيقنة تمنع من ذلك، ~~ولا معنى لاعتلال من اعتل بأن موضع النوم عن الصلاة موضع شيطان، وموضع ~~ملعون لا يجب أن تقام فيه الصلاة، وكل ما روى في هذا الباب من النهى عن ~~الصلاة في المقبرة وبأرض بابل وأعطان الإبل وغير ذلك مما في هذا المعنى، كل ~~ذلك عندنا منسوخ ومدفوع لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: جعلت لي الأرض كلها ~~مسجدا وطهور "، وقوله صلى الله عليه وسلم مخبرا: إن ذلك من فضائله ومما خصى ~~به، وفضائله عند أهل العلم لا يجوز عليها النسخ ولا التبديل ولا النقص. قال ~~صلى الله عليه وسلم: # " أوتيت خمسا - وقد روى ستا، وقد روى ثلاثا وأربعا، وهي تنتهي إلى أزيد ~~من تسع، قال فيهن - " لم يؤتهن أحد قبلي بعثت إلى الأحمر والأسود ونصرت ~~بالرعب وجعلت أمتي خير الأمم وأحلت لي الغنائم وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ~~وأوتيت الشفاعة وبعثت بجوامع الكلم وبينا أنا نائم أتيت بمفاتيح الأرض ~~فوضعت في يدي وأعطيت الكوثر. وختم بي النبيون " رواه جماعة من الصحابة. ~~وبعضهم يذكر بعضها، ويذكر بعضهم ما لم يذكر غيره، وهي صحاح كلها. وجائز على ~~فضائله الزيادة وغير جائز فيها النقصان، ألا ترى أنه كان عبدا قبل أن يكون ~~نبيا ثم كان نبيا قبل أن يكون رسولا، وكذلك روى عنه. وقال: # " ما أدرى ما يفعل بي ولا بكم " ثم نزلت " ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك ~~وما تأخر (2) ". # وسمع رجلا يقوله: يا خير البرية، فقال: " ذاك إبراهيم " وقال: " لا يقولن ~~أحدكم أنا خير من يونس ms3516 بن متى " وقال: " السيد يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن ~~إبراهيم عليهم السلام " ثم قال بعد ذلك كله: " أنا سيد ولد آدم ولا فخر ". ~~ففضائله صلى الله عليه وسلم لم تزل # PageV10P049 # تزداد إلى أن قبضه الله، فمن هاهنا قلنا: إنه لا يجوز عليها النسخ ولا ~~الاستثناء ولا النقصان وجائز فيها الزيادة. وبقوله صلى الله عليه وسلم: " ~~جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا " أجزنا الصلاة في المقبرة والحمام وفى كل موضع ~~من الأرض إذا كان طاهرا من الأنجاس. # وقال صلى الله عليه وسلم لأبي ذر: " حيثما أدركتك الصلاة فصل فإن الأرض ~~كلها مسجد " ذكره البخاري ولم يخص موضعا من موضع. وأما من احتج بحديث ابن ~~وهب قال: # أخبرني يحيى بن أيوب عن زيد بن جبيرة عن داود بن حصين عن نافع عن ابن عمر ~~حديث الترمذي الذي ذكرناه فهو حديث انفرد به زيد بن جبيرة وأنكروه عليه، ~~ولا يعرف هذا الحديث مسندا إلا برواية يحيى بن أيوب عن زيد بن جبيرة. وقد ~~كتب الليث بن سعد إلى عبد الله بن نافع مولى ابن عمر يسأله عن هذا الحديث، ~~وكتب إليه عبد الله بن نافع لا أعلم من حدث بهذا عن نافع إلا قد قال عليه ~~الباطل. ذكره الحلواني عن سعيد بن أبي مريم عن الليث، وليس فيه تخصيص مقبرة ~~المشركين من غيرها. وقد روى عن علي بن أبي طالب قال: نهاني حبيبي صلى الله ~~عليه وسلم أن أصلى في المقبرة، ونهاني أن أصلى في أرض بابل فإنها ملعونة. ~~وإسناده ضعيف مجتمع على ضعفه، وأبو صالح الذي رواه عن علي هو سعيد بن عبد ~~الرحمن الغفاري، بصرى ليس بمشهور ولا يصح له سماع عن علي، ومن دونه مجهولون ~~لا يعرفون. قال أبو عمر: وفى الباب عن علي من قوله غير مرفوع حديث حسن ~~الاسناد، رواه الفضل بن دكين قال: حدثنا المغيرة بن أبي الحر الكندي قال ~~حدثني أبو العنبس حجر بن عنبس قال: خرجنا مع علي إلى الحرورية، فلما جاوزنا ~~سوريا وقع بأرض ms3517 بابل، قلنا: يا أمير المؤمنين أمسيت، الصلاة الصلاة، فأبى ~~أن يكلم أحدا. # قالوا: يا أمير المؤمنين، قد أمسيت. قال بلى، ولكن لا أصلى في أرض خسف ~~الله بها. # والمغيرة بن أبي الحر كوفي ثقة، قاله يحيى بن معين وغيره. وحجر بن عنبس ~~من كبار أصحاب على. وروى الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام ". قال الترمذي: ~~رواه سفيان الثوري عن عمرو بن PageV10P050 # يحيى عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا، وكأنه أثبت وأصح. قال ~~أبو عمر: # فسقط الاحتجاج به عند من لا يرى المرسل حجة، ولو ثبت كان الوجه ما ذكرنا. ~~ولسنا نقول كما قال بعض المنتحلين لمذهب المدنيين: إن المقبرة في هذا ~~الحديث وغيره أريد بها مقبرة المشركين خاصة، فإنه قال: المقبرة والحمام ~~بالألف واللام، فغير جائز أن يرد ذلك إلى مقبرة دون مقبرة أو حمام دون حمام ~~بغير توقيف عليه، فهو قول لا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا خبر صحيح، ولا ~~مدخل له في القياس ولا في المعقول، ولا دل عليه فحوى الخطاب ولا خرج عليه ~~الخبر. ولا يخلو تخصيص من خص مقبرة المشركين من أحد وجهين: إما أن يكون من ~~أجل اختلاف الكفار إليها بأقدامهم فلا معنى لخصوص المقبرة بالذكر، لان كل ~~موضع هم فيه بأجسامهم وأقدامهم فهو كذلك، وقد جل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن يتكلم بما لا معنى له. أو يكون من أجل أنها بقعة سخط، فلو كان كذلك ~~ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليبنى مسجده في مقبرة المشركين ~~وينبشها ويسويها ويبنى عليها، ولو جاز لقائل أن يخص من المقام مقبرة للصلاة ~~فيها لكانت مقبرة المشركين أولى بالخصوص والاستثناء من أجل هذا الحديث. وكل ~~من كره الصلاة في المقبرة لم يخص مقبرة من مقبرة، لان الألف واللام إشارة ~~إلى الجنس لا إلى معهود، ولو كان بين مقبرة المسلمين والمشركين فرق لنبيه ~~صلى الله عليه ms3518 وسلم ولم يهمله، لأنه بعث مبينا. ولو ساغ لجاهل أن يقول: ~~مقبرة كذا لجاز لآخر أن يقول: حمام كذا، لان في الحديث المقبرة والحمام. ~~وكذلك قوله: المزبلة والمجزرة، غير جائز أن يقال: مزبلة كذا ولا مجزرة كذا ~~ولا طريق كذا، لان التحكم في دين الله غير جائز. # وأجمع العلماء على أن التيمم على مقبرة المشركين إذا كان الموضع طيبا ~~طاهرا نظيفا جائز. # وكذلك أجمعوا على أن من صلى في كنيسة أو بيعة على موضع طاهر، أن صلاته ~~ماضية جائزة. # وقد تقدم هذا في سورة " براءة ". ومعلوم أن الكنيسة أقرب إلى أن تكون ~~بقعة سخط من المقبرة، # PageV10P051 # لأنها بقعة يعصى الله ويكفر به فيها، وليس كذلك المقبرة. وقد وردت السنة ~~باتخاذ البيع والكنائس مساجد. روى النسائي عن طلق بن علي قال: خرجنا وفدا ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه وصلينا معه، وأخبرناه أن بأرضنا ~~بيعة لنا، وذكر الحديث. وفيه: " فإذا أتيتم أرضكم فاكسروا بيعتكم واتخذوها ~~مسجدا). وذكر أبو داود عن عثمان بن أبي العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أمره أن يجعل مسجد الطائف حيث كانت طواغيتهم. وقد تقدم في " براءة ". وحسبك ~~بمسجد النبي صلى الله عليه وسلم الذي أسس على التقوى مبنيا في مقبرة ~~المشركين، وهو حجة على كل من كره الصلاة فيها. وممن كره الصلاة في المقبرة ~~سواء كانت لمسلمين أو مشركين الثوري أجزأه إذا صلى في المقبرة في موضع ليس ~~فيه نجاسة، للأحاديث المعلومة في ذلك، ولحديث أبي هريرة أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: " صلوا في بيوتكم ولا تتخذوها قبورا "، ولحديث أبى ~~مرثد الغنوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها ". وهذان حديثان ثابتان من جهة ~~الاسناد، ولا حجة فيهما، لأنهما محتملان للتأويل، ولا يجب أن يمتنع من ~~الصلاة في كل موضع طاهر إلا بدليل لا يحتمل تأويلا. ولم يفرق أحد من فقهاء ~~المسلمين بين مقبرة المسلمين والمشركين إلا ما حكيناه من خطل القول الذي ms3519 لا ~~يشتغل بمثله، ولا وجه له في نظر ولا في صحيح أثر. # وثامنها (2) - الحائط يلقى فيه النتن والعذرة ليكرم فلا يصلى فيه حتى ~~يسقى ثلاث مرات، لما رواه الدارقطني عن مجاهد عن ابن عباس عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم في الحائط يلقى فيه العذرة والنتن قال: " إذا سقى ثلاث مرات ~~فصل فيه ". وخرجه أيضا من حديث نافع عن ابن عمر أنه سئل عن هذه الحيطان ~~التي تلقى فيها العذرات وهذا الزبل، أيصلى فيها؟ فقال: # إذا سقيت ثلاث مرات فصل فيها. رفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم. ~~اختلفا في الاسناد، والله أعلم. # PageV10P052 # قوله تعالى: وآتيناهم آياتنا فكانوا عنها معرضين (81) قوله تعالى: ~~(وآتيناهم آياتنا) أي بآياتنا كقوله: " آتنا غذاءنا (1) " أي بغذائنا. # والمراد الناقة، وكان فيها آيات جمة: خروجها من الصخرة، ودنو نتاجها عند ~~خروجها، وعظمها حتى لم تشبهها ناقة، وكثرة لبنها حتى تكفيهم جميعا. ويحتمل ~~أنه كان لصالح آيات أخر سوى الناقة، كالبئر وغيره. (فكانوا عنها معرضين) أي ~~لم يعتبروا. # قوله تعالى: وكانوا ينحتون من أجبال بيوتا آمنين (82) فأخذتهم الصيحة ~~مصبحين (83) فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون (84) النحت في كلام العرب: ~~البرى والنجر. نحته ينحته (بالكسر (2) نحتا أي براه. والنحاتة البراية. ~~والمنحت ما ينحت به. وفى التنزيل " أتعبدون ما تنحتون (3) " أي تنجرون ~~وتصنعون. # فكانوا يتخذون من الجبال بيوتا لأنفسهم بشدة قوتهم. (آمنين) أي من أن ~~تسقط عليهم أو تخرب. وقيل: آمنين من الموت. وقيل: من العذاب. (فأخذتهم ~~الصيحة مصبحين) أي في وقت الصبح، وهو نصب على الحال. وقد تقدم ذكر الصيحة ~~في هود والأعراف (4). # (فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون) من الأموال والحصون في الجبال، ولا ما ~~أعطوه من القوة. # قوله تعالى: وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة ~~لآتية فاصفح الصفح الجميل (85) إن ربك هو الخلق العليم (86) # PageV10P053 # (وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق) أي للزوال والفناء. # وقيل: أي لأجازي المحسن والمسئ، كما قال: " ولله ما في السماوات وما في ~~الأرض ليجزى الذين أساءوا ms3520 بما عملوا ويجزى الذين أحسنوا (1) بالحسنى ". ~~(وإن الساعة لآتية) أي لكائنة فيجزى كل بعمله. (فاصفح الصفح الجميل) مثل " ~~واهجرهم هجرا جميلا (2) " أي تجاوز عنهم يا محمد، واعفو عفوا حسنا، ثم نسخ ~~بالسيف. قال قتادة: نسخه قوله: " فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم (3) ". وأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم فال لهم: " لقد جئتكم بالذبح وبعثت بالحصاد (4) ~~ولم أبعث بالزراعة "، قاله عكرمة ومجاهد. وقيل: ليس بمنسوخ، وأنه أمر ~~بالصفح في نفسه فيما بينه وبينهم. والصفح: الاعراض، عن الحسن وغيره. # (إن ربك هو الخلاق) أي المقدر للخلق والأخلاق (5). (العليم) بأهل الوفاق ~~والنفاق. # قوله تعالى: ولقد أتيناك سبعا من المثاني والقرآن الظيم (87) اختلف ~~العلماء في السبع المثاني، فقيل: الفاتحة، قاله علي بن أبي طالب وأبو هريرة ~~والربيع بن أنس وأبو العالية والحسن وغيرهم، وروى عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم من وجوه ثابتة، من حديث أبي بن كعب وأبى سعيد بن المعلى. وقد تقدم في ~~تفسير الفاتحة (6). وخرج الترمذي من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " الحمد لله أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني ". قال: ~~هذا حديث حسن صحيح. وهذا نص، وقد تقدم في الفاتحة. وقال الشاعر: # نشدتكم بمنزل القرآن * أم الكتاب السبع من مثاني وقال ابن عباس: هي السبع ~~الطول: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والانعام، والأعراف، ~~والأنفال والتوبة معا، إذ ليس بينهما التسمية. روى النسائي # PageV10P054 # حدثنا على بن حجر أخبرنا شريك عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير. عن ابن عباس ~~في قوله عز وجل: (سبعا من المثاني) قال: السبع الطول: وسميت مثاني لان ~~العبر والاحكام والحدود ثنيت فيها. وأنكر قوم هذا وقالوا: أنزلت هذه الآية ~~بمكة، ولم ينزل من الطول شئ إذ ذاك. وأجيب بأن الله تعالى أنزل القرآن إلى ~~السماء الدنيا ثم أنزله منها نجوما: فما أنزله إلى السماء الدنيا فكأنما ~~أتاه محمدا صلى الله عليه وسلم وإن لم ينزل عليه بعد. وممن قال إنها السبع ~~الطول: عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وسعيد بن ms3521 جبير ومجاهد. وقال ~~جرير: # جزى الله الفرزدق حين يمسى * مضيعا للمفصل والمثاني وقيل: المثاني القرآن ~~كله، قال الله تعالى: " كتابا متشابها (1) مثاني ". هذا قول الضحاك وطاوس ~~وأبو مالك، وقاله ابن عباس. وقيل له: مثاني، لان الانباء والقصص ثنيت فيه. ~~وقالت صفية بنت عبد المطلب ترثى رسول الله صلى الله عليه وسلم: # فقد كان نورا ساطعا يهتدى به * يخص بتنزيل القران المعظم أي القرآن. ~~وقيل: المراد بالسبع المثاني أقسام القرآن من الأمر والنهي والتبشير ~~والانذار وضرب الأمثال وتعديد نعم وأنباء قرون، قال زياد بن أبي مريم. ~~والصحيح الأول لأنه نص. # وقد قدمنا في الفاتحة أنه ليس في تسميتها بالمثاني ما يمنع من تسمية ~~غيرها بذلك، إلا أنه إذا ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم وثبت عنه نص في ~~شئ لا يحتمل التأويل كان الوقوف عنده. # قوله تعالى: (والقرآن العظيم) فيه إضمار تقديره: وهو أن الفاتحة القرآن ~~العظيم لاشتمالها على ما يتعلق بأصول الاسلام. وقد تقدم (2) في الفاتحة. ~~وقيل: الواو مقحمة، التقدير: ولقد آتيناك سبعا من المثاني القرآن العظيم. ~~ومنه قول الشاعر: # إلى الملك القرم وابن الهمام * وليث الكتيبة في المزدحم وقد تقدم عند ~~قوله: " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى (3) ". # PageV10P055 # قوله تعالى: لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ولا تحزن عليهم ~~واخفض جناحك للمؤمنين (88) فيه مسألتان: # الأولى - قوله تعالى: (لا تمدن عينيك المعنى: قد أغنيتك بالقرآن عما في ~~أيدي الناس، فإنه ليس منا من لم يتغن بالقرآن، أي ليس منا من رأى أنه ليس ~~يغنى بما عنده من القرآن حتى يطمح بصره إلى زخارف الدنيا وعنده معارف ~~المولى. يقال: إنه وافى سبع قوافل من البصرة وأذرعات ليهود قريظة والنضير ~~في يوم واحد، فيها البر والطيب والجوهر وأمتعة البحر، فقال المسلمون: لو ~~كانت هذه الأموال لنا لتقوينا بها وأنفقناها في سبيل الله، فأنزل الله ~~تعالى: " ولقد آتيناك سبعا من المثاني " أي فهي خير لكم من القوافل السبع، ~~فلا تمدن أعينكم إليها. وإلى هذا صار ابن عيينة، وأورد قوله عليه ms3522 السلام: " ~~ليس منا من لم يتغن بالقرآن " أي من لم يستغن به. وقد تقدم هذا المعنى في ~~أول (1) الكتاب. ومعنى (أزواجا منهم) أي أمثالا في النعم، أي الأغنياء ~~بعضهم أمثال بعض في الغنى، فهم أزواج. # الثانية - هذه الآية تقتضي الزجر عن التشوف إلى متاع الدنيا على الدوام، ~~وإقبال العبد على عبادة مولاه. ومثله " ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به ~~أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم (2) فيه " الآية. وليس كذلك، فإنه ~~روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " حبب إلى من دنياكم (3) النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة ". وكان ~~عليه الصلاة والسلام يتشاغل بالنساء، جبلة الآدمية وتشوف الخلقة الانسانية، ~~ويحافظ على الطيب، ولا تقر له عين إلا في الصلاة لدى مناجاة المولى، ويرى ~~أن مناجاته أحرى من ذلك وأولى. # ولم يكن في دين محمد الرهبانية والاقبال على الأعمال الصالحة بالكلية (4) ~~كما كان في دين عيسى، # PageV10P056 # وإنما شرع الله سبحانه حنيفية سمحة خالصة عن الحرج خفيفة على الآدمي، ~~يأخذ من الآدمية بشهواتها ويرجع إلى الله بقلب سليم. ورأى الفراء والمخلصون ~~من الفضلاء الانكفاف عن اللذات والخلوص لرب الأرض والسماوات اليوم أولى، ~~لما غلب على الدنيا من الحرام، واضطر العبد في المعاش إلى مخالطة من لا ~~تجوز مخالطته ومصانعة من تحرم مصانعته، فكانت القراءة أفضل، والفرار عن ~~الدنيا أصوب للعبد وأعدل، قال صلى الله عليه وسلم: (" أتى على الناس زمان ~~يكون خير مال المسلم غنما يتبع بها شعف (1) الجبال ومواقع القطر يفر بدينه ~~من الفتن ". # قوله تعالى: (ولا تحزن عليهم) أي ولا تحزن على المشركين إن لم يؤمنوا. ~~وقيل: # المعنى لا تحزن على ما متعوا به في الدنيا فلك في الآخرة أفضل منه. وقيل: ~~لا تحزن عليهم إن صاروا إلى العذاب فهم أهل العذاب. (واخفض جناحك للمؤمنين) ~~أي ألن جانبك لمن آمن بك وتواضع لهم. وأصله أن الطائر إذا ضم فرخه إلى نفسه ~~بسط جناحه ثم قبضه على الفرخ، فجعل ذلك وصفا لتقريب الانسان أتباعه. ويقال: ~~فلان خافض الجناح، ms3523 أي وقور ساكن. والجناحان من ابن آدم جانباه، ومنه " ~~واضمم يدك إلى جناحك (2) " وجناح الطائر يده. وقال الشاعر: # وحسبك فتية لزعيم قوم * يمد على أخي سقم جناحا أي تواضعا ولينا. # قوله تعالى: وقل إني أنا النذير المبين (89) كما أنزلنا على المقتسمين ~~(90) في الكلام حذف، أي إني أنا النذير المبين عذابا، فحذف المفعول، إذ كان ~~الانذار يدل عليه، كما قال في موضع آخر: " أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد (3) ~~وثمود ". قيل: الكاف زائدة، أي أنذرتكم ما أنزلنا على المقتسمين، كقوله: " ~~ليس كمثله شئ (4) " أنذرتكم # PageV10P057 # مثل ما أنزلنا بالمقتسمين. وقيل: المعنى كما أنزلنا على المقتسمين، أي من ~~العذاب وكفيناك المستهزئين، فاصدع بما تؤمر وأعرض عن وقيل المشركين الذين ~~بغوا، فإنا كفيناك أولئك الرؤساء الذين كنت تلقى منهم ما تلقى. # واختلف في " المقتسمين " على أقوال سبعة: # الأول - قال مقاتل والفراء: هم ستة عشر رجلا بعثهم الوليد بن المغيرة ~~أيام الموسم فاقتسموا أعقاب (1) مكة وأنقابها وفجاجها يقولون لمن سلكها: لا ~~تغتروا بهذا الخارج فينا يدعى النبوة، فإنه مجنون، وربما قالوا ساحر، وربما ~~قالوا شاعر، وربما قالوا كاهن. وسموا المقتسمين لأنهم اقتسموا هذه الطرق، ~~فأماتهم الله شر ميتة، وكانوا نصبوا الوليد بن المغيرة حكما على باب ~~المسجد، فإذا سألوه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: صدق أولئك. الثاني - ~~قال قتادة: هم قوم من كفار قريش اقتسموا كتاب الله فجعلوا بعضه شعرا، وبعضه ~~سحرا، وبعضه كهانة، وبعضه أساطير الأولين. الثالث - قال ابن عباس: هم أهل ~~الكتاب آمنوا ببعضه وكفروا ببعضه. وكذلك قال عكرمة: هم أهل الكتاب، وسموا ~~مقتسمين لأنهم كانوا مستهزئين، فيقول بعضهم: هذه السورة لي وهذه السورة لك. ~~وهو القول الرابع. # الخامس - قال قتادة: قسموا كتابهم ففرقوه وبددوه وحرفوه. السادس - قال ~~زيد بن أسلم: المراد قوم صالح، تقاسموا على قتله فسموا مقتسمين، كما قال ~~تعالى: " تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله (2) ". السابع - قال الأخفش: هم قوم ~~اقتسموا أيمانا تحالفوا عليها. وقيل: # إنهم العاص بن وائل وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو جهل بن هشام وأبو ~~البختري بن هشام ms3524 والنضر بن الحارث وأمية بن خلف ومنبه بن الحجاج، ذكره ~~الماوردي. # قوله تعالى: الذين جعلوا القرآن عضين (91) هذه صفة المقتسمين. وقيل: هو ~~مبتدأ وخبره " لنسألنهم ". وواحد العضين عضة، من عضيت الشئ تعضية أي فرقته، ~~وكل فرقة عضة. وقال بعضهم: كانت في الأصل # PageV10P058 # عضوة فنقصت الواو، ولذلك جمعت عضين، كما قالوا: عزين في جمع عزة، والأصل ~~عزوة. وكذلك ثبة وثبين. ويرجع المعنى إلى ما ذكرناه في المقتسمين. قال ابن ~~عباس: # آمنوا ببعض وكفروا ببعض. وقيل: فرقوا أقاويلهم فيه فجعلوه كذبا وسحرا ~~وكهانة وشعرا. # عضوته أي فرقته. قال الشاعر - هو رؤبة -: # * وليس دين الله بالمعضى * أي بالمفرق. ويقال: نقصانه الهاء وأصله عضهة، ~~لان العضه والعضين في لغة قريش السحر. وهم يقولون للساحر: عاضه وللساحرة ~~عاضهة. قال الشاعر: # أعوذ بربي من النافثات * في عقد العاضه المعضه وفى الحديث: لعن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم العاضهة والمستعضهة، وفسر: الساحرة والمستسحرة. ~~والمعنى: أكثروا البهت على القرآن ونوعوا الكذب فيه، فقالوا: سحر وأساطير ~~الأولين، وأنه مفترى، إلى غير ذلك. ونظير عضة في النقصان شفة، والأصل شفهة. # كما قالوا: سنة، والأصل سنهة، فنقصوا الهاء الأصلية وأثبتت هاء العلامة ~~وهي للتأنيث. # وقيل: هو من العضه وهي النميمة. والعضيهة البهتان، وهو أن يعضه الانسان ~~ويقول فيه ما ليس فيه. يقال عضهه عضها رماه بالبهتان. وقد أعضهت أي جئت ~~بالبهتان. قال الكسائي: العضة الكذب والبهتان، وجمعها عضون، مثل عزة وعزون، ~~قال تعالى: # " الذين جعلوا القرآن عضين ". ويقال: عضوه أي آمنوا بما أحبوا منه وكفروا ~~بالباقي، فأحب كفرهم إيمانهم. وكان الفراء يذهب إلى أنه مأخوذ من العضاة، ~~وهي شجر الوادي ويخرج كالشوك. # قوله تعالى: فوربك لنسألنهم أجمعين (92) عما كانوا يعملون (93) قوله ~~تعالى: (فوربك لنسألنهم أجمعين) أي لنسألن هؤلاء الذين جرى ذكرهم عما عملوا ~~في الدنيا. وفى البخاري: وقال عدة من أهل العلم في قوله: " فوربك لنسألنهم ~~أجمعين عما كانوا يعملون " عن لا إله إلا الله. PageV10P059 # قلت: وهذا قد روى مرفوعا، روى الترمذي الحكيم قال: حدثنا الجارود بن معاذ ~~قال حدثنا ms3525 الفضل بن موسى عن شريك عن ليث عن بشير بن نهيك عن أنس بن مالك عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: " فوربك لنسألنهم أجمعين. عما كانوا ~~يعملون " قال: # " عن قول لا إله إلا الله " قال أبو عبد الله: معناه عندنا عن صدق لا إله ~~إلا الله ووفائها، وذلك أن الله تعالى ذكر في تنزيله العمل فقال: " عما ~~كانوا يعملون " ولم يقل عما كانوا يقولون، وإن كان قد يجوز أن يكون القول ~~أيضا عمل اللسان، فإنما المعنى به ما يعرفه أهل اللغة أن القول قول والعمل ~~عمل. وإنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " عن لا إله إلا الله " أي ~~عن الوفاء بها والصدق لمقالها. كما قال الحسن البصري: ليس الايمان بالتحلي ~~ولا الدين بالتمني ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال. ولهذا ما قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من قال لا إله إلا الله مخلصا دخل الجنة " ~~قيل: يا رسول الله، وما إخلاصها؟ # قال: " أن تحجزه عن محارم الله ". رواه زيد بن أرقم. وعنه أيضا قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله عهد إلى ألا يأتيني أحد من أمتي ~~بلا إله إلا الله لا يخلط بها شيئا إلا وجبت له الجنة " قالوا: يا رسول ~~الله وما الذي يخلط بلا إله إلا الله؟ قال: # " حرصا على الدنيا وجمعا لها ومنعا لها، يقولون قول الأنبياء ويعملون ~~أعمال الجبابرة ". # وروى أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا إله إلا ~~الله تمنع العباد من سخط الله ما لم يؤثروا صفقة دنياهم على دينهم فإذا ~~آثروا صفقة دنياهم على دينهم ثم قالوا لا إله إلا الله ردت عليهم وقال الله ~~كذبتم ". أسانيدها في نوادر الأصول. # قلت: والآية بعمومها تدل على سؤال الجميع ومحاسبتهم كافرهم ومؤمنهم، إلا ~~من دخل الجنة بغير حساب على ما بيناه في كتاب (التذكرة). فإن قيل: وهل يسأل ~~الكافر ويحاسب؟ # قلنا: فيه خلاف وذكرناه في التذكرة. والذي يظهر ms3526 سؤال، للآية وقوله: " ~~وقفوهم إنهم مسؤولون (1) " وقوله: " إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم ~~(2) ". فإن قيل: فقد قال تعالى: # PageV10P060 # " ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون (1) " وقال: " فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ~~ولا جان (2) "، وقال: " ولا يكلمهم (3) الله "، وقال: " إنهم عن ربهم يومئذ ~~لمحجوبون (4) ". قلنا: القيامة مواطن، فموطن يكون فيه سؤال وكلام، موطن لا ~~يكون ذلك فيه. قال عكرمة: القيامة مواطن، يسأل في بعضها ولا يسأل في بعضها. ~~وقال ابن عباس: لا يسألهم سؤال استخبار واستعلام هل عملتم كذا وكذا، لان ~~الله عالم بكل شئ، ولكن يسألهم سؤال تقريع وتوبيخ فيقول لهم: لم عصيتم ~~القرآن وما حجتكم فيه؟ واعتمد قطرب هذا القول. وقيل: " لنسألنهم أجمعين " ~~يعنى المؤمنين المكلفين، بيانه قوله تعالى: " ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم ~~(5) ". والقول بالعموم أولى كما ذكر. والله أعلم. # قوله تعالى، فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين (94) إنا كفيناك ~~المستهزئين (95) قوله تعالى: (فاصدع بما تؤمر) أي بالذي تؤمر به، أي بلغ ~~رسالة الله جميع الخلق لتقوم الحجة عليهم، فقد أمرك الله بذلك. والصدع: ~~الشق. وتصدع القوم أي تفرقوا، ومنه " يومئذ يصدعون (6) " أي يتفرقون. ~~وصدعته فانصدع أي انشق. أصل الصدع الفرق والشق. قال أبو ذؤيب يصف الحمار ~~وأتنه: # وكأنهن ربابة وكأنه * يسر يفيض على القداح ويصدع (7) أي يفرق ويشق. ~~فقوله: " اصدع بما تؤمر " قال الفراء: أراد فاصدع بالامر، أي أظهر دينك، ف ~~" ما " مع الفعل على هذا بمنزلة المصدر. وقال ابن الأعرابي: معنى اصدع بما ~~تؤمر، أي اقصد. وقيل: " فاصدع بما تؤمر " أي فرق جمعهم وكلمتهم بأن تدعوهم ~~إلى التوحيد فإنهم يتفرقون بأن يجيب البعض، فيرجع الصدع على هذا إلى صدع ~~جماعة الكفار. # PageV10P061 # قوله تعالى: (وأعرض عن المشركين) أي عن الاهتمام باستهزائهم وعن المبالاة ~~بقولهم، فقد برأك الله عما يقولون. وقال ابن عباس: هو منسوخ بقوله " ~~فاقتلوا المشركين (1) ". # وقال عبد الله بن عبيد: ما زال النبي صلى الله عليه وسلم مستخفيا حتى نزل ~~قوله تعالى: # " فاصدع بما تؤمر " فخرج هو وأصحابه. وقال مجاهد: أراد الجهر بالقرآن في ~~الصلاة. ms3527 " وأعرض عن المشركين " لا تبال بهم. وقال ابن إسحاق: لما تمادوا في ~~الشر وأكثروا برسول الله صلى الله عليه وسلم الاستهزاء أنزل الله تعالى ~~(فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين. إنا كفيناك المستهزئين. الذين يجعلون ~~مع الله إلها آخر فسوف يعلمون). والمعنى: اصدع بما تؤمر ولا تخف غير الله، ~~فإن الله كافيك من أذاك كما كفاك المستهزئين، وكانوا خمسة من رؤساء أهل ~~مكة، وهم الوليد بن المغيرة وهو رأسهم، والعاص بن وائل، والأسود بن المطلب ~~بن أسد أبو زمعة. والأسود بن عبد يغوث، والحارث بن الطلاطلة، أهلكهم الله ~~جميعا، قيل يوم بدر في يوم واحد، لاستهزائهم برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. وسبب هلاكهم فيما ذكر ابن إسحاق: أن جبريل أتى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهم يطوفون بالبيت، فقام وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فمر ~~به الأسود ابن المطلب فرمى في وجهه بورقة خضراء فعمى ووجعت عينه، فجعل يضرب ~~برأسه الجدار. # ومر به الأسود بن عبد يغوث فأشار إلى بطنه فاستسقى بطنه فمات منه حبنا. ~~(يقال: # حبن (بالكسر) حبنا وحبن للمفعول عظم بطنه بالماء الأصفر، فهو أحبن، ~~والمرأة حبناء، قاله في الصحاح). ومر به الوليد بن المغيرة فأشار إلى أثر ~~جرح بأسفل كعب رجله، وكان أصابه قبل ذلك بسنين، وهو يجر سبله (2)، وذلك أنه ~~مر برجل من خزاعة يريش نبلا له فتعلق سهم من نبله بإزاره فخدش في رجله ذلك ~~الخدش وليس بشئ، فانتقض به فقتله. ومر به العاص بن وائل فأشار إلى أخمص ~~رجله، فخرج على حمار له يريد الطائف، فربض به على شبرمة (3) فدخلت في أخمص ~~رجله شوكة فقتلته. ومر به الحارث بن الطلاطلة، فأشار إلى رأسه # PageV10P062 # فامتخط (1) قيحا فقتله. وقد ذكر في سبب موتهم اختلاف قريب من هذا. وقيل: ~~إنهم المراد بقوله تعالى: " فخر عليهم السقف من فوقهم (2) " شبه ما أصابهم ~~في موتهم بالسقف الواقع عليهم، على ما يأتي. # قوله تعالى: الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون (96) هذه صفة ~~المستهزئين. وقيل: ms3528 هو ابتداء وخبره " فسوف يعلمون ". # قوله تعالى: ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون (97) قوله تعالى: (ولقد ~~نعلم أنك يضيق صدرك) أي قلبك، لان الصدر محل القلب. # (بما يقولون) أي بما تسمعه من تكذيبك ورد قولك، وتناله. ويناله أصحابك من ~~أعدائك. # قوله: فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين (98) فيه مسألتان: # الأولى - قوله تعالى: (فسبح) أي فافزع إلى الصلاة، فهي غاية التسبيح ~~ونهاية التقديس. وذلك تفسير لقوله: (وكن من الساجدين) لا خفاء أن غاية ~~القرب في الصلاة حال السجود، كما قال عليه السلام: (أقرب ما يكون العبد من ~~ربه وهو ساجد فأخلصوا الدعاء). ولذلك خص السجود بالذكر الثانية: قال ابن ~~العربي: ظن بعض الناس أن المراد بالامر هنا السجود نفسه، فرأى هذا الموضع ~~محل سجود في القرآن، وقد شاهدت الامام بمحراب زكريا من البيت المقدس طهره ~~الله، يسجد في هذا الموضع وسجدت معه فيها، ولم يره جماهير العلماء. # قلت: قد ذكر أبو بكر النقاش أن هاهنا سجدة عند أبي حذيفة ويمان بن رئاب، ~~ورأى أنها واجبة # PageV10P063 # قوله تعالى: واعبد ربك حتى يأتيك اليقين (99) فيه مسألة واحدة: وهو أن ~~اليقين الموت. أمره بعبادته (1) إذ قصر عباده في خدمته، وأن ذلك يجب عليه. ~~فإن قيل: فما فائدة قول: " حتى يأتيك اليقين " وكان قوله: # " واعبد ربك " كافيا في الامر بالعبادة. قيل له: الفائدة في هذا أنه لو ~~قال: " واعبد ربك " مطلقا ثم عبده مرة واحدة كان مطيعا، وإذا قال " حتى ~~يأتيك اليقين " كان معناه لا تفارق هذا حتى تموت. فإن قيل: كيف قال سبحانه: ~~" واعبد ربك حتى يأتيك اليقين " ولم يقل أبدا، فالجواب أن اليقين أبلغ من ~~قوله: أبدا، لاحتمال لفظ الأبد للحظة الواحدة ولجميع الأبد. وقد تقدم هذا ~~المعنى. والمراد استمرار العبادة مدة حياته، كما قال العبد الصالح: " ~~وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا ". ويتركب على هذا أن الرجل إذا قال ~~لامرأته: أنت طالق أبدا، وقال: نويت يوما أو شهرا كانت عليه الرجعة. ولو ~~قال: # طلقتها حياتها لم يراجعها. والدليل على أن اليقين ms3529 الموت حديث أم العلاء ~~الأنصارية، وكانت من المبايعات، وفيه: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~" أما عثمان - أعني عثمان بن مظعون - فقد جاءه اليقين وإني لأرجو له الخير ~~والله ما أدرى وأنا رسول الله ما يفعل به " وذكر الحديث (3). انفرد بإخراجه ~~البخاري رحمه الله! وكان عمر بن عبد العزيز يقول: # ما رأيت يقينا أشبه بالشك من يقين الناس بالموت ثم لا يستعدون له، يعنى ~~كأنهم فيه شاكون. # وقد قيل: إن اليقين هنا الحق الذي لا ريب فيه من نصرك على أعدائك، قال ~~ابن شجرة، والأول أصح، وهو قول مجاهد وقتادة والحسن. والله أعلم. وقد روى ~~جبير بن نفير عن أبي مسلم الخولاني أنه سمعه يقول إن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: " ما أوحى إلى أن أجمع المال وأكون من التاجرين لكن أوحى إلى أن ~~سبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ". # PageV10P064 # بسم الله الرحمن الرحيم تفسير سورة النحل وهي مكية كلها في قول الحسن ~~وعكرمة وعطاء وجابر. وتسمى سورة النعم بسبب ما عدد الله فيها من نعمه على ~~عباده. وقيل: هي مكية غير قوله تعالى: " وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم ~~(1) به " الآية، نزلت بالمدينة في شأن التمثيل بحمزة وقتلى أحد. وغير قوله ~~تعالى: " واصبر وما صبرك إلا بالله (1) ". وغير قوله: " ثم إن ربك للذين ~~هاجروا (1) " الآية. وأما قوله: " والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا ~~(1) " فمكي، في شأن هجرة الحبشة. وقال ابن عباس: # هي مكية إلا ثلاث آيات منها نزلت بالمدينة بعد قتل حمزة، وهي قوله: " ولا ~~تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا - إلى قوله - بأحسن ما كانوا يعملون (1) " ~~قوله تعالى: أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون (1) قوله ~~تعالى: (أتى أمر الله فلا تستعجلوه) قيل: " أتى " بمعنى يأتي، فهو كقولك: ~~إن أكرمتني أكرمتك. وقد تقدم أن أخبار الله تعالى في الماضي والمستقبل ~~سواء، لأنه آت لا محالة، كقوله: " ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار (2) ". و ~~" أمر الله " عقابه لمن أقام على ms3530 الشرك وتكذيب رسوله. قال الحسن وابن جريج ~~والضحاك: إنه ما جاء به القرآن من فرائضه وأحكامه. وفيه بعد، لأنه لم ينقل ~~أن أحدا من الصحابة استعجل فرائض الله من قبل أن تفرض عليهم، وأما مستعجلو ~~العذاب والعقاب فذلك منقول عن كثير من كفار قريش # PageV10P065 # وغيرهم، حتى قال النضر بن الحارث: " اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك " ~~الآية، فاستعجل العذاب. # قلت قد يستدل الضحاك بقول عمر رضي الله عنه: وافقت ربى في ثلاث: في مقام ~~إبراهيم، وفى الحجاب، وفى أسارى بدر، خرجه مسلم والبخاري. وقد تقدم في سورة ~~البقرة (1). # وقال الزجاج: هو ما وعدهم به من المجازاة على كفرهم، وهو كقوله: " حتى ~~إذا جاء أمرنا وفار التنور (2) ". وقيل: هو يوم القيامة أو ما يدل على ~~قربها من أشراطها. قال ابن عباس: لما نزلت " اقتربت الساعة وانشق القمر (3) ~~" قال الكفار: إن هذا يزعم أن القيامة قد قربت، فأمسكوا عن بعض ما كنتم ~~تعملون، فأمسكوا وانتظروا فلم يروا شيئا، فقالوا: ما نرى شيئا فنزلت " ~~اقترب للناس حسابهم (4) " الآية. فأشفقوا وانتظروا قرب الساعة، فامتدت ~~الأيام فقالوا: # ما نرى شيئا فنزلت " أتى أمر الله " فوثب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والمسلمون وخافوا، فنزلت: " فلا تستعجلوه " فاطمأنوا، فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: " بعثت أنا والساعة كهاتين " وأشار بأصبعيه: السبابة والتي ~~تليها. يقول: إن كادت لتسبقني فسبقتها. # وقال ابن عباس: كان بعث النبي صلى الله عليه وسلم من أشراط الساعة، وأن ~~جبريل لما مر بأهل السماوات مبعوثا إلى محمد صلى الله عليه وسلم قالوا: ~~الله أكبر، قد قامت الساعة. # قوله تعالى: (سبحانه وتعالى عما يشركون) أي تنزيها له عما يصفونه به من ~~أنه لا يقدر على قيام الساعة، وذلك أنهم يقولون: لا يقدر أحد على بعث ~~الأموات، فوصفوه بالعجز الذي لا يوصف به إلا المخلوق، وذلك شرك. وقيل: " ~~عما يشركون " أي عن إشراكهم. وقيل: " ما " بمعنى الذي أي ارتفع عن الذين ~~أشركوا به. # PageV10P066 # قوله تعالى: ينزل الملكة بالروح من أمره على من يشاء ms3531 من عباده أن أنذروا ~~أنه لا إله إلا أنا فاتقون (2) قرأ المفضل عن عاصم " تنزل الملائكة " ~~والأصل تتنزل، فالفعل مسند إلى الملائكة. # وقرأ الكسائي عن أبي بكر عن عاصم باختلاف عنه، والأعمش " تنزل الملائكة " ~~غير مسمى الفاعل. وقرأ الجعفي عن أبي بكر عن عاصم " تنزل الملائكة " بالنون ~~مسمى الفاعل، الباقون " ينزل " بالياء مسمى الفاعل، والضمير فيه لاسم الله ~~عز وجل. وروى عن قتادة " تنزل الملائكة " بالنون والتخفيف. وقرأ الأعمش " ~~تنزل " بفتح التاء وكسر الزاي، من النزول. " الملائكة " رفعا مثل " تنزل ~~الملائكة (1) ". (بالروح) أي بالوحي وهو النبوة، قاله ابن عباس. نظيره " ~~يلقى الروح من أمره على من يشاء من عباده (2) ". الربيع بن أنس: # بكلام الله وهو القرآن. وقيل: هو بيان الحق الذي يجب اتباعه. وقيل: أرواح ~~الخلق، قاله مجاهد، لا ينزل ملك إلا ومعه روح. وكذا روى عن ابن عباس أن ~~الروح خلق من خلق الله عز وجل كصور ابن آدم، لا ينزل من السماء ملك إلا ~~ومعه واحد منهم. وقيل بالرحمة، قاله الحسن وقتادة. وقيل: بالهداية، لأنها ~~تحيا بها القلوب كما تحيا بالأرواح الأبدان، وهو معنى قول الزجاج. قال ~~الزجاج: الروح ما كان فيه من أمر الله حياة بالارشاد إلى أمره. # وقال أبو عبيدة: الروح هنا جبريل. والباء في قوله: " بالروح " بمعنى مع، ~~كقولك: # خرج بثيابه، أي مع ثيابه. (من أمره) أي بأمره. (على من يشاء من عباده) أي ~~على الذين اختارهم الله للنبوة. وهذا رد لقولهم: " لولا نزل هذا القرآن على ~~رجل من القريتين عظيم (3) ". (أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون) تحذير ~~من عبادة الأوثان، ولذلك جاء الانذار، لان أصله التحذير مما يخاف منه. ودل ~~على ذلك قوله: " فاتقون ". و " أن " في موضع نصب بنزع الخافض، أي بأن ~~أنذروا أهل الكفر بأنه لا إله إلا الله، ف‍ " أن " في محل نصب بسقوط الخافض ~~أو بوقوع الانذار عليه. # PageV10P067 # قوله تعالى: خلق السماوات والأرض بالحق تعلى عما يشركون (3) قوله تعالى: ~~(خلق الله السماوات والأرض بالحق) أي للزوال والفناء. وقيل: ms3532 # " بالحق " أي للدلالة على قدرته، وأن له أن يتعبد العباد بالطاعة وأن ~~يحيى الخلق بعد الموت. # (تعالى عما يشركون) أي من هذه الأصنام التي لا تقدر على خلق شئ. # قوله تعالى: خلق الانسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين (4) قوله تعالى: (خلق ~~الانسان من نطفة) لما ذكر الدليل على توحيده ذكر بعده الانسان ومناكدته ~~وتعدى طوره. " والانسان " اسم للجنس. وروى أن المراد به أبي بن خلف الجمحي، ~~جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعظم رميم فقال: أترى يحيى الله هذا بعد ~~ما قد رم. # وفى هذا أيضا نزل: " أو لم ير الانسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم ~~مبين " أي خلق الانسان من ماء يخرج من بين الصلب والترائب، فنقله أطوارا ~~إلى أن ولد ونشأ بحيث يخاصم في الأمور. فمعنى الكلام التعجب من الانسان " ~~وضرب لنا مثلا ونسي خلقه (1) " وقوله: # (فإذا هو خصيم) أي مخاصم، كالنسيب بمعنى المناسب. أي يخاصم الله عز وجل ~~في قدرته. # و (مبين) أي ظاهر الخصومة. وقيل: يبين عن نفسه الخصومة بالباطل. والمبين: # هو المفصح عما في ضميره بمنطقه. # قوله تعالى: والانعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون (5) فيه ~~ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (والانعام خلقها لكم) لما ذكر الانسان ذكر ما من به ~~عليه. # والانعام: الإبل والبقر والغنم. وأكثر ما يقال: نعم وأنعام للإبل، ويقال ~~للمجموع ولا يقال للغنم مفردة. قال حسان: # PageV10P068 # عفت ذات الأصابع فالجواء * إلى عذراء منزلها خلاء (1) ديار من بنى ~~الحسحاس قفر * تعفيها الروامس والسماء (2) وكانت لا يزال بها أنيس * خلال ~~مروجها نعم وشاء فالنعم هنا الإبل خاصة. وقال الجوهري: والنعم واحد الانعام ~~وهي المال الراعية، وأكثر ما يقع هذا الاسم على الإبل. قال الفراء: هو ذكر ~~لا يؤنث، يقولون: هذا نعم وارد، ويجمع على نعمان مثل حمل وحملان. والانعام ~~تذكر وتؤنث، قال الله تعالى: " مما في بطونه (3) ". # وفى موضع " مما في بطونها (4) ". وانتصب الانعام عطفا على الانسان، أو ~~بفعل مقتدر، وهو أوجه. # الثانية - قوله تعالى: (دف ء) الدف ms3533 ء: السخانة، وهو ما استدفئ به من ~~أصوافها وأوبارها وأشعارها، ملابس ولحف وقطف (5). وروى عن ابن عباس: دفؤها ~~نسلها، والله أعلم. # قال الجوهري في الصحاح: الدف ء نتاج الإبل وألبانها وما ينتفع به منها، ~~قال الله تعالى: # " لكم فيها دف ء ". وفى الحديث " لنا من دفئهم ما سلموا بالميثاق ". ~~والدف ء أيضا: # السخونة، تقول منه: دفئ الرجل دفاءة مثل كره كراهة. وكذلك دفئ دفأ مثل ~~ظمئ ظمأ. والاسم الدف ء (بالكسر) وهو الشئ الذي يدفئك، والجمع الادفاء. ~~تقول: ما عليه دف ء، لأنه اسم. ولا تقول: ما عليك دفاءة، لأنه مصدر. وتقول: ~~اقعد في دف ء هذا الحائط أي كنه. ورجل دفئ على فعل إذا لبس ما يدفئه. وكذلك ~~رجل دفآن وامرأة دفأى. وقد أدفأه الثوب وتدفأ هو بالثوب واستدفأ به، وأدفأ ~~به وهو افتعل، أي ما لبس ما يدفئه. ودفؤت ليلتنا، ويوم دفئ على فعيل وليلة ~~دفيئة، وكذلك الثوب والبيت. # والمدفئة الإبل الكثيرة، لان بعضها يدفئ بعضا بأنفاسها، وقد يشدد. ~~والمدفأة الإبل الكثيرة الأوبار والشحوم، عن الأصمعي. وأنشد الشماخ: # وكيف يضيع صاحب مدفآت * على أثباجهن من الصقيع (6) # PageV10P069 # قوله تعالى: (ومنافع) قال ابن عباس: المنافع نسل كل دابة. مجاهد: الركوب ~~والحمل والألبان واللحوم والسمن. (ومنها تأكلون) أفرد منفعة الاكل بالذكر ~~لأنها معظم المنافع. وقيل: المعنى ومن لحومها تأكلون عند الذبح. # الثانية: دلت هذه الآية على لباس الصوف، وقد لبسه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم والأنبياء قبله كموسى وغيره. وفى حديث المغيرة: فغسل وجهه وعليه ~~جبة من صوف شامية ضيقة الكمين... الحديث، خرجه مسلم وغيره. قال ابن العربي: ~~وهو شعار المتقين ولباس الصالحين وشارة الصحابة والتابعين، واختيار الزهاد ~~والعارفين، وهو يلبس لينا وخشنا وجيدا ومقاربا (1) ورديئا، وإليه نسب جماعة ~~من الناس الصوفية، لأنه لباسهم في الغالب، فالياء للنسب والهاء للتأنيث. ~~وقد أنشدني بعض أشياخهم بالبيت المقدس طهره الله: # تشاجر الناس في الصوفي واختلفوا * فيه وظنوه مشتقا من الصوف ولست أنحل هذ ~~الاسم غير فتى * صافى فصوفي حتى سمى الصوفي قوله ms3534 تعالى: ولكم فيها جمال حين ~~تريحون وحبن تسرحون (6) الجمال ما يتجمل به ويتزين. والجمال: الحسن. وقد ~~جمل الرجل (بالضم) جمالا فهو جميل، والمرأة جميلة، وجملاء أيضا، عن ~~الكسائي. وأنشد: # فهي جملاء كبدر طالع * بذت الخلق جميعا بالجمال وقول أبى ذؤيب: # * جمالك أيها القلب القريح (2) * يريد: الزم تجملك وحياءك ولا تجزع جزع ا ~~قبيحا. قال علماؤنا: فالجمال يكون في الصورة وتركيب الخلقة، ويكون في ~~الأخلاق الباطنة، ويكون في الافعال. فأما جمال الخلقة فهو # PageV10P070 # أمر يدركه البصر ويلقيه إلى القلب متلائما، فتتعلق به النفس من غير معرفة ~~بوجه ذلك ولا نسبته لاحد من البشر. وأما جمال الأخلاق فكونها على الصفات ~~المحمودة من العلم والحكمة والعدل والعفة، وكظم الغيظ وإرادة الخير لكل ~~أحد. وأما جمال الافعال فهو وجودها ملائمة لمصالح الخلق وقاضية لجلب ~~المنافع فيهم وصرف الشر عنهم. وجمال الانعام والدواب من جمال الخلقة، وهو ~~مرئي بالابصار موافق للبصائر. ومن جمالها كثرتها وقول الناس إذا رأوها هذه ~~نعم فلان، قاله السدى. ولأنها إذا راحت توفر حسنها وعظم شأنها وتعلقت ~~القلوب بها، لأنها إذ ذاك أعظم ما تكون أسنمة وضروعا، قاله قتادة. ولهذا ~~المعنى قدم الرواح على السراح لتكامل درها وسرور النفس بها إذ ذاك. والله ~~أعلم. وروى أشهب عن مالك قال: يقول الله عز وجل " ولكم فيها جمال حين ~~تريحون وحين تسرحون " وذلك في المواشي حين تروح إلى المرعى وتسرح عليه. ~~والرواح رجوعها بالعشي من المرعى، والسراح بالغداة، تقول: سرحت الإبل ~~أسرحها سرحا وسروحا إذا غدوت بها إلى المرعى فخليتها، وسرحت هي. المتعدى ~~واللازم واحد. # قوله تعالى: وتحمل أثقالكم إلى البلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ~~ربكم لرءوف رحيم (7) فيه ثلاث مسائل: # قوله تعالى: (وتحمل أثقالكم) الأثقال أثقال الناس من متاع وطعام وغيره، ~~وهو ما يثقل الانسان حمله. وقيل: المراد أبدانهم، يدل على ذلك قوله تعالى: ~~" وأخرجت الأرض أثقالها (1) " والبلد مكة، في قول عكرمة. وقيل: هو محمول ~~على العموم في كل بلد مسلكه على الظهر. وشق الأنفس: مشقتها وغاية جهدها. ~~وقراءة ms3535 العامة بكسر الشين. # قال الجوهري: والشق المشقة، ومنه قوله تعالى: " لم تكونوا بالغيه إلا بشق ~~الأنفس " # PageV10P071 # وهذا قد يفتح، حكاه أبو عبيدة. قال المهدوي: وكسر الشين وفتحها في " شق " ~~متقاربان، وهما بمعنى المشقة، وهو من الشق في العصا ونحوها، لأنه ينال منها ~~كالمشقة من الانسان. # وقال الثعلبي: وقرأ أبو جعفر " إلا بشق الأنفس " وهما لغتان، مثل رق ورق ~~وجص وجص ورطل ورطل. وينشد قول الشاعر بكسر الشين وفتحها: # وذي إبل يسعى (1) ويحسبها له * أخي نصب من شقه ودؤوب ويجوز أن يكون بمعنى ~~المصدر، من شققت عليه شقا. والشق أيضا بالكسر النصف، يقال: أخذت شق الشاة ~~وشقة الشاة. وقد يكون المراد من الآية هذا المعنى، أي لم تكونوا بالغيه إلا ~~بنقص من القوة وذهاب شق منها، أي لم تكونوا تبلغوه إلا بنصف قوى أنفسكم ~~وذهاب النصف الآخر. والشق أيضا الناحية من الجبل. وفى حديث أم زرع: وجدني ~~في أهل غنيمة بشق. قال أبو عبيد: هو اسم موضع. والشق أيضا: الشقيق، يقال: ~~هو أخي وشق نفسي. وشق اسم كاهن من كهان العرب. والشق أيضا: الجانب، ومنه ~~قول امرئ القيس: # إذا ما بكى من خلفها انصرفت له * بشق وتحتي شقها لم يحول فهو مشترك. # الثانية - من الله سبحانه بالأنعام عموما، وخص الإبل هنا بالذكر في حمل ~~الأثقال على سائر الانعام، فإن الغنم للسرح والذبح، والبقر للحرث، والإبل ~~للحمل. وفى صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~" بينما رجل يسوق بقرة له قد حمل عليها التفتت إليه البقرة فقالت إني لم ~~أخلق لهذا ولكني إنما خلقت للحرث فقال الناس سبحان الله تعجبا وفزعا أبقرة ~~تتكلم "؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وإني أؤمن به وأبو بكر وعمر ~~". فدل هذا الحديث على أن البقر لا يحمل عليها ولا تركب، وإنما هي للحرث ~~وللاكل والنسل (2) والرسل. # PageV10P072 # في الثالثة - في هذه الآية دليل على جواز السفر بالدواب وحمل الأثقال ~~عليها. ولكن على قدر ما تحتمله من غير إسراف في الحمل ms3536 مع الرفق في السير. ~~وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالرفق بها والإراحة لها ومراعاة التفقد ~~لعلفها وسقيها. وروى مسلم من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " إذا سافرتم في الخصب فأعطوا الإبل حظها من الأرض وإذا سافرتم ~~في السنة فبادروا بها نقيها (1) " رواه مالك في الموطأ عن أبي عبيد عن خالد ~~بن معدان. وروى معاوية بن قرة قال كان لأبي الدرداء جمل يقال له دمون، فكان ~~يقول: يا دمون، لا تخاصمني عند ربك. فالدواب عجم لا تقدر أن تحتال لنفسها ~~ما تحتاج إليه، ولا تقدر أن تفصح بحوائجها، فمن ارتفق بمرافقها ثم ضيعها من ~~حوائجها فقد ضيع الشكر وتعرض للخصومة بين يدي الله تعالى. وروى مطر بن محمد ~~قال: حدثنا أبو داود قال حدثنا ابن خالد قال حدثنا المسيب بن آدم قال. رأيت ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه ضرب جمالا وقال: تحمل على بعيرك ما لا يطيق؟. # قوله تعالى: والخيل والبغال والحمير لتركبوها ورزينة ويخلق ما لا تعلمون ~~(8) فيه ثلاث مسائل: الأولى - قوله تعالى: " والخيل " بالنصب معطوف، أي ~~وخلق الخيل. وقرأ ابن أبي عبلة " والخيل والبغال والحمير " بالرفع فيها ~~كلها. وسميت الخيل خيلا لاختيالها في المشية. وواحد الخيل خائل، كضائن واحد ~~ضين. وقيل لا واحد له. وقد تقدم هذا في آل عمران (2)، وذكرنا الأحاديث ~~هناك. ولما أفرد سبحانه الخيل والبغال والحمير بالذكر # PageV10P073 # دل على أنها لم تدخل تحت لفظ الانعام. وقيل: دخلت ولكن أردها بالذكر لما ~~يتعلق بها من الركوب، فإنه يكثر في الخيل والبغال والحمير. # الثانية - قال العلماء: ملكنا الله تعالى الانعام والدواب وذللها لنا، ~~وأباح لنا تسخيرها والانتفاع بها رحمة منه تعالى لنا، وما ملكه الانسان ~~وجاز له تسخيره من الحيوان فكراؤه له جائز بإجماع أهل العلم، لا اختلاف ~~بينهم في ذلك. وحكم كراء الرواحل والدواب مذكور في كتب الفقه. # الثالثة - لا خلاف بين العلماء في اكتراء الدواب والرواحل عليها والسفر ~~بها، لقوله تعالى: " وتحمل أثقالكم " الآية. وأجازوا أن يكرى ms3537 الرجل الدابة ~~والراحلة إلى مدينة بعينها وإن لم يسم أين ينزل منها، وكم من منهل (1) ينزل ~~فيه، وكيف صفة سيره، وكم ينزل في طريقة، واجتروا بالمتعارف بين الناس في ~~ذلك. قال علماؤنا: والكراء يجرى مجرى البيوع فيما يحل منه ويحرم. قال ابن ~~القاسم فيمن اكترى دابة إلى موضع كذا بثوب مروى ولم يصف رقعته وذرعه: لم ~~يجز، لان مالكا لم يجيز هذا في البيع، ولا يجيز في ثمن الكراء إلا ما يجوز ~~في ثمن البيع. # قلت: ولا يختلف في هذا إن شاء الله، لان ذلك إجارة. قال ابن المنذر: ~~وأجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن من اكترى دابة ليحمل عليها عشرة ~~أقفزة قمح فحمل عليها ما اشترط فتلفت أن لا شئ عليه. وهكذا إن حمل عليها ~~عشرة أقفزة شعير. واختلفوا فيمن اكترى دابة ليحمل عليها عشرة أقفزة فحمل ~~عليها أحد عشر قفيزا، فكان الشافعي وأبو ثور يقولان: هو ضامن لقيمة الدابة ~~وعليه الكراء. وقال ابن أبي ليلى: عليه قيمتها ولا أجر عليه. وفيه قول ثالث ~~- وهو أن عليه الكراء وعليه جزء من أجر وجزء من قيمة الدابة بقدر ما زاد من ~~الحمل، وهذا قول النعمان ويعقوب ومحمد. وقال ابن القاسم صاحب مالك: لا ضمان ~~عليه في قول مالك إذا كان القفيز الزائد لا يفدح الدابة، ويعلم أن مثله # PageV10P074 # لا تعطب فيه الدابة، ولرب الدابة أجر القفيز الزائد مع الكراء الأول، لان ~~عطبها ليس من أجل الزيادة. وذلك بخلاف مجاوزة المسافة، لان مجاوزة المسافة ~~تعد كله فيضمن إذا هلكت في قليله وكثيره. والزيادة على الحمل المشترط اجتمع ~~فيه إذن وتعد، فإذا كانت الزيادة لا تعطب في مثلها علم أن هلاكها مما أذن ~~له فيه. # الرابعة - واختلف أهل العلم في الرجل يكترى الدابة بأجر معلوم إلى موضع ~~مسمى، فيتعدى فيجتاز ذلك المكان ثم يرجع إلى المكان المأذون له في المصير ~~إليه. فقالت طائفة: # إذا جاوز ذلك المكان ضمن وليس عليه في التعدي كراء، هكذا قال الثوري. ~~وقال أبو ms3538 حنيفة: # الاجر له فيما سمى، ولا أجر له فيما لم يسم، لأنه خالف فهو ضامن، وبه قال ~~يعقوب. وقال الشافعي: عليه الكراء الذي سمى، وكراء المثل فيما جاوز ذلك، ~~ولو عطبت لزمه قيمتها. # ونحوه قال الفقهاء السبعة، مشيخة أهل المدينة قالوا: إذا بلغ المسافة ثم ~~زاد فعليه كراء الزيادة إن سلمت وإن هلكت ضمن. وقال أحمد وإسحاق وأبو ثور: ~~عليه الكراء والضمان. قال ابن المنذر: وبه نقول. وقال ابن القاسم: إذا بلغ ~~المكترى الغاية التي اكترى إليها ثم زاد ميلا ونحوه أو أميالا أو زيادة ~~كثيرة فعطبت الدابة، فلربها كراؤه الأول والخيار في أخذه كراء الزائد بالغا ~~ما بلغ، أو قيمة الدابة يوم التعدي. ابن المواز: وقد روى أنه ضامن ولو زاد ~~خطوة. وقال ابن القاسم عن مالك في زيادة الميل ونحوه: وأما ما يعدل الناس ~~إليه في المرحلة فلا يضمن. وقال ابن حبيب عن ابن الماجشون وأصبغ: إذا كانت ~~الزيادة يسيرة أو جاوز الأمد الذي تكاراها إليه بيسير، ثم رجع بها سالمة ~~إلى موضع تكاراها إليه فماتت، أو ماتت في الطريق إلى الموضع الذي تكاراها ~~إليه، فليس له إلا كراء الزيادة، كرده لما تسلف من الوديعة. ولو زاد كثيرا ~~مما فيه مقام الأيام الكثيرة التي يتغير في مثلها سوقها فهو ضامن، كما لو ~~ماتت في مجاوزة الأمد أو المسافة، لأنه إذا كانت زيادة يسيرة مما يعلم أن ~~ذلك مما لم يعن على قتلها فهلاكها بعد ردها إلى الموضع المأذون له فيه ~~كهلاك ما تسلف من الوديعة بعد رده لا محالة. وإن كانت الزيادة كثيرة فتلك ~~الزيادة قد أعانت على قتلها. PageV10P075 # الخامسة - قال ابن القاسم وابن وهب قال مالك قال الله تعالى: " والخيل ~~والبغال والحمير لتركبوها وزينة " فجعلها للركوب والزينة ولم يجعلها للاكل، ~~ونحوه عن أشهب. ولهذا قال أصحابنا: لا يجوز أكل لحوم الخيل والبغال ~~والحمير، لان الله تعالى لما نص على الركوب والزينة دل على ما عداه بخلافه. ~~وقال في الانعام: " ومنها تأكلون " مع ما أمتن الله منها من ms3539 الدف ء ~~والمنافع، فأباح لنا أكلها بالذكاة المشروعة فيها. وبهذه الآية احتج ابن ~~عباس والحكم بن عيينة، قال الحكم: لحوم الخيل حرام في كتاب الله، وقرأ هذه ~~الآية والتي قبلها وقال: هذه للاكل وهذه للركوب. وسئل ابن عباس عن لحوم ~~الخيل فكرهها، وتلا هذه الآية وقال: هذه للركوب، وقرأ الآية التي قبلها " ~~والانعام خلقها لكم فيها دف ء ومنافع " ثم قال: هذه للاكل. وبه قال مالك ~~وأبو حنيفة وأصحابهما والأوزاعي ومجاهد وأبو عبيد وغيرهم، واحتجوا بما ~~أخرجه أبو داود والنسائي والدارقطني وغيرهم عن صالح بن يحيى بن المقدام بن ~~معد يكرب عن أبيه عن جده عن خالد بن الوليد، أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم نهى يوم خيبر عن أكل لحوم الخيل والبغال والحمير، وكل ذي ناب من ~~السباع أو مخلب من الطير. # لفظ الدارقطني. وعند النسائي أيضا عن خالد بن الوليد أنه سمع النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقول: " لا يحل أكل لحوم الخيل والبغال والحمير ". وقال ~~الجمهور من الفقهاء والمحدثين: # هي مباحة. وروى عن أبي حنيفة. وشذت طائفة فقالت بالتحريم، منهم الحكم كما ~~ذكرنا، وروى عن أبي حنيفة. حكى الثلاث روايات عنه الروياني في بحر المذهب ~~على مذهب الشافعي. # قلت: الصحيح الذي يدل عليه النظر والخبر جواز أكل لحوم الخيل، وأن الآية ~~والحديث لا حجة فيهما لازمة. أما الآية فلا دليل فيها على تحريم الخيل. إذ ~~لو دلت عليه لدلت على تحريم لحوم الحمر، والسورة مكية، وأي حاجة كانت إلى ~~تجديد تحريم لحوم الحمر عام يبر وقد ثبت في الاخبار تحليل الخيل على ما ~~يأتي. وأيضا لما ذكر تعالى الانعام ذكر الأغلب من منافعها وأهم ما فيها، ~~وهو حمل الأثقال والاكل، ولم يذكر الركوب ولا الحرث بها ولا غير ذلك مصرحا ~~به، وقد تركب ويحرث بها، قال الله تعالى: " الذي جعل لكم الانعام لتركبوا ~~PageV10P076 # منها ومنها تأكلون (1) ". وقال في الخيل: " لتركبوها وزينة " فذكر أيضا ~~أغلب منافعها والمقصود منها، ولم يذكر حمل الأثقال عليها، وقد تحمل كما هو ms3540 ~~مشاهد فلذلك لم يذكر الاكل. # وقد بينه عليه السلام الذي جعل إليه بيان ما أنزل عليه ما يأتي، ولا يلزم ~~من كونها خلقت للركوب والزينة ألا تؤكل، فهذه البقرة قد أنطقها خالقها الذي ~~أنطق كل شئ فقالت: # إنما خلقت للحرث. فيلزم من علل أن الخيل لا تؤكل لأنها خلقت للركوب وألا ~~تؤكل البقر لأنها خلقت للحرث. وقد أجمع المسلمون على جواز أكلها، فكذلك ~~الخيل بالسنة الثابتة فيها. # روى مسلم من حديث جابر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر ~~عن لحوم الحمر الأهلية وأذن في لحوم الخيل. وقال النسائي عن جابر: أطعمنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر لحوم الخيل ونهانا عن لحوم الحمر. ~~وفى رواية عن جابر قال: كنا نأكل لحوم الخيل على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. فإن قيل: الرواية عن جابر بأنهم أكلوها في خيبر حكاية حال وقضية ~~في عين، فيحتمل أن يكونوا ذبحوا لضرورة، ولا يحتج بقضايا الأحوال. قلنا: ~~الرواية عن جابر وإخباره بأنهم كانوا يأكلون لحوم الخيل على عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يزيل ذلك الاحتمال، ولئن سلمناه فمعنا حديث أسماء قالت: ~~نحرنا فرسا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن بالمدينة فأكلناه، ~~رواه مسلم. وكل تأويل من غير ترجيح في مقابلة النص فإنما هو دعوى، لا يلتفت ~~إليه ولا يعرج عليه. وقد روى الدارقطني زيادة حسنة ترفع كل تأويل في حديث ~~أسماء، قالت أسماء: كان لنا فرس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أرادت أن تموت فذبحناها فأكلناها. فذبحها إنما كان لخوف الموت عليها لا ~~لغير ذلك من الأحوال. وبالله التوفيق. فإن قيل: حيوان من ذوات الحوافر فلا ~~يؤكل كالحمار؟ قلنا: هذا قياس الشبه وقد اختلف أرباب الأصول في القول به، ~~ولئن سلمناه فهو منتقض بالخنزير، فإنه ذو ظلف وقد باين ذوات الأظلاف، وعلى ~~أن القياس إذا كان في مقابلة النص فهو فاسد الوضع لا التفات إليه. قال ~~الطبري: وفى إجماعهم ms3541 على جواز ركوب ما ذكر للاكل دليل على جواز أكل ما ذكر ~~للركوب. # PageV10P077 # السادسة - وأما البغال فإنها تلحق بالحمير، إن قلنا إن الخيل لا تؤكل، ~~فإنها تكون متولدة من عينين لا يؤكلان. وإن قلنا إن الخيل تؤكل، فإنها عين ~~متولدة من مأكول وغير مأكول فغلب التحريم على ما يلزم في الأصول. وكذلك ذبح ~~المولود بين كافرين أحدهما من أهل الذكاة والآخر ليس من أهلها، لا تكون ~~ذكاة ولا تحل به الذبيحة. وقد مضى في " الانعام (1) " الكلام في تحريم ~~الخمر فلا معنى للإعادة. وقد علل تحريم أكل الحمار بأنه أبدى جوهره الخبيث ~~حيث نزا على ذكر وتلوط، فسمى رجسا. # السابعة - في الآية دليل على أن الخيل لا زكاة فيها، لان الله سبحانه من ~~علينا بما أباحنا منها وكرمنا به من منافعها، فغير جائز أن يلزم فيها كلفة ~~إلا بدليل. وقد روى مالك عن عبد الله بن دينار عن سليمان بن يسار عن عراك ~~بن مالك عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ليس على ~~المسلم في عبده ولا فرسه صدقة ". وروى أبو داود عن أبي هريرة عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: " ليس في الخيل والرقيق زكاة إلا زكاة الفطر في ~~الرقيق ". وبه قال مالك والشافعي والأوزاعي والليث وأبو يوسف ومحمد. وقال ~~أبو حنيفة: إن كانت إناثا كلها أو ذكورا وإناثا، ففي كل فرس دينار إذا كانت ~~سائمة، وإن شاء قومها فأخرج عن كل مائتي درهم خمسة دراهم. واحتج بأثر عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " في الخيل السائمة في كل فرس دينار " ~~وبقوله صلى الله عليه وسلم: # " الخيل ثلاثة... " الحديث. وفيه: " ولم ينس حق الله في رقابها ولا ~~ظهورها ". # والجواب عن الأول أنه حديث لم يروه إلا غورك (2) السعدي عن جعفر عن محمد ~~عن أبيه عن جابر. قال الدارقطني، تفرد به غورك عن جعفر وهو ضعيف جدا، ومن ~~دونه ضعفاء. # وأما الحديث فالحق المذكور فيه هو الخروج عليها إذا وقع النفير وتعين ms3542 بها ~~لقتال العدو إذا تعين " ذلك عليه، ويحمل المنقطعين عليها إذا احتاجوا لذلك، ~~وهذا واجب عليه إذا تعين ذلك، كما يتعين عليه أن يطعمهم عند الضرورة، فهذه ~~حقوق الله في رقابها. فإن قيل، هذا هو . # PageV10P078 # الحق الذي في ظهورها وبقى الحق الذي في رقابها، قيل: قد روى " لا ينسى حق ~~الله فيها " ولا فرق بين قوله: " حق الله فيها " أو " في رقابها وظهورها " ~~فإن المعنى يرجع إلى شئ واحد، لان الحق يتعلق بجملتها. وقد قال جماعة من ~~العلماء: إن الحق هنا حسن ملكها وتعهد شبعها والاحسان إليها وركوبها غير ~~مشقوق عليها، كما جاء في الحديث " لا تتخذوا ظهورها كراسي ". وإنما خص ~~رقابها بالذكر لان الرقاب والأعناق تستعار كثيرا في مواضع الحقوق اللازمة ~~والفروض الواجبة، ومنه قوله تعالى: " فتحرير رقبة مؤمنة (1) " وكثر عندهم ~~استعمال ذلك واستعارته حتى جعلوه في الرباع والأموال، ألا ترى قول كثير: # غمر الرداء إذا تبسم ضاحكا * غلقت لضحكته رقاب المال وأيضا فإن الحيوان ~~الذي تجب فيه الزكاة له نصاب من جنسه، ولما خرجت الخيل عن ذلك علمنا سقوط ~~الزكاة فيها. وأيضا فإيجابه الزكاة في إناثها منفردة دون الذكور تناقض منه. # وليس في الحديث فصل بينهما. ونقيس الإناث على الذكور في نفى الصدقة بأنه ~~حيوان مقتنى لنسله لا لدره، ولا تجب الزكاة في ذكوره فلم تجب في إناثه ~~كالبغال والحمير. وقد روى عنه أنه لا زكاة في إناثها وإن انفردت كذكورها ~~منفردة: وهذا الذي عليه الجمهور. قال ابن عبد البر: الخبر في صدقة الخيل عن ~~عمر صحيح من حديث الزهري وغيره. وقد روى من حديث مالك، ورواه عنه جويرية عن ~~الزهري أن السائب بن يزيد قال: لقد رأيت أبى يقوم الخيل ثم يدفع صدقتها إلى ~~عمر. وهذا حجة لأبي حنيفة وشيخه حماد بن أبي سليمان، لا أعلم أحدا من فقهاء ~~الأمصار أوجب الزكاة في الخيل غيرهما. تفرد به جويرية عن مالك وهو ثقة. # الثامنة - قوله تعالى: " وزينة " منصوب بإضمار فعل، المعنى: وجعلها زينة. # وقيل: هو مفعول من أجله. ms3543 والزينة: ما يتزين به، وهذا الجمال والتزيين وإن ~~كان من متاع الدنيا فقد أذن الله سبحانه لعباده فيه، قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: " الإبل عز # PageV10P079 # لأهلها والغنم بركة والخيل في نواصيها الخير ". خرجه البرقاني وابن ماجة ~~في السنن. وقد تقدم في الانعام. وإنما جمع النبي صلى الله عليه وسلم العز ~~في الإبل، لان فيها اللباس والاكل واللبن والحمل والغزو وإن نقصها الكر ~~والفر. وجعل البركة في الغنم لما فيها من اللباس والطعام والشراب وكثرة ~~الأولاد، فإنها تلد في العام ثلاث مرات إلى ما يتبعها من السكينة، وتحمل ~~صاحبها عليه من خفض الجناح ولين الجانب، بخلاف الفدادين (1) أهل الوبر. ~~وقرن النبي صلى الله عليه وسلم الخير بنواصي الخيل بقية الدهر لما فيها من ~~الغنيمة المستفادة للكسب والمعائش، وما يوصل إليه من قهر الأعداء وغلب ~~الكفار وإعلاء كلمة الله تعالى. # قوله تعالى: (ويخلق ما لا تعلمون) قال الجمهور، من الخلق. وقيل، من أنواع ~~الحشرات والهوام في أسافل الأرض والبر والبحر مما لم يره البشر ولم يسمعوا ~~به. وقيل: # " ويخلق ما لا تعلمون " مما أعد الله في الجنة لأهلها وفى النار لأهلها، ~~مما لم تره عين ولم تسمع به أذن ولا خطر على قلب بشر. وقال قتادة والسدي: ~~هو خلق السوس في الثياب والدود في الفواكه. ابن عباس: عين تحت العرش، حكاه ~~الماوردي. الثعلبي: وقال ابن عباس عن يمين العرش نهر من النور مثل السماوات ~~السبع والأرضين السبع والبحار السبع سبعين مرة، يدخله جبريل كل سحر فيغتسل ~~فيزداد نورا إلى نوره وجمالا إلى جماله وعظما إلى عظمه، ثم ينتفض فيخرج ~~الله من كل ريشة سبعين ألف قطرة، ويخرج من كل قطرة سبعة آلاف ملك، يدخل ~~منهم كل يوم سبعون ألف ملك إلى البيت المعمور، وفى الكعبة سبعون ألفا لا ~~يعدون إليه إلى يوم القيامة. وقول خامس (2) - وهو ما روى عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنها " أرض بيضاء، مسيرة الشمس ثلاثين يوما مشحونة خلقا لا ~~يعلمون أن الله تعالى يعصى في الأرض ms3544 " قالوا: يا رسول الله، من ولد آدم؟ ~~قال: " لا يعلمون أن الله خلق آدم ". قالوا: # يا رسول الله، فأين إبليس منهم؟ قال: " لا يعلمون أن الله خلق إبليس " - ~~ثم تلا " ويخلق ما لا تعلمون " ذكره الماوردي. # PageV10P080 # قلت: ومن هذا المعنى ما ذكر البيهقي عن الشعبي قال: إن لله عبادا من وراء ~~الأندلس كما بينا وبين الأندلس، ما يرون أن الله عصاه مخلوق، رضراضهم (1) ~~الدر والياقوت وجبالهم الذهب والفضة، لا يحرثون (2) ولا يزرعون ولا يعملون ~~عملا، لهم شجر على أبوابهم لها ثمر هي طعامهم وشجر لها أوراق عراض هي ~~لباسهم، ذكره في بدء الخلق من (كتاب الأسماء والصفات). وخرج من حديث موسى ~~بن عقبة عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله الأنصاري أنه قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة ~~العرش ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام ". # قوله تعالى: وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين (9) ~~قوله تعالى: (وعلى الله قصد السبيل) أي على الله بيان قصد السبيل، فحذف ~~المضاف وهو البيان. والسبيل: السلام، أي على الله بيانه بالرسل والحجج ~~والبراهين. وقصد السبيل: استعانة الطريق، يقال: طريق قاصد أي يؤدى إلى ~~المطلوب. (ومنها جائز) أي ومن السبيل جائر، أي عادل عن الحق فلا يهتدى به، ~~ومنه قول امرئ القيس: # ومن الطريقة جائر وهدى * قصد السبيل ومنه ذو دخل وقال طرفة: # عدولية أو من سفين ابن يا من * يجور بها الملاح طورا ويهتدى العدولية ~~سفينة منسوبة إلى عد ولى قرية بالبحرين. والعدولي: الملاح، قاله في الصحاح. # وفى التنزيل " وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل ". وقد ~~تقدم (3). وقيل: # المعنى ومنهم جائر عن سبيل الحق، أي عادل عنه فلا يهتدى إليه. وفيهم ~~قولان، أحدهما - أنهم أهل الأهواء المختلفة، قاله ابن عباس. الثاني - ملل ~~الكفر من اليهودية والمجوسية # PageV10P081 # والنصرانية. وفى مصحف عبد الله " ومنكم جائر " وكذا قرأ على " ومنكم " ~~بالكاف. وقيل المعنى وعنها ms3545 جائر، أي عن السبيل. ف‍ " - من " بمعنى عن. وقال ~~ابن عباس: أي من أراد الله أن يهديه سهل له طريق الايمان، ومن أراد أن يضله ~~ثقل عليه الايمان وفروعه. وقيل: # معنى " قصد السبيل " مسيركم ورجوعكم. والسبيل واحدة بمعنى الجمع، ولذلك ~~أنث الكناية فقال: " ومنها " والسبيل مؤنثة في لغة أهل الحجاز. # قوله تعالى: (ولو شاء لهداكم أجمعين) بين أن المشيئة لله تعالى، وهو يصحح ~~ما ذهب إليه ابن عباس في تأويل الآية، ويرد على القدرية ومن وافقها كما ~~تقدم. # قوله تعالى: هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه ~~تسيمون (10) الشراب ما يشرب، والشجر معروف. أي ينبت من الأمطار أشجارا ~~وعروشا ونباتا. # و (تسيمون) ترعون إبلكم، يقال: سامت السائمة تسوم سوما أي رعت، فهي ~~سائمة. # والسوام والسائم بمعنى، وهو المال الراعي. وجمع السائم والسائمة سوائم. ~~وأسمتها أنا أي أخرجتها إلى الرعى، فأنا مسيم وهي مسامة وسائمة. قال: # أولى لك ابن مسيمة الاجمال (1) * وأصل السوم الابعاد في المرعى. وقال ~~الزجاج: أخذ من السومة وهي العلامة، أي أنها تؤثر في الأرض علامات برعيها، ~~أو لأنها تعلم للارسال في المرعى. # قلت: والخيل المسومة تكون المرعية. وتكون المعلمة. وقوله: " مسومين " قال ~~الأخفش تكون معلمين وتكون مرسلين، من قولك: سوم فيها الخيل أي أرسلها، ومنه ~~السائمة، وإنما جاء بالياء والنون لان الخيل سومت وعليها ركبانها. # PageV10P082 # قوله تعالى: ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخل والأعناب ومن كل الثمرات ~~إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون (11) قوله تعالى: (ينبت لكم به الزرع والزيتون ~~والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات) قرأ أبو بكر عن عاصم " ننبت " بالنون على ~~التعظيم. العامة بالياء على معنى ينبت الله لكم، يقال: ينبت الأرض وأنبتت ~~بمعنى، ونبت البقل وأنبت بمعنى. وأنشد الفراء: # رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم * قطينا بها حتى إذا أنبت البقل أي نبت. ~~وأنبته الله فهو منبوت، على غير قياس. وأنبت الغلام نبتت عانته. ونبت الشجر ~~غرسه (1)، يقال: نبت أجلك بين عينيك. ونبت الصبي تنبيتا ربيته. والمنبت ~~موضع النبات، يقال: ms3546 ما أحسن نابتة بنى فلان، أي ما ينبت عليه أموالهم ~~وأولادهم. ونبتت لهم نابتة إذا نشأ لهم نش ء صغار. وإن بنى فلان لنابتة شر. ~~والنوابت من الاحداث الأغمار. والنبيت حي (2) من اليمن. والينبوت (3) شجر، ~~كله عن الجوهري. (والزيتون) جمع زيتونة. ويقال للشجرة نفسها: زيتونة، ~~وللثمرة زيتونة. وقد مضى في سورة " الانعام " حكم زكاة هذه الثمار فلا معنى ~~للإعادة. (إن في ذلك) الانزال والانبات. (لآية) أي دلالة (لقوم يتفكرون). # قوله تعالى: وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ~~إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون (12) قوله تعالى: (وسخر لكم الليل والنهار) أي ~~للسكون والأعمال، كما قال: " ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ~~ولتبتغوا من فضله (5) ". (والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره) أي مذللات ~~لمعرفة الأوقات ونضج الثمار والزرع والاهتداء بالنجوم في الظلمات. وقرأ ~~(ابن عباس (6) و) ابن عامر وأهل الشام " والشمس والقمر والنجوم مسخرات " # PageV10P083 # بالرفع على الابتداء والخبر. الباقون بالنصب عطفا على ما قبله. وقرأ حفص ~~عن عاصم برفع " والنجوم "، " مسخرات " خبره. وقرئ " والشمس والقمر والنجوم ~~" بالنصب. (عطفا على الليل والنهار، ورفع والنجوم على الابتداء (1). " ~~مسخرات " بالرفع، وهو خبر ابتداء محذوف ) أي في مسخرات، وهي في قراءة من ~~نصبها حال مؤكدة، كقوله: " وهو الحق مصدقا (2) ". # (إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون) أي عن الله ما نبههم عليه ووفقهم له. # قوله تعالى: وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه إن في ذلك لآية لقوم ~~يذكرون (13) فيه ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (وما ذرأ) أي وسخر ما ذرأ في الأرض لكم. " ذرأ " أي ~~خلق، ذرأ الله الخلق يذرؤهم ذرءا خلقهم، فهو ذارئ، ومنه الذرية وهي نسل ~~الثقلين، إلا أن العرب تركت همزها، والجمع الذراري. يقال: أنمى الله ذرأك ~~وذروك، أي ذريتك. # وأصل الذرو والذرء التفريق عن جمع. وفى الحديث (3) " ذرء النار " أي أنهم ~~خلقوا لها. # الثانية - ما ذرأه الله سبحانه منه مسخر مذلل كالدواب والانعام والأشجار ~~وغيرها، ومنه غير ذلك. والدليل عليه ما رواه مالك في الموطأ عن كعب الأحبار ms3547 ~~قال: لولا كلمات أقولهن لجعلتني يهود حمارا. فقيل له: وما هن؟ فقال: أعوذ ~~بوجه الله العظيم الذي ليس شئ أعظم منه، وبكلمات الله التامات التي لا ~~يجاوزهن بر ولا فاجر، وبأسماء الله الحسنى كلها ما علمت منها وما لم أعلم، ~~من شر ما خلق وبرأ وذرأ. وفيه عن يحيى بن سعيد أنه قال: # أسرى برسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى عفريتا من الجن يطلبه بشعلة من ~~نار، الحديث. # وفيه: وشر ما ذرأ في الأرض. وقد ذكرناه وما في معناه في غير هذا الموضع. # PageV10P084 # الثالثة - قوله تعالى: (مختلفا ألوانه) " مختلفا " نصب على الحال. و " ~~ألوانه " هيئاته ومناظره، يعنى الدواب والشجر وغيرها. (إن في ذلك) أي في ~~اختلاف ألوانها. # (لآية) أي لعبرة. (لقوم يذكرون) أي يتعظون ويعلمون أن في تسخير هذه ~~المكونات لعلامات على وحدانية الله تعالى، وأنه لا يقدر على ذلك أحد غيره. # قوله تعالى: وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه ~~حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (14) ~~فيه تسع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (وهو الذي سخر البحر) تسخير البحر هو تمكين البشر ~~من التصرف فيه وتذليله بالركوب والارفاء وغيره، وهذه نعمة من نعم الله ~~علينا، فلو شاء سلطه علينا وأغرقنا وقد مضى الكلام في البحر (1) وفى صيده. ~~سماه هنا لحما واللحوم عند مالك ثلاثة أجناس: فلحم ذوات الأربع جنس، ولحم ~~ذوات الريش جنس، ولحم ذوات الماء جنس. فلا يجوز بيع الجنس من جنسه متفاضلا، ~~ويجوز بيع لحم البقر والوحش بلحم الطير والسمك متفاضلا، وكذلك لحم الطير ~~بلحم البقر والوحش والسمك يجوز متفاضلا. وقال أبو حنيفة: اللحم كلها أصناف ~~مختلفة كأصولها، فلحم البقر صنف، ولحم الغنم صنف، ولحم الإبل صنف، وكذلك ~~الوحش مختلف، كذلك الطير، وكذلك السمك، وهو جحد قولي الشافعي. والقول الآخر ~~أن الكل من النعم والصيد والطير والسمك جنس واحد لا يجوز التفاضل فيه. ~~والقول الأول هو المشهور من مذهبه عند أصحابه. ودليلنا هو أن الله تعالى ~~فرق بين أسماء ms3548 الانعام في حياتها فقال: " ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن ~~المعز اثنين (2) " # PageV10P085 # ثم قال: " ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين " فلما أن أم بالجميع (1) إلى ~~اللحم قال: " أحلت لكم بهيمة الأنعام " فجمعها بلحم واحد لتقارب منافعها ~~كتقارب لحم الضأن والمعز. وقال في موضع آخر: " ولحم طير مما يشتهون (2) " ~~وهذا جمع طائر الذي هو الواحد، لقوله تعالى: # " ولا طائر يطير بجناحيه (3) " فجمع لحم الطير كله باسم واحد. وقال هنا: ~~" لحما طريا " فجمع أصناف السمك بذكر واحد، فكان صغاره ككباره في الجمع ~~بينهما. وقد روى عن ابن عمر أنه سئل عن لحم المعز بلحم الكباش أشئ واحد؟ ~~فقال لا، ولا مخالف له فصار كالاجماع، والله أعلم. ولا حجة للمخالف في نهيه ~~صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام إلا مثلا بمثل، فإن الطعام في الاطلاق ~~يتناول الحنطة وغيرها من المأكولات ولا يتناول اللحم، ألا ترى أن القائل ~~إذا قال: أكلت اليوم طعاما لم يسبق الفهم منه إلى أكل اللحم، وأيضا فإنه ~~معارض بقوله صلى الله عليه وسلم: " إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم " ~~وهذان جنسان، وأيضا فقد اتفقنا على جواز بيع اللحم بلحم (4) الطير متفاضلا ~~لا لعلة أنه بيع طعام لا زكاة له بيع بلحم ليس فيه الزكاة، وكذلك بيع السمك ~~بلحم الطير متفاضلا. # الثانية - وأما الجراد فالمشهور عندنا جواز بيع بعضه ببعض متفاضلا. وذكر ~~عن سحنون أنه يمنع من ذلك، وإليه مال بعض المتأخرين ورآه مما يدخر. # الثالثة - لاختلف العلماء فيمن حلف ألا يأكل لحما، فقال ابن القاسم: يحنث ~~بكل نوع من هذه الأنواع الأربعة. وقال أشهب في المجموعة. يحنث إلا بكل لحوم ~~الانعام دون الوحش وغيره، مراعاة للعرف والعادة، وتقديما لها على إطلاق ~~اللفظ اللغوي، وهو (5) أحسن. # الرابعة - قوله تعالى: (وتستخرجوا منه حلية تلبسونها) يعنى به اللؤلؤ ~~والمرجان، لقوله تعالى: " يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان (2) ". وإخراج الحلية ~~إنما هي فيما عرف من الملح فقط. وقال: إن في الزمرد بحريا. وقد خطئ الهذلي ~~في قوله في وصف الدرة: # PageV10P086 # فجاء بها من در ms3549 ة لطمية * على وجهها ماء الفرات يدوم (1) فجعلها من الماء ~~الحلو. فالحلية حق وهي نحلة الله تعالى لآدم وولده. خلق آدم وتوج وكلل ~~بإكليل الجنة، وختم بالخاتم الذي ورثه عنه سليمان بن داود صلوات الله ~~عليهم، وكان يقال له خاتم العز فيما روى. # الخامسة - لامتن الله سبحانه على الرجال والنساء امتنانا عاما بما يخرج ~~من البحر، فلا يحرم عليهم شئ منه، وإنما حرم الله تعالى على الرجال الذهب ~~والحرير: روى الصحيح عن عمر بن الخطاب قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " لا تلبسوا الحرير فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة ". ~~وسيأتي في سورة " الحج " الكلام فيه إن شاء الله (2). # وروى البخاري عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتما من ~~ذهب، وجعل فصه مما يلي باطن كفه، ونقش فيه محمد رسول الله، فاتخذ الناس ~~مثله، فلما رآهم قد اتخذوها رمى به وقال: " لا ألبسه أبدا " ثم اتخذ خاتما ~~من فضة فاتخذ الناس خواتيم الفضة. # قال ابن عمر: فلبس الخاتم بعد النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثم عمر ~~ثم عثمان، حتى وقع من عثمان في بئر أريس (3). قال أبو داود: لم يختلف الناس ~~على عثمان حتى سقط الخاتم من يده. # وأجمع العلماء على جواز التختم بالورق على الجملة للرجال. قال الخطابي. ~~وكره للنساء التختم بالفضة، لأنه من زي الرجال، فإن لم يجدن ذهبا فليصفرنه ~~بزعفران أو بشبهه. وجمهور العلماء من السلف والخلف على تحريم اتخاذ الرجال ~~خاتم الذهب، إلا ما روى عن أبي بكر بن عبد الرحمن وخباب، وهو خلاف شاذ، وكل ~~منهما لم يبلغهما النهى والنسخ. والله أعلم. # وأما ما رواه أنس بن مالك أنه رأى في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~خاتما من ورق يوما واحدا، ثم إن الناس اصطنعوا الخواتم، من ورق ولبسوها، ~~فطرح رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتمه فطرح الناس خواتيمهم - أخرجه ~~الصحيحان واللفظ للبخاري - فهو عند العلماء # PageV10P087 # وهم من ابن شهاب، ms3550 لان الذي نبذ رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما هو ~~خاتم الذهب. # رواه عبد العزيز بن صهيب وقتادة عن أنس، وهو خلاف ما روى ابن شهاب عن أنس ~~فوجب القضاء بالجملة على الواحد إذا خالفها، مع ما يشهد للجماعة من حديث ~~ابن عمر. # السادسة - إذا ثبت جواز التختم للرجال بخاتم الفضة والتحلي به، فقد كره ~~ابن سيرين وغيره من العلماء نقشه وأن يكون فيه ذكر الله. وأجاز نقشه جماعة ~~من العلماء. ثم إذا نقش عليه اسم الله أو كلمة حكمة أو كلمات من القرآن ~~وجعله في شماله، فهل يدخل به الخلاء ويستنجى بشماله؟ خففه سعيد بن المسيب ~~ومالك. قيل لمالك: إن كان في الخاتم ذكر الله ويلبسه في الشمال أيستنجى به؟ ~~قال: أرجو أن يكون خفيفا. وروى عنه الكراهة وهو الأولى. وعلى المنع من ذلك ~~أكثر أصحابه. وقد روى همام عن ابن جريج عن الزهري عن أنس قال: كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء وضع خاتمه. قال أبو داود: # هذا حديث منكر، وإنما يعرف عن ابن جريج عن زياد ابن سعد عن الزهري عن أنس ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتما من ورق ثم ألقاه. قال أبو داود: لم ~~يحدث بهذا إلا همام. # السابعة - روى البخاري عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~اتخذ خاتما من فضة ونقش فيه " محمد رسول الله " وقال: " إني اتخذت خاتما من ~~ورق ونقشت فيه محمد رسول الله فلا ينقشن أحد على نقشه ". قال علماؤنا: فهذا ~~دليل على جواز نقش اسم صاحب الخاتم على خاتمه. قال مالك: ومن شأن الخلفاء ~~والقضاة نقش أسمائهم على خواتيمهم، ونهيه عليه السلام: لا ينقشن أحد على ~~نقش خاتمه، من أجل أن ذلك اسمه وصفته برسالة الله له إلى خلقه. وروى أهل ~~الشام أنه لا يجوز الخاتم لغير ذي سلطان. ورووا في ذلك حديثا. # عن أبي ريحانة، وهو حديث لا حجة فيه لضعفه. وقوله عليه السلام: " لا ~~ينقشن أحد ms3551 على نقشه " يرده ويدل على جواز اتخاذ الخاتم لجميع الناس، إذا لم ~~ينقش على نقش خاتمه. # وكان نقش خاتم الزهري " محمد يسأل الله العافية ". وكان نقش خاتم مالك " ~~حسبي الله ونعم الوكيل ". وذكر الترمذي الحكيم في (نوادر الأصول) أن نقش ~~خاتم موسى عليه السلام PageV10P088 # " لكل أجل كتاب ". وقد مضى في الرعد (1). وبلغ عمر بن عبد العزيز أن ابنه ~~اشترى خاتما بألف درهم فكتب إليه: إنه بلغني أنك اشتريت خاتما بألف درهم، ~~فبعه وأطعم منه ألف جائع، واشتر خاتما من حديد بدرهم، واكتب عليه " رحم ~~الله امرأ عرف قدر نفسه ". # الثامنة - من حلف ألا يلبس حليا فلبس لؤلؤا لم يحنث، وبه قال أبو حنيفة. # قال ابن خويز منداد: لان هذا وإن كان الاسم اللغوي يتناوله فلم يقصده ~~باليمين، والايمان تخص بالعرف، ألا ترى أنه لو حلف ألا ينام على فراش فنام ~~على الأرض لم يحنث، وكذلك لا يستضئ بسراج فجلس في الشمس لا يحنث، وإن كان ~~الله تعالى قد سمى الأرض فراشا والشمس سراجا. وقال الشافعي وأبو يوسف ~~ومحمد: من حلف ألا يلبس حليا ولبس اللؤلؤ فإنه يحنث، لقوله تعالى: " ~~وتستخرجوا منه حلية تلبسونها " والذي يخرج منه: اللؤلؤ والمرجان. # التاسعة - قوله تعالى: (وترى الفلك مواخر فيه) قد تقدم ذكر الفلك وركوب ~~البحر في " البقرة (2) " وغيرها. وقوله: " مواخر " قال ابن عباس: جواري، من ~~جرت تجرى. # سعيد بن جبير: معترضة. الحسن: مواقر. قتادة والضحاك: أي تذهب وتجئ، مقبلة ~~ومدبرة بريح واحدة. وقيل: " مواخر " ملججة في داخل البحر، وأصل المخر شق ~~الماء عن يمين وشمال. مخرت السفينة تمخر وتمخر مخرا ومخورا إذا جرت تشق ~~الماء مع صوت، ومنه قوله تعالى: " وترى الفلك مواخر فيه " يعنى جواري. وقال ~~الجوهري: ومخر السابح إذا شق الماء بصدره، ومخر الأرض شقها للزراعة، ومخرها ~~بالماء إذا حبس الماء فيها حتى تصير أريضة، أي خليقة بجودة نبات الزرع. ~~وقال الطبري: المخر في اللغة صوت هبوب الريح، ولم يقيد كونه في ماء، وقال: ~~إن من ذلك قول واصل مولى أبى عيينة: ms3552 إذا أراد أحدكم البول فليتمخر الريح، ~~أي لينظر في صوتها في الأجسام من أين تهب، فيتجنب استقبالها لئلا ترد عليه ~~بوله. (ولتبتغوا من فظله) أي ولتركبوه للتجارة وطلب الربح. # (ولعلكم تشكرون) تقدم جميع هذا في " البقرة " والحمد لله. # PageV10P089 # قوله تعالى: وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهارا وسبلا لعلكم ~~تهتدون (15) قوله تعالى: (وألقى في الأرض رواسي) أي جبالا ثابتة. رسا يرسو ~~إذا ثبت وأقام. # قال: # فصبرت عارفة لذلك حرة * ترسو إذا نفس الجبان تطلع (1) (أن تميد بكم) أي ~~لئلا تميد، عند الكوفيين. وكراهية أن تميد، على قول البصريين. # والميد: الاضطراب يمينا وشمالا، ماد الشئ يميد ميدا إذا تحرك، ومادت ~~الأغصان تمايلت، وماد الرجل تبختر. قال وهب بن منبه: خلق الله الأرض فجعلت ~~تميد وتمور، فقالت الملائكة: إن هذه غير مقرة أحدا على ظهرها فأصبحت وقد ~~أرسيت بالجبال، ولم تدر الملائكة مم خلقت الجبال. وقال علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه: لما خلق الله الأرض قمصت ومالت وقالت: أي رب! أتجعل على من يعمل ~~بالمعاصي والخطايا، ويلقى على الجيف والنتن! فأرسى الله تعالى فيها من ~~الجبال ما ترون وما لا ترون. وروى الترمذي في آخر (كتاب التفسير): حدثنا ~~محمد بن بشار حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا العوام بن حوشب عن سليمان بن أبي ~~سليمان عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لما خلق الله ~~الأرض جعلت تميد فخلق الجبال فعاد بها عليها فاستقرت فعجب الملائكة من شدة ~~الجبال فقالوا يا رب هل من خلقك شئ أشد من الجبال قال نعم الحديد قالوا يا ~~رب فهل من خلقك شئ أشد من الحديد قال نعم النار فقالوا يا رب فهل من خلقك ~~شئ أشد من النار قال نعم الماء قالوا يا رب فهل من خلقك شئ أشد من الماء ~~قال نعم الريح قالوا يا رب فهل من خلقك شئ أشد من الريح قال نعم ابن آدم ~~تصدق بصدقة بيمينه يخفيها من شماله ". قال أبو عيسى: هذا حديث ms3553 غريب لا ~~نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه. # PageV10P090 # قلت: وفى هذه الآية أدل دليل على استعمال الأسباب، وقد كان قادرا على ~~سكونها دون الجبال. وقد تقدم هذا المعنى. (وأنهارا) أي وجعل فيها أنهارا، ~~أو ألقى فيها أنهارا. # (وسبلا) أي طرقا ومسالك. (لعلكم تهتدون) أي إلى حيث تقصدون من البلاد فلا ~~تضلون ولا تتحيرون. # قوله تعالى: وعلمت وبالنجم هم يهتدون (16) فيه ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (وعلامات) قال ابن عباس: العلامات معالم الطرق ~~بالنهار، أي جعل للطريق علامات يقع الاهتداء بها. (وبالنجم هم يهتدون) يعنى ~~بالليل، والنجم يراد به النجوم. وقرأ ابن وثاب " وبالنجم ". الحسن: بضم ~~النون والجيم جميعا ومراده النجوم، فقصره، كما قال الشاعر: # إن الفقير بيننا قاض حكم * أن ترد الماء إذا غاب النجم وكذلك القول لمن ~~قرأ " النجم " إلا أنه سكن استخفافا. ويجوز أن يكون النجم جمع نجم كسقف ~~وسقف. واختلف في النجوم، فقال الفراء: الجدي والفرقدان. وقيل: الثريا. # قال الشاعر: # حتى إذا ما استقل النجم في غلس * وغودر البقل ملوي ومحصود (1) أي منه ~~ملوي ومنه محصود، وذلك عند طلوع الثريا يكون. وقال الكلبي: العلامات ~~الجبال. وقال مجاهد: هي النجوم، لان من النجوم ما يهتدى بها، ومنها ما يكون ~~علامة لا يهتدى بها، وقاله قتادة والنخعي. وقيل: تم الكلام عند قوله: " ~~وعلامات " ثم ابتدأ وقال: " وبالنجم هم يهتدون ". وعلى الأول: أي وجعل لكم ~~علامات ونجو ما تهتدون بها. # ومن العلامات الرياح يهتدى بها. وفى المراد بالاهتداء قولان: أحدهما - في ~~الاسفار، # PageV10P091 # وهذا قول الجمهور. الثاني - في القبلة. وقال ابن عباس: سألت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: " وبالنجم هم يهتدون " قال: " هو الجدي ~~يا بن عباس، عليه قبلتكم وبه تهتدون في بركم وبحركم " ذكره الماوردي. # الثانية - قال ابن العربي: أما جميع النجوم فلا يهتدى بها إلا العارف ~~بمطالعها ومغاربها، والفرق بين الجنوبي والشمالي منها، وذلك قليل في ~~الآخرين. وأما الثريا فلا يهتدى بها إلا من يهتدى بجميع النجوم. وإنما ~~الهدى لكل أحد بالجدي والفرقدين، لأنها من ms3554 النجوم المنحصرة المطالع الظاهرة ~~السمت الثابتة في المكان، فإنها تدور على القطب الثابت دورانا محصلا، فهي ~~أبدا هدى الخلق في البر إذا عميت الطرق، وفى البحر عند مجرى السفن، وفى ~~القبلة إذا جهل السمت، وذلك على الجملة بأن تجعل القطب على ظهر منكبك ~~الأيسر فما استقبلت فهو سمت الجهة. # قلت: وسأل ابن عباس رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النجم فقال: " هو ~~الجدي عليه قبلتكم وبه تهتدون في بركم وبحركم ". وذلك أن آخر الجدي بنات ~~نعش الصغرى والقطب الذي تستوى عليه القبلة بينها. # الثالثة - قال علماؤنا: وحكم استقبال القبلة على وجهين: أحدهما - أن ~~يراها ويعاينها فيلزمه استقبالها وإصابتها وقصد جهتها بجميع بدنه. والآخر - ~~أن تكون الكعبة بحيث لا يراها فيلزمه التوجه نحوها وتلقاءها بالدلائل، وهي ~~الشمس والقمر والنجوم والرياح وكل ما يمكن به معرفة جهتها، ومن غابت عنه ~~وصلى مجتهدا إلى غير ناحيتها وهو ممن يمكنه الاجتهاد فلا صلاة له، فإذا صلى ~~مجتهدا مستدلا ثم انكشف له بعد الفراغ من صلاته أنه صلى إلى غير القبلة ~~أعاد إن كان في وقتها، وليس ذلك بواجب عليه، لأنه قد أدى فرضه على ما أمر ~~به. على ما أمر به. وقد مضى هذا المعنى في " البقرة " مستوفى والحمد لله: # PageV10P092 # قوله تعالى: أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون (17) قوله تعالى: " أفمن ~~يخلق " هو الله تعالى. (كمن لا يخلق) يريد الأصنام. # (أفلا تذكرون) أخبر عن الأوثان التي لا تخلق ولا تضر ولا تنفع، كما يخبر ~~عمن يعمل على ما تستعمله العرب في ذلك، فإنهم كانوا يعبدونها فذكرت بلفظ " ~~من " كقوله: # " ألهم أرجل (1) ". وقيل: لاقتران الضمير في الذكر بالخالق. قال الفراء: ~~هو كقول العرب: # اشتبه على الراكب وجمله فلا أدرى من ذا ومن ذا، وإن كان أحدهما غير ~~إنسان. قال المهدوي: # ويسأل ب " من " عن البارئ تعالى ولا يسأل عنه ب " ما "، لان " ما " إنما ~~يسأل بها عن الأجناس، والله تعالى ليس بذى جنس، ولذلك أجاب موسى عليه ~~السلام حين قال له: " فمن ربكما ms3555 يا موسى (2) " ولم يجب حين قال له: " وما ~~رب العالمين (3) " إلا بجواب " من " وأضرب عن جواب " ما " حين كان السؤال ~~فاسدا. ومعنى الآية: من كان قادرا على خلق الأشياء المتقدمة الذكر كان ~~بالعبادة أحق ممن هو مخلوق لا يضر ولا ينفع، " هذا خلق الله فأروني ماذا ~~خلق الذين من دونه (4) " " أروني ماذا خلقوا من الأرض (5) ". # قوله تعالى: وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم (18) ~~والله يعلم ما تسرون وما تعلنون (19) قوله تعالى: (وإن تعدوا نعمة الله لا ~~تحصوها) تقدم في إبراهيم (6). (إن الله لغفور رحيم. والله يعلم ما تسرون ~~وما تعلنون) أي ما تبطنونه وما تظهرونه. وقد تقدم جميع هذا مستوفى. # قوله تعالى: والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون (20) ~~أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون (21) # PageV10P093 # قوله تعالى: (" والذين يدعون من دون الله) قراءة العامة " تدعون " بالتاء ~~لان ما قبله خطاب. روى أبو بكر عن عاصم وهبيرة عن حفص " يدعون " بالياء، ~~وهي قراءة يعقوب. # فأما قوله: " ما تسرون وما تعلنون " فكلهم بالتاء على الخطاب، إلا ما روى ~~هبيرة عن حفص عن عاصم أنه قرأ بالياء. (لا يخلقون شيئا) أي لا يقدرون على ~~خلق شئ (وهم يخلقون). # (أموات غير أحياء) أي هم أموات، يعنى الأصنام، لا أرواح فيها ولا تسمع ~~ولا تبصر، أي هي جمادات فكيف تعبدونها وأنتم أفضل منها بالحياة. (وما ~~يشعرون) يعنى الأصنام. # (أيان يبعثون) وقرأ السلمي، " إيان " بكسر الهمزة، وهما لغتان، موضعه نصب ~~ب " يبعثون " وهي في معنى الاستفهام. والمعنى: لا يدرون متى يبعثون. وعبر ~~عنها كما عبر عن الآدميين، لأنهم زعموا أنها تعقل عنهم وتعلم وتشفع لهم عند ~~الله تعالى، فجرى خطابهم على ذلك. وقد قيل: إن الله يبعث الأصنام يوم ~~القيامة ولها أرواح فتتبرأ من عبادتهم، وهي في الدنيا جماد لا تعلم متى ~~تبعث. قال ابن عباس، تبعث الأصنام وتركب فيها الأرواح ومعها شياطينها ~~فيتبرؤون من عبدتها، ثم يؤمر بالشياطين والمشركين إلى النار. وقيل: إن ~~الأصنام تطرح في النار ms3556 مع عبدتها يوم القيامة، دليله " إنكم وما تعبدون من ~~دون الله حصب جهنم (1) ". وقيل: # تم الكلام عند قوله: " لا يخلقون شيئا وهم يخلقون " ثم ابتدأ فوصف ~~المشركين بأنهم أموات، وهذا الموت موت كفر. " وما يشعرون أيان يبعثون " أي ~~وما يدرى الكفار متى يبعثون، أي وقت البعث، لأنهم لا يؤمنون بالبعث حثى ~~يستعدوا للقاء الله. وقيل: # أي وما يدريهم متى الساعة، ولعلها تكون قريبا. # قوله تعالى: إلهكم إله واحد فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم ~~مستكبرون (22) لاجرم أن الله يعلم ما تسرون وما يعلنون إنه لا يحب ~~المستكبرين (23) # PageV10P094 # قوله تعالى: (إلهكم إله واحد) لما بين استحالة الاشراك بالله تعالى بين ~~أن المعبود واحد لا رب غيره ولا معبود سواه. (فالذين لا يؤمنون بالآخرة ~~قلوبهم منكرة) أي لا تقبل الوعظ ولا ينجع فيها الذكر، وهذا رد على القدرية. ~~(وهم مستكبرون) أي متكبرون متعظمون عن قبول الحق. وقد تقدم في " البقرة (1) ~~" معنى الاستكبار. (لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون) أي من القول ~~والعمل فيجازيهم. قال الخليل: " لا جرم " كلمة تحقيق ولا تكون إلا جوابا، ~~يقال: فعلوا ذلك، فيقال: لا جرم سيندمون. أي حقا أن لهم النار وقد مضى ~~القول في هذا في هود " (2) " مستوفى. (إنه لا يحب المستكبرين) أي لا يثيبهم ~~ولا يثنى عليهم. وعن الحسين بن علي أنه مر بمساكين قد قدموا كسرا بينهم (3) ~~وهم يأكلون فقالوا: الغذاء يا أبا عبد الله، فنزل وجلس معهم وقال: (إنه لا ~~يحب المستكبرين) فلما فرغ قال: قد أجبتكم فأجيبوني، فقاموا معه إلى منزله ~~فأطعمهم وسقاهم وأعطاهم وانصرفوا. قال العلماء: وكل ذنب يمكن التستر منه ~~وإخفاؤه إلا الكبر، فإنه فسق يلزمه الاعلان، وهو أصل العصيان كله. وفى ~~الحديث الصحيح " إن المتكبرين يحشرون أمثال الذر يوم القيامة يطؤهم الناس ~~بأقدامهم لتكبرهم ". أو كما قال صلى الله عليه وسلم: # " تصغر لهم أجسامهم في المحشر حتى يضرهم صغرها وتعظم لهم في النار حتى ~~يضرهم عظمها ". # قوله تعالى: وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير ms3557 الأولين (24) قوله ~~تعالى: (وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم) يعنى وإذا قيل لمن تقدم ذكره ممن لا ~~يؤمن بالآخرة وقلوبهم منكرة بالبعث " ماذا أنزل ربكم ". قيل: القائل النضر ~~بن الحارث، وأن الآية نزلت فيه، وكان خرج إلى الحيرة فاشترى أحاديث (كليلة ~~ودمنة) فكان يقرأ على قريش ويقول: ما يقرأ محمد على أصحابه إلا أساطير ~~الأولين، أي ليس هو من تنزيل # PageV10P095 # ربنا. وقيل: إن المؤمنين هم القائلون لهم اختبارا فأجابوا بقولهم: " ~~أساطير الأولين " فأقروا بإنكار (1) شئ هو أساطير الأولين. والأساطير: ~~الأباطيل والترهات. وقد تقدم في الانعام (2) والقول في " ماذا أنزل ربكم " ~~كالقول في " ماذا ينفقون (3) " وقوله: (أساطير الأولين). خبر ابتداء محذوف، ~~التقدير: الذي أنزله أساطير الأولين. # قوله تعالى: ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم ~~بغير علم ألا ساء ما يزرون (25) قوله تعالى: (ليحملوا أوزارهم) قيل: هي لام ~~كي، وهي متعلقة بما قبلها. # وقيل: لام العاقبة، كقوله: " ليكون لهم عدوا وحزنا (4) ". أي قولهم في ~~القرآن والنبي أداهم إلى أن حملوا أوزارهم، أي ذنوبهم. (كاملة) لم يتركوا ~~منها شئ لنكبة أصابتهم في الدنيا بكفرهم. وقيل: هي لام الامر، والمعنى ~~التهدد. # بكفرهم. (ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم) قال مجاهد: يحملون وزر من ~~أضلوه ولا ينقص من إثم المضل شئ. وفى الخبر " أيما داع دعا إلى ضلالة فاتبع ~~فإن عليه مثل أوزار من اتبعه من غير أن ينقص من أوزارهم شئ وأيما داع دعا ~~إلى هدى فاتبع فله مثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شئ " خرجه مسلم ~~بمعناه. و " من " للجنس لا للتبعيض، فدعاة الضلالة عليهم مثل أوزار من ~~اتبعهم. وقوله: (بغير علم) أي يضلون الخلق جهلا منهم بما يلزمهم من الآثام، ~~إذ لو علموا لما أضلوا. (ألا ساء ما يزرون) أي بئس الوزر الذي يحملونه. ~~ونظير هذه الآية " وليحملن أثقالهم (4) وأثقالا مع أثقالهم " وقد تقدم في ~~آخر " الانعام (5) " بيان قوله: # " ولا بزر وازرة وزر أخرى ". # PageV10P096 # قوله تعالى: قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنينهم من القواعد فخر ms3558 ~~عليهم السقف من فوقهم وأتهم العذاب من حيث لا يشعرون (26) قوله تعالى: (قد ~~مكر الذين من قبلهم) أي سبقهم بالكفر أقوام مع الرسل المتقدمين فكانت ~~العاقبة الجميلة للرسل. (فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من ~~فوقهم) قال ابن عباس وزيد بن أسلم وغيرهما: إنه النمروذ بن كنعان وقومه، ~~أرادوا صعود السماء وقتال أهله، فبنوا الصرح ليصعدوا منه بعد أن صنع ~~بالنسور ما صنع، فخر. كما تقدم بيانه في آخر سورة " إبراهيم (1) ". ومعنى " ~~فأتى الله بنيانهم " أي أتى أمره البنيان، إما زلزلة أو ريحا فخربته. قال ~~ابن عباس ووهب: كان طول الصرح في السماء خمسة آلاف ذراع، وعرضه ثلاثة آلاف. ~~وقال كعب ومقاتل: كان طول فرسخين، فهبت ريح فألقت رأسه في البحر وخر عليهم ~~الباقي. ولما سقط الصرح تبلبلت ألسن الناس من الفزع يومئذ، فتكلموا بثلاثة ~~وسبعين لسانا، فلذلك سمى بابل، وما كان لسان قبل ذلك إلا السريانية. # وقد تقدم هذا المعنى في " البقرة (2) " وقرأ ابن هرمز وابن محيصن " السقف ~~" بضم السين والقاف جميعا. وضم مجاهد السين وأسكن القاف تخفيفا، كما تقدم ~~في " وبالنجم " في الوجهين. # والأشبه أن يكون جمع سقف. والقواعد: أصول البناء، وإذا اختلت القواعد سقط ~~البناء. # وقوله: (من فوقهم) قال ابن الأعرابي: وكد ليعلمك أنهم كانوا حالين تحته. ~~والعرب تقول: خر علينا سقف ووقع علينا حائط إذا كان يملكه وإن لم يكن وقع ~~عليه. فجاء بقوله: # " من فوقهم " ليخرج هذا الشك الذي في كلام العرب فقال: " من فوقهم " أي ~~عليهم وقع وكانوا تحته فهلكوا وما أفلتوا. وقيل: إن المراد بالسقف السماء، ~~أي إن العذاب أتاهم من السماء التي هي فوقهم، قال ابن عباس. وقيل: إن قوله: ~~" فأتى الله بنيانهم من # PageV10P097 # القواعد " تمثيل، والمعنى: أهلكهم فكانوا بمنزلة من سقط عليه بنيانه. ~~وقيل: المعنى أحبط الله أعمالهم فكانوا بمنزلة من سقط بنيانه. وقيل: المعنى ~~أبطل مكرهم وتدبيرهم فهلكوا كما هلك من نزل عليه السقف من فوقه. وعلى هذا ~~اختلف في الذين خر عليهم السقف، فقال ابن عباس وابن ms3559 زيد ما تقدم. وقيل: إنه ~~بختنصر وأصحابه، قال بعض المفسرين. # وقيل: المراد المقتسمون الذين ذكرهم الله في سورة الحجر (1)، قال الكلبي. ~~وعلى هذا التأويل يخرج وجه التمثيل، والله أعلم. (وأتاهم العذاب من حيث لا ~~يشعرون) أي من حيث ظنوا أنهم في أمان. وقال ابن عباس: يعنى البعوضة التي ~~أهلك الله بها نمرودا (2). # قوله تعالى: ثم يوم القيمة يخزيهم ويقول أين شركائي الذين كنتم تشاقون ~~فيهم قال الذين أوتوا العلم إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين (27) قوله ~~تعالى: (ثم يوم القيامة يخزيهم) أي يفضحهم بالعذاب ويذلهم به ويهينهم. # (ويقول أين شركائي) أي بزعمكم وفى دعواكم، أي الآلهة التي عبدتم دوني، ~~وهو سؤال توبيخ. (الذين كنتم تشاقون) أي تعادون أنبيائي بسببهم، فليدفعوا ~~عنكم هذا العذاب. وقرأ ابن كثير " شركائي " بياء مفتوحة من غير همز، ~~والباقون بالهمز. نافع " تساقون " بكسر النون على الإضافة، أي تعادونني ~~فيهم. وفتحها الباقون. # (قال الذين أوتوا العلم) قال ابن عباس: أي الملائكة. وقيل المؤمنون. (إن ~~خزي اليوم) أي الهوان والذل يوم القيامة. (والسوء) أي العذاب. " على ~~الكافرين ". # قوله تعالى: الذين تتوفاهم الملكة ظالمي أنفسهم فألقوا السلم ما كنا نعمل ~~من سوء بلى إن الله عليم بنا كنتم تعملون (28) # PageV10P098 # قوله تعالى: (الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم) هذا من صفة الكافرين. # و " ظالمي أنفسهم " نصب على الحال، أي وهم ظالمون أنفسهم إذ أوردوها ~~موارد الهلاك. # (فألقوا السلم) أي الاستسلام. أي أقروا لله بالربوبية وانقادوا عند الموت ~~وقالوا: (ما كنا نعمل من سوء) أي من شرك. فقالت لهم الملائكة: (بلى) قد ~~كنتم تعملون الاسواء. # (إن الله عليم بما كنتم تعملون) وقال عكرمة: نزلت هذه الآية بالمدينة في ~~قوم أسلموا بمكة ولم يهاجروا، فأخرجتهم قريش إلى بدر كرها فقتلوا بها، ~~فقال: (الذين تتوفاهم الملائكة) بقبض أرواحهم. (ظالمي أنفسهم) في مقامهم ~~بمكة وتركهم الهجرة. (فألقوا السلم) يعنى في خروجهم معهم. وفيه ثلاثة أوجه: ~~أحدها - أنه الصلح، قال الأخفش. # الثاني - الاستسلام، قال قطرب. الثالث - الخضوع، قاله مقاتل. (ما كنا ~~نعمل من سوء) يعنى من ms3560 كفر. (بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون) يعنى أن ~~أعمالهم (1) أعمال الكفار. # وقيل: إن بعض المسلمين لما رأوا قلة المؤمنين رجعوا إلى المشركين، فنزلت ~~فيهم. وعلى القول الأول فلا يخرج كافر ولا منافق من الدنيا حتى ينقاد ~~ويستسلم، ويخضع ويذل، ولا تنفعهم حينئذ توبة ولا إيمان، كما قال: " فلم يك ~~ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا (2) " وقد تقدم هذا المعنى. وتقدم في " ~~الأنفال (3) " إن الكفار يتوفون بالضرب والهوان، وكذلك في الانعام (4). " ~~وقد ذكرنا في كتاب التذكرة. # قوله تعالى: فأدخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين (29) ~~قوله تعالى: (فأدخلوا أبواب جهنم) أي يقال لهم ذلك عند الموت. وقيل: هو ~~بشارة لهم بعذاب القبر، إذ هو باب من أبواب جهنم للكافرين. وقيل: لا تصل ~~أهل الدركة الثانية إليها مثلا إلا بدخول الدركة الأولى ثم الثانية ثم ~~الثالثة هكذا. وقيل: لكل دركة # PageV10P099 # باب مفرد، فالبعض يدخلون من باب والبعض يدخلون من باب آخر. فالله أعلم. # (خالدين فيها) أي ماكثين فيها. (فلبئس مثوى) أي مقام (المتكبرين) الذين ~~تكبروا عن الايمان وعن عبادة الله تعالى، وقد بينهم بقوله الحق: " إنهم ~~كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون (1) ". # قوله تعالى: وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا للذين أحسنوا في ~~هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين (30) جنت عدن يدخلونها ~~تجرى من تحتها الأنهار لهم فيها ما يشاءون كذلك يجزى أالله المتقين (31) ~~الذين تتوفاهم الملكة طيبين يقولون سلم عليكم ادخلوا بما كنتم تعلمون (32) ~~قوله تعالى: (وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا) أي قالوا: أنزل ~~خيرا، وتم الكلام. و " ماذا " على هذا اسم واحد. وكان يرد الرجل من العرب ~~مكة في أيام الموسم فيسأل المشركين عن محمد عليه السلام فيقولون: ساحر أو ~~شاعر أو كاهن أو مجنون. ويسأل المؤمنين فيقولون: أنزل الله عليه الخير ~~والهدى، والمراد القرآن. وقيل: إن هذا يقال لأهل الايمان يوم القيامة. قال ~~الثعلبي: فإن قيل: لم ارتفع الجواب في قوله: " أساطير الأولين " وانتصب في ~~قوله: ms3561 " خيرا "؟ فالجواب أن المشركين لم يؤمنوا بالتنزيل، فكأنهم قالوا: # الذي يقوله محمد هو أساطير الأولين. والمؤمنين آمنوا بالنزول فقالوا: ~~أنزل خيرا. وهذا مفهوم معناه من الاعراب، والحمد لله. # قوله تعالى: (للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة قيل: هو من كلام الله عز ~~وجل. # وقيل: هو من جملة كلام الذين اتقوا. والحسنة هنا: الجنة، أي من أطاع الله ~~فله الجنة غدا. وقيل: " للذين أحسنوا " اليوم حسنة في الدنيا من النصر ~~والفتح والغنيمة: (ولدار # PageV10P100 # الآخرة خير) أي ما ينالون في الآخرة من ثواب الجنة خير وأعظم من دار ~~الدنيا، لفنائها وبقاء الآخرة. (ولنعم دار المتقين) فيه وجهان - قال الحسن: ~~المعنى ولنعم دار المتقين الدنيا، لأنهم نالوا بالعمل فيها ثواب الآخرة ~~ودخول الجنة. وقيل: المعنى ولنعم دار المتقين الآخرة، وهذا قول الجمهور. ~~وعلى هذا تكون (جنات عدن) بدلا من الدار فلذلك ارتفع. # وقيل: ارتفع على تقدير هي جنات، فهي مبينة لقوله: " دار المتقين ". أو ~~تكون مرفوعة بالابتداء، التقدير: جنات عدن نعم دار المتقين. (يدخلونها) في ~~موضع الصفة، أي مدخولة. وقيل: " جنات " رفع بالابتداء، وخبره " يدخلونها " ~~وعليه يخرج قول الحسن. # والله أعلم. (تجرى من تحتها الأنهار) تقدم معناه في البقرة (1). (لهم ~~فيها ما يشاءون) أي مما تمنوه وأرادوه. (كذلك يجزى الله المتقين) أي مثل ~~هذا الجزاء يجزى الله المتقين. # (الذين تتوفاهم الملائكة طيبين) قرأ الأعمش وحمزة " يتوفاهم الملائكة " ~~في الموضعين بالياء، واختاره أبو عبيد، لما روى عن ابن مسعود أنه قال: إن ~~قريشا زعموا أن الملائكة إناث فذكروهم أنتم. الباقون بالتاء، لان المراد به ~~الجماعة من الملائكة. و " طيبين " طاهرين من الشرك. الثاني - صالحين. ~~الثالث - زاكية أفعالهم وأقوالهم. الرابع - طيبين الأنفس ثقة بما يلقونه من ~~ثواب الله تعالى. الخامس - طيبة نفوسهم بالرجوع إلى الله. السادس - " طيبين ~~" أن تكون وفاتهم طيبة سهلة لا صعوبة فيها ولا ألم، بخلاف ما تقبض به روح ~~الكافر والمخلط. والله أعلم. (يقولون سلام عليكم) يحتمل وجهين: أحدهما - أن ~~يكون السلام إنذارا لهم بالوفاة. الثاني - أن يكون تبشيرا لهم بالجنة، لان ms3562 ~~السلام أمان. وذكر ابن المبارك قال: حدثني حياة قال أخبرني أبو صخر (2) عن ~~محمد بن كعب القرظي قال: إذا استنقعت (3) نفس العبد المؤمن جاءه ملك الموت ~~فقال: السلام عليك ولى الله الله يقرأ عليك السلام. ثم نزع بهذه الآية " ~~الذين # PageV10P101 # تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ". وقال ابن مسعود: إذا جاء ~~ملك الموت يقبض روح المؤمن قال: ربك يقرئك السلام. وقال مجاهد: إن المؤمن ~~ليبشر بصلاح ولده من بعده لتقر عينه. وقد أتينا على هذا في (كتاب التذكرة) ~~وذكرنا هناك الأخبار الواردة في هذا المعنى، والحمد لله. وقوله: (ادخلوا ~~الجنة) يحتمل وجهين: أحدهما - أن يكون معناه أبشروا بدخول الجنة. الثاني - ~~أن يقولوا ذلك لهم في الآخرة. (بما كنتم تعملون) يعنى في الدنيا من ~~الصالحات. # قوله تعالى: هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملكة أو يأتي أمر ربك كذلك فعل ~~الذين من قبلهم وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (33) قوله تعالى: ~~(هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة) هذا راجع إلى الكفار، أي ما ينتظرون ~~إلا أن تأتيهم الملائكة لقبض أرواحهم وهم ظالمون لأنفسهم. وقرأ الأعمش وابن ~~وثاب وحمزة والكسائي وخلف " يأتيهم الملائكة " بالياء. والباقون بالتاء على ~~ما تقدم. # (أو يأتي أمر ربك) أي بالعذاب من القتل كيوم بدر، أو الزلزلة والخسف في ~~الدنيا. # وقيل: المراد يوم القيامة. والقوم لم ينتظروا هذه الأشياء لأنهم ما آمنوا ~~بها، ولكن امتناعهم عن الايمان أوجب عليهم العذاب، فأضيف ذلك إليهم، أي ~~عاقبتهم العذاب. # (كذلك فعل الذين من قبلهم) أي أصروا على الكفر فأتاهم أمر الله فهلكوا. ~~(وما ظلمهم الله) أي بتعذيبهم وإهلاكهم، ولكن ظلموا أنفسهم بالشرك. # قوله تعالى: (فأصابهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون (34) ~~PageV10P102 # قوله تعالى: (فأصابهم سيئات ما عملوا) قيل: فيه تقديم وتأخير، التقدير: ~~كذلك فعل الذين من قبلهم فأصابهم سيئات ما عملوا، وما ظلمهم الله ولكن ~~كانوا أنفسهم يظلمون، فأصابهم عقوبات كفرهم جزاء الخبيث من أعمالهم. (وحاق ~~بهم) أي أحاط بهم ودار. # قوله تعالى: وقال الذين أشركوا لو شاء ms3563 الله ما عبدنا من دونه من شئ كذلك ~~فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلغ المبين (35) قوله تعالى: (وقال ~~الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شئ) أي شيئا، و " من " صلة. ~~قال الزجاج: قالوه استهزاء، ولو قالوه عن اعتاد لكانوا مؤمنين وقد مضى ه ا ~~في سورة (الانعام) مبينا وإعرابا فلا معنى للإعادة (1). (كذلك فعل الذين من ~~قبلهم) أي مثل هذا التكذيب والاستهزاء فعل من كان قبلهم بالرسل فأهلكوا. ~~(فهل على الرسل إلا البلاغ المبين) أي ليس عليهم إلا التبليغ، وأما الهداية ~~فهي إلى الله تعالى. # قوله تعالى: ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ~~فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف ~~كان عقبة المكذبين (36) قوله تعالى: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن أعبدوا ~~الله) أي بأن اعبدوا الله ووحدوه. (واجتنبوا الطاغوت) أي اتركوا كل معبود ~~دون الله كالشيطان والكاهن والصنم، وكل من دعا إلى الضلال. فمنهم من هدى ~~الله) أي أرشده إلى دينه وعبادته. # PageV10P103 # (ومنهم من حقت عليه الضلالة) أي بالقضاء السابق عليه حتى مات على كفره، ~~وهذا يرد على القدرية، لأنهم زعموا أن الله هدى الناس كلهم ووفقهم للهدى، ~~والله تعالى يقول: # " فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة " وقد تقدم هذا في غير ~~موضع. # (فسيروا في الأرض) أي فسيروا معتبرين في الأرض. (فانظروا كيف كان عاقبة ~~المكذبين) أي كيف صار آخر أمرهم إلى الخراب والعذاب والهلاك. # قوله تعالى: إن تحرص على هدهم فإن الله لا يهدى من يضل وما لهم من نصرين ~~(37) قوله تعالى: (إن تحرص على هداهم) أي إن تطلب يا محمد بجهدك هداهم. ~~(فإن الله لا هدى من يضل) أي لا يرشد من أضله، أي من سبق له من الله ~~الضلالة لم يهده. # وهذه قراءة ابن مسعود وأهل الكوفة. ف‍ " يهدى " فعل مستقبل وماضيه هدى. و ~~" من " في موضع نصب ب‍ " يهدى " ويجوز أن يكون ms3564 هدى يهدى بمعنى اهتدى يهتدى، ~~رواه أبو عبيد عن الفراء قال: كما قرئ " أمن لا يهدى إلا أن يهدى (1) " ~~بمعنى يهتدى. قال أبو عبيد. # ولا نعلم أحدا روى هذا غير الفراء، وليس بمتهم فيما يحكيه. النحاس. حكى ~~لي عن محمد ابن يزيد كأن معنى " لا يهدى من يضل " من علم ذلك منه وسبق ذلك ~~له عنده، قال: # ولا يكون يهدى بمعنى يهتدى إلا أن يكون يهدى أو يهدى. وعلى قول الفراء " ~~يهدى " بمعنى يهتدى، فيكون " من " في موضع رفع، والعائد إلى " من " الهاء ~~المحذوفة من الصلة، والعائد إلى اسم " إن " الضمير المستكن في " يضل ". ~~وقرأ الباقون " لا يهدى " بضم الياء وفتح الدال، واختاره أبو عبيد وأبو ~~حاتم، على معنى من أضله الله لم يهده هاد، دليله قوله: # " من يضلل الله فلا هادي له " و " من " في موضع رفع على أنه اسم ما لم ~~يسم فاعله، وهي بمعنى الذي، والعائد عليها من صلتها محذوف، والعائد على اسم ~~إن من " فإن الله " الضمير المستكن في " يضل ". (وما لهم من ناصرين) تقدم ~~معناه. # PageV10P104 # قوله تعالى: وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا ~~عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون (38) قوله تعالى: (وأقسموا بالله جهد ~~أيمانهم) هذا تعجيب من صنعهم، إذ أقسموا بالله وبالغوا في تغليظ اليمين بأن ~~الله لا يبعث من يموت. ووجه التعجيب أنهم يظهرون تعظيم الله فيقسمون به ثم ~~يعجزونه عن بعث الأموات. وقال أبو العالية: كان لرجل من المسلمين على مشرك ~~دين فتقاضاه، وكان في بعض كلامه: والذي أرجوه بعد الموت إنه لكذا، فأقسم ~~المشرك بالله: لا يبعث الله من يموت، فنزلت الآية. وقال قتادة: ذكر لنا أن ~~ابن عباس قال له رجل: يا بن عباس، إن ناسا يزعمون أن عليا مبعوث بعد الموت ~~قبل الساعة، ويتأولون هذه الآية. فقال ابن عباس: كذب أولئك! إنما هذه الآية ~~عامة للناس، لو كان على مبعوثا قبل القيامة ما نكحنا نساءه ولا قسمنا ~~ميراثه. (بلى) هذا رد عليهم، أي ms3565 بلى ليبعثنهم. (وعدا غليه حقا) مصدر مؤكد، ~~لان قوله " يبعثهم (1) " يدل على الوعد، أي وعد البعث وعدا حقا. (ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون) أنهم مبعوثون. وفى البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم " قال الله تعالى كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك وشتمني ولم ~~يكن له ذلك فأما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني وأما شتمه إياي ~~فقوله اتخذ الله ولدا وأنا الأحد الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا ~~أحد ". وقد تقدم (2)، ويأتي. # قوله تعالى: ليبين لهم الذي يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا ~~كاذبين (39) قوله تعالى: (ليبين لهم) أي ليظهر لهم. (الذي يختلفون فيه) أي ~~من أمر البعث. # (وليعلم الذين كفروا) بالبعث وأقسموا عليه (أنهم كانوا كاذبين) وقيل: ~~المعنى # PageV10P105 # ولقد بعثنا في كل أمة رسولا ليبين لهم الذي يختلفون فيه، والذي اختلف فيه ~~المشركون والمسلمون أمور: منها البعث، ومنها عبادة الأصنام، ومنها إقرار ~~قوم بأن محمدا حق ولكن منعهم من اتباعه التقليد، كأبي طالب. # قوله تعالى: إنما قولنا لشئ إذا أردناه أن نقول له كن فيكون (40) أعلمهم ~~سهولة الخلق عليه، أي إذا أردنا أن نبعث من يموت فلا تعب علينا ولا نصب في ~~إحيائهم، ولا في غير ذلك مما نحدثه، لأنا إنما نقول له كن فيكون. قراءة ابن ~~عامر والكسائي " فيكون " نصبا عطفا على أن نقول. وقال الزجاج: يجوز أن يكون ~~نصبا على جواب " كن ". الباقون بالرفع على معنى فهو يكون. وقد مضى القول ~~فيه في " البقرة " مستوفى (1). وقال ابن الأنباري: أوقع لفظ الشئ على ~~المعلوم عند الله قبل الخلق لأنه بمنزلة ما وجد وشوهد. وفى الآية دليل على ~~أن القرآن غير مخلوق، لأنه لو كان قوله: " كن " مخلوقا لاحتاج إلى قول ثان، ~~والثاني إلى ثالث وتسلسل وكان محالا. وفيها دليل على أن الله سبحانه مريد ~~لجميع الحوادث كلها خيرها وشرها نفعها وضرها، والدليل على ذلك أن من يرى في ~~سلطانه ما يكرهه ولا يريده فلاحد شيئين: إما لكونه جاهلا ms3566 لا يدرى، وإما ~~لكونه مغلوبا لا يطيق، ولا يجوز ذلك في وصفه سبحانه، وقد قام الدليل على ~~أنه خالق لاكتساب العباد، ويستحيل أن يكون فاعلا لشئ وهو غير مريد له، لان ~~أكثر أفعالنا يحصل على خلاف مقصودنا وإرادتنا، فلو لم يكن الحق سبحانه ~~مريدا لها لكانت تلك الأفعال تحصل من غير قصد، وهذا قول الطبيعيين، وقد ~~أجمع الموحدون على خلافه وفساده. # قوله تعالى: والذين هاجروا في سبيل الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في ~~الدنيا حسنة ولاجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون (41) # PageV10P106 # قوله تعالى: (والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا) قد تقدم في " ~~النساء " معنى الهجرة (1)، هي ترك الأوطان والأهل والقرابة في الله أو في ~~دين الله، وترك السيئات. # وقيل: " في " بمعنى اللام، أي لله. " من بعد ما ظلموا) أي عذبوا في الله. ~~نزلت في صهيب وبلال وخباب وعمار، عذبهم أهل مكة حتى قالوا لهم ما أرادوا، ~~فلما خلوهم هاجروا إلى المدينة، قاله الكلبي. وقيل: نزلت في أبى جندل بن ~~سهيل. وقال قتادة: المراد أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، ظلمهم المشركون ~~بمكة وأخرجوهم حتى لحق طائفة منهم بالحبشة، ثم بوأهم الله تعالى دار الهجرة ~~وجعل لهم أنصارا من المؤمنين. والآية تعم الجميع. (لنبوئنهم في الدنيا ~~حسنة) في الحسنة ستة أقوال: الأول - نزول المدينة، قاله ابن عباس والحسن ~~والشعبي وقتادة. الثاني - الرزق الحسن، قاله مجاهد. الثالث - النصر على ~~عدوهم، قاله الضحاك. الرابع - إنه لسان صدق، حكاه ابن جريج. الخامس - ما ~~استولوا عليه من فتوح البلاد وصار لهم فيها من الولايات. السادس: ما بقى ~~لهم في الدنيا من الثناء، وما صار فيها لأولادهم من الشرف. وكل ذلك اجتمع ~~لهم بفضل الله، والحمد لله. (ولاجر الآخرة أكبر) أي ولاجر دار الآخرة أكبر، ~~أي أكبر من أن يعلمه أحد قبل أن يشاهده، " وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا ~~كبيرا (2) ". (لو كانوا يعلمون) أي لو كان هؤلاء الظالمون يعلمون ذلك. قيل: # هو راجع إلى المؤمنين. أي لو رأوا ثواب الآخرة وعاينوه لعلموا ms3567 أنه أكبر ~~من حسنة الدنيا. # وروى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا دفع إلى المهاجرين العطاء ~~قال: هذا ما وعدكم الله في الدنيا وما أدخر لكم في الآخرة أكثر، ثم تلا ~~عليهم هذه الآية. # قوله تعالى: الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون (42) قيل: (الذين) بدل من ~~(الذين) الأول. وقيل: من الضمير في " لنبوئنهم " وقيل: هم الذين صبروا على ~~دينهم. (وعلى ربهم يتوكلون) في كل أمورهم. وقال بعض أهل التحقيق: خيار ~~الخلق من إذا نابه أمر صبر، وإذا عجز عن أمر توكل، قال الله تعالى: " الذين ~~صبروا وعلى ربهم يتوكلون ". # PageV10P107 # قوله تعالى: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فسئلوا أهل الذكر ~~إن كنتم لا تعلمون (43) بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما ~~أنزل إليهم ولعلهم يتفكرون (44) قوله تعالى: (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا ~~نوحي إليهم) قراءة العامة " يوحى " بالياء وفتح الحاء. وقرأ حفص عن عاصم " ~~نوحي إليهم بنون العظمة وكسر الحاء نزلت في مشركي مكة حيث أنكروا نبوة محمد ~~صلى الله عليه وسلم وقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا، فهلا بعث ~~إلينا ملكا، فرد الله تعالى عليهم بقوله: " وما أرسلنا من قبلك " إلى الأمم ~~الماضية يا محمد " إلا رجالا " آدميين. (فاسألوا أهل الذكر) قال سفيان: ~~يعنى مؤمني أهل الكتاب. (إن كنتم لا تعلمون) يخبرونكم أن جميع الأنبياء ~~كانوا بشرا. وقيل: # المعنى فاسألوا أهل الكتاب فإن لم يؤمنوا فهم معترفون بأن الرسل كانوا من ~~البشر روى معناه عن ابن عباس ومجاهد. وقال ابن عباس: أهل الذكر أهل القرآن ~~وقيل: أهل العلم، والمعنى متقارب. (بالبينات والزبر) قيل: " بالبينات " ~~متعلق ب‍ " أرسلنا ". # وفى الكلام تقديم وتأخير، أي ما أرسلنا من قبلك بالبينات والزبر إلا ~~رجالا - أي غير رجال، ف‍ " إلا " بمعنى غير، كقوله: لا إله إلا الله، وهذا ~~قول الكلبي - نوحي إليهم. وقيل: # في الكلام حذف دل عليه " أرسلنا " أي أرسلناهم بالبينات والزبر. ولا ~~يتعلق " بالبينات " ب‍ " أرسلنا " الأول على هذا القول، لان ما قبل " إلا ms3568 " ~~لا يعمل فيما بعدها، وإنما يتعلق بأرسلنا المقدرة، أي أرسلناهم بالبينات. ~~وقيل: مفعول ب‍ " تعلمون " والباء زائدة، أو نصب بإضمار أعني، كما قال ~~الأعشى: # وليس مجيرا إن أتى الحي خائف * ولا قائلا إلا هو المتعيبا PageV10P108 # أي أعني المتعيب. والبينات: الحجج والبراهين. والزبر: الكتب. وقد تقدم في ~~آل عمران (1). # (وأنزلنا إليك الذكر) يعنى القرآن. (لتبين للناس ما نزل إليهم) في هذا ~~الكتاب من الاحكام والوعد والوعيد بقولك وفعلك، فالرسول صلى الله عليه وسلم ~~مبين عن الله عز وجل مراده مما أجمله في كتابه من أحكام الصلاة والزكاة، ~~وغير ذلك مما لم يفصله. وقد تقدم هذا المعنى مستوفى في مقدمة الكتاب، ~~والحمد لله. (ولعلهم يتفكرون) فيتعظون. # قوله تعالى: أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم ~~العذاب من حيث لا يشعرون (45) أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين (46) أو ~~يأخذهم على تخوف فإن ربكم لرءوف رحيم (47) قوله تعالى: (أفأمن الذين مكروا ~~السيئات) أي بالسيئات، وهذا وعيد للمشركين الذين احتالوا في إبطال الاسلام. ~~(أن يخسف الله بهم الأرض) قال ابن عباس: كما خسف بقارون، يقال: خسف المكان ~~يخسف خسوفا ذهب في الأرض، وخسف الله به الأرض خسوفا أي غاب به فيها، ومنه ~~قوله: " فخسفنا به وبداره الأرض (2) ". وخسف هو في الأرض وخسف به. ~~والاستفهام بمعنى الانكار، أي يجب ألا يأمنوا عقوبة تلحقهم كما لحقت ~~المكذبين. (أو يأتيهم العذاب كم حيث لا يشعرون) كما فعل بقوم لوط وغيرهم. ~~وقيل: # يريد يوم بدر، فإنهم أهلكوا ذلك اليوم، ولم يكن شئ منه في حسابهم. (أو ~~يأخذهم في تقلبهم) أي في أسفارهم وتصرفهم، قاله قتادة. (فما هم بمعجزين) أي ~~سابقين لله ولا فائتيه. وقيل: " في تقلبهم " على فراشهم أينما كانوا. وقال ~~الضحاك: بالليل والنهار. # (أو يأخذهم على تخوف) قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: أي على تنقص من ~~أموالهم # PageV10P109 # ومواشيهم وزروعهم. وكذا قال ابن الأعرابي: أي على تنقص من الأموال ~~والأنفس والثمرات حتى أهلكهم كلهم. وقال الضحاك: هو من الخوف، المعنى: يأخذ ~~طائفة ويدع طائفة، ms3569 فتخاف الباقية أن ينزل بها ما نزل بصاحبتها. وقال الحسن: ~~" على تخوف " أن يأخذ القرية فتخافه القرية الأخرى، وهذا هو معنى القول ~~الذي قبله بعينه، وهما راجعان إلى المعنى الأول، وأن التخوف التنقص، تخوفه ~~تنقصه، وتخوفه الدهر وتخونه - (بالفاء والنون) بمعنى، يقال: تخونني فلان ~~حقي إذا تنقصك. قال ذو الرمة: # لا، بل هو الشوق من دار تخونها * مرا سحاب ومرا بارح ترب (1) وقال لبيد: # * تخونها نزولي وارتحالي * أي تنقص لحمها وشحمها. وقال الهيثم بن عدي: ~~التخوف (بالفاء) التنقص، لغة لأزد شنوءة. وأنشد: # تخوف غدرهم مالي وأهدى * سلاسل في الحلوق لها صليل وقال سعيد بن المسيب: ~~بينما عمر بن الخطاب رضي الله عنه على المنبر قال: يا أيها الناس، ما ~~تقولون في قول الله عز وجل: " أو يأخذهم على تخوف " فسكت الناس، فقال شيخ ~~من بنى هذيل: هي لغتنا يا أمير المؤمنين، التخوف التنقص. فخرج رجل فقال: يا ~~فلان، ما فعل دينك؟ قال: تخوفته، أي تنقصته، فرجع فأخبر عمر فقال عمر: ~~أتعرف العرب ذلك في أشعارهم؟ قال نعم، قال شاعرنا أبو كبير (3) الهذلي يصف ~~ناقة تنقص السير سنامها بعد تمكه واكتنازه: # تخوف الرحل منها تامكا قردا * كما تخوف عود النبعة السفن (4) # PageV10P110 # فقال عمر: يا أيها الناس، عليكم بديوانكم شعر الجاهلية فإن فيه تفسير ~~كتابكم ومعاني كلامكم. # تمك السنام يتمك تمكا، أي طال وارتفع، فهو تامك. والسفن والمسفن ما ينجر ~~به الخشب. # وقال الليث بن سعد: " على تخوف " على عجل. وقال: على تقريع بما قدموه من ~~ذنوبهم، وهذا مروى عن ابن عباس أيضا. وقال قتادة: " على تخوف " أن يعاقب أو ~~يتجاوز. # (فأن ربكم لرءوف رحيم) أي لا يعاجل بل يمهل. # قوله تعالى: أو لم يروا إلى ما خلق الله من شئ يتفيؤا ظلاله عن اليمين ~~والشمائل سجدا لله. هم داخرون (48) قرأ حمزة والكسائي وخلف ويحيى والأعمش " ~~تروا " بالتاء، على أن الخطاب لجميع الناس. الباقون بالياء خبرا عن الذين ~~يمكرون السيئات، وهو الاختيار. (من شئ) يعنى من جسم قائم له ظل من شجرة ms3570 أو ~~جبل، قاله ابن عباس. وإن كانت الأشياء كلها سميعة مطيعة لله تعالى. (يتفيأ ~~ظلاله) قرأ أبو عمرو ويعقوب وغيرهما بالتاء لتأنيث الظلال. الباقون بالياء، ~~واختاره أبو عبيد. أي يميل من جانب إلى جانب، ويكون أول النهار على حال ~~ويتقلص ثم يعود في آخر النهار على حالة أخرى، فدورانها وميلانها من موضع ~~إلى موضع سجودها، ومنه قيل للظل بالعشي: فئ، لأنه فاء من المغرب إلى ~~المشرق، أي رجع. والفئ الرجوع، ومنه " حتى تفئ إلى أمر الله (1) ". روى ~~معنى هذا القول عن الضحاك وقتادة وغيرهما، وقد مضى هذا المعنى في سورة " ~~الرعد " (2). وقال الزجاج: يعنى سجود الجسم، وسجوده انقياده وما يرى فيه من ~~أثر الصنعة، وهذا عام في كل جسم. ومعنى (وهم داخرون) أي خاضعون صاغرون. ~~والدخور: الصغار والذل. يقال: دحر الرجل (بالفتح) فهو داخر، وأدخره الله. # وقال ذو الرمة: # فلم يبق إلا داخر في مخيس * ومنجحر (3) في غير أرضك في حجر # PageV10P111 # كذا نسبه الماوردي لذي الرمة، ونسبه الجوهري للفرزدق وقال: المخيس اسم ~~سجن كان بالعراق، أي موضع التذلل، وقال (1). # أما تراني كيسا مكيسا * بنيت بعد نافع مخيسا ووحد اليمين في قوله: " عن ~~اليمين " وجمع الشمال، لان معنى اليمين وإن كان واحدا الجمع. # ولو قال (2): عن الايمان والشمائل، واليمين والشمال، أو اليمين والشمال ~~لجاز، لان المعنى للكثرة. وأيضا فمن شأن العرب إذا اجتمعت علامتان في شئ ~~واحد أن تجمع إحداهما وتفرد الأخرى، كقوله تعالى: " ختم الله على قلوبهم ~~وعلى سمعهم (3) " وكقوله تعالى: # " ويخرجهم من الظلمات إلى النور (4) ولو قال على أسماعهم وإلى الأنوار ~~لجاز. ويجوز أن يكون رد اليمين على لفظ " ما " والشمال على معناه. ومثل هذا ~~في الكلام كثير. قال الشاعر: # الواردون وتيم في ذرأ سبأ * قد عض أعناقهم جلد الجواميس (5) ولم يقل ~~جلود. وقيل: وحد اليمين لام الشمس إذا طلعت وأنت متوجه إلى القبلة انبسط ~~الظل عن اليمين ثم في حال يميل إلى جهة الشمال ثم حالات (6)، فسماها شمائل. # قوله تعالى: ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض ms3571 من دابة والملكة وهو ~~لا يستكبرون (49) يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون (50) قوله تعالى: ~~" ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة) أي من كل ما يدب على ~~الأرض. (والملائكة) يعنى الملائكة الذين في الأرض، وإنما أفردهم بالذكر ~~لاختصاصهم # PageV10P112 # بشرف المنزلة، فميزهم من صفة الدبيب بالذكر وإن دخلوا فيها، كقوله: " ~~فيهما فاكهة ونخل ورمان (1) ". وقيل: لخروجهم من جملة ما يدب لما جعل الله ~~لهم من الأجنحة، فلم يدخلوا في الجملة فلذلك ذكروا. وقيل: أراد " ولله يسجد ~~من في السماوات " من الملائكة والشمس والقمر والنجوم والرياح والسحاب، " ~~وما في الأرض من دابة " وتسجد ملائكة الأرض. (وهم لا يستكبرون) عن عبادة ~~ربهم. وهذا رد على قريش حيث زعموا أن الملائكة بنات الله. ومعنى (يخافون ~~ربهم من فوقهم) أي عقاب ربهم وعذابه، لان العذاب المهلك إنما ينزل من ~~السماء. وقيل: المعنى يخافون قدرة ربهم التي هي فوق قدرتهم، ففي الكلام ~~حذف. وقيل: معنى " يخافون ربهم من فوقهم " يعنى الملائكة، يخافون ربهم وهي ~~من فوق ما في الأرض من دابة ومع ذلك يخافون، فلان يخاف من دونهم أولى ، ~~دليل هذا القول قوله تعالى: (ويفعلون ما يؤمرون) يعنى الملائكة. # قوله تعالى: وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله وحد فإياي ~~فارهبون (51) قوله تعالى: وله ما في السماوات والأرض وله الدين واصبا أفغير ~~الله تتقون (52) # PageV10P113 # قوله تعالى: (وله ما في السماوات والأرض وله الدين واصبا) الدين: الطاعة ~~والاخلاص. و " واصبا " معناه دائما، قال الفراء، حكاه الجوهري. وصب الشئ ~~يصب وصوبا، أي دام. ووصب الرجل على الامر إذا واظب عليه. والمعنى: طاعة ~~الله واجبة أبدا. وممن قال واصبا دائما: الحسن ومجاهد وقتادة والضحاك. ومنه ~~قوله تعالى: " ولهم عذاب واصب (1) " أي دائم. وقال الدولي: # لا أبتغي الحمد القليل بقاؤه * بدم يكون الدهر أجمع واصبا أنشد الغزنوي ~~والثعلبي وغيرهما: # ما أبتغي الحمد القليل بقاؤه * يوما بذم الدهر أجمع واصبا وقيل: الوصب ~~التعب والاعياء، أي تجب طاعة الله وإن تعب العبد فيها. ومنه قول الشاعر: ms3572 # لا يمسك الساق من أين ولا وصب * ولا يعض على شرسوفه الصفر (2) وقال ابن ~~عباس: " واصبا " واجبا. الفراء والكلبي: خالصا. (أفغير الله تتقون) أي لا ~~ينبغي أن تتقوا غير الله. " فغير " نصب ب‍ " تتقون ". # قوله تعالى: وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجرون (53) ~~ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون (54) ليكفروا بما آتيناهم ~~فتمتعوا فسوف تعلمون (55) قوله تعالى: (وما بكم من نعمة فمن الله) قال ~~الفراء. " ما " بمعنى الجزاء. والباء في " بكم " متعلقة بفعل مضمر، تقديره: ~~وما يكن بكم. " من نعمة " أي صحة جسم وسعة رزق وولد فمن الله. وقيل: المعنى ~~وما بكم من نعمة فمن الله هي. (ثم إذا مسكم الضر) # PageV10P114 # أي السقم والبلاء والقحط. (فإليه تجأرون) أي تضجون بالدعاء. يقال: جأر ~~يجأر جؤارا. # والجؤار مثل الخوار، يقال: جأر الثور يجأر، أي صاح. وقرأ بعضهم " عجلا ~~جسدا له جؤار (1) "، حكاه الأخفش. وجأر الرجل إلى الله، أي تضرع بالدعاء. ~~وقال الأعشى (2) يصف بقرة: # فطافت ثلاثا بين يوم وليلة * وكان النكير أن تضيف (3) وتجأرا (ثم إذا كشف ~~الضر عنكم) أي البلاء والسقم. (إذا فريق منكم بربهم يشركون) بعد إزالة ~~البلاء وبعد الجؤار. فمعنى الكلام التعجيب من الاشراك بعد النجاة من ~~الهلاك، وهذا المعنى مكرر في القرآن، وقد تقدم في " الانعام (1) ويونس (2) ~~"، ويأتي في " سبحان " وغيرها. وقال الزجاج: هذا خاص بمن كفر. (ليكفروا بما ~~آتيناهم) أي ليجحدوا نعمة الله التي أنعم بها عليهم من كشف الضر والبلاء. ~~أي أشركوا ليجحدوا، فاللام لام كي. وقيل لام العاقبة. وقيل: # " ليكفروا بما آتيناهم " أي ليجعلوا النعمة سببا للكفر، وكل هذا فعل ~~خبيث، كما قال: # * والكفر مخبثة لنفس المنعم (5) * (فتمتعوا) أمر تهديد. وقرأ عبد الله " ~~قل تمتعوا ". (فسوف تعلمون) أي عاقبة أمركم. # قوله تعالى: ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم تالله لتسئلن عما ~~كنتم تفترون (56) قوله تعالى: (ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم) ~~ذكر نوعا آخر من جهالتهم، وأنهم يجعلون لما لا يعلمون أنه يضر وينفع ms3573 - وهي ~~الأصنام - شيئا من أموالهم يتقربون به إليه، قال مجاهد وقتادة وغيرهما. ف " ~~يعلمون " على هذا للمشركين. وقيل هي # PageV10P115 # للأوثان، وجرى بالواو والنون مجرى من يعقل، فهو رد على " ما " ومفعول ~~يعلم محذوف والتقدير: ويجعل هؤلاء الكفار للأصنام التي تعلم شيئا نصيبا. ~~وقد مضى في " الانعام " تفسير هذا المعنى في قوله: " فقالوا هذا لله بزعمهم ~~وهذا لشركائنا (1) ثم رجع من الخبر إلى الخطاب فقال: (تالله لتسئلن) وهذا ~~سؤال توبيخ. (عما كنتم تفترون) أي تختلقونه من الكذب على الله أنه أمركم ~~بهذا. # قوله تعالى: ويجعلون لله البنت سبحانه ولهم ما يشتهون (57) قوله تعالى: ~~(ويجعلون لله البنات) نزلت في خزاعة وكنانة، فإنهم زعموا أن الملائكة بنات ~~الله، فكانوا يقولون الحقوا البنات بالبنات. (سبحانه) نزه نفسه وعظمها عما ~~نسبوه إليه من اتخاذ الأولاد. (ولهم ما يشتهون) أي يجعلون لأنفسهم البنين ~~ويأنفون من البنات. # وموضع " ما " رفع بالابتداء، والخبر " لهم " وتم الكلام عند قوله: " ~~سبحانه ". وأجاز الفراء كونها نصبا، على تقدير: ويجعلون لهم ما يشتهون. ~~وأنكره الزجاج وقال: العرب تستعمل في مثل هذا ويجعلون لأنفسهم. # قوله تعالى: وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم (58) قوله ~~تعالى: (وإذا بشر أحدهم بالأنثى) أي أخبر أحدهم بولادة بنت. (ظل وجهه ~~مسودا) أي متغيرا، وليس يريد السواد الذي هو ضد البياض، وإنما هو كناية عن ~~غمه بالبنت. والعرب تقول لكل من لقى مكروها: قد اسود وجهه غما وحزنا قال ~~الزجاج. # وحكى الماوردي أن المراد سواد اللون قال: وهو قول الجمهور. (وهو كظيم) أي ~~ممتلئ من الغم. وقال ابن عباس: حزين. وقال الأخفش: هو الذي يكظم غيظه فلا ~~يظهره. # وقيل: إنه المغموم الذي يطبق فاه فلا يتكلم من الغم، مأخوذ من الكظامة ~~وهو شد فم القربة، قال على بن عيسى. وقد تقدم هذا المعنى في سورة " يوسف ~~(2) ". # PageV10P116 # قوله تعالى: يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في ~~التراب ألا ساء ما يحكمون (59) قوله تعالى: (يتوارى من القوم) أي يختفي ~~ويتغيب. (من ms3574 سوء ما بشر به) أي من سوء الحزن والعار والحياء الذي يلحقه ~~بسبب البنت. (أيمسكه) ذكر الكناية لأنه مردود على " ما ". (على هون) أي ~~هوان. وكذا قرأ عيسى الثقفي " على هوان " والهون الهوان بلغة قريش، قاله ~~اليزيدي وحكاه أبو عبيد عن الكسائي. وقال الفراء: هو القليل بلغة تميم. ~~وقال الكسائي: هو البلاء والمشقة. وقالت الخنساء: # نهين النفوس وهون النفوس * يوم الكريهة أبقى لها وقرأ الأعمش " أيمسكه ~~على سوء " ذكره النحاس، قال: وقرأ الجحدري " أم يدسها في التراب " يرده على ~~قوله: " بالأنثى " ويلزمه أن يقرأ " أيمسكها (1) ". وقيل: يرجع الهوان إلى ~~البنت، أي أيمسكها وهي مهانة عنده. وقيل: يرجع إلى المولود له، أيمسكه على ~~رغم أنفه أم يدسه في التراب، وهو ما كانوا يفعلونه من دفن البنت حية. قال ~~قتادة: كان مضر وخزاعة يدفنون البنات أحياء، وأشدهم في هذا تميم. زعموا خوف ~~القهر عليهم وطمع غير الأكفاء فيهن. # وكان صعصعة ابن ناجية عم الفرزدق إذا أحس بشئ من ذلك وجه إلى والد البنت ~~إبلا يستحييها بذلك. فقال الفرزدق يفتخر: # وعمى (2) الذي منع الوائدات * وأحيا الوئيد فلم يوأد وقيل: دسها إخفاؤها ~~عن الناس حتى لا تعرف، كالمدسوس في التراب لاخفائه عن الابصار، وهذا محتمل. # مسألة - ثبت في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: جاءتني امرأة ~~ومعها ابنتان لها، فسألتني فلم تجد عندي غير تمرة واحدة، فأعطيتها إياها ~~فأخذتها فقسمتها بين ابنتيها ولم تأكل منها شيئا، ثم قامت فخرجت وابنتاها، ~~فدخل على النبي صلى الله عليه وسلم فحدثته (3) # PageV10P117 # حديثها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " من ابتلى من البنات بشئ فأحسن ~~إليهن كن له سترا من النار ". ففي هذا الحديث ما يدل على أن البنات بلية، ~~ثم أخبر أن في الصبر عليهن والاحسان إليهن ما يقي من النار. وعن عائشة رضي ~~الله عنها أنها قالت: جاءتني مسكينة تحمل ابنتين لها، فأطعمتها ثلاث تمرات ~~فأعطت كل واحدة منهما تمرة، ورفعت إلى فيها تمرة لتأكلها فاستطعمتها ~~ابنتاها فشقت التمرة التي كانت تريد أن تأكلها ms3575 بينهما، فأعجبني شأنها، ~~فذكرت الذي صنعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " إن الله عز وجل قد ~~أوجب لها بها الجنة أو أعتقها بها من النار ". وعن أنس بن مالك قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من عال جاريتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة ~~أنا وهو " وضم أصابعه، خرجهما أيضا مسلم رحمه الله! # وخرج أبو نعيم الحافظ من حديث الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من كانت له بنت فأدبها فأحسن أدبها وعلمها ~~فأحسن تعليمها وأسبغ عليها من نعم الله التي أسبغ عليه كانت له سترا أو ~~حجابا من النار ". وخطب إلى عقيل بن علفة ابنته الجرباء فقال: # إني وإن سيق إلى المهر * ألف وعبدان وخور (1) عشر * أحب أصهاري إلى القبر ~~* وقال عبد الله بن طاهر: # لكل أبى بنت يراعى شؤونها * ثلاثة أصهار إذا حمد الصهر فبعل يراعيها وخدر ~~يكنها * وقبر يواريها وخيرهم القبر (ألا ساء ما يحكمون) أي في إضافة البنات ~~إلى خالقهم وإضافة البنين إليهم. نظيره " ألكم الذكر وله الأنثى. تلك إذا ~~قسمة ضيزى " أي جائرة، وسيأتي (2). # PageV10P118 # قوله تعالى: للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الاعلى وهو ~~العزيز الحكيم (60) قوله تعالى: (للذين لا يؤمنون بالآخرة) أي لهؤلاء ~~الواصفين (1) لله البنات (مثل السوء) أي صفة السوء من الجهل والكفر. وقيل: ~~هو وصفهم الله تعالى بالصاحبة والولد. وقيل: # أي العذاب والنار. (ولله المثل الاعلى) أي الوصف الاعلى من الاخلاص ~~والتوحيد، قاله قتادة. وقيل: أي الصفة العليا بأنه خالق رازق قادر ومجاز. ~~وقال ابن عباس: # " مثل السوء " النار، و " المثل الاعلى " شهادة أن لا إله إلا الله. ~~وقيل: " ليس كمثله شئ (2) ". # وقيل: " ولله المثل الاعلى " كقوله: " الله نور السماوات والأرض مثل نوره ~~(3) ". فإن قيل: # كيف أضاف المثل هنا إلى نفسه وقد قال: " فلا تضربوا لله الأمثال (4) " ~~فالجواب أن قوله: # " فلا تضربوا لله الأمثال " أي الأمثال التي توجب الأشباه والنقائص، أي ~~لا تضربوا لله مثلا يقتضى نقصا وتشبيها ms3576 بالخلق. والمثل الاعلى وصفه بما لا ~~شبيه له ولا نظير، جل وتعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا. (وهو ~~العزيز الحكيم) تقدم معناه (5). # قوله تعالى: ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن ~~يؤخركم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون (61) ~~قوله تعالى: (ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم) أي بكفرهم وافترائهم، وعاجلهم. ~~(ما ترك عليها) أي على الأرض، فهو كناية عن غير مذكور، لكن دل عليه قوله: " ~~من دابة " فإن الدابة لا تدب إلا على الأرض. والمعنى المراد من دابة كافرة ~~فهو خاص. وقيل: المعنى أنه لو أهلك الآباء بكفرهم لم تكن الأبناء. وقيل: ~~المراد بالآية العموم، أي لو أخذ الله الخلق بما كسبوا ما ترك على # PageV10P119 # ظهر هذه الأرض من دابة من نبي ولا غيره، وهذا قول الحسن. وقال ابن مسعود ~~وقرأ هذه الآية: # لو أخذ الله الخلائق بذنوب المذنبين لأصاب العذاب جميع الخلق حتى الجعلان ~~(1) في حجرها، ولامسك الأمطار من السماء والنبات من الأرض فمات الدواب، ~~ولكن الله يأخذ بالعفو والفضل، كما قال: " ويعفو عن كثير (2) " (فإذا جاء ~~أجلهم) أي أجل موتهم ومنتهى أعمارهم. (لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون) وقد ~~تقدم (3) فإن قيل: فكيف يعم بالهلاك مع أن فيهم مؤمنا ليس بظالم؟ قيل: يجعل ~~هلاك الظالم انتقاما وجزاء، وهلاك المؤمن معوضا بثواب الآخرة. وفى صحيح ~~مسلم عن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ~~إذا أراد الله بقوم عذابا أصاب العذاب من كان فيهم ثم بعثوا على نياتهم (4) ~~". # وعن أم سلمة وسئلت عن الجيش الذي يخسف به وكان ذلك في أيام ابن الزبير، ~~فقالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يعوذ بالبيت عائذ فيبعث إليه ~~بعث فإذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بهم " فقلت: يا رسول الله، فكيف بمن ~~كان كارها؟ قال: " يخسف به معهم ولكنه يبعث يوم القيامة على نيته ". وقد ~~أتينا على هذا المعنى مجودا في " كتاب التذكرة " وتقدم في المائدة وآخر ms3577 ~~الانعام (5) ما فيه كفاية، والحمد لله. وقيل: (فإذا جاء أجلهم) أي فإذا جاء ~~يوم القيامة. والله أعلم. # قوله تعالى: ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا ~~جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون (26) قوله تعالى: (ويجعلون لله ما يكرهون) ~~أي من البنات. (وتصف ألسنتهم الكذب) أي وتقول ألسنتهم الكذب. (أن لهم ~~الحسنى) قال مجاهد: هو قولهم أن لهم البنين ولله البنات. " الكذب " مفعول " ~~تصف " و " أن " في محل نصب بدل من الكذب، لأنه # PageV10P120 # بيان له. وقيل: " الحسنى " الجزاء الحسن، قال الزجاج. وقرأ ابن عباس وأبو ~~العالية ومجاهد وابن محيصن " الكذب " برفع الكاف والذال والباء نعتا ~~للألسنة، وكذا " ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب (1) ". والكذب جمع كذوب، ~~مثل رسول ورسل وصبور وصبر وشكور وشكر. (لا) رد لقولهم، وتم الكلام، أي ليس ~~كما تزعمون. (جرم أن لهم النار) أي حقا أن لهم النار. وقد تقدم مستوفى (2). ~~(وأنهم مفرطون) متركون منسيون في النار، قاله ابن الأعرابي وأبو عبيدة ~~والكسائي والفراء، وهو قول سعيد بن جبير ومجاهد. # وقال ابن عباس وسعيد بن جبير أيضا: مبعدون. قتادة والحسن: معجلون إلى ~~النار مقدمون إليها. والفارط: الذي يتقدم إلى الماء، ومنه قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم: (أنا فرطكم على الحوض) أي متقدمكم. وقال القطامي: # فاستعجلونا وكانوا من صحابتنا * كما تعجل فراط لوراد والفراط: المتقدمون ~~في طلب الماء. والوراد: المتأخرون. وقرأ نافع في رواية ورش " مفرطون " بكسر ~~الراء وتخفيفها، وهي قراءة عبد الله بن مسعود وابن عباس، ومعناه مسرفون في ~~الذنوب والمعصية، أي أفرطوا فيها. يقال: أفرط فلان على فلان إذا أربى عليه، ~~وقال له أكثر مما قال من الشر. وقرأ أبو جعفر القارئ " مفرطون " بكسر الراء ~~وتشديدها، أي مضيعون أمر الله، فهو من التفريط في الواجب. # قوله تعالى: تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين بهم الشيطان أعمالهم ~~فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم (36) قوله تعالى: (تالله لقد أرسلنا إلى ~~أمم قبلك فزين بهم الشيطان أعمالهم) أي أعمالهم الخبيثة. هذا تسلية للنبي ms3578 ~~صلى الله عليه وسلم بأن من تقدمه من الأنبياء قد كفر بهم قومهم. (فهو وليهم ~~اليوم) أي ناصر هم في الدنيا على زعمهم. (ولهم عذاب أليم) # PageV10P121 # في الآخر وقيل: " فهو وليهم " أي قرينهم في النار. " اليوم " يعنى يوم ~~القيامة، وأطلق عليه اسم اليوم لشهرته. وقيل: يقال لهم يوم القيامة: هذا ~~وليكلم فاستنصروا به لينجيكم من العذاب، على جهة التوبيخ لهم. # قوله تعالى: وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ~~ورحمة لقوم يؤمنون (46) قوله تعالى: (وما أنزلنا الكتاب) أي القرآن (إلا ~~لتبين لهم الذي الذي اختلفوا فيه) من الدين والاحكام فتقوم الحجة عليهم ~~ببيانك. وعطفك " هدى ورحمة " على موضع قوله: " لتبين " لان محله نصب. ومجاز ~~الكلام: وما أنزلنا عليك الكتاب إلا تبيانا للناس. (وهدى) أي رشدا (ورحمة) ~~للمؤمنين. # قوله تعالى: والله أنزل من السماء ماء فأحيا بها الأرض بعد موتها إن في ~~ذلك لآية لقوم يسمعون (65) قوله تعالى: (والله أنزل من السماء) أي السحاب. ~~(ماء فأحيا به الأرض بعد موتها) عاد الكلام إلى تعداد النعم وبيان كمال ~~القدرة. (إن في ذلك لآية) أي دلالة على البعث وعلى وحدانيته، إذ علموا أن ~~معبودهم لا يستطيع شيئا، فتكون هذه الدلالة (لقوم يسمعون) عن الله تعالى ~~بالقلوب لا بالآذان، (فإنها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في ~~الصدور (1)). # قوله تعالى: وإن لكم في الانعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ~~ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين (66) # PageV10P122 # فيه عشر مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (وإن لكم في الانعام لعبرة) قد تقدم القول في ~~الانعام (1)، وهي هنا الأصناف الأربعة: الإبل والبقر والضأن والمعز. " ~~لعبرة " أي دلالة على قدرة الله ووحدانيته وعظمته. والعبرة أصلها تمثيل ~~الشئ بالشئ لتعرف حقيقته من طريق المشاكلة، ومنه " فاعتبروا (2) ". وقال ~~أبو بكر الوراق: العبرة في الانعام تسخيرها لأربابها وطاعتها لهم، وتمردك ~~على ربك وخلافك له في كل شئ. ومن أعظم العبر برئ يحمل مذنبا. # الثانية - قوله تعالى: (نسقيكم) قراءة أهل المدينة وابن عامر وعاصم في ~~رواية أبى ms3579 بكر (بفتح النون) من سقى يسقى. وقرأ الباقون وحفص عن عاصم (بضم ~~النون) من أسقى يسقى، وهي قراءة الكوفيين وأهل مكة. قيل: هما لغتان. وقال ~~لبيد: # سقى قومي بنى مجد وأسقى * نميرا والقبائل من هلال وقيل: يقال لما كان من ~~يدك إلى فيه سقيته، فإذا جعلت له شرابا أو عرضته لان يشرب بفيه أو يزرعه ~~قلت أسقيته، قال ابن عزيز، وقد تقدم (3). وقرأت فرقة " تسقيكم " بالتاء، ~~وهي ضعيفة، يعنى الانعام. وقرئ بالياء، أي يسقيكم الله عز وجل. والقراء على ~~القراءتين المتقدمتين، ففتح النون لغة قريش وضمها لغة حمير. # الثالثة - قوله تعالى: (مما في بطونها) اختلف الناس في الضمير من قوله: # " مما في بطونه " على ماذا يعود. فقيل: هو عائد إلى ما قبله وهو جمع ~~المؤنث. قال سيبويه: # العرب تخبر عن الانعام بخبر الواحد. قال ابن العربي: وما أراه عول عليه ~~إلا من هذه الآية، وهذا لا يشبه منصبه ولا يليق بإدراكه. وقيل: لما كان لفظ ~~الجمع وهو اسم الجنس يذكر ويؤنث فيقال: هو الانعام وهي الانعام، جاز عود ~~الضمير بالتذكير، # PageV10P123 # وقال الزجاج، وقال الكسائي: معناه مما في بطون ما ذكرناه، فهو عائد على ~~المذكور، وقد قال الله تعالى: " إنها تذكرة. فمن شاء ذكره (1) " وقال ~~الشاعر: # * مثل الفراخ نتفت حواصله * ومثله كثير. وقال الكسائي: " مما في بطونه " ~~أي مما في بطون بعضه، إذ الذكور لا ألبان لها، وهو الذي عول عليه أبو ~~عبيدة. وقال الفراء: الانعام والنعم واحد، والنعم يذكر، ولهذا تقول العرب: ~~هذا نعم وارد، فرجع الضمير إلى لفظ النعم الذي هو بمعنى الانعام. قال ابن ~~العربي: إنما رجع التذكير إلى معنى الجمع، والتأنيث إلى معنى الجماعة، ~~فذكره هنا باعتبار لفظ الجمع، وأنثه في سورة المؤمنين باعتبار لفظ الجماعة ~~فقال: " نسقيكم مما في بطونها (2) " وبهذا التأويل ينتظم المعنى انتظاما. ~~حسنا. والتأنيث باعتبار لفظ الجماعة والتذكير باعتبار لفظ الجمع أكثر من ~~رمل يبرين وتيهاء فلسطين. # الرابعة - لاستنبط بعض العلماء الجلة وهو القاضي إسماعيل من عود هذا ~~الضمير، أن لبن الفحل يفيد ms3580 التحريم، وقال: إنما جئ به مذكرا لأنه راجع إلى ~~ذكر النعم، لان اللبن للذكر محسوب، ولذلك قضى النبي صلى الله عليه وسلم بأن ~~لبن الفحل يحرم حين أنكرته عائشة [رضي الله عنها (4)] في حديث أفلح أخي أبى ~~القعيس " فللمرأة السقى وللرجل اللقاح " فجرى الاشتراك فيه بينهما. وقد مضى ~~قول في تحريم لبن الفحل في " النساء (5) " والحمد لله. # الخامسة - قوله تعالى: (من بين فرث ودم لبنا خالصا) نبه سبحانه على عظيم ~~قدرته بخروج اللبن خالصا بين الفرث والدم. والفرث: الزبل الذي ينزل إلى ~~الكرش، فإذا خرج لم يسم فرثا. يقال: أفرثت الكرش إذا أخرجت ما فيها. ~~والمعنى: أن الطعام يكون فيه ما في الكرش ويكون منه الدم، ثم يخلص اللبن من ~~الدم، فأعلم الله سبحانه أن هذا اللبن يخرج من بين ذلك وبين الدم في ~~العروق. وقال ابن عباس: إن الدابة تأكل العلف # PageV10P124 # فإذا استقر في كرشها طبخته فكان أسفله فرثا وأوسطه لبنا وأعلاه دما، ~~والكبد مسلط على هذه الأصناف فتقسم الدم وتميزه وتجريه في العروق، وتجري ~~اللبن في الضرع ويبقى الفرث كما هو في الكرش، " حكمة بالغة فما تغن (1) ~~النذر ". (خالصا) يريد من حمرة الدم وقذارة الفرث وقد جمعهما وعاء واحد. ~~وقال ابن بحر: خالصا بياضه. قال النابغة: # * بخالصة الأردان (9) خضر المناكب * أي بيض الأكمام. وهذه قدرة لا تنبغي ~~إلا للقائم على كل شئ بالمصلحة. # السادسة - قال النقاش: في هذا دليل على أن المنى ليس بنجس. وقاله أيضا ~~غيره واحتج بأن قال: كما يخرج اللبن من بين الفرث والدم سائغا خالصا كذلك ~~يجوز أن يخرج المنى على مخرج البول طاهرا. قال ابن العربي: إن هذا لجهل ~~عظيم وأخذ شنيع، اللبن جاء الخبر عنه مجئ النعمة والمنة الصادرة عن القدرة ~~ليكون عبرة، فاقتضى ذلك كله وصف الخلوص واللذة، وليس المنى من هذه الحالة ~~حتى يكون ملحقا به أو مقيسا عليه. # قلت: قد يعارض هذا بأن يقال: وأي منة أعظم وأرفع من خروج المنى الذي يكون ~~عنه الانسان المكرم، وقد قال تعالى: ms3581 " يخرج من بين الصلب والترائب (3) "، ~~وقال: " والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ~~(4) " وهذا غاية في الامتنان. # فإن قيل: إنه يتنجس بخروجه في مجرى البول، قلنا: هو ما أردناه، فالنجاسة ~~عارضة وأصله طاهر، وقد قيل: إن مخرجه غير مخرج البول وخاصة المرأة، فإن ~~مدخل الذكر منها ومخرج الولد غير مخرج البول على ما قاله العلماء. وقد تقدم ~~في البقرة. فإن قيل: أصله دم فهو نجس، قلنا ينتقض بالمسك، فإن أصله دم وهو ~~طاهر. وممن قال بطهارته الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وغيرهم، لحديث عائشة ~~رضي الله عنها قالت: كنت أفركه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم يابسا ~~بظفري. قال الشافعي: فإن لم يفرك فلا بأس به. وكان سعد # PageV10P125 # ابن أبي وقاص يفرك المنى من ثوبه. وقال ابن عباس: هو كالنخامة أمطه عنك ~~بإذخرة وامسحه بخرقة. فإن قيل: فقد ثبت عن عائشة أنها قالت: كنت أغسل المنى ~~من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب وأنا ~~أنظر إلى أثر الغسل فيه. قلنا: يحتمل أن تكون غسلته استقذارا كالأشياء التي ~~تزال من الثوب لا لنجاسة، ويكون هذا جمعا بين الأحاديث. والله أعلم. وقال ~~مالك وأصحابه والأوزاعي: هو نجس. قال مالك: غسل الاحتلام من الثوب أمر واجب ~~مجتمع عليه عندنا، وهو قول الكوفيين. # ويروى عن عمر بن الخطاب وابن مسعود وجابر بن سمرة أنهم غسلوه من ثيابهم. ~~واختلف فيه عن ابن عمر وعائشة. وعلى هذين القولين في نجاسة المنى وطهارته ~~التابعون. # السابعة - في هذه الآية دليل على جواز الانتفاع بالألبان من الشرب وغيره، ~~فأما لبن الميتة فلا يجوز الانتفاع به، لأنه مائع طاهر حصل في وعاء نجس، ~~وذلك أن ضرع الميتة نجس واللبن طاهر فإذا حلب صار مأخوذا من وعاء نجس. فأما ~~لبن المرأة الميتة فاختلف أصحابنا فيه، فمن قال: إن الانسان (1) طاهر حيا ~~وميتا فهو طاهر. ومن قال: # ينجس بالموت فهو نجس. وعلى القولين جميعا تثبت الحرمة، لان ms3582 الصبي قد ~~يغتذى به كما يغتذى من الحية، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ~~الرضاع ما أنبت اللحم وأنشز العظم ". ولم يخص، وقد مضى في: " النساء (1) ". # الثامنة - قوله تعالى: (سائغا للشاربين) أي لذيذا هينا لا يغص به من ~~شربه. # يقال: ساغ الشراب يسوغ سوغا أي سهل مدخله في الحلق، وأساغه شاربه، وسغته ~~أنا أسيغه وأسوغه، يتعدى، والأجود أسغته إساغة. يقال: أسغ لي غصتي أي ~~أمهلني ولا تعجلني، وقال تعالى: " يتجرعه ولا يكاد يسيغه (3) ". والسواغ ~~(بكسر السين) ما أسغت به غصتك. يقال: الماء سواغ الغصص، ومنه قول الكميت: # * فكانت سواغا أن جئزت بغصة * وروى: أن اللبن لم يشرق به أحد قط، وروى ~~ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. # PageV10P126 # التاسعة - في هذه الآية دليل على استعمال الحلاوة والأطعمة اللذيذة ~~وتناولها، ولا يقال: إن ذلك يناقض الزهد أو يباعده، لكن إذا كان من وجهه ~~ومن غير سرف ولا إكثار. وقد تقدم هذا المعنى في " المائدة (1) " وغيرها. ~~وفى الصحيح عن أنس قال: # لقد سقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدحي هذا الشراب كله: العسل ~~والنبيذ واللبن والماء. وقد كره بعض القراء أكل الفالوذج (2) واللبن من ~~الطعام، وأباحه عامة العلماء. # وروى عن الحسن أنه كان على مائدة ومعه مالك بن دينار، فأتى بفالوذج ~~فامتنع عن أكله، فقال له الحسن: كل! فإن عليك في الماء البارد أكثر من هذا. # العاشرة - روى أبو داود وغيره عن ابن عباس قال: أتى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بلبن فشرب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا أكل أحدكم ~~طعاما فليقل اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيرا منه، وإذا سقى لبنا فليقل ~~اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه فإنه ليس شئ يجزى عن الطعام والشراب إلا ~~اللبن ". قال علماؤنا: فكيف لا يكون ذلك وهو أول ما يغتذى به الانسان وتنمى ~~به الجثث والأبدان، فهو قوت خلى عن المفاسد به قوام الأجسام، وقد جعله الله ~~تعالى علامة لجبريل على هداية هذه الأمة التي هي ms3583 خير الأمم أمة، فقال في ~~الصحيح: " فجاءني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن فقال لي ~~جبريل اخترت الفطرة أما إنك لو اخترت الخمر غوت أمتك). ثم إن في الدعاء ~~بالزيادة منه علامة الخصب وظهور الخيرات [وكثرة (4)] والبركات، فهو مبارك ~~كله. # قوله تعالى: ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا إن في ~~ذلك لآية لقوم يعقلون (67) الأولى - قوله تعالى: " ومن ثمرات النخيل " قال ~~الطبري: التقدير ومن ثمرات النخيل والأعناب ما تتخذون، فحذف " ما " ودل على ~~حذفه قوله: " منه ". وقيل: # PageV10P127 # المحذوف شئ، والامر قريب. وقيل: معنى " منه " أي من المذكور، فلا يكون في ~~الكلام حذف وهو أولى. ويجوز أن يكون قوله: " ومن ثمرات " عطفا على " ~~الانعام "، أي ولكم من ثمرات النخيل والأعناب عبرة. ويجوز أن يكون معطوفا ~~على " مما " أي ونسقيكم أيضا مشروبات من ثمرات. # الثانية - قولة تعالى: (سكرا) السكر ما يسكر، هذا هو المشهور في اللغة. ~~قال ابن عباس: نزلت هذه الآية قبل تحريم الخمر. وأراد بالسكر الخمر، ~~وبالرزق الحسن جميع ما يؤكل ويشرب حلالا من هاتين الشجرتين. وقال بهذا ~~القول ابن جبير والنخعي والشعبي وأبو ثور. وقد قيل: إن السكر الخل بلغة ~~الحبشة، والرزق الحسن الطعام. وقيل: السكر العصير الحلو الحلال، وسمى سكرا ~~لأنه قد يصير مسكرا إذا بقى، فإذا بلغ الاسكار حرم. # قال ابن العربي: أسد، هذه الأقوال قول ابن عباس، ويخرج ذلك على أحد ~~معنيين، إما أن يكون ذلك قبل تحريم الخمر، وإما أن يكون المعنى: أنعم الله ~~عليكم بثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه ما حرم الله عليكم اعتداء منكم، ~~وما أحل لكم اتفاقا أو قصدا إلى منفعة أنفسكم. # والصحيح أن ذلك كان قبل تحريم الخمر فتكون منسوخة، فإن هذه الآية مكية ~~باتفاق من العلماء، وتحريم الخمر مدني. # قلت: فعلى أن السكر الخمر أو العصير الحلو لا نسخ، وتكون الآية محكمة وهو ~~حسن. # قال ابن عباس: الحبشة يسمون الخل السكر، إلا أن الجمهور على أن السكر ~~الخمر، منهم ابن مسعود وابن عمر وأبو ms3584 رزين والحسن ومجاهد وابن أبي ليلى ~~والكلبي وغيرهم ممن تقدم ذكرهم، كلهم قالوا: السكر ما حرمه الله من ~~ثمرتيهما. وكذا قال أهل اللغة: السكر اسم للخمر وما يسكر، وأنشدوا: # بئس الصحاة وبئس الشرب شربهم * إذا جرى فيهم المزاء والسكر والرزق الحسن: ~~ما أحله الله من مرتيهما. وقيل: إن قوله " تتخذون منه سكرا " خبر معناه ~~الاستفهام بمعنى الانكار، أي أتتخذون منه سكرا وتدعون رزقا حسنا الخل ~~والزبيب PageV10P128 # والتمر، كقوله: " فهم الخالدون (1) " أي أفهم الخالدون. والله أعلم. وقال ~~أبو عبيدة: # السكر الطعم، يقال: هذا سكر لك أي طعم. وأنشد: # * جعلت عيب الأكرمين سكرا * أي جعلت ذمهم طعما. وهذا اختيار الطبري أن ~~السكر ما يطعم من الطعام وحل شربه من ثمار النخيل والأعناب، وهو الرزق ~~الحسن، فاللفظ مختلف والمعنى واحد، مثل " إنما أشكو بثي وحزني (2) إلى الله ~~" وهذا حسن ولا نسخ، إلا أن الزجاج قال: قول أبى عبيدة هذا لا يعرف، وأهل ~~التفسير على خلافه، ولا حجة له في البيت الذي أنشده، لان معناه عند غيره ~~أنه يصف أنها تتخمر بعيوب الناس. وقال الحنفيون: المراد بقوله: " سكرا " ما ~~لا يسكر من الأنبذة، والدليل عليه أن الله سبحانه وتعالى أمتن على عباده ~~بما خلق لهم من ذلك، ولا يقع الامتنان إلا بمحلل لا بمحرم، فيكون ذلك دليلا ~~على جواز شرب ما دون المسكر من النبيذ، فإذا انتهى إلى السكر لم يجز، ~~وعضدوا هذا من السنة بما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " حرم ~~الله الخمر بعينها والسكر من غيرها ". وبما رواه عبد الملك بن نافع عن ابن ~~عمر قال: رأيت رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عند الركن، ~~ودفع إليه القدح فرفعه إلى فيه فوجده شديدا فرده إلى صاحبه، فقال له حينئذ ~~رجل من القوم: # يا رسول الله، أحرام هو؟ فقال: " على بالرجل " فأتى به فأخذ منه القدح، ~~ثم دعا بماء فصبه فيه ثم رفعه إلى فيه فقطب، ثم دعا بماء أيضا فصبه فيه ثم ~~قال: " إذا ms3585 اغتلمت (3) عليكم هذه الأوعية فاكسروا متونها بالماء ". وروى ~~أنه عليه السلام كان ينبذ له فيشربه ذلك اليوم، فإذا كان من اليوم الثاني ~~أو الثالث سقاه الخادم إذا تغير، ولو كان حراما ما سقاه إياه. # قال الطحاوي: وقد روى أبو عون الثقفي عن عبد الله بن شداد عن ابن عباس ~~قال: # حرمت الخمر بعينها القليل منها والكثير والسكر من كل شراب، خرجه ~~الدارقطني أيضا. # PageV10P129 # ففي هذا الحديث وما كان مثله، أن غير الخمر لم تحرم عينه كما حرمت الخمر ~~بعينها. قالوا: والخمر شراب العنب خلاف فيها، ومن حجتهم أيضا ما رواه شريك ~~بن عبد الله، حدثنا أبو إسحاق الهمداني عن عمرو بن ميمون قال قال عمر بن ~~الخطاب: إنا نأكل لحوم هذه الإبل وليس يقطعه في بطوننا إلا النبيذ. قال ~~شريك: ورأيت الثوري يشرب النبيذ في بيت حبر أهل زمانه مالك بن مغول. ~~والجواب أن قولهم: إن الله سبحانه وتعالى أمتن على عباده ولا يكون امتنانه ~~إلا بما أحل فصحيح، بيد أنه يحتمل أن يكون ذلك قبل تحريم الخمر كما بيناه ~~فيكون منسوخا كما قدمناه. قال ابن العربي: إن قيل كيف ينسخ هذا وهو خبر ~~والخبر لا يدخله النسخ، قلنا: هذا كلام من لم يتحقق الشريعة، وقد بينا أن ~~الخبر إذا كان عن الوجود الحقيقي أو عن إعطاء ثواب فضلا من الله فهو الذي ~~لا يدخله النسخ، فأما إذا تضمن الخبر حكما شرعيا فالاحكام تتبدل وتنسخ، ~~جاءت بخبر أو أمر، ولا يرجع النسخ إلى نفس اللفظ وإنما يرجع إلى ما تضمنه، ~~فإذا فهمتم هذا خرجتم عن الصنف الغبي الذي أخبر الله عن الكفار فيه بقوله: ~~" وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل ~~أكثرهم لا يعلمون (1) ". المعنى أنهم جهلوا أن الرب يأمر بما يشاء ويكلف ما ~~يشاء، ويرفع من ذلك بعدل ما يشاء ويثبت ما يشاء وعنده أم الكتاب. # قلت: هذا تشنيع شنيع حتى يلحق فيه العلماء الأخيار في قصور الفهم ~~بالكفار، والمسألة أصولية، وهي ms3586 أن الاخبار عن الأحكام الشرعية هل يجوز ~~نسخها أم لا؟ اختلف في ذلك، والصحيح جوازه لهذه الآية وما كان مثلها، ولأن ~~الخبر عن مشروعية حكم ما يتضمن طلب ذلك المشروع، وذلك الطلب هو الحكم ~~الشرعي الذي يستدل على نسخه. والله أعلم. # وأما ما ذكروا من الأحاديث فالأول والثاني ضعيفان، لأنه عليه السلام قد ~~روى عنه بالنقل الثابت أنه قال: " كل شراب أسكر فهو حرام " وقال: " كل مسكر ~~خمر وكل مسكر حرام " وقال: " ما أسكر كثيره فقليله حرام ". قال النسائي: ~~وهؤلاء أهل الثبت والعدالة مشهورون # PageV10P130 # بصحة النقل، وعبد الملك لا يقوم مقام واحد منهم ولو عاضده من أشكاله ~~جماعة، وبالله التوفيق. وأما الثالث وإن كان صحيحا فإنه ما كان يسقيه ~~للخادم على أنه مسكر، وإنما كان يسقيه لأنه متغير الرائحة. وكان صلى الله ~~عليه وسلم يكره أن توجد منه الرائحة، فلذلك لم يشربه، ولذلك تحيل عليه ~~أزواجه في عسل زبيب بأن قيل له: إنا نجد منك ريح مغافير، يعنى ريحا منكرة، ~~فلم يشربه بعد. وسيأتي في التحريم (1). وأما حديث ابن عباس فقد روى عنه ~~خلاف ذلك من رواية عطاء وطاوس ومجاهد أنه قال: " ما أسكر كثيره فقليله حرام ~~"، ورواه عنه قيس بن دينار. وكذلك فتياه في المسكر، قاله الدارقطني. ~~والحديث الأول رواه عنه عبد الله ابن شداد وقد خالفه الجماعة، فسقط القول ~~به مع ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم. # وأما ما روى عن عمر من قوله: ليس يقطعه في بطوننا إلا النبيذ، فإنه يريد ~~غير المسكر بدليل ما ذكرنا. وقد روى النسائي عن عتبة بن فرقد قال: كان ~~النبيذ الذي شربه عمر بن الخطاب قد خلل. قال النسائي: ومما يدل على صحة هذا ~~حديث السائب، قال الحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع عن ابن القاسم: ~~حدثني مالك عن ابن شهاب عن السائب بن يزيد، أنه أخبره أن عمر بن الخطاب خرج ~~عليهم فقال: إني وجدت من فلان ريح شراب، فزعم أنه شراب الطلاء، وأنا سائل ~~عما شرب، ms3587 فإن كان مسكرا جلدته، فجلده عمر بن الخطاب رضي الله عنه الحد ~~تاما. وقد قال في خطبته على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما بعد، ~~أيها الناس فإنه نزل تحريم الخمر وهي من خمسة: من العنب والعسل والتمر ~~والحنطة والشعير. # والخمر ما خامر العقل. وقد تقدم في " المائدة (2) ". فإن قيل: فقد أحل ~~شربه إبراهيم النخعي وأبو جعفر الطحاوي وكان إمام أهل زمانه، وكان سفيان ~~الثوري يشربه. قلنا: ذكر النسائي في كتابه أن أول من أحل المسكر من الأنبذة ~~إبراهيم النخعي، وهذه زلة من عالم وقد حذرنا من زلة العالم، ولا حجة في قول ~~أحد مع السنة (3). وذكر النسائي أيضا عن ابن المبارك قال: ما وجدت الرخصة ~~في المسكر عن أحد صحيحا إلا عن إبراهيم. قال أبو أسامة: ما رأيت # PageV10P131 # رجلا أطلب للعلم من عبد الله بن المبارك الشامات (1) ومصر واليمن ~~والحجاز. وأما الطحاوي وسفيان لو صح ذلك عنهما لم يحتج بهما على من خالفهما ~~من الأئمة في تحريم المسكر مع ما ثبت من السنة، على أن الطحاوي قد ذكر في ~~كتابه الكبير في الاختلاف خلاف ذلك. # قال أبو عمر بن عبد البر في كتاب التمهيد له: قال أبو جعفر الطحاوي اتفقت ~~الأمة على أن عصير العنب إذا اشتد وغلى وقذف بالزبد فهو خمر ومستحله كافر. ~~واختلفوا في نقيع التمر إذا غلى وأسكر. قال: فهذا يدلك على أن حديث يحيى بن ~~أبي كثير عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " الخمر من ~~هاتين الشجرتين النخلة والعنب " غير معمول به عندهم، لأنهم لو قبلوا الحديث ~~لأكفروا مستحل نقيع التمر، فثبت أنه لم يدخل في الخمر المحرمة غير عصير ~~العنب الذي قد اشتد وبلغ أن يسكر. قال: ثم لا يخلو من أن يكون التحريم ~~معلقا بها فقط غير مقيس عليها غيرها أو يجب القياس عليها، فوجدناهم جميعا ~~قد قاسوا عليها نقيع التمر إذا غلى وأسكر كثيره وكذلك نقيع الزبيب. قال: ~~فوجب قياسا على ذلك أن يحرم كل ms3588 ما أسكر من الأشربة. قال: وقد روى عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " كل مسكر حرام " واستغنى عن سنده لقبول الجميع له، وإنما الخلاف بينهم ~~في تأويله، فقال بعضهم: أراد به جنس ما يسكر. وقال بعضهم: أراد به ما يقع ~~السكر عنده كما لا يسمى قاتلا إلا مع وجود القتل. # قلت: فهذا يدل على أنه محرم عند الطحاوي لقوله، فوجب قياسا على ذلك أن ~~يحرم كل ما أسكر من الأشربة. وقد روى الدارقطني في سننه عن عائشة رضي الله ~~عنها أنها قالت: إن الله لم يحرم الخمر لاسمها وإنما حرمها لعاقبتها، فكل ~~شراب يكون عاقبته كعاقبة الخمر فهو حرام كتحريم الخمر. قال ابن المنذر: ~~وجاء أهل الكوفة بأخبار معلولة، وإذا اختلف الناس في الشئ وجب رد ذلك إلى ~~كتاب الله وسنة رسوله عليه السلام، وما روى عن بعض التابعين أنه شرب الشراب ~~الذي يسكر كثيره فللقوم ذنوب يستغفرون # PageV10P132 # الله منها، وليس يخلو ذلك من أحد معنيين: إما مخطئ أخطأ في التأويل على ~~حديث سمعه، أو رجل أتى ذنبا لعله أن يكثر من الاستغفار لله تعالى، والنبي ~~صلى الله عليه وسلم حجة الله على الأولين والآخرين من هذه الأمة. وقد قيل ~~في تأويل الآية: إنها إنما ذكرت للاعتبار، أي من قدر على خلق هذه الأشياء ~~قادر على البعث، وهذا الاعتبار لا يختلف بأن كانت الخمر حلالا أو حراما، ~~فاتخاذ السكر لا يدل على التحريم، وهو كما قال تعالى: " قل فيهما إثم كبير ~~ومنافع للناس (1) " والله أعلم. # قوله تعالى: وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ~~ومما يعرشون (68) فيه ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (وأوحى ربك إلى النحل) قد مضى القول في الوحي وأنه ~~قد يكون بمعنى (2) الالهام، وهو ما يخلقه الله تعالى في القلب ابتداء من ~~غير سبب ظاهر، وهو من قوله تعالى: " ونفس وما سواها. فألهمها فجورها (3) ~~وتقواها ". ومن ذلك البهائم وما يخلق الله سبحانه فيها من درك منافعها ~~واجتناب مضارها وتدبير معاشها. وقد ms3589 أخبر عز وجل بذلك عن الموات فقال: " ~~تحدث أخبارها. بأن ربك أوحى لها (3) ". قال إبراهيم الحربي. لله عز وجل في ~~الموات قدرة لم يدر ما هي، لم يأتها رسول من عند الله ولكن الله تعالى ~~عرفها ذلك، أي ألهمها. ولا خلاف بين المتأولين أن الوحي هنا بمعنى الالهام. ~~وقرأ يحيى بن وثاب " إلى النحل " بفتح الحاء. وسمى نحلا لان الله عز وجل ~~نحله العسل الذي يخرج منه، قاله الزجاج. الجوهري: والنحل والنحلة الدبر يقع ~~على الذكر والأنثى، حتى يقال: يعسوب. # والنحل يؤنث في لغة أهل الحجاز، وكل جمع ليس بينه وبين واحده إلا الهاء. ~~وروى من حديث # PageV10P133 # أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " الذبان كلها في النار ~~يجعلها عذابا لأهل النار إلا النحل " ذكره الترمذي الحكيم في (نوادر ~~الأصول). وروى عن ابن عباس قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل ~~النملة والنحلة والهدهد والصرد (1)، خرجه أبو داود أيضا، وسيأتي في " النمل ~~(2) " إن شاء الله تعالى. # الثانية - قوله تعالى: (أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر) هذا إذا لم ~~يكن لها مليك (3). (ومما يعرشون) جعل الله بيوت النحل في هذه الثلاثة ~~الأنواع، إما في الجبال وكواها، وإما في متجوف الأشجار وإما فيما يعرش ابن ~~آدم من الاجباح (4) والخلايا والحيطان وغيرها. وعرش معناه هنا هيأ، وأكثر ~~ما يستعمل فيما يكون من إتقان الأغصان والخشب وترتيب ظلالها، ومنه العريش ~~الذي صنع لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر، ومن هذا لفظة العرش. ~~يقال: عرش يعرش ويعرش (بكسر الراء وضمها)، وقرئ بهما. قرأ ابن عامر بالضم ~~وسائرهم بالكسر، واختلف في ذلك عن عاصم. # الثالثة - قال ابن العربي: ومن عجيب ما خلق الله في النحل أن ألهمها ~~لاتخاذ بيوتها مسدسة، فبذلك اتصلت حتى صارت كالقطعة الواحدة، وذلك أن ~~الاشكال من المثلث إلى المعشر إذا جمع كل واحد منها إلى أمثاله لم يتصل ~~وجاءت بينهما فرج، إلا الشكل المسدس، فإنه إذا جمع إلى أمثاله اتصل كأنه ~~كالقطعة الواحدة. ms3590 # قوله تعالى: ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها ~~شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون (69) # PageV10P134 # قوله تعالى: (ثم كلي من كل الثمرات) وذلك أنها إنما تأكل النوار من ~~الأشجار. # (فاسلكي سبل ربك) أي طرق ربك. والسبل: الطرق، وأضافها إليه لأنه خالقها. # أي ادخلي طرق ربك لطلب الرزق في الجبال وخلال الشجر. (ذللا) جمع ذلول وهو ~~المنقاد، أي مطيعة مسخرة. ف‍ " ذللا " حال من النحل. أي تنقاد وتذهب حيث ~~شاء صاحبها، لأنها تتبع أصحابها حيث ذهبوا، قاله ابن زيد. وقيل: المراد ~~بقوله " ذللا " السبل. # واليعسوب سيد (1) النحل، إذا وقف وقفت وإذا سار سارت. # قوله تعالى: (يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس) فيه تسع ~~مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (يخرج من بطونها) رجع الخطاب إلى الخبر على جهة ~~تعديد النعمة والتنبيه على العبرة فقال: " يخرج من بطونها شراب " يعنى ~~العسل. وجمهور الناس على أن العسل يخرج من أفواه النحل، وورد عن علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه أنه قال في تحقيره للدنيا: أشرف لباس ابن آدم فيها لعاب ~~دودة، وأشرف شرابه رجيع نحلة. # فظاهر هذا أنه من غير الفم. وبالجملة فإنه يخرج ولا يدرى من فيها أو ~~أسفلها، ولكن لا يتم صلاحه إلا بحمى أنفاسها. وقد صنع أرسطا طاليس بيتا من ~~زجاج لينظر إلى كيفية ما تصنع، فأبت أن تعمل حتى لطخت باطن الزجاج بالطين، ~~ذكره الغزنوي. وقال: " من بطونها " لان استحالة الأطعمة لا تكون إلا في ~~البطن. # الثانية - قوله تعالى: (مختلف ألوانه) يريد أنواعه من الأحمر والأبيض ~~والأصفر والجامد والسائل، والام واحدة والأولاد مختلفون دليل على أن القدرة ~~نوعته بحسب تنويع الغذاء، كما يختلف طعمه بحسب اختلاف المراعى، ومن هذا ~~المعنى قول زينب للنبي صلى الله عليه وسلم: " جرست نحله العرفط (2) " حين ~~شبهت رائحته برائحة المغافير. # PageV10P135 # الثالثة - قوله تعالى: (فيه شفاء للناس) الضمير للعسل، قال الجمهور. # أي في العسل شفاء للناس. وروى عن ابن عباس والحسن ومجاهد ms3591 والضحاك والفراء ~~وابن كيسان: الضمير للقرآن، أي في القرآن شفاء. النحاس: وهذا قول حسن، أو ~~فيما قصصنا عليكم من الآيات والبراهين شفاء للناس. وقيل: العسل فيه شفاء، ~~وهذا القول بين أيضا، لان أكثر الأشربة والمعجونات التي يتعالج بها أصلها ~~من العسل. قال القاضي أبو بكر ابن العربي: من قال إنه القرآن بعيد ما أراه ~~يصح عنهم، ولو صح نقلا لم يصح عقلا، فإن مساق الكلام كله للعسل، ليس للقرآن ~~فيه ذكر. قال ابن عطية: وذهب قوم من أهل الجهالة إلى أن هذه الآية يراد بها ~~أهل البيت وبنو هاشم، وأنهم النحل، وأن الشراب القرآن والحكمة، وقد ذكر هذا ~~بعضهم في مجلس المنصور أبى جعفر العباسي، فقال له رجل ممن حضر: جعل الله ~~طعامك وشرابك مما يخرج من بطون بنى هاشم، فأضحك الحاضرين وبهت الآخر وظهرت ~~سخافة قوله. # الرابعة - اختلف العلماء في قوله تعالى: (فيه شفاء للناس) هل هو على ~~عمومه أم لا، فقالت طائفة: هو على العموم في كل حال ولكل أحد، فروى عن ابن ~~عمر أنه كان لا يشكو قرحة ولا شيئا إلا جعل عليه عسلا، حتى الدمل إذا خرج ~~عليه طلى عليه عسلا. # وحكى النقاش عن أبي وجرة أنه كان يكتحل بالعسل ويستمشى بالعسل ويتداوى ~~بالعسل. # وروى أن عوف بن مالك الأشجعي مرض فقيل له: ألا نعالجك؟ فقال: ائتوني ~~بالماء، فإن الله تعالى يقول: " ونزلنا من السماء ماء (1) مباركا " ثم قال: ~~ائتوني بعسل، فإن الله تعالى يقول: " فيه شفاء للناس " وائتوني بزيت، فإن ~~الله تعالى يقول: " من شجرة مباركة (2) " فجاءوه بذلك كله فخلطه جميعا ثم ~~شربه فبرئ. ومنهم من قال: إنه على العموم إذا خلط بالخل ويطبخ فيأتي شرابا ~~ينتفع به في كل حالة من كل داء. وقالت طائفة: إن ذلك على الخصوص ولا يقتضى ~~العموم في كل علة وفى كل إنسان، بل إنه خبر عن أنه يشفى كما يشفى غيره من # PageV10P136 # الأدوية في بعض وعلى حال دون حال، ففائدة الآية إخبار منه في أنه دواء ~~لما كثر ms3592 الشفاء به وصار خليطا ومعينا للأدوية في الأشربة والمعاجين، وليس ~~هذا بأول لفظ خصص فالقرآن مملوء منه ولغة العرب يأتي فيها العام كثيرا ~~بمعنى الخاص والخاص بمعنى العام. ومما يدل على أنه ليس على العموم أن " ~~شفاء " نكرة في سياق الاثبات، ولا عموم فيها باتفاق أهل اللسان ومحققي أهل ~~العلم ومختلقي أهل الأصول. لكن قد حملته طائفة من أهل الصدق والعزم على ~~العموم. فكانوا يستشفون بالعسل من كل الأوجاع والأمراض، وكانوا يشفون من ~~عللهم ببركة القرآن وبصحة التصديق والايقان. ابن العربي: ومن ضعفت نيته ~~وغلبته على الدين عادته أخذه مفهوما على قول الأطباء، والكل من حكم الفعال ~~لما يشاء. # الخامسة - إن قال قائل: قد رأينا من ينفعه العسل ومن يضره، فكيف يكون ~~شفاء للناس؟ قيل له: الماء حياة كل شئ وقد رأينا من يقتله الماء إذا أخذه ~~على ما يضاده من علة في البدن، وقد رأينا شفاء العسل في أكثر هذه الأشربة، ~~قال معناه الزجاج. وقد اتفق الأطباء عن بكرة أبيهم على مدح عموم منفعة ~~السكنجبين (1) في كل مرض، وأصله العسل وكذلك سائر المعجونات، على أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قد حسم داء الاشكال وأزاح وجه الاحتمال حين أمر الذي ~~يشتكي بطنه بشرب العسل، فلما أخبره أخوه بأنه لم يزده إلا استطلاقا أمره ~~بعود الشراب له فبرئ، وقال: " صدق الله وكذب بطن أخيك ". # السادسة - اعترض بعض زنادقة الأطباء على هذا الحديث فقال: قد أجمعت ~~الأطباء على أن العسل يسهل فكيف يوصف لمن به الاسهال، فالجواب أن ذلك القول ~~حق في نفسه لمن حصل له التصديق بنبيه عليه السلام، فيستعمله على الوجه الذي ~~عينه وفى المحل الذي أمره بعقد نية وحسن طوية، فإنه يرى منفعته ويدرك ~~بركته، كما قد اتفق لصاحب هذا العسل وغيره كما تقدم. وأما ما حكى من ~~الاجماع فدليل على جهله بالنقل حيث لم يقيد وأطلق. قال الإمام أبو عبد الله ~~المازري: ينبغي أن يعلم أن الاسهال يعرض من ضروب كثيرة، منها الاسهال # PageV10P137 # الحادث عن التخم والهيضات ms3593 (1)، والأطباء مجمعون في مثل هذا على أن علاجه ~~بأن يترك للطبيعة وفعلها، وإن احتاجت إلى معين على الاسهال أعينت ما دامت ~~القوة باقية، فأما حبسها فضرر، فإذا وضح هذا قلنا: فيمكن أن يكون ذلك الرجل ~~أصابه الاسهال عن امتلاء وهيضة فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بشرب العسل ~~فزاده إلى أن فنيت المادة فوقف الاسهال فوافقه شرب العسل. فإذا خرج هذا عن ~~صناعة الطب أذن ذلك بجهل المعترض بتلك الصناعة. # قال: ولسنا نستظهر على قول نبينا بأن يصدقه الأطباء بل لو كذبوه لكذبناهم ~~ولكفرناهم وصدقناه صلى الله عليه وسلم، فإن أوجدونا بالمشاهدة صحة ما قالوه ~~فنفتقر حينئذ إلى تأويل كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وتخريجه على ما ~~يصح إذ قامت الدلالة على أنه لا يكذب. # السابعة - في قوله تعالى: (فيه شفاء للناس) دليل على جواز التعالج بشرب ~~الدواء وغير ذلك خلافا لمن كره ذلك من جلة العلماء، وهو يرد على الصوفية ~~الذين يزعمون أن الولاية لا تتم إلا إذا رضى بجميع ما نزل به من البلاء، ~~ولا يجوز له مداواة. ولا معنى لمن أنكر ذلك، روى الصحيح عن جابر عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لكل داء دواء فإذا أصيب دواء الداء برأ ~~بإذن الله ". وروى أبو داود والترمذي عن أسامة بن شريك قال قالت الاعراب: ~~ألا نتداوى يا رسول الله؟ قال: " نعم. يا عباد الله تداووا فإن الله لم يضع ~~داء إلا وضع له شفاء أو دواء إلا داء واحد " قالوا: يا رسول الله وما هو؟ ~~قال: " الهرم " لفظ الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. ورو ي عن أبي خزامة عن ~~أبيه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، أرأيت ~~رقى نسترقيها ودواء نتداوى به وتقاة نتقيها، هل ترد من قدر الله شيئا؟ قال: ~~" هي من قدر الله " قال: حديث حسن، ولا يعرف لأبي خزامة غير هذا الحديث. ~~وقال صلى الله عليه وسلم: " إن كان في شئ من أدويتكم خير ms3594 ففي شرطة محجم أو ~~شربة من عسل أو لذعة بنار وما أحب أن أكتوي " أخرجه الصحيح. والأحاديث في ~~هذا الباب أكثر من أن تحصى. وعلى إباحة التداوي والاسترقاء # PageV10P138 # جمهور العلماء. روى أن ابن عمر اكتوى من اللقوة (1) ورقى من العقرب. وعن ~~ابن سيرين أن ابن عمر كان يسقى ولده الترياق (2). وقال مالك: لا بأس بذلك. ~~وقد احتج من كره ذلك بما رواه أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " دخلت أمة بقضها (3) وقضيضها الجنة كانوا لا يسرقون ولا يكتوون ولا ~~يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون ". قالوا: فالواجب على المؤمن أن يترك ذلك ~~اعتصاما بالله وتوكلا عليه وثقة به وانقطاعا إليه، فإن الله تعالى قد علم ~~أيام المرض وأيام الصحة فلو حرص الخلق على تقليل ذلك أو زيادته ما قدروا، ~~قال الله تعالى: " ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من ~~قبل أن نبرأها (4) ". وممن ذهب إلى هذا جماعة من أهل الفضل والأثر، وهو قول ~~ابن مسعود وأبى الدرداء رضوان الله عليهم. دخل عثمان بن عفان على ابن مسعود ~~في مرضه الذي قبض فيه فقال له عثمان: ما تشتكي؟ قال ذنوبي. قال: فما تشتهى؟ ~~قال رحمة ربى. # قال: ألا أدعو لك طبيبا؟ قال: الطبيب أمرضني... وذكر الحديث. وسيأتي ~~بكماله في فضل الواقعة إن شاء الله تعالى. وذكر وكيع قال: حدثنا أبو هلال ~~عن معاوية بن قرة قال: مرض أبو الدرداء فعادوه وقالوا: ألا ندعو لك طبيبا؟ ~~قال: الطبيب أضجعني. # وإلى هذا ذهب الربيع بن خيثم. وكره سعيد بن جبير الرقي. وكان الحسن يكره ~~شرب الأدوية كلها إلا اللبن والعسل. وأجاب الأولون عن الحديث بأنه لا حجة ~~فيه، لأنه يحتمل أن يكون قصد إلى نوع من الكي مكروه بدليل كي النبي صلى ~~الله عليه وسلم أبيا يوم الأحزاب على أكحله (5) لما رمى. وقال: " الشفاء في ~~ثلاثة " كما تقدم. ويحتمل أن يكون قصد إلى الرقي بما ليس في كتاب الله، وقد ~~قال سبحانه وتعالى: " وننزل من ms3595 القرآن ما هو شفاء (6) " على ما يأتي بيانه. ~~ورقى أصحابه وأمرهم بالرقية، على ما يأتي بيانه. # PageV10P139 # الثامنة - ذهب مالك وجماعة أصحابه إلى أن لا زكاة في العسل وإن كان ~~مطعوما مقتاتا. واختلف فيه قول الشافعي، والذي قطع به في قوله الجديد: أنه ~~لا زكاة فيه. # وقال أبو حنيفة بوجوب زكاة العسل في قليله وكثيره، لان النصاب عنده فيه ~~ليس بشرط. # وقال محمد بن الحسن: لا شئ فيه حتى يبلغ ثمانية أفراق (1)، والفرق ستة ~~وثلاثون رطلا من أرطال العراق. وقال أبو يوسف: في كل عشرة أزقاق زق، متمسكا ~~بما رواه الترمذي عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " في ~~العسل في كل عشرة أزقاق زق " قال أبو عيسى: في إسناده مقال، ولا يصح عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب كبير شئ، والعمل على هذا عند أكثر ~~أهل العلم، وبه يقول أحمد وإسحاق، وقال بعض أهل العلم: ليس في العسل شئ. # التاسعة - قوله تعالى: (إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون) أي يعتبرون، ومن ~~العبرة في النحل بإنصاف النظر وإلطاف الفكر في عجيب أمرها. فيشهد اليقين ~~بأن ملهمها الصنعة اللطيفة مع البنية الضعيفة، وحذقها باحتيالها في تفاوت ~~أحوالها هو الله سبحانه وتعالى، كما قال: " وأوحى ربك إلى النحل " الآية. ~~ثم أنها تأكل الحامض والمر والحلو والمالح والحشائش الضارة (2)، فيجعله ~~الله تعالى عسلا حلوا وشفاء، وفى هذا دليل على قدرته. # قوله تعالى: والله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا ~~يعلم بعد علم شيئا إن الله عليم قدير (70) قوله تعالى: (والله خلقكم ثم ~~يتوفاكم) بين معناه. (ومنكم من يرد إلى أرذل العمر) يعنى أردأه وأوضعه. ~~وقيل: الذي ينقص قوته وعقله ويصيره إلى الخرف ونحوه. وقال ابن عباس: يعنى ~~إلى أسفل العمر، يصير كالصبي الذي لا عقل له، والمعنى متقارب. # وفى صحيح البخاري عن أنس بن مالك قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يتعوذ يقول: # PageV10P140 # اللهم إني أعوذ بك من الكسل وأعوذ ms3596 بك من الجبن وأعوذ بك من الهرم وأعوذ ~~بك من البخل ". وفى حديث سعد بن أبي وقاص " وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر ~~" الحديث. # خرجه البخار ي. (لكيلا يعلم بعد علم شيئا) أي يرجع إلى حالة الطفولية فلا ~~يعلم ما كان يعلم قبل من الأمور لفرط الكبر. وقد قيل: هذا لا يكون للمؤمن، ~~لان المؤمن لا ينزع عنه علمه. وقيل: المعنى لكيلا يعمل بعد علم شيئا، فعبر ~~عن العمل بالعلم لافتقاره إليه، لان تأثير الكبر في عمله أبلغ من تأثيره في ~~علمه. والمعنى المقصود الاحتجاج على منكري البعث، أي الذي رده إلى هذه ~~الحال قادر على أن يميته ثم يحييه. # قوله تعالى: والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فما الذين فضلوا برادي ~~رزقهم على ما ملكت أيمنهم فهم فيه سواء أفبنعمة الله يجحدون (71) قوله ~~تعالى: (والله فضل بعضكم على بعض في الرزق) أي جعل منكم غنيا وفقيرا وحرا ~~وعبدا. (فما الذين فضلوا) أي في الرزق. (برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم) ~~أي لا يرد المولى على ما ملكت يمينه مما رزق شيئا حتى يستوى المملوك ~~والمالك في المال. # وهذا مثل ضربه الله لعبدة الأصنام، أي إذا لم يكن عبيدكم معكم سواء فكيف ~~تجعلون عبيدي معي سواء، فلما لم يكن يشركهم عبيدهم في أموالهم لم يجز لهم ~~أن يشاركوا الله تعالى في عبادة غيره من الأوثان والانصاب وغيرهما مما عبد، ~~كالملائكة والأنبياء وهم عبيده وخلقه. # حكى معناه الطبري، وقاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم. وعن ابن عباس ~~أيضا أنها نزلت في نصارى نجران حين قالوا عيسى ابن الله فقال الله لهم: " ~~فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم " أي لا يرد المولى على ~~ما ملكت يمينه مما رزق حتى يكون المولى والعبد في المال شرعا سواء، فكيف ~~ترضون لي ما لا ترضون لأنفسكم فتجعلون لي ولدا PageV10P141 # من عبيدي. ونظيرها " ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم ~~من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه ms3597 سواء (1) " على ما يأتي. ودل هذا على أن ~~العبد لا يملك، على ما يأتي أنفا (2). # قوله تعالى: والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين ~~وحفدة ورزقكم من الطيبات أفبالباطل يؤمنون وبنعمت الله يكفرون (72) قوله ~~تعالى: (والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا) جعل بمعنى خلق وقد تقدم. # " من أنفسكم أزواجا " يعنى آدم خلق منه حواء. وقيل: المعنى جعل لكم من ~~أنفسكم، أي من جنسكم ونوعكم وعلى خلقتكم، كما قال: " لقد جاءكم رسول من ~~أنفسكم (3) " أي من الآدميين. وفى هذا رد على العرب التي كانت تعتقد أنها ~~كانت تزوج الجن وتباضعها، حتى روى أن عمرو بن هند تزوج منهم غولا وكان ~~يخبؤها عن البرق لئلا تراه فتنفر، فلما كان في بعض الليالي لمع البرق ~~وعاينته السعلاة (5) فقالت: عمرو! ونفرت، فلم يرها أبدا. وهذا من أكاذيبها، ~~وإن كان جائزا في حكم الله وحكمته فهو رد على الفلاسفة الذين ينكرون وجود ~~الجان ويحيلون طعامهم. (أزواجا) زوج الرجل هي ثانيته، فإنه فرد فإذا انضافت ~~إليه كانا زوجين، وإنما جعلت الإضافة إليه دونها لأنه أصلها في الوجود كما ~~تقدم. # PageV10P142 # قوله تعالى: (وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة) فيه خمس مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (وجعل لكم من أزواجكم بنين) ظاهر في تعديد النعمة ~~في الأبناء، ووجود الأبناء يكون منهما معا، ولكنه لما كان خلق المولود فيها ~~وانفصاله عنها أضيف إليها، ولذلك تبعها في الرق والحرية وصار مثلها في ~~المالية. قال ابن العربي: سمعت إمام الحنابلة بمدينة السلام أبا الوفاء على ~~بن عقيل يقول: إنما تبع الولد الام في المالية وصار بحكمها في الرق ~~والحرية، لأنه انفصل عن الأب نطفة لا قيمة له ولا مالية فيه ولا منفعة، ~~وإنما اكتسب ما اكتسب بها ومنها فلأجل ذلك تبعها. كما لو أكل رجل تمر في ~~أرض رجل وسقطت منه نواة في الأرض من يد الآكل فصارت نخلة فإنها ملك صاحب ~~الأرض دون الآكل بإجماع من الأمة لأنها انفصلت عن الآكل ولا قيمة لها. # الثانية - قوله تعالى: ms3598 " وحفدة " روى ابن القاسم عن مالك قال: وسألته عن ~~قوله تعالى: " بنين وحفدة " قال: الحفدة الخدم والأعوان في رأيي. وروى عن ~~ابن عباس في قوله تعالى: " وحفدة " قال هم الأعوان، من أعانك فقد حفدك. قيل ~~له: # فهل تعرف العرب ذلك؟ قال نعم وتقول! أو ما سمعت قول الشاعر: # حفد الولائد حولهن وأسلمت * بأكفهن أزمة الاجمال أي أسرعن الخدمة. ~~والولائد: الخدم، الواحدة وليدة، قال الأعشى: # كلفت مجهولها نوقا يمانية * إذا الحداة على أكسائها حفدوا (1) أي أسرعوا. ~~وقال ابن عرفة: الحفدة عند العرب الأعوان، فكل من عمل عملا أطاع فيه وسارع ~~فهو حافد، قال: ومنه قولهم " إليك نسعى ونحفد "، والحفدان السرعة. قال أبو ~~عبيد: الحفد العمل والخدمة. وقال الخليل بن أحمد: الحفدة عند العرب الخدم، ~~وقاله مجاهد. وقال الأزهري: قيل الحفدة أولاد الأولاد. وروى عن ابن عباس. # وقيل الأختان، قاله ابن مسعود وعلقمة وأبو الضحا وسعيد بن جبير وإبراهيم، # PageV10P143 # ومنه قول الشاعر (1): # فلو أن نفسي طاوعتني لأصبحت * لها حفد ما يعد كثير ولكنها نفس على أبية * ~~عيوف لأصهار اللئام قذور وروى زر عن عبد الله قال: الحفدة الأصهار، وقاله ~~إبراهيم، والمعنى متقارب. قال الأصمعي: # الختن من كان من قبل المرأة، مثل أبيها وأخيها وما أشبههما، والأصهار ~~منها جميعا. يقال: # أصهر فلان إلى بنى فلان وصاهر. وقول عبد الله هم الأختان، يحتمل المعنيين ~~جميعا. # يحتمل أن يكون أراد أبا المرأة وما أشبهه من أقربائها، ويحتمل أن يكون ~~أراد وجعل لكم من أزواجكم بنين وبنات تزوجونهن، فيكون لكم بسببهن أختان. ~~وقال عكرمة: الحفدة من نفع الرجال من ولده، وأصله من حفد يحفد (بفتح العين ~~في الماضي وكسرها في المستقبل) إذا أسرع في سيره، كما قال كثير (3): # * حفد الولائد بينهن... * البيت. # ويقال: حفدت وأحفدت، لغتان إذا خدمت. ويقال: حافد وحفد، مثل خادم وخدم، ~~وحافد وحفدة مثل كافر وكفرة. قال المهدوي: ومن جعل الحفدة الخدم جعله ~~منقطعا مما قبله ينوى به التقديم، كأنه قال: جعل لكم حفدة وجعل لكم من ~~أزواجكم بنين. # قلت: ما قال الأزهري ms3599 من أن الحفدة أولاد الأولاد هو ظاهر القرآن بل نصه، ~~ألا ترى أنه قال: " وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة " فجعل الحفدة والبنين ~~منهن. # وقال ابن العربي: الأظهر عندي في قوله " بنين وحفدة " أن البنين أولاد ~~الرجل لصلبه والحفدة أولاد ولده، وليس في قوة اللفظ أكثر من هذا، ويكون ~~تقدير الآية على هذا: # وجعل لكم من أزواجكم بنين ومن البنين حفدة. وقال معناه الحسن. # الثالثة - إذا فرعنا على قول مجاهد وابن عباس ومالك وعلماء اللغة في ~~قولهم إن الحفدة الخدم والأعوان، فقد خرجت خدمة الولد والزوجة من القرآن ~~بأبدع بيان، قاله ابن العربي # PageV10P144 # روى البخاري وغيره عن سهل بن سعد أن أبا أسيد الساعدي دعا النبي صلى الله ~~عليه وسلم لعرسه فكانت امرأته خادمهم... الحديث، وقد تقدم في سورة " هود ~~(1) ". وفى الصحيح عن عائشة قالت: أنا فتلت قلائد بدن النبي صلى الله عليه ~~وسلم بيدي. الحديث. ولهذا قال علماؤنا: عليها أن تفرش الفراش وتطبخ القدر ~~وتقم الدار، بحسب حالها وعادة مثلها، قال الله تعالى: " وجعل منها زوجها ~~ليسكن إليها (2) " فكأنه جمع لنا فيها السكن والاستمتاع وضربا من الخدمة ~~بحسب جرى العادة. # الرابعة - ويخدم الرجل زوجته فيما خف من الخدمة ويعينها، لما روته عائشة ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكون في مهنة أهله فإذا سمع الاذان خرج. ~~وهذا قول مالك: # ويعينها. وفى أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان يخصف النعل ويقم ~~البيت ويخيط الصوب. وقالت عائشة وقد قيل لها: ما كان يعمل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في بيته؟ # قالت: كان بشرا من البشر يفلى (3) ثوبه ويحلب شاته ويخدم نفسه. # الخامسة - وينفق على خادمة واحدة، وقيل: على أكثر، على قدر الثروة ~~والمزلة. # وهذا أمر دائر على العرف الذي هو أصل من أصول الشريعة، فإن نساء الاعراب ~~وسكان البوادي يخدمن أزواجهن (حتى (4) في استعذاب الماء وسياسة الدواب، ~~ونساء الحواضر يخدم المقل منهم زوجته فيما خف ويعينها، وأما أهل الثروة ~~فيخدمون (5) أزواجهم ويترفهن معهم إذا كان لهم منصب ms3600 ذلك، فإن كان أمرا ~~مشكلا شرطت عليه الزوجة ذلك، فتشهد أنه قد عرف أنها ممن لا تخدم نفسها ~~فالتزم أحد أمها، فينفذ ذلك وتنقطع الدعوى فيه. # قوله تعالى: (ورزقكم من الطيبات) أي من الثمار والحبوب والحيوان. ~~(أفبالباطل) يعنى الأصنام، قاله ابن عباس. (يؤمنون) قراءة الجمهور بالياء. ~~وقرأ أبو عبد الرحمن بالتاء (وبنعمة الله) أي بالاسلام. (وهم يكفرون). # PageV10P145 # قوله تعالى: ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السماوات والأرض ~~شيئا ولا يستطيعون (73) فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا ~~تعلمون (74) قوله تعالى: (ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من ~~السماوات) يعنى المطر. # (والأرض) يعنى النبات. (شيئا) قال الأخفش: هو بدل من الرزق. وقال الفراء: # هو منصوب بإيقاع الرزق عليه، أي يعبدون ما لا يملك أن يرزقهم شيئا. (ولا ~~يستطيعون) أي لا يقدرون على شئ، يعنى الأصنام. (فلا تضربوا لله الأمثال) أي ~~لا تشبهوا به هذه الجمادات، لأنه واحد قادر لا مثل له. وقد تقدم. # قوله تعالى: ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شئ ومن رزقناه منا ~~رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون ~~(75) فيه خمس مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (ضرب الله مثلا) نبه تعالى على ضلالة المشركين، وهو ~~منتظم بما قبله من ذكر نعم الله عليهم وعدم مثل ذلك من آلهتهم. " ضرب الله ~~مثلا " أي بين شبها، ثم ذكر ذلك فقال: (عبدا مملوكا) أي كما لا يستوى عندكم ~~عبد مملوك لا يقدر من أمره على شئ ورجل حر قد رزق رزقا حسنا فكذلك أنا وهذه ~~الأصنام. فالذي هو مثال في هذه الآية هو عبد بهذه الصفة مملوك لا يقدر على ~~شئ من المال ولا من أمر نفسه، وإنما هو مسخر بإرادة سيده. ولا يلزم من ~~الآية أن العبيد كلهم بهذه الصفة، فإن النكرة في الاثبات لا تقتضي الشمول ~~عند أهل اللسان كما تقدم، وإنما تفيد واحدا، فإذا كانت بعد أمر أو نهى أو ms3601 ~~مضافة إلى مصدر كانت للعموم الشيوعي، كقوله: أعتق رجلا ولا تهن PageV10P146 # رجلا، والمصدر كإعتاق رقبة، فأي رجل أعتق فقد خرج عن عهدة الخطاب، ويصح ~~منه الاستثناء. وقال قتادة: هذا المثل للمؤمن والكافر، فذهب قتادة إلى أن ~~العبد المملوك هو الكافر، لأنه لا ينتفع في الآخرة بشئ من عبادته، وإلى أن ~~معنى " ومن رزقناه منا رزقا حسنا " المؤمن. والأول عليه الجمهور من أهل ~~(العلم (1) والتأويل. قال الأصم: المراد بالعبد المملوك الذي ربما يكون أشد ~~من مولاه أسرا (2) وأنضر وجها، وهو لسيده ذليل لا يقدر إلا على ما أذن له ~~فيه، فقال الله تعالى ضربا للمثال. أي فإذا كان هذا شأنكم وشأن عبيدكم فكيف ~~جعلتم أحجارا مواتا شركاء لله تعالى في خلقه وعبادته، وهي لا تعقل ولا ~~تسمع. # الثانية - فهم المسلمون من هذه الآية ومما قبلها نقصان رتبة العبد عن ~~الحر في الملك، وأنه لا يملك شيئا وإن ملك. قال أهل العراق: الرق ينافي ~~الملك، فلا يملك شيئا ألبتة بحال، وهو قول الشافعي في الجديد، وبه قال ~~الحسن وابن سيرين. ومنهم من قال: يملك إلا أنه ناقص الملك، لان لسيده أن ~~ينتزعه منه أي وقت شاء، وهو قول مالك ومن اتبعه، وبه قال الشافعي في ~~القديم. وهو قول أهل الظاهر، ولهذا قال أصحابنا: لا تجب عليه عبادة الأموال ~~من زكاة وكفارات، ولا من عبادات الأبدان ما يقطعه عن خدمة سيده كالحج ~~والجهاد وغير ذلك. وفائدة هذه المسألة أن سيده لو ملكه جارية جاز له أن ~~يطأها بملك اليمين، ولو ملكه أربعين من الغنم فحال عليها الحول لم تجب على ~~السيد زكاتها لأنها ملك غيره، ولا على العبد لان ملكه غير مستقر. والعراقي ~~يقول: لا يجوز له أن يطأ الجارية، والزكاة في النصاب واجبة على السيد كما ~~كانت. ودلائل هذه المسألة للفريقين في كتب الخلاف. وأدل دليل لنا قوله ~~تعالى: " الله الذي خلقكم ثم رزقكم (3) فسوى بين العبد والحر في الرزق ~~والخلق. وقال عليه السلام: " من أعتق عبدا وله مال... " فأضاف المال إليه. ms3602 ~~وكان ابن عمر يرى عبده يتسرى في ماله فلا يعيب عليه ذلك. وروى عن ابن عباس ~~أن عبدا له طلق امرأته طلقتين فأمره أن يرتجعها بملك اليمين، فهذا دليل على ~~أنه يملك ما بيده ويفعل فيه ما يفعل المالك في ملكه ما لم ينتزعه سيده. ~~والله أعلم. # PageV10P147 # الثالثة - وقد استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن طلاق العبد بيد سيده، ~~وعلى أن بيع الأمة طلاقها، معولا على قوله تعالى: " لا يقدر على شئ ". قال: ~~فظاهره يفيد أنه لا يقدر على شئ أصلا، لا على الملك ولا على غيره فهو على ~~عمومه، إلا أن يدل دليل على خلافه. وفيما ذكرناه عن ابن عمر وابن عباس ما ~~يدل على التخصيص. والله تعالى أعلم. # والرابعة - قال أبو منصور في عقيدته (1): الرزق ما وقع الاغتذاء به. وهذه ~~الآية ترد هذا التخصيص، وكذلك قوله تعالى: " ومما رزقناهم ينفقون (2) ". و ~~" أنفقوا (3) مما رزقناكم " وغير ذلك من قول النبي صلى الله عليه وسلم: " ~~جعل رزقي تحت ظل رمحي " وقوله: # " أرزاق أمتي في سنابك خيلها وأسنة رماحها ". فالغنيمة كلها رزق، وكل ما ~~صح به الانتفاع فهو رزق، وهو مراتب: أعلاها ما يغذى. وقد حصر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وجوه الانتفاع في قوله: " يقول ابن آدم مالي مالي وهل لك من ~~مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت ". وفى معنى ~~اللباس يدخل الركوب وغير ذلك. # وفى ألسنة المحدثين: السماع رزق، يعنون سماع الحديث، وهو صحيح. # الخامسة - قوله تعالى: (ومن رزقناه منا رزقا حسنا) هو المؤمن، يطيع الله ~~في نفسه وماله. والكافر ما لم ينفق في الطاعة صار كالعبد الذي لا يملك ~~شيئا. " هل يستوون " أي لا يستوون، ولم يقل يستويان لمكان " من " لأنه اسم ~~مبهم يصلح للواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث. وقيل: " إن عبدا مملوكا ~~"، " ومن رزقناه " أريد بهما الشيوع في الجنس. (الحمد لله بل أكثرهم لا ~~يعلمون) أي هو مستحق للحمد دون ما يعبدون من دونه، إذ لا نعمة للأصنام ~~عليهم من ms3603 يد ولا معروف فتحمد عليه، إنما الحمد الكامل لله، لأنه المنعم ~~الخالق. " بل أكثرهم " أي أكثر المشركين. " لا يعلمون " أن الحمد لي، وجميع ~~النعمة منى. وذكر الأكثر وهو يريد الجميع، فهو خاص أريد به التعميم. وقيل: ~~أي بل أكثر الخلق لا يعلمون، وذلك أن أكثرهم المشركون. # PageV10P148 # قوله تعالى: وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شئ وهو كل على ~~موله أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوى هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط ~~مستقيم (76) قوله تعالى: (وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم) هذا مثل آخر ~~ضربه الله تعالى لنفسه وللوثن، فالأبكم الذي لا يقدر على شئ هو الوثن، ~~والذي يأمر بالعدل هو الله تعالى، قاله قتادة وغيره. وقال ابن عباس: الأبكم ~~عبد كان لعثمان رضي الله عنه، وكان يعرض عليه الاسلام فيأبى، ويأمر بالعدل ~~عثمان. وعنه أيضا أنه مثل لأبي بكر الصديق ومولى له كافر. # وقيل: الأبكم أبو جهل، والذي يأمر بالعدل عمار بن ياسر العنسي، وعنس ~~(بالنون) حي من مذحج، وكان حليفا لبني مخزوم رهط أبى جهل، وكان أبو جهل ~~يعذبه على الاسلام ويعذب أمه سمية، وكانت مولاة لأبي جهل، وقال لها ذات ~~يوم: إنما آمنت بمحمد لأنك تحبينه لجماله، ثم طعنها بالرمح في قبلها فماتت، ~~فهي أول شهيد مات في الاسلام، رحمها الله. من كتاب النقاش وغيره. وسيأتي ~~هذا في آية الاكراه مبينا (1) إن شاء الله تعالى. وقال عطاء: الأبكم أبي بن ~~خلف، كان لا ينطق بخير. (وهو كل على مولاه) أي قومه لأنه كان يؤذيهم ويؤذى ~~عثمان بن مظعون. وقال مقاتل: نزلت في هشام بن عمرو بن الحارث، كان كافرا ~~قليل الخير يعادي النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: إن الأبكم الكافر، والذي ~~يأمر بالعدل المؤمن جملة بجملة، روى عن ابن عباس وهو حسن لأنه يعم. والأبكم ~~الذي لا نطق له. وقيل الذي لا يعقل. وقيل الذي لا يسمع ولا يبصر. وفى ~~التفسير إن الأبكم ها هنا الوثن. بين أنه لا قدرة له ولا ms3604 أمر، وأن غيره ~~ينقله وينحته فهو كل عليه. والله الآمر بالعدل، الغالب على كل شئ. وقيل: " ~~وهو كل على مولاه " أي ثقل على وليه وقرابته، ووبال على صاحبه وابن عمه. ~~وقد يسمى اليتيم كلا لثقله على من يكفله، ومنه قول الشاعر: # أكول لمال الكل قبل شبابه * إذا كان عظم الكل غير شديد # PageV10P149 # والكل أيضا الذي لا ولد له ولا والد. والكل العيال، والجمع الكلول، يقال ~~منه: كل السكين كلا أي غلظت شفرته فلم يقطع. (أينما يوجهه لا يأت بخير) قرأ ~~الجمهور " يوجهه " وهو خط المصحف، أي أينما يرسله صاحبه لا يأت بخير، لأنه ~~لا يعرف ولا يفهم ما يقال له ولا يفهم عنه. وقرأ يحيى بن وثاب " أينما يوجه ~~" على الفعل المجهول. (وروى (1) عن ابن مسعود) أيضا " توجه " على الخطاب. ~~(هل يستوى هو ومن يأمر بالعدل. ه. على صراط مستقيم) أي هل يستوى هذا الأبكم ~~ومن يأمر بالعدل وهو على الصراط المستقيم. # قوله تعالى: ولله غيب السماوات والأرض وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو ~~هو أقرب إن الله على كل شئ قدير (77) قوله تعالى: (ولله غيب السماوات ~~والأرض) تقدم معناه (2) وهذا متصل بقوله: # " إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون " أي شرع التحليل والتحريم إنما يحسن ممن ~~يحيط بالعواقب والمصالح وأنتم أيها المشركون لا تحيطون بها فلم تتحكمون. ~~(وما أمر الساعة إلا كلمح البصر) وتجازون فيها بأعمالكم. والساعة هي الوقت ~~الذي تقوم فيه القيامة، سميت ساعة لأنها تفجأ الناس في ساعة فيموت الخلق ~~بصيحة. واللمح النظر بسرعة، يقال لمحه لمحا ولمحانا. # ووجه التأويل أن الساعة لما كانت آتية ولا بد جعلت من القرب كلمح البصر. ~~وقال الزجاج: # لم يرد أن الساعة تأتى في لمح البصر، وإنما وصف سرعة القدرة على الاتيان ~~بها، أي يقول للشئ كن فيكون. وقيل: إنما مثل بلمح البصر لأنه يلمح السماء ~~مع ما هي عليه من البعد من الأرض. وقيل: هو تمثيل للقرب، كما يقول القائل: ~~ما السنة إلا لحظة، وشبهه. وقيل: # المعنى هو عند الله ms3605 كذلك لا عند المخلوقين، دليله قوله: " إنهم يرونه ~~بعيدا. ونراه قريبا (3) ". # (أو هو أقرب) ليس " أو " للشك بل للتمثيل بأيهما أراد الممثل. وقيل: دخلت ~~لشك المخاطب. وقيل: " أو " بمنزلة بل. (إن الله على كل شئ قدير) تقدم (4). # PageV10P150 # قوله تعالى: والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم ~~السمع. الأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون (78) قوله تعالى: (والله أخرجكم من ~~بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا) ذكر أن من نعمه أن أخرجكم من بطون أمهاتكم ~~أطفالا لا علم لكم بشئ. وفيه ثلاثة أقاويل: أحدها - لا تعلمون شيئا مما أخذ ~~عليكم من الميثاق في أصلاب آبائكم. الثاني - لا تعلمون شيئا مما قضى عليكم ~~من السعادة والشقاء. الثالث - لا تعلمون شيئا من منافعكم، وتم الكلام، ثم ~~أبتدأ فقال: (وجعل لكم السمع والابصار والأفئدة) أي التي تعلمون بها ~~وتدركون، لان الله جعل ذلك لعباده قبل إخراجهم من البطون وإنما أعطاهم ذلك ~~بعد ما أخرجهم، أي وجعل لكم السمع لتسمعوا به الأمر والنهي، والابصار ~~لتبصروا بها آثار صنعه، والأفئدة لتصلوا بها إلى معرفته. " والأفئدة " جمع ~~الفؤاد نحو غراب وأغربه. وقد قيل في ضمن قوله: " وجعل لكم السمع " إثبات ~~النطق لان من لم يسمع لم يتكلم، وإذا وجدت حاسة السمع وجد النطق. وقرأ ~~الأعمش وابن وثاب وحمزة " أمهاتكم " هنا وفى النور (1) والزمر (2) والنجم ~~(3)، بكسر الهمزة والميم. وأما الكسائي فكسر الهمزة وفتح الميم، وإنما كان ~~هذا للاتباع. الباقون بضم الهمزة وفتح الميم على الأصل. وأصل الأمهات: ~~أمات، فزيدت الهاء تأكيدا كما زادوا هاء في أهرقت الماء وأصله أرقت. وقد ~~تقدم هذا المعنى في " الفاتحة (4) ". (لعلكم تشكرون) فيه تأويلان: أحدهما: ~~تشكرون نعمه. الثاني - يعنى تبصرون آثار صنعته، لان إبصارها يؤدى إلى ~~الشكر. # قوله تعالى: ألم يروا إلى الطير مسخرات في الجو السماء ما يمسكهن إلا ~~الله إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون (79) # PageV10P151 # قوله تعالى: (ألم يروا إلى الطير مسخرات في الجو السماء ما يمسكهن إلا ~~الله) قرأ يحيى بن وثاب والأعمش وابن عامر وحمزة ويعقوب " تروا " بالتاء ~~على الخطاب، ms3606 واختاره أبو عبيد. الباقون بالياء على الخبر. (مسخرات) مذللات ~~لأمر الله تعالى، قاله الكلبي. وقيل: # " مسخرات " مذللات لمنافعكم. (في جو السماء) الجو ما بين السماء والأرض، ~~وأضاف الجو إلى السماء لارتفاعه عن الأرض. وفى قوله " مسخرات " دليل على ~~مسخر سخرها ومدبر مكنها من التصرف. (ما يمسكهن إلا الله) في حال القبض ~~والبسط والاصطفاف. # بين لهم كيف يعتبرون بها على وحدانيته. (إن في ذلك لآيات) أي علامات ~~وعبرا ودلالات. (لقوم يؤمنون) بالله وبما جاءت به رسلهم (1). # قوله تعالى: والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الانعام ~~بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها ~~أثاثا إلى حين (80) فيه عشر (2) مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (جعل لكم) معناه صير. وكل ما علاك فأظلك فهو سقف ~~وسماء، وكل ما أقلك فهو أرض، وكل ما سترك من جهاتك الأربع فهو جدار، فإذا ~~انتظمت واتصلت فهو بيت. وهذه الآية فيها تعديد نعم الله تعالى على الناس في ~~البيوت، فذكر أولا بيوت المدن وهي التي للإقامة الطويلة. وقوله: (سكنا) أي ~~تسكنون فيها وتهدأ جوارحكم من الحركة، وقد تتحرك فيه وتسكن في غيره، إلا أن ~~القول خرج على الغالب. وعد هذا في جملة النعم فإنه لو شاء خلق العبد مضطربا ~~أبدا كالأفلاك لكان ذلك كما خلق وأراد، لو خلقه ساكنا كالأرض لكان كما خلق ~~وأراد، ولكنه أوجده خلقا يتصرف للوجهين، ويختلف حاله بين الحالتين، وردده ~~كيف وأين. والسكن مصدر يوصف به الواحد والجمع. ثم ذكر تعالى بيوت القلة ~~والرحلة وهي: # PageV10P152 # الثانية - فقال (وجعل لكم من جلود الانعام بيوتا تستخفونها) أي من ~~الأنطاع والأدم. " بيوتا " يعنى الخيام والقباب يخف عليكم حملها في ~~الاسفار. (يوم ظعنكم) الظعن: # سير البادية في الانتجاع (1) والتحول من موضع إلى موضع، ومنه قول عنترة: # ظعن الذين فراقهم أتوقع * وجرى ببينهم الغراب الأبقع والظعن الهودج أيضا، ~~قال: # ألا هل هاجك الأظعان إذ بانوا * وإذ جادت بوشك البين غربان وقرئ بإسكان ~~العين وفتحها كالشعر والشعر. وقيل: يحتمل أن يعم (به (2) بيوت الادم ms3607 وبيوت ~~الشعر وبيوت الصوف، لان هذه من الجلود لكونها ثابتة فيها، نحا إلى ذلك ابن ~~سلام. # وهو احتمال حسن، ويكون قوله " ومن أصوافها " ابتداء كلام، كأنه قال جعل ~~أثاثا، يريد الملابس والوطاء، وغير ذلك، قال الشاعر: # أهاجتك الظعائن يوم بانوا * بذى الزي الجميل من الأثاث ويحتمل أن يريد ~~بقوله " من جلود الانعام " بيوت الادم فقط كما قدمناه أولا. ويكون قوله " ~~ومن أصوافها " عطفا على قوله " من جلود الانعام " أي جعل بيوتا أيضا. قال ~~ابن العربي: " وهذا أمر انتشر في تلك الديار، وعزبت عنه بلادنا، فلا تضرب ~~الأخبية عندنا إلا من الكتان والصوف، وقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم قبة ~~من أدم، وناهيك من أدم الطائف غلاء في القيمة، واعتلاء في الصنعة، وحسنا في ~~البشرة، ولم يعد ذلك صلى الله عليه وسلم ترفا ولا رآه سرفا، لأنه مما أمتن ~~الله سبحانه من نعمته وأذن فيه من متاعه، وظهرت وجوه منفعته في الاكتنان ~~والاستظلال الذي لا يقدر على الخروج عنه جنس الانسان. ومن غريب ما جرى أنى ~~زرت بعض المتزهدين من الغافلين مع بعض المحدثين، فدخلنا عليه في خباء كتان ~~فعرض عليه صاحبي المحدث أن يحمله إلى منزله ضيفا، وقال: إن هذا موضع يكثر ~~فيه الحر والبيت أرفق بك وأطيب لنفسي فيك، فقال: هذا الخباء لنا كثير، وكان # PageV10P153 # في صنعنا من الحقير، فقلت: ليس كما زعمت فقد كان لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهو رئيس الزهاد قبة من أدم طائفي يسافر معها ويستظل بها، فبهت، ~~ورأيته على منزلة من العي فتركته مع صاحبي وخرجت عنه. # الثالثة -: (. من أصوافها وأوبارها وأشعارها) أذن الله سبحانه بالانتفاع ~~بصوف الغنم ووبر الإبل وشعر المعز، كما أذن في الأعظم، وهو ذبحها وأكل ~~لحومها، ولم يذكر القطن والكتان لأنه لم يكن في بلاد العرب المخاطبين به، ~~وإنما عدد عليهم ما أنعم به عليهم، وخوطبوا فيما عرفوا بما فهموا. وما قام ~~مقام هذه وناب منابها فيدخل في الاستعمال والنعمة مدخلها، وهذا كقوله ~~تعالى: " وينزل من السماء من ms3608 جبال فيها من برد (1) " فخاطبهم بالبرد لأنهم ~~كانوا يعرفون نزوله كثيرا عندهم، وسكت عن ذكر الثلج، لأنه لم يكن في ~~بلادهم، وهو مثله في الصفة والمنفعة، وقد ذكرهما النبي صلى الله عليه وسلم ~~معا في التطهير فقال: " اللهم اغسلني بماء وثلج وبرد ". قال ابن عباس: ~~الثلج شئ أبيض ينزل من السماء وما رأيته قط. # وقيل: إن ترك ذكر القطن والكتان إنما كان إعراضا عن الترف، إذ ملبس عباد ~~الله الصالحين إنما هو الصوف " وهذا فيه نظر، فإنه سبحانه يقول: " يا بني ~~آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يوارى سوآتكم " حسبما تقدم بيانه في " الأعراف ~~(2) " وقال هنا: " وجعل لكم سرابيل " فأشار إلى القطن والكتان في لفظة " ~~سرابيل " والله أعلم. و " أثاثا " قال الخليل: متاعا منضما بعضه إلى بعض، ~~من أث إذا كثر. قال: # وفرع يزين المتن أسود فاحم * أثيث كقنو النخلة المتعثكل ابن عباس: " ~~أثاثا " ثيابا. # وتضمنت هذه الآية جواز الانتفاع بالأصواف والأوبار والاشعار على كل حال، ~~ولذلك قال أصحابنا: صوف الميتة وشعرها طاهر يجوز # PageV10P154 # الانتفاع به على كل حال، ويغسل مخافة أن يكون علق به وسخ، وكذلك روت أم ~~سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا بأس بجلد الميتة إذا دبغ ~~وصوفها وشعرها إذا غسل (1) " لأنه مما لا يحله الموت، سواء كان شعر ما يؤكل ~~لحمه أو لا، كشعر ابن آدم والخنزير، فإنه طاهر كله، وبه قال أبو حنيفة، ~~ولكنه زاد علينا فقال: القرن والسن والعظم مثل الشعر، قال: لان هذه الأشياء ~~كلها لا روح فيها لا تنجس بموت الحيوان. وقال الحسن البصري والليث بن سعد ~~والأوزاعي: إن الشعور كلها نجسة ولكنها تطهر بالغسل. وعن الشافعي ثلاث ~~روايات: الأولى - طاهرة لا تنجس بالموت. الثانية - تنجس. الثالثة - الفرق ~~بين شعر ابن آدم وغيره، فشعر ابن آدم طاهر وما عداه نجس. ودليلنا عموم قوله ~~تعالى: " ومن أصوافها " الآية. فمن علينا بأن جعل لنا الانتفاع بها، ولم ~~يخص شعر الميتة من المذكاة، فهو عموم إلا أن يمنع منه دليل. وأيضا فإن ms3609 ~~الأصل كونها طاهرة قبل الموت بإجماع، فمن زعم أنه انتقل إلى نجاسة فعليه ~~الدليل. فإن قيل قوله: " حرمت عليكم الميتة (2) " وذلك عبارة عن الجملة. ~~قلنا: نخصه بما ذكرنا، فإنه منصوص عليه في ذكر الصوف، وليس في آيتكم ذكره ~~صريحا، فكان دليلنا أولى. والله أعلم. وقد عول الشيخ الإمام أبو إسحاق إمام ~~الشافعية ببغداد على أن الشعر جزء متصل بالحيوان خلقة، فهو ينمى بنمائه ~~ويتنجس بموته كسائر الاجزاء. وأجيب بأن الماء ليس بدليل على الحياة، لان ~~النبات ينمى وليس بحي. وإذا عولوا على النماء المتصل لما على الحيوان عولنا ~~نحن على الإبانة التي تدل على عدم الاحساس الذي يدل على عدم الحياة. وأما ~~ما ذكره الحنفيون في العظم والسن والقرن أنه مثل الشعر، فالمشهور عندنا أن ~~ذلك نجس كاللحم. وقال ابن وهب مثل قول أبي حنيفة. ولنا قول ثالث - هل تلحق ~~أطراف القرون والأظلاف بأصولها أو بالشعر، قولان. # وكذلك الشعرى من الريش حكمه حكم الشعر، والعظمى منه حكمه حكمه. ودليلنا ~~قوله صلى الله عليه وسلم: " لا تنتفعوا من الميتة بشئ " وهذا عام فيها وفى ~~كل جزء منها، إلا ما قام دليله، ومن الدليل القاطع على ذلك قوله تعالى: " ~~قال من يحيى العظام وهي رميم (3) "، # PageV10P155 # وقال تعالى: " وانظر إلى العظام كيف ننشزها (1) "، وقال: " فكسونا العظام ~~لحما (2) "، وقال: # " أئذا كنا عظاما نخرة (3) " فالأصل هي العظام، والروح والحياة فيها كما ~~في اللحم والجلد. # وفى حديث عبد الله بن عكيم: " لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب ". فإن ~~قيل: # قد ثبت في الصحيح أن النبي صلى اله عليه وسلم قال في شاة ميمونة: " ألا ~~انتفعتم بجلدها "؟ # فقالوا: يا رسول الله، إنها ميتة. فقال: " إنما حرم أكلها " والعظم لا ~~يؤكل. قلنا: # العظم يؤكل، وخاصة عظم الحمل (4) الرضيع والجدي والطير، وعظم الكبير يشوى ~~ويؤكل. # وما ذكرناه قبل يدل على وجود الحياة فيه، وما كان طاهرا بالحياة ويستباح ~~بالذكاة ينجس بالموت. والله أعلم. # الرابعة - قوله تعالى - (من جلود الانعام) عام في جلد الحي والميت، فيجوز ~~الانتفاع بجلود الميتة ms3610 وإن لم تدبغ، وبه قال ابن شهاب الزهري والليث بن ~~سعد. قال الطحاوي: # لم نجد عن أحد من الفقهاء جواز بيع جلد الميتة قبل الدباغ إلا عن الليث. ~~قال أبو عمر: # يعنى من الفقهاء أئمة الفتوى بالامصار بعد التابعين، وأما ابن شهاب فذلك ~~عنه صحيح، وهو قول أباه جمهور أهل العلم. وقد روى عنهما خلاف هذا القول، ~~والأول أشهر. # قلت: قد ذكر الدارقطني في سننه حديث يحيى بن أيوب عن يونس وعقيل عن ~~الزهري، وحديث بقية عن الزبيدي، وحديث محمد بن كثير العبدي وأبى سلمة ~~المنقري عن سليمان بن كثير عن الزهري، وقال في آخرها: هذه أسانيد صحاح. # السادسة (6) - اختلف العلماء في جلد الميتة إذا دبغ هل يطهر أم لا، فذكر ~~ابن عبد الحكم عن مالك ما يشبه مذهب ابن شهاب في ذلك. وذكره ابن خويز منداد ~~في كتابه عن ابن عبد الحكم أيضا. قال ابن خويز منداد: وهو قول الزهري ~~والليث. قال: والظاهر من مذهب مالك ما ذكره ابن عبد الحكم، وهو أن الدباغ ~~لا يطهر جلد الميتة، ولكن يبيح الانتفاع به في الأشياء اليابسة، ولا يصلى ~~عليه ولا يؤكل فيه. وفى المدونة لابن القاسم: # PageV10P156 # من اغتصب جلد ميتة غير مدبوغ فأتلفه كان عليه قيمته. وحكى أذلك قول مالك. # وذكر أبو الفرج أن مالكا قال: من اغتصب لرجل جلد ميتة غير مدبوغ فلا شئ ~~عليه. # قال إسماعيل: إلا أن يكون لمجوسي. وروى ابن وهب، وابن عبد الحكم عن مالك ~~جواز بيعه، وهذا في جلد كل ميتة إلا الخنزير وحده، لان الزكاة لا تعمل فيه، ~~فالدباغ أولى. # قال أبو عمر: وكل جلد ذكى فجائز استعماله للوضوء وغيره. وكان مالك يكره ~~الوضوء في إناء جلد الميتة بعد الدباغ على اختلاف من قوله، ومرة قال: إنه ~~لم يكرهه إلا في خاصة نفسه، وتكره الصلاة عليه وبيعه، وتابعه على ذلك جماعة ~~من أصحابه. وأما أكثر المدنيين فعلى إباحة ذلك وإجازته، لقول رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " أيما إهاب دبغ فقد طهر ". # وعلى ms3611 هذا أكثر أهل الحجاز والعراق من أهل الفقه والحديث،. وهو اختيار ابن ~~وهب. # السابعة - ذهب الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه إلى أنه لا يجوز ~~الانتفاع بجلود الميتة في شئ وإن دبغت، لأنها كلحم الميتة. والاخبار ~~بالانتفاع بعد الدباغ ترد قوله. # واحتج بحديث عبد الله بن عكيم - رواه أبو داود - قال: قرئ علينا كتاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بأرض جهينة وأنا غلام شاب: " ألا تستمتعوا من ~~الميتة بإهاب ولا عصب ". # وفى رواية: " قبل موته بشهر (1) ". رواه القاسم بن مخيمرة عن عبد الله بن ~~عكيم، قال: حدثنا مشيخة لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إليهم.. قال ~~داود بن علي: سألت يحيى بن معين عن هذا الحديث، فضعفه وقال: ليس بشئ، إنما ~~يقول حدثني الأشياخ، قال أبو عمر: # ولو كان ثابتا لاحتمل أن يكون مخالفا للأحاديث المروية عن ابن عباس ~~وعائشة وسلمة بن المحبق وغيرهم، لأنه جائز أن يكون معنى حديث ابن عكيم " ~~ألا تنتفعوا من الميتة بإهاب " قبل الدباغ، وإذا احتمل ألا يكون مخالف ~~أفليس لنا أن نجعله مخالفا، وعلينا أن نستعمل الخبرين ما أمكن، وحديث عبد ~~الله بن عكيم وإن كان قبل موت النبي صلى الله عليه وسلم بشهر كما جاء في ~~الخبر فيمكن أن تكون قصة ميمونة وسماع ابن عباس منه " أيما إهاب دبغ فقد ~~طهر " قبل موته بجمعة أو دون جمعة، والله أعلم. # PageV10P157 # الثامنة - المشهور عندنا أن جلد الخنزير لا يدخل في الحديث ولا يتناوله ~~العموم، وكذلك الكلب عند الشافعي. وعند الأوزاعي وأبى ثور: لا يطهر بالدباغ ~~إلا جلد ما يؤكل لحمه. وروى معن بن عيسى عن مالك أنه سئل عن جلد الخنزير ~~إذا دبغ فكرهه. قال ابن وضاح: وسمعت سحنونا يقول لا بأس به، وكذلك قال محمد ~~بن عبد الحكم وداود بن علي وأصحابه، لقوله عليه السلام: " أيما مسك (1) دبغ ~~فقد طهر ". قال أبو عمر: يحتمل أن يكون أراد بهذا القول عموم الجلود ~~المعهود الانتفاع بها، فأما الخنزير فلم يدخل في المعنى ms3612 لأنه غير معهود ~~الانتفاع بجلده، إذ لا تعمل فيه الذكاة. ودليل آخر وهو ما قاله النضر بن ~~شميل: إن الإهاب جلد البقر والغنم والإبل، وما عداه فإنما يقال له: جلد لا ~~إهاب. # قلت: وجلد الكلب وما لا يؤكل لحمه أيضا غير معهود الانتفاع به فلا يطهر، ~~وقد قال صلى الله عليه وسلم: " أكل كل ذي ناب من السباع حرام " فليست ~~الذكاة فيها ذكاة، كما أنها ليست في الخنزير ذكاة. وروى النسائي عن المقدام ~~بن معد يكرب قال: " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحرير والذهب ~~ومياثر النمور (2). # التاسعة - اختلف الفقهاء في الدباغ التي تطهر به جلود الميتة ما هو؟ فقال ~~أصحاب مالك وهو المشهور من مذهبه: كل شئ دبغ الجلد من ملح أو قرظ أو شب أو ~~غير ذلك فقد جاز الانتفاع به. وكذلك قال أبو حنيفة وأصحابه، وهو قول داود. ~~وللشافعي في هذه المسألة قولان: أحدهما - هذا، والآخر أنه لا يطهر إلا الشب ~~والقرظ، لأنه الدباغ المعهود على عهد النبي صلى اله عليه وسلم، وعليه خرج ~~الخطابي - والله أعلم - ما رواه النسائي عن ميمونة زوج النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه مر برسول الله صلى الله عليه وسلم رجال من قريش يجرون شاة لهم مثل ~~الحصان، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو أخذتم إهابها " ~~قالوا. إنها ميتة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يطهرها الماء ~~والقرظ ". # PageV10P158 # العاشرة - قوله تعالى: (أثاثا) الأثاث متاع البيت، واحدها أثاثة، هذا قول ~~أبى زيد الأنصاري. وقال الأموي: الأثاث متاع البيت، وجمعه آثة وأثث. وقال ~~غيرهما: الأثاث جميع أنواع المال ولا واحد له من لفظه. وقال الخليل: أصله ~~من الكثرة واجتماع بعض المتاع إلى بعض حتى يكثر، ومنه شعر أثيث أي كثير. ~~وأث شعر فلان يأث أثا إذا كثر والتف، قال امرؤ القيس: # وفرع يزين المتن أسود فاحم * أثيث كقنو النخلة المتعثكل وقيل: الأثاث ما ~~يلبس ويفترش. وقد تأثثت إذا اتخذت أثاثا. وعن ابن عباس رضي الله عنه " ~~أثاثا ms3613 " مالا. وقد تقدم القول في الحين (1)، وهو هنا وقت غير معين بحسب كل ~~إنسان، إما بموته وإما بفقد تلك الأشياء التي هي أثاث. ومن هذه اللفظة قول ~~الشاعر: # أهاجتك الظعائن يوم بانوا * بذى الزي الجميل من الأثاث قوله تعالى: والله ~~جعل لكم مما خلق ظللا وجعل لكم من الجبال أمننا وجعل لكم سرابيل تقيكم ~~بأسكم كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون (81) فيه ست مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (ظلالا) الظلال: كل ما يستظل به من البيوت والشجر. # وقوله " مما خلق " يعم جميع الأشخاص المظلة. # الثانية - قوله تعالى: (أكنانا) الأكنان: جمح كن، وهو الحافظ من المطر ~~والريح وغير ذلك، وهي هنا الغيران في الجبال، جعلها الله عدة للخلق يأوون ~~إليها ويتحصنون بها ويعتزلون عن الخلق فيها. وفى الصحيح أنه عليه السلام ~~كان في أول أمره يتعبد بغار حراء ويمكث فيه الليالي.. الحديث، وفى صحيح ~~البخاري قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV10P159 # من مكة مهاجرا هاربا من قومه فارا بدينه مع صاحبه أبى بكر حتى لحقا بغار ~~في جبل ثور، فمكنا (1) فيه ثلاث ليال يبيت عندهما فيه عبد الله بن أبي بكر ~~وهو غلام شاب ثقف (2) لقن فيدلج من عندهما بسحر فيصبح مع قريش بمكة كبائت ~~فيسمع أمرا يكادان (3) به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، ~~ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبى بكر منحة (4) من غنم فيريحها عليهما ~~حتى تذهب ساعة من العشاء فيبيتان في رسل، وهو لبن منحتهما ورضيفهما (5) حتى ~~ينعق بهما عامر بن فهيرة بغلس، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي ~~الثلاث... وذكر الحديث. # انفراد بإخراجه البخاري. # الثالثة - قوله تعالى: (وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر) يعنى القمص، واحدها ~~سربال. (وسرابيل تقيكم بأسكم) يعنى الدروع التي تقى الناس في الحرب، ومنه ~~قول كعب بن زهير: # شم العرانين أبطال لبوسهم * من نسج داود في الهيجا سرابيل الرابعة - إن ~~قال قائل: كيف قال " وجعل لكم من الجبال أكنانا " ولم يذكر السهل، وقال: " ~~تقيكم الحر " ولم يذكر ms3614 البرد؟ فالجواب أنهم كانوا أصحاب جبال ولم يكونوا ~~أصحاب سهل، وكانوا أهل حر ولم يكونوا أهل برد، فذكر لهم نعمه التي تختص بهم ~~كما خصهم بذكر الصوف وغيره، ولم يذكر القطن والكتان ولا الثلج - كما تقدم - ~~فإنه لم يكن ببلادهم (6)، قال معناه عطاء الخراساني وغيره. وأيضا: فذكر ~~أحدهما يدال على الآخر، ومنه قول الشاعر: # وما أدرى إذا يممت أرضا * أريد الخير أيهما يليني * الخير الذي أنا ~~أبتغيه * أم الشر الذي هو يبتغيني الخامسة - قال العلماء: في قوله تعالى: ~~(وسرابيل تقيكم بأسكم) دليل على اتخاذ العباد عدة الجهاد ليستعينوا بها على ~~قتال الأعداء، وقد لبسها النبي صلى الله عليه وسلم تقاة # PageV10P160 # الجراحة وإن كان يطلب الشهادة، وليس للعبد (1) أن يطلبها بأن يستسلم ~~للحتوف وللطعن بالسنان وللضرب بالسيوف، ولكنه يلبس لامة (2) حرب لتكون له ~~قوة على قتال عدوه، ويقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، ويفعل الله بعد ما ~~يشاء. # السادسة - قوله تعالى: (كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون) قرأ ابن ~~محيصن وحميد " تتم " بتاءين، " نعمته " رفعا على أنها الفاعل. الباقون " ~~يتم " بضم الياء على أن الله هو يتمها. و " تسلمون " قراءة ابن عباس وعكرمة ~~" تسلمون " بفتح التاء واللام، أي تسلمون من الجراح، وإسناده ضعيف، رواه ~~عباد بن العوام عن حنظلة عن شهر عن ابن عباس. # الباقون بضم التاء، ومعناه تستسلمون وتنقادون إلى معرفة الله وطاعته شكرا ~~على نعمه. قال أبو عبيد: والاختيار قراءة العامة، لان ما أنعم الله به ~~علينا من الاسلام أفضل مما أنعم به من السلامة من الجراح. # قوله تعالى: فإن تولوا فإنما عليك البلغ المبين (82) قوله تعالى: (فإن ~~تولوا) أي أعرضوا عن النظر والاستدلال والايمان. # (فإنما عليك البلاغ) أي ليس عليك إلا التبليغ، وأما الهداية فإلينا. # قوله تعالى: يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون (83) قوله ~~تعالى: (يعرفون نعمت الله) قال السدى: يعنى محمدا صلى الله عليه وسلم، أي ~~يعرفون بوته " ثم ينكرونها " ويكذبونه. وقال مجاهد: يريد ما عدد الله عليهم ~~في هذه السورة من النعم، أي يعرفون أنها ms3615 من عند الله وينكرونها بقولهم إنهم ~~ورثوا ذلك عن آبائهم. وبمثله قال قتادة. وقال عون بن عبد الله: هو قول ~~الرجل لولا فلان لكان كذا، ولولا فلان ما أصبت كذا، وهم يعرفون النفع والضر ~~من عند الله. وقال الكلبي: هو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما عرفهم ~~بهذه النعم كلها عرفوها وقالوا: نعم، هي كلها نعم من الله، ولكنها # PageV10P161 # بشفاعة آلهتنا. وقيل: يعرفون نعمة الله بتقلبهم فيها، وينكرونها بترك ~~الشكر عليها. ويحتمل سادسا - يعرفونها في الشدة وينكرونها في الرخاء. ~~ويحتمل سابعا - يعرفونها بأقوالهم وينكرونها بأفعالهم. ويحتمل ثامنا - ~~يعرفونها بقلوبهم ويجحدونها بألسنتهم، نظيرها " وجحدوا بها واستيقنتها ~~أنفسهم (1) ". (وأكثرهم الكافرون) يعنى جميعهم. حسب ما تقدم. # قوله تعالى: ويوم نبعث من كل أمة شهيدا ثم لا يؤذن للذين كفروا ولا هم ~~يستعتبون (84) قوله تعالى: (ويوم نبعث من كل أمة شهيدا) نظيره: " فكيف إذا ~~جئنا من كل أمة بشهيد " وقد تقدم (2). (ثم لا يؤذن للذين كفروا) وذلك حين ~~تطبق عليهم جهنم، كما تقدم في أول " الحجر (4) " ويأتي. (ولا هم يستعتبون) ~~يعنى يسترضون، أي لا يكلفون أن يرضوا ربهم، لان الآخرة ليست بدار تكليف، ~~ولا يتركون إلى رجوع الدنيا فيتوبون. وأصل الكلمة من العتب وهي الموجدة، ~~يقال: عتب عليه يعتب إذا وجد عليه، فإذا فاوضه ما عتب عليه فيه قيل عاتبه، ~~فإذا رجع إلى مسرتك فقد أعتب، والاسم العتبى وهو رجوع المعتوب عليه إلى ما ~~يرضى العاتب، قال الهروي. وقال النابغة: # فإن كنت مظلوما فعبدا ظلمته * وإن كنت ذا عتبى فمثلك يعتب قوله تعالى: ~~وإذا رأى الذين ظلموا العذاب فلا يخفف عنهم ولا هم ينظرون (85) قوله تعالى: ~~(وإذا رأى الذين ظلموا) أي أشركوا. (العذاب) أي عذاب جهنم بالدخول فيها. ~~(فلا يخفف عنهم ولا هم ينظرون) أي لا يمهلون، إذ لا توبة لهم ثم. # PageV10P162 # قوله تعالى: وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا ~~الذين كنا ندعوا من دونك فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون (86). ألقوا إلى ~~الله يومئذ السلم وضل عنهم ما كانوا ms3616 يفترون (87) قوله تعالى: (وإذا رأى ~~الذين أشركوا شركاءهم) أي أصنامهم وأوثانهم التي عبدوها، وذلك أن الله يبعث ~~معبوديهم فيتبعونهم حتى يوردوهم النار. وفى صحيح مسلم: " من كان يعبد شيئا ~~فليتبعه فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس ويتبع من كان يعبد القمر القمر ~~ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت " الحديث، خرجه من حديث أنس (1)، ~~والترمذي من حديث أبي هريرة، وفيه: " فيمثل لصاحب الصليب صليبه ولصاحب ~~التصاوير تصاويره ولصاحب النار ناره فيتبعون ما كانوا يعبدون " وذكر الحديث ~~(2). (قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا من دونك) أي الذين جعلناهم ~~لك شركاء. (فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون) أي ألقت إليهم الآلهة القول، ~~أي نطقت بتكذيب من عبدها بأنها لم تكن آلهة، ولا أمرتهم بعبادتها، في، نطق ~~الله الأصنام حتى تظهر عند ذلك فضيحة الكفار. وقيل: المراد بذلك الملائكة ~~الذين عبدوهم. (وألقوا إلى الله يومئذ السلم) يعنى المشركين، أي استسلموا ~~لعذابه وخضعوا لعزه. وقيل: استسلم العابد والمعبود وانقادوا لحكمه فيهم. ~~(وضل عنهم ما كانوا يفترون) أي زال عنهم ما زين لهم الشيطان وما كانوا ~~يؤملون من شفاعة آلهتهم. # قوله تعالى: الذين كفروا وصدوا عن سبيل زدناهم عذابا فوق العذاب بما ~~كانوا يفدون (88) # PageV10P163 # قوله تعالى: (الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب) ~~قال ابن مسعود: عقارب أنيابها كالنخل الطوال، وحيات مثل أعناق الإبل، ~~وأفاعي كأنها البخاتي (1) تضربهم، فتلك الزيادة. وقيل: المعنى يخرجون من ~~النار إلى الزمهرير فيبادرون من شدة برده إلى النار. وقيل: المعنى زدنا ~~القادة عذابا فوق السفلة، فأحد العذابين على كفرهم والعذاب الآخر على صدهم. ~~(بما كانوا يفسدون) في الدنيا من الكفر والمعصية. # قوله تعالى: ويوم نبعث من كل أمة شهيدا عليكم من أنفسكم وجئنا بك شهيدا ~~على هؤلاء ونزلنا عليك الكتب تبينا لكل شئ وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين (89) ~~قوله تعالى: (ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليكم من أنفسكم) وهم الأنبياء ~~شهداء على أممهم يوم القيامة بأنهم قد بلغوا الرسالة ودعوهم إلى الايمان، ~~في كل زمان شهيد وإن لم ms3617 يكن نبيا، وفيهم قولان: أحدهما - أنهم أئمة الهدى ~~الذين هم خلفاء الأنبياء. الثاني - أنهم العلماء الذين حفظ الله بهم شرائع ~~أنبيائه. # قلت: فعلى هذا لم تكن فترة إلا وفيها من يوحد الله، كقس بن ساعدة، وزيد ~~بن عمرو ابن نفيل الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: " يبعث أمة وحده ~~"، وسطيح (2)، وورقة ابن نوفل الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: " ~~رأيته ينغمس في أنهار الجنة ". فهؤلاء ومن كان مثلهم حجة على أهل زمانهم ~~وشهيد عليهم. والله أعلم. وقوله: " وجئنا بك شهيدا على هؤلاء " تقدم في ~~البقرة والنساء (3). # قوله تعالى: (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ) نظيره: " ما فرطنا في ~~الكتاب من شئ (4) " وقد تقدم، فلينظر هناك. وقال مجاهد: تبيانا للحلال ~~والحرام. # PageV10P164 # قوله تعالى: إن الله يأمر بالعدل والأحسن وإيتاء ذي القربى وينهى عن ~~الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون (90) فيه ست مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (إن الله يأمر بالعدل والاحسان) روى عن عثمان بن ~~مظعون أنه قال: لما نزلت هذه الآية قرأتها على علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه فتعجب فقال: # يا آل غالب، اتبعوه تفلحوا، فوالله إن الله أرسله ليأمركم بمكارم ~~الأخلاق. وفى حديث - إن أبا طالب لما قيل له: إن ابن أخيك زعم أن الله أنزل ~~عليه " إن الله يأمر بالعدل والاحسان " الآية، قال: اتبعوا ابن أخي، فوالله ~~إنه لا يأمر إلا بمحاسن الأخلاق. # وقال عكرمة: قرأ النبي صلى الله عليه وسلم على الوليد بن المغيرة " إن ~~الله يأمر بالعدل والاحسان " إلى آخرها، فقال: يا بن أخي أعد! فأعاد عليه ~~فقال: والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أصله لمورق، وأعلاه لمثمر، ~~وما هو بقول بشر!. وذكر الغزنوي أن عثمان بن مظعون هو القارئ. قال عثمان: ~~ما أسلمت ابتداء إلا حياء من رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلت هذه ~~الآية وأنا عنده فاستقر الايمان في قلبي، فقرأتها على الوليد بن المغيرة ~~فقال: يا بن أخي أعد! فأعدت فقال: والله إن له ms3618 لحلاوة،... وذكر تمام الخبر. ~~وقال ابن مسعود: هذه أجمع آية في القرآن لخير يمتثل، ولشر يجتنب. وحكى ~~النقاش قال: يقال زكاة العدل الاحسان، وزكاة القدرة العفو، وزكاة الغنى ~~المعروف، وزكاة الجاه كتب الرجل إلى إخوانه. # الثانية - اختلف العلماء في تأويل العدل والاحسان، فقال ابن عباس: العدل ~~لا إله إلا الله، والاحسان أداء الفرائض. وقيل: العدل الفرض، والاحسان ~~النافلة. وقال سفيان بن عيينة: العدل ها هنا استواء السريرة، والاحسان أن ~~تكون السريرة أفضل من العلانية. علي بن أبي طالب: العدل الانصاف، والاحسان ~~التفضل. قال ابن عطية: PageV10P165 # العدل هو كل مفروض، من عقائد وشرائع في أداء الأمانات، وترك الظلم ~~والانصاف، وإعطاء الحق. والاحسان هو فعل كل مندوب إليه، فمن الأشياء ما هو ~~كله مندوب إليه، ومنها ما هو فرض، إلا أن حد الاجزاء منه داخل في العدل، ~~والتكميل الزائد على الاجزاء داخل في الاحسان. وأما قول ابن عباس ففيه نظر، ~~لان أداء الفرائض هي الاسلام حسبما فسره رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~حديث سؤال جبريل، وذلك هو العدل، وإنما الاحسان التكميلات والمندوب إليه ~~حسبما يقتضيه تفسير النبي صلى الله عليه وسلم في حديث سؤال جبريل بقوله: " ~~أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ". فإن صح هذا عن ابن ~~عباس فإنما أراد الفرائض مكملة. وقال ابن العربي: العدل بين العبد وبين ربه ~~إيثار حقه تعالى على حظ نفسه، وتقديم رضاه على هواه، والاجتناب للزواجر ~~والامتثال للأوامر. وأما العدل بينه وبين نفسه فمنعها مما فيه هلاكها، قال ~~الله تعالى: " ونهى النفس عن الهوى (1) " وعزوب (2) الأطماع عن الاتباع، ~~ولزوم القناعة في كل حال ومعنى. وأما العدل بينه وبين الخلق فبذل النصيحة، ~~وترك الخيانة فيما قل وكثر، والانصاف من نفسك لهم بكل وجه، ولا يكون منك ~~إساءة إلى أحد بقول ولا فعل لا في سر ولا في علن، والصبر على ما يصيبك منهم ~~من البلوى، وأقل ذلك الانصاف وترك الأذى. # قلت: هذا التفصيل في العدل حسن وعدل، وأما الاحسان فقد ms3619 قال علماؤنا: ~~الاحسان مصدر أحسن يحسن إحسانا. ويقال على معنيين: أحدهما متعد بنفسه، ~~كقولك: أحسنت كذا، أي حسنته وكلمته، وهو منقول بالهمزة من حسن الشئ. ~~وثانيهما متعد بحرف جر، كقولك: أحسنت إلى فلان، أي أوصلت إليه ما ينتفع به. # قلت: وهو في هذه الآية مراد بالمعنيين معا، فإنه تعالى يحب من خلقه إحسان ~~بعضهم إلى بعض، حتى أن الطائر في سجنك والسنور في دارك لا ينبغي أن تقصر ~~تعهده بإحسانك، وهو تعالى غنى عن إحسانهم، ومنه الاحسان والنعم والفضل ~~والمنن. وهو في حديث جبريل # PageV10P166 # بالمعنى الأول لا بالثاني، فإن المعنى الأول راجع إلى إتقان العبادة ~~ومراعاتها بأدائها المصححة والمكملة، ومراقبة الحق فيها واستحضار عظمته ~~وجلاله حالة الشروع وحالة الاستمرار. وهو المراد بقوله " أن تعبد الله كأنك ~~تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ". وأرباب القلوب في هذه المراقبة على ~~حالين: أحدهما غالب عليه مشاهدة الحق فكأنه يراه. ولعل النبي صلى الله عليه ~~وسلم أشار إلى هذه الحالة بقوله: " وجعلت قرة عيني في الصلاة ". وثانيهما - ~~لا تنتهي إلى هذا، لكن يغلب عليه أن الحق سبحانه مطلع عليه ومشاهد له، ~~وإليه الإشارة بقوله تعالى: " الذي يراك حين تقوم. وتقلبك في الساجدين (1) ~~" وقوله: " إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه (2) " الثالثة - قوله تعالى: ~~(وإيتاء ذا القربى) أي القرابة، يقول: يعطيهم المال كما قال: " وآت ذا ~~القربى حقه (3) " يعنى صلته. وهذا من باب عطف المندوب على الواجب، وبه ~~استدل الشافعي في إيجاب إيتاء المكاتب، على ما يأتي بيانه. وإنما خص ذا ~~القربى لان حقوقهم أوكد وصلتهم أوجب، لتأكيد حق الرحم التي اشتق الله اسمها ~~من اسمه، وجعل صلتها من صلته، فقال في الصحيح: " أما ترضين أن أصل من وصلك ~~وأقطع من قطعك (4) ". # ولا سيما إذا كانوا فقراء. # الرابعة - قوله تعالى: (وينهى عن الفحشاء والبغي) الفحشاء: الفحش، وهو كل ~~قبيح من قول أو فعل. ابن عباس: هو الزنى. والمنكر: ما أنكره الشرع بالنهي ~~عنه، وهو يعم جميع المعاصي والرذائل والدناءات على اختلاف أنواعها. وقيل هو ms3620 ~~الشرك. # والبغي: هو الكبر والظلم والحقد والتعدي، وحقيقته تجاوز الحد، وهو داخل ~~تحت المنكر، لكنه تعالى خصه بالذكر اهتماما به لشدة ضرره. وفى الحديث عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " لا ذنب أسرع عقوبة من بغير ". وقال عليه السلام: " الباغي مصروع ". وقد ~~وعد الله من بغى عليه بالنصر. وفى بعض الكتب المنزلة: لو بغى جبل على جبل ~~لجعل الباغي منهما دكا. # PageV10P167 # الخامسة - ترجم الإمام أبو عبد الله بن إسماعيل البخاري في صحيحه فقال: ~~(باب قوله الله تعالى: " إن الله يأمر بالعدل والاحسان وإيتاء ذي القربى ~~وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون "، وقوله: " إنما ~~بغيكم على أنفسكم (1) "، " ثم بغى عليه لينصرنه الله (2) "، وترك إثارة ~~الشر على مسلم أو كافر) ثم ذكر حديث عائشة في سحر لبيد ابن الأعصم النبي ~~صلى الله عليه وسلم. قال ابن بطال: فتأول رضي الله عنه من هذه الآيات ترك ~~إثارة الشر على مسلم أو كافر، كما دل عليه حديث عائشة حيث قال عليه السلام: ~~" أما الله فقد شفاني وأما أنا فأكره أن أثير على الناس شرا ". ووجه ذلك - ~~والله أعلم - أنه تأول في قول الله تعالى: " إن الله يأمر بالعدل والاحسان ~~" الندب بالاحسان إلى المسئ وترك معاقبته على إساءته. فإن قيل: كيف يصح هذا ~~التأويل في آيات البغى. قيل: وجه ذلك - والله أعلم - أنه لما أعلم الله ~~عباده بأن ضرر البغى ينصرف على الباغي بقوله: # " إنما بغيكم على أنفسكم " وضمن تعالى نصرة من بغى عليه، كان الأولى بمن ~~بغى عليه شكر الله على ما ضمن من نصره ومقابلة ذلك بالعفو عمن بغى عليه، ~~وكذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم باليهودي الذي سحره، وقد كان له ~~الانتقام منه بقوله: " وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به (3) ". ولكن ~~آثر الصفح أخذا بقوله: " ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور (4) ". # السادسة - تضمنت هذه الآية الامر بالمعروف والنهى عن المنكر. وقد تقدم ~~القول فيهما (5). روى أن جماعة رفعت عاملها إلى أبى جعفر المنصور العباسي، ~~فحاجها العامل ms3621 وغلبها، بأنهم لم يثبتوا عليه كبير ظلم ولا جوره في شئ، فقام ~~فتى من القوم فقال: يا أمير المؤمنين، إن الله يأمر بالعدل والاحسان، وإنه ~~عدل ولم يحسن. قال: فعجب أبو جعفر من إصابته وعزل العامل. # PageV10P168 # قوله تعالى: وأوفوا بعهد الله إذا عهدتم ولا تنقضوا الأيمن بعد توكيدها ~~وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون (91) فيه ثلاث مسائل: # الأولى: قوله تعالى: (وأوفوا بعهد الله) لفظ عام لجميع ما يعقد باللسان ~~ويلتزمه الانسان من بيع أو صلة أو مواثقة في أمر موافق للديانة. وهذه الآية ~~مضمن قوله: " إن الله يأمر بالعدل والاحسان " لان المعنى فيها: افعلوا كذا، ~~وانتهوا عن كذا، فعطف على ذلك التقدير. وقد قيل: إنها نزلت في بيعة النبي ~~صلى الله عليه وسلم على الاسلام. وقيل: نزلت في التزام الحلف الذي كان في ~~الجاهلية وجاء الاسلام بالوفاء، قاله قتادة ومجاهد وابن زيد. # والعموم يتناول كل ذلك كما بيناه. روى الصحيح عن جبير بن مطعم قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا حلف في الاسلام وأيما حلف كان في ~~الجاهلية لم يزده الاسلام إلا شدة " يعنى في نصرة الحق والقيام به ~~والمواساة. وهذا كنحو حلف الفضول الذي ذكره ابن إسحاق قال: اجتمعت قبائل من ~~قريش في دار عبد الله بن جدعان لشرفه ونسبه (1)، فتعاقدوا وتعاهدوا على ألا ~~يجدوا بمكة مظلوما من أهلها أو غيرهم إلا قاموا معه حتى ترد عليه مظلمته، ~~فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول، أي حلف الفضائل. والفضول هنا جمع فضل ~~للكثرة كفلس وفلوس. روى ابن إسحاق عن ابن شهاب قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر ~~النعم لو أدعى به في الاسلام لا جبت ". وقال ابن إسحاق: تحامل الوليد بن ~~عتبة على حسين بن علي في مال له، لسلطان الوليد فإنه كان أميرا على ~~المدينة، فقال له حسين بن علي: احلف بالله لتنصفني من حقي ms3622 أو لآخذن سيفي ثم ~~لأقومن في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لأدعون بحلف الفضول. قال ~~عبد الله بن الزبير: وأنا أحلف والله لئن دعانا (2) لآخذن سيفي ثم لأقومن ~~معه حتى ينتصف من حقه أو نموت جميعا. وبلغت المسور بن مخرمة فقال مثل ذلك. ~~وبلغت # PageV10P169 # عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمي فقال مثل ذلك. فلما بلغ ذلك ~~الوليد أنصفه. قال العلماء: فهذا الحلف الذي كان في الجاهلية هو الذي شده ~~الاسلام وخصه النبي عليه الصلاة والسلام من عموم قوله: " لا حلف في الاسلام ~~". والحكمة في ذلك أن الشرع جاء بالانتصار من الظالم وأخذ الحق منه وإيصاله ~~إلى المظلوم، وأوجب ذلك بأصل الشريعة إيجابا عاما على من قدر من المكلفين، ~~وجعل لهم السبيل على الظالمين فقال تعالى: " إنما السبيل على الذين يظلمون ~~الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم (1) ". وفى الصحيح ~~(من قوله (2): " انصر أخاك ظالما أو مظلوما " قالوا: يا رسول الله، هذا ~~ننصره مظلوما فكيف ننصره ظالما؟ قال: " تأخذ على يديه - في رواية: تمنعه من ~~الظلم - فإن ذلك نصره ". وقد تقدم قوله عليه السلام: " إن الناس إذا رأوا ~~الظالم ولم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده ". # الثانية - قوله تعالى: (ولا تنقضوا الايمان بعد توكيدها) يقول بعد ~~تشديدها وتغليظها، يقال: توكيد وتأكيد، ووكد وأكد، وهما لغتان. # الثالثة - قوله تعالى: (وقد جعلتم الله عليكم كفيلا) يعنى شهيدا. ويقال: ~~حافظا، ويقال: ضامنا. وإنما قال " بعد توكيدها " فرقا بين اليمين المؤكدة ~~بالعزم وبين لغو اليمين. # وقال ابن وهب وابن القاسم عن مالك التوكيد هو حلف الانسان في الشئ الواحد ~~مرارا، يردد فيه الايمان ثلاثا أو أكثر من ذلك، كقوله: والله لا أنقصه من ~~كذا، والله لا أنقصه من كذا، والله لا أنقصه من كذا. قال: فكفارة ذلك واحدة ~~مثل كفارة اليمين. وقال يحيى بن سعيد: هي العهود، والعهد يمين، ولكن الفرق ~~بينهما أن العهد لا يكفر. قال النبي صلى الله عليه وسلم: " ينصب ms3623 لكل غادر ~~لواء يوم القيامة عند استه بقدر غدرته يقال هذه غدرة فلان ". وأما اليمين ~~بالله فقد شرع الله سبحانه فيها الكفارة بخصلة واحدة، وحل ما انعقدت عليه ~~اليمين. وقال ابن عمر: التوكيد هو أن يحلف مرتين، فإن حلف واحدة فلا كفارة ~~فيه. وقد تقدم في المائدة (3). # PageV10P170 # قوله تعالى: ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون ~~أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة إنما يبلوكم الله به ~~وليبينن لكم يوم القيمة ما كنتم فيه تختلفون (92) قوله تعالى: (ولا تكونوا ~~كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا) النقض والنكث واحد، والاسم النكث ~~والنقض، والجمع الأنكاث فشبهت هذه الآية الذي يحلف ويعاهد ويبرم عهده ثم ~~ينقضه بالمرأة تغزل غزلها وتفتله محكما ثم تحله. ويروى أن امرأة حمقاء كانت ~~بمكة تسمى ريطة بنت عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة كانت تفعل ذلك، فبها ~~وقع التشبيه، قال الفراء، وحكاه عبد الله بن كثير والسدي ولم يسميا المرأة، ~~وقال مجاهد وقتادة: # وذلك ضرب مثل، لا على امرأة معينة. و " أنكاثا " نصب على الحال. والدخل: ~~الدغل والخديعة والغش. قال أبو عبيدة: كل أمر لم يكن صحيحا فهو دخل. (أن ~~تكون أمة هي أربى من أمة) قال المفسرون: نزلت هذه الآية في العرب الذين ~~كانت القبيلة منهم إذ حالفت أخرى، ثم جاءت إحداهما قبيلة كثيرة (1) قوية ~~فداخلتها غدرت الأولى ونقضت عهدها ورجعت إلى هذه الكبرى - قاله مجاهد - ~~فقال الله تعالى: لا تنقضوا العهود من أجل أن طائفة أكثر من طائفة أخرى أو ~~أكثر أموالا فتنقضون أيمانكم إذا رأيتم الكثرة والسعة في الدنيا لأعدائكم ~~المشركين. والمقصود النهى عن العود إلى الكفر بسبب كثرة الكفار وكثرة ~~أموالهم. وقال الفراء: المعنى لا تغدروا بقوم لقلتهم وكثرتكم أو لقلتكم ~~وكثرتهم، وقد عززتموهم بالايمان. (أربى) أي أكثر، من ربى الشئ يربو إذا ~~كثر. والضمير في " به " يحتمل أن يعود على الوفاء الذي أمر الله به. ويحتمل ~~أن يعود على الرباء، أي أن الله ms3624 تعالى ابتلى عباده بالتحاسد وطلب بعضهم ~~الظهور على بعض، واختبرهم بذلك من يجاهد نفسه فيخالفها ممن يتبعها ويعمل ~~بمقتضى هواها، وهو معنى قوله: (إنما يبلوكم الله به وليبينن لكم يوم ~~القيامة ما كنتم فيه تختلفون) من البعث وغيره. # PageV10P171 # قوله تعالى: ولو شاء الله لجعلكم أمة وحدة ولكن يضل من يشاء ويهدى من ~~يشاء ولتسئلن عما كنتم تعملون (93) قوله تعالى: (ولو شاء الله لجعلكم أمة ~~واحدة) أي على ملة واحدة. (ولكن يضل من يشاء) بخذلانه إياهم، عدلا منه ~~فيهم. (ويهدى من يشاء) بتوفيقه إياهم، فضلا منه عليهم، ولا يسأل عما يفعل ~~بل تسألون أنتم. والآية ترد على أهل القدر كما تقدم. واللام في " وليبينن ~~ولتسئلن " مع النون المشددة يدلان على قسم مضمر، أي والله ليبينن لكم ~~ولتسئلن. # قوله تعالى: ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا ~~السوء بما صددتم عن سبيل الله ولهم عذاب عظيم (94) قوله تعالى: (ولا تتخذوا ~~أيمانكم دخلا بينكم) كرر ذلك تأكيدا. (فتزل قدم بعد ثبوتها) مبالغة في ~~النهى عنه لعظم موقعه في الدين وتردده في معاشرات الناس، أي لا تعقدوا ~~الايمان بالانطواء على الخديعة والفساد فتزل قدم بعد ثبوتها، أي عن الايمان ~~بعد المعرفة بالله. # وهذه استعارة للمستقيم الحال يقع في شر عظيم ويسقط فيه، لان القدم إذا ~~زلت نقلت الانسان من حال خير إلى حال شر، ومن هذا المعنى قول كثير: # * فلما توافينا ثبت وزلت * والعرب تقول لكل مبتلى بعد عافية أو ساقط في ~~ورطة: زلت قدمه، كقول الشاعر: # سيمنع منك السبق إن كنت سابقا * وتقتل إن زلت بك القدمان ويقال لمن أخطأ ~~في شئ: زل فيه ثم توعد تعالى بعد، بعذاب في الدنيا وعذاب عظيم في الآخرة. ~~وهذا الوعيد إنما هو فيمن نقض عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن من ~~عاهده ثم نقض عهده خرج من الايمان، ولهذا قال: (وتذوقوا السوء بما صددتم عن ~~سبيل الله) أي بصدكم. وذوق السوء في الدنيا هو ما يحل بهم من المكروه. ~~PageV10P172 # قوله تعالى: ms3625 ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا إنما عند الله. خير لكم إن ~~كنتم تعلمون (95) ما عندكم ينفد وما عند الله باق وليجزين الذين صبروا ~~أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون (96) قوله تعالى: (ولا تشتروا بعهد الله ثمنا ~~قليلا) نهى عن الرشا وأخذ الأموال على نقض العهد، أي لا تنقضوا عهودكم لعرض ~~قليل من الدنيا. وإنما كان قليلا وإن كثر لأنه مما يزول، فهو على التحقيق ~~قليل، وهو المراد بقوله: " ما عندكم ينفد وما عند الله باق " فبين الفرق ~~بين حال الدنيا وحال الآخرة بأن هذه تنفد وتحول، وما عند الله من مواهب ~~فضله ونعيم جنته ثابت لا يزول لمن وفى بالعهد وثبت على العقد. ولقد أحسن من ~~قال: # المال ينفد حله وحرامه * يوما وتبقى في غد آثامه ليس التقي بمتق لإلهه * ~~حتى يطيب شرابه وطعامه آخر: # هب الدنيا تساق إليك عفوا * أليس مصير ذاك إلى انتقال وما دنياك إلا مثل ~~فئ * أظلك ثم آذن بالزوال قوله تعالى: (ولنجزين الذين صبروا) أي على ~~الاسلام والطاعات وعن المعاصي. # أي من الطاعات، وجعلها أحسن لان ما عداها من الحسن مباح، والجزاء إنما ~~يكون على الطاعات من حيث الوعد من الله. وقرأ عاصم وابن كثير " ولنجزين " ~~بالنون على التعظيم. الباقون بالياء. وقيل: إن هذه الآية " ولا تشتروا " أي ~~هنا نزلت في امرئ القيس بم عابس الكندي وخصمه ابن أسوع (2)، اختصما في أرض ~~فأراد امرؤ القيس أن يحلف فلما سمع هذه الآية نكل وأقر له بحقه، والله ~~أعلم. # PageV10P173 # قوله تعالى: من عمل صلحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ~~ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون (97) قوله تعالى: (من عمل صالحا من ~~ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة) شرط وجوابه. وفي الحياة الطيبة ~~خمسة أقوال : الأول - أنه الرزق الحلال، قاله ابن عباس وسعيد بن جبير وعطاء ~~والضحاك. الثاني - القناعة، قاله الحسن البصري وزيد بن وهب ووهب بن منبه، ~~ورواه الحكم عن عكرمة عن ابن عباس، وهو قول علي بن أبي طالب رضي ms3626 الله عنه. ~~الثالث - توفيقه إلى الطاعات فإنها تؤديه إلى رضوان الله، قال معناه ~~الضحاك. # وقال أيضا: من عمل صالحا وهو مؤمن في فاقة وميسرة فحياته طيبة، ومن أعرض ~~عن ذكر الله ولم يؤمن بربه ولا عمل صالحا فمعيشته ضنك لا خير فيها. وقال ~~مجاهد وقتادة وابن زيد: # هي الجنة، وقاله الحسن، وقال: لا تطيب الحياة لاحد إلا في الجنة. وقيل: ~~هي السعادة، روى عن ابن عباس أيضا. وقال أبو بكر الوراق: هي حلاوة الطاعة. ~~وقال سهل بن عبد الله التستري: هي أن ينزع عن العبد تدبيره ويرد تدبيره إلى ~~الحق. وقال جعفر الصادق: هي المعرفة بالله، وصدق المقام بين يدي الله. ~~وقيل: الاستغناء عن الخلق والافتقار إلى الحق. # وقيل: الرضا بالقضاء. (ولنجزينهم أجرهم) أي في الآخرة. (بأحسن ما كانوا ~~يعملون). # وقال: " فلنحيينه " ثم قال: " ولنجزينهم " لان " من " يصلح للواحد ~~والجمع، فأعاد مرة على اللفظ ومرة على المعنى. وقد تقدم. وقال أبو صالح: ~~جلس ناس من أهل التوراة وناس من أهل الإنجيل وناس من أهل الأوثان، فقال ~~هؤلاء: نحن أفضل، وقال هؤلاء: # نحن أفضل، فنزلت. # قوله تعالى: فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم (98) فيه ~~مسألة واحدة - وهي أن هذه الآية متصلة بقوله: " ونزلنا عليك الكتاب تبيانا ~~لكل شئ " فإذا أخذت في قراءته فاستعذ بالله من أن يعرض لك الشيطان فيصدك عن ~~PageV10P174 # تدبره والعمل بما فيه، وليس يريد استعذ بعد القراءة، بل هو كقولك إذا ~~أكلت فقل بسم الله، أي إذا أردت أن تأكل. وقد روى جبير بن مطعم عن أبيه ~~قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين افتتح الصلاة قال " اللهم إني ~~أعوذ بك من الشيطان من همزه ونفخه ونفثه (1) ". وروى أبو سعيد الخدري أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ في صلاته قبل القراءة. قال الكيا ~~الطبري: ونقل عن بعض السلف التعوذ بعد القراءة مطلقا، احتجاجا بقوله تعالى: ~~" فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم " ولا شك أن ظاهر ذلك ~~يقتضي أن تكون الاستعاذة ms3627 بعد القراءة، كقوله تعالى: " فإذا قضيتم الصلاة ~~فاذكروا الله قياما وقعودا (2) ". إلا أن غيره محتمل، مثل قوله تعالى: " ~~وإذا قلتم فاعدلوا (3) " " وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب (4) ~~" وليس المراد به أن يسألها من وراء حجاب بعد سؤال متقدم. ومثله قول ~~القائل: إذا قلت فاصدق، وإذا أحرمت فاغتسل، يعني قبل الاحرام. والمعنى في ~~جميع ذلك: إذا أردت ذلك، فكذلك الاستعاذة. وقد تقدم هذا المعنى (5)، وتقدم ~~القول في الاستعاذة مستوفى (6). # قوله تعالى: إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون (99) ~~إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون (100) قوله تعالى: (أنه ~~ليس له سلطان على الذين آمنوا) أي بالاغواء والكفر، أي ليس لك قدرة على أن ~~تحملهم على ذنب لا يغفر، قاله سفيان. وقال مجاهد: لا حجة له على ما يدعوهم ~~إليه من المعاصي. وقيل: إنه ليس عليهم سلطان بحال، لان الله تعالى صرف # PageV10P175 # سلطانه عليهم حين قال عدو الله إبليس لعنه الله: " ولأغوينهم أجمعين. إلا ~~عبادك منهم المخلصين (1) " قال الله تعالى: " إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ~~إلا من اتبعك من الغاوين ". # قلت: قد بينا أن هذا عام يدخله التخصيص، وقد أغوى آدم وحواء عليهما ~~السلام بسلطانه، وقد شوش على الفضلاء أوقاتهم بقوله: من خلق ربك؟ حسبما ~~تقدم في آخر الأعراف (2) بيانه. (إنما سلطانه على الذين يتولونه) أي ~~يطيعونه. يقال: توليته أي أطعته، وتوليت عنه، أي أعرضت عنه. (والذين هم به ~~مشركون) أي بالله، قاله مجاهد والضحاك. وقيل: يرجع " به " إلى الشيطان، ~~قاله الربيع بن أنس والقتبي. والمعنى: # والذين هم من أجله مشركون. يقال: كفرت بهذه الكلمة، أي من أجلها. وصار ~~فلان بك عالما، أي من أجلك. أي والذي تولى الشيطان مشركون بالله. # قوله تعالى: وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت ~~مفتر بل أكثرهم لا يعلمون (101) قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت ~~الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين (102) قوله تعالى: (وإذا بدلنا آية مكان ~~آية والله أعلم بما ينزل) قيل: ms3628 المعنى بدلنا شريعة متقدمة بشريعة مستأنفة، ~~قاله ابن بحر. مجاهد: أي رفعنا آية وجعلنا موضعها غيرها. # وقال الجمهور: نسخنا آية بآية أشد منها عليهم. والنسخ والتبديل رفع الشئ ~~مع وضع غير مكانه. وقد تقدم الكلام في النسخ في البقرة مستوفى (3). (قالوا) ~~يريد كفار قريش. (إنما أنت مفتر) أي كاذب مختلق، وذلك لما رأوا من تبديل ~~الحكم. فقال الله: (بل أكثرهم لا يعلمون) أن الله شرع الاحكام وتبديل البعض ~~بالبعض. وقوله: (قل نزله روح # PageV10P176 # القدس) يعني جبريل، نزل بالقرآن كله ناسخه ومنسوخه. وروى بإسناد صحيح عن ~~عامر الشعبي قال: وكل إسرافيل بمحمد صلى الله عليه وسلم ثلاث سنين، فكان ~~يأتيه بالكلمة والكلمة، ثم نزل عليه جبريل بالقرآن. وفي صحيح مسلم أيضا أنه ~~نزل عليه بسورة " الحمد " ملك لم ينزل إلى الأرض قط. كما تقدم في الفاتحة ~~بيانه (1). (من ربك بالحق) أي من كلام ربك. (ليثبت الذين آمنوا) أي بما فيه ~~من الحجج والآيات. (وهدى) أي وهو هدى. # (وبشرى للمسلمين). # قوله تعالى: ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه ~~أعجمي وهذا لسان عربي مبين (103) قوله تعالى: (ولقد نعلم أنهم يقولون إنما ~~يعلمه بشر) اختلف في اسم هذا الذي قالوا إنما يعلمه، فقيل: هو غلام الفاكه ~~بن المغيرة واسمه جبر، كان نصرانيا فأسلم، وكانوا إذا سمعوا من النبي صلى ~~الله عليه وسلم ما مضى وما هو آت مع أنه أمي لم يقرأ قالوا: إنما يعلمه جبر ~~وهو أعجمي، فقال الله تعالى: (لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي ~~مبين) أي كيف يعلمه جبر وهو أعجمي هذا الكلام الذي لا يستطيع الإنس والجن ~~أن يعارضوا منه سورة واحدة فما فوقها. وذكر النقاش أن مولى جبر كان يضربه ~~ويقول له: أنت تعلم محمدا، فيقول: لا والله، بل هو يعلمني ويهديني. وقال ~~ابن إسحاق: كان النبي صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني - كثيرا ما يجلس عند ~~المروة إلى غلام نصراني يقال له جبر، عبد بني الحضرمي، وكان يقرأ الكتب، ~~فقال المشركون: ms3629 والله ما يعلم محمدا ما يأتي به إلا جبر النصراني. وقال ~~عكرمة: اسمه يعيش عبد لبني الحضرمي، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يلقنه القرآن، ذكره الماوردي. وذكر الثعلبي عن عكرمة وقتادة أنه غلام لبني ~~المغيرة اسمه يعيش، وكان يقرأ الكتب الأعجمية، فقالت قريش: إنما يعلمه بشر، ~~فنزلت. المهدوي عن عكرمة: # PageV10P177 # هو غلام لبني عامر بن لؤي، واسمه يعيش. وقال عبد الله بن مسلم الحضرمي: ~~كان لنا غلامان نصرانيان من أهل عين التمر، اسم أحدهما يسار واسم الآخر ~~جبر. كذا ذكر الماوردي والقشيري والثعلبي، إلا أن الثعلبي قال: يقال ~~لأحدهما نبت ويكنى أبا فكيهة، والآخر جبر، وكانا صيقلين (1) يعملان السيوف، ~~وكانا يقرأن كتابا لهم. الثعلبي: يقرأن التوراة والإنجيل. # الماوردي والمهدوي: التوراة. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمر بهما ~~ويسمع قراءتهما، وكان المشركون يقولون: يتعلم منهما، فأنزل الله هذه الآية ~~وأكذبهم. وقيل: # عنوا سلمان الفارسي رضي الله عنه، قاله الضحاك. وقيل: نصرانيا بمكة اسمه ~~بلعام، وكان غلاما يقرأ التوراة، قاله ابن عباس. وكان المشركون يرون رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حين يدخل عليه ويخرج من عنده، فقالوا: إنما يعلمه ~~بلعام. وقال القتبي: كان بمكة رجل نصراني يقال له أبو ميسرة يتكلم ~~بالرومية، فربما قعد إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال الكفار: انما ~~يتعلم محمد منه، فنزلت. وفي رواية أنه عداس غلام عتبة بن ربيعة. # وقيل: عابس غلام حويطب بن عبد العزى ويسار أبو فكيهة مولى ابن الحضرمي، ~~وكانا قد أسلما. والله أعلم. # قلت: والكل محتمل، فإن النبي صلى الله عليه وسلم ربما جلس إليهم في أوقات ~~مختلفة ليعلمهم مما علمه الله، وكان ذلك بمكة. وقال النحاس: وهذه الأقوال ~~ليست بمتناقضة، لأنه يجوز أن يكونوا أومئوا إلى هؤلاء جميعا، وزعموا أنهم ~~يعلمونه. # قلت: وأما ما ذكره الضحاك من أنه سلمان ففيه بعد، لان سلمان إنما أتى ~~النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وهذه الآية مكية. (لسان الذي يلحدون ~~إليه أعجمي) الالحاد: الميل، يقال: لحد وألحد، أي ms3630 مال عن القصد. وقرأ حمزة ~~" يلحدون " بفتح الياء والحاء، أي لسان الذي يميلون إليه ويشيرون أعجمي. ~~والعجمة: الاخفاء وضد البيان. ورجل أعجم وامرأة عجم، أي لا يفصح، ومنه عجم ~~الذنب لاستتاره. والعجماء: # PageV10P178 # البهيمة، لأنها لا توضح عن نفسها. وأعجمت الكتاب أي أزلت عجمته. والعرب ~~تسمي كل من لا يعرف لغتهم ولا يتكلم بكلامهم أعجميا. وقال الفراء: الأعجم ~~الذي في لسانه عجمة وإن كان من العرب، والأعجمي أو العجمي الذي أصله من ~~العجم. وقال أبو علي: الأعجمي الذي لا يفصح، سواء كان من العرب أو من ~~العجم، وكذلك الأعجم والأعجمي المنسوب إلى العجم وإن كان فصيحا. وأراد ~~باللسان القرآن، لان العرب تقول للقصيدة والبيت لسانا، قال الشاعر: # لسان الشر تهديها إلينا * وخنت وما حسبتك أن تخونا يعني باللسان القصيدة. ~~(وهذا لسان عربي مبين) أي أفصح ما يكون من العربية. # قوله تعالى: إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله ولهم عذاب ~~أليم (104) قوله تعالى: (إن الذين لا يؤمنون بآيات الله) أي هؤلاء المشركون ~~الذين لا يؤمنون بالقرآن (لا يهديهم الله ولهم عذاب أليم.) قوله تعالى: ~~إنما يفترى الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون (105) ~~قوله تعالى: (إنما يفترى الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولك هم ~~الكاذبون (105) قوله تعالى: (إنما يفترى الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله) ~~هذا جواب وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بالافتراء. (وأولئك هم الكاذبون) ~~هذا مبالغة في وصفهم بالكذب، أي كل كذب قليل بالنسبة إلى كذبهم. ويقال: كذب ~~فلان ولا يقال إنه كاذب، لان الفعل قد يكون لازما وقد لا يكون لازما. فأما ~~النعت فيكون لازم ولهذا يقال: عصى آدم ربه فغوى، ولا يقال: إنه عاص غاو. ~~فإذا قيل: كذب فلان فهو كاذب، كان مبالغة في الوصف بالكذب، قاله القشيري. ~~PageV10P179 # قوله تعالى: من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن ~~بالايمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم (106) ~~الأولى - قوله تعالى: (من كفر باله) هذا ms3631 متصل بقوله تعالى: " ولا تنقضوا ~~الايمان بعد توكيدها " فكان مبالغة في الوصف بالكذب، لان معناه لا ترتدوا ~~عن بيعة الرسول صلى الله عليه وسلم. أي من كفر من بعد إيمانه وارتد فعليه ~~غضب الله. قال الكلبي: نزلت في عبد الله بن أبي سرح ومقيس بن ضبابة وعبد ~~الله بن خطل (1)، وقيس بن الوليد بن المغيرة، كفروا بعد إيمانهم. ثم قال: ~~(إلا من أكره). وقال الزجاج: " من كفر بالله من بعد إيمانه " بدل ممن يفترى ~~الكذب، أي إنما يفترى الكذب من كفر بالله من بعد إيمانه، ' لأنه رأى الكلام ~~إلى آخر الاستثناء غير تام فعلقه بما قبله. وقال الأخفش: " من " ابتداء ~~وخبره محذوف، اكتفي منه بخبر " من " الثانية، كقولك: من يأتنا من يحسن ~~نكرمه. # الثانية - قوله تعالى: (إلا من أكره) هذه الآية نزلت في عمار بن ياسر، في ~~قول أهل التفسير، لأنه قارب بعض ما ندبوه إليه. قال ابن عباس: أخذه ~~المشركون وأخذوا أباه وأمه سمية وصهيبا وبلالا وخبابا وسالما فعذبوهم، ~~وربطت سمية بين بعيرين ووجئ قبلها بحربة، وقيل لها إنك أسلمت من أجل ~~الرجال، فقتلت وقتل زوجها ياسر، وهما أول قتيلين في الاسلام. وأما عمار ~~فأعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرها، فشكا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كيف تجد قلبك "؟ قال: # مطمئن بالايمان. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فإن عادوا فعد ". ~~وروى منصور بن المعتمر عن مجاهد قال: أول شهيدة في الاسلام أم عمار، قتلها ~~أبو جهل، وأول # PageV10P180 # شهيد من الرجال مهجع مولى عمر. وروى منصور أيضا عن مجاهد قال: أول من ~~أظهر الاسلام سبعة: رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، وبلال، وخباب، ~~وصهيب، وعمار، وسمية أم عمار. فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنعه أبو ~~طالب، وأما أبو بكر فمنعه قومه، وأخذوا الآخرين فألبسوهم أدرع الحديد، ثم ~~صهروهم في الشمس حتى بلغ منهم الجهد كل مبلغ من حر الحديد والشمس، فلما كان ~~من العشي ms3632 أتاهم أبو جهل ومعه حربة، فجعل يسبهم ويوبخهم، وأتى سمية فجعل ~~يسبها ويرفث (1)، ثم طعن فرجها حتى خرجت الحربة من فمها فقتلها، رضي الله ~~عنها. قال: وقال الآخرون ما سئلوا، إلا بلالا فإنه هانت عليه نفسه في الله، ~~فجعلوا يعذبونه ويقولون له: ارجع عن دينك، وهو يقول أحد أحد، حتى ملوه، ثم ~~كتفوه وجعلوا في عنقه حبلا من ليف، ودفعوه إلى صبيانهم يلعبون به بين أخشبي ~~(2) مكة حتى ملوه وتركوه، قال فقال عمار: كلنا تكلم بالذي قالوا - لولا أن ~~الله تداركنا - غير بلال فإنه هانت عليه نفسه في الله، فهان على قومه حتى ~~ملوه وتركوه. والصحيح أن أبا بكر اشترى بلالا فأعتقه. وروى ابن أبي نجيح عن ~~مجاهد أن ناسا من أهل مكة آمنوا، فكتب إليهم بعض أصحاب محمد صلى الله عليه ~~وسلم بالمدينة: أن هاجروا إلينا، فإنا لا نراكم منا حتى تهاجروا إلينا، ~~فخرجوا يريدون المدينة حتى أدركتهم قريش بالطريق، ففتنوهم فكفروا مكرهين، ~~ففيهم نزلت هذه الآية. ذكر الروايتين عن مجاهد إسماعيل بن إسحاق. وروى ~~الترمذي عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما خير عمار ~~بين أمرين إلا اختار أرشدهما " هذا حديث حسن غريب. وروى عن أنس بن مالك قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الجنة تشتاق إلى ثلاثة علي وعمار ~~وسلمان بن ربيعة ". قال الترمذي: # هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث الحسن بن صالح. # الثانية - لما سمح الله عز وجل بالكفر به وهو أصل الشريعة عند الاكراه ~~ولم يؤاخذ به، حمل العلماء عليه فروع الشريعة كلها، فإذا وقع الاكراه عليها ~~لم يؤاخذ به ولم يترتب # PageV10P181 # عليه حكم، وبه جاء الأثر المشهور عن النبي صلى الله عليه وسلم: " رفع عن ~~أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " الحديث. والخبر وإن لم يصح سنده ~~فإن معنا صحيح باتفاق من العلماء، قاله القاضي أبو بكر بن العربي. وذكر أبو ~~محمد عبد الحق أن إسناده صحيح، قال: وقد ذكره أبو بكر الأصيلي في الفوائد ms3633 ~~وابن المنذر في كتاب الاقناع. # الرابعة - أجمع أهل العلم على أن من أكره على الكفر حتى خشي على نفسه ~~القتل، أنه لا إثم عليه إن كفر وقلبه مطمئن بالايمان، ولا تبين منه زوجته ~~ولا يحكم عليه بحكم الكفر، هذا قول مالك والكوفيين والشافعي، غير محمد بن ~~الحسن فإنه قال: إذا أظهر الشرك كان مرتدا في الظاهر، وفيما بينه وبين الله ~~تعالى على الاسلام، وتبين منه امرأته ولا يصلى عليه إن مات، ولا يرث أباه ~~إن مات مسلما. وهذا قول يرده الكتاب والسنة، قال الله تعالى: # " إلا من أكره " الآية. وقال: " إلا أن تتقوا منهم تقاة (1) " وقال: " إن ~~الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في ~~الأرض (2) " الآية. وقال: " إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان (2) ~~" الآية. فعذر الله المستضعفين الذين يمتنعون من ترك ما أمر الله به، ~~والمكره لا يكون إلا مستضعفا غير ممتنع من فعل ما أمر به، قاله البخاري. # الخامسة - ذهبت طائفة من العلماء إلى أن الرخصة إنما جاءت في القول، وأما ~~في الفعل فلا رخصة فيه، مثل أن يكرهوا على السجود لغير الله أو الصلاة لغير ~~القبلة، أو قتل مسلم أو ضربه أو أكل ماله، أو الزنى وشرب الخمر وأكل الربا، ~~يروى هذا عن الحسن البصري، رضي الله عنه. وهو قول الأوزاعي وسحنون من ~~علمائنا. وقال محمد بن الحسن: إذا قيل للأسير: اسجد لهذا الصنم وإلا قتلتك. ~~فقال: إن كان الصنم مقابل القبلة فليسجد ويكون نيته لله تعالى، وإن كان ~~لغير القبلة فلا يسجد وإن قتلوه. والصحيح أنه يسجد وإن كان لغير القبلة، ~~وما أحراه بالسجود حينئذ، ففي الصحيح عن ابن عمر قال: # كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وهو مقبل من مكة إلى المدينة على ~~راحلته حيث كان # PageV10P182 # وجهه، قال: وفيه نزلت " فأينما تولوا فثم وجه الله (1) " في رواية: ويوتر ~~عليها، غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة. فإذا كان هذا مباحا في السفر في ~~حالة الامن لتعب النزول عن الدابة للتنفل ms3634 فكيف بهذا. واحتج من قصر الرخصة ~~على القول بقول ابن مسعود: ما من كلام يدرأ عني سوطين من ذي سلطان إلا كنت ~~متكلما به. فقصر الرخصة على القول ولم يذكر الفعل، وهذا لا حجة فيه، لأنه ~~يحتمل أن يجعل الكلام مثالا وهو يريد أن الفعل في حكمه. وقالت طائفة: ~~الاكراه في الفعل والقول سواء إذا أسر الايمان. روى ذلك عن عمر بن الخطاب ~~ومكحول، وهو قول مالك وطائفة من أهل العراق. روى ابن القاسم عن مالك أن من ~~أكره على شرب الخمر وترك الصلاة أو الافطار في رمضان، أن الاثم عنه مرفوع. # السادسة - أجمع العلماء على أن من أكره على قتل غيره أنه لا يجوز له ~~الاقدام على قتله ولا انتهاك حرمته بجلد أو غيره، ويصبر على البلاء الذي ~~نزل به، ولا يحل له أن يفدى نفسه بغيره، ويسأل الله العافية في الدنيا ~~والآخرة. # واختلف في الزنى، فقال مطرف وأصبغ وابن عبد الحكم وابن الماجشون: لا يفعل ~~أحد ذلك، وإن قتل لم يفعله، فإن فعله فهو آثم ويلزمه الحد، وبه قال أبو ثور ~~والحسن. # قال ابن العربي: الصحيح أنه يجوز الاقدام على الزنى ولا حد عليه، خلافا ~~لمن ألزمه ذلك، لأنه رأى أنها شهوة خلقية لا يتصور الاكراه عليها، وغفل عن ~~السبب في باعث الشهوة وهو الالجاء إلى ذلك، وهو الذي أسقط حكمه، وإنما يجب ~~الحد على شهوة بعث عليها سبب اختياري، فقاس الشئ على ضده، فلم يحل بصواب من ~~عنده. وقال ابن خويز منداد في أحكامه: اختلف أصحابنا متى أكره الرجل على ~~الزنى، فقال بعضهم: عليه الحد، لأنه إنما يفعل ذلك باختياره. وقال بعضهم: ~~لا حد عليه. قال ابن خويز منداد: وهو الصحيح. # وقال أبو حنيفة: إن أكرهه غير السلطان حد، وإن أكرهه السلطان فالقياس أن ~~يحد، ولكن استحسن ألا يحد. وخالفه صاحباه فقالا: لا حد عليه في الوجهين، ~~ولم يراعوا الانتشار، # PageV10P183 # وقالوا: متى علم أنه يتخلص من القتل بفعل الزنى جاز أن ينتشر. قال ابن ~~المنذر لا حد ms3635 عليه، ولا فرق بين السلطان في ذلك وغير السلطان. # السابعة - اختلف العلماء في طلاق المكره وعتاقه، فقال الشافعي وأصحابه: # لا يلزمه شئ. وذكر ابن وهب عن عمر وعلي وابن عباس أنهم كانوا لا يرون ~~طلاقه شيئا. # وذكره ابن المنذر عن ابن الزبير وابن عمر وابن عباس وعطاء وطاوس والحسن ~~وشريح والقاسم وسالم ومالك والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور. وأجازت طائفة ~~طلاقه، روى ذلك عن الشعبي والنخعي وأبي قلابة والزهري وقتادة، وهو قول ~~الكوفيين. قال أبو حنيفة: # طلاق المكره يلزم، لأنه لم يعدم فيه أكثر من الرضا، وليس وجوده بشرط في ~~الطلاق كالهازل. # وهذا قياس باطل، فإن الهازل قاصد إلى إيقاع الطلاق راض به، والمكره غير ~~راض ولا نية له في الطلاق، وقد قال عليه السلام: " إنما الأعمال بالنيات ". ~~وفي البخاري: وقال ابن عباس فيمن يكرهه اللصوص فيطلق: ليس بشئ، وبه قال ابن ~~عمر وابن الزبير والشعبي والحسن. وقال الشعبي: إن أكرهه اللصوص فليس بطلاق، ~~وإن أكرهه السلطان فهو طلاق. وفسره ابن عيينة فقال: إن اللص يقدم على قتله ~~والسلطان لا يقتله. # الثامنة - وأما بيع المكره والمضغوط فله حالتان. الأولى - أن يبيع ماله ~~في حق وجب عليه، فذلك ماض سائغ لا رجوع فيه عند الفقهاء، لأنه يلزمه أداء ~~الحق إلى ربه من غير المبيع، فلما لم يفعل ذلك كان بيعه اختيارا منه فلزمه. ~~وأما بيع المكره ظلما أو قهرا فذلك بيع لا يجوز عليه. وهو أولى بمتاعه ~~يأخذه بلا ثمن، ويتبع المشترى بالثمن ذلك الظالم، فإن فات المتاع رجع بثمنه ~~أو بقيمته بالأكثر من ذلك على الظالم إذا كان المشترى غير عالم بظلمه. # قال مطرف: ومن كان من المشترين يعلم حال المكره فإنه ضامن لما ابتاع من ~~رقيقه وعروضه كالغاصب، وكلما أحدث المبتاع في ذلك من عتق أو تدبير أو تحبيس ~~فلا يلزم المكره، وله أخذ متاعه. قال سحنون: أجمع أصحابنا وأهل العراق على ~~أن بيع المكره على الظلم والجور لا يجوز. وقال الأبهري: إنه إجماع. ~~PageV10P184 # التاسعة - وأما نكاح المكره، فقال ms3636 سحنون: أجمع أصحابنا على إبطال نكاح ~~المكره والمكرهة، وقالوا: لا يجوز المقام عليه، لأنه لم ينعقد. قال محمد بن ~~سحنون: وأجاز أهل العراق نكاح المكره، وقالوا: لو أكره على أن ينكح امرأة ~~بعشرة آلاف درهم، وصداق مثلها ألف درهم، أن النكاح جائز وتلزمه الألف ويبطل ~~الفضل. قال محمد: فكما أبطلوا الزائد على الألف فكذلك يلزمهم إبطال النكاح ~~بالاكراه. وقولهم خلاف السنة الثابتة في حديث خنساء بنت خذام الأنصارية، ~~ولامره صلى الله عليه وسلم بالاستئمار في أبضاعهن، وقد تقدم، فلا معنى ~~لقولهم. # العاشرة - فان وطئها المكره على النكاح غير مكره على الوطئ والرضا ~~بالنكاح لزمه النكاح عندنا على المسمى من الصداق ودرئ عنه الحد. وإن قال: ~~وطئتها على غير رضا مني بالنكاح فعليه الحد والصداق المسمى، لأنه مدع ~~لابطال الصداق المسمى، وتحد المرأة إن أقدمت وهي عالمة أنه مكره على ~~النكاح. وأما المكرهة على النكاح وعلى الوطئ فلا حد عليها ولها الصداق، ~~ويحد الواطئ، فأعلمه. قاله سحنون. # الحادية عشرة - إذا استكرهت المرأة على الزنى فلا حد عليها، لقوله " إلا ~~من أكره " وقوله عليه السلام: " إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما ~~استكرهوا عليه "، ولقول الله تعالى: " فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم ~~(1) " يريد الفتيات. وبهذا المعنى حكم عمر في الوليدة التي استكرهها العبد ~~فلم يحدها. والعلماء متفقون على أنه لا حد على امرأة مستكرهة. # وقال مالك: إذا وجدت المرأة حاملا وليس لها زوج فقالت استكرهت فلا يقبل ~~ذلك منها وعليها الحد، إلا أن تكون لها بينة أو جاءت تدمي على أنها أوتيت ~~(2)، أو ما أشبه ذلك. واحتج بحديث عمر بن الخطاب أنه قال: الرجم في كتاب ~~الله حق على من زنى من الرجال والنساء إذا أحصن إذا قامت البينة، أو كان ~~الحبل أو الاعتراف. قال ابن المنذر: وبالقول الأول أقول. # PageV10P185 # الثانية عشرة - واختلفوا في وجوب الصداق للمستكرهة، فقال عطاء والزهري: ~~لها صداق مثلها، وهو قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور. وقال ~~الثوري: إذا أقيم الحد على الذي زنى ms3637 بها بطل الصداق. وروى ذلك عن الشعبي، ~~وبه قال أصحاب مالك وأصحاب الرأي. قال ابن المنذر: القول الأول صحيح. # الثالثة عشرة - إذا أكره الانسان على إسلام أهله لما لم يحل أسلمها، ولم ~~يقتل (1) نفسه دونها ولا أحتمل أذية في تخليصها. والأصل في ذلك ما خرجه ~~البخاري عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هاجر ~~إبراهيم عليه السلام بسارة ودخل بها قرية فيها ملك من الملوك أو جبار من ~~الجبابرة فأرسل إليه أن أرسل بها إلي فأرسل بها فقام إليها فقامت تتوضأ ~~وتصلي فقالت اللهم إن كنت آمنت بك وبرسولك فلا تسلط علي هذا الكافر فغط حتى ~~ركض برجله (2) ". ودل هذا الحديث أيضا على أن سارة لما لم يكن عليها ملامة، ~~فكذلك لا يكون على المستكرهة ملامة، ولا حد فيما هو أكبر من الخلوة. والله ~~أعلم. # الرابعة عشرة - وأما يمين المكره فغير لازمة. عند مالك والشافعي وأبي ثور ~~وأكثر العلماء. قال ابن الماجشون: وسواء حلف فيما هو طاعة لله أو فيما هو ~~معصية إذ أكره على اليمين، وقاله أصبغ. وقال مطرف: إن أكره على اليمين فيما ~~هو لله معصية أو ليس في فعله طاعة ولا معصية فاليمين فيه ساقطة، وإن أكره ~~على اليمين فيما هو طاعة مثل أن يأخذ الوالي رجلا فاسقا فيكرهه أن يحلف ~~بالطلاق لا يشرب خمرا، أو لا يفسق ولا يغش في عمله، أو الولد يحلف ولده ~~تأديبا له فإن اليمين تلزم، وإن كان المكره قد أخطأ فيما يكلف من ذلك. وقال ~~به ابن حبيب. وقال أبو حنيفة ومن اتبعه من الكوفيين: إنه إن حلف ألا يفعل ~~ففعل حنث، قالوا: لان المكره له أن يورى في يمينه كلها، فلما لم يور ولا ~~ذهبت نيته إلى خلاف ما أكره عليه فقد قصد إلى اليمين. احتج الأولون بأن ~~قالوا: إذا أكره عليها فنيته مخالفة لقوله، لأنه كاره لما حلف عليه. # PageV10P186 # الخامسة عشرة - قال ابن العربي: ومن غريب الامر أن علماءنا اختلفوا في ~~الاكراه على الحنث هل ms3638 يقع به أم لا، وهذه مسألة عراقية سرت لنا منهم، لا ~~كانت هذه المسألة ولا كانوا! وأي فرق يا معشر أصحابنا بين الاكراه على ~~اليمين في أنها لا تلزم وبين الحنث في أنه لا يقع! فاتقوا الله وراجعوا ~~بصائركم، ولا تغتروا بهذه الروية فإنها وصمة في الدراية. # السادسة عشرة - إذا أكره الرجل على أن يحلف وإلا أخذ له مال كأصحاب المكس ~~وظلمة السعاة وأهل الاعتداء، فقال مالك: لا تقية له في ذلك، وإنما يدرأ ~~المرء بيمينه عن بدنه لا ماله. وقال ابن الماجشون: لا يحنث وإن درأ عن ماله ~~ولم يخف على بدنه. وقال ابن القاسم بقول مطرف، ورواه عن مالك، وقاله ابن ~~عبد الحكم وأصبغ. # قلت: قول ابن الماجشون صحيح، لان المدافعة عن المال كالمدافعة عن النفس، ~~وهو قول الحسن وقتادة وسيأتي. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن ~~دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام " وقال: " كل المسلم على المسلم حرام ~~دمه وماله وعرضه ". # وروى أبو هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا ~~رسول الله، أرأيت إن جاء رجلا يريد أخذ مالي؟ قال: " فلا تعطه مالك ". قال: ~~أرأيت إن قاتلني؟ # قال: " قاتله " قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: " فأنت شهيد " قال: أرأيت إن ~~قتلته؟ # قال: " هو في النار " خرجه مسلم (1). وقد مضى الكلام فيه. وقال مطرف وابن ~~الماجشون: # وإن بدر الحالف بيمينه للوالي الظالم قبل أن يسألها ليذب بها عما خاف ~~عليه من ماله وبدنه فحلف له فإنها تلزمه. وقاله ابن عبد الحكم وأصبغ. وقال ~~أيضا ابن الماجشون فيمن أخذه ظالم فحلف له بالطلاق ألبتة من غير أن يحلفه ~~وتركه وهو كاذب، وإنما حلف خوفا من ضربه وقتله وأخذ ماله: فإن كان إنما ~~تبرع باليمين غلبة خوف ورجاء النجاة من ظلمه فقد دخل في الاكراه ولا شئ ~~عليه، وإن لم يحلف على رجاء النجاة فهو حانث. # السابعة عشرة - قال المحققون من العلماء: إذا تلفظ المكره بالكفر فلا ~~يجوز له أن يجريه على لسانه إلا ms3639 مجرى المعاريض، فإن في المعاريض (3) ~~لمندوحة عن الكذب. ومتى لم يكن # PageV10P187 # كذلك كان كافرا، لان المعاريض لا سلطان للاكراه عليها. مثاله - أن يقال ~~له: أكفر بالله فيقول باللاهي، فيزيد الياء. وكذلك إذا قيل له: أكفر بالنبي ~~فيقول هو كافر بالنبي، مشددا وهو المكان المرتفع من الأرض (1). ويطلق على ~~ما يعمل من الخوص شبه المائدة، فيقصد أحدهما بقلبه ويبرأ من الكفر ويبرأ من ~~إثمه. فإن قيل له: أكفر بالنبئ (مهموزا) فيقول هو كافر بالنبئ يريد ~~بالمخبر، أي مخبر كان كطليحة (2) ومسلمة الكذاب. أو يريد به النبئ الذي قال ~~فيه الشاعر: # فأصبح رتما دقاق الحصى * مكان النبئ من الكاثب (3) الثامنة عشرة - أجمع ~~العلماء على أن من أكره على الكفر فاختار القتل أنه أعظم أجرا عند الله ممن ~~اختار الرخصة. واختلفوا فيمن أكره على غير القتل من فعل ما لا يحل له، فقال ~~أصحاب مالك: الاخذ بالشدة في ذلك واختيار القتل والضرب أفضل عند الله من ~~الاخذ بالرخصة، ذكره ابن حبيب وسحنون. وذكر ابن سحنون عن أهل العراق أنه ~~إذا تهدد بقتل أو قطع أو ضرب يخاف منه التلف فله أن يفعل ما أكره عليه من ~~شرب خمر أو أكل خنزير، فان لم يفعل حتى قتل خفنا أن يكون آثما لأنه ~~كالمضطر. وروى خباب بن الأرت قال: # شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة ~~فقلت: # ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا؟ فقال: " قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر ~~له في الأرض فيجعل فيها فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط ~~بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه فما يصده ذلك عن دينه والله ليتمن هذا ~~الامر (4) حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب ~~على غنمه ولكنكم تستعجلون ". فوصفه صلى الله عليه وسلم هذا عن الأمم ~~السالفة على جهة المدح لهم والصبر على المكروه في ذات الله، وأنهم لم ~~يكفروا في الظاهر وتبطنوا الايمان ليدفعوا العذاب عن أنفسهم. وهذه حجة ms3640 من ~~آثر الضرب # PageV10P188 # والقتل والهوان على الرخصة والمقام بدار الجنان. وسيأتي لهذا مزيد بيان ~~في سورة " الأخدود (1) " إن شاء الله تعالى. وذكر أبو بكر محمد بن محمد بن ~~الفرج البغدادي قال: حدثنا شريح بن يونس عن إسماعيل بن إبراهيم عن يونس بن ~~عبيد عن الحسن أن عيونا لمسيلمة أخذوا رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم فذهبوا بهما إلى مسيلمة، فقال لأحدهما: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال ~~نعم. قال.: أتشهد أنى رسول الله؟ قال نعم. فخلى عنه. وقال الآخر: أتشهد أن ~~محمدا رسول الله؟ قال نعم. قال: وتشهد أنى رسول الله؟ قال: أنا أصم لا ~~أسمع، فقدمه وضرب عنقه. فجاء هذا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هلكت! # قال: " وما أهلكك "؟ فذكر الحديث، قال: " أما صاحبك فأخذ بالثقة (2) وأما ~~أنت فأخذت بالرخصة على ما أنت عليه الساعة " قال: أشهد أنك رسول الله. قال ~~" أنت على ما أنت عليه ". الرخصة فيمن حلفه سلطان ظالم على نفسه أو على أن ~~يدله على رجل أو مال رجل، فقال الحسن: إذا خاف عليه وعلى ماله فليحلف ولا ~~يكفر يمينه، وهو قول قتادة إذا حلف على نفسه أو مال نفسه. وقد تقدم ما ~~للعلماء في هذا. وذكر موسى بن معاوية أن أبا سعيد بن أشرس صاحب مالك ~~استحلفه السلطان بتونس على رجل أراد السلطان قتله أنه ما آواه، ولا يعلم له ~~موضعا، قال: فحلف له ابن أشرس، وابن أشرس يومئذ قد علم موضعه وآواه، فحلفه ~~بالطلاق ثلاثا، فحلف له ابن أشرس، ثم قال لامرأته: اعتزلي فاعتزلته، ثم ركب ~~ابن أشرس حتى قدم على البهلول بن راشد القيروان، فأخبره بالخبر، فقال له ~~البهلول: # قال مالك إنك حانث. فقال ابن أشرس: وأنا سمعت مالكا يقول ذلك، وإنما أردت ~~الرخصة أو كلام هذا معناه، فقال له البهلول ابن راشد: قال الحسن البصري إنه ~~لا حنث عليك. قال: فرجع ابن أشرس إلى زوجته وأخذ بقول الحسن. وذكر عبد ~~الملك بن حبيب قال: حدثني معبد عن المسيب ms3641 بن شريك عن أبي شيبة قال: سألت ~~أنس بن مالك عن الرجل يؤخذ بالرجل، هل ترى أن يحلف ليقيه بيمينه؟ فقال نعم، ~~ولإن أحلف سبعين يمينا # PageV10P189 # وأحنث أحب إلى أن أدل على مسلم. وقال إدريس بن يحيى كان الوليد بن عبد ~~الملك يأمر جواسيس يتجسسون الخلق يأتونه بالاخبار، قال: فجلس رجل منهم في ~~حلقة رجاء بن حياة فسمع بعضهم يقع في الوليد، فرفع ذلك إليه فقال: يا رجاء! ~~أذكر بالسوء في مجلسك ولم تغير؟ فقال: ما كان ذلك يا أمير المؤمنين، فقال ~~له الوليد: قل آلله الذي لا إله إلا هو، قال: آلله الذي لا إله إلا هو، ~~فأمر الوليد بالجاسوس فضربه سبعين سوطا، فكان يلقى رجاء فيقول: يا رجاء، بك ~~يستقى (1) المطر، وسبعون سوطا في ظهري! فيقول رجاء: سبعون سوطا في ظهرك خير ~~لك من أن يقتل رجل مسلم. # التاسعة عشرة - واختلف العلماء في حد الاكراه، فروى عن عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه أنه قال: ليس الرجل آمن على نفسه إذا أخفته أو أوثقته أو ضربته. ~~وقال ابن مسعود ما كلام يدرأ عنى سوطين إلا كنت متكلما به. وقال الحسن: ~~التقية جائزة للمؤمن إلى يوم القيامة، إلا أن الله تبارك وتعالى ليس يجعل ~~في القتل تقية. وقال النخعي: القيد إكراه، والسجن إكراه. وهذا قول مالك، ~~إلا أنه قال: والوعيد المخوف إكراه وإن لم يقع، إذا تحقق ظلم ذلك المعتدى ~~وإنفاذه لما يتوعد به، وليس عند مالك وأصحابه في الضرب والسجن توقيت، إنما ~~هو ما كان يؤلم من الضرب، وما كان من سجن يدخل منه الضيق على المكره. # وإكراه السلطان وغيره عند مالك إكراه. وتناقض الكوفيون فلم يجعلوا السجن ~~والقيد إكراها على شرب الخمر وأكل الميتة، لأنه لا يخاف منهما التلف. ~~وجعلوها إكراها في إقراره لفلان عندي ألف درهم. قال ابن سحنون: وفى إجماعهم ~~على أن الألم والوجع الشديد إكراه ما يدل على أن الاكراه يكون من غير تلف ~~نفس. وذهب مالك إلى أن من أكره على يمين بوعيد ms3642 أو سجن أو ضرب أنه يحلف، ولا ~~حنث عليه، وهو قول الشافعي وأحمد وأبى ثور وأكثر العلماء. # الموفية عشرين - ومن هذا الباب ما ثبت إن من المعاريض لمندوحة عن الكذب. # وروى الأعمش عن إبراهيم النخعي أنه قال: لا بأس إذا بلغ الرجل عنك شئ أن ~~تقول: # PageV10P190 # والله، إن الله يعلم ما قلت فيك من ذلك من شئ. قال عبد الملك بن حبيب: ~~معناه أن الله يعلم أن الذي قلت، وهو في ظاهره انتفاء من القول، ولا حنث ~~على من قال ذلك في يمينه ولا كذب عليه في كلامه. وقال النخعي: كان لهم كلام ~~من ألغاز الايمان يدرءون به عن أنفسهم، لا يرون ذلك من الكذب ولا يخشون فيه ~~الحنث. قال عبد الملك: وكانوا يسمون ذلك المعاريض من الكلام، إذا كان ذلك ~~في غير مكر ولا خديعة في حق. وقال الأعمش: # كان إبراهيم النخعي إذا أتاه أحد يكره الخروج إليه جلس في مسجد بيته وقال ~~لجاريته: قولي له هو والله في المسجد. وروى مغيرة عن إبراهيم أنه كان يجيز ~~للرجل من البعث (2) إذا عرضوا على أميرهم أن يقول: والله ما أهتدي إلا ما ~~سدد لي غيري، ولا أركب إلا ما حملني غيري، ونحو هذا من الكلام. قال عبد ~~الملك: يعنى بقوله: " غيري " الله تعالى، هو مسدده وهو يحمله، فلم يكونوا ~~يرون على الرجل في هذا حنثا في يمينه، ولا كذبا في كلامه، وكانوا يكرهون أن ~~يقال هذا في خديعة وظلم وجحدان (3) حق فمن اجترأ وفعل أثم في خديعته ولم ~~تجب عليه كفارة في يمينه. # الحادية والعشرون - قوله تعالى: (ولكن من شرح بالكفر) أي وسعه لقبول ~~الكفر، ولا يقدر أحد على ذلك إلا الله، فهو يرد على القدرية. و " صدرا " ~~نصب على المفعول. (فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم) وهو عذاب جهنم. # قوله تعالى: ذلك بأنهم استحبوا الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدى القوم ~~الكافرين (107) أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم. وأبصرهم وأولئك هم ~~الغافلون (108) لا جرم أنهم في ms3643 الآخرة هم الخاسرون (109) # PageV10P191 # قوله تعالى: (ذلك) أي ذلك الغضب. (بأنهم استحبوا الحياة الدنيا) أي ~~اختاروها على الآخرة. (وأن الله) " أن " في موضع خفض عطفا على " بأنهم ". ~~(لا يهدى القوم الكافرين) ثم وصفهم فقال: (أولئك الذين طبع الله على ~~قلوبهم) أي عن فهم المواعظ. # (وسمعهم) عن كلام الله تعالى. (وأبصارهم) عن النظر في الآيات. (وأولئك ~~هما الغافلون) عما يراد بهم. (لاجرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون) تقدم (1). # قوله تعالى: ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا صم جهدوا وصبروا إن ~~ربك من بعدها لغفور رحيم (110) قوله تعالى: (ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ~~ما فتنوا ثم جهدوا وصبروا) هذا كله في عمار. على الجهاد، ذكره النحاس. وقال ~~قتادة: نزلت في قوم خرجوا مهاجرين إلى المدينة بعد أن فتنهم المشركون ~~وعذبوهم، وقد تقدم ذكرهم في هذه السورة (2). وقيل: نزلت في ابن أبي سرح، ~~وكان قد ارتد ولحق بالمشركين فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله يوم فتح ~~مكة، فاستجار بعثمان فأجاره النبي صلى الله عليه وسلم، ذكره النسائي عن ~~عكرمة عن ابن عباس قال: في سورة النحل. " من كفر بالله من بعد إيمانه إلا ~~من أكره - إلى قوله - ولهم عذاب عظيم " فنسخ، واستثنى من ذلك فقال: " ثم إن ~~ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور ~~رحيم " وهو عبد الله بن سعد بن أبي سرح الذي كان على مصر،. كان يكتب لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فأزله الشيطان فلحق بالكفار فأمر به أن يقتل يوم ~~الفتح، فاستجار له عثمان بن عفان فأجاره رسول الله صلى الله عليه وسلم. # قوله تعالى: يوم تأتى كل نفس تجدل عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت وهو لا ~~يظلمون (111) # PageV10P192 # قوله تعالى: (يوم تأتى كل نفس تجادل عن نفسها) " أي إن الله غفور رحيم في ~~ذلك. # " أو ذكرهم. " يوم تأتى كل نفس تجادل عن نفسها " أي تخاصم وتحاج عن ~~نفسها، جاء في الخبر أن كل أحد ms3644 يقول يوم القيامة: نفسي نفسي! من شدة هول ~~يوم القيمة سوى محمد صلى الله عليه وسلم فإنه يسأل في أمته. وفى حديث عمر ~~أنه قال لكعب الأحبار: يا كعب، خوفنا هيجنا حدثنا نبهنا. فقال له كعب: يا ~~أمير المؤمنين، والذي نفسي بيده لو وافيت يوم القيامة بمثل عمل سبعين نبيا ~~لأتت عليك تارات لا يهمك إلا نفسك، وإن لجهنم زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا ~~نبي منتخب إلا وقع جاثيا على ركبتيه، حتى إن إبراهيم الخليل ليدلي بالخلة ~~فيقول: يا رب، أنا خليلك إبراهيم، لا أسألك اليوم إلا نفسي! قال: يا كعب، ~~أين تجد ذلك في كتاب الله؟ # قال: قوله تعالى: " يوم تأتى كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت ~~وهم لا يظلمون ". وقال ابن عباس في هذه الآية: ما تزال الخصومة بالناس يوم ~~القيامة حتى تخاصم الروح الجسد، فتقول الروح: رب، الروح منك أنت خلقته، لم ~~تكن لي يد أبطش بها، ولا رجل أمشى بها، ولا عين أبصر بها، ولا أذن أسمع بها ~~ولا عقل أعقل به، حتى جئت فدخلت في هذا الجسد، فضعف عليه أنواع العذاب ~~ونجني، فيقول الجسد: رب، أنت خلقتني بيدك فكنت كالخشبة، ليس لي يد أبطش ~~بها، ولا قدم أسعى به، ولا بصر أبصر به، ولا سمع أسمع به، فجاء هذا كشعاع ~~النور، فبه نطق لساني، وبه أبصرت عيني، وبه مشت رجلي، وبه سمعت أذني، فضعف ~~عليه أنواع العذاب ونجني منه. قال: فيضرب الله لهما مثلا أعمى ومقعدا دخلا ~~بستانا فيه ثمار، فالأعمى لا يبصر الثمرة والمقعد لا ينالها، فنادى المقعد ~~الأعمى إيتني فاحملني آكل وأطعمك، فدنا منه فحمله، فأصابوا من الثمرة، فعلى ~~من يكون العذاب؟ (قالا (1): عليهما) قال: عليكما جميعا العذاب، ذكره ~~الثعلبي. # قوله تعالى: وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من ~~كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ~~(112) # PageV10P193 # قوله تعالى: (وضرب الله مثلا قرية) هذا متصل بذكر المشركين. وكان رسول ms3645 ~~الله صلى الله عليه وسلم دعا على مشركي قريش وقال: " اللهم اشدد وطأتك على ~~مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف ". فابتلوا بالقحط حتى أكلوا العظام، ~~ووجه إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما ففرق فيهم. (كانت أمنة) لا ~~يهاج أهلها. (يأتيها رزقها رغدا من كل مكان) من البر والبحر، نظيره " تجبى ~~إليه ثمرات كل شئ (1) " الآية. (فكفرت بأنعم الله) الانعام: جمع النعمة، ~~كالأشد جمع الشدة. وقيل: جمع نعمى، مثل بؤسى وأبؤس. وهذا الكفران تكذيب ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم. (فأذاقها الله) أي أذاق أهلها. (لباس الجوع ~~والخوف) سماه لباسا لأنه يظهر عليهم من الهزال وشحوبة اللون وسوء الحال ما ~~هو كاللباس. (بما كانوا يصنعون) أي من الكفر والمعاصي. وقرأ حفص بن غياث ~~ونصر بن عاصم وابن أبي إسحاق والحسن وأبو عمرو فيما روى عنه عبد الوارث ~~وعبيد وعباس " والخوف " نصبا بإيقاع أذاقها عليه، عطفا على. " لباس الجوع " ~~[أي أ ذاقها الله لباس الجوع (2) " وأذاقها الخوف. وهو بعث النبي صلى الله ~~عليه وسلم سراياه التي كانت تطيف بهم. وأصل الذوق بالفم ثم يستعار فيوضع ~~موضع الابتلاء. وضرب مكة مثلا لغيرها من البلاد، أي إنها مع جوار بيت الله ~~وعمارة مسجده لما كفر أهلها أصابهم القحط فكيف بغيرها من القرى. وقد قيل: ~~إنها المدينة، آمنت برسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم كفرت بأنعم الله ~~لقتل عثمان ابن عفان، وما حدث بها بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~الفتن. وهذا قول عائشة وحفصة زوجي النبي صلى الله عليه وسلم. قيل: إنه مثل ~~مضروب بأي قرية كانت على هذه الصفة من سائر القرى. # قوله تعالى: ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون (113) # PageV10P194 # قوله تعالى: (ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه) هذا بدل على أنها مكة. وهو ~~قول ابن عباس ومجاهد وقتادة. (فأخذهم العذاب) وهو الجوع الذي وقع بمكة. ~~وقيل: # الشدائد والجوع منها. # قوله تعالى: فكلوا مما رزقكم الله حللا طيبا واشكروا نعمت الله إن كنتم ~~إياه تعبدون (114) قوله تعالى: ms3646 (فكلوا مما رزقكم الله) أي كلوا يا معشر ~~المسلمين من الغنائم. وقيل: # الخطاب للمشركين، لان النبي صلى الله عليه وسلم بعث إليهم بطعام رقة ~~عليهم، وذلك أنهم لما ابتلوا بالجوع سبع سنين، وقطع العرب عنهم الميرة بأمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم أكلوا العظام المحرقة والجيفة والكلاب الميتة ~~والجلود والعلهز، وهو الوبر يعالج بالدم. ثم إن رؤساء مكة كلموا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حين جهدوا وقالوا: هذا عذاب الرجال فما بال النساء ~~والصبيان. وقال له أبو سفيان: يا محمد، إنك جئت تأمر بصلة الرحم والعفو، ~~وإن قومك قد هلكوا، فادع الله لهم. فدعا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وأذن للناس بحمل الطعام إليهم وهم بعد مشركون. قوله تعالى: إنما حرم عليكم ~~الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد ~~فإن الله غفور رحيم (115) تقدم في " البقرة " القول فيها مستوفى (3). # قوله تعالى: ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلل وهذا حرام لتفتروا ~~على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون (116) متع قليل ~~ولهم عذاب أليم (117) # PageV10P195 # فيه مسألتان: # الأولى - قوله تعالى: (لما تصف) ما هاهنا مصدرية، أي لوصف. وقيل: اللام ~~لام سبب وأجل، أي لا تقولوا لأجل وصفكم " الكذب " بنزع الحافض، أي لما تصف ~~ألسنتكم من الكذب. وقرئ. " الكذب " بضم الكاف والذال والياء، نعتا " لما "، ~~التقدير: # ولا تقولوا للكذب الذي تصفه ألسنتكم، (هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على ~~الله الكذب). الآية خطاب للكفار الذين حرموا البحائر والسوائب وأحلوا ما في ~~بطون الانعام وإن كان ميتة. فقوله: " هذا حلال " إشارة إلى ميتة بطون ~~الانعام، وكل ما أحلوه. وقوله: " وهذا حرام " إشارة إلى البحائر والسوائب ~~وكل ما حرموه. (إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون. متاع قليل) أي ~~ما هم فيه من نعيم الدنيا يزول عن قريب. وقال الزجاج: أي متاعهم متاع قليل. ~~وقيل: # لهم متاع قليل ثم يردون إلى عذاب أليم. # الثانية - أسند الدارمي أبو محمد في ms3647 مسنده: أخبارنا هارون عن حفص عن ~~الأعمش قال: ما سمعت إبراهيم قط يقول حلال ولا حرام، ولكن كان يقول: كانوا ~~يكرهون وكانوا يستحبون. قال ابن وهب قال مالك: لم يكن من فتيا الناس ان ~~يقولوا هذا حلال وهذا حرام، ولكن يقولون إياكم كذا وكذا، ولم أكن لأصنع ~~هذا. ومعنى هذا: ان التحليل وتحريم انما هو لله عز وجل، وليس لاحد ان يقول ~~أو يصرح بهذا في عين من الأعيان، الا ان يكون الباري تعالى يخبر بذلك عنه. ~~وما يؤدى إليه الاجتهاد في أنه حرام يقول: انى أكره [كذا]. وكذلك كان مالك ~~يفعل اقتداء بمن تقدم من أهل التقوى. فان قيل: فقد قال فيمن قال لزوجته أنت ~~على حرام انها حرام ويكون ثلاثا. فالجواب أن مالكا لما سمع علي بن أبي طالب ~~يقول إنها اقتدى به. وقد يقوى الدليل على التحريم # PageV10P196 # عن المجتهد فلا بأس عنه ذلك أن يقول ذلك، كما يقول إن الربا حرام في غير ~~الأعيان الستة (1)، وكثيرا ما يطلق مالك رحمه الله، فذلك حرام لا يصلح في ~~الأموال الربوية وفيما خالف المصالح وخرج عن طريق المقاصد لقوة الأدلة في ~~ذلك. # قوله تعالى: وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل وما ظلمناهم ~~ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (118) قوله تعالى: " وعلى الذين هادوا " بين ان ~~الانعام والحرث حلال لهذه الأمة، فأما اليهود فحرمت عليهم منها أشياء. ~~(حرمنا ما قصصنا عليك من قبل " أي في سورة الأنعام (2). # (وما ظلمناهم) أي بتحريم ما حرمنا عليهم، ولكن ظلموا أنفسهم فحرمنا عليهم ~~تلك الأشياء عقوبة لهم، كما تقدم في النساء (3). # قوله تعالى: ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهلة ثم تابوا من بعد ذلك ~~وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم (119) قوله تعالى: (ثم إن ربك للذين ~~عملوا السوء) أي الشرك، قاله ابن عباس. وقد تقدم في النساء (4). # قوله تعالى: إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يكن من المشركين ~~(120) قوله تعالى: (إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا) دعا عليه السلام ms3648 ~~مشركي العرب إلى ملة إبراهيم، إذ كان أباهم وباني البيت الذي به عزهم، ~~والأمة: الرجل الجامع للخير، وقد تقدم محامله (5). وقال ابن وهب وابن ~~القاسم عن مالك قال: بلغني أن عبد الله بن مسعود # PageV10P197 # قال: يرحم الله معاذا! كان أمة قانتا. فقيل له: يا أبا عبد الرحمن، إنما ~~ذكر الله عز وجل بهذا إبراهيم عليه السلام. فقال ابن مسعود: إن الأمة الذي ~~يعلم الناس الخير، وإن القانت هو المطيع. وقد تقدم القنوت في البقرة (1) و ~~" حنيفا " في الانعام (2). # قوله تعالى: (شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم (121) وآتيناه ~~في الدنيا حسنة. إنه في الآخرة لمن الصالحين (122) قوله تعالى: (شاكرا) أي ~~كان شاكرا. (لأنعمه) الانعام جمع نعمة. وقد تقدم. (واجتباه) أي اختاره. ~~(وهداه إلى صراط مستقيم. وآتيناه في الدنيا حسنة) قيل: الولد الطيب. وقيل ~~الثناء الحسن. وقيل: النبوة. وقيل: الصلاة مقرونة بالصلاة على محمد عليه ~~السلام في التشهد. وقيل: إنه ليس أهل دين إلا وهم يتولونه. وقيل: بقاء ~~ضيافته وزيارة قبره. وكل ذلك أعطاه الله وزاده صلى الله عليه وسلم. (وإنه ~~في الآخرة لمن الصالحين). " من " بمعنى مع، أي مع الصالحين، لأنه كان في ~~الدنيا أيضا مع الصالحين. # وقد تقدم هذا في البقرة (3) قوله تعالى: ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة ~~إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين (123) قال ابن عمر: أمر باتباعه في ~~مناسك الحج كما علم إبراهيم جبريل عليهما السلام. وقال الطبري: أمر باتباعه ~~في التبرؤ من الأوثان والتزين بالاسلام. وقيل: أمر باتباعه في جميع ملته ~~إلا ما أمر بتركه، قاله بعض أصحاب الشافعي على ما حكاه الماوردي. والصحيح ~~الاتباع في عقائد الشرع دون الفروع، لقوله تعالى: " لكل جعلنا منكم شرعة ~~ومنهاجا (4) ". # PageV10P198 # مسألة - في هذه الآية دليل على جواز اتباع الأفضل للمفضول - لما تقدم (1) ~~[إلى الصواب (1)] - والعمل به، ولا درك (2) على الفاضل في ذلك، لان النبي ~~صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء عليهم السلام، وقد أمر بالاقتداء بهم ~~فقال: " فبهداهم اقتده (3) ". # وقال هنا: " ثم أوحينا إليك أن أتبع ملة إبراهيم ms3649 ". # قوله تعالى: (إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه وإن ربك ليحكم بينهم ~~يوم القيمة فيما كانوا فيه يختلفون (124) قوله تعالى: (إنما جعل السبت على ~~الذين اختلفوا فيه) أي لم يكن في شرع إبراهيم ولا في دينه، بل كان سمحا لا ~~تغليظ فيه، وكان السبت تغليظا على اليهود في رفض الأعمال وترك التبسيط في ~~المعاش بسبب اختلافهم فيه، ثم جاء عيسى عليه السلام بيوم الجمعة فقال: ~~تفرغوا للعبادة في كل سبعة أيام يوما واحدا. فقالوا: لا نريد أن يكون عيدهم ~~بعد عيدنا، فاختاروا الأحد. وقد اختلف العلماء في كيفية ما وقع لهم من ~~الاختلاف، فقالت طائفة: إن موسى عليه السلام أمرهم بيوم الجمعة وعينه لهم، ~~وأخبرهم بفضيلته على غيره، فناظروه أن السبت أفضل، فقال الله له: " دعهم ~~وما اختاروا لأنفسهم ". # وقيل: إن الله تعالى لم يعينه لهم، وإنما أمرهم بتعظيم يوم في الجمعة ~~فاختلف اجتهادهم في تعيينه، فعينت اليهود السبت، لان الله تعالى فرغ فيه من ~~الخلق. وعينت النصارى يوم الأحد، لان الله تعالى بدأ فيه بالخلق. فألزم كل ~~منهم ما أداه إليه اجتهاده. وعين الله لهذه الأمة يوم الجمعة من غير أن ~~يكلهم إلى اجتهادهم فضلا منه ونعمة، فكانت خير الأمم أمة. روى الصحيح عن ~~أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " نحن الآخرون الأولون ~~يوم القيامة ونحن أول من يدخل الجنة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا ~~وأوتيناه من بعدهم فاختلفوا فيه فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق فهذا ~~يومهم الذي # PageV10P199 # اختلفوا فيه فهدانا الله له - قال يوم الجمعة - فاليوم لنا وغدا لليهود ~~وبعد غد للنصارى " فقوله: " فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه " يقوى قول من ~~قال: إنه لم يعين لهم، فإنه لو عين لهم وعاندوا لما قيل " اختلفوا ". وإنما ~~كان ينبغي أن يقال فخالفوا فيه وعاندوا. # ومما يقويه أيضا قوله عليه السلام: " أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا ". ~~وهذا نص في المعنى. وقد جاء في بعض طرقه " فهذا يومهم الذي فرض الله عليهم ms3650 ~~اختلفوا فيه ". # وهو حجة للقول الأول. وقد روى: " إن الله كتب الجمعة على من كان قبلنا ~~فاختلفوا فيه وهدانا الله له فالناس لنا تبع ". # قوله تعالى: (على الذين اختلفوا فيه) يريد في يوم الجمعة كما بيناه، ~~اختلفوا على نبيهم موسى وعيسى. ووجه الاتصال بما قبله أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أمر باتباع الحق، وحذر الله الأمة من الاختلاف عليه فيشدد عليهم ~~كما شدد على اليهود. # قوله تعالى: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموضعة الحسنة وجد لهم بالتي هي ~~أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين (125) فيه مسألة ~~واحدة - هذه الآية نزلت بمكة في وقت الامر بمهادنة قريش، وأمره أن يدعو إلى ~~دين الله وشرعه بتلطف ولين دون مخاشنة وتعنيف، وهكذا ينبغي أن يوعظ ~~المسلمون إلى يوم القيامة. فهي محكمة في جهة العصاة من الموحدين، ومنسوخة ~~بالقتال في حق الكافرين. وقد قيل: إن من أمكنت معه هذه الأحوال من الكفار ~~ورجى إيمانه بها دون قتال فهي فيه محكمة. والله أعلم. # قوله تعالى: وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير ~~للصابرين (126) PageV10P200 # فيه أربع مسائل: # الأولى - أطبق جمهور أهل التفسير أن هذه الآية مدنية، نزلت في شأن ~~التمثيل بحمزة في يوم أحد، ووقع ذلك في صحيح البخاري وفى كتاب السير. وذهب ~~النحاس إلى أنها مكية، والمعنى متصل بما قبلها من المكي اتصالا حسنا، لأنها ~~تتدرج الرتب من الذي يدعى ويوعظ، إلى الذي يجادل، إلى الذي يجازى على فعله. ~~ولكن ما روى الجمهور أثبت، روى الدارقطني عن ابن عباس قال: لما انصرف ~~المشركون عن قتلى أحد انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى منظرا ساءه، ~~رأى حمزة قد شق بطنه، واصطلم أنفه، وجدعت أذناه، فقال: " لولا أن يحزن ~~النساء أو تكون سنة بعدي لتركته حتى يبعثه الله من بطون السباع والطير ~~لأمثلن مكانه بسبعين رجلا " ثم دعا ببردة وغطى بها وجهه، فخرجت رجلاه فغطى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وجهه وجعل على ms3651 رجليه من الإذخر، ثم قدمه فكبر ~~عليه عشرا، ثم جعل يجاء بالرجل فيوضع وحمزة مكانه، حتى صلى عليه سبعين ~~صلاة، وكان القتلى سبعين، فلما دفنوا وفرغ منهم نزلت هذه الآية: " ادع إلى ~~سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة - إلى قوله - وأصبر وما صبرك إلا بالله " ~~فصبر. رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يمثل بأحد. خرجه إسماعيل بن إسحاق ~~من حديث أبي هريرة، وحديث ابن عباس أكمل. وحكى الطبري عن فرقة أنها قالت: ~~إنما نزلت هذه الآية فيمن أصيب بظلامة ألا ينال من ظالمه إذا تمكن إلا مثل ~~ظلامته لا يتعداه إلى غيره. وحكاه الماوردي عن ابن سيرين ومجاهد. # الثانية - واختلف أهل العلم فيمن ظلمه رجل في أخذ مال ثم ائتمن الظالم ~~المظلوم على مال، هل يجوز له خيانته في القدر الذي ظلمه، فقالت فرقة: له ~~ذلك، منهم ابن سيرين وإبراهيم النخعي وسفيان ومجاهد، واحتجت بهذه الآية ~~وعموم لفظها. وقال مالك وفرقة معه: لا يجوز له ذلك، واحتجوا بقول رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: " أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك ". رواه ~~الدارقطني. وقد تقدم هذا في " البقرة " مستوفى (1) # PageV10P201 # ووقع في مسند ابن إسحاق أن هذا الحديث إنما ورد في رجل زنى بامرأة آخر، ~~ثم تمكن الآخر من زوجة الثاني بأن تركها عنده وسافر، فاستشار ذلك الرجل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في الامر فقال له: " أد الأمانة إلى من ~~ائتمنك ولا تخن من خانك ". وعلى هذا يتقوى قول مالك في أمر المال، لان ~~الخيانة لاحقة في ذلك، وهي رذيلة لا انفكاك عنها، فينبغي أن يتجنبها لنفسه، ~~فإن تمكن من الانتصاف من مال لم يأتمنه عليه فيشبه أن ذلك جائز وكأن الله ~~حكم له، كما لو تمكن الاخذ بالحكم من الحاكم. وقد قيل: إن هذه الآية ~~منسوخة، نسختها " واصبر وما صبرك إلا بالله ". # الثالثة - في هذه الآية دليل على جواز التماثل في القصاص، فمن قتل بحديدة ~~قتل بها. ومن قتل بحجر قتل به، ولا يتعدى قدر الواجب، ms3652 وقد تقدم هذا المعنى ~~في " البقرة " مستوفى (1)، والحمد لله. # الرابعة - سمى الله تعالى الأذايات في هذه الآية عقوبة، والعقوبة حقيقة ~~إنما هي الثانية، وإنما فعل ذلك ليستوي اللفظان وتتناسب دباجة القول، وهذا ~~بعكس قوله: " ومكروا ومكر الله (2) " وقوله: " الله يستهزئ بهم (3) " فإن ~~الثاني هنا هو المجاز والأول هو الحقيقة، قاله ابن عطية. # قوله تعالى: واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما ~~يمكرون (127) إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون (128) فيه مسألة ~~واحدة - قال ابن زيد: هي منسوخة بالقتال. وجمهور الناس على أنها محكمة. أي ~~اصبر بالعفو عن المعاقبة بمثل ما عاقبوا في المثلة. (ولا تحزن عليهم) أي ~~على قتلى أحد فإنهم صاروا إلى رحمة الله. (ولا تك في ضيق) ضيق جمع ضيقة، ~~قال الشاعر: # * كشف الضيقة عنا وفسح (4) * # PageV10P202 # وقراءة الجمهور بفتح الضاد. وقرأ ابن كثير بكسر الضاد، ورويت عن نافع، ~~وهو غلط ممن رواه. قال بعض اللغويين: الكسر والفتح في الضاد لغتان في ~~المصدر. قال الأخفش: # الضيق والضيق مصدر ضاق يضيق. والمعنى: لا يضيق صدرك من كفرهم. وقال ~~الفراء: # الضيق ما ضاف عنه صدرك، والضيق ما يكون في الذي يتسع ويضيق، مثل الدار ~~والثوب. # وقال ابن السكيت: هما سواء، يقال: في صدره ضيق وضيق. القتبي: ضيق مخفف ~~ضيق، أي لا تكن في أمر ضيق فخفف، مثل هين وهين. وقال ابن عرفة: يقال ضاق ~~الرجل إذا بخل، وأضاق إذا افتقر. وقوله: (إن الله مع الذين اتقوا والذين هم ~~محسنون) أي اتقوا الفواحش والكبائر بالنصر والمعونة والفضل والبر والتأييد. ~~وتقدم معنى الاحسان. وقيل لهرم بن حبان عند موته: أوصنا، فقال: أوصيكم ~~بآيات الله وآخر سورة " ادع إلى سبيل ربك " إلى آخرها. # تمت سورة النحل، والحمد لله رب العالمين تفسير سورة الإسراء هذه السورة ~~مكية، إلا ثلاث آيات: قوله عز وجل " وإن كادوا ليستفزونك (2) نزلت حين جاء ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد ثقيف، وحين قالت اليهود: ليست هذه بأرض ~~الأنبياء. وقوله عز وجل: " وقل ms3653 رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق ". # وقوله تعالى " إن ربك أحاط بالناس " الآية. وقال مقاتل: وقوله عز وجل " ~~إن الذين أوتوا العلم من قبله " الآية. وقال ابن مسعود رضي الله عنه في بني ~~إسرائيل والكهف [ومريم]: إنهن من العتاق الأول، وهن من تلادي، يريد من قديم ~~كسبه. # PageV10P203 # بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: سبحن الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد ~~الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع ~~البصير (1) فيه ثمان (1) مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (سبحان) " سبحان " اسم موضوع موضع المصدر، وهو غير ~~متمكن، لأنه لا يجرى بوجوه الاعراب، ولا تدخل عليه الألف واللام، ولم يجر ~~منه فعل، ولم ينصرف لان في آخره زائدتين، تقول: سبحت تسبيحا وسبحانا، مثل ~~كفرت اليمين تكفيرا وكفرانا. ومعناه التنزيه والبراءة لله عز وجل من كل ~~نقص. فهو ذكر عظيم لله تعالى لا يصلح لغيره، فأما قول الشاعر: # أقول لما جاءني فخره * سبحان من علقمة الفاخر (2) فإنما ذكره على طريق ~~النادر. وقد روى طلحة بن عبيد الله الفياض أحد العشرة أنه قال للنبي صلى ~~الله عليه وسلم: ما معنى سبحان الله؟ فقال: " تنزيه الله من كل سوء ". ~~والعامل فيه على مذهب سيبويه الفعل الذي من معناه لا من لفظه، إذ لم يجر من ~~لفظه فعل، وذلك مثل قعد القرفصاء، واشتمل الصماء (3)، فالتقدير عنده: أنزه ~~الله تنزيها، فوقع " سبحان الله " مكان قولك تنزيها. # PageV10P204 # الثانية - قوله تعالى: (أسرى بعبده) " أسرى " فيه لغتان: سرى وأسرى، كسقي ~~وأسقى، كما تقدم (1). قال: # أسرت عليه من الجوزاء سارية * تزجي الشمال عليه جامد البرد (2) وقال آخر: # حي النضيرة ربة الخدر * أسرت إلى ولم تكن تسرى (3) فجمع بين اللغتين في ~~البيتين. والاسراء: سير الليل، يقال: سريت مسرى وسرى، وأسريت إسراء، قال ~~الشاعر: # وليلة ذات ندى سريت * ولم يلتني من سراها ليت وقيل: أسرى سار من أول ~~الليل، وسرى سار من آخره، والأول أعرف. # الثالثة - قوله تعالى: (بعبده) قال العلماء: لو كان للنبي صلى الله عليه ~~وسلم اسم ms3654 أشرف منه لسماه به في تلك الحالة العلية. وفى معناه أنشدوا: # يا قوم قلبي عند زهراء * يعرفه السامع والرائي لا تدعني إلا بيا عبدها * ~~فإنه أشرف أسمائي وقد تقدم (4). قال القشيري: لما رفعه الله تعالى إلى ~~حضرته السنية، وأرقاه فوق الكواكب العلوية (5)، ألزمه اسم العبودية تواضعا ~~للأمة. # الرابعة - ثبت الاسراء في جميع مصنفات الحديث، ورى عن الصحابة في كل ~~أقطار الاسلام فهو من المتواتر بهذا الوجه. وذكر النقاش: ممن رواه عشرين ~~صحابيا. روى الصحيح عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ~~أتيت بالبراق وهو دابة أبيض [طويل] فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند ~~منتهى طرفه - قال - فركبته حتى أتيت بيت المقدس - قال - فربطته بالحلقة ~~التي تربط بها الأنبياء - قال - ثم دخلت المسجد # PageV10P205 # فصليت فيه ركعتين ثم خرجت فجاءني جبريل عليه السلام بإناء من خمر وإناء ~~من لبن فاخترت اللبن فقال جبريل اخترت الفطرة - قال - ثم عرج بنا إلى ~~السماء... " وذكر الحديث. # ومما ليس في الصحيحين ما خرجه الآجري والسمرقندي، قال الآجري عن أبي سعيد ~~الخدري في قوله تعالى " سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى ~~المسجد الأقصى الذي باركنا حوله " قال أبو سعيد: حدثنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن ليلة أسرى به، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " أتيت بدابة هي ~~أشبه الدواب بالبغل له أذنان يضطربان (1) وهو البراق الذي كانت الأنبياء ~~تركبه قبل فركبته فانطلق تقع يداه عند منتهى بصره فسمعت نداء عن يميني يا ~~محمد على رسلك حتى أسألك فمضيت ولم أعرج عليه ثم سمعت نداء عن يساري يا ~~محمد على رسلك فمضيت ولم أعرج عليه ثم استقبلتني امرأة عليها من كل زينة ~~الدنيا رافعة يديها تقول على رسلك حتى أسألك فمضيت ولم أعرج ثم أتيت بيت ~~المقدس الأقصى فنزلت عن الدابة فأوثقته في الحلقة التي كانت الأنبياء توثق ~~بها ثم دخلت المسجد وصليت فيه فقال لي جبريل عليه السلام ما سمعت يا محمد ~~فقلت نداء عن يميني ms3655 يا محمد على رسلك حتى أسألك فمضيت ولم أعرج فقال ذلك ~~داعي اليهود ولو وقفت لتهودت أمتك - قال - ثم سمعت نداء عن يساري على رسلك ~~حتى أسألك فمضيت ولم أعرج عليه فقال ذلك داعي النصارى أما إنك لو وقفت ~~لتنصرت أمتك - قال - ثم استقبلتني امرأة عليها من كل زينة الدنيا رافعة ~~يديها تقول على رسلك فمضيت ولم أعرج عليها فقال تلك الدنيا لو وقفت لاخترت ~~الدنيا على الآخرة - قال - ثم أتيت بإناءين أحدهما فيه لبن والآخر فيه خمر ~~فقيل لي خذ فاشرب أيهما شئت فأخذت اللبن فشربته فقال لي جبريل أصبت الفطرة ~~ولو أنك أخذت الخمر غوت أمتك ثم جاء بالمعراج الذي تعرج فيه أرواح بني آدم ~~فإذا هو أحسن ما رأيت أو لم تروا إلى الميت كيف يحد بصره إليه فعرج بنا حتى ~~أتينا (2) باب السماء الدنيا فاستفتح جبريل فقيل من هذا؟ قال: جبريل قالوا: ~~ومن معك؟ قال: محمد قالوا: وقد أرسل إليه؟ # PageV10P206 # قال نعم ففتحوا لي وسلموا على وإذا ملك يحرس السماء يقال له إسماعيل معه ~~سبعون ألف ملك مع كل ملك مائة ألف - قال وما يعلم جنود ربك إلا هو... " ~~وذكر الحديث إلى أن قال: " ثم مضينا إلى السماء الخامسة وإذا أنا بهارون بن ~~عمران المحب في قومه وحوله تبع كثير من أمته فوصفه النبي صلى الله عليه ~~وسلم وقال طويل اللحية تكاد لحيته تضرب في سرته ثم مضينا إلى السماء ~~السادسة فإذا أنا بموسى فسلم على ورحب بي - فوصفه النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال - رجل كثير الشعر ولو كان عليه قميصان خرج شعره منهما... " الحديث. ~~وروى البزار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بفرس فحمل عليه، كل خطوة ~~منه أقصى بصره... وذكر الحديث. وقد جاء في صفة البراق من حديث ابن عباس قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بينا أنا نائم في الحجر إذ أتاني آت ~~فحركني برجله فاتبعت الشخص فإذا هو جبريل عليه السلام قائم على باب المسجد ~~معه دابة ms3656 دون البغل وفوق الحمار وجهها وجه إنسان وخفها خف حافر وذنبها ذنب ~~ثور وعرفها عرف الفرس فلما أدناها منى جبريل عليه السلام نفرت ونفشت عرفها ~~فمسحها جبريل عليه السلام وقال يا برقة لا تنفري من محمد فوالله ما ركبك ~~ملك مقرب ولا نبي مرسل أفضل من محمد صلى الله عليه وسلم ولا أكرم على الله ~~منه قالت قد علمت أنه كذلك وأنه صاحب الشفاعة وإني أحب أن أكون في شفاعته ~~فقلت أنت في شفاعتي إن شاء الله تعالى... " الحديث. وذكر أبو سعيد عبد ~~الملك بن محمد النيسابوري عن أبي سعيد الخدري قال: لما مر النبي صلى الله ~~عليه وسلم بإدريس عليه السلام في السماء الرابعة قال: # مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح الذي وعدنا أن نراه فلم نره إلا الليلة ~~قال فإذا فيها مريم بنت عمران لها سبعون قصرا من لؤلؤ ولام موسى بن عمران ~~سبعون قصرا من مرجانة حمراء مكللة باللؤلؤ أبوابها وأسرتها من عرق واحد ~~فلما عرج المعراج إلى السماء الخامسة وتسبيح أهلها سبحان من جمع بين الثلج ~~والنار من قالها مرة واحدة كان له مثل ثوابهم استفتح الباب جبريل عليه ~~السلام ففتح له فإذا هو بكهل لم ير قط كهل أجمل منه عظيم العينين تضرب ~~لحيته PageV10P207 # قريبا من سرته قد كان أن تكون شمطة (1) وحوله قوم جلوس يقص عليهم فقلت يا ~~جبريل من هذا قال هارون المحب في قومه.. " وذكر الحديث. # فهذه نبذة مختصرة من أحاديث الاسراء خارجة عن الصحيحين، ذكرها أبو الربيع ~~سليمان ابن سبع بكمالها في كتاب (شفاء الصدور) له. ولا خلاف بين أهل العلم ~~وجماعة أهل السير أن الصلاة إنما فرضت على النبي صلى الله عليه وسلم بمكة ~~في حين الاسراء حين عرج به إلى السماء. واختلفوا في تاريخ الاسراء وهيئة ~~الصلاة، وهل كان إسراء بروحه أو جسده، فهذه ثلاث مسائل تتعلق بالآية، وهي ~~مما ينبغي الوقوف عليها والبحث عنها، وهي أهم من سرد تلك الأحاديث، وأنا ~~أذكر ما وقفت عليه فيها من أقاويل العلماء ms3657 واختلاف الفقهاء بعون الله ~~تعالى. # فأما المسألة الأولى - وهي هل كان إسراء بروحه أو جسده، اختلف في ذلك ~~السلف والخلف، فذهبت طائفة إلى أنه إسراء بالروح، ولم يفارق شخصه مضجعه، ~~وأنها كانت رؤيا رأى فيها الحقائق، ورؤيا الأنبياء حق. ذهب إلى هذا معاوية ~~وعائشة، وحكى عن الحسن وابن إسحاق. وقالت طائفة: كان الاسراء بالجسد يقظة ~~إلى بيت المقدس، وإلى السماء بالروح، واحتجوا بقوله تعالى: " سبحا الذي ~~أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى " فجعل المسجد الأقصى ~~غاية الاسراء. قالوا: ولو كان الاسراء بجسده إلى زائد على المسجد الأقصى ~~لذكره، فإنه كان يكون أبلغ في المدح. وذهب معظم السلف والمسلمين إلى أنه ~~كان إسراء بالجسد وفى اليقظة، وأنه ركب البراق بمكة، ووصل إلى بيت المقدس ~~وصلى فيه ثم أسرى بجسده. وعلى هذا تدل الاخبار التي أشرنا إليها والآية. ~~وليس في الاسراء بجسده وحال يقظته استحالة، ولا يعدل عن الظاهر والحقيقة ~~إلى التأويل إلا عند الاستحالة، ولو كان مناما لقال بروح عبده ولم يقل ~~بعبده. وقوله " ما زاغ البصر وما طغى (2) " يدل على ذلك. # ولو كان مناما لما كانت فيه آية ولا معجزة، ولما قالت له أم هانئ: لا ~~تحدث الناس # PageV10P208 # فيكذبوك، والأفضل أبو بكر بالتصديق، ولما أمكن قريشا التشنيع والتكذيب، ~~وقد كذبه قريش فيما أخبر به حتى ارتد أقوام كانوا آمنوا، فلو كان بالرؤيا ~~لم يستنكر، وقد قال له المشركون: إن كنت صادقا فخبرنا عن عيرنا ابن لقيتها؟ ~~قال: " بمكان كذا وكذا مررت عليها ففزع فلان " فقيل له: ما رأيت يا فلان، ~~قال: ما رأيت شيئا! غير أن الإبل قد نفرت. # قالوا: فأخبرنا متى تأتينا العير؟ قال: " تأتيكم يوم كذا وكذا ". قالوا: ~~أية ساعة؟ قال: # " ما أدرى، طلوع الشمس من ها هنا أسرع أم طلوع العير من ها هنا ". فقال ~~رجل: # ذلك اليوم؟ هذه الشمس قد طلعت. وقال رجل: هذه عيركم قد طلعت، واستخبروا ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن صفة بيت المقدس فوصفه لهم ولم يكن رآه قبل ms3658 ~~ذلك. روى الصحيح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لقد ~~رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسراي فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم ~~أثبتها (1) فكربت كربا ما كربت مثله قط - قال - فرفعه الله لي أنظر إليه ~~فما سألوني عن شئ إلا أنبأتهم به " الحديث. # وقد اعترض قول عائشة ومعاوية " إنما أسرى بنفس رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم " بأنها كانت صغيرة لم تشاهد، ولا حدثت عن النبي صلى الله عليه وسلم. ~~وأما معاوية فكان كافرا في ذلك الوقت غير مستشهد للحال، ولم يحدث عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم. ومن أراد الزيادة على ما ذكرنا فليقف على " كتاب ~~الشفاء " للقاضي عياض يجد من ذلك الشفاء. وقد احتج لعائشة بقوله تعالى: " ~~وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس (2) " فسماها رؤيا. وهذا يرده ~~قوله تعالى: " سبحان الذي أسرى بعبده ليلا " ولا يقال في النوم أسرى. وأيضا ~~فقد يقال لرؤية العين: رؤيا، على ما يأتي بيانه في هذه السورة. وفى نصوص ~~الاخبار الثابتة دلالة واضحة على أن الاسراء كان بالبدن، وإذا ورد الخبر ~~بشئ هو مجوز في العقل في قدرة الله تعالى فلا طريق إلى الانكار، لا سيما في ~~زمن خرق العوائد، وقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم معارج، فلا يبعد أن ~~يكون البعض بالرؤيا، وعليه يحمل قوله عليه السلام في الصحيح: # " بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان " الحديث. ويحتمل أن يرد من ~~الاسراء إلى نوم. والله أعلم. # PageV10P209 # المسألة الثانية (1) - في تاريخ الاسراء، وقد اختلف العلماء في ذلك أيضا، ~~واختلف في ذلك على ابن شهاب، فروى عنه موسى بن عقبة أنه أسرى به إلى بيت ~~المقدس قبل خروجه إلى المدينة بسنة. وروى عنه يونس عن عروة عن عائشة قالت: ~~توفيت خديجة قبل أن تفرض الصلاة. قال ابن شهاب: وذلك بعد مبعث النبي صلى ~~الله عليه وسلم بسبعة أعوام. # وروى عن الوقاصي قال: أسرى به بعد مبعثه بخمس سنين. قال ابن شهاب: وفرض ~~الصيام بالمدينة ms3659 قبل بدر، وفرضت الزكاة والحج بالمدينة، وحرمت الخمر بعد ~~أحد. وقال ابن إسحاق: أسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وهو بيت ~~المقدس، وقد فشا الاسلام بمكة في القبائل. وروى عنه يونس بن بكير قال: صلت ~~خديجة مع النبي صلى الله عليه وسلم. وسيأتي. قال أبو عمر: وهذا يدلك على أن ~~الاسراء كان قبل الهجرة بأعوام، لان خديجة قد توفيت قبل الهجرة بخمس سنين ~~وقيل بثلاث وقيل بأربع. وقول ابن إسحاق مخالف لقول ابن شهاب، على أن ابن ~~شهاب قد اختلف عنه كما تقدم. وقال الحربي: # أسرى به ليلة سبع وعشرين من شهر ربيع الآخر قبل الهجرة بسنة. وقال أبو ~~بكر محمد بن علي ابن القاسم الذهبي في تاريخه: أسرى به من مكة إلى بيت ~~المقدس، وعرج به إلى السماء بعد مبعثه بثمانية عشر شهرا. قال أبو عمر: لا ~~أعلم أحدا من أهل السير قال ما حكاه الذهبي، ولم يسند قول إلى أحد ممن يضاف ~~إليه هذا العلم منهم، ولا رفعه إلى من يحتج به عليهم. # المسألة الثالثة (1) - وأما فرض الصلاة وهيئتها حين فرضت، فلا خلاف بين ~~أهل العلم وجماعة أهل السير أن الصلاة إنما فرضت بمكة ليلة الاسراء حين عرج ~~به إلى السماء، وذلك منصوص في الصحيح وغيره. وإنما اختلفوا في هيئتها حين ~~فرضت، فروى عن عائشة رضي الله عنها أنها فرضت ركعتين ركعتين، ثم زيد في ~~صلاة الحضر فأكملت أربعا، وأقرت صلاة السفر على ركعتين. وبذلك قال الشعبي ~~وميمون بن مهران ومحمد بن إسحاق. قال الشعبي: إلا المغرب. قال يونس بن ~~بكير: وقال ابن إسحاق ثم إن جبريل عليه السلام أتى النبي صلى الله عليه ~~وسلم حين فرضت عليه الصلاة يعنى في الاسراء فهمز له بعقبه في ناحية # PageV10P210 # الوادي فانفجرت عين ماء فتوضأ جبريل ومحمد ينظر عليهما السلام فوضأ وجهه ~~واستنشق وتمضمض ومسح برأسه وأذنيه ورجليه إلى الكعبين ونضح فرجه، ثم قام ~~يصلى ركعتين بأربع سجدات، فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أقر الله ~~عينه ms3660 وطابت نفسه وجاءه ما يحب من أمر الله تعالى، فأخذ بيد خديجة ثم أتى ~~بها العين فتوضأ كما توضأ جبريل ثم ركع ركعتين وأربع سجدات هو وخديجة، ثم ~~كان هو وخديجة يصليان سواء. وروى عن ابن عباس أنها فرضت في الحضر أربعا وفى ~~السفر ركعتين. وكذلك قال نافع بن جبير والحسن بن أبي الحسن البصري، وهو قول ~~ابن جريج، وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يوافق ذلك. ولم يختلفوا في ~~أن جبريل عليه السلام هبط صبيحة ليلة الاسراء عند الزوال، فعلم النبي صلى ~~الله عليه وسلم الصلاة ومواقيتها. وروى يونس بن بكير عن سالم مولى أبى ~~المهاجر قال سمعت ميمون بن مهران يقول: كان أول الصلاة مثنى، ثم صلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أربعا فصارت سنه، وأقرت الصلاة للمسافر وهي تمام. ~~قال أبو عمر: وهذا إسناد لا يحتج بمثله، وقوله: " فصارت سنة " قول منكر، ~~وكذلك استثناء الشعبي المغرب وحدها ولم يذكر الصبح قول لا معنى له. # وقد أجمع المسلمون أن فرض الصلاة في الحضر أربع إلا المغرب والصبح ولا ~~يعرفون غير ذلك عملا ونقلا مستفيضا، ولا يضرهم الاختلاف فيما كان أصل ~~فرضها. # الخامسة (1) - قد مضى الكلام في الاذان " آل عمران " (3) " أن أول مسجد ~~وضع في الأرض المسجد الحرام، ثم المسجد الأقصى. وأن بينهما أربعين عاما من ~~حديث أبي ذر، وبناء سليمان عليه السلام المسجد الأقصى ودعاؤه له من حديث ~~عبد الله بن عمرو ووجه الجمع في ذلك، فتأمله هناك فلا معنى للإعادة. ونذكر ~~هنا قوله صلى الله عليه وسلم: " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد إلى ~~المسجد الحرام وإلى مسجدي هذا وإلى مسجد إيلياء أو بيت المقدس ". خرجه مالك ~~من حديث أبي هريرة. وفيه ما يدل على فضل هذه المساجد الثلاثة على سائر ~~المساجد، لهذا قال العلماء: من نذر صلاة في مسجد # PageV10P211 # لا يصل إليه إلا برحلة وراحلة فلا يفعل، ويصلى في مسجده، إلا في الثلاثة ~~المساجد المذكورة فإنه من نذر صلاة فيها خرج إليها. ms3661 وقد قال مالك وجماعة من ~~أهل العلم فيمن نذر رباطا في ثغر يسده: فإنه يلزمه الوفاء حيث كان الرباط ~~لأنه طاعة الله عز وجل. وقد زاد أبو البختري في هذا الحديث مسجد الجند، ولا ~~يصح وهو موضوع، وقد تقدم في مقدمة الكتاب. # السادسة - (1) قوله تعالى: (إلى المسجد الأقصى) سمى الأقصى لبعد ما بينه ~~وبين المسجد الحرام، وكان أبعد مسجد عن أهل مكة في الأرض يعظم بالزيارة ثم ~~قال: (الذي باركنا حوله) قيل: بالثمار وبمجاري الأنهار. وقيل: بمن دفن حوله ~~من الأنبياء والصالحين، وبهذا جعله مقدسا. وروى معاذ بن جبل عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: " يقول الله تعالى يا شام أنت صفوتي من بلادي وأنا ~~سائق إليك صفوتي من عبادي " (أصله سام (2) فعرب) (لنريه من آياتنا) هذا من ~~باب تلوين الخطاب والآيات التي أراه الله من العجائب التي أخبر بها الناس، ~~وإسراؤه من مكة إلى المسجد الأقصى في ليلة وهو مسيرة شهر، وعروجه إلى ~~السماء ووصفه الأنبياء واحدا واحدا، حسبما ثبت في صحيح مسلم وغيره. (إنه هو ~~السميع البصير) تقدم (3). # قوله تعالى: وآتينا موسى الكتب وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألا تتخذوا من ~~دوني وكيلا (2) أي كرمنا محمدا صلى الله عليه وسلم بالمعراج، وأكرمنا موسى ~~بالكتاب وهو التوراة. # " وجعلناه " أي ذلك الكتاب. وقيل موسى. وقيل معنى الكلام: سبحان الذي ~~أسرى بعبده ليلا وأتى موسى الكتاب، فخرج من الغيبة إلى الاخبار عن نفسه عز ~~وجل. وقيل: # إن معنى سبحان الذي أسرى بعبده ليلا، معناه أسرينا، يدل عليه ما بعده من ~~قوله: " لنريه من آياتنا " فحمل " وآتينا موسى الكتاب " على المعنى. (ألا ~~تتخذوا) قرأ أبو عمرو " يتخذوا " # PageV10P212 # بالياء. الباقون بالتاء. فيكون من باب تلوين الخطاب. " وكيلا " أي شريكا، ~~عن مجاهد. # وقيل: كفيلا بأمورهم، حكاه الفراء. وقيل: ربا يتوكلون عليه في أمورهم، ~~قاله الكلبي. # وقال الفراء: كافيا، والتقدير: عهدنا إليه في الكتاب ألا تتخذوا من دوني ~~وكيلا. وقيل: # التقدير لئلا تتخذوا. والوكيل: من يوكل إليه الامر. # قوله تعالى: ذرية من حملنا مع ms3662 نوح إنه كان عبدا شكورا (3) أي يا ذرية من ~~حملنا، على النداء، قال مجاهد ورواه عنه ابن أبي نجيح. والمراد بالذرية كل ~~من احتج عليه بالقرآن، وهم جميع من على الأرض، ذكره المهدوي. وقال ~~الماوردي: # يعنى موسى وقومه من بني إسرائيل، والمعنى يا ذرية من حملنا مع نوح لا ~~تشركوا. وذكر نوحا ليذكرهم نعمة الانجاء من الغرق على آبائهم. وروى سفيان ~~عن حميد عن مجاهد أنه قرأ " ذرية " بفتح الذال وتشديد الراء والياء. وروى ~~هذه القراءة عامر بن الواجد (1) عن زيد ابن ثابت. وروى عن زيد بن ثابت أيضا ~~" ذرية (1) " بكسر الذال وشد الراء. (والياء (2) ثم بين أن نوحا كان عبدا ~~شكورا يشكر الله على نعمه ولا يرى الخير إلا من عنده. قال قتادة: كان إذا ~~لبس ثوبا قال: بسم الله، فإذا نزعه قال: الحمد لله. كذا روى عنه معمر. وروى ~~معمر عن منصور عن إبراهيم قال: شكره إذا أكل قال: بسم الله، فإذا فرغ من ~~الاكل قال: الحمد لله. # قال سلمان الفارسي: لأنه كان يحمد الله على طعامه. وقال عمران بن سليم: ~~إنما سمى نوحا عبدا شكورا لأنه كان إذا أكل قال: الحمد لله الذي أطعمني ولو ~~شاء لأجاعني، وإذا شرب قال: الحمد لله الذي سقاني ولو شاء لأظمأني، وإذا ~~اكتسى قال: الحمد لله الذي كساني ولو شاء لأعراني، و. إذا احتذى قال: الحمد ~~لله الذي حذاني ولو شاء لأحفاني، وإذا قضى حاجته قال: الحمد لله الذي أخرج ~~عنى الأذى ولو شاء لحبسه في. ومقصود الآية: إنكم من ذرية نوح وقد كان عبدا ~~شكورا فأنتم أحق بالاقتداء به دون آبائكم الجهال. وقيل: # المعنى أن موسى كان عبدا شكورا إذ جعله الله من ذرية نوح. وقيل: يجوز أن ~~يكون # PageV10P213 # " ذرية " مفعولا ثانيا ل‍ " تتخذوا "، ويكون قوله: " وكيلا " يراد به ~~الجمع فيسوغ ذلك في القراءتين جميعا أعني الياء والتاء في " تتخذوا ". ~~ويجوز أيضا في القراءتين جميعا أن يكون " ذرية " بدلا من قوله " وكيلا " ~~لأنه بمعنى الجمع، فكأنه قال: لا تتخذوا ذرية ms3663 من حملنا مع نوح. ويجوز نصبها ~~بإضمار أعني وأمدح، والعرب قد تنصب على المدح والذم. ويجوز رفعها على البدل ~~من المضمر في " تتخذوا " في قراءة من قرأ بالياء، ولا يحسن ذلك لمن قرأ ~~بالتاء لان المخاطب لا يبدل منه الغائب. ويجوز جرها على البدل من بني ~~إسرائيل في الوجهين فأما " أن " من قوله: " ألا تتخذوا " فهي على قراءة من ~~قرأ بالياء في موضع نصب بحذف الجار، التقدير: هديناهم لئلا يتخذوا. ويصلح ~~على قراءة التاء أن تكون زائدة والقول مضمر كما تقدم. ويصلح أن تكون مفسرة ~~بمعنى أي، لا موضع لها من الاعراب، وتكون " لا " للنهي فيكون خروجا من ~~الخبر إلى النهى. # قوله تعالى: وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتب لتفسدن في الأرض مرتين ~~ولتعلن علوا كبيرا (4) قوله تعالى: (وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب) ~~وقرأ سعيد بن جبير وأبو العالية " في الكتب " على لفظ الجمع. وقد يرد لفظ ~~الواحد ويكون معناه الجمع، فتكون القراءتان بمعنى واحد. ومعنى " قضينا " ~~أعلمنا وأخبرنا، قاله ابن عباس: وقال قتادة: حكمنا، وأصل القضاء الاحكام ~~للشئ والفراغ منه، وقيل: قضينا أوحينا، ولذلك قال: " إلى بني إسرائيل ". ~~وعلى قول قتادة يكون " إلى " بمعنى على، أي قضينا عليهم وحكمنا. وقاله ابن ~~عباس أيضا. والمعنى بالكتاب اللوح المحفوظ. (لتفسدن) وقرأ ابن عباس " ~~لتفسدن ". # عيسى الثقفي " لتفسدن ". والمعنى في القراءتين قريب، لأنهم إذا أفسدوا ~~فسدوا، والمراد بالفساد مخالفة أحكام التوراة. (في الأرض) يريد أرض الشام ~~وبيت المقدس وما والاها. # (مرتين ولتعلن) اللام في " لتفسدن ولتعلن " لام قسم مضمر كما تقدم. (علوا ~~كبير) أراد التكبر والبغي والطغيان والاستطالة والغلبة والعدوان. ~~PageV10P214 # قوله تعالى: فإذا جاء وعد أولهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولى بأس شديد ~~فجاسوا خلل الديار وكان وعدا مفعولا (5) قوله تعالى: (فإذا جاء وعد ~~أولاهما) أي أولى المرتين من فسادهم. (بعثنا عليكم عبادا لنا أولى بأس ~~شديد) هم أهل بابل، وكان عليهم بختنصر في المرة الأولى حين كذبوا إرمياء ~~وجرحوه وحبسوه، قاله ابن عباس وغيره. وقال قتادة: أرسل عليهم جالوت فقتلهم، ms3664 ~~فهو وقومه أولو بأس شديد. وقال مجاهد: جاءهم جند من فارس يتجسسون أخبارهم ~~ومعهم بختنصر فوعى حديثهم من بين أصحابه، ثم رجعوا إلى فارس ولم يكن قتال، ~~وهذا في المرة الأولى، فكان منهم جوس خلال الديار لا قتل، ذكره القشيري أبو ~~نصر. وذكر المهدوي عن مجاهد أنه جاءهم بختنصر فهزمه بنو إسرائيل، ثم جاءهم ~~ثانية فقتلهم ودمرهم تدميرا. ورواه ابن أبي نجيح عن مجاهد، ذكره النحاس. ~~وقال محمد بن إسحاق في خبر فيه طول: إن المهزوم سنحاريب ملك بابل، جاء ومعه ~~ستمائة ألف راية تحت كل راية مائة ألف فارس فنزل حول بيت المقدس فهزمه الله ~~تعالى وأمات جميعهم إلا سنحاريب وخمسة نفر من كتابه، وبعث ملك بني إسرائيل ~~واسمه صديقة في طلب سنحاريب فأخذ مع الخمسة، أحدهم بختنصر، فطرح في رقابهم ~~الجوامع وطاف بهم سبعين يوما حول بيت المقدس وإيلياء ويرزقهم كل يوم خبزتين ~~من شعير لكل رجل منهم، ثم أطلقهم فرجعوا إلى بابل، ثم مات سنحاريب بعد سبع ~~سنين، واستخلف بختنصر وعظمت الاحداث في بني إسرائيل، واستحلوا المحارم ~~وقتلوا نبيهم شعيا، فجاءهم بختنصر ودخل هو وجنوده بيت المقدس وقتل بني ~~إسرائيل حتى أفناهم. وقال ابن عباس وابن مسعود: أول الفساد قتل زكريا. وقال ~~ابن إسحاق: فسادهم في المرة الأولى قتل شعيا نبي الله في الشجرة، وذلك أنه ~~لما مات صديقة ملكهم مرج (3) أمرهم # PageV10P215 # وتنافسوا على الملك وقتل بعضهم بعضا وهم لا يسمعون من نبيهم، فقال الله ~~تعالى له قم في قومك أوح على لسانك، فلما فرغ مما أوحى الله إليه عدوا عليه ~~ليقتلوه فهرب فانفلقت له شجرة فدخل فيها، وأدركه الشيطان فأخذ هدبة من ثوبه ~~فأراهم إياها، فوضعوا المنشار في وسطها فنشروها حتى قطعوها وقطعوه في ~~وسطها. وذكر ابن إسحاق أن بعض العلماء أخبره أن زكريا مات موتا ولم يقتل ~~وإنما المقتول شعيا. وقال سعيد بن جبير في قوله تعالى: " ثم بعثنا عليكم ~~عبادا لنا أولى بأس شديد فجاسوا خلال الديار " هو سنحاريب من أهل نينوى ~~بالموصل ملك ms3665 بابل. # وهذا خلاف ما قال ابن إسحاق، فالله أعلم. وقيل: إنهم العمالقة وكانوا ~~كفارا، قاله الحسن. # ومعنى جاسوا: عاثوا وقتلوا، وكذلك جاسوا وهاسوا وداسوا، قاله ابن عزيز، ~~وهو قول القتبي. وقرأ ابن عباس: " حاسوا " بالحاء المهملة. قال أبو زيد: ~~الحوس والجوس والعوس والهوس: لطواف بالليل. وقال الجوهري: الجوس مصدر قولك ~~جاسوا خلال الديار، أي تخللوها فطلبوا ما فيها كما يجوس الرجل الاخبار أي ~~يطلبها، وكذلك الاجتياس. # والجوسان (بالتحريك) الطوفان بالليل، وهو قول أبى عبيدة. وقال الطبري: ~~طافوا بين الديار يطلبونهم ويقتلونهم ذاهبين وجائين، فجمع بين قول أهل ~~اللغة. قال ابن عباس: مشوا وترددوا بين الدور والمساكن. وقال الفراء: ~~قتلوكم بين بيوتكم، وأنشد لحسان: # ومنا الذي لاقى بسيف محمد * فجاس به الأعداء عرض العساكر وقال قطرب: ~~نزلوا، قال: # فجسنا ديارهم عنوة * وأبنا بسادتهم موثقينا (وكان وعدا مفعولا) أي قضاء ~~كائنا لا خلف فيه. # قوله تعالى: ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم ~~أكثر نفيرا (6) PageV10P216 # قوله تعالى: (ثم رددنا لكم الكرة عليهم) أي الدولة والرجعة، وذلك لما ~~تبتم وأطعتم. ثم قيل: ذلك بقتل داود جالوت أو بقتل غيره، على الخلاف في من ~~قتلهم. # (وأمددناكم بأموال وبنين) حتى عاد أمركم كما كان. (وجعلناكم أكثر نفيرا) ~~أي أكثر عددا ورجالا من عدوكم. والنفير من نفر مع الرجل من عشيرته، يقال: ~~نفير ونافر مثل قدير وقادر ويجوز أن يكون النفير جمع نفر كالكليب والمعيز ~~والعبيد، قال الشاعر: # فأكرم بقحطان من والد * وحمير أكرم بقوم نفيرا والمعنى: أنهم صاروا بعد ~~هذه الوقعة الأولى أكثر انضماما وأصلح أحوالا، جزاء من الله تعالى لهم على ~~عودهم إلى الطاعة. # قوله تعالى: إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسئتم فلها فإذا جاء وعد ~~الآخرة ليسئوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مدة وليتبروا ما علوا ~~تتبيرا (7) قوله تعالى: (إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم) أي نفع إحسانكم عائد ~~عليكم. # (وإن أسئتم فلها) أي فعليها، نحو سلام لك، أي سلام عليك. قال: # * فخر صريعا لليدين وللفم (1) * أي على اليدين وعلى الفم. وقال ms3666 الطبري: ~~اللام بمعنى إلى، يعنى وإن أسأتم فإليها، أي فإليها ترجع الإساءة، كقوله ~~تعالى: " بأن ربك أوحى لها (2) " أي إليها. وقيل: فلها الجزاء والعقاب. ~~وقال الحسين بن الفضل: فلها رب يغفر الإساءة. ثم يحتمل أن يكون هذا # PageV10P217 # خطابا لبني إسرائيل في أول الامر، أي أسأتم فحل بكم القتل والسبي ~~والتخريب ثم أحسنتم فعاد إليكم الملك والعلو وانتظام الحال. ويحتمل أنه ~~خوطب بهذا بنو إسرائيل في زمن محمد صلى الله عليه وسلم، أي عرفتم استحقاق ~~أسلافكم للعقوبة على العصيان فارتقبوا مثله. # أو يكون خطابا لمشركي قريش على هذا الوجه. (فإذا جاء وعد الآخرة) من ~~إفسادكم، وذلك أنهم قتلوا في المرة الثانية يحيى بن زكريا عليهما السلام، ~~قتله ملك من بني إسرائيل يقال له لأخت، قاله القتبي. وقال الطبري: اسمه ~~هردوس، ذكره في التاريخ، حمله على قتله امرأة اسمها أزبيل. وقال السدى: كان ~~ملك بني إسرائيل يكرم يحيى بن زكريا ويستشيره في الامر، فاستشاره الملك أن ~~يتزوج بنت امرأة له فنهاه عنها وقال: إنها لا تحل لك، فحقدت أمها على يحيى ~~عليه السلام، ثم ألبست ابنتها ثيابا حمرا رقاقا وطيبتها وأرسلتها إلى الملك ~~وهو على شرابه، وأمرتها أن تتعرض له، وإن أرادها أبت حتى يعطيها ما تسأله، ~~فإذا أجاب سألت أن يؤتى برأس يحيى بن زكريا في طست من ذهب، ففعلت ذلك حتى ~~أتى برأس يحيى بن زكريا والرأس تتكلم حتى وضع بين يديه وهو يقول: لا تحل ~~لك، لا تحل لك، فلما أصبح إذا دمه يغلى، فألقى عليه التراب فغلى فوقه، فلم ~~يزل يلقى عليه التراب حتى بلغ سور المدينة وهو في ذلك يغلى، ذكره الثعلبي ~~وغيره. وذكر ابن عساكر الحافظ في تاريخه عن الحسين بن علي قال: كان ملك من ~~هذه الملوك مات وترك امرأته وابنته فورث ملكه أخوه، فأراد أن يتزوج امرأة ~~أخيه، فاستشار يحيى بن زكريا في ذلك، وكانت الملوك في ذلك الزمان يعملون ~~بأمر الأنبياء، فقال له: لا تتزوجها فإنها بغى، فعرفت ذلك المرأة أنه قد ~~ذكرها ms3667 وصرفه عنها، فقالت: # من أين هذا! حتى بلغها أنه من قبل يحيى، فقالت: ليقتلن يحيى أو ليخرجن من ~~ملكه، فعمدت إلى ابنتها وصنعتها، ثم قالت: اذهبي إلى عمك عند الملا فإنه ~~إذا رآك سيدعوك ويجلسك في حجره، ويقول سليني ما شئت، فإنك لن تسأليني شيئا ~~إلا أعطيتك، فإذا قال لك ذلك فقولي: لا أسأل إلا رأس يحيى. قال: وكانت ~~الملوك إذا تكلم أحدهم بشئ على رؤوس الملا ثم لم يمض له نزع من ملكه، ففعلت ~~ذلك. قال: فجعل يأتيه الموت من قتله يحيى، PageV10P218 # وجعل يأتيه الموت من خروجه من ملكه، فاختار ملكه فقتله. قال: فساخت بأمها ~~الأرض. قال ابن جدعان: فحدثت بهذا الحديث ابن المسيب فقال أفما أخبرك كيف ~~كان قتل زكريا؟ قلت لا، إن زكريا حيث قتل ابنه انطلق هاربا منهم واتبعوه ~~حتى أتى على شجرة ذات ساق فدعته إليها فانطوت عليه وبقيت من ثوبه هدبة ~~تكفتها الرياح، فانطلقوا إلى الشجرة فلم يجدوا أثره بعدها، ونظروا بتلك ~~الهدبة فدعوا بالمنشار فقطعوا الشجرة فقطعوه معها. # قلت: وقع في التاريخ الكبير للطبري (1) فحدثني أبو السائب قال حدثنا أبو ~~معاوية عن الأعمش عن المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: بعث عيسى بن ~~مريم يحيى بن زكريا في اثنى عشر من الحواريين يعلمون الناس، قال: كان فيما ~~نهوهم عنه نكاح ابنة الأخ، قال: وكان لملكهم ابنة أخ تعجبه... وذكر الخبر ~~بمعناه. وعن ابن عباس قال: بعث يحيى بن زكريا في اثنى عشر من الحواريين ~~يعلمون الناس، وكان فيما يعلمونهم ينهونهم عن نكاح بنت الأخت، وكان لملكهم ~~بنت أخت تعجبه، وكان يريد أن يتزوجها، وكان لها كل يوم حاجة يقضيها، فلما ~~بلغ ذلك أمها أنهم نهوا عن نكاح بنت الأخت قالت لها: إذا دخلت على الملك ~~وقال ألك حاجة فقولي: حاجتي أن تذبح يحيى بن زكريا، فقال: سليني سوى هذا! ~~قالت: ما أسألك إلا هذا. فلما أبت عليه دعا بطست ودعا به فذبحه، فندرت قطرة ~~من دمه على وجه الأرض فلم ms3668 تزل تغلي حتى بعث الله عليهم بختنصر فألقى في ~~نفسه أن يقتل على ذلك الدم منهم حتى يسكن ذلك الدم، فقتل عليه منهم سبعين ~~ألفا، في رواية خمسة وسبعين ألفا. قال سعيد بن المسيب: هي دية كل نبي. وعن ~~ابن عباس قال: أوحى الله إلى محمد صلى الله عليه وسلم إني قتلت بيحيى بن ~~زكريا سبعين ألفا، وإني قاتل بابن ابنتك سبعين ألفا وسبعين ألفا. وعن سمير ~~بن عطيه قال: قتل على الصخرة التي في بيت المقدس سبعون نبيا منهم يحيى بن ~~زكريا. وعن زيد بن واقد قال: رأيت رأس يحيى عليه السلام حيث أرادوا بناء ~~مسجد دمشق أخرج من تحت ركن من أركان القبة التي تلي المحراب # PageV10P219 # مما يلي الشرق، فكانت البشرة والشعر على حاله لم يتغير. وعن قرة بن خالد ~~قال: ما بكت السماء على أحد إلا على يحيى بن زكريا والحسين بن علي، وحمرتها ~~بكاؤها. وعن سفيان بن عيينة قال: أوحش ما يكون ابن آدم في ثلاثة مواطن: يوم ~~ولد فيخرج إلى دار هم، وليلة يبيت مع الموتى فيجاور جيرانا لم ير مثلهم، ~~ويوم يبعث فيشهد مشهدا لم ير مثله، قال الله تعالى ليحيى في هذه الثلاثة ~~مواطن: " وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا (1) ". # كله من التاريخ المذكور. # واختلف فيمن كان المبعوث عليهم في المرة الآخرة، فقيل: بختنصر. وقاله ~~القشيري أبو نصر، لم يذكر غيره. قال السهيلي: وهذا لا يصح، لان قتل يحيى ~~كان بعد رفع عيسى، وبختنصر كان قبل عيسى ابن مريم عليهما السلام بزمان ~~طويل.، وقبل الإسكندر، وبين الإسكندر وعيسى نحو من ثلاثمائة سنة، ولكنه ~~أريد بالمرة الأخرى حين قتلوا شعيا، فقد كان بختنصر إذ ذاك حيا، فهو الذي ~~قتلهم وخرب بيت المقدس واتبعهم إلى مصر. وأخرجهم منها. # وقال الثعلبي: ومن روى أن بختنصر هو الذي غزا بني إسرائيل عند قتلهم يحيى ~~بن زكريا فغلط عند أهل السير والاخبار، لأنهم مجمعون على أن بختنصر إنما ~~غزا بني إسرائيل عند قتلهم شعيا وفى ms3669 عهد إرمياء. قالوا: ومن عهد إرمياء ~~وتخريب بختنصر بيت المقدس إلى مولد يحيى بن زكريا عليهما السلام أربعمائة ~~سنة وإحدى وستون سنة، وذلك أنهم يعدون من عهد تخريب بيت المقدس إلى عمارته ~~في عهد كوسك سبعين سنة، ثم من بعد عمارته إلى ظهور الإسكندر على بت المقدس ~~ثمانية وثمانين سنة، ثم من بعد مملكة الإسكندر إلى مولد يحيى ثلاثمائة ~~وثلاثا وستين (3) سنة. # قلت: ذكر جميعه الطبري في التاريخ رحمه الله. قال الثعلبي: والصحيح من ~~ذلك ما ذكره محمد بن إسحاق قال: لما رفع الله عيسى من بين أظهرهم وقتلوا ~~يحيى - وبعض # PageV10P220 # الناس يقول: لما قتلوا زكريا - بعث الله إليهم ملكا من ملوك بابل يقال ~~له: خردوس (1)، فسار إليهم بأهل بابل وظهر عليهم بالشأم، ثم قال لرئيس ~~جنوده: كنت حلفت بإلهي لئن أظهرني الله على بيت المقدس لأقتلنهم حتى تسيل ~~دماؤهم في وسط عسكري، وأمر أن يقتلهم حتى يبلغ ذلك منهم، فدخل الرئيس بيت ~~المقدس فوجد فيها دماء تغلي، فسألهم فقالوا: # دم قربان قربناه فلم يتقبل منا منذ ثمانين (2) سنة. قال ما صدقتموني، ~~فذبح على ذلك الدم سبعمائة وسبعين رجلا من رؤسائهم فلم يهدأ، فأتى بسبعمائة ~~غلام من غلمانهم فذبحوا على الدم فلم يهدأ، فأمر بسبعة آلاف من سبيهم ~~وأزواجهم فذبحهم على الدم فلم يبرد، فقال: # يا بني إسرائيل، أصدقوني قبل ألا أترك منكم نافخ نار من أنثى ولا من ذكر ~~إلا قتلته. فلما رأوا الجهد قالوا: إن هذا دم نبي منا كان ينهانا عن أمور ~~كثيرة من سخط الله فقتلناه، فهذا دمه، كان اسمه يحيى بن زكريا، ما عصى الله ~~قط طرفة عين ولا هم بمعصية. فقال: الآن صدقتموني، وخر ساجدا ثم قال: لمثل ~~هذا ينتقم منكم، وأمر بغلق الأبواب وقال: أخرجوا من كان ها هنا من جيش ~~خردوس، وخلا في بني إسرائيل وقال: يا نبي الله يا يحيى بن زكريا قد علم ربى ~~وربك ما قد أصاب قومك من أجلك، فاهدأ بإذن الله قبل ألا أبقى منهم أحدا. # فهدأ ms3670 دم يحيى بن زكريا بإذن الله عز وجل، ورفع عنهم القتل وقال: رب إني ~~آمنت بما آمن به بنو إسرائيل وصدقت به، فأوحى الله تعالى إلى رأس من رؤوس ~~الأنبياء: # إن هذا الرئيس مؤمن صدوق. ثم قال: إن عدو الله خردوس أمرني أن أقتل منكم ~~حتى تسيل دماؤكم وسط عسكره، وإني لا أعصيه، فأمرهم فحفروا خندقا وأمر ~~بأموالهم من الإبل والخيل والبغال والحمير والبقر والغنم فذبحوها حتى سال ~~الدم إلى العسكر، وأمر بالقتلى الذين كانوا قتلوا قبل ذلك فطرحوا على ما ~~قتل من مواشيهم، ثم انصرف عنهم إلى بابل، وقد كاد أن يفنى بني إسرائيل. # PageV10P221 # قلت: قد ورد في هذا الباب حديث مرفوع فيه طول من حديث حذيفة، وقد كتبناه ~~في (كتاب التذكرة) مقطعا في أبواب في أخبار المهدى، نذكر منها هنا ما يبين ~~معنى الآية ويفسرها حتى لا يحتاج معه إلى بيان، قال حذيفة: قلت يا رسول ~~الله، لقد كان بيت المقدس عند الله عظيما جسيم الخطر عظيم القدر. فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " هو من أجل البيوت ابتناه الله لسليمان بن داود عليهما السلام من ذهب ~~وفضة ودر وياقوت وزمرد ": وذلك أن سليمان بن داود لما بناه سخر الله له ~~الجن فأتوه بالذهب والفضة من المعادن، وأتوه بالجواهر والياقوت والزمرد، ~~وسخر الله تعالى له الجن حتى بنوه من هذه الأصناف. قال حذيفة: فقلت يا رسول ~~الله، وكيف أخذت هذه الأشياء من بيت المقدس. فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " إن بني إسرائيل لما عصوا الله وقتلوا الأنبياء سلط الله عليهم ~~بختنصر وهو من المجوس وكان ملكه سبعمائة سنة، وهو قوله: # " فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولى بأس شديد فجاسوا خلال ~~الديار وكان وعدا مفعولا " فدخلوا بيت المقدس وقتلوا الرجال وسبوا النساء ~~والأطفال وأخذوا الأموال وجميع ما كان في بيت المقدس من هذه الأصناف ~~فاحتملوها على سبعين ألفا ومائة ألف عجلة حتى أودعوها أرض بابل، فأقاموا ~~يستخدمون بني إسرائيل ويستملكونهم بالخزي والعقاب والنكال ms3671 مائة عام، ثم إن ~~الله عز وجل رحمهم فأوحى إلى ملك من ملوك فارس أن يسير إلى المجوس في أرض ~~بابل، وأن يستنقذ من في أيديهم من بني إسرائيل، فسار إليهم ذلك الملك حتى ~~دخل أرض بابل فاستنقذ من بقى من بني إسرائيل من أيدي المجوس واستنقذ ذلك ~~الحلي الذي كان في بيت المقدس ورده الله إليه كما كان أول مرة وقال لهم: يا ~~بني إسرائيل إن عدتم إلى المعاصي عدنا عليكم بالسبي والقتل، وهو قوله: " ~~عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا " فلما رجعت بنو إسرائيل إلى بيت المقدس ~~عادوا إلى المعاصي فسلط الله عليهم ملك الروم قيصر، وهو قوله: " فإذا جاء ~~وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما ~~علوا تتبير " فغزاهم في البر والبحر فسباهم وقتلهم وأخذ أموالهم ونساءهم، ~~وأخذ حلي جميع بيت المقدس واحتمله على سبعين ألفا ومائة ألف عجلة حتى أودعه ~~PageV10P222 # في كنيسة الذهب، فهو فيها الآن حتى يأخذه المهدى فيرده إلى بيت المقدس، ~~وهو ألف سفينة وسبعمائة سفينة يرسى بها على يافا (1) حتى تنقل إلى بيت ~~المقدس وبها يجمع الله الأولين والآخرين... " وذكر الحديث. # قوله تعالى: (فإذا جاء وعد الآخرة) أي من المرتين، وجواب " إذا " محذوف، ~~تقديره بعثناهم، دل عليه " بعثنا " الأول. (ليسوءوا وجوهكم) أي بالسبي ~~والقتل فيظهر أثر الحزن في وجوهكم، ف " ليسوءوا " متعلق بمحذوف، أي بعثنا ~~عبادا ليفعلوا بكم ما يسوء وجوهكم. قيل: المراد بالوجوه السادة، أي ~~ليذلوهم. وقرأ الكسائي " لنسوء " بنون وفتح الهمزة، فعل مخبر عن نفسه معظم، ~~اعتبارا بقوله: " وقضينا وبعثنا ورددنا ". ونحوه عن علي. وتصديقها قراءة ~~أبى " لنسوءن " بالنون وحرف التوكيد. وقرأ أبو بكر والأعمش وابن وثاب وحمزة ~~وابن عامر " ليسوء " بالياء على التوحيد وفتح الهمزة، ولها وجهان: # أحدهما - ليسوء الله وجوهكم. والثاني - ليسوء الوعد وجوهكم. وقرأ الباقون ~~" ليسوءوا " بالياء وضم الهمزة على الجمع، أي ليسوء العباد الذين هم أولو ~~بأس شديد وجوهكم. # (وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا) أي ليدمروا ويهلكوا. وقال ~~قطرب: ms3672 # يهدموا، قال الشاعر: # فما الناس إلا عاملان فعامل * يتبر ما يبنى وآخر رافع (ما علوا) أي غلبوا ~~عليه من بلادكم (تتبيرا). # قوله تعالى: عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين ~~حصيرا (8) قوله تعالى: (عسى ربكم أن يرحمكم) وهذا مما أخبروا به في كتابهم. ~~و " عسى " وعد من الله أن يكشف عنهم. و " عسى " من الله واجبة. (أن يرحمكم) ~~بعد انتقامه منكم، وكذلك كان، فكثر عددهم وجعل منهم الملوك. (وإن عدتم ~~عدنا) قال قتادة: # PageV10P223 # فعادوا فبعث الله عليهم محمدا صلى الله عليه وسلم، فهم يعطون الجزية ~~بالصغار، وروى عن ابن عباس. وهذا خلاف ما تقدم في الحديث وغيره. وقال ~~القشيري: وقد حل العقاب ببني إسرائيل مرتين على أيدي الكفار، ومرة على أيدي ~~المسلمين. وهذا حين عادوا فعاد الله عليهم. وعلى هذا يصح قول قتادة. ~~(وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا) أي محبسا وسجنا، من الحصر وهو الحبس. قال ~~الجوهري: يقال حصره يحصره حصرا ضيق عليه وأحاط به. والحصير: الضيق البخيل. ~~والحصير: البارية. والحصير: الجنب، قال الأصمعي: هو ما بين العرق الذي يظهر ~~في جنب البعير والفرس معترضا فما فوقه إلى منقطع الجنب. والحصير: الملك، ~~لأنه محجوب. قال لبيد: # وقماقم غلب الرقاب كأنهم * جن لدى باب الحصير قيام ويروى (1): # * ومقامة غلب الرقاب... * على أن يكون " غلب " بدلا من " مقامة " كأنه ~~قال: ورب غلب الرقاب. وروى عن أبي عبيدة: # * لدى طرف الحصير قيام * أي عند طرف البساط للنعمان بن المنذر. والحصير: ~~المحبس، قال الله تعالى: # " وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا ". قال القشيري: ويقال للذي يفرش حصير، ~~لحصر بعضه على بعض بالنسج. وقال الحسن: أي فراشا ومهادا، ذهب إلى الحصير ~~الذي يفرش، لان العرب تسمى البساط الصغير حصيرا. قال الثعلبي: وهو وجه حسن. # قوله تعالى: إن هذا القرآن يهدى للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين ~~يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا (9) وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعتدنا ~~لهم عذابا أليما (10) قوله تعالى: (إن هذا القرآن يهدى للتي هي أقوم) لما ~~ذكر المعراج ذكر ما ms3673 قضى إلى بني إسرائيل، وكان ذلك دلالة على نبوة محمد صلى ~~الله عليه وسلم، ثم بين أن الكتاب الذي # PageV10P224 # أنزله الله عليه سبب اهتداء. ومعنى (للتي هي أقوم) أي الطريقة التي هي ~~أسد وأعدل وأصوب، ف " التي " نعت لموصوف محذوف، أي الطريقة إلى نص أقوم. ~~وقال الزجاج: # للحال التي هي أقوم الحالات، وهي توحيد الله والايمان برسله. وقاله ~~الكلبي والفراء. # قوله تعالى: (ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات) تقدم (1). (أن لهم) ~~أي بأن لهم. (أجرا كبيرا) أي الجنة. (وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة) أي ~~ويبشرهم بأن لأعدائهم العقاب. والقرآن معظمة وعد ووعيد. وقرأ حمزة والكسائي ~~" ويبشر " مخففا بفتح الياء وضم الشين، وقد ذكر (2). # قوله تعالى: ويدع الانسان بالشر دعاءه بالخير وكان الانسان عجولا (11) ~~قوله تعالى: (ويدع الانسان بالشر دعاءه بالخير) قال ابن عباس وغيره: هو ~~دعاء الرجل على نفسه وولده عند الضجر بما لا يحب أن يستجاب له: اللهم ~~أهلكه، ونحوه. # (دعاءه بالخير) أي كدعائه ربه أن يهب له العافية، فلو استجاب الله دعاءه ~~على نفسه بالشر هلك لكن بفضله لا يستجيب له في ذلك. نظيره: " ولو يعجل الله ~~للناس الشر استعجالهم بالخير " وقد تقدم (3). وقيل: نزلت في النضر بن ~~الحارث، كان يدعو ويقول: " اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا ~~حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم (4) ". وقيل: # هو أن يدعو في طلب المحظور كما يدعو في طلب المباح، قال الشاعر وهو ابن ~~جامع: # أطوف بالبيت فيمن يطوف * وارفع من مئزري المسبل وأسجد بالليل حتى الصباح ~~* واتلو من المحكم المنزل عسى فارج الهم عن يوسف * يسخر لي ربة المحمل # PageV10P225 # قال الجوهري: يقال ما على فلان محمل مثال مجلس أي معتمد. والمحمل أيضا: ~~واحد محامل الحاج. والمحمل مثال المرجل: علاقة السيف. وحذفت الواو من " ~~ويدع الانسان " في اللفظ والحظ ولم تحذف في المعنى لان موضعها رفع فحذفت ~~لاستقبالها اللام الساكنة، كقوله تعالى: # " سندع الزبانية (1) " " ويمح الله الباطل (2) " " وسوف يؤت الله ~~المؤمنين (3) " " يناد المناد (4) " فما تغن النذر (5) ". (وكان الانسان ms3674 ~~عجولا) أي طبعه العجلة، فيعجل بسؤال الشر كما يعجل بسؤال الخير. وقيل: أشار ~~به إلى آدم عليه السلام حين نهض قبل أن يركب فيه الروح على الكمال. # قال سلمان: أول ما خلق الله تعالى من آدم رأسه فجعل ينظر وهو يخلق جسده، ~~فلما كان عند العصر بقيت رجلاه لم ينفخ فيهما الروح فقال: يا رب عجل قبل ~~الليل، فذلك قوله: # " وكان الانسان عجولا ". وقال ابن عباس: لما انتهت النفخة إلى سرته نظر ~~إلى جسده فذهب لينهض فلم يقدر، فذلك قوله: " وكان الانسان عجولا ". وقال ~~ابن مسعود: # لما دخل الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنة، فذلك حين يقول: " خلق ~~الانسان من عجل (5) " ذكره البيهقي. وفى صحيح مسلم عن أنس بن مالك أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لما صور الله تعالى آدم في الجنة تركه ما شاء الله أن يتركه فجعل إبليس ~~يطيف به ينظر ما هو فلما رآه أجوف عرف أنه خلق خلقا لا يتمالك " وقد تقدم ~~(6). وقيل: سلم عليه السلام أسيرا إلى سودة فبات يئن فسألته فقال: أنيني ~~لشدة القد والأسر، فأرخت من كتافه فلما نامت هرب، فأخبرت النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال: " قطع الله يديك " فلما أصبحت كانت تتوقع الآفة، فقال عليه ~~السلام: " إني سألت الله تعالى أن يجعل دعائي على من لا يستحق من أهلي لأني ~~بشر أغضب كما يغضب البشر " ونزلت الآية، ذكره القشيري أبو نصر رحمه الله. ~~وفى صحيح مسلم عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " # PageV10P226 # " اللهم إنما محمد بشر يغضب كما يغضب البشر وإني قد اتخذت عندك عهدا لن ~~تخلفينه فأيما مؤمن آذيته أو سببته أو جلدته فاجعلها له كفارة وقربة تقربه ~~بها إليك يوم القيامة ". # وفى الباب عن عائشة وجابر. وقيل: معنى " وكان الانسان عجولا " أي يؤثر ~~العاجل وإن قل، على الآجل وإن جل. # قوله تعالى: وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية ~~النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد ms3675 السنين والحساب وكل شئ ~~فصلنه تفصيلا (12) قوله تعالى: (وجعلنا الليل والنهار آيتين) أي علامتين ~~على وحدانيتنا ووجودنا وكمال علمنا وقدرتنا. والآية فيهما: إقبال كل منهما ~~من حيث لا يعلم، وإدباره إلى حيث لا يعلم. ونقصان أحدهما بزيادة الآخر ~~وبالعكس آية أيضا. وكذلك ضوء النهار وظلمة الليل. وقد مضى هذا. (1). ~~(فمحونا آية الليل) ولم يقل: فمحونا الليل، فلما أضاف الآية إلى الليل ~~والنهار دل على أن الآيتين المذكورتين لهما لا هما. و " محونا " معناه ~~طمسنا. # وفى الخبر أن الله تعالى أمر جبريل عليه السلام فأمر جناحه على وجه القمر ~~فطمس عنه الضوء وكان كالشمس في النور، والسواد الذي يرى في القمر من أثر ~~المحو. قال ابن عباس: # جعل الله الشمس سبعين جزءا والقمر سبعين جزءا، فمحا من نور القمر تسعة ~~وستين جزءا فجعله مع نور الشمس، فالشمس على مائة (وتسع) وثلاثين جزءا ~~والقمر على جزء واحد. وعنه أيضا: خلق الله شمسين من نور عرشه، وجعل ما سبق ~~في علمه أن يكون شمسا مثل الدنيا على قدرها ما بين مشارقها إلى مغاربها، ~~وجعل القمر دون الشمس، فأرسل جبريل عليه السلام فأمر جناحه على وجهه ثلاث ~~مرات وهو يومئذ شمس فطمس ضوءه وبقى نوره، فالسواد الذي ترونه في القمر أثر ~~المحو، ولو تركه شمسا لم يعرف الليل من النهار ذكر # PageV10P227 # عنه الأول الثعلبي، والثاني المهدوي، وسيأتي مرفوعا. وقال على رضي الله ~~عنه وقتادة: # يريد بالمحو اللطخة السوداء التي في القمر، ليكون ضوء القمر أقل من ضوء ~~الشمس فيتميز به الليل من النهار. (وجعلنا آية النهار مبصرة) أي جعلنا شمسه ~~مضيئة للأبصار. قال أبو عمرو بن العلاء: أي يبصر بها. قال الكسائي: وهو من ~~قول العرب أبصر النهار إذا أضاء، وصار بحالة يبصر بها. وقيل: هو كقولهم ~~خبيث مخبث إذا كان أصحابه خبثاء. # ورجل مضعف إذا كانت دوابه ضعافا، فكذلك النهار مبصرا إذا كان أهله بصراء. # (لتبتغوا فضلا من ربكم) يريد التصرف في المعاش. ولم يذكر السكون في الليل ~~اكتفاء بما ذكر في النهار. ms3676 وقد قال في موضع آخر: " هو الذي جعل لكم الليل ~~لتسكنوا فيه والنهار مبصرا (1) " (ولتعلموا عدد السنين والحساب) أي لو لم ~~يفعل ذلك لما عرف الليل من النهار، ولا كان يعرف الحساب والعدد. (وكل شئ ~~فصلناه تفصيلا) أي من أحكام التكليف، وهو كقوله: " تبيانا لكل شئ (2) " " ~~ما فرطنا في الكتاب من شئ (3) ". وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: " لما أبرم الله خلقه فلم يبق من خلقه غير آدم خلق شمسا من نور عرشه ~~وقمرا فكانا جميعا شمسين فأما ما كان في سابق علم الله أن يدعها شمسا ~~فخلقها مثل الدنيا ما بين مشارقها ومغاربها وأما ما كان في علم الله أن ~~يخلقها قمرا فخلقها دون الشمس في العظم ولكن إنما يرى صغرهما من شدة ارتفاع ~~السماء وبعدها من الأرض فلو ترك الله الشمس والقمر كما خلقهما لم يعرف ~~الليل من النهار ولا كان الأجير يدرى إلى متى يعمل ولا الصائم إلى متى يصوم ~~ولا المرأة كيف تعتد ولا تدرى أوقات الصلوات والحج ولا تحل (4) الديون ولا ~~حين يبذرون ويزرعون ولا متى يسكنون للراحة لأبدانهم وكأن الله نظر إلى ~~عباده وهو أرحم بهم من أنفسهم فأرسل جبريل فأمر جناحه على وجه القمر ثلاث ~~مرات وهو يومئذ شمس فطمس عنه الضوء وبقى فيه النور فذلك قوله: وجعلنا الليل ~~والنهار آتين " الآية. # PageV10P228 # قوله تعالى: وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيمة كتبا ~~يلقه منشورا (13) اقرأ كتبك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا (14) قوله تعالى: ~~(وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه) قال الزجاج: ذكر العنق عبارة عن اللزوم ~~كلزوم القلادة للعنق. وقال ابن عباس: " طائره " عمله وما قدر عليه من خير ~~وشر، وهو ملازمه أينما كان. وقال مقاتل والكلبي: خيره وشره معه لا يفارقه ~~حتى يحاسب به. # وقال مجاهد: عمله ورزقه، وعنه: ما من مولود يولد إلا وفى عنقه ورقة فيها ~~مكتوب شقي أو سعيد. وقال الحسن: " ألزمناه طائره " أي شقاوته وسعادته وما ~~كتب له من خير وشر ms3677 وما طار له من التقدير، أي صار له عند القسمة في الأزل. ~~وقيل: أراد به التكليف، أي قدرناه إلتزام (1) الشرع، وهو بحيث لو أراد أن ~~يفعل ما أمر به وينزجر عما زجر به أمكنه ذلك. (ونخرج له يوم القيامة كتابا ~~يلقاه منشورا) يعنى كتاب طائره الذي في عنقه. وقرأ الحسن وأبو رجاء ومجاهد: ~~" طيره " بغير ألف، ومنه ما روى في الخبر اللهم لا خير إلا خيرك ولا طير ~~إلا طيرك ولا رب غيرك ". وقرأ ابن عباس والحسن ومجاهد وابن محيصن وأبو جعفر ~~ويعقوب " ويخرج " بفتح الياء وضم الراء، على معنى ويخرج له الطائر كتابا، ف ~~" كتابا " منصوب على الحال. ويحتمل أن يكون المعنى: ويخرج الطائر فيصير ~~كتابا. وقرأ يحيى بن وثاب " ويخرج " بضم الياء وكسر الراء، وروى عن مجاهد، ~~أي يخرج الله. وقرأ شيبة ومحمد بن السميقع، وروى أيضا عن أبي جعفر: " ويخرج ~~" بضم الياء وفتح الراء على الفعل المجهول، ومعناه: ويخرج له الطائر كتابا. ~~الباقون " ونخرج " بنون مضمومة وكسر الراء، أي ونحن نخرج. احتج أبو عمرو في ~~هذه القراءة بقوله " ألزمناه ". وقرأ أبو جعفر والحسن وابن عامر " يلقاه " ~~بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف، بمعنى يؤتاه. الباقون بفتح الياء ~~خفيفة، أي يراه منشورا. وقال " منشورا " تعجيلا للبشرى بالحسنة والتوبيخ ~~بالسيئة. قال # PageV10P229 # أبو السوار العدوى وقرأ هده الآية. " وكل إنسان ألزمناه زائره في عنقه " ~~قال: هما نشرتان وطية، أما ما حييت يابن آدم فصحيفتك المنشورة فأمل فيها ما ~~شئت، فإذا مت طويت حتى إذا بعثت نشرت. (اقرأ كتابك) قال الحسن: يقرأ ~~الانسان كتابه أميا كان أو غير أمي. # (كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا) أي محاسبا. وقال بعض الصلحاء: هذا كتاب، ~~لسانك قلمه، وريقك مداده، وأعضاؤك قرطاسه.، أنت كنت المملي على حفظتك، ما ~~زيد فيه ولا نقص منه، ومتى أنكرت منه شيئا يكون فيه الشاهد منك عليك. # قوله تعالى: من اهتدى فإنما يهتدى لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر ~~وازرة وزر أخرى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا (15) قوله ms3678 تعالى: (من اهتدى ~~فإنما يهتدى لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها) أي إنما كل أحد يحاسب عن نفسه ~~لا عن غيره، فمن اهتدى فثواب اهتدائه له، ومن ضل فعقاب كفره عليه. (ولا تزر ~~وازرة وزر أخرى) تقدم في الانعام (1). وقال ابن عباس: نزلت في الوليد بن ~~المغيرة، قال لأهل مكة: اتبعون واكفروا بمحمد وعلى أوزاركم، فنزلت هذه ~~الآية، أي إن الوليد لا يحمل آثامكم وإنما إثم كل واحد عليه. يقال: وزر يزر ~~وزرا، ووزرة، أي أثم. والوزر: الثقل المثقل والجمع أوزار، ومنه " يحملون ~~أوزارهم على ظهورهم (2) " أي أثقال ذنوبهم. وقد وزر إذا حمل فهو وازر، ومنه ~~وزير السلطان الذي يحمل ثقل دولته. # والهاء في قوله (3) كناية عن النفس، أي لا تؤخذ نفس آثمة بإثم أخرى، حتى ~~أن الوالدة تلقى ولدها يوم القيامة فتقول: يا بنى ألم يكن حجري لك وطاء، ~~ألم يكن ثديي لك سقاء، ألم يكن بطني لك وعاء،! فيقول: بلى يا! أمه فتقول يا ~~بنى! فإن ذنوبي أثقلتني فاحمل عنى منها ذنبا واحدا! فيقول: إليك عنى يا ~~أمه! فإني بذنبي عنك اليوم مشغول. # PageV10P230 # مسألة: نزعت عائشة رضي الله عنها بهذه الآية في الرد على ابن عمر حيث ~~قال: # " إن الميت ليعذب ببكاء أهله ". قال علماؤنا: وإنما حملها على ذلك أنها ~~لم تسمعه، وأنه معارض للآية. ولا وجه لانكارها، فإن الرواة لهذا المعنى ~~كثير، كعمر وابنه والمغيرة بن شعبة وقيلة بنت مخرمة، وهم جازمون بالرواية، ~~فلا وجه لتخطئتهم. ولا معارضة بين الآية والحديث، فإن الحديث محمله على ما ~~إذا كان النوح من وصية الميت وسنته، كما كانت الجاهلية تفعله، حتى قال ~~طرفة: # إذا مت فانعيني بما أنا أهله * وشقي على الجيب يا بنت معبد وقال إلى ~~الحول ثم اسم السلام عليكما * ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر وإلى هذا نحا ~~البخاري. وقد ذهب جماعة من أهل العلم منهم داود إلى اعتقاد ظاهر الحديث، ~~وأنه إنما يعذب بنوحهم، لأنه أهمل نهيهم عنه قبل موته وتأديبهم بذلك، فيعذب ~~بتفريطه في ذلك، ms3679 وبترك ما أمره الله به من قوله: " قوا أنفسكم وأهليكم نارا ~~(1) " لا بذنب غيره، والله أعلم. # قوله تعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) أي لم نترك الخلق سدى، بل ~~أرسلنا الرسل. وفى هذا دليل على أن الاحكام لا تثبت إلا بالشرع، خلافا ~~للمعتزلة القائلين بأن العقل يقبح ويحسن ويبيح ويحظر. وقد تقدم في البقرة ~~القول (2) فيه. والجمهور على أن هذا في حكم الدنيا، أي أن الله لا يهلك أمة ~~بعذاب إلا بعد الرسالة إليهم والانذار. وقالت فرقة: هذا عام في الدنيا ~~والآخرة، لقوله تعالى: " كلما ألقى فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير ~~قالوا بلى قد (1) جاءنا ". قال ابن عطية: والذي يعطيه النظر أن بعثه آدم ~~عليه السلام بالتوحيد وبث المعتقدات في بنيه مع نصب الأدلة الدالة على ~~الصانع مع سلامة الفطر توجب على كل أحد من العالم الايمان واتباع شريعة ~~الله، ثم تجدد ذلك في زمن نوح عليه السلام بعد # PageV10P231 # غرق الكفار. وهذه الآية أيضا يعطى احتمال ألفاظها نحو هذا في الذين لم ~~تصلهم رسالة، وهم أهل الفترات الذين قد قدر وجودهم بعض أهل العلم. وأما ما ~~روى من أن الله تعالى يبعث إليهم يوم القيامة وإلى المجانين والأطفال فحديث ~~لم يصح، ولا يقتضى ما تعطيه الشريعة من أن الآخرة ليست دار تكليف. قال ~~المهدوي: وروى عن أبي هريرة أن الله عز وجل يبعث يوم القيامة رسولا إلى أهل ~~الفطرة والأبكم والأخرس والأصم، فيطيعه منهم من كان يريد أن يطيعه في ~~الدنيا، وتلا الآية، رواه معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة، ذكره ~~النحاس. # قلت: هذا موقوف، وسيأتي مرفوعا في آخر سورة طه إن شاء الله تعالى، ولا ~~يصح. # وقد استدل قوم في أن أهل الجزائر إذا سمعوا بالاسلام وآمنوا فلا تكليف ~~عليهم فيما مضى، وهذا صحيح، ومن لم تبلغه الدعوة فهو غير مستحق للعذاب من ~~جهة العقل، والله أعلم. # قوله تعالى: وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق ~~عليها القول فدمرناها تدميرا ms3680 (16) فيه ثلاث مسائل: # الأولى - أخبر الله تعالى في الآية التي قبل أنه لم يهلك القرى قبل ~~ابتعاث الرسل، لا لأنه يقبح منه ذلك إن فعل، ولكنه وعد منه، وخلف في وعده. ~~فإذا أراد إهلاك قرية مع تحقيق وعده على ما قاله تعالى أمر مترفيها بالفسق ~~(1) والظلم فيها فحق عليها القول بالتدمير. # يعلمك أن من هلك (فإنما) هلك بإرادته، فهو الذي يسبب الأسباب ويسوقها إلى ~~غاياتها ليحق القول السابق من الله تعالى. # الثانية - قوله تعالى: (أمرنا) قرأ أبو عثمان النهدي وأبو رجاء وأبو ~~العالية، والربيع ومجاهد والحسن " أمرنا " بالتشديد، وهي قراءة على رضي ~~الله عنه، أي سلطنا شرارها فعصوا فيها، فإذا فعلوا ذلك أهلكناهم. وقال أبو ~~عثمان النهدي " أمرنا " بتشديد الميم، جعلناهم # PageV10P232 # أمراء مسلطين، وقاله ابن عزيز. وتأمر عليهم تسلط عليهم. وقرأ الحسن أيضا ~~وقتادة وأبو حياة الشامي ويعقوب وخارجة عن نافع وحماد بن سلمة عن ابن كثير ~~وعلى وابن عباس باختلاف عنهما " آمرنا " بالمد والتخفيف، أي أكثرنا ~~جبابرتها وأمراءها، قاله الكسائي. # وقال أبو عبيدة: آمرته بالمد وآمرته، لغتان بمعنى كثرته، ومنه الحديث " ~~خير المال مهرة مأمورة أو سكة مأبورة (1) " أي كثيرة النتاج والنسل. وكذلك ~~قال ابن عزيز: آمرنا وأمرنا بمعنى واحد، أي أكثرنا. وعن الحسن أيضا ويحيى ~~بن يعمر " أمرنا " بالقصر وكسر الميم على فعلنا، ورويت عن ابن عباس. قال ~~قتادة والحسن: المعنى أكثرنا، وحكى نحوه أبو زيد وأبو عبيد، وأنكره الكسائي ~~وقال: لا يقال من الكثرة إلا آمرنا بالمد، قال وأصلها " أأمرنا " فخفف، ~~حكاه المهدوي. وفى الصحاح: وقال أبو الحسن أمر ماله (بالكسر) أي أكثره وأمر ~~القوم أي كثروا، قال الشاعر: # أمرون لا يرثون سهم القعدد (2) * وآمر الله ماله: (بالمد): الثعلبي: ~~ويقال للشئ الكثير أمر، والفعل منه: أمر القوم يأمرون أمرا إذا كثروا. قال ~~ابن مسعود: كنا نقول في الجاهلية للحي إذا كثروا: أمر أمر بنى فلان، قال ~~لبيد: # كل بنى حرة مصيرهم * قل وإن أكثرت من العدد إن يغبطوا يهبطوا وإن أمروا * ~~يوما يصيروا للهلك والنكد (3) # PageV10P233 # قلت: وفى ms3681 حديث هرقل الحديث الصحيح: " لقد أمر أمر، ابن أبي كبشة (1)، ~~ليخافه ملك بنى الأصفر " أي كثر. وكله غير متعد ولذلك أنكره الكسائي، والله ~~أعلم. قال المهدوي: # ومن قرأ " أمر " فهي لغة، ووجه تعدية " أمر " أنه شبهه بعمر من حيث كانت ~~الكثرة أقرب شئ إلى العمارة، فعدى كما عدى عمر. # (2) الباقون " أمرنا " من الامر، أي أمرناهم بالطاعة إعذارا وإنذارا ~~وتخويفا ووعيدا. (ففسقوا) أي فأخرجوا عن الطاعة عاصين لنا. (فحق عليهم ~~القول) فوجب عليها الوعيد، عن ابن عباس. وقيل: " أمرنا " جعلناهم أمراء، ~~لان العرب تقول: أمير غير مأمور، أي غير مؤمر. وقيل: معناه بعثنا ~~مستكبريها. قال هارون: # وهي قراءة أ، بزي " بعثنا أكابر مجرميها ففسقوا " ذكره الماوردي. وحكى ~~النحاس: وقال هارون في قراءة أبى: " وإذا أردنا أن نهلك قرية بعثنا فيها ~~أكابر مجرميها فمكروا فيها فحق عليها القول ". ويجوز أن يكون " أمرنا " ~~بمعنى أكثرنا، ومنه " خير المال مهرة مأمورة " على ما تقدم. وقال قوم: ~~مأمورة اتباع لمأبورة، كالغدايا والعشايا. وكقوله: " ارجعن مأزورات غير ~~مأجورات ". وعلى هذا لا يقال: أمرهم الله، بمعنى كثرهم، بل يقال: آمره ~~وأمره. واختار أبو عبيد وأبو حاتم قراءة العامة. قال أبو عبيد: وإنما ~~اخترنا " أمرنا " لان المعاني الثلاثة تجتمع فيها من الامر والامارة ~~والكثرة. والمترف: المنعم، وخصوا بالامر لان غيرهم تبع لهم. # الثالثة - قوله تعالى: (فدمرناها) أي استأصلناها بالهلاك. (تدميرا) ذكر ~~المصدر للمبالغة في العذاب الواقع بهم. وفى الصحيح (3) من حديث بنت جحش زوج ~~النبي صلى الله عليه وسلم قالت: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما ~~فزعا محمرا وجهه يقول: " لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب فتح ~~اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه " وحلق بإصبعه الابهام والتي تليها. ~~قالت: فقلت يا رسول الله، أنهلك وفينا # PageV10P234 # الصالحون؟ قال: " نعم إذا كثر الخبث ". وقد تقدم الكلام في هذا الباب، ~~وأن المعاصي إذا ظهرت ولم تغير كانت سببا لهلاك (1) الجميع، والله أعلم. # قوله تعالى: وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفى بربك بذنوب ms3682 عباده ~~خبيرا بصيرا (17) أي كم من قوم كفروا حل بهم البوار. يخوف كفار مكة. وقد ~~تقدم القول في القرن في أول سورة الأنعام (2)، والحمد لله. # (وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا) " خبيرا " عليما بهم. " بصيرا " ~~يبصر أعمالهم، وقد تقدم (3). # قوله تعالى: من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم ~~جعلنا له جهنم يصلها مذموما مدحورا (18) ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها ~~وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا (19) قوله تعالى: (من كان يريد العاجلة) ~~يعنى الدنيا، والمراد الدار العاجلة، فعبر بالنعت (4) عن المنعوت. (عجلنا ~~له فيها ما نشاء لمن نريد) أي لم نعطه منها إلا ما نشاء ثم نؤاخذه بعمله، ~~وعاقبته دخول النار. (مذموما مدحورا) أي مطردا مبعدا من رحمة الله. وهذه ~~صفة المنافقين الفاسقين، والمرائين المداحين، يلبسون الاسلام والطاعة ~~لينالوا عاجل الدنيا من الغنائم وغيرها، فلا يقبل ذلك العمل منهم في الآخرة ~~ولا يعطون في الدنيا إلا ما قسم لهم. # وقد تقدم في " هود (5)) أن هذه الآية تقيد الآيات المطلقة، فتأمله. (ومن ~~أراد الآخرة) أي الدار الآخرة. (وسعى لها سعيها) أي عمل لها عملها من ~~الطاعات. (وهو مؤمن) لان الطاعات لا تقبل إلا من مؤمن. (فأولئك كان سعيهم ~~مشكورا) أي مقبولا غير # PageV10P235 # مردود. وقيل: مضاعفا، أي تضاعف لهم الحسنات إلى عشر، وإلى سبعين وإلى ~~سبعمائة ضعف، وإلى أضعاف كثيرة، كما روى عن أبي هريرة وقد قيل له: أسمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن الله ليجزى على الحسنة الواحدة ~~ألف ألف حسنة "؟ # فقال سمعته يقول: " إن الله ليجزى على الحسنة الواحدة ألفي ألف حسنة ". # قوله تعالى: كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا ~~(20) انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا (21) ~~لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا (22) قوله تعالى: (كلا نمد ~~هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك) اعلم أنه يرزق المؤمنين والكافرين. (وما كان ~~عطاء ربك محظورا) أي محبوسا ممنوعا، من حظر يحظر حظرا ms3683 وحظارا. (ثم قال ~~تعالى: (انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض) في الرزق والعمل، فمن مقل ومكثر. ~~(وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا) أي للمؤمنين، فالكافر وإن وسع عليه في ~~الدنيا مرة، وقتر على المؤمن مرة فالآخرة لا تقسم إلا مرة واحدة بأعمالهم، ~~فمن فاته شئ منها لم يستدركه فيها. وقوله: (لا تجعل مع الله إلها أخر) ~~الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته. وقيل: الخطاب للانسان. ~~(فتقعد) أي تبقى. (مذموما مخذولا) لا ناصر لك ولا وليا. قوله تعالى: وقضى ~~ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسنا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو ~~كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما (23) واخفض لهما ~~جناح الذل من الرحمة وقل ربى ارحمهما كما ربياني صغيرا (24) PageV10P236 # فيه ست عشرة مسألة: # الأولى - (قضى) أي أمر وألزوم وأوجب. قال ابن عباس والحسن وقتادة: ليس ~~هذا قضاء حكم بل هو قضاء أمر. وفى مصحف ابن مسعود " ووصى " وهي قراءة ~~أصحابه وقراءة ابن عباس أيضا وعلى وغيرهما، وكذلك عند أبي بن كعب. قال ابن ~~عباس: إنما هو " ووصى ربك " فالتصقت إحدى الواوين فقرئت " وقضى ربك " إذ لو ~~كان على القضاء ما عصى الله أحد. وقال الضحاك: تصحفت على قوم " وصى بقضى " ~~حين اختلطت الواو بالصاد وقت كتب المصحف. وذكر أبو حاتم عن ابن عباس مثل ~~قول الضحاك. وقال عن ميمون بن مهران أنه قال: إن على قول ابن عباس لنورا، ~~قال الله تعالى: " شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك (1) ~~" ثم أبى أبو حاتم أن يكون ابن عباس قال ذلك. وقال: لو قلنا هذا لطعن ~~الزنادقة في مصحفنا، ثم قال علماؤنا المتكلمون وغيرهم: # القضاء يستعمل في اللغة على وجوه: فالقضاء بمعنى الامر، كقوله تعالى: " ~~وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه " معناه أمر. والقضاء بمعنى الخلق، كقوله: " ~~فقضاهن سبع سماوات في يومين (2) " يعنى خلقهن. والقضاء بمعنى الحكم، كقوله ~~تعالى: " فاقض ما أنت قاض (3) " يعنى احكم ما أنت تحكم. والقضاء بمعنى ~~الفراغ، كقوله: ms3684 " قضى الامر الذي فيه تستفتيان (4) ". # أي فرغ منه، ومنه قوله تعالى " فإذا قضيتم مناسككم (5) ". وقوله تعالى: " ~~فإذا قضيت الصلاة (6) ". والقضاء بمعنى الإرادة، كقوله تعالى: " إذا قضى ~~أمرا فإنما يقول له كن فيكون (7) ". والقضاء بمعنى العهد، كقوله تعالى: " ~~وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الامر (8) ". # فإذا كان القضاء يحتمل هذه المعاني فلا يجوز إطلاق القول بأن المعاصي ~~بقضاء الله، لأنه إن أريد به الامر فلا خلاف أنه لا يجوز ذلك، لان الله ~~تعالى لم يأمر بها، # PageV10P237 # فإنه لا يأمر بالفحشاء. وقال زكريا بن سلام: جاء رجل إلى الحسن فقال إنه ~~طلق امرأته ثلاثا. فقال: إنك قد عصيت ربك وبانت منك. فقال الرجل: قضى الله ~~ذلك على! # فقال الحسن وكان فصيحا: ما قضى الله ذلك أي ما أمر الله به، وقرأ هذه ~~الآية: # " وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ". # الثانية - أمر الله سبحانه بعبادته وتوحيده، وجعل بر الوالدين مقرونا ~~بذلك، كما قرن شكرهما بشكره فقال: " وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ~~وبالوالدين إحسانا ". وقال: " أن اشكر لي ولوالديك إلى المصير (1) ". وفى ~~صحيح البخاري عن عبد الله قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم أي العمل أحب ~~إلى الله عز وجل؟ قال: " الصلاة على وقتها " قال: ثم أي؟ # قال: " ثم بر الوالدين " قال ثم أي؟ قال: " الجهاد في سبيل الله " فأخبر ~~صلى الله عليه وسلم أن بر الوالدين أفضل الأعمال بعد الصلاة التي هي أعظم ~~دعائم الاسلام. ورتب ذلك " بثم " التي تعطى الترتيب والمهلة. # الثالثة - من البر بهما والاحسان إليهما ألا يتعرض لسبهما ولا يعقهما، ~~فإن ذلك من الكبائر بلا خلاف، وبذلك وردت السنة الثابتة، ففي صحيح مسلم عن ~~عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن من الكبائر ~~شتم الرجل والديه " قالوا: يا رسول الله، وهل يشتم الرجل والديه؟ قال " ~~نعم. يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه ". # الرابعة - عقوق الوالدين مخالفتهما في أغراضهما الجائزة لهما، كما أن ~~برهما موافقتهما على أغراضهما. ms3685 وعلى هذا إذا أمرا أو أحدهما ولدهما بأمر ~~وجبت طاعتهما فيه، إذا لم يكن ذلك الامر معصية، وإن كان ذلك المأمور به من ~~قبيل المباح في أصله، وكذلك إذا كان من قبيل المندوب. وقد ذهب بعض الناس ~~إلى أن أمرهما بالمباح يصيره في حق الولد مندوبا إليه وأمرهما بالمندوب ~~يزيده تأكيدا في ندبيته. # PageV10P238 # الخامسة - روى الترمذي عن عمر قال: كانت تحتي امرأة أحبها، وكان أبى ~~يكرهها فأمرني أن أطلقها فأبيت، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: ~~" يا عبد الله بن عمر طلق امرأتك ". قال هذا حديث حسن صحيح. # السادسة - روى الصحيح عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: " أمك " قال: ثم من؟ قال: " ثم ~~أمك " قال: ثم من؟ قال: " ثم أمك " قال: ثم من؟ قال: " ثم أبوك ". فهذا ~~الحديث يدل على أن محبة الام والشفقة عليها ينبغي أن تكون ثلاثة أمثال محبة ~~الأب، لذكر النبي صلى الله عليه وسلم الام ثلاث مرات وذكر الأب في الرابعة ~~فقط. وإذا توصل (1) هذا المعنى شهد له العيان. # وذلك أن صعوبة الحمل وصعوبة الوضع وصعوبة الرضاع والتربية تنفرد بها الام ~~دون الأب، فهذه ثلاث منازل يخلو منها الأب. وروى عن مالك أن رجلا قال له: ~~إن أبى في بلد السودان، وقد كتب إلى أن أقدم عليه، وأمي تمنعني من ذلك، ~~فقال: أطع أباك، ولا تعص أمك. فدل قول مالك هذا أن برهما متساو عنده. وقد ~~سئل الليث عن هذه المسألة فأمره بطاعة الام، وزعم أن لها ثلثي البر. وحديث ~~أبي هريرة يدل على أن لها ثلاثة أرباع البر، وهو الحجة على من خالف. وقد ~~زعم المحاسبي في (كتاب الرعاية) له أنه لا خلاف بين العلماء أن للام ثلاثة ~~أرباع البر وللأب الربع، على مقتضى حديث أبي هريرة رضي الله عنه . والله ~~أعلم. # السابعة - لا يختص بر الوالدين بأن يكونا مسلمين، بل إن كانا كافرين ~~يبرهما ويحسن إليهما إذا كان لهما ms3686 عهد، قال الله تعالى: " لا ينهاكم الله ~~عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم (2) ". وفى ~~صحيح البخاري عن أسماء قالت: قدمت أمي وهي مشركة في عهد قريش ومدتهم إذ ~~عاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم مع أبيها، فاستفتيت النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقلت: إن أمي قدمت وهي راغبة (3) أفأصلها؟ قال: " نعم صلى أمك ". # PageV10P239 # وروى أيضا عن أسماء قالت: أتتني أمي راغبة في عهد النبي صلى الله عليه ~~وسلم فسألت النبي صلى الله عليه وسلم أأصلها؟ قال: " نعم ". قال ابن عينية: ~~فأنزل الله عز وجل فيها: # " لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين " الأول معلق والثاني ~~مسند. # الثامنة - من الاحسان إليهما والبر بهما إذا لم يتعين الجهاد ألا يجاهد ~~إلا بإذنهما. # روى الصحيح عن عبد الله بن عمرو قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم يستأذنه في الجهاد فقال: " أحي والداك "؟ قال نعم. قال: " ففيهما ~~فجاهد ". لفظ مسلم. في غير الصحيح قال: نعم، وتركتهما يبكيان. قال: " اذهب ~~فأضحكهما كما أبكيتهما ". وفى خبر آخر أنه قال: " نومك مع أبويك على ~~فراشهما يضاحكانك ويلاعبانك أفضل لك من الجهاد معي ". ذكره ابن خويز منداد. ~~ولفظ البخاري في كتاب بر الوالدين: أخبرنا أبو نعيم أخبرنا سفيان عن عطاء ~~بن السائب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم يبايعه على الهجرة، وترك أبويه يبكيان فقال: " ارجع إليهما ~~فأضحكهما كما أبكيتهما ". # قال ابن المنذر: في هذا الحديث النهى عن الخروج بغير إذن الأبوين ما لم ~~يقع النفير، فإذا وقع وجب الخروج على الجميع. وذلك بين في حديث أبي قتادة ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث جيش الامراء...، فذكر قصة زيد بن ~~حارثة وجعفر بن أبي طالب وابن رواحة وأن منادى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم نادى بعد ذلك: أن الصلاة جامعة، فاجتمع الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم ~~قال: " أيها الناس، اخرجوا فأمدوا (1) إخوانكم ولا ms3687 يتخلفن أحد " فخرج الناس ~~مشاة وركبانا في حر شديد. فدل قوله: " اخرجوا فأمدوا إخوانكم " أن العذر في ~~التخلف عن الجهاد إنما هما لم يقع النفير، مع قوله عليه السلام: " فإذا ~~استنفرتم فانفروا ". # قلت: وفى هذه الأحاديث دليل على أن المفروض أو المندوبات متى اجتمعت قدم ~~الأهم منها. وقد استوفى هذا المعنى المحاسبي في كتاب الرعاية. # التاسعة - واختلفوا في الوالدين المشركين هل يخرج بإذنهما إذا كان الجهاد ~~من فروض الكفاية، فكان الثوري يقول: لا يغزو إلا بإذنهما. وقال الشافعي: له ~~أن يغزو # PageV10P240 # بغير إذنهما. قال ابن المنذر: والأجداد آباء، والجدات أمهات فلا يغزو ~~المرء إلا بإذنهم، ولا اعلم دلالة توجب ذلك لغيرهم من الاخوة وسائر ~~القرابات. وكان طاوس يرى السعي على الأخوات أفضل من الجهاد في سبيل الله عز ~~وجل. # العاشرة - من تمام برهما صلة أهل ودهما، ففي الصحيح عن ابن عمر قال: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن من أبر صلة الرجل أهل ود أبيه بعد ~~أن يولى ". # وروى أبو أسيد وكان بدريا قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم جالسا ~~فجاءه رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله، هل بقى من بر والدي من بعد ~~موتهما شئ أبرهما به؟ قال: # " نعم. الصلاة عليهما والاستغفار لهما وإنفاذ عهدهما بعدهما وإكرام ~~صديقهما وصلة الرحم التي لا رحم لك إلا من قبلهما فهذا الذي بقى عليك ". ~~وكان صلى الله عليه وسلم يهدى لصدائق خديجة برا بها ووفاء لها وهي زوجته، ~~فما ظنك بالوالدين. # الحادية عشرة - قوله تعالى: (إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما) خص ~~حالة الكبر لأنها الحالة التي يحتاجان فيها إلى بره لتغير الحال عليهما ~~بالضعف والكبر، فألزم في هذه الحالة من مراعاة أحوالهما أكثر مما ألزمه من ~~قبل، لأنهما في هذه الحالة قد صارا كلا عليه، فيحتاجان أن يلي منهما في ~~الكبر ما كان يحتاج في صغره أن يليا منه، فلذلك خص هذه الحالة بالذكر. ~~وأيضا فطول المكث للمرء يوجب الاستثقال للمرء عادة ويحصل الملل ms3688 ويكثر الضجر ~~فيظهر غضبه على أبويه وتنتفخ لهما أوداجه، ويستطيل عليهما بدالة البنوة ~~وقلة الديانة، وأقل المكروه ما يظهره بتنفسه المتردد من الضجر. وقد أمر أن ~~يقابلهما بالقول الموصوف بالكرامة، وهو السالم عن كل عيب فقال: " فلا تقل ~~لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما ". # روى مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " رغم أنفه ~~رغم أنفه رغم أنفه " قيل: من يا رسول الله؟ قال: " من أدرك والديه عند ~~الكبر أحدهما أو كليهما ثم لم يدخل الجنة ". وقال البخاري في كتاب ~~الوالدين: حدثنا مسدد حدثنا بشر بن المفضل حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق عن ~~أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~PageV10P241 # " رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل على. رغم أنف رجل أدرك أبويه عند الكبر ~~أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة. ورغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن ~~يغفر له ". حدثنا ابن أبي أويس حدثنا أخي عن سليمان بن بلال عن محمد بي ~~هلال عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة السالمي عن أبيه رضي الله عنه قال: إن ~~كعب بن عجرة رضي الله عنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم: " أحضروا ~~المنبر " فلما خرج رقى (إلى) المنبر، فرقى في أول درجة منه قال آمين ثم رقى ~~في الثانية فقال آمين ثم لما رقى في الثالثة قال آمين، فلما فرغ ونزل من ~~المنبر قلنا: يا رسول الله، لقد سمعنا منك اليوم شيئا ما كنا نسمعه منك؟ ~~قال: " وسمعتموه "؟ قلنا نعم. قال: " إن جبريل عليه السلام اعترض قال: # بعد من أدرك رمضان فلم يغفر له فقلت آمين فلما رقيت في الثانية قال بعد ~~من ذكرت عنده فلم يصل عليك فقلت آمين فلما رقيت في الثالثة قال بعد من أدرك ~~عنده أبواه الكبر أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة قلت آمين ". حدثنا أبو نعيم ~~حدثنا سلمة بن وردان سمعت أنسا رضي الله عنه يقول: ارتقى رسول ms3689 الله صلى ~~الله عليه وسلم على المنبر درجة فقال آمين ثم ارتقى درجة فقال آمين ثم ~~ارتقى الدرجة الثالثة فقال آمين، ثم استوى وجلس فقال أصحابه: # يا رسول الله، علام أمنت؟ قال: " أتاني جبريل عليه السلام فقال رغم أنف ~~من ذكرت عنده فلم يصل عليك فقلت آمين ورغم أنف من أدرك أبويه أو أحدهما فلم ~~يدخل الجنة فقلت آمين " الحديث. فالسعيد الذي يبادر اغتنام فرصة برهما لئلا ~~تفوته بموتهما فيندم على ذلك. والشقي من عقهما، لا سيما من بلغه الامر ~~ببرهما. # الثانية عشرة - قوله تعالى: (فلا تقل لهما أف) أي لا تقل لهما ما يكون ~~فيه أدنى تبرم. وعن أبي رجاء العطاردي قال: آلاف الكلام القذع الردئ الخفي. ~~وقال مجاهد: # معناه إذا رأيت منهما في حال الشيخ الغائط والبول الذي رأياه منك في ~~الصغر فلا تقذرهما وتقول أف. والآية أعم من هذا. وآلاف والتف وسخ الأظفار. ~~ويقال لكل ما يضجر ويستثقل: أف له. قال الأزهري: والتف أيضا الشئ الحقير. ~~وقرئ " أف " منؤنا PageV10P242 # مخفوض، كما تخفض الأصوات وتنون، تقول: صه ومه. وفيه عشر لغات: أف، وإف، ~~وأف، وأفا وأف، وأفه، وإف لك (بكسر الهمزة)، وأف (بضم الهمزة وتسكين ~~الفاء)، وأفا (مخففة الفاء). وفى الحديث: " فألقى طرف ثوبه على أنفه ثم قال ~~أف أف ". قال أبو بكر: معناه استقذار لما شم. وقال بعضهم: معنى أف الاحتقار ~~والاستقلال، أخذ من آلاف وهو القليل. وقال القتبي: أصله نفخك الشئ يسقط ~~عليك من رماد وتراب وغير ذلك، وللمكان تريد إماطة شئ لتقعد فيه، فقيلت هذه ~~الكلمة لكل مستثقل. وقال أبو عمرو بن العلاء: آلاف وسخ بين الأظفار، والتف ~~قلامتها. وقال الزجاج: معنى أف النتن. وقال الأصمعي: # آلاف وسخ الاذن، والتف وسخ الأظفار، فكثر استعماله حتى ذكر في كل ما ~~يتأذى به. وروى من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " لو علم الله من العقوق شيئا أردا من " أف " لذكره فليعمل البار ما شاء ~~أن يعمل ms3690 فلن يدخل النار. وليعمل العاق ما شاء أن يعمل فلن يدخل الجنة ". ~~قال علماؤنا: وإنما صارت قولة " أف " للأبوين أردأ شئ لأنه رفضهما رفض كفر ~~النعمة، وجحد التربية ورد الوصية التي أوصاه في التنزيل. و " أف " كلمة ~~مقولة لكل شئ مرفوض، ولذلك قال إبراهيم لقومه: " أف لكم ولما تعبدون من دون ~~الله (1) " أي رفض لكم ولهذه الأصنام معكم. # الثالثة عشرة - قوله تعالى: (ولا تنهرهما) النهر: الزجر والغلظة. (وقل ~~لهما قولا كريما) أي لينا لطيفا، مثل: يا أبتاه ويا أماه، من غير أن ~~يسميهما ويكنيهما، قال عطاء. # وقال ابن البداح (3) التجيبي: قلت لسعيد بن المسيب كل ما في القرآن من بر ~~الوالدين قد عرفته إلا قوله: " وقل لهما قولا كريما " ما هذا القول الكريم؟ ~~قال ابن المسيب: قول العبد المذنب السيد الفظ الغليظ. # الرابعة عشرة - قوله تعالى: (واخفض لهما جناح الذل من الرحمة) هذه ~~استعارة في الشفقة والرحمة بهما والتذلل لهما تذلل الرعية للأمير والعبيد ~~للسادة، كما أشار إليه سعيد بن # PageV10P243 # المسيب. وضرب خفض الجناح ونصبه مثلا لجناح الطائر حين ينتصب بجناحه ~~لولده. # والذل: هو اللين. وقراءة الجمهور بضم الذال، من ذل يذل ذلا وذلة ومذلة ~~فهو ذال وذليل. # وقرأ سعيد بن جبير وابن عباس وعروة بن الزبير " الذل " بكسر الذال، ورويت ~~عن عاصم، من قولهم: دابة ذلول بينة الذل. والذل في الدواب المنقاد السهل ~~دون الصعب. فينبغي بحكم هذه الآية أن يجعل الانسان نفسه مع أبويه في خير ~~ذلة، في أقواله وسكناته ونظره، ولا يحد إليهما بصره فإن تلك هي نظرة ~~الغاضب. # الخامسة عشرة - الخطاب في هذه الآية للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به ~~أمته، إذ لم يكن له عليه السلام في ذلك الوقت أبوان. ولم يذكر الذل في قوله ~~تعالى: " واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين (1) " وذكره هنا بحسب عظم الحق ~~وتأكيده. و " من " في قوله: " من الرحمة " لبيان الجنس، أي إن هذا الخفض ~~يكون من الرحمة المستكنة في النفس، لا بأن يكون ذلك استعمالا. ويصح أن يكون ms3691 ~~لانتهاء الغاية، ثم أمر تعالى عباده بالترحم على آبائهم والدعاء لهم، وأن ~~ترحهما كما رحماك وترفق بهما كما رفقا بك، إذ ولياك صغيرا جاهلا محتاجا ~~فآثراك على أنفسهما، وأسهرا ليلهما، وجاعا وأشبعاك، وتعريا وكسواك، فلا ~~تجزيهما إلا أن يبلغا من الكبر الحد الذي كنت فيه من الصغر، فتلي منهما ما ~~وليا منك، ويكون لهما حينئذ فضل التقدم. قال صلى الله عليه وسلم: " لا يجزى ~~ولد والدا إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه ". وسيأتي في سورة " مريم (2) ~~" الكلام على هذا الحديث. # السادسة عشرة - قوله تعالى (كما ربياني) خص التربية بالذكر ليتذكر العبد ~~شفقة الأبوين وتبعهما في التربية، فيزيده ذلك إشفاقا لهما وحنانا عليهما، ~~وهذا كله في الأبوين المؤمنين. وقد نهى القرآن عن الاستغفار للمشركين ~~الأموات ولو كانوا أولى قربى، كما تقدم (3). # وذكر عن ابن عباس وقتادة أن هذا كله منسوخ بقوله: " ما كان للنبي والذين ~~آمنوا أن يستغفروا للمشركين - إلى قوله - أصحاب الجحيم " فإذا كان والدا ~~المسلم ذميين استعمل # PageV10P244 # معهما ما أمره الله به هاهنا، إلا الترحم لهما بعد موتهما على الكفر، لان ~~هذا وحده نسخ بالآية المذكورة. وقيل: ليس هذا موضع نسخ، فهو دعاء بالرحمة ~~الدنيوية للأبوين المشركين ما داما حيين، كما تقدم. أو يكون عموم هذه الآية ~~خص بتلك، لا رحمة الآخرة، لا سيما وقد قيل إن قوله: " وقل رب أرحمهما " ~~نزلت في سعد بن أبي وقاص، فإنه أسلم، فألقت أمه نفسها في الرمضاء متجردة، ~~فذكر ذلك لسعد فعال: لتمت، فنزلت الآية. وقيل: # الآية خاصة في الدعاء للأبوين المسلمين. والصواب أن ذلك عموم كما ذكرنا، ~~وقال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم: " من أمسى مرضيا لوالديه ~~وأصبح أمسى وأصبح وله بابان مفتوحان من الجنة وإن واحدا فواحدا. ومن أمسى ~~وأصبح مسخطا لوالديه أمسى وأصبح وله بابان مفتوحان إلى النار وإن واحدا ~~فواحدا " فقال رجل: يا رسول الله، وإن ظلماه؟ # قال: " وإن ظلماه وإن ظلماه وإن ظلماه ". وقد روينا بالاسناد المتصل عن ~~جابر بن عبد الله رضى الله ms3692 تعالى عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال: يا رسول الله، إن أبى أخذ مالي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~للرجل: " فأتني بأبيك " فنزل جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال: " إن الله عز وجل يقرئك السلام ويقول لك إذا جاءك الشيخ فاسأله ~~عن شئ قاله في نفسه ما سمعته أذناه " فلما جاء الشيخ قال له النبي صلى الله ~~عليه وسلم: " ما بال ابنك يشكوك أتريد أن تأخذ ماله "؟ فقال: سله يا رسول ~~الله، هل أنفقه إلا على إحدى عماته أو خالاته أو على نفسي! فقال له وسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " إيه (1)، دعنا من هذا أخبرني عن شئ قلته في ~~نفسك ما سمعته أذناك "؟ # فقال الشيخ: والله يا رسول الله، ما زال الله عز وجل يزيدنا بك يقينا، ~~لقد قلت في نفسي شيئا ما سمعته أذناي. قال: " قل وأنا أسمع " قال قلت: # PageV10P245 # غذوتك مولودا ومنتك يافعا * تعل بما أجنى عليك وتنهل إذا ليلة ضافتك ~~بالسقم لم أبت * لسقمك إلا ساهرا أتململ كأني أنا المطروق دونك بالذي * ~~طرقت به دوني فعيني تهمل تخاف الردى نفسي عليك وإنها * لتعلم أن الموت وقت ~~مؤجل فلما بلغت السن والغاية التي * إليها مدى ما كنت فيك أؤمل جعلت جزائي ~~غلظة وفظاظة * كأنك أنت المنعم المتفضل فليتك إذ لم ترع حق أبوتي * فعلت ~~كما الجار المصاقب يفعل فأوليتني حق الجوار ولم تكن * على بمال دون مالك ~~تبخل قال: فحينئذ أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بتلابيب ابنه وقال: " أنت ~~ومالك لأبيك ". # قال الطبراني: اللخمي لا يروى - يعنى هذا الحديث - عن ابن المنكدر بهذا ~~التمام والشعر إلا بهذا الاسناد، وتفرد به عبيد الله بن خلصة. والله أعلم. # قوله تعالى: ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين ~~غفورا (25) قوله تعالى: (ربكم أعلم بما في نفوسكم) أي من اعتقاد الرحمة ~~بهما والحنو عليهما، أو من غير ذلك من العقوق، أو من جعل ظاهر برهما رياء. ms3693 ~~وقال ابن جبير: يريد البادرة التي تبدر، كالفلتة والزلة، تكون من الرجل إلى ~~أبويه أو أحدهما، لا يريد بذلك بأسا، قال الله تعالى: (إن تكونوا صالحين) ~~أي صادقين في نية البر بالوالدين فإن الله يغفر البادرة. # وقوله: (فإنه كان للأوابين غفورا) وعد بالغفران مع شرط الصلاح والأوبة # PageV10P246 # إلى طاعة الله سبحانه وتعالى. قال سعيد بن المسيب: هو العبد يتوب ثم يذنب ~~ثم يتوب ثم يذنب. وقال ابن عباس رضي الله عنه: الأواب: الحفيظ الذي إذا ذكر ~~خطاياه استغفر منها. وقال عبيد بن عمير: هم الذين يذكرون ذنوبهم في الخلاء ~~(1) ثم يستغفرون الله عز وجل. # وهذه الأقوال متقاربة. وقال عون العقيلي: الأوابون هم الذين يصلون صلاة ~~الضحا. # وفى الصحيح: " صلاة الأوابين حين ترمض الفصال (2) ". وحقيقة اللفظ (أنه ~~(3) من آب يؤوب إذا رجع. # قوله تعالى: وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا ~~(26) إن المبذرين كانوا إخوان الشيطين وكان الشيطان لربه كفورا (27) فيه ~~ثلاث مسائل الأولى - قوله تعالى: (وآت ذا القربى حقه) أي كما راعيت حق ~~الوالدين فصل الرحم، ثم تصدق على المسكين وابن السبيل. وقال عبن الحسين في ~~قوله تعالى: " وآت ذا القربى حقه ": هم قرابة النبي صلى الله عليه وسلم، ~~أمر صلى الله عليه وسلم بإعطائهم حقوقهم من بيت المال، أي من سهم ذوي ~~القربى من الغزو والغنيمة، ويكون خطابا للولاة أو من قام مقامهم. والحق في ~~هذه الآية ما يتعين من صلة الرحم، وسد الخلة، والمواساة عند الحاجة بالمال، ~~والمعونة بكل وجه. # الثانية - قوله تعالى: (ولا تبذر) أي لا تسرف في الانفاق في غير حق. قال ~~الشافعي رضي الله عنه: والتبذير إنفاق المال في غير حقه، ولا تبذير في عمل ~~الخير. وهذا قول الجمهور. وقال أشهب عن مالك: التبذير هو أخذ المال من حقه ~~ووضعه في غير حقه، وهو الاسراف، وهو حرام لقوله تعالى: " إن المبذرين كانوا ~~إخوان الشياطين " وقوله: # PageV10P247 # " إخوان " يعنى أنهم في حكمهم، إذ المبذر ساع في إفساد كالشياطين، أو ~~أنهم يفعلون ما تسول لهم ms3694 أنفسهم، أو أنهم يقرنون بهم غدا في النار، ثلاثة ~~أقوال. والاخوان هنا جمع أخ من غير النسب، ومنه قوله تعالى: " إنما ~~المؤمنون (1) إخوة ". وقوله تعالى: (وكان الشيطان لربه كفورا) أي احذروا ~~متابعة والتشبه به في الفساد. والشيطان اسم الجنس. # وقرأ الضحاك " إخوان الشيطان " على الانفراد، وكذلك ثبت في مصحف أنس بن ~~مالك رضي الله عنه. # الثالثة - من أنفق ماله في الشهوات زائدة على قدر الحاجات وعرضه بذلك ~~للنفاد فهو مبذر. ومن أنفق ربح ماله في شهواته وحفظ الأصل أو الرقبة فليس ~~بمبذر. ومن أنفق درهما في حرام فهو مبذر، ويحجر عليه في نفقته الدرهم في ~~الحرام، ولا يحجر عليه إن بذله في الشهوات إلا إذا خيف عليه النفاد. # قوله تعالى: وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمه من ربك ترجوها فقل لهم قولا ~~ميسورا (28) فيه ثلاث مسائل: # الأولى - وهو أنه سبحانه وتعالى خص نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: (وإما ~~تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها). وهو تأديب عجيب وقول لطيف بديع، أي ~~لا تعرض عنهم إعراض مستهين عن ظهر الغنى والقدرة فتحرمهم (2). وإنما يجوز ~~أن تعرض عنهم عند عجز يعرض وعائق يعوق، وأنت عند ذلك ترجو من الله سبحانه ~~وتعالى فتح باب الخير لتتوصل به إلى مواساة السائل، فإن قعد بك الحال " فقل ~~لهم قولا ميسورا ". # الثانية - في سبب نزولها، قال ابن زيد: نزلت الآية في قوم كانوا يسألون ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأبى أن يعطيهم، لأنه كان يعلم منهم نفقة ~~المال في فساد، # PageV10P248 # فكان يعرض عنهم رغبة في الاجر في منعهم لئلا يعينهم على فسادهم. وقال ~~عطاء الخراساني في قوله تعالى " وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها ~~" قال: ليس هذا في ذكر الوالدين، جاء ناس من مزينة إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم يستحملونه، فقال: " لا أجد ما أحملكم عليه " فتولوا وأعينهم تفيض من ~~الدمع حزنا، فأنزل الله تعالى: " وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ~~ترجوها ". والرحمة الفئ (1). الثالثة - قوله تعالى: (فقل لهم قولا ms3695 ميسورا) ~~أمره بالدعاء لهم، أي يسر فقرهم عليهم بدعائك لهم. وقيل: ادع لهم دعاء ~~يتضمن الفتح لهم والاصلاح. وقيل: المعنى " وإما تعرضن " أي إن أعرضت يا ~~محمد عن إعطائهم لضيق يد فقل لهم قولا ميسورا، أي أحسن القول وأبسط العذر، ~~وادع لهم بسعة الرزق، وقل إذا وجدت فعلت وأكرمت، فإن ذلك يعمل في مسرة نفسه ~~عمل المواساة. وكان عليه الصلاة والسلام إذا سئل وليس عنده ما يعطى سكت ~~انتظارا لرزق يأتي من الله سبحانه وتعالى كراهة الرد، فنزلت هذه الآية، ~~فكان صلى الله عليه وسلم إذا سئل وليس عنده ما يعطى قال: " يرزقنا الله ~~وإياكم من فضله ". فالرحمة على هذا التأويل الرزق المنتظر. وهذا قول ابن ~~عباس ومجاهد وعكرمة. # و " قولا ميسورا " أي لينا لطيفا طيبا، مفعول بمعنى الفاعل، من لفظ اليسر ~~كالميمون، أي وعدا جميلا، على ما بيناه. ولقد أحسن من قال: # إلا تكن ورق يوما أجود بها * للسائلين فإني لين العود لا يعدم السائلون ~~الخير من خلقي * إما نوالى وإما حسن مردودي تقول: يسرت لك كذا إذا أعددته. # قوله تعالى: ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ~~ملوما محسورا (29) # PageV10P249 # فيه أربع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك) هذا مجاز عبر به عن ~~البخيل الذي لا يقدر من قلبه على إخراج شئ من ماله، فضرب له مثل الغل الذي ~~يمنع من التصرف باليد. وفى صحيح البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ~~قال: ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل البخيل والمتصدق كمثل رجلين ~~عليهما جبتان من حديه قد اضطرت أيديهما إلى ثديهما وتراقيهما فجعل المتصدق ~~كلما تصدق بصدقة انبسطت (1) عنه حتى تغشى أنامله وتعفو أثره (2) وجعل ~~البخيل كلما هم بصدقة قلصت (3) وأخذت كل حلقة بمكانها. قال أبو هريرة رضي ~~الله عنه: فأنا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم (4) يقول بأصبعيه هكذا ~~في جيبه فلو (5) رأيته يوسعها ولا تتوسع (6). الثانية - قوله تعالى: (ولا ~~تبسط كل البسط) ضرب بسط ms3696 اليد مثلا لذهاب المال، فإن قبض الكف يحبس ما فيها، ~~وبسطها يذهب ما فيها. وهذا كله خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد ~~أمته، وكثيرا ما جاء في القرآن، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان ~~سيدهم وواسطتهم إلى ربهم عبر به عنهم على عادة العرب في ذلك. وأيضا فإنه ~~عليه الصلاة والسلام لم يكن يدخر شيئا لغد، وكان يجوع حتى يشد الحجر على ~~بطنه من الجوع. # وكان كثير من الصحابة ينفقون في سبيل الله جميع أموالهم، فلم يعنفهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينكر عليهم لصحة يقينهم وشدة بصائرهم. وإنما ~~نهى الله سبحانه وتعالى عن الافراط في الانفاق، وإخراج ما حوته يده من ~~المال من خيف عليه الحسرة على ما خرج من يده، فأما من وثق بموعود الله عز ~~وجل وجزيل ثوابه فيما أنفقه فغير مراد بالآية، والله أعلم. وقيل: # إن هذا الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم في خاصة نفسه، علمه فيه كيفية ~~الانفاق، وأمره بالاقتصاد. قال جابر وابن مسعود: جاء غلام إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال: إن أمي # PageV10P250 # تسألك كذا وكذا. فقال: " ما عندنا اليوم شئ ". قال: فتقول لك اكسني ~~قميصك، فخلع قميصه فدفعه إليه وجلس في البيت عريانا. وفى رواية جابر: فأذن ~~بلال للصلاة وانتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج، واشتغلت القلوب، ~~فدخل بعضهم فإذا هو عار، فنزلت هذه الآية. وكل هذا في إنفاق الخير. وأما ~~إنفاق الفساد فقليله وكثيره حرام، كما تقدم. # الثالثة - نهت هذه الآية عن استفراغ الوجد (1) فيما يطرأ أولا من سؤال ~~المؤمنين، لئلا يبقى من يأتي بعد ذلك لا شئ له، أو لئلا يضيع المنفق عياله. ~~ونحوه من كلام الحكمة: # ما رأيت قط سرفا إلا ومعه حق مضيع. وهذه من آيات فقه الحال فلا يبين ~~حكمها إلا باعتبار شخص شخص من الناس. # الرابعة - قوله تعالى: (فتقعد ملوما محسورا) قال ابن عرفة: يقول لا تسرف ~~ولا تتلف مالك فتبقى محسورا منقطعا عن النفقة والتصرف، كما يكون البعير ms3697 ~~الحسير، وهو الذي ذهبت قوته فلا انبعاث به، ومنه قوله تعالى: " ينقلب إليك ~~البصر خاسئا وهو حسير (2) " أي كليل منقطع. وقال قتادة: أي نادما على ما ~~سلف منك، فجعله من الحسرة، وفيه بعد، لان الفاعل من الحسرة حسر وحسران ولا ~~يقال محسور. والملوم: الذي يلام على إتلاف ماله، أو يلومه من لا يعطيه. # قوله تعالى: إن (3) ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه كان بعباده خبيرا ~~بصيرا (30) # PageV10P251 # قوله تعالى: ولا تقتلوا أولادكم خشية أملق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم ~~كان خطئا كبيرا (31) فيه مسألتان: # الأولى - قد مضى الكلام في هذه الآية في الانعام، والحمد لله (1). ~~والاملاق: الفقر وعدم الملك. # أملق الرجل أي لم يبق له إلا الملقات، وهي الحجارة العظام الملس. قال ~~الهذلي يصف صائدا: # أتيح لها أقيدر ذو حشيف * إذا سامت على الملقات ساما الواحدة ملقة. ~~والأقيدر تصغير الأقدر، وهو الرجل القصير. والحشيف من الثياب: # الخلق. وسامت مرت. وقال شمر: أملق لازم ومتعد، أملق إذا افتقر، وأملق ~~الدهر ما بيده. قال أوس: # * وأملق ما عندي خطوب تنبل (2) * الثانية - قوله تعالى: (خطا) " خطئا " ~~قراءة الجمهور بكسر الخاء وسكون الطاء وبالهمزة والقصر. وقرأ ابن عامر " ~~خطأ " بفتح الخاء والطاء والهمزة مقصورة، وهي قراءة أبى جعفر يزيد. وهاتان ~~قراءتان مأخوذتان من " خطئ " إذا أتى الذنب على عمد. قال ابن عرفة: يقال ~~خطئ في ذنبه خطأ إذا أثم فيه، وأخطأ إذا سلك سبيل خطأ عامدا أو غير عامد. ~~قال: ويقال خطئ في معنى أخطأ. وقال الأزهري: يقال خطئ يخطأ خطئا إذا تعمد ~~الخطأ، مثل أثم يأثم إثما. وأخطأ إذا لم يتعمد إخطاء وخطأ. قال الشاعر: # دعيني إنما خطئي وصوبي * على وإن ما أهلكت مال (3) # PageV10P252 # والخطأ الاسم يقوم مقام الأخطاء، وهو ضد الصواب. وفيه لغتان: القصر وهو ~~الجيد، والمد وهو قليل، وروى عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما " خطأ " ~~بفتح الخاء وسكون الطاء وهمزة. وقرأ ابن كثير بكسر الخاء وفتح الطاء ومد ~~الهمزة. قال النحاس: ولا أعرف لهذه القراءة وجها، ولذلك جعلها أبو ms3698 حاتم ~~غلطا. قال أبو على: هي مصدر من خاطأ يخاطئ، وإن كنا لا نجد خاطأ، ولكن ~~وجدنا تخاطأ، وهو مطاوع خاطأ، فدلنا عليه، ومنه قول الشاعر: # تخاطأت النبل أحشاءه * وأخر (1) يومى فلم أعجل وقول الآخر في وصف مهاة: # تخاطأه القناص حتى وجدته * وخرطومه في منقع الماء راسب الجوهري: تخاطأه ~~أي أخطأه، وقال أوفى بن مطر المازني: # ألا أبلغا خلتي جابرا * وبأن خليلك لم يقتل تخاطأت النبل أحشاءه * وأخر ~~(1) يومى فلم يعجل وقرأ الحسن " خطأ " بفتح الخاء والطاء والمد في الهمزة. ~~قال أبو حاتم: لا يعرف هذا في اللغة وهي غلط غير جائز. وقال أبو الفتح: ~~الخطأ من أخطأت بمنزلة العطاء من أعطيت، هو اسم بمعنى المصدر، وعن الحسن ~~أيضا " خطى " بفتح الخاء والطاء منونة من غير همزة. # قوله تعالى: ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا (32) فيه مسألة ~~واحدة: # قال العلماء: قوله تعالى (ولا تقربوا الزنى) أبلغ من أن يقول: ولا تزنوا، ~~فإن معناه لا تدنوا من الزنى. والزنى يمد ويقصر، لغتان. قال الشاعر: # كانت فريضة ما تقول كما * كان الزناء فريضة الرجم و (سبيلا) نصب على ~~التمييز، التقدير: وساء سبيله سبيلا. أي لأنه يؤدى إلى النار. والزنى من ~~الكبائر، ولا خلاف فيه وفى قبحه لا سيما بحليلة الجار. وينشأ عنه استخدام ~~ولد الغير # PageV10P253 # واتخاذه ابنا وغير ذلك من الميراث وفساد الأنساب باختلاط المياه. وفى ~~الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بامرأة مجح على باب فسطاط فقال: " ~~لعله يريد أن يلم بها " فقالوا: نعم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~لقد هممت أن ألعنه لعنا يدخل معه قبره كيف يورثه وهو لا يحل له كيف ~~يستخدمونه وهو لا يحل له ". # قوله تعالى: ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما ~~فقد جعلنا لوليه سلطنا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا (33) قوله تعالى: ~~(ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق) قد مضى الكلام فيه في الانعام ~~(2). # قوله تعالى: (ومن قتل مظلوما فقد ms3699 جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل ~~إنه كان منصورا). فيه ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (ومن قتل مظلوما) أي بغير سبب يوجب القتل. (فقد ~~جعلنا لوليه) أي لمستحق دمه.. قال خويز: الولي يجب أن يكون ذكرا، لأنه ~~أفرده بالولاية بلفظ التذكير. وذكر إسماعيل بن إسحاق في قوله تعالى: " فقد ~~جعلنا لوليه " ما يدل على خروج المرأة عن مطلق لفظ الولي، فلا جرم، ليس ~~للنساء حق في القصاص لذلك ولا أثر # PageV10P254 # وليس لها الاستيفاء. وقال المخالف: إن المراد ها هنا بالولي الوارث، وقد ~~قال تعالى: # " والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض (1) "، وقال: " والذين آمنوا ولم ~~يهاجروا ما لكم من ولايتهم (1) من شئ "، وقال: " وأولوا الأرحام بعضهم أولى ~~ببعض في كتاب الله " فاقتضى ذلك إثبات القود لسائر الورثة، وأما ما ذكروه ~~من أن الولي في ظاهره على التذكير وهو واحد، كأن ما كان بمعنى الجنس يستوى ~~المذكر والمؤنث فيه، وتتمته في كتب الخلاف. (سلطانا) أي تسليطا إن شاء قتل ~~وإن شاء عفا، وإن شاء أخذ الدية، قاله ابن عباس رضى الله تعالى عنهما ~~والضحاك وأشهب والشافعي. وقال ابن وهب قال مالك: السلطان أمر الله. # ابن عباس: السلطان الحجة. وقيل: السلطان طلبه حتى يدفع إليه. قال ابن ~~العربي: وهذه الأقوال متقاربة، وأوضحها (2) قول مالك: إنه أمر الله. ثم إن ~~أمر الله عز وجل لم يقع نصا فاختلف العلماء فيه، فقال ابن القاسم عن مالك ~~وأبي حنيفة: القتل خاصة. وقال أشهب: # الخيرة، كما ذكرنا آنفا، وبه قال الشافعي. وقد مضى في سورة " البقرة (3) ~~" هذا المعنى. # الثانية - قوله تعالى: (فلا يسرف في القتل) فيه ثلاثة أقوال: لا يقتل غير ~~قاتله، قاله الحسن والضحاك ومجاهد وصعيد بن جبير. الثاني: لا يقتل بدل وليه ~~اثنين كما كانت العرب تفعله. الثالث: لا يمثل بالقاتل، قاله طلق بن حبيب، ~~وكله مراد لأنه إسراف منهى عنه. وقد مضى في " البقرة (3) " القول في هذا ~~مستوفى. وقرأ الجمهور " يسرف " بالياء، يريد الولي، وقرأ ابن عامر وحمزة ~~والكسائي " تسرف " بالتاء من فوق، وهي ms3700 قراءة حذيفة. # وروى العلاء بن عبد الكريم عن مجاهد قال: هو للقاتل الأول، والمعنى عندنا ~~فلا تسرف أيها القاتل. وقال الطبري: هو على معنى الخطاب للنبي صلى الله ~~عليه وسلم والأئمة من بعده. أي لا تقتلوا غير القاتل. وفى حرف أبى " فلا ~~تسرفوا في القتل ". # PageV10P255 # الثالثة - قوله تعالى: (إنه كان منصورا) أي معانا، يعنى الولي. فإن قيل: ~~وكم من ولى مخذول لا يصل إلى حقه. قلنا: المعونة تكون بظهور الحجة تارة ~~وباستيفائها أخرى، وبمجموعهما ثالثة، فأيها كان فهو نصر من الله سبحانه ~~وتعالى. وروى ابن كثير عن مجاهد قال: # إن المقتول كان منصورا. النحاس: ومعنى قوله إن الله نصره بوليه. وروى أنه ~~في قراءة أبى " فلا تسرفوا في القتل إن ولى المقتول كان منصورا ". قال ~~النحاس: الأبين بالياء ويكون للولي، لأنه إنما يقال: لا يسرف إن كان له أن ~~يقتل، فهذا للولي. وقد يجوز بالتاء ويكون للولي أيضا، إلا أنه يحتاج فيه ~~إلى تحويل المخاطبة. قال الضحاك: هذا أول ما نزل من القرآن في شأن القتل. ~~وهي مكية (1). # قوله تعالى: (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده ~~وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا (34) فيه مسألتان: # الأولى - قوله تعالى: (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ ~~أشده) قد مضى الكلام فيه في الانعام (2). # الثانية - قوله تعالى: (وأوفوا بالعهد) قد مضى الكلام فيه في غير موضع ~~(3). قال قال الزجاج: كل ما أمر الله به ونهى عنه فهو من العهد. (إن العهد ~~كان مسؤولا) عنه، فحذف، كقوله: " ويفعلون ما يؤمرن (4) " به وقيل: إن العهد ~~يسأل تبكيتا لناقضه فيقال: # لم نقضت؟ كما تسأل الموؤودة تبكيتا لوائدها (5). # قوله تعالى: وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير ~~وأحسن تأويلا (35) # PageV10P256 # فيه مسألتان: # الأولى - قوله تعالى: (وأوفوا الكيل إذا كلتم) تقدم الكلام فيه أيضا في ~~الانعام (1). # وتقتضي هذه الآية أن الكيل على البائع، وقد مضى في سورة " يوسف " فلا ~~معنى للإعادة (2). # والقسطاس (بضم القاف وكسرها): الميزان بلغة الروم، قاله ms3701 ابن عزيز. وقال ~~الزجاج: # القسطاس: الميزان صغيرا كان أو كبيرا. وقال مجاهد: القسطاس العدل، وكان ~~يقول: # هي لغة رومية، وكأن الناس قيل لهم: زنوا بمعدلة في وزنكم (3). وقرأ ابن ~~كثير وأبو عمرو ونافع وابن عامر وعاصم في رواية أبى بكر " القسطاس " بضم ~~القاف. وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم (القسطاس) (4) (بكسر القاف) وهما ~~لغتان. # الثانية - قوله تعالى: (ذلك خير وأحسن تأويلا) أي وفاء الكيل وإقامة ~~الوزن خير عند ربك (4) وأبرك. (وأحسن تأويلا) أي عاقبة. قال الحسن: ذكر لنا ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا يقدر رجل على حرام ثم يدعه ليس ~~لديه إلا مخافة الله تعالى إلا أبدله الله في عاجل الدنيا قبل الآخرة ما هو ~~خير له من ذلك ". # قوله تعالى: ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أو لك ~~كان عنه مسؤولا (36) فيه ست مسائل: الأولى - قوله تعالى: (ولا تقف) أي لا ~~تتبع ما لا تعلم ولا يعنيك. قال قتادة: # لا تقل رأيت وأنت لم تر، وسمعت وأنت لم تسمع، وعلمت وأنت لم تعلم، وقاله ~~ابن عباس رضي الله عنهما. قال مجاهد: لا تذم أحدا بما ليس لك به علم، وقاله ~~ابن عباس رضي الله عنهما أيضا. وقال محمد ابن الحنفية: هي شهادة الزور. ~~وقال القتبي: المعنى لا تتبع الحدس # PageV10P257 # والظنون، وكلها متقاربة. وأصل القفو البهت والقذف بالباطل، ومنه قوله ~~عليه الصلاة والسلام: " نحن بنو النضر ابن كنانة لا نقفو أمنا ولا ننتفى من ~~أبينا " أي لا نسب أمنا. # وقال الكميت: - فلا أرمى البرئ بغير ذنب * ولا أقفو الحواصن إن قفينا ~~يقال: قفوته أقفوه، وقفته أقوفه، وقفيته إذا اتبعت أثره. ومنه القافة ~~لتتبعهم الآثار وقافية كل شئ آخره، ومنه قافية الشعر، لأنها تقفو البيت. ~~ومنه اسم النبي صلى الله عليه وسلم المقفى، لأنه جاء آخر الأنبياء. ومنه ~~القائد، وهو الذي يتبع أثر الشبه. يقال: # قاف القائف يقوف إذا فعل ذلك. وتقول: فقوت للأثر، بتقديم الفاء على ~~القاف. # ابن عطية: ويشبه أن ms3702 يكون هذا من تلعب العرب في بعض الألفاظ، كما قالوا: ~~رعملى في لعمري. وحكى الطبري عن فرقة أنها قالت: قفا وقاف، مثل عتا وعات. ~~وذهب منذر بن سعيد إلى أن قفا وقاف مثل جبذ وجذب. وبالجملة فهذه الآية تنهى ~~عن قول الزور والقذف، وما أشبه ذلك من الأقوال الكاذبة والرديئة. وقرأ بعض ~~الناس فيما حكى الكسائي " تقف " بضم القاف وسكون الفاء. وقرأ الجراح " ~~والفاد (1) " بفتح الفاء، وهي لغة لبعض الناس، وأنكرها أبو حاتم وغيره. # الثانية - قال ابن خويز منداد: تضمنت هذه الآية الحكم بالقافة، لأنه لما ~~قال: # " ولا تقف ما ليس لك به علم " دل على جواز ما لنا به علم، فكل ما علمه ~~الانسان أو غلب على ظنه جاز أن يحكم به، وبهذا احتججنا على إثبات القرعة ~~والخرص، لأنه ضرب من غلبة الظن، وقد يسمى علما اتساعا. فالقائف يلحق الولد ~~بأبيه من طريق الشبه بينهما كما يلحق الفقيه الفرع بالأصل من طريق الشبه. ~~وفى الصحيح عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على مسرورا تبرق ~~أسارير وجهه فقال: " ألم ترى أن مجززا نظر إلى زيد ابن حارثة وأسامة بن زيد ~~عليهما قطيفة قد غطيا رؤوسهما وبدت أقدامهما فقال إن بعض هذه الاقدام لمن ~~بعض ". وفى حديث يونس بن يزيد: " وكان مجززا قائفا ". # PageV10P258 # الثالثة - قال الإمام أبو عبد الله المازري: كانت الجاهلية تقدح في نسب ~~أسامة لكونه أسود شديد السواد، وكان زيد أبوه أبيض القطن، هكذا ذكره أبو ~~داود عن أحمد بن صالح. قال القاضي عياض: وقال غير أحمد كان زيد أزهر اللون، ~~وكان أسامة شديد الأدمة، وزيد بن حارثة عربي صريح من كلب، أصابه سباء، ~~حسبما يأتي في سورة " الأحزاب (1) " إن شاء الله تعالى. # الرابعة - استدل جمهور العلماء على الرجوع إلى القافة عند التنازع في ~~الولد، بسرور النبي صلى الله عليه وسلم بقول هذا القائف، وما كان عليه ~~السلام بالذي يسر بالباطل ولا يعجبه . ولم يأخذ بذلك أبو حنيفة وإسحاق ~~والثوري وأصحابهم متمسكين بإلغاء النبي صلى ms3703 الله عليه وسلم الشبه في حديث ~~اللعان، على ما يأتي في سورة " النور (2) " إن شاء الله تعالى. # الخامسة - واختلف الآخذون بأقوال القافة، هل يؤخذ بذلك في أولاد الحرائر ~~والإماء أو يختص بأولاد الإماء، على قولين، فالأول: قول الشافعي ومالك رضي ~~الله عنهما في رواية ابن وهب عنه، ومشهور مذهبه قصره على ولد الأمة. ~~والصحيح ما رواه ابن وهب عنه وقال الشافعي رضي الله عنه، لان الحديث الذي ~~هو الأصل في الباب إنما وقع في الحرائر، فإن أسامة وأباه حران فكيف يلغى ~~السبب الذي خرج عليه دليل الحكم وهو الباعث عليه، هذا مما لا يجوز عند ~~الأصوليين. وكذلك اختلف هؤلاء، هل يكتفى بقول واحد من القافة أو لا بد من ~~اثنين لأنها شهادة، وبالأول قال ابن القاسم وهو ظاهر الخبر بل نصه. ~~وبالثاني قال مالك والشافعي رضي الله عنهما. # السادسة - قوله تعالى: (إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه ~~مسؤولا) أي يسأل كل واحد منهم عما اكتسب، فالفؤاد يسأل عما افتكر فيه ~~وأعتقده، والسمع والبصر عما رأس من ذلك وسمع. وقيل: المعنى أن الله سبحانه ~~وتعالى يسأل الانسان عما حواه سمعه وبصره وفؤاده، ونظيره قوله صلى الله ~~عليه وسلم: " كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته " # PageV10P259 # فالانسان راع على جوارحه، فكأنه قال كل هذه كان الانسان عنه مسؤولا، فهو ~~على حذف مضاف. والمعنى الأول أبلغ في الحجة، فإنه يقع تكذيبه من جوارحه، ~~وتلك غاية الخزي، كما قال: " اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد ~~أرجلهم بما كانوا يكسبون (1) "، وقوله " شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم ~~بما كانوا يعملون (1) ". وعبر عن السمع والبصر والفؤاد بأولئك لأنها حواس ~~لها إدراك، وجعلها في هذه الآية مسؤولة، فهي حالة من يعقل، فلذلك عبر عنها ~~بأولئك. وقال سيبويه رحمه الله في قوله تعالى: " رأيتهم لي ساجدين ": # إنما قال: " رأيتهم " في نجوم، لأنه لما وصفها بالسجود وهو من فعل من ~~يعقل عبر عنها بكناية من يعقل، وقد تقدم (2). وحكى الزجاج أن العرب تعبر ~~عما يعقل وعما لا يعقل ms3704 بأولئك، وأنشد هو والطبري: # ذم المنازل بعد منزلة اللوى * والعيش بعد أولئك الأيام وهذا أمر يوقف ~~عنده. وأما البيت فالرواية فيه " الأقوام " والله أعلم. # قوله تعالى: ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال ~~طولا (37) كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها (38) فيه خمس مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (ولا تمش في الأرض مرحا) هذا نهى عن الخيلاء وأمر ~~بالتواضع. والمرح: شدة الفرح. وقيل: التكبر في المشي. وقيل: تجاوز الانسان ~~قدره. # وقال قتادة: هو الخيلاء في المشي. وقيل: هو البطر والأشر. وقيل: هو ~~النشاط وهذه الأقوال متقاربة ولكنها منقسمة قسمين: أحدهما مذموم والآخر ~~محمود، فالتكبر والبطر والخيلاء وتجاوز الانسان قدره مذموم والفرح والنشاط ~~محمود. وقد وصف الله تعالى نفسه بأحدهما، ففي الحديث الصحيح " لله أفرج ~~بتوبة العبد من رجل... " الحديث. والكسل # PageV10P260 # مذموم شرعا والنشاط ضده. وقد يكون التكبر وما في معناه محمودا، وذلك على ~~أعداء الله والظلمة. أسند أبو حاتم بن حبان عن ابن جابر بن عتيك عن أبيه عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من الغيرة ما يبغض الله عز وجل ~~ومنها ما يحب الله عز وجل ومن الخيلاء ما يحب الله عز وجل ومنها ما يبغض ~~الله فأما الغيرة التي يحب الله الغيرة في الدين والغيرة التي يبغض الله ~~الغيرة في غير دينه والخيلاء التي يحب الله اختيال الرجل بنفسه عند القتال ~~وعند الصدقة والاختيال الذي يبغض الله الخيلاء في الباطل " وأخرجه أبو داود ~~في مصنفه وغيره. وأنشدوا: # ولا تمش فوق الأرض إلا تواضعا * فكم تحتها قوم هموا منك أرفع وإن كنت في ~~عذ وحرز ومنعة * فكم مات من قوم هموا منك أمنع الثانية - إقبال الانسان على ~~الصيد ونحوه ترفعا دون حاجة إلى ذلك داخل في هذه الآية، وفيه تعذيب الحيوان ~~وإجراؤه لغير معنى. وأما الرجل يستريح في اليوم النادر (1) والساعة من ~~يومه، ويجم فيها نفسه في التطرح والراحة ليستعين بذلك على شغل من البر، ~~كقراءة علم أو صلاة، فليس بداخل في ms3705 هذه الآية. # قوله تعالى: " مرحا " قراءة الجمهور بفتح الراء. وقراءة فرقة فيما حكى ~~يعقوب بكسر الراء على بناء اسم الفاعل. والأول أبلغ، فإن قولك: جاء زيد ~~ركضا أبلغ من قولك: جاء زيد راكضا، فكذلك قولك مرحا. والمرح المصدر أبلغ من ~~أن يقال مرحا. # الثالثة - قوله تعالى: (إنك لن تخرق الأرض) يعنى لن تتولج باطنها فتعلم ~~ما فيها (ولن تبلغ الجبال طولا) أي لن تساوى الجبال بطولك ولا تطاولك. ~~ويقال: خرق الثوب أي شقه، وخرق الأرض قطعها. والخرق: الواسع من الأرض. أي ~~لن تخرق الأرض بكبرك ومشيك عليها. (ولن تبلغ الجبال طولا) بعظمتك، أي ~~مقدرتك لا تبلغ هذا المبلغ، بل أنت عبد ذليل، محاط بك من تحتك ومن فوقك. ~~والمحاط محصور ضعيف، لا يليق بك # PageV10P261 # التكبر والمراد بخرق الأرض هنا نقبها لا قطعها بالمسافة، والله أعلم. ~~وقال الأزهري: معناه لن تقطعها. النحاس: وهذا أبين، لأنه مأخوذ من الخرق ~~وهي الصحراء الواسعة. ويقال: # فلان أخرق من فلان، أي أكثر سفرا وعزة ومنعة. ويروى أن سبأ دوخ الأرض ~~بأجناده شرقا وغربا وسهلا وجبلا، وقتل سادة وسبى - وبه سمى سبأ - ودان له ~~الخلق، فلما رأى ذلك انفرد عن أصحابه ثلاثة أيام ثم خرج إليهم فقال: إني ~~لما نلت ما لم ينل أحد رأيت الابتداء بشكر هذه النعم، فلم أر أوقع في ذلك ~~من السجود للشمس إذا أشرقت، فسجدوا لها، وكان ذلك أول عبادة الشمس، فهذه ~~عاقبة الخيلاء والتكبر والمرح، نعوذ بالله من ذلك. # الرابعة - قوله تعالى: (كل ذلك كان سيئة عند ربك مكروها) " ذلك " إشارة ~~إلى جملة ما تقدم ذكره مما أمر به ونهى عنه. " ذلك " يصلح للواحد والجمع ~~والمؤنث والمذكر. وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي ومسروق " سيئة " على ~~إضافة سيئ إلى الضمير، ولذلك قال: " مكروها " نصب على خبر كان. والسئ: هو ~~المكروه، وهو الذي لا يرضاه الله عز وجل ولا يأمر به. وقد ذكر الله سبحانه ~~وتعالى في هذه الآي من قوله: # " وقضى ربك - إلى قوله - كان سيئة " مأمورات بها ومنهيات عنها، ms3706 فلا يخبر ~~عن الجميع بأنه سيئة فيدخل المأمور به في المنهي عنه. واختار هذه القراءة ~~أبو عبيد. ولأن في قراءة أبى. " كل ذلك كان سيئاته " فهذه لا تكون إلا ~~للإضافة. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو " سيئة " بالتنوين، أي كل ما نهى ~~الله ورسوله عنه سيئة. وعلى هذا انقطع الكلام عند قوله: " وأحسن تأويلا " ~~ثم قال: " ولا تقف ما ليس لك به علم "، " ولا تمش "، ثم قال: " كل ذلك كان ~~سيئة " بالتنوين. وقيل: إن قوله: " ولا تقتلوا أولادكم " إلى هذه الآية كان ~~سيئة لا حسنة فيه، فجعلوا " كلا " محيطا بالمنهي عنه دون غيره. وقوله: " ~~مكروها " ليس نعتا لسيئة، بل هو بدل منه، والتقدير: كان سيئة وكان مكروها. ~~وقد قيل: إن " مكروها " خبر ثان لكان حمل على لفظه كل، و " سيئة " محمول ~~على المعنى في جميع هذه الأشياء المذكورة قبل. وقال بعضهم: وهو نعت لسيئة، ~~لأنه لما كان # PageV10P262 # تأنيثها غير حقيقي جاز أن توصف بمذكر. وضعف أبو على الفارسي هذا وقال: إن ~~المؤنث إذا ذكر فإنما ينبغي أن يكون مبعده مذكرا، وإنما التساهل أن يتقدم ~~الفعل المسند إلى المؤنث وهو في صيغة ما يسند إلى المذكر، ألا ترى قول ~~الشاعر: # فلا مزنة ودقت ودقها * ولا أرض أبقل إبقالها مستقبح عندهم. ولو قال قائل: ~~أبقل أرض لم يكن قبيحا. قال أبو على: ولكن يجوز في قوله " مكروها " أن يكون ~~بدلا من " سيئة ". ويجوز أن يكون حالا من الضمير الذي في " عند ربك " ويكون ~~" عند ربك " في موضع الصفة لسيئة. # الخامسة - استدل العلماء بهذه الآية على ذم الرقص وتعاطيه. قال الإمام ~~أبو الوفاء ابن عقيل: قد نص القرآن على النهى عن الرقص فقال: " ولا تمش في ~~الأرض مرحا " وذم المختال. والرقص أشد المرح والبطر. أو لسنا الذين قسنا ~~النبيذ على الخمر لاتفاقها في الاطراب والسكر، فما بالنا لا نقيس القضيب ~~وتلحين الشعر معه على الطنبور والمزمار والطبل لاجتماعها. فما أقبح من ذي ~~لحية، وكيف إذا كان شبيه، يرقص ويصفق على إيقاع الألحان والقضبان، ms3707 وخصوصا ~~إن كانت أصوات لنسوان ومردان، وهل يحسن لمن بين يديه الموت والسؤال والحشر ~~والصراط، صم هو إلى إحدى الدارين، يشمس (1) بالرقص شمس البهائم، ويصفق ~~تصفيق النسوان، و (الله (2)) لقد رأيت مشايخ في عمري ما بان لهم سن من ~~التبسم فضلا عن الضحك مع إدمان مخالطتي لهم. وقال أبو الفرج ابن الجوزي ~~رحمه الله: # ولقد حدثني بعض المشايخ عن الامام الغزالي رضي الله عنه أنه قال: الرقص ~~حماقة بين الكتفين لا تزول إلا بالعب. وسيأتي لهذا الباب مزيد بيان في " ~~الكهف (3) " وغيرها (4) إن شاء الله تعالى. # PageV10P263 # قوله تعالى: ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة ولا تعجل مع الله إلهاء اخر ~~فتلقى في جهنم ملوما مدحورا (39) الإشارة " بذلك " إلى هذه الآداب والقصص ~~والاحكام التي تضمنتها هذه الآيات المتقدمة التي نزل بها جبريل عليه ~~السلام. أي هذه من الافعال المحكمة التي تقتضيها حكمة الله عز وجل في ~~عباده، وخلقها لهم من محاسن الأخلاق والحكمة وقوانين المعاني المحكمة ~~والافعال الفاضلة. ثم عطف قوله " ولا تجعل " على ما تقدم من النواهي. ~~والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم المراد كل من سمع الآية من البشر. ~~والمدحور: المهان المبعد المقصى. وقد تقدم في هذه السورة (1). ويقال في ~~الدعاء: اللهم ادحر عنا الشيطان، أي أبعده. # قوله تعالى: أفأصفاكم ربكم بالنبيين واتخذ من الملكة إناثا إنكم لتقولون ~~قولا عظيما (40) هذا يرد على من قال من العرب: الملائكة بنات الله، وكان هم ~~بنات أيضا مع النبيين، ولكنه أراد: أفأخلص لكم البنين دونه وجعل البنات ~~مشتركة بينكم وبينه. (إنكم لتقولون قولا عظيما) أي في الاثم عند الله عز ~~وجل. # قوله تعالى: ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا وما يزيدهم إلا نفورا (41) ~~قوله تعالى: (ولقد صرفنا) أي بينا. وقيل كررنا. (في هذا القرآن) قيل: " في ~~" زائدة، والتقدير: ولقد صرفنا هذا القرآن، مثل: " وأصلح لي في ذريتي (2) " ~~أي أصلح ذريتي. # والتصريف: صرف الشئ من جهة إلى جهة. والمراد بهذا التصريف البيان ~~والتكرير. # وقيل: المغايرة، أي غايرنا بين المواعظ ليذكروا ويعتبروا ويتعظوا. ms3708 وقراءة ~~العامة " صرفنا " # PageV10P264 # بالتشديد على التكثير حيث وقع. وقرأ الحسن بالتخفيف. وقوله: " في هذا ~~القرآن " يعنى الأمثال والعبر والحكم والمواعظ والاحكام والاعلام قال ~~الثعلبي: سمعت أبا القاسم الحسين يقول بحضرة الامام الشيخ أبى الطيب: لقوله ~~تعالى: " صرفنا " معنيان، أحدهما لم يجعله نوعا واحدا بل وعدا ووعيدا ~~ومحكما ومتشابها ونهيا وأمرا وناسخا ومنسوخا وأخبارا وأمثالا، مثل تصريف ~~الرياح من صبا ودبور وجنوب وشمال، وصريف الافعال من الماضي والمستقبل ~~والامر والنهى والفعل والفاعل والمفعول ونحوها. والثاني أنه لم ينزل مرة ~~واحدة بل نجوما، نحو قوله " وقرآنا فرقناه (1) " ومعناه: أكثرنا صرف جبريل ~~عليه السلام إليك. # (ليذكروا) قراءة يحيى والأعمش وحمزة والكسائي " ليذكروا " مخففا، وكذلك ~~في الفرقان " ولقد صرفناه بينهم ليذكروا (2) ". الباقون بالتشديد. واختاره ~~أبو عبيد، لان معناه ليتذكروا وليتعظوا. قال المهدوي: من شدد " ليذكروا " ~~أراد التدبر. وكذلك من قرأ " ليذكروا ". # ونظير الأول " ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون (2) " والثاني - " ~~واذكروا ما فيه (3) " (وما يزيدهم) أي التصريف والتذكير. (إلا نفورا) أي ~~تباعدا عن الحق وغفلة عن النظر والاعتبار، وذلك لأنهم اعتقدوا في القرآن ~~أنه حيلة وسحر وكهانة وشعر. # قوله تعالى: قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش ~~سبيلا (2) سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا (43) قوله تعالى: (قل لو ~~كان معه آلهة) هذا متصل بقوله تعالى: " ولا تجعل مع الله إلها آخر " وهو رد ~~على عباد الأصنام. (كما يقولون) قرأ ابن كثير وحفص " يقولون " بالياء. ~~الباقون " تقولون " بالتاء على الخطاب. (إذا لابتغوا) يعنى الآلهة. (إلى ذي ~~العرش سبيلا) قال ابن العباس رضى الله تعالى عنهما: لطلبوا مع الله منازعة ~~وقتالا كما تفعل ملوك الدنيا بعضهم ببعض. وقال سعيد بن جبير رضى الله تعالى ~~عنه: المعنى إذا لطلبوا # PageV10P265 # طريقا إلى الوصول إليه ليزيلوا ملكه، لأنهم شركاؤه. وقال قتادة: المعنى ~~إذا لابتغت الآلهة القربة إلى ذي العرش سبيلا، والتمست الزلفة عنده لأنهم ~~دونه، والقوم اعتقدوا أن الأصنام تقربهم إلى الله زلفى، فإذا اعتقدوا في ~~الأصنام أنها محتاجة إلى الله سبحانه وتعالى فقد ms3709 بطل أنها آلهة. (سبحانه ~~وتعالى عما يقولون علوا كبيرا) نزه سبحانه نفسه وقدسه ومجده عما لا يليق ~~به. والتسبيح: التنزيه. وقد تقدم (1). # قوله تعالى: تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شئ إلا يسبح ~~بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا (44) قوله تعالى: (تسبح ~~له السماوات السبع والأرض ومن فيهن) أعاد على السماوات والأرض ضمير من ~~يعقل، لما أسند إليها فعل العاقل وهو التسبيح. وقوله: " ومن فيهن " يريد ~~الملائكة والانس والجن، ثم عم بعد ذلك الأشياء كلها في قوله: " وإن من شئ ~~إلا يسبح بحمده ". واختلف في هذا العموم، هل هو مخصص أم لا، فقالت فرقة: # ليس مخصوصا والمراد به تسبيح الدلالة، وكل محدث يشهد على نفسه بأن الله ~~عز وجل خالق قادر. وقالت طائفة: هذا التسبيح حقيقة، وكل شئ على العموم يسبح ~~تسبيحا لا يسمعه البشر ولا يفقهه، ولو كان ما قاله الأولون من أنه أثر ~~الصنعة والدلالة لكان أمرا مفهوما، والآية تنطق بأن هذا التسبيح لا يفقه. ~~وأجيبوا بأن المراد بقوله: " لا تفقهون " الكفار الذين يعرضون عن الاعتبار ~~فلا يفقهون حكمة الله سبحانه وتعالى في الأشياء. وقالت فرقة: قوله " من شئ ~~" عموم، ومعناه الخصوص في كل حي ونام، وليس ذلك في الجمادات. # ومن هذا قول عكرمة: الشجرة تسبح والأسطوان لا يسبح. وقال يزيد الرقاشي ~~للحسن وهما في طعام وقد قدم الخوان: أيسبح هذا الخوان يا أبا سعيد؟ فقال: ~~قد كان يسبح مرة، يريد أن الشجرة في زمن ثمرها واعتدالها كانت تسبح، وأما ~~الآن فقد صار خوانا مدهونا. # PageV10P266 # قلت: ويستدل لهذا القول من السنة بما ثبت عن ابن عباس رضى الله تعالى ~~عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على قبرين فقال: " إنهما ليعذبان وما ~~يعذبان في كبير أما أحدهما فكان يمشى بالنميمة وأما الآخر فكان لا يستبرئ ~~من البول " قال: فدعا بعسيب رطب فشقه اثنين، ثم غرس على هذا واحدا وعلى هذا ~~واحدا ثم قال: " لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا ". # فقوله عليه ms3710 الصلاة والسلام. " ما لم ييبسا " إشارة إلى أنهما ما داما ~~رطبين يسبحان، فإذا يبسا صارا جمادا. والله أعلم. وفى مسند أبى داود ~~الطيالسي: فتوضع على أحدهما نصفا وعلى الآخر نصفا وقال: " لعله أن يهون ~~عليهما العذاب ما دام فيهما من بلوتهما شئ ". قال علماؤنا: ويستفاد من هذا ~~غرس، الأشجار وقراءة القرآن على القبور، وإذا خفف عنهم بالأشجار فكيف ~~بقراءة الرجل المؤمن القرآن. وقد بينا هذا المعنى في (كتاب التذكرة) بيانا ~~شافيا، وأنه يصل إلى الميت ثواب ما يهدى إليه. والحمد لله على ذلك. وعلى ~~التأويل الثاني لا يحتاج إلى ذلك، فإن كل شئ من الجماد وغيره يسبح. # قلت: ويستدل لهذا التأويل وهذا القول من الكتاب بقوله سبحانه وتعالى: # " واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب. إنا سخرنا الجبال معه يسبحن ~~بالعشي والاشراق (1) "، وقوله: " وإن منها لما يهبط من خشية الله (2) " - ~~على قول مجاهد -، وقوله: # " وتخر الجبال هدا. أن دعوا للرحمن ولدا (3) ". وذكر ابن المبارك في ~~(دقائقه) أخبرنا مسعر عن عبد الله بن واصل عن عوف بن عبد الله قال قال عبد ~~الله بن مسعود رضي الله عنه: إن الجبل يقول للجبل: يا فلان، هل مر بك اليوم ~~ذاكر لله عز وجل؟ فإن قال نعم سبه. # ثم قرأ عبد الله " وقالوا اتخذ الرحمن ولدا (3) " الآية. قال: أفتراهن ~~يسمعن الزور ولا يسمعن الخير. وفيه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ما من ~~صباح ولا رواح إلا تنادي بقاع الأرض بعضها بعضا. يا جاراه، هل مر بك اليوم ~~عبد فصلى لله أو ذكر الله عليك؟ فمن قائلة لا، ومن قائلة نعم، فإذا قالت ~~نعم رأت لها بذلك فضلا عليها. وقال رسول الله صلى # PageV10P267 # الله عليه وسلم: " لا يسمع صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شجر ولا حجر ولا ~~مدر ولا شئ إلا شهد له يوم القيامة ". رواه ابن ماجة في سننه، ومالك في ~~موطئه من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. وخرج البخاري عن عبد الله رضي ~~الله عنه قال: ms3711 لقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل. في غير هذه الرواية عن ~~ابن مسعود رضى الله تعالى عنه: كنا نأكل مع وسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الطعام ونحن نسمع تسبيحه. وفى صحيح مسلم عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم على قبل ~~أن أبعث إني لأعرفه الآن ". قيل: إنه الحجر الأسود، والله أعلم. والاخبار ~~في هذا المعنى كثيرة، وقد أتينا على جملة منها في اللمع اللؤلئية في شرح ~~العشرينيات النبوية للفاداري رحمه الله، وخبر الجذع أيضا مشهور في هذا ~~الباب خرجه البخاري في مواضع من كتابه. وإذا ثبت ذلك في جماد واحد جاز في ~~جميع الجمادات، ولا استحالة في شئ من ذلك، فكل شئ يسبح للعموم. وكذا قال ~~النخعي وغيره: هو عام فيما فيه روح وفيما لا روح فه حتى صرير الباب. ~~واحتجوا بالاخبار التي ذكرنا. وقيل: تسبيح الجمادات أنها تدعو الناظر إليها ~~إلى أن يقول: سبحان الله! لعدم الادراك منها. وقال الشاعر: # تلقى بتسبيحة من حيث ما انصرفت * وتستقر حشا الرائي بترعاد أي يقول من ~~رآها: سبحان خالقها. فالصحيح أن الكل يسبح للأخبار الدالة على ذلك لو كان ~~ذلك التسبيح تسبيح دلالة فأي تخصيص لداود، وإنما ذلك تسبيح المقال بخلق ~~الحياة والانطاق بالتسبيح كما ذكرنا. وقد نصت السنة على ما دل عليه ظاهر ~~القرآن من تسبيح كل شئ فالقول به أولى. والله أعلم. وقرأ الحسن وأبو عمرو ~~ويعقوب وحفص وحمزة والكسائي وخلف " تفقهون " بالتاء لتأنيث الفاعل. الباقون ~~بالياء، واختاره أبو عبيد، قال: للحائل بين الفعل والتأنيث. (إنه كان ~~حليما) عن ذنوب عباده في الدنيا. (غفورا) للمؤمنين في الآخرة. PageV10P268 # قوله تعالى: وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة ~~حجابا مستورا (45) عن أسماء بنت أبي بكر رضى الله تعالى عنهما قالت: لما ~~نزلت سورة " تبت يدا أبى لهب (1) " أقبلت العوراء أم جميل بنت حرب ولها ~~ولولة وفى يدها فهر (2) وهي تقول مذمما عصينا ms3712 * وأمره أبينا * ودينه قلينا ~~(3) * والنبي صلى الله عليه وسلم قاعد في المسجد ومعه أبو بكر رضي الله ~~عنه، فلما رآها أبو بكر قال: # يا رسول الله، لقد أقبلت وأنا أخاف أن تراك! قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " إنها لن تراني " وقرأ قرآنا فاعتصم به كما قال. وقرأ " وإذا قرأت ~~القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا ". فوقفت على ~~أبى بكر رضي الله عنه ولم تر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا أبا ~~بكر، أخبرت أن صاحبك هجاني! فقال: لا ورب هذا البيت ما هجاك. قال: فولت وهي ~~تقول: قد علمت قريش أنى ابنة سيدها. وقال سعيد بن جبير رضي الله عنه: لما ~~نزلت " تبت يدا أبى لهب وتب " جاءت امرأة أبى لهب إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم ومعه أبو بكر رضي الله عنه، فقال أبو بكر: لو تنحيت عنها لئلا تسمعك ~~ما يؤذيك، فإنها امرأة بذية. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إنه سيحال ~~بيني وبينها " فلم تره. فقالت لأبي بكر: يا أبا بكر، هجانا صاحبك! فقال: ~~والله ما ينطق بالشعر ولا يقوله. # فقالت: وإنك لمصدقه، فاندفعت راجعة. فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول ~~الله، أما رأتك؟ قال: " لا. ما زال ملك بيني وبينها يسترني حتى ذهبت ". ~~وقال كعب رضي الله عنه في هذه الآية: كان النبي صلى الله عليه وسلم يستتر ~~من المشركين بثلاث آيات: الآية التي في الكهف " إنا جعلنا على قلوبهم أكنة ~~أن يفقهوه وفى آذانهم وقرا (4) "، والآية في النحل " PageV10P269 # أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم " (1)، والآية التي في ~~الجاثية (2) " أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه ~~وقلبه وجعل على بصره غشاوة (3) " الآية. # فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قرأهن يستتر من المشركين. قال كعب رضى ~~الله تعالى عنه: # فحدثت بهن رجلا من أهل الشام، فأتى أرض الروم فأقام بها زمانا، ثم خرج ~~هاربا فخرجوا في طلبه فقرأ بهن ms3713 فصاروا يكونون معه على طريقه ولا يبصرونه. ~~قال الثعلبي (4): وهذا الذي يروونه عن كعب حدثت به رجلا من أهل الري فأسر ~~بالديلم، فمكث زمانا ثم خرج هاربا فخرجوا في طلبه فقرأ بهن حتى جعلت ثيابهن ~~لتلمس ثيابه فما يبصرونه. # قلت: ويزاد إلى هذه الآية أول سورة يس إلى قوله " فهم لا يبصرون (5) ". ~~فإن في السيرة في هجرة النبي صلى الله عليه وسلم ومقام على رضي الله عنه في ~~فراشه قال: وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ حفنة من تراب في يده، ~~وأخذ الله عز وجل على أبصارهم عنه فلا يرونه، فجعل ينثر ذلك التراب على ~~رؤوسهم وهو يتلو هذه الآيات من يس: " يس. والقرآن الحكيم. إنك لمن ~~المرسلين. على صراط مستقيم. تنزيل العزيز الرحيم. - إلى قوله - وجعلنا من ~~بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون ". حتى فرغ رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من هذه الآيات، ولم يبق منهم رجل إلا وقد وضع على ~~رأسه ترابا، ثم انصرف إلى حيث أراد أن يذهب. # قلت: ولقد اتفق لي ببلادنا الأندلس بحصن منثور (6) من أعمال قرطبة مثل ~~هذا. وذلك أنى هربت أمام العدو وانحزت إلى ناحية عنه، فلم ألبث أن خرج في ~~طلبي فارسان وأنا في فضاء من الأرض قاعد ليس يسترني عنهما شئ، وأنا أقرأ ~~أول سورة يس وغير ذلك من القرآن، فعبرا على ثم رجعا من حيث جاءا وأحدهما ~~يقول للآخر: هذا ديبله (7)، يعنون شيطانا. # وأعمى الله عز وجل أبصارهم فلم يروني، والحمد لله حمدا كثيرا على ذلك. ~~وقيل: الحجاب # PageV10P270 # المستور طبع الله على قلوبهم حتى لا يفقهوه ولا يدركوا ما فيه من الحكمة، ~~قاله قتادة. وقال الحسن: أي أنهم لاعراضهم عن قراءتك وتغافلهم عنك كمن بينك ~~وبينه حجاب في عدم رؤيته لك حتى كأن على قلوبهم أغطية. وقيل: نزلت في قوم ~~كانوا يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ القرآن، وهم أبو جهل ~~وأبو سفيان والنضر بن الحارث وأم جميل امرأة أبى ms3714 لهب وحويطب، فحجب الله ~~سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم عن أبصارهم عند قراءة القرآن، ~~وكانوا يمرون به ولا يرونه، قاله الزجاج وغيره. وهو معنى القول الأول ~~بعينه، وهو الأظهر في الآية، والله أعلم. وقوله: (مستورا) فيه قولان: ~~أحدهما - أن الحجاب مستور عنكم لا ترونه. والثاني: أن الحجاب ساتر عنكم ما ~~وراءه، ويكون مستورا به بمعنى ساتر. # قوله تعالى: وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفئ اذانهم وقرا وإذا ذكرت ~~ربك في القرآن وحده ولوا على أدبرهم نفورا (46) قوله تعالى: (وجعلنا على ~~قلوبهم أكنة) " أكنة " جمع كنان، وهي ما يستر الشئ. # وقد تقدم في " الانعام (1) " (أن يفقهوه) أي لئلا يفقهوه، أو كراهية أن ~~يفقهوه، أي أن يفهموا ما فيه من الأوامر والنواهي والحكم والمعاني. وهذا رد ~~(2) على القدرية. (وفى آذانهم وقرا) أي صمما وثقلا. وفى الكلام إضمار، أي ~~أن يسمعوه. (وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده) أي قلت: لا إله إلا الله وأنت ~~تتلو القرآن. وقال أبو الجوزاء أوس بن عبد الله: # ليس شئ أطرد للشياطين من القلب من قول لا إله إلا الله، ثم تلا " وإذا ~~ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا ". وقال على بن الحسين: هو ~~قوله بسم الله الرحمن الرحيم. # وقد تقدم هذا في البسملة (3). (ولوا على أدبارهم نفورا) قيل: يعنى بذلك ~~المشركين. وقيل: # الشياطين. و " نفورا " جمع نافر، مثل شهود جمع شاهد، وقعود جمع قاعد، فهو ~~منصوب على الحال. ويجوز أن يكون مصدرا على غير الصدر، إذ كان قوله " ولوا " ~~بمعنى نقروا، # PageV10P271 # قوله تعالى: نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون إليك . وإذ هم نجوى إذ ~~يقول الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا (47) قوله تعالى: (نحن أعلم بما ~~يستمعون به إذ يستمعون إليك) قيل: الباء زائدة في قوله " به " أي يستمعونه. ~~وكانوا يستمعون من النبي صلى عليه وسلم القرآن ثم ينفرون فيقولون: هو ساحر ~~ومسحور، كما أخبر الله تعالى به عنهم، قاله قتادة وغيره. # (وإذ هم نجوى) أي متناجون في أمرك. قال ms3715 قتادة: وكانت نجواهم قولهم إنه ~~مجنون وإنه ساحر وإنه يأتي بأساطير الأولين، وغير ذلك. وقيل: نزلت حين دعا ~~عتبة أشراف قريش إلى طعام صنعه لهم، فدخل عليهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~وقرأ عليهم القرآن ودعاهم إلى الله، فتناجوا، يقولون ساحر ومجنون. وقيل: ~~أمر النبي صلى الله عليه وسلم عليا أن يتخذ طعاما ويدعو إليه أشراف قريش من ~~المشركين، ففعل ذلك على ودخل عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرأ ~~عليهم القرآن ودعاهم إلى التوحيد، وقال: " قولوا لا إله إلا الله لتطيعكم ~~العرب وتدين لكم العجم " فأبوا، وكانوا يستمعون من النبي صلى الله عليه ~~وسلم ويقولون بينهم متناجين: هو ساحر وهو مسحور، فنزلت الآية. وقال الزجاج: # النجوى اسم للمصدر، أي وإذ هم ذو نجوى، أي سرار. (إذ يقولون الظالمون) ~~أبو جهل والوليد بن المغيرة وأمثالهما. (إن تتبعون إلا رجلا مسحورا) أي ~~مطبوبا قد خبله السحر فاختلط عليه أمره، يقولون ذلك لينفروا عنه الناس. ~~وقال مجاهد: " مسحورا " أي مخدوعا، مثل قوله: " فأنى تسحرون (1) " أي من ~~أين تخدعون. وقال أبو عبيدة: " مسحورا " معناه أن له سحرا، أي رئة، فهو لا ~~يستغنى عن الطعام والشراب، فهو مثلكم وليس بملك. # وتقول العرب للجبان: قد انتفخ سحره. ولكل من أكل من آدمي وغيره أو شرب ~~مسحور ومسحر. قال لبيد: # فإن تسألينا فيم نحن فإننا * عصافير من هذا الأنام المسحر # PageV10P272 # وقال امرؤ القيس: # أرانا موضعين لأمر غيب (1) * ونسحر بالطعام وبالشراب أي نغذي ونعلل. وفى ~~الحديث عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: من هذه التي تساميني من أزواج ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وقد توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين سحري ~~ونحري (2). قوله تعالى: انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون ~~سبيلا (48) قوله تعالى: (انظر كيف ضربوا لك الأمثال) عجبه من صنعهم كيف ~~يقولون تارة ساحر وتارة مجنون وتارة شاعر. (فضلوا فلا يستطيعون سبيلا) أي ~~حيلة في صد الناس عنك. وقيل: ضلوا عن الحق فلا يجدون سبيلا، أي إلى الهدى. ~~وقيل: مخرجا، ms3716 لتناقض كلامهم في قولهم: مجنون، ساحر، شاعر. # قوله تعالى: وقالوا أإذا كنا عظما ورفاتا أإنا لمبعوثون خلقا جديدا (49) ~~قوله تعالى: (أئذا كنا عظاما ورفاتا) أي قالوا وهم يتناجون لما سمعوا ~~القرآن وسمعوا أمر البعث: لو لم يكن مسحورا لما قال هذا. قال ابن عباس: ~~الرفات الغبار. # مجاهد: التراب. والرفات ما تكسر وبلى من كل شئ، كالفتات والحطام والرضاض، ~~عن أبي عبيدة والكسائي والفراء والأخفش. تقول منه: رفت الشئ رفتا، أي حطم، ~~فهو مرفوت. (أئنا لمبعوثون خلقا جديدا) " أئنا " استفهام والمراد به الجحد ~~والانكار. و " خلقا " نصب لأنه مصدر، أي بعثا جديدا. وكان هذا غاية الانكار ~~منهم. # PageV10P273 # قوله تعالى: قل كونوا حجارة أو حديدا (50) أو خلقا مما يكبر في صدوركم ~~فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة فسينغضون إليك رؤوسهم ويقولون ~~متى هو قل عسى أن يكون قريبا (51) قوله تعالى: (قل كونوا حجارة أو حديدا) ~~أي قل لهم يا محمد كونوا على جهة التعجيز حجارة أو حديدا في الشدة والقوة. ~~قال الطبري: أي إن عجبتم من إنشاء الله لكم عظاما ولحما فكونوا أنتم حجارة ~~أو حديدا إن قدرتم. وقال على بن عيسى: معناه أنكم لو كنتم حجارة أو حديدا ~~لم تفوتوا الله عز وجل إذا أرادكم، إلا أنه خرج مخرج الامر، لأنه أبلغ في ~~الالزام. # وقيل: معناه لو كنتم حجارة أو حديدا لأعادكم كما بدأكم، ولأماتكم ثم ~~أحياكم. وقال مجاهد: # المعنى كونوا ما شئتم فستعادون. النحاس: وهذا قول حسن، لأنهم لا يستطيعون ~~أن يكونوا حجارة، وإنما المعنى أنهم قد أقروا بخالقهم وأنكروا البعث فقيل ~~لهم استشعروا أن تكونوا ما شئتم، فلو كنتم حجارة أو حديدا لبعثتم كما خلقتم ~~أول مرة. (أو خلقنا مما يكبر في صدوركم) قال مجاهد: يعنى السماوات والأرض ~~والجبال لعظمها في النفوس. وهو معنى قول قتادة. # يقول: كونوا ما شئتم، فإن الله يميتكم ثم يبعثكم. وقال ابن عباس وابن عمر ~~وعبد الله بن عمرو بن العاص وابن جبير ومجاهد أيضا وعكرمة وأبو صالح ~~والضحاك: يعنى الموت، لأنه ms3717 ليس شئ أكبر في نفس ابن آدم منه، قال أمية بن ~~أبي الصلت: # * وللموت خلق في النفوس فظيع * يقول: إنكم لو خلقتم من حجارة أو حديد أو ~~كنتم الموت لأميتنكم ولأبعثنكم، لان القدرة التي بها أنشأتكم بها نعيدكم. ~~وهو معنى قوله: (فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة). وفى الحديث ~~أنه " يؤتى بالموت يوم القيامة في صورة كبش أملح فيذبح بين الجنة والنار ". ~~وقيل: أراد به البعث، لأنه كان أكبر في صدورهم، قاله الكلبي. " فطركم " ~~خلقكم وأنشأكم. (فسينغضون إليك رؤوسهم) أي يحركون رؤوسهم استهزاء، يقال: ~~PageV10P274 # نغض رأسه ينغض وينغض نغضا ونغوضا، أي تحرك. وأنغض رأسه أي حركه، كالمتعجب ~~من الشئ، ومنه قوله تعالى: (فسينغضون إليك رؤوسهم). # قال الراجز: # * أنغض نحوى رأسه وأقنعا * ويقال أيضا: نغض فلان رأسه أي حركه، يتعدى ولا ~~يتعدى، حكاه الأخفش. ويقال: # نغضت سنه، أي حركت وانقلعت. # قال الراجز: # * ونغضت من هرم أسنانها * وقال آخر: # لما رأتني انغضت لي الرأسا وقال آخر: # لا ماء في المقراة إن لم تنهض * بمسد فوق المحال النغض المحال والمحالة: ~~البكرة العظيمة التي يستقى بها الإبل. (ويقولون متى هو) أي البعث والإعادة ~~وهذا الوقت. (قل عسى أن يكون قريبا) أي هو قريب، لان عسى وأحب، نظيره " وما ~~يدريك لعل الساعة تكون قريبا (2) ". و " لعل الساعة قريب (3) ". وكل، ما هو ~~آت فهو قريب. # قوله تعالى: يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا (52) ~~قوله تعالى: (يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده) الدعاء: النداء إلى المحشر بكلام ~~تسمعه الخلائق، يدعوهم الله تعالى فيه بالخروج. وقيل: بالصيحة التي ~~يسمعونها، فتكون داعية لهم إلى الاجتماع في أرض القيامة. قال صلى الله عليه ~~وسلم: " إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم فأحسنوا أسماءكم ". ~~(فتستجيبون بحمده) أي باستحقاقه الحمد على الاحياء. # PageV10P275 # وقال أبو سهل: أي والحمد لله، كما قال: # فإني بحمد الله لا ثوب فاجر * لبست، ولا من غدرة أتقنع وقيل: حامد تعالى ~~بألسنتكم. قال سعيد بن جبير: تخرج الكفار من قبورهم وهم يقولون سبحانك ~~وبحمدك، ولكن لا ms3718 ينفعهم اعتراف ذلك اليوم. وقال ابن عباس (1): # " بحمده " بأمره، أي تقرون بأنه خالقكم. وقال قتادة: بمعرفته وطاعته. ~~وقيل: المعنى بقدرته. وقيل: بدعائه إياكم. قال علماؤنا: وهو الصحيح، فإن ~~النفخ في الصور إنما هو سبب لخروج أهل القبور، بالحقيقة إنما هو خروج الخلق ~~بدعوة الحق، قال الله تعالى: # " يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده " فيقومون يقولون سبحانك اللهم وبحمدك. ~~قال: فيوم القيامة يوم يبدأ بالحمد ويختم به، قال الله تعالى: " يوم يدعوكم ~~فتستجيبون بحمده " وقال في آخر " وقضى بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب ~~العالمين (2) ". (وتظنون إن لبثتم إلا قليلا) يعنى بين النفختين، وذلك أن ~~العذاب يكف عن المعذبين بين النفختين، وذلك أربعون عاما فينامون، فذلك قوله ~~تعالى: " من بعثنا من مرقدنا (2) " فيكون خاصا للكفار. وقال مجاهد: # للكافرين هجعة قبل يوم القيامة يجدون فيها طعم النوم، فإذا صيح بأهل ~~القبور قاموا مذعورين. # وقال قتادة: المعنى أن الدنيا تحاقرت في أعينهم وقلت حين رأوا يوم ~~القيامة. الحسن: # " وتظنون إن لبثتم إلا قليلا " في الدنيا لطول لبثكم في الآخرة. # قوله تعالى: وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن أن الشيطان ينزع بينهم إن ~~الشيطان كان للانسان عدوا مبينا (53) قوله تعالى: (وقل لعبادي يقولوا التي ~~هي أحسن) تقدم إعرابه (3). والآية نزلت في عمر بن الخطاب. وذلك أن رجلا من ~~العرب شتمه، وسبه عمر وهم بقتله، فكادت تثير فتنة فأنزل الله تعالى فيه: " ~~وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن " ذكره الثعلبي والماوردي # PageV10P276 # وابن عطية والواحدي. وقيل: نزلت لما قال المسلمون: ايذن لنا يا رسول الله ~~في قتالهم فقد طال إيذاؤهم إيانا، فقال: " لم أومر بعد بالقتال " فأنزل ~~الله تعالى: " وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن "، قاله الكلبي. وقيل: ~~المعنى قل لعبادي الذين اعترفوا بأني خالقهم وهم يعبدون الأصنام، يقولوا ~~التي هي أحسن من كلمة التوحيد والاقرار بالنبوة. وقيل: # المعنى وقل لعبادي المؤمنين إذا جادلوا الكفار في التوحيد، أن يقولوا ~~الكلمة التي هي أحسن. # كما قال: " ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم ~~(1) ". وقال ms3719 الحسن: # هو أن يقول للكافر إذا تشطط: هداك الله! يرحمك الله! وهذا قبل أن أمروا ~~بالجهاد. # وقيل: المعنى قل لهم يأمروا بما أمر الله به وينهوا عما نهى الله عنه، ~~وعلى هذا تكون الآية عامة في المؤمن والكافر، أي قل للجميع. والله أعلم. ~~وقالت طائفة: أمر الله تعالى في هذه الآية المؤمنين فيما بينهم خاصة، بحسن ~~الأدب وإلانة القول، وخفض الجناح وإطراح نزغات الشيطان، وقد قال صلى الله ~~عليه وسلم: " وكونوا عباد الله إخوانا ". وهذا أحسن، وتكون الآية محكمة. # قوله تعالى: (إن الشيطان ينزغ بينهم) أي بالفساد وإلقاء العداوة ~~والاغواء. وقد تقدم في آخر الأعراف (1) ويوسف (2). يقال: نزغ بيننا أي ~~أفسد، قاله اليزيدي. وقال غيره النزغ الاغراء. (إن الشيطان كان للانسان ~~عدوا مبينا) أي شديد العداوة. وقد تقدم في البقرة (3). # وفى الخبر " أن قوما جلسوا يذكرون الله، عز وجل فجاء الشيطان ليقطع ~~مجلسهم فمنعته الملائكة فجاء إلى قوم جلسوا قريبا منهم لا يذكرون الله فحرش ~~بينهم فتخاصموا وتواثبوا فقال هؤلاء الذاكرون قوموا بنا نصلح بين إخواننا ~~فقاموا وقطعوا مجلسهم وفرح بذلك الشيطان ". # فهذا من بعض عداوته. # PageV10P277 # قوله تعالى: ربكم أعلم بكم إن يشاء يرحمكم أو إن يشاء يعذبكم وما أرسلناك ~~عليهم وكيلا (54) قوله تعالى: (ربكم أعلم بكم إن يشاء يرحمكم أو إن يشاء ~~يعذبكم) هذا خطاب للمشركين، والمعنى: إن يشأ يوفقكم للاسلام فيرحمكم، أو ~~يميتكم على الشرك فيعذبكم، قاله ابن جريج. و " اعلم " بمعنى عليم، نحو ~~قولهم: الله أكبر، بمعنى كبير. وقيل: الخطاب للمؤمنين، أي إن يشأ يرحمكم ~~بأن يحفظكم من كفار مكة، أو إن يشأ يعذبكم بتسليطهم عليكم، قاله الكلبي. ~~(وما أرسلناك عليهم وكيلا) أي وما وكلناك في منعهم من الكفر ولا جعلنا إليك ~~إيمانهم. وقيل: ما جعلناك كفيلا لهم تؤخذ بهم، قاله الكلبي. وقال الشاعر: # ذكرت أبا أروى فبت كأنني * برد الأمور الماضيات وكيل أي كفيل. # قوله تعالى: وربكم أعلم بمن في السماوات والأرض ولقد فضلنا بعض النبيين ~~على بعض وآتينا داود زبورا (55) قوله تعالى: وربك أعلم بمن ms3720 في السماوات ~~والأرض ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض) أعاد بعد أن قال: " ربكم اعلم بكم ~~" ليبين أنه خالقهم وأنه جعلهم مختلفين في أخلاقهم وصورهم وأحوالهم ومالهم ~~" ألا يعلم من خلق (1) ". وكذا النبيون فضل بعضهم على بعض عن علم منه ~~بحالهم. وقد مضى القول في هذا في " البقرة (2) ". (وآتينا داود زبورا) ~~الزبور: # كتاب ليس فيه حلال ولا حرام، ولا فرائض ولا حدود، وإنما هو دعاء وتحميد ~~وتمجيد. # أي كما آتينا داود الزبور فلا تنكروا أن يؤتى محمد القرآن. وهو في محاجة ~~اليهود. # قوله تعالى (قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا ~~تحويلا (56) # PageV10P278 # قوله تعالى: قل ادعوا الذين زعمتم من دونه) لما ابتليت قريش بالقحط وشكوا ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنزل الله هذه الآية، أي ادعوا الذين ~~تعبدون من دونه وزعمتم أنهم آلهة. وقال الحسن: يعنى الملائكة وعيسى وعزيرا. ~~ابن مسعود: يعنى الجن (فلا يملكون كشف الضر عنكم) أي القحط سبع سنين، على ~~قول مقاتل. (ولا تحويلا) من الفقر إلى الغنى ومن السقم إلى الصحة. # قوله تعالى: أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون ~~رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا (57) قوله تعالى: (أولئك الذين ~~يدعون) " أولئك " مبتدأ " الذين " صفة " أولئك " وضمير الصلة محذوف، أي ~~يدعونهم. يعنى أولئك المدعوون. و " يبتغون " خبر، أو يكون حالا، و " الذين ~~يدعون " خبر، أي يدعون إليه عبادا إلى عبادته. وقرأ ابن مسعود " تدعون " ~~بالتاء على الخطاب. الباقون بالياء على الخبر. ولا خلاف في " يبتغون " أنه ~~بالياء. وفى صحيح مسلم من كتاب التفسير عن عبد الله بن مسعود في قوله عز ~~وجل: " أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة " قال: نفر من الجن ~~أسلموا وكانوا يعبدون، فبقى الذين كانوا يعبدون على عبادتهم وقد أسلم النفر ~~من الجن. في رواية قال: نزلت في نفر من العرب كانوا يعبدون نفرا من الجن ~~فأسلم الجنيون و (الانس (2) الذين كانوا يعبدونهم لا يشعرون، فنزلت " أولئك ~~الذين يدعون يبتغون ms3721 إلى ربهم الوسيلة ". وعنه أيضا أنهم الملائكة كانت ~~تعبدهم قبائل من العرب، ذكره الماوردي. وقال ابن عباس ومجاهد: عزير وعيسى. ~~و " يبتغون " يطلبون من الله الزلفة والقربة، ويتضرعون إلى الله تعالى في ~~طلب الجنة، وهي الوسيلة. # أعلمهم الله تعالى أن المعبودين يبتغون القربة إلى ربهم. والهاء والميم ~~في " ربهم " تعود على العابدين أو على المعبودين أو عليهم جميعا. وأما " ~~يدعون " فعلى العابدين. " ويبتغون " على المعبودين. (أيهم أقرب) ابتداء ~~وخبر. ويجوز أن يكون " أيهم أقرب " # PageV10P279 # بدلا من الضمير في " يبتغون "، والمعنى يبتغى أيهم أقرب الوسيلة إلى ~~الله. (ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا) أي مخوفا لا ~~أما لاحد منه، فينبغي أن يحذر منه ويخاف. وقال سهل بن عبد الله: الرجاء ~~والخوف زمانان على الانسان، فإذا استويا استقامت أحواله، وإن رجح أحدهما ~~بطل الآخر. # قوله تعالى: وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيمة أو معذبوها ~~عذابا شديدا كان ذلك في الكتب مسطورا (58) قوله تعالى: (وإن من قرية إلا ~~نحن مهلكوها) أي مخربوها. (قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا) قال ~~مقاتل: أما الصالحة فبالموت، وأما الطالحة فبالعذاب. وقال ابن مسعود: إذا ~~ظهر الزنى والربا في قرية أذن الله في هلاكهم. فقيل: المعنى وإن من قرية ~~ظالمة، يقوى ذلك قوله: " وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون (1) ". أي ~~فليتق المشركون، فإنه ما من قرية كافرة إلا سيحل بها العذاب. (كان ذلك في ~~الكتاب) أي في اللوح. (مسطورا) أي مكتوبا. والسطر: الخط والكتابة وهو في ~~الأصل مصدر. # والسطر بالتحريك، مثله. قال جرير: # من شاء بايعته مالي وخلعته * ما تكمل التيم (2) في ديوانهم سطرا الخلعة " ~~بضم الخاء ": خيار المال. والسطر جمع أسطار، مثل سبب وأسباب، ثم يجمع على ~~أساطير. وجمع السطر أسطر وسطور، مثل أفلس وفلوس. والكتاب هنا يراد به اللوح ~~المحفوظ. # قوله تعالى: وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ~~ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا (59) # PageV10P280 # قوله تعالى: (وما منعنا أن ms3722 نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون) في ~~الكلام حذف، والتقدير: وما منعنا أن نرسل بالآيات التي اقترحوها إلا أن ~~يكذبوا بها فيهلكوا كما فعل بمن كان قبلهم. قال معناه قتادة وابن جريج ~~وغيرهما. فأخر الله تعالى العذاب عن كفار قريش لعلمه أن فيهم من يؤمن وفيهم ~~من يولد مؤمنا. وقد تقدم في " الانعام (1) " وغيرها أنهم طلبوا أن يحول ~~الله لهم الصفا ذهبا وتتنحى الجبال عنهم، فنزل جبريل وقال: " إن شئت كان ما ~~سأل قومك ولكنهم إن لم يؤمنوا لم يمهلوا وإن شئت استأنيت بهم ". فقال: " لا ~~بل استأن بهم ". و " أن " الأولى في محل نصب بوقوع المنع عليهم، و " أن " ~~الثانية في محل رفع. والباء في " بالآيات " زائدة. ومجاز الكلام: # وما منعنا إرسال الآيات إلا تكذيب الأولين، والله تعالى لا يكون ممنوعا ~~عن شئ، فالمعنى المبالغة في أنه لا يفعل، فكأنه قد منع عنه. ثم بين ما فعل ~~بمن سأل الآيات فلم يؤمن بها فقال: (وآتينا ثمود الناقة مبصرة) أي آية دالة ~~مضيئة نيرة على صدق صالح، وعلى قدرة الله تعالى. وقد تقدم (2) ذلك. (فظلموا ~~بها) أي ظلموا بتكذيبها. وقيل: جحدوا بها وكفروا أنها من عند الله ~~فاستأصلهم الله بالعذاب. (وما نرسل بالآيات إلا تخويفا) فيه خمسة أقوال: ~~الأول - العبر والمعجزات التي جعلها الله على أيدي الرسل من دلائل الانذار ~~تخويفا للمكذبين. الثاني - أنها آيات الانتقام تخويفا من المعاصي. الثالث - ~~أنها تقلب الأحوال من صغر إلى شباب ثم إلى تكهل ثم إلى مشيب، لتعتبر بتقلب ~~أحوالك فتخاف عاقبة أمرك، وهذا قول أحمد بن حنبل رضي الله عنه. الرابع - ~~القرآن. الخامس - الموت الذريع (3)، قال الحسن. قوله تعالى: وإذ قلنا لك إن ~~ربك أحاط بالناس وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة ~~الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا (60) # PageV10P281 # قوله تعالى: (وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس) قال ابن عباس: الناس هنا ~~أهل مكة، وإحاطته بهم إهلاكه إياهم، أي أن الله سيهلكهم. وذكره بلفظ الماضي ~~لتحقق ms3723 كونه. # وعنى بهذا الاهلاك الموعود ما جرى يوم بدر ويوم الفتح. وقيل: معنى " أحاط ~~بالناس " أي أحاطت قدرته بهم، فهم في قبضته لا يقدرون على الخروج من ~~مشيئته، قاله مجاهد وابن أبي نجيح. وقال الكلبي: المعنى أحاط علمه بالناس. ~~وقيل: المراد عصمته من الناس أن يقتلوه حتى يبلغ رسالة ربه، أي وما أرسلناك ~~عليهم حفيظا، بل عليك التبليغ، فبلغ بجدك فإنا نعصمك منهم ونحفظك، فلا ~~تهبهم، وامض لما آمرك به من تبليغ الرسالة، فقدرتنا محيطة بالكل، قال معناه ~~الحسن وعروة وقتادة وغيرهم. # قوله تعالى: (وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس) لما بين أن ~~إنزال آيات القرآن تتضمن التخويف ضم إليه ذكر آية الاسراء، وهي المذكورة في ~~صدر السورة. # وفى البخاري والترمذي عن ابن عباس في قوله تعالى: " وما جعلنا الرؤيا ~~التي أريناك إلا فتنة للناس " قال: هي رؤيا عين أريها النبي صلى الله عليه ~~وسلم ليلة أسرى به إلى بيت المقدس. # قال: " والشجرة الملعونة في القرآن " هي شجرة الزقوم. قال أبو عيسى ~~الترمذي: هذا حديث صحيح. وبقول ابن عباس قالت عائشة ومعاوية والحسن ومجاهد ~~وقتادة وسعيد بن جبير والضحاك وابن أبي نجيح وابن زيد. وكانت الفتنة ارتداد ~~قوم كانوا أسلموا حين أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم أنه أسرى به. وقيل: ~~كانت رؤيا نوم. وهذه الآية تقضى بفساده، وذلك أن رؤيا المنام لا فتنة فيها، ~~وما كان أحد لينكرها. وعن ابن عباس قال: الرؤيا التي في هذه الآية هي رؤيا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يدخل مكة في سنة الحديبية، فرد فافتتن ~~المسلمون لذلك، فنزلت الآية، فلما كان العام المقبل دخلها، وأنزل الله ~~تعالى " لقد صدق الله رسوله الرويا بالحق (1) ". وفى هذا التأويل ضعف، لان ~~السورة مكية وتلك الرؤيا كانت بالمدينة. وقال في رواية ثالثة: إنه عليه ~~السلام رأى في المنام بنى مروان ينزون # PageV10P282 # على منبره نزو القردة، فساءه ذلك فقيل: إنما هي الدنيا أعطوها، فسرى عنه، ~~وما كان له بمكة منبر ولكنه يجوز أن يرى ms3724 بمكة رؤيا المنبر بالمدينة. وهذا ~~التأويل الثالث قاله أيضا سهل بن سعد رضي الله عنه. قال سهل إنما هذه ~~الرؤيا هي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرى بنى أمية ينزون على ~~منبره نزو القردة، فاغتم لذلك، وما استجمع ضاحكا من يومئذ حتى مات صلى الله ~~عليه وسلم. فنزلت الآية مخبرة أن ذلك من تملكهم وصعودهم يجعلها الله فتنة ~~للناس وامتحانا. وقرأ الحسن بن علي في خطبته في شأن بيعته لمعاوية: " وإن ~~أدرى لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين (1) ". قال ابن عطية: وفى هذا التأويل ~~نظر، ولا يدخل في هذه الرؤيا عثمان ولا عمر بن عبد العزيز ولا معاوية. # قوله تعالى: (والشجرة الملعونة في القرآن) فيه تقديم وتأخير، أي ما جعلنا ~~الرؤيا التي أريناك والشجرة الملعونة في القرآن إلا فتنة للناس. وفتنتها ~~أنهم لما خوفوا بها قال أبو جهل استهزاء: هذا محمد يتوعدكم بنار تحرق ~~الحجارة، ثم يزعم أنها تنبت الشجر والنار تأكل الشجر، وما نعرف الزقوم إلا ~~التمر والزبد، ثم أمر أبو جهل جارية فأحضرت تمرا وزبدا وقال لأصحابه: ~~تزقموا. وقد قيل: إن القائل ما نعلم الزقوم إلا التمر والزبد ابن الزبعرى ~~حيث قال: كثر الله من الزقوم في داركم، فإنه التمر بالزبد بلغة اليمن. ~~وجائز أن يقول كلاهما ذلك. # فافتتن أيضا لهذه المقالة بعض الضعفاء، فأخبر الله تعالى نبيه عليه ~~السلام أنه إنما جعل الاسراء وذكر شجرة الزقوم فتنة واختبارا ليكفر من سبق ~~عليه الكفر ويصدق من سبق له الايمان. كما روى أن أبا بكر الصديق رضي الله ~~عنه قيل له صبيحة الاسراء: إن صاحبك يزعم أنه جاء البارحة من بيت المقدس ~~فقال: إن كان قال ذلك فلقد صدق. فقيل له: # أتصدقه قبل أن تسمع منه؟ فقال: أبن عقولكم؟ أنا أصدقه بخبر السماء، فكيف ~~لا أصدقه بخبر بيت المقدس، والسماء أبعد منها بكثير. # PageV10P283 # قلت: ذكر هذا الخبر ابن إسحاق، ونصه: قال كان من الحديث فيما بلغني عن ~~مسراه صلى الله عليه وسلم عن عبد الله بن ms3725 مسعود وأبى سعيد الخدري وعائشة ~~ومعاوية بن أبي سفيان والحسن بن أبي الحسن وابن شهاب الزهري وقتادة وغيرهم ~~من أهل العلم وأم هانئ بنت أبي طالب، ما اجتمع في هذا الحديث، كل يحدث عنه ~~بعض ما ذكر من أمره حين أسرى به صلى الله عليه وسلم، وكان في مسراه وما ذكر ~~عنه بلاء وتمحيص وأمر من أمر الله عز وجل في قدرته وسلطانه فيه عبرة لأولي ~~الألباب، وهدى ورحمة وثبات لمن آمن وصدق وكان من أمر الله تعالى على يقين، ~~فأسرى به صلى الله عليه وسلم كيف شاء وكما شاء ليريه من آياته ما أراد، حتى ~~عاين ما عاين من أمره وسلطانه العظيم، وقدرته التي يصنع بها ما يريد. # وكان عبد الله بن مسعود فيما بلغني عنه يقول: أتى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بالبراق - وهي الدابة التي كانت تحمل عليها الأنبياء قبله تضع ~~حافرها في منتهى طرفها - فحمل عليها، ثم خرج به صاحبه يرى الآيات فيما بين ~~السماء والأرض، حتى انتهى إلى بيت المقدس، فوجد فيه إبراهيم وموسى وعيسى في ~~نفر من الأنبياء قد جمعوا له فصلى بهم ثم أتى بثلاثة آنية: إناء فيه لبن ~~وإناء فيه خمر، وإناء فيه ماء. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~فسمعت قائلا يقول حين عرضت على إن أخذ الماء فغرق وغرقت أمته وإن أخذ الخمر ~~فغوى وغوت أمته وإن أخذ اللبن فهدى وهديت أمته قال فأخذت إناء اللبن فشربت ~~فقال لي جبريل هديت وهديت أمتك يا محمد ". # قال ابن إسحاق: وحدثت عن الحسن أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " بينما أنا نائم في الحجر جاءني جبريل عليه السلام فهمزني بقدمه ~~فجلست فلم أر شيئا ثم عدت لمضجعي فجاءني الثانية فهمزني بقدمه فجلست فلم أر ~~شيئا فعدت لمضجعي فجاءني الثالثة فهمزني بقدمه فجلست فأخذ بعضدي فقمت معه ~~فخرج إلى باب المسجد فإذا دابة أبيض بين البغل والحمار في فخديه جناحان ~~يحفز بهما رجليه يضع حافره في منتهى ms3726 طرفه فحملني عليه ثم خرج معي لا يفوتني ~~ولا أفوته ". PageV10P284 # قال ابن إسحاق: وحدثت عن قتادة أنه قال: حدثت أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: " لما دنوت منه لأركبه شمس (1) فوضع جبريل يده على معرفته ثم قال ~~ألا تستحى يا براق مما تصنع فوالله ما ركبك عبد لله قبل محمد أكرم عليه منه ~~قال فاستحيا حتى أرفض عرقا ثم قر حتى ركبته ". # قال الحسن في حديثه: فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومضى معه (جبريل) ~~حتى انتهى إلى بيت المقدس، فوجد فيه إبراهيم وموسى وعيسى في نفر من ~~الأنبياء، فأمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بهم ثم أتى بإناءين: في ~~أحدهما خمر وفى الآخر لبن، قال: فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم إناء ~~اللبن فشرب منه وترك إناء الخمر. قال: # فقال له جبريل: هديت الفطرة وهديت أمتك وحرمت عليكم الخمر. ثم انصرف رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة، فلما أصبح غدا على قريش فأخبرهم الخبر، ~~فقال أكثر الناس: هذا والله الامر البين والله إن العير لتطرد شهرا من مكة ~~إلى الشام، مدبرة شهرا ومقبلة شهرا، فيذهب ذلك محمد في ليلة واحدة ويرجع ~~إلى مكة قال: فارتد كثير ممن كان أسلم، وذهب الناس إلى أبى بكر فقالوا: هل ~~لك يا أبا بكر في صاحبك يزعم أنه قد جاء هذه الليلة بيت المقدس، وصلى فيه ~~ورجع إلى مكة. قال فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: # إنكم تكذبون عليه. فقالوا: بلى، ها هو ذا في المسجد يحدث به الناس. فقال ~~أبو بكر: # والله لئن كان قاله لقد صدق فما يعجبكم من ذلك فوالله إنه ليخبرني إن ~~الخبر ليأتيه من السماء إلى الأرض في ساعة من ليل أو نهار فأصدقه، فهذا ~~أبعد مما تعجبون منه. ثم أقبل حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: يا نبي الله، أحدثت هؤلاء أنك جئت بيت المقدس هذه الليلة؟ قال " نعم ~~" قال: يا نبي الله، فصفه ms3727 لي فإني قد جئته؟ فقال الحسن: # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " رفع لي حتى نظرت إليه " فجعل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يصفه لأبي بكر ويقول أبو بكر رضي الله عنه: صدقت، ~~أشهد أنك رسول الله. كلما # PageV10P285 # وصف له منه شيئا قال: صدقت، أشهد أنك رسول الله. قال: حتى إذا انتهى قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر رضي الله عنه: " وأنت يا أبا بكر ~~الصديق " فيومئذ سماه الصديق. # قال الحسن: وأنزل الله تعالى فيمن ارتد عن الاسلام لذلك: " وما جعلنا ~~الرويا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما ~~يزيدهم إلا طغيانا كبيرا ". # فهذا حديث الحسن عن مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم وما دخل فيه من ~~حديث قتادة. # وذكر باقي الاسراء عمن تقدم في السيرة. وقال ابن عباس: هذه الشجرة بنو ~~أمية، وأن النبي صلى الله عليه وسلم نفى الحكم. وهذا قول ضعيف محدث والسورة ~~مكية، فيبعد هذا التأويل، إلا أن تكون هذه الآية مدنية ولم يثبت ذلك. وقد ~~قالت عائشة لمروان: # لعن الله أباك وأنت في صلبه فأنت بعض (1) من لعنة الله. ثم قال: " ~~والشجرة الملعونة في القرآن " ولم يجز في القرآن لعن هذه الشجرة، ولكن الله ~~لعن الكفار وهم آكلوها. والمعنى: # والشجرة الملعونة في القرآن آكلوها. ويمكن أن يكون هذا على قول العرب لكل ~~طعام مكروه ضار: ملعون. وقال ابن عباس: الشجرة الملعونة هي هذه الشجرة التي ~~تلتوي على الشجر فتقتله، يعنى الكشوث. (ونخوفهم) أي بالزقوم. (فما يزيدهم) ~~التخويف إلا الكفر. # قوله تعالى: وإذ قلنا للملكة اسجدوا لادم فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد لمن ~~خلقت طينا (61) قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيمة ~~لأحتنكن ذريته إلا قليلا (62) قوله تعالى: وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم) ~~تقدم ذكر كون الشيطان عدو الانسان، فانجر الكلام إلى ذكر آدم. والمعنى: ~~أذكر بتمادي هؤلاء المشركين وعتوهم على ربهم قصة إبليس حين عصى ربه وأبى ~~السجود، وقال ما قال، ms3728 وهو ما أخبر الله تعالى في قوله تعالى: # PageV10P286 # (فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد لمن خلقت طينا) أي من طين. وهذا استفهام ~~إنكار. # وقد تقدم القول في خلق آدم في " البقرة، والانعام (1) " مستوفى. (قال ~~أرأيتك) أي قال إبليس. والكاف توكيد للمخاطبة. (هذا الذي كرمت على) أي ~~فضلته على. ورأى جوهر النار خيرا من جوهر الطين ولم يعلم أن الجواهر ~~متماثلة. وقد تقدم هذا في الأعراف (1). # و " هذا " نصب بأرأيت. " الذي " نعته. والاكرام: اسم جامع لكل ما يحمد. ~~وفى الكلام حذف تقديره: أخبرني عن هذا الذي فضلته على، لم فضلته وقد خلقتني ~~من نار وخلقته من طين؟ فحذف لعلم السامع. وقيل: لا حاجة إلى تقدير الحذف، ~~أي أترى هذا الذي كرمته على لأفعلن به كذا وكذا. ومعنى (لاحتنكن) في قول ~~ابن عباس: لاستولين عليهم. وقاله الفراء. مجاهد: لأحتوينهم. ابن زيد: ~~لأضلنهم. والمعنى متقارب، أي لأستأصلن ذريته بالاغواء والاضلال، ~~ولأجتاحنهم. وروى عن العرب: احتنك الجراد الزرع إذا ذهب به كله. وقيل: ~~معناه لأسوقنهم حيث شئت وأقودنهم حيث أردت. # ومن قولهم: حنكت الفرس أحنكه وأحنكه حنكا إذا جعلت في فيه الرسن. وكذلك ~~احتنكه. والقول الأول قريب من هذا، لأنه إنما يأتي على الزرع بالحنك. وقال ~~الشاعر: # أشكو إليك سنة قد أجحفت * جهدا إلى جهد بنا وأضعفت * واحتنكت أموالنا ~~واجتلفت (2) * (إلا قليلا) يعنى المعصومين، وهم الذين ذكرهم الله في قوله: ~~" إن عبادي ليس لك عليهم سلطان " وإنما قال إبليس ذلك ظنا، كما قال الله ~~تعالى: " ولقد صدق عليهم إبليس ظنه (3) " أو علم من طبع البشر تركب الشهوة ~~فيهم، أو بنى على قول الملائكة: " أتجعل فيها من يفسد (1) فيها ". وقال ~~الحسن: ظن ذلك لأنه وسوس إلى آدم عليه السلام فلم يجد له عزما. # قوله تعالى: قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا (63) # PageV10P287 # قوله تعالى: قال (اذهب) هذا أمر إهانة، أي اجهد جهدك فقد أنظرناك أي ~~أطاعك من ذرية آدم. (فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا) أي وافرا، عن مجاهد ~~وغيره. وهو نصب على المصدر، ms3729 يقال: وفرته أفره وفرا، ووفر المال بنفسه يفر ~~وفورا فهو وافر، فهو لازم ومتعد. # قوله تعالى: واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك ~~وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا (64) فيه ~~ست مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (واستفزز) أي استزل واستخف. وأصله القطع، ومنه تفزز ~~الثوب إذا انقطع (1). والمعنى استزله بقطعك إياه عن الحق. واستفزه الخوف أي ~~استخفه. # وقعد مستفزا أي غير مطمئن. " واستفزز " أمر تعجيز، أي أنت لا تقدر على ~~إضلال أحد، وليس لك على أحد سلطان فافعل ما شئت. الثانية - قوله تعالى: ~~(بصوتك) وصوته كل داع يدعو إلى معصية الله تعالى، عن ابن عباس. مجاهد: ~~الغناء والمزامير واللهو. الضحاك: صوت المزمار. وكان آدم عليه السلام أسكن ~~أولادها بيل أعلى الجبل، وولد قابيل أسفله، وفيهم بنات حسان، فزمر اللعين ~~فلم يتمالكوا أن انحدروا فزنوا ذكره الغزنوي. وقيل: " بصوتك " بوسوستك. # الثالثة - قوله تعالى: (وأجلب عليهم بخيلك ورجلك) أصل الاجلاب السوق ~~بجلبة من السائق، يقال: أجلب إجلابا. والجلب والجلبة: الأصوات، تقول منه: ~~جلبوا بالتشديد. وجلب الشئ يجلبه ويجلبه جلبا وجلبا. وجلبت الشئ إلى نفسي ~~واجتلبته بمعنى. # وأجلب على العدو إجلابا، أي جمع عليهم. فالمعنى أجمع عليهم كل ما تقدر ~~عليه من مكايدك. # PageV10P288 # وقال أكثر المفسرين: يريد كل راكب وماش في معصية الله تعالى. وقال ابن ~~عباس ومجاهد وقتادة: إن له خيلا ورجلا من الجن والإنس. فما كان من راكب ~~وماش يقاتل في معصية الله فهو من خيل إبليس ورجالته. وروى سعيد بن جبير ~~ومجاهد عن ابن عباس قال: كل خيل سارت في معصية الله، وكل رجل مشى في معصية ~~الله، وكل مال أصيب من حرام، وكل ولد بغية فهو للشيطان. والرجل جمع راجل، ~~مثل صحب وصاحب. وقرأ حفص " ورجلك " بكسر الجيم وهما لغتان، يقال: رجل ورجل ~~بمعنى راجل. وقرأ عكرمة وقتادة " ورجالك " على الجمع. # الرابعة - (وشاركهم في الأموال والأولاد) أي اجعل لنفسك شركة في ذلك. # فشركته في الأموال إنفاقها في معصية الله، قاله الحسن. وقيل: هي التي ms3730 ~~أصابوها من غير حلها، قاله مجاهد. ابن عباس: ما كانوا يحرمونه من البحيرة ~~والسائبة والوصيلة والحام. # وقاله قتادة. الضحاك: ما كانوا يذبحونه لآلهتهم. والأولاد قيل: هم أولاد ~~الزنى، قاله مجاهد والضحاك وعبد الله بن عباس. وعنه أيضا: هو ما قتلوا من ~~أولادهم وأتوا فيهم من الجرائم. وعنه أيضا: هو تسميتهم عبد الحارث وعبد ~~العزى وعبد اللات وعبد الشمس ونحوه. وقيل: هو صبغة أولادهم في الكفر حتى ~~هودوهم ونصروهم، كصنع النصارى بأولادهم بالغمس في الماء الذي لهم، قال ~~قتادة. وقول خامس - روى عن مجاهد قال: # إذا جامع الرجل ولم يسم انطوى الجان على إحليله فجامع معه، فذلك قوله ~~تعالى: " لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان (1) " وسيأتي. وروى من حديث عائشة ~~قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن فيكم مغربين " قلت: يا رسول ~~الله، وما المغربون؟ قال: " الذين يشترك فيهم الجن ". رواه الترمذي الحكيم ~~في (نوادر الأصول). قال الهروي: سموا مغربين لأنه دخل فيهم عرق غريب. قال ~~الترمذي الحكيم: فللجن مساماة (2) بابن آدم في الأمور والاختلاط، فمنهم من ~~يتزوج فيهم، وكانت بلقيس ملكة سبأ أحد أبويها من الجن. وسيأتي بيانه إن شاء ~~الله تعالى. # PageV10P289 # الخامسة - قوله تعالى: (وعدهم) أي منهم الأماني الكاذبة، وأنه لا قيامة ~~ولا حساب، وأنه إن كان حساب وجنة ونار فأنتم أولى بالجنة من غيركم. يقويه ~~قوله تعالى: # " يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا (1) " أي باطلا. وقبل " ~~وعدهم " أي عدهم النصر على من أرادهم بسوء. وهذا الامر للشيطان تهدد ووعيد ~~له. وقيل: استخفاف به وبمن اتبعه. # السادسة - في في الآية ما يدل على تحريم المزامير والغناء واللهو، لقوله: ~~" واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم " على قول مجاهد وما كان من ~~صوت الشيطان أو فعله وما يتحسنه فواجب التنزه عنه. وروى نافع عن ابن عمر ~~انه سمع صوت زمارة فوضع أصبعيه في أذنيه، وعدل راحته عن الطريق وهو يقول: ~~يا نافع! أتسمع؟ فأقول نعم، فمضى حتى قلت له لا، فوضع يديه وأعاد راحلته ~~إلى الطريق وقال: ms3731 رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع [صوت] زمارة راع ~~فصنع مثل هذا. وقال علماؤنا: إذا كان هذا فعلهم في حق صوت لا يخرج عن ~~الاعتدال، فكيف بغناء أهل هذا الزمان وزمرهم. وسيأتي لهذا مزيد بيان في ~~سورة " لقمان (2) " أن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا (65) قوله ~~تعالى: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان) قال ابن عباس: هم المؤمنون. # وقد تقدم الكلام فيه (3). (وكفى بربك وكيلا) أي عاصما من القبول من ~~إبليس، وحافظا من كيده وسوء مكره. # قوله تعالى: ربكم الذي يزجى لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله إنه كان ~~بكم رحيما (66) # PageV10P290 # قوله تعالى: (ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر) الازجاء: السوق، ومنه ~~قوله تعالى: " ألم تر أن الله يزجى سحابا (1) ". وقال الشاعر: (2) يا أيها ~~الراكب المزجى مطيته * وسائل بنى أسد ما هذه الصوت وإزجاء الفلك: سوقه ~~بالريح اللينة. والفلك هنا جمع، وقد تقدم (3). والبحر الماء الكثير عذبا ~~كان أو ملحا، وقد غلب هذا الاسم على المشهور (4) وهذه الآية توقيف على آلاء ~~الله وفضله عند عباده، أي ربكم الذي أنعم عليكم بكذا وكذا فلا تشركوا به ~~شيئا. (لتبتغوا من فضله) أي في التجارات. وقد تقدم (3). (إنه كان بكم ~~رحيما). # قوله تعالى: وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم ~~إلى البر أعرضتم وكان الانسان كفورا (67) قوله تعالى: (وإذا مسكم الضر في ~~البحر) " الضر " لفظ يعم خوف الغرق والامساك عن الجرى. وأهوال حالاته ~~اضطرابه وتموجه. (ضل من تدعون إلا إياه) " ضل " معناه تلف وفقد، وهي عبارة ~~تحقير لمن يدعى إلها من دون الله. المعنى في هذه الآية: # أن الكفار إنما يعتقدون في أصنامهم أنها شافعة، وأن لها فضلا. وكل واحد ~~منهم بالفطرة يعلم علما لا يقدر على مدافعته أن الأصنام لا فعل لها في ~~الشدائد العظام، فوقفهم الله من ذلك على حالة البحر حيث تنقطع الحيل. (فلما ~~نجاكم إلى البر أعرضتم) أي عن الاخلاص. # (وكان الانسان ms3732 كفورا) الانسان هنا الكافر. وقيل: وطبع الانسان كفورا ~~للنعم إلا من عصمه الله، فالانسان لفظ الجنس. # قوله تعالى: أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبا ثم لا ~~تجدوا لكم وكيلا (68) # PageV10P291 # قوله تعالى: (أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر) بين أنه قادر على هلاكهم في ~~البر وإن سلموا من البحر. والخسف: أن تنهار الأرض بالشئ، يقال: بئر خسيف ~~إذا انهدم أصلها. وعين خاسف أي غارت حدقتها في الرأس. وعين من الماء خاسفة ~~أي غار ماؤها. # وخسفت الشمس أي غابت (1) عن الأرض. وقال أبو عمرو: والخسيف البئر التي ~~تحفر في الحجارة فلا ينقطع ماؤها كثرة. والجمع خسف. وجانب البر: ناحية ~~الأرض، وسماه جانبا لأنه يصير بعد الخسف جانبا. وأيضا فإن البحر جانب والبر ~~جانب. وقيل: إنهم كانوا على ساحل البحر، وساحله جانب البر، وكانوا فيه ~~آمنين من أهوال البحر، فحذرهم ما أمنوه من البر كما حذرهم ما خافوه من ~~البحر. (أو يرسل عليكم حاصبا) يعنى ريحا شديدة، وهي التي ترمى بالحصباء، ~~وهي الحصى الصغار، قاله أبو عبيدة والقتبي. وقال قتادة: يعنى حجارة من ~~السماء تحصبهم، كما فعل بقوم لوط. ويقال للسحابة التي ترمى بالبرد: صاحب، ~~وللريح التي تحمل التراب والحصباء حاصب وحصبة أيضا. قال لبيد: # جرت عليها أن خوت من أهلها * أذيالها كل عصوف حصبه وقال الفرزدق: # مستقبلين شمال الشام يضربنا * بحاصب كنديف القطن منثور (ثم لا تجدوا لكم ~~وكيلا) أي حافظا ونصيرا يمنعكم من بأس الله. # قوله تعالى: أم أمنتم إن يعيدكم فيه تارة أخرى فيرسل عليكم قاصفا من ~~الريح فغيركم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا (69) قوله تعالى: ~~(أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى) يعنى في البحر. (فيرسل عليكم قاصفا من ~~الريح) القاصف: الريح الشديدة التي تكسر بشدة، من قصف الشئ يقصفه، أي كسره ~~بشدة. والقصف: الكسر، يقال: قصفت الريح السفينة. وريح قاصف: # PageV10P292 # شديدة. ورعد قاصف: شديد الصوت. يقال: قصف الرعد وغيره قصيفا. والقصيف: # هشيم الشجر. والتقصف التكسر. والقصف أيضا: اللهو واللعب، يقال: ms3733 إنها ~~مولدة. # (فيغرقكم بما كفرتم) أي بكفركم. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو " نخسف بكم " " ~~أو نرسل عليكم " " أن نعيدكم " " فنرسل عليكم " " فنغرقكم " بالنون في ~~الخمسة على التعظيم، لقوله: " علينا " الباقون بالياء، لقوله في الآية قبل: ~~" إياه ". وقرأ أبو جعفر وشيبة ورويس ومجاهد " فتغرقكم " بالتاء نعتا ~~للريح. وعن الحسن وقتادة " فيغرقكم " بالياء مع التشديد في الراء. # وقرأ أبو جعفر " الرياح " هنا وفى كل القرآن. وقيل: إن القاصف المهلكة في ~~البر، والعاصف المغرقة في البحر، حكاه الماوردي. (ثم لا تجدوا لكم علينا به ~~تبليغا) قال مجاهد: # ثائرا. النحاس: وهو من الثأر. وكذلك يقال لكل من طلب بثأر أو غيره: تبيع ~~وتابع، ومنه " فاتباع بالمعروف (1) " أي مطالبة. # قوله تعالى: ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من ~~الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا (70) فيه ثلاث مسائل (2): # الأولى - قوله تعالى: (ولقد كرمنا بني آدم) لما ذكر من الترهيب ما ذكر ~~بين النعمة عليهم أيضا. " كرمنا " تضعيف كرم، أي جعلنا لهم كرما أي شرفا ~~وفضلا. وهذا هو كرم نفى النقصان لا كرم المال. وهذه الكرامة يدخل فيها ~~خلقهم على هذه الهيئة في امتداد القامة وحسن الصورة، وحملهم في البر والبحر ~~مما لا يصح لحيوان سوى بنى أدم أن يكون يتحمل بإرادته وقصده وتدبيره. ~~وتخصيصهم بما خصهم به من المطاعم والمشارب والملابس، وهذا لا يتسع فيه ~~حيوان اتساع بني آدم، لأنهم يكسبون المال خاصة دون الحيوان، ويلبسون الثياب ~~ويأكلون المركبات من الأطعمة. وغاية كل حيوان يأكل لحما نيئا أو طعاما غير # PageV10P293 # مركب. وحكى الطبري عن جماعة أن التفضيل هو أن يأكل بيده وسائر الحيوان ~~بالفم. # وروى عن ابن عباس، ذكره المهدوي والنحاس، وهو قول الكلبي ومقاتل، ذكره ~~الماوردي. وقال الضحاك: كرمهم بالنطق والتمييز. عطاء: كرمهم بتعديل القامة ~~وامتدادها. يمان: بحسن الصورة. محمد بن كعب: بأن جعل محمدا صلى الله عليه ~~وسلم منهم. # وقيل أكرم الرجال باللحى والنساء بالذوائب. وقال محمد بن جرير الطبري: ~~بتسليطهم على سائر الخلق، وتسخير سائر الخلق لهم. وقيل: بالكلام ms3734 والخط. ~~وقيل: بالفهم والتمييز. والصحيح الذي يعول عليه أن التفضيل إنما كان بالعقل ~~الذي هو عمدة التكليف،. وبه يعرف الله ويفهم كلامه، ويوصل إلى نعيمه وتصديق ~~رسله، إلا أنه لما لم ينهض بكل المراد من العبد بعثت الرسل وأنزلت الكتب. ~~فمثال الشرع الشمس، ومثال العقل العين، فإذا فتحت وكانت سليمة رأت الشمس ~~وأدركت تفاصيل الأشياء. وما تقدم من الأقوال بعضه أقوى من بعض. وقد جعل ~~الله في بعض الحيوان خصالا يفضل بها ابن آدم أيضا، كجري الفرس وسمعه ~~وإبصاره، وقوة الفيل وشجاعة الأسد وكرم الديك. وإنما التكريم والتفضيل ~~بالعقل كما بيناه. والله أعلم. # الثانية - قالت فرقة: هذه الآية تقتضي تفضيل الملائكة على الإنس والجن من ~~حيث إنهم المستثنون في قوله تعالى: " ولا الملائكة المقربون (1) ". وهذا ~~غير لازم من الآية، بل التفضيل فيها بين الإنس والجن، فإن هذه الآية إنما ~~عدد الله فيها على بني آدم ما خصهم به من سائر الحيوان، والجن هو الكثير ~~المفضول، والملائكة هم الخارجون عن الكثير المفضول، ولم تتعرض الآية ~~لذكرهم، بل يحتمل أن الملائكة أفضل، ويحتمل العكس، ويحتمل التساوي، وعلى ~~الجملة فالكلام لا ينتهى في هذه المسألة إلى القطع. وقد تحاشى قوم من ~~الكلام في هذا كما تحاشوا من الكلام في تفضيل بعض الأنبياء على بعض، إذ في ~~الخبر " لا تخايروا بين الأنبياء ولا تفضلوني على يونس بن متى ". وهذا ليس ~~بشئ، لوجود # PageV10P294 # النص في القرآن في التفضيل بين الأنبياء. وقد بيناه في البقرة (1) ومضى ~~فيها الكلام في تفضيل الملائكة والمؤمن (2). # الثالثة - قوله تعالى: (ورزقناهم من الطيبات) يعنى لذيذ المطاعم المشارب. ~~قال مقاتل: السمن والعسل والزبد والتمر والحلوى، وجعل رزق غيرهم ما لا يخفى ~~عليكم من التبن والعظام وغيرها. (وفضلناهم على أكثر ممن خلقنا تفضيلا) أي ~~على البهائم والدواب والوحش والطير بالغلبة والاستيلاء، والثواب والجزاء ~~والحفظ والتمييز وإصابة الفراسة. # الرابعة - هذه الآية ترد ما روى عن عائشة رضي الله عنها، قالت قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " احرموا أنفسكم طيب الطعام فإنما قوى الشيطان ms3735 أن ~~يجرى في العروق منها ". وبه يستدل كثير من الصوفية في ترك أكل الطيبات، ولا ~~أصل له، لان القرآن يرده، والسنة الثابتة بخلافه، على ما تقرر في غير موضع. ~~وقد حكى أبو حامد الطوسي قال: # كان سهل يقتات من ورق النبق مدة. وأكل دقاق ورق التين ثلاث سنين. وذكر ~~إبراهيم ابن البنا قال: صحبت ذا النون من إخميم إلى الإسكندرية، فلما كان ~~وقت إفطاره أخرجت قرصا وملحا كان معي، وقلت: هلم. فقال لي: ملحك مدقوق؟ قلت ~~نعم. قال: لست تفلح! فنظرت إلى مزوده وإذا فيه قليل سويق شعير يسف منه. ~~وقال أبو يزيد: ما أكلت شيئا مما يأكله بنو آدم أربعين سنة. قال علماؤنا: ~~وهذا مما لا يجوز حمل النفس عليه، لان الله تعالى أكرم الآدمي بالحنطة وجعل ~~قشورها لبهائمهم، فلا يصح مزاحمة الدواب في أكل التبن، وأما سويق الشعير ~~فإنه يورث القولنج (3)، وإذا اقتصر الانسان على خبز الشعير والملح الجريش ~~فإنه ينحرف مزاجه، لان خبز الشعير بارد مجفف، والملح يابس قابض يضر الدماغ ~~والبصر. وإذا مالت النفس إلى ما يصلحها فمنعت فقد قوومت حكمة البارئ سبحانه ~~بردها، ثم يؤثر ذلك في البدن، فكان هذا الفعل مخالفا للشرع والعقل. ومعلوم ~~أن البدن # PageV10P295 # مطية الآدمي، ومتى لم يرفق بالمطية لم تبلغ. وروى عن إبراهيم بن أدهم أنه ~~اشترى زبدا وعسلا وخبز حواري، فقيل له: هذا كله؟ فقال: إذا وجدنا أكلنا أكل ~~الرجال، وإذا عدمنا صبرنا صبر الرجال. وكان الثوري يأكل اللحم والعنب ~~والفالوذج (1) ثم يقوم إلى الصلاة. ومثل هذا عن السلف كثير. وقد تقدم منه ~~ما يكفي في المائدة (2) والأعراف (3) وغيرهما. والأول غلو في الدين إن صح ~~عنهم. " ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم (4) ". # قوله تعالى: يوم ندعوا كل أناس بإمامهم فمن أوتى كتبه بيمينه فأولئك ~~يقرءون كتبهم ولا يظلمون فتيلا (71) قوله تعالى: (يوم ندعوا كل أناس ~~بإمامهم) روى الترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله ~~تعالى: " يوم ندعو كل أناس بإمامهم قال: " يدعى أحدهم فيعطى كتابه ms3736 بيمينه، ~~ويمد له في جسمه ستون ذراعا، ويبيض وجهه ويجعل على رأسه تاج من لؤلؤ يتلألأ ~~فينطلق إلى أصحابه فيرونه من بعيد فيقولون اللهم ائتنا بهذا وبارك لنا في ~~هذا حتى يأتيهم فيقول أبشروا لكل منكم مثل هذا - قال - وأما الكافر فيسود ~~وجهه ويمد له في جسمه ستون ذرعا على صورة آدم ويلبس تاجا فيراه أصحابه ~~فيقولون نعوذ بالله من شر هذا! اللهم لا تأتنا بهذا. قال: فيأتيهم فيقولون ~~اللهم أخره. فيقول أبعدكم الله فإن لكل رجل منكم مثل هذا ". قال أبو عيسى: ~~هذا حديث حسن غريب. ونظير هذا قوله: " وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى ~~كتابهم اليوم تجزون ما كنتم تعملون (5) ". # والكتاب يسمى إماما، لأنه يرجع إليه في تعرف أعمالهم. وقال ابن عباس ~~والحسن وقتادة والضحاك: " بإمامهم " أي بكتابهم، أي بكتاب كل إنسان منهم ~~الذي فيه عمله، دليله " فمن أوتى كتابه بيمينه ". وقال ابن زيد: بالكتاب ~~المنزل عليهم. أي يدعى كل إنسان # PageV10P296 # بكتابه الذي كان يتلوه، فيدعى أهل التوراة بالتوراة، وأهل القرآن ~~بالقرآن، فيقال: يأهل القرآن، ماذا عملتم، هل امتثلتم أوامره هل اجتنبتم ~~نواهيه! وهكذا. وقال مجاهد: " بإمامهم " بنبيهم، والامام من يؤتم به. ~~فيقال: هاتوا متبعي إبراهيم عليه السلام، هاتوا متبعي موسى عليه السلام، ~~هاتوا متبعي الشيطان، هاتوا متبعي الأصنام. فيقوم أهل الحق فيأخذون كتابهم ~~بأيمانهم، ويقوم أهل الباطل فيأخذون كتابهم بشمالهم. وقاله قتادة. وقال على ~~رضي الله عنه: # بإمام عصرهم. وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: " يوم ندعو كل ~~أناس بإمامهم " فقال: " كل يدعى بإمام زمانهم وكتاب ربهم وسنة نبيهم فيقول ~~هاتوا متبعي إبراهيم هاتوا متبعي موسى هاتوا متبعي عيسى هاتوا متبعي محمد - ~~عليهم أفضل الصلوات والسلام - فيقوم أهل الحق فيأخذون كتابهم بأيمانهم، ~~ويقول: هاتوا متبعي الشيطان هاتوا متبعي رؤساء الضلالة إمام هدى وإمام ~~ضلالة ". وقال الحسن وأبو العالية: " بإمامهم " أي بأعمالهم. وقاله ابن ~~عباس. # فيقال: أين الراضون بالمقدور، أين الصابون عن المحذور. وقيل: بمذاهبهم، ~~فيدعون بمن كانوا يأتمون به في الدنيا: يا ms3737 حنفي، يا شافعي، يا معتزلي، يا ~~قدري، ونحوه، فيتبعونه في خير أو شر أو على حق أو باطل، وهذا معنى قوله أبى ~~عبيدة. وقد تقدم. وقال أبو هريرة: # يدعى أهل الصداقة من باب الصداقة، وأهل الجهاد من باب الجهاد...، الحديث ~~بطوله. # أبو سهل: يقال أين فلان المصلى والصوام، وعكسه الدفاف (1) والنمام. وقال ~~محمد بن كعب: # " بإمامهم " بأمهاتهم. وإمام جمع آم. قالت الحكماء: وفى ذلك ثلاثة أوجه ~~من الحكمة، أحدها - لأجل عيسى. والثاني - إظهار لشرف الحسن والحسين. ~~والثالث - لئلا يفتضح أولاد الزنى. # قلت: وفى هذا القول نظر، فإن في الحديث الصحيح عن ابن عمر قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيام يرفع ~~لكل غادر لواء فيقال هذه غدرة فلان بن فلان " خرجه مسلم والبخاري. فقوله: " ~~هذه غدرة فلان ابن فلان " # PageV10P297 # دليل على أن الناس يدعون في الآخرة بأسمائهم وأسماء آبائهم، وهذا يرد على ~~من قال: إنما يدعون بأسماء أمهاتهم لان في ذلك سترا على آبائهم. والله ~~أعلم. # قوله تعالى: (فمن أوتى كتابه بيمينه) هذا يقوى قول من قال: " بإمامهم " ~~بكتابهم. # ويقويه أيضا قوله: " وكل شئ أحصيناه في إمام مبين (1) ". (فأولئك يقرءون ~~كتابهم ولا يظلمون فتيلا) الفتيل الذي في شق النواة. وقد مضى في " النساء ~~(2) ". # قوله تعالى:. من كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا (72) ~~قوله تعالى: (ومن كان في هذه أعمى) أي في الدنيا عن وإبصار الحق. # (فهو في الآخرة) (أعمى). وقال عكرمة: جاء نفر من أهل اليمين إلى ابن عباس ~~فسألوه عن هذه الآية فقال: اقرؤوا ما قبلها " ربكم الذي يزجي لكم الفلك في ~~البحر (3) - إلى - تفضيلا ". قال ابن عباس: من كان في هذه النعم والآيات ~~التي رأى أعمى فهو عن الآخرة التي لم يعاين أعمى وأضل سبيلا. وقيل: المعنى ~~من عمى عن النعم التي أنعم الله بها عليه في الدنيا فهو عن نعم الآخرة ~~أعمى. وقيل: المعنى من كان في الدنيا التي أمهل فيها وفسح له ووعد بقبول ms3738 ~~التوبة أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا. وقيل: # ومن كان في الدنيا أعمى عن حجج الله بعثه الله يوم القيامة أعمى، كما ~~قال: " ونحشره يوم القيامة (4) أعمى " الآيات. وقال: " ونحشرهم يوم القيامة ~~على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم ". وقيل: المعنى في قوله " فهو في ~~الآخرة أعمى " في جميع الأقوال: أشد عمى، لأنه من عمى القلب، ولا يقال مثله ~~في عمى العين. قال الخليل وسيبويه: لأنه خلقة بمنزلة # PageV10P298 # اليد والرجل. فلم يقل ما أعماه كما لا يقال ما أيداه. الأخفش: لم يقل فيه ~~ذلك لأنه على أكثر من ثلاثة أحرف، وأصله أعمى (1). وقد أجاز بعض النحويين ~~ما أعماه وما أعشاه، لان فعله عمى وعشى. وقال الفراء: حدثني بالشام شيخ ~~بصرى أنه سمع العرب تقول: # ما أسود شعره. قال الشاعر: # ما في المعالي لكم ظل ولا ثمر * وفى المخازي لكم أشباح أشياخ أما الملوك ~~فأنت اليوم ألأمهم * لؤما وأبيضهم سربال طباخ وأمال أبو بكر وحمزة والكسائي ~~وخلف الحرفين " أعمى " و " أعمى " وفتح الباقون. وأمال أبو عمرو الأول وفتح ~~الثاني. (وأضل سبيلا) يعنى أنه لا يجد طريقا إلى الهداية. # قوله تعالى: وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره ~~وإذا لاتخذوك خليلا (73) قال سعيد بن جبير: كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يستلم الحجر الأسود في طوافه، فمنعته قريش وقالوا: لا ندعك تستلم حتى ت، لم ~~بآلهتنا. فحدث نفسه وقال: " ما على أن ألم بها بعد أن يدعوني أستلم الحجر ~~والله يعلم أنى لها كاره " فأبى الله تعالى ذلك وأنزل عليه هذه الآية، قال ~~مجاهد وقتادة. وقال ابن عباس في رواية عطاء: نزلت في وفد ثقيف، أتوا النبي ~~صلى الله عليه وسلم فسألوه شططا وقالوا: متعنا بآلهتنا سنة حتى نأخذ ما ~~يهدى لها، فإذا أخذناه كسرناها وأسلمنا، وحرم وادينا كما حرمت مكة، حتى ~~تعرف العرب فضلنا عليهم، فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطيهم ذلك ~~فنزلت هذه الآية. وقيل: هو قول أكابر قريش للنبي صلى الله عليه ms3739 وسلم: اطرد ~~عنا هؤلاء السقاط والموالي حتى نجلس معك ونسمع منك، فهم بذلك حتى نهى عنه. ~~وقال قتادة ذكر لنا أن قريشا خلوا برسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة ~~إلى الصبح يكلمونه ويفخمونه، ويسودونه ويقاربونه، فقالوا: إنك تأتى بشئ لا ~~يأتي به أحد من الناس، وأنت سيدنا يا سدنا، وما زالوا به حتى كاد يقاربهم ~~في بعض ما يريدون، # PageV10P299 # ثم عصمه الله من ذلك، وأنزل الله تعالى هذه الآية. ومعنى (ليفتنونك) أي ~~يزيلونك. يقال: # فتنت الرجل عن رأيه إذا أزلته عما كان عليه، قاله الهروي. وقيل يصرفونك، ~~والمعنى واحد. # (عن الذي أوحينا إليك) أي حكم القرآن، لان في إعطائهم ما سألوه مخالفة ~~لحكم القرآن. # (لتفتري علينا غيره) أي لتختلق علينا غير ما أوحينا إليك، وهو قول ثقيف: ~~وحرم وادينا كما حرمت مكة، شجرها وطيرها ووحشها، فإن سألتك العرب لم خصصتهم ~~فقل الله أمرني بذلك حتى يكون عذرا لك. (وإذا لاتخذوك خليلا) أي لو فعلت ما ~~أرادوا لاتخذوك خليلا، أي والوك وصافوك، مأخوذ من النخلة (بالضم) وهي ~~الصداقة لممايلته لهم. وقيل: # " لاتخذوك خليلا " أي فقيرا. مأخوذ من الخلة (بفتح الخاء) وهي الفقر ~~لحاجته إليهم. # قوله تعالى: ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا (74) إذا ~~لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا (75) قوله تعالى: ~~(ولولا أن ثبتناك) أي على الحق وعصمناك من موافقتهم. (لقد كدت تركن إليهم) ~~أي تميل. (شيئا قليلا) أي ركونا قليلا. قال قتادة: لما نزلت هذه الآية قال ~~عليه السلام: " اللهم لا تكلني نفسي طرفة عين ". وقيل: ظاهر الخطاب للنبي ~~صلى الله عليه وسلم وباطنه إخبار عن ثقيف. والمعنى: وإن كادوا ليركنونك، أي ~~كادوا يخبرون عنك بأنك ملت إلى قولهم، فنسب فعلهم إليه مجازا واتساعا، كما ~~تقول لرجل: كدت تقتل نفسك، أي كاد الناس يقتلونك بسبب ما فعلت، ذكره ~~المهدوي. وقيل ما كان منه هم بالركون إليهم، بل المعنى: ولولا فضل الله ~~عليك لكان منك ميل إلى موافقتهم، ولكن تم فضل ms3740 الله عليك فلم تفعل، ذكره ~~القشيري. وقال ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم معصوما، ولكن ~~هذا تعريف للأمة لئلا يركن أحد منهم إلى المشركين في شئ من أحكام الله ~~تعالى وشرائعه. PageV10P300 # وقوله تعالى: إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات) أي لو ركنت لأذقناك ~~مثلي عذاب الحياة في الدنيا ومثلى عذاب الممات في الآخرة، قاله ابن عباس ~~ومجاهد وغيرهما. وهذا غاية الوعيد. وكلما كانت الدرجة أعلى كان العذاب عند ~~المخالقة أعظم. قال الله تعالى: # " يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين (1) " ~~وضعف الشئ مثله مرتين، وقد يكون الضعف النصيب، كقوله عز وجل: " لكل ضعف " ~~أي نصيب. # وقد تقدم في الأعراف. # (2). # قوله تعالى: وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون ~~خلفك إلا قليلا (76) هذه الآية قيل إنها مدنية، حسبما تقدم في أول السورة. ~~قال ابن عباس: حسدت اليهود مقام النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة فقالوا: ~~إن الأنبياء إنما بعثوا بالشام، فإن كنت نبيا فالحق بها، فإنك إن خرجت ~~إليها صدقناك وآمنا بك، فوقع ذلك في قلبه لما يحب من إسلامهم، فرحل من ~~المدينة على مرحلة فأنزل الله هذه الآية. وقال عبد الرحمن بن غنم: # غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك لا يريد إلا الشام، فلما نزل ~~تبوك نزل (وإن كانوا ليستفزونك من الأرض) بعد ما ختمت السورة، وأمر ~~بالرجوع. وقيل: # إنها مكية. قال مجاهد وقتادة: نزلت في هم أهل مكة بإخراجه، ولو أخرجوه ~~لما أمهلوا ولكن الله أمره بالهجرة فخرج، وهذا أصح، لان السورة مكية، ولأن ~~ما قبلها خبر عن أهل مكة، ولم يجر لليهود ذكر. وقول: " من الأرض " يريد أرض ~~مكة. كقوله: " فلن أبرح الأرض (3) " أي أرض مصر، دليله " وكأين من قرية هي ~~أشد قوة من قريتك التي أخرجتك (4) " يعنى مكة. معناه: هم أهلها بإخراجه، ~~فلهذا أضاف إليها (5) وقال " أخرجتك ". وقيل: # هم الكفار كلهم أن يستخفوه من أرض العرب بتظاهرهم عليه فمنعه الله، ولو ~~أخرجوه # PageV10P301 # من ms3741 أرض العرب لم يمهلوا، وهو معنى قوله: (وإذا لا يلبثون خلاف إلا ~~قليلا)، وقرأ عطاء ابن أبي رباح " لا يلبثون " الباء مشددة، " خلفك " نافع ~~وابن كثير وأبو بكر وأبو عمرو، ومعناه بعدك، وقرأ ابن عامر وحفص وحمزة ~~والكسائي " خلافك " واختاره أبو حاتم، اعتبارا بقوله: " فرح المخلفون ~~بمقعدهم خلاف رسول (1) رسول الله " ومعناه أيضا بعدك، قال الشاعر: # عفت الديار خلافهم فكأنما * بسط الشواطب بينهن حصيرا بسط البواسط، في ~~الماوردي، يقال: شطبت المرأة الجريد إذا شقته لتعمل منه الحصر - قال أبو ~~عبيد: ثم تلقيه الشاطبة إلى المنقية. وقيل: " خلفك " بمعنى بعدك " وخلافك " ~~بمعنى مخالفتك، ذكره ابن الأنباري، إلا قليلا " فيه وجهان: أحدهما - أن ~~المدة التي لبثوها بعده ما بين إخراجهم له إلى قتلهم يوم بدر، وهذا قول من ~~ذكر أنهم قريش الثاني - ما بين ذلك وقتل بني قريظة وجلاء بنى النضير، وهذا ~~قول من ذكر أنهم اليهود قوله تعالى: سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا ~~تجد لسنتنا تحويلا (77) قوله تعالى: (سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا) أي ~~يعذبون كسنة من قد أرسلنا، فهو نصب بإضمار يعذبون، فلما سقط الخافض عمل ~~الفعل، قاله الفراء، وقيل: انتصب على معنى سننا سنة من قد أرسلنا، وقيل: هو ~~منصوب على تقدير حذف الكاف، التقدير لا يلبثون خلفك إلا قليلا كسنة من قد ~~أرسلنا، فلا يوقف على هذا التقدير على قوله: " إلا قليلا " ويقف على الأول ~~والثاني. " قبلك من رسلنا " وقف حسن، (ولا تجد لسنتنا تحويلا) أي لا خلف في ~~وعدها. # قوله تعالى: أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرءان ~~الفجر كان مشهودا (78) # PageV10P302 # فيه سبع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (أقم الصلاة لدلوك الشمس) لما ذكر مكايد المشركين ~~أمر نبيه عليه السلام بالصبر والمحافظة على الصلاة، وفيها طلب النصر على ~~الأعداء. ومثله " ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون، فسبح بحمد ربك وكن ~~من الساجدين (1) ". # وتقدم القول في معنى إقامة الصلاة في أول سورة البقرة (2). وهذا الآية ~~بإجماع من المفسرين إشارة ms3742 إلى الصلوات المفروضة. واختلف العلماء في الدلوك ~~على قولين: أحدهما - أنه زوال الشمس عن كبد السماء، قاله عمر وابنه وأبو ~~هريرة وابن عباس وطائفة سواهم من علماء التابعين وغيرهم. الثاني - أن ~~الدلوك هو المغرب، قاله على وابن مسعود وأبى بن كعب، وروى عن ابن عباس. قال ~~الماوردي: من جعل الدلوك اسما لغروبها فلان الانسان يدلك عينيه براحته ~~لتبينها حالة المغيب، ومن جعله اسما لزوالها فلانه يدلك عينيه لشدة شعاعها. ~~وقال أبو عبيد: دلوكها غروبها. ودلكت براح يعنى الشمس، أي غابت وأنشد قطرب: # هذا مقام قدمي رباح * ذبب حتى دلكت براح براح (بفتح الباء) على وزن حزام ~~وقطام ورقاس اسم من أسماء الشمس. ورواه الفراء (بكسر الباء (4)) وهو جمع ~~راحة وهي الكف، أي غابت وهو ينظر إليها وقد جعل كفه على حاجبه. ومنه قوله ~~العجاج: # والشمس قد كادت تكون دنفا * أدفعها بالراح كي تزحلفا قال ابن الأعرابي: ~~الزحلوفة مكان منحدر أملس، لأنهم يتزحلفون فيه. قال: والزحلفة كالدحرجة ~~والدفع، يقال: زحلفته فتزحلف. ويقال: دلكت الشمس إذا غابت. # قال ذو الرمة: # مصابيح ليست باللواتي تقودها * نجوم ولا بالآفلات الدوالك # PageV10P303 # قال ابن عطية: الدلوك هو الميل - في اللغة - فأول الدلوك هو الزوال وآخره ~~هو الغروب. ومن وقت الزوال إلى الغروب يسمى دلوكا، لأنها في حالة ميل. فذكر ~~الله تعالى الصلوات التي تكون في حالة الدلوك وعنده، فيدخل في ذلك الظهر ~~والعصر والمغرب، ويصح أن تكون المغرب داخلة في غسق الليل. وقد ذهب قوم إلى ~~أن صلاة الظهر يتمادى وقتها من الزوال إلى الغروب، لأنه سبحانه علق وجوبها ~~على الدلوك، وهذا دلوك كله، قاله الأوزاعي وأبو حنيفة في تفصيل. وأشار إليه ~~مالك والشافعي في حالة الضرورة. # الثانية - قوله تعالى: (إلى غسق الليل) روى مالك عن ابن عباس قال: دلوك ~~الشمس ميلها، وغسق الليل اجتماع الليل وظلمته. وقال أبو عبيدة: الغسق سواد ~~الليل. # قال ابن قيس الرقيات: # إن هذا الليل قد غسقا * واشتكيت الهم والأرقا وقد قيل: غسق الليل مغيب ~~الشفق. وقيل: إقبال ظلمته. قال زهير: ms3743 # ظلت تجود يدها وهي لاهية * حتى إذا جنح الاظلام والغسق يقال: غسق الليل ~~غسوقا. والغسق اسم بفتح السين. وأصل الكلمة من السيلان، يقال: # غسقت العين إذا سالت، تغسق. وغسق الجرح غسقانا، أي سال منه ماء أصفر. ~~وأغسق المؤذن، أي أخر المغرب إلى غسق الليل. وحكى الفراء: غسق الليل وأغسق، ~~وظلم أظلم، ودجا وأدجى، وغبس وأغبس، وغبش وأغبش. وكان الربيع بن خثيم (1) ~~يقول لمؤذنه في يوم غيم: أغسق أغسق. يقول: أخر المغرب حتى يغسق الليل، وهو ~~إظلامه. # الثالثة - اختلف العلماء في آخر وقت المغرب، فقيل: وقتها وقت واحد لا وقت ~~لها إلا حين تحجب الشمس، وذلك بين في إمامة جبريل، فإنه صلاها باليومين ~~لوقت واحد وذلك غروب الشمس، وهو الظاهر من مذهب مالك عند أصحابه. وهو أحد ~~قولي الشافعي في المشهور عنه أيضا وبه قال الثوري. وقال مالك في الموطأ: ~~فإذا غاب الشفق فقد خرجت من وقت المغرب ودخل وقت العشاء. وبهذا قال أبو ~~حنيفة وأصحابه والحسن # PageV10P304 # بن حي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود، لان وقت الغروب إلى الشفق غسق كله. ~~ولحديث أبى موسى، وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالسائل المغرب في ~~اليوم الثاني فأخر حتى كان سقوط الشفق. خرجه مسلم. قالوا: وهذا أولى من ~~أخبار إمامة جبريل، لأنه متأخر بالمدنية وإمامة جبريل بمكة، والمتأخر أولى ~~من فعله وأمره، لأنه ناسخ لما قبله. # وزعم ابن العربي أن هذا القول هو المشهور من مذهب مالك، وقوله في موطئه ~~الذي أقرأه طول عمره وأملاه في حياته. # والنكتة في هذا أن الأحكام المتعلقة بالأسماء هل تتعلق بأوائلها أو ~~بآخرها أو يرتبط الحكم بجميعها؟ والأقوى في النظر أن يرتبط الحكم بأوائلها ~~لئلا يكون ذكرها لغوا فإذا ارتبط بأوائلها جرى بعد ذلك النظر في تعلقه ~~بالكل إلى الآخر. # قلت: القول بالتوسعة أرجح. وقد خرج الامام الحافظ أبو محمد عبد الغنى بن ~~سعيد من حديث الأجلح بن عبد الله الكندي عن أبي الزبير عن جابر قال: خرج ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من ms3744 مكة قريبا من غروب الشمس فلم يصل المغرب ~~حتى أتى سرف، وذلك تسعة أميال. وأما القول بالنسخ فليس بالبين وإن كان ~~التاريخ معلوما، فإن الجمع ممكن. قال علماؤنا: تحمل أحاديث جبريل على ~~الأفضلية في وقت المغرب، ولذلك اتفقت الأمة فيها على تعجيلها والمبادرة ~~إليها في حين غروب الشمس. قال ابن خويز منداد: ولا نعلم أحدا من المسلمين ~~تأخر بإقامة المغرب في مسجد جماعة عن وقت غروب الشمس. وأحاديث التوسعة تبين ~~وقت الجواز، فيرتفع التعارض ويصح الجمع، وهو أولى من الترجيح باتفاق ~~الأصوليين، لان فيه إعمال كل واحد من الدليلين، والقول بالنسخ أو الترجيح ~~فيه إسقاط أحدهما. والله أعلم. # الرابعة - قوله تعالى: (وقرآن الفجر) انتصب " قرآن " من وجهين: أحدهما أن ~~يكون معطوفا على الصلاة، المعنى: وأقم قرآن الفجر أي صلاة الصبح، قاله ~~الفراء. وقال أهل البصرة. انتصب على الاغراء، أي فعليك بقرآن الفجر، قال ~~الزجاج. وعبر عنها بالقرآن PageV10P305 # خاصة دون غيرها من الصلوات، لان القرآن هو أعظمها، إذ قراءتها طويلة ~~مجهور بها حسبما هو مشهور مسطور، عن الزجاج أيضا. # قلت: وقد استقر عمل المدينة على استحباب إطالة القراءة في الصبح قدرا لا ~~يضر بمن خلفه - يقرأ فيها بطوال المفصل، ويليها في ذلك الظهر والجمعة - ~~وتخفيف القراءة في المغرب وتوسطها في العصر والعشاء. وقد قيل في العصر: ~~إنها تخفف كالمغرب. وأما ما ورد في صحيح مسلم وغيره من الإطالة فيما استقر ~~فيه التقصير، أو من التقصير فيما استقرت فيه الإطالة، كقراءته في الفجر ~~المعوذتين - كما رواه النسائي - وكقراءة الأعراف والمرسلات والطور في ~~المغرب، فمتروك بالعمل. ولانكاره على معاذ التطويل، حين أم قومه في العشاء ~~فافتتح سورة البقرة. خرجه الصحيح. وبأمره الأئمة بالتخفيف فقال: " أيها ~~الناس إن منكم منفرين فأيكم أم الناس فليخفف فإن فيهم الصغير والكبير ~~والمريض والسقيم والضعيف وذا الحاجة ". وقال: " فإذا صلى أحدكم وحده فليطول ~~ما شاء ". كله مسطور في صحيح الحديث. # الخامسة - قوله تعالى: " وقرآن الفجر " دليل على أن لا صلاة إلا بقراءة، ~~لأنه سمى الصلاة قرآنا. وقد اختلف ms3745 العلماء في القراءة في الصلاة فذهب ~~جمهورهم إلى وجوب قراءة أم القرآن للامام والفذ في كل ركعة. وهو مشهور قول ~~مالك. وعنه أيضا أنها واجبة في جل الصلاة. وهو قول إسحاق. وعنه أيضا تجب في ~~ركعة واحدة، قاله المغيرة وسحنون. # وعنه أن القراءة لا تجب في شئ من الصلاة. وهو أشذ الروايات عنه. وحكى عن ~~مالك أيضا أنها تجب في نصف الصلاة، وإليه ذهب الأوزاعي. وعن الأوزاعي أيضا ~~وأيوب أنها تجب على الامام والفذ والمأموم على كل حال. وهو أحد قولي ~~الشافعي. وقد مضى في (الفاتحة (1) مستوفى. # السادسة - قوله تعالى: (كان مشهودا) روى الترمذي عن أبي هريرة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم في قوله: " وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا " ~~قال: " تشهده # PageV10P306 # ملائكة الليل وملائكة النهار " هذا حديث حسن صحيح. ورواه على بن مسهر عن ~~الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة وأبى سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم. ~~وروى البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " فضل صلاة ~~الجميع على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة وتجتمع ملائكة الليل وملائكة ~~النهار في صلاة الصبح ". يقول أبو هريرة: # اقرؤوا إن شئتم " وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا ". ولهذا المعنى ~~أيضا قال مالك والشافعي: التغليس بالصبح أفضل. وقال أبو حنيفة: الأفضل ~~الجمع بين التغليس والأسقار، فإن فاته ذلك فالأسفار أولى من التغليس. وهذا ~~مخالف لما كان عليه السلام يفعله من المداومة على التغليس، وأيضا فإن فيه ~~تفويت شهود ملائكة الليل. والله أعلم. # السابعة - استدل بعض العلماء بقوله صلى الله عليه وسلم: " تشهده ملائكة ~~الليل وملائكة النهار " على أن صلاة الصبح ليست من صلاة الليل ولا من صلاة ~~النهار. # قلت: وعلى هذا فلا تكون صلاة العصر أيضا لا من صلاة الليل ولا من صلاة ~~النهار، فإن في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم الفصيح عليه السلام ~~فيما رواه أبو هريرة: " يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ~~فيجتمعون في صلاة العصر وصلاة الفجر " الحديث. ومعلوم ms3746 أن صلاة العصر من ~~النهار فكذلك تكون صلاة الفجر من الليل وليس كذلك، وإنما هي من النهار ~~كالعصر بدليل الصيام والايمان، وهذا واضح. # قوله تعالى: ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ~~(79) فيه ست مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (من الليل) " من " للتبعيض. والفاء في قوله " فتهجد ~~" ناسقة على مضمر، أي قم فتهجد. (به) أي بالقرآن. والتهجد من الهجود وهو من ~~الأضداد. يقال: هجد نام، وهجد سهر، على الضد. قال الشاعر: PageV10P307 # ألا زارت أهل منى هجود * وليت خيالها بمنى يعود آخر: # ألا طرقتنا والرفاق هجود * فباتت بعلات (1) النوال تجود يعنى نياما. وهجد ~~وتهجد بمعنى. وهجدته أي أنمته، وهجدته أي أيقظته. والتهجد التيقظ بعد رقدة، ~~فصار اسما للصلاة، لأنه ينتبه لها. فالتهجد القيام إلى الصلاة من النوم. ~~قال معناه الأسود وعلقمة وعبد الرحمن بن الأسود وغيرهم. وروى إسماعيل بن ~~إسحاق القاضي من حديث الحجاج بن عمر صاحب النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: أيحسب أحدكم إذا قام من الليل كله أنه قد تهجد! إنما التهجد الصلاة ~~بعد رقدة ثم الصلاة بعد رقدة ثم الصلاة بعد رقدة. كذلك كانت صلاة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. وقيل: الهجود النوم. يقال: # تهجد الرجل إذا سهر، وألقى الهجود وهو النوم. ويسمى من قام إلى الصلاة ~~متهجدا، لان المتهجد هو الذي يلقى الهجود الذي هو النوم عن نفسه. وهذا ~~الفعل جار مجرى تحوب وتحرج وتأثم وتحنث وتقذر وتنجس، إذا ألقى ذلك عن نفسه. ~~ومثله قوله تعالى: " فظلتم تفكهون (2) " معناه تندمون، أي تطرحون الفكاهة ~~عن أنفسكم، وهي انبساط النفوس وسرورها. يقال: رجل فكه إذا كان كثير السرور ~~والضحك. والمعنى في الآية: ووقتا من الليل اسهرته في صلاة وقراءة. # الثانية - قوله تعالى: (نافلة لك) أي كرامة لك، قاله مقاتل. واختلف ~~العلماء في تخصيص النبي صلى الله عليه وسلم بالذكر دون أمته، فقيل: كانت ~~صلاة الليل فريضة عليه لقوله: " نافلة لك " أي فريضة زائدة على الفريضة ~~الموظفة على الأمة. # قلت: وفى هذا التأويل ms3747 بعد لوجهين: أحدهما - تسمية الفرض بالنفل، وذلك ~~مجاز لا حقيقة. الثاني - قوله صلى الله عليه وسلم: " خمس صلوات فرضهن الله ~~على العباد "، وقوله تعالى: " هن خمس وهن خمسون لا يبدل القول لدى " وهذا ~~نص، فكيف يقال: # افترض عليه صلاة زائدة على خمس، هذا ما لا يصح، وإن كان قد روى عنه عليه ~~السلام: # " # PageV10P308 # " ثلاث علي فريضة ولأمتي تطوع قيام الليل والوتر والسواك ". وقيل: كانت ~~صلاة الليل تطوعا منه وكانت في الابتداء واجبة على الكل، ثم نسخ الوجوب ~~فصار قيام الليل تطوعا بعد فريضة، كما قالت عائشة، على ما يأتي مبينا في ~~سورة " المزمل (1) إن شاء الله تعالى. # وعلى هذا يكون الامر بالتنفل على جهة الندب ويكون الخطاب للنبي صلى الله ~~عليه وسلم، لأنه مغفور له. فهو إذا تطوع بما ليس بواجب عليه كان ذلك زيادة ~~في الدرجات. وغيره من الأمة تطوعهم كفارات وتدارك لخلل يقع في الفرض، قال ~~معناه مجاهد وغيره. وقيل: # عطية، لان العبد لا ينال من السعادة عطاء أفضل من التوفيق في العبادة. # الثالثة - قوله تعالى: (عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا) اختلف في المقام ~~المحمود على أربعة أقوال: # الأول - وهو أصحها - الشفاعة للناس يوم القيامة، قاله حذيفة بن اليمان. ~~وفى صحيح البخاري عن ابن عمر قال: إن الناس يصيرون يوم القيامة جثا (2) كل ~~أمة تتبع نبيها تقول: # يا فلان اشفع، حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فذلك يوم ~~يبعثه الله المقام المحمود. وفى صحيح مسلم عن أنس قال حدثنا محمد صلى الله ~~عليه وسلم قال: " إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم إلى بعض فيأتون آدم ~~فيقولون له اشفع لذريتك فيقول لست لها ولكن عليكم بإبراهيم عليه السلام ~~فإنه خليل الله فيأتون إبراهيم فيقول لست لها ولكن عليكم بموسى فإنه كليم ~~الله فيؤتى موسى فيقول لست لها ولكن عليكم بعيسى عليه السلام فإنه روح الله ~~وكلمته فيؤتى عيسى فيقول لست لها ولكن عليكم بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~فأوتى فأقول أنا لها " وذكر الحديث. ms3748 وروى الترمذي عن أبي هريرة قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه في قوله: " عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا " سئل ~~عنها قال: " هي الشفاعة " قال: هذا حديث حسن صحيح. # PageV10P309 # إذا ثبت أن المقام المحمود هو أمر الشفاعة الذي يتدافعه الأنبياء عليهم ~~السلام، حتى ينتهى الامر إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فيشفع هذه ~~الشفاعة لأهل الموقف ليعجل حسابهم ويراحوا من هول موقفهم، وهو الخاصة به ~~صلى الله عليه وسلم، ولأجل ذلك قال: # " أنا سيد ولد آدم ولا فخر ". قال النقاش: لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ثلاث شفاعات: # العامة، وشفاعة في السب إلى الجنة، وشفاعة في أهل الكبائر. ابن عطية: ~~والمشهور أنهما شفاعتان فقط: العامة، وشفاعة في إخراج المذنبين من النار. ~~وهذه الشفاعة الثانية لا يتدافعها الأنبياء بل يشفعون ويشفع العلماء. وقال ~~القاضي أبو الفضل عياض: شفاعات نبينا صلى الله عليه وسلم يوم القيامة خمس ~~شفاعات: العامة. والثانية في إدخال قوم الجنة دون حساب. # الثالثة في قوم من موحدي أمته استوجبوا النار بذنوبهم فيشفع فيها نبينا ~~صلى الله عليه وسلم، ومن شاء الله أن يشفع ويدخلون الجنة. وهذه الشفاعة هي ~~التي أنكرتها المبتدعة: الخوارج والمعتزلة، فمنعتها على أصولهم الفاسدة، ~~وهي الاستحقاق العقلي المبنى على التحسين والتقبيح. # الرابعة فيمن دخل النار من المذنبين فيخرجون بشفاعة نبينا صلى الله عليه ~~وسلم وغيره من الأنبياء والملائكة وإخوانهم المؤمنين. الخامسة في زيادة ~~الدرجات في الجنة لأهلها وترفيعها، وهذه لا تنكرها المعتزلة ولا تنكر شفاعة ~~الحشر الأول. # قال القاضي عياض: وعرف بالنقل المستفيض سؤال السلف الصالح لشفاعة النبي ~~صلى الله عليه وسلم ورغبتهم فيها، وعلى هذا لا يلتفت لقول من قال: إنه يكره ~~أن تسأل الله أن يرزقك شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، لأنها لا تكون إلا ~~للمذنبين، فإنها قد تكون كما قدمنا لتخفيف الحساب وزيادة الدرجات. ثم كل ~~عاقل معترف بالتقصير محتاج إلى العفو غير معتد بعمله مشفق أن يكون من ~~الهالكين، ويلزم هذا القائل ألا يدعو بالمغفرة والرحمة، لأنها لأصحاب ms3749 ~~الذنوب أيضا، وهذا كله خلاف ما عرف من دعاء السلف والخلف. # روى البخاري عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ~~من قال حين يسمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت ~~محمدا - صلى الله عليه وسلم - الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي ~~وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة ". PageV10P310 # القول الثاني - أن المقام المحمود إعطاؤه لواء الحمد يوم القيامة. # قلت: وهذا القول لا تنافر بينه وبين الأول، فإنه يكون بيده لواء الحمد ~~ويشفع. # روى الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر وبيدي لواء الحمد ولا فخر وما من نبي ~~آدم فمن سواه إلا تحت لوائي " الحديث. # القول الثالث - ما حكاه الطبري عن فرقة، منها مجاهد، أنها قالت: المقام ~~المحمود هو أن يجلس الله تعالى محمد صلى الله عليه وسلم معه على كرسيه، ~~وروت في ذلك حديثا. # وعضد الطبري جواز ذلك بشطط من القول، وهو لا يخرج إلا على تلطف في ~~المعنى، وفيه بعد. ولا ينكر مع ذلك أن يروى، والعلم يتأوله. وذكر النقاش عن ~~أبي داود السجستاني أنه قال: من أنكر هذا الحديث فهو عندنا متهم، ما زال ~~أهل العلم يتحدثون بهذا، من أنكر جوازه على تأويله. قال أبو عمر ومجاهد: ~~وإن كان أحد الأئمة يتأول القرآن فإن له قولين مهجورين عند أهل العلم: ~~أحدهما هذا والثاني في تأويل قوله تعالى: " وجوه يومئذ ناضرة. إلى ربها ~~ناظرة (1) " قال: تنتظر الثواب، ليس من النظر. # قلت. ذكر هذا في باب ابن شهاب في حديث التنزيل. وروى عن مجاهد أيضا في ~~هذه الآية قال: يجلسه على العرش. وهذا تأويل غير مستحيل، لان الله تعالى ~~كان قبل خلقه الأشياء كلها والعرش قائما بذاته، ثم خلق الأشياء من غير حاجة ~~إليها، بل إظهارا لقدرته وحكمته، وليعرف وجوده وتوحيده وكمال قدرته وعلمه ~~بكل أفعاله المحكمة، وخلق لنفسه عرشا استوى عليه كما شاء من غير أن ms3750 صار له ~~مماسا، أو كان العرش له مكانا. قيل: هو الآن على الصفة التي كان عليها من ~~قبل أن يخلق المكان والزمان، فعلى هذا القول سواء في الجواز أقعد محمد على ~~العرش أو على الأرض، لان استواء الله تعالى على العرش ليس بمعنى الانتقال ~~والزوال وتحويل الأحوال من القيام والقعود والحال التي تشغل العرش، بل هو ~~مستو على عرشه # PageV10P311 # كما أخبر عن نفسه بلا كيف. وليس إقعاده محمدا على العرش موجبا له صفة ~~الربوبية أو مخرجا له عن صفة العبودية، بل هو رفع لمحله وتشريف له على ~~خلقه. وأما قوله في الاخبار: # " معه " فهو بمنزلة قوله: " إن الذين عند ربك (1) "، و " رب ابن لي عندك ~~بيتا في الجنة (2) ". # " وإن الله لمع المحسنين (3) " ونحو ذلك. كل ذلك عائد إلى الرتبة ~~والمنزلة والحظوة والدرجة الرفيعة، لا إلى المكان. # الرابع - إخراجه من النار بشفاعته من يخرج، قاله جابر بن عبد الله. ذكره ~~مسلم. # وقد ذكرناه في (كتاب التذكرة) والله الموفق. # السادسة - اختلف العلماء في كون القيام بالليل سببا للمقام المحمود على ~~قولين: # أحدهما: أن البارئ تعالى يجعل ما شاء من فعله سببا لفضله من غير معرفه ~~بوجه الحكمة فيه، أو بمعرفة وجه الحكمة. الثاني: أن قيام الليل فيه الخلوة ~~مع البارئ والمناجاة دون الناس، فأعطى الخلوة به ومناجاته في قيامه وهو ~~المقام المحمود. ويتفاضل فيه الخلق بحسب درجاتهم، فأجلهم فيه درجة محمد صلى ~~الله عليه وسلم، فإنه يعطى ما لا يعطى أحد ويشفع ما لا يشفع أحد. و " عسى " ~~من الله عز وجل واجبة. و " مقاما " نصب على الظرف. أي في مقام أو إلى مقام. ~~وذكر الطبري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " المقام ~~المحمود هو المقام الذي أشفع فيه لامتي ". فالمقام الموضع الذي يقوم فيه ~~الانسان للأمور الجليلة كالمقامات بين يدي الملوك. # قوله تعالى: وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك ~~سلطنا نصيرا (80) قيل: المعنى أمتني إماتة صدق، وابعثني يوم القيامة مبعث ms3751 ~~صدق، ليتصل بقوله: # " عسى أن يبعثك ربك مقام محمودا ". كأنه لما وعده ذلك أمره أن يدعو لينجز ~~له # PageV10P312 # الوعد. وقيل: أدخلني في المأمور وأخرجني من المنهى. وقيل: علمه ما يدعو ~~به في صلاته وغيرها من إخراجه من بين المشركين وإدخاله موضع الامن، فأخرجه ~~من مكة وصيره إلى المدينة. وهذا المعنى رواه الترمذي عن ابن عباس قال: كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم بمكة ثم أمر بالهجرة فنزلت " وقل رب أدخلني مدخل ~~صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا " قال: هذا حديث حسن ~~صحيح. وقال الضحاك: هو خروجه من مكة ودخوله مكة يوم الفتح آمنا. أبو سهل: ~~حين رجع من تبوك وقد قال المنافقون: # " ليخرجن الأعز منها الأذل (1) " يعنى إدخال عز وإخراج نصر إلى مكة. ~~وقيل: المعنى أدخلني في الامر الذي أكرمتني به من النبوة مدخل صدق وأخرجني ~~منه مخرج صدق إذا أمتني، قال معناه مجاهد. والمدخل والمخرج (بضم الميم) ~~بمعنى الادخال والاخراج، كقوله: " أنزلني منزلا مباركا (2) " أي إنزالا لا ~~أرى فيه ما أكره. وهي قراءة العامة. وقرأ الحسن وأبو العالية ونصر بن عاصم ~~" مدخل " و " مخرج ". بفتح الميمين بمعنى الدخول والخروج، فالأول رباعي ~~وهذا ثلاثي. وقال ابن عباس: أدخلني القبر مدخل صدق عند الموت وأخرجني مخرج ~~صدق عند البعث. وقيل: أدخلني حيثما أدخلتني بالصدق وأخرجني بالصدق، أي لا ~~تجعلني ممن يدخل بوجه ويخرج بوجه، فإن ذا الوجهين لا يكون وجيها عندك. ~~وقيل: # الآية عامة في كل ما يتناول من الأمور ويحاول من الاسفار والأعمال، ~~وينتظر من تصرف المقادير في الموت والحياة. فهي دعاء، ومعناه: رب أصلح لي ~~وردي في كل الأمور وقوله: (واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا) قال الشعبي ~~وعكرمة: أي حجة ثابتة. وذهب الحسن إلى أنه العز والنصر وإظهار دينه على ~~الدين كله. قال: فوعده الله لينزعن ملك فارس والروم وغيرها فيجعله له. # قوله تعالى: وقل جاء الحق وزهق الباطل إن البطل كان زهوقا (81) # PageV10P313 # فيه ثلاث مسائل: # الأولى - روى البخاري والترمذي عن ابن مسعود قال: ms3752 دخل النبي صلى الله ~~عليه وسلم مكة عام الفتح وحول الكعبة ثلاثمائة وستون نصبا، فجعل النبي صلى ~~الله عليه وسلم يطعنها بمخصرة (1) في يده - وربما قال بعود - ويقول: " جاء ~~الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا. جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد ~~(2) " لفظ الترمذي. وقال: هذا حديث حسن صحيح. وكذا في حديث مسلم " نصبا ". ~~وفى رواية صنما. قال علماؤنا: إنما كانت بهذا العدد لأنهم كانوا يعظمون في ~~يوم صنما ويخصون أعظمها بيومين. وقوله: " فجعل يطعنها بعود في يده " يقال ~~إنها كانت مثبتة بالرصاص وأنه كلما طعن منها صنما في وجهه خر لقفاه، أو في ~~قفاه خر لوجهه. وكان يقول: " جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا " ~~حكاه أبو عمر والقاضي عياض. وقال القشيري: فما بقى منها صنم إلا خر لوجهه، ~~ثم أمر بها فكسرت. # الثانية - في هذه الآية دليل على كسر نصب المشركين وجميع الأوثان إذا غلب ~~عليهم، ويخل بالمعنى كسر آلة الباطل كله، وما لا يصلح إلا لمعصية الله ~~كالطنابير والعيدان والمزامير التي لا معنى لها إلا اللهو بها عن ذكر الله ~~تعالى. قال ابن المنذر: وفى معنى الأصنام الصور المتخذة من المدر والخشب ~~وشبهها، وكل ما يتخذه الناس مما لا منفعة فيه إلا اللهو المنهى عنه. ولا ~~يجوز بيع شئ منه إلا الأصنام التي تكون من الذهب والفضة والحديد والرصاص، ~~إذا غيرت عما هي عليه وصارت نقرا (3) أو قطعا فيجوز بيعها والشراء بها. قال ~~المهلب: وما كسر من آلات الباطل وكان في حبسها بعد كسرها منفعة فصاحبها ~~أولى بها مكسورة، إلا أن يرى الامام حرقها بالنار على معنى التشديد ~~والعقوبة في المال. وقد تقدم حرق ابن عمر رضي الله عنه (4). وقد هم النبي ~~صلى الله عليه وسلم بتحريق دور من تخلف عن صلاة الجماعة. وهذا أصل في ~~العقوبة في المال مع قوله عليه السلام في الناقة التي لعنتها صاحبتها: # PageV10P314 # " دعوها فإنها ملعونة " فأزال ملكها عنها تأديبا لصاحبتها، وعقوبة لها ~~فيما دعت عليه بما دعت به. وقد ms3753 أراق عمر بن الخطاب رضي الله عنه لبنا شيب ~~بماء على صاحبه. # الثالثة - ما ذكرنا من تفسير الآية ينظر إلى قوله صلى الله عليه وسلم: " ~~والله لينزلن عيسى بن مريم حكما عادلا فليكسرن الصليب وليقتلن الخنزير ~~وليضعن الجزية ولتتركن القلاص (1) فلا يسعى عليها " الحديث. خرجه الصحيحان. ~~ومن هذا الباب هتك النبي صلى الله عليه وسلم الستر الذي فيه الصور، وذلك ~~أيضا دليل على إفساد الصور وآلات الملاهي كما ذكرنا. وهذا كله يحظر المنع ~~من اتخاذها ويوجب التغيير على صاحبها. إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم ~~القيامة ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم، وحسبك! وسيأتي هذا المعنى في " النمل، ~~(2) " إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: (وقل جاء الحق) أي الاسلام. وقيل: القرآن، قال مجاهد. وقيل: # الجهاد. (وزهق الباطل) قيل الشرك. وقيل الشيطان، قاله مجاهد. والصواب ~~تعميم اللفظ بالغاية الممكنة، فيكون التفسير جاء الشرع بجميع ما انطوى فيه. ~~" وزهق الباطل ": # بطل الباطل. ومن هذا زهوق النفس وهو بطلانها. يقال زهقت نفسه تزهق زهوقا، ~~وأزهقتها. (إن الباطل كان زهوقا) أي لا بقاء له والحق الذي يثبت. # قوله تعالى: وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد ~~الظالمين إلا خسارا (82) فيه سبع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (وننزل) قرأ الجمهور بالنون. وقرأ مجاهد " وينزل " ~~بالياء خفيفة، ورواها المروزي عن حفص. و " من " لابتداء الغاية، ويصح أن ~~تكون لبيان الجنس، كأنه قال: وننزل ما فيه شفاء من القرآن. وفى الخبر " من ~~لم يستشف بالقرآن # PageV10P315 # فلا شفاه الله ". وأنكر بعض المتأولين أن تكون " من " للتبعيض، لأنه يحفظ ~~من أن يلزمه أن بعضه لا شفاء فيه. ابن عطية: وليس يلزمه هذا، بل يصح أن ~~تكون للتبعيض بحسب أن إنزاله إنما هو مبعض، فكأنه قال: وننزل من القرآن ~~شيئا شفاء، ما فيه كله شفاء. # الثانية - اختلف العلماء في كونه شفاء على قولين: أحدهما: أنه شفاء ~~للقلوب بزوال الجهل عنها وإزالة الريب، ولكشف غطاء القلب من مرض الجهل لفهم ~~المعجزات والأمور الدالة على الله تعالى. الثاني: شفاء من الأمراض ms3754 الظاهرة ~~بالرقى والتعوذ ونحوه. # وقد روى الأئمة - واللفظ للدارقطني - عن أبي سعيد الخدري قال: بعثنا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في سرية ثلاثين راكبا قال: فنزلنا على قوم من ~~العرب فسألناهم أن يضيفونا فأبوا، قال: فلدغ سيد الحي، فأتونا فقالوا: فيكم ~~أحد يرقى من العقرب؟ في رواية ابن قتة: إن الملك يموت. قال: قلت أنا نعم، ~~ولكن لا أفعل حتى تعطونا. فقالوا: فإنا نعطيكم ثلاثين شاة. قال: فقرأت عليه ~~" الحمد لله رب العالمين " سبع مرات فبرأ. # في رواية سليمان بن قتة عن أبي سعيد: فأفاق وبرأ. فبعث إلينا بالنزل وبعث ~~إلينا بالشاء، فأكلنا الطعام أنا وأصحابي وأبوا أن يأكلوا من الغنم، حتى ~~أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته الخبر فقال: " وما يدريك أنها ~~رقية " قلت: يا رسول الله، شئ ألقى في روعي. # قال: " كلوا وأطعمونا من الغنم " خرجه في كتاب السنن. وخرج في (كتاب ~~المديح (1) من حديث السرى بن يحيى قال: حدثني المعتمر بن سليمان عن ليث بن ~~أبي سليم عن الحسن عن أبي أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~" ينفع بإذن الله تعالى من البرص والجنون والجذام والبطن والسل والحمى ~~والنفس أن تكتب بزعفران أو بمشق - يعنى المغرة - أعوذ بكلمات الله التامة ~~وأسمائه كلها عامة من شر السامة والعامة ومن شر العين اللامة ومن شر حاسد ~~إذا حسد ومن أبى فروة وما ولد ". كذا قال، ولم يقل من شر أبى قترة. العين ~~اللامة: التي تصيب بسوء. تقول: أعيذه من كل هامة لامة. وأما قوله: # PageV10P316 # أعيذه من حادثات اللمة فيقول: هو الدهر. ويقال الشدة. والسامة: الخاصة. # يقال: كيف السامة والعامة. والسامة السم. ومن أبى فروة وما ولد. وقال: ~~ثلاثة وثلاثون من الملائكة أتوا ربهم عز وجل فقالوا: وصب بأرضنا. فقال: ~~خذوا تربة من أرضكم فامسحوا نواصيكم. أو قال: نواصيكم (1) رقية محمد صلى ~~الله عليه وسلم لا أفلح من كتمها أبدا أو أخذ عليها صفدا (2). ثم تكتب ~~فاتحة الكتاب وأربع أيات من أول البقرة، ms3755 والآية التي فيها تصريف الرياح ~~وآية الكرسي والآيتين اللتين بعدها، وخواتيم سورة البقرة من موضع " لله ما ~~في السماوات وما في الأرض " إلى آخرها، وعشرا من أول " آل عمران " وعشرا من ~~آخرها، وأول آية من النساء، وأول آية من المائدة، وأول آية من الانعام، ~~وأول آية من الأعراف، والآية التي في الأعراف " إن ربكم الله الذي خلق ~~السماوات والأرض (3) " حتى تختم الآية، والآية التي في يونس من موضع " قال ~~موسى ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين (4) ". ~~والآية التي في طه " وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ~~ولا يفلح الساحر حيث أتى (5) "، وعشرا من أول الصافات، و " قل هو الله أحد ~~"، والمعوذتين. تكتب في إناء نظيف ثم تغسل ثلاث مرات بماء نظيف ثم يحثو منه ~~الوجع ثلاث حثوات ثم يتوضأ منه كوضوئه للصلاة ويتوضأ قبل وضوئه للصلاة حتى ~~يكون على طهر قبل أن يتوضأ به ثم يصب على رأسه وصدره وظهره ولا يستنجى به ~~ثم يصلى ركعتين ثم يستشفى الله عز وجل، يفعل ذلك ثلاثة أيام، قدر ما يكتب ~~في كل يوم كتابا. # في رواية: ومن شر أبى قترة وما ولد. وقال: " فامسحوا نواصيكم (6) " ولم ~~يشك. وروى البخاري عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينفث على نفسه ~~في المرض الذي مات فيه بالمعوذات فلما ثقل كنت أنفث عليه بهن وأمسح بيد ~~نفسه لبركتها. فسألت (7) الزهري كيف كان ينفث؟ قال: كان ينفث على يديه ثم ~~يمسح بهما وجهه. وروى مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كان إذا اشتكى قرأ على نفسه # PageV10P317 # المعوذتين وتفل أو نفث. قال أبو بكر بن الأنباري: قال اللغويون تفسير " ~~نفث " نفخ نفحا ليس معه ريق. ومعنى " تفل " نفخ نفخا معه ريق. قال الشاعر: # فإن يبرأ فلم أنفث عليه * وإن يفقد فحق له الفقود وقال ذو الرمة: # ومن جوف ماء عرمض الحول فوقه * متى يحس ms3756 منه مائح القوم يتفل (1) أراد ~~ينفخ بريق. وسيأتي ما للعلماء في النفث في سورة الفلق (2) إن شاء الله ~~تعالى. # الثالثة - روى ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكره الرقي ~~إلا بالمعوذات. قال الطبري: وهذا حديث لا يجوز الاحتجاج بمثله في الدين، إذ ~~في نقلته من لا يعرف. ولو كان صحيحا لكان إما غلطا وإما منسوخا، لقوله عليه ~~السلام في الفاتحة " ما أدراك أنها رقية ". وإذا جاز الرقي بالمعوذتين وهما ~~سورتان من القرآن كانت الرقية بسائر القرآن مثلهما في الجواز إذ كله قرآن. ~~وروى عنه عليه السلام أنه قال: " شفاء أمته في ثلاث آية (3)، من كتاب الله ~~أو لعقة من عسل أو شرطة من محجم ". وقال رجاء الغنوي: # ومن لم يستشف بالقرآن فلا شفاء له. # الرابعة - واختلف العلماء في النشرة، وهي أن يكتب شيئا من أسماء الله أو ~~من القرآن ثم يغسله بالماء ثم يمسح به المريض أو يسقيه، فأجازها سعيد بن ~~المسيب. قيل له: الرجل يؤخذ عن امرأته أيحل عنه وينشر؟ قال: لا بأس به، وما ~~ينفع لم ينه عنه. ولم ير مجاهد أن تكتب آيات من القران ثم تغسل ثم يسقاه ~~صاحب الفزع. وكانت عائشة تقرأ بالمعوذتين في إناء ثم تأمر أن يصب على ~~المريض. وقال المازري أبو عبد الله: النشرة أمر معروف عند أهل التعزيم، ~~وسميت بذلك لأنها تنشر عن صاحبها أي تحل. ومنعها الحسن وإبراهيم النخعي، ~~قال النخعي: أخاف أن يصيبه بلاء، وكأنه ذهب إلى أنه ما محى (4) به القرآن ~~فهو # PageV10P318 # إلى أن يعب بلاء أقرب منه إلى أن يفيد شفاء. وقال الحسن: سألت أنسا فقال: # ذكروا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنها من الشيطان. وقد روى أبو داود من ~~حديث جابر بن عبد الله قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النشرة ~~فقال: " من عمل الشيطان ". # قال ابن عبد البر. وهذه آثار لينة ولها وجوه محتملة، وقد قيل: إن هذا ~~محمول على ما إذا كانت خارجة عما في كتاب ms3757 الله وسنة رسوله عليه السلام، وعى ~~المداواة المعروفة. والنشرة من جنس الطب فهي غسالة شئ له فضل، فهي كوضوء ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وقال صلى الله عليه وسلم: " لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك ومن استطاع ~~منكم أن ينفع أخاه فليفعل ". # قلت: قد ذكرنا النص في النشرة مرفوعا وأن ذلك لا يكون إلا من كتاب الله ~~فليعتمد عليه. # الخامسة - قال مالك: لا بأس بتعليق الكتب التي فيها أسماء الله عز وجل ~~على أعناق المرضى على وجه التبرك بها إذا لم يرد معلقها بتعليقها مدافعة ~~العين. وهذا معناه قبل أن ينزل به شئ من العين. وعلى هذا القول جماعة أهل ~~العلم، لا يجوز عندهم أن يعلق على الصحيح من البهائم أو بني آدم شئ من ~~العلائق خوف نزول العين، وكل ما يعلق بعد نزول البلاء من أسماء الله عز وجل ~~وكتابه رجاء الفرج والبرء من الله تعالى، فهو كالرقي المباح الذي وردت ~~السنة بإباحته من العين وغيرها. وقد روى عبد الله بن عمرو قال قال وسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: (إذا فزع أحدكم في نومه فليقل أعوذ بكلمات الله ~~التامة من غضبه وسوء عقابه ومن شر الشياطين وأن يحضرون). وكان عبد الله ~~يعلمها ولده من أدرك منهم، ومن لم يدرك كتبها وعلقها عليه. فإن قيل: فقد ~~روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من علق شيئا وكل إليه ". ورأى ابن مسعود على أم ولده تميمة مربوطة ~~فجبذها جبذا شديدا فقطعها وقال: إن آل ابن مسعود لأغنياء عن الشرك، ثم قال: ~~إن التمائم والرقي والتولة من الشرك. قيل: ما التولة؟ قال: ما تحببت به ~~لزوجها. وروى عن عقبة بن عامر الجهني قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: " من علق تميمة فلا أتم الله له PageV10P319 # ومن علق ودعة فلا ودع الله له قلبا ". قال الخليل بن أحمد: التميمة قلادة ~~فيها عوذ، والودعة خرز. وقال أبو عمر: التميمة في كلام العرب القلادة، ~~ومعناه عند ms3758 أهل العلم ما علق في الأعناق من القلائد خشية العين أو غيرها ~~{من أنواع البلاء وكأن المعنى في الحديث من يعلق خشية ما عسى (1)} من تنزل ~~أو لا تنزل قبل أن تنزل. فلا أتم الله عليه صحته وعافيته، ومن تعلق ودعة - ~~وهي مثلها في المعنى - فلا ودع الله له، أي فلا بارك الله له ما هو فيه من ~~العافية. والله أعلم. وهذا كله تحذير مما كان أهل الجاهلية يصنعونه من ~~تعليق التمائم والقلائد، ويظنون أنها تقيهم وتصرف عنهم البلاء، وذلك لا ~~يصرفه إلا الله عز وجل، وهو المعافى والمبتلى، لا شريك له. فنهاهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عما كانوا يصنعون من ذلك في جاهليتهم. وعن عائشة ~~قالت: ما تعلق بعد نزول البلاء فليس من التمائم. # وقد كره بعض أهل العلم تعليق التميمة على كل حال قبل نزول البلاء وبعده. ~~والقول الأول أصح في الأثر والنظر إن شاء الله تعالى. وما روى عن ابن مسعود ~~يجوز أن يريد بما كره تعليقه غير القرآن أشياء مأخوذة عن العراقيين ~~والكهان، إذ الاستشفاء بالقرآن معلقا وغير معلق لا يكون شركا، وقوله عليه ~~السلام: " من علق شيئا وكل إليه " فمن علق القرآن ينبغي أن يتولاه الله ولا ~~يكله إلى غيره، لأنه تعالى هو المرغوب إليه والمتوكل عليه في الاستشفاء ~~بالقرآن. # وسئل ابن المسيب عن التعويذ أيعلق؟ قال: إذا كان في قصبة أو رقعة يحرز ~~فلا بأس به. # وهذا على أن المكتوب قرآن. وعن الضحاك أنه لم يكن يرى بأسا أن يعلق الرجل ~~الشئ من كتاب الله إذا وضعه عند الجماع وعند الغائط. ورخص أبو جعفر محمد بن ~~علي في التعويذ يعلق على الصبيان. وكان ابن سيرين لا يرى بأسا بالشئ من ~~القرآن يعلقه الانسان. # السادسة - قوله تعالى: (ورحمة للمؤمنين) تفريج الكروب وتطهير العيوب ~~وتكفير الذنوب مع ما تفضل به تعالى من الثواب في تلاوته، كما روى الترمذي ~~عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من قرأ حرفا ms3759 ~~من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول آلم حرف بل ألف حرف ~~ولام حرف وميم حرف ". قال هذا حديث حسن صحيح غريب. وقد تقدم. (ولا يزيد ~~الظالمين إلا خسارا) لتكذيبهم. قال # PageV10P320 # قتادة: ما جالس أحد القرآن إلا قام عنه بزيادة أو نقصان، ثم قرأ: " وننزل ~~من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين " الآية. ونظير هذه الآية قوله: " قل ~~هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليه عمى (1) ~~". وقيل: شفاء في الفرائض والاحكام لما فيه من البيان. # قوله تعالى (وإذا أنعمنا على الانسان أعرض ونئا بجانبه وإذا مسه الشر كان ~~يئوسا (83) قوله تعالى: (وإذا أنعمنا على الانسان أعرض ونأى بجانبه) أي ~~هؤلاء الذين يزيدهم القرآن خسارا صفتهم الاعراض عن تدبر آيات الله والكفران ~~لنعمه. وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة. ومعنى " نأى بجانبه " أي تكبر ~~وتباعد. وناء مقلوب منه، والمعنى: بعد عن القيام بحقوق الله عز وجل، يقال: ~~نأى الشئ أي بعد. ونأيته ونأيت عنه بمعنى، أي بعدت. # وأنأيته فانتأى، أي أبعدته فبعد. وتناءوا تباعدوا. والمنتأى: الموضع ~~البعيد. # قال النابغة: # فإنك كالليل الذي هو مدركي * وإن خلت أن المنتأى عنك واسع وقرأ ابن عامر ~~في رواية ابن ذكوان " ناء " مثل باع، الهمزة مؤخرة، وهو على طريقة القلب من ~~نأى، كما يقال: راء ورأى. وقيل: هو من النوء وهو النهوض والقيام. وقد يقال ~~أيضا للوقوع والجلوس نوء، وهو من الأضداد. وقرئ " ونئى " بفتح النون وكسر ~~الهمزة. # والعامة " نأى " في وزن رأى. (وإذا مسه الشر كان يؤسا) أي إذا ناله شدة ~~من فقر أو سقم أو بؤس يئس وقنط، لأنه لا يثق بفضل الله تعالى. # قوله تعالى: قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا (84) # PageV10P321 # قوله تعالى: (قل كل يعمل على شاكلته) قال ابن عباس: ناحيته. وقاله ~~الضحاك. مجاهد: طبيعته. وعنه: حدته. ابن زيد: على دينه. الحسن وقتادة: ~~نيته. # مقاتل: جبلته. الفراء: على طريقته ومذهبه الذي جبل عليه. وقيل. قل كل ms3760 ~~يعمل على ما هو أشكل عنده وأولى بالصواب في اعتقاده. وقيل: هو مأخوذ من ~~الشكل، يقال: # لست على شكلي ولا شاكلتي. قال الشاعر: # كل امرئ يشبهه فعله * ما يفعل المرء فهو أهله فالشكل هو المثل والنظير ~~والضرب. كقوله تعالى: " وآخر من شكله أزواج (1) ". # الشكل (بكسر الشين): الهيئة. يقال: جارية حسنة الشكل. وهذه الأقوال كلها ~~متقاربة. والمعنى: أن كل أحد يعمل على ما يشاكل أصله وأخلاقه التي ألفها، ~~وهذا ذم للكافر ومدح للمؤمن. والآية والتي قبلها نزلتا في الوليد بن ~~المغيرة، ذكره المهدوي. (فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا) أي بالمؤمن والكافر ~~وما سيحصل من كل واحد منهم. وقيل: # " أهدى سبيلا " أي أسرع قبولا. وقيل: أحسن دينا. وحكى أن الصحابة رضوان ~~الله عليهم تذاكروا القرآن فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: قرأت القرآن ~~من أوله إلى آخره فلم أر فيه آية أرجى وأحسن من قوله تبارك وتعالى: " قل كل ~~يعمل على شاكلته " فإنه لا يشاكل بالعبد إلا العصيان ولا يشاكل بالرب إلا ~~الغفران. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: # قرأت القرآن من أوله إلى آخره فلم أرى فيه آية أرجى وأحسن من قوله تعالى: ~~" بسم الله الرحمن الرحيم. حم. تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم. غافر ~~الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول (1) " قدم غفران الذنوب على قبول ~~التوبة، وفى هذا إشارة للمؤمنين. وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه: قرأت ~~جميع القرآن من أوله إلى آخره فلم أر آية أحسن وأرجى من قوله تعالى: " نبئ ~~عبادي أنى أنا الغفور الرحيم (2) ". وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: # PageV10P322 # قرأت القرآن من أوله إلى آخره فلم أر آية أحسن وأرجى من قوله تعالى: " قل ~~يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر ~~الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم (1) ". # قلت: وقرأت القرآن من أوله إلى آخره فلم أر آية أحسن وأرجى من قوله ~~تعالى: # " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الامن وهم ms3761 مهتدون (2) ~~". # قوله تعالى: ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربى وما أوتيتم من العلم ~~إلا قليلا (85) روى البخاري ومسلم والترمذي عن عبد الله قال: بينا أنا مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم في حرث وهو متكئ على عسيب إذ مر اليهود فقال ~~بعضهم لبعض: سلوه عن الروح. فقال: # ما رابكم (3) إليه؟ وقال بعضهم: لا يستقبلكم بشئ تكرهونه. فقالوا: سلوه. ~~فسألوه عن الروح فأمسك النبي صلى الله عليه وسلم فلم يرد عليهم شيئا، فعلمت ~~أنه يوحى إليه، فقمت مقامي، فلما نزل الوحي قال: " ويسئلونك عن الروح قل ~~الروح من أمر ربى وما أوتيتم من العلم إلا قليلا " لفظ البخاري. وفى مسلم: ~~فأسكت النبي صلى الله عليه وسلم. وفيه: وما أوتوا. # وقد اختلف الناس في الروح المسؤول عنه، أي الروح هو؟ فقيل: هو جبريل، ~~قاله قتادة. # قال: وكان ابن عباس يكتمه. وقيل هو عيسى. وقيل القرآن، على ما يأتي بيانه ~~في آخر الشورى (4). وقال علي بن أبي طالب: هو ملك من الملائكة له سبعون ألف ~~وجه، في كل وجه سبعون ألف لسان، في كل لسان سبعون ألف لغة، يسبح الله تعالى ~~بكل تلك اللغات، يخلق الله تعالى من كل تسبيحة ملكا يطير مع الملائكة إلى ~~يوم القيامة. ذكره الطبري. # قال ابن عطية: وما أظن القول يصح عن علي رضي الله عنه. # قلت: أسند البيهقي أخبرنا أبو زكريا عن أبي إسحاق أخبرنا أبو الحسن ~~الطرائفي حدثنا عثمان بن سعيد حدثنا عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن ~~علي بن أبي طلحة عن ابن # PageV10P323 # عباس في قوله: " ويسألونك عن الروح " يقول: الروح ملك. وبإسناده عن ~~معاوية بن صالح حدثني أبو هران (بكسر الهاء) يزيد بن سمرة عمن حدثه عن علي ~~بن أبي طالب أنه قال في قوله تعالى: " ويسئلونك عن الروح " فال: هو ملك من ~~الملائكة له سبعون ألف وجه... # الحديث بلفظه ومعناه. وروى عطاء عن ابن عباس قال: الروح ملك له أحد عشر ~~ألف جناح وألف وجه، يسبح الله إلى ms3762 يوم القيامة، ذكره النحاس. وعنه: جند من ~~جنود الله لهم أيد وأرجل يأكلون الطعام، ذكره الغزنوي. وقال الخطابي: وقال ~~بعضهم، هو ملك من الملائكة بصفة وضعوها من عظم الخلقة. وذهب أكثر أهل ~~التأويل إلى أنهم سألوه عن الروح الذي يكون به حياة الجسد. وقال أهل النظر ~~منهم: إنما سألوه عن كيفية الروح ومسلكه في بدن الانسان، وكيف امتزاجه ~~بالجسم واتصال الحياة به، وهذا شئ لا يعلمه إلا الله عز وجل. وقال أبو ~~صالح: الروح خلق كخلق بني آدم وليسوا ببني آدم، لهم أيد وأرجل. والصحيح ~~الابهام لقوله: " قل الروح من أمر ربى " دليل على (1) خلق الروح أي هو أمر ~~عظيم وشأن كبير من أمر الله تعالى، مبهما له وتاركا تفصيله، ليعرف الانسان ~~على القطع عجزه عن علم حقيقة نفسه مع العلم بوجودها. وإذا كان الانسان في ~~معرفة نفسه هكذا كان بعجزه عن إدراك حقيقة الحق أولى. وحكمة ذلك تعجيز ~~العقل عن إدراك معرفة مخلوق مجاور له، دلالة على أنه عن إدراك خالقه أعجز. # قوله تعالى: وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) اختلف فيمن خوطب بذلك، فقالت ~~فرقة: السائلون فقط. وقال قوم: المراد اليهود بجملتهم. وعلى هذا هي قراءة ~~ابن مسعود " وما أوتوا " ورواها عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقالت فرقة: ~~المراد العالم كله. وهو الصحيح، وعليه قراءة الجمهور " وما أوتيتم ". وقد ~~قالت اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم: # كيف لم نؤت من العلم إلا قليلا وقد أوتينا التوراة وهي الحكمة، ومن يؤت ~~الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا؟ فعارضهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعلم ~~الله فغلبوا. وقد نص رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله في بعض الأحاديث: ~~" كلا " يعنى أن المراد ب‍ " ما أوتيتم " جميع # PageV10P324 # العالم. وذلك أن يهود قالت له: نحن عنيت أم قومك؟. فقال: " كلا ". وفى ~~هذا المعنى نزلت " ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام (1) " حكى ذلك الطبري ~~رحمه الله وقد قيل: # إن السائلين عن الروح هم قريش، قالت لهم اليهود: سلوه عن ms3763 أصحاب الكهف وعن ~~ذي القرنين وعن الروح فإن أخبركم عن اثنين وأمسك عن واحدة فهو نبي، فأخبرهم ~~خبر أصحاب الكهف وخبر ذي القرنين على ما يأتي. وقال في الروح: " قل الروح ~~من أمر ربى " أي من الامر الذي لا يعلمه إلا الله. ذكره المهدوي وغيره من ~~المفسرين عن ابن عباس. # قوله تعالى: ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا ~~وكيلا (86) إلا رحمة من ربك إن فضله كان عليك كبيرا (87) قوله تعالى: (ولئن ~~شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك) يعنى القرآن. أي كما قدرنا على إنزاله نقدر ~~على إذهابه حتى ينساه الخلق. ويتصل هذا بقوله: " وما أوتيتم من العلم إلا ~~قليلا " أي ولو شئت أن أذهب بذلك القليل لقدرت عليه. (ثم لا تجد لك به ~~علينا وكيلا) أي ناصرا يرده عليك. (إلا رحمة من ربك) يعنى لكن لانشاء ذلك ~~رحمة من ربك، فهو استثناء ليس من الأول. وقيل: إلا أن يرحمك ربك فلا يذهب ~~به. (إن فضله كان عليك كبيرا) إذ جعلك سيد ولد آدم، وأعطاك المقام المحمود ~~وهذا الكتاب العزيز. # وقال عبد الله بن مسعود: أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، وآخر ما تفقدون ~~الصلاة، وأن هذا القرآن كأنه قد نزع منكم، تصبحون يوما وما معكم منه شئ. ~~فقال رجل: كيف يكون ذلك يا أبا عبد الرحمن! وقد ثبتناه في قلوبنا وأثبتناه ~~في مصاحفنا، نعلمه أبناءنا ويعلمه أبناؤنا أبناءهم إلى يوم القيامة! قال: ~~يسرى به في ليلة فيذهب بما في المصاحف وما في القلوب، فتصبح الناس ~~كالبهائم. ثم قرأ عبد الله " ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك " الآية. # أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة بمعناه قال: أخبرنا أبو الأحوص عن عبد العزيز ~~ابن رفيع عن # PageV10P325 # شداد بن معقل قال: قال عبد الله - يعنى ابن مسعود -: إن هذا القرآن الذي ~~بين أظهركم يوشك أن ينزع منكم. قال: قلت كيف ينزع منا وقد أثبته الله في ~~قلوبنا وثبتناه في مصاحفنا! # قال: يسرى عليه في ليلة واحدة فينزع ما ms3764 في القلوب ويذهب ما في المصاحف ~~ويصبح الناس منه فقراء. ثم قرأ " لئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك " وهذا ~~إسناد صحيح. وعن ابن عمر: لا تقوم الساعة حتى يرجع القرآن من حيث نزل، له ~~دوي كدوي النحل، فيقول الله ما بالك. فيقول: يا رب منك خرجت وإليك أعود، ~~أتلى فلا يعمل بي، أتلى ولا يعمل بي. # قلت: قد جاء معنى هذا مرفوعا من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص وحذيفة. # قال حذيفة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يدرس الاسلام كما يدرس ~~وشى الثوب حتى لا يدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة فيسري على كتاب ~~الله تعالى في ليلة فلا يبقى منه في الأرض آية وتبقى طوائف من الناس الشيخ ~~الكبير والعجوز يقولون أدركنا آباءنا على هذه الكلمة لا إله إلا الله. وهم ~~لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة ". # قال له صلة (1): ما تغنى عنهم لا إله إلا الله! وهم لا يدرون ما صلاة ولا ~~صيام ولا نسك ولا صدقة، فأعرض عنه حذيفة، ثم رددها ثلاثا، كل ذلك يعرض عنه ~~حذيفة. ثم أقبل عليه حذيفة فقال: يا صلة! تنجيهم من النار، ثلاثا. خرجه ابن ~~ماجة في السنن. وقال عبد الله بن عمر: خرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو ~~معصوب الرأس من وجع فضحك، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: " أيها ~~الناس ما هذه الكتب التي تكتبون أكتاب غير كتاب الله يوشك أن يغضب الله ~~لكتابه فلا يدع ورقا ولا قلبا إلا أخذ منه " قالوا: # يا رسول الله، فكيف بالمؤمنين والمؤمنات يومئذ؟ قال: " من أراد الله به ~~خيرا أبقى في قلبه لا إله إلا الله " ذكره الثعلبي والغزنوي وغيرهما في ~~التفسير. # قوله تعالى: قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا ~~يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا (88) # PageV10P326 # أي عوينا ونصيرا، مثل ما يتعاون الشعراء على بيت شعر فيقيمونه. نزلت حين ~~قال الكفار: # لو نشاء ms3765 لقلنا مثل هذا، فأكذبهم الله تعالى. وقد مضى القول في إعجاز ~~القرآن في أول الكتاب (1): # والحمد لله. و (لا يأتون) جواب القسم في " لئن " وقد يجزم على إرادة ~~الشرط. قال الشاعر: # لئن كان ما حدثته اليوم صادقا * أقم (2) في نهار القيظ للشمس باديا قوله ~~تعالى: ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا ~~كفورا (89) قوله تعالى: (ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل) أي ~~وجهنا القول فيه بكل مثل يجب به الاعتبار، من الآيات والعبر والترغيب ~~والترهيب، والأوامر والنواهي وأقاصيص الأولين، والجنة والنار والقيامة. ~~(فأبى أكثر الناس إلا كفورا) يريد أهل مكة، بين لهم الحق وفتح لهم وأمهلهم ~~حتى تبين لهم أنه الحق، فأبوا إلا الكفر وقت تبين الحق. قال المهدوي: ولا ~~حجة للقدري في قولهم: لا يقال أبى إلا لمن أبى فعل ما هو قادر عليه، لان ~~الكافر وإن كان غير قادر على الايمان بحكم الله عليه بالاعراض عنه وطبعه ~~على قلبه، فقد كان قادرا وقت الفسحة والمهلة على طلب الحق وتمييزه من ~~الباطل. # قوله تعالى: وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا (90) أو ~~تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهر خللها تفجيرا (91) أو تسقط السماء ~~كما زعمت علينا كسفا أو تأتى بالله والملائكة قبيلا (92) أو يكون لك بيت من ~~زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتبا نقرؤه قل سبحان ~~ربى هل كنت إلا بشرا رسولا (93) # PageV10P327 # قوله تعالى: (وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا) الآية ~~نزلت في رؤساء قريش مثل عتبة وشيبة ابني ربيعة، وأبى سفيان والنضر بن ~~الحارث، وأبى جهل وعبد الله بن أبي أمية، وأمية بن خلف وأبى البختري، ~~والوليد بن المغيرة وغيرهم. وذلك أنهم لما عجزوا عن معارضة القرآن ولم ~~يرضوا به معجزة، اجتمعوا - فيما ذكر ابن إسحاق وغيره - بعد غروب الشمس عند ~~ظهر الكعبة، ثم قال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم ms3766 فكلموه ~~وخاصموه حتى تعذروا فيه، فبعثوا إليه أن أشراف قومك قد اجتمعوا إليك ~~ليكلموك فأتهم، فجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يظن أن قد بدا لهم ~~فيما كلمهم فيه بدو، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حريصا يحب رشدهم ~~ويعز عليه عنتهم، حتى جلس إليهم فقالوا له: يا محمد! إنا قد بعثنا إليك ~~لنكلمك، وإنا والله ما نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على ~~قومك، لقد شتمت الآباء وعبت الدين وشتمت الآلهة وسفهت الأحلام وفرقت ~~الجماعة، فما بقى أمر قبيح إلا قد جئته فيما بيننا وبينك، أو كما قالوا له. ~~فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون ~~أكثرنا مالا، وإن كنت إنما تطلب به الشرف فينا فنحن نسودك علينا، وإن كنت ~~تريد به ملكا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه قد غلب عليك ~~- وكانوا يسمون التابع من الجن رئيا - فربما كان ذلك بذلنا أموالنا في طلب ~~الطب لك حتى نبرئك منه أو نعذر فيك. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " ما بي ما تقولون ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا ~~الملك عليكم ولكن الله بعثني إليكم رسولا وأنزل على كتابا وأمرني أن أكون ~~لكم بشيرا ونذيرا فبلغتكم رسالات ربى ونصحت لكم فإن تقبلوا منى ما جئتكم به ~~فهو حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردوه على أصبر لأمر الله حتى يحكم الله ~~بيني وبينكم " أو كما قال صلى الله عليه وسلم. قالوا: يا محمد، فإن كنت غير ~~قابل منا شيئا مما عرضناه عليك، فإنك قد علمت أنه ليس من الناس أحد أضيق ~~بلدا ولا أقل ماء ولا أشد عيشا منا، فسل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به، ~~فليسير PageV10P328 # عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا، وليبسط لنا بلادنا وليخرق لنا فيها ~~أنهارا كأنهار الشام، وليبعث لنا من مضى من آبائنا، وليكن فيمن يبعث لنا ~~قصي بن ms3767 كلاب، فإنه كان شيخ صدق فنسألهم عما تقول، أحق هو أم باطل، فإن ~~صدقوك وصنعت ما سألناك صدقناك، وعرفنا به منزلتك من الله تعالى، وأنه بعثك ~~رسولا كما تقول. فقال لهم صلوات الله عليه وسلامه: " ما بهذا بعثت إليكم ~~إنما جئتكم من الله تعالى بما بعثني به وقد بلغتكم ما أرسلت به إليكم فإن ~~تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردوه على أصبر لأمر الله حتى يحكم ~~الله بيني وبينكم ". قالوا: # فإذا لم تفعل هذا لنا فخذ لنفسك! سل ربك أن يبعث معك ملكا يصدقك بما تقول ~~ويراجعنا عنك، وأسأله فليجعل لك جنانا وقصورا وكنوزا من ذهب وفضة يغنيك بها ~~عما نراك تبتغى، فإنك تقوم بالأسواق وتلتمس المعاش كما نلتمس، حتى نعرف ~~فضلك ومنزلتك من ربك إن كنت رسولا كما تزعم. فقال لهم رسول الله: " ما أنا ~~بفاعل وما أنا بالذي يسأل ربه هذا وما بعثت بهذا إليكم ولكن الله بعثني ~~بشيرا ونذيرا - أو كما قال - فإن تقبلوا منى ما جئتكم به فهو حظكم في ~~الدنيا والآخرة وإن تردوه على أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم " ~~قالوا: فأسقط السماء علينا كسفا كما زعمت أن ربك إن شاء فعل، فإنا لن نؤمن ~~لك إلا أن تفعل. قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ذلك إلى الله عز ~~وجل إن شاء أن يفعله بكم فعل " قالوا: يا محمد، فما علم ربك أنا سنجلس معك ~~ونسألك عما سألنا عنه ونطلب منك ما نطلب، فيتقدم إليك فيعلمك بما تراجعنا ~~به، ويخبرك (1) ما هو صانع في ذلك بنا إذ لم نقبل منك ما جئتنا به. إنه قد ~~بلغنا إنما يعلمك هذا رجل من اليمامة يقال له الرحمن، وإنا والله لا نؤمن ~~بالرحمن أبدا، فقد أعذرنا إليك يا محمد، وإنا والله لا نتركك وما بلغت منا ~~حتى نهلكك أو تهلكنا. وقال قائلهم: نحن نعبد الملائكة وهي بنات الله. وقال ~~قائلهم: لن نؤمن لك حتى تأتى بالله والملائكة قبيلا. فلما قالوا ذلك لرسول ms3768 ~~الله صلى الله عليه وسلم، قام عنهم وقام معه عبد الله بن أبي أمية بن ~~المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وهو ابن عمته، هو لعاتكة بنت عبد ~~المطلب، فقال له: يا محمد عرض عليك # PageV10P329 # قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم، ثم سألوك لأنفسهم أمورا ليعرفوا بها ~~منزلتك من الله كما تقول، ويصدقوك ويتبعوك فلم تفعل ثم سألوك أن تأخذ لنفسك ~~ما يعرفون به فضلك عليهم ومنزلتك من الله فلم تفعل ثم سألوك أن تعجل لهم ~~بعض ما تخوفهم به من العذاب فلم تفعل - أو كما قال له - فوالله لا أؤمن بك ~~أبدا حتى تتخذ إلى السماء سلما، ثم ترقى فيه وأنا أنظر حتى تأتيها، ثم تأتى ~~معك بصك معه أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول. # وأيم الله لو فعلت ذلك ما ظننت أنى أصدقك ثم انصرف عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله حزينا أسفا لما ~~فاته مما كان يطمع به من قومه حين دعوه، ولما رأى من مباعدتهم إياه، كله ~~لفظ ابن إسحاق. وذكر الواحدي عن عكرمة عن ابن عباس: فأنزل الله تعالى: ~~(وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا) ". " ينبوعا " يعنى ~~العيون، عن مجاهد. وهي يفعول، من نبع ينبع. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي " ~~تفجر لنا " مخففة، واختاره أبو حاتم لان الينبوع واحد. ولم يختلفوا في تفجر ~~الأنهار أنه مشدد. قال أبو عبيد: والأولى مثلها. قال أبو حاتم. ليست مثلها، ~~لان الأولى بعدها ينبوع وهو واحد، والثانية بعدها الأنهار وهي جمع، ~~والتشديد يدل على التكثير. أجيب بأن " ينبوعا " وإن كان واحدا فالمراد به ~~الجمع، كما قال مجاهد. الينبوع عين الماء، والجمع الينابيع. وقرأ قتادة " ~~أو يكون لك جنة ". (خلالها) أي وسطها. # (أو تسقط السماء) قراءة العامة. وقرأ مجاهد " أو يسقط السماء " على إسناد ~~الفعل إلى السماء. (كسفا) قطعا، عن ابن عباس وغيره. والكسف (بفتح السين) ~~جمع كسفة، وهي قراءة نافع وابن عامر ms3769 وعاصم. الباقون " كسفا " بإسكان السين. ~~قال الأخفش: من قرأ كسفا من السماء جعله واحدا، ومن قرأ كسفا جعله جمعا. ~~قال المهدوي: ومن أسكن السين جاز أن يكون جمع كسفة وجاز أن يكون مصدرا، من ~~كسفت الشئ إذا غطيته. # فكأنهم قالوا: أسقطها طبقا علينا. وقال الجوهري. الكسفة القطعة من الشئ، ~~يقال: # أعطني كسفة من ثوبك، والجمع كسف وكسف. ويقال: الكسفة واحد. PageV10P330 # (أو تأتى بالله والملائكة قبيلا) أي معاينة، عن قتادة وابن جريج. وقال ~~الضحاك وابن عباس: كفيلا. قال مقاتل: شهيدا. مجاهد: هو جمع القبيلة، أي ~~بأصناف الملائكة قبيلة قبيلة. وقيل: ضمناء يضمنون لنا إتيانك به. (أو يكون ~~لك بيت من زخرف) أي من ذهب، عن ابن عباس وغيره. وأصله الزينة. والمزخرف ~~المزين. وزخارف الماء طرائقه. وقال مجاهد: كنت لا أدرى ما الزخرف حتى رأيته ~~في قراءة ابن مسعود " بيت من ذهب " أي نحن لا ننقاد لك مع هذا الفقر الذي ~~نرى. (أو ترقى في السماء) أي تصعد، يقال: رقيت في السلم أرقي رقيا ورقيا ~~إذا صعدت. وارتقيت مثله. (ولن نؤمن لرقيك) أي من أجل رقيك، وهو مصدر، نحو ~~مضى يمضى مضيا، وهوى يهوى هويا، كذلك رقى يرقى رقيا. (حتى تنزل علينا كتابا ~~نقرؤه) أي كتابا من الله تعالى إلى كل رجل منا، كما قال تعالى: " بل يريد ~~كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة (1) ". (قل سبحان ربى) وقرأ أهل مكة ~~والشام " قال سبحان ربى " يعنى النبي صلى الله عليه وسلم، أي قال ذلك ~~تنزيها لله عز وجل عن أن يعجز عن شئ وعن أن يعترض عليه في فعل. وقيل: هذا ~~كله تعجب عن فرط كفرهم واقتراحاتهم. الباقون " قل " على الامر، أي قل لهم ~~يا محمد (هل كنت) أي ما أنا (إلا بشرا رسولا) اتبع ما يوحى إلى من ربى، ~~ويفعل الله ما يشاء من هذه الأشياء التي ليست في قدرة البشر، فهل سمعتم ~~أحدا من البشر أتى بهذه الآيات وقال بعض الملحدين: # ليس هذا جوابا مقنعا، وغلطوا، لأنه أجابهم فقال: إنما ms3770 أنا بشر لا أقدر ~~على شئ مما سألتموني، وليس لي أن أتخير على ربى، ولم تكن الرسل قبلي يأتون ~~أممهم بكل ما يريدونه ويبغونه، وسبيلي سبيلهم، وكانوا يقتصرون على ما آتاهم ~~الله من آياته الدالة على صحة نبوتهم، فإذا أقاموا عليهم الحجة لم يجب ~~لقومهم أن يقترحوا غيرها، ولو وجب على الله أن يأتيهم بكل ما يقترحونه من ~~الآيات لوجب عليه أن يأتيهم بمن يختارونه من الرسل، ولوجب لكل إنسان أن ~~يقول: # لا أو من حتى أوتى بآية خلاف ما طلب غيري. وهذا يؤول إلى أن يكون التدبير ~~إلى الناس، وإنما التدبير إلى الله تعالى. # PageV10P331 # قوله تعالى: وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث ~~الله بشرا رسولا (94) قوله تعالى: (وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم ~~الهدى) يعنى الرسل والكتب من عند الله بالدعاء إليه. (إلا أن قالوا) جهلا ~~منهم. (أبعث الله بشرا رسولا) أي الله أجل من أن يكون رسوله من البشر. فبين ~~الله تعالى فرط عنادهم لأنهم قالوا: أنت مثلنا فلا يلزمنا الانقياد، وغفلوا ~~عن المعجزة. " فأن " الأولى في محل نصب بإسقاط حرف الخفض. و " أن " الثانية ~~في محل رفع ب‍ " منع " أي وما منع الناس من أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا ~~قولهم أبعث الله بشر رسولا. # قوله تعالى: قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من ~~السماء ملكا رسولا (95) أعلم أن الله تعالى أن الملك إنما يرسل إلى ~~الملائكة، لأنه لو أرسل ملكا إلى الآدميين لم يقدروا أن يروه على الهيئة ~~التي خلق عليها، وإنما أقدر الأنبياء على ذلك وخلق فيهم ما يقدرون به، ~~ليكون ذلك آية لهم ومعجزة. وقد تقدم في " الانعام " نظير هذه الآية، وهو ~~قوله: # " وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضى الامر ثم لا ينظرون. ~~ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا (1) " وقد تقدم الكلام فيه (1). # قوله تعالى: قل كفى بالله بيني وبينكم إنه كان بعباده خبيرا بصيرا (96) ~~يروى أن كفار قريش قالوا حين ms3771 سمعوا قوله " هل كنت إلا بشرا رسولا ": فمن ~~يشهد لك أنك رسول الله. فنزل " قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم إنه كان ~~بعباده خبيرا بصيرا ". # PageV10P332 # قوله تعالى: ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من ~~دونه ونحشرهم يوم القيمة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم كلما خبت ~~زدناهم سعيرا (97) قوله تعالى: (ومن يهد الله فهو المهتدى) أي لو هداهم ~~الله لاهتدوا. (ومن يضلل قلن تجد لهم أولياء من دونه) أي لا يهديهم أحد. ~~(ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم) فيه وجهان: أحدهما - أن ذلك عبارة عن ~~الاسراع بهم إلى جهنم، من قول العرب: # قدم القوم على وجوههم إذا أسرعوا. الثاني - أنهم يسحبون يوم القيامة على ~~وجوههم إلى جهنم كما يفعل في الدنيا بمن يبالغ في هوانه وتعذيبه. وهذا هو ~~الصحيح، لحديث أنس أن رجلا قال: يا رسول الله، الذين يحشرون على وجوههم، ~~أيحشر الكافر على وجهه؟ # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أليس الذي أمشاه على الرجلين قادرا ~~على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة ": قال قتادة حين بلغه: بلى وعزة ربنا. ~~أخرجه البخاري ومسلم. # وحسبك. (عميا وبكما وصما) قال ابن عباس والحسن: أي عمى عما يسرهم، بكم عن ~~التكلم بحجة، صم عما ينفعهم، وعلى هذا القول حواسهم باقية على ما كانت ~~عليه. وقيل: # إنهم يحشرون على الصفة التي وصفهم الله بها، ليكون ذلك زيادة في عذابهم، ~~ثم يخلق ذلك لهم في النار، فأبصروا، لقوله تعالى: " ورأى المجرمون النار ~~فظنوا أنهم مواقعوها (1) "، وتكلموا، لقوله تعالى: " دعوا هنالك ثبورا (2) ~~"، وسمعوا، لقوله تعالى: " سمعوا لها تغيظا وزفيرا (2) ". # وقال مقاتل بن سليمان: إذا قيل لهم " اخسئوا فيها ولا تكلمون (3) " صاروا ~~عميا لا يبصرون صما لا يسمعون بكما لا يفقهون. وقيل: عموا حين دخلوا النار ~~لشدة سوادها، وانقطع كلامهم حين قيل لهم: اخسئوا فيها ولا تكلمون. وذهب ~~الزفير والشهيق بسمعهم فلم يسمعوا شيئا. # (مأواهم جهنم) أي مستقرهم ومقامهم. (كلما خبت) أي سكنت، عن الضحاك # PageV10P333 # وغيره. مجاهد طفئت. يقال: خبت ms3772 النار تخبو خبوا أي طفئت، وأخبيتها أنا. ~~(زدناهم سعيرا) أي نار تتلهب. وسكون التهابها من غير نقصان في آلامهم ولا ~~تخفيف عنهم من عذابهم. وقيل: إذا أرادت أن تخبو. كقوله: " وإذا قرأت القرآن ~~(1) ". # قوله تعالى: ذلك جزاءهم بأنهم كفروا بآياتنا وقالوا أإذا كنا عظما ورفاتا ~~أإنا لمبعوثون خلقا جديدا (98) أو لم يروا أن الله الذي خلق السماوات ~~والأرض قادر على أن يخلق مثلهم وجعل لهم أجلا لا ريب فيه فأبى الظالمون إلا ~~كفورا (99) قوله تعالى: (ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا) أي ذلك العذاب ~~جزاء كفرهم. # (وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا) أي ترابا. (أئنا لمبعوثون خلقا جديدا) ~~فأنكروا البعث فأجابهم الله تعالى فقال: (أو لم يروا أن الذي خلق السماوات ~~والأرض قادر على أن يخلق مثلهم وجعل لهم أجلا لا ريب فيه) قيل: في الكلام ~~تقديم وتأخير، أي أو لم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض، وجعل لهم ~~أجلا لا ريب فيه قادر على أن يخلق مثلهم. # والأجل: مدة قيامهم في الدنيا ثم موتهم، وذلك ما لا شك فيه إذ هو مشاهد. ~~وقيل: # هو جواب قولهم: " أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا ". وقيل: وهو يوم ~~القيامة. # (فأبى الظالمون إلا كفورا) أي المشركون إلا جحودا بذلك الاجل وبآيات ~~الله. وقيل: # ذلك الاجل هو وقت البعث، ولا ينبغي أن يشك فيه. # قوله تعالى: قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربى إذا لأمسكتم خشية الانفاق ~~وكان الانسان قتورا (100) # PageV10P334 # قوله تعالى: (قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربى) أي خزائن الأرزاق. وقيل: ~~خزائن النعم، وهذا أعم. (إذا لأمسكتم خشية الانفاق) من البخل، وهو جواب ~~قولهم: " لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا " حتى نتوسع في المعيشة. ~~أي لو توسعتم لبخلتم أيضا. وقيل: المعنى لو ملك أحد المخلوقين خزائن الله ~~لما جاد بها كجود الله تعالى، لامرين: # أحدهما - أنه لا بد أن يمسك منها لنفقته وما يعود بمنفعته. الثاني - أنه ~~يخاف الفقر ويخشى العدم. والله تعالى يتعالى في جوده عن هاتين الحالتين. ms3773 ~~والانفاق في هذه الآية بمعنى الفقر، قاله ابن عباس وقتادة. وحكى أهل اللغة ~~أنفق وأصرم وأعدم وأقتر إذا قل ماله. (وكان الانسان قتورا) أي بخيلا مضيقا. ~~يقال: قتر على عياله يقتر ويقتر قترا وقتورا إذا ضيق عليهم في النفقة، ~~وكذلك التقتير والاقتار، ثلاث لغات. واختلف في هذه الآية على قولين: أحدهما ~~- أنها نزلت في المشركين خاصة، قاله الحسن. والثاني - أنها عامة، وهو قول ~~الجمهور، وذكره الماوردي. # قوله تعالى: ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات فسئل بني إسرائيل إذ جاءهم ~~فقال له فرعون إني لأظنك يا موسى مسحورا (101) قوله تعالى: (ولقد آتينا ~~موسى تسع آيات بينات) اختلف في هذه الآيات، فقيل: هي بمعنى آيات الكتاب، ~~كما روى الترمذي والنسائي عن صفوان بن عسال المرادي أن يهوديين قال أحدهما ~~لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النبي نسأله، فقال: لا تقل له نبي فإنه إن سمعنا ~~كان له أربعة أعين، فأتيا النبي صلى الله عليه وسلم فسألاه عن قول الله ~~تعالى: " ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات " فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " لا تشركوا بالله شيئا ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله ~~إلا بالحق ولا تسرقوا ولا تسحروا ولا تمشوا ببرئ إلى السلطان فيقتله ولا ~~تأكلوا الربا ولا تقذفوا محصنة ولا تفروا من الزحف - شك شعبة - وعليكم [يا ~~معشر] اليهود خاصة ألا تعدوا في السبت " فقبلا يديه ورجليه وقالا: نشهد أنك ~~نبي. قال: PageV10P335 # " فما يمنعكما أن تسلما " قالا: إن داود دعا الله ألا يزال في ذريته نبي ~~وإنا نخاف إن أسلمنا أن تقتلنا اليهود. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. ~~وقد مضى في البقرة (1). وقيل: # الآيات بمعنى المعجزات والدلالات. قال ابن عباس والضحاك: الآيات التسع ~~العصا واليد واللسان والبحر والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، آيات ~~مفصلات. وقال الحسن والشعبي: الخمس المذكورة في " الأعراف (2) "، يعنيان ~~الطوفان وما عطف عليه، واليد والعصا والسنين والنقص من الثمرات. وروى نحوه ~~عن الحسن، إلا أنه يجعل السنين والنقص من الثمرات واحدة، وجعل التاسعة تلقف ms3774 ~~العصا ما يأفكون. وعن مالك كذلك، إلا أنه جعل مكان السنين والنقص من ~~الثمرات، البحر والجبل. وقال محمد بن كعب: هي الخمس التي في [الأعراف] ~~والبحر والعصا والحجر والطمس على أموالهم. وقد تقدم شرح هذه الآيات مستوفى ~~والحمد لله. (فاسأل بني إسرائيل إذ جاءهم) أي سلهم يا محمد إذ جاءهم موسى ~~بهذه الآيات، حسبما تقدم بيانه في يونس (3). وهذا سؤال استفهام ليعرف ~~اليهود صحة ما يقول محمد صلى الله عليه وسلم. (فقال له فرعون إني لأظنك يا ~~موسى مسحورا) أي ساحرا بغرائب أفعالك، قاله الفراء وأبو عبيدة. فوضع ~~المفعول موضع الفاعل، كما تقول: هذا مشئوم وميمون، أي شائم ويامن. وقيل ~~مخدوعا. وقيل مغلوبا، قاله مقاتل. وقيل غير هذا، وقد تقدم. وعن ابن عباس ~~وأبى نهيك أنهما قرآ " فسأل بني إسرائيل " على الخبر، أي سأل موسى فرعون أن ~~يخلى بني إسرائيل ويطلق سبيلهم ويرسلهم معه. # قوله تعالى: قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر ~~وإني لأظنك يفرعون مثبورا (102) قوله تعالى: (قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء) ~~يعنى الآيات التسع. و " أنزل " بمعنى أوجد. (إلا رب السماوات والأرض بصائر) ~~أي دلالات يستدل بها على قدرته ووحدانيته. # PageV10P336 # وقراءة العامة " علمت " بفتح التاء خطابا لفرعون. وقرأ الكسائي بضم ~~التاء، وهي قراءة على [بن أبي طالب (1)] رضي الله عنه، وقال: والله ما علم ~~عدو الله ولكن موسى هو الذي يعلم، فبلغت ابن عباس فقال: إنها " لقد علمت "، ~~واحتج بقوله تعالى: " وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا (2) ". ونسب ~~فرعون إلى العناد. وقال أبو عبيد: والمأخوذ به عندنا فتح التاء، وهو الأصح ~~للمعنى الذي احتج به ابن عباس، ولأن موسى لا يحتج بقوله: علمت أنا، وهو ~~الرسول الداعي، ولو كان مع هذا كله تصح به القراءة عن علي لكانت حجة، ولكن ~~لا تثبت عنه، إنما هي عن كلثوم المرادي وهو مجهول لا يعرف، ولا نعلم أحدا ~~قرأ بها غير الكسائي. # وقيل: إنما أضاف موسى إلى فرعون العلم بهذه المعجزات، لان فرعون قد علم ms3775 ~~مقدار ما يتهيأ للسحرة فعله، وأن مثل ما فعل موسى لا يتهيأ لساحر، وأنه لا ~~يقدر على فعله إلا من يفعل الأجسام ويملك السماوات والأرض. وقال مجاهد: دخل ~~موسى على فرعون في يوم شات وعليه قطيفة له، فألقى موسى عصاه فإذا هي ثعبان، ~~فرأى فرعون جانبي البيت بين فقميها، ففزع وأحدث في قطيفته. [الفقم بالضم ~~(3) اللحى، وفى الحديث " من حفظ ما بين فقميه " أي ما بين لحييه]. (وأنى ~~لأظنك يا فرعون مثبورا) الظن هنا بمعنى التحقيق. والثبور: # الهلاك والخسران أيضا. قال الكميت: # ورأت قضاعة في الأيا * من رأى مثبور وثابر أي مخسور وخاسر، يعنى في ~~انتسابها إلى اليمن. وقيل: ملعونا. رواه المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن ~~عباس. وقال أبان بن تغلب. وأنشد: # يا قومنا لا تروموا حربنا سقها * إن السفاه وإن البغى مثبور أي ملعون. ~~وقال ميمون بن مهران عن ابن عباس: " مثبورا " ناقص العقل. ونظر المأمون ~~رجلا فقال له: يا مثبور، فسأل عنه قال. قال الرشيد قال المنصور لرجل: ~~مثبور، فسألته فقال: حدثني ميمون بن مهران... فذكره. وقال قتادة هالكا. ~~وعنه أيضا والحسن # PageV10P337 # ومجاهد. مهلكا. والثبور: الهلاك، يقال: ثبر الله العدو ثبورا أهلكه. ~~وقيل: ممنوعا من الخير حكى أهل اللغة: ما ثبرك عن كذا أي ما منعك منه. ~~وثبره الله يثبره [ويثبره لغتان (1)]. # قال ابن الزبعرى: # إذ أجاري الشيطان في سنن الغي * ومن مال ميله مثبور الضحاك: " مثبورا " ~~مسحورا. رد عليه مثل ما قال له باختلاف اللفظ. وقال ابن زيد: # " مثبورا " مخبولا لا عقل له. # قوله تعالى: فأراد أن يستفزهم من الأرض فأغرقناه ومن معه جميعا (103) ~~وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم ~~لفيفا (104) قوله تعالى: (فأراد أن يستفزهم من الأرض) أي أراد فرعون أن ~~يخرج موسى وبنى إسرائيل من أرض مصر [إما (2)] بالقتل أو الابعاد، فأهلكه ~~الله عز وجل. (وقلنا من بعده) أي من بعد إغراقه. (لبني إسرائيل اسكنوا ~~الأرض) أي أرض الشام ومصر. (فإذا جاء وعد الآخرة) أي القيامة. ms3776 (جئنا بكم ~~لفيفا) أي من قبوركم مختلطين من كل موضع، قد اختلط المؤمن بالكافر لا ~~يتعارفون ولا ينحاز أحد منكم إلى قبيلته وحيه. وقال ابن عباس وقتادة: جئنا ~~بكم جميعا من جهات شتى. والمعنى واحد. قال الجوهري: واللفيف ما اجتمع من ~~الناس من قبائل شتى، يقال: جاء القوم بلفهم ولفيفهم، أي وأخلاطهم. # وقوله تعالى " جئنا بكم لفيقا " أي مجتمعين مختلطين. وطعام لفيف إذا كان ~~مخلوطا من جنسين فصاعدا. وفلان لفيف فلان أي صديقه. قال الأصمعي: اللفيف ~~جمع وليس له واحد، وهو مثل الجميع. والمعنى: أنهم يخرجون وقت الحشر من ~~القبور كالجراد المنتشر، مختلطين لا يتعارفون. وقال الكلبي: " فإذا جاء وعد ~~الآخرة " يعنى مجئ عيسى عليه السلام من السماء. # PageV10P338 # قوله تعالى: وبالحق أنزله وبالحق نزل وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا (105) ~~قوله تعالى: (وبالحق أنزلناه وبالحق نزل) هذا متصل بما سبق من ذكر المعجزات ~~والقرآن. والكناية ترجع إلى القرآن. ووجه التكرير في قوله " وبالحق نزل " ~~يجوز أن يكون معنى الأول: أوجبنا إنزاله بالحق. ومعنى الثاني: ونزل وفيه ~~الحق، كقوله خرج بثيابه، أي وعليه ثيابه. وقيل الباء في " وبالحق " الأول ~~بمعنى مع، أي مع الحق، كقولك ركب الأمير بسيفه أي مع سيفه. " وبالحق نزل " ~~أي بمحمد صلى الله عليه وسلم، أي نزل عليه، كما تقول نزلت بزيد. وقيل: يجوز ~~أن يكون المعنى وبالحق قدرنا أن ينزل، وكذلك نزل. # قوله تعالى: وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا ~~(106) قوله تعالى: (وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث) مذهب سيبويه ~~أن " قرآنا " منصوب بفعل مضمر يفسره الظاهر. وقرأ جمهور الناس " فرقناه " ~~بتخفيف الراء، ومعناه بيناه وأوضحناه، وفرقنا فيه بين الحق والباطل، قاله ~~الحسن. وقال ابن عباس: فصلناه. وقرأ ابن عباس وعلى وابن مسعود وأبى بن كعب ~~وقتادة وأبو رجاء والشعبي " فرقناه " بالتشديد، أي أنزلناه شيئا بعد شئ لا ~~جملة واحدة، إلا أن في قراءة ابن مسعود وأبى " فرقناه عليك ". # واختلف في كم نزل القرآن من المدة، فقيل: في خمس وعشرين سنة. ابن عباس: ms3777 # في ثلاث وعشرين. أنس: في عشرين. وهذا بحسب الخلاف في سن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، ولا خلاف أنه نزل إلى السماء الدنيا جملة واحدة. وقد مضى ~~هذا في " البقرة (1) ". # (على مكث) أي تطاول في المدة شيئا بعد شئ. ويتناسق هذا القرآن على قراءة ~~ابن مسعود، أي أنزلناه آية آية وسورة سورة. وأما على القول الأول فيكون " ~~على مكث " أي على ترسل في التلاوة وترتيل، قاله مجاهد وابن عباس وابن جريج. ~~فيعطى القارئ القراءة حقها # PageV10P339 # ترتيلها وتحسينها وتطييبها بالصوت الحسن ما أمكن من غير تلحين ولا تطريب ~~مؤد (1) إلى تغيير لفظ القرآن بزيادة أو نقصان فإن ذلك حرام على ما تقدم ~~أول (2) الكتاب. وأجمع القراء على ضم الميم من " مكث " إلا ابن محيصن فإنه ~~قرأ " مكث " بفتح الميم. ويقال: مكث ومكت ومكث، ثلاث لغات. قال مالك: " على ~~مكث " على تثبت وترسل (3). قوله تعالى: (ونزلناه تنزيلا) مبالغة وتأكيد ~~بالمصدر للمعنى المتقدم، أي أنزلناه نجما بعد نجم (4)، ولو أخذوا بجميع ~~الفرائض في وقت واحد لنفروا. # قوله تعالى: قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا ~~يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا (107) قوله تعالى: (قل آمنوا به أو لا ~~تؤمنوا) يعنى القرآن. وهذا من الله عز وجل على وجه التبكيت لهم والتهديد لا ~~على وجه التخيير. (إن الذين أوتوا العلم من قبله) أي من قبل نزول القرآن ~~وخروج النبي صلى الله عليه وسلم، وهم مؤمنو أهل الكتاب، في قول ابن جريج ~~وغيره. قال ابن جريج: معنى (إذا يتلى عليهم) كتابهم. وقيل القرآن. (يخرون ~~للأذقان سجدا) قيل: هم قوم من ولد إسماعيل تمسكوا بدينهم إلى أن بعث الله ~~تعالى النبي عليه السلام، منهم زيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل. وعلى ~~هذا ليس يريد أوتوا الكتاب بل يريد أوتوا علم الدين. وقال الحسن: الذين ~~أوتوا العلم أمة محمد صلى الله عليه وسلم. وقال مجاهد: # إنهم ناس من اليهود، وهو أظهر لقوله " من قبله ". " إذا يتلى عليهم " ~~يعنى القرآن ms3778 في قول مجاهد. كانوا إذا سمعوا ما أنزل الله تعالى من القرآن ~~سجدوا وقالوا: " سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ". وقيل: كانوا إذا ~~تلوا كتابهم وما أنزل عليه من القرآن خشعوا وسجدوا وسبحوا، وقالوا: هذا هو ~~المذكور في التوراة، وهذه صفته، ووعد الله به واقع لا محالة، وجنحوا إلى ~~الاسلام، فنزلت الآية فيهم. وقالت فرقة: المراد بالذين أوتوا العلم من قبله # PageV10P340 # محمد صلى الله عليه وسلم، والضمير في " قبله " عائد على القرآن حسب ~~الضمير في قوله " قل آمنوا به ". وقيل: الضميران لمحمد صلى الله عليه وسلم، ~~واستأنف ذكر القرآن في قوله: # " إذا يتلى عليهم ". # قوله تعالى: ويقولون سبحن ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا (108) دليل على ~~جواز التسبيح في السجود. وفى صحيح مسلم وغيره عن عائشة رضي الله عنها قالت: ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في سجوده وركوعه " سبحانك ~~اللهم [ربنا (1)] وبحمدك اللهم اغفر لي ". # قوله تعالى: ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا (109) فيه أربع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (ويخرون للأذقان يبكون) هذه مبالغة في صفتهم ومدح ~~لهم. # وحق لكل من توسم بالعلم وحصل منه شيئا أن يجرى إلى هذه المرتبة، فيخشع ~~عند استماع القرآن ويتواضع ويذل. وفى مسند الدارمي أبى محمد عن التيمي قال: ~~من أوتى من العلم ما لم يبكه لخليق ألا يكون أوتى علما، لان الله تعالى نعت ~~العلماء، ثم تلا هذه الآية. ذكره الطبري أيضا. والأذقان جمع ذقن، وهو مجتمع ~~اللحيين. وقال الحسن: الأذقان عبارة عن اللحى. أي يضعونها على الأرض في حال ~~السجود، وهو غاية التواضع. واللام بمعنى على، تقول: # سقط لفيه أي على فيه. وقال ابن عباس: " يخرون للأذقان سجدا " أي للوجوه. ~~وإنما خص الأذقان بالذكر لان الذقن أقرب شئ فمن وجه الانسان. قال ابن خويز ~~منداد: # ولا يجوز السجود على الذقن. لان الذقن هاهنا عبارة عن الوجه، وقد يعبر ~~بالشئ عما جاوره وببعضه عن جميعه. فيقال: خر لوجهه ساجدا وإن كان لم يسجد ~~على خده ولا عينه. # ألا ms3779 ترى إلى قوله: خر صريعا على وجهه ويديه. # PageV10P341 # الثانية - قوله تعالى: (يبكون) دليل على جواز البكاء في الصلاة من خوف ~~الله تعالى، أو على معصيته في دين الله، وأن ذلك لا يقطعها ولا يضرها. ذكر ~~ابن المبارك عن حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن مطرف بن عبد الله بن ~~الشخير عن أبيه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلى ولجوفه أزيز ~~كأزيز المرجل من البكاء. وفى كتاب أبى داود: وفى صدره أزيز كأزيز الرحى من ~~البكاء. # الثالثة - واختلف الفقهاء في الأنين، فقال مالك: الأنين لا يقطع الصلاة ~~للمريض، وأكرهه للصحيح، وبه قال الثوري. وروى ابن الحكم عن مالك: التنحنح ~~والأنين والنفخ لا يقطع الصلاة. وقال ابن القاسم: يقطع. وقال الشافعي: إن ~~كان له حروف تسمع وتفهم يقطع الصلاة. وقال أبو حنيفة: إن كان من خوف الله ~~لم يقطع، وإن كان من وجع قطع. وروى عن أبي يوسف أن صلاته في ذلك كله تامة، ~~لأنه لا يخلو مريض ولا ضعيف من أنين. # الرابعة - قوله تعالى: (ويزيدهم خشوعا) تقدم القول في الخشوع في " البقرة ~~(1) ويأتي. # قوله تعالى: قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء ~~الحسنى ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا (110) قوله ~~تعالى: (قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى) ~~سبب نزول هذه الآية أن المشركين سمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوا ~~" يا الله يا رحمن " فقالوا: كان محمد يأمرنا بدعاء إله واحد وهو يدعو ~~إلهين، قاله ابن عباس. وقال مكحول: # تهجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة فقال في دعائه: " يا رحمن يا ~~رحيم " فسمعه رجل # PageV10P342 # من المشركين، وكان باليمامة رجل يسمى الرحمن، فقال ذلك السامع: ما بال ~~محمد يدعو رحمان اليمامة. فنزلت الآية مبينة أنهما اسمان لمسمى واحد، فإن ~~دعوتموه بالله فهو ذاك، وإن دعوتموه بالرحمن فهو ذاك. وقيل: كانوا يكتبون ~~في صدر الكتب: باسمك اللهم، فنزلت " إنه من سليمان وإنه ms3780 بسم الله الرحمن ~~الرحيم (1) " فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم " بسم الله الرحمن الرحيم ~~" فقال المشركون: هذا الرحيم نعرفه فما الرحمن، فنزلت الآية. # وقيل: إن اليهود قالت: ما لنا لا نسمع في القرآن اسما هو في التوراة ~~كثير، يعنون الرحمن، فنزلت الآية. وقرأ طلحة بن مصرف " أيا ما تدعو فله ~~الأسماء الحسنى " أي التي تقتضي أفضل الأوصاف وأشرف المعاني. وحسن الأسماء ~~إنما يتوجه بتحسين الشرع، لاطلاقها والنص عليها. وانضاف إلى ذلك أنها تقتضي ~~معاني حسانا شريفة، وهي بتوقيف لا يصح وضع اسم لله ينظر إلا بتوقيف من ~~القرآن أو الحديث أو الاجماع. حسبما بيناه في (الكتاب الأسنى في شرح أسماء ~~الله الحسنى). # قوله تعالى: (ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها) فيه مسألتان: # الأولى - اختلفوا في سبب نزولها على خمسة أقوال: # الأول - ما روى ابن عباس في قوله تعالى: " ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها ~~" قال: نزلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم متوار بمكة، وكان إذا صلى ~~بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فإذا سمع ذلك المشركون سبوا القرآن ومن أنزله ~~ومن جاء به، فقال الله تعالى " ولا تجهر بصلاتك " فيسمع المشركون قراءتك. " ~~ولا تخافت بها " عن أصحابك. # أسمعهم القرآن ولا تجهر ذلك الجهر. (وابتغ بين ذلك سبيلا) قال: يقول بين ~~الجهر والمخافتة، أخرجه البخاري ومسلم والترمذي وغيرهم. واللفظ لمسلم. ~~والمخافتة: خفض الصوت والسكون، يقال للميت إذا برد: خفت. قال الشاعر: # لم يبق إلا نفس خافت * ومقلة إنسانها باهت رثى لها الشامت مما بها * يا ~~ويح من يرثي له الشامت # PageV10P343 # الثاني - ما رواه مسلم أيضا عن عائشة في قوله عز وجل: " ولا تجهر بصلاتك ~~ولا تخافت بها " قالت: أنزل هذا في الدعاء. # الثالث - قال ابن سيرين: كان الاعراب يجهرون بتشهدهم فنزلت الآية في ذلك. # قلت: وعلى هذا فتكون الآية متضمنة لاخفاء التشهد، وقد قال ابن مسعود: من ~~السنة أن تخفى التشهد، ذكره ابن المنذر. # الرابع - ما روى عن ابن سيرين أيضا أن أبا بكر رضي الله عنه كان يسر ~~قراءته، وكان ms3781 عمر يجهر بها، فقيل لهما في ذلك، فقال أبو بكر: إنما أناجي ~~ربى، وهو يعلم حاجتي إليه. وقال عمر: أنا أطرد الشيطان وأوقظ الوسنان، فلما ~~نزلت هذه الآية قيل لأبي بكر: # ارفع قليلا، وقيل لعمر اخفض أنت قليلا، ذكره الطبري وغيره. # الخامس - ما روى عن ابن عباس أيضا أن معناها ولا تجهر بصلاة النهار، ولا ~~تخافت بصلاة الليل، ذكره يحيى بن سلام والزهراوي. فتضمنت أحكام الجهر ~~والاسرار بالقراءة في النوافل والفرائض، فأما النوافل فالمصلى مخير في ~~الجهر والسر في الليل والنهار، وكذلك روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~كان يفعل الامرين جميعا. وأما الفرائض فحكمها في القراءة معلوم ليلا ونهارا ~~وقول سادس - قال الحسن: يقول الله لا ترائى بصلاتك تحسنها في العلانية ولا ~~تسيئها في السر. وقال ابن عباس: لا تصل مرائيا للناس ولا تدعها مخافة ~~الناس. # الثانية - عبر تعالى بالصلاة هنا عن القراءة كما عبر بالقراءة عن الصلاة ~~في قوله: # " وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا " لان كل واحد منهما مرتبط ~~بالآخر، لان الصلاة تشتمل على قراءة وركوع وسجود فهي من جملة أجزائها، فعبر ~~بالجزء عن الجملة وبالجملة عن الجزء على عادة العرب في المجاز وهو كثير، ~~ومنه الحديث الصحيح: " قسمت الصلاة بيني وبين عبدي " أي قراءة الفاتحة على ~~ما تقدم. # قوله تعالى: وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ~~ولم يكن له ولى من الذل وكبره تكبيرا (111) PageV10P344 # قوله تعالى: (وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا) هذه الآية رادة على ~~اليهود والنصارى والعرب في قولهم أفذاذا: عزيز وعيسى والملائكة ذرية (1) ~~الله سبحانه، تعالى الله عن أقوالهم! # (ولم يكن له شريك في الملك) لأنه واحد لا شريك له في ملكه ولا في عبادته. # (ولم يكن له ولى من الذل) قال مجاهد: المعنى لم يحالف أحدا ولا ابتغى نصر ~~أحد، أي لم يكن له ناصر يجيره من الذل فيكون مدافعا. وقال الكلبي: لم يكن ~~له ولى من اليهود والنصارى، لأنهم أذل ms3782 الناس، ردا لقولهم: نحن أبناء الله ~~وأحباؤه. وقال الحسن بن الفضل: # " ولم يكن له ولى من الذل " يعنى لم يذل فيحتاج إلى ولى ولا ناصر لعزته ~~وكبريائه. (وكبره تكبيرا) أي عظمه عظمة تامة. ويقال: أبلغ لفظة للعرب في ~~معنى التعظيم والاجلال: الله أكبر، أي صفة بأنه أكبر من كل شئ. قال الشاعر: # رأيت الله أكبر كل شئ * محاولة وأكثرهم جنودا وكان النبي صلى الله عليه ~~وسلم إذا دخل في الصلاة قال: " الله أكبر " وقد تقدم أول (2) الكتاب. وقال ~~عمر بن الخطاب. قول، العبد الله أكبر خير من الدنيا وما فيها. وهذا الآية ~~هي خاتمة التوراة. روى مطرف عن عبد الله بن كعب قال: افتتحت التوراة بفاتحة ~~سورة الأنعام وختمت بخاتمة هذه السورة. وفى الخبر أنها آية العز، رواه معاذ ~~بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم. وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أفصح الغلام من بنى عبد المطلب علمه " ~~وقل الحمد لله الذي " الآية. وقال عبد الحميد. بن واصل: سمعت عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: " من قرأ وقل الحمد لله الآية كتب الله له من ~~الاجر مثل الأرض والجبل لان الله تعالى يقول فيمن زعم أن له ولدا تكاد ~~السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا ". وجاء في الخبر أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أمر رجل شكا إليه الدين بأن يقرأ " قل ادعوا الله ~~أو ادعوا الرحمن " - إلى آخر السورة ثم يقول - توكلت على الحي الذي لا ~~يموت، ثلاث مرات. # تمت سورة الإسراء. والحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. # PageV10P345 # تفسير سورة الكهف وهي مكية في قول جميع المفسرين. روى عن فرقة أن أول ~~السورة نزل بالمدينة إلى قوله: # " جرزا "، والأول أصح. وروى في فضلها من حديث أنس أنه قال: من قرأ بها ~~أعطى نورا بين السماء والأرض ووقى بها فتنة القبر. وقال إسحاق بن عبد الله ~~بن أبي فروة: إن ms3783 رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ألا أدلكم على سورة ~~شيعها سبعون ألف ملك ملا عظمها ما بين السماء والأرض لتاليها مثل ذلك ". ~~قالوا: بلى يا رسول الله؟ قال: " سورة أصحاب الكهف من قرأها يوم الجمعة غفر ~~له الجمعة الأخرى وزيادة ثلاثة أيام وأعطى نورا يبلغ السماء ووقى فتنة ~~الدجال " ذكره الثعلبي، والمهدوي أيضا بمعناه. وفى مسند الدارمي عن أبي ~~سعيد الخدري قال: من قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة أضاء له من النور فيما ~~بينه وبين البيت العتيق. # وفى صحيح مسلم عن أبي الدرداء أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: " من ~~حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من الدجال ". وفى رواية " من آخر الكهف ~~". وفى مسلم أيضا من حديث النواس بن سمعان " فمن أدركه - يعنى الدجال - ~~فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف ". وذكره الثعلبي. قال: سمرة بن جندب قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " من قرأ عشر آيات من سورة الكهف حفظا لم تضره ~~فتنة الدجال ". ومن قرأ السورة كلها دخل الجنة. # قوله تعالى: الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتب ولم يجعل له عوجا (1) ~~قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن ~~لهم أجرا حسنا (2) ماكثين فيه أبدا (3) قوله تعالى: (الحمد لله الذي أنزل ~~على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما) ذكر ابن إسحاق أن قريشا بعثوا ~~النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود وقالوا لهما: ~~PageV10P346 # سلاهم عن محمد وصفا لهم صفته وأخبراهم بقوله، فإنهم أهل الكتاب الأول، ~~وعندهم علم ليس عندنا من علم أنبياء، فخرجا حتى قدما المدينة، فسألا أحبار ~~يهود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووصفا لهم أمره، وأخبراهم ببعض ~~قوله، وقالا لهم: إنكم أهل التوراة وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا. ~~فقالت لهما أحبار يهود: سلوه عن ثلاث نأمركم بهن، فإن أخبركم بهن فهو نبي ~~مرسل، وإن لم يفعل فالرجل متقول، فروا فيه رأيكم، سلوه عن فتية ذهبوا في ~~الدهر الأول، ما ms3784 كان أمرهم، فإنه قد كان لهم حديث عجب. سلوه عن رجل طواف قد ~~بلغ مشارق الأرض ومغاربها، ما كان نبؤه. وسلوه عن الروح، ما هي، فإذا ~~أخبركم بذلك فاتبعوه فإنه نبي، وإن لم يفعل فهو رجل متقول فاصنعوا في أمره ~~ما بدا لكم. فأقبل النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط قدما مكة على قريش ~~فقالا: يا معشر قريش،! قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - قد أمرنا أحبار يهود أن نسأله عن أشياء أمرونا بها، فإن أخبركم عنها ~~فهو نبي، وإن لم يفعل (1) فالرجل متقول، فروا فيه رأيكم. # فجاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد، أخبرنا عن فتية ~~ذهبوا في الدهر الأول، قد كانت لهم قصة عجب، وعن رجل كان طوافا قد بلغ ~~مشارق الأرض ومغاربها، وأخبرنا عن الروح ما هي؟ قال فقال لهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " أخبركم بما سألتم عنه غدا " ولم يستثن (2). فانصرفوا ~~عنه، فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يزعمون خمس عشرة ليلة، لا ~~يحدث الله إليه في ذلك وحيا ولا يأتيه جبريل، حتى أرجف (3) أهل مكة وقالوا: # وعدنا محمد غدا، واليوم خمس عشرة ليلة، وقد أصبحنا منها لا يخبرنا بشئ ~~مما سألناه عنه، وحتى أحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث الوحي عنه، ~~وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة، ثم جاءه جبريل عليه السلام من عند الله عز ~~وجل بسورة أصحاب الكهف فيها معاتبته إياه على حزنه عليهم، وخبر ما سألوه ~~عنه من أمر الفتية، والرجل الطواف والروح. قال ابن إسحاق: فذكر لي أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال لجبريل: " لقد احتبست عنى # PageV10P347 # يا جبريل حتى سؤت ظنا " فقال له جبريل: " وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما ~~بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا (1) ". فافتتح السورة ~~تبارك وتعالى بحمده، وذكر نبوة رسوله صلى الله عليه وسلم لما أنكروا عليه ~~من ذلك فقال: " الحمد الله ms3785 الذي أنزل على عبده الكتاب " يعنى محمدا، إنك ~~رسول منى، أي تحقيق لما سألوا عنه من نبوتك. # " ولم يجعل له عوجا قيما " أي معتدلا لا اختلاف فيه. " لينذر بأسا شديدا ~~من لدنه " أي عاجل عقوبته في الدنيا، وعذابا أليما في الآخرة، أي من عند ~~ربك الذي بعثك رسولا. # " ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات، أن لهم أجرا حسنا ماكثين فيه ~~أبدا " أي دار الخلد لا يموتون فيها، الذين صدقوك بما جئت به مما كذبك به ~~غيرهم، وعملوا بما أمرتهم به من الأعمال. " وينذر الذين قالوا اتخذ الله ~~ولدا " يعنى قريشا في قولهم: إنا نعبد الملائكة وهي بنات الله. " ما لهم به ~~من علم ولا لآبائهم " الذين أعظموا فراقهم وعيب دينهم. # " كبرت كلمة تخرج من أفواههم " أي لقولهم إن الملائكة بنات الله. " إن ~~يقولون إلا كذبا. فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث ~~أسفا " لحزنه عليهم حين فاته ما كان يرجوه منهم، أي لا تفعل. فال ابن هشام: ~~" باخع نفسك " مهلك نفسك، فيما حدثني أبو عبيدة. قال ذو الرمة: # ألا أي هذا الباخع الوجد نفسه * بشئ نحته عن يديه المقادر وجمعها باخعون ~~وبخعة. وهذا البيت في قصيدة (2) له. وقول العرب: قد بخعت له نصحي ونفسي، أي ~~جهدت له. " إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا " قال ~~ابن إسحاق: أي أيهم اتبع لأمري وأعمل بطاعتي: " وإنا لجاعلون ما عليها ~~صعيدا جرزا " أي الأرض، وإن ما عليها لفان وزائل، وإن المرجع إلى فأجزي كلا ~~بعمله، فلا تأس ولا يحزنك ما ترى وتسمع فيها. قال ابن هشام: الصعيد وجه ~~الأرض، وجمعه صعد. قال ذو الرمة يصف ظبيا صغيرا: # PageV10P348 # كأنه بالضحى ترمى الصعيد به * دبابة في عظام الرأس خرطوم وهذا البيت في ~~قصيدة له (2). والصعيد أيضا: الطريق، وقد جاء في الحديث: " إياكم والقعود ~~على الصعدات " يريد الطرق. والجرز: الأرض التي لا تنبت شيئا، وجمعها أجراز. ~~ويقال: سنة جرز وسنون أجراز، وهي التي لا يكون فيها مطر. وتكون فيها جدوبة ms3786 ~~ويبس وشدة. قال ذو الرمة يصف إبلا: # طوى النحز والأجراز ما في بطونها * فما بقيت إلا الضلوع الجراشع (3) قال ~~ابن إسحاق: ثم استقبل قصة الخبر فيما سألوه عنه من شأن الفتية فقال: # " أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا " أي قد كان من ~~آياتي فيه وضعت على العباد من حجتي ما هو أعجب من ذلك. قال ابن هشام: ~~والرقيم الكتاب الذي رقم بخبرهم، وجمعه رقم. قال العجاج: # * ومستقر المصحف المرقم * وهذا البيت في أرجوزة له (4). قال ابن إسحاق: ~~ثم قال " إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا ~~من أمرنا رشدا. فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا. ثم بعثناهم لنعلم أي ~~الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا ". ثم قال: " نحن نقص عليك نبأهم بالحق " أي ~~بصدق الخبر " إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى. وربطنا على قلوبهم إذ ~~قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا ~~شططا " أي لم يشركوا بي كما أشركتم بي ما ليس لكم به علم. قال ابن هشام: ~~والشطط الغلو ومجاوزة الحق. قال أعشى [بنى (5)] قيس بن ثعلبة: # أتنتهون ولا ينهى ذوي شطط * كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل # PageV10P349 # وهذا البيت في قصيدة له (1). قال ابن إسحاق: " هؤلاء قومنا اتخذوا من ~~دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين ". قال ابن إسحاق: أي بحجة بالغة. " ~~فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا. وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله ~~فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا. وترى ~~الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الحال وهم ~~في فجوة منه ". قال ابن هشام: تزاور تميل، وهو من الزور. وقال أبو الزحف ~~الكليبي (2) يصف بلدا: # جدب المندى عن هوانا أزور * ينضي المطايا خمسه العشنزر وهذان (4) البيتان ~~في أرجوزة له. و " تقرضهم ذات الشمال " تجاوزهم وتتركهم عن شمالها. # قال ذو الرمة: # إلى ظعن يقرضن أقواز مشرف * شمالا وعن ms3787 أيمانهن الفوارس (5) وهذا البيت في ~~قصيدة (6) له. والفجوة: السعة، وجمعها الفجاء. قال الشاعر: # ألبست قومك مخزاة ومنقصة * حتى أبيحوا وحلوا فجوة الدار " ذلك من آيات ~~الله " أي في الحجة على من عرف ذلك من أمورهم من أهل الكتاب ممن أمر هؤلاء ~~بمسألتك عنهم في صدق نبوتك بتحقيق الخبر عنهم. " من يهد الله فهو المهتدى ~~ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا. وتحسبهم أيقاظا وهم رقود ونقلبهم ذات ~~اليمين وذات # PageV10P350 # الشمال وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد " قال ابن هشام: الوصيد الباب. قال ~~العبسي واسمه عبد بن وهب (1): # بأرض فلاة لا يسد وصيدها * على ومعروفي بها غير منكر وهذا البيت في أبيات ~~له. والوصيد أيضا الفناء، وجمعه وصائد ووصد وصدان. # " لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا - إلى قوله - الذين غلبوا على أمرهم " ~~أهل السلطان والملك منهم. " لنتخذن عليهم مسجدا. سيقولون " يعنى أحبار ~~اليهود الذين أمروهم بالمسألة عنهم. " ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة ~~سادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم قل ربى اعلم بعدتهم ~~ما يعلمهم إلا قليل فلا تمار فيهم " أي لا تكابرهم. # " إلا مراء ظاهرا ولا تستفت فيهم منهم أحدا " فإنهم لا علم لهم بهم. " ~~ولا تقولن لشئ إني فاعل ذلك غدا. إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت وقل ~~عسى أن يهديني ربى لأقرب من هذا رشدا " أي لا تقولن لشئ سألوك عنه كما قلت ~~في هذا إني مخبركم غدا، واستثن مشيئة الله، واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن ~~يهديني ربى لخبر ما سألتموني عنه رشدا، فإنك لا تدرى ما أنا صانع في ذلك. " ~~ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا " أي سيقولون ذلك. " قل الله ~~اعلم بما لبثوا له غيب السماوات والأرض أبصر به واسمع ما لهم من دونه من ~~ولى ولا يشرك في حكمه أحدا " أي لم يخف عليه شئ ما سألوك عنه. # قلت: هذا ما وقع في السيرة من خبر أصحاب الكهف ذكرناه على نسقه (2). ~~ويأتي خبر ذي القرنين، ثم نعود إلى أول السورة فنقول: ms3788 # قد تقدم معنى الحمد لله. وزعم الأخفش والكسائي والفراء وأبو عبيد وجمهور ~~المتأولين أن في أول هذه السورة تقديما وتأخيرا، وأن المعنى: الحمد لله ~~الزي أنزل على عبده الكتاب قيما ولم يجعل له عوجا. و " قيما " نصب على ~~الحال. وقال قتادة: الكلام على سياقه من غير تقديم ولا تأخير، ومعناه: ولم ~~يجعل له عوجا ولكن جعلناه قيما. وقول الضحاك فيه حسن، وأن # PageV10P351 # المعنى: مستقيم (1)، أي مستقيم الحكمة لا خطأ فيه ولا فساد ولا تناقض. ~~وقيل: " قيما " على الكتب السابقة يصدقها. وقيل: " قيما " بالحجج أبدا. " ~~عوجا " مفعول به، والعوج (بكسر العين) في الدين والرأي والامر والطريق. ~~وبفتحها في الأجسام كالخشب والجدار، وقد تقدم (2). وليس في القرآن عوج، أي ~~عيب، أي ليس متناقضا مختلفا، كما قال تعالى: # " ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا (3) " وقيل: أي لم ~~يجعله مخلوقا، كما روى عن ابن عباس في قوله تعالى " قرآنا عربيا غير ذي عوج ~~(4) قال: غير مخلوق. وقال مقاتل: # " عوجا " اختلافا و. قال الشاعر: # أدوم بودى للصديق تكرما * ولا خير فيمن كان في الود أعوجا (لينذر بأسا ~~شديدا) أي لينذر محمد أو القرآن. وفيه إضمار، أي لينذر الكافرين عقاب الله. ~~وهذا العذاب الشديد قد يكون في الدنيا وقد يكون في الآخرة. (من لدنه) أي من ~~عنده وقرأ أبو بكر عن عاصم " من لدنه " بإسكان الدال وإشمامها الضم وكسر ~~النون، والهاء موصولة بياء. والباقون " لدنه " بضم الدال وإسكان النون وضم ~~الهاء. قال الجوهري: # وفى " لدن " ثلاث لغات: لدن، ولدى، ولد. وقال: # * من لد لحييه إلى منحوره * المنحور لغة المنحر. # قوله تعالى: (ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم) أي بأن لهم. # (أجرا حسنا) وهي الجنة. (ماكثين) دائمين. (فيه أبدا) لا إلى غاية. وإن ~~حملت التبشير على البيان لم يحتج إلى الباء في " بأن ". والاجر الحسن: ~~الثواب العظيم الذي يؤدى إلى الجنة. # PageV10P352 # قوله تعالى: وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا (4) ما لهم به من علم ولا ~~لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن ms3789 يقولون إلا كذبا (5) قوله تعالى: ~~(وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا) هم اليهود، قالوا عزير ابن الله، ~~والنصارى قالوا المسيح ابن الله، وقريش قالت الملائكة بنات الله. فالانذار ~~في أول السورة عام، وهذا خاص فيمن قال لله ولد. (ما لهم به من علم) " من " ~~صلة، أي ما لهم بذلك القول علم، لأنهم مقلدة قالوه بغير دليل. (ولا ~~لآباءهم) أي أسلافهم. (كبرت كلمة) " كلمة " نصب على البيان، أي كبرت تلك ~~الكلمة كلمة. وقرأ الحسن ومجاهد ويحيى بن يعمر وابن أبي إسحاق " كلمة " ~~بالرفع، أي عظمت كلمة، يعنى قولهم اتخذ الله ولدا. وعلى هذه القراءة فلا ~~حاجة إلى إضمار. يقال: كبر الشئ إذا عظم. وكبر الرجل إذا أسن. (تخرج من ~~أفواههم) في موضع الصفة. (إن يقولون إلا كذبا) أي ما يقولون إلا كذبا. # قوله تعالى: فلعك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا ~~(6) قوله تعالى: (فلعلك باخع نفسك على آثارهم) " باخع " أي مهلك وقاتل، وقد ~~تقدم. " آثارهم " جمع أثر، ويقال إثر. والمعنى: على أثر توليهم وإعراضهم ~~عنك. # (إن لم يؤمنوا بهذا الحديث) أي القرآن. (أسفا) أي حزنا وغضبا على كفرهم، ~~وانتصب على التفسير. # قوله تعالى: إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا (7) ~~قوله تعالى: (إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها) فيه مسئلتان: PageV10P353 # الأولى - قوله تعالى: (إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها) " ما " و " زينة ~~" مفعولان. والزينة كل ما على وجه الأرض، فهو عموم لأنه دال على بارئه. ~~وقال ابن جبير عن ابن عباس: أراد بالزينة الرجال، قال مجاهد. وروى عكرمة عن ~~ابن عباس أن الزينة الخلفاء والامراء. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن ~~عباس في قول تعالى: " إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها " قال: العلماء زينة ~~الأرض. وقالت فرقة: أراد النعم والملابس والثمار والخضرة والمياه، ونحو هذا ~~مما فيه زينة، ولم يدخل فيه الجبال الصم وكل ما لا زينة فيه كالحيات ~~والعقارب. والقول بالعموم أولى، وأن كل ما على الأرض ms3790 فيه زينة من جهة خلقه ~~وصنعه وإحكامه. والآية بسط في التسلية، أي لا تهتم يا محمد للدنيا وأهلها ~~فإنا إنما جعلنا ذلك امتحانا واختبارا لأهلها، فمنهم من يتدبر ويؤمن، ومنهم ~~من يكفر، ثم يوم القيامة بين أيديهم فلا يعظمن عليك كفرهم فإنا نجازيهم. # الثانية - معنى هذه الآية ينظر إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: " إن ~~الدنيا خضرة حلوة والله مستخلفكم فيها فينظر (1) كيف تعملون ". وقوله صلى ~~الله عليه وسلم: " إن أخوف ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من زهرة الدنيا ~~" قال: وما زهرة الدنيا؟ قال: # " بركات الأرض " خرجهما مسلم وغير من حديث أبي سعيد الخدري. والمعنى: أن ~~الدنيا مستطابة في ذوقها معجبة في منظرها كالثمر المستحلى المعجب المرأى، ~~فابتلى الله بها عباده لينظر أيهم أحسن عملا. أي من أزهد فيها وأترك لها، ~~ولا سبيل للعباد إلى بغضة ما زينة الله إلا [أن] يعينه على ذلك. ولهذا كان ~~عمر يقول فيما ذكر البخاري: # اللهم إنا لا نستطيع إلا أن نفرح بما زينته لنا، اللهم إني أسألك أن ~~أنفقه في حقه. فدعا الله أن يعينه على إنفاقه في حقه. وهذا معنى قوله عليه ~~السلام: " فمن أخذه بطيب نفس بورك له فيه ومن أخذه بإشراف نفس كان كالذي ~~يأكل ولا يشبع ". وهكذا هو المكثر من الدنيا لا يقنع بما يحصل له منها بل ~~همته جمعها، وذلك لعدم الفهم عن الله تعالى ورسوله، فإن الفتنة معها حاصلة ~~وعدم السلامة غالبة، وقد أفلح من أسلم ورزق كفافا وأقنعه # PageV10P354 # الله بما آتاه. وقال ابن عطية: كان أبى رضي الله عنه يقول في قوله " أحسن ~~عملا ": # أحسن العمل أخذ بحق وإنفاق في حق مع الايمان وأداء الفرائض واجتناب ~~المحارم والاكثار من المندوب إليه. # قلت: هذا قول حسن، وجيز في ألفاظه بليغ في معناه، وقد جمعه النبي صلى ~~الله عليه وسلم في لفظ واحد وهو قوله لسفيان بن عبد الله الثقفي لما قال: ~~يا رسول الله، قل لي في الاسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك ms3791 - في رواية: ~~غيرك. قال: " قل آمنت بالله ثم استقم " خرجه مسلم. وقال سفيان الثوري: " ~~أحسن عملا " أزهدهم فيها. وكذلك قال أبو عصام العسقلاني: " أحسن عملا " ~~أترك لها. وقد اختلفت عبارات العلماء في الزهد، فقال قوم: قصر الامل وليس ~~بأكل الخشن ولبس العباء، قاله سفيان الثوري. # قال علماؤنا: وصدق رضي الله عنه لان من قصر أمله لم يتأنق في المطعومات ~~ولا يتفنن في الملبوسات، وأخذ من الدنيا ما تيسر، واجتزأ منها بما يبلغ. ~~وقال قوم: بغض المحمدة وحب الثناء. وهو قول الأوزاعي ومن ذهب إليه. وقال ~~قوم: ترك الدنيا كلها هو الزهد، أحب تركها أم كره. وهو قول فضيل. وعن بشر ~~بن الحارث قال: حب الدنيا حب لقاء الناس، والزهد في الدنيا الزهد في لقاء ~~الناس. وعن الفضيل أيضا: علامة الزهد في الدنيا الزهد في الناس. وقال قوم: ~~لا يكون الزاهد زاهدا حتى يكون ترك الدنيا أحب إليه من أخذها، قال إبراهيم ~~بن أدهم. وقال قوم: الزهد أن تزهد في الدنيا بقلبك، قاله ابن المبارك. # وقالت فرقة: الزهد حب الموت. والقول الأول يعم هذه الأقوال بالمعنى فهو ~~أولى. # قوله تعالى: وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا (8) تقدم (1) بيانه. وقال ~~أبو سهل: ترابا لا نبات به، كأنه قطع نباته. والجرز: القطع، ومنه سنة جرز ~~(2). قال الراجز: # * قد جرفتهن السنون الأجراز * # PageV10P355 # والأرض الجرز التي لا نبات فيها ولا شئ من عمارة وغيرها، كأنه قطع وأزيل. ~~يعنى يوم القيامة، فإن الأرض تكون مستوية لا مستتر فيها. النحاس والجرز في ~~اللغة الأرض التي لا نبات بها. قال الكسائي: يقال جرزت الأرض تجرز، وجرزها ~~القوم يجرزونها إذا أكلوا كل ما جاء فيا من النبات والزرع فهي مجروزة وجرز ~~(1). # قوله تعالى: أم حسبتم أن أصحب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا (9) ~~مذهب سيبويه أن " أم " إذا جاءت دون أن يتقدمها ألف استفهام أنها بمعنى بل ~~وألف الاستفهام، وهي المنقطعة. وقيل: " أم " عطف على معنى الاستفهام في " ~~لعلك "، أو بمعنى ألف الاستفهام على الانكار. قال الطبري: وهو تقرير ms3792 للنبي ~~صلى الله عليه وسلم على حسابه أن أصحاب الكهف كانوا عجبا، بمعنى إنكار ذلك ~~عليه، أي لا يعظم ذلك بحسب ما عظمه عليك السائلون من الكفرة، فإن سائر آيات ~~الله أعظم من قصتهم وأشيع، هذا قول ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن إسحاق. ~~والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، وذلك أن المشركين سألوه عن فتية فقدوا، ~~وعن ذي القرنين وعن الروح، وأبطأ الوحي على ما تقدم. # فلما نزل قال الله تعالى لنبيه عليه السلام: أحسبت يا محمد أن أصحاب ~~الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا، أي ليسوا بعجب من آياتنا، بل في ~~آياتنا ما هو أعجب من خبرهم. الكلبي: # خلق السماوات والأرض أعجب من خبرهم. الضحاك: ما أطلعتك عليه من الغيب ~~أعجب. # الجنيد: شأنك في الاسراء أعجب. الماوردي: معنى الكلام النفي، أي ما حسبت ~~لولا إخبارنا. أبو سهل: استفهام تقرير، أي أحسبت ذلك فإنهم عجب. والكهف: ~~النقب المتسع في الجبل، وما لم يتسع فهو غار. وحكى النقاش عن أنس بن مالك ~~أنه قال: # الكهف الجبل، وهذا غير شهير في اللغة. # واختلف الناس في الرقيم، فقال ابن عباس: كل شئ في القرآن أعلمه إلا ~~أربعة: # غسلين وحنان والأواه والرقيم. وسئل مرة عن الرقيم فقال: زعم كعب أنها ~~قرية خرجوا # PageV10P356 # منها. وقال مجاهد: الرقيم واد. وقال السدى: الرقيم الصخرة التي كانت على ~~الكهف. # وقال ابن زيد: الرقيم كتاب غم الله علينا أمره، ولم يشرح لنا قصته. وقالت ~~فرقة: الرقيم كتاب في لوح من نحاس. وقال ابن عباس: في لوح من رصاص كتب فيه ~~القوم الكفار الذي فر الفتية منهم قصتهم وجعلوها تاريخا لهم، ذكروا وقت ~~فقدهم، وكم كانوا، وبين (1) من كانوا. وكذا قال القراء، قال: الرقيم لوح من ~~رصاص كتب فيه أسماؤهم وأنسابهم ودينهم وممن هربوا. فال ابن عطية: ويظهر من ~~هذه الروايات أنهم كانوا قوما مؤرخين للحوادث، وذلك من نبل المملكة، وهو ~~أمر مفيد. وهذه الأقوال مأخوذة من الرقم، ومنه " كتاب مرقوم (2) ". ومنه ~~الأرقم لتخطيطه. ومنه رقمة الوادي، أي مكان جرى ms3793 الماء وانعطافه. # وما روى عن ابن عباس ليس بمتناقض، لان القول الأول إنما سمعه من كعب. ~~والقول الثاني يجوز أن يكون عرف الرقيم بعده. وروى عنه سعيد بن جبير قال: ~~ذكر ابن عباس أصحاب الكهف فقال: إن الفتية فقدوا فطلبهم أهلوهم فلم يجدوهم ~~فرفع ذلك إلى الملك فقال: # ليكونن لهم نبأ، وأحضر لوحا من رصاص فكتب فيه أسماءهم وجعله في خزانته، ~~فذلك اللوح هو الرقيم. وقيل: إن مؤمنين كانا في بيت الملك فكتبا شأن الفتية ~~وأسماءهم وأنسابهم في لوح من رصاص ثم جعلاه في تابوت من نحاس وجعلاه في ~~البنيان، فالله اعلم. وعن ابن عباس أيضا: # الرقيم كتاب مرقوم كان عندهم فيه الشرع الذي تمسكوا به من دين عيسى عليه ~~السلام. # وقال النقاش عن قتادة: الرقيم دراهمهم. وقال أنس بن مالك والشعبي: الرقيم ~~كلبهم. # وقال عكرمة: الرقيم الدواة. وقيل: الرقيم اللوح من الذهب تحت الجدار الذي ~~أقامه الخضر. # وقيل: الرقيم أصحاب الغار الذي انطبق عليهم، فذكر كل واحد منهم أصلح ~~عمله. # قلت: وفى هذا خير معروف أخرجه الصحيحان، (3) وإليه نحا البخاري. وقال ~~قوم: # أخبر الله عن أصحاب الكهف، ولم يخبر عن أصحاب الرقيم بشئ. وفال الضحاك: ~~الرقيم بلدة بالروم فيها غار فيه أحد وعشرون نفسا كأنهم نيام على هيئة ~~أصحاب الكهف، فعلى هذا هم # PageV10P357 # فتية آخرون جرى لهم ما جرى لأصحاب الكهف. والله أعلم. وقيل: الرقيم واد ~~دون فلسطين فيه الكهف، مأخوذ من رقمة الوادي وهي موضع الماء، يقال: عليك ~~بالرقمة ودع الصفة، ذكره الغزنوي،. قال ابن عطية: وبالشام على ما سمعت به ~~من ناس كثير [كهف] فيه موتى، يزعم مجاوروه أنهم أصحاب الكهف وعليهم مسجد ~~وبناء يسمى الرقيم ومعهم كلب رمة. # وبالأندلس في جهة غرناطة بقرب قرية تسمى لوشة كهف فيه موتى ومعهم كلب ~~رمة، وأكثرهم قد تجرد لحمه وبعضهم متماسك، وقد مضت القرون السالفة ولم نجد ~~من علم شأنهم أثارة (1). ويزعم ناس أنهم أصحاب الكهف، دخلت إليهم ورأيهم ~~سنة أربع وخمسمائة وهم بهذه الحالة، وعليهم مسجد، وقريب منهم ms3794 بناء رومي ~~يسمى الرقيم، كأنه قصر مخلق قد بقى بعض جدرانه، وهو في فلاة من الأرض خربة، ~~وبأعلى غرناطة مما يلي القبلة آثار مدينة قديمة رومية يقال لها مدينة ~~دقيوس، وجدنا في آثارها غرائب من قبور ونحوها. # قلت: ما ذكر من رؤيته لهم بالأندلس فإنما هم غيرهم، لان الله تعالى يقول ~~في حق أصحاب الكهف: " لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا ". ~~وقد قال ابن عباس لمعاوية لما أراد رؤيتهم: قد منع الله من هو خير منك عن ~~ذلك، وسيأتي في آخر القصة. وقال مجاهد في قول " كانوا من آياتنا عجبا " ~~قال: هم عجب. كذا روى ابن جريج عنه، يذهب إلى أنه بإنكار على النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن يكون عنده أنهم عجب. # وروى ابن نجيح عنه قال: يقول ليس بأعجب آياتنا. # قوله تعالى: إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة وهئ ~~لنا من أمرنا رشدا (10) فيه ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (إذ أوى الفتية إلى الكهف) روى أنهم قوم من أبناء ~~أشراف مدينة دقيوس الملك الكافر، [يقال فيه: دقلوس (2)]. ويقال فيه: ~~دقنيوس: وروى أنهم كانوا # PageV10P358 # مطوقين مسورين بالذهب ذوي (1) ذوائب، وهم من الروم واتبعوا دين عيسى. ~~وقيل: كانوا قبل عيسى، والله أعلم. وقال ابن عباس: إن ملكا من الملوك يقال ~~له دقيانوس ظهر على مدينة من مدائن الروم يقال لها أفسوس. وقيل هي طرسوس ~~وكان بعد زمن عيسى عليه السلام فأمر بعبادة الأصنام فدعا أهلها إلى عبادة ~~الأصنام، وكان بها سبعة أحداث يعبدون سرا، فرفع خبرهم إلى الملك وخافوه ~~فهربوا ليلا، ومروا براع معه كلب فتبعهم فآووا إلى الكهف فتبعهم الملك إلى ~~فم الغار، فوجد أثر دخولهم ولم يجد أثر خروجهم، فدخلوا فأعمى الله أبصارهم ~~فلم يروا شيئا، فقال الملك: سدوا عليهم باب الغار حتى يموتوا فيه جوعا ~~وعطشا. وروى مجاهد عن ابن عباس أيضا أن هؤلاء الفتية كانوا في دين ملك يعبد ~~الأصنام ويذبح لها ويكفر بالله، وقد تابعه على ذلك ms3795 أهل المدينة، فوقع ~~للفتية علم من بعض الحواريين - حسبما ذكر النقاش أو من مؤمني الأمم قبلهم - ~~فآمنوا بالله ورأوا ببصائرهم قبيح فعل الناس، فأخذوا نفوسهم بالتزام الدين ~~وعبادة الله، فرفع أمرهم إلى الملك وقيل لي: إنهم قد فارقوا دينك واستخفوا ~~آلهتك وكفروا بها، فاستحضرهم الملك إلى (2) مجلسه وأمرهم باتباع دينه ~~والذبح لآلهته، وتوعدهم على فراق ذلك بالقتل، فقالوا له فيما روى: " ربنا ~~رب السماوات والأرض - إلى قوله - وإذا اعتزلتموهم ". # وروى أنهم قالوا نحو هذا الكلام وليس به، فقال لهم الملك: إنكم شبان ~~أغمار لا عقول لكم، وأنا لا أعجل بكم بل استأنى فاذهبوا إلى منازلكم ودبروا ~~رأيكم وارجعوا إلى أمري، وضرب لهم في ذلك أجلا، ثم إنه خلال الاجل فتشاور ~~الفتية في الهروب بأديانهم، فقال لهم أحدهم: إني أعرف كهفا في جبل كذا، ~~وكان أبى يدخل فيه غنمه فلنذهب فلنختف فيه حتى يفتح الله لنا، فخرجوا فيما ~~روى يلعبون بالصولجان والكرة، وهم يدحرجونها إلى نحو طريقهم لئلا يشعر ~~الناس بهم. وروى أنهم كانوا مثقفين فحضر عيد خرجوا إليه فركبوا في جملة ~~الناس، ثم أخذوا باللعب بالصولجان حتى خلصوا بذلك. وروى وهب بن منبه أن أول ~~أمرهم إنما كان حواري لعيسى بن مريم جاء إلى مدينة أصحاب الكهف يريد ~~دخولها، فأجر نفسه من صاحب الحمام وكان يعمل فيه، فرأى صاحب الحمام في ~~أعماله بركة. عظيمة، # PageV10P359 # فألقى إليه بكل أمره، وعرف ذلك الرجل فتيان من [أهل] (1) المدينة فعرفهم ~~الله تعالى فآمنوا به واتبعوه على دينه. واشتهرت خلطتهم به، فأتى يوما إلى ~~ذلك الحمام ولد الملك بامرأة أراد الخلوة (2) بها، فنهاه ذلك الحوارى ~~فانتهى، ثم جاء مرة أخرى فنهاه فشتمه، وأمضى عزمه في دخول الحمام مع البغى، ~~فدخل فماتا فيه جميعا، فاتهم ذلك الحوارى وأصحابه بقتلهما، ففروا جميعا حتى ~~دخلوا الكهف. وقيل في خروجهم غير هذا. # وأما الكلب فروى أنه كان كلب صيد لهم، وروى أنهم وجدوا في طريقهم راعيا ~~له كلب فاتبعهم الراعي على رأيهم وذهب الكلب معهم، قال ابن عباس. واسم ms3796 ~~الكلب حمران وقيل قطمير. # وأما أسماء أهل الكهف فأعجمية، والسند في معرفتها واه. والذي ذكره الطبري ~~هي هذه: مكسلمينا وهو أكبرهم والمتكلم عنهم، ومحسيميلنينا ويمليخا، وهو ~~الذي مضى بالورق إلى المدينة عند بعثهم من رقدتهم، ومرطوس وكشوطوش ودينموس ~~ويطونس وبيرونس. # قال مقاتل: وكان الكلب لمكسلمينا، وكان أسنهم وصاحب غنم. # الثانية - هذه الآية صريحة في الفرار بالدين وهجرة الأهل والبنين ~~والقرابات والأصدقاء والأوطان والأموال خوف الفتنة وما يلقاه الانسان من ~~المحنة. وقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم فارا بدينه، وكذلك أصحابه، وجلس ~~في الغار حسبما تقدم (3) في سورة " النحل ". # وقد نص الله تعالى على ذلك في " براءة " وقد تقدم (4). وهجروا أوطانهم ~~وتركوا أرضهم وديارهم وأهاليهم وأولادهم وقراباتهم وإخوانهم، رجاء السلامة ~~بالدين والنجاة من فتنة الكافرين. # فسكنى الجبال ودخول الغيران، والعزلة عن الخلق والانفراد بالخالق، وجواز ~~الفرار من الظالم هي سنة الأنبياء صلوات الله عليهم والأولياء. وقد فضل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم العزلة، وفضلها جماعة العلماء لا سيما عند ~~ظهور الفتن وفساد الناس، وقد نص الله تعالى عليها في كتابه فقال: " فأووا ~~إلى الكهف ". # PageV10P360 # وقال العلماء الاعتزال عن الناس يكون مرة في الجبال والشعاب، ومرة في ~~السواحل والرباط، ومرة في البيوت، وقد جاء في الخبر: " إذا كانت الفتنة ~~فأخف مكانك وكف لسانك ". ولم يخص موضعا من موضع. وقد جعلت طائفة من العلماء ~~العزلة اعتزال الشر وأهله بقلبك وعملك، إن كنت بين أظهرهم. وقال ابن ~~المبارك في تفسير العزلة: أن تكون مع القوم فإذا خاضوا في ذكر الله فخض ~~معهم، وإن خاضوا في غير ذلك فاسكت. وروى البغوي عن ابن عمر عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال " المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل من ~~المؤمن الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم ". وروى عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: " نعم صوامع المؤمنين بيوتهم " من مراسل الحسن وغيره. وقال عقبة ~~بن عامر لرسول الله صلى الله عليه وسلم: # ما النجاة يا رسول الله؟ فقال: " يا عقبة أمسك ms3797 عليك لسانك وليسعك بيتك ~~وآبك على خطيئتك ". # وقال صلى الله عليه وسلم: " يأتي على الناس زمان خير مال الرجل المسلم ~~الغنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن ". خرجه ~~البخاري. وذكر على بن سعد عن الحسن بن واقد قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " إذا كانت سنة ثمانين ومائة فقد حلت لامتي العزبة والعزلة ~~والترهب في رؤوس الجبال ". وذكر أيضا على بن سعد عن عبد الله بن المبارك عن ~~مبارك بن فضالة عن الحسن يرفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " يأتي على الناس زمان لا يسلم لذي دين دينه إلا من فر بدينه من شاهق إلى ~~شاهق أو حجر (1) إلى حجر فإذا كان ذلك لم تنل المعيشة إلا بمعصية الله فإذا ~~كان ذلك حلت العزبة ". قالوا: # يا رسول الله، كيف تحل العزبة وأنت تأمرنا بالتزويج؟ قال: " إذا كان ذلك ~~كان فساد الرجل على يدي أبويه فإن لم يكن له أبوان كان هلاكه على يدي زوجته ~~فإن لم تكن له زوجة كان هلاكه على يدي ولده فإن لم يكن له ولد كان هلاكه ~~على يدي القرابات والجيران ". قالوا: # وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: " يعيرونه بضيق المعيشة ويكلفونه ما لا يطيق ~~فعند ذلك يورد نفسه الموارد التي يهلك فيها ". # PageV10P361 # قلت: أحوال الناس في هذا الباب تختلف، فرب رجل تكون له قوة على سكنى ~~الكهوف والغيران في الجبال، وهي أرفع الأحوال لأنها الحالة التي اختارها ~~الله لنبيه صلى الله عليه وسلم في بداية أمره، ونص عليها في كتابه مخبرا عن ~~الفتية، فقال: " وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف (1) ~~". ورب رجل تكون العزلة له في بيته أخف عليه وأسهل، وقد اعتزل رجال من أهل ~~بدر فلزموا بيوتهم بعد قتل عثمان فلم يخرجوا إلا إلى قبورهم. # ورب رجل متوسط بينهما فيكون له من القوة ما يصبر بها على مخالطة الناس ~~وإذا هم، فهو معهم في الظاهر ومخالف لهم في الباطن. وذكر ابن المبارك ms3798 حدثنا ~~وهيب بن الورد قال: # جاء رجل إلى وهب بن منبه فقال: إن الناس وقعوا فيما وقعوا وقد حدثت نفسي ~~ألا أخالطهم. فقال: لا تفعل إنه لا بد لك من الناس، ولا بد لهم منك، ولك ~~إليهم حوائج، ولهم إليك حوائج، ولكن كن فيهم أصم سميعا، أعمى بصيرا، سكوتا ~~نطوقا. # وقد قيل: إن كل موضع يبعد عن الناس فهو داخل في معنى الجبال والشعاب، مثل ~~الاعتكاف في المساجد، ولزوم السواحل للرباط والذكر، ولزوم البيوت فرارا عن ~~شرور الناس. وإنما جاءت الأحاديث بذكر الشعاب والجبال واتباع الغنم - والله ~~أعلم - لان ذلك هو الأغلب في المواضع التي يعتزل فيها، فكل موضع يبعد عن ~~الناس فهو داخل في معناه، كما ذكرنا، والله الموفق وبه العصمة. وروى عقبة ~~بن عامر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " يعجب (2) ربك من ~~راعى غنم في رأس شظية الجبل يؤذن بالصلاة ويصلى فيقول الله عز وجل انظروا ~~إلى عبدي يؤذن ويقيم الصلاة يخاف منى قد غفرت لعبدي وأدخلته الجنة ". خرجه ~~النسائي. # الثالثة - قوله تعالى: (وهئ لنا من أمرنا رشدا) لما فروا ممن يطلبهم ~~اشتغلوا بالدعاء ولجئوا إلى الله تعالى فقالوا: " ربنا آتنا من لدنك رحمة " ~~أي مغفر ورزقا. (وهئ لنا من أمرنا رشدا) توفيقا للرشاد. وقال ابن عباس: ~~مخرجا من الغار في سلامة. # وقيل صوابا. ومن هذا المعنى أنه عليه السلام كان إذا حزبه (4) أمر فزع ~~إلى الصلاة. # PageV10P362 # قوله تعالى: فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا (11) عبارة عن إلقاء ~~الله تعالى النوم عليهم. وهذه من فصيحات القرآن التي أقرت العرب بالقصور عن ~~الاتيان بمثله. قال الزجاج: أي منعناهم عن أن يسمعوا، لان النائم إذا سمع ~~انتبه. وقال ابن عباس: ضربنا على آذانهم بالنوم، أي سددنا آذانهم عن نفوذ ~~الأصوات إليها. وقيل: المعنى " فضربنا على آذانهم " أي فاستجبنا دعاءهم، ~~وصرفنا عنهم شر قومهم، وأنمناهم. والمعنى كله متقارب. وقال قطرب: هذا كقول ~~العرب ضرب الأمير على يد الرعية إذا منعهم الفساد، وضرب السيد على يد عبده ms3799 ~~المأذون له في التجارة إذا منعه من التصرف. قال الأسود بن يعفر وكان ضريرا: # ومن الحوادث لا أبالك أنني * ضربت على الأرض بالأسداد (1) وأما تخصيص ~~الاذان بالذكر فلأنها الجارحة التي منها عظم فساد النوم، وقلما ينقطع نوم ~~نائم إلا من جهة أذنه، ولا يستحكم نوم إلا من تعطل السمع. ومن ذكر الاذن في ~~النوم قوله صلى الله عليه وسلم: (ذاك رجل بال الشيطان في أذنه) خرجه ~~الصحيح. أشار عليه السلام إلى رجل طويل النوم، لا يقوم الليل. و " عددا " ~~نعت للسنين، أي معدودة، والقصد به العبارة عن التكثير، لان القليل لا يحتاج ~~إلى عدد لأنه قد عرف. والعد المصدر، والعدد اسم المعدود كالنفض والخبط. ~~وقال أبو عبيدة: " عددا " نصب على المصدر. ثم قال قوم: بين الله تعالى عدد ~~تلك السنين من بعد فقال: " ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا " ~~. قوله تعالى: ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا (12) قوله ~~تعالى: (ثم بعثناهم) أي من بعد نومهم. ويقال لمن أحيى أو أقيم من نومه: # مبعوث، لأنه كان ممنوعا من الانبعاث والتصرف. # PageV10P363 # قوله تعالى: (لنعلم أي الحزبين أحصى) " لنعلم " عبارة عن خروج ذلك الشئ ~~إلى الوجود ومشاهدته، وهذا على نحو كلام العرب، أي نعلم ذلك موجودا، إلا ~~فقد كان الله تعالى علم أي الحزبين أحصى الأمد. وقرأ الزهري " ليعلم " ~~بالياء. والحزبان الفريقان، والظاهر من الآية أن الحزب الواحد هم الفتية إذ ~~ظنوا لبثهم قليلا. والحزب الثاني أهل المدينة الذين بعث الفتية على عهدهم، ~~حين كان عندهم التاريخ لأمر الفتية. # وهذا قول الجمهور من المفسرين. وقالت فرقة: هما حزبان من الكافرين، ~~اختلفا في مدة أصحاب الكهف. وقيل: هما حزبان من المؤمنين. وقيل غير ذلك مما ~~لا يرتبط بألفاظ الآية. و " أحصى " فعل ماض. و " أمدا " نصب على المفعول ~~به، قاله أبو على. وقال الفراء: نصب على التمييز. وقال الزجاج: نصب على ~~الظرف، أي أي الحزبين أحصى للبثهم في الأمد، والأمد الغاية. وقال مجاهد: " ~~أمدا " نصب معناه عددا، وهذا تفسير بالمعنى ms3800 على جهة التقريب. وقال الطبري: ~~" أمدا " منصوب ب‍ " لبثوا ". ابن عطية: وهذا غير متجه، وأما من قال إنه ~~نصب على التفسير فيلحقه من الاختلال أن أفعل لا يكون من فعل رباعي إلا في ~~الشاذ، و " أحصى " فعل رباعي. وقد يحتج له بأن يقال: إن أفعل في الرباعي قد ~~كثر، كقولك: ما أعطاه للمال وآتاه للخير. وقال في صفة حوضه صلى الله عليه ~~وسلم: # " ماؤه أبيض من اللبن ". وقال عمر بن الخطاب: فهو لما سواها أضيع. # قوله تعالى: نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى ~~(13) قوله تعالى: (نحن نقص عليك نبأهم بالحق) لما اقتضى قوله تعالى " لنعلم ~~أي الحزبين أحصى " اختلافا وقع في أمد الفتية، عقب بالخبر عن أنه عز وجل ~~يعلم من أمرهم بالحق الذي وقع. وقوله تعالى: (إنهم فتية) أي شباب وأحداث ~~حكم لهم بالفتوة حين آمنوا بلا واسطة، كذلك قال أهل اللسان: رأس الفتوة ~~الايمان. وقال الجنيد: الفتوة بذل الندى وكف الأذى وترك الشكوى. وقيل: ~~الفتوة اجتناب المحارم واستعجال المكارم. وقيل غير هذا. وهذا القول حسن ~~جدا، لأنه يعم بالمعنى جميع ما قيل في الفتوة. PageV10P364 # قوله تعالى: (وزدناهم هدى) أي يسرناهم للعمل الصالح، من الانقطاع إلى ~~الله تعالى، ومباعدة الناس، والزهد في الدنيا. وهذه زيادة على الايمان. ~~وقال السدى: زادهم هدى بكلب الراعي حين طردوه ورجموه مخافة أن ينبح عليهم ~~وينبه بهم، فرفع الكلب يديه إلى السماء كالداعي فأنطقه الله، فقال: يا قوم! ~~لم تطردونني، لم ترجمونني! لم تضربونني! # فوالله لقد عرفت الله قبل أن تعرفوه بأربعين سنة، فزادهم الله بذلك هدى. # قوله تعالى: وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض ~~لن ندعوا من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا (14) قوله تعالى: (وربطنا على ~~قلوبهم) عبارة عن شدة عزم وقوة صبر، أعطاها الله لهم حتى قالوا بين يدي ~~الكفار: " ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا ~~". ولما كان الفزع وخور النفس يشبه بالتناسب الانحلال حسن ms3801 في شدة النفس ~~وقوة التصميم أن يشبه الربط، ومنه يقال: فلان رابط الجأش، إذا كان لا تفرق ~~نفسه عند الفزع والحرب وغيرها. ومنه الربط على قلب أم موسى. وقوله تعالى: " ~~وليربط على قلوبكم ويثبت به الاقدام " وقد تقدم (1). # قوله تعالى: (إذ قاموا فقالوا) فيه مسئلتان: # الأولى - قوله تعالى: (إذ قاموا فقالوا) يحتمل ثلاثة معان: أحدها - أن ~~يكون هذا وصف مقامهم بين يدي الملك الكافر - كما تقدم، وهو مقام يحتاج إلى ~~الربط على القلب حيث خالفوا دينه، ورفضوا في ذات الله هيبته. والمعنى ~~الثاني فيما قيل: إنهم أولاد عظماء تلك المدينة، فخرجوا واجتمعوا وراء تلك ~~المدينة من غير ميعاد، فقال أسنهم: إني أجد في نفسي أن ربى رب السماوات ~~والأرض، فقالوا ونحن كذلك نجد في أنفسنا. فقاموا جميعا فقالوا: " ربنا رب ~~السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا ". # PageV10P365 # أي لئن دعونا إلها غيره فقد قلنا إذا جورا ومحالا. والمعنى الثالث: أن ~~يعبر بالقيام، عن انبعاثهم بالعزم إلى الهروب إلى الله تعالى ومنابذة ~~الناس، كما تقول: قام فلان إلى أمر كذا إذا عزم عليه بغاية الجد. # الثانية - قال ابن عطية: تعلقت الصوفية في القيام والقول بقول " إذ قاموا ~~فقالوا ربنا رب السماوات والأرض ". # قلت: وهذا تعلق غير صحيح هؤلاء قاموا فذكروا الله على هدايته، وشكروا لما ~~أولاهم من نعمه ونعمته، ثم هاموا على وجوههم منقطعين إلى ربهم خائفين من ~~قومهم، وهذه سنة الله في الرسل والأنبياء والفضلاء الأولياء. أين هذا من ~~ضرب الأرض بالاقدام والرقص بالأكمام وخاصة في هذه الأزمان عند سماع الأصوات ~~الحسان من المرد والنسوان، هيهات بينهما والله ما بين الأرض والسماء. ثم ~~هذا حرام عند جماعة العلماء، على ما يأتي بيانه في سورة لقمان إن شاء الله ~~تعالى (1). وقد تقدم في " سبحان " عند قوله: " ولا تمش في الأرض مرحا (2) " ~~ما فيه كفاية. وقال الإمام أبو بكر الطرسوسي وسئل عن مذهب الصوفية فقال: ~~وأما الرقص والتواجد فأول من أحدثه أصحاب السامري، لما اتخذ لهم عجلا جسدا ms3802 ~~له خوار قاموا يرقصون حواليه ويتواجدون، فهو دين الكفار وعباد العجل، على ~~ما يأتي. # قوله تعالى: هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان ~~بين فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا (15) قوله تعالى: (هؤلاء قومنا ~~اتخذوا من دونه آلهة) أي قال بعضهم لبعض: هؤلاء قومنا أي أهل عصرنا وبلدنا، ~~عبدوا الأصنام تقليدا من غير حجة. (لولا) أي هلا. # (يأتون عليهم بسلطان بين) أي بحجة على عبادتهم الصنم. وقيل: " عليهم " ~~راجع إلى الآلهة، أي هلا أقاموا بينة على الأصنام في كونها آلهة، فقولهم " ~~لولا " تحضيض بمعنى التعجيز، وإذا لم يمكنهم ذلك لم يجب أن يلتفت إلى ~~دعواهم. # PageV10P366 # قوله تعالى: وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأوا إلى الكهف ينشر لكم ~~ربكم كم رحمته ويهئ لكم من أمركم مرفقا (16) قوله تعالى: (وإذ اعتزلتموهم) ~~قيل: هو من قول الله لهم. أي وإذ اعتزلتموهم فاءوا إلى الكهف. وقيل: هو من ~~قول رئيسهم يمليخا، فيما ذكر ابن عطية. وقال الغزنوي: # رئيسهم مكسلمينا، قال لهم ذلك، أي إذ اعتزلتموهم واعتزلتم ما يعبدون. ثم ~~استثنى وقال (إلا الله) أي إنكم لم تتركوا عبادته، فهو استثناء منقطع. قال ~~ابن عطية: وهذا على تقدير إن الذين فر أهل الكهف منهم لا يعرفون الله، ولا ~~علم لهم به، وإنما يعتقدون الأصنام في ألوهيتهم فقط. وإن فرضنا أنهم يعرفون ~~الله كما كانت العرب تفعل لكنهم يشركون أصنامهم معه في العبادة فالاستثناء ~~متصل، لان الاعتزال وقع في كل ما يعبد الكفار إلا في جهة الله. # وفى مصحف عبد الله بن مسعود " وما يعبدون من دون الله ". قال قتادة هذا ~~تفسيرها. # قلت: ويدل على هذا ما ذكره أبو نعيم الحافظ عن عطاء الخراساني في قوله ~~تعالى: # " وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله " قال: كان فتية من قوم يعبدون ~~الله ويعبدون معه آلهة فاعتزلت الفتية عبادة تلك الآلهة ولم تعتزل عبادة ~~الله. # ابن عطية: فعلى ما قال قتادة تكون " إلا " بمنزلة غير، و " ما " من قوله ~~" وما يعبدون إلا الله " في ms3803 موضع نصب، عطفا على الضمير في قول " اعتزلتموهم ~~". ومضمن هذه الآية أن بعضهم قال لبعض: إذا فارقنا الكفار وانفردنا بالله ~~تعالى فلنجعل الكهف مأوى ونتكل على الله، فإنه سيبسط لنا رحمته، وينشرها ~~علينا، ويهيئ لنا من أمرنا مرفقا. وهذا كله دعاء بحسب الدنيا، وعلى ثقة ~~كانوا من الله في أمر آخرتهم. وقال أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين رضي ~~الله عنه: كان أصحاب الكهف صياقلة (1)، واسم الكهف حيوم. (مرفقا) قرئ بكسر ~~الميم وفتحها، وهو ما يرتفق به وكذلك مرفق الانسان ومرفقه، ومنهم من يجعل " ~~المرفق " بفتح الميم [وكسر الفاء من الامر، والمرفق من الانسان، وقد قيل: ~~المرفق بفتح الميم (2)] الموضع كالمسجد وهما لغتان. # PageV10P367 # قوله تعالى: وترى الشمس إذا طلعت تزور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت ~~تقرضهم ذات الشمال وهم في فجوة منه ذلك من آيات الله من يهد الله فهو ~~المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا (17) وتحسبهم أيقاظا وهم رقود ~~ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد لو اطلعت عليهم ~~لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا (18) قوله تعالى: (وترى الشمس إذا طلعت ~~تزاور عن كهفهم ذات اليمين) أي ترى أيها المخاطب الشمس عند طلوعها تميل عن ~~كهفهم. والمعنى: إنك لو رأيتهم لرأيتهم كذا، لا أن المخاطب رآهم على ~~التحقيق. " تزاور " تتنحى وتميل، من الازورار. والزور الميل. # والأزور في العين المائل النظر إلى ناحية، ويستعمل في غير العين، كما قال ~~ابن أبي ربيعة: # * وجنبي خيفة القوم أزور * ومن اللفظة قول عنترة: # * أزور من وقع القنا بلبانه (2) * وفى حديث غزوة موتة أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم رأى في سرير عبد الله بن رواحة ازورارا عن سرير جعفر وزيد ~~بن حارثة. وقرأ أهل الحرمين وأبو عمرو " تزاور " بإدغام التاء في الزاي، ~~والأصل " تتزاور ". وقرأ عاصم وحمزة والكسائي " تزاور " مخففة الزاي. # PageV10P368 # وقرأ ابن عامر " تزور " مثل تحمر. وحكى الفراء " تزوار " مثل تحمار، كلها ~~بمعنى واحد. # (وإذا غربت تقرضهم) قرأ الجمهور بالتاء على معنى تتركهم، قاله مجاهد. ms3804 ~~وقال قتادة: # تدعهم. النحاس: وهذا معروف في اللغة، حكى البصريون أنه يقال: قرضه يقرضه ~~إذا تركه، والمعنى: أنهم كانوا لا تصيبهم شمس ألبتة كرامة لهم، وهو قول ابن ~~عباس. يعنى أن الشمس إذا طلعت مالت عن كهفهم ذات اليمين، أي يمين الكهف، ~~وإذا غربت تمر بهم ذات الشمال، أي شمال الكهف، فلا تصيبهم في ابتداء النهار ~~ولا في آخر النهار. وكان كهفهم مستقبل بنات نعش في أرض الروم، فكانت الشمس ~~تميل عنهم طالعة وغاربة وجارية لا تبلغهم لتؤذيهم بحرها، وتغير ألوانهم ~~وتبلى ثيابهم. وقد قيل: إنه كان لكهفهم حاجب من جهة الجنوب، وحاجب من جهة ~~الدبور وهم في زاويته. وذهب الزجاج إلى أن فعل الشمس كان آية من الله، دون ~~أن يكون باب الكهف إلى جهة توجب ذلك. وقرأت فرقة " بقرضهم " بالياء من ~~القرض وهو القطع، أي يقطعهم الكهف بظله من ضوء الشمس. # وقيل: " وإذا غربت تقرضهم " أي يصيبهم يسير منها، مأخوذ من قارضة الذهب ~~والفضة، أي تعطيهم الشمس اليسير من شعاعها. وقالوا: كان في مسها لهم بالعشي ~~إصلاح لأجسادهم. # وعلى الجملة فالآية في ذلك أن الله تعالى آواهم إلى كهف هذه صفته لا إلى ~~كهف آخر يتأذون فيه بانبساط الشمس عليهم في معظم النهار. وعلى هذا فيمكن أن ~~يكون صرف الشمس عنهم بإظلال غمام أو سبب آخر. والمقصود بيان حفظهم عن تطرق ~~البلاء وتغير الأبدان والألوان إليهم، والتأذي بحر أو برد. (وهم في فجوة ~~منه) أي من الكهف والفجوة المتسع، وجمعها فجوات وفجاء، مثل ركوة وركاء ~~وركوات وقال الشاعر: # ونحن ملأنا كل واد وفجوة * رجالا وخيلا غير ميل (1) ولا عزل أي كانوا ~~بحيث يصيبهم نسيم الهواء. (ذلك من آيات الله) لطف بهم. وهذا يقوى قول ~~الزجاج. وقال أهل التفسير: كانت أعينهم مفتوحة وهم نائمون، فكذلك كان ~~الرائي يحسبهم أيقاظا. وقيل: تحسبهم أيقاظا وقيل: (تحسبهم أيقاظا) لكثرة ~~تقلبهم كالمستيقظ في مضجعه. و (أيقاظا) # PageV10P369 # جمع يقظ ويقظان، وهو المنتبه. (وهم رقود) كقولهم: وهم قوم ركوع وسجود ~~وقعود، فوصف الجمع بالمصدر. (ونقلبهم ms3805 ذات اليمين وذات الشمال) قال ابن ~~عباس: لئلا تأكل الأرض لحومهم. قال أبو هريرة: كان لهم في كل عام تقليبتان. ~~وقيل: في كل سنة مرة. # وقال مجاهد: في كل سبع سنين مرة. وقالت فرقة: إنما قلبوا في التسع ~~الأواخر، وأما في الثلاثمائة فلا. وظاهر كلام المفسرين أن التقليب كان من ~~فعل الله، ويجوز أن يكون من ملك بأمر الله، فيضاف إلى الله تعالى. # قوله تعالى: (وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد) فيه أربع مسائل الأولى - قوله ~~تعالى: " وكلبهم " قال عمرو بن دينار: إن مما أخذ على العقرب ألا تضر (1) ~~أحدا [قال (2)] في ليله أو في نهاره: صلى (3) الله على نوح. وإن مما أخذ ~~على الكلب ألا يضر من حمل عليه [إذا قال (2)]: وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد. ~~" أكثر المفسرين على أنه كلب حقيقة، وكان لصيد أحدهم أو لزرعه أو غنمه، على ~~ما قال مقاتل. واختلف في لونه اختلافا كثيرا، ذكره الثعلبي. تحصيله: أي لون ~~ذكرت أصبت، حتى قيل لون الحجر وقيل لون السماء. واختلف أيضا في اسمه، فعن ~~على: ريان. ابن عباس: # قطمير. الأوزاعي: مشير (4). عبد الله بن سلام: بسيط. كعب: صهيا. وهب: ~~نقيا. # وقيل قطفير (5)، ذكره الثعلبي. وكان اقتناء الكلب جائزا في وقتهم، كما هو ~~عندنا اليوم جائز في شرعنا. وقال ابن عباس: هربوا ليلا، وكانوا سبعة فمروا ~~براع معه كلب فاتبعهم على دينهم. وقال كعب: مروا بكلب فنبح لهم فطردوه فعاد ~~فطردوه مرارا، فقام الكلب على رجليه ورفع يديه إلى السماء كهيئة الداعي، ~~فنطق فقال: لا تخافوا منى أنا أحب أحباء الله تعالى فناموا حتى أحرسكم. # الثانية - ورد في الصحيح عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ~~من اقتنى كلبا إلا كلب صيد أو ماشية نقص من أجره كل يوم قيراطان ". وروى ~~الصحيح أيضا عن # PageV10P370 # أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من اتخذ كلبا إلا ~~كلب ماشية أو صيد أو زرع انقص من أجره كل يوم قيراط ". قال الزهري: وذكر ~~لابن عمر قول أبي ms3806 هريرة فقال: يرحم الله أبا هريرة كان صاحب زرع. فقد دلت ~~السنة الثابتة على اقتناء الكلب للصيد والزرع والماشية. وجعل النقص في أجر ~~من اقتناها على غير ذلك من المنفعة، إما لترويع الكلب المسلمين وتشويشه ~~عليهم بنباحه، أو لمنع دخول الملائكة البيت، أو لنجاسته، على ما يراه ~~الشافعي، أو لاقتحام النهى عن اتخاذ ما لا منفعة فيه، والله أعلم. وقال في ~~إحدى الروايتين " قيراطان " وفى الأخرى " قيراط ". وذلك يحتمل أن يكون في ~~نوعين من الكلاب أحدهما أشد أذى من الآخر، كالأسود الذي أمر عليه السلام ~~بقتله، ولم يدخله في الاستثناء حين نهى عن قتلها كما هو منصوص في حديث ~~جابر، أخرجه الصحيح. وقال: # " عليكم بالأسود البهيم ذي النقطتين فإنه شيطان ". ويحتمل أن يكون ذلك ~~لاختلاف المواضع، فيكون ممسكه بالمدينة مثلا أو بمكة ينقص قيراطان وبغيرها ~~قيراط. وأما المباح اتخاذه فلا ينقص، كالفرس والهرة. والله أعلم. # الثالثة - وكلب الماشية المباح اتخاذه عند مالك هو الذي يسرح معها، لا ~~الذي يحفظها في الدار من السراق. وكلب الزرع هو الذي يحفظها من الوحوش ~~بالليل أو بالنهار لا من السراق. وقد أجاز غير مالك اتخاذها لسراق الماشية ~~والزرع. وقد تقدم في " المائدة (1) " من أحكام الكلاب ما فيه كفاية، والحمد ~~لله. # الرابعة - قال ابن عطية: وحدثني أبي رضي الله عنه قال سمعت أبا الفضل ~~الجوهري في جامع مصر يقول على منبر وعظه سنة تسع وستين وأربعمائة: إن من ~~أحب أهل الخير نال من بركتهم، كلب أحب أهل فضل وصحبهم فذكره الله في محكم ~~تنزيله. # قلت: إذ كان بعض الكلاب قد نال هذه الدرجة العليا بصحبته ومخالطته ~~الصلحاء والأولياء حتى أخبر الله تعالى بذلك في كتابه جل وعلا فما ظنك ~~بالمؤمنين الموحدين المخالطين # PageV10P371 # المحبين للأولياء والصالحين بل في هذا تسلية وأنس للمؤمنين المقصرين عن ~~درجات الكمال، المحبين للنبي صلى الله عليه وسلم وآله خير آل. روى الصحيح ~~عن أنس بن مالك قال: بينا أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم خارجان من ~~المسجد فلقينا رجل عند ms3807 سدة المسجد فقال: # يا رسول الله، متى الساعة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما أعددت ~~لها " قال فكأن الرجل استكان، ثم قال: ويا رسول الله، ما أعددت لها كثير ~~صلاة ولا صيام ولا صدقة، ولكني أحب الله ورسوله. قال: " فأنت مع من أحببت ~~". في رواية قال أنس بن مالك: فما فرحنا بعد الاسلام فرحا أشد من قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم: " فأنت مع من أحببت ". قال أنس: فأنا أحب الله ورسوله ~~وأبا بكر وعمر، فأرجو أن أكون معهم وإن لم أعمل بأعمالهم. # قلت: وهذا الذي تمسك به أنس يشمل من المسلمين كل ذي نفس، فكذلك تعلقت ~~أطماعنا بذلك وإن كنا مقصرين، ورجونا رحمة الرحمن وإن كنا غير مستأهلين، ~~كلب أحب قوما فذكره الله معهم فكيف بنا وعندنا عقد الايمان وكلمة الاسلام، ~~وحب النبي صلى الله عليه وسلم، " ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر ~~والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا (1) ". # وقالت فرقة: لم يكن كلبا حقيقة، و. إنما كان أحدهم، وكان قد قعد عند باب ~~الغار طليعة لهم،... # (2) كما سمى النجم التابع للجوزاء كلبا، لأنه منها كالكلب من الانسان، ~~ويقال له: كلب الجبار (3) قال ابن عطية: فسمى باسم الحيوان اللازم لذلك ~~الموضع أما إن هذا القول يضعفه ذكر بسط الذراعين فإنها في العرف من صفة ~~الكلب حقيقة، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: # " ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب ". وقد حكى أبو عمر المطرز في كتاب ~~اليواقيت # PageV10P372 # أنه قرئ " وكالبهم باسط ذراعيه بالوصيد ". فيحتمل أن يريد بالكالب هذا ~~لرجل على ما روى، إذ بسط الذراعين واللصوق بالأرض مع رفع الوجه للتطلع هي ~~هيئة الريبة المستخفى بنفسه. ويحتمل أن يريد بالكالب الكلب. وقرأ جعفر بن ~~محمد الصادق " كالبهم " يعنى صاحب الكلب. # قوله تعالى: (باسط ذراعيه) أعمل اسم الفاعل وهو بمعنى المضي، لأنها حكاية ~~حال ولم يفصد الاخبار عن فعل الكلب. والذرع من طرف المرفق إلى طرف الإصبع ~~الوسطى. # ثم قيل: بسط ذراعيه لطول ms3808 المدة. وقيل: نام الكلب، وكان ذلك من الآيات. ~~وقيل: # نام مفتوح العين. الوصيد: القناء، قاله ابن عباس ومجاهد وابن جبير، أي ~~فناء الكهف، والجمع وصائد ووصد. وقيل الباب. وقال ابن عباس أيضا. وأنشد: # بأرض فضاء لا يسد وصيدها * على ومعروفي بها غير منكر وقد تقدم. وقال ~~عطاء: عتبة الباب، والباب الموصد هو المغلق. وقد أوصدت الباب وآصدته أي ~~أغلقته. والوصيد: النبات المتقارب الأصول، فهو مشترك، والله أعلم. # قوله تعالى: (لو اطلعت عليهم) قرأ الجمهور بكسر الواو. والأعمش ويحيى بن ~~وثاب بضمها. (لو ليت منهم فرارا) أي لو أشرفت عليهم لهربت منهم. (ولملئت ~~منهم رعبا) أي لما حفهم الله تعالى من الرعب واكتنفهم من الهيبة. وقيل: ~~لوحشة مكانهم، وكأنهم آواهم الله إلى هذا المكان الوحش (1) في الظاهر لينقر ~~الناس عنهم. وقيل: كان الناس محجوبين عنهم بالرعب، لا يجسر أحد منهم على ~~الدنو إليهم. وقيل: الفرار منهم لطول شعورهم وأظفارهم، وذكر المهدوي ~~والنحاس والزجاج والقشيري. وهذا بعيد، لأنهم لما استيقظوا قال بعضهم لبعض: ~~لبثنا يوما أو بعض يوم. ودل هذا على أن شعورهم وأظفارهم كانت بحالها، إلا ~~أن يقال: إنما قالوا ذلك قبل أن ينظروا إلى أظفارهم وشعورهم. قال (2) ابن ~~عطية: # والصحيح في أمرهم أن الله عز وجل حفظ لهم الحالة التي ناموا عليها لتكون ~~لهم ولغيرهم فيهم # PageV10P373 # آية، فلم يبل لهم ثوب ولم تغير صفة، ولم ينكر الناهض إلى المدينة إلا ~~معالم الأرض والبناء، ولو كانت في نفسه حالة ينكرها لكانت عليه أهم. وقرأ ~~نافع وابن كثير وابن عباس وأهل مكة والمدينة " لملئت منهم " بتشديد اللام ~~على تضعيف المبالغة، أي ملئت ثم ملئت. وقرأ الباقون " لملئت " بالتخفيف، ~~والتخفيف أشهر في اللغة. وقد جاء التثقيل في قول المخبل السعدي: # وإذ فتك النعمان بالناس محرما * فملئ من كعب بن عوف سلاسله وقرأ الجمهور ~~" رعبا " بإسكان العين. وقرأ بضمها أبو جعفر. قال أبو حاتم: هما لغتان. # و " فرأوا " نصب على الحال و " رعبا " مفعول ثان أو تمييز. قوله تعالى: ~~وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم قال ms3809 قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو ~~بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة ~~فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه وليتلطف ولا يشعرن بكم أحدا (19) ~~إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذا أبدا ~~(20) قوله تعالى: (وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم) البعث: التحريك عن سكون. # والمعنى: كما ضربنا على آذانهم وزدناهم هدى وقلبناهم بعثناهم أيضا، أي ~~أيقظناهم من نومهم على ما كانوا عليهم من هيئتهم في ثيابهم وأحوالهم. قال ~~الشاعر: # وفتيان صدق قد بعثت بسحرة * فقاموا جميعا بين عاث ونشوان (1) أي أيقظت ~~واللام في قوله " ليتساءلوا " لام الصيرورة وهي لام العاقبة، كقوله " ليكون ~~لهم عدوا وحزنا " فبعثهم لم سكن لأجل تساؤلهم. # PageV10P374 # قوله تعالى: (قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم) وذلك أنهم دخلوه غدوة وبعثهم ~~الله في آخر النهار، فقال رئيسهم يمليخا أو مكسلمينا: الله اعلم بالمدة. # قوله تعالى: (فابعثوا أحدكم بورقكم هذا إلى المدينة) فيه سبع مسائل: # الأولى - قال ابن عباس: كانت ورقهم كأخفاف الربع (1)، ذكره النحاس. وقرأ ~~ابن كثير ونافع وابن عامر والكسائي وحفص عن عاصم " بورقكم " بكسر الراء. ~~وقرأ أبو عمرو وحمزة وأبو بكر عن عاصم " بورقكم " بسكون الراء، حذفوا ~~الكسرة لثقلها، وهما لغتان. # وقرأ الزجاج " بورقكم " بكسر الواو وسكون الراء. ويروى أنهم انتبهوا ~~جياعا، وأن المبعوث هو يمليخا، كان أصغرهم، فيما ذكر الغزنوي. والمدينة: ~~أفسوس ويقال هي طرسوس، وكان اسمها في الجاهلية أفسوس، فلما جاء الاسلام ~~سموها طرسوس. وقال ابن عباس: # كان معهم دراهم عليها صورة الملك الذي كان في زمانهم. # الثانية - قوله تعالى: (فلينظر أيها أزكى طعاما) قال ابن عباس: أحل ~~ذبيحة، لان أهل بلدهم كانوا يذبحون على اسم الصنم: وكان فيهم قوم يخفون ~~إيمانهم. ابن عباس: # كان عامتهم مجوسا. وقيل: " أزكى طعاما " أي أكثر بركة. قيل: إنهم أمروه ~~أن يشترى ما يظن أنه طعام اثنين أو ثلاثة لئلا يطلع عليهم، ثم إذا طبخ كفى ~~جماعة، ولهذا قيل: ذلك الطعام الأرز. وقيل: " كان زبيبا. وقيل: ms3810 تمرا، فالله ~~أعلم. وقيل: " أزكى " أطيب. # وقيل: أرخص. (فليأتكم برزق منه) أي بقوت. (وليتلطف) أي في دخول المدينة ~~وشراء الطعام. (ولا يشعرن بكم أحدا) أي لا يخبرن. وقيل: إن ظهر عليه فلا ~~يوقعن إخوانه فيما وقع فيه. (إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم) قال الزجاج: ~~معناه بالحجارة، وهو أخبت القتل. وقيل: يرموكم بالسب والشتم، والأول أصح، ~~لأنه كان عازما على قتلهم كما تقدم في قصصهم. والرجم فيما سلف هي كانت على ~~ما ذكر قبله [عقوبة (2)] مخالفة دين الناس، إذ هي أشفى لجملة أهل ذلك الدين ~~من حيث إنهم يشتركون فيها. # PageV10P375 # الثالثة - في هذه البعثة بالورق دليل على الوكالة وصحتها. وقد وكل علي بن ~~أبي طالب أخاه عقيلا عند عثمان رضي الله عنه، ولا خلاف فيها في الجملة. ~~والوكالة معروفه في الجاهلية والاسلام، ألا ترى إلى عبد الرحمن بن عوف كيف ~~وكل أمية بن خلف بأهله وحاشيته بمكة، أي يحفظهم، وأمية مشرك، والتزم عبد ~~الرحمن لأمية من حفظ حاشيته بالمدينة مثل ذلك مجازاة لصنعه. روى البخاري عن ~~عبد الرحمن بن عوف قال: كاتبت أمية بن خلف كتابا بأن يحفظني في صاغيتي بمكة ~~وأحفظه في صاغيته بالمدينة، فلما ذكرت الرحمن، قال: # لا أعرف الرحمن كاتبني باسمك الذي كان في الجاهلية، فكاتبته عبد عمرو... ~~وذكر الحديث. # قال الأصمعي: صاغية الرجل الذين يميلون إليه ويأتونه، وهو مأخوذ من صغا ~~يصغو ويصغى إذا مال، وكل مائل إلى الشئ أو معه فقد صغا إليه وأصغى، من كتاب ~~الافعال. # الرابعة - الوكالة عقد نيابة، أذن الله سبحانه فيه للحاجة إليه وقيام ~~المصلحة في ذلك، إذ ليس كل أحد يقدر على تناول أموره إلا بمعونة من غيره أو ~~يترفه فيستنيب من يريحه. # وقد استدل علماؤنا على صحتها بآيات من الكتاب، منها هذه الآية، وقوله ~~تعالى: # " والعاملين عليها (1) " وقوله " اذهبوا بقميصي هذا (2) ". وأما من السنة ~~فأحاديث كثيرة، منها حديث عروة البارقي، وقد تقدم في آخر الانعام (3). روى ~~جبر بن عبد الله قال أردت الخروج إلى خيبر فأتيت رسول الله صلى الله ms3811 عليه ~~وسلم فقلت له: إني أردت الخروج إلى خيبر، فقال: (إذا أتيت وكيلي فخذ منه ~~خمسة عشر وسقا فإن ابتغى منك آية فضع يدك على ترقوته (4) " خرجه أبو داود. ~~والأحاديث كثيرة في هذه المعنى، وفى إجماع الأمة على جوازها كفاية. # الخامسة - الوكالة جائزة في كل حق تجوز النيابة فيه، فلو وكل الغاصب لم ~~يجز، وكان هو الوكيل، لان كل محرم فعله لا تجوز النيابة فيه. # السادسة - في هذه الآية نكتة بديعة، وهي أن الوكالة إنما كانت مع التقية ~~خوف أن يشعر بعم أحد لما كانوا عليه من الخوف على أنفسهم. وجواز توكيل ذوي ~~العذر متفق # PageV10P376 # عليه، فأما من لا عذر له فالجمهور على جوازها. وقال أبو حنيفة وسحنون: لا ~~تجوز. قال ابن العربي: وكأن سحنون تلقفه من أسد بن الفرات فحكم به أيام ~~قضائه، ولعله كان يفعل ذلك بأهل الظلم والجبروت، إنصافا منهم وإذلالا لهم، ~~وهو الحق، فإن الوكالة معونة ولا تكون لأهل الباطل. # قلت: هذا حسن، فأما أهل الدين والفضل فلهم أن يوكلوا وإن كانوا حاضرين ~~أصحاء. والدليل على صحة جواز الوكالة للشاهد الصحيح ما خرجه الصحيحان ~~وغيرهما عن أبي هريرة قال: كان لرجل على النبي صلى الله عليه وسلم سن من ~~الإبل فجاء يتقاضاه فقال: # " أعطوه " فطلبوا له سنة فلم يجدوا إلا سنا فوقها، فقال: " أعطوه " فقال: ~~أوفيتني أوفى الله لك. قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن خيركم أحسنكم ~~قضاء ". لفظ البخاري. فدل هذا الحديث مع صحته على جواز توكيل الحاضر الصحيح ~~البدن، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن يعطوا عنه السن التي ~~كانت عليه، وذلك توكيد منه لهم على ذلك، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم ~~مريضا ولا مسافرا. وهذا يرد قول أبي حنيفة وسحنون في قولهما: # أنه لا يجوز توكيل الحاضر الصحيح البدن إلا برضا خصمه، وهذا الحديث خلاف ~~قولهما. # السابعة - قال ابن خويز منداد: تضمنت هذه الآية جواز الشركة لان الورق ~~كان لجميعهم وتضمنت جواز الوكالة لأنهم بعثوا من وكلوه ms3812 بالشراء. وتضمنت ~~جواز أكل الرفقاء وخلطهم طعامهم معا، وإن كان بعضهم أكثر أكلا من الآخر، ~~ومثله قوله تعالى: # " وإن تخالطوهم فإخوانكم " حسبما تقدم بيانه في " البقرة (1) ". ولهذا ~~قال أصحابنا في المسكين يتصدق عليه فيخلطه بطعام لغنى ثم يأكل معه: إن ذلك ~~جائز. وقد قالوا في المضارب يخلط طعامه بطعام غيره ثم يأكل معه: إن ذلك ~~جائز. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وكل من اشترى له أضحية. قال ~~ابن العربي: ليس في الآية دليل على ذلك، لأنه يحتمل أن يكون كل واحد منهم ~~قد أعطاه منفردا فلا يكون فيه اشتراك. ولا معول في هذه المسألة # PageV10P377 # إلا على حديثين: أحدهما: أن ابن عمر مر بقوم يأكلون تمرا فقال: نهى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن الاقتران إلا أن يستأذن الرجل أخاه. الثاني - ~~حديث أبي عبيدة في جيش الخبط (1). وهذا دون الأول في الظهور، لأنه يحتمل أن ~~يكون أبو عبيدة يعطيهم كفافا من ذلك القوت ولا يجمعهم عليه. # قلت: ومما يدل على خلاف هذا من الكتاب قوله تعالى: " وإن تخالطوهم ~~فإخوانكم " وقوله: " ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا (2) " على ~~ما يأتي إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ~~ريب فيها إذ يتنازعون بينهم أمرهم فقالوا ابنوا عليهم بنينا ربهم أعلم بهم ~~قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا (21) قوله تعالى: (وكذلك ~~أعثرنا عليهم) أي أطلعنا عليهم وأظهرناهم. و " أعثر " تعدية عثر بالهمزة، ~~وأصل العثار في القدم. (ليعلموا أن وعد الله حق) يعنى الأمة المسلمة الذين ~~بعث أهل الكهف على عهدهم. وذلك أن دقيانوس مات ومضت قرون وملك أهل تلك ~~الدار رجل صالح، فاختلف أهل بلده في الحشر وبعث الأجساد من القبور، فشك في ~~ذلك بعض الناس واستبعدوه وقالوا: إنما تحشر الأرواح والجسد تأكله الأرض. ~~وقال بعضهم: # تبعث الروح والجسد جميعا، فكبر ذلك على الملك وبقى حيران لا يدرى كيف ~~يتبين أمره لهم، حتى لبس المسوح وقعد ms3813 على الرماد وتضرع إلى الله تعالى في ~~حجة وبيان، فأعثر الله على أهل الكهف، فيقال: إنهم لما بعثوا أحدهم بورقهم ~~إلى المدينة ليأتيهم برزق منها استنكر شخصه واستنكرت دراهمه (3) لبعد ~~العهد، فحمل إلى الملك وكان صالحا قد آمن من معه، فلما # PageV10P378 # نظر إليه قال: لعل هذا من الفتية الذين خرجوا على عهد دقيانوس الملك، فقد ~~كنت أدعو الله أن يرينيهم، وسأل الفتى فأخبره، فسر الملك بذلك وقال: لعل ~~الله قد بعث لكم آية، فلنسر إلى الكهف معه، فركب أهل المدينة إليهم، فلما ~~دنوا إلى الكهف قال تمليحا: # أنا أدخل عليهم لئلا يرعبوا فدخل عليهم فأعلمهم الامر وأن الأمة أمة ~~إسلام، فروى أنهم سروا بذلك وخرجوا إلى الملك وعظموه وعظمهم ثم رجعوا إلى ~~كهفهم. وأكثر الروايات على أنهم ماتوا حين حدثهم تمليخا ميتة الحق، على ما ~~يأتي. ورجع من كان شك في بعث الأجساد إلى اليقين. فهذا معنى " أعثرنا عليهم ~~". " ليعلموا أن وعد الله حق " أي ليعلم الملك ورعيته أن القيامة حق والبعث ~~حق " إذ يتنازعون بينهم أمرهم ". وإنما استدلوا بذلك الواحد على خبرهم ~~وهابوا الدخول عليهم. فقال الملك: ابنوا عليهم بنيانا، فقال الذين. هم على ~~دين الفتية: اتخذوا عليهم مسجدا. وروى أن طائفة كافرة قالت: نبني بيعة أو ~~مضيفا (1)، فمانعهم المسلمون وقالوا لنتخذن عليهم مسجدا. وروى أن بعض القوم ~~ذهب إلى طمس الكهف عليهم وتركهم فيه مغيبين. وروى عن عبد الله (2) بن عمر ~~أن الله تعالى أعمى على الناس حينئذ أثرهم وحجبهم عنهم، فذلك دعا [الملك] ~~(3) إلى بناء البنيان ليكون معلما لهم. وقيل: إن الملك أراد أن يدفنهم في ~~صندوق من ذهب فأتاه آت منهم في المنام فقال: أردت أن تجعلنا في صندوق من ~~ذهب فلا تفعل، فإنا من التراب خلقنا وإليه نعود، فدعنا. # وتنشأ هنا مسائل ممنوعة وجائزة، فاتخاذ المساجد على القبور والصلاة فيها ~~والبناء عليها، إلى غير ذلك مما تضمنته السنة من النهى عنه ممنوع لا يجوز، ~~لما روى أبو داود والترمذي عن ابن عباس قال: لعن رسول ms3814 الله صلى الله عليه ~~وسلم زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج. قال الترمذي: وفى ~~الباب عن أبي هريرة وعائشة حديث ابن عباس حديث حسن. # وروى الصحيحان عن عائشة أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة ~~فيها تصاوير لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " إن أولئك ذا كان فيهم # PageV10P379 # الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار ~~الخلق عند الله تعالى يوم القيامة ". لفظ مسلم. قال علماؤنا: وهذا يحرم على ~~المسلمين أن يتخذوا قبور الأنبياء والعلماء مساجد. وروى الأئمة عن أبي مرثد ~~الغنوي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لا تصلوا إلى القبور ~~ولا تجلسوا عليها " لفظ مسلم. أي لا تتخذوها قبلة فتصلوا عليها أو إليها ~~كما فعل اليهود والنصارى، فيؤدى إلى عبادة من فيها كما كان السبب في عبادة ~~الأصنام. فحذر النبي صلى الله عليه وسلم عن مثل ذلك، وسد الذرائع المؤدية ~~إلى ذلك فقال: " اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم ~~مساجد ". وروى الصحيحان عن عائشة وعبد الله بن عباس قالا: لما نزل برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه فإذا اغتم (1) بها ~~كشفها عن وجهه فقال وهو كذلك (2): " لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا ~~قبور أنبيائهم مساجد " يحذر ما صنعوا (3). وروى مسلم عن جابر قال: # نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى ~~عليه. وخرجه أبو داود والترمذي أيضا عن جابر قال: نهى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم صلى أن تجصص القبور وأن يكتب عليها وأن يبنى عليها وأن توطأ. قال ~~الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. # وروى الصحيح عن أبي الهياج الأسدي قال قال لي علي بن أبي طالب: ألا أبعثك ~~(4) على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا تدع تمثالا إلا ~~طمسته ولا قبرا مشرفا إلا سويته - في رواية - ولا صورة إلا ms3815 طمستها. وأخرجه ~~أبو داود والترمذي. قال علماؤنا: ظاهره منع تسنيم القبور ورفعها وأن تكون ~~لاطئة (5). وقد قال به بعض أهل العلم. # وذهب الجمهور إلى أن هذا الارتفاع المأمور بإزالته هو ما زاد على ~~التسنيم، ويبقى للقبر ما يعرف به ويحترم، وذلك صفة قبر نبينا محمد صلى الله ~~عليه وسلم وقبر صاحبيه رضي الله عنهما - على ما ذكر مالك في الموطأ - وقبر ~~أبينا آدم صلى الله عليه وسلم، على ما رواه الدارقطني # PageV10P380 # من حديث ابن عباس. وأما ثعلبة البناء الكثير على نحو ما كانت الجاهلية ~~تفعله تفخيما وتعظيما فذلك يهدم ويزال، فإن فيه استعمال زينة الدنيا في أول ~~منازل الآخرة، وتشبها بمن كان يعظم القبور ويعبدها. وباعتبار هذه المعاني ~~وظاهر النهى أن ينبغي أن يقال: هو حرام. والتسنيم في القبر: ارتفاعه قدر ~~شبر، مأخوذ من سنام البعير. ويرش عليه بالماء لئلا ينتثر بالريح. # وقال الشافعي لا بأس أن يطين القبر. وقال أبو حنيفة: لا يجصص القبر ولا ~~يطين ولا يرفع عليه بناء فيسقط. ولا بأس بوضع الأحجار لتكون علامة، لما ~~رواه أبو بكر الأثرم قال: # حدثنا مسدد حدثنا نوح بن دراج عن أبان بن تغلب عن جعفر بن محمد قال: كانت ~~فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تزور قبر حمزة بن عبد المطلب كل ~~جمعة وعلمته بصخرة، ذكره أبو عمر. # وأما الجائزة - فالدفن في التابوت، وهو جائز لا سيما في الأرض الرخوة. ~~روى أن دانيال صلوات الله عليه كان في تابوت من حجر، وأن يوسف عليه السلام ~~أوصى بأن يتخذ له تابوت من زجاج ويلقى في ركية (1) مخافة أن يعبد، وبقى ~~كذلك إلى زمان موسى صلوات الله عليهم أجمعين، فدلته عليه عجوز فرفعه ووضعه ~~في حظيرة إسحاق عليه السلام. وفى الصحيح عن سعد ابن أبي وقاص أنه قال في ~~مرضه الذي هلك فيه: اتخذوا لي لحدا وانصبوا على اللبن نصبا، كما صنع برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. اللحد: هو أن يشق في الأرض ثم يحفر قبر آخر في ms3816 ~~جانب الشق من جانب القبلة إن كانت الأرض صلبة يدخل فيه الميت ويسد عليه ~~باللبن. # وهو أفضل عندنا من الشق، لأنه الذي اختاره الله تعالى لرسوله صلى الله ~~عليه وسلم. وبه قال أبو حنيفة قال: السنة اللحد. وقال الشافعي: الشق. ويكره ~~الآجر في اللحد. وقال الشافعي: # لا بأس به لأنه نوع من الحجر. وكرهه أبو حنيفة وأصحابه، لان الآجر لاحكام ~~البناء، والقبر وما فيه للبلى، فلا يليق به الاحكام. وعلى هذا يسوى بين ~~الحجر والآجر. وقيل: إن الآجر أثر النار فيكره تفاؤلا، فعلى هذا يفرق بين ~~الحجر والآجر. قالوا: ويستحب اللبن والقصب لما روى أنه وضع على قبر النبي ~~صلى الله عليه وسلم حزمة من قصب. وحكى عن الشيخ الامام # PageV10P381 # أبو بكر محمد بن الفضل الحنفي رحمه الله أنه جوز اتخاذ التابوت في بلادهم ~~لرخاوة الأرض. # وقال: لو اتخذ تابوت من حديد فلا بأس به، لكن ينبغي أن يفرش فيه التراب ~~وتطين الطبقة العليا مما يلي الميت، ويجعل اللبن الخفيف على يمين الميت ~~ويساره ليصير بمنزلة اللحد. # قلت: ومن هذا المعنى جعل القطيفة في قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فإن ~~المدينة سبخة (1)، قال شقران: أنا والله طرحت القطيفة تحت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في القبر. قال أبو عيسى الترمذي: حديث شقران حديث حسن [صحيح ~~(2)] غريب. # قوله تعالى: سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما ~~بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم قل ربى أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل ~~فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا ولا تستفت فيهم منهم أحدا (22) قوله تعالى: ~~(سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم) الضمير في " سيقولون " يراد به أهل التوراة ~~ومعاصري محمد صلى الله عليه وسلم. وذلك أنهم اختلفوا عدد أهل الكهف هذا ~~الاختلاف المنصوص. وقيل: المراد به النصارى، فإن قوما منهم حضروا النبي صلى ~~الله عليه وسلم من نجران فجرى ذكر أصحاب الكهف فقالت اليعقوبية: كانوا ~~ثلاثة رابعهم كلبهم. # وقالت النسطورية: كانوا خمسة سادسهم كلبهم. وقال المسلمون: كانوا سبعة ~~ثامنهم كلبهم. # وقيل: هو ms3817 إخبار عن اليهود الذين أمروا المشركين بمسألة النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن أصحاب الكهف. والواو في قول " وثامنهم كلبهم " طريق النحو بين ~~أنها واو عطف دخلت في آخر إخبار عن عددهم، لتفصل أمرهم، وتدل على أن هذا ~~غاية (3) ما قيل، ولو سقطت لصح الكلام. # وقالت فرقة منها ابن خالويه: هي واو الثمانية. وحكى الثعلبي عن أبي بكر ~~بن عياش أن قريشا كانت تقول في عددها ستة سبعة وثمانية، فتدخل الواو في ~~الثمانية. وحكى نحوه القفال، فقال: # PageV10P382 # إن قوما قالوا العدد ينتهى عند العرب إلى سبعة، فإذا احتيج إلى الزيادة ~~عليها استؤنف خبر آخر بإدخال الواو، كقوله " التائبون العابدون - ثم قال - ~~والناهون عن المنكر والحافظون (1) ". # يدل عليه أنه لما ذكر أبواب جهنم " حتى إذا جاءوه فتحت أبوابها (2) " بلا ~~واو، ولما ذكر الجنة قال: وفتحت أبوابها " بالواو. وقال " خيرا منكن مسلمات ~~(3) " ثم قال: " وأبكارا " فالسبعة نهاية العدد عندهم كالعشرة الآن عندنا. ~~قال القشيري أبو نصر: ومثل هذا الكلام تحكم، ومن أين السبعة نهاية عندهم ثم ~~هو منقوض بقوله تعالى: " هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام ~~المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر (4) " ولم يذكر الاسم الثامن بالواو. # وقال قوم ممن صار إلى أن عددهم سبعة: إنما ذكر الواو في قوله " سبعة ~~وثامنهم " لينبه على أن هذا العدد هو الحق، وأنه مباين للاعداد الاخر التي ~~قال فيها أهل الكتاب، ولهذا قال تعالى في الجملتين المتقدمتين " رجما ~~بالغيب " ولم يذكره في الجملة الثالثة ولم يقدح فيها بشئ، فكأنه قال لنبيه ~~هم سبعة وثامنهم كلبهم. والرجم: القول بالظن، يقال لكل ما يخرص: # رجم فيه ومرجوم ومرجم، كما قال: # وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم * وما هو عنها بالحديث المرجم (5) قلت: قد ~~ذكر الماوردي والغزنوي: وقال ابن جريج ومحمد بن إسحاق كانوا ثمانية، وجعلا ~~قوله تعالى " وثامنهم كلبهم " أي صاحب كلبهم. وهذا مما يقوى طريق النحويين ~~في الواو، وأنها كما قالوا. وقال القشري: لم يذكر الواو في قوله: رابعهم ~~سادسهم، ولو كان بالعكس ms3818 لكان جائزا، فطلب الحكمة والعلة في مثل هذه الواو ~~تكلف بعيد، وهو كقوله في موضع آخر " وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب ~~معلوم (6) ". وفى موضع آخر: " إلا لها منذرون. ذكرى (7) ". # قوله تعالى: (قل ربى أعلم بعدتهم) أمر الله تعالى نبيه عليه السلام في ~~هذه الآية أن يرد علم عدتهم إليه عز وجل. ثم أخبر أن عالم ذلك من البشر ~~قليل. والمراد به قوم من # PageV10P383 # أهل الكتاب، في قول عطاء. وكان ابن عباس يقول: أنا من ذلك القليل، كانوا ~~سبعة وثامنهم كلبهم، ثم ذكر السبعة بأسمائهم، والكلب اسمه قطمير كلب أنمر، ~~فوق القلطي (1) ودون الكردي. وقال محمد بن سعيد بن المسيب: هو كلب صيني. ~~والصحيح أنه زبيري. # وقال: ما بقى بنيسابور محدث إلا كتب عنى هذا الحديث إلا من لم يقدر له. ~~قال: وكتبه أبو عمرو الحيري عنى. # قوله تعالى: (فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا) أي لا تجادل في أصحاب الكهف ~~إلا بما أوحيناه إليك، وهو رد علم عدتهم إلى الله تعالى. وقيل: معنى المراء ~~الظاهر أن تقول: # ليس كما تقولون، ونحو هذا، ولا تحتج على أمر مقدر في ذلك. وفى هذا دليل ~~على أن الله تعالى لم يبين لاحد عددهم فلهذا قال " إلا مراء ظاهرا " أي ~~ذاهبا، كما قال: # * وتلك شكاة ظاهر عنك عارها (2) * ولم يبح له في هذه الآية أن يمارى، ~~ولكن قوله " إلا مراء " استعارة من حيث يماريه أهل الكتاب. سميت مراجعته ~~لهم مراء ثم قيد بأنه ظاهر، ففارق المراء الحقيقي المذموم. # والضمير في قوله " فيهم " عائد على أهل الكهف. وفى قوله: " منهم " عائد ~~على أهل الكتاب المعارضين. وقوله: " فلا تمار فيهم " يعنى في عدتهم، وجذفت ~~العدة لدلالة ظاهر القول عليها. # قوله تعالى: (ولا تستفت فيهم منهم أحدا) روى أنه عليه السلام سأل نصارى ~~نجران عنهم فنهى عن السؤال. وفى هذا دليل على منع المسلمين من مراجعة أهل ~~الكتاب في شئ من العلم. # قوله تعالى: ولا تقولن لشئ إني فاعل ذلك غدا (23) إلا أن يشاء الله ms3819 واذكر ~~ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربى لأقرب من هذا رشدا (24) # PageV10P384 # قوله تعالى: (ولا تقولن لشئ إني فاعل ذلك غدا. إلا أن يشاء الله) فيه ~~مسئلتان: # الأولى - قال العلماء: عاتب الله تعالى نبيه عليه السلام على قوله للكفار ~~حين سألوه عن الروح والفتية وذي القرنين: غدا أخبركم بجواب أسئلتكم، ولم ~~يستثن في ذلك. فاحتبس الوحي عنه خمسة عشر يوما حتى شق ذلك عليه وأرجف ~~الكفار به، فنزلت عليه هذه السورة مفرجة. وأمر في هذه الآية ألا يقول في ~~أمر من الأمور إني أفعل غدا كذا وكذا، إلا أن يعلق ذلك بمشيئة الله عز وجل ~~حتى لا يكون محققا لحكم الخبر، فإنه إذا قال: لأفعلن ذلك ولم يفعل كان ~~كاذبا، وإذا قال لأفعلن ذلك إن شاء الله خرج عن أن بكون محققا للمخبر عنه. # واللام في قوله " لشئ " بمنزلة في، أو كأنه قال لأجل شئ. # الثانية - قال ابن عطية: وتكلم الناس في هذه الآية في الاستثناء في ~~اليمين، والآية ليست في الايمان وإنما هي في سنة الاستثناء في غير اليمين. ~~وقوله: " إلا أن يشاء الله " في الكلام حذف يقتضيه الظاهر ويحسنه الايجاز، ~~تقديره: إلا أن تقول إلا أن يشاء الله، أو إلا أن تقول إن شاء الله. ~~فالمعنى: إلا أن يذكر مشيئة الله، فليس " إلا أن يشاء الله " من القول الذي ~~نهى عنه. # قلت: ما اختاره ابن عطية وارتضاه هو قول الكسائي والفراء والأخفش. قال ~~البصريون: المعنى إلا بمشيئة الله. فإذا قال الانسان أنا أفعل هذا إن شاء ~~الله فمعناه بمشيئة الله. قال ابن عطية: وقالت فرقة " إلا أن يشاء الله " ~~استثناء من قوله " ولا تقولن ". # قال: وهذا قول حكاه الطبري ورد عليه، وهو من الفساد بحيث كان الواجب ألا ~~يحكى. # وقد تقدم القول في الاستثناء في اليمين وحكمه في " المائدة (1) ". # قوله تعالى: (واذكر ربك إذا نسيت) فيه مسألة واحدة، وهو الامر بالذكر بعد ~~النسيان واختلف في الذكر المأمور به، فقيل: هو قوله (وقل عسى أن يهديني ربى ~~لأقرب ms3820 من هذا رشدا) قال محمد الكوفي المفسر: إنها بألفاظها مما أمر أن ~~يقولها كل # PageV10P385 # من لم يستثن، وإنها كفارة لنسيان الاستثناء. وقال الجمهور: هو دعاء مأمور ~~به دون هذا التخصيص. وقيل: هو قوله " إن شاء الله " [الصافات: 102] الذي ~~كان نسيه عند يمينه. حكى عن ابن عباس أنه إن نسى الاستثناء ثم ذكر ولو بعد ~~سنة لم يحنث إن كان حالفا. وهو قول مجاهد. وحكى إسماعيل بن إسحاق ذلك عن ~~أبي العالية في قوله تعالى: " واذكر ربك إذا نسيت " قال : يستثنى إذا ذكره. ~~الحسن: ما دام في مجلس الذكر. ابن عباس: سنتين، ذكره الغزنوي قال: فيحمل ~~على تدارك التبرك بالاستثناء للتخلص عن الاثم. فأما الاستثناء المفيد (1) ~~حكما فلا يصح إلا متصلا. السدى: أي كل صلاة نسيها إذا ذكرها (2). وقيل: ~~استثن باسمه لئلا تنسى. وقيل: أذكره متى ما نسيته. وقيل: إذا نسيت شيئا ~~فاذكره يذكركه. وقيل: # أذكره إذا نسيت غيره أو نسيت نفسك، فذلك حقيقة الذكر. وهذه الآية مخاطبة ~~للنبي صلى الله عليه وسلم، وهي استفتاح كلام على الأصح، ولست من الاستثناء ~~في المين بشئ، وهي بعد تعم جميع أمته، لأنه حكم يتردد في الناس لكثرة ~~وقوعه. والله الموفق. # قوله تعالى: ولبثوا في كهفهم ثلث مائة سنين وازدادوا تسعا (25) هذا خبر ~~من الله تعالى عن مدة لبثهم. وفى قراءة ابن مسعود " وقالوا لبثوا ". قال ~~الطبري: إن بني إسرائيل اختلفوا فيما مضى لهم من المدة بعد الاعثار عليهم ~~إلى مدة النبي صلى الله عليه وسلم، فقال بعضهم: إنهم لبثوا ثلاثمائة سنة ~~وتسع سنين، فأخبر الله تعالى نبيه أن هذه المدة في كونهم نياما، وأن ما بعد ~~ذلك مجهول للبشر. فأمر الله تعالى أن يرد علم ذلك إليه. # قال ابن عطية: فقوله على هذا " لبثوا " الأول يريد في نوم الكهف، و " ~~لبثوا " الثاني يريد بعد الاعثار (3) إلى مدة محمد صلى الله عليه وسلم، أو ~~إلى وقت عدمهم بالبلاء. مجاهد: # إلى وقت نزول القرآن. الضحاك: إلى أن ماتوا. وقال بعضهم: إنه لما قال " ~~وازدادوا تسعا ms3821 " لم يدر الناس أهي ساعات أم أيام أم جمع أم شهور أم أعوام. ~~واختلف بنو إسرائيل بحسب ذلك، فأمر الله تعالى برد العلم إليه في التسع، ~~فهي على هذا مبهمة. وظاهر كلام العرب المفهوم منه أنها أعوام، والظاهر من ~~أمرهم أنهم قاموا ودخلوا الكهف بعد عيسى # PageV10P386 # بيسير وقد بقيت من الحواريين بقية. وقيل غير هذا على ما يأتي. قال ~~القشيري: لا يفهم من التسع تسع ليال وتسع ساعات لسبق ذكر السنين، كما تقول: ~~عندي مائة درهم وخمسة، والمفهوم منه خمسة دراهم. وقال أبو على " وازدادوا ~~تسعا " أي ازدادوا لبث تسع، فحذف. # وقال الضحاك: لما نزلت " ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة " قالوا سنين أم شهور ~~أم جمع أم أيام، فأنزل الله عز وجل " سنين ". وحكى النقاش ما معناه أنهم ~~لبثوا ثلاثمائة سنة شمسية بحساب الأيام، فلما كان الاخبار هنا للنبي العربي ~~ذكرت التسع، إذ المفهوم عنده من السنين القمرية، وهذه الزيادة هي ما بين ~~الحسابين. ونحوه ذكر الغزنوي. أي باختلاف سنى الشمس والقمر، لأنه يتفاوت في ~~كل ثلاث وثلاثين وثلث سنة سنة فيكون في ثلاثمائة تسع سنين. # وقرأ الجمهور " ثلاثمائة سنين " بتنوين مائة ونصب سنين، على التقديم ~~والتأخير، أي سنين ثلاثمائة فقدم الصفة على الموصوف، فتكون " سنين " على ~~هذا بدلا أو عطف بيان. وقيل: # على التفسير والتمييز. و " سنين " في موضع سنة. وقرأ حمزة والكسائي ~~بإضافة مائة إلى سنين، وترك التنوين، كأنهم جعلوا سنين بمنزلة سنة إذ ~~المعنى بهما واحد. قال أبو على: هذه الاعداد التي تضاف في المشهور إلى ~~الآحاد نحو ثلاثمائة رجل وثوب قد تضاف إلى الجموع. # وفى مصحف عبد الله " ثلاثمائة سنة ". وقرأ الضحاك " ثلاثمائة سنون " ~~بالواو. وقرأ أبو عمرو بخلاف " تسعا " بفتح التاء وقرأ الجمهور بكسرها. ~~وقال الفراء والكسائي وأبو عبيدة: التقدير ولبثوا في كهفهم سنين ثلاثمائة. # قوله تعالى: قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السماوات والأرض أبصر به ~~واسمع ما لهم من دونه من ولى ولا يشرك في حكمه أحدا (26) قوله تعالى: (قل ~~الله أعلى بما ms3822 لبثوا) قيل بعد موتهم إلى نزول القرآن فيهم، على قول مجاهد. ~~أو إلى أن ماتوا، على قول الضحاك. أو إلى وقت تغيرهم بالبلى، على ما تقدم. # وقيل: بما لبثوا في الكهف، وهي المدة التي ذكرها الله تعالى عن اليهود ~~وإن ذكروا زيادة ونقصانا. أي لا يعلم علم ذلك إلا الله أو من علمه ذلك (له ~~غيب السماوات والأرض). # PageV10P387 # قوله تعالى: (أبصر به وأسمع) أي ما أبصره وأسمعه. قال قتادة: لا أحد أبصر ~~من الله ولا اسمع. وهذه عبارات عن الادراك. ويحتمل أن يكون المعنى " أبصر ~~به " أي بوحيه وإرشاده هداك وحججك والحق من الأمور، واسمع به العالم، ~~فيكونان أمرين لا على وجه التعجب. وقيل. المعنى أبصرهم وأسمعهم ما قال الله ~~فيهم. (ما لهم من دونه من ولى) أي لم يكن لأصحاب الكهف ولى يتولى حفظهم دون ~~الله. ويحتمل أن يعود الضمير في " لهم " على معاصري محمد صلى الله عليه ~~وسلم من الكفار. والمعنى: ما لهؤلاء المختلفين في مدة لبثهم ولى دون الله ~~يتولى تدبير أمرهم، فكيف يكونون اعلم منه، أو كيف يتعلمون من غير إعلامه ~~إياهم. # قوله تعالى: (ولا يشرك في حكمه أحدا) قرئ بالياء ورفع الكاف، على معنى ~~الخبر عن الله تعالى. وقرأ ابن عامر والحسن وأبو رجاء وقتادة والجحدري " ~~ولا تشرك " بالتاء من فوق وإسكان الكاف على جهة النبي صلى الله عليه وسلم، ~~ويكون قوله " ولا يشرك " عطفا على قوله: # " أبصر به واسمع ". وقرأ مجاهد " يشرك " بالياء من تحت والجزم. قال ~~يعقوب: # لا أعرف وجهه. # مسألة: اختلف في أصحاب الكهف هل ماتوا وفنوا، أو هم نيام وأجسادهم ~~محفوظة، فروى عن ابن عباس أنه مر بالشام في بعض غزواته مع ناس على موضع ~~الكهف وجبله، فمشى الناس معه إليه فوجدوا عظاما فقالوا: هذه عظام أهل ~~الكهف. فقال لهم ابن عباس: أولئك قوم فنوا وعدموا منذ مدة طويلة، فسمعه ~~راهب فقال: ما كنت أحسب أن أحدا من العرب يعرف هذا، فقيل له: هذا ابن عم ~~نبينا صلى الله عليه وسلم. ms3823 # وروت فرقة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ليحجن عيسى بن مريم ومعه ~~أصحاب الكهف فإنهم لم يحجوا بع ". ذكره ابن عطية. # قلت: ومكتوب في التوراة والإنجيل أن عيسى بن مريم عبد الله ورسوله، وأنه ~~يمر بالروحاء حاجا أو معتمرا أو يجمع الله له ذلك فيجعل الله حواريه أصحاب ~~الكهف والرقيم، فيمرون حجاجا فإنهم لم يحجوا ولم يموتوا. وقد ذكرنا هذا ~~الخبر بكماله في كتاب " التذكرة ". # فعلى هذا هم نيام ولم يموتوا إلى يوم القيامة، بل يموتون قبيل الساعة. ~~PageV10P388 # قوله تعالى: (واتل ما أوحى إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلمته ولن تجد من ~~دونه ملتحدا (27) قوله تعالى: (واتل ما أوحى إليك من كتاب ربك لا مبدل ~~لكلماته) قيل: هو من تمام قصة أصحاب الكهف، أي اتبع القرآن فلا مبدل لكلمات ~~الله ولا خلف فيما أخبر به من قصة أصحاب الكهف. وقال الطبري: لا مغير لما ~~أوعد بكلماته أهل معاصيه والمخالفين لكتابه. (ولن تجد) أنت (من دونه) إن لم ~~تتبع القرآن وخالفته. (ملتحدا) أي ملجأ. # وقيل موئلا وأصله الميل ومن لجأت إليه فقد ملت إليه. قال القشيري أبو نصر ~~عبد الرحيم: وهذا آخر قصة أصحاب الكهف. ولما غزا معاوية غزوة المضيق نحو ~~الروم وكان معه ابن عباس فانتهى إلى الكهف الذي فيه أصحاب الكهف فقال ~~معاوية: # لو كشف لنا عن هؤلاء فننظر إليهم، فقال ابن عباس: قد منع الله من هو خير ~~منك عن ذلك، فقال: " لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا " فقال: لا انتهى حتى ~~اعلم علمهم، وبعث قوما لذلك، فلما دخلوا الكهف بعث الله عليهم ريحا ~~فأخرجتهم، ذكره الثعلبي أيضا. # وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل الله أن يريه إياهم، فقال إنك لن ~~تراهم في دار الدنيا ولكن أبعث إليهم أربعة من خيار أصحابك ليبلغوهم رسالتك ~~ويدعوهم إلى الايمان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل عليه السلام: ~~كيف أبعثهم؟ فقال: ابسط كساءك واجلس على طرف من أطرافه أبا بكر وعلى الطرف ~~الآخر عمر وعلى ms3824 الثالث عثمان وعلى الرابع علي بن أبي طالب، ثم ادع الريح ~~الرخاء المسخرة لسليمان فإن الله تعالى يأمرها أن تطيعك، ففعل فحملتهم ~~الريح إلى باب الكهف، فقلعوا منه حجرا، فحمل الكلب عليهم فلما رآهم حرك ~~رأسه وبصبص بذنبه وأومأ إليهم برأسه أن ادخلوا فدخلوا الكهف فقالوا: السلام ~~عليكم ورحمة الله وبركاته، فرد الله على الفتية أرواحهم فقاموا بأجمعهم ~~وقالوا: عليكم السلام ورحمة الله وبركاته، فقالوا لهم: معشر الفتية، إن ~~النبي محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم يقرأ عليكم السلام، فقالوا: ~~وعلى محمد رسول الله السلام ما دامت السماوات والأرض، وعليكم بما أبلغتم، ~~وقبلوا PageV10P389 # دينه وأسلموا، ثم قالوا: أقرئوا محمدا رسول الله منا السلام، وأخذوا ~~مضاجعهم وصاروا إلى رقدتهم إلى آخر الزمان عند خروج المهدى. فيقال: إن ~~المهدى يسلم عليهم فيحييهم الله ثم يرجعون إلى رقدتهم فلا يقومون حتى تقوم ~~الساعة، فأخبر جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم بما كان منهم، ثم ردتهم ~~الريح فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " كيف وجدتموهم "؟ # فأخبروه الخبر؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " اللهم لا تفرق بيني ~~وبين أصحابي وأصهاري واغفر لمن أجنبي وأحب أهل بيتي وخاصتي وأصحابي ". ~~وقيل: إن أصحاب الكهف دخلوا الكهف قبل المسيح، فأخبر الله تعالى المسيح ~~بخبرهم ثم بعثوا في الفترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: كانوا ~~قبل موسى عليه السلام وأن موسى ذكرهم في التوراة، ولهذا سألت اليهود رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: دخلوا الكهف بعد المسيح، فالله اعلم أي ذلك ~~كان. # قوله تعالى: هذا واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغدوة والعشي يريدون ~~وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه ~~عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا (28) قوله تعالى: (واصبر نفسك مع الذين ~~يدعون ربهم بالغداة والعشي) هذا مثل قوله: # " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي " " الانعام: (1) " وقد مضى ~~الكلام فيه. وقال سلمان الفارسي رضي الله عنه: جاءت المؤلف قلوبهم إلى رسول ms3825 ~~الله صلى الله عليه وسلم: عيينة بن حصن والأقرع بن حابس فقالوا: يا رسول ~~الله، إنك لو جلست في صدر المجلس ونحيت عنا هؤلاء وأرواح جبابهم - يعنون ~~سلمان وأبا ذر وفقراء المسلمين، وكانت عليهم جباب الصوف لم يكن عليهم غيرها ~~- جلسنا إليك وحادثناك وأخذنا عنك، فأنزل الله تعالى " واتل ما أوحى إليك ~~من كتاب ربك لا مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحدا. واصبر # PageV10P390 # نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه - حتى بلغ - إنا ~~اعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها ". يتهددهم بالنار. فقام النبي صلى ~~الله عليه وسلم يلتمسهم حتى إذا أصابهم في مؤخر المسجد يذكرون الله قال: " ~~الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع رجال من أمتي، معكم ~~المحيا ومعكم الممات. " (يريدون وجهه) أي طاعته. # وقرأ نصر بن عاصم ومالك بن دينار وأبو عبد الرحمن " ولا تطرد الذين يدعون ~~ربهم بالغدوة (1) والعشي " وحجتهم أنها في السواد بالواو. وقال أبو جعفر ~~النحاس: وهذا لا يلزم لكتبهم الحياة والصلاة بالواو، ولا تكاد العرب تقول ~~الغدوة لأنها معروفة. روى عن الحسن " ولا تعد (2) عينيك عنهم " أي لا ~~تتجاوز عيناك إلى غيرهم من أبناء الدنيا طلبا لزينتها، حكاه اليزيدي. # وقيل: لا تحتقرهم عيناك، كما يقال فلان تنبو عنه العين، أي مستحقرا. # (تريد زينة الحياة الدنيا) أي تزيين بمجالسة هؤلاء الرؤساء الذين اقترحوا ~~إبعاد الفقراء من مجلسك، ولم يرد النبي صلى الله عليه وسلم أن يفعل ذلك، ~~ولكن الله نهاه عن أن يفعله، وليس هذا بأكثر من قوله: " لئن أشكرت ليحبطن ~~عملك (3) ". وإن كان الله أعاذه من الشرك. # و " تريد " فعل مضارع في موضع الحال، أي لا تعد عينا مريدا، كقول امرئ ~~القيس: # فقلت له لا تبك عينك إنما * نحاول ملكا أو نموت فنعذرا وزعم بعضهم أن حق ~~الكلام: لا تعد عينيك عنهم، لان " تعد " متعد بنفسه. قيل له: # والذي وردت به التلاوة من رفع العينين يئول إلى معنى النصب فيها، إذا كان ~~لا تعد عيناك عنهم بمنزلة ms3826 لا تنصرف عيناك عنهم، ومعنى لا تنصرف عيناك عنهم ~~لا تصرف عينيك عنهم، فالفعل مسند إلى العينين وهو في الحقيقة موجه إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى: # PageV10P391 # فلا تعجبك أموالهم (1) " فأسند الاعجاب إلى الأموال، والمعنى: لا تعجبك ~~يا محمد أموالهم. # ويزيدك وضوحا قول الزجاج: إن المعنى لا تصرف بصرك عنهم إلى غيرهم من ذوي ~~الهيئات والزينة. # قوله تعالى: (ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا) روى جويبر عن الضحاك عن ~~ابن عباس في قوله تعالى: " ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا " قال: نزلت في ~~أمية بن خلف الجمحي، وذلك أنه دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى أمر كرهه ~~من تجرد الفقراء عنه وتقريب صناديد أهل مكة، فأنزل الله تعالى: " ولا تطع ~~من أغفلنا قلبه عن ذكرنا " يعنى من ختمنا على قلبه عن التوحيد. (واتبع ~~هواه) يعنى الشرك. (وكان أمره فرطا) قيل: هو من التفريط الذي هو التقصير ~~وتقديم العجز بترك الايمان. وقيل: من الافراط ومجاوزة الحد، وكان القوم ~~قالوا: نحن أشراف مضر إن أسلمنا أسلم الناس، وكان هذا من التكبر والافراط ~~في القول. وقيل: " فرطا " أي قدما في الشر، من قولهم: فرط منه أمر أي سبق. # وقيل: معنى " أغفلنا قلبه " وجدناه غافلا، كما تقول: لقيت فلانا فأحمدته، ~~أي وجدته محمودا. وقال عمرو بن معد يكرب لبني الحارث بن كعب: والله لقد ~~سألناكم فما أبخلناكم، وقاتلناكم فما أجبناكم، وهاجيناكم فما أفحمناكم، أي ~~ما وجدناكم بخلاء ولا جبناء ولا مفحمين. # وقيل: نزلت، " ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا " في عيينة بن حصن ~~الفزاري، ذكره عبد الرزاق، وحكاه النحاس عن سفيان الثوري. والله أعلم. # قوله تعالى: وقل الحق من ربك فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا ~~للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوى ~~الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا (29) قوله تعالى: (وقل الحق من ريكم فمن ~~شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) " الحق " رفع على خبر الابتداء المضمر، أي قل ~~هو الحق. وقيل: ms3827 هو رفع على الابتداء، وخبره في قوله: # PageV10P392 # " من ربكم ". ومعنى الآية: قل يا محمد لهؤلاء الذين أغفلنا قلوبهم عن ~~ذكرنا: أيها الناس! # من ربكم الحق فإليه التوفيق والخذلان، وبيده الهدى والضلال، يهدى من يشاء ~~فيؤمن، ويضل من يشاء فيكفر، ليس إلى من ذلك شئ، فالله يؤتى الحق من يشاء ~~وإن كان ضعيفا، ويحرمه من يشاء وإن كان قويا غنيا، ولست بطارد المؤمنين ~~لهواكم، فإن شئتم فآمنوا، وإن شئتم فاكفروا. وليس هذا بترخيص وتخيير بين ~~الايمان والكفر، وإنما هو وعيد وتهديد. أي إن كفرتم فقد أعد لكم النار، وإن ~~آمنتم فلكم الجنة. # قوله تعالى: (إنا أعتدنا) أي أعددنا. (للظالمين) أي للكافرين الجاحدين. # (نارا أحاط بهم سرادقها) قال الجوهري: السرادق واحد السرادقات التي تمد ~~فوق صحن الدار. وكل بيت من كرسف (1) فهو سرادق. قال رؤبة (2): # يا حكم بن المنذر بن الجارود * سرادق المجد عليك ممدود يقال: بيت مسردق. ~~وقال سلامة بن جندل يذكر أبرويز (3) وقتله النعمان بن المنذر تحت أرجل ~~الفيلة: # هو المدخل النعمان بيتا سماؤه * صدور الفيول بعد بيت مسردق وقال ابن ~~الأعرابي: " سرادقها " سورها. وعن ابن عباس: حائط من نار. الكلبي: # عنق تخرج من النار فتحيط بالكفار كالحظيرة. القتبي: السرادق الحجزة التي ~~تكون حول الفسطاط. وقال ابن عزيز. وقيل: هو دخان يحيط بالكفار يوم القيامة، ~~وهو الذي ذكره الله تعالى في سورة " والمرسلات ". حيث يقول: " انطلقوا إلى ~~ظل ذي ثلاث شعب (4) " وقوله: # " وظل من يحموم (5) " قاله قتادة. وقيل: إنه البحر المحيط بالدنيا. وروى ~~يعلى بن أمية قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " البحر هو جهنم - ثم ~~تلا - نارا أحاط بهم سرادقها " - # PageV10P393 # ثم قال - والله لا أدخلها أبدا دمت حيا ولا يصيبني منها قطرة " ذكره ~~الماوردي. وخرج ابن المبارك من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: " لسرادق النار أربع جدر كثف كل جدار مسيرة أربعين سنة ". ~~وخرجه أبو عيسى الترمذي، وقال فيه: حديث حسن صحيح غريب. # قلت: وهذا يدل على أن السرادق ما يعلو ms3828 الكفار من دخان أو نار، وجدره ما ~~وصف. # قوله تعالى: (وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوى الوجوه) قال ابن ~~عباس: # المهل ماء غليظ مثل دردى الزيت. مجاهد: القيح والدم. الضحاك: ماء أسود، ~~وإن جهنم لسوداء، وماؤها أسود وشجرها أسود وأهلها سود. وقال أبو عبيدة: هو ~~كل ما أذيب من جواهر الأرض من حديد ورصاص ونحاس وقصدير، فتموج بالغليان، ~~فذلك المهل. # ونحوه عن ابن مسعود قال سعيد بن جبير: هو الذي قد انتهى حره. وقال: المهل ~~ضرب من القطران، يقال: مهلت البعير فهو ممهول. وفيل: هو السم. والمعنى في ~~هذه الأقوال متقارب. وفى الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله " ~~كالمهل " قال: " كعكر الزيت فإذا قربه إلى وجهه سقطت فروة وجهه " قال أبو ~~عيسى: هذا حديث إنما نعرفه من حديث رشدين بن سعد ورشدين قد تكلم فيه من قبل ~~حفظه. وخرج عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: " ويسقى من ~~ماء صديد يتجرعه (3) " قال: " يقرب إلى فيه فيكرهه فإذا أدنى منه شوى وجهه ~~ووقعت فروة رأسه إذا شربه قطع أمعاءه حتى يخرج من دبره. # يقول الله تعالى " وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم (4) " يقول " وإن ~~يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوى الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا " قال: ~~حديث غريب. # قلت: وهذا يدل على صحة تلك الأقوال، وأنها مرادة، والله أعلم. وكذلك نص ~~عليها أهل اللغة. في الصحاح " المهل " النحاس المذاب. ابن الأعرابي: المهل ~~المذاب من # PageV10P394 # الرصاص. وقال أبو عمرو. المهل دردى الزيت. والمهل أيضا القيح والصديد. ~~وفى حديث أبي بكر: ادفنوني في ثوبي هذين فإنهما للمهل والتراب. (مرتفقا) ~~قال مجاهد: معناه مجتمعا، كأنه ذهب إلى معنى المرافقة. ابن عباس: منزلا. ~~عطاء: مقرا. وقيل مهادا. # وقال القتبي: مجلسا، والمعنى متقارب، وأصله من المتكأ، يقال منه: ارتفقت ~~أي اتكأت على المرفق. قال الشاعر: # قالت له وارتفقت ألا فتى * يسوق بالقوم غزالات الضحا (1) ويقال: ارتفق ~~الرجل إذا نام على مرفقه لا يأتيه نوم. قال أبو ذؤيب الهذلي: # نام الخلى وبت ms3829 الليل مرتفقا (2) * كأن عيني فيها الصاب مذبوح الصاب: ~~عصارة شجر مر. # قوله تعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن ~~عملا (30) أولئك لهم جنت عدن تجرى من تحتهم الأنهار يحلون فيها من أساور من ~~ذهب ويلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق متكئين فيها على الأرائك نعم ~~الثواب وحسنت مرتفقا (31) لما ذكر ما أعد للكافرين من الهوان ذكر أيضا ما ~~للمؤمنين من الثواب. وفى الكلام إضمار، أي نضيع أجر من أحسن منهم عملا، ~~فأما من أحسن عملا من غير المؤمنين فعمله محبط. " عملا " نصب على التمييز، ~~وإن شئت بإيقاع " أحسن " عليه. وقيل: # PageV10P395 # إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا " كلام معترض، والخبر قوله (أولئك لهم جنات ~~عدن) و " جنات عدن " سرة الجنة، أي وسطها وسائر الجنات محدقة بها وذكرت ~~بلفظ الجمع لسعتها، لان كل بقعة منها تصلح أن تكون جنة وقيل: العدن ~~الإقامة، يقال: عدن بالمكان إذا أقام به وعدنت البلد توطنته وعدنت الإبل ~~بمكان كذا لزمته فلم تبرح منه، ومنه " جنات عدن " أي جنات إقامة ومنه سمى ~~المعدن (بكسر الدال)، لان الناس يقيمون فيه بالصيف والشتاء ومركز كل شئ ~~معدنه والعادن: الناقة المقيمة في المراعى. # وعدن بلد، قاله الجوهري. (تجرى من تحتهم الأنهار) تقدم في غير موضع (1). ~~(يحلون فيها من أساور من ذهب) وهو جمع سوار. قال سعيد بن جبير: على كل واحد ~~منهم ثلاثة أسورة: واحد من ذهب، وواحد من ورق، وواحد من لؤلؤ. # قلت: هذا منصوص في القرآن، قال هنا " من ذهب " وقال في الحج (2) وفاطر ~~(3) " من ذهب ولؤلؤا " وفى الانسان (4) " من فضة ". وقال أبو هريرة: سمعت ~~خليلي صلى الله عليه وسلم يقول: " تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء " ~~خرجه مسلم. وحكى الفراء: " يحلون " بفتح الياء وسكون الحاء وفتح اللام ~~خفيفة، يقال: حليت المرأة تحلى فهي حالية إذا لبست الحلي. وحلي الشئ بعيني ~~يحلى، ذكره النحاس. والسوار سوار المرأة، والجمع أسورة، وجمع الجمع أساورة. ~~وقرئ " فلولا ألقى عليه أساورة من ذهب (5) ": وقد يكون ms3830 الجمع أساور. وقال ~~الله تعالى " يحلون فيها من أساور من ذهب " قاله الجوهري. وفال ابن عزيز: ~~أساور جمع أسورة، وأسورة جمع سوار وسوار، وهو الذي يلبس في الذراع من ذهب، ~~فإن كان من فضة فهو قلب وجمعه قلبة، فإن كان من قرن أو عاج فهي مسكة وجمعه ~~مسك. # قال النحاس: وحكى قطرب في واحد الأساور إسوار، وقطرب صاحب شذوذ، قد تركه ~~يعقوب وغيره فلم يذكره. # PageV10P396 # قلت: قد جاء في الصحاح وقال أبو عمرو بن العلاء: وأحدها إسوار. وقال ~~المفسرون: # لما كانت الملوك تلبس في الدنيا الأساور. والتيجان جعل الله تعالى ذلك ~~لأهل الجنة. # قوله تعالى: (ويلبسون ثياب خضرا من سندس وإستبرق) السندس: الرفيق (1) ~~النحيف، واحده سندسة، قال الكسائي. والاستبرق: ما ثخن منه - عن عكرمة - وهو ~~الحرير. # قال الشاعر: # تراهن يلبسن المشاعر مرة * وإستبرق الديباج طورا لباسها فالاستبرق ~~الديباج. ابن بحر: المنسوج بالذهب. القتبي: فارسي معرب. الجوهري: # وتصغيره أبيرق. وقيل: هو استفعل من البريق. والصحيح أنه وفاق بين ~~اللغتين، إذ ليس في القرآن ما ليس من لغة العرب، على ما تقدم، والله أعلم. # وخص الأخضر بالذكر لأنه الموافق للبصر، لان البياض يبدد النظر ويؤلم، ~~والسواد يذم، والخضرة بين البياض والسواد، وذلك يجمع الشعاع. والله أعلم. ~~روى النسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاص فال: بينما نحن عند رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله، أخبرنا عن ثياب الجنة، ~~أخلق يخلق أم نسج ينسج؟ فضحك بعض القوم. فقال لهم: " مم تضحكون من جاهل ~~يسأل عالما "؟ فجلس يسيرا أو قليلا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~أين السائل عن ثياب الجنة "؟ فقال: ها هو ذا يا رسول الله، قال " لا بل ~~تشقق عنها ثمر الجنة " قالها ثلاثا. وقال أبو هريرة: دار المؤمن درة مجوفة ~~في وسطها شجرة تنبت الحلل ويأخذ بأصبعه أو قال بأصبعيه سبعين حلة منظمة ~~بالدر والمرجان. ذكره يحيى بن سلام في تفسيره وابن المبارك في رقائقه. وقد ~~ذكرنا إسناده في كتاب التذكرة. ms3831 وذكر في الحديث أنه يكون على كل واحد منهم ~~الحلة لها وجهان لكل وجه لون، يتكلمان به بصوت يستحسنه سامعه، يقول أحد ~~الوجهين للآخر: أنا أكرم على ولى الله منك، أنا إلى جسده وأنت لا تلي. ~~ويقول الآخر: أنا أكرم على ولى الله منك، أنا أبصر وجهه وأنت لا تبصر. # PageV10P397 # قوله تعالى: (متكئين فيها على الأرائك) " الأرائك " جمع أريكة، وهي السرر ~~في الحجال (1). وقيل الفرش في الحجال، قاله الزجاج. ابن عباس: هي الأسرة من ~~ذهب، وهي مكللة بالدر والياقوت عليها الحجال، الأريكة ما بين صنعاء إلى ~~أيلة وما بين عدن إلى الجابية. وأصل متكئين موتكئين، وكذلك اتكأ أصله ~~أوتكأ، وأصل التكأة وكأة، ومنه التوكأ للتحامل على الشئ، فقلبت الواو تاء ~~وأدغمت. ورجل وكأة كثير الاتكاء. # (نعم الثواب وحسنت مرتفقا) يعنى الجنات، عكس " وساءت مرتفقا ". وقد تقدم. # ولو كان " نعمت " لجاز لأنه اسم للجنة. وعلى هذا " وحسنت مرتفقا ". وروى ~~البراء ابن عازب أن أعرابيا قام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة ~~الوداع، والنبي صلى الله عليه وسلم واقف بعرفات على ناقته العضباء فقال: ~~إني رجل مسلم فأخبرني عن هذه الآية " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات " ~~الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما أنت منهم ببعيد ولا هم ~~ببعيد منك هم هؤلاء الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلى فأعلم قومك أن هذه ~~الآية نزلت فيهم " ذكره الماوردي، وأسنده النحاس في كتاب معاني القرآن، ~~قال: # حدثنا أبو عبد الله أحمد بن علي بن سهل قال حدثنا محمد بن حميد قال حدثنا ~~يحيى بن الضريس عن زهير بن معاوية عن أبن إسحاق عن البراء بن عازب قال: قام ~~أعرابي...، فذكره. # وأسنده السهيلي في كتاب الاعلام. وقد روينا جميع ذلك بالإجارة، والحمد ~~لله. # قوله تعالى: واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب ~~وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا (32) كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم ~~منه شيئا وفجرنا خللها نهرا (33) وكان له ثمر فقال لصحابه وهو يحاوره أنا ~~أكثر منك ms3832 مالا وأعز نفرا (34) # PageV10P398 # قوله تعالى: (واضرب لهم مثلا رجلين) هذا مثل لمن يتعزز بالدنيا ويستنكف ~~عن مجالسة المؤمنين، وهو متصل بقوله " واصبر نفسك ". واختلف في اسم هذين ~~الرجلين وتعيينهما، فقال الكلبي: نزلت في أخوين من أهل مكة مخزوميين، ~~أحدهما مؤمن وهو أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن ~~عمر بن مخزوم، زوج أم سلمة قبل النبي صلى الله عليه وسلم. والآخر كافر وهو ~~الأسود بن عبد الأسد، وهما الاخوان المذكوران في سورة " الصافات " في قوله ~~" قال قائل منهم إني كان لي قرين (1) "، ورث كل واحد منهما أربعة آلاف ~~دينار، فأنفق أحدهما مال في سبيل الله وطلب من أخيه شيئا فقال ما قال...، ~~ذكره الثعلبي والقشيري. وقيل: نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم وأهل مكة. ~~وقيل: # هو مثل لجميع من آمن بالله وجميع من كفر. وقيل: هو مثل لعيينة بن حصن ~~وأصحابه مع سلمان وصهيب وأصحابه، شبههم الله برجلين من بني إسرائيل أخوين ~~أحدهما مؤمن واسمه يهوذا، في قول ابن عباس. وقال مقاتل: اسمه تمليخا. ~~والآخر كافر واسمه قرطوش. # وهما اللذان وصفهما الله تعالى في سورة الصافات. وكذا ذكر محمد بن الحسن ~~المقرئ قال: # اسم الخير منهما تمليخا، والآخر قرطوش، وأنهما كانا شريكين ثم اقتسما ~~المال فصار لكل واحد منهما ثلاثة آلاف دينار، فاشترى المؤمن منهما عبيدا ~~بألف وأعتقهم، وبالألف الثانية ثيابا فكسا العراة، وبالألف الثالثة طعاما ~~فأطعم الجوع، وبنى أيضا مساجد، وفعل خيرا. # وأما الآخر فنكح بماله نساء ذوات يسار، واشترى دواب وبقرا فاستنتجها فنمت ~~له نماء مفرطا، وأتجر بباقيها فربح حتى فاق أهل زمانه غنى، وأدركت الأول ~~الحاجة، فأراد أن يستخدم (2) نفسه في جنة يخدمها فقال: لو ذهبت لشريكي ~~وصاحبي فسألته أن يستخدمني في بعض جناته رجوت أن يكون ذلك أصلح بي فجاءه ~~فلم يكد يصل إليه من غلظ الحجاب، فلما دخل عليه وعرفه وسأله حاجته قال له: ~~ألم أكن قاسمتك المال نصفين! # فما صنعت بمالك؟. قال: اشتريت به من الله تعالى ms3833 ما هو خير منه وأبقى. ~~فقال. أئنك # PageV10P399 # لمن المصدقين، ما أظن الساعة قائمة وما أراك إلا سفيها، وما جزاؤك عندي ~~على سفاهتك إلا الحرمان، أو ما ترى ما صنعت أنا بمالي حتى آل إلى ما تراه ~~من الثروة وحسن الحال، وذلك أنى كسبت وسفهت أنت، اخرج عنى. ثم كان من قصة ~~هذا الغنى ما ذكره الله تعالى في القرآن من الإحاطة بثمره وذهابها أصلا بما ~~أرسل عليها من السماء من الحسبان. # وقد ذكر الثعلبي هذه القصة بلفظ آخر، والمعنى متقارب. قال عطاء: كانا ~~شريكين لهما ثمانية آلاف دينار. وقيل: ورثاه من أبيهما وكانا أخوين ~~فاقتسماها، فاشترى أحدهما أرضا بألف دينار، فقال صاحبه: اللهم إن فلانا قد ~~اشترى أرضا بألف دينار وإني اشتريت منك أرضا في الجنة بألف دينار فتصدق ~~بها، ثم إن صاحبه بنى دارا بألف دينار فقال: اللهم إن فلانا بنى دارا بألف ~~دينار وإني اشترى منك دارا في الجنة بألف دينار، فتصدق [بألف (1) دينار]، ~~بها ثم تزوج امرأة فأنفق عليها ألف دينار، فقال: اللهم إن فلانا تزوج امرأة ~~بألف دينار وإني أخطب إليك من نساء الجنة بألف دينار، فتصدق بألف دينار. ثم ~~اشترى خدما ومتاعا بألف دينار، وإني أشتري منك خدما ومتاعا من الجنة بألف ~~دينار، فتصدق بألف دينار. ثم أصابته حاجة شديدة فقال: لعل صاحبي ينالني ~~معروفه فأتاه فقال: ما فعل ما لك؟ فأخبره قصته فقال: وإنك لمن المصدقين ~~بهذا الحديث والله لا أعطيك شيئا ثم قال له: أنت تعبد إله السماء، وأنا لا ~~أعبد إلا صنما، فقال صاحبه: والله لأعظنه، فوعظه وذكره وخوفه. فقال: # سر بنا نصطد السمك، فمن صاد أكثر فهو على حق، فقال له: يا أخي إن الدنيا ~~أحقر عند الله من أن يجعلها ثوابا لمحسن أو عقابا لكافر. قال: فأكرهه على ~~الخروج معه، فابتلاهما الله، فجعل الكافر يرمى شبكته ويسمى باسم صنمه، ~~فتطلع متدفقة سمكا. وجعل المؤمن يرمى شبكته ويسمى باسم الله فلا يطلع له ~~فيها شئ، فقال له: كيف ترى أنا أكثر ms3834 منك في الدنيا نصيبا ومنزلة ونفرا، ~~كذلك أكون أفضل منك في الآخرة إن كان ما تقول بزعمك حقا. قال: فضج الملك ~~الموكل بهما، فأمر الله تعالى جبريل أن يأخذه فيذهب به إلى الجنان فيريه ~~منازل المؤمن فيها، فلما رأى ما أعد الله له قال: وعزتك لا يضره ما ناله من # PageV10P400 # الدنيا بعد ما يكون مصيره إلى هذا، وأراه منازل الكافر في جهنم فقال: ~~وعزتك لا ينفعه ما أصابه من الدنيا بعد أن يكون مصيره إلى هذا. ثم إن الله ~~تعالى توفى المؤمن وأهلك الكافر بعذاب من عنده، فلما استقر المؤمن في الجنة ~~ورأى ما أعد الله له أقبل هو وأصحابه يتساءلون ، فقال: " إني كان لي قرين. ~~يقول أإنك لمن المصدقين (1) الآية، فنادى مناد: يا أهل الجنة! # هل أنتم مطلعون فاطلع إلى جهنم فرآه في سواء الجحيم، فنزلت " واضرب لهم ~~مثلا ". # بين الله تعالى حال الأخوين في الدنيا في هذه السورة، وبين حالهما في ~~الآخرة في سورة " الصافات " في قول " إني كان لي قرين. يقول أإنك لمن ~~المصدقين - إلى قوله - لمثل هذا فليعمل العاملون ". قال ابن عطية: وذكر ~~إبراهيم بن القاسم الكاتب في كتابه في عجائب البلاد أن بحيرة تنيس كانت ~~هاتين الجنتين، وكانتا لأخوين فباع أحدهما نصيبه من الآخر فأنفق في طاعة ~~الله حتى غيره الآخر، وجرت بينهما المحاورة فغرقها الله تعالى في ليلة، ~~وإياها عنى بهذه الآية. وقد قيل: إن هذا مثل ضربه الله تعالى لهذه الأمة، ~~وليس بخبر عن حال متقدمة، لتزهد في الدنيا وترغب في الآخرة، وجعله زجرا ~~وإنذارا، ذكره الماوردي. # وسياق الآية يدل على خلاف هذا، والله أعلم. # قوله تعالى: (وحففناهما بنخل) أي أطفناهما من جوانبهما بنخل. والحفاف ~~الجانب، وجمعه أحفة، ويقال: حف القوم بفلان يحفون حفا، أي طافوا به، ومنه " ~~حافين من حول العرش (2) " (وجعلنا بينهما زرعا) أي جعلنا حول الأعناب ~~النخل، ووسط الأعناب الزرع. # (كلتا الجنتين) أي كل واحدة من الجنتين، (آتت أكلها) تاما، ولذلك لم يقل ~~آتنا. # واختلف في لفظ " كلتا وكلا " هل ms3835 هو مفرد أو مثنى، فقال أهل البصرة: هو ~~مفرد، لان كلا وكلتا في توكيد الاثنين نظير " كل " في المجموع، وهو اسم ~~مفرد غير مثنى، فإذا ولى (3) اسما ظاهرا كان في الرفع والنصب والخفض على ~~حالة واحدة، تقول: رأيت كلا الرجلين وجاءني كلا الرجلين ومررت بكلا ~~الرجلين، فإذا اتصل بمضمر قلبت الألف ياء في موضع الجر والنصب، تقول: # PageV10P401 # رأيت كليهما ومررت بكليهما، كما تقول عليهما. وقال الفراء: هو مثنى، وهو ~~مأخوذ من كل فخففت اللام وزيدت الألف للتثنية. وكذلك كلتا للمؤنث، ولا ~~يكونان إلا مضافين ولا يتكلم بواحد، ولو تكلم به لقيل: كل وكلت وكلان ~~وكلتان. واحتج بقول الشاعر: # في كلت رجليها سلامي (1) واحده * كلتاهما مقرونة بزائده أراد في إحدى ~~رجليها فأفرد. وهذا القول ضعيف عند أهل البصرة، لأنه لو كان مثنى لوجب أن ~~تكون ألفه في النصب والجر ياء مع الاسم الظاهر، ولأن معنى " كلا " مخالف ~~لمعنى " كل " لان " كلا " للإحاطة و " كلا " يدل على شئ مخصوص، وأما هذا ~~الشاعر فإنما حذف الألف للضرورة وقدر أنها زائدة، وما يكون ضرورة لا يجوز ~~أن يجعل حجة، فثبت أنه اسم مفرد كمعى، إلا أنه وضع ليدل على التثنية، كما ~~أن قولهم " نحن " اسم مفرد يدل على اثنين فما فوقهما، يدل على ذلك قول ~~جرير: # كلا يومى أمامة يوم صد * وإن لم نأتها إلا لماما فأخبر عن " كلا " بيوم ~~مفرد، كما أفرد الخبر بقوله " آتت " ولو كان مثنى لقال آتتا، ويوما. # واختلف أيضا في الف " كلتا "، فقال سيبويه: ألف " وكلتا " للتأنيث والتاء ~~بدل من لام الفعل وهي واو والأصل كلوا، وإنما أبدلت تاء لان في التاء علم ~~التأنيث، والألف " في " كلتا " قد تصير ياء مع المضمر فتخرج عن علم ~~التأنيث، فصار في إبدال الواو تاء تأكيد للتأنيث. # وقال أبو عمر الجرمي: التاء ملحقة والألف لام الفعل، وتقديرها عنده: ~~فعتل، ولو كان الامر على ما زعم، لقالوا في النسبة إليها كلتوي، فلما قالوا ~~كلوي وأسقطوا التاء دل على أنهم أجروها مجرى التاء في أخت ms3836 إذا نسبت إليها ~~قلت أخوى، ذكره الجوهري. قال أبو جعفر النحاس: # وأجاز النحويون في غير القرآن الحمل على المعنى، وأن تقول: كلتا الجنتين ~~آتتا أكلهما، لان المعنى المختار (3) كلتاهما آتتا. وأجاز الفراء: كلتا ~~الجنتين آتي أكله، قال: لان المعنى كل # PageV10P402 # الجنتين. قال: وفى قراءة عبد الله " كل الجنتين أتى أكله ". والمعنى على ~~هذا عند الفراء: # كل شئ من الجنتين آتي أكله. والاكل (بضم الهمزة) ثمر النخل والشجر. وكل ~~ما يؤكل فهو أكل، ومنه قوله تعالى: " أكلها دائم " وقد تقدم. (1) (ولم تظلم ~~منه شيئا) أي لم تنقص. # قوله تعالى: (وفجرنا خلالهما نهرا) أي أجرينا وشققنا وسط الجنتين بنهر. ~~(وكان له ثمر) قرأ أبو جعفر وشيبة وعاصم ويعقوب وابن أبي إسحاق " ثمر " ~~بفتح الثاء والميم، وكذلك قوله " وأحيط بثمره " جمع ثمرة. قال الجوهري: ~~الثمرة واحدة الثمر والثمرات، وجمع الثمر ثمار، مثل جبل وجبال. قال الفراء: ~~وجمع الثمار ثمر، مئل كتاب وكتب، وجمع الثمر أثمار، مثل أعناق وعنق. والثمر ~~أيضا المال المثمر، يخفف ويثقل. وقرأ أبو عمرو " وكان له ثمر " بضم الثاء ~~وإسكان الميم، وفسره بأنواع المال. والباقون بضمها في الحرفين. قال ابن ~~عباس: ذهب وفضة وأموال. وقد مضى في " الانعام " نحو هذا مبينا. ذكر النحاس: # حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرني عمران بن بكار قال حدثنا إبراهيم بن ~~العلاء الزبيدي قال حدثنا شعيب بن إسحاق قال [أخبرنا (3)] هارون قال حدثني ~~أبان عن ثعلب عن الأعمش أن الحجاج قال: # لو سمعت أحدا يقرأ " وكان له ثمر " لقطعت لسانه، فقلت للأعمش: أتأخذ ~~بذلك؟ فقال: # لا! ولا نعمة عين (4). فكان يقرأ " ثمر " ويأخذه من جمع الثمر. قال ~~النحاس: فالتقدير على هذا القول أنه جمع ثمرة على ثمار، ثم جمع ثمار على ~~ثمر، وهو حسن في العربية إلا أن القول الأول أشبه والله أعلم، لان قوله " ~~كلتا الجنتين آتت أكلها " يدل على أن له ثمرا. # قوله تعالى: (فقال لصاحبه وهو يحاوره) أي يراجعه في الكلام ويجاوبه. ~~والمحاورة المجاوبة، والتحاور التجاوب. ويقال: كلمته فما أحار إلي جوابا، ms3837 ~~وما رجع إلي حويرا ولا حويرة ولا محورة ولا حوارا، أي ما رد جوابا. (أنا ~~أكثر منك مالا وأعز نفرا) النفر: # الرهط وهو ما دون العشرة. وأراد ها هنا الاتباع والخدم والولد، حسبما ~~تقدم بيانه. # PageV10P403 # قوله تعالى: ودخل جنته وهو ظالم نفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا (35) ~~وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربى لأجدن خيرا منها منقلبا (36) قوله ~~تعالى: (ودخل جنته) قيل: أخذ بيد أخيه المؤمن يطيف به فيها ويريه إياها. # (وهو ظالم نفسه) أي بكفره، وهو جملة في موضع الحال. ومن أدخل نفسه النار ~~بكفره فهو ظالم لنفسه. (قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا) أنكر فناء الدار. ~~(ومل أظن الساعة قائمة) أي لا أحسب البعث كائنا. (ولئن رددت إلى ربى) أي ~~وإن كان بعث فكما أعطاني هذه النعم في الدنيا فسيعطيني أفضل منه لكرامتي ~~عليه، وهو معنى قوله: (لأجدن خيرا منها مقلبا) وإنما قال ذلك لما دعاه أخوه ~~إلى الايمان بالحشر والنشر. وفي مصاحف مكة والمدينة والشام " منهما ". وفي ~~مصاحف أهل البصرة والكوفة " منها " على التوحيد، والتثنية أولى، لان الضمير ~~أقرب إلى الجنتين. # قوله تعالى: قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من ~~نطفة ثم سواك رجلا (37) لكنا هو الله ربى ولا أشرك بربي أحدا (38) قوله ~~تعالى: (قال له صاحبه) يهوذا أو تمليخا، على الخلاف في اسمه. (أكفرت بالذي ~~خلقك كم تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا) وعظه وبين له أن ما اعترف به من هذه ~~الأشياء التي لا ينكرها أحد أبدع من الإعادة. و " سواك رجلا " أي جعلك ~~معتدل القامة والخلق، صحيح الأعضاء ذكرا. (لكنا هو الله ربى) كذا قرأه أبو ~~عبد الرحمن السلمي وأبو العالية. وروى عن الكسائي " لكن هو الله " بمعنى ~~لكن الامر هو الله ربي، فأضمر اسمها فيها. وقرأ الباقون " لكنا " بإثبات ~~الألف. قال الكسائي: فيه تقديم وتأخير، PageV10P404 # تقديره: لكن الله هو ربي أنا، فحذفت الهمزة من " أنا " طلبا للخفة لكثرة ~~الاستعمال وأدغمت إحدى النونين ms3838 في الأخرى وحذفت ألف " أنا " في الوصل ~~وأثبتت في الوقف. وقال النحاس: # مذهب الكسائي والفراء والمازني أن الأصل لكن أنا فألقيت حركة الهمزة على ~~نون لكن وحذفت الهمزة وأدغمت النون في النون فالوقف عليها لكنا وهي ألف أنا ~~لبيان الحركة. # وقال أبو عبيدة: الأصل لكن أنا، فحذفت الألف فالتقت نونان فجاء بالتشديد ~~لذلك، وأنشدنا الكسائي: # لهنك من عبسية لوسيمة * على هنوات كاذب من يقولها أراد: لله إنك [لوسيمة ~~(1)]، فأسقط إحدى اللامين من " لله " وحذف الألف من إنك. # وقال آخر فجاء به على الأصل: # وترمينني (2) بالطرف أي أنت مذنب * وتقلينني لكن إياك لا أقلي أي لكن ~~أنا. وقال أبو حاتم: ورووا عن عاصم " لكنا هو الله ربي " وزعم أن هذا لحن، ~~يعني إثبات الألف في الادراج. قال الزجاج: إثبات الألف في " لكنا هو الله ~~ربي " في الادراج جيد، لأنه قد حذفت الألف من أنا فجاءوا بها عوضا. قال: ~~وفي قراءة أبي " لكن أنا هو الله ربي ". وقرأ ابن عامر والمسيلي (3) عن ~~نافع ورويس عن يعقوب " لكنا " في حال الوقف والوصل معا بإثبات الألف. وقال ~~الشاعر: # أنا سيف العشيرة فاعرفوني * حميدا قد تذريت السناما وقال الأعشى: # فكيف أنا وانتحال القوافي * بعد المشيب كفى ذاك عارا ولا خلاف في إثباتها ~~في الوقف. (هو الله ربي) " هو " ضمير القصة والشأن والامر، كقوله " فإذا هي ~~شاخصة أبصار الذين كفروا (4) " وقوله: " قل هو الله أحد (5) ". (ولا أشرك # PageV10P405 # بربي أحدا) دل مفهومه على أن الأخ الآخر كان مشركا بالله تعالى يعبد ~~غيره. ويحتمل أنه أراد لا أرى الغني والفقر إلا منه، واعلم أنه لو أراد أن ~~يسلب صاحب الدنيا دنياه قدر عليه، وهو الذي آتاني الفقر. ويحتمل أنه أراد ~~جحودك البعث مصيره إلى أن الله تعالى لا يقدر عليه، وهو تعجيز الرب سبحانه ~~وتعالى، ومن عجزه سبحانه وتعالى شبهه بخلقه، فهو إشراك. # قوله تعالى: ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله إن ترن ~~أنل أقل منك مالا وولدا (39) فعسى ربى أن يؤتين ms3839 خيرا من جنتك ويرسل عليها ~~حسبانا من السماء فتصبح صعيدا زلقا (40) أو يصبح ماؤها غورا فلن تستطيع له ~~طلبا (41) قوله تعالى: (ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا ~~بالله) فيه مسئلتان: # الأولى - قوله تعالى: (ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا ~~بالله) أو أي بالقلب، وهو توبيخ ووصية من المؤمن للكافر ورد عليه، إذ قال " ~~ما أظن أن تبيد هذه أبدا " و " ما " في موضع رفع، تقديره: هذه الجنة هي ما ~~شاء الله. وقال الزجاج والفراء: # الامر ما شاء الله، أو هو ما شاء الله، أي الامر مشيئة الله تعالى. وقيل: ~~الجواب مضمر، أي ما شاء الله كان، وما لا يشاء لا يكون. " لا قوة إلا بالله ~~" أي ما اجتمع لك من المال فهو بقدرة الله تعالى وقوته لا بقدرتك وقوتك، ~~ولو شاء لنزع البركة منه فلم يجتمع. # الثانية - قال أشهب قال مالك: ينبغي لكل من دخل منزله أن يقول هذا. # وقال ابن وهب وقال لي حفص بن ميسرة: رأيت على باب وهب بن منبه مكتوبا " ~~ما شاء الله لا قوة إلا بالله ". وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~لأبي هريرة: " ألا أدلك على كلمة من كنوز الجنة - أو قال كنز من كنوز الجنة ~~" قلت: بلى يا رسول الله، قال " لا حول ولا قوة إلا بالله إذا قالها العبد ~~قال الله عز وجل أسلم عبدي واستسلم " أخرجه مسلم PageV10P406 # في صحيحه من حديث أبي موسى. وفيه: فقال " يا أبا موسى أو يا عبد الله بن ~~قيس ألا أدلك على كلمة من كنز الجنة - في رواية على كنز من كنوز الجنة - " ~~قلت: ما هي يا رسول الله؟ قال: # " لا حول ولا قوة إلا بالله ". وعنه قال قال لي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " ألا أدلك على كلمة من كنوز الجنة أو قال كنز من كنوز الجنة " قلت: ~~بلى، فقال " لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ". وروى أنه من ms3840 دخل ~~منزل أو خرج منه فقال: باسم الله ما شاء الله لا قوة إلا بالله تنافرت عنه ~~الشياطين من بين يديه وأنزل الله تعالى عليه البركات. وقالت عائشة: إذا خرج ~~الرجل من منزله فقال باسم الله قال الملك هديت، وإذا قال ما شاء الله قال ~~الملك كفيت، وإذا قال لا قوة إلا بالله قال الملك وقيت. خرجه الترمذي من ~~حديث أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من قال - يعني ~~إذا خرج من بيته - باسم الله توكلت على الله لا حول ولا قوة إلا بالله يقال ~~كفيت ووقيت وتنحى عنه الشيطان " هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. ~~خرجه أبو داود أيضا وزاد فيه - فقال له: " هديت وكفيت ووقيت ". وأخرجه ابن ~~ماجة من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا خرج الرجل ~~من باب بيته أو باب داره كان معه ملكان موكلان به فإذا قال باسم الله قالا ~~هديت وإذا قال لا حول ولا قوة إلا بالله قالا وقيت وإذا قال توكلت على الله ~~قالا كفيت قال فيلقاه قريناه فيقولان ماذا تريدان من رجل قد هدى ووقي وكفي ~~". وقال الحاكم أبو عبد الله في علوم الحديث: سئل محمد بن إسحاق بن خزيمة ~~عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: " تحاجت الجنة والنار فقالت هذه - يعني ~~الجنة - يدخلني الضعفاء " من الضعيف؟ قال: الذي يبرئ نفسه من الحول والقوة ~~يعني في اليوم عشرين مرة أو خمسين مرة. وقال أنس بن مالك قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: " من رأى شيئا فأعجبه فقال ما شاء الله لا قوة إلا بالله ~~لم يضره عين ". وقد قال قوم: ما من أحد قال ما شاء الله كان فأصابه شئ إلا ~~رضي به. وروى أن من قال أربعا أمن من أربع: من قال هذه أمن من العين، ومن ~~قال حسبنا الله ونعم الوكيل أمن من كيد الشيطان، ومن قال وأفوض أمري إلى ~~الله أمن مكر الناس، ومن ms3841 قال لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ~~أمن من الغم. PageV10P407 # قوله تعالى: (إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا) " إن " شرط " ترن " مجزوم ~~به، والجواب " فعسى ربي " و " أنا " فاصلة لا موضع لها من الاعراب. ويجوز ~~أن تكون في موضع نصب توكيدا للنون والياء. وقرأ عيسى بن عمر " إن ترن أنا ~~أقل منك " بالرفع، يجعل " أنا " مبتدأ و " أقل " خبره، والجملة في موضع ~~المفعول الثاني، والمفعول الأول النون والياء، إلا أن الياء حذفت لان ~~الكسرة تدل عليها، وإثباتها جيد بالغ وهو الأصل لأنها الاسم على الحقيقة. و ~~(فعسى) بمعنى لعل أي فلعل ربي. (أن يؤتيني خيرا من جنتك) أي في الآخرة. ~~وقيل في الدنيا. (ويرسل عليها) أي على جنتك. # (حسبانا) أي مرامي من السماء، وأحدها حسبانة، قاله الأخفش والقتبي وأبو ~~عبيدة. وقال ابن الأعرابي: والحسبانة السحابة، والحسبانة الوسادة، ~~والحسبانة الصاعقة. وقال الجوهري: والحسبان (بالضم): # العذاب. وقال أبو زياد الكلابي: أصاب الأرض حسبان أي جراد. والحسبان أيضا ~~الحساب، قال الله تعالى: " الشمس والقمر بحسبان (1) " وقد فسر الحسبان هنا ~~بهذا. قال الزجاج: الحسبان من الحساب، أي يرسل عليها عذاب الحساب، وهو حساب ~~ما اكتسبت يداك، فهو من باب حذف المضاف. والحسبان أيضا: سهام قصار يرمى بها ~~في طلق واحد، وكان من رمى الأكاسرة. والمرامي من السماء عذاب. " فتصبح ~~صعيدا زلقا " يعنى أرضا بيضاء لا ينبت فيها نبات ولا يثبت عليها قدم، وهي ~~أضر أرض بعد أن كانت جنة أنفع أرض، و " زلقا " تأكيد لوصف الصعيد، أي وتزل ~~عنها الاقدام لملاستها. يقال: مكان زلق (بالتحريك) أي دحض، وهو في الأصل ~~مصدر قولك: زلقت رجله تزلق زلقا، وأزلقها غيره. والزلق أيضا عجز الدابة. ~~قال رؤبة: # * كأنها حقباء بلقاء الزلق * والمزلقة والمزلقة: الموضع الذي لا يثبت ~~عليه قدم. وكذلك الزلاقة. والزلق الحلق، زلق رأسه يزلقه زلقا حلقه، قال ~~الجوهري. والزلق المحلوق، كالنقض والنقض. وليس المراد # PageV10P408 # أنها تصير مزلقة، بل المراد أنها لا يبقى فيها نبات كالرأس إذا حللا يبقى ~~عليه شعر، قاله ms3842 القشيري. (أو يصبح ماؤها غورا) أي غائرا ذاهبا، فتكون أعدم ~~أرض للماء بعد أن كانت أوجد أرض للماء. والغور مصدر وضع موضع الاسم، كما ~~يقال: رجل صوم وفطر وعدل ورضا وفضل وزور ونساء نوح، ويستوى فيه المذكر ~~والمؤنث والتثنية والجمع. # قال عمرو بن كلثوم: # تظل جياده نوحا عليه * مقلدة أعنتها صفونا آخر: # هريقى من دموعهما سجاما * ضباع وجاوبي نوحا قياما أي نائحات. وقيل: أو ~~يصبح ماؤها ذا غور، فحذف المضاف، مثل " واسأل القرية (1) " ذكره النحاس. ~~وقال الكسائي: ماء غور. وقد غار الماء يغور غورا وغوورا، أي سفل في الأرض، ~~ويجوز الهمزة لانضمام الواو. وغارت عينه تغور غورا وغوورا، دخلت في الرأس. # وغارت تغار لغة فيه. وقال: # * أغارت عينه أم لم تغارا * وغارت الشمس تغور غيارا، أي غربت. قال أبو ~~ذؤيب: # هل الدهر إلا ليلة ونهارها * وإلا طلوع الشمس ثم غيارها (فلن تستطيع له ~~طلبا) أي لن تستطيع رد الماء الغائر، ولا تقدر عليه بحيلة. وقيل: فلن ~~تستطيع طلب غيره بدلا منه. وإلى هذا الحديث انتهت مناظرة أخيه وإنذاره. # قوله تعالى: (وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية ~~على عروشها ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحدا (42) قوله تعالى: (وأحيط ~~بثمره) اسم ما لم يسم فاعله مضمر، وهو المصدر. ويجوز أن يكون المخفوض في ~~موضع رفع. ومعنى " أحيط بثمره " أي أهلك ماله كله. وهذا أول ما حقق الله ~~تعالى به إنذار أخيه. (فأصبح يقلب كفيه) أي فأصبح الكافر يضرب إحدى # PageV10P409 # يديه على الأخرى ندما، لان هذا يصدر من النادم. وقيل: يقلب ملكه فلا يرى ~~فيه عوض ما أنفق، وهذا لان الملك قد يعبر عنه باليد، من قولهم: في يده مال، ~~أي فملكه مال. # ودل قوله " فأصبح " على أن هذا الاهلاك جرى بالليل، كقوله " فطاف (1) ~~عليها طائف من ربك وهم نائمون. فأصبحت كالصريم " ويقال: أنفقت في هذه الدار ~~كذا وأنفقت عليها. # (وهي خاوية على عروشها) أي خالية قد سقط بعضها على بعض، مأخوذ من خوت ~~النجوم تخوى خيا ms3843 أمحلت، وذلك إذا سقطت ولم تمطر في نوئها. وأخوت مثله. وخوت ~~الدار خواء أقوت، وكذلك إذا سقطت، ومنه قوله تعالى: " فتلك بيوتهم خاوية ~~بما (2) ظلموا " ويقال: ساقطة، كما يقال فهي خاوية على عروشها أي ساقطة على ~~سقوفها، فجمع عليه بين هلاك الثمر والأصل، وهذا من أعظم الجوانح، مقابلة ~~على بغية. (ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحدا) أي يا ليتني عرفت نعم الله ~~على، وعرفت أنها كانت بقدرة الله ولم أكفر به. وهذا ندم منه حين لا ينفعه ~~الندم. # قوله تعالى: ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا (43) ~~قوله تعالى: (ولو تكن له فئة ينصرونه من دون الله) " فئة " اسم " تكن " و " ~~له " الخبر. " ينصرونه " في موضع الصفة، أي فئة ناصرة. ويجوز أن يكون " ~~ينصرونه " الخبر. والوجه الأول عند سيبويه أولى لأنه قد تقدم " له ". وأبو ~~العباس يخالفه، ويحتج بقول الله عز وجل " ولم يكن له كفوا أحد ". # (3) وقد أجاز سيبويه الآخر. و " ينصرونه " على معنى فئة، لان معناها ~~أقوام، ولو كان على اللفظ لقال ولم تكن له فئة تنصره، أي فرقة وجماعة يلتجئ ~~إليهم. (وما كان منتصرا) أي ممتنعا، قاله قتادة. وقيل: مستردا بدل ما ذهب ~~منه. وقد تقدم اشتقاق الفئة في " آل عمران (4) ". والهاء عوض من الياء التي ~~نقصت # PageV10P410 # من وسطه، أصله فئ مثل فيع، لأنه من فاء، ويجمع على فئون وفئات مثل شيات ~~ولدات ومئات. أي لم تكن له عشيرة يمنعونه من عذاب الله، وضل عنه من افتخر ~~بهم من الخدم والولد. # قوله تعالى: هنالك الولية لله الحق هو خير ثوابا وخير عقبا (44) قوله ~~تعالى: (هنالك الولية لله الحق) اختلف في العامل في قوله " هنالك " وهو ~~ظرف، فقيل: العامل فيه " ولم تكن له فئة " ولا كان هنالك، أي ما نصر ولا ~~انتصر هنالك، أي لما أصابه من العذاب. وقيل: تم الكلام عند قوله " منتصرا ~~". والعامل في قوله " هنالك ": " الولاية ". وتقديره على التقديم والتأخير: ~~الولاية لله الحق هنالك، أي في القيامة. وقرأ أبو عمرو ms3844 والكسائي " الحق " ~~بالرفع نعتا للولاية. وقرأ أهل المدينة وحمزة " الحق " بالخفض نعتا لله عز ~~وجل، والتقدير: لله ذي الحق. قال الزجاج: ويجوز " الحق " بالنصب على المصدر ~~والتوكيد، كما تقول: هذا لك حقا. وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي " الولاية " ~~بكسر الواو، الباقون بفتحها، وهما بمعنى واحد كالرضاعة والرضاعة. # وقيل: الولاية بالفتح من الموالاة، كقوله " الله ولى الذين آمنوا (1) ". ~~" ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا ". وبالكسر يعنى السلطان والقدرة ~~والامارة، كقوله " والامر يومئذ لله (3) " أي له الملك والحكم يومئذ، أي لا ~~يرد أمره إلى أحد، والملك في كل وقت لله ولكن تزول الدعاوي والتوهمات يوم ~~القيامة. وقال أبو عبيد: إنها بفتح الواو للخالق، وبكسرها للمخلوق. # (هو خير ثوابا) أي الله خير ثوابا في الدنيا والآخرة لمن آمن به، وليس ثم ~~غير يرجى منه، ولكنه أراد في ظن الجهال، أي هو خير من يرجى. (وخير عقبا) ~~قرأ عاصم والأعمش وحمزة ويحيى " عقبا " ساكنة القاف، الباقون بضمها، وهما ~~بمعنى واحد، أي هو خير عاقبة لمن رجاه وآمن به. يقال: هذا عاقبة أمر فلان ~~وعقباه وعقبه، أي آخره. # PageV10P411 # قوله تعالى: واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزله من السماء فاختلط ~~نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الريح وكان الله على كل شئ مقتدرا (45) قوله ~~تعالى: (واضرب لهم مثل الحياة الدنيا) أي صف لهؤلاء المتكبرين الذين سألوك ~~طرد فقراء المؤمنين مثل الحياة الدنيا، أي شبهها. (كماء أنزلناه من السماء ~~فاختلط به) أي بالماء. (نبات الأرض) حتى استوى. وقيل: إن النبات اختلط بعضه ~~ببعض حين نزل عليه الماء، لان النبات إنما يختلط ويكثر بالمطر. وقد تقدم ~~هذا المعنى في " يونس (1) " مبينا. وقالت الحكماء: إنما شبه تعالى الدنيا ~~بالماء لان الماء لا يستقر في موضع، كذلك الدنيا لا تبقى على واحد، ولأن ~~الماء لا يستقيم على حالة واحدة كذلك الدنيا، ولأن الماء لا يبقى ويذهب ~~كذلك الدنيا تفنى، ولأن الماء لا يقدر أحد أن يدخله ولا يبتل كذلك الدنيا ~~لا يسلم أحد دخلها من فتنتها وآفتها، ولأن الماء إذا كان ms3845 بقدر كان نافعا ~~منبتا، وإذا جاوز المقدار كان ضارا مهلكا، وكذلك الدنيا الكفاف منها ينفع ~~وفضولها يضر. وفى حديث النبي صلى الله عليه وسلم قال له رجل: يا رسول الله، ~~إني أريد أن أكون من الفائزين، قال: # " ذر الدنيا وخذ منها كالماء الراكد فإن القليل منها يكفي والكثير منها ~~يطغى ". وفى صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم: " قد أفلح من أسلم ~~ورزق كفافا وقنعه الله بما أتاه ". # (فأصبح) أي النبات (هشيما) أي متكسرا من اليبس متفتتا، يعنى بانقطاع ~~الماء عنه، فحذف ذلك إيجازا لدلالة الكلام عليه. والهشم: كسر الشئ اليابس. ~~والهشيم من النبات اليابس المتكسر، والشجرة البالية يأخذها الحاطب كيف ~~يشاء. ومنه قولهم: ما فلان إلا هشيمة كرم، إذا كان سمحا. ورجل هشيم: ضعيف ~~البدن. وتهشم عليه فلان إذا تعطف. واهتشم # PageV10P412 # ما في ضرع الناقة إذا احتلبه. ويقال: هشم الثريد، ومنه سمى هاشم بن عبد ~~مناف واسمه عمرو، وفيه يقول عبد الله بن الزبعرى: # عمرو العلا هشم الثريد لقومه * ورجال مكة مسنتون عجاف وكان سبب ذلك أن ~~قريشا أصابتهم سنون (1) ذهبن بالأموال فخرج هاشم إلى الشام فأمر بخبز كثير ~~فخبز، فحمله في الغرائر على الإبل حتى وافى مكة، وهشم ذلك الخبز، يعنى كسره ~~وثرده، ونحر تلك الإبل، ثم أمر الطهاة فطبخوا، ثم كفأ القدور على الجفان ~~فأشبع أهل مكة، فكان ذلك أول الحباء بعد السنة التي أصابتهم، فسمى بذلك ~~هاشما. (تذروه الرياح) أي تفرقه، قاله أبو عبيدة. ابن قتيبة: تنسفه. ابن ~~كيسان: تذهب به وتجئ. ابن عباس: تديره، والمعنى متقارب. وقرأ طلحة بن مصرف ~~" تذريه الريح ". قال الكسائي: وفى قراءة عبد الله " تذريه ". يقال: ذرته ~~الريح تذروه ذروا و [تذريه] ذريا وأذريه تذريه إذراء إذا طارت به. وحكى ~~الفراء: أذريت الرجل عن فرسه أي قلبته. وأنشد سيبويه والفراء: # فقلت له صوب ولا تجهدنه * فيذرك (2) من أخرى القطاة فتزلق قوله تعالى: ~~(وكان الله على كل شئ مقتدرا) من الانشاء والافناء والاحياء، سبحانه.! # قوله تعالى: المال والبنون زينة الحياة الدنيا ms3846 والباقيات الصالحات خير ~~عند ربك ثوابا وخير أملا (46) قوله تعالى: (المال والبنون زينة الحياة ~~الدنيا) ويجوز " زينتا " وهو خبر الابتداء في التثنية والافراد. وإنما كان ~~المال والبنون زينة الحياة الدنيا لان في المال جمالا ونفعا، وفى البنين ~~قوة ودفعا، فصارا زينة الحياة الدنيا، لكن معه قرينة الصفة للمال # PageV10P413 # والبنين، لان المعنى: المال والبنون زينة هذه الحياة المحتقر فلا تتبعوها ~~نفوسكم. وهو رد على عيينة بن حصن وأمثاله لما افتخروا بالغنى والشرف، فأخبر ~~تعالى أن ما كان من زينة الحياة الدنيا فهو غرور يمر ولا يبقى، كالهشيم حين ~~ذرته الريح، إنما يبقى ما كان من زاد القبر وعدد الآخرة. وكان يقال: لا ~~تعقد قلبك مع المال لأنه فئ ذاهب، ولا مع النساء لأنها اليوم معك وغدا مع ~~غيرك، ولا مع السلطان لأنه اليوم لك وغدا لغيرك. # ويكفي في هذا قول الله تعالى: " إنما أموالكم وأولادكم فتنة (1) ". وقال ~~تعالى: " إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم (2) ". قوله تعالى: ~~(والباقيات الصالحات) أي ما يأتي به سلمان وصهيب وفقراء المسلمين من ~~الطاعات. (خير عند ربك ثوابا) أي أفضل. (وخير أملا) أي أفضل من ذي المال ~~والبنين دون عمل صالح، وليس في زينة الدنيا خير، ولكنه خرج مخرج قوله: " ~~أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا (3) ". وقيل: خير في التحقيق مما يظنه الجهال ~~أنه خير في ظنهم. # واختلف العلماء في " الباقيات الصالحات "، فقال ابن عباس وابن جبير وأبو ~~ميسرة وعمرو ابن شرحبيل: هي الصلوات الخمس. وعن ابن عباس أيضا: أنها كل عمل ~~صالح من قول أو فعل يبقى للآخرة. وقاله ابن زيد ورجحه الطبري. وهو الصحيح ~~إن شاء الله، لان كل ما بقى ثوابه جاز أن يقال له هذا. وقال لي رضي الله ~~عنه: الحرث حرثان فحرث الدنيا المال والبنون، وحرث الآخرة الباقيات ~~الصالحات، وقد يجمعهن الله تعالى لأقوام. وقال الجمهور: # هي الكلمات المأثور فضلها: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله ~~أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم. خرجه مالك في موطئه ms3847 عن عمارة ~~بن صياد عن سعيد بن المسيب أنه سمعه يقول في الباقيات الصالحات: إنها قول ~~العبد الله أكبر وسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله ولا حول ولا قوة ~~إلا بالله. أسنده النسائي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله # PageV10P414 # صلى الله عليه وسلم قال: " استكثروا من الباقيات الصالحات) قيل: وما هي ~~يا رسول الله؟ قال: [المسألة. قيل وما هي يا رسول الله؟ قال (1):] " ~~التكبير والتهليل والتسبيح والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا باله ". صححه ~~أبو محمد عبد الحق رحمه الله. # وروى قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ غصنا فخرطه حتى سقط ورقه ~~وقال: " إن المسلم إذا قال سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله ~~أكبر تحاتت خطاياه كما تحات هذا خذهن إليك أبا الدرداء قبل أن يحال بينك ~~وبينهن فإنهن من كنوز الجنة وصفايا الكلام وهن الباقيات الصالحات ". ذكره ~~الثعلبي، وخرجه ابن ماجة بمعناه من حديث أبي الدرداء قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " عليك بسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله ~~أكبر فإنهن يعنى يحططن الخطايا كما تحط الشجرة ورقها ". وأخرجه الترمذي من ~~حديث الأعمش عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بشجرة ~~يابسة الورقة فضربها بعصاه فتناثر الورق فقال: " إن الحمد لله وسبحان الله ~~ولا إله إلا الله والله أكبر لتساقط من ذنوب العبد كما تساقط ورق هذه ~~الشجرة ". قال: هذا حديث غريب ولا نعرف للأعمش سماعا من أنس، ولا أنه قد ~~رآه ونظر إليه. وخرج الترمذي أيضا عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " لقيت إبراهيم عليه السلام ليلة أسرى بي فقال يا محمد أقرئ ~~أمتك منى السلام وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء وأنها قيعان وأن ~~غراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر " قال: حديث حسن ~~غريب، خرجه الماوردي بمعناه. # وفيه - فقلت: ما غراس الجنة؟ قال: " لا حول ولا ms3848 قوة إلا بالله ". وخرج ~~ابن ماجة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر به وهو يغرس ~~غرسا فقال: " يا أبا هريرة ما الذي تغرس "؟ قلت غراسا. قال: " ألا أدلك على ~~غراس خير من هذا سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر يغرس ~~لك بكل واحدة شجرة في الجنة ". وقد قيل: إن الباقيات الصالحات هي النيات ~~والهمات، لان بها تقبل الأعمال وترفع، قال الحسن. وقال عبيد بن عمير: هن ~~البنات، يدل عليه أوائل، الآية، قال الله تعالى: " المال والبنون زينة ~~الحياة الدنيا " ثم قال " والباقيات الصالحات " يعنى البنات الصالحات هن ~~عند الله لآبائهن خير ثوابا، # PageV10P415 # وخير أملا في الآخرة لمن أحسن إليهن. يدل عليه ما روته عائشة رضي الله ~~عنها قالت: دخلت على امرأة مسكينة... الحديث، وقد ذكرناه في سورة النحل في ~~قوله: " يتوارى من القوم " الآية (1). # وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لقد رأيت رجلا من أمتي أمر ~~به إلى النار فتعلق به بناته وجعلن يصرخن ويقلن رب إنه كان يحسن إلينا في ~~الدنيا فرحمه الله بهن ". # وقال قتادة في قوله تعالى: " فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة ~~وأقرب رحما (2) " قال: # أبدلهما منه ابنة فتزوجها نبي فولدت له اثنى عشر غلاما كلهم أنبياء. # قوله تعالى: ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم ~~أحدا (47) قوله تعالى: (ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة) قال بعض ~~النحويين: التقدير والباقيات الصالحات خير عند ربك يوم نسير الجبال. قال ~~النحاس: وهذا غلط من أجل الواو وقيل: المعنى واذكر يوم نسير الجبال، أي ~~نزيلها من أماكنها من على وجه الأرض، ونسيرها كما نسير السحاب، كما قال في ~~آية أخرى " وهي تمر مر السحاب (3) " ثم تكسر فتعود إلى الأرض، كما قال: " ~~وبست الجبال بسا. فكانت هباء منبثا (4) ". وقرأ ابن كثير والحسن وأبو عمرو ~~وابن عامر " ويوم تسير " بتاء مضمومة وفتح الياء. و " الجبال " رفعا على ~~الفعل المجهول. وقرأ ابن محيصن ومجاهد " ويوم تسير ms3849 الجبال " بفتح التاء ~~مخففا من سار. " الجبال " رفعا. دليل قراءة أبى عمرو " وإذا الجبال سيرت ~~(5) ". ودليل قراءة ابن محيصن " وتسير الجبال سيرا (4) ". واختار أبو عبيد ~~القراءة الأولى " نسير " بالنون لقوله " وحشرناهم ". ومعنى " بارزة " ~~ظاهرة، وليس عليها ما يسترها من جبل ولا شجر ولا بنيان، أي قد اجتثت ثمارها ~~وقلعت جبالها، وهدم بنيانها، فهي بارزة ظاهرة. وعلى هذا القول أهل التفسير. ~~وقيل: # " وترى الأرض بارزة " أي برز ما فيها من الكنوز والأموات، كما قال " ~~وألقت ما فيها # PageV10P416 # وتخلت (1) " وقال " وأخرجت الأرض أثقالها (2) " وهذا قول عطاء. ~~(وحشرناهم) أي إلى الموقف. (فلم نغادر منهم أحدا) أي لم نترك، يقال: غادرت ~~كذا أي تركته. قال عنترة: # غادرته متعفرا أوصاله * والقوم بين مجرح ومجدل أي تركته. والمغادرة ~~الترك، ومنه الغدر، لأنه ترك الوفاء. وإنما سمى الغدير من الماء غديرا لان ~~الماء ذهب وتركه. ومنه غدائر المرأة لأنها تجعلها خلفها. يقول: حشرنا برهم ~~وفاجرهم وجنهم وإنسهم. # قوله تعالى: وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة بل ~~زعمتم ألن نجعل لكم موعدا (48) قوله تعالى: (وعرضوا على ربك صفا) " صفا " ~~نصب على الحال. قال مقاتل: # يعرضون صفا بعد صف كالصفوف في الصلاة، كل أمة وزمرة صفا، لا أنهم صف ~~واحد. # وقيل: جميعا، كقوله " ثم ائتوا صفا (3) " أي جميعا. وقيل قياما. وخرج ~~الحافظ أبو القاسم عبد الرحمن بن منده في كتاب التوحيد عن معاذ بن جبل أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الله تبارك وتعالى ينادى يوم القيامة بصوت رفيع غير فظيع يا عبادي ~~أنا الله لا إله إلا أنا أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين وأسرع الحاسبين يا ~~عبادي لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون أحضروا حجتكم ويسروا جوابا فإنكم ~~مسؤولون محاسبون. يا ملائكتي أقيموا عبادي صفوفا على أطراف أنامل أقدامهم ~~للحساب ". # قلت: هذا الحديث غاية في البيان في تفسير الآية، ولم يذكره كثير من ~~المفسرين، وقد كتبناه في كتاب التذكرة، ومنه نقلناه والحمد لله. # (لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة) أي يقال لهم: ms3850 لقد جئتمونا حفاة عراة، ~~لا مال معكم ولا ولدا. وقيل فرادى، دليله قوله " ولقد جئتمونا فرادى كما ~~خلقناكم أول مرة (4) ". # وقد تقدم. وقال الزجاج: أي بعثناكم كما خلقناكم. (بل زعمتم) هذا خطاب ~~لمنكري # PageV10P417 # البعث، أي زعمتم في الدنيا أن لن تبعثوا وأن لن نجعل لكم موعدا للبعث. ~~وفى صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: " يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا " قلت: يا رسول الله! ~~الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال: " يا عائشة، الأمر أشد من أن ينظر ~~بعضهم إلى بعض ". " غرلا " أي غير مختونين. وقد تقدم في " الانعام (1) " ~~بيانه. # قوله تعالى: ووضع الكتب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا ~~مال هذا الكتب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصها ووجدوا ما عملوا حاضرا ~~ولا يظلم ربك أحدا (49) قوله تعالى: (ووضع الكتاب) " الكتاب " اسم جنس، ~~وفيه وجهان: أحدهما - أنها كتب الأعمال في أيدي العباد، قاله مقاتل. الثاني ~~- أنه وضع الحساب، قاله الكلبي، فعبر عن الحساب بالكتاب لأنهم يحاسبون على ~~أعمالهم المكتوبة. والقول الأول أظهر، ذكره ابن المبارك قال: أخبرنا الحكم ~~أو أبو الحكم - شك نعيم - عن إسماعيل بن عبد الرحمن عن رجل من بنى أسد قال ~~قال عمر لكعب: ويحك يا كعب! حدثنا من حديث الآخرة، قال: نعم يا أمير ~~المؤمنين! إذا كان يوم القيامة رفع اللوح المحفوظ فلم يبق أحد من الخلائق ~~إلا وهو ينظر إلى عمله - قال - ثم يؤتى بالصحف التي فيها أعمال العباد ~~فتنثر حول العرش، وذلك قوله تعالى: " ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما ~~فيه ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ~~" قال الأسدي: الصغيرة ما دون الشرك، والكبيرة الشرك، إلا أحصاها - قال ~~كعب، ثم يدعى المؤمن فيعطى. # كتابه بيمينه فينظر فيه فإذا حسناته باديات للناس وهو يقرأ سيئاته لكيلا ~~يقول كانت لي حسنات فلم تذكر فأحب الله أن يريه عمله كله حتى إذا استنقص ما ~~في ms3851 الكتاب وجد في آخر # PageV10P418 # ذلك كله أنه مغفور وأنك من أهل الجنة، فعند ذلك يقبل إلى أصحابه ثم يقول ~~" هآؤم اقرأوا كتابيه. إني ظننت أنى ملاق حسابيه (1) " ثم يدعى بالكافر ~~فيعطى كتابه بشماله ثم يلف فيجعل من وراء ظهره ويلوي عنقه، فذلك قوله " ~~وأما من أوتى كتابه وراء ظهره (2) " فينظر في كتابه فإذا سيئاته باديات ~~للناس وينظر في حسناته لكيلا يقول أفأثاب على السيئات. وكان الفضيل بن عياض ~~إذا قرأ هذه الآية يقول: يا ويلتاه! ضجوا إلى الله تعالى من الصغائر قبل ~~الكبائر. قال ابن عباس: الصغيرة التبسم، والكبيرة الضحك، يعنى ما كان من ~~ذلك في معصية الله عز وجل، ذكره الثعلبي. وحكى الماوردي عن ابن عباس أن ~~الصغيرة الضحك. # قلت فيحتمل أن يكون صغيرة إذا لم يكن في معصية، فإن الضحك من المعصية رضا ~~بها والرضا بالمعصية معصية، وعلى هذا تكون كبيرة، فيكون وجه الجمع هذا ~~والله أعلم. أو يحمل الضحك فيما ذكر الماوردي على التبسم، وقد قال تعالى: " ~~فتبسم ضاحكا من قولها (3) " وقال سعيد بن جبير: إن الصغائر اللمم كالمسيس ~~والقبل، والكبيرة المواقعة والزنى. وقد مضى في " النساء (4) " بيان هذا. ~~قال قتادة: اشتكى القوم الاحصاء، وما اشتكى أحد ظلما، فإياكم ومحقرات ~~الذنوب فإنها تجتمع على صاحبها حتى تهلكه. وقد مضى. ومعنى. " أحصاها " عدها ~~وأحاط بها، وأضيف الاحصاء إلى الكتاب توسعا. (ووجدوا ما عملوا حاضرا) أي ~~وجدوا إحصاء ما عملوا حاضرا. وقيل: وجدوا جزاء ما عملوا حاضرا (ولا يظلم ~~ربك أحدا) أي لا يأخذ أحدا بجرم أحد، ولا يأخذوه بما لم يعمله، قال الضحاك. ~~وقيل: # لا ينقص طائعا من ثوابه ولا يزيد عاصيا في عقابه. # قوله تعالى: وإذا قلنا للملكة اسجدوا لادم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ~~ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين ~~بدلا (50) # PageV10P419 # قوله تعالى: (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من ~~الجن ففسق عن أمر ربه) تقدم في " البقرة " هذا مستوفى (1). قال أبو جعفر ~~النحاس: ms3852 وفى هذه الآية سؤال، يقال: ما معنى. " ففسق عن أمر ربه " ففي هذا ~~قولان: أحدهما - وهو مذهب الخليل وسيبويه أن المعنى أتاه الفسق لما أمر ~~فعصى، فكان سبب الفسق أمر ربه، كما تقول: أطعمته عن جوع. والقول الآخر - ~~وهو مذهب محمد بن قطرب أن المعنى: # ففسق عن رد أمر ربه (أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني) وقف عز وجل الكفرة ~~على جهة التوبيخ بقوله: أفتتخذونه يا بني آدم وذريته أولياء وهم لكم عدو، ~~أي أعداء، فهو اسم جنس (بئس للظالمين بدلا) أي بئس عبادة الشيطان بدلا عن ~~عبادة الله. # أو بئس إبليس بدلا عن الله. واختلف هل لإبليس ذرية من صلبه، فقال الشعبي: ~~سألني رجل فقال هل لإبليس زوجة؟ فقلت: إن ذلك عرس لم أشهده، ثم ذكرت قوله " ~~أفتتخذونه وذريته أولياء " فعلمت أنه لا تكون ذرية إلا من زوجة فقلت نعم. ~~وقال مجاهد: إن إبليس أدخل فرجه في فرج نفسه فباض خمس بيضات، فهذا أصل ~~ذريته. وقيل: إن الله تعالى خلق له في فخذه اليمنى ذكرا وفى اليسرى فرجا، ~~فهو ينكح هذا بهذا، فيخرج له كل يوم عشر بيضات، يخرج من كل بيضة سبعون ~~شيطانا وشيطانة، فهو يخرج وهو يطير، وأعظمهم عند أبيهم منزلة أعظمهم في بني ~~آدم فتنة، وقال قوم: ليس له أولاد ولا ذرية، وذريته أعوانه من الشياطين. ~~قال القشيري أبو نصر: والجملة أن الله تعالى أخبر أن لإبليس أتباعا وذرية، ~~وأنهم يوسوسون إلى بني آدم وهم أعداؤهم، ولا يثبت عندنا كيفية في كيفية ~~التوالد منهم وحدوث الذرية عن إبليس، فيتوقف الامر فيه على نقل صحيح. # قلت: الذي ثبت في هذا الباب من الصحيح ما ذكره الحميدي في الجمع بين ~~الصحيحين عن الامام أبى بكر البرقاني أنه خرج في كتابه مسندا عن أبي محمد ~~عبد الغنى بن سعيد الحافظ من رواية عاصم عن أبي عثمان عن سلمان قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تكن # PageV10P420 # أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها فبها باض الشيطان ms3853 وفرخ ". وهذا ~~يدل على أن للشيطان ذرية من صلبه، والله أعلم. قال ابن عطية: وقول " وذريته ~~" ظاهر اللفظ يقتضى الموسوسين من الشياطين، الذين يأتون بالمنكر ويحملون ~~على الباطل. وذكر الطبري وغيره أن مجاهدا قال: ذرية إبليس الشياطين، وكان ~~يعدهم: زلنبور صاحب الأسواق، يضع رايته في كل سوق بين السماء والأرض، يجعل ~~تلك الراية على حانوت أول من يفتح وآخر من يغلق. # وثبر صاحب المصائب، يأمر بضرب الوجوه وشق الجيوب، والدعاء بالويل والحرب. # والأعور صاحب أبواب الزنى. ومسوط (1) صاحب الاخبار، يأتي بها فيلقيها في ~~أفواه الناس فلا يجدون لها أصلا. وداسم الذي إذا دخل الرجل بيته فلم يسلم ~~ولم يذكر اسم الله بصره من المتاع ما لم يرفع وما لم يحسن موضعه، وإذا أكل ~~ولم يذكر اسم الله أكل معه. قال الأعمش: وإني ربما دخلت البيت فلم أذكر ~~الله ولم أسلم، فرأيت مطهرة فقلت: ارفعوا هذه وخاصمتهم، ثم أذكر فأقول: ~~داسم داسم أعوذ بالله منه زاد الثعلبي وغيره عن مجاهد: # والأبيض، وهو الذي يوسوس للأنبياء. وصخر وهو الذي اختلس خاتم سليمان عليه ~~السلام. # والولهان وهو صاحب الطهارة يوسوس فيها. والأقيس وهو صاحب الصلاة يوسوس ~~فيها. # ومرة وهو صاحب المزامير وبه يكنى. والهفاف يكون بالصحارى يضل الناس ~~ويتيههم. # ومنهم الغيلان. وحكى أبو مطيع مكحول بن الفضل النسفي في كتاب اللؤلئيات ~~عن مجاهد أن الهفاف هو صاحب الشراب، ولقوس صاحب التحريش، والأعور صاحب ~~أبواب السلطان. قال وقال الداراني: إن لإبليس شيطانا يقال له المتقاضى، ~~يتقاضى ابن آدم فيخبر بعمل كان عمله في السر منذ عشرين سنة، فيحدث به في ~~العلانية. قال ابن عطية: وهذا وما جانسه مما لم يأت به سند صحيح، وقد طول ~~النقاش في هذا المعنى وجلب حكايات تبعد عن الصحة، ولم يمر بي في هذا صحيح ~~إلا ما في كتاب مسلم من أن للصلاة شيطانا يسمى خنزب. وذكر الترمذي أن ~~للوضوء شيطانا يسمى الولهان. # قلت: أما ما ذكر من التعيين في الاسم فصحيح، وأما أن له اتباعا وأعوانا ~~وجنودا فمقطوع ms3854 به، وقد ذكرنا الحديث الصحيح في أن له أولادا من صلبه، كما ~~قال مجاهد وغيره. # PageV10P421 # وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود: إن الشيطان ليتمثل في صورة الرجل ~~فيأتي القوم فيحدثهم بالحديث من الكذب فيتفرقون فيقول الرجل منهم سمعت رجلا ~~أعرف وجهه ولا أدرى ما اسمه يحدث. وفي مسند البزار عن سلمان الفارسي قال ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا تكونن إن استطعت أول من يدخل السوق ولا ~~آخر من يخرج منها فإنها معركة الشيطان وبها ينصب رايته ". وفي مسند أحمد بن ~~حنبل قال: أنبأنا عبد الله بن المبارك قال حدثنا سفيان عن عطاء بن السائب ~~عن أبي عبد الرحمن السلمي عن أبي موسى الأشعري قال: إذا أصبح إبليس بث ~~جنوده فيقول من أضل مسلما ألبسته التاج قال فيقول له القائل لم أزل بفلان ~~حتى طلق زوجته، قال: يوشك أن يتزوج. ويقول آخر: لم أزل بفلان حتى عق، قال: ~~يوشك أن يبر. فال ويقول القائل: لم أزل بفلان حتى شرب، قال: أنت! # قال ويقول: لم أزل بفلان حتى زنى، قال: أنت قال ويقول: لم أزل بفلان حتى ~~قتل، قال: أنت أنت! وفي صحيح مسلم عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " إن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه فأدناهم منه منزلة ~~أعظمهم فتنة يجئ أحدهم فيقول فعلت كذا وكذا فيقول ما صنعت شيئا قال ثم يجئ ~~أحدهم فيقول ما تركته حتى فرقت بينه وبين أهله قال فيدنيه أو قال فيلتزمه ~~ويقول نعم أنت. وقد تقدم وسمعت شيخنا الامام أبا محمد عبد المعطي بثغر ~~الإسكندرية يقول: إن شيطانا يقال له البيضاوي يتمثل للفقراء المواصلين (1) ~~في الصيام فإذا استحكم منهم الجوع وأضر بأدمغتهم يكشف لهم عن ضياء ونور حتى ~~يملا عليهم البيوت فيظنون أنهم قد وصلوا وأن ذلك من الله وليس كما ظنوا. # حققه أبو إسحاق إبراهيم أطفيش تم الجزء العاشر من تفسير القرطبي يتلوه إن ~~شاء تعالى الجزء الحادي عشر، وأوله قوله تعالى " ما ms3855 أشهدتهم خلق السماوات ~~والأرض " # PageV10P422 # الجامع لاحكام القرآن لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي الجزء ~~الحادي عشر أعاد طبعه دار احياء التراث العربي بيروت - لبنان 1405 ه‍ 1985 ~~م بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا ~~خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا (51) ويوم يقول نادوا شركائي الذين ~~زعمتم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم وجعلنا بينهم موبقا (52) ورأى المجرمون ~~النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفا (53) قوله تعالى: (ما ~~أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم) قيل: # الضمير عائد على إبليس وذريته، أي لم أشاورهم في خلق السماوات والأرض ولا ~~خلق أنفسهم، بل خلقتهم على ما أردت. وقيل: ما أشهدت إبليس وذريته خلق ~~السماوات والأرض " ولا خلق أنفسهم " أي أنفس المشركين فكيف اتخذوهم أولياء ~~من دوني؟. وقيل: الكناية في قوله: " ما أشهدتهم " ترجع إلى المشركين، وإلى ~~الناس بالجملة، فتضمن الآية الرد على طوائف من المنجمين وأهل الطبائع ~~والمتحكمين من الأطباء وسواهم من كل من يتخوض (1) في هذه الأشياء. وقال ابن ~~عطية: وسمعت أبي رضي الله عنه يقول سمعت الفقيه أبا عبد الله محمد (2) بن ~~معاذ المهدوي بالمهدية يقول: سمعت عبد الحق الصقلي يقول هذا القول، ويتأول ~~هذا التأويل في هذه الآية، وأنها رادة على هذه الطوائف. # وذكر هذا بعض الأصوليين. # قال ابن عطية وأقول: إن الغرض المقصود أولا بالآية هم إبليس وذريته، ~~وبهذا الوجه يتجه الرد على الطوائف المذكورة، وعلى الكهان والعرب والمعظمين ~~للجن، حين يقولون: أعوذ بعزيز هذا الوادي، إذ الجميع من هذه الفرق متعلقون ~~بإبليس وذريته وهم أضلوا الجميع، فهم المراد الأول بالمضلين، وتندرج هذه ~~الطوائف في معناهم. قال الثعلبي: وقال بعض أهل العلم " ما أشهدتهم خلق ~~السماوات والأرض " رد على المنجمين أن قالوا: إن الأفلاك تحدث في الأرض وفي ~~بعضها في بعض، وقوله: " والأرض " رد على أصحاب الهندسة حيث قالوا: # PageV11P001 # إن الأرض كرية والأفلاك تجري تحتها، والناس ملصقون عليها وتحتها، وقوله: ~~" ولا خلق أنفسهم " رد على الطبائعيين حيث زعموا أن الطبائع ms3856 هي الفاعلة في ~~النفوس. وقرأ أبو جعفر: # " ما أشهدناهم " بالنون والألف على التعظيم. الباقون بالتاء بدليل قوله: ~~(وما كنت متخذ) يعني ما استعنتهم على خلق السماوات والأرض ولا شاورتهم. ~~(وما كنت متخذ المضلين) يعني الشياطين. وقيل: الكفار. (عضدا) أي أعوانا ~~يقال: اعتضدت بفلان إذا استعنت به وتقويت. والأصل فيه عضد اليد، ثم يوضع ~~موضع العون، لان اليد قوامها العضد. يقال: عضده وعاضده على كذا إذا أعانه ~~وأعزه. ومنه قوله تعالى: " سنشد عضدك بأخيك " (1) [القصص: 35] أي سنعينك ~~بأخيك. ولفظ العضد على جهة المثل، والله سبحانه وتعالى لا يحتاج إلى عون ~~أحد. وخص المضلين بالذكر لزيادة الذم والتوبيخ. وقرأ أبو جعفر الجحدري: # " وما كنت " بفتح التاء أي وما كنت يا محمد متخذ المضلين عضدا. وفي عضد ~~ثمانية أوجه: # " عضدا " بفتح العين وضم الضاد وهي قراءة الجمهور، وهي أفصحها. و " عضدا ~~" بفتح العين وإسكان الضاد، وهي لغة بني تميم. و " عضدا " بضم العين ~~والضاد، وهي قراءة أبي عمرو والحسن. و " عضدا " بضم العين وإسكان الضاد، ~~وهي قراءة عكرمة. و " عضدا " بكسر العين وفتح الضاد، وهي قراءة الضحاك. و " ~~عضدا " بفتح العين والضاد وهي قراءة عيسى بن عمر. # وحكى هارون القارئ " عضدا " واللغة الثامنة " عضدا " على لغة من قال: كتف ~~وفخذ. # قوله تعالى: (ويوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم) أي اذكروا يوم يقول ~~الله: # أين شركائي؟ أي ادعوا الذين أشركتموهم بي فليمنعوكم من عذابي. وإنما يقول ~~ذلك لعبدة الأوثان. وقرأ حمزة ويحيى وعيسى بن عمر " نقول " بنون. الباقون ~~بالياء، لقوله: # " شركائي " ولم يقل: شركائنا. (فدعوهم) أي فعلوا ذلك. (فلم يستجيبوا لهم) ~~أي لم يجيبوهم إلى نصرهم ولم يكفوا عنهم شيئا. (وجعلنا بينهم موبقا) قال ~~أنس ابن مالك: هو واد في جهنم من قيح ودم. وقال ابن عباس: أي وجعلنا بين ~~المؤمنين والكافرين حاجزا. وقيل: بين الأوثان وعبدتها، نحو قوله: " فزيلنا ~~بينهم " (2). # PageV11P002 # قال ابن الأعرابي: كل شئ حاجز بين شيئين موبق، وذكر ابن وهب عن مجاهد في ~~قوله تعالى: " موبقا " قال واد في جهنم يقال ms3857 له موبق، وكذلك قال نوف ~~البكالي إلا أنه قال: يحجز بينهم وبين المؤمنين. عكرمة: هو نهر في جهنم ~~يسيل نارا على حافتيه حياة مثل البغال الدهم فإذا ثارت إليهم لتأخذهم ~~استغاثوا منها بالاقتحام في النار. وروى زيد (1) بن درهم عن أنس بن مالك ~~قال: " موبقا " (واد من قيح ودم في جهنم). وقال عطاء والضحاك: مهلكا في ~~جهنم، ومنه يقال: أوبقته ذنوبه إيباقا. وقال أبو عبيدة: موعدا للهلاك. ~~الجوهري: وبق يبق وبوقا هلك، والموبق مثل الموعد مفعل من وعد يعد، ومنه ~~قوله تعالى: " وجعلنا بينهم موبقا ". وفيه لغة أخرى: وبق يوبق وبقا. وفيه ~~لغة ثالثة: وبق يبق بالكسر فيهما، وأوبقه أي أهلكه. وقال زهير: # ومن يشتري حسن الثناء بماله * يصن عرضه من كل شنعاء موبق قال الفراء: جعل ~~تواصلهم في الدنيا مهلكا لهم في الآخرة. # قوله تعالى: (ورأى المجرمون النار) " رأى " أصله رأي، قلبت الياء ألفا ~~لانفتاحها وانفتاح ما قبلها، ولهذا زعم الكوفيون أن " رأى " يكتب بالياء، ~~وتابعهم على هذا القول بعض البصريين. فأما البصريون الحذاق، منهم محمد بن ~~يزيد فإنهم يكتبونه بالألف. # قال النحاس: سمعت علي بن سليمان يقول سمعت محمد بن يزيد يقول: لا يجوز أن ~~يكتب مضى ورمى وكل ما كان من ذوات الياء إلا بالألف، ولا فرق بين ذوات ~~الياء وبين [ذوات] الواو في الخط كما أنه لا فرق، بينهما في اللفظ، ولو وجب ~~أن يكتب ذوات الياء بالياء لوجب أن يكتب ذوات الواو بالواو، وهم مع هذا ~~يناقضون فيكتبون رمى بالياء رماه بالألف، فإن كانت العلة أنه من ذوات الياء ~~وجب أن يكتبوا رماه بالياء، ثم يكتبون ضحا جمع ضحوة، وكسا جمع كسوة، وهما ~~من ذوات الواو بالياء، وهذا ما لا يحصل ولا يثبت على أصل. # (فظنوا أنهم مواقعوها) " فظنوا " هنا بمعنى اليقين والعلم كما قال: (3) * ~~فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج * # PageV11P003 # أي أيقنوا، وقد تقدم (1). قال ابن عباس: (أيقنوا أنهم مواقعوها) وقيل: ~~رأوها من مكان بعيد فتوهموا أنهم مواقعوها، وظنوا أنها تأخذهم في الحال. ~~وفي الخبر: ms3858 (إن الكافر ليرى جهنم ويظن أنها مواقعته من مسيرة أربعين سنة). ~~والمواقعة ملابسة الشئ بشدة. [وعن علقمة أنه قرأ (1)]: " فظنوا أنهم ~~ملاقوها " أي مجتمعون فيها، واللفف الجمع. (ولم يجدوا عنها مصرفا) أي مهربا ~~لإحاطتها بهم من كل جانب. وقال القتبي: معدلا ينصرفون إليه. # وقيل: ملجأ يلجئون إليه، والمعنى واحد. وقيل: ولم تجد الأصنام مصرفا ~~للنار عن المشركين. # قوله تعالى: ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الانسان أكثر ~~شئ جدلا (54) وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا ~~أن تأتيهم سنة الأولين أو يأتيهم العذاب قبلا (55) وما نرسل المرسلين إلا ~~مبشرين ومنذرين ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق واتخذوا آياتي ~~وما أنذروا هزوا (56) ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت ~~يداه إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن تدعهم إلى ~~الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا (57) وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما ~~كسبوا لعجل لهم العذاب بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا (58) وتلك القرى ~~أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا (59) # PageV11P004 # قوله تعالى: (ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل) يحتمل وجهين: ~~[أحدهما] ما ذكره لهم من العبر والقرون الخالية. الثاني ما أوضحه لهم من ~~دلائل الربوبية وقد تقدم في " سبحان " (1)، فهو على الوجه الأول زجر، وعلى ~~الثاني بيان. (وكان الانسان أكثر شئ جدلا) أي جدالا ومجادلة والمراد به ~~النضر بن الحرث وجداله في القرآن وقيل: الآية في أبي بن خلف. # وقال الزجاج: أي الكافر أكثر شئ جدلا، والدليل على أنه أراد الكافر قوله ~~" ويجادل الذين كفروا بالباطل ". وروي أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: (يؤتى بالرجل يوم القيامة من الكفار فيقول الله له ما صنعت فيما أرسلت ~~إليك فيقول رب آمنت بك وصدقت برسلك وعملت بكتابك فيقول الله له هذه صحيفتك ~~ليس فيها شئ من ذلك فيقول يا رب إني لا أقبل ما في هذه الصحيفة فيقال له ~~هذه ms3859 الملائكة الحفظة يشهدون عليك فيقول ولا أقبلهم يا رب وكيف أقبلهم ولا ~~هم من عندي ولا من جهتي فيقول الله تعالى هذا اللوح المحفوظ أم الكتاب قد ~~شهد بذلك فقال يا رب ألم تجرني من الظلم قال بلى فقال يا رب لا أقبل إلا ~~شاهدا علي من نفسي فيقول الله تعالى الآن نبعث عليك شاهدا من نفسك فيتفكر ~~من ذا الذي يشهد عليه من نفسه فيختم على فيه ثم تنطق جوارحه بالشرك ثم يخلى ~~بينه وبين الكلام فيدخل النار وإن بعضه ليلعن بعضا يقول لأعضائه لعنكن الله ~~فعنكن كنت أناضل فتقول أعضاؤه لعنك الله أفتعلم أن الله تعالى يكتم حديثا ~~فذلك قوله تعالى: " وكان الانسان أكثر شئ جدلا) " أخرجه مسلم بمعناه من ~~حديث أنس أيضا. وفي صحيح مسلم عن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم طرقه ~~وفاطمة [ليلا] (2) فقال: (ألا تصلون) فقلت: يا رسول الله إنما أنفسنا بيد ~~الله فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ~~قلت له ذلك، ثم سمعته وهو مدبر يضرب فخذه ويقول: " وكان الانسان أكثر شئ ~~جدلا ") قوله تعالى: (وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى) أي القرآن ~~والاسلام ومحمد عليه الصلاة والسلام (ويستغفروا ربهم إلا أن يأتيهم سنة ~~الأولين) أي سنتنا في إهلاكهم # PageV11P005 # إي ما منعهم عن الايمان إلا حكمي عليهم بذلك، ولو حكمت عليهم بالايمان ~~آمنوا. وسنة الأولين عادة الأولين في عذاب الاستئصال. وقيل: المعنى وما منع ~~الناس أن يؤمنوا إلا طلب أن تأتيهم سنة الأولين فحذف. وسنة الأولين معاينة ~~العذاب، فطلب المشركون ذلك، وقالوا " اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك (1) ~~" [الأنفال: 32] الآية. (أو يأتيهم العذاب قبلا) (2) نصب على الحال، ومعناه ~~عيانا، قاله ابن عباس. وقال الكلبي: هو السيف يوم بدر. # وقال مقاتل: فجأة. وقرأ أبو جعفر وعاصم والأعمش وحمزة ويحيى والكسائي " ~~قبلا " بضمتين أرادوا به أصناف العذاب كله (3)، جمع قبيل نحو سبيل وسبل. ~~النحاس: ومذهب الفراء أن " قبلا " جمع قبيل أي متفرقا يتلو ms3860 بعضه بعضا. ~~ويجوز عنده أن يكون المعنى عيانا. وقال الأعرج: وكانت قراءته " قبلا " ~~معناه جميعا. وقال أبو عمرو: وكانت قراءته " قبلا " ومعناه عيانا. # قوله تعالى: (وما نرسل المرسلين إلا مبشرين) أي بالجنة لمن آمن (ومنذرين) ~~أي مخوفين بالعذاب من الكفر. وقد تقدم. (ويجادل الذين كفروا بالباطل ~~ليدحضوا به الحق) قيل: نزلت في المقتسمين كانوا يجادلون في الرسول صلى الله ~~عليه وسلم فيقولون: # ساحر ومجنون وشاعر وكاهن كما تقدم (4). ومعنى: " يدحضوا " يزيلوا ويبطلوا ~~وأصل الدحض الزلق. يقال: دحضت رجله أي زلقت، تدحض دحضا ودحضت الشمس عن كبد ~~السماء زالت ودحضت حجته دحوضا بطلت، وأدحضها الله. والادحاض الازلاق. # وفي وصف الصراط: (ويضرب الجسر على جهنم (5) وتحل الشفاعة فيقولون اللهم ~~سلم سلم) قيل: يا رسول الله وما الجسر؟ قال: " دحض مزلقة " أي تزلق فيه ~~القدم. قال طرفة: # أبا منذر رمت الوفاء فهبته * وحدت كما حاد البعير عن الدحض # PageV11P006 # (واتخذوا آياتي) يعني القرآن. (وما أنذروا) من الوعيد (هزوا) و " ما " ~~بمعنى المصدر أي والانذار وقيل: بمعنى الذي، أي اتخذوا القرآن والذي أنذروا ~~به من الوعيد هزوا أي لعبا وباطلا، وقد تقدم في " البقرة " (1) بيانه. ~~وقيل: هو قول أبي جهل في الزبد والتمر هذا هو الزقوم وقيل: هو قولهم في ~~القرآن هو سحر وأضغاث أحلام وأساطير الأولين، وقالوا للرسول: " هل هذا إلا ~~بشر مثلكم " (2) [الأنبياء: 3] " وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم " (3) [الزخرف: 31] و " ماذا أراد الله بهذا مثلا " (4) ~~[المدثر: 31]. # قوله تعالى: (ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها) أي لا أحد أظلم ~~لنفسه ممن وعظ بآيات ربه، فتهاون بها وأعرض عن قبولها. (ونسي ما قدمت يداه) ~~أي ترك كفره ومعاصيه فلم يتب منها، فالنسيان هنا بمعنى الترك قيل: المعنى ~~نسي ما قدم لنفسه وحصل من العذاب، والمعنى متقارب. (إنا جعلنا على قلوبهم ~~أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا) بسبب كفرهم، أي نحن منعنا الايمان من أن ~~يدخل قلوبهم وأسماعهم. (وإن تدعهم إلى الهدى) أي إلى الايمان، (فلن يهتدوا ~~إذا أبدا) ms3861 نزل في قوم معينين، وهو يرد على القدرية قولهم، وقد تقدم معنى ~~هذه الآية في " سبحان " (5) [الاسراء: 1] وغيرها. # قوله تعالى: (وربك الغفور ذو الرحمة) أي للذنوب. وهذا يختص به أهل ~~الايمان دون الكفرة بدليل قوله: " إن الله لا يغفر أن يشرك به " (6) ~~[النساء: 48]. " ذو الرحمة " فيه أربع تأويلات: أحدها - ذو العفو. الثاني - ~~ذو الثواب، وهو على هذين الوجهين مختص بأهل الايمان دون الكفر. [الثالث] ذو ~~النعمة. [الرابع] ذو الهدى، وهو على هذين الوجهين يعم أهل الايمان والكفر، ~~لأنه ينعم في الدنيا على الكافر، كإنعامه على المؤمن. وقد أوضح هداه للكافر ~~كما أوضحه للمؤمن وإن اهتدى به المؤمن دون الكافر. ومعنى قوله: (لو يؤاخذهم ~~بما كسبوا) أي من الكفر والمعاصي. (لعجل لهم العذاب) ولكنه يمهل. (بل لهم ~~موعد) أي أجل مقدر يؤخرون إليه، نظيره: " لكل نبأ مستقر " (7) [الانعام: ~~67]، " لكل أجل كتاب " (8) [الرعد: 38] # PageV11P007 # أي إذا حل لم يتأخر عنهم إما في الدنيا وإما في الآخرة. (لن يجدوا من ~~دونه موئلا) أي ملجأ، قاله ابن عباس وابن زيد، وحكاه الجوهري في الصحاح. ~~وقد وأل يئل وألا ووءولا على فعول أي لجأ، وواءل منه على فاعل أي طلب ~~النجاة. وقال مجاهد: محرزا. قتادة: وليا. # وأبو عبيدة: منجى. وقيل: محيصا، والمعنى واحد. والعرب تقول: لا وألت نفسه ~~أي لا نجت، ومنه قول الشاعر: # لا وألت نفسك خليتها * للعامريين ولم تكلم وقال الأعشى: # وقد أخالس رب البيت غفلته * وقد يحاذر مني ثم ما يئل أي ما ينجو. # قوله تعالى: (وتلك القرى أهكلناهم) " تلك " في موضع رفع بالابتداء. " ~~القرى " نعت أو بدل. و " أهلكناهم " في موضع الخبر محمول على المعنى، لان ~~المعنى أهل القرى. # ويجوز أن تكون " تلك " في موضع نصب على [قول] (1) من قال: زيدا ضربته، أي ~~وتلك القرى التي قصصنا عليك نبأهم، نحو قرى عاد وثمود ومدين وقوم لوط ~~أهلكناهم لما ظلموا وكفروا. (وجعلنا لمهلكهم موعدا) (2) أي وقتا معلوما لم ~~تعده. و " مهلك " من أهلكوا. وقرأ عاصم: " مهلكهم " بفتح الميم واللام وهو ~~مصدر هلك. وأجاز ms3862 الكسائي والفراء " لمهلكهم " بكسر اللام وفتح الميم. ~~النحاس: [قال الكسائي] (1) وهو أحب إلي لأنه من هلك. الزجاج: # [مهلك (3)] اسم للزمان والتقدير: لوقت مهلكهم، كما يقال: أتت الناقة على ~~(4) مضربها. # قوله تعالى: وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضى ~~حقبا (60) # PageV11P008 # فيه أربه مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (وإذا قال موسى لفتاه لا أبرح) الجمهور من العلماء ~~وأهل التاريخ أنه موسى بن عمران المذكور في القرآن ليس فيه موسى غيره. ~~وقالت فرقة منها نوف البكالي: # إنه ليس ابن عمران وإنما هو موسى بن منشا بن يوسف بن يعقوب وكان نبيا قبل ~~موسى ابن عمران. وقد رد هذا القول ابن عباس في صحيح البخاري وغيره. وفتاه: ~~هو يوشع بن نون. # وقد مضى ذكره في " المائدة " (1) وآخر " يوسف " (2). ومن قال هو ابن منشا ~~فليس الفتى يوشع بن نون. (لا أبرح) أي لا أزال أسير، قال الشاعر: (3) وأبرح ~~ما أدام الله قومي * بحمد الله منتطقا مجيدا وقيل: " لا أبرح " لا أفارقك. ~~(حتى أبلغ مجمع البحرين) أي ملتقاهما. قال قتادة: # وهو بحر فارس والروم، وقاله مجاهد. قال ابن عطية: وهو ذراع يخرج من البحر ~~المحيط من شمال إلى جنوب في أرض فارس من وراء أذربيجان، فالركن الذي ~~لاجتماع البحرين مما يلي بر الشام هو مجمع البحرين على هذا القول. وقيل: ~~هما بحر الأردن وبحر القلزم. # وقيل: مجمع البحرين عند طنجة، قاله محمد بن كعب. وروي عن أبي بن كعب: أنه ~~بأفريقية. وقال السدي: الكر والرس (4) بأرمينية. وقال بعض أهل العلم: هو ~~بحر الأندلس من البحر المحيط، حكاه النقاش، وهذا مما يذكر كثيرا. وقالت ~~فرقة: إنما هما موسى والخضر، وهذا قول ضعيف، وحكي عن ابن عباس، ولا يصح، ~~فإن الامر بين من الأحاديث أنه إنما وسم (5) له بحر ماء. وسبب هذه القصة ما ~~خرجه الصحيحان عن أبي بن كعب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~(إن موسى عليه السلام قام خطيبا # PageV11P009 # في بني إسرائيل فسئل أي الناس أعلم فقال أنا ms3863 فعتب الله عليه إذ لم يرد ~~العلم إليه فأوحى الله إليه إن لي عبدا بمجمع البحرين هو أعلم منك قال موسى ~~يا رب فكيف لي به قال تأخذ معك حوتا فتجعله في مكتل فحيثما فقدت الحوت فهو ~~ثم) وذكر الحديث، واللفظ للبخاري. # وقال ابن عباس: (لما ظهر موسى وقومه على أرض مصر أنزل قومه مصر، فلما ~~استقرت بهم الدار أمره الله أن ذكرهم بأيام الله، فخطب قومه فذكرهم ما ~~آتاهم الله من الخير والنعمة إذ نجاهم من آل فرعون، وأهلك عدوهم، واستخلفهم ~~في الأرض، ثم قال: وكلم الله نبيكم تكليما، واصطفاه لنفسه، وألقى علي (1) ~~محبة منه، وآتاكم من كل ما سألتموه، فجعلكم أفضل أهل الأرض، ورزقكم العز ~~بعد الذل، والغنى بعد الفقر، والتوراة بعد أن كنتم جهالا، فقال له رجل من ~~بني إسرائيل: عرفنا الذي تقول، فهل على وجه الأرض أحد أعلم منك يا نبي ~~الله؟ # قال: لا، فعتب الله عليه حين لم يرد العلم إليه، فبعث الله جبريل: أن يا ~~موسى وما يدريك أين [أضع] (2) علمي؟ بلى! إن لي عبدا بمجمع البحرين أعلم ~~منك، وذكر الحديث. قال علماؤنا: # وقوله في الحديث: (هو أعلم منك) أي بأحكام وقائع مفصلة، وحكم نوازل ~~معينة، لا مطلقا بدليل قول الخضر لموسى: إنك على علم علمكه الله لا أعلمه ~~أنا، وأنا على علم علمنيه لا تعلمه أنت، وعلى هذا فيصدق على كل واحد منهما ~~أنه أعلم من الآخر بالنسبة إلى ما يعلمه واحد منهما ولا يعلمه الآخر، فلما ~~سمع موسى هذا تشوقت نفسه الفاضلة، وهمته العالية، لتحصيل علم ما لم يعلم، ~~وللقاء من قيل فيه: إنه أعلم منك، فعزم فسأل سؤال الذليل بكيف (3) السبيل، ~~فأمر بالارتحال على كل حال. وقيل له: احمل معك حوتا مالحا في مكتل - - وهو ~~الزنبيل - فحيث يحيا وتفقده فثم السبيل، فانطلق مع فتاه لما واتاه، مجتهدا ~~طلبا قائلا: " لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين ". (أو أمضي حقبا) بضم الحاء ~~والقاف وهو الدهر، والجمع أحقاب. # وقد تسكن قافه فيقال حقب. وهو ms3864 ثمانون سنة. ويقال: أكثر من ذلك. والجمع ~~حقاب. والحقبة بكسر الحاء واحدة الحقب وهي السنون. # PageV11P010 # الثانية - في هذا من الفقه رحلة العالم في طلب الازدياد من العلم ~~والاستعانة على ذلك بالخادم والصاحب واغتنام لقاء الفضلاء والعلماء وإن ~~بعدت أقطارهم وذلك كان دأب السلف الصالح وبسبب ذلك وصل المرتحلون إلى الحظ ~~الراجح وحصلوا على السعي الناجح، فرسخت لهم في العلوم أقدام وصح لهم من ~~الذكر والاجر والفضل أفضل الأقسام. # قال البخاري: ورحل جابر بن عبد الله مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنيس في ~~حديث. # الثالثة - قوله تعالى: (وإذ قال موسى لفتاه) للعلماء فيه ثلاثة أقوال: ~~أحدهما - أنه كان معه يخدمه والفتى في كلام العرب الشاب ولما كان الخدمة ~~أكثر ما يكونون فتيانا قيل للخادم: فتى على جهة حسن الأدب وندبت الشريعة ~~إلى ذلك في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يقل أحكم عبدي ولا أمتي ~~وليقل فتاي وفتاتي) فهذا ندب إلى التواضع، وقد تقدم هذا قي (يوسف) (1). ~~والفتى في الآية هو الخادم وهو يوشع بن نون بن إفراثيم ابن يوسف عليه ~~السلام. ويقال: هو ابن أخت موسى عليه السلام. وقيل: إنما سمى فتى موسى لأنه ~~لزمه ليتعلم منه وإن كان حرا، وهذا معنى الأول. وقيل: إنما سماه فتى لأنه ~~قام مقام الفتى وهو العبد قال الله تعالى: (وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في ~~رحالهم (1)) وقال: (تراود فتاها عن نفسه (1)) قال ابن العربي: فظاهر القرآن ~~يقتضى أنه عبد وفي الحديث: أنه كان يوشع بن نون. وفي (التفسير) أنه ابن ~~أخته وهذا كله مما لا يقطع به والتوقف فيه أسلم. # الرابعة - قوله تعالى: (أو أمضى حقبا) قال عبد الله بن عمر: والحقب ~~ثمانون سنة. مجاهد: سبعون خريفا. قتادة: زمان، النحاس: الذي يعرفه أهل ~~اللغة أن الحقب والحقبة زمان من الدهر مبهم غير محدود، كما أن رهطا وقوما ~~مبهم غير محدود: وجمعه أحقاب. # PageV11P011 # قوله تعالى: فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما فاتخذ سبيله في البحر ~~سربا (61) فلما جاوزا قال لفتاه آتنا غداءنا لقد ms3865 لقينا من سفرنا هذا نصبا ~~(62) قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا ~~الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا (63) قال ذلك ما كنا نبغ ~~فارتدا على آثارهما قصصا (64) فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا ~~وعلمنه من لدنا علما (65) قوله تعالى: (فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما ~~فاتخذ سبيله في البحر سربا) الضمير في قوله: " بينهما " للبحرين، قاله ~~مجاهد. والسرب المسلك، قاله مجاهد [أيضا] (1). وقال قتادة: جمد الماء فصار ~~كالسرب. وجمهور المفسرين أن الحوت بقي موضع سلوكه فارغا، وأن موسى مشى عليه ~~متبعا للحوت، حتى أفضى به الطريق إلى جزيرة في البحر، وفيها وجد الخضر. # وظاهر الروايات والكتاب أنه إنما وجد الخضر في ضفة البحر وقوله: " نسيا ~~حوتهما " وإنما كان النسيان من الفتى وحده فقيل: المعنى، نسي أن يعلم موسى ~~بما رأى من حاله فنسب النسيان إليهما للصحبة، كقوله تعالى: " يخرج منهما ~~اللؤلؤ والمرجان " (2) [الرحمن: 22] وإنما يخرج من الملح، وقوله: " يا معشر ~~الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم " (3) وإنما الرسل من الانس لا من الجن. ~~وفي البخاري: فقال لفتاه لا أكلفك إلا أن تخبرني بحيث يفارقك الحوت، قال: ~~ما كلفت كبيرا، فذلك قوله عز وجل: " وإذ قال موسى لفتاه " يوشع بن نون - ~~ليست عن سعيد (4) - قال: فبينا هو في ظل صخرة في مكان ثريان (5) إذ تضرب ~~(6) الحوت وموسى نائم # PageV11P012 # فقال فتاه: لا أوقظه، حتى إذا أستيقظ نسي أن يخبره، وتضرب الحوت حتى دخل ~~البحر، فأمسك الله عنه جرية البحر حتى كأن أثره في حجر، قال لي عمرو (1): ~~هكذا كأن أثره في حجر وحلق بين إبهاميه واللتين تليانهما). وفي رواية. ~~وأمسك الله عن الحوت جرية الماء فصار [عليه] (2) مثل الطاق (3)، فلما ~~أستيقظ نسي صاحبه أن يخبره بالحوت فانطلقا بقية يومهما وليلتهما، حتى إذا ~~كان من الغد قال موسى لفتاه: " آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا " ~~ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمر الله به، فقال له فتاه: " ~~أرأيت إذ أوينا ms3866 إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن ~~أذكره "). وقيل: إن النسيان كان منهما لقوله تعالى: " نسيا " فنسب النسيان ~~إليهما، وذلك أن بدو حمل الحوت كان من موسى لأنه الذي أمر به، فلما مضيا ~~كان فتاه هو الحامل له حتى أويا إلى الصخرة نزلا (فلما جاوزا) يعني الحوت ~~هناك منسيا - أي متروكا - فلما سأل موسى الغداء نسب الفتى النسيان إلى نفسه ~~عند المخاطبة، وإنما ذكر الله نسيانهما عند بلوغ مجمع البحرين وهو الصخرة، ~~فقد كان موسى شريكا في النسيان لان النسيان التأخير، من ذلك قولهم في ~~الدعاء: أنسأ الله في أجلك. فلما مضيا من الصخرة أخرا حوتهما عن حمله فلم ~~يحمله واحد منهما فجاز أن ينسب إليهما لأنهما مضيا وتركا الحوت. # قوله تعالى: (آتنا غداءنا) فيه مسألة واحدة، وهو اتخاذ الزاد في الاسفار، ~~وهو رد على الصوفية الجهلة الأغمار (4)، الذين يقتحمون المهامه والقفار، ~~زعما منهم أن ذلك هو التوكل على الله الواحد القهار، هذا موسى نبي الله ~~وكليمه من أهل الأرض قد اتخذ الزاد مع معرفته بربه، وتوكله على رب العباد. ~~وفي صحيح البخاري: إن ناسا من أهل اليمن كانوا يحجون ولا يتزودون، ويقولون: ~~نحن المتوكلون، فإذا قدموا سألوا الناس، فأنزل الله تعالى " وتزودوا " وقد ~~مضى هذا في " البقرة " (5). واختلف في زاد موسى ما كان، فقال ابن عباس: كان ~~حوتا مملوحا في زنبيل، وكانا يصيبان منه غداء وعشاء، فلما انتهيا إلى # PageV11P013 # الصخرة على ساحل البحر، وضع فتاه (1) المكتل، فأصاب الحوت جري البحر ~~فتحرك الحوت في المكتل، فقلب المكتل وانسرب الحوت، ونسي الفتى أن يذكر قصة ~~الحوت لموسى. # وقيل: إنما كان الحوت دليلا على موضع الخضر لقوله في الحديث: (أحمل معك ~~حوتا في مكتل فحيث فقدت الحوت فهو ثم) على هذا فيكون تزودا شيئا آخر غير ~~الحوت، وهذا ذكره شيخنا الإمام أبو العباس وأختاره. وقال ابن عطية: قال أبي ~~رضي الله عنه، سمعت أبا الفضل الجوهري يقول في وعظه: مشى موسى إلى المناجاة ~~فبقي أربعين يوما لم يحتج إلى ms3867 طعام، ولما مشى إلى بشر لحقه الجوع في بعض ~~يوم. وقوله: (نصبا) أي تعبا، والنصب التعب والمشقة. وقيل: عنى به هنا ~~الجوع، وفي هذا دليل على جواز الاخبار بما يجده الانسان من الألم والأمراض، ~~وأن ذلك لا يقدح في الرضا، ولا في التسليم للقضاء لكن إذا لم يصدر ذلك عن ~~ضجر ولا سخط. وفى قوله: (وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره) أن مع الفعل ~~بتأويل المصدر، وهو منصوب بدل اشتمال من الضمير في " أنسانيه " وهو بدل ~~الظاهر من المضمر، أي وما أنساني ذكره إلا الشيطان، وفي مصحف عبد الله " ~~وما أنسانيه أن أذكره إلا الشيطان ". وهذا إنما ذكره يوشع في معرض الاعتذار ~~لقول موسى: # لا أكلفك إلا أن تخبرني بحيث يفارقك الحوت، فقال: ما كلفت كبيرا، فاعتذر ~~بذلك القول. # قوله تعالى: (واتخذ سبيله في البحر عجبا) يحتمل أن يكون من قول يوشع ~~لموسى، أي اتخذ الحوت سبيله عجبا للناس. ويحتمل أن يكون قوله: " واتخذ ~~سبيله في البحر " تمام الخبر، ثم استأنف التعجيب فقال من نفسه: " عجبا " ~~لهذا الامر. وموضع العجب أن يكون حوت قد مات فأكل شقه الأيسر ثم حي بعد ~~ذلك. قال أبو شجاع في كتاب " الطبري ": رأيته - أتيت به - فإذا هو شق حوت ~~وعين واحدة، وشق آخر ليس فيه شئ. # قال ابن عطية: وأنا رأيته والشق الذي ليس فيه شئ عليه قشرة رقيقة ليست ~~(2) تحتها شوكه. # ويحتمل أن يكون قوله: " واتخذ سبيله " إخبارا من الله تعالى، وذلك على ~~وجهين: إما أن يخبر عن موسى أنه اتخذ سبيل الحوت من البحر عجبا، أي تعجب ~~منه. وإما أن يخبر # PageV11P014 # عن الحوت أنه اتخذ سبيله عجبا للناس. ومن غريب ما روي في البخاري عن ابن ~~عباس من قصص هذه الآية: أن الحوت إنما حيي لأنه مسه ماء عين هناك تدعى عين ~~الحياة، ما مست قط شيئا إلا حيي). وفي التفسير: إن العلامة كانت أن يحيا ~~الحوت، فقيل: # لما نزل موسى بعد ما أجهده السفر على صخرة إلى جنبها ماء الحياة أصاب ms3868 ~~الحوت شئ من ذلك الماء فحيي. وقال الترمذي في حديثه قال سفيان: يزعم ناس أن ~~تلك الصخرة عندها عين الحياة، ولا يصيب ماؤها شيئا (1) إلا عاش. قال: وكان ~~الحوت قد أكل منه فلما قطر عليه الماء عاش. وذكر صاحب كتاب " العروس " أن ~~موسى عليه السلام توضأ من عين الحياة فقطرت من لحيته على الحوت قطرة فحيي، ~~والله أعلم. # قوله تعالى: (ذلك ما كنا نبغي) (2) أي قال موسى لفتاه أمر (3) الحوت ~~وفقده هو الذي كنا نطلب، فإن الرجل الذي جئنا له ثم، فرجعا يقصان أثارهما ~~لئلا يخطئا طريقهما. وفي البخاري: # فوجدا خضرا على طنفسة خضراء على كبد البحر مسجى بثوبه، قد جعل طرفه تحت ~~رجليه، وطرفه تحت رأسه، فسلم عليه موسى، فكشف عن وجهه وقال: هل بأرضك من ~~سلام؟! # من أنت؟ قال: أنا موسى. قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم. قال: فما شأنك؟ # قال جئت لتعلمني مما علمت رشدا)، الحديث. وقال الثعلبي في كتاب " العرائس ~~": إن موسى وفتاه وجدا الخضر وهو نائم على طنفسة خضراء على وجه الماء وهو ~~متشح بثوب أخضر فسلم عليه موسى، فكشف عن وجهه فقال: وأنى بأرضنا السلام؟! ~~ثم رفع رأسه واستوى جالسا وقال: وعليك السلام يا نبي بني إسرائيل، فقال له ~~موسى: وما أدراك بي؟ ومن أخبرك أني نبي بني إسرائيل؟ قال: الذي أدراك بي ~~ودلك علي (4)، ثم قال: يا موسى لقد كان لك في بني إسرائيل شغل، قال موسى: ~~إن ربي أرسلني إليك لأتبعك وأتعلم من علمك، ثم جلسا يتحدثان، فجاءت خطافة ~~وحملت بمنقارها من الماء) وذكر الحديث على ما يأتي. # PageV11P015 # قوله تعالى: (فوجدا عبدا من عبادنا) العبد هو الخضر عليه السلام في قول ~~الجمهور، وبمقتضى الأحاديث الثابتة. وخالف من لا يعتد بقوله، فقال: ليس ~~صاحب موسى بالخضر بل هو عالم آخر. وحكى أيضا هذا القول القشيري، قال: وقال ~~قوم هو عبد صالح، والصحيح أنه كان الخضر، بذلك ورد الخبر عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم. وقال مجاهد: سمي الخضر لأنه كان إذا صلى اخضر ms3869 ما حوله، وروى ~~الترمذي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: (إنما سمي ~~الخضر لأنه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتز تحته خضراء) هذا حديث صحيح ~~غريب. الفروة هنا وجه الأرض، قاله الخطابي وغيره. والخضر نبي عند الجمهور. ~~وقيل: هو عبد صالح غير نبي، والآية تشهد بنبوته لان بواطن أفعاله لا تكون ~~إلا بوحي. وأيضا فان الانسان لا يتعلم ولا يتبع إلا من فوقه، وليس يجوز أن ~~يكون فوق النبي من ليس بنبي. وقيل: كان ملكا أمر الله موسى أن يأخذ عنه مما ~~حمله من علم الباطن. # والأول الصحيح، والله أعلم. # قوله تعالى: (آتيناه رحمة من عندنا) الرحمة في هذه الآية النبوة. وقيل: ~~النعمة. # (وعلمناه من لدنا علما) أي علم الغيب. ابن عطية: كان علم الخضر علم معرفة ~~بواطن قد أوحيت إليه، لا تعطي ظواهر الاحكام أفعاله بحسبها، وكان علم موسى ~~علم الاحكام والفتيا بظاهر أقوال الناس وأفعالهم. # قوله تعالى: قال له موسى هل اتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا (66) قال ~~إنك لن تستطيع معي صبرا (67) وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا (68) قال ~~ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصى لك أمرا (69) قال فإن اتبعتني فلا ~~تسئلني عن شئ حتى أحدث لك منه ذكرا (70) PageV11P016 # قوله تعالى: (قال له موسى هل اتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا) [فيه ~~مسألتان]: # الأولى - قوله تعالى: " قال له موسى هل أتبعك " هذا سؤال الملاطف، ~~والمخاطب المستنزل (1) المبالغ في حسن الأدب، المعنى: هل يتفق لك ويخف ~~عليك؟ وهذا كما في الحديث: # هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ؟ وعلى ~~بعض التأويلات يجئ كذلك قوله تعالى: " هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة ~~من السماء " [المائدة: 112] حسب ما تقدم بيانه في " المائدة " (2). # الثانية - في هذه الآية دليل على أن المتعلم تبع للعالم وإن تفاوتت ~~المراتب، ولا يظن أن في تعلم موسى من الخضر ما يدل على أن الخضر كان أفضل ~~منه، فقد ms3870 يشذ عن الفاضل ما يعلمه المفضول، والفضل لمن فضله الله، فالخضر إن ~~كان وليا فموسى أفضل منه، لأنه نبي والنبي أفضل من الولي، وإن كان نبيا ~~فموسى فضله بالرسالة. والله أعلم. و " رشدا " مفعول ثان ب‍ " - تعلمني ". ~~(قال) الخضر: (إنك لن تستطيع معي صبرا) أي إنك يا موسى لا تطيق أن تصبر على ~~ما تراه من علمي، لان الظواهر التي هي علمك لا تعطيه، وكيف تصبر على ما ~~تراه خطأ ولم تخبر بوجه الحكمة فيه، ولا طريق الصواب. وهي معنى قوله: (وكيف ~~تصبر على ما لم تحط به خبرا) والأنبياء لا يقرون على منكر، لا يجوز لهم ~~التقرير. أي لا يسعك السكوت جريا على عادتك وحكمك. وانتصب " خبرا " على ~~التمييز المنقول عن الفاعل. # وقيل: على المصدر الملاقى في المعنى، لان قوله: " لم تحط ". معناه لم ~~تخبره، فكأنه قال: # لم تخبره خبرا، وإليه أشار مجاهد. والخبير بالأمور هو العالم بخفاياها ~~وبما يختبر منها. # قوله تعالى: (قال ستجدني إن شاء الله صابرا) أي سأصبر بمشيئة الله. (ولا ~~أعصى لك أمرا) أي قد ألزمت نفسي طاعتك وقد اختلف في الاستثناء، هل هو يشمل ~~قوله: # " ولا أعصي لك أمرا " أم لا؟ فقيل: يشمله كقوله: " والذاكرين الله كثيرا ~~والذاكرات " (3) [الأحزاب: 35]. # وقيل: استثنى في الصبر فصبر، وما استثنى في قوله: " ولا أعصي لك أمرا " ~~فاعترض # PageV11P017 # وسأل، قال علماؤنا: إنما كان ذلك منه، لان الصبر أمر مستقبل ولا يدرى كيف ~~يكون حاله فيه، ونفي المعصية معزوم عليه حاصل في الحال، فالاستثناء فيه ~~ينافي العزم عليه. # ويمكن أن يفرق بينهما بأن الصبر ليس مكتسبا لنا بخلاف فعل المعصية ~~وتركها، فإن ذلك كله مكتسب لنا، والله أعلم. # قوله تعالى: (قال فإن أتبعتني فلا تسألني عن شئ حتى أحدث لك منه ذكرا) أي ~~حتى أكون أنا الذي أفسره لك، وهذا من الخضر تأديب وإرشاد لما يقتضي دوام ~~الصحبة، فلو صبر ودأب لرأى العجب، لكنه أكثر من الاعتراض فتعين الفراق ~~والاعراض. # قوله تعالى: فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها قال ms3871 أخرقتها لتغرق ~~أهلها لقد جئت شيئا إمرا (71) قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا (72) قال ~~لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا (73) قوله تعالى: (فانطلقا ~~حتى إذا ركبا في السفينة خرقها) [فيه مسألتان] الأولى - في صحيح مسلم ~~والبخاري: (فانطلقا يمشيان على ساحل البحر، فمرت سفينة فكلموهم أن يحملوهم، ~~فعرفوا الخضر فحملوه بغير نول، فلما ركبا في السفينة لم يفجأ [موسى] (1) ~~إلا والخضر قد قلع لوحا من ألواح السفينة بالقدوم، فقال له موسى: قوم ~~حملونا بغير نول عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها " لقد جئت شيئا ~~إمرا. قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا. قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ~~ترهقني من أمري عسرا ". قال: # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وكانت الأولى من موسى نسيانا) قال: ~~وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر نقر في البحر، فقال له الخضر: ما ~~علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر. قال ~~علماؤنا: حرف السفينة طرفها وحرف كل شئ طرفه، [ومنه حرف الجبل] (2) وهو ~~أعلاه المحدد. والعلم هنا بمعنى المعلوم، كما قال: # PageV11P018 # " ولا يحيطون بشئ من علمه " (1) [البقرة: 255] أي من معلوماته، وهذا من ~~الخضر تمثيل، أي معلوماتي ومعلوماتك لا أثر لها في علم الله، كما أن ما أخذ ~~هذا العصفور من هذا البحر لا أثر له بالنسبة إلى ماء البحر، وإنما مثل له ~~ذلك بالبحر لأنه أكثر ما يشاهده مما بين أيدينا، وإطلاق لفظ النقص هنا تجوز ~~قصد به التمثيل والتفهيم، إذ لا نقص في علم الله، ولا نهاية لمعلوماته. # وقد أوضح هذا المعنى البخاري فقال: والله ما علمي وما علمك في جنب علم ~~الله إلا كما أخذ هذا الطير بمنقاره من البحر وفي (التفسير) عن أبي ~~العالية: لم ير الخضر حين خرق السفينة غير موسى وكان عبدا لا تراه إلا عين ~~من أراد الله له أن يريه، ولو رآه القوم لمنعوه من خرق السفينة. وقيل: خرج ~~أهل السفينة إلى جزيرة، وتخلف ms3872 الخضر فخرق السفينة، وقال ابن عباس: (لما خرق ~~الخضر السفينة تنحى موسى ناحية، وقال في نفسه: ما كنت أصنع بمصاحبة هذا ~~الرجل! كنت في بني إسرائيل أتلو كتاب الله عليهم غدوة وعشية فيطيعوني! # قال له الخضر: يا موسى أتريد أن أخبرك بما حدثت به نفسك؟ قال: نعم. قال: ~~كذا وكذا قال: صدقت، ذكره الثعلبي في كتاب (العرائس). # الثانية - في خرق السفينة دليل على أن للولي أن ينقص مال اليتيم إذا رآه ~~صلاحا، مثل أن يخاف على ريعه ظالما فيخرب بعضه. وقال أبو يوسف: يجوز للولي ~~أن يصانع السلطان ببعض مال اليتيم عن البعض. وقرأ حمزة والكسائي: " ليغرق " ~~بالياء " أهلها " بالرفع فاعل يغرق، فاللام على قراءة الجماعة في " لتغرق " ~~لام المآل مثل " ليكون لهم عدوا وحزنا " (2). وعلى قراءة حمزة لام كي، ولم ~~يقل لتغرقني، لان الذي غلب عليه في الحال فرط الشفقة عليهم، ومراعاة حقهم.. ~~(إمرا) معناه عجبا، قاله القتبي، وقيل: منكرا، قاله مجاهد، وقال أبو عبيدة: ~~الامر الداهية العظيمة، وأنشد: # قد لقي الاقران مني نكرا * داهية دهياء إدا إمرا وقال الأخفش: يقال أمر ~~أمره يأمر [أمرا] (3) إذا أشتد والاسم الامر. # PageV11P019 # قوله تعالى: (قال لا تؤاخذني بما نسيت) في معناه قولان: أحدهما - يروى عن ~~ابن عباس، قال: هذا من معاريض الكلام. والآخر - أنه نسي فاعتذر، ففيه ما ~~يدل على أن النسيان لا يقتضي المؤاخذة، وأنه لا يدخل تحت التكليف، ولا ~~يتعلق به حكم طلاق ولا غيره، وقد تقدم، ولو نسى في الثانية لاعتذر. # قوله تعالى: فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله قال أقتلت نفسا زكية بغير ~~نفس لقد جئت شيئا نكرا (74) قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا (75) ~~قال إن سألتك عن شئ بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا (76) قوله ~~تعالى: (فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله) في البخاري قال يعلى قال سعيد: # وجد غلمانا يلعبون فأخذ غلاما كافرا فأضجعه ثم ذبحه بالسكين، " قال أقتلت ~~نفسا زكية بغير نفس " لم تعمل بالحنث (1)، وفي الصحيحين وصحيح الترمذي: ثم ms3873 ~~خرجا من السفينة فبينما هما يمشيان على الساحل إذ أبصر الخضر غلاما يلعب مع ~~الغلمان، فأخذ الخضر رأسه بيده فاقتلعه بيده فقتله، قال له موسى: " أقتلت ~~نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا. قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي ~~صبرا " قال (2) وهذه أشد من الأولى. " قال إن سألتك عن شئ بعدها فلا ~~تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا ". لفظ البخاري. وفي (التفسير): # إن الخضر مر بغلمان يلعبون فأخذ بيده (3) غلاما ليس فيهم أضوأ منه، وأخذ ~~حجرا فضرب به رأسه حتى دمغه، فقتله. قال أبو العالية: لم يره إلا موسى، ولو ~~رأوه لحالوا بينه وبين الغلام. # PageV11P020 # قلت: ولا اختلاف بين هذه الأحوال الثلاثة، فإنه يحتمل أن يكون دمغه أولا ~~بالحجر، ثم أضجعه فذبحه، ثم اقتلع رأسه، والله أعلم بما كان من ذلك وحسبك ~~بما جاء في الصحيح. # وقرأ الجمهور: " زاكية " بالألف. وقرأ الكوفيون وابن عامر: " زكية " بغير ~~ألف وتشديد الياء، قيل: المعنى واحد، قاله الكسائي. وقال ثعلب: الزكية ~~أبلغ. قال أبو عمرو: # الزاكية التي لم تذنب قط والزكية التي أذنبت ثم تابت. # قوله تعالى: " غلاما " اختلف العلماء في الغلام هل كان بالغا أم لا؟ فقال ~~الكلبي: # كان بالغا يقطع الطريق بين قريتين، وأبوه من عظماء أهل إحدى القريتين، ~~وأمه من عظماء القرية الأخرى، فأخذه الخضر فصرعه، ونزع رأسه عن جسده. قال ~~الكلبي: واسم الغلام شمعون. وقال الضحاك: حيسون. وقال وهب: اسم أبيه سلاس ~~واسم أمه رحمي. وحكى السهيلي أن اسم أبيه كازير واسم أمه سهوى. وقال ~~الجمهور: لم يكن بالغا، ولذلك قال موسى زاكية لم تذنب، وهو الذي يقتضيه لفظ ~~الغلام، فان الغلام في الرجال يقال على من لم يبلغ، وتقابله الجارية في ~~النساء. وكان الخضر قتله لما علم من سيره، وأنه طبع كافرا كما في صحيح ~~الحديث، وأنه لو أدرك لأرهق أبويه كفرا، وقتل الصغير غير مستحيل إذا أذن ~~الله في ذلك، فان الله تعالى الفعال لما يريد، القادر على ما يشاء، وفي ~~كتاب العرائس: إن موسى ms3874 لما قال للخضر " أقتلت نفسا زكية " - الآية - غضب ~~الخضر واقتلع كتف الصبي الأيسر، وقشر اللحم عنه، وإذا في عظم كتفه مكتوب: ~~كافر لا يؤمن بالله أبدا. وفد احتج أهل القول الأول بأن العرب تبقي على ~~الشاب اسم الغلام، ومنه قول ليلى الأخيلية: (1) شفاها من الداء العضال الذي ~~بها * غلام إذا هز القناة سقاها وقال صفوان لحسان: (2) تلق ذباب السيف عني ~~فإنني * غلام إذا هوجيت لست بشاعر # PageV11P021 # وفي الخبر: إن هذا الغلام كان يفسد في الأرض، ويقسم لأبويه أنه ما فعل، ~~فيقسمان على قسمه، ويحميانه ممن يطلبه، قالوا وقوله: " بغير نفس " يقتضي ~~أنه لو كان عن قتل نفس لم يكن به بأس، وهذا يدل على كبر الغلام، وإلا فلو ~~كان لم يحتلم لم يجب قتله بنفس، وإنما جاز قتله لأنه كان بالغا عاصيا. قال ~~ابن عباس: كان شابا يقطع الطريق. وذهب ابن جبير إلى أنه بلغ سن التكليف ~~لقراءة أبي وابن عباس " وأما الغلام فكان كافرا وكان أبواه مؤمنين " والكفر ~~والايمان من صفات المكلفين، ولا يطلق على غير مكلف إلا بحكم التبعية ~~لأبويه، وأبوا الغلام كانا مؤمنين بالنص فلا يصدق عليه اسم الكافر إلا ~~بالبلوغ، فتعين أن يصار إليه. والغلام من الاغتلام وهو شدة الشبق. # قوله تعالى: " نكرا " اختلف الناس أيهما أبلغ " إمرا " أو قوله " نكرا " ~~فقالت فرقة: هذا قتل بين، وهناك مترقب، ف‍ " - نكرا " أبلغ. وقالت فرقة: ~~هذا قتل واحد وذاك قتل جماعة ف‍ " إمرا " أبلغ. قال ابن عطية: وعندي أنهما ~~لمعنيين وقوله: " إمرا " أفظع وأهول من حيث هو متوقع عظيم، و " نكرا " بين ~~في الفساد لان مكروهه قد وقع، وهذا بين. قوله: (إن سألتك عن شئ بعدها فلا ~~تصاحبني) شرط وهو لازم، والمسلمون عند شروطهم، وأحق الشروط أن يوفى به ما ~~التزمه الأنبياء، والتزم للأنبياء. وقوله: # (قد بلغت من لدني عذرا) يدل على قيام الاعتذار (1) بالمرة الواحدة مطلقا، ~~وقيام الحجة من المرة الثانية بالقطع، قاله ابن العربي. ابن عطية: ويشبه أن ~~تكون هذه القصة أيضا أصلا للآجال في الاحكام ms3875 التي هي ثلاثة، وأيام المتلوم ~~(2) ثلاثة، فتأمله. # قوله تعالى: (فلا تصاحبني) كذا قرأ الجمهور أي تتابعني. وقرأ الأعرج: ~~(تصحبني) بفتح التاء والباء وتشديد النون. وقرئ: (تصحبني) أي تتبعني. وقرأ ~~يعقوب: (تصحبني) بضم التاء وكسر الحاء، ورواها سهل عن أبي عمرو قال ~~الكسائي: معناه فلا تتركني أصحبك. # " قد بلغت من لدن عذرا " أي بلغت مبلغا تعذر به في ترك مصاحبتي، وقرأ ~~الجمهور: # " من لدني " بضم الدال، إلا أن نافعا وعاصما خففا النون، فهي " لدن " ~~اتصلت بها ياء # PageV11P022 # المتكلم التي في غلامي وفرسي، وكسر ما قبل الياء كما كسر في هذه. وقرأ ~~أبو بكر عن عاصم " لدني " بفتح اللام وسكون الدال وتخفيف النون. وروي عن ~~عاصم " لدني " بضم اللام وسكون الدال، قال ابن مجاهد: وهي غلط، قال أبو ~~علي: هذا التغليط يشبه أن يكون من جهة الرواية، فأما على قياس العربية فهي ~~صحيحة. وقرأ الجمهور: " عذر ". وقرأ عيسى: # " عذرا " بضم الذال. وحكى الداني (1) أن أبيا روى عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم " عذري " بكسر الراء وياء بعدها. # مسألة: أسند الطبري قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دعا لاحد ~~بدأ بنفسه، فقال يوما: " رحمه الله علينا وعلى موسى لو صبر على صاحبه لرأى ~~العجب ولكنه قال: " فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا "). والذي في صحيح ~~مسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رحمة الله علينا وعلى موسى لولا ~~أنه عجل لرأى العجب ولكنه أخذته من صاحبه ذمامة ولو صبر لرأى العجب) قال: ~~وكان إذا ذكر أحدا من الأنبياء بدأ بنفسه: # رحمة الله علينا وعلى أخي كذا. وفي البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: (يرحم الله موسى لوددنا أنه صبر حتى يقص علينا من أمرهما). الذمامة ~~بالذال المعجمة المفتوحة، وهو بمعنى المذمة بفتح الذال وكسرها، وهي الرقة ~~والعار من تلك (2) الحرمة: يقال أخذتني منك مذمة ومذمة وذمامة. وكأنه ~~استحيا من تكرار مخالفته، ومما صدر عنه من تغليظ الانكار. # قوله تعالى: فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما ms3876 أهلها فأبوا أن ~~يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لاتخذت عليه ~~أجرا (77) قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا ~~(78) # PageV11P023 # فيه ثلاث عشرة مسألة: # الأولى - قوله تعالى: (حتى إذا أتيا أهل قرية) في صحيح مسلم عن أبي بن ~~كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم: " لئام " فطافا في المجلس (1) ف‍ " - ~~استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدار يريد أن ينقض " يقول: ~~مائل قال: " فأقامه " الخضر بيده قال له موسى: قوم أتيناهم فلم يضيفونا، ~~ولم يطعمونا، " لو شئت لاتخذت عليه أجرا، قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك ~~بتأويل ما لم تستطيع عليه صبرا " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يرحم ~~الله موسى لوددت أنه كان صبر حتى يقص علينا من أخبارهما). الثانية - واختلف ~~العلماء في القرية فقيل: هي أبلة، قاله قتادة، وكذلك قال محمد ابن سيرين، ~~وهي أبخل قرية وأبعدها من السماء. وقيل: أنطاكية وقيل: بجزيرة الأندلس، روي ~~ذلك عن أبي هريرة وغيره، ويذكر أنها الجزيرة الخضراء. وقالت فرقة: # هي باجروان وهي بناحية أذربيجان. وحكى السهيلي وقال: إنها برقة. الثعلبي: ~~هي قرية من قرى الروم يقال لها ناصرة، وإليها تنسب النصارى، وهذا كله بحسب ~~الخلاف في أي ناحية من الأرض كانت قصة موسى. والله أعلم بحقيقة ذلك. # الثالثة - كان موسى عليه السلام حين سقى لبنتي شعيب أحوج منه حين أتى ~~القرية مع الخضر، ولم يسأل قوتا بل سقى ابتداء، وفي القرية سألا القوت، وفي ~~ذلك للعلماء انفصالات كثيرة، منها أن موسى كان في حديث مدين منفردا وفي قصة ~~الخضر تبعا (2) لغيره. # قلت: وعلى هذا المعنى يتمشى قوله في أول الآية لفتاه: " آتنا غداءنا لقد ~~لقينا من سفرنا هذا نصبا " فأصابه الجوع مراعاة لصاحبه يوشع، والله أعلم. # وقيل: لما كان هذا سفر تأديب وكل إلى تكلف المشقة، وكان ذلك سفر هجرة ~~فوكل إلى العون والنصرة بالقوت (3). # الرابعة - في هذه الآية دليل على سؤال القوت، وأن من جاع وجب عليه أن ~~يطلب ms3877 ما يرد جوعه خلافا لجهال (4) المتصوفة. والاستطعام سؤال الطعام، ~~والمراد به هنا سؤال الضيافة، # PageV11P024 # بدليل قوله: " فأبوا أن يضيفوهما " فاستحق أهل القرية لذلك أن يذموا، ~~وينسبوا إلى اللؤم والبخل، كما وصفهم بذلك نبينا عليه الصلاة والسلام. قال ~~قتادة في هذه الآية: شر القرى التي لا تضيف الضيف ولا تعرف لابن السبيل ~~حقه. ويظهر من ذلك أن الضيافة كانت عليهم واجبة، وأن الخضر وموسى إنما سألا ~~ما وجب لهما من الضيافة، وهذا هو الأليق بحال الأنبياء، ومنصب الفضلاء ~~والأولياء. وقد تقدم القول في الضيافة في " هود " (1) والحمد لله. ويعفو ~~الله عن الحريري (2) حيث استخف في هذه الآية وتمجن، وأتى بخطل من القول ~~وزل، فاستدل بها على الكدية (3) والالحاح فيها، وأن ذلك ليس بمعيب على ~~فاعله، ولا منقصة عليه، فقال: # وإن رددت فما في الرد منقصة * عليك قد رد موسى قبل والخضر قلت: وهذا لعب ~~بالدين، وانسلال عن احترام النبيين، وهي شنشنة أدبية، وهفوة سخافية، ويرحم ~~الله السلف الصالح، فلقد بالغوا في وصية كل ذي عقل راجح، فقالوا: مهما كنت ~~لاعبا بشئ فإياك أن تلعب بدينك. # الخامسة - قوله تعالى: (جدارا) الجدار والجدر بمعنى، وفي الخبر: (حتى ~~يبلغ الماء الجدر) (4). ومكان جدير بني حواليه جدار، وأصله الرفع. وأجدرت ~~الشجرة طلعت، ومنه الجدري. # السادسة - قوله تعالى: (يريد أن ينقض) أي قرب أن يسقط، وهذا مجاز وتوسع ~~وقد فسره في الحديث بقوله: (مائل) فكان فيه دليل على وجود المجاز في ~~القرآن، وهو مذهب الجمهور. وجميع الافعال التي حقها أن تكون للحي الناطق ~~متى أسندت إلى جماد أو بهيمة فإنما هي استعارة، أي لو كان مكانهما إنسان ~~لكان ممتثلا لذلك الفعل، وهذا في كلام العرب وأشعارها كثير، فمن ذلك قول ~~الأعشى: # PageV11P025 # أتنتهون ولا ينهي ذوي شطط (1) * كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل فأضاف ~~النهي إلى الطعن. ومن ذلك قول الآخر: # يريد الرمح صدر أبي براء * ويرغب عن دماء بني عقيل وقال آخر: # إن دهرا يلف شملي بجمل * لزمان يهم بالاحسان وقال آخر: # في مهمه فلقت به هاماتها ms3878 * فلق الفؤس إذا أردن نصولا أي ثبوتا في الأرض، ~~من قولهم: نصل السيف إذا ثبت في الرمية، فشبه وقع السيوف على رؤوسهم بوقع ~~الفؤس في الأرض، فإن الفأس يقع فيها ويثبت لا يكاد يخرج. وقال حسان بن ~~ثابت: # لو أن اللؤم ينسب كان عبدا * قبيح الوجه أعور من ثقيف وقال عنترة: # فازور من وقع القنا بلبانه * وشكا إلي بعبرة وتحمحم وقد (2) فسر هذا ~~المعنى بقوله: # * لو كان يدري ما المحاورة اشتكى * وهذا في هذا المعنى كثير جدا. ومنه ~~قول الناس: إن داري تنظر إلى دار فلان. # وفي الحديث: (اشتكت النار إلى ربها). وذهب قوم إلى منع المجاز في القرآن، ~~منهم أبو إسحاق الأسفرايني وأبو بكر محمد بن داود الأصبهاني وغيرهما، فإن ~~كلام الله عز وجل وكلام رسوله حمله على الحقيقة أولى بذي الفضل والدين، ~~لأنه يقص الحق كما أخبر الله تعالى في كتابه. ومما احتجوا به أن قالوا: لو ~~خاطبنا الله تعالى بالمجاز لزم وصفه بأنه متجوز # PageV11P026 # أيضا، فإن العدول عن الحقيقة إلى المجاز يقتضي العجز عن الحقيقة، وهو على ~~الله تعالى محال، قال الله تعالى: " يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم ~~وأرجلهم بما كانوا يعملون " (1) [النور: 24] وقال تعالى: " وتقول هل من ~~مزيد " (2) [ق: 30] وقال تعالى: " إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا ~~وزفيرا " (3) [الفرقان: 12] وقال تعالى: " تدعو من أدبر وتولى " (4) ~~[المعارج: 17] و (اشتكت النار إلى ربها) (واحتجت النار والجنة) وما كان ~~مثلها حقيقة، وأن خالقها الذي أنطق كل شئ أنطقها. وفي صحيح مسلم من حديث ~~أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم (فيختم على فيه ويقال لفخذه انطقي فتنطق ~~فخذه ولحمه وعظامه بعمله وذلك ليعذر (5) من نفسه وذلك المنافق وذلك الذي ~~يسخط الله عليه). # هذا في الآخرة. وأما في الدنيا، ففي الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى تكلم ~~السباع الانس وحتى تكلم الرجل عذبة سوطه وشراك نعله وتخبره فخذه بما أحدث ~~أهله من بعده) [قال ms3879 أبو عيسى] (6): # وفي الباب عن أبي هريرة، وهذا حديث حسن غريب. # السابعة - قوله تعالى: (فأقامه) قيل: هدمه ثم قعد يبنيه. فقال موسى ~~للخضر: # " لو شئت لاتخذت عليه أجرا " لأنه فعل يستحق أجرا. وذكر أبو بكر الأنباري ~~عن ابن عباس عن أبي بكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قرأ: " فوجدا ~~فيها جدارا يريد أن ينقض فهدمه ثم قعد يبنيه " قال أبو بكر: وهذا الحديث إن ~~صح سنده فهو جار من الرسول عليه الصلاة والسلام مجرى التفسير للقرآن، وأن ~~بعض الناقلين أدخل [تفسير] (7) قرآن في موضع فسرى أن ذلك قرآن نقص من مصحف ~~عثمان، على ما قاله بعض الطاعنين، وقال سعيد بن جبير: # مسحه بيده وأقامه فقام، وهذا القول هو الصحيح، وهو الأشبه بأفعال ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، بل والأولياء، وفي بعض الاخبار: إن سمك ذلك ~~الحائط كان ثلاثين ذراعا بذراع ذلك القرن، وطوله على وجه الأرض خمسمائة ~~ذراع، وعرضه خمسون ذراعا، فأقامه الخضر # PageV11P027 # عليه السلام أي سواه بيده فاستقام، قاله الثعلبي في كتاب العرايس: فقال ~~موسى للخضر: # " لو شئت لاتخذت عليه أجرا " أي طعاما نأكله، ففي هذا دليل على كرامات ~~الأولياء، وكذلك ما وصف من أحوال الخضر عليه السلام في هذا الباب كلها أمور ~~خارقة للعادة، هذا إذا تنزلنا على أنه ولي لا نبي. # وقول تعالى: " وما فعلته عن أمري " [الكهف: 82] يدل على نبوته وأنه يوحى ~~إليه بالتكليف (1) والاحكام، كما أوحى للأنبياء عليهم الصلاة والسلام غير ~~أنه ليس برسول، والله أعلم. # الثامنة - واجب على الانسان ألا يتعرض للجلوس تحث جدار مائل يخاف سقوطه، ~~بل يسرع في المشي إذا كان مارا عليه، لان في حديث النبي عليه الصلاة ~~والسلام (إذا مر أحدكم بطربال مائل فليسرع المشي). قال أبو عبيد القاسم بن ~~سلام: كان أبو عبيدة يقول: # الطربال شبيه بالمنظرة من مناظر العجم كهيئة الصومعة، والبناء المرتفع، ~~قال جرير: # ألوى (2) بها شذب العروق مشذب * فكأنما وكنت على طربال يقال منه: وكن يكن ~~إذا جلس، وفي الصحاح: الطربال القطعة العالية من ms3880 الجدار، والصخرة العظيمة ~~المشرفة من الجبل، وطرابيل الشام صوامعها. ويقال: طربل بوله إذا مده إلى ~~فوق. # التاسعة - كرامات الأولياء ثابتة، على ما دلت عليه الأخبار الثابتة، ~~والآيات المتواترة ولا ينكرها إلا المبتدع الجاحد، أو الفاسق الحائد، ~~فالآيات ما أخبر الله تعالى في حق مريم من ظهور الفواكه الشتوية في الصيف، ~~والصيفية في الشتاء - على ما تقدم - وما ظهر على يدها حيث أمرت النخلة ~~وكانت يابسة فأثمرت، وهي ليست بنبية، على الخلاف. # ويدل عليها ما ظهر على يد الخضر عليه السلام من خرق السفينة، وقتل ~~الغلام، وإقامة الجدار. قال بعض العلماء: ولا يجوز أن يقال كان نبيا، لان ~~إثبات النبوة لا يجوز بأخبار # PageV11P028 # الآحاد، لا سيما وقد روي من طريق التواتر - من غير أن يحتمل تأويلا - ~~بإجماع الأمة قوله عليه الصلاة والسلام: (لا نبي بعدي) وقال تعالى: " وخاتم ~~النبيين " (1) [الأحزاب: 40] والخضر و [إلياس] (2) جميعا باقيان مع هذه ~~الكرامة، فوجب أن يكونا غير نبيين، لأنهما لو كانا نبيين لوجب أن يكون بعد ~~نبينا عليه الصلاة والسلام نبي، إلا ما قامت الدلالة في حديث عيسى أنه ينزل ~~بعده. # قلت: [الجمهور أن] (3) الحضر كان نبيا - على ما تقدم - وليس بعد نبينا ~~عليه الصلاة والسلام نبي، أي يدعي النبوة بعده ابتداء الله أعلم. # العاشرة - اختلف الناس هل يجوز أن يعلم الولي أنه ولي أم لا؟ على قولين: ~~أحدهما - أنه لا يجوز، وأن ما يظهر على يديه يجب أن يلاحظه بعين خوف المكر، ~~لأنه لا يأمن أن يكون مكرا واستدراجا له، وقد حكي عن السري أنه كان يقول: ~~لو أن رجلا دخل بستانا فكلمه من رأس كل شجرة طير بلسان فصيح: السلام عليك ~~يا ولي الله فلو لم يخف أن يكون ذلك مكرا لكان ممكورا به، ولأنه لو علم أنه ~~ولي لزال عنه الخوف، وحصل له الامن. ومن شرط الولي أن يستديم الخوف إلى أن ~~تتنزل عليه الملائكة، كما قال عز وجل: " تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ~~ولا تحزنوا " (4) [فصلت: 30] ولأن الولي من كان مختوما له ms3881 بالسعادة، ~~والعواقب مستورة ولا يدري أحد ما يختم له به، ولهذا قال عليه الصلاة ~~والسلام (إنما الأعمال بالخواتيم). # القول الثاني - أنه يجوز للولي أن يعلم أنه ولي، ألا ترى أن النبي عليه ~~الصلاة والسلام يجوز أن يعلم أنه ولي، ولا خلاف أنه يجوز لغيره أن يعلم (5) ~~أنه ولي الله تعالى، فجاز له أن يعلم ذلك. # وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام من حال العشرة من أصحابه أنهم من أهل ~~الجنة، ثم لم يكن في ذلك زوال خوفهم، بل كانوا أكثر تعظيما لله سبحانه ~~وتعالى، وأشد خوفا وهيبة، فإذا جاز للعشرة ذلك ولم يخرجهم عن الخوف فكذلك ~~غيرهم. وكان الشبلي يقول: أنا أمان هذا الجانب، فلما مات ودفن عبر الديلم ~~دجلة ذلك اليوم، واستولوا على بغداد، ويقول الناس: # مصيبتان موت الشبلي وعبور الديلم. ولا يقال: إنه يحتمل أن يكون ذلك ~~استدراجا لأنه # PageV11P029 # لو جاز ذلك لجاز ألا يعرف النبي أنه نبي وولي الله، لجواز أن يكون ذلك ~~استدراجا، فلما لم يجز ذلك لان فيه إبطال المعجزات لم يجز هذا، لان فيه ~~إبطال الكرامات. وما روي من ظهور الكرامات على يدي بلعام وانسلاخه عن الدين ~~بعدها لقوله: " فانسلخ منها " (1) [الأعراف: 175] فليس في الآية أنه كان ~~وليا ثم انسلخت عنه الولاية. وما نقل أنه ظهر على يديه ما يجري مجرى ~~الكرامات هو أخبار آحاد لا توجب العلم، والله أعلم. والفرق بين المعجزة ~~والكرامة أن الكرامة من شرطها الاستتار، والمعجزة من شرطها الاظهار. وقيل: ~~الكرامة ما تظهر من غير دعوى والمعجزة ما تظهر عند دعوى الأنبياء فيطالبون ~~بالبرهان فيظهر أثر ذلك. وقد تقدم في مقدمة الكتاب شرائط المعجزة، والحمد ~~لله تعالى وحده لا شريك له. وأما الأحاديث الواردة في الدلالة على ثبوت ~~الكرامات، فمن ذلك ما خرجه البخاري من حديث أبي هريرة قال: بعث رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عشرة رهط سرية عينا وأمر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري ~~(2) وهو جد (3) عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فانطلقوا حتى إذا ~~كانوا ms3882 بالهدأة وهي بين عسفان ومكة ذكروا لحي من هذيل يقال لهم: بنو لحيان ~~فنفروا إليهم قريبا من مائتي راجل كلهم رام، فاقتصوا آثارهم حتى وجدوا ~~مأكلهم تمرا تزودوه من المدينة، فقالوا: هذا تمر يثرب، فاقتصوا آثارهم، ~~فلما رآهم عاصم وأصحابه لجؤا إلى فدفد (4)، وأحاط بهم القوم، فقالوا لهم: ~~أنزلوا فأعطونا أيديكم ولكم العهد والميثاق ألا نقتل منكم أحدا، فقال عاصم ~~بن ثابت أمير السرية: أما فوالله لا أنزل اليوم في ذمة الكافر، اللهم أخبر ~~عنا نبيك، فرموا بالنبل فقتلوا عاصما في سبعة، فنزل إليهم ثلاثة رهط بالعهد ~~والميثاق، وهم خبيب الأنصاري وابن الدثنة ورجل آخرا (5)، فلما استمكنوا ~~منهم أطلقوا أوتار قسيهم فأوثقوهم، فقال الرجل الثالث: هذا أول الغدر! ~~والله لا أصحبكم، إن لي في هؤلاء لأسوة - يريد القتلى - فجزروه وعالجوه على ~~أن يصحبهم فلم يفعل فقتلوه، فانطلقوا بخبيب وابن الدثنة حتى باعوهما بمكة ~~بعد وقعة بدر، فابتاع خبيبا بنو الحرث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف، وكان ~~خبيب هو الذي قتل الحرث بن # PageV11P030 # عامر يوم بدر، فلبث خبيب عندهم أسيرا، فأخبر عبيد الله بن عياض أن بنت ~~الحرث أخبرته أنهم حين اجتمعوا استعار منها موسى يستحد بها فأعارته، فأخذ ~~ابن لي وأنا غافلة حتى أتاه، قالت: فوجدته مجلسه على فخذه والموسى بيده، ~~[قالت] (1): ففزعت فزعة عرفها خبيب في وجهي، فقال: أتخشين أن أقتله؟ ما كنت ~~لافعل ذلك. قالت: والله ما رأيت أسيرا قط خيرا من خبيب، والله لقد وجدته ~~يوما يأكل [من] (2) قطف عنب في يده، وإنه لموثق بالحديد وما بمكة من ثمر، ~~وكانت تقول: إنه لرزق رزقه الله تعالى خبيبا، فلما خرجوا به من الحرم ~~ليقتلوه في الحل قال لهم خبيب: دعوني أركع ركعتين، فتركوه فركع ركعتين ثم ~~قال: # لولا أن تظنوا أن ما بي جزع من الموت لزدت (3)، ثم قال: اللهم أحصهم ~~عددا، واقتلهم بددا، ولا تبق منهم أحدا، ثم قال: # ولست أبالي حين أقتل مسلما * على أي شق كان لله مصرعي وذلك في ذات الإله ~~وإن ms3883 يشأ * يبارك على أوصال شلو ممزع فقتله بنو الحرث، وكان خبيب هو الذي سن ~~الركعتين لكل امرئ مسلم قتل صبرا، فاستجاب الله تعالى لعاصم يوم أصيب، ~~فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه خبرهم وما أصيبوا. # وبعث ناس من كفار قريش إلى عاصم حين حدثوا أنه قتل ليؤتوا بشئ منه ~~يعرفونه، وكان قد قتل رجلا من عظمائهم يوم بدر، فبعث الله على عاصم مثل ~~الظلة من الدبر (4) فحمته من رسلهم، فلم يقدروا على أن يقطعوا من لحمه ~~شيئا. وقال ابن إسحاق في هذه القصة: وقد كانت هذيل حين قتل عاصم بن ثابت ~~أرادوا رأسه ليبيعوه من سلافة بنت سعد بن شهيد (5)، وقد كانت نذرت حين أصاب ~~ابنيها بأحد لئن قدرت على رأسه لتشربن في قحفه (6) الخمر فمنعهم الدبر، ~~فلما حالت بينه وبينهم قالوا: دعوه حتى يمسي فتذهب عنه فنأخذه، فبعث الله ~~تعالى الوادي فاحتمل عاصما فذهب، وقد كان عاصم أعطى الله تعالى عهدا ألا ~~يمس مشركا ولا يمسه مشرك أبدا في حياته، فمنعه الله تعالى بعد وفاته مما ~~امتنع منه في حياته. وعن عمرو بن أمية الضمري: # PageV11P031 # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه عينا وحده فقال: جئت إلى خشبة ~~خبيب فرقيت فيها وأنا أتخوف العيون فأطلقته، فوقع في الأرض، ثم اقتحمت ~~فانتبذت قليلا، ثم ألتفت فكأنما ابتلعته الأرض. وفي رواية أخرى زيادة: فلم ~~نذكر لخبيب رمة حتى الساعة، ذكره البيهقي. # الحادية عشرة - ولا ينكر أن يكون للولي مال وضيعة يصون بها وجهه (1) ~~وعياله، وحسبك بالصحابة وأموالهم مع ولايتهم وفضلهم، وهم الحجة على غيرهم. ~~وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (بينما رجل ~~بفلاة من الأرض فسمع صوتا في سحابة اسق حديقة فلان فتنحى ذلك السحاب فافرغ ~~ماءه في حرة (2) فإذا شرجة من تلك الشراج قد استوعبت ذلك الماء كله فتتبع ~~الماء فإذا رجل قائم في حديقته يحول الماء بمسحاته (3) فقال يا عبد الله ما ~~أسمك قال فلان الاسم الذي سمعه في السحابة فقال ms3884 له يا عبد الله لم سألتني ~~عن اسمي قال إني سمعت صوتا في السحاب الذي هذا ماؤه يقول اسق حديقة فلان ~~لاسمك فما تصنع فيها قال أما إذ قلت هذا فإني أنظر إلى ما يخرج منها فأتصدق ~~بثلثه وآكل أنا وعيالي ثلثا وأرد فيها ثلثه) وفي رواية (وأجعل ثلثه في ~~المساكين والسائلين وابن السبيل). # قلت: وهذا الحديث لا يناقضه قوله عليه الصلاة والسلام: (لا تتخذوا الضيعة ~~فتركنوا إلى الدنيا) خرجه الترمذي من حديث ابن مسعود وقال فيه حديث حسن، ~~فإنه محمول على من اتخذها مستكثرا أو متنعما ومتمتعا بزهرتها، وأما من ~~اتخذها معاشا يصون بها دينه وعياله فاتخاذها بهذه النية من أفضل الأعمال، ~~وهي من أفضل الأموال، قال عليه الصلاة والسلام: # (نعم المال الصالح للرجل الصالح). وقد أكثر الناس في كرامات الأولياء وما ~~ذكرناه فيه كفاية، والله الموفق للهداية. # الثانية عشرة - قوله تعالى: " لاتخذت عليه أجرا " فيه دليل على صحة جواز ~~الإجارة، وهي سنة الأنبياء والأولياء على ما يأتي بيانه في سورة " القصص " ~~(4) إن شاء الله تعالى. وقرأ الجمهور " لاتخذت " وأبو عمرو " لتخذت " وهي ~~قراءة ابن مسعود والحسن وقتادة، وهما # PageV11P032 # لغتان بمعنى واحد من الاخذ، مثل قولك: تبع واتبع، وتقى واتقى. وأدغم بعض ~~القراء الذال في التاء، ولم يدغمها بعضهم. وفي حديث أبي بن كعب: لو شئت ~~لأوتيت أجرا). وهذه صدرت من موسى سؤالا على جهة العرض لا الاعتراض، فعند ~~ذلك قال له الخضر: " هذا فراق بيني وبينك " بحكم ما شرطت على نفسك. وتكريره ~~" بيني وبينك " وعدوله عن بيننا لمعنى التأكيد. قال سيبويه: كما يقال أخزى ~~الله الكاذب مني ومنك، أي منا. وقال ابن عباس: # وكان قول موسى في السفينة والغلام لله، وكان قوله في الجدار لنفسه لطلب ~~شئ من الدنيا، فكان سبب الفراق. وقال وهب بن منبه: كان ذلك الجدار جدارا ~~طوله في السماء مائة ذراع. # الثالثة عشرة - قوله تعالى: (سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا) تأويل ~~الشئ مآله أي قال له: إني أخبرك لم فعلت ما فعلت. ms3885 وقيل في تفسير هذه الآيات ~~التي وقعت لموسى مع الخضر: إنها حجة على موسى لا عجبا له. وذلك أنه لما ~~أنكر أمر خرق السفينة نودي: يا موسى أين كان تدبيرك هذا وأنت في التابوت ~~مطروحا في اليم! فلما أنكر أمر الغلام قيل له: أين إنكارك هذا من وكزك ~~القبطي وقضائك عليه! فلما أنكر إقامة الجدار نودي: أين هذا من رفعك حجر ~~البئر لبنات شعيب دون أجر! # قوله تعالى: أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها ~~وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا (79) وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين ~~فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا (80) فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه ~~زكاة وأقرب رحما (81) وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان ~~تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا ~~كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا (82) ~~PageV11P033 # قوله تعالى: (أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر) استدل بهذا من ~~قال: # إن المسكين أحسن حالا من الفقير، وقد مضى هذا المعنى مستوفي في سورة " ~~براءة " (1). # وقد وقيل: إنهم كانوا تجارا ولكن من حيث هم مسافرون على قلت (2) في لجة ~~بحر، وبحال ضعف عن مدافعة خطب عبر عنهم بمساكين، إذ هم في حالة يشفق عليهم ~~بسببها، وهذا كما تقول لرجل غني وقع في وهلة أو خطب: مسكين. وقال كعب ~~وغيره: كانت لعشرة إخوة من المساكين ورثوها من أبيهم خمسة زمني، وخمسة ~~يعملون في البحر. # وقيل: كانوا سبعة لكل واحد منهم زمانة ليست بالآخر. وقد ذكر النقاش ~~أسماءهم، فأما العمال منهم فأحدهم كان مجذوما، والثاني أعور، والثالث أعرج، ~~والرابع آدر، والخامس محموما لا تنقطع عنه الحمى الدهر كله وهو أصغرهم، ~~والخمسة الذين لا يطيقون العمل: أعمى وأصم وأخرس ومقعد ومجنون، وكان البحر ~~الذي يعملون فيه ما بين فارس والروم، ذكره الثعلبي. وقرأت فرقة: " لمساكين ~~" بتشديد السين، واختلف في ذلك فقيل: هم ملاحو السفينة، وذلك أن المساك هو ~~الذي يمسك رجل السفينة، ms3886 وكل الخدمة تصلح لامساكه فسمى الجميع مساكين. وقالت ~~فرقة: أراد بالمساكين دبغة المسوك وهي الجلود واحدها مسك. والأظهر قراءة: " ~~مساكين " بالتخفيف جمع مسكين، وأن معناها: # إن السفينة لقوم ضعفاء ينبغي أن يشفق عليهم. والله أعلم. # قوله تعالى: (فأردت أن أعيبها) أي أجعلها ذات عيب، يقال: عبت الشئ فعاب ~~إذا صار ذا عيب، فهو معيب وعائب. وقوله: (وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة ~~غصبا) قرأ ابن عباس وابن جبير: (صحيحة) وقرأ أيضا ابن عباس وعثمان بن عفان ~~(صالحة). # و (وراء) أصلها بمعنى خلف، فقال بعض المفسرين: إنه كان خلفه وكان رجوعهم ~~عليه. # والأكثر على أن معنى (وراء) هنا أمام، يعضده قراءة ابن عباس وابن جبير " ~~وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صحيحة غصبا ". قال ابن عطية: " وراءهم " هو ~~عندي على بابه، وذلك # PageV11P034 # أن هذه الألفاظ إنما تجئ مراعى بها الزمان وذلك أن الحدث (1) المقدم ~~الموجود هو الامام، والذي يأتي بعده هو الوراء وهو ما خلف، وذلك بخلاف ما ~~يظهر بادي الرأي، وتأمل هذه الألفاظ في مواضعها حيث وردت تجدها تطرد، فهذه ~~الآية معناها: إن هؤلاء وعملهم وسعيهم يأتي بعده في الزمان غصب هذا الملك، ~~ومن قرأ " أمامهم " أراد في المكان، أي كأنهم يسيرون إلى بلد، وقوله عليه ~~الصلاة والسلام: (الصلاة أمامك) (2) يريد في المكان، وإلا فكونهم في ذلك ~~الوقت كان أمام الصلاة في الزمان، وتأمل هذه المقالة فإنها مريحة من شغب ~~هذه الألفاظ، ووقع لقتادة في كتاب الطبري " وكان وراءهم ملك " قال قتادة: # أمامهم ألا تراه يقول: من " ورائهم جهنم " (3) وهي بين أيديهم، وهذا ~~القول غير مستقيم، وهذه هي العجمة التي كان الحسن بن أبي الحسن يضج منها، ~~قاله الزجاج. # قلت: وما اختاره هذا الامام قد سبقه إليه في ذلك ابن عرفة، قال الهروي ~~قال ابن عرفة: يقول القائل كيف قال " من ورائه " وهي أمامه؟ فزعم أبو عبيد ~~وأبو علي قطرب أن هذا من الأضداد، وأن وراء في معنى قدام، وهذا غير محصل، ~~لان أمام ضد وراء، وإنما يصلح هذا [في ms3887 الأماكن] (4) والأوقات، كقولك للرجل ~~إذا وعد وعدا في رجب لرمضان ثم قال: ومن ورائك شعبان لجاز وإن كان أمامه، ~~لأنه يخلفه إلى وقت وعده، وأشار إلى هذا القول أيضا القشيري وقال: إنما ~~يقال هذا في الأوقات، ولا يقال للرجل أمامك إنه وراءك، قال الفراء: وجوزه ~~غيره، والقوم ما كانوا عالمين بخبر الملك، فأخبر الله تعالى الخضر حتى عيب ~~السفينة، وذكره الزجاج. وقال الماوردي: اختلف أهل العربية في استعمال وراء ~~موضع أمام على ثلاثة أقوال: أحدها - يجوز استعمالها بكل حال وفي كل مكان ~~وهو من الأضداد قال الله تعالى: " من ورائهم جهنم " [الجاثية: 10] أي من ~~أمامهم: وقال الشاعر: (5) أترجو بنو مروان سمعي وطاعتي * وقومي تميم ~~والفلاة ورائيا # PageV11P035 # يعني أمامي. والثاني - أن وراء تستعمل في موضع أمام في المواقيت والأزمان ~~لان الانسان قد يجوزها فتصير وراءه ولا يجوز في غيرها. الثالث - أنه يجوز ~~في الأجسام التي لا وجه لها كحجرين متقابلين كل واحد منهما وراء الآخر ولا ~~يجوز في غيرهما، وهذا قول علي بن عيسى. واختلف في اسم هذا الملك فقيل: هدد ~~بن بدد. وقيل: الجلندي، وقاله السهيلي. وذكر البخاري اسم الملك الآخذ لكل ~~سفينة غصبا فقال: هو [هدد بن بدد والغلام المقتول] (1) اسمه جيسور، وهكذا ~~قيدناه في (الجامع) من رواية يزيد المروزي، وفي غير هذه الرواية حيسور ~~بالحاء وعندي في حاشية الكتاب رواية ثالثة: وهي حيسون. وكان يأخذ كل سفينة ~~جيدة غصبا فلذلك عابها الخضر وخرقها، ففي هذا من الفقه العمل بالمصالح إذا ~~تحقق وجهها، وجواز إصلاح كل المال بإفساد بعضه، وقد تقدم. وفي صحيح مسلم ~~وجه الحكمة بخرق السفينة وذلك قوله: فإذا جاء الذي يسخرها وجدها منخرقة ~~فتجاوزها، فأصلحوها بخشبة، الحديث. وتحصل من هذا الحض على الصبر في ~~الشدائد، فكم في ضمن ذلك المكروه من الفوائد، وهذا معنى قوله: " وعسى أن ~~تكرهوا شيئا وهو خير لكم " (2) [البقرة: 216]. # قوله تعالى: (وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين) جاء في صحيح الحديث: (أنه ~~طبع يوم طبع كافرا) وهذا يؤيد ظاهره أنه غير بالغ، ويحتمل ms3888 أن يكون خبرا عنه ~~مع كونه بالغا، وقد تقدم. [هذا المعنى] (3). # قوله تعالى: (فخشينا أن يرهقهما) قيل: هو من كلام الخضر عليه السلام، وهو ~~الذي يشهد له سياق الكلام، وهو قول كثير من المفسرين، أي خفنا (أن يرهقهما ~~طغيانا وكفرا)، وكان الله قد أباح له الاجتهاد في قتل النفوس على هذه ~~الجهة. وقيل: هو من كلام الله تعالى وعنه عبر الخضر. قال الطبري: معناه ~~فعلمنا، وكذا قال ابن عباس أي فعلمنا، وهذا كما كنى عن العلم بالخوف في ~~قوله " إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله " (2) [البقرة: 229]. وحكى أن ~~أبيا قرأ: " فعلم ربك " وقيل: الخشية بمعنى الكراهة، يقال: فرقت بينهما ~~خشية أن # PageV11P036 # يقتتلا، أي كراهة ذلك. قال ابن عطية: والأظهر عندي في توجيه هذا التأويل ~~وإن كان اللفظ يدافعه أنها استعارة، أي على ظن المخلوقين والمخاطبين لو ~~علموا حاله لوقعت منهم خشية الرهق للأبوين. وقرأ ابن مسعود " فخاف ربك " ~~وهذا بين في الاستعارة، وهذا نظير ما وقع في القرآن في جهة الله تعالى من ~~لعل وعسى وأن جميع ما في هذا كله من ترج وتوقع وخوف وخشية إنما هو بحسبكم ~~أيها المخاطبون. و " يرهقهما " يجشمهما ويكلفهما، والمعنى أن يلقيهما حبه ~~في اتباعه فيضلا ويتدينا بدينه. # قوله تعالى: (فأردنا أن يبدلهما ربهما) قرأ الجمهور بفتح الباء وشد ~~الدال، وقرأ عاصم بسكون الباء وتخفيف الدال، أي أن يرزقهما الله ولدا. ~~(خيرا منه زكاة) أي دينا وصلاحا، يقال: بدل وأبدل مثل مهل وأمهل ونزل ~~وأنزل. (وأقرب رحما) قرأ ابن عباس " رحما " بالضم، قال الشاعر: # وكيف بظلم جارية * ومنها اللين والرحم الباقون بسكونها، ومنه قول رؤبة بن ~~العجاج: # يا منزل الرحم على إدريسا * ومنزل اللعن على إبليسا واختلف عن أبي عمرو. ~~و " رحما " معطوف على " زكاة " أي رحمة، يقال: رحمه رحمة ورحما، وألفه ~~للتأنيث، ومذكره رحم. وقيل: إن الرحم هنا بمعنى الرحم، قرأها ابن عباس. " ~~وأوصل رحما " أي رحما، وقرأ أيضا " أزكى منه ". وعن ابن جبير وابن جريج ~~أنهما بدلا جارية، قال الكلبي فتزوجها ms3889 نبي من الأنبياء فولدت له نبيا فهدى ~~الله تعالى على يديه أمة من الأمم. قتادة: ولدت أثنى عشر نبيا، وعن ابن ~~جريج أيضا أن أم الغلام يوم قتل كانت حاملا بغلام مسلم وكان المقتول كافرا. ~~وعن ابن عباس: فولدت جارية ولدت نبيا، وفي رواية: أبدلهما الله به جارية ~~ولدت سبعين نبيا، وقاله جعفر بن محمد عن أبيه، قال علماؤنا: وهذا بعيد ولا ~~تعرف كثرة الأنبياء إلا في بني إسرائيل، وهذه المرأة لم تكن فيهم، ويستفاد ~~من هذه الآية تهوين المصائب بفقد الأولاد وإن كانوا قطعا من الأكباد، ومن ~~سلم PageV11P037 # للقضاء أسفرت عاقبته عن اليد البيضاء. قال قتادة: لقد فرح به أبواه حين ~~ولد وحزنا عليه حين قتل، ولو بقي كان فيه هلاكهما. فالواجب على كل امرئ ~~الرضا بقضاء الله تعالى، فإن قضاء الله للمؤمن فيما يكره خير له من قضائه ~~له فيما يحب. # قوله تعالى: (وأما الجدار فكان لغلامين) هذان الغلامان صغيران بقرينة ~~وصفهما باليتم، واسمهما أصرم وصريم (1). وقد قال عليه الصلاة والسلام: (لا ~~يتم بعد بلوغ) هذا هو الظاهر. وقد يحتمل أن يبقى عليهما أسم اليتم بعد ~~البلوغ إن كانا يتيمين، على معنى الشفقة عليهما. وقد تقدم (2) أن اليتم في ~~الناس من قبل فقد الأب، وفي غيرهم من الحيوان من قبل فقد الام. ودل قوله: " ~~في المدينة " على أن القرية تسمى مدينة، ومنه الحديث (أمرت بقرية (3) تأكل ~~القرى) وفي حديث الهجرة (لمن أنت) فقال الرجل: من أهل المدينة، يعني مكة. # قوله تعالى: (وكان تحته كنز لهما) اختلف الناس في الكنز، فقال عكرمة ~~وقتادة: # كان مالا جسيما وهو الظاهر من اسم الكنز إذ هو في اللغة المال المجموع، ~~وقد مضى القول (4) فيه. وقال ابن عباس: كان علما في صحف مدفونة. وعنه أيضا ~~قال: كان لوحا من ذهب مكتوبا فيه بسم الله الرحمن الرحيم، عجبت لمن يؤمن ~~بالقدر كيف يحزن، عجبت لمن يؤمن بالرزق كيف يتعب، عجبت لمن يؤمن بالموت كيف ~~يفرح، عجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل، عجبت لمن يؤمن ms3890 بالدنيا وتقلبها ~~بأهلها كيف يطمئن لها، لا إله إلا الله محمد رسول الله. # وروي نحوه عن عكرمة وعمر مولى غفرة، ورواه عثمان بن عفان رضي الله عنه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # قوله تعالى: (وكان أبوهما صالحا) ظاهر اللفظ والسابق منه أنه والدهما ~~دنية (5). وقيل: # هو الأب السابع، قاله جعفر بن محمد. وقيل: العاشر فحفظا فيه وإن لم يذكر ~~بصلاح، وكان يسمى كاشحا، قاله مقاتل اسم أمهما دنيا (6)، ذكره النقاش (7). ~~ففيه ما يدل على أن الله تعالى # PageV11P038 # يحفظ الصالح في نفسه وفي ولده وإن بعدوا عنه. وقد روي أن الله تعالى يحفظ ~~الصالح في سبعة من ذريته (1)، وعلى هذا يدل قوله تعالى: " إن ولي الله الذي ~~نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين " (2) [الأعراف: 196]. # قوله تعالى: (وما فعلته عن أمري) يقتضي أن الخضر نبي، وقد تقدم الخلاف في ~~ذلك. (ذلك تأويل) أي تفسير. (ما لم تسطع عليه صبرا) قرأت فرقة: " تستطيع ". # وقرأ الجمهور: " تسطع " قال أبو حاتم: كذا نقرأ كما في خط المصحف. وهنا ~~خمس مسائل: # الأولى - إن قال قائل: لم يسمع لفتى موسى ذكر في أول الآية ولا في آخرها، ~~قيل له: اختلف في ذلك، فقال عكرمة لابن عباس: لم يسمع لفتى موسى بذكر وقد ~~كان معه؟ # فقال: شرب الفتى من الماء فخلد، وأخذه العالم فطبق عليه سفينة (3) ثم ~~أرسله في البحر، وإنها لتموج به فيه إلى يوم القيامة وذلك أنه لم يكن له أن ~~يشرب منه فشرب منه. قال القشيري: وهذا إن ثبت فليس الفتى يوشع بن نون، فإن ~~يوشع بن نون قد عمر بعد موسى وكان خليفته، والأظهر أن موسى صرف فتاه لما ~~لقي الخضر. وقال شيخنا الإمام أبو العباس: # يحتمل أن يكون أكتفي بذكر المتبوع عن التابع والله أعلم. # الثانية - إن قال قائل: كيف أضاف الخضر قصة استخراج كنز الغلامين لله ~~تعالى، وقال في خرق السفينة: " فأرادت أن أعيبها " فأضاف العيب إلى نفسه؟ ~~قيل له: إنما أسند الإرادة في الجدار إلى الله تعالى لأنها في أمر مستأنف ms3891 ~~في زمن طويل غيب من الغيوب، فحسن إفراد هذا الموضع بذكر الله تعالى، وإن ~~كان الخضر قد أراد ذلك فالذي أعلمه الله تعالى أن يريده. وقيل: لما كان ذلك ~~خيرا كله أضافه إلى الله تعالى وأضاف عيب السفينة إلى نفسه رعاية للأدب ~~لأنها لفظة عيب فتأدب بأن لم يسند الإرادة فيها إلا إلى نفسه، كما تأدب ~~إبراهيم عليه السلام في قوله: " وإذا مرضت فهو يشفين " (4) فأسند الفعل قبل ~~وبعد إلى الله تعالى، وأسند إلى نفسه المرض، إذ هو معنى نقص ومصيبة، فلا ~~يضاف إليه سبحانه وتعالى من الألفاظ إلا ما يستحسن منها دون ما يستقبح، ~~وهذا كما # PageV11P039 # قال (1) تعالى: " بيدك الخير " (2) [آل عمران: 26] وأقتصر عليه فلم ينسب ~~الشر إليه، وإن كان بيده الخير والشر والضر والنفع، إذ هو على كل شئ قدير، ~~وهو بكل شئ خبير. ولا اعتراض بما حكاه عليه السلام عن ربه عز وجل أنه يقول ~~يوم القيامة: (يا ابن آدم مرضت فلم تعدني واستطعمك فلم تطعمني واستسقيتك ~~فلم تسقني) فإن ذلك تنزل في الخطاب وتلطف في العتاب مقتضاه التعريف بفضل ذي ~~الجلال وبمقادير ثواب هذه الأعمال. وقد تقدم هذا المعنى. والله تعالى أعلم. ~~ولله تعالى أن يطلق على نفسه ما يشاء، ولا نطلق نحن إلا ما أذن لنا فيه من ~~الأوصاف الجميلة والافعال الشريفة. جل وتعالى عن النقائص والآفات علوا ~~كبيرا. وقال في الغلام: " فأردنا " فكأنه أضاف القتل إلى نفسه، والتبديل ~~إلى الله تعالى. والأشد كمال الخلق والعقل. وقد مضى الكلام فيه في " ~~الانعام " (3) والحمد لله. # الثالثة - قال شيخنا الإمام أبو العباس: ذهب قوم من زنادقة الباطنية إلى ~~سلوك طريق تلزم منه هذه الأحكام الشرعية، فقالوا: هذه الأحكام الشرعية ~~العامة إنما يحكم بها على الأنبياء (4) والعامة، وأما الأولياء وأهل الخصوص ~~فلا يحتاجون إلى تلك النصوص، بل إنما يزاد منهم ما يقع في قلوبهم، ويحكم ~~عليهم بما يغلب عليهم من خواطرهم. وقالوا: # وذلك لصفاء قلوبهم عن الأكدار، وخلوها عن الأغيار، فتتجلى لهم العلوم ~~الإلهية، والحقائق الربانية، فيقفون على ms3892 أسرار الكائنات، ويعلمون أحكام ~~الجزئيات، فيستغنون بها عن أحكام الشرائع الكليات، كما اتفق للخضر، فإنه ~~استغنى بما تجلى له من العلوم، عما كان عند موسى من تلك الفهوم. وقد جاء ~~فيما ينقلون: استفت قلبك وإن أفتاك المفتون. قال شيخنا رضي الله عنه: وهذا ~~القول زندقة وكفر يقتل قائله ولا يستتاب، لأنه إنكار ما علم من الشرائع، ~~فإن الله تعالى قد أجرى سنته، وأنفذ حكمته، بأن أحكامه لا تعلم إلا بواسطة ~~رسله السفراء بينه وبين خلقه، وهم المبلغون عنه رسالته (5) وكلامه المبينون ~~شرائعه وأحكامه، اختارهم لذلك، وخصهم بما هنالك، كما قال تعالى: " الله ~~يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس # PageV11P040 # إن الله سميع بصيرا " (1) [الحج: 75] وقال تعالى: " الله أعلم حيث يجعل ~~رسالته " (2) [الانعام: 241] وقال تعالى: " كان الناس أمة واحدة فبعث الله ~~النبيين مبشرين ومنذرين " (3) [البقرة: 213] [الآية] (4) إلى غير ذلك من ~~الآيات. # وعلى الجملة فقد حصل العلم القطعي، واليقين الضروري واجتماع السلف والخلف ~~على أن لا طريق لمعرفة أحكام الله تعالى التي هي راجعة إلى أمره ونهيه، ولا ~~يعرف شئ منها إلا من جهة الرسل، فمن قال: إن هناك طريقا آخر يعرف بها أمره ~~ونهيه غير الرسل بحيث يستغنى عن الرسل فهو كافر يقتل ولا يستتاب، ولا يحتاج ~~معه إلى سؤال ولا جواب، ثم هو قول بإثبات أنبياء بعد نبينا عليه الصلاة ~~والسلام، الذي قد جعله الله خاتم أنبيائه ورسله، فلا نبي بعده ولا رسول. ~~وبيان ذلك أن من قال يأخذ عن قلبه وأن ما يقع فيه [هو] (4) حكم الله تعالى ~~وأنه يعمل بمقتضاه، وأنه لا يحتاج مع ذلك إلى كتاب ولا سنة، فقد أثبت لنفسه ~~خاصة النبوة، فإن هذا نحو ما قاله [رسول الله] (4) عليه الصلاة والسلام: ~~(إن روح القدس نفث في روعي) الحديث. # الرابعة - ذهب الجمهور من الناس إلى أن الخضر مات صلى الله عليه وسلم. ~~وقالت فرقة: [إنه] (4) حي لأنه شرب من عين الحياة، وأنه باق في الأرض وأنه ~~يحج البيت. # قال بن عطية: وقد أطنب النقاش في هذا المعنى، ms3893 وذكر في كتابه أشياء كثيرة ~~عن علي ابن أبي طالب رضي الله عنه وغيره، وكلها لا تقوم على ساق. ولو كان ~~الخضر عليه السلام حيا يحج لكان له في ملة الاسلام ظهور، والله العليم ~~بتفاصيل الأشياء لا رب غيره. ومما يقضي بموت الخضر عليه السلام الآن قوله ~~عليه السلام: (أرأيتكم ليلتكم هذه فإنه لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض ~~أحد) (5). # قلت: إلى هذا ذهب البخاري واختاره القاضي أبو بكر بن العربي، والصحيح ~~القول الثاني وهو أنه حي على ما نذكره. وهذا والحديث خرجه مسلم في صحيحه عن ~~عبد الله ابن عمر قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة صلاة ~~العشاء في آخر حياته فلما سلم قام فقال: (أرأيتكم ليلتكم هذه فإن على رأس ~~مائة سنة منها لا يبقى ممن هو على # PageV11P041 # ظهر الأرض أحد) قال ابن عمر: فوهل (1) الناس في مقالة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم تلك فيما يتحدثون من هذه الأحاديث عن مائة سنة، وإنما قال [رسول ~~الله] (2) عليه الصلاة والسلام: # (لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد) يريد بذلك أن ينخرم ذلك القرن. ~~ورواه أيضا من حديث جابر بن عبد الله قال سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول قبل أن يموت بشهر: (تسألوني عن الساعة وإنما علمها عند الله ~~وأقسم بالله ما على الأرض من نفس منفوسة (3) تأتي عليها مائة سنة) وفي أخرى ~~قال سالم: تذاكرنا أنها (هي مخلوقة يومئذ). # وفي أخرى: (ما من نفس منفوسة اليوم يأتي عليها مائة سنة وهي حية يومئذ). ~~وفسرها عبد الرحمن صاحب السقاية قال: نقص (4) العمر. وعن أبي سعيد الخدري ~~نحو هذا الحديث قال علماؤنا: وحاصل ما تضمنه هذا الحديث أنه عليه الصلاة ~~والسلام أخبر قبل موته بشهر أن كل من كان من بني آدم موجودا في ذلك لا يزيد ~~عمره على مائة سنة، لقوله عليه الصلاة والسلام: (ما من نفس منفوسة) وهذا ~~اللفظ لا يتناول الملائكة ولا الجن إذ لم ms3894 يصح عنهم أنهم كذلك، ولا الحيوان ~~غير العاقل، لقوله: (ممن هو على ظهر الأرض أحد) وهذا إنما يقال بأصل وضعه ~~على من يعقل، فتعين أن المراد بنو آدم. وقد بين ابن عمر هذا المعنى، فقال: ~~يريد بذلك أن ينخرم ذلك القرن. ولا حجة لمن استدل به على بطلان قول من ~~يقول: إن الخضر حي لعموم قوله: (ما من نفس منفوسة) لان العموم وإن كان مؤكد ~~الاستغراق فليس نصا فيه، بل هو قابل للتخصيص. فكما لم يتناول عيسى عليه ~~السلام، فإنه لم يمت ولم يقتل فهو حي بنص القرآن ومعناه، ولا يتناول الدجال ~~مع أنه حي بدليل حديث الجساسة (5)، فكذلك لم يتناول الخضر عليه السلام وليس ~~مشاهد للناس، ولا ممن يخالطهم حتى يخطر ببالهم حالة مخاطبة بعضهم بعضا، ~~فمثل هذا العموم لا يتناوله. وقد قيل: إن أصحاب الكهف أحياء # PageV11P042 # ويحجون مع عيسى عليه الصلاة والسلام، كما تقدم. وكذلك فتى موسى في قول ~~ابن عباس كما ذكرنا. وقد ذكر أبو إسحاق الثعلبي في كتاب (العرائس) له: ~~والصحيح أن الخضر (1) نبي معمر محجوب عن الابصار، وروى محمد بن المتوكل عن ~~[ضمرة بن ربيعة] عن عبد الله ابن [شوذب] (2) قال: الخضر عليه السلام من ولد ~~فارس، وإلياس من بني إسرائيل يلتقيان كل عام في الموسم. وعن عمرو بن دينار ~~قال: إن الخضر وإلياس لا يزالان حيين في الأرض ما دام القرآن على الأرض، ~~فإذا رفع ماتا. وقد ذكر شيخنا الإمام أبو محمد عبد المعطي ابن محمود بن عبد ~~المعطي اللخمي في شرح الرسالة له للقشيري حكايات كثيرة عن جماعة من ~~الصالحين والصالحات بأنهم رأوا الخضر عليه السلام ولقوه، يفيد مجموعها غلبة ~~الظن بحياته مع ما ذكره النقاش والثعلبي وغيرهما. وقد جاء في صحيح مسلم: ~~(أن الدجال ينتهي إلى بعض السباخ التي تلي المدينة فيخرج إليه يومئذ رجل هو ~~خير الناس - أو - من خير الناس) الحديث، وفي آخره قال أبو إسحاق: يعني (3) ~~أن هذا الرجل هو الخضر. وذكر ابن أبي الدنيا في كتاب الهواتف: بسند ms3895 يرفعه ~~(4) إلى علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه لقي الخضر وعلمه هذا ~~الدعاء، وذكر أن فيه ثوابا عظيما ومغفرة ورحمة لمن قاله في أثر كل صلاة، ~~وهو: يا من لا يشغله سمع عن سمع، ويا من لا تغلطه المسائل، ويا من لا يتبرم ~~من إلحاح الملحين، أذقني برد عفوك، وحلاوة مغفرتك. وذكر أيضا عن عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه في هذا الدعاء بعينه نحوا مما ذكر عن علي بن أبي طالب ~~رضي الله تعالى عنه في سماعه من الخضر. وذكر أيضا اجتماع إلياس مع النبي ~~عليه الصلاة والسلام. وإذا جاز بقاء إلياس إلى عهد النبي صلى الله عليه ~~وسلم جاز بقاء الخضر، وقد ذكر أنهما يجتمعان عند البيت في كل حول، وأنهما ~~يقولان عند افتراقهما: (ما شاء الله ما شاء الله، لا يصرف السوء إلا الله، ~~ما شاء الله ما شاء الله ما يكون من نعمة فمن الله ما شاء الله ما شاء ~~الله، توكلت على الله، حسبنا الله ونعم الوكيل) وأما خبر إلياس فيأتي في " ~~الصافات " (5) إن شاء الله تعالى. وذكر أبو عمر # PageV11P043 # ابن عبد البر في كتاب (التمهيد) عن علي رضي الله تعالى عنه قال: لما توفي ~~النبي صلى الله عليه وسلم وسجي بثوب هتف هاتف من ناحية البيت يسمعون صوته ~~ولا يرون شخصه: # السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، السلام عليكم أهل البيت " كل نفس ذائقة ~~الموت " (1) [أل عمران: 185] - الآية - إن في الله خلفا من كل هالك، وعوضا ~~من كل تالف، وعزاء من كل مصيبة، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا، فإن المصاب من ~~حرم الثواب. فكانوا يرون أنه الخضر عليه الصلاة السلام. يعني أصحاب النبي ~~عليه الصلاة والسلام. والألف واللام في قوله: (على الأرض) للعهد لا للجنس ~~وهي أرض العرب، بدليل تصرفهم فيها وإليها غالبا دون أرض يأجوج ومأجوج، ~~وأقاصي جزر الهند والسند مما لا يقرع السمع اسمه، ولا يعلم علمه. # ولا جواب عن الدجال. # قال السهيلي: واختلف في اسم الخضر اختلافا متباينا، فعن ابن ms3896 منبه أنه ~~قال: أيليا ابن ملكان بن فالغ بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح. وقيل: هو ~~ابن عاميل بن سماقحين ابن أريا بن علقما بن عيصو بن إسحاق، وأن أباه كان ~~ملكا، وأن أمه كانت بنت فارس واسمها ألمى، وأنها ولدته في مغارة، وأنه وجد ~~هنالك وشاة ترضعه في كل يوم من غنم رجل من القرية، فأخذه الرجل فرباه، فلما ~~شب وطلب الملك - أبوه - كاتبا وجمع أهل المعرفة والنبالة ليكتب الصحف التي ~~أنزلت على إبراهيم وشيث، كان ممن أقدم عليه من الكتاب ابنه الخضر وهو لا ~~يعرفه، فلما استحسن خطه ومعرفته وبحث عن جلية أمره عرف أنه ابنه (2) فضمه ~~لنفسه (3) وولاه أمر الناس ثم إن الخضر فر من الملك لأسباب يطول ذكرها إلى ~~أن وجد عين الحياة فشرب منها، فهو حي إلى أن يخرج الدجال، وأنه الرجل الذي ~~يقتله الدجال ويقطعه ثم يحييه الله تعالى. وقيل: لم يدرك زمن النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وهذا لا يصح. وقال البخاري وطائفة من أهل الحديث منهم ~~شيخنا أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى: إنه مات قبل انقضاء المائة، من ~~قوله عليه الصلاة والسلام: (إلى رأس مائة عام لا يبقى على هذه الأرض ممن هو ~~عليها أحد) يعني من كان حيا حين قال هذه المقالة. # PageV11P044 # قلت: قد ذكرنا هذا الحديث والكلام عليه، وبينا حياة الخضر إلى الآن، ~~والله أعلم. # الخامسة - قيل إن الخضر لما ذهب يفارق موسى قال له موسى: أوصني، قال: كن ~~بساما ولا تكن ضحاكا، ودع اللجاجة، ولا تمش في غير حاجة، ولا تعب على ~~الخطائين خطاياهم وابك على خطيئتك يا ابن عمران. # قوله تعالى: ويسئلونك عن ذي القرنين قل سأتلوا عليكم منه ذكرا (83) إنا ~~مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شئ سببا (84) فأتبع سببا (85) حتى إذا بلغ ~~مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة ووجد عندها قوما قلنا يا ذا القرنين إما ~~أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا (86) قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم ms3897 يرد إلى ~~ربه فيعذبه عذابا نكرا (87) وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى وسنقول ~~له من أمرنا يسرا (88) ثم أتبع سببا (89) حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها ~~تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا (90) كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا ~~(91) قوله تعالى: (ويسئلونك عن ذي القرنين قل سأتلوا عليكم منه ذكرا) قال ~~ابن إسحاق: # وكان من خبر ذي القرنين أنه أوتى ما لم يؤت غيره، فمدت له الأسباب حتى ~~انتهى من البلاد إلى مشارق الأرض ومغاربها، لا يطأ أرضا إلا سلط على أهلها، ~~حتى انتهى من المشرق والمغرب إلى ما ليس وراءه شئ من الخلق. قال ابن إسحاق: ~~حدثني من يسوق الأحاديث عن الأعاجم فيما توارثوا من علم ذي القرنين أن ذا ~~القرنين كان [رجلا] (1) من أهل مصر اسمه مرزبان ابن مردبة اليوناني من ولد ~~يونان بن يافث بن نوح. قال ابن هشام: واسمه الإسكندر # PageV11P045 # وهو الذي بنى الإسكندرية فنسبت إليه. قال ابن إسحاق: وقد حدثني ثور بن ~~يزيد عن خالد بن معدان الكلاعي - وكان خالد رجلا قد أدرك الناس - أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم سئل عن ذي القرنين فقال: (ملك مسح الأرض من تحتها ~~بالأسباب). وقال خالد: وسمع عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه رجلا يقول يا ~~ذا القرنين، فقال: [عمر] (1) اللهم غفرا (2) أما رضيتم أن تسموا بأسماء ~~الأنبياء حتى تسميتم بأسماء الملائكة! فقال ابن إسحاق: # فالله أعلم أي ذلك كان؟ أقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك أم لا؟ ~~والحق ما قال. # قلت: وقد روي عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه مثل قول عمر، سمع ~~رجل يدعو آخر يا ذا القرنين، فقال علي: أما كفاكم أن تسميتم بأسماء ~~الأنبياء حتى تسميتم بأسماء الملائكة! وعنه أنه عبد ملك (بكسر اللام) صالح ~~نصح الله فأيده. وقيل: هو نبي مبعوث فتح الله تعالى على يديه الأرض. وذكر ~~الدارقطني في كتاب الاخبار أن ملكا يقال له رباقيل (3) كان ينزل على ذي ~~القرنين، ms3898 وذلك الملك هو الذي يطوي الأرض يوم القيامة، وينقصها فتقع أقدام ~~الخلائق كلهم بالساهرة (4)، فيما ذكر بعض أهل العلم. وقال السهيلي: # وهذا مشاكل بتوكيله بذي القرنين الذي قطع الأرض مشارقها ومغاربها، كما أن ~~قصة خالد ابن سنان في تسخير النار له مشاكلة بحال الملك الموكل بها، وهو ~~مالك عليه السلام وعلى جميع الملائكة أجمعين. ذكر ابن أبي خيثمة في كتاب ~~البدء له خالد بن سنان العبسي وذكر نبوته، وذكر أنه وكل به من الملائكة ~~مالك خازن النار، وكان من أعلام نبوته أن نارا يقال لها: نار الحدثان، كانت ~~تخرج على الناس من مغارة فتأكل الناس ولا يستطيعون ردها، فردها خالد ابن ~~سنان فلم تخرج بعد. واختلف في اسم ذي القرنين وفي السبب الذي سمي به بذلك ~~اختلافا كثيرا، فأما اسمه فقيل: هو الإسكندر الملك اليوناني المقدوني، وقد ~~تشدد قافه فيقال: # المقدوني. وقيل: اسمه هرمس. ويقال: اسمه هرديس. وقال ابن هشام: هو الصعب # PageV11P046 # ابن ذي يزن الحميري من ولد وائل بن حمير، وقد تقدم قول ابن إسحاق. وقال ~~وهب بن منبه: # هو رومي. وذكر الطبري حديثا عن النبي عليه الصلاة والسلام أن ذا القرنين ~~شاب من الروم. # وهو حديث واهي السند، قاله ابن عطية. قال السهيلي: والظاهر من علم ~~الاخبار أنهما اثنان: أحدهما - كان على عهد إبراهيم عليه السلام، ويقال: ~~إنه الذي قضى لإبراهيم عليه السلام حين تحاكموا إليه في بئر السبع بالشام. ~~والآخر: أنه كان قريبا من عهد عيسى عليه السلام. وقيل: إنه أفريدون الذي ~~قتل بيوراسب بن أرونداسب الملك الطاغي على عهد إبراهيم عليه السلام، أو ~~قبله بزمان. وأما الاختلاف في السبب الذي سمي به، فقيل: إنه كان ذا ضفيرتين ~~من شعر فسمي بهما، ذكره الثعلبي وغيره. والضفائر قرون الرأس، ومنه قول ~~الشاعر: (1) فلثمت فاها آخذا بقرونها * شرب النزيف ببرد ماء الحشرج وقيل: ~~إنه رأى في أول ملكه كأنه قابض على قرني الشمس، فقص ذلك، ففسر أنه سيغلب ما ~~ذرت عليه الشمس، فسمي بذلك ذا القرنين. وقيل: إنما سمي ms3899 بذلك لأنه بلغ ~~المغرب والمشرق فكأنه حاز قرني الدنيا. وقالت طائفة: إنه لما بلغ مطلع ~~الشمس كشف بالرؤية قرونها فسمي بذلك ذا القرنين، أو قرني الشيطان بها. وقال ~~وهب بن منبه: كان له قرنان تحت عمامته. وسأل ابن الكواء عليا رضي الله ~~تعالى عنه عن ذي القرنين أنبيا كان أم ملكا؟ # فقال: لاذا ولاذا، كان عبدا صالحا دعا قومه إلى الله تعالى فشجوه على ~~قرنه، ثم دعاهم فشجوه على قرنه الآخر، فسمي ذا القرنين. واختلفوا أيضا في ~~وقت زمانه، فقال قوم: # كان بعد موسى. وقال قوم: كان في الفترة بعد عيسى وقيل: كان في وقت ~~إبراهيم وإسماعيل. وكان الخضر عليه السلام صاحب لوائه الأعظم، وقد ذكرناه ~~في " البقرة " (2). # وبالجملة فإن الله تعالى مكنه وملكه ودانت له الملوك، فروي أن جميع ملوك ~~الدنيا كلها # PageV11P047 # أربعة: مؤمنان وكافران، فالمؤمنان سليمان بن داود وإسكندر، والكافران ~~نمروذ وبختنصر، وسيملكها من هذه الأمة خامس لقوله تعالى: " ليظهره على ~~الدين كله " (1) [التوبة: 33] وهو المهدي وقد قيل: إنما سمي ذا القرنين ~~لأنه كان كريم الطرفين من أهل بيت شريف من قبل أبيه وأمه. وقيل: لأنه انقرض ~~في وقته قرنان من الناس وهو حي. وقيل: لأنه كان إذا قاتل قاتل بيديه ~~وركابيه جميعا. وقيل: لأنه أعطي علم الظاهر والباطن. وقيل: لأنه دخل الظلمة ~~والنور. وقيل: لأنه ملك فارس والروم. # قوله تعالى: (إنا مكنا له في الأرض) قال علي رضي الله عنه: (سخر له ~~السحاب، ومدت له الأسباب، وبسط له في النور، فكان الليل والنهار عليه سواء. ~~وفي حديث عقبة ابن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجال من أهل ~~الكتاب سألوه عن ذي القرنين فقال: (إن أول أمره كان غلاما من الروم فأعطي ~~ملكا فسار حتى أتى أرض مصر فابتنى بها مدينة يقال لها الإسكندرية فلما فرغ ~~أتاه ملك فعرج به فقال له أنظر ما تحتك قال أرى مدينتي وحدها لا أرى غيرها ~~فقال له الملك تلك الأرض كلها وهذا السواد الذي تراه محيطا بها هو ms3900 البحر ~~وإنما أراد الله تعالى أن يريك الأرض وقد جعل لك سلطانا فيها فسر في الأرض. # فعلم الجاهل وثبت العالم) الحديث. # قوله تعالى: (وآتيناه من كل شئ سببا) قال ابن عباس: من كل شئ علما يتسبب ~~به إلى ما يريد. وقال الحسن: بلاغا إلى حيث أراد. وقيل: من كل شئ يحتاج ~~إليه الخلق. وقيل: من كل شئ يستعين به الملوك من فتح المدائن وقهر الأعداء. ~~وأصل السبب الحبل فاستعير لكل ما يتوصل به إلى شئ. (فأتبع سببا) قرأ ابن ~~عامر وعاصم وحمزة والكسائي: " فأتبع سببا " مقطوعة الألف. وقرأ أهل المدينة ~~وأبو عمرو: " فاتبع سببا " بوصلها، أي اتبع سببا من الأسباب التي أوتيها. ~~قال الأخفش: تبعته وأتبعته بمعنى، مثل ردفته وأردفته، ومنه قوله تعالى: " ~~إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب " (2) [الصافات: 10] ومنه الاتباع في ~~الكلام مثل حسن بسن وقبيح شقيح. قال النحاس: وأختار أبو عبيد قراءة # PageV11P048 # أهل الكوفة قال: لأنها من السير، وحكى هو والأصمعي أنه يقال: تبعه واتبعه ~~إذا سار ولم يلحقه، وأتبعه إذا لحقه، قال أبو عبيد: ومثله، " فأتبعوهم ~~مشرقين " (1). قال النحاس: # وهذا [من] (2) التفريق وإن كان الأصمعي قد حكاه لا يقبل إلا بعلة أو ~~دليل. وقوله عز وجل: # " فأتبعوهم مشرقين " [الشعراء: 60] ليس في الحديث أنهم لحقوهم، وإنما ~~الحديث لما خرج موسى عليه السلام وأصحابه من البحر وحصل فرعون وأصحابه ~~انطبق عليهم البحر. والحق في هذا أن تبع وأتبع وأتبع لغات بمعنى واحد، وهي ~~بمعنى السير، فقد يجوز أن يكون معه لحاق وألا يكون. # (حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة) قرأ ابن عاصم وعامر ~~وحمزة والكسائي " حامية " أي حارة. الباقون " حمئة " أي كثيرة الحمأة وهي ~~الطينة السوداء، تقول: حمأت البئر حمأ (بالتسكين) إذا نزعت حمأتها. وحمئت ~~البئر حمأ (بالتحريك) كثرت حمأتها. ويجوز أن تكون " حامية " من الحمأة ~~فخففت الهمزة وقلبت ياء. وقد يجمع بين القراءتين فيقال: كانت حارة وذات ~~حمأة. وقال عبد الله بن عمرو: نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى الشمس حين ms3901 ~~غربت، فقال: (نار الله الحامية لولا ما يزعها من أمر الله لأحرقت ما على ~~الأرض). وقال ابن عباس: أقرأنيها أبي كما أقرأه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم " في عين حمئة "، وقال معاوية: هي " حامية " فقال عبد الله بن عمرو بن ~~العاص: # فأنا مع أمير المؤمنين، فجعلوا كعبا بينهم حكما وقالوا: يا كعب كيف تجد ~~هذا في التوراة؟ # فقال: أجدها تغرب في عين سوداء، فوافق ابن عباس. وقال الشاعر وهو تبع ~~اليماني: # قد كان ذو القرنين قبلي مسلما * ملكا تدين له الملوك وتسجد بلغ المغارب ~~والمشارق يبتغي * أسباب أمر من حكيم مرشد فرأى مغيب الشمس عند غروبها * في ~~عين ذي خلب وثأط حرمد (3) الخلب: الطين. والثأط: الحمأة. والحرمد: الأسود. ~~وقال القفال قال بعض العلماء: # ليس المراد أنه انتهى إلى الشمس مغربا ومشرقا حتى وصل إلى جرمها ومسها، ~~لأنها تدور # PageV11P049 # مع السماء حول الأرض من غير أن تلتصق بالأرض، وهي أعظم من أن تدخل في عين ~~من عيون الأرض، بل هي أكبر من الأرض أضعافا مضاعفة، بل المراد أنه انتهى ~~إلى آخر العمارة من جهة المغرب ومن جهة المشرق، فوجدها في رأي العين تغرب ~~في عين حمئة، كما أنا نشاهدها في الأرض الملساء كأنها تدخل في الأرض، ولهذا ~~قال: " وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا " ولم يرد أنها تطلع ~~عليهم بأن تماسهم وتلاصقهم، بل أراد (1) أنهم أول من تطلع عليهم. وقال ~~القتبي: ويجوز أن تكون هذه العين من البحر، ويجوز أن تكون الشمس تغيب ~~وراءها أو معها أو عندها، فيقام حرف الصفة مقام صاحبه والله أعلم. (ووجد ~~عندها قوما) أي عند العين، أو عند نهاية العين، وهم أهل جابرس، ويقال لها ~~بالسريانية: # جرجيسا، يسكنها قوم من نسل ثمود (2) بقيتهم الذين آمنوا بصالح، ذكره ~~السهيلي. وقال وهب ابن منبه: (كان ذو القرنين رجلا من الروم ابن عجوز من ~~عجائزهم ليس لها ولد غيره وكان اسمه الإسكندر، فلما بلغ وكان عبدا صالحا ~~قال الله تعالى: يا ذا القرنين! إني ms3902 باعثك إلى أمم الأرض وهم أمم مختلفة ~~ألسنتهم، وهم أمم جميع الأرض، وهم أصناف: أمتان بينهما طول الأرض كله، ~~وأمتان بينهما عرض الأرض كله، وأمم في وسط الأرض منهم الجن والإنس ويأجوج ~~ومأجوج، فأما اللتان بينهما طول الأرض فأمة عند مغرب الشمس يقال لها ناسك، ~~وأما الأخرى فعند مطلعها ويقال لها منسك. وأما اللتان بينهما عرض الأرض ~~فأمة في قطر الأرض الأيمن يقال لها هاويل، وأما الأخرى التي في قطر الأرض ~~الأيسر يقال لها تأويل. # فقال ذو القرنين: إلهي! قد ندبتني لأمر عظيم لا يقدر قدره إلا أنت، ~~فأخبرني عن هذه الأمم بأي قوة أكاثرهم؟ وبأي صبر أقاسيهم؟ وبأي لسان ~~أناطقهم؟ فكيف لي بأن أفقه لغتهم وليس عندي قوة؟ فقال الله تعالى: سأظفرك ~~بما حملتك، أشرح لك صدرك فتسمع كل شئ، وأثبت لك فهمك فتفقه كل شئ، وألبسك ~~الهيبة فلا يروعك شئ، وأسخر لك النور والظلمة فيكونان جندا من جنودك، يهديك ~~النور من أمامك، وتحفظك الظلمة من ورائك. فلما قيل له ذلك سار بمن اتبعه، ~~فانطلق إلى الأمة التي عند مغرب الشمس، لأنها # PageV11P050 # كانت أقرب الأمم منه وهي ناسك، فوجد جموعا لا يحصيها إلا الله تعالى وقوة ~~وبأسا لا يطيقه إلا الله. وألسنة مختلفة، وأهواء متشتتة فكاثرهم بالظلمة، ~~فضرب حولهم ثلاث عساكر من جند الظلمة قدر ما أحاط بهم من كل مكان، حتى ~~جمعتهم في مكان واحد، ثم دخل عليهم بالنور فدعاهم إلى الله تعالى وإلى ~~عبادته، فمنهم من آمن به ومنهم من كفر وصد عنه، فأدخل على الذين تولوا ~~الظلمة فغشيتهم من كل مكان، فدخلت إلى أفواههم وأنوفهم وأعينهم وبيوتهم ~~وغشيتهم من كل مكان، فتحيروا وماجوا وأشفقوا أن يهلكوا، فعجوا إلى الله ~~تعالى بصوت واحد: إنا آمنا، فكشفها عنهم، وأخذهم عنوة، ودخلوا في دعوته، ~~فجند من أهل المغرب أمما عظيمة فجعلهم جندا واحدا، ثم أنطلق بهم يقودهم، ~~والظلمة تسوقهم وتحرسه من خلفه، والنور أمامه يقوده ويدله، وهو يسير في ~~ناحية الأرض اليمنى يريد الأمة التي في قطر الأرض الأيمن ms3903 وهي هاويل، وسخر ~~الله تعالى يده وقلبه وعقله ونظره فلا يخطئ إذا عمل عملا، فإذا أتوا مخاضة ~~أو بحرا بنى سفنا من ألواح صغار مثل النعال فنظمها في ساعة، ثم جعل فيها ~~جميع من معه من تلك الأمم، فإذا قطع البحار والأنهار فتقها ودفع إلى كل رجل ~~لوحا فلا يكترث بحمله، فانتهى إلى هاويل وفعل بهم كفعله بناسك فآمنوا، ففرغ ~~منهم، وأخذ جيوشهم وأنطلق إلى ناحية الأرض الأخرى حتى انتهى إلى منسك عند ~~مطلع الشمس، فعمل فيها وجند منها جنودا كفعله في الأولى، ثم كر مقبلا حتى ~~أخذ ناحية الأرض اليسرى يريد تأويل، وهي الأمة التي تقابل هاويل بينهما عرض ~~الأرض، ففعل فيها كفعله فيما قبلها، ثم عطف إلى الأمم التي في وسط الأرض من ~~الجن الانس ويأجوج ومأجوج، فلما كان في بعض الطريق مما يلي منقطع الترك من ~~المشرق قالت له أمة صالحة من الانس: يا ذا القرنين! # إن بين هذين الجبلين خلقا من خلق الله تعالى كثيرا ليس لهم عدد، وليس ~~فيهم مشابهة من الانس، وهم أشباه البهائم، يأكلون العشب، ويفترسون الدواب ~~والوحش كما تفترسها السباع، ويأكلون حشرات الأرض كلها من الحيات والعقارب ~~والوزغ وكل ذي روح مما خلق الله تعالى في الأرض، وليس لله تعالى خلق ينمو ~~نماءهم في العام الواحد، فإن طالت المدة PageV11P051 # فسيملئون الأرض، ويجلون أهلها فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم ~~سدا؟ # ذكر الحديث، وسيأتي من صفة يأجوج ومأجوج والترك إذ هم نوع منهم ما فيه ~~كفاية. # قوله تعالى: (قلنا يا ذا القرنين) قال القشيري أبو نصر: إن كان نبيا فهو ~~وحي، وإن لم يكن نبيا فهو إلهام من الله تعالى. (إما أن تعذب وإما أن تتخذ ~~فيهم حسنا) قال إبراهيم بن السرى: خيره بين هذين كما خير محمدا صلى الله ~~عليه وسلم فقال: " فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم " (1) [المائدة: 42] ~~ونحوه. وقال أبو إسحاق الزجاج: المعنى أن الله تعالى خيره بين هذين ~~الحكمين، قال النحاس: ورد علي بن سليمان ms3904 عليه قوله، لأنه لم يصح أن ذا ~~القرنين نبي فيخاطب بهذا، فكيف يقول لربه عز وجل: " ثم يرد إلى ربه "؟ وكيف ~~يقول: " فسوف نعذبه " فيخاطبه بالنون؟ قال: التقدير، قلنا يا محمد قالوا يا ~~ذا القرنين. قال أبو جعفر النحاس: هذا الذي قاله أبو الحسن لا يلزم منه شئ. ~~أما قوله: " قلنا يا ذا القرنين " فيجوز أن يكون الله عز وجل خاطبه على ~~لسان نبي في وقته، ويجوز أن يكون قال له هذا كما قال لنبيه: " فإما منا بعد ~~وإما فداء " (2) [محمد: 4]، وأما إشكال " فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه " فإن ~~تقديره أن الله تعالى خيره بين القتل في قوله تعالى: " إما أن تعذب " وبين ~~الاستبقاء في قوله عز وجل: " وإما أن تتخذ فيهم حسنا ". قال لأولئك القوم: ~~(أما من ظلم) أي أقام على الكفر منكم، (فسوف نعذبه) أي بالقتل: (ثم يرد إلى ~~ربه) أي يوم القيامة: # (فيعذبه عذابا نكرا) أي شديدا في جهنم. (وأما من آمن) أي تاب من الكفر: ~~(وعمل صالحا) قال أحمد بن يحيى: (أن) في موضع نصب في (إما أن تعذب وإما أن ~~تتخذ فيهم حسنا) قال: ولو رفعت كان صوابا بمعنى فإما هو، كما قال: # فسيرا فإما حاجة تقضيانها * وإما مقيل صالح وصديق (فله جزاء الحسنى) ~~قراءة أهل المدينة وأبي عمرو وعاصم: " فله جزاء الحسنى " بالرفع على ~~الابتداء أو بالاستقرار. و " الحسنى " في موضع خفض بالإضافة ويحذف التنوين ~~للإضافة، أي له جزاء الحسنى عند الله تعالى في الآخرة وهي الجنة، فأضاف ~~الجزاء إلى الجنة، كقوله: # PageV11P052 # " حق اليقين " (1) [الواقعة: 95]، " ولدار الآخرة " (2) [الانعام: 32]، ~~قاله الفراء. ويحتمل أن يريد ب‍ " الحسنى " الأعمال الصالحة . ويمكن أن ~~يكون الجزاء من ذي القرنين، أي أعطيته وأتفضل عليه. ويجوز أن يحذف التنوين ~~لالتقاء الساكنين ويكون " الحسنى " في موضع رفع على البدل عند البصريين، ~~وعلى الترجمة عند الكوفيين، وعلى هذا قراءة ابن أبي إسحاق " فله جزاء ~~الحسنى " إلا أنك لم تحذف التنوين، وهو أجود. وقرأ سائر الكوفيين " فله ~~جزاء الحسنى " منصوبا منونا، أي فله ms3905 الحسنى جزاء. قال الفراء: " جزاء " ~~منصوب على التمييز. وقيل: على المصدر، وقال الزجاج: هو مصدر في موضع الحال، ~~أي مجزيا بها جزاء. وقرأ ابن عباس ومسروق: # " فله جزاء الحسنى " منصوبا غير منون وهي عند أبي حاتم على حذف التنوين ~~لالتقاء الساكنين مثل " فله جزاء الحسنى " في أحد الوجهين [في الرفع] (3). ~~النحاس: وهذا عند غيره خطأ لأنه ليس موضع حذف تنوين لالتقاء الساكنين ويكون ~~تقديره: فله الثواب جزاء الحسنى. # قوله تعالى: (ثم أتبع سببا) تقدم معناه أن أتبع واتبع بمعنى أي سلك طريقا ~~ومنازل. # (حتى إذا بلغ مطلع الشمس) وقرأ مجاهد وابن محيصن بفتح الميم واللام، ~~يقال: طلعت الشمس والكواكب طلوعا ومطلعا. والمطلع والمطلع أيضا موضع طلوعها ~~قاله الجوهري. # المعنى: أنه انتهى إلى موضع قوم لم يكن بينهم وبين مطلع الشمس أحد من ~~الناس. والشمس تطلع وراء ذلك بمسافة بعيدة فهذا معنى قوله تعالى: (وجدها ~~تطلع على قوم). وقد اختلف فيهم، فعن وهب بن منبه ما تقدم، وأنها أمة يقال ~~لها منسك وهي مقابلة ناسك، وقاله مقاتل. وقال قتادة: يقال لهما (4): الزنج ~~وقال الكلبي: هم تارس وهاويل ومنسك، حفاة عراة عماة عن الحق، يتسافدون مثل ~~الكلاب، ويتهارجون تهارج الحمر. وقيل: هم أهل جابلق (4) وهم من نسل مؤمني ~~عاد الذين آمنوا بهود، ويقال لهم بالسريانية مرقيسا. والذين عند مغرب الشمس ~~هم أهل جابرس (5)، ولكل واحدة من المدينتين عشرة آلاف باب، وبين كل بابين ~~فرسخ. ووراء جابلق أمم وهم تافيل (6) وتارس وهم يجاورون يأجوج ومأجوج. # PageV11P053 # وأهل جابرس وجابلق آمنوا بالنبي عليه الصلاة والسلام (مر بهم ليلة ~~الاسراء فدعاهم فأجابوه، ودعا الأمم الآخرين فلم يجيبوه)، ذكره السهيلي ~~وقال: اختصرت هذا كله من حديث طويل رواه مقاتل بن حيان عن عكرمة عن ابن ~~عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم. ورواه الطبري مسندا إلى مقاتل يرفعه، ~~والله أعلم. # قوله تعالى: (لم نجعل لهم من دونها سترا) أي حجابا يستترون منها عند ~~طلوعها. قال قتادة: لم يكن بينهم وبين الشمس ستر، كانوا في مكان لا يستقر ms3906 ~~عليه بناء، وهم يكونون في أسراب لهم، حتى إذا زالت الشمس عنهم رجعوا إلى ~~معايشهم وحروثهم، يعني لا يستترون منها بكهف جبل ولا بيت يكنهم منها. وقال ~~أمية: وجدت رجالا بسمرقند يحدثون الناس، فقال بعضهم: خرجت حتى جاوزت الصين، ~~فقيل لي: إن بينك وبينهم مسيرة يوم وليلة، فاستأجرت رجلا يرينيهم حتى ~~صبحتهم، فوجدت أحدهم يفترش أذنه ويلتحف بالأخرى وكان صاحبي يحسن كلامهم، ~~فبتنا بهم، فقالوا: فيم جئتم؟ قلنا: جئنا ننظر كيف تطلع الشمس، فبينا نحن ~~كذلك إذ سمعنا كهيئة الصلصلة، فغشي على ثم أفقت وهم يمسحونني بالدهن، فلما ~~طلعت الشمس على الماء إذ هي على الماء كهيئة الزيت، وإذا طرف السماء كهيئة ~~الفسطاط، فلما ارتفعت أدخلوني سربا لهم، فلما ارتفع النهار وزالت الشمس عن ~~رؤوسهم خرجوا يصطادون السمك، فيطرحونه في الشمس فينضج. وقال ابن جريج: ~~جاءهم جيش مرة، فقال لهم أهلها: لا تطلع الشمس وأنتم بها، فقالوا: ما نبرح ~~حتى تطلع الشمس. قالوا: ما هذه العظام؟ قالوا: هذه والله عظام جيش طلعت ~~عليهم الشمس هاهنا فماتوا. قال فولوا هاربين في الأرض. وقال الحسن: كانت ~~أرضهم لا جبل فيها ولا شجر، وكانت لا تحمل البناء، فإذا طلعت عليهم الشمس ~~نزلوا (1) في الماء، فإذا ارتفعت عنهم خرجوا، فيتراعون كما تتراعى البهائم. # قلت: وهذه الأقوال تدل على أن لا مدينة هناك. والله أعلم. وربما يكون ~~منهم من يدخل في النهر ومنهم من يدخل في السرب فلا تناقض بين قول الحسن ~~وقتادة. # PageV11P054 # قوله تعالى: ثم أتبع سببا (92) حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما ~~قوما لا يكادون يفقهون قولا (93) قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج ~~مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا (94) قال ~~ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما (95) آتوني زبر ~~الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله نارا قال آتوني ~~أفرغ عليه قطرا (96) فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا (97) قال ~~هذا رحمة من ربي ms3907 فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقا (98) قوله ~~تعالى: (ثم أتبع سببا حتى إذا بلغ بين السدين) وهما جبلان من قبل أرمينية ~~وأذربيجان. روى عطاء الخراساني عن ابن عباس: " بين السدين " الجبلين ~~أرمينية وأذربيجان (وجد من دونهما) أي من ورائهما: (قوما لا يكادون يفقهون ~~قولا). وقرأ حمزة والكسائي: # " يفقهون " بضم الياء وكسر القاف من أفقه إذا أبان أي لا يفقهون غيرهم ~~كلاما. # الباقون بفتح الياء والقاف، أي يعلمون. والقراءتان صحيحتان، فلا هم ~~يفقهون من غيرهم ولا يفقهون غيرهم. # قوله تعالى: (قالوا يا ذا القرنين) أي قالت له أمة من الانس صالحة: (إن ~~يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض) قال الأخفش: من همز " يأجوج " فجعل الألفين ~~من الأصل يقول: يأجوج يفعول ومأجوج مفعول كأنه من أجيج النار. قال: ومن لا ~~يهمز ويجعل الألفين زائدتين يقول: " يأجوج " من يججت ومأجوج من مججت وهما ~~غير مصروفين، قال رؤبة: # لو أن يأجوج ومأجوج معا * وعاد عاد واستجاشوا تبعا PageV11P055 # ذكره الجوهري. وقيل: إنما لم ينصرفا لأنهما اسمان أعجميان، مثل طالوت ~~وجالوت غير مشتقين، علتاهما في منع الصرف العجمة والتعريف والتأنيث. وقالت ~~فرقة: هو معرب من أج وأجج علتاه في منع الصرف التعريف والتأنيث. وقال أبو ~~علي: يجوز أن يكونا عربيين، فمن همز " يأجوج " فهو على وزن يفعول مثل ~~يربوع، من قولك أجت النار أي ضويت، ومنه الأجيج، ومنه ملح أجاج، ومن لم ~~يهمز أمكن أن يكون خفف الهمزة فقلبها ألفا مثل رأس، وأما " مأجوج " فهو ~~مفعول من أج، والكلمتان من أصل واحد في الاشتقاق ومن لم يهمز فيجوز أن يكون ~~خفف الهمزة، ويجوز أن يكون فاعولا من مج، وترك الصرف فيهما للتأنيث ~~والتعريف كأنه اسم للقبيلة. واختلف في إفسادهم، [فقال] (1) سعيد بن عبد ~~العزيز: # إفسادهم أكل بني آدم. وقالت فرقة: إفسادهم إنما كان متوقعا، أي سيفسدون، ~~فطلبوا وجه التحرز منهم. وقالت فرقة: إفسادهم هو الظلم والغشم والقتل وسائر ~~وجوه الافساد المعلوم من البشر، والله أعلم. وقد وردت أخبار بصفتهم وخروجهم ~~وأنهم من ولد ms3908 يافث. روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ولد ~~لنوح سام وحام ويافث فولد سام العرب وفارس والروم والخير فيهم وولد يافث ~~يأجوج ومأجوج والترك والصقالبة ولا خير فيهم وولد حام القبط والبربر ~~والسودان). وقال كعب الأحبار: احتلم آدم عليه السلام فاختلط ماؤه بالتراب ~~فأسف فخلقوا من ذلك الماء، فهم متصلون بنا من جهة الأب لا من جهة الام. ~~وهذا فيه نظر، لان الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه لا يحتلمون، وإنما هم ~~من ولد يافث، وكذلك قال مقاتل وغيره. وروى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: (لا يموت رجل منهم حتى يولد لصلبه ألف رجل). يعني ~~يأجوج ومأجوج. وقال أبو سعيد: # (هم خمس وعشرون قبيلة من وراء يأجوج ومأجوج لا يموت الرجل من هؤلاء ومن ~~يأجوج ومأجوج حتى يخرج من صلبه ألف رجل ذكره القشيري. وقال عبد الله بن ~~مسعود: # سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن يأجوج ومأجوج، فقال، عليه الصلاة ~~والسلام: (يأجوج ومأجوج أمتان كل أمة أربعمائة ألف [أمة] (2) كل أمة لا ~~يعلم عددها إلا الله لا يموت الرجل # PageV11P056 # منهم حتى يولد له ألف ذكر من صلبه كلهم قد حمل السلاح) قيل: يا رسول الله ~~صفهم لنا. # قال: (هم ثلاثة أصناف صنف منهم أمثال الأرز (1) - شجر بالشام طول الشجرة ~~عشرون ومائة ذراع - وصنف عرضه وطوله سواء نحوا من الذراع وصنف يفترش أذنه ~~ويلتحف بالأخرى لا يمرون بفيل ولا وحش ولا خنزير إلا أكلوه ويأكلون من مات ~~منهم مقدمتهم بالشام وساقتهم بخراسان يشربون أنهار الشرق وبحيرة طبرية ~~فيمنعهم الله من مكة والمدينة وبيت المقدس). وقال علي رضي الله تعالى عنه: ~~وصنف منهم في طول شبر، لهم مخالب وأنياب السباع، وتداعي الحمام، وتسافد ~~البهائم، وعواء الذئاب، وشعور تقيهم الحر والبرد، وآذان عظام إحداها وبرة ~~يشتون فيها، والأخرى جلدة يصيفون فيها، ويحفرون السد حتى كادوا ينقبونه ~~فيعيده الله كما كان، حتى يقولون: ننقبه غدا إن شاء الله تعالى فينقبونه ~~ويخرجون، ويتحصن الناس بالحصون، ms3909 فيرمون إلى السماء فيرد السهم عليهم ملطخا ~~بالدم، ثم يهلكهم الله تعالى بالنغف (2) في رقابهم. ذكره الغزنوي. وقال علي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم: (يأجوج أمة لها أربعمائة أمير وكذا مأجوج لا ~~يموت أحدهم حتى ينظر إلى ألف فارس من ولده). # قلت: وقد جاء مرفوعا من حديث أبي هريرة، خرجه ابن ماجة في السنن قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن يأجوج ومأجوج يحفران كل يوم حتى إذا ~~كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم ارجعوا فستحفرونه غدا فيعيده الله ~~أشد ما كان حتى إذا بلغت مدتهم وأراد الله تعالى أن يبعثهم على الناس حفروا ~~حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال ارجعوا فستحفرونه غدا إن شاء الله تعالى ~~فاستثنوا فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه فيحقرونه ويخرجون على الناس ~~فينشفون (3) الماء ويتحصن الناس منهم في حصونهم فيرمون بسهامهم إلى السماء ~~فيرجع عليها الدم - الذي أحفظ (4) - فيقولون قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل ~~السماء فيبعث الله تعالى عليهم نغفا في أقفائهم فيقتلهم بها) قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # (والذي نفسي بيده إن دواب الأرض لتسمن وتشكر شكرا من لحومهم) قال ~~الجوهري: # PageV11P057 # شكرت الناقة تشكر شكرا فهي شكرة، وأشكر الضرع امتلأ لبنا. وقال وهب بن ~~منبه: رآهم ذو القرنين، وطول الواحد منهم مثل نصف الرجل المربوع منا، لهم ~~مخاليب في مواضع الأظفار وأضراس وأنياب كالسباع، وأحناك كأحناك الإبل، وهم ~~هلب عليهم من الشعر ما يواريهم، ولكل واحد منهم أذنان عظيمتان، يلتحف ~~إحداهما ويفترش الأخرى، وكل واحد منهم قد عرف أجله لا يموت حتى يخرج له من ~~صلبه ألف رجل إن كان ذكرا، ومن رحمها ألف أنثى إن كانت أنثى. وقال السدي ~~والضحاك: الترك شرذمة من يأجوج ومأجوج خرجت تغير، فجاء ذو القرنين فضرب ~~السد فبقيت في هذا الجانب. قال السدي: بني السد على إحدى وعشرين قبيلة، ~~وبقيت منهم قبيلة واحدة دون السد فهم الترك. وقاله قتادة. # قلت: وإذا كان هذا فقد نعت النبي صلى الله عليه وسلم ms3910 الترك كما نعت يأجوج ~~ومأجوج، فقال عليه الصلاة والسلام: (لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون ~~الترك قوما وجوههم كالمجان المطرقة يلبسون الشعر ويمشون في الشعر) في رواية ~~(ينتعلون الشعر) خرجه مسلم وأبو داود وغيرهما. ولما علم النبي صلى الله ~~عليه وسلم عددهم وكثرتهم وحدة شوكتهم قال عليه الصلاة والسلام: (اتركوا ~~الترك ما تركوكم). وقد خرج منهم في هذا الوقت أمم لا يحصيهم إلا الله ~~تعالى، ولا يردهم عن المسلمين إلا الله تعالى، حتى كأنهم يأجوج ومأجوج أو ~~مقدمتهم. وروى أبو داود عن أبي بكرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~(ينزل ناس من أمتي بغائط يسمونه البصرة عند نهر يقال له دجلة يكون عليه جسر ~~يكثر أهلها وتكون من أمصار المهاجرين - قال ابن يحيى قال أبو معمر وتكون من ~~أمصار المسلمين فإذا كان في آخر الزمان جاء بنو قنطوراء عراض الوجوه صغار ~~الأعين حتى ينزلوا على شاطئ النهر فيتفرق أهلها ثلاث فرق فرقة يأخذون أذناب ~~البقر والبرية وهلكوا وفرقة يأخذون لأنفسهم وكفروا وفرقة يجعلون ذراريهم ~~خلف ظهورهم ويقاتلونهم وهم الشهداء). الغائط المطمئن من الأرض والبصرة ~~الحجارة الرخوة وبها سميت البصرة. وبنو قنطوراء هم الترك. # يقال: إن قنطوراء اسم جارية كانت لإبراهيم صلوات الله وسلامه عليه، ولدت ~~له أولادا جاء من نسلهم الترك. PageV11P058 # قوله تعالى: (فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا (1)) فيه ~~مسألتان: # الأولى - قوله تعالى: (فهل نجعل لك خرجا) استفهام على جهة حسن الأدب. # " خرجا " أي جعلا. وقرئ: " خراجا " والخرج أخص من الخراج. يقال: أد خرج ~~رأسك وخراج مدينتك. وقال الأزهري: الخراج يقع على الضريبة، ويقع على [مال] ~~(2) الفئ، ويقع على الجزية وعلى الغلة. والخراج اسم لما يخرج من الفرائض في ~~الأموال. والخرج: # المصدر. وقوله تعالى: (على أن تجعل بيننا وبينهم سدا) أي ردما، والردم ما ~~جعل بعضه على بعض حتى يتصل. وثوب مردم أي مرقع قاله الهروي. يقال: ردمت ~~الثلمة أردمها بالكسر ردما أي سددتها. والردم أيضا الاسم وهو السد. وقيل: ~~الردم أبلغ ms3911 من السد إذ السد كل ما يسد به والردم وضع الشئ على الشئ من ~~حجارة أو تراب أو نحوه حتى يقوم من ذلك حجاب منيع ومنه ردم ثوبه إذا رقعه ~~برقاع متكاثفة بعضها فوق بعض. ومنه قول عنترة: * هل غادر الشعراء من متردم ~~* (3) أي من قول يركب بعضه على بعض. وقرئ " سدا " بالفتح في السين، فقال ~~الخليل وسيبويه: # الضم هو الاسم والفتح المصدر. وقال الكسائي: الفتح والضم لغتان بمعنى ~~واحد. وقال عكرمة وأبو عمرو بن العلاء وأبو عبيدة: ما كان من خلقة الله لم ~~يشارك فيه أحد بعمل فهو بالضم، وما كان من صنع البشر فهو بالفتح. ويلزم أهل ~~هذه المقالة أن يقرءوا " سدا " بالفتح وقبله " بين السدين " بالضم، وهي ~~قراءة حمزة والكسائي. وقال أبو حاتم عن ابن عباس وعكرمة عكس ما قال أبو ~~عبيدة. وقال ابن أبي إسحاق: ما رأته عيناك فهو سد بالضم وما لا ترى فهو سد ~~بالفتح. # الثانية - في هذه الآية دليل على اتخاذ السجون، وحبس أهل الفساد فيها، ~~ومنعهم من التصرف لما يريدونه، ولا يتركون وما هم عليه، بل يوجعون ضربا ~~ويحبسون أو يكلفون (4) ويطلقون كما فعل عمر رضي الله عنه. # PageV11P059 # قوله تعالى: (قال ما مكنى فيه ربي خير) فيه مسألتان: # الأولى - قوله تعالى: " قال ما مكني فيه ربي خير " المعنى قال لهم ذو ~~القرنين ما بسطه الله تعالى لي من القدرة والملك خير من خرجكم وأموالكم ~~ولكن أعينوني بقوة الأبدان، أي برجال وعمل منكم بالأبدان (1)، والآلة التي ~~أبني بها الردم وهو السد. وهذا تأييد من الله تعالى لذي القرنين في هذه ~~المحاورة فإن القوم لو جمعوا له خرجا لم يعنه أحد ولو كلوه إلى البنيان ~~ومعونته (2) بأنفسهم أجمل به وأسرع في انقضاء هذا العمل وربما أربى ما ~~ذكروه له على الخرج. وقرأ ابن كثير وحده: " ما مكنني " بنونين. وقرأ ~~الباقون: " ما مكني فيه ربي ". # الثانية - في هذه الآية دليل على أن الملك فرض عليه أن يقوم بحماية الخلق ~~في حفظ بيضتهم، وسد فرجتهم، وإصلاح ms3912 ثغورهم، من أموالهم التي تفئ عليهم، ~~وحقوقهم التي تجمعها خزانتهم تحت يده ونظره، حتى لو أكلتها الحقوق، ~~وأنفذتها المؤن، لكان عليهم جبر ذلك من أموالهم، وعليه حسن النظر لهم، وذلك ~~بثلاثة شروط: الأول: ألا يستأثر عليهم بشئ. # الثاني - أن يبدأ بأهل الحاجة فيعينهم. الثالث - أن يسوي في العطاء بينهم ~~على قدر منازلهم، فإذا فنيت بعد هذا وبقيت صفرا فأطلعت الحوادث أمرا بذلوا ~~أنفسهم قبل أموالهم، فإن لم يغن ذلك فأموالهم تؤخذ منهم على تقدير، وتصريف ~~بتدبير، فهذا ذو القرنين لما عرضوا عليه المال في أن يكف عنهم ما يحذرونه ~~من عادية يأجوج ومأجوج قال: لست أحتاج إليه وإنما أحتاج إليكم. " فأعينوني ~~بقوة " أي اخدموا بأنفسكم معي، فان الأموال عندي والرجال عندكم، ورأى أن ~~الأموال لا تغني عنهم، فإنه إن أخذها أجرة نقص ذلك مما يحتاج إليه، فيعود ~~بالاجر عليهم، فكان التطوع بخدمة الأبدان أولى. وضابط الأمور لا يحل مال ~~أحد إلا لضرورة تعرض، فيؤخذ ذلك، المال جهرا لا سرا، وينفق بالعدل لا ~~بالاستئثار، وبرأي الجماعة لا بالاستبداد بالامر. والله تعالى الموفق ~~للصواب. # قوله تعالى: (آتوني زبر الحديد) أي أعطوني زبر الحديد وناولونيها أمرهم ~~بنقل الآلة، وهذا كله إنما هو استدعاء العطية التي بغير معنى الهبة، وإنما ~~هو استدعاء للمناولة، # PageV11P060 # لأنه قد ارتبط من قوله: إنه لا يأخذ منهم الخرج فلم يبق إلا استدعاء ~~المناولة، وأعمال الأبدان. و " زبر الحديد " قطع الحديد. وأصل الكلمة ~~الاجتماع، ومنه زبرة الأسد لما اجتمع من الشعر على كاهله. وزبرت الكتاب أي ~~كتبته وجمعت حروفه. وقرأ أبو بكر والمفضل " ردما ايتوني " من الاتيان الذي ~~هو المجئ، أي جيئوني بزبر الحديد، فلما سقط الخافض انتصب الفعل على نحو قول ~~الشاعر: (1) * أمرتك الخير... * حذف الجار فنصب الفعل. وقرأ الجمهور " زبر ~~" بفتح الباء. وقرأ الحسن بضمها، وكل ذلك جمع زبرة وهي القطعة العظيمة منه. # قوله تعالى: (حتى إذا ساوى) يعني البناء فحذف لقوة الكلام عليه. (بين ~~الصدفين) قال أبو عبيدة: هما جانبا الجبل، وسميا بذلك لتصادفهما أي ~~لتلاقيهما. وقاله ms3913 الزهري وابن عباس، كأنه يعرض عن الآخر، من الصدوف قال، ~~الشاعر: # كلا الصدفين ينفذه سناها * توقد مثل مصباح الظلام ويقال للبناء المرتفع: ~~صدف تشبيه بجانب الجبل. وفي الحديث: كان إذا مر بصدف مائل أسرع المشي. قال ~~أبو عبيد: الصدف والهدف كل بناء عظيم مرتفع. ابن عطية: الصدفان الجبلان ~~المتناوحان (2) ولا يقال للواحد صدف، وإنما يقال: صدفان للاثنين، لان ~~أحدهما يصادف الآخر. وقرأ نافع وحمزة والكسائي " الصدفين " بفتح الصاد ~~وشدها وفتح الدال، وهي قراءة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وعمر بن عبد ~~العزيز، وهي اختيار أبي عبيدة لأنها أشهر اللغات. وقرأ ابن كثير وابن عامر ~~وأبو عمرو: " الصدفين " بضم الصاد والدال وقرأ عاصم في رواية أبي بكر: " ~~الصدفين " بضم الصاد وسكون الدال، نحو الجرف والجرف. # فهو تخفيف. وقرأ ابن الماجشون: بفتح الصاد وضم الدال. وقرأ قتادة: " بين ~~الصدفين " بفتح الصاد وسكون الدال، وكل ذلك بمعنى واحد. وهما الجبلان ~~المتناوحان. # PageV11P061 # قوله تعالى: " قال انفخوا " إلى آخر الآية أي على زبر الحديد بالأكيار، ~~وذلك أنه كان يأمر بوضع طاقة من الزبر والحجارة، ثم يوقد عليها الحطب ~~والفحم بالمنافخ حتى تحمى، والحديد إذا أوقد عليه صار كالنار، فذلك قوله ~~تعالى: " حتى إذا جعله نارا " ثم يؤتى بالنحاس المذاب أو بالرصاص أو ~~بالحديد بحسب الخلاف في القطر، فيفرغه على تلك الطاقة المنضدة، فإذا التأم ~~واشتد ولصق البعض بالبعض استأنف وضع طاقة أخرى، إلى أن أستوى العمل فصار ~~جبلا صلدا. قال قتادة: هو كالبرد المحبر، طريقة سوداء، وطريقة حمراء. ويروى ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءه رجل فقال: يا رسول الله! إني رأيت سد ~~يأجوج ومأجوج قال: (كيف رأيته) قال: رأيته كالبرد المحبر، طريقة صفراء ~~وطريقة حمراء، وطريقة سوداء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (قد ~~رأيته). ومعنى " حتى إذا جعل نارا " أي كالنار. ومعنى: (آتوني أفرغ عليه ~~قطرا) أي أعطوني قطرا أفرغ عليه، على التقديم والتأخير. ومن قرأ: " ائتوني ~~" فالمعنى عنده تعالوا أفرغ عليه نحاسا. والقطر عند أكثر المفسرين النحاس ms3914 ~~المذاب، وأصله من القطر، لأنه إذا أذيب قطر كما يقطر الماء. وقالت فرقة: ~~القطر الحديد المذاب. وقالت فرقة منهم ابن الأنباري: الرصاص المذاب. وهو ~~مشتق من قطر يقطر قطرا. ومنه " وأسلنا له عين القطر " (1). # قوله تعالى: (فما اسطاعوا أن يظهروه) أي ما استطاع يأجوج ومأجوج أن يعلوه ~~ويصعدوا فيه، لأنه أملس مستو مع الجبل والجبل عال لا يرام. وارتفاع السد ~~مائتا ذراع وخمسون ذراعا. وروي: في طوله ما بين طرفي الجبلين مائة فرسخ: ~~وفي عرضه خمسون فرسخ، قاله وهب بن منبه. (وما استطاعوا له نقبا) لبعد عرضه ~~وقوته. وروي في الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فتح ~~اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه) وعقد وهب بن منبه بيده تسعين - وفي ~~رواية - وحلق بإصبعه الابهام والتي تليها، وذكر الحديث. وذكر يحيى بن سلام ~~عن سعد بن أبي عروبة عن قتادة عن أبي رافع عن أبي هريرة قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: (إن يأجوج ومأجوج # PageV11P062 # يخرقون السد كل يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم أرجعوا ~~فستخرقونه غدا فيعيده الله كأشد ما كان حتى إذا بلغت مدتهم وأراد الله أن ~~يبعثهم على الناس حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم ~~أرجعوا فستخرقونه [غدا] (1) إن شاء الله فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه ~~فيخرقونه ويخرجون على الناس) الحديث وقد تقدم. # قوله تعالى: " فما اسطاعوا " بتخفيف الطاء على قراءة الجمهور. وقيل: هي ~~لغة بمعنى استطاعوا. وقيل: بل استطاعوا بعينه كثر في كلام العرب حتى حذف ~~بعضهم منه التاء فقالوا: اسطاعوا. وحذف بعضهم منه الطاء فقال: استاع يستيع ~~بمعنى استطاع يستطيع، وهي لغة مشهورة. وقرأ حمزة وحده: " فما اسطاعوا " ~~بتشديد الطاء كأنه أراد استطاعوا، ثم أدغم التاء في الطاء فشددها، وهي ~~قراءة ضعيفة الوجه، قال أبو علي: هي غير جائزة (2). # وقرأ الأعمش " فما استطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا " بالتاء في ~~الموضعين. # قوله تعالى: (قال هذا رحمة من ربي) ms3915 القائل ذو القرنين، وأشار بهذا إلى ~~الردم، والقوة عليه، والانتفاع به في دفع ضرر يأجوج ومأجوج. وقرأ ابن أبي ~~عبلة " هذه رحمة من ربي ". # قوله تعالى: (فإذا جاء وعد ربي) أي يوم القيامة. وقيل: وقت خروجهم. # (جعله دكا) أي مستويا بالأرض، ومنه قوله تعالى: " إذا دكت الأرض دكا " ~~(3) [الفجر: 21] قال ابن عرفة: أي جعلت مستوية لا أكمة فيها، ومنه قوله ~~تعالى: " جعله دكا " قال اليزيدي: # أي مستويا، يقال: ناقة دكاء إذا ذهب سنامها. وقال القتبي: أي جعله مدكوكا ~~ملصقا بالأرض. وقال الكلبي: قطعا متكسرا، قال: # * هل غير غاد دك غارا فانهدم * # PageV11P063 # وقال الأزهري: يقال دككته أي دققته. ومن قرأ " دكاء " أراد جعل الجبل ~~أرضا دكاء، وهي الرابية التي لا تبلغ أن تكون جبلا وجمعها دكاوات. قرأ حمزة ~~وعاصم والكسائي " دكاء " بالمد على التشبيه بالناقة الدكاء وهي التي لا ~~سنام لها، وفي الكلام حذف تقديره: # جعله في مثل دكاء، ولا بد من تقدير هذا الحذف. لان السد مذكر فلا يوصف ~~بدكاء. ومن قرأ: " دكا " فهو مصدر دك يدك إذا هدم ورض، ويحتمل أن يكون " ~~جعل " بمعنى خلق. وينصب " دكا " على الحال. وكذلك النصب أيضا في قراءة من ~~مد يحتمل الوجهين. # قوله تعالى: وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا ~~(99) وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا (100) الذين كانت أعينهم في غطاء عن ~~ذكرى وكانوا لا يستطيعون سمعا (101) أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من ~~دوني أولياء إنا أعتدنا جهنم للكافرين نزلا (102) قل هل ننبئكم بالأخسرين ~~أعمالا (103) الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ~~(104) أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم ~~القيامة وزنا (105) ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا واتخذوا آياتي ورسلي هزوا ~~(106) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحين كانت لهم جنات الفردوس نزلا (107) ~~خالدين فيها لا يبغون عنها حولا (108) قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي ~~لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا (109) قل إنما أنا ~~بشر مثلكم ms3916 يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل ~~عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا (110) PageV11P064 # قوله تعالى: (وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض) الضمير في " تركنا " لله ~~تعالى، أي تركنا الجن والإنس يوم القيامة يموج بعضهم في بعض. وقيل: تركنا ~~يأجوج ومأجوج " يومئذ " أي وقت كمال السد يموج بعضهم في بعض. واستعارة ~~الموج لهم عبارة عن الحيرة وتردد بعضهم في بعض، كالمولهين من هم وخوف، ~~فشبههم بموج البحر الذي يضطرب بعضه في بعض. وقيل: تركنا يأجوج ومأجوج يوم ~~انفتاح السد يموجون في الدنيا مختلطين لكثرتهم. # قلت: فهذه ثلاثة أقوال أظهرها أوسطها، وأبعدها آخرها، وحسن الأول، لأنه ~~تقدم ذكر القيامة في تأويل قوله تعالى: " فإذا جاء وعد ربي ". والله أعلم. # قوله تعالى: (ونفخ في الصور) تقدم في (الانعام) (1). (فجمعناهم جمعا) ~~يعني الجن والإنس في عرصات القيامة. (وعرضنا جهنم) أي أبرزناها لهم. (يومئذ ~~للكافرين عرضا) (الذين كانت أعينهم) في موضع خفض نعت " للكافرين ". (في ~~غطاء عن ذكرى) أي هم بمنزلة من عينه مغطاة فلا ينظر إلى دلائل الله تعالى. ~~(وكانوا لا يستطيعون سمعا) أي لا يطيقون أن يسمعوا كلام الله تعالى، فهم ~~بمنزلة من صم. # قوله تعالى: (أفحسب الذين كفروا) أي ظن. وقرأ علي وعكرمة ومجاهد وابن ~~محيصن: # " أفحسب " بإسكان السين وضم الباء، أي كفاهم. (أن يتخذوا عبادي) يعني ~~عيسى والملائكة وعزيرا. (من دوني أولياء) ولا أعاقبهم، ففي الكلام حذف. ~~وقال الزجاج: # المعنى، أفحسبوا أن ينفعهم ذلك. (إنا أعتدنا جهنم للكافرين نزلا). # قوله تعالى: (قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا) إلى قوله: (وزنا) فيه ~~مسئلتان: # الأولى - قوله تعالى: (قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا) - الآية - فيه ~~دلالة على أن من الناس من يعمل العمل وهو يظن أنه محسن وقد حبط سعيه، والذي ~~يوجب إحباط السعي إما فساد الاعتقاد أو المراءاة، والمراد هنا الكفر. روى ~~البخاري عن مصعب قال: # PageV11P065 # سألت أبي " قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا " أهم الحرورية؟ قال: لا، هم ~~اليهود والنصارى. وأما اليهود فكذبوا محمدا صلى الله عليه وسلم، ms3917 وأما ~~النصارى فكفروا بالجنة، فقالوا: # لا طعام فيها ولا شراب، والحرورية الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، ~~وكان سعد يسميهم الفاسقين. والآية معناها التوبيخ، أي قل لهؤلاء الكفرة ~~الذين عبدوا غيري: يخيب سعيهم وآمالهم غدا، فهم الأخسرون أعمالا، وهم " ~~الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا " في عبادة ~~من سواي. قال ابن عباس: يريد كفار أهل مكة. # وقال علي: هم الخوارج أهل حروراء. وقال مرة: هم الرهبان أصحاب الصوامع). ~~وروي أن ابن الكواء سأله عن الأخسرين أعمالا فقال له: أنت وأصحابك. قال ابن ~~عطية: ويضعف هذا كله قوله تعالى بعد ذلك: " أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ~~ولقائه فحبطت أعمالهم ". # وليس من هذه الطوائف من يكفر بالله ولقائه والبعث والنشور، وإنما هذه صفة ~~مشركي مكة (1) عبدة الأوثان، وعلي وسعد رضي الله عنهما ذكرا أقواما أخذوا ~~بحظهم من هذه (2) الآية. # و " أعمالا " نصب على التمييز. و " حبطت " قراءة الجمهور بكسر الباء. ~~وقرأ ابن عباس: # " حبطت " بفتحها (3). # الثانية - قوله تعالى: (فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا) قراءة الجمهور " ~~نقيم " بنون العظمة. وقرأ مجاهد: بياء الغائب، يريد فلا يقيم الله عز وجل، ~~وقرأ عبيد بن عمير " فلا يقوم " ويلزمه أن يقرأ: " وزن " وكذلك قرأ مجاهد: ~~" فلا يقوم لهم يوم القيامة وزن ". قال عبيد بن عمير: يؤتى يوم القيامة ~~بالرجل العظيم الطويل الأكول الشروب فلا يزن عند الله جناح بعوضة. # قلت: هذا لا يقال مثله من جهة الرأي، وقد ثبت معناه مرفوعا صحيحي البخاري ~~ومسلم عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إنه ليأتي ~~الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة اقرأوا إن ~~شئتم (فلا نقيم له يوم القيامة وزنا). والمعنى أنهم لا ثواب لهم، وأعمالهم ~~مقابلة بالعذاب، فلا حسنة لهم توزن في موازين القيامة ومن لا حسنة له فهو ~~في النار. وقال أبو سعيد الخدري: يؤتى بأعمال # PageV11P066 # كجبال تهامة فلا تزن شيئا. وقيل: يحتمل أن يريد المجاز والاستعارة، كأنه ~~قال: ms3918 فلا قدر لهم عندنا يومئذ (1)، والله أعلم. وفي هذا الحديث من الفقه ذم ~~السمن لمن تكلفه، لما في ذلك من تكلف المطاعم والاشتغال بها عن المكارم، بل ~~يدل على تحريم الاكل الزائد على قدر الكفاية المبتغى به الترفه والسمن. وقد ~~قال صلى الله عليه وسلم: (إن أبغض الرجال إلى الله تعالى الحبر السمين). ~~ومن حديث عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خيركم قرني ثم ~~الذين يلونهم - قال عمران فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة - ثم إن ~~من بعدكم قوما يشهدون ولا يستشهدون ويخونون ولا يؤتمون وينذرون ولا يوفون ~~ويظهر فيهم السمن) وهذا ذم. وسبب ذلك أن السمن المكتسب إنما هو من كثرة ~~الاكل والشره، والدعة والراحة والامن والاسترسال مع النفس على شهواتها، فهو ~~عبد نفسه لا عبد ربه، ومن كان هذا حاله وقع لا محالة في الحرام، وكل لحم ~~تولد عن سحت فالنار أولى به، وقد ذم الله تعالى الكفار بكثرة الاكل فقال: " ~~والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الانعام والنار مثوى لهم " (2) ~~[محمد: 12] فإذا كان المؤمن يتشبه بهم، ويتنعم بتنعمهم في كل أحواله ~~وأزمانه، فأين حقيقة الايمان، والقيام بوظائف الاسلام؟! ومن كثر أكله وشربه ~~كثر نهمه وحرصه، وزاد بالليل كسله ونومه، فكان نهاره هائما، وليله نائما. ~~وقد مضى في " الأعراف " (3) هذا المعنى، وتقدم فيها ذكر الميزان (3)، وأن ~~له كفتين توزن فيهما صحائف الأعمال فلا معنى للإعادة. وقال عليه الصلاة ~~والسلام حين ضحكوا من حمش (4) ساق ابن مسعود وهو يصعد النخلة: (تضحكون من ~~ساق توزن بعمل أهل الأرض) فدل هذا على أن الأشخاص توزن، ذكره الغزنوي. # قوله تعالى: (ذلك جزاؤهم " ذلك " إشارة إلى ترك الوزن، وهو في موضع رفع ~~بالابتداء " جزاؤهم " خبره و (جهنم) بدل من المبتدأ الذي هو " ذلك " و " ما ~~" في قوله: # " بما كفروا " مصدرية، والهزء الاستخفاف والسخرية، وقد تقدم. # PageV11P067 # قوله تعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس ~~نزلا) قال قتادة: الفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأعلاها وأفضلها وأرفعها. ~~وقال ms3919 أبو أمامة الباهلي: # الفردوس سرة الجنة. وقال كعب: ليس في الجنان جنة أعلى من جنة الفردوس، ~~فيها الآمرون بالمعروف، والناهون عن المنكر. وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من آمن بالله وبرسوله وأقام الصلاة ~~وصام رمضان كان حقا على الله أن يدخله الجنة جاهد في سبيل الله أو جلس في ~~أرضه التي ولد فيها) قالوا: يا رسول الله أفلا نبشر الناس؟ قال: (إن في ~~الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما ~~بين السماء والأرض فإذا سألتم الله تعالى فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة ~~وأعلى الجنة - أراه قال - وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة) وقال ~~مجاهد: والفردوس البستان بالرومية. الفراء: هو عربي. والفردوس حديقة في ~~الجنة. وفردوس اسم روضة دون اليمامة. # والجمع فراديس، قال أمية بن أبي الصلت الثقفي: # كانت منازلهم إذ ذاك ظاهرة * فيها الفراديس والفومان والبصل والفراديس ~~موضع بالشام. وكرم مفردس أي معرش. (خالدين فيها) أي دائمين. # (لا يبغون عنها حولا) أي لا يطلبون تحويلا عنها إلى غيرها. والحول بمعنى ~~التحويل، قاله أبو علي. وقال الزجاج: حال من مكانه حولا كما يقال: عظم ~~عظما. قال: ويجوز أن يكون من الحيلة، أي لا يحتالون منزلا غيرها. وقال ~~الجوهري: التحول التنقل من موضع إلى وضع، والاسم الحول، ومنه قوله تعالى: " ~~خالدين فيها لا يبغون عنها حولا ". # قوله تعالى: (قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد ~~كلمات ربي) نفد الشئ إذا تم وفرغ، وقد تقدم. (ولو جئنا بمثله مددا) أي ~~زيادة على البحر عددا أو وزنا. وفي مصحف أبي " مدادا " وكذلك قرأها مجاهد ~~وابن محيصن وحميد. # وانتصب " مددا " على التمييز أو الحال. وقال ابن عباس: قالت اليهود لما ~~قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم " وما أوتيتم من العلم إلا قليلا " (1) ~~[الاسراء: 85] قالوا: وكيف وقد أوتينا التوراة، ومن # PageV11P068 # أوتي التوراة فقد أوتي خيرا كثيرا؟ فنزلت: " قل لو كان البحر مدادا ~~لكلمات ربي ms3920 لنفد البحر " الآية. وقيل: قالت اليهود إنك أوتيت الحكمة، ومن ~~أوتي الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا، ثم زعمت أنك لا علم لك بالروح؟! فقال ~~الله تعالى قل وإن أوتيت القرآن وأوتيتم التوراة فهي بالنسبة إلى كلمات ~~الله تعالى قليلة، قال ابن عباس: " لكلمات ربي " أي مواعظ ربي. وقيل: عنى ~~بالكلمات الكلام القديم الذي لا غاية له ولا منتهى، وهو وإن كان واحدا ~~فيجوز أن يعبر عنه بلفظ الجمع لما فيه من فرائد الكلمات، ولأنه ينوب منا ~~بها، فجازت العبادة عنها بصيغة الجمع تفخيما، وقال الأعشى: # ووجه نقي اللون صاف يزينه * مع الجيد لبات لها ومعاصم فعبر باللبات عن ~~اللبة. وفي التنزيل " نحن أولياؤكم " (1) [فصلت: 31] و " إنا نحن نزلنا ~~الذكر " (2) [الحجر: 9] " وإنا لنحن نحيي ونميت " (2) [الحجر: 23] وكذلك " ~~إن إبراهيم كان أمة " (2) [النحل: 120] لأنه ناب مناب أمة. وقيل: أي ما ~~نفدت العبارات والدلالات التي تدل على مفهومات معاني كلامه سبحانه وتعالى. ~~وقال السدي: # أي إن كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد صفات الجنة ~~التي هي دار الثواب. وقال عكرمة: لنفد البحر قبل أن ينفد ثواب من قال لا ~~إله إلا الله. ونظير هذه الآية: " ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر ~~يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله " (3) [لقمان: 27]. وقرأ حمزة ~~والكسائي: " قبل أن ينفد " بالياء لتقدم الفعل. # قوله تعالى: (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي) أي لا أعلم إلا ما يعلمني ~~الله تعالى، وعلم الله تعالى لا يحصى، وإنما أمرت بأن أبلغكم بأنه لا إله ~~إلا الله. (فمن كان يرجو لقاء ربه) أي يرجو رؤيته وثوابه ويخشى عقابه ~~(فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا) قال ابن عباس: نزلت في جندب ~~بن زهير العامري قال: يا رسول الله إني أعمل العمل لله تعالى، وأريد به وجه ~~الله تعالى، إلا أنه إذا اطلع عليه سرني فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # (إن الله طيب ولا يقبل إلا الطيب ولا يقبل ما شورك ms3921 فيه) فنزلت الآية. ~~وقال طاوس قال رجل: يا رسول الله! إني أحب الجهاد في سبيل الله تعالى وأحب ~~أن يرى مكاني فنزلت # PageV11P069 # هذه الآية. وقال مجاهد: جاء رجل للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول ~~الله! إني أتصدق وأصل الرحم ولا أصنع ذلك إلا لله تعالى فيذكر ذلك مني ~~وأحمد عليه فيسرني ذلك وأعجب به، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم ~~يقل شيئا، فأنزل الله تعالى " فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا ~~يشرك بعبادة ربه أحدا ". # قلت: والكل مراد، والآية تعم ذلك كله وغيره من الأعمال. وقد تقدم في سورة ~~" هود " (1) حديث أبي هريرة الصحيح في الثلاثة الذين يقضى عليهم أول الناس. ~~وقد تقدم في سورة " النساء " (2) الكلام على الرياء، وذكرنا من الاخبار ~~هناك ما فيه كفاية. وقال الماوردي وقال جميع أهل التأويل: معنى قوله تعالى: ~~" ولا يشرك بعبادة ربه أحدا " إنه لا يرائي بعمله أحدا. وروى الترمذي ~~الحكيم رحمه الله تعالى في (نوادر الأصول) قال: حدثنا أبي رحمه الله تعالى ~~قال: حدثنا مكي بن إبراهيم قال: حدثنا عبد الواحد ابن زيد عن عبادة بن نسي ~~قال: أتيت شداد بن أوس في مصلاه وهو يبكي، فقلت: # ما الذي أبكاك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: حديث سمعته من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يوما، إذ رأيت بوجهه أمرا ساءني فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول ~~الله ما الذي أرى بوجهك؟ # قال: (أمرا أتخوفه على أمتي من بعدي) قلت: ما هو يا رسول الله؟ قال: ~~(الشرك والشهوة الخفية) قلت: يا رسول الله! وتشرك أمتك من بعدك؟ قال: (يا ~~شداد أما إنهم لا يعبدون شمسا ولا قمرا ولا حجرا ولا وثنا ولكنهم يراءون ~~بأعمالهم) قلت: [يا رسول الله] (3) والرياء شرك هو؟ قال: (نعم). قلت: فما ~~الشهوة الخفية؟ قال: (يصبح أحدهم صائما فتعرض له شهوات الدنيا فيفطر) قال ~~عبد الواحد: فلقيت الحسن، فقلت: يا أبا سعيد! أخبرني عن الرياء أشرك هو؟ ~~قال: نعم، أما تقرأ " فمن كان ms3922 يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك ~~بعبادة ربه أحدا ". وروى إسماعيل بن أسحق قال حدثنا محمد بن أبي بكر قال ~~حدثنا المعتمر بن سليمان عن ليث عن شهر بن حوشب قال: كان عبادة بن الصامت ~~وشداد # PageV11P070 # ابن أوس جالسين، فقالا: إنا نتخوف على هذه الأمة من الشرك والشهوة ~~الخفية، فأما الشهوة الخفية فمن قبل النساء. وقالا: سمعنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: (من صلى صلاة يرائي بها فقد أشرك ومن صام صياما يرائي ~~به فقد أشرك) ثم تلا " فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك ~~بعبادة ربه أحدا). # قلت: وقد جاء تفسير الشهوة الخفية بخلاف هذا، وقد ذكرناه في " النساء " ~~(1). وقال سهل بن عبد الله: وسئل الحسن عن الاخلاص والرياء فقال: من ~~الاخلاص أن تحب أن تكتم حسناتك ولا تحب أن تكتم سيئاتك، فإن أظهر الله عليك ~~حسناتك تقول هذا من فضلك وإحسانك، وليس هذا من فعلي ولا من صنيعي، وتذكر ~~قوله تعالى: " فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ~~ربه أحدا). (والذين يؤتون ما آتوا " (2) [المؤمنون: 10] الآية، يؤتون ~~الاخلاص، وهم يخافون ألا يقبل منهم، وأما الرياء فطلب حظ النفس من عملها في ~~الدنيا، قيل لها: كيف يكون هذا؟ قال: من طلب بعمل بينه وبين الله تعالى سوى ~~وجه الله تعالى والدار الآخرة فهو رياء. وقال علماؤنا رضي الله تعالى عنهم: ~~وقد يفضي الرياء بصاحبه إلى استهزاء الناس به، كما يحكى أن طاهر بن الحسين ~~قال لأبي عبد الله المروزي: منذ كم صرت إلى العراق يا أبا عبد الله؟ قال: ~~دخلت العراق منذ عشرين سنة وأنا منذ ثلاثين سنة صائم، فقال يا أبا عبد الله ~~سألناك عن مسألة فأجبتنا عن مسألتين. # وحكى الأصمعي أن أعرابيا صلى فأطال وإلى جانبه قوم، فقالوا: ما أحسن ~~صلاتك؟! # فقال: وأنا مع ذلك صائم. أين هذا من قول الأشعث بن قيس وقد صلى فخفف، ~~فقيل له إنك خففت، فقال: إنه لم يخالطها رياء، فخلص ms3923 من تنقصهم بنفي الرياء ~~عن نفسه، والتصنع من صلاته، وقد تقدم في " النساء " (1) دواء الرياء من قول ~~لقمان، وأنه كتمان العمل. وروى الترمذي الحكيم حدثنا أبي رحمه الله تعالى ~~قال: أنبأنا الحماني قال: أنبأنا جرير عن ليث عن شيخ عن (3) معقل بن يسار ~~قال قال أبو بكر وشهد به على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ذكر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الشرك، قال: (هو فيكم أخفى من دبيب النمل # PageV11P071 # وسأدلك على شئ إذا فعلته أذهب عنك صغار الشرك وكباره تقول اللهم إني أعوذ ~~بك أن أشرك بك وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم تقولها ثلاث مرات). وقال عمر ~~بن قيس الكندي سمعت معاوية تلا هذه الآية على المنبر " فمن كان يرجو لقاء ~~ربه " فقال: إنها لآخر آية نزلت من السماء. وقال عمر قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: (أوحى إلي أنه من قرأ " فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا ~~صالحا " رفع له نور ما بين عدن إلى مكة حشوه الملائكة يصلون عليه ويستغفرون ~~له). وقال معاذ بن جبل قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من قرأ أول سورة ~~الكهف وآخرها كانت له نورا من قرنه إلى قدمه ومن قرأها كلها كانت له نورا ~~من الأرض إلى السماء) وعن ابن عباس أنه قال له رجل: إني أضمر أن أقوم ساعة ~~من الليل فيغلبني النوم، فقال: (إذا أردت أن تقوم أي ساعة شئت من الليل ~~فاقرأ إذا أخذت مضجعك: " قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي " إلى آخر ~~السورة فإن الله تعالى يوقظك متى شئت من الليل)، ذكر هذه الفضائل الثعلبي ~~رضي الله تعالى عنه. وفي مسند الدارمي أبي محمد أخبرنا محمد بن كثير عن ~~الأوزاعي عن عبدة عن زر بن حبيش قال: من قرأ آخر سورة الكهف لساعة يريد أن ~~يقوم من الليل قامها، قال عبدة: فجربناه فوجدناه كذلك. # قال ابن العربي: كان شيخنا الطرطوشي الأكبر يقول: لا تذهب بكم الأزمان في ~~مصاولة الاقران، ومواصلة الاخوان، وقد ms3924 ختم سبحانه وتعالى البيان بقوله: " ~~فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعيادة ربه أحدا ". # تفسير سورة مريم عليها السلام وهي مكية بإجماع. وهي تسعون وثمان آيات ~~ولما كانت وقعة بدر، وقتل الله فيها صناديد الكفار، قال كفار قريش: إن ~~ثأركم بأرض الحبشة، فأهدوا إلى النجاشي، وابعثوا إليه رجلين من ذوي رأيكم ~~لعله يعطيكم من عنده من قريش، فتقتلونهم بمن قتل منكم ببدر، فبعث كفار قريش ~~عمرو بن العاص وعبد الله ابن أبي ربيعة، فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ببعثهما، فبعث رسول الله صلى الله عليه PageV11P072 # وسلم عمرو بن أمية الضمري، وكتب معه إلى النجاشي، فقدم على النجاشي، فقرأ ~~كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم دعا جعفر بن أبي طالب والمهاجرين، ~~وأرسل إلى الرهبان والقسيسين فجمعهم، ثم أمر جعفر أن يقرأ عليهم القرآن، ~~فقرأ سورة مريم " كهيعص " وقاموا تفيض أعينهم من الدمع، فهم الذين أنزل ~~الله تعالى فيهم " ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ~~ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون " [المائدة: 82]. وقرأ إلى ~~قوله: " الشاهدين " (1). ذكره أبو داود. وفي السيرة، فقال النجاشي: هل معك ~~مما جاء به عن الله شئ؟ قال جعفر: نعم، فقال له النجاشي: أقرأه علي. قال: ~~فقرأ " كهيعص " فبكى والله النجاشي حتى أخضل لحيته، وبكت أساقفتهم حتى ~~أخضلوا لحاهم حين سمعوا ما يتلى عليهم، فقال النجاشي: [إن] (2) هذا والذي ~~جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة، انطلقا فوالله لا أسلمهم إليكما أبدا، ~~وذكر تمام الخبر. # بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: كهيعص (1) ذكر رحمت ربك عبده زكريا ~~(2) إذ نادى ربه نداء خفيا (3) قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ~~ولم أكن بدعائك رب شقيا (4) وإني خفت الموالى من ورائي وكانت امرأتي عاقرا ~~فهب لي من لدنك وليا (5) يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا (6) يا ~~زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا (7) قال رب أنى ~~يكون لي ms3925 غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا (8) قال كذلك قال ~~ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا (9) # PageV11P073 # قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا (10) فخرج ~~على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا (11) يا يحيى خذ ~~الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا (12) وحنانا من لدنا وزكاة وكان تقيا (13) ~~وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا (14) وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم ~~يبعث حيا (15) قوله تعالى: (كهيعص) تقدم الكلام في أوائل السور (1). وقال ~~ابن عباس في " كهيعص ": أن الكاف من كاف، والهاء من هاد، والياء من حكيم، ~~والعين من عليم، والصاد من صادق، ذكره ابن عزيز. القشيري عن ابن عباس، ~~معناه كاف لخلقه، هاد لعباده، يده فوق أيديهم، عالم بهم، صادق في وعده، ~~ذكره الثعلبي عن الكلبي السدي ومجاهد والضحاك. وقال الكلبي أيضا: الكاف من ~~كريم وكبير وكاف، والهاء من هاد، والياء من رحيم، والعين من عليم وعظيم، ~~والصاد من صادق، والمعنى واحد. وعن ابن عباس أيضا: # هو اسم من أسماء الله تعالى، وعن علي رضي الله عنه هو اسم الله عز وجل ~~وكان يقول: # يا كهيعص اغفر لي، ذكره الغزنوي. السدي: هو اسم الله الأعظم الذي سئل به ~~أعطى، وإذا دعي به أجاب. وقتادة: هو اسم من أسماء القرآن، ذكره عبد الرزاق ~~عن معمر عنه. # وقيل: هو اسم للسورة، وهو اختيار القشيري في أوائل الحروف، وعلى هذا قيل: ~~تمام الكلام عند قوله: " كهيعص " كأنه إعلام باسم السورة، كما تقول: كتاب ~~كذا أو باب كذا ثم تشرع في المقصود. وقرأ أبو جعفر هذه الحروف متقطعة، ~~ووصلها الباقون، وأمال أبو عمرو الهاء وفتح الياء: وابن عامر وحمزة بالعكس، ~~وأمالهما جميعا الكسائي وأبو بكر وخلف. وقرأهما بين اللفظين أهل المدينة ~~نافع وغيره. وفتحهما الباقون. وعن خارجة: أن الحسن كان يضم كاف، وحكى غيره ~~أنه كان يضم ها، وحكى إسماعيل بن إسحاق أنه كان يضم يا. قال أبو حاتم: ولا ~~يجوز ms3926 ضم الكاف ولا (2) الهاء والياء، قال النحاس: قراءة أهل المدينة # PageV11P074 # من أحسن ما في هذا، والإمالة جائزة في هاويا. وأما قراءة الحسن فأشكلت ~~على جماعة حتى قالوا: لا تجوز، منهم أبو حاتم. والقول فيها ما بينه هارون ~~القارئ، قال: كان الحسن يشم الرفع فمعنى هذا أنه كان يومئ، كما حكى سيبويه ~~أن من العرب من يقول: الصلاة والزكاة يومئ إلى الواو، ولهذا كتبتا (1) في ~~المصحف بالواو. وأظهر الدال من هجاء " ص " نافع وابن كثير وعاصم ويعقوب، ~~وهو اختيار أبي عبيد، وأدغمها الباقون. # قوله تعالى: (ذكر رحمة ربك عبده زكريا. إذ نادى ربه نداء خفيا). # فيه ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " ذكر رحمة ربك " في رفع " ذكر " ثلاثة أقوال، قال ~~الفراء: # هو مرفوع ب‍ " - كهيعص "، قال الزجاج: هذا محال، لان " كهيعص " ليس هو ~~مما أنبأنا الله عز وجل به عن زكريا، وقد خبر الله تعالى عنه وعن ما بشر ~~به، وليس " كهيعص " من قصته. وقال الأخفش: التقدير، فيما يقص (2) عليكم ذكر ~~رحمة ربك. والقول الثالث: # أن المعنى هذا الذي يتلوه عليكم ذكر رحمة ربك. وقيل: " ذكر رحمة ربك " ~~رفع بإضمار مبتدأ، أي هذا ذكر رحمة ربك، وقرأ الحسن " ذكر رحمة ربك " أي ~~هذا المتلو من القرآن ذكر رحمة ربك. وقرى " ذكر " على الامر. " ورحمة " ~~تكتب ويوقف عليها بالهاء وكذلك كل ما كان مثلها، لا اختلاف فيها بين ~~النحويين. واعتلوا في ذلك أن هذه الهاء لتأنيث الأسماء فرقا بينها وبين ~~الافعال. # الثانية - قوله تعالى: " عبده " قال الأخفش: هو منصوب ب‍ " - رحمة ". " ~~زكريا " بدل منه، كما تقول: هذا ذكر ضرب زيد عمرا، فعمرا منصوب بالضرب، كما ~~أن " عبده " منصوب بالرحمة. وقيل: هو على التقديم والتأخير، معناه: ذكر ربك ~~عبده زكريا برحمة، ف‍ " - عبده " منصوب بالذكر، ذكره الزجاج والفراء. وقرأ ~~بعضهم " عبده زكريا " بالرفع، وهي قراءة أبي العالية. وقرأ يحيى بن يعمر: " ~~ذكر " بالنصب على معنى هذا القرآن ذكر رحمة عبده زكريا. وتقدمت اللغات ~~والقراءة في " زكريا " في " آل عمران " (3). # PageV11P075 # الثالثة - قوله تعالى: (إذ ms3927 نادى ربه نداء خفيا) مثل قوله: " ادعوا ربكم ~~تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين " [الأعراف: 55] (1) وقد تقدم. والنداء ~~الدعاء والرغبة، أي ناجى ربه بذلك في محرابه. دليله قوله: " فنادته ~~الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب " (2) [آل عمران: 39] فبين أنه استجاب ~~له في صلاته، كما نادى في الصلاة. واختلف في إخفائه هذا النداء، فقيل: ~~أخفاه من قومه لئلا يلام على مسألة الولد عند كبر السن، ولأنه أمر دنيوي، ~~فإن أجيب فيه نال بغيته، وإن لم يجب لم يعرف بذلك أحد. وقيل: مخلصا فيه لم ~~يطلع عليه إلا الله تعالى. وقيل: # لما كانت الأعمال الخفية أفضل وأبعد من الرياء أخفاه. وقيل: " خفيا " سرا ~~من قومه في جوف الليل، والكل محتمل والأول أظهر، والله أعلم. وقد تقدم أن ~~المستحب من الدعاء الاخفاء في سورة " الأعراف " (1) وهذه الآية نص في ذلك، ~~لأنه سبحانه أثنى بذلك على زكريا. وروى إسماعيل قال حدثنا مسدد قال حدثنا ~~يحيى بن سعيد عن أسامة بن زيد عن محمد بن عبد الرحمن وهو ابن أبي كبشة عن ~~سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن خير الذكر الخفي ~~وخير الرزق ما يكفي) وهذا عام. قال يونس بن عبيد: كان الحسن يرى أن يدعو ~~الامام في القنوت ويؤمن من خلفه من غير رفع صوت، وتلا يونس: # " إذ نادى ربه نداء خفيا ". قال ابن العربي: وقد أسر مالك القنوت وجهر به ~~الشافعي، والجهر به أفضل، لان النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو به جهرا. # قوله تعالى: (قال رب إني وهن العظم منى) فيه مسألتان (3): # الأولى - قوله تعالى: " قال رب إني وهن " قرئ " وهن " بالحركات الثلاث أي ~~ضعف. يقال: وهن يهن وهنا إذا ضعف فهو واهن. وقال أبو زيد يقال: وهن يهن ~~ووهن يوهن. وإنما ذكر العظم لأنه عمود البدن، وبه قوامه، وهو أصل بنائه، ~~فإذا وهن تداعى وتساقط سائر قوته، ولأنه أشد ما فيه وأصلبه، فإذا وهن كان ~~ما وراءه أوهن # PageV11P076 # منه. ووحده لان الواحد هو الدال ms3928 على معنى الجنسية، وقصده إلى أن هذا ~~الجنس الذي هو العمود والقوام، وأشد ما تركب منه الجسد قد أصابه الوهن، ولو ~~جمع لكان قصد إلى معنى آخر، وهو أنه لم يهن منه بعض عظامه ولكن كلها. # الثانية - قوله تعالى: (واشتعل الرأس شيبا) أدغم السين في الشين أبو ~~عمرو. # وهذا من أحسن الاستعارة في كلام العرب. والاشتعال انتشار شعاع النار، شبه ~~به انتشار الشيب في الرأس، يقول: شخت وضعفت، وأضاف الاشتعال إلى مكان الشعر ~~ومنبته وهو الرأس. ولم يضف الرأس اكتفاء بعلم المخاطب أنه رأس زكريا عليه ~~السلام. " وشيبا " في نصبه وجهان: أحدهما - أنه مصدر لان معنى اشتعل شاب، ~~وهذا قول الأخفش. # وقال الزجاج: وهو منصوب على التمييز. النحاس: قول الأخفش أولى لأنه مشتق ~~من فعل فالمصدر أولى به. والشيب مخالطة الشعر الأبيض الأسود. # الثالثة - قال العلماء: يستحب للمرء أن يذكر في دعائه نعم الله تعالى ~~عليه وما يليق بالخضوع، لان قوله تعالى: " وهن العظم مني " إظهار للخضوع. ~~وقوله: (ولم أكن بدعائك رب شقيا) إظهار لعادات تفضله في إجابته أدعيته، أي ~~لم أكن بدعائي إياك شقيا، أي لم تكن تخيب دعائي إذا دعوتك، أي إنك عودتني ~~الإجابة فيما مضى. يقال: # شقي بكذا أي تعب فيه ولم يحصل مقصوده. وعن بعضهم: أن محتاجا سأله وقال: ~~أنا الذي أحسنت إليه في وقت كذا، فقال: مرحبا بمن توسل بنا إلينا، وقضى ~~حاجته. # قوله تعالى: (وإني خفت الموالى من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من ~~لدنك وليا) فيه سبع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " وإني خفت الموالى " قرأ عثمان بن عفان ومحمد بن ~~علي وعلي ابن الحسين ويحيى بن يعمر رضي الله تعالى عنهم: " خفت " بفتح ~~الخاء وتشديد الفاء وكسر التاء وسكون الياء من " الموالي " لأنه في رفع ب‍ ~~" خفت " ومعناه انقطعت [أي] (1) بالموت. وقرأ الباقون " خفت " بكسر الخاء ~~وسكون الفاء وضم التاء ونصب الياء من " الموالي " لأنه # PageV11P077 # في موضع نصب ب‍ " - خفت " و " الموالي " هنا الأقارب بنو العم والعصبة ~~الذين يلونه في النسب. والعرب ms3929 تسمي بني العم الموالي. قال الشاعر: (1) مهلا ~~بني عمنا مهلا موالينا * لا تنبشوا بيننا ما كان مدفونا قال ابن عباس ~~ومجاهد وقتادة: خاف أن يرثوا ماله وأن ترثه الكلالة فأشفق أن يرثه غير ~~الولد. وقالت طائفة: إنما كان مواليه مهملين للدين فخاف بموته أن يضيع ~~الدين، فطلب وليا يقوم بالدين بعده، حكى هذا القول الزجاج، وعليه فلم يسل ~~من يرث ماله، لان الأنبياء لا تورث. وهذا هو الصحيح من القولين في تأويل ~~الآية، وأنه عليه الصلاة والسلام أراد وراثة العلم والنبوة لا وراثة المال، ~~لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # (إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة) وفي كتاب أبي داود: (إن ~~العلماء ورثة الأنبياء وأن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما ورثوا ~~العلم). وسيأتي في هذا مزيد بيان عند قوله: " يرثني ". # الثانية - هذا الحديث يدخل في التفسير المسند، لقوله تعالى: " وورث ~~سليمان داود " (2) وعبارة عن قول زكريا: " فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث ~~من آل يعقوب " وتخصيص للعموم في ذلك، وأن سليمان لم يرث من داود مالا خلفه ~~داود بعده، وإنما ورث منه الحكمة والعلم، وكذلك ورث يحيى من آل يعقوب، هكذا ~~قال أهل العلم بتأويل القرآن ما عدا الروافض، وإلا ما روى عن الحسن أنه ~~قال: " يرثني " مالا " ويرث من آل يعقوب " النبوة والحكمة، وكل قول يخالف ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم فهو مدفوع مهجور، قاله أبو عمر. قال ابن ~~عطية: والأكثر من المفسرين على أن زكريا إنما أراد وراثة المال، ويحتمل قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم: (إنا معشر الأنبياء لا نورث) ألا يريد به ~~العموم، بل على أنه غالب أمرهم، فتأمله. والأظهر الأليق بزكريا عليه السلام ~~أن يريد وراثة العلم والدين، فتكون الوراثة مستعارة. ألا ترى أنه لما طلب ~~وليا ولم يخصص ولدا بلغه الله تعالى أمله على أكمل الوجوه. وقال أبو صالح ~~وغيره: قوله " من آل يعقوب " يريد العلم والنبوة. # PageV11P078 # الثالثة - قوله تعالى: " من ورائي " قرأ ابن كثير ms3930 بالمد والهمز وفتح ~~الياء. وعنه أنه قرأ أيضا مقصورا مفتوح الياء مثل عصاي. الباقون بالهمز ~~والمد وسكون الياء. والقراء على قراءة " خفت " مثل نمت إلا ما ذكرنا عن ~~عثمان. وهي قراءة شاذة بعيدة جدا، حتى زعم بعض العلماء أنها لا تجوز. قال ~~كيف يقول: خفت الموالي من بعدي أي من بعد موتي وهو حي؟!. النحاس: والتأويل ~~لها ألا يعني بقوله: " من ورائي " أي من بعد موتى، ولكن من ورائي في ذلك ~~الوقت، وهذا أيضا بعيد يحتاج إلى دليل أنهم خفوا في ذلك الوقت وقلوا، وقد ~~أخبر الله تعالى بما يدل على الكثرة حين قالوا " أيهم يكفل مريم " (1). ابن ~~عطية " من ورائي " من بعدي في الزمن، فهو الوراء على ما تقدم في " الكهف " ~~(2). # الرابعة - قوله تعالى: " وكانت امرأتي عاقرا " امرأته هي إيشاع بنت ~~فاقوذا ابن قبيل، وهي أخت حنة بنت فاقوذا، قاله الطبري. وحنة هي أم مريم ~~حسب ما تقدم في " آل عمران " (1) بيانه. وقال القتبي: امرأة زكريا هي إيشاع ~~بنت عمران، فعلى هذا القول يكون يحيى ابن خالة عيسى عليهما السلام على ~~الحقيقة. وعلى القول الآخر يكون ابن خالة أمه. وفي حديث الاسراء قال عليه ~~الصلاة والسلام: (فلقيت ابني الخالة يحيى وعيسى) شاهدا للقول الأول (3). ~~والله أعلم. والعاقر التي لا تلد لكبر سنها، وقد مضى بيانه في " آل عمران ~~". # والعاقر من النساء أيضا التي لا تلد من غير كبر. ومنه قوله تعالى: " ~~ويجعل من يشاء عقيما " (4) [الشورى: 50]. وكذلك العاقر من الرجال، ومنه قول ~~عامر بن الطفيل: # لبئس الفتى إن كنت أعور عاقرا * جبانا فما عذري لدى كل محضر الخامسة - ~~قوله تعالى: " فهب لي من لدنك وليا " سؤال ودعاء. ولم يصرح بولد لما علم من ~~حاله وبعده عنه بسبب المرأة. قال قتادة: جرى له هذا الامر وهو ابن بضع ~~وسبعين سنة. مقاتل: خمس وتسعين سنة، وهو أشبه، فقد كان غلب على ظنه انه لا ~~يولد له لكبره، ولذلك قال: " وقد بلغت من الكبر عتيا ". وقالت طائفة: بل ~~طلب الولد، # PageV11P079 # ثم طلب ms3931 أن تكون الإجابة في أن يعيش حتى يرثه، تحفظا من أن تقع الإجابة في ~~الولد ولكن يحترم، ولا يتحصل منه الغرض. # السادسة - قال العلماء: دعاء زكريا عليه السلام في الولد إنما كان لاظهار ~~دينه، وإحياء نبوته، ومضاعفة لاجره لا للدنيا، وكان ربه قد عوده الإجابة، ~~ولذلك قال: # " ولم أكن بدعائك رب شقيا " أي بدعائي إياك. وهذه وسيلة حسنة، أن يتشفع ~~إليه بنعمه، ويستدر (1) فضله بفضله، يروى أن حاتم الجود لقيه رجل فسأله، ~~فقال له حاتم: من أنت؟ قال: # أنا الذي أحسنت إليه عام أول، فقال: مرحبا بمن تشفع إلينا بنا. فإن قيل ~~كيف أقدم زكريا على مسألة ما يخرق العادة دون إذن؟ فالجواب أن ذلك جائز في ~~زمان الأنبياء وفي القرآن ما يكشف عن هذا المعنى، فإنه تعالى قال: " كلما ~~دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من ~~عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب " [آل عمران: 37] فلما رأى خارق ~~العادة استحكم طمعه في إجابة دعوته، فقال تعالى: " هنالك دعا زكريا ربه قال ~~رب هب لي من لدنك ذرية طيبة " (2) [آل عمران: 38] الآية. # السابعة - إن قال قائل: هذه الآية تدل على جواز الدعاء بالولد، والله ~~سبحانه وتعالى قد حذرنا من آفات الأموال والأولاد، ونبه على المفاسد ~~الناشئة من ذلك، فقال: " إنما أموالكم وأولادكم فتنة " (3) [التغابن: 15]. ~~" إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم " (3) [التغابن: 14]. فالجواب ~~أن الدعاء بالولد معلوم من الكتاب والسنة حسب ما تقدم في " آل عمران " (2) ~~بيانه. ثم إن زكريا عليه السلام تحرز فقال: (ذرية طيبة) وقال: " واجعله رب ~~رضيا ". والولد إذا كان بهذه الصفة نفع أبويه في الدنيا والآخرة، وخرج من ~~حد العداوة والفتنة إلى حد المسرة والنعمة وقد دعا النبي صلى الله عليه ~~وسلم لانس خادمه فقال: (اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيما أعطيته) فدعا ~~له بالبركة تحرزا مما يؤدي إليه الاكثار من الهلكة. وهكذا فليتضرع العبد ~~إلى مولاه في هداية ولده، ونجاته في أولاه وأخراه ms3932 اقتداء بالأنبياء عليهم ~~الصلاة والسلام والفضلاء، [الأولياء] (4) وقد تقدم في " آل عمران " (2) ~~بيانه. # PageV11P080 # قوله تعالى: (يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا) فيه أربع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " يرثني " قرأ أهل الحرمين والحسن وعاصم وحمزة: " ~~يرثني ويرث " بالرفع فيهما. وقرأ يحيى بن يعمر وأبو عمرو ويحيى بن وثاب ~~والأعمش والكسائي: # بالجزم فيهما، وليس هما جواب " هب " على مذهب سيبويه، إنما تقديره إن ~~تهبه يرثني ويرث، والأول أصوب في المعنى لأنه طلب وارثا موصوفا، أي هب لي ~~من لدنك الولي الذي هذه حاله وصفته، لان الأولياء منهم من لا يرث، فقال: هب ~~لي الذي يكون وارثي، قاله أبو عبيد، ورد قراءة الجزم، قال: لان معناه إن ~~وهبت ورث، وكيف يخبر الله عز وجل بهذا وهو أعلم به منه؟! النحاس: وهذه حجة ~~متقصاة (1)، لان جواب الامر عند النحويين فيه معنى الشرط والمجازاة، تقول: ~~أطع الله تعالى يدخلك الجنة، أي إن تطعه يدخلك الجنة. # الثانية - قال النحاس: فأما معنى " يرثني ويرث من آل يعقوب " فللعلماء ~~فيه ثلاثة أجوبة، قيل: هي وراثة نبوة. وقيل: هي وراثة حكمة. وقيل: هي وراثة ~~مال. فأما قولهم وراثة نبوة فمحال، لان النبوة لا تورث، ولو كانت تورث لقال ~~قائل: الناس ينتسبون إلى نوح عليه السلام وهو نبي مرسل. ووراثة العلم ~~والحكمة مذهب حسن، وفي الحديث (العلماء ورثة الأنبياء). وأما وراثة المال ~~فلا يمتنع، وإن كان قوم قد أنكروه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا نورث ~~ما تركنا صدقة) فهذا لا حجة فيه، لان الواحد يخبر عن نفسه بإخبار الجمع. ~~وقد يؤول هذا بمعنى: لا نورث الذي تركنا صدقة، لان النبي صلى الله عليه ~~وسلم لم يخلف شيئا يورث عنه، وإنما كان الذي أباحه الله عز وجل إياه في ~~حياته بقوله تبارك اسمه: " واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ~~" [الأنفال: 41] لان معنى " لله " لسبيل الله، ومن سبيل الله ما يكون في ~~مصلحة الرسول صلى الله عليه وسلم ما دام حيا، فإن قيل: # ففي بعض ms3933 الروايات (إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة) ففيه ~~التأويلان جميعا، أن يكون " ما " بمعنى الذي. والآخر لا يورث من كانت هذه ~~حاله. وقال أبو عمر: وأختلف العلماء في تأويل قوله عليه السلام: (لا نورث ~~ما تركنا صدقة) على قولين: أحدهما - وهو # PageV11P081 # الأكثر وعليه الجمهور - أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يورث وما ترك ~~صدقة. والآخر - أن نبينا عليه الصلاة والسلام لم يورث، لان الله تعالى خصه ~~بأن جعل ماله كله صدقة زيادة في فضيلته، كما خص في النكاح بأشياء أباحها له ~~وحرمها على غيره، وهذا القول قاله بعض أهل البصرة منهم ابن علية، وسائر ~~علماء المسلمين على القول الأول. # الثالثة - قوله تعالى: " من آل يعقوب " قيل: هو يعقوب بن إسرائيل، وكان ~~زكريا متزوجا بأخت مريم بنت عمران، ويرجع نسبها إلى يعقوب، لأنها من ولد ~~سليمان بن داود وهو من ولد يهوذا بن يعقوب، وزكريا من ولد هارون أخي موسى، ~~وهرون وموسى من ولد لاوي بن يعقوب، وكانت النبوة في سبط يعقوب بن إسحاق. ~~وقيل: المعنى بيعقوب ها هنا يعقوب بن ما ثان أخو عمران بن ما ثان أبي مريم ~~أخوان من نسل سليمان بن داود عليهما السلام، لان يعقوب وعمران ابنا ما ثان، ~~وبنو ما ثان رؤساء بني إسرائيل، قاله مقاتل وغيره. # وقال الكلبي: وكان آل يعقوب أخواله، وهو يعقوب بن ما ثان، وكان فيهم ~~الملك، وكان زكريا من ولد هارون بن عمران أخي موسى. وروى قتادة أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: # (يرحم الله - تعالى - زكريا ما كان عليه من ورثته). ولم ينصرف يعقوب لأنه ~~أعجمي. # الرابعة - قوله تعالى: " واجعله رب رضيا " أي مرضيا في أخلاقه وأفعاله. # وقيل: راضيا بقضائك وقدرك. وقيل: رجلا صالحا ترضى عنه. وقال أبو صالح: ~~نبيا كما جعلت أباه نبيا. # قوله تعالى: " يا زكريا " في الكلام حذف، أي فاستجاب الله دعاءه فقال: " ~~يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى " فتضمنت هذه البشرى ثلاثة أشياء: ~~أحدها - إجابة دعائه، وهي كرامة. الثاني - إعطاؤه ms3934 الولد وهو قوة. الثالث - ~~أن يفرد بتسميته، وقد تقدم معنى تسميته [بيحيى] (1) في " آل عمران " (2). ~~وقال مقاتل: سماه يحيى لأنه حيي بين أب شيخ وأم عجوز، وهذا فيه نظر، لما ~~تقدم من أن امرأته كانت عقيما لا تلد. والله أعلم. # PageV11P082 # قوله تعالى: (لم نجعل له من قبل سميا) أي لم نسم أحدا قبل يحيى بهذا ~~الاسم، قاله ابن عباس وقتادة وابن أسلم والسدي. ومن عليه تعالى بأن لم يكل ~~تسميته إلى الأبوين. # وقال مجاهد وغيره: " سميا " معناه مثلا ونظيرا، وهو مثل قوله تعالى: " هل ~~تعلم له سميا " (1) [مريم: 65] معناه مثلا ونظيرا [وهذا] (2) كأنه من ~~المساماة والسمو، هذا فيه بعد، لأنه لا يفضل على إبراهيم وموسى، اللهم إلا ~~أن يفضل في خاص كالسؤدد والحصر حسب ما تقدم بيانه " في آل عمران " (3). # وقال ابن عباس أيضا: معناه لم تلد العواقر مثله ولدا. وقيل: إن الله ~~تعالى اشترط القبل، لأنه أراد أن يخلق بعده أفضل منه وهو محمد صلى الله ~~عليه وسلم. وفي هذه الآية دليل وشاهد على أن الأسامي السنع (4) جديرة ~~بالأثرة، وإياها كانت العرب تنتحي في التسمية لكونها أنبه وأنزه عن النبز ~~حتى قال قائل: # سنع الأسامي مسبلي أزر * حمر تمس الأرض بالهدب وقال رؤبة للنسابة البكري ~~وقد سأله عن نسبه: أنا ابن العجاج، فقال: قصرت وعرفت. # قوله تعالى: (قال رب أنى يكون لي غلام) ليس على معنى الانكار لما أخبر ~~الله تعالى به، بل على سبيل التعجب من قدرة الله تعالى أن يخرج ولدا من ~~امرأة عاقر وشيخ كبير. # وقيل: غير هذا مما تقدم في " آل عمران " (3) بيانه. (وقد بلغت من الكبر ~~عتيا) يعني النهاية في الكبر واليبس والجفاف، ومثله العسي، قال الأصمعي: ~~عسا الشئ يعسو عسوا وعساء ممدود أي يبس وصلب، وقد عسا الشيخ يعسو عسيا ولى ~~وكبر مثل عتا، يقال: عتا الشيخ يعتو عتيا وعتيا كبر وولى، وعتوت يا فلان ~~تعتو عتوا وعتيا. والأصل عتو لأنه من ذوات الواو، فأبدلوا من الواو ياء، ~~لأنها أختها وهي أخف منها، ms3935 والآيات على الياءات. ومن قال: # " عتيا " كره الضمة مع الكسرة والياء، وقال الشاعر: # إنما يعذر الوليد ولا يعذر * من كان في الزمان عتيا # PageV11P083 # وقرأ ابن عباس " عسيا " وهو كذلك في مصحف أبي. وقرأ يحيي بن وثاب وحمزة ~~والكسائي وحفص: " عتيا " بكسر العين وكذلك " جثيا " و " صليا " حيث كن. وضم ~~حفص " بكيا " خاصة، وكذلك الباقون في الجميع، وهما لغتان. وقيل: " عتيا " ~~قسيا، يقال: ملك عات إذا كان قاسي القلب. # قوله تعالى: (قال كذلك قال ربك هو علي هين) أي قال له الملك " كذلك قال ~~ربك " والكاف في موضع رفع، أي الامر كذلك، أي كما قيل لك: " هو علي هين ". # قال الفراء: خلقه علي هين. (وقد خلقتك من قبل) أي من قبل يحيى. وهذه ~~قراءة أهل المدينة والبصرة وعاصم. وقرأ سائر الكوفيين " وقد خلقناك " بنون ~~وألف بالجمع على التعظيم. # والقراءة الأولى أشبه بالسواد. (ولم تك شيئا) أي كما خلقك الله تعالى بعد ~~العدم ولم تك شيئا موجودا، فهو القادر على خلق يحيى وإيجاده. # قوله تعالى: (قال رب اجعل لي آية) طلب آية على حملها (1) بعد بشارة ~~الملائكة إياه، وبعد قول الله تعالى: " وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا " ~~زيادة طمأنينة، أي تمم النعمة بأن تجعل لي آية، وتكون تلك الآية زيادة نعمة ~~وكرامة. وقيل: طلب آية تدله على أن البشرى منه بيحيى لا من الشيطان، لان ~~إبليس أو همه ذلك. قاله الضحاك وهو معنى قول السدي، وهذا فيه نظر لاخبار ~~الله تعالى بأن الملائكة نادته حسب ما تقدم في " آل عمران " (2). # (قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا) تقدم في (آل عمران) (2) بيانه ~~فلا معنى للإعادة. # قوله تعالى: (فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا) ~~فيه خمس مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " فخرج على قومه من المحراب " أي أشرف عليهم من ~~المصلى. # والمحراب أرفع المواضع، وأشرف المجالس، وكانوا يتخذون المحاريب فيما ~~أرتفع من الأرض، دليله محراب داود عليه السلام على ما يأتي. واختلف الناس ~~في اشتقاقه، فقالت ms3936 فرقة: # PageV11P084 # هو مأخوذ من الحرب كأن (؟ يلازمه) يحارب الشيطان والشهوات. وقالت فرقة: ~~هو مأخوذ من الحرب (بفتح الراء) كأن ملازمه يلقى منه حربا وتعبا ونصبا. # الثانية - هذه الآية تدل على أن ارتفاع إمامهم على المأمومين كان مشروعا ~~عندهم في صلاتهم. وقد اختلف في هذه المسألة فقهاء الأمصار، فأجاز ذلك ~~الإمام أحمد [ابن حنبل] (1) وغيره متمسكا بقصة المنبر. ومنع مالك ذلك في ~~الارتفاع الكثير دون اليسير، وعلل أصحابه المنع بخوف الكبر على الامام. # قلت: وهذا فيه نظر، وأحسن ما فيه ما رواه أبو داود عن همام أن حذيفة أم ~~الناس بالمدائن على دكان، فأخذ أبو مسعود بقميصه فجبذه (2)، فلما فرغ من ~~صلاته قال: ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن هذا - أو - ينهى عن ذلك! قال: ~~بلى، قد ذكرت حين مددتني. # وروي أيضا عن عدي بن ثابت الأنصاري قال: حدثني رجل أنه كان مع عمار بن ~~ياسر بالمدائن، فأقيمت الصلاة فتقدم عمار بن ياسر، وقام على دكان يصلي ~~والناس أسفل منه، فتقدم حذيفة فأخذ على يديه فاتبعه عمار حتى أنزله حذيفة، ~~فلما فرغ عمار من صلاته، قال له حذيفة: ألم تسمع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: (إذا أم الرجل القوم فلا يقم في مكان أرفع من مقامهم) أو نحو ~~ذلك، فقال عمار: لذلك اتبعتك حين أخذت على يدي. # قلت: فهؤلاء ثلاثة من الصحابة قد أخبروا بالنهي عن ذلك، ولم يحتج أحد ~~منهم على صاحبه بحديث المنبر فدل على أنه منسوخ، ومما يدل على نسخه أن فيه ~~عملا زائدا في الصلاة، وهو النزول والصعود، فنسخ كما نسخ الكلام والسلام. ~~وهذا أولى مما أعتذر به أصحابنا من أن النبي صلى الله عليه وسلم كان معصوما ~~من الكبر، لان كثيرا من الأئمة يوجد لا كبر عندهم، ومنهم من علله بأن ~~ارتفاع المنبر كان يسيرا، والله أعلم. # الثالثة - قوله تعالى: " فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا " قال الكلبي ~~وقتادة وابن منبه: أوحى إليهم أشار. القتبي: أومأ (3). مجاهد: كتب على ~~الأرض. عكرمة: كتب في كتاب. ms3937 # والوحي في كلام العرب الكتابة، ومنه قول ذي الرمة: # PageV11P085 # سوى الأربع الدهم اللواتي كأنها * بقية وحي في بطون الصحائف وقال عنترة: # كوحي صحائف من عهد كسرى * فأهداها لأعجم طمطمي (1) و " بكرة وعشيا " ~~ظرفان. وزعم الفراء أن العشي يؤنث ويجوز تذكيره إذا أبهمت، قال: # وقد يكون العشي جمع عشية. # الرابعة - قد تقدم الحكم في الإشارة في " آل عمران " (2). واختلف علماؤنا ~~فيمن حلف ألا يكلم إنسانا فكتب إليه كتابا، أو أرسل إليه رسولا، فقال مالك: ~~إنه يحنث إلا أن ينوي مشافهته، ثم رجع فقال: لا ينوى في الكتاب ويحنث إلا ~~أن يرتجع الكتاب قبل وصوله. # قال ابن القاسم: إذا قرأ كتابه حنث، وكذلك لو قرأ الحالف كتاب المحلوف ~~عليه. وقال أشهب: لا يحنث إذا قرأه الحالف، وهذا بين، لأنه لم يكلمه ولا ~~ابتدأه بكلام إلا أن يريد ألا يعلم معنى كلامه فإنه يحنث وعليه يخرج قول ~~ابن القاسم. فإن حلف ليكلمنه لم يبر إلا بمشافهته، وقال ابن الماجشون: وإن ~~حلف لئن علم كذا ليعلمنه أو ليخبرنه فكتب إليه أو أرسل إليه رسولا بر، ولو ~~علماه جميعا لم يبر، حتى يعلمه لان علمهما مختلف. # الخامسة - واتفق مالك والشافعي والكوفيون أن الأخرس إذا كتب الطلاق بيده ~~لزمه، قال الكوفيون: إلا أن يكون رجل أصمت أياما فكتب لم يجز من ذلك شئ. ~~قال الطحاوي: الخرس مخالف للصمت العارض، كما أن العجز عن الجماع العارض ~~لمرض ونحوه يوما أو نحوه مخالف للعجز المأيوس منه الجماع، نحو الجنون في ~~باب خيار المرأة في الفرقة. # قوله تعالى: (يا يحيى خذ الكتاب بقوة) في الكلام حذف، المعنى فولد له ولد ~~وقال الله تعالى للمولود: " يا يحيى خذ الكتاب بقوة ". وهذا اختصار يدل ~~الكلام عليه. و " الكتاب " التوراة بلا خلاف. " بقوة " أي بجد واجتهاد، ~~قاله مجاهد. وقيل العلم به، والحفظ له والعمل به، وهو الالتزام لأوامره، ~~والكف عن نواهيه، قاله زيد بن أسلم، وقد تقدم # PageV11P086 # في " البقرة " (1). [قوله تعالى] (2): (وآتيناه الحكم صبيا) قيل: الاحكام ~~والمعرفة بها. وروى معمر أن الصبيان ms3938 قالوا ليحيى: اذهب بنا نلعب، فقال: ما ~~للعب خلقت. فأنزل الله تعالى " وآتيناه الحكم صبيا ". وقال قتادة: كان ابن ~~سنتين أو ثلاث سنين. وقال مقاتل: # كان ابن ثلاث سنين. و " صبيا " نصب على الحال. وقال ابن عباس: من قرأ ~~القرآن قبل أن يحتلم فهو ممن أوتي الحكم صبيا. وروي في تفسير هذه الآية من ~~طريق عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كل بني آدم يأتي ~~يوم القيامة وله ذنب إلا ما كان من يحيى بن زكريا). وقال قتادة: إن يحيى ~~عليه السلام لم يعص الله [تعالى] (3) قط بصغيرة ولا كبيرة ولا هم بامرأة. ~~وقال مجاهد: وكان طعام يحيى عليه السلام العشب، كان للدمع في خديه مجار ~~ثابتة. وقد مضى الكلام في معنى قوله: " وسديدا وحصورا " [آل عمران: 39] في ~~" آل عمران " (4). # قوله تعالى: (وحنانا من لدنا) " حنانا " عطف على " الحكم ". وروي عن ابن ~~عباس أنه قال: والله ما أدري ما " الحنان "؟. وقال جمهور المفسرين: الحنان ~~الشفقة والرحمة والمحبة، وهو فعل من أفعال النفس. النحاس: وفي معنى الحنان ~~عن ابن عباس قولان: أحدهما - قال: تعطف الله عز وجل عليه بالرحمة. والقول ~~الآخر ما أعطيه من رحمه الناس حتى يخلصهم من الكفر والشرك (5). وأصله من ~~حنين الناقة على ولدها. ويقال: حنانك وحنانيك، قيل: هما لغتان بمعنى واحد. ~~وقيل: حنانيك تثنية الحنان. وقال أبو عبيدة: والعرب تقول: # حنانك يا رب وحنانيك يا رب بمعنى واحد، تريد رحمتك. وقال أمرؤ القيس: # ويمنحها بنو شمجى بن جرم * معيزهم حنانك ذا الحنان (6) وقال طرفة: # أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا * حنانيك بعض الشر أهون من بعض وقال ~~الزمخشري: " حنانا " رحمة لأبويه وغيرهما وتعطفا وشفقة، وأنشد سيبويه: # فقالت حنان ما أتى بك هاهنا * أذو نسب أم أنت بالحي عارف # PageV11P087 # قال ابن الأعرابي: الحنان من صفة الله تعالى مشددا الرحيم. والحنان مخفف: ~~العطف والرحمة. والحنان: الرزق والبركة. ابن عطية: والحنان في كلام العرب ~~أيضا ما عظم من الأمور في ذات الله تعالى، ومنه قول زيد ms3939 بن عمرو بن نفيل في ~~حديث بلال: والله لئن قتلتم هذا العبد لاتخذن قبره حنانا، وذكر هذا الخبر ~~الهروي، فقال: وفي حديث بلال ومر عليه ورقة بن نوفل وهو يعذب فقال: والله ~~لئن قتلتموه لأتخذنه حنانا، أي لا تمسحن به. وقال الأزهري: معناه لا تعطفن ~~عليه ولا ترحمن عليه لأنه من أهل الجنة. # قلت: فالحنان العطف، وكذا قال مجاهد. و " حنانا " أي تعطفا منا عليه أو ~~منه على الخلق، قال الحطيئة: # تحنن علي هداك المليك * فإن لكل مقام مقالا عكرمة: محبة. وحنة الرجل ~~امرأته لتوادهما، قال الشاعر: # فقالت حنان ما أتى بك هاهنا * أذو نسب أم أنت بالحي عارف قوله تعالى: ~~(وزكاة) " الزكاة " التطهير والبركة والتنمية في وجوه الخير والبر، أي ~~جعلناه مباركا للناس يهديهم. وقيل: المعنى زكيناه بحسن الثناء عليه كما ~~تزكي الشهود إنسانا. وقيل: # " زكاة " صدقة به على أبويه، قاله ابن قتيبة. (وكان تقيا) أي مطيعا لله ~~تعالى، ولهذا لم يعمل خطيئة ولم يلم بها. # قوله تعالى: (وبرا بوالديه) البر بمعنى البار وهو الكثير البر. و (جبارا) ~~متكبرا وهذا وصف ليحيى عليه السلام بلين الجانب وخفض الجناح. # قوله تعالى: " وسلام عليه يوم ولد " قال الطبري وغيره: معناه أمان. ابن ~~عطية: # والأظهر عندي أنها التحية المتعارفة فهي أشرف وأنبه من الأمان، لان ~~الأمان متحصل له بنفي العصيان عنه وهي أقل درجاته، وإنما الشرف في أن سلم ~~الله تعالى عليه، وحياه في المواطن التي الانسان فيها في غاية الضعف ~~والحاجة وقلة الحيلة والفقر إلى الله تعالى (1) عظيم الحول. # PageV11P088 # قلت: وهذا قول حسن، وقد ذكرنا معناه عن سفيان بن عيينة في سورة " سبحان " ~~(1) [الاسراء: 1] عند قتل يحيى. وذكر الطبري عن الحسن أن عيسى ويحيى التقيا ~~- وهما ابنا الخالة - فقال يحيى لعيسى: ادع الله لي فأنت خير مني، فقال له ~~عيسى: بل أنت ادع الله لي فأنت خير مني، سلم الله عليك وأنا سلمت على نفسي، ~~فانتزع بعض العلماء من هذه الآية في التسليم فضل عيسى، بأن قال: إدلاله ~~التسليم على نفسه ms3940 ومكانته من الله تعالى التي اقتضت ذلك حين قرر وحكى في ~~محكم التنزيل أعظم في المنزلة من أن يسلم عليه. قال ابن عطية: ولكل وجه. # قوله تعالى: واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا (16) ~~فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا (17) قالت ~~إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا (18) قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك ~~غلاما زكيا (19) قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا (20) ~~قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا ~~(21) فحملته فانتبذت به مكانا قصيا (22) فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة ~~قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا (23) فنادها من تحتها ألا تحزني ~~قد جعل ربك تحتك سريا (24) وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا ~~(25) فكلي واشربي وقرى عينا فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن ~~صوما فلن أكلم اليوم إنسيا (26) # PageV11P089 # قوله تعالى: (واذكر في الكتاب مريم) القصة إلى آخرها. هذا ابتداء قصة ~~ليست من الأولى. والخطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم، أي عرفهم قصتها ليعرفوا ~~كمال قدرتنا. # (إذ انتبذت) أي تنحت وتباعدت. والنبذ الطرح والرمي، قال الله تعالى: " ~~فنبذوه وراء ظهورهم " (2) [آل عمران: 187]. (من أهلها) أي ممن كان معها. " ~~إذ " بدل من " مريم " بدل اشتمال، لان الأحيان مشتملة على ما فيها. ~~والانتباذ الاعتزال والانفراد. واختلف الناس لم انتبذت، فقال السدي: انتبذت ~~لتطهر من حيض أو نفاس. وقال غيره: لتعبد الله، وهذا حسن. # وذلك أن مريم عليها السلام كانت وقفا على سدانة المعبد (2) وخدمته ~~والعبادة فيه، فتنحت من الناس لذلك، ودخلت المسجد إلى جانب المحراب في ~~شرقيه لتخلو للعبادة، فدخل عليها جبريل عليه السلام. فقوله: (مكانا شرقيا) ~~أي مكانا من جانب الشرق. والشرق بسكون الراء المكان الذي تشرق فيه الشمس. ~~والشرق بفتح الراء الشمس. وإنما خص المكان بالشرق لأنهم كانوا يعظمون جهة ~~المشرق ومن حيث تطلع الأنوار، وكانت الجهات الشرقية من كل شئ أفضل من ms3941 ~~سواها، حكاه الطبري. وحكى عن ابن عباس أنه قال: إني لاعلم الناس لم أتخذ ~~النصارى المشرق قبلة لقول الله عز وجل: " إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا " ~~فاتخذوا ميلاد عيسى عليه السلام قبلة، وقالوا: لو كان شئ من الأرض خيرا من ~~المشرق لوضعت مريم عيسى عليه السلام فيه. واختلف الناس في نبوة مريم، فقيل: # كانت نبية بهذا الارسال والمحاورة للملك. وقيل: لم تكن نبية وإنما كلمها ~~مثال بشر، ورؤيتها للملك كما رؤي جبريل [عليه السلام] (3) في صفة دحية ~~[الكلبي] (3) حين سؤاله عن الايمان والاسلام. # والأول أظهر. وقد مضى الكلام في هذا المعنى مستوفى في " أل عمران " (4) ~~والحمد لله. # قوله تعالى: (فأرسلنا إليها روحنا) قيل: هو روح عيسى عليه السلام، لان ~~الله تعالى خلق الأرواح قبل الأجساد، فركب الروح في جسد عيسى عليه السلام ~~الذي خلقه في بطنها. # وقيل: هو جبريل وأضيف الروح إلى الله تعالى تخصيصا وكرامة. والظاهر أنه ~~جبريل عليه # PageV11P090 # السلام، لقوله: (فتمثل لها) أي تمثل الملك لها. (بشرا) تفسير أو حال. ~~(سويا) أي مستوي الخلقة، لأنها لم تكن لتطيق أو تنظر جبريل في صورته. ولما ~~رأت رجلا حسن الصورة في صورة البشر قد خرق عليها الحجاب ظنت أنه يريدها ~~بسوء ف‍ (- قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا) أي ممن يتقي الله. ~~البكالي: فنكص جبريل عليه السلام فزعا من ذكر الرحمن تبارك وتعالى. ~~الثعلبي: كان رجلا صالحا فتعوذت به تعجبا. وقيل: # تقي فعيل بمعنى مفعول أي كنت ممن يتقى منه. في البخاري قال أبو وائل: ~~علمت مريم أن التقي ذو نهية حين قالت: " إن كنت تقيا ". وقيل: تقي اسم فاجر ~~معروف في ذلك الوقت قاله وهب بن منبه، حكاه مكي وغيره ابن عطية: وهو ضعيف ~~ذاهب مع التخرص. فقال لها جبريل عليه السلام: (إنما أنا رسول ربك لأهب لك ~~غلاما زكيا) جعل الهبة من قبله لما كان الاعلام بها من قبله. وقرأ ورش عن ~~نافع " ليهب لك " على معنى أرسلني الله ليهب لك. وقيل: معنى " لأهب " ~~بالهمز ms3942 محمول على المعنى، أي قال: # أرسلته لأهب لك. ويحتمل " ليهب " بلا همز أن يكون بمعنى المهموز ثم خففت ~~الهمزة. # فلما سمعت مريم ذلك من قوله استفهمت عن طريقه ف‍ (- قالت أنى يكون لي ~~غلاما ولم يمسسني بشر) أي بنكاح. (ولم أك بغيا) أي زانية. وذكرت هذا ~~تأكيدا، لان قولها لم يمسسني بشر يشمل الحلال والحرام. وقيل: ما استبعدت من ~~قدرة الله تعالى شيئا ولكن أرادت كيف يكون هذا الولد؟ من قبل الزوج في ~~المستقبل أم يخلقه الله ابتداء؟ وروي أن جبريل عليه السلام حين قال لها هذه ~~المقالة نفخ في جيب درعها وكمها، قاله ابن جريج. # ابن عباس: أخذ جبريل عليه السلام ردن قميصها بإصبعه فنفخ فيه فحملت من ~~ساعتها بعيسى. # قال الطبري: وزعمت النصارى أن مريم حملت بعيسى ولها ثلاث عشرة سنة، وأن ~~عيسى عاش إلى أن رفع اثنتين وثلاثين سنة وأياما، وأن مريم بقيت بعد رفعه ست ~~سنين، فكان جميع عمرها نيفا (1) وخمسين سنة. وقوله: (ولنجعله) متعلق ~~بمحذوف، أي ونخلقه لنجعله: (آية) دلالة على قدرتنا عجيبة (ورحمة) [أي] (2) ~~لمن آمن به. (وكان أمرا مقضيا) مقدرا (3) في اللوح مسطورا. # PageV11P091 # قوله تعالى: (فانتبذت به مكانا قصيا) أي تنحت بالحمل إلى مكان بعيد، قال ~~ابن عباس: إلى أقصى الوادي، وهو وادي بيت لحم بينه وبين إيلياء أربعة ~~أميال، وإنما بعدت فرارا من تعيير قومها إياها بالولادة من غير زوج. قال ~~ابن عباس: ما هو إلا أن حملت فوضعت في الحال وهذا هو الظاهر، لان الله ~~تعالى ذكر الانتباذ عقب الحمل. وقيل: غير ذلك على ما يأتي: # قوله تعالى: (فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة) " أجاءها " [بمعنى] (1) ~~اضطرها، وهو تعدية جاء بالهمز. يقال: جاءه (2) به وأجاءه إلى موضع كذا، كما ~~يقال: ذهب به وأذهبه. وقرأ شبيل ورويت عن عاصم " فاجأها " من المفاجأة. وفي ~~مصحف أبي " فلما أجاءها المخاض ". # وقال زهير: # وجار سار معتمدا إلينا * أجاءته المخافة والرجاء وقرأ الجمهور " المخاض " ~~بفتح الميم. وابن كثير فيما روي عنه بكسرها وهو الطلق وشدة الولادة ~~وأوجاعها. ms3943 مخضت المرأة تمخض مخاضا ومخاضا. وناقة ماخض أي دنا ولادها. # " إلى جذع النخلة " كأنها طلبت شيئا تستند إليه وتتعلق به، كما تتعلق ~~الحامل لشدة وجع الطلق. والجذع ساق النخلة اليابسة في الصحراء الذي لا سعف ~~عليه ولا غصن ولهذا لم يقل إلى النخلة. (قالت يا ليتني مت قبل هذا) تمنت ~~مريم عليها السلام الموت من جهة الدين لوجهين: أحدهما - أنها خافت أن يظن ~~بها الشر في دينها وتعير فيفتنها ذلك. # الثاني - لئلا يقع قوم بسببها في البهتان والنسبة إلى الزنى وذلك مهلك. ~~وعلى هذا الحد يكون تمني الموت جائزا، وقد مضى هذا المعنى مبينا في سورة " ~~يوسف " (3) عليه السلام. # والحمد لله. # قلت: وقد سمعت أن مريم عليها السلام سمعت نداء من يقول: اخرج يا من يعبد ~~من دون الله فحزنت لذلك، و (قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا). ~~النسي في كلام العرب الشئ الحقير الذي شأنه أن ينسى ولا يتألم لفقده كالوتد ~~والحبل للمسافر ونحوه. # PageV11P092 # وحكي عن العرب أنهم إذا أرادوا الرحيل عن منزل قالوا: احفظوا أنساءكم، ~~الأنساء جمع نسي وهو الشئ الحقير يغفل فينسى. ومنه قول الكميت رضي الله ~~تعالى عنه: # أتجعلنا جسرا لكلب قضاعة * ولست بنسي في معد ولا دخل وقال الفراء: النسي ~~ما تلقيه المرأة من خرق اعتلالها، فقول مريم: " نسيا منسيا " أي حيضة ~~ملقاة. وقرئ " نسيا " بفتح النون وهما لغتان مثل الحجر والحجر والوتر ~~والوتر. وقرأ محمد بن كعب القرظي بالهمز: " نسئا " بكسر النون. وقرأ نوف ~~البكالي: " نسئا " بفتح النون من نسأ الله تعالى في أجله أي أخره. وحكاها ~~أبو الفتح والداني عن محمد بن كعب. وقرأ بكر بن حبيب: # " نسا " بتشديد السين وفتح النون دون همز. وقد حكى الطبري في قصصها أنها ~~لما حملت بعيسى عليه السلام حملت أيضا أختها بيحيى، فجاءتها أختها زائرة ~~فقالت: مريم أشعرت أنت أني حملت؟ فقالت لها: وإني أجد ما في بطني يسجد لما ~~في بطنك، وذلك أنه روي أنها أحست بجنينها يخر برأسه إلى ناحية بطن ms3944 مريم، ~~قال السدي فذلك قوله: " مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من ~~الصالحين " (1) [آل عمران: 39]. وذكر أيضا من قصصها أنها خرجت فارة مع رجل ~~من بني إسرائيل يقال له يوسف النجار، كان يخدم معها في المسجد وطول في ذلك. ~~قال الكلبي: قيل ليوسف - وكانت سميت له أنها حملت من الزنى - فالآن يقتلها ~~الملك، فهرب بها، فهم في الطريق بقتلها، فأتاه جبريل عليه السلام وقال له: ~~إنه من روح القدس، قال ابن عطية: وهذا كله ضعيف. وهذه القصة تقتضي أنها ~~حملت، واستمرت حاملا على عرف النساء (2)، وتظاهرت الروايات بأنها ولدته ~~لثمانية أشهر. قاله عكرمة، ولذلك قيل: لا يعيش ابن ثمانية أشهر حفظا لخاصة ~~عيسى. وقيل: ولدته لتسعة. وقيل: لستة. # وما ذكرناه عن ابن عباس أصح وأظهر. والله أعلم. # قوله تعالى: (فنادها من تحتها) قرئ بفتح الميم وكسرها. قال ابن عباس: ~~المراد ب‍ " - من " جبريل، ولم يتكلم عيسى حتى أتت به قومها، وقاله علقمة ~~والضحاك وقتادة، ففي هذا لها آية وأمارة أن هذا من الأمور الخارقة للعادة ~~التي لله [تعالى] (3) فيها مراد عظيم. وقوله: # PageV11P093 # (ألا تحزني) تفسير النداء، و " أن " مفسرة بمعنى أي، المعنى: فلا تحزني ~~بولادتك. # (قد جعل ربك تحتك سريا) يعني عيسى. والسري من الرجال العظيم الخصال ~~السيد. قال الحسن: كان والله سريا من الرجال. ويقال: سري فلان على فلان أي ~~تكرم. وفلان سري من قوم سراة. وقال الجمهور: أشار لها إلى الجدول الذي كان ~~قريب جذع النخلة. # قال ابن عباس: كان ذلك نهرا قد انقطع ماؤه فأجراه الله تعالى لمريم. ~~والنهر يسمى سريا لان الماء يسري فيه، قال الشاعر: # سلم (1) ترى الدالي منه أزورا * إذا يعب في السرى هرهرا وقال لبيد: # فتوسطا عرض السرى وصدعا (2) * مسجورة متجاورا قلامها وقيل: ناداها عيسى ~~(3)، وكان ذلك معجزة وآية وتسكينا لقلبها، والأول أظهر. وقرأ ابن عباس: # (فناداها ملك من تحتها) قالوا: وكان جبريل عليه السلام في بقعة من الأرض ~~أخفض من البقعة التي كانت هي عليها. # قوله تعالى: (وهزي إليك بجذع النخلة ms3945 تساقط عليك رطبا جنيا. فكلي واشربي ~~وقرى عينا) فيه أربع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " وهزي " أمرها بهز الجذع اليابس لترى آية أخرى في ~~إحياء موات الجذع. والباء في قوله: " بجذع " زائدة مؤكدة كما يقال: خذ ~~بالزمام، وأعط بيدك قال الله تعالى: " فليمدد بسبب إلى السماء " (4) أي ~~فليمدد سببا. وقيل: المعنى وهزي إليك رطبا على جذع النخلة. " وتساقط " أي ~~تتساقط فأدغم التاء في السين. وقرأ حمزة " تساقط " مخففا فحذف التي أدغمها ~~غيره. وقرأ عاصم في رواية حفص " تساقط " بضم التاء مخففا وكسر القاف. وقرئ: ~~" تتساقط " بإظهار التاءين و " يساقط " بالياء وإدغام التاء " وتسقط " # PageV11P094 # و " يسقط " و " تسقط " و " يسقط " بالتاء للنخلة وبالياء للجذع، فهذه تسع ~~قراءات ذكرها الزمخشري رحمة الله تعالى عليه. " رطبا " نصب بالهز، أي إذا ~~هززت الجذع هززت بهزه " رطبا جنيا " وعلى الجملة ف‍ " - رطبا " يختلف نصبه ~~بحسب معاني القراءات، فمرة يستند الفعل إلى الجذع، ومرة إلى الهز، ومرة إلى ~~النخلة. " وجنيا " معناه قد طابت وصلحت للاجتناء، وهي من جنيت الثمرة. ~~ويروى عن ابن مسعود - ولا يصح - أنه قرأ " تساقط عليك رطبا جنيا برنيا " ~~(1). وقال مجاهد: " رطبا جنيا " قال: كانت عجوة. # وقال عباس بن الفضل: سألت أبا عمرو بن العلاء عن قوله: " رطبا جنيا " ~~فقال: لم يذو. # قال وتفسيره: لم يجف ولم ييبس ولم يبعد عن يدي مجتنيه، وهذا هو الصحيح. ~~قال الفراء: الجني والمجني واحد يذهب إلى أنهما بمنزلة القتيل والمقتول ~~والجريح والمجروح. # وقال غير الفراء: الجني المقطوع من نخلة واحدة، والمأخوذ من مكان نشأته، ~~وأنشدوا: # وطيب ثمار في رياض أريضة * وأغصان أشجار جناها على قرب يريد بالجني ما ~~يجنى منها أي يقطع ويؤخذ. قال ابن عباس: كان جذعا نخزا فلما هزت نظرت إلى ~~أعلى الجذع فإذا السعف قد طلع، ثم نظرت إلى الطلع قد خرج من بين السعف، ثم ~~أخضر فصار بلحا ثم احمر فصار زهوا، ثم رطبا، كل ذلك في طرفة عين، فجعل ~~الرطب يقع بين يديها لا ينشدخ منه شئ. # الثانية - استدل بعض الناس من ms3946 هذه الآية على أن الرزق وإن كان محتوما، ~~فإن الله تعالى قد وكل ابن آدم إلى سعي ما فيه، لأنه أمر مريم بهز النخلة ~~(2) لترى آية، وكانت الآية تكون بألا تهز. # الثالثة - الامر بتكليف الكسب في الرزق سنة الله تعالى في عباده، وأن ذلك ~~لا يقدح في التوكل، خلافا لما تقوله جهال المتزهدة، وقد تقدم هذا المعنى ~~والخلاف فيه. # وقد كانت قبل ذلك يأتيها رزقها من غير تكسب كما قال: " كلما دخل عليها ~~زكريا المحراب # PageV11P095 # وجد عندها رزقا " (1) الآية [آل عمران: 37]. فلما ولدت أمرت بهز الجذع. ~~قال علماؤنا: لما كان قلبها فارغا فرغ الله جارحتها عن النصب، فلما ولدت ~~عيسى وتعلق قلبها بحبه، واشتغل سرها بحديثه وأمره، وكلها إلى كسبها، وردها ~~إلى العادة بالتعلق بالأسباب في عباده. وحكى الطبري عن ابن زيد أن عيسى ~~عليه السلام قال لها: لا تحزني، فقالت له وكيف لا أحزن وأنت معي؟! # لا ذات زوج ولا مملوكة! أي شئ عذري عند الناس؟!! " يا ليتني مت قبل هذا ~~وكنت نسيا منسيا " فقال لها عيسى: أنا أكفيك الكلام. # الرابعة - قال الربيع بن خيثم: ما للنفساء عندي خير من الرطب لهذه الآية، ~~ولو علم الله شيئا هو أفضل من الرطب للنفساء لأطعمه مريم ولذلك قالوا: ~~التمر عادة للنفساء من ذلك الوقت وكذلك التحنيك. وقيل: إذا عسر ولادها لم ~~يكن لها خير من الرطب ولا للمريض خير من العسل، ذكره الزمخشري. قال ابن وهب ~~قال مالك قال الله تعالى: " رطبا جنيا " الجني من التمر ما طاب من غير نقش ~~ولا إفساد. والنقش أن ينقش من أسفل البسرة حتى ترطب، فهذا مكروه، يعني مالك ~~أن هذا تعجيل للشئ قبل وقته، فلا ينبغي لاحد أن يفعله، وإن فعله فاعل ما ~~كان ذلك مجوزا لبيعه، ولا حكما بطيبه. وقد مضى هذا القول في الانعام (2). ~~والحمد لله. وعن طلحة بن سليمان " جنيا " بكسر الجيم للاتباع، أي جعلنا (3) ~~لك في السري والرطب فائدتين: إحداهما الأكل والشرب، والثانية سلوة الصدر، ~~لكونهما معجزتين. وهو [معنى] (4) قوله ms3947 تعالى: (فكلي واشربي وقرى عينا) أي ~~فكلي من الجني، واشربي من السري، " وقري عينا " برؤية الولد النبي. وقرئ ~~بفتح القاف وهي قراءة الجمهور. وحكى الطبري قراءة " وقري " بكسر القاف وهي ~~لغة نجد. يقال: قر عينا يقر ويقر بضم القاف وكسرها وأقر الله عينه فقرت. ~~وهو مأخوذ من القر والقرة وهما البرد. # ودمعة السرور باردة ودمعة الحزن حارة. وضعف فرقة هذا وقالت: الدمع كله ~~حار، فمعنى أقر الله عينه أي سكن الله عينه بالنظر إلى من يحبه حتى تقر ~~وتسكن، وفلان قرة عيني، أي # PageV11P096 # نفسي تسكن بقربه. وقال الشيباني: " وقري عينا " معناه نامي حضها على ~~الأكل والشرب والنوم. قال أبو عمرو: أقر الله عينه أي أنام عينه، وأذهب ~~سهره. و " عينا " نصب على التمييز، كقولك: طب نفسا. والفعل في الحقيقة إنما ~~هو للعين فنقل ذلك إلى ذي العين، وينصب الذي كان فاعلا في الحقيقة على ~~التفسير. ومثله طبت نفسا، وتفقأت شحما، وتصببت عرقا، ومثله كثير. # قوله تعالى: (فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما) فيه ~~ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " فإما ترين " الأصل في ترين ترأيين (1) فحذفت ~~الهمزة كما حذفت من ترى ونقلت فتحتها إلى الراء فصار " تريين " ثم قلبت ~~الياء الأولى ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فاجتمع ساكنان الألف المنقلبة ~~عن الياء وياء التأنيث، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، فصار ترين، ثم حذفت ~~النون علامة للجزم لان إن حرف شرط وما صلة فبقي ترى، ثم دخله نون التوكيد ~~وهي مثقلة، فكسر ياء التأنيث لالتقاء الساكنين، لان النون المثقلة بمنزلة ~~نونين الأولى ساكنة فصار ترين وعلى هذا النحو قول ابن دريد: # * إما ترى رأسي حاكى لونه (2) * وقول الأفوه: * إما ترى رأسي أزرى به (3) ~~* وإنما دخلت النون هنا بتوطئة " ما " كما يوطئ لدخولها أيضا لام القسم. ~~وقرأ طلحة وأبو جعفر وشيبة " ترين " بسكون الياء وفتح النون خفيفة، قال أبو ~~الفتح: وهي شاذة. # الثانية - قوله تعالى: " فقولي إني نذرت " هذا جواب الشرط وفيه إضمار، أي ~~فسألك عن ولدك " فقولي إني نذرت ms3948 للرحمن صوما " أي صمتا، قاله ابن عباس وأنس ~~ابن مالك. وفي قراءة أبي بن كعب " إني نذرت للرحمن صوما صمتا " وروي عن ~~أنس. # PageV11P097 # وعنه أيضا " وصمتا " بواو، واختلاف اللفظين يدل على أن الحرف ذكر تفسيرا ~~لا قرآنا، فإذا أتت معه واو فممكن أن يكون غير الصوم. والذي تتابعت به ~~الاخبار عن أهل الحديث ورواة اللغة أن الصوم هو الصمت، لان الصوم إمساك ~~والصمت إمساك عن الكلام. # وقيل: هو الصوم والمعروف، وكان يلزمهم الصمت يوم الصوم إلا بالإشارة. ~~وعلى هذا تخرج قراءة أنس " وصمتا " بواو، وأن الصمت كان عندهم في الصوم ~~ملتزما بالنذر، كما أن من نذر منا المشي إلى البيت اقتضى ذلك الاحرام بالحج ~~أو العمرة. ومعنى هذه الآية أن الله تعالى أمرها على لسان جبريل عليه ~~السلام - أو ابنها على الخلاف المتقدم - بأن تمسك عن مخاطبة البشر، وتحيل ~~على ابنها في ذلك ليرتفع عنها خجلها، وتتبين الآية فيقوم عذرها. وظاهر ~~الآية أنها أبيح لها أن تقول هذه الألفاظ التي في الآية، وهو قول الجمهور. ~~وقالت فرقة: # معنى " قولي " بالإشارة لا بالكلام. الزمخشري: وفيه أن السكوت عن السفيه ~~واجب، ومن أذل الناس سفيه لم يجد مسافها. # الثالثة - من التزم بالنذر ألا يكلم أحدا من الآدميين فيحتمل أن يقال إنه ~~قربة فيلزم بالنذر، ويحتمل أن يقال: ذلك لا يجوز في شرعنا لما فيه من ~~التضييق وتعذيب النفس، كنذر القيام في الشمس ونحوه. وعلى هذا كان نذر الصمت ~~في تلك الشريعة لا في شريعتنا، وقد تقدم. وقد أمر ابن مسعود من فعل ذلك ~~بالنطق بالكلام. وهذا هو الصحيح لحديث أبي إسرائيل، خرجه البخاري عن ابن ~~عباس (1). وقال ابن زيد والسدي: كانت سنة الصيام عندهم الامساك عن الاكل ~~والكلام. # قلت: ومن سنتنا نحن في الصيام الامساك عن الكلام القبيح، قال عليه الصلاة ~~والسلام (إذا كان أحدكم صائما فلا يرفث ولا يجهل فإن امرؤ قاتله أو شاتمه ~~فليقل إني صائم). وقال عليه الصلاة والسلام: (من لم يدع قول الزور والعمل ~~به فليس لله حاجة ms3949 في أن يدع طعامه وشرابه). # PageV11P098 # قوله تعالى: فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا (27) ~~يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا (28) قوله تعالى: ~~(فأتت به قومها تحمله) روى أن مريم لما اطمأنت بما رأت من الآيات، وعلمت أن ~~الله تعالى سيبين عذرها، أتت به تحمله من المكان القصي الذي كانت انتبذت ~~فيه. قال ابن عباس: خرجت من عندهم حين أشرقت الشمس، فجاءتهم عند الظهر ~~ومعها صبي تحمله، فكان الحمل والولادة في ثلاث ساعات من النهار. وقال ~~الكلبي: ولدت حيث لم يشعر بها قومها، ومكثت أربعين يوما للنفاس، ثم أتت ~~قومها تحمله، فلما رأوها ومعها الصبي حزنوا وكانوا أهل بيت صالحين، فقالوا ~~منكرين: (لقد جئت شيئا فريا) أي جئت بأمر عظيم كالآتي بالشئ يفتريه. قال ~~مجاهد: " فريا " عظيما. وقال سعيد بن مسعدة: # أي مختلقا مفتعلا، يقال: فريت وأفريت بمعنى واحد. والولد من الزنى كالشئ ~~المفترى. # قال الله تعالى: " ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن " (1) ~~[الممتحنة: 12] أي بولد يقصد إلحاقه بالزوج وليس منه. يقال: فلان يفري ~~الفري أي يعمل العمل البالغ، وقال أبو عبيدة: # الفري العجيب النادر، وقاله الأخفش. قال: فريا عجيبا. والفري القطع كأنه ~~مما يخرق العادة، أو يقطع القول بكونه عجيبا نادرا. وقال قطرب: الفري ~~الجديد من الأسقية، أي جئت بأمر جديد بديع لم تسبقي إليه. وقرأ أبو حياة: " ~~شيئا فريا " بسكون الراء. وقال السدى ووهب بن منبه: لما أتت به قومها تحمله ~~تسامع بذلك بنو إسرائيل، فاجتمع رجالهم ونساؤهم، فمدت امرأة يدها إليها ~~لتضربها فأجف الله شطرها فحملت كذلك. وقال آخر: ما أراها إلا زنت فأخرسه ~~الله تعالى، فتحامى الناس من أن يضربوها، أو يقولوا لها كلمة تؤذيها، ~~وجعلوا يخفضون إليها القول ويلينون، فقالوا: " يا مريم لقد جئت شيئا فريا " ~~أي عظيما قال (2) الراجز: # PageV11P099 # قد أطعمتني دقلا حوليا * مسوسا مدودا حجريا * قد كنت تفرين به الفريا * ~~أي [تعظمينه] (1). # قوله تعالى: (يا أخت هارون) اختلف الناس في معنى هذه الاخوة ms3950 ومن هارون؟ # فقيل: هو هارون أخو موسى، والمراد من كنا نظنها مثل هارون في العبادة ~~تأتي بمثل هذا. # قيل: على هذا كانت مريم من ولد هارون أخي موسى فنسبت إليه بالاخوة لأنها ~~من ولده، كما يقال للتميمي: يا أخا تميم وللعربي يا أخا العرب. وقيل كان ~~لها أخ من أبيها اسمه هارون، لان هذا الاسم كان كثيرا في بني إسرائيل تبركا ~~باسم هارون أخي موسى، وكان أمثل رجل في بني إسرائيل، قاله الكلبي. وقيل: ~~هارون هذا رجل صالح في ذلك الزمان تبع جنازته يوم مات أربعون ألفا كلهم ~~اسمه هارون. وقال قتادة: كان في ذلك الزمان في بني إسرائيل عابد منقطع إلى ~~الله عز وجل يسمى هارون فنسبوها إلى أخوته من حيث كانت على طريقته قبل، إذ ~~كانت موقوفة على خدمة البيع، أي يا هذه المرأة الصالحة ما كنت أهلا لذلك. ~~وقال كعب الأحبار بحضرة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: إن مريم ليست ~~بأخت هارون أخي موسى، فقالت له عائشة: كذبت. فقال لها: يا أم المؤمنين إن ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله فهو أصدق وأخبر، وإلا فإني أجد ~~بينهما من المدة ستمائة سنة. قال: فسكتت. وفي صحيح مسلم عن المغيرة بن شعبة ~~قال: لما قدمت نجران سألوني فقال إنكم تقرؤون " يا أخت هارون " وموسى قبل ~~عيسى بكذا وكذا، فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم سألته عن ذلك، ~~فقال: (إنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم). وقد جاء في بعض طرقه ~~في غير الصحيح أن النصارى قالوا له: إن صاحبك يزعم أن مريم هي أخت هارون ~~وبينهما في المدة ستمائة سنة؟! قال المغيرة: فلم أدر ما أقول، وذكر الحديث. ~~والمعنى أنه اسم وافق اسما. ويستفاد من هذا جواز التسمية بأسماء الأنبياء، ~~والله أعلم. # PageV11P100 # قلت: فقد دل الحديث الصحيح أنه كان بين موسى وعيسى وهرون زمان مديد. # الزمخشري: كان بينهما وبينه ألف سنة أو أكثر فلا يتخيل أن مريم كانت أخت ~~موسى وهرون، وإن صح فكما ms3951 قال السدي لأنها كانت من نسله، وهذا كما تقول ~~للرجل من قبيلة: # يا أخا فلان. ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: (إن أخا صداء (1) قد أذن ~~فمن أذن فهو يقيم) وهذا هو القول الأول. ابن عطية: وقالت فرقة بل كان في ~~ذلك الزمان رجل فاجر اسمه هارون فنسبوها إليه على جهة التعيير والتوبيخ، ~~ذكره الطبري ولم يسم قائله. # قلت: ذكره الغزنوي عن سعيد بن جبير أنه كان فاسقا مثلا في الفجور فنسبت ~~إليه. # والمعنى: ما كان أبوك ولا أمك أهلا لهذه الفعلة فكيف جئت أنت بها؟! وهذا ~~من التعريض الذي يقوم مقام التصريح. وذلك يوجب عندنا الحد وسيأتي في سورة " ~~النور " القول فيه إن شاء الله تعالى (2). وهذا القول الأخير يرده الحديث ~~الصحيح، وهو نص صريح فلا كلام لاحد معه، ولا غبار عليه. والحمد لله. وقرأ ~~عمر بن لجأ التيمي: (ما كان أباك امرؤ (3) سوء). # قوله تعالى: فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا (29) قال ~~إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا (30) وجعلني مباركا أين ما كنت ~~وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا (31) وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا ~~شقيا (32) والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا (33) فيه خمس ~~مسائل الأولى - قوله تعالى: (فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد ~~صبيا) التزمت مريم عليها السلام ما أمرت به من ترك الكلام، ولم يرد في هذه ~~الآية أنها نطقت # PageV11P101 # ب‍ " إني نذرت للرحمن صوما " وإنما ورد بأنها أشارت، فيقوى بهذا قول من ~~قال: إن أمرها ب‍ " - قولي " إنما أريد به الإشارة. ويروى أنهم لما أشارت ~~إلى الطفل قالوا: # استخفافها بنا أشد علينا من زناها، ثم قالوا لها على جهة التقرير " كيف ~~نكلم من كان في المهد صبيا " و " كان " هنا ليس يراد بها الماضي (1)، لان ~~كل واحد قد كان في المهد صبيا، وإنما هي في معنى هو [الآن] (2). وقال أبو ~~عبيدة: (كان) هنا لغو، كما قال: (3) * وجيران لنا كانوا كرام * وقيل: هي ~~بمعنى الوجود والحدوث كقوله: ms3952 " وإن كان ذو عسرة " (4) وقد تقدم. # وقال ابن الأنباري: لا يجوز أن يقال زائدة وقد نصبت " صبيا " ولا أن يقال ~~" كان " بمعنى حدث، لأنه لو كانت بمعنى الحدوث والوقوع لاستغنى فيه عن ~~الخبر، تقول: كان الحر وتكتفي به. والصحيح أن " من " في معنى الجزاء و " ~~كان " بمعنى يكن، والتقدير: # من يكن في المهد صبيا فكيف نكلمه؟! كما تقول: كيف أعطي من كان لا يقبل ~~عطية، أي من يكن لا يقبل. والماضي قد يذكر بمعنى المستقبل في الجزاء، كقوله ~~تعالى " تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ~~" (5) أي إن يشأ يجعل. # وتقول: من كان إلى منه إحسان كان إليه مني مثله، أي من يكن منه إلى إحسان ~~يكن إليه مني مثله. " والمهد " قيل: كان سريرا كالمهد. وقيل " المهد " ~~هاهنا حجر الام. # وقيل: المعنى كيف نكلم من كان سبيله أن ينوم في المهد لصغره، فلما سمع ~~عيسى عليه السلام كلامهم قال لهم من مرقده: (إني عبد الله) وهي: # الثانية - فقيل: كان عيسى عليه السلام يرضع فلما سمع كلامهم ترك الرضاعة ~~وأقبل عليهم بوجهه، واتكأ على يساره، وأشار إليهم بسبابته اليمنى، و " قال ~~إني عبد الله " فكان أول ما نطق به الاعتراف بعبوديته لله تعالى وبربوبيته، ~~ردا على من غلا من بعده في شأنه. # والكتاب الإنجيل، قيل: آتاه في تلك الحالة الكتاب، وفهمه وعلمه، وآتاه ~~النبوة كما علم آدم # PageV11P102 # الأسماء كلها، وكان يصوم ويصلي. وهذا في غاية الضعف على ما نبينه في ~~المسألة بعد هذا. # وقيل: أي حكم لي بإيتاء الكتاب والنبوة في الأزل، وإن لم يكن الكتاب ~~منزلا في الحال، وهذا أصح. (وجعلني مباركا) أي ذا بركات ومنافع في الدين ~~والدعاء إليه ومعلما له. # التستري (1): وجعلني آمر بالمعروف، وأنهى عن المنكر، وأرشد الضال، وأنصر ~~المظلوم، وأغيث الملهوف. (وأوصاني بالصلاة والزكاة) أي لأؤديهما إذا أدركني ~~التكليف، وأمكنني أداؤهما، على القول الأخير الصحيح. (ما دمت حيا) [ما] (2) ~~في موضع نصب على الظرف أي دوام حياتي. [قوله تعالى] ms3953 (2): (وبرا بوالدتي) ~~قال ابن عباس: لما قال " وبرا بوالدتي " ولم يقل بوالدي علم أنه شئ من جهة ~~الله تعالى. (ولم يجعلني جبارا) أي متعظما متكبرا يقتل ويضرب على الغضب. ~~وقيل: الجبار الذي لا يرى لاحد عليه حقا قط. (شقيا) أي خائبا من الخير. ابن ~~عباس: عاقا. وقيل: عاصيا لربه وقيل: لم يجعلني تاركا لامره فأشقى كما شقي ~~إبليس لما ترك أمره. # الثالثة - قال مالك بن أنس رحمه الله تعالى في هذه الآية: ما أشدها على ~~أهل القدر! # أخبر عيسى عليه السلام بما قضي من أمره، وبما هو كائن إلى أن يموت. وقد ~~روي في قصص هذه الآية عن ابن زيد وغيره أنهم لما سمعوا كلام عيسى أذعنوا ~~وقالوا: إن هذا لأمر عظيم. وروي أن عيسى عليه السلام إنما تكلم في طفولته ~~بهذه الآية، ثم عاد إلى حالة الأطفال، حتى مشى على عادة البشر إلى أن بلغ ~~مبلغ الصبيان فكان نطقه إظهار براءة أمه لا أنه كان ممن يعقل في تلك ~~الحالة، وهو كما ينطق الله تعالى الجوارح يوم القيامة. ولم ينقل أنه دام ~~نطقه، ولا أنه كان يصلي وهو ابن يوم أو شهر، ولو كان يدوم نطقه وتسبيحه ~~ووعظه وصلاته في صغره من وقت الولاد لكان مثله مما لا ينكتم، وهذا كله مما ~~يدل على فساد القول الأول، ويصرح بجهالة قائله. ويدل أيضا على أنه تكلم في ~~المهد خلافا لليهود والنصارى. والدليل على ذلك إجماع الفرق على أنها لم ~~تحد. وإنما صح براءتها من الزنى بكلامه في المهد. ودلت هذه الآية على أن ~~الصلاة والزكاة وبر الوالدين كان واجبا على الأمم # PageV11P103 # السالفة، والقرون الخالية الماضية، فهو مما يثبت حكمه ولم ينسخ في شريعة ~~أمره. وكان عيسى عليه السلام في غاية التواضع، يأكل الشجر، ويلبس الشعر، ~~ويجلس على التراب، ويأوي حيث جنه الليل، لا مسكن له، صلى الله عليه وسلم. # الرابعة - الإشارة بمنزلة الكلام وتفهم ما يفهم القول. كيف لا وقد أخبر ~~الله تعالى عن مريم فقال: " فأشارت إليه " وفهم منها ms3954 القوم مقصودها وغرضها ~~فقالوا: (كيف نكلم) وقد مضى هذا في " آل عمران " (1) مستوفى. # الخامسة - قال الكوفيون: لا يصح قذف الأخرس ولا لعانه. وروى مثله عن ~~الشعبي، وبه قال الأوزاعي وأحمد وإسحق، وإنما يصح القذف عندهم بصريح الزنى ~~دون معناه، وهذا لا يصح من الأخرس ضرورة، فلم يكن قاذفا، ولا يتميز ~~بالإشارة بالزنى من الوطئ الحلال والشبهة. قالوا: واللعان عندنا شهادات، ~~وشهادة الأخرس لا تقبل بالاجماع. قال ابن القصار: قولهم إن القذف لا يصح ~~إلا بالتصريح فهو باطل بسائر الألسنة ما عدا العربية، فكذلك إشارة الأخرس. ~~وما ذكروه من الاجماع في شهادة الأخرس فغلط. وقد نص مالك أن شهادته مقبولة ~~إذا فهمت إشارته، وأنها تقوم مقام اللفظ بالشهادة، وأما مع القدرة باللفظ ~~فلا تقع منه إلا باللفظ. قال ابن المنذر: والمخالفون يلزمون الأخرس الطلاق ~~والبيوع وسائر الأحكام، فينبغي أن يكون القذف مثل ذلك. قال المهلب: وقد ~~تكون الإشارة في كثير من أبواب الفقه أقوى من الكلام مثل قوله عليه الصلاة ~~والسلام: (بعثت أنا والساعة كهاتين) نعرف قرب ما بينهما بمقدار زيادة ~~الوسطى على السبابة. وفي إجماع العقول على أن العيان أقوى من الخبر دليل ~~على أن الإشارة قد تكون في بعض المواضع أقوى من الكلام. (والسلام علي) أي ~~السلامة علي من الله تعالى. قال الزجاج: ذكر السلام قبل هذا بغير ألف ولام ~~فحسن في الثانية ذكر الألف واللام. وقوله: (يوم ولدت) يعني في الدنيا. ~~وقيل: من همز الشيطان كما تقدم في " آل عمران " (1). (ويوم أموت) يعني # PageV11P104 # في القبر (ويوم أبعث حيا) يعني في الآخرة. لان له أحوالا ثلاثة: في ~~الدنيا حيا، وفي القبر ميتا، وفي الآخرة مبعوثا، فسلم في أحواله كلها وهو ~~معنى قول الكلبي. ثم انقطع كلامه في المهد حتى بلغ مبلغ الغلمان. وقال ~~قتادة: ذكر لنا أن عيسى عليه السلام رأته امرأة يحيى الموتى، ويبرئ الأكمه ~~والأبرص في سائر آياته (1) فقالت: طوبى للبطن الذي حملك، والثدي الذي ~~أرضعك، فقال لها عيسى عليه السلام: طوبى لمن تلا كتاب الله تعالى ms3955 واتبع ما ~~فيه وعمل به. # قوله تعالى: ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون (34) ما كان لله ~~أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (35) وإن الله ~~ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم (36) فاختلف الأحزاب من بينهم فويل ~~للذين كفروا من مشهد يوم عظيم (37) أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا لكن ~~الظالمون اليوم في ضلال مبين (38) وانذرهم يوم الحسرة إذ قضى الامر وهم في ~~غفلة وهم لا يؤمنون (39) إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون (40) ~~قوله تعالى: (ذلك عيسى ابن مريم) أي ذلك الذي ذكرناه عيسى بن مريم فكذلك ~~اعتقدوه، لا كما تقول اليهود إنه لغير رشدة، وأنه ابن يوسف النجار، ولا كما ~~قالت النصارى: # إنه الاله أو ابن الاله. (قول الحق) قال الكسائي: " قول الحق " نعت لعيسى ~~أي ذلك عيسى ابن مريم [قول الحق] (2). وسمي قول الحق كما سمي كلمة الله، ~~والحق هو الله عز وجل. وقال أبو حاتم: المعنى هو قول الحق. وقيل: التقدير ~~هذا الكلام قول الحق. قال ابن عباس: (يريد هذا كلام عيسى [ابن مريم] (3) ~~صلى الله عليه وسلم قول الحق ليس بباطل، وأضيف القول إلى الحق كما قال: ~~(وعد الصدق الذي كانوا يوعدون) (4) [الأحقاف: 16] أي الوعد والصدق. وقال: # PageV11P105 # " ولدار الآخرة خير " (1) [الانعام: 32] أي ولا الدار الآخرة. وقرأ عاصم ~~وعبد الله بن عامر " قول الحق " بالنصب على الحال، أي أقول قولا حقا. ~~والعامل معنى الإشارة في (ذلك). الزجاج: # هو مصدر أي أقول قول الحق لان ما قبله يدل عليه. وقيل: مدح. وقيل: إغراء. # وقرأ عبد الله: " قال الحق ". وقرأ الحسن: " قول الحق " بضم القاف، وكذلك ~~في " الانعام " (2) " قول الحق ". والقول والقال والقول بمعنى واحد، كالرهب ~~والرهب والرهب. (الذي) من نعت عيسى. (فيه يمترون) أي يشكون، أي ذلك عيسى بن ~~مريم الذي فيه يمترون القول الحق. وقيل: " يمترون " يختلفون. ذكر عبد ~~الرزاق قال أخبرنا معمر عن قتادة في قوله تعالى (ذلك عيسى بن مريم قول الحق ~~الذي فيه يمترون) قال: ms3956 اجتمع بنو إسرائيل فأخرجوا منهم أربعة نفر، أخرج كل ~~قوم عالمهم فامتروا في عيسى حين رفع، فقال أحدهم: هو الله هبط إلى الأرض ~~فأحيا من أحيا وأمات من أمات، ثم صعد إلى السماء وهم اليعقوبية. فقالت ~~الثلاثة: كذبت. ثم قال اثنان منهم للثالث: قل فيه، قال: # هو ابن الله وهم النسطورية، فقال الاثنان كذبت، ثم قال أحد الاثنين للآخر ~~قل فيه، فقال: هو ثالث ثلاثة، الله إله وهو إله، وأمه إله، وهم الإسرائيلية ~~ملوك النصارى. # قال الرابع: كذبت بل هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته وهم المسلمون، فكان ~~لكل رجل منهم أتباع - على ما قال - فاقتتلوا فظهر على المسلمين، فذلك قول ~~الله تعالى: # (ويقتلون الذين يأمرون بالقسط (3) من الناس) [آل عمران: 21]. وقال قتادة: ~~وهم الذين قال الله تعالى فيهم: # (فاختلف الأحزاب من بينهم) اختلفوا فيه فصاروا أحزابا فهذا معنى قوله ~~(الذي فيه تمترون) بالتاء المعجمة من فوق وهي قراءة أبي عبد الرحمن السلمي ~~وغيره. قال ابن عباس: # فمر بمريم ابن عمها ومعها ابنها إلى مصر فكانوا فيها اثنتي عشرة سنة حتى ~~مات الملك الذي كانوا يخافونه، ذكره الماوردي. # قلت: ووقع في تاريخ مصر فيما رأيت وجاء في الإنجيل الظاهر أن السيد ~~المسيح لما ولد في بيت لحم كان هيرودس في ذلك الوقت ملكا وأن الله تعالى ~~أوحى إلى يوسف النجار # PageV11P106 # في الحلم وقال له: قم فخذ الصبي وأمه واذهب إلى مصر وكن هناك حتى أقول ~~لك، فإن هيرودس مزمع أن يطلب عيسى ليهلكه فقام من نومه: وامتثل أمر ربه ~~وأخذ السيد المسيح ومريم أمه وجاء إلى مصر، وفي حال مجيئه إلى مصر نزل ببئر ~~البلسان التي بظاهر القاهرة (1)، وغسلت ثيابه على ذلك البئر فالبلسان لا ~~يطلع ولا ينبت إلا في تلك الأرض (2)، ومنه يخرج الدهن الذي يخالط الزيت ~~الذي تعمد به النصارى ولذلك كانت قارورة واحدة في أيام المصريين لها مقدار ~~عظيم، وتقع في نفوس ملوك النصارى مثل ملك القسطنطينية وملك صقلية وملك ~~الحبشة وملك النوبة وملك الفرنجة وغيرهم من ms3957 الملوك عندما يهاديهم به ملوك ~~مصر موقعا جليلا جدا وتكون أحب إليهم من كل هدية لها قدر. وفي تلك السفرة ~~وصل السيد المسيح إلى مدينة الأشمونين (3) وقسقام (4) المعروفة الآن ~~بالمحرقة (5) فلذلك يعظمها النصارى إلى الان، ويحضرون إليها في عيد الفصح ~~من كل مكان، لأنها نهاية ما وصل إليها من أرض مصر، ومنها عاد إلى الشام. ~~والله أعلم. # قوله تعالى: (ما كان لله) أي ما ينبغي له ولا يجوز: (أن يتخذ من ولد) " ~~من " صلة للكلام، أي أن يتخذ ولدا. و " أن " في موضع رفع اسم " كان " أي ما ~~كان لله أن يتخذ ولدا، أي ما كان من صفته اتخاذ الولد، ثم نزه نفسه تعالى ~~عن مقالتهم فقال: (سبحانه) أن يكون له ولد. (إذا قضى أمرا فإنما يقول لك كن ~~فيكون) تقدم في (البقرة) (6) مستوفى. (إن الله ربي وربكم) قرأ أهل المدينة ~~وابن كثير وأبو عمرو: بفتح " أن " وأهل الكوفة " وإن " بكسر الهمزة على أنه ~~مستأنف. تدل عليه قراءة أبي " كن فيكون. إن الله " بغير واو على العطف على ~~" قال إني عبد الله ". وفي الفتح أقوال: فمذهب الخليل وسيبويه أن المعنى، ~~ولأن الله ربي وربكم، وكذا " وأن المساجد لله " ف‍ " - أن " في موضع نصب ~~عندهما. # وأجاز الفراء أن يكون في موضع خفض على حذف اللام، وأجاز أن يكون أيضا في ~~موضع # PageV11P107 # خفض بمعنى وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا وبأن الله ربي وربكم، ~~وأجاز الكسائي أن يكون في موضع رفع بمعنى، والامر أن الله ربي وربكم. وفيها ~~قول خامس: حكى أبو عبيد أن أبا عمرو بن العلاء قاله، وهو أن يكون المعنى: ~~وقضى أن الله ربي وربكم، فهي معطوفة على قوله: " أمرا " من قوله: " إذا قضى ~~أمرا " والمعنى إذا قضى أمرا وقضى أن الله. # ولا يبتدأ ب‍ " - أن " على هذا التقدير، ولا على التقدير الثالث. ويجوز ~~الابتداء بها على الأوجه الباقية. (فاعبدوه هذا صراط مستقيم) أي دين قويم ~~لا اعوجاج فيه. # قوله تعالى: (فاختلف الأحزاب من بينهم) " من " زائدة أي اختلف ms3958 الأحزاب ~~بينهم. وقال قتادة: أي ما بينهم فاختلفت الفرق من أهل الكتاب في أمر عيسى ~~عليه السلام. فاليهود بالقدح والسحر. والنصارى قالت النسطورية منهم: هو ابن ~~الله. والملكانية ثالث ثلاثة. وقالت اليعقوبية: هو الله، فأفرطت النصارى ~~وغلت، وفرطت اليهود وقصرت. # وقد تقدم هذا في " النساء " (1). وقال ابن عباس: المراد من بالأحزاب ~~الذين تحزبوا على النبي صلى الله عليه وسلم وكذبوه من المشركين. (فويل ~~للذين كفروا من مشهد يوم عظيم) أي من شهود يوم القيامة، والمشهد بمعنى ~~المصدر، والشهود الحضور. ويجوز أن يكون الحضور لهم، ويضاف إلى الظرف لوقوعه ~~فيه، كما يقال: ويل لفلان من قتال يوم كذا، أي من حضوره ذلك اليوم. وقيل: ~~المشهد بمعنى الموضع الذي يشهده الخلائق، كالمحشر للموضع الذي يحشر إليه ~~الخلق. وقيل: فويل للذين كفروا من حضورهم المشهد العظيم الذي اجتمعوا فيه ~~للتشاور، فأجمعوا على الكفر بالله، وقولهم: إن الله ثالث ثلاثة. # قوله تعالى: (أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا) قال أبو العباس: العرب تقول ~~هذا في موضع التعجب، فتقول: أسمع بزيد وأبصر بزيد أي ما أسمعه وأبصره. قال: ~~فمعناه أنه عجب نبيه منهم. قال الكلبي: لا أحد أسمع يوم القيامة ولا أبصر، ~~حين يقول الله تبارك وتعالى لعيسى: (أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من ~~دون الله) [المائدة: 116] (1). وقيل: " أسمع " # PageV11P108 # بمعنى الطاعة، أي ما أطوعهم لله في ذلك اليوم. (ولكن الظالمون اليوم) ~~يعني في الدنيا. # (في ضلال مبين) وأي ضلال أبين من أن يعتقد المرء في شخص مثله حملته ~~الأرحام، وأكل وشرب، وأحدث واحتاج أنه إله؟! ومن هذا وصفه أصم أعمى ولكنه ~~سيبصر ويسمع في الآخرة إذا رأى العذب، ولكنه لا ينفعه ذلك، قال معناه قتادة ~~وغيره. # قوله تعالى: (وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضى الامر) روي عن عبد الله بن مسعود ~~أنه قال: ما من أحد يدخل النار إلا وله بيت في الجنة فيتحسر عليه. وقيل: ~~تقع الحسرة إذا أعطي كتابه بشماله. " إذ قضي الامر " أي فرغ من الحساب، ~~وأدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار. ms3959 وفي صحيح مسلم من حديث أبي سعيد ~~الخدري رضي الله عنه. قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا دخل أهل ~~الجنة الجنة وأهل النار النار يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح (1) ~~فيوقف بين الجنة والنار فيقال يأهل الجنة هل تعرفون هذا فيشرئبون وينظرون ~~ويقولون نعم هذا الموت - قال - ثم يقال يأهل النار هل تعرفون هذا فيشرئبون ~~وينظرون ويقولون نعم هذا الموت - قال - فيؤمر به فيذبح ثم يقال يأهل الجنة ~~خلود فلا موت ويأهل النار خلود فلا موت - ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم - " وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضى الامر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون " ~~خرجه البخاري بمعناه عن ابن عمر، وابن ماجة من حديث أبي هريرة والترمذي عن ~~أبي سعيد يرفعه وقال فيه حديث حسن صحيح. وقد ذكرنا ذلك في كتاب " التذكرة " ~~وبينا هناك أن الكفار مخلدون بهذه الأحاديث والآي ردا على من قال: إن صفة ~~الغضب تنقطع، وإن إبليس ومن تبعه من الكفرة كفرعون وهامان وقارون وأشباههم ~~يدخلون الجنة. # قوله تعالى: (إنا نحن نرث الأرض ومن عليها) أي نميت سكانها فنرثها. # (وإلينا يرجعون) يوم القيامة فنجازي كلا بعمله، وقد تقدم هذا في " الحجر ~~" (2) وغيرها. # PageV11P109 # قوله تعالى: واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا (41) إذ قال ~~لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنك شيئا (42) يا أبت ~~إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا (43) يا أبت لا ~~تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا (44) يا أبت إني أخاف أن يمسك ~~عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا (45) قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم ~~لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا (46) قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه ~~كان بي حفيا (47) وأعتزلكم وما توعدون من دون الله وأدعوا ربي عسى ألا أكون ~~بدعاء ربي شقيا (48) فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ~~ويعقوب وكلا جعلنا نبيا (49) ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم ms3960 لسان صدق ~~عليا (50) قوله تعالى: (واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا) ~~المعنى: واذكر في الكتاب الذي أنزل عليك وهو القرآن قصة إبراهيم وخبره. وقد ~~تقدم معنى الصديق في " النساء " (1) واشتقاق الصدق في " البقرة " (2) فلا ~~معنى للإعادة. ومعنى الآية: اقرأ عليهم يا محمد في القرآن أمر إبراهيم فقد ~~عرفوا أنهم من ولده، فإنه كان حنيفا مسلما وما كان يتخذ الأنداد، فهؤلاء لم ~~يتخذون الأنداد؟! وهو كما قال " ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه " ~~(2) [البقرة: 130]. # قوله تعالى: (إذ قال لأبيه) وهو آزر وقد تقدم (3). (يا أبت) قد تقدم ~~القول فيه في (يوسف) (4) (لم تعبد) أي لأي شئ تعبد: (ما لا يسمع ولا يبصر ~~ولا يغنى عنك # PageV11P110 # شيئا) يريد الأصنام. (يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك) أي من ~~اليقين والمعرفة بالله وما يكون بعد الموت، وأن من عبد غير الله عذب إلى ما ~~أدعوك إليه. # (أهدك صراطا سويا) أي أرشدك إلى دين مستقيم فيه النجاة. (يا أبت لا تعبد ~~الشيطان) أي لا تطعه فيما يأمرك به من الكفر، ومن أطاع شيئا في معصية فقد ~~عبده. (إن الشيطان كان للرحمن عصيا) (كان) صلة زائدة وقيل: [كان] (1) بمعنى ~~صار. وقيل بمعنى الحال أي هو للرحمن. وعصيا وعاص بمعنى واحد قاله الكسائي. ~~(يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن) أي إن مت على ما أنت عليه. ويكون ~~" أخاف " بمعنى أعلم. ويجوز أن يكون " أخاف " على بابها فيكون المعنى: إني ~~أخاف أن تموت على كفرك فيمسك العذاب. # (فتكون للشيطان وليا) أي قرينا في النار. (قال أراغب أنت عن آلهتي يا ~~إبراهيم) أي أترغب عنها إلى غيرها. (لئن لم تنته لأرجمنك) قال الحسن: يعني ~~بالحجارة. الضحاك: بالقول، أي لأشتمنك. ابن عباس: لأضربنك. وقيل: لأظهرن ~~أمرك. (واهجرني مليا). قال ابن عباس: أي اعتزلني سالم العرض لا يصيبنك منى ~~معرة، واختاره الطبري، فقوله: " مليا " على هذا حال من إبراهيم. وقال الحسن ~~ومجاهد: " مليا " دهرا طويلا، ومنه قول المهلهل: # فتصدعت ms3961 صم الجبال لموته * وبكت عليه المرملات مليا قال الكسائي: يقال ~~هجرته مليا وملوة وملوة وملاوة وملاوة، فهو على هذا القول ظرف، وهو بمعنى ~~الملاوة من الزمان، وهو الطويل منه. # قوله تعالى: (قال سلام عليك) لم يعارضه إبراهيم عليه السلام بسوء الرد، ~~لأنه لم يؤمر بقتاله على كفره. والجمهور على أن المراد بسلامه المسالمة ~~التي هي المتاركة لا التحية، قال الطبري: معناه أمنة مني لك. وعلى هذا لا ~~يبدأ الكافر بالسلام. وقال النقاش: حليم خاطب سفيها، كما قال: " وإذا ~~خاطبهم الجاهلون قالوا (2) سلاما " [الفرقان: 63]. وقال بعضهم في معنى ~~تسليمه: هو تحية مفارق، وجوز تحية الكافر وأن يبدأ بها. قيل لابن عيينة: هل ~~يجوز السلام على الكافر؟ قال: نعم، قال الله تعالى: " لا ينهاكم الله عن ~~الذين لم يقاتلوكم في الدين (3) # PageV11P111 # ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم أن الله يحب المقسطين " ~~(1) [الممتحنة: 8]. وقال: # " قد كانت " لكم أسوة حسنة في إبراهيم " (1) [الممتحنة: 4] الآية، وقال ~~إبراهيم لأبيه " سلام عليك ". # قلت: الأظهر من الآية ما قاله سفيان بن عيينة، وفي الباب حديثان صحيحان: ~~روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تبدءوا اليهود ~~والنصارى بالسلام فإذا لقيتم أحدهم في الطريق فاضطروه إلى أضيقه) خرجه ~~البخاري ومسلم. وفي الصحيحين عن أسامة ابن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~ركب حمارا عليه إكاف تحته قطيفة فدكية، وأردف وراءه أسامة بن زيد، وهو يعود ~~سعد بن عبادة (2) في بني الحرث بن الخزرج، وذلك قبل وقعة بدر، حتى مر في ~~مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود، وفيهم عبد ~~الله بن أبي بن سلول، وفي المجلس عبد الله بن رواحة، فلما غشيت المجلس ~~عجاجة الدابة، خمر عبد الله بن أبي أنفه بردائه، ثم قال: لا تغبروا علينا، ~~فسلم عليهم النبي صلى الله عليه وسلم، الحديث. فالأول يفيد ترك السلام ~~عليهم ابتداء لان ذلك إكرام، والكافر ليس أهله. # والحديث الثاني يجوز ذلك. قال الطبري: ولا يعارض ما رواه أسامة بحديث أبي ms3962 ~~هريرة فإنه ليس في أحدهما خلاف للآخر وذلك أن حديث أبي هريرة مخرجه العموم، ~~وخبر أسامة يبين أن معناه الخصوص. وقال النخعي: إذا كانت لك حاجة عند يهودي ~~أو نصراني فابدأه بالسلام فبان بهذا أن حديث أبي هريرة (لا تبدءوهم ~~بالسلام) إذا كان لغير سبب يدعوكم إلى أن تبدءوهم بالسلام، من قضاء ذمام أو ~~حاجة تعرض لكم قبلهم، أو حق صحبة أو جوار أو سفر. قال الطبري: وقد روي عن ~~السلف أنهم كانوا يسلمون على أهل الكتاب. وفعله ابن مسعود بدهقان صحبه في ~~طريقه، قال علقمة: فقلت له يا أبا عبد الرحمن أليس يكره أن يبدءوا ~~بالسلام؟! قال: نعم، ولكن حق الصحبة. وكان أبو أمامة (3) إذا انصرف إلى ~~بيته لا يمر بمسلم ولا نصراني ولا صغير ولا كبير إلا سلم عليه، فقيل له في ~~ذلك فقال: أمرنا أن نفشي السلام. وسئل الأوزاعي عن مسلم مر بكافر فسلم ~~عليه، فقال: إن سلمت فقد سلم الصالحون قبلك، وإن تركت فقد ترك الصالحون ~~قبلك. وروي عن الحسن البصري أنه قال: إذا مررت بمجلس فيه مسلمون وكفار فسلم ~~عليهم. # PageV11P112 # قلت: وقد احتج أهل المقالة الأولى بأن السلام الذي معناه التحية إنما خص ~~به هذه الأمة، لحديث أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن ~~الله تعالى أعطى أمتي ثلاثا لم تعط أحدا قبلهم السلام وهي تحية أهل الجنة) ~~الحديث، ذكره الترمذي الحكيم، وقد مضى في الفاتحة (1) بسنده. وقد مضى ~~الكلام في معنى قوله: " سأستغفر لك ربي ". # وارتفع السلام بالابتداء، وجاز ذلك مع نكرته لأنه نكرة مخصصة فقرنت ~~المعرفة. # قوله تعالى: (إنه كان بي حفيا): الحفي المبالغ في البر والالطاف، يقال: ~~حفي به وتحفى إذا بره. وقال الكسائي يقال: حفي بي حفاوة وحفوة. وقال ~~الفراء: " إنه كان بي حفيا " أي عالما لطيفا يجيبني إذا دعوته. # قوله تعالى: (واعتزلكم): العزلة المفارقة وقد تقدم في " الكهف " (2) ~~بيانها. وقوله: # (عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا) قيل: أراد بهذا الدعاء أن يهب الله تعالى ~~له ms3963 أهلا وولدا يتقوى بهم حتى لا يستوحش بالاعتزال عن قومه. ولهذا قال: ~~(فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب) أي آنسنا ~~وحشته بولد، عن ابن عباس وغيره. # وقيل: " عيسى " يدل على أن العبد لا يقطع بأنه يبقى على المعرفة أم لا في ~~المستقبل. وقيل: # دعا لأبيه بالهداية. ف‍ " عسى " شك لأنه كان لا يدري هل يستجاب له فيه أم ~~لا؟ والأول أظهر. وقوله: (وجعلنا لهم لسان صدق عليا) أي أثنينا عليهم ثناء ~~حسنا، لان جميع الملل تحسن الثناء عليهم. واللسان يذكر ويؤنث، وقد تقدم ~~(3). # قوله تعالى: واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا (51) ~~وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا (52) ووهبنا له من رحمتنا أخاه ~~هارون نبيا (53) # PageV11P113 # قوله تعالى: (واذكر في الكتاب موسى) أي واقرأ عليهم من القرآن قصة موسى. # (إنه كان مخلصا) (1) في عبادته غير مرائي. وقرأ أهل الكوفة بفتح اللام، ~~أي أخلصناه فجعلناه مختارا. (وناديناه) أي كلمناه ليلة الجمعة. (من جانب ~~الطور الأيمن) أي يمين موسى، وكانت الشجرة في جانب الجبل عن يمين موسى حين ~~أقبل من مدين إلى مصر، قاله الطبري وغيره فإن الجبال لا يمين لها ولا شمال. ~~(وقربناه نجيا) نصب على الحال، أي كلمناه من غير وحي. وقيل: أدنيناه لتقريب ~~المنزلة حتى كلمناه. وذكر وكيع وقبيصة عن سفيان عن عطاء بن السائب عن سعيد ~~بن جبير عن ابن عباس في قول الله عز وجل: " وقربناه نجيا " أي أدنى حتى سمع ~~صريف الأقلام. (ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا) وذلك حين سأل فقال: " ~~وأجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي " (2). # قوله تعالى: واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا ~~(54) وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا (55) فيه ست ~~مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (واذكر في الكتاب إسماعيل) اختلف فيه، فقيل: هو ~~إسماعيل ابن حزقيل، بعثه الله إلى قومه فسلخوا جلدة رأسه، فخيره الله تعالى ~~فيما شاء من عذابهم، فاستعفاه ورضي بثوابه، وفوض أمرهم ms3964 إليه في عفوه ~~وعقوبته. والجمهور أنه إسماعيل الذبيح أبو العرب ابن إبراهيم. وقد قيل: إن ~~الذبيح إسحاق، والأول أظهر على ما تقدم ويأتي في " والصافات " (3) إن شاء ~~الله تعالى. وخصه الله تعالى بصدق الوعد وإن كان موجودا في غيره من ~~الأنبياء تشريفا له وإكراما، كالتلقيب بنحو الحليم والأواه والصديق، ولأنه ~~المشهور المتواصف (4) من خصاله. # PageV11P114 # الثانية - صدق الوعد محمود وهو من خلق النبيين والمرسلين، وضده وهو الخلف ~~مذموم، وذلك من أخلاق الفاسقين والمنافقين على ما تقدم بيانه في " براءة " ~~(1). وقد أثنى الله تعالى على نبيه إسماعيل فوصفه بصدق الوعد. واختلف في ~~ذلك، فقيل: إنه وعد من نفسه بالصبر على الذبح فصبر حتى فدى. هذا في قول من ~~يرى أنه الذبيح. وقيل: وعد رجلا أن يلقاه في موضع فجاء إسماعيل وانتظر ~~الرجل يومه وليلته، فلما كان في اليوم الآخر جاء، فقال له: ما زلت ها هنا ~~في انتظارك منذ أمس. وقيل: انتظره ثلاثة أيام. وقد فعل مثله نبينا صلى الله ~~عليه وسلم قبل بعثه، ذكره النقاش وخرجه الترمذي وغيره عن عبد الله بن أبي ~~الحمساء قال: بايعت النبي صلى الله عليه وسلم ببيع قبل أن يبعث وبقيت له ~~بقية فوعدته أن آتيه بها في مكانه فنسيت، ثم ذكرت بعد ثلاثة أيام، فجئت ~~فإذا هو في مكانه، فقال: # (يا فتى لقد شققت علي أنا ها هنا منذ ثلاث أنتظرك) لفظ أبي داود. وقال ~~يزيد الرقاشي: # انتظره إسماعيل اثنين وعشرين يوما، ذكره الماوردي. وفي كتاب ابن سلام أنه ~~انتظره سنة. وذكره الزمخشري عن ابن عباس أنه وعد صاحبا له أن ينتظره في ~~مكان فانتظر سنة. # وذكره القشيري قال: فلم يبرح من مكانه سنة حتى أتاه جبريل عليه السلام ~~فقال: إن التاجر الذي سألك أن تقعد له حتى يعود هو إبليس فلا تقعد ولا ~~كرامة له. وهذا بعيد ولا يصح. وقد قيل: إن إسماعيل لم يعد شيئا إلا وفى به، ~~وهذا قول صحيح، وهو الذي يقتضيه ظاهر الآية، والله أعلم. # الثالثة - من هذا الباب قوله ms3965 صلى الله عليه وسلم (العدة دين). وفي الأثر ~~(وأي (2) المؤمن واجب) أي في أخلاق المؤمنين. وإنما قلنا أن ذلك ليس بواجب ~~فرضا لاجماع العلماء على ما حكاه أبو عمر أن من وعد بمال ما كان ليضرب به ~~مع الغرماء فلذلك قلنا إيجاب الوفاء به حسن مع المروءة، ولا يقضى به. ~~والعرب تمتدح بالوفاء، وتذم بالخلف والغدر، وكذلك سائر الأمم، ولقد أحسن ~~القائل: # متى ما يقل حر لصاحب حاجة * نعم يقضها والحر للواي ضامن # PageV11P115 # ولا خلاف أن الوفاء يستحق صاحبه الحمد والشكر، وعلى الخلف الذم. وقد أثنى ~~الله تبارك وتعالى على من صدق وعده، ووفى بنذره، وكفى بهذا مدحا وثناء، ~~وبما خالفه ذما. # الرابعة - قال مالك: إذا سأل الرجل الرجل أن يهب له الهبة فيقول له نعم، ~~ثم يبدو له ألا يفعل فما أرى يلزمه. قال مالك: ولو كان ذلك في قضاء دين ~~فسأله أن يقضيه عنه فقال نعم، وثم رجال يشهدون عليه فما أحراه أن يلزمه إذا ~~شهد عليه اثنان. وقال أبو حنيفة وأصحابه والأوزاعي والشافعي وسائر الفقهاء: ~~إن العدة لا يلزم منها (1) شئ لأنها منافع لم يقبضها في العارية لأنها ~~طارئة، وفي غير العارية هي أشخاص وأعيان موهوبة لم تقبض فلصاحبها الرجوع ~~فيها. وفي البخاري " واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد "، وقضى ~~ابن أشوع بالوعد وذكر ذلك عن سمرة بن جندب. قال البخاري (2): ورأيت إسحاق ~~بن إبراهيم يحتج بحديث ابن أشوع. # الخامسة - (وكان رسولا نبيا) قيل: أرسل إسماعيل إلى جرهم. وكل الأنبياء ~~كانوا إذا وعدوا صدقوا، وخص إسماعيل بالذكر تشريفا له. والله أعلم. # السادسة - (وكان يأمر أهله) قال الحسن: يعني أمته. وفي حرف ابن مسعود " ~~وكان يأمر أهله جرهم وولده بالصلاة والزكاة ". (وكان عند ربه مرضيا) أي ~~رضيا زاكيا صالحا. قال الكسائي والفراء: من قال مرضى بناه على رضيت قالا: ~~وأهل الحجاز يقولون: مرضو. وقال الكسائي والفراء: من العرب من يقول رضوان ~~(3) ورضيان فرضوان على مرضو، ورضيان على مرضى ولا يجيز البصريون أن يقولوا ~~إلا رضوان وربوان. ms3966 قال أبو جعفر النحاس: سمعت أبا إسحاق الزجاج يقول: ~~يخطئون في الخط فيكتبون ربا بالياء ثم يخطئون فيما هو أشد من هذا فيقولون ~~ربيان ولا يجوز إلا ربوان ورضوان قال الله تعالى: # " وما آتيتم من ربا ليربو في أموال (4) الناس ". # PageV11P116 # قوله تعالى: واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا (56) ورفعناه ~~مكانا عليا (57) قوله تعالى: (واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا) ~~إدريس عليه السلام أول من خط بالقلم وأول من خاط الثياب ولبس المخيط، وأول ~~من نظر في علم النجوم والحساب وسيرها. وسمي إدريس لكثرة درسه لكتاب الله ~~تعالى. وأنزل الله تعالى عليه ثلاثين صحيفة كما في حديث أبي ذر. الزمخشري: ~~وقيل سمي إدريس إدريس لكثرة درسه كتاب الله تعالى، وكان اسمه أخنوخ وهو غير ~~صحيح، لأنه لو كان إفعيلا من الدرس لم يكن فيه إلا سبب واحد وهو العلمية ~~وكان منصرفا، فامتناعه من الصرف دليل على العجمة، وكذلك إبليس أعجمي وليس ~~من الابلاس كما يزعمون، ولا يعقوب من العقب، ولا إسرائيل بإسرال كما زعم ~~ابن السكيت، ومن لم يحقق ولم يتدرب بالصناعة كثرت منه أمثال هذه الهنات، ~~يجوز أن يكون معنى إدريس عليه السلام في تلك اللغة قريبا من ذلك فحسبه ~~الراوي مشتقا من الدرس. قال الثعلبي والغزنوي وغيرهما: وهو جد نوح وهو خطأ، ~~وقد تقدم في " الأعراف " (1) بيانه. وكذا وقع في السيرة أن نوحا عليه ~~السلام بن لامك بن متوشلخ بن أخنوخ وهو إدريس النبي فيما يزعمون. والله ~~تعالى أعلم. وكان أول من أعطى النبوة (2) من بني آدم، وخط بالقلم. # ابن يرد بن مهلائيل بن قينان بن يانش بن شيث بن آدم صلى الله عليه وسلم. ~~[فالله أعلم] (3). # قوله تعالى: (ورفعناه مكانا عليا) قال أنس بن مالك وأبو سعيد الخدري ~~وغيرهما: # يعني السماء الرابعة. وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقاله كعب ~~الأحبار. وقال ابن عباس والضحاك: يعني السماء السادسة، ذكره المهدوي. # قلت: ووقع في البخاري (4) عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر ms3967 قال سمعت أنس ~~بن مالك يقول: ليلة أسرى برسول الله صلى الله عليه وسلم من مسجد الكعبة، ~~الحديث وفيه: كل سماء فيها أنبياء - قد سماهم - منهم إدريس في الثانية. وهو ~~وهم، والصحيح أنه في السماء # PageV11P117 # الرابعة، كذلك رواه ثابت البناني عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، ذكره مسلم في الصحيح. وروى مالك بن صعصعة قال قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: (لما عرج بي إلى السماء أتيت على إدريس في السماء الرابعة). ~~خرجه مسلم أيضا. وكان سبب رفعه على ما قال ابن عباس وكعب وغيرهما: أنه سار ~~ذات يوم في حاجة فأصابه وهج الشمس، فقال: (يا رب أنا مشيت يوما فكيف بمن ~~يحملها خمسمائة عام في يوم واحد! اللهم خفف عنه من ثقلها. يعني الملك ~~الموكل بفلك الشمس)، يقول إدريس: اللهم خفف عنه من ثقلها واحمل عنه من ~~حرها. # فلما أصبح الملك وجد من خفة الشمس والظل مالا يعرف فقال: يا رب خلقتني ~~لحمل الشمس فما الذي قضيت فيه؟ فقال الله تعالى: " أما إن عبدي إدريس سألني ~~أن أخفف عنك حملها وحرها فأجبته " فقال: يا رب أجمع بيني وبينه، واجعل بيني ~~وبينه خلة. فأذن الله له حتى أتى إدريس، وكان إدريس عليه السلام يسأله. ~~فقال أخبرت أنك أكرم الملائكة وأمكنهم عند ملك الموت، فاشفع لي إليه ليؤخر ~~أجلي، فأزداد شكرا وعبادة. فقال الملك: لا يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها ~~فقال للملك: قد علمت ذلك ولكنه أطيب لنفسي قال نعم. ثم حمله (1) على جناحه ~~فرفعه إلى السماء ووضعه عند مطلع الشمس، ثم قال لملك الموت: # لي صديق من بني آدم تشفع بي إليك لتؤخر أجله. فقال: ليس ذلك إلي ولكن إن ~~أحببت علمه أعلمته متى يموت. قال ": " نعم " ثم نظر في ديوانه، فقال: إنك ~~تسألني عن إنسان ما أراه يموت أبدا. قال " وكيف "؟ قال: لا أجده يموت إلا ~~عند مطلع الشمس. قال: # فإني أتيتك وتركته هناك، قال: انطلق فما أراك تجده إلا وقد مات فوالله ما ms3968 ~~بقى من أجل إدريس شئ. فرجع الملك فوجده ميتا. وقال السدي: إنه نام ذات يوم، ~~واشتد عليه حر الشمس، فقام وهو منها في كرب فقال: اللهم خفف عن ملك الشمس ~~حرها، وأعنه على ثقلها، فإنه يمارس نارا حامية. فأصبح ملك الشمس وقد نصب له ~~كرسي من نور عنده سبعون ألف ملك عن يمينه، ومثلها عن يساره يخدمونه، ~~ويتولون أمره وعمله من تحت حكمه، فقال ملك الشمس: # يا رب من أين لي هذا؟. قال " دعا لك رجل من بني آدم يقال له إدريس " ثم ~~ذكر نحو حديث كعب. قال فقال له ملك الشمس: أتريد حاجة؟ قال: نعم وددت أني ~~لو رأيت الجنة. # PageV11P118 # قال: فرفعه على جناحه، ثم طار به، فبينما هو في السماء الرابعة التقى ~~بملك الموت ينظر في السماء، ينظر يمينا وشمالا، فسلم عليه ملك الشمس، وقال: ~~يا إدريس هذا ملك الموت فسلم عليه فقال ملك الموت: سبحان الله! ولأي معنى ~~رفعته هاهنا؟ قال: رفعته لأريه الجنة. قال: # فإن الله تعالى أمرني أن أقبض روح إدريس في السماء الرابعة. قلت: يا رب ~~وأين إدريس من السماء الرابعة، فنزلت فإذا هو معك، فقبض روحه فرفعها إلى ~~الجنة، ودفنت الملائكة جثته في السماء الرابعة، فذلك قوله تعالى: " ورفعناه ~~مكانا عليا " قال وهب بن منبه: كان يرفع لإدريس كل يوم من العبادة مثل ما ~~يرفع لأهل الأرض في زمانه، فعجب منه الملائكة واشتاق إليه ملك الموت، ~~فاستأذن ربه في زيارته فأذن له، فأتاه في صورة آدمي، وكان إدريس عليه ~~السلام يصوم النهار، فلما كان وقت إفطاره دعاه إلى طعامه فأبى أن يأكل. # ففعل به ذلك ثلاث ليال فأنكره إدريس، وقال له: من أنت! قال أنا ملك ~~الموت، استأذنت ربي أن أصحبك فأذن لي، فقال: إن لي إليك حاجة. قال: وما هي؟ ~~قال: # أن تقبض روحي. فأوحى (1) الله تعالى إليه أن اقبض روحه، فقبضه ورده الله ~~إليه بعد ساعة، وقال له ملك الموت: ما الفائدة في قبض روحك؟ قال لأذوق كرب ~~الموت فأكون له ms3969 أشد استعدادا. ثم قال له إدريس بعد ساعة (2): إن لي إليك ~~حاجة أخرى. قال: وما هي؟ # قال أن ترفعني إلى السماء فأنظر إلى الجنة والنار، فأذن الله تعالى له في ~~رفعه إلى السماوات، فرأى النار فصعق، فلما أفاق قال أرني الجنة، فأدخله ~~الجنة، ثم قال له ملك الموت: أخرج لتعود إلى مقرك. فتعلق بشجرة وقال: لا ~~أخرج منها. فبعث الله تعالى بينهما ملكا حكما، فقال مالك لا تخرج؟ قال: لان ~~الله تعالى قال: " كل نفس ذائقة الموت " (3) [آل عمران: 185] وأنا ذقته، ~~وقال: " وإن منكم إلا واردها " (4) [مريم: 71] وقد وردتها، وقال: " وما هم ~~منها بمخرجين " (5) [الحجر: 48] فكيف أخرج؟ # قال الله تبارك وتعالى لملك الموت: " بإذني دخل الجنة وبأمري يخرج " فهو ~~حي هنالك فذلك قوله تعالى " ورفعناه مكانا عليا " قال النحاس: قول إدريس: " ~~وما هم منها بمخرجين " يجوز أن يكون الله أعلم هذا إدريس، ثم نزل القرآن ~~به. قال وهب ابن منبه: فإدريس تارة يرتع في الجنة، وتارة يعبد الله تعالى ~~مع الملائكة في السماء. # PageV11P119 # قوله تعالى: أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن ~~حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى ~~عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا (58) فيه أربع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية ~~آدم) يريد إدريس وحده. (وممن حملنا مع نوح) يريد إبراهيم وحده (ومن ذرية ~~إبراهيم) يريد إسماعيل وإسحق ويعقوب. (و) من ذرية (إسرائيل) موسى وهرون ~~وزكريا ويحيى وعيسى. # فكان لإدريس ونوح شرف القرب من آدم، ولإبراهيم شرف القرب من نوح ~~ولإسماعيل وإسحاق ويعقوب شرف القرب من إبراهيم. (وممن هدينا) أي إلى ~~الاسلام: (واجتبينا) بالايمان. (إذا تتلى عليهم آيات الرحمن). وقرأ شبل بن ~~عباد المكي " يتلى " بالتذكير لان التأنيث غير حقيقي مع وجود الفاصل. (خروا ~~سجدا وبكيا) وصفهم بالخشوع لله والبكاء. وقد مضى في " سبحان " (1) ~~[الاسراء: 1]. يقال بكى يبكي بكاء وبكى وبكيا، إلا أن الخليل قال: إذا قصرت ~~البكاء فهو مثل الحزن، أي ms3970 ليس معه صوت كما قال الشاعر: (2) بكت عيني وحق ~~لها بكاها * وما يغني البكاء ولا العويل " وسجدا " نصب على الحال " وبكيا " ~~عطف عليه. # الثانية - في هذه الآية دلالة على أن لآيات الرحمن تأثيرا في القلوب. قال ~~الحسن: # (إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا) الصلاة. وقال الأصم: ~~المراد بآيات الرحمن الكتب المتضمنة لتوحيده وحججه، وأنهم كانوا يسجدون عند ~~تلاوتها، ويبكون عند ذكرها. والمروى عن ابن عباس أن المراد به القرآن خاصة، ~~وأنهم كانوا يسجدون ويبكون # PageV11P120 # عند تلاوته، قال الكيا: وفي هذه [الآية] (1): دلالة من قوله على أن ~~القرآن هو الذي كان يتلى على جميع الأنبياء، ولو كان كذلك لما كان الرسول ~~عليه الصلاة والسلام مختصا بإنزاله إليه. # الثالثة - احتج أبو بكر الرازي بهذه الآية على وجوب سجود القرآن على ~~المستمع والقارئ. قال الكيا: وهذا بعيد فإن هذا الوصف شامل لكل آيات الله ~~تعالى. وضم السجود إلى البكاء، وأبان به عن طريقة الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام في تعظيمهم لله تعالى وآياته، وليس فيه دلالة على وجوب ذلك عند آية ~~مخصوصة. # الرابعة - قال العلماء: ينبغي لمن قرأ سجدة أن يدعو فيها بما يليق ~~بآياتها، فإن قرأ سورة السجدة " ألم تنزيل " قال: اللهم اجعلني من الساجدين ~~لوجهك، المسبحين بحمدك، وأعوذ بك أن أكون من المستكبرين عن أمرك. وإن قرأ ~~سجدة " سبحان " قال: اللهم اجعلني من الباكين إليك، الخاشعين لك. وإن قرأ ~~هذه قال: اللهم اجعلني من عبادك المنعم عليهم، المهديين الساجدين لك، ~~الباكين عند تلاوة آياتك. # قوله تعالى: فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون ~~غيا (59) إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا ~~(60) جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب إنه كان وعده مأتيا (61) لا ~~يسمعون فيها لغوا إلا سلاما ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا (63) تلك الجنة ~~التي نورث من عبادنا من كان تقيا (63) فيه أربع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (فخلف من بعدهم خلف) أي أولاد سوء. قال أبو عبيدة: # حدثنا حجاج عن ابن ms3971 جريج عن مجاهد قال: ذلك عند قيام الساعة، وذهاب صالحي ~~هذه الأمة # PageV11P121 # أمة محمد صلى الله عليه وسلم ينزو بعضهم على بعض في الأزقة زنى. وقد تقدم ~~القول في " خلف " في " الأعراف " (1) فلا معنى للإعادة. # الثانية - قوله تعالى: (أضاعوا الصلاة) وقرأ عبد الله والحسن: " أضاعوا ~~الصلوات " على الجمع. وهو ذم ونص في أن إضاعة الصلاة من الكبائر التي يوبق ~~بها صاحبها ولا خلاف في ذلك، وقد قال عمر: ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع. ~~واختلفوا فيمن المراد بهذه الآية، فقال مجاهد: النصارى خلفوا بعد اليهود. ~~وقال محمد بن كعب القرظي ومجاهد أيضا وعطاء: # هم قوم من أمة محمد صلى الله عليه وسلم في آخر الزمان، أي يكون في هذه ~~الأمة من هذه صفته لا أنهم المراد بهذه الآية. واختلفوا أيضا في معنى ~~إضاعتها، فقال القرظي: هي إضاعة كفر وجحد بها. وقال القاسم بن مخيمرة، وعبد ~~الله بن مسعود: هي إضاعة أوقاتها، وعدم القيام بحقوقها وهو الصحيح، وأنها ~~إذا صليت مخلى بها لا تصح ولا تجزئ، لقوله صلى الله عليه وسلم للرجل الذي ~~صلى وجاء فسلم عليه (ارجع فصل فإنك لم تصل) ثلاث مرات خرجه مسلم، وقال ~~حذيفة لرجل يصلي فطفف (2): منذ كم تصلي هذه الصلاة؟ قال منذ أربعين عاما. ~~قال: ما صليت، ولو مت وأنت تصلي هذه الصلاة لمت على غير فطرة محمد صلى الله ~~عليه وسلم. ثم قال: إن الرجل ليخفف الصلاة ويتم ويحسن. خرجه البخاري واللفظ ~~للنسائي، وفي الترمذي عن أبي مسعود الأنصاري قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # (لا تجزئ صلاة لا يقيم فيها الرجل) يعني صلبه في الركوع والسجود، قال: ~~حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم ومن بعدهم، يرون أن يقيم الرجل صلبه في الركوع والسجود، قال الشافعي ~~وأحمد وإسحاق: من لم يقم صلبه في الركوع والسجود فصلاته فاسدة، قال صلى ~~الله عليه وسلم (تلك الصلاة صلاة المنافق يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت ms3972 بين ~~قرني الشيطان قام فنقرها أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا). وهذا ذم لمن ~~يفعل ذلك. وقال فروة بن خالد بن سنان: استبطأ # PageV11P122 # أصحاب الضحاك مرة أميرا في صلاة العصر حتى كادت الشمس تغرب، فقرأ الضحاك ~~هذه الآية، ثم قال: والله لان أدعها أحب إلي من أن أضيعها. وجملة القول هذا ~~الباب أن من لم يحافظ على كمال وضوئها وركوعها وسجودها فليس بمحافظ عليها، ~~ومن لم يحافظ عليها فقد ضيعها، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع، كما أن من ~~حافظ عليها حفظ الله عليه دينه، ولا دين لمن لا صلاة له. وقال الحسن: عطلوا ~~المساجد، واشتغلوا بالصنائع والأسباب. # " واتبعوا الشهوات " أي اللذات والمعاصي. # الثالثة - روى الترمذي وأبو داود عن أنس بن حكيم الضبي أنه أتى المدينة ~~فلقي أبا هريرة فقال له: يا فتى ألا أحدثك حديثا لعل الله تعالى أن ينفعك ~~به، قلت: بلى. # قال: (إن أول ما يحاسب به الناس يوم القيامة من أعمالهم الصلاة فيقول ~~الله تبارك وتعالى لملائكته وهو أعلم انظروا في صلاة عبدي أتمها أم نقصها ~~فإن كانت تامة كتبت له تامة وإن كان انتقص منها شيئا قال انظروا هل لعبدي ~~من تطوع فإن كان له تطوع قال أكملوا لعبدي فريضته من تطوعه ثم تؤخذ الأعمال ~~على ذلك). قال يونس: وأحسبه عن النبي صلى الله عليه وسلم، لفظ أبي داود. ~~وقال: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد حدثنا داود بن أبي هند عن زرارة بن ~~أوفى عن تميم الداري عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا المعنى. قال: # (ثم الزكاة مثل ذلك) (ثم تؤخذ الأعمال على حسب ذلك). وأخرجه النسائي عن ~~همام عن الحسن عن حريث بن قبيصة عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى يقول: # (إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة بصلاته فإن صلحت فقد أفلح وأنجح ~~وإن فسدت فقد خاب وخسر - قال همام: لا أدري هذا من كلام قتادة أو من ~~الرواية - فإن انتقص من فريضته شئ قال انظروا هل ms3973 لعبدي من تطوع فيكمل به ما ~~نقص من الفريضة ثم يكون سائر عمله على نحو ذلك). خالفه أبو العوام فرواه عن ~~قتادة عن الحسن عن أبي رافع عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته فإن وجدت تامة كتبت تامة وإن ~~كان انتقص منها شئ قال انظروا هل تجدون له من PageV11P123 # تطوع يكمل ما ضيع من فريضته من تطوعه ثم سائر الأعمال تجري على حسب ذلك) ~~قال النسائي: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال حدثنا النضر بن شميل قال أنبأنا ~~حماد بن سلمة عن الأزرق بن قيس عن يحيى بن يعمر عن أبي هريرة عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: # (أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته فإن كان أكملها وإلا قال الله ~~عز وجل انظروا لعبدي من تطوع فإن وجد له تطوع قال أكملوا به الفريضة). قال ~~أبو عمر بن عبد البر في كتاب " التمهيد " أما إكمال الفريضة من التطوع ~~فإنما يكون - والله أعلم - فيمن سها عن فريضة فلم يأت بها، أو لم يحسن ~~ركوعها وسجودها ولم يدر قدر ذلك وأما من تركها، أو نسي ثم ذكرها فلم يأت ~~بها عامدا واشتغل بالتطوع عن أداء فرضها وهو ذاكر له فلا يكمل له فريضة من ~~تطوعه والله أعلم. وقد روى من حديث الشاميين في هذا الباب حديث منكر يرويه ~~محمد بن حمير عن عمرو بن قيس السكوني عن عبد الله بن قرط عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: (من صلى صلاة لم يكمل فيها ركوعه وسجوده زيد فيها من ~~تسبيحاته حتى تتم). قال أبو عمر: وهذا لا يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~إلا من هذا الوجه وليس بالقوي وإن كان صح كان معناه أنه خرج من صلاة كان قد ~~أتمها عند نفسه وليست في الحكم بتامة [والله أعلم] (1). # قلت: فينبغي للانسان أن يحسن فرضه ونفله حتى يكون له نفل يجده زائدا على ~~فرضه يقربه ms3974 من ربه كما قال سبحانه وتعالى: (وما يزال عبدي يتقرب إلي ~~بالنوافل حتى أحبه " الحديث. فأما إذا كان نفل يكمل به الفرض فحكمه في ~~المعنى حكم الفرض. ومن لا يحسن أن يصلي الفرض فأحرى وأولى ألا يحسن التنفل ~~لا جرم تنفل الناس في أشد ما يكون من النقصان والخلل لخفته عندهم وتهاونهم ~~به حتى كأنه غير معتد به. ولعمر الله لقد يشاهد في الوجود من يشار إليه ~~ويظن به العلم تنفله كذلك بل فرضه إذ ينقره نقر الديك لعدم معرفته بالحديث ~~فكيف بالجهال الذين لا يعلمون. وقد قال العلماء: ولا يجزئ ركوع ولا سجود ~~ولا وقوف بعد الركوع ولا جلوس بين السجدتين حتى يعتدل راكعا وواقفا # PageV11P124 # وساجدا وجالسا. وهذا هو الصحيح في الأثر وعليه جمهور العلماء وأهل النظر. ~~وهذه رواية ابن وهب وأبي مصعب عن مالك. وقد مضى هذا المعنى في " البقرة " ~~(1). وإذا كان هذا فكيف يكمل بذلك التنفل ما نقص من هذا الفرض على سبيل ~~الجهل والسهو؟! بل كل ذلك غير صحيح ولا مقبول لأنه وقع على غير المطلوب ~~والله أعلم. # [الرابعة] (2) - قوله تعالى: (واتبعوا الشهوات) وعن علي رضي الله تعالى ~~عنه في قوله تعالى: # (واتبعوا الشهوات) هو من بنى [المشيد] (3) وركب المنظور (4) وليس ~~المشهور. # قلت: الشهوات عبارة عما يوافق الانسان ويشتهيه ويلائمه ولا يتقيه. وفي ~~الصحيح: # (حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات). وما ذكر عن علي رضي الله عنه ~~جزء من هذا. # قوله تعالى: (فسوف يلقون غيا) قال ابن زيد: شرا أو ضلالا أو خيبة، قال: # فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره * ومن يغولا يعدم على الغي لائما وقال عبد ~~الله بن مسعود: هو واد في جهنم. والتقدير عند أهل اللغة فسوف يلقون هذا ~~الغي، كما قال جل ذكره: " ومن يفعل ذلك يلق أثاما " (6) [الفرقان: 68] ~~والأظهر أن الغي اسم للوادي سمي به لان الغاوين يصيرون إليه. قال كعب: يظهر ~~في آخر الزمان قوم بأيديهم سياط كأذناب البقر ثم قرأ [الآية] (7): " فسوف ~~يلقون غيا " أي هلاكا وضلالا في جهنم. ms3975 وعنه: غي واد في جهنم أبعدها قعرا ~~وأشدها حرا فيه بئر يسمى البهيم كلما خبت جهنم فتح الله تعالى تلك البئر ~~فتسعر بها جهنم. وقال ابن عباس: غي واد في جهنم وأن أودية جهنم لتستعيذ من ~~حره أعد الله تعالى ذلك الوادي للزاني المصر على الزنى، ولشارب الخمر ~~المدمن عليه ولآكل الربا الذي لا ينزع عنه ولأهل العقوق ولشاهد الزور ~~ولامرأة أدخلت على زوجها ولدا ليس منه. # PageV11P125 # قوله تعالى: (إلا من تاب) أي من تضييع الصلاة واتباع الشهوات فرجع إلى ~~طاعة ربه. (وآمن) به (وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة). قرأ أبو جعفر وشيبة ~~وابن كثير وابن محيصن وأبو عمرو ويعقوب وأبو بكر: (يدخلون) بفتح الخاء. ~~وفتح الياء الباقون. # (ولا يظلمون شيئا) أي لا ينقص من أعمالهم الصالحة شئ إلا أنهم (1) يكتب ~~لهم بكل حسنة عشر إلى سبعمائة. (جنات عدن) بدلا من الجنة فانتصبت. قال أبو ~~إسحاق الزجاج: ويجوز " جنات عدن " على الابتداء. قال أبو حاتم: ولولا الخط ~~لكان " جنة عدن " لان قبله " يدخلون الجنة ". (التي وعد الرحمن عباده ~~بالغيب) أي من عبده وحفظ عهده بالغيب وقيل: آمنوا بالجنة ولم يروها. - إنه ~~كان وعده مأتيا) " مأتيا " مفعول من الاتيان. وكل ما وصل إليك فقد وصلت ~~إليه تقول: أتت علي ستون سنة وأتيت على ستين سنة. ووصل إلي من فلان خير ~~ووصلت منه إلى خير. وقال القتبي: " مأتيا " بمعنى آت فهو مفعول بمعنى فاعل. ~~و " مأتيا " مهموز لأنه من أتى يأتي. ومن خفف الهمزة جعلها ألفا. وقال ~~الطبري: # الوعد هاهنا الموعود وهو الجنة أي يأتيها أولياؤه. (لا يسمعون فيه لغوا) ~~أي في الجنة. # واللغو معناه الباطل من الكلام والفحش منه والفضول وما لا ينتفع به. ومنه ~~الحديث: # (إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والامام يخطب فقد لغوت) ويروى " لغيت " ~~وهي لغة أبي هريرة كما قال الشاعر (2): # ورب أسراب حجيج كظم * عن اللغا ورفث التكلم قال ابن عباس: اللغو كل ما لم ~~يكن فيه ذكر الله تعالى أي كلامهم في الجنة حمد الله ms3976 وتسبيحه. (إلا سلاما) ~~أي لكن يسمعون سلاما فهو من الاستثناء المنقطع يعني سلام بعضهم على بعض ~~وسلام الملك عليهم قاله مقاتل وغيره. والسلام اسم جامع للخير والمعنى أنهم ~~لا يسمعون فيها إلا ما يحبون. قوله تعالى: (ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا) أي ~~لهم ما يشتهون من المطاعم والمشارب بكرة وعشيا أي في قدر هذين الوقتين إذ ~~لا بكرة ثم ولا عشيا # PageV11P126 # كقوله تعالى: " غدوها شهر ورواحها (1) شهر " أي قدر شهر، قال معناه ابن ~~عباس وابن جريج وغيرهما. وقيل: عرفهم اعتدال أحوال أهل الجنة وكان أهنأ ~~النعمة عند العرب التمكين من المطعم والمشرب بكرة وعشيا. قال يحيى بن أبي ~~كثير وقتادة كانت العرب في زمانها من وجد غداء وعشاء معا فذلك هو الناعم ~~فنزلت. وقيل: أي رزقهم فيها غير منقطع كما قال: (لا مقطوعة ولا ممنوعة) (2) ~~كما تقول: أنا أصبح وأمسي في ذكرك. أي ذكري لك دائم. ويحتمل أن تكون البكرة ~~قبل تشاغلهم بلذاتهم والعشي بعد فراغهم من لذاتهم لأنه يتخللها فترات ~~انتقال من حال إلى حال. وهذا يرجع إلى القول الأول. وروى الزبير ابن بكار ~~عن إسماعيل بن أبي أويس قال قال مالك بن أنس: طعام المؤمنين في اليوم مرتان ~~وتلا قول الله عز وجل " ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا " ثم قال: وعوض الله عز ~~وجل المؤمنين في الصيام السحور بدلا من الغداء ليقووا به على عبادة ربهم. ~~وقيل: إنما ذكر ذلك لان صفة الغداء وهيئته [غير] (3) صفة العشاء وهيئته، ~~وهذا لا يعرفه إلا الملوك. # وكذلك يكون في الجنة رزق الغداء غير رزق العشاء تتلون عليهم النعم ~~ليزدادوا تنعما وغبطة. # وخرج الترمذي الحكيم في (نوادر الأصول) من حديث أبان عن الحسن وأبي قلابة ~~قالا قال رجل: يا رسول الله هل في الجنة من ليل؟ قال (وما هيجك على هذا) ~~قال سمعت الله تعالى يذكر في الكتاب: " ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا " فقلت: ~~الليل بين البكرة والعشي. # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس هناك ليل إنما هو ضوء ونور ms3977 يرد ~~الغدو على الرواح والرواح على الغدو وتأتيهم طرف الهدايا من الله تعالى ~~لمواقيت الصلاة التي كانوا يصلون فيها في الدنيا وتسلم عليهم الملائكة) ~~وهذا في غاية البيان لمعنى الآية وقد ذكرناه في كتاب (التذكرة). # وقال العلماء: ليس في الجنة ليل ولا نهار وإنما هم في نور أبدا إنما ~~يعرفون مقدار الليل من النهار بإرخاء الحجب وإغلاق الأبواب ويعرفون مقدار ~~النهار برفع الحجب وفتح الأبواب. # ذكره أبو الفرج الجوزي والمهدوي وغيرهما. # PageV11P127 # قوله تعالى: (تلك الجنة التي) أي هذه الجنة التي وصفنا أحوال أهلها ~~(نورث) بالتخفيف. وقرأ يعقوب: " نورث " بفتح الواو وتشديد الراء. والاختيار ~~التخفيف، لقوله تعالى: " أورثنا الكتاب " (1) [فاطر: 32]. (من عبادنا من ~~كان تقيا) قال ابن عباس: (أي من اتقاني وعمل بطاعتي). وقيل هو على التقديم ~~والتأخير تقديره نورث من كان تقيا من عبادنا. # قوله تعالى: وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ~~ذلك وما كان ربك نسيا (64) رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر ~~لعبادته هل تعلم له سميا (65) روى الترمذي عن ابن عباس قال قال رسول الله ~~صلى لجبريل (ما منعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا) قال: فنزلت هذه الآية (وما ~~نتنزل إلا بأمر ربك) إلى آخر الآية. قال هذا حديث حسن غريب. ورواه البخاري: ~~حدثنا خلال بن يحيى حدثنا عمر بن ذر قال سمعت أبي يحدث عن سعيد بن جبير عن ~~ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجبريل: (ما يمنعك أن تزورنا ~~أكثر مما تزورنا) فنزلت: " وما نتنزل إلا بأمر ربك " الآية، قال كان هذا ~~الجواب لمحمد صلى الله عليه وسلم. وقال مجاهد أبطأ الملك على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ثم أتاه فقال: (ما الذي أبطأك) قال: كيف نأتيكم وأنتم لا ~~تقصون أظفاركم ولا تأخذون من شواربكم، ولا تنقون رواجبكم (2)، ولا تستاكون، ~~قال مجاهد: فنزلت الآية في هذا. وقال مجاهد أيضا وقتادة وعكرمة والضحاك ~~ومقاتل والكلبي: # أحتبس جبريل عن النبي صلى الله عليه وسلم حين سأله ms3978 قومه عن قصة أصحاب ~~الكهف وذي القرنين والروح ولم يدر ما يجيبهم ورجا أن يأتيه جبريل بجواب ما ~~سألوه عنه قال عكرمة: فأبطأ عليه أربعين يوما. وقال مجاهد: اثنتي عشرة ~~ليلة. وقيل: خمسة عشر يوما وقيل ثلاثة عشر وقيل ثلاثة أيام فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم (أبطأت علي حتى # PageV11P128 # ساء ظني واشتقت إليك) فقال جبريل عليه السلام إني كنت أشوق ولكني عبد ~~مأمور إذا بعثت نزلت وإذا حبست احتبست فنزلت الآية (وما نتنزل إلا بأمر ~~ربك) وأنزل: # (والضحى والليل إذا سجى. ما ودعك ربك وما قلى) (1). ذكره الثعلبي ~~والواحدي والقشيري وغيرهم. وقيل: هو إخبار من أهل الجنة أنهم يقولون عند ~~دخولها وما نتنزل هذه الجنان إلا بأمر ربك وعلى هذا تكون الآية متصلة بما ~~قبل. وعلى ما ذكرنا من الأقوال قيل: تكون غير متصلة بما قبلها والقرآن سور ~~ثم السور تشتمل على جمل، وقد تنفصل جملة عن جملة " وما نتنزل " أي قال الله ~~تعالى قل يا جبريل " وما نتنزل إلا بأمر ربك ". وهذا يحتمل وجهين: أحدهما: ~~إنا إذا أمرنا نزلنا عليك. الثاني - إذا أمرك ربك نزلنا عليك فيكون الامر ~~على [الوجه] (2) الأول متوجها إلى النزول وعلى الوجه الثاني متوجها إلى ~~التنزيل. # قوله تعالى: (له) أي لله. (ما بين أيدينا) أي علم ما بين أيدينا (وما ~~خلفنا وما بين ذلك) قال ابن عباس وابن جريج: ما مضى أمامنا من أمر الدنيا، ~~وما يكون بعدنا من أمرها وأمر الآخرة. " وما بين ذلك " البرزخ. وقال قتادة ~~ومقاتل: " له ما بين أيدينا " من أمر الآخرة " وما خلفنا " ما مضى من ~~الدنيا " وما بين ذلك " ما بين النفختين وبينهما أربعون سنة. الأخفش: " ما ~~بين أيدينا " ما كان قبل أن نخلق " وما خلفنا " ما يكون بعد أن نموت " وما ~~بين ذلك " ما يكون منذ خلقنا إلى أن نموت. وقيل: " ما بين أيدينا " من ~~الثواب والعقاب وأمور الآخرة " وما خلفنا " ما مضى من أعمالنا في الدنيا ~~(وما بين ذلك) أي ما يكون من هذا الوقت إلى ms3979 يوم القيامة. ويحتمل خامسا: " ~~ما بين أيدينا " السماء " وما خلفنا " الأرض " وما بين ذلك " أي ما بين ~~السماء والأرض. وقال ابن عباس في رواية " له ما بين أيدينا " يريد الدنيا ~~إلى الأرض " وما خلفنا " يريد السماوات وهذا على عكس ما قبله " وما بين ذلك ~~" يريد الهواء ذكر الأول الماوردي والثاني القشيري. الزمخشري: وقيل ما مضى ~~من أعمارنا وما غبر منها والحال التي نحن فيها. # ولم يقل ما بين ذينك لان المراد ما بين ما ذكرنا كما قال " لا فارض ولا ~~بكر عوان بين ذلك " (3) # PageV11P129 # أي بين ما ذكرنا. (وما كان ربك نسيا) أي ناسيا إذا شاء أن يرسل إليك أرسل ~~وقيل: # المعنى لم ينسك وإن تأخر عنك الوحي. وقيل: المعنى أنه عالم بجميع الأشياء ~~متقدمها ومتأخرها ولا ينسى شيئا منها. # قوله تعالى: (رب السماوات والأرض وما بينهما) أي ربهما وخالقهما وخالق ما ~~بينهما ومالكهما ومالك ما بينهما، فكما إليه تدبير الأزمان كذلك إليه تدبير ~~الأعيان. (فاعبده) أي وحده لذلك. وفي هذا دلالة على أن اكتسابات الخلق ~~مفعولة لله تعالى كما يقوله أهل الحق وهو القول الحق لان الرب في هذا ~~الموضع لا يمكن حمله على معنى من معانيه إلا على المالك وإذا ثبت أنه مالك ~~ما بين السماء والأرض دخل في ذلك اكتساب الخلق ووجبت عبادته لما ثبت أنه ~~المالك على الاطلاق وحقيقة العبادة الطاعة بغاية الخضوع ولا يستحقها أحد ~~سوى المالك المعبود. (واصطبر لعبادته) أي لطاعته ولا تحزن لتأخير الوحي عنك ~~بل اشتغل بما أمرت به. وأصل اصطبر اصتبر فثقل الجمع بين التاء والصاد ~~لاختلافهما فأبدل من التاء طاء كما تقول من الصوم: اصطام. (هل تعلم له ~~سميا) قال ابن عباس: يريد هل تعلم له ولدا أي نظيرا (1)، أو مثلا أو شبيها ~~يستحق مثل اسمه الذي هو الرحمن. وقاله مجاهد. مأخوذ من المساماة. وروى ~~إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال: هل تعلم له أحدا سمي الرحمن. ~~قال النحاس: وهذا أجل إسناد علمته روي في هذا الحرف ms3980 وهو قول صحيح ولا يقال ~~الرحمن إلا لله. # قلت وقد مضى هذا مبينا في البسملة (2). والحمد لله. روى ابن أبي نجيح عن ~~مجاهد (هل تعلم له سميا) قال: مثلا. ابن المسيب: عدلا. قتادة والكلبي هل ~~تعلم أحدا يسمى الله تعالى غير الله أو يقال له الله إلا الله وهل بمعنى ~~لا، أي لا تعلم. والله تعالى أعلم. # PageV11P130 # قوله تعالى: ويقول الانسان أإذا ما مت لسوف أخرج حيا (66) أولا يذكر ~~الانسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا (67) فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم ~~لنحضرنهم حول جهنم جثيا (68) ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن ~~عتيا (69) ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا (70) وإن منكم إلا واردها ~~كان على ربك حتما مقضيا (71) ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا ~~(72) قوله تعالى: (ويقول الانسان أئذا ما مت لسوف أخرج حيا) الانسان هنا ~~أبي ابن خلف وجد عظاما بالية ففتتها بيده وقال: زعم محمد أنا نبعث بعد ~~الموت قاله الكلبي ذكره الواحدي والثعلبي والقشيري وقال المهدوي نزلت في ~~الوليد بن المغيرة وأصحابه وهو قول ابن عباس. واللام في " لسوف أخرج حيا " ~~للتأكد. كأنه قيل له إذا ما مت لسوف تبعث حيا فقال " أئذا ما مت لسوف أخرج ~~حيا "! قال ذلك منكرا فجاءت اللام في الجواب كما كانت في القول الأول ولو ~~كان مبتدئا لم تدخل اللام لأنها للتأكيد والايجاب وهو منكر للبعث. وقرا ابن ~~ذكوان " إذا ما مت " على الخبر والباقون بالاستفهام على أصولهم بالهمز. ~~وقرأ الحسن وأبو حياة: " لسوف اخرج حيا " قاله استهزاء لأنهم لا يصدقون ~~بالبعث. والانسان هاهنا الكافر. # قوله تعالى: (أولا يذكر الانسان) أي أو لا يذكر هذا القائل (أنا خلقناه ~~من قبل) أي من قبل سؤاله وقول هذا القول (ولم يك شيئا) فالإعادة مثل ~~الابتداء فلم يناقض. وقرأ أهل الكوفة إلا عاصما وأهل مكة وأبو عمر وأبو ~~جعفر " أولا يذكر " وقرأ شيبة ونافع وعاصم: # " أو لا يذكر " بالتخفيف. والاختيار التشديد وأصله يتذكر لقوله تعالى " ~~إنما يتذكر أولو ms3981 الألباب " (1) وأخواتها وفي حرف أبي " أولا يتذكر " وهذه ~~القراءة على التفسير لأنها مخالفة لخط المصحف: ومعنى " يتذكر " يتفكر ومعنى ~~" يذكر " يتنبه ويعلم قاله النحاس. # PageV11P131 # قوله تعالى: (فوربك لنحشرنهم) أقسم بنفسه بعد إقامة الحجة بأنه يحشرهم من ~~قبورهم إلى المعاد كما يحشر المؤمنين. (والشياطين) أي ولنحشرن الشياطين ~~قرناء لهم. قيل: # يحشر كل كافر مع شيطان في سلسلة كما قال: " احشروا الذين ظلموا وأزواجهم ~~" (1) [الصافات: 22] الزمخشري والواو في " والشياطين " يجوز أن تكون للعطف ~~وبمعنى مع وهي بمعنى مع أوقع. والمعنى أنهم يحشرون مع قرنائهم من الشياطين ~~الذي أغووهم، يقرنون (2) كل كافر مع شيطان في سلسلة. فإن قلت هذا إذا أريد ~~بالانسان الكفرة خاصة فإن أريد الأناسي على العموم فكيف يستقيم حشرهم مع ~~الشياطين؟ قلت إذا حشر جميع الناس حشرا واحدا وفيهم الكفرة مقرونين ~~بالشياطين فقد حشروا مع الشياطين كما حشروا مع الكفرة. # فإن قلت: هلا عزل السعداء عن الأشقياء في الحشر كما عزلوا عنهم في ~~الجزاء؟ قلت لم يفرق بينهم في المحشر وأحضروا حيث تجاثوا حول جهنم وأوردوا ~~معهم النار ليشاهد السعداء الأحوال التي نجاهم الله منها وخلصهم، فيزدادوا ~~لذلك غبطة وسرورا إلى سرور ويشمتوا بأعداء الله تعالى وأعدائهم فتزداد ~~مساءتهم وحسرتهم (3) وما يغيظهم من سعادة أولياء الله وشماتتهم بهم فإن قلت ~~ما معنى إحضارهم جثيا؟ قلت أما إذا فسر الانسان بالخصوص فالمعنى أنهم ~~يعتلون من المحشر إلى شاطئ جهنم عتلا (4) على حالهم التي كانوا عليها في ~~الموقف جثاة على ركبهم غير مشاة على أقدامهم وذلك أن أهل الموقف وصفوا ~~بالجثو قال الله تعالى " وترى كل أمة جاثية " (5) [كل] (6) على الحالة ~~المعهودة في مواقف المقاولات والمناقلات من تجاثي أهلها على الركب. لما في ~~ذلك من الاستيفاز والقلق (7) وإطلاق الجثا خلاف الطمأنينة أو لما (8) ~~يدهمهم من شدة الامر التي لا يطيقون معها القيام على أرجلهم فيجثون على ~~ركبهم جثوا. وإن فسر بالعموم فالمعنى أنهم يتجاثون عند موافاة شاطئ جهنم. # على أن " جثيا " حال مقدرة كما كانوا في الموقف متجاثين لأنه من توابع ~~التواقف ms3982 للحساب، قبل التواصل إلى الثواب والعقاب. ويقال: إن معنى (لنحضرنهم ~~حول جهنم جثيا) # PageV11P132 # أي جثيا على ركبهم عن مجاهد وقتادة أي أنهم لشدة ما هم فيه لا يقدرون على ~~القيام. # و " حول جهنم " يجوز أن يكون داخلها كما تقول: جلس القوم حول البيت أي ~~داخله مطيفين به فقوله: (حول جهنم) على هذا يجوز أن يكون بعد الدخول. ويجوز ~~أن يكون قبل الدخول. و " جثيا " جمع جاث. يقال: جثا على ركبتيه يجثو ويجثي ~~جثوا وجثيا على فعول فيهما. وأجثاه غيره. وقوم جثي أيضا مثل جلس جلوسا وقوم ~~جلوس وجثي أيضا بكسر الجيم لما بعدها من الكسر. وقال ابن عباس: " جثيا " ~~جماعات. وقال مقاتل: جمعا جمعا وهو على هذا التأويل جمع جثوة وجثوة وجثوة ~~ثلاث لغات وهي الحجارة المجموعة والتراب المجموع فأهل الخمر على حدة وأهل ~~الزنى على حدة وهكذا قال طرفة: # ترى جثوتين من تراب عليهما * صفائح صم من صفيح منضد وقال الحسن والضحاك: ~~جاثية على الركب. وهو على هذا التأويل جمع جاث على ما تقدم. # وذلك لضيق المكان أي لا يمكنهم أن يجلسوا جلوسا تاما. وقيل: جثيا على ~~ركبهم للتخاصم كقوله تعالى: " ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون " (1). ~~وقال الكميت: # هم تركوا سراتهم جثيا * وهم دون السراة مقرنينا قوله تعالى: (ثم لننزعن ~~من كل شيعة) أي لنستخرجن من كل أمة وأهل دين (أيهم أشد على الرحمن عتيا) ~~النحاس: وهذه آية مشكلة في الاعراب لان القراء كلهم يقرءون " أيهم " بالرفع ~~إلا هارون القارئ الأعور فإن سيبويه حكى عنه " ثم لننزعن من كل شيعة أيهم " ~~بالنصب أوقع على أيهم لننزعن. قال أبو إسحاق: في رفع " أيهم " ثلاثة أقوال، ~~قال الخليل بن أحمد حكاه عنه سيبويه: إنه مرفوع على الحكاية والمعنى ثم ~~لننزعن من كل شيعة الذي يقال من أجل عتوه أيهم أشد على الرحمن عتيا وأنشد ~~الخليل فقال: # ولقد أبيت من الفتاة بمنزل * فأبيت لا حرج ولا محروم أي فأبيت بمنزلة ~~الذي يقال له لا هو حرج ولا محروم. وقال أبو ms3983 جعفر النحاس: ورأيت أبا إسحاق ~~يختار هذا القول ويستحسنه قال: لأنه معنى قول أهل التفسير. وزعم أن معنى # PageV11P133 # " ثم لننزعن من كل شيعة " ثم لننزعن من كل فرقة الأعتى فالأعتى. كأنه ~~يبتدأ بالتعذيب بأشدهم عتيا ثم الذي يليه وهذا نص كلام أبي إسحاق في معنى ~~الآية. وقال يونس: " لننزعن " بمنزلة الافعال التي تلغى ورفع " أيهم " على ~~الابتداء. المهدوي: والفعل هو " لننزعن " عند يونس معلق قال أبو علي: معنى ~~ذلك أنه يعمل في موضع " أيهم أشد " لا أنه ملغى. # ولا يعلق عند الخليل وسيبويه مثل " لننزعن " إنما يعلق بأفعال الشك ~~وشبهها ما لم يتحقق وقوعه. وقال سيبويه: " أيهم " مبني على الضم لأنها ~~خالفت أخواتها في الحذف، لأنك لو قلت: رأيت الذي أفضل ومن أفضل كان قبيحا، ~~حتى تقول من هو أفضل، والحذف في " أيهم " جائز. قال أبو جعفر: وما علمت ~~أحدا من النحويين إلا وقد خطأ سيبويه في هذا وسمعت أبا إسحاق يقول: ما يبين ~~لي أن سيبويه غلط في كتابه إلا في موضعين هذا أحدهما، قال: وقد علمنا أن ~~سيبويه أعرب أيا وهي مفردة لأنها تضاف، فكيف يبنيها وهي مضافة؟! ولم يذكر ~~أبو إسحاق فيما علمت إلا هذه الثلاثة الأقوال. أبو علي: إنما وجب البناء ~~على مذهب سيبويه لأنه حذف منه ما يتعرف به وهو الضمير مع افتقار إليه كما ~~حذف في " من قبل ومن بعد " (1) ما يتعرفان به مع افتقار المضاف إلى المضاف ~~إليه لان الصلة تبين الموصول وتوضحه كما أن المضاف إليه يبين المضاف ~~ويخصصه. قال أبو جعفر: وفيه أربعة أقوال سوى هذه الثلاثة التي ذكرها أبو ~~إسحاق قال الكسائي: " لننزعن " واقعة على المعنى كما تقول: لبست من الثياب ~~وأكلت من الطعام ولم يقع " لننزعن " على " أيهم " فينصبها. زاد المهدوي: ~~وإنما الفعل عنده واقع على موضع " من كل شيعة " وقوله: # " أيهم أشد " جملة مستأنفة مرتفعة بالابتداء ولا يرى سيبويه زيادة " من " ~~في الواجب. # وقال الفراء: المعنى ثم لننزعن بالنداء ومعنى: " لننزعن " لننادين. ~~المهدوي: ونادى فعل يعلق إذا كان ms3984 بعده جملة كظننت فتعمل في المعنى ولا تعمل ~~في اللفظ قال أبو جعفر وحكى أبو بكر بن شقير أن بعض الكوفيين يقول في " ~~أيهم " معنى الشرط والمجازاة فلذلك لم يعمل فيها ما قبلها والمعنى: ثم ~~لننزعن من كل فرقة إن تشايعوا أو لم يتشايعوا كما تقول: # ضربت القوم أيهم غضب والمعنى إن غضبوا أو لم يغضبوا قال أبو جعفر فهذه ~~ستة # PageV11P134 # أقوال وسمعت علي بن سليمان يحكي عن محمد بن يزيد قال " أيهم " متعلق ب‍ " ~~شيعة " فهو مرفوع بالابتداء والمعنى ثم لننزعن من الذين تشايعوا أيهم أي من ~~الذين تعاونوا فنظروا أيهم أشد على الرحمن عتيا وهذا قول حسن. وقد حكى ~~الكسائي أن التشايع التعاون. و " عتيا " نصب على البيان. [قوله تعالى] (1): ~~(ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا) (2) أي أحق بدخول النار يقال: صلى ~~يصلى صليا نحو مضى الشئ يمضي مضيا إذا ذهب وهوى يهوي هويا. # وقال الجوهري: ويقال صليت الرجل نارا إذا أدخلته النار وجعلته يصلاها فإن ~~ألقيته فيها إلقاء كأنك تريد الاحراق قلت: أصليته بالألف وصليته تصلية وقرئ ~~" ويصلى سعيرا " (3). ومن خفف فهو من قولهم: صلى فلان بالنار (بالكسر) يصلى ~~صليا أحترق قال الله تعالى " هم أولى بها صليا " قال العجاج: (4) * والله ~~لولا النار أن نصلاها * ويقال أيضا صلي بالامر إذا قاسى حره وشدته. قال ~~الطهوي: # ولا تبلى بسالتهم وإن هم * صلوا بالحرب حينا بعد حين واصطليت بالنار ~~وتصليت بها. قال أبو زبيد: # وقد تصليت حر حربهم * كما تصلى المقرور من قرس وفلان لا يصطلى بناره إذا ~~كان شجاعا لا يطاق. # قوله تعالى: (وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا) فيه خمس ~~مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " وإن منكم " هذا قسم والواو يتضمنه. ويفسره حديث ~~النبي صلى الله عليه وسلم (لا يموت لاحد من المسلمين ثلاثة من الولد فتمسه ~~النار إلا تحلة # PageV11P135 # القسم) (1) قال الزهري: كأنه يريد هذه الآية (وإن منكم إلا واردها) ذكره ~~أبو داود الطيالسي فقوله: " إلا تحلة القسم " يخرج في التفسير المسند ms3985 لان ~~القسم المذكور في هذا الحديث معناه عند أهل العلم قوله تعالى " وإن منكم ~~إلا واردها " وقد قيل إن المراد بالقسم قوله تعالى: " والذاريات ذروا " إلى ~~قوله " إنما توعدون لصادق. # وإن الدين لواقع " (2) والأول أشهر، والمعنى متقارب. # الثانية - وأختلف الناس في الورود فقيل: الورود الدخول روي عن جابر بن ~~عبد الله قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (الورود الدخول لا ~~يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها فتكون على المؤمنين بردا وسلاما كما كانت على ~~إبراهيم. " ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا " أسنده أبو عمر ~~في كتاب " التمهيد ". وهو قول ابن عباس وخالد بن معدان وابن جريج وغيرهم ~~وروي عن يونس [عن الحسين] (3) أنه كان يقرأ: " وإن منكم إلا واردها " ~~الورود الدخول على التفسير للورود فغلط فيه بعض الرواة فألحقه بالقرآن. وفي ~~مسند الدارمي عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~(يرد الناس النار ثم يصدرون منها بأعمالهم فأولهم كلمح البرق ثم كالريح ثم ~~كحضر (4) الفرس ثم كالراكب المجد في رحله ثم كشد الرجل في مشيته). وروى عن ~~ابن عباس أنه قال في هذه المسألة لنافع بن الأزرق الخارجي: أما أنا وأنت ~~فلابد أن نردها أما أنا فينجيني الله منها وأما أنت فما أظنه ينجيك ~~لتكذيبك. وقد أشفق كثير من العلماء من تحقق الورود والجهل بالصدر وقد بيناه ~~في " التذكرة ". وقالت فرقة: الورود الممر على الصراط. وروي عن ابن عباس ~~وابن مسعود وكعب الأحبار والسدي ورواه السدي عن ابن مسعود عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم وقاله الحسن أيضا قال: ليس الورود الدخول إنما تقول: وردت ~~البصرة ولم أدخلها. قال: # فالورود أن يمروا على الصراط. قال أبو بكر الأنباري: وقد بنى على مذهب ~~الحسن قوم من أهل اللغة واحتجوا بقول الله تعالى: " إن الذين سبقت لهم منا ~~الحسنى أولئك عنها # PageV11P136 # مبعدون " (1) قالوا: فلا يدخل النار من ضمن الله أن يبعده منها. وكان ~~هؤلاء يقرءون " ثم " بفتح الثاء " ننجي الذين اتقوا ms3986 ". واحتج عليهم الآخرون ~~أهل المقالة الأولى بأن معنى قوله: # " أولئك عنها مبعدون " عن العذاب فيها والاحراق بها. قالوا: فمن دخلها ~~وهو لا يشعر بها ولا يحس منها وجعا ولا ألما فهو مبعد عنها في الحقيقة. ~~ويستدلون بقوله تعالى: # " ثم ننجي الذين اتقوا " بضم الثاء ف‍ " ثم " تدل على نجاء بعد الدخول. # قلت: وفي صحيح مسلم (ثم يضرب الجسر على جهنم وتحل الشفاعة فيقولون اللهم ~~سلم سلم) قيل: يا رسول الله وما الجسر؟ قال: (دحض مزلة (2) فيه خطاطيف ~~وكلاليب وحسك تكون بنجد فيها شويكة يقال لها السعدان فيمر المؤمنون كطرف ~~العين وكالبرق وكالريح وكالطير وكأجاويد الخيل والركاب فناج مسلم ومخدوش ~~مرسل ومكدوس في نار جهنم) الحديث. وبه أحتج من قال إن الجواز على الصراط هو ~~الورود الذي تضمنته هذه الآية لا الدخول فيها. وقالت فرقة: بل هو ورود ~~إشراف واطلاع وقرب. وذلك أنهم يحضرون موضع الحساب وهو بقرب جهنم فيرونها ~~وينظرون إليها في حالة الحساب ثم ينجي الله الذين اتقوا مما نظروا إليه ~~ويصار بهم إلى الجنة " ونذر الظالمين " أي يؤمر بهم إلى النار قال الله ~~تعالى " ولما ورد ماء مدين) (3) أي أشرف عليه لا أنه دخله. وقال زهير: # فلما وردن الماء زرقا (4) جمامه * وضعن عصي الحاضر المتخيم وروت حفصة أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (لا يدخل النار أحد من أهل بدر ~~والحديبية) قالت فقلت: يا رسول الله وأين قول الله تعالى " وإن منكم إلا ~~واردها " فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فمه " ثم ننجي الذين اتقوا ~~ونذر الظالمين فيها جثيا "). # أخرجه مسلم من حديث أم مبشر قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول ~~عند حفصة. # PageV11P137 # الحديث. ورجح الزجاج هذا القول بقوله تعالى " إن الذين سبقت لهم منا ~~الحسنى أولئك عنها مبعدون " وقال مجاهد: # ورود المؤمنين النار هو الحمى التي تصيب المؤمن في دار الدنيا، وهي حظ ~~المؤمن من النار فلا يردها. روى أبو هريرة أن رسول الله صلى عليه وسلم عاد ~~مريضا من وعك به ms3987 فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (أبشر فإن الله تبارك ~~وتعالى يقول: " هي ناري أسلطها على عبدي المؤمن لتكون حظه من النار ") ~~أسنده أبو عمر قال: حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال ~~حدثنا محمد بن إسماعيل الصائغ قال حدثنا أبو أسامة قال حدثنا عبد الرحمن بن ~~يزيد بن جابر عن إسماعيل بن عبيد الله [عن أبي صالح] (1) الأشعري عن أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم عاد مريضا فذكره. وفي الحديث (الحمى حظ ~~المؤمن من النار). # وقالت فرقة: الورود النظر إليها في القبر فينجي منها الفائز ويصلاها من ~~قدر عليه دخولها، ثم يخرج منها بالشفاعة أو بغيرها من رحمة الله تعالى. ~~واحتجوا بحديث ابن عمر: (إذا مات أحدكم عرض عليه مقعده بالغداة والعشي) ~~الحديث. وروى وكيع عن شعبة عن عبد الله بن السائب عن رجل عن ابن عباس أنه ~~قال في قول الله تعالى: (وإن منكم إلا واردها) قال: هذا خطاب للكفار. وروي ~~عنه أنه كان يقرأ: " وإن منهم " ردا على الآيات التي قبلها في الكفار: قوله ~~" فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا. ثم لننزعن من كل ~~شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا. ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا. وإن ~~منهم) (مريم: 68] وكذلك قرأ عكرمة وجماعة وعليها فلا شغب (2) في هذه ~~القراءة. وقالت فرقة: المراد ب‍ (- منكم) الكفرة والمعنى: قل لهم يا محمد. ~~وهذا التأويل أيضا سهل التناول والكاف في (منكم) راجعة إلى الهاء في ~~(لنحشرنهم والشياطين. ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا) فلا ينكر رجوع الكاف إلى ~~الهاء، فقد عرف ذلك في قوله عز وجل " وسقاهم ربهم شرابا طهورا. إن هذا كان ~~لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا " (3) [الانسان: 21 - 22] معناه كان لهم فرجعت ~~الكاف إلى الهاء وقال الأكثر: المخاطب العالم كله ولابد من ورود الجميع ~~وعليه نشأ # PageV11P138 # الخلاف في الورود. وقد بينا أقوال العلماء فيه. وظاهر الورود الدخول ~~لقوله عليه الصلاة والسلام: (فتمسه النار) لان المسيس حقيقته في اللغة ms3988 ~~المماسة إلا أنها تكون بردا وسلاما على المؤمنين وينجون منها سالمين. قال ~~خالد بن معدان: إذا دخل أهل الجنة الجنة قالوا ألم يقل ربنا: إنا نرد ~~النار؟ فيقال لقد وردتموها فألقيتموها رمادا. # قلت: وهذا القول يجمع شتات لأقوال فإن من وردها ولم تؤذه بلهبها وحرها ~~فقد أبعد عنها ونجي منها. نجانا الله تعالى منها بفضله وكرمه وجعلنا ممن ~~وردها فدخلها سالما وخرج منها غانما. فإن قيل: فهل يدخل الأنبياء النار؟ ~~قلنا: لا نطلق هذا ولكن نقول: # إن الخلق جميعا يردونها كما دل عليه حديث جابر أول الباب فالعصاة ~~يدخلونها بجرائمهم، والأولياء والسعداء لشفاعتهم فبين الدخولين بون. وقال ~~أبن الأنباري محتجا لمصحف عثمان وقراءة العامة: جائز في اللغة أن يرجع من ~~خطاب الغيبة إلى لفظ المواجهة بالخطاب كما قال: # (وسقاهم ربهم شرابا طهورا. إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا) فأبدل ~~الكاف من الهاء. وقد تقدم هذا المعنى في (يونس) (1). # الثالثة - الاستثناء في قوله عليه السلام (إلا تحلة القسم) يحتمل أن يكون ~~استثناء منقطعا: لكن تحلة القسم وهذا معروف في كلام العرب والمعنى ألا تمسه ~~النار أصلا وتم الكلام هنا ثم ابتدأ (إلا تحلة القسم) أي لكن تحلة القسم ~~لابد منها في قوله تعالى: # " وإن منكم إلا واردها " وهو الجواز على الصراط أو الرؤية أو الدخول دخول ~~سلامة، فلا يكون في ذلك شئ من مسيس لقوله عليه الصلاة والسلام: (لا يموت ~~لأحدكم ثلاثة من الولد فيحتسبهم إلا كانوا له جنة من النار) والجنة الوقاية ~~والستر ومن وقى النار وستر عنها فلن تمسه أصلا ولو مسته لما كان موقى. # الرابعة: هذا الحديث يفسر الأول لان فيه ذكر الحسبة، ولذلك جعله مالك ~~بأثره مفسرا له. ويقيد هذا الحديث الثاني أيضا ما رواه البخاري عن أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم (من مات له ثلاثة من الولد لم يبلغوا ~~الحنث كان له حجابا (2) من النار - أو - # PageV11P139 # دخل الجنة) فقوله عليه السلام (لم يبلغوا الحنث) - ومعناه عند أهل العلم ~~لم يبلغوا الحلم ms3989 ولم يبلغوا أن يلزمهم حنث - دليل على أن أطفال المسلمين في ~~الجنة - والله أعلم - لان الرحمة إذا نزلت بآبائهم استحال أن يرحموا من أجل ~~[من] (1) ليس بمرحوم. وهذا إجماع من العلماء في أن أطفال المسلمين في الجنة ~~ولم يخالف في ذلك إلا فرقة شذت من الجبرية فجعلتهم في المشيئة وهو قول ~~مهجور مردود بإجماع الحجة الذين لا تجوز مخالفتهم، ولا يجوز على مثلهم ~~الغلط، إلى ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم من أخبار الآحاد الثقات ~~العدول، وأن قوله عليه الصلاة والسلام (الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من ~~سعد في بطن أمه وأن الملك ينزل فيكتب أجله وعمله ورزقه) الحديث مخصوص، وأن ~~من مات من أطفال المسلمين قبل الاكتساب فهو ممن سعد في بطن أمه ولم يشق ~~بدليل الأحاديث والاجماع. وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضى الله ~~تعالى عنها: (يا عائشة إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلا وهم في أصلاب ~~آبائهم وخلق النار وخلق لها أهلا وهم في أصلاب آبائهم) ساقط ضعيف مردود ~~بالاجماع والآثار وطلحة بن يحيى الذي يرويه ضعيف لا يحتج به. وهذا الحديث ~~مما انفرد به فلا يعرج عليه. وقد روى شعبة عن معاوية بن قرة ابن إياس ~~المزني عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا من الأنصار مات له أبن ~~صغير فوجد عليه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أما يسرك ألا تأتى ~~بابا من أبواب الجنة إلا وجدته يستفتح لك) فقالوا: يا رسول الله أله خاصة ~~أم للمسلمين عامة؟ # قال (بل للمسلمين عامة) قال أبو عمر: هذا حديث ثابت صحيح بمعنى (2) ما ~~ذكرناه مع إجماع الجمهور، وهو يعارض حديث يحيى ويدفعه. قال أبو عمر: الوجه ~~عندي في هذا الحديث وما أشبهه من الآثار أنها لمن حافظ على أداء فرائضه ~~واجتنب الكبائر، وصبر واحتسب في مصيبته، فإن الخطاب لم يتوجه في ذلك العصر ~~إلا إلى قوم الأغلب من أمرهم ما وصفنا وهم الصحابة رضى الله ms3990 تعالى عنهم ~~أجمعين. وذكر النقاش عن بعضهم أنه قال: نسخ قوله تعالى " وإن منكم إلا ~~واردها " قوله: " إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها # PageV11P140 # مبعدون " [الأنبياء: 101] وهذا ضعيف، وهذا ليس موضع نسخ. وقد بينا أنه ~~إذا لم تمسه النار فقد أبعد عنها. وفي الخبر: (تقول النار للمؤمن يوم ~~القيامة جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي). # الخامسة - قوله تعالى: " كان على ربك حتما مقضيا " الحتم إيجاب القضاء أي ~~كان ذلك حتما. " مقضيا " أي قضاه الله تعالى عليكم. وقال ابن مسعود: أي ~~قسما واجبا. # قوله تعالى: (ثم ننجي الذين اتقوا) أي نخلصهم (ونذر الظالمين فيها جثيا) ~~وهذا مما يدل على أن الورود الدخول لأنه لم يقل: وندخل الظالمين. وقد مضى ~~هذا المعنى مستوفى. والمذهب أن صاحب الكبيرة وإن دخلها فإنه يعاقب بقدر ~~ذنبه ثم ينجو. وقالت المرجئة: لا يدخل. وقالت الوعيدية: يخلد. وقد مضى بيان ~~هذا في غير موضع. وقرأ عاصم الجحدري ومعاوية بن قرة " ثم ننجي " مخففة من ~~أنجى. وهي قراءة حميد ويعقوب والكسائي. وثقل الباقون. وقرأ ابن أبي ليلى: " ~~ثمة " بفتح الثاء أي هناك. و " ثم " ظرف إلا أنه مبني لأنه غير محصل فبني ~~كما بني ذا، والهاء يجوز أن تكون لبيان الحركة فتحذف في الوصل ويجوز أن ~~تكون لتأنيث البقعة فتثبت في الوصل تاء. # قوله تعالى: وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للذين آمنوا ~~أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا (73) وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن ~~أثاثا ورءيا (74) قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا حتى إذا رأوا ~~ما يوعدون إما العذاب وإما الساعة فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا (57) ~~قوله تعالى: (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات) أي على الكفار الذين سبق ذكرهم ~~في قوله تعالى: " أئذا ما مت لسوف أخرج حيا " [مريم: 66]. وقال فيهم: " ~~ونذر الظالمين فيها جثيا " أي هؤلاء إذا قرئ عليهم القرآن تعززوا بالدنيا، ~~وقالوا: فما بالنا - إن كنا على باطل - أكثر أموالا وأعز نفرا. وغرضهم ~~إدخال الشبهة ms3991 المستضعفين وإيهامهم أن من كثر ماله دل ذلك على أنه ~~PageV11P141 # المحق في دينه وكأنهم لم يروا في الكفار فقيرا ولا في المسلمين غنيا ولم ~~يعلموا أن الله تعالى نحى أولياءه عن الاغترار بالدنيا وفرط الميل إليها. و ~~" بينات " معناه مرتلات الألفاظ ملخصة المعاني، مبينات المقاصد، إما ~~محاكمات، أو متشابهات قد تبعها البيان بالمحكمات، أو تبيين الرسول صلى الله ~~عليه وسلم قولا أو فعلا. أو ظاهرات الاعجاز تحدى بها فلم يقدر على ~~معارضتها. أو حججا وبراهين. والوجه أن تكون حالا مؤكدة كقوله تعالى: # " وهو الحق مصدقا " (1) لان آيات الله تعالى لا تكون إلا واضحة وحججا. ~~(قال الذين كفروا) يريد مشركي قريش النضر بن الحرث وأصحابه. (للذين آمنوا) ~~يعني فقراء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت فيهم قشافة، وفي عيشهم ~~خشونة وفي ثيابهم رثاثة وكان المشركون يرجلون شعورهم ويدهنون رؤوسهم ~~ويلبسون خير ثيابهم، فقالوا للمؤمنين (أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا). ~~قرأ ابن كثير وأبن محيصن وحميد وشبل بن عباد " مقاما " بضم الميم وهو موضع ~~الإقامة. ويجوز أن يكون مصدرا بمعنى الإقامة. الباقون " مقاما " بالفتح، أي ~~منزلا ومسكنا. وقيل: المقام الموضع الذي يقام فيه بالأمور الجليلة، أي أي ~~الفريقين أكثر جاها وأنصارا. " وأحسن نديا " أي مجلسا، عن ابن عباس. وعنه ~~أيضا المنظر وهو المجلس في اللغة وهو النادي. ومنه دار الندوة لان المشركين ~~كانوا يتشاورون فيها في أمورهم. # وناداه جالسه في النادي. قال: # * أنادي به آل الوليد وجعفرا * والندي على فعيل مجلس القوم ومتحدثهم، ~~وكذلك الندوة والنادي [والمنتدى] (2) والمتندى، فإن تفرق القوم فليس بندي ~~قاله الجوهري. # قوله تعالى: (وكم أهلكنا قبلهم من قرن) أي من أمة وجماعة. (هم أحسن ~~أثاثا) أي متاعا كثيرا، قال: (3) وفرع يزين المتن أسود فاحم * أثيث كقنو ~~النخلة المتعثكل # PageV11P142 # والأثاث متاع البيت. وقيل: هو ماجد الفرش والخرثي ما لبس منها وأنشد ~~الحسن ابن علي الطوسي فقال: # تقادم العهد من أم الوليد بنا * دهرا وصار أثاث البيت خرثيا وقال ابن ~~عباس: هيئة. مقاتل ثيابا " ورئيا " أي منظرا حسنا. ms3992 وفيه خمس قراءات: # قرأ أهل المدينة: " وريا " بغير همز. وقرأ أهل الكوفة: " ورئيا " بالهمز. ~~وحكى يعقوب أن طلحة قرأ: " وريا " بياء واحدة مخففة. وروى سفيان عن الأعمش ~~عن أبي ظبيان عن ابن عباس (1): " هم أحسن أثاثا وزيا " بالزاي، فهذه أربع ~~قراءات. قال أبو إسحاق: # ويجوز " هم أحسن أثاثا وريئا " بياء بعدها همزة. النحاس: وقراءة أهل ~~المدينة في هذا حسنة وفيها تقريران: أحدهما - أن تكون من رأيت ثم خففت ~~الهمزة فأبدل منها ياء وأدغمت الياء في الياء. وكان هذا حسنا لتتفق رؤوس ~~الآيات لأنها غير مهموزات. وعلى هذا قال ابن عباس: الرئي المنظر، فالمعنى: ~~هم أحسن أثاثا ولباسا. والوجه الثاني - أن جلودهم مرتوية من النعمة، فلا ~~يجوز الهمز على هذا. وفي رواية ورش عن نافع وابن ذكوان عن ابن عامر " ورئيا ~~" بالهمز تكون على الوجه الأول. وهي قراءة أهل الكوفة وأبي عمرو من رأيت ~~على الأصل. وقراءة طلحة بن مصرف (وريا) بياء واحدة مخففة أحسبها غلطا. # وقد زعم بعض النحويين أنه كان أصلها الهمز فقلبت الهمزة ياء، ثم حذفت ~~إحدى اليائين. # المهدوي: ويجوز أن يكون " ريئا " فقلبت ياء فصارت رييا ثم نقلت حركة ~~الهمزة على الياء وحذفت. وقد قرأ بعضهم " وريا " على القلب وهي القراءة ~~الخامسة. وحكى سيبويه راء بمعنى رأى. الجوهري: من همزه جعله من المنظر من ~~رأيت، وهو ما رأته العين من حال حسنة وكسوة ظاهرة. وأنشد أبو عبيدة لمحمد ~~بن نمير الثقفي فقال: # أشاقتك الظعائن يوم بانوا * بذي الرئي الجميل من الأثاث ومن لم يهمز إما ~~أن يكون على تخفيف الهمزة أو يكون من رويت ألوانهم وجلودهم ريا، أي امتلأت ~~وحسنت. وأما قراءة ابن عباس وأبي بن كعب وسعيد بن جبير والأعسم المكي (2) # PageV11P143 # ويزيد البربري " وزيا " بالزاي فهو الهيئة والحسن. ويجوز أن يكون من زويت ~~أي جمعت، فيكون أصلها زويا فقلبت الواو ياء. ومنه قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: (زويت لي الأرض) أي جمعت، أي فلم يغن ذلك عنهم شيئا من عذاب الله ~~تعالى، فليعش هؤلاء ما ms3993 شاءوا فمصيرهم إلى الموت والعذاب وإن عمروا، أو ~~العذاب العاجل يأخذهم الله تعالى به. # قوله تعالى: (قل من كان في الضلالة) أي في الكفر (فليمدد له الرحمن مدا) ~~أي فليدعه في طغيان جهله وكفره فلفظه لفظ الامر ومعناه الخبر أي من كان ~~الضلالة مده الرحمن مدا حتى يطول اغتراره فيكون ذلك أشد لعقابه. نظيره: " ~~إنما نملي لهم ليزدادوا إثما " (1) [آل عمران: 178] وقوله: " ونذرهم في ~~طغيانهم يعمهون " (2) [الانعام: 110] ومثله كثير، أي فليعش ما شاء، وليوسع ~~لنفسه في العمر، فمصيره إلى الموت والعقاب. وهذا غاية في التهديد والوعيد. ~~وقيل: هذا دعاء أمر به النبي صلى الله عليه وسلم، تقول: من سرق مالي فليقطع ~~الله تعالى يده: فهو دعاء على السارق. وهو جواب الشرط. وعلى هذا فليس قوله: ~~" فليمدد " خبرا. # قوله تعالى: (حتى إذا رأوا ما يوعدون) قال: " رأوا " لان لفظ " من " يصلح ~~للواحد والجمع. و " إذا " مع الماضي بمعنى المستقبل، أي حتى يروا ما يوعدون ~~والعذاب هنا إما أن يكون بنصر المؤمنين عليهم فيعذبونهم بالسيف والأسر، ~~وإما أن تقوم الساعة فيصيرون إلى النار. (فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف ~~جندا) أي تنكشف حينئذ الحقائق وهذا رد لقولهم: (أي الفريقين خير مقاما ~~وأحسن نديا). # قوله تعالى: (ويزيد الله الذين اهتدوا هدى) أي ويثبت الله المؤمنين على ~~الهدى ويزيدهم في النصرة وينزل من الآيات ما يكون سبب زيادة اليقين مجازاة ~~لهم وقيل: # يزيدهم هدى بتصديقهم بالناسخ والمنسوخ الذي كفر به غيرهم قال معناه ~~الكلبي ومقاتل. # PageV11P144 # ويحتمل ثالثا - أي " ويزيد الله الذين اهتدوا " إلى الطاعة " هدى " إلى ~~الجنة والمعنى متقارب. وقد تقدم القول في معنى زيادة الأعمال وزيادة ~~الايمان والهدى في " آل عمران " (1) وغيرها. (والباقيات الصالحات) تقدم في ~~(الكهف) (2) القول فيها. (خير عند ربك ثوابا) أي جزاء: (وخير مردا) أي في ~~الآخرة مما افتخر به الكفار في الدنيا. و (المرد) مصدر كالرد، أي وخير ردا ~~على عاملها بالثواب، يقال: هذا أرد عليك أي أنفع لك. # وقيل " خير مردا " أي مرجعا فكل أحد يرد إلى عمله ms3994 الذي عمله. # قوله تعالى: أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا (77) أطلع ~~الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا (78) كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب ~~مدا (79) ونرثه ما يقول ويأتينا فردا (80) قوله تعالى: (أفرأيت الذي كفر ~~بآياتنا) روى الأئمة - واللفظ لمسلم - عن خباب قال: كان لي على العاص بن ~~وائل دين فأتيته أتقاضاه فقال لي: لن أقضيك حتى تكفر بمحمد. # قال: فقلت له لن أكفر به حتى تموت ثم تبعث. قال: وإني لمبعوث من بعد ~~الموت؟! # فسوف أقضيك إذا رجعت إلى مال وولد. قال وكيع: كذا قال الأعمش، فنزلت هذه ~~الآية: " أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا " إلى قوله: " ~~ويأتينا فردا ". # في رواية قال: كنت قينا (3) في الجاهلية فعملت للعاص بن وائل عملا، ~~فأتيته أتقاضاه. خرجه البخاري أيضا. وقال الكلبي ومقاتل: كان خباب قينا ~~فصاغ للعاص حليا ثم تقاضاه أجرته فقال العاص: ما عندي اليوم ما أقضيك. فقال ~~خباب: لست بمفارقك حتى تقضيني فقال العاص: يا خباب ما لك؟! ما كنت هكذا، ~~وأن كنت لحسن الطلب. فقال خباب: # إني كنت على دينك فأما اليوم فأنا على دين الاسلام مفارق لدينك، قال: أو ~~لستم تزعمون أن في الجنة ذهبا وفضة وحريرا؟ قال خباب: بلى قال فأخرني حتى ~~أقضيك # PageV11P145 # في الجنة - استهزاء - فوالله لئن كان ما تقول حقا إني لأقضيك فيها، ~~فوالله لا تكون أنت يا خباب وأصحابك أولى بها مني، فأنزل الله تعالى " ~~أفرأيت الذي كفر بآياتنا " يعني العاص ابن وائل الآيات. " أطلع الغيب " قال ~~ابن عباس: (أنظر في اللوح المحفوظ)؟!. وقال مجاهد: أعلم الغيب حتى يعلم أفي ~~الجنة هو أم لا؟! " أم اتخذ عند الرحمن عهدا " قال قتادة والثوري: أي عملا ~~صالحا. وقيل: هو التوحيد. وقيل: هو من الوعد. وقال الكلبي: عاهد الله تعالى ~~أن يدخله الجنة. " كلا " رد عليه أي لم يكن ذلك لم يطلع الغيب ولم يتخذ عند ~~الرحمن عهدا وتم الكلام عند قوله: " كلا ". وقال الحسن: إن الآيات نزلت في ~~الوليد بن المغيرة. ms3995 والأول أصح لأنه مدون في الصحاح. وقرأ حمزة والكسائي: # " وولدا " بضم الواو، والباقون بفتحها. واختلف في الضم والفتح على وجهين: ~~أحدهما: # أنهما لغتان معناهما واحد يقال ولد وولد كما يقال عدم وعدم. وقال الحرث ~~بن حلزة: # ولقد رأيت معاشرا * قد ثمروا مالا وولدا وقال آخر: # فليت فلانا كان في بطن أمه * وليت فلانا كان ولد حمار والثاني - أن قيسا ~~تجعل الولد بالضم جمعا والولد بالفتح واحدا. قال الماوردي: وفي قوله تعالى: ~~" لأوتين مالا وولدا " وجهان: أحدهما - أنه أراد في الجنة استهزاء بما وعد ~~الله تعالى على طاعته وعبادته، قاله الكلبي. الثاني: أنه أراد في الدنيا ~~وهو قول الجمهور وفيه وجهان محتملان: أحدهما إن أقمت على دين آبائي وعبادة ~~آلهتي لأوتين مالا وولدا. # الثاني: ولو كنت على باطل لما أوتيت مالا وولدا. # قلت: قول الكلبي أشبه بظاهر الأحاديث بل نصها يدل على ذلك قال مسروق: # سمعت خباب بن الأرت يقول: جئت العاصي بن وائل السهمي أتقاضاه حقا لي ~~عنده. # فقال: لا أعطيك حتى تكفر بمحمد. فقلت: لا حتى تموت ثم تبعث. قال: وإني ~~لميت ثم مبعوث؟! فقلت: نعم. فقال: إن لي هناك مالا وولدا فأقضيك فنزلت ~~[أفرأيت الذي كفر بآياتنا] (1) الآية قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. # PageV11P146 # قوله تعالى: (أطلع الغيب) ألفه ألف استفهام لمجئ " أم " بعدها ومعناه ~~التوبيخ وأصله أاطلع فحذفت الألف الثانية لأنها ألف وصل فإن قيل فهلا أتوا ~~بمدة بعد الألف فقالوا أطلع كما قالوا " الله خير " (1) " آلذكرين حرم " ~~(2) قيل له كان الأصل في هذا " أالله " " أالذكرين " فأبدلوا من الألف ~~الثانية مدة ليفرقوا بين الاستفهام والخبر وذلك أنهم لو قالوا: الله خير ~~بلا مد لالتبس الاستفهام بالخبر ولم يحتاجوا إلى هذه المدة في قوله: # " أطلع " لان ألف الاستفهام مفتوحة وألف الخبر مكسورة وذلك أنك تقول في ~~الاستفهام: # أطلع؟ أفترى؟ أصطفى؟ أستغفرت؟ بفتح الألف، وتقول في الخبر: إطلع، افترى، ~~اصطفى، إستغفرت لهم بالكسر، فجعلوا الفرق بالفتح والكسر ولم يحتاجوا إلى ~~فرق آخر قوله تعالى: (كلا) ليس في النصف (3) الأول ms3996 ذكر " كلا " وإنما جاء ~~ذكره في النصف الثاني. وهو يكون بمعنيين: أحدهما بمعنى حقا. والثاني بمعنى ~~لا. فإذا كانت بمعنى حقا جاز الوقف على ما قبله ثم تبتدئ " كلا " أي حقا. ~~وإذا كانت بمعنى لا كان الوقف على " كلا " جائز كما في هذه الآية لان ~~المعنى: لا ليس الامر كذا. ويجوز أن تقف على قوله " عهدا " وتبتدئ " كلا " ~~أي حقا " سنكتب ما يقول " وكذا قوله تعالى: # " لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا " (4) [المؤمنون: 100] يجوز الوقف على " ~~كلا " وعلى " تركت ". وقوله: # " ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون (5). قال كلا " الوقف على " كلا " لان ~~المعنى لا - وليس الامر كما تظن. " فاذهبا ". فليس للحق في هذا المعنى ~~موضع. وقال الفراء " كلا " بمنزلة سوف لأنها صلة وهي حرف رد فكأنها " نعم " ~~و " لا " في الاكتفاء. قال: وإن جعلتها صلة لما بعدها لم تقف عليها كقولك: ~~كلا ورب الكعبة، لا تقف على كلا لأنها بمنزلة إي ورب الكعبة. قال الله ~~تعالى " كلا والقمر " (6) [المدثر: 32] فالوقف على " كلا " قبيح لأنه صلة ~~لليمين. # وكان أبو جعفر محمد بن سعدان يقول في " كلا " مثل قول الفراء وقال الأخفش ~~معنى # PageV11P147 # كلا الردع والزجر وقال أبو بكر بن الأنباري وسمعت أبا العباس يقول: لا ~~يوقف على " كلا " جميع القرآن لأنها جواب والفائدة تقع فيما بعدها. والقول ~~الأول هو قول أهل التفسير. # قوله تعالى: (سنكتب ما يقول) أي سنحفظ عليه قوله فنجازيه به في الآخرة. # (ونمد له من العذاب مدا) أي سنزيده عذابا فوق عذاب. (ونرثه ما يقول) أي ~~نسلبه ما أعطيناه في الدنيا من مال وولد. وقال ابن عباس وغيره: أي نرثه ~~المال والولد بعد إهلاكنا إياه. وقيل: نحرمه ما تمناه في الآخرة من مال ~~وولد ونجعله لغيره من المسلمين. # (ويأتينا فردا) أي منفردا لا مال له ولا ولد ولا عشيرة تنصره. # قوله تعالى: واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا (81) كلا سيكفرون ~~بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا. # قوله تعالى: (واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا) يعني مشركي ms3997 ~~قريش. # و " عزا " معناه أعوانا ومنعة يعني أولادا. والعز المطر الجود أيضا قاله ~~الهروي. # وظاهر الكلام أن " عزا " راجع إلى الآلهة التي عبدوها من دون الله. ووحد ~~لأنه بمعنى المصدر أي لينالوا بها العز ويمتنعون بها من عذاب الله فقال ~~الله تعالى: (كلا) أي ليس الامر كما ظنوا وتوهموا بل يكفرون بعبادتهم أي ~~ينكرون أنهم عبدوا الأصنام أو تجحد الآلهة عبادة المشركين لها كما قال (2): ~~" تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون " (3) [القصص: 63] وذلك أن الأصنام ~~جمادات لا تعلم العبادة " ويكونون عليهم ضدا " أي أعوانا في خصومتهم ~~وتكذيبهم عن مجاهد والضحاك: يكونون لهم أعداء. ابن زيد: يكونون عليهم بلاء ~~فتحشر آلهتهم وتركب لهم عقول فتنطق وتقول: يا رب عذب هؤلاء الذين عبدونا من ~~دونك و " كلا " هنا يحتمل أن تكون بمعنى لا ويحتمل أن تكون بمعنى حقا أي ~~حقا " سيكفرون بعبادتهم " وقرأ # PageV11P148 # أبو نهيك: " كلا سيكفرون " بالتنوين. وروي عنه مع ذلك ضم الكاف وفتحها. ~~قال المهدوي " كلا " ردع وزجر وتنبيه ورد لكلام متقدم، وقد تقع لتحقيق ما ~~بعدها والتنبيه عليه كقوله: " كلا إن الانسان ليطغى " (1) [العلق: 6] فلا ~~يوقف عليها على هذا ويوقف عليها في المعنى الأول فان صلح فيها المعنيان ~~جميعا جاز الوقف عليها والابتداء بها. فمن نون (كلا) من قوله: (كلا سيكفرون ~~بعبادتهم) مع فتح الكاف فهو مصدر كل ونصبه بفعل مضمر والمعنى: كل هذا الرأي ~~والاعتقاد كلا يعني اتخاذهم الآلهة. " ليكونوا لهم عزا " فيوقف على هذا على ~~" عزا " وعلى " كلا ". وكذلك في قراءة الجماعة لأنها تصلح للرد لما قبلها ~~والتحقيق لما بعدها. ومن روى ضم الكاف مع التنوين فهو منصوب أيضا بفعل مضمر ~~كأنه قال: سيكفرون. " كلا سيكفرون بعبادتهم " يعني الآلهة. # قلت: فتحصل في " كلا " أربعة معان: التحقيق وهو أن تكون بمعنى حقا والنفي ~~والتنبيه وصلة للقسم ولا يوقف منها إلا على الأول. وقال الكسائي: " لا " ~~تنفى فحسب و " كلا " تنفي شيئا وتثبت شيئا فإذا قيل: أكلت تمرا قلت: كلا ~~إني أكلت عسلا لا تمرا ففي هذه الكلمة نفي ms3998 ما قبلها، وتحقق ما بعدها والضد ~~يكون واحدا ويكون جمعا كالعدو والرسول وقيل: وقع الضد موقع المصدر أي ~~ويكونون عليهم عونا فلهذا لم يجمع وهذا في مقابلة قوله: " ليكونوا لهم عزا ~~" والعز مصدر فكذلك ما وقع في مقابلته. ثم قيل: # الآية في عبدة الأصنام فأجري الأصنام مجرى من يعقل جريا على توهم الكفرة. ~~وقيل: # فيمن عبد المسيح أو الملائكة أو الجن أو الشياطين فالله تعالى أعلم. # قوله تعالى: ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا (83) فلا ~~تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا (84) يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا (85) ~~ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا (86) # PageV11P149 # قوله تعالى: (ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين) أي سلطناهم عليهم ~~بالاغواء وذلك حين قال لإبليس: " واستفزز من استطعت منهم بصوتك " (1) ~~[الاسراء: 64]. وقيل " أرسلنا " أي خلينا يقال: أرسلت البعير أي خليته، أي ~~خلينا الشياطين وإياهم ولم نعصمهم من القبول منهم. الزجاج: قيضنا. (تؤزهم ~~أزا) قال ابن عباس: تزعجهم إزعاجا من الطاعة إلى المعصية. وعنه تغريهم ~~إغراء بالشر: أمض أمض في هذا الامر حتى توقعهم في النار. # حكى الأول الثعلبي والثاني الماوردي والمعنى واحد. الضحاك: تغويهم إغواء ~~مجاهد: # تشليهم إشلاء وأصله الحركة والغليان، ومنه الخبر المروي أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم (قام إلى الصلاة ولجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء). ~~وائتزت القدر ائتزازا اشتد غليانها. والأز التهييج والاغراء قال الله تعالى ~~" ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا " أي تغريهم على ~~المعاصي. والأز الاختلاط. وقد أززت الشئ أؤزه أزا أي ضممت بعضه إلى بعض ~~قاله الجوهري. # قوله تعالى: (فلا تعجل عليهم) أي تطلب العذاب لهم. (إنما نعد لهم عدا) ~~قال الكلبي: آجالهم يعني الأيام والليالي والشهور والسنين إلى انتهاء أجل ~~العذاب. وقال الضحاك: # الأنفاس. ابن عباس: أي نعد أنفاسهم في الدنيا كما نعد سنيهم. وقيل ~~الخطوات. وقيل: # اللذات. وقيل: اللحظات وقيل الساعات. وقال قطرب: نعد أعمالهم عدا. وقيل ~~لا تعجل عليهم فإنما نؤخرهم ليزدادوا إثما. روي: أن المأمون قرأ هذه السورة ~~فمر ms3999 بهذه الآية وعنده جماعة من الفقهاء فأشار برأسه إلى ابن السماك أن يعظه ~~فقال: إذا كانت الأنفاس بالعدد ولم يكن لها مدد فما أسرع ما تنفد. وقيل في ~~هذا المعنى: # حياتك أنفاس تعد فكلما * مضى نفس منك انتقصت به جزءا يميتك ما يحييك في ~~كل ليلة * ويحدوك حاد ما يريد به الهزءا ويقال: إن أنفاس ابن آدم بين اليوم ~~والليلة أربعة وعشرون ألف نفس: أثنا عشر ألف نفس في اليوم وأثنا عشر ألفا ~~في الليلة - والله أعلم - فهي تعد وتحصى إحصاء ولها عدد معلوم وليس لها مدد ~~فما أسرع ما تنفد. # PageV11P150 # قوله تعالى: (يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا) في الكلام حذف أي إلى ~~جنة الرحمن، ودار كرامته. كقوله: " إني ذاهب إلى ربي سيهدين " (1) ~~[الصافات: 99] وكما في الخبر (من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى ~~الله ورسوله). والوفد اسم للوافدين كما يقال: صوم وفطر وزور فهو جمع الوافد ~~مثل ركب وراكب وصحب وصاحب وهو من وفد يفد وفدا ووفودا ووفادة إذا خرج إلى ~~ملك في فتح أو أمر خطير. الجوهري: يقال وفد فلان على الأمير أي ورد رسولا ~~فهو وافد، والجمع وفد مثل صاحب وصحب وجمع الوفد وفاد (2) ووفود والاسم ~~الوفادة وأوفدته أنا إلى الأمير أي أرسلته. وفي التفسير: " وفدا " أي ~~ركبانا على نجائب طاعتهم. وهذا لان الوافد في الغالب يكون راكبا والوفد ~~الركبان ووحد لأنه مصدر. # ابن جريج: وفدا على النجائب. وقال عمرو بن قيس الملائي: إن المؤمن إذا ~~خرج من قبره استقبله عمله في أحسن صورة وأطيب ريح فيقول هل تعرفني؟ فيقول ~~لا - إلا إن الله قد طيب ريحك وحسن صورتك. فيقول: كذلك كنت في الدنيا أنا ~~عملك الصالح طالما ركبتك في الدنيا اركبني اليوم وتلا " يوم نحشر المتقين ~~إلى الرحمن وفدا " وإن الكافر يستقبله عمله في أقبح صورة وأنتن ريح فيقول: ~~هل تعرفني؟ فيقول: لا - إلا إن الله قد قبح صورتك وأنتن ريحك. فيقول كذلك ~~كنت في الدنيا أنا عملك السئ طالما ركبتني في الدنيا وأنا ms4000 اليوم أركبك. ~~وتلا " وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم " (3) [الانعام: 31]. ولا يصح من قبل ~~إسناده. قاله ابن العربي في " سراج المريدين ". وذكر هذا الخبر في تفسيره ~~أبو نصر عبد الرحيم ابن عبد الكريم القشيري عن ابن عباس بلفظه ومعناه. وقال ~~أيضا عن ابن عباس: من كان يحب [ركوب] (4) الخيل وفد إلى الله تعالى على خيل ~~لا تروث ولا تبول لجمها من الياقوت الأحمر ومن الزبرجد الأخضر ومن الدر ~~الأبيض وسروجها من السندس والاستبرق ومن كان يحب ركوب الإبل فعلى نجائب لا ~~تبعر ولا تبول أزمتها من الياقوت والزبرجد ومن كان يحب ركوب السفن فعلى سفن ~~من [زبرجد و] (4) ياقوت قد أمنوا الغرق وأمنوا الأهوال. # وقال أيضا عن علي رضي الله عنه: ولما نزلت الآية قال علي رضي الله عنه: ~~يا رسول الله! # PageV11P151 # إني قد رأيت الملوك ووفودهم فلم أر وفدا إلا ركبانا فما وفد الله؟ فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أما إنهم لا يحشرون على أقدامهم ولا يساقون ~~سوقا ولكنهم يؤتون بنوق من نوق الجنة لم ينظر الخلائق إلى مثلها رحالها ~~الذهب وزمامها الزبرجد فيركبونها حتى يقرعوا باب الجنة). ولفظ الثعلبي في ~~هذا الخبر عن علي أبين. وقال علي لما نزلت هذه الآية قلت: # يا رسول الله! إني رأيت الملوك ووفودهم فلم أر وفدا إلا ركبانا. قال: (يا ~~علي إذا كان المنصرف من بين يدي الله تعالى تلقت الملائكة المؤمنين بنوق ~~بيض رحالها وأزمتها الذهب على كل مركب حلة لا تساويها الدنيا فيلبس كل مؤمن ~~حلة ثم تسير بهم مراكبهم فتهوى بهم النوق حتى تنتهي بهم إلى الجنة فتتلقاهم ~~الملائكة " سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين " (1) [الزمر: 73]. # قلت: وهذا الخبر ينص على أنهم لا يركبون ولا يلبسون إلا من الموقف وأما ~~إذا خرجوا من القبور فمشاة حفاة عراة غرلا (2) إلى الموقف بدليل حديث ابن ~~عباس قال قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظة فقال: (يا أيها ~~الناس إنكم تحشرون إلى الله - تعالى - حفاة عراة غرلا) الحديث. خرجه ~~البخاري ms4001 ومسلم وسيأتي بكماله في سورة " المؤمنين " إن شاء الله تعالى. ~~وتقدم في " آل عمران " (3) من حديث عبد الله بن أنيس بمعناه والحمد لله ~~تعالى. # ولا يبعد أن تحصل الحالتان للسعداء فيكون حديث ابن عباس مخصوصا! والله ~~أعلم. وقال أبو هريرة: " وفدا " على الإبل. ابن عباس: ركبانا يؤتون بنوق من ~~الجنة عليها رحائل من الذهب وسروجها وأزمتها من الزبرجد فيحشرون عليها وقال ~~علي: ما يحشرون والله على أرجلهم ولكن على نوق رجالها من ذهب ونجب سروجها ~~يواقيت إن هموا بها سارت وإن حركوها طارت. وقيل: يفدون على ما يحبون من إبل ~~أو خيل أو سفن على ما تقدم عن ابن عباس. والله أعلم. وقيل إنما قال: " وفدا ~~" لان من شأن الوفود عند العرب أن يقدموا بالبشارات وينتظرون الجوائز ~~فالمتقون ينتظرون العطاء والثواب. (ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا) السوق ~~الحث على السير. و " وردا " عطاشا قاله ابن عباس # PageV11P152 # وأبو هريرة رضي الله عنهما والحسن. والأخفش والفراء وابن الأعرابي: حفاة ~~مشاة. # وقيل: أفرادا (1). وقال الأزهري: أي مشاة عطاشا كالإبل ترد الماء فيقال ~~جاء ورد بني فلان. القشيري: وقوله: (وردا) يدل على العطش لان الماء إنما ~~يورد في الغالب للعطش. وفي " التفسير " مشاة عطاشا تتقطع أعناقهم من العطش ~~وإذا كان سوق المجرمين إلى النار فحشر المتقين إلى الجنة. وقيل " وردا " أي ~~الورود كقولك: جئتك إكراما لك أي لاكرامك أي نسوقهم لورود النار. # قلت: ولا تناقض بين هذه الأقوال فيساقون عطاشا حفاة مشاة أفرادا (1). قال ~~ابن عرفة: الورد القوم يردون الماء، فسمي العطاش وردا لطلبهم ورود الماء ~~كما تقول: # قوم صوم أي صيام وقوم زور أي زوار فهو اسم على لفظ المصدر واحدهم وارد. ~~والورد أيضا الجماعة التي ترد الماء من طير وإبل. والورد الماء الذي يورد. ~~وهذا من باب الايماء بالشئ إلى الشئ. والورد الجزء [من القرآن] (2) يقال: ~~قرأت وردي. والورد يوم الحمى إذا أخذت صاحبها لوقت. فظاهره لفظ مشترك. وقال ~~الشاعر يصف قليبا (3). # * يطمو إذا الورد عليه التكا (4) أي الوراد الذين يريدون الماء. ms4002 # قوله تعالى: (لا يملكون الشفاعة) أي هؤلاء الكفار لا يملكون الشفاعة لاحد ~~(إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا) وهم المسلمون فيملكون الشفاعة فهو استثناء ~~الشئ من غير جنسه أي لكن " من اتخذ عند الرحمن عهدا " يشفع، ف‍ " - من " في ~~موضع نصب على هذا. وقيل: هو في موضع رفع على البدل من الواو في " يملكون " ~~أي لا يملك أحد عند الله الشفاعة " إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا " فإنه ~~يملك وعلى هذا يكون الاستثناء # PageV11P153 # متصلا. و " المجرمين " في قوله: " ونسوق الجرمين إلى جهنم وردا " يعم ~~الكفرة والعصاة ثم أخبر أنهم لا يملكون الشفاعة إلا العصاة المؤمنون فإنهم ~~يملكونها بأن يشفع فيهم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا أزال أشفع ~~حتى أقول يا رب شفعني فيمن قال لا إله إلا الله محمد رسول الله فيقول يا ~~محمد إنها ليست لك ولكنها لي) خرجه مسلم بمعناه. وقد تقدم. وتظاهرت الاخبار ~~بأن أهل الفضل والعلم والصلاح يشفعون فيشفعون، وعلى القول الأول يكون ~~الكلام متصلا بقوله: " واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا " فلا ~~تقبل غدا شفاعة عبدة الأصنام لاحد، ولا شفاعة الأصنام لاحد، ولا يملكون ~~شفاعة أحد لهم أي لا تنفعهم شفاعة كما قال: (فما تنفعهم شفاعة الشافعين) ~~(1). وقيل: أي نحشر المتقين والمجرمين ولا يملك أحدا شفاعة. " إلا من أتخذ ~~عند الرحمن عهدا " أي إذا أذن له الله (2) في الشفاعة. كما قال: " من ذا ~~الذي يشفع عنده إلا بإذنه " (3) [البقرة: 255]. وهذا العهد هو الذي قال: # " أم اتخذ عند الرحمن عهدا " وهو لفظ جامع للايمان وجميع [الأعمال] (2) ~~الصالحات التي يصل بها صاحبها إلى حيز من يشفع. وقال ابن عباس: العهد لا ~~إله إلا الله. وقال مقاتل وابن عباس أيضا: لا يشفع إلا من شهد أن لا إله ~~إلا الله وتبرأ من الحول والقوة (4) لله ولا يرجو إلا الله تعالى. وقال ابن ~~مسعود: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأصحابه: (أيعجز أحدكم أن ~~يتخذ كل صباح ومساء عند الله عهدا) قيل ms4003 يا رسول الله وما ذاك؟ قال (يقول ~~عند كل صباح ومساء اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة إني ~~أعهد إليك في هذه الحياة بأني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك وأن ~~محمدا عبدك ورسولك [(فلا تكلني إلى (5) نفسي] فإنك إن تكلني إلى نفسي ~~تباعدني من الخير وتقربني من الشر وإني لا أثق إلا برحمتك فاجعل لي عندك ~~عهدا توفينيه يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد فإذا قال ذلك طبع الله عليها ~~طابعا ووضعها تحت العرش فإذا كان يوم القيامة نادى مناد أين الذين لهم عند ~~الله عهد فيقوم فيدخل الجنة). # PageV11P154 # قوله تعالى: وقالوا أتخذ الرحمن ولدا (88) لقد جئتم شيئا إدا (89) تكاد ~~السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا (90) أن دعوا للرحمن ولدا ~~(91) وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا (92) إن كل من في السماوات والأرض إلا ~~آتي الرحمن عبدا (93) لقد أحصاهم وعدهم عدا (94) وكلهم آتيه يوم القيامة ~~فردا (95) قوله تعالى: (وقالوا اتخذ الرحمن ولدا) يعنى اليهود والنصارى، ~~ومن زعم أن الملائكة بنات الله. وقرأ يحيى والأعمش وحمزة والكسائي وعاصم ~~وخلف: " ولدا " بضم الواو وإسكان اللام، في أربعة مواضع: من هذه السورة ~~قوله تعالى: لأوتين مالا وولدا " [مريم: 77] وقد تقدم، وقوله: " أن دعوا ~~للرحمن ولدا. وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا ". وفي سورة نوح " ماله وولده ~~" (1) [نوح: 21]. ووافقهم في " نوح " خاصة ابن كثير ومجاهد وحميد وأبو عمرو ~~ويعقوب. والباقون في الكل بالفتح في الواو واللام وهما لغتان مثل والعرب ~~والعرب والعجم والعجم قال: # ولقد رأيت معاشرا * قد ثمروا مالا وولدا وقال آخر: # وليت فلانا كان في بطن أمه * وليت فلانا كان ولد حمار وقال في معنى ذلك ~~النابغة: # مهلا فداء لك الأقوام كلهم * وما أثمر من مال ومن ولد ففتح. وقيس يجعلون ~~الولد بالضم جمعا والولد بالفتح واحدا. قال الجوهري: الولد قد يكون واحدا ~~وجمعا وكذلك الولد بالضم. ومن أمثال بني أسد: ولدك من دمى عقبيك (2). # وقد يكون الولد جمع الولد مثل أسد وأسد والولد بالكسر ms4004 لغة في الولد. ~~النحاس: وفرق # PageV11P155 # أبو عبيدة بينهما فزعم أن الولد يكون للأهل والولد جميعا. قال أبو جعفر ~~وهذا قول مردود لا يعرفه أحد من أهل اللغة ولا يكون الولد والولد إلا ولد ~~الرجل، وولد ولده، إلا أن ولدا أكثر في كلام العرب، كما قال: # مهلا فداء لك الأقوام كلهم * وما أثمر من مال ومن ولد قال أبو جعفر وسمعت ~~محمد بن الوليد يقول: يجوز أن يكون ولد جمع ولد كما يقال وثن ووثن وأسد ~~وأسد، ويجوز أن يكون ولد وولد بمعنى واحد كما يقال عجم وعجم وعرب وعرب كما ~~تقدم. # قوله تعالى (لقد جئتم شيئا إدا) أي منكرا عظيما، عن ابن عباس ومجاهد ~~وغيرهما. # قال الجوهري: الإد والإدة الداهية والامر الفظيع ومنه قوله تعالى: " لقد ~~جئتم شيئا إدا " وكذلك الآد مثل فاعل. وجمع الإدة إدد. وأدت فلانا داهية ~~تؤده أدا (بالفتح). # والإد أيضا الشدة. [والإد الغلبة والقوة] (1) قال الراجز: # نضون عني شدة وأدا * من بعد ما كنت صملا جلدا (2) انتهى كلامه. وقرأ أبو ~~عبد الرحمن (3) السلمي: " أدا " بفتح الهمزة. النحاس: يقال أد يؤد أدا فهو ~~آد والاسم الإد، إذا جاء بشئ عظيم منكر. وقال الراجز: # قد لقي الاقران مني نكرا * داهية دهياء إدا إمرا عن غير النحاس الثعلبي: ~~وفيه ثلاث لغات " إدا " بالكسر وهي قراءة العامة " وأدا " بالفتح وهي قراءة ~~السلمي و " آد " مثل ماد وهي لغة لبعض العرب رويت عن ابن عباس وأبي ~~العالية، وكأنها مأخوذة من الثقل [يقال]: آده الحمل يئوده أودا أثقله. # قوله تعالى: (تكاد السماوات) قراءة العامة هنا وفي " الشورى " (4) ~~بالتاء. وقراءة نافع ويحيى والكسائي " يكاد " بالياء لتقدم الفعل. (يتفطرن ~~منه) أي يتشققن. وقرأ نافع وابن كثير وحفص وغيرهم: بتاء بعد الياء وشد ~~الطاء من التفطر هنا وفي " الشورى ". # PageV11P156 # ووافقهم حمزة وابن عامر في " الشورى ". وقرأ هنا " ينفطرن " من الانفطار: ~~وكذلك قرأها أبو عمرو وأبو بكر والمفضل في السورتين. وهي اختيار أبي عبيد، ~~لقوله تعالى: # " إذا السماء انفطرت " (1) [الانفطار: 1] وقوله: " السماء منفطر به " (1) ~~[المزمل: 18]. وقوله: ms4005 (وتنشق الأرض) أي تتصدع. (وتخر الجبال هدا) قال ابن ~~عباس: هدما أي تسقط بصوت شديد. # وفي الحديث (اللهم إني أعوذ بك من الهد والهدة) قال شمر قال أحمد بن غياث ~~المروزي: # الهد الهدم والهدة الخسوف. وقال الليث هو الهدم الشديد كحائط يهد بمرة ~~يقال: # هدني الامر وهد ركني أي كسرني وبلغ مني قاله الهروي والجوهري: وهد البناء ~~يهده هدا كسره وضعضعه وهدته المصيبة أي أوهنت ركنه وانهد الجبل أي انكسر. ~~الأصمعي: والهد الرجل الضعيف يقول الرجل للرجل إذا أوعده: إني لغير هد أي ~~غير ضعيف. وقال ابن الأعرابي: الهد من الرجال الجواد الكريم وأما الجبان ~~الضعيف فهو الهد بالكسر وأنشد (2): # ليسوا بهدين في الحروب إذا * تعقد فوق الحراقف النطق والهدة صوت وقع ~~الحائط ونحوه تقول منه: هد يهد (بالكسر) هديدا والهاد صوت يسمعه أهل الساحل ~~يأتيهم من قبل البحر له دوي في الأرض وربما كانت منه الزلزلة ودويه هديده. ~~النحاس " هدا " مصدر لان معنى " تخر " تهد. وقال غيره: حال أي مهدودة (أن ~~دعوا للرحمن ولدا) " أن " في موضع نصب عند الفراء لان دعوا ومن أن دعوا ~~فموضع " أن " نصب بسقوط الخافض. وزعم الفراء أن الكسائي قال: # هي في موضع خفض بتقدير الخافض. وذكر ابن المبارك: حدثنا مسعر عن واصل عن ~~عون بن عبد الله قال قال عبد الله بن مسعود: إن الجبل ليقول للجبل يا فلان ~~هل مر بك اليوم ذاكر لله؟ فإن قال: نعم سربه ثم قرأ عبد الله " وقالوا اتخذ ~~الرحمن ولدا " الآية قال: (3) أفتراهن يسمعن الزور ولا يسمعن الخير؟!. قال: ~~وحدثني عوف عن غالب بن عجرد (4) قال: # PageV11P157 # حدثني رجل من أهل الشام في مسجد منى قال: إن الله تعالى لما خلق الأرض ~~وخلق ما فيها من الشجر لم تك في الأرض شجرة يأتيها بنو آدم إلا أصابوا منها ~~منفعة وكان لهم منها منفعة، فلم تزل الأرض والشجر كذلك حتى تكلم فجرة بني ~~آدم تلك الكلمة العظيمة قولهم " اتخذ الرحمن ولدا " فلما قالوها اقشعرت ~~الأرض وشاك الشجر. وقال ms4006 ابن عباس: # اقشعرت الجبال وما فيها من الأشجار والبحار وما فيها من الحيتان فصار من ~~ذلك الشوك في الحيتان وفي الأشجار الشوك. وقال ابن عباس أيضا وكعب: فزعت ~~السماوات والأرض والجبال وجميع المخلوقات إلا الثقلين وكادت أن تزول وغضبت ~~الملائكة فاستعرت جهنم وشاك الشجر واكفهرت الأرض وجدبت حين قالوا: اتخذ ~~الله ولدا. وقال محمد بن كعب: لقد كاد أعداء الله أن يقيموا علينا الساعة ~~لقوله تعالى " تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا. أن ~~دعوا للرحمن ولدا " قال ابن العربي: # وصدق فإنه قول عظيم سبق به القضاء والقدر ولولا أن الباري تبارك وتعالى ~~لا يضعه كفر الكافر ولا يرفعه إيمان المؤمن ولا يزيد هذا في ملكه كما لا ~~ينقص ذلك من ملكه لما جرى شئ من هذا على الألسنة ولكنه القدوس الحكيم ~~الحليم فلم يبال بعد ذلك بما يقول المبطلون قوله تعالى: (وما ينبغي للرحمن ~~أن يتخذ ولدا) فيه أربع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا) نفى عن نفسه ~~سبحانه وتعالى الولد لان الولد يقتضي الجنسية والحدوث على ما بيناه في " ~~البقرة " (1) أي لا يليق به ذلك ولا يوصف به ولا يجوز في حقه لأنه لا يكون ~~ولد إلا من والد يكون له والد وأصل والله سبحانه يتعالى عن ذلك ويتقدس. ~~قال: (2) في رأس خلقاء من عنقاء مشرفة * ما ينبغي دونها سهل ولا جبل # PageV11P158 # (إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا) " إن " نافية بمعنى ~~ما أي ما كل من في السماوات والأرض إلا وهو يأتي يوم القيامة مقرا له ~~بالعبودية خاضعا ذليلا كما قال: " وكل أتوه داخرين " (1) [النمل: 87] أي ~~صاغرين أذلاء أي الخلق كلهم عبيده فكيف يكون واحد منهم ولدا له عز وجل ~~تعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا. و " آتي " بالياء في الخط ~~والأصل التنوين فحذف استخفافا وأضيف. # الثانية - في هذه الآية دليل على أنه لا يجوز أن يكون الولد مملوكا ~~للوالد خلافا لمن قال إنه يشتريه فيملكه ولا ms4007 يعتق عليه إلا إذا أعتقه. وقد ~~أبان الله تعالى المنافاة بين الأولاد والملك فإذا ملك الوالد ولده بنوع من ~~التصرفات عتق عليه. ووجه الدليل عليه من هذه الآية أن الله تعالى جعل ~~الولدية والعبدية في طرفي تقابل فنفى أحدهما وأثبت الآخر ولو اجتمعا لما ~~كان لهذا القول فائدة يقع الاحتجاج بها وفي الحديث الصحيح (لا يجزي ولد ~~والدا إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه) خرجه مسلم. فإذا لم يملك الأب ~~ابنه مع مرتبته عليه فالابن بعدم ملك الأب أولى لقصوره عنه. # الثالثة - ذهب إسحاق بن راهويه في تأويل قوله عليه الصلاة والسلام: (من ~~أعتق شركا له في عبد) أن المراد به ذكور العبيد دون إناثهم فلا يكمل على من ~~أعتق شركا في أنثى وهو على خلاف ما ذهب إليه الجمهور من السلف ومن بعدهم ~~فإنهم لم يفرقوا بين الذكر والأنثى لان لفظ العبد يراد به الجنس كما قال ~~تعالى: " إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا " فإنه قد ~~يتناول الذكر والأنثى من العبيد (2) قطعا. وتمسك إسحاق بأنه قد حكى عبدة في ~~المؤنث. # الرابعة - روى البخاري عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم (يقول الله تبارك وتعالى كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك وشتمني ولم يكن ~~له ذلك فأما تكذيبه إياي فقوله ليس يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون ~~علي من إعادته وأما شتمه إياي فقوله اتخذ الله ولدا وأنا الأحد الصمد لم ~~يلد ولم يولد ولم يكن لي كفوا أحد) وقد تقدم في [البقرة] (3) وغيرها ~~وإعادته في مثل هذا الموضع حسن جدا. # PageV11P159 # قوله تعالى: (لقد أحصاهم) أي علم عددهم (وعدهم عدا) تأكيد أي فلا يخفى ~~عليه أحد منهم. # قلت: ووقع لنا في أسمائه سبحانه المحصي أعني في السنة من حديث أبي هريرة ~~خرجه الترمذي واشتقاق هذا الفعل يدل عليه. وقال الأستاذ أبو إسحاق ~~الأسفرايني: ومنها المحصي ويختص بأنه لا تشغله الكثرة عن العلم مثل ضوء ~~النور واشتداد الريح وتساقط الأوراق فيعلم ms4008 عند ذلك أجزاء الحركات في كل ~~ورقة وكيف لا يعلم وهو الذي يخلق وقد قال: " ألا يعلم من خلق وهو اللطيف ~~الخبير " (1). ووقع في تفسير ابن عباس أن معنى " لقد أحصاهم وعدهم عدا " ~~يريد أقروا له بالعبودية وشهدوا له بالربوبية. # قوله تعالى: (وكلهم آتيه يوم القيامة فردا) أي واحدا لا ناصر له ولا مال ~~معه لينفعه (2) كما قال تعالى: " يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله ~~بقلب سليم " (3) فلا ينفعه إلا ما قدم من عمل وقال: " وكلهم آتيه " على لفظ ~~وعلى المعنى آتوه. وقال القشيري: # وفيه إشارة إلى أنكم لا ترضون لأنفسكم باستعباد أولادكم والكل عبيده فكيف ~~رضيتم له مالا ترضون لأنفسكم. وقد رد عليهم في مثل هذا في أنهم لا يرضون ~~لأنفسهم بالبنات ويقولون: الملائكة بنات الله تعالى الله عن ذلك وقولهم: ~~الأصنام بنات الله. وقال: # " فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم " ~~(4). # قوله تعالى: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا (96) ~~قوله تعالى: " إن الذين آمنوا " أي صدقوا. " وعملوا الصالحات سيجعل لهم ~~الرحمن ودا " أي حبا في قلوب عباده. كما رواه الترمذي من حديث سعد وأبي ~~هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أحب الله عبدا نادى جبريل ~~إني قد أحببت فلانا فأحبه - قال - فينادي في السماء ثم تنزل له المحبة في ~~أهل الأرض. فذلك قوله تعالى: " سيجعل لهم # PageV11P160 # الرحمن ودا " وإذا أبغض الله عبدا نادى جبريل إني أبغضت فلانا فينادي في ~~السماء ثم تنزل له البغضاء في الأرض) " قال هذا حديث حسن صحيح. وخرجه ~~البخاري ومسلم بمعناه ومالك في الموطأ وفي نوادر الأصول. وحدثنا أبو بكر بن ~~سابق الأموي قال: حدثنا أبو مالك الجنبي عن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الله أعطى المؤمن الألفة (1) ~~والملاحة والمحبة في صدور الصالحين والملائكة المقربين - ثم تلا - " إن ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا ". واختلف ms4009 فيمن نزلت ~~فقيل في علي رضي الله تعالى عنه روى البراء بن عازب قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب: (قل يا علي اللهم اجعل لي عندك عهدا ~~واجعل لي في قلوب المؤمنين مودة) فنزلت الآية ذكره الثعلبي. وقال ابن عباس: ~~نزلت في عبد الرحمن بن عوف جعل الله تعالى له في قلوب العباد مودة لا يلقاه ~~مؤمن إلا وقره لا مشرك ولا منافق إلا عظمه. وكان هرم بن حيان يقول: ما أقبل ~~أحد بقلبه على الله تعالى إلا أقبل الله تعالى بقلوب أهل الايمان إليه حتى ~~يرزقه مودتهم ورحمتهم. وقيل: يجعل الله تعالى لهم مودة في قلوب المؤمنين ~~والملائكة يوم القيامة. # قلت: إذا كان محبوبا في الدنيا فهو كذلك في الآخرة فإن الله تعالى لا يحب ~~إلا مؤمنا تقيا ولا يرضى إلا خالصا نقيا جعلنا الله تعالى منهم بمنه وكرمه. ~~روى مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله ~~تعالى إذا أحب عبدا دعا جبريل عليه السلام فقال إني أحب فلانا فأحبه فيحبه ~~جبريل ثم ينادي في السماء فيقول إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ~~- قال - ثم يوضع له القبول في الأرض وإذا أبغض عبدا دعا جبريل عليه السلام ~~فيقول إني أبغض فلانا فأبغضه [قال] (2) فيبغضه جبريل ثم ينادي في أهل ~~السماء إن الله يبغض فلانا فأبغضوه - قال - فيبغضونه ثم توضع له البغضاء في ~~الأرض). # قوله تعالى: وإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا ~~(97) # PageV11P161 # قوله تعالى: فإنما يسرناه بلسانك) أي القرآن يعني بيناه بلسانك العربي ~~وجعلناه سهلا على من تدبره وتأمله. وقيل: أنزلناه عليك بلسان العرب ليسهل ~~عليهم فهمه. (لتبشر به المتقين) [أي المؤمنين] (1) (وتنذر به قوما لدا) ~~اللد جمع الألد وهو الشديد الخصومة ومنه قوله تعالى: " ألد الخصام (2) " ~~وقال الشاعر: # أبيت نجيا للهموم كأنني * أخاصم أقواما ذوي جدل لدا وقال أبو عبيدة: ~~الألد الذي لا يقبل الحق ويدعي الباطل. الحسن: اللد الصم ms4010 عن الحق. قال ~~الربيع: صم أذان القلوب. مجاهد: فجارا. الضحاك: مجادلين في الباطل. # ابن عباس: شدادا في الخصومة. وقيل: الظالم الذي لا يستقيم والمعنى واحد. ~~وخصوا بالانذار لان الذي لا عناد عنده يسهل انقياده قوله تعالى: وكم أهلكنا ~~قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا (94) قوله تعالى: (وكم ~~أهلكنا قبلهم من قرن) أي من أمة وجماعة من الناس يخوف أهل مكة. (هل تحس ~~منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا) في موضع نصب أي هل ترى منهم أحد وتجد. " أو ~~تسمع لهم ركزا " أي صوتا عن ابن عباس وغيره أي قد ماتوا وحصلوا [على] (3) ~~أعمالهم. وقيل: حسا، قاله ابن زيد. وقيل: الركز ما لا يفهم من صوت أو حركة ~~قاله اليزيدي وأبو عبيدة كركز الكتيبة وأنشد أبو عبيدة بيت لبيد: # وتوجست ركز الأنيس فراعها * عن ظهر غيب والأنيس سقامها (4) وقيل: الصوت ~~الخفي. ومنه ركز الرمح إذا غيب طرفه في الأرض. وقال طرفة: # وصادقتا سمع التوجس للسري * لركز خفي أو لصوت مندد (5) # PageV11P162 # وقال ذو الرمة يصف ثورا تسمع إلى صوت صائد وكلاب: # إذا توجس ركزا مقفر ندس * بنبأة الصوت ما في سمعه كذب أي ما في استماعه ~~كذب أي هو صادق الاستماع. والندس الحاذق فيقال: ندس وندس كما يقال: حذر ~~وحذر ويقظ ويقظ، والنبأة الصوت الخفي وكذلك الركز والركاز المال المدفون. ~~والله تعالى أعلم بالصواب. # بسم الله الرحمن الرحيم تفسير سورة طه عليه السلام سورة طه عليه السلام ~~مكية في قول الجميع. نزلت قبل إسلام عمر رضي الله عنه. # روى الدارقطني في سننه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال خرج عمر متقلدا ~~بسيف فقيل له إن ختنك [وأختك] (1) قد صبوا (2) فأتاهما عمر وعندهما رجل من ~~المهاجرين يقال له: خباب وكانوا يقرءون: " طه ". فقال: أعطوني الكتاب الذي ~~عندكم فأقرؤه - وكان عمر رضي الله عنه يقرأ الكتب - فقالت له أخته: إنك رجس ~~ولا يمسه إلا المطهرون فقم فاغتسل أو توضأ فقام عمر رضي الله عنه وتوضأ ms4011 ~~وأخذ الكتاب فقرأ: " طه ". وذكره ابن إسحاق مطولا: فإن عمر خرج متوشحا سيفه ~~يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتله فلقيه نعيم ابن عبد الله فقال: ~~أين تريد يا عمر؟ فقال: أريد محمدا هذا الصابئ الذي فرق أمر قريش وسفه ~~أحلامها وعاب دينها وسب آلهتها فأقتله. فقال له نعيم: والله لقد غرتك نفسك ~~من نفسك يا عمر أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض وقد قتلت محمدا؟! # أفلا ترجع إلى أهلك فتقيم أمرهم؟!. فقال: وأي أهل بيتي؟. قال: ختنك وابن ~~عمك سعيد بن زيد وأختك فاطمة بنت الخطاب فقد والله أسلما وتابعا محمدا على ~~دينه فعليك بهما. قال: فرجع عمر عامدا إلى أخته وختنه وعندهما خباب بن ~~الأرت معه صحيفة فيها # PageV11P163 # " طه " يقرئهما إياها فلما سمعوا حس عمر تغيب خباب في مخدع لهم أو في بعض ~~البيت وأخذت فاطمة بنت الخطاب الصحيفة فجعلتها تحت فخذها وقد سمع عمر حين ~~دنا إلى البيت قراءة خباب عليهما فلما دخل قال: ما هذه الهينمة (1) التي ~~سمعت؟ قالا له: ما سمعت شيئا. قال: بلى والله لقد أخبرت أنكما تابعتما ~~محمدا إلى دينه وبطش بختنه سعيد بن زيد فقامت إليه أخته فاطمة بنت الخطاب ~~لتكفه عن زوجها فضربها فشجها. فلما فعل ذلك قالت له أخته وختنه: نعم قد ~~أسلمنا وآمنا بالله ورسوله فاصنع ما بدا لك. ولما رأى عمر ما بأخته من الدم ~~ندم على ما صنع فارعوى وقال لأخته: أعطني هذه الصحيفة التي سمعتكم تقرؤونها ~~آنفا أنظر ما هذا الذي جاء به محمد. وكان كاتبا فلما قال ذلك قالت له أخته: # إنا نخشاك عليها. قال لها: لا تخافي وحلف لها بآلهته ليردنها إذا قرأها ~~فلما قال ذلك طمعت في إسلامه فقالت له: يا أخي إنك نجس على شركك وأنه لا ~~يمسها إلا الطاهر. فقام عمر واغتسل فأعطته الصحيفة وفيها " طه " [فقرأها] ~~(2) فلما قرأ منها صدرا قال: ما أحسن هذا الكلام وأكرمه! فلما سمع ذلك خباب ~~خرج إليه فقال له: يا عمر والله ms4012 إني لأرجو أن يكون الله قد خصك بدعوة نبيه ~~فإني سمعته أمس وهو يقول: (اللهم أيد الاسلام بأبي الحكم بن هشام أو بعمر ~~بن الخطاب) فالله الله يا عمر. فقال له عند ذلك: فدلني يا خباب على محمد ~~حتى آتيه فأسلم وذكر الحديث. # مسألة أسند الدارمي أبو محمد في مسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الله تبارك وتعالى قرأ " طه " و " يس " ~~قبل أن يخلق السماوات والأرض بألفي عام فلما سمعت الملائكة القرآن قالت ~~طوبى لامة ينزل هذا عليها وطوبى لأجواف تحمل هذا وطوبى لألسنة تتكلم بهذا) ~~قال ابن فورك معنى قوله: (إن الله تبارك وتعالى قرأ " طه " و " يس ") أي ~~أظهر وأسمع وأفهم كلامه من أراد من خلقه من الملائكة في ذلك الوقت والعرب ~~تقول: قرأت الشئ إذا تتبعته وتقول: ما قرأت هذه # PageV11P164 # الناقة في رحمها سلا قط أي ما ظهر فيها ولد فعلى هذا يكون الكلام سائغا ~~وقراءته إسماعه وإفهامه بعبارات يخلقها وكتابة يحدثها. وهي معنى قولنا ~~قرأنا كلام الله ومعنى قوله: # " فاقرءوا ما تيسر من القرآن " " فاقرءوا ما تيسر منه " (1). ومن أصحابنا ~~من قال معنى قوله: # (قرأ) أي تكلم به وذلك مجاز كقولهم ذقت هذا القول (2) ذواقا بمعنى ~~اختبرته. ومنه قول تعالى: # " فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون " (3) أي ابتلاهم ~~الله تعالى به فسمي ذلك ذواقا والخوف لا يذاق على الحقيقة لان الذوق في ~~الحقيقة بالفم دون غيره من الجوارح. # قال ابن فورك: وما قلناه أولا أصح في تأويل هذا الخبر لان كلام الله ~~تعالى أزلي قديم سابق لجملة الحوادث وإنما أسمع وأفهم من أراد من خلقه على ~~ما أراد في الأوقات والأزمنة لا أن عين كلامه يتعلق وجوده بمدة وزمان. # قوله تعالى: طه (1) ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى (2) إلا تذكرة لمن يخشى ~~(3) تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى (4) الرحمن على العرش استوى (5) ~~له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى ms4013 (6) وإن تجهر ~~بالقول فإنه يعلم السر وأخفى (7) الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى (8) ~~قوله تعالى: " طه " اختلف العلماء في معناه فقال الصديق رضي الله تعالى ~~عنه: # هو من الاسرار ذكره الغزنوي ابن عباس معناه يا رجل ذكره البيهقي. وقيل: ~~إنها لغة معروفة في عكل. وقيل في عك قال الكلبي: لو قلت في عك لرجل يا رجل ~~لم يجب حتى تقول طه. وأنشد الطبري في ذلك فقال: (4) دعوت بطه في القتال فلم ~~يجب * فخفت عليه أن يكون موائلا # PageV11P165 # ويروى مزايلا. وقال عبد الله بن عمرو: يا حبيبي بلغة عك ذكره الغزنوي ~~وقال قطرب: هو بلغة طئ وأنشد ليزيد بن المهلهل: # إن السفاهة طه من شمائلكم * لا بارك الله في القوم الملاعين وكذلك قال ~~الحسن: معنى " طه " يا رجل. وقاله عكرمة وقال هو بالسريانية كذلك ذكره ~~المهدوي وحكاه الماوردي عن ابن عباس أيضا ومجاهد. وحكى الطبري: أنه ~~بالنبطية يا رجل. وهذا قول السدي وسعيد بن جبير وابن عباس أيضا قال: # إن السفاهة طه من خلائقكم * لا قدس الله أرواح الملاعين وقال عكرمة أيضا: ~~هو كقولك يا رجل بلسان الحبشة ذكره الثعلبي. والصحيح أنها وإن وجدت في لغة ~~أخرى فإنها من لغة العرب كما ذكرنا وأنها لغة يمنية في عك وطئ وعكل أيضا. ~~وقيل: هو اسم من أسماء الله تعالى وقسم أقسم به. وهذا أيضا مروي عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما، وقيل: هو اسم للنبي صلى الله عليه وسلم سماه الله ~~تعالى به كما سماه محمدا. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (لي ~~عند ربي عشرة أسماء) فذكر أن فيها طه ويس وقيل: هو اسم للسورة ومفتاح لها. ~~وقيل: إنه اختصار من كلام الله خص الله تعالى رسوله بعلمه. وقيل: إنها حروف ~~مقطعة يدل كل حرف منها على معنى واختلف في ذلك فقيل الطاء شجرة طوبى والهاء ~~النار الهاوية والعرب تعبر عن الشئ كله ببعضه كأنه أقسم بالجنة والنار. ~~وقال سعيد بن جبير: الطاء افتتاح اسمه طاهر ms4014 وطيب والهاء افتتاح اسمه هادي. ~~وقيل " طاء " يا طامع الشفاعة للأمة " هاء " يا هادي الخلق إلى الله (1). # وقيل: الطاء من الطهارة والهاء من الهداية كأنه يقول لنبيه عليه الصلاة ~~والسلام: يا طاهرا من الذنوب يا هادي الخلق إلى علام الغيوب. وقيل الطاء ~~طبول الغزاة والهاء هيبتهم في قلوب الكافرين. بيانه قوله تعالى: " سنلقي في ~~قلوب الذين كفروا الرعب " (2) وقوله: # " وقذف في قلوبهم الرعب " (3). وقيل: الطاء طرب أهل الجنة في الجنة ~~والهاء هو ان أهل النار في النار. وقول سادس: إن معنى. " طه " طوبى لمن ~~اهتدى قاله مجاهد ومحمد بن الحنفية. # PageV11P166 # وقول سابع: إن معنى " طه " طأ الأرض وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان يتحمل مشقة الصلاة حتى كادت قدماه تتورم ويحتاج إلى الترويح بين قدميه ~~فقيل له: طأ الأرض أي لا تتعب حتى تحتاج إلى الترويح حكاه ابن الأنباري. ~~وقد ذكر القاضي عياض في " الشفاء " أن الربيع بن أنس قال: كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم إذا صلى قام على رجل ورفع الأخرى فأنزل الله تعالى: " طه " ~~يعني طأ الأرض يا محمد. (ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى). الزمخشري: وعن ~~الحسن " طه " وفسر بأنه أمر بالوطئ وأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقوم ~~في تهجده على إحدى رجليه فأمر أن يطأ الأرض بقدميه معا وأن الأصل طأ فقلبت ~~همزته هاء كما قلبت [ألفا] (1) في (يطا) فيمن قال: # *...... لا هناك المرتع (2) * ثم بنى عليه هذا الامر والهاء للسكت. وقال ~~مجاهد: كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يربطون الحبال في صدورهم في ~~الصلاة بالليل من طول القيام ثم نسخ ذلك بالفرض فنزلت هذه الآية. وقال ~~الكلبي: لما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم الوحي بمكة اجتهد في العبادة ~~واشتدت عبادته، فجعل يصلي الليل كله زمانا حتى نزلت هذه الآية فأمره الله ~~تعالى أن يخفف عن نفسه فيصلي وينام، فنسخت هذه الآية قيام الليل فكان بعد ~~هذه الآية يصلي وينام. # وقال مقاتل والضحاك: فلما نزل القرآن على النبي صلى الله ms4015 عليه وسلم قام ~~هو وأصحابه فصلوا فقال كفار قريش: ما أنزل الله هذا القرآن على محمد إلا ~~ليشقى فأنزل الله تعالى " طه " يقول: # يا رجل " ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى " أي لتتعب، على ما يأتي. وعلى هذا ~~القول: إن " طه " [طاها أي] (3) طأ الأرض فتكون الهاء والألف ضمير الأرض أي ~~طأ الأرض برجليك في صلواتك وخففت الهمزة فصارت ألفا ساكنة. وقرأت طائفة: " ~~طه " وأصله طأ بمعنى # PageV11P167 # طأ الأرض فحذفت الهمزة وأدخلت هاء السكت: وقال زر بن حبيش: قرأ رجل على ~~عبد الله بن مسعود " طه. ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى " فقال له عبد الله: ~~" طه " فقال: # يا أبا عبد الرحمن أليس قد أمر أن يطأ الأرض برجليه أو بقدميه. فقال: " ~~طه " كذلك أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأمال أبو عمرو وأبو ~~إسحاق الهاء وفتحا الطاء. وأمالهما جميعا أبو بكر وحمزة والكسائي والأعمش. ~~وقرأهما أبو جعفر وشيبة ونافع بين اللفظين واختاره أبو عبيد. الباقون ~~بالتفخيم قال الثعلبي: وهي كلها لغات صحيحة فصيحة. النحاس: # لا وجه للإمالة عند أكثر أهل العربية لعلتين: إحداهما أنه ليس هاهنا ياء ~~ولا كسرة فتكون الإمالة والعلة الأخرى أن الطاء من الحروف الموانع للإمالة ~~فهاتان علتان بينتان. # قوله تعالى: " ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى " وقرئ. " ما نزل عليك القرآن ~~لتشقى ". # قال النحاس: بعض النحويين يقول هذه لام النفي وبعضهم يقول لام الجحود. ~~وقال أبو جعفر: وسمعت أبا الحسن بن كيسان يقول: إنها لام الخفض والمعنى ما ~~أنزلنا عليك القرآن للشقاء. والشقاء يمد ويقصر. وهو من ذوات الواو. وأصل ~~الشقاء في اللغة العناء والتعب أي ما أنزلنا عليك القرآن لتتعب. قال ~~الشاعر: # ذو العقل يشقى في النعيم بعقله * وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم فمعنى ~~لتشقى: " لتتعب " بفرط تأسفك عليهم وعلى كفرهم وتحسرك على أن يؤمنوا كقوله ~~تعالى " فلعلك باخع نفسك على آثارهم " (1) [الكهف: 6] أي ما عليك إلا أن ~~تبلغ وتذكر ولم يكتب عليك أن يؤمنوا لا محالة بعد أن لم تفرط في أداء ~~الرسالة والموعظة الحسنة. ms4016 وروى أن أبا جهل [بن هشام] (2) - لعنه الله تعالى ~~- والنضر بن الحرث قالا للنبي صلى الله عليه وسلم: إنك شقي لأنك تركت دين ~~آبائك فأريد رد ذلك بأن دين الاسلام وهذا القرآن هو السلم إلى نيل كل فوز ~~والسبب في درك كل سعادة وما فيه الكفرة هو الشقاوة بعينها. وعلى الأقوال ~~المتقدمة أنه عليه الصلاة والسلام صلى بالليل حتى اسمغدت (3) قدماه فقال له ~~جبريل: أبق على نفسك فإن لها عليك حقا أي ما أنزلنا عليك القرآن لتنهك نفسك ~~في العبادة وتذيقها المشقة الفادحة وما بعثت إلا بالحنيفية السمحة. # PageV11P168 # قوله تعالى: (إلا تذكرة لمن يخشى) قال أبو إسحاق الزجاج: هو بدل من " ~~تشقى " أي ما أنزلناه إلا تذكرة. النحاس: وهذا وجه بعيد وأنكره أبو علي من ~~أجل أن التذكرة ليست بشقاء وإنما هو منصوب على المصدر أي أنزلنا لتذكر به ~~تذكرة أو على المفعول من أجله أي ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى به ما ~~أنزلناه إلا للتذكرة. وقال الحسين بن الفضل: فيه تقديم وتأخير مجازه: ما ~~أنزلنا عليك القرآن إلا تذكرة لمن يخشى ولئلا تشقى. (تنزيلا) مصدر أي ~~نزلناه تنزيلا. وقيل: بدل من قوله " تذكرة ". وقرأ أبو حياة الشامي: # " تنزيل " بالرفع على معنى هذا تنزيل. (ممن خلق الأرض والسماوات العلا) ~~أي العالية الرفيعة وهي جمع العليا كقوله: كبرى وصغرى وكبر وصغر أخبر عن ~~عظمته وجبروته وجلاله ثم قال: (الرحمن على العرش استوى) ويجوز النصب على ~~المدح. قال أبو إسحاق الخفض على البدل. وقال سعيد بن مسعدة: الرفع بمعنى هو ~~الرحمن. النحاس: يجوز الرفع بالابتداء والخبر " له ما في السماوات وما في ~~الأرض " فلا يوقف على " استوى " وعلى البدل من المضمر في " خلق " فيجوز ~~الوقف على " استوى ". وكذلك إذا كان خبر ابتداء محذوف ولا يوقف على " العلا ~~". وقد تقدم القول في معنى الاستواء في " الأعراف " (1). والذي ذهب إليه ~~الشيخ أبو الحسن وغيره أنه مستو على عرشه بغير حد ولا كيف كما يكون استواء ~~المخلوقين. وقال ابن عباس يريد خلق ما كان وما ms4017 هو كائن إلى يوم القيامة ~~وبعد القيامة (له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى) ~~يريد ما تحت الصخرة التي لا يعلم ما تحتها إلا الله تعالى. وقال محمد بن ~~كعب يعني الأرض السابعة. ابن عباس (2): # الأرض على نون والنون على البحر وأن طرفي النون رأسه وذنبه يلتقيان تحت ~~العرش والبحر على صخرة خضراء خضرة السماء منها وهي التي قال الله تعالى ~~فيها " فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض " والصخرة على قرن ثور ~~والثور على الثرى ولا يعلم ما تحت الثرى إلا الله تعالى. وقال وهب بن منبه: ~~على وجه الأرض سبعة أبحر والأرضون سبع # PageV11P169 # بين كل أرضين بحر فالبحر الأسفل مطبق على شفير جهنم ولولا عظمه وكثرة ~~مائه وبرده لأحرقت جهنم كل من عليها. قال: وجهنم على متن الريح ومتن الريح ~~على حجاب من الظلمة لا يعلم عظمه (1) إلا الله تعالى وذلك الحجاب على الثرى ~~وإلى الثرى انتهى علم الخلائق. # قوله تعالى: (وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى) قال ابن عباس: السر ~~ما حدث به الانسان غيره في خفاء وأخفى منه ما أضمر في نفسه مما لم يحدث به ~~غيره. وعنه أيضا السر حديث نفسك وأخفى من السر ما ستحدث به نفسك مما لم يكن ~~وهو كائن أنت تعلم ما تسر به نفسك اليوم ولا تعلم ما تسر به غدا والله يعلم ~~ما أسررت اليوم وما تسره غدا والمعنى: الله يعلم السر وأخفى من السر وقال ~~ابن عباس أيضا " السر " ما أسر ابن آدم في نفسه " وأخفى " ما خفى على ابن ~~آدم مما هو فاعله وهو لا يعلمه فالله تعالى يعلم ذلك كله وعلمه فيما مضى من ~~ذلك وما يستقبل علم واحد وجميع الخلائق في علمه كنفس واحدة وقال قتادة ~~وغيره: " السر " ما أضمره الانسان في نفسه " وأخفى " منه ما لم يكن ولا ~~أضمره أحد. وقال ابن زيد: " السر " [سر] (2) الخلائق " وأخفى " منه سره عز ~~وجل وأنكر ذلك الطبري وقال إن ms4018 الذي [هو] (2) " أخفى " ما ليس في سر الانسان ~~وسيكون في نفسه كما قال ابن عباس. (الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى) ~~" الله " رفع بالابتداء أو على إضمار مبتدأ أو على البدل من الضمير في " ~~يعلم ". وحد نفسه سبحانه وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا ~~المشركين إلى عبادة الله تعالى وحده لا شريك له فكبر ذلك عليهم فلما سمعه ~~أبو جهل يذكر الرحمن قال للوليد بن المغيرة: محمد ينهانا أن ندعو مع الله ~~إلها آخر وهو يدعو الله والرحمن فأنزل الله تعالى: [" الرحمن على العرش ~~استوى " وأنزل]: " قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء ~~الحسنى " (3) وهو واحد وأسماؤه كثيرة ثم قال " الله لا إله إلا هو له ~~الأسماء الحسنى ". وقد تقدم التنبيه عليها في سورة (الأعراف) (4). # PageV11P170 # قوله تعالى: وهل أتاك حديث موسى (9) إذ رأى نارا فقال لأهله أمكثوا إني ~~آنست نارا لعلى آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى (10) فلما أتاها نودي ~~يا موسى (11) إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى (12) وأنا ~~اخترتك فاستمع لما يوحى (13) إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم ~~الصلاة لذكرى (14) إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزي كل نفس بما تسعى (15) ~~فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى (16) قوله تعالى: (وهل ~~أتاك حديث موسى) قال أهل المعاني: هو استفهام وإثبات وإيجاب معناه، أليس قد ~~أتاك؟ وقيل: معناه وقد أتاك، قاله ابن عباس. وقال الكلبي: # لم يكن أتاه حديثه بعد ثم أخبره. (إذ رأى نارا فقال لأهله امكثوا إني ~~آنست نارا لعلى آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى) قال ابن عباس وغيره: ~~هذا حين قضى الاجل وسار بأهله وهو مقبل من مدين يريد مصر، وكان قد أخطأ ~~الطريق، وكان موسى عليه السلام رجلا غيورا: يصحب الناس بالليل ويفارقهم ~~بالنهار غيرة منه، لئلا يروا امرأته فأخطأ الرفقة - لما سبق في علم الله ~~تعالى - وكانت ليلة مظلمة. وقال مقاتل: وكان ليلة ms4019 الجمعة في الشتاء. وهب بن ~~منبه: استأذن موسى شعيبا في الرجوع إلى والدته فأذن له فخرج بأهله وغنمه، ~~وولد له في الطريق غلام في ليلة شاتية باردة مثلجة، وقد حاد عن الطريق ~~وتفرقت ماشيته، فقدح موسى النار فلم تور (1) المقدحة شيئا، إذ بصر بنار من ~~بعيد على يسار الطريق " فقال لأهله أمكثوا " أي أقيموا بمكانكم. " إني آنست ~~نارا " أي أبصرت. قال ابن عباس فلما توجه نحو النار فإذا النار في شجرة ~~عناب، فوقف متعجبا من حسن ذلك الضوء، وشدة خضرة تلك الشجرة، فلا شدة حر ~~النار تغير حسن خضرة الشجرة، ولا كثرة # PageV11P171 # ماء الشجرة ولا نعمة الخضرة تغيران حسن ضوء النار. وذكر المهدوي: فرأى ~~النار - فيما روى - وهي في شجرة من العليق، فقصدها فتأخرت عنه، فرجع وأوجس ~~في نفسه خيفة، ثم دنت منه وكلمه الله عز وجل من الشجرة. الماوردي: كانت عند ~~موسى نارا: وكانت عند الله تعالى نورا. وقرأ حمزة " لأهله امكثوا " بضم ~~الهاء، وكذا في " القصص " (1). قال النحاس هذا على لغة من قال: مررت بهو يا ~~رجل، فجاء به على الأصل، وهو جائز إلا أن حمزة خالف أصله في هذين الموضعين ~~خاصة. وقال: " امكثوا " ولم يقل أقيموا، لان الإقامة تقتضي الدوام، والمكث ~~ليس كذلك. و " آنست " أبصرت، قاله ابن الأعرابي. ومنه قوله: " فإن آنستم ~~منهم رشدا " (2) [النساء: 6] أي علمتم. وآنست الصوت سمعته، والقبس شعلة من ~~نار، وكذلك المقياس. يقال: قبست منه نارا أقبس قبسا فأقبسني أي أعطاني منه ~~قبسا، وكذلك اقتبست منه نارا واقتبست منه علما أيضا أي استفدته، قال ~~اليزيدي: أقبست الرجل علما وقبسته نارا، فإن كنت طلبتها له قلت أقبسته. ~~وقال الكسائي: أقبسته نارا أو علما سواء. وقال: وقبسته أيضا فيهما. " هدى " ~~أي هاديا. # قوله تعالى: (فلما أتاها) يعني النار (نودي) أي من الشجرة كما في سورة " ~~القصص " أي من جهتها وناحيتها على ما يأتي: (يا موسى إني أنا ربك). # قوله تعالى: (فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى) فيه خمس مسائل: # الأولى: قوله تعالى: " فاخلع نعليك ms4020 " روى الترمذي عن عبد الله بن مسعود ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كان على موسى يوم كلمه ربه كساء صوف ~~وجبة صوف وكمة صوف وسراويل صوف وكانت نعلاه من جلد حمار ميت) قال: هذا حديث ~~غريب لا نعرفه إلا من حديث حميد الأعرج [حميد - هو ابن علي الكوفي (3) -] ~~منكر الحديث، وحميد ابن قيس الأعرج المكي صاحب مجاهد ثقة، والكمة القلنسوة ~~الصغيرة. وقرأ العامة " إني " بالكسر، أي نودي فقيل له يا موسى إني، ~~واختاره أبو عبيد. وقرأ أبو عمرو وابن كثير # PageV11P172 # وابن محيصن وحميد " أني " بفتح الألف بإعمال النداء. واختلف العلماء في ~~السبب الذي من أجله أمر بخلع النعلين. والخلع النزع. والنعل ما جعلته وقاية ~~لقدميك من الأرض. # فقيل: أمر بطرح النعلين، لأنها نجسة إذ هي من جلد غير مذكى، قاله كعب ~~وعكرمة وقتادة. وقيل: أمر بذلك لينال بركة الوادي المقدس، وتمس قدماه تربة ~~الوادي، قاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه والحسن وابن جريج. وقيل: أمر ~~بخلع النعلين للخشوع والتواضع عند مناجاة الله تعالى. وكذلك فعل السلف حين ~~طافوا بالبيت. وقيل: إعظاما لذلك الموضع كما أن الحرم لا يدخل بنعلين ~~إعظاما له. قال سعيد بن جبير: قيل له طأ الأرض حافيا كما تدخل الكعبة ~~حافيا. والعرف عند الملوك أن تخلع النعال ويبلغ الانسان إلى غاية التواضع، ~~فكأن موسى عليه السلام أمر بذلك على هذا الوجه، ولا تبالي كانت نعلاه من ~~ميتة أو غيرها. وقد كان مالك لا يرى لنفسه ركوب دابة بالمدينة برا بتربتها ~~المحتوية على الأعظم الشريفة، والجثة الكريمة. ومن هذا المعنى قول عليه ~~الصلاة والسلام لبشير بن الخصاصية وهو يمشي بين القبور بنعليه: (إذا كنت في ~~مثل هذا المكان فاخلع نعليك) قال: # فخلعتهما. وقول خامس: إن ذلك عبارة عن تفريغ قلبه من أمر الأهل والولد. ~~وقد يعبر عن الأهل بالنعل. وكذلك هو في التعبير: (1) من رأى أنه لابس نعلين ~~فإنه يتزوج. وقيل: # لان الله تعالى بسط له بساط النور والهدى، ولا ينبغي أن يطأ [على] ms4021 (2) ~~بساط رب العالمين بنعله. # وقد يحتمل أن يكون موسى أمر بخلع نعليه، وكان ذلك أول فرض عليه، كما كان ~~أول ما قيل لمحمد صلى الله عليه وسلم: (قم فأنذر. وربك فكبر. وثيابك فطهر. ~~والرجز فاهجر) (3) [المدثر: 2 - 3 - 4 - 5] والله أعلم بالمراد من ذلك. # الثانية - في الخبر أن موسى عليه السلام خلع نعليه وألقاهما من وراء ~~الوادي. وقال أبو الأحوص: زار عبد الله أبا موسى في داره، فأقيمت الصلاة ~~فأقام أبو موسى، فقال أبو موسى لعبد الله: تقدم. فقال عبد الله: تقدم أنت ~~في دارك. فتقدم وخلع (4) نعليه، فقال عبد الله: أبا الوادي المقدس أنت؟! ~~وفي صحيح مسلم عن سعيد بن يزيد قال: قلت # PageV11P173 # لانس أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في نعلين قال: نعم. ورواه ~~النسائي عن عبد الله ابن السائب: أن النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح ~~فوضع نعليه عن يساره. وروى أبو داود من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ~~قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بأصحابه، إذ خلع نعليه ~~فوضعهما عن يساره، فلما رأى ذلك القوم ألقوا نعالهم، فلما قضى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم الصلاة قال: (ما حملكم على إلقائكم نعالكم) قالوا: # رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~(إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما قذرا) وقال: (إذا جاء أحدكم المسجد ~~فلينظر فإن رأى في نعليه قذرا أو أذى فليمسحه وليصل فيهما). صححه أبو محمد ~~عبد الحق. وهو يجمع بين الحديثين قبله، ويرفع بينهما التعارض. ولم يختلف ~~العلماء في جواز الصلاة في النعل إذا كانت طاهرة من ذكي، حتى لقد قال بعض ~~العلماء: إن الصلاة فيهما أفضل، وهو معنى قوله تعالى: # " خذوا زينتكم عند كل مسجد " (1) [الأعراف: 31] على ما تقدم. وقال ~~إبراهيم النخعي في الذين يخلعون نعالهم: # لوددت أن محتاجا جاء فأخذها. # الثالثة - فإن خلعتهما فاخلعهما بين رجليك، فإن أبا هريرة قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: (إذا صلى أحدكم ms4022 فليخلع نعليه بين رجليه). وقال ~~أبو هريرة للمقبري: # أخلعهما بين رجليك ولا تؤذ بهما مسلما. وما رواه عبد الله بن السائب رضي ~~الله عنه أنه عليه الصلاة والسلام خلعهما عن يساره فإنه كان إماما، فإن كنت ~~إماما أو وحدك فافعل ذلك إن أحببت، وإن كنت مأموما في الصف فلا تؤذ بهما من ~~على يسارك، ولا تضعهما بين قدميك فتشغلاك، ولكن قدام قدميك. وروي عن جبير ~~بن مطعم أنه قال: وضع الرجل نعليه بين قدميه بدعة. # الرابعة - فإن تحقق فيهما نجاسة مجمع على تنجيسها كالدم والعذرة من بول ~~(2) بني آدم لم يطهرها إلا الغسل بالماء، عند مالك والشافعي وأكثر العلماء، ~~وإن كانت النجاسة مختلفا فيها كبول الدواب وأوراثها الرطبة فهل يطهرها ~~المسح بالتراب من النعل والخف أو لا؟ # قولان عندنا. وأطلق الاجزاء بمسح ذلك بالتراب من غير تفصيل الأوزاعي وأبو ~~ثور. وقال # PageV11P174 # أبو حنيفة: يزيله إذا يبس الحك والفرك، ولا يزيل رطبه إلا الغسل ما عدا ~~البول فلا يجزئ فيه عنده إلا الغسل. وقال الشافعي: لا يطهر شيئا من ذلك كله ~~إلا الماء. والصحيح قول من قال: إن المسح يطهره من الخف والنعل، لحديث أبي ~~سعيد. فأما لو كانت النعل والخف من جلد ميتة فان كان غير مدبوغ فهو نجس ~~باتفاق، ما عدا ما ذهب إليه الزهري والليث، على ما تقدم بيانه في سورة " ~~النحل " (1). ومضى في سورة " براءة " (2) القول في إزاله النجاسة والحمد ~~لله. # الخامسة - قوله تعالى: (إنك بالوادي المقدس طوى) المقدس: المطهر. # والقدس: الطهارة، والأرض المقدسة أي المطهرة، سميت بذلك لان الله تعالى ~~أخرج منها الكافرين وعمرها بالمؤمنين. وقد جعل الله تعالى لبعض الأماكن ~~زيادة فضل على بعض، كما قد جعل لبعض الأزمان زيادة فضل على بعض، ولبعض ~~الحيوان كذلك. ولله أن يفضل ما شاء. وعلى هذا فلا اعتبار بكونه مقدسا ~~بإخراج الكافرين وإسكان المؤمنين، فقد شاركه في ذلك غيره. و (طوى) اسم ~~الوادي عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما. وقال الضحاك: # هو واد عميق مستدير مثل الطوى. وقرأ عكرمة: ms4023 " طوى ". الباقون " طوى ". ~~قال الجوهري: " طوى " اسم موضع بالشام، تكسر طاؤه وتضم، ويصرف ولا يصرف، ~~فمن صرفه جعله اسم واد ومكان وجعله نكرة، ومن لم يصرفه جعله بلدة وبقعة ~~وجعله معرفة. # وقال بعضهم: " طوى " مثل " طوى " وهو الشئ المثنى، وقالوا في قوله: " ~~المقدس طوى ": # طوي مرتين أي قدس. وقال الحسن: ثنيت فيه البركة والتقديس مرتين. وذكر ~~المهدوي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه قيل له: " طوى " لان موسى طواه ~~بالليل إذ مر به فارتفع إلى أعلى الوادي، فهو مصدر عمل فيه ما ليس من لفظه، ~~فكأنه قال: (إنك بالوادي المقدس) الذي طويته طوى، أي تجاوزته فطويته بسيرك. ~~الحسن: معناه أنه قدس مرتين، فهو مصدر من طويته طوى أيضا. # PageV11P175 # قوله تعالى: (وأنا اخترتك) أي اصطفيتك للرسالة. وقرأ أهل المدينة وأبو ~~عمرو وعاصم والكسائي " وأنا اخترتك ". وقرأ حمزة " وأنا اخترناك ". والمعنى ~~واحد إلا أن " وأنا اخترتك " ها هنا أولى من جهتين: إحداهما أنها أشبه ~~بالخط، والثانية أنها أولى بنسق الكلام، لقوله عز وجل: " يا موسى إني أنا ~~ربك فاخلع نعليك " وعلى هذا النسق جرت المخاطبة، قاله النحاس. # قوله تعالى: (فاستمع لما يوحى) فيه مسألة واحدة - قال ابن عطية: وحدثني ~~أبي - رحمه الله - قال سمعت أبا الفضل الجوهري رحمه الله تعالى يقول: لما ~~قيل لموسى صلوات الله وسلامه عليه: " استمع لما يوحى " وقف على حجر، واستند ~~إلى حجر، ووضع يمينه على شماله، وألقى ذقنه على صدره، ووقف يستمع، وكان كل ~~لباسه صوفا. # قلت: حسن الاستماع كما يجب قد مدح الله عليه فقال: " الذين يستمعون القول ~~فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم (1) الله " [الزمر: 18] وذم على خلاف هذا ~~الوصف فقال: " نحن أعلم بما يستمعون به " (2) الآية. فمدح المنصت لاستماع ~~كلامه مع حضور العقل، وأمر عباده بذلك أدبا لهم، فقال: " وإذا قرئ القرآن ~~فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون " (3) [الأعراف: 204] وقال ها هنا: " ~~فاستمع لما يوحى " لان بذلك ينال الفهم عن الله تعالى. روى عن وهب بن منبه ~~أنه قال: من أدب الاستماع سكون الجوارح وغض ms4024 البصر، والاصغاء بالسمع، وحضور ~~العقل، والعزم على العمل، وذلك هو الاستماع كما يحب الله تعالى، وهو أن يكف ~~العبد جوارحه، ولا يشغلها. # فيشتغل قلبه عما يسمع، ويغض طرفه فلا يلهو قلبه بما يرى، ويحصر عقله فلا ~~يحدث نفسه بشئ سوى ما يستمع إليه، ويعزم على أن يفهم فيعمل بما يفهم. وقال ~~سفيان بن عيينة: # أول العلم الاستماع، ثم الفهم، ثم الحفظ، ثم العمل ثم النشر، فإذا استمع ~~العبد إلى كتاب الله تعالى وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام بنية صادقة على ~~ما يحب الله أفهمه كما يحب، وجعل له في قلبه نورا. # PageV11P176 # قوله تعالى: (إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري) ~~فيه سبع مسائل: # الأولى - اختلف في تأويل قوله: " لذكري " فقيل: يحتمل أن يريد لتذكرني ~~فيها، أو يريد لأذكرك بالمدح في عليين بها، فالمصدر على هذا يحتمل الإضافة ~~إلى الفاعل وإلى المفعول. وقيل: المعنى، أي حافظ بعد التوحيد على الصلاة. ~~وهذا تنبيه على عظم قدر الصلاة إذ هي تضرع إلى الله تعالى، وقيام بين يديه، ~~وعلى هذا فالصلاة هي الذكر. وقد سمى الله تعالى الصلاة ذكرا في قوله: " ~~فاسعوا إلى ذكر الله " (1) [الجمعة: 9]. وقيل: المراد إذا نسيت فتذكرت فصل ~~كما في الخبر (فليصلها إذا ذكرها). أي لا تسقط الصلاة بالنسيان. # الثانية - روى مالك وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من نام عن ~~صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن الله عز وجل يقول (أقم الصلاة ~~لذكري)). وروى أبو محمد عبد الغني بن سعيد من حديث حجاج بن حجاج (2) - وهو ~~حجاج الأول الذي روى عنه يزيد بن زريع - قال حدثنا قتادة عن أنس بن مالك ~~[رضي الله عنه (3)] قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يرقد ~~عن الصلاة ويغفل عنها قال: (كفارتها أن يصليها إذا ذكرها) تابعه إبراهيم بن ~~طهمان عن حجاج، وكذا يروي همام بن يحيى عن قتادة. وروى الدارقطني عن أبي ~~هريرة [رضي الله عنه (3)] عن النبي صلى الله عليه وسلم ms4025 قال: (من نسي صلاة ~~فوقتها إذا ذكرها) فقوله: (فليصلها إذا ذكرها) دليل على وجوب القضاء على ~~النائم والغافل، كثرت الصلاة أو قلت، وهو مذهب عامة العلماء وقد حكى خلاف ~~شاذ لا يعتد به، لأنه مخالف لنص الحديث عن بعض الناس فيما زاد على خمس ~~صلوات أنه لا يلزمه قضاء. # قلت: أمر الله تعالى بإقامة الصلاة، ونص على أوقات معينة، فقال: " أقم ~~الصلاة لدلوك الشمس " (4) الآية وغيرها من الآي. ومن أقام بالليل ما أمر ~~بإقامته بالنهار، أو بالعكس لم يكن فعله مطابقا لما أمر به، ولا ثواب له ~~على فعله وهو عاص، وعلى هذا الحد كان لا يجب عليه قضاء ما فات وقته. ولولا ~~قوله عليه الصلاة والسلام: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها) لم ~~ينتفع أحد بصلاة وقعت في غير وقتها، وبهذا الاعتبار كان قضاء لا أداء، لان ~~القضاء بأمر متجدد وليس بالامر الأول. # PageV11P177 # الثالثة - فأما من ترك الصلاة متعمدا، فالجمهور أيضا على وجوب القضاء ~~عليه، وإن كان عاصيا إلا داود. ووافقه أبو عبد الرحمن الأشعري الشافعي، ~~حكاه عنه ابن القصار. # والفرق بين المتعمد والناسي والنائم، حط المأثم، فالمتعمد مأثوم وجميعهم ~~قاضون. والحجة للجمهور قوله تعالى: " أقيموا الصلاة " (1) [الانعام: 72] ~~ولم يفرق بين أن يكون في وقتها أو بعدها. هو أمر يقتضي الوجوب. وأيضا فقد ~~ثبت الامر بقضاء النائم والناسي، مع أنهما غير مأثومين، فالعامد أولى. ~~وأيضا قوله: (من نام عن صلاة أو نسيها) والنسيان الترك، قال الله تعالى: # " نسوا الله فنسيهم " (2) [التوبة: 67] و " نسوا الله فأنساهم أنفسهم " ~~(3) [الحشر: 19] سواء كان مع ذهول أو لم يكن، لان الله تعالى لا ينسى. ~~وإنما معناه تركهم. و " ما ننسخ من آية أو ننسأها " (4) [البقرة: 106] أي ~~نتركها. وكذلك الذكر يكون بعد نسيان وبعد غيره. قال الله تعالى: " من ذكرني ~~في نفسه ذكرته في نفسي " وهو تعالى لا ينسى [فيكون ذكره بعد نسيان (5)] ~~وإنما معناه علمت. فكذلك يكون معنى قوله: # (إذا ذكرها) أي علمها. وأيضا فإن الديون التي للآدميين إذا كانت متعلقة ms4026 ~~بوقت، ثم جاء الوقت لم يسقط قضاؤها بعد وجوبها، وهي مما يسقطها الابراء كان ~~في ديون الله تعالى ألا يصح فيها الابراء أولى ألا يسقط قضاؤها إلا بإذن ~~منه. وأيضا فقد اتفقنا أنه لو ترك يوما من رمضان متعمدا بغير عذر لوجب ~~قضاؤه فكذلك الصلاة. فان قيل فقد روى عن مالك: # من ترك الصلاة متعمدا لا يقضي أبدا. فالإشارة إلى أن ما مضى لا يعود، أو ~~يكون كلاما خرج على التغليظ، كما روي عن ابن مسعود وعلي: أن من أفطر في ~~رمضان عامدا لم يكفره صيام الدهر وإن صامه. ومع هذا فلا بد من توفية ~~التكليف حقه بإقامة القضاء مقام الأداء، وإتباعه بالتوبة، ويفعل الله بعد ~~ذلك ما يشاء. وقد روى أبو المطوس عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: (من أفطر يوما من رمضان متعمدا لم يجزه صيام الدهر وإن ~~صامه) وهذا يحتمل أن لو صح كان معناه التغليظ، وهو حديث ضعيف خرجه أبو ~~داود. # وقد جاءت الكفارة بأحاديث (6) صحاح، وفي بعضها قضاء اليوم، والحمد لله ~~تعالى. # الرابعة - قوله عليه الصلاة والسلام: (من نام عن صلاة أو نسيها) الحديث ~~يخصص عموم قوله عليه الصلاة والسلام: (رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى ~~يستيقظ) # PageV11P178 # والمراد بالرفع هنا رفع المأثم لا رفع الفرض عنه، وليس هذا من باب قوله: ~~(وعن الصبي حتى يحتلم) وإن كان ذلك جاء في أثر واحد، فقف على هذا الأصل. # الخامسة - اختلف العلماء في هذا المعنى فيمن ذكر صلاة فائتة وهو في آخر ~~وقت صلاة، أو ذكر صلاة وهو في صلاة، فجملة مذهب مالك: أن من ذكر صلاة وقد ~~حضر وقت صلاة أخرى، بدأ بالتي نسي إذا كان خمس صلوات فأدنى، وإن فات وقت ~~هذه. وإن كان أكثر من ذلك بدأ بالتي حضر وقتها، وعلى نحو هذا مذهب أبي ~~حنيفة والثوري والليث، إلا أن أبا حنيفة وأصحابه قالوا: الترتيب عندنا واجب ~~في اليوم والليلة إذا كان في الوقت سعة للفائتة ولصلاة ms4027 الوقت. فإن خشي فوات ~~الوقت بدأ بها، فإن زاد على صلاة يوم وليلة لم يجب الترتيب عندهم. وقد روى ~~عن الثوري وجوب الترتيب، ولم يفرق بين القليل والكثير. # وهو تحصيل مذهب الشافعي. قال الشافعي: الاختيار أن يبدأ بالفائتة ما لم ~~يخف فوات هذه، فإن لم يفعل وبدأ بصلاة الوقت أجزأه. وذكر الأثرم أن الترتيب ~~عند أحمد واجب في صلاة ستين سنة فأكثر. وقال: لا ينبغي لاحد أن يصلي صلاة ~~وهو ذاكر لما قبلها لأنها تفسد عليه. وروى الدارقطني عن عبد الله بن عباس ~~رضي الله عنهما قال قال عليه الصلاة والسلام: (إذا ذكر أحدكم صلاة وهو في ~~صلاة مكتوبة فليبدأ بالتي هو فيها فإذا فرغ منها صلى التي نسي) وعمر بن أبي ~~عمر مجهول (1). # قلت: وهذا لو صح كانت حجة للشافعي في البداءة بصلاة الوقت. والصحيح ما ~~رواه أهل الصحيح عن جابر بن عبد الله: أن عمر يوم الخندق جعل يسب كفار ~~قريش، وقال: # يا رسول الله والله ما كدت أن أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: (فوالله إن صليتها) (2) فنزلنا البطحان (3) فتوضأ ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وتوضأنا فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر بعد ما غربت الشمس، ثم ~~صلى بعدها # PageV11P179 # المغرب. وهذا نص في البداءة بالفائتة قبل الحاضرة، ولا سيما والمغرب ~~وقتها واحد مضيق غير ممتد في الأشهر عندنا، وعند الشافعي كما تقدم. وروى ~~الترمذي عن أبي عبيدة بن عبد الله ابن مسعود عن أبيه: أن المشركين شغلوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أربع صلوات يوم الخندق، حتى ذهب من الليل ~~ما شاء الله تعالى، فأمر بالاذان بلالا فقام فأذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم ~~أقام فصلى العصر، ثم أقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاء،. وبهذا أستدل ~~العلماء على أن من فاتته صلوات، قضاها مرتبة كما فاتته إذا ذكرها في وقت ~~واحد. واختلفوا إذا ذكر فائتة في مضيق وقت حاضرة على ثلاثة أقوال: يبدأ ~~بالفائتة ms4028 وإن خرج وقت الحاضرة، وبه قال مالك والليث والزهري وغيرهم كما ~~قدمناه. الثاني - يبدأ بالحاضرة وبه قال الحسن والشافعي وفقهاء أصحاب ~~الحديث والمحاسبي وابن وهب من أصحابنا. الثالث - يتخير فيقدم أيتهما شاء، ~~وبه قال أشهب. # وجه الأول: كثرة الصلوات ولا خلاف أنه يبدأ بالحاضرة مع الكثرة، قاله ~~القاضي عياض. واختلفوا في مقدار اليسير، فعن مالك: الخمس فدون، وقد قيل: ~~الأربع فدون لحديث جابر، ولم يختلف المذهب أن الست كثير. # السادسة - وأما من ذكر صلاة وهو في صلاة، فإن كان وراء الامام فكل من قال ~~بوجوب الترتيب ومن لم يقل به [يقول (1)]، يتمادى مع الامام حتى يكمل صلاته. ~~والأصل في هذا ما رواه مالك والدار قطني عن ابن عمر قال: (إذا نسي أحدكم ~~صلاة فلم يذكرها إلا وهو مع الامام فليصل مع الامام فإذا فرغ من صلاته ~~فليصل الصلاة التي نسي ثم ليعد صلاته التي صلى مع الامام) لفظ الدارقطني، ~~وقال موسى بن هارون: وحدثناه أبو إبراهيم الترجماني، قال: حدثنا سعيد [به] ~~(2) ورفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ووهم في رفعه، فإن كان قد رجع عن ~~رفعه فقد وفق للصواب. ثم اختلفوا، فقال أبو حنيفة وأحمد بن حنبل: يصلى التي ~~ذكر، ثم يصلي التي صلى مع الامام إلا أن يكون بينهما أكثر من خمس صلوات، ~~على ما قدمنا ذكره عن الكوفيين. وهو مذهب جماعة من أصحاب مالك المدنيين. ~~وذكر الخرقي (3) عن # PageV11P180 # أحمد بن حنبل أنه قال: من ذكر صلاة وهو في أخرى فإنه يتمها ويقضي ~~المذكورة، وأعاد التي كان فيها إذا كان الوقت واسعا فإن خشى خروج الوقت وهو ~~فيها أعتقد ألا يعيدها، وقد أجزأته ويقضي التي عليه. وقال مالك: من ذكر ~~صلاة وهو في صلاة قد صلى منها ركعتين سلم من ركعتين، فإن كان إماما انهدمت ~~عليه وعلى من خلفه وبطلت. هذا هو الظاهر من مذهب مالك، وليس عند أهل النظر ~~من أصحابه كذلك، لان قوله فيمن ذكر صلاة في صلاة قد صلى منها ركعة أنه يضيف ~~إليها أخرى ms4029 ويسلم. ولو ذكرها في صلاة قد صلى منها ثلاث ركعات أضاف إليها ~~رابعة وسلم، وصارت نافلة غير فاسدة ولو انهدمت عليه كما ذكر وبطلت لم يؤمر ~~أن يضيف إليها أخرى، كما لو أحدث بعد ركعة لم يضف إليها أخرى. # السابعة - روى مسلم عن أبي قتادة قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فذكر حديث الميضأة بطوله، وقال فيه ثم قال: (أما لكم في أسوة) ثم قال: ~~(أما إنه ليس في النوم تفريط إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجئ ~~وقت الصلاة الأخرى فمن فعل ذلك فليصلها حين ينتبه لها فإذا كان الغد ~~فليصلها عند وقتها) وأخرجه الدارقطني هكذا بلفظ مسلم سواء، فظاهره يقتضي ~~إعادة المقضية مرتين عند ذكرها وحضور مثلها من الوقت الآتي، ويعضد هذا ~~الظاهر ما أخرجه أبو داود من حديث عمران بن حصين، وذكر القصة وقال في ~~آخرها: (فمن أدرك منكم صلاة الغداة من غد صالحا فليقض معها مثلها). # قلت: وهذا ليس على ظاهره، ولا تعاد غير مرة واحدة، لما رواه الدارقطني عن ~~عمران ابن حصين قال: سرينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة - أو ~~قال في سرية - فلما كان وقت السحر عرسنا، فما استيقظنا حتى أيقظنا حر ~~الشمس، فجعل الرجل منا يثب فزعا دهشا، فلما استيقظ رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أمرنا فارتحلنا، ثم سرنا حتى ارتفعت الشمس، فقضى القوم حوائجهم، ثم ~~أمر بلالا فأذن فصلينا ركعتين، ثم أمره فأقام فصلينا الغداة، فقلنا: يا نبي ~~الله ألا نقضيها لوقتها من الغد؟ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~(أينهاكم الله عن الربا ويقبله منكم). وقال الخطابي: لا أعلم أحدا قال بهذا ~~وجوبا، ويشبه PageV11P181 # أن يكون الامر به استحبابا ليحرز فضيلة الوقت في القضاء. والصحيح ترك ~~العمل لقوله عليه السلام: (أينهاكم الله عن الربا ويقبله منكم) ولأن الطرق ~~الصحاح من حديث عمران بن حصين ليس فيها من تلك الزيادة شئ، إلا ما ذكر من ~~حديث أبي قتادة وهو محتمل كما ms4030 بيناه. قلت: ذكر الكيا الطبري في [أحكام ~~القرآن] له أن من السلف من خالف قوله عليه الصلاة والسلام: (من نسي صلاة ~~فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك) فقال: يصبر إلى مثل وقته فليصل، ~~فإذا فات الصبح فليصل من الغد. وهذا قول بعيد شاذ. # قوله تعالى: (إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى) آية ~~مشكلة، فروي عن سعيد بن جبير أنه قرأ " أكاد أخفيها " بفتح الهمزة، قال: ~~أظهرها. " لتجزى " أي الاظهار للجزاء، رواه أبو عبيد عن الكسائي عن محمد بن ~~سهل عن وقاء بن إياس عن سعيد ابن جبير. وقال النحاس: وليس لهذه الرواية ~~طريق غير هذا. # قلت: وكذا رواه أبو بكر الأنباري في كتاب الرد، حدثني أبي حدثنا محمد بن ~~الجهم حدثنا الفراء حدثنا الكسائي، ح - وحدثنا عبد الله بن ناجية، حدثنا ~~يوسف حدثنا يحيى الحماني حدثنا محمد بن سهل. قال النحاس، وأجود من هذا ~~الاسناد ما رواه يحيى القطان عن الثوري عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير ~~أنه قرأ: " أكاد أخفيها " بضم الهمزة. # قلت: وأما قراءة ابن جبير " أخفيها " بفتح الهمزة بالاسناد المذكور فقال ~~أبو بكر الأنباري قال الفراء: معناه أظهرها من خفيت الشئ أخفيه إذ أظهرته. ~~وأنشد الفراء لامرئ القيس: # فإن تدفنوا الداء لا نخفه * وإن تبعثوا الحرب لا نقعد أراد لا نظهره، وقد ~~قال بعض اللغويين: يجوز أن يكون " أخفيها " بضم الهمزة معناه أظهرها لأنه ~~يقال: خفيت الشئ وأخفيته إذا أظهرته، فأخفيته من حروف الأضداد يقع على ~~الستر والاظهار. وقال أبو عبيدة: خفيت وأخفيت بمعنى واحد، النحاس: وهذا ~~حسن، وقد PageV11P182 # حكاه عن أبي الخطاب (1) وهو رئيس من رؤساء اللغة لا يشك في صدقه، وقد روى ~~عنه سيبويه وأنشد: # وإن تكتموا الداء لا نخفه * وإن تبعثوا الحرب لا نقعد كذا رواه أبو عبيدة ~~عن أبي الخطاب بضم النون. وقال أمرؤ القيس أيضا: # خفاهن من أنفاقهن كأنما * خفاهن ودق من عشي مجلب (2) أي أظهرهن. وروى: " ~~من سحاب مركب " بدل " من عشي مجلب ms4031 ". وقال أبو بكر الأنباري: وتفسير للآية ~~آخر: " إن الساعة آتية أكاد " انقطع الكلام على " أكاد " وبعده مضمر أكاد ~~آتي بها، والابتداء " أخفيها لتجزى كل نفس " قال ضابئ البرجمي: (3) هممت ~~ولم أفعل وكدت وليتني * تركت على عثمان تبكي حلائله أراد وكدت أفعل، فأضمر ~~مع كدت فعلا كالفعل المضمر معه في القرآن. # قلت: هذا الذي اختاره النحاس، وزيف القول الذي قبله فقال يقال: خفى الشئ ~~يخفيه إذا أظهره، وقد حكى أنه يقال: أخفاه أيضا إذا أظهره، وليس بالمعروف، ~~قال: # وقد رأيت علي بن سليمان لما أشكل عليه معنى " أخفيها " عدل إلى هذا ~~القول، وقال: # معناه كمعنى " أخفيها ". قال النحاس: ليس المعنى على أظهر ولا سيما و " ~~أخفيها " قراءة شاذة، فكيف ترد القراءة الصحيحة الشائعة إلى الشاذة، ومعنى ~~المضمر أولى، ويكون التقدير: إن الساعة آتية أكاد آتي بها، ودل: " آتية " ~~على آتي بها، ثم قال: " أخفيها " على الابتداء. وهذا معنى صحيح، لان الله ~~عز وجل قد أخفى الساعة التي هي القيامة، والساعة التي يموت فيها الانسان ~~ليكون الانسان يعمل، والامر عنده مبهم فلا يؤخر التوبة. # PageV11P183 # قلت: وعلى هذا القول تكون اللام في " لتجزى " متعلقة ب‍ " - أخفيها ". ~~وقال أبو على: # هذا من باب السلب وليس من باب الأضداد، ومعنى " أخفيها " أزيل عنها ~~خفاءها، وهو سترها كخفاء الأخفية [وهي الأكسية] (1) والواحد خفاء بكسر ~~الخاء [ما تلف به] (1) القربة، وإذا زال عنها سترها ظهرت. ومن هذا قولهم: ~~أشكيته، أي أزلت شكواه، وأعديته أي قبلت استعداءه ولم أحوجه إلى إعادته. ~~وحكى أبو حاتم عن الأخفش: أن " كاد " زائدة موكدة. # قال: ومثله " إذا أخرج يده لم يكد يراها " (2) [النور: 40] لان الظلمات ~~التي ذكرها الله تعالى بعضها يحول بين الناظر والمنظور إليه. وروى معناه عن ~~ابن جبير، والتقدير: إن الساعة آتية أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى. وقال ~~الشاعر: (3) سريع إلى الهيجاء شاك سلاحه * فما إن يكاد قرنه يتنفس أراد فما ~~يتنفس. وقال آخر: # وألا ألوم النفس فيما أصابني * وألا أكاد بالذي نلت أنجح معناه: وألا ~~أنجح بالذي نلت، ms4032 فأكاد توكيد للكلام. وقيل: المعنى " أكاد أخفيها " أي ~~أقارب ذلك، لأنك إذا قلت: كاد زيد يقوم، جاز أن يكون قام، وأن يكون لم يقم. # ودل على أنه قد أخفاها بدلالة غير هذه على هذا الجواب. قال اللغويون: كدت ~~أفعل معناه عند العرب: قاربت الفعل ولم أفعل، وما كدت أفعل معناه: فعلت بعد ~~إبطاء. وشاهده قول الله عزت عظمته: " فذبحوها وما كادوا يفعلون " (4) ~~[البقرة: 71] معناه: وفعلوا بعد إبطاء لتعذر وجدان البقرة عليهم. وقد يكون ~~ما كدت أفعل بمعنى ما فعلت ولا قاربت إذا أكد الكلام بأكاد. وقيل: # معنى. " أكاد أخفيها " أريد أخفيها. قال الأنباري: وشاهد هذا قول الفصيح ~~من الشعر: # كادت وكدت وتلك خير إرادة * لو عاد من لهو الصبابة ما مضى معناه: أرادت ~~وأردت. وقال ابن عباس وأكثر المفسرين فيما ذكره الثعلبي: إن المعنى أكاد ~~أخفيها من نفسي، وكذلك هو في مصحف أبي. وفي مصحف ابن مسعود: أكاد # PageV11P184 # أخفيها من نفسي فكيف يعلمها مخلوق. وفي بعض القراءات: فكيف أظهرها لكم. ~~وهذا محمول على أنه جاء على ما جرت به عادة العرب في كلامها، من أن أحدهم ~~إذا بالغ في كتمان الشئ قال: كدت أخفيه من نفسي. والله تعالى لا يخفي عليه ~~شئ، قال معناه قطرب وغيره. [والله أعلم] (1) وقال الشاعر: # أيام تصحبني هند وأخبرها * ما أكتم النفس من حاجي وأسراري فكيف يخبرها ~~بما تكتم نفسه. ومن هذا [الباب] (1) قوله صلى الله عليه وسلم: (ورجل تصدق ~~بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه) الزمخشري وقيل معناه: أكاد ~~أخفيها من نفسي، ولا دليل في الكلام على هذا المحذوف، ومحذوف لا دليل عليه ~~مطرح، والذي غرهم منه أن في مصحف أبي: أكاد أخفيها من نفسي، وفي بعض ~~المصاحف: أكاد أخفيها من نفسي فكيف أظهركم عليها. # قلت: وقيل إن معنى قول من قال أكاد أخفيها من نفسي، أي إن إخفاءها كان من ~~قبلي ومن عندي لا من قبل غيري. وروي عن ابن عباس أيضا: أكاد أخفيها من ~~نفسي، ورواه طلحة بن عمرو ms4033 عن عطاء. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: ~~لا أظهر عليها أحدا. وروى عن سعيد بن جبير قال: قد أخفاها. وهذا على أن كاد ~~زائدة. أي إن الساعة آتية أخفيها، والفائدة في إخفائها التخويف والتهويل. ~~وقيل: تعلق " لتجزى " بقول تعالى: (وأقم الصلاة) فيكون في الكلام تقديم ~~وتأخير، أي أقم الصلاة لتذكرني. # (لتجزي كل نقس بما تسعى) أي بسعيها. (إن الساعة آتية أكاد أخفيها). والله ~~أعلم. # وقيل: هي متعلقة بقوله: (آتية) أي إن الساعة آتية لتجزي (فلا يصدنك عنها) ~~أي لا يصرفنك عن الايمان بها والتصديق لها. (من لا يؤمن بها واتبع هواه ~~فتردى) أي فتهلك. وهو في موضع نصب بجواب النهي. # قوله تعالى: وما تلك بيمينك يا موسى (17) قال هي عصاي أتوكؤ عليها وأهش ~~بها على غنمي ولي فيها مأرب أخرى (18) # PageV11P185 # فيه خمس مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (وما تلك بيمينك) قيل: كان هذا الخطاب من الله ~~تعالى لموسى وحيا، لأنه قال: (فاستمع لما يوحى) ولابد للنبي في نفسه من ~~معجزة يعلم بها صحة نبوة نفسه، فأراه في العصا وفي نفسه ما أراه لذلك. ~~ويجوز أن يكون ما أراه في الشجرة آية كافية له في نفسه، ثم تكون اليد ~~والعصا زيادة توكيد، وبرهانا يلقى به قومه. واختلف في " ما " في قوله: (وما ~~تلك) فقال الزجاج والفراء: هي اسم ناقص وصلت ب‍ " - يمينك " أي ما التي ~~بيمينك؟ وقال الفراء أيضا: " تلك " بمعنى هذه، ولو قال: ما ذلك لجاز، أي ما ~~ذلك الشئ: ومقصود السؤال تقرير الامر حتى يقول موسى: هي عصاي، لتثبت الحجة ~~عليه بعد ما اعترف، وإلا فقد علم الله ما هي في الأزل. وقال ابن الجوهري ~~وفي بعض الآثار أن الله تعالى عتب على موسى إضافة العصا إلى نفسه في ذلك ~~الموطن، فقيل له: ألقها لترى منها العجب فتعلم أنه لا ملك عليها ولا تنضاف ~~إليك. وقرأ ابن أبي إسحاق: " عصي " على لغة هذيل، ومثله " يا بشرى " (1) و ~~" محيي " (2) وقد تقدم. وقرأ الحسن: " عصاي " بكسر الياء لالتقاء ms4034 الساكنين. ~~ومثل هذا قراءة حمزة: " وما أنتم بمصرخي " (3) [إبراهيم: 22]. وعن ابن أبي ~~إسحاق سكون الياء. # الثانية - في هذه الآية دليل على جواب السؤال (4) بأكثر مما سئل، لأنه ~~لما قال: # " وما تلك بيمينك يا موسى " ذكر معاني أربعة: وهي: إضافة العصا إليه، ~~وكان حقه أن يقول عصا، والتوكؤ، والهش والمآرب المطلقة. فذكر موسى من منافع ~~عصاه عظمها وجمهورها وأجمل سائر ذلك. وفي الحديث سئل النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن ماء البحر فقال: # (هو الطهور ماؤه الحل ميتته). وسألته امرأة عن الصغير حين رفعته إليه ~~فقالت: ألهذا حج؟ قال (نعم ولك أجر). ومثله في الحديث كثير. # الثالثة - قوله تعالى: (أتوكأ عليها) أي أتحامل عليها في المشي والوقوف، ~~ومنه الاتكاء (وأهش بها) " وأهش " أيضا، ذكره النحاس. وهي قراءة النخعي ~~(5)، أي أخبط بها # PageV11P186 # الورق، أي أضرب أغصان الشجر ليسقط ورقها، فيسهل على غنمي تناوله فتأكله. # قال الراجز: # أهش بالعصا على أغنامي * من ناعم الأراك والبشام يقال: هش على غنمه يهش ~~بضم الهاء في المستقبل. وهش إلى الرجل يهش بالفتح. وكذلك هش للمعروف يهش ~~وهششت أنا: وفي حديث عمر: هششت يوما فقبلت وأنا صائم. # قال شمر: أي فرحت واشتهيت. قال: ويجوز هاش بمعنى هش. قال الراعي: # فكبر للرؤيا وهاش فؤاده * وبشر نفسا كان قبل يلومها أي طرب. والأصل في ~~الكلمة الرخاوة. يقال رجل هش وزوج هش. وقرأ عكرمة: # " وأهس " بالسين غير معجمة، قيل: هما لغتان بمعنى واحد. وقيل: معناهما ~~مختلف، فالهش بالاعجام خبط الشجر، والهس بغير إعجام زجر الغنم، ذكره ~~الماوردي، وكذلك ذكر الزمخشري. وعن عكرمة: " وأهس " بالسين أي أنحي عليها ~~زاجرا لها والهس زجر الغنم. # الرابعة - قوله تعالى: (ولى فيها مآرب أخرى) أي حوائج. واحدها مأربة ~~ومأربة ومأربة. وقال: " أخرى " على صيغة الواحد، لان مآرب في معنى الجماعة، ~~لكن المهيع (1) في توابع جمع ما لا يعقل الافراد والكناية عنه بذلك، فإن ~~ذلك يجري مجرى الواحدة المؤنثة، كقوله تعالى " ولله الأسماء الحسنى فادعوه ~~بها " (2) [الأعراف: 180] وكقوله: " يا جبال أوبي معه " (3) [سبأ: 10] وقد ~~تقدم هذا ms4035 في " الأعراف " (2). # الخامسة - تعرض قوم لتعديد منافع العصا منهم ابن عباس، قال: إذا انتهيت ~~إلى رأس بئر فقصر الرشا وصلته بالعصا، وإذا أصابني حر الشمس غرزتها في ~~الأرض وألقيت عليها ما يظلني، وإذا خفت شيئا من هوام الأرض قتلته بها، وإذا ~~مشيت ألقيتها على عاتقي وعلقت عليها القوس والكنانة والمخلاة، وأقاتل بها ~~السباع عن الغنم. # PageV11P187 # وروى عنه ميمون بن مهران قال: إمساك العصا سنة للأنبياء، وعلامة للمؤمن. ~~وقال الحسن البصري: فيها ست خصال، سنة للأنبياء، وزينة الصلحاء، وسلاح على ~~الأعداء، وعون للضعفاء، وغم المنافقين، وزيادة في الطاعات. ويقال: إذا كان ~~مع المؤمن العصا يهرب منه الشيطان، ويخشع منه المنافق والفاجر، وتكون قبلته ~~إذا صلى، وقوة إذا أعيا. ولقي الحجاج أعرابيا فقال: من أين أقبلت يا ~~أعرابي؟ قال: من البادية. قال: وما في يدك؟ # قال: عصاي أركزها لصلاتي (1)، وأعدها لعداتي، وأسوق بها دابتي، وأقوى بها ~~على سفري، وأعتمد بها في مشيتي لتتسع خطوتي، وأثب بها النهر، وتؤمنني من ~~العثر، وألقي عليها كسائي فيقيني الحر، ويدفئني من القر، وتدني إلي ما بعد ~~مني، وهي محمل سفرتي، وعلاقة إداوتي، أعصي بها عند الضراب، وأقرع بها ~~الأبواب، وأتقي بها عقور الكلاب، وتنوب عن الرمح في الطعان، وعن السيف عند ~~منازلة الاقران، ورثتها عن أبي، وأورثها بعدي ابني، وأهش بها على غنمي، ولي ~~فيها مآرب أخرى، كثيرة لا تحصى. # قلت: منافع العصا كثيرة، ولها مدخل في مواضع من الشريعة: منها أنها تتخذ ~~قبلة في الصحراء، وقد كان للنبي عليه الصلاة والسلام عنزة (2) تركز له ~~فيصلي إليها، وكان إذا خرج يوم العيد أم بالحربة فتوضع بين يديه فيصلي ~~إليها، وذلك ثابت في الصحيح. والحربة والعنزة والنيزك والآلة أسماء لمسمى ~~واحد. وكان له محجن وهو عصا معوجة الطرف يشير به إلى الحجر إذا لم يستطع أن ~~يقبله، ثابت في الصحيح أيضا. وفي الموطأ عن السائب بن يزيد أنه قال: أمر ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه أبي بن كعب وتميما الداري أن يقوما للناس بإحدى ~~عشرة ركعة، ms4036 وكان القارئ يقرأ بالمئين حتى كنا نعتمد على العصي من طول ~~القيام، وما كنا ننصرف إلا في بزوغ الفجر. وفي الصحيحين: أنه عليه الصلاة ~~والسلام كان له مخصرة (3). والاجماع منعقد على أن الخطيب يخطب متوكئا على ~~سيف أو عصا، فالعصا مأخوذة من أصل كريم، ومعدن شريف، ولا ينكرها إلا جاهل. ~~وقد جمع الله لموسى # PageV11P188 # في عصاه من البراهين العظام، والآيات الجسام، ما آمن به السحرة ~~المعاندون. واتخذها سليمان لخطبته وموعظته وطول صلاته. وكان ابن مسعود صاحب ~~عصا النبي صلى الله عليه وسلم وعنزته، وكان يخطب بالقضيب - وكفى بذلك فضلا ~~على شرف حال العصا - وعلى ذلك الخلفاء وكبراء الخطباء، وعادة العرب ~~العرباء، الفصحاء اللسن البلغاء أخذ المخصرة والعصا والاعتماد عليها عند ~~الكلام، وفي المحافل والخطب. وأنكرت الشعوبية على خطباء العرب أخذ المخصرة ~~والإشارة بها إلى المعاني. والشعوبية تبغض العرب وتفضل العجم. قال مالك: # كان عطاء بن السائب يمسك المخصرة يستعين بها. قال مالك: والرجل إذا كبر ~~لم يكن مثل الشباب يقوى بها عند قيامه. # قلت: وفي مشيته كما قال بعضهم: # قد كنت أمشي على رجلين معتمدا * فصرت أمشي على أخرى من الخشب قال مالك ~~رحمه الله ورضي عنه: وقد كان الناس إذا جاءهم المطر خرجوا بالعصي يتوكئون ~~عليها، حتى لقد كان الشباب يحبسون عصيهم، وربما أخذ ربيعة العصا من بعض من ~~يجلس إليه حتى يقوم. ومن منافع العصا ضرب الرجل نساءه بها فيما يصلحهم، ~~ويصلح حاله وحالهم معه. # ومنه قوله عليه السلام: (وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه) (1) في ~~إحدى الروايات. # وقد روي عنه عليه السلام أنه قال لرجل أوصاه:: (لا ترفع عصاك عن أهلك ~~أخفهم في الله) رواه عبادة بن الصامت، خرجه النسائي. ومن هذا المعنى قوله ~~صلى الله عليه وسلم: (علق سوطك حيث يراه أهلك) وقد تقدم هذا في " النساء " ~~(2). ومن فوائدها التنبيه على الانتقال من هذه الدار، كما قيل لبعض الزهاد: ~~مالك تمشي على عصا ولست بكبير ولا مريض؟ قال: # إني أعلم أني مسافر، وأنها دار ms4037 قلعة، وأن العصا من آلة السفر، فأخذه بعض ~~الشعراء فقال: # حملت العصا لا الضعف أوجب حملها * علي ولا أني تحنيت من كبر ولكنني ألزمت ~~نفسي حملها * لأعلمها أن المقيم على سفر # PageV11P189 # قوله تعالى: قال ألقها يا موسى (19) فألقاها فإذا هي حية تسعى (20) قال ~~خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى (21) واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضاء ~~من غير سوء آية أخرى (22) لنريك من آياتنا الكبرى (23) قوله تعالى: (قال ~~ألقها يا موسى): لما أراد الله تعالى أن يدربه في تلقي النبوة وتكاليفها ~~أمره بإلقاء العصا، " فألقاها " موسى فقلب الله أوصافها وأعراضها. وكانت ~~عصا ذات شعبتين فصارت الشعبتان لها فما وصارت حية تسعى أي تنتقل، وتمشي ~~وتلتقم الحجارة فلما رآها موسى عليه السلام رأى عبرة ف‍ " - ولى مدبرا ولم ~~يعقب " (1) [النمل: 10]. فقال الله له: # " خذها ولا تخف " وذلك أنه " أوجس في نفسه خيفة " [طه: 67] أي لحقه ما ~~يلحق البشر. وروي أن موسى تناولها بكمي جبته فنهي عن ذلك، فأخذها بيده ~~فصارت عصا كما كانت أول مرة وهي سيرتها الأولى، وإنما أظهر له هذه الآية ~~لئلا يفزع منها إذا ألقاها عند فرعون. ويقال: # إن العصا بعد ذلك كانت تماشيه وتحادثه ويعلق عليها أحماله، وتضئ له ~~الشعبتان بالليل كالشمع، وإذا أراد الاستقاء انقلبت الشعبتان كالدلو وإذا ~~اشتهى ثمرة ركزها في الأرض فأثمرت تلك الثمرة. وقيل: إنها كانت من آس ~~الجنة. وقيل: أتاه جبريل بها. وقيل: # ملك. وقيل قال له شعيب: خذ عصا من ذلك البيت فوقعت بيده تلك العصا، وكانت ~~عصا آدم عليه السلام هبط بها من الجنة. والله أعلم. # قوله تعالى: " فإذا هي حية تسعى " النحاس: ويجوز " حية " يقال: خرجت فإذا ~~زيد جالس وجالسا. والوقف " حيه " بالهاء. والسعي المشي بسرعة وخفة. وعن ابن ~~عباس: # انقلبت ثعبانا ذكرا يبتلع الصخر والشجر، فلما رآه يبتلع كل شئ خافه ونفر ~~منه. وعن بعضهم، إنما خاف منه لأنه عرف ما لقي آدم منها. وقيل لما قال له ~~ربه: " لا تخف " بلغ من ذهاب خوفه وطمأنينة نفسه أن أدخل ms4038 يده في فمها وأخذ ~~بلحييها. " سنعيدها سيرتها الأولى " سمعت علي بن سليمان يقول: التقدير إلى ~~سيرتها، مثل " واختار موسى قومه " (2) [الأعراف: 155] قال: ويجوز # PageV11P190 # قوله تعالى: (واضمم يدك إلى جناحك) يجوز في غير القرآن ضم بفتح الميم ~~وكسرها لالتقاء الساكنين، والفتح أجود لخفته، والكسر على الأصل. ويجوز الضم ~~على الاتباع. # ويد أصلها يدي على فعل، يدل على ذلك أيد. وتصغيرها يدية. والجناح العضد، ~~قاله مجاهد. وقال: " إلى " بمعنى تحت. قطرب: " إلى جناحك " إلى جيبك، ومنه ~~قول الراجز: # * أضمه للصدر والجناح * وقيل: إلى جنبك فعبر عن الجنب بالجناح. لأنه مائل ~~في محل الجناح. وقيل إلى عندك. # وقال مقاتل " إلى " بمعنى مع أي مع جناحك. (تخرج بيضاء من غير سوء) من ~~غير برص نورا ساطعا، يضئ بالليل والنهار كضوء الشمس والقمر وأشد ضوءا. عن ~~ابن عباس وغيره: فخرجت نورا مخالفة للونه. و " بيضاء " نصب على الحال، ولا ~~ينصرف لان فيها ألفي التأنيث لا يزايلانها فكأن لزومهما علة ثانية، فلم ~~ينصرف في النكرة، وخالفتا الهاء لان الهاء تفارق الاسم. و " من غير سوء " " ~~من " صلة " بيضاء " كما تقول: ابيضت من غير سوء. # (آية أخرى) سوى العصا. فأخرج يده من مدرعة له مصرية لها شعاع مثل شعاع ~~الشمس يعشي (1) البصر. و " آية " منصوبة على البدل من بيضاء، قاله الأخفش. ~~النحاس: وهو قول حسن. وقال الزجاج: المعنى آتيناك آية أخرى أو (2) نؤتيك، ~~لأنه لما قال: " تخرج بيضاء من غير سوء " دل على أنه قد آتاه آية أخرى. ~~(لنريك من آياتنا الكبرى) يريد العظمى. وكان حقه (3) أن يقول الكبيرة وإنما ~~قال: " الكبرى " لوفاق رؤوس الآي. وقيل: # فيه إضمار، معناه لنريك من آياتنا الآية الكبرى دليله قول ابن عباس يد ~~موسى أكبر آياته. # قوله تعالى: اذهب إلى فرعون إنه طغى (24) قال رب أشرح لي صدري (25) ويسر ~~لي أمري (26) واحلل عقدة من لساني (27) يفقهوا قولي (28) واجعل لي وزيرا من ~~أهلي (29) هارون أخي (30) اشدد به أزري (31) وأشركه في أمري (32) كي نسبحك ~~كثيرا (33) ونذكرك كثيرا (34) إنك كنت بنا بصيرا (35) # PageV11P191 # قوله تعالى: ms4039 (اذهب إلى فرعون إنه طغى) لما آنسه بالعصا واليد، وأراه ما ~~يدل على أنه رسول، أمره بالذهاب إلى فرعون، وأن يدعوه. و " طغى " معناه عصى ~~وتكبر وكفر وتجبر وجاوز الحد. (قال رب أشرح لي صدري. ويسر لي أمري. وأحلل ~~عقدة من لساني يفقهوا قولي. واجعل لي وزيرا من أهلي. هارون أخي) طلب ~~الإعانة لتبليغ الرسالة. # ويقال: إن الله أعلمه بأنه ربط على قلب فرعون وأنه لا يؤمن، فقال موسى: ~~يا رب فكيف تأمرني أن آتيه وقد ربطت على قلبه، فأتاه ملك من خزان الريح ~~فقال: يا موسى انطلق إلى ما أمرك الله به. فقال موسى عند ذلك: " رب أشرح لي ~~صدري " أي وسعه ونوره بالايمان والنبوة. (ويسر لي أمري) أي سهل علي ما ~~أمرتني به من تبليغ الرسالة إلى فرعون. (وأحلل عقدة من لساني) يعني العجمة ~~التي كانت فيه من جمرة النار التي أطفأها في فيه وهو طفل. قال ابن عباس: ~~كانت في لسانه رتة. وذلك أنه كان في حجر فرعون ذات يوم وهو طفل فلطمه لطمة، ~~وأخذ بلحيته فنتفها فقال فرعون لآسية: هذا عدوي فهات الذباحين. فقالت آسية: ~~على رسلك فإنه صبي لا يفرق بين الأشياء. ثم أتت بطستين فجعلت في أحدهما ~~جمرا وفي الآخر جوهرا فأخذ جبريل بيد موسى فوضعها على النار حتى رفع جمرة ~~ووضعها في فيه على لسانه، فكانت تلك الرتة. وروي أن يده احترقت وأن فرعون ~~اجتهد في علاجها فلم تبرأ. ولما دعاه قال إي رب تدعوني؟ قال: إلى الذي أبرأ ~~يدي وقد عجزت عنها. وعن بعضهم: إنما لم تبرأ يده لئلا يدخلها مع فرعون في ~~قصعة واحدة فتنعقد بينهما حرمة المؤاكلة. ثم اختلف هل زالت تلك الرتة، ~~فقيل: # زالت بدليل قوله " قد أوتيت سؤلك يا موسى " [طه: 36] وقيل: لم تزل كلها، ~~بدليل قوله حكاية عن فرعون: " ولا يكاد يبين " (1) [الزخرف: 52]. ولأنه لم ~~يقل: أحلل كل لساني، فدل على أنه بقى في لسانه شئ من الاستمساك. وقيل: زالت ~~بالكلية بدليل قوله " أوتيت سؤلك " [طه: 36] وإنما ms4040 قال فرعون: " ولا يكاد ~~يبين " [الزخرف: 52] لأنه عرف منه تلك العقدة في التربية، وما ثبت عنده أن ~~الآفة زالت. # PageV11P192 # قلت: وهذا فيه نظر، لأنه لو كان ذلك لما قال فرعون: " ولا يكاد يبين " ~~حين كلمه موسى بلسان ذلق فصيح. والله أعلم. وقيل: إن تلك العقدة حدثت ~~بلسانه عند مناجاة ربه، حتى لا يكلم غيره إلا بإذنه. (يفقهوا قولي) أي ~~يعملوا ما أقوله لهم ويفهموه (1). # والفقه في كلام العرب الفهم. قال أعرابي لعيسى بن عمر: شهدت عليك بالفقه. ~~تقول منه: فقه الرجل بالكسر. وفلان لا يفقه ولا ينقه (2). وأفقهتك الشئ. ثم ~~خص به علم الشريعة، والعالم به فقيه. وقد فقه بالضم فقاهة وفقهه الله وتفقه ~~إذا تعاطى ذلك. وفاقهته إذا باحثته في العلم، قاله الجوهري. والوزير ~~المؤازر كالأكيل المؤاكل، لأنه يحمل عن السلطان وزره أي ثقله. في كتاب ~~النسائي عن القاسم بن محمد: سمعت عمتي (3) تقول قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: (من ولي منكم عملا فأراد الله به خيرا جعل له وزيرا صالحا إن ~~نسي ذكره وإن ذكر أعانه). ومن هذا المعنى قوله عليه الصلاة والسلام: (ما ~~بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان بطانة تأمره ~~بالمعروف وتحضه عليه وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه فالمعصوم من عصمه الله) ~~رواه البخاري. فسأل موسى الله تعالى أن يجعل له وزيرا، إلا أنه لم يرد أن ~~يكون مقصورا على الوزارة حتى لا يكون شريكا له في النبوة، ولولا ذلك لجاز ~~أن يستوزره من غير مسألة. وعين فقال " هارون " وانتصب على البدل من قوله: " ~~وزيرا ". أو يكون منصوبا ب‍ " - اجعل " على التقديم والتأخير، والتقدير: # واجعل لي هارون أخي وزيرا. وكان هارون أكبر من موسى بسنة، وقيل: بثلاث. # (اشدد به أزرى) أي ظهري. والأزر الظهر من موضع الحقوين، ومعناه تقوى به ~~نفسي، والأزر القوة وأزره قواه. ومنه قوله تعالى: " فآزره فاستغلظ " (4) ~~[الفتح: 29] وقال أبو طالب: (5) أليس أبونا هاشم شد أزره * وأوصى بنيه ~~بالطعان وبالضرب وقيل: الأزر العون، أي يكون ms4041 عونا يستقيم به أمري. قال ~~الشاعر: # شددت به أزري وأيقنت أنه * أخو الفقر من ضاقت عليه مذاهبه # PageV11P193 # وكان هارون أكثر لحما من موسى، وأتم طولا، وأبيض جسما، وأفصح لسانا. ومات ~~قبل موسى بثلاث سنين. وكان في جبهة هارون شامة، وعلى أرنبة أنف موسى شامة، ~~وعلى طرف لسانه شامة، ولم تكن على أحد قبله ولا تكون على أحد بعده، وقيل: ~~إنها كانت سبب العقدة (1) التي في لسانه. والله أعلم. (وأشركه في أمري) أي ~~في النبوة وتبليغ الرسالة. # قال المفسرون: كان هارون يومئذ بمصر، فأمر الله موسى أن يأتي هارون، ~~وأوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى، فتلقاه إلى مرحلة وأخبره بما أوحى ~~إليه، فقال له موسى: # إن الله أمرني أن آتي فرعون فسألت ربي أن يجعلك معي رسولا. وقرأ العامة " ~~أخي اشدد " بوصل الألف " وأشركه " بفتح الهمزة على الدعاء، أي أشدد يا رب ~~أزري وأشركه معي في أمري. وقرأ ابن عامر ويحيى بن الحرث وأبو حياة والحسن ~~وعبد الله ابن أبي إسحاق " أشدد " بقطع الألف " وأشركه " [بضم الألف أي أنا ~~أفعل ذلك أشدد أنا به أزري (وأشركه) (2)] أي أنا يا رب " في أمري ". قال ~~النحاس: جعلوا الفعلين في موضع جزم جوابا لقوله: " أجعل لي وزيرا " وهذه ~~القراءة شاذة بعيدة، لان جواب مثل هذا إنما يتخرج بمعنى الشرط والمجازاة، ~~فيكون المعنى: إن تجعل لي وزيرا من أهلي أشدد به أزري، وأشركه في أمري. ~~وأمره النبوة والرسالة، وليس هذا إليه صلى الله عليه وسلم فيخبر به، إنما ~~سأل الله عز وجل أن يشركه معه في النبوة. وفتح الياء من " أخي " ابن كثير ~~وأبو عمر. (كي نسبحك كثيرا) قيل: معنى " نسبحك " نصلي لك. ويحتمل أن يكون ~~التسبيح باللسان. أي ننزهك عما لا يليق بجلالك. " وكثيرا " نعت لمصدر ~~محذوف. # ويجوز أن يكون نعتا لوقت. والادغام حسن. وكذا (ونذكرك كثيرا). (إنك كنت ~~بنا بصيرا) قال الخطابي: البصير المبصر، والبصير العالم بخفيات الأمور، ~~فالمعنى، أي عالما بنا، ومدركا لنا في صغرنا فأحسنت إلينا، فأحسن إلينا ~~[أيضا] ms4042 (3) كذلك يا رب. # قوله تعالى: قال قد أوتيت سؤلك يا موسى (36) ولقد مننا عليك مرة أخرى ~~(37) إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى (38) أن أقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم ~~فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لي # PageV11P194 # وعدو له وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني (39) إذ تمشى أختك فتقول ~~هل أدلكم على من يكفله فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها ولا تحزن وقتلت نفسا ~~فنجيناك من الغم وفتناك فتونا فلبثت سنين في أهل مدين ثم جئت على قدر يا ~~موسى (40) واصطنعتك لنفسي (41) اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري ~~(42) قوله تعالى: (قال أوتيت سؤلك يا موسى) لما سأله شرح الصدر، وتيسير ~~الامر إلى ما ذكر، أجاب سؤله، وأتاه طلبته ومرغوبه. والسؤل الطلبة، فعل ~~بمعنى مفعول، كقولك خبز بمعنى مخبوز وأكل بمعنى مأكول. وقوله تعالى: (ولقد ~~مننا عليك مرة أخرى) أي قبل هذه، وهي حفظه سبحانه له من شر الأعداء في ~~الابتداء، وذلك حين الذبح. # والله أعلم. والمن الاحسان والافضال. وقوله: (إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى) ~~قيل: # " أوحينا " ألهمنا. وقيل: أوحى إليها في النوم. وقال ابن عباس [رضي الله ~~عنهما (1)]: # أوحى إليها كما أوحى إلى النبيين. (أن أقذفيه في التابوت) قال مقاتل: ~~مؤمن آل فرعون هو الذي صنع التابوت ونجره وكان أسمه حزقيل. وكان التابوت من ~~جميز. (فاقذفيه في اليم) أي اطرحيه في البحر: نهر النيل. (فليلقه) قال ~~الفراء: " فاقذفيه في اليم " أمر وفيه معنى المجازاة. أي اقذفيه يلقه اليم. ~~وكذا قوله: " اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم " (2). [العنكبوت: 12]. (يأخذه ~~عدو لي وعدو له) يعني فرعون، فاتخذت تابوتا، وجعلت فيه نطعا ووضعت فيه ~~موسى، وقيرت رأسه وخصاصه - يعني شقوقه - ثم ألقته في النيل، وكان يشرع منه ~~نهر كبير في دار فرعون، فساقه الله في ذلك النهر إلى دار فرعون. وروى أنها ~~جعلت في التابوت قطنا محلوجا، فوضعته فيه وقيرته وجصصته، ثم ألقته في اليم. ~~وكان يشرع منه إلى بستان فرعون نهر كبير، فبينا هو جالس على رأس بركة مع ~~آسية، إذا بالتابوت، ms4043 فأمر به فأخرج، ففتح فإذا صبي أصبح # PageV11P195 # الناس، فأحبه عدو الله حبا شديدا لا يتمالك أن يصبر عنه. وظاهر القرآن ~~يدل على أن البحر ألقاه بساحله وهو شاطئه، فرأى فرعون التابوت بالساحل فأمر ~~بأخذه. ويحتمل أن يكون إلقاء اليم بموضع من الساحل، فيه فوهة (1) نهر ~~فرعون، ثم أداه النهر إلى حيث البركة. والله أعلم. # وقيل: وجدته ابنة فرعون وكان بها برص، فلما فتحت التابوت شفيت. وروي أنهم ~~حين التقطوا التابوت عالجوا فتحه فلم يقدروا عليه، وعالجوا كسره فأعياهم، ~~فدنت آسية فرأت في جوف التابوت نورا فعالجته ففتحته، فإذا صبي نوره بين ~~عينيه، وهو يمص إبهامه لبنا فأحبوه. وكانت لفرعون بنت برصاء، وقال له ~~الأطباء: لا تبرأ إلا من قبل البحر يوجد فيه شبه إنسان دواؤها ريقه، فلطخت ~~البرصاء برصها بريقه فبرئت. وقيل: لما نظرت إلى وجهه برئت. والله أعلم. ~~وقيل: وجدته جوار لامرأة فرعون، فلما نظر إليه فرعون فرأى صبيا من أصبح ~~الناس وجها، فأحبه فرعون. فذلك قوله تعالى: (وألقيت عليك محبة مني) قال ابن ~~عباس: أحبه الله وحببه إلى خلقه. وقال ابن عطية (2): جعل عليه مسحة من جمال ~~لا يكاد يصبر عنه من رآه. وقال قتادة: كانت في عيني موسى ملاحة ما رآه أحد ~~إلا أحبه وعشقه. وقال عكرمة: المعنى جعلت فيك حسنا وملاحة فلا يراك أحد إلا ~~أحبك. # وقال الطبري: المعنى ألقيت عليك رحمتي. وقال ابن زيد: جعلت من رآك أحبك ~~حتى أحبك فرعون فسلمت من شره، وأحبتك آسية بنت مزاحم فتبنتك. (ولتصنع على ~~عيني) قال ابن عباس: يريد أن ذلك بعيني حيث جعلت في التابوت، وحيث ألقي ~~التابوت في البحر، وحيث التقطك جواري امرأة فرعون، فأردن أن يفتحن التابوت ~~لينظرن ما فيه، فقالت منهن واحدة: لا تفتحنه حتى تأتين به سيدتكن فهو أحظى ~~لكن عندها، وأجدر بألا تتهمكن بأنكن وجدتن فيه شيئا فأخذتموه لأنفسكن. ~~وكانت امرأة فرعون لا تشرب من الماء إلا ما استقينه أولئك الجواري. فذهبن ~~بالتابوت إليها مغلقا، فلما فتحته رأت صبيا لم ير مثله ms4044 قط، وألقى عليها ~~محبته فأخذته فدخلت به على فرعون، فقالت له: [القصص: 9] " قرة عين لي ولك " ~~(3) قال لها فرعون: # أما لك فنعم، وأما لي فلا. فبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~(لو أن فرعون قال # PageV11P196 # نعم هو قرة عين لي ولك لآمن وصدق) فقالت: هبه لي ولا تقتله، فوهبه لها. ~~وقيل: # " ولتصنع على عيني " أي تربى وتغذى على مرأى مني، قاله قتادة. قال ~~النحاس: وذلك معروف في اللغة، يقال: صنعت الفرس وأصنعت إذا أحسنت القيام ~~عليه. والمعنى. " ولتصنع على عيني " فعلت ذلك. وقيل: اللام متعلقة بما ~~بعدها من قوله: " إذ تمشي أختك " على التقديم والتأخير ف‍ " - إذ " ظرف " ~~لتصنع ". وقيل: الواو في " ولتصنع " زائدة. وقرأ ابن القعقاع " ولتصنع " ~~بإسكان اللام على الامر، وظاهره للمخاطب والمأمور غائب. وقرأ أبو نهيك: " ~~ولتصنع " بفتح التاء. والمعنى ولتكون حركتك وتصرفك بمشيئتي وعلى عين منى. # ذكره المهدوي. " إذ تمشي أختك " العامل في " إذ تمشي " " ألقيت " أو " ~~تصنع ". # ويجوز أن يكون بدلا من " إذ أوحينا " وأخته اسمها مريم. (فتقول هل أدلكم ~~على من يكفله) وذلك أنها خرجت متعرفة خبره، وكان موسى لما وهبه فرعون من ~~امرأته طلبت له المراضع، كان لا يأخذ من أحد حتى أقبلت أخته، فأخذته ووضعته ~~في حجرها وناولته ثديها فمصه وفرح به. فقالوا لها: تقيمين عندنا، فقالت: ~~إنه لا لبن لي ولكن أدلكم على من يكفله وهم له ناصحون. قالوا: ومن هي؟. ~~قالت: أمي. فقالوا: لها لبن؟ قالت: # لبن أخي هارون. وكان هارون أكبر من موسى بسنة. وقيل: بثلاث. وقيل: بأربع، ~~وذلك أن فرعون رحم بني إسرائيل فرفع عنهم القتل أربع سنين، فولد هارون ~~فيها، قاله ابن عباس. فجاءت الام فقبل ثديها. فذلك قوله تعالى: (فرجعناك ~~إلى أمك) وفى مصحف أبي " فرددناك ". (كي تقر عينها ولا تحزن) وروى عبد ~~الحميد عن ابن عامر " كي تقر عينها " بكسر القاف. قال الجوهري: وقررت به ~~عينا وقررت به قرة وقرورا فيهما. # ورجل قرير العين، وقد قرت عينه تقر وتقر نقيض سخنت. وأقر ms4045 الله عينه أي ~~أعطاه حتى تقر فلا تطمح إلى من هو فوقه، ويقال: حتى تبرد ولا تسخن. وللسرور ~~دمعة باردة، وللحزن دمعة حارة. وقد تقدم هذا المعنى في (مريم) (1). " ولا ~~تحزن " أي على فقدك. # (وقتلت نفسا) قال ابن عباس: قتل قبطيا كافرا. قال كعب: وكان إذ ذاك ابن ~~اثنتي # PageV11P197 # عشرة سنة. في صحيح مسلم: وكان قتله خطأ، على ما يأتي. (فنجيناك من الغم) ~~أي آمناك من الخوف والقتل والحبس. (وفتناك فتونا) أي اختبرناك اختبارا حتى ~~صلحت للرسالة، وقال قتادة: بلوناك بلاء. مجاهد: أخلصناك إخلاصا. وقال ابن ~~عباس: اختبرناك بأشياء قبل الرسالة، أولها: حملته أمه في السنة التي كان ~~فرعون يذبح فيها الأطفال، ثم إلقاؤه في اليم، ثم منعه من الرضاع إلا من ثدي ~~أمه، ثم جره بلحية فرعون، ثم تناوله الجمرة بدل الدرة، فدرأ ذلك عنه قتل ~~فرعون، ثم قتله القبطي وخروجه خائفا يترقب، ثم رعايته الغنم ليتدرب بها على ~~رعاية الخلق. فيقال: إنه ندله من الغنم جدي فاتبعه أكثر النهار، وأتعبه، ثم ~~أخذه فقبله وضمه إلى صدره، وقال له: أتعبتني وأتبعت نفسك، ولم يغضب عليه. ~~قال وهب ابن منبه: ولهذا اتخذه الله تعالى كليما، وقد مضى في (النساء) (1). # قوله تعالى: (فلبثت سنين في أهل مدين) يريد عشر سنين أتم الأجلين. وقال ~~وهب: # لبث عند شعيب ثماني وعشرين سنة، منها عشرة مهر امرأته صفورا ابنة شعيب، ~~وثماني عشرة إقامة عنده حتى ولد له عنده. وقوله: (ثم جئت على قدر يا موسى) ~~قال ابن عباس وقتادة وعبد الرحمن بن كيسان: يريد موافقا للنبوة والرسالة، ~~لان الأنبياء لا يبعثون إلا أبناء أربعين سنة. وقال مجاهد ومقاتل: " على ~~قدر " على وعد. وقال محمد بن كعب: ثم جئت على القدر الذي قدرت لك أنك تجئ ~~فيه. والمعنى واحد. أي جئت في الوقت الذي أردنا إرسالك فيه. وقال الشاعر: # نال الخلافة أو كانت له قدرا * كما أتى ربه موسى على قدر قوله تعالى: ~~(واصطنعتك لنفسي) قال ابن عباس: أي اصطفيتك لوحي ورسالتي. وقيل: # " اصطنعتك " خلقتك، ms4046 مأخوذ من الصنعة. وقيل: قويتك وعلمتك لتبلغ عبادي ~~أمري ونهى. (أذهب أنت وأخوك بآياتي) قال ابن عباس: يريد التسع الآيات التي ~~أنزلت عليه. # (ولا تنيا في ذكرى) قال ابن عباس: تضعفا أي في أمر الرسالة، وقاله قتادة. ~~وقيل: # تفترا. قال الشاعر: (2) فما ونى محمد مذان غفر * له الاله ما مضى وما غبر # PageV11P198 # والونى الضعف والفتور، والكلال والاعياء [وكله مراد في الآية] (1). وقال ~~امرؤ القيس: # مسح إذا ما السابحات على الونى * أثرن غبارا بالكديد المركل (2) ويقال: ~~ونيت في الامر أني ونى وونيا أي ضعفت فأنا وان وناقة وانية وأونيتها أنا ~~أضعفتها وأتعبتها: وفلان لا ينى كذا، أي لا يزال، وبه فسر أبان معنى الآية ~~واستشهد بقول طرفة: # كأن القدور الراسيات أمامهم * قباب بنوها لا تني أبدا تغلى وعن ابن عباس ~~أيضا: لا تبطئا. وفي قراءة ابن مسعود: " ولا تهنا في ذكري " وتحميدي ~~وتمجيدي وتبليغ رسالتي. # قوله تعالى: أذهبا إلى فرعون إنه طغى (43) فقولا له قولا لينا لعله يتذكر ~~أو يخشى (44) فيه أربع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (اذهبا) قال في أول الآية: " اذهب أنت وأخوك بآياتي ~~" وقال هنا: " اذهبا " فقيل: أمر الله تعالى موسى وهرون في هذه الآية ~~بالنفوذ إلى دعوة فرعون، وخاطب أولا موسى وحده تشريفا له، ثم كرر للتأكيد. ~~وقيل: بين بهذا أنه لا يكفي ذهاب أحدهما. وقيل: الأول أمر بالذهاب إلى كل ~~الناس، والثاني بالذهاب إلى فرعون. # الثانية - في قوله تعالى: (فقولا له قولا لينا) دليل على جواز الامر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن ذلك يكون باللين من القول لمن معه القوة، ~~وضمنت له العصمة، ألا تراه قال: " فقولا له قولا لينا " وقال: " لا تخافا ~~إنني معكما أسمع وأرى " [طه: 46] فكيف بنا فنحن أولى بذلك. وحينئذ يحصل ~~الآمر أو الناهي على مرغوبه، ويظفر بمطلوبه، وهذا واضح. # PageV11P199 # الثالثة - واختلف الناس في معنى قوله: (لينا) فقالت فرقة منهم الكلبي ~~وعكرمة: # معناه كنياه، وقاله ابن عباس ومجاهد والسدي. ثم قيل: وكنيته أبو العباس. ~~وقيل: # أبو الوليد. وقيل: أبو مرة، فعلى هذا القول ms4047 تكنية الكافر جائزة إذا كان ~~وجيها ذا شرف وطمع بإسلامه. وقد (1) يجوز ذلك وإن لم يطمع بإسلامه، لان ~~الطمع ليس بحقيقة توجب عملا. # وقد قال صلى الله عليه وسلم: (إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه) ولم يقل وإن ~~طمعتم في إسلامه، ومن الاكرام دعاؤه بالكنية. وقد قال صلى الله عليه وسلم ~~لصفوان بن أمية: (أنزل أبا وهب) فكناه. وقال لسعد: (ألم تسمع ما يقوله أبو ~~حباب) يعني عبد الله بن أبي. وروى في الإسرائيليات أن موسى عليه السلام قام ~~على باب فرعون سنة، لا يجد رسولا يبلغ كلاما حتى خرج. فجرى له ما قص الله ~~علينا من ذلك، وكان ذلك تسلية لمن جاء بعده من المؤمنين في سيرتهم مع ~~الظالمين، وربك أعلم بالمهتدين. وقيل قال له موسى: تؤمن بما جئت به، وتعبد ~~رب العالمين، على أن لك شبابا لا يهرم إلى الموت، وملكا لا ينزع منك إلى ~~الموت، وينسأ في أجلك أربعمائة سنة، فإذا مت دخلت الجنة. فهذا القول اللين. ~~وقال ابن مسعود: # القول اللين قوله تعالى " فقل هل لك إلى أن تزكى. وأهديك إلى ربك فتخشى " ~~(2) [النازعات: 18 - 19]. وقد قيل أن القول اللين قول موسى: يا فرعون إنا ~~رسولا ربك رب العالمين. فسماه بهذا الاسم لأنه [كان] (3) أحب إليه مما سواه ~~مما قيل له، كما يسمى عندنا الملك ونحوه. # قلت: القول اللين هو القول الذي لا خشونة فيه، يقال: لان الشئ يلين لينا، ~~وشئ لين ولين مخفف منه، والجمع أليناء. فإذا كان موسى أمر بأن يقول لفرعون ~~قولا لينا، فمن دونه أحرى بأن يقتدى بذلك في خطابه، وأمره بالمعروف في ~~كلامه. وقد قال الله تعالى: # " وقولوا للناس حسنا " (4) [البقرة: 83]. على ما تقدم في " البقرة " ~~بيانه والحمد لله. # الرابعة - قوله تعالى: (لعله يتذكر أو يخشى) معناه: على رجائكما وطمعكما، ~~فالتوقع فيها إنما هو راجع إلى جهة البشر، قاله كبراء النحويين: سيبويه ~~وغيره. وقد تقدم في أول (البقرة) (5). قال الزجاج: " لعل " لفظة طمع وترج ~~فخاطبهم بما يعقلون. وقيل " لعل " هاهنا بمعنى # PageV11P200 # الاستفهام. ms4048 والمعنى فانظر هل يتذكر. وقيل: هي بمعنى كي. وقيل: هو إخبار ~~من الله تعالى عن قول هارون لموسى لعله يتذكر أو يخشى، قاله الحسن. وقيل: ~~إن لعل وعسى في جميع القرآن لما قد وقع. وقد تذكر فرعون حين أدركه الغرق ~~وخشي فقال: " آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من ~~المسلمين " (1) [يونس: 90]. ولكن لم ينفعه ذلك، قاله أبو بكر الوراق وغيره. ~~وقال يحيي بن معاذ في هذه الآية: هذا رفقك بمن يقول أنا الاله فكيف رفقك ~~بمن يقول أنت الاله؟!. وقد قيل: إن فرعون ركن إلى قول موسى لما دعاه، وشاور ~~امرأته فآمنت وأشارت عليه بالايمان، فشاور هامان فقال: لا تفعل، بعد أن كنت ~~مالكا تصير مملوكا، وبعد أن كنت ربا تصير مربوبا. وقال له: أنا أردك شابا ~~فخضب لحيته بالسواد فهو أول من خضب. # قوله تعالى: قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى (45) قوله ~~تعالى: (قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى) قال الضحاك: # " يفرط " يعجل. قال: و " يطغى " يعتدى. النحاس: التقدير نخاف أن يفرط ~~علينا منه أمر، قال الفراء: فرط منه أمر أي بدر، قال: وأفرط أسرف. قال: ~~وفرط ترك. # وقراءة الجمهور " يفرط " بفتح الياء وضم الراء، ومعناه يعجل ويبادر ~~بعقوبتنا. يقال: فرط مني أمر أي بدر، ومنه الفارط في الماء الذي يتقدم ~~القوم إلى الماء. أي يعذبنا عذاب الفارط في الذنب وهو المتقدم فيه، قاله ~~المبرد. وقرأت فرقة منهم ابن محيصن " يفرط " بفتح الياء والراء، قال ~~المهدوي: ولعلها لغة. وعنه أيضا بضم الياء وفتح الراء ومعناها أن يحمله ~~حامل التسرع إلينا. وقرأت طائفة " يفرط " بضم الياء وكسر الراء، وبها قرأ ~~ابن عباس ومجاهد وعكرمة وابن محيصن أيضا. ومعناه يشطط في أذيتنا، قال ~~الراجز: # * قد أفرط العلج علينا وعجل * قوله تعالى: قال لا تخافا إنني معكما أسمع ~~وأرى (46) # PageV11P201 # فيه مسألتان: # الأولى - قال العلماء: لما لحقهما ما يلحق البشر من الخوف على أنفسهما ~~عرفهما الله سبحانه أن فرعون لا ms4049 يصل إليهما ولا قومه. وهذه الآية ترد على ~~من قال: إنه لا يخاف، والخوف من الأعداء سنة الله في أنبيائه وأوليائه مع ~~معرفتهم به وثقتهم. ولقد أحسن البصري رحمه الله حين قال للمخبر عن عامر بن ~~عبد الله - أنه نزل مع أصحابه في طريق الشام على ماء، فحال الأسد بينهم ~~وبين الماء، فجاء عامر إلى الماء فأخذ منه حاجته، فقيل له: فقد خاطرت ~~بنفسك. # فقال: لان تختلف الأسنة في جوفي أحب إلي من أن يعلم الله أني أخاف شيئا ~~سواه -: # قد خاف من كان خيرا من عامر، موسى صلى الله عليه وسلم حين قال له: ~~[الرجل] (1): " إن الملا يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين فخرج ~~منها خائفا يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين " (2) [القصص: 20 - 21] ~~وقال: " فأصبح في المدينة خائفا يترقب " (2) [القصص: 18] وقال حين ألقى ~~السحرة حبالهم وعصيهم: " فأوجس في نفسه خيفة موسى. قلنا لا تخف إنك أنت ~~الاعلى " [طه: 67 - 68]. # قلت: ومنه حفر النبي صلى الله عليه وسلم الخندق حول المدينة تحصينا ~~للمسلمين وأموالهم، مع كونه من التوكل والثقة بربه بمحل لم يبلغه أحدا، ثم ~~كان من أصحابه ما لا يجهله أحد من تحولهم عن منازلهم، مرة إلى الحبشة، ومرة ~~إلى المدينة، تخوفا على أنفسهم من مشركي مكة، وهربا بدينهم أن يفتنوهم عنه ~~بتعذيبهم. وقد قالت أسماء بنت عميس لعمر لما قال لها سبقناكم بالهجرة، فنحن ~~أحق برسول الله صلى الله عليه وسلم منكم: كذبت يا عمر، كلا والله كنتم مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، يطعم جائعكم ويعظ جاهلكم، وكنا في دار - أو ~~أرض - البعداء (3) البغضاء في الحبشة، وذلك في الله وفي رسوله، وأيم الله ~~لا أطعم طعاما ولا أشرب شرابا حتى أذكر ما قلت لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ونحن كنا نؤذي ونخاف. # الحديث بطوله خرجه مسلم. قال العلماء: فالمخبر عن نفسه بخلاف ما طبع الله ~~نفوس بني آدم # PageV11P202 # [عليه] (1) كاذب، وقد طبعهم على الهرب مما يضرها ويؤلمها أو يتلفها. ~~قالوا: ولا ms4050 ضار أضر من سبع عاد في فلاة من الأرض على من لا آلة معه يدفعه ~~بها عن نفسه، من سيف أو رمح أو نبل أو قوس وما أشبه ذلك. # الثانية - قوله تعالى: " إنني معكما " يريد بالنصر والمعونة والقدرة على ~~فرعون. # وهذا كما تقول: الأمير مع فلان إذا أردت أنه يحميه. وقوله: " أسمع وأرى " ~~عبارة عن الادراك الذي لا تخفى معه خافية، تبارك الله رب العالمين. # قوله تعالى: فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا ~~تعذبهم قد جئناك بآية من ربك والسلام على من اتبع الهدى (47) إنا قد أوحى ~~إلينا أن العذاب على من كذب وتولى (48) قال فمن ربكما يا موسى (49) قال ~~ربنا الذي أعطى كل شئ خلقه ثم هدى (50) قوله تعالى: (فأتياه فقولا إنا ~~رسولا ربك) في الكلام حذف، والمعنى: فأتياه فقالا له ذلك. (فأرسل معنا بني ~~إسرائيل) أي خل عنهم. (ولا تعذبهم) أي بالسخرة والتعب في العمل. وكانت بنو ~~إسرائيل عند فرعون في عذاب شديد، يذبح أبناءهم، ويستخدم (2) نساءهم، ~~ويكلفهم من العمل في الطين واللبن وبناء المدائن مالا يطيقونه. # (قد جئناك بآية من ربك) قال ابن عباس: يريد العصا واليد. وقيل: إن فرعون ~~قال له: وما هي؟ فأدخل يده في جيب قميصه، ثم أخرجها بيضاء لها شعاع مثل ~~شعاع الشمس، غلب نورها على نور الشمس فعجب منها. ولم يره العصا إلا يوم ~~الزينة. # (والسلام على من أتبع الهدى) قال الزجاج: أي من أتبع الهدى سلم من سخط ~~الله عز وجل وعذابه. قال: وليس بتحية، [قال:] (3) والدليل على ذلك أنه ليس ~~بابتداء لقاء ولا خطاب. # PageV11P203 # الفراء: السلام على من اتبع الهدى ولمن اتبع الهدى سواء. (إنا قد أوحى ~~إلينا أن العذاب) يعني الهلاك والدمار في الدنيا والخلود في جهنم في ~~الآخرة. (على من كذب) أنبياء الله (وتولى) أعرض عن الايمان. وقال ابن عباس: ~~هذه أرجى آية للموحدين لأنهم لم يكذبوا ولم يتولوا. # قوله تعالى: (قال فمن ربكما يا موسى) ذكر فرعون موسى دون هارون لرؤوس ~~الآي. وقيل: ms4051 خصصه بالذكر لأنه صاحب الرسالة والكلام والآية. وقيل إنهما ~~جميعا بلغا الرسالة وإن كان ساكتا، لأنه في وقت الكلام إنما يتكلم واحد، ~~فإذا انقطع وازره الآخر وأيده. فصار لنا في هذا البناء فائدة علم، أن ~~الاثنين إذا قلدا أمرا فقام به أحدهما، والآخر شخصه هناك موجود مستغنى عنه ~~في وقت دون وقت أنهما أديا الامر الذي قلدا وقاما به واستوجبا الثواب، لان ~~الله تعالى قال: " أذهبا إلى فرعون " وقال: " اذهب أنت وأخوك " وقال: " ~~فقولا له " فأمرهما جميعا بالذهاب وبالقول، ثم أعلمنا في وقت الخطاب بقوله: ~~" فمن ربكما " أنه كان حاضرا مع موسى. (قال) موسى: (ربنا الذي أعطى كل شئ ~~خلقه) أي أنه يعرف بصفاته، وليس له أسم علم حتى يقال فلان بل هو خالق ~~العالم، وهو الذي خص كل مخلوق بهيئة وصورة، ولو كان الخطاب معهما لقالا: ~~قالا ربنا. # " وخلقه " أول مفعولي أعطى، أي أعطى خليقته كل شئ يحتاجون إليه ويرتفقون ~~به، أو ثانيهما أي أعطى كل شئ صورته وشكله الذي يطابق المنفعة المنوطة به، ~~على قول الضحاك على ما يأتي. (ثم هدى) قال ابن عباس وسعيد بن جبير والسدي: ~~أعطى كل شئ زوجه من جنسه، ثم هداه إلى منكحه ومطعمه ومشربه ومسكنه، وعن ابن ~~عباس: # ثم هداه إلى الألفة والاجتماع والمناكحة. وقال الحسن وقتادة: أعطى كل شئ ~~صلاحه، وهداه لما يصلحه. وقال مجاهد: أعطى كل شئ صورة، لم يجعل خلق الانسان ~~في خلق البهائم، ولا خلق البهائم في خلق الانسان، ولكن خلق كل شئ فقدره ~~تقديرا. وقال الشاعر: # وله في كل شئ خلقة * وكذاك الله ما شاء فعل PageV11P204 # يعني بالخلقة الصورة، وهو قول عطية ومقاتل. وقال الضحاك: أعطى كل شئ خلقه ~~من المنفعة المنوطة به المطابقة له. يعني اليد للبطش، والرجل للمشي، ~~واللسان للنطق، والعين للنظر، والاذن للسمع. وقيل: أعطى كل شئ ما ألهمه من ~~علم أو صناعة. وقال الفراء: # خلق الرجل للمرأة ولكل ذكر ما يوافقه من الإناث ثم هدى الذكر للأنثى. ~~فالتقدير على هذا أعطى كل شئ ms4052 مثل خلقه. # قلت: وهذا معنى قول ابن عباس. والآية بعمومها تتناول جميع الأقوال. وروى ~~زائدة عن الأعمش أنه قرأ " الذي أعطى كل شئ خلقه " بفتح اللام، وهي قراءة ~~ابن أبي إسحاق. # ورواها نصير عن الكسائي وغيره، أي أعطى بني آدم كل شئ خلقه مما يحتاجون ~~إليه. # فالقراءتان متفقتان في المعنى. # قوله تعالى: قال فما بال القرون الأولى (51) قال علمها عند ربي في كتاب ~~لا يضل ربي ولا ينسى (52) فيه أربع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (قال فما بال) البال الحال، أي وما حالها وما ~~شأنها، فأعلمه أن علمها عند الله تعالى، أي إن هذا من علم الغيب الذي سألت ~~عنه، وهو مما استأثر الله تعالى به لا يعلمه إلا هو، وما أنا إلا عبد مثلك ~~لا أعلم منه إلا ما أخبرني به علام الغيوب، وعلم أحوال القرون مكتوبة عند ~~الله تعالى في اللوح المحفوظ. وقيل: المعنى فما بال القرون الأولى لم يقروا ~~بذلك. أي فما بالهم ذهبوا وقد عبدوا غير ربك. وقيل: إنما سأله عن أعمال ~~القرون الأولى فأعلمه أنها محصاة عند الله تعالى، ومحفوظة عنده في كتاب. أي ~~هي مكتوبة فسيجازيهم غدا بها وعليها. وعنى بالكتاب اللوح المحفوظ. وقيل: هو ~~كتاب مع بعض الملائكة. # الثانية - هذه الآية ونظائرها مما تقدم ويأتي تدل على تدوين العلوم ~~وكتبها لئلا تنسى. فإن الحفظ قد تعتريه الآفات من الغلط والنسيان. وقد لا ~~يحفظ الانسان ما يسمع فيقيده لئلا يذهب عنه. وروينا بالاسناد المتصل عن ~~قتادة أنه قيل له: أنكتب ما نسمع PageV11P205 # منك؟ قال: وما يمنعك أن تكتب وقد أخبرك اللطيف الخبير أنه يكتب، فقال: " ~~علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى ". وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ~~رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لما قضى الله الخلق ~~كتب في كتاب على نفسه فهو موضوع عنده إن رحمتي تغلب غضبي). وأسند الخطيب ~~أبو بكر عن أبي هريرة قال: كان رجل من الأنصار يجلس إلى النبي صلى الله ms4053 ~~عليه وسلم يستمع منه الحديث ويعجبه ولا يحفظه، فشكا ذلك إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إني أسمع منك الحديث يعجبني ولا أحفظه، ~~فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم (استعن بيمينك) وأومأ إلى الخط. وهذا ~~نص. وعلى جواز كتب العلم وتدوينه جمهور الصحابة والتابعين، وقد أمر صلى ~~الله عليه وسلم بكتب الخطبة التي خطب بها في الحج لأبي شاه - رجل من اليمن ~~- لما سأله كتبها. أخرجه مسلم. وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: (قيدوا العلم بالكتابة). وقال معاوية بن قرة: من ~~لم يكتب العلم لم يعد علمه علما. وقد ذهب قوم إلى المنع من الكتب، فروى أبو ~~نصرة (1) قال قيل لأبي سعيد: # أنكتب حديثكم هذا؟ قال: لم تجعلونه قرآنا؟ ولكن احفظوا كما حفظنا. وممن ~~كان لا يكتب الشعبي ويونس بن عبيد وخالد الحذاء - قال خالد: ما كتبت شيئا ~~قط إلا حديثا واحدا، فلما حفظته محوته - وابن عون والزهري. وقد كان بعضهم ~~يكتب فإذا حفظ محاه، منهم محمد بن سيرين وعاصم بن ضمرة. وقال هشام بن حسان: ~~ما كتبت حديثا قط إلا حديث الأعماق (2) فلما حفظته محوته. # قلت: وقد ذكرنا عن خالد الحذاء مثل هذا. وحديث الأعماق خرجه مسلم في آخر ~~الكتاب: (لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق - أو - بدابق) الحديث ~~ذكره في كتاب الفتن. وكان بعضهم يحفظ ثم يكتب ما يحفظ منهم الأعمش وعبد ~~الله بن إدريس وهشيم وغيرهم. وهذا احتياط على الحفظ. والكتب أولى على ~~الجملة، وبه وردت الآي والأحاديث، وهو مروى عن عمر وعلي وجابر وأنس رضي ~~الله عنهم، ومن يليهم من كبراء التابعين كالحسن # PageV11P206 # وعطاء وطاوس وعروة بن الزبير، ومن بعدهم من أهل العلم، قال الله تعالى " ~~وكتبنا له في الألواح من كل شئ " (1) [الأعراف: 145]. وقال تعالى: " ولقد ~~كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون " (2) ~~[الأنبياء: 105]. وقال تعالى: " واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة " (1) ~~[الأعراف: 156] الآية. ms4054 وقال تعالى: # " وكل شئ فعلوه في الزبر. وكل صغير وكبير مستطر " (3) [القمر: 52 - 53]. ~~وقال: " علمها عند ربي في كتاب " إلى غير هذا من الآي. وأيضا فإن العلم لا ~~يضبط إلا بالكتاب، ثم بالمقابلة والمدارسة والتعهد والتحفظ والمذاكرة ~~والسؤال والفحص عن الناقلين والثقة بما نقلوا، وإنما كره الكتب من كره من ~~الصدر الأول لقرب العهد، وتقارب الاسناد لئلا يعتمده الكاتب فيهمله، أو ~~يرغب عن حفظه (4) والعمل به، فأما والوقت متباعد، والاسناد غير متقارب، ~~والطرق مختلفة، والنقلة متشابهون، وآفة النسيان معترضة، والوهم غير مأمون، ~~فإن تقييد العلم بالكتاب أولى وأشفى، والدليل على وجوبه أقوى، فإن أحتج ~~محتج بحديث أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # (لا تكتبوا عني ومن كتب غير القرآن فليمحه) خرجه مسلم، فالجواب أن ذلك ~~كان متقدما، فهو منسوخ بأمره بالكتابة، وإباحتها لأبي شاه وغيره. وأيضا كان ~~ذلك لئلا يخلط بالقرآن ما ليس منه. وكذا ما روى عن أبي سعيد أيضا - حرصنا ~~أن يأذن لنا النبي صلى الله عليه وسلم في الكتابة فأبى - إن كان محفوظا فهو ~~قبل الهجرة، وحين كان لا يؤمن الاشتغال به عن القرآن الثالثة - قال أبو بكر ~~الخطيب: ينبغي أن يكتب الحديث بالسواد، ثم الحبر خاصة دون المداد (5) لان ~~السواد أصبغ الألوان، والحبر أبقاها على مر الدهور. وهو آلة ذوي العلم، ~~وعدة أهل المعرفة. ذكر عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي قال: رآني ~~الشافعي وأنا في مجلسه وعلى قميصي حبر وأنا أخفيه، فقال: لم تخفيه وتستره؟ ~~إن الحبر على الثوب من المروءة لان صورته في الابصار سواد، وفي البصائر ~~بياض. وقال خالد بن زيد: الحبر في ثوب صاحب الحديث مثل الخلوق (6) في ثوب ~~العروس. وأخذ هذا المعنى أبو عبد الله البلوى فقال: # مداد المحابر طيب الرجال * وطيب النساء من الزعفران فهذا يليق بأثواب ذا ~~* وهذا يليق بثوب الحصان # PageV11P207 # وذكر الماوردي أن عبد الله (1) بن سليمان فيما حكى، رأى على بعض ثيابه ~~أثر صفرة، فأخذ من مداد الدواة وطلاه به، ثم ms4055 قال: المداد بنا أحسن من ~~الزعفران، وأنشد: # إنما الزعفران عطر العذارى * ومداد الدوي عطر الرجال الرابعة - قوله ~~تعالى: (لا يضل ربي ولا ينسى) اختلف في معناه على أقوال خمسة، الأول: إنه ~~ابتداء كلام، تنزيه لله تعالى عن هاتين الصفتين. وقد كان الكلام تم في ~~قوله: " في كتاب ". وكذا قال الزجاج، وأن معنى " لا يضل " لا يهلك من قوله: # " أئذا ضللنا في الأرض " (2) [السجدة: 10]. " ولا ينسى " شيئا، نزهه عن ~~الهلاك والنسيان. القول الثاني: # " لا يضل " لا يخطئ، قاله ابن عباس، أي لا يخطئ في التدبير، فمن أنظره ~~فلحكمة أنظره، ومن عاجله فلحكمة عاجله. القول الثالث: " لا يضل " لا يغيب. ~~قال ابن الأعرابي: # أصل الضلال الغيبوبة، يقال: ضل الناسي إذا غاب عنه حفظ الشئ. قال: ومعنى. # " لا يضل ربي ولا ينسى " أي لا يغيب عنه شئ ولا يغيب عن شئ. القول ~~الرابع: قاله الزجاج أيضا: وقال النحاس وهو أشبهها بالمعنى -: أخبر الله عز ~~وجل أنه لا يحتاج إلى كتاب، والمعنى لا يضل عنه علم شئ من الأشياء ولا ~~معرفتها، ولا ينسى ما علمه منها. # قلت: وهذا القول راجع إلى معنى قول ابن الأعرابي. وقول خامس: إن " لا يضل ~~ربي ولا ينسى " في موضع الصفة ل‍ " - كتاب " أي الكتاب غير ضال عن الله عز ~~وجل، أي غير ذاهب عنه. " ولا ينسى " أي غير ناس له فهما نعتان ل‍ " - كتاب ~~". وعلى هذا يكون الكلام متصلا، ولا يوقف على " كتاب ". تقول العرب. ضلني ~~الشئ إذا لم أجده، وأضللته أنا إذا تركته في موضع فلم تجده فيه. وقرأ الحسن ~~وقتادة وعيسى بن عمر وابن محيصن وعاصم الجحدري وابن كثير فيما روى شبل عنه ~~" لا يضل " بضم الياء على معنى لا يضيعه ربي ولا ينساه. قال ابن عرفة: ~~الضلالة عند العرب سلوك سبيل غير القصد، يقال: ضل عن الطريق، وأضل الشئ إذا ~~أضاعه. ومنه قرأ من قرأ " لا يضل ربي " أي لا يضيع، هذا مذهب العرب. # PageV11P208 # قوله تعالى: الذي جعل لكم الأرض مهدا وسلك لكم فيها سبلا ms4056 وأنزل من السماء ~~ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى (53) كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك ~~لآيات لأولي النهى (54) منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى ~~(55) قوله تعالى: (الذي جعل لكم الأرض مهادا (1)) " الذي " في موضع [رفع] ~~(2) نعت ل‍ " - ربي " أي لا يضل ربي الذي جعل. ويجوز أن يكون خبر ابتداء ~~مضمر أي هو " الذي ". # ويجوز أن يكون منصوبا بإضمار أعني. وقرأ الكوفيون: " مهدا " هنا وفي " ~~الزخرف " بفتح الميم وإسكان الهاء. الباقون " مهادا " واختاره أبو عبيد ~~وأبو حاتم لاتفاقهم على قراءة: # " ألم نجعل الأرض مهادا " (3) [النبأ: 6]. النحاس: والجمع أولى لان " ~~مهدا " مصدر وليس هذا موضع مصدر إلا على حذف، أي ذات مهد. المهدوي: ومن قرأ ~~" مهدا " جاز أن يكون مصدرا كالفرش أي مهد لكم الأرض مهدا، وجاز أن يكون ~~على تقدير حذف المضاف، أي ذات مهد. ومن قرأ: " مهادا " جاز أن يكون مفردا ~~كالفراش. وجاز أن يكون جمع " مهد " استعمل استعمال الأسماء فكسر. ومعنى " ~~مهادا " أي فراشا وقرارا تستقرون عليها. (وسلك لكم فيها سبلا) أي طرقا. ~~نظيره " والله جعل لكم الأرض بساطا. لتسلكوا منها سبلا فجاجا " (4) [نوح: ~~19 - 20]. # وقال تعالى: " الذي جعل لكم الأرض مهادا وجعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون ~~" (5) [الزخرف: 10] (وأنزل من السماء ماء) تقدم معناه. وهذا آخر كلام موسى، ~~ثم قال الله تعالى: " فأخرجنا به ". # وقيل: كله من كلام موسى. والمعنى (فأخرجنا به) أي بالحرث والمعالجة، لان ~~الماء المنزل سبب خروج النبات. ومعنى (أزواجا) ضروبا وأشباها، أي أصنافا من ~~النبات المختلفة الأزواج والألوان. وقال الأخفش: التقدير أزواجا شتى من ~~نبات. قال: وقد يكون النبات شتى، ف‍ " شتى " يجوز أن يكون نعتا لأزواج، ~~ويجوز أن يكون نعتا للنبات. و " شتى " # PageV11P209 # مأخوذ من شت الشئ أي تفرق. يقال: أمر شت أي متفرق. وشت الامر شتا وشتاتا ~~تفرق، واشتت مثله. وكذلك التشتت. وشتته تشتيتا فرقه. وأشت بي قومي أي فرقوا ~~أمري. والشتيت المتفرق. قال رؤبة يصف إبلا: # جاءت معا واطرقت شتيتا * وهي تثير الساطع السختيتا (1) وثغر شتيت أي ~~مفلج. ms4057 وقوم شتى، وأشياء شتى، وتقول: جاءوا أشتاتا، أي متفرقين، واحدهم شت، ~~قاله الجوهري. # قوله تعالى: (كلوا وارعوا أنعامكم) أمر إباحة. " وارعوا " من رعت الماشية ~~الكلأ، ورعاها صاحبها رعاية، أي أسامها وسرحها، لازم ومعتد. (إن في ذلك ~~لآيات لأولي النهى) أي العقول. الواحدة نهية. قال لهم ذلك، لأنهم الذين ~~ينتهى إلى رأيهم. وقيل: لأنهم ينهون النفس عن القبائح. وهذا كله من موسى ~~احتجاج على فرعون في إثبات الصانع جوابا لقوله: " فمن ربكما يا موسى ". ~~وبين أنه إنما يستدل على الصانع اليوم بأفعاله. # قوله تعالى: (منها خلقناكم) يعني آدم عليه السلام لأنه خلق من الأرض، ~~قاله أبو إسحاق الزجاج وغيره. وقيل: كل نطفة مخلوقة من التراب، على هذا يدل ~~ظاهر القرآن. وروى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من ~~مولود إلا وقد ذر عليه من تراب حفرته) أخرجه أبو نعيم الحافظ في باب ابن ~~سيرين، وقال: هذا حديث غريب من حديث عون لم نكتبه إلا من حديث أبي عاصم ~~النبيل، وهو أحد الثقات الاعلام من أهل البصرة. # وقد مضى هذا المعنى مبينا في سورة (الانعام) (2) عن ابن مسعود. وقال عطاء ~~الخراساني: إذا وقعت النطفة في الرحم انطلق الملك الموكل بالرحم فأخذ من ~~تراب المكان الذي يدفن فيه فيذره على النطفة فيخلق الله النسمة من النطفة ~~ومن التراب، فذلك قوله تعالى: " منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم ~~تارة أخري ". وفي حديث البراء عن النبي صلى الله عليه وسلم: # (إن العبد المؤمن إذا خرجت روحه صعدت به الملائكة فلا يمرون بها على ملا ~~من الملائكة # PageV11P210 # إلا قالوا ما هذه الروح الطيبة فيقولون فلان بن فلان بأحسن أسمائه التي ~~كانوا يسمونه بها في الدنيا فيستفتحون لها فيفتح فيشيعه من كل سماء مقربوها ~~إلى السماء التي تليها حتى ينتهي بها إلى السماء السابعة فيقول الله عز وجل ~~" اكتبوا لعبدي كتابا في عليين وأعيدوه إلى الأرض فإني منها خلقتهم وفيها ~~أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى " فتعاد روحه في جسده) وذكر الحديث. وقد ms4058 ~~ذكرناه بتمامه في كتاب " التذكرة " وروى من حديث علي رضي الله عنه، ذكره ~~الثعلبي. ومعنى " وفيها نعيدكم " أي بعد الموت " ومنها نخرجكم " أي للبعث ~~والحساب. # (تارة أخرى) يرجع هذا إلى قوله: " منها خلقناكم " لا إلى " نعيدكم ". وهو ~~كقولك: # اشتريت ناقة ودارا وناقة أخرى، فالمعنى: من الأرض أخرجناكم ونخرجكم بعد ~~الموت من الأرض تارة أخرى. # قوله تعالى: ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى (56) قال أجئتنا لتخرجنا ~~من أرضنا بسحرك يا موسى (57) فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا ~~لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى (58) قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ~~ضحى (59) فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى (60) قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا ~~على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى (61) قوله تعالى: (ولقد ~~أريناه آياتنا كلها) أي المعجزات الدالة على نبوة موسى. وقيل: # حجج الله الدالة على توحيده. (فكذب وأبى) أي لم يؤمن. وهذا يدل على أنه ~~كفر عنادا لأنه رأى الآيات عيانا لا خبرا. نظيره " وجحدوا بها واستيقنتها ~~أنفسهم ظلما وعلوا ". (1) قوله تعالى: (قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك ~~يا موسى) لما رأى الآيات التي أتاه بها موسى قال: إنها سحر، والمعنى: جئت ~~لتوهم الناس أنك جئت بآية توجب اتباعك والايمان بك، حتى تغلب على أرضنا ~~وعلينا. (فلنأتينك بسحر مثله) أي لنعارضنك # PageV11P211 # بمثل ما جئت به ليتبين للناس أن ما أتيت به ليس من عند الله. (فاجعل ~~بيننا وبينك موعدا) هو مصدر، أي وعدا. وقيل: الموعد اسم لمكان الوعد، كما ~~قال تعالى: " وإن جهنم لموعدهم أجمعين " (1) [الحجر: 43] فالموعد ها هنا ~~مكان. وقيل: الموعد اسم لزمان الوعد، كقوله تعالى: " إن موعدهم الصبح " (2) ~~[هود: 81] فالمعنى: اجعل لنا يوما معلوما، أو مكانا معروفا. قال القشيري: ~~والأظهر أنه مصدر ولهذا قال: (لا نخلفه) أي لا نخلف ذلك الوعد، والاخلاف أن ~~يعد شيئا ولا ينجزه. # وقال الجوهري: والميعاد المواعدة والوقت والموضع وكذلك الموعد. وقرأ أبو ~~جعفر بن القعقاع وشيبة والأعرج: " لا نخلفه " بالجزم جوابا لقوله " اجعل ". ~~ومن رفع فهو نعت ل‍ ms4059 " - موعد " والتقدير: موعدا غير مخلف. (مكانا سوى) قرأ ~~ابن عامر وعاصم وحمزة " سوى " بضم السين. الباقون بكسرها، وهما لغتان مثل ~~عدا وعدا وطوى وطوى. واختار أبو عبيد وأبو حاتم كسر السين لأنها اللغة ~~العالية الفصيحة. وقال النحاس: والكسر أعرف وأشهر. # وكلهم نونوا الواو، وقد روي عن الحسن، واختلف عنه ضم السين بغير تنوين. ~~واختلف في معناه فقيل: سوى هذا المكان، قاله الكلبي. وقيل: مكانا مستويا ~~يتبين للناس ما بيناه فيه، قاله ابن زيد. ابن عباس: نصفا. مجاهد: منصفا، ~~وعنه أيضا وقتادة عدلا بيننا بينك. # وقال النحاس: وأهل التفسير على أن معنى " سوى " نصف وعدل وهو قول حسن، ~~قال سيبويه يقال: سوى وسوى أي عدل، يعنى مكانا عدل، بين المكانين فيه ~~النصفة، وأصله من قولك: جلس في سواء الدار بالمد أي في وسطها، ووسط كل شئ ~~أعدله، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: " وكذلك جعلناكم أمة وسطا ~~" (3) [البقرة: 143] أي عدلا، وقال زهير: # أرونا خطة لا ضيم فيها * يسوي بيننا فيها السواء وقال أبو عبيدة والقتبي: ~~وسطا بين الفريقين، وأنشد أبو عبيدة لموسى بن جابر الحنفي: # وإن أبانا كان حل ببلدة * سوى بين قيس قيس عيلان والفزر والفزر: سعد بن ~~زيد مناة بن تميم. وقال الأخفش: " سوى " إذا كان بمعنى غير أو بمعنى العدل ~~يكون فيه ثلاث لغات: إن ضممت السين أو كسرت قصرت فيهما جميعا. وإن فتحت ~~مددت، تقول: مكان سوى وسوى وسواء، أي عدل ووسط فيما بين الفريقين. قال موسى ~~بن جابر: # PageV11P212 # * وجدنا أبانا كان حل ببلدة * البيت. وقيل: " مكانا سوى " أي قصدا، وأنشد ~~صاحب هذا القول: # لو تمنت حبيبتي ما عدتني * أو تمنيت ما عدوت سواها وتقول: مررت برجل سواك ~~وسواك وسوائك أي غيرك. وهما في هذا الامر سواء وإن شئت سواءان. وهم سواء ~~للجميع وهم أسواء، وهم سواسية مثل ثمانية على غير قياس. وانتصب " مكانا " ~~على المفعول الثاني ل‍ " - جعل ". ولا يحسن انتصابه بالموعد على أنه مفعول ~~أو ظرف له، لان الموعد قد وصف، والأسماء التي ms4060 تعمل عمل الافعال إذا وصفت أو ~~صغرت لم ينبغ (1) أن تعمل لخروجها عن شبه الفعل، ولم يحسن حمله على أنه ظرف ~~وقع موقع المفعول الثاني، لان الموعد إذا وقع بعده ظرف لم تجره العرب مجرى ~~المصادر مع الظروف، لكنهم يتسعون فيه كقوله تعالى: " إن موعدهم الصبح " (2) ~~[هود: 81] و " موعدكم يوم الزينة ". واختلف في يوم الزينة، فقيل هو يوم عيد ~~كان لهم يتزينون ويجتمعون فيه، قاله قتادة والسدي وغيرهما. # وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: كان يوم عاشوراء. وقال سعيد بن المسيب: يوم ~~سوق كان لهم يتزينون فيها، وقاله قتادة أيضا. وقال الضحاك: يوم السبت. ~~وقيل: يوم النيروز، ذكره الثعلبي. وقيل: يوم يكسر فيه الخليج، وذلك أنهم ~~كانوا يخرجون فيه يتفرجون ويتنزهون، وعند ذلك تأمن الديار المصرية من قبل ~~النيل. وقرأ الحسن والأعمش وعيسى الثقفي والسلمي وهبيرة عن حفص " يوم ~~الزينة " بالنصب. ورويت عن أبي عمرو، أي في يوم الزينة إنجاز موعدنا. ~~والباقون بالرفع على أنه خبر الابتداء. (وأن يحشر الناس ضحا) أي وجمع ~~الناس، ف‍ " - أن " في موضع رفع على قراءة من قرأ: " يوم " بالرفع. وعطف " ~~وأن يحشر " يقوي قراءة الرفع، لان " أن " لا تكون ظرفا، وإن كان المصدر ~~الصريح يكون ظرفا كمقدم الحاج، لان من قال: آتيك مقدم الحاج لم يقل آتيك أن ~~يقدم الحاج. # النحاس: وأولى من هذا أن يكون في موضع خفض عطفا على الزينة. والضحا مؤنثة ~~تصغرها العرب بغير هاء لئلا يشبه تصغيرها ضحوة، قاله النحاس. وقال الجوهري: # PageV11P213 # ضحوة النهار بعد طلوع الشمس، ثم بعده الضحا وهي حين تشرق الشمس، مقصورة ~~تؤنث وتذكر، فمن أنث ذهب إلى أنها جمع ضحوة، ومن ذكر ذهب إلى أنه اسم على ~~فعل مثل صرد ونغر، وهو ظرف غير متمكن مثل سحر، تقول: لقيته ضحا، وضحا إذ ~~أردت به ضحا يومك لم تنونه، ثم بعده الضحاء ممدود مذكر، وهو عند ارتفاع ~~النهار الاعلى. وخص الضحا لأنه أول النهار، فلو امتد الامر فيما بينهم كان ~~في النهار متسع. وروى عن ابن مسعود ms4061 والجحدري وغيرهما: " وأن يحشر الناس ضحا ~~" على معنى وأن يحشر الله الناس ونحوه. وعن بعض القراء " وأن تحشر الناس " ~~والمعنى وأن تحشر أنت يا فرعون الناس وعن الجحدري أيضا " وأن نحشر " بالنون ~~وإنما واعدهم ذلك اليوم ليكون علو كلمة الله، وظهور دينه، وكبت الكافر، ~~وزهوق الباطل على رؤوس الاشهاد، وفي المجمع الغاص لتقوى رغبة من رغب في ~~الحق، ويكل حد المبطلين وأشياعهم، ويكثر المحدث بذلك الامر العلم في كل بدو ~~وحضر، ويشيع في جمع أهل الوبر والمدر. # قوله تعالى: (فتولى فرعون فجمع كيده) أي حيله وسحره، والمراد جمع السحرة. # قال ابن عباس: كانوا اثنين وسبعين ساحرا، مع كل ساحر منهم حبال وعصى. ~~وقيل: كانوا أربعمائة. وقيل: كانوا اثنى عشر ألفا. وقيل: أربعة عشرا ألفا. ~~وقال ابن المنكدر: كانوا ثمانين ألفا. وقيل: كانوا مجتمعين على رئيس يقال ~~له شمعون. وقيل: كان اسمه يوحنا معه أثنا عشر نقيبا، مع كل نقيب عشرون ~~عريفا، مع كل عريف ألف ساحر. وقيل كانوا ثلاثمائة ألف ساحر من الفيوم، ~~وثلاثمائة ألف ساحر من الصعيد، وثلاثمائة ألف ساحر من الريف، فصاروا ~~تسعمائة ألف وكان رئيسهم أعمى. (ثم أتى) أي أتى الميعاد. (قال لهم موسى) أي ~~قال لفرعون والسحرة (ويلكم) دعاء عليهم بالويل. وهو بمعنى المصدر. وقال أبو ~~إسحاق الزجاج: هو منصوب بمعنى ألزمهم الله ويلا. قال: ويجوز أن يكون نداء ~~كقوله تعالى: # " يا ويلنا من بعثنا " (1) [يس: 52] (لا تفتروا على الله كذبا) أي لا ~~تختلقوا عليه الكذب، ولا تشركوا به، ولا تقولوا للمعجزات إنها سحر. ~~(فيسحتكم بعذاب) من عنده أي يستأصلكم بالاهلاك. # PageV11P214 # يقال فيه: سحت وأسحت بمعنى. وأصله من استقصاء الشعر. وقرأ الكوفيون " ~~فيسحتكم " من أسحت، الباقون " فيسحتكم " من سحت وهذه لغة أهل الحجاز و ~~[الأولى (1) لغة] بني تميم. # وانتصب على جواب النهي. وقال الفرزدق. # وعض زمان يا بن مروان لم يدع * من المال إلا مسحتا (2) أو مجلف (3) ~~الزمخشري: وهذا بيت لا تزال الركب تصطك في تسوية إعرابه. (وقد خاب من ~~افترى) أي خسر وهلك، وخاب من ms4062 الرحمة والثواب من ادعى على الله ما لم يأذن ~~به. # قوله تعالى: فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى (62) قالوا إن هذان ~~لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى (63) ~~فأجمعوا كيدكم ثم أئتوا صفا وقد أفلح اليوم من استعلى (64) قوله تعالى: ~~(فتنازعوا أمرهم بينهم) أي تشاوروا، يريد السحرة. (وأسروا النجوى) قال ~~قتادة " قالوا ": إن كان ما جاء به سحرا فسنغلبه، وإن كان من عند الله ~~فسيكون له أمر، وهذا الذي أسروه. وقيل الذي أسروا قولهم " إن هذان لساحران ~~" الآيات قاله السدي ومقاتل. وقيل الذي أسروا قولهم: إن غلبنا اتبعناه، ~~قاله الكلبي، دليله من ظهر من عاقبة أمرهم. وقيل: كان سرهم أن قالوا حين ~~قال لهم موسى " ويلكم لا تفتروا على الله كذبا " [طه: 61]: ما هذا بقول ~~ساحر. و " النجوى " المنجاة يكون اسما ومصدرا، وقد تقدم في " النساء " (4) ~~بيانه. # PageV11P215 # قوله تعالى: (إن هذين لساحران) قرأ أبو عمرو " إن هذين لساحران ". ورويت ~~عن عثمان وعائشة رضي الله عنهما وغيرهما من الصحابة، وكذلك قرأ الحسن وسعيد ~~بن جبير وإبراهيم النخعي وغيرهم من التابعين، ومن القراء عيسى بن عمر وعاصم ~~الجحدري، فيما ذكر النحاس. وهذه القراءة موافقة للأعراب مخالفة للمصحف. ~~وقرأ الزهري والخليل بن أحمد والمفضل وأبان وابن محيصن وابن كثير وعاصم: في ~~رواية حفص عنه " إن هذان " بتخفيف " إن " " لساحران " وابن كثير يشدد نون " ~~هذان ". وهذه القراءة سلمت من مخالفة المصحف ومن فساد الاعراب، ويكون ~~معناها ما هذان إلا ساحران. وقرأ المدنيون والكوفيون: # " إن هذان " بتشديد " إن " " لساحران " فوافقوا المصحف وخالفوا الاعراب. ~~قال النحاس: فهذه ثلاث قراءات قد رواها الجماعة عن الأئمة، وروى عن عبد ~~الله بن مسعود أنه قرأ " إن هذان إلا ساحران " وقال الكسائي في قراءة عبد ~~الله: " إن هذان ساحران " بغير لام، وقال الفراء في حرف أبي " إن ذان إلا ~~ساحران " فهذه ثلاث قراءات أخرى تحمل على التفسير لا أنها جائز أن يقرأ بها ~~لمخالفتها المصحف. # قلت: وللعلماء في قراءة أهل المدينة والكوفة ستة أقوال ذكرها ابن ~~الأنباري في ms4063 آخر كتاب الرد له، والنحاس في إعرابه، والمهدوي في تفسيره، ~~وغيرهم أدخل كلام بعضهم في بعض. وقد خطأها قوم حتى قال أبو عمرو: إني ~~لأستحي من الله [تعالى] (1) أن أقرأ " إن هذان ". # وروى عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها سئلت عن قوله تعالى " لكن ~~الراسخون في العلم " (2) ثم قال: " والمقيمين " (2) وفي " المائدة " " إن ~~الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون " (2) [المائدة: 69] و " إن هذان ~~لساحران " فقالت: يا بن أختي! هذا خطأ من الكاتب. وقال عثمان ابن عفان رضي ~~الله عنه: في المصحف لحن وستقيمه العرب بألسنتهم. وقال أبان بن عثمان: # قرأت هذه الآية عند أبي عثمان بن عفان، فقال: لحن وخطأ، فقال له قائل: ~~ألا تغيروه؟ # فقال: دعوه فإنه لا يحرم حلالا ولا يحلل حرما. القول الأول من الأقوال ~~الستة: أنها لغة بنى الحرث بن كعب وزبيد وخثعم. وكنانة بن زيد يجعلون رفع ~~الاثنين ونصبه وخفضه بالألف، # PageV11P216 # يقولون: جاء الزيدان ورأيت الزيدان ومررت بالزيدان، ومنه قوله تعالى: " ~~ولا أدراكم به " [يونس: 16] على ما تقدم (1). وأنشد الفراء لرجل من بني أسد ~~(2) - قال: وما رأيت أفصح منه: # فأطرق إطراق الشجاع ولو يرى * مساغا لناباه الشجاع لصمما (3) ويقولون: ~~كسرت يداه وركبت علاه، بمعنى يديه وعليه، قال شاعرهم: (4) تزود منا بين ~~أذناه ضربة * دعته إلى هابي التراب عقيم وقال آخر: (5) * طاروا علاهن فطر ~~علاها * أي عليهن وعليها. # وقال آخر: (6) إن أباها وأبا أباها * قد بلغا في المجد غايتاها أي إن أبا ~~أبيها وغايتها. قال أبو جعفر النحاس: وهذا القول من أحسن ما حملت عليه ~~الآية، إذ كانت هذه اللغة معروفة، وقد حكاها من يرتضى بعلمه وأمانته، منهم ~~أبو زيد الأنصاري، وهو الذي يقول: إذا قال سيبويه حدثني من أثق به فإنما ~~يعنيني، وأبو الخطاب الأخفش وهو رئيس من رؤساء اللغة، والكسائي والفراء ~~كلهم قالوا هذا على لغة بني الحرث بن كعب. # وحكى أبو عبيدة عن أبي الخطاب أن هذه لغة بني كنانة. المهدوي: وحكى غيره ~~أنها لغة لخثعم. قال النحاس ومن أبين ما في هذا ms4064 قول سيبويه: وأعلم أنك إذا ~~ثنيت الواحد زدت عليه زائدتين، الأولى منهما حرف مد ولين وهو حرف الاعراب، ~~قال أبو جعفر فقول سيبويه: وهو حرف الاعراب، يوجب أن الأصل ألا يتغير، ~~فيكون " إن هذان " جاء # PageV11P217 # على أصله ليعلم ذلك، وقد قال تعالى " استحوذ عليهم الشيطان " (1) ~~[المجادلة: 19] ولم يقل استحاذ، فجاء هذا ليدل على الأصل، وكذلك " إن هذان ~~" ولا يفكر في إنكار من أنكر هذه اللغة إذ كان الأئمة قد رووها. القول ~~الثاني: أن يكون " إن " بمعنى نعم، كما حكى الكسائي عن عاصم قال: العرب ~~تأتي ب‍ " - إن " بمعنى نعم، وحكى سيبويه أن " إن " تأتي بمعنى أجل، وإلى ~~هذا القول كان محمد بن يزيد وإسماعيل بن إسحاق القاضي يذهبان، قال النحاس: ~~ورأيت أبا إسحاق الزجاج وعلي بن سليمان يذهبان إليه. الزمخشري: وقد أعجب به ~~أبو إسحاق. # النحاس: وحدثنا علي بن سليمان، قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن عبد السلام ~~النيسابوري، ثم لقيت عبد الله بن أحمد [هذا] (2) فحدثني، قال حدثني عمير بن ~~المتوكل، قال حدثنا محمد ابن موسى النوفلي من ولد حرث بن عبد المطلب، قال ~~حدثنا عمر بن جميع الكوفي عن جعفر ابن محمد عن أبيه عن علي - وهو ابن ~~الحسين - عن أبيه عن علي بن أبي طالب رضوان الله عليهم أجمعين، قال: لا ~~أحصي كم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على منبره: # " إن الحمد لله نحمده ونستعينه " ثم يقول: " أنا أفصح قريش كلها وأفصحها ~~بعدي أبان ابن سعيد بن العاص " قال أبو محمد الخفاف قال عمير: إعرابه عند ~~أهل العربية والنحو " إن الحمد لله " بالنصب إلا أن العرب تجعل " إن " في ~~معنى نعم كأنه أراد صلى الله عليه وسلم نعم الحمد لله، وذلك أن خطباء ~~الجاهلية كانت تفتتح [في] (3) خطبها بنعم. وقال الشاعر في معنى نعم: # قالوا غدرت فقلت إن وربما * نال العلا وشفى الغليل الغادر وقال عبد الله ~~بن قيس الرقيات: # بكر العواذل في الصبا * ح يلمنني وألومهنه ويقلن شيب قد علا * ك وقد ms4065 كبرت ~~فقلت إنه فعلى هذا جائز أن يكون قول الله عز وجل: " إن هذان لساحران " ~~بمعنى نعم ولا تنصب. # قال النحاس: أنشدني داود بن الهيثم، قال أنشدني ثعلب: # ليت شعري هل للمحب شفاء * من جوى حبهن إن اللقاء # PageV11P218 # قال النحاس: وهذا قول حسن إلا أن فيه شيئا لأنه إنما يقال: نعم زيد خارج، ~~ولا تكاد تقع اللام ها هنا، وإن كان النحويون قد تكلموا في ذلك فقالوا: ~~اللام ينوي بها التقديم، كما قال: # خالي لأنت ومن جرير خاله * ينل العلاء ويكرم الأخوالا آخر: # أم الحليس لعجوز شهربه * ترضى من الشاة بعظم الرقبة أي لخالي ولام ~~الحليس، وقال الزجاج: والمعنى في الآية إن هذان لهما ساحران ثم حذف ~~المبتدأ. المهدوي: وأنكره أبو علي وأبو الفتح بن جني. قال أبو الفتح: " هما ~~" المحذوف لم يحذف إلا بعد أن عرف، وإذا كان معروفا فقد استغنى بمعرفته عن ~~تأكيده باللام، ويقبح أن تحذف المؤكد وتترك المؤكد. القول الثالث: قاله ~~الفراء أيضا [قال] (1): وجدت الألف دعامة ليست بلام الفعل فزدت عليها نونا ~~ولم أغيرها كما قلت: " الذي " ثم زدت عليه نونا فقلت: # جاءني الذين عندك، ورأيت الذين عندك، ومررت بالذين عندك. القول الرابع: ~~قاله بعض الكوفيين قال الألف في " هذان " مشبهة بالألف في يفعلان فلم تغير. ~~القول الخامس: # قال أبو إسحاق: النحويون القدماء يقولون الهاء ها هنا مضمرة، والمعنى إنه ~~هذان لساحران، قال ابن الأنباري: فأضمرت الهاء التي هي منصوب " إن " و " ~~هذان " خبر " إن " و " ساحران " يرفعها " هما " المضمر [والتقدير] (2) إنه ~~هذان لهما ساحران. والأشبه (3) عند أصحاب أهل هذا الجواب أن الهاء اسم " إن ~~" و " هذان " رفع بالابتداء وما بعده خبر الابتداء. القول السادس: قال أبو ~~جعفر النحاس وسألت أبا الحسن بن كيسان عن هذه الآية، فقال: إن شئت أجبتك ~~بجواب النحويين، وإن شئت أجبتك بقولي، فقلت: بقولك، فقال: سألني إسماعيل بن ~~إسحاق عنها فقلت: القول عندي أنه لما كان يقال: " هذا " في موضع الرفع ~~والنصب والخفض على حال واحدة، وكانت التثنية يجب ألا ms4066 يغير لها الواحد أجريت ~~التثنية مجرى الواحد فقال: ما أحسن هذا لو تقدمك أحد بالقول به حتى يؤنس ~~به، قال ابن كيسان: فقلت له: فيقول القاضي به حتى يؤنس به، فتبسم. # PageV11P219 # قوله تعالى: (يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم ~~المثلى) هذا من قول فرعون للسحرة، أي غرضهما إفساد دينكم الذي أنتم عليه، ~~كما قال فرعون: # " إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد " (1) [غافر: 26]. ~~ويقال فلان حسن الطريقة أي حسن المذهب. وقيل: طريقة القوم أفضل القول، وهذا ~~الذي ينبغي أن يسلكوا طريقته ويقتدوا به، فالمعنى: ويذهبا بسادتكم ~~ورؤسائكم، استمالة لهم. أو يذهبا ببني إسرائيل وهم الأماثل وإن كانوا خولا ~~لكم لما يرجعون إليه من الانتساب إلى الأنبياء. # أو يذهبا بأهل طريقتكم فحذف المضاف. و " المثلى " تأنيث الأمثل، كما يقال ~~الأفضل والفضلي. وأنث الطريقة على اللفظ، وإن كان يراد بها الرجال. ويجوز ~~أن يكون التأنيث على الجماعة. وقال الكسائي: " بطريقتكم " بسنتكم وسمتكم. و ~~" المثلى " نعت كقولك امرأة كبرى. تقول العرب: فلان على الطريقة المثلى ~~يعنون على الهدى المستقيم. # قوله تعالى: (فأجمعوا كيدكم) الاجماع الاحكام والعزم على الشئ. تقول: ~~أجمعت الخروج وعلى الخروج أي عزمت. وقراءة كل الأمصار " فأجمعوا " إلا أبا ~~عمرو فإنه قرأ: # " فاجمعوا " بالوصل وفتح الميم. وأحتج بقوله تعالى: " فجمع كيده ثم أتى ~~". قال النحاس: # وفيما حكي لي عن محمد بن يزيد أنه قال: يجب على أبي عمرو أن يقرأ بخلاف ~~قراءته هذه، وهي القراءة التي عليها أكثر الناس. قال: لأنه احتج ب‍ " - جمع ~~" وقوله عز وجل: # " فجمع كيده " قد ثبت هذا فيبعد أن يكون بعده " فاجمعوا " ويقرب أن يكون ~~بعده " فأجمعوا " أي اعزموا وجدوا، ولما تقدم ذلك وجب أن يكون هذا بخلاف ~~معناه. يقال: أمر مجمع ومجمع عليه. قال النحاس: ويصحح قراءة أبي عمرو " ~~فاجمعوا " أي اجمعوا كل كيد لكم وكل حيلة فضموه مع أخيه. وقاله أبو إسحاق. ~~الثعلبي: القراءة بقطع الألف وكسر الميم لها وجهان: أحدهما - بمعنى الجمع، ~~تقول: أجمعت الشئ وجمعته بمعنى ms4067 واحد، وفي الصحاح: وأجمعت الشئ جعلته جميعا، ~~قال أبو ذؤيب يصف حمرا: # فكأنها بالجزع بين نبايع * وأولات ذي العرجاء نهب مجمع # PageV11P220 # أي مجموع. والثاني - أنه بمعنى العزم والاحكام، قال الشاعر: # يا ليت شعري والمنى لا تنفع * هل أغدون يوما وأمري مجمع * أي محكم. (ثم ~~ائتوا صفا) قال مقاتل والكلبي: جميعا. وقيل: صفوفا ليكون أشد لهيبتكم. وهو ~~منصوب بوقوع الفعل عليه على قول أبي عبيدة، قال يقال: أتيت الصف يعني ~~المصلى، فالمعنى عنده ائتوا الموضع الذي تجتمعون فيه يوم العيد. وحكى عن ~~بعض فصحاء العرب: ما قدرت أن آتي الصف، يعني المصلى. وقال الزجاج: يجوز أن ~~يكون المعنى ثم ائتوا والناس مصطفون، فيكون على هذا مصدرا في موضع الحال. ~~ولذلك لم يجمع. # وقرئ: " ثم ايتوا " بكسر الميم وياء. ومن ترك الهمزة أبدل من الهمزة ~~ألفا. (وقد أفلح اليوم من استعلى) أي من غلب. وهذا كله من قول السحرة بعضهم ~~لبعض. وقيل: # من قول فرعون لهم. # قوله تعالى: قالوا يا موسى إما أن تلقى وإما أن نكون أول من ألقى (65) ~~قال بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى (66) فأوجس ~~في نفسه خيفة موسى (67) قلنا لا تخف إنك أنت الاعلى (68) وألق ما في يمينك ~~تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى (69) فألقى ~~السحرة سجدا قالوا آمنا برب هارون وموسى (70) قال آمنتم له قبل أن آذن لكم ~~إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في ~~جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى (71) PageV11P221 # قوله تعالى: (قالوا يا موسى) يريد السحرة. (إما أن تلقى) عصاك من يدك ~~(وإما أن نكون أول من ألقى) تأدبوا مع موسى فكان ذلك سبب إيمانهم. (قال بل ~~ألقوا فإذا حبالهم) في الكلام حذف، أي فألقوا، دل عليه المعنى. وقرأ الحسن: ~~(وعصيهم) بضم العين. قال هارون القارئ: لغة بنى تميم " وعصيهم " وبها يأخذ ~~الحسن. الباقون بالكسر اتباعا لكسرة الصاد. ونحوه دلي ودلي وقسي وقسي. ~~(يخيل إليه من سحرهم أنها ms4068 تسعى). وقرأ ابن عباس وأبو حياة وابن ذكوان وروح ~~عن يعقوب: " تخيل " بالتاء، وردوه إلى العصي والحبال إذ هي مؤنثة. وذلك ~~أنهم لطخوا العصي بالزئبق، فلما أصابها حر الشمس ارتهشت واهتزت. قال ~~الكلبي: خيل إلى موسى أن الأرض حياة وأنها تسعى على بطنها. وقرئ: " تخيل " ~~بمعنى تتخيل وطريقه طريق " تخيل " ومن قرأ " يخيل " بالياء رده إلى الكيد. ~~وقرئ " نخيل " بالنون على أن الله هو المخيل للمحنة والابتلاء. وقيل: # الفاعل. " أنها تسعى " ف‍ " - أن " في موضع رفع، أي يخيل إليه سعيها، ~~قاله الزجاج. # وزعم الفراء أن موضعها موضع نصب، أي بأنها ثم حذف الباء. والمعنى في ~~الوجه الأول: # تشبه إليه من سحرهم وكيدهم حتى ظن أنها تسعى. وقال الزجاج: ومن قرأ ~~بالتاء جعل " أن " في موضع نصب أي تخيل إليه ذات سعي. قال: ويجوز أن تكون ~~في موضع رفع بدلا من الضمير في " تخيل " وهو عائد على الحبال والعصي، ~~والبدل فيه بدل اشتمال. و " تسعى " معناه تمشي. # قوله تعالى: (فأوجس في نفسه خيفة موسى) أي أضمر. وقيل: وجد. وقيل: # أحس. أي من الحيات وذلك على ما يعرض من طباع البشر على ما تقدم. وقيل: ~~خاف أن يفتتن الناس قبل أن يلقي عصاه. وقيل: خاف حين أبطأ عليه الوحي ~~بإلقاء العصا أن يفترق الناس قبل ذلك فيفتتنوا. وقال بعض أهل الحقائق: إن ~~كان السبب أن موسى عليه السلام لما التقى بالسحرة وقال لهم: " ويلكم لا ~~تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب " التفت فإذا جبريل على يمينه فقال له ~~يا موسى ترفق بأولياء الله. فقال موسى: يا جبريل هؤلاء سحرة جاءوا بسحر ~~عظيم ليبطلوا المعجزة، وينصروا دين فرعون، ويردوا دين الله، تقول: ترفق ~~PageV11P222 # بأولياء الله! فقال جبريل: هم من الساعة إلى صلاة العصر عندك، وبعد صلاة ~~العصر في الجنة. فلما قال له ذلك، أوجس في نفس موسى وخطر أن ما يدريني ما ~~علم الله في، فلعلي أكون الآن في حالة، وعلم الله في علي خلافها كما كان ~~هؤلاء. فلما علم الله ما في ms4069 قلبه أوحى الله إليه " لا تخف إنك أنت الاعلى " ~~أي الغالب لهم في الدنيا، وفي الدرجات العلا في الجنة، للنبوة والاصطفاء ~~الذي أتاك الله به. وأصل " خيفة " خوفة فانقلبت الواو ياء لانكسار الخاء. # قوله تعالى: (وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا) (1) ولم يقل وألق عصاك، ~~فجائز أن يكون تصغيرا لها، أي لا تبال بكثرة حبالهم وعصيهم، وألق العويد ~~الفرد الصغير الجرم الذي في يمينك، فإنه بقدرة الله يتلقفها على وحدته ~~وكثرتها، وصغره وعظمها. وجائز أن يكون تعظيما لها أي لا تحفل بهذه الأجرام ~~الكثيرة الكبيرة فإن في يمينك شيئا أعظم منها كلها، وهذه على كثرتها أقل شئ ~~وأنزره عندها، فألقه يتلقفها بإذن الله ويمحقها. و " تلقف " بالجزم جواب ~~الامر، كأنه قال: إن تلقه تتلقف، أي تأخذ وتبتلع. وقرأ السلمي وحفص: " تلقف ~~" ساكنة اللام من لقف يلقف لقفا. وقرأ ابن ذكوان وأبو حياة الشامي ويحيى بن ~~الحرث " تلقف " بحذف التاء ورفع الفاء، على معنى فإنها تتلقف. والخطاب ~~لموسى. وقيل: للعصا. واللقف الاخذ بسرعة، يقال: لقفت الشئ " بالكسر " ألقفه ~~لقفا، وتلقفته أيضا أي تناولته بسرعة. # عن يعقوب: يقال رجل لقف ثقف أي خفيف حاذق. واللقف " بالتحريك " سقوط ~~الحائط. ولقد لقف الحوض لقفا أي تهور من أسفله وأتسع. وتلقف وتلقم وتلهم ~~بمعنى. وقد مضى في (الأعراف) (2). لقمت اللقمة " بالكسر " لقما، وتلقمتها ~~إذا ابتلعتها في مهلة. وكذلك لهمه " بالكسر " إذا ابتلعه. " ما صنعوا " أي ~~الذي صنعوه. وكذا (إنما صنعوا) أي إن الذي صنعوه " كيد " بالرفع " سحر " ~~بكسر السين وإسكان الحاء، وهي قراءة الكوفيين إلا عاصما. وفيه وجهان: ~~أحدهما - أن يكون الكيد مضافا إلى السحر # PageV11P223 # على الاتباع من غير تقدير حذف. والثاني - أن يكون في الكلام حذف أي كيد ~~ذي سحر. # وقرأ الباقون: " كيد " بالنصب (1) بوقوع الصنع عليه و " ما " كافة ولا ~~تضمر هاء " ساحر " بالإضافة. والكيد في الحقيقة على هذه القراءة مضاف ~~للساحر لا للسحر. ويجوز فتح " أن " على معنى لان ما صنعوا كيد ساحر. (ولا ~~يفلح الساحر حيث أتى) أي لا يفوز ms4070 ولا ينجو حيث أتى من الأرض. وقيل: حيث ~~احتال. وقد مضى في (البقرة) (2) حكم الساحر ومعنى السحر فتأمله هناك. # قوله تعالى: (فألقى السحرة سجدا) لما رأوا من عظيم الامر وخرق العادة في ~~العصا، فإنها ابتلعت جميع ما احتالوا به من الحبال والعصي، وكانت حمل ~~ثلاثمائة بعير ثم عادت عصا لا يعلم أحد أين ذهبت الحبال والعصي إلا الله ~~تعالى. وقد مضى في (الأعراف) (3) هذا المعنى وأمر العصا مستوفى. (قالوا ~~آمنا برب هارون وموسى. قال آمنتم له) أي به، يقال: # آمن له وآمن به، ومنه " فآمن له لوط " (4) [العنكبوت: 26] وفي الأعراف ~~(قال آمنتم به قبل أن آذن لكم). # إنكار منه عليهم، أي تعديتم وفعلتم ما لم آمركم به. (إنه لكبيركم الذي ~~علمكم السحر). # أي رئيسكم في التعليم، وإنما غلبكم لأنه أحذق به منكم. وإنما أراد فرعون ~~بقول هذا ليشبه على الناس حتى لا يتبعوهم فيؤمنوا كإيمانهم، وإلا فقد علم ~~فرعون أنهم لم يتعلموا من موسى، بل قد علموا السحر قبل قدوم موسى وولادته. ~~(فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل) أي على جذوع ~~النخل. قال سويد بن أبي كاهل: # هم صلبوا العبدي في جذع نخلة * فلا عطست شيبان إلا بأجدعا فقطع وصلب حتى ~~ماتوا رحمهم الله تعالى. وقرأ ابن محيصن هنا وفي الأعراف " فلأقطعن " " ~~ولأصلبنكم " بفتح الألف والتخفيف من قطع وصلب. (ولتعلمن أينا أشد عذابا ~~وأبقى) يعني أنا أم رب موسى. # PageV11P224 # قوله تعالى: قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما ~~أنت قاض إنما تقضى هذه الحياة الدنيا (72) إنا آمنا بربنا ليغفر لنا ~~خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى (73) إنه من يأت ربه ~~مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى (84) ومن يأته مؤمنا قد عمل ~~الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى (75) جنات عدن تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى (76) قوله تعالى: (قالوا) يعني السحرة (لن ~~نؤثرك) أي لن نختارك (على ما جاءنا من البينات) قال ابن عباس: ms4071 يريد من ~~اليقين والعلم. وقال عكرمة وغيره: لما سجدوا أراهم الله في سجودهم منازلهم ~~في الجنة، فلهذا قالوا: " لن نؤثرك ". وكانت امرأة فرعون تسأل من غلب؟ فقيل ~~لها: غلب موسى وهرون، فقالت: آمنت برب موسى وهرون. فأرسل إليها فرعون فقال: ~~أنظروا أعظم صخرة فإن مضت (1) على قولها فألقوها عليها، فلما أتوها رفعت ~~بصرها إلى السماء فأبصرت منزلها في الجنة، فمضت على قولها فانتزع روحها، ~~وألقيت الصخرة على جسدها وليس في جسدها (2) روح. وقيل: قال مقدم السحرة لمن ~~يثق به لما رأى من عصا موسى ما رأى: انظر إلى هذه الحية هل تخوفت؟ (3) ~~فتكون جنيا أو لم تتخوف فهي من صنعة الصانع الذي لا يعزب عليه مصنوع، فقال: ~~ما تخوفت، فقال: آمنت برب هارون وموسى. (والذي فطرنا) قيل: هو معطوف على " ~~ما جاءنا من البينات " أي لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات ولا على الذي ~~فطرنا أي خلقنا. وقيل: هو قسم أي والله لن نؤثرك. (فاقضي ما أنت قاض) ~~التقدير: ما أنت قاضيه. وليست " ما " ها هنا التي تكون مع الفعل بمنزلة ~~المصدر، لان تلك توصل بالافعال، وهذه موصولة بابتداء وخبر. # PageV11P225 # قال ابن عباس: فاصنع ما أنت صانع. وقيل: فاحكم ما أنت حاكم، أي من القطع ~~والصلب. # وحذفت الياء من قاض في الوصل لسكونها وسكون التنوين. واختار سيبويه ~~إثباتها في الوقف لأنه قد زالت علة [التقاء] (1) الساكنين. (إنما تقضى هذه ~~الحياة الدنيا) أي إنما ينفذ أمرك فيها. وهي منصوبة على الظرف، والمعنى: ~~إنما تقضى في متاع هذه الحياة الدنيا. أو وقت هذه الحياة الدنيا، فتقدر حذف ~~المفعول. ويجوز أن يكون التقدير: إنما تقضي أمور هذه الحياة الدنيا، فتنتصب ~~انتصاب المفعول و " ما " كافة لان. وأجاز الفراء الرفع على أن تجعل " ما " ~~بمعنى الذي وتحذف الهاء من تقضي ورفعت " هذه الحياة الدنيا ". (إنا آمنا ~~بربنا) أي صدقنا بالله وحده لا شريك له وما جاءنا به موسى. (ليغفر لنا ~~خطايانا) يريدون الشرك الذي كانوا عليه. (وما أكرهتنا عليه من السحر) " ما ~~" في ms4072 موضع نصب معطوفة على الخطايا. # وقيل: لا موضع لها وهي نافية، أي ليغفر لنا خطايانا من السحر وما أكرهتنا ~~عليه. النحاس: # والأول أولى. المهدوي: وفيه بعد، لقولهم: " إن لنا لاجرا إن كنا نحن ~~الغالبين " (2) وليس هذا بقول مكرهين، ولأن الاكراه ليس بذنب، وإن كان يجوز ~~أن يكونوا أكرهوا على تعليمه صغارا. قال الحسن: كانوا يعلمون السحر أطفالا ~~ثم عملوه مختارين بعد. ويجوز أن يكون " ما " في موضع رفع بالابتداء ويضمر ~~الخبر، والتقدير: وما أكرهتنا عليه من السحر موضوع عنا. و " من السحر " على ~~هذا القول والقول الأول يتعلق ب‍ " - أكرهتنا ". وعلى أن " ما " نافية ~~يتعلق ب‍ " - خطايانا ". (والله خير وأبقى) أي ثوابه خير وأبقى فحذف ~~المضاف، قاله ابن عباس. وقيل: الله خير لنا منك وأبقى عذابا لنا من عذابك ~~لنا وهو جواب قوله: # " ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى " وقيل: الله خير لنا إن أطعناه، وأبقى ~~عذابا منك إن عصيناه. # قوله تعالى: (إنه من يأت ربه مجرما) قيل: هو من قول السحرة لما آمنوا. # وقيل: ابتداء كلام من الله عز وجل. والكناية في " إنه " ترجع إلى الامر ~~والشأن. ويجوز إن من يأت، ومنه قول الشاعر: # إن من يدخل الكنيسة يوما * يلق فيها جآذرا وظباء (3) # PageV11P226 # أراد إنه من يدخل، أي أن الامر هذا، وهو أن المجرم يدخل النار، والمؤمن ~~يدخل الجنة. # والمجرم الكافر. وقيل: الذي يقترف المعاصي ويكتسبها. والأول أشبه لقوله ~~تعالى: (فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيا) وهذه صفة الكافر المكذب الجاحد ~~- على ما تقدم بيانه في سورة (النساء) (1) وغيرها - فلا ينتفع بحياته ولا ~~يستريح بموته. قال الشاعر: # ألا من لنفس لا تموت فينقضي * شقاها ولا تحيا حياة لها طعم وقيل: نفس ~~الكافر معلقة في حنجرته أخبر الله تعالى عنه فلا يموت بفراقها، ولا يحيا ~~باستقرارها. ومعنى. (من يأت ربه مجرما) من يأت موعد ربه. ومعنى (ومن يأته ~~مؤمنا) أي يمت عليه ويوافيه مصدقا به. (قد عمل) أي وقد عمل " الصالحات " أي ~~الطاعات وما أمر به ونهى عنه. (فأولئك ms4073 لهم الدرجات العلا) أي الرفيعة التي ~~قصرت دونها الصفات. ودل قوله: " ومن يأته مؤمنا " على أن المراد بالمجرم ~~المشرك. # قوله تعالى: (جنات عدن) بيان للدرجات وبدل منها، والعدن الإقامة. وقد ~~تقدم (2) بيانه. (تجري من تحتها) أي من تحت غرفها وسررها (الأنهار) من ~~الخمر والعسل واللبن والماء. وقد تقدم. (خالدين فيها) أي ماكثين دائمين. ~~(وذلك جزاء من تزكى) أي من تطهر من الكفر والمعاصي. ومن قال هذا من قول ~~السحرة قال: لعل السحرة سمعوه من موسى أو من بني إسرائيل إذ كان فيهم بمصر ~~أقوام، وكان فيهم أيضا المؤمن من آل فرعون. # قلت: ويحتمل أن يكون ذلك إلهاما من الله لهم أنطقهم بذلك لما آمنوا، ~~والله أعلم. # قوله تعالى: ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في ~~البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى (77) فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من ~~اليم ما غشيهم (78) وأضل فرعون قومه وما هدى (79) قوله تعالى: (ولقد أوحينا ~~إلى موسى أن أسر بعبادي) تقدم الكلام في هذا مستوفى. # (فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا) أي يابسا لا طين فيه ولا ماء. وقد مضى ~~في (البقرة) (3) # PageV11P227 # ضرب موسى البحر وكنيته إياه وإغراق فرعون فلا معنى للإعادة. (لا تخاف ~~دركا) أي لحاقا من فرعون وجنوده. " ولا تخشى " قال ابن جريج قال أصحاب موسى ~~[له] (1): هذا فرعون قد أدركنا، وهذا البحر قد غشينا، فأنزل الله تعالى: " ~~لا تخاف دركا ولا تخشى " أي لا تخاف دركا من فرعون ولا تخشى غرقا من البحر ~~أن يمسك إن غشيك. وقرأ حمزة " لا تخف " على أنه جواب الامر. التقدير إن ~~تضرب لهم طريقا في البحر لا تخف. و " لا تخشى " مستأنف على تقدير: ولا أنت ~~تخشى. أو يكون مجزوما والألف مشبعة من فتحة، كقوله: # " فأضلونا السبيلا " (2) [الأحزاب: 67] أو يكون على حد قول الشاعر: (3) * ~~كأن لم ترى قبلي أسيرا يمانيا * على تقدير حذف الحركة كما تحذف حركة ~~الصحيح. وهذا مذهب الفراء. وقال آخر: # هجوت زبان ثم جئت معتذرا * من هجو زبان لم تهجو ms4074 ولم تدع وقال آخر (4): ~~ألم يأتيك والانباء تنمي * بما لاقت لبون بني زياد قال النحاس: وهذا من ~~أقبح الغلط أن يحمل كتاب الله عز وجل على الشذوذ من الشعر، وأيضا فإن الذي ~~جاء به من الشعر لا يشبه من الآية شيئا، لان الياء والواو مخالفتان للألف، ~~لأنهما تتحركان والألف لا تتحرك، وللشاعر إذا اضطر أن يقدرهما متحركتين ثم ~~تحذف الحركة للجزم، وهذا محال في الألف، والقراءة الأولى أبين لان بعده " ~~ولا تخشى " مجمع عليه بلا جزم، وفيها ثلاث تقديرات: الأول - أن يكون " لا ~~تخاف " في موضع الحال من المخاطب، التقدير: فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا ~~غير خائف ولا خاش. الثاني أن يكون في موضع النعت للطريق، لأنه معطوف على ~~يبس الذي هو صفة، ويكون التقدير: # لا تخاف فيه، فحذف الراجع من الصفة. والثالث - أن يكون منقطعا خبر ابتداء ~~محذوف تقديره: وأنت لا تخاف. # PageV11P228 # قوله تعالى: (فأتبعهم فرعون بجنوده) أي أتبعهم ومعه جنوده، وقرئ " ~~فاتبعهم " بالتشديد فتكون الباء في " بجنوده " عدت الفعل إلى المفعول ~~الثاني، لان اتبع يتعدى إلى مفعول واحد. أي تبعهم ليلحقهم بجنوده أي مع ~~جنوده كما يقال: ركب الأمير بسيفه أي مع سيفه. ومن قطع " فأتبع " يتعدى إلى ~~مفعولين: فيجوز أن تكون الباء زائدة، ويجوز أن يكون اقتصر على مفعول واحد. ~~يقال: تبعه وأتبعه ولحقه وألحقه بمعنى واحد. وقوله: # " بجنوده " في موضع الحال، كأنه قال: فأتبعهم سائقا جنوده. (فغشيهم من ~~اليم ما غشيهم) أي أصابهم من البحر ما غرقهم، وكرر على معنى التعظيم ~~والمعرفة بالامر. (وأضل فرعون قومه وما هدى) أي أضلهم عن الرشد وما هداهم ~~إلى خير ولا نجاة، لأنه قدر أن موسى عليه السلام ومن معه لا يفوتونه، لان ~~بين أيديهم البحر. فلما ضرب موسى البحر بعصاه انفلق منه أثنا عشر طريقا ~~وبين الطرق الماء قائما كالجبال. وفي سورة الشعراء: " فكان كل فرق كالطود ~~العظيم " (1) أي الجبل الكبير، فأخذ كل سبط طريقا. وأوحى الله إلى أطواد ~~الماء أن تشبكي فصارت شبكات يرى بعضهم بعضا ويسمع ms4075 بعضهم كلام بعض، فكان هذا ~~من أعظم المعجزات، وأكبر الآيات، فلما أقبل فرعون ورأى الطرق في البحر ~~والماء قائما أوهمهم أن البحر فعل هذا لهيبته، فدخل هو وأصحابه فانطبق ~~البحر عليهم. وقيل إن قوله: " وما هدى " تأكيد لاضلاله إياهم. وقيل: هو ~~جواب قول فرعون: " ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد " (2) ~~[غافر: 29] فكذبه الله تعالى. وقال ابن عباس " وما هدى " أي ما هدى نفسه بل ~~أهلك نفسه وقومه. # قوله تعالى: يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم وواعدناكم جانب الطور ~~الأيمن ونزلنا عليكم المن والسلوى (80) كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا ~~فيه فيحل عليكم غضبي ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى (81) وإني لغفار لمن تاب ~~وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى (82) # PageV11P229 # قوله تعالى: (يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم) لما أنجاهم من فرعون ~~قال لهم هذا ليشكروه. (وواعدناكم جانب الطور الأيمن) " جانب " نصب على ~~المفعول الثاني ل‍ " واعدنا " ولا يحسن أن ينتصب على الظرف، لأنه ظرف مكان ~~محض غير مبهم. وإنما تتعدى الافعال والمصادر إلى ظروف المكان بغير حرف جر ~~إذا كانت مبهمة. قال مكي: # هذا أصل لا خلاف فيه، وتقدير الآية. وواعدناكم إتيان جانب الطور، ثم حذف ~~المضاف. # قال النحاس: أي أمرنا موسى أن يأمركم بالخروج معه ليكلمه بحضرتكم فتسمعوا ~~الكلام. # وقيل: وعد موسى بعد إغراق فرعون أن يأتي جانب الطور الأيمن فيؤتيه ~~التوراة، فالوعد كان لموسى ولكن خوطبوا به لان الوعد كان لأجلهم. وقرأ أبو ~~عمرو " ووعدناكم " بغير ألف واختاره أبو عبيد، لان الوعد إنما هو من الله ~~تعالى لموسى خاصة، والمواعدة لا تكون إلا من اثنين. وقد مضى في (البقرة) ~~(1) هذا المعنى. و " الأيمن " نصب، لأنه نعت للجانب وليس للجبل يمين ولا ~~شمال، فإذا قيل: خذ عن يمين الجبل فمعناه خذ على يمينك من الجبل. # وكان الجبل على يمين موسى إذ أتاه. (ونزلنا عليكم المن والسلوى) أي في ~~التيه. وقد تقدم القول فيه (2). (كلوا من طيبات ما رزقناكم) أي من لذيذ ~~الرزق. وقيل: ms4076 من حلاله إذ لا صنع فيه لآدمي فتدخله شبهة. (ولا تطغوا) أي لا ~~تحملنكم السعة والعافية أن تعصوا، لان الطغيان التجاوز إلى ما لا يجوز. ~~وقيل: المعنى، أي لا تكفروا النعمة ولا تنسوا [شكر النعم ولا شكر] (2) ~~المنعم بها عليكم. وقيل: أي ولا تستبدلوا بها شيئا آخر كما قال: " ~~أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير " (2) [البقرة: 61] وقيل: لا تدخروا ~~منه لأكثر من يوم وليلة، قال ابن عباس: فيتدود عليهم ما ادخروه، ولولا ذلك ~~ما تدود طعام أبدا. (فيحل عليكم غضبي) أي يجب وينزل، وهو منصوب بالفاء في ~~جواب النهي من قوله: " ولا تطغوا ". (فيحل عليكم غضبي ومن يحلل عليه غضبي ~~فقد هوى) قرأ الأعمش ويحيى بن وثاب والكسائي: # " فيحل " بضم الحاء (ومن يحلل) بضم اللام الأولى. والباقون بالكسر وهما ~~لغتان. وحكى # PageV11P230 # أبو عبيدة وغيره: أنه يقال حل يحل إذا وجب وحل يحل إذا نزل. وكذا قال ~~الفراء: الضم من الحلول بمعنى الوقوع والكسر من الوجوب. والمعنيان متقاربان ~~إلا أن الكسر أولى، لأنهم قد أجمعوا على قوله: " ويحل عليه عذاب مقيم " (1) ~~[هود: 39]. وغضب الله عقابه ونقمته وعذابه. # " فقد هوى " قال الزجاج: فقد هلك، أي صار إلى الهاوية وهي قعر النار، من ~~هوى يهوي هويا أي سقط من علو إلى سفل، وهوى فلان أي مات. وذكر ابن المبارك: ~~أخبرنا إسماعيل بن عياش قال حدثنا ثعلبة بن مسلم عن أيوب بن بشير عن شفى ~~الأصبحي (2) قال: # إن في جهنم جبلا يدعى صعودا يطلع فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يرقاه، ~~قال الله تعالى: # " سأرهقه صعودا " (3) [المدثر: 17] وإن في جهنم قصرا يقال له هوى يرمى ~~الكافر من أعلاه فيهوي أربعين خريفا قبل أن يبلغ أصله (4) قال الله تعالى " ~~ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى " وذكر الحديث، وقد ذكرناه في كتاب " التذكرة ~~". # قوله تعالى: (وإني لغفار لمن تاب) أي من الشرك. (وآمن وعمل صالحا ثم ~~اهتدى) أي أقام على إيمانه حتى مات عليه، قاله سفيان الثوري وقتادة ~~وغيرهما. وقال ابن عباس: # أي لم يشك ms4077 في إيمانه، ذكره الماوردي والمهدوي. وقال سهل بن عبد الله ~~التستري وابن عباس أيضا: أقام على السنة والجماعة، ذكره الثعلبي. وقال أنس: ~~أخذ بسنة النبي صلى الله عليه وسلم ذكره المهدوي، وحكاه الماوردي عن الربيع ~~بن أنس. وقول خامس: أصاب العمل، قاله ابن زيد، وعنه أيضا تعلم العلم ليهتدي ~~كيف يفعل، ذكر الأول المهدوي، والثاني الثعلبي. وقال الشعبي ومقاتل ~~والكلبي: علم أن لذلك ثوابا وعليه عقابا، وقاله الفراء. # وقول ثامن: " ثم اهتدى " في ولاية أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، ~~قاله ثابت البناني. # والقول الأول أحسن هذه الأقوال - إن شاء الله - وإليه يرجع سائرها. قال ~~وكيع عن سفيان: كنا نسمع في قوله عز وجل: " وإني لغفار لمن تاب " أي من ~~الشرك " وآمن " أي بعد الشرك " وعمل صالحا " صلى وصام " ثم أهتدي " مات على ~~ذلك. # PageV11P231 # قوله تعالى: وما أعجلك عن قومك يا موسى (83) قال هم أولاء على أثري وعجلت ~~إليك رب لترضى (84) قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري (85) ~~فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا أفطال ~~عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي (86) قالوا ~~ما أخلفنا موعدك بملكنا ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم فقذفناها فكذلك ~~ألقى السامري (87) فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى ~~فنسي (88) أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا (89) ~~قوله تعالى: (وما أعجلك عن قومك يا موسى) أي ما حملك على أن تسبقهم. قيل: # عنى بالقوم جميع بني إسرائيل، فعلى هذا قيل: استخلف هارون على بني ~~إسرائيل، وخرج معه بسبعين رجلا للميقات. فقوله: (هم أولاء على أثري) ليس ~~يريد أنهم يسيرون خلفه متوجهين إليه، بل أراد أنهم بالقرب مني ينتظرون عودي ~~إليهم. وقيل: لا بل كان أمر هارون بأن يتبع في بني إسرائيل أثره ويلتحقوا ~~به. وقال قوم: أراد بالقوم السبعين الذين اختارهم، وكان موسى لما قرب من ~~الطور سبقهم شوقا إلى ms4078 سماع كلام الله. [عز وجل] (1) وقيل: لما وفد إلى طور ~~سينا بالوعد اشتاق إلى ربه وطالت عليه المسافة من شدة الشوق إلى الله ~~تعالى، فضاق به الامر حتى شق قميصه، ثم لم يصبر حتى خلفهم ومضى وحده، فلما ~~وقف في مقامه قال الله تبارك وتعالى: " وما أعجلك عن قومك يا موسى " فبقي ~~صلى الله عليه وسلم متحيرا عن الجواب [لهذه (2) الكلمة لما استقبله من صدق ~~الشوق فأعرض عن الجواب] وكنى عنه بقوله: " هم أولاء على أثري " وإنما سأله ~~السبب الذي أعجله بقوله " ما " فأخبر عن مجيئهم بالأثر. ثم قال: (وعجلت ~~إليك رب لترضى) فكنى عن # PageV11P232 # ذكر الشوق وصدقه (1) إلى ابتغاء الرضا. ذكر عبد الرزاق عن معمر عن قتادة ~~في قوله: " وعجلت إليك رب لترضى " قال: شوقا. وكانت عائشة رضي الله عنها ~~إذا آوت إلى فراشها تقول: # هاتوا المجيد. فتؤتى بالمصحف فتأخذه في صدرها وتنام معه تتسلى بذلك، رواه ~~سفيان عن معسر عن عائشة رضي الله عنها. وكان عليه الصلاة والسلام إذا أمطرت ~~السماء خلع ثيابه وتجرد حتى يصيبه المطر ويقول: " إنه حديث عهد بربي " فهذا ~~من الرسول صلى الله عليه وسلم وممن بعده من قبيل الشوق، ولذلك قال الله ~~تبارك اسمه فيما يروى عنه: " طال شوق الأبرار إلى لقائي وأنا إلى لقائهم ~~أشوق ". وقال ابن عباس: كان الله عالما ولكن قال: # " وما أعجلك عن قومك " رحمة لموسى، وإكراما له بهذا القول، وتسكينا ~~لقلبه، ورقة (2) عليه، فقال مجيبا لربه: " هم أولاء على أثري ". قال أبو ~~حاتم قال عيسى: بنو تميم يقولون: # " هم أولى " مقصورة مرسلة، وأهل الحجاز يقولون " أولاء " ممدودة. وحكى ~~الفراء " هم أولاء على أثري " وزعم أبو إسحاق الزجاج: أن هذا لا وجه له. ~~قال النحاس: # وهو كما قال، لان هذا ليس مما يضاف فيكون مثل هداي. ولا يخلو من إحدى ~~جهتين: # إما أن يكون اسما مبهما فإضافته محال، وإما أن يكون بمعنى الذين فلا يضاف ~~أيضا، لان ما بعده من تمامه وهو معرفة. وقرأ ابن أبي إسحاق ونصر ورويس ms4079 عن ~~يعقوب " على إثري " بكسر الهمزة وإسكان الثاء وهو بمعنى أثر، لغتان. " ~~وعجلت إليك رب لترضى " أي عجلت إلى الموضع الذي أمرتني بالمصير إليه لترضى ~~عني. يقال: رجل عجل وعجل وعجول وعجلان بين العجلة، والعجلة خلاف البطء. # قوله تعالى: (فإنا قد فتنا قومك من بعدك) أي اختبرناهم وامتحناهم بأن ~~يستدلوا على الله عز وجل. (وأضلهم السامري) أي دعاهم إلى الضلالة أو هو ~~سببها. وقيل: فتناهم ألقيناهم في الفتنة: أي زينا لهم عبادة العجل، ولهذا ~~قال موسى: " إن هي إلا فتنتك " (3) [الأعراف: 155]. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان السامري من قوم يعبدون البقر (4)، فوقع ~~بأرض مصر فدخل في دين بني إسرائيل بظاهره، وفي قلبه ما فيه من عبادة البقر. ~~وقيل: كان رجلا # PageV11P233 # من القبط، وكان جارا لموسى آمن به وخرج معه. وقيل: كان عظيما من عظماء ~~بني إسرائيل، من قبيلة تعرف بالسامرة وهم معروفون بالشام. قال سعيد بن ~~جبير: كان من أهل كرمان. # قوله تعالى: (فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا) حال وقد مضى في (الأعراف) ~~(1) بيانه مستوفى. (قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا) وعدهم عز وجل ~~الجنة إذا أقاموا على طاعته، ووعدهم أنه يسمعهم كلامه في التوراة على لسان ~~موسى، ليعملوا بما فيها فيستحقوا ثواب عملهم. وقيل: وعدهم النصر والظفر. ~~وقيل: وعده قوله: " وإني لغفار لمن تاب وآمن " الآية. (أفطال عليكم العهد) ~~أي أفنسيتم، كما قيل، والشئ قد ينسى لطول العهد. # (أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم) " يحل " أي يجب وينزل. والغضب ~~العقوبة والنقمة. # والمعنى: أم أردتم أن تفعلوا فعلا يكون سبب حلول غضب الله بكم، لان أحدا ~~لا يطلب غضب الله (2)، بل قد يرتكب ما يكون سببا للغضب. (فأخلفتم موعدي) ~~لأنهم وعدوه أن يقيموا على طاعة الله عز وجل إلى أن يرجع إليهم من الطور. ~~وقيل: وعدهم على أثره للميقات فتوقفوا. (قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا) ~~بفتح الميم، وهي قراءة نافع وعاصم وعيسى بن عمر. # قال مجاهد والسدي: ومعناه بطاقتنا. ابن زيد: لم نملك ms4080 أنفسنا أي كنا ~~مضطرين. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر " بملكنا " بكسر الميم. واختاره ~~أبو عبيد وأبو حاتم، لأنها اللغة العالية. وهو مصدر ملكت الشئ أملكه ملكا. ~~والمصدر مضاف إلى الفاعل والمفعول محذوف، كأنه قال: بملكنا الصواب بل ~~أخطأنا فهو اعتراف منهم بالخطأ. وقرأ حمزة والكسائي: # " بملكنا " بضم الميم والمعنى بسلطاننا. أي لم يكن لنا ملك فنخلف موعدك. ~~ثم قيل قوله: # " قالوا " عام يراد به الخاص، أي قال الذين ثبتوا على طاعة الله إلى أن ~~يرجع إليهم من الطور: # " ما أخلفنا موعدك بملكنا " وكانوا أثني عشر ألفا وكان جميع بني إسرائيل ~~ستمائة ألف. # (ولكنا حملنا) بضم الحاء وتشديد الميم مكسورة، قرأه نافع وابن كثير وابن ~~عامر وحفص ورويس. الباقون بفتح الحرفين خفيفة. واختاره أبو عبيد وأبو حاتم، ~~لأنهم حملوا حلي القوم # PageV11P234 # معهم وما حملوه كرها. (أوزارا) أي أثقالا (من زينة القوم) أي من حليهم، ~~وكانوا استعاروه حين أرادوا الخروج مع موسى عليه السلام، وأوهموهم أنهم ~~يجتمعون في عيد لهم أو وليمة. وقيل: هو ما أخذوه من آل فرعون، لما قذفهم ~~البحر إلى الساحل. وسميت أوزارا بسبب أنها كانت آثاما. أي لم يحل لهم أخذها ~~ولم تحل لهم الغنائم، وأيضا فالأوزار هي الأثقال في اللغة. (فقذفناها) أي ~~ثقل علينا حمل ما كان معنا من الحلي فقذفناه في النار ليذوب، أي طرحناه ~~فيها. وقيل: طرحناه إلى السامري لترجع فترى فيها رأيك. قال قتادة: # إن السامري قال لهم حين استبطأ القوم موسى: إنما احتبس عليكم من أجل ما ~~عندكم من الحلي، فجمعوه ودفعوه إلى السامري فرمى به في النار وصاغ لهم منه ~~عجلا، ثم ألقى عليه قبضة من أثر فرس الرسول وهو جبريل عليه السلام. وقال ~~معمر: الفرس الذي كان عليه جبريل هو الحياة، فلما ألقى عليه القبضة صار ~~عجلا جسدا له خوار. والخوار صوت البقر. # وقال ابن عباس: لما انسكبت الحلي في النار، جاء السامري وقال لهارون: يا ~~نبي الله أؤلقي ما في يدي - وهو يظن أنه كبعض ما جاء به ms4081 غيره من الحلي - ~~فقذف التراب فيه، وقال: # كن عجلا جسدا له خوار، فكان كما قال للبلاء والفتنة، فخار خورة واحدة لم ~~يتبعها مثلها. # وقيل: خواره وصوته كان بالريح، لأنه كان عمل فيه خروقا فإذا دخلت الريح ~~في جوفه خار ولم تكن فيه حياة. وهذا قول مجاهد. وعلى القول الأول كان عجلا ~~من لحم ودم، وهو قول الحسن وقتادة والسدي. وروى حماد عن سماك عن سعيد بن ~~جبير عن ابن عباس قال: # مر هارون بالسامري وهو يصنع العجل فقال: ما هذا؟ فقال: ينفع ولا يضر، ~~فقال: # اللهم أعطه ما سألك على ما في نفسه، فقال: اللهم إني أسألك أن يخور. وكان ~~إذا خار سجدوا، وكان الخوار من أجل دعوة هارون. قال ابن عباس: خار كما يخور ~~الحي من العجول. وروى أن موسى قال: يا رب هذا السامري أخرج لهم عجلا جسدا ~~له خوار من حليهم، فمن جعل الجسد والخوار؟ قال الله تبارك وتعالى: أنا. قال ~~موسى صلى الله عليه وسلم: وعزتك وجلالك وارتفاعك وعلوك وسلطانك ما أضلهم ~~غيرك. قال: صدقت يا حكيم PageV11P235 # الحكماء. وقد تقدم هذا كله في سورة (الأعراف) (1). (فقالوا هذا إلهكم ~~وإله موسى) أي قال السامري ومن (2) تبعه وكانوا ميالين إلى التشبيه، إذ ~~قالوا " اجعل لنا إلها كما لهم آلهة " (1). الأعراف: 138 " (فنسي) أي فضل ~~موسى [وذهب] (3) بطلبه فلم يعلم مكانه، وأخطأ الطريق إلى ربه. وقيل: معناه ~~فتركه موسى هنا وخرج يطلبه. أي ترك موسى إلهه هنا. وروى إسرائيل عن سماك عن ~~عكرمة عن ابن عباس قال: أي فنسي موسى أن يذكر لكم أنه إلهه. # وقيل: الخطاب خبر عن السامري. أي ترك السامري ما أمره به موسى من الايمان ~~فضل، قاله ابن الأعرابي. فقال الله تعالى محتجا عليهم: " أفلا يرون " أي ~~يعتبرون ويتفكرون. # في (أن‍) - ه (لا يرجع إليهم قولا) أي لا يكلمهم. وقيل: لا يعود إلى ~~الخوار والصوت. # (ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا) فكيف يكون إلها؟! والذي يعبده موسى صلى الله ~~عليه وسلم يضر وينفع ويثيب ويعطى ms4082 ويمنع. و " أن لا يرجع " تقديره أنه لا ~~يرجع فلذلك ارتفع الفعل فخففت " أن " وحذف الضمير. وهو الاختيار في الرؤية ~~والعلم والظن. قال في فتية من سيوف الهند قد علموا * أن هالك كل من يحفى ~~وينتعل وقد يحذف (4) مع التشديد، قال: # فلو كنت ضبيا عرفت قرابتي * ولكن زنجي عظيم المشافر أي ولكنك. # قوله تعالى: ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم ~~الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري (90) قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع ~~إلينا موسى (91) قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا (92) ألا تتبعن ~~أفعصيت أمري (93) قوله تعالى: (ولقد قال لهم هارون من قبل) أي من قبل أن ~~يأتي موسى ويرجع إليهم (يا قوم إنما فتنتم به) أي ابتليتم وأضللتم به، أي ~~بالعجل. (وإن ربكم الرحمن) PageV11P236 # لا العجل. (فاتبعوني) في عبادته. (وأطيعوا أمري) لا أمر السامري. أو ~~فاتبعوني في مسيري إلى موسى ودعوا العجل. فعصوه و (قالوا لن نبرح عليه ~~عاكفين) أي لن نزال مقيمين على عبادة العجل (حتى يرجع إلينا موسى) فينظر هل ~~يعبده كما عبدناه، فتوهموا أن موسى يعبد العجل، فاعتزلهم هارون في أثنى عشر ~~ألفا، الذين (1) لم يعبدوا العجل فلما رجع موسى وسمع الصياح والجلبة وكانوا ~~يرقصون حول العجل قال للسبعين معه: هذا صوت الفتنة، فلما رأى هارون أخذ شعر ~~رأسه بيمينه ولحيته بشماله غضبا و (قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا) ~~أي أخطئوا الطريق وكفروا. (ألا تتبعن) " لا " زائدة أي أن تتبع أمري ~~ووصيتي. # وقيل: ما منعك عن اتباعي في الانكار عليهم. وقيل: معناه هلا قاتلتهم إذ ~~قد علمت أني لو كنت بينهم لقاتلتهم على كفرهم. وقيل: ما منعك من اللحوق بي ~~لما فتنوا. (أفعصيت أمري) يريد أن مقامك بينهم وقد عبدوا غير الله تعالى ~~عصيان منك لي، قاله ابن عباس. # وقيل: معناه هلا فارقتهم فتكون مفارقتك إياهم تقريعا لهم وزجرا. ومعنى: " ~~أفعصيت أمري " قيل: إن أمره ما حكاه الله تعالى عنه " وقال موسى لأخيه ~~هارون أخلفني في ms4083 قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين " (2) [الأعراف: 142]، ~~فلما أقام معهم ولم يبالغ في منعهم والانكار عليهم نسبه إلى عصيانه ومخالفة ~~أمره. # مسألة - وهذا كله أصل في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتغييره ~~ومفارقة أهله، وأن المقيم بينهم لا سيما إذا كان راضيا حكمه كحكمهم. وقد ~~مضى هذا المعنى في آل عمران والنساء والمائدة والانعام والأعراف والأنفال. ~~وسئل الإمام أبو بكر الطرطوشي رحمه الله: # ما يقول سيدنا الفقيه في مذهب الصوفية؟ وأعلم - حرس الله مدته - أنه ~~أجتمع جماعة من رجال، فيكثرون من ذكر الله تعالى، وذكر محمد صلى الله عليه ~~وسلم، ثم إنهم يوقعون بالقضيب على شئ من الأديم، ويقوم بعضهم يرقص ويتواجد ~~حتى يقع مغشيا عليه، ويحضرون شيئا يأكلونه. هل الحضور معهم جائز أم لا؟ ~~أفتونا مأجورين، [يرحمكم الله] (3) وهذا القول الذي يذكرونه # PageV11P237 # يا شيخ كف عن الذنوب * قبل التفرق والزلل واعمل لنفسك صالحا * ما دام ~~ينفعك العمل أما الشباب فقد مضى * ومشيب رأسك قد نزل وفي مثل هذا ونحوه ~~(1). الجواب: - يرحمك الله - مذهب الصوفية بطالة وجهالة وضلالة، وما ~~الاسلام إلا كتاب الله وسنة رسوله، وأما الرقص والتواجد فأول من أحدثه ~~أصحاب السامري، لما اتخذ لهم عجلا جسدا له خوار قاموا يرقصون حواليه ~~ويتواجدون، فهو دين الكفار وعباد العجل، وأما القضيب فأول من اتخذه ~~الزنادقة ليشغلوا به المسلمين عن كتاب الله تعالى، وإنما كان يجلس النبي ~~صلى الله عليه وسلم مع أصحابه كأنما على رؤوسهم الطير من الوقار، فينبغي ~~للسلطان ونوابه أن يمنعهم من الحضور في المساجد وغيرها، ولا يحل لاحد يؤمن ~~بالله واليوم الآخر أن يحضر معهم، ولا يعينهم على باطلهم، هذا مذهب مالك ~~وأبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم من أئمة المسلمين وبالله ~~التوفيق. # قوله تعالى: قال يبنؤم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت ~~بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي (94) قال فما خطبك يا سامري (95) قال بصرت ~~بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي ~~(96) قال فأذهب ms4084 فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس وإن لك موعدا لن تخلفه ~~وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا (97) ~~إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شئ علما (98) قوله تعالى: (يا ~~بن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي) ابن عباس: أخذ شعره بيمينه ولحيته بيساره، ~~لان الغيرة في الله ملكته، أي لا تفعل هذا فيتوهموا أنه منك استخفاف # PageV11P238 # أو عقوبة. وقد قيل: إن موسى عليه السلام إنما فعل هذا على غير استخفاف ~~ولا عقوبة كما يأخذ الانسان بلحية نفسه. وقد مضى هذا في (الأعراف) (1) ~~مستوفى. والله عز وجل أعلم بما أراد نبيه عليه السلام. (إني خشيت أن تقول ~~فرقت بين بيني إسرائيل) أي خشيت أن أخرج وأتركهم وقد أمرتني أن أخرج معهم ~~فلو خرجت لاتبعني قوم ويتخلف مع العجل قوم، وربما أدى الامر إلى سفك ~~الدماء، وخشيت إن زجرتهم أن يقع قتال فتلومني على ذلك. وهذا جواب هارون ~~لموسى السلام عن قوله " أفعصيت أمري " وفي الأعراف " إن القوم استضعفوني ~~وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء " (1) [الأعراف: 150] لأنك أمرتني أن ~~أكون معهم. وقد تقدم. ومعنى (ولم ترقب قولي) لم تعمل بوصيتي في حفظ [- هم، ~~لأنك أمرتني أن أكون معهم] (2)، قاله مقاتل. وقال أبو عبيدة: لم تنتظر عهدي ~~وقدومي. فتركه موسى ثم أقبل على السامري ف‍ (- قال فما خطبك يا سامري) أي، ~~ما أمرك وشأنك، وما الذي حملك على ما صنعت؟ قال قتادة: كان السامري عظيما ~~في بني إسرائيل من قبيلة يقال لها سامرة ولكن عدو الله نافق بعد ما قطع ~~البحر مع موسى، فلما مرت بنو إسرائيل بالعمالقة وهم يعكفون على أصنام لهم " ~~قالوا يا موسى أجعل لنا إلها كما لهم آلهة " (1) [الأعراف: 138] فاغتنمها ~~السامري وعلم أنهم يميلون إلى عبادة العجل فاتخذ العجل. ف‍ " - قال " ~~السامري مجيبا لموسى: " بصرت بما لم يبصروا به " يعني: رأيت ما لم يروا، ~~رأيت جبريل عليه السلام على فرس الحياة، فألقى في نفسي أن أقبض من ms4085 أثره ~~قبضة، فما ألقيته على شئ إلا صار له روح ولحم ودم فلما سألوك أن تجعل لهم ~~إلها زينت لي نفسي ذلك. وقال علي رضي الله عنه: لما نزل جبريل ليصعد بموسى ~~عليه السلام إلى السماء، أبصره السامري من بين الناس فقبض قبضة من أثر ~~الفرس. وقيل قال السامري: # رأيت جبريل على الفرس وهي تلقي خطوها مد البصر فألقي في نفسي أن أقبض من ~~أثرها فما ألقيته على شئ إلا صار له روح ودم. وقيل: رأى جبريل يوم نزل على ~~رمكة (3) وديق، فتقدم خيل فرعون في ورود البحر. ويقال: إن أم السامري جعلته ~~حين وضعته في غار خوفا # PageV11P239 # من أن يقتله فرعون، فجاءه جبريل عليه السلام، فجعل كف السامري في فم ~~السامري، فرضع العسل واللبن فاختلف إليه فعرفه من حينئذ. وقد تقدم هذا ~~المعنى في " الأعراف " (1). # ويقال: إن السامري سمع كلام موسى عليه السلام، حيث عمل تمثالين من شمع ~~أحدهما ثور والآخر فرس فألقاهما في النيل طلب قبر يوسف عليه السلام وكان في ~~تابوت من حجر في النيل فأتى به الثور على قرنه، فتكلم السامري بذلك الكلام ~~الذي سمعه من موسى، وألقى القبضة في جوف العجل فخار. وقرأ حمزة والكسائي ~~والأعمش وخلف: " بما لم تبصروا " بالتاء على الخطاب. الباقون بالياء على ~~الخبر. وقرأ أبي بن كعب وابن مسعود والحسن وقتادة " فقبصت قبصة " بصاد غير ~~معجمة. وروي عن الحسن ضم القاف من " قبصة " والصاد غير معجمة. الباقون: ~~(قبضت قبضة) بالضاد المعجمة. والفرق بينهما أن القبض بجميع الكف، والقبص ~~بأطراف الأصابع، ونحوهما الخضم والقضم، والقبضة بضم القاف القدر المقبوض، ~~ذكره المهدوي. ولم يذكر الجوهري " قبصة " بضم القاف والصاد غير معجمة، ~~وإنما ذكر " القبضة " بضم القاف والضاد المعجمة وهو ما قبضت عليه من شئ، ~~يقال: # أعطاه قبضة من سويق أو تمر أي كفا منه، وربما جاء بالفتح. قال: والقبض ~~بكسر القاف والصاد غير المعجمة العدد الكثير من الناس، قال الكميت: # لكم مسجدا الله المزوران والحصى * لكم قبصه من بين أثرى وأقترى (2) ~~(فنبذتها) أي ms4086 طرحتها في العجل. # (وكذلك سولت لي نفسي) أي زينته، قاله الأخفش. وقال ابن زيد: حدثتني نفسي. ~~والمعنى متقارب. # قوله تعالى: (قال فأذهب) أي قال له موسى فاذهب أي من بيننا (فإن لك في ~~الحياة أن تقول لا مساس) أي لا أمس ولا أمس طول الحياة. فنفاه موسى عن قومه ~~وأمر بني إسرائيل ألا يخالطوه ولا يقربوه ولا يكلموه عقوبة له. [والله ~~أعلم] (3) قال الشاعر: # تميم كرهط السامري وقوله * ألا لا يريد السامري مساسا # PageV11P240 # قال الحسن: جعل الله عقوبة السامري ألا يماس الناس ولا يماسوه عقوبة له ~~ولمن كان منه إلى يوم القيامة، وكأن الله عز وجل شدد عليه المحنة، بأن جعله ~~لا يماس أحدا ولا يمكن من أن يمسه أحد، وجعل ذلك عقوبة له في الدنيا. ~~ويقال: ابتلى بالوسواس وأصل الوسواس من ذلك الوقت. وقال قتادة: بقاياهم إلى ~~اليوم يقولون ذلك - لا مساس - وإن مس واحد من غيرهم أحدا منهم حم كلاهما في ~~الوقت. ويقال: إن موسى هم بقتل السامري، فقال الله تعالى له: لا تقتله فإنه ~~سخي. ويقال لما قال له موسى: " فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس " ~~خاف فهرب فجعل يهيم في البرية مع السباع والوحش، لا يجد أحدا من الناس يمسه ~~حتى صار كالقائل: لا مساس، لبعده عن الناس وبعد الناس عنه، كما قال الشاعر: # حمال رايات بها قناعسا * حتى تقول الأزد لا مسابسا (1) مسألة: هذه الآية ~~أصل في نفي أهل البدع والمعاصي وهجرانهم وألا يخالطوا، وقد فعل النبي صلى ~~الله عليه وسلم ذلك بكعب بن مالك والثلاثة (2) الذين خلفوا. ومن التجأ إلى ~~الحرم وعليه قتل لا يقتل عند بعض الفقهاء، ولكن لا يعامل ولا يبايع ولا ~~يشارى، وهو إرهاق إلى الخروج. # ومن هذا القبيل التغريب في حد الزنى، وقد تقدم جميع هذا كله في موضعه، ~~فلا معنى لإعادته. # والحمد لله وحده. وقال هارون القارئ: ولغة العرب لا مساس بكسر السين وفتح ~~الميم، وقد تكلم النحويون فيه، فقال سيبويه: هو مبني على الكسر كما ms4087 يقال ~~اضرب الرجل. وقال أبو إسحاق: لا مساس نفي وكسرت السين لان الكسرة من علامة ~~التأنيث، تقول: فعلت يا امرأة (3). قال النحاس وسمعت علي بن سليمان يقول ~~سمعت محمد بن يزيد يقول: إذا أعتل الشئ من ثلاث جهات وجب أن يبني، وإذا ~~أعتل من جهتين وجب ألا ينصرف، لأنه ليس بعد ترك الصرف إلا البناء، فمساس ~~ودراك اعتل من ثلاث جهات: منها أنه معدول، ومنها أنه مؤنث، وأنه معرفة، ~~فلما وجب البناء فيه وكانت الألف قبل السين ساكنة كسرت السين لالتقاء ~~الساكنين، كما تقول: اضرب الرجل. ورأيت أبا إسحاق # PageV11P241 # يذهب إلى أن هذا القول خطأ، وألزم أبا العباس إذا سمى أمرة بفرعون يبنيه، ~~وهذا لا يقوله أحد. وقال الجوهر في الصحاح: وأما قول العرب لا مساس مثال ~~قطام فإنما بني على الكسر لأنه معدول عن المصدر وهو المس. وقرأ أبو حياة " ~~لا مساس ". (وإن لك موعدا لن تخلفه) يعني يوم القيامة. والموعد مصدر، أي إن ~~لك وعدا لعذابك. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: " تخلفه " بكسر اللام وله ~~معنيان: أحدهما - ستأتيه ولن تجده مخلفا، كما تقول: أحمدته أي وجدته ~~محمودا. والثاني - على التهديد أي لا بد لك من أن تصير إليه. الباقون بفتح ~~اللام، بمعنى: إن الله لن يخلفك إياه. # قوله تعالى: (وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه) أي دمت وأقمت عليه. " عاكفا ~~" أي ملازما، وأصله ظللت، قال: (1) خلا أن العتاق من المطايا * أحسن به فهن ~~إليه شوس أي أحسسن. وكذلك قرأ الأعمش بلامين على الأصل. وفي قراءة ابن ~~مسعود: " ظلت " بكسر الظاء. يقال: ظللت أفعل كذا إذا فعلته نهارا وظلت ~~وظلت، فمن قال: ظلت حذف اللام الأولى تخفيفا، ومن قال: ظلت ألقى حركة اللام ~~على الظاء. (لنحرقنه) قراءة العامة بضم النون وشد الراء من حرق يحرق. وقرأ ~~الحسن وغيره: بضم النون وسكون الحاء وتخفيف الراء من أحرقه يحرقه. وقرأ علي ~~وابن عباس وأبو جعفر وابن محيصن وأشهب العقيلي " لنحرقنه " بفتح النون وضم ~~الراء خفيفة، من حرقت الشئ أحرقه حرقا بردته ms4088 وحككت بعضه ببعض، ومنه قولهم: ~~حرق نابه يحرقه ويحرقه أي سحقه حتى سمع له صريف، فمعنى هذه القراءة لنبردنه ~~بالمبارد، ويقال للمبرد المحرق. والقراءتان الأوليان معناهما الحرق بالنار. ~~وقد يمكن جمع ذلك فيه، قال السدي: ذبح العجل فسال منه كما يسيل من العجل ~~إذا ذبح، ثم برد عظامه بالمبرد وحرقه. وفي حرف ابن مسعود: " لنذبحنه ثم ~~لنحرقنه " واللحم والدم إذا أحرقا # PageV11P242 # صارا رمادا فيمكن تذريته في اليم فأما الذهب فلا يصير رمادا وقيل: عرف ~~موسى ما صير به الذهب رمادا، وكان ذلك من آياته. ومعنى " لننسفنه " ~~لنطيرنه. وقرأ أبو رجاء " لننسفنه " بضم السين لغتان، والنسف نفض الشئ ~~ليذهب به الريح وهو التذرية، والمنسف ما ينسف به الطعام، وهو شئ متصوب (1) ~~الصدر أعلاه مرتفع، والنسافة ما يسقط منه، يقال: # اعزل النسافة وكل الخالص. ويقال: أتانا فلان كأن لحيته منسف، حكاه أبو ~~نصر أحمد بن حاتم. والمنسفة آلة يقلع بها البناء، ونسفت البناء نسفا قلعته، ~~ونسفت البعير الكلأ ينسفه بالكسر إذا اقتلعه بأصله، وانتسفت الشئ اقتلعته، ~~عن أبي زيد. # قوله تعالى: (إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شئ علما) لا ~~العجل، أي وسع كل شئ علمه، يفعل الفعل عن العلم، ونصب على التفسير. وقرأ ~~مجاهد وقتادة " وسع كل شئ علما ". # قوله تعالى: كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق وقد آتيناك من لدنا ذكرا ~~(99) من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا (100) خالدين فيه وساء لهم ~~يوم القيامة حملا (101) يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا (102) ~~يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا (301) نحن أعلم بما يقولون إذ يقول ~~أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما (104) قوله تعالى: (كذلك) الكاف في موضع ~~نصب نعت لمصدر محذوف. أي كما قصصنا عليك خبر موسى " كذلك نقص عليك " قصصا ~~كذلك من أخبار ما قد سبق، ليكون تسلية لك، وليدل على صدقك. (وقد آتيناك من ~~لدنا ذكرا) يعني القرآن. وسمي القرآن ذكرا، لما فيه من الذكر كما سمي ~~الرسول ذكرا، لان الذكر ms4089 كان ينزل عليه. وقيل: " آتيناك من لدنا ذكرا " أي ~~شرفا، كما قال تعالى " وإنه لذكر لك " (2) [الزخرف: 44] أي شرف وتنويه ~~باسمك. # PageV11P243 # قوله تعالى: (من أعرض عنه) أي القرآن فلم يؤمن به، ولم يعمل بما فيه ~~(فإنه يحمل يوم القيامة وزرا) أي إثما عظيما وحملا ثقيلا. (خالدين فيه) ~~يريد مقيمين فيه، أي في جزائه وجزاؤه جهنم. (وساء لهم يوم القيامة حملا) ~~يريد بئس الحمل حملوه يوم القيامة. وقرأ داود ابن رفيع: " فإنه يحمل ". # قوله تعالى: (يوم ينفخ في الصور) قراءة العامة " ينفخ " بضم الياء على ~~الفعل المجهول. # وقرأ أبو عمرو وابن أبي إسحاق بنون مسمى الفاعل. واستدل أبو عمرو بقوله ~~تعالى: " ونحشر بنون. وعن ابن هرمز " ينفخ " بفتح الياء أي ينفخ إسرافيل. ~~أبو عياض: " في الصور ". # الباقون: " في الصور " وقد تقدم هذا في (الانعام) (1) مستوفى وفي كتاب ~~(التذكرة). وقرأ طلحة بن مصرف " ويحشر " بضم الياء " المجرمون " رفعا بخلاف ~~المصحف. والباقون " ونحشر المجرمين " أي المشركين. (زرقا) حال من المجرمين، ~~والزرق خلاف الكحل. # والعرب تتشاءم بزرق العيون وتذمه، أي تشوه خلقتهم بزرقة عيونهم وسواد ~~وجوههم. # وقال الكلبي والفراء: " زرقا " أي عميا. وقال الأزهري: [أي] (2) عطاشا قد ~~ازرقت أعينهم من شدة العطش، وقاله الزجاج، قال: لان سواد العين يتغير ويزرق ~~من العطش. وقيل: # إنه الطمع الكاذب إذا تعقبته الخيبة، يقال: ابيضت عيني لطول انتظاري ~~لكذا. وقول خامس: إن المراد بالزرقة شخوص البصر من شدة الخوف، قال الشاعر: # لقد زرقت عيناك يا بن مكعبر * كما كل ضبي من اللؤم أزرق يقال: رجل أزرق ~~العين، والمرأة زرقاء بينة الزرق. والاسم الزرقة. وقد زرقت عينه بالكسر ~~وازرقت عينه ازرقاقا، وازراقت عينه ازريقاقا. وقال سعيد بن جبير: قيل لابن ~~عباس في قوله: " ونحشر المجرمين يومئذ زرقا " وقال في موضع آخر: " ونحشرهم ~~يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما " (3) [الاسراء: 97] فقال: إن ليوم ~~القيامة حالات، فحالة يكونون فيها زرقا، وحالة عميا. # (يتخافتون بينهم) أصل الخفت في اللغة السكون، ثم قيل لمن خفض صوته خفته. ~~[والمعنى] (4) # PageV11P244 # يتسارون، قاله مجاهد، أي ms4090 يقول بعضهم لبعض في الموقف سرا (إن لبثتم) أي ما ~~لبثتم يعني في الدنيا، وقيل: في القبور (إلا عشرا) يريد عشر ليال. وقيل: ~~أراد ما بين النفختين وهو أربعون سنة، يرفع العذاب في تلك المدة عن الكفار. ~~- في قول ابن عباس - فيستقصرون تلك المدة. أو مدة مقامهم في الدنيا لشدة ما ~~يرون من أهوال يوم القيامة، ويخيل إلى أمثلهم أي أعدلهم قولا وأعقلهم ~~وأعلمهم عند نفسه أنهم ما لبثوا إلا يوما واحدا يعني لبثهم في الدنيا، عن ~~قتادة، فالتقدير: إلا مثل يوم. وقيل: إنهم من شدة هول المطلع نسوا ما كانوا ~~فيه من نعيم الدنيا رأوه كيوم. وقيل: أراد بيوم لبثهم ما بين النفختين، أو ~~لبثهم في القبور على ما تقدم. " وعشرا " و " يوما " منصوبان ب‍ " - لبثتم ~~". # قوله تعالى: ويسئلونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا (105) فيذرها قاعا ~~صفصفا (106) لا ترى فيها عوجا ولا أمتا (107) يومئذ يتبعون الداعي لا عوج ~~له وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا (108) يومئذ لا تنفع الشفاعة ~~إلا من أذن له الرحمن ورضى له قولا (109) يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا ~~يحيطون به علما (110) قوله تعالى: (ويسألونك عن الجبال) أي عن حال الجبال ~~يوم القيامة. (فقل) [فقد] (1) جاء هذا بفاء وكل سؤال في القرآن " قل " بغير ~~فاء إلا هذا، لان المعنى إن سألوك عن الجبال فقل، فتضمن الكلام معنى الشرط. ~~وقد علم الله أنهم يسئلونه عنها، فأجابهم قبل السؤال، وتلك أسئلة تقدمت ~~سألوا عنها النبي صلى الله عليه وسلم فجاء الجواب عقب السؤال، فلذلك كان ~~بغير فاء، وهذا سؤال لم يسألوه عنه بعد، فتفهمه. (ينسفها) يطيرها. " نسفا " ~~قال ابن الأعرابي وغيره: يقلعها قلعا من أصولها ثم يصيرها رملا يسيل سيلا، ~~ثم يصيرها كالصوف المنفوش تطيرها الرياح هكذا وهكذا. قال: ولا يكون العهن ~~من الصوف إلا المصبوغ، ثم كالهباء المنثور. (فيذرها) أي يذر مواضعها (قاعا ~~صفصفا) القاع الأرض الملساء # PageV11P245 # بلا نبات ولا بناء (1)، قاله ابن الأعرابي. وقال الجوهري: والقاع المستوي ~~من الأرض والجمع أقوع وأقواع ms4091 وقيعان صارت الواو ياء لكسر ما قبلها. وقال ~~الفراء: القاع مستنقع الماء والصفصف القرعاء. الكلبي: هو الذي لا نبات فيه. ~~وقيل: المستوى من الأرض كأنه على صف واحد في استوائه، قاله مجاهد. والمعنى ~~واحد في القاع والصفصف، فالقاع الموضع المنكشف، والصفصف المستوى الأملس. ~~وأنشد سيبويه (2): # وكم دون بيتك من صفصف * ودكداك رمل وأعقادها و " قاعا " نصب على الحال ~~والصفصف. (لا ترى) في موضع الصفة. (فيها عوجا) قال ابن الأعرابي: العوج ~~التعوج في الفجاج. والأمت النبك. وقال أبو عمرو: الأمت النباك وهي التلال ~~الصغار واحدها نبك، أي هي أرض مستوية لا انخفاض فيها ولا ارتفاع. # تقول: امتلأ فما به أمت، وملأت القربة ملئا لا أمت فيه، أي لا استرخاء ~~فيه. والأمت في اللغة المكان المرتفع. وقال ابن عباس: " عوجا " ميلا. قال: ~~والأمت الأثر مثل الشراك. وعنه أيضا " عوجا " واديا " ولا أمتا " رابية. ~~وعنه أيضا: العوج [الانخفاض] (3) والأمت الارتفاع وقال قتادة: " عوجا " ~~صدعا. (ولا أمتا) أي أكمة. وقال يمان: الأمت الشقوق في الأرض. # وقيل: الأمت أن يغلظ مكان في الفضاء أو الجبل ويدق في مكان، حكاه الصولي. # قلت: وهذه الآية تدخل في باب الرقي، ترقى بها الثآليل وهي التي تسمى ~~عندنا " بالبراريق " واحدها " بروقة "، تطلع في الجسد وخاصة في اليد: تأخذ ~~ثلاث أعواد من تبن الشعير، يكون في طرف كل عود عقدة، تمر كل عقدة على ~~الثآليل وتقرأ الآية مرة، ثم تدفن الأعواد في مكان ندي، تعفن وتعفن الثآليل ~~فلا يبقى لها أثر، جربت ذلك في نفسي وفي غيري فوجدته نافعا إن شاء الله ~~تعالى. # (4) قوله تعالى: (يومئذ يتبعون الداعي) يريد إسرافيل عليه السلام إذا نفخ ~~في الصور (لا عوج له) أي لا معدل لهم عنه، أي عن دعائه لا يزيغون ولا ~~ينحرفون بل يسرعون إليه ولا يحيدون # PageV11P246 # عنه. وعلى هذا أكثر العلماء. وقيل: " لا عوج له " أي لدعائه. وقيل: ~~يتبعون الداعي اتباعا لا عوج له، فالمصدر مضمر، والمعنى: يتبعون صوت الداعي ~~للمحشر، نظيره: # " واستمع يوم يناد المنادي من مكان قريب " (1) [ق: ms4092 41] الآية. وسيأتي. ~~(وخشعت الأصوات) أي ذلت وسكنت، عن ابن عباس قال: لما أتى خبر الزبير تواضعت ~~سور المدينة والجبال الخشع، فكل لسان ساكت هناك للهيبة. (للرحمن) أي من ~~أجله. (فلا تسمع إلا همسا) الهمس الصوت الخفي، قاله مجاهد. عن ابن عباس: ~~الحس الخفي. الحسن وابن جريج: # هو صوت وقع الاقدام بعضها على بعض إلى المحشر، ومنه قول الراجز: # * وهن يمشين بنا هميسا * يعني صوت أخفاف الإبل في سيرها. ويقال للأسد ~~الهموس، لأنه يهمس في الظلمة، أي يطأ وطئا خفيا. قال رؤبة يصف نفسه بالشدة: # ليث يدق الأسد الهموسا * والأقهبين (2) الفيل والجاموسا وهمس الطعام، أي ~~مضغه وفوه منضم، قال الراجز: # لقد رأيت عجبا مذ أمسا * عجائزا مثل السعالي خمسا * يأكلن ما أصنع همسا ~~همسا وقيل: الهمس تحريك الشفة واللسان. وقرأ أبي بن كعب: " فلا ينطقون إلا ~~همسا ". # والمعنى متقارب، أي لا يسمع لهم نطق ولا كلام ولا صوت أقدام. وبناء " ه‍ ~~م س " أصله الخفاء كيفما تصرف، ومنه الحروف المهموسة، وهي عشرة يجمعها ~~قولك: " حثه شخص فسكت " وإنما سمي الحرف مهموسا لأنه ضعف الاعتماد من موضعه ~~حتى جرى معه النفس. # قوله تعالى: (يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن) " من " في ~~موضع نصب على الاستثناء الخارج من الأول، أي لا تنفع الشفاعة أحدا إلا ~~شفاعة من أذن له الرحمن. # (ورضى له قولا) أي رضي قوله في الشفاعة. وقيل: المعنى، أي إنما تنفع ~~الشفاعة لمن أذن له الرحمن في أن يشفع له، وكان له قول يرضى. قال ابن عباس: ~~هو قول لا إله إلا الله. # PageV11P247 # قوله تعالى: (يعلم ما بين أيديهم) أي من أمر الساعة. (وما خلفهم) من أمر ~~الدنيا قاله قتادة. وقيل: يعلم ما يصيرون إليه من ثواب أو عقاب " وما خلفهم ~~" ما خلفوه وراءهم في الدنيا. ثم قيل: الآية عامة في جميع الخلق. وقيل: ~~المراد الذين يتبعون الداعي. # والحمد لله. # قوله تعالى: (ولا يحيطون به علما) الهاء في " به " لله تعالى، أي أحد لا ~~يحيط به علما، إذ ms4093 الإحاطة مشعرة بالحد ويتعالى الله عن التحديد. وقيل: تعود ~~على العلم، أي أحد لا يحيط علما بما يعلمه الله. وقال الطبري: الضمير في " ~~أيديهم " و " خلفهم " و " يحيطون " يعود على الملائكة، أعلم الله من يعبدها ~~أنها لا تعلم ما بين أيديها وما خلفها. # قوله تعالى: وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما (111) ومن يعمل ~~من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما (112) قوله تعالى: (وعنت ~~الوجوه) أي ذلت وخضعت، قاله ابن الأعرابي وغيره. ومنه قيل للأسير عان. قال ~~أمية بن أبي الصلت: # مليك على عرش السماء مهيمن * لعزته تعنو الوجوه وتسجد وقال أيضا وعنا له ~~وجهي وخلقي كله * في الساجدين لوجهه مشكورا قال الجوهري: عنا يعنو خضع وذل ~~وأعناه غيره، ومنه قوله تعالى: " وعنت الوجوه للحي القيوم ". ويقال أيضا: ~~عنا فيهم فلان أسيرا، أي قام فيهم على إساره واحتبس. وعناه غيره تعنية ~~حبسه. والعاني الأسير. وقوم عناة ونسوة عوان. وعنت أمور نزلت. وقال ابن ~~عباس: " عنت " ذلت. وقال مجاهد: خشعت. الماوردي: والفرق بين الذل والخشوع ~~(1) - وإن تقارب معناهما - أن الذل أن يكون ذليل النفس، والخشوع (1) أن ~~يتذلل لذي طاعة. وقال الكلبي " عنت " أي علمت. عطية العوفي: استسلمت. وقال ~~طلق # PageV11P248 # ابن حبيب: إنه وضع الجبهة والأنف على الأرض في السجود. النحاس: " وعنت ~~الوجوه " في معناه قولان: أحدهما: أن هذا في الآخرة. وروى عكرمة عن ابن ~~عباس " وعنت الوجوه للحي القيوم " قال: الركوع والسجود، ومعنى " عنت " في ~~اللغة القهر والغلبة، ومنه فتحت البلاد عنوة أي غلبة، قال الشاعر (1): # فما أخذوها عنوة عن مودة * ولكن ضرب المشرفي استقالها وقيل: هو من العناء ~~بمعنى التعب، وكنى عن الناس بالوجوه، لان أثار الذل إنما تتبين في الوجه. ~~(للحي القيوم) وفي القيوم ثلاث تأويلات، أحدها: أنه القائم بتدبير الخلق. # الثاني - أنه القائم على كل نفس بما كسبت. الثالث - أنه الدائم الذي لا ~~يزول ولا يبيد. # وقد مضى في (البقرة) (2) هذا. (وقد خاب من حمل ظلما) أي خسر من حمل شركا. # قوله تعالى: (ومن ms4094 يعمل من الصالحات وهو مؤمن) لان العمل لا يقبل من غير ~~إيمان. # و " من " في قوله " من الصالحات " للتبعيض، أي شيئا من الصالحات. وقيل: ~~للجنس. # (فلا يخاف) قرأ ابن كثير ومجاهد وابن محيصن: " يخف " بالجزم جوابا لقوله: ~~" ومن يعمل ". الباقون " يخاف " رفعا على الخبر، أي فهو لا يخاف، أو فإنه ~~لا يخاف. (ظلما) أي نقصا لثواب طاعته، ولا زيادة عليه في سيئاته. (ولا ~~هضما) بالانتقاص من حقه. # والهضم النقص والكسر، يقال: هضمت ذلك من حقي أي حططته وتركته. وهذا يهضم ~~الطعام أي ينقص ثقله. وامرأة هضيم الكشح ضامرة البطن. الماوردي: والفرق بين ~~الظلم والهضم أن الظلم المنع من الحق كله، والهضم المنع من بعضه، والهضم ~~ظلم وإن افترقا من وجه، قال المتوكل الليثي: # إن الأذلة واللئام لمعشر * مولاهم المتهضم المظلوم قال الجوهري: ورجل ~~هضيم ومهتضم أي مظلوم. وتهضمه أي ظلمه واهتضمه إذا ظلمه وكسر عليه حقه. # PageV11P249 # قوله تعالى: وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون ~~أو يحدث لهم ذكرا (113) فتعالى الله الملك الحق ولا تعجل بالقرآن من قبل أن ~~يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما (114) قوله تعالى: (وكذلك) أي كما بينا لك ~~في هذه السورة من البيان ف‍ (- كذلك جعلناه قرآنا عربيا) أي بلغة العرب. ~~(وصرفنا فيه من الوعيد) أي بينا ما فيه من التخويف والتهديد والثواب ~~والعقاب. (لعلهم يتقون) أي يخافون الله فيجتنبون معاصيه، ويحذرون عقابه. ~~(أو يحدث لهم ذكرا) أي موعظة. وقال قتادة: حذرا وورعا. وقيل: شرفا، فالذكر ~~هاهنا بمعنى الشرف، كقوله: " وإنه لذكر لك ولقومك " (1) [الزخرف 44]. وقيل: ~~أي ليتذكروا العذاب الذي توعدوا به. وقرأ الحسن: " أو نحدث " بالنون، وروي ~~عنه رفع الثاء وجزمها. # قوله تعالى: (فتعالى الله الملك الحق) لما عرف العباد عظيم نعمه، وإنزال ~~القرآن نزه نفسه عن الأولاد والأنداد فقال: " فتعالى الله " أي جل الله ~~(الملك الحق)، أي ذو الحق. # (ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه) علم نبيه كيف يتلقى القرآن. ~~قال ابن عباس: # كان عليه السلام يبادر ms4095 جبريل فيقرأ قبل أن يفرغ جبريل من الوحي حرصا على ~~الحفظ، وشفقة على القرآن مخافة النسيان، فنهاه الله عن ذلك وأنزل: " ولا ~~تعجل بالقرآن ". وهذا كقوله تعالى: " لا تحرك به لسانك لتعجل به " (2) ~~[القيامة: 16] على ما يأتي. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: لا تتله قبل ~~أن تتبينه. وقيل: " ولا تعجل " أي لا تسل إنزاله " من قبل أن يقضى إليك " ~~أي يأتيك " وحيه ". وقيل: المعنى لا تلقه إلى الناس قبل أن يأتيك بيان ~~تأويله. وقال الحسن: # نزلت في رجل لطم وجه امرأته، فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم تطلب ~~القصاص، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم لها القصاص فنزل " الرجال قوامون ~~على النساء " (3) [النساء 34] ولهذا قال: # " وقل رب زدني علما " أي فهما، لأنه عليه السلام حكم بالقصاص وأبى الله ~~ذلك. وقرأ ابن مسعود وغيره: " من قبل أن نقضي " بالنون وكسر الضاد " وحيه " ~~بالنصب. # PageV11P250 # قوله تعالى: ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما (115) قوله ~~تعالى: (ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي) قرأ الأعمش باختلاف عنه " فنسي " ~~بإسكان الياء وله معنيان: أحدهما - ترك، أي ترك الامر والعهد، وهذا قول ~~مجاهد وأكثر المفسرين ومنه " نسوا الله فنسيهم " (1) [التوبة 67]. و ~~[وثانيهما] (2) قال ابن عباس: " نسي " هنا من السهو والنسيان، وإنما أخذ ~~الانسان من أنه عهد إليه فنسي. قال ابن زيد: نسى ما عهد الله إليه في ذلك، ~~ولو كان له عزم ما أطاع عدوه إبليس. وعلى هذا القول يحتمل أن يكون آدم عليه ~~السلام في ذلك الوقت مأخوذا بالنسيان، وأن كان النسيان عنا اليوم مرفوعا. # ومعنى " من قبل " أي من قبل أن يأكل من الشجرة، لأنه نهى عنها. والمراد ~~تسلية النبي صلى الله عليه وسلم، أي طاعة بني آدم الشيطان أمر قديم، أي إن ~~نقض هؤلاء العهد فإن آدم أيضا عهدنا إليه فنسي: حكاه القشيري وكذلك الطبري. ~~أي وإن يعرض يا محمد هؤلاء الكفرة عن آياتي، ويخالفوا رسلي، ويطيعوا إبليس ~~فقدما فعل ذلك أبوهم آدم. قال ابن ms4096 عطية: وهذا التأويل ضعيف، وذلك كون آدم ~~مثالا للكفار الجاحدين بالله ليس بشئ وآدم إنما عصى بتأويل، ففي هذا غضاضة ~~عليه صلى الله عليه وسلم، وإنما الظاهر في الآية إما أن يكون ابتداء قصص لا ~~تعلق له بما قبله، وإما أن يجعل تعلقه أنه لما عهد إلى محمد صلى الله عليه ~~وسلم ألا يعجل بالقرآن، مثل له بنبي قبله عهد إليه فنسي فعوقب، ليكون أشد ~~في التحذير، وأبلغ في العهد إلى محمد صلى الله عليه وسلم، والعهد ها هنا في ~~معنى الوصية، " ونسي " معناه ترك، ونسيان الذهول لا يمكن هنا، لأنه لا ~~يتعلق بالناسي عقاب. والعزم المضي على المعتقد في أي شئ كان، وآدم عليه ~~السلام قد كان يعتقد ألا يأكل من الشجرة لكن لما وسوس إليه إبليس لم يعزم ~~على معتقده. والشئ الذي عهد إلى آدم هو ألا يأكل من الشجرة، وأعلم مع ذلك ~~أن إبليس عدو له. واختلف في معنى قوله: (ولم نجد له عزما) فقال ابن عباس ~~وقتادة: لم نجد له صبرا عن أكل الشجرة، ومواظبة على التزام الامر. قال # PageV11P251 # النحاس: وكذلك هو في اللغة، يقال: لفلان عزم أي صبر وثبات على التحفظ من ~~المعاصي حتى يسلم منها، ومنه. " فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل " (1) ~~[الأحقاف: 35]. وعن ابن عباس أيضا وعطية العوفي: حفظا لما أمر به، أي لم ~~يتحفظ مما نهيته حتى نسي وذهب عن علم ذلك بترك الاستدلال، وذلك أن إبليس ~~قال له: إن أكلتها خلدت في الجنة يعني عين تلك الشجرة، فلم يطعه فدعاه إلى ~~نظير تلك الشجرة مما دخل في عموم النهي وكان يجب أن يستدل عليه فلم يفعل، ~~وظن أنها لم تدخل في النهي فأكلها تأويلا، ولا يكون ناسيا للشئ من يعلم أنه ~~معصية. وقال ابن زيد: " عزما " محافظة على أمر الله. وقال الضحاك: عزيمة ~~أمر. # ابن كيسان: إصرارا ولا إضمارا للعود إلى الذنب. قال القشيري: والأول أقرب ~~إلى تأويل الكلام، ولهذا قال قوم: آدم لم يكن من أولي العزم من الرسل، ms4097 لان ~~الله تعالى قال: # " ولم نجد له عزما ". وقال المعظم: كان الرسل أولو العزم، وفي الخبر: " ~~ما من نبي إلا وقد أخطأ أو هم بخطيئة ما خلا يحيى بن زكريا " فلو خرج آدم ~~بسبب خطيئته من جملة أولى العزم لخرج جميع الأنبياء سوى يحيى. وقد قال أبو ~~أمامة: أن أحلام بني آدم جمعت منذ خلق الله الخلق إلى يوم القيامة، ووضعت ~~في كفة ميزان، ووضع حلم آدم في كفة أخرى لرجحهم، وقد قال الله تبارك ~~وتعالى: " ولم نجد له عزما " قوله تعالى: وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لادم ~~فسجدوا إلا إبليس أبى (116) فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا ~~يخرجنكما من الجنة فتشقى (117) إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى (118) وأنك لا ~~تظمؤا فيها ولا تضحى (119) قوله تعالى: (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ~~فسجدوا إلا إبليس أبى) تقدم في (البقرة) (2) مستوفى. (فقلنا يا آدم إن هذا ~~عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما) نهي، ومجازه # PageV11P252 # لا تقبلا منه فيكون ذلك سببا لخروجكما " من الجنة " " فتشقى " يعني أنت ~~وزوجك لأنهما في استواء العلة واحد، ولم يقل: فتشقيا لان المعنى معروف، ~~وآدم عليه السلام هو المخاطب، وهو المقصود. وأيضا لما كان الكاد عليها ~~والكاسب لها كان بالشقاء أخص. # وقيل: الا خرج واقع عليهما والشقاوة على آدم وحده، وهو شقاوة البدن، ألا ~~ترى أنه عقبه بقوله: " إن لك ألا تجوع فيها ولا تعري " أي في الجنة " وأنك ~~لا تظمأ فيها ولا تضحى " فأعلمه أن له في الجنة هذا كله: الكسوة والطعام ~~والشراب والمسكن، وأنك إن ضيعت الوصية، وأطعت العدو أخرجكما من الجنة فشقيت ~~تعبا ونصبا، أي جعت وعريت وظمئت وأصابتك الشمس، لأنك ترد إلى الأرض إذا ~~أخرجت من الجنة. وإنما خصه بذكر الشقاء ولم يقل فتشقيان: يعلمنا أن نفقة ~~الزوجة على الزوج، فمن يومئذ جرت نفقة النساء على الأزواج، فلما كانت نفقة ~~حواء على آدم كذلك نفقات بناتها على بني آدم بحق الزوجية. وأعلمنا في هذه ~~الآية أن النفقة التي تجب للمرأة على زوجها ms4098 هذه الأربعة: الطعام والشراب ~~والكسوة والمسكن، فإذا أعطاها هذه الأربعة فقد خرج إليها من نفقتها، فإن ~~تفضل بعد ذلك فهو مأجور، فأما هذه الأربعة فلا بد لها منها، لان بها إقامة ~~المهجة. قال الحسن المراد بقوله: # " فتشقى " شقاء الدنيا، لا يرى ابن آدم إلا ناصبا. وقال الفراء: هو أن ~~يأكل من كد يديه. # وقال سعيد بن جبير: أهبط إلى آدم ثور أحمر فكان يحرث عليه، ويمسح العرق ~~عن جبينه، فهو شقاؤه الذي قال الله تبارك وتعالى. وقيل: لما أهبط من الجنة ~~كان من أول شقائه أن جبريل أنزل عليه حبات من الجنة، فقال: يا آدم ازرع ~~هذا، فحرث وزرع، ثم حصد ثم درس ثم نقى ثم طحن ثم عجن ثم خبز، ثم جلس ليأكل ~~بعد التعب، فتدحرج رغيفه من يده حتى صار أسفل الجبل، وجرى وراءه آدم حتى ~~تعب وقد عرق جبينه، قال: يا آدم فكذلك رزقك بالتعب والشقاء، ورزق ولدك من ~~بعدك ما كنت في الدنيا. # قوله تعالى: (إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى. وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى) ~~فيه مسئلتان: PageV11P253 # الأولى - قوله تعالى: (إن لك ألا تجوع فيه) أي في الجنة (ولا تعرى). # " وأنك لا تظمأ فيها " أي لا تعطش. والظمأ العطش. " ولا تضحى " أي تبرز ~~للشمس فتجد حرها. إذ ليس في الجنة شمس، إنما هو ظل ممدود، كما بين طلوع ~~الفجر إلى طلوع الشمس. قال أبو العالية: نهار الجنة هكذا: وأشار إلى ساعة ~~المصلين صلاة الفجر. # قال أبو زيد: ضحا الطريق يضحو ضحوا إذا بدا لك وظهر. وضحيت وضحيت " ~~بالكسر " ضحا عرقت. وضحيت أيضا للشمس ضحاء ممدود برزت وضحيت " بالفتح " ~~مثله، والمستقبل أضحى في اللغتين جميعا، قال عمر بن أبي ربيعة: # رأت رجلا أيما إذا الشمس عارضت * فيضحى وأما بالعشي فيخصر وفي الحديث أن ~~ابن عمر رأى رجلا محرما قد استظل، فقال: أضح لمن أحرمت له. هكذا يرويه ~~المحدثون بفتح الألف وكسر الحاء من أضحيت. وقال الأصمعي: إنما هو اضح لمن ~~أحرمت له، بكسر الألف ms4099 وفتح الحاء من ضحيت أضحى، لأنه أمره بالبروز للشمس، ~~ومنه قوله تعالى: " وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى " وأنشد: # ضحيت له كي أستظل بظله * إذا الظل أضحى في القيامة قالصا وقرأ أبو عمرو ~~والكوفيون إلا عاصما في رواية أبو بكر عنه " وأنك " بفتح الهمزة عطفا على " ~~ألا تجوع ". ويجوز أن يكون في موضع رفع عطفا على الموضع، والمعنى: ولك أنك ~~لا تظمأ فيها. الباقون بالكسر على الاستئناف، أو على العطف على " إن لك " ~~(1). # قوله تعالى: فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك ~~لا يبلى (120) فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق ~~الجنة وعصى آدم ربه فغوى (121) ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى (122) # PageV11P254 # قوله تعالى: (فوسوس إليه الشيطان) تقدم في (الأعراف) (1). (قال) يعني ~~الشيطان: (يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى) وهذا يدل على ~~المشافهة، وأنه دخل الجنة في جوف الحية على ما تقدم في (البقرة) (2) بيانه، ~~وتقدم هناك تعيين الشجرة، وما للعلماء فيها فلا معنى للإعادة. (فأكلا منها ~~فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة) تقدم في (الأعراف) ~~(1) مستوفى. وقال الفراء: " وطفقا " في العربية أقبلا، قال وقيل: جعل ~~يلصقان عليهما ورق التين. # قوله تعالى: (وعصى آدم ربه فغوى) فيه ست مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (وعصى) تقدم في (البقرة) (2) القول في ذنوب ~~الأنبياء. # وقال بعض المتأخرين من علمائنا والذي ينبغي أن يقال: إن الله تعالى قد ~~أخبر بوقوع ذنوب من بعضهم، ونسبها إليهم، وعاتبهم عليها، وأخبروا بذلك عن ~~نفوسهم وتنصلوا منها، واستغفروا منها وتابوا، وكل ذلك ورد في مواضع كثيرة ~~لا يقبل التأويل جملتها، وإن قبل ذلك آحادها، وكل ذلك مما لا يزرى ~~بمناصبهم، وإنما تلك الأمور التي وقعت منهم على جهة الندور، وعلى جهة الخطأ ~~والنسيان، أو تأويل دعا إلى ذلك، فهي بالنسبة إلى غيرهم حسنات، وفى حقهم ~~سيئات بالنسبة إلى مناصبهم، وعلو أقدارهم، إذ قد يؤاخذ الوزير بما يثاب ~~عليه السائس، فأشفقوا من ذلك في موقف ms4100 القيامة، مع علمهم بالأمن والأمان ~~والسلامة. قال: # وهذا هو الحق. ولقد أحسن الجنيد حيث قال: حسنات الأبرار سيئات المقربين، ~~فهم صلوات الله وسلامه عليهم - وإن كانوا قد شهدت النصوص بوقوع ذنوب منهم، ~~فلم يخل ذلك بمناصبهم، ولا قدح في رتبتهم (3)، بل قد تلافاهم، واجتباهم ~~وهداهم، ومدحهم وزكاهم واختارهم واصطفاهم، صلوات الله عليه وسلامه. # الثانية - قال القاضي أبو بكر بن العربي: لا يجوز لاحد منا اليوم أن يخبر ~~بذلك عن آدم إلا إذا ذكرناه في أثناء قوله تعالى عنه، أو قول نبيه، فأما أن ~~يبتدئ ذلك من قبل # PageV11P255 # نفسه فليس بجائز لنا في آبائنا الأدنين إلينا، المماثلين لنا، فكيف في ~~أبينا الأقدم الأعظم الأكرم النبي المقدم، الذي عذره الله سبحانه وتعالى ~~وتاب عليه وغفر له. # قلت: وإذا كان هذا في المخلوق لا يجوز، فالاخبار عن صفات الله عز وجل ~~كاليد والرجل والإصبع والجنب والنزول إلى غير ذلك أولى بالمنع، وأنه لا ~~يجوز الابتداء بشئ من ذلك إلا في أثناء قراءة كتابه أو سنة رسوله، ولهذا ~~قال الامام مالك بن أنس رضي الله عنه: من وصف شيئا من ذات الله عز وجل مثل ~~قوله: " وقالت اليهود يد الله مغلولة " (1) [المائدة 64] فأشار بيده إلى ~~عنقه قطعت يده، وكذلك في السمع والبصر يقطع ذلك منه، لأنه شبه الله تعالى ~~بنفسه. # الثالثة - روى الأئمة واللفظ [المسلم] (2) عن أبي هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: " احتج آدم وموسى فقال موسى يا آدم أنت أبونا خيبتنا ~~وأخرجتنا من الجنة فقال [له] (3) آدم يا موسى اصطفاك الله عز وجل بكلامه ~~وخط لك بيده يا موسى: أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين ~~سنة فحج آدم موسى ثلاثا " (4) قال المهلب قوله: " فحج آدم موسى " أي غلبه ~~بالحجة. قال الليث بن سعد: إنما صحت الحجة في هذه القصة لآدم على موسى ~~عليهما السلام من أجل أن الله تعالى قد غفر لآدم خطيئته وتاب عليه، فلم يكن ~~لموسى أن يعيره بخطيئة قد غفرها الله تعالى له، ms4101 ولذلك قال آدم: أنت موسى ~~الذي آتاك الله التوراة، وفيها علم كل شئ، فوجدت فيها أن الله قد قدر علي ~~المعصية، وقدر على التوبة منها، وأسقط بذلك اللوم عني أفتلومني أنت والله ~~لا يلومني وبمثل هذا احتج ابن عمر على الذي قال له: # إن عثمان فر يوم أحد، فقال ابن عمر: ما على عثمان ذنب لان الله تعالى قد ~~عفا عنه بقوله: # " ولقد عفا الله عنهم " (5) [آل عمران: 155]. وقد قيل: إن آدم عليه ~~السلام أب وليس تعييره من بره أن لو كان مما يعير به غيره، فإن الله تبارك ~~وتعالى يقول في الأبوين الكافرين: " وصاحبهما في الدنيا معروفا " (6) ~~[لقمان: 15] ولهذا إن إبراهيم عليه السلام لما قال له أبوه وهو كافر: " لئن ~~لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا. قال سلام عليك " (7) [مريم: 46] فكيف بأب هو ~~نبي قد اجتباه ربه وتاب عليه وهدى. # PageV11P256 # الرابعة - وأما من عمل الخطايا ولم تأته المغفرة، فإن العلماء مجمعون على ~~أنه لا يجوز له أن يحتج بمثل حجة آدم، فيقول تلومني على أن قتلت أو زنيت أو ~~سرقت وقد قدر الله على ذلك، والأمة مجمعة على جواز حمد المحسن على إحسانه، ~~ولوم المسئ على إساءته، وتعديد ذنوبه عليه. # الخامسة - قوله تعالى: " فغوى " أي ففسد عليه عيشه، حكاه النقاش وأختاره ~~القشيري. وسمعت شيخنا الأستاذ المقرئ أبا جعفر القرطبي يقول: " فغوى " ففسد ~~عيشه بنزوله إلى الدنيا، والغي الفساد، وهو تأويل حسن وهو أولى من تأويل من ~~يقول: # " فغوى " معناه ضل، من الغي الذي هو ضد الرشد. وقيل: معناه جهل موضع ~~رشده، أي جهل أن تلك الشجرة هي التي نهى عنها، والغي الجهل. وعن بعضهم " ~~فغوى " فبشم من كثرة الاكل، الزمخشري: وهذا وإن صح على لغة من يقلب الياء ~~المكسورة ما قبلها ألفا، فيقول في فنى وبقى: فنى وبقى وهم بنو طي - تفسير ~~خبيث. # السادسة - قال القشيري أبو نصر قال قوم يقال: عصى آدم وغوى ولا يقال له ~~عاص ولا غاو كما أن من خاط مرة يقال له: خاط ولا يقال ms4102 له خياط ما لم يتكرر ~~منه الخياطة. # وقيل: يجوز للسيد أن يطلق في عبده عند معصيته ما لا يجوز لغيره أن يطلقه، ~~وهذا تكلف، وما أضيف من هذا إلى الأنبياء فإما أن تكون صغائر، أو ترك ~~الأولى، أو قبل النبوة. # قلت: هذا حسن. قال الإمام أبو بكر بن فورك رحمه الله تعالى: كان هذا من ~~آدم قبل النبوة، ودليل ذلك قوله تعالى: " ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى " ~~فذكر أن الاجتباء والهداية كانا بعد العصيان، وإذا كان هذا قبل النبوة ~~فجائز عليهم الذنوب وجها واحدا، لان قبل النبوة لا شرع علينا في تصديقهم، ~~فإذا بعثهم الله تعالى إلى خلقه وكانوا مأمونين في الأداء معصومين لم يضر ~~ما قد سلف منهم من الذنوب. وهذا نفيس والله أعلم. # قوله تعالى: قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم منى هدى ~~فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى (123) ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكا ~~ونحشره يوم القيامة أعمى (124) PageV11P257 # قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا (125) قال كذلك أئتك آياتنا فنسيتها ~~وكذلك اليوم تنسى (126) وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب ~~الآخرة أشد وأبقى (127) قوله تعالى: (قال أهبطا منها جميعا) خطاب آدم ~~وإبليس. " منها " أي من الجنة. # وقد قال لإبليس: " أخرج منها مذؤوما مدحورا " [الأعراف 18] فلعله أخرج من ~~الجنة إلى موضع من السماء، ثم أهبط إلى الأرض. (بعضكم لبعض عدو) تقدم في ~~(البقرة) (1) أي أنت عدو للحية ولإبليس وهما عدوان لك. وهذا يدل على أن ~~قوله: " اهبطا " ليس خطابا لآدم وحواء، لأنهما ما كانا متعاديين، وتضمن ~~هبوط آدم هبوط حواء. (فأما يأتينكم منى هدى) أي رشدا وقولا حقا. وقد تقدم ~~في (البقرة) (1). (فمن تبع هداي) يعني الرسل والكتب. # (فلا يضل ولا يشقى) قال ابن عباس: ضمن الله تعالى لمن قرأ القرآن وعمل ~~بما فيه ألا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة، وتلا الآية. وعنه: من قرأ ~~القرآن واتبع ما فيه هداه الله من الضلالة، ووقاه يوم القيامة ms4103 سوء الحساب، ~~ثم تلا الآية. (ومن أعرض عن ذكرى) أي ديني، وتلاوة كتابي، والعمل بما فيه. ~~وقيل: عما أنزلت من الدلائل. ويحتمل أن يحمل الذكر على الرسول، لأنه كان ~~منه الذكر. (فإن له معيشة ضنكا) أي عيشا ضيقا، يقال: # منزل ضنك وعيش ضنك يستوي فيه الواحد والاثنان والمذكر والمؤنث والجمع، ~~قال عنترة: # إن يلحقوا أكرر وإن يستحلموا * أشدد وإن يلفوا بضنك أنزل وقال أيضا: # إن المنية لو تمثل مثلت * مثلي إذا نزلوا بضنك المنزل وقرئ: " ضنكى " على ~~وزن فعلى: ومعنى ذلك أن الله عز وجل جعل مع الدين التسليم والقناعة والتوكل ~~عليه وعلى قسمته، فصاحبه ينفق مما رزقه الله - عز وجل - بسماح وسهولة # PageV11P258 # ويعيش عيشا رافغا (1)، كما قال الله تعالى: " فلنحيينه حياة طيبة " (2) ~~[النحل 97]. والمعرض عن الدين مستول عليه الحرص الذي لا يزال يطمح به إلى ~~الازدياد من الدنيا، مسلط عليه الشح، الذي يقبض يده عن الانفاق، فعيشه ضنك، ~~وحاله مظلمة، كما قال بعضهم: لا يعرض أحد عن ذكر ربه إلا أظلم عليه وقته ~~وتشوش عليه رزقه، وكان في عيشة ضنك. وقال عكرمة: # " ضنكا " كسبا حراما. الحسن: طعام الضريع والزقوم. وقول رابع وهو الصحيح ~~أنه عذاب القبر، قاله أبو سعيد الخدري وعبد الله بن مسعود، ورواه أبو هريرة ~~مرفوعا عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد ذكرناه في كتاب " التذكرة "، قال ~~أبو هريرة: يضيق على الكافر قبره حتى تختلف فيه أضلاعه، وهو المعيشة الضنك. ~~(ونحشره يوم القيامة أعمى) قيل: أعمى في حال وبصيرا في حال، وقد تقدم في ~~آخر " سبحان " (2) [الاسراء 1] وقيل: أعمى عن الحجة، قاله مجاهد. وقيل: ~~أعمى عن جهات الخير، لا يهتدي لشئ منها. وقيل: عن الحيلة في دفع العذاب عن ~~نفسه، كالأعمى الذي لا حيلة له فيما لا يراه. (قال رب لم حشرتني أعمى) أي ~~بأي ذنب عاقبتني بالعمى. (وقد كنت بصيرا) أي في الدنيا، وكأنه يظن أنه لا ~~ذنب له. وقال ابن عباس ومجاهد: أي " لم حشرتني أعمى " عن حجتي " وقد كنت ~~بصيرا " أي عالما بحجتي، ms4104 القشيري: وهو بعيد إذ ما كان للكافر حجة في ~~الدنيا. (قال كذلك أتتك آياتنا) أي قال الله تعالى له " كذلك أتتك آياتنا " ~~أي دلالاتنا (3) على وحدانيتنا وقدرتنا. # (فنسيتها) أي تركتها ولم تنظر فيها، وأعرضت عنها. (وكذلك اليوم تنسى) أي ~~تترك في العذاب، يريد جهنم. (وكذلك نجزى من أسرف) أي وكما جزينا من أعرض عن ~~القرآن، وعن النظر في المصنوعات، والتفكير فيها، وجاوز الحد في المعصية. ~~(ولم يؤمن بآيات ربه) أي لم يصدق بها. (ولعذاب الآخرة أشد) أي أفظع من ~~المعيشة الضنك، وعذاب القبر. (وأبقى) أي أدوم وأثبت، لأنه لا ينقطع ولا ~~ينقضي. # PageV11P259 # قوله تعالى: أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن ~~في ذلك لآيات لأولي النهى (128) ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل ~~مسمى (129) فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ~~ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى (130) قوله تعالى: (أفلم يهد ~~لهم) يريد أهل مكة، أي أفلم يتبين لهم خبر من أهلكنا قبلهم من القرون يمشون ~~في مساكنهم إذا سافروا وخرجوا في التجارة طلب المعيشة، فيرون بلاد الأمم ~~الماضية، والقرون الخالية خاوية، أي أفلا يخافون أن يحل بهم مثل ما حل ~~بالكفار قبلهم. وقرأ ابن عباس والسلمي وغيرهما: " نهد لهم " بالنون وهي ~~أبين. و " يهد " بالياء مشكل لأجل الفاعل، فقال الكوفيون: " كم " الفاعل، ~~النحاس: وهذا خطأ لان " كم " استفهام فلا يعمل فيها ما قبلها وقال الزجاج: ~~المعنى أو لم يهد لهم الامر بإهلاكنا من أهلكنا. وحقيقة " يهد " على الهدى، ~~فالفاعل هو الهدى تقديره: أفلم يهد الهدى لهم. # قال الزجاج: " كم " في موضع نصب ب‍ " - أهلكنا ". # قوله تعالى: (ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما) فيه تقديم وتأخير، أي ~~ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى لكان لزاما، قاله قتادة. واللزام ~~الملازمة، أي لكان العذاب لازما لهم. وأضمر اسم كان. قال الزجاج: (وأجل ~~مسمى) عطف على " كلمة ". # قتادة: والمراد القيامة، وقاله القتبي وقيل: تأخيرهم إلى يوم بدر. # قوله ms4105 تعالى: (فاصبر على ما يقولون) أمره تعالى بالصبر على أقوالهم: إنه ~~ساحر، إنه كاهن، إنه كذاب، إلى غير ذلك. والمعنى: لا تحفل بهم، فإن لعذابهم ~~وقتا مضروبا لا يتقدم ولا يتأخر. ثم قيل: هذا منسوخ بآية القتال. وقيل: ليس ~~منسوخا، إذ لم يستأصل الكفار بعد آية القتال بل بقى المعظم منهم. ~~PageV11P260 # قوله تعالى: (وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس) قال أكثر المتأولين: هذا ~~إشارة إلى الصلوات الخمس " قبل طلوع الشمس " صلاة الصبح (وقبل غروبها) صلاة ~~العصر (ومن آناء الليل) العتمة (وأطراف النهار) المغرب والظهر، لان الظهر ~~في آخر طرف النهار الأول، وأول طرف النهار الآخر، فهي في طرفين منه، والطرف ~~الثالث غروب الشمس وهو وقت المغرب. وقيل: النهار ينقسم قسمين فصلهما ~~الزوال، ولكل قسم طرفان، فعند الزوال طرفان، الآخر من القسم الأول والأول ~~من القسم الآخر، فقال عن الطرفين أطرافا على نحو " فقد صغت قلوبكما " (1) ~~[التحريم: 4] وأشار إلى هذا النظر ابن فورك في المشكل. وقيل: # النهار للجنس فلكل يوم طرف، وهو إلى جمع لأنه يعود في كل نهار. و " آناء ~~الليل " ساعاته وواحد الآناء إني وإني وأنى. وقالت فرقة: المراد بالآية ~~صلاة التطوع، قاله الحسن. # قوله تعالى: (لعلك ترضى) بفتح التاء، أي لعلك تثاب على هذه الأعمال بما ~~ترضى به. وقرأ الكسائي وأبو بكر عن عاصم " ترضى " بضم التاء، أي لعلك تعطى ~~ما يرضيك. # قوله تعالى: ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة ~~الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى (131) وأمر أهلك بالصلاة واصطبر ~~عليها لا نسئلك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى (132) قوله تعالى: (ولا ~~تمدن عينيك إلى ما متعنا به) وقد تقدم معناه في (الحجر) (3). # " أزواجا " مفعول ب‍ " - متعنا ". و " زهرة " نصب على الحال. وقال ~~الزجاج: " زهرة " منصوبة بمعنى " متعنا " لان معناه جعلنا لهم الحياة ~~الدنيا زهرة، أو بفعل مضمر وهو " جعلنا " أي جعلنا لهم زهرة الحياة الدنيا، ~~عن الزجاج أيضا. وقيل: هي بدل من الهاء في " به " على الموضع كما تقول: ~~مررت به أخاك. ms4106 وأشار الفراء إلى نصبه على الحال، والعامل فيه " متعنا " ~~قال: كما تقول مررت به المسكين، وقدره: متعناهم به زهرة في الحياة الدنيا ~~وزينة فيها. ويجوز أن ينتصب على المصدر مثل " صنع الله " و " وعد الله " ~~وفيه # PageV11P261 # نظر. والأحسن أن ينتصب على الحال ويحذف التنوين لسكونه وسكون اللام من ~~الحياة، كما قرئ: " ولا الليل سابق النهار " (1) بنصب النهار بسابق على ~~تقدير حذف التنوين لسكونه وسكون اللام، وتكون " الحياة " مخفوضة على البدل ~~من " ما " في قوله: " إلى ما متعنا به " فيكون التقدير: ولا تمدن عينيك إلى ~~الحياة الدنيا زهرة أي في حال زهرتها. # ولا يحسن أن يكون " زهرة " بدلا من " ما " على الموضع في قوله: " إلى ما ~~متعنا " لان " لنفتنهم " متعلق ب‍ " - متعنا " و " زهرة الحياة الدنيا " ~~يعني زينتها بالنبات. والزهرة، بالفتح في الزاي والهاء نور النبات. والزهرة ~~بضم الزاي وفتح الهاء النجم. وبنو زهرة بسكون الهاء، قاله ابن عزيز. وقرأ ~~عيسى بن عمر " زهرة " بفتح الهاء مثل نهر ونهر. # ويقال: سراج زاهر أي له بريق. وزهر الأشجار ما يروق من ألوانها. وفي ~~الحديث: # كان النبي صلى الله عليه وسلم أزهر اللون أي نير اللون، يقال لكل شئ ~~مستنير: زاهر، وهو أحسن الألوان. (لنفتنهم فيه) أي لنبتليهم. وقيل: لنجعل ~~ذلك فتنة لهم وضلالا، ومعنى الآية: لا تجعل يا محمد لزهرة الدنيا وزنا، ~~فإنه لا بقاء لها. " ولا تمدن " أبلغ من لا تنظرن، لان الذي يمد بصره، إنما ~~يحمله على ذلك حرص مقترن، والذي ينظر قد لا يكون ذلك معه: # مسألة: قال بعض الناس سبب نزول هذه الآية ما رواه أبو رافع مولى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، قال: نزل ضيف برسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فأرسلني عليه السلام إلى رجل من اليهود، وقال قل له يقول لك محمد: نزل بنا ~~ضيف ولم يلف عندنا بعض الذي يصلحه، فبعني كذا وكذا من الدقيق، أو أسلفني ~~إلى هلال رجب فقال: لا، إلا برهن: # قال: فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ms4107 فأخبرته فقال: " والله إني ~~لأمين في السماء أمين في الأرض ولو أسلفني أو باعني لأديت إليه اذهب بدرعي ~~إليه " ونزلت الآية تعزية له عن الدنيا. قال ابن عطية: وهذا معترض أن يكون ~~سببا، لان السورة مكية والقصة المذكورة مدنية في آخر عمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم، لأنه مات ودرعه مرهونة عند يهودي بهذه القصة التي ذكرت، وإنما ~~الظاهر أن الآية متناسقة مع ما قبلها، وذلك أن الله تعالى # PageV11P262 # وبخهم على ترك الاعتبار بالأمم السالفة ثم توعدهم بالعذاب المؤجل، ثم أمر ~~نبيه بالاحتقار لشأنهم، والصبر على أقوالهم، والاعراض عن أموالهم وما في ~~أيديهم من الدنيا، إذ ذلك منصرم عنهم صائر إلى خزي. # قلت: وكذلك ما روى عنه عليه السلام أنه مر بإبل بني المصطلق وقد عبست (1) ~~في أبوالها [وأبعارها] (2) من السمن فتقنع بثوبه ثم مضى، لقوله عز وجل: " ~~ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم " الآية. ثم سلاه فقال: " ورزق ~~ربك خير وأبقى " أي ثواب الله على الصبر وقلة المبالاة بالدنيا أولى، لأنه ~~يبقى والدنيا تفنى. وقيل: يعني بهذا الرزق ما يفتح الله على المؤمنين من ~~البلاد والغنائم. # قوله تعالى: (وأمر أهلك بالصلاة) أمره تعالى بأن يأمر أهله بالصلاة ~~ويمتثلها معهم، ويصطبر عليها ويلازمها: وهذا الخطاب للنبي صلى الله عليه ~~وسلم ويدخل في عمومه جميع أمته، وأهل بيته على التخصيص. وكان عليه السلام ~~بعد نزول هذه الآية يذهب كل صباح إلى بيت فاطمة وعلى رضوان الله عليهما ~~فيقول " الصلاة ". ويروى أن عروة بن الزبير رضي الله عنه كان إذا رأى شيئا ~~من أخبار السلاطين وأحوالهم بادر إلى منزله فدخله، وهو يقرأ " ولا تمدن ~~عينيك " الآية إلى قوله: " وأبقى " ثم ينادي بالصلاة: # الصلاة يرحمكم الله، ويصلي: وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوقظ أهل ~~داره لصلاة الليل ويصلي وهو يتمثل بالآية. # قوله تعالى: (لا نسئلك رزقا) أي لا نسئلك أن ترزق نفسك وإياهم، وتشتغل عن ~~الصلاة بسبب الرزق، بل نحن نتكفل برزقك وإياهم، فكان عليه السلام إذا نزل ms4108 ~~بأهله ضيق أمرهم بالصلاة. وقد قال الله تعالى " وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون. # ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون. إن الله هو الرزاق " (3) ~~[الذاريات 56]. # قوله تعالى: (والعاقبة للتقوى) أي الجنة لأهل التقوى، يعني العاقبة ~~المحمودة وقد تكون لغير التقوى عاقبة ولكنها مذمومة فهي كالمعدومة، # PageV11P263 # قوله تعالى: وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه أو لم تأتهم بينة ما في ~~الصحف الأولى (133) ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت ~~إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى (134) قل كل متربص فتربصوا ~~فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى (135) قوله تعالى: (وقالوا لولا ~~يأتينا بآية من ربه) يريد كفار مكة، أي لولا يأتينا محمد بآية توجب العلم ~~الضروري. أو بآية ظاهرة كالناقة والعصا. أو هلا يأتينا بالآيات التي ~~نقترحها نحن كما أتى الأنبياء من قبله: # قال الله تعالى: (أو لم تأتيهم ما في الصحف الأولى) يريد التوراة ~~والإنجيل والكتب المتقدمة، وذلك أعظم آية إذ أخبر بما فيها. وقرئ " الصحف " ~~بالتخفيف. # وقيل: أو لم تأتيهم الآية الدالة على نبوته بما وجدوه في الكتب المتقدمة ~~من البشارة. وقيل: # أو لم يأتهم إهلاكنا الأمم الذين كفروا واقترحوا الآيات، فما يؤمنهم إن ~~أتتهم الآيات أن يكون حالهم حال أولئك. وقرأ أبو جعفر وشيبة ونافع وأبو ~~عمرو ويعقوب وابن أبي إسحاق وحفص: # " أو لم تأتيهم " بالتاء لتأنيث البينة. الباقون بالياء لتقدم الفعل ولأن ~~البينة هي البيان والبرهان فردوه إلى المعنى، وأختاره أبو عبيد وأبو حاتم. ~~وحكى الكسائي " أو لم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى " قال: ويجوز على هذا ~~" بينة ما في الصحف الأولى ". قال النحاس إذا نونت " بينة " ورفعت جعلت " ~~ما " بدلا منها وإذا نصبتها فعلى الحال، والمعنى: أو لم يأتهم ما في الصحف ~~الأولى مبينا. # قوله تعالى: (ولولا أهلكناهم بعذاب من قبله) أي من قبل بعثة محمد صلى ~~الله عليه وسلم ونزول القرآن (لقالوا) أي يوم القيامة (ربنا لولا أرسلت ~~إلينا رسولا) أي هلا أرسلت إلينا رسولا. (فنتبع ms4109 آياتك من قبل أن نذل ونخزى) ~~وقرئ: " نذل ونخزى " على PageV11P264 # ما لم يسم فاعله. وروى أبو سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في الهالك في الفترة والمعتوه والمولود قال: (يقول الهالك في الفترة ~~لم يأتني كتاب ولا رسول - ثم تلا - " ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله ~~لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا " - الآية - ويقول المعتوه رب لم تجعل ~~لي عقلا أعقل به خيرا ولا شرا ويقول المولود رب لم أدرك العمل فترفع لهم ~~نار فيقول لهم ردوها وادخلوها - قال - فيردها أو يدخلها من كان في علم الله ~~سعيدا لو أدرك العمل ويمسك عنها من كان في علم الله شقيا لو أدرك العمل ~~[قال] (1) فيقول الله تبارك وتعالى إياك عصيتم فكيف رسلي لو أتتكم). ويروى ~~موقوفا عن أبي سعيد قوله وفيه نظر وقد بيناه في كتاب " التذكرة " وبه احتج ~~من قال: إن الأطفال وغيرهم يمتحنون في الآخرة. # " فنتبع " نصب بجواب التخصيص. " آياتك " يريد ما جاء به محمد صلى الله ~~عليه وسلم. # " من قبل أن نذل " أي في العذاب " ونخزي " في جهنم، قاله ابن عباس. وقيل: # " من قبل أن نذل " في الدنيا بالعذاب " ونخزى " في الآخرة بعذابها. (قل ~~كل متربص) أي قل لهم يا محمد كل متربص، أي كل المؤمنين والكافرين منتظر ~~دوائر الزمان ولمن يكون النصر. (فتربصوا فستعلمون الصراط السوي ومن اهتدى) ~~يريد الدين المستقيم والهدى والمعنى: فستعلمون بالنصر من اهتدى إلى دين ~~الحق. وقيل: فستعلمون يوم القيامة من اهتدى إلى طريق الجنة. وفي هذا ضرب من ~~الوعيد والتخويف والتهديد ختم به السورة. وقرئ " فسوف تعلمون ". قال أبو ~~رافع: حفظته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذكره الزمخشري. و " من " في ~~موضع رفع عند الزجاج. وقال الفراء: # يجوز أن يكون في موضع نصب مثل. " والله يعلم المفسد من المصلح " (2). قال ~~أبو إسحاق: # هذا خطأ، لان الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، و " من " ها هنا استفهام في ~~موضع رفع بالابتداء، والمعنى: فستعلمون أصحاب الصراط السوي نحن ms4110 أم أنتم؟. ~~قال النحاس: والفراء يذهب إلى أن معنى. " من أصحاب الصراط السوي " من لم ~~يضل وإلى أن معنى. " ومن اهتدى " من ضل ثم اهتدى. وقرأ يحيى بن يعمر وعاصم ~~الجحدري " فسيعلمون من أصحاب # PageV11P265 # الصراط السوا " بتشديد الواو بعدها ألف التأنيث على فعلى بغير همزة، ~~وتأنيث الصراط شاذ قليل، قال الله وتعالى: " اهدنا الصراط المستقيم " (1) ~~[الفاتحة: 6] فجاء مذكرا في هذا وفي غيره، وقد رد هذا أبو حاتم قال: إن كان ~~من السوء وجب أن يقال السوءى وإن كان من السواء وجب أن يقال: السيا بكسر ~~السين والأصل السويا. قال الزمخشري: وقرئ " السواء " بمعنى الوسط والعدل، ~~أو المستوى. النحاس وجواز قراءة يحيى بن يعمر والجحدري أن يكون الأصل " ~~السوءى " والساكن ليس بحاجز حصين، فكأنه قلب الهمزة ضمة فأبدل منها واوا ~~كما يبدل منها ألف إذا انفتح ما قبلها. تمت والحمد لله وحده. # سورة الأنبياء مكية في قول الجميع وهي مائة واثنتا عشرة آية بسم الله ~~الرحمن الرحيم قوله تعالى: اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون (1) ما ~~يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهو يلعبون (2) لاهية قلوبهم ~~وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم ~~تبصرون (3) قوله تعالى: (اقترب للناس حسابهم) قال عبد الله بن مسعود: الكهف ~~ومريم وطه والأنبياء من العتاق الأول، وهن من تلادي يريد من قديم ما كسب ~~وحفظ من القرآن كالمال التلاد. وروي أن رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كان يبني جدارا فمر به آخر في يوم نزول هذه السورة، فقال الذي ~~كان يبني الجدار: ماذا نزل اليوم من القرآن؟ فقال الآخر: نزل " اقترب للناس ~~حسابهم وهم في غفلة معرضون " فنفض يده من البنيان، وقال: والله لا بنيت ~~أبدا وقد اقترب الحساب. " اقترب " أي قرب الوقت # PageV11P266 # الذي يحاسبون فيه على أعمالهم. " للناس " قال ابن عباس: المراد بالناس ~~هنا المشركون بدليل قوله تعالى: " إلا استمعوه وهم يلعبون " إلى قوله: " ~~أفتأتون السحر وأنتم تبصرون ". # وقيل: الناس عموم وإن كان ms4111 المشار إليه في ذلك الوقت كفار قريش، يدل على ~~ذلك ما بعد من الآيات، ومن علم اقتراب الساعة قصر أمله، وطابت نفسه ~~بالتوبة، ولم يركن إلى الدنيا، فكأن ما كان لم يكن إذا ذهب، وكل آت قريب، ~~والموت لا محالة آت، وموت كل إنسان قيام ساعته، والقيامة أيضا قريبة ~~بالإضافة إلى ما مضى من الزمان، فما بقي من الدنيا أقل مما مضى. وقال ~~الضحاك: معنى " اقترب للناس حسابهم " أي عذابهم يعني أهل مكة، لأنهم ~~استبطئوا ما وعدوا به من العذاب تكذيبا، وكان قتلهم يوم بدر. النحاس ولا ~~يجوز في الكلام اقترب حسابهم للناس، لئلا يتقدم مضمر على مظهر لا يجوز أن ~~ينوى به التأخير. # (وهم في غفلة معرضون) ابتداء وخبر. ويجوز النصب في غير القرآن على الحال. ~~وفيه وجهان: أحدهما: " وهم غفلة معرضون " يعني بالدنيا عن الآخرة. الثاني - ~~عن التأهب للحساب وعما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم. وهذه الواو عند ~~سيبويه بمعنى " إذ " وهي التي يسميها النحويون واو الحال، كما قال الله ~~تبارك وتعالى: " يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم " (1) [آل عمران: ~~154]. # قوله تعالى: (ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث) " محدث " نعت ل‍ " - ذكر ". ~~وأجاز الكسائي والفراء " محدثا " بمعنى ما يأتيهم محدثا، نصب على الحال. ~~وأجاز الفراء أيضا رفع محدث " على النعت للذكر، لأنك لو حذفت " من " رفعت ~~ذكرا، أي ما يأتيهم ذكر من ربهم محدث، يريد في النزول وتلاوة جبريل على ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه كان ينزل سورة بعد سورة، وآية بعد آية، كما ~~كان ينزله الله تعالى عليه في وقت بعد وقت، لا أن القرآن مخلوق. # وقيل: الذكر ما يذكرهم به النبي صلى الله عليه وسلم ويعظهم به. وقال: " ~~من ربهم " لان النبي صلى الله عليه وسلم لا ينطق إلا بالوحي، فوعظ النبي ~~صلى الله عليه وسلم وتحذيره ذكر، وهو محدث، قال الله تعالى: " فذكر إنما ~~أنت مذكر " (2) [الغاشية: 21]. ويقال: فلان في مجلس # PageV11P267 # الذكر. وقيل: الذكر الرسول نفسه، قاله الحسين بن الفضل ms4112 بدليل ما في سياق ~~الآية " هل هذا إلا بشر مثلكم " [الأنبياء: 3] ولو أراد بالذكر القرآن ~~لقال: هل هذا إلا أساطير الأولين، ودليل هذا التأويل قوله تعالى: " ويقولون ~~إنه لمجنون. وما هو إلا ذكر للعالمين " (1) [القلم: 51 - 52] يعني محمدا ~~صلى الله عليه وسلم. وقال: " قد أنزل الله إليكم ذكرا (1). رسولا " ~~[الطلاق: 10 - 11]. " إلا استمعوه " يعني محمدا صلى الله عليه وسلم، أو ~~القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم أو من أمته. " وهم يلعبون " الواو واو ~~الحال يدل عليه " لاهية قلوبهم " ومعنى. " يلعبون " أي يلهون. وقيل: ~~يشتغلون، فإن حمل تأويله على اللهو احتمل ما يلهون به وجهين: أحدهما: ~~بلذاتهم. الثاني: # بسماع ما يتلى عليهم. وإن حمل تأويله على الشغل احتمل ما يتشاغلون به ~~وجهين: أحدهما - بالدنيا لأنها لعب، كما قال الله تعالى: " إنما الحياة ~~الدنيا لعب ولهو " (2) [محمد: 36]. الثاني: يتشاغلون بالقدح فيه، والاعتراض ~~عليه. قال الحسن: كلما جدد لهم الذكر استمروا على الجهل وقيل. # يستمعون القرآن مستهزئين. # قوله تعالى: (لاهية قلوبهم) أي ساهية قلوبهم، معرضة عن ذكر الله، متشاغلة ~~عن التأمل والتفهم، من قول العرب: لهيت عن ذكر الشئ إذا تركته وسلوت عنه ~~ألهى لهيا ولهيانا. و " لاهية " نعت تقدم الاسم، ومن حق النعت أن يتبع ~~المنعوت في جميع الاعراب، فإذا تقدم النعت الاسم انتصب كقوله: " خاشعة ~~أبصارهم " (1) [القلم: 43] و " ودانية عليهم ظلالها " (3) [الانسان: 14] و ~~" لاهية قلوبهم " قال الشاعر: # لعزة موحشا طلل * يلوح (4) كأنه خلل أراد: طلل موحش. وأجاز الكسائي ~~والفراء " لاهية قلوبهم " بالرفع بمعنى قلوبهم لاهية. # وأجاز غيرهما: الرفع على أن يكون خبرا بعد خبر وعلى إضمار مبتدأ. وقال ~~الكسائي: ويجوز أن يكون المعنى، إلا استمعوه لاهية قلوبهم. (وأسروا النجوى ~~الذين ظلموا) أي تناجوا فيما بينهم بالتكذيب، ثم بين من هم فقال: " الذين ~~ظلموا " أي الذين أشركوا، ف‍ " - الذين ظلموا " بدل من الواو في " أسروا " ~~وهو عائد على الناس المتقدم ذكرهم، ولا يوقف على هذا # PageV11P268 # القول على " النجوى ". قال المبرد وهو كقولك: إن الذين في الدار انطلقوا ~~بنو عبد الله فبنو ms4113 بدل من الواو في انطلقوا. وقيل: هو رفع على الذم، أي هم ~~الذين ظلموا: وقيل: على حذف القول، التقدير: يقول الذين ظلموا وحذف القول، ~~مثل " والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم " [الرعد: 23 - 24]. ~~واختار هذا القول النحاس، قال: والدليل على صحة هذا الجواب أن بعده " هل ~~هذا إلا بشر مثلكم " [الأنبياء: 3]. وقول رابع: يكون منصوبا بمعنى أعني ~~الذين ظلموا: وأجاز الفراء أن يكون خفضا بمعنى اقترب للناس الذين ظلموا ~~حسابهم، ولا يوقف على هذا الوجه على " النجوى " ويوقف على الوجوه الثلاثة ~~المتقدمة قبله، فهذه خمسة أقوال: وأجاز الأخفش الرفع على لغة من قال: ~~أكلوني البراغيث، وهو حسن، قال الله تعالى: " ثم عموا وصموا كثير منهم " ~~(1) [المائدة: 71]: وقال الشاعر: # بك نال النضال دون المساعي * فاهتدين النبال للأغراض وقال آخر: (2) ولكن ~~ديافي أبوه وأمه * بحوران يعصرن السليط أقاربه وقال الكسائي: فيه تقديم ~~وتأخير، مجازه: والذين ظلموا أسروا النجوى. أبو عبيدة: # " أسروا " هنا من الأضداد، فيحتمل أن يكونوا أخفوا كلامهم، ويحتمل أن ~~يكونوا أظهروه وأعلنوه: # قوله تعالى: (هل هذا إلا بشر مثلكم) أي تناجوا بينهم وقالوا: هل هذا ~~الذكر الذي هو الرسول، أو هل هذا الذي يدعوكم إلا بشر مثلكم، لا يتميز عنكم ~~بشئ، يأكل الطعام، ويمشي في الأسواق كما تفعلون: وما علموا أن الله عز وجل ~~بين أنه لا يجوز أن يرسل إليهم إلا بشرا ليتفهموا ويعلمهم: (أفتأتون السحر) ~~أي إن الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم سحر، فكيف تجيئون إليه ~~وتتبعونه؟ فأطلع الله نبيه عليه السلام على ما تناجوا به: و " السحر " في ~~اللغة كل مموه لا حقيقة له ولا صحة. (وأنتم تبصرون). [قيل معناه (3) " ~~وأنتم تبصرون "] أنه إنسان مثلكم مثل: " وأنتم تعقلون " لان العقل البصر ~~بالأشياء. وقيل: # المعنى، أفتقبلون السحر وأنتم تعلمون أنه سحر: وقيل: المعنى، أفتعدلون ~~إلى الباطل وأنتم تعرفون الحق، ومعنى الكلام التوبيخ. # PageV11P269 # قوله تعالى: قال ربي يعلم القول في السماء والأرض وهو السميع العليم (4) ~~بل قالوا أضغاث أحلام بل أفتراه بل هو شاعر ms4114 فليأتنا بآية كما أرسل الأولون ~~(5) ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها أفهم يؤمنون (6) قوله تعالى: (قل (1) ~~ربي يعلم القول في السماء والأرض) أي لا يخفي عليه شئ مما يقال في السماء ~~والأرض. وفي مصاحف أهل الكوفة " قال ربي " أي قال محمد ربي يعلم القول، أي ~~هو عالم بما تناجيتم به. وقيل: إن القراءة الأولى أولي لأنهم أسروا هذا ~~القول فأظهر الله عز وجل عليه نبيه صلى الله عليه وسلم، وأمره أن يقول لهم ~~هذا، قال النحاس: # والقراءتان صحيحتان وهما بمنزلة الآيتين، وفيهما من الفائدة أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أمر وأنه قال كما أمر. # قوله تعالى: (بل قالوا أضغاث أحلام) قال الزجاج: أي قالوا الذي يأتي به ~~أضغاث أحلام. وقال غيره: أي قالوا هو أخلاط كالأحلام المختلطة، أي أهاويل ~~رآها في المنام، قال معناه مجاهد وقتادة، ومنه قول الشاعر: # * كضغث حلم غر منه حالمه * وقال القتبي: إنها الرؤيا الكاذبة، وفيه قول ~~الشاعر: # أحاديث طسم أو سراب بفدفد * ترقرق للساري وأضغاث حالم وقال اليزيدي: ~~الأضغاث ما لم يكن له تأويل. وقد مضى هذا في " يوسف " (2). فلما رأوا أن ~~الامر ليس كما قالوا انتقلوا عن ذلك فقالوا: (بل قالوا) ثم انتقلوا عن ذلك ~~فقالوا: # " بل هو شاعر " أي هم متحيرون لا يستقرون على شئ: قالوا مرة سحر، ومرة ~~أضغاث أحلام، ومرة افتراه، ومرة شاعر. وقيل: أي قال فريق إنه ساحر: وفريق ~~إنه أضغاث أحلام، وفريق إنه أفتراه، وفريق إنه شاعر. والافتراء الاختلاق، ~~وقد تقدم. # PageV11P270 # (فليأتنا بآية كما أرسل الأولون) أي كما أرسل موسى بالعصا وغيرها من ~~الآيات ومثل ناقة صالح. وكانوا عالمين بأن القرآن ليس بسحر ولا رؤيا ولكن ~~قالوا: ينبغي أن يأتي بآية نقترحها، ولم يكن لهم الاقتراح بعدما رأوا آية ~~واحدة. وأيضا إذا لم يؤمنوا بآية هي من جنس ما هم أعلم الناس به، ولا مجال ~~للشبهة فيها فكيف يؤمنون بآية غيرها، ولو أبرأ الأكمه والأبرص لقالوا: هذا ~~من باب الطب، وليس ذلك من صناعتنا، وإنما كان سؤالهم تعنتا ms4115 إذ كان الله ~~أعطاهم من الآيات ما فيه كفاية. وبين الله عز وجل أنهم لو كانوا يؤمنون ~~لأعطاهم ما سألوه لقوله عز وجل: " ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو ~~أسمعهم لتولوا وهم معرضون " (1) [الأنفال: 23]. # قوله تعالى: (ما آمنت قبلهم من قرية) قال ابن عباس: يريد قوم صالح وقوم ~~فرعون. (أهلكناها) يريد كان في علمنا هلاكها: (أفهم يؤمنون) يريد يصدقون، ~~أي فما آمنوا بالآيات فاستؤصلوا فلو رأى هؤلاء ما اقترحوا لما آمنوا، لما ~~سبق من القضاء بأنهم لا يؤمنون أيضا، وإنما تأخر عقابهم لعلمنا بأن في ~~أصلابهم من يؤمن: و " من " زائدة في قوله: " من قرية " كقوله: " فما منكم ~~من أحد عنه حاجزين " (2) [الحاقة: 47]: # قوله تعالى: وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فسئلوا أهل الذكر إن ~~كنتم لا تعلمون (7) وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين ~~(8) ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن تشاء وأهلكنا المسرفين (9) لقد أنزلنا ~~إليكم كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون (10) قوله تعالى: (وما أرسلنا قبلك إلا ~~رجالا يوحى (3) إليهم) هذا رد عليهم في قولهم: # " هل هذا إلا بشر مثلكم " [الأنبياء: 3] وتأنيس لنبيه صلى الله عليه ~~وسلم، أي لم يرسل قبلك إلا رجالا. # PageV11P271 # (فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) يريد أهل التوراة والإنجيل الذين ~~آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، قاله سفيان: وسماهم أهل الذكر، لأنهم ~~كانوا يذكرون خبر الأنبياء مما لم تعرفه العرب: وكان كفار قريش يراجعون أهل ~~الكتاب في آمر محمد صلى الله عليه وسلم: وقال ابن زيد: أراد بالذكر القرآن، ~~أي فاسئلوا المؤمنين العالمين من أهل القرآن، قال جابر الجعفي: # لما نزلت هذه الآية قال علي رضي الله عنه نحن أهل الذكر: وقد ثبت ~~بالتواتر أن الرسل كانوا من البشر، فالمعنى لا تبدءوا بالانكار وبقولكم ~~ينبغي أن يكون الرسول من الملائكة، بل ناظروا المؤمنين ليبينوا لكم جواز أن ~~يكون الرسول من البشر: والملك لا يسمى رجلا، لان الرجل يقع على ماله ضد من ~~لفظه تقول: رجل وامرأة، ورجل وصبي فقوله: # " إلا رجالا ms4116 " من بني آدم: وقرأ حفص وحمزة والكسائي: " نوحي إليهم ". # مسألة - لم يختلف العلماء أن العامة عليها تقليد علمائها، وأنهم المراد ~~بقول الله عز وجل: " فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون " وأجمعوا على أن ~~الأعمى لابد له من تقليد غيره ممن يثق بميزه بالقبلة إذا أشكلت عليه، فكذلك ~~من لا علم له ولا بصر بمعنى ما يدين به لا بد له من تقليد عالمه، وكذلك لم ~~يختلف العلماء أن العامة لا يجوز لها الفتيا، لجهلها بالمعاني التي منها ~~يجوز التحليل والتحريم. # قوله تعالى: (وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام) الضمير في " جعلناهم " ~~للأنبياء، أي لم نجعل الرسل قبلك خارجين عن طباع البشر لا يحتاجون إلى طعام ~~وشراب. - وما كانوا خالدين) يريد لا يموتون وهذا جواب لقولهم: " ما هذا إلا ~~بشر مثلكم " [المؤمنون: 33] وقولهم: " ما لهذا الرسول يأكل الطعام " (1) ~~[الفرقان: 7]. و " جسدا " اسم جنس، ولهذا لم يقل أجسادا، وقيل: لم يقل ~~أجسادا، لأنه أراد وما جعلنا كل واحد منهم جسدا. والجسد البدن، تقول منه: ~~تجسد كما تقول من الجسم تجسم. والجسد أيضا الزعفران أو نحوه من الصبغ، وهو ~~الدم أيضا، قال النابغة: # * وما أهريق على الأنصاب من جسد (2) * # PageV11P272 # وقال الكلبي: والجسد هو المتجسد الذي فيه الروح يأكل ويشرب، فعلى مقتضى ~~هذا القول يكون ما لا يأكل ولا يشرب جسما وقال مجاهد: الجسد ما لا يأكل ولا ~~يشرب، فعلى مقتضى هذا القول يكون ما يأكل ويشرب نفسا ذكره الماوردي. # قوله تعالى: (ثم صدقناهم الوعد) يعني الأنبياء، أي بإنجائهم ونصرهم ~~وإهلاك مكذبيهم. (ومن تشاء) أي الذين صدقوا الأنبياء. (وأهلكنا المسرفين) ~~أي المشركين. # قوله تعالى: (لقد أنزلنا إليكم كتابا) يعني القرآن. (فيه ذكركم) رفع ~~بالابتداء والجملة في موضع نصب لأنها نعت لكتاب، والمراد بالذكر هنا الشرف، ~~أي فيه شرفكم، مثل " وإنه لذكر لك ولقومك " (1) [الزخرف: 44]. ثم نبههم ~~بالاستفهام الذي معناه التوقيف فقال عز وجل: # (أفلا تعقلون). وقيل: فيه ذكركم أي ذكر أمر دينكم، وأحكام شرعكم وما ~~تصيرون إليه من ثواب وعقاب، أفلا تعقلون هذه ms4117 الأشياء التي ذكرناها؟! وقال ~~مجاهد: " فيه ذكركم " أي حديثكم. وقيل: مكارم أخلاقكم، ومحاسن أعمالكم. ~~وقال سهل بن عبد الله: # العمل بما فيه حياتكم. # قلت: وهذه الأقوال بمعنى والأول يعمها، إذ هي شرف كلها، والكتاب شرف ~~لنبينا صلى الله عليه وسلم، لأنه معجزته، وهو شرف لنا إن عملنا بما فيه، ~~دليله قوله عليه السلام: (القرآن حجة لك أو عليك). # قوله تعالى: وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين (11) ~~فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون (12) لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم ~~فيه ومساكنكم لعلكم تسئلون (13) قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين (14) فما ~~زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين (15) # PageV11P273 # قوله تعالى: (وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة) يريد مدائن كانت باليمن. ~~وقال أهل التفسير والاخبار: إنه أراد أهل حضور (1) وكان بعث إليهم نبي اسمه ~~شعيب بن ذي مهدم، وقبر شعيب هذا باليمن بجبل يقال له ضنن (2) كثير الثلج، ~~وليس بشعيب صاحب مدين، لان قصة حضور قبل مدة عيسى عليه السلام، وبعد مئين ~~من السنين من مدة سليمان عليه السلام، وأنهم قتلوا نبيهم وقتل أصحاب الرس ~~في ذلك التاريخ نبيا لهم اسمه حنظلة بن صفوان، وكانت حضور بأرض الحجاز من ~~ناحية الشام، فأوحى الله إلى أرميا أن أيت بختنصر فأعلمه أني قد سلطته على ~~أرض العرب وأني منتقم بك منهم، وأوحى الله إلى أرميا أن أحمل معد بن عدنان ~~على البراق إلى أرض العراق، كي لا تصيبه النقمة والبلاء معهم، فإني مستخرج ~~من صلبه نبيا في آخر الزمان اسمه محمد، فحمل معد وهو ابن اثنتي عشرة سنة، ~~فكان مع بني إسرائيل إلى أن كبر وتزوج امرأة اسمها معانة، ثم إن بختنصر نهض ~~بالجيوش، وكمن للعرب في مكان - وهو أول من اتخذ المكامن فيما ذكروا - ثم شن ~~الغارات على حضور فقتل وسبى وخرب العامر، ولم يترك بحضور أثرا، ثم انصرف ~~راجعا إلى السواد. و " كم " في موضع نصب ب‍ " - قصمنا ". والقصم الكسر، ~~يقال: قصمت ظهر فلان وانقصمت سنه إذا انكسرت ms4118 والمعنى به هاهنا الاهلاك. ~~وأما الفصم (بالفاء) فهو الصدع في الشئ من غير بينونة، قال الشاعر: (3) ~~كأنه دملج من فضة نبه * في ملعب من عذاري الحي مفصوم ومنه الحديث (فيفصم ~~عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا). وقوله: " كان ظالمة " أي كافرة، يعني أهلها. ~~والظلم وضع الشئ في غير موضعه، وهم وضعوا الكفر موضع الايمان. # (وأنشأنا) أي أوجدنا وأحدثنا بعد إهلاكهم (قوما آخرين). (فلما أحسوا) أي ~~رأوا عذابنا، يقال: أحسست منه ضعفا. وقال الأخفش: " أحسوا " خافوا وتوقعوا. # (إذا هم منها يركضون) أي يهربون ويفرون. والركض العدو بشدة الوطئ. والركض # PageV11P274 # تحريك الرجل، ومنه قوله تعالى: " اركض برجلك " (1) [ص: 42] وركضت الفرس ~~برجلي استحثته ليعدو ثم كثر حتى قيل ركض الفرس إذا عدا وليس بالأصل، ~~والصواب ركض الفرس على ما لم يسم فاعله فهو مركوض. (لا تركضوا) أي لا ~~تفروا. وقيل: إن الملائكة نادتهم لما انهزموا استهزاء بهم وقالت: " لا ~~تركضوا ". (وارجعوا إلى ما أترفتم فيه) أي إلى نعمكم التي كانت سبب بطركم، ~~والمترف المتنعم، يقال: أترف على فلان أي وسع عليه في معاشه. وإنما أترفهم ~~الله عز وجل كما قال: " وأترفناهم في الحياة الدنيا " (2) [المؤمنون: 33]. # (لعلكم تسألون) أي لعلكم تسألون شيئا من دنياكم، استهزاء بهم، قاله ~~قتادة. وقيل: # المعنى " لعلكم تسئلون " عما نزل بكم من العقوبة فتخبرون به. وقيل: ~~المعنى " لعلكم تسئلون " أي تؤمنوا كما كنتم تسألون ذلك قبل نزول البأس ~~بكم، قيل لهم ذلك استهزاء وتقريعا وتوبيخا. (قالوا يا ويلنا) لما قالت لهم ~~الملائكة: " لا تركضوا " ونادت يا لثارات الأنبياء! ولم يروا شخصا يكلمهم ~~عرفوا أن الله عز وجل هو الذي سلط عليهم عدوهم بقتلهم النبي الذي بعث فيهم، ~~فعند ذلك قالوا " يا ويلنا إن كنا ظالمين " فاعترفوا بأنهم ظلموا حين لا ~~ينفع الاعتراف. (فما زالت تلك دعواهم) أي لم يزالوا يقولون: " يا ويلنا إنا ~~كنا ظالمين ". (حتى جعلناهم حصيدا) أي بالسيوف كما يحصد الزرع بالمنجل، ~~قاله مجاهد. # وقال الحسن: أي بالعذاب. (خامدين) أي ميتين. والخمود الهمود كخمود النار ~~إذا طفئت فشبه خمود ms4119 الحياة بخمود النار كما يقال لمن مات قد طفئ تشبيها ~~بانطفاء النار. # قوله تعالى: وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين (16) لو أردنا أن ~~نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين (17) بل نقذف بالحق على الباطل ~~فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون (18) # PageV11P275 # قوله تعالى: (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين) أي عبثا ~~وباطلا، بل للتنبيه على أن لها خالقا قادرا يجب امتثال أمره، وأنه يجازي ~~المسئ والمحسن أي ما خلقنا السماء والأرض ليظلم بعض الناس بعضا ويكفر ~~بعضهم، ويخالف بعضهم ما أمر به ثم يموتوا ولا يجازوا، ولا يؤمروا في الدنيا ~~بحسن ولا ينهوا عن قبيح. وهذا اللعب المنفى عن الحكيم ضده الحكمة. # قوله تعالى: (لو أردنا أن نتخذ لهوا) لما أعتقد قوم أن له ولدا قال: " لو ~~أردنا أن نتخذ لهوا " واللهو المرأة بلغة اليمن، قاله قتادة. وقال عقبة بن ~~أبي جسرة - وجاء طاوس وعطاء ومجاهد يسألونه عن قوله تعالى: " لو أردنا أن ~~نتخذ لهوا " - فقال: اللهو الزوجة، وقاله الحسن. وقال ابن عباس: اللهو ~~الولد، وقاله الحسن أيضا. قال الجوهري: # وقد يكنى باللهو عن الجماع. # قلت: ومنه قول امرئ القيس: # ألا زعمت بسباسة اليوم أنني * كبرت وألا يحسن اللهو أمثالي وإنما سمي ~~الجماع لهوا لأنه ملهى للقلب، كما قال: (1) * وفيهن ملهى للصديق ومنظر * ~~الجوهري - وقوله تعالى: " لو أردنا أن نتخذ لهوا " قالوا امرأة ويقال: ~~ولدا. (لاتخذناه من لدنا) أي من عندنا لا من عندكم. قال ابن جريج: من أهل ~~السماء لا من أهل الأرض. # قيل: أراد الرد على من قال إن الأصنام بنات الله، أي كيف يكون منحوتكم ~~ولدا لنا. وقال ابن قتيبة: الآية رد على النصارى. (إن كنا فاعلين) قال ~~قتادة ومقاتل وابن. جريج والحسن: # المعنى ما كنا فاعلين، مثل " إن أنت إلا نذير " (2) [فاطر: 23] أي ما أنت ~~إلا نذير. و " إن " بمعنى الجحد وتم الكلام عند قوله: " لاتخذناه من لدنا ~~". وقيل: إنه على معنى الشرط، أي إن كنا فاعلين ذلك ولكن لسنا بفاعلين ms4120 ذلك ~~لاستحالة أن يكون لنا ولد، إذ لو كان ذلك لم نخلق جنة # PageV11P276 # ولا نارا ولا موتا ولا بعثا ولا حسابا. وقيل: لو أردنا أن نتخذ ولدا على ~~طريق التبني لاتخذناه من عندنا من الملائكة. ومال إلى هذا قوم، لان الإرادة ~~قد تتعلق بالتبني فأما اتخاذ الولد فهو محال، والإرادة لا تتعلق بالمستحيل، ~~ذكره القشيري. # قوله تعالى: (بل نقذف بالحق على الباطل) القذف الرمي، أي نرمي بالحق على ~~الباطل. (فيدمغه) أي يقهره ويهلكه. وأصل الدمغ شج الرأس حتى يبلغ الدماغ، ~~ومنه الدامغة (1). والحق هنا القرآن، والباطل الشيطان في قول مجاهد، قال: ~~وكل ما في القرآن من الباطل فهو الشيطان. وقيل: الباطل كذبهم ووصفهم الله ~~عز وجل بغير صفاته من الولد وغيره. وقيل: أراد بالحق الحجة، وبالباطل ~~شبههم. وقيل: الحق المواعظ، والباطل المعاصي، والمعنى متقارب. والقرآن ~~يتضمن الحجة والموعظة. (فإذا هو زاهق) أي هالك وتالف، قاله قتادة. (ولكم ~~الويل) أي العذاب في الآخرة بسبب وصفكم الرب بما لا يجوز وصفه. # وقال ابن عباس: الويل واد في جهنم، وقد تقدم (1). " مما تصفون " أي مما ~~تكذبون، عن قتادة ومجاهد، نظيره: " سيجزيهم وصفهم " (2) [الانعام: 139] أي ~~بكذبهم. وقيل: مما تصفون الله به من المحال وهو اتخاذه سبحانه الولد. # قوله تعالى: وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ~~ولا يستحسرون (19) يسبحون الليل والنهار لا يفترون (20) أم اتخذوا آلهة من ~~الأرض هم ينشرون (21) قوله تعالى: (وله من في السماوات والأرض) أي ملكا ~~وخلقا فكيف يجوز أن يشرك به ما هو عبده وخلقه. (ومن عنده) يعني الملائكة ~~الذين ذكرتم أنهم بنات الله. # (لا يستكبرون) أي لا يأنفون (عن عبادته) والتذلل له. (ولا يستحسرون) أي ~~يعيون، قاله قتادة. مأخوذ من الحسير وهو البعير المنقطع بالاعياء والتعب، ~~[يقال]: حسر البعير يحسر حسورا أعيا وكل، واستحسر وتحسر مثله، وحسرته أنا ~~حسرا يتعدى ولا يتعدى، # PageV11P277 # وأحسرته أيضا فهو حسير. وقال ابن زيد: لا يملون. ابن عباس: لا يستنكفون. ~~وقال أبو زيد: لا يكلون. وقيل: لا يفشلون، ذكره ابن ms4121 الأعرابي، والمعنى ~~واحد. (يسبحون الليل والنهار) أي يصلون ويذكرون الله وينزهونه دائما. (لا ~~يفترون) أي لا يضعفون ولا يسأمون، يلهمون التسبيح والتقديس كما يلهمون ~~النفس. قال عبد الله بن الحرث سألت كعبا فقلت: أما لهم شغل عن التسبيح؟ أما ~~يشغلهم عنه شئ؟ فقال: من هذا؟ فقلت: من بني عبد المطلب، فضمني إليه وقال: ~~يا بن أخي هل يشغلك شئ عن النفس؟! إن التسبيح لهم بمنزلة النفس. وقد استدل ~~بهذه الآية من قال: إن الملائكة أفضل من بني آدم. وقد تقدم (1) والحمد لله. # قوله تعالى: (أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون) قال المفضل: مقصود هذا ~~الاستفهام الجحد، أي لم يتخذوا آلهة تقدر على الاحياء. وقيل: " أم " بمعنى ~~" هل " أي هل أتخذ هؤلاء المشركون آلهة من الأرض يحيون الموتى. ولا تكون " ~~أم " هنا بمعنى بل، لان ذلك يوجب لهم إنشاء الموتى إلا أن تقدر " أم " مع ~~الاستفهام فتكون " أم " المنقطعة فيصح المعنى، قاله المبرد. وقيل: " أم " ~~عطف على المعنى أي أفخلقنا السماء والأرض لعبا، أو هذا الذي أضافوه إلينا ~~من عندنا فيكون لهم موضع شبهة؟ أو هل ما اتخذوه من الآلهة في الأرض يحيى ~~الموتى فيكون موضع شبهة؟. وقيل: " لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم أفلا ~~تعقلون " [الأنبياء: 10] ثم عطف عليه بالمعاتبة، وعلى هذين التأويلين تكون ~~" أم " متصلة. # وقرأ الجمهور: " ينشرون " بضم الياء وكسر الشين من أنشر الله الميت فنشر ~~أي أحياه فحيي. # وقرأ الحسن: بفتح الياء، أي يحيون ولا يموتون. # قوله تعالى: لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما ~~يصفون (22) لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون (23) أم اتخذوا من دونه آلهة قل ~~هاتوا برهانكم هذا ذكر من معي وذكر من قبلي بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم ~~معرضون (24) # PageV11P278 # قوله تعالى: (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) أي لو كان في السماوات ~~والأرضين آلهة غير الله معبودون لفسدتا. قال الكسائي وسيبويه: " إلا " ~~بمعنى غير فلما جعلت إلا في موضع غير أعرب الاسم الذي بعدها بإعراب ms4122 غير، ~~كما قال: # وكل أخ مفارقه أخوه * لعمر أبيك إلا الفرقدان وحكى سيبويه: لو كان معنا ~~رجل إلا زيد لهلكنا. وقال الفراء: " إلا " هنا في موضع سوى، والمعنى: لو ~~كان فيهما آلهة سوى الله لفسد أهلها. وقال غيره: أي لو كان فيهما إلهان ~~لفسد التدبير، لان أحدهما إن أراد شيئا والآخر ضده كان أحدهما عاجزا: وقيل: ~~معنى " لفسدتا " أي خربتا وهلك من فيهما بوقوع التنازع بالاختلاف الواقع ~~بين الشركاء. (فسبحان الله رب العرش عما يصفون) نزه نفسه وأمر العباد أن ~~ينزهوه عن أن يكون له شريك أو ولد. # قوله تعالى: (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون) قاصمة للقدرية وغيرهم. قال ~~ابن جريج المعنى. لا يسأله الخلق عن قضائه في خلقه وهو يسأل الخلق عن ~~عملهم، لأنهم عبيد. بين بهذا أن من يسأل غدا عن أعماله كالمسيح والملائكة ~~لا يصلح للآلهية. وقيل: لا يؤاخذ على أفعاله وهم يؤاخذون. وروي عن علي رضي ~~عنه أن رجلا قال له يا أمير المؤمنين: أيحب ربنا أن يعصى؟ قال: أفيعصي ربنا ~~قهرا؟ قال: أرأيت إن منعني. الهدى ومنحني الردى أأحسن إلي أم أساء؟ قال: إن ~~منعك حقك فقد أساء، وإن منعك فضله فهو يؤتيه من يشاء. ثم تلا الآية: " لا ~~يسأل عما يفعل وهم يسألون ". وعن ابن عباس قال: لما بعث الله عز وجل موسى ~~وكلمه، وأنزل عليه التوراة، قال: اللهم إنك رب عظيم، لو شئت أن تطاع لأطعت، ~~ولو شئت ألا تعصى ما عصيت، وأنت تحب أن تطاع وأنت في ذلك تعصى فكيف هذا يا ~~رب؟ فأوحى الله إليه: إني لا أسأل عما أفعل وهم يسألون. # قوله تعالى: (أم اتخذوا من دونه آلهة) أعاد التعجب في اتخاذ الآلهة من ~~دون الله مبالغة في التوبيخ، أي صفتهم كما تقدم في الانشاء والاحياء، فتكون ~~" أم " بمعنى هل على ما تقدم، فليأتوا بالبرهان على ذلك. وقيل: الأول ~~احتجاج من حيث المعقول، لأنه قال: # " هم ينشرون " ويحيون الموتى، هيهات! والثاني احتجاج بالمنقول، أي هاتوا ~~برهانكم من PageV11P279 # هذه الجهة، ms4123 ففي أي كتاب نزل هذا؟ في القرآن، أم في الكتب المنزلة على ~~سائر الأنبياء؟ # (هذا ذكر من معي) بإخلاص التوحيد في القرآن (وذكر من قبلي) في التوراة ~~والإنجيل، وما أنزل الله من الكتب، فانظروا هل في كتاب من هذه الكتب أن ~~الله أمر باتخاذ آلهة سواه؟ فالشرائع لم تختلف فيما يتعلق بالتوحيد، وإنما ~~اختلفت في الأوامر والنواهي. وقال قتادة: الإشارة إلى القرآن، المعنى: " ~~هذا ذكر من معي " بما يلزمهم من الحلال والحرام " وذكر من قبلي " من الأمم ~~ممن نجا بالايمان وهلك بالشرك. وقيل: " ذكر من معي " بما لهم من الثواب على ~~الايمان والعقاب على الكفر. " وذكر من قبلي " من الأمم السالفة فيما يفعل ~~بهم في الدنيا، وما يفعل بهم في الآخرة. وقيل: معنى الكلام الوعيد ~~والتهديد، أي أفعلوا ما شئتم فعن قريب ينكشف الغطاء. وحكى أبو حاتم: أن ~~يحيى بن يعمر وطلحة ابن مصرف قرأ " هذا ذكر من معي وذكر من قبلي " بالتنوين ~~وكسر الميم، وزعم أنه لا وجه لهذا. وقال أبو إسحاق الزجاج في هذه القراءة: ~~المعنى، هذا ذكر مما أنزل إلي ومما هو معي وذكر من قبلي. وقيل: ذكر كائن من ~~قبلي، أي جئت بما جاءت به الأنبياء من قبلي. # (بل أكثرهم لا يعلمون الحق) وقرأ ابن محيص والحسن: " الحق " بالرفع بمعنى ~~هو الحق وهذا هو الحق وعلى هذا يوقف على " لا يعلمون " ولا يوقف عليه على ~~قراءة النصب. # (فهم معرضون) أي عن الحق وهو القرآن، فلا يتأملون حجة التوحيد. # قوله تعالى: وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا ~~أنا فاعبدون (25) قوله تعالى: (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا يوحى إليه) ~~(1) وقرأ حفص وحمزة والكسائي: " نوحي إليه " بالنون، لقوله: " أرسلنا ". ~~(أنه لا إله إلا أنا فاعبدون) أي قلنا للجميع لا إله إلا الله، فأدل العقل ~~شاهدة أنه لا شريك له، والنقل عن جميع الأنبياء موجود، والدليل إما معقول ~~وإما منقول. وقال قتادة: لم يرسل نبي إلا بالتوحيد، والشرائع مختلفة في ~~التوراة ms4124 والإنجيل والقرآن، وكل ذلك على الاخلاص والتوحيد. # PageV11P280 # قوله تعالى: وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون (26) لا ~~يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون (27) يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا ~~يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون (28) ومن يقل منهم إني إله من ~~دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزى الظالمين (29) قوله تعالى: (وقالوا اتخذ ~~الرحمن ولدا سبحانه) نزلت في خزاعة حيث قالوا: # الملائكة بنات الله، وكانوا يعبدونهم طمعا في شفاعتهم لهم. وروى معمر عن ~~قتادة قال قالت اليهود - قال معمر في روايته - أو طوائف من الناس: خاتن إلى ~~الجن والملائكة من الجن، فقال الله عز وجل: " سبحانه " تنزيها له. (بل ~~عباد) أي بل هم عباد (مكرمون) أي ليس كما زعم هؤلاء الكفار. ويجوز النصب ~~عند الزجاج على معنى بل اتخذ عبادا مكرمين. وأجازه الفراء على أن يرده على ~~ولد، أي بل لم نتخذهم ولدا، بل اتخذناهم عبادا مكرمين. والولد ها هنا ~~للجمع، وقد يكون الواحد والجمع ولدا. ويجوز أن يكون لفظ الولد للجنس، كما ~~يقال لفلان مال. (لا يسبقونه بالقول) أي لا يقولون حتى يقول، ولا يتكلمون ~~إلا بما يأمرهم. (وهم بأمره يعملون) أي بطاعته وأوامره. " يعلم ما بين ~~أيديهم " أي يعلم ما عملوا وما هم عاملون، قال ابن عباس. وعنه أيضا: " ما ~~بين أيديهم " الآخرة " وما خلفهم " الدنيا، ذكر الأول الثعلبي، والثاني ~~القشيري. (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى) قال ابن عباس: هم أهل شهادة أن لا إله ~~إلا الله. وقال مجاهد: هم كل من رضي الله عنه، والملائكة يشفعون غدا في ~~الآخرة كما في صحيح مسلم وغيره، وفي الدنيا أيضا، فإنهم يستغفرون للمؤمنين ~~ولمن في الأرض، كما نص عليه التنزيل على ما يأتي. (وهم) يعني الملائكة (من ~~خشيته) يعني من خوفه (مشفقون) أي خائفون لا يأمنون مكره. PageV11P281 # قوله تعالى: (ومن يقل منهم إني إله من دونه) قال قتادة والضحاك وغيرهما: ~~عنى بهذه الآية إبليس حيث أدعى الشركة، ودعا إلى عبادة نفسه وكان من ~~الملائكة، ولم يقل أحد من ms4125 الملائكة إني إله غيره. وقيل: الإشارة إلى جميع ~~الملائكة، أي فذلك القائل (نجزيه جهنم). وهذا دليل على أنهم وإن أكرموا ~~بالعصمة فهم متعبدون، وليسوا مضطرين إلى العبادة كما ظنه بعض الجهال. وقد ~~استدل ابن عباس بهذه الآية على أن محمدا صلى الله عليه وسلم أفضل أهل ~~السماء. وقد تقدم في " البقرة " (1). (كذلك نجزى الظالمين) أي كما جزينا ~~هذا بالنار فكذلك نجزي الظالمين الواضعين الألوهية والعبادة في غير ~~موضعهما. # قوله تعالى: أو لم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ~~ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شئ حي أفلا يؤمنون (30) وجعلنا في الأرض ~~رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون (31) وجعلنا السماء ~~سقفا محفوظا وهم عن آياتها معرضون (32) هو الذي خلق الليل والنهار والشمس ~~والقمر كل في فلك يسبحون (33) قوله تعالى: (أو لم ير الذين كفروا) قراءة ~~العامة " أو لم " بالواو. وقرأ ابن كثير وابن محيصن وحميد وشبل بن عباد " ~~ألم تر " بغير واو وكذلك هو في مصحف مكة. " أو لم ير " بمعنى يعلم. " الذين ~~كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا " قال الأخفش: " كانتا " لأنهما ~~صنفان، كما تقول العرب: هما لقاحان أسودان، وكما قال الله عز وجل: " إن ~~الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا " (2) [فاطر: 41] قال أبو إسحاق: " ~~كانتا " لأنه يعبر عن السماوات بلفظ الواحد بسماء، ولأن السماوات كانت سماء ~~واحدة، وكذلك الأرضون. وقال: " رتقا " # PageV11P282 # ولم يقل رتقين، لأنه مصدر، والمعنى: كانتا ذواتي رتق. وقرأ الحسن: " رتقا ~~" بفتح التاء. # قال عيسى بن عمر: هو صواب وهي لغة. والرتق السد ضد الفتق، وقد رتقت الفتق ~~أرتقه فارتتق أي التأم، ومنه الرتقاء للمنضمة الفرج. قال ابن عباس والحسن ~~وعطاء والضحاك وقتادة: يعني أنها كانت شيئا واحدا ملتزقتين ففصل الله ~~بينهما بالهواء. وكذلك قال كعب: # خلق الله السماوات والأرض بعضها على بعض ثم خلق ريحا بوسطها (1) ففتحها ~~بها، وجعل السماوات سبعا والأرضين سبعا. وقول ثان قاله مجاهد والسدي وأبو ~~صالح: كانت السماوات مؤتلفة طبقة واحدة ففتقها فجعلها سبع سماوات، وكذلك ~~الأرضين ms4126 كانت مرتتقة طبقة واحدة ففتقها فجعلها سبعا. وحكاه القتبي في عيون ~~الاخبار له، عن إسماعيل بن أبي خالد في قول الله عز وجل: " أو لم ير الذين ~~كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما " قال: كانت السماء مخلوقة ~~وحدها والأرض مخلوقة وحدها، ففتق من هذه سبع سماوات، ومن هذه سبع أرضين، ~~خلق الأرض العليا فجعل سكانها الجن والإنس، وشق فيها الأنهار وأنبت فيها ~~الأثمار، وجعل فيها البحار وسماها رعاء، عرضها مسيرة خمسمائة عام، ثم خلق ~~الثانية مثلها في العرض والغلظ وجعل فيها أقواما، أفواههم كأفواه الكلاب ~~وأيديهم أيدي الناس، وآذانهم آذان البقر وشعورهم شعور الغنم، فإذا كان عند ~~اقتراب الساعة ألقتهم الأرض إلى يأجوج ومأجوج، واسم تلك الأرض الدكماء، ثم ~~خلق الأرض الثالثة غلظها مسيرة خمسمائة عام، ومنها هواء إلى الأرض. الرابعة ~~خلق فيها ظلمة وعقارب لأهل النار مثل البغال السود، ولها أذناب مثل أذناب ~~الخيل الطوال، يأكل بعضها بعضا فتسلط على بني آدم. ثم خلق الله الخامسة ~~[مثلها] (2) في الغلظ والطول والعرض فيها سلاسل وأغلال وقيود لأهل النار. ~~ثم خلق الله الأرض السادسة واسمها ماد، فيها حجارة سود بهم، ومنها خلقت ~~تربة آدم عليه السلام، تبعث تلك الحجارة يوم القيامة وكل حجر منها كالطود ~~العظيم، وهي من كبريت تعلق في أعناق الكفار فتشتعل حتى تحرق وجوههم ~~وأيديهم، فذلك قوله عز وجل: # " وقودها الناس والحجارة " (3) [البقرة: 24] ثم خلق الله الأرض السابعة ~~واسمها عربية وفيها جهنم، فيها بابان اسم # PageV11P283 # الواحد سجين و [اسم] (1) الآخر الفلق (1)، فأما سجين فهو مفتوح وإليه ~~ينتهي كتاب الكفار، وعليه يعرض أصحاب المائدة وقوم فرعون، وأما الفلق (1) ~~فهو مغلق لا يفتح إلى يوم القيامة. وقد مضى في " البقرة " (2) أنها سبع ~~أرضين بين كل أرضين مسيرة خمسمائة عام، وسيأتي له في آخر " الطلاق " (3) ~~زيادة بيان إن شاء الله تعالى. وقول ثالث قاله عكرمة وعطية وابن زيد وابن ~~عباس أيضا فيما ذكر المهدوي: إن السماوات كانت رتقا لا تمطر، والأرض كانت ~~رتقا لا تنبت، ففتق السماء بالمطر، والأرض بالنبات، ms4127 نظيره قوله عز وجل: " ~~والسماء ذات الرجع. والأرض ذات الصدع " (4) [الطارق: 11 - 12]. واختار هذا ~~القول الطبري، لان بعده: " وجعلنا من الماء كل شئ حي أفلا يؤمنون ". # قلت: وبه يقع الاعتبار مشاهدة ومعاينة، ولذلك أخبر بذلك في غير ما آية، ~~ليدل على كمال قدرته، وعلى البعث والجزاء. وقيل: # يهون عليهم إذا يغضبون * سخط العداة وإرغامها ورتق الفتوق وفتق الرتوق * ~~ونقض الأمور وإبرامها وفي قوله تعالى: (وجعلنا من الماء كل شئ حي) ثلاث ~~تأويلات: أحدها: أنه خلق كل شئ من الماء، قاله قتادة. الثاني - حفظ حياة كل ~~شئ بالماء. الثالث - وجعلنا من ماء الصلب كل شئ حي، قاله قطرب. " وجعلنا " ~~بمعنى خلقنا. وروى أبو حاتم البستي في المسند الصحيح له من حديث أبي هريرة ~~قال: قلت يا رسول الله! إذا رأيتك طابت نفسي، وقرت عيني، أنبئني عن كل شئ، ~~قال: (كل شئ خلق من الماء) الحديث، قال أبو حاتم قول أبي هريرة: " أنبئني ~~عن كل شئ " أراد به عن كل شئ خلق من الماء " والدليل على صحة هذا جواب ~~المصطفى إياه حيث قال: (كل شئ خلق من الماء) وإن لم يكن مخلوقا. وهذا ~~احتجاج آخر سوى ما تقدم من كون السماوات والأرض رتقا. وقيل: الكل قد يذكر ~~بمعنى البعض كقوله: " وأوتيت من كل شئ " (5) [النمل: 23] # PageV11P284 # وقوله: " تدمر كل شئ " (1) [الأحقاف: 25] والصحيح العموم، لقوله عليه ~~السلام: (كل شئ خلق من الماء) والله أعلم. (أفلا يؤمنون) أي أفلا يصدقون ~~بما يشاهدون، وأن ذلك لم يكن بنفسه، بل لمكون كونه، ومدبر أوجده، ولا يجوز ~~أن يكون ذلك المكون محدثا. # قوله تعالى: (وجعلنا في الأرض رواسي) أي جبالا ثوابت. (أن تميد بهم) أي ~~لئلا تميد بهم، ولا تتحرك ليتم القرار عليها، قاله الكوفيون. وقال ~~البصريون: المعنى كراهية أن تميد. والميد التحرك والدوران. يقال: ماد رأسه، ~~أي دار. ومضى في " النحل " (2) مستوفي. (وجعلنا فيها فجاجا) يعني في ~~الرواسي، عن ابن عباس. والفجاج المسالك. # والفج الطريق الواسع بين الجبلين. وقيل: وجعلنا في الأرض فجاجا أي مسالك، ~~وهو اختيار ms4128 الطبري، لقوله: (لعلهم يهتدون) أي يهتدون إلى السير في الأرض. ~~(سبلا) تفسير الفجاج، لان الفج قد يكون طريقا نافذا مسلوكا وقد لا يكون. ~~وقيل: ليهتدوا بالاعتبار بها إلى دينهم. # قوله تعالى: (وجعلنا السماء سقفا محفوظا) أي محفوظا من أن يقع ويسقط على ~~الأرض، دليله قوله تعالى: " ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه " (3) ~~[الحج: 65]. وقيل: # محفوظا بالنجوم من الشياطين، قاله الفراء. دليله قوله تعالى: " وحفظناها ~~من كل شيطان رجيم " (2) [الحجر: 17]. وقيل: محفوظا من الهدم والنقض، وعن أن ~~يبلغه أحد بحيلة. وقيل: # محفوظا فلا يحتاج إلى عماد. وقال مجاهد: مرفوعا. وقيل: محفوظا من الشرك ~~والمعاصي. # (وهم) يعني الكفار (عن آياتها معرضون) قال مجاهد: يعني الشمس والقمر. ~~وأضاف الآيات إلى السماء لأنها مجعولة فيها، وقد أضاف الآيات إلى نفسه في ~~مواضع، لأنه الفاعل لها. بين أن المشركين غفلوا عن النظر في السماوات ~~وآياتها، من ليلها ونهارها، وشمسها وقمرها، وأفلاكها ورياحها وسحابها، وما ~~فيها من قدرة الله تعالى، إذ لو نظروا واعتبروا لعلموا أن لها صانعا قادرا ~~واحدا فيستحيل أن يكون له شريك. # PageV11P285 # قوله تعالى: (وهو الذي خلق الليل والنهار) ذكرهم نعمة أخرى: جعل لهم ~~الليل ليسكنوا فيه، والنهار ليتصرفوا فيه لمعايشهم. (الشمس والقمر) أي وجعل ~~الشمس آية النهار، والقمر آية الليل، لتعلم الشهور والسنون والحساب، كما ~~تقدم في " سبحان " (1) بيانه. # (كل) يعني من الشمس والقمر والنجوم والكواكب والليل والنهار (في فلك ~~يسبحون) أي يجرون ويسيرون بسرعة كالسابح في الماء. قال الله تعالى وهو أصدق ~~القائلين: # " والسابحات (2) سبحا " ويقال للفرس الذي يمد يده في الجري سابح. وفيه من ~~النحو أنه لم يقل: يسبحن ولا تسبح، فمذهب سيبويه: أنه لما أخبر عنهن بفعل ~~من يعقل وجعلهن في الطاعة بمنزلة من يعقل، أخبر عنهن بالواو والنون ونحوه ~~قال الفراء. وقد تقدم هذا المعنى في " يوسف " (3). وقال الكسائي: إنما قال: ~~" يسبحون " لأنه رأس آية، كما قال الله تعالى: " نحن جميع منتصر " (4) ~~[القمر: 44] ولم يقل منتصرون. وقيل: الجري للفلك فنسب إليها. # والأصح أن السيارة تجري في ms4129 الفلك، وهي سبعة أفلاك دون السماوات المطبقة، ~~التي هي مجال الملائكة وأسباب الملكوت، فالقمر في الفلك الأدنى، ثم عطارد، ~~ثم الزهرة، ثم الشمس، ثم المريخ، ثم المشتري ثم زحل، والثامن فلك البروج، ~~والتاسع الفلك الأعظم. والفلك واحد أفلاك النجوم. قال أبو عمرو: ويجوز أن ~~يجمع على فعل مثل أسد وأسد وخشب وخشب. وأصل الكلمة من الدوران، ومنه فلكة ~~المغزل، لاستدارتها. ومنه قيل: فلك ثدي المرأة تفليكا، وتفلك استدار. وفي ~~حديث ابن مسعود: تركت فرسي كأنه يدور في فلك. كأنه لدورانه شبهه بفلك ~~السماء الذي تدور عليه النجوم. قال ابن زيد: الأفلاك مجاري النجوم والشمس ~~والقمر. قال: وهي بين السماء والأرض. وقال قتادة: الفلك استدارة في السماء ~~تدور بالنجوم مع ثبوت السماء. وقال مجاهد: الفلك كهيئة حديد الرحى وهو ~~قطبها. وقال الضحاك: فلكها مجراها وسرعة مسيرها. وقيل: الفلك موج مكفوف ~~ومجرى الشمس والقمر فيه، والله أعلم. # PageV11P286 # قوله تعالى: وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون (34) كل ~~نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون (35) قوله تعالى: ~~(وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد) أي دوام البقاء في الدنيا نزلت حين قالوا: ~~نتربص بمحمد ريب المنون. وذلك أن المشركين كانوا يدفعون نبوته ويقولون: # شاعر نتربص به ريب المنون، ولعله يموت كما مات شاعر بني فلان، فقال الله ~~تعالى: قد مات الأنبياء من قبلك، وتولى الله دينه بالنصر والحياطة، فهكذا ~~نحفظ دينك وشرعك. (أفإن مت فهم الخالدون) أي أفهم، مثل قول الشاعر: (1) ~~رفوني وقالوا يا خويلد لا ترع * فقلت وأنكرت الوجوه هم هم أي أهم! فهو ~~استفهام إنكار. وقال الفراء: جاء بالفاء ليدل على الشرط، لأنه جواب قولهم ~~سيموت. ويجوز أن يكون جئ بها، لان التقدير فيها: أفهم الخالدون إن مت! قال ~~الفراء: # ويجوز حذف الفاء وإضمارها، لان " هم " لا يتبين فيها الاعراب. أي إن مت ~~فهم يموتون أيضا، فلا شماتة في الإماتة. وقرئ " مت " و " مت " بكسر الميم ~~وضمها لغتان. # قوله تعالى: (كل نفس ذائقة الموت) تقدم في (آل ms4130 عمران) (2) (ونبلوكم بالشر ~~والخير فتنة) " فتنة " مصدر على غير اللفظ. أي نختبركم بالشدة والرخاء ~~والحلال والحرام، فننظر كيف شكركم وصبركم. (وإلينا ترجعون) أي للجزاء ~~بالاعمال. # قوله تعالى: وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي يذكر ~~آلهتكم وهم بذكر الرحمن هم كافرون (36) # PageV11P287 # قوله تعالى: (وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا) أي ما يتخذونك. # والهزء السخرية، وقد تقدم. وهم المستهزئون المتقدمو الذكر في آخر سورة " ~~الحجر " (1) في قوله: " إنا كفيناك المستهزئين " [الحجر: 95]. كانوا يعيبون ~~من جحد إلهية أصنامهم وهم جاحدون لإلهية الرحمن، وهذا غاية الجهل (أهذا ~~الذي) أي يقولون: أهذا الذي؟ فأضمر القول وهو جواب " إذا " وقوله: " إن ~~يتخذونك إلا هزوا " كلام معترض بين " إذا " وجوابه. # (يذكركم آلهتكم) أي بالسوء والعيب. ومنه قول عنترة. # لا تذكري مهري وما أطعمته * فيكون جلدك مثل جلد الأجرب (2) أي لا تعيبي ~~مهري. (وهم بذكر الرحمن) أي بالقرآن. (هم كافرون) " هم " الثانية توكيد ~~كفرهم، أي هم الكافرون مبالغة في وصفهم بالكفر. # قوله تعالى: خلق الانسان من عجل سأوريكم آياتي فلا تستعجلون (37) ويقولون ~~متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (38) لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن ~~وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون (39) بل تأتيهم بغتة فتبهتهم فلا ~~يستطيعون ردها ولا هم ينظرون (40) قوله تعالى: (خلق الانسان من عجل) أي ركب ~~على العجلة فخلق عجولا، كما قال الله تعالى: " الله الذي خلقكم من ضعف " ~~(3) [الروم: 54] أي خلق الانسان ضعيفا. ويقال: خلق الانسان من الشر أي ~~شريرا إذا بالغت في وصفه به. ويقال: إنما أنت ذهاب ومجئ. أي ذاهب جائي. أي ~~طبع الانسان العجلة، فيستعجل كثيرا من الأشياء وإن كانت مضرة. ثم قيل: # المراد بالانسان آدم عليه السلام. قال سعيد بن جبير والسدي: لما دخل ~~الروح في عيني # PageV11P288 # آدم عليه السلام نظر في ثمار الجنة، فلما دخل جوفه اشتهى الطعام، فوثب من ~~قبل أن تبلغ الروح رجليه عجلان إلى ثمار الجنة. فذلك قوله: " خلق الانسان ~~من عجل ". وقيل: # خلق آدم يوم الجمعة ms4131 في آخر النهار، فلما أحيا الله رأسه استعجل، وطلب ~~تتميم نفخ الروح فيه قبل غروب الشمس، قاله الكلبي ومجاهد وغيرهما. وقال أبو ~~عبيدة وكثير من أهل المعاني: # العجل الطين بلغة حمير. وأنشدوا: # * والنخل ينبت بين الماء والعجل (1) * وقيل: المراد بالانسان الناس كلهم. ~~وقيل المراد: النضر بن الحرث بن علقمة بن كلدة بن عبد الدار في تفسير ابن ~~عباس، أي لا ينبغي لمن خلق من الطين الحقير أن يستهزئ بآيات الله ورسله. # وقيل: إنه من المقلوب، أي خلق العجل من الانسان. وهو مذهب أبي عبيدة. ~~النحاس: # وهذا القول لا ينبغي أن يجاب به في كتاب الله، لان القلب إنما يقع في ~~الشعر اضطرارا كما (2) قال: # * كان الزناء فريضة الرجم * ونظيره (3) هذه الآية: " وكان الانسان عجولا ~~" [الاسراء: 11] وقد مضى في " سبحان " (3) [الاسراء: 1]. (سأوريكم آياتي ~~فلا تستعجلون) هذا يقوي القول الأول، وأن طبع الانسان العجلة، وأنه خلق ~~خلقا لا يتمالك، كما قال عليه السلام حسب ما تقدم في " سبحان ". والمراد ~~بالآيات ما دل على صدق محمد عليه السلام من المعجزات، وما جعله له من ~~العاقبة المحمودة. وقيل: ما طلبوه من العذاب، فأرادوا الاستعجال وقالوا: " ~~متى هذا الوعد " [يونس: 48]؟ وما علموا أن لكل شئ أجلا مضروبا. # نزلت في النضر بن الحرث. وقوله: " إن كان هذا (4) هو الحق " [الأنفال: ~~32]. وقال الأخفش سعيد: # معنى " خلق الانسان من عجل " أي قيل له كن فكان، فمعنى " فلا تستعجلون " ~~على هذا القول أنه من يقول للشئ كن فيكون، لا يعجزه إظهار ما استعجلوه من ~~الآيات. (ويقولون متى هذا الوعد) أي الموعود، كما يقال: الله رجاؤنا أي ~~مرجونا. وقيل: معنى " الوعد " هنا الوعيد، أي الذي يعدنا من العذاب. وقيل: ~~القيامة. (إن كنتم صادقين) يا معشر المؤمنين. # PageV11P289 # قوله تعالى: (لو يعلم الذين كفروا) العلم هنا بمعنى المعرفة فلا يقتضي ~~مفعولا ثانيا مثل " لا تعلمونهم (1) الله يعلمهم " [الأنفال: 60]. وجواب " ~~لو " محذوف، أي لو علموا الوقت الذي (لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ~~ظهورهم ولا هم ينصرون) وعرفوه لما استعجلوا الوعيد. وقال ms4132 الزجاج: أي لعلموا ~~صدق الوعد. وقيل: المعنى لو علموه لما أقاموا على الكفر ولآمنوا. وقال ~~الكسائي: هو تنبيه على تحقيق وقوع الساعة، أي لو علموه علم يقين لعلموا أن ~~الساعة آتية. ودل عليه (بل تأتيهم بغتة) أي فجأة يعني القيامة. وقيل ~~العقوبة. # وقيل: النار فلا يتمكنون حيلة (فتبهتهم). قال الجوهري: بهته بهتا أخذه ~~بغتة، قال الله تعالى: " بل تأتيهم بغتة فتبهتهم ". وقال الفراء: " فتبهتهم ~~" أي تحيرهم، يقال: بهته يبهته إذا واجهه بشئ يحيره. وقيل: فتفجأهم. (فلا ~~يستطيعون ردها) أي صرفها عن ظهورهم. (ولا هم ينظرون) أي لا يمهلون ويؤخرون ~~لتوبة واعتذار. # قوله تعالى: ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا ~~به يستهزءون (41) قوله تعالى: (ولقد استهزئ برسل من قبلك) هذا تسلية للنبي ~~صلى الله عليه وسلم وتعزية له. يقول: إن استهزأ بك هؤلاء، فقد استهزئ برسل ~~من قبلك، فاصبر كما صبروا. # ثم وعده النصر فقال: (فحاق) أي أحاط ودار (بالذين) كفروا و (سخروا منهم) ~~وهزءوا بهم (ما كانوا به يستهزئون) أي جزاء استهزائهم. # قوله تعالى: قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن بل هم عن ذكر ربهم ~~معرضون (42) أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم ~~منا يصحبون (43) بل متعنا هؤلاء وآباءهم حتى طال عليهم العمر أفلا يرون أنا ~~نأتي الأرض ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون (440) PageV11P290 # قوله تعالى: (قل من يكلؤكم) يحرسكم ويحفظكم. والكلاءة الحراسة والحفظ، ~~كلأه الله كلاء (بالكسر) أي حفظه وحرسه. يقال: اذهب في كلاءة الله، واكتلأت ~~منهم أي احترست، قال الشاعر هو ابن هرمة: # إن سليمى والله يكلؤها * ضنت بشئ ما كان يرزؤها وقال آخر: (1) * أنخت ~~بعيري واكتلأت بعينه * وحكى الكسائي والفراء " قل من يكلوكم " بفتح اللام ~~وإسكان الواو. وحكيا " من يكلأكم " على تخفيف الهمزة في الوجهين، والمعروف ~~تحقيق الهمزة وهي قراءة العامة. فأما " يكلأكم " فخطأ من وجهين فيما ذكره ~~النحاس: أحدهما: أن بدل الهمزة إنما يكون في الشعر. والثاني: # أنهما يقولان في الماضي كليته. # ثم قيل: مخرج اللفظ ms4133 مخرج الاستفهام والمراد به النفي. وتقديره: قل لا ~~حافظ لكم (بالليل) إذا نمتم (و) ب‍ (بالنهار) إذا قمتم وتصرفتم في أموركم. ~~(من الرحمن) أي من عذابه وبأسه، كقوله تعالى: " فمن ينصرني من الله " (2) ~~[هود: 63] أي من عذاب الله. والخطاب لمن اعترف منهم بالصانع، أي إذا أقررتم ~~بأنه الخالق، فهو القادر على إحلال العذاب الذي تستعجلونه. (بل هم عن ذكر ~~ربهم) أي عن القرآن. وقيل: عن مواعظ ربهم وقيل: # عن معرفته. (معرضون) لا هون غافلون. # قوله تعالى: (أم لهم آلهة) المعنى: ألهم والميم صلة. (تمنعهم من دوننا) ~~أي من عذابنا. (لا يستطيعون) يعنى الذين زعم هؤلاء الكفار أنهم ينصرونهم لا ~~يستطيعون (نصر أنفسهم) فكيف ينصرون عابديهم. (ولا هم منا يصحبون) قال ابن ~~عباس: يمنعون. # وعنه: يجارون، وهو اختيار الطبري. تقول العرب: أنا لك جار وصاحب من فلان، ~~أي مجير منه، قال الشاعر: # ينادي بأعلى صوته متعوذا * ليصحب منها والرماح دواني # PageV11P291 # وروى معمر عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: " ينصرون " أي يحفظون. قتادة: # أي لا يصحبهم الله بخير، ولا يجعل رحمته صاحبا لهم. # قوله تعالى: (بل متعنا هؤلاء وآباءهم) قال ابن عباس: يريد أهل مكة. أي ~~بسطنا لهم ولآبائهم في نعيمها و (طال عليهم العمر) في النعمة فظنوا أنها لا ~~تزول عنهم، فاغتروا وأعرضوا عن تدبير حجج الله عز وجل. (أفلا يرون أنا نأتي ~~الأرض ننقصها من أطرافها) أي بالظهور عليها لك يا محمد أرضا بعد أرض، ~~وفتحها بلدا بعد بلد مما حول مكة، قال معناه الحسن وغيره. وقيل: بالقتل ~~والسبي، حكاه (1) الكلبي. والمعنى واحد. وقد مضى في " الرعد " (2) الكلام ~~في هذا مستوفى. (أفهم الغالبون) يعني كفار مكة بعد أن نقصنا من أطرافهم، بل ~~أنت تغلبهم وتظهر عليهم. # قوله تعالى: قل إنما أنذركم بالوحي ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون ~~(45) ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك ليقولن يا ويلنا إنا كنا ظالمين (46) ~~قوله تعالى: (قل إنما أنذركم بالوحي) أي أخوفكم وأحذركم بالقرآن. (ولا يسمع ~~الصم الدعاء) أي من أصم الله ms4134 قلبه، وختم على سمعه، وجعل على بصره غشاوة، عن ~~فهم الآيات وسماع الحق. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي ومحمد بن السميقع " ولا ~~يسمع " بياء مضمومة وفتح الميم على ما لم يسم فاعله " الصم " رفعا أي إن ~~الله لا يسمعهم. وقرأ ابن عامر والسلمي أيضا، وأبو حياة ويحيى بن الحرث " ~~ولا تسمع " بتاء مضمومة وكسر الميم " الصم " نصبا، أي إنك يا محمد " لا ~~تسمع الصم الدعاء "، فالخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم. ورد هذه القراءة ~~بعض أهل اللغة. وقال: وكان يجب أن يقول: إذا ما تنذرهم. قال النحاس: # وذلك جائز، لأنه قد عرف المعنى. # PageV11P292 # قوله تعالى: (ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك) قال ابن عباس: طرف. قال ~~قتادة: عقوبة. ابن كيسان: قليل وأدنى شئ، مأخوذة من نفح المسك. قال: (1) ~~وعمرة من سروات النساء * تنفح بالمسك أردانها ابن جريج: نصيب، كما يقال: ~~نفح فلان لفلان من عطائه، إذا أعطاه نصيبا من المال. # قال الشاعر: (2) لما أتيتك أرجو فضل نائلكم * نفحتني نفحة طابت لها العرب ~~أي طابت لها النفس. والنفحة في اللغة الدفعة اليسيرة، فالمعنى ولئن مسهم ~~أقل شئ من العذاب. (ليقولن يا ويلنا إنا كنا ظالمين) أي متعدين. فيعترفون ~~حين لا ينفعهم الاعتراف. # قوله تعالى: ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان ~~مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين (47) قوله تعالى: (ونضع ~~الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا) الموازين جمع ميزان. فقيل: ~~إنه يدل بظاهره على أن لكل مكلف ميزانا توزن به أعماله، فتوضع الحسنات في ~~كفة، والسيئات في كفة. وقيل: يجوز أن يكون هناك موازين للعامل الواحد، يوزن ~~بكل ميزان منها صنف من أعماله، كما قال: # ملك تقوم الحادثات لعدله * فلكل حادثة لها ميزان ويمكن أن يكون ميزانا ~~واحدا عبر عنه بلفظ الجمع. وخرج اللالكاني الحافظ أبو القاسم في سننه عن ~~أنس يرفعه: (إن ملكا موكلا بالميزان فيؤتي بابن آدم فيوقف بين كفتي الميزان ~~فإن رجح نادي الملك بصوت يسمع الخلائق سعد فلان ms4135 سعادة لا يشقى بعدها أبدا ~~وإن خف نادي الملك شقي فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبدا). وخرج عن حذيفة رضي ~~الله عنه قال: # (صاحب الميزان يوم القيامة جبريل عليه السلام) وقيل: للميزان كفتان وخيوط ~~ولسان والشاهين، فالجمع يرجع إليها. وقال مجاهد وقتادة والضحاك: ذكر ~~الميزان مثل وليس ثم # PageV11P293 # ميزان وإنما هو العدل. والذي وردت به الاخبار وعليه السواد الأعظم القول ~~الأول. وقد مضى في " الأعراف " (1) بيان هذا، وفي " الكهف " (2) أيضا. وقد ~~ذكرناه في كتاب " التذكرة " مستوفى والحمد لله. و " القسط " العدل أي ليس ~~فيها بخس ولا ظلم كما يكون في وزن الدنيا. # و " القسط " صفة الموازين ووحد لأنه مصدر، يقال: ميزان قسط، وميزانان ~~قسط، وموازين قسط. مثل رجال عدل ورضا. وقرأت فرقة " القصط " بالصاد. " ليوم ~~القيامة " أي لأهل يوم القيامة. وقيل: المعنى في يوم القيامة. " فلا تظلم ~~نفس شيئا " أي لا ينقص من إحسان محسن ولا يزاد في إساءة مسئ. (وإن كان ~~مثقال حبة من خردل) قرأ نافع وشيبة وأبو جعفر " مثقال حبة " بالرفع هنا، ~~وفي " لقمان " (3) على معنى إن وقع أو حضر، فتكون كان تامة ولا تحتاج إلى ~~خبر الباقون " مثقال " بالنصب على معنى وإن كان العمل أو ذلك الشئ مثقال. ~~ومثقال الشئ ميزانه من مثله. (أتينا بها) مقصورة الألف قراءة الجمهور أي ~~أحضرناها وجئنا بها للمجازاة عليها ولها. يجاء بها أي بالحبة ولو قال به أي ~~بالمثقال لجاز. وقيل: مثقال الحبة ليس شيئا غير الحبة فلهذا قال: " أتينا ~~بها ". وقرأ مجاهد وعكرمة: # " آتينا " بالمد على معنى جازينا بها. يقال: آتي يؤاتي مؤاتاة. (وكفى بنا ~~حاسبين) أي مجازين (4) على ما قدموه من خير وشر. وقيل: " حاسبين " أي (5) ~~لا أحد أسرع حسابا منا. # والحساب العد. روى الترمذي عن عائشة رضي الله عنها: أن رجلا قعد بين يدي ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إن لي مملوكين يكذبونني ~~ويخونونني ويعصونني وأشتمهم وأضربهم فكيف أنا منهم؟ قال: (يحسب ما خانوك ~~وعصوك وكذبوك وعقابك إياهم فإن كان عقابك إياهم بقدر ms4136 ذنوبهم كان كفافا لا ~~لك ولا عليك وإن كان عقابك إياهم دون ذنوبهم كان فضلا لك وإن كان عقابك ~~[إياهم] (6) فوق ذنوبهم اقتص لهم منك الفضل) قال: # فتنحى الرجل فجعل يبكي ويهتف. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أما ~~تقرأ كتاب الله تعالى " ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس ~~شيئا ") فقال الرجل: والله يا رسول الله ما أجد لي ولهؤلاء شيئا خيرا من ~~مفارقتهم، أشهدك أنهم أحرار كلهم. قال حديث غريب. # PageV11P294 # قوله تعالى: ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين (48) ~~الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون (49) وهذا ذكر مبارك أنزلناه ~~أفأنتم له منكرون (50) قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى وهرون الفرقان وضياء) ~~وحكى عن ابن عباس وعكرمة " الفرقان ضياء " بغير واو على الحال. وزعم الفراء ~~أن حذف الواو والمجئ بها واحد، كما قال الله عز وجل: " إنا زينا السماء ~~الدنيا بزينة الكواكب (1). وحفظا " [الصافات: 6 - 7] أي حفظا. # ورد عليه هذا القول الزجاج. قال: لان الواو تجئ لمعنى فلا تزاد. قال: ~~وتفسير " الفرقان " التوراة، لان فيها الفرق بين الحرام والحلال. قال: " ~~وضياء " مثل " فيه هدى ونور " (2) وقال ابن زيد: " الفرقان " هنا هو النصر ~~على الأعداء، دليله قوله تعالى: " وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان " (3) ~~[الأنفال: 41] يعني يوم بدر. قال الثعلبي: وهذا القول أشبه بظاهر الآية، ~~لدخول الواو في الضياء، فيكون معنى الآية: ولقد آتينا موسى وهرون النصر ~~والتوراة التي هي الضياء والذكر. (للمتقين الذين يخشون ربهم بالغيب) أي ~~غائبين، لأنهم لم يروا الله تعالى، بل عرفوا بالنظر والاستدلال أن لهم ربا ~~قادرا، يجازي على الأعمال فهم يخشونه في سرائرهم، وخلواتهم التي يغيبون ~~فيها عن الناس. (وهم من الساعة) أي من قيامها قبل التوبة. # (مشفقون) أي خائفون وجلون. (وهذا ذكر مبارك أنزلناه) يعني القرآن (أفأنتم ~~له) يا معشر العرب (منكرون) وهو معجز لا تقدرون على الاتيان بمثله. وأجاز ~~الفراء " وهذا ذكر مباركا أنزلناه " بمعنى أنزلناه مباركا قوله تعالى: ولقد ~~آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين ms4137 (51) إذ قال لأبيه وقومه ما هذه ~~التماثيل التي أنتم لها عاكفون (52) قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين (53) ~~قال لقد كنتم أنتم # PageV11P295 # وآبائكم في ضلال مبين (54) قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين (55) ~~قال بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين (56) ~~قوله تعالى: (ولقد آتينا إبراهيم رشده) قال الفراء: أي أعطيناه هداه. (من ~~قبل) أي من قبل النبوة، أي وفقناه للنظر والاستدلال، لما جن عليه الليل ~~فرأى النجم والشمس والقمر. وقيل: " من قبل " أي من قبل موسى وهرون. والرشد ~~على هذا النبوة. وعلى الأول أكثر أهل التفسير، كما قال ليحيى: " وآتيناه ~~الحكم صبيا " (1) [مريم: 12]. وقال القرظي: رشده صلاحه. (وكنا به عالمين) ~~أي إنه أهل لايتاء الرشد وصالح للنبوة. # قوله تعالى: (إذ قال لأبيه) قيل: المعنى أي أذكر حين قال لأبيه، فيكون ~~الكلام قد تم عند قوله: " وكنا به عالمين ". وقيل: المعنى، " وكنا به ~~عالمين إذ قال " فيكون الكلام متصلا ولا يوقف على قوله: " عالمين ". " ~~لأبيه " وهو آزر " وقومه " نمرود ومن اتبعه. # (ما هذه التماثيل) أي الأصنام. والتمثال اسم موضوع للشئ المصنوع مشبها ~~بخلق من خلق الله تعالى. يقال: مثلت الشئ بالشئ أي شبهته به. واسم ذلك ~~الممثل تمثال. (التي أنتم لها عاكفون) أي مقيمون على عبادتها. (قالوا وجدنا ~~آباءنا لها عابدين) أي نعبدها تقليدا لأسلافنا. (قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم ~~في ضلال مبين) أي في خسران بعبادتها، إذ هي جمادات لا تنفع ولا تضر ولا ~~تعلم. (قالوا أجئتنا بالحق) أي أجاء أنت بحق فيما تقول؟ (أم أنت من ~~اللاعبين) أي لاعب مازح. (قال بل ربكم رب السماوات والأرض) أي لست بلاعب، ~~بل ربكم والقائم بتدبيركم خالق السماوات والأرض. (الذي فطرهن) أي خلقهن ~~وأبدعهن. # (وأنا على ذلكم من الشاهدين) أي على أنه رب السماوات والأرض. والشاهد ~~يبين الحكم، ومنه " شهد الله " (2) [آل عمران: 18] بين الله، فالمعنى: وأنا ~~أبين بالدليل ما أقول. # قوله تعالى: وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين (57) فجعلهم ~~جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون ms4138 (58) # PageV11P296 # قوله تعالى: (وتالله لأكيدن أصنامكم) أخبر أنه لم يكتف بالمحاجة باللسان ~~بل كسر أصنامهم فعل واثق بالله تعالى، موطن نفسه على مقاساة المكروه في ~~الذب عن الدين. والتاء في " تالله " تختص في القسم باسم الله وحده، والواو ~~تختص بكل مظهر، والباء بكل مضمر ومظهر. قال الشاعر: (1) تالله يبقى على ~~الأيام ذو حيد * بمشمخر به الظيان والآس وقال ابن عباس: أي وحرمة الله ~~لأكيدن أصنامكم، أي لأمكرن بها. والكيد المكر. كاده يكيده كيدا ومكيدة، ~~وكذلك المكايدة، وربما سمى الحرب كيدا، يقال: غزا فلان فلم يلق كيدا، وكل ~~شئ تعالجه فأنت تكيده. (بعد أن تولوا مدبرين) أي منطلقين ذاهبين. # وكان لهم في كل سنة عيد يجتمعون فيه، فقالوا لإبراهيم: لو خرجت معنا إلى ~~عيدنا أعجبك ديننا - روى ذلك عن ابن مسعود على ما يأتي بيانه في " والصافات ~~" (2) - فقال إبراهيم في نفسه: " وتالله لأكيدن أصنامكم ". قال مجاهد ~~وقتادة: إنما قال ذلك إبراهيم في سر من قومه، ولم يسمعه إلا رجل واحد وهو ~~الذي أفشاه عليه. والواحد يخبر عنه بخبر الجمع إذا كان ما أخبر به مما يرضى ~~به غيره. ومثله " يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل " ~~(2) [المنافقون: 8]. وقيل: إنما قاله بعد خروج القوم، ولم يبق منهم إلا ~~الضعفاء فهم الذين سمعوه. # وكان إبراهيم احتال في التخلف عنهم بقوله: " إني سقيم " (2) [الصافات: ~~89] أي ضعيف عن الحركة. # قوله تعالى: (فجعلهم جذاذا) أي فتاتا. والجذ الكسر والقطع، جذذت الشئ ~~كسرته وقطعته. والجذاذ والجذاذ ما كسر منه، والضم أفصح من كسره. قاله ~~الجوهري. # الكسائي: ويقال لحجارة الذهب جذاذ، لأنها تكسر. وقرأ الكسائي والأعمش ~~وابن محيصن: # " جذاذا " بكسر الجيم، أي كسرا وقطعا جمع جذيذ وهو الهشيم، مثل خفيف ~~وخفاف وظريف وظراف. قال الشاعر: # جذذ الأصنام في محرابها * ذاك في الله العلي المقتدر # PageV11P297 # الباقون بالضم، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم. [مثل] (1) الحطام والرفات ~~الواحدة جذاذة. وهذا هو الكيد الذي أقسم به ليفعلنه بها. وقال: " فجعلهم "، ~~لان القوم اعتقدوا في أصنامهم الإلهية. وقرأ ابن عباس وأبو نهيك ms4139 وأبو ~~السمال: " جذاذا " بفتح الجيم، والفتح والكسر لغتان كالحصاد والحصاد. أبو ~~حاتم: الفتح والكسر والضم بمعنى، حكاه قطرب. # (إلا كبير لهم) أي عظيم الآلهة في الخلق فإنه لم يكسره. وقال السدي ~~ومجاهد: ترك الصنم الأكبر وعلق الفأس الذي كسر به الأصنام في عنقه، ليحتج ~~به عليهم. (لعلهم إليه) أي إلى إبراهيم دينه " يرجعون " إذا قامت الحجة ~~عليهم. وقيل: " لعلهم إليه " أي إلى الصنم الأكبر " يرجعون " في تكسيرها. # قوله تعالى: قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين (59) قالوا سمعنا ~~فتى يذكرهم يقال له إبراهيم (60) قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم ~~يشهدون (61) قوله تعالى: (قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين) ~~المعنى لما رجعوا من عيدهم ورأوا ما أحدث بآلهتهم، قالوا على جهة البحث ~~والانكار: " من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين ". وقيل: " من " ليس ~~استفهاما، بل هو ابتداء وخبره " لمن الظالمين " أي فاعل هذا ظالم. والأول ~~أصح لقوله: (سمعنا فتى يذكرهم) وهذا هو جواب " من فعل هذا ". والضمير في " ~~قالوا " للقوم الضعفاء الذين سمعوا إبراهيم، أو الواحد على ما تقدم. # ومعنى " يذكرهم " يعيبهم ويسبهم فلعله الذي صنع هذا. واختلف الناس في وجه ~~رفع إبراهيم، فقال الزجاج: يرتفع على معنى يقال له هو إبراهيم، فيكون [خبر ~~مبتدأ] (2) محذوف، والجملة محكية. قال: ويجوز أن يكون رفعا على النداء وضمه ~~بناء، وقام له مقام ما لم يسم فاعله. وقيل: رفعه على أنه مفعول ما لم يسم ~~فاعله، على أن يجعل إبراهيم غير دال على الشخص، بل يجعل النطق به دالا على ~~بناء هذه اللفظة أي يقال له هذا القول وهذا اللفظ، [وهذا] (3) كما تقول # PageV11P298 # زيد وزن فعل، أو زيد ثلاثة أحرف، فلم تدل بوجه الشخص، بل دللت بنطقك على ~~نفس اللفظة وعلى هذه الطريقة تقول: قلت إبراهيم، ويكون مفعولا صحيحا نزلته ~~منزلة قول وكلام، فلا يتعذر بعد ذلك أن يبني الفعل فيه للمفعول. هذا اختيار ~~ابن عطية في رفعه. # وقال الأستاذ أبو الحجاج الإشبيلي الأعلم: هو رفع على الاهمال. قال ابن ms4140 ~~عطية: لما رأى وجوه الرفع كأنها لا توضح المعنى الذي قصدوه، ذهب إلى رفعه ~~بغير شئ، كما قد يرفع التجرد والعرو عن العوامل الابتداء. والفتى الشاب ~~والفتاة الشابة. وقال ابن عباس: ما أرسل الله نبيا إلا شابا. ثم قرأ: " ~~سمعنا فتى يذكرهم ". # قوله تعالى: (قالوا فأتوا به على أعين الناس) فيه مسألة واحدة، وهي: # أنه لما بلغ الخبر نمروذ وأشراف قومه، كرهوا أن يأخذوه بغير بينة، ~~فقالوا: ائتوا به ظاهرا بمرأى من الناس حتى يروه (لعلهم يشهدون) عليه بما ~~قال، ليكون ذلك حجة عليه. # وقيل: " لعلهم يشهدون " عقابه فلا يقدم أحد على مثل ما أقدم عليه. أو لعل ~~قوما " يشهدون " بأنهم رأوه يكسر الأصنام، أو " لعلهم يشهدون " طعنه على ~~آلهتهم ليعلموا أنه يستحق العقاب. # قلت: وفي هذا دليل على أنه كان لا يؤاخذ أحد بدعوى أحد فيما تقدم، لقوله ~~تعالى: # " فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون " وهكذا الامر في شرعنا ولا خلاف ~~فيه. # قوله تعالى: قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم (62) قال بل فعله ~~كبيرهم هذا فسئلوهم إن كانوا ينطقون (63) قوله تعالى (قالوا أأنت فعلت هذا ~~بآلهتنا يا إبراهيم) فيه أربع مسائل: # الأولى - لما لم يكن السماع عاما ولا ثبتت الشهادة استفهموه هل فعل أم ~~لا؟ # وفي الكلام حذف فجاء إبراهيم حين أتى به فقالوا: أأنت فعلت هذا بالآلهة؟ ~~فقال لهم إبراهيم على جهة الاحتجاج عليهم: " بل فعله كبيرهم هذا " أي إنه ~~غار وغضب من أن يعبد هو PageV11P299 # ويعبد الصغار معه ففعل هذا بها لذلك، إن كانوا ينطقون فاسألوهم. فعلق فعل ~~الكبير بنطق الآخرين، تنبيها لهم على فساد اعتقادهم. كأنه قال: بل هو ~~الفاعل إن نطق هؤلاء. # وفي الكلام تقديم على هذا التأويل في قوله: " فاسألوهم إن كانوا ينطقون ~~". وقيل: أراد بل فعله كبيرهم إن كانوا ينطقون. بين أن من لا يتكلم ولا ~~يعلم ولا يستحق أن يعبد. وكان قوله من المعاريض، وفي المعاريض مندوحة عن ~~الكذب. أي سلوهم إن نطقوا فإنهم يصدقون، وإن لم يكونوا ينطقون فليس ms4141 هو ~~الفاعل. وفي ضمن هذا الكلام اعتراف بأنه هو الفاعل وهذا هو الصحيح لأنه ~~عدده على نفسه، فدل أنه خرج مخرج التعريض. وذلك أنهم كانوا يعبدونهم ~~ويتخذونهم آلهة من دون الله، كما قال إبراهيم لأبيه: " يا أبت لم تعبد ما ~~لا يسمع ولا يبصر " (1) [مريم: 42] - الآية - فقال إبراهيم: " بل فعله ~~كبيرهم هذا " ليقولوا إنهم لا ينطقون ولا ينفعون ولا يضرون، فيقول لهم فلم ~~تعبدونهم؟ فتقوم عليهم الحجة منهم، ولهذا يجوز عند الأمة فرض الباطل مع ~~الخصم حتى يرجع إلى الحق من ذات نفسه، فإنه أقرب في الحجة وأقطع للشبهة، ~~كما قال لقومه: " هذا ربي " (2) وهذه أختي و " إني سقيم " (3) و " بل فعله ~~كبيرهم هذا " وقرأ ابن السميقع " بل فعله " بتشديد اللام بمعنى فلعل الفاعل ~~كبيرهم. وقال الكسائي: الوقف عند قوله: " بل فعله " أي فعله من فعله، ثم ~~يبتدئ " كبيرهم هذا ". وقيل: أي لم ينكرون أن يكون فعله كبيرهم؟ فهذا إلزام ~~بلفظ الخبر. أي من اعتقد عبادتها يلزمه أن يثبت لها فعلا، والمعنى: بل فعله ~~كبيرهم فيما يلزمكم. # الثانية - روى البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: (لم يكذب إبراهيم النبي في شئ قط إلا في ثلاث: " إني ~~سقيم " [الصافات: 89] وقوله: لسارة أختي وقوله: " بل فعله كبيرهم ") لفظ ~~الترمذي. وقال: حديث حسن صحيح. ووقع في الاسراء في صحيح مسلم، من حديث أبي ~~هريرة رضي الله عنه في قصة إبراهيم قال: وذكر قوله في الكوكب " هذا ربي ". ~~فعلى هذا تكون الكذبات أربعا إلا أن الرسول عليه السلام قد نفى تلك بقوله: ~~(لم يكذب إبراهيم النبي قط إلا في ثلاث كذبات ثنتين في ذات الله قوله: # PageV11P300 # " إني سقيم " [الصافات: 89] وقوله: " بل فعله كبيرهم " وواحدة في شأن ~~سارة) الحديث لفظ مسلم وإنما يعد عليه قوله في الكوكب: " هذا ربي " ~~[الانعام: 78] كذبة وهي داخلة في الكذب، لأنه - والله أعلم - كان حين قال ~~ذلك في حال الطفولية، وليست حالة تكليف. أو قال لقومه مستفهما لهم على جهة ~~التوبيخ الانكار، ms4142 وحذفت همزة الاستفهام. أو على طريق الاحتجاج على قومه: ~~تنبيها على أن ما يتغير لا يصلح للربوبية. وقد تقدمت هذه الوجوه كلها في " ~~الانعام " (1) مبينة والحمد لله. # الثالثة - قال القاضي أبو بكر بن العربي: في هذا الحديث نكتة عظمي تقصم ~~الظهر، وهي أنه عليه السلام قال: (لم يكذب إبراهيم إلا في ثلاث كذبات ثنتين ~~ما حل بهما عن دين الله وهما قوله " إني سقيم " [الصافات: 89] وقوله " بل ~~فعله كبيرهم " ولم يعد [قوله] (2) هذه أختي في ذات الله تعالى وإن كان دفع ~~بها مكروها، ولكنه لما كان لإبراهيم عليه السلام فيها حظ من صيانة فراشه ~~وحماية أهله، لم يجعلها في ذات الله، وذلك لأنه لا يجعل في جنب الله وذاته ~~إلا العمل الخالص من شوائب الدنيا، والمعاريض التي ترجع إلى النفس إذا خلصت ~~للدين كانت لله سبحانه، كما قال: " ألا لله الدين الخالص " [الزمر: 3] (3). ~~وهذا لو صدر منا لكان لله، لكن منزلة إبراهيم اقتضت هذا. والله أعلم. # الرابعة - قال علماؤنا: الكذب هو الاخبار عن الشئ بخلاف ما هو عليه. ~~والأظهر أن قول إبراهيم فيما أخبر عنه عليه السلام كان من المعاريض، وإن ~~كانت معاريض وحسنات وحججا في الخلق ودلالات، لكنها أثرت في الرتبة، وخفضت ~~عن محمد المنزلة، واستحيا منها قائلها، على ما ورد في حديث الشفاعة، فإن ~~الأنبياء يشفقون مما لا يشفق منه غيرهم إجلالا لله، فإن الذي كان يليق ~~بمرتبته في النبوة والخلة، أن يصدع بالحق ويصرح بالحق لأمر كيفما كان، ~~ولكنه رخص له فقبل الرخصة فكان ما كان من القصة، والقصة ولهذا جاء في حديث ~~الشفاعة (إنما أتخذت خليلا من وراء وراء) بنصب وراء فيهما على البناء كخمسة ~~عشر، وكما قالوا # PageV11P301 # جاري بيت بيت. ووقع في بعض نسخ مسلم (من وراء من وراء) بإعادة من، وحينئذ ~~لا يجوز البناء على الفتح، وإنما يبني كل واحد منهما على الضم، لأنه قطع عن ~~الإضافة ونوى المضاف كقبل وبعد، وإن لم ينو المضاف أعرب ونون غير أن وراء ~~لا ينصرف، لان ألفه ms4143 للتأنيث، لأنهم قالوا في تصغيرها وريية، قال الجوهري: ~~وهي شاذة. فعلى هذا يصح الفتح فيهما مع وجود " من " فيهما. والمعنى إني كنت ~~خليلا متأخرا عن غيري. # ويستفاد من هذا أن الخلة لم تصح بكمالها إلا لمن صح له في ذلك اليوم ~~المقام المحمود كما تقدم. # وهو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. # قوله تعالى: فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون (64) ثم نكسوا ~~على رؤوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون (65) قال أفتعبدون من دون الله ما لا ~~ينفعكم شيئا ولا يضركم (66) أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون ~~(67) قوله تعالى: (فرجعوا إلى أنفسهم) أي رجع بعضهم إلى بعض رجوع المنقطع ~~عن حجته، المتفطن لصحة حجة خصمه. (فقالوا إنكم أنتم الظالمون) أي بعبادة من ~~لا ينطق بلفظة، ولا يملك لنفسه لحظة، وكيف ينفع عابديه ويدفع عنهم البأس، ~~من لا يرد عن رأسه الفأس. # قوله تعالى: (ثم نكسوا على رؤوسهم) أي عادوا إلى جهلهم وعبادتهم (1) ~~فقالوا: # " لقد علمت ما هؤلاء ينطقون " ف‍ " - قال " قاطعا لما به يهذون، ومفحما ~~لهم فيما يتقولون " أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم. أف ~~لكم " أي النتن لكم " ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون ". وقيل، (نكسوا ~~على رؤوسهم) أي طأطؤا رؤوسهم خجلا من إبراهيم وفيه نظر لأنه لم يقل نكسوا ~~رؤوسهم بفتح الكاف بل قال " نكسوا على رؤوسهم " أي ردوا على ما كانوا عليه ~~في أول الامر وكذا قال ابن عباس قال: # أدركهم الشقاء فعادوا إلى كفرهم. # PageV11P302 # قوله تعالى: قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين (68) قلنا يا نار ~~كوني بردا وسلاما على إبراهيم (69) قوله تعالى: (قالوا أحرقوه) لما انقطعوا ~~بالحجة أخذتهم عزة بإثم وانصرفوا إلى طريق الغشم والغلبة وقالوا حرقوه. روى ~~أن قائل هذه المقالة هو رجل من الأكراد من أعراب فارس، أي من باديتها، قاله ~~ابن عمر ومجاهد وابن جريج. ويقال: اسمه هيزر (1) فخسف الله به الأرض، فهو ~~يتجلجل فيها إلى يوم القيامة. وقيل: بل قاله ملكهم نمرود. (وانصروا ms4144 آلهتكم) ~~بتحريق إبراهيم لأنه يسبها ويعيبها. وجاء في الخبر: أن نمرود بنى صرحا طوله ~~ثمانون ذراعا وعرضه أربعون ذراعا. قال ابن إسحاق: وجمعوا الحطب شهرا ثم ~~أوقدوها، واشتعلت واشتدت، حتى أن كان الطائر ليمر بجنباتها فيحترق من شدة ~~وهجها. ثم قيدوا إبراهيم ووضعوه في المنجنيق مغلولا. ويقال: إن إبليس صنع ~~لهم المنجنيق يومئذ. فضجت السماوات والأرض ومن فيهن من الملائكة وجميع ~~الخلق، إلا الثقلين ضجة واحدة: ربنا! إبراهيم ليس في الأرض أحد يعبدك غيره ~~يحرق فيك فأذن لنا في نصرته. فقال الله تعالى: " إن استغاث بشئ منكم أو ~~دعاه فلينصره فقد أذنت له في ذلك وإن لم يدع غيري فأنا أعلم به وأنا وليه " ~~فلما أرادوا إلقاءه في النار، أتاه خزان الماء - وهو في الهواء - فقالوا: ~~يا إبراهيم إن أردت أخمدنا النار بالماء. فقال: لا حاجة لي إليكم. وأتاه ~~ملك الريح فقال: لو شئت طيرت النار. فقال: لا. ثم رفع رأسه إلى السماء ~~فقال: " اللهم أنت الواحد في السماء وأنا الواحد في الأرض ليس أحد يعبدك ~~غيري حسبي الله ونعم الوكيل ". وروى أبي بن كعب رضي الله عنه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم (إن إبراهيم حين قيدوه ليلقوه في النار قال لا إله إلا أنت ~~سبحانك رب العالمين لك الحمد ولك الملك لا شريك لك) قال: ثم رموا به في ~~المنجنيق من مضرب شاسع، فاستقبله جبريل، فقال: يا إبراهيم ألك حاجة؟ قال: " ~~أما إليك فلا ". فقال جبريل: فاسأل ربك. فقال: " حسبي من سؤالي علمه بحالي ~~". فقال # PageV11P303 # الله تعالى وهو أصدق القائلين: (يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم) ~~قال بعض العلماء: # جعل الله فيها بردا يرفع حرها، وحرا يرفع بردها، فصارت سلاما عليه. قال ~~أبو العالية: ولو لم يقل " بردا وسلاما " لكان بردها أشد عليه من حرها، ولو ~~لم يقل " على إبراهيم " لكان بردها باقيا على الأبد. وذكر بعض العلماء: أن ~~الله تعالى أنزل زربية (1) من الجنة فبسطها في الجحيم، وأنزل الله ملائكة: ~~جبريل وميكائيل وملك البرد وملك السلامة. ms4145 وقال على وابن عباس: لو لم يتبع ~~بردها سلاما لمات إبراهيم من بردها، ولم تبق يومئذ نار إلا طفئت ظنت أنها ~~تعني. قال السدي: وأمر الله كل عود من شجرة أن يرجع إلى شجره ويطرح ثمرته. ~~وقال كعب وقتادة: لم تحرق النار من إبراهيم إلا وثاقه. فأقام في النار سبعة ~~أيام لم يقدر أحد أن يقرب من النار، ثم جاءوا فإذا هو قائم يصلي. وقال ~~المنهال بن عمرو قال إبراهيم: " ما كنت أياما قط أنعم مني في الأيام التي ~~كنت فيها في النار ". وقال كعب وقتادة والزهري: ولم تبق يومئذ دابة إلا ~~أطفأت عنه النار إلا الوزغ فإنها كانت تنفخ عليه، فلذلك أمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بقتلها وسماها فويسقة. وقال شعيب الحماني: ألقى إبراهيم في ~~النار وهو ابن ست عشرة سنة. وقال ابن جريج: ألقي إبراهيم في النار وهو ابن ~~ست وعشرين سنة. # ذكر الأول الثعلبي، والثاني الماوردي، فالله أعلم. وقال الكلبي: بردت ~~نيران الأرض جميعا فما أنضجت كراعا، فرآه نمروذ من الصرح وهو جالس على ~~السرير يؤنسه ملك الظل. # فقال: نعم الرب ربك! لأقربن له أربعة آلاف بقرة وكف عنه. # قوله تعالى: وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين (70) ونجيناه ولوطا إلى ~~الأرض التي باركنا فيها للعالمين (71) ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا ~~جعلنا صالحين (72) وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات ~~وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين (73) # PageV11P304 # قوله تعالى: (وأرادوا به كيدا) أي أراد نمروذ وأصحابه أن يمكروا به ~~(فجعلناهم الأخسرين) [أي] (1) في أعمالهم، ورددنا مكرهم عليهم بتسليطنا ~~أضعف خلقنا. قال (2) ابن عباس: سلط الله عليهم أضعف خلقه البعوض، فما برح ~~نمروذ حتى رأى عظام أصحابه وخيله تلوح، أكلت لحومهم وشربت دماءهم، ووقعت ~~واحدة في منخره فلم تزل تأكل إلى أن وصلت دماغه، وكان أكرم الناس عليه الذي ~~يضرب رأسه بمرزبة من حديد. فأقام بهذا نحوا من أربعمائة سنة. # قوله تعالى: (ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين) يريد ~~نجينا إبراهيم ولوطا إلى [الأرض] ms4146 (1) أرض الشام وكانا بالعراق. وكان ~~[إبراهيم] (3) عليه السلام [عمه لوط] (4)، قاله ابن عباس. وقيل: لها مباركة ~~لكثرة خصبها وثمارها وأنهارها، ولأنها معادن الأنبياء. والبركة ثبوت الخير، ~~ومنه برك البعير إذا لزم مكانه فلم يبرح. وقال ابن عباس: الأرض المباركة ~~مكة. وقيل: # بيت المقدس، لان منها بعث الله أكثر الأنبياء، وهي أيضا كثيرة الخصب ~~والنمو، عذبة الماء، ومنها يتفرق في الأرض. قال أبو العالية: ليس ماء عذب ~~إلا يهبط من السماء إلى الصخرة التي ببيت المقدس، ثم يتفرق في الأرض. ونحوه ~~عن كعب الأحبار. وقيل: الأرض المباركة مصر. # قوله تعالى: (ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة) أي زيادة، لأنه دعا في إسحاق ~~وزيد يعقوب من غير دعاء فكان ذلك نافلة، أي زيادة على ما سأل، إذ قال: " رب ~~هب لي من الصالحين " (5) [الصافات: 100]. ويقال لولد الولد نافلة، لأنه ~~زيادة على الولد. (وكلا جعلنا صالحين) أي وكلا من إبراهيم وإسحق ويعقوب ~~جعلناه صالحا عاملا بطاعة الله. وجعلهم صالحين إنما يتحقق بخلق الصلاح ~~والطاعة لهم، وبخلق القدرة على الطاعة، ثم ما يكتسبه العبد فهو مخلوق لله ~~تعالى. # قوله تعالى: (وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا) أي رؤساء يقتدى بهم في الخيرات ~~وأعمال الطاعات. ومعنى " بأمرنا " أي بما أنزلنا عليهم من الوحي والامر ~~والنهي، فكأنه قال يهدون بكتابنا وقيل: المعنى يهدون الناس إلى ديننا ~~بأمرنا إياهم بإرشاد الخلق، ودعائهم إلى التوحيد. (وأوحينا إليهم فعل ~~الخيرات) أي أن يفعلوا الطاعات. (وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا ~~عابدين) أي مطيعين. # PageV11P305 # قوله تعالى: ولوطا آتيناه حكما وعلما ونجيناه من القرية التي كانت تعمل ~~الخبائث إنهم كانوا قوم سوء فاسقين (74) وأدخلناه في رحمتنا إنه من ~~الصالحين (75) قوله تعالى: (ولوطا آتيناه حكما وعلما) " لوطا " منصوب بفعل ~~مضمر دل عليه الثاني، أي وآتينا لوط آتيناه. وقيل: أي واذكر لوطا. والحكم ~~النبوة، والعلم المعرفة بأمر الدين وما يقع به الحكم بين الخصوم. وقيل: " ~~علما " فهما، والمعنى واحد. (ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث) ~~يريد سدوم. ابن عباس: كانت سبع قرى، قلب جبريل عليه ms4147 السلام ستة وأبقي واحدة ~~للوط وعياله، وهي زغر التي فيها الثمر من كورة فلسطين إلى حد الشراة (1)، ~~ولها قرى كثيرة إلى حد بحر الحجاز (2). وفي الخبائث التي كانوا يعملونها ~~قولان: # أحدهما: اللواط على ما تقدم. والثاني: الضراط، أي كانوا يتضارطون في ~~ناديهم ومجالسهم. وقيل: الضراط وخذف (2) الحصي وسيأتي. (إنهم كانوا قوم سوء ~~فاسقين) أي خارجين عن طاعة الله، والفسوق الخروج وقد تقدم. (وأدخلناه في ~~رحمتنا) أي في النبوة. وقيل: # في الاسلام. وقيل: الجنة. وقيل: عنى بالرحمة إنجاءه من قومه (إنه من ~~الصالحين). # قوله تعالى: ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب ~~العظيم (76) ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوم سوء ~~فأغرقناهم أجمعين (77) قوله تعالى: (ونوحا إذ نادى من قبل) أي واذكر نوحا ~~إذ نادى، أي دعا. " من قبل " أي من قبل إبراهيم ولوط على قومه، وهو قوله: " ~~رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا " (4) [نوح: 26] وقال لما كذبوه: " ~~أني مغلوب فانتصر " (5) [القمر: 10]. (فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب ~~العظيم) أي من الغرق. والكرب الغم الشديد " وأهله " أي المؤمنين منهم. ~~(ونصرناه من # PageV11P306 # القوم الذين كذبوا بآياتنا) قال أبو عبيدة: " من " بمعنى على. وقيل: ~~المعنى فانتقمنا له " من القوم الذين كذبوا بآياتنا ". " فأغرقناهم أجمعين ~~" أي الصغير منهم والكبير. # قوله تعالى: وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم ~~وكنا لحكمهم شاهدين (78) ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما وسخرنا مع ~~داوود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين (79) فيه ست وعشرون مسألة: # الأولى - قوله تعالى: (وداوود وسليمان إذ يحكمان) أي واذكرهما إذ يحكمان، ~~ولم يرد بقوله " إذ يحكمان " الاجتماع في الحكم وإن جمعهما في القول، فإن ~~حكمين على حكم واحد لا يجوز. وإنما حكم كل واحد منهما على انفراده، وكان ~~سليمان الفاهم لها بتفهيم الله تعالى إياه: " في الحرث " اختلف فيه على ~~قولين: فقيل: كان زرعا، قاله قتادة. وقيل: # كرما نبتت عناقيده، قال ابن مسعود وشريح (1). و " الحرث " يقال فيهما، ~~وهو في الزرع أبعد من ms4148 الاستعارة. # الثانية - قوله تعالى: (إذ نفشت فيه غنم القوم) أي رعت فيه ليلا، والنفش ~~الرعي بالليل. يقال: نفشت بالليل، وهملت بالنهار، إذا رعت بلا راع. وأنفشها ~~صاحبها. # وإبل نفاش. وفي حديث عبد الله بن عمرو: الحبة في الجنة مثل كرش البعير ~~يبيت نافشا، أي راعيا، حكاه الهروي. وقال ابن سيده: لا يقال الهمل في الغنم ~~وإنما هو في الإبل: # الثالثة - قوله تعالى: (وكنا لحكمهم شاهدين) دليل على أن أقل الجمع اثنان ~~وقيل: المراد الحاكمان والمحكوم عليه، فلذلك قال " لحكمهم ". # الرابعة - قوله تعالى: (ففهمناها سليمان) أي فهمناه القضية والحكومة، ~~فكنى عنها إذ سبق ما يدل عليها. وفضل حكم سليمان حكم أبيه في أنه أحرز أن ~~يبقي [ملك] (2) كل واحد منهما على متاعه وتبقى نفسه طيبة بذلك، وذلك أن ~~داود عليه السلام رأى أن يدفع الغنم إلى صاحب الحرث. وقالت فرقة: بل دفع ~~الغنم إلى صاحب الحرث، والحرث إلى صاحب الغنم. # PageV11P307 # قال ابن عطية: فيشبه على القول الواحد أنه رأى الغنم تقاوم الغلة التي ~~أفسدت. وعلى القول الثاني رآها تقاوم الحرث والغلة، فلما خرج الخصمان على ~~سليمان وكان يجلس على الباب الذي يخرج منه الخصوم، وكانوا يدخلون إلى داود ~~من باب آخر فقال: بم قضى بينكما نبي الله داود؟ # فقالا: قضى بالغنم لصاحب الحرث: فقال لعل الحكم غير هذا انصرفا معي: فأتى ~~أباه فقال: # يا نبي الله أنك حكمت بكذا وكذا وإني رأيت ما هو أرفق بالجميع. قال: وما ~~هو؟ قال: # ينبغي أن تدفع الغنم إلى صاحب الحرث فينتفع بألبانها وسمونها وأصوافها، ~~وتدفع الحرث إلى صاحب الغنم ليقوم عليه، فإذا عاد الزرع إلى حاله التي ~~أصابته الغنم [فيه] (1) في السنة المقبلة، رد كل واحد منهما ماله إلى ~~صاحبه. فقال داود: وفقت يا بني لا يقطع الله فهمك. وقضى بما قضى به سليمان، ~~قال معناه ابن مسعود ومجاهد وغيرهما. قال الكلبي: قوم داود الغنم والكرم ~~الذي أفسدته الغنم فكانت القيمتان سواء، فدفع الغنم إلى صاحب الكرم. وهكذا ~~قال النحاس، قال: إنما قضى بالغنم ms4149 لصاحب الحرث، لان ثمنها كان قريبا منه. ~~وأما في حكم سليمان فقد قيل: كانت قيمة ما نال من الغنم وقيمة ما أفسدت ~~الغنم سواء أيضا. # الخامسة - (وكلا آتينا حكما وعلما) تأول قوم أن داود عليه السلام لم يخطئ ~~في هذه النازلة، بل فيها أوتي الحكم والعلم. وحملوا قوله: " ففهمناها ~~سليمان " على أنه فضيلة له على داود وفضيلته راجعة إلى داود، والوالد تسره ~~زيادة ولده عليه. وقالت فرقة: بل لأنه لم يصب العين المطلوبة في هذه ~~النازلة، وإنما مدحه الله بأن له حكما وعلما يرجع إليه في غير هذه النازلة. ~~وأما في هذه فأصاب سليمان وأخطأ داود عليهما الصلاة والسلام، ولا يمتنع ~~وجود الغلط والخطأ من الأنبياء كوجوده من غيرهم، لكن لا يقرون عليه، وإن ~~أقر عليه غيرهم. ولما هدم الوليد كنيسة دمشق كتب إليه ملك الروم: إنك هدمت ~~الكنيسة التي رأى أبوك تركها، فإن كنت مصيبا فقد أخطأ أبوك، وإن كان أبوك ~~مصيبا فقد أخطأت أنت، فأجابه الوليد " وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ ~~نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين. ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما ~~وعلما ". وقال قوم كان داود وسليمان - عليهما السلام - نبيين يقضيان بما ~~يوحى إليهما، فحكم داود بوحي، # PageV11P308 # وحكم سليمان بوحي نسخ الله به حكم داود، وعلى هذا " ففهمناها سليمان " أي ~~بطريق الوحي الناسخ لما أوحى إلى داود، وأمر سليمان أن يبلغ ذلك داود، ~~ولهذا قال: " وكلا آتينا حكما وعلما ". هذا قول جماعة من العلماء ومنهما ~~ابن فورك. وقال الجمهور: إن حكمهما كان باجتهاد وهي: # السادسة - واختلف العلماء في جواز الاجتهاد على الأنبياء فمنعه قوم، ~~وجوزه المحققون، لأنه ليس فيه استحالة عقلية، لأنه دليل شرعي فلا إحالة أن ~~يستدل به الأنبياء، كما لو قال له الرب سبحانه وتعالى: إذا غلب على ظنك كذا ~~فاقطع بأن ما غلب على ظنك هو حكمي فبلغه الأمة، فهذا غير مستحيل في العقل. ~~فإن قيل: إنما يكون دليلا إذا عدم النص وهم لا يعدمونه. قلنا: إذا لم ينزل ~~الملك فقد ms4150 عدم النص عندهم، وصاروا في البحث كغيرهم من المجتهدين عن معاني ~~النصوص التي عندهم. والفرق بينهم وبين غيرهم من المجتهدين أنهم معصومون عن ~~الخطأ، وعن الغلط، وعن التقصير في اجتهادهم، وغيرهم ليس كذلك. كما ذهب ~~الجمهور في أن جميع الأنبياء صلوات الله عليهم معصومون عن الخطأ والغلط في ~~اجتهادهم. وذهب أبو علي ابن أبي هريرة من أصحاب الشافعي إلى أن نبينا صلى ~~الله عليه وسلم مخصوص منهم في جواز الخطأ عليهم، وفرق بينه وبين غيره من ~~الأنبياء أنه لم يكن بعده من يستدرك غلطه، ولذلك عصمه الله تعالى منه، وقد ~~بعث بعد غيره من الأنبياء من يستدرك غلطه. وقد قيل: # إنه على العموم في جميع الأنبياء، وأن نبينا وغيره من الأنبياء صلوات ~~الله عليهم في تجويز الخطأ على سواء إلا أنهم لا يقرون على إمضائه، فلم ~~يعتبر فيه استدراك من بعدهم من الأنبياء. # هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سألته امرأة عن العدة فقال لها: ~~(اعتدي حيث شئت) ثم قال لها: (امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله). وقال ~~له رجل: أرأيت لو قتلت صبرا محتسبا أيحجزني عن الجنة شئ؟ فقال: (لا) ثم ~~دعاه فقال: (إلا الدين كذا أخبرني جبريل عليه السلام). # السابعة - قال الحسن: لولا هذه الآية لرأيت أن القضاة هلكوا، ولكنه تعالى ~~أثنى على سليمان بصوابه، وعذر داود باجتهاده. وقد اختلف الناس في المجتهدين ~~في الفروع إذا PageV11P309 # اختلفوا، فقالت فرقة: الحق في طرف واحد عند الله، وقد نصب على ذلك أدلة، ~~وحمل المجتهدين على البحث عنها، والنظر فيها، فمن صادف العين المطلوبة في ~~المسألة فهو المصيب على الاطلاق، وله أجران أجر في الاجتهاد وأجر في ~~الإصابة، ومن لم يصادفها فهو مصيب في اجتهاده مخطئ في أنه لم يصب العين فله ~~أجر وهو غير معذور. وهذا سليمان قد صادف العين المطلوبة، وهي التي فهم. ~~ورأت فرقة أن العالم المخطئ لا إثم في خطئه وإن كان غير معذور. وقالت فرقة: ~~الحق في طرف واحد ولم ينصب الله تعالى ms4151 عليه دلائل (1) [بل] (1) وكل الامر ~~إلى نظر المجتهدين فمن أصابه أصاب ومن أخطأ فهو معذور مأجور ولم يتعبد ~~بإصابة العين بل تعبدنا بالاجتهاد فقط. وقال جمهور أهل السنة وهو المحفوظ ~~عن مالك وأصحابه رضي الله عنهم: إن الحق في مسائل الفروع في الطرفين، وكل ~~مجتهد مصيب، المطلوب إنما هو الأفضل في ظنه، وكل مجتهد قد أداه نظره إلى ~~الأفضل في ظنه، والدليل على هذه المقالة أن الصحابة فمن بعدهم قرر بعضهم ~~خلاف بعض، ولم ير أحد منهم أن يقع الانحمال على قوله دون قول مخالفه. ومنه ~~رد مالك رحمه الله للمنصور أبي جعفر عن حمل الناس على " الموطأ "، فإذا قال ~~عالم في أمر حلال فذلك هو الحق فيما يختص بذلك العالم عند الله تعالى وبكل ~~من أخذ بقوله، وكذا في العكس. قالوا: وإن كان سليمان عليه السلام فهم ~~القضية المثلى والتي أرجح فالأولى ليست بخطأ، وعلى هذا يحملون قوله عليه ~~السلام: (إذا اجتهد العالم فأخطأ) أي فأخطأ الأفضل. # الثامنة - روى مسلم وغيره عن عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ~~ثم أخطأ فله أجر) هكذا لفظ الحديث في كتاب مسلم (إذا حكم فاجتهد) فبدأ ~~بالحكم قبل الاجتهاد، والامر بالعكس، فإن الاجتهاد مقدم على الحكم، فلا ~~يجوز الحكم قبل الاجتهاد بالاجماع. # وإنما معنى هذا الحديث: إذا أراد أن يحكم، كما قال: " فإذا قرأت القرآن ~~فاستعذ " (2) [النحل: 98] فعند # PageV11P310 # ذلك أراد أن يجتهد في النازلة. ويفيد هذا صحة ما قاله الأصوليون: إن ~~المجتهد يجب عليه أن يجدد نظرا عند وقوع النازلة، ولا يعتمد على اجتهاده ~~المتقدم لامكان أن يظهر له ثانيا خلاف ما ظهر له أولا، اللهم إلا أن يكون ~~ذاكرا لأركان اجتهاده، مائلا إليه، فلا يحتاج إلى استئناف نظر في أمارة ~~أخرى. # التاسعة - إنما يكون يكون الاجر للحاكم المخطئ إذا كان عالما بالاجتهاد ~~والسنن والقياس، وقضاء من مضي لان اجتهاده عبادة ولا يؤجر على الخطأ بل ms4152 ~~يوضع عنه الاثم فقط، فأما من لم يكن محلا للاجتهاد فهو متكلف لا يعذر ~~بالخطإ في الحكم، بل يخاف عليه أعظم الوزر. # يدل على ذلك حديثه الآخر، رواه أبو داود: (القضاة ثلاثة) الحديث. قال ابن ~~المنذر: # إنما يؤجر على اجتهاده في طلب الصواب لا على الخطأ، ومما يؤيد هذا قوله ~~تعالى: # " ففهمناها سليمان " الآية. قال الحسن: أثنى على سليمان ولم يذم داود. # العاشرة - ذكر أبو التمام المالكي أن مذهب مالك أن الحق في واحد من ~~أقاويل المجتهدين وليس ذلك في أقاويل المختلفين، وبه قال أكثر الفقهاء. ~~قال: وحكى ابن القاسم أنه سأل مالكا عن اختلاف الصحابة، فقال: مخطئ ومصيب، ~~وليس الحق في جميع أقاويلهم. # وهذا القول قيل: هو المشهور عن مالك وإليه ذهب محمد بن الحسين. واحتج من ~~قال هذا بحديث عبد الله بن عمرو، قالوا: وهو نص على أن في المجتهدين وفي ~~الحاكمين مخطئا ومصيبا، قالوا: والقول بأن كل مجتهد مصيب يؤدي إلى كون الشئ ~~حلالا حراما، وواجبا ندبا. # واحتج أهل المقالة الأولى بحديث ابن عمر. # قال: نادى فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم انصرف من الأحزاب (ألا ~~لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة) فتخوف ناس فوت الوقت فصلوا دون بني ~~قريظة، وقال الآخرون: لا نصلي إلا حيث أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وإن فاتنا الوقت، قال: # فما عنف واحدا من الفريقين، قالوا: فلو كان أحد الفريقين مخطئا لعينه ~~النبي صلى الله عليه وسلم. ويمكن أن يقال: لعله إنما سكت عن تعيين المخطئين ~~لأنه غير آثم بل مأجور، PageV11P311 # فاستغنى عن تعيينه. والله أعلم. ومسألة الاجتهاد طويلة متشعبة، وهذه ~~النبذة التي ذكرناها كافية في معنى الآية، والله الموفق للهداية. # الحادية عشرة - ويتعلق بالآية فصل آخر: وهو رجوع الحاكم بعد قضائه من ~~اجتهاده إلى اجتهاد آخر أرجح من الأول، فإن داود عليه السلام فعل ذلك. وقد ~~اختلف في ذلك علماؤنا رحمهم الله تعالى، فقال عبد الملك ومطرف في " الواضحة ~~": ذلك له ما دام في ولايته، ms4153 فأما إن كانت ولاية أخرى فليس له ذلك، وهو ~~بمنزلة غيره من القضاة. وهذا هو ظاهر قول مالك رحمة الله في " المدونة ". ~~وقال سحنون في رجوعه من اجتهاد فيه قول إلى غيره مما رآه أصوب ليس له ذلك، ~~وقاله ابن عبد الحكم. قالا: ويستأنف الحكم بما قوي عنده. # قال سحنون: إلا أن يكون نسي الأقوى عنده في ذلك الوقت، أو وهم فحكم بغيره ~~فله نقضه، وأما وإن حكم بحكم هو الأقوى عنده في ذلك الوقت ثم قوى عنده غيره ~~بعد ذلك فلا سبيل إلى نقض الأول، قاله سحنون في كتاب ابنه. وقال أشهب في ~~كتاب ابن المواز إن كان رجوعه إلى الأصوب في مال فله نقض الأول، وإن كان في ~~طلاق أو نكاح أو عتق فليس له نقضه. # قلت: رجوع القاضي عما حكم القاضي إذا تبين له أن الحق في غيره ما دام في ~~ولايته أولى. # وهكذا في رسالة عمر إلى أبي موسى رضي الله عنهما، رواها الدارقطني، وقد ~~ذكرناها في " الأعراف " ولم يفصل، وهي الحجة لظاهر قول مالك. ولم يختلف ~~العلماء أن القاضي إذا قضى تجوزا وبخلاف أهل العلم فهو مردود، إن كان على ~~وجه الاجتهاد، فأما أن يتعقب قاض حكم قاض آخر فلا يجوز ذلك له لان فيه مضرة ~~عظمي من جهة نقض الاحكام، وتبديل الحلال بالحرام، وعدم ضبط قوانين الاسلام، ~~ولم يتعرض أحد من العلماء لنقض ما رواه الآخر، وإنما كان يحكم بما ظهر له. # الثانية عشرة - قال بعض الناس: إن داود عليه السلام لم يكن أنفذ الحكم ~~وظهر له ما قال غيره. وقال آخرون: لم يكن حكما وإنما كانت فتيا. ~~PageV11P312 # قلت: وهكذا تؤول فيما رواه أبو هريرة عنه عليه السلام أنه قال: " بينما ~~امرأتان معهما ابناهما جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت هذه لصاحبتها: ~~إنما ذهب بابنك أنت. # وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك، فتحاكمتا إلى داود، فقضى به للكبرى فخرجتا ~~على سليمان بن داود عليهما السلام فأخبرتاه، فقال: ائتوني بالسكين أشقه ~~بينكما، فقالت الصغرى: # لا - يرحمك ms4154 الله - هو ابنها، فقضى به للصغرى، قال أبو هريرة: إن سمعت ~~بالسكين قط إلا يومئذ، ما كنا نقول إلا المدية، أخرجه مسلم. فأما القول بأن ~~ذلك من داود فتيا فهو ضعيف، لأنه كان النبي - صلى الله عليه وسلم - وفتياه ~~حكم. وأما القول الآخر فيبعد، لأنه تعالى قال: " إذ يحكمان في الحرث " فبين ~~أن كل واحد منهما كان قد حكم. وكذا قوله في الحديث: فقضى به للكبرى، يدل ~~على إنفاذ القضاء وإنجازه. ولقد أبعد من قال: # إنه كان من شرع داود أن يحكم به للكبرى من حيث هي كبرى، لان الكبر والصغر ~~طرد محض عند الدعاوي كالطول والقصر والسواد والبياض وذلك لا يوجب ترجيح أحد ~~المتداعيين حتى يحكم له أو عليه لأجل ذلك. وهو مما يقطع به من فهم ما جاءت ~~به الشرائع. والذي ينبغي أن يقال: إن داود عليه السلام إنما قضى به للكبرى ~~لسبب اقتضى عنده ترجيح قولها. # ولم يذكر في الحديث تعيينه إذ لم تدع حاجة إليه، فيمكن أن الولد كان ~~بيدها، وعلم عجز الأخرى عن إقامة البينة، فقضى به لها إبقاء لما كان على ما ~~كان. وهذا التأويل أحسن ما قيل في هذا الحديث. وهو الذي تشهد له قاعدة ~~الدعاوي الشرعية التي يبعد اختلاف الشرائع فيها. لا يقال: # فإن كان داود قضى بسبب شرعي فكيف ساغ لسليمان نقض حكمه، فالجواب: أن ~~سليمان عليه السلام لم يتعرض لحكم أبيه بالنقض، وإنما احتال حيلة لطيفة ظهر ~~له بسببها صدق الصغرى، وهي أنه لما قال: هات السكين أشقه بينكما، قالت ~~الصغرى: لا، فظهر له من قرينه الشفقة في الصغرى، وعدم ذلك في الكبرى، مع ما ~~عساه انضاف إلى ذلك من القرائن ما حصل له العلم بصدقها فحكم لها. ولعله كان ~~ممن سوغ له أن يحكم بعلمه. وقد ترجم النسائي على هذا الحديث " حكم الحاكم ~~بعلمه ". وترجم له أيضا " السعة للحاكم أن يقول PageV11P313 # للشئ الذي لا يفعله أفعل ليستبين الحق ". وترجم له أيضا " نقض الحاكم لا ~~يحكم به غيره ممن هو ms4155 مثله أو أجل منه ". ولعل الكبرى اعترفت بأن الولد ~~للصغرى عندما رأت من سليمان الحزم والجد في ذلك، فقضى بالولد للصغرى، ويكون ~~هذا كما إذا حكم الحاكم باليمين، فلما مضى ليحلف حضر من استخرج من المنكر ~~ما أوجب إقراره، فإنه يحكم عليه بذلك الاقرار قبل اليمين وبعدها، ولا يكون ~~ذلك من باب نقض الحكم الأول، لكن من باب تبدل الاحكام بحسب تبدل الأسباب. ~~والله أعلم. وفي هذا الحديث من الفقه أن الأنبياء سوغ لهم الحكم بالاجتهاد، ~~وقد ذكرناه. وفيه من الفقه استعمال الحكام الحيل التي تستخرج بها الحقوق، ~~وذلك يكون عن قوة الذكاء والفطنة، وممارسة أحوال الخلق، وقد يكون في أهل ~~التقوى فراسة دينية، وتوسمات نورية، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. وفيه ~~الحجة لمن يقول: إن الام تستلحق، وليس مشهور مذهب مالك، وليس هذا موضع ~~ذكره. وعلى الجملة فقضاء سليمان في هذه القصة (1) تضمنها مدحه تعالى له ~~بقوله: " ففهمناها سليمان ". # الثالثة عشرة - قد تقدم القول في الحرث والحكم في هذه الواقعة في شرعنا: ~~أن على أصحاب الحوائط حفظ حيطانهم وزروعهم بالنهار، ثم الضمان في المثل ~~بالمثليات، وبالقيمة في ذوات القيم. والأصل في هذه المسألة في شرعنا ما حكم ~~به [محمد] (2) نبينا صلى الله عليه وسلم في ناقة البراء بن عازب. رواه مالك ~~عن ابن شهاب عن حرام بن سعد بن محيصه: أن ناقة للبراء دخلت حائط رجل فأفسدت ~~فيه فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن على أهل الحوائط حفظها بالليل، ~~وأن ما أفسدت المواشي بالليل ضامن (3) على أهلها. هكذا رواه جميع الرواة ~~مرسلا. وكذلك رواه أصحاب ابن شهاب عن ابن شهاب، إلا ابن عيينة فإنه رواه عن ~~الزهري عن سعيد وحرام بن سعد بن محيصة: أن ناقة، فذكر مثله بمعناه. ورواه ~~ابن أبي ذئب عن ابن شهاب أنه بلغه أن ناقة البراء دخلت حائط قوم، مثل حديث ~~مالك سواء، إلا أنه لم يذكر حرام بن سعد بن محيصة ولا غيره. قال أبو عمر: ~~لم يصنع ابن أبي ms4156 ذئب # PageV11P314 # شيئا، إلا أنه أفسد إسناده. ورواه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن حرام ~~بن محيصة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يتابع (1) عبد الرزاق ~~على ذلك وأنكروا عليه قوله عن أبيه. # ورواه ابن جريج عن ابن شهاب قال: حدثني أبو أمامة بن سهل بن حنيف أن ناقة ~~دخلت في حائط قوم فأفسدت، فجعل الحديث لابن شهاب عن أبي أمامة، ولم يذكر أن ~~الناقة كانت للبراء. وجائز أن يكون الحديث عن ابن شهاب عن ابن محيصة، وعن ~~سعيد ابن المسيب، وعن أبي أمامة - والله أعلم - فحدث به عمن شاء منهم على ~~ما حضره وكلهم ثقات. قال أبو عمر: وهذا الحديث وإن كان مرسلا فهو حديث ~~مشهور أرسله الأئمة، وحدث به الثقات، واستعمله فقهاء الحجاز وتلقوه ~~بالقبول، وجرى في المدينة العمل به، وحسبك باستعمال أهل المدينة وسائر أهل ~~الحجاز لهذا الحديث. # الرابعة عشرة - ذهب مالك وجمهور الأئمة إلى القول بحديث البراء، وذهب أبو ~~حنيفة وأصحابه وجماعة من الكوفيين إلى أن هذا الحكم منسوخ، وأن البهائم إذا ~~أفسدت زرعا في ليل أو نهار أنه لا يلزم صاحبها شئ وأدخل فسادها في عموم ~~قوله صلى الله عليه وسلم: # (جرح العجماء جبار) فقاس جميع أعمالها على جرحها. ويقال: أنه ما تقدم أبا ~~حنيفة أحد بهذا القول، ولا حجة له ولا لمن اتبعه في حديث العجماء، وكونه ~~ناسخا لحديث البراء ومعارضا له، فإن النسخ شروطه معدومة، والتعاوض إنما يصح ~~إذا لم يمكن استعماله أحدهما إلا بنفي الآخر، وحديث (العجماء جرحها جبار) ~~عموم متفق عليه، ثم خص منه الزرع والحوائط بحديث البراء، لان النبي صلى ~~الله عليه وسلم لو جاء عنه في حديث واحد: العجماء جرحها جبار نهارا لا ليلا ~~وفي الزرع والحوائط والحرث، لم يكن هذا مستحيلا من القول، فكيف يجوز أن ~~يقال في هذا متعارض؟! وإنما هذا من باب العموم والخصوص على ما هو مذكور في ~~الأصول. # الخامشة عشرة - إن قيل: ما الحكمة في تفريق الشارع بين الليل والنهار، ~~وقد ms4157 قال الليث بن سعد: يضمن أرباب المواشي بالليل والنهار كل ما أفسدت، ولا ~~يضمن أكثر من قيمة الماشية؟ قلنا: الفرق بينهما واضح وذلك أن أهل المواشي ~~لهم ضرورة إلى إرسال # PageV11P315 # مواشيهم ترعي بالنهار، والأغلب عندهم أن من عنده زرع يتعاهده بالنهار ~~ويحفظه عمن أراده، فجعل حفظ ذلك بالنهار على أهل الزروع، لأنه وقت التصرف ~~في المعاش، كما قال الله سبحانه وتعالى: " وجعلنا النهار معاشا " (1) ~~[النبأ: 1 1] فإذا جاء الليل فقد جاء الوقت الذي يرجع كل شئ إلى موضعه ~~وسكنه، كما قال الله تعالى: " من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه " ~~(2) [القصص: 72] وقال: " وجعل الليل سكنا " (3) [الانعام: 96] ويرد أهل ~~المواشي مواشيهم إلى مواضعهم ليحفظوها، فإذا فرط صاحب الماشية في ردها إلى ~~منزله، أو فرط في ضبطها وحبسها عن الانتشار بالليل حتى أتلفت شيئا فعليه ~~ضمان ذلك، فجرى الحكم على الأوفق الأسمح، وكان ذلك أرفق بالفريقين وأسهل ~~على الطائفتين، وأحفظ للمالين، وقد وضح الصبح لذي عينين، ولكن لسليم ~~الحاستين، وأما قول الليث: لا يضمن أكثر من قيمة الماشية، فقد قال أبو عمر: ~~لا أعلم من أين قال هذا الليث بن سعد، إلا أن يجعله قياسا على العبد الجاني ~~لا يفتك بأكثر من قيمته ولا يلزم سيده في جنايته أكثر من قيمته، وهذا ضعيف ~~الوجه، كذا قال في " التمهيد " وقال في " الاستذكار ": # فخالف الحديث في (العجماء جرحها جبار) وخالف ناقة البراء، وقد تقدمه إلى ~~ذلك طائفة من العلماء منهم عطاء. قال ابن جريج قلت لعطاء: الحرث الماشية ~~ليلا أو نهارا؟ قال: # يضمن صاحبها ويغرم. قلت: كان عليه حظرا أو لم يكن؟ قال نعم! يغرم. قلت: # ما يغرم؟ قال: قيمة ما أكل حماره ودابته وماشيته. وقال معمر عن ابن ~~شبرمة: يقوم الزرع على حاله التي أصيب عليها دراهم. وروي عن عمر بن الخطاب ~~وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهما: يضمن رب الماشية ليلا أو نهارا، من طرق ~~لا تصح. # السادسة عشرة - قال مالك: ويقوم الزرع الذي أفسدت المواشي بالليل على ~~الرجاء والخوف. ms4158 قال: والحوائط التي تحرس والتي لا تحرس، والمحظر عليها وغير ~~المحظر سواء، يغرم أهلها ما أصابت بالليل بالغا ما بلغ، وإن كان أكثر من ~~قيمتها. قال: وإذا انفلتت دابة بالليل فوطئت على رجل نائم لم يغرم صاحبها ~~شيئا، وإنما هذا في الحائط والزرع والحرث، ذكره عنه ابن عبد الحكم. وقال ~~ابن القاسم: ما أفسدت الماشية بالليل فهو في مال ربها، # PageV11P316 # وإن كان أضعاف ثمنها، لان الجناية من قبله إذ لم يربطها، وليست الماشية ~~كالعبيد، حكاه سحنون وأصبغ وأبو زيد عن ابن القاسم. # السابعة عشرة - ولا يستأني بالزرع أن ينبت أو لا ينبت كما يفعل في سن ~~الصغير. # وقال عيسى عن ابن القاسم: قيمته لو حل بيعه. وقال أشهب وابن نافع في ~~المجموعة عنه: وإن لم يبد صلاحه. ابن العربي: والأول أقوى لأنها صفته فتقوم ~~كما يقوم كل متلف على صفته. # الثامنة عشرة - لو لم يقض للمفسد له بشئ حتى نبت وانجبر فإن كان فيه قبل ~~ذلك منفعة رعى أوشى ضمن تلك المنفعة، وإن لم تكن فيه منفعة فلا ضمان. وقال ~~أصبغ: # يضمن، لان التلف قد تحقق والجبر ليس من جهته فلا يعتد له به. # التاسعة عشرة - وقع في كتاب ابن سحنون أن الحديث إنما جاء في أمثال ~~المدينة التي هي حيطان محدقة، وأما البلاد التي هي زروع متصلة غير محظرة، ~~وبساتين كذلك، فيضمن أرباب النعم ما أفسدت من ليل أو نهار، كأنه ذهب إلى أن ~~ترك تثقيف الحيوان في مثل هذه البلاد تعد، لأنها ولا بد تفسد. وهذا جنوح ~~إلى قول الليث. # الموفية عشرين - قال أصبغ في المدينة: ليس لأهل المواشي أن يخرجوا ~~مواشيهم إلى قرى الزرع بغير ذواد، فركب العلماء على هذا أن البقعة لا تخلو ~~أن تكون بقعة زرع، أو بقعة سرح، فإن كانت بقعة زرع فلا تدخلها ماشية إلا ~~ماشية تحتاج، وعلى أربابها حفظها، وما أفسدت فصاحبها ضامن ليلا أو نهارا، ~~وإن كانت بقعة سرح فعلى صاحب الذي حرثه فيها حفظه، ولا شئ على أرباب ~~المواشي. # الحادية ms4159 والعشرون - المواشي على قسمين: ضواري وحريسة وعليهما قسمها مالك. # فالضواري هي المعتادة للزرع (1) والثمار، فقال مالك: تغرب وتباع في بلد ~~لا زرع فيه، رواه ابن القاسم في الكتاب وغيره. قال ابن حبيب: وإن كره ذلك ~~ربها، وكذلك قال مالك في الدابة التي ضريت في إفساد الزرع: تغرب وتباع. ~~وأما ما يستطاع الاحتراس منه فلا يؤمر صاحبه بإخراجه. # PageV11P317 # الثانية والعشرون - قال أصبغ: النحل والحمام والإوز والدجاج كالماشية، لا ~~يمنع صاحبها من اتخاذها وإن [ضريت] (1)، وعلى أهل القرية حفظ زروعهم. قال ~~ابن العربي: # وهذه رواية ضعيفة لا يلتفت إليها. من أراد أن يتخذ ما ينتفع به مما لا ~~يضر بغيره مكن منه، وأما انتفاعه بما يتخذه بإضراره بأحد فلا سبيل إليه. ~~قال عليه السلام: (لا ضرر ولا ضرار) وهذه الضواري عن ابن القاسم في المدينة ~~لا ضمان على أربابها إلا بعد التقدم. ابن العربي: # وأرى الضمان عليهم قبل التقدم إذا كانت ضواري. # الثالثة والعشرون - ذكر عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن الشعبي أن شاة ~~وقعت في غزل حائك فاختصموا إلى شريح، فقال الشعبي: انظروه فإنه سيسألهم ~~ليلا وقعت فيه أو نهارا، ففعل. ثم قال: إن كان بالليل ضمن وإن كان بالنهار ~~لم يضمن، ثم قرأ شريح " إذ نفشت فيه غنم القوم " قال: والنفش بالليل والهمل ~~بالنهار. # قلت: ومن هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم (العجماء جرحها جبار) ~~الحديث. # وقال ابن شهاب: والجبار الهدر، والعجماء البهيمة، قال علماؤنا: ظاهر ~~قوله: (العجماء جرحها جبار) أن ما انفردت البهيمة بإتلافه لم يكن فيه شئ، ~~وهذا مجمع عليه. فلو كان معها قائد أو سائق أو راكب فحملها أحدهم على شئ ~~فأتلفته لزمه حكم المتلف، فإن كانت جناية مضمونة بالقصاص وكان الحمل عمدا ~~كان فيه القصاص ولا يختلف فيه، لان الدابة كالآلة. # وإن كان عن غير قصد كانت فيه الدية على العاقلة. وفي الأموال الغرامة في ~~مال الجاني. # الرابعة والعشرون - واختلفوا فيمن أصابته برجلها أو ذنبها، فلم يضمن مالك ~~والليث والأوزاعي صاحبها، وضمنه الشافعي وابن ms4160 أبي ليلى وابن شبرمة. ~~واختلفوا في الضارية فجمهورهم أنها كغيرها، ومالك وبعض أصحابه يضمنونه. # الخامسة والعشرون - روى سفيان بن حسين عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن ~~أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الرجل جبار) قال ~~الدارقطني: لم يروه # PageV11P318 # غير سفيان بن حسين ولم يتابع عليه، وخالفه الحفاظ عن الزهري منهم مالك ~~وابن عيينة ويونس ومعمر وابن جريج والزبيدي وعقيل وليث بن سعد، وغيرهم كلهم ~~رووه عن الزهري فقالوا: # (العجماء جبار والبئر جبار والمعدن جبار) ولم يذكروا الرجل وهو الصواب. ~~وكذلك رواه أبو صالح السمان، وعبد الرحمن الأعرج، ومحمد بن سيرين، ومحمد بن ~~زياد وغيرهم عن أبي هريرة، ولم يذكروا فيه (والرجل جبار) وهو المحفوظ عن ~~أبي هريرة. # السادسة والعشرون - قوله: (والبئر جبار) قد روى موضعه (والنار جبار) قال ~~الدارقطني: # حدثنا حمزة بن القاسم الهاشمي حدثنا حنبل بن إسحاق قال سمعت أبا عبد الله ~~أحمد بن حنبل يقول في حديث عبد الرزاق: حديث أبي هريرة (والنار جبار) ليس ~~بشئ لم يكن في الكتاب باطل ليس هو بصحيح. حدثنا محمد بن مخلد حدثنا أبو ~~إسحاق (1) إبراهيم بن هانئ قال سمعت أحمد بن حنبل يقول: أهل اليمن يكتبون ~~النار النير ويكتبون البير، يعني مثل ذلك. وإنما لقن عبد الرزاق (النار ~~جبار). وقال الرمادي: قال عبد الرزاق قال معمر لا أراه إلا وهما. # قال أبو عمر: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث معمر عن همام بن منبه ~~عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (النار جبار) وقال يحيي ~~بن معين: أصله البئر ولكن معمرا صحفه قال أبو عمر: لم يأت ابن معين على ~~قوله هذا بدليل، وليس هكذا ترد أحاديث الثقات. ذكر وكيع عن عبد العزيز بن ~~حصين عن يحيى بن يحيى الغساني قال: # أحرق رجل سافي قراح (2) له فخرجت شرارة من نار حتى أحرقت شيئا لجاره. ~~قال: فكتب فيه إلى عمر بن عبد العزيز ابن حصين فكتب إلي أن رسول الله صلى ms4161 ~~الله عليه وسلم قال: # (العجماء جبار) وأرى أن النار جبار. وقد روي (والسائمة جبار) بدل العجماء ~~فهذا ما ورد في ألفاظ هذا الحديث ولكل معنى لفظ صحيح مذكور في شرح الحديث ~~وكتب الفقه. # قوله تعالى: (وسخرنا مع داود الجبال يسبحن) قال وهب: كان داود يمر ~~بالجبال مسبحا والجبال تجاوبه بالتسبيح، وكذلك الطير. وقيل: كان داود إذا ~~وجد فترة أمر الجبال فسبحت # PageV11P319 # حتى يشتاق، ولهذا قال: " وسخرنا " أي جعلناها بحيث تطيعه إذا أمرها ~~بالتسبيح. وقيل: # إن سيرها معه تسبيحها، والتسبيح مأخوذ من السباحة، دليله قوله تعالى: " ~~يا جبال أوبي معه " (1) [سبأ: 10]. وقال قتادة: " يسبحن " يصلين معه إذا ~~صلى، والتسبيح الصلاة. وكل محتمل. # وذلك فعل الله تعالى بها، ذلك لان الجبال لا تعقل فتسبيحها دلالة على ~~تنزيه الله تعالى عن صفات العاجزين والمحدثين. # قوله تعالى: وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون ~~(80) فيه ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (وعلمناه صنعة لبوس لكم) يعني اتخاذ الدروع بإلانة ~~الحديد له، واللبوس عند العرب السلاح كله، درعا كان أو جوشنا أو سيفا أو ~~رمحا. قال الهذلي (2) يصف رمحا: # ومعي لبوس للبئيس كأنه * روق بجبهة ذي نعاج مجفل واللبوس كل ما يلبس، ~~وأنشد ابن السكيت: (3) ألبس لكل حالة لبوسها * إما نعيمها وإما بوسها وأراد ~~الله تعالى هنا الدرع، وهو بمعنى الملبوس نحو الركوب والحلوب. قال قتادة: ~~أول من صنع الدروع داود. وإنما كانت صفائح، فهو أول من سردها وحلقها. # الثانية - قوله تعالى: (ليحصنكم) (4) ليحرزكم. (من بأسكم) أي من حربكم. # وقيل: من السيف والسهم والرمح، أي من آلة بأسكم فحذف المضاف. ابن عباس: # " من بأسكم " من سلاحكم. الضحاك: من حرب أعدائكم. والمعنى واحد. وقرأ ~~الحسن # PageV11P320 # وأبو جعفر وابن عامر وحفص وروح " لتحصنكم " بالتاء ردا على الصنعة (1). ~~وقيل: على اللبوس والمنعة التي هي الدروع. وقرأ شيبة وأبو بكر والمفضل ~~ورويس وابن أبي إسحاق: # " لنحصنكم " بالنون لقوله: " وعلمناه " وقرأ الباقون بالياء جعلوا الفعل ~~للبوس، أو يكون المعنى ليحصنكم الله. (فهل أنتم شاكرون) أي على تيسير نعمة ms4162 ~~الدروع لكم. وقيل: # " هل أنتم شاكرون " بأن تطيعوا رسولي. # الثالثة - هذه الآية أصل في اتخاذ الصنائع والأسباب، وهو قول أهل العقول ~~والألباب، لا قول الجهلة الأغبياء القائلين بأن ذلك إنما شرع للضعفاء، ~~فالسبب سنة الله في خلقه فمن طعن في ذلك فقد طعن في الكتاب والسنة، ونسب من ~~ذكرنا إلى الضعف وعدم المنة. وقد أخبر الله تعالى عن نبيه داود عليه السلام ~~أنه كان يصنع الدروع، وكان أيضا يصنع الخوص، وكان يأكل من عمل يده، وكان ~~آدم حراثا، ونوح نجارا ولقمان خياطا، وطالوت دباغا. وقيل: سقاء، فالصنعة ~~يكف بها الانسان نفسه عن الناس، ويدفع بها عن نفسه الضرر والبأس. وفي ~~الحديث: " إن الله يحب المؤمن المحترف الضعيف المتعفف ويبغض السائل الملحف ~~". وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة " الفرقان " (2). وقد تقدم في غير ما ~~آية، وفيه كفاية والحمد لله. # قوله تعالى: ولسليمان الريح عاصفة تجرى بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها ~~وكنا بكل شئ عالمين (81) ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ذلك ~~وكنا لهم حافظين (82) قوله تعالى: (ولسليمان الريح عاصفة) أي وسخرنا ~~لسليمان الريح عاصفة، أي شديدة الهبوب. يقال منه: عصفت الريح أي اشتدت فهي ~~ريح عاصف وعصوف. وفي لغة بني أسد: أعصفت الريح فهي معصف ومعصفة. والعصف ~~التبن فسمي به شدة الريح، # PageV11P321 # لأنها تعصفه بشدة تطيرها. وقرأ عبد الرحمن الأعرج والسلمي وأبو بكر " ~~ولسليمان الريح " برفع الحاء على القطع مما قبله، والمعنى ولسليمان تسخير ~~الريح، ابتداء وخبر. (تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها) يعني الشام. ~~يروي أنها كانت تجري به وبأصحابه إلى حيث أراد، ثم ترده إلى الشام. وقال ~~وهب: كان سليمان بن داود إذا خرج إلى مجلسه عكفت عليه الطير، وقام له الجن ~~والإنس حتى يجلس على سريره. وكان امرأ غزاء لا يقعد عن الغزو، فإذا أراد أن ~~يغزو أمر بخشب فمدت ورفع عليها الناس والدواب وآلة الحرب، ثم أمر العاصف ~~فأقلت ذلك، ثم أمر الرخاء فمرت (1) به شهرا في رواحه وشهرا في غدوه، وهو ~~معنى ms4163 قوله تعالى: " تجري بأمره رخاء حيث أصاب " (2) [ص: 36]. والرخاء ~~اللينة. (وكنا بكل شئ عالمين) أي بكل شئ عملنا عالمين بتدبيره. # قوله تعالى: (ومن الشياطين من يغوصون له) أي وسخرنا له من يغوصون، يريد ~~تحت الماء. أي يستخرجون له الجواهر من البحر. والغوص النزول تحت الماء، وقد ~~غاص في الماء، والهاجم على الشئ غائص. والغواص الذي يغوص في البحر على ~~اللؤلؤ، وفعله الغياصة. (ويعملون عملا دون ذلك) أي سوى ذلك من الغوص، قاله ~~الفراء. وقيل: يراد بذلك المحاريب والتماثيل وغير ذلك مما يسخرهم فيه. ~~(وكنا لهم حافظين) أي لاعمالهم. وقال الفراء: حافظين لهم من أن يفسدوا ~~أعمالهم، أو يهيجوا أحدا من بني آدم في زمان سليمان. # وقيل: " حافظين " من أن يهربوا أو يمتنعوا. أو حفظناهم من أن يخرجوا عن ~~أمره. وقد قيل: إن الحمام والنورة والطواحين والقوارير والصابون من استخراج ~~الشياطين. # قوله تعالى: وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين (83) ~~فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا ~~وذكرى للعابدين (84) # PageV11P322 # قوله تعالى: (وأيوب إذ نادى ربه) أي واذكر أيوب إذ نادى ربه. (أني مسني ~~الضر) أي نالني في بدني ضر وفي مالي وأهلي. قال ابن عباس: سمي أيوب لأنه آب ~~إلى الله تعالى في كل حال. وروى أن أيوب عليه السلام كان رجلا من الروم ذا ~~مال عظيم، وكان برا تقيا رحيما بالمساكين، يكفل الأيتام والأرامل، ويكرم ~~الضيف، ويبلغ ابن السبيل، شاكرا لأنعم الله تعالى، وأنه دخل مع قومه على ~~جبار عظيم فخاطبوه في أمر، فجعل أيوب يلين له في القول من أجل زرع كان له ~~فامتحنه الله بذهاب ماله وأهله، وبالضر في جسمه حتى تناثر لحمه وتدود جسمه، ~~حتى أخرجه أهل قريته إلى خارج القرية، وكانت امرأته تخدمه. قال الحسن: مكث ~~بذلك تسع سنين وستة أشهر. فلما أراد الله أن يفرج عنه قال الله تعالى له: # " اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب " [ص: 42] فيه شفاؤك، وقد وهبت لك ~~أهلك ومالك وولدك ms4164 ومثلهم معهم. وسيأتي في " ص " (1) ما للمفسرين في قصة ~~أيوب من تسليط الشيطان عليه، والرد عليهم إن شاء الله تعالى. واختلف في قول ~~أيوب: " مسني الضر " على خمسة عشر قولا: الأول: أنه وثب ليصلي فلم يقدر على ~~النهوض فقال: " مسني الضر " إخبارا عن حاله، لا شكوى لبلائه، رواه أنس ~~مرفوعا. الثاني - أنه إقرار بالعجز فلم يكن منافيا للصبر. الثالث - أنه ~~سبحانه أجراه على لسانه ليكون حجة لأهل البلاء بعده في الافصاح بما ينزل ~~بهم. الرابع - أنه أجراه على لسانه إلزاما له في صفة الآدمي في الضعف عن ~~تحمل البلاء. الخامس - أنه انقطع الوحي عنه أربعين يوما فخاف هجران ربه ~~فقال: # " مسني الضر ". وهذا قول جعفر بن محمد. السادس - أن تلامذته الذين كانوا ~~يكتبون عنه لما أفضت حاله إلى ما انتهت إليه محوا ما كتبوا عنه، وقالوا: ما ~~لهذا عند الله قدر، فاشتكى الضر في ذهاب الوحي والدين من أيدي الناس. وهذا ~~مما لم يصح سنده. والله أعلم، قاله ابن العربي. السابع - أن دودة سقطت (2) ~~من لحمه فأخذها وردها في موضعها فعقرته فصاح " مسني الضر " فقيل: أعلينا ~~تتصبر. قال ابن العربي: وهذا بعيد جدا # PageV11P323 # مع أنه يفتقر إلى نقل صحيح، ولا سبيل إلى وجوده. الثامن - أن الدود كان ~~يتناول بدنه فصبر حتى تناولت دودة قلبه وأخرى لسانه، فقال: " مسني الضر " ~~لاشتغاله عن ذكر الله. قال ابن العربي: وما أحسن هذا لو كان له سند ولم تكن ~~دعوى عريضة. # التاسع - أنه أبهم عليه جهة أخذ البلاء له هل هو تأديب، أو تعذيب، أو ~~تخصيص، أو تمحيص، أو ذخر أو طهر، فقال: " مسني الضر " أي ضر الاشكال في جهة ~~أخذ البلاء. قال ابن العربي: وهذا غلو لا يحتاج إليه. العاشر - أنه قيل له ~~سل الله العافية فقال: أقمت في النعيم سبعين سنة وأقيم في البلاء سبع سنين ~~وحينئذ أسأله فقال: " مسني الضر ". قال ابن العربي: وهذا ممكن ولكنه لم يصح ~~في إقامته مدة خبر ولا في هذه القصة. الحادي عشر - أن ضره قول ms4165 إبليس لزوجه ~~اسجدي لي فخاف ذهاب الايمان عنها فتهلك ويبقي بغير كافل. الثاني عشر - لما ~~ظهر به البلاء قال قومه: قد أضربنا كونه معنا وقذره فليخرج عنا، فأخرجته ~~امرأته إلى ظاهر البلد، فكانوا إذا خرجوا رأوه وتطيروا به وتشاءموا برؤيته، ~~فقالوا: ليبعد بحيث لا نراه. فخرج إلى بعد من القرية، فكانت امرأته تقوم ~~عليه وتحمل قوته إليه. فقالوا: إنها تتناوله وتخالطنا فيعود بسببه ضره ~~إلينا. فأرادوا قطعها عنه، فقال: " مسني الضر ". الثالث عشر: قال عبد الله ~~بن عبيد بن عمير: كان لأيوب أخوان فأتياه فقاما من بعيد لا يقدران أن يدنوا ~~منه من نتن ريحه، فقال أحدهما: لو علم الله في أيوب خيرا ما ابتلاه بهذا ~~البلاء، فلم يسمع شيئا أشد عليه من هذه الكلمة، فعند ذلك قال: " مسني الضر ~~" ثم قال: " اللهم إن كنت تعلم أني لم أبت شبعان قط وأنا أعلم مكان جائع ~~فصدقني " فنادى مناد من السماء " أن صدق عبدي " وهما يسمعان فخرا ساجدين. # الرابع عشر - أن معنى: " مسني الضر " من شماتة الأعداء، ولهذا قيل له: ما ~~كان أشد عليك في بلائك؟ قال شماتة الأعداء. قال ابن العربي: وهذا ممكن فإن ~~الكليم قد سأله أخوه العافية من ذلك فقال: " إن القوم استضعفوني وكادوا ~~يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء " (1) [الأعراف: 150]. # الخامس عشر - أن امرأته كانت ذات ذوائب فعرفت حين منعت أن تتصرف لاحد ~~بسببه # PageV11P324 # ما تعود به عليه، فقطعت ذوائبها واشترت بها ممن يصلها قوتا وجاءت به ~~إليه، وكان يستعين بذوائبها في تصرفه وتنقله، فلما عدمها وأراد الحركة في ~~تنقله لم يقدر قال: " مسني الضر ". # وقيل: إنها لما اشترت القوت بذوائبها جاءه إبليس (1) [لعنه الله] (2) في ~~صفة رجل وقال له: # إن أهلك بغت فأخذت وحلق شعرها. فحلف أيوب أن يجلدها، فكانت المحنة على ~~قلب المرأة أشد من المحنة على قلب أيوب. # قلت: وقول سادس عشر - ذكره ابن المبارك: أخبرنا يونس بن يزيد عن عقيل عن ~~ابن شهاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر يوما أيوب النبي ms4166 صلى الله ~~عليه وسلم وما أصابه من البلاء، الحديث. وفيه أن بعض إخوانه ممن صابره ~~ولازمه قال: يا نبي الله لقد أعجبني أمرك وذكرته إلى أخيك وصاحبك، أنه قد ~~ابتلاك بذهاب الأهل والمال وفي جسدك منذ ثمانية عشرة سنة حتى بلغت ما ترى ~~ألا يرحمك فيكشف عنك! لقد أذنبت ذنبا ما أظن أحدا بلغه! فقال أيوب عليه ~~السلام: " ما أدري ما يقولان غير أن ربي عز وجل يعلم أني كنت أمر على ~~الرجلين يتزاعمان وكل يحلف بالله - أو على النفر يتزاعمون - فأنقلب إلى ~~أهلي فأكفر عن أيمانهم إرادة ألا يأثم أحد ذكره ولا يذكره أحد إلا بالحق " ~~فنادى ربه " أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين " إنما كان دعاؤه عرضا عرضه ~~على الله تبارك وتعالى يخبره بالذي بلغه، صابرا لما يكون من الله تبارك ~~وتعالى فيه. وذكر الحديث. وقول سابع عشر - سمعته ولم أقف عليه أن دودة سقطت ~~من جسده فطلبها ليردها إلى موضعها فلم يجدها فقال: # " مسني الضر " لما فقد من أجر ألم تلك الدودة، وكان أراد أن يبقى له ~~الاجر موفرا إلى وقت العافية، وهذا حسن إلا أنه يحتاج إلى سند. قال ~~العلماء: ولم يكن قوله " مسني الضر " جزعا، لان الله تعالى قال: " إنا ~~وجدناه صابرا " (3) [ص: 44] بل كان ذلك دعاء منه، والجزع في الشكوى إلى ~~الخلق لا إلى الله تعالى، والدعاء لا ينافي الرضا. قال الثعلبي: سمعت ~~أستاذنا أبا القاسم ابن حبيب يقول حضرت مجلسا غاصا بالفقهاء والأدباء في ~~دار السلطان، فسألت عن هذه الآية بعد إجماعهم على أن قول أيوب كان شكاية قد ~~قال الله تعالى: " إنا وجدناه صابرا " [ص: 44] # PageV11P325 # فقلت: ليس هذا شكاية وإنما كان دعاء، بيانه (فاستجبنا له) والإجابة تتعقب ~~الدعاء لا الاشتكاء. فاستحسنوه وارتضوه. وسئل الجنيد عن هذه الآية فقال: ~~عرفه فاقة السؤال ليمن عليه بكرم النوال. (1) قوله تعالى: (فكشفنا ما به من ~~ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم) قال مجاهد وعكرمة: # قيل لأيوب صلى الله عليه وسلم: قد آتيناك أهلك في الجنة فإن شئت ms4167 تركناهم ~~لك في الجنة وإن شئت آتيناكهم في الدنيا. قال مجاهد: فتركهم الله عز وجل له ~~في الجنة وأعطاه مثلهم في الدنيا. قال النحاس: والاسناد عنهما بذلك صحيح. # قلت: وحكاه المهدوي عن ابن عباس. وقال الضحاك: قال عبد الله بن مسعود كان ~~أهل أيوب قد ماتوا إلا امرأته فأحياهم الله عز وجل في أقل من طرف البصر، ~~وآتاه مثلهم معهم. وعن ابن عباس أيضا: كان بنوه قد ماتوا فأحيوا له وولد له ~~مثلهم معهم. # وقاله قتادة وكعب الأحبار والكلبي وغيرهم. قال ابن مسعود: مات أولاده وهم ~~سبعة من الذكور وسبعة من الإناث فلما عوفي نشروا له، وولدت [له] (2) امرأته ~~سبعة بنين وسبع بنات. # [قال] (2) الثعلبي: وهذا القول أشبه بظاهر الآية. # قلت: لأنهم ماتوا ابتلاء قبل آجالهم حسب ما تقدم بيانه في سورة " البقرة ~~" (3) في قصة " الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت " [البقرة: 243]. ~~وفي قصة السبعين الذين أخذتهم الصعقة فماتوا ثم أحيوا (4)، وذلك أنهم ماتوا ~~قبل آجالهم، وكذلك هنا والله أعلم. وعلى قول مجاهد وعكرمة يكون المعنى: " ~~وآتيناه أهله " في الآخرة " ومثلهم معهم " في الدنيا. وفي الخبر: # إن الله بعث إليه جبريل عليه السلام حين ركض برجله على الأرض ركضة فظهرت ~~عين ماء حار (5)، وأخذ بيده ونفضه نفضة فتناثرت عنه الديدان، وغاص في الماء ~~غوصة فنبت لحمه وعاد إلى منزله، ورد الله عليه أهله ومثلهم معهم، ونشأت ~~سحابة على قدر قواعد داره فأمطرت ثلاثة أيام بلياليها جرادا من ذهب. فقال ~~له جبريل: أشبعت؟ فقال: ومن # PageV11P326 # يشبع من فضل الله!. فأوحى الله إليه: قد أثنيت عليك بالصبر قبل وقوعك في ~~البلاء وبعده، ولولا أني وضعت تحت كل شعرة منك صبرا ما صبرت. (رحمة من ~~عندنا) أي فعلنا ذلك به رحمة من عندنا. وقيل: ابتليناه ليعظم ثوابه غدا. ~~(وذكرى للعابدين) أي وتذكيرا للعباد، لأنهم إذا ذكروا بلاء أيوب وصبره عليه ~~ومحنته له وهو أفضل أهل زمانه وطنوا أنفسهم على الصبر على شدائد الدنيا نحو ~~ما فعل أيوب، فيكون هذا تنبيها لهم ms4168 على إدامة العبادة، واحتمال الضرر. ~~واختلف في مدة إقامته في البلاء، فقال ابن عباس: كانت مدة البلاء سبع سنين ~~وسبعة أشهر وسبعة أيام وسبع ليال. وهب: ثلاثين سنة. الحسن: سبع سنين وستة ~~أشهر. قلت: وأصح من هذا والله أعلم ثماني عشرة سنة، رواه ابن شهاب عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم، ذكره ابن المبارك وقد تقدم. # قوله تعالى: وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين (85) وأدخلناهم في ~~رحمتنا إنهم من الصالحين (86) قوله تعالى: (وإسماعيل وإدريس) وهو أخنوخ وقد ~~تقدم (وذا الكفل) أي واذكرهم. وخرج الترمذي الحكيم في " نوادر الأصول " ~~وغيره من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كان في بني ~~إسرائيل رجل يقال له ذو الكفل لا يتورع (1) من ذنب عمله فاتبع امرأة ~~فأعطاها ستين دينارا [على أن يطأها] (2) فلما قعد منها مقعد الرجل من ~~امرأته ارتعدت وبكت فقال ما يبكيك قالت من هذا العمل والله ما عملته قط قال ~~أأكرهتك قالت لا ولكن حملني عليه الحاجة قال اذهبي فهو لك والله لا أعصى ~~الله بعدها أبدا ثم مات من ليلته فوجدوا مكتوبا على باب داره إن الله قد ~~غفر لذي الكفل) وخرجه أبو عيسى الترمذي أيضا. ولفظه عن ابن عمر رضي الله ~~عنهما قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يحدث حديثا لو لم أسمعه إلا مرة ~~أو مرتين - حتى عد سبع مرات - [لم أحدث به] (3) ولكني سمعته أكثر من ذلك، ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (كان # PageV11P327 # ذو الكفل من بني إسرائيل لا يتورع من ذنب عمله فأتته امرأة فأعطاها ستين ~~دينارا على أن يطأها فلما قعد منها مقعد الرجل من امرأته ارتعدت وبكت فقال ~~ما يبكيك أأكرهتك قالت لا ولكنه عمل ما عملته قط وما حملني عليه إلا الحاجة ~~فقال تفعلين أنت هذا وما فعلته اذهبي فهي لك وقال والله لا أعصى الله بعدها ~~أبدا فمات من ليلته فأصبح مكتوبا على بابه إن الله قد غفر لذي الكفل) قال: ~~حديث حسن. ms4169 وقيل إن اليسع لما كبر قال: # لو استخلفت رجلا على الناس حتى أنظر كيف يعمل. فقال: من يتكفل لي بثلاث: ~~بصيام النهار وقيام الليل وألا يغضب وهو يقضى؟ فقال رجل من ذرية العيص: ~~أنا، فرده ثم قال مثلها من الغد، فقال الرجل: أنا، فاستخلفه فوفى فأثنى ~~الله عليه فسمى ذا الكفل، لأنه تكفل بأمر، قال أبو موسى ومجاهد وقتادة. ~~وقال عمر (1) بن عبد الرحمن بن الحرث وقال أبو موسى عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: إن ذا الكفل لم يكن نبيا، ولكنه كان عبدا صالحا فتكفل بعمل رجل صالح ~~عند موته، وكان يصلى لله كل يوم مائة صلاة فأحسن الله الثناء عليه. # وقال كعب: كان في بني إسرائيل ملك كافر فمر ببلاده رجل صالح فقال: والله ~~إن خرجت من هذه البلاد حتى أعرض على هذا الملك الاسلام. فعرض عليه فقال: ما ~~جزائي؟ قال: # الجنة - ووصفها له - قال: من يتكفل لي بذلك؟ قال: أنا، فأسلم الملك وتخلى ~~عن المملكة وأقبل على طاعة ربه حتى مات، فدفن فأصبحوا فوجدوا يده خارجة من ~~القبر وفيها رقعة خضراء مكتوب فيها بنور أبيض: إن الله قد غفر لي وأدخلني ~~الجنة ووفى عن كفالة فلان، فأسرع الناس إلى ذلك الرجل بأن يأخذ عليهم ~~الايمان، ويتكفل لهم بما تكفل به للملك، ففعل ذلك فآمنوا كلهم فسمى ذا ~~الكفل. وقيل: كان رجلا عفيفا يتكفل بشأن كل إنسان وقع في بلاء أو تهمة أو ~~مطالبة فينجيه الله على يديه. وقيل: سمى ذا الكفل لان الله تعالى تكفل له ~~في سعيه وعمله بضعف عمل غيره من الأنبياء الذين كانوا في زمانه. # والجمهور على أنه ليس بنبي. وقال الحسن: هو نبي قبل إلياس. وقيل: هو ~~زكريا بكفالة مريم. (كل من الصابرين) أي على أمر الله والقيام بطاعته ~~واجتناب معاصيه. (وأدخلناهم في رحمتنا) أي في الجنة (إنهم من الصالحين). # PageV11P328 # قوله تعالى: وذا النون إن ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في ~~الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت ms4170 من الظالمين (87) فاستجبنا له ~~ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين (88) قوله تعالى: (وذا النون) أي ~~واذكر " ذا النون " وهو لقب ليونس بن متى لابتلاع النون إياه. والنون ~~الحوت. وفي حديث عثمان رضي الله عنه أنه رأى صبيا مليحا فقال: دسموا نونته ~~كي لا تصيبه العين. روى ثعلب عن ابن الأعرابي: النونة النقبة التي تكون في ~~ذقن الصبي الصغير، ومعنى دسموا سودوا. (إن ذهب مغاضبا) قال الحسن والشعبي ~~وسعيد بن جبير: # مغاضبا لربه عز وجل. واختاره الطبري والقتبي واستحسنه المهدوي، وروي عن ~~ابن مسعود. # وقال النحاس: وربما أنكره هذا من لا يعرف اللغة وهو قول صحيح. والمعنى: ~~مغاضبا من أجل ربه، كما تقول: غضبت لك أي من أجلك. والمؤمن يغضب لله عز وجل ~~إذا عصى. # وأكثر أهل اللغة يذهب إلى أن قول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة: ~~(اشترطي لهم الولاء) من هذا. وبالغ القتبي في نصرة هذا القول. وفي الخبر في ~~وصف يونس: إنه كان ضيق الصدر فلما حمل أعباء النبوة تفسخ تحتها تفسخ الربع ~~(1) تحت الحمل الثقيل، فمضى على وجهه مضى الآبق الناد. وهذه المغاضبة كانت ~~صغيرة. ولم يغضب على الله ولكن غضب لله إذ رفع العذاب عنهم. وقال ابن ~~مسعود: أبق من ربه أي من أمر ربه حتى أمره بالعودة إليهم بعد رفع العذاب ~~عنهم. فإنه كان يتوعد قومه نزول العذاب في وقت معلوم، وخرج من عندهم في ذلك ~~الوقت، فأظلهم العذاب فتضرعوا فرفع عنهم ولم يعلم يونس بتوبتهم، فلذلك ذهب ~~مغاضبا وكان من حقه ألا يذهب إلا بإذن محدد. وقال الحسن: أمره الله تعالى ~~بالمسير إلى قومه فسأل أن ينظر ليتأهب، فأعجله الله حتى سأل أن يأخذ نعلا ~~ليلبسها فلم ينظر، وقيل له: # الامر أعجل من ذلك - وكان في خلقه ضيق - فخرج مغاضبا لربه، فهذا قول. ~~وقول # PageV11P329 # النحاس أحسن ما قيل في تأويله. أي خرج مغاضبا من أجل ربه، أي غضب على ~~قومه من أجل كفرهم بربه. وقيل: إنه غاضب قومه حين طال عليه أمرهم وتعنتهم ~~فذهب ms4171 فارا بنفسه، ولم يصبر على أذاهم وقد كان الله أمره بملازمتهم والدعاء، ~~فكان ذنبه خروجه من بينهم من غير إذن من الله. روي معناه عن ابن عباس ~~والضحاك، وأن يونس كان شابا ولم يحمل أثقال النبوة، ولهذا قيل للنبي صلى ~~الله عليه وسلم: " ولا تكن كصاحب الحوت " (1) [القلم: 48]. وعن الضحاك أيضا ~~خرج مغاضبا لقومه، لان قومه لما لم يقبلوا منه وهو رسول من الله عز وجل ~~كفروا بهذا فوجب أن يغاضبهم، وعلى كل أحد أن يغاضب من عصى الله عز وجل. ~~وقالت فرقة منهم الأخفش: إنما خرج مغاضبا للملك الذي كان على قومه. قال ابن ~~عباس: أراد شعيا النبي والملك الذي كان في وقته اسمه حزقيا أن يبعثوا يونس ~~إلى ملك نينوى، وكان غزا بني إسرائيل وسبى الكثير منهم ليكلمه حتى يرسل معه ~~بني إسرائيل، وكان الأنبياء في ذلك الزمان يوحى إليهم، والامر والسياسة إلى ~~ملك قد اختاروه فيعمل على وحي ذلك النبي، وكان أوحى الله لشعيا: أن قل ~~لحزقيا الملك أن يختار نبيا قويا أمينا من بني إسرائيل فيبعثه إلى أهل ~~نينوى فيأمرهم بالتخلية عن بني إسرائيل فإني ملق في قلوب ملوكهم وجبابرتهم ~~التخلية عنهم. فقال يونس لشعيا: هل أمرك الله بإخراجي؟ قال: لا. قال: فهل ~~سماني لك؟ # قال: لا. قال فها هنا أنبياء أمناء أقوياء. فألحوا عليه فخرج مغاضبا ~~للنبي والملك وقومه، فأتى بحر الروم وكان من قصته ما كان، فابتلى ببطن ~~الحوت لتركه أمر شعيا، ولهذا قال الله تعالى: # " فالتقمه الحوت وهو مليم " (2) [الصافات: 142] والمليم من فعل ما يلام ~~عليه. وكان ما فعله إما صغيرة أو ترك الأولى. وقيل: خرج ولم يكن نبيا في ~~ذلك الوقت ولكن أمره ملك من ملوك بني إسرائيل أن يأتي نينوى، ليدعو أهلها ~~بأمر شعيا فأنف أن يكون ذهابه إليهم بأمر أحد غير الله، فخرج مغاضبا للملك، ~~فلما نجا من بطن الحوت بعثه الله إلى قومه فدعاهم وآمنوا به. وقال القشيري: ~~والأظهر أن هذه المغاضبة كانت بعد إرسال الله تعالى إياه وبعد ms4172 رفع العذاب ~~عن القوم بعد ما أظلهم، فإنه كره رفع العذاب عنهم. # PageV11P330 # قلت: هذا أحسن ما قيل فيه على ما يأتي بيانه في " والصافات " (1) إن شاء ~~الله تعالى. # وقيل: إنه كان من أخلاق قومه قتل من جربوا عليه الكذب فخشي أن يقتل فغضب، ~~وخرج فارا على وجهه حتى ركب في سفينة فسكنت ولم تجر. فقال أهلها: أفيكم ~~آبق؟ # فقال: أنا هو. وكان من قصته ما كان، وابتلى ببطن الحوت تمحيصا من الصغيرة ~~كما قال في أهل أحد: " حتى إذا فشلتم " [آل عمران: 152] إلى قوله: " وليمحص ~~الله الذين آمنوا " (2) [آل عمران: 141] فمعاصي الأنبياء مغفورة، ولكن قد ~~يجري تمحيص ويتضمن ذلك زجرا عن المعاودة. وقول رابع: إنه لم يغاضب ربه ولا ~~قومه، ولا الملك، وأنه من قولهم غضب إذا أنف. وفاعل قد يكون من واحد، ~~فالمعنى أنه لما وعد قومه بالعذاب وخرج عنهم تابوا وكشف عنهم العذاب، فلما ~~رجع وعلم أنهم لم يهلكوا أنف من ذلك فخرج آبقا. وينشد هذا البيت: # * وأغضب أن تهجي تميم بدارم * أي آنف. وهذا فيه نظر، فإنه يقال لصاحب هذا ~~القول: إن تلك المغاضبة وإن كانت من الانفة، فالأنفة لابد أن يخالطها الغضب ~~وذلك الغضب وإن دق على من كان؟! # وأنت تقول لم يغضب على ربه ولا على قومه! # قوله تعالى: (فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات) قيل: معناه استزله ~~إبليس ووقع في ظنه إمكان ألا يقدر الله عليه بمعاقبته. وهذا قول مردود ~~مرغوب عنه، لأنه كفر. # روى عن سعيد بن جبير حكاه عنه المهدوي، والثعلبي عن الحسن. وذكر الثعلبي ~~وقال عطاء وسعيد بن جبير وكثير من العلماء معناه: فظن أن لن نضيق عليه. قال ~~الحسن: هو من قوله تعالى: " الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر " (3) [الرعد: ~~26] أي يضيق. وقوله " ومن قدر عليه رزقه " (4) [الطلاق: 7]. # قلت: وهذا الأشبه بقول سعيد والحسن. وقدر وقدر وقتر وقتر بمعنى، أي ضيق ~~وهو قول ابن عباس فيما ذكره الماوردي والمهدوي. وقيل: هو من القدر الذي هو ~~القضاء والحكم، أي ms4173 فظن أن لن نقضي عليه بالعقوبة، قاله قتادة ومجاهد ~~والفراء. مأخوذ من القدر وهو الحكم # PageV11P331 # دون القدرة والاستطاعة. وروي عن أبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب، أنه قال ~~في قول الله عز وجل: " فظن أن لن نقدر عليه " هو من التقدير ليس من القدرة، ~~يقال منه: قدر الله لك الخير يقدره قدرا، بمعنى قدر الله لك الخير. وأنشد ~~ثعلب: # فليست عشيات اللوى برواجع * لنا أبدا ما أورق السلم النضر ولا عائد ذاك ~~الزمان الذي مضى * تباركت ما تقدر يقع ولك الشكر يعني ما تقدره وتقضى به ~~يقع. وعلى هذين التأويلين العلماء. وقرأ عمر بن عبد العزيز والزهري: " فظن ~~أن لن نقدر عليه " بضم النون وتشديد الدال من التقدير. وحكى هذه القراءة ~~الماوردي عن ابن عباس. وقرأ عبيد بن عمير وقتادة والأعرج: " أن لن يقدر ~~عليه " بضم الياء مشددا على الفعل المجهول. وقرأ يعقوب وعبد الله بن أبي ~~إسحاق والحسن وابن عباس أيضا: " يقدر عليه " بياء مضمومة وفتح الدال مخففا ~~على الفعل المجهول. وعن الحسن أيضا: # " فظن أن لن يقدر عليه ". الباقون " نقدر " بفتح النون وكسر الدال وكله ~~بمعنى التقدير. # قلت: وهذان التأويلان تأولهما العلماء في قول الرجل الذي لم يعمل خيرا قط ~~لأهله إذا مات فحرقوه (فوالله لئن قدر الله على) الحديث فعلى التأويل الأول ~~يكون تقديره: والله لئن ضيق الله علي وبالغ في محاسبتي وجزاني على ذنوبي ~~ليكونن ذلك، ثم أمر أن يحرق بإفراط خوفه. وعلى التأويل الثاني: أي لئن كان ~~سبق في قدر الله وقضائه أن يعذب كل ذي جرم على جرمه ليعذبني الله على ~~إجرامي وذنوبي عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين غيري. وحديثه خرجه الأئمة ~~في الموطأ وغيره. والرجل كان مؤمنا موحدا. وقد جاء في بعض طرقه (لم يعمل ~~خيرا إلا التوحيد) وقد قال حين قال الله تعالى: لم فعلت هذا؟ قال: من خشيتك ~~يا رب. # والخشية لا تكون إلا لمؤمن مصدق، قال الله تعالى: " إنما يخشى الله من ~~عباده العلماء " (1) [فاطر: 28]. # وقد قيل: إن معنى ms4174 " فظن أن لن نقدر عليه " الاستفهام وتقديره: أفظن، فحذف ~~ألف الاستفهام إيجازا، وهو قول سليمان (2) [أبو] المعتمر. وحكى القاضي منذر ~~بن سعيد: أن بعضهم قرأ: " أفظن " بالألف. # PageV11P332 # قوله تعالى: (فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من ~~الظالمين) فيه مسألتان: # الأولى - قوله تعالى: " فنادى في الظلمات " اختلف العلماء في جمع الظلمات ~~ما المراد به، فقالت فرقة منهم ابن عباس وقتادة: ظلمة الليل، وظلمة البحر، ~~وظلمة الحوت. وذكر ابن أبي الدنيا حدثنا يوسف بن موسى حدثنا عبيد الله بن ~~موسى عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون قال حدثنا عبد الله بن ~~مسعود في بيت المال قال: لما ابتلع الحوت يونس عليه السلام أهوى به إلى ~~قرار الأرض، فسمع يونس تسبيح الحصى فنادى في الظلمات ظلمات ثلاث: ظلمة بطن ~~الحوت، وظلمة الليل، وظلمة البحر " أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من ~~الظالمين " " فنبذناه بالعراء وهو سقيم " (1) [الصافات: 145] كهيئة الفرخ ~~الممعوط الذي ليس عليه ريش. وقالت فرقة منهم سالم بن أبي الجعد: ظلمة ~~البحر، وظلمة حوت التقم الحوت الأول. ويصح أن يعبر بالظلمات عن جوف الحوت ~~الأول فقط، كما قال: " في غيابات (2) الجب " [يوسف: 10] وفي كل جهاته ظلمة ~~فجمعها سائغ. وذكر الماوردي: أنه يحتمل أن يعبر بالظلمات عن ظلمة الخطيئة، ~~وظلمة الشدة، وظلمة الوحدة. # وروى: أن الله تعالى أوحى إلى الحوت: " لا تؤذ منه شعرة فإني جعلت بطنك ~~سجنه ولم أجعله طعامك " وروى: أن يونس عليه السلام سجد في جوف الحوت حين ~~سمع تسبيح الحيتان في قعر البحر. وذكر ابن أبي الدنيا حدثنا العباس بن يزيد ~~العبدي حدثنا إسحاق (3) ابن إدريس حدثنا جعفر بن سليمان عن عوف عن سعيد بن ~~أبي الحسن قال: لما التقم الحوت يونس عليه السلام ظن أنه قد مات فطول رجليه ~~فإذا هو لم يمت فقام إلى عادته يصلي فقال في دعائه: " واتخذت لك مسجدا حيث ~~لم يتخذه أحد ". وقال أبو المعالي: قوله صلى الله عليه وسلم (لا تفضلوني ~~على ms4175 يونس بن متى) المعنى فإني لم أكن وأنا في سدرة المنتهى بأقرب إلى الله ~~منه، وهو في قعر البحر في بطن الحوت. وهذا يدل على أن الباري سبحانه وتعالى # PageV11P333 # ليس في جهة. وقد تقدم هذا المعنى في " البقرة " (1) و " الأعراف " (2). " ~~أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين " يريد فيما خالف فيه من ترك ~~مداومة قومه والصبر عليهم. # وقيل: في الخروج من غير أن يؤذن له. ولم يكن ذلك من الله عقوبة، لان ~~الأنبياء لا يجوز أن يعاقبوا، وإنما كان ذلك تمحيصا. وقد يؤدب من لا يستحق ~~العقاب كالصبيان، ذكره الماوردي. وقيل: من الظالمين في دعائي على قومي ~~بالعذاب. وقد دعا نوح على قومه فلم يؤاخذ. وقال الواسطي في معناه: نزه ربه ~~عن الظلم وأضاف الظلم إلى نفسه اعترافا واستحقاقا. ومثل هذا قول آدم وحواء: ~~" ربنا ظلمنا أنفسنا " (2) [الأعراف: 23] إذ كانا السبب في وضعهما أنفسهما ~~في غير الموضع الذي أنزلا فيه. # الثانية - روى أبو داود عن سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # (دعاء ذي النون في بطن الحوت " لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من ~~الظالمين " لم يدع به رجل مسلم في شئ قط إلا استجيب له) وقد قيل: إنه اسم ~~الله الأعظم. ورواه سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم. وفي الخبر: في هذه ~~الآية شرط الله لمن دعاه أن يجيبه كما أجابه وينجيه كما أنجاه، وهو قوله: " ~~وكذلك ننجي المؤمنين " وليس هاهنا صريح دعاء وإنما هو مضمون قوله: " إني ~~كنت من الظالمين " فاعترف بالظلم فكان تلويحا. # قوله تعالى: (وكذلك ننجي المؤمنين) أي نخلصهم من همهم بما سبق من عملهم. # وذلك قوله: " فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون " ~~(3) [الصافات: 143 - 144] وهذا حفظ من الله عز وجل لعبده يونس رعى له حق ~~تعبده، وحفظ ذمام ما سلف له من الطاعة. وقال الأستاذ أبو إسحاق: صحب ذو ~~النون الحوت أياما قلائل فإلى يوم القيامة يقال له ذو النون، ms4176 فما ظنك بعبد ~~عبده سبعين سنة يبطل هذا عنده! لا يظن به ذلك. " من الغم " أي من بطن ~~الحوت. # قوله تعالى: " وكذلك ننجي المؤمنين " قراءة العامة بنونين من أنجي ينجي. ~~وقرأ ابن عامر " نجي " بنون واحدة وجيم مشددة وتسكين الياء على الفعل ~~الماضي وإضمار المصدر أي وكذلك نجي النجاء المؤمنين، كما تقول: ضرب زيدا ~~بمعنى ضرب الضرب زيدا وأنشد: # PageV11P334 # ولو ولدت قفيرة (1) جرو كلب * لسب بذلك الجرو الكلابا أراد لسب السب بذلك ~~الجرو. وسكنت ياؤه على لغة من يقول بقى ورضى فلا يحرك الياء. # وقرأ الحسن " وذروا ما بقى من الربا " (2) [البقرة: 278] استثقالا لتحريك ~~ياء قبلها كسرة. وأنشد: # خمر الشيب لمتي تحميرا * وحدا بي إلى القبور البعيرا ليت شعري إذا ~~القيامة قامت * ودعى بالحساب أين المصيرا سكن الياء في دعي استثقالا ~~لتحريكها وقبلها كسرة وفاعل حدا المشيب، أي وحدا المشيب البعير، ليت شعري ~~المصير أين هو. هذا تأويل الفراء وأبي عبيد وثعلب في تصويب هذه القراءة. ~~وخطأها أبو حاتم والزجاج وقالوا: هو لحن، لأنه نصب اسم ما لم يسم فاعله، ~~وإنما يقال: نجي المؤمنون. كما يقال: كرم الصالحون. ولا يجوز ضرب زيدا ~~بمعنى ضرب الضرب زيدا، لأنه لا فائدة [فيه] (3) إذ كان ضرب يدل على الضرب. ~~ولا يجوز أن يحتج بمثل ذلك البيت على كتاب الله تعالى. ولأبي عبيد قول آخر ~~- وقاله القتبي - وهو أنه أدغم النون في الجيم. # النحاس: وهذا القول لا يجوز عند أحد من النحويين، لبعد مخرج النون من ~~مخرج الجيم فلا تدغم فيها، ولا يجوز في " من جاء بالحسنة " (4) " مجاء ~~بالحسنة " قال النحاس: ولم أسمع في هذا أحسن من شئ سمعته من علي بن سليمان. ~~قال: الأصل ننجي فحذف إحدى النونين، لاجتماعهما كما تحذف إحدى التاءين، ~~لاجتماعهما نحو قوله عز وجل: " ولا تفرقوا " (5) [آل عمران: 103] والأصل ~~تتفرقوا. وقرأ محمد بن السميقع وأبو العالية: " وكذلك نجى المؤمنين " أي ~~نجى الله المؤمنين، وهي حسنة. # قوله تعالى: وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين (89) ~~فاستجبنا ms4177 له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ~~ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين (90) # PageV11P335 # قوله تعالى: (وزكريا إذ نادى ربه) أي واذكر زكريا. وقد تقدم في " آل ~~عمران " (1) ذكره. (رب لا تذرني فردا) أي منفردا لا ولد لي وقد تقدم. (وأنت ~~خير الوارثين) أي خير من يبقى بعد كل من يموت، وإنما قال " وأنت خير ~~الوارثين " لما تقدم من قوله: # " يرثني " [مريم: 6] أي أعلم أنك لا تضيع دينك ولكن لا تقطع هذه الفضيلة ~~التي هي القيام بأمر الدين عن عقبى. كما تقدم في " مريم " (2) بيانه. # قوله تعالى: (فاستجبنا له) أي أجبنا دعاءه: (ووهبنا له يحيى). تقدم ذكره ~~مستوفى: # (وأصلحنا له زوجه) قال قتادة وسعيد بن جبير وأكثر المفسرين: إنها كانت ~~عاقرا فجعلت ولودا. وقال ابن عباس وعطاء: كانت سيئة الخلق، طويلة اللسان، ~~فأصلحها الله تعالى فجعلها حسنة الخلق. # قلت: ويحتمل أن تكون جمعت المعنيين فجعلت حسنة الخلق ولودا. " إنهم " ~~يعني الأنبياء المسمين في هذه السورة. (كانوا يسارعون في الخيرات). وقيل: ~~الكناية راجعة إلى زكريا وامرأته ويحيى. # قوله تعالى: (ويدعوننا رغبا ورهبا) فيه مسألتان: # الأولى - قوله تعالى: (ويدعوننا رغبا ورهبا) أي يفزعون إلينا فيدعوننا في ~~حال الرخاء وحال الشدة. وقيل: المعنى يدعون وقت تعبدهم وهم بحال رغبة ورجاء ~~ورهبة وخوف، لان الرغبة والرهبة متلازمان. وقيل: الرغب رفع بطون الأكف إلى ~~السماء، والرهب رفع ظهورها، قاله خصيف، وقال ابن عطية: وتلخيص هذا أن عادة ~~كل داع من البشر أن يستعين بيديه فالرغب من حيث هو طلب يحسن منه أن يوجه ~~باطن الراح نحو المطلوب منه، إذ هو موضع إعطاء أو بها يتملك، والرهب من حيث ~~هو دفع مضرة يحسن معه طرح ذلك، والإشارة إلى ذهابه وتوقيه بنفض اليد ونحوه. # الثانية - روى الترمذي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إذا رفع يديه في الدعاء لم يحطهما حتى يسمح بهما وجهه ~~وقد مضى في " الأعراف " (3) # PageV11P336 # الاختلاف في رفع الأيدي، وذكرنا هذا ms4178 الحديث وغيره هناك. وعلى القول ~~بالرفع فقد اختلف الناس في صفته وإلى أين؟ فكان بعضهم يختار أن يبسط كفيه ~~رافعهما حذو صدره وبطونهما إلى وجهه، روى عن ابن عمر وابن عباس. وكان علي ~~يدعو بباطن كفيه، وعن أنس مثله، وهو ظاهر حديث الترمذي. وقوله صلى الله ~~عليه وسلم: (إذا سألتم الله فاسألوه ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها ~~وامسحوا بها وجوهكم). وروى عن ابن عمر وابن الزبير برفعهما إلى وجهه، ~~واحتجوا بحديث أبي سعيد الخدري، قال: وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بعرفة فجعل يدعو وجعل ظهر كفيه مما يلي وجهه، ورفعهما فوق ثدييه وأسفل من ~~منكبيه. وقيل: حتى يحاذي بهما وجهه وظهورهما مما يلي وجهه. قال أبو جعفر ~~الطبري والصواب أن يقال: إن كل هذه الآثار المروية عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم متفقة غير مختلفة المعاني، وجائز أن يكون ذلك عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لاختلاف أحوال الدعاء كما قال ابن عباس: إذا أشار أحدكم بإصبع واحد ~~فهو الاخلاص وإذا رفع يديه حذو صدره فهو (1) الدعاء، وإذا رفعهما حتى يجاوز ~~بهما رأسه وظاهرهما مما يلي وجهه فهو الابتهال. # قال الطبري: وقد روى قتادة عن أنس قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم ~~يدعو بظهر كفيه وباطنهما. و " رغبا ورهبا " منصوبان على المصدر، أي يرغبون ~~رغبا ويرهبون رهبا. # أو على المفعول من أجله، أي للرغب والرهب. أو على الحال. وقرأ طلحة بن ~~مصرف: # " ويدعونا " بنون واحدة. وقرأ الأعمش: بضم الراء وإسكان الغين والهاء مثل ~~السقم والبخل، والعدم والضرب لغتان وابن وثاب والأعمش أيضا " رغبا ورهبا " ~~بالفتح في الراء والتخفيف في الغين والهاء، وهما لغتان مثل: نهر ونهر وصخر ~~وصخر. ورويت هذه القراءة عن أبي عمرو. # (وكانوا لنا خاشعين) أي متواضعين خاضعين. # قوله تعالى: والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية ~~للعالمين (91) # PageV11P337 # قوله تعالى: (والتي أحصنت فرجها) أي واذكر مريم التي أحصنت فرجها. وإنما ~~ذكرها وليست من الأنبياء ليتم ذكر عيسى عليه السلام ولهذا قال: " وجعلناها ms4179 ~~وابنها آية للعالمين " ولم يقل آيتين لان معنى الكلام: وجعلنا شأنهما ~~وأمرهما وقصتهما آية للعالمين. # وقال الزجاج: إن الآية فيهما واحدة، لأنها ولدته من غير فحل وعلى مذهب ~~سيبويه التقدير: # وجعلناها آية للعالمين وجعلنا ابنها آية للعالمين ثم حذف. وعلى مذهب ~~الفراء: وجعلناها آية للعالمين وابنها، مثل قوله جل ثناؤه: " والله ورسوله ~~أحق أن يرضوه " (1). وقيل: إن من آياتها أنها أول امرأة قبلت في النذر في ~~المتعبد. ومنها أن الله عز وجل غذاها برزق من عنده لم يجره على يد عبد من ~~عبيده. وقيل: إنها لم تلقم ثديا قط. و " أحصنت " يعني عفت فامتنعت من ~~الفاحشة. وقيل: إن المراد بالفرج فرج القميص، أي لم تعلق بثوبها ريبة، أي ~~إنها طاهرة الأثواب. وفروج القميص أربعة: الكمان والأعلى والأسفل. قال ~~السهيلي: # فلا يذهبن وهمك إلى غير هذا، فإنه من لطيف الكناية لان القرآن أنزه معنى، ~~وأوزن لفظا، وألطف إشارة، وأحسن عبارة من أن يريد ما يذهب إليه وهم الجاهل، ~~لا سيما والنفخ من روح القدس بأمر القدوس، فأضف القدس إلى القدوس، ونزه ~~المقدسة المطهرة عن الظن الكاذب والحدس. " فنفخنا فيها من روحنا " يعني ~~أمرنا جبريل حتى نفخ في درعها، فأحدثنا بذلك النفخ المسيح في بطنها. وقد ~~مضى هذا في " النساء " (2) و " مريم " فلا معنى للإعادة. # " آية " أي علامة وأعجوبة للخلق، وعلما لنبوة عيسى، ودلالة على نفوذ ~~قدرتنا فيما نشاء. # قوله تعالى: إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون (92) قوله تعالى: ~~(إن هذه أمتكم أمة واحدة) لما ذكر الأنبياء قال: هؤلاء كلهم مجتمعون على ~~التوحيد، فالأمة هنا بمعنى الدين الذي هو الاسلام، قاله ابن عباس ومجاهد ~~وغيرهما. # فأما المشركون فقد خالفوا الكل. (وأنا ربكم) أي إلهكم وحدي. (فاعبدوني) ~~أي أفردوني بالعبادة. وقرأ عيسى بن عمر وأبن أبي إسحاق: " إن هذه أمتكم أمة ~~واحدة " ورواها # PageV11P338 # حسين عن أبي عمرو. الباقون " أمة واحدة " بالنصب على القطع بمجئ النكرة ~~بعد تمام الكلام، قاله الفراء. الزجاج: انتصب " أمة " على الحال، أي في حال ~~اجتماعها على الحق، ms4180 أي هذه أمتكم ما دامت أمة واحدة واجتمعتم على التوحيد ~~فإذا تفرقتم وخالفتم فليس من خالف الحق من جملة أهل الدين الحق، وهو كما ~~تقول: فلان صديقي عفيفا أي ما دام عفيفا فإذا خالف العفة لم يكن صديقي. ~~وأما الرفع فيجوز أن يكون على البدل من " أمتكم " أو على إضمار مبتدأ، أي ~~إن هذه أمتكم، هذه أمة واحدة. أو يكون خبرا بعد خبر. ولو نصبت " أمتكم " ~~على البدل من " هذه " لجاز ويكون " أمة واحدة " خبر " إن ". # قوله تعالى: وتقطعوا أمرهم بينهم كل إلينا راجعون (93) فمن يعمل من ~~الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه وإنا له كاتبون (94) قوله تعالى: ~~(وتقطعوا أمرهم بينهم) أي تفرقوا في الدين، قال الكلبي. الأخفش: # اختلفوا فيه. والمراد المشركون، ذمهم لمخالفتهم الحق، واتخاذهم آلهة من ~~دون الله. قال الأزهري: أي تفرقوا في أمرهم، فنصب " أمرهم " بحذف " في ". ~~فالمتقطع على هذا لازم وعلى الأول متعد. والمراد جميع الخلق، أي جعلوا ~~أمرهم في أديانهم قطعا وتقسموه بينهم، فمن موحد، ومن يهودي، ومن نصراني، ~~ومن عابد ملك أو صنم. (كل إلينا راجعون) أي إلى حكمنا فنجازيهم. # قوله تعالى: (فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن) " من " للتبعيض لا للجنس إذ ~~لا قدرة للمكلف أن يأتي بجميع الطاعات [كلها] (1) فرضها ونفلها، فالمعنى: ~~من يعمل شيئا من الطاعات فرضا أو نفلا وهو موحد مسلم. وقال ابن عباس: مصدقا ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم. # (فلا كفران لسعيه) أي لا جحود لعمله، أي لا يضيع جزاؤه ولا يغطي والكفر ~~ضده الايمان. والكفر أيضا جحود النعمة، وهو ضد الشكر. وقد كفره كفورا ~~وكفرانا. وفي حرف ابن مسعود " فلا كفر لسعيه ". (وإنا له كاتبون) لعمله ~~حافظون. نظيره " أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى " (2) [آل ~~عمران: 195] أي كل ذلك محفوظ ليجازي به. # PageV11P339 # قوله تعالى: وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون (95) حتى إذا فتحت ~~يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون (96) واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة ~~أبصار الذين كفروا يا ويلنا قد كنا ms4181 في غفلة من هذا بل كنا ظالمين (97) قوله ~~تعالى: (وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون) قراءة زيد بن ثابت وأهل ~~المدينة: " وحرام " وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم. وأهل الكوفة " وحرم " ~~ورويت عن علي وابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم. وهما لغتان مثل حل ~~وحلال. وقد روى عن ابن عباس وسعيد بن جبير " وحرم " بفتح الحاء والميم وكسر ~~الراء. وعن ابن عباس أيضا وعكرمة وأبي العالية: " وحرم " بضم الراء وفتح ~~الحاء والميم. وعن ابن عباس أيضا " وحرم " وعنه أيضا " وحرم "، " وحرم ". ~~وعن عكرمة أيضا " وحرم ". وعن قتادة ومطر الوراق " وحرم " تسع قراءات. وقرأ ~~السلمي " على قرية أهلكتها ". واختلف في " لا " في قوله: " لا يرجعون " ~~فقيل: هي صلة، روى ذلك عن ابن عباس، واختاره أبو عبيد، أي وحرام على قرية ~~أهلكناها أن يرجعوا بعد الهلاك. وقيل: ليست بصلة، وإنما هي ثابتة ويكون ~~الحرام بمعنى الواجب، أي وجب على قرية، كما قالت الخنساء: # وإن حراما لا أرى الدهر باكيا * على شجوه إلا بكيت على صخر تريد أخاها، ~~ف‍ " - لا " ثابتة على هذا القول. قال النحاس: والآية مشكلة ومن أحسن ما ~~قيل فيها وأجله ما رواه ابن عيينة وابن علية وهشيم وابن إدريس ومحمد بن ~~فضيل وسليمان (1) بن حيان ومعلى عن داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس ~~في قول الله عز وجل: " وحرام على قرية أهلكناها " قال: وجب انهم لا يرجعون، ~~قال: لا يتوبون. قال أبو جعفر: # واشتقاق هذا بين في اللغة، وشرحه: أن معنى حرم الشئ حظر ومنع منه، كما أن ~~معنى أحل أبيح ولم يمنع منه، فإذا كان " حرام " و " حرم " بمعنى واجب ~~فمعناه أنه قد ضيق الخروج # PageV11P340 # منه ومنع فقد دخل في باب المحظور بهذا، فأما قول أبي عبيدة: إن " لا " ~~زائدة فقد رده عليه جماعة، لأنها لا تزاد في مثل هذا الموضع، ولا فيما يقع ~~فيه إشكال، ولو كانت زائدة لكان التأويل بعيدا أيضا، لأنه إن أراد وحرام ~~على قرية أهلكناها أن يرجعوا إلى ms4182 الدنيا فهذا ما لا فائدة فيه، وإن أراد ~~التوبة فالتوبة لا تحرم. وقيل: في الكلام إضمار أي وحرام على قرية حكمنا ~~باستئصالها، أو بالختم على قلوبها أن يتقبل منهم عمل لأنهم لا يرجعون أي لا ~~يتوبون، قاله الزجاج وأبو علي، و " لا " غير زائدة. وهذا هو معنى قول ابن ~~عباس رضي الله عنه. # قوله تعالى: (حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج) تقدم القول فيهم. وفي الكلام ~~حذف، أي حتى إذا فتح سد يأجوج ومأجوج، مثل " واسأل القرية " (1) [يوسف: ~~82]. (وهم من كل حدب ينسلون) قال ابن عباس: من كل شرف يقبلون، أي لكثرتهم ~~ينسلون من كل ناحية. والحدب ما ارتفع من الأرض، والجمع الحداب مأخوذ من ~~حدبة الظهر، قال عنترة: # فما رعشت يداي ولا ازدهاني * تواترهم إلي من الحداب وقيل: " ينسلون " ~~يخرجون، ومنه قول امرئ القيس: # * فسلي ثيابي من ثيابك تنسل (2) * وقيل: يسرعون، ومنه قول النابغة: (3) ~~عسلان الذئب أمسى قاربا (4) * برد الليل عليه فنسل يقال: عسل الذئب يعسل ~~عسلا وعسلانا إذا أعنق وأسرع. وفي الحديث: (كذب عليك العسل) أي عليك بسرعة ~~المشي. وقال الزجاج: والنسلان مشية الذئب إذا أسرع، يقال: # نسل فلان في العدو ينسل بالكسر والضم نسلا ونسولا ونسلانا، أي أسرع. ثم ~~قيل في الذين ينسلون من كل حدب: إنهم يأجوج ومأجوج، وهو الأظهر، وهو قول ~~ابن مسعود وابن عباس. وقيل: جميع الخلق، فإنهم يحشرون إلى أرض الموقف، وهم ~~يسرعون من كل # PageV11P341 # صوب. وقرئ في الشواذ " وهم من كل جدث ينسلون " أخذا من قوله: " فإذا هم ~~من الأجداث إلى ربهم (1) ينسلون " [يس: 51]. وحكى هذه القراءة المهدوي عن ~~ابن مسعود والثعلبي عن مجاهد وأبي الصهباء. # قوله تعالى: (واقترب الوعد الحق) يعني القيامة. وقال الفراء والكسائي ~~وغيرهما: # الواو زائدة مقحمة، والمعنى: حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج اقترب الوعد الحق ~~" فاقترب " جواب " إذا ". وأنشد الفراء (2): # * فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى * أي انتحى، والواو زائدة، ومنه قوله ~~تعالى: " وتله للجبين (1). وناديناه " [الصافات: 103 - 104] أي للجبين ~~ناديناه. # وأجاز الكسائي أن يكون جواب " إذا " " فإذا هي شاخصة ms4183 أبصار الذين كفروا " ~~ويكون قوله: " واقترب الوعد الحق " معطوفا على الفعل الذي هو شرط. وقال ~~البصريون: # الجواب محذوف والتقدير: قالوا يا ويلنا، وهو قول الزجاج، وهو قول حسن. ~~قال الله تعالى: " والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا ~~إلى الله زلفى " (1) [الزمر: 3] المعنى: # قالوا ما نعبدهم، وحذف القول كثير. # قوله تعالى " فإذا هي شاخصة " " هي " ضمير الابصار، والابصار المذكورة ~~بعدها تفسير لها كأنه قال: فإذا أبصار الذين كفروا شخصت عند مجئ الوعد. ~~وقال الشاعر: # لعمر أبيها لا تقول ظعينتي * ألا فر عني مالك بن أبي كعب فكنى عن الظعينة ~~في أبيها ثم أظهرها. وقال الفراء: " هي " عماد، مثل. " فإنها لا تعمى ~~الابصار " (3) [الحج: 46]. وقيل: إن الكلام تم عند قوله: " هي " التقدير: ~~فإذا هي، بمعنى القيامة بارزة واقعة، أي من قربها كأنها آتية حاضرة ثم ~~ابتداء فقال: " شاخصة أبصار الذين كفروا " على تقديم الخبر على الابتداء، ~~أي أبصار الذين كفروا شاخصة من هذا اليوم، أي من هوله لا تكاد تطرف، ~~يقولون: يا ويلنا إنا كنا ظالمين بمعصيتنا، ووضعنا العبادة في غير موضعها. # PageV11P342 # قوله تعالى: إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون (98) ~~فيه أربع مسائل: # الأولى: قوله تعالى: " إنكم وما تعبدون " قال ابن عباس: آية لا يسألني ~~الناس عنها! لا أدري أعرفوها فلم يسألوا عنها، أو جهلوها (1) فلا يسألون ~~عنها، فقيل: وما هي؟ قال: # " إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون " لما أنزلت شق ~~على كفار قريش، وقالوا: شتم آلهتنا، وأتوا ابن الزبعري وأخبروه، فقال: لو ~~حضرته لرددت عليه. # قالوا: وما كنت تقول له؟ قال: كنت أقول له: هذا المسيح تعبده اليهود تعبد ~~عزيرا أفهما من حصب جهنم؟ فعجبت قريش من مقالته، ورأوا أن محمدا قد خصم، ~~فأنزل الله تعالى: " إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون " ~~[الأنبياء: 101] وفيه نزل " ولما ضرب ابن مريم مثلا " [الزخرف: 57] يعني ~~ابن (2) الزبعري " إذا قومك منه يصدون " [الزخرف: 57] بكسر الصاد، أي ~~يضجون، وسيأتي. # (3) الثانية ms4184 - هذه الآية أصل في القول بالعموم وأن له صيغا مخصوصة، خلافا ~~لمن قال: ليست له صيغة موضوعة للدلالة عليه، وهو باطل بما دلت عليه هذه ~~الآية وغيرها، فهذا عبد الله بن الزبعرى قد فهم " ما " في جاهليته جميع من ~~عبد، ووافقه على ذلك قريش وهم العرب الفصحاء، واللسن البلغاء، ولو لم تكن ~~للعموم لما صح أن يستثنى منها، وقد وجد ذلك فهي للعموم وهذا واضح. # الثالثة: قراءة العامة بالصاد المهملة أي إنكم يا معشر الكفار والأوثان ~~التي تعبدونها من دون الله وقود جهنم، قاله ابن عباس. وقال مجاهد وعكرمة ~~وقتادة: حطبها. وقرأ علي ابن أبي طالب وعائشة رضوان الله عليهما: " حطب ~~جهنم " بالطاء. وقرأ ابن عباس " حضب " بالضاد المعجمة، قال الفراء: يريد ~~الحصب. قال: وذكر لنا أن الحضب في لغة أهل # PageV11P343 # اليمن الحطب، وكل ما هيجت به النار وأوقدتها به فهو حضب، ذكره الجوهري. # والموقد محضب. وقال أبو عبيدة في قوله تعالى: " حصب جهنم " كل ما ألقيته ~~في النار فقد حصبتها به. ويظهر من هذه الآية أن الناس من الكفار وما يعبدون ~~من الأصنام حطب لجهنم. ونظير هذه الآية قوله تعالى: " فاتقوا النار التي ~~وقودها الناس والحجارة " [البقرة: 24]. وقيل: # إن المراد بالحجارة حجارة الكبريت، على ما تقدم في " البقرة " (1) وأن ~~النار لا تكون على الأصنام عذابا ولا عقوبة، لأنها لم تذنب، ولكن تكون ~~عذابا على من عبدها: أول شئ بالحسرة، ثم تجمع على النار فتكون نارها أشد من ~~كل نار، ثم يعذبون بها. وقيل: تحمى فتلصق بهم زيادة في تعذيبهم. وقيل: إنما ~~جعلت في النار تبكيتا لعبادتهم. # الرابعة: قوله تعالى: " أنتم لها واردون " أي فيها داخلون. والخطاب ~~للمشركين عبدة الأصنام، أي أنتم واردوها مع الأصنام. ويجوز أن يقال: الخطاب ~~للأصنام وعبدتها، لان الأصنام وإن كانت جمادات فقد يخبر عنها بكنايات ~~الآدميين. وقال العلماء: لا يدخل في هذا عيسى ولا عزير ولا الملائكة صلوات ~~الله عليهم، لان " ما " لغير الآدميين. فلو أراد ذلك لقال: " ومن ". قال ~~الزجاج: ولأن المخاطبين بهذه الآية ms4185 مشركو مكة دون غيرهم. # قوله تعالى: لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون (99) لهم فيها ~~زفير وهم فيها لا يسمعون (100) قوله تعالى: (لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها) ~~أي لو كانت الأصنام آلهة لما ورد عابدوها النار. وقيل: ما وردها العابدون ~~والمعبودون، ولهذا قال: " وكل فيها خالدون ". # قوله تعالى: (لهم فيها زفير) أي لهؤلاء الذين وردوا النار من الكفار ~~والشياطين، فأما الأصنام فعلى الخلاف فيها، هل يحييها الله تعالى ويعذبها ~~حتى يكون لها زفير أو لا؟ # قولان: والزفير صوت نفس المغموم يخرج من القلب. وقد تقدم في " هود " (2). ~~(وهم فيها # PageV11P344 # لا يسمعون) قيل: في الكلام حذف، والمعنى وهم فيها لا يسمعون شيئا، لأنهم ~~يحشرون صما، كما قال الله تعالى: " ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا ~~وبكما وصما " (1) [الاسراء: 97]. وفي سماع الأشياء روح وأنس، فمنع الله ~~الكفار ذلك في النار. وقيل: لا يسمعون ما يسرهم، بل يسمعون صوت من يتولى ~~تعذيبهم من الزبانية. وقيل: إذا قيل لهم " اخسئوا فيها ولا تكلمون " (2) ~~[المؤمنون: 108] يصيرون حينئذ صما بكما، كما قال ابن مسعود: إذا بقى من ~~يخلد في النار في جهنم جعلوا في توابيت من نار، ثم جعلت التوابيت في توابيت ~~أخرى فيها مسامير من نار، فلا يسمعون شيئا، ولا يرى أحد منهم أن في النار ~~من يعذب غيره. # قوله تعالى: إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون (101) لا ~~يسمعون حسيسها وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون (102) لا يحزنهم الفزع الأكبر ~~وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون (103) قوله تعالى: (إن الذين ~~سبقت لهم منا الحسنى) أي الجنة (أولئك عنها) أي عن النار (مبعدون) فمعنى ~~الكلام الاستثناء، ولهذا قال بعض أهل العلم: " إن " هاهنا بمعنى " إلا " ~~وليس في القرآن غيره. وقال محمد بن حاطب: سمعت علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه يقرأ هذه الآية على المنبر " إن الذين سبقت لهم منا الحسنى " فقال سمعت ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن عثمان منهم). # قوله تعالى: (لا يسمعون حسيسها) أي ms4186 حس النار وحركة لهبها. والحسيس والحس ~~الحركة. وروى ابن جريج عن عطاء قال قال أبو راشد الحروري لابن عباس: # " لا يسمعون حسيسها " فقال ابن عباس: أمجنون أنت؟ فأين قوله تعالى: " وإن ~~منكم إلا واردها " (3) وقوله تعالى: " فأوردهم النار " (4) [هود: 98] ~~وقوله: " إلى جهنم وردا " (3) [مريم: 86]. ولقد كان من دعاء من مضى: اللهم ~~أخرجني من النار سالما، وأدخلني الجنة فائزا. وقال أبو عثمان النهدي: # PageV11P345 # على الصراط حياة تلسع أهل النار فيقولون: حس حس. وقيل: إذا دخل أهل الجنة ~~[الجنة] (1) لم يسمعوا حس أهل النار وقبل ذلك يسمعون، فالله أعلم (وهم فيما ~~اشتهت أنفسهم خالدون) أي دائمون وهم فيما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين. وقال ~~" ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون " (2) [فصلت: 31]. # قوله تعالى: (لا يحزنهم الفزع الأكبر) وقرأ أبو جعفر وابن محيصن " لا ~~يحزنهم " بضم الياء وكسر الزاي. الباقون بفتح الياء وضم الزاي. قال ~~اليزيدي: حزنه لغة قريش، وأحزنه لغة تميم، وقد قرئ بهما. والفزع الأكبر ~~أهوال يوم القيامة والبعث، عن ابن عباس. # وقال الحسن: هو وقت يؤمر بالعباد إلى النار. وقال ابن جريج وسعيد بن جبير ~~والضحاك: # هو إذا أطبقت النار على أهلها، وذبح الموت بين الجنة والنار وقال ذو ~~النون المصري: هو القطيعة والفراق. وعن النبي صلى الله عليه وسلم: (ثلاثة ~~يوم القيامة في كثيب من المسك الأذفر ولا يحزنهم الفزع الأكبر رجل أم قوما ~~محتسبا وهم له رضوان ورجل أذن لقوم محتسبا ورجل ابتلى برق الدنيا فلم يشغله ~~عن طاعة ربه). وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن: مررت برجل يضرب غلاما له، ~~فأشار إلى الغلام، فكلمت مولاه حتى عفا عنه، فلقيت أبا سعيد الخدري ~~فأخبرته، فقال: يا بن أخي من أغاث مكروبا أعتقه الله من النار يوم الفزع ~~الأكبر. # سمعت ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم. (وتتلقاهم الملائكة) أي ~~تستقبلهم الملائكة على أبواب الجنة يهنئونهم ويقولون لهم: (هذا يومكم الذي ~~كنتم توعدون) وقيل: # تستقبلهم ملائكة الرحمة عند خروجهم من القبور عن ابن عباس " هذا يومكم ms4187 " ~~أي ويقولون لهم، فحذف. " الذي كنتم توعدون " فيه الكرامة. # قوله تعالى: (يوم نطوي السماء) قرأ أبو جعفر بن القعقاع وشيبة بن نصاح ~~والأعرج والزهري " تطوي " بتاء مضمومة " السماء " رفعا على ما لم يسم ~~فاعله. مجاهد " يطوي " # PageV11P346 # على معنى يطوى الله السماء. الباقون " نطوي " بنون العظمة. وانتصاب " يوم ~~" على البدل من الهاء المحذوفة في الصلة، التقدير: الذي كنتم توعدونه يوم ~~نطوي السماء. أو يكون منصوبا ب‍ " - نعيد " من قوله " كما بدأنا أول خلق ~~نعيده ". أو بقوله: " لا يحزنهم " أي لا يحزنهم الفزع الأكبر في اليوم الذي ~~نطوي فيه السماء. أو على إضمار واذكر، وأراد بالسماء الجنس، دليله: " ~~والسماوات مطويات بيمينه " (1) [الزمر: 67]. " كطي السجل للكتاب " (2) قال ~~ابن عباس ومجاهد: أي كطي الصحيفة على ما فيها، فاللام بمعنى " على ". وعن ~~ابن عباس أيضا: اسم كاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس بالقوي، لان ~~كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم معروفون ليس هذا منهم، ولا في أصحابه من ~~اسمه السجل. وقال ابن عباس أيضا وابن عمر والسدي: " السجل " ملك، وهو الذي ~~يطوي كتب بني آدم إذا رفعت إليه. # ويقال: إنه في السماء الثالثة، ترفع إليه أعمال العباد، يرفعها إليه ~~الحفظة الموكلون بالخلق في كل خميس واثنين، وكان من أعوانه فيما ذكروا ~~هاروت وماروت. والسجل الصك، وهو اسم مشتق من السجالة وهي الكتابة، وأصلها ~~من السجل وهو الدلو، تقول: ساجلت الرجل إذا نزعت دلوا ونزع دلوا، ثم ~~استعيرت فسميت المكاتبة والمراجعة مساجلة. وقد سجل الحاكم تسجيلا. وقال ~~الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب: # من يساجلني يساجل ماجدا * يملا الدلو إلى عقد الكرب (3) ثم بني هذا الاسم ~~على فعل مثل حمر وطمر وبلي. وقرأ أبو زرعة بن عمرو بن جرير: " كطي السجل " ~~بضم السين والجيم وتشديد اللام. وقرأ الأعمش وطلحة: " كطي السجل " بفتح ~~السين وإسكان الجيم وتخفيف اللام. قال النحاس: والمعنى واحد إن شاء الله ~~تعالى. والتمام عند قوله: " للكتاب ". والطي في هذه الآية يحتمل معنيين: ~~أحدهما: الدرج الذي هو ضد النشر، ms4188 قال الله تعالى: " والسماوات مطويات ~~بيمينه " [الزمر: 67]. والثاني: الاخفاء والتعمية والمحو، لان الله تعالى ~~يمحو ويطمس رسومها ويكدر نجومها. # PageV11P347 # قال الله تعالى: إذا الشمس كورت. وإذا النجوم انكدرت " (1) [التكوير: 1 - ~~2] " وإذا السماء كشطت " [التكوير: 11]. " للكتاب " وتم الكلام. وقراءة ~~الأعمش وحفص وحمزة والكسائي ويحيى وخلف: " للكتب " جمعا ثم استأنف الكلام ~~فقال: " كما بدأنا أول خلق نعيده " أي نحشرهم حفاة عراة غرلا كما بدأوا في ~~البطون. وروى النسائي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~(يحشر الناس يوم القيامة عراة غرلا أول الخلق يكسى يوم القيامة إبراهيم ~~عليه السلام - ثم قرأ - " كما بدأنا أول خلق نعيده " أخرجه مسلم أيضا عن ~~ابن عباس قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظة فقال: (يا ~~أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلا " كما بدأنا أول خلق نعيده ~~وعدا علينا إنا كنا فاعلين " ألا وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم ~~عليه السلام) وذكر الحديث. وقد ذكرنا هذا الباب في كتاب " التذكرة " ~~مستوفى. وذكر سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل عن أبي الزعراء عن عبد الله بن ~~مسعود قال: يرسل الله عز وجل ماء من تحت العرش كمني الرجال فتنبت منه ~~لحمانهم وجسمانهم كما تنبت الأرض بالثرى. وقرأ " كما بدأنا أول خلق نعيده ~~". # وقال ابن عباس: المعنى نهلك كل شئ ونفنيه كما كان أول مرة (2)، وعلى هذا ~~فالكلام متصل بقوله: " يوم نطوي السماء " أي نطويها فنعيدها إلى الهلاك ~~والفناء فلا تكون شيئا. # وقيل: نفني السماء ثم نعيدها مرة أخرى بعد طيها وزوالها، كقوله: " يوم ~~تبدل الأرض غير الأرض والسماوات " (3) [إبراهيم: 48] والقول الأول أصح وهو ~~نظير قوله: " ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة " (4) [الانعام: 94] ~~وقوله عز وجل: " وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة " ~~(5). " وعدا " نصب على المصدر، أي وعدنا وعدا " علينا " إنجازه والوفاء به ~~أي من البعث والإعادة ففي الكلام حذف: ثم أكد ذلك بقوله جل ثناؤه: " إنا ~~كنا فاعلين " قال الزجاج: معنى " إنا ms4189 كنا فاعلين " إنا كنا قادرين على ما ~~نشاء. وقيل " إنا كنا فاعلين " أي ما وعدناكم وهو كما قال: " كان وعده ~~مفعولا " (1) [المزمل: 18]. وقيل: " كان " للاخبار بما سبق من قضائه. وقيل: ~~صلة. # PageV11P348 # قوله تعالى: ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي ~~الصالحون (105) إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين (106) قوله تعالى: (ولقد ~~كتبنا في الزبور) الزبور والكتاب واحد، ولذلك جاز أن يقال للتوراة والإنجيل ~~زبور. زبرت أي كتبت وجمعه زبر. وقال سعيد بن جبير: " الزبور " التوراة ~~والإنجيل والقرآن. (من بعد الذكر) الذي في السماء (أن الأرض) أرض الجنة ~~(يرثها عبادي الصالحون) رواه سفيان عن الأعمش عن سعيد بن جبير. الشعبي: " ~~الزبور " زبور داود، و " الذكر " توراة موسى عليه السلام. مجاهد وابن زيد: ~~" الزبور " كتب الأنبياء عليهم السلام، و " الذكر " أم الكتاب الذي عند ~~الله في السماء. وقال ابن عباس: # " الزبور " الكتب التي أنزلها الله من بعد موسى على أنبيائه، و " الذكر " ~~التوراة المنزلة على موسى. وقرأ حمزة " في الزبور " بضم الزاي جمع زبر " أن ~~الأرض يرثها عبادي الصالحون " أحسن ما قيل فيه أنه يراد بها أرض الجنة كما ~~قال سعيد بن جبير، لان الأرض في الدنيا قال قد ورثها الصالحون وغيرهم. وهو ~~قول ابن عباس ومجاهد وغيرهما. وقال مجاهد وأبو العالية: # ودليل هذا التأويل قوله تعالى: " وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده ~~وأورثنا الأرض " (1) [الزمر: 74] وعن ابن عباس: أنها الأرض المقدسة. وعنه ~~أيضا: أنها أرض الأمم الكافرة ترثها أمة محمد صلى الله عليه وسلم بالفتوح. ~~وقيل: إن المراد بذلك بنو إسرائيل، بدليل قوله تعالى: " وأورثنا القوم ~~الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها " (2) ~~[الأعراف: 137] وأكثر المفسرين على أن المراد بالعباد الصالحين أمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم. وقرأ حمزة " عبادي الصالحون " بتسكين الياء. (إن في ~~هذا) أي فيما جرى ذكره في هذه السورة من الوعظ والتنبيه. وقيل: # إن في القرآن (لبلاغا لقوم عابدين) قال أبو هريرة وسفيان الثوري: هم أهل ~~الصلوات الخمس. وقال ابن عباس رضي ms4190 الله عنهما: " عابدين " مطيعين. والعابد ~~المتذلل الخاضع. قال القشيري: ولا يبعد أن يدخل فيه كل عاقل، لأنه من حيث ~~الفطرة متذلل للخالق، وهو بحيث لو تأمل القرآن واستعمله لأوصله ذلك إلى ~~الجنة. وقال ابن عباس أيضا: هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم الذين يصلون ~~الصلوات الخمس ويصومون شهر رمضان. وهذا هو القول الأول بعينه. # PageV11P349 # قوله تعالى: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين (107) قل إنما يوحى إلى أنما ~~إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون (108) فإن تولوا فقل آذنتكم على سواء وإن ~~أدرى أقريب أم بعيد ما توعدون (109) قوله تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة ~~للعالمين) قال سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: # كان محمد صلى الله عليه وسلم رحمة لجميع الناس فمن آمن به وصدق به سعد، ~~ومن لم يؤمن به سلم مما لحق الأمم من الخسف والغرق. وقال ابن زيد: أراد ~~بالعالمين المؤمنين خاصة. # قوله تعالى: (قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد) فلا يجوز الاشراك ~~به. # (فهل أنتم مسلمون) أي منقادون لتوحيد الله تعالى، أي فأسلموا، كقوله ~~تعالى: " فهل أنتم منتهون " (1) [المائدة: 91] أي انتهوا. # قوله تعالى: (فإن تولوا) أي إن أعرضوا عن الاسلام (فقل آذنتكم على سواء) ~~أي أعلمتكم على بيان أنا وإياكم حرب لا صلح بيننا، كقوله تعالى: " وإما ~~تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء " (2) [الأنفال: 58] أي أعلمهم ~~أنك نقضت العهد نقضا، أي استويت أنت وهم فليس لفريق عهد ملتزم في حق الفريق ~~الآخر. وقال الزجاج: المعنى أعلمتكم بما يوحى إلي على استواء في العلم به، ~~ولم أظهر لاحد شيئا كتمته عن غيره. (وإن أدرى) " إن " نافية بمعنى " ما " ~~أي وما أدرى. # (أقريب أم بعيد ما توعدون) يعني أجل يوم القيامة لا يدريه أحد لا نبي ~~مرسل ولا ملك مقرب، قاله ابن عباس. وقيل: آذنتكم بالحرب ولكني لا أدري متى ~~يؤذن لي في محاربتكم. # قوله تعالى: إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون (110) وإن أدرى ~~لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين (111) قل رب أحكم ms4191 بالحق وربنا الرحمن المستعان ~~على ما تصفون (112) قوله تعالى: (إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون) ~~أي من الشرك وهو المجازي عليه. (وإن أدرى لعله) أي لعل الامهال (فتنة لكم) ~~أي اختبار ليرى كيف صنيعكم # PageV11P350 # وهو أعلم. (ومتاع إلى حين) قيل: إلى انقضاء المدة. وروي أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم رأى بني أمية في منامه يلون الناس، فخرج الحكم من عنده ~~فأخبر بني أمية بذلك، فقالوا له: # ارجع فسله متى يكون ذلك. فأنزل الله تعالى " وإن أدري أقريب أم بعيد ما ~~توعدون " " وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين " يقول لنبيه عليه السلام ~~قل لهم ذلك. # قوله تعالى: (قل رب أحكم بالحق) ختم السورة بأن أمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم بتفويض الامر إليه وتوقع الفرج من عنده، أي احكم بيني وبين هؤلاء ~~المكذبين وانصرني عليهم. روى سعيد عن قتادة قال: كانت الأنبياء تقول: " ~~ربنا افتح بيننا. وبين قومنا بالحق " (2) [الأعراف: 89] فأمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن يقول: " رب أحكم بالحق " فكان إذا لقي العدو يقول وهو ~~يعلم أنه على الحق وعدوه على الباطل " رب أحكم بالحق " أي أقض به. وقال أبو ~~عبيدة: الصفة هاهنا أقيمت مقام الموصوف والتقدير: رب أحكم بحكمك الحق. # و " رب " في موضع نصب، لأنه نداء مضاف. وقرأ أبو جعفر بن القعقاع وابن ~~محيصن: # " قل رب أحكم بالحق " بضم الباء. قال النحاس: وهذا لحن عند النحويين، لا ~~يجوز عندهم رجل أقبل، حتى تقول يا رجل أقبل أو ما أشبهه. وقرأ الضحاك وطلحة ~~ويعقوب: # " قال ربي أحكم بالحق " بقطع الألف مفتوحة الكاف والميم مضمومة. أي قال ~~محمد ربي أحكم بالحق من كل حاكم. وقرأ الجحدري " قل ربي أحكم " على معنى ~~أحكم الأمور بالحق. # (وربنا المستعان على ما تصفون) أي تصفونه من الكفر والتكذيب. وقرأ المفضل ~~والسلمي " على ما يصفون " بالياء على الخبر. الباقون بالتاء على الخطاب. ~~والله أعلم. # تحقيق أبي إسحاق إبراهيم أطفيش تم الجزء الحادي عشر من تفسير القرطبي ~~يتلوه إن شاء ms4192 الله تعالى الجزء الثاني عشر وأوله: (سورة الحج) # PageV11P351 # الجامع لاحكام القرآن لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي الجزء ~~الثاني عشر أعاد طبعه دار احياء التراث العربي بيروت - لبنان 1405 ه‍ 1985 ~~م بسم الله الرحمن الرحيم تفسير سورة الحج وهي مكية، سوى ثلاث آيات: قوله ~~تعالى: " هذان خصمان " (1) [الحج: 19] إلى تمام ثلاث آيات، قاله ابن عباس ~~ومجاهد. وعن ابن عباس أيضا (أنهن أربع آيات)، قوله " عذاب الحريق ". [الحج: ~~22] وقال الضحاك وابن عباس أيضا: (هي مدنية) - وقاله قتادة - إلا أربع ~~آيات: " وما أرسلنا (1) من قبلك من رسول ولا نبي " [الحج: 52] إلى " عذاب ~~يوم عقيم " [الحج: 55] فهن مكيات. وعد النقاش ما نزل بالمدينة عشر آيات. ~~وقال الجمهور: السورة مختلطة، منها مكي ومنها مدني. وهذا هو الأصح، لان ~~الآيات تقتضي ذلك، لان " يا أيها الناس " مكي، (1) و " يا أيها الذين آمنوا ~~" مدني. الغزنوي: وهي من أعاجيب السور، نزلت ليلا ونهارا، سفرا وحضرا، مكيا ~~ومدنيا، سلميا وحربيا، ناسخا ومنسوخا، محكما ومتشابها، مختلف العدد. # قلت: وجاء في فضلها ما رواه الترمذي وأبو داود والدارقطني عن عقبة بن ~~عامر قال قلت: يا رسول الله، فضلت سورة الحج بأن فيها سجدتين؟ قال: (نعم، ~~ومن لم يسجدهما فلا يقرأهما). لفظ الترمذي. وقال: هذا حديث حسن ليس إسناده ~~بالقوي. # واختلف أهل العلم في هذا، فروي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وابن ~~عمر أنهما قالا: " فضلت سورة الحج بأن فيها سجدتين ". وبه يقول ابن المبارك ~~والشافعي وأحمد وإسحاق. ورأى بعضهم أن فيها سجدة واحدة، وهو قول سفيان ~~الثوري. روى الدارقطني عن عبد الله بن ثعلبة قال: رأيت عمر بن الخطاب سجد ~~في الحج سجدتين، قلت في الصبح؟ قال في الصبح. # PageV12P001 # بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة ~~الساعة شئ عظيم (1) روى الترمذي عن عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لما نزلت: " يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شئ عظيم - إلى ~~قوله - ولكن عذاب الله شديد ms4193 " قال: أنزلت عليه هذا الآية وهو في سفر فقال: ~~" أتدرون أي يوم ذلك "؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم، قال: " ذاك يوم يقول ~~الله لادم أبعث بعث النار قال يا رب وما بعث النار قال تسعمائة وتسعة ~~وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة ". فأنشأ المسلمون يبكون، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: " قاربوا وسددوا فإنه لم تكن نبوة قط إلا كان بين ~~يديها جاهلية - قال - فيؤخذ العدد من الجاهلية فإن تمت وإلا كملت من ~~المنافقين وما مثلكم والأمم إلا كمثل الرقمة (1) في ذراع الدابة أو كالشامة ~~(2) في جنب البعير - ثم قال - إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة - فكبروا، ~~ثم قال - إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة - فكبروا، ثم قال - إني لأرجو ~~أن تكونوا نصف أهل الجنة " فكبروا. قال: لا أدري قال الثلثين أم لا. قال: ~~هذا حديث حسن صحيح، وقد روي من غير وجه عن الحسن عن عمران بن حصين. وفيه: ~~فيئس القوم حتى ما أبدوا بضاحكة، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: " اعملوا وأبشروا فوالذي نفسي بيده إنكم لمع خليقتين ما كانتا مع شئ ~~إلا كثرتاه يأجوج ومأجوج ومن مات من بني آدم وبني إبليس " قال: فسري عن ~~القوم بعض الذي يجدون، فقال: " اعملوا وأبشروا فوالذي نفس محمد بيده ما ~~أنتم في الناس إلا كالشامة في جنب البعير أو كالرقمة في ذراع الدابة " قال: # هذا حديث حسن صحيح. وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري [رضي الله عنه] قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يقول الله تعالى يا آدم فيقول لبيك ~~وسعديك والخير في يديك - قال - يقول أخرج بعث النار قال وما بعث النار قال ~~من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين (3) # PageV12P002 # قال فذاك حين يشيب الصغير وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم ~~بسكارى ولكن عذاب الله شديد ". قال: فاشتد ذلك عليهم، قالوا: يا رسول الله، ~~أينا ذلك الرجل؟ فقال: " أبشروا فإن من يأجوج ومأجوج ألفا ومنكم رجل ". ~~وذكر الحديث ms4194 بنحو ما تقدم في حديث عمران بن حصين. وذكر أبو جعفر النحاس ~~قال: حدثنا أحمد بن محمد ابن نافع قال حدثنا سلمة قال حدثنا عبد الرزاق قال ~~أخبرنا معمر عن قتادة عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: " يا أيها الناس ~~اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شئ عظيم - إلى - ولكن عذاب الله شديد " قال: ~~نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في مسير له، فرفع بها صوته حتى ثاب ~~إليه أصحابه فقال: " أتدرون أي يوم هذا هذا يوم يقول الله عز وجل لادم صلى ~~الله عليه وسلم يا آدم قم فابعث بعث أهل النار من كل ألف تسعمائة وتسعة ~~وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة ". فكبر ذلك على المسلمين، فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: سدوا وقاربوا وأبشروا فوالذي نفسي بيده ما أنتم في ~~الناس إلا كالشامة في جنب البعير أو كالرقمة في ذراع الحمار وإن معكم ~~الخليقتين ما كانتا مع شئ إلا كثرتاه يأجوج ومأجوج ومن هلك من كفرة الجن ~~والإنس ". # قوله تعالى: " يا أيها الناس اتقوا ربكم " المراد بهذا النداء المكلفون، ~~أي اخشوه في أوامره أن تتركوها، ونواهيه أن تقدموا عليها. والاتقاء: ~~الاحتراس من المكروه، وقد تقدم في أول " البقرة " القول فيه مستوفى (1)، ~~فلا معنى لإعادته. والمعنى: احترسوا بطاعته عن عقوبته. # قوله تعالى: " إن زلزلة الساعة شئ عظيم " الزلزلة شدة الحركة، ومنه " ~~وزلزلوا حتى يقول الرسول " (2) [البقرة: 214]. وأصل الكلمة من زل عن ~~الموضع، أي زال عنه وتحرك. وزلزل الله قدمه، أي حركها. وهذه اللفظة تستعمل ~~في تهويل الشئ. وقيل: هي الزلزلة المعروفة التي هي إحدى شرائط الساعة، التي ~~تكون في الدنيا قبل يوم القيامة، هذا قول الجمهور. وقد قيل: إن هذه الزلزلة ~~تكون في النصف من شهر رمضان، ومن بعدها طلوع الشمس من مغربها، فالله أعلم. # PageV12P003 # قوله تعالى: يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها ~~وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد (2) قوله تعالى: (يوم ~~ترونها) الهاء في ms4195 " ترونها " عائدة عند الجمهور على الزلزلة، ويقوي هذا ~~وقوله عز وجل. " تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها ". # والرضاع والحمل إنما هو في الدنيا. وقالت فرقة: الزلزلة في يوم القيامة، ~~واحتجوا بحديث عمران بن حصين الذي ذكرناه، وفيه: " أتدرون أي يوم ذلك... " ~~الحديث. وهو الذي يقتضيه سياق مسلم في حديث أبي سعيد الخدري. # قوله: " تذهل " أي تشتغل، قاله قطرب. وأنشد: # ضربا (1) يزيل الهام عن مقيله * ويذهل الخليل عن خليله وقيل: تنسى. وقيل ~~تلهو. وقيل: تسلو، والمعنى متقارب. " عما أرضعت " قال المبرد: " ما " بمعنى ~~المصدر، أي تذهل عن الارضاع. قال: وهذا يدل على أن هذه الزلزلة في الدنيا، ~~إذ ليس بعد البعث حمل وإرضاع. إلا أن يقال: من ماتت حاملا تبعث حاملا فتضع ~~حملها للهول. ومن ماتت مرضعة بعثت كذلك. ويقال: هذا كما قال الله عز وجل: " ~~يوما يجعل الولدان شيبا " (2) [المزمل: 17]. وقيل: تكون مع النفخة الأولى. # وقيل: تكون مع قيام الساعة، حتى يتحرك الناس من قبورهم في النفخة ~~الثانية. ويحتمل أن تكون الزلزلة في الآية عبارة عن أهوال يوم القيامة، كما ~~قال تعالى: " مستهم البأساء والضراء وزلزلوا " (3) [البقرة: 214]. وكما قال ~~عليه السلام: " اللهم أهزمهم وزلزلهم ". وفائدة ذكر هول ذلك اليوم التحريض ~~على التأهب له والاستعداد بالعمل الصالح. وتسمية الزلزلة ب‍ " شئ " إما ~~لأنها # PageV12P004 # حاصلة متيقن وقوعها، فيستسهل لذلك أن تسمى شيئا وهي معدومة، إذ اليقين ~~يشبه الموجودات. وإما على المآل، أي هي إذا وقعت شئ عظيم. وكأنه لم يطلق ~~الاسم الان، بل المعنى أنها إذا كانت فهي إذا شئ عظيم، ولذلك تذهل المراضع ~~وتسكر الناس، كما قال: (وترى الناس سكارى) أي من هولها ومما يدركهم من ~~الخوف والفزع. # (وما هم بسكارى) من الخمر. وقال أهل المعاني، وترى الناس كأنهم سكارى. ~~يدل عليه قراءة أبي زرعة هرم بن عمرو بن جرير بن عبد الله " وترى الناس " ~~بضم التاء، أي تظن ويخيل إليك. وقرأ حمزة والكسائي " سكرى " بغير ألف. ~~الباقون " سكارى " وهما لغتان لجمع سكران، مثل كسلى وكسالى. والزلزلة: ms4196 ~~التحريك العنيف. والذهول. الغفلة عن الشئ بطروء (1) ما يشغل عنه من هم أو ~~وجع أو غيره. قال ابن زيد: المعنى تترك ولدها للكرب الذي نزل بها. # قوله تعالى: ومن الناس من يجدل في الله بغير علم ويتبع كل شيطن مريد (3) ~~كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير (4) قوله تعالى: ~~(ومن الناس من يجادل في الله بغير علم) قيل: المراد النضر بن الحارث، قال: ~~إن الله عز وجل غير قادر على إحياء من قد بلي وعاد ترابا. (ويتبع) أي في ~~قوله ذلك. (كل شيطان مريد) متمرد. (كتب عليه أنه من تولاه) قال قتادة ~~ومجاهد: # أي من تولى الشيطان. (فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير). # قوله: يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من ~~نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما ~~نشاء إلى أجل مسمى # PageV12P005 # ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل ~~العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها ~~الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج (5) قوله تعالى: يا أيها الناس إن ~~كنتم في ريب من البعث - إلى قوله - مسمى) فيه اثنتا عشرة مسألة: # الأولى - قوله تعالى: (إن كنتم في ريب من البعث) هذا احتجاج على العالم ~~بالبداءة الأولى. وقوله: " إن كنتم في ريب " متضمنة التوقيف. وقرأ الحسن ~~ابن أبي الحسن: " البعث " بفتح العين، وهي لغة في " البعث " عند البصريين. ~~وهي عند الكوفيين بتخفيف " بعث ". والمعنى: يا أيها الناس إن كنتم في شك من ~~الإعادة. (فإنا خلقناكم) أي خلقنا أباكم الذي هو أصل البشر، يعني آدم عليه ~~السلام (من تراب). (ثم) خلقنا ذريته. (من نطفة) وهو المني، سمي نطفة لقلته، ~~وهو القليل من الماء، وقد يقع على الكثير منه، ومنه الحديث " حتى يسير ~~الراكب بين النطفتين لا يخشى جورا ". أراد بحر المشرق وبحر المغرب. والنطف: ~~القطر. نطف ينطف ms4197 وينطف. وليلة نطوفة دائمة القطر. # (ثم من علقة) وهو الدم الجامد. والعلق الدم العبيط، أي الطري. وقيل: ~~الشديد الحمرة. (ثم من مضغة) وهي لحمة قليلة قدر ما يمضغ، ومنه الحديث " ~~ألا وإن في الجسد مضغة ". وهذه الأطوار أربعة أشهر. قال ابن عباس: وفي ~~العشر بعد الأشهر الأربعة ينفخ فيه الروح، فذلك عدة المتوفى عنها زوجها، ~~أربعة أشهر وعشر. # الثانية - روى يحيى بن زكريا بن أبي زائدة حدثنا داود عن عامر عن علقمة ~~عن ابن مسعود وعن ابن عمر أن النطفة إذا استقرت في الرحم أخذها ملك بكفه ~~فقال: " يا رب، ذكر أم أنثى، شقي أم سعيد، ما الاجل والأثر (1)، بأي أرض ~~تموت؟ فيقال له أنطلق إلى # PageV12P006 # أم الكتاب فإنك تجد فيها قصة هذه النطفة، فينطلق فيجد قصتها في أم ~~الكتاب، فتخلق فتأكل رزقها وتطأ أثرها فإذا جاء أجلها قبضت فدفنت في المكان ~~الذي قدر لها، ثم قرأ عامر: " يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا ~~خلقناكم من تراب ". وفي الصحيح عن أنس بن مالك - ورفع الحديث - قال: " إن ~~الله قد وكل بالرحم ملكا فيقول أي رب نطفة. أي رب علقة. أي رب مضغة. فإذا ~~أراد الله أن يقضي خلقا - قال - قال الملك أي رب ذكر أو أنثى شقي أو سعيد. ~~فما الرزق فما الاجل. فيكتب كذلك في بطن أمه ". وفي الصحيح أيضا عن حذيفة ~~بن أسيد الغفاري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إذا مر ~~بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها ~~وجلدها ولحمها وعظامها ثم يقول أي رب أذكر أم أنثى... " وذكر الحديث. وفي ~~الصحيح عن عبد الله بن مسعود قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~الصادق المصدوق " إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون في ~~ذلك علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح ~~ويؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد... ms4198 " الحديث. فهذا ~~الحديث مفسر للأحاديث الأول، فإن فيه: " يجمع خلق أحدكم في بطن أمه أربعين ~~يوما نطفة ثم أربعين يوما علقة ثم أربعين يوما مضغة ثم يبعث الملك فينفخ ~~فيه الروح " فهذه أربعة أشهر وفي العشر ينفخ الملك الروح، وهذه عدة المتوفي ~~[عنها زوجها] كما قال ابن عباس. وقوله: " إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه " ~~قد فسره ابن مسعود، سئل الأعمش: ما يجمع في بطن أمه؟ فقال: # حدثنا خيثمة قال قال عبد الله: إذا وقعت النطفة في الرحم فأراد أن يخلق ~~منها بشرا طارت في بشرة المرأة تحت كل ظفر وشعر ثم تمكث أربعين يوما ثم ~~تصير دما في الرحم، فذلك جمعها، وهذا وقت كونها علقة. # الثالثة - نسبة الخلق والتصوير للملك نسبة مجازية لا حقيقية، وأن ما صدر ~~عنه فعل ما في المضغة كان عند التصوير والتشكيل بقدرة الله وخلقه واختراعه، ~~ألا تراه سبحانه PageV12P007 # قد أضاف إليه الخلقة الحقيقية، وقطع عنها نسب جميع الخليقة فقال: " ولقد ~~خلقناكم ثم صورناكم " (1) [الأعراف: 11]. وقال: " ولقد خلقنا الانسان من ~~سلالة من طين. ثم جعلناه نطفة في قرار (2) مكين " [المؤمنون: 12 - 13]. ~~وقال: " يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من ~~نطفة ". وقال تعالى: " هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن " (3) ~~[التغابن: 2]. ثم قال: " وصوركم فأحسن صوركم ". (4) [غافر: 64]. وقال: " ~~لقد خلقنا الانسان في أحسن تقويم " (5) [التين: 4]. وقال: " خلق الانسان من ~~علق ". [العلق: 2]. إلى غير ذلك من الآيات، مع ما دلت عليه قاطعات البراهين ~~أن لا خالق لشئ من المخلوقات إلا رب العالمين. وهكذا القول في قول: " ثم ~~يرسل الملك فينفخ فيه الروح " أي أن النفخ سبب خلق الله فيها الروح ~~والحياة. وكذلك القول في سائر الأسباب المعتادة، فإنه بإحداث الله تعالى لا ~~بغيره. فتأمل هذا الأصل وتمسك به، ففيه النجاة من مذاهب أهل الضلال ~~الطبعيين (6) وغيرهم. # الرابعة - لم يختلف العلماء أن نفخ الروح فيه يكون بعد مائة وعشرين يوما، ~~وذلك تمام أربعة أشهر ودخوله في الخامس، كما بيناه ms4199 بالأحاديث. وعليه يعول ~~فيما يحتاج إليه من الاحكام في الاستلحاق عند التنازع، وفي وجوب النفقات ~~على حمل المطلقات، وذلك لتيقنه بحركة الجنين في الجوف. وقد قيل: إنه الحكمة ~~في عدة المرأة من الوفاة بأربعة أشهر وعشر، وهذا الدخول في الخامس يحقق ~~براءة الرحم ببلوغ هذه المدة إذا لم يظهر حمل. # الخامسة - النطفة ليست بشئ يقينا، ولا يتعلق بها حكم إذا ألقتها المرأة ~~إذا لم تجتمع في الرحم، فهي كما لو كانت في صلب الرجل، فإذا طرحته علقة فقد ~~تحققنا أن النطفة قد استقرت واجتمعت واستحالت إلى أول أحوال يتحقق به أنه ~~ولد. وعلى هذا فيكون وضع العلقة فما فوقها من المضغة وضع حمل، تبرأ به ~~الرحم، وتنقضي به العدة، ويثبت به لها حكم أم الولد. وهذا مذهب مالك رضي ~~الله عنه وأصحابه. وقال الشافعي رضي الله عنه: # PageV12P008 # لا اعتبار بإسقاط العلقة، وإنما الاعتبار بظهور الصورة والتخطيط، فإن خفي ~~التخطيط وكان لحما فقولان بالنقل والتخريج، والمنصوص أنه تنقضي به العدة ~~ولا تكون أم ولد. # قالوا: لان العدة تنقضي بالدم الجاري، فبغيره أولى. # السادسة - قوله تعالى: (مخلقة وغير مخلقة) قال الفراء: " مخلقة " تامة ~~الخلق، " وغير مخلقة " السقط. وقال ابن الأعرابي: " مخلقة " قد بدأ خلقها، ~~" وغير مخلقة " لم تصور بعد. ابن زيد: المخلقة التي خلق الله فيها الرأس ~~واليدين والرجلين، و " غير مخلقة " التي لم يخلق فيها شئ. قال ابن العربي: ~~إذا رجعنا إلى أصل الاشتقاق فإن النطفة والعلقة والمضغة مخلقة، لان الكل ~~خلق الله تعالى، وإن رجعنا إلى التصوير الذي هو منتهى الخلقة كما قال الله ~~تعالى: " ثم أنشأناه خلقا آخر " [المؤمنون: 14] فذلك ما قال ابن زيد. # قلت: التخليق من الخلق، وفيه معنى الكثرة، فما تتابع عليه الأطوار فقد ~~خلق خلقا بعد خلق، وإذا كان نطفة فهو مخلوق، ولهذا قال الله تعالى: " ثم ~~أنشأناه خلقا أخر " [المؤمنون: 14] والله أعلم. # وقد قيل: إن قوله: " مخلقة وغير مخلقة " يرجع إلى الولد بعينه لا إلى ~~السقط، أي منهم من يتم الرب سبحانه مضغته فيخلق له ms4200 الأعضاء أجمع، ومنهم من ~~يكون خديجا ناقصا غير تمام. # وقيل: المخلقة أن تلد المرأة لتمام الوقت. ابن عباس: المخلقة ما كان حيا، ~~وغير المخلقة السقط. قال: # أفي غير المخلقة البكاء * فأين الحزم ويحك والحياء السابعة - أجمع ~~العلماء على أن الأمة تكون أم ولد بما تسقطه من ولد تام الخلق. # وعند مالك والأوزاعي وغيرهما بالمضغة كانت مخلقة أو غير مخلقة. قال مالك: ~~إذا علم أنها مضغة. وقال الشافعي وأبو حنيفة: إن كان قد تبين له شئ من خلق ~~بني آدم أصبع أو عين أو غير ذلك فهي له أم ولد. وأجمعوا على أن المولود إذا ~~استهل صارخا يصلى عليه، فإن لم يستهل صارخا لم يصل عليه عند مالك وأبي ~~حنيفة والشافعي وغيرهما. وروي عن ابن عمر أنه يصلى عليه، وقاله ابن المسيب ~~وابن سيرين وغيرهما. وروي عن المغيرة بن شعبة أنه PageV12P009 # كان يأمر بالصلاة على السقط، ويقول سموهم واغسلوهم وكفنوهم وحنطوهم، فإن ~~الله أكرم بالاسلام كبيركم وصغيركم، ويتلو هذه الآية " فإنا خلقناكم من ~~تراب - إلى - وغير مخلقة ". قال ابن العربي: لعل المغيرة بن شعبة أراد ~~بالسقط ما تبين خلقه فهو الذي يسمى، وما لم يتبين خلقه فلا وجود له. وقال ~~بعض السلف: يصلي عليه متى نفخ فيه الروح وتمت له أربعة أشهر. وروى أبو داود ~~عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا أستهل ~~المولود ورث ". الاستهلال: رفع الصوت، فكل مولود كان ذلك منه أو حركة أو ~~عطاس أو تنفس فإنه يورث لوجود ما فيه من دلالة الحياة. # وإلى هذا ذهب سفيان الثوري والأوزاعي والشافعي. قال الخطابي: وأحسنه قول ~~أصحاب الرأي. وقال مالك: لا ميراث له وإن تحرك أو عطس ما لم يستهل [صارخا]. ~~(1) وروي عن محمد ابن سيرين والشعبي والزهري وقتادة. # الثامنة - قال مالك رضي الله عنه: ما طرحته المرأة من مضغة أو علقة أو ما ~~يعلم أنه ولد إذا ضرب بطنها ففيه الغرة (2). وقال الشافعي: لا شئ فيه حتى ~~يتبين من خلقه [شئ]. ms4201 (1) قال مالك: إذا سقط الجنين فلم يستهل صارخا ففيه ~~الغرة. وسواء تحرك أو عطس فيه الغرة أبدا، حتى يستهل صارخا ففيه الدية ~~كاملة. وقال الشافعي رضي الله عنه وسائر فقهاء الأمصار: # إذا علمت حياته بحركة أو بعطاس أو باستهلال أو بغير ذلك مما تستيقن به ~~حياته ففيه الدية. # التاسعة - ذكر القاضي إسماعيل أن عدة المرأة تنقضي بالسقط الموضوع، واحتج ~~عليه بأنه حمل، وقال قال الله تعالى: " وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ~~". (3) قال القاضي إسماعيل: والدليل على ذلك أنه يرث أباه، فدل على وجوده ~~خلقا وكونه ولدا وحملا. # قال ابن العربي: ولا يرتبط به شئ من هذه الأحكام إلا أن يكون مخلقا. # قلت: ما ذكرناه من الاشتقاق وقول عليه الصلاة والسلام: " إن أحدكم يجمع ~~خلقه في بطن أمه " يدل على صحة ما قلناه، ولأن مسقطة العلقة والمضغة يصدق ~~على المرأة إذا # PageV12P010 # ألقته أنها كانت حاملا وضعت ما استقر في رحمها، فيشملها قوله تعالى: " ~~وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ". [الطلاق: 4] ولأنها وضعت مبدأ الولد ~~عن نطفة متجسدا كالمخطط، وهذا بين. العاشرة - روى ابن ماجة: حدثنا أبو بكر ~~بن أبي شيبة حدثنا خالد بن مخلد حدثنا يزيد عن عبد الملك النوفلي عن يزيد ~~بن رومان عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لسقط أقدمه ~~بين يدي أحب إلي من فارس أخلفه [خلفي] " (1). وأخرجه الحاكم في معرفة علوم ~~الحديث له عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة فقال: # " أحب إلي من ألف فارس أخلفه ورائي ". الحادية عشرة - (لنبين لكم) يريد: ~~كمال قدرتنا بتصريفنا أطوار خلقكم. (ونقر في الأرحام) قرئ بنصب " نقر " و " ~~نخرج "، رواه أبو حاتم عن أبي زيد عن المفضل عن عاصم قال قال أبو حاتم: ~~النصب على العطف. وقال الزجاج: " نقر " بالرفع لا غير، لأنه ليس المعنى: ~~فعلنا ذلك لنقر في الأرحام ما نشاء، وإنما خلقهم عز وجل ليدلهم على الرشد ~~والصلاح. وقيل: المعنى لنبين لهم أمر البعث، فهو اعتراض بين الكلامين. ~~وقرأت ms4202 هذه الفرقة بالرفع. " ونقر "، المعنى: ونحن نقر. وهي قراءة الجمهور. ~~وقرئ: " ويقر " و " يخرجكم " بالياء، والرفع على هذا سائغ. وقرأ ابن وثاب: ~~" ما نشاء " بكسر النون. والأجل المسمى يختلف بحسب جنين جنين، فثم من يسقط ~~وثم من يكمل أمره ويخرج حيا. وقال: " ما نشاء " ولم يقل من نشاء لأنه يرجع ~~إلى الحمل، أي نقر في الأرحام ما نشاء من الحمل ومن المضغة وهي جماد فكنى ~~عنها بلفظ ما. # الثانية عشرة - قوله تعالى: (ثم نخرجكم طفلا) أي أطفالا، فهو اسم جنس. # وأيضا فإن العرب قد تسمي الجمع باسم الواحد، قال الشاعر: # يلحينني في حبها ويلمنني * وإن العواذل ليس لي بأمير # PageV12P011 # ولم يقل أمراء. وقال المبرد: وهو اسم يستعمل مصدرا كالرضا والعدل، فيقع ~~على الواحد والجمع، قال الله تعالى: " أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات ~~النساء " (1) [النور: 31]. وقال الطبري: # وهو نصب على التمييز، كقوله تعالى: " فإن طبن لكم عن شئ منه نفسا " (2) ~~[النساء: 4]. وقيل: المعنى ثم نخرج كل واحد منكم طفلا. والطفل يطلق من وقت ~~انفصال الولد إلى البلوغ. وولد كل وحشية أيضا طفل. ويقال: جارية طفل، ~~وجاريتان طفل وجوار طفل، وغلام طفل، وغلمان طفل. ويقال أيضا: طفل وطفلة ~~وطفلان وطفلتان وأطفال. ولا يقال: # طفلات. وأطفلت المرأة صارت ذات طفل. والمطفلة: الظبية معها طفلها، وهي ~~قريبة عهد بالنتاج. وكذلك الناقة، [والجمع] مطافل ومطافيل. والطفل (بالفتح ~~في الطاء) الناعم، يقال: جارية طفلة أي ناعمة، وبنان طفل. وقد طفل الليل ~~إذا أقبل ظلامه. والطفل (بالتحريك): بعد العصر إذا طفلت الشمس للغروب. ~~والطفل (أيضا): مطر، قال: # * لوهد (3) جاده طفل الثريا * (ثم لتبلغوا أشدكم) قيل: إن " ثم " زائدة ~~كالواو في قوله " حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها " (4) [الزمر: 73]، لان ثم ~~من حروف النسق كالواو. " أشدكم " كمال عقولكم ونهاية قواكم. # وقد مضى في " الانعام " (5) بيانه. # " ومنكم من يرد إلى أرذل العمر) أي أخسه وأدونه، وهو الهرم والخرف حتى لا ~~يعقل، ولهذا قال: (لكيلا يعلم من بعد علم شيئا) كما قال في سورة يس: " ومن ~~نعمره ننكسه في ms4203 الخلق " (6) [يس: 68]. وكان النبي صلى الله عليه وسلم. يدعو ~~فيقول: " اللهم إني أعوذ بك من البخل وأعوذ بك من الجبن وأعوذ بك أن أرد ~~إلى أرذل العمر وأعوذ بك من فتنة الدنيا وعذاب القبر ". أخرجه النسائي عن ~~سعد، وقال: وكان يعلمهن بنيه كما يعلم المكتب (7) الغلمان. وقد مضى في ~~النحل هذا المعنى (8). # PageV12P012 # قوله تعالى: (وترى الأرض هامدة) ذكر دلالة أقوى على البعث فقال في الأول: # " فإنا خلقناكم من تراب " فخاطب جمعا. وقال في الثاني: " وترى الأرض " ~~فخاطب واحدا، فانفصل اللفظ عن اللفظ، ولكن المعنى متصل من حيث الاحتجاج على ~~منكري البعث. (هامدة) يابسة لا تنبت شيئا، قال ابن جريج. وقيل: دارسة. ~~والهمود الدروس. قال الأعشى: # قالت قتيلة ما لجسمك شاحبا * وأرى ثيابك باليات همدا الهروي: " هامدة " ~~أي جافة ذات تراب. وقال شمر: يقال: همد شجر الأرض إذا بلي وذهب. وهمدت ~~أصواتهم إذا سكنت. وهمود الأرض ألا يكون فيها حياة ولا نبت ولا عود ولم ~~يصبها مطر. وفي الحديث: " حتى كاد يهمد من الجوع " أي يهلك. يقال: # همد الثوب يهمد إذا بلي. وهمدت النار تهمد. # قوله تعالى: (فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت) أي تحركت. والاهتزاز: شدة ~~الحركة، يقال: هززت الشئ فاهتز، أي حركته فتحرك. وهز الحادي الإبل هزيزا ~~فاهتزت هي إذا تحركت في سيرها بحدائه. واهتز الكوكب في انقضاضه. وكوكب هاز. ~~فالأرض تهتز بالنبات، لان النبات لا يخرج منها حتى يزيل بعضها من بعض إزالة ~~خفية، فسماه اهتزازا مجازا. وقيل: اهتز نباتها، فحذف المضاف، قال المبرد، ~~واهتزازه شدة حركته، كما قال الشاعر: # تثنى إذا قامت وتهتز إن مشت * كما اهتز غصن ألبان في ورق خضر والاهتزاز ~~في النبات أظهر منه في الأرض. (وربت) أي ارتفعت وزادت. وقيل: # انتفخت، والمعنى واحد، وأصله الزيادة. ربا الشئ يربو ربوا أي زاد، ومنه ~~الربا والربوة. وقرأ يزيد بن القعقاع وخالد بن إلياس " وربأت " أي ارتفعت ~~حتى صارت بمنزلة الربيئة، وهو الذي يحفظ القوم على شئ مشرف، فهو رابئ ~~وربيئة على المبالغة. # قال امرؤ القيس: PageV12P013 # بعثنا ms4204 ربيئا قبل ذاك مخملا * كذئب الغضا يمشي الضراء ويتقي (1) (وأنبتت) ~~أي أخرجت. (من كل زوج) أي لون. (بهيج) أي حسن، عن قتادة. # أي يبهج من يراه. والبهجة الحسن، يقال: رجل ذو بهجة. وقد بهج (بالضم) ~~بهاجة وبهجة فهو بهيج. وأبهجني أعجبني بحسنه. ولما وصف الأرض بالانبات دل ~~على أن قوله: # " اهتزت وربت " يرجع إلى الأرض لا إلى النبات. والله أعلم. # قوله تعالى: ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شئ قدير ~~(6) وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور (7) قوله ~~تعالى: " ذلك بأن الله هو الحق " لما ذكر افتقار الموجودات إليه وتسخيرها ~~على وفق اقتداره واختياره في قول: " يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث ~~- إلى قوله - بهيج ". قال بعد ذلك: " ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي ~~الموتى وأنه على كل شئ قدير. وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من ~~في القبور ". فنبه سبحانه وتعالى بهذا على أن كل ما سواه وإن كان موجودا ~~حقا فإنه لا حقيقة له من نفسه، لأنه مسخر مصرف. والحق الحقيقي: هو الموجود ~~المطلق الغني المطلق، وأن وجود كل ذي وجود عن وجوب وجوده، ولهذا قال في آخر ~~السورة: " وأن ما يدعون من دونه هو الباطل " (2) [الحج: 62]. # والحق الموجود الثابت الذي لا يتغير ولا يزول، وهو الله تعالى. وقيل: ذو ~~الحق على عباده. وقيل: الحق (3) بمعنى في أفعاله. وقال الزجاج: " ذلك " في ~~موضع رفع، أي الامر ما وصف لكم وبين. (بأن الله هو الحق) أي لان الله هو ~~الحق. وقال: ويجوز أن يكون # PageV12P014 # " ذلك " نصبا، أي فعل الله ذلك بأنه هو الحق. (وأنه يحيي الموتى) أي بأنه ~~(وأنه على كل شئ قدير) أي وبأنه قادر على ما أراد. # (وأن الساعة آتية) عطف على قوله: " ذلك بأن الله هو الحق " من حيث اللفظ، ~~وليس عطفا في المعنى، إذ لا يقال فعل الله ما ذكر بأن الساعة آتية، بل لابد ~~من إضمار فعل ms4205 يتضمنه، أي وليعلموا أن الساعة آتية (لا ريب فيها) أي لا شك. ~~(وأن الله يبعث من في القبور) يريد للثواب والعقاب. # قوله تعالى: ومن الناس من يجدل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتب منير ~~(8) ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله له في الدنيا خزي ونذيقه يوم القيمة عذاب ~~الحريق (9) ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلم للعبيد (10) قوله تعالى: ~~(ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير) أي نير بين ~~الحجة. نزلت في النضر بن الحارث. وقيل: في أبي جهل بن هشام، قال ابن عباس. # والمعظم على أنها نزلت في النضر بن الحارث كالآية الأولى، فهما في فريق ~~واحد، والتكرير للمبالغة في الذم، كما تقول للرجل تذمه وتوبخه: أنت فعلت ~~هذا! أنت فعلت هذا! ويجوز أن يكون التكرير لأنه وصفه في كل آية بزيادة، ~~فكأنه قال: إن النضر بن الحارث يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان ~~مريد، والنضر بن الحارث يجادل في الله من غير علم ومن غير هدى وكتاب منير، ~~ليضل عن سبيل الله. وهو كقولك: زيد يشتمني وزيد يضربني، وهو تكرار مفيد، ~~قال القشيري. وقد قيل: نزلت فيه بضع عشرة آية. فالمراد بالآية الأولى ~~إنكاره البعث، وبالثانية إنكاره النبوة، وأن القرآن منزل من جهة الله. وقد ~~قيل: كان من قول النضر بن الحارث أن الملائكة بنات الله، وهذا جدال في الله ~~تعالى: " من " في موضع رفع بالابتداء. والخبر في قوله: " ومن الناس ". ~~(ثاني عطفه) نصب على الحال. # ويتأول على معنيين: أحدهما - روي عن ابن عباس أنه قال: هو النضر بن ~~الحارث، PageV12P015 # لوى عنقه مرحا وتعظما. والمعنى الاخر: وهو قول الفراء: أن التقدير: ومن ~~الناس من يجادل في الله بغير علم ثاني عطفه، أي معرضا عن الذكر، ذكره ~~النحاس. وقال مجاهد وقتادة: لاويا عنقه كفرا. ابن عباس: معرضا عما يدعى ~~إليه كفرا. والمعنى واحد. # وروى الأوزاعي عن مخلد بن حسين عن هشام بن حسان عن ابن عباس في قوله ms4206 عز ~~وجل: # " ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله " قال: هو صاحب البدعة. المبرد: العطف ما ~~انثنى من العنق. وقال المفضل: والعطف الجانب، ومنه قولهم: فلان ينظر في ~~أعطافه، أي في جوانبه. # وعطفا الرجل من لدن رأسه إلى وركه. وكذلك عطفا كل شئ جانباه. ويقال: ثنى ~~فلان عني عطفه إذا أعرض عنك. فالمعنى: أي هو معرض عن الحق في جداله ومول عن ~~النظر في كلامه، وهو كقوله تعالى: " ولى مستكبرا كأن لم يسمعها " (1) ~~[لقمان: 7]. وقوله تعالى: # " لووا رؤوسهم " (2) [المنافقون: 5]. وقوله: " أعرض ونأى بجانبه " (3) ~~[الاسراء: 83]. وقوله: " ذهب إلى أهله يتمطى " (4) [القيامة: 33]. # (ليضل عن سبيل الله) أي عن طاعة الله تعالى. وقرئ " ليضل " بفتح الياء. ~~واللام لام العاقبة، أي يجادل فيضل، كقوله تعالى: " ليكون لهم عدوا وحزنا " ~~(5) [القصص: 8]. أي فكان لهم كذلك. ونظيره " إذا فريق منكم بربهم يشركون. ~~ليكفروا " (3) [النحل: 54 - 55]. (له في الدنيا خزي) أي هوان وذل بما يجري ~~له من الذكر القبيح على ألسنة المؤمنين إلى يوم القيامة، كما قال: # " ولا تطع كل حلاف مهين " (4) [القلم: 10] الآية. وقوله تعالى: " تبت يدا ~~أبي لهب وتب " (6) [المسد: 1]. وقيل: # الخزي هاهنا القتل، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قتل النضر بن الحارث ~~يوم بدر صبرا، كما تقدم في آخر الأنفال. (ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق) ~~أي نار جهنم. # (ذلك بما قدمت يداك) أي يقال له في الآخرة إذا دخل النار: ذلك العذاب بما ~~قدمت يداك من المعاصي والكفر. وعبر باليد عن الجملة، لان اليد التي تفعل ~~وتبطش للجملة. # و " ذلك " بمعنى هذا، كما تقدم في أول البقرة. (7) # PageV12P016 # قوله تعالى: ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن ~~أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين (11) ~~قوله تعالى: (ومن الناس من يعبد الله على حرف) " من " في موضع رفع ~~بالابتداء، والتمام " انقلب على وجهه " على قراءة الجمهور " خسر ". وهذه ~~الآية خبر عن المنافقين. قال ابن عباس: # يريد شيبة بن ربيعة كان قد أسلم قبل أن يظهر ms4207 رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فلما أوحى إليه ارتد شيبة بن ربيعة. وقال أبو سعيد الخدري: أسلم رجل ~~من اليهود فذهب بصره وماله، فتشاءم بالاسلام فأتى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال أقلني! فقال: " إن الاسلام لا يقال " فقال: # إني لم أصب في ديني هذا خيرا! ذهب بصري ومالي وولدي! فقال: " يا يهودي إن ~~الاسلام يسبك الرجال كما تسبك النار خبث الحديد والفضة والذهب "، فأنزل ~~الله تعالى: " ومن الناس من يعبد الله على حرف ". وروى إسرائيل عن أبي حصين ~~عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: " ومن الناس من يعبد الله على حرف " قال: ~~كان الرجل يقدم المدينة فإن ولدت امرأته غلاما ونتجت خيله قال هذا دين ~~صالح، فإن لم تلد امرأته ولم تنتج خيله قال هذا دين سوء. # وقال المفسرون: نزلت في أعراب كانوا يقدمون على النبي صلى الله عليه وسلم ~~فيسلمون، فإن نالوا رخاء أقاموا، وإن نالتهم شدة ارتدوا. وقيل نزلت في ~~النضر بن الحارث. وقال ابن زيد وغيره: نزلت في المنافقين. ومعنى " على حرف ~~" على شك، قاله مجاهد وغيره. # وحقيقته أنه على ضعف في عبادته، كضعف القائم على حرف مضطرب فيه. وحرف كل ~~شئ طرفه وشفيره وحده، ومنه حرف الجبل، وهو أعلاه المحدد. وقيل: " على حرف " ~~أي على وجه واحد، وهو أن يعبده على السراء دون الضراء، ولو عبدوا الله على ~~الشكر في السراء والصبر على الضراء لما عبدوا الله على حرف. وقيل: " على ~~حرف " على شرط، وذلك أن شيبة ابن ربيعة قال للنبي صلى الله عليه وسلم قبل ~~أن يظهر أمره: أدع لي ربك أن يرزقني مالا وإبلا PageV12P017 # وخيلا وولدا حتى أو من بك وأعدل إلى دينك، فدعا له فرزقه الله عز وجل ما ~~تمنى، ثم أراد الله عز وجل فتنته واختباره وهو أعلم به فأخذ منه ما كان ~~رزقه بعد أن أسلم فارتد عن الاسلام فأنزل الله تبارك وتعالى فيه: " ومن ~~الناس من يعبد الله على حرف " يريد شرط. وقال الحسن: هو المنافق ms4208 يعبد الله ~~بلسانه دون قلبه. وبالجملة فهذا الذي يعبد الله على حرف ليس داخلا بكليته، ~~وبين هذا بقوله (فإن أصابه خير) صحة جسم ورخاء معيشة رضي وأقام على دينه. ~~(وإن أصابته فتنة) أي خلاف ذلك مما يختبر به (انقلب على وجهه) أي ارتد فرجع ~~إلى وجهه الذي كان عليه من الكفر. (خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران ~~المبين) قرأ مجاهد وحميد بن قيس والأعرج والزهري وابن أبي إسحاق - وروي عن ~~يعقوب - " خاسر الدنيا " بألف، نصبا على الحال، وعليه فلا يوقف على " وجهه ~~". وخسرانه الدنيا بأن لاحظ في غنيمة ولا ثناء، والآخرة بأن لا ثواب له ~~فيها. # قوله تعالى: يدعوا من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه ذلك هو الضلل ~~البعيد (12) قوله تعالى: (يدعوا من دون الله) أي هذا الذي يرجع إلى الكفر ~~يعبد الصنم الذي ولا ينفع ولا يضر. # (ذلك هو الضلال البعيد) قال الفراء: الطويل. # قوله تعالى: يدعوا لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير (13) ~~قوله تعالى: (يدعوا لمن ضره أقرب من نفعه) أي هذا الذي انقلب على وجهه يدعو ~~من ضره أدنى من نفعه، أي في الآخرة لأنه بعبادته دخل النار، ولم ير منه ~~نفعا أصلا، ولكنه قال: ضره أقرب من نفعه ترفيعا للكلام، كقوله تعالى: " ~~وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين " (1) [سبأ: 24]. وقيل: يعبدونهم ~~توهم أنهم يشفعون لهم غدا، كما قال الله تعالى: # PageV12P018 # " ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند ~~الله " (1) [يونس: 18]. # وقال تعالى: " ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى " (2) [الزمر: 3]. ~~وقال الفراء والكسائي والزجاج: معنى الكلام القسم والتأخير، أي يدعو والله ~~لمن ضره أقرب من نفعه. فاللام مقدمة في غير موضعها. و " من " في موضع نصب ~~ب‍ " يدعو " واللام جواب القسم. و " ضره " مبتدأ و " أقرب " خبره. وضعف ~~النحاس تأخير اللام وقال: وليس للام من التصرف ما يوجب أن يكون فيها تقديم ~~ولا تأخير. # قلت: حق اللام التقديم وقد تؤخر، قال الشاعر: ms4209 # خالي لأنت ومن جرير خال * ينل العلاء ويكرم الأخوالا أي لخالي أنت، وقد ~~تقدم. النحاس: وحكى لنا علي بن سليمان عن محمد بن يزيد قال: # في الكلام حذف، والمعنى يدعو لمن ضره أقرب من نفعه إلها. قال النحاس: ~~وأحسب هذا القول غلطا على محمد بن يزيد، لأنه لا معنى له، لان ما بعد اللام ~~مبتدأ فلا يجوز نصب إله، وما أحسب مذهب محمد بن يزيد إلا قول الأخفش، وهو ~~أحسن ما قيل في الآية عندي، والله أعلم، قال: " يدعو " بمعنى يقول. و " من ~~" مبتدأ وخبره محذوف، والمعنى يقول لمن ضره أقرب من نفعه إلهه. # قلت: وذكر هذا القول القشيري رحمه الله عن الزجاج والمهدوي عن الأخفش، ~~وكمل إعرابه فقال: " يدعو " بمعنى يقول، و " من " مبتدأ، و " ضره " مبتدأ ~~ثان، و " أقرب " خبره، والجملة صلة " من "، وخبر " من " محذوف، والتقدير ~~يقول لمن ضره أقرب من نفعه إلهه، ومثله قول عنترة: # يدعون عنتر والرماح كأنها * أشطان بئر في لبان الأدهم (3) قال القشيري: ~~والكافر الذي يقول الصنم معبودي لا يقول ضره أقرب من نفعه، ولكن المعنى ~~يقول الكافر لمن ضره أقرب من نفعه في قول المسلمين معبودي وإلهي. وهو كقوله # PageV12P019 # تعالى: " يا أيها الساحر ادع لنا ربك " (1) [الزخرف: 49]، أي يا أيها ~~الساحر عند أولئك الذين يدعونك ساحرا. # وقال الزجاج: يجوز أن يكون " يدعو " في موضع الحال، وفيه هاء محذوفة، أي ~~ذلك هو الضلال البعيد يدعوه، أي في حال دعائه إياه، ففي " يدعو " هاء ~~مضمرة، ويوقف على هذا على " يدعو ". وقوله: " لمن ضره أقرب من نفعه " كلام ~~مستأنف مرفوع بالابتداء، وخبره " لبئس المولى "، وهذا لان اللام لليمين ~~والتوكيد فجعلها أول الكلام. قال الزجاج ويجوز أن يكون " ذلك " بمعنى الذي، ~~ويكون في محل النصب بوقوع " يدعو " عليه، أي الذي هو [في] (1) الضلال ~~البعيد يدعو، كما قال: " وما تلك بيمنك يا موسى " (3) أي ما الذي. ثم قوله ~~" لمن ضره " كلام مبتدأ، و " لبئس المولى " خبر المبتدأ، وتقدير الآية على ~~هذا: يدعو الذي هو الضلال البعيد، قدم ms4210 المفعول وهو الذي، كما تقول: زيدا ~~يضرب، واستحسنه أبو علي. # وزعم الزجاج أن النحويين أغفلوا هذا القول، وأنشد: # عدس ما لعباد عليك إمارة * نجوت وهذا تحملين طليق (4) أي والذي. وقال ~~الزجاج أيضا والفراء: يجوز أن يكون " يدعو " مكررة على ما قبلها، على جهة ~~تكثير هذا الفعل الذي هو الدعاء، ولا تعديه إذ قد عديته أولا، أي يدعو من ~~دون الله ما لا ينفعه ولا يضره يدعو، مثل ضربت زيدا ضربت، ثم حذفت يدعو ~~الآخرة اكتفاء بالأولى. قال الفراء: ويجوز " لمن ضره " بكسر اللام، أي يدعو ~~إلى من ضره أقرب من نفعه، قال الله عز وجل: " بأن ربك أوحى لها " (5) أي ~~إليها. وقال الفراء أيضا والقفال: اللام صلة، أي يدعو من ضره أقرب من نفعه، ~~أي يعبده. وكذلك هو في قراءة عبد الله بن مسعود. (لبئس المولى) أي في ~~التناصر (ولبئس العشير) أي المعاشر والصاحب والخليل. مجاهد: يعني الوثن. # PageV12P020 # قوله تعالى: إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنت تجري من تحتها ~~الأنهر إن الله يفعل ما يريد (14) قوله تعالى: (إن الله يدخل الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار) لما ذكر حال المشركين وحال ~~المنافقين والشياطين ذكر حال المؤمنين في الآخرة أيضا. # (إن الله يفعل ما يريد) أي يثيب من يشاء ويعذب من يشاء، فللمؤمنين الجنة ~~بحكم وعده الصدق وبفضله، وللكافرين النار بما سبق من عدله، لا أن فعل الرب ~~معلل بفعل العبيد. # قوله تعالى: من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب ~~إلى السماء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ (15) قوله تعالى: (من ~~كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء) قال ~~أبو جعفر النحاس: من أحسن ما قيل فيها أن المعنى من كان يظن أن لن ينصر ~~الله محمدا صلى الله عليه وسلم وأنه يتهيأ له أن يقطع النصر الذي أوتيه. ~~(فليمدد بسبب إلى السماء) أي فليطلب حيلة يصل بها إلى السماء. (ثم ليقطع) ~~أي ms4211 ثم ليقطع النصر إن تهيأ له. (فلينظر هل يذهبن كيده) وحيلته ما يغيظه من ~~نصر النبي صلى الله عليه وسلم. والفائدة في الكلام أنه إذا لم يتهيأ له ~~الكيد والحيلة بأن يفعل مثل هذا لم يصل إلى قطع النصر. وكذا قال ابن عباس: ~~إن الكناية في " ينصره الله " ترجع إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وهو وإن ~~لم يجر ذكره فجميع الكلام دال عليه، لان الايمان هو الايمان بالله وبمحمد ~~صلى الله عليه وسلم، والانقلاب عن الدين انقلاب عن الدين الذي أتى به محمد ~~صلى الله عليه وسلم، أي من كان يظن ممن يعادي محمدا صلى الله عليه وسلم ومن ~~يعبد الله على حرف أنا لا ننصر محمدا فليفعل كذا وكذا. # وعن ابن عباس أيضا أن الهاء تعود على " من " والمعنى: من كان يظن أن الله ~~لا يرزقه فليختنق، فليقتل نفسه، إذ لا خير في حياة تخلو من عون الله. ~~والنصر على هذا القول الرزق، PageV12P021 # تقول العرب: من ينصرني نصره الله، أي من أعطاني أعطاه الله. ومن ذلك قول ~~العرب: # أرض منصورة، أي ممطورة. قال الفقعسي: (1) وإنك لا تعطي امرأ فوق حقه * ~~ولا تملك الشق الذي الغيث ناصره وكذا روى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: " من ~~كان يظن أن لن ينصره الله " أي لن يرزقه. # وهو قول أبي عبيدة. وقيل: إن الهاء تعود على الدين، والمعنى: من كان يظن ~~أن لن ينصر الله دينه. (فليمدد بسبب) أي بحبل. والسبب ما يتوصل به إلى ~~الشئ. " إلى السماء " إلى سقف البيت. ابن زيد: هي السماء المعروفة. وقرأ ~~الكوفيون " ثم ليقطع " بإسكان اللام. # قال النحاس: وهذا بعيد في العربية، لان " ثم " ليست مثل الواو والفاء، ~~لأنها يوقف، عليها وتنفرد. وفي قراءة عبد الله: " فليقطعه ثم لينظر هل ~~يذهبن كيده ما يغيظ ". قيل: " ما " بمعنى الذي، أي هل يذهبن كيده الذي ~~يغيظه، فحذف الهاء ليكون أخف. وقيل: " ما " بمعنى المصدر، أي هل يذهبن كيده ~~غيظه. # قوله تعالى: وكذلك أنزلناه آيات بينات وأن الله ms4212 يهدي من يريد (16) قوله ~~تعالى: (وكذلك أنزلناه آيات بينات) يعني القرآن. (وأن الله) أي وكذلك أن ~~الله (يهدي من يريد)، علق وجود الهداية بإرادته، فهو الهادي لا هادي سواه. # قوله تعالى: إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس ~~والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيمة إن الله على كل شئ شهيد (17) ~~قوله تعالى: (إن الذين آمنوا) أي بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم. (والذين ~~هادوا) اليهود، وهم المنتسبون إلى ملة موسى عليه السلام. (والصابئين) هم ~~قوم يعبدون النجوم. # PageV12P022 # (والنصارى) هم المنتسبون إلى ملة عيسى. (والمجوس) هم عبد ة النيران ~~القائلين أن للعالم أصلين: نور وظلمة. قال قتادة: الأديان خمسة، أربعة ~~للشيطان وواحد للرحمن. وقيل: # المجوس في الأصل النجوس لتدينهم باستعمال النجاسات، والميم والنون ~~يتعاقبان كالغيم والغين، والأيم والأين. وقد مضى في البقرة هذا كله مستوفى. ~~(1) (والذين أشركوا) هم العرب عبد ة الأوثان. (إن الله يفضل بينهم يوم ~~القيامة) أي يقضي ويحكم، فللكافرين النار، وللمؤمنين الجنة. وقيل: هذا ~~الفصل بأن يعرفهم المحق من المبطل بمعرفة ضرورية، واليوم يتميز المحق عن ~~المبطل بالنظر والاستدلال. (إن الله على كل شئ شهيد) أي من أعمال خلقه ~~وحركاتهم وأقوالهم، فلا يعزب عنه شئ منها، سبحانه! وقوله " إن الله يفصل ~~بينهم " خبر " إن " في قوله " إن الذين آمنوا " كما تقول: إن زيدا إن الخير ~~عنده. وقال الفراء: ولا يجوز في الكلام إن زيدا إن أخاه منطلق، وزعم أنه ~~إنما جاز في الآية لان في الكلام معنى المجازاة، أي من آمن ومن تهود أو ~~تنصر أو صبأ يفصل بينهم، وحسابهم على الله عز وجل. ورد أبو إسحاق على ~~الفراء هذا القول، واستقبح قوله: لا يجوز إن زيدا إن أخاه منطلق، قال: # لأنه لا فرق بين زيد وبين الذين، و " إن " تدخل على كل مبتدأ فتقول إن ~~زيدا هو منطلق، ثم تأتي بإن فتقول: إن زيدا إنه منطلق. وقال الشاعر: # إن الخليفة إن الله سربله * سربال عز به ترجى الخواتيم (2) قوله تعالى: ~~ألم تر أن الله ms4213 يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم ~~والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ومن يهن الله ~~فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء (18) # PageV12P023 # قوله تعالى: (ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض) هذه ~~رؤية القلب، أي ألم تر بقلبك وعقلك. وتقدم معنى السجود في " البقرة "، (1) ~~وسجود الجماد في " النحل ". (2) " والشمس " معطوفة على " من ". وكذا ~~(والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس). ثم قال: (وكثير ~~حق عليه العذاب) وهذا مشكل من الاعراب، كيف لم ينصب ليعطف ما عمل فيه الفعل ~~على ما عمل فيه الفعل، مثل: " والظالمين أعد لهم عذابا أليما (3) "؟ ~~[الانسان: 31] فزعم الكسائي والفراء أنه لو نصب لكان حسنا، ولكن اختير ~~الرفع لان المعنى وكثير أبى السجود، فيكون ابتداء وخبرا، وتم الكلام عند ~~قوله: " وكثير من الناس ". ويجوز أن يكون معطوفا، على أن يكون السجود ~~التذلل والانقياد لتدبير الله عز وجل من ضعف وقوة وصحة وسقم وحسن وقبح، ~~وهذا يدخل فيه كل شئ. ويجوز أن ينتصب على تقدير: وأهان كثيرا حق عليه ~~العذاب، ونحوه. وقيل: تم الكلام عند قوله " والدواب " ثم ابتدأ فقال: # " وكثير من الناس " في الجنة " وكثير حق عليه العذاب ". وكذا روي عن ابن ~~عباس أنه قال: # (المعنى وكثير من الناس في الجنة وكثير حق عليه العذاب، ذكره ابن ~~الأنباري. وقال أبو العالية: ما في السماوات نجم ولا قمر ولا شمس إلا يقع ~~ساجد الله حين يغيب، ثم لا ينصرف حتى يؤذن له فيرجع من مطلعه. قال القشيري: ~~وورد هذا في خبر مسند في حق الشمس، فهذا سجود حقيقي، ومن ضرورته تركيب ~~الحياة والعقل في هذا الساجد. # قلت: الحديث المسند الذي أشار إليه خرجه مسلم، وسيأتي في سورة " يس " عند ~~قوله تعالى: " والشمس تجري لمستقر لها " (4). [يس: 38]. وقد تقدم في البقرة ~~معنى السجود لغة ومعنى. # قوله تعالى: (ومن يهن الله فما له من مكرم) أي من أهانه بالشقاء والكفر ~~لا يقدر أحد ms4214 على دفع الهوان عنه. وقال ابن عباس: إن من تهاون بعبادة الله ~~صار إلى النار. # (إن الله يفعل ما يشاء) يريد أن مصيرهم إلى النار فلا اعتراض لاحد عليه. ~~وحكى الأخفش والكسائي والفراء: " ومن يهن الله فما له من مكرم " أي إكرام. # PageV12P024 # قوله تعالى: هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من ~~نار يثب من فوق رؤوسهم الحميم (19) يصهر به ما في بطونهم والجلود (20) ولهم ~~مقمع من حديد (21) قوله تعالى: (هذان خصمان اختصموا في ربهم) خرج مسلم عن ~~قيس بن عباد قال: # سمعت أبا ذر يقسم قسما إن " هذان خصمان اختصموا في ربهم " إنها نزلت في ~~الذين برزوا يوم بدر: حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث رضي الله عنهم وعتبة ~~وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة. # وبهذا الحديث ختم مسلم رحمه الله كتابه. وقال ابن عباس: نزلت هذه الآيات ~~الثلاث على النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة في ثلاثة نفر من المؤمنين ~~وثلاثة نفر كافرين، وسماهم، كما ذكر أبو ذر. وقال علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه: إني لأول من يجثو للخصومة بين يدي الله يوم القيامة، يريد قصته في ~~مبارزته هو وصاحباه، ذكره البخاري. وإلى هذا القول ذهب هلال بن يساف وعطاء ~~بن يسار وغيرهما. وقال عكرمة: المراد بالخصمين الجنة والنار، اختصمتا فقالت ~~النار: خلقني لعقوبته. وقالت الجنة: خلقني لرحمته. # قلت: وقد ورد بتخاصم الجنة والنار حديث عن أبي هريرة قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم (احتجت الجنة والنار فقالت هذه يدخلني الجبارون ~~والمتكبرون وقالت هذه يدخلني الضعفاء والمساكين فقال الله تعالى لهذه أنت ~~عذابي أعذب بك من أشاء وقال لهذه أنت رحمتي أرحم بك من أشاء ولكل واحدة ~~منكما ملؤها). خرجه البخاري ومسلم والترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وقال ابن ~~عباس أيضا: هم أهل الكتاب قالوا للمؤمنين: نحن أولى بالله منكم، وأقدم منكم ~~كتابا، ونبينا قبل نبيكم. وقال المؤمنون: نحن أحق بالله منكم، آمنا بمحمد ~~وآمنا بنبيكم وبما أنزل إليه من كتاب، وأنتم ms4215 تعرفون نبينا وتركتموه وكفرتم ~~به حسدا، فكانت هذه خصومتهم، وأنزلت فيهم هذه الآية. وهذا قول قتادة، ~~والقول الأول أصح رواه البخاري عن حجاج بن منهال عن هشيم عن أبي هاشم عن ~~أبي مجلز عن PageV12P025 # قيس بن عباد عن أبي ذر، ومسلم عن عمرو بن زرارة عن هشيم، ورواه سليمان ~~التيمي عن أبي مجلز عن قيس بن عباد عن علي قال. فينا نزلت هذه الآية وفي ~~مبارزتنا يوم بدر " هذان خصمان اختصموا في ربهم - إلى قوله - عذاب الحريق ~~". وقرأ ابن كثير: # " هذان خصمان " بتشديد النون من " هذان ". وتأول الفراء الخصمين على ~~أنهما فريقان أهل دينين، وزعم أن الخصم الواحد المسلمون والآخر اليهود ~~والنصارى، اختصموا في دين ربهم، قال: فقال " اختصموا " لأنهم جمع، قال: ولو ~~قال " اختصما " لجاز. قال النحاس: # وهذا تأويل من لا دراية له بالحديث ولا بكتب أهل التفسير، لان الحديث في ~~هذه الآية مشهور، رواه سفيان الثوري وغيره عن أبي هاشم عن أبي مجلز عن قيس ~~بن عباد قال: # سمعت أبا ذر يقسم قسما أن هذه الآية نزلت في حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث ~~بن عبد المطلب وعتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة. وهكذا روى أبو عمرو ~~بن العلاء عن مجاهد عن ابن عباس. وفيه قول رابع أنهم المؤمنون كلهم ~~والكافرون كلهم من أي ملة كانوا، قاله مجاهد والحسن وعطاء بن أبي رباح ~~وعاصم بن أبي النجود والكلبي وهذا القول بالعموم يجمع المنزل فيهم وغيرهم. ~~وقيل: نزلت في الخصومة في البعث والجزاء، إذ قال به قوم وأنكره قوم. # (فالذين كفروا) يعني من الفرق الذين تقدم ذكرهم. (قطعت لهم ثياب من نار) ~~أي خيطت وسويت، وشبهت النار بالثياب لأنها لباس لهم كالثياب. وقوله: " قطعت ~~" أي تقطع لهم في الآخرة ثياب من نار، وذكر بلفظ الماضي لان ما كان من ~~أخبار الآخرة فالموعود منه كالواقع المحقق، قال الله تعالى: " وإذ قال الله ~~يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس " (1) [المائدة: 116] أي يقول الله تعالى. ~~ويحتمل أن يقال قد أعدت الآن ms4216 تلك الثياب لهم ليلبسوها إذا صاروا إلى النار. ~~وقال سعيد بن جبير: " من نار " من نحاس، فتلك الثياب من نحاس قد أذيبت وهي ~~السرابيل المذكورة في " قطر آن " (2) [إبراهيم: 50] وليس في الآنية شئ إذا ~~حمي # PageV12P026 # يكون أشد حرا منه. وقيل: المعنى أن النار قد أحاطت بهم كإحاطة الثياب ~~المقطوعة إذا لبسوها عليهم، فصارت من هذا الوجه ثيابا لأنها بالإحاطة ~~كالثياب، مثل: " وجعلنا الليل لباسا " (1) [النبأ: 10]. # (يصب من فوق رؤوسهم الحميم) أي الماء الحار المغلى بنار جهنم. وروى ~~الترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الحميم ليصب ~~على رؤوسهم فينفذ الحميم حتى يخلص إلى جوفه فيسلت ما في جوفه حتى يمرق من ~~قدميه وهو الصهر ثم يعاد كما كان). قال: هذا حديث حسن صحيح غريب. # (يصهر) يذاب. # (به ما في بطونهم) والصهر إذابة الشحم. والصهارة ما ذاب منه، يقال: صهرت ~~الشئ فانصهر، أي أذبته فذاب، فهو صهير. قال ابن أحمر يصف فرخ قطاة: # تروي لقى ألقي في صفصف * تصهره الشمس فما ينصهر (2) أي تذيبه الشمس فيصبر ~~على ذلك. # (والجلود) أي وتحرق الجلود، أو تشوى الجلود، فإن الجلود لا تذاب، ولكن ~~يضم في كل شئ ما يليق به، فهو كما تقول: أتيته فأطعمني ثريدا، إي والله ~~ولبنا قارصا (3)، أي وسقاني لبنا. وقال الشاعر: # * علفتها تبنا وماء باردا * (ولهم مقامع من حديد) أي يضربون بها ويدفعون، ~~الواحدة مقمعة، ومقمع أيضا كالمحجن، يضرب به على رأس الفيل. وقد قمعته إذا ~~ضربته بها. وقمعته وأقمعته بمعنى، أي قهرته وأذللته فانقمع. قال ابن ~~السكيت: أقمعت الرجل عنى إقماعا إذا طلع عليك فرددته عنك. وقيل: المقامع ~~المطارق، وهي المرازب أيضا. وفي الحديث (بيد كل ملك من خزنة جهنم مرزبة لها ~~شعبتان فيضرب الضربة فيهوي بها سبعين ألفا). وقيل: المقامع سياط من نار، ~~وسميت بذلك لأنها تقمع المضروب، أي تذلله. # PageV12P027 # قوله تعالى: كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب ~~الحريق (22) قوله تعالى: (كلما أرادوا أن يخرجوا منها) أي من ms4217 النار. ~~(أعيدوا فيها) بالضرب بالمقامع. وقال أبو ظبيان: ذكر لنا أنهم يحاولون ~~الخروج من النار حين تجيش بهم وتفور فتلقي من فيها إلى أعلى أبوابها ~~فيريدون الخروج فتعيدهم الخزان إليها بالمقامع. وقيل: # إذا اشتد غمهم فيها فروا، فمن خلص منهم إلى شفيرها أعادتهم الملائكة فيها ~~بالمقامع، ويقولون لهم: (ذوقوا عذاب الحريق) أي المحرق، مثل الأليم ~~والوجيع. وقيل: الحريق الاسم من الاحتراق. تحرق الشئ بالنار واحترق، والاسم ~~الحرقة والحريق. والذوق مماسة يحصل معها إدراك الطعم، وهو هنا توسع، ~~والمراد به إدراكهم الألم. # قوله تعالى: إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنت تجرى من تحتها ~~الأنهر يحلون فيها من أساروا من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير (23) قوله ~~تعالى: (إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجرى من تحتها ~~الأنهار) لما ذكر أحد الخصمين وهو الكافر ذكر حال الخصم الآخر وهو المؤمن. ~~(يحلون فيها من أساور من ذهب) " من " صلة (1). والأساور جمع أسورة، وأسورة ~~واحدها سوار، وفيه ثلاث لغات: ضم السين وكسرها وإسوار. قال المفسرون: لما ~~كانت الملوك تلبس في الدنيا الأساور والتيجان جعل الله ذلك لأهل الجنة، ~~وليس أحد من أهل الجنة إلا وفي يده ثلاثة أسورة: سوار من ذهب، وسوار من ~~فضة، وسوار من لؤلؤ. قال هنا وفي فاطر (2): # PageV12P028 # " من أساور من ذهب ولؤلؤا " [فاطر: 33] وقال في سورة الانسان (1): " ~~وحلوا أساور من فضة " [الانسان: 21]. # وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة سمعت خليلي صلى الله عليه وسلم يقول: ~~(تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء). وقيل: تحلى النساء بالذهب ~~والرجال بالفضة. وفيه نظر، والقرآن يرده. (ولؤلؤا) قرأ نافع وابن القعقاع ~~وشيبة وعاصم هنا وفي سورة الملائكة (2): # " لؤلؤا " بالنصب، على معنى ويحلون لؤلؤا، واستدلوا بأنها مكتوبة في جميع ~~المصاحف هنا بألف. وكذلك قرأ يعقوب والجحدري وعيسى بن عمر بالنصب هنا ~~والخفض في " فاطر " اتباعا للمصحف، ولأنها كتبت هاهنا بألف وهناك بغير ألف. ~~الباقون (3 * بالخفض في الموضعين. # وكان أبو بكر لا يهمز " اللؤلؤ " في كل القرآن، وهو ما يستخرج من ms4218 البحر ~~من جوف الصدف. # قال القشيري: والمراد ترصيع السوار باللؤلؤ، ولا يبعد أن يكون في الجنة ~~سوار من لؤلؤ مصمت (4). # قلت: وهو ظاهر القرآن بل نصه. وقال ابن الأنباري: من قرأ " لؤلؤ " بالخفض ~~وقف عليه ولم يقف على الذهب. وقال السجستاني: من نصب " اللؤلؤ " فالوقف ~~الكافي " من ذهب "، لان المعنى ويحلون لؤلؤ. قال ابن الأنباري: وليس كما ~~قال، لأنا إذا خفضنا " اللؤلؤ " نسقناه على لفظ الأساور، وإذا نصبناه ~~نسقناه على تأويل الأساور، وكأنا قلنا: يحلون فيها أساور ولؤلؤا، فهو في ~~النصب بمنزلته في الخفض، فلا معنى لقطعه من (5) الأول. # قوله تعالى: (ولباسهم فيها حرير) أي وجميع ما يلبسونه من فرشهم ولباسهم ~~وستورهم حرير، وهو أعلى مما في الدنيا بكثير. وروى النسائي عن أبي هريرة أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في ~~الآخرة ومن شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة ومن شرب في آنية الذهب ~~والفضة لم يشرب فيها في الآخرة - ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - ~~لباس أهل الجنة وشراب أهل الجنة وآنية أهل الجنة). فإن قيل: # قد سوى النبي صلى الله عليه وسلم بين هذه الأشياء الثلاثة وأنه يحرمها في ~~الآخرة، فهل يحرمها # PageV12P029 # إذا دخل الجنة؟ قلنا: نعم! إذا لم يتب منها حرمها في الآخرة وإن دخل ~~الجنة، لاستعجاله ما حرم الله عليه في الدنيا. لا يقال: إنما يحرم ذلك في ~~الوقت الذي يعذب في النار أو بطول مقامه في الموقف، فأما إذا دخل الجنة ~~فلا، لان حرمان شئ من لذات الجنة لمن كان في الجنة نوع عقوبة ومؤاخذة، ~~والجنة ليست بدار عقوبة، ولا مؤاخذة فيها بوجه. # فإنا نقول: ما ذكرتموه محتمل، لولا ما جاء ما يدفع هذا الاحتمال ويرده من ~~ظاهر الحديث الذي ذكرناه. وما رواه الأئمة من حديث ابن عمر عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم (من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب منها حرمها في الآخرة). ~~والأصل التمسك بالظاهر حتى يرد نص يدفعه، ms4219 بل قد ورد نص على صحة ما ذكرناه، ~~وهو ما رواه أبو داود الطيالسي في مسنده: # حدثنا هشام عن قتادة عن داود السراج عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: (من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة وإن ~~دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه هو). وهذا نص صريح وإسناده صحيح. فإن ~~كان (وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه هو) من قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم فهو الغاية في البيان، وإن كان من كلام الراوي على ما ذكر فهو ~~أعلم بالمقال وأقعد بالحال، ومثله لا يقال بالرأي، والله أعلم. وكذلك (من ~~شرب الخمر ولم يتب) و (من استعمل آنية الذهب والفضة) وكما لا يشتهي منزلة ~~من هو أرفع منه، وليس ذلك بعقوبة، كذلك لا يشتهي خمر الجنة ولا حريرها ولا ~~يكون ذلك عقوبة. وقد ذكرنا هذا كله في كتاب التذكرة مستوفي، والحمد لله، ~~وذكرنا فيها أن شجر الجنة وثمارها يتفتق عن ثياب الجنة، وقد ذكرناه في سورة ~~الكهف (1). # قوله تعالى: وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد (24) قوله ~~تعالى: (وهدوا إلى الطيب من القول) أي أرشدوا إلى ذلك. قال ابن عباس: # يريد لا إله إلا الله والحمد لله. وقيل: القرآن، ثم قيل: هذا في الدنيا، ~~هدوا إلى الشهادة، # PageV12P030 # وقراءة القرآن. (وهدوا إلى صراط الحميد) أي إلى صراط الله. وصراط الله: ~~دينه وهو الاسلام. وقيل: هدوا في الآخرة إلى الطيب من القول، وهو الحمد ~~لله، لأنهم يقولون غدا الحمد لله الذي هدانا لهذا، الحمد لله الذي أذهب عنا ~~الحزن، فليس في الجنة لغو ولا كذب فما يقولونه فهو طيب القول. وقد هدوا في ~~الجنة إلى صراط الله، إذ ليس في الجنة شئ من مخالفة أمر الله. وقيل: الطيب ~~من القول ما يأتيهم من الله من البشارات الحسنة. # " وهدوا إلى صراط الحميد " أي إلى طريق الجنة. # قوله تعالى: إن الذين كفروا عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلنه ~~للناس سواء ms4220 العكف فيه والباد ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم ~~(25) فيه سبع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (إن الذين كفروا ويصدون) أعاد الكلام إلى مشركي ~~العرب حين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المسجد الحرام عام ~~الحديبية، وذلك أنه لم يعلم لهم صد قبل ذلك الجمع، إلا أن يريد صدهم لافراد ~~من الناس، فقد وقع ذلك في صدر [من (1)] المبعث. # والصد: المنع، أي وهم يصدون. وبهذا حسن عطف المستقبل على الماضي. وقيل: # الواو زائدة " ويصدون " خبر " إن ". وهذا مفسد للمعنى المقصود، وإنما ~~الخبر محذوف مقدر عند قوله: (والباد " تقديره: خسروا إذا هلكوا. وجاء " ~~ويصدون " مستقبلا إذ هو فعل يديمونه، كما جاء قوله تعالى: " الذين آمنوا ~~وتطمئن قلوبهم بذكر (2) الله " [الرعد: 28]، فكأنه قال: إن الذين كفروا من ~~شأنهم الصد. ولو قال إن الذين كفروا وصدروا لجاز. قال النحاس: وفي كتابي عن ~~أبي إسحاق قال وجائز أن يكون - وهو الوجه - الخبر " نذقه من عذاب أليم ". ~~قال أبو جعفر: وهذا غلط، ولست أعرف ما الوجه فيه، لأنه جاء بخبر " إن " ~~جزما، وأيضا # PageV12P031 # فإنه جواب الشرط، ولو كان خبر " إن " لبقي الشرط، بلا جواب، ولا سيما ~~والفعل الذي في الشرط مستقبل فلا بد له من جواب. # الثانية - قوله تعالى: (والمسجد الحرام) قيل: إنه المسجد نفسه، وهو ظاهر ~~القرآن، لأنه لم يذكر غيره. وقيل: الحرم كله، لان المشركين صدوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه عنه عام الحديبية، فنزل خارجا عنه، قال الله ~~تعالى: " وصدوكم عن المسجد الحرام (1) " [الفتح: 25] وقال: " سبحان الذي ~~أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام " [الاسراء: 1]. وهذا صحيح، لكنه قصد هنا ~~بالذكر المهم المقصود من ذلك. # الثالثة - قوله تعالى: (الذي جعلناه للناس) أي للصلاة والطواف والعبادة، ~~وهو كقوله تعالى: " إن أول بيت وضع للناس " (2) [آل عمران: 96]. # سواء العاكف فيه والباد) العاكف: المقيم الملازم. والبادي: أهل البادية ~~ومن يقدم عليهم. يقول: سواء في تعظيم حرمته وقضاء النسك فيه الحاضر والذي ~~يأتيه من البلاد، فليس أهل مكة أحق من النازح ms4221 إليه. وقيل: إن المساواة إنما ~~هي في دوره ومنازله، ليس المقيم فيها أولى من الطارئ عليها. وهذا على أن ~~المسجد الحرام الحرم كله، وهذا قول مجاهد ومالك، رواه عنه ابن القاسم. # وروي عن عمر وابن عباس وجماعة أن القادم له النزول حيث وجد، وعلى رب ~~المنزل أن يؤويه شاء أو أبى. وقال ذلك سفيان الثوري وغيره. وكذلك كان الامر ~~في الصدر الأول، كانت دورهم بغير أبواب حتى كثرت السرقة، فاتخذ رجل بابا ~~فأنكر عليه عمر وقال: أتغلق بابا في وجه حاج بيت الله تعالى:؟ فقال: إنما ~~أردت حفظ متاعهم من السرقة، فتركه فاتخذ الناس الأبواب. وروي عن عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه أيضا أنه كان يأمر في الموسم بقلع أبواب دور مكة، حتى ~~يدخلها الذي يقدم فينزل حيث شاء، وكانت الفساطيط تضرب في الدور. وروى عن ~~مالك أن الدور ليست كالمسجد ولأهلها الامتناع منها والاستبداد، وهذا هو ~~العمل اليوم. وقال بهذا جمهور من الأمة (3). # PageV12P032 # وهذا الخلاف يبنى على أصلين: أحدهما أن دور مكة هل هي ملك لأربابها أم ~~للناس. # وللخلاف سببان: أحدهما هل فتح مكة كان عنوة فتكون مغنومة، لكن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لم يقسمها وأقرها لأهلها ولمن جاء بعدهم، كما فعل عمر رضي ~~الله عنه بأرض السواد وعفا لهم عن الخراج كما عفا عن سبيهم واسترقاقهم ~~إحسانا إليهم دون سائر الكفار فتبقى على ذلك لاتباع ولا تكرى، ومن سبق إلى ~~موضع كان أولى به. وبهذا قال مالك وأبو حنيفة والأوزاعي. أو كان فتحها صلحا ~~- وإليه ذهب الشافعي - فتبقى ديارهم بأيديهم، وفي أملاكهم يتصرفون كيف ~~شاءوا. وروى عن عمر أنه اشترى دار صفوان بن أمية بأربعة آلاف وجعلها سجنا، ~~وهو أول من حبس في السجن في الاسلام، على ما تقدم بيانه في آية المحاربين ~~من سورة " المائدة " (1). وقد روى أن النبي صلى الله عليه وسلم حبس في ~~تهمة. # وكان طاوس يكره السجن بمكة ويقول: لا ينبغي لبيت عذاب أن يكون في بيت ~~رحمة. # قلت: الصحيح ما قاله ms4222 مالك، وعليه تدل ظواهر الاخبار الثابتة بأنها فتحت ~~عنوة. # قال أبو عبيد: ولا نعلم مكة يشبهها شئ من البلاد. وروى الدارقطني عن ~~علقمة بن نضلة قال: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي ~~الله عنهما وما تدعى رباع مكة إلا السوائب، من احتاج سكن ومن استغنى أسكن. ~~وزاد في رواية، وعثمان. وروى أيضا عن علقمة بن نضلة الكناني قال: كانت تدعى ~~بيوت مكة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله ~~عنهما السوائب، لا تباع من احتاج سكن ومن استغنى أسكن. # وروى أيضا عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن ~~الله تعالى حرم مكة فحرام بيع رباعها وأكل ثمنها - وقال - من أكل من أجر ~~بيوت مكة شيئا فإنما يأكل نارا). # قال الدارقطني: كذا رواه أبو حنيفة مرفوعا ووهم فيه، ووهم أيضا في قوله: ~~عبيد الله (2) بن أبي يزيد وإنما هو ابن أبي زياد القداح، والصحيح أنه ~~موقوف، وأسند الدارقطني أيضا عن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: (مكة مناخ لا تباع رباعها ولا تؤاجر # PageV12P033 # بيوتها). وروى أبو داود عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت يا رسول الله، ~~ألا أبني لك بمنى بيتا أو بناء يظلك من الشمس؟ فقال: (لا، إنما هو مناخ من ~~سبق إليه). وتمسك الشافعي رضي الله عنه بقوله تعالى: " الذين أخرجوا من ~~ديارهم " الحج: 40] فأضافها إليهم. وقال عليه السلام يوم الفتح: (من أغلق ~~بابه فهو آمن ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن). # الرابعة - قرأ جمهور الناس: " سواء " بالرفع، وهو على الابتداء، و " ~~العاكف " خبره. # وقيل: الخبر " سواء " وهو مقدم، أي العاكف فيه والبادي سواء، وهو قول أبي ~~علي: # والمعنى: الذي جعلناه للناس قبلة أو متعبدا العاكف فيه والبادي سواء. ~~وقرأ حفص عن عاصم: " سواء " بالنصب، وهي قراءة الأعمش. وذلك يحتمل أيضا ~~وجهين: أحدهما - أن يكون؟؟ مفعولا ثانيا لجعل، ويرتفع " العاكف " به لأنه ~~مصدر، فأعمل ms4223 عمل اسم الفاعل لأنه في معنى مستو. والوجه الثاني - أن يكون ~~حالا من الضمير في جعلناه. وقرأت فرقة: # " سواء " بالنصب " العاكف " بالخفض، و " البادى " عطفا على الناس، ~~التقدير: الذي جعلناه للناس العاكف واليادى. وقراءة ابن كثير في الوقف ~~والوصل بالياء ووقف أبو عمرو بغير ياء ووصل بالياء. وقرأ نافع بغير ياء في ~~الوصل والوقف (1). وأجمع الناس على الاستواء في نفس المسجد الحرام، ~~واختلفوا في مكة، وقد ذكرناه. # الخامسة - (ومن يرد فيه بإلحاد بظلم) شرط، وجوابه " نذقه من عذاب أليم ". # والالحاد في اللغة: الميل، إلا أن الله تعالى بين أن الميل بالظلم هو ~~المراد. واختلف في الظلم، فروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: " ومن يرد فيه ~~بإلحاد بظلم " قال: الشرك. وقال عطاء: الشرك والقتل. وقيل: معناه صيد ~~حمامه، وقطع شجره، ودخوله غير محرم. وقال ابن عمر: كنا نتحدث أن الالحاد ~~فيه أن يقول الانسان: لا والله! وبلى والله! وكلا والله! # ولذلك كان له فسطاطان، أحدهما في الحل والاخر في الحرم، فكان إذا أراد ~~الصلاة دخل فسطاط الحرم، وإذا أراد بعض شأنه دخل فسطاط الحل، صيانة للحرم ~~عن قولهم كلا والله وبلى والله، حين عظم الله الذنب فيه. وكذلك كان لعبد ~~الله بن عمرو بن العاص فسطاطان أحدهما # PageV12P034 # في الحل والاخر في الحرم، فإذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الحل، وإذا ~~أراد أن يصلي صلى في الحرم، فقيل له في ذلك فقال: إن كنا لنتحدث أن من ~~الالحاد في الحرم أن نقول كلا والله وبلى والله، والمعاصي تضاعف بمكة كما ~~تضاعف الحسنات، فتكون المعصية معصيتين، إحداهما بنفس المخالفة والثانية ~~بإسقاط حرمة البلد الحرام، وهكذا الأشهر الحرم سواء. # وقد تقدم. وروى أبو داود عن يعلى بن أمية أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # (احتكار الطعام في الحرم إلحاد فيه). وهو قول عمر بن الخطاب. والعموم ~~يأتي على هذا كله. # السادسة - ذهب قوم من أهل التأويل منهم الضحاك وابن زيد إلى أن هذه الآية ~~تدل على أن الانسان يعاقب ms4224 على ما ينويه من المعاصي بمكة وإن لم يعمله. وقد ~~روى نحو ذلك عن ابن مسعود وابن عمر قالوا: لو هم رجل بقتل رجل بهذا البيت ~~وهو (بعدن أبين) (1) لعذبه الله. # قلت: هذا صحيح، وقد جاء هذا المعنى في سورة " ن والقلم " [القلم: 1] ~~مبينا، على ما يأتي بيانه (2) هناك إن شاء الله تعالى. # السابعة - الباء في " بإلحاد " زائدة كزيادتها في قوله تعالى: " تنبت ~~بالدهن " (3) [المؤمنون: 20]، وعليه حملوا قول الشاعر: # نحن بنو جعدة أصحاب الفلج (4) * نضرب بالسيف ونرجو بالفرج أراد: نرجو ~~الفرج. وقال الأعشى: # * ضمنت برزق عيالنا أرماحنا * أي رزق. وقال آخر (5): # ألم يأتيك والأنباء تنمي * بما لاقت لبون بني زياد # PageV12P035 # أي ما لاقت، والباء زائدة، وهو كثير. وقال الفراء: سمعت أعرابيا وسألته ~~عن شئ فقال: # أرجو بذاك، أي أرجو ذاك. وقال الشاعر: # بواد يمان ينبت الشث صدره * وأسفله بالمرخ والشبهان (1) أي المرخ. وهو ~~قول الأخفش، والمعنى عنده: ومن يرد فيه إلحادا بظلم. وقال الكوفيون: # دخلت الباء لان المعنى بأن يلحد، والباء مع أن تدخل وتحذف. ويجوز أن يكون ~~التقدير: # ومن برد الناس فيه بإلحاد. وهذا الالحاد والظلم يجمع جميع المعاصي من ~~الكفر إلى الصغائر، فلعظم حرمة المكان توعد الله تعالى على نية السيئة فيه. ~~ومن نوى سيئة ولم يعملها لم يحاسب عليها إلا في مكة. هذا قول ابن مسعود ~~وجماعة من الصحابة وغيرهم، وقد ذكرناه آنفا. # قوله تعالى: وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي ~~للطائفين والقائمين والركع السجود (26) فيه مسألتان: # الأولى - قوله تعالى: (وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت) أي واذكر إذ بوأنا ~~لإبراهيم، يقال: بوأته منزلا وبوأت له. كما يقال: مكنتك ومكنت لك، فاللام ~~في قوله: " لإبراهيم " صلة للتأكيد، كقوله: " ردف لكم " (2) [النمل: 72]، ~~وهذا قول الفراء. وقيل: " بوأنا لإبراهيم مكان البيت " أي أريناه أصله ~~ليبنيه، وكان قد درس بالطوفان وغيره، فلما جاءت مدة إبراهيم عليه السلام ~~أمره الله ببنيانه، فجاء إلى موضعه وجعل يطلب أثرا، فبعث الله ريحا فكشفت ~~عن أساس آدم عليه السلام، ms4225 فرتب قواعده عليه، حسبما تقدم بيانه في " البقرة ~~" (3). وقيل: # " بوأنا " نازلة منزلة فعل يتعدى باللام، كنحو جعلنا، أي جعلنا لإبراهيم ~~مكان البيت مبوأ. # وقال الشاعر: # كم من أخ لي ماجد * بوأته بيدي لحدا (4) # PageV12P036 # الثانية - (أن لا تشرك) هي مخاطبة لإبراهيم عليه السلام في قول الجمهور. ~~وقرأ عكرمة: " أن لا يشرك " بالياء، على نقل معنى القول الذي قيل له. قال ~~أبو حاتم: ولا بد من نصب الكاف على هذه القراءة، بمعنى لئلا يشرك. وقيل: إن ~~" أن " مخففة من الثقيلة. وقيل مفسرة. وقيل زائدة، مثل: " فلما أن جاء ~~البشير " (1) [يوسف: 96]. وفي الآية طعن على من أشرك من قطان البيت، أي هذا ~~كان الشرط على أبيكم فمن بعده وأنتم، فلم تفوا بل أشركتم. وقالت فرقة: ~~الخطاب من قوله: " أن لا تشرك " لمحمد صلى الله عليه وسلم، وأمر بتطهير ~~البيت والاذان بالحج. والجمهور على أن ذلك لإبراهيم، وهو الأصح. وتطهير ~~البيت عام في الكفر والبدع وجميع الأنجاس والدماء. وقيل: عنى به التطهير عن ~~الأوثان، كما قال تعالى: " فاجتنبوا الرجس من الأوثان " (2) [الحج: 30]، ~~وذلك أن جرهما والعمالقة كانت لهم أصنام في محل البيت وحوله قبل أن يبنيه ~~إبراهيم عليه السلام. وقيل: المعنى نزه بيتي عن أن يعبد فيه صنم. وهذا أمر ~~بإظهار التوحيد فيه. وقد مضى ما للعلماء في تنزيه المسجد الحرام وغيره من ~~المساجد بما فيه كفاية في سورة " براءة " (3). والقائمون هم المصلون. وذكر ~~تعالى من أركان الصلاة أعظمها، وهو القيام والركوع والسجود. # قوله تعالى: وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل ~~فج عميق (27) فيه سبع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (وأذن في الناس بالحج) قرأ جمهور الناس: " وأذن " ~~بتشديد الذال. وقرأ الحسن بن أبي الحسن وابن محيصن: " وآذن " بتخفيف الذال ~~ومد الألف. # ابن عطية: وتصحف هذا على بن جني، فإنه حكى عنهما " وآذن " على أنه فعل ~~ماض، وأعرب على ذلك بأن جعله عطفا على " بوأنا ". والاذان الاعلام، وقد ~~تقدم في " براءة " (3). # PageV12P037 # الثانية - لما فرغ إبراهيم عليه السلام من بناء ms4226 البيت، وقيل له: أذن في ~~الناس بالحج، قال: يا رب! وما يبلغ صوتي؟ قال: أذن وعلي الابلاغ، فصعد ~~إبراهيم خليل الله جبل أبي قبيس وصاح: يا أيها الناس! إن الله قد أمركم بحج ~~هذا البيت ليثيبكم به الجنة ويجيركم من عذاب النار، فحجوا، فأجابه من كان ~~في أصلاب الرجال وأرحام النساء: لبيك اللهم لبيك! فمن أجاب يومئذ حج على ~~قدر الإجابة، إن أجاب مرة فمرة، وإن أجاب مرتين فمرتين، وجرت التلبية على ~~ذلك، قاله ابن عباس وابن جبير. وروى عن أبي الطفيل قال قال لي ابن عباس: # (أتدري ما كان أصل التلبية؟ قلت لا! قال: لما أمر إبراهيم عليه السلام أن ~~يؤذن في الناس بالحج خفضت الجبال رؤوسها ورفعت له القرى، فنادى في الناس ~~بالحج فأجابه كل شئ: لبيك اللهم لبيك. وقيل: إن الخطاب لإبراهيم عليه ~~السلام تم عند قوله: " السجود "، ثم خاطب الله عز وجل محمدا عليه الصلاة ~~والسلام فقال: " وأذن في الناس بالحج " أي أعلمهم أن عليهم الحج. وقول ثالث ~~- إن الخطاب من قوله: " أن لا تشرك " مخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم. # وهذا قول أهل النظر، لان القرآن أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم، فكل ~~ما فيه من المخاطبة فهي له إلا أن يدل دليل قاطع على غير ذلك. وهاهنا دليل ~~آخر يدل على أن المخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو " أن لا تشرك بي " ~~بالتاء، وهذا مخاطبة لمشاهد، وإبراهيم عليه السلام غائب، فالمعنى على هذا: ~~وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت فجعلنا لك الدلائل على توحيد الله تعالى ~~وعلى أن إبراهيم كان يعبد الله وحده. وقرأ جمهور الناس: " بالحج " بفتح ~~الحاء. وقرأ ابن أبي إسحاق في كل القرآن بكسرها. وقيل: إن نداء إبراهيم من ~~جملة ما أمر به من شرائع الدين. والله أعلم. # الثالثة - قوله تعالى: (يأتوك رجالا وعلى كل ضامر) وعده إجابة الناس إلى ~~حج البيت ما بين راجل وراكب، وإنما قال " يأتوك " وإن كانوا يأتون الكعبة ~~لان المنادى إبراهيم، فمن أتى الكعبة حاجا ms4227 فكأنما أتى إبراهيم، لأنه أجاب ~~نداءه، وفيه تشريف إبراهيم. # ابن عطية: " رجالا " جمع راجل مثل تاجر وتجار، وصاحب وصحاب. وقيل: الرجال ~~PageV12P038 # جمع رجل، والرجل جمع، راجل مثل تجار وتجر وتاجر، وصحاب وصحب وصاحب. وقد ~~يقال في الجمع: رجال بالتشديد، مثل كافر وكفار. وقرأ ابن أبي إسحاق وعكرمة ~~" رجالا " بضم الراء وتخفيف الجيم، وهو قليل في أبنية الجمع، ورويت عن ~~مجاهد. وقرأ مجاهد " رجالي " على وزن فعالى، فهو مثل كسالى. قال النحاس: في ~~جمع راجل خمسة أوجه، ورجالة مثل ركاب، وهو الذي روى عن عكرمة، ورجال مثل ~~قيام، ورجلة، ورجل، ورجالة. الذي روى عن مجاهد رجالا غير معروف، والأشبه به ~~أن يكون غير منون مثل كسالى وسكارى، ولو نون لكان على فعال، وفعال في الجمع ~~قليل. وقدم الرجال على الركبان في الذكر لزيادة تعبهم في المشي. (وعلى كل ~~ضامر يأتين) لان معنى " ضامر " معنى ضوامر. قال الفراء: # ويجوز " يأتي " على اللفظ. والضامر: البعير المهزول الذي أتعبه السفر، ~~يقال: ضمر يضمر ضمورا، فوصفها الله تعالى بالمآل الذي انتهت عليه إلى مكة. ~~وذكر سبب الضمور فقال: " يأتين من كل فج عميق " أي أثر فيها طول السفر. ورد ~~الضمير إلى الإبل تكرمة لها لقصدها الحج مع أربابها، كما قال: " والعاديات ~~ضبحا " (1) [العاديات: 1] في خيل الجهاد تكرمة لها حين سعت في سبيل الله. # الرابعة - قال بعضهم: إنما قال " رجالا " لان الغالب خروج الرجال إلى ~~الحج دون الإناث، فقوله " رجالا " من قولك: هذا رجل، وهذا فيه بعد، لقوله " ~~وعلى كل ضامر " يعني الركبان، فدخل فيه الرجال والنساء. ولما قال تعالى: " ~~رجالا " وبدأ بهم دل ذلك على أن حج الراجل أفضل من حج الراكب. قال ابن ~~عباس: ما آسى على شئ فاتني إلا أن لا أكون حججت ماشيا، فإني سمعت الله عز ~~وجل يقول: " يأتوك رجالا ". وقال ابن أبي نجيح: # حج إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ماشيين. وقرأ أصحاب ابن مسعود: " ~~يأتون " وهي قراءة ابن أبي عبلة والضحاك، والضمير للناس. # الخامسة - لا خلاف في جواز الركوب والمشي، واختلفوا ms4228 في الأفضل منهما، ~~فذهب مالك والشافعي في آخرين إلى أن الركوب أفضل، اقتداء بالنبي صلى الله ~~عليه وسلم ولكثرة # PageV12P039 # النفقة ولتعظيم شعائر الحج بأهبة الركوب. وذهب غيرهم إلى أن المشي أفضل ~~لما فيه من المشقة على النفس، ولحديث أبي سعيد قال: حج النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه مشاة من المدينة إلى مكة، وقال: (اربطوا أوساطكم بأزركم) ومشى ~~خلط (1) الهرولة، خرجه ابن ماجة في سننه. ولا خلاف في أن الركوب عند مالك ~~في المناسك كلها أفضل، للاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم. # السادسة - استدل بعض العلماء بسقوط ذكر البحر من هذه الآية على أن فرض ~~الحج بالبحر ساقط. قال مالك في الموازية: لا أسمع للبحر ذكرا، وهذا تأنس، ~~لا أنه يلزم من سقوط ذكره سقوط الفرض فيه، وذلك أن مكة ليست في ضفة بحر ~~فيأتيها الناس في السفن، ولابد لمن ركب البحر أن يصير في إتيان مكة إما ~~راجلا وإما على ضامر، فإنما ذكرت حالتا الوصول، وإسقاط فرض الحج بمجرد ~~البحر ليس بالكثير ولا بالقوى. فأما إذا اقترن به عدو وخوف أو هول شديد أو ~~مرض يلحق شخصا، فمالك والشافعي وجمهور الناس على سقوط الوجوب بهذه الاعذار، ~~وأنه ليس بسبيل يستطاع. قال ابن عطية: وذكر صاحب الاستظهار في هذا المعنى ~~كلاما، ظاهره أن الوجوب لا يسقط بشئ من هذه الاعذار، وهذا ضعيف. # قلت: وأضعف من ضعيف، وقد مضى في " البقرة " (2) بيانه. والفج: الطريق ~~الواسعة، والجمع فجاج. وقد مضى في " الأنبياء " (3). والعميق معناه البعيد. ~~وقراءة الجماعة " يأتين ". وقرأ أصحاب عبد الله " يأتون " وهذا للركبان و " ~~يأتين " للجمال، كأنه. # قال: وعلى إبل ضامرة يأتين (من كل فج عميق) أي بعيد، ومنه بئر عميقة أي ~~بعيدة القعر، ومنه: # * وقاتم الأعماق خاوي المخترق (4) # PageV12P040 # السابعة - واختلفوا في الواصل إلى البيت، هل يرفع يديه عند رؤيته أم لا، ~~فروى أبو داود قال، سئل جابر بن عبد الله عن الرجل يرى البيت ويرفع يديه ~~فقال: # ما كنت أرى أن أحدا يفعل هذا إلا اليهود، وقد حججنا مع ms4229 رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فلم نكن نفعله. وروى ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: # (ترفع الأيدي في سبع مواطن افتتاح الصلاة واستقبال البيت والصفا والمروة ~~والموقفين والجمرتين). وإلى حديث ابن عباس هذا ذهب الثوري وابن المبارك ~~وأحمد وإسحاق وضعفوا حديث جابر، لان مهاجرا المكي راوية مجهول. وكان ابن ~~عمر يرفع يديه عند رؤية البيت. وعن ابن عباس مثله. # قوله تعالى: ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما ~~رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير (28) ثم ليقضوا ~~تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق (29) فيه ثلاث وعشرون مسألة: # الأولى - قوله تعالى: (ليشهدوا) أي أذن بالحج يأتوك رجالا وركبانا ~~ليشهدوا، أي ليحضروا. والشهود الحضور. (منافع لهم) أي المناسك، كعرفات ~~والمشعر الحرام. # وقيل المغفرة. وقيل التجارة. وقيل هو عموم، أي ليحضروا منافع لهم، أي ما ~~يرضي الله تعالى من أمر الدنيا والآخرة، قال مجاهد وعطاء واختاره ابن ~~العربي، فإنه يجمع ذلك كله من نسك وتجارة ومغفرة ومنفعة دنيا وأخرى. ولا ~~خلاف في أن المراد بقوله: " ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم " (1) ~~[البقرة: 198] التجارة. # الثانية - (ويذكروا اسم الله في أيام معلومات) قد مضى في " البقرة " ~~الكلام في الأيام المعلومات والمعدودات (2). والمراد بذكر اسم الله ذكر ~~التسمية عند الذبح والنحر، مثل # PageV12P041 # قولك: باسم الله والله أكبر، اللهم منك ولك. ومثل قولك عند الذبح " إن ~~صلاتي ونسكي " (1) [الانعام: 162] الآية. وكان الكفار يذبحون على أسماء ~~أصنامهم، فبين الرب أن الواجب الذبح على اسم الله، وقد مضى في " الانعام ". # الثالثة - واختلف العلماء في وقت الذبح يوم النحر، فقال مالك رضي الله ~~عنه: بعد صلاة الامام وذبحه، إلا أن يؤخر تأخيرا يتعدى فيه فيسقط الاقتداء ~~به. وراعى أبو حنيفة الفراغ من الصلاة دون ذبح. والشافعي دخول وقت الصلاة ~~ومقدار ما توقع فيه الخطبتين فاعتبر الوقت دون الصلاة. هذه رواية المزني ~~عنه، وهو قول الطبري. وذكر الربيع عن البويطي قال قال الشافعي: ولا يذبح ms4230 ~~أحد حتى يذبح الامام إلا أن يكون ممن لا يذبح، فإذا صلى وفرغ من الخطبة حل ~~الذبح. وهذا كقول مالك. وقال أحمد: إذا انصرف الامام فاذبح. وهو قول ~~إبراهيم. وأصح هذه الأقوال قول مالك، لحديث جابر بن عبد الله قال: صلى بنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر بالمدينة، فتقدم رجال ونحروا وظنوا ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قد نحر، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم من كان ~~نحر أن يعيد بنحر آخر، ولا ينحروا حتى ينحر النبي صلى الله عليه وسلم خرجه ~~مسلم والترمذي وقال: وفي الباب عن جابر وجندب وأنس وعويمر بن أشقر وابن عمر ~~وأبي زيد الأنصاري، وهذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم ألا ~~يضحى بالمصر حتى يضحى الامام. وقد احتج أبو حنيفة بحديث البراء، وفيه: (ومن ~~ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه وأصاب سنة المسلمين). خرجه مسلم أيضا. فعلق ~~الذبح على الصلاة ولم يذكر الذبح، وحديث جابر يقيده. وكذلك حديث البراء ~~أيضا، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أول ما نبدأ به في يومنا هذا ~~أن نصلي ثم نرجع فننحر فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا) الحديث. وقال أبو عمر ~~بن عبد البر: لا أعلم خلافا بين العلماء أن من ذبح قبل الصلاة وكان من أهل ~~المصر أنه غير مضح، لقوله عليه السلام: (من ذبح قبل الصلاة فتلك شاة لحم). # PageV12P042 # الرابعة - وأما أهل البوادي ومن لا أمام له فمشهور مذهب مالك [أنه] (1) ~~يتحرى وقت ذبح الامام، أو أقرب الأئمة إليه. وقال ربيعة وعطاء فيمن لا إمام ~~له: إن ذبح قبل طلوع الشمس لم يجزه، ويجزيه إن ذبح بعده. وقال أهل الرأي ~~يجزيهم من بعد الفجر. وهو قول ابن المبارك، ذكره عنه الترمذي. وتمسكوا ~~بقوله تعالى: " ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة ~~الأنعام ". فأضاف النحر إلى اليوم. وهل اليوم من طلوع الفجر أو من طلوع ~~الشمس، قولان. ولا خلاف أنه لا يجزى ذبح ms4231 الأضحية قبل طلوع الفجر من يوم ~~النحر. # الخامسة - واختلفوا كم أيام النحر؟ فقال مالك: ثلاثة، يوم النحر ويومان ~~بعده. # وبه قال أبو حنيفة والثوري وأحمد بن حنبل، وروى ذلك عن أبي هريرة وأنس بن ~~مالك من غير اختلاف عنهما. وقال الشافعي: أربعة، يوم النحر وثلاثة بعده. ~~وبه قال الأوزاعي، وروى ذلك عن علي رضي الله عنه وابن عباس وابن عمر رضي ~~الله عنهم، وروى عنهم أيضا مثل قول مالك وأحمد. وقيل: هو يوم النحر خاصة ~~وهو العاشر من ذي الحجة، وروى عن ابن سيرين. وعن سعيد بن جبير وجابر بن زيد ~~أنهما قالا: النحر في الأمصار يوم واحد وفي منى ثلاثة أيام. وعن الحسن ~~البصري في ذلك ثلاث روايات: إحداها كما قال مالك، والثانية كما قال ~~الشافعي، والثالثة إلى آخر يوم من ذي الحجة، فإذا أهل هلال المحرم فلا ~~أضحى. # قلت: وهو قول سليمان بن يسار وأبي سلمة بن عبد الرحمن، ورويا حديثا مرسلا ~~مرفوعا خرجه الدارقطني: الضحايا إلى هلال ذي الحجة، ولم يصح، ودليلنا قوله ~~تعالى: # " في أيام معلومات " الآية، وهذا جمع قلة، لكن المتيقن منه الثلاثة، وما ~~بعد الثلاثة غير متيقن فلا يعمل به. قال أبو عمر بن عبد البر: أجمع العلماء ~~على أن يوم النحر يوم أضحى، وأجمعوا على أن لا أضحى بعد انسلاخ ذي الحجة، ~~ولا يصح عندي في هذا إلا قولان: أحدهما - قول مالك والكوفيين. والاخر - قول ~~الشافعي والشاميين، وهذان القولان مرويان # PageV12P043 # عن الصحابة فلا معنى للاشتغال بما خالفهما، لان ما خالفهما لا أصل له في ~~السنة ولا في قول الصحابة، وما خرج عن هذين فمتروك لهما. وقد روى عن قتادة ~~قول سادس، وهو أن الأضحى يوم النحر وستة أيام بعده، وهذا أيضا خارج عن قول ~~الصحابة فلا معنى له. # السادسة - واختلفوا في ليالي النحر هل تدخل مع الأيام فيجوز فيها الذبح ~~أولا، فروى عن مالك في المشهور أنها لا تدخل فلا بجوز الذبح بالليل. وعليه ~~جمهور أصحابه وأصحاب الرأي، لقوله تعالى: " ويذكروا اسم الله ms4232 في أيام " ~~فذكر الأيام، وذكر الأيام دليل على أن الذبح في الليل لا يجوز. وقال أبو ~~حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور: # الليالي داخلة في الأيام ويجزى الذبح فيها. وروى عن مالك وأشهب نحوه، ~~ولأشهب تفريق بين الهدى والضحية، فأجاز الهدى ليلا ولم يجز الضحية ليلا. # السابعة - قوله تعالى: " على ما رزقهم " أي على ذبح ما رزقهم. (من بهيمة ~~الأنعام ) والانعام هنا الإبل والبقر والغنم. وبهيمة الانعام هي الانعام، ~~فهو كقولك صلاة الأولى، ومسجد الجامع. # الثامنة - (فكلوا منها) أمر معناه الندب عند الجمهور. ويستحب للرجل أن ~~يأكل من هديه وأضحيته وأن يتصدق بالأكثر، مع تجويزهم الصدقة بالكل وأكل ~~الكل. # وشذت طائفة فأوجبت الاكل والاطعام بظاهر الآية (1)، ولقوله عليه السلام: ~~(فكلوا وادخروا وتصدقوا). قال الكيا: قوله تعالى " فكلوا منها وأطعموا " ~~يدل على أنه لا يجوز بيع جميعه ولا التصدق بجميعه. # التاسعة - دماء الكفارات لا يأكل منها أصحابها. ومشهور مذهب مالك رضي ~~الله عنه أنه لا يأكل من ثلاث: جزاء الصيد، ونذر المساكين وفدية الأذى، ~~ويأكل مما سوى ذلك إذا بلغ محله، واجبا كان أو تطوعا. ووافقه على ذلك جماعة ~~من السلف وفقهاء الأمصار. # العاشرة - فإن أكل مما منع منه فهل يغرم قدر ما أكل أو يغرم هديا كاملا، ~~قولان في مذهبنا، وبالأول قال ابن الماجشون. قال ابن العربي: وهو الحق، لا ~~شئ عليه غيره. # PageV12P044 # وكذلك لو نذر هديا للمساكين فيأكل منه بعد أن بلغ محله لا يغرم إلا ما ~~أكل - خلافا للمدونة - لان النحر قد وقع، والتعدي إنما هو على اللحم، فيغرم ~~قدر ما تعدى فيه. # قوله (1) تعالى: (وليوفوا نذورهم) يدل على وجوب إخراج النذر إن كان دما ~~أو هديا أو غيره، ويدل ذلك على أن النذر لا يجوز أن يأكل منه وفاء بالنذر، ~~وكذلك جزاء الصيد وفدية الأذى، لان المطلوب أن يأتي به كاملا من غير نقص ~~لحم ولا غيره، فإن أكل من ذلك كان عليه هدى كامل. والله أعلم. # الحادية عشرة - هل يغرم قيمة اللحم أو يغرم طعاما، ففي ms4233 كتاب محمد عن عبد ~~الملك أنه يغرم طعاما. والأول أصح، لان الطعام إنما هو في مقابلة الهدى كله ~~عند تعذره عبادة، وليس حكم التعدي حكم العبادة. # الثانية - فإن عطب من هذا الهدى المضمون الذي هو جزاء الصيد وفدية الأذى ~~ونذر المساكين شئ قبل محله أكل منه صاحبه وأطعم منه الأغنياء والفقراء ومن ~~أحب، ولا يبيع من لحمه ولا جلده ولا من قلائده شيئا. قال إسماعيل بن إسحاق: ~~لان الهدى المضمون إذا عطب قبل أن يبلغ محله كان عليه بدله، لذلك جاز أن ~~يأكل منه صاحبه ويطعم. فإذا عطب الهدى التطوع قبل أن يبلغ محله لم يجز أن ~~يأكل منه ولا يطعم، لأنه لما لم يكن عليه بدله خيف أن يفعل ذلك بالهدى ~~وينحر من غير أن يعطب، فاحتيط على الناس، وبذلك مضى العمل. وروى أبو داود ~~عن ناجية الأسلمي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث معه بهدى وقال: (إن ~~عطب منها شئ فانحره ثم اصبغ نعله في دمه ثم خل بينه وبين الناس). وبهذا ~~الحديث قال مالك والشافعي في أحد قوليه، وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأصحاب ~~الرأي ومن اتبعهم في الهدى التطوع: لا يأكل منها سائقها شيئا، ويخلى بينها ~~وبين الناس يأكلونها. وفي صحيح مسلم: (ولا تأكل منها أنت ولا أحد من أهل ~~رفقتك). وبظاهر هذا النهى قال ابن عباس والشافعي في قوله الاخر، واختاره ~~ابن المنذر، فقالا: لا يأكل منها [سائقها] ولا أحد من أهل رفقته. قال أبو ~~عمر قوله عليه السلام (ولا يأكل منها ولا أحد من أهل رفقتك) لا يوجد إلا في ~~حديث ابن عباس. وليس ذلك # PageV12P045 # في حديث هشام بن عروة عن أبيه عن ناجية. وهو عندنا أصح من حديث ابن عباس، ~~وعليه العمل عند الفقهاء. ويدخل في قوله عليه السلام: (خل بينها وبين ~~الناس) أهل رفقته وغيرهم. وقال الشافعي وأبو ثور: ما كان من الهدى أصله ~~واجبا فلا يأكل منه، وما كان تطوعا ونسكا أكل منه وأهدى وادخر وتصدق. ~~والمتعة والقرآن عنده نسك. ms4234 ونحوه مذهب الأوزاعي. وقال أبو حنيفة وأصحابه: ~~يأكل من هدى المتعة والتطوع، ولا يأكل مما سوى ذلك مما وجب بحكم الاحرام. ~~وحكى عن مالك: لا يأكل من دم الفساد. وعلى قياس هذا لا يأكل من دم الجبر، ~~كقول الشافعي والأوزاعي. تمسك مالك بأن جزاء الصيد جعله الله للمساكين ~~بقوله تعالى: " أو كفارة طعام مساكين " (1) [المائدة: 95]. وقال في فدية ~~الأذى: " ففدية من صيام أو صدقة أو نسك " (2) [البقرة: 196]. وقال صلى الله ~~عليه وسلم لكعب بن عجرة: (أطعم ستة مساكين مدين لكل مسكين أو صم ثلاثة أيام ~~أو انسك شاة). ونذر المساكين مصرح به، وأما غير ذلك من الهدايا فهو باق على ~~أصل قوله: " والبدن جعلنا لكم من شعائر الله - إلى قوله - فكلوا منها " ~~[الحج: 36]. وقد أكل النبي صلى الله عليه وسلم وعلى رضي الله عنه من الهدى ~~الذي جاء به وشربا من مرقه، وكان عليه السلام قارنا في أصح الأقوال ~~والروايات، فكان هديه على هذا واجبا، فما تعلق به أبو حنيفة غير صحيح. ~~والله أعلم. # وإنما أذن الله سبحانه من الاكل من الهدايا لأجل أن العرب كانت لا ترى أن ~~تأكل من نسكها، فأمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم ~~بمخالفتهم، فلا جرم كذلك شرع وبلغ، وكذلك فعل حين أهدى وأحرم صلى الله عليه ~~وسلم. # الثالثة عشرة - (فكلوا منها) قال بعض العلماء: قوله تعالى " فكلوا منها " ~~ناسخ لفعلهم، لأنهم كانوا يحرمون لحوم الضحايا على أنفسهم ولا يأكلون منها ~~- كما قلناه في الهدايا - فنسخ الله ذلك بقوله: " فكلوا منها " وبقول النبي ~~صلى الله عليه وسلم: (من ضحى فليأكل من أضحيته) ولأنه عليه السلام أكل من ~~أضحيته وهديه. وقال الزهري: من السنة أن تأكل أولا من الكبد. # PageV12P046 # الرابعة عشرة - ذهب أكثر العلماء إلى أنه يستحب أن يتصدق بالثلث ويطعم ~~الثلث ويأكل هو وأهله الثلث. وقال ابن القاسم عن مالك: ليس عندنا في ~~الضحايا قسم معلوم موصوف. قال مالك في حديثه: وبلغني عن ابن مسعود، وليس ~~عليه العمل. روى الصحيح وأبو داود ms4235 قال: ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بشاة ثم قال: (يا ثوبان، أصلح لحم هذه الشاة) قال: فما زلت أطعمه منها حتى ~~قدم المدينة. وهذا نص في الفرض. # واختلف قول الشافعي، فمرة قال: يأكل النصف ويتصدق بالنصف لقوله تعالى: # " فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير " فذكر شخصين. وقال مرة: يأكل ثلثا ~~ويهدى ثلثا ويطعم ثلثا، لقوله تعالى: " فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر ~~" [الحج: 36] فذكر ثلاثة. # الخامسة عشرة - المسافر يخاطب بالأضحية كما يخاطب بها الحاضر، إذ الأصل ~~عموم الخطاب بها، وهو قول كافة العلماء. وخالف في ذلك أبو حنيفة والنخعي، ~~وروى عن علي، والحديث حجة عليهم. واستثنى مالك من المسافرين الحاج بمنى، ~~فلم ير عليه أضحية، وبه قال النخعي. وروى ذلك عن الخليفتين أبي بكر وعمر ~~وجماعة من السلف رضي الله عنهم، لان الحاج إنما هو مخاطب في الأصل بالهدى. ~~فإذا أراد أن يضحى جعله هديا، والناس غير الحاج إنما أمروا بالأضحية ~~ليتشبهوا بأهل منى فيحصل لهم حظ من أجرهم. # السادسة عشرة - اختلف العلماء في الادخار على أربعة أقوال. روى عن علي ~~وابن عمر رضي الله عنهما من وجه صحيح أنه لا يدخر من الضحايا بعد ثلاث. ~~وروياه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وسيأتي. وقالت جماعة: ما روى من النهى ~~عن الادخار منسوخ، فيدخر إلى أي وقت أحب. وبه قال أبو سعيد الخدري وبريدة ~~الأسلمي. وقالت فرقة: يجوز الاكل منها مطلقا. وقالت طائفة: إن كانت بالناس ~~حاجة إليها فلا يدخر، لان النهى إنما كان لعلة وهي قوله عليه السلام: (إنما ~~نهيتكم من أجل الدافة التي دفت (1)) ولما ارتفعت ارتفع المنع المتقدم ~~لارتفاع موجبه، لا لأنه منسوخ. وتنشأ هنا مسألة أصولية وهي: # PageV12P047 # السابعة عشرة - وهي الفرق بين رفع الحكم بالنسخ ورفعه لارتفاع علته. أعلم ~~أن المرفوع بالنسخ لا يحكم به أبدا، والمرفوع لارتفاع علته يعود الحكم لعود ~~العلة، فلو قدم على أهل بلدة ناس محتاجون في زمان الأضحى، ولم يكن عند أهل ~~ذلك البلد سعة يسدون بها فاقتهم إلا الضحايا لتعين ms4236 عليهم ألا يدخروها فوق ~~ثلاث كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم. # الثامنة عشرة - الأحاديث الواردة في هذا الباب بالمنع والإباحة صحاح ~~ثابتة. وقد جاء المنع والإباحة معا، كما هو منصوص في حديث عائشة وسلمة بن ~~الأكوع وأبى سعيد الخدري رواها الصحيح. وروى الصحيح عن أبي عبيد مولى ابن ~~أزهر أنه شهد العيد مع عمر ابن الخطاب قال: ثم صليت العيد مع علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه، قال: فصلى لنا قبل الخطبة ثم خطب الناس فقال: إن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قد نهاكم أن تأكلوا لحوم نسككم فوق ثلاث ليال فلا ~~تأكلوها. وروى عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهى أن تؤكل ~~لحوم الأضاحي فوق (1) ثلاث. قال سالم: فكان ابن عمر لا يأكل لحوم الأضاحي ~~فوق ثلاث. وروى أبو داود عن نبيشة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # (إنا كنا نهيناكم عن لحومها فوق ثلاث لكي تسعكم جاء الله بالسعة فكلوا ~~وادخروا وأتجروا ألا وإن هذه الأيام أيام أكل وشرب وذكر لله عز وجل). قال ~~أبو جعفر النحاس: وهذا القول أحسن ما قيل في هذا حتى تتفق الأحاديث ولا ~~تتضاد، ويكون قول أمير المؤمنين على ابن أبي طالب وعثمان محصور، لان الناس ~~كانوا في شدة محتاجين، ففعل كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدمت ~~الدافة. والدليل على هذا ما حدثنا إبراهيم بن شريك قال: حدثنا أحمد قال ~~حدثنا ليث قال حدثني الحارث بن يعقوب عن يزيد بن أبي يزيد عن امرأته أنها ~~سألت عائشة رضي الله عنها عن لحوم الأضاحي فقالت: قدم علينا علي بن أبي ~~طالب من سفر فقدمنا إليه منه، فأبى أن يأكل حتى يسأل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فسأله فقال: # (كل من ذي الحجة إلى ذي الحجة). وقال الشافعي: من قال بالنهي عن الادخار ~~بعد ثلاث لم يسمع الرخصة. ومن قال بالرخصة مطلقا لم يسمع النهى عن الادخار. ~~ومن قال بالنهي ms4237 # PageV12P048 # والرخصة سمعهما جميعا فعمل بمقتضاهما. والله أعلم. وسيأتي في سورة " ~~الكوثر " (1) الاختلاف في وجوب الأضحية وندبيتها وأنها ناسخة لكل ذبح تقدم، ~~إن شاء الله تعالى. # التاسعة عشرة - قوله تعالى: (وأطعموا البائس الفقير) " الفقير " من صفة ~~البائس، وهو الذي ناله البؤس وشدة الفقر، يقال: بئس يبأس بأسا إذا افتقر، ~~فهو بائس. # وقد يستعمل فيمن نزلت به نازلة دهر وإن لم يكن فقيرا، ومنه قوله عليه ~~السلام: (لكن البائس سعد (2) بن خولة). ويقال رجل بئيس أي شديد. وقد بؤس ~~يبؤس بأسا إذ اشتد، ومنه قوله تعالى: " وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس " ~~(3) [الأعراف: 165] أي شديد. وكلما كان التصدق بلحم الأضحية أكثر كان الاجر ~~أوفر. وفي القدر الذي يجوز أكله خلاف قد ذكرناه، فقيل. # النصف، لقوله: " فكلوا، وأطعموا " وقيل: الثلثان، لقوله: (ألا فكلوا ~~وادخروا وأتجروا) أي اطلبوا الاجر بالاطعام. واختلف في الاكل والاطعام، ~~فقيل: واجبان. # وقيل مستحبان. وقيل: بالفرق بين الاكل والاطعام، فالاكل مستحب والاطعام ~~واجب، وهو قول الشافعي. # الموفية عشرين - قوله تعالى: (ثم ليقضوا تفثهم) أي ثم ليقضوا بعد نحر ~~الضحايا والهدايا ما بقى عليهم من أمر الحج، كالحلق ورمى الجمار وإزالة شعث ~~ونحوه. قال ابن عرفة: # أي ليزيلوا عنهم أدرانهم. وقال الأزهري: التفث الاخذ من الشارب وقص ~~الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة، وهذا عند الخروج من الاحرام. وقال النضر ~~بن شميل: التفث في كلام العرب إذهاب الشعث، وسمعت الأزهري يقول: التفث في ~~كلام العرب لا يعرف إلا من قول ابن عباس وأهل التفسير. وقال الحسن: هو ~~إزالة قشف الاحرام. وقيل: # التفث مناسك الحج كلها، رواه ابن عمر وابن عباس. قال ابن العربي: لو صح ~~عنهما لكان حجة لشرف الصحبة والإحاطة باللغة، قال: وهذه اللفظة غريبة لم ~~يجد أهل العربية فيها شعرا ولا أحاطوا بها خبرا، لكني تتبعت التفث لغة ~~فرأيت أبا عبيدة معمر بن المثنى قال: # PageV12P049 # إنه قص الأظفار وأخذ الشارب وكل ما يحرم على المحرم إلا النكاح. قال: ولم ~~يجئ فيه شعر يحتج به. وقال صاحب العين: التفث هو الرمي والحلق ms4238 والتقصير ~~والذبح وقص الأظفار والشارب والإبط. وذكر الزجاج والفراء نحوه، ولا أراه ~~أخذوه إلا من قول العلماء. وقال قطرب: تفث الرجل إذا كثر وسخه. قال أمية بن ~~أبي الصلت: # حفوا رؤوسهم لم يحلقوا تفثا * ولم يسلوا لهم قملا وصئبانا وما أشار إليه ~~قطرب هو الذي قاله ابن وهب عن مالك، وهو الصحيح في التفث. وهذه صورة إلقاء ~~التفث لغة، وأما حقيقته الشرعية فإذا نحر الحاج أو المعتمر هديه وحلق رأسه ~~وأزال وسخه وتطهر وتنقى ولبس فقد أزال تفثه ووفى نذره، والنذر ما لزم ~~الانسان والتزمه. # قلت: ما حكاه عن قطرب وذكر من الشعر قد ذكره في تفسيره الماوردي. وذكر ~~بيتا آخر فقال: # قضوا تفثا ونحبا (1) ثم ساروا * إلى نجد وما انتظروا عليا وقال الثعلبي: ~~وأصل التفث في اللغة الوسخ، تقول العرب للرجل تستقذره: ما أتفثك أي ما ~~أوسخك وأقذرك. قال أمية بن أبي الصلت: # ساخين (2) آباطهم لم يقذفوا تفثا * وينزعوا عنهم قملا وصئبانا الماوردي: ~~قيل لبعض الصلحاء: ما المعنى في شعث المحرم؟ قال: ليشهد الله تعالى منك ~~الاعراض عن العناية بنفسك فيعلم صدقك في بذلها لطاعته. # الحادية والعشرون - (وليوفوا نذورهم) أمروا بوفاء النذر مطلقا إلا ما كان ~~معصية، لقوله عليه السلام: (لا وفاء لنذر في معصية الله)، وقوله: (من نذر ~~أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه). (وليطوفوا بالبيت العتيق) ~~الطواف المذكور في هذه الآية هو طواف الإفاضة الذي هو من واجبات الحج. قال ~~الطبري: لا خلاف بين المتأولين في ذلك. # PageV12P050 # الثانية والعشرون - للحج ثلاثة أطواف: طواف القدوم، وطواف الإفاضة، وطواف ~~الوداع. قال إسماعيل بن إسحاق: طواف القدوم سنة، وهو ساقط عن المراهق وعن ~~المكي وعن كل من يحرم بالحج من مكة. قال: والطواف الواجب الذي لا يسقط بوجه ~~من الوجوه، وهو طواف الإفاضة الذي يكون بعد عرفة، قال الله تعالى: " ثم ~~ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق ". قال: فهذا هو ~~الطواف المفترض في كتاب الله عز وجل، وهو الذي يحل به الحاج من إحرامه كله. ms4239 ~~قال الحافظ أبو عمر: ما ذكره إسماعيل في طواف الإفاضة هو قول مالك عند أهل ~~المدينة، وهي رواية ابن وهب وابن نافع وأشهب عنه. وهو قول جمهور أهل العلم ~~من فقهاء أهل الحجاز والعراق. وقد روى ابن القاسم وابن عبد الحكم عن مالك ~~أن طواف القدوم واجب. وقال ابن القاسم في غير موضع من المدونة ورواه أيضا ~~عن مالك: الطواف الواجب طواف القادم مكة. وقال: # من نسى الطواف في حين دخوله مكة أو نسى شوطا منه، أو نسى السعي أو شوطا ~~منه حتى رجع إلى بلده ثم ذكره، فإن لم يكن أصاب النساء رجع إلى مكة حتى ~~يطوف بالبيت ويركع ويسعى بين الصفا والمروة، ثم يهدى. وإن أصاب النساء رجع ~~فطاف وسعى، ثم اعتمر وأهدى. وهذا كقوله فيمن نسى طواف الإفاضة سواء. فعلى ~~هذه الرواية الطوافان جميعا واجبان، والسعي أيضا. وأما طواف الصدر وهو ~~المسمى بطواف الوداع فروى ابن القاسم وغيره عن مالك فيمن طاف طواف الإفاضة ~~على غير وضوء: أنه يرجع من بلده فيفيض إلا أن يكون تطوع بعد ذلك. وهذا مما ~~أجمع عليه مالك وأصحابه، وأنه يجزيه تطوعه عن الواجب المفترض عليه من ~~طوافه. وكذلك أجمعوا أن من فعل في حجه شيئا تطوع به من عمل الحج، وذلك الشئ ~~واجب في الحج قد جاز وقته، فإن تطوعه ذلك يصير للواجب لا للتطوع بخلاف ~~الصلاة. فإذا كان التطوع ينوب عن الفرض في الحج كان الطواف لدخول مكة أحرى ~~أن ينوب عن طواف الإفاضة، إلا ما كان من الطواف بعد رمى جمرة العقبة يوم ~~النحر أو بعده للوداع. ورواية ابن عبد الحكم عن مالك بخلاف ذلك، لان فيها ~~أن طواف PageV12P051 # الدخول مع السعي ينوب عن طواف الإفاضة لمن رجع إلى بلده مع الهدى، كما ~~ينوب طواف الإفاضة مع السعي لمن لم يطف ولم يسع حين دخوله مكة مع الهدى ~~أيضا عن طواف القدوم. ومن قال هذا قال: إنما قيل لطواف الدخول واجب ولطواف ~~الإفاضة واجب لان بعضهما، ينوب عن بعض، ms4240 ولأنه قد روى عن مالك أنه يرجع من ~~نسى أحدهما من بلده على ما ذكرنا، ولأن الله عز وجل لم يفترض على الحاج إلا ~~طوافا واحدا بقوله: # " وأذن في الناس بالحج "، وقال في سياق الآية: " وليطوفوا بالبيت العتيق ~~" والواو عندهم في هذه الآية وغيرها لا توجب رتبة إلا بتوقيف. وأسند الطبري ~~عن عمرو ابن أبي سلمة قال: سألت زهيرا عن قوله تعالى: " وليطوفوا بالبيت ~~العتيق " فقال: # هو طواف الوداع. وهذا يدل على أنه واجب، وهو أحد قولي الشافعي، لأنه عليه ~~السلام رخص للحائض أن تنفر دون أن تطوفه، ولا يرخص إلا في الواجب. # الثالثة والعشرون - اختلف المتأولون في وجه صفة البيت بالعتيق، فقال ~~مجاهد والحسن: العتيق القديم. يقال: سيف عتيق، وقد عتق أي قدم، وهذا قول ~~يعضده النظر. وفي الصحيح (أنه أول مسجد وضع في الأرض). وقيل: عتيقا لان ~~الله أعتقه من أن يتسلط عليه جبار بالهوان إلى انقضاء الزمان، قال معناه ~~ابن الزبير ومجاهد. وفى الترمذي عن عبد الله بن الزبير قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: (إنما سمى البيت العتيق لأنه لم يظهر عليه جبار) قال: ~~هذا حديث حسن صحيح (1)، وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا. فإن ~~ذكر ذاكر الحجاج بن يوسف ونصبه المنجنيق على الكعبة حتى كسرها قيل له: إنما ~~أعتقها عن كفار الجبابرة، لأنهم إذا أتوا بأنفسهم متمردين ولحرمة البيت غير ~~معتقدين، وقصدوا الكعبة بالسوء فعصمت منهم ولم تنلها أيديهم، كان ذلك دلالة ~~على أن الله عز وجل صرفهم عنها قسرا. فأما المسلمون الذين اعتقدوا حرمتها ~~فإنهم إن كفوا عنها لم يكن في ذلك من الدلالة على منزلتها عند الله مثل ما ~~يكون منها في كف الأعداء، فقصر الله تعالى هذه الطائفة عن الكف بالنهي ~~والوعيد، ولم يتجاوزه إلى الصرف بالالجاء والاضطرار، # PageV12P052 # وجعل الساعة موعدهم، والساعة أدهى وأمر. وقالت طائفة: سمى عتيقا لأنه لم ~~يملك موضعه قط. وقالت فرقة: سمى عتيقا لان الله عز وجل يعتق فيه رقاب ~~المذنبين من العذاب. ms4241 وقيل: سمى عتيقا لأنه أعتق من غرق الطوفان، قاله ابن ~~جبير. وقيل: العتيق الكريم. والعتق الكرم. قال طرفة يصف أذن الفرس: # مؤللتان تعرف العتق فيهما * كسامعتي مذعورة وسط ربرب (1) وعتق الرقيق: ~~الخروج من ذل الرق إلى كرم الحرية. ويحتمل أن يكون العتيق صفة مدح تقتضي ~~جودة الشئ، كما قال عمر: حملت على فرس عتيق، الحديث. والقول الأول أصح ~~للنظر والحديث الصحيح. قال مجاهد: خلق الله البيت قبل الأرض بألفي عام، ~~وسمى عتيقا لهذا، والله أعلم. # قوله تعالى: ذلك ومن يعظم حرمت الله فهو خير له عند ربه وأحلت لكم ~~الانعام إلا ما يتلى عليكم فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور ~~(30) حنفاء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه ~~الطير أو تهوى به الريح في مكان سحيق (31) فيه ثمان مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " ذلك " يحتمل أن يكون في موضع رفع بتقدير: فرضكم ~~ذلك، أو الواجب ذلك. ويحتمل أن يكون في موضع نصب بتقدير: امتثلوا ذلك، ونحو ~~هذه الإشارة البليغة قول زهير: # هذا وليس كمن يعيا بخطته * وسط الندى إذا ما قائل نطقا # PageV12P053 # والحرمات المقصودة هنا هي أفعال الحج المشار إليها في قوله: " ثم ليقضوا ~~تفثهم وليوفوا نذورهم "، ويدخل في ذلك تعظيم المواضع، قاله ابن زيد وغيره. ~~ويجمع ذلك أن تقول: # الحرمات امتثال الامر من فرائضه وسننه. وقوله: (فهو خير له عند ربه) أي ~~التعظيم خير له عند ربه من التهاون بشئ منها. وقيل: ذلك التعظيم خير من ~~خيراته ينتفع به، وليست للتفضيل وإنما هي عدة بخير. # الثانية - قوله تعالى: (وأحلت لكم الانعام) أن تأكلوها: وهي الإبل والبقر ~~والغنم. (إلا ما يتلى عليكم) أي في الكتاب من المحرمات، وهي الميتة ~~والموقوذة وأخواتها. # ولهذا اتصال بأمر الحج، فإن في الحج الذبح، فبين ما يحل ذبحه وأكل لحمه. ~~وقيل: " إلا ما يتلى عليكم غير محلى الصيد وأنتم حرم " (1) الثالثة - قوله ~~تعالى: (فاجتنبوا الرجس من الأوثان) الرجس: الشئ القذر. # الوثن: التمثال من خشب أو حديد أو ذهب أو فضة ms4242 ونحوها، وكانت العرب تنصبها ~~وتعبدها. والنصارى تنصب الصليب وتعبده وتعظمه فهو كالتمثال أيضا. وقال عدى ~~ابن حاتم: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب فقال: (ألق ~~هذا الوثن عنك) أي الصليب، وأصله من وثن الشئ أي أقام في مقامه. وسمى الصنم ~~وثنا لأنه ينصب ويركز في مكان فلا يبرح عنه. يريد اجتنبوا عبادة الأوثان، ~~روى عن ابن عباس وابن جريج. وسماها رجسا لأنها سبب الرجز وهو العذاب. وقيل: ~~وصفها بالرجس، والرجس النجس فهي نجسة حكما. وليست النجاسة وصفا ذاتيا ~~للأعيان وإنما هي وصف شرعي من أحكام الايمان، فلا تزال إلا بالايمان كما لا ~~تجوز الطهارة إلا بالماء. # الرابعة - (من) في قوله: " من الأوثان " قيل: إنها لبيان الجنس، فيقع ~~نهيه عن رجس (2) الأوثان فقط، ويبقى سائر الأرجاس نهيها في غير هذا الموضع. ~~ويحتمل أن تكون لابتداء الغاية، فكأنهم نهاهم عن الرجس عاما ثم عين لهم ~~مبدأه الذي منه يلحقهم، إذ عبادة الوثن جامعة لكل فساد ورجس. ومن قال إن " ~~من " للتبعيض، قلب معنى الآية وأفسده. # PageV12P054 # الخامسة - قوله تعالى: (واجتنبوا قول الزور) والزور: الباطل والكذب. # وسمى زورا لأنه أميل عن الحق، ومنه " تزاور عن كهفهم " (1)، [الكهف: 17]، ~~ومدينة زوراء، أي مائلة. # وكل ما عدا الحق فهو كذب وباطل وزور. وفي الخبر أنه عليه السلام قام ~~خطيبا فقال: # (عدلت شهادة الزور الشرك بالله) قالها مرتين أو ثلاثا. يعنى أنها قد جمعت ~~مع عبادة الوثن في النهى عنها. # السادسة - هذه الآية تضمنت الوعيد على الشهادة بالزور، وينبغي للحاكم إذا ~~عثر على الشاهد بالزور أن يعززه وينادى عليه ليعرف لئلا يغتر بشهادته أحد. ~~ويختلف الحكم في شهادته إذا تاب، فإن كان من أهل العدالة المشهور بها ~~المبرز فيها لم تقبل، لأنه لا سبيل إلى علم حاله في التوبة، إذ لا يستطيع ~~أن يفعل من القربات أكثر مما هو عليه. وإن كان دون ذلك فشمر في العبادة ~~وزادت حاله في التقى قبلت شهادته. وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: ms4243 (إن أكبر الكبائر الاشراك بالله وعقوق الوالدين وشهادة الزور وقول ~~الزور). وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئا فجلس فما زال يكررها حتى ~~قلنا ليته سكت. # السابعة - (حنفاء لله) معناه مستقيمين أو مسلمين مائلين إلى الحق. ولفظة ~~" حنفاء " من الأضداد تقع على الاستقامة وتقع على الميل. و " حنفاء " نصب ~~على الحال. # وقيل: " حنفاء " حجاجا، وهذا تخصيص لا حجة معه. # الثامنة - قوله تعالى: (ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء) أي هو يوم ~~القيامة بمنزلة من لا يملك لنفسه نفعا ولا يدفع عن نفسه ضرا ولا عذابا، فهو ~~بمنزلة من خر من السماء، فهو لا يقدر أن يدفع عن نفسه. ومعنى، (فتخطفه ~~الطير) أي تقطعه بمخالبها. # وقيل: هذا عند خروج روحه وصعود الملائكة بها إلى سماء الدنيا، فلا يفتح ~~لها فيرمى بها إلى الأرض، كما في حديث البراء، وقد ذكرناه في التذكرة. ~~والسحيق: البعيد، ومنه قوله تعالى: " فسحقا لأصحاب السعير " (2) [الملك: ~~11]، وقوله عليه الصلاة والسلام: (فسحقا فسحقا). # PageV12P055 # قوله تعالى: ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب (32) لكم فيها ~~منافع إلى أجل مسمى ثم محلها إلى البيت العتيق (33) فيه سبع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (ذلك) فيه ثلاثة أوجه. قيل: يكون في موضع رفع ~~بالابتداء، أي ذلك أمر الله. ويجوز أن يكون في موضع رفع على خبر ابتداء ~~محذوف. # ويجوز أن يكون في موضع نصب، أي اتبعوا ذلك. # الثانية - قوله تعالى: (ومن يعظم شعائر الله) الشعائر جمع شعيرة، وهو كل ~~شئ لله تعالى فيه أمر أشعر به وأعلم، ومنه شعار القوم في الحرب، أي علامتهم ~~التي يتعارفون بها. ومنه إشعار البدنة وهو الطعن في جانبها الأيمن حتى يسيل ~~الدم فيكون علامة، فهي تسمى شعيرة بمعنى المشعورة. فشعائر الله أعلام دينه ~~لا سيما ما يتعلق بالمناسك. وقال قوم: المراد هنا تسمين البدن والاهتمام ~~بأمرها والمغالاة بها، قاله ابن عباس ومجاهد وجماعة. وفيه إشارة لطيفة، ~~وذلك أن أصل شراء البدن ربما يحمل على فعل ما لا بد منه، فلا يدل على ~~الاخلاص ms4244 فإذا عظمها مع حصول الاجزاء بما دونه فلا يظهر له عمل إلا تعظيم ~~الشرع، وهو من تقوى القلوب. والله أعلم. # الثالثة - الضمير في " إنها " عائد على الفعلة التي يتضمنها الكلام: ولو ~~قال فإنه لجاز. # وقيل: إنها راجعة إلى الشعائر، أي فإن تعظيم الشعائر، فحذف المضاف لدلالة ~~الكلام عليه، فرجعت الكناية إلى الشعائر. # الرابعة - قوله تعالى: " فإنها من تقوى القلوب " قرئ " القلوب " بالرفع ~~على أنها فاعلة بالمصدر الذي هو " تقوى " وأضاف التقوى إلى القلوب (1) لان ~~حقيقة التقوى في القلب، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام في صحيح الحديث: ~~(التقوى هاهنا) وأشار إلى صدره. # الخامسة - قوله تعالى: (لكم فيها منافع) يعني البدن من الركوب والدر ~~والنسل والصوف وغير ذلك، إذا لم يبعثها ربها هديا، فإذا بعثها فهو الاجل ~~المسمى، قاله ابن عباس. # PageV12P056 # فإذا صارت بدنا هديا فالمنافع فيها أيضا ركوبها عند الحاجة، وشرب لبنها ~~بعد رى فصيلها. # وفي الصحيح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يسوق ~~بدنة فقال: # (اركبها) فقال: إنها بدنة. فقال: (اركبها) قال: إنها بدنة. قال: (اركبها ~~ويلك) في الثانية أو الثالثة. وروى عن جابر بن عبد الله وسئل عن ركوب الهدى ~~فقال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (اركبها بالمعروف إذا ألجئت ~~إليها حتى تجد ظهرا). # والأجل المسمى على هذا القول نحرها، قاله عطاء بن أبي رباح. # السادسة - ذهب بعض العلماء إلى وجوب ركوب البدنة لقوله عليه الصلاة ~~والسلام: # (اركبها). وممن أخذ بظاهره أحمد وإسحاق وأهل الظاهر. وروى ابن نافع عن ~~مالك: # لا بأس بركوب البدنة ركوبا غير فادح. والمشهور أنه لا يركبها إلا إن اضطر ~~إليها لحديث جابر فإنه مقيد والمقيد يقضى على المطلق. وبنحو ذلك قال ~~الشافعي وأبو حنيفة. ثم إذا ركبها عنده الحاجة نزل، قاله إسماعيل القاضي. ~~وهو الذي يدل عليه مذهب مالك، وهو خلاف ما ذكره ابن القاسم أنه لا يلزمه ~~النزول، وحجته إباحة النبي صلى الله عليه وسلم له الركوب فجاز له استصحابه. ~~وقوله: (إذا ألجئت إليها حتى ms4245 تجد ظهرا) يدل على صحة ما قاله الإمام الشافعي ~~وأبو حنيفة رضي الله عنهما، وما حكاه إسماعيل عن مذهب مالك. وقد جاء صريحا ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يسوق بدنة وقد جهد، فقال: (اركبها). ~~وقال أبو حنيفة والشافعي: إن نقصها الركوب المباح فعليه قيمة ذلك ويتصدق ~~به. # السابعة - قوله تعالى: (ثم محلها إلى البيت العتيق) يريد أنها تنتهي إلى ~~البيت، وهو الطواف. فقوله: " محلها " مأخوذ من إحلال المحرم. والمعنى أن ~~شعائر الحج كلها من الوقوف بعرفة ورمى الجمار والسعي ينتهى إلى طواف ~~الإفاضة بالبيت العتيق. فالبيت على هذا التأويل مراد بنفسه، قاله مالك في ~~الموطأ. وقال عطاء: ينتهى إلى مكة. وقال الشافعي: إلى الحرم. وهذا بناء على ~~أن الشعائر هي البدن، ولا وجه لتخصيص الشعائر مع عمومها وإلغاء خصوصية ذكر ~~البيت. والله أعلم. PageV12P057 # قوله تعالى: ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من ~~بهيمة الأنعام فإلهكم إليه وحد فله أسلموا وبشر المخبتين (34) قوله تعالى: ~~(ولكل أمة جعلنا منسكا) لما ذكر تعالى الذبائح بين أنه لم يخل منها أمة، ~~والأمة القوم المجتمعون على مذهب واحد، أي ولكل جماعة مؤمنة جعلنا منسكا. # والمنسك الذبح وإراقة الدم، قاله مجاهد. يقال: نسك إذا ذبح ينسك نسكا. ~~والذبيحة نسيكة، وجمعها نسك، ومنه قوله تعالى: " أو صدقة أو نسك " (1) ~~[البقرة: 196]. والنسك أيضا الطاعة. وقال الأزهري في قوله تعالى: " ولكل ~~أمة جعلنا منسكا ": إنه يدل على موضع النحر في هذا الموضع، أراد مكان نسك. ~~ويقال: منسك ومنسك، لغتان، وقرئ بهما. قرأ الكوفيون إلا عاصما بكسر السين، ~~الباقون بفتحها. وقال الفراء: المنسك في كلام العرب الموضع المعتاد في خير ~~أو شر. وقيل مناسك الحج لترداد الناس إليها من الوقوف بعرفة ورمى الجمار ~~والسعي. وقال ابن عرفة في قوله: " ولكل أمة جعلنا منسكا ": أي مذهبا من ~~طاعة الله تعالى، يقال: نسك نسك (2) قومه إذا سلك مذهبهم. وقيل: منسكا ~~عيدا، قاله الفراء. # وقيل: حجا، قاله قتادة. والقول الأول أظهر، لقوله تعالى: (ليذكروا اسم ~~الله ms4246 على ما رزقهم من بهيمة الأنعام) أي على ذبح ما رزقهم. فأمر تعالى عند ~~الذبح بذكره وأن يكون الذبح له، لأنه رازق ذلك. ثم رجع اللفظ من الخبر عن ~~الأمم إلى إخبار الحاضرين بما معناه فالإله واحد لجميعكم، فكذلك الامر في ~~الذبيحة إنما ينبغي أن تخلص له. # فوله تعالى: (فله أسلموا) معناه لحقه ولوجهه وإنعامه آمنوا وأسلموا. ~~ويحتمل أن يريد الاستسلام، أي له أطيعوا وانقادوا. # قوله تعالى: (وبشر المخبتين) المخبت: المتواضع الخاشع من المؤمنين. ~~والخبت ما انخفض من الأرض، أي بشرهم بالثواب الجزيل. قال عمرو بن أوس: ~~المخبتون الذين لا يظلمون، وإذا ظلموا لم ينتصروا (3). وقال مجاهد فيما روى ~~عنه سفيان عن ابن أبي نجيح: # المخبتون المطمئنون بأمر الله عز وجل. # PageV12P058 # قوله تعالى: الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم ~~والمقيمي الصلاة ومما رزقناهم ينفقون (35) فيه مسألتان: # الأولى: قوله تعالى: (وجلت قلوبهم) أي خافت وحذرت مخالفته. فوصفهم بالخوف ~~والوجل عند ذكره، وذلك لقوة يقينهم ومراعاتهم لربهم، وكأنهم بين يديه، ~~ووصفهم بالصبر وإقامة الصلاة وإدامتها. وروى أن هذه الآية قوله: " وبشر ~~المخبتين " نزلت في أبى بكر وعمر وعلى رضوان الله عليهم. وقرأ الجمهور: " ~~الصلاة " بالخفض على الإضافة، وقرأ أبو عمرو: " الصلاة " بالنصب على توهم ~~النون، وأن حذفها للتخفيف لطول الاسم. # وأنشد سيبويه: # * الحافظو عورة العشيرة (1)... * الثانية - هذه الآية نظير قوله تعالى: " ~~إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته ~~زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون " (2) [الأنفال: 2]، وقوله تعالى: " الله ~~نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم ~~تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله " (3) [الزمر: 23]. هذه حالة العارفين ~~بالله، الخائفين من سطوته وعقوبته، لا كما يفعله جهال العوام والمبتدعة ~~الطغام من الزعيق والزئير، ومن النهاق الذي يشبه نهاق الحمير، فيقال لمن ~~تعاطى ذلك وزعم أن ذلك وجد وخشوع: إنك لم تبلغ أن تساوى حال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ولا حال أصحابه في المعرفة بالله تعالى والخوف منه والتعظيم ~~لجلاله، ms4247 ومع ذلك فكانت حالهم عند المواعظ الفهم عن الله والبكاء خوفا من ~~الله. وكذلك وصف الله تعالى أحوال أهل المعرفة عند سماع ذكره وتلاوة كتابه، ~~ومن لم يكن كذلك فليس على هديهم ولا على طريقتهم، قال الله تعالى: " وإذا ~~سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم # PageV12P059 # تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين ~~(1) " [المائدة: 83]. فهذا وصف حالهم وحكاية مقالهم، فمن كان مستنا فليستن، ~~ومن تعاطى أحوال المجانين والجنون فهو من أخسهم حالا، والجنون فنون. روى ~~الصحيح عن أنس بن مالك أن الناس سألوا النبي صلى الله عليه وسلم حتى أحفوه ~~(2) في المسألة، فخرج ذات يوم فصعد المنبر فقال: (سلوني لا تسألوني عن شئ ~~إلا بينته لكم ما دمت في مقامي هذا) فلما سمع ذلك القوم أرموا (3) ورهبوا ~~أن يكون بين [يدي (4)] أمر قد حضر. قال أنس: فجعلت ألتفت يمينا وشمالا فإذا ~~كل إنسان لاف رأسه في ثوبه يبكى. وذكر الحديث. وقد مضى القول في هذه ~~المسألة بأشبع من هذا في سورة " الأنفال " (5) والحمد لله. # قوله تعالى: والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم ~~الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذلك ~~سخرناها لكم لعلكم تشكرون (36) فيه عشر مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (والبدن) وقرأ ابن أبي إسحاق: " والبدن " لغتان، ~~واحدتها بدنة. كما يقال: ثمرة وثمر وثمر، وخشبة وخشب وخشب. وفى التنزيل: " ~~وكان له ثمر " (6) وقرئ: " ثمر " لغتان. وسميت بدنة لأنها تبدن، والبدانة ~~السمن. وقيل: إن هذا الاسم خاص بالإبل. وقيل: البدن جمع " بدن " بفتح الباء ~~والدال. ويقال: بدن الرجل (بضم الدال) إذا سمن. وبدن (بتشديدها) إذا كبر ~~وأسن. وفى الحديث (إني قد بدنت) أي كبرت وأسننت. وروى (بدنت) وليس له معنى، ~~لأنه خلاف صفته صلى الله عليه وسلم، ومعناه كثرة اللحم. يقال: بدن الرجل ~~يبدن بدنا وبدانة فهو بادن، أي ضخم. # PageV12P060 # الثانية - اختلف العلماء في البدن هل تطلق على غير الإبل من البقر أم لا، ~~فقال ابن ms4248 مسعود وعطاء والشافعي: لا. وقال مالك وأبو حنيفة: نعم. وفائدة ~~الخلاف فيمن نذر بدنة فلم يجد البدنة أو لم يقدر عليها وقدر على البقرة، ~~فهل تجزيه أم لا، فعلى مذهب الشافعي وعطاء لا تجزيه. وعلى مذهب مالك تجزيه. ~~والصحيح ما ذهب إليه الشافعي وعطاء، لقوله عليه السلام في الحديث الصحيح في ~~يوم الجمعة: (من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة ومن راح في الساعة ~~الثانية فكأنما قرب بقرة) الحديث. فتفريقه عليه السلام بين البقرة والبدنة ~~يدل على أن البقرة لا يقال عليها بدنة، والله أعلم. وأيضا قوله تعالى: # " فإذا وجبت جنوبها " يدل على ذلك، فإن الوصف خاص بالإبل. والبقر يضجع ~~ويذبح كالغنم، على ما يأتي. ودليلنا أن البدنة مأخوذة من البدانة وهو ~~الضخامة، والضخامة توجد فيهما جميعا. وأيضا فإن البقرة في التقرب إلى الله ~~تعالى بإراقة الدم بمنزلة الإبل، حتى تجوز البقرة في الضحايا على سبعة ~~كالإبل. وهذا حجة لأبي حنيفة حيث وافقه الشافعي على ذلك، وليس ذلك في ~~مذهبنا. وحكى ابن شجرة أنه يقال في الغنم بدنة، وهو قول شاذ. والبدن هي ~~الإبل التي تهدى إلى الكعبة. والهدى عام في الإبل والبقر والغنم. # الثالثة - قوله تعالى: (من شعائر الله) نص في أنها بعض الشعائر. وقوله: # (لكم فيها خير) يريد به المنافع التي تقدم ذكرها. والصواب عمومه في خير ~~الدنيا والآخرة. # الرابعة - قوله تعالى: (فاذكروا اسم الله عليها صواف) أي انحروها على اسم ~~الله. # و " صواف " أي قد صفت قوائمها. والإبل تنحر قياما معقولة. وأصل هذا الوصف ~~في الخيل، يقال: صفن الفرس فهو صافن إذا قام على ثلاث قوائم وثنى سنبك ~~الرابعة، والسنبك طرف الحافر. والبعير إذا أرادوا نحره تعقل إحدى يديه ~~فيقوم على ثلاث قوائم. # وقرأ الحسن والأعرج ومجاهد وزيد بن أسلم وأبو موسى الأشعري: " صوافي " أي ~~خوالص لله عز وجل لا يشركون به في التسمية على نحرها أحدا. وعن الحسن أيضا ~~" صواف " بكسر الفاء وتنوينها مخففة، وهي بمعنى التي قبلها، لكن حذفت الياء ~~تخفيفا على غير قياس. ms4249 PageV12P061 # و " صواف " قراءة الجمهور بفتح الفاء وشدها، من صف يصف. وواحد صواف صافة، ~~وواحد صوافي صافية. وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وأبو جعفر محمد بن علي " ~~صوافن " بالنون جمع صافنة. ولا يكون واحدها صافنا، لان فاعلا (1) لا يجمع ~~على فواعل إلا في حروف مختصة لا يقاس عليها، وهي فارس وفوارس، وهالك ~~وهوالك، وخالف وخوالف (2). # والصافنة هي التي قد رفعت إحدى يديها بالعقل لئلا تضطرب. ومنه قوله ~~تعالى: " الصافنات الجياد (3) " [ص: 31]. وقال عمرو بن كلثوم: # تركنا الخيل عاكفة عليه * مقلدة أعنتها صفونا ويروى: # تظل جياده نوحا عليه * مقلدة أعنتها صفونا وقال آخر: # ألف الصفون فما يزال كأنه * مما يقوم على الثلاث كسيرا وقال أبو عمرو ~~الجرمي: الصافن عرق في مقدم الرجل، فإذا ضرب على الفرس رفع رجله. وقال ~~الأعشى: # وكل كميت كجذع السحوق * يرنو القناء إذا ما صفن الخامسة - قال ابن وهب: ~~أخبرني ابن أبي ذئب أنه سأل ابن شهاب عن الصواف فقال: تقيدها ثم تصفها. ~~وقال لي مالك بن أنس مثله. وكان العلماء على استحباب ذلك، إلا أبا حنيفة ~~والثوري فإنهما أجازا أن تنحر باركة وقياما. وشذ عطاء فخالف واستحب نحرها ~~باركة. والصحيح ما عليه الجمهور، لقوله تعالى: " فإذا وجبت جنوبها " معناه ~~سقطت بعد نحرها، ومنه وجبت الشمس. وفى صحيح مسلم عن زياد بن جبير أن ابن ~~عمر أتى على رجل وهو ينحر بدنته باركة فقال: ابعثها قائمة مقيدة سنة نبيكم ~~صلى الله عليه وسلم. # وروى أبو داود عن أبي الزبير عن جابر، وأخبرني عبد الرحمن بن سابط أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا ينحرون البدنة معقولة اليسرى قائمة ~~على ما بقى من قوائمها. # PageV12P062 # السادسة - قال مالك: فإن ضعف إنسان أو تخوف أن تنفلت بدنته فلا أرى بأسا ~~أن ينحرها معقولة. والاختيار أن تنحر الإبل قائمة غير معقولة، إلا أن يتعذر ~~ذلك فتعقل ولا تعرقب إلا أن يخاف أن يضعف عنها ولا يقوى عليها. ونحرها ~~باركة أفضل من أن تعرقب. وكان ابن عمر يأخذ الحربة بيده في ms4250 عنفوان أيده ~~فينحرها في صدرها ويخرجها على سنامها، فلما أسن كان ينحرها باركة لضعفه، ~~ويمسك معه الحربة رجل آخر، وآخر بخطامها. وتضجع البقر والغنم. # السابعة - ولا يجوز النحر قبل الفجر من يوم النحر بإجماع. وكذلك الأضحية ~~لا تجوز قبل الفجر. فإذا طلع الفجر حل النحر بمنى، وليس عليهم انتظار نحر ~~إمامهم، بخلاف الأضحية في سائر البلاد. والمنحر منى لكل حاج، ومكة لكل ~~معتمر. ولو نحر الحاج بمكة والمعتمر بمنى لم يحرج واحد منهما، إن شاء الله ~~تعالى. # الثامنة - قوله تعالى: (فإذا وجبت جنوبها) يقال: وجبت الشمس إذا سقطت، ~~ووجب الحائط إذا سقط. قال قيس بن الخطيم: # أطاعت بنو عوف أميرا نهاهم * عن السلم حتى كان أول واجب وقال أوس بن حجر: # ألم تكسف الشمس والبدر وال * كواكب للجبل الواجب (1) فقوله تعالى: " فإذا ~~وجبت جنوبها " يريد إذا سقطت على جنوبها ميتة. كنى عن الموت بالسقوط على ~~الجنب كما كنى عن النحر والذبح بقوله تعالى: " فإذ كروا اسم الله عليها ". # والكنايات في أكثر المواضع أبلغ من التصريح. قال الشاعر: # فتركته جزر السباع ينشنه * ما بين قلة رأسه والمعصم (2) # PageV12P063 # وقال عنترة: # * وضربت قرني كبشها فتجدلا (1) * أي سقط مقتولا إلى الجدالة، وهي الأرض، ~~ومثله كثير. والوجوب للجنب بعد النحر علامة نزف الدم وخروج الروح منها، وهو ~~وقت الاكل، أي وقت قرب الاكل، لأنها إنما تبتدأ بالسلخ وقطع شئ من الذبيحة ~~ثم يطبخ. ولا تسلخ حتى تبرد لان ذلك من باب التعذيب، ولهذا قال عمر رضي ~~الله عنه: لا تعجلوا الأنفس أن تزهق. # التاسعة - قوله تعالى: (فكلوا منها) أمر معناه الندب. وكل العلماء يستحب ~~أن يأكل الانسان من هدية، وفيه أجر وامتثال، إذا كان أهل الجاهلية لا ~~يأكلون من هديهم كما تقدم. وقال أبو العباس بن شريح: الاكل والاطعام ~~مستحبان، وله الاقتصار على أيهما شاء. وقال الشافعي: الاكل مستحب والاطعام ~~واجب، فإن أطعم جميعها أجزاه وإن أكل جميعها لم يجزه، وهذا فيما كان تطوعا، ~~فأما واجبات الدماء فلا يجوز أن يأكل منها شيئا حسبما تقدم ms4251 بيانه. # العاشرة - قوله تعالى: (وأطعموا القانع والمعتر) قال مجاهد وإبراهيم ~~والطبري: # قوله: " وأطعموا " أمر إباحة. و " القانع " السائل. يقال: قنع الرجل يقنع ~~قنوعا إذا سأل، بفتح النون في الماضي وكسرها في المستقبل (2)، يقنع قناعة ~~فهو قنع، إذا تعفف واستغنى ببلغته ولم يسأل، مثل حمد يحمد - قناعة وقنعا ~~وقنعانا، قاله الخليل. ومن الأول قول الشماخ: # لمال المرء يصلحه فيغنى * مفاقره أعف من القنوع وقال ابن السكيت: من ~~العرب من ذكر القنوع بمعنى القناعة، وهي الرضا والتعفف وترك المسألة. وروى ~~عن أبي رجاء أنه قرأ " وأطعموا القنع " ومعنى هذا مخالف للأول. # PageV12P064 # يقال: قنع الرجل فهو قنع إذا رضى. وأما المعتر فهو الذي يطيف بك يطلب ما ~~عندك، سائلا كان أو ساكتا. وقال محمد بن كعب القرظي ومجاهد وإبراهيم ~~والكلبي والحسن ابن أبي الحسن: المعتر المعترض من غير سؤال. قال زهير: # على مكثريهم رزق من يعتريهم * وعند المقلين السماحة والبذل وقال مالك: ~~أحسن ما سمعت أن القانع الفقير، والمعتر الزائر. وروى عن الحسن أنه قرأ: # " والمعترى " ومعناه كمعنى المعتر. يقال: اعتره واعتراه وعره وعراه إذا ~~تعرض لما عنده أو طلبه، ذكره النحاس. # قوله تعالى: لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم كذلك ~~سخرها لكم لتكبروا الله على ما هديكم وبشر المحسنين (37) فيه خمس مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (لن ينال الله لحومها) قال ابن عباس: كان أهل ~~الجاهلية يضرجون البيت بدماء البدن، فأراد المسلمون أن يفعلوا ذلك فنزلت ~~الآية. والنيل لا يتعلق بالبارئ تعالى، ولكنه عبر عنه تعبيرا مجازيا عن ~~القبول، المعنى: لن يصل إليه. وقال ابن عباس: لن يصعد إليه. ابن عيسى: لن ~~يقبل لحومها ولا دماءها، ولكن يصل إليه التقوى منكم، أي ما أريد به وجهه، ~~فذلك الذي يقبله ويرفع إليه ويسمعه ويثيب عليه، ومنه الحديث (إنما الأعمال ~~بالنيات). والقراءة " لن ينال الله " و " يناله " بالياء فيهما. # وعن يعقوب بالتاء فيهما، نظرا إلى اللحوم. # الثانية - قوله تعاب: (كذلك سخرها لكم) من سبحانه علينا بتذليلها ~~وتمكيننا من تصريفها وهي أعظم ms4252 منا أبدانا وأقوى منا أعضاء، ذلك ليعلم العبد ~~أن الأمور ليست على ما يظهر إلى العبد من التدبير، وإنما هي بحسب ما يريدها ~~(1) العزيز القدير، فيغلب الصغير الكبير ليعلم الخلق أن الغالب هو الله ~~الواحد القهار فوق عباده. # PageV12P065 # الثالثة - قوله تعالى: (لتكبروا الله على ما هداكم) ذكر سبحانه ذكر اسمه ~~عليها من الآية قبلها فقال عز من قائل: " فاذكروا اسم الله عليها " وذكر ~~هنا التكبير. وكان ابن عمر رضي الله عنهما يجمع بينهما إذا نحر هديه فيقول: ~~بسم الله والله أكبر، وهذا من فقهه رضي الله عنه. وفى الصحيح عن أنس قال: ~~ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين (1) أقرنين. قال: ورأيته ~~يذبحهما بيده، ورأيته واضعا قدمه على صفاحهما (2)، وسمى وكبر. # وقد اختلف العلماء في هذا، فقال أبو ثور: التسمية متعينة كالتكبير في ~~الصلاة، وكافة العلماء على استحباب ذلك. فلو قال ذكرا آخر فيه اسم من أسماء ~~الله تعالى وأراد به التسمية جاز. وكذلك لو قال: الله أكبر فقط، أولا إله ~~إلا الله، قاله ابن حبيب. فلو لم يرد التسمية لم يجز عن التسمية ولا تؤكل؟ ~~قاله الشافعي ومحمد بن الحسن. وكره كافة العلماء من أصحابنا وغيرهم الصلاة ~~على النبي صلى الله عليه وسلم عند التسمية في الذبح أو ذكره، وقالوا: # لا يذكر هنا إلا الله وحده. وأجاز الشافعي الصلاة على النبي صلى الله ~~عليه وسلم عند الذبح. # الرابعة - ذهب الجمهور إلى أن قول المضحي: اللهم تقبل منى، جائز. وكره ~~ذلك أبو حنيفة، والحجة عليه ما رواه الصحيح عن عائشة رضي الله عنها، وفيه: ~~ثم قال (باسم الله اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد) ثم ضحى به. ~~واستحب بعضهم أن يقول ذلك بنص الآية " ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ~~(3) " [البقرة: 127]. وكره مالك قولهم: اللهم منك وإليك، وقال: # هذه بدعة. وأجاز ذلك ابن حبيب من أصحابنا والحسن، والحجة لهما ما رواه ~~أبو داود عن جابر بن عبد الله قال: ذبح النبي صلى الله عليه ms4253 وسلم يوم الذبح ~~كبشين أقرنين موجوءين (4) أملحين، فلما وجههما قال: (إني وجهت وجهي للذي ~~فطر السماوات والأرض حنيفا - وقرأ إلى قوله: وأنا أول المسلمين (5) - اللهم ~~منك ولك (6) عن محمد وأمته باسم الله والله أكبر) ثم ذبح. فلعل مالكا لم ~~يبلغه هذا الخبر، أو لم يصح عنده، أو رأى العمل يخالفه. وعلى هذا يدل قوله: ~~إنه بدعة. والله أعلم. # PageV12P066 # الخامسة - قوله تعالى: (وبشر المحسنين) روى أنها نزلت في الخلفاء ~~الأربعة، حسبما تقدم في الآية التي قبلها. فأما ظاهر اللفظ فيقتضى العموم ~~في كل محسن. # قوله تعالى: إن الله يدفع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور ~~(38) روى أنها نزلت بسبب المؤمنين لما كثروا بمكة وآذاهم الكفار وهاجر من ~~هاجر إلى أرض الحبشة، أراد بعض مؤمني مكة أن يقتل من أمكنه من الكفار ~~ويغتال ويغدر ويحتال، فنزلت هذه الآية إلى قوله: " كفور ". فوعد فيها ~~سبحانه بالمدافعة ونهى أفصح نهى عن الخيانة والغدر. وقد مضى في " الأنفال " ~~(1) التشديد في الغدر، وأنه (ينصب للغادر لواء عند استه بقدر غدرته يقال ~~هذه غدرة فلان) (2). وقيل: المعنى يدفع عن المؤمنين بأن يديم توفيقهم حتى ~~يتمكن الايمان من قلوبهم، فلا تقدر الكفار على إمالتهم عن دينهم، وإن جرى ~~إكراه فيعصمهم حتى لا يرتدوا بقلوبهم. وقيل: يدفع عن المؤمنين بإعلائهم ~~بالحجة. ثم قتل كافر مؤمنا نادر، وإن فيدفع الله عن ذلك المؤمن بأن قبضه ~~إلى رحمته. وقرأ نافع " يدافع " " ولولا دفاع ". وقرأ أبو عمرو وابن كثير " ~~يدفع " " ولولا دفع ". وقرأ عاصم وحمزة والكسائي " يدافع " " ولولا دفع ~~الله ". ويدافع بمعنى يدفع، مثل عاقبت اللص، وعافاه الله، والمصدر دفعا. ~~حكى الزهراوي أن " دفاعا " مصدر دفع، كحسب حسابا. # قوله تعالى: أذن للذين يقتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير (39) ~~فيه مسألتان: # الأولى - قوله تعالى: " أذن للذين يقاتلون " قيل: هذا بيان قوله: " إن ~~الله يدافع عن الذين آمنوا " أي يدفع عنهم غوائل الكفار بأن يبيح لهم ~~القتال وينصرهم، وفيه إضمار، أي # PageV12P067 # أذن للذين يصلحون للقتال في القتال، فحذف ms4254 لدلالة الكلام على المحذوف. ~~وقال الضحاك: # استأذن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتال الكفار إذ آذوهم ~~بمكة، فأنزل الله " إن الله لا يحب كل خوان كفور " فلما هاجر نزلت " أذن ~~للذين يقاتلون بأنهم ظلموا ". وهذا ناسخ لكل ما في القرآن من إعراض وترك ~~صفح (1). وهي أول آية نزلت في القتال (2). قال ابن عباس وابن جبير: نزلت ~~عند هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة. وروى النسائي والترمذي ~~عن ابن عباس قال: لما أخرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة قال أبو بكر: # أخرجوا نبيهم ليهلكن، فأنزل الله تعالى " أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا ~~وإن الله على نصرهم لقدير " فقال أبو بكر: لقد علمت أنه سيكون قتال. فقال: ~~هذا حديث حسن. وقد روى غير واحد عن سفيان عن الأعمش عن مسلم البطين عن سعيد ~~بن جبير مرسلا، وليس فيه: عن ابن عباس. # الثانية - في هذه الآية دليل على أن الإباحة من الشرع، خلافا للمعتزلة، ~~لان قوله: # " أذن " معناه أبيح، وهو لفظ موضوع في اللغة لإباحة كل ممنوع. وقد تقدم ~~هذا المعنى في " البقرة " وغير موضع. وقرئ " أذن " بفتح الهمزة، أي أذن ~~الله. " يقاتلون " بكسر التاء أي يقاتلون عدوهم. وقرئ " يقاتلون " بفتح ~~التاء، أي يقاتلهم المشركون وهم المؤمنون. # ولهذا قال: " بأنهم ظلموا " أي أخرجوا من ديارهم. # قوله تعالى: الذين أخرجوا من ديرهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ~~ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوت ومسجد يذكر فيها ~~اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز (40) # PageV12P068 # فيه ثمان مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (الذين أخرجوا من ديارهم) هذا أحد ما ظلموا به، ~~وإنما أخرجوا لقولهم: ربنا الله وحده. فقوله: " إلا أن يقولوا ربنا الله " ~~استثناء منقطع، أي لكن لقولهم ربنا الله، قاله سيبويه. وقال الفراء يجوز أن ~~تكون في موضع خفض، يقدرها مردودة على الباء، وهو قول أبى إسحاق الزجاج، ~~والمعنى عنده: الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا بأن ms4255 يقولوا ربنا الله، ~~أي أخرجوا بتوحيدهم، أخرجهم أهل الأوثان. و " الذين أخرجوا " في موضع خفض ~~بدلا من قوله: " للذين يقاتلون ". # الثانية - قال ابن العربي: قال علماؤنا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قبل بيعة العقبة لم يؤذن له في الحرب ولم تحل له الدماء، إنما يؤمر بالدعاء ~~إلى الله والصبر على الأذى والصفح عن الجاهل مدة عشرة أعوام، لإقامة حجة ~~الله تعالى عليهم، ووفاء بوعده الذي أمتن به بفضله في قوله: " وما كنا ~~معذبين حتى نبعث رسولا " (1) [الاسراء: 15]. فاستمر الناس في الطغيان وما ~~استدلوا بواضح البرهان، وكانت قريش قد اضطهدت من اتبعه من قومه من ~~المهاجرين حتى فتنوهم عن دينهم ونفوهم عن بلادهم، فمنهم من فر إلى أرض ~~الحبشة: ومنهم من خرج إلى المدينة، ومنهم من صبر على الأذى. فلما عتت قريش ~~على الله تعالى وردوا أمره وكذبوا نبيه عليه السلام، وعذبوا من آمن به ~~ووحده وعبده، وصدق نبيه عليه السلام واعتصم بدينه، أذن (2) الله لرسوله في ~~القتال والامتناع والانتصار ممن ظلمهم، وأنزل " أذن للذين يقاتلون بأنهم ~~ظلموا - إلى قوله - الأمور ". # الثالثة - في هذه الآية دليل على أن نسبة الفعل الموجود من الملجأ المكره ~~إلى الذي ألجأه وأكرهه، لان الله تعالى نسب الاخراج إلى الكفار، لان الكلام ~~في معنى تقدير الذنب وإلزامه. وهذه الآية مثل قوله تعالى: " إذ أخرجه الذين ~~كفروا " [التوبة: 40] والكلام فيهما واحد، وقد تقدم في " براءة " (3) ~~والحمد لله. # PageV12P069 # الرابعة - قوله تعالى (1): (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض) أي لولا ما ~~شرعه الله تعالى للأنبياء والمؤمنين من قتال الأعداء، لاستولى أهل الشرك ~~وعطلوا ما بينته (2) أرباب الديانات من مواضع العبادات، ولكنه دفع بأن أوجب ~~القتال ليتفرغ أهل الدين للعبادة. فالجهاد أمر متقدم في الأمم، وبه صلحت ~~الشرائع واجتمعت المتعبدات، فكأنه قال: أذن في القتال، فليقاتل المؤمنون. ~~ثم قوى هذا الامر في القتال بقوله: " ولولا دفع الله الناس " الآية، أي ~~لولا القتال والجهاد لتغلب على الحق في كل أمة. فمن استبشع من النصارى ~~والصابئين الجهاد فهو مناقض لمذهبه، ms4256 إذ لولا القتال لما بقى الدين الذي يذب ~~عنه. وأيضا هذه المواضع التي اتخذت قبل تحريفهم وتبديلهم، وقبل نسخ تلك ~~الملل بالاسلام إنما ذكرت لهذا المعنى، أي لولا هذا الدفع لهدم في زمن موسى ~~الكنائس، وفى زمن عيسى الصوامع والبيع، وفى زمن محمد عليه السلام المساجد. ~~(لهدمت (3)) من هدمت البناء أي نقضته فانهدم. # قال ابن عطية: هذا أصوب ما قيل في تأويل الآية. وروى عن علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه أنه قال: ولولا دفع الله بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ~~الكفار عن التابعين فمن بعدهم. وهذا وإن كان فيه دفع قوم بقوم إلا أن معنى ~~القتال أليق، كما تقدم. وقال مجاهد لولا دفع الله ظلم قوم بشهادة العدول. ~~وقالت فرقة: ولولا دفع الله ظلم الظلمة بعدل الولاة. # وقال أبو الدرداء: لولا أن الله عز وجل يدفع بمن في المساجد عمن ليس في ~~المساجد، وبمن يغزو عمن لا يغزو، لأتاهم العذاب. وقالت فرقة: ولولا دفع ~~الله العذاب بدعاء الفضلاء والأخيار إلى غير ذلك من التفصيل المفسر لمعنى ~~الآية، وذلك أن الآية ولا بد تقتضي مدفوعا؟ # من الناس ومدفوعا عنه، فتأمله. # الخامسة - قال بن خويزمنداد: تضمنت هذه الآية المنع من هدم كنائس أهل ~~الذمة وبيعهم وبيوت نيرانهم، ولا يتركون أن يحدثوا ما لم يكن، ولا يزيدون ~~في البنيان لا سعة ولا ارتفاعا، ولا ينبغي للمسلمين أن يدخلوها ولا يصلوا ~~فيها، ومتى أحدثوا زيادة وجب نقضها. وينقض ما وجد في بلاد الحرب من البيع ~~والكنائس. وإنما لم ينقض # PageV12P070 # ما في بلاد الاسلام لأهل الذمة، لأنها جرت مجرى بيوتهم وأموالهم التي ~~عاهدوا عليها في الصيانة. ولا يجوز أن يمكنوا من الزيادة لان في ذلك إظهار ~~أسباب الكفر. وجائز أن ينقض المسجد ليعاد بنيانه، وقد فعل ذلك عثمان رضي ~~الله عنه بمسجد النبي صلى الله عليه وسلم. # السادسة - قرئ " لهدمت " بتخفيف الدال وتشديدها. (صوامع) جمع صومعة، ~~وزنها فوعلة، وهي بناء مرتفع حديد الاعلى، يقال: صمع الثريدة أي رفع رأسها ~~وحدده. # ورجل أصمع ms4257 القلب أي حاد الفطنة. والأصمع من الرجال الحديد القول. وقيل: ~~هو الصغير الاذن من الناس وغيرهم. وكانت قبل الاسلام مختصة برهبان النصارى ~~وبعباد الصابئين - قاله قتادة - ثم استعمل في مئذنة المسلمين. والبيع. جمع ~~بيعة، وهي كنيسة النصارى. # وقال الطبري: قيل هي كنائس اليهود، ثم أدخل عن مجاهد ما لا يقتضى ذلك. ~~(وصلوات) قال الزجاج والحسن: هي كنائس اليهود، وهي بالعبرانية صلوتا. وقال ~~أبو عبيدة: الصلوات بيوت تبنى للنصارى في البراري يصلون فيها في أسفارهم، ~~تسمى صلوتا فعربت فقيل صلوات. # وفى " صلوات " تسع قراءات ذكرها ابن عطية: صلوات، صلوات، صلوات، صلولى ~~على وزن فعولى، صلوب بالباء بواحدة جمع صليب، صلوث بالثاء المثلثة على وزن ~~فعول، صلوات بضم الصاد واللام وألف بعد الواو، صلوثا بضم الصاد واللام وقصر ~~الألف بعد الثاء المثلثة، [صلويثا بكسر الصاد وإسكان اللام وواو مكسورة ~~بعدها ياء بعدها ثاء منقوطة بثلاث بعدها ألف (1)]. وذكر النحاس: وروى عن ~~عاصم الجحدري أنه قرأ " وصلوب ". وروى عن الضحاك " وصلوث " بالثاء معجمة ~~بثلاث، ولا أدرى أفتح الصاد أم ضمها. # قلت: فعلى هذا تجئ هنا عشر قراءات. وقال ابن عباس: الصلوات الكنائس. # أبو العالية: الصلوات مساجد الصابئين. ابن زيد: هي صلوات المسلمين تنقطع ~~إذا دخل عليهم العدو وتهدم المساجد، فعلى هذا استعير الهدم للصلوات من حيث ~~تعطل، أو أراد موضع صلوات فحذف المضاف. وعلى قول ابن عباس والزجاج وغيرهم ~~يكون الهدم # PageV12P071 # حقيقة. وقال الحسن: هدم الصلوات تركها، قطرب: هي الصوامع الصغار ولم يسمع ~~لها واحد. وذهب خصيف إلى أن القصد بهذه الأسماء تقسيم متعبدات الأمم. ~~فالصوامع للرهبان، والبيع للنصارى، والصلوات لليهود، والمساجد للمسلمين. ~~قال ابن عطية: والأظهر أنها قصد بها المبالغة في ذكر المتعبدات. وهذه ~~الأسماء تشترك الأمم في مسمياتها، إلا البيعة فإنها مختصة بالنصارى في لغة ~~العرب. ومعاني هذه الأسماء هي في الأمم التي لها (1) كتاب على قديم الدهر. ~~ولم يذكر في هذه الآية المجوس ولا أهل الاشراك، لان هؤلاء ليس لهم ما يجب ~~حمايته، ولا يوجد ذكر الله إلا عند أهل ms4258 الشرائع. وقال النحاس: " يذكر فيها ~~اسم الله " الذي يجب في كلام العرب على حقيقة النظر أن يكون " يذكر فيها ~~اسم الله " عائدا على المساجد لا على غيرها، لان الضمير يليها، ويجوز أن ~~يعود على " صوامع " وما بعدها، ويكون المعنى وقت شرائعهم وإقامتهم الحق. # السابعة - فإن قيل: لم قدمت مساجد أهل الذمة ومصلياتهم على مساجد ~~المسلمين؟ # قيل: لأنها أقدم بناء. وقيل: لقربها من الهدم وقرب المساجد من الذكر، كما ~~أخر السابق في قوله: " فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات " ~~(2) [فاطر: 32]. # الثامنة - قوله تعالى: (ولينصرن الله من ينصره) أي من ينصر دينه ونبيه. # (إن الله لقوي) أي قادر. قال الخطابي: القوى يكون بمعنى القادر، ومن قوى ~~على شئ فقد قدر عليه. (عزيز) أي جليل شريف، قاله الزجاج. وقيل الممتنع الذي ~~لا يرام، وقد بيناهما في الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى. # قوله تعالى: الذين إن مكنهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا ~~بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عقبة الأمور (41) قال الزجاج: " الذين " في ~~موضع نصب ردا على " من "، يعنى في قوله: " ولينصرن الله من ينصره ". وقال ~~غيره: " الذين " في موضع خفض ردا على قوله: " أذن للذين # PageV12P072 # يقاتلون " ويكون " الذين إن مكناهم في الأرض " أربعة من أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لم يكن في الأرض غيرهم. وقال ابن عباس: (المراد ~~المهاجرون والأنصار والتابعون بإحسان. وقال قتادة: هم أصحاب محمد صلى الله ~~عليه وسلم. وقال عكرمة: هم أهل الصلوات الخمس. وقال الحسن وأبو العالية: هم ~~هذه الأمة إذا فتح الله عليهم أقاموا الصلاة. وقال ابن أبي نجيح: يعنى ~~الولاة. وقال الضحاك: هو شرط شرطه الله عز وجل على من آتاه الملك، وهذا ~~حسن. قال سهل بن عبد الله: الامر بالمعروف والنهى عن المنكر واجب على ~~السلطان وعلى العلماء الذين يأتونه. وليس على الناس أن يأمروا السلطان، لان ~~ذلك لازم له واجب عليه، ولا يأمروا العلماء فإن الحجة قد وجبت عليهم. # قوله تعالى: وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم ms4259 نوح وعاد وثمود (42) وقوم ~~إبراهيم وقوم لوط (43) وأصحب مدين وكذب موسى فأمليت للكافرين ثم أخذتهم ~~فكيف كان نكير (44) هذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وتعزية، أي كان ~~قبلك أنبياء كذبوا فصبروا إلى أن أهلك الله المكذبين، فاقتد بهم واصبر. # (وكذب موسى) أي كذبه فرعون وقومه. فأما بنو إسرائيل فما كذبوه، فلهذا لم ~~يعطفه على ما قبله فيكون وقوم موسى. (فأمليت للكافرين) أي أخرت عنهم ~~العقوبة. (ثم أخذتهم) فعاقبتهم. (فكيف كان نكير) استفهام بمعنى التغيير، أي ~~فانظر كيف كان تغييري ما كانوا فيه من النعم بالعذاب والهلاك، فكذلك أفعل ~~بالمكذبين من قريش. قال الجوهري: النكير والانكار تغيير المنكر، والمنكر ~~واحد المناكير. # قوله تعالى: فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر ~~معطلة وقصر مشيد (45) PageV12P073 # قوله تعالى: (فكأين من قرية أهلكناها) أي أهلكنا أهلها. وقد مضى في " آل ~~عمران " (1) الكلام في كأين. (وهي ظالمة) أي بالكفر. (فهي خاوية على ~~عروشها) تقدم في الكهف (2). (وبئر معطلة وقصر مشيد) قال الزجاج: " وبئر ~~معطلة " معطوف على " من قرية " أي ومن أهل قرية ومن أهل بئر. والفراء يذهب ~~إلى أن " وبئر " معطوف على " عروشها ". وقال الأصمعي: سألت نافع بن أبي ~~نعيم أيهمز البئر والذئب؟ # فقال: إن كانت العرب تهمزهما فاهمزهما. وأكثر الرواة عن نافع بهمزهما، ~~إلا ورشا فإن روايته عنه بغير همز فيهما، والأصل الهمز. ومعنى " معطلة " ~~متروكة، قاله الضحاك. # وقيل: خالية من أهلها لهلاكهم. وقيل: غائرة الماء. وقيل: معطلة من دلائها ~~وأرشيتها، والمعنى متقارب. (وقصر مشيد) قال قتادة والضحاك ومقاتل: رفيع ~~طويل. قال عدي بن زيد: # شاده مرمرا وجلله كلسا * فللطير في ذراه وكور أي رفعه. وقال سعيد بن جبير ~~وعطاء وعكرمة ومجاهد: مجصص، من الشيد وهو الجص. # قال الراجز (2): # لا تحسبني وإن كنت امرأ غمرا * كحينة الماء بين الطين والشيد وقال امرؤ ~~القيس: # * ولا أطما إلا مشيدا بجندل (4) * وقال ابن عباس: (مشيد) أي حصين، وقاله ~~الكلبي. وهو مفعل بمعنى مفعول كمبيع بمعنى مبيوع. وقال الجوهري: والمشيد ~~المعمول بالشيد. والشيد (بالكسر): ms4260 كل شئ طليت به الحائط من جص أو بلاط، ~~وبالفتح المصدر. تقول: شاده يشيده شيدا جصصه. # والمشيد (بالتشديد) المطول. وقال الكسائي: " المشيد " للواحد، من قوله ~~تعالى: # " وقصر مشيد "، والمشيد للجمع، من قوله تعالى: " في بروج مشيدة " (5). ~~[النساء: 78]. وفى الكلام مضمر # PageV12P074 # محذوف تقديره: وقصر مشيد مثلها معطل. ويقال: إن هذه البئر والقصر بحضرموت ~~معروفان، فالقصر مشرف على قلة جبل لا يرتقى إليه بحال، والبئر في سفحه لا ~~تقر الريح شيئا سقط فيه إلا أخرجته. وأصحاب القصور ملوك الحضر، وأصحاب ~~الابار ملوك البوادي، أي فأهلكنا هؤلاء وهؤلاء. وذكر الضحاك وغيره فيما ذكر ~~الثعلبي وأبو بكر محمد بن الحسن المقرئ وغيرهما: أن البئر الرس، وكانت بعدن ~~باليمن بحضرموت، في بلد يقال له حضوراء نزل بها أربعة آلاف ممن آمن بصالح، ~~ونجوا من العذاب ومعهم صالح، فمات صالح فسمى المكان حضرموت، لان صالحا لما ~~حضره مات فبنوا حضوراء وقعدوا على هذه البئر، وأمروا عليهم رجلا يقال له ~~العلس بن جلاس بن سويد، فيما ذكر الغزنوي. الثعلبي: جلهس بن جلاس. # وكان حسن السيرة فيهم عادلا عليهم، وجعلوا وزيره سنحاريب بن سوادة، ~~فأقاموا دهرا وتناسلوا حتى كثروا، وكانت البئر تسقى المدينة كلها وباديتها ~~وجميع ما فيها من الدواب والغنم والبقر وغير ذلك، لأنها كانت لها بكرات ~~كثيرة منصوبة عليها، ورجال كثيرون موكلون بها، وأبازن (بالنون) من رخام وهي ~~شبه الحياض كثيرة تملأ للناس، وأخر للدواب، وأخر للبقر، وأخر للغنم. ~~والقوام يسقون عليها بالليل والنهار يتداولون، ولم يكن لهم ماء غيرها. وطال ~~عمر الملك الذي أمروه، فلما جاءه الموت طلى بدهن لتبقى صورته لا تتغير، ~~وكذلك كانوا يفعلون إذا مات منهم الميت وكان ممن يكرم عليهم. فلما مات شق ~~ذلك عليهم ورأوا أن أمرهم فسد، وضجوا جميعا بالبكاء، واغتنمها الشيطان منهم ~~فدخل في جثة الملك بعد موته بأيام كثيرة، فكلمهم وقال: إني لم أمت ولكن ~~تغيبت عنكم حتى أرى صنيعكم، ففرحوا أشد الفرح وأمر خاصته أن يضربوا له ~~حجابا بينه وبينهم ويكلمهم من ورائه لئلا يعرف الموت ms4261 في صورته. فنصبوا صنما ~~من وراء الحجاب لا يأكل ولا يشرب. وأخبرهم أنه لا يموت أبدا وأنه إلههم ~~(1)، فذلك كله يتكلم به الشيطان على لسانه، فصدق كثير منهم وارتاب بعضهم، ~~وكان المؤمن المكذب منهم أقل من المصدق له، وكلما تكلم ناصح لهم زجر وقهر. # فأصفقوا (2) على عبادته، فبعث الله إليهم نبيا كان الوحي ينزل عليه في ~~النوم دون اليقظة، كان اسمه # PageV12P075 # حنظلة بن صفوان، فأعلمهم أن الصورة صنم لا روح له، وأن الشيطان قد أضلهم، ~~وأن الله لا يتمثل بالخلق، وأن الملك لا يجوز أن يكون شريكا لله، ووعظهم ~~ونصحهم وحذرهم سطوة ربهم ونقمته، فآذوه وعادوه وهو يتعهدهم بالموعظة ولا ~~يغبهم بالنصيحة، حتى قتلوه في السوق وطرحوه في بئر، فعند ذلك أصابتهم ~~النقمة، فباتوا شباعا رواء من الماء وأصبحوا والبئر قد غار ماؤها وتعطل ~~رشاؤها، فصاحوا بأجمعهم وضج النساء والولدان، وضجت البهائم عطشا، حتى عمهم ~~الموت وشملهم الهلاك، وخلفتهم في أرضهم السباع، وفى منازلهم الثعالب ~~والضباع، وتبدلت جناتهم وأموالهم بالسدر (1) وشوك العضاه (2) والقتاد (3)، ~~فلا يسمع فيها إلا عزيف الجن وزئير الأسد، نعوذ بالله من سطواته، ومن ~~الاصرار على ما يوجب نقماته. # قال السهيلي. وأما القصر المشيد فقصر بناه شداد بن عاد بن إرم، لم يبن في ~~الأرض مثله - فيما ذكروا وزعموا - وحاله أيضا كحال هذه البئر المذكورة في ~~إيحاشه بعد الأنيس، وإقفاره بعد العمران، وإن أحدا لا يستطيع أن يدنو منه ~~على أميال، لما يسمع فيه من عزيف الجن والأصوات المنكرة بعد النعيم والعيش ~~الرغد وبهاء الملك وانتظام الأهل كالسلك فبادوا وما عادوا، فذكرهم الله ~~تعالى في هذه الآية موعظة وعبرة وتذكرة، وذكرا وتحذيرا من مغبة المعصية ~~وسوء عاقبة المخالفة، نعوذ بالله من ذلك ونستجير به من سوء المآل. وقيل: إن ~~الذي أهلكهم بختنصر على ما تقدم في سورة " الأنبياء " في قوله: " وكم قصمنا ~~من قرية " (4) [الأنبياء: 11]. # فتعطلت بئرهم وخربت قصورهم. # قوله تعالى: أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان ~~يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ms4262 ولكن تعمى القلوب التي في الصدور (46) # PageV12P076 # قوله تعالى: (أفلم يسيروا في الأرض) يعنى كفار مكة فيشاهدوا هذه القرى ~~فيتعظوا، ويحذروا عقاب الله أن ينزل بهم كما نزل بمن قبلهم. (فتكون لهم ~~قلوب يعقلون بها) أضاف العقل إلى القلب لأنه محله كما أن السمع محله الاذن. ~~وقد قيل: إن العقل محله الدماغ، وروى عن أبي حنيفة، وما أراها عنه صحيحة. ~~(فإنها لا تعمى الابصار) قال الفراء: الهاء عماد، ويجوز أن يقال فإنه، وهي ~~قراءة عبد الله بن مسعود، والمعنى واحد، التذكير على الخبر، والتأنيث على ~~الابصار أو القصة، أي فإن الابصار لا تعمى، أو فإن القصة. (لا تعمى ~~الابصار) أي أبصار العيون ثابتة لهم. (ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) أي ~~عن درك الحق والاعتبار. وقال قتادة: البصر الناظر جعل بلغة ومنفعة، والبصر ~~النافع في القلب. وقال مجاهد: لكل عين أربع أعين، يعنى لكل إنسان أربع ~~أعين: # عينان في رأسه لدنياه، وعينان في قلبه لاخرته، فإن عميت عينا رأسه وأبصرت ~~عينا قلبه فلم يضره عماه شيئا، وإن أبصرت عينا رأسه وعميت عينا قلبه فلم ~~ينفعه نظره شيئا. وقال قتادة وابن جبير: نزلت هذه الآية في ابن أم مكتوم ~~الأعمى. قال ابن عباس ومقاتل: # لما نزل: " ومن كان في هذه أعمى " (1) [الاسراء: 72] قال ابن أم مكتوم: ~~يا رسول الله، فأنا في الدنيا أعمى أفأكون في الآخرة أعمى؟ فنزلت: " فإنها ~~لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ". أي من كان في هذه أعمى ~~بقلبه عن الاسلام فهو في الآخرة في النار). # قوله تعالى: ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده وإن يوما عند ربك ~~كألف سنة مما تعدون (47) قوله تعالى: (ويستعجلونك بالعذاب) نزلت في النضر ~~بن الحارث، وهو قوله: # " فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين " (2) [الأعراف: 70]. وقيل: نزلت ~~في أبى جهل بن هشام، وهو قوله: " اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك " (2) ~~[الأنفال: 32]. (ولن يخلف الله وعده) أي في إنزال العذاب. قال الزجاج: ~~استعجلوا العذاب فأعملهم الله أنه لا يفوته ms4263 شئ، وقد نزل بهم في الدنيا يوم ~~بدر. # PageV12P077 # قوله تعالى: (وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون) قال ابن عباس ومجاهد: # يعنى من الأيام التي خلق الله فيها السماوات والأرض. عكرمة: يعنى من أيام ~~الآخرة، أعلمهم الله إذ استعجلوه بالعذاب في أيام قصيرة أنه يأتيهم به في ~~أيام طويلة. قال الفراء: هذا وعيد لهم بامتداد عذابهم في الآخرة، أي يوم من ~~الأيام عذابهم في الآخرة ألف سنة. وقيل: # المعنى وإن يوما في الخوف والشدة في الآخرة كألف سنة من سنى الدنيا فيها ~~خوف وشدة، وكذلك يوم النعيم قياسا. وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي: " مما ~~يعدون " بالياء المثناة تحت، واختاره أبو عبيد لقوله: " ويستعجلونك ". ~~والباقون بالتاء على الخطاب، واختاره أبو حاتم. # قوله تعالى: وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلى المصير ~~(48) قوله تعالى: (وكأين من قرية أمليت لها) أي أمهلتها مع عتوها. (ثم ~~أخذتها) أي بالعذاب. (وإلى المصير). # قوله تعالى: قل يا أيها الناس إنما إنا لكم نذير مبين (49) فالذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات لهم مغفرة ورزق كريم (50) والذين سعوا في آياتنا معجزين ~~أولئك أصحاب الجحيم (51) قوله تعالى: (قل يا أيها الناس) يعنى أهل مكة. ~~(إنما أنا لكم نذير) أي منذر مخوف. وقد تقدم في البقرة الانذار (1) في ~~أولها. (مبين) أي أبين لكم ما تحتاجون إليه من أمر دينكم. (فالذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات لهم مغفرة ورزق كريم) يعنى الجنة. # (والذين سعوا في آياتنا) أي في إبطال آياتنا. (معاجزين) أي مغالبين ~~مشاقين، قاله ابن عباس. الفراء: معاندين. وقال عبد الله بن الزبير: مثبطين ~~عن الاسلام. وقال # PageV12P078 # الأخفش: معاندين مسابقين. الزجاج: أي ظانين أنهم يعجزوننا لأنهم ظنوا أن ~~لا بعث، وظنوا أن الله لا يقدر عليهم، وقاله قتادة. وكذلك معنى قراءة ابن ~~كثير وأبى عمرو " معجزين " بلا ألف مشددا. ويجوز أن يكون معناه أنهم يعجزون ~~المؤمنين في الايمان بالنبي عليه السلام وبالآيات، قاله السدى. وقيل: أي ~~ينسبون من اتبع محمدا صلى الله عليه وسلم إلى العجز، كقولهم: جهلته وفسقته. ~~(أولئك ms4264 أصحاب الجحيم). # قوله تعالى: وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى ~~الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقى الشيطان ثم يحكم الله آياته والله ~~عليم حكيم (52) فيه ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " تمنى " أي قرأ وتلا. و (ألقى الشيطان في أمنيته) ~~أي قراءته وتلاوته. وقد تقدم في البقرة (1). قال ابن عطية: وجاء عن ابن ~~عباس أنه كان يقرأ: # " وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ولا محدث " ذكره مسلمة بن القاسم ~~بن عبد الله، ورواه سفيان عن عمرو بن دينار عن ابن عباس. قال مسلمة: فوجدنا ~~المحدثين (2) معتصمين بالنبوة - على قراءة ابن عباس - لأنهم تكلموا بأمور ~~عالية من أنباء الغيب خطرات، ونطقوا بالحكمة الباطنة فأصابوا فيما تكلموا ~~وعصموا فيما نطقوا، كعمر بن الخطاب في قصة سارية (3)، وما تكلم به من ~~البراهين العالية. # PageV12P079 # قلت: وقد ذكر هذا الخبر أبو بكر الأنباري في كتاب الرد له، وقد حدثني أبي ~~رحمه الله حدثنا على بن حرب حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما أنه قرأ " وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ولا محدث " قال ~~أبو بكر: فهذا حديث لا يؤخذ به على أن ذلك قرآن. والمحدث هو الذي يوحى إليه ~~في نومه، لان رؤيا الأنبياء وحى. # الثانية - قال العلماء: إن هذه الآية مشكلة من جهتين: إحداهما - أن قوما ~~يرون أن الأنبياء صلوات الله عليهم فيهم مرسلون وفيهم غير مرسلين. وغيرهم ~~يذهب إلى أنه لا يجوز أن يقال نبي حتى يكون مرسلا. والدليل على صحة هذا ~~قوله تعالى: " وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي " فأوجب للنبي صلى الله ~~عليه وسلم الرسالة. وأن معنى " نبي " أنبأ عن الله عز وجل، ومعنى أنبأ عن ~~الله عز وجل الارسال بعينه. وقال الفراء: الرسول الذي أرسل إلى الخلق ~~بإرسال جبريل عليه السلام إليه عيانا، والنبي الذي تكون نبوته إلهاما أو ~~مناما، فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولا. قال المهدوي: وهذا هو الصحيح، ms4265 أن أ ~~كل رسول نبي وليس كل نبي رسولا. وكذا ذكر القاضي عياض في كتاب الشفا قال: # والصحيح والذي عليه الجم الغفير أن كل رسول نبي وليس كل نبي رسولا، واحتج ~~بحديث أبي ذر، وأن الرسل من الأنبياء ثلاثمائة وثلاثة عشر، أولهم آدم ~~وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم. # والجهة الأخرى التي فيها الاشكال وهي: # الثالثة - الأحاديث المروية في نزول هذه الآية، وليس منها شئ يصح. وكان ~~مما تموه به الكفار على عوامهم قولهم: حق الأنبياء ألا يعجزوا عن شئ، فلم ~~لا يأتينا محمد بالعذاب وقد بالغنا في عداوته؟ وكانوا يقولون أيضا: ينبغي ~~ألا يجرى عليهم سهو وغلط، فبين الرب سبحانه أنهم بشر، والآتي بالعذاب هو ~~الله تعالى على ما يريد، ويجوز على البشر السهو والنسيان والغلط إلى أن ~~يحكم الله آياته وينسخ حيل الشيطان. روى الليث عن يونس عن الزهري عن أبي ~~بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " والنجم إذا هوى " [النجم: 1] فلما بلغ " أفرأيتم اللات والعزى. ~~ومناة الثالثة الأخرى " (2) [النجم: 19 - 20] # PageV12P080 # سها فقال: (إن شفاعتهم ترتجى) فلقيه المشركون والذين في قلوبهم مرض ~~فسلموا عليه وفرحوا، فقال: (إن ذلك من الشيطان) فأنزل الله تعالى: " وما ~~أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي " الآية. قال النحاس: وهذا حديث منقطع وفيه ~~هذا الامر العظيم. وكذا حديث قتادة وزاد فيه (وإنهن لهن (1) الغرانيق ~~العلا). وأفظع (2) من هذا ما ذكره الواقدي عن كثير بن زيد عن المطلب بن عبد ~~الله قال: سجد المشركون كلهم إلا الوليد بن المغيرة فإنه أخذ ترابا من ~~الأرض فرفعه إلى جبهته وسجد عليه، وكان شيخا كبيرا. ويقال: إنه أبو أحيحة ~~سعيد بن العاص، حتى نزل جبريل عليه السلام فقرأ عليه النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فقال له: # (ما جئتك به)! وأنزل الله: " لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا " (3) ~~[الاسراء: 74]. قال النحاس: وهذا حديث منكر منقطع ولا سيما من حديث ~~الواقدي. وفى البخاري أن الذي أخذ قبضة من تراب ms4266 ورفعها إلى جبهته هو أمية ~~بن خلف. وسيأتي تمام كلام النحاس على الحديث - إن شاء الله - آخر الباب. ~~قال ابن عطية: وهذا الحديث الذي فيه هي الغرانيق العلا وقع في كتب التفسير ~~ونحوها، ولم يدخله البخاري ولا مسلم، ولا ذكره في علمي مصنف مشهور، بل ~~يقتضى مذهب أهل الحديث أن الشيطان ألقى، ولا يعينون هذا السبب ولا غيره. ~~ولا خلاف أن إلقاء الشيطان إنما هو لألفاظ مسموعة، بها وقعت الفتنة. ثم ~~اختلف الناس في صورة هذا الالقاء، فالذي في التفاسير وهو مشهور القول أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم تكلم بتلك الألفاظ على لسانه. وحدثني أبي رضي ~~الله عنه أنه لقي بالشرق من شيوخ العلماء والمتكلمين من قال: هذا لا يجوز ~~على النبي صلى الله عليه وسلم وهو المعصوم في التبليغ، وإنما الامر أن ~~الشيطان نطق بلفظ أسمعه الكفار عند قول النبي صلى الله عليه وسلم: " ~~أفرأيتم اللات والعزى. ومناة الثالثة الأخرى (4) " [النجم: 19 - 20] وقرب ~~صوته من صوت النبي صلى الله عليه وسلم حتى التبس الامر على المشركين، ~~وقالوا: محمد قرأها. وقد روى نحو هذا التأويل عن الامام أبى المعالي. وقيل: ~~الذي ألقى شيطان الانس، كقوله عز وجل: " والغوا فيه (5) " [فصلت: 26]. ~~قتادة: هو ما تلاه ناعسا. # PageV12P081 # وقال القاضي عياض في كتاب الشفا بعد أن ذكر الدليل على صدق النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وأن الأمة أجمعت فيما طريقه البلاغ أنه معصوم فيه من ~~الاخبار عن شئ بخلاف ما هو عليه، لا قصدا ولا عمدا ولا سهوا أو غلطا: اعلم ~~أكرمك الله أن لنا في الكلام على مشكل هذا الحديث مأخذين: أحدهما - في ~~توهين أصله، والثاني على تسليمه. أما المأخذ الأول فيكفيك أن هذا حديث لم ~~يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه بسند [صحيح (1)] سليم متصل ثقة، وإنما ~~أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب، المتلقفون من الصحف ~~كل صحيح وسقيم. قال أبو بكر البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم بإسناد متصل يجوز ms4267 ذكره، إلا ما رواه شعبة عن أبي بشر عن ~~سعيد ابن جبير عن ابن عباس فيما أحسب، والشك في الحديث أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان بمكة... # وذكر القصة. ولم يسنده عن شعبة إلا أمية بن خالد، وغيره يرسله عن سعيد بن ~~جبير. # وإنما يعرف عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، فقد بين لك أبو بكر رحمه ~~الله أنه لا يعرف من طريق يجوز ذكره سوى هذا، وفيه من الضعف ما نبه عليه مع ~~وقوع الشك فيه الذي ذكرناه، الذي لا يوثق به ولا حقيقة معه. وأما حديث ~~الكلبي فمما لا تجوز الرواية عنه ولا ذكره لقوة ضعفه وكذبه، كما أشار إليه ~~البزار رحمه الله. والذي منه في الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ: ~~" والنجم " بمكة فسجد وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والانس، هذا ~~توهينه من طريق النقل. # وأما المأخذ الثاني فهو مبنى على تسليم الحديث لو صح. وقد أعاذنا الله من ~~صحته، ولكن على كل حال فقد أجاب أئمة المسلمين عنه بأجوبة، منها الغث ~~والسمين. والذي يظهر ويترجح في تأويله على تسليمه أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان كما أمره ربه يرتل القرآن ترتيلا، ويفصل الآي تفصيلا في قراءته، ~~كما رواه الثقات عنه، فيمكن ترصد الشيطان لتلك السكتات ودسه فيها ما اختلقه ~~من تلك الكلمات، محاكيا نغمة النبي صلى الله عليه وسلم بحيث يسمعه من دنا ~~إليه من الكفار، فظنوها من قول النبي صلى الله عليه وسلم وأشاعوها. # PageV12P082 # ولم يقدح ذلك عند المسلمين لحفظ السورة قبل ذلك على ما أنزلها الله، ~~وتحققهم من حال النبي صلى الله عليه وسلم في ذم الأوثان وعيبها ما عرف منه، ~~فيكون ما روى من حزن النبي صلى الله عليه وسلم لهذه الإشاعة والشبهة وسبب ~~هذه الفتنة، وقد قال الله تعالى: " وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي (1) ~~" الآية. # قلت: وهذا التأويل أحسن ما قيل في هذا. وقد قال سليمان بن حرب: إن " في " ~~بمعنى عنده، أي ms4268 ألقى الشيطان في قلوب الكفار عند تلاوة النبي صلى الله عليه ~~وسلم، كقوله عز وجل: " ولبثت فينا (2) " [الشعراء: 18] أي عندنا. وهذا هو ~~معنى ما حكاه ابن عطية عن أبيه عن علماء الشرق، وإليه أشار القاضي أبو بكر ~~بن العربي، وقال قبله: إن هذه الآية نص في غرضنا، دليل على صحة مذهبنا أصل ~~في براءة النبي صلى الله عليه وسلم مما ينسب إليه أنه قاله، وذلك أن الله ~~تعالى قال: " وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى ~~الشيطان في أمنيته " أي في تلاوته. فأخبر الله تعالى أن من سنته في رسله ~~وسيرته في أنبيائه إذا قالوا عن الله تعالى قولا زاد الشيطان فيه من قبل ~~نفسه كما يفعل سائر المعاصي. تقول: # ألقيت في الدار كذا، وألقيت في الكيس كذا، فهذا نص في الشيطان أنه زاد في ~~الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم، لا أن النبي صلى الله عليه وسلم تكلم ~~به. ثم ذكر معنى كلام عياض إلى أن قال: وما هدى لهذا إلا الطبري لجلالة ~~قدره وصفاء فكره وسعة باعه في العلم، وشدة ساعده في النظر، وكأنه أشار إلى ~~هذا الغرض، وصوب على هذا المرمى، وقرطس بعدما ذكر في ذلك روايات كثيرة كلها ~~باطل لا أصل لها، ولو شاء ربك لما رواها أحد ولا سطرها، ولكنه فعال لما ~~يريد. # وأما غيره من التأويلات مما حكاه قوم أن الشيطان أكرهه حتى قال كذا فهو ~~محال، إذ ليس للشيطان قدرة على سلب الانسان الاختيار، قال الله تعالى مخبرا ~~عنه: " وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي (3) " ~~[إبراهيم: 22]، ولو كان للشيطان هذه القدرة لما بقى لاحد # PageV12P083 # من بني آدم قوة في طاعة، ومن توهم أن للشيطان هذه القوة فهو قول الثنوية ~~والمجوس في أن الخير من الله والشر من الشيطان. ومن قال جرى ذلك على لسانه ~~سهوا قال: لا يبعد أنه كان سمع الكلمتين من المشركين وكانتا على حفظه فجرى ~~عند قراءة السورة ما ms4269 كان في حفظه سهوا، وعلى هذا يجوز السهو عليهم ولا ~~يقرون عليه، وأنزل الله عز وجل هذه الآية تمهيدا لعذره وتسلية له، لئلا ~~يقال: إنه رجع عن بعض قراءته، وبين أن مثل هذا جرى على الأنبياء سهوا، ~~والسهو إنما ينتفى عن الله تعالى، وقد قال ابن عباس: إن شيطانا يقال له ~~الأبيض كان قد أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم في صورة جبريل عليه السلام ~~وألقى في قراءة النبي صلى الله عليه وسلم: تلك الغرانيق العلا، وأن شفاعتهن ~~لترتجي. وهذا التأويل وإن كان أشبه مما قبله فالتأويل الأول عليه المعول، ~~فلا يعدل عنه إلى غيره لاختيار العلماء المحققين إياه، وضعف الحديث مغن عن ~~كل تأويل، والحمد لله. ومما يدل على ضعفه أيضا وتوهينه من الكتاب قوله ~~تعالى: " وإن كادوا ليفتنونك (1) " [الاسراء: 73] الآيتين، فإنهما تردان ~~الخبر الذي رووه، لان الله تعالى ذكر أنهم كادوا يفتنونه حتى يفترى، وأنه ~~لولا أن ثبته لكان يركن إليهم. # فمضمون هذا ومفهومه أن الله تعالى عصمه من أن يفترى وثبته حتى لم يركن ~~إليهم قليلا فكيف كثيرا، وهم يروون في أخبارهم الواهية أنه زاد على الركون ~~والافتراء بمدح آلهتهم، وأنه قال عليه الصلاة والسلام: افتريت على الله ~~وقلت ما لم يقل. وهذا ضد مفهوم الآية، وهي تضعف الحديث لو صح، فكيف ولا صحة ~~له. وهذا مثل قوله تعالى: " ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن ~~يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شئ " (2) [النساء: 113]. # قال القشيري: ولقد طالبته قريش وثقيف إذ مر بآلهتهم أن يقبل بوجهه إليها، ~~ووعدوه بالايمان به إن فعل ذلك، فما فعل! ولا كان ليفعل! قال ابن الأنباري: ~~ما قارب الرسول ولا ركن. وقال الزجاج: أي كادوا، ودخلت إن واللام للتأكيد. ~~وقد قيل: إن معنى " تمنى " حدث، لا " تلا ". روى عن علي بن أبي طلحة عن ابن ~~عباس في قوله عز وجل: # (إلا إذا تمنى) قال: إلا إذا حدث " ألقى الشيطان في أمنيته) قال: في ~~حديثه (فينسخ # PageV12P084 # الله ما ms4270 يلقى الشيطان) قال: فيبطل الله ما يلقى الشيطان. قال النحاس: ~~وهذا من أحسن ما قيل في الآية وأعلاه وأجله. وقد قال أحمد بن محمد بن حنبل ~~بمصر صحيفة في التفسير، رواها علي بن أبي طلحة لو رحل رجل فيها إلى مصر ~~قاصدا ما كان كثيرا. والمعنى عليه: # أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا حدث نفسه ألقى الشيطان في حديثه على ~~جهة الحيلة فيقول: لو سألت الله عز وجل أن يغنمك ليتسع المسلمون، ويعلم ~~الله عز وجل أن الصلاح في غير ذلك، فيبطل ما يلقى الشيطان كما قال ابن عباس ~~رضي الله عنهما. وحكى الكسائي والفراء جميعا: " تمنى " إذا حدث نفسه، وهذا ~~هو المعروف في اللغة. وحكيا أيضا " تمنى " إذا تلا. وروى عن ابن عباس أيضا ~~وقاله مجاهد والضحاك وغيرهما. وقال أبو الحسن ابن مهدي: ليس هذا التمني من ~~القرآن والوحي في شئ، وإنما كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صفرت يداه من ~~المال، ورأى ما بأصحابه من سوء الحال، تمنى الدنيا بقلبه ووسوسة الشيطان. ~~وذكر المهدوي عن ابن عباس أن المعنى: إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه، وهو ~~اختيار الطبري. # قلت: قوله تعالى: " ليجعل ما يلقى الشيطان فتنة " الآية، يرد حديث النفس، ~~وقد قال ابن عطية: لا خلاف أن إلقاء الشيطان إنما هو لألفاظ مسموعة، بها ~~وقعت الفتنة، فالله أعلم. قال النحاس: ولو صح الحديث واتصل إسناده لكان ~~المعنى فيه صحيحا، ويكون معنى سها أسقط، ويكون تقديره: أفرأيتم اللات ~~والعزى، وتم الكلام، ثم أسقط (والغرانيق العلا) يعنى الملائكة (فإن ~~شفاعتهم) يعود الضمير على الملائكة. وأما من روى: فإنهن الغرانيق العلا، ~~ففي روايته أجوبة، منها أن يكون القول محذوفا كما تستعمل العرب في أشياء ~~كثيرة، ويجوز أن يكون بغير حذف، ويكون توبيخا، لان قبله " أفرأيتم " ويكون ~~هذا احتجاجا عليهم، فإن كان في الصلاة فقد كان الكلام مباحا في الصلاة. وقد ~~روى في هذه القصة أنه كان مما يقرأ: أفرأيتم اللات والعزى. ومناة الثالثة ~~الأخرى. والغرانقة العلا. وأن شفاعتهن ms4271 لترتجي. روى معناه عن مجاهد. وقال ~~الحسن: أراد بالغرانيق العلا الملائكة، وبهذا فسر الكلبي الغرانقة أنها ~~الملائكة. وذلك أن الكفار كانوا يعتقدون [أن] الأوثان والملائكة بنات ~~PageV12P085 # الله، كما حكى الله تعالى عنهم، ورد عليهم في هذه السورة بقوله: " ألكم ~~الذكر وله الأنثى " (1) فأنكر الله كل هذا من قولهم. ورجاء الشفاعة من ~~الملائكة صحيح، فلما تأوله المشركون على أن المراد بهذا الذكر آلهتهم ولبس ~~عليهم الشيطان بذلك، نسخ الله ما ألقى الشيطان، وأحكم الله آياته، ورفع ~~تلاوة تلك اللفظتين اللتين وجد الشيطان بهما سبيلا للتلبيس، كما نسخ كثير ~~من القرآن، ورفعت تلاوته. قال القشيري: وهذا غير سديد، لقوله: " فينسخ الله ~~ما يلقى الشيطان " أي يبطله، وشفاعة الملائكة غير باطلة. (والله عليم حكيم) ~~" عليم " بما أوحى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم. " حكيم " في خلقه. # قوله تعالى: (ليجعل ما يلقى الشيطان فتنة) أي ضلالة. (للذين في قلوبهم ~~مرض) أي شرك ونفاق. (والقاسية قلوبهم) فلا تلين لأمر الله تعالى. قال ~~الثعلبي: وفي الآية دليل على أن الأنبياء يجوز عليهم السهو والنسيان والغلط ~~بوسواس الشيطان أو عند شغل القلب حتى يغلط، ثم ينبه ويرجع إلى الصحيح، وهو ~~معنى قوله: " فينسخ الله ما يلقى الشيطان ثم يحكم الله آياته ". ولكن إنما ~~يكون الغلط على حسب ما يغلط أحدنا، فأما ما يضاف إليه من قولهم: تلك ~~الغرانيق العلا، فكذب على النبي صلى الله عليه وسلم، لان فيه تعظيم ~~الأصنام، ولا يجوز ذلك على الأنبياء، كما لا يجوز أن يقرأ بعض القرآن ثم ~~ينشد شعرا ويقول: غلطت وظننته قرآنا. (وإن الظالمين لفي شقاق بعيد) أي ~~الكافرين لفي خلاف وعصيان ومشاقة لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم. ~~وقد تقدم في " البقرة (2) " والحمد لله وحده. # قوله تعالى: وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت ~~له قلوبهم وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم (54) # PageV12P086 # قوله تعالى: (وليعلم الذين أوتوا العلم) أي من المؤمنين. وقيل: أهل ~~الكتاب. # (أنه) أي أن الذي أحكم من آيات ms4272 القرآن هو (الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت ~~له قلوبهم) أي تخشع وتسكن. وقيل: تخلص. (وإن الله لهادي الذين آمنوا) قرأ ~~أبو حياة: " وإن الله لهاد الذين آمنوا " بالتنوين. (إلى صراط مستقيم) أي ~~يثبتهم على الهداية. # قوله تعالى: ولا يزال كفروا في مرية منه حتى تأتيهم الساعة بغتة أو ~~يأتيهم عذاب يوم عقيم (55) قوله تعالى: (ولا يزال الذين كفروا في مرية منه) ~~يعنى في شك من القرآن، قاله ابن جريج. وغيره: من الدين، وهو الصراط ~~المستقيم. وقيل: مما ألقى الشيطان على لسان محمد صلى الله عليه وسلم، ~~ويقولون: ما باله ذكر الأصنام بخير ثم ارتد عنها. وقرأ أبو عبد الرحمن ~~السلمي: " في مرية " بضم الميم. والكسر أعرف، ذكره النحاس. (حتى تأتيهم ~~الساعة) أي القيامة. (بغتة) أي فجأة. (أو يأتيهم عذاب يوم عقيم) قال ~~الضحاك: عذاب يوم لا ليلة له وهو يوم القيامة. النحاس: سمى يوم القيامة ~~عقيما لأنه ليس يعقب بعده يوما مثله، وهو معنى قول الضحاك. والعقيم في ~~اللغة عبارة عمن لا يكون له ولد، ولما كان الولد يكون بين الأبوين وكانت ~~الأيام تتوالى قبل وبعد، جعل الاتباع فيها بالبعدية كهيئة الولادة، ولما لم ~~يكن بعد ذلك اليوم يوم وصف بالعقيم. وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة: المراد ~~عذاب يوم بدر، ومعنى عقيم لا مثل له في عظمه، لان الملائكة قاتلت فيه. ابن ~~جريج: لأنهم لم ينظروا فيه إلى الليل، بل قتلوا قبل المساء فصار يوما لا ~~ليلة له. وكذلك يكون معنى قول الضحاك أنه يوم القيامة، لأنه لا ليلة له. ~~وقيل: # لأنه لم يكن فيه رأفة ولا رحمة، وكان عقيما من كل خير، ومنه قوله تعالى: ~~" إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم (1) " [الذاريات: 41] أي التي لا خير فيها ~~ولا تأتى بمطر ولا رحمة. # PageV12P087 # قوله تعالى: الملك يومئذ لله يحكم بينهم فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في ~~جنت النعيم (56) والذين كفروا وكذبوا بآياتنا فأولئك لهم عذاب مهين (57). # قوله تعالى: (الملك يومئذ لله يحكم بينهم) يعنى يوم القيامة هو لله وحده ~~لا منازع ms4273 له فيه ولا مدافع. والملك هو اتساع المقدور لمن له تدبير الأمور. ~~ثم بين حكمه فقال: # (فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات النعيم. والذين كفروا وكذبوا ~~بآياتنا فأولئك لهم عذاب مهين). # قلت: وقد يحتمل أن تكون الإشارة ب‍ " يومئذ " ليوم بدر، وقد حكم فيه ~~بإهلاك الكافر وسعادة المؤمن، وقد قال عليه السلام لعمر: (وما يدريك لعل ~~الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم). # قوله تعالى: والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله ~~رزقا حسنا وإن الله لهو خير الرازقين (58) ليدخلنهم مدخلا يرضونه وإن الله ~~لعليم حليم (59) أفرد ذكر المهاجرين الذين ماتوا وقتلوا تفضيلا لهم وتشريفا ~~على سائر الموتى. # وسبب نزول هذه الآية أنه لما مات بالمدينة عثمان بن مظعون وأبو سلمة بن ~~عبد الأسد قال بعض الناس: من قتل في سبيل الله أفضل ممن مات حتف أنفه، ~~فنزلت هذه الآية مسوية بينهم، وأن الله يرزق جميعهم رزقا حسنا. وظاهر ~~الشريعة يدل على أن المقتول أفضل. وقد قال بعض أهل العلم: إن المقتول في ~~سبيل الله والميت في سبيل الله شهيد، ولكن للمقتول مزية ما أصابه في ذات ~~الله. وقال بعضهم: هما سواء، واحتج بالآية، وبقوله تعالى: " ومن يخرج من ~~بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع PageV12P088 # أجره على الله " (1) [النساء: 100]، وبحديث أم حرام، فإنها صرعت عن ~~دابتها فماتت ولم تقتل فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (أنت من ~~الأولين)، وبقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الله ابن عتيك: (من ~~خرج من بيته مهاجرا في سبيل الله فخر عن دابته فمات أو لدغته حية فمات أو ~~مات حتف أنفه فقد وقع أجره على الله ومن مات قعصا (2) فقد استوجب المآب). # وذكر ابن المبارك عن فضالة بن عبيد في حديث ذكر فيه رجلين أحدهما أصيب في ~~غزاة بمنجنيق فمات والاخر مات هناك، فجلس فضالة عند الميت فقيل له: تركت ~~الشهيد ولم تجلس عنده؟ فقال: ما أبالي ms4274 من أي حفرتيهما بعثت، ثم تلا قوله ~~تعالى: " والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا " الآية كلها. وقال ~~سليمان بن عامر: كان فضالة برودس أميرا على الأرباع فخرج بجنازتي رجلين: ~~أحدهما قتيل والاخر متوفى، فرأى ميل الناس مع جنازة القتيل إلى حفرته، ~~فقال: أراكم أيها الناس تميلون مع القتيل! فوالذي نفسي بيده ما أبالي من أي ~~حفرتيهما بعثت، اقرأوا قوله تعالى: " والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا ~~أو ماتوا ". كذا ذكره الثعلبي في تفسيره، وهو معنى ما ذكره ابن المبارك. ~~واحتج من قال: # إن للمقتول زيادة فضل بما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل: ~~أي الجهاد أفضل؟ قال: (من أهريق دمه وعقر جواده). وإذا كان من أهريق دمه ~~وعقر جواده أفضل الشهداء علم أنه من لم يكن بتلك الصفة مفضول. قرأ ابن عامر ~~وأهل الشام: " قتلوا " بالتشديد على التكثير. الباقون بالتخفيف. (ليدخلنهم ~~مدخلا يرضونه) أي الجنان. # قراءة أهل المدينة " مدخلا " بفتح الميم، أي دخولا. وضمها الباقون، وقد ~~مضى في " سبحان (3) ". (وإن الله لعليم حليم) قال ابن عباس: عليم بنياتهم، ~~حليم عن عقابهم. # قوله تعالى: ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغى عليه لينصرنه الله إن ~~الله لعفو غفور (60) # PageV12P089 # قوله تعالى: ((ذلك ومن عاقب) " ذلك " في موضع رفع، أي ذلك الامر الذي ~~قصصنا عليك. قال مقاتل: نزلت في قوم من مشركي مكة لقوا قوما من المسلمين ~~لليلتين بقيتا من المحرم فقالوا: إن أصحاب محمد يكرهون القتال في الشهر ~~الحرام فاحملوا عليهم، فناشدهم المسلمون ألا يقاتلوهم في الشهر الحرام، ~~فأبى المشركون إلا القتال، فحملوا عليهم فثبت المسلمون ونصرهم الله على ~~المشركين، وحصل في أنفس المسلمين من القتال في الشهر الحرام شئ، فنزلت هذه ~~الآية. وقيل: نزلت في قوم من المشركين، مثلوا بقوم من المسلمين قتلوهم يوم ~~أحد فعاقبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثله. فمعنى " من عاقب بمثل ما ~~عوقب به " أي من جازى الظالم بمثل ما ظلمه، فسمى جزاء العقوبة عقوبة ms4275 ~~لاستواء الفعلين في الصورة، فهو مثل: " وجزاء سيئة سيئة مثلها " (1) ~~[الشورى: 40]. ومثل: " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " ~~(2) [البقرة: 194]. وقد تقدم. (ثم بغى عليه) أي بالكلام والازعاج من وطنه، ~~وذلك أن المشركين كذبوا نبيهم وآذوا من آمن به وأخرجوه وأخرجوهم من مكة، ~~وظاهروا على إخراجهم. (لينصرنه الله) أي لينصرن الله محمدا صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه، فإن الكفار بغوا عليهم. (إن الله لعفو غفور) أي عفا عن ~~المؤمنين ذنوبهم وقتالهم في الشهر الحرام وستر. # قوله تعالى ذلك بأن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وأن ~~الله سميع بصير (61) قوله تعالى: (ذلك بأن الله يولج الليل في النهار) أي ~~ذلك الذي قصصت عليك من نصر المظلوم هو بأنى أنا الذي أولج الليل في النهار ~~فلا يقدر أحد على ما أقدر عليه، أي من قدر على هذا قدر على أن ينصر عبده. ~~وقد مضى في " آل عمران " معنى يولج الليل في النهار (3). # (وأن الله سميع بصير) يسمع الأقوال ويبصر الافعال، فلا يعزب عنه مثقال ~~ذرة ولا دبيب نملة إلا يعلمها ويسمعها ويبصرها. # PageV12P090 # قوله تعالى: ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو البطل وأن ~~الله هو العلى الكبير (62) قوله تعالى: (ذلك بأن الله هو الحق) أي ذو الحق، ~~فدينه الحق وعبادته حق. # والمؤمنون يستحقون منه النصر بحكم وعده الحق. (وأن ما يدعون من دونه هو ~~الباطل) أي الأصنام التي لا استحقاق لها في العبادات. وقرأ نافع وابن كثير ~~وابن عامر وأبو بكر " وأن ما تدعون " بالتاء على الخطاب، واختاره أبو حاتم. ~~الباقون بالياء على الخبر هنا وفي لقمان (1)، واختاره أبو عبيد. (وأن الله ~~هو العلى) أي العالي على كل شئ بقدرته، والعالي عن الأشباه والأنداد، ~~المقدس عما يقول الظالمون من الصفات التي لا تليق بجلاله. (الكبير) أي ~~الموصوف بالعظمة والجلال وكبر الشأن. وقيل: الكبير ذو الكبرياء والكبرياء ~~عبارة عن كمال الذات، أي له الوجود المطلق أبدا وأزلا، فهو الأول القديم، ~~والاخر الباقي بعد ms4276 فناء خلقه. # قوله تعالى: ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة إن ~~الله لطيف خبير (63) قوله تعالى: (ألم تر أن الله من السماء ماء فتصبح ~~الأرض مخضرة) دليل على كمال قدرته، أي من قدر على هذا قدر على إعادة الحياة ~~بعد الموت، كما قال الله عز وجل: # " فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت (2) " [فصلت: 39]. ومثله كثير. " ~~فتصبح " ليس بجواب فيكون منصوبا، وإنما هو خبر عند الخليل وسيبويه. قال ~~الخليل: المعنى انتبه! أنزل الله من السماء ماء فكان كذا وكذا، كما قال: # ألم تسأل الربع القواء فينطق * وهل تخبرنك اليوم بيداء سملق (3) # PageV12P091 # معناه قد سألته فنطق. وقيل استفهام تحقيق، أي قد رأيت، فتأمل كيف تصبح! ~~أو عطف لان المعنى ألم تر أن الله ينزل. وقال الفراء: " ألم تر " خبر، كما ~~تقول في الكلام: اعلم أن الله عز وجل ينزل من السماء ماء. (فتصبح الأرض ~~مخضرة) أي ذات خضرة، كما تقول: مبقلة ومسبعة، أي ذات بقل وسباع. وهو عبارة ~~عن استعجالها إثر نزول الماء بالنبات واستمرارها كذلك عادة. قال ابن عطية: ~~وروى عن عكرمة أنه قال: هذا لا يكون إلا بمكة وتهامة. ومعنى هذا: أنه أخذ ~~قوله: " فتصبح " مقصودا به صباح ليلة المطر وذهب إلى أن ذلك الاخضرار يتأخر ~~في سائر البلاد، وقد شاهدت هذا بسوس الأقصى نزل المطر ليلا بعد قحط أصبحت ~~تلك الأرض الرملة التي نسفتها الرياح قد اخضرت بنبات ضعيف رقيق. (إن الله ~~لطيف خبير) قال ابن عباس: " خبير " بما ينطوي عليه العبد من القنوط عند ~~تأخير المطر. " لطيف " بأرزاق عباده. وقيل: " لطيف " باستخراج النبات من ~~الأرض، " خبير " بحاجتهم وفاقتهم. قوله تعالى: له ما في السماوات وما في ~~الأرض وإن الله لهو الغنى الحميد (64) قوله تعالى: (له ما في السماوات وما ~~في الأرض) خلقا وملكا، وكل محتاج إلى تدبيره وإتقانه. (وإن الله لهو الغنى ~~الحميد) فلا يحتاج إلى شئ، وهو المحمود في كل حال. # قوله تعالى: ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض ms4277 والفلك تجرى في البحر ~~بأمره ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه إن الله بالناس لرءوف رحيم ~~(65) قوله تعالى: (ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض) ذكر نعمة أخرى، ~~فأخبر أنه سخر لعباده ما يحتاجون إليه من الدواب والشجر والأنهار. (والفلك) ~~أي وسخر لكم الفلك في حال جريها. وقرأ أبو عبد الرحمن الأعرج: " والفلك " ~~رفعا على الابتداء وما بعده خبره. PageV12P092 # الباقون بالنصب نسقا على قوله: " ما في الأرض ". (ويمسك السماء إن تقع ~~على الأرض) أي كراهية أن تقع. وقال الكوفيون: لئلا تقع. وإمساكه لها خلق ~~السكون فيها حالا بعد حال. (إلا بإذنه) أي إلا بإذن الله لها بالوقوع، فتقع ~~بإذنه، أي بإرادته وتخليته (1). # (إن الله بالناس لرءوف رحيم) أي في هذه الأشياء التي سخرها لهم. # قوله تعالى: وهو الذي أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم إن الانسان لكفور (66) ~~قوله تعالى: (وهو الذي أحياكم) أي بعد أن كنتم نطفا. (ثم يميتكم) عند ~~انقضاء آجالكم. (ثم يحييكم) أي للحساب والثواب والعقاب. (إن الانسان لكفور) ~~أي لجحود لما ظهر من الآيات الدالة على قدرته ووحدانيته. قال ابن عباس: ~~يريد الأسود ابن عبد الأسد وأبا جهل بن هشام والعاص بن هشام وجماعة من ~~المشركين. وقيل: إنما قال ذلك لان الغالب على الانسان كفر النعم، كما قال ~~تعالى: " وقليل من عبادي الشكور (2) " [سبأ: 13]. # قوله تعالى: لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه فلا ينزعنك في الامر وادع إلى ~~ربك إنك لعلى هدى مستقيم (67) قوله تعالى: (لكل أمة جعلنا منسكا) أي شرعا. ~~(هم ناسكوه) أي عاملون به. # (فلا ينازعنك في الامر) أي لا ينازعنك أحد منهم فيما يشرع لأمتك، فقد ~~كانت الشرائع في كل عصر. وروت فرقة أن هذه الآية نزلت بسبب جدال الكفار في ~~أمر الذبائح، وقولهم للمؤمنين: تأكلون ما ذبحتم ولا تأكلون ما ذبح الله من ~~الميتة، فكان ما قتل الله أحق أن تأكلوه مما قتلتم أنتم بسكاكينكم، فنزلت ~~الآية بسبب هذه المنازعة. وقد مضى هذا في " الانعام (3) " والحمد لله. وقد ~~تقدم في ms4278 هذه السورة ما للعلماء في قوله تعالى: " منسكا (4) " [الحج: 34]. # وقوله: " هم ناسكوه " يعطى أن المنسك المصدر، ولو كان الموضع لقال هم ~~ناسكون فيه. # PageV12P093 # وقال الزجاج: " فلا ينازعنك في الامر " أي فلا يجادلنك، ودل على هذا " ~~وإن جادلوك ". ويقال: قد نازعوه فكيف قال فلا ينازعنك، فالجواب أن المعنى ~~فلا تنازعهم أنت. نزلت الآية قبل الامر بالقتال، تقول: لا يضاربنك فلان فلا ~~تضاربه أنت، فيجرى هذا في باب المفاعلة. ولا يقال: لا يضربنك زيد وأنت تريد ~~لا تضرب زيدا. وقرأ أبو مجلز: " فلا ينزعنك في الامر " أي لا يستخفنك (1) ~~ولا يغلبنك عن دينك. وقراءة الجماعة من المنازعة. ولفظ النهى في القراءتين ~~للكفار، والمراد النبي صلى الله عليه وسلم. (وادع إلا ربك) أي إلى توحيده ~~ودينه والايمان به. (إنك لعلى هدى) أي دين. (مستقيم) أي قويم لا اعوجاج ~~فيه. # قوله تعالى: وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون (68) الله يحكم بينكم ~~يوم القيمة فيما كنتم فيه تختلفون (69). # قوله تعالى: (وإن جادلوك) أي خاصموك يا محمد، يريد مشركي مكة. (فقل الله ~~أعلم بما تعملون) يريد من تكذيبهم محمدا صلى الله عليه وسلم، عن ابن عباس. ~~وقال مقاتل: هذه الآية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الاسراء وهو ~~في السماء السابعة لما رأى من آيات ربه الكبرى، فأوحى الله إليه: " وإن ~~جادلوك " بالباطل فدافعهم بقولك: # " الله أعلم بما تعملون " من الكفر والتكذيب، فأمره الله تعالى بالاعراض ~~عن مماراتهم صيانة له عن الاشتغال بتعنتهم، ولا جواب لصاحب العناد. (الله ~~يحكم بينكم يوم القيامة) يريد بين النبي صلى الله عليه وسلم وقومه. (فيما ~~كنتم فيه تختلفون) يريد في خلافكم آياتي، فتعرفون حينئذ الحق من الباطل. # مسألة - في هذه الآية أدب حسن علمه الله عباده في الرد على من جادل تعنتا ~~ومراء ألا يجاب ولا يناظر ويدفع بهذا القول الذي علمه الله لنبيه صلى الله ~~عليه وسلم. وقد قيل: إن هذه الآية منسوخة بالسيف، يعنى السكوت عن مخالفه ~~والاكتفاء بقوله: " الله يحكم بينكم ". # PageV12P094 # قوله تعالى: ألم ms4279 تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتب إن ~~ذلك على الله يسير (70) قوله تعالى: (ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء ~~والأرض) أي وإذ قد علمت يا محمد هذا وأيقنت فاعلم أنه يعلم أيضا ما أنتم ~~مختلفون فيه فهو يحكم بينكم. وقد قيل: إنه استفهام تقرير للغير. (إن ذلك في ~~كتاب) أي ما يجرى في العالم فهو مكتوب عند الله في أم الكتاب. (إن ذلك على ~~الله يسير) أي إن الفصل بين المختلفين على الله يسير. وقيل: # المعنى إن كتاب القلم الذي أمره أن يكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة على ~~الله يسير. # قوله تعالى: ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطنا وما ليس لهم به علم ~~وما للظالمين من نصير (71) قوله تعالى: (ويعبدون) يريد كفار قريش. (من دون ~~الله ما لم ينزل به سلطانا) أي حجة وبرهانا، وقد تقدم في " آل عمران " (1). ~~(وما ليس لهم به علم وما للظالمين من نصير). # قوله تعالى: وإذا تتلى عليهم آياتنا بينت تعرف في وجوه الذين كفروا ~~المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا قل أفأنبئكم بشر من ذلكم ~~النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير (72). # قوله تعالى: (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات) يعنى القرآن. تعرف في وجوه ~~الذين كفروا المنكر) أي الغضب والعبوس. (يكادون يسطون) أي يبطشون. والسطوة ~~شدة البطش، يقال: سطابه يسطو إذا بطش به، كان ذلك بضرب أو بشتم، وسطا # PageV12P095 # عليه. (بالذين يتلون عليهم آياتنا) وقال ابن عباس: يسطون يبسطون إليهم ~~أيديهم. # محمد بن كعب: أي يقعون بهم. الضحاك: أي يأخذونهم أخذا باليد، والمعنى ~~واحد. # وأصل السطو القهر. والله ذو سطوات، أخذات شديدة. (قل أفأنبئكم بشر من ~~ذلكم النار) أي أكره من هذا القرآن الذي تسمعون هو النار. فكأنهم قالوا: ما ~~الذي هو شر، فقيل هو النار. وقيل: أي هل أنبئكم بشر مما يلحق تالي القرآن ~~منكم هو النار، فيكون هذا وعيدا لهم على سطواتهم بالذين يتلون القرآن. ~~ويجوز في " النار ms4280 " الرفع والنصب والخفض، فالرفع على هو النار، أو هي ~~النار. والنصب بمعنى أعني، أو على إضمار فعل مثل الثاني، أو يكون محمولا ~~على المعنى، أي أعرفكم بشر من ذلكم النار. والخفض على البدل. # (وعدها الله الذين كفروا) في القيامة. (وبئس المصير) أي الموضع الذي ~~يصيرون إليه وهو النار. # قوله تعالى: يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون ~~الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه ~~منه ضعف الطالب والمطلوب (73) قوله تعالى: (يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا ~~له) هذا متصل بقوله: " ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا ". وإنما ~~قال: " ضرب مثل " لان حجج الله تعالى عليهم بضرب الأمثال أقرب إلى أفهامهم. ~~فإن قيل: فأين المثل المضروب، ففيه وجهان: # الأول - قال الأخفش: ليس ثم مثل، وإنما المعنى ضربوا لله مثلا فاستمعوا ~~قولهم، يعنى أن الكفار جعلوا لله مثلا بعبادتهم غيره، فكأنه قال جعلوا لي ~~شبيها في عبادتي فاستمعوا خبر هذا الشبيه. الثاني - قول القتبي: وأن المعنى ~~يا أيها الناس، مثل من عبد آلهة لم تستطع أن تخلق ذبابا وإن سلبها الذباب ~~شيئا لم تستطع أن تستنقذه منه. وقال النحاس: المعنى ضرب الله عز وجل ما ~~يعبد من دونه مثلا، قال: وهذا من أحسن ما قيل فيه، أي بين الله لكم شبها ~~PageV12P096 # ولمعبودكم. (إن الذين تدعون من دون الله) قراءة العامة " تدعون " بالتاء. ~~وقرأ السلمي وأبو العالية ويعقوب: " يدعون " بالياء على الخبر. والمراد ~~الأوثان الذين عبدوهم من دون الله، وكانت حول الكعبة (1)، وهي ثلاثمائة ~~وستون صنما. وقيل: السادة الذين صرفوهم عن طاعة الله عز وجل. وقيل: ~~الشياطين حملوهم على معصية الله تعالى، والأول أصوب. # (لن يخلقوا ذبابا) الذباب اسم واحد للذكر والأنثى، والجمع القليل أذبة ~~والكثير ذبان، على مثل غراب وأغربة وغربان، وسمى به لكثرة حركته. الجوهري: ~~والذباب معروف الواحدة ذبابة، ولا تقل ذبانة. والمذبة ما يذب به الذباب. ~~وذباب أسنان الإبل حدها. # وذباب السيف طرفه الذي يضرب به. ms4281 وذباب العين إنسانها. والذبابة البقية من ~~الدين. # وذبب النهار إذا لم يبق منه إلا بقية. والتذبذب التحرك. والذبذبة نوس ~~الشئ المعلق في الهواء. والذبذب الذكر لتردده. وفي الحديث (من وقى شر ~~ذبذبه). [وهذا مما لم يذكره، أعني قوله: وفي الحديث (2)]. (وإن يسلبهم ~~الذباب شيئا لا يستنقذوه منه) الاستنقاذ والانقاذ التخليص. قال ابن عباس: ~~كانوا يطلون أصنامهم بالزعفران فتجف فيأتي فيختلسه. وقال السدى: كانوا ~~يجعلون للأصنام طعاما فيقع عليه الذباب فيأكله. # (ضعف الطالب والمطلوب) قيل: الطالب الالهة والمطلوب الذباب. وقيل بالعكس. # وقيل: الطالب عابد الصنم والمطلوب الصنم، فالطالب يطلب إلى هذا الصنم ~~بالتقرب إليه، والصنم المطلوب إليه. وقد قيل: " وإن يسلبهم الذباب شيئا " ~~راجع إلى ألمه في قرص (3) أبدانهم حتى يسلبهم الصبر لهم والوقار معها. وخص ~~الذباب لأربعة أمور تخصه: لمهانته وضعفه ولاستقذاره وكثرته، فإذا كان هذا ~~الذي هو أضعف الحيوان وأحقره لا يقدر من عبدوه من دون الله عز وجل على خلق ~~مثله ودفع أذيته فكيف يجوز أن يكونوا آلهة معبودين وأربابا مطاعين. وهذا من ~~أقوى حجة وأوضح برهان. # قوله تعالى: ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز (74) # PageV12P097 # قوله تعالى: (ما قدروا الله حق قدره) أي ما عظموه حق عظمته، حيث جعلوا ~~هذه الأصنام شركاء له. وقد مضى في " الانعام (1) ". (إن الله لقوي عزيز) ~~تقدم. # قوله تعالى: الله يصطفى من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير ~~(75) يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم وإلى الله ترجع الأمور (76) قوله تعالى: ~~(الله يصطفى من الملائكة رسلا ومن الناس) ختم السورة بأن الله اصطفى محمدا ~~صلى الله عليه وسلم لتبليغ الرسالة، أي ليس بعثه محمدا أمرا بدعيا. وقيل: ~~إن الوليد بن المغيرة قال: أو أنزل عليه الذكر من بيننا، فنزلت الآية. ~~وأخبر أن الاختيار إليه سبحانه وتعالى. (إن الله سميع) لأقوال عباده (بصير) ~~بمن يختاره من خلقه لرسالته. # (يعلم ما بين أيديهم) يريد ما قدموا. (وما خلفهم) يريد ما خلفوا، مثل ~~قوله في يس: # " إنا نحن نحى الموتى ونكتب ما ms4282 قدموا (2) " [يس: 12] يريد ما بين أيديهم ~~" وآثارهم " يريد ما خلفوا. # (وإلى الله ترجع الأمور). # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا ~~الخير لعلكم تفلحون (77) قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا) ~~تقدم في أول السورة أنها فضلت بسجدتين، وهذه السجدة الثانية لم يرها مالك ~~وأبو حنيفة من العزائم، لأنه قرن الركوع بالسجود، وأن المراد بها الصلاة ~~المفروضة، وخص الركوع والسجود تشريفا للصلاة. # وقد مضى القول في الركوع والسجود مبينا في " البقرة (3) " والحمد لله ~~وحده. # قوله تعالى: (واعبدوا ربكم) أي امتثلوا أمره. (وافعلوا الخير) ندب فيما ~~عدا الواجبات التي صح وجوبها من غير هذا الموضع. # PageV12P098 # قوله تعالى: وجهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين ~~من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفى هذا ليكون الرسول ~~شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا ~~بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير (78) قوله تعالى: (وجاهدوا في ~~الله حق جهاده) قيل: عنى به جهاد الكفار. وقيل: # هو إشارة إلى امتثال جميع ما أمر الله به، والانتهاء عن كل ما نهى الله ~~عنه، أي جاهدوا أنفسكم في طاعة الله وردوها عن الهوى، وجاهدوا الشيطان في ~~رد وسوسته، والظلمة في رد ظلمهم، والكافرين في رد كفرهم. قال ابن عطية: ~~وقال مقاتل وهذه الآية منسوخة بقوله تعالى: # " فاتقوا الله ما استطعتم (1) " [التغابن: 16]. وكذا قال هبة الله: إن ~~قوله: " حق جهاده " وقوله في الآية الأخرى. # " حق تقاته (2) " [آل عمران: 102] منسوخ بالتخفيف إلى الاستطاعة في هذه ~~الأوامر. ولا حاجة إلى تقدير النسخ، فإن هذا هو المراد من أول الحكم، لان " ~~حق جهاده " ما ارتفع عنه الحرج. وقد روى سعيد بن المسيب قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: (خير دينكم أيسره). # وقال أبو جعفر النحاس. وهذا مما لا يجوز أن يقع فيه نسخ، لأنه واجب على ~~الانسان، كما روى حياة بن شريح يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~(المجاهد من ms4283 جاهد نفسه لله عز وجل) وكما روى أبو غالب عن أبي أمامة أن رجلا ~~سأل النبي صلى الله عليه وسلم: # أي الجهاد أفضل؟ عند الجمرة الأولى فلم يجبه، ثم سأله عند الجمرة الثانية ~~فلم يجبه، ثم سأله عند جمرة العقبة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أين ~~السائل)؟ فقال: أنا ذا، فقال عليه السلام: (كلمة عدل عند سلطان جائر). # PageV12P099 # قوله تعالى: (هو اجتباكم) أي اختاركم للذب عن دينه والتزام أمره، وهذا ~~تأكيد للامر بالمجاهدة، أي وجب عليكم أن تجاهدوا لان الله اختاركم له. # قوله تعالى: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) فيه ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (من حرج) أي من ضيق. وقد تقدم في " الانعام (1) ". # وهذه الآية تدخل في كثير من الاحكام، وهي مما خص الله بها هذه الأمة. روى ~~معمر عن قتادة قال: أعطيت هذه الأمة ثلاثا لم يعطها إلا نبي: كان يقال ~~للنبي اذهب فلا حرج عليك، وقيل لهذه الأمة: " وما جعل عليكم في الدين من ~~حرج ". والنبي شهيد على أمته، وقيل لهذه الأمة: " لتكونوا شهداء على الناس ~~". ويقال للنبي: سل تعطه، وقيل لهذه الأمة: " ادعوني أستجب لكم (2) ". # الثانية - واختلف العلماء في هذا الحرج الذي رفعه الله تعالى، فقال ~~عكرمة: هو ما أحل من النساء مثنى وثلاث ورباع، وما ملكت يمينك. وقيل: ~~المراد قصر الصلاة، والافطار للمسافر، وصلاة الايماء لمن لا يقدر على غيره، ~~وحط الجهاد عن الأعمى والأعرج والمريض والعديم الذي لا يجد ما ينفق في ~~غزوه، والغريم ومن له والدان، وحط الإصر الذي كان على بني إسرائيل. وقد مضى ~~تفصيل أكثر هذه الأشياء (3). وروى عن ابن عباس والحسن البصري أن هذه في ~~تقديم الأهلة وتأخيرها في الفطر والأضحى والصوم، فإذا أخطأت الجماعة هلال ~~ذي الحجة فوقفوا قبل يوم عرفة بيوم أو وقفوا يوم النحر أجزأهم، على خلاف ~~فيه بيناه في كتاب المقتبس في شرح موطأ مالك بن أنس رضي الله عنه. وما ~~ذكرناه هو الصحيح في الباب. وكذلك الفطر والأضحى، لما رواه حماد بن ms4284 زيد عن ~~أيوب عن محمد بن المنكدر عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: (فطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون). خرجه أبو داود والدارقطني، ~~ولفظه ما ذكرناه. والمعنى: باجتهادكم من غير حرج يلحقكم. وقد روى الأئمة ~~أنه عليه السلام سئل يوم النحر عن أشياء، فما يسأل عن # PageV12P100 # أمر مما ينسى المرء أو يجهل من تقديم الأمور بعضها قبل بعض وأشباهها إلا ~~قال فيها: # (أفعل ولا حرج). # الثالثة - قال العلماء: رفع الحرج إنما هو لمن استقام على منهاج الشرع، ~~وأما السلابة والسراق وأصحاب الحدود فعليهم الحرج، وهم جاعلوه على أنفسهم ~~بمفارقتهم الدين، وليس في الشرع أعظم حرجا من إلزام ثبوت رجل لاثنين في ~~سبيل الله تعالى، ومع صحة اليقين وجودة العزم ليس بحرج. # قوله تعالى: (ملة أبيكم) قال الزجاج: المعنى اتبعوا ملة أبيكم. الفراء: ~~انتصب على تقدير حذف الكاف، كأنه قال كملة. وقيل: المعنى وافعلوا الخير فعل ~~أبيكم، فأقام الفعل مقام الملة. وإبراهيم هو أبو العرب قاطبة. وقيل: الخطاب ~~لجميع المسلمين، وإن لم يكن الكل من ولده، لان حرمة إبراهيم على المسلمين ~~كحرمة الوالد على الولد. (هو سماكم المسلمين من قبل) قال ابن زيد والحسن: " ~~هو " راجع إلى إبراهيم، والمعنى: هو سماكم المسلمين من قبل النبي صلى الله ~~عليه وسلم. (وفى هذا) أي وفي حكمه أن من اتبع محمدا صلى الله عليه وسلم فهو ~~مسلم. قال ابن زيد: وهو معنى قوله: " ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا ~~أمة مسلمة لك (1) " [البقرة: 128]. قال النحاس: وهذا القول مخالف لقول ~~عظماء (2) الأمة. روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: سماكم الله عز وجل ~~المسلمين من قبل، أي في الكتب المتقدمة وفي هذا القرآن، قاله مجاهد وغيره. ~~(ليكون الرسول شهيدا عليكم) أي بتبليغه إياكم. (وتكونوا شهداء على الناس) ~~أن رسلهم قد بلغتهم، كما تقدم في " البقرة (1) ". # (فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم ~~النصير) قد تقدم (3) مستوفى والحمد لله [رب العالمين (4)]. # PageV12P101 # سورة المؤمنون مكية كلها ms4285 في قول الجميع بسم الله الرحمن الرحيم قوله ~~تعالى: قد أفلح المؤمنون (1) الذين هم في صلاتهم خاشعون (2) والذين هم عن ~~اللغو معرضون (3) والذين هم للزكوة فعلون (4) والذين هم لفروجهم حافظون (5) ~~إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمنهم فإنهم غير ملومين (6) فمن ابتغى وراء ~~ذلك فأولئك هم العادون (7) والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون (8) والذين هم ~~على صلواتهم يحافظون (9) أولئك هم الوارثون (10) الذين يرثون الفردوس هم ~~فيها خالدون (11) فيه تسع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (قد أفلح المؤمنون) روى البيهقي من حديث أنس عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لما خلق اللجنة عدن وغرس أشجارها بيده ~~قال لها تكلمي فقالت قد أفلح المؤمنون). وروى النسائي عن عبد الله بن ~~السائب قال: حضرت رسول الله صلى يوم الفتح فصلى في قبل الكعبة، فخلع نعليه ~~فوضعهما عن يساره فافتتح سورة المؤمنون، فلما جاء ذكر موسى أو عيسى عليهما ~~السلام أخذته سعلة فركع. خرجه مسلم بمعناه. وفي الترمذي عن عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أنزل عليه الوحي سمع ~~عند وجهه كدوي النحل، وأنزل عليه يوما فمكثنا [عنده (1)] ساعة فسرى عنه ~~فاستقبل القبلة فرفع يديه وقال: (اللهم زدنا ولا تنقصنا وارضنا وأرض عنا - ~~ثم قال - # PageV12P102 # أنزل على عشر آيات من أقامهن دخل الجنة - ثم قرأ - قد أفلح المؤمنون) حتى ~~ختم عشر آيات، صححه ابن العربي. وقال النحاس: معنى " من أقامهن " من أقام ~~عليهن ولم يخالف ما فيهن، كما تقول: فلان يقوم بعمله. ثم نزل بعد هذه ~~الآيات فرض الوضوء والحج فدخل معهن. وقرأ طلحة بن مصرف: " قد أفلح المؤمنون ~~" بضم الألف على الفعل المجهول، أي أبقوا في الثواب والخير. وقد مضى في أول ~~" البقرة " من الفلاح لغة ومعنى (1)، والحمد لله وحده. # الثانية - قوله تعالى: (خاشعون) روى المعتمر عن خالد عن محمد بن سيرين ~~قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم ينظر إلى السماء في الصلاة، فأنزل الله ~~عز وجل هذه الآية " الذين هم في صلاتهم خاشعون ms4286 ". فجعل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ينظر حيث يسجد. # وفي رواية هشيم: كان المسلمون يلتفتون في الصلاة وينظرون حتى أنزل الله ~~تعالى: " قد أفلح المؤمنون. الذين هم في صلاتهم خاشعون "، فأقبلوا على ~~صلاتهم وجعلوا ينظرون أمامهم. # وقد تقدم ما للعلماء في حكم المصلى إلى حيث ينظر في " البقرة " عند قوله: ~~" فول وجهك شطر المسجد الحرام (2) " [البقرة: 144]. وتقدم أيضا معنى الخشوع ~~لغة ومعنى في البقرة أيضا عند قوله تعالى: # " وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين (1) " [البقرة: 45]. والخشوع محله ~~القلب، فإذا خشع خشعت الجوارح كلها لخشوعه، إذ هو ملكها، حسبما بيناه أول ~~البقرة. وكان الرجل من العلماء إذا أقام الصلاة وقام إليها يهاب الرحمن أن ~~يمد بصره إلى شئ وأن يحدث نفسه بشئ من الدنيا. # وقال عطاء: هو ألا يعبث بشئ من جسده في الصلاة. وأبصر النبي صلى الله ~~عليه وسلم رجلا يعبث بلحيته في الصلاة فقال: (لو خشع قلب هذا لخشعت ~~جوارحه). وقال أبو ذر قال النبي صلى الله عليه وسلم. (إذا قام أحدكم إلى ~~الصلاة فإن الرحمة تواجهه فلا يحركن الحصى ". رواه الترمذي. وقال الشاعر: # PageV12P103 # ألا في الصلاة الخير والفضل أجمع * لان بها الآراب (1) لله تخضع وأول فرض ~~من شريعة ديننا * وآخر ما يبقى إذا الدين يرفع فمن قام للتكبير لاقنه رحمة ~~* وكان كعبد باب مولاه يقرع وصار لرب العرش حين صلاته * نجيا فيا طوباه لو ~~كان يخشع وروى أبو عمران (2) الجوني قال: قيل لعائشة ما كان خلق رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم؟ # قالت: أتقرأون سورة المؤمنين؟ قيل نعم. قالت: اقرأوا، فقرئ عليها: " قد ~~أفلح المؤمنون - حتى بلغ - يحافظون ". وروى النسائي عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما قال: # كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلحظ في صلاته يمينا وشمالا، ولا يلوي ~~عنقه خلف ظهره. # وقال كعب بن مالك في حديثه الطويل: ثم أصلى قريبا منه - يعنى من النبي ~~صلى الله عليه وسلم - وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلى وإذا ~~التفت نحوه أعرض عنى... الحديث، ولم يأمره ms4287 بإعادة. # الثالثة - اختلف الناس في الخشوع، هل هو من فرائض الصلاة أو من فضائلها ~~ومكملاتها على قولين. والصحيح الأول، ومحله القلب، وهو أول عمل يرفع من ~~الناس، قاله عبادة بن الصامت، رواه الترمذي من حديث جبير بن نفير عن أبي ~~الدرداء، وقال: هذا حديث حسن غريب. وقد خرجه النسائي من حديث جبير بن نفير ~~أيضا عن عوف بن مالك الأشجعي من طريق صحيحة (3). قال أبو عيسى: ومعاوية (4) ~~بن صالح ثقة عند أهل الحديث، ولا نعلم أحدا تكلم فيه غير يحيى بن سعيد ~~القطان. # قلت: معاوية بن صالح أبو عمرو ويقال أبو عمر الحضرمي الحمصي قاضي ~~الأندلس، سئل عنه أبو حاتم الرازي فقال: صالح الحديث، يكتب حديثه ولا يحتج ~~به. واختلف فيه قول يحيى بن معين، ووثقه عبد الرحمن بن مهدي أحمد بن حنبل ~~وأبو زرعة الرازي، واحتج به مسلم في صحيحه. # وتقدم في " البقرة " معنى اللغو والزكاة فلا معنى للإعادة (5). وقال # PageV12P104 # الضحاك: إن اللغو هنا الشرك. وقال الحسن: إنه المعاصي كلها. فهذا قول ~~جامع يدخل فيه قول من قال هو: الشرك، وقول من قال هو الغناء، كما روى مالك ~~بن أنس عن محمد ابن المنكدر، على ما يأتي في " لقمان " بيانه (1). ومعنى " ~~فاعلون " أي مؤدون، وهي فصيحة، وقد جاءت في كلام العرب. قال أمية بن أبي ~~الصلت: # المطعمون الطعام في السنة * الأزمة والفاعلون للزكوات الرابعة - قوله ~~تعالى: (والذين هم لفروجهم حافظون) قال ابن العربي: " من غريب القرآن أن ~~هذه الآيات العشر عامة في الرجال والنساء، كسائر ألفاظ القرآن التي هي ~~محتملة لهم فإنها عامة فيهم، إلا قوله " والذين هم لفروجهم حافظون " فإنما ~~خاطب بها الرجال خاصة دون الزوجات، بدليل قوله: " إلا على أزواجهم أو ما ~~ملكت أيمانهم ". وإنما عرف حفظ المرأة فرجها من أدلة أخرى كآيات الاحصان ~~عموما وخصوصا وغير ذلك من الأدلة ". # قلت: وعلى هذا التأويل في الآية فلا يحل لامرأة أن يطأها من تملكه إجماعا ~~من العلماء، لأنها غير داخلة في الآية، ولكنها لو أعتقته بعد ملكها له ms4288 جاز ~~له أن يتزوجها كما يجوز لغيره عند الجمهور. وروى عن عبيد الله بن عبد الله ~~بن عتبة والشعبي والنخعي أنها لو أعتقته حين ملكته كانا على نكاحهما. قال ~~أبو عمر: ولا يقل هذا أحد من فقهاء الأمصار، لان تملكها عندهم يبطل النكاح ~~بينهما، وليس ذلك بطلاق وإنما هو فسخ للنكاح، وأنها لو أعتقته بعد ملكها له ~~لم يراجعها إلا بنكاح جديد ولو كانت في عدة منه. # الخامسة - قال محمد بن عبد الحكم: سمعت حرملة بن عبد العزيز قال: سألت ~~مالكا عن الرجل يجلد عميرة، فتلا هذه الآية: " والذين هم لفروجهم حافظون - ~~إلى قوله - العادون ". وهذا لأنهم يكنون عن الذكر بعميرة، وفيه يقول ~~الشاعر: # إذا حللت بواد لا أنيس به * فاجلد عميرة لا داء ولا حرج ويسميه أهل ~~العراق الاستمناء، وهو استفعال من المنى. وأحمد بن حنبل على ورعه يجوزه، ~~ويحتج بأنه إخراج فضلة من البدن فجاز عند الحاجة، أصله الفصد والحجامة. ~~وعامة # PageV12P105 # العلماء على تحريمه. وقال بعض العلماء: إنه كالفاعل بنفسه، وهي معصية ~~أحدثها الشيطان وأجراها بين الناس حتى صارت قيلة، ويا ليتها لم تقل، ولو ~~قام الدليل على جوازها لكان ذو المروءة يعرض عنها لدناءتها. فإن قيل: إنها ~~خير من نكاح الأمة، قلنا: نكاح الأمة ولو كانت كافرة على مذهب بعض العلماء ~~خير من هذا، وإن كان قد قال به قائل أيضا، ولكن الاستمناء ضعيف في الدليل، ~~عار بالرجل الدنئ (1) فكيف بالرجل الكبير. # السادسة - قوله تعالى: (إلا على أزواجهم) قال الفراء: أي من أزواجهم ~~اللاتي أحل الله لهم لا يجاوزون (2). (أو ما ملكت أيمانهم) في موضع خفض ~~معطوفة على " أزواجهم " و " ما " مصدرية. وهذا يقتضى تحريم الزنى، وما ~~قلناه من الاستنماء، ونكاح المتعة، لان المتمتع بها لا تجرى مجرى الزوجات، ~~لا ترث ولا تورث، ولا يلحق به ولدها، ولا يخرج من نكاحها بطلاق يستأنف لها، ~~وإنما يخرج بانقضاء المدة التي عقدت عليها وصارت كالمستأجرة. ابن العربي: ~~إن قلنا إن نكاح المتعة جائز فهي زوجة إلى أجل ينطلق عليها ms4289 اسم الزوجية. ~~وإن قلنا بالحق الذي أجمعت عليه الأمة من تحريم نكاح المتعة لما كانت زوجة ~~فلم تدخل في الآية. # قلت: وفائدة هذا الخلاف هل يجب الحد ولا يلحق الولد كالزنى الصريح، أو ~~يدفع الحد للشبهة ويلحق الولد؟ قولان لأصحابنا. وقد كان للمتعة في التحليل ~~والتحريم أحوال، فمن ذلك أنها كانت مباحة ثم حرمها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم زمن خيبر، ثم حللها في غزاة الفتح، ثم حرمها بعد، قاله ابن خويز منداد ~~من أصحابنا وغيره، وإليه أشار ابن العربي. # وقد مضى في " النساء " القول فيها مستوفى (3). # السابعة - قوله تعالى: (فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون) فسمى من ~~نكح ما (4) لا يحل عاديا، وأوجب عليه الحد لعدوانه، واللائط عاد قرآنا ~~ولغة، بدليل قوله تعالى: " بل أنتم قوم عادون " [الشعراء: 166] وكما تقدم ~~في " الأعراف (5) "، فوجب أن يقام الحد عليهم، وهذا ظاهر لا غبار عليه. # PageV12P106 # قلت: فيه نظر، ما لم يكن جاهلا أو متأولا، وإن كان الاجماع منعقدا على أن ~~قوله تعالى: " والذين هم لفروجهم حافظون. إلا على أزواجهم أو ما ملكت ~~أيمانهم فإنهم غير ملومين " خص به الرجال دون النساء، فقد روى معمر عن ~~قتادة قال: تسررت امرأة غلامها، فذكر ذلك لعمر فسألها: ما حملك على ذلك؟ ~~قالت: كنت أراه يحل لي بملك يميني كما يحل للرجل المرأة بملك اليمين، ~~فاستشار عمر في رجمها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: تأولت ~~كتاب الله عز وجل على غير تأويله: لا رجم عليها. فقال عمر: لا جرم! # والله لا أحلك لحر بعده أبدا. عاقبها بذلك ودرأ الحد عنها، وأم العبد ألا ~~يقربها. وعن أبي بكر بن عبد الله أنه سمع أباه يقول: أنا حضرت عمر بن عبد ~~العزيز جاءته امرأة بغلام لها وضئ فقالت: إني استسررته فمنعني بنو عمى عن ~~ذلك، وإنما أنا بمنزلة الرجل تكون له الوليدة فيطؤها، فإنه عنى بنى عمى، ~~فقال عمر: أتزوجت قبله؟ قالت نعم، قال أما والله لولا منزلتك من الجهالة ~~لرجمتك بالحجارة، ولكن ms4290 اذهبوا به فبيعوه إلى من يخرج به إلى غير بلدها. و " ~~وراء " بمعنى سوى، وهو مفعول ب‍ " ابتغى " أي من طلب سوى الأزواج والولائد ~~المملوكة له. وقال الزجاج: أي فمن ابتغى ما بعد ذلك، فمفعول الابتغاء ~~محذوف، و " وراء " ظرف. و " ذلك " يشار به إلى كل مذكور مؤنثا كان أو ~~مذكرا. (فأولئك هم العادون) أي المجاوزون الحد، من عدا أي جاوز الحد وجازه. # الثامنة - قوله تعالى: (والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون) والذين هم على ~~صلواتهم يحافظون) قرأ الجمهور: " لأماناتهم " بالجمع. وابن كثير بالافراد. ~~والأمانة والعهد يجمع كل ما يحمله الانسان من أمر دينه ودنياه قولا فعلا. ~~وهذا يعم معاشرة الناس والمواعيد وغير ذلك، وغاية ذلك حفظه والقيام به. ~~والأمانة أعم من العهد، وكل عهد فهو أمانة فيما تقدم فيه قول أو فعل أو ~~معتقد. # التاسعة - قرأ الجمهور: " صلواتهم " وحمزة والكسائي " صلاتهم " بالافراد، ~~وهذا الافراد اسم جنس فهو في معنى الجميع. والمحافظة على الصلاة إقامتها ~~والمبادرة إليها أوائل PageV12P107 # أوقاتها، وإتمام ركوعها وسجودها. وقد تقدم في " البقرة (1) " مستوفى. ثم ~~قال: (أولئك هم الوارثون) أي من عمل بما ذكر في هذه الآيات فهم الوارثون، ~~أي يرثون منازل أهل النار من الجنة. وفي الخبر عن أبي هريرة رضي الله عنه ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم (إن الله تعالى جعل لكل إنسان مسكنا في الجنة ~~ومسكنا في النار فأما المؤمنون فيأخذون منازلهم ويرثون منازل الكفار ويجعل ~~الكفار في منازلهم في النار). خرجه ابن ماجة بمعناه. عن أبي هريرة أيضا قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما منكم من أحد إلا وله منزلان منزل في ~~الجنة ومنزل في النار فإذا مات فدخل النار ورث أهل الجنة منزله فذلك قوله ~~تعالى: # " أولئك هم الوارثون "). إسناده صحيح. ويحتمل أن يسمى الحصول على الجنة ~~وراثة من حيث حصولها دون غيرهم، فهو اسم مستعار على الوجهين. # والفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها. خرجه الترمذي من حديث الربيع بنت ~~النضر أم حارثة، وقال: حديث حسن صحيح. وفي صحيح (2) مسلم ms4291 (فإذا سألتم الله ~~فسلوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة ومنه تفجر أنهار الجنة). قال ~~أبو حاتم محمد بن حبان: قوله صلى الله عليه وسلم (فإنه أوسط الجنة) يريد أن ~~الفردوس في وسط الجنان في العرض وهو أعلى الجنة، يريد في الارتفاع. وهذا ~~كله يصحح قول أبي هريرة: إن الفردوس جبل الجنة التي تتفجر منه أنهار الجنة. ~~واللفظة فيما قال مجاهد: رومية عربت. وقيل: هي فارسية عربت. وقيل: # حبشية، وإن ثبت ذلك فهو وفاق بين اللغات. وقال الضحاك: هو عربي وهو ~~الكرم، والعرب تقول للكروم فراديس. (هم فيها خالدون) فأنث على معنى الجنة. # قوله تعالى: ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين (12) ثم جعلنه نطفة في ~~قرار مكين (13) ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة ~~عظما فكسونا العظم لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ~~(14) # PageV12P108 # فيه خمس مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (ولقد خلقنا الانسان) الانسان هنا آدم عليه الصلاة ~~والسلام، قاله قتادة وغيره، لأنه استل من الطين. ويجئ الضمير في قوله: (ثم ~~جعلناه) عائدا على ابن آدم، وإن كان لم يذكر لشهرة الامر، فإن المعنى لا ~~يصلح إلا له. نظير ذلك " حتى توارت بالحجاب (1) " [ص: 32]. وقيل: المراد ~~بالسلالة ابن آدم، قاله ابن عباس وغيره. والسلالة على هذا صفوة الماء، يعنى ~~المنى. والسلالة فعالة من السل وهو استخراج الشئ من الشئ، يقال: سللت الشعر ~~من العجين، والسيف من الغمد فانسل، ومنه قوله: # * فسلى ثيابي من ثيابك تنسل (2) * فالنطفة سلالة، والولد سليل وسلالة، ~~عنى به الماء يسل من الظهر سلا. قال الشاعر: # فجاءت به عضب الأديم غضنفرا * سلالة فرج كان غير حصين (3) وقال آخر: # وما هند إلا مهرة عربية * سليلة أفراس تجللها بغل (4) وقوله: " من طين) ~~أي أن الأصل آدم وهو من طين. # قلت: أي من طين خالص، فأما ولده فهو من طين ومنى، حسبما بيناه في أول ~~سورة الأنعام (5). # وقال الكلبي: السلالة الطين إذا عصرته انسل من بين أصابعك، فالذي يخرج هو ~~السلالة. # الثانية - قوله تعالى: (نطفة) ms4292 قد مضى القول في النطفة والعلقة والمضغة ~~وما في ذلك من الاحكام في أول الحج (6)، والحمد لله على ذلك. # الثالثة - قوله تعالى: (ثم أنشأناه خلقا آخر) اختلف الناس في الخلق ~~الاخر، فقال ابن عباس والشعبي وأبو العالية والضحاك وابن زيد: هو نفخ الروح ~~فيه بعد أن كان # PageV12P109 # جمادا. وعن ابن عباس: خروجه إلى الدنيا. وقال قتادة عن فرقة: نبات شعره. ~~الضحاك: # خروج الأسنان ونبات الشعر. مجاهد: كمال شبابه، وروى عن ابن عمر. والصحيح ~~أنه عام في هذا وفي غيره من النطق والادراك وحسن المحاولة وتحصيل المعقولات ~~إلى أن يموت. # الرابعة - قوله تعالى: (فتبارك الله أحسن الخالقين) يروى أن عمر بن ~~الخطاب لما سمع صدر الآية إلى قوله: " خلقا آخر " قال فتبارك الله أحسن ~~الخالقين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هكذا أنزلت). وفي مسند ~~الطيالسي: ونزلت " ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين " الآية، فلما نزلت ~~قلت أنا: تبارك الله أحسن الخالقين، فنزلت: # " تبارك الله أحسن الخالقين ". ويروى أن قائل ذلك معاذ بن جبل. وروى أن ~~قائل ذلك عبد الله بن أبي سرح، وبهذا السبب ارتد وقال: اتى بمثل ما يأتي ~~محمد، وفيه نزل " ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحى إلى ولم ~~يوح إليه شئ ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله " [الانعام: 93] على ما تقدم ~~بيانه في " الانعام (1) ". وقوله تعالى: " فتبارك " تفاعل من البركة. # (أحسن الخالقين) أتقن الصانعين. يقال لمن صنع شيئا خلقه، ومنه قول ~~الشاعر: # ولأنت تفرى ما خلقت وبعض * القوم يخلق ثم لا يفرى (2) وذهب بعض الناس إلى ~~نفى هذه اللفظة عن الناس، وإنما يضاف الخلق إلى الله تعالى. # وقال ابن جريح: إنما قال: " أحسن الخالقين " لأنه تعالى قد أذن لعيسى ~~عليه السلام أن يخلق، واضطرب بعضهم في ذلك. ولا تنفى اللفظة عن البشر في ~~معنى الصنع، وإنما هي منفية بمعنى الاختراع والايجاد من العدم. # الخامسة (3): من هذه الآية قال ابن عباس لعمر حين سأل مشيخة الصحابة عن ~~ليلة القدر فقالوا: الله ms4293 أعلم، فقال عمر: ما تقول يا بن عباس؟ فقال: يا ~~أمير المؤمنين إن الله تعالى خلق السماوات سبعا والأرضين سبعا، وخلق ابن ~~آدم من سبع وجعل رزقه في سبع، فأراها # PageV12P110 # في ليلة سبع وعشرين. فقال عمر رضي الله عنه أعجز (1) كم أن تأتوا بمثل ما ~~أتى هذا الغلام الذي لم تجتمع شؤون رأسه. وهذا الحديث بطوله في مسند ابن ~~أبي شيبة. فأراد ابن عباس " خلق ابن آدم من سبع " بهذه الآية (2)، وبقوله: ~~" وجعل رزقه في سبع " قوله: " فأنبتنا فيها (3) حبا. وعنبا وقضبا. وزيتونا ~~ونخلا. وحدائق غلبا. وفاكهة وأبا " [عبس: 27 - 31] الآية. السبع منها لابن ~~آدم، والأب للانعام. والقضب يأكله ابن آدم ويسمن منه النساء، هذا قول. # وقيل: القضب البقول لأنها تقضب، فهي رزق ابن آدم. وقيل: القضب والأب ~~للانعام، والست الباقية لابن آدم، والسابعة هي للانعام، إذ هي من أعظم رزق ~~ابن آدم. # قوله تعالى: ثم إنكم بعد ذلك لميتون (15) ثم إنكم يوم القيمة تبعثون (16) ~~قوله تعالى: (ثم إنكم بعد ذلك لميتون) أي بعد الخلق والحياة. النحاس: ويقال ~~في هذا المعنى لمائتون. ثم أخبر بالبعث بعد الموت فقال: (ثم إنكم يوم ~~القيامة تبعثون). # قوله تعالى: ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق وما كنا عن الخلق غافلين (17) ~~قوله تعالى: (ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق) قال أبو عبيدة: أي سبع سماوات. # وحكى عنه أنه يقال: طارقت الشئ، أي جعلت بعضه فوق بعض، فقيل للسموات ~~طرائق لان بعضها فوق بعض. والعرب تسمى كل شئ فوق شئ طريقة. وقيل: لأنها ~~طرائق الملائكة. # (وما كنا عن الخلق غافلين) قال بعض العلماء: أي عن خلق السماء. # وقال أكثر المفسرين: أي عن الخلق كلهم من أن تسقط عليهم فتهلكهم. # قلت: ويحتمل أن يكون المعنى " وما كنا عن الخلق غافلين " أي في القيام ~~بمصالحهم وحفظهم (4)، وهو معنى الحي القيوم، على ما تقدم (5). # PageV12P111 # قوله تعالى: وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكنه في الأرض وإنا على ذهاب ~~به لقادرون (18) فيه أربع مسائل: # الأولى - هذه الآية من نعم الله تعالى على خلقه ms4294 ومما أمتن به عليهم، ومن ~~أعظم المنن الماء الذي هو حياة الأبدان ونماء الحيوان. والماء المنزل من ~~السماء على قسمين: هذا الذي ذكر الله سبحانه وتعالى وأخبر بأنه استودعه في ~~الأرض، وجعله فيها مختزنا لسقي الناس يجدونه عند الحاجة إليه، وهو ماء ~~الأنهار والعيون وما يستخرج من الابار. وروى عن ابن عباس وغيره أنه إنما ~~أراد الأنهار الأربعة: سبحان وجيحان ونيل مصر والفرات. # وقال مجاهد: ليس في الأرض ماء إلا وهو من السماء. وهذا ليس على إطلاقه، ~~وإلا فالأجاج ثابت في الأرض، فيمكن أن يقيد قوله بالماء العذب، ولا محالة ~~أن الله تعالى قد جعل في الأرض ماء وأنزل من السماء ماء. وقد قيل: إن قوله: ~~" وأنزلنا من السماء ماء " إشارة إلى الماء العذب، وأن أصله من البحر، رفعه ~~الله تعالى بلطفه وحسن تقديره من البحر إلى السماء، حتى طاب بذلك الرفع ~~والتصعيد، ثم أنزله إلى الأرض لينتفع به، ولو كان الامر إلى ماء البحر لما ~~انتفع به من ملوحته. # الثانية - قوله تعالى: (بقدر) أي على مقدار مصلح، لأنه لو كثر أهلك، ومنه ~~قوله تعالى: " وإن من شئ إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم (1) " ~~الحجر: 21]. (وإنا على ذهاب به لقادرون) يعنى الماء المختزن. وهذا تهديد ~~ووعيد، أي في قدرتنا إذهابه وتغويره، ويهلك الناس بالعطش وتهلك مواشيهم، ~~وهذا كقوله تعالى: " قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا - أي غائرا - فمن يأتيكم ~~بماء معين (2) " [الملك: 30]. # الثالثة - ذكر النحاس: قرئ على أبى يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن يونس عن ~~جامع بن سوادة فال: حدثنا سعيد بن سابق قال حدثنا مسلمة بن علي عن مقاتل بن ~~حيان # PageV12P112 # عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~(أنزل الله عز وجل من الجنة إلى الأرض خمسة أنهار سيحون وهو نهر الهند، ~~وجيحون وهو نهر بلخ، ودجلة والفرات وهما نهرا العراق، والنيل وهو نهر مصر، ~~أنزلها الله تعالى من عين واحدة من عيون الجنة في أسفل درجة من درجاتها ms4295 على ~~جناحي جبريل عليه السلام فاستودعها الجبال وأجراها في الأرض وجعل فيها ~~منافع للناس في أصناف معايشهم وذلك قوله جل ثناؤه: " وأنزلنا من السماء ماء ~~بقدر فأسكناه في الأرض " فإذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج أرسل الله عز وجل ~~جبريل فرفع من الأرض القرآن والعلم وجميع الأنهار الخمسة فيرفع ذلك إلى ~~السماء فذلك قوله تعالى: # " وإنا على ذهاب به لقادرون " فإذا رفعت هذه الأشياء من الأرض فقد أهلها ~~خير الدين والدنيا). # الرابعة - كل ما نزل من السماء مختزنا كان أو غير مختزن فهو طاهر مطهر ~~يغتسل به ويتوضأ منه، على ما يأتي في " الفرقان (1) " بيانه. # قوله تعالى: فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب لكم فيها فواكه كثيرة ~~ومنها تأكلون (19) فيه مسألتان: # الأولى - قوله تعالى: (فأنشأنا) أي جعلنا ذلك سبب النبات، وأوجدناه به ~~وخلقناه. # وذكر تعالى النخيل والأعناب، لأنها ثمرة الحجاز بالطائف والمدينة ~~وغيرهما، قاله الطبري. # ولأنها أيضا أشرف الثمار، فذكرها تشريفا لها وتنبيها عليها. (لكم فيها) ~~أي في الجنات. # (فواكه) من غير الرطب والعنب. ويحتمل أن يعود على النخيل والأعناب خاصة ~~إذ فيها مراتب وأنواع، والأول أعم لسائر الثمرات. # الثانية - من حلف ألا يأكل فاكهة، ففي الرواية عندنا يحنث بالباقلاء ~~الخضراء وما أشبهها. وقال أبو حنيفة، لا يحنث بأكل القثاء والخيار والجزر، ~~لأنها من القبول لا من الفاكهة. وكذلك الجوز واللوز والفستق، لان هذه ~~الأشياء لا تعد من الفاكهة. # PageV12P113 # وإن أكل تفاحا أو خوخا أو مشمشا أو تينا أو إجاصا يحنث. وكذلك البطيخ، ~~لان هذه الأشياء كلها تؤكل على جهة التفكه قبل الطعام وبعده، فكانت فاكهة. ~~وكذلك يابس هذه الأشياء إلا البطيخ اليابس لان ذلك لا يؤكل إلا في بعض ~~البلدان. ولا يحنث بأكل البطيخ الهندي لأنه لا يعد من الفواكه. وإن أكل ~~عنبا أو رمانا أو رطبا لا يحنث. وخالفه صاحباه فقالا يحنث، لان هذه الأشياء ~~من أعز الفواكه، وتؤكل على وجه التنعم. والافراد لها بالذكر في كتاب الله ~~عز جل لكمال معانيها، كتخصيص جبريل وميكائيل من الملائكة. ms4296 واحتج أبو حنيفة ~~بأن قال: عطف هذه الأشياء على الفاكهة مرة فقال: " فيهما فاكهة ونخل ورمان ~~(1) " [الرحمن: 68] ومرة عطف الفاكهة على هذه الأشياء فقال: " وفاكهة (2) ~~وأبا " [عبس: 31] والمعطوف غير المعطوف عليه، ولا يليق بالحكمة ذكر الشئ ~~الواحد بلفظين مختلفين في موضع المنة. والعنب والرمان يكتفى بهما في بعض ~~البلدان فلا يكون فاكهة، ولأن ما كان فاكهة لا فرق بين رطبه ويابسه، ويابس ~~هذه الأشياء لا يعد فاكهة فكذلك رطبها. # قوله تعالى: وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للاكلين (20) فيه ~~ست مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (وشجرة) شجرة عطف على جنات. وأجاز الفراء الرفع ~~لأنه لم يظهر الفعل، بمعنى وثم شجرة، ويريد بها شجرة الزيتون. وأفردها ~~بالذكر لعظيم منافعها في أرض الشام والحجاز وغيرهما من البلاد، وقلة ~~تعاهدها بالسقي والحفر وغير ذلك من المراعاة في سائر الأشجار. (تخرج) في ~~موضع الصفة. (من طور سيناء) أي أنبتها الله في الأصل من هذا الجبل الذي ~~بارك الله فيه. وطور سيناء من أرض الشام وهو الجبل الذي كلم الله عليه موسى ~~عليه السلام، قاله ابن عباس وغيره، وقد تقدم في البقرة والأعراف (3). ~~والطور الجبل في كلام العرب. وقيل: هو مما عرب من كلام العجم. وقال ابن ~~زيد: هو جبل # PageV12P114 # بيت المقدس ممدود من مصر إلى أيلة (1). واختلف في سيناء، فقال قتادة: ~~معناه الحسن، ويلزم على هذا التأويل أن ينون الطور على النعت. وقال مجاهد: ~~معناه مبارك. وقال معمر عن فرقة: معناه شجر، ويلزمهم أن ينونوا الطور. وقال ~~الجمهور: هو اسم الجبل، كما تقول جبل أحد. وعن مجاهد أيضا: سيناء حجر بعينه ~~أضيف الجبل إليه لوجوده عنده. وقال مقاتل: كل جبل يحمل الثمار فهو سيناء، ~~أي حسن. وقرأ الكوفيون بفتح السين على وزن فعلاء، وفعلاء في كلام العرب ~~كثير، يمنع من الصرف في المعرفة والنكرة، لان في آخرها ألف التأنيث، وألف ~~التأنيث ملازمة لما هي فيه، وليس في الكلام فعلاء، ولكن من قرأ سيناء بكسر ~~السين جعله فعلا لا، فالهمزة فيه كهمزة حرباء، ولم ms4297 يصرف في هذه الآية لأنه ~~جعل اسم بقعة. وزعم الأخفش أنه اسم أعجمي. # الثانية - قوله تعالى: (تنبت بالدهن) قرأ الجمهور " تنبت " بفتح التاء ~~وضم الباء، والتقدير: تنبت ومعها الدهن، كما تقول: خرج زيد بسلاحه. وقرأ ~~ابن كثير وأبو عمرو بضم التاء وكسر الباء. واختلف في التقدير على هذه ~~القراءة، فقال أبو على الفارسي: # التقدير تنبت جناها ومعه الدهن، فالمفعول محذوف. وقيل: الباء زائدة، مثل: ~~" ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة (2) " [البقرة: 195] وهذا مذهب أبي عبيدة. ~~وقال الشاعر: # * نضرب بالسيف ونرجو بالفرج * وقال آخر: # هن الحرائر لا ربات أخمرة (3) * سود المحاجر لا يقرأن بالسور ونحو هذا ~~قال أبو على أيضا، وقد تقدم. وقيل: نبت وأنبت بمعنى، فيكون المعنى كما مضى ~~في قراءة الجمهور، وهو مذهب الفراء وأبى إسحاق، ومنه قول زهير: # * حتى إذا أنبت البقل * # PageV12P115 # والأصمعي ينكر أنبت، ويتهم قصيدة زهير التي فيها: # رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم * قطينا بها حتى إذا أنبت البقل أي نبت. ~~وقرأ الزهري والحسن والأعرج: " تنبت بالدهن " برفع التاء ونصب الباء. قال ~~ابن جنى والزجاج: هي باء الحال، أي تنبت ومعها دهنها. وفي قراءة ابن مسعود: ~~" تخرج بالدهن " وهي باء الحال. ابن درستويه: الدهن الماء اللين، تنبت من ~~الانبات. وقرأ زر بن حبيش: # " تنبت - بضم التاء وكسر الباء - الدهن " بحذف الباء ونصبه. وقرأ سليمان ~~بن عبد الملك والأشهب: " بالدهان ". والمراد من الآية تعديد نعمة الزيت على ~~الانسان، وهي من أركان النعم التي لا غنى بالصحة عنها. ويدخل في معنى ~~الزيتون (1) شجر الزيت كله على اختلافه بحسب الأقطار. # الثالثة - قوله تعالى: (وصبغ للاكلين) قراءة الجمهور. وقرأت فرقة: " ~~وأصباغ " بالجمع. وقرأ عامر بن عبد قيس: " ومتاعا "، ويراد به الزيت الذي ~~يصطبغ به الاكل، يقال: # صبغ وصباغ، مثل دبغ ودباغ، ولبس ولباس. وكل إدام يؤتدم به فهو صبغ، حكاه ~~الهروي وغيره. وأصل الصبغ ما يلون به الثوب، وشبه الادام به لان الخبز يلون ~~(2) بالصبغ إذا غمس فيه. وقال مقاتل: الادم الزيتون، والدهن الزيت. وقد جعل ~~الله تعالى في هذه الشجرة ms4298 أدما ودهنا، فالصبغ على هذا الزيتون. # الرابعة - لا خلاف أن كل ما يصطبغ فيه من المائعات كالزيت والسمن والعسل ~~والرب والخل وغير ذلك من الأمراق أنه إدام. وقد نص رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على الخل فقال: (نعم الادام الخل) رواه تسعة من الصحابة، سبعة رجال ~~وامرأتان. وممن رواه في الصحيح جابر وعائشة وخارجة وعمر وابنه عبيد الله ~~وابن عباس وأبو هريرة وسمرة ابن جندب وأنس وأم هانئ. # الخامسة - واختلف فيما كان جامدا كاللحم والتمر والزيتون وغير ذلك من ~~الجوامد، فالجمهور أن ذلك كله إدام، فمن حلف ألا يأكل إداما فأكل لحما أو ~~جبنا حنث. وقال أبو حنيفة: # لا يحنث، وخالفه صاحباه. وقد روى عن أبي يوسف مثل قول أبي حنيفة. والبقل ~~ليس بإدام في قولهم جميعا. وعن الشافعي في التمر وجهان، والمشهور أنه ليس ~~بإدام لقوله في التنبيه. # PageV12P116 # وقيل يحنث، والصحيح أن هذا كله إدام. وقد روى أبو داود عن يوسف بن عبد ~~الله ابن سلام قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم أخذ كسرة من خبز شعير ~~فوضع عليها تمرة فقال: # (هذا إدام هذه). وقال صلى الله عليه وسلم: (سيد إدام الدنيا والآخرة ~~اللحم). ذكره أبو عمر. # وترجم البخاري (باب الادام) وساق حديث عائشة، ولأن الادام مأخوذ من ~~المؤادمة وهي الموافقة، وهذه الأشياء توافق الخبز فكان إداما. وفي الحديث ~~عنه عليه السلام: (ائتدموا ولو بالماء). ولأبي حنيفة أن حقيقة الادام ~~الموافقة في الاجتماع على وجه لا يقبل الفصل، كالخل والزيت ونحوهما، وأما ~~اللحم والبيض وغيرهما لا يوافق الخبز بل يجاوزه (1) كالبطيخ والتمر والعنب. ~~والحاصل: أن كل ما يحتاج في الاكل إلى موافقة الخبز كان إداما، وكل ما لا ~~يحتاج ويؤكل على حدة لا يكون إداما، والله أعلم. # السادسة - روى الترمذي من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: (كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة). ~~هذا حديث لا يعرف إلا من حديث عبد الرزاق، وكان يضطرب فيه، فربما ms4299 يذكر فيه ~~عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وربما رواه على الشك فقال: أحسبه عن ~~عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وربما قال: عن زيد بن أسلم عن أبيه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم. وقال مقاتل: # خص الطور بالزيتون لان أول الزيتون نبت منها. وقيل: إن الزيتون أول شجرة ~~نبتت في الدنيا بعد الطوفان. والله أعلم. # قوله تعالى: وإن لكم في الانعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها ولكم فيها ~~منافع كثيرة ومنها تأكلون (21) وعليها وعلى الفلك تحملون (22) ولقد أرسلنا ~~نوحا إلى قومه فقال يقوم اعبدوا الله مالكم من إليه غيره أفلا تتقون (23) ~~فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ~~ولو شاء # PageV12P117 # الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين (24) إن هو إلا رجل ~~به جنة فتربصوا به حتى حين (25) قال رب انصرني بما كذبون (26) فأوحينا إليه ~~أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا فإذا جاء أمرنا وفار التنور فأسئلك فيها من ~~كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم ولا تخطبني في الذين ~~ظلموا إنهم مغرقون (27) قوله تعالى: (وإن لكم في الانعام لعبرة نسقيكم مما ~~في بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون. وعليها وعلى الفلك تحملون) ~~تقدم القول فيهما في " النحل (1) والحمد لله. # وفى هود (2) قصة السفينة ونوح، وركوب البحر في غير موضع (3). # قوله تعالى: (وعليها) أي وعلى الانعام في البر. (وعلى الفلك) في البحر. ~~(تحملون) وإنما يحمل في البر على الإبل فيجوز أن ترجع الكناية إلى بعض ~~النعام. وروى أن رجلا ركب بقرة في الزمان الأول فأنطقها الله تعالى معه ~~فقالت: إنا لم نخلق لهذا! وإنما خلقت للحرث. # قوله تعالى: (مالكم من إله غيره) قرئ بالخفض ردا على اللفظ، وبالرفع ردا ~~على المعنى. وقد مضى في " الأعراف (4) " قوله تعالى: (ما هذا إلا بشر مثلكم ~~يريد أن يتفضل عليكم) أي يسودكم ويشرف عليكم بأن يكون متبوعا ونحن له تبع. ~~(ولو شاء الله لأنزل ملائكة) أي لو ms4300 شاء الله ألا يعبد شئ سواه لجعل رسوله ~~ملكا. (ما سمعنا بهذا) أي بمثل دعوته. وقيل: ما سمعنا بمثله بشرا، أتى (5) ~~برسالة ربه. (في آبائنا الأولين) أي في الأمم الماضية، قاله ابن عباس. ~~والباء في " بهذا " زائدة، أي ما سمعنا هذا كائنا في آبائنا الأولين، ثم ~~عطف بعضهم على بعض فقالوا. (إن هو) # PageV12P118 # يعنون نوحا (إلا رجل به جنة) أي جنون لا يدرى ما يقول. (فتربصوا به حتى ~~حين) أي انتظروا موته. وقيل: حتى يستبين جنونه. وقال الفراء: ليس يراد ~~بالحين ها هنا وقت بعينه، إنما هو كقوله: دعه إلى يوم ما. فقال حين تمادوا ~~على كفرهم: (رب انصرني بما كذبون) أي انتقم ممن لم يطعني ولم يسمع رسالتي. ~~(فأوحينا إليه) أي أرسلنا إليه رسلا من السماء (أن اصنع الفلك) على ما تقدم ~~بيانه. # قوله تعالى: (فاسلك فيها) أي أدخل فيها واجعل فيها، يقال: سلكته في كذا ~~وأسلكته فيه إذا أدخلته. قال عبد مناف بن ربع الهذلي: # حتى إذا أسلكوهم في قتائدة * شلا كما تطرد الجمالة الشردا (1). # (من كل زوجين اثنين) قرأ حفص: " من كل " بالتنوين، الباقون بالإضافة، وقد ~~ذكر (2). # وقال الحسن: لم يحمل نوح في السفينة إلا ما يلد ويبيض، فأما البق والذباب ~~والدود فلم يحمل شيئا منها، وإنما خرج من الطين. وقد مضى القول في السفينة ~~والكلام فيها مستوفى، والحمد لله. # قوله تعالى: فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجينا ~~من القوم الظالمين (28) قوله تعالى: (فإذا استويت) أي علوت. (أنت ومن معك ~~على الفلك) راكبين. # (فقل الحمد لله) أي احمدوا الله على تخليصه إياكم. (من القوم الظالمين) ~~ومن الغرق. والحمد لله: كلمة كل شاكر لله. وقد مضى في الفاتحة بيانه (3). # قوله تعالى: وقل رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين (29) قوله ~~تعالى: (وقل رب أنزلني منزلا مباركا) قراءة العامة: " منزلا " بضم الميم ~~وفتح الزاي، على المصدر الذي هو الانزال، أي أنزلني إنزالا مباركا. وقرأ زر ~~بن حبيش وأبو بكر # PageV12P119 # عن عاصم والمفضل: " منزلا ms4301 " بفتح الميم وكسر الزاي على الموضع، أي أنزلني ~~موضعا مباركا. # الجوهري: المنزل (بفتح الميم والزاي) النزول وهو الحلول، تقول: نزلت ~~نزولا ومنزلا. وقال: # أأن ذكرتك الدار منزلها جمل * بكيت فدم العين منحدر سجل نصب " المنزل " ~~لأنه مصدر (1). وأنزله غيره واستنزله بمعنى. ونزله تنزيلا، والتنزيل أيضا ~~الترتيب. قال ابن عباس ومجاهد: هذا حين خرج من السفينة، مثل قوله تعالى: # " اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك (2) " [هود: 48]. وقيل: ~~حين دخلها، فعلى هذا يكون قوله: " مباركا " يعنى بالسلامة والنجاة. # قلت: وبالجملة فالآية تعليم من الله عز وجل لعباده إذا ركبوا وإذا نزلوا ~~أن يقولوا هذا، بل وإذا دخلوا بيوتهم وسلموا قالوا. وروى عن علي رضي الله ~~عنه أنه كان إذا دخل المسجد قال: اللهم أنزلني منزلا مباركا وأنت خير ~~المنزلين. # قوله تعالى: إن في ذلك لآيات وإن كنا لمبتلين (30) قوله تعالى: (إن في ~~ذلك لايات) أي في أمر نوج والسفينة وإهلاك الكافرين. # " لايات " أي دلالات على كمال قدرة الله تعالى، وأنه ينصر أنبياءه ويهلك ~~أعداءهم. # (وإن كنا لمبتلين) أي ما كنا إلا مبتلين الأمم قبلكم، أي مختبرين لهم ~~بإرسال الرسل إليهم ليظهر المطيع والعاصي فيتبين للملائكة حالهم، لا أن ~~يستجد الرب علما. وقيل: أي نعاملهم معاملة المختبرين. وقد تقدم هذا المعنى ~~في " البقرة (3) " وغيرها. وقيل: " إن كنا " أي وقد كنا. # قوله تعالى: ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين (31) فأرسلنا فيهم رسولا منهم ~~أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون (32) # PageV12P120 # قوله تعالى: (ثم أنشأنا من بعدهم) أي من بعد هلاك قوم نوح. (قرنا آخرين) ~~قيل: هم قوم عاد. (فأرسلنا فيهم رسولا منهم) يعنى هودا، لأنه ما كانت أمة ~~أنشئت في إثر قوم نوح إلا عاد. وقيل: هم قوم ثمود " فأرسلنا فيهم رسولا " ~~يعنى صالحا. قالوا: # والدليل عليه قوله تعالى آخر الآية: " فأخذتهم الصيحة " [المؤمنون: 41]، ~~نظيرها: " وأخذ الذين ظلموا الصيحة (1) " [هود: 67]. # قلت: وممن أخذ بالصيحة أيضا أصحاب مدين قوم شعيب، فلا يبعد أن يكونوا هم، ~~والله أعلم. " منهم " أي ms4302 من عشيرتهم، يعرفون مولده ومنشأه ليكون سكونهم إلى ~~قوله أكثر. # قوله تعالى: وقال الملا من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة ~~وأترفنهم في الحياة الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب ~~مما تشربون (33) ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون (34) أيعدكم أنكم ~~إذا متم وكنتم ترابا وعظما أنكم مخرجون (35) قوله تعالى: (وقال الملا) أي ~~الاشراف والقادة والرؤساء. (من قومه الذين كفروا وكذبوا (2) بلقاء الآخرة) ~~يريد بالبعث والحساب. (وأترفناهم في الحياة الدنيا) أي وسعنا عليهم نعم ~~الدنيا حتى بطروا وصاروا يؤتون بالترفة، وهي مثل التحفة. (ما هذا إلا بشر ~~مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون) فلا فضل له عليكم لأنه محتاج ~~إلى الطعام والشراب كأنتم. وزعم الفراء أن معنى: " ويشرب مما تشربون " على ~~حذف من، أي مما تشربون منه، وهذا لا يجوز عند البصريين ولا يحتاج إلى حذف ~~ألبتة، لان " ما " إذا كان مصدرا لم يحتج إلى عائد، فإن جعلتها بمعنى الذي ~~حذفت المفعول ولم يحتج إلى إضمار من. (ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا ~~لخاسرون) يريد لمغبونون بترككم آلهتكم واتباعكم إياه # PageV12P121 # من غير فضيلة له عليكم. (أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم ~~مخرجون) أي مبعوثون من قبوركم. و " أن " الأولى في موضع نصب بوقوع " يعدكم ~~" عليها، والثانية بدل منها، هذا مذهب سيبويه. والمعنى: أيعدكم أنكم مخرجون ~~إذا متم. قال الفراء: وفي قراءة عبد الله " أيعدكم إذا متم وكنتم ترابا ~~وعظاما أنكم مخرجون "، وهو كقولك: أظن إن خرجت أنك نادم. وذهب الفراء ~~والجرمي وأبو العباس المبرد إلى أن الثانية مكررة للتوكيد، لما طال الكلام ~~كان تكريرها حسنا. وقال الأخفش: المعنى أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا ~~وعظاما يحدث إخراجكم، ف‍ " أن " الثانية في موضع رفع بفعل مضمر، كما تقول: ~~اليوم القتال، فالمعنى اليوم يحدث القتال. وقال أبو إسحاق: ويجوز " أيعدكم ~~إنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما إنكم مخرجون "، لان معنى " أيعدكم " أيقول ~~إنكم. # قوله تعالى: هيهات هيهات لما توعدون (36) قال ابن عباس: هي ms4303 كلمة للبعد، ~~كأنهم قالوا بعيد ما توعدون، أي إن هذا لا يكون ما يذكر من البعث. وقال أبو ~~على: هي بمنزلة الفعل، أي بعد ما توعدون. وقال ابن الأنباري: وفي " هيهات " ~~عشر لغات: هيهات لك (بفتح التاء) وهي قراءة الجماعة. # وهيهات لك (بخفض التاء)، ويروى عن أبي جعفر بن القعقاع " وهيهات لك ~~(بالخفض والتنوين) يروى عن عيسى بن عمر. وهيهات لك (برفع التاء)، الثعلبي: ~~وبها قرأ نصر بن عاصم وأبو العالية. وهيهات لك (بالرفع والتنوين) وبها قرأ ~~أبو حياة الشامي، ذكره الثعلبي أيضا. # وهيهاتا لك (بالنصب والتنوين) قال الأحوص: # تذكرت أياما مضين من الصبا * وهيهات هيهاتا إليك رجوعها واللغة السابعة: ~~أيهات أيهات، وأنشد الفراء: # فأيهات أيهات العقيق ومن به * وأيهات خل بالعقيق نواصله قال المهدوي: ~~وقرأ عيسى الهمداني " هيهات هيهات " بإسكان. قال ابن الأنباري: # ومن العرب من يقول: " أيهان " بالنون، ومنهم من يقول " أيها " بلا نون. ~~وأنشد الفراء: PageV12P122 # ومن دوني الأعيان والقنع كله * وكتمان أيها ما أشت وأبعدا (1) فهذه عشر ~~لغات. فمن قال: " هيهات " بفتح التاء جعله مثل أين وكيف. وقيل: لأنهما ~~أداتان مركبتان مثل خمسة عشر وبعلبك ورام هرمز، وتقف على الثاني بالهاء، ~~كما تقول: # خمس عشرة وسبع عشرة. وقال الفراء: نصبها كنصب ثمت وربت، ويجوز أن يكون ~~الفتح اتباعا للألف والفتحة التي قبلها. ومن كسره جعله مثل أمس وهؤلاء. ~~قال: # * وهيهات هيهات (2) إليك رجوعها * قال الكسائي: ومن كسر التاء وقف عليها ~~بالهاء، فيقول هيهاه. ومن نصبها وقف بالتاء وإن شاء بالهاء. ومن ضمها فعلى ~~مثل منذ وقط وحيث. ومن قرأ: " هيهات " بالتنوين فهو جمع ذهب به إلى التنكير ~~(3)، كأنه قال بعدا بعدا. وقيل: خفض ونون تشبيها بالأصوات بقولهم: غاق ~~وطاق. وقال الأخفش: يجوز في " هيهات " أن تكون جماعة فتكون التاء التي فيها ~~تاء الجميع التي للتأنيث. ومن قرأ: " هيهات " جاز أن يكون أخلصها اسما ~~معربا فيه معنى البعد، ولم يجعله اسما للفعل فيبنيه. وقيل: شبه التاء بتاء ~~الجمع، كقوله تعالى: " فإذا أفضتم من عرفات (4) " [البقرة: 198]. قال ~~الفراء: وكأني ms4304 أستحب الوقف على التاء، لان من العرب من يخفض التاء على كل ~~حال، فكأنها مثل عرفات وملكوت وما أشبه ذلك. وكان مجاهد وعيسى بن عمر وأبو ~~عمرو بن العلاء والكسائي وابن كثير يقفون عليها " هيهاه " بالهاء. وقد روى ~~عن أبي عمرو أيضا أنه كان يقف على " هيهات " بالتاء، وعليه بقية القراء ~~لأنها حرف. # قال ابن الأنباري. من جعلهما حرفا واحدا لا يفرد أحدهما من الاخر، وقف ~~على الثاني بالهاء ولم يقف على الأول، فيقول: هيهات هيهاه، كما يقول خمس ~~عشره، على ما تقدم. # ومن نوى إفراد أحدهما من الاخر وقف فيهما جميعا بالهاء والتاء، لان أصل ~~الهاء تاء. # قوله تعالى: إن هي إلا حياتنا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين (37) # PageV12P123 # قوله تعالى: (إن هي إلا حياتنا الدنيا) " هي " كناية عن الدنيا، أي ما ~~الحياة إلا ما نحن فيه لا الحياة الآخرة التي تعدنا بعد البعث. (نموت ~~ونحيا) يقال: كيف قالوا نموت ونحيا وهم لا يقرون بالبعث؟ ففي هذا أجوبة، ~~منها أن يكون المعنى: نكون مواتا، أي نطفا ثم نحيا في الدنيا. وقيل: فيه ~~تقديم وتأخير، أي إن هي إلا حياتنا الدنيا نحيا فيها ونموت، كما قال: " ~~واسجدي واركعي (1) " [آل عمران: 43]. وقيل: " نموت " يعنى الاباء، " ونحيا ~~" يعنى الأولاد. # (وما نحن بمبعوثين) أي بعد الموت. # قوله تعالى: إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا وما نحن له بمؤمنين (38) ~~قال رب انصرني بما كذبون (39) قال عما قليل ليصبحن نادمين (40) فأخذتهم ~~الصيحة بالحق فجعلناهم غثاء فبعدا للقوم الظالمين (41) قوله تعالى: (إن هو ~~إلا رجل) يعنون الرسول. إلا رجل (افترى) أي اختلق. # (على الله كذبا وما نحن له بمؤمنين. قال رب انصرني بما كذبون) تقدم. (قال ~~عما قليل) أي عن قليل، و " ما " زائدة مؤكدة. (ليصبحن نادمين) على كفرهم، ~~واللام لام القسم، أي والله ليصبحن. (فأخذتهم الصيحة) في التفاسير: صاح بهم ~~جبريل عليه السلام صيحة واحدة مع الريح التي أهلكهم الله تعالى بها فماتوا ~~عن آخرهم. (فجعلناهم غثاء) أي هلكى هامدين كغثاء السيل، وهو ما ms4305 يحمله من ~~بالي الشجر من الحشيش والقصب مما يبس وتفتت. (فبعدا للقوم الظالمين) أي ~~هلاكا لهم. وقيل بعدا لهم من رحمة الله، وهو منصوب على المصدر. ومثله سقيا ~~له ورعيا. # قوله تعالى: ثم أنشأنا من بعدهم قرونا آخرين (42) ما تسبق من أمة أجلها ~~وما يستأخرون (43) ثم أرسلنا رسلنا تترا كل ما جاء أمة رسولها كذبوه ~~فأتبعنا بعضهم بعضا وجعلناهم أحاديث فبعدا لقوم لا يؤمنون (44) # PageV12P124 # قوله تعالى: (ثم أنشأنا من بعدهم) أي من بعد هلاك هؤلاء. (قرونا) أي ~~أمما. # (آخرين) قال ابن عباس: يريد بني إسرائيل، وفي الكلام حذف: فكذبوا ~~أنبياءهم فأهلكناهم. (ما تسبق من أمة أجلها) " من " صلة، أي ما تسبق أمة ~~الوقت المؤقت لها ولا تتأخره، مثل قوله تعالى: " فإذا جاء أجلهم لا ~~يستأخرون ساعة ويستقدمون (1) " [الأعراف: 34]. ومعنى (تترى) تتواتر، ويتبع ~~بعضهم بعضا ترغيبا وترهيبا. قال الأصمعي: واترت كتبي عليه أتبعت بعضها ~~بعضا، إلا أن بين كل كل واحد وبين الاخر مهلة. وقال غيره: المواترة التتابع ~~بغير مهلة. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: " تترى " بالتنوين على أنه مصدر أدخل ~~فيه التنوين على فتح الراء، كقولك: حمدا وشكرا، فالوقف على هذا على الألف ~~المعوضة من التنوين. # ويجوز أن يكون ملحقا بجعفر، فيكون مثل أرطى وعلقى، كما قال: # * يستن في علقى وفي مكور * فإذا وقف على هذا الوجه جازت الإمالة، على أن ~~ينوى الوقف على الألف الملحقة. وقرأ ورش بين اللفظتين، مثل سكرى وغضبى، وهو ~~اسم جمع، مثل شتى وأسرى. وأصله وترى من المواترة والتواتر، فقلبت الواو ~~تاء، مثل التقوى والتكلان وتجاه ونحوها. وقيل: # هو [من (2)] الوتر وهو الفرد، فالمعنى أرسلناهم فردا فردا. النحاس: وعلى ~~هذا يجوز " تترا " بكسر التاء الأولى، وموضعها نصب على المصدر، لان معنى " ~~ثم أرسلنا " واترنا. ويجوز أن يكون في موضع الحال أي متواترين. (فأتبعنا ~~بعضهم بعضا) أي بالهلاك. (وجعلناهم أحاديث) جمع أحدوثة وهي ما يتحدث به، ~~كأعاجيب جمع أعجوبة، وهي ما يتعجب منه. # قال الأخفش: إنما يقال هذا في الشر " جعلناهم أحاديث " ولا يقال في ~~الخير، ms4306 كما يقال: # صار فلان حديثا أي عبرة ومثلا، كما قال في آية أخرى: " فجعلناهم أحاديث ~~ومزقناهم كل ممزق (3) " [سبأ: 19]. # قلت: وقد يقال فلان حديث حسن، إذا كان مقيدا بذكر ذلك، ومنه قول ابن ~~دريد: # وإنما المرء حديث بعده * فكن حديثا حسنا لمن وعى # PageV12P125 # قوله تعالى: ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين (45) إلى ~~فرعون وملأه فاستكبروا وكانوا قوما عالين (46) فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا ~~وقومهما لنا عبدون (47) فكذبوهما فكانوا من المهلكين (48) قوله تعالى: (ثم ~~أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين) تقدم (1). ومعنى (عالين) ~~متكبرين قاهرين لغيرهم بالظلم، كما قال تعالى: " إن فرعون علا في الأرض (2) ~~" [القصص: 4] (فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا) الآية، تقدم أيضا. ومعنى (من ~~المهلكين) أي بالغرق في البحر. # قوله تعالى: ولقد آتينا موسى الكتب لعلهم يهتدون (49) قوله تعالى: (ولقد ~~آتينا موسى الكتاب) يعنى التوراة، وخص موسى بالذكر لان التوراة أنزلت عليه ~~في الطور، وهارون خليفة في قومه. ولو قال: " ولقد آتيناهما " جاز (3) كما ~~قال: " ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان (4) " [الأنبياء: 48]. # قوله تعالى: وجعلنا ابن مريم وأمة آية وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين ~~(50) قوله تعالى: (وجعلنا ابن مريم وأمة آية) تقدم في " الأنبياء (4) " ~~القول فيه. # (وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين) الربوة المكان المرتفع من الأرض، ~~وقد تقدم في " البقرة (5) ". والمراد بها ها هنا في قول أبي هريرة فلسطين. ~~وعنه أيضا الرملة (6)، وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال ابن عباس ~~وابن المسيب وابن سلام: دمشق. وقال كعب وقتادة: بيت المقدس. قال كعب: وهي ~~أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا. قال: # فكنت هميدا تحت رمس بربوة * تعاورني (7) ريح جنوب وشمال # PageV12P126 # وقال ابن زيد: مصر. وروى سالم الأفطس عن سعيد بن جبير: " وآويناهما إلى ~~ربوة " قال: النشز من الأرض. (ذات قرار) أي مستوية يستقر عليها. وقيل: ذات ~~ثمار، ولأجل الثمار يستقر فيها الساكنون. (ومعين) ماء جار ظاهر للعيون. ~~يقال: معين ومعن، كما يقال: رغيف ورغف، قاله على بن سليمان. وقال الزجاج: ~~هو الماء الجاري في العيون، ms4307 فالميم على هذا زائدة كزيادتها في مبيع، وكذلك ~~الميم زائدة في قول من قال إنه الماء الذي يرى بالعين. وقيل: إنه فعيل ~~بمعنى مفعول. قال على بن سليمان: يقال معن الماء إذا جرى فهو معين ومعيون. ~~ابن الأعرابي: معن الماء يمعن معونا إذا جرى وسهل، وأمعن أيضا وأمعنته، ~~ومياه معنان. # قوله تعالى: يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صلحا إني بما تعملون ~~عليم (51) فيه ثلاث مسائل: # الأولى - روى الصحيح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # (أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر ~~به المرسلين فقال: " يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما ~~تعملون عليم " وقال تعالى: # " يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم (1) " [البقرة: 172] - ~~ثم ذكر (2) - الرجل (3) يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا ~~رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك). # الثانية - قال بعض العلماء: والخطاب في هذه الآية للنبي صلى الله عليه ~~وسلم، وأنه أقامه مقام الرسل، كما قال: " الذين قال لهم الناس (4) " [آل ~~عمران: 173] يعنى نعيم بن مسعود. وقال # PageV12P127 # الزجاج: هذه مخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم، ودل الجمع على أن الرسل ~~كلهم كذا أمروا، أي كلوا من الحلال. وقال الطبري: الخطاب لعيسى عليه ~~السلام، روى أنه كان يأكل من غزل أمه. والمشهور عنه أنه كان يأكل من بقل ~~البرية. ووجه خطابه لعيسى ما ذكرناه من تقديره لمحمد صلى الله عليه وسلم ~~تشريفا له. وقيل: إن هذه المقالة خوطب بها كل نبي، لان هذه طريقتهم التي ~~ينبغي لهم الكون عليها. فيكون المعنى: وقلنا يا أيها الرسل كلوا من ~~الطيبات، كما تقول لتاجر: يا تجار ينبغي أن تجتنبوا الربا، فأنت تخاطبه ~~بالمعنى. # وقد اقترن بذلك أن هذه المقالة تصلح لجميع صنفه، فلم يخاطبوا قط مجتمعين ~~صلوات الله عليهم أجمعين، وإنما خوطب كل واحد في عصره. قال الفراء: هو كما ~~تقول للرجل ms4308 الواحد، كفوا عنا أذاكم. # الثالثة - سوى الله تعالى بين النبيين والمؤمنين في الخطاب بوجوب أكل ~~الحلال وتجنب الحرام، ثم شمل الكل في الوعيد الذي تضمنه قوله تعالى: " إني ~~بما تعملون عليم " صلى الله على رسله وأنبيائه. وإذا كان هذا معهم فما ظن ~~كل الناس بأنفسهم. وقد مضى القول في الطيبات والرزق في غير موضع (1)، ~~والحمد لله. وفي قوله عليه السلام (يمد يديه) دليل على مشروعية مد اليدين ~~عند الدعاء إلى السماء، وقد مضى الخلاف في هذا والكلام فيه والحمد لله (2). ~~وقوله عليه السلام (فأنى يستجاب لذلك) على جهة الاستبعاد، أي أنه ليس أهلا ~~لإجابة دعائه لكن يجوز أن يستجيب الله له تفضلا ولطفا وكرما. # قوله تعالى: وإن هذه أمتكم أمة وحدة وأنا ربكم فاتقون (52) فتقطعوا أمرهم ~~بينهم زبرا كل حزب بما فرحون (53) فذرهم في غمرتهم حتى حين (54) # PageV12P128 # فيه أربع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (وإن هذه أمتكم أمة واحدة) المعنى: هذا الذي تقدم ~~ذكره هو دينكم وملتكم فالتزموه. والأمة هنا الدين، وقد تقدم محامله (1)، ~~ومنه قوله تعالى: # " إنا وجدنا آباءنا على أمة (2) " [الزخرف: 22] أي على دين. وقال ~~النابغة: # حلفت فلم أترك لنفسك ريبة * وهل يأثمن ذو أمة وهو طائع الثانية - قرئ " ~~وإن هذه " بكسر " إن " على القطع، وبفتحها وتشديد النون. # قال الخليل: هي في موضع نصب لما زال الخافض، أي أنا عالم بأن هذا دينكم ~~الذي أمرتكم أن تؤمنوا به. وقال الفراء: " أن " متعلقة بفعل مضمر تقديره: ~~واعلموا أن هذه أمتكم. وهي عند سيبويه متعلقة بقوله " فاتقون "، والتقدير ~~فاتقون لان أمتكم واحدة. # وهذا كقوله تعالى: " وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا (3) " ~~[الجن: 18]، أي لان المساجد لله فلا تدعوا معه غيره. وكقوله: " لايلاف قريش ~~(4) " [قريش: 1]، أي فليعبدوا رب هذا البيت لايلاف قريش. # الثالثة - وهذه الآية تقوى أن قوله تعالى: " يا أيها الرسل " إنما هو ~~مخاطبة لجميعهم، وأنه بتقدير حضورهم. وإذا قدرت " يا أيها الرسل " مخاطبة ~~لمحمد صلى الله عليه وسلم قلق (5) اتصال هذه الآية واتصال قوله: " فتقطعوا ~~". أما أن قوله: ms4309 # " وأنا ربكم فاتقون " وإن كان قيل للأنبياء فأممهم داخلون فيه بالمعنى، ~~فيحسن بعد ذلك اتصال. (فتقطعوا) أي افترقوا، يعنى الأمم، أي جعلوا دينهم ~~أديانا بعد ما أمروا بالاجتماع. ثم ذكر تعالى أن كلا منهم معجب برأيه ~~وضلالته وهذا غاية الضلال. # الرابعة - هذه الآية تنظر إلى قوله صلى الله عليه وسلم: (ألا إن من قبلكم ~~من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث ~~وسبعين ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة) الحديث. خرجه ~~أبو داود، ورواه # PageV12P129 # الترمذي وزاد: قالوا ومن هي يا رسول الله؟ قال: (ما أنا عليه وأصحابي) ~~خرجه من حديث عبد الله بن عمرو. وهذا يبين أن الافتراق المحذر منه في الآية ~~والحديث إنما هو في أصول الدين وقواعده، لأنه قد أطلق عليها مللا، وأخبر أن ~~التمسك بشئ من تلك الملل موجب لدخول النار. ومثل هذا لا يقال في الفروع، ~~فإنه لا يوجب تعديد الملل ولا عذاب النار، قال الله تعالى: " لكل جعلنا ~~منكم شرعة ومنهاجا (1) " [المائدة: 48]. # قوله تعالى: (زبرا) يعنى كتبا وضعوها وضلالات ألفوها، قاله ابن زيد. ~~وقيل: # إنهم فرقوا الكتب فاتبعت فرقة الصحف وفرقة التوراة وفرقة الزبور وفرقة ~~الإنجيل، ثم حرف الكل وبدل، قاله قتادة. وقيل: أخذ كل فريق منهم كتابا آمن ~~به وكفر بما سواه. # و " زبرا " بضم الباء قراءة نافع، جمع زبور. والأعمش وأبو عمرو بخلاف عنه ~~" زبرا " بفتح الباء، أي قطعا كقطع الحديد، كقوله تعالى: " آتوني زبر ~~الحديد (2) " [الكهف: 96]. (كل حزب) أي فريق وملة. (بما لديهم) أي عندهم من ~~الدين. (فرحون) أي معجبون به. وهذه الآية مثال لقريش خاطب محمدا صلى الله ~~عليه وسلم في شأنهم متصلا بقوله: " فذرهم في غمرتهم " أي فذر هؤلاء الذين ~~هم بمنزلة من تقدم، ولا يضيق صدرك بتأخير العذاب عنهم، فلكل شئ وقت. ~~والغمرة في اللغة ما يغمرك ويعلوك، وأصله الستر، ومنه الغمر الحقد لأنه ~~يغطى القلب. والغمر الماء الكثير لأنه يغطى الأرض. وغمر الرداء الذي يشمل ~~الناس بالعطاء، قال: # غمر ms4310 الرداء إذا تبسم ضاحكا * غلقت لضحكته رقاب المال المراد هنا الحيرة ~~والغفلة والضلالة. ودخل فلان في غمار الناس، أي في زحمتهم. وقوله تعالى: # (حتى حين) قال مجاهد: حتى الموت، فهو تهديد لا توقيت، كما يقال: سيأتي لك ~~يوم. # قوله تعالى: أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين (55) نسارع لهم في ~~الخيرات بل لا يشعرون (56) # PageV12P130 # قوله تعالى: (أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين) " ما " بمعنى الذي، أي ~~أيحسبون يا محمد أن الذي نعطيهم في الدنيا من المال والأولاد هو ثواب لهم، ~~إنما هو استدراج وإملاء، ليس إسراعا في الخيرات. وفي خبر " أن " ثلاثة ~~أقوال، منها أنه محذوف. # وقال الزجاج: المعنى نسارع لهم به في الخيرات، وحذفت به. وقال هشام ~~الضرير قولا دقيقا، قال: " أنما " هي الخيرات، فصار المعنى: نسارع لهم فيه، ~~ثم أظهر فقال " في الخيرات "، ولا حذف فيه على هذا التقدير. ومذهب الكسائي ~~أن " أنما " حرف واحد فلا يحتاج إلى تقدير حذف، ويجوز الوقف على قوله: " ~~وبنين ". ومن قال: " أنما " حرفان فلا بد من ضمير يرجع من الخبر إلى اسم " ~~أن " ولم يتم الوقف على " وبنين ". وقال السختياني: لا يحسن الوقف على " ~~وبنين "، لان " يحسبون " يحتاج إلى مفعولين، فتمام المفعولين " في الخيرات ~~" قال ابن الأنباري: وهذا خطأ، لان " أن " كافية من اسم أن وخبرها ولا يجوز ~~أن يؤتى بعد " أن " بمفعول ثان. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وعبد الرحمن بن ~~أبي بكرة " يسارع " بالياء، على أن يكون فاعله إمدادنا. وهذا يجوز أن يكون ~~على غير حذف، أي يسارع لهم الامداد. ويجوز أن يكون فيه حذف، ويكون المعنى ~~يسارع الله لهم. وقرئ " يسارع لهم في الخيرات " وفيه ثلاثة أوجه: أحدها على ~~حذف به. ويجوز أن يكون يسارع الامداد. # ويجوز أن يكون " لهم " اسم ما لم يسم فاعله، ذكره النحاس. قال المهدوي: ~~وقرأ الحر النحوي " نسرع لهم في الخيرات " وهو معنى قراءة الجماعة. قال ~~الثعلبي: والصواب قراءة العامة، لقوله: " نمدهم ". (بل لا يشعرون) أن ذلك ~~فتنة لهم واستدراج. # قوله تعالى: إن ms4311 الذين هم من خشية ربهم مشفقون (57) والذين هم بآيات ربهم ~~يؤمنون (58) والذين هم بربهم لا يشركون (59) والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم ~~وجلة أنهم إلى ربهم راجعون (60) PageV12P131 # قوله تعالى: (إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون) لما فرغ من ذكر الكفرة ~~وتوعدهم عقب ذلك بذكر المؤمنين المسارعين في الخيرات ووعدهم، وذكر ذلك ~~بأبلغ صفاتهم. و (مشفقون) خائفون وجلون مما خوفهم الله تعالى. (والذين هم ~~بآيات ربهم يؤمنون. والذين هم بربهم لا يشركون. والذين يؤتون ما آتوا ~~وقلوبهم وجلة) قال الحسن: # يؤتون الاخلاص ويخافون ألا يقبل منهم. وروى الترمذي عن عائشة رضي الله ~~عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن هذه الآية " والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة " قالت عائشة: أهم ~~الذين يشربون الخمر ويسرقون؟ قال: # (لا يا بنت الصديق ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون وهم يخافون ألا ~~يقبل منهم أولئك الذين يسارعون في الخيرات). وقال الحسن: لقد أدركنا (1) ~~أقواما كانوا من حسناتهم أن ترد عليهم أشفق منكم على سيئاتكم أن تعذبوا ~~عليها. وقرأت عائشة رضي الله عنها وابن عباس والنخعي: " والذين يأتون ما ~~أتوا " مقصورا من الاتيان. قال الفراء: # ولو صحت هذه القراءة عن عائشة لم تخالف قراءة الجماعة، لان الهمز من ~~العرب من يلزم فيه الألف في كل الحالات إذا كتب، فيكتب سئل الرجل بألف بعد ~~السين، ويستهزئون بألف بين الزاي والواو، وشئ وشئ بألف بعد الياء، فغير ~~مستنكر في مذهب هؤلاء أن يكتب " يؤتون " بألف بعد الياء، فيحتمل هذا اللفظ ~~بالبناء على هذا الخط قراءتين " يؤتون ما آتوا " و " يأتون ما أتوا ". ~~وينفرد ما عليه الجماعة باحتمال تأويلين: أحدهما - الذين يعطون ما أعطوا من ~~الزكاة والصدقة وقلوبهم خائفة. والاخر - والذين يؤتون الملائكة الذين ~~يكتبون الأعمال على العباد ما آتوا وقلوبهم وجلة، فحذف مفعول في هذا الباب ~~لوضوح معناه، كما حذف في قوله عز وجل: " فيه يغاث الناس وفيه يعصرون " ~~[يوسف: 49] والمعنى يعصرون السمسم والعنب، فاختزل المفعول لوضوح تأويله. ~~ويكون الأصل ms4312 في الحرف على هجائه الوجود في الامام " يأتون " بألف مبدلة من ~~الهمزة فكتبت الألف # PageV12P132 # واوا لتآخي حروف المد واللين في الخفاء، حكاه ابن الأنباري. قال النحاس: ~~المعروف من قراءة ابن عباس " والذين يأتون ما أتوا " وهي القراءة المروية ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن عائشة رضي الله عنها، ومعناها يعملون ما ~~عملوا، كما روى في الحديث. والوجل نحو الاشفاق والخوف، فالتقى والتائب خوفه ~~أمر العاقبة وما يطلع عليه بعد الموت. # وفي قوله: # (أنهم إلى ربهم راجعون) تنبيه على الخاتمة. وفي صحيح البخاري (وإنما ~~الأعمال بالخواتيم). # وأما المخلط فينبغي له أن يكون تحت خوف من أن ينفذ عليه الوعيد بتخليطه. ~~وقال أصحاب الخواطر: وجل العارف من طاعته أكثر وجلا من وجله من مخالفته، ~~لان المخالفة تمحوها التوبة، والطاعة تطلب بتصحيح الغرض. (1) (أنهم) أي ~~لأنهم، أو من أجل (أنهم إلى ربهم راجعون). # قوله تعالى: أولئك يسرعون في الخيرات وهم لها سابقون (61) قوله تعالى: ~~(أولئك يسارعون في الخيرات) أي في الطاعات، كي ينالوا بذلك أعلى الدرجات ~~والغرفات. وقرئ: " يسرعون " في الخيرات، أي يكونوا سراعا إليها. ويسارعون ~~على معنى يسابقون من سابقهم إليها، فالمفعول محذوف. قال الزجاج: يسارعون ~~أبلغ من يسرعون. # (ولهم لها سابقون) أحسن ما قيل فيه: أنهم يسبقون إلى أوقاتها. ودل بهذا ~~أن الصلاة في أول الوقت أفضل، كما تقدم في " البقرة (2) " وكل من تقدم في ~~شئ فهو سابق إليه، وكل من تأخر عنه فقد سبقه وفاته، فاللام في " لها " على ~~هذا القول بمعنى إلى، كما قال: " بأن ربك أوحى (3) لها " [الزلزلة: 5] أي ~~أوحى إليها. وأنشد سيبويه: # تجانف عن جو اليمامة ناقتي * وما قصدت من أهلها لسوائكا (4) وعن ابن عباس ~~في معنى " وهم لها سابقون " سبقت لهم من الله السعادة، فلذلك سارعوا في ~~الخيرات. وقيل: المعنى وهم من أجل الخيرات سابقون. # PageV12P133 # قوله تعالى: ولا نكلف نفسا إلا وسعها ولدينا كتب ينطق بالحق وهم لا ~~يظلمون (62) قوله تعالى: (ولا نكلف نفسا إلا وسعها) قد مضى في " البقرة (1) ~~" وأنه ناسخ لجميع ما ورد ms4313 في الشرع من تكليف ما لا يطاق. (ولدينا كتاب ينطق ~~بالحق) أظهر ما قيل فيه: إنه أراد كتاب إحصاء الأعمال الذي ترفعه الملائكة، ~~وأضافه إلى نفسه لان الملائكة كتبت فيه أعمال العباد بأمره، فهو ينطق ~~بالحق. وفي هذا تهديد وتأييس من الحيف والظلم. # ولفظ النطق يجوز في الكتاب، والمراد أن النبيين تنطق بما فيه. والله ~~أعلم. وقيل: عنى اللوح المحفوظ، وقد أثبت فيه كل شئ، فهم لا يجاوزون ذلك. ~~وقيل: الإشارة بقوله: # " ولدينا كتاب " القرآن، فالله أعلم، وكل محتمل والأول أظهر. # قوله تعالى: بل قلوبهم في غمرة من هذا ولهم أعمل من دون ذلك هم لها ~~عاملون (63) حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجئرون (64) لا تجئروا ~~اليوم إنكم منا لا تنصرون (65) قوله تعالى: (بل قلوبهم في غمرة من هذا) قال ~~مجاهد: أي في غطاء وغفلة وعماية عن القرآن. ويقال: غمره الماء إذا غطاه. ~~ونهر غمر يغطى من دخله. ورجل غمر يغمره آراء الناس (2). وقيل: " غمرة " ~~لأنها تغطي الوجه. ومنه دخل في غمار الناس وخمارهم، أي فيما يغطيه من ~~الجمع. وقيل: " بل قلوبهم في غمرة " أي في حيرة وعمى، أي مما وصف من أعمال ~~البر في الآيات المتقدمة، قال قتادة. أو من الكتاب الذي ينطق بالحق. # (ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون) قال قتادة ومجاهد: أي لهم خطايا ~~لا بد أن يعملوها من دون الحق. وقال الحسن وابن زيد: المعنى ولهم أعمال ~~رديئة لم يعملوها من # PageV12P134 # دون ما هم عليه، لا بد أن يعملوها دون أعمال المؤمنين، فيدخلون بها ~~النار، لما سبق لهم من الشقوة. ويحتمل ثالثا - أنه ظلم الخلق مع الكفر ~~بالخالق، ذكره الماوردي. والمعنى متقارب. # (حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب) يعني بالسيف يوم بدر، قاله ابن عباس. ~~وقال الضحاك: يعنى بالجوع حين قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم أشدد ~~وطأتك على مضر الله اجعلها عليهم سنين كسني يوسف). فابتلاهم الله بالقحط ~~والجوع حتى أكلوا العظام والميتة والكلاب والجيف، وهلك الأموال والأولاد. ~~(إذا هم يجارون) أي ms4314 يضجون ويستغيثون. وأصل الجؤار رفع الصوت بالتضرع كما ~~يفعل الثور. وقال الأعشى (1) يصف بقرة: # فطافت ثلاثا بين يوم وليلة * وكان النكير أن تضيف وتجأرا قال الجوهري: ~~الجؤار مثل الخوار، يقال: جأر الثور يجأر أي صاح. وقرأ بعضهم: # " عجلا جسدا له جؤار (2) " حكاه الأخفش. وجأر الرجل إلى الله عز وجل تضرع ~~بالدعاء. # قتادة: يصرخون بالتوبة فلا تقبل منهم. قال: # يراوج من صلوات المليك * فطورا سجودا وطورا جؤارا وقال ابن جريج: " حتى ~~إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب " هم الذين قتلوا ببدر " إذا هم يجأرون " هم ~~الذين بمكة، فجمع بين القولين المتقدمين، وهو حسن. (لا تجأروا اليوم إنكم ~~منا) أي من عذابنا. (لا تنصرون) لا تمنعون ولا ينفعكم جزعكم. وقال الحسن: ~~لا تنصرون بقبول التوبة. وقيل: معنى هذا النهى الاخبار، أي إنكم إن تضرعتم ~~لم ينفعكم. # قوله تعالى: قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقبكم تنكصون (66) ~~مستكبرين به سمرا تهجرون (67) # PageV12P135 # قوله تعالى: (قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون) الآيات ~~يريد بها القرآن. " تتلى عليكم " أي تقرأ. قال الضحاك: قبل أن تعذبوا ~~بالقتل و " تنكصون " ترجعون وراءكم. مجاهد: تستأخرون، وأصله أن ترجع ~~القهقرى. قال الشاعر: # زعموا بأنهم على سبل النجا * ة وإنما نكص على الأعقاب (1) وهو هنا ~~استعارة للاعراض عن الحق. وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه " على أدباركم ~~" بدل " على أعقابكم "، " تنكصون " بضم الكاف. (مستكبرين) حال، والضمير في ~~" به " قال الجمهور: هو عائد على الحرم أو المسجد أو البلد الذي هو مكة، ~~وإن لم يتقدم له ذكر لشهرته في الامر، أي يقولون نحن أهل الحرم فلا نخاف. ~~وقيل: # المعنى أنهم يعتقدون في نفوسهم أن لهم بالمسجد والحرم أعظم الحقوق على ~~الناس والمنازل، فيستكبرون لذلك، وليس الاستكبار من الحق. وقالت فرقة: ~~الضمير عائد عل القرآن من حيث ذكرت الآيات، والمعنى: يحدث لكم سماع آياتي ~~كبرا وطغيانا فلا تؤمنوا به. قال ابن عطية: وهذا قول جيد. النحاس: والقول ~~الأول أولى، والمعنى: أنهم يفتخرون بالحرم ويقولون نحن أهل حرم الله تعالى. ms4315 # قوله تعالى: (سامرا تهجرون) فيه أربع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (سامرا تهجرون) " سامرا " نصب على الحال، ومعناه ~~سمارا، وهم الجماعة يتحدثون بالليل، مأخوذ من السمر وهو ظل القمر، ومنه ~~سمرة اللون. # وكانوا يتحدثون حول الكعبة في سمر القمر، فسمى التحدث به. قال الثوري: ~~يقال لظل القمر السمر، ومنه السمرة في اللون، ويقال له: الفخت، ومنه قيل: ~~فاختة. وقرأ أبو رجاء " سمارا " وهو جمع سامر، كما قال: # * ألست ترى السمار والناس أحوالي (2) * # PageV12P136 # وفي حديث قيلة: إذا جاء زوجها (1) من السامر، يعنى من القوم الذين يسمرون ~~بالليل، فهو اسم مفرد بمعنى الجمع، كالحاضر وهم القوم النازلون على الماء، ~~والباقر جمع البقر، والجامل جمع الإبل، ذكورتها وإناثها، ومنه قوله تعالى: ~~" ثم نخرجكم طفلا (2) " [الحج: 5] أي أطفالا. يقال: # قوم سمر وسمر وسامر، ومعناه سهر الليل، مأخوذ من السمر وهو ما يقع على ~~الأشجار من ضوء القمر. قال الجوهري: السامر أيضا السمار، وهم القوم الذين ~~يسمرون، كما يقال للحاج: # حجاج، وقول الشاعر: # * وسامر طال فيه اللهو والسمر * كأنه سمى المكان الذي يجتمع فيه للسمر ~~بذلك. وقيل: وحد سامرا وهو بمعنى السمار، لأنه وضع موضع الوقت، كقول ~~الشاعر: # من دونهم إن جئتهم سمرا * عزف القيان ومجلس غمر فقال: سمرا، لان معناه: ~~إن جئتهم ليلا وجدتهم وهم يسمرون. وابنا سمير: الليل والنهار، لأنه يسمر ~~فيهما، يقال: لا أفعله ما سمر ابنا سمير أبدا. ويقال، السمير الدهر، وابناه ~~الليل والنهار. ولا أفعله السمر والقمر، أي ما دام الناس يسمرون في ليلة ~~قمراء. ولا أفعله سمير الليالي. قال الشنفري: # هنالك لا أرجو حياة تسرني * سمير الليالي مبسلا بالجرائر والسمار ~~(بالفتح) اللبن الرقيق. وكانت العرب تجلس للسمر تتحدث، وهذا أوجب معرفتها ~~بالنجوم، لأنها تجلس في الصحراء فترى الطوالع من الغوارب. وكانت قريش تسمر ~~حول الكعبة مجالس في أباطيلها وكفرها: فعابهم الله بذلك. و " تهجرون " قرئ ~~بضم التاء وكسر الجيم من أهجر، إذا نطق بالفحش. وبنصب التاء وضم الجيم من ~~هجر المريض إذا هذى. # ومعناه: يتكلمون بهوس وسئ من القول في ms4316 النبي صلى الله عليه وسلم وفي ~~القرآن، عن ابن عباس وغيره: # الثانية - روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: إنما كره السمر حين نزلت ~~هذه الآية: " مستكبرين به سامرا تهجرون "، يعنى أن الله تعالى ذم أقواما ~~يسمرون في غير # PageV12P137 # طاعة الله تعالى، إما في هذيان وإما في إذاية. وكان الأعمش يقول: إذا ~~رأيت الشيخ ولم يكتب الحديث فاصفعه فإنه من شيوخ القمر، يعنى يجتمعون في ~~ليالي القمر فيتحدثون بأيام الخلفاء والامراء ولا يحسن أحدهم يتوضأ للصلاة. # الثالثة - روى مسلم عن أبي برزة قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يؤخر ~~العشاء إلى ثلث الليل ويكره النوم قبلها والحديث بعدها. قال العلماء: أما ~~الكراهية للنوم قبلها فلئلا يعرضها للفوات عن كل وقتها أو أفضل وقتها، ~~ولهذا قال عمر: فمن نام فلا نامت عينه، ثلاثا. وممن كره النوم قبلها عمر ~~وابنه عبد الله وابن عباس وغيرهم، وهو مذهب مالك. # ورخص فيه بعضهم، منه على وأبو موسى وغيرهم، وهو مذهب الكوفيين. وشرط ~~بعضهم أن يجعل معه من يوقظه للصلاة. وروى عن ابن عمر مثله وإليه ذهب ~~الطحاوي. # وأما كراهية الحديث بعدها فلان الصلاة قد كفرت خطاياه فينام على سلامة، ~~وقد ختم الكتاب صحيفته بالعبادة، فإن هو سمر وتحدث فيملؤها بالهوس ويجعل ~~خاتمتها اللغو والباطل، وليس هذا من فعل المؤمنين. وأيضا فإن السمر في ~~الحديث مظنة غلبة النوم آخر الليل فينام عن قيام آخر الليل، وربما ينام عن ~~صلاة الصبح. وقد قيل: إنما يكره السمر بعدها لما روى جابر بن عبد الله قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إياكم والسمر بعد هدأة الرجل فإن أحدكم ~~لا يدرى ما يبث الله تعالى من خلقه أغلقوا الأبواب وأوكوا السقاء وخمروا ~~الاناء وأطفئوا المصابيح). وروى عن عمر أنه كان يضرب الناس على الحديث بعد ~~العشاء، ويقول: أسمرا أول الليل ونوما آخره! أريحوا كتابكم. حتى أنه روى عن ~~ابن عمر أنه قال: من قرض بيت شعر بعد العشاء لم تقبل له صلاة حتى يصبح. ~~وأسنده ms4317 شداد بن أوس إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وقد قيل: إن الحكمة في ~~كراهية الحديث بعدها إنما هو لما أن الله تعالى جعل الليل سكنا، أي يسكن ~~فيه، فإذا تحدث الانسان فيه فقد جعله في النهار الذي هو متصرف المعاش، ~~فكأنه قصد إلى مخالفة حكمة الله تعالى التي أجرى عليها وجوده فقال: " وهو ~~الذي جعل لكم الليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشورا " (1) [الفرقان: ~~47]. # PageV12P138 # الرابعة - هذه الكراهة إنما تختص بما لا يكون من قبيل القرب والأذكار ~~وتعليم العلم، ومسامرة الأهل بالعلم وبتعليم المصالح وما شابه ذلك، فقد ورد ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن السلف ما يدل على جواز ذلك، بل على ~~ندبيته. وقد قال البخاري: # (باب السمر في الفقه والخير بعد العشاء) وذكر أن قرة بن خالد قال: ~~انتظرنا الحسن وراث (1) علينا حتى جاء قريبا من وقت قيامه، فجاء فقال: ~~دعانا جيراننا هؤلاء. ثم قال أنس: # انتظرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة حتى كان شطر الليل فجاء ~~فصلى ثم خطبنا فقال: (إن الناس قد صلوا وإنكم لم تزالوا في صلاة ما انتظرتم ~~الصلاة). قال الحسن: # فإن القوم لا يزالون في خير ما انتظروا الخير. قال: (باب السمر مع الضيف ~~والأهل) وذكر حديث أبي بكر بن عبد الرحمن أن أصحاب الصفة كانوا فقراء... ~~الحديث. أخرجه مسلم أيضا. وقد جاء في حراسة الثغور وحفظ العساكر بالليل من ~~الثواب الجزيل والاجر العظيم ما هو مشهور في الاخبار. وقد مضى من ذلك جملة ~~في آخر " آل عمران (2) " والحمد لله وحده. # قوله تعالى: أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين (68) ~~قوله تعالى: (أفلم يدبروا القول) يعنى القرآن، وهو كقوله تعالى: " أفلا ~~يتدبرون القرآن (3) " [النساء: 82]. وسمى القرآن قولا لأنهم خوطبوا به. # (أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين) فأنكروه وأعرضوا عنه. وقيل: " أم " ~~بمعنى بل، أي بل جاءهم ما لا عهد لآبائهم به، فلذلك أنكروه وتركوا التدبر ~~له. قاله ابن عباس: وقيل: المعنى أم جاءهم أمان من ms4318 العذاب، وهو شئ لم يأت ~~آباءهم الأولين فتركوا الأعز. # قوله تعالى: أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون (69) # PageV12P139 # هذا تستعمله العرب على معنى التوقيف والتقبيح، فيقولون: الخير أحب إليك ~~أم الشر، أي قد أخبرت الشر فتجنبه، وقد عرفوا رسولهم وأنه من أهل الصدق ~~والأمانة، ففي اتباعه النجاة والخير لولا العنت. قال سفيان: بلى! قد عرفوه ~~ولكنهم حسدوه! # قوله تعالى: أم يقولون به جنة بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون (70) ~~قوله تعالى: (أم يقولون به جنة) أي أم يحتجون في ترك الايمان به بأنه ~~مجنون، فليس هو هكذا! لزوال أمارات الجنون عنه. (بل جاءهم بالحق) يعنى ~~القرآن والتوحيد الحق والدين الحق. (وأكثرهم) أي كلهم (للحق كارهون) حسدا ~~وبغيا وتقليدا. # قوله تعالى: ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن بل ~~أتيناهم بذكر هم فهم عن ذكر هم معرضون (71) قوله تعالى: (ولو اتبع الحق) " ~~الحق " هنا هو الله سبحانه وتعالى، قاله الأكثرون، منهم مجاهد وابن جريج ~~وأبو صالح وغيرهم. وتقديره في العربية: ولو اتبع صاحب الحق، قاله النحاس. ~~وقد قيل: هو مجاز، أي لو وافق الحق أهواءهم، فجعل موافقته اتباعا مجازا، أي ~~لو كانوا يكفرون بالرسل ويعصون الله عز وجل ثم لا يعاقبون ولا يجازون على ~~ذلك إما عجزا وإما جهلا لفسدت السماوات والأرض. وقيل: المعنى ولو كان الحق ~~ما يقولون من اتخاذ آلهة مع الله تعالى لتنافت الالهة، وأراد بعضهم ما لا ~~يريده بعض، فاضطرب التدبير وفسدت السماوات والأرض، وإذا فسدتا فسد من ~~فيهما. وقيل: " لو اتبع الحق أهواءهم " أي بما يهواه الناس ويشتهونه لبطل ~~نظام العالم، لان شهوات الناس تختلف وتتضاد، وسبيل الحق أن يكون متبوعا، ~~وسبيل الناس الانقياد للحق. وقيل: " الحق " القرآن، أي لو نزل القرآن بما ~~يحبون لفسدت السماوات والأرض. (ومن فيهن) إشارة إلى من يعقل من ملائكة ~~السماوات وإنس الأرض وجنها، الماوردي. وقال الكلبي: يعنى وما بينهما من ~~PageV12P140 # خلق، وهي قراءة ابن مسعود " لفسدت السماوات والأرض وما بينهما ". فيكون ~~على تأويل الكلبي وقراءة ابن مسعود محمولا ms4319 على فساد من يعقل وما لا يعقل من ~~حيوان وجماد. # وظاهر التنزيل في قراءة الجمهور يكون محمولا على فساد ما يعقل من ~~الحيوان، لان ما لا يعقل تابع لما يعقل في الصلاح والفساد، فعلى هذا ما ~~يكون من الفساد يعود على من في السماوات من الملائكة بأن جعلت أربابا وهي ~~مربوبة، وعبدت وهي مستعبدة. وفساد الانس يكون على وجهين: أحدهما - باتباع ~~الهوى، وذلك مهلك. الثاني - بعبادة غير الله، وذلك كفر. # وأما فساد ما عدا ذلك فيكون على وجه التبع، لأنهم مدبرون بذوي العقول ~~فعاد فساد المدبرين عليهم. # قوله تعالى: (بل أتيناهم بذكرهم) أي بما فيه شرفهم وعزهم، قاله السدى ~~وسفيان. وقال قتادة: أي بما لهم فيه ذكر ثوابهم وعقابهم. # ابن عباس: أي ببيان الحق وذكر ما لهم به حاجة من أمر الدين. (فهم عن ~~ذكرهم معرضون). # قوله تعالى: أم تسئلهم خرجا فخراج ربك خير وهو خير الرازقين (72) قوله ~~تعالى: (أم تسألهم خرجا) أي أجرا على ما جئتهم به، قاله الحسن وغيره. # (فخراج ربك خير) وقرأ حمزة والكسائي والأعمش ويحيى بن وثاب: " خراجا " ~~بألف. # الباقون بغير ألف. وكلهم قد قرأوا " فخراج " بالألف إلا ابن عامر وأبا ~~حياة فإنهما قرأ بغير الألف. والمعنى: أم تسألهم رزقا فرزق ربك خير. (وهو ~~خير الرازقين) أي ليس يقدر أحد أن يرزق مثل رزقه، ولا ينعم مثل إنعامه. ~~وقيل: أي ما يؤتيك الله من الاجر على طاعتك له والدعاء إليه خير من عرض ~~الدنيا، وقد عرضوا عليك أموالهم حتى تكون كأعين رجل من قريش فلم تجبهم إلى ~~ذلك، قال معناه الحسن. والخرج والخراج واحد، إلا أن اختلاف الكلام أحسن، ~~قاله الأخفش. وقال أبو حاتم: الخرج الجعل، والخراج العطاء. PageV12P141 # المبرد: الخرج المصدر، والخراج الاسم. وقال النضر بن شميل: سألت أبا عمرو ~~بن العلاء عن الفرق بين الخرج والخراج فقال: الخراج ما لزمك، والخرج ما ~~تبرعت به. وعنه أن الخرج من الرقاب، والخراج من الأرض. ذكر الأول الثعلبي ~~والثاني الماوردي. # قوله تعالى: وإنك لتدعوهم إلى صرط مستقيم (73) وإن ms4320 الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة عن الصراط لناكبون (74) قوله تعالى: (وإنك لتدعوهم إلى صراط ~~مستقيم) أي إلى دين قويم. والصراط في اللغة الطريق، فسمى الدين طريقا لأنه ~~يؤدى إلى الجنة فهو طريق إليها. (وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة) أي بالبعث. ~~(عن الصراط لناكبون) قيل: هو مثل الأول. # وقيل: إنهم عن طريق الجنة لناكبون حتى يصيروا إلى النار. نكب عن الطريق ~~ينكب نكوبا إذا عدل عنه ومال إلى غيره، ومنه نكبت الريح إذا لم تستقم على ~~مجرى. وشر الريح النكباء. # قوله تعالى: ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون ~~(75) قوله تعالى: (ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر) أي لو رددناهم إلى ~~الدنيا ولم ندخلهم النار وامتحناهم (للجوا في طغيانهم) قال السدى: في ~~معصيتهم. (يعمهون) قال الأعمش: يترددون. وقال ابن جريج: " ولو رحمناهم " ~~يعنى في الدنيا " وكشفنا ما بهم من ضر " أي من قحط وجوع " للجوا " أي ~~لتمادوا " في طغيانهم " وضلالتهم وتجاوزهم الحد " يعمهون " يتذبذبون ~~ويخبطون. # قوله تعالى: ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون (76) ~~PageV12P142 # قوله تعالى: (ولقد أخذناهم بالعذاب) قال الضحاك: بالجوع. وقيل: بالأمراض ~~والحاجة والجوع. وقيل: بالقتل والجوع. (فما استكانوا لربهم) أي ما خضعوا. # (وما يتضرعون) أي ما يخشعون لله عز وجل في الشدائد تصيبهم. قال ابن عباس: # نزلت في قصة ثمامة بن أثال لما أسرته السرية وأسلم وخلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم سبيله، حال بين مكة وبين الميرة وقال: والله لا يأتيكم من ~~اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخذ الله ~~قريشا بالقحط والجوع حتى أكلوا الميتة والكلاب والعلهز، قيل: وما العلهز؟ ~~قال: كانوا يأخذون الصوف والوبر فيبلونه بالدم ثم يشوونه ويأكلونه. فقال له ~~أبو سفيان: أنشدك الله والرحم! أليس تزعم أن الله بعثك رحمة للعالمين؟ قال ~~(بلى). قال: فوالله ما أراك إلا قتلت الاباء بالسيف، وقتلت الأبناء بالجوع، ~~فنزل قوله: " ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون ". # قوله تعالى: حتى إذا ms4321 فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد إذا هم فيه مبلسون ~~(77) قوله تعالى: (حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد) قال عكرمة: هو ~~باب من أبواب جهنم، عليه من الخزنة أربعمائة ألف، سود وجوههم، كالحة ~~أنيابهم، وقد فلعت الرحمة من قلوبهم، إذا بلغوه فتحه الله عز وجل عليهم. ~~وقال ابن عباس: هو قتلهم بالسيف يوم بدر. مجاهد: هو القحط الذي أصابهم حتى ~~أكلوا العلهز من الجوع، على ما تقدم. # وقيل: فتح مكة. (إذا هم فيه مبلسون) أي يائسون متحيرون لا يدرون ما ~~يصنعون، كالآيس من الفرج ومن كل خير. وقد تقدم في " الانعام (1) ". # قوله تعالى: وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصر والأفئدة قليلا ما تشكرون ~~(78) # PageV12P143 # قوله تعالى: (وهو الذي أنشأ لكم السمع والابصار) عرفهم كثرة نعمه وكمال ~~قدرته. # (قليلا ما تشكرون) أي ما تشكرون إلا شكرا قليلا. وقيل: أي لا تشكرون ~~ألبتة. # قوله تعالى: وهو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون (79) قوله تعالى: (وهو ~~الذي ذرأكم في الأرض) أي أنشأ كم وبثكم وخلقكم. (وإليه تحشرون) أي تجمعون ~~للجزاء. # قوله تعالى: وهو الذي يحيي ويميت وله اختلاف الليل والنهار أفلا تعقلون ~~(80) بل قالوا مثل ما قال الأولون (81) قالوا أإذا متنا وكنا ترابا وعظما ~~أإنا لمبعوثون (82) لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل إن هذا إلا أساطير ~~الأولين (83) قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون (84) سيقولون لله قل ~~أفلا تذكرون (85) قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم (86) سيقولون ~~لله قل أفلا تتقون (87) قل من بيده ملكوت كل شئ وهو يجير ولا يجار عليه إن ~~كنتم تعلمون (88) سيقولون لله قل فأنى تسحرون (89) قوله تعالى: (وهو الذي ~~يحيى ويميت وله اختلاف الليل والنهار) أي جعلهما مختلفين، كقولك: لك الاجر ~~والصلة، أي إنك تؤجر وتوصل، قاله الفراء. وقيل: # اختلافهما نقصان أحدهما وزيادة الاخر. وقيل: اختلافهما في النور والظلمة. ~~وقيل: # تكررهما يوما بعد ليلة وليلة بعد يوم. ويحتمل خامسا: اختلاف ما مضى فيهما ~~من سعادة وشقاء وضلال وهدى. (أفلا تعقلون) كنه قدرته وربوبيته ووحدانيته، ms4322 ~~وأنه لا يجوز أن يكون له شريك من خلقه، وأنه قادر على البعث. ثم عيرهم ~~بقولهم وأخبر عنهم أنهم PageV12P144 # (قالوا مثل ما قال الأولون قالوا أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا ~~لمبعوثون) هذا لا يكون ولا يتصور. (لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل) أي ~~من قبل مجئ محمد صلى الله عليه وسلم، فلم نر له حقيقة. (إن هذا) أي ما هذا ~~(إلا أساطير الأولين) أي أباطيلهم وترهاتهم، وقد تقدم هذا كله. قال الله ~~تعالى: (قل) يا محمد جوابا لهم عما قالوه (لمن الأرض ومن فيها) يخبر ~~بربوبيته ووحدانيته وملكه الذي لا يزول، وقدرته التي لا تحول، ف‍ (سيقولون ~~لله) ولا بد لهم من ذلك. ف‍ (قل أفلا تذكرون) أي أفلا تتعظون وتعلمون أن من ~~قدر على خلق ذلك ابتداء فهو على إحياء الموتى بعد موتهم قادر. (قل من رب ~~السماوات السبع ورب العرش العظيم. سيقولون لله قل أفلا تتقون) يريد أفلا ~~تخافون حيث تجعلون لي ما تكرهون، زعمتم أن الملائكة بناتي، وكرهتم لأنفسكم ~~البنات. # (قل من بيده ملكوت كل شئ) يريد السماوات وما فوقها وما بينهن، والأرضين ~~وما تحتهن وما بينهن، وما لا يعلمه أحد إلا هو. وقال مجاهد: " ملكوت كل شئ ~~" خزائن كل شئ. # الضحاك: ملك كل شئ. والملكوت من صفات المبالغة كالجبروت والرهبوت، وقد ~~مضى في " الانعام (1) ". (وهو يجير ولا يجار عليه) أي يمنع ولا يمنع منه. ~~وقيل: " يجير " يؤمن من شاء. " ولا يجار عليه " أي لا يؤمن من أخافه. ثم ~~قيل: هذا في الدنيا، أي من أراد الله إهلاكه وخوفه لم يمنعه منه مانع، ومن ~~أراد نصره وأمنه لم يدفعه من نصره وأمنه دافع. # وقيل: هذا في الآخرة، أي لا يمنعه من مستحق الثواب مانع ولا يدفعه عن ~~مستوجب العذاب دافع. (فأنى تسحرون) أي فكيف تخدعون وتصرفون عن طاعته ~~وتوحيده. # أو كيف يخيل إليكم أن تشركوا به مالا يضر ولا ينفع! والسحر هو التخييل. ~~وكل هذا احتجاج على العرب المقرين بالصانع. وقرأ أبو عمرو: " سيقولون الله ms4323 ~~" في الموضعين الأخيرين، وهي قراءة أهل العراق. الباقون: " لله "، ولا خلاف ~~في الأول أنه " لله "، لأنه جواب ل‍ " قل لمن الأرض ومن فيها " فلما تقدمت ~~اللام في " لمن " رجعت في الجواب. ولا خلاف أنه # PageV12P145 # مكتوب في جميع المصاحف بغير ألف. وأما من قرأ: " سيقولون الله " فلان ~~السؤال بغير لام فجاء الجواب على لفظه، وجاء في الأول " لله " لما كان ~~السؤال باللام. وأما من قرأ: " لله " باللام في الأخيرين وليس في السؤال ~~لام فلان معنى " قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم ": قل لمن ~~السماوات السبع ورب العرش العظيم. فكان الجواب " لله "، حين قدرت اللام في ~~السؤال. وعلة الثالثة كعلة الثانية. وقال الشاعر: # إذا قيل من رب المزالف والقرى * ورب الجياد الجرد قلت لخالد (1) أي لمن ~~المزالف، [والمزالف: البراغيل وهي البلاد التي بين الريف والبر: الواحدة ~~مزلفة (2)]. # ودلت هذه الآيات على جواز جدال الكفار وإقامة الحجة عليهم. وقد تقدم في " ~~البقرة (3) ". # ونبهت على أن من ابتدأ بالخلق والاختراع والايجاد والابداع هو المستحق ~~للألوهية والعبادة. # قوله تعالى: بل أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون (90) ما اتخذ الله من ولد ~~وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحن الله ~~عما يصفون (91) علم الغيب والشهدة فتعالى عما يشركون (92) قوله تعالى: (بل ~~أتيناهم بالحق) أي بالقول الصدق، لا ما تقوله الكفار من إثبات الشريك ونفى ~~البعث. (وإنهم لكاذبون) أن الملائكة بنات الله. فقال الله تعالى: # (ما اتخذ الله من ولد) " من " صلة. (وما كان معه من إله) " من " زائدة، ~~والتقدير: # ما اتخذ الله ولدا كما زعمتم، ولا كان معه إله فيما خلق. وفي الكلام حذف، ~~والمعنى: لو كانت معه آلهة لا نفرد كل إله بخلقه. (ولعلا بعضهم على بعض) أي ~~ولغالب وطلب القوى الضعيف كالعادة بين الملوك، وكان الضعيف المغلوب لا ~~يستحق الإلهية. وهذا الذي يدل على نفى الشريك يدل على نفى الولد أيضا، لان ~~الولد ينازع الأب في الملك منازعة الشريك. # PageV12P146 # (سبحان الله عما يصفون) تنزيها له ms4324 عن الولد والشريك. (عالم الغيب ~~والشهادة) [أي هو (1) عالم الغيب] (فتعالى عما يشركون) تنزيه وتقديس. وقرأ ~~نافع وأبو بكر وحمزة والكسائي: # " عالم " بالرفع على الاستئناف، أي هو عالم الغيب. الباقون بالجر على ~~الصفة لله. وروى رويس عن يعقوب: " عالم " إذا وصل خفضا. وعالم " إذا ابتدأ ~~رفعا. # قوله تعالى: قل رب إما تريني ما يوعدون (93) رب فلا تجعلني في القوم ~~الظالمين (94) علمه ما يدعو به، أي قل رب، أي يا رب إن أريتني ما يوعدون من ~~العذاب. # (فلا تجعلني في القوم الظالمين) أي في نزول العذاب بهم، بل أخرجني منهم. ~~وقيل: # النداء معترض، و " ما " في " إما " زائدة. وقيل: إن أصل إما إن ما، ف‍ " ~~إن " شرط و " ما " شرط، فجمع بين الشرطين توكيدا، والجواب: " فلا تجعلني في ~~القوم الظالمين "، أي إذا أردت بهم عقوبة فأخرجني منهم. وكان عليه السلام ~~يعلم أن الله تعالى لا يجعله في القوم الظالمين إذا نزل بهم العذاب، ومع ~~هذا أمره الرب بهذا الدعاء والسؤال ليعظم أجره وليكون في كل الأوقات ذاكرا ~~لربه تعالى. # قوله تعالى: وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون (95) نبه على أن خلاف ~~المعلوم مقدور، وقد أراه الله تعالى ذلك فيهم بالجوع والسيف، ونجاه الله ~~ومن آمن به من ذلك. # قوله تعالى: ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون (96) قوله ~~تعالى: (ادفع بالتي هي أحسن السيئة) أمر بالصفح ومكارم الأخلاق، فما كان ~~منها لهذه الأمة فيما بينهم فهو محكم باق في الأمة أبدا. وما كان فيها من ~~[معنى (2)] موادعة الكفار وترك التعرض لهم والصفح عن أمورهم فمنسوخ ~~بالقتال. (نحن أعلم بما يصفون) أي من الشرك والتكذيب. وهذا يقتضى أنها آية ~~موادعة، والله تعالى أعلم. # PageV12P147 # قوله تعالى: وقل رب أعوذ بك من همزت الشيطين (97) وأعوذ بك رب أن يحضرون ~~(98) قوله تعالى: (وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين). # فيه مسئلتان: # الأولى - قوله تعالى: (من همزات الشياطين) الهمزات هي جمع همزة. والهمز ~~في اللغة النخس والدفع، يقال: همزة ولمزه ونخسه دفعه. قال ms4325 الليث: الهمز ~~كلام من وراء القفا، واللمز مواجهة. والشيطان يوسوس فيهمس في وسواسه في صدر ~~ابن آدم، وهو قوله: # " أعوذ بك من همزات الشياطين " أي نزغات الشياطين الشاغلة عن ذكر الله ~~تعالى. # وفي الحديث: كان يتعوذ من همز الشياطين ولمزه وهمسه. قال أبو الهيثم: إذا ~~أسر الكلام وأخفاه فذلك الهمس من الكلام. وسمى الأسد هوسا، لأنه يمشى بخفة ~~فلا يسمع صوت وطئه. وقد تقدم في " طه (1) ". # الثانية - أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بالتعوذ من ~~الشيطان في همزاته، وهي سورات الغضب التي لا يملك الانسان فيها نفسه، ~~وكأنها هي التي كانت تصيب المؤمنين مع الكفار فتقع المحادة فلذلك اتصلت ~~بهذه الآية. فالنزغات وسورات الغضب الواردة من الشيطان هي المتعوذ منها في ~~الآية، وقد تقدم في آخر " الأعراف (2) بيانه مستوفى، وفي أو الكتاب أيضا ~~(3). وروى عن علي بن حرب بن محمد الطائي حدثنا سفيان عن أيوب عن محمد بن ~~حبان أن خالدا كان يؤرق من الليل، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، ~~فأمره أن يتعوذ بكلمات الله التامة من غضب الله وعقابه ومن شر عباده ومن ~~همزات الشياطين وأن يحضرون. وفي كتاب أبى داود قال عمر: وهمزه الموتة، قال ~~ابن ماجة: الموتة يعنى الجنون. والتعوذ أيضا من الجنون وكيد. وفي قراءة أبى ~~" رب عائذا بك من همزات الشياطين، وعائذا بك أن يحضرون، أي يكونوا معي في ~~أموري، # PageV12P148 # فإنهم إذا حضروا الانسان كانوا معدين للهمز، وإذا لم يكن حضور فلا همز. ~~وفي صحيح مسلم عن جابر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن ~~الشيطان يحضر أحدكم عند كل شئ من شأنه حتى يحضر عند طعامه فإذا سقطت من ~~أحدكم اللقمة فليمط ما كان بها من أذى ثم ليأكلها ولا يدعها للشيطان فإذا ~~فرغ فليلعق أصابعه فإنه لا يدرى في أي طعامه البركة). # قوله تعالى: حتى إذا أحدهم الموت قال رب ارجعون (99) لعلى أعمل صلحا فيما ~~تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى ms4326 يوم يبعثون (100) قوله ~~تعالى: (حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون) عاد الكلام إلى ذكر ~~المشركين، أي قالوا: " أئذا متنا - إلى قوله - إن هذا إلا أساطير الأولين ~~". ثم احتج عليهم وذكرهم قدرته على كل شئ، ثم قال: هم مصرون على ذلك حتى ~~إذا جاء أحدهم الموت تيقن ضلالته وعاين الملائكة التي تقبض روحه، كما قال ~~تعالى: " ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة (1) " [الأنفال: 50]. (فال ~~رب ارجعون) تمنى الرجعة كي يعمل صالحا فيما ترك. وقد يكون القول في النفس، ~~قال الله عز وجل: " ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول (2) " ~~[المجادلة: 8]. فأما قوله " ارجعون " وهو مخاطب ربه عز وجل ولم يقل: " ~~ارجعني " جاء على تعظيم الذكر للمخاطب. # وقيل: استغاثوا بالله عز وجل أولا، فقال قائلهم: رب، ثم رجع إلى مخاطبة ~~الملائكة فقال: ارجعون إلى الدنيا، قاله ابن جريج. وقيل: إن معنى " ارجعون ~~" على جهة التكرير، أي ارجعني ارجعني ارجعني وهكذا. قال المزني في قوله ~~تعالى: " ألقيا في جهنم (2) " [ق: 24] قال: معناه ألق ألق. قال الضحاك: ~~المراد به أهل الشرك. # قلت: ليس سؤال الرجعة مختصا بالكافر فقد يسألها المؤمن كما في آخر سورة ~~المنافقين على ما يأتي (3). ودلت الآية على أن أحدا لا يموت حتى يعرف ~~اضطرارا أهو من أولياء # PageV12P149 # الله أم من أعداء الله، ولولا ذلك لما سأل الرجعة، فيعلموا ذلك قبل نزول ~~الموت وذواقه. # (لعلى أعمل صالحا) قال ابن عباس: يريد أشهد أن لا إله إلا الله. (فيما ~~تركت) أي فيما ضيعت وتركت العمل به من الطاعات. وقيل: " فيما تركت " من ~~المال فأتصدق. # و " لعل " تتضمن ترددا، وهذا الذي يسأل الرجعة قد استيقن العذاب، وهو ~~يوطن نفسه على العمل الصالح قطعا من غير تردد. فالتردد يرجع إما إلى رده ~~إلى الدنيا، وإما إلى التوفيق، أي أعمل صالحا إن وفقتني، إذ ليس على قطع من ~~وجود القدرة والتوفيق لو رد إلى الدنيا. # (كلا) هذه كلمة رد، أي ليس الامر على ما يظنه من أنه يجاب إلى الرجوع إلى ms4327 ~~الدنيا، بل هو كلام يطيح في أدراج الريح. وقيل: لو أجيب إلى ما يطلب لما ~~وفى بما يقول، كما قال: " ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه (1) " [الانعام: ~~28]. وقيل: " كلا إنها كلمة هو قائلها " ترجع إلى الله تعالى، أي لا خلف في ~~خبره، وقد أخبر أنه لن يؤخر نفسا إذا جاء أجلها، وأخبر بأن هذا الكافر لا ~~يؤمن. وقيل: " إنها كلمة هو قائلها " عند الموت، ولكن لا تنفع. (ومن ورائهم ~~برزخ) أي ومن أمامهم وبين أيديهم. وقيل: من خلفهم. " برزخ " أي حاجز بين ~~الموت والبعث، قاله الضحاك ومجاهد وابن زيد. وعن مجاهد أيضا أن البرزخ هو ~~الحاجز بين الموت والرجوع إلى الدنيا. وعن الضحاك: هو ما بين الدنيا ~~والآخرة. ابن عباس: # حجاب. السدى: أجل. قتادة: بقية الدنيا. وقيل: الامهال إلى يوم القيامة، ~~حكاه ابن عيسى. الكلبي: هو الاجل ما بين النفختين، وبينهما أربعون سنة. ~~وهذه الأقوال متقاربة. وكل حاجز بين شيئين فهو برزخ. قال الجوهري: البرزخ ~~الحاجز بين الشيئين. # والبرزخ ما بين الدنيا والآخرة من وقت الموت إلى البعث، فمن مات فقد دخل ~~في البرزخ. # وقال رجل بحضرة الشعبي: رحم الله فلانا فقد صار من أهل الآخرة! فقال: لم ~~يصر من أهل الآخرة، ولكنه صار من أهل البرزخ، وليس من الدنيا ولا من ~~الآخرة. وأضيف " يوم " إلى " يبعثون " لأنه ظرف زمان، والمراد بالإضافة ~~المصدر. # PageV12P150 # قوله تعالى: فإذا نفح في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون (101) ~~قوله تعالى: (فإذا نفخ في الصور) المراد بهذا النفخ النفخة الثانية. (فلا ~~أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون) قال ابن عباس: لا يفتخرون بالأنساب في ~~الآخرة كما يفتخرون بها في الدنيا، ولا يتساءلون فيها كما يتساءلون في ~~الدنيا، من أي قبيلة أنت ولا من أي نسب، ولا يتعارفون لهول ما أذهلهم. وعن ~~ابن عباس أن ذلك في النفخة الأولى حين يصعق من في السماوات ومن في الأرض ~~إلا من شاء الله فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون، ثم نفخ فيه أخرى فإذا ~~هم قيام ينظرون، وأقبل ms4328 بعضهم على بعض يتساءلون. وسأل رجل ابن عباس عن هذه ~~الآية وقوله: " فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون (1) " [الصافات: 50] فقال: لا ~~يتساءلون في النفخة الأولى، لأنه لا يبقى على الأرض حي، فلا أنساب ولا ~~تساؤل. وأما قوله: " فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون " فإنهم إذا دخلوا الجنة ~~تساءلوا. وقال ابن مسعود: إنما عنى في هذه الآية النفخة الثانية. وقال أبو ~~عمر زاذان: دخلت على ابن مسعود فوجدت أصحاب الخير واليمنة قد سبقوني إليه، ~~فناديت بأعلى صوت: يا عبد الله بن مسعود! من أجل أنى رجل أعجمي أدنيت هؤلاء ~~وأقصيتني! فقال: ادنه، فدنوت، حتى ما كان بيني وبينه جليس فسمعته يقول: ~~يؤخذ بيد العبد أو الأمة يوم القيامة فينصب على رؤوس الأولين والآخرين ثم ~~ينادى مناد: هذا فلان بن فلان، ومن كان له حق فليأت إلى حقه، فتفرح المرأة ~~أن يدور لها الحق على أبيها أو على زوجها أو على أخيها أو على ابنها، ثم ~~قرأ ابن مسعود: # " فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون " فيقول الرب سبحانه وتعالى (آت ~~هؤلاء حقوقهم) فيقول: يا رب قد فنيت الدنيا فمن أين أوتيهم، فيقول الرب ~~للملائكة: (خذوا من حسناته فأعطوا كل إنسان بقدر طلبته) فإن كان وليا لله ~~فضلت من حسناته مثقال حبة من خردل فيضاعفها الله تعالى حتى يدخله بها ~~الجنة، ثم قرأ ابن مسعود: " إن الله لا يظلم # PageV12P151 # مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما (1) " [النساء: ~~40]. وإن كان شقيا قالت الملائكة: رب! فنيت حسناته وبقي طالبون، فيقول الله ~~تعالى: (خذوا من أعمالهم فأضيفوها إلى سيئاته وصكوا له صكا إلى جهنم). # قوله تعالى: فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون (102) ومن خفت موازينه ~~فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خلدون (103) تقدم الكلام فيهما (2). # قوله تعالى: تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون (104) ألم تكن آياتي تتلى ~~عليكم فكنتم بها تكذبون (105) قوله تعالى: (تلفح وجوههم النار) ويقال " ~~تنفح " بمعناه: ومنه: " ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك " [الأنبياء: 46]. إلا ~~أن " تلفح " أبلغ بأسا، يقال: لفحته ms4329 النار والسموم بحرها أحرقته. ولفحته ~~بالسيف لفحة إذا ضربته به [ضربة (4)] خفيفة. # (وهم فيها كالحون) قال ابن عباس: عابسون. وقال أهل اللغة: الكلوح تكشر في ~~عبوس. والكالح: الذي قد تشمرت شفتاه وبدت أسنانه. قال الأعمش: # وله المقدم لا مثل له * ساعة الشدق عن الناب كلح وقد كلح الرجل كلوحا ~~وكلاحا. وما أقبح كلحته، يراد به الفم وما حواليه. ودهر كالح أي شديد. وعن ~~ابن عباس أيضا " وهم فيها كالحون " يريد كالذي كلح وتقلصت شفتاه وسال ~~صديده. وقال ابن مسعود: ألم تر إلى الرأس المشيط بالنار، وقد بدت أسنانه ~~وقلصت شفتاه. وفي الترمذي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: (وهم فيها كالحون - قال - تشويه النار فتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط ~~رأسه وتسترخي شفته السفلى حتى تضرب سرته) قال: هذا حديث حسن صحيح غريب. # PageV12P152 # قوله تعالى: قالوا ربنا غلبت شقوتنا وكنا قوما ضالين (106) ربنا أخرجنا ~~منها فإن عدنا فإنا ظالمون (107) قال اخسئوا فيها ولا تكلمون (108) قوله ~~تعالى: (قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا) قراءة أهل المدينة وأبى عمرو وعاصم ~~" شقوتنا " وقرأ الكوفيون إلا عاصما: " شقاوتنا ". وهذه القراءة مروية عن ~~ابن مسعود والحسن. ويقال: شقاء وشقا، بالمد والقصر. وأحسن ما قيل في معناه: ~~غلبت علينا لذاتنا وأهواؤنا، فسمى اللذات والأهواء شقوة، لأنهما يؤديان ~~إليها، كما قال الله عز وجل: # " إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا (1) " ~~[النساء: 10]، لان ذلك يؤديهم إلى النار. وقيل: ما سبق في علمك وكتب علينا ~~في أم الكتاب من الشقاوة. وقيل: حسن الظن بالنفس وسوء الظن بالخلق. (وكنا ~~قوما ضالين) أي كنا في فعلنا ضالين عن الهدى. # وليس هذا اعتذار منهم إنما هو إقرار، ويدل على ذلك قولهم: (ربنا أخرجنا ~~منها فإن عدنا فإنا ظالمون) طلبوا الرجعة إلى الدنيا كما طلبوها عند الموت. ~~" فإن عدنا " إلى الكفر " فإنا ظالمون " لأنفسنا بالعود إليه فيجابون بعد ~~ألف سنة: (اخسؤا فيها ولا تكلمون) أي ابعدوا في جهنم، كما يقال للكلب: ~~اخسأ، أي أبعد. ms4330 خسأت الكلب خسئا طردته. # وخسأ الكلب بنفسه خسوءا، يتعدى ولا يتعدى. وانخسأ الكلب أيضا. وذكر ابن ~~المبارك قال: حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة يذكره عن أبي أيوب عن عبد ~~الله بن عمرو ابن العاصي قال: إن أهل جهنم يدعون مالكا فلا يجيبهم أربعين ~~عاما، ثم يرد عليهم: إنكم ماكثون. قال: هانت والله دعوتهم على مالك ورب ~~مالك. قال: ثم يدعون ربهم فيقولون: " ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ~~ضالين. ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون ". قال: فيسكت عنهم قدر ~~الدنيا مرتين. قال: ثم يرد عليهم اخسئوا فيها. قال: فوالله ما نبس القوم ~~بعدها بكلمة، وما هو إلا الزفير والشهيق من نار جهنم # PageV12P153 # فشبه أصواتهم بصوت الحمير، أولها زفير وآخرها شهيق. خرجه الترمذي مرفوعا ~~بمعناه من حيث أبى الدرداء. وقال قتادة: صوت الكفار في النار كصوت الحمار، ~~أوله زفير وآخره شهيق. وقال ابن عباس: يصير لهم نباح كنباح الكلاب. وقال ~~محمد بن كعب القرظي: # بلغني أو ذكر لي أن أهل النار استغاثوا بالخزنة... الخبر بطوله، ذكره ابن ~~المبارك، وقد ذكرناه بكماله في التذكرة، وفي آخره: ثم مكث عنهم ما شاء ~~الله، ثم ناداهم " ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون " قال: فلما ~~سمعوا صوته قالوا الان يرحمنا ربنا، فقالوا عند ذلك. # " ربنا غلبت علينا شقوتنا " أي الكتاب الذي كتب علينا " وكنا قوما ضالين. ~~ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون " فقال عند ذلك: " اخسئوا فيها ولا ~~تكلمون " فانقطع عند ذلك الدعاء والرجاء، وأقبل بعضهم على بعض ينبح بعضهم ~~في وجوه بعض، وأطبقت عليهم. # قوله تعالى: إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا ~~وأنت خير الرحمين (109) فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكرى وكنتم منهم ~~تضحكون (110) إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون (111) قوله ~~تعالى: (إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا) الآية. قال ~~مجاهد: هم بلال وخباب وصهيب، وفلان وفلان من ضعفاء المسلمين، كان أبو جهل ~~وأصحابه يهزءون بهم. (فاتخذتموهم سخريا) ms4331 بالضم قراءة نافع وحمزة والكسائي ~~ها هنا وفي " ص (1) ". # وكسر الباقون. قال النحاس: وفرق أبو عمرو بينهما، فجعل المكسورة من جهة ~~التهزؤ، والمضمومة من جهة السخرة، ولا يعرف هذا التفريق الخليل ولا سيبويه ~~ولا الكسائي ولا الفراء. قال الكسائي: هما لغتان بمعنى واحد، كما يقال: عصى ~~وعصى، ولجى ولجى. # وحكى الثعلبي عن الكسائي والفراء: الفرق الذي ذكره أبو عمرو، وأن الكسر ~~بمعنى الاستهزاء # PageV12P154 # والسخرية بالقول، والضم بمعنى التسخير والاستبعاد بالفعل. وقال المبرد: ~~إنما يؤخذ التفريق بين المعاني عن العرب، وأما التأويل فلا يكون. والكسر في ~~سخرى في المعنيين جميعا، لان الضمة تستثقل في مثل هذا. (حتى أنسوكم ذكرى) ~~أي [حتى (1)] اشتغلتم بالاستهزاء بهم عن ذكرى. (وكنتم منهم تضحكون) استهزاء ~~بهم، وأضاف الانساء إلى المؤمنين لأنهم كانوا سببا لاشتغالهم عن ذكره، ~~وتعدى شؤم استهزائهم بالمؤمنين إلى استيلاء الكفر على قلوبهم. (إني جزيتهم ~~اليوم بما صبروا) على أذاكم، وصبروا على طاعتي. (أنهم هم الفائزون) قرأ ~~حمزة والكسائي بكسر الهمزة على ابتداء المدح من الله تعالى لهم: وفتح ~~الباقون، أي لأنهم هم الفائزون. ويجوز نصبه بوقوع الجزاء عليه، تقديره: إني ~~جزيتهم اليوم الفوز بالجنة. # قلت: وينظر إلى معنى هذا قوله تعالى في آخر المطففين: " فاليوم الذين ~~آمنوا من الكفار يضحكون " [المطففين: 34] إلى آخر السورة، على ما يأتي ~~بيانه هناك (2) إن شاء الله تعالى. ويستفاد من هذا: التحذير من السخرية ~~والاستهزاء بالضعفاء والمساكين والاحتقار لهم، والازراء عليهم والاشتغال ~~بهم فيما لا يغنى، وأن ذلك مبعد من الله عز وجل. # قوله تعالى: قل كم لبثتم في الأرض عدد سنين (112) قالوا لبثنا يوما أو ~~بعض يوم فسئل العادين (113) قل إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون ~~(114) قوله تعالى: (قال كم لبثتم في الأرض) قيل: يعنى في القبور. وقيل: هو ~~سؤال لهم عن مدة حياتهم في الدنيا. وهذا السؤال للمشركين في عرصات القيامة ~~أو في النار. (عدد سنين) بفتح النون على أنه جمع مسلم، ومن العرب من يخفضها ~~وينونها. (قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم) أنساهم ms4332 شدة العذاب مدة مكثهم في ~~القبور. وقيل: لان العذاب رفع عنهم بين النفختين فنسوا ما كانوا فيه من ~~العذاب في قبورهم. قال ابن عباس: أنساهم ما كانوا فيه من العذاب من النفخة ~~الأولى إلى الثانية، وذلك أنه ليس من أحد قتله نبي أو قتل نبيا # PageV12P155 # أو مات بحضرة نبي إلا عذب من ساعة يموت إلى النفخة الأولى، ثم يمسك عنه ~~العذاب فيكون كالماء حتى ينفخ الثانية. وقيل: استقصروا مدة لبثهم في الدنيا ~~وفي القبور ورأوه يسيرا بالنسبة إلى ما هم بصدده. (فاسأل العادين) أي سل ~~الحساب الذين يعرفون ذلك فإنا قد نسيناه، أو فاسأل الملائكة الذين كانوا ~~معنا في الدنيا، الأول قول قتادة، والثاني قول مجاهد، وقرأ ابن كثير وحمزة ~~والكسائي: " قل كم لبثتم في الأرض " على الامر. ويحتمل ثلاثة معان: أحدها - ~~قولوا كم لبثتم، فأخرج الكلام مخرج الامر للواحد والمراد الجماعة، إذ كان ~~المعنى مفهوما. الثاني - أن يكون أمرا للملك ليسألهم يوم البعث عن قدر ~~مكثهم في الدنيا. أو أراد قل أيها الكافر كم لبثتم، وهو الثالث. الباقون " ~~قال كم " على الخبر، أي قال الله تعالى لهم، أو قالت الملائكة لهم كم ~~لبثتم. وقرأ حمزة والكسائي أيضا: (قل إن لبثتم إلا قليلا) الباقون " قال " ~~على الخبر، على ما ذكر من التأويل الأول، أي ما لبثتم في الأرض إلا قليلا، ~~وذلك أن مكثهم في القبور وإن طال كان متناهيا. وقيل: هو قليل بالنسبة إلى ~~مكثهم في النار، لأنه لا نهاية له. (لو أنكم كنتم تعلمون) ذلك. # قوله تعالى: أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون (115) قوله ~~تعالى: (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا) أي مهملين كما خلقت البهائم لا ثواب ~~لها ولا عقاب عليها، مثل قوله تعالى: " أيحسب الانسان أن يترك سدى (1) " ~~[القيامة: 36] يريد كالبهائم مهملا لغير فائدة. قال الترمذي الحكيم أبو عبد ~~الله محمد بن علي: إن الله تعالى خلق الخلق عبيدا ليعبدوه، فيثيبهم على ~~العبادة ويعاقبهم على تركها، فإن عبدوه فهم اليوم له عبيد أحرار كرام من رق ~~الدنيا، ms4333 ملوك في دار الاسلام، وإن رفضوا العبودية فهم اليوم عبيد أباق سقاط ~~لئام، وغدا أعداء في السجون بين أطباق النيران. و " عبثا " نصب على الحال ~~عند سيبويه وقطرب. # وقال أبو عبيدة: هو نصب على المصدر أو لأنه مفعول له. (وأنكم إلينا لا ~~ترجعون) فتجازون بأعمالكم. قرأ حمزة والكسائي " ترجعون " بفتح التاء وكسر ~~الجيم من الرجوع. # PageV12P156 # قوله تعالى: فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم (116) ~~قوله تعالى: (فتعالى الله الملك الحق) أي تنزه وتقدس الله الملك الحق عن ~~الأولاد والشركاء والأنداد، وعن أن يخلق شيئا عبثا أو سفها، لأنه الحكيم. ~~(لا إله إلا هو رب العرش الكريم) ليس في القرآن غيرها. وقرأ ابن محيصن وروى ~~عن ابن كثير " الكريم " بالرفع نعتا لله (1). # قوله تعالى: ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهن له به فإنما حسابه عند ربه ~~إنه لا يفلح الكافرين (117) وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الرحمين (118) قوله ~~تعالى: (ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به) أي لا حجة له عليه ~~(فإنما حسابه عند ربه) أي هو يعاقبه ويحاسبه. " إنه " الهاء ضمير الامر ~~والشأن. (لا يفلح الكافرون) وقرأ الحسن وقتادة: " لا يفلح " - بالفتح - من ~~كذب وجحد ما جئت به وكفر نعمتي. # ثم أمر نبيه عليه الصلاة والسلام بالاستغفار لتقتدى به الأمة. وقيل: أمره ~~بالاستغفار لامته. وأسند الثعلبي من حديث ابن لهيعة عن عبد الله بن هبيرة ~~عن حنش ابن عبد الله الصنعاني عن عبد الله بن مسعود أنه مر بمصاب مبتلى ~~فقرأ في أذنه: " أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا " حتى ختم السورة فبرأ. فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ماذا قرأت في أذنه)؟ فأخبره، فقال: (والذي ~~نفسي بيده لو أن رجلا موقنا قرأها على جبل لزال). # PageV12P157 # سورة النور مدنية بالاجماع بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: سورة ~~أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينت لعلكم تذكرون (1) مقصود هذه ~~السورة ذكر أحكام العفاف والستر. وكتب عمر رضي الله عنه إلى أهل الكوفة: ~~علموا نساءكم ms4334 سورة النور. وقالت عائشة رضي الله عنها: (لا تنزلوا النساء ~~الغرف ولا تعلموهن الكتابة وعلموهن سورة النور والغزل. (وفرضناها) قرئ ~~بتخفيف الراء، أي فرضنا عليكم وعلى من بعدكم ما فيها من الاحكام. ~~وبالتشديد: أي أنزلنا فيها فرائض مختلفة. وقرأ أبو عمرو: " وفرضناها " ~~بالتشديد أي قطعناها في الانزال نجما نجما. والفرض القطع، ومنه فرضة القوس. ~~وفرائض الميراث وفرض النفقة. وعنه أيضا: " فرضناها " فصلناها وبيناها. ~~وقيل: هو على التكثير، لكثرة ما فيها من الفرائض. والسورة في اللغة اسم ~~للمنزلة الشريفة، ولذلك سميت السورة من القرآن سورة. قال زهير (1): # ألم تر أن الله أعطاك سورة * ترى كل ملك دونها يتذبذب وقد مضى في مقدمة ~~الكتاب (2) القول فيها. وقرئ: " سورة " بالرفع على أنها مبتدأ وخبرها " ~~أنزلناها "، قاله أبو عبيدة والأخفش. وقال الزجاج والفراء والمبرد: " سورة ~~" بالرفع لأنها خبر الابتداء، لأنها نكرة ولا يبتدأ بالنكرة في كل موضع، أي ~~هذه سورة. ويحتمل أن يكون قوله: " سورة " ابتداء وما بعدها صفة لها أخرجتها ~~عن حد النكرة المحضة فحسن الابتداء لذلك، ويكون الخبر في قوله: " الزانية ~~والزاني ". وقرئ " سورة " بالنصب، على تقدير أنزلنا سورة أنزلناها. وقال ~~الشاعر (3): # PageV12P158 # والذئب أخشاه إن مررت به * وحدي وأخشى الرياح والمطرا أو تكون منصوبة ~~بإضمار فعل أي أنل سورة. وقال الفراء: هي حال من الهاء والألف والحال من ~~المكنى يجوز أن يتقدم عليه. # قوله تعالى: الزانية والزاني فاجلدوا كل وحد منهما مائة جلدة ولا تأخذ كم ~~بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما ~~طائفة من المؤمنين (2) فيه اثنان (1) وعشرون مسألة: # الأولى - (قوله تعالى: (الزانية والزاني) كان الزنى في اللغة معروفا قبل ~~الشرع، مثل اسم السرقة والقتل. وهو اسم لوطئ الرجل امرأة في فرجها من غير ~~نكاح ولا شبهة نكاح بمطاوعتها. وإن شئت قلت: هو إدخال فرج في فرج مشتهى ~~طبعا محرم شرعا، فإذا كان ذلك وجب الحد. وقد مضى الكلام في حد الزنى ~~وحقيقته وما للعلماء في ذلك. وهذه الآية ناسخة لآية الحبس وآية الأذى ~~اللتين ms4335 في سورة [النساء (2)] باتفاق. # الثانية - قوله تعالى: (مائة جلدة) هذا حد الزاني الحر البالغ البكر، ~~وكذلك الزانية البالغة البكر الحرة. وثبت بألسنة تغريب عام، على الخلاف في ~~ذلك. وأما المملوكات فالواجب خمسون جلدة، لقوله تعالى: " فإن أتين بفاحشة ~~فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب (2) " [النساء: 25] وهذا في الأمة، ~~ثم العبد في معناها. وأما المحصن من الأحرار فعليه الرجم دون الجلد. ومن ~~العلماء من يقول: يجلد مائة ثم يرجم. وقد مضى هذا كله ممهدا في [النساء] ~~فأغنى عن إعادته، والحمد لله. # الثالثة - قرأ الجمهور: " الزانية والزاني " بالرفع. وقرأ عيسى بن عمر ~~الثقفي " الزانية " بالنصب، وهو أوجه عند سيبويه، لأنه عنده كقولك: زيدا ~~اضرب. ووجه الرفع عنده: # PageV12P159 # خبر ابتدأ (1)، وتقديره: فيما يتلى عليكم [حكم (2)] الزانية والزاني. ~~وأجمع الناس على الرفع وإن كان القياس عند سيبويه النصب. وأما الفراء ~~والمبرد والزجاج فإن الرفع عندهم هو الأوجه، والخبر في قوله: " فاجلدوا " ~~لان المعنى: الزانية والزاني مجلودان بحكم الله وهو قول جيد، وهو قول أكثر ~~النحاة. وإن شئت قدرت الخبر: ينبغي أن يجلدا. وقرأ ابن مسعود " والزان " ~~بغير ياء. # الرابعة - ذكر الله سبحانه وتعالى الذكر والأنثى، والزاني كان يكفي ~~منهما، فقيل: # ذكرهما للتأكيد كما قال تعالى: " والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما (3) ~~[المائدة: 38]. ويحتمل أن يكون ذكرهما هنا لئلا يظن ظان أن الرجل لما كان ~~هو الواطئ والمرأة محل ليست بواطئة فلا يجب عليها حد، فذكرها رفعا لهذا ~~الاشكال الذي أوقع جماعة من العلماء منهم الشافعي. # فقالوا: لا كفارة على المرأة في الوطئ في رمضان، لأنه قال: جامعت أهلي في ~~نهار رمضان، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم (كفر). فأمره بالكفارة، ~~والمرأة ليس بمجامعة ولا واطئة. # الخامسة - قدمت " الزانية " في الآية من حيث كان في ذلك الزمان زنى ~~النساء فاش، وكان لإماء العرب وبغايا الوقت رايات، وكن مجاهرات بذلك. وقيل: ~~لان الزنى في النساء أعر وهو لأجل الحبل أضر. وقيل: لان الشهوة في المرأة ~~أكثر وعليها أغلب، فصدرها تغليظا لتردع شهوتها، وإن كان قد ركب ms4336 فيها حياء ~~لكنها إذا زنت ذهب الحياء كله. # وأيضا فإن العار بالنساء ألحق إذ موضوعهن الحجب (4) والصيانة فقدم ذكرهن ~~تغليظا واهتماما. # السادسة - الألف واللام في قوله: " الزانية والزاني " للجنس، وذلك يعطى ~~أنها عامة في جميع الزناة. ومن قال بالجلد مع الرجم قال: السنة جاءت بزيادة ~~حكم فيقام مع الجلد. # وهو قول إسحاق بن راهويه والحسن بن أبي الحسن، وفعله علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه بشراحة، وقد مضى في [النساء (5)] بيانه. وقال الجمهور: هي خاصة في ~~البكرين، واستدلوا على أنها غير عامة بخروج العبيد والإماء منها. # PageV12P160 # السابعة - نص الله سبحانه وتعالى [على] ما يجب على الزانيين إذا شهد بذلك ~~عليهما على ما يأتي وأجمع العلماء على القول به. واختلفوا فيما يجب على ~~الرجل يوجد مع المرأة في ثوب واحد، فقال إسحاق بن راهويه: يضرب كل واحد ~~منهما مائة جلدة. وروى ذلك عن عمر وعلى، وليس يثبت ذلك عنهما. وقال عطاء ~~وسفيان الثوري: يؤدبان. وبه قال مالك وأحمد، على قدر مذاهبهم في الأدب. قال ~~ابن المنذر: والأكثر ممن رأيناه يرى على من وجد على هذه الحال الأدب. وقد ~~مضى في " هود (1) " اختيار ما في هذه المسألة، والحمد لله وحده. # الثامنة - قوله تعالى: (فاجلدوا) دخلت الفاء لأنه موضع أمر والامر مضارع ~~للشرط. وقال المبرد: فيه معنى الجزاء، أي إن زنى زان فافعلوا به كذا، ولهذا ~~دخلت الفاء، وهكذا " السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما (2) ". # [المائدة: 38]. # التاسعة - لا خلاف أن المخاطب بهذا الامر الامام ومن ناب منابه. وزاد ~~مالك والشافعي: السادة في العبيد. قال الشافعي: في كل جلد وقطع. وقال مالك: ~~في الجلد دون القطع. وقيل: الخطاب للمسلمين، لان إقامة مراسم الدين واجبة ~~على المسلمين، ثم الامام ينوب عنهم، إذ لا يمكنهم الاجتماع على إقامة ~~الحدود. # العاشرة - أجمع العلماء على أن الجلد بالسوط يجب. والسوط الذي يجب أن ~~يجلد به يكون سوطا بين سوطين. لا شديدا ولا لينا. وروى مالك عن زيد بن أسلم ~~أن رجلا اعترف على نفسه بالزنى على عهد رسول الله ms4337 صلى الله عليه وسلم، فدعا ~~له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوط، فأتى بسوط مكسور، فقال: (فوق هذا) ~~فأتى بسوط جديد لم تقطع ثمرته (3)، فقال: (دون هذا) فأتى بسوط قد ركب به ~~(4)، ولأن. فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلد... الحديث. قال أبو ~~عمر: هكذا روى الحديث مرسلا جميع # PageV12P161 # رواة الموطأ ولا أعلمه يستند بهذا اللفظ بوجه من الوجوه، وقد روى معمر عن ~~يحيى ابن أبي كثير عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله سواء. وقد تقدم في " ~~المائدة " ضرب عمر قدامة (1) في الخمر بسوط تام. يريد وسطا. # الحادية عشرة - اختلف العلماء في تجريد المجلود في الزنى، فقال مالك وأبو ~~حنيفة وغيرهما: يجرد، ويترك على المرأة ما يسترها دون ما يقيها الضرب. وقال ~~الأوزاعي: الامام مخير إن شاء جرد وإن شاء ترك. وقال الشعبي والنخعي: لا ~~يجرد ولكن يترك عليه قميص. # قال ابن مسعود: لا يحل في هذه الأمة تجريد ولا مد، وبه قال الثوري. # الثانية عشرة - اختلف العلماء في كيفية ضرب الرجال والنساء، فقال مالك: ~~الرجل والمرأة في الحدود كلها سواء، لا يقام واحد منهما، ولا يجزى عنده إلا ~~في الظهر. وأصحاب الرأي والشافعي يرون أن يجلد الرجل وهو واقف، وهو قول علي ~~بن أبي طالب رضي الله عنه . وقال الليث [بن سعد (2)] وأبو حنيفة والشافعي: ~~الضرب في الحدود كلها وفي التعزير مجردا قائما غير ممدود، إلا حد القذف ~~فإنه يضرب وعليه ثيابه. وحكاه المهدوي في التحصيل عن مالك. وينزع عنه الحشو ~~والفرو. وقال الشافعي: إن كان مده صلاحا مد. # الثالثة عشرة - واختلفوا في المواضع التي تضرب من الانسان في الحدود، ~~فقال مالك: الحدود كلها لا تضرب إلا في الظهر، وكذلك التعزير. وقال الشافعي ~~وأصحابه: # يتقى الوجه والفرج وتضرب سائر الأعضاء، وروى عن علي. وأشار ابن عمر ~~بالضرب إلى رجلي أمة جلدها في الزنى. قال ابن عطية: والاجماع في تسليم ~~الوجه والعورة والمقاتل. # واختلفوا في ضرب الرأس فقال الجمهور: يتقى الرأس. وقال أبو يوسف: يضرب ~~الرأس. ms4338 # وروى عن عمر وابنه فقالا: يضرب الرأس. وضرب عمر رضي الله عنه صبيغا (3) ~~في رأسه وكان تعزيرا لا حدا. ومن حجة مالك: ما أدرك عليه الناس، وقوله عليه ~~السلام: # (البينة وإلا حد في ظهرك) وسيأتي. # PageV12P162 # الرابعة عشرة - الضرب الذي يجب هو أن يكون مؤلما لا يجرح ولا يبضع، ولا ~~يخرج الضارب يده من تحت إبطه. وبه قال الجمهور، وهو قول على وابن مسعود رضي ~~الله عنهما. وأتي عمر رضي الله عنه برجل في حد فأتي بسوط بين سوطين وقال ~~للضارب: اضرب ولا يرى إبطك، وأعط كل عضو حقه. وأتي رضي الله عنه بشارب ~~فقال: لأبعثنك إلى رجل لا تأخذه فيك هوادة، فبعثه إلى مطيع بن الأسود ~~العدوى فقال: # إذا أصبحت الغد فاضربه الحد، فجاء عمر رضي الله عنه وهو يضربه ضربا شديدا ~~فقال: قتلت الرجل! كم ضربته؟ فقال ستين، فقال: أقص عنه بعشرين. قال أبو ~~عبيدة [قوله (1)]: " أقص عنه بعشرين " يقول: اجعل شدة هذا الضرب الذي ضربته ~~قصاصا بالعشرين التي بقيت ولا تضربه العشرين. وفي هذا الحديث من الفقه أن ~~ضرب الشارب ضرب خفيف. # وقد اختلف العلماء في أشد الحدود ضربا وهي: # الخامسة عشرة - فقال مالك وأصحابه والليت بن سعد: الضرب في الحدود كلها ~~سواء ضرب غير مبرح، ضرب بين ضربين. وهو قول الشافعي رضي الله عنه. وقال أبو ~~حنيفة وأصحابه: التعزير أشد الضرب، وضرب الزنى أشد من الضرب في الخمر، وضرب ~~الشارب أشد من ضرب القذف. وقال الثوري: ضرب الزنى أشد من ضرب القذف، وضرب ~~القذف أشد من ضرب الخمر. احتج مالك بورود التوقيف على عدد الجلدات، ولم يرد ~~في شئ منها تخفيف ولا تثقيل عمن يجب التسليم له. احتج أبو حنيفة بفعل عمر، ~~فإنه ضرب في التعزير ضربا أشد منه في الزنى. احتج الثوري بأن الزنى لما كان ~~أكثر عددا في الجلدات استحال أن يكون القذف أبلغ في النكاية. وكذلك الخمر، ~~لأنه لم يثبت الحد إلا بالاجتهاد، وسبيل مسائل الاجتهاد لا يقوى قوة مسائل ~~التوقيف. # السادسة عشرة - الحد ms4339 الذي أوجب الله في الزنى والخمر والقذف وغير ذلك ~~ينبغي أن يقام بين أيدي الحكام، ولا يقيمه إلا فضلاء الناس وخيارهم يختارهم ~~الامام لذلك. # وكذلك كانت الصحابة تفعل كلما وقع لهم شئ من ذلك، رضي الله عنهم. وسبب ~~ذلك أنه # PageV12P163 # قيام بقاعدة شرعية وقربة تعبدية، تجب المحافظة على فعلها وقدرها ومحلها ~~وحالها، بحيث لا يتعدى شئ من شروطها ولا أحكامها، فإن دم المسلم وحرمته ~~عظيمة، فيجب مراعاته بكل ما أمكن. روى الصحيح عن حضين (1) بن المنذر أبي ~~ساسان قال: شهدت عثمان ابن عفان وأتي بالوليد قد صلى الصبح ركعتين ثم قال: ~~أزيدكم؟ فشهد عليه رجلان، أحدهما حمران أنه شرب الخمر، وشهد آخر أنه رآه ~~يتقيأ، فقال عثمان: إنه لم يتقيأ حتى شربها، فقال: يا علي قم فاجلده، فقال ~~على: قم يا حسن فاجلده. فقال الحسن: ول حارها (2) من تولى قارها (فكأنه وجد ~~عليه) فقال: يا عبد الله بن جعفر، قم فاجلده، فجلده وعلى يعد... # الحديث. وقد تقدم في المائدة. فانظر قول عثمان للامام على: قم فاجلده. # السابعة عشرة - نص الله تعالى على عدد الجلد في الزنى والقذف، وثبت ~~التوقيف في الخمر على ثمانين من فعل عمر في جميع (3) الصحابة - على ما تقدم ~~في المائدة (4) - فلا يجوز أن يتعدى الحد في ذلك كله. قال ابن العربي: " ~~وهذا ما لم يتابع الناس في الشر ولا احلولت لهم المعاصي، حتى يتخذوها ضراوة ~~(5) ويعطفون عليها بالهوادة فلا يتناهوا عن منكر فعلوه، فحينئذ تتعين الشدة ~~ويزاد الحد (6) لأجل زيادة الذنب. وقد أتي عمر بسكران في رمضان فضربه مائة، ~~ثمانين حد الخمر وعشرين لهتك حرمة الشهر. فهكذا يجب أن تركب العقوبات على ~~تغليظ الجنايات وهتك الحرمات. وقد لعب رجل بصبي فضربه الوالي ثلاثمائة سوط ~~فلم يغير [ذلك (7)] مالك حين بلغه، فكيف لو رأى زماننا هذا بهتك الحرمات ~~والاستهتار بالمعاصي، والتظاهر بالمناكر وبيع الحدود واستيفاء العبيد لها ~~في منصب القضاة، لمات كمدا ولم يجالس أحدا، وحسبنا الله ونعم الوكيل ". # PageV12P164 # قلت: ولهذا المعنى - والله أعلم - زيد في حد ms4340 الخمر حتى انتهى إلى ثمانين. ~~وروى الدارقطني " حدثنا القاضي الحسين بن إسماعيل حدثنا يعقوب بن إبراهيم ~~الدورقي حدثنا صفوان بن عيسى حدثنا أسامة بن زيد عن الزهري قال أخبرني عبد ~~الرحمن بن أزهر قال: # رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين وهو يتخلل الناس يسأل عن ~~منزل خالد بن الوليد، فأتى بسكران، قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لمن عنده فضربوه بما في أيديهم. # وقال: وحثا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه التراب. قال: ثم أتى أبو ~~بكر رضي الله عنه بسكران، قال: فتوخى الذي كان من ضربهم يومئذ، فضرب ~~أربعين. قال الزهري: # ثم أخبرني حميد بن عبد الرحمن عن ابن وبرة الكلبي قال: أرسلني خالد بن ~~الوليد إلى عمر، قال فأتيته ومعه عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وعلى ~~وطلحة والزبير وهم معه متكئون في المسجد فقلت: إن خالد بن الوليد أرسلني ~~إليك وهو يقرأ عليك السلام ويقول: # إن الناس قد انهمكوا في الخمر! وتحاقروا العقوبة فيه، فقال عمر: هم هؤلاء ~~عندك فسلهم. # فقال على: نراه إذا سكر هذى وإذا هذى افترى وعلى المفترى ثمانون، قال ~~فقال عمر: # أبلغ صاحبك ما قال. قال: فجلد خالد ثمانين وعمر ثمانين. قال: وكان عمر ~~إذا أتي بالرجل الضعيف الذي كانت منه الزلة ضربه أربعين، قال: وجلد عثمان ~~أيضا ثمانين وأربعين ". # ومن هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم: (لو تأخر الهلال لزدتكم) ~~كالمنكل لهم حين أبوا أن ينتهوا. في رواية (لو مد لنا الشهر لواصلنا وصالا ~~يدع المتعمقون تعمقهم (1)). وروى حامد بن يحيى عن سفيان عن مسعر عن عطاء بن ~~أبي مروان أن عليا ضرب النجاشي في الخمر مائة جلدة، ذكره أبو عمرو ولم يذكر ~~سببه. # الثامنة عشر - قوله تعالى: (ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله) أي لا ~~تمتنعوا عن إقامة الحدود شفقة على المحدود، ولا تخففوا الضرب من غير إيجاع، ~~وهذا قول جماعة أهل التفسير. وقال الشعبي والنخعي وسعيد بن جبير: " لا ~~تأخذكم بهما ms4341 رأفة " قالوا: # PageV12P165 # في الضرب والجلد. وقال أبو هريرة رضي الله عنه: إقامة حد بأرض خير لأهلها ~~من مطر أربعين ليلة، ثم قرأ هذه الآية. والرأفة أرق الرحمة. وقرئ: " رأفة " ~~بفتح الألف على وزن فعلة. وقرئ: " رآفة " على وزن فعالة، ثلاث لغات، وهي ~~كلها مصادر، أشهرها الأولى، من رؤوف إذا رق ورحم. ويقال: رأفة ورآفة، مثل ~~كأبة وكآبة. وقد رأفت به ورؤفت به. # والرؤوف من صفات الله تعالى: العطوف الرحيم. # التاسعة عشرة - قوله تعالى: (أي في حكم الله، كما قال تعالى: # " ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك (1) " [يوسف: 76] أي في حكمه. وقيل: " ~~في دين الله " أي في طاعة الله وشرعه فيما أمركم به من إقامة الحدود. # قررهم على معنى التثبيت والحض بقوله تعالى: # " إن كنتم تؤمنون بالله ". وهذا كما تقول لرجل تحضه: إن كنت رجلا فافعل ~~كذا! أي هذه أفعال الرجال. # الموفية عشرين - قوله تعالى: (وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين) قيل: # لا يشهد التعذيب إلا من لا يستحق (2) التأديب. قال مجاهد: رجل فما فوقه ~~إلى ألف. وقال ابن زيد: لا بد من حضور أربعة قياسا على الشهادة على الزنى، ~~وأن هذا باب منه، وهو قول مالك والليث والشافعي. وقال عكرمة وعطاء: لا بد ~~من اثنين، وهذا مشهور قول مالك، فرآها موضع شهادة. وقال الزهري: ثلاثة، ~~لأنه أقل الجمع. الحسن: واحد فصاعدا، وعنه عشرة. الربيع: ما زاد على ~~الثلاثة. وحجة مجاهد قوله تعالى: " فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة (3) " ~~[التوبة: 122]، وقوله: " وإن طائفتان (4) " [الحجرات: 9]، ونزلت في تقاتل ~~رجلين، فكذلك قوله تعالى: " وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ". والواحد ~~يسمى طائفة إلى الألف، وقاله ابن عباس وإبراهيم. وأمر أبو برزة الأسلمي ~~بجارية له قد زنت وولدت فألقى عليها ثوبا، وأمر ابنه أن يضربها خمسين ضربة ~~غير مبرح ولا خفيف لكن مؤلم، ودعا جماعة ثم تلا: " وليشهد عذابهما طائفة من ~~المؤمنين ". # PageV12P166 # الحادية والعشرون - اختلف في المراد بحضور الجماعة. هل المقصود بها ~~الأغلاط على الزناة والتوبيخ بحضرة الناس، وأن ذلك يدع المحدود، ومن شهده ms4342 ~~وحضره يتعظ به ويزدجر لأجله، ويشيع حديثه فيعتبر به من بعده، أو الدعاء ~~لهما بالتوبة والرحمة، قولان للعلماء. # الثانية (1) والعشرون - روى عن حذيفة رضي الله عنه أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # (يا معاشر الناس اتقوا الزنى فإن فيه ست خصال ثلاثا في الدنيا وثلاثا في ~~الآخرة فأما اللواتي في الدنيا فيذهب البهاء ويورث الفقر وينقص العمر وأما ~~اللواتي في الآخرة فيوجب السخط وسوء الحساب والخلود في النار). وعن أنس أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن أعمال أمتي تعرض على كل جمعة مرتين ~~فاشتد غضب الله على الزناة). وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا كان ~~ليلة النصف من شعبان اطلع الله على أمتي فغفر لكل مؤمن لا يشرك بالله شيئا ~~إلا خمسة ساحرا وكاهنا وعاقا لوالديه ومدمن خمر ومصرا على الزنى). # قوله تعالى: الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا ~~زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين (3) فيه سبع مسائل: # الأولى - اختلف العلماء في معنى هذه الآية على ستة أوجه من التأويل: # الأول - أن يكون مقصد الآية تشنيع الزنى وتبشيع أمره، وأنه محرم على ~~المؤمنين. # واتصال هذا المعنى بما قبل حسن بليغ. ويريد بقوله: " لا ينكح " أي لا ~~يطأ، فيكون النكاح بمعنى الجماع. وردد القصة مبالغة وأخذا من كلا الطرفين، ~~ثم زاد تقسيم المشركة والمشرك من حيث الشرك أعم في المعاصي من الزنى، ~~فالمعنى: الزاني لا يطأ في وقت زناه إلا زانية من المسلمين، أو من هي أحسن ~~منها من المشركات. وقد روى عن ابن عباس وأصحابه أن النكاح في هذه الآية ~~الوطئ. وأنكر ذلك الزجاج وقال: لا يعرف النكاح في كتاب الله تعالى إلا # PageV12P167 # بمعنى التزويج. وليس كما قال، وفي القرآن " حتى تنكح زوجا غيره " ~~[البقرة: 230] وقد بينه النبي صلى الله عليه وسلم أنه بمعنى الوطئ، وقد ~~تقدم في [البقرة (1)]. وذكر الطبري ما ينحو إلى هذا التأويل عن سعيد بن ~~جبير وابن عباس وعكرمة، ولكن غير مخلص ولا مكمل. ms4343 وحكاه الخطابي عن ابن ~~عباس، وأن معناه الوطئ، أي لا يكون زنى إلا بزانية، ويفيد أنه زنى في ~~الجهتين، فهذا قول. # الثاني - ما رواه أبو داود والترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن ~~مرثد ابن أبي مرثد كان يحمل الأسارى بمكة، وكان بمكة بغى يقال لها " عناق " ~~وكانت صديقته، قال: فجئت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، ~~آنكح عناق؟ قال: فسكت عنى، فنزلت: " والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك "، ~~فدعاني فقرأها على وقال: (لا تنكحها). # لفظ أبى داود، وحديث الترمذي أكمل. قال الخطابي: هذا خاص بهذه المرأة إذ ~~كانت كافرة، فأما الزانية المسلمة فإن العقد عليها لا يفسخ. # الثالث - أنها مخصوصة في رجل من المسلمين أيضا أستأذن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في نكاح امرأة يقال لها " أم مهزول " وكانت من بغايا (2) ~~الزانيات، وشرطت أن تنفق عليه، فأنزل الله تعالى هذه الآية، قاله عمرو بن ~~العاصي ومجاهد. # الرابع - أنها نزلت في أهل الصفة وكانوا قوما من المهاجرين، ولم يكن لهم ~~في المدينة مساكن ولا عشائر فنزلوا صفة المسجد وكانوا أربعمائة رجل يلتمسون ~~الرزق بالنهار ويأوون إلى الصفة بالليل، وكان بالمدينة بغايا متعالنات ~~بالفجور، مخاصيب بالكسوة والطعام، فهم أهل الصفة أن يتزوجوهن فيأووا إلى ~~مساكنهن ويأكلوا من طعامهن وكسوتهن، فنزلت هذه الآية صيانة لهم عن ذلك، ~~قاله ابن أبي صالح. # الخامس - ذكره الزجاج وغيره عن الحسن، وذلك أنه قال: المراد الزاني ~~المحدود والزانية المحدودة، قال: وهذا حكم من الله، فلا يجوز لزان محدود أن ~~يتزوج إلا محدودة. # PageV12P168 # وقال إبراهيم النخعي نحوه. وفي مصنف أبى داود عن أبي هريرة قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: (لا ينكح الزاني المحدود إلا مثله). وروى أن ~~محدودا تزوج غير محدودة ففرق على رضي الله عنه بينهما. قال ابن العربي: ~~وهذا معنى لا يصح نظرا كما لم يثبت نقلا، وهل يصح أن يوقف نكاح من حد من ~~الرجال على نكاح من حد من النساء فبأي أثر ms4344 يكون ذلك، وعلى أي أصل يقاس من ~~الشريعة! # قلت - وحكى هذا القول الكيا عن بعض أصحاب الشافعي المتأخرين، وأن الزاني ~~إذا تزوج غير زانية فرق بينهما لظاهر الآية. قال الكيا: وإن هو عمل بالظاهر ~~فيلزمه عليه أن يجوز للزاني التزوج بالمشركة، ويجوز للزانية أن تزوج نفسها ~~من مشرك، وهذا في غاية البعد، وهو خروج عن الاسلام بالكلية، وربما قال ~~هؤلاء إن الآية منسوخة في المشرك خاص دون الزانية. # السادس - أنها منسوخة، روى مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال : ~~" الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك " ~~قال: نسخت هذه الآية التي بعدها " وأنكحوا الأيامى منكم (1) " [النور: 32]، ~~وقاله ابن عمرو، قال: دخلت الزانية في أيامى المسلمين. قال أبو جعفر ~~النحاس: وهذا القول عليه أكثر العلماء. وأهل الفتيا يقولون: # إن من زنى بامرأة فله أن يتزوجها ولغيره أن يتزوجها. وهو قول ابن عمر ~~وسالم وجابر بن زيد (2) وعطاء وطاوس ومالك بن أنس، وهو قول أبي حنيفة ~~وأصحابه. وقال الشافعي: القول فيها كما قال سعيد بن المسيب، إن شاء الله هي ~~منسوخة. قال ابن عطية: وذكر الاشراك في هذه الآية يضعف هذه المناحي. قال ~~ابن العربي: والذي عندي أن النكاح لا يخلو أن يراد به الوطئ كما قال ابن ~~عباس أو العقد، فإن أريد به الوطئ فإن معناه: لا يكون زنى إلا بزانية، وذلك ~~عبارة عن أن الوطأين من الرجل والمرأة من الجهتين، ويكون تقدير الآية: # وطئ الزانية لا يقع إلا من زان أو مشرك، وهذا يؤثر عن ابن عباس، وهو معنى ~~صحيح. # PageV12P169 # فإن قيل: فإذا زنى بالغ بصبية، أو عاقل بمجنونة، أو مستيقظ بنائمة فإن ~~ذلك من جهة الرجل زنى، فهذا زان نكح غير زانية، فيخرج المراد عن بابه الذي ~~تقدم. قلنا: هو زنى من كل جهة، إلا أن أحدهما سقط فيه الحد والاخر ثبت فيه. ~~وإن أريد به العقد كان معناه: # أن متزوج الزانية التي قد زنت ودخل بها ولم يستبرئها ms4345 يكون بمنزلة الزاني، ~~إلا أنه لا حد عليه لاختلاف العلماء في ذلك. وأما إذا عقد عليها ولم يدخل ~~بها حتى يستبرئها فذلك جائز إجماعا. # وقيل: ليس المراد في الآية أن الزاني لا ينكح قط إلا زانية إذ قد يتصور ~~أن يتزوج غير زانية، ولكن المعنى أن من تزوج بزانية فهو زان، فكأنه قال: لا ~~ينكح الزانية إلا زان، فقلب الكلام، وذلك أنه لا ينكح الزانية إلا وهو راض ~~بزناها، وإنما يرضى بذلك إذا كان هو أيضا يزنى. # الثانية - في هذه الآية دليل على أن التزوج بالزانية صحيح. وإذا زنت زوجة ~~الرجل لم يفسد النكاح، وإذا زنى الزوج لم يفسد نكاحه مع زوجته، وهذا على أن ~~الآية منسوخة. # وقيل إنها محكمة. وسيأتي. # الثالثة - روى أن رجلا زنى بامرأة في زمن أبى بكر رضي الله عنه فجلدهما ~~مائة جلدة، ثم زوج أحدهما من الاخر مكانه، ونفاهما سنة. وروى مثل ذلك عن ~~عمر وابن مسعود وجابر رضي الله عنهم. وقال ابن عباس: أوله سفاح وآخره نكاح. ~~ومثل ذلك مثل رجل سرق من حائط ثمرة ثم أتى صاحب البستان فاشترى منه ثمرة، ~~فما سرق حرام وما اشترى حلال (1). وبهذا أخذ الشافعي وأبو حنيفة، ورأوا أن ~~الماء لا حرمة له. وروى عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: إذا زنى الرجل ~~بالمرأة ثم نكحها بعد ذلك فهما زانيان أبدا. وبهذا أخذ مالك رضي الله عنه، ~~فرأى أنه لا ينكحها حتى يستبرئها من مائه الفاسد، لان النكاح له حرمة، ومن ~~حرمته ألا يصب على ماء السفاح، فيختلط الحرام بالحلال، ويمتزج ماء المهانة ~~بماء العزة. # PageV12P170 # الرابعة - قال ابن خويز منداد: من كان معروفا بالزنى أو بغيره من الفسوق ~~معلنا به فتزوج إلى أهل بيت ستر وغرهم من نفسه فلهم الخيار في البقاء معه ~~أو فراقه، وذلك كعيب من العيوب، واحتج بقوله عليه السلام: (لا ينكح الزاني ~~المجلود إلا مثله). قال ابن خويز منداد. وإنما ذكر المجلود لاشتهاره ~~بالفسق، وهو الذي يجب أن يفرق بينه وبين غيره، ms4346 فأما من لم يشتهر بالفسق ~~فلا. # الخامسة - قال قوم من المتقدمين: الآية محكمة غير منسوخة، وعند هؤلاء: من ~~زنى فسد النكاح بينه وبين زوجته، وإذا زنت الزوجة فسد النكاح بينها وبين ~~زوجها. # وقال قوم من هؤلاء: لا ينفسخ النكاح بذلك، ولكن يؤمر الرجل بطلاقها إذا ~~زنت، ولو أمسكها أثم، ولا يجوز التزوج بالزانية ولا من الزاني، بل لو ظهرت ~~التوبة فحينئذ يجوز النكاح. # السادسة - (وحرم ذلك على المؤمنين) أي نكاح أولئك البغايا، فيزعم بعض أهل ~~التأويل أن نكاح أولئك البغايا حرمه الله تعالى على أمة محمد عليه السلام، ~~ومن أشهرهن عناق (1). # السابعة - حرم الله تعالى الزنى في كتابه، فحيثما زنى الرجل فعليه الحد. ~~وهذا قول مالك والشافعي وأبى ثور. وقال أصحاب الرأي في الرجل المسلم إذا ~~كان في دار الحرت بأمان وزنى هنالك ثم خرج لم يحد. قال ابن المنذر: دار ~~الحرب ودار الاسلام سواء، ومن زنى فعليه الحد على ظاهر قوله: " الزانية ~~والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة " [النور: 2]. # قوله تعالى: والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ~~ثمنين جلدة ولا تقبلوا لهم شهداء أبدا وأولئك هم الفاسقون (4) إلا الذين ~~تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم (5) # PageV12P171 # فيه ست وعشرون مسألة: # الأولى - هذه الآية نزلت في القاذفين. قال سعيد بن جبير: كان سببها ما ~~قيل في عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها. وقيل: بل نزلت بسبب القذفة عاما ~~لا في تلك النازلة. وقال ابن المنذر: لم نجد في أخبار رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم خبرا يدل على تصريح القذف، وظاهر كتاب الله تعالى مستغنى به دالا ~~على القذف الذي يوجب الحد، وأهل العلم على ذلك مجمعون. # الثانية - قوله تعالى: " والذين يرمون " يريد يسبون، واستعير له اسم ~~الرمي لأنه إذاية بالقول، كما قال النابغة: # * وجرح اللسان كجرح اليد * وقال آخر: # رماني بأمر كنت منه ووالدي * بريئا ومن أجل الطوى رماني (1) ويسمى قذفا، ~~ومنه الحديث: إن ابن أمية قذف امرأته بشريك بن السحماء، أي رماها. ms4347 # الثالثة - ذكر الله تعالى في الآية النساء من حيث هن (2) أهم، ورميهن ~~بالفاحشة أشنع وأنكى للنفوس. وقذف الرجال داخل في حكم الآية بالمعنى، ~~وإجماع الأمة على ذلك. وهذا نحو نصه على تحريم لحم الخنزير ودخل شحمه ~~وغضاريفه، ونحو ذلك بالمعنى والاجماع. # وحكى الزهراوي أن المعنى: والأنفس المحصنات، فهي بلفظها تعم الرجال ~~والنساء، ويدل على ذلك قوله: " والمحصنات من النساء (3) ". [النساء: 24]. ~~وقال قوم: أراد بالمحصنات الفروج، كما قال تعالى: # " والتي أحصنت فرجها (4) " [الأنبياء: 91] فيدخل فيه فروج الرجال ~~والنساء. وقيل: إنما ذكر المرأة الأجنبية إذا قذفت ليعطف عليها قذف الرجل ~~زوجته، والله أعلم. وقرأ الجمهور: " المحصنات " بفتح الصاد، وكسرها يحيى بن ~~وثاب. والمحصنات العفائف في هذا الموضع. وقد مضى في " النساء " ذكر الاحصان ~~(3) ومراتبه. والحمد لله. # PageV12P172 # الرابعة - للقذف شروط عند العلماء تسعة: شرطان في القاذف، وهما العقل ~~والبلوغ، لأنهما أصلا التكليف، إذ التكليف ساقط دونهما. وشرطان في الشئ ~~المقذوف به، وهو أن يقذف بوطئ يلزمه فيه الحد، وهو الزنى واللواط أو بنفيه ~~من أبيه دون سائر المعاصي. وخمسة في المقذوف، وهي العقل والبلوغ والاسلام ~~والحرية والعفة عن الفاحشة التي رمى بها، كان عفيفا من غيرها أم لا. وإنما ~~شرطنا في المقذوف العقل والبلوغ كما شرطنا هما في القاذف وإن لم يكونا من ~~معاني الاحصان لأجل أن الحد إنما وضع للزجر عن الإذاية بالمضرة الداخلة على ~~المقذوف، ولا مضرة على من عدم العقل والبلوغ، إذ لا يوصف اللواط فيهما ولا ~~منهما بأنه زنى. # الخامسة - اتفق العلماء على أنه إذا صرح بالزنى كان قذفا ورميا موجبا ~~للحد، فإن عرض ولم يصرح فقال مالك: هو قذف. وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا ~~يكون قذفا حتى يقول أردت به القذف. والدليل لما قاله مالك هو أن موضوع الحد ~~في القذف إنما هو لإزالة المعرة التي أوقعها القاذف بالمقذوف، فإذا حصلت ~~المعرة بالتعريض وجب أن يكون قذفا كالتصريح، والمعول على الفهم، وقد قال ~~تعالى مخبرا عن شعيب: " إنك لأنت الحليم الرشيد " [هود: 87] أي السفيه ~~الضال، فعرضوا له بالسب ms4348 بكلام ظاهر المدح في أحد التأويلات، حسبما تقدم في ~~هود (1). وقال تعالى في أبى جهل: " ذق إنك أنت العزيز الكريم (2) " ~~[الدخان: 49]. وقال حكاية عن مريم: " يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء ~~وما كانت أمك (3) بغيا " [مريم: 28]، فمدحوا أباها ونفوا عن أمها البغاء أي ~~الزنى، وعرضوا لمريم بذلك، ولذلك قال تعالى: # " وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما (4) " [النساء: 156]، وكفرهم ~~معروف، والبهتان العظيم هو التعريض لها، أي ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت ~~أمك بغيا، أي أنت بخلافهما وقد أتيت بهذا الولد. # وقال تعالى: " قل من يرزقكم من السماوات والأرض قل الله وإنا أو إياكم ~~لعلى هدى أو في ضلال مبين (5) " [سبأ: 24]، فهذا اللفظ قد فهم منه أن ~~المراد به أن الكفار على غير هدى، وأن الله تعالى ورسوله على الهدى، ففهم ~~من هذا التعريض ما يفهم من صريحه. وقد حبس عمر رضي الله عنه الحطيئة لما ~~قال: # PageV12P173 # دع المكارم لا ترحل لبغيتها * واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي لأنه شبهه ~~بالنساء في أنهن يطعمن ويسقين ويكسون. ولما سمع قول النجاشي: # قبيلته لا يغدرون بذمة * ولا يظلمون الناس حبة خردل قال: ليت الخطاب ~~كذلك، وإنما أراد الشاعر ضعف القبيلة، ومثله كثير. # السادسة - الجمهور من العلماء على أنه لا حد على من قذف رجلا من أهل ~~الكتاب أو امرأة منهم. وقال الزهري وسعيد بن المسيب وابن أبي ليلى: عليه ~~الحد إذا كان لها ولد من مسلم. وفيه قول ثالث - وهو أنه إذا قذف النصرانية ~~تحت المسلم جلد الحد. قال ابن المنذر: وجل العلماء مجمعون وقائلون بالقول ~~الأول، ولم أدرك أحدا ولا لقيته يخالف في ذلك. وإذا قذف النصراني المسلم ~~الحر فعليه ما على المسلم ثمانون جلدة، لا أعلم في ذلك خلافا (1). # السابعة - والجمهور من العلماء على أن العبد إذا قذف حرا يجلد أربعين: ~~لأنه حد يتشطر بالرق كحد الزنى. وروى عن ابن مسعود وعمر بن عبد العزيز ~~وقبيصة بن ذؤيب يجلد ثمانين، وجلد أبو بكر بن محمد عبدا قذف حرا ثمانين، ms4349 ~~وبه قال الأوزاعي. احتج الجمهور بقول الله تعالى: " فإن أتين بفاحشة فعليهن ~~نصف ما على المحصنات من العذاب (2) " [النساء: 25]. # وقال الآخرون: فهمنا هناك أن حد الزنى لله تعالى، وأنه ربما كان أخف فيمن ~~قلت نعم الله عليه، وأفحش فيمن عظمت نعم الله عليه. وأما حد القذف فحق ~~للآدمي وجب للجناية على عرض المقذوف، والجناية لا تختلف بالرق والحرية. ~~وربما قالوا: لو كان يختلف لذكر كما ذكر من الزنى. قال ابن المنذر: والذي ~~عليه [عوام] (2) علماء الأمصار القول الأول، وبه أقول. # الثامنة - وأجمع العلماء على أن الحر لا يجلد للعبد إذا افترى عليه، ~~لتباين مرتبتهما، ولقوله عليه السلام: (من قذف مملوكه بالزنى أقيم عليه ~~الحد يوم القيامة إلا أن يكون كما قال) خرجه البخاري ومسلم. وفي بعض طرقه: ~~(من قذف عبده بزنى ثم لم يثبت أقيم # PageV12P174 # عليه يوم القيامة الحد ثمانون) ذكره الدارقطني. قال العلماء: وإنما كان ~~ذلك في الآخرة لارتفاع الملك واستواء الشريف والوضيع والحر والعبد، ولم يكن ~~لاحد فضل إلا بالتقوى، ولما كان ذلك تكافأ الناس في الحدود والحرمة، واقتص ~~من كل واحد لصاحبه إلا أن يعفو المظلوم عن الظالم. وإنما لم يتكافئوا في ~~الدنيا لئلا تدخل الداخلة على المالكين من مكافأتهم لهم، فلا تصح لهم حرمة ~~ولا فضل في منزلة، وتبطل فائدة التسخير، حكمة من الحكيم العليم، لا إله إلا ~~هو. # التاسعة - قال مالك والشافعي: من قذف من يحسبه عبدا فإذا هو حر فعليه ~~الحد، وقاله الحسن البصري واختاره ابن المنذر. قال مالك: ومن قذف أم الولد ~~حد گ وروى عن ابن عمر وهو قياس قول الشافعي. وقال الحسن البصري: لا حد ~~عليه. # العاشرة - واختلف العلماء فيمن قال لرجل: يا من وطئ بين الفخذين، فقال ~~ابن القاسم: عليه الحد، لأنه تعريض. وقال أشهب: لا حد فيه، لأنه نسبة إلى ~~فعل لا يعد زنى إجماعا. # الحادية عشرة - إذا رمى صبية يمكن وطؤها قبل البلوغ بالزنى كان قذفا عند ~~مالك. # وقال أبو حنيفة والشافعي وأبو ثور: ليس بقذف، لأنه ليس ms4350 بزنى إذ لا حد ~~عليها، ويعزر. # قال ابن العربي: والمسألة محتملة مشكلة، لكن مالك طلب (1) حماية عرض ~~المقذوف، وغيره راعى حماية ظهر القاذف، وحماية عرض المقذوف أولى، لان ~~القاذف كشف ستره بطرف لسانه فلزمه الحد. قال ابن المنذر: وقال أحمد في ~~الجارية بنت تسع: يجلد قاذفها، وكذلك الصبي إذا بلغ عشرا ضرب قاذفه. قال ~~إسحاق: إذا قذف غلاما يطأ مثله فعليه الحد، والجارية إذا جاوزت تسعا مثل ~~ذلك. قال ابن المنذر: لا يحد من قذف من لم يبلغ، لان ذلك كذب، ويعزر على ~~الأذى. قال أبو عبيد: في حديث على رضي الله عنه أن امرأة جاءته فذكرت أن ~~زوجها يأتي جاريتها فقال: إن كنت صادقة رجمناه وإن كنت كاذبة # PageV12P175 # جلدناك. فقالت: ردوني إلى أهلي غيري نغرة (1). قال أبو عبيد: في هذا ~~الحديث من الفقه أن على الرجل إذا واقع جارية امرأته الحد. # وفيه أيضا: إذا قذفه بذلك قاذف كان على قاذفه الحد، ألا تسمع قوله: وإن ~~كنت كاذبة جلدناك. ووجه هذا كله إذا لم يكن الفاعل جاهلا بما يأتي وبما ~~يقول، فإن كان جاهلا وادعى شبهة درئ عنه الحد في ذلك كله. # وفيه أيضا أن رجلا لو قذف رجلا بحضرة حاكم وليس المقذوف بحاضر أنه لا شئ ~~على القاذف حتى يجئ فيطلب حده، لأنه لا يدرى لعله يصدقه، ألا ترى أن عليا ~~عليه السلام لم يعرض لها. # وفيه أن الحاكم إذا قذف عنده رجل ثم جاء المقذوف فطلب حقه أخذه الحاكم ~~بالحد بسماعه، ألا تراه يقول: وإن كنت كاذبة جلدناك، وهذا لأنه من حقوق ~~الناس. # قلت: اختلف هل هو من حقوق الله أو من حقوق الآدميين، وسيأتي. قال أبو ~~عبيد: # قال الأصمعي سألني شعبة عن قوله: " غيري نغرة " فقلت له: هو مأخوذ من نغر ~~القدر، وهو غليانها وفورها يقال منه: نغرت تنغر، ونغرت تنغر إذا غلت. ~~فمعناه أنها أرادت أن جوفها يغلى من الغيظ والغيرة لما لم تجد عنده ما ~~تريد. قال: ويقال منه رأيت فلانا يتنغر على فلان أي ms4351 يغلى جوفه عليه غيظا. # الثانية عشرة - من قذف زوجة من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم حد حدين، ~~قاله مسروق. قال ابن العربي: والصحيح أنه حد واحد، لعموم قوله تعالى: " ~~والذين يرمون المحصنات " الآية، ولا يقتضي شرفهن زيادة في حد من قذفهن، لان ~~شرف المنزلة لا يؤثر في الحدود، ولا نقصها يؤثر في الحد بتنقيص. والله ~~أعلم. وسيأتي الكلام فيمن قذف عائشة رضي الله عنها، هل يقتل أم لا. # الثالثة عشرة - قوله تعالى: (ثم لم يأتوا بأربعة شهداء) الذي يفتقر إلى ~~أربعة شهداء دون سائر الحقوق هو الزنى، رحمة بعباده وسترا لهم. وقد تقدم في ~~سورة النساء (2). # PageV12P176 # الرابعة عشرة - من شرط أداء الشهود الشهادة عند مالك رحمه الله أن يكون ~~ذلك في مجلس واحد، فإن افترقت لم تكن شهادة. وقال عبد الملك: تقبل شهادتهم ~~مجتمعين ومفترقين. فرأى مالك أن اجتماعهم تعبد، وبه قال ابن الحسن. ورأى ~~عبد الملك أن المقصود أداء الشهادة واجتماعها وقد حصل، وهو قول عثمان البتي ~~وأبى ثور واختاره ابن المنذر لقوله تعالى: " ثم لم يأتوا بأربعة شهداء " ~~وقوله: " فإذ لم يأتوا بالشهداء " [النور: 13] ولم يذكر مفترقين ولا ~~مجتمعين. # الخامسة عشرة - فإن تمت الشهادة إلا أنهم لم يعدلوا، فكان الحسن البصري ~~والشعبي يريان أن لا حد على الشهود ولا على المشهود، وبه قال أحمد والنعمان ~~ومحمد بن الحسن. وقال مالك: إذا شهد عليه أربعة بالزنى فإن كان أحدهم ~~مسخوطا (1) عليه أو عبدا يجلدون جميعا. # وقال سفيان الثوري وأحمد وإسحاق في أربعة عميان يشهدون على امرأة بالزنى: ~~يضربون. # السادسة عشرة - فإن رجع أحد الشهود وقد رجم المشهود عليه في الزنى، فقالت ~~طائفة: يغرم ربع الدية ولا شئ على الآخرين. وكذلك قال قتادة وحماد وعكرمة ~~وأبو هاشم ومالك وأحمد وأصحاب الرأي. وقال الشافعي: إن قال تعمدت ليقتل، ~~فالأولياء بالخيار إن شاءوا قتلوا وإن شاءوا عفوا وأخذوا ربع الدية، وعليه ~~الحد. وقال الحسن البصري: # يقتل، وعلى الآخرين ثلاثة أرباع الدية. وقال ابن سيرين: إذا قال أخطأت ~~وأردت غيره فعليه الدية ms4352 كاملة، وإن قال تعمدت قتل [به] (2)، وبه قال ابن ~~شبرمة. # السابعة عشرة: واختلف العلماء في حد القذف هل هو من حقوق الله أو من حقوق ~~الآدميين أو فيه شائبة منهما، الأول - قول أبي حنيفة. والثاني - قول مالك ~~والشافعي. # والثالث - قاله بعض المتأخرين. وفائدة الخلاف أنه إن كان حقا له تعالى ~~وبلغ الامام أقامه وإن لم يطلب ذلك المقذوف، ونفعت القاذف التوبة فيما بينه ~~وبين الله تعالى، ويتشطر فيه الحد بالرق كالزنى. وإن كان حقا للآدمي فلا ~~يقيمه الامام إلا بمطالبة المقذوف، ويسقط بعفوه، ولم تنفع القاذف التوبة ~~حتى يحلله المقذوف. # PageV12P177 # الثامنة عشرة - قوله تعالى: (بأربعة شهداء) قراءة الجمهور على إضافة ~~الأربعة إلى الشهداء. وقرأ عبد الله (1) بن مسلم بن يسار وأبو زرعة بن عمرو ~~بن جرير " بأربعة " (بالتنوين) " شهداء ". وفيه أربعة أوجه: يكون في موضع ~~جر على النعت لأربعة، أو بدلا. ويجوز أن يكون حالا من نكرة أو تمييزا، وفي ~~الحال والتمييز نظر، إذ الحال من نكرة، والتمييز مجموع. # وسيبويه يرى أنه تنوين العدد، وترك إضافته إنما يجوز في الشعر. وقد حسن ~~أبو الفتح عثمان ابن جنى هذه القراءة وحبب (2) على قراءة الجمهور. قال ~~النحاس: ويجوز أن يكون " شهداء " في موضع نصب، بمعنى ثم لم يحضروا أربعة ~~شهداء. # التاسعة عشرة - حكم شهادة الأربعة أن تكون على معاينة يرون ذلك كالمرود ~~في المكحلة على ما تقدم في " النساء " (3) في نص الحديث. وأن تكون في موطن ~~واحد، على قول مالك. # وإن اضطرب واحد منهم جلد الثلاثة، كما فعل عمر في أمر المغيرة بن شعبة، ~~وذلك أنه شهد عليه بالزنى أبو بكرة نفيع بن الحارث وأخوه نافع، وقال ~~الزهراوي: عبد الله بن الحارث، وزياد أخوهما لام وهو مستلحق معاوية، وشبل ~~بن معبد البجلي، فلما جاءوا لأداء الشهادة وتوقف زياد ولم يؤدها، جلد عمر ~~الثلاثة المذكورين. # الموفية عشرين - قوله تعالى: (فاجلدوهم) الجلد الضرب. والمجالدة ~~والمضاربة في الجلود أو بالجلود، ثم استعير الجلد لغير ذلك من سيف أو غيره. ~~ومنه قول قيس بن الخطيم: # أجالدهم ms4353 يوم الحديقة حاسرا * كأن يدي بالسيف محراق لاعب (ثمانين) نصب على ~~المصدر. (جلدة) تمييز. (ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا) هذا يقتضى مدة أعمارهم، ~~ثم حكم عليهم بأنهم فاسقون، أي خارجون عن طاعة الله عز وجل. # الحادية والعشرين - قوله تعالى: (إلا الذين تابوا) في موضع نصب على ~~الاستثناء. # ويجوز أن يكون في موضع خفض على البدل. المعنى ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا ~~إلا الذين تابوا وأصلحوا من بعد القذف (فإن الله غفور رحيم). فتضمنت الآية ~~ثلاثة أحكام في القاذف: # PageV12P178 # جلده، ورد شهادته أبدا، وفسقه. فالاستثناء غير عامل في جلده بإجماع، إلا ~~ما روى عن الشعبي على ما يأتي. وعامل في فسقه بإجماع. واختلف الناس في عمله ~~في رد الشهادة، فقال شريح القاضي وإبراهيم النخعي والحسن البصري وسفيان ~~الثوري وأبو حنيفة: # لا يعمل الاستثناء في رد شهادته، وإنما يزول فسقه عند الله تعالى. وأما ~~شهادة القاذف فلا تقبل ألبتة ولو تاب وأكذب نفسه ولا بحال من الأحوال. وقال ~~الجمهور: # الاستثناء عامل في رد الشهادة، فإذا تاب القاذف قبلت شهادته، وإنما كان ~~ردها لعلة الفسق فإذا زال بالتوبة قبلت شهادته مطلقا قبل الحد وبعده، وهو ~~قول عامة الفقهاء. # ثم اختلفوا في صورة توبته، فمذهب عمر بن الخطاب رضي الله عنه والشعبي ~~وغيره، أن توبته لا تكون إلا بأن يكذب نفسه في ذلك القذف الذي حد فيه. ~~وهكذا فعل عمر، فإنه قال للذين شهدوا على المغيرة: من أكذب نفسه أجزت ~~شهادته فيما استقبل، ومن لم يفعل لم أجز شهادته، فأكذب الشبل بن معبد ونافع ~~بن الحارث بن كلدة أنفسهما وتابا، وأبى أبو بكرة أن يفعل گ فكان لا يقبل ~~شهادته. وحكى هذا القول النحاس عن أهل المدينة. وقالت فرقة - منها مالك ~~رحمه الله تعالى وغيره -: توبته أن يصلح ويحسن حاله وإن لم يرجع عن قوله ~~بتكذيب، وحسبه الندم على قذفه والاستغفار منه وترك العود إلى مثله، وهو قول ~~ابن جرير. # ويروى عن الشعبي أنه قال: الاستثناء من الأحكام الثلاثة، إذا تاب وظهرت ~~توبته لم ms4354 يحد وقبلت شهادته وزال عنه التفسيق، لأنه قد صار ممن يرضى من ~~الشهداء، وقد قال الله عز وجل: " وإني لغفار لمن (1) تاب " [طه: 82] الآية. # الثانية والعشرون - اختلف علماؤنا رحمهم الله تعالى متى تسقط شهادة ~~القاذف، فقال ابن الماجشون: بنفس قذفه. وقال ابن القاسم وأشهب وسحنون: لا ~~تسقط حتى يجلد، فإن منع من جلده مانع عفو أو غيره لم ترد شهادته. وقال ~~الشيخ أبو الحسن اللخمي: شهادته في مدة الاجل موقوفة، ورجح (2) القول بأن ~~التوبة إنما تكون بالتكذيب في القذف، وإلا فأي رجوع لعدل إن قذف وحد وبقى ~~على عدالته. # PageV12P179 # الثالثة والعشرون - واختلفوا أيضا على القول بجواز شهادته بعد التوبة في ~~أي شئ تجوز، فقال مالك رحمه الله تعالى: تجوز في كل شئ مطلقا، وكذلك كل من ~~حد في شئ من الأشياء، رواه نافع وابن عبد الحكم عن مالك، وهو قول ابن ~~كنانة. وذكر الوقار (1) عن مالك أنه لا تقبل شهادته فيما حد فيه خاصة، ~~وتقبل فيما سوى ذلك، وهو قول مطرف وابن الماجشون. وروى العتبى عن أصبغ ~~وسحنون مثله. قال سحنون: من حد في شئ من الأشياء فلا تجوز شهادته في مثل ما ~~حد فيه. وقال مطرف وابن الماجشون: من حد في قذف أو زنى فلا تجوز شهادته في ~~شئ من وجوه الزنى، ولا في قذف ولا لعان وإن كان عدلا، وروياه عن مالك. ~~واتفقوا على ولد الزنى أن شهادته لا تجوز في الزنى. # الرابعة والعشرون - الاستثناء إذا تعقب جملا معطوفة عاد إلى جميعها عند ~~مالك والشافعي وأصحابهما. وعند أبي حنيفة وجل أصحابه يرجع الاستثناء إلى ~~أقرب مذكور وهو الفسق، ولهذا لا تقبل شهادته، فإن الاستثناء راجع إلى الفسق ~~خاصة لا إلى قبول الشهادة. # وسبب الخلاف في هذا الأصل سببان: أحدهما - هل هذه الجمل في حكم الجملة ~~الواحدة للعطف الذي فيها، أو لكل جملة حكم نفسها في الاستقلال وحرف العطف ~~محسن لا مشرك، وهو الصحيح في عطف الجمل، لجواز عطف الجمل المختلفة بعضها ~~على بعض، على ما يعرف من النحو. ms4355 # السبب الثاني - يشبه (2) الاستثناء بالشرط في عوده إلى الجمل المتقدمة، ~~فإنه يعود إلى جميعها عند الفقهاء، أو لا يشبه به، لأنه من باب القياس في ~~اللغة وهو فاسد على ما يعرف في أصول الفقه. والأصل أن كل ذلك محتمل ولا ~~ترجيح، فتعين ما قال القاضي من الوقف. # ويتأيد (3) الاشكال بأنه قد جاء في كتاب الله عز وجل كلا الامرين، فإن ~~آية المحاربة فيها عود الضمير إلى الجميع باتفاق، وآية قتل المؤمن خطأ فيها ~~رد الاستثناء إلى الأخيرة باتفاق، وآية القذف محتملة للوجهين، فتعين الوقف ~~من غير مين. قال علماؤنا: وهذا نظر # PageV12P180 # كلي أصولي. ويترجح قول مالك والشافعي رحمهما الله من جهة نظر الفقه ~~الجزئي بأن يقال: الاستثناء راجع إلى الفسق والنهى (1) عن قبول الشهادة ~~جميعا إلا أن يفرق بين ذلك بخبر يجب التسليم له. وأجمعت الأمة على أن ~~التوبة تمحو الكفر، فيجب أن يكون ما دون ذلك أولى، والله أعلم. قال أبو ~~عبيد: الاستثناء يرجع إلى الجمل السابقة، قال: وليس من نسب إلى الزنى بأعظم ~~جرما من مرتكب الزنى، ثم الزاني إذا تاب قبلت شهادته، لان (التائب من الذنب ~~كمن لا ذنب له). وإذا قبل الله التوبة من العبد كان العباد بالقبول أولى، ~~مع أن مثل هذا الاستثناء موجود في مواضع من القرآن، منها قوله تعالى: " ~~إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله - [المائدة: 33] إلى قوله - إلا الذين ~~تابوا (2) " [المائدة: 34]. ولا شك أن هذا الاستثناء إلى الجميع، وقال ~~الزجاج: وليس القاذف بأشد جرما من الكافر، فحقه إذا تاب وأصلح أن تقبل ~~شهادته. قال: وقوله " أبدا " أي ما دام قاذفا، كما يقال: لا تقبل شهادة ~~الكافر أبدا، فإن معناه ما دام كافرا. وقال الشعبي للمخالف في هذه المسألة: ~~يقبل الله توبته ولا تقبلون شهادته! ثم إن كان الاستثناء يرجع إلى الجملة ~~الأخيرة عند أقوام من الأصوليين فقوله: # " وأولئك هم الفاسقون " تعليل لا جملة مستقلة بنفسها، أي لا تقبلوا ~~شهادتهم لفسقهم، فإذا زال الفسق فلم لا تقبل شهادتهم؟. ثم توبة القاذف ~~إكذابه نفسه، ms4356 كما قال عمر لقذفة المغيرة بحضرة الصحابة من غير نكير، مع ~~إشاعة القضية وشهرتها من البصرة إلى الحجاز وغير ذلك من الأقطار. ولو كان ~~تأويل الآية ما تأوله الكوفيون لم يجز أن يذهب علم ذلك عن الصحابة، ولقالوا ~~لعمر: لا يجوز قبول توبة القاذف أبدا، ولم يسعهم السكوت عن القضاء بتحريف ~~تأويل الكتاب، فسقط قولهم، والله المستعان. # الخامسة والعشرون - قال القشيري: ولا خلاف أنه إذا لم يجلد القاذف بأن ~~مات المقذوف قبل أن يطالب القاذف بالحد، أو لم يرفع إلى السلطان، أو عفا ~~المقذوف، فالشهادة مقبولة، لان عند الخصم في المسألة النهى عن قبول الشهادة ~~معطوف على الجلد، قال الله تعالى: # PageV12P181 # " فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا ". وعند هذا قال ~~الشافعي: هو قبل أن يحد شر منه حين حد، لان الحدود كفارات فكيف ترد شهادته ~~في أحسن حاليه دون أخسهما. # قلت: هكذا قال ولا خلاف. وقد تقدم عن ابن الماجشون أنه بنفس القذف ترد ~~شهادته. # وهو قول الليث والأوزاعي والشافعي: ترد شهادته وإن لم يحد، لأنه بالقذف ~~يفسق، لأنه من الكبائر فلا تقبل شهادته حتى تصح براءته بإقرار المقذوف له ~~بالزنى أو بقيام البينة عليه. # السادسة والعشرون - قوله تعالى: " وأصلحوا " يريد إظهار التوبة. وقيل: # وأصلحوا العمل. (فإن الله غفور رحيم) حيث تابوا وقبل توبتهم. # قوله تعالى: والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة ~~أحدهم أربع شهدت بالله إنه لمن الصدقين (6) والخمسة أن لعنت الله عليه إن ~~كان من الكاذبين (7) ويدرؤا عنها العذاب أن تشهد أربع شهدت بالله إنه لمن ~~الكاذبين (8) والخمسة أن غضب الله عليها إن كان من الصدقين (9) ولولا فضل ~~الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم (10) فيه ثلاثون مسألة: # الأولى - قوله تعالى: (ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم) " أنفسهم " بالرفع ~~على البدل. ويجوز النصب على الاستثناء: وعلى خبر " يكن ". (فشهادة أحدهم ~~أربع شهادات) بالرفع قراءة الكوفيين على الابتداء والخبر، أي فشهادة أحدهم ~~التي تزيل عنه حد القذف أربع شهادات. وقرأ أهل المدينة وأبو ms4357 عمرو: " أربع " ~~بالنصب، لان معنى " فشهادة " أن يشهد، والتقدير: فعليهم أن يشهد أحدهم أربع ~~شهادات، أو فالامر أن يشهد أحدهم أربع شهادات، ولا خلاف في الثاني أنه ~~منصوب بالشهادة. (والخامسة) رفع بالابتداء. # PageV12P182 # والخبر " أن " وصلتها، ومعنى المخففة كمعنى المثقلة لان معناها أنه. وقرأ ~~أبو عبد الرحمن وطلحة وعاصم في رواية حفص: " والخامسة " بالنصب، بمعنى ~~وتشهد الشهادة الخامسة. الباقون بالرفع على الابتداء، والخبر في " أن لعنة ~~الله عليه "، أي والشهادة الخامسة قوله: لعنة الله عليه. # الثانية - في سبب نزولها، وهو ما رواه أبو داود عن ابن عباس أن هلال بن ~~أمية قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه وسلم بشريك بن سحماء فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: # (البينة أو حد في ظهرك قال: يا رسول الله، إذا رأى أحدنا رجلا على امرأته ~~يلتمس البينة! # فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (البينة وإلا حد في ظهرك) فقال ~~هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق، ولينزلن الله في أمري ما يبرئ ظهري من ~~الحد، فنزلت " والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم " فقرأ ~~حتى بلغ " من الصادقين الحديث بكماله. وقيل: لما نزلت الآية المتقدمة في ~~الذين يرمون المحصنات وتناول ظاهرها الأزواج وغيرهم قال سعد بن معاذ: يا ~~رسول الله، إن وجدت مع امرأتي رجلا أمهله حتى آتي بأربعة! والله لأضربنه ~~بالسيف غير مصفح عنه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # (أتعجبون من غيرة سعد لأنا أغير منه والله أغير منى). وفي ألفاظ سعد ~~روايات مختلفة، هذا نحو معناها. ثم جاء من بعد ذلك هلال بن أمية الواقفي ~~فرمى زوجته بشريك بن سحماء البلوى على ما ذكرناه، وعزم النبي صلى الله عليه ~~وسلم على ضربه حد القذف، فنزلت هذه الآية عند ذلك، فجمعهما رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في المسجد وتلاعنا، فتلكأت المرأة عند الخامسة لما وعظت ~~وقيل: إنها موجبة (1)، ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم (2)، فالتعنت، ~~وفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما، وولدت غلاما كأنه ms4358 جمل أورق (3) ~~- على النعت المكروه - ثم كان الغلام بعد ذلك أميرا بمصر، وهو لا يعرف ~~لنفسه أبا. وجاء أيضا عويمر العجلاني فرمى امرأته ولاعن. والمشهور أن نازلة ~~هلال كانت قبل، وأنها سبب الآية. وقيل: نازلة عويمر بن أشقر كانت قبل، وهو ~~حديث صحيح مشهور خرجه الأئمة. # PageV12P183 # قال أبو عبد الله بن أبي صفرة: الصحيح أن القاذف لزوجه عويمر، وهلال بن ~~أمية خطأ. # قال الطبري يستنكر قوله في الحديث هلال بن أمية: وإنما القاذف عويمر بن ~~زيد (1) بن الجد ابن العجلاني، شهد أحدا مع النبي صلى الله عليه وسلم، ~~رماها بشريك بن السحماء، والسحماء أمه، قيل لها ذلك لسوادها، وهو ابن عبدة ~~بن الجد بن العجلاني، كذلك كان يقول أهل الأخبار . وقيل: قرأ النبي صلى ~~الله عليه وسلم على الناس في الخطبة يوم الجمعة " والذين يرمون المحصنات " ~~فقال عاصم بن عدي الأنصاري: جعلني الله فداك! لو أن رجلا منا وجد على بطن ~~امرأته رجلا، فتكلم فأخبر بما جرى جلد ثمانين، وسماه المسلمون فاسقا فلا ~~تقبل شهادته، فكيف لاحدنا عند ذلك بأربعة شهداء، وإلى أن يلتمس أربعة شهود ~~فقد فرغ الرجل من حاجته! فقال عليه السلام: (كذلك أنزلت يا عاصم بن عدي). ~~فخرج عاصم سامعا مطيعا، فاستقبله هلال بن أمية يسترجع، فقال: ما وراءك؟ ~~فقال: شر! وجدت شريك ابن السحماء على بطن امرأتي خولة يزنى بها، وخولة هذه ~~بنت عاصم بن عدي، كذا في هذا الطريق أن الذي وجد مع امرأته شريكا هو هلال ~~بن أمية، والصحيح خلافه حسبما تقدم بيانه. # قال الكلبي: والأظهر أن الذي وجد مع امرأته شريكا عويمر العجلاني، لكثرة ~~ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم لاعن بين العجلاني وامرأته. واتفقوا ~~على أن هذا الزاني هو شريك ابن عبدة وأمه السحماء، وكان عويمر وخولة بنت ~~قيس وشريك بنى عم عاصم، وكانت هذه القصة في شعبان سنة تسع من الهجرة، منصرف ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك إلى المدينة، قاله الطبري. وروى ~~الدارقطني عن عبد الله ms4359 بن جعفر قال: حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ~~لا عن بين عويمر العجلاني وامرأته، مرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~غزوة تبوك، وأنكر حملها الذي في بطنها وقال هو لابن السحماء، فقال له رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: (هات امرأتك فقد نزل القرآن فيكما)، فلاعن بينهما ~~بعد العصر عند المنبر على خمل (2). في طريقه الواقدي عن الضحاك بن عثمان عن ~~عمران بن أبي أنس قال: سمعت عبد الله بن جعفر يقول...... فذكره. # PageV12P184 # الثالثة - قوله تعالى: (والذين يرمون أزواجهم) عام في كل رمى، سواء قال: # زنيت أو يا زانية أو رأيتها تزني، أو هذا الولد ليس منى، فإن الآية ~~مشتملة عليه. ويجب اللعان إن لم يأت بأربعة شهداء، وهذا قول جمهور العلماء ~~وعامة الفقهاء وجماعة أهل الحديث. وقد روى عن مالك مثل ذلك. وكان مالك ~~يقول: لا يلاعن إلا أن يقول: رأيتك تزني، أو ينفى حملا أو ولدا منها. وقول ~~أبى الزناد ويحيى بن سعيد والبتي مثل قول مالك: # إن الملاعنة لا تجب بالقذف وإنما تجب بالرؤية أو نفى الحمل مع دعوى ~~الاستبراء، هذا هو المشهور عند مالك، وقاله ابن القاسم. والصحيح الأول ~~لعموم قوله: " والذين يرمون أزواجهم ". قال ابن العربي: وظاهر القرآن يكفي ~~لايجاب اللعان بمجرد القذف من غير رؤية، فلتعولوا عليه، لا سيما وفي الحديث ~~الصحيح: أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~(فاذهب فأت بها) ولم يكلفه ذكر الرؤية. وأجمعوا أن الأعمى يلاعن إذا قذف ~~امرأته. ولو كانت الرؤية من شرط اللعان ما لاعن الأعمى، قاله أبو عمر وقد ~~ذكر ابن القصار عن مالك أن لعان الأعمى لا يصح إلا أن يقول: لمست فرجه في ~~فرجها. والحجة لمالك ومن اتبعه ما رواه أبو داود عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما قال: # جاء هلال بن أمية وهو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم، فجاء من أرضه عشاء ~~فوجد عند أهله رجلا، فرأى بعينه وسمع بأذنه فلم يهجه حتى أصبح، ms4360 ثم غدا على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني جئت أهلي عشاء فوجدت ~~عندهم رجلا، فرأيت بعيني وسمعت بأذني، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ما جاء به واشتد عليه، فنزلت: " والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء ~~إلا أنفسهم " الآية، وذكر الحديث. وهو نص على أن الملاعنة التي قضى فيها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما كانت في الرؤية، فلا يجب أن يتعدى ذلك. ~~ومن قذف امرأته ولم يذكر رؤية حد، لعموم قوله تعالى: " والذين يرمون ~~المحصنات ". # الرابعة - إذا نفى الحمل فإنه يلتعن، لأنه أقوى من الرؤية ولا بد من ذكر ~~عدم الوطئ والاستبراء بعده. واختلف علماؤنا في الاستبراء، فقال المغيرة ~~ومالك في أحد قوليهما: PageV12P185 # يجزى في ذلك حيضة. وقال مالك أيضا: لا ينفيه إلا بثلاث حيض. والصحيح ~~الأول، لان براءة الرحم من الشغل يقع بها كما في استبراء الأمة، وإنما ~~راعينا الثلاث حيض في العدد لحكم آخر يأتي بيانه في الطلاق إن شاء الله ~~تعالى. وحكى اللخمي عن مالك أنه قال مرة: # لا ينفى الولد بالاستبراء، لان الحيض يأتي على الحمل. وبه قال أشهب في ~~كتاب ابن المواز، وقاله المغيرة. وقال: لا ينفى الولد إلا بخمس سنين لأنه ~~أكثر مدة الحمل على ما تقدم. # الخامسة - اللعان عندنا يكون في كل زوجين حرين كانا أو عبدين، مؤمنين أو ~~كافرين، فاسقين أو عدلين. وبه قال الشافعي. ولا لعان بين الرجل وأمته، ولا ~~بينه وبين أم ولده. # وقيل: لا ينتفى ولد الأمة عنه إلا بيمين واحدة، بخلاف اللعان. وقد قيل: ~~إنه إذا نفى ولد أم الولد لاعن. والأول تحصيل مذهب مالك، وهو الصواب. وقال ~~أبو حنيفة: # لا يصح اللعان إلا من زوجين حرين مسلمين، وذلك لان اللعان عنده شهادة، ~~وعندنا وعند الشافعي يمين، فكل من صحت يمينه صح قذفه ولعانه. واتفقوا على ~~أنه لا بد أن يكونا مكلفين. # وفي قوله (1): " وجد مع امرأته رجلا ". دليل على أن الملاعنة تجب على كل ~~زوجين، لأنه لم ms4361 يخص رجلا من رجل ولا امرأة من امرأة، ونزلت آية اللعان على ~~هذا الجواب فقال: # " والذين يرمون أزواجهم " ولم يخص زوجا من زوج. وإلى هذا ذهب مالك وأهل ~~المدينة، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق وأبى عبيد وأبى ثور. وأيضا فإن ~~اللعان يوجب فسخ النكاح فأشبه الطلاق، فكل من يجوز طلاقه يجوز لعانه. ~~واللعان أيمان لا شهادات، قال الله تعالى وهو أصدق القائلين: " لشهادتنا ~~أحق من شهادتهما (2) " [المائدة: 107] أي أيماننا. وقال تعالى: # " إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول (3) الله " [المنافقون: 1]. ~~ثم قال تعالى: " اتخذوا أيمانهم جنة (4) " [المجادلة: 16]. # PageV12P186 # وقال عليه السلام: (لولا الايمان لكان لي ولها شأن). وأما ما احتج به ~~الثوري وأبو حنيفة فهي حجج لا تقوم على ساق، منها حديث عمرو بن شعيب عن ~~أبيه عن جده عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~(أربعة ليس بينهم لعان ليس بين الحر والأمة لعان وليس بين الحرة والعبد ~~لعان وليس بين المسلم واليهودية لعان وليس بين المسلم والنصرانية لعان). ~~أخرجه الدارقطني من طرق ضعفها كلها. وروى عن الأوزاعي وابن جريج وهما ~~إمامان عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قوله، ولم يرفعه (1) إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم. # واحتجوا من جهة النظر أن الأزواج لما استثنوا من جملة الشهداء بقوله: " ~~ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم " وجب ألا يلاعن إلا من تجوز شهادته. وأيضا ~~فلو كانت يمينا ما رددت، والحكمة في ترديدها قيامها في الاعداد مقام الشهود ~~في الزنى. قلنا: هذا يبطل بيمين القسامة فإنها تكرر وليست بشهادة إجماعا، ~~والحكمة في تكرارها التغليظ في الفروج والدماء. قال ابن العربي: والفيصل في ~~أنها يمين لا شهادة أن الزوج يحلف لنفسه في إثبات دعواه وتخليصه من العذاب، ~~وكيف يجوز لاحد أن يدعى في الشريعة أن شاهدا يشهد لنفسه بما يوجب حكما على ~~غيره هذا بعيد في الأصل معدوم في النظر. # السادسة - واختلف العلماء في ملاعنة الأخرس، فقال مالك والشافعي: يلاعن، ~~لأنه ممن يصح طلاقه وظهاره وإيلاؤه، ms4362 إذا فهم ذلك عنه. وقال أبو حنيفة: لا ~~يلاعن، لأنه ليس من أهل الشهادة، ولأنه قد ينطق بلسانه فينكر اللعان، فلا ~~يمكننا إقامة الحد عليه. # وقد تقدم هذا المعنى في سورة " مريم " (2) والدليل عليه، والحمد لله. # السابعة - قال ابن العربي: رأى أبو حنيفة عموم الآية فقال: إن الرجل إذا ~~قذف زوجته بالزنى قبل أن يتزوجها فإنه يلاعن، ونسي أن ذلك قد تضمنه قوله ~~تعالى: # " والذين يرمون المحصنات " وهذا رماها محصنة غير زوجة، وإنما يكون اللعان ~~في قذف يلحق فيه النسب، وهذا قذف لا يلحق فيه نسب فلا يوجب لعانا، كما لو ~~قذف أجنبية. # PageV12P187 # الثامنة - إذا قذفها بعد الطلاق نظرت، فإن كان هنالك نسب يريد أن ينفيه ~~أو حمل يتبرأ منه لاعن وإلا لم يلاعن. وقال عثمان البتي: لا يلاعن بحال ~~لأنها ليست بزوجة. وقال أبو حنيفة: لا يلاعن في الوجهين، لأنها ليست بزوجة. ~~وهذا ينتقض عليه بالقذف قبل الزوجية كما ذكرناه آنفا، بل هذا أولى، لان ~~النكاح قد تقدم وهو يريد الانتفاء من النسب وتبرئته من ولد يلحق به فلا بد ~~من اللعان. وإذا لم يكن هنالك حمل يرجى ولا نسب يخاف تعلقه لم يكن للعان ~~فائدة فلم يحكم به وكان قذفا مطلقا داخلا تحت عموم قوله تعالى: " والذين ~~يرمون المحصنات " الآية، فوجب عليه الحد وبطل ما قاله البتي لظهور فساده. # التاسعة - لا ملاعنة بين الرجل وزوجته بعد انقضاء العدة إلا في مسألة ~~واحدة، وهي أن يكون الرجل غائبا فتأتي امرأته بولد في مغيبه وهو لا يعلم ~~فيطلقها فتنقضي عدتها، ثم يقدم فينفيه فله أن يلاعنها ها هنا بعد العدة. ~~وكذلك لو قدم بعد وفاتها ونفى الولد لاعن لنفسه وهي ميتة بعد مدة من العدة، ~~ويرثها لأنها ماتت قبل وقوع الفرقة بينهما. # العاشرة - إذا انتفى من الحمل ووقع ذلك بشرطه لاعن قبل الوضع، وبه قال ~~الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يلاعن إلا بعد أن تضع، لأنه يحتمل أن يكون ~~ريحا أو داء من الأدواء. ودليلنا النص الصريح بأن النبي صلى ms4363 الله عليه وسلم ~~لاعن قبل الوضع، وقال: (إن جاءت به كذا فهو لأبيه وإن جاءت به كذا فهو ~~لفلان) فجاءت به على النعت المكروه. # الحادية عشرة - إذا قذف بالوطئ في الدبر [لزوجه (1)] لاعن. وقال أبو ~~حنيفة: لا يلاعن، وبناه على أصله في أن اللواط لا يوجب الحد. وهذا فاسد، ~~لان الرمي به معرة وقد دخل تحت عموم قوله تعالى: " والذين يرمون أزواجهم " ~~وقد تقدم في " الأعراف " (2) و " المؤمنون " (3) أنه يجب به الحد. # PageV12P188 # الثانية عشرة - قال ابن العربي: من غريب أمر هذا الرجل أنه [قال] (1) إذا ~~قذف زوجته وأمها بالزنى: إنه إن حد للام سقط حد البنت، وإن لاعن للبنت لم ~~يسقط حد الام، وهذا لا وجه له، وما رأيت لهم [فيه] شيئا يحكى، وهذا باطل ~~جدا، فإنه خص عموم الآية في البنت وهي زوجة بحد الام من غير أثر ولا أصل ~~قاسه عليه. # الثالثة عشرة - إذا قذف زوجته ثم زنت قبل التعانه فلا حد ولا لعان. وبهذا ~~قال أبو حنيفة والشافعي وأكثر أهل العلم. وقال الثوري والمزني: لا يسقط ~~الحد عن القاذف، وزنى المقذوف بعد أن قذف لا يقدح في حصانته المتقدمة ولا ~~يرفعها، لأن الاعتبار الحصانة والعفة في حال القذف لا بعده. كما لو قذف ~~مسلما فارتد المقذوف بعد القذف وقبل أن يحد القاذف لم يسقط الحد عنه. وأيضا ~~فإن الحدود كلها معتبرة بوقت الوجوب لا وقت الإقامة. # ودليلنا هو أنه قد ظهر قبل استيفاء اللعان والحد معنى لو كان موجودا في ~~ابتداء منع صحة اللعان ووجوب الحد، فكذلك إذا طرأ في الثاني، كما إذا شهد ~~شاهدان ظاهرهما العدالة فلم يحكم الحاكم بشهادتهما حتى ظهر فسقهما بأن زنيا ~~أو شربا خمرا فلم يجز للحاكم أن يحكم بشهادتهما تلك. # وأيضا فإن الحكم بالعفة والاحصان يؤخذ من طريق الظاهر لا من حيت القطع ~~واليقين، وقد قال عليه السلام: (ظهر المؤمن حمى)، فلا يحد القاذف إلا بدليل ~~قاطع، وبالله التوفيق. # الرابعة عشرة - من قذف امرأته وهي كبيرة لا تحمل تلاعنا، هو لدفع ms4364 الحد، ~~وهي لدرء العذاب. فإن كانت صغيرة لا تحمل لا عن هو لدفع الحد ولم تلاعن هي ~~لأنها لو أقرت لم يلزمها شئ. وقال ابن الماجشون: لا حد على قاذف من لم ~~تبلغ. قال اللخمي: فعلى هذا لا لعان على زوج الصغيرة التي لا تحمل. # الخامسة عشرة - إذا شهد أربعة على امرأة بالزنى أحدهم زوجها فإن الزوج ~~يلاعن وتحد الشهود الثلاثة، وهو أحد قولي الشافعي. والقول الثاني أنهم لا ~~يحدون. وقال أبو حنيفة: إذا شهد الزوج والثلاثة ابتداء قبلت شهادتهم وحدت ~~المرأة. ودليلنا قوله # PageV12P189 # تعالى: " والذين يرمون المحصنات " الآية. فأخبر أن من قذف محصنا ولم يأت ~~بأربعة شهداء حد، فظاهره يقتضى أن يأتي بأربعة شهداء سوى الرامي، والزوج ~~رام لزوجته فخرج عن أن يكون أحد الشهود، والله أعلم. # السادسة عشرة - إذا ظهر بامرأته حمل فترك أن ينفيه لم يكن له نفيه بعد ~~سكوته. # وقال شريح ومجاهد: له أن ينفيه أبدا. وهذا خطأ، لان سكوته بعد العلم به ~~رضى به، كما لو أقر به ثم ينفيه فإنه لا يقبل منه، والله أعلم. # السابعة عشرة - فإن أخر ذلك إلى أن وضعت وقال: رجوت أن يكون ريحا ينفش أو ~~تسقطه فأستريح من القذف، فهل لنفيه بعد وضعه مدة ما فإذا تجاوزها لم يكن له ~~ذلك، فقد اختلف في ذلك، فنحن نقول: إذا لم يكن له عذر في سكوته حتى مضت ~~ثلاثة أيام فهو راض به ليس له نفيه، وبهذا قال الشافعي. وقال أيضا: متى ~~أمكنه نفيه على ما جرت به العادة من تمكنه من الحاكم فلم يفعل لم يكن له ~~نفيه من بعد ذلك. وقال أبو حنيفة: لا أعتبر مدة. وقال أبو يوسف ومحمد: ~~يعتبر فيه أربعون يوما، مدة النفاس. # قال ابن القصار: والدليل لقولنا هو أن نفى ولده محرم عليه، واستلحاق ولد ~~ليس منه محرم عليه، فلا بد أن يوسع عليه لكي ينظر فيه ويفكر، هل يجوز له ~~نفيه أولا. وإنما جعلنا الحد ثلاثة لأنه أول حد الكثرة وآخر حد القلة، وقد ms4365 ~~جعلت ثلاثة أيام يختبر بها حال المصراة (1) ، فكذلك ينبغي أن يكون هنا. ~~وأما أبو يوسف ومحمد فليس اعتبارهم بأولى من اعتبار مدة الولادة والرضاع، ~~إذ لا شاهد لهم في الشريعة، وقد ذكرنا نحن شاهدا في الشريعة من مدة ~~المصراة. # الثامنة عشرة - قال ابن القصار إذا قالت امرأة لزوجها أو لأجنبي يا زانية ~~- بالهاء - وكذلك الأجنبي لأجنبي، فلست أعرف فيه نصا لأصحابنا، ولكنه عندي ~~يكون قذفا وعلى قائله الحد، وقد زاد حرفا، وبه قال الشافعي ومحمد بن الحسن. ~~وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: # PageV12P190 # لا يكون قذفا. واتفقوا أنه إذا قال لامرأته يا زان أنه قذف. والدليل على ~~أنه يكون في الرجل قذفا هو أن الخطاب إذا فهم منه معناه ثبت حكمه، سواء كان ~~بلفظ أعجمي أو عربي. # ألا ترى أنه إذا قال للمرأة زنيت (بفتح التاء) كان قذفا، لان معناه يفهم ~~منه، ولأبي حنيفة وأبى يوسف أنه لما جاز أن يخاطب المؤنث بخطاب المذكر ~~لقوله تعالى: " وقال نسوة (1) " صلح أن يكون قوله يا زان للمؤنث قذفا. ولما ~~لم يجز أن يؤنث فعل المذكر إذا تقدم عليه لم يكن لخطابه بالمؤنث حكم، والله ~~أعلم. # التاسعة عشرة - يلاعن في النكاح الفاسد زوجته لأنها صارت فراشا ويلحق ~~النسب فيه فجرى اللعان عليه. # الموفية عشرين - اختلفوا في الزوج إذا أبى من الالتعان، فقال أبو حنيفة: ~~لا حد عليه، لان الله تعالى جعل على الأجنبي الحد وعلى الزوج اللعان، فلما ~~لم ينتقل اللعان إلى الأجنبي لم ينتقل الحد إلى الزوج ويسجن أبدا حتى يلاعن ~~لان الحدود لا تؤخر قياسا. # وقال مالك والشافعي وجمهور الفقهاء: إن لم يلتعن الزوج حد، لان اللعان له ~~براءة كالشهود للأجنبي، فإن لم يأت الأجنبي بأربعة شهداء حد، فكذلك الزوج ~~إن لم يلتعن. وفي حديث العجلاني ما يدل على هذا، لقوله: إن سكت سكت على غيظ ~~وإن قتلت قتلت وإن نطقت، جلدت. # الحادية والعشرون - واختلفوا أيضا هل للزوج أن يلاعن مع شهوده، فقال مالك ~~والشافعي: يلاعن كان له شهود أو لم يكن، ms4366 لان الشهود ليس لهم عمل في غير درء ~~الحد، وأما رفع الفراش ونفى الولد فلا بد فيه من اللعان. وقال أبو حنيفة ~~وأصحابه: إنما جعل اللعان للزوج إذا لم يكن له شهود غير نفسه، لقوله تعالى: ~~" ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم ". # الثانية والعشرون - البداءة في اللعان بما بدأ الله به، وهو الزوج، ~~وفائدته درء الحد عنه ونفى النسب منه، لقوله عليه السلام: (البينة وإلا حد ~~في ظهرك). ولو بدئ بالمرأة قبله لم يجز لأنه عكس ما رتبه الله تعالى. وقال ~~أبو حنيفة: يجزى. وهذا باطل، لأنه # PageV12P191 # خلاف القرآن، وليس له أصل يرده إليه ولا معنى يقوى به، بل المعنى لنا، ~~لأن المرأة إذا بدأت باللعان فتنفى ما لم يثبت وهذا لا وجه له. # الثالثة والعشرون - وكيفية اللعان أن يقول الحاكم للملاعن: قل أشهد بالله ~~لرأيتها تزني ورأيت فرج الزاني في فرجها كالمرود في المكحلة وما وطئتها بعد ~~رؤيتي. وإن شئت قلت: # لقد زنت وما وطئتها بعد زناها. يردد ما شاء من هذين اللفظين أربع مرات، ~~فإن نكل عن هذه الايمان أو عن شئ منها حد. وإذا نفى حملا قال: أشهد بالله ~~لقد استبرأتها وما وطئتها بعد، وما هذا الحمل منى، ويشير إليه، فيحلف بذلك ~~أربع مرات ويقول في كل يمين منها: وإني لمن الصادقين في قولي هذا عليها. ثم ~~يقول في الخامسة: على لعنة الله إن كنت من الكاذبين، وإن شاء قال: إن كنت ~~كاذبا فيما ذكرت عنها. فإذا قال ذلك سقط عنه الحد وانتفى عنه الولد. فإذا ~~فرغ الرجل من التعانه قامت المرأة بعده فحلفت بالله أربعة أيمان، تقول ~~فيها: # أشهد بالله إنه لكاذب، أو إنه لمن الكاذبين فيما ادعاه على وذكر عنى. وإن ~~كانت حاملا قالت: وإن حملي هذا منه. ثم تقول في الخامسة: وعلى غضب الله إن ~~كان صادقا، أو إن كان من الصادقين في قوله ذلك. ومن أوجب اللعان بالقذف ~~يقول في كل شهادة من الأربع: أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميت به ~~فلانة ms4367 من الزنى. ويقول في الخامسة: # على لعنة الله إن كنت كاذبا فيما رميتها به من الزنى. وتقول هي: أشهد ~~بالله إنه لكاذب فيما رماني به من الزنى. وتقول في الخامسة: على غضب الله ~~إن كان صادقا فيما رماني به من الزنى. وقال الشافعي: يقول الملاعن أشهد ~~بالله إني لمن الصادقين فيما رميت به زوجي فلانة بنت فلان، ويشير إليها إن ~~كانت حاضرة، يقول ذلك أربع مرات، ثم يوعظه الامام ويذكره الله تعالى ويقول: ~~إني أخاف إن لم تكن صدقت أن تبوء بلعنة الله، فإن رآه يريد أن يمضى على ذلك ~~أمر من يضع يده على فيه، ويقول: إن قولك وعلى لعنة الله إن كنت من الكاذبين ~~موجبا، فإن أبى تركه يقول ذلك: لعنة الله على إن كنت من الكاذبين فيما رميت ~~به فلانة من الزنى. احتج بما رواه أبو داود عن ابن عباس أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أمر رجلا حيث أمر المتلاعنين أن يضع يده على فيه عند ~~الخامسة يقول: إنها موجبة. PageV12P192 # الرابعة والعشرون - اختلف العلماء في حكم من قذف امرأته برجل سماه، هل ~~يحد أم لا، فقال مالك: عليه اللعان لزوجته، وحد للمرمى. وبه قال أبو حنيفة، ~~لأنه قاذف لمن لم يكن له ضرورة إلى قذفه. وقال الشافعي: لا حد عليه، لان ~~الله عز وجل لم يجعل على من رمى زوجته بالزنى إلا حدا واحدا بقوله: " ~~والذين يرمون أزواجهم "، ولم يفرق بين من ذكر رجلا بعينه وبين من لم يذكر، ~~وقد رمى العجلاني زوجته بشريك وكذلك هلال ابن أمية، فلم يحد واحد منهما. ~~قال ابن العربي: وظاهر القرآن لنا، لان الله تعالى وضع الحد في قذف الأجنبي ~~والزوجة مطلقين، ثم خص حد الزوجة بالخلاص باللعان وبقى الأجنبي على مطلق ~~الآية. وإنما لم يحد العجلاني لشريك ولا هلال لأنه لم يطلبه، وحد القذف لا ~~يقيمه الامام إلا بعد المطالبة (1) إجماعا منا ومنه. # الخامسة والعشرون - إذا فرغ المتلاعنان من تلاعنهما جميعا تفرقا وخرج كل ~~واحد منهما على باب ms4368 من المسجد الجامع غير الباب الذي يخرج منه صاحبه، ولو ~~خرجا من باب واحد لم يضر ذلك لعانهما. ولا خلاف في أنه لا يكون اللعان إلا ~~في مسجد جامع تجمع فيه الجمعة بحضرة السلطان أو من يقوم مقامه من الحكام. ~~وقد استحب جماعة من أهل العلم أن يكون اللعان في الجامع بعد العصر. وتلتعن ~~النصرانية من زوجها المسلم في الموضع الذي تعظمه من كنيستها بمثل (2) ما ~~تلتعن به المسلمة. # السادسة والعشرون - قال مالك وأصحابه: وبتمام اللعان تقع الفرقة بين ~~المتلاعنين، فلا يجتمعان أبدا ولا يتوارثان، ولا يحل له مراجعتها أبدا لا ~~قبل زوج ولا بعده، وهو قول الليث بن سعد وزفر بن الهذيل والأوزاعي. وقال ~~أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ابن الحسن: لا تقع الفرقة بعد فراغهما من اللعان ~~حتى يفرق الحاكم بينهما، وهو قول الثوري، لقول ابن عمر: فرق رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بين المتلاعنين، فأضاف الفرقة إليه، ولقوله عليه السلام: ~~(لا سبيل لك عليها). وقال الشافعي: إذا أكمل الزوج الشهادة والالتعان فقد ~~زال فراش امرأته، التعنت أو لم تلتعن. قال: وأما التعان المرأة فإنما هو ~~لدرء الحد عنها لا غير، وليس لالتعانها في زوال الفراش معنى. ولما كان لعان ~~الزوج ينفى # PageV12P193 # الولد ويسقط الحد رفع الفراش. وكان عثمان البتي لا يرى التلاعن ينقص شيئا ~~من عصمة الزوجين حتى يطلق. وهذا قول لم يتقدمه إليه أحد من الصحابة، على أن ~~البتي قد استحب للملاعن أن يطلق بعد اللعان، ولم يستحسنه قبل ذلك، فدل على ~~أن اللعان عنده قد أحدث حكما. وبقول عثمان قال جابر بن زيد فيما ذكره ~~الطبري، وحكاه اللخمي عن محمد ابن أبي صفرة. ومشهور المذهب أن نفس تمام ~~اللعان بينهما فرقة. واحتج أهل هذه المقالة بأنه ليس في كتاب الله تعالى ~~إذا لاعن أو لاعنت يجب وقوع الفرقة، وبقول عويمر: # كذبت عليها إن أمسكتها، فطلقها ثلاثا، قال: ولم ينكر النبي صلى الله عليه ~~وسلم ذلك عليه ولم يقل له لم قلت هذا، وأنت لا ms4369 تحتاج إليه، لان باللعان قد ~~طلقت. والحجة لمالك في المشهور ومن وافقه قوله عليه السلام: (لا سبيل لك ~~عليها). وهذا إعلام منه أن تمام اللعان رفع سبيله عليها (1) وليس تفريقه ~~بينهما باستئناف حكم، وإنما كان تنفيذا لما أوجب الله تعالى بينهما من ~~المباعدة، وهو معنى اللعان في اللغة. # السابعة والعشرون - ذهب الجمهور من العلماء أن المتلاعنين لا يتناكحان ~~أبدا، فإن أكذب نفسه جلد الحد ولحق به الولد، ولم ترجع إليه أبدا. وعلى هذا ~~السنة التي لا شك فيها ولا اختلاف. وذكر ابن المنذر عن عطاء أن الملاعن إذا ~~أكذب نفسه بعد اللعان لم يحد، وقال: قد تفرقا بلعنة من الله. وقال أبو ~~حنيفة ومحمد: إذا أكذب نفسه جلد الحد ولحق به الولد، وكان خاطبا من الخطاب ~~إن شاء، وهو قول سعيد بن المسيب والحسن وسعيد بن جبير وعبد العزيز بن أبي ~~سلمة، وقالوا: يعود النكاح حلالا كما لحق به الولد، لأنه لا فرق بين شئ من ~~ذلك. وحجة الجماعة قوله عليه السلام: (لا سبيل لك عليها)، ولم يقل إلا أن ~~تكذب نفسك. وروى ابن إسحاق وجماعة عن الزهري قال: فمضت السنة أنهما إذا ~~تلاعنا فرق بينهما فلا يجتمعان أبدا. ورواه الدارقطني، ورواه مرفوعا من ~~حديث سعيد بن جبير عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: (المتلاعنان إذا افترقا لا يجتمعان أبدا). # وروى عن علي وعبد الله قالا: مضت السنة ألا يجتمع المتلاعنان. عن علي: ~~أبدا. # PageV12P194 # الثامنة والعشرون - اللعان يفتقر إلى أربعة أشياء: # عدد الألفاظ - وهو أربع شهادات على ما تقدم. # والمكان - وهو أن يقصد به أشرف البقاع بالبلدان، إن كان بمكة فعند الركن ~~والمقام، وإن كان بالمدينة فعند المنبر، وإن كان ببيت المقدس فعند الصخرة، ~~وإن كان في سائر البلدان ففي مساجدها، وإن كانا كافرين بعث بهما إلى الموضع ~~الذي يعتقدان تعظيمه، إن كانا يهوديين فالكنيسة، وإن كانا مجوسيين ففي بيت ~~النار، وإن كانا لا دين لهما مثل الوثنيين فإنه يلاعن بينهما في مجلس ms4370 حكمه. # والوقت - وذلك بعد صلاة العصر. # وجمع الناس - وذلك أن يكون هناك أربعة أنفس فصاعدا، فاللفظ وجمع الناس ~~مشروطان، والزمان والمكان مستحبان. # التاسعة والعشرون - من قال: إن الفراق لا يقع إلا بتمام التعانهما، فعليه ~~لو مات أحدهما قبل تمامه ورثه الاخر. ومن قال: لا يقع إلا بتفريق الامام ~~فمات أحدهما قبل ذلك وتمام اللعان ورثه الاخر. وعلى قول الشافعي: إن مات ~~أحدهما قبل أن تلتعن المرأة لم يتوارثا. # الموفية ثلاثين - قال ابن القصار: تفريق اللعان عندنا ليس بفسخ، وهو مذهب ~~المدونة: فإن اللعان حكم تفريقه حكم تفريق الطلاق، ويعطى لغير المدخول بها ~~نصف الصداق. وفي مختصر ابن الجلاب: لا شئ لها، وهذا على أن تفريق اللعان ~~فسخ. # قوله تعالى: إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو ~~خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الاثم والذي تولى كبره منهم له عذاب ~~عظيم (11) لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا ~~إفك مبين (12) لولا جاؤوا PageV12P195 # عليه بأربعة شهداء فإذا لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون ~~(13) ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم في ما أفضتم فيه ~~عذاب عظيم (14) إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم ~~وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم (15) ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا ~~أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم (16) يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا ~~إن كنتم مؤمنين (17) ويبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم (18) إن الذين ~~يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة ~~والله رؤوف رحيم (20) يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوت الشيطان ومن يتبع ~~خطوت الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما ~~زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكى من يشاء والله سميع عليم (21) ولا ~~يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولى القربى والمسكين والمهاجرين في ~~سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم ms4371 والله غفور رحيم ~~(22) PageV12P196 # فيه ثمان وعشرون مسألة (1): # الأولى - قوله تعالى: (إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم) " عصبة " خبر " ~~إن ". ويجوز نصبها على الحال، ويكون الخبر " لكل امرئ منهم ما اكتسب من ~~الاثم ". # وسبب نزولها ما رواه الأئمة من حديث الإفك الطويل في قصة عائشة رضوان ~~الله عليها، وهو خبر صحيح مشهور، أغنى اشتهاره عن ذكره، وسيأتي مختصرا. ~~وأخرجه البخاري تعليقا، وحديثه أتم. قال: وقال أسامة عن هشام بن عروة عن ~~أبيه عن عائشة، وأخرجه أيضا عن محمد بن كثير عن أخيه سليمان من حديث مسروق ~~عن أم رومان أم عائشة أنها قالت: # لما رميت عائشة خرت مغشيا عليها. وعن موسى بن إسماعيل من حديث أبي وائل ~~قال: # حدثني مسروق بن الأجدع قال حدثتني أم رومان وهي أم عائشة قالت: بينا أنا ~~قاعدة أنا وعائشة إذ ولجت امرأة من الأنصار فقالت: فعل الله بفلان وفعل ~~[بفلان] فقالت أم رومان: وما ذاك؟ قالت إنني فيمن حدث الحديث! قالت: وما ~~ذاك؟ قالت كذا وكذا. قالت عائشة: سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت ~~نعم. قالت: وأبو بكر؟ # قالت نعم! فخرت مغشيا عليها، فما أفاقت إلا وعليها حمى بنافض (2) فطرحت ~~عليها ثيابها فغطيتها: فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (ما شأن هذه؟) ~~فقلت: يا رسول الله، أخذتها الحمى بنافض. قال: (فلعل في حديث تحدث به) قالت ~~نعم. فقعدت عائشة فقالت: والله، لئن حلفت لا تصدقونني! ولئن قلت لا ~~تعذرونني! مثلي ومثلكم كيعقوب وبنيه (3)، والله المستعان على ما تصفون. ~~قالت: وانصرف ولم يقل شيئا فأنزل الله عذرها. # قالت: بحمد الله لا بحمد أحد ولا بحمدك. قال أبو عبد الله الحميدي: كان ~~بعض من لقينا من الحفاظ البغداديين يقول: الارسال في هذا الحديث أبين، ~~واستدل على ذلك بأن أم رومان توفيت في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~ومسروق لم يشاهد النبي صلى الله عليه وسلم بلا خلاف. # وللبخاري من حديت عبيد الله بن عبد الله بن أبي مليكة أن عائشة كانت ~~تقرأ: ms4372 " إذ تلقونه # PageV12P197 # بألسنتكم " وتقول: الولق الكذب. قال ابن أبي مليكة: وكانت أعلم بذلك (1) ~~من غيرها لأنه نزل فيها. قال البخاري: وقال معمر (2) بن راشد عن الزهري: ~~كان حديث الإفك في غزوة المريسيع. قال ابن إسحاق: وذلك سنة ست. وقال موسى ~~بن عقبة: سنة أربع. وأخرج البخاري من حديت معمر عن الزهري قال قال لي ~~الوليد بن عبد الملك: أبلغك أن عليا كان فيمن قذف؟ قال: قلت لا، ولكن قد ~~أخبرني رجلان من قومك أبو سلمة بن عبد الرحمن وأبو بكر بن عبد الرحمن بن ~~الحارث بن هشام أن عائشة قالت لهما: كان على مسلما (3) في شأنها. # وأخرجه أبو بكر الإسماعيلي في كتابه المخرج على الصحيح من وجه آخر من ~~حديث معمر عن الزهري، وفيه: قال كنت عند الوليد بن عبد الملك فقال: الذي ~~تولى كبره منهم علي بن أبي طالب؟ فقلت لا، حدثني سعيد بن المسيب وعروة ~~وعلقمة وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة كلهم يقول سمعت عائشة تقول: والذي ~~تولى كبره عبد الله بن أبي [بن سلول (4)]. وأخرج (5) البخاري أيضا من حديث ~~الزهري عن عروة عن عائشة: والذي تولى كبره منهم عبد الله بن أبي. # الثانية - قوله تعالى: (بالإفك) الإفك: الكذب. والعصبة: ثلاثة رجال، قاله ~~ابن عباس. وعنه أيضا من الثلاثة إلى العشرة. ابن عيينة: أربعون رجلا. ~~مجاهد: من عشرة إلى خمسة عشر. وأصلها في اللغة وكلام العرب الجماعة الذين ~~يتعصب بعضهم لبعض. # والخير حقيقته: ما زاد نفعه على ضره. والشر: ما زاد ضره على نفعه. وإن ~~خيرا لا شر فيه هو الجنة. وشرا لا خير فيه هو جهنم. فأما البلاء النازل على ~~الأولياء فهو خير، لان ضرره من الألم قليل في الدنيا، وخيره هو الثواب ~~الكثير في الأخرى. فنبه الله تعالى عائشة وأهلها وصفوان، إذ الخطاب لهم في ~~قوله: " لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم "، لرجحان النفع والخير على جانب ~~الشر. # الثالثة - لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعائشة معه في غزوة بنى ms4373 ~~المصطلق وهي غزوة المريسيع، وقفل ودنا من المدينة آذن ليلة بالرحيل قامت ~~حين آذنوا بالرحيل # PageV12P198 # فمشت حتى جاوزت الجيش، فلما فرغت من شأنها أقبلت إلى الرحل فلمست صدرها ~~فإذا عقد من جزع ظفار قد (1) انقطع، فرجعت فالتمسته فحبسها ابتغاؤه، فوجدته ~~وانصرفت فلم تجد أحدا، وكانت شابة قليلة اللحم، فرفع الرجال هودجها ولم ~~يشعروا بزوالها منه، فلما لم تجد أحدا اضطجعت في مكانها رجاء أن تفتقد ~~فيرجع إليها، فنامت في الموضع ولم يوقظها إلا قول صفوان بن المعطل: إنا لله ~~وإنا إليه راجعون، وذلك أنه كان تخلف وراء الجيش لحفظ الساقة. # وقيل: إنها استيقظت لاسترجاعه، ونزل عن ناقته وتنحى عنها حتى ركبت عائشة، ~~وأخذ يقودها حتى بلغ بها الجيش في نحر الظهيرة، فوقع أهل الإفك في مقالتهم، ~~وكان الذي يجتمع إليه فيه ويستوشيه (2) ويشعله عبد الله بن أبي بن سلول ~~المنافق، وهو الذي رأى صفوان آخذا بزمام ناقة عائشة فقال: والله ما نجت منه ~~ولا نجا منها، وقال: امرأة نبيكم باتت مع رجل. # وكان من قالته حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش. هذا اختصار ~~الحديث، وهو بكماله وإتقانه في البخاري ومسلم، وهو في مسلم أكمل. ولما بلغ ~~صفوان قول حسان في الإفك جاء فضربه بالسيف ضربة على رأسه وقال: # تلق ذباب السيف عنى فإنني * غلام إذا هوجيت ليس بشاعر فأخذ جماعة حسان ~~ولببوه (3) وجاءوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأهدر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم جرح حسان واستوهبه إياه. وهذا يدل على أن حسان ممن تولى ~~الكبر، على ما يأتي والله أعلم. # وكان صفوان هذا صاحب ساقة رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزواته ~~لشجاعته، وكان من خيار الصحابة [رضي الله عنه وعنهم (4)]. وقيل: كان حصورا ~~لا يأتي النساء، ذكره ابن إسحاق من طريق عائشة. وقيل: كان له ابنان، يدل ~~على ذلك حديثه المروى مع امرأته، وقول النبي صلى الله عليه وسلم في ابنيه: ~~(لهما أشبه به من الغراب بالغراب). وقوله في الحديث: ms4374 # والله ما كشف كنف أنثى قط، يريد بزنى. وقتل شهيدا رضي الله عنه في غزوة ~~أرمينية سنة تسع عشرة في زمان عمر، وقيل: ببلاد الروم سنة ثمان وخمسين في ~~زمان معاوية. # PageV12P199 # الرابعة - قوله تعالى: (لكل امرئ منهم ما اكتسب من الاثم) يعنى ممن تكلم ~~بالإفك. ولم يسم من أهل الإفك. إلا حسان ومسطح وحمنة وعبد الله: وجهل ~~الغير، قاله عروة بن الزبير، وقد سأله عن ذلك عبد الملك بن مروان، وقال: ~~إلا أنهم كانوا عصبة، كما قال الله تعالى. وفي مصحف حفصة: " عصبة (1) أربعة ~~". # الخامسة - قوله تعالى: (والذي تولى كبره منهم) وقرأ حميد الأعرج ويعقوب: # " كبره " بضم الكاف. قال الفراء: وهو وجه جيد، لان العرب تقول: فلان تولى ~~عظم كذا وكذا، أي أكبره. روى عن عائشة أنه حسان، وأنها قالت حين عمى: لعل ~~العذاب العظيم الذي أوعده الله به ذهاب بصره، رواه عنها مسروق. وروى عنها ~~أنه عبد الله بن أبي، وهو الصحيح، وقاله ابن عباس. وحكى أبو عمر بن عبد ~~البر أن عائشة برأت حسان من الفرية، وقالت: إنه لم يقل شيئا. وقد أنكر حسان ~~أن يكون قال شيئا من ذلك في قوله: # حصان رزان ما تزن بريبة * وتصبح غرثى من لحوم الغوافل (2) حليلة خير ~~الناس دينا ومنصبا * نبي الهدى والمكرمات الفواضل عقيلة حي من لؤي بن غالب ~~* كرام المساعي مجدها غير زائل مهذبة قد طيب الله خيمها (3) * وطهرها من كل ~~شين وباطل فإن كان ما بلغت أنى قلته * فلا رفعت سوطي إلى أناملي فكيف وودي ~~ما حييت ونصرتي * لآل رسول الله زين المحافل له رتب عال على الناس فضلها * ~~تقاصر عنها سورة المتطاول وقد روى أنه لما أنشدها: حصان رزان، قالت له: لست ~~كذلك، تريد أنك وقعت في الغوافل. وهذا تعارض، ويمكن الجمع بأن يقال: إن ~~حسانا لم يقل ذلك نصا وتصريحا، ويكون عرض بذلك وأومأ إليه فنسب ذلك إليه، ~~والله أعلم. # PageV12P200 # وقد اختلف الناس فيه هل خاض في الإفك أم لا، وهل جلد الحد أم لا، فالله ms4375 ~~أعلم أي ذلك كان: وهي المسألة: # السادسة - فروى محمد بن إسحاق وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم جلد في ~~الإفك رجلين وامرأة: مسطحا وحسان وحمنة، وذكره الترمذي وذكر القشيري عن ابن ~~عباس قال: جلد رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن أبي ثمانين جلدة، وله في ~~الآخرة عذاب النار. قال القشيري: والذي ثبت في الاخبار أنه ضرب ابن أبي ~~وضرب حسان وحمنة، وأما مسطح فلم يثبت عنه قذف صريح، ولكنه كان يسمع ويشيع ~~من غير تصريح. قال الماوردي (1) وغيره: # اختلفوا هل حد النبي صلى الله عليه وسلم أصحاب الإفك، على قولين: أحدهما ~~أنه لم يحد أحدا من أصحاب الإفك لان الحدود إنما تقام بإقرار أو ببينة، ولم ~~يتعبده الله أن يقيمها بإخباره عنها، كما لم يتعبده بقتل المنافقين، وقد ~~أخبره بكفرهم. # قلت: وهذا فاسد مخالف لنص القرآن، فإن الله عز وجل يقول: " والذين يرمون ~~المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء " أي على صدق قولهم: " فاجلدوهم ثمانين ~~جلدة ". # والقول الثاني - أن النبي صلى الله عليه وسلم حد أهل الإفك عبد الله بن ~~أبي ومسطح ابن أثاثة وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش، وفي ذلك قال شاعر من ~~المسلمين: # لقد ذاق حسان الذي كان أهله * وحمنة إذ قالوا هجيرا ومسطح وابن سلول ذاق ~~في الحد خزية * كما خاض في إفك من القول يفصح تعاطوا برجم الغيب زوج نبيهم ~~* وسخطة ذي العرش الكريم فأبرحوا (2) وآذوا رسول الله فيها فجلدوا * مخازي ~~تبقى عمموها وفضحوا فصب عليهم محصدات كأنها * شآبيب قطر من ذرى المزن تسفح. # قلت: المشهور من الاخبار والمعروف عند العلماء أن الذي حد حسان ومسطح ~~وحمنة، ولم يسمع بحد لعبد الله بن أبي. روى أبو داود عن عائشة رضي الله ~~عنها قالت: لما نزل عذري قام النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك، وتلا ~~القرآن، فلما نزل من المنبر أمر بالرجلين # PageV12P201 # والمرأة فضربوا حدهم، وسماهم: حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت ~~جحش. # وفي كتاب الطحاوي: " ثمانين ثمانين ". قال علماؤنا. وإنما ms4376 لم يحد (1) عبد ~~الله بن أبي لان الله تعالى قد أعد له في الآخرة عذابا عظيما، فلو حد في ~~الدنيا لكان ذلك نقصا من عذابه في الآخرة وتخفيفا عنه مع أن الله تعالى قد ~~شهد ببراءة عائشة رضي الله عنها وبكذب كل من رماها، فقد حصلت فائدة الحد، ~~إذ مقصوده إظهار كذب القاذف وبراءة المقذوف، كما قال الله تعالى: # " فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون ". وإنما حد هؤلاء ~~المسلمون ليكفر عنهم إثم ما صدر عنهم من القذف حتى لا يبقى عليهم تبعة من ~~ذلك في الآخرة، وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحدود (إنها كفارة لمن ~~أقيمت عليه)، كما في حديث عبادة بن الصامت. ويحتمل أن يقال: إنما ترك حد ~~ابن أبي استئلافا لقومه واحتراما لابنه، وإطفاء لثائرة الفتنة المتوقعة من ~~ذلك، وقد كان ظهر مبادئها من سعد بن عبادة ومن قومه، كما في صحيح مسلم. ~~والله أعلم. # السابعة - قوله تعالى: (لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم ~~خيرا) هذا عتاب من الله سبحانه وتعالى للمؤمنين في ظنهم حين قال أصحاب ~~الإفك ما قالوا. قال ابن زيد: ظن المؤمنون أن المؤمن لا يفجر بأمه، قاله ~~المهدوي. و " لولا " بمعنى هلا. # وقيل: المعنى أنه كان ينبغي أن يقيس فضلاء المؤمنين والمؤمنات الامر على ~~أنفسهم، فإن كان ذلك يبعد فيهم فذلك في عائشة وصفوان أبعد. وروى أن هذا ~~النظر السديد وقع من أبى أيوب الأنصاري وامرأته، وذلك أنه دخل عليها فقالت ~~له: يا أبا أيوب، أسمعت ما قيل! فقال نعم! وذلك الكذب! أكنت أنت يا أم أيوب ~~تفعلين ذلك! قالت: # لا والله! قال: فعائشة والله أفضل منك، قالت أم أيوب نعم. فهذا الفعل ~~ونحوه هو الذي عاتب الله تعالى عليه (2) المؤمنين إذ لم يفعله جميعهم. # الثامنة - قوله تعالى: (بأنفسهم) قال النحاس: معنى " بأنفسهم " بإخوانهم. # فأوجب الله على المسلمين إذا سمعوا رجلا يقذف أحدا ويذكره (3) بقبيح لا ~~يعرفونه به أن ينكروا عليه ويكذبوه. وتواعد من ترك ذلك ومن نقله. ms4377 # PageV12P202 # قلت: ولأجل هذا قال العلماء: إن الآية أصل في أن درجة الايمان التي حازها ~~الانسان، ومنزلة الصلاح التي حلها المؤمن (1)، ولبسة العفاف التي يستتر بها ~~المسلم لا يزيلها عنه خبر محتمل وإن شاع، إذا كان أصله فاسدا أو مجهولا. # التاسعة - قوله تعالى: (لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء) هذا توبيخ لأهل ~~الإفك. و " لولا " بمعنى هلا، أي هلا جاءوا بأربعة شهداء على ما زعموا من ~~الافتراء. # وهذا رد على الحكم الأول، وإحالة على الآية السابقة في آية القذف. # العاشرة - قوله تعالى: (فإذا لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم ~~الكاذبون) أي هم في حكم الله كاذبون. وقد يعجز الرجل عن إقامة البينة وهو ~~صادق في قذفه، ولكنه في حكم الشرع وظاهر الامر كاذب لا في علم الله تعالى، ~~وهو سبحانه إنما رتب الحدود على حكمه الذي شرعه في الدنيا لا على مقتضى ~~علمه الذي تعلق بالانسان على ما هو عليه، فإنما يبنى على ذلك حكم الآخرة. # قلت: ومما يقوى هذا المعنى ويعضده ما خرجه البخاري عن عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه أنه قال: أيها الناس إن الوحي قد انقطع وإنما نأخذكم الان بما ظهر ~~لنا من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيرا أمناه وقربناه، وليس لنا من سريرته شئ ~~الله يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءا لم نؤمنه ولم نصدقه، وإن قال إن ~~سريرته حسنة. وأجمع العلماء أن أحكام الدنيا على الظاهر، وأن السرائر إلى ~~الله عز وجل. # الحادية عشرة - قوله تعالى: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته (2)) " فضل " ~~رفع بالابتداء عند سيبويه، والخبر محذوف لا تظهره العرب. وحذف جواب " لولا ~~" لأنه قد ذكر مثله بعد، قال الله عز وجل " ولولا فضل الله عليكم ورحمته " ~~لمسكم " أي بسبب ما قلتم في عائشة عذاب عظيم في الدنيا والآخرة. وهذا عتاب ~~من الله تعالى بليغ، ولكنه برحمته ستر عليكم في الدنيا ويرحم في الآخرة من ~~أتاه تائبا والإفاضة: الاخذ في الحديث، وهو الذي وقع عليه العتاب، يقال: ~~أفاض القوم في الحديث أي أخذوا ms4378 فيه. # PageV12P203 # الثانية عشرة - قوله تعالى: (إذ تلقونه بألسنتكم) قراءة محمد بن السميقع ~~بضم التاء وسكون اللام وضم القاف، من الالقاء، وهذه قراءة بينة. وقرأ أبى ~~وابن مسعود: # " إذ تتلقونه " من التلقي، بتاءين. وقرأ جمهور السبعة: بحرف التاء ~~الواحدة وإظهار الذال دون إدغام، وهذا أيضا من التلقي. وقرأ أبو عمرو وحمزة ~~والكسائي: بإدغام الذال في التاء. # وقرأ ابن كثير: بإظهار الذال وإدغام التاء في التاء، وهذه قراءة قلقة، ~~لأنها تقتضي اجتماع ساكنين، وليست كالادغام في قراءة من قرأ: " فلا تناجوا. ~~ولا تنابزوا " لان دونه الألف الساكنة، وكونها حرف لين حسنت هنالك ما لا ~~تحسن مع سكون الذال. وقرأ ابن يعمر وعائشة رضي الله عنهما - وهم أعلم الناس ~~بهذا الامر - " إذ تلقونه " بفتح التاء وكسر اللام وضم القاف، ومعنى هذه ~~القراءة من قول العرب: ولق الرجل يلق ولقا إذا كذب واستمر عليه، فجاءوا ~~بالمتعدي شاهدا على غير المتعدى. قال ابن عطية: وعندي أنه أراد إذ تلقون ~~فيه، فحذف حرف الجر فاتصل الضمير. وقال الخليل وأبو عمرو: أصل الولق ~~الاسراع، يقال: جاءت الإبل تلق، أي تسرع. قال: # لما رأوا جيشا عليهم قد طرق * جاءوا بأسراب من الشأم ولق إن الحصين زلق ~~وزملق * جاءت به عنس (1) من الشأم تلق يقال: رجل زلق وزملق، مثال هدبد، ~~وزمالق وزملق (بتشديد الميم) وهو الذي ينزل قبل أن يجامع، قال الراجز: # * إن الحصين زلق وزملق * والولق أيضا أخف الطعن. وقد ولقه يلقه ولقا. ~~يقال: ولقه بالسيف ولقات، أي ضربات، فهو مشترك. # الثالثة عشرة - قوله تعالى: (وتقولون بأفواهكم) مبالغة وإلزام وتأكيد. # الضمير في (تحسبونه) عائد على الحديث والخوض فيه والإذاعة له. و (هينا) ~~أي سيئا يسيرا لا يلحقكم فيه إثم. # (وهو عند الله) في الوزر (عظيم). وهذا مثل قوله عليه السلام في حديث ~~القبرين: (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير) أي بالنسبة إليكم. # PageV12P204 # الرابعة عشرة - قوله تعالى: (ولولا إذا سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن ~~نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم. يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن ~~كنتم ms4379 مؤمنين. ويبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم) عتاب لجميع المؤمنين ~~أي كان ينبغي عليكم أن تنكروه ولا يتعاطاه بعضكم من بعض على جهة الحكاية ~~والنقل، وأن تنزهوا الله تعالى عن أن يقع هذا من زوج نبيه عليه الصلاة ~~والسلام. وأن تحكموا على هذه المقالة بأنها بهتان، وحقيقة البهتان أن يقال ~~في الانسان ما ليس فيه، والغيبة أن يقال في الانسان ما فيه. وهذا المعنى قد ~~جاء في صحيح الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم. # ثم وعظهم تعالى في العودة إلى مثل هذه الحالة. # و " أن " مفعول من أجله، بتقدير: كراهية أن، ونحوه. # الخامسة عشرة - قوله تعالى: (إن كنتم مؤمنين) توقيف وتوكيد، كما تقول: # ينبغي لك أن تفعل كذا وكذا إن كنت رجلا. # السادسة عشرة - قوله تعالى: (يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا " يعنى في ~~عائشة، لان مثله لا يكون إلا نظير القول في المقول عنه بعينه، أو فيمن كان ~~في مرتبته من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، لما في ذلك من إذاية رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في عرضه وأهله، وذلك كفر من فاعله. # السابعة عشرة - قال هشام بن عمار سمعت مالكا يقول: من سب أبا بكر وعمر ~~أدب، ومن سب عائشة قتل، لان الله تعالى يقول: " يعظكم الله أن تعودوا لمثله ~~أبدا إن كنتم مؤمنين "، فمن سب عائشة فقد خالف القرآن، ومن خالف القرآن ~~قتل. قال ابن العربي: # " قال أصحاب الشافعي من سب عائشة رضي الله عنها أدب كما في سائر ~~المؤمنين، وليس قوله: # " إن كنتم مؤمنين " في عائشة [لان ذلك (1)] كفر، وإنما هو كما قال عليه ~~السلام: (لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه). ولو كان سلب الايمان في سب من ~~سب عائشة حقيقة لكان سلبه في قوله: (لا يزنى الزاني حين يزنى وهو مؤمن) ~~حقيقة. قلنا: ليس (2) كما زعمتم، فإن (3) # PageV12P205 # أهل الإفك رموا عائشة المطهرة بالفاحشة فبرأها الله تعالى فكل من سبها ~~بما برأها الله منه مكذب لله، ومن كذب الله فهو كافر، ms4380 فهذا طريق قول مالك، ~~وهي سبيل لائحة (1) لأهل البصائر. ولو (2) أن رجلا سب عائشة بغير ما برأها ~~الله منه لكان جزاؤه الأدب. # الثامنة عشر - قوله تعالى: (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة) أي تفشو، ~~يقال: # شاع الشئ شيوعا وشيعا وشيعانا وشيوعة، أي ظهر وتفرق. (في الذين آمنوا) أي ~~في المحصنين والمحصنات. والمراد بهذا اللفظ العام عائشة وصفوان رضي الله ~~عنهما. # والفاحشة: الفعل القبيح المفرط القبح. وقيل: الفاحشة في هذه الآية القول ~~السئ. # (لهم عذاب أليم في الدنيا) أي الحد. وفي الآخرة عذاب النار، أي ~~للمنافقين، فهو مخصوص. # وقد بينا أن الحد للمؤمنين كفارة. وقال الطبري: معناه إن مات مصرا غير ~~تائب. # التاسعة عشرة - قوله تعالى: (والله يعلم) أي يعلم مقدار عظم هذا الذنب ~~والمجازاة عليه، ويعلم كل شئ. (وأنتم لا تعلمون) روى من حديث أبي الدرداء ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أيما رجل شد عضد امرئ من الناس في ~~خصومة لا علم له بها فهو في سخط الله حتى ينزع عنها. وأيما رجل قال بشفاعته ~~دون حد من حدود الله أن يقام فقد عاند الله حقا وأقدم على سخطه وعليه لعنة ~~الله تتابع إلى يوم القيامة. وأيما رجل أشاع على رجل مسلم كلمة وهو منها ~~برئ يرى أن يشينه بها في الدنيا كان حقا على الله تعالى أن يرميه بها في ~~النار - ثم تلا مصداقه من كتاب الله تعالى: - إن الذين يحبون أن تشيع ~~الفاحشة في الذين آمنوا " الآية. # الموفية عشرين - قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات ~~الشيطان) يعنى مسالكه ومذاهبه، المعنى: لا تسلكوا الطريق الذي يدعوكم إليها ~~الشيطان. وواحد الخطوات خطوة، هو ما بين القدمين. والخطوة (بالفتح) المصدر، ~~يقال: خطوت خطوة، وجمعها خطوات. وتخطى إلينا فلان، ومنه الحديث أنه رأى ~~رجلا يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة. # PageV12P206 # وقرأ الجمهور " خطوات " بضم الطاء. وسكنها عاصم والأعمش. وقرأ الجمهور: " ~~ما زكى " بتخفيف الكاف، أي ما اهتدى ولا أسلم ولا عرف رشدا. وقيل: " ما زكى ~~" أي ما ms4381 صلح، يقال: زكا يزكو زكاء، أي صلح. وشددها الحسن وأبو حياة، أي أن ~~تزكيته لكم وتطهيره وهدايته إنما هي بفضله لا بأعمالكم. وقال الكسائي: " يا ~~أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان " معترض، وقوله: " ما زكى منكم ~~من أحد أبدا " جواب لقوله أولا وثانيا: # " ولولا فضل الله عليكم ". # الحادية والعشرون - قوله تعالى: (ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة) ~~الآية. المشهور من الروايات أن هذه الآية نزلت في قصة أبى بكر بن أبي قحافة ~~رضي الله عنه ومسطح بن أثاثة. # وذلك أنه كان ابن بنت خالته وكان من المهاجرين البدريين المساكين. وهو ~~مسطح بن أثاثة ابن عباد بن المطلب بن عبد مناف. وقيل: اسمه عوف، ومسطح لقب. ~~وكان أبو بكر رضي الله عنه ينفق عليه لمسكنته وقرابته، فلما وقع أمر الإفك ~~وقال فيه مسطح ما قال، حلف أبو بكر ألا ينفق عليه ولا ينفعه بنافعة أبدا، ~~فجاء مسطح فاعتذر وقال: إنما كنت أغشى مجالس حسان فأسمع ولا أقول. فقال له ~~أبو بكر: لقد ضحكت وشاركت فيما قيل، ومر على يمينه، فنزلت الآية. وقال ~~الضحاك وابن عباس: إن جماعة من المؤمنين قطعوا منافعهم عن كل من قال في ~~الإفك وقالوا: والله لا نصل من تكلم في شأن عائشة، فنزلت الآية في جميعهم. # والأول أصح، غير أن الآية تتناول الأمة إلى يوم القيامة بألا يغتاظ ذو ~~فضل وسعة فيحلف ألا ينفع من هذه صفته غابر الدهر. وروى الصحيح أن الله ~~تبارك وتعالى لما أنزل: " إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم " العشر آيات، ~~قال أبو بكر وكان ينفق على مسطح لقرابته وفقره: # والله لا أنفق عليه شيئا أبدا بعد الذي قال لعائشة، فأنزل الله تعالى: " ~~ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة " إلى قوله - ألا تحبون أن يغفر الله لكم ~~". قال عبد الله بن المبارك: هذه أرجى آية في كتاب الله تعالى، فقال أبو ~~بكر رضي الله عنه: والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح النفقة ~~التي كان ينفق عليه وقال: لا ms4382 أنزعها منه أبدا. PageV12P207 # الثانية والعشرون - في هذه الآية دليل على أن القذف وإن كان كبيرا لا ~~يحبط الأعمال، لان الله تعالى وصف مسطحا بعد قوله بالهجرة والايمان، وكذلك ~~سائر الكبائر، ولا يحبط الأعمال غير الشرك بالله، قال الله تعالى: " لئن ~~أشركت ليحبطن عملك (1) " [الزمر: 65]. # الثالثة والعشرون - من حلف على شئ لا يفعله فرأى فعله أولى منه أتاه وكفر ~~عن يمينه، أو كفر عن يمينه وأتاه، كما تقدم في " المائدة " (2). ورأى ~~الفقهاء أن من حلف ألا يفعل سنة من السنن أو مندوبا وأبد ذلك أنها جرحة في ~~شهادته، ذكره الباجي في المنتقى. # الرابعة والعشرون - قوله تعالى: (ولا يأتل أولوا الفضل) " ولا يأتل " ~~معناه يحلف، وزنها يفتعل، من الالية وهي اليمين، ومنه قوله تعالى: " للذين ~~يؤلون من نسائهم " وقد تقدم في " البقرة " (3). وقالت فرقة: معناه يقصر، من ~~قولك: ألوت في كذا إذا قصرت فيه، ومنه قوله تعالى: " لا يألونكم خبالا (4) ~~" [آل عمران: 118]. # الخامسة والعشرون - قوله تعالى: (ألا تحبون أن يغفر الله لكم) تمثيل وحجة ~~أي كما تحبون عفو الله عن ذنوبكم فكذلك اغفروا لمن دونكم، وينظر إلى هذا ~~المعنى قوله عليه السلام: (من لا يرحم لا يرحم). # السادسة والعشرون - قال بعض العلماء: هذه أرجى آية في كتاب الله تعالى، ~~من حيث لطف الله بالقذفة العصاة بهذا اللفظ. وقيل. أرجى آية في كتاب الله ~~عز وجل قوله تعالى: " وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا (5) " ~~[الأحزاب: 47]. وقد قال تعالى في آية أخرى: # " والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشاءون عند ربهم ~~ذلك هو الفضل الكبير (6) " [الشورى: 22]، فشرح الفضل الكبير في هذه الآية، ~~وبشر به المؤمنين في تلك. ومن آيات الرجاء قوله تعالى: " قل يا عبادي الذين ~~أسرفوا على أنفسهم (1) " [الزمر: 53]. وقوله تعالى: " الله لطيف # PageV12P208 # بعباده (1) [الشورى: 19]. وقال بعضهم: أرجى آية في كتاب الله عز وجل: " ~~ولسوف يعطيك ربك فترضى (2) " " [الضحى: 5]، وذلك أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لا يرضى ببقاء أحد من أمته في النار. # السابعة والعشرون - قوله ms4383 تعالى: (أن يؤتوا) أي ألا يؤتوا، فحذف " لا "، ~~كقول القائل: * فقلت يمين الله أبرح قاعدا (3) ذكره الزجاج. وعلى قول أبى ~~عبيدة لا حاجة إلى إضمار " لا ". (وليعفو) من عفا الربع أي درس، فهو محو ~~الذنب كما يعفو أثر الربع. # قوله تعالى: إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا ~~والآخرة ولهم عذاب عظيم (23) فيه مسألتان: # الأولى - قوله تعالى: (المحصنات) تقدم في " النساء " (4). وأجمع العلماء ~~على أن حكم المحصنين في القذف كحكم المحصنات قياسا واستدلالا، وقد بيناه ~~أول السورة والحمد لله. # واختلف فيمن المراد بهذه الآية، فقال سعيد بن جبير: هي في رماة عائشة ~~رضوان الله عليها خاصة. وقال قوم: هي في عائشة وسائر أزواج النبي صلى الله ~~عليه وسلم، قاله ابن عباس والضحاك وغيرهما. ولا تنفع التوبة. ومن قذف غيرهن ~~من المحصنات فقد جعل الله له توبة، لأنه قال: " والذين يرمون المحصنات ثم ~~لم يأتوا بأربعة شهداء - إلى قوله - إلا الذين تابوا " فجعل الله لهؤلاء ~~توبة، ولم يجعل لأولئك توبة، قاله الضحاك. وقيل: هذا الوعيد لمن أصر على ~~القذف ولم يتب. وقيل: نزلت في عائشة، إلا أنه يراد بها كل من اتصف بهذه ~~الصفة. وقيل: إنه عام لجميع الناس القذفة من ذكر وأنثى، ويكون التقدير: إن ~~الذين يرمون الأنفس المحصنات، فدخل في هذا المذكر والمؤنث، واختاره النحاس. # وقيل: نزلت في مشركي مكة، لأنهم يقولون للمرأة إذا هاجرت إنما خرجت ~~لتفجر. # PageV12P209 # الثانية: (لعنوا في الدنيا والآخرة) قال العلماء: إن كان المراد بهذه ~~الآية المؤمنين من القذفة فالمراد باللعنة الابعاد وضرب الحد واستيحاش ~~المؤمنين منهم وهجرهم لهم، وزوالهم عن رتبة العدالة والبعد عن الثناء الحسن ~~على ألسنة المؤمنين. وعلى قول من قال: هي خاصة لعائشة تترتب هذه الشدائد في ~~جانب عبد الله بن أبي وأشباهه. وعلى قول من قال: نزلت في مشركي مكة فلا ~~كلام، فإنهم مبعدون، ولهم في الآخرة عذاب عظيم، ومن أسلم فالاسلام يجب ما ~~قبله. وقال أبو جعفر النحاس: من أحسن ما قيل في تأويل هذه الآية إنه ms4384 عام ~~لجميع الناس القذفة من ذكر وأنثى، ويكون التقدير: إن الذين يرمون الأنفس ~~المحصنات، فدخل في هذا المذكر والمؤنث، وكذا في الذين يرمون، إلا أنه غلب ~~المذكر على المؤنث. # قوله تعالى: يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون ~~(24) قراءة العامة بالياء، واختاره أبو حاتم. وقرأ الأعمش ويحيى وحمزة ~~والكسائي وخلف: # " يشهد " بالياء، واختاره أبو عبيد، لان الجار والمجرور قد حال بين الاسم ~~والفعل، والمعنى: # يوم تشهد ألسنة بعضهم على بعض بما كانوا يعملون من القذف والبهتان. وقيل: ~~تشهد عليهم ألسنتهم ذلك اليوم بما تكلموا به. " وأيديهم وأرجلهم " أي ~~وتتكلم الجوارح بما عملوا في الدنيا. # قوله تعالى: يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق ~~المبين (25) أي حسابهم وجزاؤهم. وقرأ مجاهد: " يومئذ يوفيهم الله دينهم ~~الحق " برفع " الحق " على أنه نعت لله عز وجل. قال أبو عبيد: ولولا كراهة ~~خلاف الناس لكان الوجه الرفع، ليكون نعتا لله عز وجل، وتكون موافقة لقراءة ~~أبى، وذلك أن جرير بن حازم قال: رأيت في مصحف أبى " يوفيهم الله الحق دينهم ~~". قال النحاس: وهذا الكلام من أبى عبيد غير PageV12P210 # مرضى، لأنه احتج بما هو مخالف للسواد الأعظم. ولا حجة أيضا فيه لأنه لو ~~صح هذا أنه في مصحف أبى كذا جاز أن تكون القراءة: يومئذ يوفيهم الله الحق ~~دينهم، يكون " دينهم " بدلا من الحق. وعلى قراءة " دينهم الحق " يكون " ~~الحق " نعتا لدينهم، والمعنى حسن، لان الله عز وجل ذكر المسيئين وأعلم أنه ~~يجازيهم (1) بالحق، كما قال عز وجل: # " وهل نجازي إلا الكفور (2) " [سبأ: 17]، لان مجازاة الله عز وجل للكافر ~~والمسئ بالحق والعدل، ومجازاته للمحسن بالاحسان والفضل. (ويعلمون أن الله ~~هو الحق المبين) اسمان من أسمائه سبحانه. # وتعالى. وقد ذكرناهما في غير موضع، وخاصة في الكتاب الأسنى. # قوله تعالى: الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين ~~والطيبون للطيبات أولئك مبرؤون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم (26) قال ~~ابن زيد: المعنى الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، وكذا الخبيثون ~~للخبيثات، وكذا الطيبات للطيبين والطيبون ms4385 للطيبات. وقال مجاهد وابن جبير ~~وعطاء وأكثر المفسرين: # المعنى الكلمات الخبيثات من القول للخبيثين من الرجال، وكذا الخبيثون من ~~الناس للخبيثات من القول، وكذا الكلمات الطيبات من القول للطيبين من الناس، ~~والطيبون من الناس للطيبات من القول. قال النحاس في كتاب معاني القرآن: ~~وهذا من أحسن ما قيل في هذه الآية. # ودل على صحة هذا القول " أولئك مبرؤون مما يقولون " أي عائشة وصفوان مما ~~يقول الخبيثون والخبيثات. وقيل: إن هذه الآية مبنية على قوله: " الزاني لا ~~ينكح إلا زانية أو مشركة " [النور: 3] الآية، فالخبيثات الزواني، والطيبات ~~العفائف، وكذا الطيبون والطيبات. واختار هذا القول النحاس أيضا، وهو معنى ~~قول ابن زيد. (أولئك مبرؤون مما يقولون) يعنى به الجنس. # وقيل: عائشة وصفوان فجمع كما قال: " فإن كان له إخوة " [النساء: 11] ~~والمراد أخوان (3)، قاله الفراء. # PageV12P211 # و " مبرؤون " يعنى منزهين (1) مما رموا به. قال بعض أهل التحقيق: إن يوسف ~~عليه السلام لما رمى بالفاحشة برأه الله على لسان صبي في المهد، وإن مريم ~~لما رميت بالفاحشة برأها الله على لسان ابنها عيسى صلوات الله عليه، وإن ~~عائشة لما رميت بالفاحشة برأها الله تعالى بالقرآن، فما رضى لها ببراءة صبي ~~ولا نبي حتى برأها الله بكلامه من القذف والبهتان. وروي عن علي بن زيد بن ~~جدعان عن جدته عن عائشة رضي الله عنها [أنها (2)] قالت: لقد أعطيت تسعا ما ~~أعطيتهن امرأة: لقد نزل جبريل عليه السلام بصورتي في راحته حين أمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن يتزوجني، ولقد تزوجني بكرا وما تزوج بكرا غيري، ~~ولقد توفي صلى الله عليه وسلم وإن رأسه لفي حجري، ولقد قبر في بيتي، ولقد ~~حفت الملائكة بيتي، وإن كان الوحي لينزل عليه وهو في أهله فينصرفون (3) ~~عنه، وأن كان لينزل عليه وأنا معه في لحافه فما يبينني عن جسده، وإني لابنة ~~خليفته وصديقه، ولقد نزل عذري من السماء، ولقد خلقت طيبة وعند طيب (4)، ~~ولقد وعدت مغفرة ورزقا كريما، تعنى قوله تعالى: " لهم مغفرة ورزق كريم " ~~وهو الجنة. # قوله ms4386 تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى ~~تستأذنوا وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون (27) فيه سبع عشرة ~~مسألة: # الأولى - قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا) لما خصص ~~الله سبحانه ابن آدم الذي كرمه وفضله بالمنازل وسترهم فيها عن الابصار، ~~وملكهم الاستمتاع بها على الانفراد، وحجر على الخلق أن يطلعوا على ما فيها ~~من خارج أو يلجوها من غير إذن أربابها، أدبهم بما يرجع إلى الستر عليهم ~~لئلا يطلع أحد منهم على عورة. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: (من اطلع في بيت قوم من غير إذنهم حل لهم أن يفقئوا ~~عينه). وقد اختلف في تأويله، فقال بعض العلماء: ليس هذا على ظاهره، # PageV12P212 # فإن فقأ فعليه الضمان، والخبر منسوخ، وكان قبل نزول قوله تعالى: " وإن ~~عاقبتم فعاقبوا (1) " [النحل: 126] ويحتمل أن يكون خرج على وجه الوعيد لا ~~على وجه الحتم، والخبر إذا كان مخالفا لكتاب الله تعالى لا يجوز العمل به. ~~وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتكلم بالكلام في الظاهر وهو يريد شيئا ~~آخر، كما جاء في الخبر أن عباس بن مرداس لما مدحه قال لبلال: # (قم فاقطع لسانه) وإنما أراد بذلك أن يدفع إليه شيئا، ولم يرد به القطع ~~في الحقيقة. # وكذلك هذا يحتمل أن يكون ذكر فق ء العين والمراد أن يعمل به عمل حتى لا ~~ينظر بعد ذلك في بيت غيره. وقال بعضهم: لا ضمان عليه ولا قصاص، وهو الصحيح ~~إن شاء الله تعالى، لحديث أنس، على ما يأتي. # الثانية - سبب نزول هذه الآية ما رواه الطبري وغيره عن عدي بن ثابت أن ~~امرأة من الأنصار قالت: يا رسول الله، إني أكون في بيتي على حال لا أحب أن ~~يراني عليها أحد، لا والد ولا ولد فيأتي الأب فيدخل على وإنه لا يزال يدخل ~~على رجل من أهلي وأنا على تلك الحال، فكيف أصنع؟ فنزلت الآية. فقال أبو بكر ~~رضي الله ms4387 عنه: يا رسول الله، أفرأيت الخانات والمساكن في طرق الشام ليس ~~فيها ساكن، فأنزل الله تعالى: " ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة ~~" [النور: 29]. # الثالثة - مد الله سبحانه وتعالى التحريم في دخول بيت ليس هو بيتك إلى ~~غاية هي الاستئناس، وهو الاستئذان. قال ابن وهب قال مالك: الاستئناس فيما ~~نرى والله أعلم الاستئذان، وكذا في قراءة أبى وابن عباس وسعيد بن جبير: " ~~حتى تستأذنوا وتسلموا على أهلها ". # وقيل: إن معنى: " تستأنسوا " تستعلموا، أي تستعلموا من في البيت. قال ~~مجاهد: بالتنحنح أو بأي وجه أمكن، ويتأنى قدر ما يعلم أنه قد شعر به، ويدخل ~~إثر ذلك. وفال معناه الطبري، ومنه قوله تعالى: " فإن آنستم منهم رشدا (1) " ~~[النساء: 6] أي علمتم. وقال الشاعر: # آنست نبأة وأفزعها القناص * عصرا وقد دنا الامساء # PageV12P213 # قلت: وفي سنن ابن ماجة: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الرحيم بن ~~سليمان عن واصل ابن السائب عن أبي سورة عن أبي أيوب الأنصاري قال قلنا: يا ~~رسول الله، هذا السلام، فما الاستئناس (1)؟ قال: (يتكلم الرجل بتسبيحة ~~وتكبيرة وتحميدة ويتنحنح ويؤذن أهل البيت). # قلت: وهذا نص في أن الاستئناس غير الاستئذان، كما قال مجاهد ومن وافقه. # الرابعة - وروي عن ابن عباس وبعض الناس يقول عن سعيد بن جبير: " حتى ~~تستأنسوا " خطأ أو وهم من الكاتب، إنما هو: " حتى تستأذنوا ". وهذا غير ~~صحيح عن ابن عباس وغيره، فإن مصاحف الاسلام كلها قد ثبت فيها " حتى ~~تستأنسوا "، وصح الاجماع فيها من لدن مدة عثمان، فهي التي لا يجوز خلافها. ~~وإطلاق الخطأ والوهم على الكاتب في لفظ أجمع الصحابة عليه قول لا يصح عن ~~ابن عباس، وقد قال عز وجل: " لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ~~تنزيل من حكيم (2) حميد " [فصلت: 42]، وقال تعالى: " إنا نحن نزلنا الذكر ~~وإنا له لحافظون (3) " [الحجر: 9]. وقد روي عن ابن عباس أن في الكلام ~~تقديما وتأخيرا، والمعنى: حتى تسلموا على أهلها وتستأنسوا حكاه أبو حاتم. ~~قال ابن عطية. ومما ينفى هذا القول عن ms4388 ابن عباس وغيره أن " تستأنسوا " ~~متمكنة في المعنى، بينة الوجه في كلام العرب. وقد قال عمر للنبي صلى الله ~~عليه وسلم: أستأنس يا رسول الله، وعمر واقف على باب الغرفة، الحديث ~~المشهور. وذلك يقتضى أنه طلب الانس به صلى الله عليه وسلم، فكيف يخطئ ابن ~~عباس أصحاب الرسول في مثل هذا. # قلت: قد ذكرنا من حديث أبي أيوب أن الاستئناس إنما يكون قبل السلام، ~~وتكون الآية على بابها لا تقديم فيها ولا تأخير، وأنه إذا دخل سلم. والله ~~أعلم. # الخامسة - السنة في الاستئذان ثلاث مرات لا يزاد عليها. قال ابن وهب قال ~~مالك: الاستئذان ثلاث، لا أحب أن يزيد أحد عليها، إلا من علم أنه لم يسمع، ~~فلا أرى بأسا أن يزيد إذا استيقن أنه لم يسمع. وصورة الاستئذان أن يقول ~~الرجل: السلام عليكم أأدخل، فإن أذن له دخل، وإن أمر بالرجوع انصرف، وإن ~~سكت عنه استأذن # PageV12P214 # ثلاثا، ثم ينصرف من بعد الثلاث. وإنما قلنا: إن السنة الاستئذان ثلاث ~~مرات لا يزاد عليها لحديث أبى موسى الأشعري، الذي استعمله مع عمر بن الخطاب ~~وشهد به لأبي موسى أبو سعيد الخدري، ثم أبي بن كعب. وهو حديث مشهور أخرجه ~~الصحيح، وهو نص صريح، فإن فيه: فقال - يعنى عمر - ما منعك أن تأتينا؟ فقلت: ~~أتيت فسلمت على بابك ثلاث مرات فلم ترد على فرجعت، وقد قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: (إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع). وأما ما ~~ذكرناه من صورة الاستئذان فما رواه أبو داود عن ربعي قال: حدثنا رجل من بنى ~~عامر استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في بيت، فقال: ألج؟ فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم لخادمه: (أخرج إلى هذا فعلمه الاستئذان - فقال له ~~- قل السلام عليكم أأدخل) فسمعه الرجل فقال: السلام عليكم أأدخل؟ فأذن له ~~النبي صلى الله عليه وسلم فدخل. وذكره الطبري وقال: فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لامة له يقال لها: " روضة ": (قولي لهذا يقول السلام عليكم ms4389 ~~أدخل؟) الحديث. وروي أن ابن عمر آذته الرمضاء يوما فأتى فسطاطا لامرأة من ~~قريش فقال: السلام عليكم أأدخل؟ فقالت المرأة: أدخل بسلام، فأعاد فأعادت، ~~فقال لها: قولي أدخل. فقالت ذلك فدخل، فتوقف لما قالت: بسلام، لاحتمال ~~اللفظ أن تريد بسلامك لا بشخصك. # السادسة - قال علماؤنا رحمة الله عليهم: إنما خص الاستئذان بثلاث لان ~~الغالب من الكلام إذا كرر ثلاثا سمع وفهم؟، ولذلك كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا حتى يفهم عنه، وإذا سلم على قوم سلم ~~عليهم ثلاثا. وإذا كان الغالب هذا، فإذا لم يؤذن له بعد ثلاث ظهر أن رب ~~المنزل لا يريد الاذن، أو لعله يمنعه من الجواب عنه عذر لا يمكنه قطعه، ~~فينبغي للمستأذن أن ينصرف، لان الزيادة على ذلك قد تقلق رب المنزل، وربما ~~يضره الالحاح حتى ينقطع عما كان مشغولا به، كما قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم لأبي أيوب حين استأذن عليه فخرج مستعجلا فقال: (لعلنا أعجلناك...) ~~الحديث. وروى عقيل عن ابن شهاب قال: أما سنة التسليمات الثلاث فإن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أتى سعد PageV12P215 # ابن عبادة فقال: (السلام عليكم) فلم يردوا، ثم قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: (السلام عليكم) فلم يردوا، فانصرف رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فلما فقد سعد تسليمه عرف أنه قد انصرف، فخرج سعد في أثره حتى أدركه، ~~فقال: وعليكم السلام يا رسول الله، إنما أردنا أن نستكثر من تسليمك، وقد ~~والله سمعنا، فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم مع سعد حتى دخل بيته. ~~قال ابن شهاب: فإنما أخذ التسليم ثلاثا من قبل ذلك، ورواه الوليد ابن مسلم ~~عن الأوزاعي قال: سمعت يحيى بن أبي كثير يقول حدثني محمد بن عبد الرحمن ابن ~~أسعد بن زرارة [عن قيس (1) بن سعد] قال: زارنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في منزلنا (2) فقال: # (السلام عليكم ورحمة الله) قال فرد سعد ردا خفيا (3)، قال قيس: فقلت ألا ~~تأذن لرسول الله صلى الله ms4390 عليه وسلم؟ فقال: ذره (4) يكثر علينا من ~~السلام... # (5) الحديث، أخرجه أبو داود وليس فيه " قال ابن شهاب فإنما أخذ التسليم ~~ثلاثا من قبل ذلك ". قال أبو داود: ورواه عمر ابن عبد الواحد وابن سماعة عن ~~الأوزاعي مرسلا لم يذكرا قيس بن سعد. # السابعة - روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الاستئذان ترك العمل به ~~الناس. # قال علماؤنا رحمة الله عليهم: وذلك لاتخاذ الناس الأبواب وقرعها، والله ~~أعلم. روى أبو داود عن عبد الله بن بسر قال: كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه ولكن من ركنه الأيمن ~~أو الأيسر فيقول: (السلام عليكم السلام عليكم) وذلك أن الدور لم يكن عليها ~~يومئذ ستور. # الثامنة - فإن كان الباب مردودا فله أن يقف حيث شاء منه ويستأذن، وإن شاء ~~دق الباب، لما رواه أبو موسى الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~في حائط بالمدينة على قف البئر (6) فمد رجليه في البئر فدق الباب أبو بكر ~~فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إيذن له وبشره بالجنة). هكذا رواه ~~عبد الرحمن بن أبي الزناد وتابعه صالح ابن كيسان ويونس بن يزيد، فرووه ~~جميعا عن أبي الزناد عن أبي سلمة عن عبد الرحمن بن نافع # PageV12P216 # عن أبي موسى ". وخالفهم محمد بن عمرو الليثي فرواه عن أبي الزناد عن أبي ~~سلمة عن نافع ابن عبد الحارث عن النبي صلى الله عليه وسلم كذلك، وإسناده ~~الأول أصح، والله أعلم. # التاسعة: وصفة الدق أن يكون خفيفا بحيث يسمع، ولا يعنف في ذلك، فقد روى ~~أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كانت أبواب النبي صلى الله عليه وسلم تقرع ~~بالأظافير، ذكره أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب في جامعه. # العاشرة - روى الصحيحان وغيرهما عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: # استأذنت على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (من هذا)؟ فقلت أنا، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: (أنا ms4391 أنا)! كأنه كره ذلك. قال علماؤنا: إنما كره ~~النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لان قوله أنا لا يحصل بها تعريف، وإنما الحكم ~~في ذلك أن يذكر اسمه كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأبو موسى، لان في ~~ذكر الاسم إسقاط كلفة السؤال والجواب. ثبت عن عمر بن الخطاب أنه أتى النبي ~~صلى الله عليه وسلم وهو في مشربة له فقال: السلام عليك يا رسول الله، ~~السلام عليكم أيدخل عمر؟ وفي صحيح مسلم أن أبا موسى جاء إلى عمر ابن الخطاب ~~فقال: السلام عليكم، هذا أبو موسى، السلام عليكم، هذا الأشعري... الحديث. # الحادية عشرة - ذكر الخطيب في جامعه عن علي بن عاصم الواسطي قال: قدمت ~~البصرة فأتيت منزل شعبة فدققت عليه الباب فقال: من هذا؟ قلت أنا، فقال: يا ~~هذا! # ما لي صديق يقال له أنا، ثم خرج إلى فقال: حدثني محمد بن المنكدر عن جابر ~~بن عبد الله قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في حاجة لي فطرقت عليه ~~الباب فقال: (من هذا)؟ # فقلت أنا، فقال: (أنا أنا) كأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كره قولي ~~هذا، أو قوله هذا. # وذكر عن عمر بن شبة حدثنا محمد بن سلام عن أبيه قال: دققت على عمرو بن ~~عبيد الباب فقال لي: من هذا؟ فقلت أنا، فقال: لا يعلم الغيب إلا الله. قال ~~الخطيب: سمعت على ابن المحسن القاضي يحكى عن بعض الشيوخ أنه كان إذا دق ~~بابه فقال من ذا؟ فقال الذي على الباب أنا، يقول الشيخ: أنا هم دق. ~~PageV12P217 # الثانية عشرة - ثم لكل قوم في الاستئذان عرفهم في العبارة (1)، كما رواه ~~أبو بكر الخطيب مسندا عن أبي عبد الملك مولى أم مسكين بنت عاصم بن عمر بن ~~الخطاب قال: أرسلتني مولاتي إلى أبي هريرة فجاء معي، فلما قام بالباب قال: ~~أندر؟ قالت أندرون. وترجم عليه (باب الاستئذان بالفارسية). وذكر عن أحمد بن ~~صالح قال: كان الدراوردي من أهل أصبهان نزل المدينة، فكان يقول للرجل إذا ms4392 ~~أراد أن يدخل: أندرون، فلقبه أهل المدينة الدراوردي (2). # الثالثة عشرة - روى أبو داود عن كلدة بن حنبل أن صفوان بن أمية بعثه إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بلبن وجداية وضغا بيس (3) والنبي صلى الله ~~عليه وسلم بأعلى مكة، فدخلت ولم أسلم فقال: (ارجع فقل السلام عليكم) وذلك ~~بعدما أسلم صفوان بن أمية. وروى أبو الزبير عن جابر أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: (من لم يبدأ بالسلام فلا تأذنوا له). # وذكر ابن جريج أخبرني عطاء قال: سمعت أبا هريرة يقول: إذا قال الرجل ~~أدخل؟ ولم يسلم فقل لا حتى تأتى بالمفتاح، فقلت السلام عليكم؟ قال نعم. ~~وروي أن حذيفة جاءه رجل فنظر إلى ما في البيت فقال: السلام عليكم أأدخل؟ ~~فقال حذيفة: أما بعينك فقد دخلت! # وأما بآستك فلم تدخل. # الرابعة عشرة - ومما يدخل في هذا الباب ما رواه أبو داود عن أبي هريرة أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رسول الرجل إلى الرجل إذنه)، أي إذا أرسل ~~إليه فقد أذن له في الدخول، يبينه قوله عليه السلام: (إذا دعي أحدكم [إلى ~~طعام (4)] فجاء مع الرسول فإن ذلك له إذن). أخرجه أبو داود أيضا عن أبي ~~هريرة. # الخامسة عشرة - فإن وقعت العين على العين فالسلام قد تعين، ولا تعد رؤيته ~~إذنا لك في دخولك عليه، فإذا قضيت حق السلام لأنك الوارد عليه تقول: أدخل؟ ~~فإن أذن لك وإلا رجعت. # PageV12P218 # السادسة عشرة - هذه الأحكام كلها إنما هي في بيت ليس لك، فأما بيتك الذي ~~تسكنه فإن كان فيه أهلك فلا إذن عليها، إلا أنك تسلم إذا دخلت. قال قتادة: ~~إذا دخلت بيتك فسلم على أهلك، فهم أحق من سلمت عليهم. فإن كان فيه معك أمك ~~أو أختك فقالوا: # تنحنح واضرب برجلك حتى ينتبها لدخولك، لان الأهل لا حشمة بينك وبينها. ~~وأما الام والأخت فقد يكونا على حالة لا تحب أن تراهما فيها. قال ابن ~~القاسم قال مالك: ويستأذن الرجل على أمه وأخته إذا أراد أن يدخل عليهما. ms4393 ~~وقد روى عطاء بن يسار أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أستأذن على ~~أمي؟ قال (نعم) قال: إني أخدمها؟ قال: # (استأذن عليها) فعاوده ثلاثا، قال (أتحب أن تراها عريانة)؟ قال لا، قال: # (فاستأذن عليها) ذكره الطبري. # السابعة عشرة - فإن دخل بيت نفسه وليس فيه أحد، فقال علماؤنا: يقول ~~السلام علينا من ربنا التحيات الطيبات المباركات، لله السلام. رواه ابن وهب ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم، وسنده ضعيف. وقال قتادة: إذا دخلت بيتا ليس ~~فيه أحد فقل السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإنه يؤمر بذلك. قال: ~~وذكر لنا أن الملائكة ترد عليهم. قال ابن العربي: والصحيح ترك السلام ~~والاستئذان، والله أعلم. # قلت: قول قتادة حسن. # قوله تعالى: فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل ~~لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم (28) فيه أربع ~~مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " فإن لم تجدوا فيها أحدا " الضمير في " تجدوا فيها ~~" للبيوت التي هي بيوت الغير. وحكى الطبري عن مجاهد أنه قال: معنى قوله: " ~~فإن لم تجدوا فيها أحدا " أي لم يكن لكم فيها متاع. وضعف الطبري هذا ~~التأويل، وكذلك هم في غاية الضعف، وكأن مجاهدا رأى أن البيوت غير المسكونة ~~إنما تدخل دون إذن إذا كان للداخل فيها متاع. PageV12P219 # ورأى لفظة " المتاع " متاع البيت، الذي هو البسط والثياب، وهذا كله ضعيف. ~~والصحيح أن هذه الآية مرتبطة بما قبلها والأحاديث، التقدير: يا أيها الذين ~~آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا، فإن أذن لكم ~~فأدخلوا وإلا فارجعوا، كما فعل عليه السلام مع سعد، وأبو موسى مع عمر رضي ~~الله عنهما. فإن لم تجدوا فيها أحدا يأذن لكم فلا تدخلوها حتى تجدوا إذنا. ~~وأسند الطبري عن قتادة قال: قال رجل من المهاجرين: لقد طلبت عمري [كله (1)] ~~هذه الآية فما أدركتها أن أستأذن على بعض إخواني فيقول لي ارجع فارجع وأنا ~~مغتبط، لقوله تعالى: " هو أزكى لكم ". # الثانية - سواء كان الباب مغلقا أو مفتوحا، ms4394 لان الشرع قد أغلقه بالتحريم ~~للدخول حتى يفتحه الاذن من ربه، بل يجب عليه أن يأتي الباب ويحاول الاذن ~~على صفة لا يطلع منه على البيت لا في إقباله ولا في انقلابه. فقد روى ~~علماؤنا عن عمر بن الخطاب أنه قال: # (من ملا عينيه من قاعة بيت فقد فسق.) وروي الصحيح عن سهل بن سعد أن رجلا ~~اطلع في جحر في باب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم مدرى (2) يرجل به رأسه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~(لو أعلم أنك تنظر لطعنت به في عينك إنما جعل الله الاذن من أجل البصر). ~~وروي عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لو أن رجلا اطلع عليك ~~بغير إذن فحذفته (3) بحصاة ففقأت عينه ما كان عليك من جناح). # الثالثة - إذا ثبت أن الاذن شرط في دخوله المنزل فإنه يجوز (4) من الصغير ~~والكبير. # وقد كان أنس بن مالك دون البلوغ يستأذن على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وكذلك الصحابة مع أبنائهم وغلمانهم رضي الله عنهم. وسيأتي لهذا مزيد ~~بيان في آخر السورة إن شاء الله تعالى. # الرابعة - قوله تعالى: (والله بما تعملون عليم) توعد لأهل التجسس على ~~البيوت وطلب الدخول على غفلة للمعاصي والنظر إلى ما لا يحل ولا يجوز، ~~ولغيرهم ممن يقع في محظور. # PageV12P220 # قوله تعالى: ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متع لكم ~~والله يعلم ما تبدون وما تكتمون (29) فيه مسألتان: # الأولى - روي أن بعض الناس لما نزلت آية الاستئذان تعمق في الامر (1)، ~~فكان لا يأتي موضعا خربا ولا مسكونا إلا سلم واستأذن، فنزلت هذه الآية، ~~أباح الله تعالى فيها رفع الاستئذان في كل بيت لا يسكنه أحد، لان العلة في ~~الاستئذان إنما هي لأجل خوف الكشفة على الحرمات، فإذا زالت العلة زال ~~الحكم. # الثانية - اختلف العلماء في المراد بهذه البيوت، فقال محمد بن الحنفية ~~وقتادة ومجاهد: # هي الفنادق التي في طرق السابلة. قال ms4395 مجاهد: لا يسكنها أحد بل هي موقوفة ~~ليأوي إليها كل ابن سبيل، وفيها متاع لهم، أي استمتاع بمنفعتها. وعن محمد ~~بن الحنفية أيضا أن المراد بها دور مكة، ويبينه قول مالك. وهذا على القول ~~بأنها غير متملكة، وأن الناس شركاء فيها وأن مكة أخذت عنوة. وقال ابن زيد ~~والشعبي: هي حوانيت القيساريات. قال الشعبي: # لأنهم جاءوا ببيوعهم فجعلوها فيها، وقالوا للناس هلم. وقال عطاء: المراد ~~بها الخرب التي يدخلها الناس للبول والغائط، ففي هذا أيضا متاع. وقال جابر ~~بن زيد: ليس يعنى بالمتاع الجهاز، ولكن ما سواه من الحاجة، أما منزل ينزله ~~قوم من ليل أو نهار، أو خربة يدخلها لقضاء حاجة، أو دار ينظر إليها فهذا ~~متاع وكل منافع الدنيا متاع. قال أبو جعفر النحاس: # وهذا شرح حسن من قول إمام من أئمة المسلمين، وهو موافق للغة. والمتاع في ~~كلام العرب: # المنفعة، ومنه أمتع الله بك. ومنه " فمتعوهن (2) " [الأحزاب: 49]. # قلت: واختاره أيضا القاضي أبو بكر بن العربي وقال: أما من فسر المتاع ~~بأنه جميع الانتفاع فقد طبق المفصل وجاء بالفيصل، وبين أن الداخل فيها إنما ~~هو لما له من الانتفاع فالطالب يدخل في الخانكات وهي المدارس لطلب العلم، ~~والساكن يدخل الخانات # PageV12P221 # وهي الفناتق، أي الفنادق، والزبون يدخل الدكان للابتياع، والحاقن يدخل ~~الخلاء للحاجة، وكل يؤتى على وجهه من بابه. وأما قول ابن زيد والشعبي فقول ~~(1)! وذلك أن بيوت القيساريات محظورة بأموال الناس، غير مباحة لكل من أراد ~~دخولها بإجماع، ولا يدخلها إلا من أذن له ربها، بل أربابها موكلون بدفع ~~الناس. # قوله تعالى: قل للمؤمنين يغضوا من أبصرهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن ~~الله خبير بما يصنعون (30) فيه سبع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم) وصل تعالى بذكر ~~الستر ما يتعلق به من أمر النظر، يقال: غض بصره يغضه غضا، قال الشاعر: # فغض الطرف إنك من نمير * فلا كعبا بلغت ولا كلابا وقال عنترة. # وأغض طرفي ما بدت؟؟ لي جارتي * حتى يواري جارتي مأواها ولم ms4396 يذكر الله ~~تعالى ما يغض البصر عنه ويحفظ الفرج، غير أن ذلك معلوم بالعادة، وأن المراد ~~منه المحرم دون المحلل. وفي البخاري: " وقال سعيد بن أبي الحسن للحسن إن ~~نساء العجم يكشفن صدورهن ورؤوسهن؟ قال: اصرف بصرك، يقول الله تعالى: " قل ~~للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم " وقال قتادة: عما لا يحل لهم، " ~~وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن " [النور: 31] خائنة الأعين ~~[من (2)] النظر إلى ما نهى عنه. # الثانية - قوله تعالى: (من أبصارهم) " من " زائدة، كقوله: " فما منكم من ~~أحد عنه حاجزين (3) " [الحاقة: 47]. وقيل: " من " للتبعيض، لان من النظر ما ~~يباح. وقيل: الغض النقصان، يقال: غض فلان من فلان أي وضع منه، فالبصر إذا ~~لم يمكن من عمله فهو موضوع منه ومنقوص. ف‍ " - من " [من (4)] صلة الغض، ~~وليست للتبعيض ولا للزيادة. # PageV12P222 # البصر هو الباب الأكبر إلى القلب، وأعمر طرق الحواس إليه، وبحسب ذلك كثر ~~السقوط من جهته. ووجب التحذير منه، وغضه واجب عن جميع المحرمات، وكل ما ~~يخشى الفتنة من أجله، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (إياكم والجلوس على ~~الطرقات) فقالوا: يا رسول الله، ما لنا من مجالسنا بد نتحدث فيها. فقال: ~~(فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه) قالوا: وما حق الطريق يا رسول ~~الله؟ قال: (غض البصر وكف الأذى ورد السلام والامر بالمعروف والنهى عن ~~المنكر). رواه أبو سعيد الخدري، خرجه البخاري ومسلم. وقال صلى الله عليه ~~وسلم لعلى: (لا تتبع النظرة النظرة فإنما لك الأولى وليست لك الثانية). ~~وروى الأوزاعي قال: حدثني هارون بن رئاب أن غزوان وأبا موسى الأشعري كانا ~~في بعض مغازيهم، فكشفت جارية فنظر إليها غزوان، فرفع يده فلطم عينه حتى ~~نفرت (1)، فقال: إنك للحاظة إلى ما يضرك ولا ينفعك، فلقي أبا موسى فسأله ~~فقال: ظلمت عينك، فاستغفر الله وتب، فإن لها أول نظرة وعليها ما كان بعد ~~ذلك. قال الأوزاعي: وكان غزوان ملك نفسه فلم يضحك حتى مات رضي الله عنه. ~~وفي صحيح مسلم عن جرير بن عبد الله قال: # سألت ms4397 رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجاءة، فأمرني أن أصرف ~~بصري. وهذا يقوي قول من يقول: إن " من " للتبعيض، لان النظرة الأولى لا ~~تملك فلا تدخل تحت خطاب تكليف، إذ وقوعها لا يتأتى أن يكون مقصودا، فلا ~~تكون مكتسبة فلا يكون مكلفا بها، فوجب التبعيض لذلك، ولم يقل ذلك في الفرج، ~~لأنها تملك. ولقد كره الشعبي أن يديم الرجل النظر إلى ابنته أو أمه أو ~~أخته، وزمانه خير من زماننا هذا! وحرام على الرجل أن ينظر إلى ذات محرمة ~~(2) نظر شهوة يرددها. # الرابعة قوله تعالى: (ويحفظوا فروجهم) أي يستروها عن أن يراها من لا يحل. # وقيل: " ويحفظوا فروجهم " أي عن الزنى، وعلى هذا القول لو قال (3): " من ~~فروجهم " لجاز. والصحيح أن الجميع مراد واللفظ عام. وروى بهز بن حكيم بن ~~معاوية القشيري عن أبيه عن جده قال: قلت يا رسول الله، عوراتنا ما نأتى ~~منها وما نذر؟ قال: (احفظ # PageV12P223 # عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك). قال: الرجل يكون مع الرجل؟ قال: # (إن استطعت ألا يراها (1) فافعل). قلت: فالرجل يكون خاليا؟ فقال: (الله ~~أحق أن يستحيا منه من الناس). وقد ذكرت عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وحالها معه فقالت: ما رأيت ذلك منه، ولا رأى ذلك منى. # الخامسة - بهذه الآية حرم العلماء نصا دخول الحمام بغير مئزر. وقد روي عن ~~ابن عمر أنه قال: أطيب ما أنفق الرجل درهم يعطيه للحمام في خلوة. وصح عن ~~ابن عباس أنه دخل الحمام وهو محرم بالجحفة. فدخوله جائز للرجال بالمآزر، ~~وكذلك النساء للضرورة كغسلهن من الحيض أو النفاس أو مرض يلحقهن، والأولى ~~بهن والأفضل لهن غسلهن إن أمكن ذلك في بيوتهن، فقد روى أحمد بن منيع حدثنا ~~الحسن بن موسى حدثنا ابن لهيعة حدثنا زبان عن سهل بن معاذ عن أبيه عن أم ~~الدرداء أنه سمعها تقول: لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد خرجت من ~~الحمام فقال: (من أين يا أم الدرداء)؟ فقالت: ms4398 من الحمام، فقال: (والذي نفسي ~~بيده ما من امرأة تضع ثيابها في غير بيت أحد من أمهاتها إلا وهي هاتكة كل ~~ستر بينها وبين الرحمن عز وجل). وخرج أبو بكر البزار عن طاوس عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (احذروا بيتا يقال ~~له الحمام). قالوا: # يا رسول الله، ينقى الوسخ؟ قال: (فاستتروا). قال أبو محمد عبد الحق: هذا ~~أصح إسناد حديث في هذا الباب، على أن الناس يرسلونه عن طاوس، وأما ما خرجه ~~أبو داود في هذا من الحظر والإباحة فلا يصح منه شئ لضعف الأسانيد، وكذلك ما ~~خرجه الترمذي. # قلت: أما دخول الحمام في هذه الأزمان فحرام على أهل الفضل والدين، لغلبة ~~الجهل على الناس واستسهالهم إذا توسطوا الحمام رموا مآزرهم (2)، حتى يرى ~~الرجل البهى ذو الشيبة قائما منتصبا وسط الحمام وخارجه باديا عن عورته ضاما ~~بين فخذيه ولا أحد يغير عليه. هذا أمر بين الرجال فكيف من النساء! لا سيما ~~بالديار المصرية إذ حماماتهم خالية عن المظاهر التي هي عن أعين الناس ~~سواتر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم!. # PageV12P224 # السادسة - قال العلماء: فإن استتر فليدخل بعشرة شروط: # الأول - ألا يدخل إلا بنية التداوي أو بنية التطهير عن الرحضاء (1). # الثاني - أن يعتمد أوقات الخلوة أو قلة الناس. # الثالث - أن يستر عورته بإزار صفيق (2). # الرابع - أن يكون نظره إلى الأرض أو يستقبل الحائط لئلا يقع بصره على ~~محظور. # الخامس - أن يغير ما يرى من منكر برفق، يقول: استتر سترك الله! # السادس - إن دلكه أحد لا يمكنه من عورته، من سرته إلى ركبته إلا امرأته ~~أو جاريته. وقد اختلف في الفخذين هل هما عورة أم لا. # السابع - أن يدخله بأجرة معلومة بشرط أو بعادة الناس. # الثامن - أن يصب الماء على قدر الحاجة. # التاسع - إن لم يقدر على دخوله وحده اتفق مع قوم يحفظون أديانهم على ~~كرائه. # العاشر - أن يتذكر به جهنم. فإن لم يمكنه ذلك كله فليستتر وليجتهد في غض ~~البصر. ms4399 # ذكر الترمذي أبو عبد الله في نوادر الأصول من حديث طاوس عن عبد الله بن ~~عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اتقوا بيتا ~~يقال له الحمام). قيل: يا رسول الله، إنه يذهب به الوسخ ويذكر النار فقال: ~~(إن كنتم لا بد فاعلين فأدخلوه مستترين). وخرج من حديث أبي هريرة قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نعم البيت يدخله الرجل المسلم بيت الحمام - ~~وذلك لأنه إذا دخله سأل الله الجنة واستعاذ به من النار - وبئس البيت يدخله ~~الرجل بيت العروس). وذلك لأنه يرغبه في الدنيا وينسيه الآخرة. قال أبو عبد ~~الله: # فهذا لأهل الغفلة، صير الله هذه الدنيا بما فيها سببا للذكر لأهل الغفلة ~~ليذكروا بها آخرتهم، فأما أهل اليقين فقد صارت الآخرة نصب أعينهم فلا بيت ~~حمام يزعجه (3) ولا بيت عروس # PageV12P225 # يستفزه، لقد دقت الدنيا بما فيها من الصنفين والضربين في جنب الآخرة، حتى ~~أن جميع نعيم الدنيا في أعينهم كنثارة الطعام من مائدة عظيمة، وجميع شدائد ~~الدنيا في أعينهم كقتلة عوقب بها مجرم أو مسئ قد كان استوجب [بها (1)] ~~القتل أو الصلب من جميع عقوبات أهل الدنيا. # السابعة - قوله تعالى: (ذلك أزكى لهم) أي غض البصر وحفظ الفرج أطهر في ~~الدين وأبعد من دنس الأنام. (إن الله خبير) أي عالم. (بما يصنعون) تهديد ~~ووعيد. # قوله تعالى: وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين ~~زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا ~~لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو ~~إخوانهن أو بنى إخوانهن أو بنى أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو ~~التابعين غير أولى الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورت ~~النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعا ~~أيه المؤمنون لعلكم تفلحون (31) قوله تعالى: (وقل للمؤمنات يغضضن من ~~أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن) إلى قوله: (من زينتهن) فيه ms4400 ثلاث ~~وعشرون مسألة: # الأولى - قوله تعالى: (وقل للمؤمنات) خص الله سبحانه وتعالى الإناث هنا ~~بالخطاب على طريق التأكيد، فإن قوله: " قل للمؤمنين " يكفي، لأنه قول عام ~~يتناول الذكر والأنثى من المؤمنين، حسب كل خطاب عام في القرآن. وظهر ~~التضعيف في " يغضضن " ولم يظهر في " يغضوا " لان لام الفعل من الثاني ساكنة ~~ومن الأول متحركة، وهما في موضع # PageV12P226 # جزم جوابا. وبدأ بالغض قبل الفرج لان البصر رائد للقلب، كما أن الحمى ~~رائد الموت. # وأخذ هذا المعنى بعض الشعراء فقال: # ألم تر أن العين للقلب رائد * فما تألف العينان فالقلب آلف وفي الخبر ~~(النظر سهم من سهام إبليس مسموم فمن غض بصره أورثه الله الحلاوة في قلبه). # وقال مجاهد: إذا أقبلت المرأة جلس الشيطان على رأسها فزينها لمن ينظر، ~~فإذا أدبرت جلس على عجزها فزينها لمن ينظر. وعن خالد بن أبي عمران قال: لا ~~تتبعن النظرة النظرة فربما نظر العبد نظرة نغل (1) منها قلبه كما ينغل ~~الأديم فلا ينتفع به. فأمر الله سبحانه وتعالى المؤمنين والمؤمنات بغض ~~الابصار عما لا يحل، فلا يحل للرجل أن ينظر إلى المرأة ولا المرأة إلى ~~الرجل، فإن علاقتها به كعلاقته بها، وقصدها منه كقصده منها. وفي صحيح مسلم ~~عن أبي هريرة قال: # سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الله كتب على ابن آدم حظه ~~من الزنى أدرك ذلك لا محالة فالعينان تزنيان وزناهما النظر...) الحديث. ~~وقال الزهري في النظر إلى التي لم تحض من النساء: لا يصلح النظر إلى شئ ~~منهن ممن يشتهى النظر إليهن وإن كانت صغيرة. # وكره عطاء النظر إلى الجواري اللاتي يبعن بمكة إلا أن يريد أن يشتري. وفي ~~الصحيحين عنه عليه السلام أنه صرف وجه الفضل عن الخثعمية حين سألته، وطفق ~~الفضل ينظر إليها (2). # وقال عليه السلام: (الغيرة من الايمان والمذاء من النفاق). والمذاء هو أن ~~يجمع الرجل بين النساء والرجال ثم يخليهم يماذي بعضهم بعضا، مأخوذ من ~~المذي. وقيل: هو إرسال الرجال إلى النساء، من قولهم: مذيت الفرس ms4401 إذا ~~أرسلتها ترعى. وكل ذكر يمذي، وكل أنثى تقذي، فلا يحل لامرأة تؤمن بالله ~~واليوم الآخر أن تبدي زينتها إلا لمن تحل له، أو لمن هي محرمة عليه على ~~التأبيد، فهو آمن أن يتحرك طبعه إليها لوقوع اليأس له منها. # PageV12P227 # الثانية - روى الترمذي عن نبهان مولى أم سلمة أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال لها ولميمونة وقد دخل عليها ابن أم مكتوم: (احتجبا) فقالتا: إنه ~~أعمى، قال: (أفعمياوان أنتما ألستما تبصرانه). فإن قيل: هذا الحديث لا يصح ~~عند أهل النقل لان راويه عن أم سلمة نبهان مولاها وهو ممن لا يحتج بحديثه. ~~وعلى تقدير صحته فإن ذلك منه عليه السلام تغليظ على أزواجه لحرمتهن كما غلظ ~~عليهن أمر الحجاب، كما أشار إليه أبو داود وغيره من الأئمة. ويبقى معنى ~~الحديث الصحيح الثابت وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر فاطمة بنت قيس ~~أن تعتد في بيت أم شريك، ثم قال: (تلك امرأة يغشاها أصحابي اعتدي عند ابن ~~أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك ولا يراك). قلنا: قد استدل بعض العلماء ~~بهذا الحديث على أن المرأة يجوز لها أن تطلع من الرجل على ما لا يجوز للرجل ~~أن يطلع من المرأة كالرأس ومعلق القرط، وأما العورة فلا. فعلى هذا يكون ~~مخصصا لعموم قوله تعالى: " وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن "، وتكون " من " ~~للتبعيض كما هي في الآية قبلها. قال ابن العربي: وإنما أمرها بالانتقال من ~~بيت أم شريك إلى بيت ابن أم مكتوم لان ذلك أولى بها من بقائها في بيت أمر ~~شريك، إذ كانت أم شريك مؤثرة بكثرة الداخل إليها، فيكثر الرائي لها، وفي ~~بيت ابن أم مكتوم لا يراها أحد، فكان إمساك بصرها عنه أقرب من ذلك وأولى، ~~فرخص لها في ذلك، والله أعلم. # الثالثة - أمر الله سبحانه وتعالى النساء بألا يبدين زينتهن للناظرين، ~~إلا ما استثناه من الناظرين في باقي الآية حذارا من الافتتان، ثم استثنى، ~~ما يظهر من الزينة، واختلف الناس في قدر ذلك، فقال ms4402 ابن مسعود: ظاهر الزينة ~~هو الثياب. وزاد ابن جبير الوجه. وقال سعيد بن جبير أيضا وعطاء والأوزاعي: ~~الوجه والكفان والثياب. وقال ابن عباس وقتادة والمسور بن مخرمة: ظاهر ~~الزينة هو الكحل والسوار والخضاب إلى نصف الذراع (1) والقرطة والفتخ (2)، ~~ونحو هذا فمباح أن تبديه المرأة لكل من دخل عليها من الناس. وذكر الطبري عن # PageV12P228 # قتادة في معنى نصف الذراع حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر آخر ~~عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يحل ~~لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر إذا عركت (1) أن تظهر إلا وجهها ويديها إلى ~~ها هنا) وقبض على نصف الذراع. قال ابن عطية: ويظهر لي بحكم ألفاظ الآية أن ~~المرأة مأمورة بألا تبدي وأن تجتهد في الاخفاء لكل ما هو زينة، ووقع ~~الاستثناء فيما يظهر بحكم ضرورة حركة فيما لا بد منه، أو إصلاح شأن ونحو ~~ذلك. ف‍ " - ما ظهر " على هذا الوجه مما تؤدي إليه الضرورة في النساء فهو ~~المعفو عنه. # قلت: هذا قول حسن، إلا أنه لما كان الغالب من الوجه والكفين ظهورهما عادة ~~وعبادة وذلك في الصلاة والحج، فيصلح أن يكون الاستثناء راجعا إليهما. يدل ~~على ذلك ما رواه أبو داود عن عائشة رضي الله عنها: أن أسماء بنت أبي بكر ~~رضي الله عنهما دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليها ثياب رقاق، ~~فأعرض عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لها: (يا أسماء إن المرأة ~~إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا) وأشار إلى وجهه وكفيه. فهذا ~~أقوى من جانب الاحتياط، ولمراعاة فساد الناس فلا تبدي المرأة من زينتها إلا ~~ما ظهر من وجهها وكفيها، والله الموفق لا رب سواه. وقد قال ابن خويز منداد ~~من علمائنا: إن المرأة إذا كانت جميلة وخيف من وجهها وكفيها الفتنة فعليها ~~ستر ذلك، وإن كانت عجوزا أو مقبحة جاز أن تكشف وجهها وكفيها. # الرابعة - الزينة على قسمين: خلقية ومكتسبة، فالخلقية وجهها فإنه ms4403 أصل ~~الزينة وجمال الخلقة ومعنى الحيوانية، لما فيه من المنافع وطرق العلوم. ~~وأما الزينة المكتسبة فهي ما تحاوله المرأة في تحسين خلقتها، كالثياب ~~والحلي والكحل والخضاب، ومنه قوله تعالى: # " خذوا زينتكم (2) " [الأعراف: 31]. وقال الشاعر: # يأخذن زينتهن أحسن ما ترى * وإذا عطلن فهن خير عواطل الخامسة - من الزينة ~~ظاهر وباطن، فما ظهر فمباح أبدا لكل الناس من المحارم والأجانب، وقد ذكرنا ~~ما للعلماء فيه. وأما ما بطن فلا يحل إبداؤه إلا لمن سماهم الله تعالى في ~~هذه # PageV12P229 # الآية، أو حل محلهم. واختلف في السوار، فقالت عائشة: هي من الزينة ~~الظاهرة لأنه في اليدين. وقال مجاهد: هو من الزينة الباطنة، لأنها خارج عن ~~الكفين وإنما يكون في الذراع. قال ابن العربي: وأما الخضاب فهو من الزينة ~~الباطنة إذا كان في القدمين. # السادسة - قوله تعالى: (وليضربن بخمرهن على جيوبهن) قرأ الجمهور: بسكون ~~اللام التي هي للامر. وقرأ أبو عمرو: في رواية ابن عباس بكسرها على الأصل، ~~لان الأصل [لام] (1) الامر الكسر، وحذفت الكسرة لثقلها، وإنما تسكينها ~~لتسكين عضد وفخذ. # و " يضربن " في موضع جزم بالامر، إلا أنه بنى على حالة واحدة اتباعا ~~للماضي عند سيبويه. # وسبب هذه الآية أن النساء كن في ذلك الزمان إذا غطين رؤوسهن بالأخمرة وهي ~~المقانع سدلنها من وراء الظهر. قال النقاش: كما يصنع النبط، فيبقى النحر ~~والعنق والأذنان لا ستر على ذلك، فأمر الله تعالى بلى الخمار على الجيوب، ~~وهيئة ذلك أن تضرب المرأة بخمارها على جيبها لتستر صدرها. روى البخاري عن ~~عائشة أنها قالت: رحم الله نساء (2) المهاجرات الأول، لما نزل: " وليضربن ~~بخمرهن على جيوبهن " شققن أزرهن فاختمرن بها. ودخلت على عائشة حفصة بنت ~~أخيها عبد الرحمن رضي الله عنهم وقد اختمرت بشئ يشف عن عنقها وما هنالك، ~~فشقته عليها وقالت: إنما يضرب بالكثيف الذي يستر. # السابعة - الخمر: جمع الخمار، وهو ما تغطي به رأسها، ومنه اختمرت المرأة ~~وتخمرت، وهي حسنة الخمرة. والجيوب: جمع الجيب، وهو موضع القطع من الدرع ~~والقميص، وهو من الجوب وهو القطع. ومشهور ms4404 القراءة ضم الجيم من " جيوبهن ". ~~وقرأ بعض الكوفيين: # بكسرها بسبب الياء، كقراءتهم ذلك في: بيوت وشيوخ. والنحويون القدماء لا ~~يجيزون هذه القراءة ويقولون: بيت وبيوت كفلس وفلوس. وقال الزجاج: يجوز على ~~أن تبدل من الضمة كسرة، فأما ما روي عن حمزة من الجمع بين الضم والكسر ~~فمحال، لا يقدر أحد أن ينطق به إلا على الايماء إلى ما لا يجوز. وقال ~~مقاتل: " على جيوبهن " أي على صدورهن، يعنى على مواضع جيوبهن. # PageV12P230 # الثامنة - في هذه الآية دليل على أن الجيب إنما يكون في الثوب موضع ~~الصدر. # وكذلك كانت الجيوب في ثياب السلف رضوان الله عليهم، على ما يصنعه النساء ~~عندنا بالأندلس وأهل الديار المصرية من الرجال والصبيان وغيرهم. وقد ترجم ~~البخاري رحمة الله تعالى عليه (باب جيب القميص من عند الصدر وغيره) وساق ~~حديث أبي هريرة قال: # ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل البخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما ~~جبتان من حديد قد اضطرت أيديهما إلى ثديهما وتراقيهما...) الحديث، وقد تقدم ~~بكماله (1)، وفيه: # قال أبو هريرة: فأنا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بإصبعيه ~~هكذا في جيبه، فلو رأيته يوسعها ولا تتوسع (2). فهذا يبين لك أن جيبه عليه ~~السلام كان في صدره، لأنه لو كان في منكبه لم تكن يداه مضطرة إلى ثدييه ~~وتراقيه. وهذا استدلال حسن. # التاسعة - قوله تعالى: (إلا لبعولتهن) البعل هو الزوج والسيد في كلام ~~العرب، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل: (إذا ولدت الأمة ~~بعلها) يعنى سيدها، إشارة إلى كثرة السراري بكثرة الفتوحات، فيأتي الأولاد ~~من الإماء فتعتق كل أم بولدها وكأنه سيدها الذي من عليها بالعتق، إذ كان ~~العتق حاصلا لها من سببه، قاله ابن العربي. # قلت: ومنه قوله عليه السلام في مارية: (أعتقها ولدها) فنسب العتق إليه. ~~وهذا من أحسن تأويلات هذا الحديث. والله أعلم. # مسألة - فالزوج والسيد يرى الزينة من المرأة وأكثر من الزينة إذ كل محل ~~من بدنها حلال له لذة ونظرا. ولهذا المعنى بدأ بالبعولة، ms4405 لان اطلاعهم يقع ~~على أعظم من هذا، قال الله تعالى: # " والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم ~~غير ملومين " (3) [المؤمنون: 5 - 6]. # العاشرة - اختلف الناس في جواز نظر الرجل إلى فرج المرأة، على قولين: # أحدهما - يجوز، لأنه إذا جاز له التلذذ به فالنظر أولى. وقيل: لا يجوز، ~~لقول عائشة # PageV12P231 # رضي الله عنها في ذكر حالها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما رأيت ~~ذلك منه ولا رأى ذلك منى) والأول أصح، وهذا محمول على الأدب، قاله ابن ~~العربي. وقد قال أصبغ من علمائنا: يجوز له أن يلحسه بلسانه. وقال ابن ~~خويزمنداد: أما الزوج والسيد فيجوز له أن ينظر إلى سائر الجسد وظاهر الفرج ~~دون باطنه. وكذلك المرأة يجوز أن تنظر إلى عورة زوجها، والأمة إلى عورة ~~سيدها. # قلت: وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (النظر إلى الفرج يورث ~~الطمس) أي العمى، أي في الناظر. وقيل: إن الولد بينهما يولد أعمى. والله ~~أعلم. # الحادية عشرة - لما ذكر الله تعالى الأزواج وبدأ بهم ثنى بذوي المحارم ~~وسوى بينهم في إبداء الزينة، ولكن تختلف مراتبهم بحسب ما في نفوس البشر. ~~فلا مرية أن كشف الأب والأخ على المرأة أحوط من كشف ولد زوجها. وتختلف ~~مراتب ما يبدي لهم، فيبدي للأب ما لا يجوز إبداؤه لولد الزوج. وقد ذكر ~~القاضي إسماعيل عن الحسن والحسين رضي الله عنهما أنهما كانا لا يريان أمهات ~~المؤمنين. وقال ابن عباس: إن رؤيتهما لهن تحل. قال إسماعيل: أحسب أن الحسن ~~والحسين ذهبا في ذلك إلى أن أبناء البعولة لم يذكروا في الآية التي في ~~أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وهي قوله تعالى: " لا جناح عليهن في ~~آبائهن " (1) [الأحزاب: 55]. # وقال في سورة النور: " ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن " الآية. فذهب ابن ~~عباس إلى هذه الآية، وذهب الحسن والحسين إلى الآية أخرى. # الثانية عشرة - قوله تعالى: (أو أبناء بعولتهن) يريد ذكور أولاد الأزواج، ~~ويدخل فيه أولاد الأولاد وإن سفلوا، من ذكران كانوا أو ms4406 إناث، كبني البنين ~~وبنى البنات. وكذلك آباء البعولة والأجداد وإن علوا من جهة الذكران لاباء ~~الاباء وآباء الأمهات، وكذلك أبناؤهن وإن سفلوا. وكذلك أبناء البنات وإن ~~سفلن، فيستوي فيه أولاد البنين وأولاد البنات. # وكذلك أخواتهن، وهم من ولده الاباء والأمهات أو أحد الصنفين. وكذلك بنو ~~الاخوة # PageV12P232 # وبنو الأخوات وإن سفلوا من ذكران كانوا أو إناث كبني بنى الأخوات وبنى ~~بنات الأخوات. وهذا كله في معنى ما حرم من المناكح، فإن ذلك على المعاني في ~~الولادات وهؤلاء محارم، وقد تقدم في [النساء] (1). والجمهور على أن العم ~~والخال كسائر المحارم في جواز النظر لهما إلى ما يجوز لهم. وليس في الآية ~~ذكر الرضاع، وهو كالنسب على ما تقدم. وعند الشعبي وعكرمة ليس العم والخال ~~من المحارم. وقال عكرمة: لم يذكرهما في الآية لأنهما تبعان لأبنائهما. # الثالثة عشرة - قوله تعالى: (أو نسائهن) يعنى المسلمات، ويدخل في هذا ~~الإماء المؤمنات، ويخرج منه نساء المشركين من أهل الذمة وغيرهم، فلا يحل ~~لامرأة مؤمنة أن تكشف شيئا من بدنها بين يدي امرأة مشركة إلا أن تكون أمة ~~لها، فذلك قوله تعالى: # " أو ما ملكت أيمانهن ". وكان ابن جريج وعبادة بن نسى وهشام القارئ ~~يكرهون أن تقبل النصرانية المسلمة أو ترى عورتها، ويتأولون " أو نسائهن ". ~~وقال عبادة بن نسى: وكتب عمر رضي الله عنه إلى أبى عبيدة بن الجراح: أنه ~~بلغني أن نساء أهل الذمة يدخلن الحمامات مع نساء المسلمين، فامنع من ذلك، ~~وحل دونه، فإنه لا يجوز أن ترى الذمية عرية (2) المسلمة. # قال: فعند ذلك قام أبو عبيدة وابتهل وقال: أيما امرأة تدخل الحمام من غير ~~عذر لا تريد إلا أن تبيض وجهها فسود الله وجهها يوم تبيض الوجوه. وقال ابن ~~عباس رضي الله عنهما: # لا يحل للمسلمة أن تراها يهودية أو نصرانية، لئلا تصفها لزوجها. وفي هذه ~~المسألة خلاف للفقهاء. فإن كانت الكافرة أمة لمسلمة جاز أن تنظر إلى ~~سيدتها، وأما غيرها فلا، لانقطاع الولاية بين أهل الاسلام وأهل الكفر، ولما ~~ذكرناه. والله أعلم. # الرابعة ms4407 عشرة - قوله تعالى: (أو ما ملكت أيمانهن) ظاهر الآية يشمل العبيد ~~والإماء المسلمات والكتابيات. وهو قول جماعة من أهل العلم، وهو الظاهر من ~~مذهب عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما. وقال ابن عباس: لا بأس أن ينظر ~~المملوك إلى شعر مولاته. وقال أشهب: سئل مالك أتلقى المرأة خمارها بين يدي ~~الخصي؟ فقال نعم، إذا كان # PageV12P233 # مملوكا لها أو لغيرها، وأما الحر فلا. وإن كان فحلا كبيرا وغدا (1) ~~تملكه، لا هيئة له ولا منظر فلينظر إلى شعرها. قال أشهب قال مالك: ليس ~~بواسع أن تدخل جارية الولد أو الزوجة على الرجل المرحاض، قال الله تعالى: " ~~أو ما ملكت أيمانكم ". وقال أشهب عن مالك: # ينظر الغلام الوغد إلى شعر سيدته، ولا أحبه لغلام الزوج. وقال سعيد بن ~~المسيب: # لا تغرنكم هذه الآية " أو ما ملكت أيمانهن " إنما عنى بها الإماء ولم يعن ~~بها العبيد. وكان الشعبي يكره أن ينظر المملوك إلى شعر مولاته. وهو قول ~~مجاهد وعطاء. وروى أبو داود عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى ~~فاطمة بعبد قد وهبه لها، قال: وعلى فاطمة ثوب إذا غطت به رأسها لم يبلغ إلى ~~رجليها، وإذا غطت به رجليها لم يبلغ إلى رأسها، فلما رأى النبي صلى الله ~~عليه وسلم ما تلقى من ذلك قال: (إنه لا بأس عليك إنما هو أبوك وغلامك). # الخامسة عشرة - قوله تعالى: (أو التابعين غير أولى الإربة من الرجال) أي ~~غير أولى الحاجة والإربة الحاجة، يقال: أربت كذا آرب أربا. والإرب والإربة ~~والمأربة والإرب: الحاجة، والجمع مأرب، أي حوائج. ومنه قوله تعالى: " ولى ~~فيها مآرب أخرى " [طه: 18] وقد تقدم (2). وقال طرفة: # إذا المرء قال الجهل والحوب والخنا (3) * تقدم يوما ثم ضاعت مآربه واختلف ~~الناس في معنى قوله: " أو التابعين غير أولى الإربة " فقيل: هو الأحمق الذي ~~لا حاجة به إلى النساء. وقيل الأبله. وقيل: الرجل يتبع القوم فيأكل معهم ~~ويرتفق بهم، وهو ضعيف لا يكترث للنساء ولا يشتهيهن. وقيل العنين. وقيل ~~الخصي. وقيل المخنث. وقيل ms4408 الشيخ الكبير، والصبي الذي لم يدرك. وهذا ~~الاختلاف كله متقارب المعنى، ويجتمع فيمن لا فهم له ولا همة ينتبه بها إلى ~~أمر النساء. وبهذه الصفة كان هيت المخنث عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فلما سمع منه ما سمع من وصف محاسن المرأة: بادية بنة غيلان، أمر بالاحتجاب ~~منه. أخرج حديثه مسلم وأبو داود ومالك في الموطأ وغيرهم عن # PageV12P234 # هشام بن عروة عن عروة عن عائشة. قال أبو عمر: ذكر عبد الملك بن حبيب عن ~~حبيب كاتب مالك قال قلت لمالك: إن سفيان زاد في حديث ابنة غيلان: (أن مخنثا ~~يقال له هيت) وليس في كتابك هيت؟ فقال مالك: صدق، هو كذلك وغربه النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلى الحمى وهو موضع من ذي الحليفة ذات الشمال من مسجدها. ~~قال حبيب وقلت لمالك: # وقال سفيان في الحديث: إذا قعدت تبنت (1)، وإذا تكلمت تغنت. قال مالك: ~~صدق، هو كذلك. قال أبو عمر: ما ذكره حبيب كاتب مالك عن سفيان أنه قال في ~~الحديث يعنى حديث هشام بن عروة (أن مخنثا يدعى هيتا) فغير معروف عند أحد من ~~رواته عن هشام، لا ابن عيينة ولا غيره، ولم يقل في نسق الحديث (إن مخنثا ~~يدعى هيتا) وإنما ذكره عن ابن جريج بعد تمام الحديث، وكذلك قوله عن سفيان ~~أنه يقول في الحديث: إذا قعدت تبنت وإذا تكلمت تغنت. هذا ما لم يقله سفيان ~~ولا غيره في حديث هشام بن عروة، وهذا اللفظ لا يوجد إلا من رواية الواقدي، ~~والعجب أنه يحكيه عن سفيان ويحكى عن مالك أنه كذلك، فصارت رواية عن مالك، ~~ولم يروه عن مالك غير حبيب ولا ذكره عن سفيان غيره أيضا، والله أعلم. وحبيب ~~كاتب مالك متروك الحديث ضعيف عند جميعهم، لا يكتب حديثه ولا يلتفت إلى ما ~~يجئ به. ذكر الواقدي والكلبي أن هيتا المخنث قال لعبد الله بن أمية ~~المخزومي وهو أخو أم سلمة لأبيها، وأمة عاتكة عمة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، قال له وهو ms4409 في بيت أخته أم سلمة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع: ~~إن فتح الله عليكم الطائف فعليك ببادية بنت غيلان بن سلمة الثقفي، فإنها ~~تقبل بأربع وتدبر بثمان (2)، مع ثغر كالأقحوان، إن جلست تبنت وإن تكلمت ~~تغنت، بين رجليها كالإناء المكفوء (3)، وهي كما قال قيس بن الخطيم، تغترق ~~الطرف وهي لاهية * كأنما شف وجهها نزف (4) # PageV12P235 # بين شكول النساء خلقتها * قصد فلا جبلة ولا قضف (1) تنام عن كبر شأنها ~~فإذا * قامت رويدا تكاد تنقصف فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (لقد ~~غلغلت النظر إليها يا عدو الله). ثم أجلاه عن المدينة إلى الحمى. قال: فلما ~~افتتحت الطائف تزوجها عبد الرحمن بن عوف فولدت له منه بريهة، في قول ~~الكلبي. ولم يزل هيت بذلك المكان حتى قبض النبي صلى الله عليه وسلم، فلما ~~ولى أبو بكر كلم فيه فأبى أن يرده، فلما ولى عمر كلم فيه فأبى، ثم كلم فيه ~~عثمان بعد. # وقيل: إنه قد كبر وضعف واحتاج، فأذن له أن يدخل كل جمعة فيسأل ويرجع إلى ~~مكانه. # قال: وكان هيت مولى لعبد الله بن [أبى] أمية المخزومي، وكان له طويس (2) ~~أيضا، فمن ثم قبل (3) الخنث. قال أبو عمر: يقال " بادية " بالياء و " بادنة ~~" بالنون، والصواب فيه عندهم بالياء، وهو قول أكثرهم، وكذلك ذكره الزبيري ~~بالياء. # السادسة عشرة - وصف التابعين ب‍ " - غير " لان التابعين غير مقصودين ~~بأعيانهم، فصار اللفظ كالنكرة. و " غير " لا يتمحض نكرة فجاز أن يجري وصفا ~~على المعرفة. وإن شئت قلت هو بدل. والقول فيها كالقول في " غير المغضوب ~~عليهم (4) " [الفاتحة: 7]. وقرأ عاصم وابن عامر " غير " بالنصب فيكون ~~استثناء، أي يبدين زينتهن للتابعين إلا ذا الإربة منهم. ويجوز أن يكون ~~حالا، أي والذين يتبعونهن عاجزين عنهن، قاله أبو حاتم. وذو الحال ما في " ~~التابعين " من الذكر. # السابعة عشرة - قوله تعالى: (أو الطفل) اسم جنس بمعنى الجمع، والدليل على ~~ذلك نعته ب‍ " - الذين ". وفي مصحف حفصة " أو الأطفال " على الجمع. ويقال: ~~طفل ما لم يراهق الحلم. و (يظهروا) ms4410 معناه يطلعوا بالوطئ، أي لم يكشفوا عن ~~عوراتهن للجماع لصغرهن. وقيل: لم يبلغوا أن يطيقوا النساء، يقال: ظهرت على ~~كذا أي علمته، وظهرت # PageV12P236 # على كذا أي قهرته. والجمهور على سكون الواو من " عورات " لاستثقال الحركة ~~على الواو. # وروي عن ابن عباس (1) فتح الواو، مثل جفنة وجفنات. وحكى الفراء أنها لغة ~~قيس " عورات " [بفتح] (2) الواو. النحاس: وهذا هو القياس، لأنه ليس بنعت، ~~كما تقول: جفنة وجفنات، إلا أن التسكين أجود في " عورات " وأشباهه، لان ~~الواو إذا تحركت وتحرك ما قبلها قلبت ألفا، فلو قيل هذا لذهب المعنى. # الثامنة عشرة - اختلف العلماء في وجوب ستر ما سوى الوجه والكفين منه على ~~قولين: # أحدهما - لا يلزم، لأنه لا تكليف عليه، وهو الصحيح. والاخر - يلزمه، لأنه ~~قد يشتهى وقد تشتهى أيضا هي، فإن راهق فحكمه حكم البالغ وجوب الستر. ومثله ~~الشيخ الذي سقطت شهوته اختلف فيه أيضا على قولين كما في الصبي، والصحيح ~~بقاء الحرمة، قاله ابن العربي. # التاسعة عشرة - أجمع المسلمون على أن السوأتين عورة من الرجل والمرأة، ~~وأن المرأة كلها عورة، إلا وجهها ويديها فإنهم اختلفوا فيهما. وقال أكثر ~~العلماء في الرجل: من سرته إلى ركبته عورة، لا يجوز أن ترى. وقد مضى في ~~[الأعراف] القول في هذا مستوفى (3). # الموفية عشرين - قال أصحاب الرأي: عورة المرأة مع عبدها من السرة إلى ~~الركبة. # ابن العربي: وكأنهم ظنوها رجلا أو ظنوه امرأة، والله تعالى قد حرم المرأة ~~على الاطلاق لنظر أو لذة، ثم استثنى اللذة للأزواج وملك اليمين، ثم استثنى ~~الزينة لاثني عشر شخصا العبد منهم، فما لنا ولذلك! هذا نظر فاسد واجتهاد عن ~~السداد متباعد. وقد تأول بعض الناس قوله: " أو ما ملكت أيمانهن " على ~~الإماء دون العبيد، منهم سعيد بن المسيب، فكيف يحملون على العبيد ثم يلحقون ~~بالنساء هذا بعيد جدا! [قال ابن العربي] (4) وقد قيل: إن التقدير أو ما ~~ملكت أيمانهن من غير أولي الإربة أو التابعين غير أولى الإربة من الرجال، ~~حكاه المهدوي. # الحادية والعشرون - قوله تعالى: (ولا يضربن بأرجلهن) ms4411 الآية، أي لا تضرب ~~المرأة برجلها إذا مشت لتسمع صوت خلخالها، فإسماع صوت الزينة كإبداء الزينة ~~وأشد، # PageV12P237 # والغرض التستر. أسند الطبري عن المعتمر عن أبيه أنه قال: زعم حضرمي أن ~~امرأة اتخذت برتين (1) من فضة واتخذت جزعا (2) فجعلت في ساقها فمرت على ~~القوم فضربت برجلها الأرض فوقع الخلخال على الجزع فصوت، فنزلت هذه الآية. ~~وسماع هذه الزينة أشد تحريكا للشهوة من إبدائها، قاله الزجاج. # الثانية والعشرون - من فعل ذلك منهن فرحا بحليهن فهو مكروه. ومن فعل ذلك ~~منهن تبرجا وتعرضا للرجال فهو حرام مذموم. وكذلك من ضرب بنعله من الرجال، ~~إن فعل ذلك تعجبا حرم، فإن العجب كبيرة. وإن فعل ذلك تبرجا لم يجز. # الثالثة والعشرون - قال مكي رحمه الله تعالى: ليس في كتاب الله تعالى آية ~~أكثر ضمائر من هذه، جمعت خمسة وعشرين ضميرا للمؤمنات من مخفوض ومرفوع. # قوله تعالى: (وتوبوا إلى الله جميعا أيه المؤمنون) فيه مسألتان: # الأولى - قوله تعالى: " وتوبوا " أمر. ولا خلاف بين الأمة في وجوب ~~التوبة، وأنها فرض متعين، وقد مضى الكلام فيها في " النساء " (3) وغيرها ~~فلا معنى لإعادة ذلك. # والمعنى: وتوبوا إلى الله فإنكم لا تخلون من سهو وتقصير في أداء حقوق ~~الله تعالى، فلا تتركوا التوبة في كل حال. # الثانية - قرأ الجمهور (أيه) بفتح الهاء. وقرأ ابن عامر بضمها، ووجهه أن ~~تجعل الهاء من نفس الكلمة، فيكون إعراب المنادى فيها. وضعف أبو على ذلك جدا ~~وقال: # آخر الاسم هو الياء الثانية من أي، فالمضموم ينبغي أن يكون آخر الاسم، ~~ولو جاز ضم الهاء ها هنا لاقترانها بالكلمة لجاز ضم الميم في " اللهم " ~~لاقترانها بالكلمة في كلام طويل. والصحيح أنه إذا ثبت عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قراءة فليس إلا اعتقاد الصحة في اللغة، فإن القرآن هو الحجة. ~~وأنشد الفراء: # يأيه القلب اللجوج النفس * أفق عن البيض الحسان اللعس # PageV12P238 # اللعس: لون الشفة إذا كانت تضرب إلى السواد قليلا، وذلك يستملح، يقال: ~~شفة لعساء وفتية ونسوة لعس. وبعضهم يقف " أيه ". وبعضهم يقف " أيها " ~~بالألف ms4412 لأن علة حذفها في الوصل إنما هو سكونها وسكون اللام، فإذا كان الوقف ~~ذهبت العلة فرجعت الألف كما ترجع الياء إذا وقفت على " محلى " من قوله ~~تعالى: " غير محلى الصيد " (1) [المائدة: 1]. # وهذا الاختلاف الذي ذكرناه كذلك هو في " يأيه الساحر (2) ". و " أيه ~~الثقلان (3) ". # قوله تعالى: وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا ~~فقراء يغنهم الله من فضله والله وسع عليم (32) فيه سبع مسائل: # الأولى - هذه المخاطبة تدخل في باب الستر والصلاح، أي زوجوا من لا زوج له ~~منكم فإنه طريق التعفف، والخطاب للأولياء. وقيل: للأزواج. والصحيح الأول، ~~إذ لو أراد الأزواج لقال " وأنكحوا " بغير همز، وكانت الألف للوصل. وفي هذا ~~دليل على أن المرأة ليس لها أن تنكح نفسها بغير ولى، وهو قول أكثر العلماء. ~~وقال أبو حنيفة: إذا زوجت الثيب أو البكر نفسها بغير ولى كفئا لها جاز. وقد ~~مضى هذا في " البقرة " (4) مستوفى. # الثانية - اختلف العلماء في هذا الامر على ثلاثة أقوال، فقال علماؤنا: ~~يختلف الحكم في ذلك باختلاف حال المؤمن من خوف العنت، ومن عدم صبره، ومن ~~قوته على الصبر وزوال خشية العنت عنه. وإذا خاف الهلاك في الدين أو الدنيا ~~أو فيهما فالنكاح حتم. # وإن لم يخش شيئا وكانت الحال مطلقة فقال الشافعي: النكاح مباح. وقال مالك ~~وأبو حنيفة: # هو مستحب. تعلق الشافعي بأنه قضاء لذة فكان مباحا كالأكل والشرب. وتعلق ~~علماؤنا بالحديث الصحيح: (من رغب عن سنتي فليس منى). # الثالثة - قوله تعالى: (الأيامى منكم) أي الذين لا أزواج لهم من الرجال ~~والنساء، واحدهم أيم. قال أبو عمرو: أيامى مقلوب أيايم. واتفق أهل اللغة ~~على أن الأيم في الأصل # PageV12P239 # هي المرأة التي لا زوج لها، بكرا كانت أو ثيبا، حكى ذلك أبو عمرو ~~والكسائي وغيرهما. تقول العرب: تأيمت المرأة إذا أقامت لا تتزوج. وفي حديث ~~النبي صلى الله عليه وسلم: (أنا وامرأة سفعاء (1) الخدين تأيمت على ولدها ~~الصغار حتى يبلغوا أو يغنيهم الله من فضله كهاتين في الجنة). # وقال الشاعر: # فإن تنكحي أنكح وإن ms4413 تتأيمى * وإن كنت أفتى منكم أتأيم ويقال: أيم بين ~~الأيمة. وقد آمت هي، وإمت أنا. قال الشاعر: # لقد إمت حتى لامني كل صاحب * رجاء بسلمى أن تئيم كما إمت قال أبو عبيد: ~~يقال رجل أيم وامرأة أيم، وأكثر ما يكون ذلك في النساء، وهو كالمستعار في ~~الرجال. وقال أمية بن أبي الصلت: # لله در بنى علي * أيم منهم وناكح وقال قوم: هذه الآية ناسخة لحكم قوله ~~تعالى: " والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين " ~~[النور: 3]. وقد بيناه في أول السورة والحمد لله. # الرابعة - المقصود من قوله تعالى: " وأنكحوا الأيامى منكم " الحرائر ~~والأحرار، ثم بين حكم المماليك فقال: " والصالحين من عبادكم وإمائكم ". ~~وقرأ الحسن " والصالحين من عبيدكم "، وعبيد اسم للجمع. قال الفراء: ويجوز " ~~وإماءكم " بالنصب، يرده على " الصالحين " يعنى الذكور والإناث، والصلاح ~~الايمان. وقيل: المعنى ينبغي أن تكون الرغبة في تزويج الإماء والعبيد إذا ~~كانوا صالحين فيجوز تزويجهم، ولكن لا ترغيب فيه ولا استحباب، كما قال: # " فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا " [النور: 33]. ثم قد تجوز الكتابة وإن لم ~~يعلم أن في العبد خيرا، ولكن الخطاب ورد في الترغيب والاستحباب، وإنما ~~يستحب كتابة من فيه خير. # الخامسة - أكثر العلماء على أن للسيد أن يكره عبده وأمته على النكاح، وهو ~~قول مالك وأبي حنيفة وغيرهما. قال مالك: ولا يجوز ذلك إذا كان ضررا. وروي ~~نحوه عن # PageV12P240 # الشافعي، ثم قال: ليس للسيد أن يكره العبد على النكاح. وقال النخعي: ~~كانوا يكرهون المماليك على النكاح ويغلقون عليهم الأبواب. تمسك أصحاب ~~الشافعي فقالوا: العبد مكلف فلا يجبر على النكاح، لان التكليف يدل على أن ~~العبد كامل من جهة الآدمية، وإنما تتعلق به المملوكية فيما كان حظا للسيد ~~من ملك الرقبة والمنفعة، بخلاف الأمة فإنه له حق المملوكية في بضعها ~~ليستوفيه، فأما بضع العبد فلا حق له فيه، ولأجل ذلك لا تباح السيدة لعبدها. # هذه عمدة أهل خراسان والعراق، وعمدتهم أيضا الطلاق، فإنه يملكه العبد ~~بتملك عقده. # ولعلمائنا النكتة العظمى في أن مالكية ms4414 العبد استغرقتها مالكية السيد، ~~ولذلك لا يتزوج إلا بإذنه بإجماع. والنكاح وبابه إنما هو من المصالح، ~~ومصلحة العبد موكولة إلى السيد، هو يراها ويقيمها للعبد. # السادسة - قوله تعالى: (إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله) رجع الكلام ~~إلى الأحرار، أي لا تمتنعوا عن التزويج بسبب فقر الرجل والمرأة، " إن ~~يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله ". وهذا وعد بالغنى للمتزوجين طلب رضا ~~الله واعتصاما من معاصيه. # وقال ابن مسعود: التمسوا الغنى في النكاح، وتلا هذه الآية. وقال عمر رضي ~~الله عنه: عجبي ممن لا يطلب الغنى في النكاح، وقد قال الله تعالى: " إن ~~يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله ". # وروي هذا المعنى عن ابن عباس رضي الله عنهما أيضا. ومن حديث أبي هريرة ~~رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثة كلهم حق على ~~الله عونه المجاهد في سبيل الله والناكح يريد العفاف والمكاتب يريد ~~الأداء). أخرجه ابن ماجة في سننه. فإن قيل: فقد نجد الناكح لا يستغنى، ~~قلنا: لا يلزم أن يكون هذا على الدوام، بل لو كان في لحظة واحدة لصدق ~~الوعد. وقد قيل: يغنيه، أي يغنى النفس. وفي الصحيح (ليس الغنى عن كثرة ~~العرض (1) إنما الغنى غنى النفس). وقد قيل: ليس وعدا لا يقع فيه خلف، بل ~~المعنى أن المال غاد ورائح، فارجوا الغنى. وقيل: المعنى يغنيهم الله من ~~فضله إن شاء، كقوله تعالى: # PageV12P241 # " فيكشف ما تدعون إليه إن شاء " (1) [الانعام: 41]، وقال تعالى: " يبسط ~~الرزق لمن يشاء " (2) [الشورى: 12]. وقيل: # المعنى إن يكونوا فقراء إلى النكاح يغنهم الله بالحلال ليتعففوا عن ~~الزنى. # السابعة - هذه الآية دليل على تزويج الفقير، ولا يقول كيف أتزوج وليس لي ~~مال، فإن رزقه على الله. وقد زوج النبي صلى الله عليه وسلم المرأة التي ~~أتته تهب له نفسها لمن ليس له إلا إزار واحد، وليس لها بعد ذلك فسخ النكاح ~~بالاعسار لأنها دخلت عليه، وإنما يكون ذلك إذا دخلت على اليسار فخرج معسرا، ~~أو طرأ الاعسار بعد ذلك، لان الجوع ms4415 لا صبر عليه، قاله علماؤنا. وقال ~~النقاش: هذه الآية حجة على من قال: إن القاضي يفرق بين الزوجين إذا كان ~~الزوج فقيرا لا يقدر على النفقة، لان الله تعالى قال: " يغنهم الله " ولم ~~يقل يفرق. وهذا انتزاع ضعيف، وليس هذه الآية حكما فيمن عجز عن النفقة، ~~وإنما هي وعد بالاغناء لمن تزوج فقيرا. فأما من تزوج موسرا وأعسر بالنفقة ~~فإنه يفرق بينهما، قال الله تعالى: " وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته " ~~(3) [النساء: 130]. ونفحات الله تعالى مأمولة في كل حال موعود بها. # قوله تعالى: وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله ~~والذين يبتغون الكتب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم ~~من مال الله الذي آتاكم ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا ~~لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرههن فإن الله من بعده إكراههن غفور رحيم ~~(33) ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلا من الذين خلوا من قبلكم وموعظة ~~للمتقين (34) قوله تعالى: (وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله ~~من فضله) فيه أربع مسائل: # PageV12P242 # الأولى - قوله تعالى: (وليستعفف الذين) الخطاب لمن يملك أمر نفسه، لا لمن ~~زمامه بيد غيره فإنه يقوده إلى ما يراه، كالمحجور [عليه] (1) - قولا واحدا ~~- والأمة والعبد على أحد قولي العلماء. # الثانية - و " استعفف " وزنه استفعل، ومعناه طلب أن يكون عفيفا، فأمر ~~الله تعالى بهذه الآية كل من تعذر عليه النكاح ولا يجده بأي وجه تعذر (2) ~~أن يستعفف. ثم لما كان أغلب الموانع على النكاح عدم المال وعد بالاغناء من ~~فضله، فيرزقه ما يتزوج به، أو يجد امرأة ترضى باليسير من الصداق، أو تزول ~~عنه شهوة النساء. وروى النسائي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: (ثلاثة كلهم حق على الله عز وجل عونهم المجاهد في سبيل الله والناكح ~~الذي يريد العفاف والمكاتب الذي يريد الأداء). # الثالثة - قوله تعالى: (لا يجدون نكاحا) أي طول نكاح، فحذف المضاف. # وقيل: النكاح ها هنا ما تنكح به المرأة من المهر والنفقة، ms4416 كاللحاف اسم ~~لما يلتحف به . واللباس اسم لما يلبس، فعلى هذا لا حذف في الآية، قاله ~~جماعة من المفسرين، وحملهم على هذا قوله تعالى: " حتى يغنيهم الله من فضله ~~" فظنوا أن المأمور بالاستعفاف إنما هو من عدم المال الذي يتزوج به. وفي ~~هذا القول تخصيص المأمورين بالاستعفاف، وذلك ضعيف، بل الامر بالاستعفاف ~~متوجه لكل من تعذر عليه النكاح بأي وجه تعذر، كما قدمناه، والله تعالى ~~أعلم. # الرابعة - من تاقت نفسه إلى النكاح فإن وجد الطول فالمستحب له أن يتزوج، ~~وإن لم يجد الطول فعليه بالاستعفاف فإن أمكن ولو بالصوم فإن الصوم له وجاء ~~(3)، كما جاء في الخبر الصحيح. ومن لم تتق نفسه إلى النكاح فالأولى له ~~التخلي لعبادة الله تعالى. وفي الخبر (خيركم الخفيف الحاذ (4) الذي لا أهل ~~له ولا ولد). وقد تقدم جواز نكاح الإماء عند عدم الطول للحرة في " النساء " ~~(5) والحمد لله. ولما لم يجعل الله له بين) (6) العفة والنكاح درجة دل على ~~أن ما عداهما # PageV12P243 # محرم ولا يدخل فيه ملك اليمين لأنه بنص آخر مباح، وهو قوله تعالى: " أو ~~ما ملكت أيمانكم " فجاءت فيه زيادة، ويبقى على التحريم الاستمناء ردا على ~~أحمد (1). وكذلك يخرج عنه نكاح المتعة بنسخه، وقد تقدم هذا في [أول] (1) " ~~المؤمنون ". # قوله تعالى: (والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم أن علمتم ~~فيهم خيرا) فيه ست عشرة مسألة: # الأولى - قوله تعالى: (والذين يبتغون الكتاب) " الذين " في موضع رفع. ~~وعند الخليل وسيبويه في موضع نصب على إضمار فعل، لان بعده أمرا. ولما جرى ~~ذكر العبيد والإماء فيما سبق وصل به أن العبد إن طلب الكتاب فالمستحب ~~كتابته، فربما يقصد بالكتابة أن يستقل ويكتسب ويتزوج إذا أراد، فيكون أعف ~~له. قيل: نزلت في غلام لحويطب ابن عبد العزى يقال له صبح - وقيل: صبيح - ~~طلب من مولاه أن يكاتبه فأبى، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فكاتبه حويطب ~~على مائة دينار ووهب له منها عشرين دينارا فأداها، وقتل بحنين في الحرب، ~~ذكره القشيري وحكاه النقاش. وقال مكي: هو ms4417 صبيح القبطي غلام حاطب بن أبي ~~بلتعة. وعلى الجملة فإن الله تعالى أمر المؤمنين كافة أن يكاتب منهم كل من ~~له مملوك وطلب المملوك الكتابة وعلم سيده منه خيرا. # الثانية - الكتاب والمكاتبة سواء، مفاعلة مما لا تكون إلا بين اثنين، ~~لأنها معاقدة بين السيد وعبده، يقال: كاتب يكاتب كتابا ومكاتبة، كما يقال: ~~قاتل قتالا ومقاتلة. # فالكتاب في الآية مصدر كالقتال والجلاد والدفاع. وقيل: الكتاب ها هنا هو ~~الكتاب المعروف الذي يكتب فيه الشئ، وذلك أنهم كانوا إذا كاتبوا العبد ~~كتبوا عليه وعلى أنفسهم بذلك كتابا. فالمعنى يطلبون العتق الذي يكتب به ~~الكتاب فيدفع إليهم. # الثالثة - معنى المكاتبة في الشرع: هو أن يكاتب الرجل عبده على مال يؤديه ~~منجما عليه، فإذا أداه فهو حر. ولها حالتان: الأولى - أن يطلبها العبد ~~ويجيبه السيد، فهذا # PageV12P244 # مطلق الآية وظاهرها. الثانية - أن يطلبها العبد ويأباها السيد، وفيها ~~قولان: الأول: # لعكرمة وعطاء ومسروق وعمرو بن دينار والضحاك بن مزاحم وجماعة أهل الظاهر ~~أن ذلك واجب على السيد. وقال علماء الأمصار: لا يجب ذلك. وتعلق من أوجبها ~~بمطلق الامر، وأفعل بمطلقه على الوجوب حتى يأتي الدليل بغيره. وروي ذلك عن ~~عمر بن الخطاب وابن عباس، واختاره الطبري. واحتج داود أيضا بأن سيرين أبا ~~محمد بن سيرين سأل أنس بن مالك الكتابة وهو مولاه فأبى أنس، فرفع عمر عليه ~~الدرة، وتلا: " فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا "، فكاتبه أنس. قال داود: وما ~~كان عمر ليرفع الدرة على أنس فيما له مباح ألا يفعله. # وتمسك الجمهور بأن الاجماع منعقد على أنه لو سأله أن يبيعه من غيره لم ~~يلزمه ذلك، ولم يجبر عليه وإن ضوعف له في الثمن. وكذلك لو قال له أعتقني أو ~~دبرني أو زوجني لم يلزمه ذلك بإجماع، فكذلك الكتابة، لأنها معاوضة فلا تصح ~~إلا عن تراض. وقولهم: مطلق الامر يقتضى الوجوب صحيح، لكن إذا عري عن قرينة ~~تقتضي صرفه عن الوجوب، وتعليقه هنا بشرط علم الخير فيه، فعلق (1) الوجوب ~~على أمر باطن وهو علم السيد بالخيرية. ms4418 وإذا قال العبد: كاتبني، وقال السيد: ~~لم أعلم فيك خيرا، وهو أمر باطن، فيرجع فيه إليه ويعول عليه. وهذا قوي في ~~بابه. # الرابعة - واختلف العلماء في قوله تعالى: (خيرا) فقال ابن عباس وعطاء: # المال. مجاهد: المال والأداء. والحسن والنخعي: الدين والأمانة. وقال ~~مالك: سمعت بعض أهل العلم يقولون هو القوة على الاكتساب والأداء. وعن الليث ~~نحوه، وهو قول الشافعي. وقال عبيدة السلماني: إقامة الصلاة والخير (2). قال ~~الطحاوي: وقول من قال إنه المال لا يصح عندنا، لان العبد مال لمولاه، فكيف ~~يكون له مال. والمعنى عندنا: إن علمتم فيهم الدين والصدق، وعلمتم أنهم ~~يعاملونكم على أنهم متعبدون بالوفاء لكم بما عليهم من الكتابة والصدق في ~~المعاملة فكاتبوهم. وقال أبو عمر: من لم يقل إن الخير هنا المال أنكر أن ~~يقال إن علمتم فيهم مالا، وإنما يقال: علمت فيه الخير والصلاح والأمانة، ~~ولا يقال: # علمت فيه المال، وإنما يقال علمت عنده المال. # PageV12P245 # قلت: وحديث بريرة يرد قول من قال: إن الخير المال، على ما يأتي. # الخامسة - اختلف العلماء في كتابة من لا حرفة له، فكان ابن عمر يكره أن ~~يكاتب عبده إذا لم تكن له حرفة، ويقول: أتأمرني أن آكل أوساخ الناس؟ ونحوه ~~عن سلمان الفارسي. وروى حكيم بن حزام فقال: كتب عمر بن الخطاب إلى عمير بن ~~سعد: أما بعد! # فإنه مزن قبلك من المسلمين أن يكاتبوا أرقاءهم على مسألة الناس. وكرهه ~~الأوزاعي وأحمد وإسحاق. ورخص في ذلك مالك وأبو حنيفة والشافعي. وروي عن علي ~~رضي الله عنه أن ابن التياح مؤذنه قال له: أكاتب وليس لي مال؟ قال نعم، ثم ~~حض الناس على الصدقة على، فأعطوني ما فضل عن مكاتبتي، فأتيت عليا فقال: ~~اجعلها في الرقاب. وقد روي عن مالك كراهة ذلك، وأن الأمة التي لا حرفة لها ~~يكره مكاتبتها لما يؤدي إليه من فسادها. # والحجة في السنة لا فيما خالفها. روى الأئمة عن عائشة رضي الله عنها ~~قالت: دخلت على بريرة فقالت: إن أهلي كاتبوني على تسع أواق في ms4419 تسع سنين، كل ~~سنة أوقية، فأعينيني... # الحديث. فهذا دليل على أن للسيد أن يكاتب عبده وهو لا شئ معه، ألا ترى أن ~~بريرة جاءت عائشة تخبرها بأنها كاتبت أهلها وسألتها أن تعينها، وذلك كان في ~~أول كتابتها قبل أن تؤدي منها شيئا، كذلك ذكره ابن شهاب عن عروة أن عائشة ~~أخبرته أن بريرة جاءت تستعينها في كتابتها ولم تكن قضت من كتابتها شيئا، ~~أخرجه البخاري وأبو داود. وفي هذا دليل على جواز كتابة الأمة، وهي غير ذات ~~صنعة ولا حرفة ولا مال، ولم يسأل النبي صلى الله عليه وسلم هل لها كسب أو ~~عمل واصب (1) أو مال، ولو كان هذا واجبا لسأل عنه ليقع حكمه عليه، لأنه بعث ~~مبينا معلما صلى الله عليه وسلم. وفي هذا الحديث ما يدل على أن من تأول في ~~قوله تعالى: " إن علمتم فيهم خيرا " أن المال الخير، ليس بالتأويل الجيد، ~~وأن الخير المذكور هو القوة على الاكتساب مع الأمانة. والله أعلم. # السادسة - الكتابة تكون بقليل المال وكثيره، وتكون على أنجم، لحديث ~~بريرة. # وهذا ما لا خلاف فيه بين العلماء والحمد لله. فلو كاتبه على ألف درهم ولم ~~يذكر أجلا نجمت # PageV12P246 # عليه بقدر سعايته وإن كره السيد. قال الشافعي: لا بد فيها من أجل، وأقلها ~~ثلاثة أنجم. # واختلفوا إذا وقعت على نجم واحد فأكثر أهل العلم يجيزونها على نجم واحد. ~~وقال الشافعي: # لا تجوز على نجم واحد، ولا تجوز حالة ألبتة، وإنما ذلك عتق على صفة، كأنه ~~قال: إذا أديت كذا وكذا فأنت حر وليست كتابة. قال ابن العربي: اختلف ~~العلماء والسلف في الكتابة إذا كانت حالة على قولين، واختلف قول علمائنا ~~كاختلافهم. والصحيح في النظر أن الكتابة مؤجلة، كما ورد بها الأثر في حديث ~~بريرة حين كاتبت أهلها على تسع أواق في كل عام أوقية، وكما فعلت الصحابة، ~~ولذلك سميت كتابة لأنها تكتب ويشهد عليها، فقد استوسق (1) الاسم والأثر، ~~وعضده المعنى، فإن المال إن جعله حالا وكان عند العبد شئ فهو مال مقاطعة ~~وعقد ms4420 مقاطعة لا عقد كتابة. وقال ابن خويز منداد: إذا كاتبه على مال معجل ~~كان عتقا على مال، ولم تكن كتابة. وأجاز غيره من أصحابنا الكتابة الحالة ~~وسماها قطاعة، وهو القياس، لان الاجل فيها إنما هو فسحة للعبد في التكسب. ~~ألا ترى أنه لو جاء بالمنجم عليه قبل محله لوجب على السيد أن يأخذه ويتعجل ~~للمكاتب عتقه. وبجواز (2) الكتابة الحالة، قال الكوفيون. # قلت: لم يرد عن مالك نص في الكتابة الحالة، والأصحاب يقولون: إنها جائزة، ~~ويسمونها قطاعة. وأما قول الشافعي إنها لا تجوز على أقل من ثلاثة أنجم فليس ~~بصحيح، لأنه لو كان صحيحا لجاز لغيره أن يقول: لا يجوز على أقل من خمسة ~~نجوم، لأنها أقل النجوم التي كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~بريرة، وعلم بها النبي صلى الله عليه وسلم وقضى فيها، فكان بصواب الحجة ~~أولى. روى البخاري عن عائشة أن بريرة دخلت عليها تستعينها في كتابتها ~~وعليها خمسة أواق نجمت عليها في خمس سنين... الحديث. كذا قال الليث عن يونس ~~عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة: وعليها خمسة أواق نجمت عليها في خمس سنين. ~~وقال أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: # جاءت بريرة فقالت: إني كاتبت أهلي على تسع أواق... الحديث. وظاهر ~~الروايتين # PageV12P247 # تعارض، غير أن حديث هشام أولى لاتصاله وانقطاع حديث يونس، لقول البخاري: # وقال الليث حدثني يونس، ولأن هشاما أثبت في حديث أبيه وجده من غيره، ~~والله أعلم. # السابعة - المكاتب عبد ما بقى عليه من مال الكتابة شئ، لقوله عليه ~~السلام: # (المكاتب عبد ما بقى عليه من مكاتبته درهم). أخرجه أبو داود عن عمرو بن ~~شعيب عن أبيه عن جده. وروي عنه أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~(أيما عبد كاتب على مائة دينار فأداها إلا عشرة دنانير فهو عبد). وهذا قول ~~مالك والشافعي وأبي حنيفة وأصحابهم والثوري وأحمد وإسحاق وأبى ثور وداود ~~والطبري. وروي ذلك عن ابن عمر من ms4421 وجوه، وعن زيد بن ثابت وعائشة وأم سلمة، ~~لم يختلف عنهم في ذلك رضي الله عنهم. وروي ذلك عن عمر بن الخطاب، وبه قال ~~ابن المسيب والقاسم وسالم وعطاء. قال مالك: وكل من أدركنا ببلدنا يقول ذلك. ~~وفيها قول آخر روي عن علي أنه إذا أدى الشطر فهو غريم، وبه قال النخعي. ~~وروي ذلك عن عمر رضي الله عنه، والاسناد عنه بأن المكاتب عبد ما بقى عليه ~~درهم، خير من الاسناد عنه بأن المكاتب إذا أدى الشطر فلا رق عليه، قاله أبو ~~عمر. # وعن علي أيضا يعتق منه بقدر ما أذى. وعنه أيضا أن العتاقة تجري فيه بأول ~~نجم يؤديه. # وقال ابن مسعود: إذا أدى ثلث الكتابة فهو عتيق غريم، وهذا قول شريح. وعن ~~ابن مسعود: لو كانت الكتابة مائتي دينار وقيمة العبد مائة دينار فأدى العبد ~~المائة التي هي قيمته عتق، وهو قول النخعي أيضا. وقول سابع - إذا أدى ~~الثلاثة الأرباع وبقى الربع فهو غريم ولا يعود عبدا، قاله عطاء بن أبي ~~رباح، رواه ابن جريج عنه. وحكى عن بعض السلف أنه بنفس عقد الكتابة حر، وهو ~~غريم بالكتابة ولا يرجع إلى الرق (1) أبدا. وهذا القول يرده حديث بريرة ~~لصحته عن النبي صلى الله عليه وسلم. وفيه دليل واضح على أن المكاتب عبد، ~~ولولا ذلك ما بيعت بريرة، ولو كان فيها شئ من العتق ما أجاز بيع ذلك، إذ من ~~سنته المجمع عليها ألا يباع الحر. وكذلك كتابة سلمان وجويرية، فإن النبي ~~صلى الله عليه وسلم حكم لجميعهم بالرق حتى أدوا (2) الكتابة. وهي حجة ~~للجمهور في أن المكاتب عبد ما بقى # PageV12P248 # عليه شئ. وقد ناظر علي بن أبي طالب زيد بن ثابت في المكاتب، فقال لعلى: ~~أكنت راجمه لو زنى، أو مجيزا شهادته لو شهد؟ فقال على لا. فقال زيد: هو عبد ~~ما بقى عليه شئ. وقد روى النسائي عن علي وابن عباس رضي الله عنهم عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (المكاتب يعتق منه بقدر ms4422 ما أدى ويقام ~~عليه الحد بقدر ما أدى ويرث بقدر ما عتق منه). وإسناده صحيح. وهو حجة لما ~~روي عن علي، ويعتضد بما رواه أبو داود عن نبهان مكاتب أم سلمة قال سمعت أم ~~سلمة تقول: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: # (إذا كان لإحداكن مكاتب وكان عنده ما يؤدي فلتحتجب منه). وأخرجه الترمذي ~~وقال: حديث حسن صحيح. إلا أنه يحتمل أن يكون خطابا مع زوجاته، أخذا ~~بالاحتياط والورع في حقهن، كما قال لسودة: (احتجبي منه) مع أنه قد حكم ~~بأخوتها له، وبقوله لعائشة وحفصة: (أفعمياوان أنتما ألستما تبصرانه) يعنى ~~ابن أم مكتوم، مع أنه قال لفاطمة بنت قيس: (اعتدي عند ابن أم مكتوم) وقد ~~تقدم هذا المعنى. # الثامنة - أجمع العلماء على أن المكاتب إذا حل عليه نجم من نجومه أو ~~نجمان أو نجومه كلها فوقف السيد عن مطالبته وتركه بحاله أن الكتابة لا ~~تنفسخ ما داما على ذلك ثابتين. # التاسعة - قال مالك: ليس للعبد أن يعجز نفسه إذا كان له مال ظاهر، وإن لم ~~يظهر له مال فذلك إليه. وقال الأوزاعي: لا يمكن من تعجيز نفسه إذا كان قويا ~~على الأداء. # وقال الشافعي: له أن يعجز نفسه، علم له مال أو قوة على الكتابة أو لم ~~يعلم، فإذا قال: قد عجزت وأبطلت الكتابة فذلك إليه. وقال مالك: إذا عجز ~~المكاتب فكل ما قبضه منه سيده قبل العجز حل له، كان من كسبه أو من صدقة ~~عليه. وأما ما أعين به على فكاك رقبته فلم يف ذلك بكتابته كان لكل من أعانه ~~الرجوع بما أعطى أو تحلل منه المكاتب. ولو أعانوه صدقة لا على فكاك رقبته ~~فذلك إن عجز حل لسيده ولو تم به فكاكه وبقيت منه فضلة. فإن كان بمعنى ~~الفكاك ردها إليهم بالحصص أو يحللونه منها. هذا كله مذهب مالك فيما ذكر ابن ~~القاسم. وقال أكثر أهل العلم: إن ما قبضه السيد منه من كتابته، وما فضل ~~بيده بعد عجزه PageV12P249 # من صدقة أو غيرها فهو لسيده، ms4423 يطيب له أخذ ذلك كله. هذا قول الشافعي وأبي ~~حنيفة وأصحابهما وأحمد بن حنبل، ورواية عن شريح. وقال الثوري: يجعل السيد ~~ما أعطاه في الرقاب، وهو قول مسروق والنخعي، ورواية عن شريح. وقالت طائفة: ~~ما قبض منه السيد فهو له، وما فضل بيده بعد العجز فهو له دون سيده، وهذا ~~قول بعض من ذهب إلى أن العبد يملك. وقال إسحاق: ما أعطى بحال الكتابة رد ~~على أربابه. # العاشرة - حديث بريرة على اختلاف طرقه وألفاظه يتضمن أن بريرة وقع فيها ~~بيع بعد كتابة تقدمت. واختلف الناس في بيع المكاتب بسبب ذلك. وقد ترجم ~~البخاري (باب بيع المكاتب إذا رضى). وإلى جواز بيعه للعتق إذا رضى المكاتب ~~بالبيع ولو لم يكن عاجزا - ذهب ابن المنذر والداودي، وهو الذي ارتضاه أبو ~~عمر بن عبد البر، وبه قال ابن شهاب (1) وأبو الزناد وربيعة غير أنهم قالوا: ~~لان رضاه بالبيع عجز منه. وقال مالك وأبو حنيفة وأصحابهما: لا يجوز بيع ~~المكاتب ما دام مكاتبا حتى يعجز، ولا يجوز بيع كتابته بحال، وهو قول ~~الشافعي بمصر، وكان بالعراق يقول: بيعه جائز، وأما بيع كتابته فغير جائزة. # وأجاز مالك بيع الكتابة، فإن أداها عتق، وإلا كان رقيقا لمشتري الكتابة. ~~ومنع من ذلك أبو حنيفة، لأنه بيع غرر. واختلف قول الشافعي في ذلك بالمنع ~~والإجازة. وقالت طائفة: يجوز بيع المكاتب على أن يمضى في كتابته، فإن أدى ~~عتق وكان ولاؤه للذي ابتاعه ولو عجز فهو عبد له. وبه قال النخعي وعطاء ~~والليث وأحمد وأبو ثور. وقال الأوزاعي: # لا يباع المكاتب إلا للعتق، ويكره أن يباع قبل عجزه، وهو قول أحمد ~~وإسحاق. قال أبو عمر: في حديث بريرة إجازة بيع المكاتب إذا رضى بالبيع ولم ~~يكن عاجزا عن أداء نجم قد حل عليه، بخلاف قول من زعم أن بيع المكاتب غير ~~جائز إلا بالعجز، لان بريرة لم تذكر أنها عجزت عن أداء نجم، ولا أخبرت بأن ~~النجم قد حل عليها، ولا قال لها النبي صلى الله عليه وسلم أعاجزة ms4424 أنت أم هل ~~حل عليك نجم. ولو لم يجز بيع المكاتب والمكاتبة إلا بالعجز عن أداء ما قد ~~حل لكان النبي صلى الله عليه وسلم قد سألها أعاجزة هي أم لا، وما كان ليأذن # PageV12P250 # في شرائها إلا بعد علمه صلى الله عليه وسلم أنها عاجزة ولو عن أداء نجم ~~واحد قد حل عليها. # وفي حديث الزهري أنها لم تكن قضت من كتابتها شيئا. ولا أعلم في هذا الباب ~~حجة أصح من حديث بريرة هذا، ولم يرو عن النبي صلى الله عليه وسلم شئ ~~يعارضه، ولا في شئ من الاخبار دليل على عجزها. استدل من منع من بيع المكاتب ~~بأمور: منها أن قالوا إن الكتابة المذكورة لم تكن انعقدت، وأن قولها كاتبت ~~أهلي معناه أنها راوضتهم عليها، وقدروا مبلغها وأجلها ولم يعقدوها. وظاهر ~~الأحاديث خلاف هذا إذا تؤمل مساقها. وقيل: إن بريرة عجزت عن الأداء فاتفقت ~~هي وأهلها على فسخ الكتابة، وحينئذ صح البيع، إلا أن هذا إنما يتمشى على ~~قول من يقول: إن تعجيز المكاتب غير مفتقر إلى حكم حاكم إذا اتفق العبد ~~والسيد عليه، لان الحق لا يعدوهما، وهو المذهب المعروف. وقال سحنون: لا بد ~~من السلطان، وهذا إنما خاف أن يتواطأ على ترك حق الله تعالى. ويدل على صحة ~~أنها عجزت ما روي أن بريرة جاءت عائشة تستعينها في كتابتها ولم تكن قضت من ~~كتابتها شيئا، فقالت لها عائشة: # ارجعي إلى أهلك فإن أحبوا أن أقضى عنك كتابتك فعلت. فظاهر هذا أن جميع ~~كتابتها أو بعضها استحق عليها، لأنه لا يقضى من الحقوق إلا ما وجبت ~~المطالبة به، والله أعلم. # هذه (1) التأويلات أشبه ما لهم وفيها من الدخل ما بيناه. وقال ابن ~~المنذر: ولا أعلم حجة لمن قال ليس له بيع المكاتب إلا أن يقول لعل بريرة ~~عجزت. قال الشافعي: وأظهر معانيه أن لمالك المكاتب بيعه. # الحادية عشرة - المكاتب إذا أدى كتابته عتق ولا يحتاج إلى ابتداء عتق من ~~السيد. # كذلك ولده الذين ولدوا في كتابته من أمته، ms4425 يعتقون بعتقه ويرقون برقه، لان ~~ولد الانسان من أمته بمثابته اعتبارا بالحر وكذلك ولد المكاتبة، فإن كان ~~لهما ولد قبل الكتابة لم يدخل في الكتابة إلا بشرط. # الثانية عشرة - (وآتوهم من مال الله الذي آتاكم) هذا أمر للسادة بإعانتهم ~~في مال الكتابة، إما بأن يعطوهم شيئا مما في أيديهم - أعني أيدي السادة - ~~أو يحطوا عنهم شيئا # PageV12P251 # من مال الكتابة. قال مالك: يوضع عن المكاتب من آخر كتابته. وقد وضع ابن ~~عمر خمسة آلاف من خمسة وثلاثين ألفا. واستحسن على رضي الله عنه أن يكون ذلك ~~ربع الكتابة. قال الزهراوي: روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. واستحسن ~~ابن مسعود والحسن بن أبي الحسن ثلثها. وقال قتادة: عشرها. ابن جبير: يسقط ~~عنه شيئا، ولم يحده، وهو قول الشافعي، واستحسنه الثوري. قال الشافعي: والشئ ~~أقل شئ يقع عليه اسم شئ، ويجبر عليه السيد ويحكم به الحاكم على الورثة إن ~~مات السيد. ورأى مالك رحمه الله تعالى هذا الامر على الندب، ولم ير لقدر ~~الوضعية حدا. احتج الشافعي بمطلق الامر في قوله: # " وآتوهم "، ورأى أن عطف الواجب على الندب معلوم في القرآن ولسان العرب ~~كما قال تعالى: " إن الله يأمر بالعدل والاحسان وإيتاء ذي القربى " (1) ~~[النحل: 90] وما كان مثله. قال ابن العربي: # وذكره قبله إسماعيل بن إسحاق القاضي، جعل الشافعي الايتاء واجبا، ~~والكتابة غير واجبة، فجعل الأصل غير واجب والفرع واجبا، وهذا لا نظير له، ~~فصارت دعوى محضة. فإن قيل: يكون ذلك كالنكاح لا يجب فإذا انعقد وجبت ~~أحكامه، منها المتعة. قلنا: عندنا لا تجب المتعة فلا معنى لأصحاب الشافعي. ~~وقد كاتب عثمان بن عفان عبده وحلف ألا يحطه...، في حديث طويل. # قلت: وقد قال الحسن والنخعي وبريدة إنما الخطاب بقوله: " وآتوهم " للناس ~~أجمعين في أن يتصدقوا على المكاتبين، وأن يعينوهم في فكاك رقابهم. وقال زيد ~~بن أسلم: إنما الخطاب للولاة بأن يعطوا المكاتبين من مال الصدقة حظهم، وهو ~~الذي تضمنه قوله تعالى " وفي الرقاب " (2). وعلى هذين القولين فليس لسيد ~~المكاتب أن ms4426 يضع شيئا عن مكاتبه. ودليل هذا أنه لو أراد حط شئ من نجوم ~~الكتابة لقال وضعوا عنهم كذا. # الثالثة عشرة - إذا قلنا: إن المراد بالخطاب السادة فرأى عمر بن الخطاب ~~أن يكون ذلك من أول نجومه، مبادرة إلى الخير خوفا ألا يدرك آخرها. ورأى ~~مالك رحمه الله تعالى وغيره أن يكون الوضع من آخر نجم. وعلة ذلك أنه إذا ~~وضع من أول نجم ربما عجز العبد # PageV12P252 # فرجع هو وماله إلى السيد، فعادت إليه وضيعته وهي شبه الصدقة. وهذا قول ~~عبد الله ابن عمر وعلى. وقال مجاهد: يترك له من كل نجم. قال ابن العربي: ~~والأقوى عندي أن يكون في آخرها، لان الاسقاط أبدا إنما يكون في أخريات ~~الديون. # الرابعة عشرة - المكاتب إذا بيع للعتق رضا منه بعد الكتابة وقبض بائعه ~~ثمنه لم يجب عليه أن يعطيه من ثمنه شيئا، سواء باعه لعتق أو لغير عتق، وليس ~~ذلك كالسيد يؤدي إليه مكاتب كتابته فيؤتيه منها، أو يضع عنه من آخره نجما ~~أو ما شاء، على ما أمر الله به في كتابه لان النبي صلى الله عليه وسلم لم ~~يأمر موالي بريرة بإعطائها مما قبضوا شيئا، وإن كانوا قد باعوها للعتق. # الخامسة عشرة - اختلفوا في صفة عقد الكتابة، فقال ابن خويزمنداد: صفتها ~~أن يقول السيد لعبده كاتبتك على كذا وكذا من المال، في كذا وكذا نجما، إذا ~~أديته فأنت حر. # أو يقول له أد إلى ألفا في عشرة أنجم وأنت حر. فيقول العبد قد قبلت ونحو ~~ذلك من الألفاظ فمتى أداها عتق. وكذلك لو قال العبد كاتبني، فقال السيد قد ~~فعلت، أو قد كاتبتك. قال ابن العربي: وهذا لا يلزم، لان لفظ القرآن لا ~~يقتضيه والحال يشهد له، فإن ذكره فحسن، وإن تركه فهو معلوم لا يحتاج إليه. ~~ومسائل هذا الباب وفروعه كثيرة، وقد ذكرنا من أصوله جملة، فيها لمن اقتصر ~~عليها كفاية، والله الموفق للهداية. # السادسة عشرة - في ميراث المكاتب، واختلف العلماء في ذلك على ثلاثة ~~أقوال: # فمذهب مالك أن المكاتب ms4427 إذا هلك وترك مالا أكثر مما بقى عليه من كتابته ~~وله ولد ولدوا في كتابته أو كاتب عليهم، ورثوا ما بقى من المال بعد قضاء ~~كتابته، لان حكمهم كحكمه، وعليهم السعي فيما بقى من كتابته لو لم يخلف ~~مالا، ولا يعتقون (1) إلا بعتقه، ولو أدى عنهم ما رجع بذلك عليهم، لأنهم ~~يعتقون عليه، فهم أولى بميراثه لأنهم مساوون له في جميع حاله. # والقول الثاني - أنه يؤدى عنه من ماله جميع كتابته، وجعل كأنه قد مات ~~حرا، ويرثه جميع ولده، وسواء في ذلك من كان حرا قبل موته من ولده ومن كاتب ~~عليهم أو ولدوا # PageV12P253 # في كتابته لأنهم قد استووا في الحرية كلهم حين تأدت عنهم كتابتهم. روي ~~هذا القول عن علي وابن مسعود، ومن التابعين عن عطاء والحسن وطاوس وإبراهيم، ~~وبه قال فقهاء الكوفة سفيان الثوري وأبو حنيفة وأصحابه والحسن بن صالح بن ~~حي، وإليه ذهب إسحاق. # والقول الثالث - أن المكاتب إذا مات قبل أن يؤدي جميع كتابته فقد مات ~~عبدا، وكل ما يخلفه من المال فهو لسيده، ولا يرثه أحد من أولاده، لا ~~الأحرار ولا الذين معه في كتابته، لأنه لما مات قبل أن يؤدي جميع كتابته ~~فقد مات عبدا وماله لسيده، فلا يصح عتقه بعد موته، لأنه محال أن يعتق عبد ~~بعد موته، وعلى ولده الذين كاتب عليهم أو ولدوا في كتابته أن يسعوا في باقي ~~الكتابة، ويسقط عنهم منها قدر حصته، فإن أدوا عتقوا لأنهم كانوا فيها تبعا ~~لأبيهم، وإن لم يؤدوا ذلك رقوا. هذا قول الشافعي، وبه قال أحمد ابن حنبل، ~~وهو قول عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت وعمر بن عبد العزيز والزهري وقتادة. # قوله تعالى: (ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا) روي عن جابر ~~بن عبد الله وابن عباس رضي الله عنهم أن هذه الآية نزلت في عبد الله بن ~~أبي، وكانت له جاريتان إحداهما تسمى معاذة والأخرى مسيكة، وكان يكرههما على ~~الزنى ويضربهما عليه ابتغاء الاجر وكسب الولد، فشكتا ذلك إلى ms4428 النبي صلى ~~الله عليه وسلم فنزلت الآية فيه وفيمن فعل فعله من المنافقين. ومعاذة هذه ~~أم خولة التي جادلت النبي صلى الله عليه وسلم في زوجها. وفي صحيح مسلم عن ~~جابر أن جارية لعبد الله بن أبي يقال لها مسيكة وأخرى يقال لها أميمة فكان ~~يكرههما على الزنى، فشكتا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز ~~وجل " ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء - إلى قوله - غفور رحيم ". # قوله تعالى: (إن أردن تحصنا) راجع إلى الفتيات، وذلك أن الفتاة إذا أرادت ~~التحصن فحينئذ يمكن ويتصور أن يكون السيد مكرها، ويمكن أن ينهى عن الاكراه. ~~وإذا كانت الفتاة لا تريد التحصن فلا يتصور أن يقال للسيد لا تكرهها، لان ~~الاكراه لا يتصور فيها وهي مريدة للزنى. فهذا أمر في سادة وفتيات حالهم ~~هذه. وإلى هذا المعنى أشار ابن العربي PageV12P254 # فقال: إنما ذكر الله تعالى إرادة التحصن من المرأة لان ذلك هو الذي يصور ~~الاكراه، فأما إذا كانت هي راغبة في الزنى لم يتصور إكراه، فحصلوه. وذهب ~~هذا النظر عن كثير من المفسرين، فقال بعضهم قوله: " إن أردن تحصنا " راجع ~~إلى الأيامى، قال الزجاج والحسين بن الفضل: في الكلام تقديم وتأخير، أي ~~وأنكحوا الأيامى والصالحين من عبادكم إن أردن تحصنا. وقال بعضهم: هذا الشرط ~~في قول: " إن أردن " ملغى، ونحو ذلك مما يضعف والله الموفق. # أي الشئ الذي تكسبه الأمة بفرجها والولد يسترق فيباع. # وقيل: كان الزاني يفتدي ولده من المزني بها بمائة من الإبل يدفعها إلى ~~سيدها. # " ومن يكرهن " أي يقهرهن. " فإن الله من بعد إكراههن غفور " لهن " رحيم " ~~بهن. # وقرأ ابن مسعود وجابر بن عبد الله وابن جبير " لهن غفور " بزيادة لهن. ~~وقد مضى الكلام في الاكراه في [النحل] والحمد لله. # عدد تعالى على المؤمنين نعمه فيما أنزل إليهم من الآيات المنيرات وفيها ~~ضرب لهم من أمثال الماضين من الأمم ليقع التحفظ مما وقع أولئك فيه. # النور في كلام العرب: الأضواء المدركة بالبصر. # واستعمل مجازا فيما صح من المعاني ms4429 ولاح فيقال منه: كلام له نور. ومنه: ~~الكتاب المنير، ومنه قول الشاعر: نسب كأن عليه من شمس الضحا * نورا ومن فلق ~~الصباح عمودا والناس يقولون: فلان نور البلد، وشمس العصر وقمره. وقال: # فإنك شمس والملوك كواكب وقال آخر: # هلا خصصت من البلاد بمقصد * قمر القبائل خالد بن يزيد وقال آخر: # إذا سار عبد الله من مرو ليلة * فقد سار منها نورها وجمالها PageV12P255 # فيجوز أن يقال: لله تعالى نور من جهة المدح لأنه أوجد الأشياء ونور جميع ~~الأشياء منه ابتداؤها وعنه صدورها وهو سبحانه ليس من الأضواء المدركة جل ~~وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. # وقد قال هشام الجوالقي وطائفة من المجسمة: هو نور لا كالأنوار، وجسم لا ~~كالأجسام. # وهذا كله محال على الله تعالى عقلا ونقلا على ما يعرف في موضعه من علم ~~الكلام. # ثم إن قولهم متناقض، فإن قولهم جسم أو نور حكم عليه بحقيقة ذلك، وقولهم ~~لا كالأنوار ولا كالأجسام نفي لما أثبتوه من الجسمية والنور، وذلك متناقض، ~~وتحقيقه في علم الكلام. والذي أوقعهم في ذلك ظواهر اتبعوها منها هذه الآية، ~~وقول عليه السلام إذا قام من الليل يتهجد (اللهم لك الحمد أنت نور السماوات ~~والأرض). # وقال عليه السلام وقد سئل: هل رأيت ربك؟ فقال: (رأيت نورا). # إلى غير ذلك من الأحاديث. # واختلف العلماء في تأويل هذه الآية، فقيل: المعنى أي به وبقدرته أنارت ~~أضواؤها، واستقامت أمورها، وقامت مصنوعاتها. # فالكلام على التقريب للذهن، كما يقال: الملك نور أهل البلد، أي به قوام ~~أمرها وصلاح جملتها، لجريان أموره على سنن السداد. # فهو في الملك مجاز، وهو في صفة الله حقيقة محضة، إذ هو الذي أبدع ~~الموجودات وخلق العقل نورا هاديا، لان ظهور الموجود به حصل كما حصل بالضوء ~~ظهور المبصرات، تبارك وتعالى لا رب غيره. # قال معناه مجاهد والزهري وغيرهما. قال ابن عرفة: أي منور السماوات ~~والأرض. # وكذا قال الضحاك والقرظي. كما يقولون: فلان غياثنا، أي مغيثنا. # وفلان زادي، أي مزودي. قال جرير: # وأنت لنا نور وغيث وعصمة * ونبت ms4430 لمن يرجو نداك وريق أي ذو ورق. وقال ~~مجاهد: مدبر الا أمور في السماوات والأرض. أبي بن كعب والحسن وأبو العالية: ~~مزين السماوات بالشمس والقمر والنجوم، PageV12P256 # ومزين الأرض بالأنبياء والعلماء والمؤمنين. وقال ابن عباس وأنس: # المعنى الله هادي أهل السماوات والأرض. والأول أعم للمعاني وأصح مع ~~التأويل. # أي صفة دلائله التي يقذفها في قلب المؤمن، والدلائل تسمى نورا. وقد سمى ~~الله تعالى كتابه نورا فقال: " وأنزلنا إليكم نورا مبينا " [النساء: 174] ~~وسمى نبيه نورا فقال: " قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين " [المائدة: 15]. # وهذا لان الكتاب يهدي ويبين، وكذلك الرسول. ووجه الإضافة إلى الله تعالى ~~أنه مثبت الدلالة ومبينها وواضعها. وتحتمل الآية معنى آخر ليس فيه مقابلة ~~جزء من المثال بجزء من الممثل به، بل وقع التشبيه فيه جملة بجملة، وذلك أن ~~يريد مثل نور الله الذي هو هداه وإتقانه صنعة كل مخلوق وبراهينه الساطعة ~~على الجملة، كهذه الجملة من النور الذي تتخذونه أنتم على هذه الصفة، التي ~~هي أبلغ صفات النور الذي بين أيدي الناس، فمثل نور الله في الوضوح كهذا ~~الذي هو منتهاكم أيها البشر. والمشكاة: الكوة في الحائط غير النافذة، قال ~~ابن جبير وجمهور المفسرين، وهي أجمع للضوء، والمصباح فيها أكثر إنارة منه ~~في غيرها، وأصلها الوعاء يجعل فيه الشئ. # والمشكاة وعاء من أدم كالدلو يبرد فيها الماء، وهو على وزن مفعلة ~~كالمقراة والمصفاة. قال الشاعر: # كأن عينيه مشكاتان في حجر * قيضا اقتياضا بأطراف المناقير وقيل: المشكاة ~~عمود القنديل الذي فيه الفتيلة. وقال مجاهد: هي القنديل. # وقال " في زجاجة " لأنه جسم شفاف، والمصباح فيه أنور منه في غير الزجاج. # والمصباح: الفتيل بناره أي في الإنارة والضوء. وذلك يحتمل معنيين: إما أن ~~يريد أنها بالمصباح كذلك، وإما أن يريد أنها في نفسها لصفائها وجودة جوهرها ~~كذلك. وهذا التأويل أبلغ في التعاون على النور. PageV12P257 # قال الضحاك: الكوكب الدري هو الزهرة. # أي من زيت شجرة، فحذف المضاف. والمبارة المنماة، والزيتون من أعظم الثمار ~~نماء، والرمان كذلك. # والمعنى يقتضي ذلك. وقول أبى ms4431 طالب يرثي مسافر بن أبي عمرو بن أمية بن عبد ~~شمس: # ليت شعري مسافر بن أبي عمرو * وليت يقولها المحزون بورك الميت الغريب كما ~~بو * رك نبع الرمان والزيتون وقيل: من بركتهما أن أغصانهما تورق من أسفلها ~~إلى أعلاها. # وقال ابن عباس: في الزيتونة منافع، يسرج بالزيت، وهو إدام ودهان ودباغ، ~~ووقود يوقد بحطبه وتفله، وليس فيه شئ إلا وفيه منفعة، حتى الرماد يغسل به ~~الإبريسم. # وهي أول شجرة نبتت في الدنيا، وأول شجرة نبتت بعد الطوفان، وتنبت في ~~منازل الأنبياء والأرض المقدسة، ودعا لها سبعون نبيا بالبركة، منهم ~~إبراهيم، ومنهم محمد صلى الله عليه وسلم فإنه قال: (اللهم بارك في الزيت ~~والزيتون). قاله مرتين. # اختلف العلماء في قوله تعالى: " لا شرقية ولا غربية " فقال ابن عباس ~~وعكرمة وقتادة وغيرهم: الشرقية التي تصيبها الشمس إذا شرقت ولا تصيبها إذا ~~غربت لان لها سترا. # والغربية عكسها، أو أنها شجرة في صحراء ومنكشف من الأرض لا يواريها عن ~~الشمس شئ وهو أجود لزيتها، فليست خالصة للشرق فتسمى شرقية ولا للغرب فتسمى ~~غربية، بل هي شرقيا غربية. # وقال الطبري عن ابن عباس: إنها شجرة في دوحة قد أحاطت بها، فهي غير ~~منكشفة من جهة الشرق ولا من جهة الغرب. # قال ابن عطية: وهذا قول لا يصح عن ابن عباس لان الثمرة التي بهذه الصفة ~~يفسد جناها وذلك مشاهد في الوجود. وقال الحسن: ليست هذه الشجرة من شجر ~~الدنيا، وإنما هو مثل ضربه الله تعالى لنوره، ولو كانت في الدنيا لكانت إما ~~شرقية وإما غربية. الثعلبي: وقد PageV12P258 # أفصح القرآن بأنها من شجر الدنيا، لأنها بدل من الشجرة، فقال " زيتونة ". ~~وقال ابن زيد: إنها من شجر الشأم، فإن شجر الشأم لا شرقي ولا غربي، وشجر ~~الشأم هو أفضل الشجر، وهي الأرض المباركة. و " شرقية " نعت ل‍ " - زيتونة " ~~و " لا " ليست تحول بين النعت والمنعوت، " ولا غربية " عطف عليه. # قوله تعالى: (يكاد زيتها يضئ ولو لم تمسسه نار) مبالغة في حسنه وصفائه ~~وجودته. # (نور على نور) ms4432 أي اجتمع في المشكاة ضوء المصباح إلى ضوء الزجاجة وإلى ضوء ~~الزيت فصار لذلك نور على نور. واعتقلت هذه الأنوار في المشكاة فصارت كأنور ~~ما يكون، فكذلك براهين الله تعالى واضحة، وهي برهان بعد برهان، وتنبيه بعد ~~تنبيه، كإرساله الرسل وإنزاله الكتب، ومواعظ تتكرر فيها لمن له عقل معتبر. ~~ثم ذكر تعالى هداه لنوره من شاء وأسعد من عباده، وذكر تفضله للعباد في ضرب ~~الأمثال لتقع لهم العبرة والنظر المؤدي إلى الايمان. # وقرأ عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة وأبو عبد الرحمن السلمي " الله نور " ~~بفتح النون والواو المشددة. واختلف المتأولون في عود الضمير في " نوره " ~~على من يعود، فقال كعب الأحبار وابن جبير: هو عائد على محمد صلى اله عليه ~~وسلم، أي مثل نور محمد صلى الله عليه وسلم. # قال ابن الأنباري: " الله نور السماوات والأرض " وقف حسن، ثم تبتدئ " مثل ~~نوره كمشكاة فيها مصباح " على معنى نور محمد صلى الله عليه وسلم. وقال أبي ~~بن كعب وابن جبير PageV12P259 # أيضا والضحاك: هو عائد على المؤمنين. وفي قراءة أبى: " مثل نور المؤمنين ~~". وروي أن في قراءته " مثل نور المؤمن ". وروي أن فيها " مثل نور من آمن ~~به ". وقال الحسن: # هو عائد على القرآن والايمان. قال مكي: وعلى هذه الأقوال يوقف على قوله: ~~" والأرض ". # قال ابن عطية: وهذه الأقوال فيها عود الضمير على من لم يجر له ذكر، وفيها ~~مقابلة جزء من المثال بجزء من الممثل، فعلى من قال الممثل به محمد صلى الله ~~عليه وسلم، وهو قول كعب الحبر، (1) فرسول الله صلى الله عليه وسلم هو ~~المشكاة أو صدره والمصباح هو النبوة وما يتصل بها من عمله (2) وهداه، ~~والزجاجة قلبه، والشجرة المباركة هي الوحي، والملائكة رسل الله إليه وسببه ~~المتصل به، والزيت هو الحجج والبراهين والآيات التي تضمنها الوحي. ومن قال: ~~الممثل به المؤمن، وهو قول أبى، فالمشكاة صدره، والمصباح الايمان والعلم، ~~والزجاجة قلبه، وزيتها هو الحجج والحكمة التي تضمنها. قال أبى: فهو على ~~أحسن الحال يمشى في الناس ms4433 كالرجل الحي يمشى في قبور الأموات. ومن قال: إن ~~الممثل به هو القرآن والايمان، فتقدير الكلام: # مثل نوره الذي هو الايمان في صدر المؤمن في قلبه كمشكاة، أي كهذه الجملة. ~~وهذا القول ليس في مقابلة التشبيه كالأولين، لان المشكاة ليست تقابل ~~الايمان. وقالت طائفة: الضمير في " نوره " عائد على الله تعالى. وهذا قول ~~ابن عباس فيما ذكر الثعلبي والماوردي والمهدوي، وقد تقدم معناه. ولا يوقف ~~على هذا القول على " الأرض ". قال المهدوي: الهاء لله عز وجل، والتقدير: ~~الله هادي أهل السماوات والأرض، مثل هداه في قلوب المؤمنين كمشكاة، وروي ~~ذلك عن ابن عباس. وكذلك قال زيد بن أسلم، والحسن: إن الهاء لله عز وجل. ~~وكان أبى وابن مسعود يقرأنها " مثل نوره في قلب المؤمن كمشكاة ". قال محمد ~~بن علي الترمذي: # فأما غيرهما فلم يقرأها في التنزيل هكذا، وقد وافقهما في التأويل أن ذلك ~~نوره قلب المؤمن، وتصديقه في آية أخرى يقول: " أ فمن شرح الله صدره للاسلام ~~فهو على نور من (3) ربه " [الزمر: 22]. # واعتل الأولون بأن قالوا: لا يجوز أن يكون الهاء لله عز وجل، لان الله عز ~~وجل لا حد # PageV12P260 # لنوره. وأمال الكسائي فيما روى عنه أبو عمر الدوري الألف من " مشكاة " ~~وكسر الكاف التي قبلها. وقرأ نصر بن عاصم: " زجاجة " بفتح الزاي و " ~~الزجاجة " كذلك، وهي لغة. # وقرأ ابن عامر وحفص عن عاصم: " دري " بضم الدال وشد الياء، ولهذه القراءة ~~وجهان: # إما أن ينسب الكوكب إلى الدر لبياضه وصفائه، وإما أن يكون أصله درئ ~~مهموز، فعيل من الدرء وهو الدفع، وخففت الهمزة. ويقال للنجوم العظام التي ~~لا تعرف أسماؤها: # الدراري، بغير همز فلعلهم خففوا الهمزة، والأصل من الدرء الذي هو الدفع. ~~وقرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم: " درئ " بالهمز والمد، وهو فعيل من الدرء، ~~بمعنى أنها يدفع بعضها بعضا. # وقرأ الكسائي وأبو عمرو: " درئ " بكسر الدال والهمز من الدرء والدفع، مثل ~~السكير والفسيق. قال سيبويه: أي يدفع بعض ضوئه بعضا من لمعانه. قال النحاس: ~~وضعف أبو عبيد قراءة ms4434 أبى عمرو والكسائي تضعيفا شديدا، لأنه تأولها من درأت ~~أي دفعت، أي كوكب يجري من الأفق إلى الأفق. وإذا كان التأويل على ما تأوله ~~لم يكن في الكلام فائدة، ولا كان لهذا الكوكب مزية على أكثر الكواكب، ألا ~~ترى أنه لا يقال جاءني إنسان من بني آدم. ولا ينبغي أن يتأول لمثل أبى عمرو ~~والكسائي مع علمهما وجلالتهما هذا التأويل البعيد، ولكن التأويل لهما على ~~ما روي عن محمد بن يزيد أن معناهما في ذلك: كوكب مندفع بالنور، كما يقال: ~~اندرأ الحريق أن اندفع. وهذا تأويل صحيح لهذه القراءة. وحكى سعيد بن مسعدة ~~أنه يقال: درأ الكوكب بضوئه إذا امتد ضوءه وعلا. وقال الجوهري في الصحاح: ~~ودرأ علينا فلان يدرأ دروءا أي طلع مفاجأة. ومنه كوكب درئ، على فعيل، مثل ~~سكير وخمير، لشدة توقده وتلألئه. وقد درأ الكوكب دروءا. وقال أبو عمرو بن ~~العلاء سألت رجلا من سعد بن بكر من أهل ذات عرق فقلت: هذا الكوكب الضخم ما ~~تسمونه؟ # قال: الدرئ، وكان من أفصح الناس. قال النحاس: فأما قراءة حمزة فأهل اللغة ~~جميعا قالوا: هي لحن لا تجوز، لأنه ليس في كلام العرب اسم على فعيل. وقد ~~اعترض أبو عبيد في هذا فاحتج لحمزة فقال: ليس هو فعيل وإنما هو فعول، مثل ~~سبوح، أبدل من الواو ياء، كما قالوا: عتي. قال أبو جعفر النحاس: وهذا ~~الاعتراض والاحتجاج من أعظم الغلط PageV12P261 # وأشده، لان هذا لا يجوز ألبتة، ولو جاز ما قال لقيل في سبوح (1) سبيح، ~~وهذا لا يقوله أحد، وليس عتي من هذا، والفرق بينهما واضح بين، لأنه ليس ~~يخلو عتي من إحدى جهتين: إما أن يكون جمع عات فيكون البدل فيه لازما، لان ~~الجمع باب تغيير، والواو لا تكون طرفا في الأسماء وقبلها ضمة، فلما كان قبل ~~هذه ساكن وقبل الساكن ضمة والساكن ليس بحاجز حصين أبدل من الضمة كسرة فقلبت ~~الواو ياء. وإن كان عتي واحدا كان بالواو أولى، وجاز قلبها لأنها طرف، ~~والواو في فعول ليست طرفا ms4435 فلا يجوز قلبها. قال الجوهري: قال أبو عبيد إن ~~ضممت الدال قلت دري، يكون منسوبا إلى الدر، على فعلى ولم تهمزه لأنه ليس في ~~كلام العرب فعيل. ومن همزه من القراء فإنما أراد فعولا مثل سبوح فاستثقل ~~[لكثرة (2) الضمات] فرد بعضه إلى الكسر. وحكى الأخفش عن بعضهم: " درئ " من ~~درأته، وهمزها وجعلها على فعيل مفتوحة الأول. قال: وذلك من تلألئه. قال ~~الثعلبي: وقرأ سعيد بن المسيب وأبو رجاء: # " درئ " بفتح الدال مهموزا. قال أبو حاتم: هذا خطأ لأنه ليس في الكلام ~~فعيل، فإن صح عنهما فهما حجة. (يوقد) قرأ شيبة ونافع وأيوب وسلام وابن عامر ~~وأهل الشام وحفص: " يوقد " بياء مضمومة وتخفيف القاف وضم الدال. وقرأ الحسن ~~والسلمي وأبو جعفر وأبو عمرو بن العلاء البصري: " توقد " مفتوحة الحروف ~~كلها مشددة القاف، واختارها أبو حاتم وأبو عبيد. قال النحاس: وهاتان ~~القراءتان متقاربتان، لأنهما جميعا للمصباح، وهو أشبه بهذا الوصف، لأنه ~~الذي ينير ويضئ، وإنما الزجاجة وعاء له. # و " توقد " فعل ماض من توقد يتوقد، ويوقد فعل مستقبل من أوقد يوقد. وقرأ ~~نصر ابن عاصم: " توقد " والأصل على قراءته تتوقد حذف إحدى التاءين لان ~~الأخرى تدل عليها. # وقرأ الكوفيون: " توقد " بالتاء يعنون الزجاجة. فهاتان القراءتان على ~~تأنيث الزجاجة. # (من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية) تقدم القول فيه. (يكاد زيتها ~~يضئ ولو لم تمسسه نار نور على نور) على تأنيث النار. وزعم أبو عبيد أنه لا ~~يعرف إلا هذه القراءة. # وحكى أبو حاتم أن السدي روى عن أبي مالك عن ابن عباس أنه قرأ: " ولو لم ~~يمسسه نار " بالياء. قال محمد بن يزيد: التذكير على أنه تأنيث غير حقيقي، ~~وكذا سبيل المؤنث عنده. # PageV12P262 # وقال ابن عمر: المشكاة جوف محمد صلى الله عليه وسلم، والزجاجة قلبه، ~~والمصباح النور الذي جعله الله تعالى في قلبه يوقد شجرة مباركة، أي أن أصله ~~من إبراهيم وهو شجرته، فأوقد الله تعالى في قلب محمد صلى الله عليه وسلم ~~النور كما جعله في قلب إبراهيم عليه السلام. ms4436 # وقال محمد بن كعب: المشكاة إبراهيم، والزجاجة إسماعيل، والمصباح محمد ~~صلوات الله عليهم أجمعين، سماه الله تعالى مصباحا كما سماه سراجا فقال: " ~~وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا (1) " [الأحزاب: 46] يوقد من شجرة ~~مباركة وهي آدم عليه السلام، بورك في نسله وكثر منه الأنبياء والأولياء. # وقيل: هي إبراهيم عليه السلام، سماه الله تعالى مباركا لان أكثر الأنبياء ~~كانوا من صلبه. (لا شرقية ولا غربية) أي لم يكن يهوديا ولا نصرانيا وإنما ~~كان حنيفا مسلما. # وإنما قال ذلك لان اليهود تصلى قبل المغرب والنصارى تصلى فبل المشرق. ~~(يكاد زيتها يضئ) أي يكاد محاسن محمد صلى الله عليه وسلم تظهر للناس قبل أن ~~أوحى الله تعالى إليه. # (نور على نور) نبي من نسل نبي. وقال الضحاك: شبه عبد المطلب بالمشكاة ~~وعبد الله بالزجاجة والنبي صلى الله عليه وسلم بالمصباح كان في قلبهما، ~~فورث النبوة من إبراهيم. # " من شجرة " أي شجرة التقى والرضوان وعشيرة الهدى والايمان شجرة أصلها ~~نبوة، وفرعها مروءة، وأغصانها تنزيل، وورقها تأويل، وخدمها جبريل وميكائيل. ~~قال القاضي أبو بكر ابن العربي: ومن غريب الامر أن بعض الفقهاء قال إن هذا ~~مثل ضربه الله تعالى لإبراهيم ومحمد ولعبد المطلب وابنه عبد الله، فالمشكاة ~~هي الكوة بلغة الحبشة، فشبه عبد المطلب بالمشكاة فيها القنديل وهو الزجاجة، ~~وشبه عبد الله بالقنديل وهو الزجاجة، ومحمد كالمصباح يعنى من أصلابهما، ~~وكأنه كوكب دري وهو المشتري " يوقد من شجرة مباركة " يعنى إرث النبوة من ~~إبراهيم عليه السلام هو الشجرة المباركة، يعنى حنيفية لا شرقية ولا غربية، ~~لا يهودية ولا نصرانية. " يكاد زيتها يضئ ولو لم تمسسه نار " يقول: يكاد ~~إبراهيم يتكلم بالوحي من قبل أن يوحى إليه. " نور على نور " إبراهيم ثم ~~محمد صلى الله عليه وسلم. قال القاضي: وهذا كله عدول عن الظاهر، وليس يمتنع ~~في التمثيل أن يتوسع المرء فيه. # PageV12P263 # قلت: وكذلك في جميع الأقوال لعدم ارتباطه بالآية ما عدا القول الأول، وأن ~~هذا مثل ضربه الله تعالى لنوره، ولا يمكن أن يضرب لنوره المعظم ms4437 مثلا تنبيها ~~لخلقه إلا ببعض خلقه، لان الخلق لقصورهم لا يفهمون إلا بأنفسهم ومن أنفسهم، ~~ولولا ذلك ما عرف الله إلا الله وحده، قاله ابن العربي. قال ابن عباس: هذا ~~مثل نور الله وهداه في قلب المؤمن كما يكاد الزيت الصافي يضئ قبل أن تمسه ~~النار، فإن مسته النار، زاد ضوءه، كذلك قلب المؤمن يكاد يعمل بالهدى قبل أن ~~يأتيه العلم، فإذا جاءه العلم زاده هدى على هدى ونورا على نور، كقول ~~إبراهيم من قبل أن تجيئه المعرفة: " هذا ربى (1) "، من قبل أن يخبره أحد أن ~~له ربا، فلما أخبره الله أنه ربه زاد هدى، ف‍ " - قال له ربه: أسلم قال ~~أسلمت لرب العالمين (2) " [البقرة: 131]. ومن قال إن هذا مثل للقرآن في قلب ~~المؤمن قال: كما أن هذا المصباح يستضاء به ولا ينقص فكذلك القرآن يهتدى به ~~ولا ينقص، فالمصباح القرآن، والزجاجة قلب المؤمن، والمشكاة لسانه وفهمه، ~~والشجرة المباركة شجرة الوحي. (يكاد زيتها يضئ ولو لم تمسسه نار) تكاد حجج ~~القرآن تتضح ولو لم يقرأ. (نور على نور) يعنى أن القرآن نور من الله تعالى ~~لخلقه، مع ما أقام لهم من الدلائل والاعلام قبل نزول القرآن، فازدادوا بذلك ~~نورا على نور. ثم أخبر أن هذا النور المذكور عزيز، وأنه لا يناله إلا من ~~أراد الله هداه فقال: (يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس) ~~أي يبين الأشباه تقريبا إلى الافهام. (والله بكل شئ عليم) أي بالمهدي ~~والضال. وروي عن ابن عباس أن اليهود قالوا: يا محمد، كيف يخلص نور الله ~~تعالى من دون السماء، فضرب الله تعالى ذلك مثلا لنوره. # قوله تعالى: في بيوت أذن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو ~~والآصال (36) رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة ~~وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصر (37) ليجزيهم الله ~~أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب (38) # PageV12P264 # قوله تعالى: (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه ms4438 يسبح له فيها ~~بالغدو والآصال. # رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة) ~~فيه تسع عشرة مسألة: # الأولى - قوله تعالى: (في بيوت أذن الله أن ترفع) الباء في " بيوت " تضم ~~وتكسر، وقد تقدم (1). واختلف في الفاء من قوله: " في " فقيل: هي متعلقة ب‍ ~~" مصباح ". وقيل: # ب‍ " يسبح له "، فعلى هذا التأويل يوقف على " عليم ". قال ابن الأنباري: ~~سمعت أبا العباس يقول هو حال للمصباح والزجاجة والكوكب، كأنه قال وهي في ~~بيوت. وقال الترمذي الحكيم محمد بن علي: " في بيوت " منفصل، كأنه يقول: ~~الله في بيوت أذن الله أن ترفع، وبذلك جاءت الاخبار أنه (من جلس في المسجد ~~فإنه يجالس ربه). وكذا ما جاء في الخبر فيما يحكى عن التوراة (أن المؤمن ~~إذا مشى إلى المسجد قال الله تبارك اسمه عبدي زارني وعلى قراه ولن أرضى له ~~قرى دون الجنة). قال ابن الأنباري: إن جعلت " في " متعلقة ب‍ " - يسبح " أو ~~رافعة للرجال حسن الوقف على قوله " والله بكل شئ عليم " [البقرة: 282]. ~~وقال الرماني: هي متعلقة ب‍ " يوقد " وعليه فلا يوقف على " عليم ". فإن ~~قيل: فما الوجه إذا كان البيوت متعلقة ب‍ " يوقد " في توحيد المصباح ~~والمشكاة وجمع البيوت؟ ولا يكون مشكاة واحدة إلا في بيت واحد. قيل: هذا من ~~الخطاب المتلون الذي يفتح: بالتوحيد ويختم بالجمع، كقوله تعالى: " يا أيها ~~النبي إذا طلقتم النساء " (2) [الطلاق: 1] ونحوه. وقيل: رجع إلى كل واحد من ~~البيوت. وقيل: # هو كقوله تعالى: " وجعل القمر فيهن نورا " (2) [نوح: 16] وإنما هو في ~~واحدة منها. واختلف الناس في البيوت هنا على خمسة أقوال: الأول - أنها ~~المساجد المخصوصة لله تعالى بالعبادة، وأنها تضئ لأهل السماء كما تضئ ~~النجوم لأهل الأرض، قاله ابن عباس ومجاهد والحسن. # الثاني - هي بيوت بيت المقدس، عن الحسن أيضا. الثالث - بيوت النبي صلى ~~الله عليه وسلم، عن مجاهد أيضا. الرابع - هي البيوت كلها، قاله عكرمة. ~~وقوله: " يسبح له فيها بالغدو والآصال " يقوي أنها المساجد. وقول خامس - ~~أنها المساجد الأربعة التي # PageV12P265 # لم ms4439 يبنها إلا نبي: الكعبة وبيت أريحا ومسجد المدينة ومسجد قباء، قاله ابن ~~بريدة. وقد تقدم ذلك في " براءة ". # قلت - الأظهر القول الأول، لما رواه أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: (من أحب الله عز وجل فليحبني ومن أحبني فليحب أصحابي ومن ~~أحب أصحابي فليحب القرآن ومن أحب القرآن فليحب المساجد فإنها أفنية الله ~~أبنيته أذن الله في رفعها وبارك فيها ميمونة ميمون أهلها محفوظة محفوظ ~~أهلها هم في صلاتهم والله عز وجل في حوائجهم هم في مساجدهم والله من ~~ورائهم). # الثانية - قوله تعالى (أذن الله أن ترفع) " أذن " معناه أمر وقضى. وحقيقة ~~الاذن العلم والتمكين دون حظر، فإن اقترن بذلك أمر وإنقاذ كان أقوى. و " ~~ترفع " قيل: معناه تبنى وتعلى، قاله مجاهد وعكرمة. ومنه قوله تعالى: " وإذ ~~يرفع إبراهيم القواعد من البيت " (2) [البقرة: 127] وقال صلى الله عليه ~~وسلم: (من بنى مسجدا من ماله بنى الله له بيتا في الجنة). وفي هذا المعنى ~~أحاديث كثيرة تحض على بنيان المساجد. وقال الحسن البصري وغيره: معنى " ترفع ~~" تعظم، ويرفع شأنها، وتطهر من الأنجاس والأقذار، ففي الحديث (إن المسجد ~~لينزوي من النجاسة كما ينزوي الجلد من النار). وروى ابن ماجة في سننه عن ~~أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله: (من أخرج أذى من المسجد بنى الله له ~~بيتا في الجنة). # وروي عن عائشة قالت: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتخذ المساجد ~~في الدور وأن تطهر وتطيب. # الثالثة - إذا قلنا: إن المراد بنيانها فهل تزين وتنقش؟ اختلف في ذلك، ~~فكرهه قوم وأباحه آخرون. فروى حماد بن سلمة عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس، ~~وقتادة عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تقوم الساعة حتى ~~يتباهى الناس في المساجد). # أخرجه أبو داود. وفي البخاري - وقال أنس: (يتباهون بها ثم لا يعمرونها ~~إلا قليلا). وقال # PageV12P266 # ابن عباس: لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى. وروى الترمذي الحكيم أبو ~~عبد الله في نوادر الأصول من حديث ms4440 أبي الدرداء قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # (إذا زخرفتم مساجدكم وحليتم مصاحفكم فالدبار عليكم). احتج من أباح ذلك ~~بأن فيه تعظيم المساجد والله تعالى أمر بتعظيمها في قوله: " في بيوت أذن ~~الله أن ترفع " يعنى تعظم. وروي عن عثمان أنه بنى مسجد النبي صلى الله عليه ~~وسلم بالساج (1) وحسنه. قال أبو حنيفة: لا بأس بنقش المساجد بماء الذهب. ~~وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه نقش مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وبالغ في ~~عمارته وتزيينه، وذلك في زمن ولايته قبل خلافته، ولم ينكر عليه أحد ذلك. # وذكر أن الوليد بن عبد الملك أنفق في عمارة مسجد دمشق وفي تزيينه مثل ~~خراج الشام ثلاث مرات. وروي أن سليمان بن داود عليهما [الصلاة و] (2) ~~السلام بنى مسجد بيت المقدس وبالغ في تزيينه. # الرابعة - ومما تصان عنه المساجد وتنزه عنه الروائح الكريهة والأقوال ~~السيئة وغير ذلك على ما نبينه، وذلك من تعظيمها. وقد صح من حديث ابن عمر ~~رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في غزوة تبوك: (من أكل ~~من هذه الشجرة - يعنى الثوم - فلا يأتين المساجد). وفي حديث جابر بن عبد ~~الله عن النبي صلى الله عليه سلم قال: (من أكل من هذه البقلة الثوم) وقال ~~مرة: (من أكل البصل والثوم والكراث فلا يقربن مسجدنا فإن الملائكة تتأذى ~~مما يتأذى منه بنو آدم). وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في خطبته: # (ثم إنكم أيها الناس تأكلون شجرتين ولا أراهما إلا خبيثتين، هذا البصل ~~والثوم، لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وجد ريحهما من رجل في ~~المسجد أمر به فأخرج إلى البقيع، فمن أكلهما فليمتهما طبخا. خرجه مسلم في ~~صحيحه. قال العلماء: وإذا كانت العلة في إخراجه من المسجد أنه يتأذى به ففي ~~القياس أن كل من تأذى به جيرانه في المسجد بأن يكون ذرب اللسان سفيها ~~عليهم، أو كان ذا رائحة قبيحة لا تريمه (3) لسوء صناعته، أو عاهة مؤذية ms4441 ~~كالجذاء # PageV12P267 # وشبهه. وكل ما يتأذى به الناس كان لهم إخراجه ما كانت العلة موجودة فيه ~~حتى تزول. # وكذلك يجتنب مجتمع الناس حيث كان لصلاة أو غيرها كمجالس العلم والولائم ~~وما أشبهها، من أكل الثوم وما في معناه، مما له رائحة كريهة تؤذي الناس. ~~ولذلك جمع بين البصل والثوم والكراث، وأخبر أن ذلك مما يتأذى به. قال أبو ~~عمر بن عبد البر: وقد شاهدت شيخنا أبا عمر أحمد بن عبد الملك بن هشام رحمه ~~الله أفتى في رجل شكاه جيرانه واتفقوا عليه أنه يؤذيهم في المسجد بلسانه ~~ويده فشوور فيه، فأفتى بإخراجه من المسجد وإبعاده عنه، وألا يشاهد (1) معهم ~~الصلاة، إذ لا سبيل مع جنونه واستطالته إلى السلامة منه، فذاكرته يوما أمره ~~وطالبته بالدليل فيما أفتى به من ذلك وراجعته فيه القول، فاستدل بحديث ~~الثوم، وقال: # هو عندي أكثر أذى من أكل الثوم، وصاحبه يمنع من شهود الجماعة في المسجد. # قلت: وفي الآثار المرسلة " إن الرجل ليكذب الكذبة فيتباعد الملك من نتن ~~ريحه ". # فعلى هذا يخرج من عرف منه الكذب والتقول (2) بالباطل فإن ذلك يؤذي. # الخامسة - أكثر العلماء على أن المساجد كلها سواء، لحديث ابن عمر. # وقال بعضهم: إنما خرج النهى على مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~أجل جبريل عليه السلام ونزوله فيه، ولقوله في حديث جابر: (فلا يقربن ~~مسجدنا). والأول أصح، لأنه ذكر الصفة في الحكم وهي المسجدية، وذكر الصفة في ~~الحكم تعليل. وقد روى الثعلبي بإسناده عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: (يأتي الله يوم القيامة بمساجد الدنيا كأنها ~~نجائب بيض قوائمها من العنبر وأعناقها من الزعفران ورؤوسها من المسك ~~وأزمتها من الزبرجد الأخضر وقوامها المؤذنون فيها يقودونها وأئمتها ~~يسوقونها وعمارها متعلقون بها فتجوز عرصات القيامة كالبرق الخاطف فيقول أهل ~~الموقف هؤلاء ملائكة مقربون وأنبياء مرسلون فينادي ما هؤلاء بملائكة ولا ~~أنبياء ولكنهم أهل المساجد والمحافظون على الصلوات من أمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم). وفي التنزيل: " إنما يعمر ms4442 مساجد الله من آمن بالله " (3) ~~[التوبة: 18]. وهذا عام # PageV12P268 # في كل مسجد. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا رأيتم الرجل يعتاد ~~المسجد فاشهدوا له بالايمان) إن الله تعالى يقول: " إنما يعمر مساجد الله ~~من آمن بالله واليوم الآخر ") [التوبة: 18]. وقد تقدم. # السادسة: وتصان (1) المساجد أيضا عن البيع والشراء وجميع الاشتغال، لقوله ~~صلى الله عليه وسلم للرجل الذي دعا إلى الجمل الأحمر (2): (لا وجد ت إنما ~~بنيت المساجد لما بنيت له). أخرجه مسلم من حديث سليمان بن بريدة عن أبيه أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لما صلى قام رجل فقال: من دعا إلى الجمل الأحمر؟ ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا وجدت إنما بنيت المساجد لما بنيت له). ~~وهذا يدل على أن الأصل ألا يعمل في المسجد غير الصلوات والأذكار وقراءة ~~القرآن. وكذا جاء مفسرا من حديث أنس قال: بينما نحن في المسجد مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: مه مه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا ~~تزرموه دعوه) (3). # فتركوه حتى بال، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاه فقال له: (إن ~~هذه المساجد لا تصلح لشئ من هذا البول ولا القذر إنما هي لذكر الله والصلاة ~~وقراءة القرآن). # أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فأمر رجلا من القوم فجاء ~~بدلو من ماء فشنه (4) عليه. خرجه مسلم. ومما يدل على هذا من الكتاب قول ~~الحق: " ويذكر فيها اسمه ". وقوله صلى الله عليه وسلم لمعاوية بن الحكم ~~السلمي: (إن هذه المساجد (5) لا يصلح فيها شئ من كلام الناس إنما هو ~~التسبيح والتكبير وقراءة القرآن). أو كما قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. # الحديث بطوله خرجه مسلم في صحيحه، وحسبك وسمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~صوت رجل في المسجد فقال: ما هذا الصوت؟ أتدري أين أنت! وكان خلف بن أيوب ~~جالسا في مسجده فأتاه غلامه ms4443 يسأله عن شئ فقام وخرج من المسجد وأجابه، فقيل ~~له في ذلك فقال: ما تكلمت في المسجد بكلام الدنيا منذ كذا وكذا، فكرهت أن ~~أتكلم اليوم. # PageV12P269 # السابعة: روى الترمذي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن تناشد الاشعار في المسجد، وعن البيع والشراء ~~فيه، وأن يتحلق الناس يوم الجمعة قبل الصلاة. قال: وفي الباب عن بريدة ~~وجابر وأنس حديث عبد الله بن عمر وحديث حسن. قال محمد بن إسماعيل: رأيت ~~محمدا (1) وإسحاق وذكر غيرهما يحتجون بحديث عمرو بن شعيب. وقد كره قوم من ~~أهل العلم البيع والشراء في المسجد، وبه يقول أحمد وإسحاق. وروي أن عيسى ~~ابن مريم عليهما السلام أتى على قوم يتبايعون في المسجد فجعل رداءه مخراقا ~~(2)، ثم جعل يسعى عليهم ضربا ويقول: يا أبناء الأفاعي، اتخذتم مساجد الله ~~أسواقا هذا سوق الآخرة. # قلت: وقد كره بعض أصحابنا تعليم الصبيان في المساجد، ورأى أنه من باب ~~البيع. # وهذا إذا كان بأجرة، فلو كان بغير أجرة لمنع أيضا من وجه آخر، وهو أن ~~الصبيان لا يتحرزون عن الأقذار والوسخ، فيؤدي ذلك إلى عدم تنظيف المساجد، ~~وقد أمر صلى الله عليه وسلم بتنظيفها وتطييبها فقال: (جنبوا مساجدكم ~~صبيانكم ومجانينكم وسل سيوفكم وإقامة حدودكم ورفع أصواتكم وخصوماتكم ~~وأجمروها في الجمع واجعلوا على أبوابها المطاهر). في إسناده العلاء بن كثير ~~الدمشقي مولى بني أمية، وهو ضعيف عندهم، ذكره أبو أحمد بن عدي الجرجاني ~~الحافظ. وذكر أبو أحمد أيضامن حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: # صليت صليت العصر مع عثمان أمير المؤمنين فرأى خياطا في ناحية المسجد فأمر ~~بإخراجه، فقيل له: # يا أمير المؤمنين، إنه يكنس المسجد ويغلق الأبواب ويرش أحيانا. فقال ~~عثمان: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (جنبوا صناعكم من ~~مساجدكم). هذا حديث غير محفوظ، في إسناده محمد بن مجيب الثقفي، وهو ذاهب ~~الحديث. # قلت: ما ورد في هذا المعنى وإن كان طريقه ms4444 لينا فهو صحيح معنى، يدل على ~~صحته ما ذكرناه قبل. قال الترمذي: وقد روي عن بعض أهل العالم من التابعين ~~رخصة في البيع # PageV12P270 # والشراء في المسجد. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في غير حديث ~~رخصة في إنشاد الشعر في المسجد. # قلت: أما تناشد الاشعار فاختلف في ذلك، فمن مانع مطلقا، ومن مجيز مطلقا، ~~والأولى التفصيل، وهو أن ينظر إلى الشعر فإن كان مما يقتضى الثناء على الله ~~عز وجل أو على رسوله صلى الله عليه وسلم أو الذب عنهما كما كان شعر حسان، ~~أو يتضمن الحض على الخير والوعظ والزهد في الدنيا والتقلل منها، فهو حسن في ~~المساجد وغيرها، كقول القائل: # طوفي يا نفس كي أقصد فردا صمدا * وذريني لست أبغي غير ربى أحدا فهو أنسى ~~وجليسي ودعى الناس * فما إن تجدي من دونه ملتحدا (1) وما لم يكن كذلك لم ~~يجز، لان الشعر في الغالب لا يخلو عن الفواحش والكذب والتزين بالباطل، ولو ~~سلم من ذلك فأقل ما فيه اللغو والهذر، والمساجد منزهة عن ذلك، لقوله تعالى: ~~" في بيوت أذن الله أن ترفع ". وقد يجوز إنشاده في المسجد، كقول القائل: # كفحل العداب (2) القرد يضربه الندى * تعلى الندى في متنه وتحدرا وقول ~~الاخر: # إذا سقط السماء بأرض قوم * رعيناه وإن كانوا غضابا فهذا النوع وإن لم يكن ~~فيه حمد ولا ثناء يجوز، لأنه خال عن الفواحش والكذب. وسيأتي ذكر الاشعار ~~الجائزة وغيرها بما فيه كفاية في " الشعراء " إن شاء الله تعالى. وقد روي ~~الدارقطني من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: ذكر ~~الشعراء عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (هو كلام حسنه حسن وقبيحه ~~قبيح). وفي الباب عن عبد الله بن عمرو بن العاص وأبي هريرة وابن عباس عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # ذكره في السنن. # قلت: وأصحاب الشافعي يأثرون هذا الكلام عن الشافعي وأنه لم يتكلم به ~~غيره، وكأنهم لم يقفوا على الأحاديث في ذلك. والله أعلم. # PageV12P271 # الثامنة ms4445 - وأما رفع الصوت فإن كان مما يقتضى مصلحة للرافع صوته دعي عليه ~~بنقيض قصده، لحديث بريرة المتقدم، وحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # (من سمع رجلا ينشد ضالة في المسجد فليقل لا ردها الله عليك فإن المساجد ~~لم تبن لهذا). # وإلى هذا ذهب مالك وجماعة، حتى كرهوا رفع الصوت في المسجد في العلم ~~وغيره. وأجاز أبو حنيفة وأصحابه ومحمد بن مسلمة من أصحابنا رفع الصوت في ~~الخصومة والعلم، قالوا: # لأنهم لا بد لهم من ذلك. وهذا مخالف لظاهر الحديث، وقولهم: " لا بد لهم ~~من ذلك " ممنوع، بل لهم بد من ذلك لوجهين: أحدهما: بملازمة الوقار والحرمة، ~~وبإحضار ذلك بالبال والتحرز من نقيضه. والثاني: أنه إذا لم يتمكن من ذلك ~~فليتخذ لذلك موضعا يخصه، كما فعل عمر حيث بنى رحبة تسمى البطيحاء، وقال: من ~~أراد أن يلغط أو ينشد شعرا - يعنى في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم - ~~فليخرج إلى هذه الرحبة. وهذا يدل على أن عمر كان يكره إنشاد الشعر في ~~المسجد، ولذلك بنى البطيحاء خارجه. # التاسعة - وأما النوم في المسجد لمن احتاج إلى ذلك من رجل أو امرأة من ~~الغرباء ومن لا بيت له فجائز، لان في البخاري - وقال أبو قلابة عن أنس: قدم ~~رهط من عكل على النبي صلى الله عليه وسلم فكانوا في الصفة (1)، وقال عبد ~~الرحمن بن أبي بكر: كان أصحاب الصفة فقراء. وفي الصحيحين عن ابن عمر أنه ~~كان ينام وهو شاب أعزب لا أهل له في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم. لفظ ~~البخاري: وترجم (باب نوم المرأة في المسجد) وأدخل حديث عائشة في قصة ~~السوداء (2)، التي اتهمها أهلها بالوشاح، قالت عائشة: وكان لها خباء في ~~المسجد أو حفش... # (3) الحديث. ويقال: كان مبيت عطاء بن أبي رباح في المسجد أربعين سنة. # PageV12P272 # العاشرة - روى مسلم عن أبي حميد أو عن أبي أسيد قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: (إذا دخل أحدكم المسجد فليقل اللهم افتح لي أبواب ms4446 رحمتك ~~وإذا خرج فليقل اللهم إني أسألك من فضلك). خرجه أبو داود كذلك، إلا أنه زاد ~~بعد قوله: (إذا دخل أحدكم المسجد: فليسلم وليصل (1) على النبي صلى الله ~~عليه وسلم ثم ليقل اللهم افتح لي...) الحديث. وروى ابن ماجة عن فاطمة بنت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~دخل المسجد قال: (باسم الله والسلام على رسول الله اللهم أغفر لي ذنوبي ~~وافتح لي أبواب رحمتك وإذا خرج قال باسم الله والصلاة على رسول الله اللهم ~~اغفر لي ذنوبي وأفتح لي أبواب رحمتك وفضلك ". وروى عن أبي هريرة أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا دخل أحدكم المسجد فليصل على النبي صلى ~~الله عليه وسلم وليقل اللهم افتح لي أبواب رحمتك وإذا خرج فليسلم على النبي ~~صلى الله عليه وسلم وليقل اللهم اعصمني من الشيطان الرجيم). وخرج أبو داود ~~عن حياة بن شريح قال: لقيت عقبة بن مسلم فقلت له بلغني أنك حدثت عن عبد ~~الله بن عمرو بن العاصي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا دخل ~~المسجد قال: (أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان ~~الرجيم) قال نعم. قال: فإذا قال ذلك قال الشيطان: حفظ منى سائر اليوم. # الحادية عشرة - روى مسلم عن أبي قتادة أن رسول الله صلى عليه وسلم قال: # (إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس) وعنه قال: دخلت المسجد ~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس بين ظهراني الناس، قال فجلست فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: (ما منعك أن تركع ركعتين قبل أن تجلس)؟ فقلت: يا ~~رسول الله، رأيتك جالسا والناس جلوس. قال: (فإذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس ~~حتى يركع ركعتين). قال العلماء: فجعل صلى الله عليه وسلم للمسجد مزية يتميز ~~بها عن سائر البيوت، وهو ألا يجلس حتى يركع. وعامة العلماء (2) على أن ~~الامر بالركوع على الندب والترغيب. # PageV12P273 # وقد ذهب داود وأصحابه إلى أن ms4447 ذلك على الوجوب، وهذا باطل، ولو كان الامر ~~على ما قالوه لحرم دخول المسجد على المحدث الحدث الأصغر حتى يتوضأ، ولا ~~قائل به فيما أعلم، والله أعلم. فإن قيل: فقد روى إبراهيم بن يزيد عن ~~الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى ~~يركع ركعتين وإذا دخل أحدكم بيته فلا يجلس حتى يركع ركعتين فإن الله جاعل ~~من ركعتيه في بيته خيرا)، وهذا يقتضى التسوية بين المسجد والبيت. قيل [له] ~~(1): # هذه الزيادة في الركوع عند دخول البيت لا أصل لها، قال ذلك البخاري. ~~وإنما يصح في هذا حديث أبي قتادة الذي تقدم لمسلم، وإبراهيم هذا لا أعلم ~~روى عنه إلا سعد ابن عبد الحميد، ولا أعلم له إلا هذا الحديث الواحد، قاله ~~أبو محمد عبد الحق. # الثانية عشرة - روى سعيد بن زبان حدثني أبي عن أبيه عن جده عن أبي هند ~~رضي الله عنه قال: حمل تميم - يعنى الداري - من الشام إلى المدينة قناديل ~~وزيتا ومقطا، فلما انتهى إلى المدينة وافق ذلك ليلة الجمعة فأمر غلاما يقال ~~له أبو البزاد فقام فنشط (2) المقط وعلق القناديل وصب فيها الماء والزيت ~~وجحل فيها الفتيل، فلما غربت الشمس أمر أبا البزاد فأسرجها، وخرج رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلى المسجد فإذا هو بها تزهر، فقال: (من فعل هذا)؟ ~~قالوا: تميم الداري يا رسول الله، فقال: (نورت الاسلام نور الله عليك في ~~الدنيا والآخرة أما إنه لو كانت لي ابنة لزوجتكها). قال نوفل بن الحارث: لي ~~ابنة يا رسول الله تسمى المغيرة بنت نوفل فافعل بها ما أردت، فأنكحه إياها. ~~زبان (بفتح الزاي والباء وتشديدها بنقطة واحدة من تحتها) ينفرد بالتسمي به ~~سعيد وحده، فهو أبو عثمان سعيد بن زبان ابن قائد بن زبان بن أبي هند، وأبو ~~هند هذا مولى بنى (3) بياضة حجام النبي صلى الله عليه وسلم. # والمقط: جمع ms4448 المقاط، وهو الحبل، فكأنه مقلوب القماط. والله أعلم. وروى ~~ابن ماجة عن أبي سعيد الخدري قال: أول من أسرج في المساجد تميم الداري. ~~وروي عن أنس أن النبي # PageV12P274 # صلى الله عليه وسلم قال: (من أسرج في مسجد سراجا لم تزل الملائكة وحملة ~~العرش يصلون عليه ويستغفرون له ما دام ذلك الضوء فيه وإن كنس غبار المسجد ~~نقد الحور العين). # قال العلماء: ويستحب أن ينور البيت الذي يقرأ فيه القرآن بتعليق القناديل ~~ونصب الشموع فيه، ويزاد في شهر رمضان في أنوار المساجد. # الثالثة عشرة - قوله تعالى: (يسبح فيها بالغدو والآصال. رجال) اختلف ~~العلماء في وصف الله تعالى المسبحين، فقيل: هم المراقبون أمر الله، ~~الطالبون رضاءه، الذين لا يشغلهم عن الصلاة وذكر الله شئ من أمور الدنيا. ~~وقال كثير من الصحابة: نزلت هذه الآية في أهل الأسواق الذين إذا سمعوا ~~النداء بالصلاة تركوا كل شغل وبادروا. ورأى سالم ابن عبد الله أهل الأسواق ~~وهم مقبلون إلى الصلاة فقال: هؤلاء الذين أراد الله بقوله: " لا تلهيهم ~~تجارة ولا بيع عن ذكر الله ". وروي ذلك عن ابن مسعود. وقرأ عبد الله بن ~~عامر وعاصم في رواية أبى بكر عنه والحسن " يسبح له فيها " بفتح الباء على ~~ما لم يسم فاعله. وكان نافع وابن عمر وأبو عمرو وحمزة يقرءون " يسبح " بكسر ~~الباء، وكذلك روى أبو عمرو عن عاصم. # فمن قرأ " يسبح " بفتح الباء كان على معنيين: أحدهما أن يرتفع " رجال " ~~بفعل مضمر دل عليه الظاهر، بمعنى يسبحه رجال، فيوقف على هذا على " الآصال ~~". وقد ذكر سيبويه مثل هذا. وأنشد: # ليبك يزيد ضارع لخصومة * ومختبط مما تطيح الطوائح (1) المعنى: يبكيه ~~ضارع. وعلى هذا تقول: ضرب زيد عمرو، على معنى ضربه عمرو. # والوجه الاخر - أن يرتفع " رجال " بالابتداء، والخبر " في بيوت "، أي في ~~بيوت أذن الله أن ترفع. رجال. و " يسبح له فيها " حال من الضمير في " ترفع ~~"، كأنه قال: أن ترفع، # PageV12P275 # مسبحا له فيها، ولا يوقف على " الآصال " على هذا التقدير. ومن قرأ " يسبح ~~" بكسر الباء ms4449 لم يقف على " الآصال "، لان " يسبح " فعل للرجال، والفعل مضطر ~~إلى فاعله ولا إضمار فيه. وقد تقدم القول في " الغدو والآصال " في آخر " ~~الأعراف " (1) والحمد لله وحده. # الرابعة عشرة - قوله تعالى: (يسبح له فيها) قيل: معناه يصلى. وقال ابن ~~عباس: # كل تسبيح في القرآن صلاة، ويدل عليه قوله: " بالغدو والآصال "، أي ~~بالغداة والعشي. # وقال أكثر المفسرين: أراد الصلاة المفروضة، فالغدو صلاة الصبح، والآصال ~~صلاة الظهر والعصر والعشائين، لان اسم الآصال يجمعها. # الخامسة عشرة - روى أبو داود عن أبي أمامة أن رسول الله صلى عليه وسلم ~~قال: # (من خرج من بيته متطهرا إلى صلاة مكتوبة فأجره كأجر الحاج المحرم ومن خرج ~~إلى تسبيح الضحا لا ينصبه إلا إياه فأجره المعتمر وصلاة على إثر صلاة [لا ~~لغو بينهما] (2) كتاب في عليين). وخرج عن بريدة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: (بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة). ~~وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من غدا إلى ~~المسجد أو راح أعد الله له نزلا في الجنة كلما غدا أو راح). # في غير الصحيح من الزيادة (كما أن أحدكم لو زار من يحب زيارته لاجتهد في ~~كرامته)، ذكره الثعلبي. وخرج مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من تطهر في بيته ثم مشى إلى بيت من بيوت ~~الله ليقضى فريضة من فرائض الله كانت خطوتاه إحداهما تحط خطيئة والأخرى ~~ترفع درجة). وعنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صلاة الرجل في جماعة ~~تزيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه بضعا وعشرين درجة وذلك أن أحدهم إذا ~~توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى المسجد لا ينهزه (3) إلا الصلاة لا يريد إلا ~~الصلاة فلم يخط خطوة إلا رفع له بها درجة وحط عنه بها خطيئة حتى يدخل ~~المسجد فإذا دخل المسجد كان في الصلاة ما كانت الصلاة هي تحبسه والملائكة ~~يصلون على # PageV12P276 # أحدكم ما دام ms4450 في مجلسه الذي صلى فيه يقولون اللهم ارحمه اللهم اغفر له ~~اللهم تب عليه ما لم يؤذ فيه ما لم يحدث فيه). في رواية: ما يحدث؟ قال: ~~(يفسو أو يضرط). وقال حكيم بن زريق: قيل لسعيد بن المسيب أحضور الجنازة أحب ~~إليك أم الجلوس في المسجد؟ # فقال: من صلى على جنازة فله قيراط، ومن شهد دفنها فله قيراطان، والجلوس ~~في المسجد أحب إلى، لان الملائكة تقول: اللهم اغفر له اللهم ارحمه اللهم تب ~~عليه. وروي عن الحكم بن عمير صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # (كونوا في الدنيا أضيافا واتخذوا المساجد بيوتا وعودوا قلوبكم الرقة ~~وأكثروا التفكر والبكاء ولا تختلف بكم الأهواء. تبنون ما لا تسكنون وتجمعون ~~ما لا تأكلون وتؤملون ما لا تدركون). # وقال أبو الدرداء لابنه: ليكن المسجد بيتك فإني سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: (إن المساجد بيوت المتقين ومن كانت المساجد بيته ضمن الله ~~تعالى له الروح والراحة والجواز على الصراط). وكتب أبو صادق الأزدي إلى ~~شعيب بن الحبحاب: أن عليك بالمساجد فالزمها، فإنه بلغني أنها كانت مجالس ~~الأنبياء. وقال أبو إدريس الخولاني: # المساجد مجالس الكرام من الناس. وقال مالك بن دينار: بلغني أن الله تبارك ~~وتعالى يقول: # (إني أهم بعذاب عبادي فأنظر إلى عمار المساجد وجلساء القرآن وولدان ~~الاسلام فيسكن غضبي). وروي عنه عليه السلام أنه قال: (سيكون في آخر الزمان ~~رجال يأتون المساجد فيقعدون فيها حلقا حلقا ذكرهم الدنيا وحبها فلا ~~تجالسوهم فليس لله بهم حاجة). وقال ابن المسيب: من جلس في مسجد فإنما يجالس ~~ربه، فما حقه أن يقول إلا خيرا. وقد مضى من تعظيم المساجد وحرمتها ما فيه ~~(1) كفاية. وقد جمع بعض العلماء في ذلك خمس عشرة خصلة، فقال: من حرمة ~~المسجد أن يسلم وقت الدخول إن كان القوم جلوسا، وإن لم يكن في المسجد أحد ~~قال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وأن يركع ركعتين قبل أن يجلس، ~~وألا يشتري ms4451 فيه ولا يبيع، ولا يسل فيه سهما ولا سيفا، ولا يطلب فيه ضالة، ~~ولا يرفع فيه صوتا # PageV12P277 # بغير ذكر الله تعالى، ولا يتكلم فيه بأحاديث الدنيا، ولا يتخطى رقاب ~~الناس، ولا ينازع في المكان، ولا يضيق على أحد في الصف، ولا يمر بين يدي ~~مصل، ولا يبصق، ولا يتنخم، ولا يتمخط فيه، ولا يفرقع أصابعه، ولا يعبث بشئ ~~من جسده، وأن ينزه عن النجاسات والصبيان والمجانين، وإقامة الحدود، وأن ~~يكثر ذكر الله تعالى ولا يغفل عنه. فإذا فعل هذه الخصال فقد أدى حق المسجد، ~~وكان المسجد حرزا له وحصنا من الشيطان الرجيم. وفي الخبر (أن مسجدا ارتفع ~~بأهله إلى السماء يشكوهم إلى الله لما يتحدثون فيه من أحاديث الدنيا). وروي ~~الدارقطني عن عامر الشعبي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من ~~اقتراب الساعة أن يرى الهلال قبلا (1) فيقال لليلتين وأن تتخذ المساجد طرقا ~~وأن يظهر موت الفجأة). هذا يرويه عبد الكبير بن المعافى عن شريك عن العباس ~~بن ذريح عن الشعبي عن أنس. وغيره يرويه عن الشعبي مرسلا، والله أعلم. وقال ~~أبو حاتم: عبد الكبير بن معافى ثقة كان يعد من الابدال (2). وفي البخاري عن ~~أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من مر في شئ من مساجدنا أو ~~أسواقنا بنبل فليأخذ على نصالها لا يعقر بكفه مسلما). وخرج مسلم عن أنس قال ~~قال وسول الله صلى الله عليه وسلم: (البزاق في المسجد خطيئة وكفارتها ~~دفنها). # وعن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (عرضت على أعمال أمتي حسنها ~~وسيئها فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق ووجدت في مساوي ~~أعمالها النخاعة (3) تكون في المسجد لا تدفن). وخرج أبو داود عن الفرج بن ~~فضالة عن أبي سعد (4) الحميري قال: # رأيت واثلة بن الأسقع في مسجد دمشق بصق على الحصير ثم مسحه برجله، فقيل ~~له: # لم فعلت هذا؟ قال: لأني رأيت رسول الله صلى عليه وسلم يفعله. فرج بن ~~فضالة ضعيف، وأيضا فلم يكن ms4452 في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم حصر. ~~والصحيح أن رسول الله صلى # PageV12P278 # الله عليه وسلم إنما بصق على الأرض ودلكه بنعله اليسرى، ولعل واثلة إنما ~~أراد هذا فحمل الحصير عليه. # السادسة عشرة - لما قال تعالى: " رجال " وخصهم بالذكر دل على أن النساء ~~لا حظ لهن في المساجد، إذ لا جمعة عليهن ولا جماعة، وأن صلاتهن في بيوتهن ~~أفضل. روى أبو داود عن عبد الله رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: (صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها وصلاتها في مخدعها ~~أفضل من صلاتها في بيتها). # السابعة عشرة - قوله تعالى: " لا تلهيهم " أي لا تشغلهم. # (تجارة ولا بيع عن ذكر الله) خص التجارة بالذكر لأنها أعظم ما يشتغل به ~~الانسان عن الصلاة. فإن قيل: فلم كرر ذكر البيع والتجارة تشمله؟ قيل له: ~~أراد بالتجارة الشراء لقوله: " ولا بيع ". نظيره قول تعالى: # " وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها " (1) [الجمعة: 11] قاله ~~الواقدي. وقال الكلبي: التجار هم الجلاب المسافرون، والباعة هم المقيمون. ~~(عن ذكر الله) اختلف في تأويله، فقال عطاء: يعنى حضور الصلاة، وقال ابن ~~عباس، وقال: المكتوبة. وقيل: عن الاذان، ذكره يحيى بن سلام. # وقيل: عن ذكره بأسمائه الحسنى، أي يوحدونه ويمجدونه. والآية نزلت في أهل ~~الأسواق، قاله ابن عمر. قال سالم: جاز عبد الله بن عمر بالسوق وقد أغلقوا ~~حوانيتهم وقاموا ليصلوا في جماعة فقال: فيهم نزلت: " رجال لا تلهيهم تجارة ~~ولا بيع " الآية. وقال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: (هم الذين ~~يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله). وقيل: # إن رجلين كانا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، أحدهما بياعا فإذا سمع ~~النداء بالصلاة فإن كان الميزان بيده طرحه ولا يضعه وضعا، وإن كان بالأرض ~~لم يرفعه. وكان الاخر قينا يعمل السيوف للتجارة، فكان إذا كانت مطرقته على ~~السندان أبقاها موضوعة، وإن كان قد رفعها ألقاها من وراء ظهره إذا سمع ~~الاذان، فأنزل الله تعالى هذا ثناء عليهما ms4453 وعلى كل من افتدى بهما. # PageV12P279 # الثامنة عشرة - قوله تعالى: (وإقام الصلاة) هذا يدل على أن المراد بقوله: ~~" عن ذكر الله " غير الصلاة، لأنه يكون تكرارا. يقال: أقام الصلاة إقامة، ~~والأصل إقواما فقلبت حركة الواو على القاف فانقلبت الواو ألفا وبعدها ألف ~~ساكنة فحذفت إحداهما، وأثبتت الهاء لئلا تحذفها فتجحف، فلما أضيفت قام ~~المضاف مقام الهاء فجاز حذفها، وإن لم تضف لم يجز حذفها، ألا ترى أنك تقول: ~~وعد عدة، ووزن زنة، فلا يجوز حذف الهاء، لأنك قد حذفت واوا، لان الأصل وعد ~~وعدة، ووزن وزنة، فإن أضفت حذفت الهاء، وأنشد الفراء: # إن الخليط أجدوا البين فانجردوا * وأخلفوك عد الامر الذي وعدوا يريد عدة، ~~فحذف الهاء لما أضاف. وروي من حديث أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: (يأتي الله يوم القيامة بمساجد الدنيا كأنها نجب بيض قوائمها من ~~العنبر وأعناقها من الزعفران ورؤوسها من المسك وأزمتها من الزبرجد الأخضر ~~وقوامها والمؤذنون فيها يقودونها وأئمتها يسوقونها وعمارها متعلقون بها ~~فتجوز عرصات القيامة كالبرق الخاطف فيقول أهل الموقف هؤلاء ملائكة مقربون ~~أو أنبياء مرسلون فينادى ما هؤلاء بملائكة ولا أنبياء ولكنهم أهل المساجد ~~والمحافظون على الصلوات من أمة محمد صلى الله عليه وسلم). وعن علي رضي الله ~~عنه أنه قال: يأتي على الناس زمان لا يبقى من الاسلام إلا اسمه، ولا من ~~القرآن إلا رسمه، يعمرون مساجدهم وهي من ذكر الله خراب، شر أهل ذلك الزمن ~~علماؤهم، منهم تخرج الفتنة وإليهم تعود، يعنى أنهم يعلمون ولا يعملون ~~بواجبات ما علموا. # التاسعة عشرة - قوله تعالى: (وإيتاء الزكاة) قيل: الزكاة المفروضة، قاله ~~الحسن. # وقال ابن عباس: الزكاة هنا طاعة الله تعالى والاخلاص، إذ ليس لكل مؤمن ~~مال. # (يخافون يوما) يعنى يوم القيامة. # (تتقلب فيه القلوب والابصار) يعنى من هوله وحذر الهلاك. والتقلب التحول، ~~والمراد قلوب الكفار وأبصارهم. فتقلب القلوب انتزاعها من أماكنها إلى ~~الحناجر، فلا هي ترجع إلى أماكنها ولا هي تخرج. وأما تقلب الابصار فالزرق ~~بعد الكحل والعمى بعد البصر. وقيل: ms4454 تتقلب القلوب بين الطمع في النجاة ~~والخوف من PageV12P280 # الهلاك، والابصار تنظر من أي ناحية يعطون كتبهم، وإلى أي ناحية يؤخذ بهم. # وقيل: إن قلوب الشاكين تتحول عما كانت عليه من الشك، وكذلك أبصارهم ~~لرؤيتهم اليقين، وذلك مثل قول تعالى: " فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد ~~" (1) [ق: 22] فما كان يراه في الدنيا غيا يراه رشدا، إلا أن ذلك لا ينفعهم ~~في الآخرة. وقيل: تقلب على جمر جهنم كقوله تعالى: " يوم تقلب وجوههم في ~~النار " (2) [الأحزاب: 66]، " ونقلب أفئدتهم وأبصارهم " (3) [الانعام: ~~110]. في قول من جعل المعنى تقلبها على لهب النار. وقيل: تقلب بأن تلفحها ~~النار مرة وتنضجها مرة. وقيل: إن تقلب القلوب وجيبها (4)، وتقلب الابصار ~~النظر بها إلى نواحي الأهوال. (ليجزيهم الله أحسن ما عملوا) فذكر الجزاء ~~على الحسنات، ولم يذكر الجزاء على السيئات وإن كان يجازي عليها لامرين: ~~أحدهما - أنه ترغيب، فاقتصر على ذكر الرغبة. الثاني - أنه في صفة قوم لا ~~تكون منهم الكبائر، فكانت صغائرهم مغفورة. (ويزيدهم من فضله) يحتمل وجهين: # أحدهما - ما يضاعفه من الحسنة بعشر أمثالها. الثاني - ما يتفضل به من غير ~~جزاء. # (والله يرزق من يشاء بغير حساب) أي من غير أن يحاسبه على ما أعطاه، إذ لا ~~نهاية لعطائه. وروي أنه لما نزلت هذه الآية أمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ببناء مسجد قباء، فحضر عبد الله بن رواحة فقال: يا رسول الله، قد أفلح ~~من بنى المساجد؟ قال: (نعم يا بن رواحة) قال: وصلى فيها قائما وقاعدا؟ قال: ~~(نعم يا بن رواحة) قال: ولم يبت لله إلا ساجدا؟ قال: (نعم يا بن رواحة. كف ~~عن السجع فما أعطى عبد شيئا شرا من طلاقة في لسانه)، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: والذين كفروا أعملهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا ~~جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفه حسابه والله سريع الحساب (39) # PageV12P281 # قوله تعالى: (والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة) لما ضرب مثل المؤمن ضرب ~~مثل الكافر. قال مقاتل: نزلت في شيبة بن ربيعة بن عبد شمس، ms4455 كان يترهب ~~متلمسا للدين، فلما خرج صلى الله عليه وسلم كفر. أبو سهل: في أهل الكتاب. ~~الضحاك: في أعمال الخير للكافر، كصلة الرحم ونفع الجيران. والسراب: ما يرى ~~نصف النهار في اشتداد الحر، كالماء في المفاوز يلتصق بالأرض. والآل الذي ~~يكون ضحا كالماء إلا أنه يرتفع عن الأرض حتى يصير كأنه بين الأرض والسماء. ~~وسمى السراب سرابا لأنه يسرب أي يجري كالماء. # ويقال: سرب الفحل أي مضى وسار في الأرض. ويسمى الآل أيضا، ولا يكون إلا ~~في البرية والحر فيغتر به العطشان. قال الشاعر: # فكنت كمهريق الذي في سقائه * لرقراق آل فوق رابية صلد وقال آخر: # فلما كففنا الحرب كانت عهودهم * كلمع سراب بالفلا متألق وقال امرؤ القيس: # ألم أنض المطي بكل خرق * أمق الطول لماع السراب (1) والقيعة جمع القاع، ~~مثل جيرة وجار، قاله الهروي وقال أبو عبيدة: قيعة وقاع واحد، حكاه النحاس. ~~والقاع ما انبسط من الأرض واتسع ولم يكن فيه نبت، وفيه يكون السراب. # وأصل القاع الموضع المنخفض الذي يستقر فيه الماء، وجمعه قيعان. قال ~~الجوهري: # والقاع المستوي من الأرض، والجمع أقوع وأقواع وقيعان، صارت الواو ياء ~~لكسر ما قبلها، والقيعة مثل القاع، وهو أيضا من الواو. وبعضهم يقول: هو ~~جمع. (يحسبه الظمآن) أي العطشان. (ماء) أي يحسب السراب ماء. (حتى إذا جاءه ~~لم يجده شيئا) مما قدره ووجد أرضا لا ماء فيها. وهذا مثل ضربه الله تعالى ~~للكفار، يعولون على ثواب أعمالهم فإذا # PageV12P282 # قدموا على الله تعالى وجدوا ثواب أعمالهم محبطة بالكفر، أي لم يجدوا شيئا ~~كما لم يجد صاحب السراب إلا أرضا لا ماء فيها، فهو يهلك أو يموت. (ووجد ~~الله عنده) أي وجد الله بالمرصاد. (فوفاه حسابه) أي جزاء عمله. قال امرؤ ~~القيس: # فولى مدبرا يهوي حثيثا * وأيقن أنه لاقى الحسابا وقيل: وجد وعد الله ~~بالجزاء على عمله. وقيل: وجد أمر الله عند حشره، والمعنى متقارب. # وقرئ " بقيعات ". المهدوي: ويجوز أن تكون الألف مشبعة من فتحة العين. ~~ويجوز أن تكون مثل رجل عزه وعزهاة، للذي ms4456 لا يقرب النساء. ويجوز أن يكون جمع ~~قيعة، ويكون على هذا بالتاء في الوصل والوقف. وروى عن نافع وابن جعفر وشيبة ~~" الظلمان " بغير همز، والمشهور عنهما الهمز، يقال: ظمئ يظمأ ظمأ فهو ظمآن، ~~وإن خففت الهمزة قلت: الظمآن. وقوله: " والذين كفروا " ابتداء " أعمالهم " ~~بدلا من " الذين كفروا "، أي وأعمال الذين كفروا كسراب، فحذف المضاف. # قوله تعالى: أو كظلمات في بحر لجئ يغشه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ~~ظلمت بعضها فوق بعض إذا يده لم يكد يريها ومن لم يجعل الله له نورا فما له ~~من نور (40) قوله تعالى: (أو كظلمات في بحر لجئ) ضرب تعالى مثلا آخر ~~للكفار، أي أعمالهم كسراب بقيعة أو كظلمات. قال الزجاج: إن شئت مثل بالسراب ~~وإن شئت مثل بالظلمات، ف‍ " - أو " للإباحة حسبما تقدم من القول في " أو ~~كصيب " (1) [البقرة: 19]. وقال الجرجاني: # الآية الأولى في ذكر أعمال الكفار، والثانية في ذكر كفرهم، ونسق الكفر ~~على أعمالهم لان الكفر أيضا من أعمالهم، وقد قال تعالى: " يخرجهم من ~~الظلمات إلى (2) النور " [البقرة: 257] أي من الكفر # PageV12P283 # إلى الايمان. وقال أبو على: " أو كظلمات " أو كذي ظلمات، ودل على هذا ~~المضاف قوله تعالى: " إذا أخرج يده " فالكناية تعود إلى المضاف المحذوف. ~~قال القشيري: فعند الزجاج التمثيل وقع لأعمال الكفار، وعند الجرجاني لكفر ~~الكافر، وعند أبى على للكافر. # وقال ابن عباس في رواية: هذا مثل قلب الكافر. (في بحر لجئ) قيل: هو منسوب ~~إلى اللجة، وهو الذي لا يدرك قعره. واللجة معظم الماء، والجمع لجج. والتج ~~البحر إذا تلاطمت أمواجه، ومنه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: (من ركب البحر إذا التج فقد برئت منه الذمة). والتج الامر إذا عظم ~~واختلط. وقوله تعالى: " حسبته لجة " (1) [النمل: 44] أي ماله عمق. ولججت ~~السفينة أي خاضت اللجة (بضم اللام). فأما اللجة (بفتح اللام) فأصوات الناس، ~~يقول: سمعت لجة الناس، أي أصواتهم وصخبهم. قال أبو النجم: # * في لجة أمسك فلانا عن فل * والتجت الأصوات أي اختلطت وعظمت. (يغشاه ms4457 ~~موج) أي يعلو ذلك البحر اللجي موج. (من فوقه موج) أي من فوق الموج موج، ومن ~~فوق هذا الموج الثاني سحاب، فيجتمع خوف الموج وخوف الريح وخوف السحاب. ~~وقيل: المعنى يغشاه موج من بعده موج، فيكون المعنى: الموج يتبع بعضه بعضا ~~حتى كأن بعضه فوق بعض، وهو أخوف ما يكون إذا توالى موجه وتقارب، ومن فوق ~~هذا الموج سحاب. وهو أعظم للخوف من وجهين: أحدهما - أنه قد غطى النجوم التي ~~يهتدي بها. الثاني - الريح التي تنشأ مع السحاب والمطر الذي ينزل منه. ~~(ظلمات بعضها فوق بعض) قرأ ابن محيصن والبزي عن ابن كثير " سحاب ظلمات " ~~بالإضافة والخفض. قنبل " سحاب " منونا " ظلمات " بالجر والتنوين. الباقون ~~بالرفع والتنوين. قال المهدوي: من قرأ " من فوقه سحاب ظلمات " بالإضافة ~~فلان السحاب يرتفع وقت هذه الظلمات فأضيف إليها، كما يقال: سحاب رحمة إذا ~~ارتفع في وقت المطر. ومن قرأ " سحاب ظلمات " جر " ظلمات " على التأكيد ل‍ " ~~- ظلمات " # PageV12P284 # الأولى أو البدل منها. و " سحاب " ابتداء و " من فوقه " الخبر. ومن قرأ " ~~سحاب ظلمات " فظلمات خبر ابتداء محذوف، التقدير: هي ظلمات أو هذه ظلمات. ~~قال ابن الأنباري: " من فوقه موج " غير تام، لان قوله " من فوقه سحاب " صلة ~~للموج، والوقف: # على قوله " من فوقه سحاب " حسن، ثم تبتدئ " ظلمات بعضها فوق بعض " على ~~معنى هي ظلمات بعضها فوق بعض. وروي عن أهل مكة أنهم قرأوا " ظلمات " على ~~معنى أو كظلمات ظلمات بعضها فوق بعض، فعلى هذا المذهب لا يحسن الوقف على ~~السحاب. # ثم قيل: المراد بهذه الظلمات ظلمة السحاب وظلمة الموج وظلمة الليل وظلمة ~~البحر، فلا يبصر من كان في هذه الظلمات شيئا ولا كوكبا. وقيل: المراد ~~بالظلمات الشدائد، أي شدائد بعضها فوق بعض. وقيل: أراد بالظلمات أعمال ~~الكافر، وبالبحر اللجي قلبه، وبالموج فوق الموج، ما يغشى قلبه من الجهل ~~والشك والحيرة، وبالسحاب الرين والختم والطبع على قلبه. روي معناه عن ابن ~~عباس وغيره، أي لا يبصر بقلبه نور الايمان، كما أن صاحب الظلمات في البحر ~~إذا ms4458 أخرج يده لم يكد يراها. وقال أبي بن كعب: الكافر يتقلب في خمس من ~~الظلمات: كلامه ظلمة، وعمله ظلمة، ومدخله ظلمة، ومخرجه ظلمة، ومصيره يوم ~~القيامة إلى الظلمات في النار وبئس المصير. (إذا أخرج يده) يعنى الناظر. ~~(لم يكد يراها) أي من شدة الظلمات. قال الزجاج وأبو عبيدة: المعنى لم يرها ~~ولم يكد، وهو معنى قول الحسن. ومعنى " لم يكد " لم يطمع أن يراها. وقال ~~الفراء: كاد صلة، أي لم يرها، كما تقول: ما كدت أعرفه. وقال المبرد: يعنى ~~لم يرها إلا من بعد الجهد، كما تقول: # ما كدت أراك من الظلمة، وقد رآه بعد يأس وشدة. وقيل: معناه قرب من الرؤية ~~ولم ير كما يقال: كاد العروس يكون أميرا، وكاد النعام يطير، وكاد المنتعل ~~يكون راكبا. النحاس: # وأصح الأقوال في هذا أن المعنى لم يقارب رؤيتها، فإذا لم يقارب رؤيتها ~~فلم يرها رؤية بعيدة ولا قريبة. (ومن لم يجعل الله نورا) يهتدي به أظلمت ~~عليه الأمور. وقال ابن عباس: # أي من لم يجعل الله له دينا فما له من دين، ومن لم يجعل الله له نورا ~~يمشى به يوم القيامة لم يهتد PageV12P285 # إلى الجنة، كقوله تعالى: " ويجعل لكم نورا تمشون به " (1) [الحديد: 28]. ~~وقال الزجاج: ذلك في الدنيا والمعنى: من لم يهده الله لم يهتد. وقال مقاتل ~~بن سليمان: نزلت في عتبة بن ربيعة، كان يلتمس الدين في الجاهلية، ولبس ~~المسوح، ثم كفر في الاسلام. الماوردي: في شيبة ابن ربيعة، وكان يترهب في ~~الجاهلية ويلبس الصوف ويطلب الدين، فكفر في الاسلام. # قلت: وكلاهما مات كافرا، فلا يبعد أن يكونا هما المراد بالآية وغيرهما. ~~وقد قيل: # نزلت في عبد الله بن جحش، وكان أسلم وهاجر إلى أرض الحبشة ثم تنصر بعد ~~إسلامه. وذكر الثعلبي: وقال أنس قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله ~~تعالى خلقني من نور وخلق أبا بكر من نوري وخلق عمر وعائشة من نور أبى بكر ~~وخلق المؤمنين من أمتي من نور عمر وخلق المؤمنات من أمتي ms4459 من نور عائشة فمن ~~لم يحبني ويحب أبا بكر وعمر وعائشة فما له من نور). # فنزلت: " ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ". # قوله تعالى: ألم تر أن الله يسبح له في السماوات والأرض والطير صفت كل قد ~~علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون (41) ولله ملك السماوات والأرض ~~وإلى الله المصير (42) قوله تعالى: (ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات ~~والأرض والطير صافات) لما ذكر وضوح الآيات زاد في الحجة والبينات، وبين أن ~~مصنوعاته تدل بتغييرها على أن لها صانعا قادرا على الكمال، فله بعثة الرسل، ~~وقد بعثهم وأيدهم بالمعجزات، وأخبروا بالجنة والنار. # والخطاب في " ألم تر " للنبي صلى الله عليه وسلم، ومعناه: ألم تعلم، ~~والمراد الكل. (أن الله يسبح له من في السماوات) من الملائكة. (والأرض) من ~~الجن والإنس. (والطير صافات) قال مجاهد وغيره: الصلاة للانسان والتسبيح لما ~~سواه من الخلق. وقال سفيان: # للطير صلاة ليس فيها ركوع ولا سجود. وقيل: إن ضربها بأجنحتها صلاة، وإن ~~أصواتها # PageV12P286 # تسبيح، حكاه النقاش. وقيل: التسبيح هاهنا ما يرى في المخلوق من أثر ~~الصنعة. ومعنى " صافات " مصطفات الأجنحة في الهواء. وقرأ الجماعة " والطير ~~" بالرفع عطفا على " من " وقال الزجاج: ويجوز " والطير " بمعنى مع الطير. ~~قال النحاس: وسمعته يخبر " قمت وزيدا " بمعنى مع زيد. قال: وهو أجود من ~~الرفع. قال: فإن قلت قمت أنا وزيد، كان الأجود الرفع، ويجوز النصب. (كل قد ~~علم صلاته وتسبحه) يجوز أن يكون المعنى: كل قد علم الله صلاته وتسبيحه، أي ~~علم صلاة المصلى وتسبيح المسبح. ومن هذه الجهة يجوز نصب " كل " عند ~~البصريين والكوفيين بإضمار فعل يفسره ما بعده. وقد قيل: المعنى قد علم كل ~~مصل ومسبح صلاة نفسه وتسبيحه الذي كلفه. وقرأ بعض الناس " كل قد علم صلاته ~~وتسبيحه " غير مسمى الفاعل. وذكر بعض النحويين أن بعضهم قرأ " كل قد علم ~~صلاته وتسبيحه "، فيجوز أن يكون تقديره: كل قد علمه الله صلاته وتسبيحه. ~~ويجوز أن يكون المعنى: # كل قد علم غيره ms4460 صلاته وتسبيحه، أي صلاة نفسه، فيكون التعليم الذي هو ~~الافهام والمراد الخصوص، لان من الناس من لم يعلم. ويجوز أن يكون المعنى كل ~~قد استدل منه المستدل، فعبر عن الاستدلال بالتعليم، قاله المهدوي. والصلاة ~~هنا بمعنى التسبيح، وكرر تأكيدا، كقوله " يعلم السر والنجوى ". والصلاة قد ~~تسمى تسبيحا، قاله القشيري. (ولله ملك السماوات والأرض وإلى الله المصير) ~~تقدم في غير موضع. # قوله تعالى: ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فترى ~~الودق يخرج من خلله وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ~~ويصرفه عن من يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار (43) يقلب الله الليل ~~والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار (44) PageV12P287 # قوله تعالى: (ألم تر أن الله يزجي سحابا) ذكر من حججه شيئا آخر، أي ألم ~~تر بعيني قلبك. (يزجي سحابا) أي يسوق إلى حيث يشاء. والريح تزجي السحاب، ~~والبقرة تزجي ولدها أي تسوقه. ومنه زجا الخراج يزجو زجاء (ممدودا) إذا ~~تيسرت جبايته. وقال النابغة: # إني أتيتك من أهلي ومن وطني * أزجى حشاشة نفس ما بها رمق وقال أيضا: # أسرت عليه من الجوزاء سارية * تزجي الشمال عليه جامد البرد (ثم يؤلف ~~بينه) أي يجمعه عند انتشائه، ليقوى ويتصل ويكثف. والأصل في التأليف الهمز، ~~تقول: تألف. وقرئ " يؤلف " بالواو تخفيفا. والسحاب واحد في اللفظ، ولكن ~~معناه جمع، ولهذا قال: " ينشئ السحاب " (1) [الرعد: 12]. و " بين " لا يقع ~~إلا لاثنين فصاعدا، فكيف جاز بينه؟ فالجواب أن " بينه " هنا لجماعة السحاب، ~~كما تقول: الشجر قد جلست بينه لأنه جمع، وذكر الكناية على اللفظ، قال معناه ~~الفراء. وجواب آخر - وهو أن يكون السحاب واحدا فجاز أن يقال بينه لأنه ~~مشتمل على قطع كثيرة، كما قال: # *... بين الدخول فحومل * فأوقع " بين " على الدخول، وهو واحد لاشتماله ~~على مواضع. وكما تقول: ما زلت أدور بين الكوفة لان الكوفة أماكن كثيرة، قال ~~الزجاج وغيره. وزعم الأصمعي أن هذا لا يجوز، وكان يروى: # *... بين الدخول وحومل * (ثم يجعله ركاما) أي ms4461 مجتمعا، يركب بعضه بعضا، ~~كقوله تعالى: " وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم " (2) ~~[الطور: 44]. والركم جمع الشئ، يقال منه: ركم الشئ يركمه ركما إذا جمعه ~~وألقى بعضه على بعض. وارتكم الشئ وتراكم إذا اجتمع. والركمة الطين المجموع. # والركام: الرمل المتراكم. وكذلك السحاب وما أشبهه. ومرتكم الطريق (بفتح ~~الكاف) جادته. (فترى الودق يخرج من خلاله) في " الودق " قولان: أحدهما - ~~أنه البرق، قاله أبو الأشهب العقيلي. ومنه قول الشاعر: # أثرنا عجاجة وخرجن منها * خروج الودق من خلل السحاب # PageV12P288 # الثاني - أنه المطر، قاله الجمهور. ومنه قول الشاعر: # فلا مزنة ودقت ودقها * ولا أرض أبقل إبقالها وقال امرؤ القيس: # فدمعهما ودق وسح وديمة * وسكب وتوكاف وتنهملان يقال: ودقت السحابة فهي ~~وادقة. وودق المطر يدق ودقا، أي قطر. وودقت إليه دنوت منه. وفي المثل: ودق ~~العير (1) إلى الماء، أي دنا منه. يضرب لمن خضع للشئ لحرصه عليه. والموضع ~~مودق. وودقت [به] ودقا استأنست به. ويقال لذات الحافر إذا أرادت الفحل: ~~ودقت تدق ودقا، وأودقت واستودقت. وأتان ودوق وفرس ودوق، ووديق أيضا، وبها ~~وداق. والوديقة: شدة الحر. وخلال جمع خلل، مثل الجبل والجبال، وهي فرجه ~~ومخارج القطر منه. وقد تقدم في " البقرة " (2) أن كعبا قال: إن السحاب ~~غربال المطر، لولا السحاب حين ينزل الماء من السماء لأفسد ما يقع عليه من ~~الأرض. وقرأ ابن عباس والضحاك وأبو العالية: " من خلله " على التوحيد. ~~وتقول: كنت في خلال القوم، أي وسطهم. # (وينزل من السماء من جبال فيها من برد) قيل: خلق الله في السماء جبالا من ~~برد، فهو ينزل منها بردا، وفيه إضمار، أي ينزل من جبال البرد بردا، ~~فالمفعول محذوف. ونحو هذا قول الفراء، لان التقدير عنده: من جبال برد، ~~فالجبال عنده هي البرد. و " برد " في موضع خفض، ويجب أن يكون على قوله ~~المعنى: من جبال برد فيها، بتنوين جبال. وقيل: # إن الله تعالى خلق في السماء جبالا فيها برد، فيكون التقدير: وينزل من ~~السماء من جبال فيها برد. و " من " صلة. وقيل: المعنى ms4462 وينزل من السماء قدر ~~جبال، أو مثل جبال من برد إلى الأرض، ف‍ " - من " الأولى للغاية لان ابتداء ~~الانزال من السماء، والثانية للتبعيض، لان البرد بعض الجبال، والثالثة ~~لتبيين الجنس، لان جنس تلك الجبال من البرد. وقال الأخفش: # إن " من " في الجبال و " برد " زائدة في الموضعين، والجبال والبرد في ~~موضع نصب، أي ينزل من السماء بردا يكون كالجبال. والله أعلم. # (فيصيب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء) # PageV12P289 # فتكون إصابته نقمة، وصرفه نعمة. وقد مضى في " البقرة " (1). و " الرعد " ~~(2) أن من قال حين يسمع الرعد: سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من ~~خيفته ثلاثا عوفي مما يكون في ذلك الرعد. (يكاد سنا برقه) أي ضوء ذلك البرق ~~الذي في السحاب (يذهب بالابصار) من شدة بريقه وضوئه. قال الشماخ: # وما كادت إذا رفعت سناها * ليبصر ضوءها إلا البصير وقال امرؤ القيس: # يضئ سناه أو مصابيح راهب * أهان السليط في الذبال المفتل فالسنا (مقصور) ~~ضوء البرق. والسنا أيضا نبت يتداوى به. والسناء من الرفعة ممدود. وكذلك قرأ ~~طلحة بن مصرف " سناء " بالمد على المبالغة من شدة الضوء والصفاء، فأطلق ~~عليه اسم الشرف. قال المبرد: السنا (مقصور) وهو اللمع، فإذا كان من الشرف ~~والحسب فهو ممدود، وأصلهما واحد وهو الالماع (4). وقرأ طلحة بن مصرف: " ~~سناء برقه " قال أحمد بن يحيى: # وهو جمع برقة. قال النحاس: البرقة المقدار من البرق، والبرقة المرة ~~الواحدة. وقرأ الجحدري وابن القعقاع: " يذهب بالابصار " بضم الياء وكسر ~~الهاء، من الا ذهاب، وتكون الباء في " بالابصار " صلة زائدة. الباقون " ~~يذهب بالابصار " بفتح الياء والهاء، والباء للالصاق. # والبرق دليل على تكاثف السحاب، وبشير بقوة المطر، ومحذر من نزول الصواعق. ~~(يقلب الله الليل والنهار) قيل: تقليبهما أن يأتي بأحدهما بعد الاخر. وقيل: ~~تقليبهما نقصهما وزيادتهما وقيل: هو تغيير النهار بظلمة السحاب مرة وبضوء ~~الشمس أخرى، وكذا الليل مرة بظلمة السحاب ومرة بضوء القمر، قاله النقاش. ~~وقيل: تقليبهما باختلاف ما يقدر فيهما من خير وشر ونفع وضر. (إن في ذلك) أي ~~في الذي ms4463 ذكرناه من تقلب الليل والنهار، وأحوال المطر والصيف والشتاء ~~(لعبرة) أي اعتبارا (لأولي الابصار) أي لأهل البصائر من خلقي. # PageV12P290 # قوله تعالى: والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشى على بطنه ومنهم من ~~يمشى على رجلين ومنهم من يمشى على أربع يخلق الله ما يشاء إن الله على كل ~~شئ قدير (45) لقد أنزلنا آيات مبينات والله يهدى من يشاء إلى صرط مستقيم ~~(46) قوله تعالى: (والله خلق كل دابة من ماء) قرأ يحيى بن وثاب والأعمش ~~وحمزة والكسائي " والله خالق كل " بالإضافة. الباقون " خلق " على الفعل. ~~قيل: إن المعنيين في القراءتين صحيحان. أخبر الله عز وجل بخبرين، ولا ينبغي ~~أن يقال في هذا: إحدى القراءتين أصح من الأخرى. وقد قيل: إن " خلق " لشئ ~~مخصوص، وإنما يقال خالق على العموم، كما قال الله عز وجل: " الخالق البارئ ~~" (1) [الحشر: 24]. وفي الخصوص " الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض " (2) ~~[الانعام: 1] وكذا: " هو الذي خلقكم من نفس واحدة " (3) [الأعراف: 189]. ~~فكذا يجب أن يكون: " والله خلق كل دابة من ماء ". والدابة كل ما دب على وجه ~~الأرض من الحيوان، يقال: دب يدب فهو داب، والهاء للمبالغة. وقد تقدم في " ~~البقرة " (4) (من ماء) لم يدخل في هذا الجن والملائكة، لأنا لم نشاهدهم، ~~ولم يثبت أنهم خلقوا من ماء، بل في الصحيح (إن الملائكة خلقوا من نور والجن ~~خلقوا (5) من نار). وقد تقدم (6). وقال المفسرون: # " من ماء " أي من نطفة. قال النقاش: أراد أمنية الذكور. وقال جمهور ~~النظرة: أراد أن خلقة كل حيوان فيها ماء كما خلق آدم من الماء والطين، وعلى ~~هذا يتخرج قول النبي صلى الله عليه وسلم للشيخ الذي سأله في غزاة بدر: ممن ~~أنتما؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # (نحن من ماء). الحديث. وقال قوم: لا يستثنى الجن والملائكة، بل كل حيوان ~~خلق من الماء، وخلق النار من الماء، وخلق الريح من الماء، إذ أول ما خلق ~~الله تعالى من العالم الماء، ثم خلق منه كل شئ. # PageV12P291 # قلت: ويدل على صحة هذا ms4464 قوله تعالى: " فمنهم من يمشى على بطنه) المشي على ~~البطن للحيات والحوت، ونحوه من الدود وغيره. وعلى الرجلين للانسان والطير ~~إذا مشى. والأربع لسائر الحيوان. وفي مصحف أبى " ومنهم من يمشى على أكثر "، ~~فعم بهذه الزيادة جميع الحيوان كالسرطان والخشاش، ولكنه قرآن لم يثبته ~~إجماع، لكن قال النقاش: إنما اكتفى في القول بذكر ما يمشى على أربع عن ذكر ~~ما يمشى على أكثر، لان جميع الحيوان إنما اعتماده على أربع، وهي قوام مشيه، ~~وكثرة الأرجل في بعضه زيادة في خلقته، لا يحتاج ذلك الحيوان في مشيه إلى ~~جميعها. قال ابن عطية: والظاهر أن تلك الأرجل الكثيرة ليست باطلا بل هي ~~محتاج إليها في تنقل الحيوان، وهي كلها تتحرك (1) في تصرفه. وقال بعضهم: ~~ليس في الكتاب ما يمنع من المشي على أكثر من أربع، إذ لم يقل ليس منها ما ~~يمشى على أكثر من أربع. # وقيل فيه إضمار: ومنهم من يمشى على أكثر من أربع، كما وقع في مصحف أبى. ~~والله أعلم. # و " دابة " تشمل من يعقل وما لا يعقل، فغلب من يعقل لما اجتمع مع من لا ~~يعقل، لأنه المخاطب والمتعبد، ولذلك قال " فمنهم ". وقال: " من يمشى " ~~فأشار بالاختلاف إلى ثبوت الصانع، أي لولا أن للجميع صانعا مختارا لما ~~اختلفوا، بل كانوا من جنس واحد، وهو كقوله: " يسقى بماء واحد ونفضل بعضها ~~على بعض في الاكل إن في (2) ذلك لايات ". [الرعد: 4]. # (يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شئ) مما يريد خلقه (قدير). # (لقد أنزلنا آيات مبينات والله يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم) تقدم بيانه ~~في غير موضع. # قوله تعالى: ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من ~~بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين (47) # PageV12P292 # قوله تعالى: (ويقولون آمنا بالله وبالرسول) يعنى المنافقين، يقولون ~~بألسنتهم آمنا بالله وبالرسول من غير يقين ولا إخلاص. (وأطعنا) أي ويقولون، ~~وكذبوا. (ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين). # قوله تعالى: وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق ms4465 منهم معرضون ~~(48) وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين (49) أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا ~~أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون (50) فيه أربع ~~مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم) قال ~~الطبري وغيره: # إن رجلا من المنافقين اسمه بشر كانت بينه وبين رجل من اليهود خصومة في ~~أرض، فدعاه اليهودي إلى التحاكم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ~~المنافق مبطلا، فأبى من ذلك وقال: إن محمدا يحيف علينا، فلنحكم كعب بن ~~الأشرف، فنزلت الآية فيه. وقيل: نزلت في المغيرة بن وائل من بنى أمية، كان ~~بينه وبين علي بن أبي طالب رضي الله عنه خصومة في ماء وأرض فامتنع المغيرة ~~أن يحاكم عليا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: إنه يبغضني، فنزلت ~~الآية، ذكره الماوردي. وقال: " ليحكم " ولم يقل ليحكما لان المعنى به ~~الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما بدأ بذكر الله إعظاما لله واستفتاح كلام. # الثانية - قوله تعالى: (وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين) أي طائعين ~~منقادين، لعلمهم أنه عليه السلام يحكم بالحق. يقال: أذعن فلان لحكم فلان ~~يذعن إذعانا. # وقال النقاش: " مذعنين " خاضعين، ومجاهد: مسرعين. الأخفش وابن الأعرابي: # مقرين. (أفي قلوبهم مرض) شك وريب. (أم ارتابوا) أم حدث لهم شك في نبوته ~~PageV12P293 # وعدله. (أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله) أي يجور في الحكم والظلم. ~~وأتى بلفظ الاستفهام لأنه أشد في التوبيخ وأبلغ في الذم، كقوله جرير في ~~المدح: # ألستم خير من ركب المطايا * وأندى العالمين بطون راح (بل أولئك هم ~~الظالمون) أي المعاندون الكافرون، لاعراضهم عن حكم الله تعالى الثالثة - ~~القضاء يكون للمسلمين إذا كان الحكم بين المعاهد والمسلم ولا حق لأهل الذمة ~~فيه. وإذا كان بين ذميين فذلك إليهما. فإن جاءا قاضى الاسلام فإن شاء حكم ~~وإن شاء أعرض، كما تقدم في " المائدة " (1) الرابعة - هذه الآية دليل على ~~وجوب إجابة الداعي إلى الحاكم لان الله سبحانه ذم من دعي إلى رسوله ليحكم ~~بينه ms4466 وبين خصمه بأقبح الذم فقال: " أفي قلوبهم مرض " الآية. قال ابن خويز ~~منداد: واجب على كل من دعي إلى مجلس الحاكم أن يجيب، ما لم يعلم أن الحاكم ~~فاسق، أو عداوة بين المدعى والمدعى عليه. وأسند الزهراوي عن الحسن ابن أبي ~~الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من دعاه خصمه إلى الحاكم من ~~حكام المسلمين فلم يجب فهو ظالم ولا حق له). ذكره الماوردي أيضا. قال ابن ~~العربي: هذا حديث باطل، فأما قوله (فهو ظالم) فكلام صحيح، وأما قوله (فلا ~~حق له) فلا يصح، ويحتمل أن يريد أنه على غير الحق. # قوله تعالى: إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم ~~أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون (51) قوله تعالى: (إنما كان قول ~~المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله) أي إلى كتاب الله وحكم ورسوله. (أن ~~يقولوا سمعنا وأطعنا) قال ابن عباس: أخبر بطاعة المهاجرين والأنصار، وإن ~~كان ذلك فيما يكرهون، أي هذا قولهم، وهؤلاء لو كانوا مؤمنين لكانوا # PageV12P294 # يقولون سمعنا وأطعنا. فالقول نصب على خبر كان، واسمها في قوله: " أن ~~يقولوا " نحو: # " وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا " [آل عمران: 147]. ~~وقيل: إنما قول المؤمنين، وكان صلة في الكلام، كقوله تعالى: " كيف نكلم من ~~كان في المهد صبيا " (1). [مريم: 29]. وقرأ ابن القعقاع " ليحكم بينهم " ~~غير مسمى الفاعل. علي بن أبي طالب " إنما كان قول " بالرفع. # قوله تعالى: ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون ~~(52) قوله تعالى: (ومن يطع الله ورسوله) فيما أمر به حكم. (ويخش الله ~~ويتقه) قرأ حفص: " ويتقه " بإسكان القاف على نية الجزم، قال الشاعر: # ومن يتق فإن الله معه * ورزق الله مؤتاب وغادي وكسرها الباقون، لان جزمه ~~بحذف آخره. وأسكن الهاء أبو عمرو وأبو بكر. واختلس الكسرة يعقوب وقالون عن ~~نافع والبستي عن أبي عمرو وحفص. وأشبع كسرة الهاء الباقون. # (فأولئك هم الفائزون) ذكر أسلم أن عمر [رضي الله عنه] (3) بينما هو قائم ~~في ms4467 مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وإذا رجل من دهاقين الروم قائم على رأسه ~~وهو يقول: أنا أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله. فقال له ~~عمر: ما شأنك (4)؟ قال: أسلمت لله. قال: هل لهذا سبب! # قال: نعم! إني قرأت التوراة والزبور والإنجيل وكثيرا من كتب الأنبياء، ~~فسمعت أسيرا يقرأ آية من القرآن جمع فيها كل ما في الكتب المتقدمة، فعلمت ~~أنه من عند الله فأسلمت: # قال: ما هذه الآية؟ قال قوله تعالى: " ومن يطع الله " في الفرائض " ~~ورسوله " في السنن " ويخش الله " فيما مضى من عمره " ويتقه " فيما بقى من ~~عمره: " فأولئك هم الفائزون " والفائز من نجا من النار وأدخل الجنة. فقال ~~عمر: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أوتيت جوامع الكلم). # PageV12P295 # قوله تعالى: وأقسموا بالله جهد أيمنهم لئن أمرتهم ليخرجن قل لا تقسموا ~~طاع ء معروفة إن الله خبير بما تعملون (53) قوله تعالى: (وأقسموا بالله جهد ~~أيمانهم) عاد إلى ذكر المنافقين، فإنه لما بين كراهتهم لحكم النبي صلى الله ~~عليه وسلم أتوه فقالوا: والله لو أمرتنا أن نخرج من ديارنا ونسائنا ~~وأموالنا لخرجنا، ولو أمرتنا بالجهاد لجاهدنا، فنزلت هذه الآية. أي وأقسموا ~~بالله أنهم يخرجون معك في المستأنف ويطيعون. " جهد أيمانهم " أي طاقة ما ~~قدروا أن يحلفوا. # وقال مقاتل: من حلف بالله فقد أجهد في اليمين. وقد مضى في " الانعام " ~~(1) بيان هذا. و " جهد " منصوب على مذهب المصدر تقديره: إقساما بليغا. (قل ~~لا تقسموا) وتم الكلام. (طاعة معروفة) أولى بكم من أيمانكم، أو ليكن منكم ~~طاعة معروفة، وقول معروف بإخلاص القلب، ولا حاجة إلى اليمين. وقال مجاهد: ~~المعنى قد عرفت طاعتكم وهي الكذب والتكذيب، أي المعروف منكم الكذب دون ~~الاخلاص. (إن الله خبير بما تعملون) من طاعتكم بالقول ومخالفتكم بالفعل. # قوله تعالى: قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل ~~وعليكم ما حملتم وإن تطيعوا تهتدوا وما على الرسول إلا البلغ المبين (54) ~~قوله تعالى: (قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول) بإخلاص الطاعة ms4468 وترك النفاق. # (فإن تولوا) أي فإن تتولوا، فحذف إحدى التاءين. ودل على هذا أن بعده " ~~وعليكم " ولم يقل وعليهم. (فإنما عليه ما حمل) أي من تبليغ الرسالة. ~~(وعليكم ما حملتم) أي من الطاعة له، عن ابن عباس وغيره. (وإن تطيعوا ~~تهتدوا) جعل الاهتداء مقرونا بطاعته. (وما على الرسول إلا البلاغ) أي ~~التبليغ (المبين). # PageV12P296 # قوله تعالى: وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في ~~الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ~~وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك ~~فأولئك هم الفاسقون (55) نزلت في أبى بكر وعمر رضي الله عنهما، قاله مالك. ~~وقيل: إن سبب هذه الآية أن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم شكا جهد ~~مكافحة العدو، وما كانوا فيه من الخوف على أنفسهم، وأنهم لا يضعون أسلحتهم، ~~فنزلت الآية. وقال أبو العالية: مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عشر ~~سنين بعدما أوحى إليه خائفا هو وأصحابه، يدعون إلى الله سرا وجهرا، ثم أمر ~~بالهجرة إلى المدينة، وكانوا فيها خائفين يصبحون ويمسون في السلاح. # فقال رجل: يا رسول الله، أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع السلاح؟ فقال ~~عليه السلام: # (لا تلبثون إلا يسيرا حتى يجلس الرجل منكم في الملا العظيم محتبيا ليس ~~عليه حديدة). ونزلت هذه الآية، وأظهر الله نبيه على جزيرة العرب فوضعوا ~~السلاح وأمنوا. قال النحاس: فكان في هذه الآية دلالة على نبوة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، لان الله عز وجل أنجز ذلك الوعد. # قال الضحاك في كتاب النقاش: هذه [الآية] (1) تتضمن خلافة أبى بكر وعمر ~~وعثمان وعلى لأنهم أهل الايمان وعملوا الصالحات. وقد قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: (الخلافة بعدي ثلاثون). وإلى هذا القول ذهب ابن العربي في ~~أحكامه، واختاره وقال: قال علماؤنا هذه الآية دليل على خلافة الخلفاء ~~الأربعة رضي الله عنهم، وأن الله استخلفهم ورضى أمانتهم، وكانوا على الدين ~~الذي ارتضى لهم، لأنهم لم يتقدمهم ms4469 أحد في الفضيلة إلى يومنا هذا، فاستقر ~~الامر لهم، وقاموا بسياسة المسلمين، وذبوا عن حوزة الدين، فنفذ الوعد فيهم، ~~وإذا لم يكن هذا الوعد لهم نجز، وفيهم نفذ، وعليهم ورد، ففيمن يكون إذا؟ ~~وليس بعدهم مثلهم إلى يومنا هذا، ولا يكون فيما بعده. رضي الله عنهم. وحكى ~~هذا القول القشيري عن # PageV12P297 # ابن عباس. واحتجوا بما رواه سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم ~~تكون ملكا). قال سفينة: # أمسك [عليك] (1) خلافة أبى بكر سنتين، وخلافة عمر عشرا، وخلافة عثمان ~~اثنتي عشرة سنة، وخلافة على ستا. وقال قوم: هذا وعد لجميع الأمة في ملك ~~الأرض كلها تحت كلمة الاسلام، كما قال عليه الصلاة والسلام: (زويت لي الأرض ~~فرأيت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها). واختار هذا القول ~~ابن عطية في تفسيره حيث قال: والصحيح في الآية أنها في استخلاف الجمهور، ~~واستخلافهم هو أن يملكهم البلاد ويجعلهم أهلها، كالذي جرى في الشأم والعراق ~~وخراسان والمغرب. قال ابن العربي: قلنا لهم هذا وعد عام في النبوة والخلافة ~~وإقامة الدعوة وعموم الشريعة، فنفذ الوعد في كل أحد بقدره وعلى حاله، حتى ~~في المفتين والقضاة والأئمة، وليس للخلافة محل تنفذ فيه الموعدة الكريمة ~~إلا من تقدم من الخلفاء. ثم ذكر اعتراضا وانفصالا معناه: فإن قيل هذا الامر ~~لا يصح إلا في أبى بكر وحده، فأما عمر وعثمان فقتلا غيلة، وعلى قد نوزع في ~~الخلافة. قلنا: ليس في ضمن الامن السلامة من الموت بأي وجه كان، وأما على ~~فلم يكن نزاله في الحرب مذهبا للأمن، وليس من شرط الامن رفع الحرب إنما ~~شرطه ملك الانسان لنفسه باختياره، لا كما كان أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم بمكة. ثم قال في آخر كلامه: وحقيقة الحال أنهم كانوا مقهورين فصاروا ~~قاهرين، وكانوا مطلوبين فصاروا طالبين، فهذا نهاية الامن والعز. # قلت: هذه الحال لم تختص بالخلفاء الأربعة رضي الله عنهم حتى يخصوا ms4470 بها من ~~عموم الآية، بل شاركهم في ذلك جميع المهاجرين بل وغيرهم. ألا ترى إلى إغزاء ~~قريش المسلمين في أحد وغيرها وخاصة الخندق، حتى أخبر الله تعالى عن جميعهم ~~فقال: " إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الابصار وبلغت القلوب ~~الحناجر وتظنون بالله الظنونا. # هنالك ابتلى المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا " (2) [الأحزاب: 10 - 11]. ثم ~~إن الله رد الكافرين لم ينالوا خيرا، وأمن # PageV12P298 # المؤمنين وأورثهم أرضهم وديارهم وأموالهم، وهو المراد بقوله: " ~~ليستخلفنهم في الأرض ". # وقوله: " كما استخلف الذين من قبلهم " يعنى بني إسرائيل، إذ أهلك الله ~~الجبابرة بمصر، وأورثهم أرضهم وديارهم فقال: " وأورثنا القوم الذين كانوا ~~يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها " (1) [الأعراف: 137]. وهكذا كان الصحابة ~~مستضعفين خائفين، ثم إن الله تعالى أمنهم ومكنهم وملكهم، فصح أن الآية عامة ~~لامة محمد صلى الله عليه وسلم غير مخصوصة، إذ التخصيص لا يكون إلا بخبر ممن ~~يجب [له] التسليم، ومن الأصل المعلوم التمسك بالعموم. وجاء في معنى تبديل ~~خوفهم بالأمن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قال أصحابه: أما يأتي ~~علينا يوم نأمن فيه ونضع السلاح؟ فقال عليه السلام: (لا تلبثون إلا قليلا ~~حتى يجلس الرجل منكم في الملا العظيم محتبيا ليس عليه حديدة). وقال صلى ~~الله عليه وسلم: (والله ليتمن الله هذا الامر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى ~~حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون). خرجه مسلم في ~~صحيحه، فكان كما أخبر صلى الله عليه وسلم. فالآية معجزة النبوة، لأنها ~~إخبار عما سيكون فكان. # قوله تعالى: (ليستخلفنهم في الأرض) فيه قولان: أحدهما - يعنى أرض مكة، ~~لان المهاجرين سألوا الله تعالى ذلك فوعدوا كما وعدت بنو إسرائيل، قال ~~معناه النقاش. # الثاني - بلاد العرب والعجم. قال ابن العربي: وهو الصحيح، لان أرض مكة ~~محرمة على المهاجرين، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لكن البائس سعد بن ~~خولة). يرثى له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن مات بمكة. وقال في الصحيح ~~أيضا: (يمكث المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثا). ms4471 واللام في " ليستخلفهم " ~~جواب قسم مضمر، لان الوعد قول، مجازها: قال الله للذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات والله ليستخلفنهم في الأرض فيجعلهم ملوكها وسكانها. (كما استخلف ~~الذين من قبلهم) يعنى بني إسرائيل، أهلك الجبابرة بمصر والشام وأورثهم ~~أرضهم وديارهم. وقراءة العامة: " كما استخلف " بفتح التاء واللام، لقوله: " ~~وعد ". # وقوله: " ليستخلفنهم ". وقرأ عيسى بن عمر وأبو بكر والمفضل عن عاصم: " ~~استخلف " بضم # PageV12P299 # التاء وكسر اللام على الفعل المجهول. (وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم) ~~وهو الاسلام، كما قال تعالى: " ورضيت لكم الاسلام دينا " [المائدة: 3] وقد ~~تقدم (1). وروي سليم بن عامر عن المقداد ابن الأسود قال: سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: (ما على ظهر الأرض بيت حجر ولا مدر إلا أدخله ~~الله كلمة الاسلام بعز عزيز أو ذل ذليل أما بعزهم فيجعلهم من أهلها وأما ~~بذلهم فيدينون بها). ذكره الماوردي حجة لمن قال: إن المراد بالأرض بلاد ~~العرب والعجم، وهو القول الثاني، على ما تقدم آنفا. (وليبدلنهم) قرأ ابن ~~محيصن وابن كثير ويعقوب وأبو بكر بالتخفيف، من أبدل، وهي قراءة الحسن، ~~واختيار أبى حاتم. الباقون بالتشديد، من بدل، وهي اختيار أبى عبيد، لأنها ~~أكثر ما في القرآن، قال الله تعالى: " لا تبديل لكلمات (2) الله " [يونس: ~~64]. وقال: " وإذا بدلنا (3) آية " [النحل: 101] ونحوه، وهما لغتان. قال ~~النحاس: وحكى محمد بن الجهم عن الفراء قال: قرأ عاصم والأعمش: " وليبدلنهم ~~" مشددة، وهذا غلط عن عاصم، وقد ذكر بعده غلطا أشد منه، وهو أنه حكى عن ~~سائر الناس التخفيف. قال النحاس: # وزعم أحمد بن يحيى أن بين التثقيل والتخفيف فرقا، وأنه يقال: بدلته أي ~~غيرته، وأبدلته أزلته وجعلت غيره. قال النحاس: وهذا القول صحيح، كما تقول: ~~أبدل لي هذا الدرهم، أي أزله وأعطني غيره. وتقول: قد بدلت بعدنا، أي غيرت، ~~غير أنه قد يستعمل أحدهما موضع الاخر، والذي ذكره أكثر. وقد مضى هذا في " ~~النساء " (4) والحمد لله، وذكرنا في سورة " إبراهيم " الدليل من السنة على ~~أن بدل معناه إزالة العين، فتأمله هناك (5). وقرئ: " عسى ربنا ms4472 أن يبدلنا ~~(6) " [القلم: 32] مخففا ومثقلا (يعبدونني) هو في موضع الحال، أي في حال ~~عبادتهم الله بالاخلاص. ويجوز أن يكون استئنافا على طريق الثناء عليهم. (لا ~~يشركون بي شيئا) فيه أربعة أقوال: أحدها - لا يعبدون إلها غيري، حكاه ~~النقاش. الثاني - لا يراءون بعبادتي أحدا. الثالث - لا يخافون غيري، قاله ~~ابن عباس. الرابع - لا يحبون، غيري قاله مجاهد. (ومن كفر بعد ذلك) أي بهذه ~~النعم. والمراد كفران النعمة لأنه، قال تعالى: # (فأولئك هم الفاسقون) الكافر بالله فاسق بعد هذا الانعام وقبله. # PageV12P300 # قوله تعالى: وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون ~~(56) تقدم، فأعاد الامر بالعبادة تأكيدا. # قوله تعالى: لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض ومأويهم النار ولبئس ~~المصير (57) قوله تعالى: (لا تحسبن الذين كفروا) هذا تسلية للنبي صلى الله ~~عليه وسلم ووعد بالنصرة. وقراءة العامة " تحسبن " بالتاء خطابا. وقرأ ابن ~~عامر وحمزة وأبو حياة: " يحسبن " بالياء، بمعنى لا يحسبن الذين كفروا ~~أنفسهم معجزين الله في الأرض، لان الحسبان يتعدى إلى مفعولين. وهذا قول ~~الزجاج. وقال الفراء وأبو على: يجوز أن يكون الفعل للنبي صلى الله عليه ~~وسلم، أي لا يحسبن محمد الذين كفروا معجزين في الأرض. ف‍ " - الذين " مفعول ~~أول، و " معجزين " مفعول ثان. وعلى القول الأول " الذين كفروا " فاعل " ~~أنفسهم " مفعول أول، وهو محذوف مراد " معجزين " مفعول ثان. قال النحاس: وما ~~علمت أحدا من أهل العربية بصريا ولا كوفيا إلا وهو يخطئ قراءة حمزة، فمنهم ~~من يقول: هي لحن، لأنه لم يأت إلا بمفعول واحد ليحسبن. وممن قال هذا أبو ~~حاتم. وقال الفراء: هو ضعيف، وأجازه على ضعفه، على أنه يحذف المفعول الأول، ~~وقد بيناه. قال النحاس: وسمعت على ابن سليمان يقول في هذه القراءة: يكون " ~~الذين كفروا " في موضع نصب. قال: ويكون المعنى ولا يحسبن الكافر الذين ~~كفروا معجزين في الأرض. # قلت: وهذا موافق لما قاله الفراء وأبو على، إلا (1) أن الفاعل هناك النبي ~~صلى الله عليه وسلم. وفي هذا القول الكافر. و (معجزين) معناه فائتين. وقد ~~تقدم (2). (ومأواهم ms4473 النار ولبئس المصير) أي المرجع. # PageV12P301 # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم ~~يبلغوا الحلم منكم ثلث مرت من قبل صلاة الفجر وحين تضعفون ثيابكم من ~~الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء ثلث عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن ~~طوافون عليكم بعضكم على بعض كذلك يبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم ~~(58) فيه ثمان (1) مسائل: # الأولى - قال العلماء، هذه الآية خاصة والتي قبلها عامة، لأنه قال: " يا ~~أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على ~~أهلها " [النور: 27] ثم خص هنا فقال: # " ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم " فخص في هذه الآية بعض المستأذنين، ~~وكذلك أيضا يتأول القول في الأولى في جميع الأوقات عموما. وخص في هذه الآية ~~بعض الأوقات، فلا يدخل فيها عبد ولا أمة، وغدا كان أو ذا منظر إلا بعد ~~الاستئذان. قال مقاتل: نزلت في أسماء بنت مرثد، دخل عليها غلام لها كبير، ~~فاشتكت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت عليه الآية. وقيل: سبب ~~نزولها دخول مدلج على عمر، وسيأتي. # الثانية - اختلف العلماء في المراد بقوله تعالى: " ليستأذنكم " على ستة ~~أقوال الأول - أنها منسوخة، قاله ابن المسيب وابن جبير. # الثاني - أنها ندب غير واجبة، قاله أبو قلابة، قال: إنما أمروا بهذا نظرا ~~لهم. # الثالث - عنى بها النساء، قاله أبو عبد الرحمن السلمي. # وقال ابن عمر: هي في الرجال دون النساء. وهو القول الرابع. # الخامس - كان ذلك واجبا، إذ كانوا لا غلق لهم ولا أبواب، ولو عاد الحال ~~لعاد الوجوب، حكاه المهدوي عن ابن عباس. # PageV12P302 # السادس - أنها محكمة واجبة ثابتة على الرجال والنساء، وهو قول أكثر أهل ~~العلم، منهم القاسم وجابر بن زيد والشعبي. وأضعفها قول السلمي لان " الذين ~~" لا يكون للنساء في كلام العرب، إنما يكون للنساء اللاتي واللواتي ". وقول ~~ابن عمر يستحسنه أهل النظر، لان " الذين " للرجال في كلام العرب، وإن كان ~~يجوز أن يدخل معهم النساء فإنما يقع ذلك بدليل، والكلام على ظاهره، غير أن ~~في إسناده ms4474 ليث بن أبي سليم. وأما قول ابن عباس فروى أبو داود عن عبيد الله ~~بن أبي يزيد سمع ابن عباس يقول: آية لم يؤمر بها أكثر الناس آية الاستئذان ~~وإني لأمر جاريتي هذه تستأذن على. قال أبو داود: وكذلك رواه عطاء عن ابن ~~عباس " يأمر به ". وروى عكرمة أن نفرا من أهل العراق قالوا: يا بن عباس، ~~كيف ترى في هذه الآية التي أمرنا فيها بما أمرنا ولا يعمل بها [أحد] (2)، ~~قول الله عز وجل : " يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم ~~والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ~~ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم ~~جناح بعدهن طوافون عليكم ". قال أبو داود: قرأ القعنبي إلى " عليم حكيم " ~~قال ابن عباس: إن الله حليم رحيم بالمؤمنين يحب الستر، وكان الناس ليس ~~لبيوتهم ستور ولا حجال (3)، فربما دخل الخادم أو الولد أو يتيمة الرجل ~~والرجل على أهله، فأمرهم الله بالاستئذان في تلك العورات، فجاءهم الله ~~بالستور والخير، فلم أر أحدا يعمل بذلك [بعد] (2). # قلت: هذا متن حسن، وهو يرد قول سعيد وابن جبير، فإنه ليس فيه دليل على ~~نسخ الآية، ولكن على أنها كانت على حال ثم زالت، فإن كان مثل ذلك الحال ~~فحكمها قائم كما كان، بل حكمها لليوم ثابت في كثير من مساكن المسلمين في ~~البوادي والصحارى ونحوها. وروى # PageV12P303 # وكيع عن سفيان عن موسى بن أبي عائشة عن الشعبي " يا أيها الذين آمنوا ~~ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم " قال: ليست بمنسوخة. قلت: إن الناس لا ~~يعملون بها، قال: الله عز وجل المستعان. # الثالثة - قال بعض أهل العلم: إن الاستئذان ثلاثا مأخوذ من قوله تعالى: # " يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا ~~الحلم منكم ثلاث مرات " قال يزيد (1): ثلاث دفعات. قال: فورد القرآن في ~~المماليك والصبيان، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجميع. قال ابن ~~عبد البر: ما قاله من هذا ms4475 وإن كان له وجه فإنه غير معروف عن العلماء في ~~تفسير الآية التي نزع بها، والذي عليه جمهورهم في قوله: " ثلاث مرات " أي ~~في ثلاث أوقات. ويدل على صحة هذا القول ذكره فيها: " من قبل صلاة الفجر ~~وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء ". # الرابعة - أدب الله عز وجل عباده في هذه الآية بأن يكون العبيد إذ لا بال ~~لهم، والأطفال الذين لم يبلغوا الحلم إلا أنهم عقلوا معاني الكشفة ونحوها، ~~يستأذنون على أهليهم في هذه الأوقات الثلاثة، وهي الأوقات التي تقتضي عادة ~~الناس الانكشاف فيها وملازمة التعري. فما قبل الفجر وقت انتهاء النوم ووقت ~~الخروج من ثياب النوم ولبس ثياب النهار. ووقت القائلة وقت التجرد أيضا وهي ~~الظهيرة، لان النهار يظهر فيها إذا علا شعاعه واشتد حره. وبعد صلاة العشاء ~~وقت التعري للنوم، فالتكشف غالب في هذه الأوقات. # يروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث غلاما من الأنصار يقال له مدلج ~~إلى عمر بن الخطاب ظهيرة ليدعوه، فوجده نائما قد أغلق عليه الباب، فدق عليه ~~الغلام الباب فناداه، ودخل، فاستيقظ عمر وجلس فانكشف منه شئ، فقال عمر: ~~وددت أن الله نهى أبناءنا ونساءنا وخدمنا عن الدخول علينا في هذه الساعات ~~إلا بإذن، ثم انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد هذه الآية قد ~~أنزلت، فخر ساجدا شكرا لله. وهي مكية. # PageV12P304 # الخامسة - قوله تعالى: (والذين لم يبلغوا الحلم منكم) أي الذين لم ~~يحتلموا من أحراركم، قاله مجاهد. وذكر إسماعيل بن إسحاق كان (1) يقول: ~~ليستأذنكم الذين لم يبلغوا الحلم مما ملكت أيمانكم، على التقديم والتأخير، ~~وأن الآية في الإماء. وقرأ الجمهور بضم اللام، وسكنها الحسن بن أبي الحسن ~~لثقل الضمة، وكان أبو عمرو يستحسنها. و " ثلاث مرات " نصب على الظرف، لأنهم ~~لم يؤمروا بالاستئذان ثلاثا، إنما أمروا بالاستئذان في ثلاثة مواطن، ~~والظرفية في " ثلاث " بينة: من قبل صلاة الفجر، وحين تضعون ثيابكم من ~~الظهيرة، ومن صلاة العشاء. وقد مضى معناه. ولا يجب أن يستأذن ثلاث ms4476 مرات في ~~كل وقت. (ثلاث عورات لكم) قرأ جمهور السبعة " ثلاث عورات " برفع " ثلاث ". ~~وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم " ثلاث " بالنصب على البدل من الظرف ~~في قوله " ثلاث مرات ". قال أبو حاتم: النصب ضعيف مردود. وقال الفراء: ~~الرفع أحب إلى. قال: # وإنما اخترت الرفع لان المعنى: هذه الخصال ثلاث عورات. والرفع عند ~~الكسائي بالابتداء، والخبر عنده ما بعده، ولم يقل بالعائد، وقال نصا ~~بالابتداء. قال: والعورات الساعات التي تكون فيها العورة، إلا أنه قرأ ~~بالنصب، والنصب فيه قولان: أحدهما - أنه مردود على قوله " ثلاث مرات "، ~~ولهذا استبعده الفراء. وقال الزجاج: المعنى ليستأذنكم أوقات ثلاث عورات، ~~فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. و " عورات " جمع عورة، وبابه في ~~الصحيح أن يجئ على فعلات (بفتح العين) كجفنة وجفنات، ونحو ذلك. وسكنوا ~~العين في المعتل كبيضة وبيضات؟ لان فتحه داع إلى اعتلاله فلم يفتح لذلك، ~~فأما قول الشاعر: # أبو بيضات رائح متأوب * رفيق بمسح المنكبين سبوح (2) [فشاذ]. # PageV12P305 # السادسة - قوله تعالى: (ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن) أي في الدخول من ~~غير أن يستأذنوا وإن كنتم متبذلين. (طوافون) بمعنى هم طوافون. قال الفراء: # كقولك في الكلام إنما هم خدمكم وطوافون عليكم. وأجاز الفراء نصب " طوافين ~~" لأنه نكرة، والمضمر في " عليكم " معرفة. ولا يجيز البصريون أن يكون حالا ~~من المضمرين اللذين في " عليكم " وفي " بعضكم " لاختلاف العاملين. ولا يجوز ~~مررت يزيد ونزلت على عمرو العاقلين، على النعت لهما. فمعنى " طوافون عليكم ~~" أي يطوفون عليكم وتطوفون عليهم، ومنه الحديث في الهرة (إنما هي من ~~الطوافين عليكم أو الطوافات) (1). فمنع في الثلاث العورات من دخولهم علينا، ~~لان حقيقة العورة كل شئ لا مانع دونه، ومنه قوله: " إن بيوتنا عورة " (2) ~~[الأحزاب: 13] أي سهلة للمدخل، فبين العلة الموجبة للاذن، وهي الخلوة في ~~حال العورة، فتعين امتثاله وتعذر نسخه. ثم رفع الجناح بقوله: " ليس عليكم ~~ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم بعضكم على بعض " أي يطوف بعضكم على بعض. ~~(كذلك يبين الله لكم الآيات) الكاف في موضع نصب، ms4477 أي يبين الله لكم آياته ~~الدالة على متعبداته بيانا مثل ما يبين لكم هذه الأشياء. # (والله عليم حكيم) تقدم (3) السابعة - قوله تعالى: (ومن بعد صلاة العشاء) ~~يريد العتمة. وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال سمعت ~~رسول الله صلى يقول: # (لا تغلبنكم الاعراب على اسم صلاتكم ألا إنها العشاء وهم يعتمون بالإبل). ~~وفي رواية (فإنها في كتاب الله العشاء وإنها تعتم بحلاب الإبل). وفي ~~البخاري عن أبي برزة: كان النبي صلى الله عليه وسلم يؤخر العشاء. وقال أنس: ~~أخر النبي صلى الله عليه وسلم العشاء. وهذا يدل على العشاء الأولى. وفي ~~الصحيح: فصلاها، يعنى العصر بين العشاءين المغرب والعشاء. # وفي الموطأ وغيره: ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لاتوهما ولو حبوا. وفي ~~مسلم عن جابر # PageV12P306 # ابن سمرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى الصلوات نحوا من ~~صلاتكم، وكان يؤخر العتمة بعد صلاتكم شيئا، وكان يخف الصلاة. وقال القاضي ~~أبو بكر بن العربي: وهذه أخبار متعارضة، لا يعلم منها الأول من الاخر ~~بالتاريخ، ونهيه عليه السلام عن تسمية المغرب عشاء وعن تسمية العشاء عتمة ~~ثابت، فلا مرد له من أقوال الصحابة فضلا عمن عداهم. وقد كان ابن عمر يقول: ~~من قال صلاة العتمة فقد أثم. وقال ابن القاسم قال مالك: " ومن بعد صلاة ~~العشاء " فالله سماها صلاة العشاء فأحب النبي صلى الله عليه وسلم أن تسمى ~~بما سماها الله تعالى به، ويعلمها الانسان أهله وولده، ولا يقال عتمة إلا ~~عند خطاب من لا يفهم. # وقد قال حسان [بن ثابت] (1): # وكانت لا يزال بها أنيس * خلال مروجها نعم وشاء فدع هذا ولكن من لطيف * ~~يؤرقني إذا ذهب العشاء وقد قيل: إن هذا النهى عن اتباع الاعراب في تسميتهم ~~العشاء عتمة، إنما كان لئلا يعدل بها عما سماها الله تعالى في كتابه إذ ~~قال: " ومن بعد صلاة العشاء "، فكأنه نهى، إرشاد إلى ما هو الأولى، وليس ~~على جهة التحريم، وعلى أن تسميتها العتمة لا يجوز. ms4478 # ألا ترى أنه قد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أطلق عليها ذلك، وقد ~~أباح تسميتها بذلك أبو بكر وعمر رضي الله عنهما. وقيل: إنما نهى عن ذلك ~~تنزيها لهذه العبادة الشريفة الدينية عن أن يطلق عليها ما هو اسم لفعلة ~~دنيوية، وهي الحلبة التي كانوا يحتلبونها في ذلك الوقت ويسمونها العتمة، ~~ويشهد لهذا قوله: (فإنها تعتم بحلاب الإبل). # الثامنة - روى ابن ماجة في سننه حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا إسماعيل ~~بن عياش عن عمارة بن غزية عن أنس بن مالك عن عمر بن الخطاب عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه كان يقول: (من صلى في جماعة أربعين ليلة لا تفوته ~~الركعة الأولى من صلاة العشاء كتب الله بها عتقا من النار). وفي صحيح مسلم ~~عن عثمان بن عفان قال قال رسول الله صلى # PageV12P307 # الله عليه وسلم: (من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل ومن صلى ~~الفجر في جماعة فكأنما قام الليل كله). وروي الدارقطني في سننه عن سبيع أو ~~تبيع عن كعب قال: من توضأ فأحسن الوضوء وصلى العشاء الآخرة وصلى بعدها أربع ~~ركعات فأتم ركوعهن وسجودهن ويعلم ما يقترئ (1) فيهن كن له بمنزلة ليلة ~~القدر. # قوله تعالى: وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستئذنوا كما استئذن الذين من ~~قبلهم كذلك يبين الله لكم آياته والله حكيم (59) قرأ الحسن: " الحلم " فحذف ~~الضمة لثقلها. والمعنى: أن الأطفال أمروا بالاستئذان في الأوقات الثلاثة ~~المذكورة، وأبيح لهم الامر في غير ذلك كما ذكرنا. ثم أمر الله تعالى في هذه ~~الآية أن يكونوا إذا بلغوا الحلم على حكم الرجال في الاستئذان في كل وقت. ~~وهذا بيان من الله عز وجل لأحكامه وإيضاح حلاله وحرامه، وقال: " فليستأذنوا ~~" ولم يقل فليستأذنوكم. # وقال في الأولى: " ليستأذنكم " لان الأطفال غير مخاطبين ولا متعبدين. ~~وقال ابن جريج: # قلت لعطاء " وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا " قال: واجب على ~~الناس أن يستأذنوا إذا احتلموا، أحرارا كانوا أو عبيدا. وقال أبو إسحاق ~~الفزاري: قلت للأوزاعي ms4479 ما حد الطفل الذي يستأذن؟ قال: أربع سنين، قال لا ~~يدخل على امرأة حتى يستأذن. وقاله (2) الزهري: أي يستأذن الرجل على أمه، ~~وفي هذا المعنى نزلت هذه الآية. # قوله تعالى: والقواعد من النساء التي لا يرجعون نكاحا فليس عليهم جناح أن ~~يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خير لهن والله سميع عليم (60) # PageV12P308 # فيه خمس مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (والقواعد من النساء) القواعد واحدتها قاعد، بلا ~~هاء، ليدل حذفها على أنه قعود الكبر، كما قالوا: امرأة حامل، ليدل بحذف ~~الهاء أنه حمل حبل. # قال الشاعر: # فلو أن ما في بطنه بين نسوة * حبلن وإن كن القواعد عقرا وقالوا في غير ~~ذلك: قاعدة في بيتها، وحاملة على ظهرها، بالهاء. والقواعد أيضا: أساس ~~البيت، واحدة قاعدة، بالهاء. # الثانية - القواعد: العجز اللواتي قعدن عن التصرف من السن، وقعدن عن ~~الولد والمحيض، هذا قول أكثر العلماء. قال ربيعة: هي التي إذا رأيتها ~~تستقذرها من كبرها. # وقال أبو عبيدة: اللاتي قعدن عن الولد، وليس ذلك بمستقيم، لأن المرأة ~~تقعد عن الولد وفيها مستمتع، قاله المهدوي. # الثالثة - قوله تعالى: (فليس عليهن جناح أن يضعفن ثيابهن غير متبرجات ~~بزينة) إنما خص القواعد بذلك لانصراف الأنفس عنهن، إذ لا يذهب للرجال فيهن، ~~فأبيح لهن ما لم يبح لغيرهن، وأزيل عنهم كلفة التحفظ المتعب لهن. # الرابعة - قرأ ابن مسعود وأبى وابن عباس: " أن يضعن من ثيابهن " بزيادة " ~~من " قال ابن عباس: وهو الجلباب. وروي عن ابن مسعود أيضا: " من جلابيبهن " ~~والعرب تقول: امرأة واضع، للتي كبرت فوضعت خمارها. وقال قوم: الكبيرة التي ~~أيست من النكاح، لو بدا شعرها فلا بأس، فعلى هذا يجوز لها وضع الخمار. ~~والصحيح أنها كالشابة في التستر، إلا أن الكبيرة تضع الجلباب الذي يكون فوق ~~الدرع والخمار، قاله ابن مسعود وابن جبير وغيرهما. # الخامسة - قوله تعالى: (غير متبرجات بزينة) أي غير مظهرات ولا متعرضات ~~بالزينة لينظر إليهن، فإن ذلك من أقبح الأشياء وأبعده عن الحق. والتبرج: ~~التكشف والظهور للعيون، ومنه: بروج مشيدة. وبروج السماء والأسوار، ms4480 أي لا ~~حائل دونها يسترها. PageV12P309 # وقيل لعائشة رضي الله عنها: يا أم المؤمنين، ما تقولين في الخضاب والصباغ ~~والتمائم والقرطين والخلخال وخاتم الذهب ورقاق الثياب؟ فقالت: يا معشر ~~النساء، قصتكن قصة امرأة واحدة، أحل الله لكن الزينة غير متبرجات لمن لا ~~يحل لكن أن يروا منكن محرما. وقال عطاء: هذا في بيوتهن، فإذا خرجت فلا يحل ~~لها وضع الجلباب. وعلى هذا " غير متبرجات " غير خارجات من بيوتهن. وعلى هذا ~~يلزم أن يقال: إذا كانت في بيتها فلا بدلها من جلباب فوق الدرع، وهذا بعيد، ~~إلا إذا دخل عليها أجنبي. ثم ذكر تعالى أن تحفظ الجميع منهن، واستعفافهن عن ~~وضع الثياب والتزامهن ما يلزم الشباب أفضل لهن وخير. وقرأ ابن مسعود: # " وأن يتعففن " بغير سين. ثم قيل: من التبرج أن تلبس المرأة ثوبين رقيقين ~~يصفانها. # روى الصحيح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صنفان ~~من أهل النار لم أرهما قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ونساء ~~كاسيات عاريات مميلات مائلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ~~ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا). قال ابن العربي: وإنما ~~جعلهن كاسيات لان الثياب عليهن، وإنما وصفهن بأنهن عاريات لان الثواب إذا ~~رق يصفهن، ويبدي محاسنهن، وذلك حرام. # قلت: هذا أحد التأويلين للعلماء في هذا المعنى. والثاني - أنهن كاسيات من ~~الثياب عاريات من لباس التقوى الذي قال الله تعالى فيه: " ولباس التقوى ذلك ~~خير ". (1) وأنشدوا: # إذا المرء لم يلبس ثياب من التقى * تقلب عريانا وإن كان كاسيا وخير لباس ~~المرء طاعة ربه * ولا خير فيمن كان لله عاصيا وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد ~~الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بينا أنا نائم رأيت الناس ~~يعرضون على (2) وعليهم قمص منها ما يبلغ الثدي ومنها ما دون ذلك ومر عمر ~~ابن الخطاب وعليه قميص يجره) قالوا: ماذا أولت ذلك يا رسول الله؟ قال: ~~(الدين). # فتأويله صلى الله عليه وسلم القميص بالدين ms4481 مأخوذ من قوله تعالى: " ولباس ~~التقوى ذلك خير ". العرب تكنى عن الفضل والعفاف بالثياب، كما قال شاعرهم: # PageV12P310 # * ثياب بنى عوف طهارى نقية (1) * وقد قال صلى الله عليه وسلم لعثمان: (إن ~~الله سيلبسك قميصا فإن أرادوك أن تخلعه فلا تخلعه). فعبر عن الخلافة ~~بالقميص، وهي استعارة حسنة معروفة. # قلت: هذا التأويل أصح التأويلين، وهو اللائق بهن في هذه الأزمان، وخاصة ~~الشباب، فإنهن يتزين ويخرجن متبرجات، فهن كاسيات بالثياب عاريات من التقوى ~~حقيقة، ظاهرا وباطنا، حيث تبدي زينتها، ولا تبالي بمن ينظر إليها، بل ذلك ~~مقصودهن، وذلك مشاهد في الوجود منهن، فلو كان عندهن شئ من التقوى لما فعلن ~~ذلك، ولم يعلم أحد ما هنالك. # ومما يقوي هذا التأويل ما ذكر من وصفهن في بقية الحديث في قوله: (رؤوسهن ~~كأسنمة البخت). والبخت ضرب من الإبل عظام الأجسام، عظام الأسنمة، شبه ~~رؤوسهن بها لما رفعن من ضفائر شعورهن على أوساط رؤوسهن. وهذا مشاهد معلوم، ~~والناظر إليهن ملوم. # قال صلى الله عليه وسلم: (ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء). ~~خرجه البخاري. # قوله تعالى: ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ~~ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو ~~بيوت إخوانكم أو بيوت أخوتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عمتكم أو بيوت ~~أخوالكم أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم ليس عليكم جناح أن ~~تأكلوا جميعا أو أشتاتا فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند ~~الله مباركة طيبة كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون (61) # PageV12P311 # فيه إحدى عشرة مسألة: # الأولى: قوله تعالى: (ليس على الأعمى حرج) اختلف العلماء في تأويل هذه ~~الآية على أقوال ثمانية. أقربها - هل هي منسوخة أو ناسخة أو محكمة، فهذه ~~ثلاثة أقوال: # الأول - أنها منسوخة من قوله تعالى: " ولا على أنفسكم " إلى آخر الآية، ~~قاله عبد الرحمن ابن زيد، قال: هذا شئ انقطع، كانوا في أول الاسلام ليس على ~~أبوابهم أغلاق، وكانت الستور ms4482 مرخاة، فربما جاء الرجل فدخل البيت وهو جائع ~~وليس فيه أحد، فسوغ الله عز وجل أن يأكل منه، ثم صارت الاغلاق على البيوت ~~فلا يحل لاحد أن يفتحها، فذهب هذا وانقطع. قال صلى الله عليه وسلم: (لا ~~يحتلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه..) الحديث. خرجه الأئمة. # الثاني - أنها ناسخة، قاله جماعة. روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: # لما أنزل الله عز وجل: " يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم ~~بالباطل " (1) قال المسلمون: # إن الله عز وجل قد نهانا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل، وأن الطعام من ~~أفضل الأموال، فلا يحل لاحد منا أن يأكل عند أحد، فكف الناس عن ذلك، فأنزل ~~الله عز وجل: " ليس على الأعمى حرج - إلى - أو ما ملكتم مفاتحه ". قال: هو ~~الرجل يوكل الرجل بضيعته. # قلت: علي بن أبي طلحة هذا هو مولى بنى هاشم سكن الشام، يكنى أبا الحسن ~~ويقال أبا محمد، اسم أبيه أبى طلحة سالم، تكلم في تفسيره، فقيل: إنه لم ير ~~ابن عباس، والله أعلم. # الثالث - أنها محكمة، قاله جماعة من أهل العلم ممن يقتدي بقولهم، منهم ~~سعيد ابن المسيب وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود. وروى الزهري عن ~~عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان المسلمون يوعبون في النفير مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فكانوا يدفعون مفاتيحهم إلى ضمناهم ويقولون: إذا ~~احتجتم فكلوا، فكانوا يقولون إنما أحلوه لنا عن غير طيب نفس، فأنزل الله عز ~~وجل: " ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم " إلى آخر ~~الآية. قال النحاس: " يوعبون " أي يخرجون بأجمعهم في المغازي، # PageV12P312 # يقال: أوعب بنو فلان لبني فلان إذا جاءوهم بأجمعهم. وقال ابن السكيت: ~~يقال أوعب بنو فلان جلاء، فلم يبق ببلدهم منهم أحد. وجاء الفرس بركض وعيب، ~~أي بأقصى ما عنده. # وفي الحديث: (في الانف إذا استوعب جدعه الدية) إذا لم يترك منه شئ. ~~واستيعاب الشئ استئصاله. ويقال: بيت وعيب إذا كان واسعا يستوعب كل ms4483 ما جعل ~~فيه. والضمني هم الزمنى، واحدهم ضمن زمن. قال النحاس: وهذا القول من أجل ما ~~روي في الآية، لما فيه عن الصحابة والتابعين من التوقيف أن الآية نزلت في ~~شئ بعينه. قال ابن العربي: # وهذا كلام منتظم لأجل تخلفهم عنهم في الجهاد وبقاء أموالهم بأيديهم، لكن ~~قوله " أو ما ملكتم مفاتحه " قد اقتضاه، فكان هذا القول بعيدا جدا. لكن ~~المختار أن يقال: إن الله رفع الحرج عن الأعمى فيما يتعلق بالتكليف الذي ~~يشترط فيه البصر، وعن الأعرج فيما يشترط في التكليف به من المشي، وما يتعذر ~~من الافعال مع وجود العرج، وعن المريض فيما يؤثر المرض في إسقاطه، كالصوم ~~وشروط الصلاة وأركانها، والجهاد ونحو ذلك. ثم قال بعد ذلك مبينا: وليس ~~عليكم حرج في أن تأكلوا من بيوتكم. فهذا معنى صحيح، وتفسير بين مفيد، ~~ويعضده الشرع والعقل، ولا يحتاج في تفسير الآية إلى نقل. # قلت: وإلى هذا أشار ابن عطية فقال: فظاهر الآية وأمر الشريعة يدل على أن ~~الحرج عنهم مرفوع في كل ما يضطرهم إليه العذر، وتقتضي نيتهم فيه الاتيان ~~بالأكمل، ويقتضي العذر أن يقع منهم الأنقص، فالحرج مرفوع عنهم في هذا. فأما ~~ما قال الناس في هذا الحرج هنا وهي: # الثانية - فقال ابن زيد: وهو الحرج في الغزو، أي لا حرج عليهم في تأخرهم. # وقوله تعالى: " ولا على أنفسكم " الآية، معنى مقطوع من الأول. وقالت ~~فرقة: الآية كلها في معنى المطاعم. قالت: وكانت العرب ومن بالمدينة قبل ~~المبعث تتجنب الاكل مع أهل الاعذار، فبعضهم كان يفعل ذلك تقذرا لجولان اليد ~~من الأعمى، ولانبساط الجلسة من الأعرج، ولرائحة المريض وعلاته، وهي أخلاق ~~جاهلية وكبر، فنزلت الآية مؤذنة. PageV12P313 # وبعضهم كان يفعل ذلك تحرجا من غير أهل الاعذار، إذ هم مقصرون عن درجة ~~الأصحاء في الاكل، لعدم الرؤية في الأعمى، وللعجز عن المزاحمة في الأعرج، ~~ولضعف المريض، فنزلت الآية في إباحة الاكل معهم. وقال ابن عباس في كتاب ~~الزهراوي: إن أهل الاعذار تحرجوا في الاكل مع الناس من أجل عذرهم، ms4484 فنزلت ~~الآية مبيحة لهم. وقيل: كان الرجل إذا ساق أهل العذر إلى بيته فلم يجد فيه ~~شيئا ذهب به إلى بيوت قرابته، فتحرج أهل الاعذار من ذلك، فنزلت الآية. # الثالثة - قوله تعالى: (ولا على أنفسكم) هذا ابتداء كلام، أي ولا عليكم ~~أيها الناس. ولكن لما اجتمع المخاطب وغير المخاطب غلب المخاطب لينتظم ~~الكلام. وذكر بيوت القرابات وسقط منها بيوت الأبناء، فقال المفسرون: ذلك ~~لأنها داخلة في قوله: # " في بيوتكم " لان بيت ابن الرجل بيته وفي الخبر (أنت ومالك لأبيك). ~~ولأنه ذكر الأقرباء بعد ولم يذكر الأولاد. قال النحاس: وعارض بعضهم هذا ~~القول فقال: هذا تحكم على كتاب الله تعالى، بل الأولى في الظاهر ألا يكون ~~الابن مخالفا لهؤلاء، وليس الاحتجاج بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~(أنت ومالك لأبيك) بقوي لوهى هذا الحديث، وأنه لو صح لم تكن فيه حجة، إذ قد ~~يكون النبي صلى الله عليه وسلم علم أن مال ذلك المخاطب لأبيه. وقد قيل إن ~~المعنى (1): أنت لأبيك، ومالك مبتدأ، أي ومالك لك. # والقاطع لهذا التوارث بين الأب والابن. وقال الترمذي الحكيم: ووجه قوله ~~تعالى: # " ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم " كأنه يقول مساكنكم التي فيها ~~أهاليكم وأولادكم، فيكون للأهل والولد هناك شئ قد أفادهم هذا الرجل الذي له ~~المسكن، فليس عليه حرج أن يأكل معهم من ذلك القوت، أو يكون للزوجة والولد ~~هناك شئ من ملكهم فليس عليه في ذلك حرج. # PageV12P314 # الرابعة - قوله تعالى: (أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم ~~أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت ~~خالاتكم) قال بعض العلماء: هذا إذا أذنوا له في ذلك. وقال آخرون: أذنوا له ~~أو لم يأذنوا فله أن يأكل، لان القرابة التي بينهم هي إذن منهم. وذلك لان ~~في تلك القرابة عطفا تسمح النفوس منهم بذلك العطف أن يأكل هذا من شيئهم ~~ويسروا بذلك إذا علموا. ابن العربي: # أباح لنا الاكل من جهة النسب من غير ms4485 استئذان إذا كان الطعام مبذولا، فإذا ~~كان محوزا (1) دونهم لم يكن لهم أخذه، ولا يجوز أن يجاوزوا إلى الادخار، ~~ولا إلى ما ليس بمأكول وإن غير محوز عنهم إلا بإذن منهم. # الخامسة - قوله تعالى: (أو ما ملكت مفاتحة) يعنى مما اختزنتم وصار في ~~قبضتكم. # وعظم ذلك ما ملكه الرجل في بيته وتحت غلقه، وذلك هو تأويل الضحاك وقتادة ~~ومجاهد. # وعند جمهور المفسرين يدخل في الآية الوكلاء والعبيد والأجراء. قال ابن ~~عباس: عنى وكيل الرجل على ضيعته، وخازنه على ماله، فيجوز له أن يأكل مما هو ~~قيم عليه. وذكر معمر عن قتادة عن عكرمة قال: إذا ملك الرجل المفتاح فهو ~~خازن، فلا بأس أن يطعم الشئ اليسير. # ابن العربي: وللخازن أن يأكل مما يخزن إجماعا، وهذا إذا لم تكن له أجرة، ~~فأما إذا كانت له أجرة على الخزن حرم عليه الاكل. وقرأ سعيد بن جبير: " ~~ملكتم " بضم الميم وكسر اللام وشدها. # وقرأ أيضا " مفاتيحه " بياء بين التاء والحاء، جمع مفتاح، وقد مضى في " ~~الانعام ". وقرأ قتادة: # " مفتاحه " على الافراد. وقال ابن عباس: نزلت هذه الآية في الحارث بن ~~عمرو، خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غازيا وخلف مالك بن زيد على ~~أهله، فلما رجع وجده مجهودا فسأله عن حاله فقال: تحرجت أن آكل من طعامك ~~بغير إذنك، فأنزل الله تعالى هذه الآية. # السادسة - قوله تعالى: (أو صديقكم) الصديق بمعنى الجمع، وكذلك العدو، قال ~~الله تعالى: " فإنهم (3) عدو لي " [الشعراء: 77]. وقال جرير: # دعون الهوى ثم ارتمين قلوبنا * بأسهم أعداء وهن صديق # PageV12P315 # والصديق من يصدقك في مودته وتصدقه في مودتك. ثم قيل: إن هذا منسوخ بقوله: # " لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم " (1) [الأحزاب: 53]، وقوله ~~تعالى: " فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها " [النور: 28] الآية، وقوله ~~عليه السلام: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة نفس منه). # وقيل: هي محكمة، وهو أصح. ذكر محمد بن ثور عن معمر قال: دخلت بيت قتادة ~~فأبصرت فيه رطبا فجعلت آكله، فقال: ما هذا؟ ms4486 فقلت: أبصرت رطبا في بيتك ~~فأكلت، قال: أحسنت، قال الله تعالى: " أو صديقكم ". وذكر عبد الرزاق عن ~~معمر عن قتادة في قوله: " أو صديقكم " قال: إذا دخلت بيت صديقك من غير ~~مؤامرته لم يكن بذلك بأس. وقال معمر: قلت لقتادة: ألا أشرب من هذا الحب ~~(2)؟ قال: أنت لي صديق! فما هذا الاستئذان. وكان صلى الله عليه وسلم يدخل ~~حائط أبى طلحة المسمى ببيرحا (3) ويشرب من ماء فيها طيب بغير إذنه، على ما ~~قاله علماؤنا، قالوا: والماء متملك لأهله. وإذا جاز الشرب من ماء الصديق ~~بغير إذنه جاز الاكل من ثماره وطعامه إذا علم أن نفس صاحبه تطيب به لتفاهته ~~ويسير مؤنته، أو لما بينهما من المودة. ومن هذا المعنى إطعام أم حرام له ~~صلى الله عليه وسلم إذا نام عندها، لان الأغلب أن ما في البيت من الطعام هو ~~للرجل، وأن يد زوجته في ذلك عارية. # وهذا كله ما لم يتخذ الاكل خبنة (4)، ولم يقصد بذلك وقاية ماله، وكان ~~تافها يسيرا. # السابعة - قرن الله عز وجل في هذه الآية الصديق بالقرابة المحضة الوكيدة، ~~لان قرب المودة لصيق. قال ابن عباس في كتاب النقاش: الصديق أو كد من ~~القرابة، ألا ترى استغاثة الجهنميين: " فما لنا من شافعين. ولا صديق (5) ~~حميم " [الشعراء: 100 - 101]. # قلت: ولهذا لا تجوز عندنا شهادة الصديق لصديقه، كما لا تجوز شهادة القريب ~~لقريبه. # وقد مضى بيان هذا والعلة فيه في " النساء " (6). وفي المثل " أيهم أحب ~~إليك أخوك أم صديقك " قال: أخي إذا صديقي. # PageV12P316 # الثامنة - قوله تعالى: (ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا) قيل: # إنها نزلت في بنى ليث بن بكر، وهم حي من بنى كنانة، وكان الرجل منهم لا ~~يأكل وحده ويمكث أياما جائعا حتى يجد من يؤاكله. ومنه قول بعض الشعراء: # إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له * أكيلا فإني لست آكله وحدي قال ابن عطية: ~~وكانت هذه السيرة موروثة عندهم عن إبراهيم صلى الله عليه وسلم، فإنه كان لا ~~يأكل وحده. وكان بعض العرب إذا ms4487 كان له ضيف لا يأكل إلا أن يأكل مع ضيفه، ~~فنزلت الآية مبينة سنة الاكل، ومذهبة كل ما خالفها من سيرة العرب، ومبيحة ~~من أكل المنفرد ما كان عند العرب محرما، نحت به نحو كرم الخلق، فأفرطت في ~~إلزامه، وإن إحضار الأكيل لحسن، ولكن بألا يحرم الانفراد. # التاسعة - قوله تعالى: (جميعا أو أشتاتا) " جميعا " نصب على الحال. و " ~~أشتاتا " جمع شت، والشت المصدر بمعنى التفرق، يقال: شت القوم أي تفرقوا. ~~وقد ترجم البخاري في صحيحه (باب - ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ~~ولا على المريض حرج) الآية. و (والنهد والاجتماع). ومقصوده فيما قاله ~~علماؤنا في هذا الباب: إباحة الاكل جميعا وإن اختلفت أحوالهم في الاكل. وقد ~~سوغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فصارت تلك سنة في الجماعات التي تدعى ~~إلى الطعام في النهد والولائم وفي الاملاق في السفر. # وما ملكت مفاتحه بأمانة أو قرابة أو صداقة فلك أن تأكل مع القريب أو ~~الصديق ووحدك. # والنهد: ما يجمعه الرفقاء من مال أو طعام على قدر في النفقة ينفقونه ~~بينهم، وقد تناهدوا، عن صاحب العين. وقال ابن دريد: يقال من ذلك: تناهد ~~القوم الشئ بينهم. الهروي: # وفي حديث الحسن (أخرجوا نهدكم فإنه أعظم للبركة وأحسن لأخلاقكم). النهد: ~~ما تخرجه الرفقة عند المناهدة، وهو استقسام النفقة بالسوية في السفر وغيره. ~~والعرب تقول: هات نهدك، بكسر النون. قال المهلب: وطعام النهد لم يوضع ~~للاكلين على أنهم يأكلون بالسواء، وإنما يأكل كل واحد على قدر نهمته، وقد ~~يأكل الرجل أكثر من غيره. وقد قيل: إن PageV12P317 # تركها أشبه بالورع. وإن كانت الرفقة تجتمع كل يوم على طعام أحدهم فهو ~~أحسن من النهد لأنهم لا يتناهدون إلا ليصيب كل واحد منهم من ماله، ثم لا ~~يدري لعل أحدهم يقصر عن ماله ويأكل غيره أكثر من ماله، وإذا كانوا يوما عند ~~هذا ويوما عند هذا بلا شرط فإنما يكونون أضيافا والضيف يأكل بطيب نفس مما ~~يقدم إليه. وقال أيوب السختياني: # إنما كان النهد أن القوم ms4488 كانوا يكونون في السفر فيسبق بعضهم إلى المنزل ~~فيذبح ويهيئ الطعام ثم يأتيهم، ثم يسبق أيضا إلى المنزل فيفعل مثل ذلك، ~~فقالوا: إن هذا الذي تصنع كلنا نحب أن نصنع مثله فتعالوا نجعل بيننا شيئا ~~لا يتفضل بعضنا على بعض، فوضعوا النهد بينهم. # وكان الصلحاء إذا تناهدوا تحرى أفضلهم أن يزيد على ما يخرجه أصحابه، وإن ~~لم يرضوا بذلك منه إذا علموه فعله سرا دونهم. # العاشرة - قوله تعالى: (فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند ~~الله مباركة طيبة كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون) اختلف المتأولون ~~في أي البيوت أراد، فقال إبراهيم النخعي والحسن: أراد المساجد، والمعنى: ~~سلموا على من فيها من ضيفكم (1). فإن لم يكن في المساجد أحد فالسلام أن ~~يقول المرء: السلام على رسول الله. وقيل: # يقول السلام عليكم، يريد الملائكة، ثم يقول: السلام علينا وعلى عباد الله ~~الصالحين. # وذكر عبد الرزاق أخبرنا معمر عن عمرو بن دينار عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما في قوله تعالى: " فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم " الآية، قال: ~~إذا دخلت المسجد فقل السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. وقيل: المراد ~~بالبيوت البيوت المسكونة، أي فسلموا على أنفسكم. قاله جابر بن عبد الله ~~وابن عباس أيضا وعطاء بن أبي رباح. وقالوا: يدخل في ذلك البيوت غير ~~المسكونة، ويسلم المرء فيها على نفسه بأن يقول: السلام علينا وعلى عباد ~~الله الصالحين. قال ابن العربي: القول بالعموم في البيوت هو الصحيح، ولا ~~دليل على التخصيص، وأطلق القول ليدخل تحت هذا العموم كل بيت كان للغير أو ~~لنفسه، فإذا دخل بيتا لغيره استأذن كما تقدم، فإذا دخل بيتا لنفسه سلم كما ~~ورد في الخبر، يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، قاله ابن عمر. ~~وهذا إذا كان فارغا، فإن كان فيه أهله وخدمه # PageV12P318 # فليقل: السلام عليكم. وإن كان مسجدا فليقل: السلام علينا وعلى عباد الله ~~الصالحين. # وعليه حمل ابن عمر البيت الفارغ. قال ابن العربي: والذي أختاره إذا كان ~~البيت فارغا ألا ms4489 يلزم السلام، فإنه إن كان المقصود الملائكة فالملائكة لا ~~تفارق العبد بحال، أما إنه إذا دخلت بيتك يستحب لك ذكر الله بأن تقول: ما ~~شاء الله لا قوة إلا بالله. وقد تقدم في سورة " الكهف " (1). وقال القشيري ~~في قوله: " إذا دخلتم بيوتا ": والأوجه أن يقال إن هذا عام في دخول كل بيت، ~~فإن كان فيه ساكن مسلم يقول السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وإن لم يكن ~~فيه ساكن يقول السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وإن كان في البيت من ~~ليس بمسلم قال السلام على من اتبع الهدى، أو السلام علينا وعلى عباد الله ~~الصالحين. وذكر ابن خويز منداد قال: كتب إلى أبو العباس الأصم قال حدثنا ~~محمد ابن عبد الله بن عبد الحكم قال حدثنا ابن وهب قال حدثنا جعفر بن ميسرة ~~عن زيد بن أسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا دخلتم بيوتا ~~فسلموا على أهلها واذكروا اسم الله فإن أحدكم إذا سلم حين يدخل بيته وذكر ~~اسم الله تعالى على طعامه يقول الشيطان لأصحابه لا مبيت لكم ها هنا ولا ~~عشاء وإذا لم يسلم أحدكم إذا دخل ولم يذكر اسم الله على طعامه قال الشيطان ~~لأصحابه أدركتم المبيت والعشاء). # قلت: هذا الحديث ثبت (2) معناه مرفوعا من حديث جابر، خرجه مسلم. وفي كتاب ~~أبى داود عن أبي مالك الأشجعي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا ~~ولج الرجل بيته فليقل اللهم إني أسألك خير الولوج وخير الخروج باسم الله ~~ولجنا وباسم الله خرجنا وعلى الله ربنا توكلنا ليسلم على أهله). # الحادية عشرة - قوله تعالى: (تحية) مصدر، لان قوله: " فسلموا " معناه ~~فحيوا. # وصفها بالبركة لان فيها الدعاء واستجلاب مودة المسلم عليه. ووصفها أيضا ~~بالطيب لان سامعها يستطيبها. والكاف من قوله: " كذلك " كاف تشبيه. و " ذلك ~~" إشارة إلى هذه السنن، أي كما بين لكم سنة دينكم في هذه الأشياء يبين لكم ~~سائر ما بكم حاجة إليه في دينكم. # " # PageV12P319 # قوله تعالى: إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ms4490 ورسوله وإذا كانوا معه على ~~أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون ~~بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله ~~إن الله غفور رحيم (62) قوله تعالى: (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ~~ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه) فيه مسألتان: # الأولى - قوله تعالى: (إنما المؤمنون) " إنما " في هذه الآية للحصر، ~~المعنى: # لا يتم ولا يكمل إيمان من آمن بالله ورسول إلا بأن يكون من الرسول سامعا ~~غير معنت في أن يكون الرسول يريد إكمال أمر فيريد هو إفساده بزواله في وقت ~~الجمع، ونحو ذلك. وبين تعالى في أول السورة أنه أنزل آيات بينات، وإنما ~~النزول على محمد صلى الله عليه وسلم، فختم السورة بتأكيد الامر في متابعته ~~عليه السلام، ليعلم أن أوامره كأوامر القرآن. # الثانية - واختلف في الامر الجامع ما هو، فقيل: المراد به ما للامام من ~~حاجة إلى تجمع الناس فيه لإذاعة مصلحة، من إقامة سنة في الدين، أو لترهيب ~~عدو باجتماعهم وللحروب، قال الله تعالى: " وشاورهم في (1) الامر " [آل ~~عمران: 159]. فإذا كان أمر يشملهم نفعه وضره جمعهم للتشاور في ذلك. والامام ~~الذي يترقب إذنه هو إمام الامرة، فلا يذهب أحد لعذر إلا بإذنه، فإذا ذهب ~~بإذنه ارتفع عنه الظن السيئ. وقال مكحول والزهري: الجمعة من الامر الجامع. # وإمام الصلاة ينبغي أن يستأذن إذا قدمه إمام الامرة، إذا كان يرى ~~المستأذن. قال ابن سيرين: كانوا يستأذنون الامام على المنبر، فلما كثر ذلك ~~قال زياد: من جعل يده على فيه فليخرج دون إذن، وقد كان هذا بالمدينة حتى أن ~~سهل بن أبي صالح رعف يوم الجمعة فاستأذن الامام. وظاهر الآية يقتضى أن ~~يستأذن أمير الامرة الذي هو في مقعد النبوة، فإنه ربما كان له رأي في حبس ~~ذلك الرجل لأمر من أمور الدين. فأما إمام الصلاة فقط # PageV12P320 # فليس ذلك إليه، لأنه وكيل على جزء من أجزاء الدين للذي هو في مقعد ~~النبوة. وروي أن هذه الآية ms4491 نزلت في حفر الخندق حين جاءت قريش وقائدها أبو ~~سفيان، وغطفان وقائدها عيينة بن حصن، فضرب النبي صلى الله عليه وسلم الخندق ~~على المدينة، وذلك في شوال سنة خمس من الهجرة، فكان المنافقون يتسللون ~~لواذا من العمل ويعتذرون بأعذار كاذبة. ونحوه روى أشهب وابن عبد الحكم عن ~~مالك، وكذلك قال محمد بن إسحاق. وقال مقاتل: نزلت في عمر رضي الله عنه، ~~استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك في الرجعة فأذن له وقال: # (انطلق فوالله ما أنت بمنافق) يريد بذلك أن يسمع المنافقين. وقال ابن ~~عباس رضي الله عنهما : إنما استأذن عمر رضي الله عنه في العمرة فقال عليه ~~السلام لما أذن له: (يا أبا حفص لا تنسنا في صالح دعائك). # قلت: والصحيح الأول لتناوله جميع الأقوال. واختار ابن العربي ما ذكره في ~~نزول الآية عن مالك وابن إسحاق، وأن ذلك مخصوص في الحرب. قال: والذي يبين ~~ذلك أمران: # أحدهما - قوله في الآية الأخرى: " قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا ~~" [النور: 63]. وذلك أن المنافقين كانوا يتلوذون ويخرجون عن الجماعة ~~ويتركون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر الله جميعهم بألا يخرج أحد ~~منهم حتى يأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبذلك يتبين إيمانه. ~~الثاني - قوله: " لم يذهبوا حتى يستأذنوه " وأي إذن في الحدث (1) والامام ~~يخطب، وليس للامام خيار في منعه ولا إبقائه، وقد قال: " فأذن لمن شئت منهم ~~"، فبين بذلك أنه مخصوص في الحرب. # قلت: القول بالعموم أولى وأرفع وأحسن وأعلى. (فأذن لمن شئت منهم) فكان ~~النبي صلى الله عليه وسلم بالخيار إن شاء أن يأذن وإن شاء منع. وقال قتادة: ~~قوله: " فأذن لمن شئت منهم " منسوخة بقوله: " عفا الله عنك لم أذنت لهم " ~~(2) [التوبة: 43]. # أي لخروجهم عن الجماعة إن علمت لهم عذرا. (إن الله غفور رحيم). # PageV12P321 # قوله تعالى: لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا قد يعلم الله ~~الذين يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخلفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو ~~يصيبهم عذاب ms4492 أليم (63) قوله تعالى: (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء ~~بعضكم بعضا) يريد: يصيح من بعيد: يا أبا القاسم! بل عظموه كما قال في ~~الحجرات: " إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله " (1) [الحجرات: 3] ~~الآية. وقال سعيد بن جبير ومجاهد: المعنى قولوا يا رسول الله، في رفق ولين، ~~ولا تقولوا يا محمد بتجهم. وقال قتادة: أمرهم أن يشرفوه ويفخموه. ابن عباس: ~~لا تتعرضوا لدعاء الرسول عليكم بإسخاطه فإن دعوته موجبة. (قد يعلم الله ~~الذين يتسللون منكم لواذا) التسلل والانسلال: الخروج. واللواذ من الملاوذة، ~~وهي أن تستتر بشئ مخافة من يراك، فكان المنافقون يتسللون عن صلاة الجمعة. " ~~لواذا " مصدر في موضع الحال، أي متلاوذين، أي يلوذ بعضهم ببعض، ينضم إليه ~~استتارا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه لم يكن على المنافقين أثقل ~~من يوم الجمعة وحضور الخطبة، حكاه النقاش، وقد مضى القول فيه. # وقيل: كانوا يتسللون في الجهاد رجوعا عنه يلوذ عضهم ببعض. وقال الحسن: ~~لواذا فرارا من الجهاد، ومنه قول حسان: # وقريش تجول (2) منا لواذا * لم تحافظ وخف منها الحلوم وصحت واوها لتحركها ~~في لاوذ. يقال، لاوذ يلاوذ ملاوذة ولواذا. ولاذ يلوذ [لوذا] ولياذا، انقلبت ~~الواو ياء لانكسار ما قبلها اتباعا للاذ في الاعتلال، فإذا كان مصدر فاعل ~~لم يعل، لان فاعل لا يجوز أن يعل. # قوله تعالى: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره) بهذه الآية احتج الفقهاء على ~~أن الامر على الوجوب. ووجهها أن الله تبارك وتعالى قد حذر من مخالفة أمره، ~~وتوعد # PageV12P322 # بالعقاب عليها بقوله: (أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) فتحرم ~~مخالفته، فيجب امتثال أمره. والفتنة هنا القتل، قاله ابن عباس. عطاء: ~~الزلازل والأهوال. جعفر بن محمد: # سلطان جائر يسلط عليهم. وقيل: الطبع على القلوب بشؤم مخالفة الرسول. ~~والضمير في " أمره " قيل هو عائد إلى أمر الله تعالى، قاله يحيى بن سلام. ~~وقيل: إلى أمر رسوله عليه السلام، قاله قتادة. ومعنى: " يخالفون عن أمره " ~~أي يعرضون عن أمره. وقال أبو عبيدة والأخفش: " عن " في هذا الموضع زائدة. ms4493 ~~وقال الخليل وسيبويه: ليست بزائدة، والمعنى: يخالفون بعد أمره، كما قال: # *... لم تنتطق عن تفضل (1) ومنه قوله: " ففسق عن أمر ربه " (2) [الكهف: ~~50] أي بعد أمر ربه. و " أن " في موضع نصب ب‍ " - يحذر ". # ولا يجوز عند أكثر النحويين حذر زيدا، وهو في " أن " جائز، لان حروف ~~الخفض تحذف معها. # قوله تعالى: ألا إن الله ما في السماوات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه ~~ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شئ عليم (64) قوله تعالى: ~~(ألا إن الله ما في السماوات والأرض) خلقا وملكا. (قد يعلم ما أنتم عليه) ~~فهو يجازيكم به. و " يعلم " هنا بمعنى علم. (ويوم يرجعون إليه) بعد ما كان ~~في خطاب رجع في خبر، وهذا يقال له: خطاب التلوين. (فينبئهم بما عملوا) أي ~~يخبرهم بأعمالهم ويجازيهم بها. (والله بكل شئ عليم) من أعمالهم وأحوالهم. # ختمت السورة بما تضمنت من التفسير، والحمد لله على التيسير. # PageV12P323 # تم بعون الله تعالى الجزء الثاني عشر من تفسير القرطبي يتلوه إن شاء الله ~~تعالى الجزء عشر، وأوله سورة " الفرقان " محققه أبو إسحاق إبراهيم أطفيش ~~PageV12P324 # الجامع لاحكام القرآن لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي الجزء ~~الثالث عشر أعاد طبعه دار احياء التراث العربي بيروت - لبنان 1405 ه‍ 1985 ~~م بسم الله الرحمن الرحيم سورة الفرقان مكية كلها في قول الجمهور. وقال ابن ~~عباس وقتادة: إلا ثلاث آيات منها نزلت بالمدينة، وهي: " والذين لا يدعون مع ~~الله إلها آخر " إلى قوله: " وكان الله غفورا رحيما ". # وقال الضحاك: هي مدنية، وفيها آيات مكية، قوله: " والذين لا يدعون مع ~~الله إلها آخر " الآيات. # ومقصود هذه السورة ذكر موضع عظم القرآن، وذكر مطاعن الكفار في النبوة ~~والرد على مقالاتهم، فمن جملتها قولهم: إن القرآن افتراه محمد، وإنه ليس من ~~عند الله. # قوله تعالى: تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعلمين نذيرا (1) ~~الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق ~~كل شئ فقدره تقديرا (2) واتخذوا من دونه ms4494 آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ~~ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا (3) ~~قوله تعالى: (تبارك الذي نزل الفرقان) " تبارك " اختلف في معناه، فقال ~~الفراء: # هو في العربية و " تقدس " واحد، وهما للعظمة. وقال الزجاج: " تبارك " ~~تفاعل من البركة. قال: ومعنى البركة الكثرة من كل ذي خير. وقيل: " تبارك " ~~تعالى. وقيل: # تعالى عطاؤه، أي زاد وكثر. وقيل: المعنى دام وثبت إنعامه. قال النحاس: ~~وهذا أولاها في اللغة والاشتقاق، من برك الشئ إذا ثبت ومنه برك الجمل ~~والطير على الماء، أي دام PageV13P001 # وثبت. فأما القول الأول فمخلط، لان التقديس إنما هو من الطهارة وليس من ~~ذا في شئ. # قال الثعلبي: ويقال تبارك الله، ولا يقال متبارك ولا مبارك، لأنه ينتهى ~~في أسمائه وصفاته إلى حيث ورد التوقيف. وقال الطرماح: # تباركت لا معط لشئ منعته * وليس لما أعطيت يا رب مانع وقال آخر: # * تباركت ما تقدر يقع ولك الشكر * قلت: قد ذكر بعض العلماء في أسمائه ~~الحسنى " المبارك " وذكرناه أيضا في كتابنا. # فإن كان وقع اتفاق على أنه لا يقال فيسلم للاجماع. وإن كان وقع فيه ~~اختلاف فكثير من الأسماء اختلف في عده، كالدهر وغيره. وقد نبهنا على ذلك ~~هنالك، والحمد لله. # و " الفرقان " القرآن. وقيل: إنه اسم لكل منزل، كما قال: " ولقد آتينا ~~موسى وهرون الفرقان ". وفى تسميته فرقانا وجهان: أحدهما - لأنه فرق بين ~~الحق والباطل، والمؤمن والكافر. الثاني - لان فيه بيان ما شرع من حلال ~~وحرام، حكاه النقاش. (على عبده) يريد محمدا صلى الله عليه وسلم. (ليكون ~~للعالمين نذيرا) اسم " يكون " مضمر يعود على " عبده " وهو أولى لأنه أقرب ~~إليه. ويجوز أن يكون يعود على " الفرقان ". وقرأ عبد الله بن الزبير " على ~~عباده ". ويقال: أنذر إذا خوف، وقد تقدم في أول " البقرة " (1). والنذير: ~~المحذر من الهلاك. الجوهري: والنذير المنذر، والنذير الانذار. والمراد ب‍ " ~~العالمين " هنا الإنس والجن ، لان النبي صلى الله عليه وسلم قد كان رسولا ~~إليهما، ونذيرا لهما، وأنه خاتم الأنبياء، ولم يكن ms4495 غيره عام الرسالة إلا ~~نوح فإنه عم برسالته جميع الانس بعد الطوفان، لأنه بدأ به الخلق. # قوله تعالى: (الذي له ملك السماوات والأرض) عظم تعالى نفسه. (ولم يتخذ ~~ولدا) نزه سبحانه وتعالى نفسه عما قاله المشركون من أن الملائكة أولاد ~~الله، يعنى بنات الله سبحانه وتعالى. وعما قالت اليهود: عزير ابن الله، جل ~~الله تعالى. وعما قالت النصارى: المسيح ابن الله، تعالى الله عن ذلك. (ولم ~~يكن له شريك في الملك) كما قال عبدة الأوثان. # PageV13P002 # (وخلق كل شئ) لا كما قال المجوس والثنوية: إن الشيطان أو الظلمة يخلق بعض ~~الأشياء. ولا كما يقول من قال: للمخلوق قدرة الايجاد. فالآية رد على هؤلاء. ~~(فقدره تقديرا) أي قدر كل شئ مما خلق بحكمته على ما أراد، لا عن سهوة ~~وغفلة، بل جرت المقادير على ما خلق الله إلى يوم القيامة، وبعد القيامة، ~~فهو الخالق المقدر، فإياه فاعبدوه. # قوله تعالى: (واتخذوا من دون آلهة) ذكر ما صنع المشركون على جهة التعجيب ~~في اتخاذهم الآلهة، مع ما أظهر من الدلالة على وحدانيته وقدرته. (لا يخلق ~~شيئا) يعنى الآلهة. (وهم يخلقون) لما اعتقد المشركون فيها أنها تضر وتنفع، ~~عبر عنها كما يعبر عما يعقل. (ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا) أي لا دفع ~~ضر وجلب نفع، فحذف المضاف. وقيل: لا يقدرون أن يضروا أنفسهم أو ينفعوها ~~بشئ، ولا لمن يعبدهم، لأنها جمادات. (ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا) ~~أي لا يميتون أحدا، ولا يحيونه. # والنشور: الاحياء بعد الموت، أنشر الله الموتى فنشروا. وقد تقدم (1). ~~وقال الأعشى: # حتى يقول الناس مما رأوا * يا عجبا للميت الناشر قوله تعالى: وقال الذين ~~كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون فقد جاؤوا ظلما وزورا ~~(4) وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا (5) قل أنزله ~~الذي يعلم السر في السماوات والأرض إنه كان غفورا رحيما (6) قوله تعالى: ~~(وقال الذين كفروا) يعنى مشركي قريش. وقال ابن عباس: القائل منهم ذلك النضر ~~بن الحرث، وكذا كل ما ms4496 في القرآن فيه ذكر الأساطير. قال محمد بن إسحاق : ~~وكان مؤذيا للنبي صلى الله عليه وسلم. (إن هذا) يعنى القرآن. (إلا إفك ~~افتراه) أي كذب اختلقه. (وأعانه عليه قوم آخرون) يعنى اليهود، قاله مجاهد. ~~وقال ابن عباس: # PageV13P003 # المراد بقوله: " قوم آخرون " أبو فكيهة مولى بنى الحضرمي وعداس وجبر، ~~وكان هؤلاء الثلاثة من أهل الكتاب. وقد مضى في " النحل " (1) ذكرهم. (فقد ~~جاءوا ظلما) أي بظلم. وقيل: # المعنى فقد أتوا ظلما. (وزورا. وقالوا أساطير الأولين) قال الزجاج: واحد ~~الأساطير أسطورة، مثل أحدوثة وأحاديث. وقال غيره: أساطير جمع أسطار، مثل ~~أقوال وأقاويل. # (اكتتبها) يعنى محمدا. (فهي تملى عليه) أي تلقى عليه وتقرأ. (بكرة ~~وأصيلا) حتى تحفظ. و " تملى " أصله تملل، فأبدلت اللام الأخيرة ياء من ~~التضعيف: كقولهم: تقضى البازي، وشبهه. # قوله تعالى: (قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض) أي قل يا محمد ~~أنزل هذا القرآن الذي يعلم السر، فهو عالم الغيب، فلا يحتاج إلى معلم. وذكر ~~" السر " دون الجهر، لأنه من علم السر فهو في الجهر أعلم. ولو كان القرآن ~~مأخوذا من أهل الكتاب وغيرهم لما زاد عليها، وقد جاء بفنون تخرج عنها، فليس ~~مأخوذا منها. وأيضا ولو كان مأخوذا من هؤلاء لتمكن المشركون منه أيضا كما ~~تمكن محمد صلى الله عليه وسلم، فهلا عارضوه فبطل اعتراضهم من كل وجه. (إنه ~~كان غفورا رحيما) يريد غفورا لأوليائه رحيما بهم. # قوله تعالى: وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا ~~أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا (7) أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل ~~منها و قال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا (8) قوله تعالى: (وقالوا ~~مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق). # فيه مسئلتان: # الأولى - قوله تعالى: " وقالوا " ذكر شيئا آخر من مطاعنهم. والضمير في " ~~قالوا " لقريش، وذلك أنهم كان لهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلس ~~مشهور، وقد تقدم # PageV13P004 # في " سبحان " (1). ذكره ابن إسحاق في السيرة وغيره. مضمنه - أن سادتهم ~~عتبة بن ربيعة وغيره ms4497 اجتمعوا معه فقالوا: يا محمد! إن كنت تحب الرياسة ~~وليناك علينا، وإن كنت تحب المال جمعنا لك من أموالنا، فلما أبى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن ذلك رجعوا في باب الاحتجاج معه فقالوا: ما بالك وأنت ~~رسول الله تأكل الطعام، وتقف بالأسواق! فعيروه بأكل الطعام، لأنهم أرادوا ~~أن يكون الرسول ملكا، وعيروه بالمشي في الأسواق حين رأوا الأكاسرة ~~والقياصرة والملوك الجبابرة يترفعون عن الأسواق، وكان عليه السلام يخالطهم ~~في أسواقهم، ويأمرهم وينهاهم، فقالوا: هذا يطلب أن يتملك علينا، فماله ~~يخالف سيرة الملوك، فأجابهم الله بقوله، وأنزل على نبيه: " وما أرسلنا قبلك ~~من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق " فلا تغتم ولا ~~تحزن، فإنها شكاة ظاهر عنك عارها. # الثانية - دخول الأسواق مباح للتجارة وطلب المعاش. وكان عليه السلام ~~يدخلها لحاجته، ولتذكرة الخلق بأمر الله ودعوته، ويعرض نفسه فيها على ~~القبائل، لعل الله أن يرجع بهم إلى الحق. وفى البخاري في صفته عليه السلام: ~~" ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق ". وقد تقدم في " الأعراف " (2). ~~وذكر السوق مذكور في غير ما حديث، ذكره أهل الصحيح. وتجارة الصحابة فيها ~~معروفة، وخاصة المهاجرين، كما قال أبو هريرة: وإن إخواننا من المهاجرين كان ~~يشغلهم الصفق (3) بالأسواق، خرجه البخاري. وسيأتي لهذه المسألة زيادة بيان ~~في هذه السورة إن شاء الله. # قوله تعالى: (لولا أنزل إليه ملك) أي هلا. (فيكون معه نذيرا) جواب ~~الاستفهام. (أو يلقى) في موضع رفع، والمعنى: أو هلا يلقى (إليه كنز) (أو) ~~هلا (تكون له جنة يأكل منها) " يأكل " بالياء قرأ المدنيون وأبو عمرو ~~وعاصم. وقرأ سائر الكوفيين بالنون، والقراءتان حسنتان تؤديان عن معنى، وإن ~~كانت القراءة بالياء أبين، لأنه # PageV13P005 # قد تقدم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وحده فأن يعود الضمير عليه أبين، ~~ذكره النحاس. # (وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا) تقدم في " سبحان " (1) ~~والقائل عبد الله بن الزبعرى فيما ذكره الماوردي. # قوله تعالى: انظر كيف ضربوا لك الأمثل فضلوا فلا يستطيعون سبيلا (9) ~~تبارك الذي إن ms4498 شاء جعل لك خيرا من ذلك جنت تجرى من تحتها الأنهر ويجعل لك ~~قصورا (10) قوله تعالى: (انظر كيف ضربوا لك الأمثال) أي ضربوا لك هذه ~~الأمثال ليتوصلوا إلى تكذيبك. (فضلوا) عن سبيل الحق وعن بلوغ ما أرادوا. ~~(فلا يستطيعون سبيلا) إلى تصحيح ما قالوه فيك. # قوله تعالى: (تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات) شرط ومجازاة، ~~ولم يدغم " جعل لك " لان الكلمتين منفصلتان، ويجوز الادغام لاجتماع ~~المثلين. (ويجعل لك) في موضوع جزم عطفا على موضع " جعل ". ويجوز أن يكون في ~~موضع رفع مقطوعا من الأول. وكذلك قرأ أهل الشام. ويروى عن عاصم أيضا: " ~~ويجعل لك " بالرفع، أي وسيجعل لك في الآخرة قصورا. قال مجاهد: كانت قريش ~~ترى البيت من حجارة قصرا كائنا ما كان. والقصر في اللغة الحبس، وسمى القصر ~~قصرا لان من فيه مقصور عن أن يوصل إليه. وقيل: العرب تسمى بيوت الطين ~~القصر. وما يتخذ من الصوف والشعر البيت. # حكاه القشيري. وروى سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن خيثمة قال: قيل للنبي ~~صلى الله عليه وسلم: إن شئت أن نعطيك خزائن الدنيا ومفاتيحها ولم يعط ذلك ~~من قبلك ولا يعطاه أحد بعدك، وليس ذلك بناقصك في الآخرة شيئا، وإن شئت ~~جمعنا لك ذلك في الآخرة، فقال: " يجمع ذلك لي في الآخرة " فأنزل الله عز ~~وجل: " تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا # PageV13P006 # من ذلك جنات تجرى من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا ". ويروى أن هذه الآية ~~أنزلها رضوان خازن الجنان إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وفي الخبر: إن ~~رضوان لما نزل سلم على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: يا محمد! رب ~~العزة يقرئك السلام، وهذا سفط (1) - فإذا سفط من نور يتلألأ - يقول لك ربك: ~~هذه مفاتيح خزائن الدنيا، مع أنه لا ينقص مالك في الآخرة مثل جناح بعوضة، ~~فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبريل كالمستشير له، فضرب جبريل بيده ~~الأرض يشير أن تواضع، فقال: " يا رضوان لا حاجة لي ms4499 فيها الفقر أحب إلى وأن ~~أكون عبدا صابرا شكورا ". فقال رضوان: أصبت! الله لك. وذكر الحديث. # قوله تعالى: بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا (11) إذا ~~رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا (12) وإذا ألقوا منها مكانا ~~ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا (13) لا تدعوا اليوم ثبورا وحدا وادعوا ثبورا ~~كثيرا (14) قوله تعالى: (بل كذبوا بالساعة) يريد يوم القيامة. (وأعتدنا لمن ~~كذب بالساعة سعيرا) يريد جهنم تتلظى عليهم. (إذا رأتهم من مكان بعيد) أي من ~~مسيرة خمسمائة عام. # (سمعوا لها تغيظا وزفيرا) قيل: المعنى إذا رأتهم جهنم سمعوا لها صوت ~~التغيظ عليهم. # وقيل: المعنى إذا رأتهم خزانها سمعوا لهم تغيظا وزفيرا حرصا على عذابهم. ~~والأول أصح، لما روى مرفوعا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من كذب ~~على متعمدا فليتبوأ بين عيني جهنم مقعدا " قيل: يا رسول الله! ولها عينان؟ ~~قال: " أما سمعتم الله عز وجل يقول: " إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها ~~تغيظا وزفيرا " يخرج عنق من النار له عينان تبصران ولسان ينطق فيقول وكلت ~~بكل من جعل مع الله إلها آخر فلهو أبصر بهم من الطير بحب السمسم فيلتقطه " ~~في رواية " فيخرج عنق من النار فيلتقط الكفار لقط الطائر حب # PageV13P007 # السمسم " ذكره رزين في كتابه، وصححه ابن العربي في قبسه، وقال: أي تفصلهم ~~عن الخلق في المعرفة كما يفصل الطائر حب السمسم من التربة. وخرجه الترمذي ~~من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. " يخرج عنق من ~~النار يوم القيامة له عينان تبصران وأذنان تسمعان ولسان ينطق بقول إني وكلت ~~بثلاث بكل جبار عنيد وبكل من دعا مع الله إلها آخر وبالمصورين ". وفي الباب ~~عن أبي سعيد قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب صحيح. وقال الكلبي: سمعوا لها ~~تغيظا كتغيظ بني آدم وصوتا كصوت الحمار. وقيل: # فيه تقديم وتأخير، سمعوا لها زفيرا وعلموا لها تغيظا. وقال قطرب: التغيظ ~~لا يسمع، ولكن يرى، والمعنى: رأوا لها تغيظا وسمعوا لها زفيرا، ms4500 كقول ~~الشاعر: # ورأيت زوجك في الورى * متقلدا سيفا ورمحا أي وحاملا رمحا. وقيل: " سمعوا ~~لها " أي فيها، أي سمعوا فيها تغيظا وزفيرا للمعذبين. # كما قال تعالى: " لهم فيها زفير وشهيق " و " في واللام " يتقاربان، تقول: ~~أفعل هذا في الله ولله. # قوله تعالى: (وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقربين) قال قتادة: ذكر لنا أن ~~عبد الله كان يقول: إن جهنم لتضيق على الكافر كتضييق الزج (1) على الرمح، ~~ذكره ابن المبارك في رقائقه. # وكذا قال ابن عباس، ذكره الثعلبي والقشيري عنه، وحكاه الماوردي عن عبد ~~الله بن عمرو. # ومعنى " مقرنين " مكتفين، قاله أبو صالح. وقيل: مصفدين قد قرنت أيديهم ~~إلى أعناقهم في الأغلال. وقيل: قرنوا مع الشياطين، أي قرن كل واحد منهم إلى ~~شيطانه، قاله يحيى بن سلام. وقد مضى هذا في " إبراهيم " (2) وقال عمرو بن ~~كلثوم: # فأبوا بالنهاب وبالسبايا * وأبنا بالملوك مقرنينا (3) (دعوا هنالك ثبورا) ~~أي هلاكا، قاله الضحاك. ابن عباس: ويلا. وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: " أول من يقوله إبليس وذلك أنه أول من يكسى حلة من النار # PageV13P008 # فتوضع على حاجبيه ويسحبها من خلفه وذريته من خلفه وهو يقول وا ثبوراه ". ~~وانتصب على المصدر، أي ثبرنا ثبورا، قاله الزجاج. وقال غيره: هو مفعول به. # قوله تعالى: (لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا) فإن هلاككم ~~أكثر من أن تدعوا مرة واحدة. وقال: ثبورا لأنه مصدر يقع للقليل والكثير ~~فلذلك لم يجمع، وهو كقولك: ضربته ضربا كثيرا، وقعد قعودا طويلا. ونزلت ~~الآيات في ابن خطل وأصحابه. # قوله تعالى: قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون كانت لهم جزاء ~~ومصيرا (15) لهم فيها ما يشاءون خالدين كان على ربك وعدا مسؤولا (16) قوله ~~تعالى: (قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون). إن قيل: كيف قال " ~~أذلك خير " ولا خير في النار، فالجواب أن سيبويه حكى عن العرب: الشقاء أحب ~~إليك أم السعادة، وقد علم أن السعادة أحب إليه. وقيل: ليس هو من باب أفعل ~~منك، ms4501 وإنما هو كقولك: عنده خير. قال النحاس: وهذا قول حسن، كما قال (1): # * فشركما لخير كما الفداء * قيل: إنما قال ذلك لان الجنة والنار قد دخلتا ~~في باب المنازل، فقال ذلك لتفاوت ما بين المنزلتين. وقيل: هو مردود على ~~قوله: " تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك " الآية. وقيل: هو مردود على ~~قوله: " أو يلقى إليه كنز له أو تكون له جنة يأكل منها ". # وقيل: إنما قال ذلك على معنى علمكم واعتقادكم أيها الكفار، وذلك أنهم لما ~~كانوا يعملون عمل أهل النار صاروا كأنهم يقولون إن في النار خيرا. # قوله تعالى: (لهم ما يشاءون) أي من النعيم. (خالدين كان على ربك وعدا ~~مسؤولا) قال الكلبي: وعد الله المؤمنين الجنة جزاء على أعمالهم فسألوه ذلك ~~الوعد فقالوا: " ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ". وهو معنى قول ابن عباس. ~~وقيل: إن الملائكة تسأل لهم # PageV13P009 # الجنة، دليله قوله تعالى: " ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم " الآية. ~~وهذا قول محمد ابن كعب القرظي. وقيل: معنى " وعدا مسؤولا " أي واجبا وإن لم ~~يكن يسأل كالدين، حكى عن العرب: لأعطينك ألفا. وقيل: " وعدا مسؤولا " يعنى ~~أنه واجب لك فتسأله. # وقال زيد بن أسلم: سألوا الله الجنة في الدنيا ورغبوا إليه بالدعاء، ~~فأجابهم في الآخرة إلى ما سألوا وأعطاهم ما طلبوا. وهذا يرجع إلى القول ~~الأول. # قوله تعالى: ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول أأنتم أضللتم ~~عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل (17) قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ ~~من دونك من أولياء ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا ~~(18) فقد كذبوكم بما تقولون فما تستطيعون صرفا ولا نصرا ومن يظلم منكم نذقه ~~عذابا كبيرا (19) قوله تعالى: (ويوم يحشرهم) قرأ ابن محيصن وحميد وابن كثير ~~وحفص ويعقوب وأبو عمرو في رواية الدوري " يحشرهم " بالياء. واختاره أبو ~~عبيد وأبو حاتم، لقوله في أول الكلام: " كان على ربك " وفي آخره " أأنتم ~~أضللتم عبادي هؤلاء ". الباقون بالنون على التعظيم. # (وما يعبدون من دون الله) ms4502 من الملائكة والانس والجن والمسيح وعزير، قاله ~~مجاهد وابن جريج. # الضحاك وعكرمة: الأصنام. (فيقول) قراءة العامة بالياء وهو اختيار أبى ~~عبيد وأبى حاتم. وقرأ ابن عامر وأبو حياة بالنون على التعظيم. (أأنتم ~~أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل) وهذا استفهام توبيخ للكفار. (قالوا ~~سبحانك) أي قال المعبودون من دون الله سبحانك، أي تنزيها لك (ما كان ينبغي ~~لنا أن نتخذ من دونك من أولياء). فإن قيل: فإن كانت الأصنام التي تعبد تحشر ~~فكيف تنطق وهي جماد؟ قيل له: ينطقها الله تعالى يوم القيامة كما ينطق ~~الأيدي والأرجل. وقرأ الحسن وأبو جعفر: " أن نتخذ " بضم النون وفتح الخاء ~~على الفعل المجهول. وقد تكلم في هذه القراءة النحويون، فقال أبو عمرو بن ~~العلاء وعيسى بن عمر: PageV13P010 # لا يجوز " نتخذ ". وقال أبو عمرو: لو كانت " نتخذ " لحذفت " من " الثانية ~~فقلت: أن نتخذ من دونك أولياء. كذلك قال أبو عبيدة: لا يجوز " نتخذ " لان ~~الله تعالى ذكر " من " مرتين، ولو كان كما قرأ لقال: أن نتخذ من دونك ~~أولياء. وقيل: إن " من " الثانية صلة، قال النحاس: ومثل أبى عمرو على ~~جلالته ومحله يستحسن ما قال، لأنه جاء ببينة. وشرح ما قال أنه يقال: ما ~~اتخذت رجلا وليا، فيجوز أن يقع هذا للواحد بعينه، ثم يقال: # ما اتخذت من رجل وليا فيكون نفيا عاما، وقولك " وليا " تابع لما قبله فلا ~~يجوز أن تدخل فيه " من " لأنه لا فائدة في ذلك. (ولكن متعتهم وآباءهم) أي ~~في الدنيا بالصحة والغنى وطول العمر بعد موت الرسل صلوات الله عليهم. (حتى ~~نسوا الذكر) أي تركوا ذكرك فأشركوا بك بطرا وجهلا فعبدونا من غير أن ~~أمرناهم بذلك. وفي الذكر قولان: أحدهما: القرآن المنزل على الرسل، تركوا ~~العمل به، قاله ابن زيد. الثاني: الشكر على الاحسان إليهم والانعام عليهم. ~~إنهم (كانوا قوما بورا) أي هلكى، قاله ابن عباس. مأخوذ من البوار وهو ~~الهلاك. وقال أبو الدرداء رضا الله عنه وقد أشرف على أهل حمص: يا أهل حمص! ~~هلم إلى أخ ms4503 لكم ناصح، فلما اجتمعوا حوله قال: ما لكم لا تستحون! تبنون ما ~~لا تسكنون، وتجمعون ما لا تأكلون، وتأملون ما لا تدركون، إن من كان قبلكم ~~بنوا مشيدا وجمعوا عبيدا، وأملوا بعيدا، فأصبح جمعهم بورا، وآمالهم غرورا، ~~ومساكنهم قبورا، فقوله: " بورا " أي هلكى. وفي خبر آخر: فأصبحت منازلهم ~~بورا، أي خالية لا شئ فيها. وقال الحسن: " بورا " لا خير فيهم. مأخوذ من ~~بوار الأرض، وهو تعطيلها من الزرع فلا يكون فيها خير. وقال شهر بن حوشب: ~~البوار. الفساد والكساد، مأخوذ من قولهم: بارت السلعة إذا كسدت كساد ~~الفاسد، ومنه الحديث: " نعوذ بالله من بوار الأيم ". وهو اسم مصدر كالزور ~~يستوى فيه الواحد والاثنان والجمع والمذكر والمؤنث. قال ابن الزبعرى: # يا رسول المليك إن لساني * راتق ما فتقت إذ أنا بور إذ أبارى الشيطان في ~~سنن الغي * ومن مال ميله مثبور PageV13P011 # وقال بعضهم: الواحد بائر والجمع بور. كما يقال: عائذ وعوذ، وهائد وهود. ~~وقيل: # " بورا " عميا عن الحق. # قوله تعالى: (فقد كذبوكم بما تقولون) أي يقول الله تعالى عند تبرى ~~المعبودين: # " فقد كذبوكم بما تقولون " أي في قولكم إنهم آلهة. (فما يستطيعون) يعنى ~~الآلهة صرف العذاب عنكم ولا نصركم. وقيل: فما يستطيع هؤلاء الكفار لما ~~كذبهم المعبودون " صرفا " للعذاب " ولا نصرا " من الله. وقال ابن زيد: ~~المعنى فقد كذبكم أيها المؤمنون هؤلاء الكفار بما جاء به محمد، وعلى هذا ~~فمعنى " بما تقولون " بما تقولون من الحق. وقال أبو عبيد: المعنى، فيما ~~تقولون فما يستطيعون لكم صرفا عن الحق الذي هداكم الله إليه، ولا نصرا ~~لأنفسهم مما ينزل بهم من العذاب بتكذيبهم إياكم. وقراءة العامة " بما ~~تقولون " بالتاء على الخطاب. وقد بينا معناه. وحكى الفراء أنه يقرأ " فقد ~~كذبوكم " مخففا، " بما يقولون ". # وكذا قرأ مجاهد والبزي بالياء، ويكون معنى " يقولون " بقولهم. وقرأ أبو ~~حياة: " بما يقولون " بياء " فما تستطيعون " بتاء على الخطاب لمتخذي ~~الشركاء. ومن قرأ بالياء فالمعنى: فما يستطيع الشركاء. (ومن يظلم منكم) قال ~~ابن عباس: من يشرك منكم ثم مات ms4504 عليه. (نذقه) أي في الآخرة. (عذابا كبيرا) ~~أي شديدا، كقوله تعالى: " ولتعلن علوا كبيرا " أي شديدا. # قوله تعالى: وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون ~~في الأسواق وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا (20) فيه تسع ~~مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (وما أرسلنا قبلك من المرسلين) نزلت جوابا للمشركين ~~حيث قالوا: " مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ". وقال ابن ~~عباس: لما عير المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفاقة وقالوا: " ~~مال هذا الرسول يأكل الطعام " PageV13P012 # الآية حزن النبي صلى الله عليه وسلم لذلك فنزلت تعزية له، فقال جبريل ~~عليه السلام: # السلام عليك يا رسول الله! الله ربك يقرئك السلام ويقول لك: " وما أرسلنا ~~قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسوق " أي يبتغون ~~المعايش في الدنيا. # الثانية - قوله تعالى: " إلا إنهم ليأكلون الطعام " إذا دخلت اللام لم ~~يكن في إن " إلا الكسر، ولو لم تكن اللام ما جاز أيضا إلا الكسر، لأنها ~~مستأنفة. هذا قول جميع النحويين. قال النحاس: إلا أن على بن سليمان حكى لنا ~~عن محمد بن يزيد قال: يجوز في " إن " هذه الفتح وإن كان بعدها اللام، ~~وأحسبه وهما منه. قال أبو إسحاق الزجاج: وفى الكلام حذف، والمعنى وما ~~أرسلنا قبلك رسلا إلا إنهم ليأكلون الطعام، ثم حذف رسلا، لان في قوله: " من ~~المرسلين " ما يدل عليه. فالموصوف محذوف عند الزجاج. ولا يجوز عنده حذف ~~الموصول وتبقية الصلة كما قال الفراء. قال الفراء: والمحذوف " من " والمعنى ~~إلا من إنهم ليأكلون الطعام. وشبهه بقوله: " وما منا إلا له مقام معلوم "، ~~وقوله: " وإن منكم إلا واردها " أي ما منكم إلا من هو واردها. وهذا قول ~~الكسائي أيضا. وتقول العرب: # ما بعثت إليك من الناس إلا من إنه ليطيعك. فقولك: إنه ليطيعك صلة من. قال ~~الزجاج: # هذا خطأ، لان من موصولة فلا يجوز حذفها. وقال أهل المعاني: المعنى، وما ~~أرسلنا قبلك من المرسلين إلا قيل إنهم ليأكلون، دليله قوله تعالى: " ما ~~يقال ms4505 لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك ". وقال ابن الأنباري: كسرت " إنهم " ~~بعد " إلا " للاستئناف بإضمار واو. # أي إلا وإنهم. وذهبت فرقة إلى أن قوله: " ليأكلون الطعام " كناية عن ~~الحدث. # قلت: وهذا بليغ في معناه، ومثله " ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من ~~قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام ". (ويمشون في الأسواق) قرأ ~~الجمهور " يمشون " بفتح الياء وسكون الميم وتخفيف الشين. وقرأ على وابن عوف ~~وابن مسعود بضم الياء وفتح الميم وشد الشين المفتوحة، بمعنى يدعون إلى ~~المشي ويحملون عليه. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي بضم الياء وفتح الميم وضم ~~الشين المشددة، وهي بمعنى يمشون، قال الشاعر: PageV13P013 # ومشى بأعطان المباءة وابتغى * قلائص منها صعبة وركوب (1) وقال كعب بن ~~زهير: # منه تظل سباع الجو (2) ضامزة * ولا تمشى بواديه الأراجيل بمعنى تمشى. # الثالثة - هذه الآية أصل فتناول الأسباب وطلب المعاش بالتجارة والصناعة ~~وغير ذلك. وقد مضى هذا المعنى في غير موضع، لكنا نذكر هنا من ذلك ما يكفي ~~فنقول: # قال لي بعض مشايخ هذا الزمان في كلام جرى: إن الأنبياء عليهم السلام إنما ~~بعثوا ليسنوا الأسباب للضعفاء، فقلت مجيبا له: هذا قول لا يصدر إلا من ~~الجهال والأغبياء، و الرعاع السفهاء، أو من طاعن في الكتاب والسنة العلياء، ~~وقد أخبر الله تعالى في كتابه عن أصفيائه ورسله وأنبيائه بالأسباب ~~والاحتراف فقال وقوله الحق: " وعلمناه صنعة لبوس لكم ". وقال: # " وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا أنهم ليأكلون الطعام ويمشون في ~~الأسواق " قال العلماء: # أي يتجرون ويحترفون. وقال عليه الصلاة والسلام: " جعل رزقي تحت ظل رمحي " ~~وقال تعالى: # " فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا " وكان الصحابة رضي الله عنهم يتجرون ~~ويحترفون وفى أموالهم يعملون، ومن خالفهم من الكفار يقاتلون، أتراهم ضعفاء! ~~بل هم كانوا والله الأقوياء، وبهم الخلف الصالح اقتدى، وطريقهم فيه الهدى ~~والاهتداء. قال: إنما تناولوها لأنهم أئمة الاقتداء، فتناولوها مباشرة في ~~حق الضعفاء، فأما في حق أنفسهم فلا، وبيان ذلك أصحاب الصفة. # قلت: لو كان ذلك لوجب عليهم و ms4506 على الرسول معهم البيان، كما ثبت في القرآن ~~" وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم " وقال: " إن الذين يكتمون ~~ما أنزلنا من البينات والهدى " الآية. وهذا من البيات الهدى. وأما أصحاب ~~الصفة فإنهم كانوا ضيف الاسلام # PageV13P014 # عند ضيق الحال، فكان عليه السلام إذا أتته صدقة خصهم بها، وإذا أتته هدية ~~أكلها معهم، وكانوا مع هذا يحتطبون ويسوقون الماء إلى أبيات رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. كذا وصفهم البخاري وغيره. ثم لما افتتح الله عليهم البلاد ~~ومهد لهم المهاد تأمروا، وبالأسباب أمروا. ثم إن هذا القول يدل على ضعف ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، لأنهم أيدوا بالملائكة وثبتوا بهم، فلو ~~كانوا أقوياء ما احتاجوا إلى تأييد الملائكة وتأييدهم إذ ذلك سبب من أسباب ~~النصر، نعوذ بالله من قول وإطلاق يؤول إلى هذا، بل القول بالأسباب والوسائط ~~سنة الله وسنة رسوله، وهو الحق المبين، والطريق المستقيم الذي انعقد عليه ~~إجماع المسلمين، وإلا كان يكون قوله الحق " وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ~~ومن رباط الخيل " - الآية - مقصورا على الضعفاء، وجميع الخطابات كذلك. # وفى التنزيل حيث خاطب موسى الكليم " اضرب بعصاك البحر " وقد كان قادرا ~~على فلق البحر دون ضرب عصا. وكذلك مريم عليها السلام " وهزي بجذع النخلة " ~~وقد كان قادرا على سقوط الرطب دون هز ولا تعب، ومع هذا كله فلا ننكر أن ~~يكون رجل يلطف به ويعان، أو تجاب دعوته، أو يكرم بكرامة في خاصة نفسه أو ~~لأجل غيره، ولا تهد لذلك القواعد الكلية والأمور الجميلة. هيهات هيهات! لا ~~يقال فقد قال الله تعالى: " وفى السماء رزقكم وما توعدون " فإنا نقول: صدق ~~الله العظيم، وصدق رسوله الكريم، وأن الرزق هنا المطر بإجماع أهل التأويل، ~~بدليل قوله: " وينزل لكم من السماء رزقا " وقال: " وأنزلنا من السماء ماء ~~مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد " ولم يشاهد ينزل من السماء على الخلق ~~أطباق الخبز ولا جفان اللحم، بل الأسباب أصل في وجود ذلك، وهو معنى قوله ~~عليه السلام: # " اطلبوا الرزق في ms4507 خبايا الأرض " أي بالحرث والحفر والغرس. وقد يسمى الشئ ~~بما يؤول إليه، وسمى المطر رزقا لأنه عنه يكون الرزق، وذلك مشهور في كلام ~~العرب. وقال عليه السلام: " لان يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خير له من ~~يسأل أحد أعطاه أو منعه " وهذا فيما خرج من غير تعب من الحشيش والحطب. ولو ~~قدر رجل بالجبال منقطعا عن الناس لما كان له بد من الخروج إلى ما تخرجه ~~الآكام وظهور الاعلام حتى يتناول من ذلك ما يعيش PageV13P015 # به، وهو معنى قوله عليه السلام: " لو أنكم كنتم توكلون على الله حق توكله ~~لرزقتم كما ترزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا " فغدوها ورواحها سبب، ~~فالعجب العجب ممن يدعى التجريد والتوكل على التحقيق، ويقعد على ثنيات ~~الطريق، ويدع الطريق المستقيم، والمنهج الواضح القويم. ثبت في البخاري عن ~~ابن عباس قال: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون ويقولون نحن المتوكلون، ~~فإذا قدموا سألوا الناس، فأنزل الله تعالى " وتزودوا ". # ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم أنهم ~~خرجوا إلى أسفارهم بغير زاد، وكانوا المتوكلين حقا. والتوكل اعتماد القلب ~~على الرب في أن يلم شعثه ويجمع عليه أربه، ثم يتناول الأسباب بمجرد الامر. ~~وهذا هو الحق. سأل رجل الإمام أحمد بن حنبل فقال: إني أريد الحج على قدم ~~التوكل. فقال: اخرج وحدك، فقال: لا، إلا مع الناس. # فقال له: أنت إذن متكل على أجربتهم. وقد أتينا على هذا في كتاب " قمع ~~الحرص بالزهد والقناعة ورد ذل السؤال بالكتب والشفاعة ". # الرابعة - خرج مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ~~أحب البلاد إلى الله مساجدها وأبغض البلاد إلى الله أسواقها ". وخرج البزاز ~~عن سلمان الفارسي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تكونن إن ~~استطعت أول من يدخل السوق. ولا آخر من يخرج منها فإنها معركة الشيطان وبها ~~ينصب رايته ". أخرجه أبو بكر البرقاني مسندا عن أبي محمد عبد الغنى - من ~~رواية عاصم - عن أبي عثمان النهدي ms4508 عن سلمان قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " لا تكن أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها فبها باض ~~الشيطان وفرخ ". ففي هذه الأحاديث ما يدل على كراهة دخول الأسواق، لا سيما ~~في هذه الأزمان التي يخالط فيها الرجال النسوان. وهكذا قال علماؤنا لما كثر ~~الباطل في الأسواق وظهرت فيها المناكر: كره دخولها لأرباب الفضل والمقتدى ~~بهم في الدين تنزيها لهم عن البقاع التي يعصى الله فيها. فحق على من ابتلاه ~~الله بالسوق أن يخطر بباله أنه قد دخل محل الشيطان ومحل جنوده، وأنه إن ~~أقام هناك هلك، ومن كانت هذه حاله اقتصر منه على قدر ضرورته، وتحرز من سوء ~~عاقبته وبليته. PageV13P016 # الخامسة - تشبيه النبي صلى الله عليه وسلم السوق بالمعركة تشبيه حسن، ~~وذلك أن المعركة موضع القتال، سمى بذلك لتعارك الابطال فيه، ومصارعة بعضهم ~~بعضا. فشبه السوق وفعل الشيطان بها ونيله منهم مما يحملهم من المكر، ~~والخديعة، والتساهل في البيوع الفاسدة والكذب والايمان الكاذبة، واختلاط ~~الأصوات وغير ذلك بمعركة الحرب ومن يصرع فيها. # السادسة - قال ابن العربي: أما أكل الطعام فضرورة الخلق لا عار ولا درك ~~(1) فيه، وأما الأسواق فسمعت مشيخة أهل العلم يقولون: لا يدخل إلا سوق ~~الكتب والسلاح، وعندي أنه يدخل كل سوق للحاجة إليه ولا يأكل فيها، لان ذلك ~~أسقاط للمروءة وهدم للحشمة، ومن الأحاديث الموضوعة (2) " الاكل في السوق ~~دناءة ". # قلت: ما ذكرته مشيخة أهل العلم فنعما هو، فإن ذلك خال عن النظر إلى ~~النسوان ومخالطتهن، إذ ليس بذلك من حاجتهن. وأما غيرهما من الأسواق فمشحونة ~~منهن، وقلة الحياء قد غلبت عليهن، حتى ترى المرأة في القيساريات وغيرهن ~~قاعدة متبرجة بزينتها، وهذا من المنكر الفاشي في زماننا هذا. نعوذ بالله من ~~سخطه. # السابعة - خرج أبو داود الطيالسي في مسنده حدثنا حماد بن زيد قال حدثنا ~~عمرو ابن دينار قهرمان (3) آل الزبير عن سالم عن أبيه عن عمر بن الخطاب ~~قال: " من دخل سوقا من هذه الأسواق فقال لا إله إلا الله وحده ms4509 لا شريك له ~~له الملك وله الحمد يحيى ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شئ ~~قدير كتب الله له ألف ألف حسنة ومحا عنه ألف ألف سيئة وبنى له قصرا في ~~الجنة " خرجه الترمذي أيضا وزاد بعد " ومحا عنه ألف ألف سيئة ": " ورفع له ~~ألف ألف درجة وبنى له بيتا في الجنة ". وقال: هذا حديث غريب. # قال ابن العربي: وهذا إذا لم يقصد في تلك البقعة (4) سواه ليعمرها ~~بالطاعة إذ عمرت بالمعصية، وليحليها بالذكر إذ عطلت بالغفلة، وليعلم الجهلة ~~ويذكر الناسين. # PageV13P017 # الثامنة - قوله تعالى: (وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون) أي إن الدنيا ~~دار بلاء وامتحان، فأراد سبحانه أن يجعل بعض العبيد فتنة لبعض على العموم ~~في جميع الناس مؤمن وكافر، فالصحيح فتنة للمريض، والغنى فتنة للفقير، ~~والفقير الصابر فتنة للغني. ومعنى هذا أن كل واحد مختبر بصاحبه، فالغني ~~ممتحن بالفقير، عليه أن يواسيه ولا يسخر منه. # والفقير ممتحن بالغنى، عليه ألا يحسده. ولا يأخذ منه إلا ما أعطاه، وأن ~~يصبر كل واحد منها على الحق، كما قال الضحاك في معنى " أتصبرون ": أي على ~~الحق. وأصحاب البلايا يفولون: # لم لم نعاف؟ والأعمى يقول: لم لم أجعل كالبصير؟ وهكذا صاحب كل آفة. ~~والرسول المخصوص بكرامة النبوة فتنة لأشراف الناس من الكفار في عصره. وكذلك ~~العلماء وحكام العدل. # ألا ترى إلى قولهم: " لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ". ~~فالفتنة أن يحسد المبتلى المعافى. والصبر: أن يحبس كلاهما نفسه، هذا عن ~~البطر، وذاك عن الضجر. " أتصبرون " محذوف الجواب، يعنى أم لا تصبرون. ~~فيقتضى جوابا كما قاله المزني، وقد أخرجته الفاقة فرأى خصيا في مراكب ~~ومناكب، فخطر بباله شئ فسمع من يقرأ الآية " أتصبرون " فقال: بلى ربنا! ~~نصبر ونحتسب. وقد تلا ابن القاسم صاحب مالك هذه الآية حين رأى أشهب بن عبد ~~العزيز في مملكته عابرا عليه، ثم أجاب نفسه بقوله: سنصبر. وعن أبي الدرداء ~~أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ويل للعالم من الجاهل ms4510 وويل ~~للجاهل من العالم وويل للمالك من المملوك وويل للمملوك من المالك وويل ~~للشديد من الضعيف وويل للضعيف من الشديد وويل للسلطان من الرعية وويل ~~للرعية من السلطان وبعضهم لبعض فتنة وهو قوله " وجعلنا بعضكم لبعض فتنة ~~أتصبرون " أسنده الثعلبي تغمده الله برحمته. وقال مقاتل: نزلت في أبى جهل ~~ابن هشام والوليد بن المغيرة والعاص بن وائل، وعقبه بن أبي معيط وعتبه بن ~~ربيعه والنصر ابن الحرث حين رأوا أبا ذر وعبد الله بن مسعود، وعمارا وبلالا ~~وصهيبا وعامر بن فهيرة وسالما مولى أبى حذيفة ومهجعا مولى عمر بن الخطاب ~~وجبرا مولى الحضرمي، وذويهم فقالوا على سبيل الاستهزاء: أنسلم فنكون مثل ~~هؤلاء؟ فأنزل الله تعالى يخاطب هؤلاء PageV13P018 # المؤمنين: " أتصبرون " على ما ترون من هذه الحال الشديدة والفقر، ~~فالتوقيف ب‍ " - أتصبرون " خاص للمؤمنين المحققين من أمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم. كأنه جعل إمهال الكفار والتوسعة عليهم فتنة للمؤمنين، أي ~~اختبارا لهم. ولما صبر المسلمون أنزل الله فيهم " إني جزيتهم اليوم بما ~~صبروا ". # التاسعة - قوله تعالى: " وكان ربك بصيرا " أي بكل امرئ. وبمن يصبر أو ~~يجزع، ومن يؤمن ومن لا يؤمن، وبمن أدى ما عليه من الحق ومن لا يؤدى. وقيل: ~~" أتصبرون " أي اصبروا. مثل " فهل أنتم منتهون " أي انتهوا، فهو أمر للنبي ~~صلى الله عليه وسلم. بالصبر قوله تعالى: وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا ~~أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتو عتوا كبيرا ~~(21) يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا (2 2) ~~قوله تعالى: (وقال الذين لا يرجون لقاءنا) يريد لا يخافون البعث ولقاء ~~الله، أي لا يؤمنون بذلك. قال: # إذا لسعت النحل لم يرج لسعها * وخالفها في بيت نوب عوامل (1) وقيل: " لا ~~يرجون " لا يبالون. قال: # لعمرك ما أرجو إذا كنت مسلما * على أي جنب كان في الله مصرعي (2) ابن ~~شجر: لا يأملون، قال: أترجو أمة قتلت حسينا * شفاعة جده يوم الحساب (لولا ~~أنزل) أي هلا أنزل. (علينا الملائكة) فيخبروا أن محمدا ms4511 صادق. (أو نرى ربنا) ~~عيانا فيخبرنا برسالته. نظيره قوله تعالى: " وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر ~~لنا من الأرض # PageV13P019 # ينبوعا " إلى قوله " أو تأتى بالله والملائكة قبيلا ". قال الله تعالى: ~~(لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا) حيث سألوا الله الشطط، لان ~~الملائكة لا ترى إلا عند الموت أو عند نزول العذاب، والله تعالى لا تدركه ~~الابصار وهو يدرك الابصار، فلا عين تراه. # وقال مقاتل: " عتوا " علوا في الأرض. والعتو: أشد الكفر وأفحش الظلم. ~~وإذا لم يكتفوا بالمعجزات وهذا القرآن فكيف يكتفون بالملائكة؟ وهم لا ~~يميزون بينهم وبين الشياطين، ولا بد لهم من معجزة يقيمها من يدعى أنه ملك، ~~وليس للقوم طلب معجز بعد أن شاهدوا معجزة، وأن (يوم يرون الملائكة لا بشرى ~~يومئذ للمجرمين) يريد أن الملائكة لا يراها أحد إلا عند الموت، فتبشر ~~المؤمنين بالجنة، وتضرب المشركين والكفار بمقامع الحديد حتى تخرج أنفسهم. ~~(ويقولون حجرا محجورا) يريد تقول الملائكة حراما محرما أن يدخل الجنة إلا ~~من قال لا إله إلا الله، وأقام شرائعها، عن ابن عباس وغيره. وقيل: # إن ذلك يوم القيامة، قاله مجاهد وعطية العوفي. قال عطيه: إذا كان يوم ~~القيامة تلقى المؤمن بالبشرى، فإذا رأى ذلك الكافر تمناه فلم يره من ~~الملائكة. وانتصب " يوم يرون " بتقدير لا بشرى للمجرمين يوم يرون الملائكة. ~~" يومئذ " تأكيد ل " يوم يرون ". # قال النحاس: لا يجور أن يكون " يوم يرون " منصوبا ب‍ " بشرى " لان ما في ~~حيز النفي لا يعمل فيما قبله، ولكن فيه تقدير ان يكون المغنى يمنعون ~~البشارة يوم يرون الملائكة، ودل على هذا الحذف ما بعده. ويجوز أن يكون ~~التقدير: لا بشرى تكون يوم يرون الملائكة، و " يومئذ " مؤكد. ويجوز أن يكون ~~المعنى: أذكر يوم يرون الملائكة، ثم ابتدأ فقال: # " لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا " أي وتقول الملائكة حراما ~~محرما أن تكون لهم البشرى إلا للمؤمنين. قال الشاعر: # ألا أصبحت أسماء حجرا محرما * وأصبحت من أدنى حموتها حما (1) أراد ألا ~~أصبحت أسماء حراما محرما. # PageV13P020 # وقال آخر: ms4512 # حنت إلى النخلة القصوى فقلت لها * حجر حرام ألا تلك الدهاريس (1) وروى عن ~~الحسن أنه قال: " ويقولون حجرا " وقف من قول المجرمين، فقال الله عز وجل: # " محجورا " عليهم أن يعاذوا أو يجاروا، فحجر الله ذلك عليهم يوم القيامة. ~~والأول قول ابن عباس وبه قال الفراء، قاله ابن الأنباري. وقرأ الحسن وأبو ~~رجاء " حجرا " بضم الحاء والناس على كسرها. وقيل: أن ذلك من قول الكفار ~~قالوه لأنفسهم، قاله قتادة فيما ذكر الماوردي. وقيل: هو من قول الكفار ~~للملائكة. وهي كلمة استعاذة وكانت معروفة في الجاهلية، فكان إذا لقي الرجل ~~من يخافه قال: حجزا محجورا، أي حراما عليك التعرض لي. # وانتصابه على معنى: حجرت عليك، أو حجر الله عليك، كما تقول: سقيا ورعيا. ~~أي إن المجرمين إذا رأوا الملائكة يلقونهم في النار قالوا: نعوذ بالله ~~منكم، ذكره القشيري، وحكى معناه المهدى عن مجاهد. وقيل: " حجرا " من قول ~~المجرمين. " محجورا " من قول الملائكة، أي قالوا للملائكة نعوذ بالله منكم ~~أن تتعرضوا لنا. فنقول الملائكة: " محجورا " أن تعاذوا من شر هذا اليوم، ~~قاله الحسن. # قوله تعالى: وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا (23) أصحب ~~الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا (24) قوله تعالى: (وقدمنا إلى ما عملوا ~~من عمل) هذا تنبيه على عظم قدر يوم القيامة، أي قصدنا في ذلك إلى ما كان ~~يعمله المجرمين من عمل بر عند أنفسهم. يقال: قدم فلان إلى أمر كذا أي قصده، ~~وقال مجاهد: " قدمنا " أي عمدنا. وقال الراجز: # وقدم الخوارج الضلال * إلى عباد ربهم فقالوا * إن دمائكم لنا حلال # PageV13P021 # وقيل: هو قدوم الملائكة، أخبر به عن نفسه تعالى فاعله (1). (فجعلناه هباء ~~منثورا) أي لا ينفع به، أي أبطلناه بالكفر. وليس " هباء " من ذوات الهمز ~~وإنما همزت لالتقاء الساكنين. # والتصغير هبي في موضع الرفع، ومن النحويين من يقول: هبي (2) في موضع ~~الرفع، حكاه النحاس. # وواحده هباة والجمع أهباء. قال الحرث بن حلزة يصف [ناقة]: # فترى خلفها من الرجع والوقع * منينا كأنه أهباء (3) وروى الحرث عن علي ~~قال: ms4513 الهباء المنثور شعاع الشمس الذي يدخل من الكوه. وقال الأزهري: الهباء ~~ما يخرج من الكوه في ضوء الشمس شبيه بالغبار. تأويله: إن الله تعالى أحبط ~~أعمالهم حنى صارت بمنزلة الهباء المنثور. فأما الهباء المنبث فهو ما تثيره ~~الخيل بسنابكها من الغبار. والمنبث المتفرق. وقال ابن عرفه: الهبوة والهباء ~~التراب الدقيق. # الجوهري: ويقال له إذا ارتفع هبا يهبو هبوا وأهبيته أنا. والهبوة الغبرة. ~~قال رؤبة: # تبدو لنا أعلامه بعد الغرق * في قطع الآل وهبوات الدقق (4) وموضع هابي ~~التراب أي كأن ترابه مثل الهباء في الرقة. وقيل: إنه ما ذرته الرياح من يا ~~بس أوراق الشجر، قاله قتادة وابن عباس. وقال ابن عباس أيضا: إنه الماء ~~المهراق. # وقيل: إنه الرماد، قاله عبيد (5) بن يعلى. # قوله تعالى: (أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا). # تقدم القول فيه عند قوله تعالى " قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد ~~المتقون " (6). # قال النحاس: والكوفيون يجيزون " العسل أحلى من الخل " وهذا قول مردود، ~~لان معنى فلان خير من فلان أنه أكثر خيرا منه ولا حلاوة في الخل. ولا يجوز ~~أن يقال: النصراني خير من اليهودي، لأنه لا خير فيهما فيكون أحدهما أزيد في ~~الخير. لكن يقال: اليهودي شر # PageV13P022 # من النصراني، فعلى هذا كلام العرب. و " مستقرا " نصب على الظرف إذا قدر ~~على غير باب " أفعل منك " والمعنى لهم خير في مستقر. وإذا كان من باب " ~~أفعل منك " فانتصابه على البيان، قاله النحاس والمهدوي. قال قتادة: " وأحسن ~~مقيلا " منزلا ومأوى. وقيل هو على ما تعرفه العرب من مقيل نصف النهار. ومنه ~~الحديث المرفوع " إن الله تبارك وتعالى يفرغ من حساب الخلق في مقدار نصف ~~يوم فيقيل أهل الجنة وأهل النار في النار " ذكره المهدوي. وقال ابن مسعود: ~~لا ينتصف النهار يوم القيامة من النهار حتى يقبل هؤلاء في الجنة وهؤلاء في ~~النار، قرأ " ثم إن مقيلهم لا لي الجحيم " كذا هي في قراءة ابن مسعود. # وقال ابن عباس: الحساب من ذلك اليوم في أوله، فلا ينتصف النهار ms4514 من يوم ~~القيامة حتى قيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار. ومنه ما روى " ~~قيلوا فإن الشياطين لا تقبل ". # وذكر قاسم ابن أصبغ من حديث أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة " فقلت: ما أطول هذا اليوم. فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " والذي نفسي بيده إنه ليخفف عن المؤمن حتى يكون ~~أخف عليه من صلاة المكتوبة يصليها في الدتيا ". # قوله تعالى: ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا (35) الملك ~~يومئذ الحق للرحمن وكان يوما على الكافرين عسيرا (26) قوله تعالى: (ويوم ~~تشقق السماء بالغمام) أي واذكر يوم تشقق السماء بالغمام. وقرأه عاصم ~~والأعمش ويحيى وحمزة والكسائي وأبو عمرو " تشقق " بتخفيف الشين وأصله تتشقق ~~بتائين فخذوا الأولى تخفيفا، واختاره أبو عبيد. الباقون " تشقق " بتشديد ~~الشين على الادغام، واختاره أبو حاتم. وكذلك في " ق " (1). " بالغمام " أي ~~عن الغمام. والباء وعن يتعاقبان، كما تقول: رميت بالقوس، وعن القوس. روى أن ~~السماء تتشقق عن سحاب # PageV13P023 # أبيض رقيق مثل الضبابة، ولم يكن إلا لبني إسرائيل في تيههم فتنشق السماء ~~عنه، وهو الذي قال تعالى: " هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ~~". (ونزل الملائكة) من السماوات، ويأتي الرب عز وجل في الثمانية الذين ~~يحملون العرش لفصل القضاء، على ما يجوز أن يحمل عليه اتباعه، لا على ما ~~تحمل عليه صفات المخلوقين من الحركة والانتقال. # وقال ابن عباس: تتشقق سماء الدنيا فينزل أهلها وهم أكثر ممن في الأرض من ~~الجن والإنس، ثم تنشق السماء الثانية فينزل أهلها وهم أكثر ممن في سماء ~~الدنيا، ثم كذلك حتى تنشق السماء السابعة، ثم ينزل الكروبيون (1) وحملة ~~العرش، وهو معنى قوله: " ونزل الملائكة تنزيلا " أي من السماء إلى الأرض ~~لحساب الثقلين. وقيل: إن السماء تنشق بالغمام الذي بينها وبين الناس، ~~فبتشقق الغمام تتشقق السماء، فإذا انشقت السماء انتقض تركيبها وطويت ونزلت ~~الملائكة إلى مكان سواها. وقرأ ابن كثير " وننزل الملائكة " بالنصب من ~~الانزال الباقون " ونزل ms4515 الملائكة " بالرفع. دليلة " تنزيلا " ولو كان على ~~الأول لقال إنزالا. # وقد قيل: إن ننزل وأنزل بمعنى، فجاء " تنزيلا " على " نزل " وقد قرأ عبد ~~الوهاب عن أبي عمرو " ونزل اللائكة تنزيلا ". وقرأ ابن مسعود " وأنزل ~~الملائكة " أبي بن كعب: " ونزلت الملائكة ". وعنه " وتنزلت الملائكة ". # فوله تعالى: (الملك يومئذ الحق للرحمن) " الملك " مبتدأ و " الحق " صفة ~~له و " للرحمن " الخبر، لان الملك الذي يزول وينقطع ليس بملك، فبطلت يومئذ ~~أملاك المالكين وانقطعت دعاويهم، وزال كل ملك وملكه، وبقى الملك الحق لله ~~وحده. # (وكان يوما على الكافرين عسيرا) أي لما ينالهم من الأهوال ويلحقهم من ~~الخزي والهوان، وهو على المؤمنين أخف من صلاة مكتوبة، على ما تقدم في ~~الحديث. وهذه الآية دالة عليه، لأنه إذا كان على الكافرين عسيرا فهو على ~~المؤمنين يسير. يقال: عسر يعسر، وعسر يعسر. # PageV13P024 # قوله تعالى: ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول ~~سبيلا (27) يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا (28) لقد أضلني عن الذكر ~~بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا (29) قوله تعالى: (ويوم يعض ~~الظالم على يديه) الماضي عضضت. وحكى الكسائي عضضت بفتح الضاد الأولى. وجاء ~~التوقيف عن أهل التفسير، منهم ابن عباس وسعيد ابن المسيب أن الظالم هاهنا ~~يراد به عقبه بن أبي معيط، وأن خليله أمية بن خلف، فعقبه قتله علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه، وذلك أنه كان في الأسارى يوم بدر فأمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم بقتله، فقال: أأقتل دونهم؟ فقال، نعم، بكفرك وعتوك. فقال: # من للصبية؟ فقال: النار. فقام على رضي الله عنه فقتله. وأمية قتله النبي ~~صلى الله عليه وسلم، فكان هذا من دلائل نبوة النبي صلى الله على وسلم، لأنه ~~خبر عنهما بهذا فقتلا على الكفر. # ولم يسميا في الآية لأنه أبلغ في الفائدة، ليعلم أن هذا سبيل كل ظالم فبل ~~من غيره في معصية الله عز وجل. قال ابن عباس وقتادة وغيرهما: وكان عقبة قد ~~هم بالاسلام فمنعه منه أبي بن خلف وكانا ms4516 خدنين، وأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قتلهما جميعا: قتل عقبة يوم بدر صبرا، وأبى بن خلف في المبارزة يوم ~~أحد، ذكره القشيري والثعلبي، والأول ذكره النحاس. وقال السهيلي: " ويوم يعض ~~الظالم على يديه " هو عقبة بن أبي معيط، وكان صديقا لأمية بن خلف الجمحي ~~ويروى لأبي بن خلف أخ أمية، وكان قد صنع وليمة فدعا إليها قريشا، ودعا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فأبى أن يأتيه إلا أن يسلم. وكره عقبة أن يتأخر عن ~~طعامه من أشراف قريش أحد فأسلم ونطق بالشهادتين، فأتاه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأكل من طعامه، فعاتبه خليله أمية بن خلف، أو أبي بن خلف وكان ~~غائبا. فقال عقبة: رأيت عظيما ألا يحضر طعامي رجل من أشراف قريش. فقال له ~~خليله: لا أرضى حتى ترجع وتبصق في وجهه وتطأ عنقه وتقول كيت وكيت. ففعل ~~PageV13P025 # عدو الله ما أمره به خليله، فأنزل الله عز وجل: " ويوم يعض الظالم على ~~يديه ". قال الضحاك: لما بصق عقبة في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم رجع ~~بصاقه في وجهه وشوى وجهه وشفتيه، حتى أثر في وجهه وأحرق خديه، فلم يزل أثر ~~ذلك في وجهه حتى قتل. # وعضه يديه فعل النادم الحزين لأجل طاعته خليله. (يقول يا ليتني اتخذت مع ~~الرسول سبيلا) في الدنيا، يعنى طريقا إلى الجنة. (يا ويلتا) دعاء بالويل ~~والثبور على محالفة الكافر ومتابعته. # (ليتني لم أتخذ فلانا خليلا) يعنى أمية، وكنى عنه ولم يصرح باسمه لئلا ~~يكون هذا الوعد مخصوصا به ولا مقصورا، بل يتناول جميع من فعل مثل فعلهما. ~~وقال مجاهد وأبو رجاء: # الظالم عام في كل ظالم، وفلان: الشيطان. واحتج لصاحب هذا القول بأن بعده ~~" و كان الشيطان للانسان خذولا ". وقرأ الحسن " يا ويلتى " وقد مضى في " ~~هود (1) " بيانه. # والخليل: الصاحب والصديق وقد مضى في " النساء (2) بيانه. (لقد أضلني عن ~~الذكر) أي يقول هذا النادم: لقد أضلني من اتخذته في الدنيا خليلا عن القرآن ~~والايمان به. وقيل: # " عن الذكر " أي ms4517 عن الرسول. (وكان الشيطان للانسان خذولا) قيل: هذا من ~~فول الله لا من قول الظالم. وتمام الكلام على هذا عند قوله: " بعد إذ جاءني ~~". والخذل الترك من الإعانة، ومنه خذلان إبليس للمشركين لما ظهر سراقة بن ~~مالك، فلما رأى الملائكة تبرأ منهم. وكل من صد عن سبيل الله وأطيع في معصية ~~الله فهو شيطان للانسان، خذولا عند نزول العذاب والبلاء. ولقد أحسن من قال: # تجنب قرين السوء واصرم حباله * فإن لم تجد عنه محيصا فداره وأحبب حبيب ~~الصدق واحذر مراءه * تنل منه صفو الود ما لم تماره وفى الشيب ما ينهى ~~الحليم عن الصبا * إذا اشتعلت نيرانه في عذاره آخر: # اصحب خيار الناس حيث لقيتهم * خير الصحابة من يكون عفيفا والناس مثل ~~دراهم ميزتها * فوجدت منها فضة وزيوفا # PageV13P026 # وفى الصحيح من حديث أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إنما ~~مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير فحامل المسك إما ~~أن يحذيك (1) وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد ريحا طيبة ونافخ الكير إما أن ~~يحرق ثيابك وإما أن تجد ريحا خبيثة " لفظ مسلم. وأخرجه أبو داود من حديث ~~أنس. وذكر أبو بكر البزار عن ابن عباس قال: # قيل يا رسول الله، أي جلسائنا خير؟ قال: " من ذكركم بالله رؤيته وزاد في ~~علمكم منطقه وذكركم بالآخرة عمله ". وقال مالك بن دينار: إنك إن تنقل ~~الأحجار مع الأبرار خير لك من أن تأكل الخبيص (2) مع الفجار. وأنشد: # وصاحب خيار الناس تنج مسلما * وصاحب شرار الناس يوما فتندما قوله تعالى: ~~وقال الرسول يرب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا (30) وكذلك جعلنا لكل ~~نبي عدوا من المجرمين وكفى بربك هاديا ونصيرا (31) قوله تعالى: (وقال ~~الرسول يا رب " يريد محمدا صلى الله عليه وسلم، يشكوهم إلى الله تعالى. (إن ~~قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا) أي قالوا فيه غير الحق من إنه سحر وشعر، عن ~~مجاهد والنخعي. وقيل: معنى " مهجورا " أي متروكا، فعزاه الله تبارك وتعالى ~~وسلاه بقوله: (وكذلك جعلنا لكل ms4518 نبي عدوا من المجرمين) أي كما جعلنا لك يا ~~محمد عدوا من مشركي قومك - وهو أبو جهل في قول ابن عباس - فكذلك جعلنا لكل ~~نبي عدوا من مشركي قومه، فاصبر لأمري كما صبروا، فإني هاديك وناصرك على كل ~~من ناوأك. وقد قيل: إن قول الرسول " يا رب " إنما يقوله يوم القيامة، أي ~~هجروا القرآن وهجروني وكذبوني. وقال أنس قال النبي صلى الله غليه وسلم: " ~~من (3) تعلم القرآن وعلق مصحفه لم يتعاهد ولم ينظر فيه جاء # PageV13P027 # يوم القيامة متعلقا به يقول يا رب العالمين إن عبدك هذا اتخذني مهجورا ~~فاقض بيني وبينه ". # ذكره الثعلبي. (وكفى بربك هاديا ونصيرا) نصب على الحال أو التمييز، أي ~~يهديك وينصرك فلا تبال بمن عاداك. وقال ابن عباس: عدو النبي صلى الله عليه ~~وسلم أبو جهل لعنه الله. # قوله تعالى: وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك ~~لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا (32) ولا يأتونك بمثل إلا جئنك بالحق وأحسن ~~تفسيرا (33) قوله تعالى: (وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة ~~واحدة) اختلف في قائل ذلك على قولين: أحدهما - أنهم كفار قريش، قاله ابن ~~عباس. والثاني - انهم اليهود حين رأوا نزول القرآن مفرقا قالوا: هلا أنزل ~~عليه جملة واحدة كما أنزلت التوراة على موسى والإنجيل على عيسى والزبور " ~~على داود " (1). فقال الله تعالى: " كذلك " أي فعلنا " لنثبت به فؤادك " ~~نقوى به قلبك فتعيه وتحمله، لان الكتب المتقدمة أنزلت على أنبياء يكتبون ~~ويقرؤون، والقرآن أنزل على نبي أمي، ولأن من القرآن الناسخ والمنسوخ، ومنه ~~ما هو جواب لمن سأل عن أمور، ففرقناه ليكون أوعى للنبي صلى الله عليه وسلم، ~~وأيسر على العامل به، فكان كلما نزل وحى جديد زاده قوة قلب. # قلت: فإن قيل هلا أنزل القرآن دفعة واحدة وحفظه إذا كان ذلك في قدرته؟. ~~قيل: # في قدرة الله أن يعلمه الكتاب والقرآن في لحظة واحدة، ولكنه لم يفعل ولا ~~معترض عليه في حكمه، وقد بينا وجه الحكمة في ذلك. وقد قيل: إن قوله " كذلك ms4519 ~~" من كلام المشركين، أي لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك، أي كالتوراة ~~والإنجيل، فيتم الوقف على " كذلك " ثم يبتدئ " لنثبت به فؤادك ". ويجوز أن ~~يكون الوقف على قوله: " جملة واحدة " ثم يبتدئ " كذلك لتثبت به فؤادك " على ~~معنى أنزلناه عليك كذلك متفرقا لنثبت به فؤادك. قال # PageV13P028 # ابن الأنباري: والوجه الأول أجود وأحسن، والقول الثاني قد جاء به ~~التفسير، حدثنا محمد ابن عثمان الشيبي قال حدثنا منجاب قال حدثنا بشر بن ~~عمارة عن أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس في قوله تعالى: " إنا أنزلناه في ~~ليلة القدر " قال: أنزل القرآن جملة واحدة من عند الله عز وجل في اللوح ~~المحفوظ إلى السفرة الكرام الكاتبين في السماء، فنجمه السفرة الكرام على ~~جبريل عشرين ليلة، ونجمه جبريل عليه السلام على محمد عشرين سنة. قال: فهو ~~قوله " فلا أقسم بمواقع النجوم " يعنى نجوم القرآن " وإنه لقسم لو تعلمون ~~عظيم. إنه لقرآن كريم ". قال: فلما لم ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم ~~جملة واحدة، قال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة، فقال الله ~~تبارك وتعالى: " كذلك لنثبت به فؤادك " يا محمد. (ورتلناه ترتيلا) يقول: ~~ورسلناه ترسيلا، يقول: شيئا بعد شئ. # (ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا) يقول: لو أنزلنا عليك ~~القرآن جملة واحدة ثم سألوك لم يكن عندك ما تجيب به، ولكن نمسك عليك فإذا ~~سألوك أجبت. قال النحاس: وكان ذلك من علامات النبوة، لأنهم لا يسألون عن شئ ~~إلا أجيبوا عنه، وهذا لا يكون إلا من نبي، فكان ذلك تثبيتا لفؤاده ~~وأفئدتهم، ويدل على هذا " ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا " ~~ولو نزل جملة بما فيه من الفرائض لثقل عليهم، وعلم الله عز وجل أن الصلاح ~~في إنزاله متفرقا، لأنهم ينبهون به مرة بعد مرة، ولو نزل جملة واحدة لزال ~~معنى التنبيه وفيه ناسخ ومنسوخ، فكانوا يتعبدون بالشئ إلى وقت بعينه قد علم ~~الله عز وجل فيه الصلاح، ثم ينزل النسخ بعد ذلك، فمحال أن ms4520 ينزل جملة واحدة: ~~افعلوا كذا ولا تفعلوا. قال النحاس: والأولى أن يكون التمام " جملة واحدة " ~~لأنه إذا وقف على " كذلك " صار المعنى كالتوراة والإنجيل والزبور ولم يتقدم ~~لها ذكر. قال الضحاك: # " وأحسن تفسيرا " أي تفصيلا. والمعنى: أحسن من مثلهم تفصيلا، فحذف لعلم ~~السامع. # وقيل: كان المشركون يستمدون من أهل الكتاب وكان قد غلب على أهل الكتاب ~~التحريف # PageV13P029 # والتبديل، فكان ما يأتي به النبي صلى الله عليه وسلم أحسن تفسيرا مما ~~عندهم، لأنهم كانوا يخلطون الحق بالباطل، والحق المحض أحسن من حق مختلط ~~بباطل، ولهذا قال تعالى: # " ولا تلبسوا الحق بالباطل ". وقيل: " لا يأتونك بمثل " كقولهم في صفة ~~عيسى إنه خلق من غير أب إلا جئناك بالحق أي بما فيه نقض حجتهم كآدم إذ خلق ~~من غير أب وأم. # قوله تعالى: الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم أولئك شر مكانا وأضل سبيلا ~~(34) قوله تعالى: (الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم) تقدم في " سبحان " ~~(1). # أولئك شر مكانا) لأنهم في جهنم. وقال مقاتل: قال الكفار لأصحاب محمد صلى ~~الله عليه وسلم هو شر الخلق. فنزلت الآية. (وأضل سبيلا) أي دينا وطريقا. ~~ونظم الآية: ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق، وأنت منصور عليهم بالحجج ~~الواضحة، وهم محشورون على وجوههم. # قوله تعالى: ولقد آتينا موسى الكتب وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا (35) ~~فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا فدمرناهم تدميرا (36) قوله ~~تعالى: (ولقد آتينا موسى الكتاب) يريد التوراة. (وجعلنا معه أخاه هارون ~~وزيرا) تقدم في " طه " (1) (فقلنا اذهبا) الخطاب لهما. وقيل: إنما أمر موسى ~~صلى الله عليه وسلم بالذهاب وحده في المعنى. وهذا بمنزلة قوله: " نسيا ~~حوتهما ". وقوله: " يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان " وإنما يخرج من أحدهما. ~~قال النحاس: وهذا مما لا ينبغي أن يجترأ به على كتاب الله تعالى، وقد قال ~~عز وجل: " فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى. قالا ربنا إننا نخاف أن ~~يفرط علينا أو أن يطغى. قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى. فأتياه فقولا # PageV13P030 # إنا رسولا ربك ". ونظير هذا ms4521 " ومن دونهما جنتان ". وقد قال جل ثناؤه " ثم ~~أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا " قال القشيري: وقوله في موضع آخر: " اذهب ~~إلى فرعون إنه طغى " لا ينافي هذا، لأنهما إذا كان مأمورين فكل واحد مأمور. ~~ويجوز أن يقال: أمر موسى أولا، ثم لما قال: " واجعل لي وزيرا من أهلي " قال ~~" اذهبا إلى فرعون ". (إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا) يريد فرعون وهامان ~~والقبط. (فدمرناهم) في الكلام إضمار، أي فكذبوهما (فدمرناهم تدميرا) أي ~~أهلكناهم إهلاكا. # قوله تعالى: وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم وجعلناهم للناس آية ~~وأعتدنا للظالمين عذابا أليما (37) قوله تعالى: (وقوم نوح) في نصب " قوم " ~~أربعة أقوال: العطف على الهاء والميم في " دمرناهم ". الثاني - بمعنى أذكر. ~~الثالث - بإضمار فعل يفسره ما بعده، والتقدير: # وأغرقنا قوم نوح أغرقناهم. الرابع - إنه منصوب ب‍ " أغرقناهم " قاله ~~الفراء. ورده النحاس قال: لان " أغرقنا " ليس مما يتعدى إلى مفعولين فيعمل ~~في المضمر وفى " قوم نوح ". (لما كذبوا الرسل) ذكر الجنس والمراد نوح وحده، ~~لأنه لم يكن في ذلك الوقت رسول إليهم إلا نوح وحده، فنوح إنما بعث بلا إله ~~إلا الله، وبالايمان بما ينزل الله، فلما كذبوه كان في ذلك تكذيب لكل من ~~بعث بعده بهذه الكلمة. وقيل: إن من كذب رسولا فقد كذب جميع الرسل، لأنهم لا ~~يفرق بينهم في الايمان، ولأنه ما من نبي إلا يصدق سائر أنبياء الله، فمن ~~كذب منهم نبيا فقد كذب كل من صدقه من النبيين. (أغرقناهم) أي بالطوفان. على ~~ما تقدم في " هود ". (وجعلناهم للناس آية) أي علامة ظاهرة على قدرتنا ~~(وأعتدنا للظالمين) أي المشركين من قوم نوح (عذابا أليما) أي في الآخرة. # وقيل: أي هذه سبيلي في كل ظالم. # قوله تعالى: وعادا وثمودا وأصحب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا (38) ~~PageV13P031 # قوله تعالى: (وعادا وثمودا وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا) كله معطوف ~~على " قوم نوح " إذا كان " قوم نوح " منصوبا على العطف، أو بمعنى أذكر. ~~ويجوز أن يكون كله منصوبا على أنه معطوف على المضمر في " دمرناهم " أو على ms4522 ~~المضمر في " جعلناهم " وهو اختيار النحاس، لأنه أقرب إليه. ويجوز أن يكون ~~منصوبا بإضمار فعل، أي أذكر عادا الذين كذبوا هودا فأهلكهم الله بالريح ~~العقيم، وثمودا كذبوا صالحا فأهلكوا بالرجفة. و " أصحاب الرس " والرس في ~~كلام العرب البئر التي تكون غير مطوية، والجمع رساس. قال (1): # * تنابلة يحفرون الرساسا * يعنى آبار المعادن. قال ابن عباس: سألت كعبا ~~عن أصحاب الرس قال: صاحب " يس " الذي قال: " يا قوم اتبعوا المرسلين " قتله ~~قومه ورسوه في بئر لهم يقال لها الرس طرحوه فيها، وكذا قال مقاتل. السدى: ~~هم أصحاب قصة " يس " أهل أنطاكية، والرس بئر بأنطاكية قتلوا فيها حبيبا ~~النجار مؤمن آل " يس " فنسبوا إليها. وقال على رضي الله عنه: هم قوم كانوا ~~يعبدون شجرة صنوبر فدعا عليهم نبيهم، وكان من ولد يهوذا، فيبست الشجرة ~~فقتلوه ورسوه في بئر، فأظلتهم سحابة سوداء فأحرقتهم. وقال ابن عباس: هم قوم ~~بآذربيجان قتلوا أنبياء فجفت أشجارهم وزروعهم فماتوا جوعا وعطشا. وقال وهب ~~بن منبه: كانوا أهل بئر يقعدون عليها وأصحاب مواشي، وكانوا يعبدون الأصنام، ~~فأرسل الله إليهم شعيبا فكذبوه وآذوه، وتمادوا على كفرهم وطغيانهم، فبينما ~~هم حول البئر في منازلهم انهارت بهم وبديارهم، فخسف الله بهم فهلكوا جميعا. ~~وقال قتادة: أصحاب الرس وأصحاب الأيكة أمتان أرسل الله إليهما شعيبا فكذبوه ~~فعذبهما الله بعذابين. قال قتادة: والرس قرية بفلج اليمامة. وقال عكرمة: هم ~~قوم رسوا نبيهم في بئر حيا. دليله ما روى محمد بن كعب القرظي عمن حدثه أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " أول الناس يدخل الجنة يوم القيامة عبد أسود وذلك أن الله تعالى بعث ~~نبيا إلى قومه فلم يؤمن به إلا ذلك الأسود فحفر أهل القرية بئرا وألقوا فيه ~~نبيهم حيا وأطبقوا عليه حجرا ضخما # PageV13P032 # وكان العبد الأسود يحتطب على ظهره ويبيعه ويأتيه بطعامه وشرابه فيعينه ~~الله على رفع تلك الصخرة حتى يدليه إليه فبينما هو يحتطب إذ نام فضرب الله ~~على أذنه سبع سنين نائما ثم هب من نومه فتمطى واتكأ على شقه ms4523 الآخر فضرب ~~الله على أذنه سبع سنين ثم هب فاحتمل حزمة الحطب فباعها وأتى بطعامه وشرابه ~~إلى البئر فلم يجده وكان قومه قد أراهم الله تعالى آية فاستخرجوه وآمنوا به ~~وصدقوه ومات ذلك النبي ". قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن ذلك العبد ~~الأسود لأول من يدخل الجنة " وذكر هذا الخبر المهدوي والثعلبي، واللفظ ~~للثعلبي، وقال: هؤلاء آمنوا بنبيهم فلا يجوز أن يكونوا أصحاب الرس، لان ~~الله تعالى أخبر عن أصحاب الرس أنه دمرهم، إلا أن يدمروا بأحداث أحدثوها ~~بعد نبيهم. وقال الكلبي: أصحاب الرس قوم أرسل الله إليهم نبيا فأكلوه. وهم ~~أول من عمل نساؤهم السحق، ذكره الماوردي. وقيل: # هم أصحاب الأخدود الذين حفروا الأخاديد وحرقوا فيها المؤمنين، وسيأتي. ~~وقيل: هم بقايا من قوم ثمود، وأن الرس البئر المذكورة في " الحج " في قوله: ~~" وبئر معطلة " على ما تقدم (1). # وفي الصحاح: والرس اسم بئر كانت لبقية من ثمود. وقال جعفر بن محمد عن ~~أبيه: أصحاب الرس قوم كانوا يستحسنون لنسائهم السحق، وكان نساؤهم كلهم ~~سحاقات. وروى من حديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن من ~~أشراط الساعة أن يكتفى الرجال بالرجال والنساء بالنساء وذلك السحق ". وقيل: ~~الرس ماء ونخل لبني أسد. وقيل: الثلج المتراكم في الجبال، ذكره القشيري. ~~وما ذكرناه أولا هو المعروف، وهو كل حفر احتفر كالقبر والمعدن والبئر. قال ~~أبو عبيدة: الرس كل ركية لم تطو، وجمعها رساس. قال الشاعر: # وهم سائرون إلى أرضهم * فيا ليتهم يحفرون الرساسا والرس اسم واد في قول ~~زهير: # بكرن بكورا واستحرن بسحرة * فهن لوادي الرس كاليد للفم ورسست رسا: حفرت ~~بئرا. ورس الميت أي قبر. و الرس: الاصلاح بين الناس، والافساد أيضا وقد ~~رسست بينهم، فهو من الأضداد. وقد قيل في أصحاب الرس غير ما ذكرنا، ذكره # PageV13P033 # الثعلبي وغيره. (وقرونا بين ذلك كثيرا) أي أمما لا يعلمهم إلا الله بين ~~قوم نوح وعاد. وثمود وأصحاب الرس. وعن الربيع بن خيثم اشتكى فقيل له: ألا ~~تتداوى فإن رسول الله ms4524 صلى الله عليه و سلم قد أمر به؟ قال: لقد هممت بذلك ~~ثم فكرت فيما بيني وبين نفسي فإذا عاد وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك ~~كثيرا كانوا أكثر وأشد حرصا على جمع المال، فكان فيهم أطباء، فلا الناعت ~~منهم بقى ولا المنعوت، فأبى أن يتداوى فما مكث إلا خمسة أيام حتى مات، رحمه ~~الله. # قوله تعالى: وكلا ضربنا له الأمثل وكلا تبرنا تتبيرا (39) قوله تعالى: ~~(وكلا ضربنا له الأمثال) قال الزجاج. أي وأنذرنا كلا ضربنا له الأمثال ~~وبينا لهم الحجة، ولم نضرب لهم الأمثال الباطلة كما يفعله هؤلاء الكفرة. ~~وقيل: # انتصب على تقدير ذكرنا كلا و نحوه، لان ضرب الأمثال تذكير ووعظ، ذكره ~~المهدوي. # والمعنى واحد. (وكلا تبرنا تتبيرا) أي أهلكنا بالعذاب. وتبرت الشئ كسرته. ~~وقال المؤرج والأخفش: دمرناهم تدميرا. تبدل التاء والباء من الدال والميم. # قوله تعالى: ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء أفلم يكونوا ~~يرونها بل كانوا لا يرجون نشورا (40) قوله تعالى: (ولقد أتوا على القرية) ~~يعنى مشركي مكة. والقرية قرية قوم لوط. # و (مطر السوء) الحجارة التي أمطروا بها. (أفلم يكونوا يرونها) أي في ~~أسفارهم ليعتبروا. # قال ابن عباس: كانت قريش في تجارتها إلى الشام تمر بمدائن قوم لوط كما ~~قال الله تعالى: # " وإنكم لتمرون عليهم مصبحين " وقال: " وإنهما لبإمام مبين " وقد تقدم ~~(1). (بل كانوا لا يرجون نشورا) أي لا يصدقون بالبعث. ويجوز أن يكون معنى " ~~يرجون " يخافون. # ويجوز أن يكون على بابه ويكون معناه: بل كانوا لا يرجون ثواب الآخرة. # PageV13P034 # قوله تعالى: وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا ~~(41) إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا إن صبرنا عليها وسوف يعلمون حين يرون ~~العذاب من أضل سبيلا (42) قوله تعالى: (وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا) ~~جواب " إذا " " إن يتخذونك " لان معناه يتخذونك. وقيل: الجواب محذوف وهو ~~قالوا أو يقولون: " أهذا الذي " وقوله: " إن يتخذونك إلا هزوا " كلام ~~معترض. ونزلت في أبى جهل كان يقول للنبي صلى الله عليه وسلم مستهزئا: ms4525 (أهذا ~~الذي بعث الله رسولا) والعائد محذوف، أي بعثه الله. # " رسولا " نصب على الحال والتقدير: أهذا الذي بعثه الله مرسلا. " أهذا " ~~رفع بالابتداء و " الذي " خبره. " رسولا " نصب على الحال. و " بعث " في صلة ~~" الذي " واسم الله عز وجل رفع ب‍ " بعث ". ويجوز أن يكون مصدرا، لان معنى ~~" بعث " أرسل ويكون معنى " رسولا " رسالة على هذا. والألف للاستفهام على ~~معنى التقرير والاحتقار. (إن كاد ليضلنا) أي قالوا قد كاد أن يصرفنا. (عن ~~آلهتنا لولا أن صبرنا عليها) أي حبسنا أنفسنا على عبادتها. قال الله تعالى: ~~(وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا) يريد من أضل دينا أهم أم محمد، ~~وقد رأوه في يوم بدر. # قوله تعالى: أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا (43) قوله ~~تعالى: (أرأيت من اتخذ إلهه هواه) عجب نبيه صلى الله عليه وسلم من إضمارهم ~~على الشرك وإصرارهم عليه مع إقرارهم بأنه خالقهم ورازقهم، ثم يعمد إلى حجر ~~يعبده من غير حجة. قال الكلبي وغيره: كانت العرب إذا هوى الرجل منهم شيئا ~~عبده من دون الله، فإذا رأى أحسن منه ترك الأول وعبد الأحسن، فعلى هذا ~~يعنى: أرأيت من اتخذ إلهه بهواه، فحذف الجار. وقال ابن عباس: الهوى إله ~~يعبد من دون الله، ثم تلا هذه الآية. PageV13P035 # قال الشاعر: # لعمر أبيها لو تبدت لناسك * قد اعتزل الدنيا بإحدى المناسك لصلى لها قبل ~~الصلاة لربه * ولا ارتد في الدنيا بأعمال فاتك وقيل: " اتخذ إلهه هواه " أي ~~أطاع هواه. وعن الحسن لا يهوى شيئا إلا أتبعه، والمعنى واحد. (أفأنت تكون ~~عليه وكيلا) أي حفيظا وكفيلا حتى ترده إلى الايمان وتخرجه من هذا الفساد. ~~أي ليست الهداية والضلالة موكولتين إلى مشيئتك، وإنما عليك التبليغ. وهذا ~~رد على القدرية. ثم قيل: إنها منسوخة بآية القتال. وقيل: لم تنسخ، لان ~~الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم. # قوله تعالى: أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالانعام بل ~~هم أضل سبيلا (44) قوله تعالى: (أم تحسب أن ms4526 أكثرهم يسمعون أو يعقلون) ولم ~~يقل أنهم لان منهم من قد علم أنه يؤمن. وذمهم عز وجل بهذا. " أم تحسب أن ~~أكثرهم يسمعون " سماع قبول أو يفكرون فيما تقول فيعقلونه، أي أهم بمنزلة من ~~لا يعقل ولا يسمع. وقيل: المعنى أنهم لما لم ينتفعوا بما يسمعون فكأنهم لم ~~يسمعوا، والمراد أهل مكة. وقيل: " أم " بمعنى بل في مثل هذا الموضع. (إن هم ~~إلا كالانعام) أي في الأكل والشرب لا يفكرون في الآخرة. # (بل هم أضل) إذ لا حساب ولا عقاب على الانعام. وقال مقاتل: البهائم تعرف ~~ربها وتهتدي إلى مراعيها وتنقاد لأربابها التي تعقلها، وهؤلاء لا ينقادون ~~ولا يعرفون ربهم الذي خلقهم ورزقهم. وقيل: لان البهائم إن لم تعقل صحة ~~التوحيد والنبوة لم تعتقد بطلان ذلك أيضا. # قوله تعالى: ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا ~~الشمس عليه دليلا (45) ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا (46) PageV13P036 # قوله تعالى: (ألم تر إلى ربك كيف مد الظل) يجوز أن تكون هذه الرؤية من ~~رؤية العين، ومجوز أن تكون من العلم. وقال الحسن وغيرهما: مد الظل من طلوع ~~الفجر إلى طلوع الشمس. وقيل: هو من غيوبة الشمس إلى طلوعها. والأول أصح، ~~والدليل على ذلك أنه ليس من ساعة أطيب من تلك الساعة، فإن فيها يجد المريض ~~راحة والمسافر وكل ذي علة: وفيها ترد نفوس الأموات والأرواح منهم إلى ~~الأجساد، وتطيب نفوس الاحياء فيها. وهذه الصفة مفقودة بعد المغرب. وقال أبو ~~العالية: نهار الجنة هكذا، وأشار إلى ساعة المصلين صلاة الفجر. أبو عبيدة: ~~الظل بالغداة والفئ بالعشى، لأنه يرجع بعد زوال الشمس، سمى فيئا لأنه فاء ~~من المشرق إلى جانب المغرب. قال الشاعر، وهو حميد بن ثور يصف سرحة (1) وكنى ~~بها عن امرأة: # فلا الظل من برد الضحا تستطيعه * ولا الفئ من برد العشى تذوق وقال ابن ~~السكيت: الظل ما نسخته الشمس والفئ ما نسخ الشمس. وحكى أبو عبيدة عن رؤية ~~قال: كل ما كانت عليه الشمس فزالت عنه فهو ms4527 فئ وظل، وما لم تكن عليه الشمس ~~فهو ظل. (ولو شاء لجعله ساكنا) أي دائما مستقرا لا تنسخه الشمس. ابن عباس: # يريد إلى يوم القيامة، وقيل: المعنى لو شاء لمنع الشمس الطلوع. (ثم جعلنا ~~الشمس عليه دليلا) أي جعلنا الشمس بنسخها الظل عند مجيئها دالة على أن الظل ~~شئ ومعنى، لان الأشياء تعرف بأضدادها ولولا الشمس ما عرف الظل، ولولا النور ~~ما عرفت الظلمة. # فالدليل فعيل بمعنى الفاعل. وقيل: بمعنى المفعول كالقتيل والدهين ~~والخضيب. أي دللنا الشمس على الظل حتى ذهبت به، أي أتبعناها إياه. فالشمس ~~دليل أي حجة وبرهان، وهو الذي يكشف المشكل ويوضحه. ولم يؤنث الدليل وهو صفة ~~الشمس لأنه في معنى الاسم، كما يقال: # الشمس برهان والشمس حق. (ثم قبضناه) يريد ذلك الظل الممدود. (إلينا قبضا ~~يسيرا) أي يسيرا قبضه علينا. وكل أمر ربنا عليه يسير. فالظل مكثه في هذا ~~الجو بمقدار طلوع # PageV13P037 # الفجر إلى طلوع الشمس، فإذا طلعت الشمس صار الظل مقبوضا، وخلفه في هذا ~~الجو شعاع الشمس فأشرق على الأرض وعلى الأشياء إلى وقت غروبها، فإذا غربت ~~فليس هناك ظل، إنما ذلك بقية نور النهار. وقال قوم: قبضه بغروب الشمس، ~~لأنها ما لم تغرب فالظل فيه بقية، وإنما يتم زواله بمجئ الليل ودخول الظلمة ~~عليه. وقيل: إن هذا القبض وقع بالشمس، لأنها إذا طلعت أخذ الظل في الذهاب ~~شيئا فشيئا، قاله أبو مالك وإبراهيم التيمي. وقيل: " ثم قبضناه " أي قبضنا ~~ضياء الشمس بالفئ " قبضا يسيرا ". وقيل: # " يسيرا " أي سريعا، قاله الضحاك. قتادة: خفيا، أي إذا غابت الشمس قبض ~~الظل قبضا خفيا، كلما قبض جزء منه جعل مكانه جزء من الظلمة، وليس يزول دفعة ~~واحدة. فهذا معنى قول قتادة، وهو قول مجاهد. # قوله تعالى: وهو الذي جعل لكم الليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار ~~نشورا (47) وفيه أربع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (وهو الذي جعل لكم الليل لباسا) يعنى سترا للخلق ~~يقوم مقام اللباس في ستر البدن. قال الطبري: وصف الليل باللباس تشبيها من ~~حيث يستر الأشياء ms4528 ويغشاها. # الثانية - قال ابن العربي: ظن بعض الغفلة أن من صلى عريانا في الظلام أنه ~~يجزئه، لان الليل لباس. وهذا يوجب أن يصلى في بيته عريانا إذا أغلق عليه ~~بابه. والستر في [الصلاة] (1) عبادة تختص بها ليست لأجل نظر الناس. ولا ~~حاجة إلى الاطناب في هذا. # الثالثة - قوله تعالى: (والنوم سباتا) أي راحة لأبدانكم بانقطاعكم عن ~~الاشغال. # وأصل السبات من التمدد. يقال: سبتت المرأة شعرها أي نقضته وأرسلته. ورجل ~~مسبوت أي ممدود الخلقة. وقيل: للنوم سبات لأنه بالتمدد يكون، وفى التمدد ~~معنى الراحة. وقيل: # PageV13P038 # السبت القطع، فالنوم انقطاع عن الاشتغال، ومنه سبت اليهود لانقطاعهم عن ~~الأعمال فيه. وقيل: السبت الإقامة في المكان، فكأن السبات سكون ما وثبوت ~~عليه، فالنوم سبات على معنى أنه سكون عن الاضطراب والحركة. وقال الخليل: ~~السبات نوم ثقيل، أي جعلنا نومكم ثقيلا ليكمل الاجمام والراحة. # الرابعة - قوله تعالى: (وجعل النهار نشورا) من الانتشار للمعاش، أي ~~النهار سبب الاحياء للانتشار. شبه اليقظة فيه بتطابق الاحياء مع الإماتة. ~~وكان عليه السلام إذا أصبح قال: " الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا ~~وإليه النشور ". # قوله تعالى: وهو الذي أرسل الريح بشرا بين يدي رحمته وأنزلنا من السماء ~~ماء طهورا (48) قوله تعالى: (وهو الذي أرسل الرياح نشرا بين يدي رحمته) ~~تقدم في " الأعراف " (1) مستوفى. # قوله تعالى: (وأنزلنا من السماء ماء طهورا). # فيه خمس عشرة مسألة: # الأولى - قوله تعالى: " ماء طهورا " يتطهر به، كما يقال: وضوء للماء الذي ~~يتوضأ به. وكل طهور طاهر وليس كل طاهر طهورا. فالطهور (بفتح الطاء) الاسم. ~~وكذلك الوضوء والوقود. وبالضم المصدر، وهذا هو المعروف في اللغة، قاله ابن ~~الأنباري. فبين أن الماء المنزل من السماء طاهر في نفسه مطهر لغيره، فإن ~~الطهور بناء مبالغة في طاهر، وهذه المبالغة اقتضت أن يكون طاهرا مطهرا. ~~وإلى هذا ذهب الجمهور. وقيل: # إن " طهورا " بمعنى طاهر، وهو قول أبي حنيفة، وتعلق بقوله تعالى: " ~~وسقاهم ربهم شرابا طهورا " يعنى طاهرا. # PageV13P039 # ويقول الشاعر: # خليلي هل في نظرة بعد توبة * أداوى بها قلبي ms4529 على فجور إلى رجح الأكفال ~~غيد (1) من الظبا * عذاب الثنايا ريقهن طهور فوصف الريق بأنه طهور وليس ~~بمطهر. وتقول العرب: رجل نؤوم وليس ذلك بمعنى أنه منيم لغيره، وإنما يرجع ~~ذلك إلى فعل نفسه. ولقد أجاب علماؤنا عن هذا فقالوا: وصف شراب الجنة بأنه ~~طهور يفيد التطهير عن أوضار الذنوب وعن خسائس الصفات كالغل والحسد، فإذا ~~شربوا هذا الشراب يطهرهم الله من رحض الذنوب وأوضار الاعتقادات الذميمة، ~~فجاءوا الله بقلب سليم، ودخلوا الجنة بصفات التسليم، وقيل لهم حينئذ: " ~~سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين ". ولما كان حكمه في الدنيا بزوال حكم ~~الحدث بجريان الماء على الأعضاء كانت تلك حكمته في الآخرة. وأما قول ~~الشاعر: # *... ريقهن طهور * فإنه قصد بذلك المبالغة في وصف الريق بالطهورية ~~لعذوبته وتعلقه بالقلوب، وطيبه في النفوس، وسكون غليل المحب برشفه حتى كأنه ~~الماء الطهور، وبالجملة فإن الأحكام الشرعية لا تثبت بالمجازاة الشعرية، ~~فإن الشعراء يتجاوزون في الاستغراق حد الصدق إلى الكذب، ويسترسلون في القول ~~حتى يخرجهم ذلك إلى البدعة والمعصية، وربما وقعوا في الكفر من حيث لا ~~يشعرون. ألا ترى إلى قول بعضهم: # ولو لم تلامس صفحة الأرض رجلها * لما كنت أدرى علة للتيمم وهذا كفر صراح، ~~نعوذ بالله منه. قال القاضي أبو بكر بن العربي: هذا منتهى لباب كلام ~~العلماء، وهو بالغ في فنه، إلا أنى تأملت من طريق العربية فوجدت فيه # PageV13P040 # مطلعا مشرقا، وهو أن بناء فعول للمبالغة، إلا أن المبالغة قد تكون في ~~الفعل المتعدى كما قال الشاعر: # * ضروب بنصل السيف سوق سمانها (1) * وقد تكون في الفعل القاصر كما قال ~~الشاعر: # * نؤوم الضحا لم تنتطق عن تفضل (2) * وإنما تؤخذ طهورية الماء لغيره من ~~الحسن نظافة ومن الشرع طهارة، كقوله عليه السلام: " لا يقبل الله صلاة بغير ~~طهور ". وأجمعت الأمة لغة وشريعة على أن وصف طهور يختص بالماء ولا يتعدى ~~إلى سائر المائعات وهي طاهرة، فكان اقتصارهم بذلك على الماء أدل دليل على ~~أن الطهور هو المطهر، وقد يأتي فعول لوجه آخر ليس من هذا ms4530 كله وهو العبارة ~~به الآلة للفعل لا عن الفعل كقولنا: وقود وسحور بفتح الفاء، فإنها عبارة عن ~~الحطب والطعم المتسحر به، فوصف الماء بأنه طهور (بفتح الطاء) أيضا يكون ~~خبرا عن الآلة التي يتطهر بها. فإذا ضمت الفاء في الوقود والسحور والطهور ~~عاد إلى الفعل وكان خبرا عنه. # فثبت بهذا أن اسم الفعول (بفتح الفاء) يكون بناء للمبالغة ويكون خبرا عن ~~الآلة، وهو الذي خطر ببال الحنفية، ولكن قصرت أشداقها عن لوكه، وبعد هذا ~~يقف البيان عن المبالغة وعن الآلة على الدليل بقوله تعالى: " وأنزلنا من ~~السماء ماء طهورا ". وقوله عليه السلام: # " جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا " يحتمل المبالغة ويحتمل العبارة به عن ~~الآلة، فلا حجة فيه لعلمائنا، لكن يبقى قول: " ليطهركم به " نص في أن فعله ~~يتعدى إلى غيره. # الثانية - المياه المنزلة من السماء والمودعة في الأرض طاهرة مطهرة على ~~اختلاف ألوانها وطعومها وأرياحها حتى يخالطها غيرها، والمخالط للماء على ~~ثلاثة أضرب: ضرب يوافقه # PageV13P041 # في صفتيه جميعا، فإذا خالطه فغيره لم يسلبه وصفا منهما لموافقته لهما وهو ~~التراب. والضرب الثاني يوافقه في إحدى صفتيه وهي الطهارة، فإذا خالطه فغيره ~~سلبه ما خالفه فيه وهو التطهير، كماء الورد وسائر الطاهرات. والضرب الثالث ~~يخالفه في الصفتين جميعا، فإذا خالطه فغيره سلبه الصفتين جميعا لمخالفته له ~~فيهما وهو النجس. # الثالثة - ذهب المصريون من أصحاب مالك إلى أن قليل الماء يفسده قليل ~~النجاسة، وأن الكثير لا يفسده إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه من ~~المحرمات. ولم يحدوا بين القليل والكثير حدا يوقف عنده، إلا أن ابن القاسم ~~روى عن مالك في الجنب يغتسل في حوض من الحياض التي تسقى فيها الدواب ولم ~~يكن غسل ما به من الأذى أنه قد أفسد الماء، وهو مذهب ابن القاسم وأشهب وابن ~~عبد الحكم ومن اتبعهم من المصريين. إلا ابن وهب فإنه يقول في الماء بقول ~~المدنيين من أصحاب مالك. وقولهم ما حكاه أبو مصعب عنهم وعنه: # أن الماء لا تفسده النجاسة الحالة فيه قليلا ms4531 كان أو كثيرا إلا أن تظهر ~~فيه النجاسة وتغير منه طعما أو ريحا أو لونا. وذكر أحمد بن المعدل أن هذا ~~قول مالك بن أنس في الماء. وإلى هذا ذهب إسماعيل بن إسحاق ومحمد بن بكير ~~وأبو الفرج الأبهري وسائر المنتحلين لمذهب مالك من البغداديين، وهو قول ~~الأوزاعي والليث بن سعد والحسن بن صالح وداود بن علي. وهو مذهب أهل البصرة، ~~وهو الصحيح في النظر وجيد الأثر. وقال أبو حنيفة: إذا وقعت نجاسة في الماء ~~أفسدته كثيرا كان أو قليلا إذا تحققت عموم النجاسة فيه. ووجه تحققها عنده ~~أن تقع مثلا نقطة بول في بركة، فإن كانت البركة يتحرك طرفاها بتحرك أحدهما ~~فالكل نجس، وإن كانت حركة أحد الطرفين لا تحرك الآخر لم ينجس. وفي المجموعة ~~نحو مذهب أبي حنيفة. # وقال الشافعي بحديث القلتين، وهو حديث مطعون فيه، اختلف في إسناده ومتنه، ~~أخرجه أبو داود والترمذي وخاصة الدارقطني، فإنه صدر به كتابه وجمع طرقه. ~~قال ابن العربي: # وقد رام الدارقطني على إمامته أن يصحح حديث القلتين فلم يقدر. وقال أبو ~~عمر بن عبد البر: # وأما ما ذهب إليه الشافعي من حديث القلتين فمذهب ضعيف من جهة النظر، غير ~~ثابت PageV13P042 # في الأثر، لأنه قد تكلم فيه جماعة من أهل العلم بالنقل، ولأن القلتين لا ~~يوقف على حقيقة مبلغهما في أثر ثابت ولا إجماع، فلو كان ذلك حدا لازما لوجب ~~على العلماء البحث عنه ليقفوا على حد ما حده النبي صلى الله عليه وسلم، ~~لأنه من أصل دينهم وفرضهم، ولو كان ذلك كذلك ما ضيعوه، فلقد بحثوا عما هو ~~أدون من ذلك وألطف. # قلت: وفيما ذكر ابن المنذر في القلتين من الخلاف يدل على عدم التوقيف ~~فيهما والتحديد. # وفي سنن الدارقطني عن حماد بن زيد عن عاصم بن المنذر قال: القلال الخوابي ~~العظام. وعاصم هذا هو أحد رواة حديث القلتين. ويظهر من قول الدارقطني أنها ~~مثل قلال هجر، لسياقه حديث الاسراء عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: ms4532 " لما رفعت إلى سدرة المنتهى في السماء السابعة نبقها مثل قلال ~~هجر وورقها مثل آذان الفيلة " وذكر الحديث. # قال ابن العربي: وتعلق علماؤنا بحديث أبي سعيد الخدري في بئر بضاعة (1)، ~~رواه النسائي والترمذي وأبو داود وغيرهم. وهو أيضا حديث ضعيف لا قدم له في ~~الصحة فلا تعويل عليه. وقد فاوضت الطوسي الأكبر في هذه المسألة فقال: إن ~~أخلص المذاهب في هذه المسألة مذهب مالك، فإن الماء طهور ما لم يتغير أحد ~~أوصافه، إذ لا حديث في الباب يعول عليه، وإنما المعول على ظاهر القرآن وهو ~~قوله تعالى: " وأنزلنا من السماء ماء طهورا " وهو ماء بصفاته، فإذا تغير عن ~~شئ منها خرج عن الاسم لخروجه عن الصفة، ولذلك لما لم يجد البخاري إمام ~~الحديث والفقه في الباب خبرا يعول عليه قال: (باب إذا تغير وصف الماء) ~~وأدخل الحديث الصحيح: " ما من أحد يكلم في سبيل الله والله أعلم بمن يكلم ~~في سبيله إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعب (2) دما اللون لون الدم والريح ~~ريح المسك ". فأخبر صلى الله عليه وسلم أن الدم بحاله وعليه رائحة المسك، ~~ولم تخرجه الرائحة عن صفة الدموية. # ولذلك قال علماؤنا: إذا تغير الماء بريح جيفة على طرفه وساحله لم يمنع ~~ذلك الوضوء منه. # ولو تغير بها وقد وضعت فيه لكان ذلك تنجيسا له للمخالطة والأولى مجاورة ~~لا تعويل عليها. # PageV13P043 # قلت: وقد استدل به أيضا على نقيض ذلك، وهو أن تغير الرائحة يخرجه عن ~~أصله. # ووجه هذا الاستدلال أن الدم لما استحالت رائحته إلى رائحة المسك خرج عن ~~كونه مستخبثا نجسا، وأنه صار مسكا، وإن المسك بعض دم الغزال. # فكذلك الماء إذا تغيرت رائحته. وإلى هذا التأويل ذهب الجمهور في الماء. # وإلى الأول ذهب عبد الملك. قال أبو عمر: جعلوا الحكم للرائحة دون اللون، ~~فكان الحكم لها فاستدلوا عليها في زعمهم بهذا الحديث. وهذا لا يفهم منه ~~معنى تسكن إليه النفس، ولا في الدم معنى الماء فيقاس عليه، ولا يشتغل بمثل ~~هذا الفقهاء، وليس من شأن أهل ms4533 العلم اللغز به وإشكاله، وإنما شأنهم إيضاحه ~~وبيانه، ولذلك أخذ الميثاق عليهم ليبيننه للناس ولا يكتمونه، والماء لا ~~يخلو تغيره بنجاسة أو بغير نجاسة، فإن كان بنجاسة وتغير فقد أجمع العلماء ~~على أنه غير طاهر ولا مطهر، وكذلك أجمعوا أنه إذا تغير بغير نجاسة أنه طاهر ~~على أصله. وقال الجمهور: إنه غير مطهر إلا أن يكون تغيره من تربة وحمأة. ~~وما أجمعوا عليه فهو الحق الذي لا إشكال فيه، ولا التباس معه. # الرابعة - الماء المتغير بقراره كزرنيخ أو جير يجرى عليه، أو تغير بطحلب ~~أو ورق شجر ينبت عليه لا يمكن الاحتراز عنه فاتفق العلماء أن ذلك لا يمنع ~~من الوضوء به، لعدم الاحتراز منه والانفكاك عنه، وقد روى ابن وهب عن مالك ~~أن غيره أولى منه. # الخامسة - قال علماؤنا رحمة الله عليهم: ويكره سؤر النصراني وسائر الكفار ~~والمدمن الخمر، وما أكل الجيف، كالكلاب وغيرها. ومن توضأ بسؤرهم فلا شئ ~~عليه حتى يستيقن النجاسة. قال البخاري: وتوضأ عمر رضي الله عنه من بيت ~~نصرانية. ذكر سفيان بن عيينة قال: حدثونا عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: لما ~~كنا بالشام أتيت عمر بن الخطاب بماء فتوضأ منه فقال: من أين جئت بهذا ~~الماء؟ ما رأيت ماء عذبا ولا ماء سماء أطيب منه. # قال قلت: جئت به من بيت هذه العجوز النصرانية، فلما توضأ أتاها فقال: ~~أيتها العجوز أسلمى تسلمي، بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق. قال: ~~فكشفت عن رأسها، فإذا PageV13P044 # مثل الثغامة (1)، فقالت: عجوز كبيرة، وإنما أموت الآن! فقال عمر رضي الله ~~عنه: اللهم اشهد. خرجه الدارقطني، حدثنا الحسين بن إسماعيل قال حدثنا أحمد ~~بن إبراهيم البوشنجي قال حدثنا سفيان.. فذكره. ورواه أيضا عن الحسين بن ~~إسماعيل قال حدثنا خلاد بن أسلم حدثنا سفيان عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه توضأ من بيت نصرانية أتاها فقال: أيتها العجوز ~~أسلمي...، وذكر الحديث بمثل ما تقدم. # السادسة - فأما الكلب إذا ولغ في الماء ms4534 فقال مالك: يغسل الاناء سبعا ولا ~~يتوضأ منه وهو طاهر. وقال الثوري: يتوضأ بذلك الماء ويتمم معه. وهو قول عبد ~~الملك ابن عبد العزيز ومحمد بن مسلمة. وقال أبو حنيفة: الكلب نجس ويغسل ~~الاناء منه لأنه نجس. وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق. وقد كان مالك يفرق بين ~~ما يجوز اتخاذه من الكلاب وبين ما لا يجوز اتخاذه منها في غسل الاناء من ~~ولوغه. وتحصيل مذهبه أنه طاهر عنده لا ينجس ولوغه شيئا ولغ فيه طعاما ولا ~~غيره، إلا أنه استحب هراقة ما ولغ فيه من الماء ليسارة مؤنته. وكلب البادية ~~والحاضرة سواء. ويغسل الاناء منه على كل حال سبعا تعبدا. هذا ما استقر عليه ~~مذهبه عند المناظرين من أصحابه. ذكر ابن وهب وقال: # حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عطاء عن أبي هريرة قال: سئل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحياض التي تكون فيما بين مكة والمدينة، ~~فقيل له: إن الكلاب والسباع ترد عليها. فقال: " لا ما أخذت في بطونها ولنا ~~ما بقى شراب وطهور " أخرجه الدارقطني. وهذا نص في طهارة الكلاب وطهارة ما ~~تلغ فيه. وفي البخاري عن ابن عمر أن الكلاب كانت تقبل وتدبر في مسجد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ولا يرشون شيئا من ذلك. وقال عمر بحضرة الصحابة ~~لصاحب الحوض الذي سأله عمرو بن العاص: هل ترد حوضك السباع. فقال عمر: يا ~~صاحب الحوض، لا تخبرنا فإنا نرد على السباع وترد علينا. # أخرجه مالك والدارقطني. ولم يفرق بين السباع، والكلب من جملتها، ولا حجة ~~للمخالف # PageV13P045 # في الامر بإراقة ما ولغ فيه وأن ذلك للنجاسة، وإنما أمر بإراقته لان ~~النفس تعافه لا لنجاسته، لان التنزه من الأقذار مندوب إليه، أو تغليظا ~~عليهم لأنهم نهوا عن اقتنائها كما قال ابن عمر والحسن، فلما لم ينتهوا ذلك ~~غلظ عليهم في الماء لقلته عندهم في البادية، حتى يشتد عليهم فيمتنعوا من ~~اقتنائها. وأما الامر بغسل الاناء فعبادة لا لنجاسته كما ذكرناه بدليلين: ~~أحدهما ms4535 - أن الغسل قد دخله العدد. الثاني - أنه قد جعل للتراب فيه مدخل ~~لقوله عليه السلام: # " وعفروه الثامنة بالتراب ". ولو كان للنجاسة لما كان للعدد ولا للتراب ~~فيه مدخل كالبول. وقد جعل صلى الله عليه وسلم الهر وما ولغ فيه طاهرا، ~~والهر سبع لا خلاف في ذلك، لأنه يفترس ويأكل الميتة، فكذلك الكلب وما كان ~~مثله من السباع، لأنه إذا جاء نص ذلك في أحدهما كان نصا في الآخر. وهذا من ~~أقوى أنواع القياس. هذا لو لم يكن هناك دليل، وقد ذكرنا النص على طهارته ~~فسقط قول المخالف. والحمد لله. # السابعة - ما مات في الماء مما لا دم له فلا يضر الماء إن لم يغير ريحه، ~~فإن أنتن لم يتوضأ به. وكذلك ما كان له دم سائل من دواب الماء كالحوت ~~والضفدع لم يفسد ذلك الماء موته فيه، إلا أن تتغير رائحته، فإن تغيرت ~~رائحته وأنتن لم يجز التطهر به ولا الوضوء منه، وليس بنجس عند مالك. وأما ~~ما له نفس سائلة فمات في الماء ونزح مكانه ولم يغير لونه ولا طعمه ولا ريحه ~~فهو طاهر مطهر سواء كان الماء قليلا أو كثيرا عند المدنيين. # واستحب بعضهم أن ينزح من ذلك الماء دلاء لتطيب النفس به، ولا يحدون في ~~ذلك حدا لا يتعدى. ويكرهون استعمال ذلك الماء قبل نزح الدلاء، فإن استعمله ~~أحد في غسل أو وضوء جاز إذا كانت حاله ما وصفنا. وقد كان بعض أصحاب مالك ~~يرى لمن توضأ بهذا الماء وإن لم يتغير أن يتيمم، فيجمع بين الطهارتين ~~احتياطا، فإن لم يفعل وصلى بذلك الماء أجزأه. وروى الدارقطني عن محمد بن ~~سيرين أن زنجيا وقع في زمزم - يعنى فمات - فأمر به ابن عباس رضي الله عنه ~~فأخرج فأمر بها أن تنزح. قال: فغلبتهم عين جاءتهم من PageV13P046 # الركن فأمر بها فدسمت بالقباطي (1) والمطارف حتى نزحوها، فلما نزحوها ~~انفجرت عليهم. # وأخرجه عن أبي الطفيل أن غلاما وقع في بئر زمزم فنزحت. وهذا يحتمل أن ~~يكون الماء تغير، والله أعلم. وروى. ms4536 شعبه عن مغيرة عن إبراهيم أنه كان ~~يقول: كل نفس سائلة لا يتوضأ منها، ولكن رخص في الخنفساء والعقرب والجراد ~~والجدجد (2) إذا وقعن في الركاء (3) فلا بأس به. قال شعبة: وأظنه قد ذكر ~~الوزغة. أخرجه الدارقطني، حدثنا الحسين بن إسماعيل قال حدثنا محمد بن ~~الوليد قال حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا شعبة...، فذكره. # الثامنة - ذهب الجمهور من الصحابة وفقهاء الأمصار وسائر التابعين بالحجاز ~~والعراق أن ما ولغ فيه الهر من الماء طاهر، وأنه لا بأس بالوضوء بسؤره، ~~لحديث أبي قتادة، أخرجه مالك وغيره. وقد روي عن أبي هريرة فيه خلاف. وروي ~~عن عطاء بن أبي رباح وسعيد ابن المسيب ومحمد بن سيرين أنهم أمروا بإراقة ~~ماء ولغ فيه الهر وغسل الاناء منه. واختلف في ذلك عن الحسن. ويحتمل أن كون ~~الحسن رأى في فمه نجاسة ليصح مخرج الروايتين عنه. # قال الترمذي لما ذكر حديث مالك: " وفي الباب عن عائشة وأبي هريرة، هذا ~~حديث حسن صحيح، وهو قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~والتابعين ومن بعدهم، مثل الشافعي وأحمد وإسحق، لم يروا بسؤر الهرة بأسا. ~~وهذا أحسن شئ في الباب، وقد جود مالك هذا الحديث عن إسحاق بن عبد الله بن ~~أبي طلحة، ولم يأت به أحد أتم من مالك " قال الحافظ أبو عمر: الحجة عند ~~التنازع والاختلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد صح من حديث أبي ~~قتادة أنه أصغى لها الاناء حتى شربت. الحديث. وعليه اعتماد الفقهاء في كل ~~مصر إلا أبا حنيفة ومن قال بقوله، فإنه كان يكره سؤره. وقال: إن توضأ به ~~أحد أجزأه، ولا أعلم حجة لمن كره الوضوء بسؤر الهرة أحسن من أنه لم يبلغه ~~حديث أبي قتادة، وبلغه حديث أبي هريرة في الكلب فقاس الهر عليه، وقد فرقت ~~السنة بينهما في باب # PageV13P047 # التعبد في غسل الاناء، ومن حجته السنة خاصمته، وما خالفها مطرح. وبالله ~~التوفيق. # ومن حجتهم أيضا ما رواه قرة بن خالد عن محمد بن ms4537 سيرين عن أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: " طهور الاناء إذا ولغ فيه الهر أن يغسل مرة ~~أو مرتين " شك قرة. وهذا الحديث لم يرفعه إلا قرة بن خالد، وقرة ثقة ثبت. # قلت: هذا الحديث أخرجه الدارقطني، ومتنه: " طهور الاناء إذا ولغ فيه ~~الكلب أن يغسل سبع مرات الأولى بالتراب والهر مرة أو مرتين ". قرة شك. قال ~~أبو بكر: # كذا رواه أبو عاصم مرفوعا، ورواه غيره عن قرة (ولوغ الكلب) مرفوعا و ~~(ولوغ الهر) موقوفا. وروى أبو صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " يغسل الاناء من الهر كما يغسل من الكلب " قال الدارقطني: ~~لا يثبت هذا مرفوعا والمحفوظ من قول أبي هريرة واختلف عنه. وذكر معمر وابن ~~جريج عن ابن طاوس عن أبيه أنه كان يجعل الهر مثل الكلب. وعن مجاهد أنه قال ~~في الاناء يلغ فيه السنور قال: اغسله سبع مرات. # قال الدارقطني. # التاسعة - الماء المستعمل طاهر إذا كانت أعضاء المتوضئ به طاهرة، إلا أن ~~مالكا وجماعة من الفقهاء الجلة كانوا يكرهون الوضوء به. وقال مالك: لا خير ~~فيه، ولا أحب لاحد أن يتوضأ به، فإن فعل وصلى لم أر عليه إعادة الصلاة ~~ويتوضأ لما يستقبل. # وقال أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما: لا يجوز استعماله في رفع الحدث، ومن ~~توضأ به أعاد، لأنه ليس بماء مطلق، ويتمم واجده لأنه ليس بواجد ماء. وقال ~~بقولهم في ذلك اصبغ بن الفرج، وهو قول الأوزاعي. واحتجوا بحديث الصنابحي ~~خرجه مالك وحديث عمرو بن عنبسة أخرجه مسلم، وغير ذلك من الآثار. وقالوا: ~~الماء إذا توضئ به خرجت الخطايا معه، فوجب التنزه عنه لأنه ماء الذنوب. قال ~~أبو عمر: وهذا عندي لا وجه له، لان الذنوب لا تنجس الماء لأنها لا أشخاص ~~لها ولا أجسام تمازج الماء فتفسد، وإنما معنى قوله " خرجت الخطايا مع الماء ~~" إعلام منه بأن الوضوء للصلاة عمل يكفر الله به السيئات عن عباده ~~PageV13P048 # المؤمنين رحمة منه بهم وتفضلا عليهم. وقال أبو ثور ms4538 وداود مثل قول مالك، ~~وأن الوضوء بالماء المستعمل جائز، لأنه ماء طاهر لا ينضاف إليه شئ وهو ماء ~~مطلق. واحتجوا بإجماع الأمة على طهارته إذا لم يكن في أعضاء المتوضئ نجاسة. ~~وإلى هذا ذهب أبو عبد الله المروزي محمد بن نصر. وروى عن علي بن أبي طالب ~~وابن عمر وأبى أمامة وعطاء بن أبي والحسن البصري والنخعي ومكحول والزهري ~~أنهم قالوا فيمن نسى مسح رأسه فوجد في لحيته بللا: إنه يجزئه أن يمسح بذلك ~~البلل رأسه، فهؤلاء كلهم أجازوا الوضوء بالماء المستعمل. روى عبد السلام بن ~~صالح حدثنا إسحاق بن سويد عن العلاء بن زياد عن رجل من أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم مرضى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عليهم ذات يوم ~~وقد اغتسل وقد بقيت لمعة من جسده لم يصبها الماء، فقلنا: يا رسول الله، هذه ~~لمعة لم يصبها الماء، فكان له شعر وارد (1)، فقال (2) بشعره هكذا على ~~المكان فبله. أخرجه الدارقطني، وقال: عبد السلام بن صالح هذا بصري وليس ~~بقوي وغيره من الثقات يرويه عن إسحاق عن العلاء مرسلا، وهو الصواب. # قلت: الراوي الثقة عن إسحاق بن سويد العدوى عن العلاء بن زياد العدوى أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم اغتسل...، الحديث فيما ذكره هشيم. قال ابن ~~العربي: " مسألة الماء المستعمل إنما تنبني على أصل آخر، وهو أن لآلة إذا ~~أدى بها فرض هل يؤدى بها فرض آخر أم لا، فمنع ذلك المخالف قياسا على الرقبة ~~إذا أدى بها فرض عتق لم يصلح أن يتكرر في أداء فرض آخر، وهذا باطل من ~~القول، فإن العتق إذا أتى على الرق أتلفه فلا يبقى محل لأداء الفرض بعتق ~~آخر. ونظيره من الماء ما تلف على الأعضاء فإنه لا يصح أن يؤدى به فرض آخر ~~لتلف عينه حسا كما تلف الرق في الرقبة بالعتق حكما، وهذا نفيس فتأملوه ". # PageV13P049 # العاشرة - لم يفرق مالك وأصحابه بين الماء تقع فيه النجاسة وبين النجاسة ~~يرد عليه الماء، راكدا كان الماء ms4539 أو غير راكد، لقول رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " الماء لا ينجسه شئ إلا ما غلب عليه فغير طعمه أو لونه أو ريحه ~~". وفرقت الشافعية فقالوا: # إذا وردت النجاسة: على الماء تنجس، واختاره ابن العربي. وقال: من أصول ~~الشريعة في أحكام المياه أن ورود النجاسة على الماء ليس كورود الماء على ~~النجاسة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا ~~يغمس يده في الاناء حتى يغسلها ثلاثا فإن أحدكم لا يدرى أين باتت يده ". ~~فمنع من ورود اليد على الماء، وأمر بإيراد الماء عليها، وهذا أصل بديع في ~~الباب، ولولا وروده على النجاسة - قليلا كان أو كثيرا - لما طهرت. # وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في بول الأعرابي في المسجد: ~~" صبوا عليه ذنوبا (1) من ماء ". قال شيخنا أبو العباس: واستدلوا أيضا ~~بحديث القلتين، فقالوا: إذا كان الماء دون القلتين فحلته نجاسة تنجس وإن لم ~~تغيره، وإن ورد ذلك القدر فأقبل على النجاسة فأذهب عينها بقى الماء على ~~طهارته وأزال النجاسة وهذه مناقضة، إذ المخالطة قد حصلت في الصورتين، ~~وتفريقهم بورود الماء على النجاسة وورودها عليه فرق صوري ليس فيه من الفقه ~~شئ، فليس الباب باب التعبدات بل من باب عقلية المعاني، فإنه من باب إزالة ~~النجاسة وأحكامها. ثم هذا كله منهم يرده قوله عليه الصلاة والسلام: " الماء ~~طهور لا ينجسه شئ إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه ". # قلت: هذا الحديث أخرجه الدارقطني عن رشدين بن سعد أبى الحجاج عن معاوية ~~بن صالح عن راشد بن سعد عن أبي أمامة الباهلي وعن ثوبان عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وليس فيه ذكر اللون. وقال: لم يرفعه غير رشدين بن سعد عن معاوية ~~بن صالح وليس بالقوى، وأحسن منه في الاستدلال ما رواه أبو أسامة عن الوليد ~~بن كثير عن محمد بن كعب عن عبيد الله بن عبد الله بن رافع بن خديج عن أبي ~~سعيد الخدري قال قيل: يا رسول ms4540 الله، # PageV13P050 # أنتوضأ من بئر بضاعة؟ وهي بئر تلقى فيها الحيض (1) ولحوم الكلاب والنتن، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الماء طهور لا ينجسه شئ " أخرجه ~~أبو داود والترمذي والدارقطني كلهم بهذا الاسناد. وقال أبو عيسى: هذا حديث ~~حسن، وقد جود أبو أسامة. هذا الحديث ولم يرو أحد حديث أبي سعيد في بئر ~~بضاعة أحسن مما روى أبو أسامة. فهذا الحديث نص في ورود النجاسة على الماء، ~~وقد حكم صلى الله عليه وسلم بطهارته وطهوره. قال أبو داود: # سمعت قتيبة بن سعيد قال: سألت قيم بئر بضاعة عن عمقها، قلت: أكثر ما يكون ~~الماء فيها؟ # قال: إلى العانة. قلت: فإذا نقص؟ قال: دون العورة. قال أبو داود: وقدرت ~~بئر بضاعة بردائي مددته عليها ثم ذرعته فإذا عرضها ستة أذرع، وسألت الذي ~~فتح لي باب البستان فأدخلني إليه: هل غير بناؤها عما كانت عليه؟ فقال لا. ~~ورأيت فيها ماء متغير اللون. فكان هذا دليلا لنا على ما ذكرناه، غير أن ابن ~~العربي قال: إنها في وسط السبخة، فماؤها يكون متغيرا من قرارها، والله ~~أعلم. # الحادية عشرة - الماء الطاهر المطهر الذي يجوز به الوضوء وغسل النجاسات ~~هو الماء القراح الصافي من ماء السماء والأنهار والبحار والعيون والآبار، ~~وما عرفه الناس ماء مطلقا غير مضاف إلى شئ خالطه كما خلقه الله عز وجل ~~صافيا ولا يضره لون أرضه على ما بيناه. وخالف في هذه الجملة. أبو حنيفة ~~وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن عمر فأما أبو حنيفة فأجاز الوضوء بالنبيذ ~~في السفر، وجوز إزالة النجاسة بكل مائع طاهر. فأما بالدهن والمرق فعنه ~~رواية أنه لا يجوز إزالتها به. إلا أن أصحابه يقولون: إذا زالت النجاسة به ~~جاز. وكذلك عند النار والشمس، حتى أن جلد الميتة إذا جف في الشمس طهر من ~~غير دباغ. وكذلك النجاسة على الأرض إذا جفت بالشمس فإنه يطهر ذلك الموضع، ~~بحيث تجوز الصلاة عليه، ولكن لا يجوز التيمم بذلك التراب. قال ابن العربي: ~~لما وصف الله سبحانه ms4541 الماء بأنه طهور وامتن بإنزاله من السماء ليطهرنا به ~~دل على اختصاصه بذلك، وكذلك قال عليه الصلاة # PageV13P051 # والسلام لأسماء بنت الصديق حين سألته عن دم الحيض يصيب الثوب: " حتيه ثم ~~اقرصيه ثم اغسليه بالماء ". فلذلك لم يلحق غير الماء بالماء لما في ذلك من ~~إبطال الامتنان، وليست النجاسة معنى محسوسا حتى يقال كل ما أزالها فقد قام ~~به الغرض، وإنما النجاسة حكم شرعي عين له صاحب الشرع الماء فلا يلحق به ~~غيره، إذ ليس في معناه، ولأنه لو لحق به لا سقطه، والفرع إذا عاد إلحاقه ~~بالأصل في إسقاطه سقط في نفسه. وقد كان تاج السنة ذو العز ابن المرتضى ~~الدبوسي يسميه فرخ زنى. # قلت: وأما ما استدل به على استعمال النبيذ فأحاديث واهية، ضعاف لا يقوم ~~شئ منها على ساق، ذكرها الدارقطني وضعفها ونص عليها. وكذلك ضعف ما روى عن ~~ابن عباس موقوفا " النبيذ وضوء لمن لم يجد الماء ". في طريقه ابن محرز ~~متروك الحديث. وكذلك ما روى عن علي أنه قال: لا بأس بالوضوء بالنبيذ. ~~الحجاج وأبو ليلى ضعيفان. وضعف حديث ابن مسعود وقال: تفرد به ابن لهيعة وهو ~~ضعيف الحديث. وذكر عن علقمة بن قيس قال: قلت لعبد الله بن مسعود: أشهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أحد منكم ليلة أتاه داعي الجن؟ فقال لا. # قلت: هذا إسناد صحيح لا يختلف في عدالة رواته. وأخرج الترمذي حديث ابن ~~مسعود قال: سألني النبي صلى الله عليه وسلم: " ما في إداوتك (1) " فقلت: ~~نبيذ. فقال: " تمرة طيبة وماء طهور " قال: فتوضأ منه. قال أبو عيسى وإنما ~~روى هذا الحديث عن أبي زيد عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو ~~زيد رجل مجهول عند أهل الحديث لا نعرف له رواية. غير هذا الحديث، وقد رأى ~~بعض أهل العلم الوضوء بالنبيذ، منهم سفيان وغيره، وقال بعض أهل العلم: لا ~~يتوضأ بالنبيذ، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحق، وقال إسحاق: إن ابتلى رجل ~~بهذا فتوضأ بالنبيذ وتيمم أحب إلى. قال ms4542 أبو عيسى: وقول من يقول لا يتوضأ ~~بالنبيذ أقرب إلى الكتاب والسنة وأشبه، لان الله تعالى قال: " فلم تجدوا ~~ماء فتيمموا # PageV13P052 # صعيدا طيبا " وهذه المسألة مطولة في كتب الخلاف، وعمدتهم التمسك بلفظ ~~الماء حسبما تقدم في " المائدة " (1) بيانه والله أعلم. # الثانية عشرة - لما قال الله تعالى: " وأنزلنا من السماء ماء طهورا " ~~وقال: " ليطهركم به " توقف جماعة في ماء البحر، لأنه ليس بمنزل من السماء، ~~حتى رووا عن عبد الله بن عمر وابن عمرو معا أنه لا يتوضأ به، لأنه نار ~~ولأنه طبق جهنم. ولكن النبي صلى الله عليه وسلم بين حكمه حين قال لمن سأله: ~~" هو الطهور ماؤه الحل ميتته " أخرجه مالك. وقال فيه أبو عيسى: هذا حديث ~~حسن صحيح. وهو قول أكثر الفقهاء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، منهم ~~أبو بكر وعمر وابن عباس، لم يروا بأسا بماء البحر، وقد كره بعض أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم الوضوء بماء البحر، منهم ابن عمر وعبد الله بن عمرو، ~~وقال عبد الله بن عمرو: هو نار. قال أبو عمر، وقد سئل أبو عيسى الترمذي عن ~~حديث مالك هذا عن صفوان بن سليم فقال: هو عندي حديث صحيح. قال أبو عيسى ~~فقلت للبخاري: # هشيم يقول فيه ابن أبي برزة. فقال: وهم فيه، إنما هو المغيرة بن أبي ~~بردة. قال أبو عمر: # لا أدرى ما هذا من البخاري رحمه الله، ولو كان صحيحا لأخرجه في مصنفه ~~الصحيح عنده، ولم يفعل لأنه لا يعول في الصحيح إلا على الاسناد. وهذا ~~الحديث لا يحتج أهل الحديث بمثل إسناده، وهو عندي صحيح لان العلماء تلقوه ~~بالقبول له والعمل به، ولا يخالف في جملته أحد من الفقهاء، وإنما الخلاف ~~بينهم في بعض معانيه. وقد أجمع جمهور من العلماء وجماعة أئمة الفتوى ~~بالامصار من الفقهاء: أن البحر طهور ماؤه، وأن الوضوء به جائز، إلا ما روى ~~عن عبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمرو بن العاصي أنهما كرها ~~الوضوء بماء البحر، ولم ms4543 يتابعهما أحد من فقهاء الأمصار على ذلك ولا عرج ~~عليه، ولا التفت إليه لحديث هذا الباب. وهذا يدلك على اشتهار الحديث عندهم، ~~وعملهم به وقبولهم له، وهو أولى عندهم من الاسناد الظاهر الصحة لمعنى ترده ~~الأصول. وبالله التوفيق. # PageV13P053 # قال أبو عمر: وصفوان بن سليم مولى حميد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، من ~~عباد أهل المدينة وأتقاهم لله، ناسكا، كثير الصدقة بما وجد من قليل وكثير، ~~كثير العمل، خائفا لله، يكنى أبا عبد الله، سكن المدينة لم ينتقل عنها، ~~ومات بها سنة اثنتين وثلاثين ومائة. # ذكر عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: سمعت أبي يسأل عن صفوان بن سليم فقال: ~~ثقة من خيار عباد الله وفضلاء المسلمين. وأما سعيد بن سلمة. فلم يرو عنه ~~فيما علمت إلا صفوان - والله أعلم - ومن كانت هذه حاله فهو مجهول لا تقوم ~~به حجة عند جميعهم. وأما المغيرة بن أبي بردة فقيل عنه إنه غير معروف في ~~حملة العلم كسعيد بن سلمة. وقيل: ليس بمجهول. قال أبو عمر: المغيرة بن أبي ~~بردة وجدت ذكره في مغازي موسى بن نصير بالمغرب، وكان موسى يستعمله على ~~الخيل، وفتح الله له في بلاد البربر فتوحات في البر والبحر. وروى الدارقطني ~~من غير طريق مالك عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من ~~لم يطهره ماء البحر فلا طهره الله ". قال إسناد حسن. # الثالثة عشرة - قال ابن العربي: توهم قوم أن الماء إذا فضلت للجنب منه ~~فضله لا يتوضأ به، وهو مذهب باطل، فقد ثبت عن ميمونة أنها قالت: أجنبت أنا ~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم واغتسلت من جفنة وفضلت فضلة، فجاء رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ليغتسل منه فقلت: إني قد اغتسلت منه. فقال: " إن الماء ~~ليس عليه نجاسة - أو - إن الماء لا يجنب ". قال أبو عمر: وردت آثار في هذا ~~الباب مرفوعة في النهى عن أن يتوضأ الرجل بفضل المرأة. وزاد بعضهم في ~~بعضها: ولكن ليغترفا جميعا. فقالت طائفة: ms4544 # لا يجوز أن يغترف الرجل مع المرأة في إناء واحد، لان كل واحد منهما متوضئ ~~بفضل صاحبه. وقال آخرون: إنما كره من ذلك أن تنفرد المرأة بالاناء ثم يتوضأ ~~الرجل بعدها بفضلها. وكل واحد منهم روى بما ذهب إليه أثرا. والذي ذهب إليه ~~الجمهور من العلماء وجماعة فقهاء الأمصار أنه لا بأس أن يتوضأ الرجل بفضل ~~المرأة وتتوضأ المرأة من فضله، انفردت المرأة بالاناء أو لم تنفرد. وفي مثل ~~هذا آثار كثيرة صحاح. والذي نذهب إليه أن PageV13P054 # الماء لا ينجسه شئ إلا ما ظهر فيه من النجاسات أو غلب عليه منها، فلا وجه ~~للاشتغال بما لا يصح من الآثار والأقوال. والله المستعان. # روى الترمذي عن ابن عباس قال: حدثتني ميمونة قالت: كنت اغتسل أنا ورسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد من الجنابة. قال هذا حديث حسن صحيح. ~~وروى البخاري عن عائشة قالت: كنت اغتسل أنا والنبي صلى الله عليه وسلم من ~~إناء واحد يقال له الفرق (1). وفي صحيح مسلم عن ابن عباس أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كان يغتسل بفضل ميمونة. وروى الترمذي عن ابن عباس قال: ~~اغتسل بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، في جفنة فأراد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن يتوضأ منه فقالت: يا رسول الله، إني كنت جنبا. قال: " إن ~~الماء لا يجنب ". قال: هذا حديث حسن صحيح، وهو قول سفيان الثوري ومالك ~~والشافعي. وروى الدارقطني عن عمرة عن عائشة رضي الله عنها قالت: # كنت أتوضأ أنا والنبي صلى الله عليه وسلم من إناء واحد وقد أصابت الهرة ~~منه قبل ذلك. # قال: هذا حديث حسن صحيح. وروى أيضا عن رجل من بنى غفار قال: نهى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن فضل طهور المرأة. وفي الباب عن عبد الله بن ~~سرجس، وكره بعض الفقهاء فضل طهور المرأة، وهو قول أحمد وإسحق. # الرابعة عشرة - روى الدارقطني عن زيد بن أسلم مولى عمر بن الخطاب أن عمر ~~بن الخطاب كان ms4545 يسخن له الماء في قمقمة (2) ويغتسل به. قال: وهذا إسناد ~~صحيح. وروى عن عائشة قالت: دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سخنت ~~ماء في الشمس. فقال: # " لا تفعلي يا حميراء فإنه يورث البرص ". رواه خالد بن إسماعيل المخزومي ~~عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، وهو متروك. ورواه عمرو بن محمد الأعشم ~~عن فليح عن الزهري عن عروة عن عائشة. وهو منكر الحديث، ولم يروه غيره عن ~~فليح، ولا يصح عن الزهري، قاله الدارقطني. # PageV13P055 # الخامسة عشرة - كل إناء طاهر فجائز الوضوء منه إلا إناء الذهب والفضة، ~~لنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اتخاذهما. وذلك - والله أعلم - ~~للتشبه بالأعاجم والجبابرة لا لنجاسة فيهما. ومن توضأ فيهما أجزاه وضوءه ~~وكان عاصيا باستعمالهما. وقد قيل: لا يجزئ الوضوء في أحدهما. والأول أكثر، ~~قاله أبو عمر. وكل جلد ذكى فجائز استعماله للوضوء وغير ذلك. وكان مالك يكره ~~الوضوء في إناء جلد الميتة بعد الدباغ، على اختلاف من قوله. # وقد تقدم في " النحل " (1). # قوله تعالى: لنحيي به بلدة ميتا ونسقيه مما خلقنا أنعما وأناسي كثيرا ~~(49) قوله تعالى: (لنحيي به) أي بالمطر. (بلدة ميتا) بالجدوبة والمحل وعدم ~~النبات. # قال كعب: المطر روح الأرض يحييها الله به. وقال: " ميتا " ولم يقل ميتة ~~لان معنى البلدة والبلد واحد، قاله الزجاج. وقيل: أراد بالبلد المكان. ~~(ونسقيه) قراءة العامة بضم النون. وقرأ عمر بن الخطاب وعاصم والأعمش فيما ~~روى المفضل عنهما " نسقيه " (بفتح) (2) النون. (مما خلقنا أنعاما وأناسي ~~كثيرا) أي بشرا كثيرا وأناسي واحده إنسي نحو جمع القرقور (3) قراقير وقراقر ~~في قول الأخفش والمبرد وأحد قولي الفراء، وله قول آخر وهو أن يكون واحده ~~إنسانا ثم تبدل من النون ياء، فتقول: أناسي، والأصل أناسين، مثل سرحان ~~وسراحين، وبستان وبساتين، فجعلوا الياء عوضا من النون، وعلى هذا يجوز سراحي ~~وبساتي، لا فرق بينهما. قال الفراء: ويجوز " أناسي " بتخفيف الياء التي ~~فيما بين لام الفعل وعينه، مثل قراقير وقراقر. وقال " كثيرا " ولم يقل ~~كثيرين، لان فعيلا ms4546 قد يراد به الكثرة، نحو " وحسن أولئك رفيقا ". # PageV13P056 # قوله تعالى: ولقد صرفناه بينهم ليذكروا فأبى أكثر ا لناس إلا كفورا (50) ~~قوله تعالى: (ولقد صرفناه بينهم) يعنى القرآن، وقد جرى ذكره في أول السورة: # قوله تعالى: " تبارك الذي نزل الفرقان ". وقوله: " لقد أضلني عن الذكر ~~بعد إذ جاءني " وقوله: " اتخذوا هذا القرآن مهجورا ". (ليذكروا فأبى أكثر ~~الناس إلا كفورا) أي جحودا له وتكذيبا به. وقيل: " ولقد صرفناه بينهم " هو ~~المطر. روى عن ابن عباس وابن مسعود: وأنه ليس عام بأكثر مطرا من عام ولكن ~~الله يصرفه حيث يشاء، فما زيد لبعض نقص من غيرهم. فهذا معنى التصريف. وقيل: ~~" صرفناه بينهم " وابلا وطشا وطلا ورهاما - الجوهري: الرهام الأمطار اللينة ~~- ورذاذا. وقيل: تصريفه تنويع الانتفاع به في الشرب والسقي والزراعات به ~~والطهارات وسقى البساتين والغسل وشبهه. # " ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا كفورا " قال عكرمة: هو قولهم في الأنواء: ~~مطرنا بنوء كذا. # قال النحاس: ولا نعلم بين أهل التفسير اختلافا أن الكفر ها هنا قولهم ~~مطرنا بنوء كذا وكذا، وأن نظيره فعل النجم كذا، وأن كل من نسب إليه فعلا ~~فهو كافر. وروى الربيع بن صبيح قال: مطر الناس على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ذات ليلة، فلما أصبح قال النبي صلى الله عليه وسلم: " أصبح الناس ~~فيها رجلين شاكر وكافر فأما الشاكر فيحمد الله تعالى على سقياه وغياثه وأما ~~الكافر فيقول مطرنا بنوء كذا وكذا ". وروى من حديث ابن مسعود عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: " ما من سنة بأمطر من أخرى ولكن إذا عمل قوم ~~بالمعاصي صرف الله ذلك إلى غيرهم فإذا عصوا جميعا صرف الله ذلك إلى الفيافي ~~والبحار ". # وقيل: التصريف راجع إلى الريح، وقد مضى في " البقرة " (1) بيانه. وقرأ ~~حمزة والكسائي " ليذكروا " مخففة الذال من الذكر. الباقون مثقلا من التذكر، ~~أي ليذكروا نعم الله ويعلموا أن من أنعم بها لا يجوز الاشراك به، فالتذكر ~~قريب من الذكر غير أن التذكر يطلق فيما بعد عن القلب فيحتاج ms4547 إلى تكلف في ~~التذكر. # PageV13P057 # قوله تعالى: ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا (51) فلا تطع الكافرين ~~وجاهدهم به جهادا كبيرا (52) قوله تعالى: (ولو شئنا لبعثنا في كل قرية ~~نذيرا) أي رسولا ينذرهم كما قسمنا المطر ليخف عليك أعباء النبوة، ولكنا لم ~~نفعل بل جعلناك نذيرا للكل لترتفع درجتك فاشكر نعمة الله عليك. (فلا تطع ~~الكافرين) أي فيما يدعونك إليه من اتباع آلهتهم. (وجاهدهم به) قال ابن عباس ~~بالقرآن. ابن زيد: بالاسلام. وقيل: بالسيف، وهذا فيه بعد، لان السورة مكية ~~نزلت قبل الامر بالقتال. (جهادا كبيرا) لا يخالطه فتور. # قوله تعالى: وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وجعل ~~بينهما برزخا وحجرا محجورا (53) قوله تعالى: (وهو الذي مرج البحرين) عاد ~~الكلام إلى ذكر النعم. و " مرج " خلى وخلط وأرسل. قال مجاهد: أرسلهما وأفاض ~~أحدهما في الآخر. قال ابن عرفة: # " مرج البحرين " أي خلطهما فهما يلتقيان، يقال: مرجته إذا خلطته. ومرج ~~الدين والامر اختلط واضطرب، ومنه قوله تعالى: " في أمر مريج ". ومنه قوله ~~عليه الصلاة والسلام لعبد الله بن عمرو بن العاصي (1): " إذا رأيت الناس ~~مرجت عهودهم وخفت أماناتهم وكانوا هكذا وهكذا " وشبك بين أصابعه فقلت له: ~~كيف أصنع عند ذلك، جعلني الله فداك! قال: " الزم بيتك واملك عليك لسانك وخذ ~~بما تعرف ودع ما تنكر وعليك بخاصة أمر نفسك ودع عنك أمر العامة " خرجه ~~النسائي وأبو داود وغيرهما. وقال الأزهري: " مرج البحرين " خلى بينهما، ~~يقال مرجت الدابة إذا خليتها ترعى. وقال ثعلب: المرج الاجراء، فقوله: " مرج ~~البحرين " أي أجراهما. وقال الأخفش: يقول قوم أمرج البحرين مثل مرج فعل ~~وأفعل بمعنى. (هذا عذب فرات) أي حلو شديد العذوبة. # PageV13P058 # (وهذا ملح أجاج) أي فيه ملوحة ومرارة. وروى عن طلحة أنه قرئ " وهذا ملح " ~~بفتح الميم وكسر اللام. (وجعل بينهم برزخا) أي حاجزا من قدرته لا يغلب ~~أحدهما على صاحبه، كما قال في سورة الرحمن " مرج البحرين يلتقيان. بينهما ~~برزخ لا يبغيان ". # (وحجرا محجورا) أي سترا مستورا يمنع أحدهما من الاختلاط ms4548 بالآخر. فالبرزخ ~~الحاجز، والحجر المانع. وقال الحسن: يعنى بحر فارس وبحر الروم. وقال ابن ~~عباس وابن جبير: يعنى بحر السماء وبحر الأرض. قال ابن عباس: يلتقيان في كل ~~عام وبينهما برزخ قضاء من قضائه. # " وحجرا محجورا " حراما محرما أن يعذب هذا الملح بالعذب، أو يملح هذا ~~العذب بالملح. # قوله تعالى: وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا ~~(54) فيه مسئلتان: # الأولى - قوله تعالى: (وهو الذي خلق من الماء بشرا) أي خلق من النطفة ~~إنسانا. # (فجعله) أي جعل الانسان " نسبا وصهرا ". وقيل: " من الماء " إشارة إلى ~~أصل الخلقة في أن كل حي مخلوق من الماء. وفي هذه الآية تعديد النعمة على ~~الناس في إيجادهم بعد العدم، والتنبيه على العبرة في ذلك. # الثانية - قوله تعالى: (فجعله نسبا وصهرا) النسب والصهر معنيان يعمان كل ~~قربى تكون بين آدميين. قال ابن العربي: النسب عبارة عن خلط الماء بين الذكر ~~والأنثى على وجه الشرع، فإن كان بمعصية كان خلقا مطلقا ولم يكن نسبا محققا، ~~ولذلك لم يدخل تحت قوله: " حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم " بنته من الزنى، ~~لأنها ليست ببنت له في أصح القولين لعلمائنا وأصح القولين في الدين، وإذا ~~لم يكن نسب شرعا فلا صهر شرعا، فلا يحرم الزنى بنت أم ولا أم بنت، وما يحرم ~~من الحلال لا يحرم من الحرام، لان الله أمتن بالنسب والصهر على عباده ورفع ~~قدرهما، وعلق الاحكام في الحل و الحرمة عليهما فلا يلحق الباطل بهما ولا ~~يساويهما PageV13P059 # . قلت: اختلف الفقهاء في نكاح الرجل ابنته من زنى أو أخته أو بنت ابنه من ~~زنى، فحرم ذلك قوم منهم ابن القاسم، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، وأجاز ذلك ~~آخرون منهم عبد الملك بن الماجشون، وهو قول الشافعي، وقد مضى هذا في " ~~النساء " (1) مجودا. قال الفراء: النسب الذي لا يحل نكاحه، وقاله الزجاج: ~~وهو قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه. واشتقاق الصهر من صهرت الشئ إذا ~~خلطته، فكل واحد من الصهرين قد خالط صاحبه، فسميت ms4549 المناكح صهرا لاختلاط ~~الناس بها. وقيل: الصهر قرابة النكاح، فقرابة الزوجة هم الأختان، وقرابة ~~الزوج هم الأحماء. والأصهار يقع عاما لذلك كله، قاله الأصمعي. # وقال ابن الأعرابي: الأختان أبو المرأة وأخوهما وعمها - كما قال الأصمعي ~~- والصهر زوج ابنة الرجل وأخوه وأبوه وعمه. وقال محمد بن الحسن في رواية ~~أبى سليمان الجوزجاني: أختان الرجل أزواج بناته وأخواته وعماته وخالاته، ~~وكل ذات محرم منه، وأصهاره كل ذي رحم محرم من زوجته. قال النحاس: الأولى في ~~هذا أن يكون القول في الأصهار ما قال الأصمعي، وأن يكون من قبلهما جميعا. ~~يقال صهرت الشئ أي خلطته، فكل واحد منهما قد خلط صاحبه. # والأولى في الأختان ما قال محمد بن الحسن لجهتين: إحداهما الحديث ~~المرفوع، روى محمد ابن إسحاق عن يزيد بن عبد الله بن قسيط عن محمد بن أسامة ~~بن زيد عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أما أنت يا علي ~~فختني وأبو ولدي وأنت منى وأنا منك ". فهذا على أن زوج البنت ختن. والجهة ~~الأخرى أن اشتقاق الختن من ختنه إذا قطعه، وكأن الزوج قد انقطع عن أهله، ~~وقطع زوجته عن أهلها. وقال الضحاك: الصهر قرابة الرضاع. قال ابن عطية: وذلك ~~عندي وهم أوجبه أن ابن عباس قال: حرم من النسب سبع، ومن الصهر خمس. وفي ~~رواية أخرى من الصهر سبع، يريد قوله عز وجل " حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم ~~وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت " فهذا هو النسب. ثم ~~يريد بالصهر قوله تعالى: " وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم " إلى قوله: " وأن ~~تجمعوا بين الأختين ". # ثم ذكر المحصنات. ومحمل هذا أن ابن عباس أراد حرم من الصهر ما ذكر معه، ~~فقد أشار # PageV13P060 # بما ذكر إلى عظمه وهو الصهر، لا أن الرضاع صهر، وإنما الرضاع عديل النسب ~~يحرم منه ما يحرم من النسب بحكم الحديث المأثور فيه. ومن روى وحرم من الصهر ~~خمس أسقط من الآيتين الجمع بين الأختين والمحصنات، وهن ذوات الأزواج. # قلت: فابن عطية جعل الرضاع مع ما تقدم نسبا، ms4550 وهو قول الزجاج. قال أبو ~~إسحاق: # النسب الذي ليس بصهر من قوله جل ثناؤه: " حرمت عليكم أمهاتكم " إلى قوله ~~" وأن تجمعوا بين الأختين " والصهر من له التزويج. قال ابن عطية: وحكى ~~الزهراوي قولا أن النسب من جهة البنين والصهر من جهة البنات. # قلت: وذكر هذا القول النحاس، وقال: لان المصاهرة من جهتين تكون. # وقال ابن سيرين: نزلت هذه الآية في النبي صلى الله عليه وسلم وعلى رضي ~~الله عنه، لأنه جمعه معه نسب وصهر. قال ابن عطية: فاجتماعهما وكادة حرمة ~~إلى يوم القيامة. (وكان ربك قديرا) على خلق ما يريده. # قوله تعالى: ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم وكان الكافر على ~~ربه ظهيرا (55) قوله تعالى: (ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم) ~~لما عدد النعم وبين كمال قدرته عجب من المشركين في إشراكهم به من لا يقدر ~~على نفع ولا ضر، أي إن الله هو الذي خلق ما ذكره، ثم هؤلاء لجهلهم يعبدون ~~من دونه أمواتا جمادات لا تنفع ولا تضر. # (وكان الكافر على ربه ظهيرا) روى عن ابن عباس " الكافر " هنا أبو جهل ~~لعنه الله، وشرحه أنه يستظهر بعبادة الأوثان على أوليائه. وقال عكرمة: " ~~الكافر " إبليس، ظهر على عداوة ربه. وقال مطرف: " الكافر " هنا الشيطان. ~~وقال الحسن: " ظهيرا " أي معينا للشيطان على المعاصي. وقيل: المعنى، وكان ~~الكافر على ربه هينا ذليلا لا قدر له ولا وزن عنده، من قول العرب: ظهرت به ~~أي جعلته خلف ظهرك ولم تلتفت إليه. ومنه قوله تعالى: # " واتخذتموه وراءكم ظهريا " أي هينا. PageV13P061 # ومنه قول الفرزدق: # تميم بن قيس لا تكونن حاجتي * بظهر فلا يعيا على جوابها هذا معنى قول أبى ~~عبيدة. وظهير بمعنى مظهور. أي كفر الكافرين هين على الله تعالى، والله ~~مستهين به لان كفره لا يضره. وقيل: وكان الكافر على ربه الذي يعبده وهو ~~الصنم قويا غالبا يعمل به ما يشاء، لان الجماد لا قدرة له على دفع ضر ونفع. # قوله تعالى: وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا ms4551 (56) قل ما أسئلكم عليه من أجر ~~إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا (57) قوله تعالى: (وما أرسلناك إلا مبشرا ~~ونذيرا) يريد بالجنة مبشرا ونذيرا من النار، وما أرسلناك وكيلا ولا مسيطرا. ~~(قل ما أسألكم عليه من أجر) يريد على ما جئتكم به من القرآن والوحي. و " من ~~" للتأكيد. (إلا من شاء) لكن من شاء، فهو استثناء منقطع، والمعنى: لكن من ~~شاء (أن يتخذ إلى ربه سبيلا) بإنفاقه من ماله في سبيل الله فلينفق. # ويجوز أن يكون متصلا ويقدر حذف المضاف، التقدير: إلا أجر " من شاء أن ~~يتخذ إلى ربه سبيلا " باتباع ديني حتى ينال كرامة الدنيا والآخرة. # قوله تعالى: وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده ~~خبيرا (58) قوله تعالى: (وتوكل على الحي الذي لا يموت) تقدم معنى التوكل في ~~" آل عمران " (1) وهذه السورة وأنه اعتماد القلب على الله تعالى في كل ~~الأمور، وأن الأسباب وسائط أمر بها من غير اعتماد عليها. (وسبح بحمده) أي ~~نزه الله تعالى عما يصفه هؤلاء الكفار به من الشركاء. # والتسبيح التنزيه. وقد تقدم. وقيل: " وسبح " أي صل له، وتسمى الصلاة ~~تسبيحا. # (وكفى به بذنوب عباده خبيرا) أي عليما فيجازيهم بها. # PageV13P062 # قوله تعالى: الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى ~~على العرش الرحمن فسئل به خبيرا (59) قوله تعالى: (الذي خلق السماوات ~~والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش) تقدم في الأعراف (1). و ~~" الذي " في موضع خفض نعتا للحي. وقال: " بينهما " ولم يقل بينهن، لأنه ~~أراد الصنفين والنوعين والشيئين، كقول القطامي: # ألم يحزنك أن حبال قيس * وتغلب قد تباينتا انقطاعا أراد وحبال تغلب فثنى، ~~والحبال جمع، لأنه أراد الشيئين والنوعين. (الرحمن فاسئل به خبيرا) قال ~~الزجاج: المعنى فاسأل عنه. وقد حكى هذا جماعة من أهل اللغة أن الباء تكون ~~بمعنى عن، كما قال تعالى: " سأل سائل بعذاب واقع " وقال الشاعر: # هلا سألت الخيل يا بنة مالك * إن كنت جاهلة بما لم تعلمي (2) وقال [علقمة ms4552 ~~بن عبدة] (3): # فإن تسألوني بالنساء فإنني * خبير بأدواء النساء طبيب أي عن النساء وعما ~~لم تعلمي. وأنكره على بن سليمان وقال: أهل النظر ينكرون أن تكون لباء بمعنى ~~عن، لان في هذا إفسادا لمعاني قول العرب: لو لقيت فلانا للقيك به الأسد، أي ~~للقيك بلقائك إياه الأسد. المعنى فاسأل بسؤالك إياه خبيرا. وكذلك قال ابن ~~جبير: الخبير هو الله تعالى. ف‍ " خبيرا " نصب على المفعول به بالسؤال. # قلت: قول الزجاج يخرج على وجه حسن، وهو أن يكون الخبير غير الله، أي ~~فاسأل عنه خبيرا، أي عالما به، أي بصفاته وأسمائه. و قيل: المعنى فاسأل له ~~خبيرا، فهو نصب # PageV13P063 # على الحال من الهاء المضمرة. قال المهدوي: ولا يحسن حالا إذ لا يخلو أن ~~تكون الحال من السائل أو المسؤول، ولا يصح كونها حالا من الفاعل، لان ~~الخبير لا يحتاج أن يسأل غيره. # ولا يكون من المفعول، لان المسؤول عنه وهو الرحمن خبير أبدا، والحال في ~~أغلب الامر يتغير وينتقل، إلا أن يحمل على أنها حال مؤكدة، مثل: " وهو الحق ~~مصدقا " فيجوز. # وأما " الرحمن " ففي رفعه ثلاثة أوجه: يكون بدلا من المضمر الذي في " ~~استوى ". ويجوز أن يكون مرفوعا بمعنى هو الرحمن. ويجوز أن يكون مرفوعا ~~بالابتداء وخبره " فاسئل به خبيرا ". ويجوز الخفض بمعنى وتوكل على الحي ~~الذي لا يموت الرحمن، يكون نعتا. ويجوز النصب على المدح. # قوله تعالى: وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما ~~تأمرنا وزادهم نفورا (60) قوله تعالى: (وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن) أي لله ~~تعالى. (قالوا وما الرحمن) على جهة الانكار والتعجب، أي ما نعرف الرحمن إلا ~~رحمن اليمامة، يعنون مسيلمة الكذاب. # وزعم القاضي أبو بكر بن العربي أنهم إنما جهلوا الصفة لا الموصوف، واستدل ~~على ذلك بقوله: " وما الرحمن " ولم يقولوا ومن الرحمن. قال ابن الحصار: ~~وكأنه رحمه الله لم يقرأ الآية الأخرى " وهم يكفرون بالرحمن ". (أنسجد لما ~~تأمرنا) هذه قراءة المدنيين والبصريين، أي لما تأمرنا أنت يا محمد. واختاره ~~أبو عبيد وأبو حاتم. ms4553 وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي: " يأمرنا " بالياء. يعنون ~~الرحمن، كذا تأوله أبو عبيد، قال: ولو أقروا بأن الرحمن أمرهم ما كانوا ~~كفارا. فقال النحاس: وليس يجب أن يتأول عن الكوفيين في قراءتهم هذا التأويل ~~البعيد، ولكن الأولى أن يكون التأويل لهم " أنسجد لما يأمرنا " النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فتصح القراءة على هذا، وإن كانت الأولى أبين وأقرب تناولا. ~~(وزادهم نفورا) أي زادهم قول القائل لهم اسجدوا للرحمن نفورا عن الدين. ~~وكان سفيان الثوري يقول في هذه الآية: إلهي زادني لك خضوعا ما زاد عداك ~~نفورا. PageV13P064 # قوله تعالى: تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سرجا وقمرا منيرا ~~(61) قوله تعالى: (تبارك الذي جعل في السماء بروجا) أي منازل، وقد تقدم (1) ~~ذكرها. # (وجعل فيها سراجا) قال ابن عباس: يعني الشمس، نظيره، " وجعل الشمس سراجا ~~". # وقراءة العامة: " سراجا بالتوحيد. وقرأ حمزة والكسائي: " سرجا " يريدون ~~النجوم العظام الوقادة. والقراءة الأولى عند أبي عبيد أولى، لأنه تأول أن ~~السرج النجوم، وأن البروج النجوم، فيجئ المعنى نجوما ونجوما. النحاس: ولكن ~~التأويل لهم أن أبان بن تغلب قال: السرج النجوم الدراري. الثعلبي: كالزهرة ~~والمشترى وزحل والسماكين ونحوها. (وقمرا منيرا) ينير الأرض إذا طلع. وروى ~~عصمة عن الأعمش " وقمرا " بضم القاف وإسكان الميم. وهذه قراءة شاذة، ولو لم ~~يكن فيها إلا أن أحمد بن حنبل وهو إمام المسلمين في وقته قال: لا تكتبوا ما ~~يحكيه عصمة الذي يروى القراءات، وقد أولع أبو حاتم السجستاني بذكر ما يرويه ~~عصمة هذا. # قوله تعالى: وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد ~~شكورا (62) فيه أربع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " خلفة " قال أبو عبيدة: الخلفة كل شئ بعد شئ. # وكل واحد من الليل والنهار يخلف صاحبه. ويقال للمبطون: أصابته خلفة، أي ~~قيام وقعود يخلف هذا ذاك. ومنه خلفه النبات، وهو ورق يخرج بعد الورق الأول ~~في الصيف. # ومن هذا المعنى قول زهير بن أبي سلمى: # بها العين والآرام يمشين خلفة * وأطلاؤها ينهضن من كل مجثم (2) # PageV13P065 # الرئم ولد ms4554 الظبي جمعه آرام، يقول: إذا ذهب فوج جاء فوج. ومنه قول الآخر ~~(1) يصف امرأة تنتقل من منزل في الشتاء إلى منزل في الصيف دأبا: # ولها بالماطرون إذا * أكل النمل الذي جمعا خلفة حتى إذا ارتبعت * سكنت من ~~جلق بيعا في بيوت وسط دسكرة * حولها الزيتون قد ينعا قال مجاهد: " خلفة " ~~من الخلاف، هذا أبيض وهذا أسود، والأول أقوى. وقيل: # يتعاقبان في الضياء والظلام والزيادة والنقصان. وقيل: هو من باب حذف ~~المضاف، أي جعل الليل والنهار ذوي خلفة، أي اختلاف. (لمن أراد أن يذكر) أي ~~يتذكر، فيعلم أن الله لم يجعله كذلك عبثا فيعتبر في مصنوعات الله، ويشكر ~~الله تعالى على نعمه عليه في العقل والفكر والفهم. وقال عمر بن الخطاب وابن ~~عباس والحسن: معناه من فاته شئ من الخير بالليل أدركه بالنهار، ومن فاته ~~بالنهار أدركه بالليل. وفي الصحيح: " ما من امرئ تكون له صلاة بالليل فغلبه ~~عليها نوم فيصلى ما بين طلوع الشمس إلى صلاة الظهر إلا كتب الله له أجر ~~صلاته وكان نومه عليه صدقة ". وروى مسلم عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: (من نام عن حزبه أو عن شئ منه فقرأه فيما بين ~~صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له كأنما قرأه من الليل ". # الثانية - قال ابن العربي: سمعت ذا الشهيد الأكبر يقول: إن الله تعالى ~~خلق العبد حيا عالما، وبذلك كماله، وسلط عليه آفة النوم وضرورة الحدث ~~ونقصان الخلقة، إذ الكمال للأول الخالق، فما أمكن الرجل من دفع النوم بقلة ~~الاكل والسهر في طاعة الله فليفعل. ومن الغبن العظيم أن يعيش الرجل ستين ~~سنة ينام ليلها فيذهب النصف من عمره لغوا، وينام سدس النهار راحة فيذهب ~~ثلثاه ويبقى له من العمر عشرون سنة، ومن الجهالة والسفاهة أن يتلف الرجل ~~ثلثي عمره في لذة فانية، ولا يتلف عمره بسهر في لذة باقية عند الغنى الوفي ~~الذي ليس بعديم ولا ظلوم. # PageV13P066 # الثالثة - الأشياء لا تتفاضل بأنفسها، فإن الجواهر والاعراض من حيث ~~الوجود متماثلة، ms4555 وإنما يقع التفاضل بالصفات. وقد اختلف أي الوقتين أفضل، ~~الليل أو النهار. # وفي الصوم غنية في الدلالة، والله أعلم، قاله ابن العربي. # قلت: والليل عظيم قدره، أمر نبيه عليه الصلاة والسلام بقيامه فقال: " ومن ~~الليل فتهجد به نافلة لك "، وقال: " قم الليل " على ما يأتي بيانه. ومدح ~~المؤمنين على قيامه فقال: # " تتجافى جنوبهم عن المضاجع ". وقال عليه الصلاة والسلام: " والصدقة تطفئ ~~الخطيئة كما يطفئ الماء النار وصلاة الرجل في جوف الليل وفيه ساعة يستجاب ~~فيها الدعاء وفيه ينزل الرب تبارك وتعالى " حسبما يأتي بيانه إن شاء الله ~~تعالى. # الرابعة - قرأ حمزة وحده: " يذكر " بسكون الذال وضم الكاف. وهي قراءة ابن ~~وثاب وطلحة والنخعي. وفي مصحف أبى " يتذكر " بزيادة تاء. وقرأ الباقون: " ~~يذكر " بتشديد الكاف. ويذكر ويذكر بمعنى واحد. وقيل: معنى " يذكر " ~~بالتخفيف أي يذكر ما نسيه في أحد الوقتين في الوقت الثاني، أو ليذكر تنزيه ~~الله وتسبيحه فيها. (أو أراد شكورا) يقال: شكر يشكر شكرا وشكورا، مثل كفر ~~يكفر كفرا وكفورا. وهذا الشكور على أنهما جعلهما قواما لمعاشهم. وكأنهم لما ~~قالوا: " وما الرحمن " قالوا: هو الذي يقدر على هذه الأشياء. # قوله تعالى: وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم ~~الجاهلون قالوا سلاما (63) قوله تعالى: (وعباد الرحمن الذين يمشون على ~~الأرض هونا) لما ذكر جهالات المشركين وطعنهم في القرآن والنبوة ذكر عباده ~~المؤمنين أيضا وذكر صفاتهم، وأضافهم إلى عبوديته تشريفا لهم، كما قال: " ~~سبحان الذي أسرى بعبده " وقد تقدم (1). # فمن أطاع الله وعبده وشغل سمعه وبصره ولسانه وقلبه بما أمره فهو الذي ~~يستحق # PageV13P067 # أسم العبودية، ومن كان بعكس هذا شمله قوله تعالى: " أولئك كالانعام بل هم ~~أضل " يعنى في عدم الاعتبار، كما تقدم في " الأعراف " (1). وكأنه قال: ~~وعباد الرحمن هم الذين يمشون على الأرض، فحذف هم، كقولك: زيد الأمير، أي ~~زيد هو الأمير. ف‍ " الذين " خبر مبتدأ محذوف، قاله الأخفش. وقيل: الخبر ~~قوله في آخر السورة: " أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ". # وما بين المبتدأ والخبر أوصاف لهم وما تعلق ms4556 بها، قاله الزجاج. قال: ويجوز ~~أن يكون الخبر " الذين يمشون على الأرض ". و " يمشون " عبارة عن عيشهم ومدة ~~حياتهم وتصرفاتهم، فذكر من ذلك العظم، لا سيما وفي ذلك الانتقال في الأرض، ~~وهو معاشرة الناس وخلطتهم. # قوله تعالى: " هونا " الهون مصدر الهين وهو من السكينة والوقار. وفي ~~التفسير: # يمشون على الأرض حلماء متواضعين، يمشون في اقتصاد. والقصد والتؤدة وحسن ~~السمت من أخلاق النبوة. وقال صلى الله عليه وسلم: (أيها الناس عليكم ~~بالسكينة فإن البر ليس في الايضاع) (2) وروى في صفته صلى الله عليه وسلم ~~أنه كان إذا زال زال تقلعا، ويخطو تكفؤا، ويمشي هونا، ذريع المشية إذا مشى ~~كأنما ينحط من صبب. التقلع، رفع الرجل بقوة والتكفؤ: الميل إلى سنن المشي ~~وقصده. والهون الرفق والوقار. والذريع الواسع الخطا، أي أن مشيه كان يرفع ~~فيه رجله بسرعة ويمد خطوه، خلاف مشية المختال، ويقصد سمته، وكل ذلك برفق ~~وتثبت دون عجلة. كما قال: كأنما ينحط مكن صبب، قاله القاضي عياض. # وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يسرع جبلة لا تكلفا. قال الزهري: سرعة ~~المشي تذهب بهاء الوجه. قال ابن عطية: يريد الاسراع الحثيث لأنه يخل ~~بالوقار، والخير في التوسط. وقال زيد بن أسلم: كنت أسأل عن تفسير قوله ~~تعالى: " الذين يمشون على الأرض هونا " فما وجدت من ذلك شفاء، فرأيت في ~~المنام من جاءني فقال لي: هم الذين لا يريدون أن يفسدوا في الأرض. قال ~~القشيري، وقيل لا يمشون لافساد ومعصية، بل في طاعة الله والأمور المباحة من ~~غير هوك. وقد قال الله تعالى: " ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب # PageV13P068 # كل مختال فخور ". وقال ابن عباس: بالطاعة والمعروف والتواضع. الحسن: ~~حلماء إن جهل عليهم لم يجهلوا. وقيل: لا يتكبرون على الناس. # قلت: وهذه كلها معان متقاربة، ويجمعها العلم بالله والخوف منه، والمعرفة ~~بأحكامه والخشية من عذابه وعقابه، جعلنا الله منهم بفضله ومنه. وذهبت فرقة ~~إلى أن " هونا " مرتبط بقوله: " يمشون على الأرض "، أن المشي هو هون. قال ~~ابن عطية: ms4557 ويشبه أن يتأول هذا على أن تكون أخلاق ذلك الماشي هونا مناسبة ~~لمشيه، فيرجع القول إلى نحو ما بيناه. وأما أن يكون المراد صفة المشي وحده ~~فباطل، لأنه رب ماش هونا رويدا وهو ذئب أطلس (1). وقد كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يتكفأ في مشيه كأنما يمشى في صبب. وهو عليه الصلاة والسلام ~~الصدر في هذه الأمة. وقوله عليه الصلاة والسلام : " من مشى منكم في طمع ~~فليمش رويدا " إنما أراد في عقد نفسه، ولم يرد المشي وحده. # ألا ترى أن المبطلين المتحلين بالدين تمسكوا بصورة المشي فقط، حتى قال ~~فيهم الشاعر ذما لهم: # كلهم يمشى رويد * كلهم يطلب صيد قلت: وفي عكسه أنشد ابن العربي لنفسه: # تواضعت في العلياء والأصل كابر * وحزت قصاب السبق بالهون في الامر سكون ~~فلا خبث السريرة أصله * وجل سكون الناس من عظم الكبر قوله تعالى: (وإذا ~~خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما) قال النحاس: ليس " سلاما " من التسليم إنما ~~هو من التسلم، تقول العرب: سلاما، أي تسلما منك، أي براءة منك. # منصوب على أحد أمرين: يجوز أن يكون منصوبا ب‍ " قالوا "، ويجوز أن يكون ~~مصدرا، وهذا قول سيبويه. قال ابن عطية: والذي أقوله: إن " قالوا " هو ~~العامل في " سلاما " لان المعنى قالوا هذا اللفظ. وقال مجاهد: معنى " سلاما ~~" سدادا. أي يقول للجاهل كلاما # PageV13P069 # يدفعه به برفق ولين. ف‍ " قالوا " على هذا التأويل عامل في قوله: " سلاما ~~" على طريقة النحويين، وذلك أنه بمعنى قولا. وقالت فرقة: ينبغي للمخاطب أن ~~يقول للجاهل سلاما، بهذا اللفظ. # أي سلمنا سلاما أو تسليما، ونحو هذا، فيكون العامل فيه فعلا من لفظه على ~~طريقة النحويين. # مسألة: هذه الآية كانت قبل آية السيف، نسخ منها ما يخص الكفرة وبقى أدبها ~~في المسلمين إلى يوم القيامة. وذكر سيبويه النسخ في هذه الآية في كتابه، ~~وما تكلم فيه على نسخ سواه، رجح به أن المراد السلامة لا التسليم، لان ~~المؤمنين لم يؤمروا قط بالسلام على الكفرة. # والآية مكية فنسختها آية السيف. قال النحاس: ولا نعلم ms4558 لسيبويه كلاما في ~~معنى الناسخ والمنسوخ إلا في هذه الآية. قال سيبويه: لم يؤمر المسلمون ~~يومئذ أن يسلموا على المشركين لكنه على معنى قوله: تسلما منكم، ولا خير ولا ~~شر بيننا وبينكم. المبرد: كان ينبغي أن يقال: لم يؤمر المسلمون يومئذ ~~بحربهم ثم أمروا بحربهم. محمد بن يزيد: أخطأ سيبويه في هذا وأساء العبارة. ~~ابن العربي: لم يؤمر المسلمون يومئذ أن يسلموا على المشركين ولا نهوا عن ~~ذلك، بل أمروا بالصفح والهجر الجميل، وقد كان عليه الصلاة والسلام يقف على ~~أنديتهم ويحييهم ويدانيهم ولا يداهنهم. وقد أتفق الناس على أن السفيه من ~~المؤمنين إذا جفاك يجوز أن تقول له سلام عليك. # قلت: هذا القول أشبه بدلائل السنة. وقد بينا في سورة " مريم " (1) اختلاف ~~العلماء في جواز التسليم على الكفار، فلا حاجة إلى دعوى النسخ، والله أعلم. ~~وقد ذكر النضر بن شميل قال حدثني الخليل قال: أتيت أبا ربيعة الأعرابي وكان ~~من أعلم من رأيت، فإذا هو على سطح، فلما سلمنا رد علينا السلام وقال لنا: ~~استووا. وبقينا متحيرين ولم ندر ما قال. # فقال لنا أعرابي إلى جنبه: أمركم أن ترتفعوا. قال الخليل: هو من قول الله ~~عز وجل: # " ثم استوى إلى السماء وهي دخان " فصعدنا إليه فقال: هل لكم في خبز فطير، ~~ولبن هجير، وماء نمير (2)؟ فقلنا الساعة فارقناه. فقال سلاما. فلم ندر ما ~~قال. قال فقال الأعرابي: إنه # PageV13P070 # سألكم متاركة لا خير فيها ولا شر. فقال الخليل: هو من قول الله عز وجل: ~~وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ". قال ابن عطية: ورأيت في بعض التواريخ ~~أن إبراهيم بن المهدى - وكان من المائلين على علي بن أبي طالب رضي الله عنه ~~- قال يوما بحضرة المأمون وعنده جماعة: كنت أرى علي بن أبي طالب في النوم ~~فكنت أقول له من أنت؟ فكان يقول: علي بن أبي طالب. فكنت أجئ معه إلى قنطرة ~~فيذهب فيتقدمني في عبورها. # فكنت أقول: إنما تدعى هذا الامر بامرأة ونحن أحق به منك. فما رأيت له في ms4559 ~~الجواب بلاغة كما يذكر عنه. قال المأمون: وبماذا جاوبك؟ قال: فكان يقول لي ~~سلاما. # قال الراوي: فكأن إبراهيم بن المهدى لا يحفظ الآية أو ذهبت عنه في ذلك ~~الوقت. فنبه المأمون على الآية من حضره وقال: هو والله يا عم علي بن أبي ~~طالب، وقد جاوبك بأبلغ جواب، فخزى إبراهيم واستحيا. وكانت رؤيا لا محالة ~~صحيحة. # قوله تعالى: والذين يبيتون لربهم سجدا وقيما (64) قوله تعالى: (والذين ~~يبيتون لربهم سجدا وقياما) قال الزجاج: بات الرجل يبيت إذا أدركه الليل، ~~نام أو لم ينم. قال زهير (1): # فبتنا قياما عند رأس جوادنا * يزاولنا عن نفسه ونزاوله وأنشدوا في صفة ~~الأولياء: # امنع جفونك أن تذوق مناما * واذر الدموع على الخدود سجاما واعلم بأنك ميت ~~ومحاسب * يا من على سخط الجليل أقاما لله قوم أخلصوا في حبه * فرضي بهم ~~واختصهم خداما قوم إذا جن الظلام عليهم * باتوا هنالك سجدا وقياما خمص ~~البطون من التعفف ضمرا * لا يعرفون سوى الحلال طعاما # PageV13P071 # وقال ابن عباس: من صلى ركعتين أو أكثر بعد العشاء فقد بات لله ساجدا ~~وقائما. # وقال الكلبي: من أقام ركعتين بعد المغرب وأربعا بعد العشاء فقد بات ساجدا ~~وقائما. # قوله تعالى: والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما ~~(65) إنها ساءت مستقرا ومقاما (66) قوله تعالى: (والذين يقولون ربنا اصرف ~~عنا عذاب جهنم) أي هم مع طاعتهم مشفقون خائفون وجلون من عذاب الله. ابن ~~عباس: يقولون ذلك في سجودهم وقيامهم. # (إن عذابها كان غراما) أي لازما دائما غير مفارق. ومنه سمى الغريم ~~لملازمته. ويقال: # فلان مغرم بكذا أي لازم له مولع به. وهذا معناه في كلام العرب فيما ذكر ~~ابن الأعرابي وابن عرفة وغيرهما. وقال الأعشى: # إن يعاقب يكن غراما وإن * يعط جزيلا فإنه لا يبالي وقال الحسن: قد علموا ~~أن كل غريم يفارق غريمه إلا غريم جهنم. وقال الزجاج: الغرام أشد العذاب. ~~وقال ابن زيد: الغرام الشر. وقال أبو عبيدة: الهلاك. والمعنى واحد. # وقال محمد بن كعب: طالبهم الله تعالى بثمن النعيم ms4560 في الدنيا فلم يأتوا ~~به، فأغرمهم ثمنها بإدخالهم النار. (إنها ساءت مستقرا ومقاما) أي بئس ~~المستقر وبئس المقام. أي إنهم يقولون ذلك عن علم، وإذا قالوه عن علم كانوا ~~أعرف بعظم قدر ما يطلبون، فيكون ذلك أقرب إلى النجح. # قوله تعالى: والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما ~~(67) قوله تعالى: (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا) اختلف المفسرون في تأويل ~~هذه الآية. # فقال النحاس: ومن أحسن ما قيل في معناه أن من أنفق في غير طاعة الله فهو ~~الاسراف، ومن أمسك عن طاعة الله عز وجل فهو الاقتار، ومن أنفق، في طاعة ~~الله تعالى فهو القوام. PageV13P072 # وقال ابن عباس: من أنفق مائة ألف في حق فليس بسرف، ومن أنفق درهما في غير ~~حقه فهو سرف، ومن منع من حق عليه فقد قتر. وقاله مجاهد وابن زيد وغيرهما. ~~وقال عون بن عبد الله: الاسراف أن تنفق مال غيرك. قال ابن عطية: وهذا ونحوه ~~غير مرتبط بالآية، والوجه أن يقال. إن النفقة في معصية أمر قد حظرت الشريعة ~~قليله وكثيره وكذلك التعدي على مال الغير، وهؤلاء الموصوفون منزهون عن ذلك، ~~وإنما التأديب في هذه الآية هو في نفقة الطاعات في المباحات، فأدب الشرع ~~فيها ألا يفرط الانسان حتى يضيع حقا آخر أو عيالا ونحو هذا، وألا يضيق أيضا ~~ويقتر حتى يجيع العيال ويفرط في الشح، والحسن في ذلك هو القوام، أي العدل، ~~والقوام في كل واحد بحسب عياله وحاله، وخفة ظهره وصبره وجلده على الكسب، أو ~~ضد هذه الخصال، وخير الأمور أوساطها، ولهذا ترك رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أبا بكر الصديق يتصدق بجميع ماله، لان ذلك وسط بنسبة جلده وصبره في ~~الدين، ومنع غيره من ذلك. ونعم ما قال إبراهيم النخعي: هو الذي لا يجيع ولا ~~يعرى ولا ينفق نفقة يقول الناس قد أسرف. وقال يزيد بن أبي حبيب: هم الذين ~~لا يلبسون الثياب لجمال، ولا يأكلون طعاما للذة. وقال يزيد أيضا في هذه ~~الآية: أولئك أصحاب ms4561 محمد صلى الله عليه وسلم كانوا لا يأكلون طعاما للتنعم ~~واللذة، ولا يلبسون ثيابا للجمال، ولكن كانوا يريدون من الطعام ما يسد عنهم ~~الجوع ويقويهم على عبادة ربهم، ومن اللباس ما يستر عوراتهم ويكنهم من الحر ~~والبرد. وقال عبد الملك ابن مروان لعمر بن عبد العزيز حين زوجه ابنته ~~فاطمة: ما نفقتك؟ فقال له عمر: الحسنة بين سيئتين، ثم تلا هذه الآية. # وقال عمر بن الخطاب: كفى بالمرء سرفا ألا يشتهى شيئا إلا اشتراه فأكله. ~~وفي سنن ابن ماجة عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~إن من السرف أن تأكل كل ما اشتهيت " وقال أبو عبيدة: لم يزيدوا على المعروف ~~ولم يبخلوا كقوله تعالى: # " ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط " وقال الشاعر: # ولا تغل في شئ من الامر واقتصد * كلا طرفي قصد الأمور ذميم PageV13P073 # وقال آخر: # إذا المرء أعطى نفسه كل ما اشتهت * ولم ينهها تاقت إلى كل باطل وساقت ~~إليه الاثم والعار بالذي * دعته إليه من حلاوة عاجل وقال عمر لابنه عاصم: ~~يا بنى، كل في نصف بطنك، ولا تطرح ثوبا حتى تستخلقه، ولا تكن من قوم يجعلون ~~ما رزقهم الله في بطونهم وعلى ظهورهم. ولحاتم طي: # إذا أنت قد أعطيت بطنك سؤله * وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا (ولم يقتروا) ~~قرأ حمزة والكسائي والأعمش وعاصم ويحيى بن وثاب على اختلاف عنهما " يقتروا ~~" بفتح الياء وضم التاء، وهي قراءة حسنة، من قتر يقتر. وهذا القياس في ~~اللازم، مثل قعد يقعد. وقرأ أبو عمرو بن العلاء وابن كثير بفتح الياء وكسر ~~التاء، وهي لغة معروفة حسنة. وقرأ أهل المدينة وابن عامر وأبو بكر عن عاصم ~~بضم الياء وكسر - التاء. قال الثعلبي: # كلها لغات صحيحة. النحاس: وتعجب أبو حاتم من قراءة أهل المدينة هذه، لان ~~أهل المدينة عنده لا يقع في قراءتهم الشاذ، إنما يقال: أقتر يقتر إذا ~~افتقر، كما قال عز وجل: # " وعلى المقتر قدره " وتأول أبو حاتم لهم أن المسرف ms4562 يفتقر سريعا. وهذا ~~تأويل بعيد، ولكن التأويل لهم أن أبا عمر الجرمي حكى عن الأصمعي أنه يقال ~~للانسان إذا ضيق: قتر يقتر ويقتر، وأقتر يقتر. فعلى هذا تصح القراءة، وإن ~~كان فتح الياء أصح وأقرب تناولا، وأشهر وأعرف. وقرأ أبو عمرو والناس " ~~قواما " بفتح القاف، يعنى عدلا. وقرأ حسان ابن عبد الرحمن: " قواما " بكسر ~~القاف، أي مبلغا وسدادا وملاك حال. والقوام بكسر القاف، ما يدوم عليه الامر ~~ويستقر. وهما لغتان بمعنى. و " قواما " خبر كان، واسمها مقدر فيها، أي كان ~~الانفاق بين الاسراف والقتر قواما، قاله الفراء. وله قول آخر يجعل " بين " ~~اسم كان وينصبها، لان هذه الألفاظ كثير استعمالها فتركت على حالها في موضع ~~الرفع. # قال النحاس: ما أدرى ما وجه هذا، لان " بينا " إذا كانت في موضع رفع ~~رفعت، كما يقال: # بين عينيه أحمر. PageV13P074 # قوله تعالى: والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم ~~الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما (68) يضعف له العذاب يوم ~~القيمة ويخلد فيه مهانا (69) قوله تعالى: (والذين لا يدعون مع الله إلها ~~آخر) إخراج لعباده المؤمنين من صفات الكفرة في عبادتهم الأوثان، وقتلهم ~~النفس بوأد البنات، وغير ذلك من الظلم والاغتيال، والغارات، ومن الزنى الذي ~~كان عندهم مباحا. وقال من صرف هذه الآية عن ظاهرها من أهل المعاني: لا يليق ~~بمن أضافهم الرحمن إليه إضافة الاختصاص، وذكرهم ووصفهم من صفات المعرفة ~~والتشريف وقوع هذه الأمور القبيحة منهم حتى يمدحوا بنفيها عنهم لأنهم أعلى ~~وأشرف، فقال: معناها لا يدعون الهوى إلها، ولا يذلون أنفسهم بالمعاصي فيكون ~~قتلا لها. ومعنى " إلا بالحق " أي إلا بسكين الصبر وسيف المجاهدة فلا ~~ينظرون إلى نساء ليست لهم بمحرم بشهوة فيكون سفاحا، بل بالضرورة فيكون ~~كالنكاح. قال شيخنا أبو العباس: # وهذا كلام رائق غير أنه عند السبر مائق. وهي نبعة باطنية ونزعة باطلية ~~وإنما صح تشريف عباد الله باختصاص الإضافة بعد أن تحلوا بتلك الصفات ~~الحميدة وتخلوا عن نقائض ذلك من الأوصاف ms4563 الذميمة، فبدأ في صدر هذه الآيات ~~بصفات التحلي تشريفا لهم، ثم أعقبها بصفات التخلي تقعيدا لها، والله أعلم. # قلت: ومما يدل على بطلان ما ادعاه هذا القائل من أن تلك الأمور ليست على ~~ظاهرها ما روى مسلم من حديث عبد الله بن مسعود قال قلت: يا رسول الله، أي ~~الذنب أكبر عند الله؟ قال: " أن تدعو لله ندا وهو خلقك " قال: ثم أي؟ قال: ~~" أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك " قال: ثم أي؟ قال: " أن تزانى حليلة ~~جارك " فأنزل الله تعالى تصديقها: # " والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا ~~بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما ". والآثام في كلام العرب العقاب، ~~وبه قرأ ابن زيد وقتادة هذه الآية. PageV13P075 # ومنه قول الشاعر: # جزى الله ابن عروة حيث أمسى * عقوقا والعقوق له أثام أي جزاء وعقوبة. ~~وقال عبد الله بن عمرو وعكرمة ومجاهد: إن " أثاما " واد في جهنم جعله الله ~~عقابا للكفرة. قال الشاعر: # لقيت المهالك في حربنا * وبعد المهالك تلقى أثاما وقال السدى: جبل فيها. ~~قال: # وكان مقامنا ندعو عليهم * بأبطح ذي المجاز له أثام وفي صحيح مسلم أيضا عن ~~ابن عباس: أن ناسا من أهل الشرك قتلوا فأكثروا وزنوا فأكثروا، فأتوا محمدا ~~صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن، وهو يخبرنا بأن ~~لما عملنا كفارة، فنزلت: " والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون ~~النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما ". ونزل: ~~" يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم " الآية. وقد قيل: إن هذه الآية، " يا ~~عبادي الذين أسرفوا " نزلت في وحشي قاتل حمزة، قاله سعيد بن جبير وابن ~~عباس. وسيأتي في " الزمر " بيانه. # قوله تعالى: " إلا بالحق " أي بما يحق أن تقتل به النفوس من كفر بعد ~~إيمان أو زنى بعد إحصان، على ما تقدم بيانه في " الانعام " (1). (ولا ~~يزنون) فيستحلون الفروج بغير نكاح ولا ملك يمين. ودلت هذه الآية ms4564 على أنه ~~ليس بعد الكفر أعظم من قتل النفس بغير الحق ثم الزنى، ولهذا ثبت في حد ~~الزنا القتل لمن كان محصنا أو أقصى الجلد لمن كان غير محصن. # قوله تعالى: (و من يفعل ذلك يلق أثاما. يضاعف له العذاب) قرأ نافع وابن ~~عامر وحمزة و الكسائي " يضاعف. ويخلد " جزما. وقرأ ابن كثير: " يضعف " بشد ~~العين وطرح الألف، وبالجزم في " يضعف. ويخلد ". وقرأ طلحة بن سليمان: " ~~نضعف " بضم النون وكسر العين المشددة. " العذاب " نصب " ويخلد " جزم، وهي ~~قراءة أبي جعفر وشيبة. # PageV13P076 # وقرأ عاصم في رواية أبي بكر: " يضاعف. ويخلد " بالرفع فيهما على العطف ~~والاستئناف. # وقرأ طلحة بن سليمان: " وتخلد " بالتاء على معنى مخاطبة الكافر. وروي عن ~~أبي عمرو " ويخلد " بضم الياء من تحت وفتح اللام. قال أبو علي: وهي غلط من ~~جهة الرواية. و " يضاعف " بالجزم بدل من " يلق " الذي هو جزاء الشرط. قال ~~سيبويه: مضاعفة العذاب لقي الآثام. # قال الشاعر: # متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا * تجد حطبا جزلا ونارا تأججا وقال آخر: # إن على الله أن تبايعا (1) * تؤخذ كرها أو تجئ طائعا وأما الرفع ففيه ~~قولان: أحدهما أن تقطعه مما قبله. والآخر أن يكون محمولا على المعنى، كأن ~~قائلا قال: ما لقي الآثام؟ فقيل له: يضاعف له العذاب. و (مهانا) معناه ~~ذليلا خاسئا مبعدا مطرودا. # قوله تعالى: إلا من تاب وآمن وعمل عملا صلحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم ~~حسنت وكان الله غفورا رحيما (70) قوله تعالى: (إلا من تاب وآمن وعمل عملا ~~صالحا) لا خلاف بين العلماء أن الاستثناء عامل في الكافر والزاني. واختلفوا ~~في القاتل من المسلمين على ما تقدم بيانه في " النساء " (2) ومضى في " ~~المائدة " (3) القول في جواز التراخي في الاستثناء في اليمين، وهو مذهب ابن ~~عباس مستدلا بهذه الآية. # قوله تعالى: (فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات) قال النحاس: من أحسن ما ~~قيل فيه أنه يكتب موضع كافر مؤمن، وموضع عاص مطيع. وقال مجاهد والضحاك: أن ~~يبدلهم # PageV13P077 # الله من الشرك الايمان وروى نحوه عن الحسن. قال الحسن: ms4565 قوم يقولون ~~التبديل في الآخرة، وليس كذلك، إنما لتبديل في الدنيا، يبدلهم الله إيمانا ~~من الشرك، وإخلاصا من الشك، وإحصانا من الفجور. وقال الزجاج: ليس بجعل مكان ~~السيئة الحسنة، ولكن بجعل مكان السيئة التوبة، والحسنة مع التوبة. وروى أبو ~~ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم: # (أن السيئات تبدل بحسنات ". وروي معناه عن سلمان الفارسي وسعيد بن جبير ~~غيرهما. # وقال أبو هريرة: ذلك في الآخرة فيمن غلبت حسناته على سيئاته، فيبدل الله ~~السيئات حسنات. وفي الخبر: " ليتمنين أقوام أنهم أكثروا من السيئات " فقيل: ~~ومن هم؟ # قال: " الذين يبدل الله سيئاتهم حسنات ". رواه أبو هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم، ذكره الثعلبي والقشيري. وقيل: التبديل عبارة عن الغفران، ~~أي يغفر الله لهم تلك السيئات لا أن يبدلها حسنات. # قلت: فلا يبعد في كرم الله تعالى إذا صحت توبة العبد أن يضع مكان كل سيئة ~~حسنة، وقد قال صلى الله عليه وسلم لمعاذ: " اتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق ~~الناس بخلق حسن ". # وفي صحيح مسلم عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إني ~~لا علم آخر أهل الجنة دخولا الجنة وآخر أهل النار خروجا منها رجل يؤتى به ~~يوم القيامة فيقال اعرضوا عليه صغار ذنوبه وارفعوا عنه كبارها فتعرض عليه ~~صغار ذنوبه فيقال عملت يوم كذا وكذا كذا وكذا وعملت يوم كذا وكذا كذا وكذا ~~فيقول نعم لا يستطيع أن ينكر وهو مشفق في كبار ذنوبه أن تعرض عليه فيقال له ~~فإن لك مكان كل سيئة حسنة فيقول يا رب قد عملت أشياء لا أراها ها هنا " ~~فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه. # وقال أبو طويل (1): يا رسول الله، أرأيت رجلا عمل الذنوب كلها ولم يترك ~~منها شيئا، وهو في ذلك لم يترك حاجة ولا داجة إلا اقتطعها فهل له من توبة؟ ~~قال: " هل أسلمت "؟ قال: # أنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنك عبد الله ~~ورسوله. ms4566 قال: " نعم. # PageV13P078 # تفعل الخيرات وتترك السيئات يجعلهن الله كلهن خيرات ". قال: وغدراتي ~~وفجراتي يا نبي الله؟ قال: " نعم ". قال: الله أكبر! فما زال يكررها حتى ~~توارى. ذكره الثعلبي. # قال مبشر ابن عبيد، وكان عالما بالنحو والعربية: الحاجة التي تقطع على ~~الحاج إذا توجهوا. # والداجة التي تقطع عليهم إذا قفلوا. (وكان الله غفورا رحيما). # قوله تعالى: ومن تاب وعمل صلحا فإنه يتوب إلى الله متابا (71) قوله ~~تعالى: (ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا) لا يقال: من قام ~~فإنه يقوم، فكيف قال من تاب فإنه يتوب؟ فقال ابن عباس: المعنى من آمن من ~~أهل مكة وهاجر ولم يكن قتل وزنى بل عمل صالحا وأدى الفرائض فإنه يتوب إلى ~~الله متابا، أي فإني قدمتهم وفضلتهم على من قاتل النبي صلى الله عليه وسلم ~~واستحل المحارم. وقال القفال: # يحتمل أن تكون الآية الأولى فيمن تاب من المشركين، ولهذا قال: " إلا من ~~تاب وآمن " ثم عطف عليه من تاب من المسلمين واتبع توبته عملا صالحا فله حكم ~~التائبين أيضا. وقيل: # أي من تاب بلسانه ولم يحقق ذلك بفعله، فليست تلك التوبة نافعة، بل من تاب ~~وعمل صالحا فحقق توبته بالاعمال الصالحة فهو الذي تاب إلى الله متابا، أي ~~تاب حق التوبة وهي النصوح ولذا أكد بالمصدر. ف‍ " متابا " مصدر معناه ~~التأكيد، كقوله: " وكلم الله موسى تكليما " أي فإنه يتوب إلى الله حقا ~~فيقبل الله توبته حقا. # قوله تعالى: والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما (72) ~~فيه مسئلتان: الأولى - قوله تعالى: " والذين لا يشهدون الزور " أي لا ~~يحضرون الكذب والباطل ولا يشاهدونه. والزور كل باطل زور وزخرف، وأعظمه ~~الشرك وتعظيم الأنداد. وبه فسر الضحاك وابن زيد وابن عباس وفي رواية عن ابن ~~عباس أنه أعياد المشركين. عكرمة: لعب PageV13P079 # كان في الجاهلية يسمى بالزور. مجاهد: الغناء، وقاله محمد ابن الحنفية ~~أيضا. ابن جريج: الكذب، وروي عن مجاهد. وقال علي بن أبي طلحة ومحمد بن علي: ~~المعنى لا يشهدون بالزور، من الشهادة لا ms4567 من المشاهدة. قال ابن العربي: أما ~~القول بأنه الكذب فصحيح، لان كل ذلك إلى الكذب يرجع. وأما من قال إنه لعب ~~كان في الجاهلية فإنه يحرم ذلك إذا كان فيه قمار أو جهالة، أو أمر يعود إلى ~~الكفر، وأما القول بأنه الغناء فليس ينتهي إلى هذا الحد. # قلت: من الغناء ما ينتهي سماعه إلى التحريم، وذلك كالأشعار التي توصف ~~فيها الصور المستحسنات والخمر وغير ذلك مما يحرك الطباع ويخرجها عن ~~الاعتدال، أو يثير كامنا من حب اللهو، مثل قول بعضهم: # ذهبي اللون تحسب من * وجنتيه النار تقتدح خوفوني من فضيحته * ليته وافي ~~وافتضح لا سيما إذا اقترن بذلك شبابات (1) وطارات مثل ما يفعل اليوم في هذه ~~الأزمان، على ما بيناه في غير هذا الموضع. وأما من قال إنه شهادة الزور، ~~وهي: # الثانية - فكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يجلد شاهد الزور أربعين جلدة، ~~ويسخم وجهه، ويحلق رأسه، ويطوف به في السوق. وقال أكثر أهل العلم: ولا تقبل ~~له شهادة أبدا وإن تاب وحسنت حاله فأمره إلى الله. وقد قيل: إنه إذا كان ~~غير مبرز فحسنت حال قبلت شهادته حسبما تقدم بيانه في سورة " الحج " (2) ~~فتأمله هناك. # قوله تعالى: (وإذا مروا باللغو مروا كراما) قد تقدم الكلام في اللغو (3)، ~~وهو كل سقط من قول أو فعل، فيدخل فيه الغناء واللهو وغير ذلك مما قاربه، ~~وتدخل فيه سفه المشركين وأذاهم المؤمنين وذكر النساء وغير ذلك من المنكر. ~~وقال مجاهد: إذا أوذوا صفحوا. # وروي عنه: إذا ذكر النكاح كفوا عنه. وقال الحسن: اللغو المعاصي كلها. ~~وهذا جامع. # و " كراما " معناه معرضين منكرين لا يرضونه، ولا يمالئون عليه، ولا ~~يجالسون أهله. # PageV13P080 # أي مروا مر الكرام الذين لا يدخلون في الباطل. يقال: تكرم فلان عما ~~يشينه، أي تنزه وأكرم نفسه عنه. وروي أن عبد الله بن مسعود سمع غناء فأسرع ~~وذهب، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " لقد أصبح ابن أم عبد ~~كريما ". وقيل: من المرور باللغو كريما أن يأمر بالمعروف وينهى ms4568 عن المنكر. # قوله تعالى: والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا ~~(72) فيه مسئلتان: # الأولى - قوله تعالى: (والذين إذا ذكروا بآيات ربهم) أي إذا قرئ عليهم ~~القرآن ذكروا آخرتهم ومعادهم ولم يتغافلوا حتى يكونوا بمنزلة من لا يسمع. ~~وقال: (لم يخروا) وليس ثم خرور، كما يقال: قعد يبكي وإن كان غير قاعد، قاله ~~الطبري واختاره، قال ابن عطية: وهو أن يخروا صما وعميانا هي صفة الكفار، ~~وهي عبارة عن إعراضهم، وقرن ذلك بقولك: قعد فلان يشتمني وقام فلان يبكي ~~وأنت لم تقصد الاخبار بقعود ولا قيام، وإنما هي توطئات في الكلام والعبارة. ~~قال ابن عطية: فكأن المستمع للذكر قائم القناة قويم الامر، فإذا أعرض وضل ~~كان ذلك خرورا، وهو السقوط على غير نظام وترتيب، وإن كان قد شبه به الذي ~~يخر ساجدا لكن أصله على غير ترتيب. وقيل: أي إذا تليت عليهم آيات الله وجلت ~~قلوبهم فخروا سجدا وبكيا، ولم يخروا عليها صما وعميانا. وقال الفراء: أي لم ~~يقعدوا على حالهم الأول كأن لم يسمعوا. # الثانية - قال بعضهم: إن من سمع رجلا يقرأ سجدة يسجد معه، لأنه قد سمع ~~آيات الله تتلى عليه. قال ابن العربي: وهذا لا يلزم إلا القارئ وحده، وأما ~~غيره فلا يلزمه ذلك إلا في مسألة واحدة، وهو أن الرجل إذا تلا القرآن وقرأ ~~السجدة فإن كان الذي جلس معه جلس يسمعه فليسجد معه، وإن لم يلتزم السماع ~~معه فلا سجود عليه. وقد مضى هذا في " الأعراف " (1). # PageV13P081 # قوله تعالى: والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذريتنا قرة أعين ~~واجعلنا للمتقين إماما (74) أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية ~~وسلما (75) خالدين فيها حسنت مستقرا ومقاما (76) قل ما يعبؤا بكم ربى لولا ~~دعاؤكم فقد كذبتم فسوف يكون لزاما (77) قوله تعالى: (والذين يقولون ربنا هب ~~لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين) قال الضحاك: أي مطيعين لك. وفيه جواز ~~الدعاء بالولد وقد تقدم (1). والذرية تكون واحدا وجمعا. فكونها للواحد ~~قوله: " رب هب لي من لدنك ذرية ms4569 طيبة " " فهب لي من لدنك وليا " وكونها ~~للجمع " ذرية ضعافا " وقد مضى في " البقرة " (2) اشتقاقها مستوفى. وقرأ ~~نافع وابن كثير وابن عامر والحسن: " وذرياتنا " وقرأ أبو عمر وحمزة ~~والكسائي وطلحة وعيسى " وذريتنا " بالافراد. " قرة أعين " نصب على المفعول، ~~أي قرة أعين لنا. وهذا نحو قوله عليه الصلاة والسلام لانس: " اللهم أكثر ~~ماله وولده وبارك له فيه " وقد تقدم بيانه في " آل عمران " (3) و " مريم ". ~~وذلك أن الانسان إذا بورك له في ماله وولده قرت عينه بأهله وعياله، حتى إذا ~~كانت عنده زوجة اجتمعت له فيها أمانيه من جمال وعفة ونظر وحوطة أو كانت ~~عنده ذرية محافظون على الطاعة، معاونون له على وظائف الدين والدنيا، لم ~~يلتفت إلى زوج أحد ولا إلى ولده، فتسكن عينه عن الملاحظة، ولا تمتد عينه ~~إلى ما ترى، فذلك حين قرة العين، وسكون النفس. ووحد " قرة " لأنه مصدر، ~~تقول: قرت عينك قرة. # وقرة العين يحتمل أن تكون من القرار، ويحتمل أن تكون من القر وهو الأشهر. ~~والقر البرد، لان العرب تتأذى بالحر وتستريح إلى البرد. وأيضا فإن دمع ~~السرور بارد، ودمع الحزن سخن، فمن هذا يقال: أقر الله عينك، وأسخن الله عين ~~العدو. وقال الشاعر: # فكم سخنت بالأمس عين قريرة * وقرت عيون دمعها اليوم ساكب # PageV13P082 # قوله تعالى: (واجعلنا للمتقين إماما) أي قدوة يقتدى بنا في الخير، وهذا ~~لا يكون إلا أن يكون الداعي متقيا قدوة، وهذا هو قصد الداعي. وفي الموطأ: " ~~إنكم أيها الرهط أئمة يقتدى بكم " فكان ابن عمر يقول في دعائه: اللهم ~~اجعلنا من أئمة المتقين. وقال: # " إماما " ولم يقل أئمة على الجمع، لان الامام مصدر. يقال: أم القوم فلان ~~إماما، مثل الصيام والقيام. وقال بعضهم: أراد أئمة، كما يقول القائل أميرنا ~~هؤلاء، يعني أمراءنا. وقال الشاعر: # يا عاذلاتي لا تزدن ملامتي * إن العواذل لسن لي بأمير أي أمراء. وكان ~~القشيري أبو القاسم شيخ الصوفية يقول: الإمامة بالدعاء لا بالدعوى، يعني ~~بتوفيق الله وتيسيره ومنته لا بما يدعيه كل أحد لنفسه. وقال إبراهيم ~~النخعي: ms4570 لم يطلبوا الرياسة بل بأن يكونوا قدوة في الدين. وقال ابن عباس: ~~اجعلنا أئمة هدى، كما قال تعالى: " وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا " وقال ~~مكحول: اجعلنا أئمة في التقوى يقتدي بنا المتقون. وقيل: هذا من المقلوب، ~~مجازه: واجعل المتقين لنا إماما، وقال مجاهد. # والقول الأول أظهر وإليه يرجع قول ابن عباس ومكحول، ويكون فيه دليل على ~~أن طلب الرياسة في الدين ندب. وإمام واحد يدل على جمع، لأنه مصدر كالقيام. ~~قال الأخفش: # الامام جمع آم من أم يؤم جمع على فعال، نحو صاحب وصحاب، وقائم وقيام. # قوله تعالى: (أولئك يجزون الغرفة بما صبروا) " أولئك " خبر " وعباد ~~الرحمن " في قول الزجاج على ما تقدم، وهو أحسن ما قيل فيه. وما تخلل بين ~~المبتدأ وخبره أوصافهم من التحلي والتخلي، وهي إحدى عشرة: التواضع، والحلم، ~~والتهجد، والخوف، وترك الاسراف والاقتار، والنزاهة عن الشرك، والزنى ~~والقتل، والتوبة وتجنب الكذب، والعفو عن المسئ، وقبول المواعظ، والابتهال ~~إلى الله. و " الغرفة " الدرجة الرفيعة وهي أعلى منازل الجنة وأفضلها كما ~~أن الغرفة أعلى مساكن الدنيا. حكاه ابن شجره. وقال الضحاك: الغرفة الجنة. " ~~بما صبروا " أي بصبرهم على أمر ربهم، وطاعة نبيهم عليه أفضل الصلاة ~~والسلام. وقال محمد ابن علي بن الحسين: " بما صبروا " على الفقر والفاقة في ~~الدنيا. وقال الضحاك: " بما صبروا " عن الشهوات. (ويقولون فيها تحية ~~وسلاما) قرأ أبو بكر والمفضل والأعمش ويحيى PageV13P083 # وحمزة والكسائي وخلف " ويلقون " مخففة، واختاره الفراء، قال لان العرب ~~تقول: # فلان يتلقى بالسلام وبالتحية وبالخير (بالتاء)، وقلما يقولون فلان يلقى ~~السلامة. وقرأ الباقون " ويلقون " واختاره أبو عبيد وأبو حاتم، لقوله ~~تعالى: " ولقاهم نضرة وسرورا ". قال أبو جعفر النحاس: وما ذهب إليه الفراء ~~واختاره غلط، لأنه يزعم أنها لو كانت " يلقون " كانت في العربية بتحية ~~وسلام، وقال كما يقال: فلان يتلقى بالسلام وبالخير، فمن عجيب ما في هذا ~~الباب أنه قال يتلقى والآية " يلقون " والفرق بينهما بين. لأنه يقال فلان ~~يتلقى بالخير ولا يجوز حذف (الباء)، فكيف يشبه هذا ذاك! وأعجب من هذا ms4571 أن في ~~القرآن " ولقاهم نضرة وسرورا " ولا يجوز أن يقرأ بغيره. وهذا يبين أن ~~الأولى على خلاف ما قال. # والتحية من الله والسلام من الملائكة. وقيل: التحية البقاء الدائم والملك ~~العظيم، والأظهر أنهما بمعنى واحد، وأنهما من قبل الله تعالى، دليله قوله ~~تعالى: " تحيتهم يوم يلقونه سلام " وسيأتي. (خالدين) نصب على الحال (فيها ~~حسنت مستقرا ومقاما). # قوله تعالى: (قل ما يعبأ بكم ربى لولا دعاؤكم) هذه آية مشكلة تعلقت بها ~~الملحدة. # يقال: ما عبأت بفلان أي ما باليت به، أي ما كان له عندي وزن ولا قدر. ~~وأصل يعبأ من العب ء وهو الثقل. وقول الشاعر (1): # كأن بصدره وبجانبيه * عبيرا بات يعبؤه عروس أي يجعل بعضه على بعض. فالعب ~~ء الحمل الثقيل، والجمع أعباء. والعب ء المصدر. # وما استفهامية، ظهر في أثناء كلام الزجاج، وصرح به الفراء. وليس يبعد أن ~~تكون نافية، لأنك إذا حكمت بأنها استفهام فهو نفي خرج مخرج الاستفهام، كما ~~قال تعالى: " هل جزاء الاحسان إلا الاحسان " قال ابن الشجري: وحقيقة القول ~~عندي أن موضع " ما " نصب، والتقدير: أي عب ء يعبأ بكم، أي أي مبالاة يبالي ~~ربي بكم لولا دعاؤكم، أي لولا دعاؤه إياكم لتعبدوه، فالمصدر الذي هو الدعاء ~~على هذا القول مضاف إلى مفعوله، وهو اختيار # PageV13P084 # الفراء. وفاعله محذوف وجواب لولا محذوف كما حذف في قوله: " ولو أن قرآنا ~~سيرت به الجبال " تقديره: لم يعبأ بكم. ودليل هذا القول قوله تعالى: " وما ~~خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون " فالخطاب لجميع الناس، فكأنه قال لقريش ~~منهم: أي ما يبالي الله بكم لولا عبادتكم إياه أن لو كانت، وذلك الذي يعبأ ~~بالبشر من أجله. ويؤيد هذا قراءة ابن الزبير وغيره. " فقد كذب الكافرون " ~~فالخطاب بما يعبأ لجميع الناس، ثم يقول لقريش: فأنتم قد كذبتم ولم تعبدوه ~~فسوف يكون التكذيب هو سبب العذاب لزاما. وقال النقاش وغيره: # المعنى، لولا استغاثتكم إليه في الشدائد ونحو ذلك. بيانه: " فإذا ركبوا ~~في الفلك دعوا الله مخلصين " ونحو هذا. وقيل: " ما يعبأ بكم ms4572 " أي بمغفرة ~~ذنوبكم ولا هو عنده عظيم " لولا دعاؤكم " معه الآلهة والشركاء. بيانه: " ما ~~يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم "، قال الضحاك. وقال الوليد بن أبي ~~الوليد: بلغني فيها أي ما خلقتكم ولي حاجة إليكم إلا تسألوني فأغفر لكم ~~وأعطيكم. وروى وهب بن منبه أنه كان في التوراة: " يا بن آدم وعزتي ما خلقتك ~~لأربح عليك إنما خلقتك لتربح علي فاتخذني بدلا من كل شئ فأنا خير لك من كل ~~شئ ". قال ابن جني: قرأ ابن الزبير وابن عباس " فقد كذب الكافرون ". # قال الزهراوي والنحاس: وهي قراءة ابن مسعود وهي على التفسير، للتاء ~~والميم في " كذبتم ". # وذهب القتبي والفارسي إلى أن الدعاء مضاف إلى الفاعل والمفعول محذوف. ~~الأصل لولا دعاؤكم آلهة من دونه، وجواب " لولا " محذوف تقديره في هذا ~~الوجه: لم يعذبكم. ونظير قوله: لولا دعاؤكم آلهة قوله: " إن الذين تدعون من ~~دون الله عباد أمثالكم ". (فقد كذبتم) أي كذبتم بما دعيتم إليه، هذا على ~~القول الأول، وكذبتم بتوحيد الله على الثاني. (فسوف يكون لزاما) أي يكون ~~تكذيبكم ملازما لكم. والمعنى: فسوف يكون جزاء التكذيب كما قال: # " ووجدوا ما عملوا حاضرا " أي جزاء ما عملوا وقوله: " فذوقوا العذاب بما ~~كنتم تكفرون " أي جزاء ما كنتم تكفرون. وحسن إضمار التكذيب لتقدم ذكر فعله، ~~لأنك إذا ذكرت الفعل دل بلفظه على مصدره، كما قال: " ولو آمن أهل الكتاب ~~لكان خيرا لهم " أي لكان الايمان. وقوله: " وإن تشكروا يرضه لكم " أي يرضى ~~الشكر. ومثله كثير. وجمهور المفسرين PageV13P085 # على أن المراد باللزام هنا ما نزل بهم يوم بدر، وهو قول عبد الله ابن ~~مسعود وأبي بن كعب وأبي مالك ومجاهد ومقاتل وغيرهم. وفي صحيح مسلم عن عبد ~~الله: وقد مضت البطشة والدخان واللزام. # وسيأتي مبينا في سورة " الدخان " إن شاء الله تعالى. وقالت فرقة: هو توعد ~~بعذاب الآخرة. # وعن ابن مسعود أيضا: اللزام التكذيب نفسه، أي لا يعطون التوبة منه، ذكره ~~الزهراوي، فدخل في هذا يوم بدر وغيره من العذاب الذي يلزمونه. وقال أبو ms4573 ~~عبيدة: لزاما فيصلا [أي] فسوف يكون فيصلا بينكم وبين المؤمنين. والجمهور من ~~القراء على كسر اللام، وأنشد أبو عبيدة لصخر: # فإما ينجوا من خسف أرض * فقد لقيا حتوفهما لزاما ولزاما وملازمة واحد. ~~وقال الطبري: " لزاما " يعني عذابا دائما لازما، وهلاكا مفنيا يلحق بعضكم ~~ببعض، كقول أبي ذؤيب: # ففاجأه بعادية (1) لزام * كما يتفجر الحوض اللقيف يعني باللزام الذي يتبع ~~بعضه بعضا، وباللقيف المتساقط الحجارة المتهدم. النحاس: وحكى أبو حاتم عن ~~أبي زيد قال سمعت قعنبا أبا السمال يقرأ: " لزاما " بفتح اللام. قال أبو ~~جعفر: # يكون مصدر لزم والكسر أولى، يكون مثل قتال ومقاتلة، كما أجمعوا على الكسر ~~في قوله عز وجل: " ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى ". قال ~~غيره: اللزام بالكسر مصدر لازم لزاما مثل خاصم خصاما، واللزام بالفتح مصدر ~~لزم مثل سلم سلاما أي سلامة، فاللزام بالفتح اللزوم، واللزام الملازمة، ~~والمصدر في القراءتين وقع موقع اسم الفاعل، فاللزام وقع موقع ملازم، ~~واللزام وقع موقع لازم. كما قال تعالى: " قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا " ~~أي غائرا. قال النحاس: وللفراء قول في اسم يكون، قال: يكون مجهولا وهذا ~~غلط، لان المجهول لا يكون خبره إلا جملة، كما قال تعالى: " إنه من يتق ~~ويصبر " وكما حكى النحويون كان زيد منطلق ويكون المبتدأ وخبره خبر المجهول، ~~والتقدير: كان الحديث، فأما أن يقال كان منطلقا، ويكون في كان مجهول فلا ~~يجوز عند أحد علمناه. # وبالله التوفيق وهو المستعان والحمد لله رب العالمين. # PageV13P086 # سورة الشعراء هي مكية في قول الجمهور. وقال مقاتل: منها مدني، الآية التي ~~يذكر فيها الشعراء، وقوله: " أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل ~~". وقال ابن عباس وقتادة: # مكية إلا أربع آيات منها نزلت بالمدينة من قوله: " والشعراء يتبعهم ~~الغاوون " إلى آخرها. # وهي مائتان وسبع وعشرون آية. وفي رواية: ست وعشرون. وعن ابن عباس قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " أعطيت السورة التي تذكر فيها البقرة من الذكر ~~الأول وأعطيت طه وطسم من ألواح موسى وأعطيت فواتح ms4574 القرآن وخواتيم سورة ~~البقرة من تحت العرش وأعطيت المفصل نافلة ". وعن البراء بن عازب أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله أعطاني السبع الطوال مكان التوراة ~~وأعطاني المبين مكان الإنجيل وأعطاني الطواسين مكان الزبور وفضلني ~~بالحواميم والمفصل ما قرأهن نبي قبلي ". # بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: طسم (1) تلك آيات الكتب المبين (2) ~~لعلك باخع نفسك الا يكونوا مؤمنين (3) إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية ~~فظلت أعناقهم لها خاضعين (4) وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا ~~عنه معرضين (5) فقد كذبوا فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزءون (6) أولم ~~يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم (7) إن في ذلك لآية وما كان ~~أكثرهم مؤمنين (8) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (9) PageV13P087 # قوله تعالى: (طسم) قرأ الأعمش ويحيى وأبو بكر والمفضل وحمزة والكسائي ~~وخلف بإمالة الطاء مشبعا في هذه السورة وفي أختيها. وقرأ نافع وأبو جعفر ~~وشيبة والزهري بين اللفظين، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم. وقرأ الباقون ~~بالفتح مشبعا. قال الثعلبي: وهي كلها لغات فصيحة. وقد مضى في " طه " (1) ~~قول النحاس في هذا. قال النحاس: وقرأ المدنيون وأبو عمرو وعاصم والكسائي: " ~~طسم " بإدغام النون في الميم، والفراء يقول بإخفاء النون. وقرأ الأعمش: ~~وحمزة: " طسين ميم " بإظهار النون. قال النحاس: النون الساكنة والتنوين ~~أربعة أقسام عند سيبويه: يبينان عند حروف الحلق، ويدغمان عند الراء واللام ~~والميم والواو والياء، ويقلبان ميما عند الباء ويكونان من الخياشيم، أي لا ~~يبينان، فعلى هذه الأربعة الأقسام التي نصها سيبويه لا تجوز هذه القراءة، ~~لأنه ليس هاهنا حرف من حروف الحلق فتبين النون عنده، ولكن في ذلك وجيه: وهو ~~أن حروف المعجم حكمها أن يوقف عليها، فإذا وقف عليها تبينت النون. قال ~~الثعلبي: الادغام اختيار أبي عبيد وأبي حاتم قياسا على كل القرآن، وإنما ~~أظهرها أولئك للتبيين والتمكين، وأدغمها هؤلاء لمجاورتها حروف الفم. قال ~~النحاس: وحكى أبو إسحاق في كتابه " فيما يجرى وفيما لا يجرى " أنه يجوز أن ~~يقال: " طسين ميم " بفتح النون وضم ms4575 الميم، كما يقال هذا معدي كرب. وقال أبو ~~حاتم: # قرأ خالد: " طسين ميم ". ابن عباس: " طسم " قسم وهو اسم من أسماء الله ~~تعالى، والمقسم عليه " إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية ". وقال قتادة: اسم ~~من أسماء القرآن أقسم الله به. # مجاهد: هو اسم السورة، ويحسن افتتاح السورة. الربيع: حساب مدة قوم. وقيل: # قارعة تحل بقوم. " طسم " و " طس " واحد. قال (2): # وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمة * بأن تسعدا والدمع أشفاه ساجمة # PageV13P088 # وقال القرظي: أقسم الله بطوله وسنائه وملكه. وقال عبد الله بن محمد بن ~~عقيل: الطاء طور سيناء والسين إسكندرية والميم مكة. وقال جعفر بن محمد بن ~~علي: الطاء شجرة طوبى، والسين سدرة المنتهى، والميم محمد صلى الله عليه ~~وسلم. وقيل: الطاء من الطاهر والسين من القدوس - وقيل: من السميع وقيل: من ~~السلام - والميم من المجيد. وقيل: # من الرحيم. وقيل: من الملك. وقد مضى هذا المعنى في أول سورة " البقرة " ~~(1). والطواسيم والطواسين سور في القرآن جمعت على غير قياس. وأنشد أبو ~~عبيدة: # وبالطواسيم التي قد ثلثت * وبالحواميم التي قد سبعت قال الجوهري: والصواب ~~أن تجمع بذوات وتضاف إلى واحد، فيقال: ذوات طسم وذوات حم. # قوله تعالى: (تلك آيات الكتاب المبين) رفع على إضمار مبتدأ أي هذه " تلك ~~آيات الكتاب المبين " التي كنتم وعدتم بها، لأنهم قد وعدوا في التوراة ~~والإنجيل بإنزال القرآن. وقيل: " تلك " بمعنى هذه. (لعلك باخع نفسك) أي ~~قاتل نفسك ومهلكها. # وقد مضى في " الكهف " (2) بيانه. (ألا يكونوا مؤمنين) أي لتركهم الايمان. ~~قال الفراء: # " أن " في موضع نصب، لأنها جزاء. قال النحاس: وإنما يقال: بإن مكسورة ~~لأنها جزاء، كذا المتعارف. والقول في هذا ما قاله أبو إسحاق في كتابه في ~~القرآن، قال: " أن " في موضع نصب مفعول من أجله، والمعنى لعلك قاتل نفسك ~~لتركهم الايمان. (إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية) أس معجزة ظاهرة وقدرة ~~باهرة فتصير معارفهم ضرورية، ولكن سبق القضاء بأن تكون المعارف نظرية وقال ~~أبو حمزة الثمالي في هذه الآية: # صوت يسمع من السماء في ms4576 النصف من شهر رمضان، تخرج به العواتق من البيوت ~~وتضج له الأرض. وهذا فيه بعد، لان المراد قريش لا غيرهم. (فظلت أعناقهم) أي ~~فتظل أعناقهم (لها خاضعين) قال مجاهد: أعناقهم كبراؤهم، وقال النحاس: ~~ومعروف في اللغة، يقال: جاءني عنق من الناس أي رؤساء منهم. أبو زيد ~~والأخفش: " أعناقهم " جماعاتهم، # PageV13P089 # يقال: جاءني عنق من الناس أي جماعة. وقيل: إنما أراد أصحاب الأعناق، فحذف ~~المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. قتادة: المعنى لو شاء لأنزل آية يذلون بها ~~فلا يلوى أحد منهم عنقه إلى معصية. ابن عباس: نزلت فينا وفي بني أمية ستكون ~~لنا عليهم الدولة فتذل لنا أعناقهم بعد معاوية، ذكره الثعلبي والغزنوي. ~~وخاضعين وخاضعة هنا سواء، قاله عيسى بن عمر واختاره المبرد. والمعنى: إنهم ~~إذا ذلت رقابهم ذلوا، فالاخبار عن الرقاب إخبار عن أصحابها. ويسوغ في كلام ~~العرب أن تترك الخبر عن الأول وتخبر عن الثاني، قال الراجز: # طول الليالي أسرعت في نقضي * طوين طولى وطوين عرضى فأخبر عن الليالي وترك ~~الطول. وقال جرير (1): # أرى مر السنين أخذن منى * كما أخذ السرار من الهلال وإنما جاز ذلك لأنه ~~لو أسقط مر وطول من الكلام لم يفسد معناه، فكذلك رد الفعل إلى، الكناية في ~~قوله: " فظلت أعناقهم " لأنه لو أسقط الأعناق لما فسد الكلام، ولأدى ما بقي ~~من الكلام عنه حتى يقول: فظلوا لها خاضعين. وعلى هذا اعتمد الفراء وأبو ~~عبيدة. # والكسائي يذهب إلى أن المعنى خاضعيها هم، وهذا خطأ عند البصريين والفراء. ~~ومثل هذا الحذف لا يقع في شئ من الكلام، قاله النحاس. # قوله تعالى: (وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين) ~~تقدم في " الأنبياء (2) ". (فقد كذبوا) أي أعرضوا ومن أعرض عن شئ ولم يقبله ~~فهو تكذيب له. (فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون) وعيد لهم، أي فسوف ~~يأتيهم عاقبة ما كذبوا والذي استهزءوا به. # قوله تعالى: (أو لم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم) نبه ~~على عظمته وقدرته وأنهم لو رأوا بقلوبهم ms4577 ونظروا ببصائرهم لعلموا أنه الذي ~~يستحق أن يعبد، إذ هو القادر على كل شئ. والزوج هو اللون، قال الفراء. و " ~~حسن شريف، وأصل # PageV13P090 # الكرم في اللغة الشرف والفضل، فنخلة كريمة أي فاضلة كثيرة الثمر، (1) ~~ورجل كريم شريف، فاضل صفوح. ونبتت الأرض وأنبتت بمعنى. وقد تقدم في سور " ~~البقرة " والله سبحانه المخرج والمنبت له. وروى عن الشعبي أنه قال: الناس ~~من نبات الأرض فمن صار منهم إلى الجنة فهو كريم، ومن صار إلى النار فهو ~~لئيم. (إن في ذلك لآية) أي فيما ذكر من الانبات في الأرض لدلالته على أن ~~الله قادر، لا يعجزه شئ. (وما كان أكثرهم مؤمنين) أي مصدقين لما سبق من ~~علمي فيهم. و " كان " هنا صلة في قول سيبويه، تقديره: وما أكثرهم مؤمنين ~~(وإن ربك لهو العزيز الرحيم) يريد المنيع المنتقم من أعدائه، الرحيم ~~بأوليائه. # قوله تعالى: وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين (10) قوم فرعون ألا ~~يتقون (11) قال رب إني أخاف أن يكذبون (12) ويضيق صدري ولا ينطلق لساني ~~فأرسل إلى هارون (13) ولهم على ذنب فأخاف أن يقتلون (14) قال كلا فاذهبا ~~بآياتنا إنا معكم مستمعون (15) قوله تعالى: (وإذ نادى ربك موسى) " إذ " في ~~موضع نصب، المعنى: واتل عليهم " إذ نادى ربك موسى " ويدل على هذا بعده. " ~~واتل عليهم نبأ إبراهيم " ذكره النحاس. # وقيل: المعنى، واذكر إذا نادى كما صرح به في قوله: " واذكر أخا عاد " ~~وقوله: " واذكر عبادنا إبراهيم " وقوله: " واذكر في الكتاب مريم ". وقيل: ~~المعنى، " وإذ نادى ربك موسى " كان كذا وكذا. والنداء الدعاء بيا فلان، أي ~~قال ربك يا موسى: (أن ائت القوم الظالمين) ثم أخبر من هم فقال: (قوم فرعون ~~ألا يتقون) ف‍ " قوم " بدل، ومعنى " ألا يتقون " ألا يخافون عقاب الله؟ ~~وقيل: هذا من الايماء إلى الشئ لأنه أمره أن يأتي القوم الظالمين، ودل ~~قوله: " يتقون " على أنهم لا يتقون، وعلى أنه أمرهم بالتقوى. # وقيل: المعنى، قل لهم " ألا تتقون " وجاء بالياء لأنهم غيب وقت الخطاب، ~~ولو جاء بالتاء # PageV13P091 # لجاز. ومثله " قل ms4578 للذين كفروا ستغلبون " بالتاء والياء. وقد قرأ عبيد بن ~~عمير وأبو حازم " ألا تتقون " بتاءين أي قل لهم " ألا تتقون ". (قال رب) أي ~~قال موسى (رب إني أخاف أن يكذبون) أي في الرسالة والنبوة. (ويضيق صدري) ~~لتكذيبهم إياي. وقراءة العامة " ويضيق " ولا ينطلق " بالرفع على الاستئناف. ~~وقرأ يعقوب وعيسى بن عمر وأبو حياة: " ويضيق - ولا ينطلق " بالنصب فيهما ~~ردا على قوله: " أن يكذبون " قال الكسائي: القراءة بالرفع، يعني في " يضيق ~~صدري ولا ينطلق لساني " يعني نفسا على " إني أخاف ". قال الفراء: ويقرأ ~~بالنصب. حكي ذلك عن الأعرج وطلحة وعيسى ابن عمر وكلاهما له وجه. قال ~~النحاس: الوجه لرفع، لان النصب عطف على " يكذبون " وهذا بعيد يدل على ذلك ~~قوله عز وجل: " واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي " فهذا يدل على أن هذه ~~كذا. ومعنى " ولا ينطلق لساني " في المحاجة على ما أحب، وكان في لسانه عقدة ~~على ما تقدم في " طه " (1). (فأرسل إلى هارون) أرسل إليه جبريل بالوحي، ~~واجعله رسولا معي ليؤازرني ويظاهرني ويعاونني. ولم يذكر هنا ليعينني، لان ~~المعنى كان معلوما، وقد صرح به في سورة " طه ": " واجعل لي وزيرا " وفي ~~القصص: " أرسله معي ردءا يصدقني " وكأن موسى أذن له في هذا السؤال، ولم يكن ~~ذلك استعفاء من الرسالة بل طلب من يعينه. ففي هذا دليل على أن من لا يستقل ~~بأمر، ويخاف من نفسه تقصيرا، أن يأخذ من يستعين به عليه، ولا يلحقه في ذلك ~~لوم. # (ولهم على ذنب فأخاف أن يقتلون) الذنب هنا قتل القبطي واسمه فاثور على ما ~~يأتي في " القصص " بيانه، وقد مضى في " طه " ذكره. وخاف موسى أن يقتلوه به، ~~ودل على أن الخوف قد يصحب الأنبياء والفضلاء والأولياء مع معرفتهم بالله ~~وأن لا فاعل إلا هو، إذ قد يسلط من شاء على من شاء. (قال كلا) أي كلا لن ~~يقتلوك. فهو ردع وزجر عن هذا الظن، وأمر بالثقة بالله تعالى، أي ثق بالله ~~وانزجر عن خوفك منهم، فإنهم لا يقدرون على قتلك، # PageV13P092 # ولا ms4579 يقوون عليه. (فاذهبا) أي أنت وأخوك فقد جعلته رسولا معك. (بآياتنا) ~~أي ببراهيننا وبالمعجزات. وقيل آياتنا. (إنا معكم) يريد نفسه سبحانه ~~وتعالى. # (مستمعون) أي سامعون ما يقولون وما يجاوبون. وإنما أراد بذلك تقوية ~~قلبيهما وأنه يعينهما ويحفظهما. والاستماع إنما يكون بالاصغاء، ولا يوصف ~~الباري سبحانه بذلك. # وقد وصف سبحانه نفسه بأنه السميع البصير. وقال في " طه ": " أسمع وأرى " ~~وقال: # " معكم " فأجراهما مجرى الجمع، لان الاثنين جماعة. ويجوز أن يكون لهما ~~ولمن أرسلا إليه. # ويجوز أن يكون لجميع بني إسرائيل. # قوله تعالى: فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العلمين (16) أن أرسل معنا ~~بني إسرائيل (17) قال ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين (18) ~~وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين (19) قال فعلتها إذا وأنا من ~~الضالين (20) ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربى حكما وجعلني من المرسلين ~~(21) وتلك نعمة تمنها على أن عبدت بني إسرائيل (22) قوله تعالى: (فأتيا ~~فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين) قال أبو عبيدة: رسول بمعنى رسالة ~~والتقدير على هذا، إنا ذوو رسالة رب العالمين. قال الهذلي: # ألكني إليها وخير الرسو * ل أعلمهم بنواحي الخبر الكنى إليها معناه ~~أرسلني. وقال آخر (1): # لقد كذب الواشون ما بحت عندهم * بسر ولا أرسلتهم برسول (1) # PageV13P093 # آخر (1): ألا أبلغ بني عمرو رسولا * بأني عن فتاحتكم غني (1) وقال العباس ~~بن مرداس: # ألا من مبلغ عنى خفافا * رسولا بيت أهلك منتهاها يعني رسالة فلذلك أنثها. ~~قال أبو عبيد: ويجوز أن يكون الرسول في معنى الاثنين والجمع، فتقول العرب: ~~هذا رسولي ووكيلي، وهذان رسولي ووكيلي، وهؤلاء رسولي ووكيلي. # ومنه قوله تعالى: (فإنهم عدو لي). وقيل: معناه إن كل واحد منا رسول رب ~~العالمين. # (أن أرسل معنا بني إسرائيل) أي أطلقهم وخل سبيلهم حتى يسيروا معنا إلى ~~فلسطين ولا تستعبدهم، وكان فرعون استعبدهم أربعمائة سنة، وكانوا في ذلك ~~الوقت ستمائة ألف وثلاثين ألفا. فانطلقا إلى فرعون فلم يؤذن لهما سنة في ~~الدخول عليه، فدخل البواب على فرعون فقال: ها هنا إنسان يزعم أنه رسول رب ~~العالمين. ms4580 فقال فرعون: ايذن له لعلنا نضحك منه، فدخلا عليه وأديا الرسالة. ~~وروى وهب وغيره: أنهما لما دخلا على فرعون وجداه وقد أخرج سباعا من أسد ~~ونمور وفهود يتفرج عليها، فخاف سواسها أن تبطش بموسى وهرون، فأسرعوا إليها، ~~وأسرعت السباع إلى موسى وهرون، فأقبلت تلحس أقدامهما، وتبصبص إليهما ~~بأذنابها، وتلصق خدودها بفخذيهما، فعجب فرعون من ذلك فقال: ما أنتما؟ قالا: # " إنا رسول رب العالمين " فعرف موسى لأنه نشأ في بيته، ف‍ (قال ألم نربك ~~فينا وليدا) على جهة المن عليه والاحتقار. أي ربيناك صغيرا ولم نقتلك في ~~جملة من قتلنا (ولبثت فينا من عمرك سنين) فمتى كان هذا الذي تدعيه. ثم قرره ~~بقتل القبطي بقوله: (وفعلت فعلتك التي فعلت) والفعلة بفتح الفاء المرة من ~~الفعل. وقرأ الشعبي: " فعلتك " بكسر الفاء والفتح أولى، لأنها المرة ~~الواحدة، والكسر بمعنى الهيئة والحال، أي فعلتك التي تعرف فكيف تدعي مع ~~علمنا أحوالك بأن الله أرسلك. وقال الشاعر: # كأن مشيتها من بيت جارتها * مر السحابة لا ريث ولا عجل # PageV13P094 # ويقال: كان ذلك أيام الردة والردة. (وأنت من الكافرين) قال الضحاك أي في ~~قتلك القبطي إذ هو نفس لا يحل قتله. وقيل: أي بنعمتي التي كانت لنا عليك من ~~التربية والاحسان إليك، قاله ابن زيد. الحسن: " من الكافرين " في أني إلهك. ~~السدي: # " من الكافرين " بالله لأنك كنت معنا على ديننا هذا الذي تعيبه. وكان بين ~~خروج موسى عليه السلام حين قتل القبطي وبين رجوعه نبيا أحد عشر عاما غير ~~أشهر. ف‍ (قال فعلتها إذا) أي فعلت تلك الفعلة يريد قتل القبطي (وأنا) إذ ~~ذاك (من الضالين) أي من الجاهلين، فنفى عن نفسه الكفر، وأخبر أنه فعل ذلك ~~على الجهل. وكذا قال مجاهد، " من الضالين " من الجاهلين. ابن زيد: من ~~الجاهلين بأن الوكزة تبلغ القتل. وفي مصحف عبد الله " من الجاهلين " ويقال ~~لمن جهل شيئا ضل عنه. وقيل: " وأنا من الضالين " من الناسين، قاله أبو ~~عبيدة. وقيل: " وأنا من الضالين " عن النبوة ولم يأتني عن الله فيه شئ، ms4581 ~~فليس علي فيما فعلته في تلك الحالة توبيخ. وبين بهذا أن التربية فيهم لا ~~تنافي النبوة والحلم على الناس، وأن القتل خطأ أو في وقت لم يكن فيه شرع لا ~~ينافي النبوة. # قوله تعالى: (ففررت منكم لما خفتكم) أي خرجت من بينكم إلى مدين كما في ~~سورة " القصص ": " فخرج منها خائفا يترقب " وذلك حين القتل. (فوهب لي ربى ~~حكما) يعني النبوة، عن السدي وغيره. الزجاج: تعليم التوراة التي فيها حكم ~~الله. وقيل: علما وفهما. # (وجعلني من المرسلين). # قوله تعالى: (وتلك نعمة تمنها على أن عبدت بني إسرائيل) اختلف الناس في ~~معنى هذا الكلام، فقال السدي والطبري والفراء: هذا الكلام من موسى عليه ~~السلام على جهة الاقرار بالنعمة، كأنه يقول: نعم! وتربيتك نعمة علي من حيث ~~عبدت غيري وتركتني، ولكن لا يدفع ذلك رسالتي. وقيل: هو من موسى عليه السلام ~~على جهة الانكار، أي أتمن علي بأن ربيتني وليدا وأنت قد استعبدت بني ~~إسرائيل وقتلتهم؟! أي ليست بنعمة؟ لان الواجب كان ألا تقتلهم ولا تستعبدهم ~~فإنهم قومي، فكيف تذكر إحسانك إلى على PageV13P095 # الخصوص؟! قال معناه قتادة وغيره. وقيل: فيه تقدير استفهام، أي أو تلك ~~نعمة؟ # قاله الأخفش والفراء أيضا وأنكره النحاس وغيره. قال النحاس: وهذا لا يجوز ~~لان ألف الاستفهام تحدث معنى، وحذفها محال إلا أن يكون في الكلام أم، كما ~~قال الشاعر: # * تروح من الحي أم تبتكر * ولا أعلم بين النحويين اختلافا في هذا إلا ~~شيئا قاله الفراء. قال: يجوز ألف الاستفهام في أفعال الشك، وحكي ترى زيدا ~~منطلقا؟ بمعنى أترى. وكان علي بن سليمان يقول في هذا: إنما أخذه من ألفاظ ~~العامة. قال الثعلبي: قال الفراء ومن قال إنها إنكار قال معناه أو تلك ~~نعمة؟ على طريق الاستفهام، كقوله: " هذا ربي " " فهم الخالدون ". # قال الشاعر (1): # رفوني وقالوا يا خويلد لا ترع * فقلت وأنكرت الوجوه هم هم وأنشد الغزنوي ~~شاهدا على ترك الألف قولهم: # لم أنس يوم الرحيل وقفتها * وجفنها من دموعها شرق وقولها والركاب واقفة * ~~تركتني هكذا وتنطلق قلت: ms4582 ففي هذا حذف ألف الاستفهام مع عدم أم خلاف قول ~~النحاس. وقال الضحاك: # إن الكلام خرج مخرج التبكيت والتبكيت يكون، باستفهام وبغير استفهام، ~~والمعنى: لو لم تقتل بني إسرائيل لرباني أبواي، فأي نعمة لك علي! فأنت تمن ~~علي بما لا يجب أن تمن به. # وقيل: معناه كيف تمن بالتربية وقد أهنت قومي؟ ومن أهين قومه ذل. و " أن ~~عبدت " في موضع رفع على البدل من " نعمة " ويجوز أن تكون في موضع نصب ~~بمعنى: لان عبدت بني إسرائيل، أي اتخذتهم عبيدا. يقال: عبدته وأعبدته ~~بمعنى، قال الفراء وأنشد: # علام يعبدني قومي وقد كثرت * فيهم أباعر ما شاءوا وعبدان # PageV13P096 # قوله تعالى: قال فرعون وما رب العلمين (23) قال رب السماوات والأرض وما ~~بينهما أن كنتم موقنين (24) قال لمن حوله ألا تستمعون (25) قال ربكم ورب ~~آبائكم الأولين (26) قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون (27) قال رب ~~المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون (28) قال لئن اتخذت إلها غيري ~~لأجعلنك من المسجونين (29) قال أولو جئتك بشئ مبين (30) قال فأت به أن كنت ~~من الصدقين (31) فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين (32) ونزع يده فإذا هي ~~بيضاء للناظرين (33) قال للملا حوله إن هذا لسحر عليم (34) يريد أن يخرجكم ~~من أرضكم بسحره فماذا تأمرون (35) قالوا أرجه وأخاه وابعث في المدائن حشرين ~~(36) يأتوك بكل سحار عليم (37) فجمع السحرة لميقات يوم معلوم (38) وقيل ~~للناس هل أنتم مجتمعون (39) لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين (40) ~~فلما جاء السحرة قالوا لفرعون أئن لنا لاجرا إن كنا نحن الغالبين (41) قال ~~نعم وإنكم إذا لمن المقربين (42) قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون (43) ~~فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون (44) فالقى موسى ~~عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون (45) فألقى السحرة ساجدين (46) قالوا آمنا برب ~~العلمين (47) رب موسى وهرون (48) قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم ~~الذي PageV13P097 # علمكم السحر فلسوف تعلمون لا قطعن أيديكم وأرجلكم من خلف ولأصلبنكم ~~أجمعين (49) قالوا لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون (50) إنا نطمع أن يغفر لنا ms4583 ~~ربنا خطينا أن كنا أول المؤمنين (51) قوله تعالى: (قال فرعون وما رب ~~العالمين) لما غلب موسى فرعون بالحجة ولم يجد اللعين من تقريره على التربية ~~وغير ذلك حجة رجع إلى معارضة موسى في قوله: رسول رب العالمين، فاستفهمه ~~استفهاما عن مجهول من الأشياء. قال مكي وغيره: كما يستفهم عن الأجناس فلذلك ~~استفهم ب‍ " ما ". قال مكي: وقد ورد له استفهام ب‍ " من " في موضع آخر ~~ويشبه أنها مواطن، فأتى موسى بالصفات الدالة على الله من مخلوقاته التي لا ~~يشاركه فيها مخلوق، وقد سأل فرعون عن الجنس ولا جنس لله تعالى، لان الأجناس ~~محدثة، فعلم موسى جهله فأضرب عن سؤاله وأعلمه بعظيم قدرة الله التي تبين ~~للسامع أنه لا مشاركة لفرعون فيها. فقال فرعون: (ألا تستمعون) على معنى ~~الاغراء والتعجب من سفه المقالة إذ كانت عقيدة القوم أن فرعون ربهم ~~ومعبودهم والفراعنة قبله كذلك. فزاد موسى في البيان بقوله: # (ربكم ورب آبائكم الأولين) فجاء بدليل يفهمونه عنه، لأنهم يعلمون أنه قد ~~كان لهم آباء وأنهم قد فنوا وأنه لا بد لهم من مغير، وأنهم قد كانوا بعد أن ~~لم يكونوا، وأنهم لا بد لهم من مكون. فقال فرعون حينئذ على جهة الاستخفاف: ~~(إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون) أي ليس يجيبني عما أسأل، فأجابه موسى ~~عليه السلام عن هذا بأن قال: # (رب المشرق والمغرب) أي ليس ملكه كملكك، لأنك إنما تملك بلد واحدا لا ~~يجوز أمرك في غيره، ويموت من لا تحب أن يموت، والذي أرسلني يملك المشرق ~~والمغرب (وما بينهم إن كنتم تعقلون). وقيل: علم موسى عليه السلام أن قصده ~~في السؤال معرفة من سأل عنه، فأجاب بما هو الطريق إلى معرفة الرب اليوم. ثم ~~لما انقطع فرعون لعنه الله في باب الحجة رجع إلى الاستعلاء والتغلب فتوعد ~~موسى بالسجن، ولم يقل ما دليلك على أن هذا الاله أرسلك، لان فيه الاعتراف ~~بأن ثم إلها غيره. وفي توعده بالسجن ضعف. وكان فيما يروى PageV13P098 # أنه يفزع منه فزعا شديدا حتى كان ms4584 اللعين لا يمسك بوله. وروي أن سجنه كان ~~أشد من القتل وكان إذا سجن أحدا لم يخرجه من سجنه حتى يموت، فكان مخوفا. ثم ~~لما كان عند موسى عليه السلام من أمر الله تعالى ما لا يرعه توعد فرعون ~~(قال) له على جهة اللطف به والطمع في إيمانه: (أولو جئتك بشئ مبين) فيتضح ~~لك به صدقي، فلما سمع فرعون ذلك طمع في أن يجد أثناءه موضع معارضة (فقال) ~~له (فأت به إن كنت من الصادقين). ولم يحتج الشرط إلى جواب عند سيبويه، لان ~~ما تقدم يكفي منه. (فألقى موسى عصاه) من يده فكان ما أخبر الله من قصته. ~~وقد تقدم بيان ذلك وشرحه في " الأعراف " (1) إلى آخر القصة. وقال السحرة ~~لما توعدهم فرعون بقطع الأيدي والأرجل (لا ضير) أي لا ضرر علينا فيما ~~يلحقنا من عذاب الدنيا، أي إنما عذابك ساعة فنصبر لها وقد لقينا الله ~~مؤمنين. # وهذا يدل على شدة استبصارهم وقوة إيمانهم. قال مالك: دعا موسى عليه ~~السلام فرعون أربعين سنة إلى الاسلام، وأن السحرة آمنوا به في يوم واحد. ~~يقال: لا ضير ولا ضور ولا ضر ولا ضرر ولا ضارورة بمعنى واحد، قال الهروي. ~~وأنشد أبو عبيده (2): # فإنك لا يضورك بعد حول * أظبي كان أمك أم حمار وقال الجوهري: ضاره يضوره ~~ويضيره ضيرا وضورا أي ضره. قال الكسائي: سمعت بعضهم يقول لا ينفعني ذلك ولا ~~يضورني. والتضور الصياح والتلوي عند الضرب أو الجوع. # والضورة بالضم الرجل الحقير الصغير الشأن. (إنا إلى ربنا منقلبون) يريد ~~ننقلب إلى رب كريم رحيم (إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا أول ~~المؤمنين). " أن " في موضع نصب، أي لان كنا. وأجاز الفراء كسرها على أن ~~تكون مجازاة. ومعنى " أول المؤمنين " أي عند ظهور الآية ممن كان في جانب ~~فرعون. الفراء: أول مؤمني زماننا. وأنكره الزجاج وقال: قد روي أنه آمن معه ~~ستمائة ألف وسبعون ألفا، وهم الشرذمة القليلون الذين قال فيهم فرعون: " إن ~~هؤلاء لشرذمة قليلون " روي ذلك عن ابن ms4585 مسعود وغيره. # PageV13P099 # قوله تعالى: وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي إنكم متبعون (52) فأرسل ~~فرعون في المدائن حشرين (53) إن هؤلاء لشرذمة قليلون (54) وإنهم لنا ~~لغائظون (55) وإنا لجميع حذرون (56) فأخرجناهم من جنت وعيون (57) وكنوز ~~ومقام كريم (58) كذلك وأورثناها بني إسرائيل (59) فأتبعوهم مشرقين (60) ~~فلما تراءا الجمعان قال أصحب موسى إنا لمدركون (61) قال كلا إن معي ربى ~~سيهدين (62) فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق ~~كالطود العظيم (63) وأزلفنا ثم الآخرين (64) وأنجينا موسى ومن معه أجمعين ~~(65) ثم أغرقنا الآخرين (66) إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (67) ~~وإن ربك لهو العزيز الرحيم (68) قوله تعالى: (وأوحينا إلى موسى أن أسر ~~بعبادي إنكم متبعون) لما كان من سنته تعالى في عباده إنجاء المؤمنين ~~المصدقين من أوليائه، لمعترفين برسالة رسله وأنبيائه، وإهلاك الكافرين ~~المكذبين لهم من أعدائه، أمر موسى أن يخرج ببني إسرائيل ليلا وسماهم عباده، ~~لأنهم آمنوا بموسى. ومعنى " إنكم متبعون " أي يتبعكم فرعون وقومه ليردوكم. ~~وفي ضمن هذا الكلام تعريفهم أن الله ينجيهم منهم، فخرج موسى عليه السلام ~~ببني إسرائيل سحرا، فترك الطريق إلى الشام على يساره وتوجه نحو البحر، فكان ~~الرجل من بني إسرائيل يقول له في ترك الطريق فيقول: هكذا أمرت. فلما أصبح ~~فرعون وعلم بسرى موسى ببني إسرائيل، خرج في أثرهم، وبعث إلى مدائن مصر ~~لتلحقه العساكر، فروي أنه لحقه ومعه مائة ألف أدهم من الخيل سوى سائر ~~الألوان. وروي أن بني إسرائيل كانوا ستمائة ألف وسبعين ألفا. والله أعلم ~~بصحته. وإنما اللازم من الآية الذي يقطع به أن موسى عليه السلام خرج بجمع ~~عظيم من PageV13P100 # بني إسرائيل وأن فرعون تبعه بأضعاف ذلك. قال ابن عباس: كان مع فرعون ألف ~~جبار كلهم عليه تاج وكلهم أمير خيل. والشرذمة الجمع القليل المحتقر والجمع ~~الشراذم. قال الجوهري: # الشرذمة الطائفة من الناس والقطعة من الشئ. وثوب شراذم أي قطع. وأنشد ~~الثعلبي قول الراجز: # جاء الشتاء وثيابي أخلاق * شراذم يضحك منها النواق النواق من الرجال الذي ~~يروض الأمور ويصلحها، قاله في الصحاح (1). واللام ms4586 في قوله: # " لشرذمة " لام توكيد وكثيرا ما تدخل في خبر إن، إلا أن الكوفيين لا ~~يجيزون إن زيدا لسوف يقوم. والدليل على أنه جائز قوله تعالى: " فلسوف ~~تعلمون " وهذه لام التوكيد بعينها وقد دخلت على سوف، قاله النحاس. (وإنهم ~~لنا لغائظون) أي أعداء لنا لمخالفتهم ديننا وذهابهم بأموالنا التي ~~استعاروها على ما تقدم. وماتت أبكارهم تلك الليلة. وقد مضى هذا في " ~~الأعراف " و " طه " مستوفي. يقال: غاظني كذا وأغاظني. والغيظ الغضب ومنه ~~التغيظ والاغتياظ. أي غاظونا بخروجهم من غير إذن. (وإنا لجميع حذرون) أي ~~مجتمع أخذنا حذرنا وأسلحتنا. وقرئ " حاذرون " ومعناه معنى " حذرون " أي ~~فرقون خائفون. قال الجوهري: وقرئ " وإنا لجميع حاذرون " و " حذرون " و " ~~حذرون " بضم الذال حكاه الأخفش، ومعنى " حاذرون " متأهبون، ومعنى " حذرون " ~~خائفون. # قال النحاس: " حذرون " قراءة المدنيين وأبي عمرو، وقراءة أهل الكوفة: " ~~حاذرون " وهي معروفة عن عبد الله بن مسعود وابن عباس، و " حادرون " بالدال ~~غير المعجمة قراءة أبي عباد وحكاها المهدوي عن ابن أبي عمار، والماوردي ~~والثعلبي عن سميط بن عجلان. # قال النحاس: أبو عبيدة يذهب إلى أن معنى " حذرون " " وحاذرون " واحد. وهو ~~قول سيبويه وأجاز: هو حذر زيدا، كما يقال: حاذر زيدا، وأنشد: # حذر أمورا لا تضير وآمن * ما ليس منجيه من الاقدار # PageV13P101 # وزعم أبو عمر الجرمي أنه يجوز هو حذر زيدا على حذف من. فأما أكثر ~~النحويين فيفرقون بين حذر وحاذر، منهم الكسائي والفراء ومحمد بن يزيد، ~~فيذهبون إلى أن معنى حذر في خلقته الحذر، أي متيقظ متنبه، فإذا كان هكذا لم ~~يتعد، ومعنى حاذر مستعد وبهذا جاء التفسير عن المتقدمين. قال عبد الله بن ~~مسعود في قول الله عز وجل: " وإنا لجميع حاذرون " قال: مؤدون في السلاح و ~~الكراع مقوون، فهذا ذاك بعينه. وقوله: مؤدون معهم أداة. وقد قيل: إن ~~المعنى: معنا سلاح وليس معهم سلاح يحرضهم على القتال، فأما " حادرون " ~~بالدال المهملة فمشتق من قولهم عين حدرة أي ممتلئة، أي نحن ممتلئون غيظا ~~عليهم، ومنه قول الشاعر (1): # وعين لها حدرة بدرة ms4587 * شقت مآقيهما من أخر وحكى أهل اللغة أنه يقال: رجل ~~حادر إذا كان ممتلئ اللحم، فيجوز أن يكون المعنى الامتلاء من السلاح. ~~المهدوي: الحادر القوي الشديد. قوله تعالى: (فأخرجناهم من جنات وعيون) يعني ~~من أرض مصر. وعن عبد الله بن عمرو قال: كانت الجنات بحافتي النيل في ~~الشقتين جميعا من أسوان إلى رشيد، وبين الجنات زروع. والنيل سبعة خلجان: ~~خليج الإسكندرية، وخليج سخا، وخليج دمياط، وخليج سردوس، وخليج منف، وخليج ~~الفيوم، وخليج المنهى (2) متصلة لا ينقطع منها شئ عن شئ، و الزروع ما بين ~~الخلجان كلها. وكانت أرض مصر كلها تروى من ستة عشر ذراعا بما دبروا وقدروا ~~من قناطرها وجسورها وخلجانها، ولذلك سمي النيل إذا غلق ستة عشر ذراعا نيل ~~السلطان، ويخلع على ابن أبي الرداد (3)، وهذه الحال مستمرة إلى الآن. وإنما ~~قيل نيل السلطان لأنه حينئذ يجب الخراج على الناس. وكانت أرض مصر جميعها ~~تروى # PageV13P102 # من إصبع واحدة من سبعة عشر ذراعا، وكانت إذا غلق النيل سبعة عشر ذراعا ~~ونودي عليه إصبع واحد من ثمانية عشر ذراعا، ازداد في خراجها ألف ألف دينار. ~~فإذا خرج. عن ذلك ونودي عليه إصبعا واحدا من تسعة عشر ذراعا نقص خراجها ألف ~~ألف دينار. وسبب هذا ما كان ينصرف في المصالح والخلجان والجسور والاهتمام ~~بعمارتها. فأما الآن فإن أكثرها لا يروى حتى ينادى إصبع من تسعة عشر ذراعا ~~بمقياس مصر. وأما أعمال الصعيد الاعلى، فإن بها ما لا يتكامل ريه إلا بعد ~~دخول الماء في الذراع الثاني والعشرين بالصعيد الاعلى. # قلت: أما أرض مصر فلا تروى جميعها الآن إلا من عشرين ذراعا وأصابع، لعلو ~~الأرض وعدم الاهتمام بعمارة جسورها، وهو من عجائب الدنيا، وذلك أنه يزيد ~~إذا انصبت المياه في جميع الأرض حتى يسيح على جميع أرض مصر، وتبقى البلاد ~~كالاعلام لا يوصل إليها إلا بالمراكب والقياسات. وروى عن عبد الله بن عمرو ~~بن العاص أنه قال: نيل مصر سيد الأنهار، سخر الله له كل نهر بين المشرق ~~والمغرب، وذلل الله له ms4588 الأنهار، فإذا أراد الله أن يجرى نيل مصر أمر كل نهر ~~أن يمده، فأمدته الأنهار بمائها، وفجر الله له عيونا، فإذا انتهى إلى ما ~~أراد الله عز وجل، أوحى الله تبارك وتعالى إلى كل ماء أن يرجع إلى عنصره. ~~وقال قيس بن الحجاج: لما افتتحت مصر أتى أهلها إلى عمرو بن العاص حين دخل ~~بئونة من أشهر القبط فقالوا له: أيها الأمير إن لنيلنا هذا سنة لا يجرى إلا ~~بها، فقال لهم: وما ذاك؟ # فقالوا: إذا كان لاثنتي عشرة ليلة تخلو من هذا الشهر عمدنا إلى جارية بكر ~~بين أبويها، أرضينا أبويها، وحملنا عليها من الحلي والثياب أفضل ما يكون، ~~ثم ألقيناها في هذا النيل، فقال لهم عمرو: هذا لا يكون في الاسلام، وإن ~~الاسلام ليهدم ما قبله. فأقاموا أبيب ومسرى لا يجرى قليل ولا كثير، وهموا ~~بالجلاء. فلما رأى ذلك عمرو بن العاص كتب إلى عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنهما، فأعلمه بالقصة، فكتب إليه عمر بن الخطاب: إنك قد أصبت بالذي فعلت، ~~وأن الاسلام يهدم ما قبله ولا يكون هذا. وبعث إليه ببطاقة في داخل كتابه. ~~وكتب إلى عمرو: إني قد بعثت إليك ببطاقة داخل كتابي، فألقها في النيل ~~PageV13P103 # إذا أتاك كتابي. فلما قدم كتاب عمر إلى عمرو بن العاص أخذ البطاقة ففتحها ~~فإذا فيها: من عبد الله أمير المؤمنين عمر إلى نيل مصر - أما بعد - فإن كنت ~~إنما تجرى من قبلك فلا تجر وإن كان الله الواحد القهار هو الذي يجريك فنسأل ~~الله الواحد القهار أن يجريك. # قال: فألقى البطاقة في النيل قبل الصليب بيوم وقد تهيأ أهل مصر للجلاء ~~والخروج منها، لأنه لا تقوم مصلحتهم فيها إلا بالنيل. فلما ألقى البطاقة في ~~النيل، أصبحوا يوم الصليب وقد أجراه الله في ليلة واحدة ستة عشر ذراعا، ~~وقطع الله تلك السيرة عن أهل مصر من تلك السنة. قال كعب الأحبار: أربعة ~~أنهار من الجنة وضعها الله في الدنيا سيحان و جيحان والنيل والفرات، فسيحان ~~نهر الماء في الجنة، ms4589 وجيحان نهر اللبن في الجنة، والنيل نهر العسل في ~~الجنة، والفرات نهر الخمر في الجنة. وقال ابن لهيعة: الدجلة نهر اللبن في ~~الجنة. # قلت: الذي في الصحيح من هذا حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " سيحان وجيحان والنيل والفرات كل من أنهار الجنة " لفظ مسلم وفى حديث ~~الاسراء من حديث أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة رجل من قومه قال: " وحدث نبي ~~الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى أربعة أنهار يخرج من أصلها نهران ظاهران ~~ونهران باطنان فقلت يا جبريل ما هذه الأنهار قال أما النهران الباطنان ~~فنهران في الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات " لفظ مسلم. وقال البخاري من ~~طريق شريك عن أنس " فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين يطردان (1) فقال ما ~~هذان النهران يا جبريل قال هذا النيل والفرات عنصرهما ثم مضى في السماء ~~فإذا هو بنهر آخر عليه قصر من اللؤلؤ والزبرجد فضرب بيده فإذا هو مسك أذفر ~~فقال ما هذا يا جبريل فقال هذا هو الكوثر الذي خبأ لك ربك. " وذكر الحديث. ~~والجمهور على أن المراد بالعيون عيون الماء. وقال سعيد بن جبير: المراد ~~عيون الذهب. وفي الدخان " كم تركوا من جنات وعيون وزروع ". قيل: إنهم كانوا ~~يزرعون ما بين الجبلين من أول مصر إلى آخرها. وليس في الدخان " وكنوز " جمع ~~كنز، وقد مضى هذا # PageV13P104 # في سورة " براءة " (1). والمراد بها ها هنا الخزائن. وقيل: الدفائن. وقال ~~الضحاك: الأنهار، وفيه نظر، لان العيون تشملها. (ومقام كريم) قال ابن عمر ~~ابن عباس ومجاهد: المقام الكريم المنابر، وكانت ألف منبر لألف جبار يعظمون ~~عليها فرعون وملكه. وقيل: مجالس الرؤساء والامراء، حكاه ابن عيسى وهو قريب ~~من الأول. وقال سعيد بن جبير: المساكن الحسان. وقال ابن لهيعة: سمعت أن ~~المقام الكريم الفيوم. وقيل: كان يوسف عليه السلام قد كتب على مجلس من ~~مجالسه (لا إله إلا الله إبراهيم خليل الله) فسماها الله كريمة بهذا. # وقيل: مرابط الخيل لتفرد الزعماء بارتباطها عدة وزينة، فصار مقامها ms4590 أكرم ~~منزل بهذا، ذكره الماوردي. والأظهر أنها المساكن الحسان كانت تكرم عليهم. ~~والمقام في اللغة يكون الموضع ويكون مصدرا. قال النحاس: المقام في اللغة ~~الموضع، من قولك قام يقوم، وكذا المقامات واحدها مقامة، كما قال (2): # وفيهم مقامات حسان وجوههم * وأندية ينتابها القول والفعل والمقام أيضا ~~المصدر من قام يقوم. والمقام (بالضم) الموضع من أقام. والمصدر أيضا من أقام ~~يقيم. # قوله تعالى: (كذلك وأورثناها بني إسرائيل) يريد أن جميع ما ذكره الله ~~تعالى من الجنات والعيون والكنوز والمقام الكريم أورثه الله بني إسرائيل. ~~قال الحسن وغيره: # رجع بنو إسرائيل إلى مصر بعد هلاك فرعون وقومه وقيل: أراد بالوراثة هنا ~~ما استعاروه من حلي آل فرعون بأمر الله تعالى. # قلت: وكلا الامرين حصل لهم. والحمد لله. (فأتبعوهم مشرقين) أي فتبع فرعون ~~وقومه بني إسرائيل. قال السدى: حين أشرقت الشمس بالشعاع. وقال قتادة: حين ~~أشرقت الأرض بالضياء. قال الزجاج: يقال شرقت الشمس إذا طلعت، وأشرقت إذا ~~أضاءت. واختلف في تأخر فرعون وقومه عن موسى وبنى إسرائيل على قولين: أحدهما ~~- # PageV13P105 # لاشتغالهم بدفن أبكارهم في تلك الليلة، لان الوباء في تلك الليلة وقع ~~فيهم، فقوله: # " مشرقين " حال لقوم فرعون. الثاني - إن سحابة أظلتهم وظلمة فقالوا: نحن ~~بعد في الليل فما تقشعت عنهم حتى أصبحوا. وقال أبو عبيدة: معنى " فأتبعوهم ~~مشرقين " ناحية المشرق. وقرأ الحسن وعمرو بن ميمون: " فاتبعوهم مشرقين " ~~بالتشديد وألف الوصل، أي نحو المشرق، مأخوذ من قولهم: شرق وغرب إذا سار نحو ~~المشرق والمغرب. ومعنى الكلام قدرنا أن يرثها بنو إسرائيل فاتبع قوم فرعون ~~بني إسرائيل مشرقين فهلكوا، وورث بنو إسرائيل بلادهم. # قوله تعالى: (فلما تراءى الجمعان) أي تقابلا (1) الجمعان بحيث يرى كل ~~فريق صاحبه، وهو تفاعل من الرؤية. (قال أصحاب موسى إنا لمدركون) أي قرب منا ~~العدو ولا طاقة لنا به. وقراءة الجماعة: " لمدركون " بالتخفيف من أدرك. ~~ومنه " حتى إذا أدركه الغرق ". # وقرأ عبيد بن عمير والأعرج والزهري " لمدركون " بتشديد الدال (2) من ~~أدرك. قال الفراء: # حفر واحتقر بمعنى واحد، وكذلك " لمدركون " و " لمدركون ms4591 " بمعنى واحد. ~~النحاس: # وليس كذلك يقول النحويون الحذاق، إنما يقولون: مدركون ملحقون، ومدركون ~~مجتهد في لحاقهم، كما يقال: كسبت بمعنى أصبت وظفرت، واكتسبت بمعنى اجتهدت ~~وطلبت وهذا معنى قول سيبويه. # قوله تعالى: (قال كلا إن معي ربى سيهدين) لما لحق فرعون بجمعه جمع موسى ~~وقرب منهم، ورأت بنو إسرائيل العدو القوى والبحر أمامهم ساءت ظنونهم، ~~وقالوا لموسى على جهة التوبيخ والجفاء: " إنا لمدركون " فرد عليهم قولهم ~~وزجرهم وذكرهم وعد الله سبحانه له بالهداية والظفر " كلا " أي لم يدركوكم " ~~إن معي ربى " أي بالنصر على العدو. # " سيهدين " أي سيدلني على طريق النجاة، فلما عظم البلاء على بني إسرائيل، ~~ورأوا من الجيوش ما لا طاقة لهم بها، أمر الله تعالى موسى أن يضرب البحر ~~بعصاه، وذلك أنه # PageV13P106 # عز وجل أراد أن تكون الآية متصلة بموسى ومتعلقة بفعل يفعله، وإلا فضرب ~~العصا ليس بفارق للبحر، ولا معين على ذلك بذاته إلا بما اقترن به من قدرة ~~الله تعالى واختراعه. # وقد مضى في " البقرة " (1) قصة هذا البحر. ولما انفلق صار فيه اثنا عشر ~~طريقا على عدد أسباط بني إسرائيل، ووقف الماء بينها كالطود العظيم، أي ~~الجبل العظيم. والطود الجبل، ومنه قول امرئ القيس: # فبينا المرء في الاحياء طود * رماه الناس عن كثب فمالا وقال الأسود بن ~~يعفر: # حلوا بأنقرة يسيل عليهم * ماء الفرات يجئ من أطواد جمع طود أي جبل. فصار ~~لموسى وأصحابه طريقا في البحر يبسا، فلما خرج أصحاب موسى وتكامل آخر أصحاب ~~فرعون، على ما تقدم في " يونس " (2) انصب عليهم وغرق فرعون، فقال بعض أصحاب ~~موسى: ما غرق فرعون، فنبذ على ساحل البحر حتى نظروا إليه. وروى ابن القاسم ~~عن مالك قال: خرج مع موسى عليه السلام رجلان من التجار إلى البحر فلما أتوا ~~إليه قالا له بم أمرك الله؟ قال: أمرت أن أضرب البحر بعصاي هذه فينفلق، ~~فقالا له: # افعل ما أمرك الله فلن يخلفك، ثم ألقيا أنفسهما في البحر تصديقا له، فما ~~زال كذلك البحر حتى دخل فرعون ومن معه، ms4592 ثم ارتد كما كان. وقد مضى هذا ~~المعنى في سورة " البقرة ". # قوله تعالى: (وأزلفنا ثم الآخرين) أي قربناهم إلى البحر، يعنى فرعون ~~وقومه. قاله ابن عباس وغيره، قال الشاعر: # وكل يوم مضى أو ليلة سلفت * فيها النفوس إلى الآجال تزدلف أبو عبيدة: " ~~أزلفنا " جمعنا ومنه قيل لليلة المزدلفة ليلة جمع. وقرأ أبو عبد الله بن ~~الحرث وأبى بن كعب وابن عباس: " وأزلفنا " بالقاف على معنى أهلكناهم، من ~~قوله: أزلقت الناقة وأزلقت الفرس فهي مزلق إذا أزلقت ولدها. (وأنجينا موسى ~~ومن معه أجمعين. # ثم أغرقنا الآخرين) يعنى فرعون وقومه. (إن في ذلك لآية) أي علامة على ~~قدرة الله تعالى. # PageV13P107 # (وما كان أكثرهم مؤمنين) لأنه لم يؤمن من قوم فرعون إلا مؤمن آل فرعون ~~واسمه حزقيل وابنته آسية امرأة فرعون، ومريم بنت ذا موسى العجوز التي دلت ~~على قبر يوسف الصديق عليه السلام. وذلك أن موسى عليه السلام لما خرج ببني ~~إسرائيل من مصر أظلم عليهم القمر فقال لقومه: ما هذا؟ فقال علماؤهم: إن ~~يوسف عليه السلام لما حضره الموت أخذ علينا موثقا من الله ألا نخرج من مصر ~~حتى ننقل عظامه معنا. # قال موسى: فأيكم يدري قبره؟ قال: ما يعلمه إلا عجوز لبني إسرائيل، فأرسل ~~إليها، فقال: دليني على قبر يوسف، قالت: لا والله لا أفعل حتى تعطيني حكمي، ~~قال: وما حكمك؟ # قالت: حكمي أن أكون معك في الجنة، فثقل عليه، فقيل له: أعطها حكمها، ~~فدلتهم عليه، فاحتفروه واستخرجوا عظامه، فلما أقلوها، فإذا الطريق مثل ضوء ~~النهار في رواية: # فأوحى الله إليه أن أعطها ففعل، فأتت بهم إلى بحيرة، فقالت لهم: انضبوا ~~هذا الماء فانضبوه واستخرجوا عظام يوسف عليه السلام، فتبينت لهم الطريق مثل ~~ضوء النهار. # وقد مضى في " يوسف " (1). وروى أبو بردة عن أبي موسى أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم نزل بأعرابي فأكرمه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~حاجتك " قال: ناقة أرحلها وأعنزا أحبلها، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " فلم عجزت أن تكون مثل ms4593 عجوز بني إسرائيل " فقال أصحابه: وما عجوز ~~بني إسرائيل؟ فذكر لهم حال هذه العجوز التي احتكمت على موسى أن تكون معه في ~~الجنة. # قوله تعالى: واتل عليهم نبأ إبراهيم (69) إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون ~~(70) قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين (71) قال هل يسمعونكم إذ تدعون ~~(72) أو ينفعونكم أو يضرون (73) قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون (74) ~~قال أفرءيتم ما كنتم تعبدون (75) أنتم وآباؤكم الأقدمون (76) فإنهم عدو لي ~~إلا رب العلمين (77) # PageV13P108 # قوله تعالى: (واتل عليهم نبأ إبراهيم) نبه المشركين على فرط جهلهم إذ ~~رغبوا عن اعتقاد إبراهيم ودينه وهو أبوهم. والنبأ الخبر، أي أقصص عليهم يا ~~محمد خبره وحديثه وعيبه على قومه ما يعبدون. وإنما قال ذلك ملزما لهم ~~الحجة. والجمهور من القراء على تخفيف الهمزة الثانية وهو أحسن الوجوه، ~~لأنهم قد أجمعوا على تخفيف الثانية من كلمة واحدة نحو آدم. وإن شئت حققتهما ~~فقلت: " نبأ إبراهيم ". وإن شئت خففتهما فقلت: # " نبأ إبراهيم ". وإن شئت خففت الأولى. وثم وجه خامس إلا أنه بعيد في ~~العربية وهو أن يدغم الهمزة في الهمزة كما يقال رااس للذي يبيع الرؤوس. ~~وإنما بعد لأنك تجمع بين همزتين كأنهما في كلمة واحدة، وحسن في فعال لأنه ~~لا يأتي إلا مدغما. (إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون) أي أي شئ تعبدوا (قالوا ~~نعبد أصناما) وكانت أصنامهم من ذهب وفضة ونحاس وحديد وخشب. (فنظل لها ~~عاكفين) أي فنقيم على عبادتها. وليس المراد وقتا معينا بل هو إخبار عما هم ~~فيه. وقيل: كانوا يعبدونها بالنهار دون الليل، وكانوا في الليل يعبدون ~~الكواكب. فيقال: ظل يفعل كذا إذا فعله نهارا وبات يفعل كذا إذا فعله ليلا. ~~(قال هل يسمعونكم) قال الأخفش: فيه حذف، والمعنى: هل يسمعون منكم؟ أو هل ~~يسمعون دعاءكم، قال الشاعر (1): # القائد الخيل منكوبا دوابرها * قد أحكمت حكمات القد والابقا قال: والأبق ~~الكتان فحذف. والمعنى، وأحكمت حكمات الآبق. وفي الصحاح: والأبق بالتحريك ~~القنب. وروى عن قتادة أنه قرأ: " هل يسمعونكم " بضم الياء، أي أهل يسمعونكم ~~أصواتهم (إذ تدعون. ms4594 أو ينفعونكم أو يضرون) أي هل تنفعكم هذه الأصنام ~~وترزقكم، أو تملك لكم خيرا أو ضرا إن عصيتم؟! وهذا استفهام لتقرير الحجة، ~~فإذا لم ينفعوكم ولم يضروا فما معنى عبادتكم لها. (قالوا بل وجدنا آباءنا ~~كذلك يفعلون) فنزعوا إلى التقليد # PageV13P109 # من غير حجة ولا دليل. وقد مضى القول فيه. (قال) إبراهيم (أفرأيتم ما كنتم ~~تعبدون) من هذه الأصنام (أنتم وآباؤكم الأقدمون) الأولون (فإنهم عدو لي) ~~واحد يؤدى عن جماعة، وكذلك يقال للمرأة هي عدو الله وعدوة الله، حكاهما ~~الفراء. قال على بن سليمان: # من قال عدوة الله وأثبت الهاء قال هي بمعنى معادية، ومن قال عدو للمؤنث ~~والجمع جعله بمعنى النسب. ووصف الجماد بالعداوة بمعنى أنهم عدو لي إن ~~عبدتهم يوم القيامة، كما قال: # " كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا ". وقال الفراء: هو من ~~المقلوب، مجازه: # فإني عدو لهم لان من عاديته عاداك. ثم قال: (إلا رب العالمين) قال ~~الكلبي: أي إلا من عبد رب العالمين، إلا عابد رب العالمين، فحذف المضاف. ~~قال أبو إسحاق الزجاج: قال النحويون هو استثناء ليس من الأول، وأجاز أبو ~~إسحاق أن يكون من الأول على أنهم كانوا يعبدون الله عز وجل ويعبدون معه ~~الأصنام، فأعلمهم أنه تبرأ مما يعبدون إلا الله. وتأوله الفراء على الأصنام ~~وحدها والمعنى عنده: فإنهم لو عبدتهم عدو لي يوم القيامة، على ما ذكرنا. # وقال الجرجاني: تقديره: أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون ~~إلا رب العالمين فإنهم عدو لي. وإلا بمعنى دون وسوى، كقوله: " لا يذوقون ~~فيها الموت إلا الموتة الأولى " أي دون الموتة الأولى. # قوله تعالى: الذي خلقني فهو يهدين (78) والذي هو يطعمني ويسقين (79) وإذا ~~مرضت فهو يشفين (80) والذي يميتني ثم يحيين (81) والذي أطمع أن يغفر لي ~~خطيئتي يوم الدين (82) قوله تعالى: (الذي خلقني فهو يهدين) أي يرشدني إلى ~~الدين. (والذي هو يطعمني ويسقين) أي يرزقني. ودخول " هو " تنبيه على أن ~~غيره لا يطعم ولا يسقى، كما تقول: زيد هو الذي فعل كذا، أي لم يفعله غيره. ~~(وإذا ms4595 مرضت فهو يشفين) قال: # " مرضت " رعاية للأدب وإلا فالمرض والشفاء من الله عز وجل جميعا. ونظيره ~~قول PageV13P110 # فتى موسى: " وما أنسانيه إلا الشيطان ". (والذي يميتني ثم يحيين) يريد ~~البعث وكانوا ينسبون الموت إلى الأسباب، فبين أن الله هو الذي يميت ويحيى. ~~وكله بغير ياء: " يهدين " " يشفين " لان الحذف في رؤوس الآي حسن لتتفق ~~كلها. وقرأ ابن أبي إسحاق على جلالته ومحله من العربية هذه كلها بالياء، ~~لان الياء اسم وإنما دخلت النون لعلة. فإن قيل: فهذه صفة تجميع الخلق فكيف ~~جعلها إبراهيم دليلا على هدايته ولم يهتد بها غيره؟ قيل: إنما ذكرها ~~احتجاجا على وجوب الطاعة، لان من أنعم وجب أن يطاع ولا يعصى ليلتزم غيره من ~~الطاعة ما قد التزمها، وهذا إلزام صحيح. # قلت: وتجوز بعض أهل الإشارات في غوامض المعاني فعدل عن ظاهر ما ذكرناه ~~إلى ما تدفعه بدائه العقول من أنه ليس المراد من إبراهيم. فقال: " والذي هو ~~يطعمني ويسقين " أي يطعمني لذة الايمان ويسقين حلاوة القبول. ولهم في قوله: ~~" وإذا مرضت فهو يشفين " وجهان: أحدهما - إذا مرضت بمخالفته شفاني برحمته. ~~الثاني - إذا مرضت بمقاساة الخلق، شفاني بمشاهدة الحق. وقال جعفر بن محمد ~~الصادق: إذا مرضت بالذنوب شفاني بالتوبة. وتأولوا قوله: " والذي يميتني ثم ~~يحيين " على ثلاثة أوجه: فالذي يميتني بالمعاصي يحييني بالطاعات. الثاني: ~~يميتني بالخوف يحييني بالرجاء. الثالث: يميتني، بالطمع ويحييني بالقناعة. # وقول رابع: يميتني بالعدل ويحييني بالفضل. وقول خامس: يميتني بالفراق ~~ويحييني بالتلاق. # وقول سادس: يميتني بالجهل ويحييني بالعقل، إلى غير ذلك مما ليس بشئ منه ~~مراد من الآية، فإن هذه التأويلات الغامضة، والأمور الباطنة، إنما تكون لمن ~~حذق وعرف الحق، وأما من كان في عمى عن الحق ولا يعرف الحق فكيف ترمز له ~~الأمور الباطنة، وتترك الأمور الظاهرة؟ هذا محال. والله أعلم. # قوله تعالى: (والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين) " أطمع " أي أرجو. # وقيل: هو بمعنى اليقين في حقه، وبمعنى الرجاء في حق المؤمنين سواه. وقرأ ~~الحسن وابن أبي إسحاق: " خطاياي " وقال: ms4596 ليست خطيئة واحدة. قال النحاس: ~~خطيئة بمعنى PageV13P111 # خطايا معروف في كلام العرب، وقد أجمعوا على التوحيد في قوله عز وجل " ~~فاعترفوا بذنبهم " ومعناه بذنوبهم. وكذا " وأقيموا الصلاة " معناه الصلوات، ~~وكذا " خطيئتي " إن كانت خطايا. والله أعلم. قال مجاهد: يعنى بخطيئته قوله: ~~" بل فعله كبيرهم هذا " وقوله: " إني سقيم " وقوله: إن سارة أخته. زاد ~~الحسن وقوله للكوكب: " هذا ربى " وقد مضى بيان هذا مستوفى. وقال الزجاج: ~~الأنبياء بشر فيجوز أن تقع منهم الخطيئة، نعم لا تجوز عليهم الكبائر لأنهم ~~معصومون عنها. (يوم الدين) يوم الجزاء حيث يجازى العباد بأعمالهم. وهذا من ~~إبراهيم إظهار للعبودية وإن كان يعلم أنه مغفور له. وفي صحيح مسلم عن ~~عائشة، قلت يا رسول الله: ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم ~~المسكين، فهل ذلك نافعه؟ قال: " لا ينفعه إنه لم يقل يوما " رب اغفر لي ~~خطيئتي يوم الدين ". # قوله تعالى: رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين (83) واجعل لي لسان صدق في ~~الآخرين (84) واجعلني من ورثة جنة النعيم (85) واغفر لأبي إنه كان من ~~الضالين (86) ولا تخزني يوم يبعثون (87) يوم لا ينفع مال ولا بنون (88) إلا ~~من أتى الله بقلب سليم (89) قوله تعالى: (رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين) ~~" حكما " معرفة بك وبحدودك وأحكامك، قاله ابن عباس. وقال مقاتل: فهما وعلما ~~وهو راجع إلى الأول. وقال الكلبي: نبوة رسالة إلى الخلق. " وألحقني ~~بالصالحين " أي بالنبيين من قبلي في الدرجة. # وقال ابن عباس: بأهل الجنة، وهو تأكيد قوله: " هب لي حكما ". # قوله تعالى: (واجعل لي لسان صدق في الآخرين) قال ابن عباس: هو اجتماع ~~الأمم عليه. وقال مجاهد: هو الثناء الحسن. قال ابن عطية: هو الثناء وخلد ~~المكانة بإجماع المفسرين، وكذلك أجاب الله دعوته، وكل أمة تتمسك به وتعظمه، ~~وهو على الحنيفية التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم. وقال مكي: وقيل ~~معناه سؤاله أن يكون من ذريته في آخر الزمان PageV13P112 # من يقوم بالحق، فأجيبت الدعوة في محمد صلى الله عليه وسلم، قال ابن عطية: ~~وهذا معنى ms4597 حسن إلا أن لفظ الآية لا يعطيه إلا بتحكم على اللفظ. وقال ~~القشيري: أراد الدعاء الحسن إلى قيام الساعة، فإن زيادة الثواب مطلوبة في ~~حق كل أحد. # قلت: وقد فعل الله ذلك إذ ليس أحد يصلى على النبي صلى الله عليه وسلم إلا ~~وهو يصلى على إبراهيم وخاصة في الصلوات، وعلى المنابر التي هي أفضل الحالات ~~وأفضل الدرجات. # والصلاة دعاء بالرحمة. والمراد باللسان القول، وأصله جارحة الكلام. قال ~~القتبي: وموضع اللسان موضع القول على الاستعارة، وقد تكنى العرب بها عن ~~الكلمة. قال الأعشى: # إني أتتني لسان لا أسر بها * من علو لا عجب منها ولا سخر قال الجوهري: ~~يروى من علو بضم الواو وفتحها وكسرها. أي أتاني خبر من أعلى، والتأنيث ~~للكلمة. وكان قد أتاه خبر مقتل أخيه المنتشر. روى أشهب عن مالك قال قال ~~الله عز وجل: " واجعل لي لسان صدق في الآخرين " لا بأس أن يحب الرجل أن ~~يثنى عليه صالحا ويرى في عمل الصالحين، إذا قصد به وجه الله تعالى، وقد قال ~~الله تعالى: # " وألقيت عليك محبة منى " وقال: " إن الذين آمنوا و عملوا الصالحات سيجعل ~~لهم الرحمن ودا " أي حبا في قلوب عباده وثناء حسنا، فنبه تعالى بقوله: " ~~واجعل لي لسان صدق في الآخرين " على استحباب اكتساب ما يورث الذكر الجميل. # الليث بن سليمان: إذ هي الحياة الثانية. قيل: # * قد مات قوم وهم في الناس أحياء قال ابن العربي: قال المحققون من شيوخ. ~~الزهد في هذا دليل على الترغيب في العمل الصالح الذي يكسب الثناء الحسن، ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث " ~~[الحديث] وفي رواية إنه كذلك في الغرس والزرع وكذلك فيمن مات مرابطا يكتب ~~له عمله إلى يوم القيامة. وقد بيناه في آخر " آل عمران " (1) والحمد لله. # PageV13P113 # قوله تعالى: (واجعلني من ورثة جنة النعيم) دعاء بالجنة وبمن يرثها، وهو ~~يرد قول بعضهم: لا أسأل جنة ولا نارا. # قوله تعالى: (واغفر لأبي إنه كان من الضالين) كان ms4598 أبوه وعده في الظاهر أن ~~يؤمن به فاستغفر له لهذا، فلما بان أنه لا يفي بما قال تبرأ منه. وقد تقدم ~~هذا المعنى. # " إنه كان من المشركين " أي المشركين. " وكان " زائدة. (ولا تخزني يوم ~~يبعثون) أي لا تفضحني على رؤوس الاشهاد، أو لا تعذبني يوم القيامة. وفي ~~البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن إبراهيم يرى ~~أباه يوم القيامة عليه الغبرة والقترة " والغبرة هي القترة. وعنه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: " يلقى إبراهيم أباه فيقول يا رب إنك وعدتني إلا ~~تخزيني يوم يبعثون فيقول الله تعالى إني حرمت الجنة على الكافرين " انفرد ~~بهما البخاري رحمه الله. # قوله تعالى: (يوم لا ينفع مال ولا بنون) " يوم " بدل من " يوم " الأول. # أي يوم لا ينفع مال ولا بنون أحدا. والمراد بقوله: " ولا بنون " الأعوان، ~~لان الابن إذا لم ينفع فغيره متى ينفع؟ وقيل: ذكر البنين لأنه جرى ذكر والد ~~إبراهيم، أي لم ينفعه إبراهيم. # " إلا من أتى الله بقلب سليم " هو استثناء من الكافرين، أي لا ينفعه ماله ~~ولا بنوه. وقيل: # هو استثناء من غير الجنس، أي لكن " من أتى الله بقلب سليم " ينفعه لسلامة ~~قلبه. وخص القلب بالذكر، لأنه الذي إذا سلم سلمت الجوارح، وإذا فسد فسدت ~~سائر الجوارح. وقد تقدم في أول " البقرة " (1). واختلف في القلب السليم ~~فقيل: من الشك والشرك، فأما الذنوب فليس يسلم منها أحد، قاله قتادة وابن ~~زيد وأكثر المفسرين. وقال سعيد بن المسيب: # القلب السليم الصحيح هو قلب المؤمن، لان قلب الكافر والمنافق مريض، قال ~~الله تعالى: # " في قلوبهم مرض " وقال أبو عثمان السياري: هو القلب الخالي عن البدعة ~~المطمئن إلى السنة. # وقال الحسن: سليم من آفة المال والبنين. وقال الجنيد: السليم في اللغة ~~اللديغ، فمعناه أنه قلب كاللديغ من خوف الله. وقال الضحاك: السليم الخالص. # PageV13P114 # قلت: وهذا القول يجمع شتات الأقوال بعمومه وهو حسن، أي الخالص من الأوصاف ~~الذميمة، والمتصف بالأوصاف الجميلة، والله أعلم. وقد روى عن عروة ms4599 أنه قال: ~~يا بنى لا تكونوا لعانين فإن إبراهيم لم يلعن شيئا قط، قال الله تعالى: " ~~إذ جاء ربه بقلب سليم ". # وقال محمد بن سيرين: القلب السليم أن يعلم أن الله حق، وأن الساعة قائمة، ~~وأن الله يبعث من في القبور. وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير " يريد - والله أعلم - أنها ~~مثلها في أنها خالية من ذنب، سليمة من كل عيب، لا خبرة لهم بأمور الدنيا، ~~كما روى أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أكثر أهل ~~الجنة البله " وهو حديث صحيح. # أي البله عن معاصي الله. قال الأزهري: الأبله هنا هو الذي طبع على الخير ~~وهو غافل عن الشر لا يعرفه. وقال القتبي: البله هم الذين غلبت عليهم سلامة ~~الصدور وحسن الظن بالناس. # قوله تعالى: وأزلفت الجنة للمتقين (90) وبرزت الجحيم للغاوين (91) وقيل ~~لهم أين ما كنتم تعبدون (92) من دون الله هل ينصرونكم أو ينتصرون (93) ~~فكبكبوا فيها هم والغاون (94) وجنود إبليس أجمعون (95) قالوا وهم فيها ~~يختصمون (96) تالله إن كنا لفي ضلل مبين (97) إذ نسويكم برب العلمين (98) ~~وما أضلنا ألا المجرمون (99) فما لنا من شافعين (100) ولا صديق حميم (101) ~~فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين (102) إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم ~~مؤمنين (103) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (104) قوله تعالى: (وأزلفت الجنة ~~للمتقين) أي قربت وأدنيت ليدخلوها. وقال الزجاج: # قرب دخولهم إياها. (وبرزت) أي أظهرت (الجحيم) يعني جهنم. (للغاوين) ~~PageV13P115 # أي الكافرين الذين ضلوا عن الهدى. أي تظهر جهنم لأهلها قبل أن يدخلوها ~~حتى يستشعروا الروع والحزن، كما يستشعر أهل الجنة الفرح لعلمهم أنهم يدخلون ~~الجنة. (وقيل لهم أينما كنتم تعبدون من ودن الله) من الأصنام والأنداد (هل ~~ينصرونكم) من عذاب الله (أو ينتصرون) لأنفسهم. وهذا كله توبيخ. (فكبكبوا ~~فيها) أي قلبوا على رؤوسهم. وقيل: دهوروا وألقى بعضهم على بعض. وقيل: ~~جمعوا. مأخوذ من الكبكبة وهي الجماعة، قاله الهروي. وقال النحاس هو مشتق ms4600 من ~~كوكب الشئ أي معظمه. والجماعة من الخيل كوكب وكبكبة. # وقال ابن عباس: جمعوا فطرحوا في النار. وقال مجاهد: دهوروا. وقال مقاتل: ~~قذفوا. # والمعنى واحد. تقول: دهورت الشئ إذا جمعته ثم قذفته في مهواة. يقال: هو ~~يدهور اللقم إذا كبرها. ويقال: في الدعاء كب الله عدو المسلمين ولا يقال ~~أكبه. وكبكبه، أي كبه وقلبه. ومنه قوله تعالى: " فكبكبوا فيها " والأصل ~~كببوا فأبدل من الباء الوسطى كاف استثقالا لاجتماع الباءات. قال السدى: ~~الضمير في " كبكبوا " لمشركي العرب (والغاوون) الآلهة. (وجنود إبليس) من ~~كان من ذريته. وقيل: كل من دعاه إلى عبادة الأصنام فاتبعه. وقال قتادة ~~والكلبي ومقاتل: " الغاوون " هم الشياطين. وقيل: # إنما تلقى الأصنام في النار وهي حديد ونحاس ليعذب بها غيرهم. (قالوا وهم ~~فيها يختصمون) يعنى الانس والشياطين والغاوين والمعبودين اختصموا حينئذ. ~~(تالله) حلفوا بالله (إن كنا لفي ضلال مبين) أي في خسار وتبار وحيرة عن ~~الحق بينة إذا اتخذنا مع الله آلهة فعبدناها كما يعبد، وهذا معنى قوله: (إذ ~~نسويكم برب العالمين) أي في العبادة وأنتم لا تستطيعون الآن نصرنا ولا نصر ~~أنفسكم. (وما أضلنا إلا المجرمون) يعنى الشياطين الذين زينوا لنا عباده ~~الأصنام. وقيل: أسلافنا الذين قلدناهم. قال أبو العالية وعكرمة: " المجرمون ~~" إبليس وابن آدم القاتل هما أول من سن الكفر والقتل وأنواع المعاصي. (فما ~~لنا من شافعين) أي شفعاء يشفعون لنا من الملائكة والنبيين والمؤمنين. (ولا ~~صديق حميم) أي صديق مشفق، وكان على رضي الله عنه يقول: عليكم بالإخوان ~~فإنهم عدة الدنيا وعدة الآخرة، PageV13P116 # ألا تسمع إلى قول أهل النار: " فما لنا من شافعين ولا صديق حميم " ~~الزمخشري: وجمع الشافع لكثرة الشافعين ووحد الصديق لقلته، ألا ترى أن الرجل ~~إذا امتحن بإرهاق ظالم مضت جماعة وافرة من أهل بلده لشفاعته، رحمة له وحسبة ~~وإن لم تسبق له بأكثرهم معرفة، وأما الصديق فهو الصادق في ودادك الذي يهمه ~~ما يهمك فأعز من بيض الأنوق، وعن بعض الحكماء أنه سئل عن الصديق فقال: اسم ~~لا معنى له. ويجوز أن ms4601 يريد بالصديق الجمع. # والحميم القريب والخاص، ومنه حامة الرجل أي أقرباؤه. وأصل هذا من الحميم ~~وهو الماء الحار، ومنه الحمام والحمى، فحامة الرجل الذين يحرقهم ما أحرقه، ~~يقال: هم حزانته أي يحزنهم ما يحزنه. ويقال: حم الشئ وأحم إذا قرب، ومنه ~~الحمى، لأنها تقرب من الاجل. وقال على بن عيسى: إنما سمى القريب حميما، ~~لأنه يحمى لغضب صاحبه، فجعله مأخوذا من الحمية. # وقال قتادة: يذهب الله عز وجل يوم القيامة مودة الصديق ورقة الحميم. ~~ويجوز: " ولا صديق حميم " بالرفع على موضع " من شافعين "، لان " من شافعين ~~" في موضع رفع. وجمع صديق أصدقاء وصدقاء وصداق. ولا يقال صدق للفرق بين ~~النعت وغيره. وحكى الكوفيون: # أنه يقال في جمعه صدقان. النحاس: وهذا بعيد، لان هذا جمع ما ليس بنعت نحو ~~رغيف ورغفان. وحكموا أيضا صديق وأصادق. وأفاعل إنما هو جمع أفعل إذا لم يكن ~~نعتا نحو أشجع وأشاجع. ويقال: صديق للواحد والجماعة وللمرأة، قال الشاعر ~~(1): # نصبن الهوى ثم ارتمين قلوبنا * بأعين أعداء وهن صديق ويقال: فلان صديقي ~~أي أخص أصدقائي، وإنما يصغر على جهة المدح، كقول حباب ابن المنذر: (أنا ~~جذيلها (2) المحكك، وعذيقها المرجب) ذكره الجوهري. النحاس: وجمع حميم أحماء ~~وأحمة وكرهوا أفعلاء للتضعيف. (فلو أن لنا كرة) " أن " في موضع رفع، المعنى ~~ولو وقع لنا رجوع إلى الدنيا لآمنا حتى يكون لنا شفعاء. تمنوا حين لا ~~ينفعهم التمني. # PageV13P117 # وإنما قالوا ذلك حين شفع الملائكة والمؤمنون. قال جابر بن عبد الله قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " إن الرجل ليقول في الجنة ما فعل فلان وصديقه ~~في الجحيم فلا يزال يشفع له حتى يشفعه الله فيه فإذا نجا قال المشركون: " ~~ما لنا من شافعين ولا صديق حميم " ". وقال الحسن: ما أجتمع ملا على ذكر ~~الله، فيهم عبد من أهل الجنة إلا شفعه الله فيهم، وإن أهل الايمان ليشفع ~~بعضهم في بعض وهم عند الله شافعون مشفعون. وقال كعب: إن الرجلين كانا ~~صديقين في الدنيا، فيمر أحدهما بصاحبه وهو يجر إلى النار، فيقول ms4602 له أخوه: ~~والله ما بقى لي إلا حسنة واحدة أنجو بها، خذها أنت يا أخي فتنجو بها مما ~~أرى، وأبقى أنا وإياك من أصحاب الأعراف. قال: فيأمر الله بهما جميعا ~~فيدخلان الجنة. (إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين. وإن ربك لهو العزيز ~~الرحيم) تقدم والحمد لله. # قوله تعالى: كذبت قوم نوح المرسلين (105) إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون ~~(106) إني لكم رسول أمين (107) فاتقوا الله وأطيعون (108) وما أسئلكم عليه ~~من أجر إن أجرى إلا على رب العلمين (109) فاتقوا الله وأطيعون (110) قالوا ~~أنؤمن لك واتبعك الأرذلون (111) قال وما علمي بما كانوا يعملون (112) إن ~~حسابهم إلا على ربى لو تشعرون (113) وما أنا بطارد المؤمنين (114) إن أنا ~~إلا نذير مبين (115) قالوا لئن لم تنته ينوح لتكونن من المرجومين (116) قال ~~رب إن قومي كاذبون (117) فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من المؤمنين ~~(118) فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون (119) ثم أغرقنا بعد الباقين ~~(120) إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (121) وإن ربك لهو العزيز ~~الرحيم (122) PageV13P118 # قوله تعالى: (كذبت قوم نوح المرسلين) قال " كذبت " والقوم مذكر، لان ~~المعنى كذبت جماعة قوم نوح، وقال: " المرسلين " لان من كذب رسولا فقد كذب ~~الرسل، لان كل رسول يأمر بتصديق جميع الرسل. وقيل: كذبوا نوحا في النبوة ~~وفيما أخبرهم به من مجئ المرسلين بعده. وقيل: ذكر الجنس والمراد نوح عليه ~~السلام. وقد مضى هذا في " الفرقان " (1). # (إذ قال لهم أخوهم نوح) أي ابن أبيهم وهي أخوة نسب لا أخوة دين. وقيل: هي ~~أخوة المجانسة. قال الله تعالى: " وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه " وقد ~~مضى هذا في " الأعراف " (2). وقيل: هو من قول العرب يا أخا بنى تميم. ~~يريدون يا واحدا منهم. # الزمخشري: ومنه بيت الحماسة: # لا يسألون أخاهم حين يندبهم * في النائبات على ما قال برهانا (ألا تتقون) ~~أي ألا تتقون الله في عبادة الأصنام. (إني لكم رسول أمين) أي صادق فيما ~~أبلغكم عن الله تعالى. وقيل: " أمين " فيما بينكم، فإنهم كانوا عرفوا ~~أمانته وصدقه ms4603 من قبل كمحمد صلى الله عليه وسلم في قريش. (فاتقوا الله) أي ~~فاستتروا بطاعة الله تعالى من عقابه. (وأطيعون) فيما آمركم به من الايمان. ~~(وما أسئلكم عليه من أجر) أي لا طمع لي في مالكم. (إن أجرى) أي ما جزائي ~~(إلا على رب العالمين). (فاتقوا الله وأطيعون) كرر تأكيدا. # قوله تعالى: (قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون) فيه مسئلتان: # الأولى - قوله تعالى: " قالوا أنؤمن لك " أي نصدق قولك. " وأتبعك ~~الأرذلون " الواو للحال وفيه إضمار قد، أي وقد أتبعك. " الأرذلون " جمع ~~الأرذل، المكسر الأراذل والأنثى الرذلى والجمع الرذل. قال النحاس: ولا يجوز ~~حذف الألف واللام في شئ من هذا عند أحد من النحويين علمناه. وقرأ ابن مسعود ~~والضحاك ويعقوب الحضرمي وغيرهم، # PageV13P119 # " وأتباعك الأرذلون ". النحاس: وهي قراءة حسنة، وهذه الواو أكثرها تتبعها ~~الأسماء والافعال بقد. وأتباع جمع تبع وتبيع يكون للواحد والجمع. قال ~~الشاعر: # له تبع قد يعلم الناس أنه * على من يدانى صيف وربيع ارتفاع " أتباعك " ~~يجوز أن يكون بالابتداء و " الأرذلون " الخبر، التقدير أنؤمن لك وإنما ~~أتباعك الأرذلون. ويجوز أن يكون معطوفا على الضمير في قوله: " أنؤمن لك " ~~والتقدير: أنؤمن لك نحن وأتباعك الأرذلون فنعد منهم، وحسن ذلك الفصل بقوله: ~~" لك " وقد مضى القول في الأراذل في سورة " هو د " (1) مستوفى. ونزيده هنا ~~بيانا وهي المسألة: # الثانية - فقيل: إن الذين آمنوا به بنوه ونساؤه وكناته وبنو بنيه. وأختلف ~~هل كان معهم غيرهم أم لا. وعلى أي الوجهين كان فالكل صالحون، وقد قال نوح: ~~" ونجني ومن معي من المؤمنين " والذين معه هم الذين أتبعوه، ولا يلحقهم من ~~قول الكفرة شين ولا ذم بل الأرذلون هم المكذبون لهم. قال السهيلي: وقد أغرى ~~كثير من العوام بمقالة رويت في تفسير هذه الآية: هم الحاكة والحجامون. ولو ~~كانوا حاكة كما زعموا لكان إيمانهم بنبي الله واتباعهم له مشرفا كما تشرف ~~بلال وسلمان بسبقهما للاسلام، فهما من وجوه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~ومن أكابرهم، فلا ذرية نوح كانوا حاكة ولا حجامين، ولا قول الكفرة ms4604 في ~~الحاكة والحجامين إن كانوا آمنوا بهم أرذلون ما يلحق اليوم بحاكتنا ذما ولا ~~نقصا، لان هذه حكاية عن قول الكفرة إلا أن يجعل الكفرة حجة ومقالتهم أصلا، ~~وهذا جهل عظيم وقد أعلم الله تعالى أن الصناعات ليست بضائرة في الدين. # قوله تعالى: (قال وما علمي بما كانوا يعملون) " كان " زائدة، والمعنى: ~~وما علمي بما يعملون، أي لم أكلف العلم بأعمالهم إنما كلفت أن أدعوهم إلى ~~الايمان، والاعتبار بالايمان لا بالحرف والصنائع، وكأنهم قالوا: إنما اتبعك ~~هؤلاء الضعفاء طمعا في العزة والمال. فقال: إني لم أقف على باطن أمرهم ~~وإنما إلى ظاهرهم. وقيل: المعنى إني # PageV13P120 # لم أعلم أن الله يهديهم ويضلكم ويرشدهم ويغويكم ويوفقهم ويخذلكم. (إن ~~حسابهم) أي في أعمالهم وإيمانهم (إلا على ربى لو تشعرون) وجواب " لو " ~~محذوف، أي لو شعرتم أن حسابهم على ربهم لما عبتموهم بصنائعهم. وقراءة ~~العامة: " تشعرون " بالتاء على المخاطبة للكفار وهو الظاهر وقرأ ابن أبي ~~عبلة ومحمد بن السميقع: " لو يشعرون " بالياء كأنه خبر عن الكفار وترك ~~الخطاب لهم، نحو قوله: " حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم ". وروى أن رجلا ~~سأل سفيان عن امرأة زنت وقتلت ولدها وهي مسلمة هل يقطع لها بالنار؟ فقال: # " إن حسابهم إلا على ربى لو تشعرون ". (وما أنا بطارد المؤمنين) أي ~~لخساسة أحوالهم وأشغالهم. وكأنهم طلبوا منه طرد الضعفاء كما طلبته قريش. ~~(إن أنا إلا نذير مبين) يعنى: إن الله ما أرسلني أخص ذوي الغنى دون ~~الفقراء، إنما أنا رسول أبلغكم ما أرسلت به، فمن أطاعني فذلك السعيد عند ~~الله وإن كان فقيرا. # قوله تعالى: (قالوا لئن لم تنته يا نوح) أي عن سب آلهتنا وعيب ديننا ~~(لتكونن من المجرمين) أي بالحجارة، قاله قتادة. وقال ابن عباس ومقاتل: من ~~المقتولين. قال الثمالي: كل مرجومين في القرآن فهو القتل إلا في مريم: " ~~لئن لم تنته لأرجمنك " أي لأسبنك. وقيل: " من المرجومين " من المشتومين، ~~قاله السدى. ومنه قول، أبى دؤاد (1). # (قال رب إن قومي كاذبون فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ms4605 ومن معي من ~~المؤمنين) قال ذلك لما يئس من إيمانهم. والفتح الحكم وقد تقدم. (فأنجيناه ~~ومن معه في الفلك المشحون) يريد السفينة وقد مضى ذكرها. والمشحون المملوء، ~~والشحن ملء السفينة بالناس والدواب وغيرهم. ولم يؤنث الفلك ها هنا، لان ~~الفلك ها هنا واحد لا جمع. (ثم أغرقنا بعد الباقين) أي بعد إنجائنا نوحا ~~ومن آمن. (إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين. وإن ربك لهو العزيز ~~الرحيم). # PageV13P121 # قوله تعالى: كذبت عاد المرسلين (123) إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون ~~(124) إني لكم رسول أمين (125) فاتقوا الله وأطيعون (126) وما أسئلكم عليه ~~من اجر إن اجرى إلا على رب العلمين (127) أتبنون بكل ريع آية تعبثون (128) ~~وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون (129) وإذا بطشتم بطشتم جبارين (130) فاتقوا ~~الله وأطيعون (131) واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون (132) أمدكم بأنعم وبنين ~~(133) وجنت وعيون (134) إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم (135) قالوا سواء ~~علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين (136) إن هذا إلا خلق الأولين (137) وما ~~نحن بمعذبين (138) فكذبوه فأهلكناهم إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين ~~(139) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (140) قوله تعالى: (كذبت عاد المرسلين) ~~التأنيث بمعنى القبيلة والجماعة. وتكذيبهم المرسلين كما تقدم. (إذ قال لهم ~~أخوهم هود ألا تتقون. إني لكم رسول أمين. فاتقوا الله وأطيعون. # وما أسألكم عليه من أجر إن اجرى إلا على رب العالمين) بين المعنى وقد ~~تقدم. # قوله تعالى: (أتبنون بكل ريع آية تعبثون) الريع ما ارتفع من الأرض في قول ~~ابن عباس وغيره، جمع ريعة. وكم ريع أرضك أي كم ارتفاعها. وقال قتادة: الريع ~~الطريق. # وهو قول الضحاك والكلبي ومقاتل والسدي. وقال ابن عباس أيضا. ومنه قول ~~المسيب ابن علس: # في الآل يخفضها ويرفعها * ريع يلوح كأنه سحل PageV13P122 # شبه الطريق بثوب أبيض. النحاس: ومعروف في اللغة أن يقال لما أرتفع من ~~الأرض ريع وللطريق ريع. قال الشاعر (1): # طراق الخوافي مشرق فوق ريعة * ندى ليله في ريشه يترقرق وقال عمارة: الريع ~~الجبل الواحد ريعة والجمع رياع. وقال مجاهد: هو الفج بين الجبلين. # وعنه: ms4606 الثنية الصغيرة. وعنه: المنظرة. وقال عكرمة ومقاتل: كانوا يهتدون ~~بالنجوم إذا سافروا، فبنوا على الطريق أمثالا طوالا ليهتدوا بها: يدل عليه ~~قوله " آية " أي علامة. # وعن مجاهد: الريع بنيان الحمام دليله " تعبثون " أي تلعبون، أي تبنون بكل ~~مكان مرتفع آية. علما تلعبون بها على معنى أبنية الحمام وبروجها. وقيل: ~~تعبثون بمن يمر في الطريق. # أي تبنون بكل موضع مرتفع لتشرفوا على السابلة فتسخروا منهم. وقال الكلبي: ~~إنه عبث العشارين بأموال من يمر بهم، ذكره الماوردي. وقال ابن الأعرابي: ~~الربع الصومعة، والريع البرج من الحمام يكون في الصحراء. والريع التل ~~العالي. وفى الريع لغتان: كسر الراء وفتحها وجمعها أرياع، ذكره الثعلبي. # قوله تعالى: (وتتخذون مصانع) أي منازل، قاله الكلبي. وقيل: حصونا مشيدة، ~~قال ابن عباس ومجاهد. ومنه قول الشاعر: # تركنا ديارهم منهم قفارا * وهدمنا المصانع والبروجا وقيل: قصورا مشيدة، ~~وقاله مجاهد أيضا. وعنه: بروج الحمام، وقاله السدى. # قلت: وفيه بعد عن مجاهد، لأنه تقدم عنه في الريع أنه بنيان الحمام فيكون ~~تكرارا في الكلام. وقال قتادة: مآجل للماء تحت الأرض. وكذا قال الزجاج: ~~إنها مصانع الماء، واحدتها مصنعة ومصنع. ومنه قول لبيد: # بلينا وما تبلى النجوم الطوالع * وتبقى الجبال بعدنا والمصانع # PageV13P123 # الجوهري: المصنعة كالحوض يجتمع فيها ماء المطر، وكذلك المصنعة بضم النون. ~~والمصانع الحصون. وقال أبو عبيدة: يقال لكل بناء مصنعة. حكاه المهدوي. وقال ~~عبد الرزاق: # المصانع عندنا بلغة اليمن القصور العادية. (لعلكم تخلدون) أي كي تخلدوا. ~~وقيل: لعل استفهام بمعنى التوبيخ أي فهل " تخلدون " كقولك: لعلك تشتمني أي ~~هل تشتمني. روى معناه عن ابن زيد. وقال الفراء: كيما تخلدون لا تتفكرون في ~~الموت. وقال ابن عباس وقتادة: # كأنكم خالدون باقون فيها. وفي بعض القراءات " كأنكم تخلدون " (1) ذكره ~~النحاس. وحكى قتادة: أنها كانت في بعض القراءات " كأنكم خالدون ". # قوله تعالى: (وإذا بطشتم بطشتم جبارين) البطش السطوة والاخذ بالعنف. # وقد بطش به يبطش ويبطش بطشا. وباطشه مباطشة. وقال ابن عباس ومجاهد: # البطش العسف قتلا بالسيف وضربا بالسوط. ومعنى ذلك فعلتم ذلك ظلما. ms4607 وقال ~~مجاهد أيضا: هو ضرب بالسياط، ورواه مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر فيما ~~ذكر ابن العربي. # وقيل: هو القتل بالسيف في غير حق. حكاه يحيى بن سلام. وقال الكلبي ~~والحسن: # هو القتل على الغصب من غير تثبت. وكله يرجع إلى قول ابن عباس. وقيل: إنه ~~المؤاخذة على العمد والخطأ من غير عفو ولا إبقاء. قال ابن العربي: ويؤيد ما ~~قال مالك قول الله تعالى عن موسى: " فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو ~~لهما قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس إن تريد إلا أن ~~تكون جبارا في الأرض " وذلك أن موسى عليه السلام لم يسل عليه سيفا ولا طعنه ~~برمح، وإنما وكزه وكانت منيته في وكزته. والبطش يكون باليد وأقله الوكز ~~والدفع، ويليه السوط والعصا، ويليه الحديد، والكل مذموم إلا بحق. والآية ~~نزلت خبرا عمن تقدم من الأمم، ووعظا من الله عز وجل لنا في مجانبة ذلك ~~الفعل الذي ذمهم به وأنكره عليهم. # قلت: وهذه الأوصاف المذمومة قد صارت في كثير من هذه الأمة، لا سيما ~~بالديار المصرية منذ وليتها البحرية، فيبطشون (2) بالناس بالسوط والعصا في ~~غير حق. وقد أخبر صلى # PageV13P124 # الله عليه وسلم أن ذلك يكون. كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " صنفان من أهل النار لم أرهما قوم معهم سياط ~~كأذناب البقر يضربون بها الناس ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رؤوسهن ~~كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من ~~مسيرة كذا وكذا ". وخرج أبو داود من حديث ابن عمر قال سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: " إذا تبايعتم بالعينة (1) وأخذتم أذناب البقر ورضيتم ~~بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم ". ~~" جبارين " قتالين. والجبار القتال في غير حق. وكذلك قوله تعالى: " إن تريد ~~إلا أن تكون جبارا في الأرض " قاله الهروي. وقيل: لجبار المتسلط العاتي، ~~ومنه قوله تعالى: " وما ms4608 أنت عليهم بجبار " أي بمسلط. وقال الشاعر: # سلبنا من الجبار بالسيف ملكه * عشيا وأطراف الرماح شوارع قوله تعالى: ~~(فاتقوا الله وأطيعون) تقدم. (واتقوا الذي أمدكم بما تعملون) أي من ~~الخيرات، ثم فسرها بقوله: " أمدكم بأنعام وبنين. وجنات وعيون " أي سخر ذلك ~~لكم وتفضل بها عليكم، فهو الذي يجب أن يعبد ويشكر ولا يكفر. (إني أخاف ~~عليكم عذاب يوم عظيم) إن كفرتم به وأصررتم على ذلك. (قالوا سواء علينا ~~أوعظت أم لم تكن من الواعظين) كل ذلك عندنا سواء لا نسمع منك ولا نلوى على ~~ما تقوله. وروى العباس عن أبي عمرو وبشر عن الكسائي: " أوعظت " مدغمة الظاء ~~في التاء وهو بعيد، لان الظاء حرف إطباق إنما يدغم فيما قرب منه جدا وكان ~~مثله ومخرجه. (إن هذا إلا خلق الأولين) أي دينهم، عن ابن عباس وغيره. وقال ~~الفراء: عادة الأولين. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي: " خلق الأولين ". ~~الباقون " خلق ". قال الهروي: وقوله عز وجل: " إن هذا إلا خلق الأولين " أي ~~اختلافهم وكذبهم، ومن قرأ: " خلق الأولين " فمعناه عادتهم، والعرب تقول: ~~حدثنا فلان بأحاديث الخلق أي بالخرافات والأحاديث المفتعلة. وقال ابن ~~الأعرابي: # PageV13P125 # الخلق الدين والخلق الطيع والخلق المروءة. قال النحاس: " خلق الأولين " ~~عند الفراء يعنى عادة الأولين. وحكى لنا محمد بن الوليد عن محمد بن يزيد ~~قال: " خلق الأولين " مذهبهم وما جرى عليه أمرهم، قال أبو جعفر: والقولان ~~متقاربان، ومنه الحديث عن النبي صلى الله عليه (أكمل المؤمنين إيمانا ~~أحسنهم خلقا " أي أحسنهم مذهبا وعادة وما يجري عليه الامر في طاعة الله عز ~~وجل، ولا يجوز أن يكون من كان حسن الخلق فاجرا فاضلا، ولا أن يكون أكمل ~~إيمانا من السيئ الخلق الذي ليس بفاجر. قال أبو جعفر: حكى لنا عن محمد بن ~~يزيد أن معنى " خلق الأولين " تكذيبهم وتخرصهم غير أنه كان يميل إلى ~~القراءة الأولى، لان فيها مدح آبائهم، وأكثر ما جاء القرآن في صفتهم مدحهم ~~لآبائهم، وقولهم: # " إنا وجدنا آباءنا على أمة ". وعن أبي قلابة: أنه قرأ: " خلق ms4609 " بضم ~~الخاء وإسكان اللام تخفيف " خلق ". ورواها ابن جبير عن أصحاب نافع عن نافع. ~~وقد قيل: إن معنى " خلق الأولين " دين الأولين. ومنه قوله تعالى: " فليغيرن ~~خلق الله " أي دين الله. و " خلق الأولين " عادة الأولين: حياة ثم موت ولا ~~بعث. وقيل: ما هذا الذي أنكرت علينا من البنيان والبطش إلا عادة من قبلنا ~~فنحن نقتدي بهم (وما نحن بمعذبين) على ما نفعل. # وقيل: المعنى خلق أجسام الأولين، أي ما خلقنا إلا كخلق الأولين الذين ~~خلقوا قبلنا وماتوا، ولم ينزل بهم شئ مما تحذرنا به من العذاب. (فكذبوه ~~فأهلكناهم) أي بريح صرصر عاتية على ما يأتي في " الحاقة ". (إن في ذلك لآية ~~وما كان أكثرهم مؤمنين) قال بعضهم: أسلم معه ثلاثمائة ألف ومئون وهلك ~~باقيهم. (وإن ربك لهو العزيز الرحيم). # قوله تعالى: كذبت ثمود المرسلين (141) إذ قال لهم أخوهم صلح ألا تتقون ~~(142) إني لكم رسول أمين (143) فاتقوا الله وأطيعون (144) وما أسئلكم عليه ~~من أجر إن أجرى إلا على رب العلمين (145) أتتركون في ما ها هنا آمنين (146) ~~في جنت وعيون (147) وزروع ونخل PageV13P126 # طلعها هضيم (148) وتنحتون من الجبال بيوتا فرهين (149) فاتقوا الله ~~وأطيعون (150) ولا تطيعوا أمر المسرفين (151) الذين يفسدون في الأرض ولا ~~يصلحون (152) قالوا إنما أنت من المسحرين (153) ما أنت إلا بشر مثلنا فأت ~~بأية إن كنت من الصادقين (154) قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم ~~(155) ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم (156) فعقروها فأصبحوا نادمين ~~(157) فأخذهم العذاب إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (158) وإن ربك ~~لهو العزيز الرحيم (159) قوله تعالى: (كذبت ثمود المرسلين) ذكر قصة صالح ~~وقومه وهم ثمود، وكانوا يسكنون الحجر كما تقدم في " الحجر " (1) وهي ذوات ~~نخل وزروع ومياه. (أتتركون فيما هاهنا آمنين) يعنى في الدنيا آمنين من ~~الموت والعذاب. قال ابن عباس: كانوا معمرين لا يبقى البنيان مع أعمارهم. ~~ودل على هذا قوله: " واستعمركم فيها " فقرعهم صالح ووبخهم وقال: # أتظنون أنكم باقون في الدنيا بلا موت (في جنات وعيون. وزروع ونخل طلعها ~~هضيم). # الزمخشري: ms4610 فإن قلت لم قال: " ونخل " بعد قوله: و " جنات " والجنات تتناول ~~النخل أول شئ كما يتناول النعم الإبل كذلك من بين الأزواج حتى إنهم ليذكرون ~~الجنة ولا يقصدون إلا النخل، كما يذكرون النعم ولا يريدون إلا الإبل قال ~~زهير: # كأن عيني في غربي مقتلة * من النواضح تسقى جنة سحقا يعنى النخل، والنخلة ~~السحوق البعيدة الطول. # قلت: فيه وجهان، أحدهما - أن يخص النخل بإفراده بعد دخوله في جملة سائر ~~الشجر تنبيها على انفراده عنها بفضله عنها. والثاني - أن يريد بالجنات ~~غيرها من الشجر، لان اللفظ # PageV13P127 # يصلح لذلك ثم يعطف عليها النخل. والطلعة هي التي تطلع من النخلة كنصل ~~السيف، في جوفه شماريخ القنو، والقنو اسم للخارج من الجذع كما هو بعرجونه ~~وشماريخه. و " هضيم " قال ابن عباس: لطيف ما دام في كفراه. والهضيم اللطيف ~~الدقيق، ومنه قول امرئ القيس: # * على هضيم الكشح ريا المخلخل (1) * الجوهري: ويقال للطلع هضيم ما لم ~~يخرج من كفراه، لدخول بعضه في بعض. والهضيم من النساء اللطيفة الكشحين. ~~ونحوه حكى الهروي، قال: هو المنضم في وعائه قبل أن يظهر، ومنه رجل هضيم ~~الجنبين أي منضمهما، هذا قول أهل اللغة. وحكى الماوردي وغيره في ذلك أثني ~~عشر قولا: أحدها: أنه الرطب اللين، قال عكرمة. الثاني - هو المذنب من ~~الرطب، قاله سعيد بن جبير. قال النحاس: وروى أبو إسحاق عن يزيد - هو ابن ~~أبي زياد كوفي ويزيد بن أبي مريم شامي - " ونخل طلعها هضيم " قال: منه ما ~~قد أرطب ومنه مذنب. # الثالث - أنه الذي ليس فيه نوى، قاله الحسن. الرابع - أنه المتهشم ~~المتفتت إذا مس تفتت، قاله مجاهد. وقال أبو العالية: يتهشم في الفم. الخامس ~~- هو الذي قد ضمر بركوب بعضه بعضا، قاله الضحاك ومقاتل. السادس - أنه ~~المتلاصق بعضه ببعض، قاله أبو صخر. # السابع - أنه الطلع حين يتفرق ويخضر، قاله الضحاك أيضا. الثامن - أنه ~~اليانع النضيج، قاله ابن عباس. التاسع - أنه المكتنز قبل أن ينشق عنه ~~القشر، حكاه ابن شجرة، قال: # كأن حمولة تجلي عليه * هضيم ما يحس له ms4611 شقوق العاشر - أنه الرخو، قال ~~الحسن. الحادي عشر - أنه الرخص اللطيف أول ما يخرج وهو الطلع النضيد، قاله ~~الهروي. الثاني عشر - أنه البرني (2)، قاله ابن الأعرابي، فعيل بمعنى فاعل ~~أي هنئ مرئ من انهضام الطعام. والطلع اسم مشتق من الطلوع وهو الظهور، ومنه ~~طلوع الشمس و القمر والنبات. # PageV13P128 # قوله تعالى: " وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين " النحت النجر والبري، ~~نحته ينحته (بالكسر) نحتا إذا براه والنحاتة البراية. المنحت ما ينحت به. ~~وفي " والصافات " قال: # " أتعبدون ما تنحتون ". وكانوا ينحتونها من الجبال لما طالت أعمارهم ~~وتهدم بناؤهم من المدر. # وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع: " فرهين " بغير ألف. الباقون: " فارهين " ~~بألف وهما بمعنى واحد في قول أبي عبيدة وغيره، مثل: " عظاما نخرة " و " ~~ناخرة ". وحكاه قطرب. وحكى فره يفره فهو فاره وفره يفره فهو فره وفاره إذا ~~كان نشيطا. وهو نصب على الحال. وفرق بينهما قوم فقالوا: " فارهين " حاذقين ~~بنحتها، قاله أبو عبيدة، وروي عن ابن عباس وأبي صالح وغيرهما. وقال عبد ~~الله بن شداد: " فارهين " متجبرين. وروي عن ابن عباس أيضا أن معنى " فرهين ~~" بغير ألف أشرين بطرين، وقاله مجاهد. وروى عنه شرهين. الضحاك: # كيسين. قتادة: معجبين، قاله الكلبي، وعنه: ناعمين. وعنه أيضا آمنين، وهو ~~قول الحسن. # وقيل: متخيرين، قاله الكلبي والسدي. ومنه قول الشاعر: # إلى فره يماجد كل أمر * قصدت له لاختبر الطباعا وقيل: متعجبين، قاله ~~خصيف. وقال ابن زيد: أقوياء. وقيل: فرهين فرحين، قاله الأخفش. والعرب تعاقب ~~بين الهاء والحاء، تقول: مدهته ومدحته، فالفره الأشر الفرح ثم الفرح بمعنى ~~المرح مذموم، قال الله تعالى: " ولا تمش في الأرض مرحا " وقال: " إن الله ~~لا يحب الفرحين ". " فاتقوا الله وأطيعون ولا تطيعوا أمر المسرفين " قيل: ~~المراد الذين عقروا الناقة. وقيل: التسعة الرهط الذين يفسدون في الأرض ولا ~~يصلحون. قال السدي وغيره: # أوحى الله تعالى إلى صالح: إن قومك سيعقرون ناقتك، فقال لهم ذلك، فقالوا: ~~ما كنا لنفعل. # فقال لهم صالح: إنه سيولد في شهركم هذا غلام يعقرها ويكون هلاككم على ~~يديه، ms4612 فقالوا: # لا يولد في هذا الشهر ذكر إلا قتلناه. فولد لتسعة منهم في ذلك الشهر ~~فذبحوا أبناءهم، ثم ولد للعاشر فأبى أن يذبح ابنه وكان لم يولد له قبل ذلك. ~~وكان ابن العاشر أزرق أحمر فنبت نباتا سريعا، وكان إذا مر بالتسعة فرأوه ~~قالوا: لو كان أبناؤنا أحياء لكانوا مثل هذا. وغضب PageV13P129 # التسعة على صالح، لأنه كان سبب قتلهم أبناءهم فتعصبوا وتقاسموا بالله ~~لنبيتنه وأهله. قالوا: # نخرج إلى سفر فترى الناس سفرنا فنكون في غار، حتى إذا كان الليل وخرج ~~صالح إلى مسجده أتيناه فقتلناه، ثم قلنا ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون، ~~فيصدقوننا ويعلمون أنا قد خرجنا إلى سفر. وكان صالح لا ينام معهم في ~~[القرية وكان (1) يأوي إلى] مسجده، فإذا أصبح أتاهم فوعظهم، فلما دخلوا ~~الغار أرادوا أن يخرجوا فسقط عليهم الغار فقتلهم، فرأى ذلك ناس ممن كان قد ~~أطلع على ذلك، فصاحوا في القرية: يا عباد الله! أما رضي صالح أن أمر بقتل ~~أولادهم حتى قتلهم، فأجمع أهل القرية على قتل الناقة. وقال ابن إسحاق: إنما ~~اجتمع التسعة على سب صالح بعد عقرهم الناقة وإنذارهم بالعذاب على ما يأتي ~~بيانه في سورة " النمل " (2) إن شاء الله تعالى. " قالوا إنما أنت من ~~المسحرين " هو من السحر في قول مجاهد وقتادة على ما قال المهدوي. أي أصبت ~~بالسحر فبطل عقلك، لأنك بشر مثلنا فلم تدع الرسالة دوننا. # وقيل: من المعللين بالطعام والشراب، قاله ابن عباس والكلبي وقتادة ومجاهد ~~أيضا فيما ذكر الثعلبي. وهو على هذا القول من السحر وهو الرئة أي بشر لك ~~سحر أي رئة تأكل وتشرب مثلنا كما قال [لبيد (3)]: # فإن تسألينا فيم نحن فإننا * عصافير من هذا الأنام المسحر وقال [امرؤ ~~القيس]: # ونسحر بالطعام وبالشراب (4) * (فأت بآية إن كنت من الصادقين) في قولك. ~~(قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم) قال ابن عباس: قالوا إن كنت ~~صادقا فادع الله يخرج لنا من هذا الجبل ناقة حمراء عشراء (5) فتضع ونحن ~~ننظر، وترد هذا الماء فتشرب ms4613 وتغدو علينا بمثله لبنا. فدعا الله # PageV13P130 # وفعل الله ذلك ف‍ " قال هذه ناقة لها شرب " أي حظ [من الماء] (1)، أي لكم ~~شرب يوم ولها شرب يوم، فكانت إذا كان يوم شربها شربت ماءهم كله أول النهار ~~وتسقيهم اللبن آخر النهار، وإذا كان يوم شربهم كان لأنفسهم ومواشيهم ~~وأرضهم، ليس لهم في يوم ورودها أن يشربوا من شربها شيئا، ولا لها أن تشرب ~~في يومهم من مائهم شيئا. قال الفراء: # الشرب الحظ من الماء. قال النحاس: فأما المصدر فيقال فيه شرب شربا وشربا ~~وشربا وأكثرها المضمومة، لان المكسورة والمفتوحة يشتركان مع شئ آخر فيكون ~~الشرب الحظ من الماء، ويكون الشرب جمع شارب كما قال (2): # * فقلت للشرب في درنا وقد ثملوا * إلا أن أبا عمرو بن العلاء والكسائي ~~يختاران الشرب بالفتح في الصدر، ويحتجان برواية بعض العلماء أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: " إنها أيام أكل وشرب ". (ولا تمسوها بسوء) لا يجوز ~~إظهار التضعيف ها هنا، لأنهما حرفان متحركان من جنس واحد. (فيأخذكم) جواب ~~النهي، ويجوز حذف الفاء منه، والجزم كما جاء في الامر إلا شيئا روى عن ~~الكسائي أنه يجيزه. (فعقروها فأصبحوا نادمين) أي على عقرها لما أيقنوا ~~بالعذاب. وذلك أنه أنظرهم ثلاثا فظهرت عليهم العلامة في كل يوم، وندموا ولم ~~ينفعهم الندم عند معاينة العذاب. # وقيل: لم ينفعهم الندم لأنهم لم يتوبوا، بل طلبوا صالحا عليه السلام ~~ليقتلوه لما أيقنوا بالعذاب. وقيل: كانت ندامتهم على ترك الولد إذ لم ~~يقتلوه معها. وهو بعيد. (إن في ذلك لآية) إلى آخره تقدم. ويقال: إنه ما آمن ~~به من تلك الأمم إلا ألفان وثمانمائة رجل وامرأة. وقيل: كانوا أربعة آلاف. ~~وقال كعب: كان قوم صالح اثني عشر ألف قبيل كل قبيل نحو أثني عشر ألفا من ~~سوى النساء والذرية، ولقد كان قوم عاد مثلهم ست مرات. # PageV13P131 # قوله تعالى: كذبت قوم لوط المرسلين (160) إذ قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون ~~(161) إني لكم رسول أمين (162) فاتقوا الله وأطيعون (163) وما أسئلكم عليه ~~من أجر إن ms4614 أجرى إلا على رب العلمين (164) أتأتون الذكران من العلمين (165) ~~وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون (166) قالوا لئن لم ~~تنته يلوط لتكونن من المخرجين (167) قال إني لعملكم من القالين (168) رب ~~نجني وأهلي مما يعملون (169) فنجيناه وأهله أجمعين (170) إلا عجوزا في ~~الغابرين (171) ثم دمرنا الآخرين (172) وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر ~~المنذرين (173) إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (174) وإن ربك لهو ~~العزيز الرحيم (175) قوله تعالى: (كذبت قوم لوط المرسلين) مضى معناه وقصته ~~في " الأعراف " (1) و " هود " مستوفي والحمد لله. # قوله تعالى: (أتأتون الذكران من العالمين) كانوا ينكحونهم في أدبارهم ~~وكانوا يفعلون ذلك بالغرباء على ما تقدم " في الأعراف ". (وتذرون ما خلق ~~لكم ربكم من أزواجكم) يعني فروج النساء فإن الله خلقها للنكاح. قال إبراهيم ~~بن مهاجر: قال لي مجاهد كيف يقرأ عبد الله " وتذرون ما خلق لكم ربكم من ~~أزواجكم " قلت: " وتذرون ما أصلح لكم ربكم من أزواجكم " قال: الفرج، كما ~~قال: " فأتوهن من حيث أمركم الله ". (بل أنتم قوم عادون) أي متجاوزون لحدود ~~الله. (قالوا لئن لم تنته يا لوط) عن قولك هذا. (لتكونن # PageV13P132 # من المخرجين) أي من بلدنا وقريتنا. (قال إني لعملكم) يعني اللواط (من ~~القالين) أي المبغضين والقلى البغض، قليته أقليه قلى وقلاء. قال (1): # * فلست بمقلي الخلال ولا قالي * وقال آخر (2): # عليك السلام لا مللت قريبة * ومالك عندي إن نأيت قلاء (رب نجني وأهلي مما ~~يعملون) أي من عذاب عملهم. دعا الله لما أيس من إيمانهم ألا يصيبه من ~~عذابهم. # قال تعالى: (فنجيناه وأهله أجمعين) ولم يكن إلا ابنتاه على ما تقدم في " ~~هود ". # (إلا عجوزا في الغابرين) روى سعيد عن قتادة قال: غبرت في عذاب الله عز ~~وجل أي بقيت. وأبو عبيدة يذهب إلى أن المعنى من الباقين في الهرم أي بقيت ~~حتى هرمت. # قال النحاس: يقال للذاهب غابر والباقي غابر كما قال (3): # لا تكسع الشول بأغبارها * إنك لا تدري من الناتج وكما قال (2): # فما ونى محمد مذ إن غفر * له الاله ms4615 ما مضى وما غبر أي ما بقي. والاغبار ~~بقيات الألبان. (ثم دمرنا الآخرين) أي أهلكناهم بالخسف والحصب، قال مقاتل: ~~خسف الله بقوم لوط وأرسل الحجارة على من كان خارجا من القرية. (وأمطرنا ~~عليهم مطرا) يعني الحجارة (فساء مطر المنذرين). وقيل: إن جبريل خسف بقريتهم ~~وجعل عاليها سافلها، ثم أتبعها الله بالحجارة. (إن في ذلك لآية وما كان ~~أكثرهم مؤمنين) لم يكن فيها مؤمن إلا بيت لوط وابنتاه. # PageV13P133 # قوله تعالى: كذب أصحب الأيكة المرسلين (176) إذ قال لهم شعيب ألا تتقون ~~(177) إني لكم رسول أمين (178) فاتقوا الله وأطيعون (179) وما أسئلكم عليه ~~من أجر إن أجرى إلا على رب العلمين (180) أوفوا الكيل ولا تكونوا من ~~المخسرين (181) وزنوا بالقسطاس المستقيم (182) ولا تبخسوا الناس أشياءهم ~~ولا تعثوا في الأرض مفسدين (183) واتقوا الذي خلقكم والجبلة الأولين (184) ~~قالوا إنما أنت من المسخرين (185) وما أنت إلا بشر مثلنا وإن نظنك لمن ~~الكاذبين (186) فأسقط علينا كسفا من السماء إن كنت من الصدقين (187) قال ~~ربى أعلم بما تعملون (188) فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم ~~عظيم (189) إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (190) وإن ربك لهو العزيز ~~الرحيم (191) قوله تعالى: (كذب أصحاب الأيكة المرسلين) الأيك الشجر الملتف ~~الكثير الواحدة أيكة. ومن قرأ: " أصحاب الأيكة " فهي الغيضة. ومن قرأ: " ~~ليكة " فهو اسم القرية. # ويقال: هما مثل بكة ومكة، قاله الجوهري. وقال النحاس: وقرأ أبو جعفر ~~ونافع " كذب أصحاب ليكة المرسلين " وكذا قرأ: في " ص ". وأجمع القراء على ~~الخفض في التي في سورة " الحجر " والتي في سورة " ق " فيجب أن يرد ما ~~اختلفوا فيه إلى ما أجمعوا عليه إذ كان المعنى واحدا. وأما ما حكاه أبو ~~عبيد من أن " ليكة " هي اسم القرية التي كانوا فيها وأن " الأيكة " اسم ~~البلد فشئ لا يثبت ولا يعرف من قاله فيثبت علمه، ولو عرف من قاله لكان فيه ~~نظر، لان أهل العلم جميعا من أهل التفسير والعلم بكلام العرب على خلافه. ~~PageV13P134 # وروى عبد الله بن وهب عن جرير بن حازم عن قتادة ms4616 قال: أرسل شعيب عليه ~~السلام إلى أمتين: إلى قومه من أهل مدين، وإلى أصحاب الأيكة، قال: والأيكة ~~غيضة من شجر ملتف. وروى سعيد عن قتادة قال: كان أصحاب الأيكة أهل غيضة وشجر ~~وكانت عامة شجرهم الدوم وهو شجر المقل. وروى ابن جبير عن الضحاك قال: خرج ~~أصحاب الأيكة - يعني حين أصابهم الحر - فانضموا إلى الغيضة والشجر، فأرسل ~~الله عليهم سحابة فاستظلوا تحتها، فلما تكاملوا تحتها أحرقوا. ولو لم يكن ~~في هذا إلا ما روي عن ابن عباس قال: و " الأيكة " الشجر. ولا نعلم بين أهل ~~اللغة اختلافا أن الأيكة الشجر الملتف، فأما احتجاج بعض من أحتج بقراءة من ~~قرأ في هذين الموضعين بالفتح أنه في السواد " ليكة " فلا حجة له، والقول ~~فيه: إن أصله الأيكة ثم خففت الهمزة فألقيت حركتها على اللام فسقطت واستغنت ~~عن ألف الوصل، لان اللام قد تحركت فلا يجوز عل هذا إلا الخفض، كما تقول ~~بالأحمر تحقق الهمزة ثم تخفضها فنقول بلحمر، فإن شئت كتبته في الخط على ما ~~كتبته أولا، وإن شئت كتبته بالحذف، ولم يجز إلا الخفض، قال سيبويه: وأعلم ~~أن ما لا ينصرف إذا دخلت عليه الألف واللام أو أضيف أنصرف، ولا نعلم أحدا ~~خالف سيبويه في هذا. # وقال الخليل: " الأيكة " غيضة تنبت السدر والأراك ونحوهما من ناعم الشجر. ~~(إذ قال لهم شعيب) ولم يقبل أخوهم شعيب، لأنه لم يكن أخا لأصحاب الأيكة في ~~النسب، فلما ذكر مدين قال: " أخاهم شعيبا "، لأنه كان منهم. وقد مضي في " ~~الأعراف " (1) القول في نسبه. قال ابن زيد: أرسل الله شعيبا رسولا إلى قومه ~~أهل مدين، وإلى أهل البادية وهم أصحاب الأيكة، وقاله قتادة. وقد ذكرناه. ~~(ألا تتقون) تخافون الله (إني لكم رسول أمين. فاتقوا الله وأطيعون) الآية. ~~وإنما كان جواب هؤلاء الرسل واحدا على صيغة واحدة، لأنهم متفقون على الامر ~~بالتقوى، والطاعة والاخلاص في العبادة، والامتناع من أخذ الأجر على تبليغ ~~الرسالة. (أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين) الناقصين للكيل # PageV13P135 # والوزن. (وزنوا بالقسطاس المستقيم) أي أعطوا ms4617 الحق. وقد مضي في " سبحان " ~~وغيرها. # (ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين) تقدم في " هود " ~~وغيرها. # (واتقوا الذي خلقكم والجبلة الأولين) قال مجاهد: الجبلة هي الخليقة. وجبل ~~فلان على كذا أي خلق، فالخلق جبلة وجبلة وجبلة وجبلة وجبلة ذكره النحاس في ~~" معاني القرآن ". # " والجبلة " عطف على الكاف والميم. قال الهروي: الجبلة والجبلة والجبل ~~والجبل والجبل لغات، وهو الجمع ذو العدد الكثير من الناس، ومنه قوله تعالى: ~~" جبلا كثيرا ". # قال النحاس في كتاب " إعراب القرآن " له: ويقال جبلة والجمع فيهما جبال، ~~وتحذف الضمة والكسرة من الباء، وكذلك التشديد من اللام، فيقال: جبلة وجبل، ~~ويقال: # جبلة وجبال، وتحذف الهاء من هذا كله. وقرأ الحسن باختلاف عنه: " والجبلة ~~الأولين " بضم الجيم والباء، وروي عن شيبة والأعرج. الباقون بالكسر. قال: # والموت أعظم حادث * فيما يمر على الجبلة (قالوا إنما أنت من المسحرين) ~~الذين يأكلون الطعام والشراب على ما تقدم. (وإن نظنك لمن الكاذبين) أي ما ~~نظنك إلا من الكاذبين في أنك رسول الله تعالى. (فاسقط علينا كسفا (1) من ~~السماء) أي جانبا من السماء وقطعة منه، فننظر إليه، كما قال: " وإن يروا ~~كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم ". وقيل: أرادوا أنزل علينا ~~العذاب. وهو مبالغة في التكذيب. قال أبو عبيدة: الكسف جمع كسفة مثل سدر ~~وسدره. وقرأ السلمي وحفص " كسفا " جمع كسفة أيضا وهي القطعة والجانب تقديره ~~كسره وكسر. قال الجوهري: # الكسفة القطعة من الشئ، يقال أعطني كسفة من ثوبك والجمع كسف وكسف. ويقال: # الكسف والكسفة واحد. وقال الأخفش: من قرأ: " كسفا " جعله واحدا ومن قرأ " ~~كسفا " جعله جمعا. وقد مضى هذا في سورة " سبحان " (2) وقال الهروي: ومن قرأ ~~" كسفا " على التوحيد فجمعه أكساف وكسوف، كأنه قال أو تسقطه علينا طبقا ~~واحدا، # PageV13P136 # وهو من كسفت الشئ كسفا إذا غطيته. (إن كنت من الصادقين. قال ربى أعلم بما ~~تعملون) تهديد، أي إنما على التبليغ وليس العذاب الذي سألتم وهو يجازيكم. # (فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة) قال ابن عباس: أصابهم حر شديد، فأرسل ms4618 ~~الله سبحانه سحابه فهربوا إليها ليستظلوا بها، فلما صاروا تحتها صيح بهم ~~فهلكوا. وقيل: أقامها الله فوق رؤوسهم، وألهبها حرا حتى ماتوا من الرمد. ~~وكان من أعظم يوم في الدنيا عذابا. وقيل: # بعث الله عليهم سموما فخرجوا إلى الأيكة يستظلون بها فأضرمها الله عليهم ~~نارا فاحترقوا. وعن ابن عباس أيضا وغيره: إن الله تعالى فتح عليهم بابا من ~~أبواب جهنم، وأرسل عليهم هدة وحرا شديدا فأخذ بأنفاسهم، فدخلوا بيوتهم فلم ~~ينفعهم ظل ولا ماء فأنضجهم الحر، فخرجوا هربا إلى البرية، فبعث الله عز وجل ~~سحابة فأظلتهم فوجدوا لها بردا وروحا وريحا طيبة، فنادى بعضهم بعضا، فلما ~~اجتمعوا تحت السحابة أهبها الله تعالى عليهم نارا، ورجفت بهم الأرض، ~~فاحترقوا كما يحترق الجراد في المقلى، فصاروا رمادا، فذلك قوله: " فأصبحوا ~~في ديارهم جاثمين. كأن لم يغنوا فيها " وقوله: " فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه ~~كان عذاب يوم عظيم ". وقيل: إن الله تعالى حبس عنهم الريح سبعة أيام، وسلط ~~عليهم الحر حتى أخذ بأنفاسهم، ولم ينفعهم ظل ولا ماء فكانوا يدخلون ~~الاسراب، ليتبردوا فيها فيجدوها أشد حرا من الظاهر، فهربوا إلى البرية، ~~فأظلتهم سحابة وهي الظلة، فوجدوا لها بردا ونسيما، فأمطرت عليهم نارا ~~فاحترقوا. وقال يزيد الجريري: سلط الله عليهم الحر سبعة أيام ولياليهن ثم ~~رفع لهم جبل من بعيد فأتاه رجل فإذا تحته أنهار وعيون وشجر وماء بارد، ~~فاجتمعوا كلهم تحته، فوقع عليهم الجبل وهو الظلة. وقال قتادة: بعث الله ~~شعيبا إلى أمتين: # أصحاب مدين وأصحاب الأيكة فأهلك الله أصحاب الأيكة بالظلة، وأما أصحاب ~~مدين فصاح بهم جبريل صيحة فهلكوا أجمعين. (إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم ~~مؤمنين) قيل: # آمن بشعيب من الفئتين تسعمائة نفر. PageV13P137 # قوله تعالى: وإنه لتنزيل رب العلمين (192) نزل به الروح الأمين (193) على ~~قلبك لتكون من المنذرين (194) بلسان عربي مبين (195) وإنه لفي زبر الأولين ~~(196) قوله تعالى: (وإنه لتنزيل رب العالمين) عاد إلى ما تقدم بيانه في أول ~~السورة من إعراض المشركين عن القرآن. (نزل به الروح الأمين على قلبك) ms4619 " نزل ~~" مخففا قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو. الباقون: " نزل " مشددا " به الروح ~~الأمين " نصبا وهو اختيار أبي حاتم وأبي عبيد لقوله: " وإنه لتنزيل " وهو ~~مصدر نزل، والحجة لمن قرأ بالتخفيف أن يقول ليس هذا بمقدر، لان المعنى وإن ~~القرآن لتنزيل رب العالمين نزل به جبريل إليك، كما قال تعالى: # " قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك " أي يتلوه عليك فيعيه قلبك. ~~وقيل: ليثبت قلبك. (لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين) أي لئلا يقولوا ~~لسنا نفهم ما تقول. # (وإنه في زبر الأولين) أي وإن ذكر نزوله لفي كتب الأولين يعني الأنبياء. ~~وقيل: # أي إن ذكر محمد عليه السلام في كتب الأولين، كما قال تعالى: " يجدونه ~~مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل " والزبر الكتب الواحد زبور كرسول ورسل، ~~وقد تقدم. # قوله تعالى: أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل (197) ولو ~~نزلناه على بعض الاعجمين (198) فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين (199) كذلك ~~سلكنه في قلوب المجرمين (200) لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم (201) ~~فيأتيهم بغتة وهم لا يشعرون (202) فيقولوا هل نحن منظرون (203) قوله تعالى: ~~(أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل) قال مجاهد: يعني عبد الله ~~ابن سلام وسلمان وغيرهما ممن أسلم. وقال ابن عباس: بعث أهل مكة إلى اليهود ~~وهم بالمدينة PageV13P138 # يسألونهم عن محمد عليه السلام، فقالوا: إن هذا لزمانه، وإنا لنجد في ~~التوراة نعته وصفته. # فيرجع لفظ العلماء إلى كل من كان له علم بكتبهم أسلم أو لم يسلم على هذ ~~القول. وإنما صارت شهادة أهل الكتاب حجة على المشركين، لأنهم كانوا يرجعون ~~في أشياء من أمور الدين إلى أهل الكتاب، لأنهم مظنون بهم علم. وقرأ ابن ~~عامر " أو لم تكن لهم آية ". الباقون " أو لم يكن لهم آية " بالنصب على ~~الخبر واسم يكن " أن يعلمه " والتقدير أو لم يكن لهم علم علماء بني إسرائيل ~~الذين أسلموا آية واضحة. وعلى القراءة الأولى أسم كان " آية " والخبر " أن ~~يعلمه علماء بني إسرائيل ". # وقرأ عاصم الجحدري " أن ms4620 تعلمه علماء بني إسرائيل. (ولو نزلناه على بعض ~~الاعجمين) أي على رجل ليس بعربي اللسان (فقرأه عليهم) بغير لغة العرب لما ~~أمنوا ولقالوا لا نفقه. # نظيره: " ولو جعلناه قرآنا أعجميا " الآية. وقيل: معناه ولو نزلناه على ~~رجل ليس من العرب لما آمنوا به أنفة وكبرا. يقال: رجل أعجم وأعجمي إذا كان ~~غير فصيح وإن كان عربيا، ورجل عجمي وإن كان فصيحا ينسب إلى أصله، إلا أن ~~الفراء أجاز أن يقال رجل عجمي بمعنى أعجمي. وقرأ الحسن " على بعض الأعجميين ~~" مشددة بياءين جعله نسبة. ومن قرأ " الاعجمين " فقيل: إنه جمع أعجم. وفيه ~~بعد، لان ما كان من الصفات الذي مؤنثه فعلاء لا يجمع بالواو والنون، ولا ~~بالألف والتاء، لا يقال أحمرون ولا حمراوات. وقيل: إن أصله الاعجمين كقراءة ~~الجحدري ثم حذفت ياء النسب، وجعل جمعه بالياء والنون دليلا عليها. # قاله أبو الفتح عثمان بن جني. وهو مذهب سيبويه. # قوله تعالى: (كذلك سلكناه) يعني القرآن أي الكفر به (في قلوب المجرمين. # لا يؤمنون به). وقيل: سلكنا التكذيب في قلوبهم، فذلك الذي منعهم من ~~الايمان، قاله يحيى بن سلام وقال عكرمة: القسوة. والمعنى متقارب وقد مضى في ~~" الحجر " (1) وأجاز الفراء الجزم في " لا يؤمنون "، لان فيه معنى الشرط ~~والمجازاة. وزعم أن من شأن العرب إذا وضعت لا موضع كي لا في مثل هذا ربما ~~جزمت ما بعدها وربما رفعت، فتقول: ربطت # PageV13P139 # الفرس لا ينفلت بالرفع والجزم، لان معناه إن لم أربطه ينفلت، والرفع ~~بمعنى كيلا ينفلت. # وأنشد لبعض بني عقيل: # وحتى رأينا أحسن الفعل بيننا * مساكنه لا يقرف الشر قارف بالرفع لما حذف ~~كي. ومن الجزم قول الآخر: # لطالما حلأتماها لا ترد * فخلياها والسجال تبترد (1) قال النحاس: وهذا ~~كله في " يؤمنون " خطأ عند البصريين، ولا يجوز الجزم بلا جازم، ولا يكون شئ ~~يعمل عملا فإذا حذف عمل عملا أقوى، من عمله وهو موجود، فهذا احتجاج بين ~~(حتى يروا العذاب الأليم. فيأتيهم بغتة) أي العذاب. وقرأ الحسن: " فتأتيهم ~~" بالتاء، والمعنى: فتأتيهم الساعة بغتة فأضمرت ms4621 لدلالة العذاب الواقع فيها، ~~ولكثرة ما في القرآن من ذكرها. وقال رجل للحسن وقد قرأ: " فتأتيهم ": يا ~~أبا سعيد إنما يأتيهم العذاب بغتة. # فانتهزه وقال: إنما هي الساعة تأتيهم بغتة أي فجأة. (وهم لا يشعرون) ~~بإتيانها. # (فيقولوا هل نحن منظرون) أي مؤخرون وممهلون. يطلبون الرجعة هنالك فلا ~~يجابون إليها. # قال القشيري: وقوله: " فيأتيهم " ليس عطفا على قوله: " حتى يروا " بل هو ~~جواب قوله: # " لا يؤمنون " فلما كان جوابا للنفي انتصب، وكذلك قوله: " فيقولوا ". # قوله تعالى: أفبعذابنا يستعجلون (204) أفرأيت إن متعناهم سنين (205) ثم ~~جاءهم ما كانوا يوعدون (206) ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون (207) وما ~~أهلكنا من قرية إلا لها منذرون (208) ذكرى وما كنا ظالمين (209) قوله ~~تعالى: (أفبعذابنا يستعجلون) قال مقاتل: قال المشركون للنبي صلى الله عليه ~~وسلم يا محمد إلى متى تعدنا بالعذاب ولا تأتي به! فنزلت " أفبعذابنا ~~يستعجلون ". (أفرأيت # PageV13P140 # إن متعناهم سنين) يعني في الدنيا والمراد أهل مكة في قول الضحاك وغيره. ~~(ثم جاءهم ما كانوا يوعدون) من العذاب والهلاك (ما أ غنى عنهم ما كانوا ~~يمتعون). " ما " الأولى استفهام معناه التقرير، وهو في موضع نصب ب‍ " أغنى ~~" و " ما " الثانية في موضع رفع، ويجوز أن تكون الثانية نفيا لا موضع لها. ~~وقيل: " ما " الأولى حرف نفي، و " ما " الثانية في موضع رفع ب‍ " أغنى " ~~والهاء العائدة محذوفة. والتقدير: ما أغنى عنهم الزمان الذي كانوا يمتعونه. ~~وعن الزهري: إن عمر بن عبد العزيز كان إذا أصبح أمسك بلحيته ثم قرأ " ~~أفرأيت إن متعناهم سنين. ثم جاءهم ما كانوا يوعدون. ما أغنى عنهم ما كانوا ~~يمتعون " ثم يبكي ويقول: # نهارك يا مغرور سهو وغفلة * وليلك نوم والردى لك لازم فلا أنت في الايقاظ ~~يقظان حازم * ولا أنت في النوام ناج فسالم تسر بما يفنى وتفرح بالمنى * كما ~~سر باللذات في النوم حالم وتسعى إلى ما سوف تكره غبه * كذلك في الدنيا تعيش ~~البهائم قوله تعالى: (وما أهلكنا من قرية) " من " صلة، المعنى: وما أهلكنا ~~قرية. # (إلا لها منذرون) أي رسل. (ذكرى) ms4622 قال الكسائي: " ذكرى " في موضع نصب على ~~الحال. النحاس: وهذا لا يحصل، والقول فيه قول الفراء وأبي إسحاق أنها في ~~موضع نصب على المصدر، قال الفراء: أي يذكرون ذكرى، وهذا قول صحيح، لان معنى ~~" إلا لها منذرون " إلا لها مذكرون. و " ذكرى " لا يتبين فيه الاعراب، لان ~~فيها ألفا مقصورة. ويجوز " ذكرى " بالتنوين، ويجوز أن يكون " ذكرى " في ~~موضع رفع على إضمار مبتدأ. قال أبو إسحاق: أي إنذارنا ذكرى. وقال الفراء: ~~أي ذلك ذكرى، وتلك ذكرى. وقال ابن الأنباري قال بعض المفسرين: ليس في " ~~الشعراء " وقف تام إلا قوله " إلا لها منذرون " وهذا عندنا وقف حسن، ثم ~~يبتدئ " ذكرى " على معنى هي ذكرى أي يذكرهم ذكرى، والوقف على " ذكرى " ~~أجود. (وما كنا ظالمين) في تعذيبهم حيث قدمنا الحجة عليهم وأعذرنا إليهم: ~~PageV13P141 # قوله تعالى: وما تنزلت به الشيطين (210) وما ينبغي لهم وما يستطيعون ~~(211) إنهم عن السمع لمعزولون (212) فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من ~~المعذبين (213) قوله تعالى: (وما تنزلت به الشياطين) يعنى القرآن بل ينزل ~~به الروح الأمين. # (وما ينبغي لهم وما يستطيعون. إنهم عن السمع لمعزولون) أي برمي الشهب كما ~~مضى في سورة " الحجر " (1) بيانه. وقرأ الحسن ومحمد بن السميقع: " وما ~~تنزلت به الشياطون " قال المهدوي: وهو غير جائز في العربية ومخالف للخط. ~~وقال النحاس: وهذا غلط عند جميع النحويين، وسمعت علي بن سليمان يقول سمعت ~~محمد بن يزيد يقول: هذا غلط عند العلماء، إنما يكون بدخول شبهة، لما رأى ~~الحسن في أخره ياء ونونا وهو في موضع رفع اشتبه عليه بالجمع المسلم فغلط، ~~وفي الحديث: " احذروا زلة العالم " وقد قرأ هو مع الناس " وإذا خلوا إلى ~~شياطينهم " ولو كان هذا بالواو في موضع رفع لوجب حذف النون للإضافة. وقال ~~الثعلبي: قال الفراء: غلط الشيخ - يعنى الحسن - فقيل ذلك للنضر بن شميل ~~فقال: إن جاز أن يحتج بقول رؤبة والعجاج وذويهما، جاز أن يحتج بقول الحسن ~~وصاحبه مع أنا نعلم أنهما لم يقرأ بذلك إلا وقد سمعا في ذلك ms4623 شيئا، وقال ~~المؤرج: إن كان الشيطان من شاط يشيط كان لقراءتهما وجه. وقال يونس بن حبيب: ~~سمعت أعرابيا يقول دخلنا بساتين من ورائها بساتون، فقلت: ما أشبه هذا ~~بقراءة الحسن. # قوله تعالى: (فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين) قيل: المعنى ~~قل لمن كفرا هذا. وقيل: هو مخاطبة له عليه لسلام وإن كان لا يفعل هذا، لأنه ~~معصوم مختار ولكنه خوطب بهذا والمقصود غيره. ودل على هذا قوله: " وأنذر ~~عشيرتك الأقربين " أي لا يتكلون على نسبهم وقرابتهم فيدعون ما يجب عليهم. # PageV13P142 # قوله تعالى: وأنذر عشيرتك الأقربين (214) واخفض جناحك لمن اتبعك من ~~المؤمنين (215) فإن عصوك فقل إني برئ مما تعملون (216) وتوكل على العزيز ~~الرحيم (217) الذي يريك حين تقوم (218) وتقلبك في الساجدين (219) إنه هو ~~السميع العليم (220) قوله تعالى: (وأنذر عشيرتك الأقربين) فيه مسئلتان: # الأولى - قوله تعالى: " وأنذر عشيرتك الأقربين " خص عشيرته الأقربين ~~بالانذار، لتنحسم أطماع سائر عشيرته وأطماع الأجانب في مفارقته إياهم على ~~الشرك. وعشيرته الأقربون قريش. وقيل: بنو عبد مناف. ووقع في صحيح مسلم: " ~~وأنذر عشيرتك الأقربين ورهطك منهم المخلصين ". وظاهر هذا أنه كان قرآنا ~~يتلى وأنه نسخ، إذ لم يثبت نقله في المصحف ولا تواتر. ويلزم على ثبوته ~~إشكال، وهو أنه كان يلزم عليه ألا ينذر إلا من آمن من عشيرته، فإن المؤمنين ~~هم الذين يوصفون بالاخلاص في دين الاسلام وفي حب النبي صلى الله عليه وسلم ~~لا المشركون، لأنهم ليسوا على شئ من ذلك، والنبي صلى الله عليه وسلم دعا ~~عشيرته كلهم مؤمنهم وكافرهم، وأنذر جميعهم ومن معهم ومن يأتي بعدهم صلى ~~الله عليه وسلم، فلم يثبت ذلك نقلا ولا معنى. وروى مسلم من حديث أبي هريرة ~~قال: لما نزلت هذه الآية " وأنذر عشيرتك الأقربين " دعا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قريشا فاجتمعوا فعم وخص فقال: " يا بنى كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم ~~من النار يا بنى مره بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار يا بنى عبد شمس أنقذوا ~~أنفسكم من النار، يا بنى عبد مناف ms4624 أنقذوا أنفسكم من النار يا بنى هاشم ~~أنقذوا أنفسكم من النار يا بنى عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار يا فاطمة ~~أنقذي نفسك من النار فإني لا أملك لكم من الله شيئا غير أن لكم رحما سأبلها ~~ببلالها (1) ". # PageV13P143 # الثانية - في هذا الحديث والآية دليل على أن القرب في الأنساب لا ينفع مع ~~البعد في الأسباب، ودليل على جواز صلة المؤمن الكافر وإرشاده ونصيحته، ~~لقوله: " إن لكم رحما سأبلها ببلالها " وقوله عز وجل: " لا ينهاكم الله عن ~~الذين لم يقاتلوكم في الدين " الآية، على ما يأتي بيانه هناك قوله تعالى: ~~(واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين) تقدم في سورة " الحجر " و " سبحان " ~~يقال: خفض جناحه إذا لان. (فإن عصوك) أي خالفوا أمرك. (فقل إني برئ مما ~~تعملون) أي برئ من معصيتكم إياي، لان عصيانهم إياه عصيان لله عز وجل، لأنه ~~عليه السلام لا يأمر إلا بما يرضاه، ومن تبرأ منه فقد تبرأ الله منه. # قوله تعالى: (وتوكل على العزيز الرحيم) أي فوض أمرك إليه فإنه العزيز ~~الذي لا يغالب، الرحيم الذي لا يخذل أولياءه. وقرأ العامة " وتوكل " بالواو ~~وكذلك هو في مصاحفهم. # وقرأ نافع وابن عامر: " فتوكل " بالفاء وكذلك هو في مصاحف المدينة ~~والشام. (الذي يراك حين تقوم) أي حين تقوم إلى الصلاة في قول أكثر ~~المفسرين: ابن عباس وغيره. # وقال مجاهد: يعنى حين تقوم حيثما كنت. (وتقلبك في الساجدين) قال مجاهد ~~وقتادة: # في المصلين. وقال ابن عباس: أي في أصلاب الآباء، آدم ونوح وإبراهيم حتى ~~أخرجه نبيا. # وقال عكرمة: يراك قائما وراكعا وساجدا، وقاله ابن عباس أيضا. وقيل: ~~المعنى، إنك ترى بقلبك في صلاتك من خلفك كما ترى بعينك من قدامك. وروى عن ~~مجاهد، ذكره الماوردي والثعلبي. وكان عليه السلام يرى من خلفه كما يرى من ~~بين يديه، وذلك ثابت في الصحيح وفي تأويل الآية بعيد. (إنه هو السميع ~~العليم) تقدم. # قوله تعالى: هل أنبئكم على من تنزل الشيطين (221) تنزل على كل أفاك أثيم ~~(222) يلقون السمع وأكثرهم كاذبون (223) PageV13P144 # قوله تعالى: ms4625 (هل أنبئكم على من تنزل الشياطين. تنزل على كل أفاك أثيم) ~~إنما قال: " تنزل " لأنها أكثر ما تكون في الهواء، وأنها تمر في الريح. ~~(يلقون السمع وأكثرهم كاذبون) تقدم في " الحجر ". ف‍ " يلقون السمع " صفة ~~الشياطين " وأكثرهم " يرجع إلى الكهنة. وقيل: إلى الشياطين. # قوله تعالى: والشعراء يتبعهم الغاوون (224) ألم تر أنهم في كل واد يهيمون ~~(225) وأنهم يقولون ما لا يفعلون (226) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا و سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ~~ينقلبون (227) قوله تعالى: (والشعراء يتبعهم الغاوون) فيه ست مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " والشعراء " جمع شاعر مثل جاهل وجهلاء، قال ابن ~~عباس: هم الكفار " يتبعهم " ضلال الجن والإنس. وقيل " الغاوون " الزائلون ~~عن الحق، ودل بهذا الشعراء أيضا غاوون، لأنهم لو لم يكونوا غاوين ما كان ~~أتباعهم كذلك. وقد قدمنا في سورة " النور " (1) أن من الشعر ما يجوز ~~إنشاده، ويكره، ويحرم. # روى مسلم من حديث عمرو بن الشريد عن أبيه قال: ردفت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم [يوما] (2) فقال: " هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت شئ " قلت: ~~نعم. قال " هيه " فأنشدته بيتا. فقال " هيه " ثم أنشدته بيتا. فقال " هيه " ~~حتى أنشدته مائة بيت. هكذا صواب هذا السند وصحيح روايته. وقد وقع لبعض رواة ~~كتاب مسلم: عن عمرو بن الشريد عن الشريد أبيه، وهو وهم، لان الشريد هو الذي ~~أردفه رسول الله صلى الله عليه وسلم. # واسم أبى الشريد سويد. وفي هذا دليل على حفظ الاشعار و الاعتناء بها إذا ~~تضمنت الحكم والمعاني المستحسنة شرعا وطبعا، وإنما استكثر النبي صلى الله ~~عليه وسلم من شعر أمية، لأنه # PageV13P145 # كان حكيما، ألا ترى قوله عليه السلام: " وكاد أمية بن أبي الصلت أن يسلم ~~" فأما ما تضمن ذكر الله وحمده والثناء عليه فذلك مندوب إليه، كقول القائل: # الحمد لله العلى المنان * صار الثريد في رؤوس العيدان (1) أو ذكر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أو مدحه كقول العباس: # من قبلها طبت في الظلال وفى ms4626 * مستودع حيث يخصف الورق ثم هبطت البلاد لا ~~بشر أنت * ولا مضغة ولا علق بل نطفة تركب السفين وقد ألجم * نسرا وأهله ~~الغرق تنقل من صالب إلى رحم * إذا مضى عالم بدا طبق (2) فقال له النبي صلى ~~الله عليه وسلم: " لا يفضض الله فاك ". أو الذب عنه كقول حسان: # هجوت محمدا فأجبت عنه * وعند الله في ذاك الجزاء وهي أبيات ذكرها مسلم في ~~صحيحه وهي في السير أتم. أو الصلاة عليه، كما روى زيد بن أسلم، خرج عمر ~~ليلة يحرس فرأى مصباحا في بيت، وإذا عجوز تنفش صوفا وتقول: # على محمد صلاة الأبرار * صلى عليه الطيبون الأخيار قد كنت قواما بكا ~~بالاسحار * يا ليت شعري والمنايا أطوار هل يجمعني وحبيبي الدار يعنى النبي ~~صلى الله عليه وسلم، فجلس عمر يبكى. وكذلك ذكر أصحابه ومدحهم رضي الله ~~عنهم، ولقد أحسن محمد بن سابق حيث قال: # إني رضيت عليا للهدى علما * كما رضيت عتيقا صاحب الغار وقد رضيت أبا حفص ~~وشيعته * و ما رضيت بقتل الشيخ في الدار كل الصحابة عندي قدوة علم * فهل ~~على بهذا القول من عار إن كنت تعلم إني لا أحبهم * إلا من أجلك فاعتقني من ~~النار # PageV13P146 # وقال آخر فأحسن: # حب النبي رسول الله مفترض * وحب أصحابه نور ببرهان من كان يعلم أن الله ~~خالقه * لا يرمين أبا بكر ببهتان ولا أبا حفص الفاروق صاحبه * ولا الخليفة ~~عثمان بن عفان أما على فمشهور فضائله * والبيت لا يستوي إلا بأركان قال ابن ~~العربي: أما الاستعارات في التشبيهات فمأذون فيها وإن استغرقت الحد وتجاوزت ~~المعتاد، فبذلك يضرب الملك الموكل بالرؤيا المثل، وقد أنشد كعب بن زهير ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # بانت سعاد فقلبي اليوم متبول * متيم إثرها لم يفد مكبول وما سعاد غداة ~~البين إذ رحلوا * إلا أغن غضيض الطرف مكحول تجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت * ~~كأنه منهل بالراح معلول فجاء في هذه القصيدة من الاستعارات والتشبيهات بكل ~~بديع، والنبي صلى الله عليه وسلم يسمع ولا ينكر في ms4627 تشبيهه ريقها بالراح. ~~وأنشد أبو بكر رضي الله عنه (1): # فقدنا الوحي إذ وليت عنا * وودعنا من الله الكلام سوى ما قد تركت لنا ~~رهينا * توارثه القراطيس الكرام فقد أورثتنا ميراث صدق * عليك به التحية ~~والسلام فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمعه وأبو بكر ينشده، فهل ~~للتقليد والاقتداء موضع أرفع من هذا. قال أبو عمر: ولا ينكر الحسن من الشعر ~~أحد من أهل العلم ولا من أولى النهى، وليس أحد من كبار الصحابة وأهل العلم ~~وموضع القدوة إلا وقد قال الشعر، أو تمثل به أو سمعه فرضيه ما كان حكمة أو ~~مباحا، ولم يكن فيه فحش ولا خنا ولا لمسلم أذى، فإذا كان كذلك فهو والمنثور ~~من القول سواء لا يحل سماعه ولا قوله، وروى أبو هريرة قال # PageV13P147 # سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر يقول: " أصدق كلمة - أو ~~أشعر كلمة - قالتها العرب قول لبيد: # ألا كل شئ ما خلا الله باطل " أخرجه مسلم وزاد " وكاد أمية بن أبي الصلت ~~أن يسلم " وروى عن ابن سيرين أنه أنشد شعرا فقال له بعض جلسائه: مثلك ينشد ~~الشعر يا أبا بكر. فقال: ويلك يا لكع! وهل الشعر إلا كلام لا يخالف سائر ~~الكلام إلا في القوافي، فحسنه حسن وقبيحه قبيح! قال: وقد كانوا يتذاكرون ~~الشعر. قال: وسمعت ابن عمر ينشد: # يحب الخمر من مال الندامى * ويكره أن يفارقه الغلوس وكان عبيد الله بن ~~عبد الله بن عتبة بن مسعود أحد فقهاء المدينة العشرة ثم المشيخة السبعة ~~شاعرا مجيدا مقدما فيه. وللزبير بن بكار القاضي في أشعاره كتاب، وكانت له ~~زوجة حسنة تسمى عثمة فعتب عليها في بعض الامر فطلقها، وله فيها أشعار ~~كثيرة، منها قوله: # تغلغل حب عثمة في فؤادي * فباديه مع الخافي يسير تغلغل حيث لم يبلغ شراب ~~* ولا حزن ولم يبلغ سرور أكاد إذا ذكرت العهد منها * أطير لوان إنسانا يطير ~~وقال ابن شهاب: قلت له تقول الشعر في نسكك وفضلك! فقال: إن المصدور إذا نفث ms4628 ~~برأ. # الثانية - وأما الشعر المذموم الذي لا يحل سماعه وصاحبه ملوم، فهو ~~المتكلم بالباطل حتى يفضلوا أجبن الناس على عنترة، وأشحهم على حاتم، وإن ~~يبهتوا البرئ ويفسقوا التقى، وأن يفرطوا في القول بما لم يفعله المرء، رغبة ~~في تسلية النفس وتحسين القول، كما روى عن الفرزدق أن سليمان بن عبد الملك ~~سمع قوله: # فبتن بجانبي مصرعات (1) * وبت أفض أغلاق الختام # PageV13P148 # فقال: قد وجب عليك الحد. فقال: يا أمير المؤمنين قد درأ الله عنى الحد ~~بقوله: " وأنهم يقولون ما لا يفعلون ". وروى أن النعمان بن عدي بن نضلة كان ~~عاملا لعمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: # من مبلغ الحسناء أن حليلها * بميسان يسقى في زجاج وحنتم إذا شئت غنتني ~~دهاقين قرية * ورقاصة تجذو (1) على كل منسم فإن كنت ندماني فبالأكبر اسقني ~~* ولا تسقني بالأصغر المتثلم لعل أمير المؤمنين يسوءه * تنادمنا بالجوسق ~~(2) المتهدم فبلغ ذلك عمر فأرسل إليه بالقدوم عليه. وقال: أي والله إني ~~ليسوءني ذلك. فقال: # يا أمير المؤمنين ما فعلت شيئا مما قلت، وإنما كانت فضلة من القول، وقد ~~قال الله تعالى: # " والشعرا يتبعهم الغاوون. ألم تر أنهم في كل واد يهيمون. وأنهم يقولون ~~ما لا يفعلون " فقال له عمر: أما عذرك فقد درأ عنك الحد، ولكن لا تعمل لي ~~عملا أبدا وقد قلت ما قلت. وذكر الزبير بن بكار قال: حدثني مصعب بن عثمان ~~أن عمر بن عبد العزيز لما ولى الخلافة لم يكن له هم إلا عمر بن أبي ربيعة ~~والأحوص فكتب إلى عامله على المدينة: إني قد عرفت عمر والأحوص بالشر والخبث ~~فإذا أتاك كتابي هذا فاشدد عليهما وأحملهما إلى. # فلما أتاه الكتاب حملهما إليه، فأقبل على عمر، فقال: هيه! # فلم أر كالتجمير منظر ناظر * ولا كليالي الحج أفلتن ذا هوى وكم مالئ ~~عينيه من شئ غيره * إذا راح نحو الجمرة البيض كالدمى أما والله لو اهتممت ~~بحجك لم تنظر إلى شئ غيرك، فإذا لم يفلت الناس منك في هذه الأيام فمتى ~~يفلتون! ثم أمر بنفيه. ms4629 فقال: يا أمير المؤمنين! أو خير من ذلك؟ فقال: ما ~~هو؟ قال: # أعاهد الله أنى لا أعود إلى مثل هذا الشعر، ولا أذكر النساء في شعر أبدا، ~~وأجدد توبة، فقال: أو تفعل؟ قال: نعم، فعاهد الله على توبته وخلاه، ثم دعا ~~بالأحوص، فقال هيه! # الله بيني وبين قيمها * يفر منى بها وأتبع # PageV13P149 # بل الله بين قيمها وبينك! ثم أمر بنفيه، فكلمه فيه رجال من الأنصار فأبى، ~~وقال: والله لا أرده ما كان لي سلطان، فإنه فاسق مجاهر. فهذا حكم الشعر ~~المذموم وحكم صاحبه، فلا يحل سماعه ولا إنشاده في مسجد وفى غيره، كمنثور ~~الكلام القبيح ونحوه. وروى إسماعيل بن عياش عن عبد الله بن عون عن محمد بن ~~سيرين عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " حسن الشعر ~~كحسن الكلام وقبيحه كقبيح الكلام " رواه إسماعيل عن عبد الله الشامي وحديثه ~~عن أهل الشام صحيح فيما قال يحيى بن معين وغيره. وروى عبد الله ابن عمرو بن ~~العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الشعر بمنزلة الكلام حسنه ~~كحسن الكلام وقبيحه كقبيح الكلام " الثالثة - روى مسلم عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لان يمتلئ جوف أحدكم ~~قيحا حتى يريه خير من أن يمتلئ شعرا " وفي الصحيح أيضا عن أبي سعيد الخدري ~~قال: بينا نحن نسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عرض شاعر ينشد فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " خذوا الشيطان - أو أمسكوا الشطان - لان ~~يمتلئ جوف رجل قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا " قال علماؤنا: وإنما فعل ~~النبي صلى الله عليه وسلم هذا مع هذا الشاعر لما علم من حاله، فلعل هذا ~~الشاعر كان ممن قد عرف من حاله أنه قد أتخذ الشعر طريقا للتكسب، فيفرط في ~~المدح إذا أعطى، وفي الهجو والذم إذا منع، فيؤذي الناس في أموالهم ~~وأعراضهم. ولا خلاف في أن من كان على مثل هذه الحالة فكل ms4630 ما يكتسبه بالشعر ~~حرام. وكل ما يقوله من ذلك حرام عليه، ولا يحل الاصغاء إليه، بل يجب ~~الانكار عليه، فإن لم يكن ذلك لمن خاف من لسانه قطعا تعين عليه أن يداريه ~~بما استطاع، ويدافعه بما أمكن، ولا يحل له أن يعطى شيئا ابتداء، لان ذلك ~~عون على المعصية، فإن لم يجد من ذلك بدا أعطاه بنية وقاية العرض، فما وقى ~~به المرء عرضه كتب له به صدقة. قوله: " لان يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتى يريه ~~" القيح المدة يخالطها دم. # يقال منه: قاح الجرح يقيح وتقيح وقيح. و " يريه " قال الأصمعي: هو من ~~الورى على PageV13P150 # مثال الرمي وهو أن يدوى جوفه، يقال منه: رجل مورى مشدد غير مهموز. وفي ~~الصحاح: # وروي القيح جوفه يريه وريا إذا أكله. وأنشد اليزيدي: # * قالت له وريا إذا تنحنحا * وهذا الحديث أحسن ما قيل في تأويله: إنه ~~الذي قد غلب عليه الشعر، وامتلأ صدره منه دون علم سواه ولا شئ من الذكر ممن ~~يخوض به في الباطل، ويسلك به مسالك لا تحمد له، كالمكثر من اللغط والهذر ~~والغيبة وقبيح القول. ومن كان الغالب عليه الشعر لزمته هذه لأوصاف المذمومة ~~الدنية، لحكم العادة الأدبية. وهذا المعنى هو الذي أشار إليه البخاري في ~~صحيحه لما بوب على هذا الحديث " باب ما يكره أن يكون الغالب على الانسان ~~الشعر ". # وقد قيل في تأويله: إن المراد بذلك الشعر الذي هجى به النبي صلى الله ~~عليه وسلم أو غيره. # وهذا ليس بشئ، لان القليل من هجو النبي صلى الله عليه وسلم وكثيره سواء ~~في أنه كفر ومذموم، وكذلك هجو غير النبي صلى الله عليه وسلم من المسلمين ~~محرم قليله وكثيره، وحينئذ لا يكون لتخصيص الذم بالكثير معنى. # الرابعة - قال الشافعي: الشعر نوع من الكلام حسنه كحسن الكلام وقبيح ~~كقبيح الكلام، يعنى أن الشعر ليس يكره لذاته وإنما يكره لمضمناته، وقد كان ~~عند العرب عظيم الموقع. قال الأول منهم: # * وجرح اللسان كجرح اليد * وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الشعر ms4631 الذي ~~يرد به حسان على المشركين: " إنه لأسرع فيهم من رشق النبل " أخرجه مسلم. ~~وروى الترمذي وصححه عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة في ~~عمرة القضاء وعبد الله بن رواحة يمشى بين يديه ويقول: # خلوا بنى الكفار عن سبيله * اليوم نضربكم على تنزيله ضربا يزيل الهام عن ~~مقيله * ويذهل الخليل عن خليله فقال عمر: يا بن رواحة! في حرم الله وبين ~~يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~خل عنه يا عمر فلهو أسرع فيهم من نضح النبل ". PageV13P151 # الخامسة - قوله تعالى: " والشعراء يتبعهم الغاوون " لم يختلف القراء في ~~رفع " والشعراء " فيما علمت. ويجوز النصب على إضمار فعل يفسره " يتبعهم " ~~وبه قرأ عيسى ابن عمر، قال أبو عبيد: كان الغالب عليه حب النصب، قرأ " ~~والسارق والسارقة " و " حمالة الحطب " و " سورة أنزلناها ". وقرأ نافع ~~وشيبة والحسن والسلمى: " يتبعهم " مخففا. الباقون " يتبعهم ". وقال الضحاك: ~~تهاجى رجلان أحدهما أنصاري والآخر مهاجري على عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مع كل واحد غواة قومه وهم السفهاء فنزلت، وقاله ابن عباس. # وعنه هم الرواة للشعر. وروى عنه علي بن أبي طلحة أنهم هم الكفار يتبعهم ~~ضلال الجن والإنس ، وقد ذكرناه. وروي غضيف (1) عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: " من أحدث هجاء في الاسلام فاقطعوا لسانه " وعن ابن عباس أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لما افتتح مكة رن (2) إبليس رنة وجمع إليه ذريته، فقال ~~ايئسوا أن تريدوا أمة محمد على الشرك بعد يومكم هذا، ولكن أفشوا فيهما - ~~يعنى مكة والمدينة - الشعر. # السادسة - قوله تعالى: (ألم تر أنهم في كل واد يهيمون) يقول: في كل لغو ~~يخوضون، ولا يتبعون سنن الحق، لان من اتبع الحق وعلم أنه يكتب عليه ما ~~يقوله تثبت، ولم يكن هائما يذهب على وجهه لا يبالي ما قال. نزلت في عبد ~~الله بن الزبعرى ومسافع بن عبد مناف وأمية بن أبي الصلت. (وأنهم يقولون ما ~~لا يفعلون) يقول: أكثرهم ms4632 يكذبون، أي يدلون بكلامهم على الكرم والخير ولا ~~يفعلونه. وقيل: إنها نزلت في أبى عزة الجمحي حيث قال: # ألا أبلغا عنى النبي محمدا * بأنك حق والمليك حميد ولكن إذا ذكرت بدرا ~~وأهله * تأوه منى أعظم وجلود ثم استثنى شعر المؤمنين: حسان بن ثابت وعبد ~~الله بن رواحة وكعب بن مالك وكعب بن زهير ومن كان على طريقهم من القول ~~الحق، فقال: (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا) في ~~كلامهم (وانتصروا من بعد ما ظلموا) وإنما يكون الانتصار بالحق، # PageV13P152 # ومما حده الله عز وجل، فإن تجاوز ذلك فقد انتصر بالباطل. وقال أبو الحسن ~~المبرد: # لما نزلت: " والشعراء " جاء حسان وكعب بن مالك وابن رواحة يبكون إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا نبي الله! أنزل الله تعالى هذه ~~الآية، وهو تعالى يعلم أنا شعراء؟ فقال: # " اقرأوا ما بعدها " إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات " - الآية - أنتم " ~~وانتصروا من بعد ما ظلموا " أنتم " أي بالرد على المشركين. قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: " انتصروا ولا تقولوا إلا حقا ولا تذكروا الآباء والأمهات ~~" فقال حسان لأبي سفيان: # هجوت محمدا فأجبت عنه * وعند الله في ذاك الجزاء وإن أبى ووالدتي وعرضي * ~~لعرض محمد منكم وقاء أتشتمه ولست له بكف ء * فشركما لخيركما الفداء لساني ~~صارم لا عيب فيه * وبحري لا تكدره الدلاء وقال كعب يا رسول الله! إن الله ~~قد أنزل في الشعر ما قد علمت فكيف ترى فيه؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~" إن المؤمن يجاهد بنفسه وسيفه ولسانه والذي نفسي بيده لكأن ما ترمونهم به ~~نضح النبل ". وقال كعب: # جاءت سخينة (1) كي تغالب ربها * وليغلبن مغالب الغلاب فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: " لقد مدحك الله يا كعب في قولك هذا ". وروى الضحاك عن ابن ~~عباس أنه قال في قوله تعالى: " والشعراء يتبعهم الغاوون " منسوخ بقوله: # " إلا الذين أمنوا وعملوا الصالحات ". قال المهدوي: وفي الصحيح عن ابن ~~عباس أنه استثناء. (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) في هذا تهديد ms4633 لمن ~~انتصر بظلم [أي] (2) سيعلم الظالمون كيف يخلصون من بين يدي الله عز وجل، ~~فالظالم ينتظر العقاب، والمظلوم ينتظر النصرة. وقرأ ابن عباس: " أي منفلت ~~ينفلتون " بالفاء والتاء ومعناهما واحد الثعلبي: # ومعنى " أي منقلب ينقلبون " أي مصير يصيرون وأي مرجع يرجعون، لان مصيرهم ~~إلى # PageV13P153 # النار، وهو أقبح مصير، ومرجعهم إلى العقاب وهو شر مرجع. والفرق بين ~~المنقلب والمرجع أن المنقلب الانتقال إلى ضد ما هو فيه، والمرجع العود من ~~حال هو فيها إلى حال كان عليها فصار كل مرجع منقلبا، وليس كل منقلب مرجعا، ~~والله أعلم، ذكره الماوردي. و " أي " منصوب " بينقلبون " وهو بمعنى المصدر، ~~ولا يجوز أن يكون منصوبا ب‍ " سيعلم " لان أيا وسائر أسماء الاستفهام لا ~~يعمل فيها ما قبلها فيما ذكر النحويون، قال النحاس: وحقيقة القول في ذلك أن ~~الاستفهام معنى وما قبله معنى آخر فلو عمل فيه ما قبله لدخل بعض المعاني في ~~بعض. # سورة النمل مكية كلها في قول الجميع، وهي ثلاث وتسعون آية. وقيل: أربع ~~وتسعون آية. # بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين (1) ~~هدى وبشرى للمؤمنين (2) الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم ~~يوقنون (3) إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعملهم فهم يعمهون (4) ~~أولئك الذين لهم سوء العذاب وهم في الآخرة هم الأخسرون (5) وإنك لتلقى ~~القرآن من لدن حكيم عليم (6) قوله تعالى: (طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين) ~~مضي الكلام في الحروف المقطعة في " البقرة " وغيرها. و " تلك " بمعنى هذه، ~~أي هذه السورة آيات القرآن وآيات كتاب مبين. وذكر القرآن المعرفة، وقال: " ~~وكتاب مبين " بلفظ النكرة وهما في معنى المعرفة، كما تقول: فلان رجل عاقل ~~وفلان الرجل العاقل. والكتاب هو القرآن، فجمع له بين الصفتين: بأنه قرآن ~~وأنه كتاب، لأنه ما يظهر بالكتابة، ويظهر بالقراءة. وقد مضى PageV13P154 # اشتقاقهما في " البقرة ". وقال في سورة الحجر: " الر تلك آيات الكتاب ~~وقرآن مبين " فأخرج الكتاب بلفظ المعرفة والقرآن بلفظ النكرة، وذلك لان ~~القرآن والكتاب اسمان يصلح لكل واحد منهما ms4634 أن يجعل معرفة، وأن يجعل صفة. ~~ووصفه بالمبين لأنه بين فيه أمره ونهيه وحلاله وحرامه ووعده ووعيده، وقد ~~تقدم. # قوله تعالى: (هدى وبشرى للمؤمنين) " هدى " في موضع نصب على الحال من ~~الكتاب، أي تلك آيات الكتاب هادية ومبشرة. ويجوز فيه الرفع على الابتداء، ~~أي هو هدى. وإن شئت على حذف حرف الصفة، أي فيه هدى. ويجوز أن يكون الخبر " ~~للمؤمنين " ثم وصفهم فقال: " الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم ~~بالآخرة هم يوقنون " وقد مضى في أول " البقرة " بيان هذا. # قوله تعالى: (إن الذين لا يؤمنون بالآخرة) أي لا يصدقون بالبعث. (زينا ~~لهم أعمالهم) قيل: أعمالهم السيئة حتى رأوها حسنة. وقيل: زينا لهم أعمالهم ~~الحسنة فلم يعملوها. وقال الزجاج: جعلنا جزاءهم على كفرهم أن زينا لهم ما ~~هم فيه. (فهم يعمهون) أي يترددون في أعمالهم الخبيثة، وفي ضلالتهم. عن ابن ~~عباس. أبو العالية: يتمادون. # قتادة: يلعبون. الحسن: يتحيرون، قال الراجز: # ومهمه أطرافه في مهمه * أعمى الهدى بالحائرين العمة (1) قوله تعالى: ~~(أولئك الذين لهم سوء العذاب) وهو جهنم. (وهم في الآخرة هم الأخسرون) " في ~~الآخرة " تبيين وليس بمتعلق بالأخسرين فإن من الناس من خسر الدنيا وربح ~~الآخرة، وهؤلاء خسروا الآخرة بكفرهم فهم أخسر كل خاسر. # قوله تعالى: (وإنك لتلقى القرآن) أي يلقى عليك فتلقاه وتعلمه وتأخذه. (من ~~لدن حكيم عليم) " لدن " بمعنى عند إلا أنها مبنية غير معربة، لأنها لا ~~تتمكن، وفيها لغات ذكرت في " الكهف " (2). وهذه الآية بساط وتمهيد لما يريد ~~أن يسوق من الأقاصيص، وما في ذلك من لطائف حكمته، ودقائق علمه. # PageV13P155 # قوله تعالى: إذ قال موسى لأهله إني آنست نارا سآتيكم منها بخبر أو آتيكم ~~بشهاب قبس لعلكم تصطلون (7) فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها ~~وسبحان الله رب العلمين (8) يا موسى إنه انا الله العزيز الحكيم (9) وألق ~~عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى لا تخف إني لا ~~يخاف لدى المرسلون (10) إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني ms4635 غفور رحيم ~~(11) وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء في تسع آيات إلى فرعون وقومه ~~إنهم كانوا قوما فسقين (12) فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين ~~(13) وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عقبة المفسدين ~~(14) قوله تعالى: (إذ قال موسى لأهله) " إذ " منصوب بمضمر وهو أذكر، كأنه ~~قال على أثر قوله " وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم ": خذ يا محمد من ~~آثار حكمته وعلمه قصة موسى إذ قال لأهله. (إني آنست نارا) أي أبصرتها من ~~بعد. قال الحرث بن حلزة: # آنست نبأة وأفزعها القناص * عصرا وقد دنا الامساء (1) (سأتيكم منها بخبر ~~أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون) قرأ عاصم وحمزة والكسائي " بشهاب قبس " ~~بتنوين " شهاب ". والباقون بغير تنوين على الإضافة، أي بشعلة نار، وأختاره ~~أبو عبيد وأبو حاتم. وزعم الفراء في ترك التنوين أنه بمنزلة قولهم: ولدار ~~الآخرة، ومسجد الجامع، وصلاة الأولى، يضاف الشئ إلى نفسه إذا اختلفت ~~أسماؤه. قال النحاس: # إضافة الشئ إلى نفسه محال عند البصريين، لان معنى الإضافة في اللغة ضم شئ ~~إلى شئ # PageV13P156 # فمحال أن يضم الشئ إلى نفسه، وإنما يضاف الشئ إلى الشئ ليتبين به معنى ~~الملك أو النوع، فمحال أن يتبين أنه مالك نفسه أو من نوعها. و " شهاب قبس " ~~إضافة النوع والجنس، كما تقول: هذا ثوب خز، وخاتم حديد وشبهه. والشهاب كل ~~ذي نور، نحو الكوكب والعود الموقد. والقبس اسم لما يقتبس من جمر وما أشبهه، ~~فالمعنى بشهاب من قبس. يقال. # أقبست قبسا، والاسم قبس. كما تقول: قبضت قبضا. والاسم القبض. ومن قرأ " ~~بشهاب قبس " جعله بدلا منه. المهدوي: أو صفة له، لان القبس يجوز أن يكون ~~اسما غير صفة، ويجوز أن يكون صفة، فأما كونه غير صفة فلأنهم قالوا قبسته ~~أقبسه قبسا والقبس المقبوس، وإذا كان صفة فالأحسن أن يكون نعتا. والإضافة ~~فيه إذا كان غير صفة أحسن. وهي إضافة النوع إلى جنسه كخاتم فضة وشبهه. ولو ~~قرئ بنصب قبس على البيان أو الحال كان أحسن. ms4636 ويجوز في غير القرآن بشهاب ~~قبسا على أنه مصدر أو بيان أو حال. " لعلكم تصطلون " أصل الطاء تاء فأبدل ~~منها هنا طاء، لان الطاء مطبقة والصاد مطبقة فكان الجمع بينهما حسنا، ~~ومعناه يستدفئون من البرد. يقال: اصطلى يصطلى إذا استدفأ. قال الشاعر: # النار فاكهة الشتاء فمن يرد * أكل الفواكه شاتيا فليصطل الزجاج: كل أبيض ~~ذي نور فهو شهاب. أبو عبيدة: الشهاب النار. قال أبو النجم: # كأنما كان شهابا واقدا * أضاء ضوءا ثم صار خامدا أحمد بن يحيى: أصل ~~الشهاب عود في أحد طرفيه جمرة والآخر لا نار فيه، وقول النحاس فيه حسن: ~~والشهاب الشعاع المضئ ومنه الكوكب الذي يمد ضوءه في السماء. وقال الشاعر: # في كفه صعدة (1) مثقفة * فيها سنان كشعلة القبس قوله تعالى: (فلما جاءها) ~~أي فلما جاء موسى الذي ظن أنه نار وهي نور، قاله وهب بن منبه. فلما رأى ~~موسى النار وقف قريبا منها، فرآها تخرج من فرع شجرة خضراء شديدة الخضرة ~~يقال لها العليق، لا تزداد النار إلا عظما وتضرما، ولا تزداد الشجرة # PageV13P157 # إلا خضرة وحسنا، فعجب منها وأهوى إليها بضغث في يده ليقتبس منها، فمالت ~~إليه، فخافها فتأخر عنها، ثم لم تزل تطمعه ويطمع فيها إلى أن وضح أمرها على ~~أنها مأمورة لا يدرى من أمرها، إلى أن " نودي أن بورك من في النار ومن ~~حولها ". وقد مضى هذا المعنى في " طه ". (نودي) أي ناداه الله، كما قال: " ~~وناديناه من جانب الطور الأيمن ". # (أن بورك) قال الزجاج: " أن " في موضع نصب، أي بأنه. قال: ويجوز أن تكون ~~في موضع رفع جعلها اسم ما لم يسم فاعله. وحكى أبو حاتم أن في قراءة أبى ~~وابن عباس ومجاهد " أن بوركت النار ومن حولها ". قال النحاس: ومثل هذا لا ~~يوجد بإسناد صحيح، ولو صح لكان على التفسير، فتكون البركة راجعة إلى النار ~~ومن حولها الملائكة وموسى. # وحكى الكسائي عن العرب: باركك الله، وبارك فيك. الثعلبي: العرب تقول ~~باركك الله، وبارك فيك، وبارك عليك، وبارك لك، أربع لغات. قال ms4637 الشاعر: # فبوركت مولودا وبوركت ناشئا * وبوركت عند الشيب إذ أنت أشيب الطبري: قال ~~" بورك من في النار " ولم يقل بورك [في من في] (1) النار على لغة من يقول ~~باركك الله. ويقال باركه الله، وبارك له، وبارك عليه، وبارك فيه بمعنى، أي ~~بورك على من في النار وهو موسى، أو على من في قرب النار، لا أنه كان في ~~وسطها. وقال السدى: # كان في النار ملائكة فالتبريك عائد إلى موسى والملائكة، أي بورك فيك يا ~~موسى وفي الملائكة الذين هم حولها. وهذا تحية من الله تعالى لموسى وتكرمة ~~له، كما حيا إبراهيم على ألسنة الملائكة حين دخلوا عليه، قال: " رحمة الله ~~وبركاته عليكم أهل البيت ". وقول ثالث قاله ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير: ~~قدس من في النار وهو الله سبحانه وتعالى، عنى به نفسه تقدس وتعالى. قال ابن ~~عباس ومحمد بن كعب: النار نور الله عز وجل، نادى الله موسى وهو في النور، ~~وتأويل هذا أن موسى عليه السلام رأى نورا عظيما فظنه نارا، وهذا لان الله ~~تعالى ظهر لموسى بآياته وكلامه من النار لا أنه يتحيز في جهة " وهو الذي في ~~السماء إله وفي الأرض إله " # PageV13P158 # لا أنه يتحيز فيهما، ولكن يظهر في كل فعل فيعلم به وجود الفاعل. وقيل على ~~هذا: أي بورك من في النار سلطانه وقدرته. وقيل: أي بورك ما في النار من أمر ~~الله تعالى الذي جعله علامة. # قلت: ومما يدل على صحة قول ابن عباس ما خرجه مسلم في صحيحه، وابن ماجة في ~~سننه واللفظ له عن أبي موسى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن ~~الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض (1) القسط ويرفعه حجابه النور لو ~~كشفها لا حرقت سبحات وجهه كل شئ أدركه بصره " ثم قرأ أبو عبيدة " أن بورك ~~من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين " أخرجه البيهقي أيضا. ولفظ ~~مسلم عن أبي موسى قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس ms4638 كلمات، ~~فقال: " إن الله عز وجل لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه ~~يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه النور ~~- وفي رواية أبى بكر النار - لو كشفه لا حرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه ~~بصره من خلقه " قال أبو عبيد: يقال السبحات إنها جلال وجهه، ومنها قيل: ~~سبحان الله إنما هو تعظيم له وتنزيه. وقوله: " لو كشفها " يعنى لو رفع ~~الحجاب عن أعينهم ولم يثبتهم لرؤيته لاحترقوا وما استطاعوا لها. قال ابن ~~جريج: النار حجاب من الحجب وهي سبعة حجب، حجاب العزة، وحجاب الملك، وحجاب ~~السلطان، وحجاب النار، وحجاب النور، وحجاب الغمام، وحجاب الماء. وبالحقيقة ~~فالمخلوق المحجوب والله لا يحجبه شئ، فكانت النار نورا وإنما ذكره بلفظ ~~النار، لان موسى حسبه نارا، والعرب تضع أحدهما موضع الآخر. وقال سعيد بن ~~جبير: كانت النار بعينها فأسمعه تعالى كلامه من ناحيتها، وأظهر له ربوبيته ~~من جهتها. # وهو كما روى أنه مكتوب في التوراة: " جاء الله من سيناء وأشرف من ساعير ~~واستعلى من جبال فاران ". فمجيئه من سيناء بعثه موسى منها، وإشرافه من ~~ساعير بعثه المسيح منها، واستعلاؤه من فاران بعثه محمدا صلى الله عليه ~~وسلم، وفاران مكة. وسيأتي في " القصص " بإسماعه سبحانه كلامه من الشجرة ~~زيادة بيان إن شاء الله تعالى. # PageV13P159 # قوله تعالى: (وسبحان الله رب العالمين) تنزيها وتقديسا لله رب العالمين. ~~وقد تقدم في غير موضع، والمعنى: أي يقول حولها " وسبحان الله " فحذف. وقيل: ~~إن موسى عليه السلام قاله حين فرغ من سماع النداء، استعانة بالله تعالى ~~وتنزيها له، قاله السدى. # وقيل: هو من قول الله تعالى. ومعناه: وبورك فيمن سبح الله تعالى رب ~~العالمين، حكاه ابن شجرة. # قوله تعالى: (يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم) الهاء عماد وليست ~~بكناية في قول الكوفيين. والصحيح أنها كناية عن الامر والشأن (أنا الله ~~العزيز) الغالب الذي ليس كمثله شئ " الحكيم " في أمره وفعله. وقيل: قال ~~موسى يا رب من الذي نادى؟ فقال ms4639 له: " إنه " أي إني أنا المنادى لك " أنا ~~الله ". # قوله تعالى: (وألق عصاك) قال وهب بن منبه: ظن موسى أن الله أمره أن ~~يرفضها فرفضها. وقيل: إنما قال له ذلك ليعلم موسى أن المكلم له هو الله، ~~وأن موسى رسوله، وكل نبي لابد له من آية في نفسه يعلم بها نبوته. وفي الآية ~~حذف: أي وألق عصاك فألقاها من يده فصارت حية تهتز كأنها جان، وهي الحية ~~الخفيفة الصغيرة الجسم. وقال الكلبي: لا صغيرة ولا كبيرة. وقيل: إنها قلبت ~~له أولا حية صغيرة فلما أنس منها قلبت حية كبيرة. وقيل: انقلبت مرة حية ~~صغيرة، ومرة حية تسعى وهي الأنثى، ومرة ثعبانا وهو الذكر الكبير من الحيات. ~~وقيل: المعنى انقلبت ثعبانا تهتز كأنها جان لها عظم الثعبان وخفة الجان ~~واهتزازه وهي حية تسعى. وجمع الجان جنان، ومنه الحديث " نهى عن قتل الجنان ~~التي في البيوت ". (ولى مدبرا) خائفا على عادة البشر (ولم يعقب) أي لم ~~يرجع، قاله مجاهد. وقال قتادة: لم يلتفت. (يا موسى لا تخف) أي من الحية ~~وضررها. # (إني لا يخاف لدى المرسلون) وتم الكلام ثم استثنى استثناء منقطعا فقال: ~~(إلا من ظلم). وقيل: إنه استثناء من محذوف، والمعنى: إني لا يخاف لدى ~~المرسلون وإنما يخاف غيرهم ممن ظلم (إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء) فإنه ~~لا يخاف، قاله الفراء. PageV13P160 # قال النحاس: استثناء من محذوف محال، لأنه استثناء من شئ لم يذكر ولو جاز ~~هذا لجاز إني لا ضرب القوم إلا زيدا بمعنى إني لا أضرب القوم وإنما أضرب ~~غيرهم إلا زيدا، وهذا ضد البيان، والمجئ بما لا يعرف معناه. وزعم الفراء ~~أيضا: أن بعض النحويين يجعل إلا بمعنى الواو أي ولا من ظلم، قال: # وكل أخ مفارقه أخوه * لعمر أبيك إلا الفرقدان قال النحاس: وكون " إلا " ~~بمعنى الواو لا وجه له ولا يجوز في شئ من الكلام، ومعنى " إلا " خلاف ~~الواو، لأنك إذا قلت: جاءني إخوتك إلا زيدا أخرجت زيدا مما دخل فيه الاخوة ~~فلا نسبة ms4640 بينهما ولا تقارب. وفي الآية قول آخر: وهو أن يكون الاستثناء ~~متصلا، والمعنى إلا من ظلم من المرسلين بإتيان الصغائر التي لا يسلم منها ~~أحد، سوى ما روى عن يحيى بن زكريا عليه السلام، وما ذكره الله تعالى في ~~نبينا عليه السلام في قوله: " ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر " ~~ذكره المهدوي واختاره النحاس، وقال: علم الله من عصى منهم [يسر الخيفة] (1) ~~فاستثناه فقال: " إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء " فإنه يخاف وإن كنت قد ~~غفرت له. الضحاك: يعنى آدم وداود عليهما السلام. الزمخشري: كالذي فرط من ~~آدم ويونس وداود وسليمان وإخوة يوسف، ومن موسى عليه السلام بوكزه القبطي. # فإن قال قائل: فما معنى الخوف بعد التوبة والمغفرة؟ قيل له: هذه سبيل ~~العلماء بالله عز وجل أن يكونوا خائفين من معاصيهم وجلين، وهم أيضا لا ~~يأمنون أن يكون قد بقى من أشراط التوبة شئ لم يأتوا به، فهم يخافون من ~~المطالبة به. وقال الحسن وابن جريج: # قال الله لموسى إني أخفتك لقتلك النفس. قال الحسن: وكانت الأنبياء تذنب ~~فتعاقب. # قال الثعلبي والقشيري والماوردي وغيرهم: فالاستثناء على هذا صحيح أي إلا ~~من ظلم نفسه من النبيين والمرسلين فيما فعل من صغيرة قبل النبوة. وكان موسى ~~خاف من قتل القبطي وتاب منه. # وقد قيل: إنهم بعد النبوة معصومون من الصغائر والكبائر. وقد مضى هذا في " ~~البقرة " (2). # PageV13P161 # قلت: والأول أصح لتنصلهم من ذلك في القيامة كما في حديث الشفاعة، وإذا ~~أحدث المقرب حدثا فهو وإن غفر له ذلك الحدث فأثر ذلك الحدث باق، وما دام ~~الأثر والتهمة قائمة فالخوف كائن لا خوف العقوبة ولكن خوف العظمة، والمتهم ~~عند السلطان يجد للتهمة حزازة تؤديه إلى أن يكدر عليه صفاء الثقة. وموسى ~~عليه السلام قد كان منه الحدث في ذلك الفرعوني، ثم استغفر وأقر بالظلم على ~~نفسه، ثم غفر له، ثم قال بعد المغفرة: " رب بما أنعمت على فلن أكون ظهيرا ~~للمجرمين " ثم ابتلى من الغد بالفرعوني الآخر وأراد أن ms4641 يبطش به، فصار حدثا ~~آخر بهذه الإرادة. وإنما ابتلى من الغد لقوله: " فلن أكون ظهيرا للمجرمين " ~~وتلك كلمة اقتدار من قوله لن أفعل، فعوقب بالإرادة حين أراد أن يبطش ولم ~~يفعل، فسلط عليه الإسرائيلي حتى أفشى سره، لان الإسرائيلي لما رآه تشمر ~~للبطش ظن أنه يريده، فأفشى عليه ف‍ " قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت ~~نفسا بالأمس " فهرب الفرعوني وأخبر فرعون بما أفشى الإسرائيلي على موسى، ~~وكان القتيل بالأمس مكتوما أمره لا يدرى من قتله، فلما علم فرعون بذلك، وجه ~~في طلب موسى ليقتله، واشتد الطلب وأخذوا مجامع الطرق، جاء رجل يسعى ف‍ " ~~قال يا موسى إن الملا يأتمرون بك ليقتلوك " الآية. فخرج كما أخبر الله. # فخوف موسى إنما كان من أجل هذا الحدث، فهو وإن قربه ربه وأكرمه واصطفاه ~~بالكلام فالتهمة الباقية ولت به ولم يعقب. # قوله تعالى: (وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء) تقدم في " طه " ~~(1) القول فيه. (في تسع آيات) قال النحاس أحسن ما قيل فيه أن المعنى: هذه ~~الآية داخلة في تسع آيات. المهدوي: المعنى " ألق عصاك " " وأدخل يدك في ~~جيبك " فهما آيتان من تسع آيات. وقال القشيري معناه: كما تقول خرجت في عشرة ~~نفر وأنت أحدهم. أي خرجت عاشر عشرة. ف‍ " في " بمعنى " من " لقربها منها ~~كما تقول خذ لي عشرا من الإبل فيها فحلان أي منها. وقال الأصمعي في قول ~~امرئ القيس: # وهل ينعمن (2) من كان آخر عهده * ثلاثين شهرا في ثلاثة أحوال # PageV13P162 # في بمعنى من. وقيل: في بمعنى مع، فالآيات عشرة منها اليد، والتسع: الفلق ~~والعصا والجراد والقمل والطوفان والدم والضفادع والسنين والطمس (1). وقد ~~تقدم بيان جميعه. # (إلى فرعون وقومه) قال الفراء: في الكلام إضمار لدلالة الكلام عليه، أي ~~إنك مبعوث أو مرسل إلى فرعون وقومه. (إنهم كانوا قوما فاسقين) أي خارجين عن ~~طاعة الله، وقد تقدم: # قوله تعالى: (فلما جاءتهم آياتنا مبصرة) أي واضحة بينة. قال الأخفش: ~~ويجوز مبصرة وهو مصدر كما يقال: الولد مجبنة. (قالوا هذا ms4642 سحر مبين) جروا ~~على عادتهم في التكذيب فلهذا قال: (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما ~~وعلوا) أي تيقنوا أنها من عند الله وأنها ليست سحرا، ولكنهم كفروا بها ~~وتكبروا أن يؤمنوا بموسى. وهذا يدل على أنهم كانوا معاندين. و " ظلما " و " ~~علوا " منصوبان على نعت مصدر محذوف، أي وجحدوا بها جحودا ظلما وعلوا. ~~والباء زائدة أي وجحدوها، قاله أبو عبيدة. (فانظر) يا محمد (كيف كانت عاقبة ~~المفسدين) أي آخر أمر الكافرين الطاغين، انظر ذلك بعين قلبك وتدبر فيه. ~~الخطاب له والمراد غيره. # قوله تعالى: ولقد آتينا داود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا ~~على كثير من عباده المؤمنين (15) وورث سليمن داود وقال يا أيها الناس علمنا ~~منطق الطير وأوتينا من كل شئ إن هذا لهو الفضل المبين (16) قوله تعالى: ~~(ولقد آتينا داود وسليمان علما) أي فهما، قاله قتادة. وقيل: علما بالدين ~~والحكم وغيرهما كما قال: " وعلمناه صنعة لبوس لكم ". وقيل: صنعة الكيمياء. # وهو شاذ. وإنما الذي آتاهما الله النبوة والخلافة في الأرض والزبور. " ~~وقالا الحمد لله # PageV13P163 # الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين) وفى الآية دليل على شرف العلم ~~وإنافة محله وتقدم حملته وأهله، وأن نعمة العلم من أجل النعم وأجزل القسم، ~~وأن من أوتيه فقد أوتى فضلا على كثير من عباد الله المؤمنين. " يرفع الله ~~الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ". # وقد تقدم هذا في غير موضع. # قوله تعالى: (وورث سليمان داود وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير ~~وأوتينا من كل شئ) قال الكلبي: كان لداود صلى الله عليه وسلم تسعة عشر ولدا ~~فورث سليمان من بينهم نبوته وملكه، ولو كان وراثة مال لكان جميع أولاده فيه ~~سواء، وقال ابن العربي، قال: فلو كانت وراثة مال لانقسمت على العدد، فخص ~~الله سليمان بما كان لداود من الحكمة والنبوة، وزاده من فضله ملكا لا ينبغي ~~لاحد من بعده. قال ابن عطية: داود من بني إسرائيل وكان ملكا وورث سليمان ~~ملكه ومنزلته من النبوة، بمعنى صار إليه ذلك بعد ms4643 موت أبيه فسمى ميراثا ~~تجوزا، وهذا نحو قول: " العلماء ورثة الأنبياء " ويحتمل قوله عليه السلام: ~~" إنا معشر الأنبياء لا نورث " أن يريد أن ذلك من فعل الأنبياء وسيرتهم، ~~وإن كان فيهم من ورث ماله كزكريا على أشهر الأقوال فيه، وهذا كما تقول: إنا ~~معشر المسلمين إنما شغلتنا العبادة، والمراد أن ذلك فعل الأكثر. ومنه ما ~~حكى سيبويه: إنا معشر العرب أقرى الناس للضيف. # قلت: قد تقدم هذا المعنى في " مريم " (1) وأن الصحيح القول الأول لقوله ~~عليه السلام: # " إنا معشر الأنبياء لا نورث " فهو عام ولا يخرج منه شئ إلا بدليل. قال ~~مقاتل: كان سليمان أعظم ملكا من داود وأقضى منه، وكان داود أشد تعبدا من ~~سليمان. قال غيره: ولم يبلغ أحد من الأنبياء ما بلغ ملكه، فإن الله سبحانه ~~وتعالى سخر له الإنس والجن والطير والوحش، وآتاه ما لم يؤت أحدا من ~~العالمين، وورث أباه في الملك والنبوة، وقام بعده بشريعته، وكل نبي جاء بعه ~~موسى ممن بعث أو لم يبعث فإنما كان بشريعة موسى، إلى أن بعث المسيح عليه ~~السلام فنسخها. وبينه وبين الهجرة نحو من ألف وثمانمائة سنة. و اليهود تقول ~~ألف # PageV13P164 # وثلاثمائة واثنتان وستون سنة. وقيل: إن بين موته وبين مولد النبي صلى ~~الله عليه سلم نحوا من ألف وسبعمائة. واليهود تنقص منها ثلاثمائة سنة، وعاش ~~نيفا وخمسين سنة. # قوله تعالى: " وقال يا أيها الناس " أي قال سليمان لبني إسرائيل على جهة ~~الشكر لنعم الله " علمنا منطق الطير " أي تفضل الله علينا على ما ورثنا من ~~داود من العلم والنبوة والخلافة في الأرض في أن فهمنا من أصوات الطير ~~المعاني التي في نفوسها. قال مقاتل في الآية: # كان سليمان جالسا ذات يوم إذ مر به طائر يطوف، فقال لجلسائه: أتدرون ما ~~يقول هذا الطائر؟ إنها قالت لي: السلام عليك أيها الملك المسلط والنبي لبني ~~إسرائيل! أعطاك الله الكرامة، وأظهرك على عدوك، إني منطلق إلى أفراخي ثم ~~أمر بك الثانية، وإنه سيرجع إلينا الثانية ثم رجع، فقال إنه ms4644 يقول: السلام ~~عليك أيها الملك المسلط، إن شئت أن تأذن لي كيما أكتسب على أفراخي حتى ~~يشبوا ثم آتيك فافعل بي ما شئت. فأخبرهم سليمان بما قال، وأذن له فانطلق. ~~وقال فرقد السبخي: مر سليمان على بلبل فوق شجرة يحرك رأسه ويميل ذنبه، فقال ~~لأصحابه: أتدرون ما يقول هذا البلبل؟ قالوا لا يا نبي الله. قال إنه يقول: # أكلت نصف ثمرة فعلى الدنيا العفاء. ومر بهدهد فوق شجرة وقد نصب له صبي ~~فخا فقال له سليمان: احذر يا هدهد! فقال: يا نبي الله! هذا صبي لا عقل له ~~فأنا أسخر به. ثم رجع سليمان فوجده قد وقع في حبالة الصبي وهو في يده، ~~فقال: هدهد ما هذا؟ قال: ما رأيتها حتى وقعت فيها يا نبي الله. قال: ويحك! ~~فأنت ترى الماء تحت الأرض أما ترى الفخ! # قال: يا نبي الله إذا نزل القضاء عمى البصر. وقال كعب. صاح ورشان عند ~~سليمان ابن داود فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا. قال: إنه يقول: لدوا ~~للموت وابنوا للخراب. # وصاحت فاختة، فقال: أتدرون ما تقول؟ قالوا: لا. قال: إنها تقول: ليت هذا ~~الخلق لم يخلقوا وليتهم إذ خلقوا علموا لماذا خلقوا. وصاح عنده طاوس، فقال: ~~أتدرون ما يقول؟ # قالوا: لا. قال إنه يقول: كما تدين تدان. وصاح عنده هدهد، فقال: أتدرون ~~ما يقول؟ # قالوا لا. قال: فإنه يقول: من لا يرحم لا يرحم. وصاح صرد عنده، فقال: ~~أتدرون ما يقول؟ PageV13P165 # قالوا: لا. قال: إنه يقول: استغفروا الله يا مذنبين، فمن ثم نهى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن قتله. وقيل: إن الصرد هو الذي دل آدم على مكان ~~البيت. وهو أول من صام، ولذلك يقال للصرد الصوام، روى عن أبي هريرة. وصاحت ~~عنده طيطوى فقال: أتدرون ما تقول؟ # قالوا: لا. قال: إنها تقول: كل حي ميت وكل جديد بال. وصاحت خطافة عنده، ~~فقال: # أتدرون ما تقول؟ قالوا: لا. قال إنها تقول: قدموا خيرا تجدوه، فمن ثم نهى ~~رسول الله صلى الله عليه ms4645 وسلم عن قتلها. وقيل: إن آدم خرج من الجنة فاشتكى ~~إلى الله الوحشة، فآنسه الله تعالى بالخطاف وألزمها البيوت، فهي لا تفارق ~~بني آدم أنسا لهم. قال: ومعها أربع آيات من كتاب الله عز وجل: " لو أنزلنا ~~هذا القرآن على جبل لرأيته " إلى آخرها وتمد صوتها بقوله " العزيز الحكيم ~~". وهدرت حمامة عند سليمان فقال: أتدرون ما تقول؟ # قالوا: لا. قال إنها تقول: سبحان ربى الاعلى عدد ما في سماواته وأرضه. ~~وصاح قمري عند سليمان، فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا. قال إنه يقول: ~~سبحان ربى العظيم المهيمن. # وقال كعب: وحدثهم سليمان، فقال الغراب يقول: اللهم العن العشار، والحدأة ~~تقول: # " كل شئ هالك إلا وجهه ". والقطاة تقول: من سكت سلم. والببغاء تقول: ويل ~~لمن الدنيا همه. والضفدع يقول: سبحان ربى القدوس. والبازي يقول: سبحان ربى ~~وبحمده. # والسرطان يقول: سبحان المذكور بكل لسان في كل مكان. # وقال مكحول: صاح دراج عند سليمان، فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا. قال ~~إنه يقول: " الرحمن على العرش استوى ". وقال الحسن قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " الديك إذا صاح قال اذكروا الله يا غافلين ". وقال الحسن بن علي بن أبي ~~طالب قال النبي صلى الله عليه وسلم: " النسر إذا صاح قال يا بن آدم عش ما ~~شئت فأخرك الموت وإذا صاح العقاب قال في البعد من الناس الراحة وإذا صاح ~~القنبر قال إلهي العن مبغضي آل محمد وإذا صاح الخطاف قرأ: " الحمد لله رب ~~العالمين " إلى آخرها فيقول " ولا الضالين " ويمد بها صوته كما يمد القارئ ~~". قال قتادة والشعبي: إنما هذا الامر في الطير خاصة، لقوله: " علمنا ~~PageV13P166 # منطق الطير " والنملة طائر إذ قد يوجد له أجنحة. قال الشعبي: وكذلك كانت ~~هذه النملة ذات جناحين. وقالت فرقة: بل كان في جميع الحيوان، وإنما ذكر ~~الطير لأنه كان جندا من جند سليمان يحتاجه في التظليل عن الشمس وفي البعث ~~في الأمور فخص بالذكر لكثرة مداخلته، ولأن أمر سائر الحيوان نادر وغير ~~متردد ترداد أمر الطير. وقال أبو ms4646 جعفر النحاس: # والمنطق قد يقع لما يفهم بغير كلام، والله عز وجل أعلم بما أراد. قال ابن ~~العربي: # من قال إنه لا يعلم إلا منطق الطير فنقصان عظيم، وقد اتفق الناس على أنه ~~كان يفهم كلام من لا يتكلم ويخلق له فيه القول من النبات، فكان كل نبت يقول ~~له: أنا شجر كذا، أنفع من كذا وأضر من كذا، فما ظنك بالحيوان. # قوله تعالى: وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون (17) ~~فيه مسئلتان: # الأولى - قوله تعالى: " وحشر لسليمان " " حشر " جمع والحشر الجمع ومنه ~~قوله عز وجل: " وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا " واختلف الناس في مقدار جند ~~سليمان عليه السلام، فيقال: كان معسكره مائة فرسخ في مائة: خمسة وعشرون ~~للجن، وخمسة وعشرون للانس، وخمسة وعشرون للطير، وخمسة وعشرون للوحش. وكان ~~له ألف بيت من قوارير على الخشب فيها ثلاثمائة منكوحة وسبعمائة سرية. ابن ~~عطية: واختلف في معسكره و مقدار جنده اختلافا شديدا غير أن الصحيح أن ملكه ~~كان عظيما ملا الأرض، وانقادت له المعمورة كلها. # " فهم يوزعون " معناه يرد أولهم إلى آخرهم ويكفون. قال قتادة: كان لكل ~~صنف وزعة في رتبتهم ومواضعهم من الكرسي ومن الأرض إذا مشوا فيها. يقال: ~~وزعته أوزعه وزعا أي كففته. والوازع في الحرب الموكل بالصفوف يزع من تقدم ~~منهم. روى محمد بن إسحاق عن أسماء بنت أبي بكر قالت: لما وقف رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بذى طوى - تعنى PageV13P167 # يوم الفتح - قال أبو قحافة وقد كف بصره يومئذ لابنته: اظهري بي على أبى ~~قبيس. # قالت: فأشرفت به عليه فقال: ما ترين؟ قالت: أرى سوادا مجتمعا. قال: تلك ~~الخيل. # قالت: وأرى رجلا من السواد مقبلا ومدبرا. قال: ذلك الوازع يمنعها أن ~~تنتشر. وذكر تمام الخبر. ومن هذا قوله عليه السلام: " ما رؤي الشيطان يوما ~~هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة وما ذاك إلا لما ~~رأى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام إلا ما رأى يوم ms4647 بدر " ~~قيل: وما رأى يا رسول الله؟ قال: " أما أنه رأى جبريل يزع الملائكة " خرجه ~~الموطأ. ومن هذا المعنى قول النابغة: # على حين عاتبت المشيب على الصبا * وقلت ألما أصح والشيب وازع آخر: # ولما تلاقينا جرت من جفوننا * دموع وزعنا غربها بالأصابع آخر: # ولا يزع النفس اللجوج عن الهوى * من الناس إلا وافر العقل كامله وقيل: هو ~~من التوزيع بمعنى التفريق. والقوم أوزاع أي طوائف. وفي القصة: إن الشياطين ~~نسجت له بساطا فسخا في فرسخ ذهبا في إبريسم، وكان يوضع له كرسي من ذهب ~~وحوله ثلاثة آلاف كرسي من ذهب وفضة فيقعد الأنبياء على كراسي الذهب، ~~والعلماء على كراسي الفضة. # الثانية - في الآية دليل على اتخاذ الامام والحكام وزعة يكفون الناس ~~ويمنعونهم من تطاول بعضهم على بعض، إذ لا يمكن الحكام ذلك بأنفسهم. وقال ~~ابن عون: سمعت الحسن يقول وهو في مجلس قضائه لما رأى ما يصنع الناس قال: ~~والله ما يصلح هؤلاء الناس إلا وزعة. وقال الحسن أيضا: لابد للناس من وازع، ~~أي من سلطان يكفهم. وذكر ابن القاسم قال حدثنا مالك أن عثمان بن عفان كان ~~يقول: ما يزع الامام أكثر مما يزع القرآن، أي من الناس. قال ابن القاسم: ~~قلت لمالك ما يزع؟ قال: يكف. قال القاضي أبو بكر ابن العربي: وقد جهل قوم ~~المراد بهذا الكلام، فظنوا أن المعنى فيه أن قدرة السلطان تردع PageV13P168 # الناس أكثر مما تردعهم حدود القرآن وهذا جهل بالله وحكمته. قال: فإن الله ~~ما وضع الحدود إلا مصلحة عامة كافة قائمة لقوام الخلق، لا زيادة عليها، ولا ~~نقصان معها، ولا يصلح سواها، ولكن الظلمة خاسوا بها، وقصروا عنها، وأتوا ما ~~أتوا بغير نية، ولم يقصدوا وجه الله في القضاء بها، فلم يرتدع الخلق بها، ~~ولو حكموا بالعدل، وأخلصوا النية، لاستقامت الأمور، وصلح الجمهور. # قوله تعالى: حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا ~~مسكنكم لا يحطمنكم سليمن وجنوده وهم لا يشعرون (18) فتبسم ضاحكا من قولها ~~وقال رب أوزعني ms4648 أن أشكر نعمتك التي أنعمت على وعلى ولدى وأن أعمل صلحا ترضه ~~وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين (19) فيه ست مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (حتى إذا أتوا على واد النمل) قال قتادة: ذكر لنا ~~أنه واد بأرض الشام. وقال كعب: هو بالطائف. (قالت نملة يا أيها النمل) قال ~~الشعبي: كان للنملة جناحان فصارت من الطير، فلذلك علم منطقها ولولا ذلك لما ~~علمه. وقد مضى هذا ويأتي. وقرأ سليمان التيمي بمكة: " نملة " و " النمل " ~~بفتح النون وضم الميم. وعنه أيضا ضمهما جميعا. وسميت النملة نملة لتنملها ~~وهو كثرة حركتها وقلة قرارها. قال كعب: مر سليمان عليه السلام بوادي السدير ~~من أودية الطائف، فأتى على وادي النمل، فقامت نملة تمشى وهي عرجاء تتكاوس ~~مثل الذئب في العظم، فنادت: " يا أيها النمل " الآية. الزمخشري: سمع سليمان ~~كلامها من ثلاثة أميال، وكانت تمشى وهي عرجاء تتكاوس، وقيل: كان اسمها ~~طاخية. # وقال السهيلي: ذكروا اسم النملة المكلمة لسليمان عليه السلام، وقالوا ~~اسمها حرميا، ولا أدري كيف يتصور للنملة اسم علم والنمل لا يسمى بعضهم ~~بعضا، ولا الآدميون يمكنهم تسمية PageV13P169 # واحدة منهم باسم علم، لأنه لا يتميز للآدميين بعضهم من بعض، ولا هم أيضا ~~واقعون تحت ملكة بني آدم كالخيل والكلاب ونحوها، فإن العلمية فيما كان كذلك ~~موجودة عند العرب. فإن قلت: إن العلمية موجودة في الأجناس كثعالة وأسامة ~~وجعار وقثام في الضبع ونحو هذا كثير، فليس اسم النملة من هذا، لأنهم زعموا ~~أنه اسم علم لنملة واحدة معينة من بين سائر النمل، وثعالة ونحوه لا يختص ~~بواحد من الجنس، بل كل واحد رأيته من ذلك الجنس فهو ثعالة، وكذلك أسامة ~~وابن آوى وابن عرس وما أشبه ذلك. فإن صح ما قالوه فله وجه، وهو أن تكون هذه ~~النملة الناطقة قد سميت بهذا الاسم في التوراة أو في الزبور أو في بعض ~~الصحف سماها الله تعالى بهذا الاسم، وعرفها به الأنبياء قبل سليمان أو ~~بعضهم. وخصت بالتسمية لنطقها وإيمانها فهذا وجه. ومعنى قولنا بإيمانها أنها ~~قالت للنمل: ms4649 (لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون) فقولها: " وهم لا ~~يشعرون " التفاتة مؤمن. أي من عدل سليمان وفضله وفضل جنوده لا يحطمون نملة ~~فما فوقها إلا بألا يشعروا. وقد قيل: إن تبسم سليمان سرور بهذه الكلمة ~~منها، ولذلك أكد التبسم بقوله: " ضاحكا " إذ قد يكون التبسم من غير ضحك ولا ~~رضا، ألا تراهم يقولون تبسم تبسم الغضبان وتبسم تبسم المستهزئين. وتبسم ~~الضحك إنما هو عن سرور، ولا يسر نبي بأمر دنيا، وإنما سر بما كان من أمر ~~الآخرة والدين. وقولها: # " وهم لا يشعرون " إشارة إلى الدين والعدل والرأفة. ونظير قول النملة في ~~جند سليمان " وهم لا يشعرون " قول الله تعالى في جند محمد صلى الله عليه ~~وسلم: " فتصيبكم منهم معرة بغير علم ". # التفاتا إلى أنهم لا يقصدون هدر مؤمن. إلا أن المثني على جند سليمان هي ~~النملة بإذن الله تعالى، والمثني على جند محمد صلى الله عليه وسلم هو الله ~~عز وجل بنفسه، لما لجنود محمد صلى الله عليه وسلم من الفضل على جند غيره من ~~الأنبياء، كما لمحمد صلى الله عليه وسلم فضل على جميع النبيين صلى الله ~~عليهم وسلم أجمعين. وقرأ شهر بن حوشب: " مسكنكم " بسكون السين على الافراد. ~~وفي مصحف أبي " مساكنكن لا يحطمنكم ". وقرأ سليمان التيمي " مساكنكم لا ~~يحطمنكن " ذكره النحاس، أي لا يكسرنكم بوطئهم عليكم وهم لا يعلمون بكم ~~PageV13P170 # قال المهدوي: وأفهم الله تعالى النملة هذا لتكون معجزة لسليمان. وقال ~~وهب: أمر الله تعالى الريح ألا يتكلم أحد بشئ إلا طرحته في سمع سليمان، ~~بسبب أن الشياطين أرادت كيده. وقد قيل: إن هذا الوادي كان ببلاد اليمن ~~وأنها كانت نملة صغيرة مثل النمل المعتاد، قاله الكلبي. وقال نوف الشامي ~~وشقيق بن سلمة: كان نمل ذلك الوادي كهيئة الذئاب في العظم. وقال بريدة ~~الأسلمي: كهيئة النعاج. قال محمد بن علي الترمذي: فإن كان على هذه الخلقة ~~فلها صوت، وإنما افتقد صوت النمل لصغر خلقها، وإلا فالأصوات في الطيور ~~والبهائم كائنة، وذلك منطقهم، وفي تلك المناطق معاني ms4650 التسبيح وغير ذلك، وهو ~~قوله تعالى: # " وإن من شئ إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم ". # قلت: وقوله " لا يحطمنكم " يدل على صحة قول الكلبي، إذ لو كانت كهيئة ~~الذئاب والنعاج لما حطمت بالوطئ، والله أعلم. وقال: " ادخلوا مساكنكم " ~~فجاء على خطاب الآدميين لان النمل هاهنا أجرى مجرى الآدميين حين نطق كما ~~ينطق الآدميون. قال أبو إسحاق الثعلبي: ورأيت في بعض الكتب أن سليمان قال ~~لها لم حذرت النمل؟ أخفت ظلمي؟ # أما علمت أنى نبي عدل؟ فلم قلت: " يحطمنكم سليمان وجنوده " فقالت النملة: ~~أما سمعت قولي " وهم لا يشعرون " مع أنى لم أرد حطم النفوس، وإنما أردت حطم ~~القلوب خشية أن يتمنين مثل ما أعطيت، أو يفتتن بالدنيا، ويشغلن بالنظر إلى ~~ملكك عن التسبيح والذكر. فقال لها سليمان: عظيني. فقالت النملة: أما علمت ~~لم سمى أبوك داود؟ قال: لا. # قالت: لأنه داوى جراحة فؤاده، هل علمت لم سميت سليمان؟ قال: لا. قالت: ~~لأنك سليم الناحية على ما أوتيته بسلامة صدرك، وإن لك أن تلحق بأبيك (1). ~~ثم قالت: أتدري لم سخر الله لك الريح؟ قال: لا. قالت: أخبرك أن الدنيا كلها ~~ريح. (فتبسم ضاحكا من قولها) متعجبا ثم مضت مسرعة إلى قومها، فقالت: هل ~~عندكم من شئ نهديه إلى # PageV13P171 # نبي الله؟ قالوا: وما قدر ما نهدي له! والله ما عندنا إلا نبقة واحدة. ~~قالت: حسنة، ايتونى بها. فأتوها بها فحملتها بفيها فانطلقت تجرها، فأمر ~~الله الريح فحملتها، وأقبلت تشق الإنس والجن والعلماء والأنبياء على ~~البساط، حتى وقعت بين يديه، ثم وضعت تلك النبقة من فيها في كفه، وأنشأت ~~تقول: # ألم ترنا نهدي إلى الله ماله * وإن كان عنه ذا غنى فهو قابله ولو كان ~~يهدى للجليل بقدره * لقصر عنه البحر يوما وساحله ولكننا نهدي إلى من نحبه * ~~فيرضى به عنا ويشكر فاعله وما ذاك إلا من كريم فعاله * وإلا فما في ملكنا ~~ما يشاكله فقال لها: بارك الله فيكم، فهم بتلك الدعوة أشكر خلق الله وأكثر ~~خلق الله. وقال ابن عباس: ms4651 نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل أربع من ~~الدواب: الهدهد والصرد والنملة والنحلة، خرجه أبو داود وصححه أبو محمد عبد ~~الحق وروى من حديث أبي هريرة. وقد مضى في " الأعراف " (1). فالنملة أثنت ~~على سليمان وأخبرت بأحسن ما تقدر عليه بأنهم لا يشعرون إن حطموكم، ولا ~~يفعلون ذلك عن عمد منهم، فنفت عنهم الجور، ولذلك نهى عن قتلها، وعن قتل ~~الهدهد، لأنه كان دليل سليمان على الماء ورسوله إلى بلقيس. # وقال عكرمة: إنما صرف الله شر سليمان عن الهدهد لأنه كان بارا بوالديه. ~~والصرد يقال له الصوام. وروي عن أبي هريرة قال: أول من صام الصرد ولما خرج ~~إبراهيم عليه السلام من الشام إلى الحرم في بناء البيت كانت السكينة (2) ~~معه والصرد، فكان الصرد دليله على الموضع والسكينة مقداره، فلما صار إلى ~~البقعة وقعت السكينة على موضع البيت ونادت وقالت: # ابن يا إبراهيم على مقدار ظلي. وقد تقدم في " الأعراف " سبب النهى عن قتل ~~الضفدع وفي " النحل " (3) النهي عن قتل النحل. والحمد لله. # PageV13P172 # الثانية - قرأ الحسن: " لا يحطمنكم " وعنه أيضا " لا يحطمنكم " وعنه أيضا ~~وعن أبي رجاء: " لا يحطمنكم " والحطم الكسر. حطمته حطما أي كسرته وتحطم، ~~والتحطيم التكسير، " وهم لا يشعرون " يجوز أن يكون حالا من سليمان، وجنوده، ~~والعامل في الحال " يحطمنكم ". أو حالا من النملة والعامل " قالت ". أي ~~قالت ذلك في حال غفلة الجنود، كقولك: قمت والناس غافلون. أو حالا من النمل ~~أيضا والعامل " قالت " على أن المعنى: # والنمل لا يشعرون أن سليمان يفهم مقالتها. وفيه بعد وسيأتي. # الثالثة - روى مسلم من حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " ~~أن نملة قرصت نبيا من الأنبياء فأمر بقرية النمل فأحرقت فأوحى الله تعالى ~~إليه أفي أن قرصتك نملة أهلكت أمة من الأمم تسبح " وفي طريق آخر: " فهلا ~~نملة واحدة ". قال علماؤنا: يقال إن هذا النبي هو موسى عليه السلام، وإنه ~~قال: يا رب تعذب أهل قرية بمعاصيهم وفيهم الطائع. فكأنه أحب أن يريه ذلك من ~~عنده، ms4652 فسلط عليه الحر حتى التجأ إلى شجرة مستروحا إلى ظلها، وعندها قرية ~~النمل، فغلبه النوم، فلما وجد لذة النوم لدغته النملة فأضجرته، فدلكهن ~~بقدمه فأهلكهن، وأحرق تلك الشجرة التي عندها مساكنهم، فأراه الله العبرة في ~~ذلك آية: لما لدغتك نملة فكيف أصبت الباقين بعقوبتها! يريد أن ينبهه أن ~~العقوبة من الله تعالى تعم فتصير رحمة على المطيع وطهارة وبركة، وشرا ونقمة ~~على العاصي. وعلى هذا فليس في الحديث ما يدل على كراهة ولا حظر في قتل ~~النمل، فإن من آذاك حل لك دفعه عن نفسك، ولا أحد من خلقه أعظم حرمة من ~~المؤمن، وقد أبيح لك دفعه عنك بقتل وضرب على المقدار، فكيف بالهوام والدواب ~~التي قد سخرت لك وسلطت عليها، فإذا آذاك أبيح لك قتله. وروى عن إبراهيم: ما ~~آذاك من النمل فاقتله. وقوله: " ألا نملة واحدة " دليل على أن الذي يؤذى ~~يؤذى ويقتل، وكلما كان القتل لنفع أو دفع ضرر فلا بأس به عند العلماء. ~~وأطلق له نملة ولم يخص تلك النملة التي لدغت من غيرها، لأنه ليس المراد ~~القصاص، لأنه لو أراده لقال ألا نملتك التي لدغتك، ولكن قال: ألا نملة مكان ~~نملة، فعم البرئ PageV13P173 # والجاني بذلك، ليعلم أنه أراد أن ينبهه لمسألته ربه في عذاب أهل قرية ~~وفيهم المطيع والعاصي. # وقد قيل: إن هذا النبي كانت العقوبة للحيوان بالتحريق جائزة في شرعه، ~~فلذلك إنما عاتبه الله تعالى في إحراق الكثير من النمل لا في أصل الاحراق. ~~ألا ترى قوله: " فهلا نملة واحدة " أي هلا حرقت نملة واحدة. وهذا بخلاف ~~شرعنا، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى عن التعذيب بالنار. وقال " لا ~~يعذب بالنار إلا الله ". وكذلك أيضا كان قتل النمل مباحا في شريعة ذلك ~~النبي، فإن الله لم يعتبه على أصل قتل النمل. وأما شرعنا فقد جاء من حديث ~~ابن عباس وأبي هريرة النهى عن ذلك. وقد كره مالك قتل النمل إلا أن يضر ولا ~~يقدر على دفعه إلا بالقتل. وقد قيل: إن هذا ms4653 النبي إنما عاتبه الله حيث ~~انتقم لنفسه بإهلاك جمع آذاه واحد، وكان الأولى الصبر والصفح، لكن وقع ~~للنبي أن هذا النوع مؤذ لبني آدم، وحرمة بني آدم أعظم من حرمة غيره من ~~الحيوان غير الناطق، فلو انفرد له هذا النظر ولم ينضم إليه التشفي الطبعي ~~لم يعاتب. والله أعلم. لكن لما انضاف إليه التشفي الذي دل عليه سياق الحديث ~~عوتب عليه. # الرابعة - قوله: " أفي أن قرصتك نملة أهلكت أمة من الأمم تسبح " مقتضى ~~هذا أنه تسبيح بمقال ونطق، كما أخبر الله عن النمل أن لها منطقا وفهمه ~~سليمان عليه السلام - وهذا معجزة له - وتبسم من قولها. وهذا يدل دلالة ~~واضحة أن للنمل نطقا وقولا، لكن لا يسمعه كل أحد، بل من شاء الله تعالى ممن ~~خرق له العادة من نبي أو ولي. ولا ننكر هذا من حيث أنا لا نسمع ذلك، فإنه ~~لا يلزم من عدم الادراك عدم المدرك في نفسه. # ثم إن الانسان يجد في نفسه قولا وكلاما ولا يسمع منه إلا إذا نطق بلسانه. ~~وقد خرق الله العادة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم فأسمعه كلام النفس من ~~قوم تحدثوا مع أنفسهم وأخبرهم بما في نفوسهم، كما قد نقل منه الكثير من ~~أئمتنا في كتب معجزات النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك وقع لكثير ممن أكرمه ~~الله تعالى من الأولياء مثل ذلك في غير ما قضية. وإياه عنى النبي صلى الله ~~عليه وسلم بقوله: " إن في أمتي محدثين وإن عمر منهم ". وقد مضى هذا المعنى ~~PageV13P174 # في [تسبيح] (1) الجماد في " سبحان " (2) وإنه تسبيح لسان ومقال لا تسبيح ~~دلالة حال. # والحمد لله. # الخامسة - قوله تعالى: " فتبسم ضاحكا من قولها " وقرأ ابن السميقع: " ~~ضحكا " بغير ألف وهو منصوب على المصدر بفعل محذوف يدل عليه تبسم، كأنه قال ~~ضحك ضحكا، هذا مذهب سيبويه. وهو عند غير سيبويه منصوب بنفس " تبسم " لأنه ~~في معنى ضحك. # ومن قرأ: " ضاحكا " فهو منصوب على الحال من الضمير في " تبسم ". والمعنى ~~تبسم مقدار الضحك، لان الضحك يستغرق ms4654 التبسم، والتبسم دون الضحك وهو أوله. ~~يقال: # بسم (بالفتح) يبسم بسما فهو باسم وابتسم وتبسم، والمبسم الثغر مثل المجلس ~~من جلس يجلس ورجل مبسام وبسام كثير التبسم، فالتبسم ابتداء الضحك، والضحك ~~عبارة عن الابتداء والانتهاء، إلا أن الضحك يقتضى مزيدا على التبسم، فإذا ~~زاد ولم يضبط الانسان نفسه قيل قهقه. والتبسم ضحك الأنبياء عليهم السلام في ~~غالب أمرهم. وفي الصحيح عن جابر بن سمرة وقيل له: أكنت تجالس النبي صلى ~~الله عليه وسلم، قال: نعم كثيرا، كان لا يقوم من مصلاه الذي يصلى فيه الصبح ~~- أو الغداة - حتى تطلع الشمس فإذا طلعت قام، وكانوا يتحدثون ويأخذون في ~~أمر الجاهلية فيضحكون ويتبسم. وفيه عن سعد قال: كان رجل من المشركين قد ~~أحرق المسلمين (3)، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " ارم فداك أبي وأمي ~~" قال فنزعت له بسهم ليس فيه نصل فأصبت جنبه فسقط فانكشفت عورته، فضحك رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حتى نظرت إلى نواجذه. فكان عليه السلام في أكثر ~~أحواله يتبسم. وكان أيضا يضحك في أحوال أخر ضحكا أعلى من التبسم وأقل من ~~الاستغراق الذي تبدو فيه اللهوات. # وكان في النادر عند إفراط تعجبه ربما ضحك حتى بدت نواجذه. وقد كره ~~العلماء منه الكثرة، كما قال لقمان لابنه: يا بنى إياك وكثرة الضحك فإنه ~~يميت القلب. وقد روى مرفوعا من # PageV13P175 # حديث أبي ذر وغيره. وضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه حين ~~رمى سعدا الرجل فأصابه، إنما كان سرورا بإصابته لا بانكشاف عورته، فإنه ~~المنزه عن ذلك صلى الله عليه وسلم. # السادسة - لا اختلاف عند العلماء أن الحيوانات كلها لها أفهام وعقول. وقد ~~قال الشافعي: الحمام أعقل الطير. قال ابن عطية: والنمل حيوان فطن قوي شمام ~~جدا يدخر ويتخذ القرى ويشق الحب بقطعتين لئلا ينبت، ويشق الكزبرة بأربع ~~قطع، لأنها تنبت إذا قسمت شقين، ويأكل في عامه نصف ما جمع ويستبقي سائره ~~عدة. قال ابن العربي: وهذه خواص العلوم عندنا، وقد أدركتها النمل بخلق الله ~~ذلك ms4655 لها، قال الأستاذ أبو المظفر شاهنور الأسفرايني: ولا يبعد أن تدرك ~~البهائم حدوث العالم وحدوث المخلوقات، ووحدانية الاله، ولكننا لا نفهم عنها ~~ولا تفهم عنا، أما أنا نطلبها وهي تفر منا فبحكم الجنسية. # قوله تعالى: (وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت على وعلى والدي) ~~ف‍ " أن " مصدرية. و " أوزعني " أي ألهمني ذلك. وأصله من وزع فكأنه قال: ~~كفني عما يسخط. وقال محمد بن إسحاق: يزعم أهل الكتاب أن أم سليمان هي امرأة ~~أوريا التي امتحن الله بها داود، أو أنه بعد موت زوجها تزوجها داود فولدت ~~له سليمان عليه السلام. # وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة " ص " (1) إن شاء الله تعالى. # (وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين) أي مع عبادك، عن ابن زيد. وقيل: ~~المعنى في جملة عبادك الصالحين. # قوله تعالى: وتفقد الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين ~~(20) لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين (21) فمكث غير ~~بعيد فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك # PageV13P176 # من سبأ بنبأ يقين (22) إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شئ ولها عرش ~~عظيم (23) وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعملهم ~~فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون (24) ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في ~~السماوات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون (25) الله لا إله إلا هو رب ~~العرش العظيم (26) قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين (27) اذهب بكتابي ~~هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون (28) فيه ثمان عشرة مسألة: # الأولى - قوله تعالى: (وتفقد الطير) ذكر شيئا آخر مما جرى له في مسيره ~~الذي كان فيه من النمل ما تقدم. والتفقد تطلب ما غاب عنك من شئ. والطير اسم ~~جامع والواحد طائر، والمراد بالطير هنا جنس الطير وجماعتها. وكانت تصحبه في ~~سفره وتظله بأجنحتها. # واختلف الناس في معنى تفقده للطير، فقالت فرقة: ذلك بحسب ما تقتضيه ~~العناية بأمور الملك، والتهمم بكل جزء منها، وهذا ظاهر الآية. وقالت فرقة: ~~بل تفقد الطير ms4656 لان الشمس دخلت من موضع الهدهد حين غاب، فكان ذلك سبب تفقد ~~الطير، ليتبين من أين دخلت الشمس. وقال عبد الله بن سلام: إنما طلب الهدهد ~~لأنه احتاج إلى معرفة الماء على كم هو من وجه الأرض، لأنه كان نزل في مفازة ~~عدم فيها الماء، وأن الهدهد كان يرى باطن الأرض وظاهرها، فكان يخبر سليمان ~~بموضع الماء، ثم كانت الجن تخرجه في ساعة يسيرة، تسلخ عنه وجه الأرض كما ~~تسلخ الشاة، قاله ابن عباس فيما روي عن ابن سلام. # قال أبو مجلز قال ابن عباس لعبد الله بن سلام: أريد أن أسألك عن ثلاث ~~مسائل. قال: # أتسألني وأنت تقرأ القرآن؟ قال: نعم ثلاث مرات. قال: لم تفقد سليمان ~~الهدهد دون PageV13P177 # سائر الطير؟ قال: احتاج إلى الماء ولم يعرف عمقه - أو قال مسافته - وكان ~~الهدهد يعرف ذلك دون سائر الطير فتفقده. وقال في كتاب النقاش: كان الهدهد ~~مهندسا. وروي أن نافع بن الأزرق سمع ابن عباس يذكر شأن الهدهد فقال له: قف ~~يا وقاف كيف يرى الهدهد باطن الأرض وهو لا يرى الفخ حين يقع فيه؟! فقال له ~~ابن عباس: إذا جاء القدر عمي البصر. وقال مجاهد: قيل لابن عباس كيف تفقد ~~الهدهد من الطير؟ فقال: # نزل منزلا ولم يدر ما بعد الماء، وكان الهدهد مهتديا إليه، فأراد أن ~~يسأله. قال مجاهد: # فقلت كيف يهتدي والصبي يضع له الحبالة فيصيده؟ قال: إذا جاء القدر عمي ~~البصر. # قال ابن العربي: ولا يقدر على هذا الجواب إلا عالم القرآن. # قلت: هذا الجواب قد قاله الهدهد لسليمان كما تقدم. وأنشدوا: # إذا أراد الله أمرا بامرئ * وكان ذا عقل ورأي ونظر وحيلة يعملها في دفع ~~ما * يأتي به مكروه أسباب القدر غطى عليه سمعه وعقله * وسله من ذهنه سل ~~الشعر حتى إذا أنفذ فيه حكمه * رد عليه عقله ليعتبر قال الكلبي: لم يكن له ~~في مسيره إلا هدهد واحد. والله أعلم. # الثانية - في هذه الآية دليل على تفقد الامام أحوال رعيته، والمحافظة ~~عليهم. فانظر إلى ms4657 الهدهد مع صغره كيف لم يخف على سليمان حاله، فكيف بعظام ~~الملك. ويرحم الله عمر فإنه كان على سيرته، قال: لو أن سخلة على شاطئ ~~الفرات أخذها الذئب ليسأل عنها عمر. # فما ظنك بوال تذهب على يديه البلدان، وتضيع الرعية ويضيع الرعيان. وفي ~~الصحيح عن عبد الله بن عباس أن عمر بن الخطاب خرج إلى الشام، حتى إذا كان ~~بسرغ (1) لقيه أمراء الأجناد: # أبو عبيدة وأصحابه فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام. الحديث، قال ~~علماؤنا: كان هذا الخروج من عمر بعد ما فتح بيت المقدس سنة سبع عشرة على ما ~~ذكره خليفة بن خياط. # PageV13P178 # كان يتفقد أحوال رعيته وأحوال أمرائه بنفسه، فقد دل القرآن والسنة وبينا ~~ما يجب على الامام من تفقد أحوال رعيته، ومباشرة ذلك بنفسه، والسفر إلى ذلك ~~وإن طال. # ورحم الله ابن المبارك حيث يقول: # وهل أفسد الدين إلا الملوك * وأحبار سوء ورهبانها (1) الثالثة - قوله ~~تعالى: (ما لي لا أرى الهدهد) أي ما للهدهد لا أراه، فهو من القلب الذي لا ~~يعرف معناه. وهو كقولك: مالي أراك كئيبا. أي مالك. والهدهد طير معروف ~~وهدهدته صوته. قال ابن عطية: إنما مقصد الكلام الهدهد غاب لكنه أخذ اللازم ~~عن مغيبه وهو أن لا يراه، فاستفهم على جهة التوقيف على اللازم وهذا ضرب من ~~الايجاز. والاستفهام الذي في قوله: " مالي " ناب مناب الألف التي تحتاجها ~~أم. وقيل: # إنما قال: " مالي لا أرى الهدهد "، لأنه اعتبر حال نفسه، إذ علم أنه أوتي ~~الملك العظيم، وسخر له الخلق، فقد لزمه حق الشكر بإقامة الطاعة وإدامة ~~العدل، فلما فقد نعمة الهدهد توقع أن يكون قصر في حق الشكر، فلأجله سلبها ~~فجعل يتفقد نفسه، فقال: " مالي ". قال ابن العربي: وهذا يفعله شيوخ الصوفية ~~إذا فقدوا مالهم (2)، تفقدوا أعمالهم، هذا في الآداب، فكيف بنا اليوم ونحن ~~نقصر في الفرائض!. وقرأ ابن كثير وابن محيصن وعاصم والكسائي وهشام وأيوب: " ~~مالي " بفتح الياء وكذلك في " يس " " ومالي لا أعبد الذي فطرني ". # وأسكنها حمزة ويعقوب. وقرأ الباقون المدنيون ms4658 وأبو عمرو: بفتح التي في " ~~يس " وإسكان هذه. قال أبو عمرو: لان هذه التي في " النمل " استفهام، ~~والأخرى انتفاء. واختار أبو حاتم وأبو عبيد الاسكان " فقال مالي ". وقال ~~أبو جعفر النحاس: زعم قوم أنهم أرادوا أن يفرقوا بين ما كان مبتدأ، وبين ما ~~كان معطوفا على ما قبله، وهذا ليس بشئ، وإنما هي ياء النفس، من العرب من ~~يفتحها ومنهم من يسكنها، فقرؤوا باللغتين، واللغة الفصيحة في ياء النفس أن ~~تكون مفتوحة، لأنها اسم وهي على حرف واحد، وكان الاختيار ألا تسكن فيجحف ~~بالاسم. " أم كان من الغائبين " بمعنى بل. # PageV13P179 # الرابعة - قوله تعالى: (لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه) دليل على أن ~~الحد على قدر الذنب لا على قدر الجسد، أما أنه يرفق بالمحدود في الزمان ~~والصفة. روي عن ابن عباس ومجاهد وابن جريج أن تعذيبه للطير كان بأن ينتف ~~ريشه. قال ابن جريج: ريشه أجمع. وقال يزيد بن رومان: جناحاه. فعل سليمان ~~هذا بالهدهد إغلاظا على العاصين، وعقابا على إخلاله بنوبته ورتبته، وكأن ~~الله أباح له ذلك، كما أباح ذبح البهائم والطير للاكل وغيره من المنافع. ~~والله أعلم. وفي " نوادر الأصول " قال: حدثنا سليمان بن حميد أبو الربيع ~~الأيادي، قال حدثنا عون بن عمارة، عن الحسين الجعفي، عن الزبير بن الخريت، ~~عن عكرمة، قال: إنما صرف الله شر سليمان عن الهدهد لأنه كان بارا بوالديه. ~~وسيأتي. وقيل: تعذيبه أن يجعل مع أضداده. وعن بعضهم: أضيق السجون معاشرة ~~الأضداد وقيل: لألزمنه خدمة أقرانه. وقيل: إيداعه القفص. وقيل: بأن يجعله ~~للشمس بعد نتفه. وقيل: # بتبعيده عن خدمتي، والملوك يؤدبون بالهجران الجسد بتفريق إلفه. وهو مؤكد ~~بالنون الثقيلة، وهي لازمة هي أو الخفيفة. قال أبو حاتم: ولو قرئت " ~~لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه " جاز. (أو ليأتيني بسلطان مبين) أي بحجة ~~بينة. وليست اللام في " ليأتيني " لام القسم لأنه لا يقسم سليمان على فعل ~~الهدهد، ولكن لما جاء في أثر قوله: " لأعذبنه " وهو مما جاز به القسم أجراه ~~مجراه. وقرأ ابن كثير وحده: " ليأتينني ms4659 " بنونين. # الخامسة - قوله تعالى: (فمكث غير بعيد) أي الهدهد. والجمهور من القراء ~~على ضم الكاف، وقرأ عاصم وحده بفتحها. ومعناه في القراءتين أقام. قال ~~سيبويه: مكث يمكث مكوثا كما قالوا قعد يقعد قعودا. قال: ومكث مثل ظرف. قال ~~غيره: والفتح أحسن لقوله تعالى: " ماكثين " إذ هو من مكث، يقال: مكث يمكث ~~فهو ماكث، ومكث يمكث مثل عظم يعظم فهو مكيث، مثل عظيم. ومكث يمكث فهو ماكث، ~~مثل حمض يحمض فهو حامض. والضمير في " مكث " يحتمل أن يكون لسليمان، ~~والمعنى: بقى سليمان بعد التفقد والوعيد غير طويل أي غير وقت طويل. ويحتمل ~~أن يكون للهدهد وهو الأكثر. فجاء: " فقال أحطت بما لم تحط به " وهي: ~~PageV13P180 # السادسة - أي علمت ما لم تعلمه من الامر فكان في هذا رد على من قال: إن ~~الأنبياء تعلم الغيب. وحكى الفراء " أحط " يدغم التاء في الطاء. وحكى " أحت ~~" بقلب الطاء تاء وتدغم. # السابعة - قوله تعالى: (وجئتك من سبأ بنبأ يقين) أعلم سليمان ما لم يكن ~~يعلمه، ودفع عن نفسه ما توعده من العذاب والذبح. وقرأ الجمهور " سبأ " ~~بالصرف. # وابن كثير وأبو عمرو " سبأ " بفتح الهمزة وترك الصرف، فالأول على أنه اسم ~~رجل نسب إليه قوم، وعليه قول الشاعر: # الواردون وتيم في ذرى سبأ * قد عض أعناقهم جلد الجواميس وأنكر الزجاج أن ~~يكون اسم رجل، وقال: " سبأ " اسم مدينة تعرف بمأرب باليمن بينها وبين صنعاء ~~مسيرة ثلاثة أيام. وأنشد للنابغة الجعدي: # من سبأ الحاضرين مأرب إذ * يبنون من دون سيله العرما قال: فمن لم يصرف ~~قال إنه اسم مدينة، ومن صرف وهو الأكثر فلانه اسم البلد فيكون مذكرا سمى به ~~مذكر. وقيل: اسم امرأة سميت بها المدينة. والصحيح أنه اسم رجل، كذلك في ~~كتاب الترمذي من حديث فروة بن مسيك المرادي عن النبي صلى الله عليه وسلم. # وسيأتي إن شاء الله تعالى. قال ابن عطية: وخفي هذا الحديث على الزجاج ~~فخبط عشواء. # وزعم الفراء أن الرؤاسي سأل أبا عمرو بن العلاء عن سبأ فقال: ما أدرى ما ms4660 ~~هو. قال النحاس: وتأول الفراء على أبى عمرو أنه منعه من الصرف لأنه مجهول، ~~وأنه إذا لم يعرف الشئ لم ينصرف. وقال النحاس: وأبو عمرو أجل من أن يقول ~~مثل هذا، وليس في حكاية الرؤاسي عنه دليل أنه إنما منعه من الصرف لأنه لم ~~يعرفه، وإنما قال لا أعرفه، ولو سئل نحوى عن اسم فقال لا أعرفه لم يكن في ~~هذا دليل على أنه يمنعه من الصرف، بل الحق على غير هذا، والواجب إذا لم ~~يعرفه أن يصرفه، لان أصل الأسماء الصرف، وإنما يمنع الشئ من الصرف لعلة ~~داخلة عليه، فالأصل ثابت بيقين فلا يزول بما لا يعرف. وذكر كلاما كثيرا ~~PageV13P181 # عن النحاة وقال في آخره: والقول في " سبأ " ما جاء التوقيف فيه أنه في ~~الأصل اسم رجل، فإن صرفته فلانه قد صار اسما للحي، وإن لم تصرفه جعلته اسما ~~للقبيلة مثل ثمود إلا أن الاختيار عند سيبويه الصرف وحجته في ذلك قاطعة، ~~لان هذا الاسم لما كان يقع له التذكير والتأنيث كان التذكير أولى، لأنه ~~الأصل والأخف. # الثامنة - وفي الآية دليل على أن الصغير يقول للكبير والمتعلم للعالم ~~عندي ما ليس عندك إذا تحقق ذلك وتيقنه. هذا عمر بن الخطاب مع جلالته رضي ~~الله عنه وعلمه لم يكن عنده علم بالاستئذان. وكان علم التيمم عند عمار ~~وغيره، وغاب عن عمر وابن مسعود حتى قالا: لا يتيمم الجنب. وكان حكم الاذن ~~في أن تنفر الحائض عند ابن عباس ولم يعلمه عمر ولا زيد بن ثابت. وكان غسل ~~رأس المحرم معلوما عند ابن عباس وخفي عن المسور بن مخرمة. ومثله كثير فلا ~~يطول به. # التاسعة - قوله تعالى: (إني وجدت امرأة تملكهم) لما قال الهدهد: # " وجئتك من سبأ بنبأ يقين " قال سليمان: وما ذلك الخبر؟ قال: " إني وجدت ~~امرأة تملكهم " يعنى بلقيس بنت شراحيل تملك أهل سبأ. ويقال: كيف وخفي على ~~سليمان مكانها وكانت المسافة بين محطه وبين بلدها قريبة، وهي من مسيرة ثلاث ~~بين صنعاء ومأرب؟ # والجواب أن الله تعالى أخفى ms4661 ذلك عنه لمصلحة، كما أخفى على يعقوب مكان ~~يوسف. ويروى أن أحد أبويها كان من الجن. قال ابن العربي: وهذا أمر تنكره ~~الملحدة، ويقولون: # الجن لا يأكلون ولا يلدون، كذبوا لعنهم الله أجمعين، ذلك صحيح ونكاحهم ~~جائز عقلا فإن صح نقلا فبها ونعمت. # قلت: خرج أبو داود من حديث عبد الله بن مسعود أنه قال: قدم وفد من الجن ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا محمد انه أمتك أن يستنجوا ~~بعظم أو روثة أو جمجمة فإن الله جاعل لنا فيها رزقا. وفي صحيح مسلم فقال: " ~~لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما وكل بعرة ~~علف لدوابكم " فقال رسول الله صلى الله PageV13P182 # عليه وسلم: " فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم الجن " وفي البخاري ~~من حديث أبي هريرة قال فقلت: ما بال العظم والروثة؟ فقال: " هما من طعام ~~الجن وإنه أتاني وفد جن نصيبين ونعم الجن فسألوني الزاد فدعوت الله تعالى ~~ألا يمروا بعظم ولا روثة إلا وجدوا عليها طعاما " وهذا كله نص في أنهم ~~يطعمون. وأما نكاحهم فقد تقدمت الإشارة إليه في " سبحان " (1) عند قوله: " ~~وشاركهم في الأموال والأولاد ". وروى وهيب بن جرير ابن حازم عن الخليل بن ~~أحمد عن عثمان بن حاضر قال: كانت أم بلقيس من الجن يقال لها بلعمة بنت ~~شيصان. وسيأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله تعالى. # العاشرة - روى البخاري من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ~~بلغه أن أهل فارس قد ملكوا بنت كسرى قال: " لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة " ~~قال القاضي أبو بكر بن العربي: هذا نص في أن المرأة لا تكون خليفة ولا خلاف ~~فيه، ونقل عن محمد بن جرير الطبري أنه يجوز أن تكون المرأة قاضية، ولم يصح ~~ذلك عنه، ولعله نقل عنه كما نقل عن أبي حنيفة أنها إنما تقضى فيما تشهد فيه ~~وليس بأن تكون قاضية على الاطلاق، ولا بأن يكتب لها مسطور بأن فلانة ms4662 مقدمة ~~على الحكم، وإنما سبيل ذلك التحكيم والاستنابة في القضية الواحدة، وهذا هو ~~الظن بأبي حنيفة وابن جرير. وقد روى عن عمر أنه قدم امرأة على حسبة السوق. ~~ولم يصح فلا تلتفتوا إليه، فإنما هو من دسائس المبتدعة في الأحاديث. وقد ~~تناظر في هذه المسألة القاضي أبو بكر بن الطيب المالكي الأشعري مع أبي ~~الفرج بن طرار شيخ الشافعية، فقال أبو الفرج: الدليل على أن المرأة يجوز أن ~~تحكم أن الغرض من الاحكام تنفيذ القاضي لها، وسماع البينة عليها، والفصل ~~بين الخصوم فيها، وذلك ممكن من المرأة كإمكانه من الرجل. فاعترض عليه ~~القاضي أبو بكر ونقض كلامه بالإمامة الكبرى، فإن الغرض منه حفظ الثغور، ~~وتدبير الأمور وحماية البيضة، وقبض الخراج ورده على مستحقه، وذلك لا يتأتى ~~من المرأة كتأتيه من الرجل. قال ابن العربي: وليس # PageV13P183 # كلام الشيخين في هذه المسألة بشئ، فإن المرأة لا يتأتى منها أن تبرز إلى ~~المجلس، ولا تخالط الرجال، ولا تفاوضهم مفاوضة النظير للنظير لأنها إن كانت ~~فتاة حرم النظر إليها وكلامها، وأن كانت برزة (1) لم يجمعها والرجال مجلس ~~واحد تزدحم فيه معهم، وتكون مناظرة لهم، ولن يفلح قط من تصور هذا ولا من ~~اعتقده. # الحادية عشره - قوله تعالى: (وأوتيت من كل شئ) مبالغة، أي مما تحتاجه ~~المملكة. وقيل: المعنى أوتيت من كل شئ في زمانها شيئا فحذف المفعول، لان ~~الكلام دل عليه. (ولها عرش عظيم) أي سرير، ووصفه بالعظم في الهيئة ورتبة ~~السلطان. قيل: # كان من ذهب تجلس عليه. وقيل: العرش هنا الملك، والأول أصح، لقوله تعالى: ~~" أيكم يأتيني بعرشها ". الزمخشري: فإن قلت كيف سوى الهدهد بين عرش بلقيس ~~وعرش الله في الوصف بالعظيم؟ قلت: بين الوصفين بون عظيم، لان وصف عرشها ~~بالعظيم تعظيم له بالإضافة إلى عرش أبناء جنسها من الملوك، ووصف عرش الله ~~بالعظيم تعظيم له بالنسبة إلى ما خلق من السماوات والأرض. قال ابن عباس: ~~كان طول عرشها ثمانين ذراعا، وعرضه أربعين ذراعا، وارتفاعه في السماء ~~ثلاثين ذراعا، مكلل بالدر والياقوت الأحمر، ms4663 والزبرجد الأخضر. قتادة: ~~وقوائمه لؤلؤ وجوهر، وكان مسترا بالديباج والحرير، عليه سبعة مغاليق. ~~مقاتل: كان ثمانين ذراعا وارتفاعه من الأرض ثمانون ذراعا، وهو مكلل ~~بالجواهر. # ابن إسحاق: وكان يخدمها النساء، وكان لخدمتها ستمائة امرأة. قال ابن ~~عطية: واللازم من الآية أنها امرأة ملكت على مدائن اليمن، ذات ملك عظيم، ~~وسرير عظيم، وكانت كافرة من قوم كفار. # الثانية عشره - قوله تعالى: (وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله) ~~قيل: كانت هذه الأمة ممن يعبد الشمس، لأنهم كانوا زنادقة فيما يروى. وقيل: ~~كانوا مجوسا يعبدون الأنوار. وروى عن نافع أن الوقف على " عرش ". قال ~~المهدوي: # PageV13P184 # فعظيم على هذا متعلق بما بعده، وكان ينبغي على هذا أن يكون عظيم أن ~~وجدتها، أي وجودي إياها كافرة. وقال ابن الأنباري: " ولها عرش عظيم " وقف ~~حسن، ولا يجوز أن يقف على " عرش " ويبتدئ " عظيم وجدتها " إلا على من فتح، ~~لان عظيما نعت لعرش فلو كان متعلقا بوجدتها لقلت عظيمة وجدتها، وهذا محال ~~من كل وجه. وقد حدثني أبو بكر محمد بن الحسين بن شهريار، قال: حدثنا أبو ~~عبد الله الحسين بن الأسود العجلي، عن بعض أهل العلم أنه قال: الوقف على " ~~عرش " والابتداء " عظيم " على معنى عظيم عبادتهم الشمس والقمر. قال: وقد ~~سمعت من يؤيد هذا المذهب، ويحتج بأن عرشها أحقر وأدق شأنا من أن يصفه الله ~~بالعظيم. قال ابن الأنباري: والاختيار عندي ما ذكرته أولا، لأنه ليس على ~~إضمار عبادة الشمس والقمر دليل. وغير منكر أن يصف الهدهد عرشها بالعظيم إذا ~~رآه متناهي الطول والعرض، وجريه على إعراب " عرش " دليل على أنه نعته. ~~(وزين لهم الشيطان أعمالهم) أي ما هم فيه من الكفر. (فصدهم عن السبيل) أي ~~عن طريق التوحيد. وبين بهذا أن ما ليس بسبيل التوحيد فليس بسبيل ينتفع به ~~على التحقيق. (فهم لا يهتدون) إلى الله وتوحيده. # الثالثة عشرة - قوله تعالى: (ألا يسجدوا لله) قرأ أبو عمرو ونافع وعاصم ~~وحمزة " ألا يسجدوا لله " بتشديد " ألا " قال ابن الأنباري: " فهم لا ~~يهتدون " غير تام ms4664 لمن شدد " ألا " لان المعنى: وزين لهم الشيطان ألا ~~يسجدوا. قال النحاس: هي " أن " دخلت عليها " لا " و " أن " في موضع نصب، ~~قال الأخفش: ب‍ " زين " أي وزين لهم لئلا يسجدوا لله. # وقال الكسائي: ب‍ " فصدهم " أي فصدهم ألا يسجدوا. وهو في الوجهين مفعول ~~له. # وقال اليزيدي وعلي بن سليمان: " أن " بدل من " أعمالهم " في موضع نصب. ~~وقال أبو عمرو: و " أن " في موضع خفض على البدل من السبيل وقيل: العامل ~~فيها " لا يهتدون " أي فهم لا يهتدون أن يسجدوا لله، أي لا يعلمون أن ذلك ~~واجب عليهم. وعلى هذا القول " لا " زائدة، كقوله: " ما منعك ألا تسجد " أي ~~ما منعك أن تسجد. وعلى هذه القراءة PageV13P185 # فليس بموضع سجدة، لان ذلك خبر عنهم بترك السجود، إما بالتزيين، أو بالصد، ~~أو بمنع الاهتداء. وقرأ الزهري والكسائي وغيرهما: " ألا يسجدوا (1) لله " ~~بمعنى الا يا هؤلاء اسجدوا، لان " يا " ينادى بها الأسماء دون الافعال. ~~وأنشد سيبويه: # يا لعنة الله والأقوام كلهم * والصالحين على سمعان من جار قال سيبويه: " ~~يا " لغير اللعنة، لأنه لو كان للعنة لنصبها، لأنه كان يصير منادى مضافا، ~~ولكن تقديره يا هؤلاء لعنة الله والأقوام على سمعان. وحكى بعضهم سماعا عن ~~العرب: ألا يا ارحموا ألا يا اصدقوا. يريدون ألا يا قوم ارحموا اصدقوا، ~~فعلى هذه القراءة " اسجدوا " في موضع جزم بالامر والوقف على " ألا يا " ثم ~~تبتدئ فتقول: " اسجدوا ". قال الكسائي: ما كنت أسمع الأشياخ يقرؤونها إلا ~~بالتخفيف على نية الامر. وفي قراءة عبد الله: " ألا هل تسجدون لله " بالتاء ~~والنون. وفى قراءة أبى " ألا تسجدون لله " فهاتان القراءتان حجة لمن خفف. ~~الزجاج: # وقراءة التخفيف تقتضي وجوب السجود دون التشديد. واختار أبو حاتم وأبو ~~عبيدة قراءة التشديد. وقال: التخفيف وجه حسن إلا أن فيه انقطاع الخبر من ~~أمر سبأ، ثم رجع بعد إلى ذكرهم، والقراءة بالتشديد خبر يتبع بعضه بعضا لا ~~انقطاع في وسطه. ونحوه قال النحاس. قال: قراءة التخفيف بعيدة، لان الكلام ~~يكون معترضا، وقراءة التشديد يكون الكلام ms4665 بها متسقا، وأيضا فإن السواد على ~~غير هذه القراءة، لأنه قد حذف منه ألفان، وإنما يختصر مثل هذا بحذف ألف ~~واحدة نحو يا عيسى بن مريم. ابن الأنباري: وسقطت ألف " اسجدوا " كما تسقط ~~مع هؤلاء إذا ظهر، ولما سقطت ألف " يا " واتصلت بها ألف " اسجدوا " سقطت، ~~فعد سقوطها دلالة على الاختصار وإيثارا لما يخف وتقل ألفاظه. وقال الجوهري ~~في آخر كتابه: قال بعضهم: إن " يا " في هذا الموضع إنما هو للتنبيه كأنه ~~قال: # ألا اسجدوا لله، فلما أدخل عليه " يا " للتنبيه سقطت الألف التي في " ~~اسجدوا " لأنها # PageV13P186 # ألف وصل، وذهبت الألف التي في " يا " لاجتماع الساكنين، لأنها والسين ~~ساكنتان. # قال ذو الرمة: # ألا يا اسلمي يا دارمي على البلى * ولا زال منهلا بجرعائك القطر وقال ~~الجرجاني: هو كلام معترض من الهدهد أو سليمان أو من الله. أي ألا ليسجدوا، ~~كقوله تعالى: " قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله " قيل: إنه ~~أمر أي ليغفروا. # و تنتظم على هذا كتابة المصحف، أي ليس ها هنا نداء. قال ابن عطية: قيل هو ~~من كلام الهدهد إلى قوله " العظيم " وهو قول ابن زيد وابن إسحاق، ويعترض ~~بأنه غير مخاطب فكيف يتكلم في معنى شرع. ويحتمل أن يكون من قول سليمان لما ~~أخبره الهدهد عن القوم. # ويحتمل أن يكون من [قول] الله تعالى فهو اعتراض بين الكلامين وهو الثابت ~~مع التأمل، وقراءة التشديد في " ألا " تعطى أن الكلام للهدهد، وقراءة ~~التخفيف تمنعه، والتخفيف يقتضى الامر بالسجود لله عز وجل للامر على ما ~~بيناه. وقال الزمخشري: فإن قلت أسجدة التلاوة واجبة في القراءتين جميعا أم ~~في إحداهما؟ قلت هي واجبة فيهما جميعا، لان مواضع السجدة إما أمر بها، أو ~~مدح لمن أتى بها، أو ذم [لمن] (1) تركها، وإحدى القراءتين أمر بالسجود ~~والأخرى ذم للتارك. # قلت: وقد أخبر الله عن الكفار بأنهم يسجدون كما في " الانشقاق " وسجد ~~النبي صلى الله عليه وسلم فيها، كما ثبت في البخاري وغيره فكذلك. " النمل ~~". والله أعلم. الزمخشري: # وما ذكره ms4666 الزجاج من وجوب السجدة مع التخفيف دون التشديد فغير مرجوع إليه. # (الذي يخرج الخبء) خبء السماء قطرها، وخبء الأرض كنوزها ونباتها. وقال ~~قتادة: # الخبء السر. النحاس: وهذا أولى. أي ما غاب في السماوات والأرض، ويدل عليه ~~" ما يخفون وما يعلنون " (2). وقرأ عكرمة ومالك بن دينار: " الخب " بفتح ~~الباء من غير همز. # قال المهدوي: وهو التخفيف القياسي، وذكر من يترك الهمز في الوقف. وقال ~~النحاس: # PageV13P187 # وحكى أبو حاتم أن عكرمة قرأ: " الذي يخرج الخبا " بألف غير مهموزة، وزعم ~~أن هذا لا يجوز في العربية، واعتل بأنه إن خفف الهمزة ألقى حركتها على ~~الباء فقال " الخب في السماوات والأرض " وأنه إن حول الهمزة قال: الخبى ~~بإسكان الباء وبعدها ياء. قال النحاس: # وسمعت علي بن سليمان يقول سمعت محمد بن يزيد يقول: كان أبو حاتم دون ~~أصحابه في النحو ولم يلحق بهم إلا أنه إذا خرج من بلده لم يلق أعلم منه. ~~وحكى سيبويه عن العرب أنها تبدل من الهمزة ألفا إذا كان قبلها ساكن وكانت ~~مفتوحة، وتبدل منها واوا إذا كان قبلها ساكن وكانت مضمومة، وتبدل منها ياء ~~إذا كان قبلها ساكن وكانت مكسورة، فتقول: هذا الوثو وعجبت من الوثى ورأيت ~~الوثا، وهذا من وثئت يده، وكذلك هذا الخبو وعجبت من الخبى، ورأيت الخبا، ~~وإنما فعل هذا لان الهمزة خفيفة فأبدل منها هذه الحروف. وحكى سيبويه عن قوم ~~من بنى تميم وبنى أسد أنهم يقولون: هذا الخبؤ، يضمون الساكن إذا كانت ~~الهمزة مضمومة، ويثبتون الهمزة ويكسرون الساكن إذا كانت الهمزة مكسورة، ~~ويفتحون الساكن إذا كانت الهمزة مفتوحة. وحكى سيبويه أيضا أنهم يكسرون وإن ~~كانت الهمزة مضمومة، إلا أن هذا عن بنى تميم، فيقولون: الردئ (1)، وزعم ~~أنهم لم يضموا الدال لأنهم كرهوا ضمة قبلها كسرة، لأنه ليس في الكلام فعل. ~~وهذه كلها لغات داخلة على اللغة التي قرأ بها الجماعة، وفي قراءة عبد الله ~~" الذي يخرج الخبأ من السماوات " و " من " و " في " يتعاقبان، تقول العرب: ~~لاستخرجن العلم فيكم يريد منكم، قاله الفراء. ms4667 (ويعلم ما يخفون وما يعلنون) ~~قراءة العامة فيهما بياء، وهذه القراءة تعطى أن الآية من كلام الهدهد، وأن ~~الله تعالى خصه من المعرفة بتوحيده ووجوب السجود له، وإنكار سجودهم للشمس، ~~وإضافته للشيطان، وتزيينه لهم، ما خص به غيره من الطيور وسائر الحيوان، من ~~المعارف اللطيفة التي لا تكاد العقول الراجحة تهتدى لها. وقرأ الجحدري ~~وعيسى بن عمر وحفص والكسائي " تخفون " و " تعلنون " بالتاء على الخطاب، ~~وهذه القراءة تعطى أن الآية # PageV13P188 # من خطاب الله عز وجل لامة محمد صلى الله عليه وسلم. (الله لا إله إلا هو ~~رب العرش العظيم) قرأ ابن محيصن " العظيم " رفعا نعتا لله. الباقون بالخفض ~~نعتا للعرش. وخص بالذكر لأنه أعظم المخلوقات وما عداه في ضمنه وقبضته. # الرابعة عشرة - قوله تعالى: (سننظر) من النظر الذي هو التأمل والتصفح. # (أصدقت أم كنت من الكاذبين) في مقالتك. و " كنت " بمعنى أنت. وقال: # " سننظر أصدقت " ولم يقل سننظر في أمرك، لان الهدهد لما صرح بفخر العلم ~~في قوله: # " أحطت بما لم تحط به " صرح له سليمان بقوله: سننظر أصدقت أم كذبت، فكان ~~ذلك [كفاء] (1) لما قاله. # الخامسة عشرة - في قوله: " أصدقت أم كنت من الكاذبين " دليل على أن ~~الامام يجب عليه أن يقبل عذر رعيته، ويدرأ العقوبة عنهم في ظاهر أحوالهم ~~بباطن أعذارهم، لان سليمان لم يعاقب الهدهد حين أعتذر إليه. وإنما صار صدق ~~الهدهد عذرا لأنه أخبر بما يقتضى الجهاد، وكان سليمان عليه السلام حبب إليه ~~الجهاد. وفي الصحيح: " ليس أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك أنزل ~~الكتاب وأرسل الرسل ". وقد قبل عمر عذر النعمان بن عدي ولم يعاقبه. ولكن ~~للامام أن يمتحن ذلك إذا تعلق به حكم من أحكام الشريعة. كما فعل سليمان، ~~فإنه لما قال الهدهد: " إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شئ ولها عرش ~~عظيم " لم يستفزه الطمع، ولا استجره حب الزيادة في الملك إلى أن يعرض له ~~حتى قال: " وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله " فغاظه حينئذ ما سمع، ~~وطلب ms4668 الانتهاء إلى ما أخبر، وتحصيل علم ما غاب عنه من ذلك، فقال: " سننظر ~~أصدقت أم كنت من الكاذبين " ونحو منه ما رواه الصحيح عن المسور بن مخرمة، ~~حين استشار عمر الناس في إملاص المرأة وهي التي يضرب بطنها فتلقى جنينها، ~~فقال المغيرة بن شعبة: شهدت النبي صلى الله عليه وسلم قضى فيه بغرة عبد أو ~~أمة. قال فقال عمر: ايتني بمن يشهد معك، قال: فشهد له محمد بن مسلمة وفي ~~رواية فقال: لا تبرح حتى تأتى بالمخرج # PageV13P189 # من ذلك، فخرجت فوجدت محمد بن مسلمة فجئت به فشهد. ونحوه حديث أبي موسى في ~~الاستئذان وغيره. # السادسة عشرة - قوله تعالى: (اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم) قال الزجاج: ~~فيها خمسة أوجه " فألقه " إليهم بإثبات الياء في اللفظ. وبحذف الياء وإثبات ~~الكسرة دالة عليها " فألقه إليهم ". وبضم الهاء وإثبات الواو على الأصل " ~~فألقه إليهم ". وبحذف الواو وإثبات الضمة " فألقه إليهم ". واللغة الخامسة ~~قرأ بها حمزة بإسكان الهاء " فالقه إليهم ". # قال النحاس: وهذا عند النحويين لا يجوز إلا على حيلة بعيدة تكون: يقدر ~~الوقف، وسمعت على بن سليمان يقول: لا تلتفت إلى هذه العلة، ولو جاز أن يصل ~~وهو ينوى الوقف لجاز أن يحذف الاعراب من الأسماء. وقال: " إليهم " على لفظ ~~الجمع ولم يقل إليها، لأنه قال: " وجدتها وقومها يسجدون للشمس " فكأنه قال: ~~فألقه إلى الذين هذا دينهم، اهتماما منه بأمر الدين، واشتغالا به عن غيره، ~~وبنى الخطاب في الكتاب على لفظ الجمع لذلك. وروى في قصص هذه الآية أن ~~الهدهد وصل فألفى دون هذه الملكة حجب جدران، فعمد إلى كوة كانت بلقيس ~~صنعتها لتدخل منها الشمس عند طلوعها لمعنى عبادتها إياها، فدخل منها ورمى ~~الكتاب على بلقيس وهي - فيما يروى - نائمة، فلما انتبهت وجدته فراعها، وظنت ~~أنه قد دخل عليها أحد، ثم قامت فوجدت حالها كما عهدت، فنظرت إلى الكوة ~~تهمما بأمر الشمس، فرأت الهدهد فعلمت. وقال وهب وابن زيد: # كانت لها كوة مستقبلة مطلع الشمس، فإذا طلعت سجدت، فسدها الهدهد بجناحه، ~~فارتفعت الشمس ms4669 ولم تعلم، فلما استبطأت الشمس قامت تنظر فرمى الصحيفة إليها، ~~فلما رأت الخاتم ارتعدت وخضعت، لان ملك سليمان عليه السلام كان في خاتمه، ~~فقرأته فجمعت الملا من قومها فخاطبتهم بما يأتي بعد. وقال مقاتل: حمل ~~الهدهد الكتاب بمنقاره، وطار حتى وقف على رأس المرأة وحولها الجنود ~~والعساكر، فرفرف ساعة والناس ينظرون إليه، فرفعت المرأة رأسها فألقى الكتاب ~~في حجرها. PageV13P190 # السابعة عشرة - في هذه الآية دليل على إرسال الكتب إلى المشركين وتبليغهم ~~الدعوة، ودعائهم إلى الاسلام. وقد كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى كسرى ~~وقيصر وإلى كل جبار، كما تقدم في " آل عمران " (1): الثامنة عشرة - (ثم تول ~~عنهم) أمره بالتولي حسن أدب ليتنحى حسب ما يتأدب به مع الملوك. بمعنى: وكن ~~قريبا حتى ترى مراجعتهم، قال وهب بن منبه. وقال ابن زيد: أمره بالتولي ~~بمعنى الرجوع إليه، أي ألقه وارجع. قال وقوله: # " فانظر ماذا يرجعون " في معنى التقديم على قوله: " ثم تول " واتساق رتبة ~~الكلام أظهر، أي ألقه ثم تول، وفي خلال ذلك فانظر أي انتظر. وقيل: فاعلم، ~~كقوله: " يوم ينظر المرء ما قدمت يداه " أي اعلم ماذا يرجعون أي يجيبون ~~وماذا يردون من القول. وقيل: # " فانظر ماذا يرجعون " بينهم من الكلام. # قوله تعالى: قالت يا أيها الملأ إني ألقى إلى كتب كريم (29) إنه من سليمن ~~وإنه بسم الله الرحمن الرحيم (30) ألا تعلوا على وأتوني مسلمين (31) فيه ست ~~مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (قالت يا أيها الملا) في الكلام حذف، والمعنى: فذهب ~~فألقاه إليهم فسمعها وهي تقول: " يا أيها الملا " ثم وصفت الكتاب بالكريم ~~إما لأنه من عند عظيم في نفسها ونفوسهم فعظمته إجلالا لسليمان عليه السلام، ~~وهذا قول ابن زيد. وإما أنها أشارت إلى أنه مطبوع عليه بالخاتم، فكر أمة ~~الكتاب ختمه، وروى ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل: لأنه بدأ فيه ~~ب‍ " بسم الله الرحمن الرحيم " وقد قال صلى الله عليه وسلم: " كل كلام لا ~~يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أجذم ". وقيل: لأنه بدأ ms4670 # PageV13P191 # فيه بنفسه، ولا يفعل ذلك إلا الجلة. وفي حديث ابن عمر أنه كتب إلى عبد ~~الملك بن مروان يبايعه: من عبد الله لعبد الملك بن مروان أمير المؤمنين، ~~إني أقر لك بالسمع والطاعة ما استطعت، وإن بنى قد أقروا لك بذلك. وقيل: ~~توهمت أنه كتاب جاء من السماء إذ كان الموصل طيرا. وقيل: " كريم " حسن، ~~كقول: " ومقام كريم " أي مجلس حسن. # وقيل: وصفته بذلك، لما تضمن من لين القول والموعظة في الدعاء إلى عبادة ~~الله عز وجل، وحسن الاستعطاف والاستلطاف من غير أن يتضمن سبا ولا لعنا، ولا ~~ما يغير النفس، ومن غير كلام نازل ولا مستغلق، على عادة الرسل في الدعاء ~~إلى الله عز وجل، ألا ترى إلى قول الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: " ~~ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة " وقوله لموسى وهرون: " فقولا له ~~قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى ". وكلها وجوه حسان وهذا أحسنها. وقد روى أنه ~~لم يكتب بسم الله الرحمن الرحيم أحد قبل سليمان. وفي قراءة [عبد الله] (1) ~~" وإنه من سليمان " بزيادة واو. # الثانية - الوصف بالكريم في الكتاب غاية الوصف، ألا ترى قوله تعالى: # " إنه لقرآن كريم " وأهل الزمان يصفون الكتاب بالخطير وبالأثير ~~وبالمبرور، فإن كان لملك قالوا: العزيز وأسقطوا الكريم غفلة، وهو أفضلها ~~خصلة. فأما الوصف بالعزيز فقد وصف به القرآن في قوله تعالى: " وإنه لكتاب ~~عزيز. لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه " فهذه عزته وليست لاحد إلا ~~له، فاجتنبوها في كتبكم، واجعلوا بدلها العالي، توفية لحق الولاية، وحياطة ~~للديانة، قال القاضي أبو بكر بن العربي. # الثالثة - كان رسم المتقدمين إذا كتبوا أن يبدءوا بأنفسهم من فلان إلى ~~فلان، وبذلك جاءت الآثار. وروى الربيع عن أنس قال: ما كان أحد أعظم حرمة من ~~النبي صلى الله عليه وسلم: وكان أصحابه إذا كتبوا بدءوا بأنفسهم. وقال ابن ~~سيرين قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن أهل فارس إذا كتبوا بدءوا ~~بعظمائهم فلا يبدأ الرجل إلا بنفسه " # PageV13P192 # قال أبو ms4671 الليث في كتاب " البستان " له: ولو بدأ بالمكتوب إليه لجاز، لان ~~الأمة قد اجتمعت عليه وفعلوه لمصلحة رأوا في ذلك، أو نسخ ما كان من قبل، ~~فالأحسن في زماننا هذا أن يبدأ بالمكتوب إليه، ثم بنفسه، لان البداية بنفسه ~~تعد منه استخفافا بالمكتوب [إليه] (1) وتكبرا عليه، إلا أن يكتب إلى عبد من ~~عبيده، أو غلام من غلمانه. # الرابعة - وإذا ورد على إنسان كتاب بالتحية أو نحوها ينبغي أن يرد ~~الجواب، لان الكتاب من الغائب كالسلام من الحاضر. وروى عن ابن عباس أنه كان ~~يرى رد الكتاب واجبا كما يرى رد السلام. والله أعلم. # الخامسة - اتفقوا على كتب " بسم الله الرحمن الرحيم " في أول الكتب ~~والرسائل، وعلى ختمها، لأنه أبعد من الريبة، وعلى هذا جرى الرسم، وبه جاء ~~الأثر عن عمر بن الخطاب أنه قال: أيما كتاب لم يكن مختوما فهو أغلف. وفي ~~الحديث: " كرم الكتاب ختمه ". # وقال بعض الأدباء، هو ابن المقفع: من كتب إلى أخيه كتابا ولم يختمه فقد ~~استخف به، لان الختم ختم. وقال أنس: لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~يكتب إلى العجم قيل له: # إنهم لا يقبلون إلا كتابا عليه ختم، فاصطنع خاتما ونقش على فصه " لا إله ~~إلا الله محمد رسول الله " وكأني أنظر إلى وبيصه (2) وبياضه في كفه. # السادس - قوله تعالى: " إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم " " ~~وإنه " بالكسر فيهما أي وإن الكلام، أو إن مبتدأ الكلام " بسم الله الرحمن ~~الرحيم ". وأجاز الفراء " أنه من سليمان وأنه " بفتحهما جميعا على أن يكونا ~~في موضع رفع بدل من الكتاب، بمعنى ألقى إلى أنه من سليمان. وأجاز أن يكونا ~~في موضع نصب على حذف الخافض، أي لأنه من سليمان ولأنه، كأنها عللت كرمه ~~بكونه من سليمان وتصديره بسم الله. وقرأ الأشهب العقيلي ومحمد بن السميقع " ~~ألا تغلوا " بالغين المعجمة، وروى عن وهب بن منبه، من غلا يغلو إذا تجاوز ~~وتكبر. وهي راجعة إلى معنى قراءة الجماعة. " وأتوني مسلمين " أي منقادين ~~طائعين مؤمنين. ms4672 # PageV13P193 # قوله تعالى: قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى ~~تشهدون (32) قالوا نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد والامر إليك فانظري ماذا ~~تأمرين (33) قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة ~~وكذلك يفعلون (34) فيه ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (قالت يا أيها الملا أفتوني في امرى) الملا أشراف ~~القوم وقد مضى في سورة " البقرة " (1) القول فيه. قال ابن عباس: كان معها ~~ألف قيل. وقيل: # اثنا عشر ألف قيل مع كل قيل مائة ألف. والقيل الملك دون الملك الأعظم. ~~فأخذت في حسن الأدب مع قومها، ومشاورتهم في أمرها، وأعلمتهم أن ذلك مطرد ~~عندها في كل أمر يعرض، بقولها: (ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون) فكيف في هذه ~~النازلة الكبرى. فراجعها الملا بما يقر عينها، من إعلامهم إياها بالقوة ~~والبأس، ثم سلموا الامر إلى نظرها، وهذه محاورة حسنة من الجميع. قال قتادة: ~~ذكر لنا أنه كان لها ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا هم أهل مشورتها، كل رجل منهم ~~على عشرة آلاف. # الثانية - في هذه الآية دليل على صحة المشاورة. وقد قال الله تعالى لنبيه ~~صلى الله عليه وسلم: " وشاورهم في الامر " في " آل عمران " إما استعانة ~~بالآراء، وإما مداراة للأولياء. # وقد مدح الله تعالى الفضلاء بقوله: " وأمرهم شورى بينهم ". والمشاورة من ~~الامر القديم وخاصة في الحرب، فهذه بلقيس امرأة جاهلية كانت تعبد الشمس: " ~~قالت يا أيها الملا أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون " لتختبر ~~عزمهم على مقاومة عدوهم، وحزمهم فيما يقيم أمرهم، وإمضائهم على الطاعة لها، ~~بعلمها بأنهم إن لم يبذلوا أنفسهم وأموالهم ودماءهم دونها لم يكن لها طاقة ~~بمقاومة عدوها، وإن لم يجتمع أمرهم وحزمهم وجدهم كان ذلك عونا لعدوهم ~~عليهم، وإن لم تختبر ما عندهم، وتعلم قدر عزمهم لم تكن على بصيرة # PageV13P194 # من أمرهم، وربما كان في استبدادها برأيها وهن في طاعتها، ودخيلة في تقدير ~~أمرهم، وكان في مشاورتهم وأخذ رأيهم عون على ما تريده من قوة شوكتهم، وشدة ~~مدافعتهم، ألا ms4673 ترى إلى قولهم في جوابهم: (نحن أولو قوة وأولو بأس شديد) قال ~~ابن عباس: كان من قوة أحدهم أنه يركض فرسه حتى إذا احتد ضم فخذيه فحبسه ~~بقوته. # الثالثة - قوله تعالى: (والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين) سلموا الامر إلى ~~نظرها مع ما أظهروا لها من القوة والبأس والشدة، فلما فعلوا ذلك أخبرت عند ~~ذلك بفعل الملوك بالقرى التي يتغلبون عليها. وفي هذا الكلام خوف على قومها، ~~وحيطة واستعظام لأمر سليمان عليه السلام. " وكذلك يفعلون " قيل: هو من قول ~~بلقيس تأكيدا للمعنى الذي أرادته. وقال ابن عباس: هو من قول الله عز وجل ~~معرفا لمحمد صلى الله عليه وسلم وأمته بذلك ومخبرا به. وقال وهب: لما قرأت ~~عليهم الكتاب لم تعرف اسم الله، فقالت: # ما هذا؟! فقال بعض القوم: ما نظن هذا إلا عفريتا عظيما من الجن يقتدر به ~~هذا الملك على ما يريده، فسكتوه. وقال الآخر: أراهم ثلاثة من العفاريت، ~~فسكتوه، فقال شاب قد علم: يا سيدة الملوك! إن سليمان ملك قد أعطاه ملك ~~السماء ملكا عظيما فهو لا يتكلم بكلمة إلا بدأ فيها بتسمية إلهه، والله اسم ~~مليك السماء، والرحمن الرحيم نعوته، فعندها قالت: # " أفتوني في أمري " فقالوا: " نحن أولو قوة " في القتال " وأولو بأس شديد ~~" في الحرب واللقاء " والامر إليك " ردوا أمر هم إليها لما جربوا على رأيها ~~من البركة " فانظري ماذا تأمرين " ف‍ " قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية ~~أفسدوهها وجعلوا أعزة أهلها أذلة " أهانوا شرفاءها لتستقيم لهم الأمور، ~~فصدق الله قولها. " وكذلك يفعلون " قال ابن الأنباري: # " وجعلوا أعزة أهلها أذلة " هذا وقف تام، فقال الله عز وجل تحقيقا ~~لقولها: " وكذلك يفعلون " وشبيه به في سورة " الأعراف " " قال الملا من قوم ~~فرعون إن هذا لساحر عليم. # يريد أن يخرجكم من أرضكم " تم الكلام، فقال فرعون: " فماذا تأمرون ". ~~وقال ابن شجرة. # هو قول بلقيس، فالوقف " وكذلك يفعلون " أي وكذلك يفعل سليمان إذا دخل ~~بلادنا. PageV13P195 # قوله تعالى: وأنى مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون (35) فيه ست ~~مسائل: # الأولى ms4674 - قوله تعالى: (وإني مرسلة إليهم بهدية) هذا من حسن نظرها ~~وتدبيرها، أي إني أجرب هذا الرجل بهدية، وأعطيه فيها نفائس من الأموال، ~~وأغرب عليه بأمور المملكة، فإن كان ملكا دنياويا أرضاه المال وعملنا معه ~~بحسب ذلك، وإن كان نبيا لم يرضه المال ولازمنا في أمر الدين، فينبغي لنا أن ~~نؤمن به ونتبعه على دينه، فبعثت إليه بهدية عظيمة أكثر الناس في تفصيلها، ~~فقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: أرسلت إليه بلبنة من ذهب، فرأت الرسل ~~الحيطان من ذهب فصغر عندهم ما جاءوا به. وقال مجاهد: أرسلت إليه بمائتي ~~غلام ومائتي جارية. وروى عن ابن عباس: باثنتي عشرة وصيفة مذكرين قد ألبستهم ~~زي الغلمان، واثنى عشر غلاما مؤنثين قد ألبستهم زي النساء، وعلى يد الوصائف ~~أطباق مسك وعنبر، وباثنتي عشرة نجيبة تحمل لبن الذهب، وبخرزتين إحداهما غير ~~مثقوبة، والأخرى مثقوبة ثقبا معوجا، وبقدح لا شئ فيه، وبعصا كان يتوارثها ~~ملوك حمير، وأنفذت الهدية مع جماعة من قومها. وقيل: كان الرسول واحدا ولكن ~~كان في صحبته أتباع وخدم. # وقيل: أرسلت رجلا من أشراف قومها يقال له المنذر بن عمرو، وضمت إليه ~~رجالا ذوي رأى وعقل، والهدية مائة وصيف ومائة وصيفة، وقد خولف بينهم في ~~اللباس، وقالت للغلمان: إذا كلمكم سليمان فكلموه بكلام فيه تأنيث يشبه كلام ~~النساء، وقالت للجواري: # كلمنه بكلام فيه غلظ يشبه كلام الرجال، فيقال: إن الهدهد جاء وأخبر ~~سليمان بذلك كله. # وقيل: إن الله أخبر سليمان بذلك، فأمر سليمان عليه السلام أن يبسط من ~~موضعه إلى تسع فراسخ بلبنات الذهب والفضة، ثم قال: أي الدواب رأيتم أحسن في ~~البر والبحر؟ قالوا: # يا نبي الله رأينا في بحر كذا دواب منقطة مختلفة ألوانها، لها أجنحة ~~وأعراف ونواصي، فأمر بها فجاءت فشدت على يمين الميدان وعلى يساره، وعلى ~~لبنات الذهب والفضة، وألقوا لها علوفاتها، ثم قال: للجن على بأولادكم، ~~فأقامهم - أحسن ما يكون من الشباب - عن يمين PageV13P196 # الميدان ويساره. ثم قعد سليمان عليه السلام على كرسيه في مجلسه، ووضع له ms4675 ~~أربعة آلاف كرسي من ذهب عن يمينه ومثلها عن يساره، وأجلس عليها الأنبياء ~~والعلماء، وأمر الشياطين والجن والانس أن يصطفوا صفوفا فراسخ، وأمر السباع ~~والوحوش والهوام والطير فاصطفوا فراسخ عن يمينه وشماله، فلما دنا القوم من ~~الميدان ونظروا إلى ملك سليمان، ورأوا الدواب التي لم تر أعينهم أحسن منها ~~تروث على لبنات الذهب والفضة، تقاصرت إليهم أنفسهم، ورموا ما معهم من ~~الهدايا. وفي بعض الروايات: إن سليمان لما أمرهم بفرش الميدان بلبنات الذهب ~~والفضة أمرهم أن يتركوا على طريقهم موضعا على قدر موضع بساط من الأرض غير ~~مفروش، فلما مروا به خافوا أن يتهموا بذلك فطرحوا ما معهم في ذلك المكان، ~~فلما رأوا الشياطين رأوا منظرا هائلا فظيعا ففزعوا وخافوا، فقالت لهم ~~الشياطين: جوزوا لا بأس عليكم، فكانوا يمرون على كردوس كردوس من الجن ~~والإنس والبهائم والطير والسباع والوحوش حتى وقفوا بين يدي سليمان، فنظر ~~إليهم سليمان نظرا حسنا بوجه طلق، وكانت قالت لرسولها: إن نظر إليك نظر ~~مغضب فاعلم أنه ملك فلا يهولنك منظره فأنا أعز منه، وإن رأيت الرجل بشا ~~لطيفا فاعلم أنه نبي مرسل فتفهم قول ورد الجواب، فأخبر الهدهد سليمان بذلك ~~على ما تقدم. وكانت عمدت إلى حقه من ذهب فجعلت فيها درة يتيمة غير مثقوبة، ~~وخرزة معوجة الثقب، وكتبت كتابا مع رسولها تقول فيه: إن كنت نبيا فميز بين ~~الوصفاء والوصائف، وأخبر بما في الحقة، وعرفني رأس العصا من أسفلها، واثقب ~~الدرة ثقبا مستويا، وأدخل خيط الخرزة، واملا القدح ماء من ندى ليس من الأرض ~~ولا من السماء، فلما وصل الرسول ووقف بين يدي سليمان أعطاه كتاب الملكة ~~فنظر فيه، وقال: أين الحقة؟ فأتى بها فحركها، فأخبره جبريل بما فيها، ثم ~~أخبرهم سليمان. فقال له الرسول: صدقت، فاثقب الدرة، وأدخل الخيط في الخرزة، ~~فسأل سليمان الجن والإنس عن ثقبها فعجزوا، فقال للشياطين: # ما الرأي فيها؟ فقالوا: ترسل إلى الأرضة، فجاءت الأرضة فأخذت شعرة في ~~فيها حتى خرجت من الجانب الآخر، فقال لها سليمان: ما حاجتك؟ ms4676 قالت: تصير ~~رزقي في الشجرة، PageV13P197 # فقال لها: لك ذلك. ثم قال سليمان: من لهذه الخرزة يسلكها الخيط؟ فقالت ~~دودة بيضاء: # أنا لها يا نبي الله، فأخذت الدودة الخيط في فيها ودخلت الثقب حتى خرجت ~~من الجانب الآخر، فقال لها سليمان: ما حاجتك؟ قالت تجعل رزقي في الفواكه، ~~قال: ذلك لك. # ثم ميز بين الغلمان [والجواري] (1). قال السدى: أمرهم بالوضوء، فجعل ~~الرجل يحدر الماء على اليد والرجل حدرا، وجعل الجواري يصببن من اليد اليسرى ~~على اليد اليمنى، ومن اليمنى على اليسرى، فميز بينهم بهذا. وقيل: كانت ~~الجارية تأخذ الماء من الآنية بإحدى يديها، ثم تحمله على الأخرى، ثم تضرب ~~به على الوجه، والغلام كان يأخذ الماء من الآنية يضرب به في الوجه، ~~والجارية تصب على بطن ساعدها، والغلام على ظهر الساعد، والجارية تصب الماء ~~صبا، والغلام يحدر على يديه، فميز بينهم بهذا. وروى يعلى بن مسلم عن سعيد ~~بن جبير قال: أرسلت بلقيس بمائتي وصيفة ووصيف، وقالت: إن كان نبيا فسيعلم ~~الذكور من الإناث، فأمرهم فتوضئوا، فمن توضأ منهم فبدأ بمرفقه قبل كفه قال ~~هو من الإناث، ومن بدأ بكفه قبل مرفقه قال هو من الذكور، ثم أرسل العصا إلى ~~الهواء فقال: أي الرأسين سبق إلى الأرض فهو أصلها، وأمر بالخيل فأجريت حتى ~~عرقت وملا القدح من عرقها، ثم رد سليمان الهدية، فروى أنه لما صرف الهدية ~~إليها وأخبرها رسولها بما شاهد، قالت لقومها: هذا أمر من السماء. # الثانية - كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثبت عليها ولا ~~يقبل الصدقة، وكذلك كان سليمان عليه السلام وسائر الأنبياء صلوات الله ~~عليهم أجمعين. وإنما جعلت بلقيس قبول الهدية أو ردها علامة على ما في ~~نفسها، على ما ذكرناه من كون سليمان ملكا أو نبيا، لأنه قال لها في كتابه: ~~" ألا تعلوا على وأتوني مسلمين " وهذا لا تقبل فيه فدية، ولا يؤخذ عنه ~~هدية، وليس هذا من الباب الذي تقرر في الشريعة عن قبول الهدية بسبيل، وإنما ~~هي رشوة وبيع الحق بالباطل، ms4677 وهي الرشوة التي لا تحل. وأما الهدية المطلقة ~~للتحبب والتواصل فإنها جائزة من كل أحد وعلى كل حال، وهذا ما لم يكن من ~~مشرك. # PageV13P198 # الثالثة - فإن كانت من مشرك ففي الحديث " نهيت عن زبد المشركين " يعنى ~~رفدهم وعطاياهم. وروى عنه عليه السلام أنه قبلها كما في حديث مالك عن ثور ~~بن زيد الدبلي وغيره، فقال جماعة من العلماء بالنسخ فيهما، وقال آخرون: ليس ~~فيها ناسخ ولا منسوخ، والمعنى فيها: أنه كان لا يقبل هدية من يطمع بالظهور ~~عليه وأخذ بلده ودخوله في الاسلام، وبهذه الصفة كانت حالة سليمان عليه ~~السلام، فعن مثل هذا نهى أن تقبل هديته حملا على الكف عنه، وهذا أحسن تأويل ~~للعلماء في هذا، فإنه جمع بين الأحاديث. وقيل غير هذا. # الرابعة - الهدية مندوب إليها، وهي مما تورث المودة وتذهب العداوة، روى ~~مالك عن عطاء بن عبد الله الخراساني قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~" تصافحوا يذهب الغل وتهادوا تحابوا وتذهب الشحناء ". وروى معاوية بن الحكم ~~قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " تهادوا فإنه يضعف الود ~~ويذهب بغوائل الصدر ". وقال الدارقطني: # تفرد به ابن بجير عن أبيه عن مالك، ولم يكن بالرضى، ولا يصح عن مالك ولا ~~عن الزهري. # وعن ابن شهاب قال: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " تهادوا ~~بينكم فإن الهدية تذهب السخيمة " قال ابن وهب: سألت يونس عن السخيمة ما هي ~~فقال: الغل. وهذا الحديث وصله الوقاصي عثمان عن الزهري وهو ضعيف. وعلى ~~الجملة: فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل الهدية، وفيه الأسوة ~~الحسنة. ومن فضل الهدية مع اتباع السنة أنها تزيل حزازات النفوس، وتكسب ~~المهدى والمهدى إليه رنة في اللقاء والجلوس. ولقد أحسن من قال: # هدايا الناس بعضهم لبعض * تولد في قلوبهم الوصالا وتزرع في الضمير هوى ~~وودا * وتكسبهم إذا حضروا جمالا آخر: # إن الهدايا لها حظ إذا وردت * أحظى من الابن عند الوالد الحدب الخامسة - ~~روى عن النبي صلى الله ms4678 عليه وسلم أنه قال: " جلساؤكم شركاؤكم في الهدية " ~~واختلف في معناه، فقيل: هو محمول على ظاهره. وقيل: يشاركهم على وجه ~~PageV13P199 # الكرم والمروءة، فإن لم يفعل فلا يجبر عليه. وقال أبو يوسف: ذلك في ~~الفواكه ونحوها. # وقال بعضهم: هم شركاؤه في السرور لا في الهدية. والخبر محمول في أمثال ~~أصحاب الصفة والخوانق والرباطات، أما إذا كان فقيها من الفقهاء اختص بها ~~فلا شركة فيها لأصحابه، فإن أشركهم فذلك كرم وجود منه. # السادسة - قوله تعالى: (فناظرة) أي منتظرة (بم يرجع المرسلون) قال قتادة: # يرحمها الله أن كانت لعاقلة في إسلامها وشركها، قد علمت أن الهدية تقع ~~موقعا من الناس. # وسقطت الألف في " بم " للفرق بين " ما " الخبرية. وقد يجوز إثباتها، قال ~~(1): # على ما قام يشتمني لئيم * كخنزير تمرغ في رماد قوله تعالى: فلما جاء ~~سليمن قال أتمدونن بمال فما آتان الله خير مما آتاكم بل أنتم بهديتكم ~~تفرحون (36) ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها ~~أذلة وهم صاغرون (37) قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني ~~مسلمين (38) قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه ~~لقوي أمين (39) قال الذي عنده علم من الكتب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك ~~طرفك فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربى ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن ~~شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فأن ربى غنى كريم (40) قوله تعالى: (فلما جاء ~~سليمان قال أتمدونني بمال) أي جاء الرسول سليمان بالهدية قال: # " أتمدونني بمال ". قرأ حمزة ويعقوب والأعمش: بنون واحدة مشددة وياء ~~ثابتة بعدها. # PageV13P200 # الباقون بنونين وهو اختيار أبى عبيد، لأنها في كل المصاحف بنونين. وقد ~~روى إسحاق عن نافع أنه كان يقرأ: " أتمدون " بنون واحدة مخففة بعدها ياء في ~~اللفظ. قال ابن الأنباري: فهذه القراءة يجب فيها إثبات الياء عند الوقف، ~~ليصح لها موافقة هجاء المصحف. والأصل في النون التشديد، فخفف التشديد من ذا ~~الموضع كما خفف من: # أشهد أنك عالم، وأصله: أنك ms4679 عالم. وعلى هذا المعنى بنى الذي قرأ: " يشاقون ~~فيهم "، " أتحاجون في الله ". وقد قالت العرب: الرجال يضربون ويقصدون، ~~وأصله يضربوني ويقصدوني، لأنه إدغام يضربونني ويقصدونني قال الشاعر: # ترهبين والجيد منك لليلى * والحشا والبغام (1) والعينان والأصل ترهبيني ~~فخفف. ومعنى " أتمدونني " أتزيدونني ما لا إلى ما تشاهدونه من أموالي. # قوله تعالى: (فما آتاني الله خير مما اتاكم) أي فما أعطاني من الاسلام ~~والملك والنبوة خير مما أعطاكم، فلا أفرح بالمال. و " آتان " وقعت في كل ~~المصاحف بغير ياء. وقرأ أبو عمرو ونافع وحفص: " آتاني الله " بياء مفتوحة، ~~فإذا وقفوا حذفوا. وأما يعقوب فإنه يثبتها في الوقف ويحذف في الوصل لالتقاء ~~الساكنين. الباقون بغير ياء في الحالين. # (بل أنتم بهديتكم تفرحون) لأنكم أهل مفاخرة ومكاثرة في الدنيا. # قوله تعالى: (ارجع إليهم) أي قال سليمان للمنذر بن عمرو أمير الوفد، ارجع ~~إليهم بهديتهم. (فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها) لام قسم والنون لها ~~لازمة. قال النحاس: # وسمعت أبا الحسن بن كيسان يقول: هي لام توكيد وكذا كان عنده أن اللامات ~~كلها ثلاث لا غير، لام توكيد، ولام أمر، ولام خفض، وهذا قول الحذاق من ~~النحويين، لأنهم يردون الشئ إلى أصله: وهذا لا يتهيأ إلا لمن درب في ~~العربية. ومعنى " لا قبل لهم بها " أي لا طاقة لهم عليها. (ولنخرجنهم منها) ~~أي من أرضهم (أذلة وهم صاغرون). # وقيل: " منها " أي من قرية سبأ. وقد سبق ذكر القرية في قوله: " إن الملوك ~~إذا دخلوا # PageV13P201 # قرية أفسدوها ". " أذلة " قد سلبوا ملكهم وعزهم. " وهم صاغرون " أي ~~مهانون أذلاء من الصغر وهو الذل إن لم يسلموا، فرجع إليها رسولها فأخبرها، ~~فقالت: قد عرفت أنه ليس بملك ولا طاقة لنا بقتال نبي من أنبياء الله. ثم ~~أمرت بعرشها فجعل في سبعة أبيات بعضها في جوف بعض، في آخر قصر من سبعة ~~قصور، وغلقت الأبواب، وجعلت الحرس عليه، وتوجهت إليه في اثنى عشر ألف قيل ~~من ملوك اليمن، تحت كل قيل مائة ألف. قال ابن عباس: وكان سليمان مهيبا لا ~~يبتدأ ms4680 بشئ حتى يكون هو الذي يسأل عنه، فنظر ذات يوم رهجا (1) قريبا منه، ~~فقال: ما هذا؟ فقالوا: بلقيس يا نبي الله. # فقال سليمان لجنوده - وقال وهب وغيره للجن - (أيكم يأتيني بعرشها قبل أن ~~يأتوني مسلمين) وقال عبد الله بن شداد. كانت بلقيس على فرسخ من سليمان لما ~~قال: " أيكم يأتيني بعرشها " وكانت خلفت عرشها بسبأ، ووكلت به حفظة. وقيل: ~~إنها لما بعثت بالهدية بعثت رسلها في جندها لتغافص (2) سليمان عليه السلام ~~بالقتل قبل أن يتأهب سليمان لها إن كان طالب ملك، فلما علم ذلك قال: " أيكم ~~يأتيني بعرشها ". قال ابن عباس: كان أمره بالاتيان بالعرش قبل أن يكتب ~~الكتاب إليها، ولم يكتب إليها حتى جاءه العرش. وقال ابن عطية: وظاهر الآيات ~~أن هذه المقالة من سليمان عليه السلام بعد مجئ هديتها ورده إياها، وبعثه ~~الهدهد بالكتاب، وعلى هذا جمهور المتأولين. واختلفوا في فائد استدعاء ~~عرشها، فقال قتادة: # ذكر له بعظم وجودة، فأراد أخذه قبل أن يعصمها وقومها الاسلام ويحمى ~~أموالهم، والاسلام على هذا الدين، وهو قول ابن جريج. وقال ابن زيد: استدعاه ~~ليريها القدرة التي هي من عند الله، ويجعله دليلا على نبوته، لاخذه من ~~بيوتها دون جيش ولا حرب، و " مسلمين " على هذا التأويل بمعنى مستسلمين، وهو ~~قول ابن عباس. وقال ابن زيد أيضا: أراد أن يختبر عقلها ولهذا قال: " نكروا ~~لها عرشها ننظر أتهتدي ". وقيل: خافت الجن أن يتزوج بها سليمان عليه السلام ~~فيولد له منها ولد، فلا يزالون في السخرة والخدمة لنسل سليمان فقالت ~~لسليمان # PageV13P202 # في عقلها خلل، فأراد أن يمتحنها بعرشها. وقيل: [أراد] أن يختبر صدق ~~الهدهد في قوله: # " ولها عرش عظيم " قاله الطبري. وعن قتادة: أحب أن يراه لما وصفه الهدهد. # والقول الأول عليه أكثر العلماء، لقوله تعالى: " قبل أن يأتوني مسلمين ". ~~ولأنها لو أسلمت لحظر عليه مالها فلا يؤتى به إلا بإذنها. روى أنه كان من ~~فضة وذهب مرصعا بالياقوت الأحمر والجوهر، وأنه كان في جوف سبعة أبيات عليه ~~سبعة أغلاق. # قوله تعالى (قال ms4681 عفريت من الجن) كذا قرأ الجمهور وقرأ أبو رجاء وعيسى ~~الثقفي " عفرية " ورويت عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه. وفي الحديث: " إن ~~الله يبغض العفرية النفرية ". اتباع لعفرية. قال قتادة: هي الداهية قال ~~النحاس: يقال للشديد إذا كان معه خبث ودهاء عفر وعفرية وعفريت وعفارية. ~~وقيل: " عفريت " أي رئيس. # وقرأت فرقة: " قال عفر " بكسر العين، حكاه ابن عطية، قال النحاس: من قال ~~عفرية جمعه على عفار، ومن قال: عفريت كان له في الجمع ثلاثة أوجه، إن شاء ~~قال عفاريت، وإن شاء قال عفار، لان التاء زائدة، كما يقال: طواغ في جمع ~~طاغوت، وإن شاء عوض من التاء ياء فقال عفارى. والعفريت من الشياطين القوى ~~المارد. والتاء زائدة. وقد قالوا: تعفرت الرجل إذا تخلق بخلق الأذاية. وقال ~~وهب بن منبه: اسم هذا العفريت كودن، ذكره النحاس. وقيل: ذكوان، ذكره ~~السهيلي. وقال شعيب الجبائي: اسمه دعوان. وروى عن ابن عباس أنه صخر الجنى. ~~ومن هذا الاسم قول ذي الرمة: # كأنه كوكب في إثر عفرية * مصوب (1) في سواد الليل منقضب وأنشد الكسائي ~~(2): # إذ قال شيطانهم العفريت * ليس لكم ملك ولا تثبيت # PageV13P203 # وفى الصحيح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن ~~عفريتا من الجن جعل يفتك (1) على البارحة ليقطع على الصلاة وإن الله أمكنني ~~منه فدعته (2) " وذكر الحديث. # وفي البخاري " تفلت (3) على البارحة " مكان " جعل يفتك ". وفى الموطأ عن ~~يحيى ابن سعيد أنه قال: أسرى برسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأى عفريتا ~~من الجن يطلبه بشعلة من نار، كلما التفت رسول الله صلى الله عليه وسلم رآه، ~~فقال جبريل: أفلا أعلمك كلمات تقولهن إذا قلتهن طفئت شعلته وخر لفيه، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " بلى " فقال: " أعوذ بالله الكريم وبكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن ~~بر ولا فاجر من شر ما ينزل من السماء وشر ما يعرج فيها [وشر ما ذرأ في ~~الأرض، وشر ما يخرج منها] (4) ومن فتن الليل والنهار ومن طوارق الليل ~~والنهار ms4682 إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن ". # قوله تعالى: (أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك) يعنى في مجلسه الذي يحكم ~~فيه. # (وإني عليه لقوي أمين) أي قوى على حمله. " أمين " على ما فيه. ابن عباس: ~~أمين على فرج المرأة، ذكره المهدوي. فقال سليمان أريد أسرع من ذلك، ف‍ (- ~~قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك) أكثر ~~المفسرين على أن الذي عنده علم من الكتاب آصف بن برخيا وهو من بني إسرائيل، ~~وكان صديقا يحفظ اسم الله الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب. ~~وقالت عائشة رضي الله عنها قال النبي صلى الله عليه وسلم " إن اسم الله ~~الأعظم الذي دعا به آصف بن برخيا يا حي يا قيوم " قيل: وهو بلسانهم، أهيا ~~شراهيا، وقال الزهري: دعاء الذي عنده اسم الله الأعظم، يا إلهنا وإله كل شئ ~~إلها واحدا لا إله إلا أنت إيتني بعرشها، فمثل بين يديه. وقال مجاهد: # دعا فقال: يا إلهنا وإله كل شئ يا ذا الجلال والاكرام. قال السهيلي: الذي ~~عنده علم من الكتاب هو آصف ابن برخيا ابن خالة سليمان، وكان عنده اسم الله ~~الأعظم من أسماء الله تعالى. # PageV13P204 # وقيل: هو سليمان نفسه، ولا يصح في سياق الكلام مثل هذا التأويل. قال ابن ~~عطية: # وقالت فرقة هو سليمان عليه السلام، والمخاطبة في هذا التأويل للعفريت لما ~~قال: # " أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك " كأن سليمان استبطأ ذلك فقال له على ~~جهة تحقيره: # " أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك " واستدل قائلو هذه المقالة بقول ~~سليمان: # " هذا من فضل ربى ". # قلت: ما ذكره ابن عطية قاله النحاس في معاني القرآن له، وهو قول حسن إن ~~شاء الله تعالى. قال بحر: هو ملك بيده كتاب المقادير، أرسله الله عند قول ~~العفريت. قال السهيلي: وذكر محمد بن الحسن المقرئ أنه ضبة بن أد، وهذا لا ~~يصح البتة لان ضبة هو ابن أد بن طابخة، واسمه ms4683 عمرو بن إلياس بن مضر بن نزار ~~بن معد، ومعد كان في مدة بختنصر، وذلك بعد عهد سليمان بدهر طويل، فإذا لم ~~يكن معد في عهد سليمان، فكيف ضبة بن أد وهو بعده بخمسة آباء؟! وهذا بين لمن ~~تأمله. ابن لهيعة: هو الخضر عليه السلام. وقال ابن زيد: الذي عنده علم من ~~الكتاب رجل صالح كان في جزيرة من جزائر البحر، خرج ذلك اليوم ينظر من ساكن ~~الأرض؟ وهل يعبد الله أم لا؟ فوجد سليمان، فدعا باسم من أسماء الله تعالى ~~فجئ بالعرش. وقول سابع: إنه رجل من بني إسرائيل اسمه يمليخا كان يعلم اسم ~~الله الأعظم، ذكره القشيري. وقال ابن أبي بزة: الرجل الذي كان عنده علم من ~~الكتاب اسمه أسطوم وكان عابدا في بني إسرائيل، ذكره الغزنوي. # وقال محمد بن المنكدر: إنما هو سليمان عليه السلام، أما إن الناس يرون ~~أنه كان معه اسم وليس ذلك كذلك، إنما كان رجل من بني إسرائيل عالم آتاه ~~الله علما وفقها قال: " أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك " قال: هات. ~~قال: أنت نبي الله ابن نبي الله فإن دعوت الله جاءك به، فدعا الله سليمان ~~فجاءه الله بالعرش. وقول ثامن: إنه جبريل عليه السلام، قاله النخعي، وروى ~~عن ابن عباس. وعلم الكتاب على هذا علمه بكتب الله المنزلة، أو بما في اللوح ~~المحفوظ. وقيل: علم كتاب سليمان إلى بلقيس. قال ابن عطية: والذي ~~PageV13P205 # عليه الجمهور من الناس أنه رجل صالح من بني إسرائيل اسمه آصف بن برخيا، ~~روى أنه صلى ركعتين، ثم قال لسليمان: يا نبي الله امدد بصرك فمد بصره نحو ~~اليمن فإذا بالعرش، فما رد سليمان بصره إلا وهو عنده. قال مجاهد: هو إدامة ~~النظر حتى يرتد طرفه خاسئا حسيرا. وقيل: أراد مقدار ما يفتح عينه ثم يطرف، ~~وهو كما تقول: افعل كذا في لحظة عين، وهذا أشبه، لأنه إن كان الفعل من ~~سليمان فهو معجزة، وإن كان من آصف أو من غيره من أولياء الله فهي ms4684 كرامة، ~~وكرامة الولي معجزة النبي. قال القشيري: وقد أنكر كرامات الأولياء من قال ~~إن الذي عنده علم من الكتاب هو سليمان، قال للعفريت: # " أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك ". وعند هؤلاء ما فعل العفريت فليس ~~من المعجزات ولا من الكرامات، فإن الجن يقدرون على مثل هذا. ولا يقطع جوهر ~~في حال واحدة مكانين، بل يتصور ذلك بأن يعدم الله الجوهر في أقصى الشرق ثم ~~يعيده في الحالة الثانية، وهي الحالة التي بعد العدم في أقصى الغرب أو يعدم ~~الأماكن المتوسطة ثم يعيدها. قال القشيري: ورواه وهب عن مالك. وقد قيل: بل ~~جئ به في الهواء، قاله مجاهد. وكان بين سليمان والعرش كما بين الكوفة ~~والحيرة. وقال مالك: كانت باليمن وسليمان عليه السلام بالشام. وفي التفاسير ~~انخرق بعرش بلقيس مكانه الذي هو فيه ثم نبع بين يدي سليمان، قال عبد الله ~~بن شداد: وظهر العرش من نفق تحت الأرض، فالله أعلم أي ذلك كان. # قوله تعالى: (فلما رآه مستقرا عنده) أي ثابتا عنده. (قال هذا من فضل ربى) ~~أي هذا النصر والتمكين من فضل ربى. (ليبلوني) قال الأخفش: المعنى لينظر ~~(أأشكر أم أكفر). وقال غيره: معنى " ليبلوني " ليتعبدني، وهو مجاز. والأصل ~~في الابتلاء الاختبار أي ليختبرني أأشكر نعمته أم أكفرها (ومن شكر فإنما ~~يشكر لنفسه) أي لا يرجع نفع ذلك إلا إلى نفسه، حيث استوجب بشكره تمام ~~النعمة ودوامها والمزيد منها. والشكر قيد النعمة الموجودة، وبه تنال النعمة ~~المفقودة. (ومن كفر فأن ربى غنى) أي عن الشكر (كريم) في التفضل. ~~PageV13P206 # قوله تعالى: قال نكروا لها عرشها ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون ~~(41) فلما جاءت قيل أهكذا عرشك قالت كأنه هو وأوتينا العلم من قبلها وكنا ~~مسلمين (42) وصدها ما كانت تعبد من دون الله إنها كانت من قوم كفرين (43) ~~قوله تعالى: (قال نكروا لها عرشها) أي غيروه. قيل: جعل أعلاه أسفله، وأسفله ~~أعلاه. وقيل: غير بزيادة أو نقصان. قال الفراء وغيره: إنما أمر بتنكيره لان ~~الشياطين قالوا له: ms4685 إن في عقلها شيئا فأراد أن يمتحنها. وقيل: خافت الجن أن ~~يتزوج بها سليمان فيولد له منها ولد فيبقون مسخرين لآل سليمان أبدا، فقالوا ~~لسليمان: إنها ضعيفة العقل، ورجلها كرجل الحمار، فقال: " نكروا لها عرشها " ~~لنعرف عقلها. وكان لسليمان ناصح من الجن، فقال كيف لي أن أرى قدميها من غير ~~أن أسألها كشفها؟ فقال: أنا أجعل في هذا القصر ماء، وأجعل فوق الماء زجاجا، ~~تظن أنه ماء فترفع ثوبها فترى قدميها، فهذا هو الصرح الذي أخبر الله تعالى ~~عنه. # قوله تعالى: (فلما جاءت) يريد بلقيس، (قيل) لها (أهكذا عرشك قالت كأنه ~~هو) شبهته به لأنها خلفته تحت الاغلاق، فلم تقر بذلك ولم تنكر، فعلم سليمان ~~كمال عقلها. قال عكرمة: كانت حكيمة فقالت: " كأنه هو ". وقال مقاتل: عرفته ~~ولكن شبهت عليهم كما شبهوا عليها، ولو قيل لها: أهذا عرشك لقالت نعم هو، ~~وقاله الحسن بن الفضل أيضا. # وقيل: أراد سليمان أن يظهر لها أن الجن مسخرون له، وكذلك الشياطين لتعرف ~~أنها نبوة وتؤمن به. وقد قيل هذا في مقابلة تعميتها الامر في باب الغلمان ~~والجواري. (وأوتينا العلم من قبلها) قيل: هو من قول بلقيس، أي أوتينا العلم ~~بصحة نبوة سليمان من قبل هذه الآية في العرش (وكنا مسلمين) منقادين لامره. ~~وقيل: هو من قول سليمان أي أوتينا العلم PageV13P207 # بقدرة الله على ما يشاء من قبل هذه المرة. وقيل: " وأوتينا العلم " ~~بإسلامها ومجيئها طائعة من قبل مجيئها. وقيل: هو من كلام قوم سليمان. والله ~~أعلم. # قوله تعالى: (وصدها ما كانت تعبد من دون الله) الوقف على " من دون الله " ~~حسن، والمعنى: منعها من أن تعبد الله ما كانت تعبد من الشمس والقمر ف‍ " ما ~~" في موضع رفع. النحاس: المعنى، أي صدها عبادتها من دون الله وعبادتها ~~إياها عن أن تعلم ما علمناه [عن أن تسلم] (1). ويجوز أن يكون " ما " في ~~موضع نصب، ويكون التقدير: وصدها سليمان عما كانت تعبد من دون الله، أي حال ~~بينها وبينه. ويجوز أن يكون المعنى: وصدها الله، ms4686 أي منعها الله عن عبادتها ~~غيره فحذفت " عن " وتعدى الفعل. نظيره: " واختار موسى قومه " أي من قومه. ~~وأنشد سيبويه (2): # ونبئت عبد الله بالجو أصبحت * كراما مواليها لئيما صميمها وزعم أن المعنى ~~عنده نبئت عن عبد الله. (إنها كانت من قوم كافرين) قرأ سعيد بن جبير " أنها ~~" بفتح الهمزة، وهي في موضع نصب بمعنى لأنها. ويجوز أن يكون بدلا من " ما " ~~فيكون في موضع رفع إن كانت " ما " فاعلة الصد. والكسر على الاستئناف. # قوله تعالى: قيل لها ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة فكشفت عن ساقيها ~~قال إنه صرح ممرد من قوارير قالت رب أنى ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمن لله رب ~~العلمين (44) قوله تعالى: (قيل لها ادخلي الصرح) التقدير عند سيبويه: ادخلي ~~إلى الصرح فحذف إلى وعدى الفعل. وأبو العباس يغلطه في هذا، قال: لان دخل ~~يدل على مدخول. وكان الصرح صحنا من زجاج تحته ماء وفيه الحيتان، عمله ~~ليريها ملكا أعظم من ملكها، قاله مجاهد. # PageV13P208 # وقال قتادة: كان من قوارير خلفه ماء " حسبته لجة " أي ماء. وقيل: الصرح ~~القصر، عن أبي عبيدة. كما قال (1): # * تحسب أعلامهن الصروحا * وقيل: الصرح الصحن، كما يقال: هذه صرحة الدار ~~وقاعتها، بمعنى. وحكى أبو عبيدة في الغريب المصنف أن الصرح كل بناء عال ~~مرتفع من الأرض، وأن الممرد الطويل. النحاس: # أصل هذا أنه يقال لكل بناء عمل عملا واحدا صرح، من قولهم: لبن صريح إذا ~~لم يشبه ماء، ومن قولهم: صرح بالامر، ومنه: عربي صريح. وقيل: عمله ليختبر ~~قول الجن فيها إن أمها من الجن، ورجلها رجل حمار، قاله وهب بن منبه. فلما ~~رأت اللجة فزعت وظنت أنه قصد بها الغرق: وتعجبت من كون كرسيه على الماء، ~~ورأت ما هالها، ولم يكن بد من امتثال الامر (وكشفت عن ساقيها) فإذا هي أحسن ~~الناس ساقا، سليمة مما قالت الجن، غير أنها كانت كثيرة الشعر، فلما بلغت ~~هذا الحد، قال لها سليمان بعد أن صرف بصره عنها: # (إنه صرح ممرد من قوارير) والممرد المحكوك المملس، ومنه ms4687 الأمرد. وتمرد ~~الرجل إذ أبطأ خروج لحيته بعد إدراكه. قاله الفراء. ومنه الشجرة المرداء ~~التي لا ورق عليها. ورملة مرداء إذا كانت لا تنبت. والممرد أيضا المطول، ~~ومنه قيل للحصن مارد. أبو صالح: طويل على هيئة النخلة. ابن شجرة: واسع في ~~طوله وعرضه. قال: # غدوت صباحا باكرا فوجدتهم * قبيل الضحا في السابري الممرد أي الدروع ~~الواسعة. وعند ذلك استسلمت بلقيس وأذعنت وأسلمت وأقرت على نفسها بالظلم، ~~على ما يأتي. ولما رأى سليمان عليه السلام قدميها قال لناصحه من الشياطين: # كيف لي أن أقلع هذا الشعر من غير مضرة بالجسد؟ فدله على عمل النورة، ~~فكانت النورة والحمامات من يومئذ. فيروى أن سليمان تزوجها عند ذلك وأسكنها ~~الشام، قاله الضحاك. # PageV13P209 # وقال سعيد بن عبد العزيز في كتاب النقاش: تزوجها وردها إلى ملكها: ~~باليمن، وكان يأتيها على الريح كل شهر مرة، فولدت له غلاما سماه داود مات ~~في زمانه. وفي بعض الاخبار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " كانت بلقيس ~~من أحسن نساء العالمين ساقين وهي من أزواج سليمان عليه السلام في الجنة " ~~فقالت عائشة: هي أحسن ساقين منى؟ فقال عليه السلام: " أنت أحسن ساقين منها ~~في الجنة " ذكره القشيري. وذكر الثعلبي عن أبي موسى أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: " أول من اتخذ الحمامات سليمان بن داود فلما ألصق ظهره إلى ~~الجدار فمسه حرها قال أواه من عذاب الله ". ثم أحبها حبا شديدا وأقرها على ~~ملكها باليمن، وأمر الجن فبنوا لها ثلاثة حصون لم ير الناس مثلها ارتفاعا: ~~سلحون وبينون وعمدان، ثم كان سليمان يزورها في كل شهر مرة، ويقيم عندها ~~ثلاثة أيام. وحكى الشعبي أن ناسا من حمير حفروا مقبرة الملوك، فوجدوا فيها ~~قبرا معقودا فيه امرأة حلل منسوجة بالذهب، وعند رأسها لوح رخام فيه مكتوب: # يا أيها الأقوام عوجوا معا * وأربعوا في مقبرى العيسا لتعلموا أنى تلك ~~التي * قد كنت أدعى الدهر بلقيسا شيدت قصر الملك في حمير * قومي وقدما كان ~~مأنوسا وكنت في ملكي وتدبيره * أرغم ms4688 في الله المعاطيسا بعلى سليمان النبي ~~الذي * قد كان للتوراة دريسا وسخر الريح له مركبا * تهب أحيانا رواميسا مع ~~ابن داود النبي الذي * قدسه الرحمن تقديسا وقال محمد بن إسحاق ووهب بن ~~منبه: لم يتزوجها سليمان، وإنما قال لها: اختاري زوجا، فقالت: مثلي لا ينكح ~~وقد كان لي من الملك ما كان. فقال: لا بد في الاسلام من ذلك. # فاختارت ذا تبع ملك همدان، فزوجه إياها وردها إلى اليمن، وأمر زوبعة أمير ~~جن اليمن أن يطيعه، فبنى له المصانع، ولم يزل أميرا حتى مات سليمان. وقال ~~قوم: لم يرد فيه خبر صحيح PageV13P210 # لا في أنه تزوجها ولا في أنه زوجها. وهي بلقيس بنت السرح بن الهداهد بن ~~شراحيل بن أدد ابن حدر بن السرح بن الحرس بن قيس بن صيفي بن سبأ بن يشجب بن ~~يعرب بن قحطان بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح. وكان جدها الهداهد ~~ملكا عظيم الشأن قد ولد له أربعون ولدا كلهم ملوك، وكان ملك أرض اليمن ~~كلها، وكان أبوها السرح يقول لملوك الأطراف: ليس أحد منكم كفؤا لي، وأبى أن ~~يتزوج منهم، فزوجوه امرأة من الجن يقال لها ريحانة بنت السكن، فولدت له ~~بلقمة وهي بلقيس، ولم يكن له ولد غيرها. وقال أبو هريرة قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: " كان أحد أبوي بلقيس جنيا " فمات أبوها، واختلف عليها قومها ~~فرقتين، وملكوا أمرهم رجلا فساءت سيرته، حتى فجر بنساء رعيته، فأدركت بلقيس ~~الغيرة، فعرضت عليه نفسها فتزوجها، فسقته الخمر حتى حزت رأسه، ونصبته على ~~باب دارها فملكوها. وقال أبو بكرة: ذكرت بلقيس عند النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال: # " لا يفلح قوم ولوا أمرهم (1) امرأة ". ويقال: إن سبب تزوج أبيها من الجن ~~أنه كان وزيرا لملك عات يغتصب نساء الرعية، وكان الوزير غيورا فلم يتزوج، ~~فصحب مرة في الطريق رجلا لا يعرفه، فقال هل لك من زوجة؟ فقال: لا أتزوج ~~أبدا، فإن ملك بلدنا يغتصب النساء من أزواجهن، فقال لئن تزوجت ms4689 ابنتي لا ~~يغتصبها أبدا. قال: بل يغتصبها. قال: إنا قوم من الجن لا يقدر علينا، فتزوج ~~ابنته فولدت له بلقيس، ثم ماتت الام وابتنت بلقيس قصرا في الصحراء، فتحدث ~~أبوها بحديثها غلطا، فنمى للملك خبرها فقال له: يا فلان تكون عندك هذه ~~البنت الجميلة وأنت لا تأتيني بها، وأنت تعلم حبى للنساء ثم أمر بحبسه، ~~فأرسلت بلقيس إليه إني بين يديك، فتجهز للمسير إلى قصرها، فلما هم بالدخول ~~بمن معه أخرجت إليه الجواري من بنات الجن مثل صورة الشمس، وقلن له ألا ~~تستحى؟ تقول لك سيدتنا أتدخل بهؤلاء الرجال معك على أهلك! فأذن لهم ~~بالانصراف ودخل وحده، وأغلقت عليه الباب وقتلته بالنعال، وقطعت رأسه ورمت ~~به إلى عسكره، فأمروها عليهم، فلم تزل كذلك إلى أن # PageV13P211 # بلغ الهدهد خبرها سليمان عليه السلام. وذلك أن سليمان لما نزل في بعض ~~منازله قال الهدهد: # إن سليمان قد اشتغل بالنزول، فأرتفع نحو السماء فأبصر طول الدنيا وعرضها، ~~فأبصر الدنيا يمينا وشمالا، فرأى بستانا لبلقيس فيه هدهد، وكان اسم ذلك ~~الهدهد عفير، فقال عفير اليمن ليعفور سليمان: من أين أقبلت؟ وأين تريد؟ ~~قال: أقبلت من الشام مع صاحبي سليمان بن داود. قال: ومن سليمان؟ قال: ملك ~~الجن والإنس والشياطين والطير والوحش والريح وكل ما بين السماء والأرض. فمن ~~أين أنت؟ قال: من هذه البلاد، مليكها امرأة يقال لها بلقيس، تحت يدها اثنا ~~عشر ألف قيل، تحت يد كل قيل مائة ألف مقاتل من سوى النساء والذراري، فانطلق ~~معه ونظر إلى بلقيس وملكها، ورجع إلى سليمان وقت العصر، وكان سليمان قد ~~فقده وقت الصلاة فلم يجده، وكانوا على غير ماء. قال ابن عباس في رواية: # وقعت عليه نفحة من الشمس. فقال لوزير الطير: هذا موضع من؟ قال: يا نبي ~~الله هذا موضع الهدهد قال: وأين ذهب؟ قال: لا أدرى أصلح الله الملك. فغضب ~~سليمان وقال: # " لأعذبنه عذابا شديدا " الآية. ثم دعا بالعقاب سيد الطير وأصرمها وأشدها ~~بأسا فقال: # ما تريد يا نبي الله؟ فقال: على بالهدهد ms4690 الساعة. فرفع العقاب نفسه دون، ~~السماء حتى لزق بالهواء، فنظر إلى الدنيا كالقصعة بين يدي أحدكم، فإذا هو ~~بالهدهد مقبلا من نحو اليمن، فانقض نحوه وأنشب فيه مخلبه. فقال له الهدهد: ~~أسألك بالله الذي أقدرك وقواك على إلا رحمتني. فقال له: الويل لك، وثكلتك ~~أمك! إن نبي الله سليمان حلف أن يعذبك أو يذبحك. ثم أتى به فاستقبلته ~~النسور وسائر عساكر الطير. وقالوا الويل لك، لقد توعدك نبي الله. فقال: وما ~~قدري وما أنا! أما استثنى؟ قالوا: بلى إنه قال: " أو ليأتيني بسلطان مبين " ~~ثم دخل على سليمان فرفع رأسه، وأرخى ذنبه وجناحيه تواضعا لسليمان عليه ~~السلام. # فقال له سليمان: أين كنت عن خدمتك ومكانك؟ لأعذبنك عذابا شديدا أو ~~لأذبحنك. # فقال له الهدهد: يا نبي الله أذكر وقوفك بين يدي الله بمنزلة وقوفي بين ~~يديك. فاقشعر جلد سليمان وارتعد وعفا عنه. وقال عكرمة: إنما صرف الله ~~سليمان عن ذبح الهدهد أنه PageV13P212 # كان بارا بوالديه، ينقل الطعام إليهما فيزقهما. ثم قال له سليمان: ما ~~الذي أبطأ بك؟ فقال الهدهد ما أخبر الله عن بلقيس وعرشها و قومها حسبما ~~تقدم بيانه. قال الماوردي: # والقول بأن أم بلقيس جنية مستنكر من العقول لتباين الجنسين، واختلاف ~~الطبعين، وتفارق الحسين (1)، لان الآدمي جسماني والجن روحاني، وخلق الله ~~الآدمي من صلصال كالفخار، وخلق الجان من مارج من نار، ويمنع الامتزاج مع ~~هذا التباين، ويستحيل التناسل مع هذا الاختلاف. # قلت: قد مضى القول في هذا، والعقل لا يحيله مع ما جاء من الخبر في ذلك، ~~وإذا نظر في أصل الخلق فأصله الماء على ما تقدم بيانه، ولا بعد في ذلك، ~~والله أعلم. وفى التنزيل " وشاركهم في الأموال والأولاد " وقد تقدم. وقال ~~تعالى: " لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان " على ما يأتي في " الرحمن ". # قوله تعالى: (قالت رب إني ظلمت نفسي) أي بالشرك الذي كانت عليه، قاله ابن ~~شجرة. وقال سفيان: أي بالظن الذي توهمته في سليمان، لأنها لما أمرت بدخول ~~الصرح حسبته لجة، وأن سليمان يريد تغريقها ms4691 فيه. فلما بان لها أنه صرح ممرد ~~من قوارير علمت أنها ظلمت نفسها بذلك الظن. وكسرت " إن " لأنها مبتدأة بعد ~~القول. ومن العرب من يفتحها فيعمل فيها القول. (وأسلمت مع سليمان لله رب ~~العالمين). # إذا سكنت " مع " فهي حرف جاء لمعنى بلا اختلاف بين النحويين. و إذا ~~فتحتها ففيها قولان: # أحدهما - أنه بمعنى الظرف اسم. والآخر - أنه حرف خافض مبنى على الفتح، ~~قاله النحاس: # قوله تعالى: ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صلحا أن اعبدوا الله فإذا هم ~~فريقان يختصمون (45) قال يقوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة لولا ~~تستغفرون الله لعلكم ترحمون (46) قالوا اطيرنا بك وبمن معك قال طائركم عند ~~الله بل أنتم قوم تفتنون (47) # PageV13P213 # قوله تعالى: (ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا أن أعبدوا الله) تقدم ~~معناه. # (فإذا هم فريقان يختصمون) قال مجاهد: أي مؤمن وكافر، قال: والخصومة ما ~~قصه الله تعالى في قوله: " أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه " إلى قوله: " ~~كافرون ". وقيل: # تخاصمهم أن كل فرقة قالت: نحن على الحق دونكم. # قوله تعالى: (قال يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة) قال مجاهد: ~~بالعذاب قبل الرحمة، المعنى: لم تؤخرون الايمان الذي يجلب إليكم الثواب، ~~وتقدمون الكفر الذي يوجب العقاب، فكان الكفار يقولون لفرط الانكار: إيتنا ~~بالعذاب. وقيل: أي لم تفعلون ما تستحقون به العقاب، لا أنهم التمسوا تعجيل ~~العذاب. (لولا تستغفرون الله) أي هلا تتوبون إلى الله من الشرك. (لعلكم ~~ترحمون) لكي ترحموا، وقد تقدم. # قوله تعالى: (قالوا اطيرنا بك وبمن معك) أي تشاءمنا. والشؤم النحس. ولا ~~شئ أضر بالرأي ولا أفسد للتدبير من اعتقاد الطيرة. ومن ظن أن خوار بقرة أو ~~نعيق غراب يرد قضاء، أو يدفع مقدورا فقد جهل. وقال الشاعر: # طيرة الدهر لا ترد قضاء * فاعذر الدهر لا تشبه بلوم أي يوم يخصه بسعود * ~~والمنايا ينزلن في كل يوم ليس يوم إلا وفيه سعود * ونحوس تجرى لقوم فقوم ~~وقد كانت العرب أكثر الناس طيرة، وكانت إذا أرادت سفرا نفرت طائرا، فإذا ~~طار يمنة سارت وتيمنت، ms4692 وإن طار شمالا رجعت وتشاءمت، فنهى النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن ذلك وقال: " أقروا الطير على وكناتها (1) " على ما تقدم بيانه ~~في " المائدة " (2). (قال طائركم عتد الله) أي مصائبكم. (بل أنتم قوم ~~تفتنون) أي تمتحنون. وقيل: تعذبون بذنوبكم. # PageV13P214 # قوله تعالى: وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون (48) ~~قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله ~~وإنا لصادقون (49) قوله تعالى: (وكان في المدينة) أي في مدينة صالح وهي ~~الحجر (تسعة رهط) أي تسعة رجال من أبناء أشرافهم. قال الضحاك. كان هؤلاء ~~التسعة عظماء أهل المدينة، وكانوا يفسدون في الأرض ويأمرون بالفساد، فجلسوا ~~عند صخرة عظيمة فقلبها الله عليهم. # وقال عطاء بن أبي رباح: بلغني أنهم كانوا يقرضون الدنانير والدراهم، وذلك ~~من الفساد في الأرض، وقاله سعيد بن المسيب. وقيل: فسادهم أنهم يتبعون عورات ~~الناس ولا يسترون عليهم. وقيل: غير هذا. و اللازم من الآية ما قاله الضحاك ~~وغيره أنهم كانوا من أوجه القوم وأقناهم وأغناهم، وكانوا أهل كفر ومعاص ~~جمة، وجملة أمرهم أنهم يفسدون ولا يصلحون. والرهط اسم للجماعة، فكأنهم ~~كانوا رؤساء يتبع كل واحد منهم رهط. # والجمع أرهط وأراهط. قال: # يا بؤس للحرب التي * وضعت أراهط فاستراحوا وهؤلاء المذكورون كانوا أصحاب ~~قدار عاقر الناقة، ذكره ابن عطية. # قلت: واختلف في أسمائهم، فقال الغزنوي: وأسماؤهم قدار بن سالف ومصدع ~~وأسلم ودسما وذهيم وذعما وذعيم وقتال وصداق. ابن إسحاق: رأسهم قدار بن سالف ~~ومصدع ابن مهرع، فاتبعهم سبعة، هم بلع بن ميلع ودعير بن غنم وذؤاب بن مهرج ~~وأربعة لم تعرف أسماؤهم. وذكر الزمخشري أسماءهم عن وهب بن منبه: الهذيل بن ~~عبد رب، غنم بن غنم، رياب بن مهرج، مصدع بن مهرج، عمير بن كردبة، عاصم بن ~~مخرمة، سبيط بن صدقة، سمعان بن صفى، قدار بن سالف، وهم الذين سعوا في عقر ~~الناقة، و كانوا عتاة قوم صالح، وكانوا من أبناء أشرافهم. السهيلي: ذكر ~~النقاش التسعة الذين كانوا يفسدون في الأرض ولا يصلحون، وسماهم ms4693 بأسمائهم، ~~وذلك لا ينضبط برواية، غير أنى أذكره على وجه الاجتهاد PageV13P215 # والتخمين، ولكن نذكره على ما وجدناه في كتاب محمد بن حبيب، وهم: مصدع بن ~~دهر. ويقال دهم، و قدار بن سالف، وهريم وصواب ورياب وداب ودعما وهرما ودعين ~~بن عمير. # قلت: وقد ذكر الماوردي أسماءهم عن ابن عباس فقال: هم دعما ودعيم وهرما ~~وهريم وداب وصواب ورياب ومسطح وقدار، وكانوا بأرض الحجر وهي أرض الشام. # قوله تعالى: (قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله) يجوز أن يكون " تقاسموا ~~" فعلا مستقبلا وهو أمر، أي قال بعضهم لبعض احلفوا. ويجوز أن يكون ماضيا في ~~معنى الحال كأنه قال: قالوا متقاسمين بالله، ودليل هذا التأويل قراءة عبد ~~الله: " يفسدون في الأرض ولا يصلحون. تقاسموا بالله " وليس فيها " قالوا ". ~~" لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه " قراءة العامة بالنون فيهما واختاره أبو ~~حاتم. وقرأ حمزة والكسائي: بالتاء فيهما، وضم التاء واللام على الخطاب أي ~~أنهم تخاطبوا بذلك، واختاره أبو عبيد. وقرأ مجاهد وحميد بالياء فيهما، وضم ~~الياء واللام على الخبر. والبيات مباغتة العدو ليلا. ومعنى " لوليه " أي ~~لرهط صالح الذي له ولاية الدم. (ما شهدنا مهلك (1) أهله) أي ما حضرنا، ولا ~~ندري من قتله وقتل أهله. # (وإنا لصادقون) في إنكارنا لقتله. والمهلك بمعنى الا هلاك، ويجوز أن يكون ~~الموضع. # وقرأ [عاصم] (2) والسلمى (بفتح الميم واللام) أي الهلاك، يقال: ضرب يضرب ~~مضربا أي ضربا. وقرأ المفضل وأبو بكر: (بفتح الميم وجر اللام) فيكون اسم ~~المكان كالمجلس لموضع الجلوس، ويجوز أن يكون مصدرا، كقوله تعالى: " إليه ~~مرجعكم " أي رجوعكم. # قوله تعالى: ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون (50) فانظر كيف كان ~~عقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين (51) فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن ~~في ذلك لآية لقوم يعلمون (52) وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون (53) # PageV13P216 # (ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون) مكرهم ما روى أن هؤلاء التسعة ~~لما كان في صدر الثلاثة الأيام بعد عقر الناقة، وقد أخبرهم صالح بمجئ ~~العذاب، اتفقوا وتحالفوا على أن يأتوا دار صالح ليلا ويقتلوه ms4694 وأهله ~~المختصين به، قالوا: فإذا كان كاذبا في وعيده أوقعنا به ما يستحق، وإن كان ~~صادقا كنا عجلناه قبلنا، وشفينا نفوسنا، قاله مجاهد وغيره. قال ابن عباس: ~~أرسل الله تعالى الملائكة تلك الليلة، فامتلأت بهم دار صالح، فأتى التسعة ~~دار صالح شاهرين سيوفهم، فقتلهم الملائكة رضخا بالحجارة فيرون الحجارة ولا ~~يرون من يرميها. وقال قتادة: خرجوا مسرعين إلى صالح، فسلط عليهم ملك بيده ~~صخرة فقتلهم. وقال السدى: نزلوا على جرف من الأرض، فانهار بهم فأهلكهم الله ~~تحته. وقيل: اختفوا في غار قريب من دار صالح، فانحدرت عليهم صخرة شدختهم ~~جميعا، فهذا ما كان من مكرهم. ومكر الله مجازاتهم على ذلك. # (فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين) أي بالصيحة التي ~~أهلكتهم. وقد قيل: إن هلاك الكل كان بصيحة جبريل. والأظهر أن التسعة هلكوا ~~بعذاب مفرد، ثم هلك الباقون بالصيحة والدمدمة. # وكان الأعمش والحسن وابن أبي إسحاق وعاصم وحمزة والكسائي يقرءون: " أنا " ~~بالفتح، وقال ابن الأنباري: فعلى هذا المذهب لا يحسن الوقف على " عاقبة ~~مكرهم " لان " أنا دمرناهم " خبر كان. ويجوز أن تجعلها في موضع رفع على ~~الاتباع للعاقبة. ويجوز أن تجعلها في موضع نصب من قول الفراء، وخفض من قول ~~الكسائي على معنى: بأنا دمرناهم ولأنا دمرناهم. # ويجوز أن تجعلها في موضع نصب على الاتباع لموضع " كيف " فمن هذه المذاهب ~~لا يحسن الوقف على " مكرهم ". وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: " إنا ~~دمرناهم " بكسر الألف على الاستئناف، فعلى هذا المذهب يحسن الوقف على " ~~مكرهم ". قال النحاس: ويجوز أن تنصب " عاقبة " على خبر " كان " ويكون " إنا ~~" في موضع رفع على أنها اسم " كان ". # ويجوز أن تكون في موضع رفع على إضمار مبتدأ تبيينا للعاقبة، والتقدير: هي ~~إنا دمرناهم، قال أبو حاتم: وفي حرف أبى " أن دمرناهم " تصديقا لفتحها. ~~PageV13P217 # قوله تعالى: (فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا) قراءة العامة بالنصب على ~~الحال عند الفراء والنحاس، أي خالية عن أهلها خرابا ليس بها ساكن. وقال ~~الكسائي وأبو عبيدة: # " خاوية " نصب على القطع، ms4695 مجازه: فتلك بيوتهم الخاوية، فلما قطع منها ~~الألف واللام نصب على الحال، كقوله: " وله الدين واصبا ". وقرأ عيسى بن عمر ~~ونصر بن عاصم والجحدري: بالرفع على أنها خبر عن " تلك " و " بيوتهم " بدل ~~من " تلك ". ويجوز أن تكون " بيوتهم " عطف بيان و " خاوية " خبر عن " تلك ~~". ويجوز أن يكون رفع " خاوية " على أنها خبر ابتداء محذوف، أي هي خاوية، ~~أو بدل من " بيوتهم " لان النكرة تبدل من المعرفة. (إن في ذلك لآية لقوم ~~يعلون. وأنجينا الذين آمنوا) بصالح (وكانوا يتقون) الله ويخافون عذابه. ~~قيل: آمن بصالح قدر أربعة آلاف رجل. والباقون خرج بأبدانهم - في قول مقاتل ~~وغيره - خراج مثل الحمص، وكان في اليوم الأول أحمر، ثم صار من الغد أصفر، ~~ثم صار في الثالث أسود. وكان عقر الناقة يوم الأربعاء، وهلاكهم يوم الأحد. # قال مقاتل: فقعت تلك الخراجات، وصاح جبريل بهم خلال ذلك صيحة فخمدوا، ~~وكان ذلك ضحوة. وخرج صالح بمن آمن معه إلى حضرموت، فلما دخلها مات صالح، ~~فسميت حضرموت. قال الضحاك: ثم بنى الأربعة الآلاف مدينة يقال لها حاضورا، ~~على ما تقدم بيانه في قصة أصحاب الرس. # قوله تعالى: ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون (54) أئنكم ~~لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم تجهلون (55) فما كان جواب ~~قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون (56) ~~فأنجيناه وأهله إلا امرأته قدرناها من الغابرين (57) وأمطرنا عليهم مطرا ~~فسآء مطر المنذرين (58) PageV13P218 # قوله تعالى: (ولوطا إذ قال لقومه) أي وأرسلنا لوطا، أو أذكر لوطا. " إذ ~~قال لقومه " وهم أهل سدوم. وقال لقومه: (أتأتون الفاحشة) الفعلة القبيحة ~~الشنيعة. # (وأنتم تبصرون) أنها فاحشة، وذلك أعظم لذنوبكم. وقيل: يأتي بعضكم بعضا ~~وأنتم تنظرون إليه. وكانوا لا يستترون عتوا منهم وتمردا. (أئنكم لتأتون ~~الرجال شهوة من دون النساء) أعاد ذكرها لفرط قبحها وشنعتها. (بل أنتم قوم ~~تجهلون) إما أمر التحريم أو العقوبة. واختيار الخليل وسيبويه تخفيف الهمزة ~~الثانية من " أئنكم " فأما الخط فالسبيل فيه أن يكتب بألفين على ms4696 الوجوه ~~كلها، لأنها همزة مبتدأة دخلت عليها ألف الاستفهام. # قوله تعالى: (فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم ~~إنهم أناس يتطهرون) أي عن أدبار الرجال. يقولون ذلك استهزاء منهم، قاله ~~مجاهد. وقال قتادة: عابوهم والله بغير عيب بأنهم يتطهرون من أعمال السوء. ~~(فأنجيناه وأهله إلا امرأته قدرناها من الغابرين) وقرأ عاصم: " قدرنا " ~~مخففا والمعنى واحد. يقال قد قدرت الشئ قدرا وقدرا وقدرته. (وأمطرنا عليهم ~~مطرا فساء مطر المنذرين) أي من أنذر فلم يقبل الانذار. وقد مضى بيان هذا في ~~" الأعراف " (1) و " هود " (2). # قوله تعالى: قل الحمد لله وسلم على عباده الذين اصطفى آلله خير أما ~~يشركون (59) أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به ~~حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون ~~(60) أمن جعل الأرض قرارا وجعل خللها أنهرا وجعل لها رواسي وجعل بين ~~البحرين حاجزا أإله مع الله بل أكثركم لا يعلمون (61) # PageV13P219 # قوله تعالى: (قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى) قال الفراء قال ~~أهل المعاني: قيل للوط " قل الحمد لله " على هلاكهم. وخالف جماعة من ~~العلماء الفراء في هذا وقالوا: هو مخاطبة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ~~أي قل الحمد لله على هلاك كفار الأمم الخالية. قال النحاس: وهذا أولى، لان ~~القرآن منزل على النبي صلى الله عليه وسلم، وكل ما فيه فهو مخاطب به عليه ~~السلام إلا ما لم يصح معناه إلا لغيره. وقيل: المعنى، أي " قل " يا محمد " ~~الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى " يعنى أمته عليه السلام. قال ~~الكلبي: اصطفاهم الله بمعرفته وطاعته. وقال ابن عباس وسفيان: هم أصحاب محمد ~~صلى الله عليه وسلم. وقيل: # أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتلو هذه الآيات الناطقة بالبراهين ~~على وحدانيته وقدرته على كل شئ وحكمته، وأن يستفتح بتحميده والسلام على ~~أنبيائه والمصطفين من عباده. # وفيه تعليم حسن، وتوقيف على أدب جميل، وبعث على التيمن بالذكرين والتبرك ms4697 ~~بهما، والاستظهار بمكانهما على قبول ما يلقى إلى السامعين وإصغائهم إليه، ~~وإنزاله من قلوبهم المنزلة التي يبغيها المستمع. ولقد توارث العلماء ~~والخطباء والوعاظ كابرا عن كابر هذا الأدب، فحمدوا الله وصلوا على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أمام كل علم مفاد، وقبل كل عظة وفي مفتتح كل خطبة، ~~وتبعهم المترسلون فأجروا عليه أوائل كتبهم في الفتوح والتهاني، وغير ذلك من ~~الحوادث التي لها شأن. # قوله تعالى: " الذين اصطفى " اختار، أي لرسالته وهم الأنبياء عليهم ~~السلام، دليله قوله تعالى: " وسلام على المرسلين ". (آلله خير) وأجاز أبو ~~حاتم " أألله خير " بهمزتين. # النحاس: ولا نعلم أحدا تابعه على ذلك، لان هذه المدة إنما جئ بها فرقا ~~بين الاستفهام والخبر، وهذه ألف التوقيف، و " خير " ههنا ليس بمعنى أفضل ~~منك، وإنما هو مثل قول الشاعر (1): # أتهجوه ولست له بكف ء * فشركما لخيركما الفداء فالمعنى فالذي فيه الشر ~~منكما للذي فيه الخير الفداء. ولا يجوز أن يكون بمعنى من لأنك إذا قلت: ~~فلان شر من فلان ففي كل واحد منهما شر. وقيل: المعنى، الخير في هذا # PageV13P220 # أم في هذا الذي تشركونه في العبادة! وحكى سيبويه: السعادة أحب إليك أم ~~الشقاء، وهو يعلم أن السعادة أحب إليه. وقيل: هو على بابه من التفضيل، ~~والمعنى: آلله خير أم ما تشركون، أي أثوابه خير أم عقاب ما تشركون. وقيل: ~~قال لهم ذلك، لأنهم كانوا يعتقدون أن في عبادة الأصنام خير فخاطبهم الله عز ~~وجل على اعتقادهم. وقيل: اللفظ لفظ الاستفهام ومعناه الخبر. وقرأ أبو عمرو ~~وعاصم ويعقوب: " يشركون " بياء على الخبر. الباقون بالتاء على الخطاب، وهو ~~اختيار أبى عبيد وأبى حاتم، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قرأ هذه ~~[الآية] يقول: " بل الله خير وأبقى وأجل وأكرم ". # قوله تعالى: (أمن خلق السماوات والأرض) قال أبو حاتم: تقديره، آلهتكم خير ~~أم من خلق السماوات والأرض، وقد تقدم. ومعناه: قدر على خلقهن. وقيل: ~~المعنى، أعبادة ما تعبدون من أوثانكم خير أم عبادة من خلق السماوات ~~والأرض؟. فهو مردود ms4698 على ما قبله من المعنى، وفيه معنى التوبيخ لهم، ~~والتنبيه على قدرة الله عز وجل وعجز آلهتهم. # (فأنبتنا به حدائق بهجة) الحديقة البستان الذي عليه حائط. والبهجة المنظر ~~الحسن. # قال الفراء: الحديقة البستان المحظر عليه حائط، وإن لم يكن عليه حائط فهو ~~البستان وليس بحديقة. # وقال قتادة وعكرمة: الحدائق النخل ذات بهجة، والبهجة الزينة والحسن، يبهج ~~به من رآه. # (ما كان لكم أن تنبتوا شجرها) " ما " للنفي. ومعناه الحظر والمنع من فعل ~~هذا، أي ما كان للبشر، ولا يتهيأ لهم تحت قدرتهم، أن ينبتوا شجرها، إذ هم ~~عجزة عن مثلها، لان ذلك إخراج الشئ من العدم إلى الوجود. # قلت: وقد يستدل من هذا على منع تصوير شئ سواء كان له روح أم لم يكن، وهو ~~قول مجاهد. ويعضده قوله صلى الله عليه وسلم: " قال الله عز وجل ومن أظلم ~~ممن ذهب يخلق خلقا كخلقي فليخلقوا ذرة أو ليخلقوا حبة أو ليخلقوا شعيرة " ~~رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: " قال الله عز وجل " فذكره، فعم بالذم والتهديد والتقبيح كل من ~~تعاطى تصوير شئ مما خلقه الله وضاهاه في التشبيه في خلقه PageV13P221 # فيما انفرد به سبحانه من الخلق والاختراع هذا واضح. وذهب الجمهور إلى أن ~~تصوير ما ليس فيه روح يجوز هو والاكتساب به. وقد قال ابن عباس للذي سأل أن ~~يصنع الصور: إن كنت لا بد فاعلا فاصنع الشجر وما لا نفس له خرجه مسلم أيضا. ~~والمنع أولى والله أعلم لما ذكرنا. وسيأتي لهذا مزيد بيان في " سبأ " إن ~~شاء الله تعالى ثم قال على جهة التوبيخ: # " أإله مع الله " أي هل معبود مع الله يعينه على ذلك. (بل هم قوم يعدلون) ~~بالله غيره. # وقيل: " يعدلون " عن الحق والقصد، أي يكفرون. وقيل: " إله " مرفوع ب‍ " ~~مع " تقديره أمع الله ويلكم إله. والوقف على " مع الله " حسن. # قوله تعالى: (أمن جعل الأرض قرارا) أي مستقرا. (وجعل خلالها أنهارا) أي ~~وسطها مثل ms4699 " وفجرنا خلالهما نهرا ". (وجعل لها رواسي) يعنى جبالا ثوابت ~~تمسكها وتمنعها من الحركة. (وجعل بين البحرين حاجزا) مانعا من قدرته لئلا ~~يختلط الأجاج بالعذب. وقال ابن عباس: سلطانا من قدرته فلا هذا يغير ذاك ولا ~~ذاك يغير هذا. # والحجز المنع. (أإله مع الله) أي إذا ثبت أنه لا يقدر على هذا غيره فلم ~~يعبدون ما لا يضر ولا ينفع. (بل أكثرهم لا يعلمون) يعنى كأنهم يجهلون الله ~~فلا يعلمون ما يجب له من الوحدانية. # قوله تعالى: أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض ~~أإله مع الله قليلا ما تذكرون (62) أمن يهديكم في ظلمت البر والبحر ومن ~~يرسل الريح بشرا بين يدي رحمته أإله مع الله تعلى الله عما يشركون (63) أمن ~~يبدؤا الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض أإله مع الله قل هاتوا ~~برهانكم إن كنتم صادقين (64) PageV13P222 # فيه ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (أمن يجيب المضطر إذا دعاه) قال ابن عباس: هو ذو ~~الضرورة المجهود. وقال السدى: الذي لا حول له ولا قوة. وقال ذو النون: هو ~~الذي قطع العلائق عما دون الله. وقال أبو جعفر وأبو عثمان النيسابوري هو ~~المفلس. وقال سهل ابن عبد الله: هو الذي إذا رفع يديه إلى الله داعيا لم ~~يكن له وسيلة من طاعة قدمها. وجاء رجل إلى مالك بن دينار فقال: أنا أسألك ~~بالله أن تدعو لي فأنا مضطر، قال: إذا فاسأله فإنه يجيب المضطر إذا دعاه. ~~قال الشاعر: # وإني لأدعو الله والامر ضيق * على فما ينفك أن يتفرجا ورب أخ سدت عليه ~~وجوهه * أصاب لها لما دعا الله مخرجا الثانية - وفي مسند أبى داو الطيالسي ~~عن أبي بكرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعاء المضطر: " اللهم ~~رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين وأصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت ~~". # الثالثة - ضمن الله تعالى إجابة المضطر إذا دعاه، وأخبر بذلك عن نفسه، ~~والسبب في ذلك أن الضرورة إليه باللجاء ينشأ عن الاخلاص، ms4700 وقطع القلب عما ~~سواه، وللاخلاص عنده سبحانه موقع وذمة، وجد من مؤمن أو كافر، طائع أو فاجر، ~~كما قال تعالى: " حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها ~~جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله ~~مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين " وقوله: " فلما ~~نجاهم إلى البر إذا هم يشركون " فأجابهم عند ضرورتهم ووقوع إخلاصهم، مع ~~علمه أنهم يعودون إلى شركهم وكفرهم. وقال تعالى: " فإذا ركبوا في الفلك ~~دعوا الله مخلصين له الدين " فيجيب المضطر لموضع اضطراره وإخلاصه. وفي ~~الحديث: # " ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن دعوة المظلوم ودعوة المسافر ودعوة ~~الوالد على ولده " ذكره صاحب الشهاب، وهو حديث صحيح. وفي صحيح مسلم عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لمعاذ لما وجهه إلى أرض اليمن " واتق ~~دعوة المظلوم فليس بينها وبين الله حجاب " PageV13P223 # وفي كتاب الشهاب: " اتقوا دعوة المظلوم فإنها تحمل على الغمام فيقول الله ~~تبارك وتعالى وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين " وهو صحيح أيضا. وخرج ~~الآجري من حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم: " فإني لا أردها ولو ~~كانت من فم كافر " فيجيب المظلوم لموضع إخلاصه بضرورته بمقتضى كرمه، وإجابة ~~لا خلاصه وإن كان كافرا، وكذلك إن كان فاجرا في دينه، ففجور الفاجر وكفر ~~الكافر لا يعود منه نقص ولا وهن على مملكة سيده، فلا يمنعه ما قضى للمضطر ~~من إجابته. وفسر إجابة دعوة المظلوم بالنصرة على ظالمه بما شاء سبحانه من ~~قهر له، أو اقتصاص منه، أو تسليط ظالم آخر عليه يقهره كما قال عز وجل: # " وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا " وأكد سرعة إجابتها بقول: " تحمل على ~~الغمام " ومعناه والله أعلم أن الله عز وجل يوكل ملائكته بتلقي دعوة ~~المظلوم وبحملها على الغمام، فيعرجوا بها إلى السماء، والسماء قبلة الدعاء ~~ليراها الملائكة كلهم، فيظهر منه معاونة المظلوم، وشفاعة منهم له في إجابة ~~دعوته، رحمة له. وفي هذا تحذير من الظلم ms4701 جملة، لما فيه من سخط الله ومعصيته ~~ومخالفة أمره، حيث قال على لسان نبيه في صحيح مسلم وغيره: " يا عبادي إني ~~حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا " الحديث. فالمظلوم ~~مضطر، ويقرب منه المسافر، لأنه منقطع عن الأهل والوطن منفرد عن الصديق ~~والحميم، لا يسكن قلبه إلى مسعد ولا معين لغربته. فتصدق ضرورته إلى المولى، ~~فيخلص إليه في اللجاء، وهو المجيب للمضطر إذا دعاه، وكذلك دعوة الوالد على ~~ولده، لا تصدر منه مع ما يعلم من حنته عليه وشفقته، إلا عند تكامل عجزه ~~عنه، وصدق ضرورته، وإياسه عن بر ولده، مع وجود أذيته، فيسرع الحق إلى ~~إجابته. # قوله تعالى (ويكشف السوء) أي الضر. وقال الكلبي: الجور. (ويجعلكم خلفاء ~~الأرض) أي سكانها يهلك قوما وينشئ آخرين. وفي كتاب النقاش: أي ويجعل ~~أولادكم خلفا منكم. وقال الكلبي: خلفا من الكفار ينزلون أرضهم، وطاعة الله ~~بعد كفرهم. # (أإله مع الله) على جهة التوبيخ، كأنه قال أمع الله ويلكم إله، ف‍ " إله ~~" مرفوع ب‍ " مع ". PageV13P224 # ويجوز أن يكون مرفوعا بإضمار أإله مع الله يفعل ذلك فتعبدوه. والوقف على ~~" مع الله " حسن. (قليلا ما تذكرون) قرأ أبو عمرو وهشام ويعقوب: " يذكرون " ~~بالياء على الخبر، كقول: " بل أكثرهم لا يعلمون " و " تعالى الله عما ~~يشركون " فأخبر فيما قبلها وبعدها، واختاره أبو حاتم. الباقون بالتاء خطابا ~~لقوله: " ويجعلكم خلفاء الأرض ". # قوله تعالى: (أمن يهديكم) أي يرشدكم الطريق (في ظلمات البر والبحر) إذا ~~سافرتم إلى البلاد التي تتوجهون إليها بالليل والنهار. وقيل: وجعل مفاوز ~~التي لا أعلام لها، ولجج البحار كأنها ظلمات، لأنه ليس لها علم يهتدى به. ~~(ومن يرسل الرياح نشرا (1) بين يدي رحمته) أي قدام المطر باتفاق أهل ~~التأويل. (أإله مع الله) يفعل ذلك ويعينه عليه. # (تعالى الله عما يشركون) من دونه. # قوله تعالى: (أمن يبدأ الخلق ثم يعيده) كانوا يقرون أنه الخالق الرازق ~~فألزمهم الإعادة، أي إذا قدر الابتداء فمن ضرورته القدرة على الإعادة، وهو ~~أهون عليه. # (أإله مع الله) يخلق ويرزق ويبدئ ms4702 ويعيد: (قل هاتوا برهانكم) أي حجتكم أن ~~لي شريكا، أو حجتكم في أنه صنع أحد شيئا من هذه الأشياء غير الله (إن كنتم ~~صادقين). # قوله تعالى: قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون ~~أيان يبعثون (65) بل أدرك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها بل هم منها ~~عمون (66) قوله تعالى: (قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله) ~~وعن بعضهم: # أخفى غيبه على الخلق، ولم يطلع عليه أحد لئلا يأمن أحد من عبيده مكره. ~~وقيل: # نزلت في المشركين حين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن قيام الساعة. و ~~" من " في موضع رفع، والمعنى: قل لا يعلم أحد الغيب إلا الله، فإنه بدل من ~~" من " قاله الزجاج. # PageV13P225 # الفراء: وإنما رفع ما بعد " إلا " لان ما قبلها جحد، كقوله: ما ذهب أحد ~~إلا أبوك، والمعنى واحد. قال الزجاج: ومن نصب نصب على الاستثناء، يعنى في ~~الكلام. قال النحاس: وسمعته يحتج بهذه الآية على من صدق منجما، وقال: أخاف ~~أن يكفر بهذه الآية. # قلت: وقد مضى هذا في " الانعام " (1) مستوفى. وقالت عائشة: من زعم أن ~~محمدا يعلم ما في غد فقد أعظم على الله الفرية، والله تعالى يقول: " قل لا ~~يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله " خرجه مسلم. وروى أنه دخل على ~~الحجاج منجم فاعتقله الحجاج، ثم أخذ حصيات فعدهن، ثم قال: كم في يدي من ~~حصاة؟ فحسب المنجم ثم قال: كذا، فأصاب. ثم اعتقله فأخذ حصيات لم يعدهن ~~فقال: كم في يدي؟ فحسب فأخطأ ثم حسب فأخطأ، ثم قال: أيها الأمير أظنك لا ~~تعرف عددها، قال: لا. قال: فإني لا أصيب. # قال: فما الفرق؟ قال: إن ذلك أحصيته فخرج عن حد الغيب، وهذا لم تحصه فهو ~~غيب و " لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله " وقد مضى هذا في " ~~آل عمران " (2) والحمد لله. # قوله تعالى: (بل ادارك علمهم في الآخرة) هذه قراءة أكثر الناس منهم عاصم ~~وشيبة ونافع ويحيى ms4703 بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي. وقرأ أبو جعفر وابن ~~كثير وأبو عمرو وحميد: " بل أدرك " من الادراك. وقرأ عطاء بن يسار وأخوه ~~سليمان بن يسار والأعمش (3) " بل أدرك " غير مهموز مشددا. وقرأ ابن محيصن: ~~" بل أأدرك " على الاستفهام. وقرأ ابن عباس: " بلى " بإثبات الياء " أدارك ~~" بهمزة قطع والدال مشددة وألف بعدها، قال النحاس: وإسناده إسناد صحيح، هو ~~من حديث شعبة يرفعه إلى ابن عباس. وزعم هارون القارئ أن قراءة أبى " بل ~~تدارك علمهم " القراءة الأولى والأخيرة معناهما واحد، لان أصل " ادارك " ~~تدارك، أدغمت الدال في التاء وجئ بألف الوصل، وفي معناه قولان: # أحدهما أن المعنى بل تكامل علمهم في الآخرة، لأنهم رأوا كل ما وعدوا به ~~معاينة فتكامل علمهم # PageV13P226 # به. والقول الآخر أن المعنى: بل تتابع علمهم اليوم في الآخرة، فقالوا ~~تكون وقالوا لا تكون. # القراءة الثانية فيها قولان: أحدهما أن معناه كمل في الآخرة، وهو مثل ~~الأول، قال مجاهد: # معناه يدرك علمهم في الآخرة ويعلمونها إذا عاينوها حين لا ينفعهم علمهم، ~~لأنهم كانوا في الدنيا مكذبين. والقول الآخر أنه على معنى الانكار، وهو ~~مذهب أبي إسحاق، واستدل على صحة هذا القول بأن بعده " بل هم منها عمون " أي ~~لم يدرك علمهم علم الآخرة. وقيل: # بل ضل وغاب علمهم في الآخرة فليس لهم فيها علم. والقراءة الثالثة: " بل ~~أدرك " فهي بمعنى " بل ادارك " وقد يجئ افتعل وتفاعل بمعنى، ولذلك صحح ~~ازدوجوا حين كان بمعنى تزاوجوا. القراءة الرابعة: ليس فيها إلا قول واحد ~~يكون فيه معنى الانكار، كما تقول: أأنا قاتلتك؟! فيكون المعنى لم يدرك، ~~وعليه ترجع قراءة ابن عباس، قال ابن عباس: # " بلى أدارك علمهم في الآخرة " أي لم يدرك. قال الفراء: وهو قول حسن كأنه ~~وجهه إلى الاستهزاء بالمكذبين بالبعث، كقولك لرجل تكذبه: بلى لعمري قد ~~أدركت السلف فأنت تروى ما لا أروى وأنت تكذبه. وقراءة سابعة: " بل أدرك " ~~بفتح اللام، عدل إلى الفتحة لخفتها. وقد حكى نحو ذلك عن قطرب في " قم الليل ~~" فإنه عدل إلى الفتح. # وكذلك ms4704 و (بع الثوب) ونحوه. وذكر الزمخشري في الكتاب: وقرئ " بل أأدرك " ~~بهمزتين " بل آأدرك " بألف بينهما " بلى أأدرك " " أم تدارك " " أم أدرك " ~~فهذه ثنتا عشرة قراءة، ثم أخذ يعلل وجوه القراءات وقال: فإن قلت فما وجه ~~قراءة " بل أأدرك " على الاستفهام؟ # قلت: هو استفهام على وجه الانكار لادراك علمهم، وكذلك من قرأ " أم أدرك " ~~و " أم تدارك " لأنها أم التي بمعنى بل والهمزة، وأما من قرأ " بلى أأدرك " ~~على الاستفهام فمعناه بلى يشعرون متى يبعثون، ثم أنكر علمهم بكونها، وإذا ~~أنكر علمهم بكونها لم يتحصل لهم شعور وقت كونها، لان العلم بوقت الكائن ~~تابع للعلم بكون الكائن. " في الآخرة " في شأن الآخرة ومعناها. (بل هم في ~~شك منها) أي في الدنيا. (بل هم منها عمون) أي بقلوبهم واحدهم عمو. # وقيل: عم، وأصله عميون حذفت الياء لالتقاء الساكنين ولم يجز تحريكها لثقل ~~الحركة فيها. PageV13P227 # قوله تعالى: وقال الذين كفروا أإذا كنا ترابا وآباؤنا أئنا لمخرجون (67) ~~لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين (68) قوله ~~تعالى: (وقال الذين كفروا) يعنى مشركي مكة. (إذا كنا ترابا وآباؤنا أإنا ~~(1) لمخرجون) هكذا يقرأ نافع هنا وفي سورة " العنكبوت ". وقرأ أبو عمرو ~~باستفهامين إلا أنه خفف الهمزة. وقرأ عاصم وحمزة أيضا باستفهامين إلا أنهما ~~حققا الهمزتين، وكل ما ذكرناه في السورتين جميعا واحد. وقرأ الكسائي وابن ~~عامر ورويس ويعقوب " أئذا " بهمزتين " إننا " بنونين على الخبر في هذه ~~السورة، وفي سورة " العنكبوت " باستفهامين، قال أبو جعفر النحاس: القراءة " ~~إذا كنا ترابا وآباؤنا أإنا لمخرجون " موافقة للخط حسنة، وقد عارض فيها أبو ~~حاتم فقال وهذا معنى كلامه: " إذا " ليس باستفهام و " آينا " استفهام وفيه ~~" إن " فكيف يجوز أن يعمل ما في حيز الاستفهام فيما قبله؟! وكيف يجوز أن ~~يعمل ما بعد " إن " فيما قبلها؟! وكيف يجوز غدا إن زيدا خارج؟! فإذا كان ~~فيه استفهام كان أبعد، وهذا إذا سئل عنه كان مشكلا لما ذكره. وقال أبو ~~جعفر: وسمعت محمد بن الوليد يقول: سألنا أبا ms4705 العباس عن آية من القرآن صعبة ~~مشكلة، وهي قول الله تعالى: # " وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي ~~خلق جديد " فقال: إن عمل في " إذا " " ينبئكم " كان محالا، لأنه لا ينبئهم ~~ذلك الوقت، وإن عمل فيه ما بعد " إن " كان المعنى صحيحا وكان خطأ في ~~العربية أن يعمل ما قبل " إن " فيما بعدها، وهذا سؤال بين رأيت أيذكر في ~~السورة التي هو فيها، فأما أبو عبيد فمال إلى قراءة نافع ورد على من جمع ~~بين استفهامين، واستدل بقوله تعالى: " أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ~~" وبقوله تعالى: " أفإن مت فهم الخالدون " وهذا الرد على أبى عمرو وعاصم ~~وحمزة # PageV13P228 # وطلحة والأعرج لا يلزم منه شئ، ولا يشبه ما جاء به من الآية شيئا، والفرق ~~بينهما أن الشرط وجوابه بمنزلة شئ واحد، ومعنى: " أفإن مت فهم الخالدون " ~~أفإن مت خلدوا. ونظير هذا: أزيد منطلق، ولا يقال: أزيد أمنطلق، لأنها ~~بمنزلة شئ واحد وليس كذلك الآية، لان الثاني جملة قائمة بنفسها فيصلح فيها ~~الاستفهام، والأول كلام يصلح فيه الاستفهام، فأما من حذف الاستفهام من ~~الثاني وأثبته في الأول فقرأ: " أئذا كنا ترابا وآباؤنا إننا " فحذفه من ~~الثاني، لان في الكلام دليلا عليه بمعنى الانكار. # قوله تعالى: (لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبل إن هذا إلا أساطير ~~الأولين) تقدم في سورة " المؤمنين " (1). وكانت الأنبياء يقربون أمر البعث ~~مبالغة في التحذير، وكل ما هو آت فقريب. # قوله تعالى: قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عقبة المجرمين (69) ولا ~~تحزن عليهم ولا تكن في ضيق مما يمكرون (70) ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم ~~صادقين (71) قوله تعالى: (قل سيروا في الأرض) أي " قل " لهؤلاء الكفار " ~~سيروا " في بلاد الشام والحجاز واليمن. (فانظروا) أي بقلوبكم وبصائركم (كيف ~~كان عاقبة المجرمين) المكذبين لرسلهم. (ولا تحزن عليهم) أي على كفار مكة إن ~~لم يؤمنوا (ولا تكن في ضيق) في حرج (مما يمكرون) نزلت في المستهزئين الذين ~~اقتسموا عقاب مكة وقد تقدم ms4706 ذكرهم (2). # وقرئ " في ضيق " بالكسر وقد مضى في آخر " النحل " (3). (ويقولون متى هذا ~~الوعد) أي يجيئنا العذاب بتكذيبنا (إن كنتم صادقين). # PageV13P229 # قوله تعالى: قل عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون (72) وإن ربك لذو ~~فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون (73) وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما ~~يعلنون (74) وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كتب مبين (75) قوله ~~تعالى: (قل عسى أن يكون ردف لكم) أي اقترب لكم ودنا منكم " بعض الذي ~~تستعجلون " أي من العذاب، قاله ابن عباس. وهو من ردفه إذا تبعه وجاء في ~~أثره، وتكون اللام أدخلت لان المعنى اقترب لكم ودنا لكم. أو تكون متعلقة ~~بالمصدر. وقيل: # معناه معكم. وقال ابن شجرة: تبعكم، ومنه ردف المرأة، لأنه تبع لها من ~~خلفها، ومنه قول أبى ذؤيب: # عاد السواد بياضا في مفارقه * لا مرحبا ببياض الشيب إذ ردفا قال الجوهري: ~~وأردفه أمر لغة في ردفه، مثل تبعه وأتبعه بمعنى، قال خزيمة بن مالك بن نهد: # إذا الجوزاء أردفت الثريا * ظننت بآل فاطمة الظنونا يعنى فاطمة بنت يذكر ~~بن عنزة أحد القارظين. وقال الفراء: " ردف لكم " دنا لكم ولهذا قال " لكم ~~". وقيل: ردفه وردف له بمعنى فتزاد اللام للتوكيد، عن الفراء أيضا. كما ~~تقول نقدته ونقدت له، وكلته ووزنته، وكلت له ووزنت له، ونحو ذلك. " بعض ~~الذي تستعجلون " من العذاب فكان ذلك يوم بدر. وقيل: عذاب القبر. (وإن ربك ~~لذو فضل على الناس) في تأخير العقوبة وإدرار الرزق (ولكن أكثرهم لا يشكرون) ~~فضله ونعمه. # قوله تعالى: (وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم) أي تخفى صدورهم (وما يعلنون) ~~يظهرون في الأمور. وقرأ ابن محيصن وحميد: " ما تكن " من كننت الشئ إذا ~~سترته هنا. # وفي " القصص " تقديره: ما تكن صدورهم عليه، وكأن الضمير الذي في الصدور ~~كالجسم الساتر. ومن قرأ: " تكن " فهو المعروف، يقال: أكننت الشئ إذا أخفيته ~~في نفسك. PageV13P230 # قوله تعالى: (وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كتاب مبين) قال ~~الحسن: # الغائبة هنا القيامة. وقيل: ms4707 ما غاب عنهم من عذاب السماء والأرض، حكاه ~~النقاش. وقال ابن شجرة: الغائبة هنا جميع ما أخفى الله تعالى عن خلقه وغيبه ~~عنهم، وهذا عام. وإنما دخلت الهاء في " غائبة " إشارة إلى الجمع، أي. ما من ~~خصلة غائبة عن الخلق إلا والله عالم بها قد أثبتها في أم الكتاب عنده، فكيف ~~يخفى عليه ما يسر هؤلاء وما يعلنونه. وقيل: أي كل شئ هو مثبت في أم الكتاب ~~يخرجه للأجل المؤجل له، فالذي يستعجلونه من العذاب له أجل مضروب لا يتأخر ~~عنه ولا يتقدم عليه. والكتاب اللوح المحفوظ أثبت الله فيه ما أراد ليعلم ~~بذلك من يشاء من ملائكته. # قوله تعالى: إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون ~~(76) وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين (77) إن ربك يقضى بينهم بحكمه وهو العزيز ~~العليم (78) فتوكل على الله إنك على الحق المبين (79) إنك لا تسمع الموتى ~~ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين (80) وما أنت بهدى العمى عن ضلالتهم ~~إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون (81) قوله تعالى: (إن هذا القرآن ~~يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون) وذلك أنهم اختلفوا في كثير ~~من الأشياء حتى لعن بعضهم بعضا فنزلت. والمعنى: إن هذا القرآن يبين لهم ما ~~اختلفوا فيه لو أخذوا به، وذلك ما حرفوه من التوراة والإنجيل، وما سقط من ~~كتبهم من الاحكام. (وإنه) يعنى القرآن (لهدى ورحمة للمؤمنين) خص المؤمنين ~~لأنهم المنتفعون به. (إن ربك يقضى بينهم بحكمه) أي يقضى بين بني إسرائيل ~~فيما اختلفوا فيه في الآخرة، فيجازى المحق والمبطل. وقيل: يقضى بينهم في ~~الدنيا فيظهر ما حرفوه. # (وهو العزيز) المنيع الغالب الذي لا يرد أمره (العليم) الذي لا يخفى عليه ~~شئ. PageV13P231 # قوله تعالى: (فتوكل على الله) أي فوض إليه أمرك واعتمد عليه، فإنه ناصرك. # (إنك على الحق المبين) أي الظاهر. وقيل: المظهر لمن تدبر وجه الصواب. ~~(إنك لا تسمع الموتى) يعنى الكفار لتركهم التدبر، فهم كالموتى لا حس لهم ~~ولا عقل. وقيل: # هذا فيمن ms4708 علم أنه لا يؤمن. (ولا تسمع الصم الدعاء) يعنى الكفار الذين هم ~~بمنزلة الصم عن قبول المواعظ، فإذا دعوا إلى الخير أعرضوا وولوا كأنهم لا ~~يسمعون، نظيره " صم بكم عمى " كما تقدم. وقرأ ابن محيصن وحميد وابن كثير ~~وابن أبي إسحاق وعباس عن أبي عمرو " ولا يسمع " بفتح الياء والميم " الصم " ~~رفعا على الفاعل. الباقون " تسمع " مضارع أسمعت " الصم " نصبا. # مسألة: وقد احتجت عائشة رضي الله عنها في إنكارها أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أسمع موتى بدر بهذه الآية، فنظرت في الامر بقياس عقلي ووقفت مع هذه ~~الآية. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ما أنتم بأسمع منهم ~~" قال ابن عطية: فيشبه أن قصة بدر خرق عادة لمحمد صلى الله عليه وسلم في أن ~~رد الله إليهم إدراكا سمعوا به مقاله ولولا إخبار رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بسماعهم لحملنا نداءه إياهم على معنى التوبيخ لمن بقي من الكفرة، وعلى ~~معنى شفاء صدور المؤمنين. # قلت: روى البخاري رضي الله عنه، حدثني عبد الله بن محمد سمع روح بن عبادة ~~قال حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال: ذكر لنا أنس بن مالك عن أبي ~~طلحة أن نبي الله صلى الله عليه وسلم أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلا من ~~صناديد قريش فقذفوا في طوى من أطواء بدر خبيث مخبث، وكان إذا ظهر على قوم ~~أقام بالعرصة ثلاث ليال، فلما كان ببدر اليوم الثالث أمر براحلته فشد عليها ~~رحلها ثم مشى وتبعه أصحابه، قالوا: ما نرى ينطلق إلا لبعض حاجته، حتى قام ~~على شفير الركي، فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم يا فلان بن فلان ويا ~~فلان بن فلان أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله، فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا ~~حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا، قال فقال عمر: يا رسول الله! ما تكلم من ~~أجساد لا أرواح لها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " والذي نفس محمد بيده ~~ما أنتم بأسمع لما أقول ms4709 منهم " قال قتادة: أحياهم الله حتى أسمعهم قوله ~~توبيخا وتصغيرا ونقمة وحسرة وندما. خرجه مسلم PageV13P232 # أيضا. قال البخاري: حدثنا عثمان قال حدثنا عبدة عن هشام عن أبيه عن ابن ~~عمر قال: # وقف النبي صلى الله عليه وسلم على قليب بدر فقال: " هل وجدتم ما وعد ربكم ~~حقا " ثم قال: # " إنهم الآن ليعلمون أن الذي كنت أقول لهم هو الحق " ثم قرأت (1) " إنك ~~لا تسمع الموتى " حتى قرأت الآية. وقد عورضت هذه الآية بقصة بدر وبالسلام ~~على القبور، وبما روي في ذلك من أن الأرواح تكون على شفير القبور في أوقات، ~~وبأن الميت يسمع قرع النعال إذا انصرفوا عنه، إلى غير ذلك، فلو لم يسمع ~~الميت لم يسلم عليه. وهذا واضح وقد بيناه في كتاب " التذكرة ". # قوله تعالى: (وما أنت بهادي العمى عن ضلالتهم) أي كفرهم، أي ليس في وسعك ~~خلق الايمان في قلوبهم. وقرأ حمزة: " وما أنت تهدي العمي عن ضلالتهم " ~~كقوله: # " أفأنت تهدي العمي ". الباقون: " بهادي العمي " وهي اختيار أبي عبيد ~~وأبي حاتم وفي " الروم " مثله. وكلهم وقف على " بهادي " بالياء في هذه ~~السورة وبغير ياء في " الروم " أتباعا للمصحف، إلا يعقوب فإنه وقف فيهما ~~جميعا بالياء. وأجاز الفراء وأبو حاتم: " وما أنت بهاد العمي " وهي الأصل. ~~وفي حرف عبد الله " وما أن تهدي العمي ". (إن تسمع) أي ما تسمع. (إلا من ~~يؤمن بآياتنا) قال ابن عباس: أي إلا من خلقته للسعادة فهم مخلصون في ~~التوحيد. # قوله تعالى: وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن ~~الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون (82) ويوم نحشر من كل أمة فوجا ممن يكذب ~~بآياتنا فهم يوزعون (83) حتى إذا جاؤوا قال أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها ~~علما أماذا كنتم تعملون (84) ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون ~~(85) ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصرا إن في ذلك لآيات ~~لقوم يؤمنون (86) # PageV13P233 # قوله تعالى: (وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم) ~~اختلف في معنى وقع القول وفي ms4710 الدابة، فقيل: معنى " وقع القول عليهم " وجب ~~الغضب عليهم، قاله قتادة. وقال مجاهد: أي حق القول عليهم بأنهم لا يؤمنون. ~~وقال أبن عمر وأبو سعيد الخدري رضي الله عنهما: إذا لم يأمروا بالمعروف ~~وينهوا عن المنكر وجب السخط عليهم. # وقال عبد الله بن مسعود: وقع القول يكون بموت العلماء، وذهاب العلم، ورفع ~~القرآن. # قال عبد الله: أكثروا تلاوة القرآن قبل أن يرفع، قالوا هذه المصاحف ترفع ~~فكيف بما في صدور الرجال؟ قال: يسرى عليه ليلا فيصبحون منه قفرا، وينسون لا ~~إله إلا الله، ويقعون في قول الجاهلية وأشعارهم، وذلك حين يقع القول عليهم. # قلت: أسنده أبو بكر البزار قال حدثنا عبد الله بن يوسف الثقفي قال حدثنا ~~عبد المجيد بن عبد العزيز عن موسى بن عبيدة عن صفوان بن سليم عن ابن لعبد ~~الله بن مسعود رضي الله عنه عن أبيه أنه قال: أكثروا من زيارة هذا البيت من ~~قبل أن يرفع وينسى الناس مكانه، وأكثروا تلاوة القرآن من قبل أن يرفع، ~~قالوا: يا أبا عبد الرحمن هذه المصاحف ترفع فكيف بما في صدور الرجال؟ قال: ~~فيصبحون فيقولون كنا نتكلم بكلام ونقول قولا فيرجعون إلى شعر الجاهلية ~~وأحاديث الجاهلية، وذلك حين يقع القول عليهم. وقيل: القول هو قوله تعالى: " ~~ولكن حق القول مني لأملأن جهنم " فوقوع القول وجوب العقاب على هؤلاء، فإذا ~~صاروا إلى حد لا تقبل توبتهم ولا يولد لهم ولد مؤمن فحينئذ تقوم القيامة، ~~ذكره القشيري. # وقول سادس: قالت حفصة بنت سيرين سألت أبا العالية عن قول الله تعالى: " ~~وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم " فقال: أوحى الله ~~إلى نوح " إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن " وكأنما كان على وجهي غطاء ~~فكشف. قال النحاس: وهذا من حسن الجواب، لان الناس ممتحنون ومؤخرون لان فيهم ~~مؤمنين وصالحين، ومن قد علم الله عز وجل أنه سيؤمن ويتوب، فلهذا أمهلوا ~~وأمرنا بأخذ الجزية، فإذا زال هذا وجب القول عليهم، فصاروا كقوم نوح حين ~~قال ms4711 الله تعالى: " إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن ". PageV13P234 # قلت: وجميع الأقوال عند التأمل ترجع إلى معنى واحد. والدليل عليه آخر ~~الآية " إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون " وقرئ " أن " بفتح الهمزة ~~وسيأتي. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسا إيمانها [لم تكن آمنت من قبل ~~أو كسبت في إيمانها خير] (1) طلوع الشمس من مغربها والدجال ودابة الأرض " ~~وقد مضى. واختلف في تعيين هذه الدابة وصفتها ومن أين تخرج اختلافا كثيرا، ~~قد ذكرناه في كتاب " التذكرة " ونذكره هنا إن شاء الله تعالى مستوفي. # فأول الأقوال أنه فصيل ناقة صالح وهو أصحها - والله أعلم - لما ذكره أبو ~~داود الطيالسي في مسنده عن حذيفة قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الدابة فقال: " لها ثلاث خرجات من الدهر فتخرج في أقصى البادية ولا يدخل ~~ذكرها القرية - يعني مكة - ثم تكمن زمانا طويلا ثم تحرج خرجة أخرى دون ذلك ~~فيفشو ذكرها في البادية ويدخل ذكرها القرية " يعني مكة قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " ثم بينما الناس في أعظم المساجد على الله حرمة خيرها ~~وأكرمها على الله المسجد الحرام لم يرعهم إلا وهي ترغو بين الركن والمقام ~~تنفض عن رأسها التراب فأرفض الناس منها شتى ومعا وثبتت عصابة من المؤمنين ~~وعرفوا أنهم لم يعجزوا الله فبدأت بهم فجلت وجوههم حتى جعلتها كأنها الكوكب ~~الدري وولت في الأرض لا يدركها طالب ولا ينجو منها هارب حتى إن الرجل ~~ليتعوذ منها بالصلاة فتأتيه من خلفه فتقول يا فلان الآن تصلي فتقبل عليه ~~فتسمه في وجهه ثم تنطلق ويشترك الناس في الأموال ويصطلحون في الأمصار يعرف ~~المؤمن من الكافر حتى إن المؤمن يقول يا كافر اقض حقي ". وموضع الدليل من ~~هذا الحديث أنه الفصيل قول: " وهي ترغو " والرغاء إنما هو للإبل، وذلك أن ~~الفصيل لما قتلت الناقة هرب فانفتح له حجر فدخل في جوفه ثم انطبق ms4712 عليه، فهو ~~فيه حتى يخرج بإذن الله عز وجل. وروي أنها دابة مزغبة شعراء، ذات قوائم ~~طولها ستون ذراعا، ويقال إنها الجساسة، وهو قول عبد الله بن عمر وروي عن ~~ابن عمر أنها على خلقة الآدميين، وهي في السحاب وقوائمها في الأرض. وروي ~~أنها جمعت من خلق # PageV13P235 # كل حيوان. وذكر الماوردي والثعلبي رأسها رأس ثور، وعينها عين خنزير، ~~وأذنها أذن فيل، وقرنها قرن أيل، وعنقها عنق نعامة، وصدرها صدر أسد، ولونها ~~لون نمر، وخاصرتها خاصرة هر، وذنبها ذنب كبش، وقوائمها قوائم بعير بين كل ~~مفصل ومفصل اثنا عشر ذراعا - الزمخشري: بذراع آدم عليه السلام - ويخرج معها ~~عصا موسى وخاتم سليمان، فتنكت في وجه المسلم بعصا موسى نكتة بيضاء فيبيض ~~وجهه، وتنكت في وجه الكافر بخاتم سليمان عليه السلام فيسود وجهه، قاله ابن ~~الزبير رضي الله عنهما. وفي كتاب النقاش عن ابن عباس رضي الله عنهما: إن ~~الدابة الثعبان المشرف على جدار الكعبة التي اقتلعتها العقاب حين أرادت ~~قريش بناء الكعبة. وحكى الماوردي عن محمد بن كعب عن علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه أنه سئل عن الدابة فقال: أما والله ما لها ذنب وإن لها للحية. قال ~~الماوردي: وفي هذا القول منه إشارة إلى أنها من الانس وإن لم يصرح به. # قلت: ولهذا - والله أعلم - قال بعض المتأخرين من المفسرين: إن الأقرب أن ~~تكون هذه الدابة إنسانا متكلما يناظر أهل البدع والكفر ويجادلهم لينقطعوا، ~~فيهلك من هلك عن بينة: ويحيا من حي عن بينة. قال شيخنا الإمام أبو العباس ~~أحمد بن عمر القرطبي في كتاب المفهم له: وإنما كان عند هذا القائل الأقرب ~~لقوله تعالى: " تكلمهم " وعلى هذا فلا يكون في هذه الدابة آية خاصة خارقة ~~للعادة، ولا يكون من العشر الآيات المذكورة في الحديث، لان وجود المناظرين ~~والمحتجين على أهل البدع كثير، فلا آية خاصة بها فلا ينبغي أن تذكر مع ~~العشر، وترتفع خصوصية وجودها إذا وقع القول، ثم فيه العدول عن تسمية هذا ~~الانسان المناظر الفاضل العالم ms4713 الذي على أهل الأرض أن يسموه باسم الانسان ~~أو بالعالم أو بالامام إلى أن يسمى بدابة، وهذا خروج عن عادة الفصحاء، وعن ~~تعظيم العلماء، وليس ذلك دأب العقلاء، فالأولى ما قاله أهل التفسير، والله ~~أعلم بحقائق الأمور. # قلت: قد رفع الاشكال في هذه الدابة ما ذكرناه من حديث حذيفة فليعتمد ~~عليه. # واختلف من أي موضع تخرج، فقال عبد الله بن عمر: تخرج من جبل الصفا بمكة، ~~يتصدع فتخرج منه. قال عبد الله ابن عمرو نحوه وقال: لو شئت أن أضع قدمي على ~~موضع خروجها PageV13P236 # لفعلت وروي في خبر عن النبي صلى الله عليه وسلم: " إن الأرض تنشق عن ~~الدابة وعيسى عليه السلام يطوف بالبيت ومعه المسلمون من ناحية المسعى وإنها ~~تخرج من الصفا فتسم بين عيني المؤمن هو مؤمن سمة كأنها كوكب دري وتسم بين ~~عيني الكافر نكتة سوداء كافر " وذكر في الخبر أنها ذات وبر وريش، ذكره ~~المهدوي. وعن ابن عباس أنها تخرج من شعب فتمس رأسها السحاب ورجلاها في ~~الأرض لم تخرجا، وتخرج ومعها عصا موسى وخاتم سليمان عليهما السلام. وعن ~~حذيفة: تخرج ثلاث خرجات، خرجة في بعض البوادي ثم تكمن، وخرجة في القرى ~~يتقاتل فيها الامراء حتى تكثر الدماء، وخرجة من أعظم المساجد وأكرمها ~~وأشرفها وأفضلها الزمخشري: تخرج من بين الركن حذاء دار بني مخزوم عن يمين ~~الخارج من المسجد، فقوم يهربون، وقوم يقفون نظارة. وروي عن قتادة أنها تخرج ~~في تهامة. وروي أنها تخرج من مسجد الكوفة من حيث فار تنور نوح عليه السلام. ~~وقيل: # من أرض الطائف، قال أبو قبيل: ضرب عبد الله بن عمرو أرض الطائف برجله ~~وقال: # من هنا تخرج الدابة التي تكلم الناس. وقيل: من بعض أودية تهامة، قال ابن ~~عباس. # وقيل: من صخرة من شعب أجياد، قال عبد الله بن عمرو. وقيل: من بحر سدوم، ~~قاله وهب بن منبه. ذكر هذه الأقوال الثلاثة الأخيرة الماوردي في كتابه. ~~وذكر البغوي أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز قال: حدثنا علي ms4714 بن ~~الجعد عن فضيل بن مرزوق الرقاشي الأغر - وسئل عنه يحيي بن معين فقال ثقة - ~~عن عطية العوفي عن ابن عمر قال تخرج الدابة من صدع في الكعبة كجري الفرس ~~ثلاثة أيام لا يخرج ثلثها. # قلت: فهذه أقوال الصحابة والتابعي في خروج الدابة وصفتها، وهي ترد قول من ~~قال من المفسرين: إن الدابة إنما هي إنسان متكلم يناظر أهل البدع والكفر ~~وقد روى أبو أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " تخرج الدابة فتسم ~~الناس على خراطيمهم " ذكره الماوردي. " تكلمهم " بضم التاء وشد اللام ~~المكسورة - من الكلام - قراءة العامة، يدل عليه قراءة أبي " تنبئهم ". وقال ~~السدي: تكلمهم ببطلان الأديان سوى PageV13P237 # دين الاسلام. وقيل: تكلمهم بما يسوءهم. وقيل: تكلمهم بلسان ذلق فتقول ~~بصوت يسمعه عن قرب وبعد " إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون " أي بخروجي، ~~لان خروجها من الآيات. وتقول: ألا لعنة الله على الظالمين. وقرأ أبو زرعة ~~وابن عباس والحسن وأبو رجاء: " تكلمهم " بفتح التاء من الكلم وهو الجرح قال ~~عكرمة: أي تسمهم. وقال أبو الجوزاء: سألت أبن عباس عن هذه الآية " تكلمهم " ~~أو " تكلمهم "؟ فقال: # هي والله تكلمهم وتكلمهم، تكلم المؤمن وتكلم الكافر والفاجر أي تجرحه. ~~وقال أبو حاتم: # " تكلمهم " كما تقول تجرحهم، يذهب إلى أنه تكثير من " تكلمهم ". (إن ~~الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون) وقرأ الكوفيون وأبن أبي إسحاق ويحيي: " أن ~~" بالفتح. وقرأ أهل الحرمين وأهل الشام وأهل البصرة: " إن " بكسر الهمزة. ~~قال النحاس: في المفتوحة قولان وكذا المكسورة، قال الأخفش: المعنى بأن وكذا ~~قرأ ابن مسعود " بأن " وقال أبو عبيدة: # موضعها نصب بوقوع الفعل عليها، أي تخبرهم أن الناس. وقرأ الكسائي ~~والفراء: " إن الناس " بالكسر على الاستئناف وقال الأخفش: هي بمعنى تقول إن ~~الناس، يعني الكفار. # " بآياتنا لا يوقنون " يعني بالقرآن وبمحمد صلى الله عليه وسلم، وذلك حين ~~لا يقبل الله من كافر إيمانا ولم يبق إلا مؤمنون وكافرون في علم الله قبل ~~خروجها، والله أعلم. # قوله تعالى: (ويوم نحشر من كل أمة فوجا) أي زمرة ms4715 وجماعة. (ممن يكذب ~~بآياتنا) يعني بالقرآن وبأعلامنا الدالة على الحق. (فهم يوزعون) أي يدفعون ~~ويساقون إلى موضع الحساب. قال الشماخ: # وكم وزعنا من خميس جحفل * وكم حبونا من رئيس مسحل وقال قتادة: " يوزعون " ~~أي يرد أولهم على آخرهم. (حتى إذا جاءوا قال) أي قال الله (أكذبتم بآياتي) ~~التي أنزلتها على رسلي، وبالآيات التي أقمتها دلالة على توحيدي. # (ولم تحيطوا بها علما) أي ببطلانها حتى تعرضوا عنها، بل كذبتهم جاهلين ~~غير مستدلين. # (أماذا كنتم تعملون) تقريع وتوبيخ أي ماذا كنتم تعملون حين لم تبحثوا ~~عنها ولم تتفكروا PageV13P238 # ما فيها. (ووقع القول عليهم بما ظلموا) أي وجب العذاب عليهم بظلمهم أي ~~بشركهم. # (فهم لا ينطقون) أي ليس لهم عذر ولا حجة. وقيل: يختم على أفواههم فلا ~~ينطقون، قاله أكثر المفسرين. # قوله تعالى: (ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه) أي يستقرون فينامون. ~~(والنهار مبصرا) أي يبصر فيه لسعي الرزق. (إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون) ~~بالله. ذكر الدلالة على إلهيته وقدرته أي ألم يعلموا كمال قدرتنا فيؤمنوا. # قوله تعالى: ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من ~~شاء الله وكل أتوه داخرين (87) وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب ~~صنع الله الذي أتقن كل شئ إنه خبير بما تفعلون (88) من جاء بالحسنة فله خير ~~منها وهم من فزع يومئذ آمنون (89) ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل ~~تجزون إلا ما كنتم تعملون (90) قوله تعالى: (ويوم ينفخ في الصور) أي واذكر ~~يوم أو ذكرهم يوم ينفخ في الصور. # ومذهب الفراء أن المعنى: وذلكم يوم ينفخ في الصور، وأجاز فيه الحذف ~~والصحيح في الصور أنه قرن من نور ينفخ فيه إسرافيل قال مجاهد: كهيئة البوق ~~وقيل: هو البوق بلغة أهل اليمن وقد مضى في " الانعام " (1) بيانه وما ~~للعلماء في ذلك. (ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله) قال ~~أبو هريرة: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن الله لما فرغ من خلق السماوات ms4716 خلق الصور فأعطاه إسرافيل فهو واضعه ~~على فيه شاخص ببصره إلى العرش ينتظر متى يؤمر بالنفخة " قلت: يا رسول الله ~~ما الصور؟ قال: # PageV13P239 # " قرن والله عظيم والذي بعثني بالحق إن عظم دارة فيه كعرض السماء والأرض ~~فينفخ فيه ثلاث نفخات النفخة الأولى نفخة الفزع والثانية نفحة الصعق ~~والثالثة نفخة البعث والقيام لرب العالمين " وذكر الحديث. ذكره علي بن معبد ~~والطبري والثعلبي وغيرهم، وصححه ابن العربي. وقد ذكرته في كتاب " التذكرة " ~~وتكلمنا عليه هنالك، وأن الصحيح في النفخ في الصور أنهما نفختان لا ثلاث، ~~وأن نفخة الفزع إنما تكون راجعة إلى نفخة الصعق لان الامرين لا زمان لهما، ~~أي فزعوا فزعا ماتوا منه، أو إلى نفخة البعث وهو اختيار القشيري وغيره، ~~فإنه قال في كلامه على هذه الآية: والمراد النفخة الثانية أي يحيون فزعين ~~يقولون: # " من بعثنا من مرقدنا "، ويعاينون من الأمور ما يهولهم ويفزعهم، وهذا ~~النفخ كصوت البوق لتجتمع الخلق في أرض الجزاء. قاله قتادة وقال الماوردي: " ~~ويوم ينفخ في الصور " هو يوم النشور من القبور، قال وفي هذا الفزع قولان: ~~أحدهما: أنه الاسراع والإجابة إلى النداء من قولهم: فزعت إليك في كذا إذا ~~أسرعت إلى ندائك في معونتك والقول الثاني: # إن الفزع هنا هو الفزع المعهود من الخوف والحزن، لأنهم أزعجوا من قبورهم ~~وخافوا. # وهذا أشبه القولين. # قلت: والسنة الثابتة من حديث أبي هريرة وحديث عبد الله بن عمرو يدل على ~~أنهما نفختان لا ثلاث، خرجهما مسلم وقد ذكرناهما في كتاب " التذكرة " وهو ~~الصحيح إن شاء الله تعالى أنهما نفختان، قال الله تعالى: " ونفخ في الصور ~~فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله " فاستثنى هنا كما ~~استثنى في نفخة الفزع فدل على أنهما واحدة. وقد روى ابن المبارك عن الحسن ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بين النفختين أربعون سنة الأولى ~~يميت الله بها كل حي والأخرى يحيي الله بها كل ميت " فإن قيل: فإن قوله ~~تعالى: " يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة " إلى ms4717 أن قال: " فإنما هي زجرة ~~واحدة " وهذا يقتضي بظاهره أنها ثلاث قيل له: ليس كذلك، وإنما المراد ~~بالزجرة النفخة الثانية التي يكون عنها خروج الخلق من قبورهم، كذلك قال ابن ~~عباس ومجاهد PageV13P240 # وعطاء وابن زيد وغيرهم. قال مجاهد: هما صيحتان أما الأولى فتميت كل شئ ~~بإذن الله، وأما الأخرى فتحيي كل شئ بإذن الله. وقال عطاء: " الراجفة " ~~القيامة و " الرادفة " البعث. وقال ابن زيد: " الراجفة " الموت و " الرادفة ~~" الساعة. والله أعلم. " إلا من شاء الله " ثم اختلف في هذا المستثنى من ~~هم. ففي حديث أبي هريرة أنهم الشهداء عند ربهم يرزقون إنما يصل الفزع إلى ~~الاحياء، وهو قول سعيد بن جبير أنهم الشهداء متقلدو السيوف حول العرش وقال ~~القشيري: الأنبياء داخلون في جملتهم، لان لهم الشهادة مع النبوة وقيل: ~~الملائكة. قال الحسن: استثني طوائف من الملائكة يموتون بين النفختين. # قال مقاتل: يعني جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت. وقيل: الحور العين. # وقيل: هم المؤمنون، لان الله تعالى قال عقب هذا: " من جاء بالحسنة فله ~~خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون ". وقال بعض علمائنا: والصحيح أنه لم يرد ~~في تعيينهم خبر صحيح والكل محتمل. # قلت: خفي عليه حديث أبي هريرة وقد صححه القاضي أبو بكر العربي فليعول ~~عليه، لأنه نص في التعيين وغيره اجتهاد. والله أعلم. وقيل غير هذا ما يأتي ~~في " الزمر ". # وقوله " ففزع من في السماوات " ماض و " ينفخ " مستقبل فيقال: كيف عطف ماض ~~على مستقبل؟ فزعم الفراء أن هذا محمول على المعنى، لان المعنى: إذا نفخ في ~~الصور ففزع. # " إلا من شاء الله " نصب على الاستثناء. (وكل أتوه داخرين) قرأ أبو عمر ~~وعاصم والكسائي ونافع وابن عامر وابن كثير: " آتوه " جعلوه فعلا مستقبلا. ~~وقرأ الأعمش ويحيي وحمزة وحفص عن عاصم: " وكل أتوه " مقصورا على الفعل ~~الماضي، وكذلك قرأه أبن مسعود وعن قتادة " وكل أتاه داخرين " قال النحاس: ~~وفي كتابي عن أبي إسحاق في القراءات من [قرأ] (2) " وكل أتوه " وحده على ~~لفظ " كل " ومن قرأ " أتوه " جمع على معناها، ms4718 وهذا القول غلط قبيح، لأنه ~~إذا قال: " وكل أتوه " فلم يوحد وإنما جمع، # PageV13P241 # ولو وحد لقال: " أتاه " ولكن من قال: " أتوه " جمع على المعنى وجاء به ~~ماضيا لأنه رده إلى " ففزع " ومن قرأ " وكل آتوه " حمله على المعنى أيضا ~~وقال: " آتوه " لأنها جملة منقطعة من الأول قال ابن نصر: حكى عن أبي إسحاق ~~رحمه الله ما لم يقله، ونص أبى إسحاق: # " وكل أتوه داخرين " ويقرأ " أتوه " فمن وحد فللفظ " كل " ومن جمع ~~فلمعناها. يريد ما أتى في القرآن أو غيره من توحيد خبر " كل " فعلى اللفظ ~~أو جمع فعلى المعنى، فلم يأخذ أبو جعفر هذا المعنى قال المهدوي: ومن قرأ " ~~وكل أتوه داخرين " فهو فعل من الاتيان وحمل على معنى " كل " دون لفظها، ومن ~~قرأ " وكل آتوه داخرين " فهو اسم الفاعل من أتى. يدلك على ذلك قول تعالى: " ~~وكلهم آتيه يوم القيامة فراد " ومن قرأ " وكل أتاه " حمله على لفظ " كل " ~~دون معناها وحمل " داخرين " على المعنى، ومعناه صاغرين، عن ابن عباس ~~وقتادة. وقد مضى في " النحل " (1). قوله تعالى: (وترى الجبال تحسبها جامدة ~~وهي تمر مر السحاب) قال ابن عباس: # أي قائمة وهي تسير سيرا حثيثا. قال القتبي: وذلك أن الجال تجمع وتسير، ~~فهي في رؤية العين كالقائمة وهي تسير، وكذلك كل شئ عظيم وجمع كثير يقصر عنه ~~النظر، لكثرته وبعد ما بين أطرافه، وهو في حسبان الناظر كالواقف وهو يسير. ~~قال النابغة في وصف جيش: # بأرعن مثل الطود تحسب أنهم * وقوف لحاج والركاب تهملج قال القشيري: وهذا ~~يوم القيامة، أي هي لكثرتها كأنها جامدة أي واقفة في مرأى العين وإن كانت ~~في أنفسها تسير سير السحاب، والسحاب المتراكم يظن أنها واقفة وهي تسير، أي ~~تمر مر السحاب حتى لا يبقى منها شئ، فقال الله تعالى: " وسيرت الجبال فكانت ~~سرابا " ويقال: إن الله تعالى وصف الجبال بصفات مختلفة ترجع كلها إلى تفريغ ~~الأرض منها، وإبراز ما كانت تواريه، فأول الصفات الاندكاك وذلك قبل ~~الزلزلة، ثم تصير كالعهن المنفوش، وذلك إذا ms4719 صارت السماء كالمهل، وقد جمع ~~الله بينهما فقال: " يوم تكون السماء كالمهل # PageV13P242 # وتكون الجبال كالعهن ". والحالة الثالثة أن تصير كالهباء وذلك أن تنقطع ~~بعد أن كانت كالعهن. والحالة الرابعة أن تنسف لأنها مع الأحوال المتقدمة ~~قارة في مواضعها والأرض تحتها غير بارزة فتنسف عنها لتبرز، فإذا نسفت ~~فبإرسال الرياح عليها. والحالة الخامسة أن الرياح ترفعها على وجه الأرض ~~فتظهرها شعاعا في الهواء كأنها غبار، فمن نظر إليها من بعد حسبها لتكاثفها ~~أجسادا جامدة، وهي بالحقيقة مارة إلا أن مرورها من وراء الرياح كأنها مندكة ~~متفتتة. والحالة السادسة أن تكون سرابا فمن نظر إلى مواضعها لم يجد فيها ~~شيئا منها كالسراب قال مقاتل: تقع على الأرض فتسوى بها. ثم قيل هذا مثل. ~~قال الماوردي: # وفيما ضرب له ثلاثة أقوال: أحدها أنه مثل ضربه الله تعالى للدنيا يظن ~~الناظر إليها أنها واقفة كالجبال، وهي آخذة بحظها من الزوال كالسحاب، قاله ~~سهل بن عبد الله. الثاني: أنه مثل ضربه الله للايمان تحسبه ثابتا في القلب ~~وعمله صاعد إلى السماء. الثالث: أنه مثل ضربه الله للنفس عند خروج الروح ~~والروح تسير إلى العرش. (صنع الله الذي أتقن كل شئ) أي هذا من فعل الله، و ~~[ما] هو فعل منه فهو متقن. و " ترى " من رؤية العين ولو كانت من رؤية القلب ~~لتعدت إلى مفعولين. والأصل ترأى فألقيت حركة الهمزة على الراء فتحركت الراء ~~وحذفت الهمزة، وهذا سبيل تخفيف الهمزة إذا كان قبلها ساكن، إلا أن التخفيف ~~لازم لترى. وأهل الكوفة يقرءون: " تحسبها " بفتح السين وهو القياس، لأنه من ~~حسب يحسب إلا أنه قد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم خلافها أنه قرأ ~~بالكسر في المستقبل، فتكون على فعل يفعل مثل نعم ينعم وبئس يبئس وحكى يئس ~~ييئس من السالم، لا يعرف في كلام العرب غير هذه الأحرف " وهي تمر مر السحاب ~~" تقديره مرا مثل مر السحاب، فأقيمت الصفة مقام الموصوف والمضاف مقام ~~المضاف إليه، فالجبال تزال من أماكنها من على وجه الأرض وتجمع ms4720 وتسير كما ~~تسير السحاب، ثم تكسر فتعود إلى الأرض كما قال: " وبست الجبال بسا ". (صنع ~~الله) عند الخليل وسيبويه منصوب على أنه مصدر، لأنه لما قال عز وجل: " وهي ~~تمر مر السحاب " دل على أنه قد صنع ذلك صنعا ويجوز النصب على الاغراء، أي ~~انظروا صنع الله. فيوقف PageV13P243 # على هذا على " السحاب " ولا يوقف عليه على التقدير الأول. ويجوز رفعه على ~~تقدير ذلك صنع الله. " الذي أتقن كل شئ " أي أحكمه، ومنه قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم: " رحم الله من عمل عملا فأتقنه ". وقال قتادة: معناه أحسن ~~كل شئ والاتقان الاحكام، يقال رجل تقن أي حاذق بالأشياء وقال الزهري: أصله ~~من ابن تقن، وهو رجل من عاد لم يكن يسقط له سهم فضرب به المثل، يقال: أرمى ~~من ابن تقن ثم يقال لكل حاذق بالأشياء تقن. # (إنه خبير بما تفعلون) بالتاء على الخطاب قراءة الجمهور وقرأ ابن كثير ~~وأبو عمرو وهشام بالياء. # قوله تعالى: (من جاء بالحسنة فله خير منها) قال ابن مسعود وابن عباس رضي ~~الله عنهما : الحسنة لا إله إلا الله. وقال أبو معشر: كان إبراهيم يحلف ~~بالله الذي لا إله إلا هو ولا يستثنى أن الحسنة لا إله إلا الله محمد رسول ~~الله. وقال على بن الحسين بن علي رضي الله عنهم : غزا رجل فكان إذا خلا ~~بمكان قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فبينما هو في أرض الروم في أرض ~~جلفاء وبردى رفع صوته فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له فخرج عليه رجل ~~على فرس عليه ثياب بيض فقال له: والذي نفسي بيده إنها الكلمة التي قال الله ~~تعالى " ومن جاء بالحسنة فله خير منها " وروى أبو ذر قال: قلت يا رسول الله ~~أوصني. قال: # " اتق الله وإذا عملت سيئة فأتبعها حسنة تمحها " قال قلت: يا رسول الله ~~أمن الحسنات لا إله إلا الله؟ قال: " من أفضل الحسنات " وفي رواية قال: " ~~نعم هي أحسن الحسنات " ذكره البيهقي، وقال قتادة: ms4721 " من جاء بالحسنة " ~~بالاخلاص والتوحيد. وقيل: أداء الفرائض كلها. # قلت: إذا أتى بلا إله إلا الله على حقيقتها وما يجب لها - على ما تقدم ~~بيانه في سورة إبراهيم - فقد أتى بالتوحيد والاخلاص والفرائض. " فله خير ~~منها " قال ابن عباس: # أي وصل إليه الخير منها، وقاله مجاهد. وقيل: فله الجزاء الجميل وهو ~~الجنة. وليس " خير " للتفضيل. قال عكرمة وابن جريج: أما أن يكون له خير ~~منها يعنى من الايمان فلا، فإنه ليس شئ خيرا ممن قال لا إله إلا الله ولكن ~~له منها خير وقيل: " فله خير منها " للتفضيل أي ثواب الله خير من عمل العبد ~~وقوله وذكره، وكذلك رضوان الله خير للعبد من فعل العبد، PageV13P244 # قاله ابن عباس. وقيل: ويرجع هذا إلى الأضعاف فإن الله تعالى يعطيه ~~بالواحدة عشرا، وبالايمان في مدة يسيرة الثواب الأبدي، قاله محمد بن كعب ~~وعبد الرحمن بن زيد. (وهم من فزع يومئذ آمنون) قرأ عاصم وحمزة والكسائي " ~~فزع يومئذ " بالإضافة. قال أبو عبيد: # وهذا أعجب إلى لأنه أعم التأويلين أن يكون الامن من جميع فزع ذلك اليوم، ~~وإذا قال: # " من فزع يومئذ " صار كأنه فزع دون فزع. قال القشيري: وقرئ " من فزع " ~~بالتنوين ثم قيل يعنى به فزعا واحدا كما قال: " لا يحزنهم الفزع الأكبر ". ~~وقيل: عنى الكثرة لأنه مصدر والمصدر صالح للكثرة. # قلت: فعلى هذا تكون القراءتان بمعنى. قال المهدوي: ومن قرأ: " من فزع ~~يومئذ " بالتنوين انتصب " يومئذ " بالمصدر الذي هو " فزع " ويجوز أن يكون ~~صفة لفزع ويكون متعلقا بمحذوف، لان المصادر يخبر عنها بأسماء الزمان وتوصف ~~بها، ويجوز أن يتعلق باسم الفاعل الذي هو " آمنون ". والإضافة على الاتساع ~~في الظروف، ومن حذف التنوين وفتح الميم بناه لأنه ظرف زمان، وليس الاعراب ~~في ظرف الزمان متمكنا، فلما أضيف إلى غير متمكن ولا معرب بنى. وأنشد ~~سيبويه: # على حين ألهى الناس جل أمورهم * فندلا زريق المال ندل الثعالب (1) قوله ~~تعالى: (ومن جاء بالسيئة) أي بالشرك، قاله ابن عباس والنخعي وأبو هريرة ~~ومجاهد وقيس بن سعد ms4722 والحسن، وهو إجماع من أهل التأويل في أن الحسنة لا إله ~~إلا الله، وأن السيئة الشرك في هذه الآية. (فكبت وجوههم في النار) قال ابن ~~عباس: ألقيت. # وقال الضحاك: طرحت، ويقال كببت الاناء أي قلبته على وجهه، واللازم من ~~أكب، وقلما يأتي هذا في كلام العرب. (هل تجزون) أي يقال لهم هل تجزون. ثم ~~يجوز أن يكون من قول الله، ويجوز أن يكون من قول الملائكة. (إلا ما كنتم ~~تعلمون) أي إلا جزاء أعمالكم. # PageV13P245 # قوله تعالى: إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شئ وأمرت ~~أن أكون من المسلمين (91) وأن أتلوا القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدى لنفسه ~~ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين (92) وقل الحمد لله سيريكم آياته ~~فتعرفونها وما ربك بغافل عما تعملون (93) قوله تعالى: (إنما أمرت أن أعبد ~~رب هذه البلدة الذي حرمها) يعنى مكة التي عظم الله حرمتها، أي جعلها حرما ~~آمنا، لا يسفك فيها دم، ولا يظلم فيها أحد، ولا يصاد فيها صيد، ولا يعضد ~~فيها شجر، على ما تقدم بيانه في غير موضع وقرأ ابن عباس: " التي حرمها " ~~نعتا للبلدة. وقراءة الجماعة " الذي " وهو في موضع نصب نعت ل‍ " رب " ولو ~~كان بالألف واللام لقلت المحرمها، فإن كانت نعتا للبلدة قلت المحرمها هو، ~~لا بد من إظهار المضمر مع الألف واللام، لان الفعل جرى على غير من هول، فإن ~~قلت الذي حرمها لم تحتج أن تقول هو. (وله كل شئ) خلقا وملكا. (وأمرت أن ~~أكون من المسلمين) أي من المنقادين لامره، الموحدين له. (وأن أتلو القرآن) ~~أي وأمرت أن أتلو القرآن، أي أقرأه. (فمن اهتدى) فله ثواب هدايته. (ومن ضل) ~~فليس على إلا البلاغ، نسختها آية القتال. # قال النحاس. " وأن أتلو " نصب بأن. قال الفراء: وفي إحدى القراءتين " وأن ~~أتل " وزعم أنه في موضع جزم بالامر فلذلك حذف منه الواو، قال النحاس: ولا ~~نعرف أحدا قرأ هذه القراءة، وهي مخالفة لجميع المصاحف. # قوله تعالى: (وقل الحمد لله) أي على نعمه ms4723 وعلى ما هدانا (سيريكم آياته) ~~أي في أنفسكم وفي غيركم كما قال: " سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم ". ~~(فتعرفونها) أي دلائل قدرته ووحدانيته في أنفسكم وفي السماوات وفي الأرض، ~~نظيره قوله تعالى: # " وفي الأرض آيات للموقنين. وفي أنفسكم أفلا تبصرون ". (وما ربك بغافل ~~عما تعملون) PageV13P246 # قرأ أهل المدينة وأهل الشام وحفص عن عاصم بالتاء على الخطاب، لقوله: " ~~سيريكم آياته فتعرفونها " فيكون الكلام على نسق واحد. الباقون بالياء على ~~أن يرد إلى ما قبله " فمن اهتدى " فأخبر عن تلك الآية. كملت السورة والحمد ~~لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. # سورة القصص مكية كلها في قول الحسن وعكرمة وعطاء وقال ابن عباس وقتادة ~~إلا آية نزلت بين مكة والمدينة. وقال ابن سلام: بالجحفة في وقت، هجرة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة. وهي قوله عز وجل: " إن الذي فرض عليك ~~القرآن لرادك إلى معاد ". وقال مقاتل: فيها من المدني " الذين آتيناهم ~~الكتاب " إلى قوله: " لا نبتغي الجاهلين ". # وهي ثمان وثمانون آية. # بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: طسم (1) تلك آيات الكتب المبين (2) ~~نتلوا عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون (3) إن فرعون علا في ~~الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحى نساءهم إنه ~~كان من المفسدين (4) ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم ~~أئمة ونجعلهم الوارثين (5) ونمكن لهم في الأرض ونرى فرعون وهامان وجنودهما ~~منهم ما كانوا يحذرون (6) قوله تعالى: (طسم) تقدم الكلام فيه. (تلك آيات ~~الكتاب المبين) " تلك " في موضع رفع بمعنى هذه تلك و " آيات " بدل منها. ~~ويجوز أن يكون في موضع نصب ب‍ " نتلو " و " آيات " بدل منها أيضا، وتنصبها ~~كما تقول: زيدا ضربت. و " المبين " PageV13P247 # أي المبين بركته وخيره، والمبين الحق من الباطل، والحلال من الحرام، وقصص ~~الأنبياء، ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم. ويقال: بأن الشئ وأبان [اتضح] ~~(1). (نتلو عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون) ذكر قصة موسى عليه ~~السلام وفرعون ms4724 وقارون، وأحتج على مشركي قريش، وبين أن قرابة قارون من موسى ~~لم تنفعه مع كفره، وكذلك قرابة قريش لمحمد، وبين أن فرعون علا في الأرض ~~وتجبر، فكان ذلك من كفره، فليجتنب العلو في الأرض، وكذلك التعزز بكثرة ~~المال، وهما من سيرة فرعون وقارون " نتلو عليك " أي يقرأ عليك جبريل بأمرنا ~~" من نبأ موسى وفرعون " أي من خبرهما و " من " للتبعيض و " من نبأ " مفعول ~~" نتلو " أي نتلو عليك بعض خبرهما، كقوله تعالى: " تنبت بالدهن ". # ومعنى " بالحق " أي بالصدق الذي لا ريب فيه ولا كذب. " لقوم يؤمنون " أي ~~يصدقون بالقرآن ويعلمون أنه من عند الله، فأما من لم يؤمن فلا يعتقد أنه ~~حق. # قوله تعالى: (إن فرعون علا في الأرض) أي استكبر وتجبر، قاله ابن عباس ~~والسدي وقال قتادة: علا في نقسه عن عبادة ربه بكفره وادعى الربوبية وقيل: # بملكه وسلطانه فصار عاليا على من تحت يده. " في الأرض " أي أرض مصر. ~~(وجعل أهلها شيعا) أي فرقا وأصنافا في الخدمة. قال الأعشى: # وبلدة يرهب الجواب دجلتها * حتى تراه عليها يبتغى الشيعا (يستضعف طائفة ~~منهم) أي من بني إسرائيل. (يذبح أبناءهم ويستحى نساءهم إنه كان من ~~المفسدين) تقدم القول في هذا في " البقرة " (2) عند قوله: " يسومونكم سوء ~~العذاب يذبحون أبناءكم " الآية، وذلك لان الكهنة قالوا له: إن مولودا يولد ~~في بني إسرائيل يذهب ملكك على يديه، أو قال المنجمون له ذلك، أو رأى رؤيا ~~فعبرت كذلك. قال # PageV13P248 # الزجاج: العجب من حمقه لم يدر أن الكاهن إن صدق فالقتل لا ينفع، وإن كذب ~~فلا معنى للقتل. وقيل: جعلهم شيعا فاستسخر كل قوم من بني إسرائيل في شغل ~~مقرد. " إنه كان من المفسدين " أي في الأرض بالعمل والمعاصي والتجبر. # قوله تعالى: (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض) أي نتفضل عليهم ~~وننعم. وهذه حكاية مضت. (ونجعلهم أئمة) قال ابن عباس: قادة في الخير. ~~مجاهد: # دعاة إلى الخير. قتادة: ولاة وملوكا، دليله قوله تعالى: " وجعلكم ملوكا " ~~قلت: وهذا أعم فإن الملك إمام يؤتم به ms4725 ومقتدى به. (ونجعلهم الوارثين) لملك ~~فرعون، يرثون ملكه، ويسكنون مساكن القبط وهذا معنى قوله تعالى: " وتمت كلمة ~~ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا " قوله تعالى: (ونمكن لهم في الأرض) ~~أي نجعلهم مقتدرين على الأرض وأهلها حتى يستولى عليها، يعنى أرض الشام ~~ومصر. (ونرى فرعون وهامان وجنودهما) أي ونريد أن نرى فرعون وقرأ الأعمش ~~ويحيى وحمزة والكسائي وخلف " ويرى " بالياء على أنه فعل ثلاثي من رأى " ~~فرعون وهامان وجنودهما " رفعا لأنه الفاعل الباقون " نرى " بضم النون وكسر ~~الراء على أنه فعل رباعي من أرى يرى، وهي على نسق الكلام، لان قبله " ونريد ~~" وبعده " ونمكن ". " فرعون وهامان وجنودهما " نصبا بوقوع الفعل وأجاز ~~الفراء " ويرى فرعون " بضم الياء وكسر الراء وفتح الياء بمعنى ويرى الله ~~فرعون (منهم ما كانوا يحذرون) وذلك أنهم أخبروا أن هلاكهم على يدي رجل من ~~بني إسرائيل فكانوا على وجل " منهم " فأراهم الله " ما كانوا يحذرون " قال ~~قتاد: كان حازيا لفرعون - والحازي المنجم - قال إنه سيولد في هذه السنة ~~مولود يذهب بملكك، فأمر فرعون بقتل الولدان في تلك السنة. وقد تقدم. ~~PageV13P249 # قوله تعالى: وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ~~ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين (7) فالتقطه آل ~~فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خطئين (8) ~~وقالت امرأت فرعون قرت عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا ~~وهم لا يشعرون (9) قوله تعالى: (وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه) قد تقدم ~~معنى الوحي ومحامله. # واختلف في هذا الوحي إلى أم موسى، فقالت فرقة: كان قولا في منامها وقال ~~قتادة: # كان إلهاما وقالت فرقة: كان بملك يمثل لها، قال مقاتل أتاها جبريل بذلك، ~~فعلى هذا هو وحي إعلام لا إلهام وأجمع الكل على أنها لم تكن نبية، وإنما ~~إرسال الملك إليها على نحو تكليم الملك للأقرع والأبرص والأعمى في الحديث ~~المشهور، خرجه البخاري ومسلم، وقد ذكرناه في سورة " براءة " (1) وغير ذلك ~~مما روي من ms4726 تكليم الملائكة للناس من غير نبوة، وقد سلمت على عمران بن حصين ~~فلم يكن بذلك نبيا واسمها أيارخا وقيل أيارخت فيما ذكر السهيلي. وقال ~~الثعلبي: واسم أم موسي لوحا (2) بنت هاند بن لاوي بن يعقوب. " أن أرضعيه " ~~وقرأ عمر ابن عبد العزيز: " أن ارضعيه " بكسر النون وألف وصل، حذف همزة ~~أرضع تخفيفا ثم كسر النون لالتقاء الساكنين قال مجاهد: وكان الوحي بالرضاع ~~قبل الولادة. وقال غيره بعدها. # قال السدي: لما ولدت أم موسى أمرت أن ترضعه عقيب الولادة وتصنع به بما في ~~الآية، لان الخوف كان عقيب الولادة وقال ابن جريج: أمرت بإرضاعه أربعة أشهر ~~في بستان، فإذا خافت أن يصيح - لان لبنها لا يكفيه - صنعت به هذا. والأول ~~أظهر إلا أن الآخر يعضده قوله: " فإذا خفت عليه " و " إذا " لما يستقبل من ~~الزمان، فيروى أنها # PageV13P250 # أتخذت له تابوتا من بردى وقيرته بالقار من داخله، ووضعت فيه موسى وألقته ~~في نيل مصر. # وقد مضى خبره في " طه " قال ابن عباس: إن بني إسرائيل لما كثروا بمصر ~~استطالوا على الناس، وعملوا بالمعاصي، فسلط الله عليهم القبط، وساموهم سوء ~~العذاب، إلى أن نجاهم الله على يد موسى قال وهب: بلغني أن فرعون ذبح في طلب ~~موسى سبعين ألف وليد ويقال: # تسعون ألفا ويروي أنها حين اقتربت وضربها الطلق، وكانت بعض القوابل ~~الموكلات بحبالي بني إسرائيل مصافية لها، فقالت: لينفعني حبك اليوم، ~~فعالجتها فلما وقع إلى الأرض هالها نور بين عينيه، وارتعش كل مفصل منها، ~~ودخل حبه قلبها، ثم قالت: ما جئتك إلا لأقتل مولودك وأخبر فرعون، ولكني ~~وجدت لابنك حبا ما وجدت مثله قط، فاحفظيه، فلما خرجت جاء عيون فرعون فلفته ~~في خرقة ووضعته في تنور مسجور نارا لم تعلم ما تصنع لما طاش عقلها، فطلبوا ~~فلم يلفوا شيئا، فخرجوا وهي لا تدري مكانه، فسمعت بكاءه من التنور، وقد جعل ~~الله عليه النار بردا وسلاما. # قوله تعالى: (ولا تخافي) فيه جهان: أحدهما - لا تخافي عليه الغرق، قاله ~~ابن زيد الثاني - لا تخافي ms4727 عليه الضيعة، قاله يحيي بن سلام. (ولا تحزني) ~~فيه أيضا وجهان: أحدهما - لا تحزني لفراقه، قاله ابن زيد الثاني - لا تحزني ~~أن يقتل، قاله يحيى بن سلام فقيل: إنها جعلته في تابوت طوله خمسة أشبار ~~وعرضه خمسة أشبار، وجعلت المفتاح مع التابوت وطرحته في اليم بعد أن أرضعته ~~أربعة أشهر. وقال آخرون: # ثلاثة أشهر وقال آخرون ثمانية أشهر، في حكاية الكلبي. وحكي أنه لما فرغ ~~النجار من صنعة التابوت نم إلى فرعون بخبره، فبعث معه من يأخذه، فطمس الله ~~عينيه وقلبه فلم يعرف الطريق، فأيقن أنه المولود الذي يخاف منه فرعون، فآمن ~~من ذلك الوقت، وهو مؤمن آل فرعون، ذكره الماوردي. وقال ابن عباس: فلما ~~توارى عنها ندمها الشيطان وقالت في نفسها: لو ذبح عندي فكفنته وواريته لكان ~~أحب إلي من إلقائه في البحر، # PageV13P251 # فقال الله تعالى: " إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين " أي إلى أهل ~~مصر. حكى الأصمعي قال سمعت جارية أعرابية تنشد وتقول: # أستغفر الله لذنبي كله * قبلت إنسانا بغير حله مثل الغزال ناعما في دله * ~~فانتصف الليل ولم أصله فقلت: قاتلك الله ما أفصحك! فقالت: أو يعد هذا فصاحة ~~مع قوله تعالى: " وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه " الآية، فجمع في آية ~~واحدة بين أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين. # قوله تعالى: (فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا) لما كان التقاطهم ~~إياه يؤدي إلى كونه لهم عدوا وحزنا، فاللام في " ليكون " لام العاقبة ولام ~~الصيرورة، لأنهم إنما أخذوه ليكون لهم قرة عين، فكان عاقبة ذلك أن كان لهم ~~عدوا وحزنا. فذكر الحال بالمآل، كما قال الشاعر: # وللمنايا تربي كل مرضعة * ودورنا لخراب الدهر نبنيها وقال آخر: # فللموت تغذو الوالدات سخالها * كما لخراب الدهر تبنى المساكن أي فعاقبة ~~البناء الخراب وإن كان في الحال مفروحا به والالتقاط وجود الشئ من غير طلب ~~ولا إرادة، والعرب تقول لما وجدته من غير طلب ولا إرادة: التقطه التقاطا. ~~ولقيت فلانا التقاطا. قال الراجز (1): # * ومنهل وردته التقاطا * ومنه اللقطة. وقد مضى بيان ذلك ms4728 من الاحكام في ~~سورة " يوسف " (2) بما فيه كفاية وقرأ الأعمش ويحيي والمفضل وحمزة والكسائي ~~وخلف " وحزنا " بضم الحاء وسكون الزاي. # الباقون بفتحهما واختاره أبو عبيد وأبو حاتم قال التفخيم (3) فيه. وهما ~~لغتان مثل العدم # PageV13P252 # والعدم، والسقم والسقم، والرشد والرشد. (إن فرعون وهامان) وكان وزيره من ~~القبط. # (وجنودهما كانوا خاطئين) أي عاصين مشركين آثمين. # قوله تعالى: (وقالت امرأة فرعون قرة عين لي ولك لا تقتلوه) يروى أن آسية ~~امرأة فرعون رأت التابوت يعوم في البحر، فأمرت بسوقه إليها وفتحه فرأت فيه ~~صبيا صغيرا فرحمته وأحبته، فقالت لفرعون: " قرة عين لي ولك " أي هو قرة عين ~~لي ولك ف‍ " قرة " خبر ابتداء مضمر، قاله الكسائي وقال النحاس: وفيه وجه ~~آخر بعيد ذكره أبو إسحاق، [قال] (1): # يكون رفعا بالابتداء والخبر " لا تقتلوه " وإنما بعد لأنه يصير المعنى ~~أنه معروف بأنه قرة عين. # وجوازه أن يكون المعنى: إذا كان قرة عين لي ولك فلا تقتلوه. وقيل: تم ~~الكلام عند قوله: # " ولك ". النحاس: والدليل على هذا أن في قراءة عبد الله بن مسعود " وقالت ~~امرأة فرعون لا تقتلوه قرة عين لي ولك ". ويجوز النصب بمعنى لا تقتلوا قرة ~~عين لي ولك. # وقالت: " لا تقتلوه " ولم تقل لا تقتله فهي تخاطب فرعون كما يخاطب ~~الجبارون، وكما يخبرون عن أنفسهم. وقيل قالت " لا تقتلوه " فإن الله أتى به ~~من أرض أخرى وليس من بني إسرائيل. (عسى أن ينفعنا) فنصيب منه خيرا (أو ~~نتخذه ولدا) وكانت لا تلد، فاستوهبت موسى من فرعون فوهبه لها، وكان فرعون ~~لما رأى الرؤيا وقصها على كهنته وعلمائه - على ما تقدم - قالوا له إن غلاما ~~من بني إسرائيل يفسد ملكك، فأخذ بني إسرائيل بذبح الأطفال، فرأى أنه يقطع ~~نسلهم فعاد يذبح عاما ويستحيي عاما، فولد هارون في عام الاستحياء، وولد ~~موسى في عام الذبح. # قوله تعالى: (وهم لا يشعرون) هذا ابتداء كلام من الله تعالى، أي وهم لا ~~يشعرون أن هلاكهم بسببه وقيل: هو من كلام المرأة، أي وبنو إسرائيل لا يدرون ~~أنا ms4729 التقطناه، ولا يشعرون إلا أنه ولدنا. واختلف المتأولون في الوقت الذي ~~قالت فيه امرأة فرعون " قرة عين لي ولك " فقالت فرقة: كان ذلك عند التقاطه ~~التابوت لما أشعرت فرعون به، # PageV13P253 # ولما أعلمته سبق إلى فهمه أنه من بني إسرائيل، وأن ذلك قصد به ليتخلص من ~~الذبح فقال: # علي بالذباحين، فقالت امرأته ما ذكر، فقال فرعون: أما لي فلا. قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: " لو قال فرعون نعم لآمن بموسى ولكان قرة عين له " ~~وقال السدي: بل ربته حتى درج، فرأى فرعون فيه شهامة وظنه من بني إسرائيل ~~وأخذه في يده، فمد موسى يده ونتف لحية فرعون فهم حينئذ يذبحه، وحينئذ ~~خاطبته بهذا، وجربته له في الياقوتة والجمرة، فاحترق لسانه وعلق العقدة على ~~ما تقدم في " طه " (1) قال الفراء: معت محمد بن مروان الذي يقال له السدي ~~يذكر عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنه قال: إنما قالت " قرة عين لي ~~ولك لا " ثم قالت: " تقتلوه " قال الفراء: وهو لحن، قال ابن الأنباري: # وإنما حكم عليه باللحن لأنه لو كان كذلك لكان تقتلونه بالنون، لان الفعل ~~المستقبل مرفوع حتى يدخل عليه الناصب أو الجازم، فالنون فيه علامة الرفع ~~قال الفراء: ويقويك على رده قراءة عبد الله بن مسعود " وقالت امرأة فرعون ~~لا تقتلوه قرة عين لي ولك " بتقديم " لا تقتلوه ". قوله تعالى: وأصبح فؤاد ~~أم موسى فرغا إن كادت لتبدى به لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين ~~(10) وقالت لأخته قصيه فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون (11) وحرمنا عليه ~~المراضع من قبل فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون (12) ~~فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم ~~لا يعلمون (13) ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزى ~~المحسنين (14) # PageV13P254 # قوله تعالى: (وأصبح فؤاد أم موسى فارغا) قال ابن مسعود وابن عباس والحسن ~~ومجاهد وعكرمة وقتادة والضحاك وأبو عمران الجوني وأبو عبيدة: " فارغا " أي ~~خاليا من ms4730 ذكر كل شئ في الدنيا إلا من ذكر موسى وقال الحسن أيضا وابن إسحاق ~~وابن زيد: " فارغا " من الوحي إذ أوحى إليها حين أمرت أن تلقيه في البحر " ~~لا تخافي ولا تحزني " والعهد الذي عهده إليها أن يرده ويجعله من المرسلين، ~~فقال لها الشيطان: يا أم موسى كرهت أن يقتل فرعون موسى فغرقتيه أنت! ثم ~~بلغها أن ولدها وقع في يد فرعون فأنساها عظم البلاء ما كان من عهد الله ~~إليها وقال أبو عبيدة: " فارغا " من الغم والحزن لعلمها أنه لم يغرق، وقاله ~~الأخفش أيضا وقال العلاء بن زياد: " فارغا " نافرا الكسائي: ناسيا ذاهلا ~~وقيل: # والها، رواه سعيد بن جبير ابن القاسم عن مالك: هو ذهاب العقل، والمعنى ~~أنها حين سمعت بوقوعه في يد فرعون طار عقلها من فرط الجزع والدهش، ونحوه ~~قوله تعالى: # " وأفئدتهم هواء " أي جوف لا عقول لها كما تقدم في سورة " إبراهيم " (1). ~~وذلك أن القلوب مراكز العقول، ألا ترى إلى قوله تعالى: " فتكون لهم قلوب ~~يعقلون بها " ويدل عليه قراءة من قرأ: " فزعا ". النحاس: أصح هذه الأقوال ~~الأول، والذين قالوه أعلم بكتاب الله عز وجل، فإذا كان فارغا من كل شئ إلا ~~من ذكر موسى فهو فارغ من الوحي. # وقول أبي عبيدة فارغا من الغم غلط قبيح، لان بعده " إن كادت لتبدي به ~~لولا أن ربطنا على قلبها ". روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كادت تقول ~~وا ابناه! وقرأ فضالة ابن عبيد الأنصاري رضي الله عنه ومحمد بن السميقع ~~وأبو العالية وابن محيصن " فزعا " بالفاء والعين المهملة من الفزع، أي ~~خائفة عليه أن يقتل ابن عباس: " قرعا " بالقاف والراء والعين المهملتين، ~~وهي راجعة إلى قراءة الجماعة " فارغا " ولذلك قيل للرأس الذي لا شعر عليه: ~~أقرع، لفراغه من الشعر وحكي قطرب أن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~قرأ: " فرغا " بالفاء والراء والغين المعجمة من غير ألف، وهو كقولك: هدرا ~~وباطلا، يقال: # PageV13P255 # دماؤهم بينهم فرغ أي هدر، والمعنى بطل قلبها وذهب وبقيت لا قلب ms4731 لها من ~~شدة ما ورد عليها وفي قوله تعالى: " وأصبح " وجهان: أحدهما - أنها ألقته ~~ليلا فأصبح فؤادها في النهار فارغا. الثاني - ألقته نهارا ومعنى: " وأصبح " ~~أي صار، كما قال الشاعر: # مضى الخلفاء بالامر الرشيد * وأصبحت المدينة للوليد (إن كادت) أي إنها ~~كادت، فلما حذفت الكناية سكنت النون فهي " إن " المخففة ولذلك دخلت اللام ~~في " لتبدي به " أي لتظهر أمره، من بدا يبدو إذا ظهر قال ابن عباس: أي تصيح ~~عند إلقائه: وا ابناه السدي: كادت تقول لما حملت لارضاعه وحضانته هو ابني ~~وقيل: إنه لما شب سمعت الناس يقولون موسى بن فرعون، فشق عليها وضاق صدرها، ~~وكادت تقول هو ابني وقيل: الهاء في " به " عائدة إلى الوحي تقديره: إن كانت ~~لتبدي بالوحي الذي أوحيناه إليها أن نرده عليها والأول أظهر قال ابن مسعود: ~~كادت تقول أنا أمه وقال الفراء: إن كانت لتبدي باسمه لضيق صدرها. # (لولا أن ربطنا على قلبها) قال قتادة: بالايمان. السدى: بالعصمة. وقيل: ~~بالصبر. # والربط على القلب: إلهام الصبر. (لتكون من المؤمنين) أي من المصدقين بوعد ~~الله حين قال لها: " إنا رادوه إليك ". وقال " لتبدي به " و لم يقل: ~~لتبديه، لان حروف الصفات قد تزاد في الكلام، تقول: أخذت الحبل و بالحبل. ~~وقيل: أي لتبدي القول به. # (قوله تعالى: (وقالت لأخته قصيه) أي قالت أم موسى لأخت موسى: اتبعي أثره ~~حتى تعلمي خبره. واسمها مريم بنت عمران، وافق اسمها اسم مريم أم عيسى عليه ~~السلام، ذكره السهيلي والثعلبي وذكر الماوردي عن الضحاك: أن اسمها كلثمة ~~وقال السهيلي: كلثوم، جاء ذلك في حديث رواه الزبير بن بكار أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال لخديجة: " أشعرت أن الله زوجني معك في الجنة مريم ~~بنت عمران وكلثوم أخت موسى وآسية امرأة فرعون " فقالت: الله أخبرك بهذا؟ ~~فقال: " نعم " فقالت: بالرفاء و البنين. (فبصرت به عن جنب) أي بعد، قاله ~~مجاهد ومنه الأجنبي. PageV13P256 # قال الشاعر (1): # فلا تحرمني نائلا عن جنابة * فإني امرؤ وسط القباب غريب وأصله عن مكان ~~جنب. ms4732 وقال ابن عباس: " عن جنب " أي عن جانب وقرأ النعمان ابن سالم: " عن ~~جانب " أي عن ناحية وقيل: عن شوق، وحكى أبو عمرو بن العلاء إنها لغة لجذام، ~~يقولون: جنبت إليك أي اشتقت وقيل: " عن جنب " أي عن مجانبة لها منه فلم ~~يعرفوا أنها منه بسبيل وقال قتادة: جعلت تنظر إليه بناحية [كأنها] (2) لا ~~تريده، وكان يقرأ: " عن جنب " بفتح الجيم وإسكان النون. (وهم لا يشعرون) ~~أنها أخته لأنها كانت تمشي على ساحل البحر حتى رأتهم قد أخذوه. # قوله تعالى: (وحرمنا عليه المراضع من قبل) أي منعناه من الارتضاع من قبل، ~~أي من قبل مجئ أمه وأخته. و " المراضع " جمع مرضع ومن قال مراضيع فهو جمع ~~مرضاع، ومفعال يكون للتكثير، ولا تدخل الهاء فيه فرقا بين المؤنث والمذكر ~~لأنه ليس بجار على الفعل، ولكن من قال مرضاعة جاء بالهاء للمبالغة، كما ~~يقال مطرابة. قال ابن عباس: لا يؤتى بمرضع فيقبلها وهذا تحريم منع لا تحريم ~~شرع، قال أمرؤ القيس: # جالت لتصرعني فقلت لها اقصري * إني امرؤ صرعي عليك حرام (3) أي ممتنع. ~~فلما رأت أخته ذلك قالت: (هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم) الآية. # فقالوا لها عند قولها: " وهم له ناصحون " وما يدريك؟ لعلك تعرفين أهله؟ ~~فقالت: لا، ولكنهم يحرصون على مسرة الملك، ويرغبون في ظئره. وقال السدي ~~وابن جريج: قيل لها لما قالت: " وهم له ناصحون " قد عرفت أهل هذا الصبي ~~فدلينا عليهم، فقالت: أردت وهم للملك ناصحون فدلتهم على أم موسى، فانطلقت ~~إليها بأمرهم فجاءت بها، والصبي علي يد فرعون يعلله شفقة عليه، وهو يبكي ~~يطلب الرضاع، فدفعه إليها، فلما وجد الصبي # PageV13P257 # ريح أمة قبل ثديها. وقال ابن زيد استرابوها حين قالت ذلك فقالت وهم للملك ~~ناصحون. # وقيل: إنها لما قالت: " هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم " وكانوا ~~يبالغون في طلب مرضعة يقبل ثديها فقالوا: من هي؟ فقالت: أمي، فقيل: لها ~~لبن؟ قالت: نعم! لبن هارون - وكان ولد في سنة لا يقتل فيها الصبيان - ~~فقالوا صدقت والله. ms4733 " وهم له ناصحون " أي فيهم شفقة ونصح، فروي أنه قيل لام ~~موسى حين ارتضع منها: كيف ارتضع منك ولم يرتضع من غيرك؟ فقالت: إني امرأة ~~طيبة الريح طيبة اللبن، لا أكاد أوتى بصبي إلا ارتضع مني قال أبو عمران ~~الجوني: وكان فرعون يعطي أم موسى كل يوم دينارا. # قال الزمخشري: فإن قلت كيف حل لها أن تأخذ الاجر على إرضاع ولدها؟ قلت: ~~ما كانت تأخذه على أنه أجر على الرضاع، ولكنه مال حربي تأخذه على وجه ~~الاستباحة. # قوله تعالى: (فرددناه إلى أمه) أي رددناه وقد عطف الله قلب العدو عليه، ~~ووفينا لها بالوعد. (كي تقر عينها) أي بولدها. (ولا تحزن) أي بفراق ولدها. ~~(ولتعلم أن وعد الله حق) أي لتعلم وقوعه فإنها كانت عالمة بأن رده إليها ~~سيكون. (ولكن أكثرهم لا يعلمون) يعني أكثر آل فرعون لا يعلمون، أي كانوا في ~~غفلة عن التقرير وشر القضاء. # وقيل: أي أكثر الناس يعلمون أن وعد الله في كل ما وعد حق. # قوله تعالى: (ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما) قد مضى الكلام في ~~الأشد في " الانعام " (1). وقول ربيعة ومالك أنه الحلم أولي ما قيل فيه، ~~لقوله تعالى " حتى إذا بلغوا النكاح " وذلك أول الأشد، وأقصاه أربع وثلاثون ~~سنة، وهو قول سفيان الثوري. # " واستوى " قال ابن عباس: بلغ أربعين سنة والحكم: الحكمة قبل النبوة ~~وقيل: # الفقه في الدين وقد مضى بيانها في " البقرة " (2) وغيرها والعلم الفهم ~~قول السدي. وقيل: # النبوة. وقال مجاهد: الفقه. محمد ابن إسحاق: أي العلم بما في دينه ودين ~~آبائه، وكان له تسعة من بني إسرائيل يسمعون منه، ويقتدون به، ويجتمعون ~~إليه، وكان هذا قبل النبوة. # PageV13P258 # (وكذلك نجزي المحسنين) أي كما جزينا أم موسى لما استسلمت لأمر الله، ~~وألقت ولدها في البحر، وصدقت بوعد الله، فرددنا ولدها إليها بالتحف والطرف ~~وهي آمنة، ثم وهبنا له العقل والحكمة والنبوة، وكذلك نجزي كل محسن، قوله ~~تعالى: ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلان يقتتلان هذا من ~~شيعته وهذا ms4734 من عدوه فاستغثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى ~~فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين (15) قال رب إني ظلمت ~~نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو العزيز الرحيم (16) قال رب بما أنعمت على فلن ~~أكون ظهيرا للمجرمين (17) فأصبح في المدينة خائفا يترقب فإذا الذي استنصره ~~بالأمس يستصرخه قال له موسى إنك لغوي مبين (18) فلما أن أراد أن يبطش بالذي ~~هو عدو لهما قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس إن تريد إلا ~~أن تكون جبارا في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين (19) قوله تعالى: ~~(ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها) قيل: لما عرف موسى عليه السلام ما هو ~~عليه من الحق في دينه، عاب ما عليه قوم فرعون، وفشا ذلك، منه فأخافوه ~~فخافهم، فكان لا يدخل مدينة فرعون إلا خائفا مستخفيا وقال السدي: كان موسى ~~في وقت هذه القصة على رسم التعلق بفرعون، وكان يركب مراكبه، حتى كان يدعى ~~موسى بن فرعون، فركب فرعون يوما وسار إلى مدينة من مدائن مصر يقال لها منف ~~- قال مقاتل على رأس فرسخين من مصر - ثم علم موسى بركوب فرعون، فركب بعده ~~ولحق بتلك القرية في وقت PageV13P259 # القائلة، وهو وقت الغفلة، قال ابن عباس وقال أيضا: هو بين العشاء ~~والعتمة. وقال ابن إسحاق: بل المدينة مصر نفسها، وكان موسى في هذا الوقت قد ~~أظهر خلاف فرعون، وعاب عليهم عبادة فرعون والأصنام، فدخل مدينة فرعون يوما ~~على حين غفلة من أهلها. # قال سعيد بن جبير وقتادة: وقت الظهيرة والناس نيام. وقال ابن زيد: كان ~~فرعون قد نابذ موسى وأخرجه من المدينة، وغاب عنها سنين، وجاء والناس على ~~غفلة بنسيانهم لامره، وبعد عهدهم به، وكان ذلك يوم عيد. وقال الضحاك: طلب ~~أن يدخل المدينة وقت غفلة أهلها، فدخلها حين علم ذلك منهم، فكان منه من قتل ~~الرجل من قبل أن يؤمر بقتله، فاستغفر ربه فغفر له ويقال في الكلام: دخلت ~~المدينة حين غفل ms4735 أهلها، ولا يقال: على حين غفل أهلها، فدخلت " على " في هذه ~~الآية لان الغفلة هي المقصودة، فصار هذا كما تقول: جئت على غفلة، وإن شئت ~~قلت: جئت على حين غفلة، وكذا الآية. (فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من ~~شيعته) والمعنى: إذا نظر إليهما الناظر قال هذا من شيعته، أي من بني ~~إسرائيل. # (وهذا من عدوه) أي من قوم فرعون. (فاستغاثه الذي من شيعته) أي طلب نصره ~~وغوثه، وكذا قال في الآية بعدها: " فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه " أي ~~يستغيث به على قبطي آخر وإنما أغاثه لان نصر المظلوم دين في الملل كلها على ~~الأمم، وفرض في جميع الشرائع. # قال قتادة: أراد القبطي أن يسخر الإسرائيلي ليحمل حطبا لمطبخ فرعون فأبى ~~عليه، فاستغاث بموسى. قال سعيد بن جبير: وكان خبازا لفرعون. (فوكزه موسى) ~~قال قتادة: # بعصاه وقال مجاهد: بكفه، أي دفعه والوكز واللكز واللهز واللهد بمعنى ~~واحد، وهو الضرب بجمع الكف مجموعا كعقد ثلاثة وسبعين وقرأ ابن مسعود: " ~~فلكزه ". وقيل: # اللكز في اللحى والوكز على القلب. وحكى الثعلبي أن في مصحف عبد الله بن ~~مسعود " فنكزه " بالنون والمعنى واحد. وقال الجوهري عن أبي عبيدة: اللكز ~~الضرب بالجمع على الصدر. # وقال أبو زيد: في جميع الجسد، واللهز: الضرب بجمع اليد في الصدر مثل ~~اللكز، عن أبي عبيدة أيضا. وقال أبو زيد: هو بالجمع في اللهازم والرقبة، ~~والرجل ملهز بكسر الميم. PageV13P260 # وقال الأصمعي: نكزه، أي ضربه ودفعه. الكسائي: نهزه مثل نكزه ووكزه، أي ~~ضربه ودفعه. ولهده لهدا أي دفعه لذله فهو ملهود، وكذلك لهده، قال طرفة يذم ~~رجلا: # بطئ عن الداعي (1) سريع إلى الخنا * ذلول بإجماع الرجال ملهد أي مدفع ~~وإنما شدد للكثرة وقالت عائشة رضي الله عنها: فلهدني - تعني النبي صلى الله ~~عليه وسلم - لهدة أوجعني، خرجه مسلم. ففعل موسى عليه السلام ذلك وهو لا ~~يريد قتله، إنما قصد دفعه فكانت فيه نفسه، وهو معنى: " فقضى عليه ". وكل شئ ~~أتيت عليه وفرغت منه فقد قضيت عليه قال (2): # * قد عضه فقضي عليه الأشجع ms4736 * (قال هذا من عمل الشيطان) أي من إغوائه قال ~~الحسن: لم يكن يحل قتل الكافر يومئذ في تلك الحال، لأنها كانت حال كف عن ~~القتال. " إنه عدو مضل مبين " خبر بعد خبر. (قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي ~~فغفر له) ندم موسى عليه السلام على ذلك الوكز الذي كان فيه ذهاب النفس، ~~فحمله ندمه على الخضوع لربه والاستغفار من ذنبه قال قتادة: عرف والله ~~المخرج فاستغفر، ثم لم يزل صلى الله عليه وسلم يعدد ذلك على نفسه، مع علمه ~~بأنه قد غفر له، حتى أنه في القيامة يقول: إني قتلت نفسا لم أومر بقتلها. ~~وإنما عدده على نفسه ذنبا وقال: " ظلمت نفسي فاغفر لي " من أجل أنه لا ~~ينبغي لنبي أن يقتل حتى يؤمر، وأيضا فإن الأنبياء يشفقون مما لا يشفق منه ~~غيرهم. قال النقاش: لم يقتله عن عمد مريدا للقتل، وإنما وكزه وكزة يريد بها ~~دفع ظلمه. قال وقد قيل: إن هذا كان قبل النبوة. وقال كعب: كان إذ ذاك ابن ~~اثنتي عشرة سنة، وكان قتله مع ذلك خطأ فإن الوكزة واللكزة في الغالب لا ~~تقتل. وروى مسلم عن سالم بن عبد الله أنه قال: يا أهل العراق ما أسألكم عن ~~الصغيرة، وأركبكم للكبيرة! سمعت أبي عبد الله بن عمر يقول سمعت # PageV13P261 # رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن الفتنة تجئ من ها هنا - وأومأ ~~بيده نحو المشرق - من حيث يطلع قرنا الشيطان وأنتم بعضكم يضرب رقاب بعض ~~وإنما قتل موسى الذي قتل من آل فرعون خطأ فقال الله عز وجل: " وقتلت نفسا ~~فنجيناك من الغم وفتناك فتونا ". # قوله تعالى: (قال رب بما أنعمت على فلن أكون ظهيرا للمجرين) فيه مسئلتان: # الأولى - قوله تعالى " قال رب بما أنعمت على " أي من المعرفة والحكمة ~~والتوحيد " فلن أكون ظهيرا للمجرمين " أي عونا للكافرين. قال القشيري: ولم ~~يقل بما أنعمت على من المغفرة، لان هذا قبل الوحي، وما كان عالما بأن الله ~~غفر له ذلك القتل. وقال الماوردي: " بما أنعمت ms4737 على " فيه وجهان: أحدهما - ~~من المغفرة، وكذلك ذكر المهدوي والثعلبي. قال المهدوي: " بما أنعمت على " ~~من المغفرة فلم تعاقبني. الوجه الثاني - من الهداية. # قلت: " فغفر له " يدل على المغفرة، والله أعلم. قال الزمخشري قوله تعالى: ~~" بما أنعت علي " يجوز أن يكون قسما جوابه محذوف تقديره، أقسم بإنعامك علي ~~بالمغفرة لأتوبن " فلن أكون ظهيرا للمجرمين " وأن يكون استعطافا كأنه قال: ~~رب اعصمني بحق ما أنعمت علي من المغفرة فلن أكون إن عصمتني ظهيرا للمجرمين. ~~وأراد بمظاهرة المجرمين إما صحبة فرعون وانتظامه في جملته، وتكثير سواده، ~~حيث كان يركب بركوبه كالولد مع الوالد، وكان يسمى ابن فرعون، وإما بمظاهرة ~~من أدت مظاهرته إلى الجرم والاثم، كمظاهرة الإسرائيلي المؤدية إلى القتل ~~الذي لم يحل له قتله وقيل: أراد إني وإن أسأت في هذا القتل الذي لم أومر به ~~فلا أترك نصرة المسلمين على المجرمين، فعلى هذا كان الإسرائيلي مؤمنا ونصرة ~~المؤمن واجبه في جميع الشرائع. وقيل في بعض الروايات: إن ذلك الإسرائيلي ~~كان كافرا وإنما قيل له إنه من شيعته لأنه كان إسرائيليا ولم يرد الموافقة ~~في الدين، فعلى هذا ندم لأنه أعان كافر على كافر، فقال: لا أكون بعدها ~~ظهيرا للكافرين. وقيل: ليس هذا خبرا بل هو دعاء، أي فلا أكون بعد هذا ظهيرا ~~أي فلا تجعلني يا رب ظهيرا للمجرمين. وقال الفراء: PageV13P262 # المعنى، اللهم فلن أكون بعد ظهيرا للمجرمين، وزعم أن قوله هذا هو قول ابن ~~عباس قال النحاس: # وأن يكون بمعنى الخبر أولي وأشبه بنسق الكلام، كما يقال: لا أعصيك لأنك ~~أنعمت علي، وهذا قول ابن عباس على الحقيقة لا ما حكاه الفراء، لان ابن عباس ~~قال: لم يستثن فابتلي من ثاني يوم، والاستثناء لا يكون في الدعاء، لا يقال: ~~اللهم أغفر لي إن شئت، وأعجب الأشياء أن الفراء روى عن ابن عباس هذا ثم حكى ~~عنه قوله. # قلت: قد مضى هذا المعنى ملخصا مبينا في سورة " النمل " وأنه خبر لا دعاء ~~وعن ابن عباس: لم يستثن فابتلي به مرة ms4738 أخرى، يعني لم يقل فلن أكون إن شاء ~~الله وهذا نحو قوله: " ولا تركنوا إلى الذين ظلموا " الثانية - قال سلمة بن ~~نبيط: بعث عبد الرحمن بن مسلم إلى الضحاك بعطاء أهل بخارى وقال: أعطهم، ~~فقال: اعفني، فلم يزل يستعفيه حتى أعفاه. فقيل له ما عليك أن تعطيهم وأنت ~~لا ترزؤهم شيئا؟ وقال: لا أحب أن أعين الظلمة على شئ من أمرهم. وقال عبيد ~~الله بن الوليد الوصافي قلت لعطاء بن أبي رباح: إن لي أخا يأخذ بقلمه، ~~وإنما يحسب ما يدخل ويخرج، وله عيال ولو ترك ذلك لاحتاج وأدان؟ فقال: من ~~الرأس؟ قلت: # خالد بن عبد الله القسري، قال: أما تقرأ ما قال العبد الصالح " رب بما ~~أنعمت علي فلن أكون ظهير للمجرمين " قال ابن عباس: فلم يستثن فابتلي به ~~ثانية فأعانه الله، فلا يعينهم أخوك فإن الله يعينه - قال عطاء: فلا يحل ~~لاحد أن يعين ظالما ولا يكتب له ولا يصحبه، وأنه إن فعل شيئا من ذلك فقد ~~صار معينا للظالمين. وفي الحديث: " ينادي مناد يوم القيامة أين الظلمة ~~وأشباه الظلمة وأعوان الظلمة حتى من لاق لهم دواة أو برى لهم قلما فيجمعون ~~في تابوت من حديد فيرمى به في جهنم ". ويروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: " من مشي مع مظلوم ليعينه على مظلمته ثبت الله قدميه على الصراط ~~يوم القيامة يوم تزل فيه الاقدام ومن مشي مع ظالم ليعينه على ظلمه أزل الله ~~قدميه على الصراط يوم تدحض فيه الاقدام ". وفي الحديث: " من مشى مع ظالم ~~فقد أجرم " فالمشي مع الظالم لا يكون جرما PageV13P263 # إلا إذا مشي معه ليعينه، لأنه ارتكب نهي الله تعالى في قوله سبحانه ~~وتعالى: " ولا تعاونوا على الاثم والعدوان ". # قوله تعالى: (فأصبح في المدينة خائفا) قد تقدم في " طه " (1) وغيرها أن ~~الأنبياء صلوات الله عليهم يخافون، ردا على من قال غير ذلك، وأن الخوف لا ~~ينافي المعرفة بالله ولا التوكل عليه فقيل: أصبح خائفا من قتل النفس أن ~~يؤخذ بها. وقيل: ms4739 خائفا من قومه أن يسلموه. وقيل: خائفا من الله تعالى. ~~(يترقب) قال سعيد بن جبير: يتلفت من الخوف وقيل: ينتظر الطلب. وينتظر ما ~~يتحدث به الناس. وقال قتادة: " يترقب " أي يترقب الطلب. وقيل: خرج يستخبر ~~الخبر ولم يكن أحد علم بقتل القبطي غير الإسرائيلي. # و " أصبح " يحتمل أن يكون بمعنى صار، أي لما قتل صار خائفا. ويحتمل أن ~~يكون دخل في الصباح، أي في صباح اليوم الذي يلي يومه. و " خائفا " منصوب ~~على أنه خبر أصبح، وإن شئت على الحال، ويكون الظرف في موضع الخبر. (فإذا ~~الذي استنصره بالأمس يستصرخه) أي فإذا صاحبه الإسرائيلي الذي خلصه بالأمس ~~يقاتل قبطيا آخر أرد أن يسخره. والاستصراخ الاستغاثة. وهو من الصراخ، وذلك ~~لان المستغيث يصرخ ويصوت في طلب الغوث. قال (2): # كنا إذا ما أتانا صارخ فزع * كان الصراخ له قرع الظنابيب قيل: كان هذا ~~الإسرائيلي المستنصر السامري استسخره طباخ فرعون في حمل الحطب إلى المطبخ، ~~ذكره القشيري و " الذي " رفع بالابتداء " ويستصرخه " في موضع الخبر. # ويجوز أن يكون في موضع نصب على الحال. وأمس لليوم الذي قبل يومك، وهو ~~مبني على الكسر لالتقاء الساكنين فإذا دخله الألف واللام أو الإضافة تمكن ~~فأعرب بالرفع والفتح عند أكثر النحويين. منهم من يبنيه وفيه الألف واللام. ~~وحكى سيبويه وغيره أن # PageV13P264 # من العرب من يجري أمس مجري ما لا ينصرف في موضع الرفع خاصة، وربما اضطر ~~الشاعر ففعل هذا في الخفض والنصب، وقال الشاعر: # * لقد رأيت عجبا مذ أمسا * فخفض بمذ ما مضى واللغة الجيدة الرفع، فأجري ~~أمس في الخفض مجراه في الرفع على اللغة الثانية. (قال له موسى إنك لغوي ~~مبين) والغوي الخائب، أي لأنك تشاد من لا تطيقه. # وقيل: مضل بين الضلالة، قتلت بسببك أمس رجلا، وتدعوني اليوم لآخر. والغوي ~~فعيل من أغوى يغوي، وهو بمعنى مغو، وهو كالوجيع والأليم بمعنى الموجع ~~والمؤلم وقيل: الغوي بمعنى الغاوي. أي إنك لغوي في قتال من لا تطيق دفع شره ~~عنك. # وقال الحسن: إنما قال للقبطي " إنك لغوي ms4740 مبين " في استسخار هذا ~~الإسرائيلي وهم أن يبطش به. يقال: بطش يبطش ويبطش والضم أقيس لأنه فعل لا ~~يتعدى. (قال يا موسى أتريد أن تقتلني) قال ابن جبير. أراد موسى أن يبطش ~~بالقبطي فتوهم الإسرائيلي أنه يريده، لأنه أغلظ له في القول، فقال: " أتريد ~~أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس " فسمع القبطي الكلام فأفشاه. وقيل: أراد ~~أن يبطش الإسرائيلي بالقبطي فنهاه موسى فخاف منه، فقال: " أتريد أن تقتلني ~~كما قتلت نفسا بالأمس ". (إن تريد) أي ما تريد. # (إلا أن تكون جبارا في الأرض) أي قتالا، قال عكرمة والشعبي: لا يكون ~~الانسان جبارا حتى يقتل نفسين بغير حق. (وما تريد أن تكون من الملحين) أي ~~من الذين يصلحون بين الناس. قوله تعالى: وجاء رجل من أقصا المدينة يسعى قال ~~يا موسى إن الملا يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين (20) فخرج ~~منها خائفا يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين (21) ولما توجه تلقاء مدين ~~قال عسى ربى أن يهديني سواء السبيل (22) PageV13P265 # قوله تعالى: (وجاء رجل) قال أكثر أهل التفسير: هذا الرجل هو حزقيل بن ~~صبورا مؤمن آل فرعون، وكان ابن عم فرعون، ذكره الثعلبي وقيل: طالوت، ذكره ~~السهيلي. # وقال المهدوي عن قتادة: اسمه شمعون مؤمن آل فرعون. وقيل: شمعان، قال ~~الدارقطني: # لا يعرف شمعان بالشين المعجمة إلا مؤمن آل فرعون. وروي أن فرعون أمر بقتل ~~موسى فسبق ذلك الرجل الخبر، ف‍ (- قال يا موسى إن الملا يأتمرون بك) أي ~~يتشاورون في قتلك بالقبطي الذي قتلته بالأمس. وقيل: يأمر بعضهم بعضا. قال ~~الأزهري: ائتمر القوم وتآمروا أي أم بعضهم بعضا، نظيره قوله: " وأتمروا ~~بينكم بمعروف ". وقال النمر بن تولب: # أرى الناس قد أحدثوا شيمة * وفي كل حادثة يؤتمر (فاخرج إني لك من ~~الناصحين. فخرج منها خائفا يترقب) أي ينتظر الطلب. (قال رب نجني من القوم ~~الظالمين). قيل: الجبار الذي يفعل ما يريده من الضرب والقتل بظلم، لا ينظر ~~في العواقب، ولا يدفع بالتي هي أحسن. وقيل: المتعظم الذي لا يتواضع لأمر ms4741 ~~الله تعالى. # قوله تعالى: (ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربى أن يهديني سواء السبيل) ~~لما خرج موسى عليه السلام فارا بنفسه منفردا خائفا، لا شئ معه من زاد ولا ~~راحلة ولا حذاء نحو مدين، للنسب الذي بينه وبينهم، لان مدين من ولد ~~إبراهيم، وموسى من ولد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، ورأى حاله وعدم معرفته ~~بالطريق، وخلوه من زاد وغيره، أسند أمره إلى الله تعالى بقوله: " عسى ربي ~~أن يهديني سواء السبيل " وهذه حالة المضطر. # قلت: روى أنه كان يتقوت ورق الشجر، وما وصل حتى سقط خف قدميه. قال أبو ~~مالك: وكان فرعون وجه في طلبه وقال لهم: اطلبوه في ثنيات الطريق، فإن موسى ~~لا يعرف الطريق. فجاءه ملك راكبا فرسا ومعه عنزة، فقال لموسى: اتبعني ~~فاتبعه، فهداه إلى الطريق. فيقال: إنه أعطاه العنزة فكانت عصاه. ويروى أن ~~عصاه إنما أخذها لرعية الغنم من مدين. وهو أكثر وأصح. وقال مقاتل والسدي: ~~إن الله بعث إليه جبريل، فالله أعلم وبين مدين ومصر ثمانية أيام، قاله ابن ~~جبير والناس. وكان ملك مدين لغير فرعون. PageV13P266 # قوله تعالى: ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من ~~دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقى حتى يصدر الرعاء وأبونا ~~شيخ كبير (23) فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلى من ~~خير فقير (24) فجاءته إحداهما تمشى على استحياء قالت إن أبى يدعوك ليجزيك ~~أجر ما سقيت لنا فلما جاءه وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم ~~الظالمين (25) قالت إحداهما يا أبت استئجره إن خير من استئجرت القوى الأمين ~~(26) قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثمني حجج فإن ~~أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين ~~(27) قال ذلك بيني وبينك أيما الأجلين قضيت فلا عدون على والله على ما نقول ~~وكيل (28) فيه أربع وعشرون مسألة: # الأولى - قوله تعالى: (ولما ورد ماء مدين) مشى ms4742 موسى عليه السلام حتى ورد ~~ماء مدين أي بلغها. ووروده الماء معناه بلغه لا أنه دخل فيه. ولفظة الورود ~~قد تكون بمعنى الدخول في المورود، وقد تكون بمعنى الاطلاع عليه والبلوغ ~~إليه إن لم يدخل. فورود موسى هذا الماء كان بالوصول إليه، ومنه قول زهير: # فلما وردن الماء زرقا جمامه * وضعن عصى الحاضر المتخيم (1) # PageV13P267 # وقد تقدمت هذه المعاني في قوله: " وإن منكم إلا واردها ". ومدين لا تنصرف ~~إذ هي بلدة معروفة قال الشاعر (1): # رهبان مدين لو رأوك تنزلوا * والعصم من شعف الجبال الفادر وقيل: قبيلة من ~~ولد مدين بن إبراهيم، وقد مضى القول فيه في " الأعراف " (2). والأمة: # الجمع الكثير و " يسقون " معناه ماشيتهم. و (من دونهم) معناه ناحية إلى ~~الجهة التي جاء منها، فوصل إلى المرأتين قبل وصول إلى الأمة، ووجدهما ~~تذودان ومعناه تمنعان وتحبسان، ومنه قول عليه السلام: " فليذادن (3) رجال ~~عن حوضي " وفي بعض المصاحف: " امرأتين حابستين تذودان " يقال: ذاد يذود إذا ~~[حبس] (4). وذدت الشئ حبسته، قال الشاعر (5): # أبيت على باب القوافي كأنما * أذود بها سربا من الوحش نزعا أي أحبس وأمنع ~~وقيل: " تذودان " تطردان، قال (6): # لقد سلبت عصاك بنو تميم * فما تدري بأي عصا تذود أي تطرد وتكف وتمنع ابن ~~سلام: تمنعان غنمهما لئلا تختلط بغنم الناس، فحذف المفعول، إما إيهاما على ~~المخاطب، وإما استغناء بعلمه. قال ابن عباس: تذودان غنمهما عن الماء خوفا ~~من السقاة الأقوياء. قتادة: تذودان الناس عن غنمهما، قال النحاس: والأول ~~أولى، لان بعده " قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء " ولو كانتا تذودان عن ~~غنمهما الناس لم تخبرا عن سبب تأخير سقيهما حتى يصدر الرعاء. فلما رأى موسى ~~عليه السلام ذلك منهما " قال ما خطبكما " أي شأنكما، قال رؤية: # * يا عجبا ما خطبه وخطبي * # PageV13P268 # ابن عطية: وكان استعمال السؤال بالخطب إنما هو في مصاب، أو مضطهد، أو من ~~يشفق عليه، أو يأتي بمنكر من الامر، فكأنه بالجملة في شر، فأخبرتاه ~~بخبرهما، وأن أباهما شيخ كبير، فالمعنى: لا يستطيع لضعفه أن يباشر أمر ~~غنمه، وأنهما ms4743 لضعفهما وقلة طاقتهما لا تقدران على مزاحمة الأقوياء، وأن ~~عادتهما التأني حتى يصدر الناس عن الماء ويخلى، وحينئذ تردان. # وقرأ ابن عامر وأبو عمرو: " يصدر " من صدر، وهو ضد ورد أي يرجع الرعاء. ~~والباقون " يصدر " بضم الياء من أصدر، أي حتى يصدروا مواشيهم من وردهم ~~والرعاء جمع راع، مثل تاجر وتجار، وصاحب وصحاب. قالت فرقة: كانت الآبار ~~مكشوفة، وكان زحم الناس يمنعهما، فلما أراد موسى أن يسقى لهما زحم الناس ~~وغلبهم على الماء حتى سقى، فعن هذا الغلب الذي كان منه وصفته إحداهما ~~بالقوة وقالت فرقة: إنهما كانتا تتبعان فضالتهم في الصهاريج، فإن وجدتا في ~~الحوض بقية كان ذلك سقيهما، وإن لم يكن فيه بقيه عطشت غنمهما، فرق لهما ~~موسى، فعمد إلى بئر كانت مغطاة والناس يسقون من غيرها، وكان حجرها لا يرفعه ~~إلا سبعة، قاله ابن زيد. ابن جريج: عشرة. ابن عباس: ثلاثون. الزجاج: ~~أربعون، فرفعه. # وسقى للمرأتين، فعن رفع الصخرة وصفته بالقوة. وقيل: إن بئرهم كانت واحدة، ~~وإنه رفع عنها الحجر بعد انفصال السقاة، إذ كانت عادة المرأتين شرب ~~الفضلات. روى عمرو بن ميمون عن عمر بن الخطاب أنه قال: لما استقى الرعاة ~~غطوا على البئر صخرة لا يقلعها إلا عشرة رجال، فجاء موسى فاقتلعها واسقي ~~ذنوبا واحدا لم تحتج إلى غيره فسقى لهما. # الثانية - إن قيل كيف ساغ لنبي الله الذي هو شعيب صلى الله عليه وسلم أن ~~يرضى لا بنتيه بسقي الماشية؟ قيل له: ليس ذلك بمحظور والدين لا يأباه، وأما ~~المروءة فالناس مختلفون في ذلك، والعادة متباينة فيه، وأحوال العرب فيه ~~خلاف أحوال العجم، ومذهب أهل البدو غير مذهب الحضر، خصوصا إذا كانت الحالة ~~حالة ضرورة. # الثالثة - قوله تعالى: (ثم تولى إلى الظل) إلى ظل سمرة (1)، قاله ابن ~~مسعود. # وتعرض لسؤال ما يطعمه بقوله: (إني لما أنزلت إلي من خير فقير " وكان لم ~~يذق طعاما # PageV13P269 # سبعة أيام، وقد لصق بطنه بظهره، فعرض بالدعاء ولم يصرح بسؤال، هكذا روى ~~جميع المفسرين أنه طلب في هذا الكلام ms4744 ما يأكله، فالخير يكون بمعنى الطعام ~~كما في هذه الآية، يكون بمعنى المال كما قال: " إن ترك خيرا " وقوله: " ~~وإنه لحب الخير لشديد " ويكون بمعنى القوة كما قال: " أهم خير أم قوم تبع " ~~ويكون بمعنى العبادة كقول: " وأوحينا إليهم فعل الخيرات " قال ابن عباس: ~~وكان قد بلغ به الجوع، وأخضر لونه من أكل البقل في بطنه، وإنه لأكرم الخلق ~~على الله. ويروى أنه لم يصل إلى مدين حتى سقط باطن قدميه. # وفي هذا معتبر وإشعار بهوان الدنيا على الله وقال أبو بكر بن طاهر في ~~قوله: " إني لما أنزلت إلى من خير فقير " أي إني لما أنزلت من فضلك وغناك ~~فقير إلى أن تغنيني بك عمن سواك. # قلت: ما ذكره أهل التفسير أولى، فإن الله تعالى إنما أغناه بواسطة شعيب. # الرابعة - قوله تعالى: (فجاءته إحداهما تمشى على استحياء) في هذا الكلام ~~اختصار يدل عليه هذا الظاهر، قدره [ابن] (1) إسحاق: فذهبتا إلى أبيهما ~~سريعتين، و كانت عادتهما الابطاء في السقي، فحدثتاه بما كان من الرجل الذي ~~سقى لهما، فأمر الكبرى من بنتيه - وقيل الصغرى - أن تدعوه له، " فجاءت " ~~على ما في هذه الآية قال عمرو بن ميمون: ولم تكن سلفعا (2) من النساء، ~~خراجة ولاجة. وقيل: جاءته ساترة وجهها بكم درعها، قاله عمر بن الخطاب. # وروي أن اسم إحداهما ليا والأخرى صفوريا ابنتا يثرون، ويثرون وهو شعيب ~~عليه السلام. # وقيل: ابن أخي شعيب، وأن شعيبا كان قد مات. وأكثر الناس على أنهما ابنتا ~~شعيب عليه السلام وهو ظاهر القرآن، قال الله تعالى: " وإلى مدين أخاهم ~~شعيبا " كذا في سورة " الأعراف " وفي سورة الشعراء: " كذب أصحاب الأيكة ~~المرسلين إذ قال لهم شعيب " قال قتادة: بعث الله تعالى شعيبا إلى أصحاب ~~الأيكة وأصحاب مدين. وقد مضى في " الأعراف " (3) الخلاف في أسم أبيه فروى ~~أن موسى عليه السلام لما جاءته بالرسالة قام يتبعها، وكان بين موسى وبين ~~أبيها ثلاثة أميال، فهبت ريح فضمت قميصها فوصفت عجيزتها، فتحرج موسى من ~~النظر # PageV13P270 # إليها فقال: ارجعي خلفي وأرشديني ms4745 إلى الطريق بصوتك وقيل: إن موسى قال ~~ابتداء: كوني ورائي فإني رجل عبراني لا أنظر في أدبار النساء، ودليني على ~~الطريق يمينا أو يسارا، فذلك سبب وصفها [له] بالأمانة، قاله ابن عباس. فوصل ~~موسى إلى داعيه فقص عليه أمره من أوله إلى آخره فآنسه بقوله: " لا تخف نجوت ~~من القوم الظالمين " وكانت مدين خارجة عن مملكة فرعون وقرب إليه طعاما فقال ~~موسى: لا أكل، إنا أهل بيت لا نبيع ديننا بملء ء الأرض ذهبا، فقال شعيب: ~~ليس هذا عوض السقي، ولكن عادتي وعادة آبائي قرى الضيف، وإطعام الطعام، ~~فحينئذ أكل موسى. # الخامسة - قوله تعالى: (قالت إحداهما يا أبت استأجره) دليل على أن ~~الإجارة كانت عندهم مشروعة معلومة، وكذلك كانت في كل ملة، وهي من ضرورة ~~الخليقة، ومصلحة الخلطة بين الناس، خلاف للأصم حيث كان عن سماعها أصم. # السادسة - قوله تعالى: (إني أريد أن أنكحك) الآية. فيه عرض الولي ابنته ~~على الرجل، وهذه سنة قائمة، عرض صالح مدين ابنته على صالح بني إسرائيل، ~~وعرض عمر ابن الخطاب ابنته حفصة على أبي بكر وعثمان، وعرضت الموهوبة نفسها ~~على النبي صلى الله عليه وسلم، فمن الحسن عرض الرجل وليته، والمرأة نفسها ~~على الرجل الصالح، اقتداء بالسلف الصالح قال ابن عمر: لما تأيمت حفصة قال ~~عمر لعثمان: إن شئت أنكحك حفصة بنت عمر، الحديث انفرد بإخراجه البخاري. # السابعة - وفي هذه الآية دليل على أن النكاح إلى الولي لا حظ للمرأة فيه، ~~لان صالح مدين تولاه، وبه قال فقهاء الأمصار. وخالف في ذلك أبو حنيفة. وقد ~~مضى. # الثامنة - هذه الآية تدل على أن للأب أن يزوج ابنته البكر البالغ من غير ~~استئمار، وبه قال مالك واحتج بهذه الآية، وهو ظاهر قوي في الباب، واحتجاجه ~~بها يدل على أنه كان يعول على الإسرائيليات، كما تقدم. وبقول مالك في هذه ~~المسألة قال الشافعي وكثير من العلماء. وقال أبو حنيفة: إذا بلغت الصغيرة ~~فلا يزوجها أحد إلا برضاها، لأنها بلغت PageV13P271 # حد التكليف، فأما إذا كانت صغيرة فإنه يزوجها ms4746 بغير رضاها لأنه لا إذن لها ~~ولا رضا، بغير خلاف. # التاسعة - أستدل أصحاب الشافعي بقوله: " إني أريد أن أنكحك " على أن ~~النكاح موقوف على لفظ التزويج والانكاح. وبه قال ربيعة وأبو ثور وأبو عبيد ~~وداود ومالك على اختلاف عنه. وقال علماؤنا في المشهور: ينعقد النكاح بكل ~~لفظ. وقال أبو حنيفة: # ينعقد بكل لفظ يقتضي التمليك على التأبيد، أما الشافعية فلا حجة لهم في ~~الآية لأنه شرع من قبلنا وهم لا يرونه حجة في شئ في المشهور عندهم وأما أبو ~~حنيفة وأصحابه والثوري والحسن ابن حي فقالوا: ينعقد النكاح بلفظ الهبة ~~وغيره إذا كان قد أشهد عليه، لان الطلاق يقع بالصريح و الكناية، قالوا: ~~فكذلك النكاح قالوا: والذي خص به النبي صلى الله عليه وسلم تعرى البضع من ~~العوض لا النكاح بلفظ الهبة، وتابعهم ابن القاسم فقال: إن وهب ابنته وهو ~~يريد إنكاحها فلا أحفظ عن مالك فيه شيئا، وهو عندي جائز كالبيع. قال أبو ~~عمر: # الصحيح أنه لا ينعقد نكاح بلفظ الهبة، كما لا ينعقد بلفظ النكاح هبة شئ ~~من الأموال. # وأيضا فإن النكاح مفتقر إلى التصريح لتقع الشهادة عليه، وهو ضد الطلاق ~~فكيف يقاس عليه، وقد أجمعوا أن النكاح لا ينعقد بقوله: أبحت لك وأحللت لك ~~فكذلك الهبة. وقال صلى الله عليه وسلم: " استحللتم فروجهن بكلمة الله " ~~يعني القرآن، وليس في القرآن عقد النكاح بلفظ الهبة، وإنما فيه التزويج ~~والنكاح، وفي إجازة النكاح بلفظ الهبة إبطال بعض خصوصية النبي صلى الله ~~عليه وسلم. # العاشرة - قوله تعالى: (إحدى ابنتي هاتين) يدل على أنه عرض لا عقد، لأنه ~~لو كان عقدا لعين المعقود عليها له، لان العلماء وإن كانوا قد اختلفوا في ~~جواز البيع إذا قال: بعتك أحد عبدي هذين بثمن كذا، فإنهم اتفقوا على أن ذلك ~~لا يجوز في النكاح، لأنه خيار وشئ من الخيار لا يلصق بالنكاح. # الحادية عشرة - قال مكي: في هذه الآية خصائص في النكاح منها أنه لم يعين ~~الزوجة ولا حد أول الأمد، وجعل المهر إجارة، ms4747 ودخل ولم ينقد شيئا. ~~PageV13P272 # قلت: فهذه أربع مسائل تضمنتها المسألة الحادية عشرة. # الأولى من الأربع مسائل، قال علماؤنا: أما التعيين فيشبه أنه كان في ثاني ~~حال المراوضة، و إنما عرض الامر مجملا، وعين بعد ذلك وقد قيل: إنه زوجه ~~صفوريا وهي الصغرى. # يروى عن أبي ذر قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن سئلت أي ~~الأجلين قضى موسى فقل خيرهما وأوفاهما وإن سئلت أي المرأتين تزوج فقل ~~الصغرى وهي التي جاءت خلفه وهي التي قالت: " يا أبت استأجره إن خير من ~~استأجرت القوي الأمين ". قيل: # إن الحكمة في تزويجه الصغرى منه قبل الكبرى وإن كانت الكبرى أحوج إلى ~~الرجال أنه توقع أن يميل إليها، لأنه رآها في رسالته، وماشاها في إقباله ~~إلى أبيها معها، فلو عرض عليه الكبرى ربما أظهر له الاختيار وهو يضمر غيره ~~وقيل غير هذا، والله أعلم. وفي بعض الاخبار أنه تزوج بالكبرى حكاه القشيري. # الثانية - وأما ذكر أول المدة فليس في الآية ما يقتضي إسقاطه بل هو مسكوت ~~عنه، فإما رسماه، وإلا فهو من أول وقت العقد. # الثالثة - وأما النكاح بالإجارة فظاهر من الآية، وهو أمر قد قرره شرعنا، ~~وجري في حديث الذي لم يكن عنده إلا شئ من القرآن، رواه الأئمة، وفي بعض ~~طرقه: فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما تحفظ من القرآن " فقال: ~~سورة البقرة والتي تليها، قال: # " فعلمها عشرين آية وهي امرأتك ". واختلف العلماء في هذه المسألة على ~~ثلاثة أقوال: # فكرهه مالك، ومنعه ابن القاسم، وأجازه ابن حبيب، وهو قول الشافعي ~~وأصحابه، قالوا: # يجوز أن تكون منفعة الحر صداقا كالخياطة والبناء وتعليم القرآن وقال أبو ~~حنيفة: لا يصح، وجوز أن يتزوجها بأن يخدمها عبده سنة، أو يسكنها داره سنة، ~~لان العبد والدار مال، وليس خدمتها بنفسه مالا وقال أبو الحسن الكرخي: إن ~~عقد النكاح بلفظ الإجارة جائز، لقوله تعالى: " فآتوهن أجورهن ". وقال أبو ~~بكر الرازي: لا يصح لان الإجارة عقد مؤقت، وعقد النكاح مؤبد، فهما متنافيان ~~وقال ms4748 ابن القاسم: ينفسخ قبل البناء ويثبت بعده. PageV13P273 # وقال أصبغ: إن نقد معه شيئا ففيه اختلاف، وإن لم ينقد فهو أشد، فإن ترك ~~مضى على كل حال بدليل قصة شعيب، قاله مالك وابن المواز وأشهب. وعول على هذه ~~الآية جماعة من المتأخرين والمتقدمين في هذه النازلة، قال ابن خويز منداد. ~~تضمنت هذه الآية النكاح على الإجارة والعقد صحيح ويكره أن تجعل الإجارة ~~مهرا، وينبغي أن يكون المهر مالا كما قال عز وجل: " أن تبتغوا بأموالكم ~~محصنين ". هذا قول أصحابنا جميعا. # الرابعة - وأما قوله: ودخل ولم ينقد فقد اختلف الناس في هذا، هل دخل حين ~~عقد أم حين سافر؟ فإن كان حين عقد فماذا نقد؟ وقد منع علماؤنا من الدخول ~~حتى ينقد ولو ربع دينار، قال ابن القاسم فإن دخل قبل أن ينقد مضى، لان ~~المتأخرين من أصحابنا قالوا: تعجيل الصداق أو شئ منه مستحب على أنه إن كان ~~الصداق رعية الغنم فقد نقد الشروع في الخدمة، وإن كان دخل حين سافر فطول ~~الانتظار في النكاح جائز إن كان مدى العمر بغير شرط. [وأما إن كان (1) ~~بشرط] فلا يجوز إلا أن يكون الغرض صحيحا مثل التأهب للبناء أو انتظار ~~صلاحية الزوجة للدخول إن كانت صغيرة، نص عليه علماؤنا. # الثانية عشرة - في هذه الآية اجتماع إجارة ونكاح، وقد اختلف علماؤنا في ~~ذلك على ثلاثة أقوال: الأول - قال في ثمانية أبي زيد: يكره ابتداء فإن وقع ~~مضى. الثاني - قال مالك وابن القاسم في المشهور: لا يجوز ويفسخ قبل الدخول ~~وبعده، لاختلاف مقاصدهما كسائر العقود المتباينة. الثالث - أجازه أشهب ~~وأصبغ. قال ابن العربي: وهذا هو الصحيح وعليه تدل الآية، وقد قال مالك ~~النكاح أشبه شئ بالبيوع، فأي فرق بين إجارة وبيع أو بين بيع ونكاح فرع - ~~وإن أصدقها تعليم شعر مباح صح، قال المزني: وذلك مثل قول الشاعر: # يقول العبد فائدتي ومالي * وتقوى الله أفضل ما استفادا وإن أصدقها تعليم ~~شعر فيه هجو أو فحش كان كما لو أصدقها خمرا أو خنزيرا. # PageV13P274 # الثالثة عشرة - قوله ms4749 تعالى: (على أن تأجرني ثماني حجج) جري ذكر الخدمة ~~مطلقا وقال مالك: إنه جائز ويحمل على العرف، فلا يحتاج في التسمية إلى ~~الخدمة وهو ظاهر قصة موسى، فإنه ذكر إجارة مطلقة وقال أبو حنيفة والشافعي: ~~لا يجوز حتى يسمى لأنه مجهول. # وقد ترجم البخاري: " باب من استأجر أجيرا فبين له الاجل ولم يبين له ~~العمل " لقوله تعالى " على أن تأجرني ثماني حجج ". قال المهلب: ليس كما ~~ترجم، لان العمل عندهم كان معلوما من سقي وحرث ورعي وما شاكل أعمال البادية ~~في مهنة أهلها، فهذا متعارف وإن لم يبين له أشخاص الأعمال ولا مقاديرها، ~~مثل أن يقول له: إنك تحرث كذا من السنة، وترعى كذا من السنة، فهذا إنما هو ~~على المعهود من خدمة البادية، وإنما الذي لا يجوز عند الجميع أن تكون المدة ~~مجهولة، والعمل مجهول غير معهود لا يجوز حتى يعلم. قال ابن العربي: وقد ذكر ~~أهل التفسير أنه عين له رعية الغنم، ولم يرو من طريق صحيحة، ولكن قالوا: إن ~~صالح مدين لم يكن له عمل إلا رعية الغنم، فكان ما علم من حاله قائما مقام ~~التعيين للخدمة فيه. # الرابعة عشرة - أجمع العلماء على أنه جائز أن يستأجر الراعي شهورا ~~معلومة، بأجرة معلومة، لرعاية غنم معدودة، فإن كانت معدودة معينة، ففيها ~~تفصيل لعلمائنا، قال ابن القاسم: لا يجوز حتى يشترط الخلف إن ماتت، وهي ~~رواية ضعيفة جدا، وقد أستأجر صالح مدين موسى على غنمه، وقد رآها ولم يشترط ~~خلفا، وإن كانت مطلقة غير مسماة ولا معينة جازت عند علمائنا. وقال أبو ~~حنيفة والشافعي: لا تجوز لجهالتها، وعول علماؤنا على العرف حسبما ذكرناه ~~آنفا، وأنه يعطى بقدر ما تحتمل قوته. وزاد بعض علمائنا أنه لا يجوز حتى ~~يعلم المستأجر قدر قوته، وهو صحيح فإن صالح مدين علم قدر قوة موسى برفع ~~الحجر. # الخامسة عشرة - قال مالك: وليس على الراعي ضمان وهو مصدق فيما هلك أو ~~سرق، لأنه أمين كالوكيل. وقد ترجم البخاري: " باب إذا أبصر الراعي أو ~~الوكيل شاة ms4750 تموت أو شيئا يفسد فأصلح ما يخاف الفساد " وساق حديث كعب بن ~~مالك عن أبيه أنه كانت PageV13P275 # لهم غنم ترعى بسلع (1)، فأبصرت جارية لنا بشاة من غنمنا موتا فكسرت حجرا ~~فذبحتها به، فقال لهم: لا تأكلوا حتى أسأل النبي - أو أرسل إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم من يسأله - وأنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم - أو أرسل ~~إليه - فأمره بأكلها، قال عبد الله: فيعجبني أنها أمة وأنها ذبحت قال ~~المهلب: فيه من الفقه تصديق الراعي والوكيل فيما ائتمنا عليه حتى يظهر ~~عليهما دليل الخيانة والكذب، وهذا قول مالك وجماعة. وقال ابن القاسم: # إذا خاف الموت على شاة فذبحها لم يضمن ويصدق إذا جاء بها مذبوحة. وقال ~~غيره: # يضمن حتى يبين ما قال. # السادسة عشره - واختلف ابن القاسم وأشهب إذا أنزى الراعي على إناث ~~الماشية بغير إذن أربابها فهلكت، فقال ابن القاسم: لا ضمان عليه، لان ~~الانزاء من إصلاح المال ونمائه وقال أشهب: عليه الضمان، وقول ابن القاسم ~~أشبه بدليل حديث كعب، وأنه لا ضمان عليه فيما تلف عليه باجتهاده، إن كان من ~~أهل الصلاح، وممن يعلم إشفاقه على المال، وأما إن كان من أهل الفسوق ~~والفساد وأراد صاحب المال أن يضمنه فعل، لأنه لا يصدق أنه رأى بالشاة موتا ~~لما عرف من فسقه. # السبعة عشرة - لم ينقل ما كانت أجرة موسى عليه السلام، ولكن روى يحيى بن ~~سلام أن صالح مدين جعل لموسى كل سخلة توضع خلاف لون أمها، فأوحى الله إلى ~~موسى أن ألق عصاك بينهن يلدن خلاف شبههن كلهن. وقال غير يحيي: بل جعل له كل ~~بلقاء تولد له، فولدن له كلهن بلقا. وذكر القشيري أن شعيبا لما أستأجر موسى ~~قال له: أدخل بيت كذا وخذ عصا من العصي التي في البيت، فأخرج موسى عصا، ~~وكان أخرجها آدم من الجنة، وتوارثها الأنبياء حتى صارت إلى شعيب، فأمره ~~شعيب أن يلقيها في البيت ويأخذ عصا أخرى، فدخل وأخرج تلك العصا، وكذلك سبع ~~مرات كل ذلك لا تقع بيده ms4751 غير تلك، فعلم شعيب أن له شأنا، فلما أصبح قال له: ~~سق الأغنام إلى مفرق الطريق، فخذ عن يمينك # PageV13P276 # وليس بها عشب كثير، ولا تأخذ عن يسارك فإن بها عشبا كثيرا وتنينا كبيرا ~~لا يقبل المواشي، فساق المواشي إلى مفرق الطريق، فأخذت نحو اليسار ولم يقدر ~~على ضبطها، فنام موسى وخرج التنين، فقامت العصا وصارت شعبتاها حديدا وحاربت ~~التنين حتى قتلته، وعادت إلى موسى عليه السلام، فلما انتبه موسى رأى العصا ~~مخضوبة بالدم، والتنين مقتولا، فعاد إلى شعيب عشاء، وكان شعيب ضريرا فمس ~~الأغنام، فإذا أثر الخصب باد عليها، فسأله عن القصة فأخبره بها، ففرح شعيب ~~وقال: كل ما تلد هذه المواشي هذه السنة قالب لون - أي ذات لونين - فهو لك، ~~فجاءت جميع السخال تلك السنة ذات لونين، فعلم شعيب أن لموسى عند الله ~~مكانة. وروى عيينة بن حصن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أجر موسى ~~نفسه بشبع بطنه وعفة فرجه " فقال له شعيب لك منها - يعني من نتاج غنمه - ما ~~جاءت به قالب لون ليس فيها عزوز ولا فشوش ولا كموش ولا ضبوب ولا ثعول. # قال الهروي: العزوز البكيئة، مأخوذ من العزاز وهي الأرض الصلبة، وقد ~~تعززت الشاة. # والفشوش التي ينفش لبنها من غير حلب وذلك لسعة الا حليل، ومثله الفتوح ~~والثرور. ومن أمثالهم: (لا فشنك فش الوطب) أي لأخرجن غضبك وكبرك من رأسك. ~~ويقال: فش السقاء إذا أخرج منه الريح ومنه الحديث: " إن الشيطان يفش بين ~~أليتي أحدكم حتى يخيل إليه أنه أحدث " أي ينفخ نفخا ضعيفا والكموش: الصغيرة ~~الضرع، وهي الكميشة أيضا، سميت بذلك لانكماش ضرعها وهو تقلصه، ومنه يقال: ~~رجل كميش الإزار. # والكشود مثل الكموش. والضبوب الضيقة ثقب الإحليل. والضب الحلب لشدة ~~العصر. # والثعول الشاة التي لها زيادة حلمة وهي الثعل. والثعل زيادة السن، وتلك ~~الزيادة هي [الراءول] (1). ورجل أثعل. والثعل [ضيق] (2) مخرج اللبن. قال ~~الهروي: وتفسير قالب لون في الحديث أنها جاءت على غير ألوان أمهاتها. # PageV13P277 # الثامنة عشرة - الإجارة بالعوض المجهول لا ms4752 تجوز، فإن ولادة الغنم غير ~~معلومة، وإن من البلاد الخصبة ما يعلم ولاد الغنم فيها قطعا وعدتها وسلامة ~~سخالها كديار مصر وغيرها، بيد أن ذلك لا يجوز في شرعنا، لان النبي صلى الله ~~عليه وسلم نهى عن الغرر، ونهى عن المضامين والملاقيح. والمضامين ما في بطون ~~الإناث، والملاقيح ما في أصلاب الفحول وعلى خلاف ذلك قال الشاعر: # * ملقوحة في بطن ناب حامل * وقد مضى في سورة " الحجر " (1) بيانه. على أن ~~راشد بن معمر أجاز الإجارة على الغنم بالثلث والربع وقال ابن سيرين وعطاء: ~~ينسج الثوب بنصيب منه، وبه قال أحمد. # التاسعة عشرة - الكفاءة في النكاح معتبرة، واختلف العلماء هل في الدين ~~والمال والحسب، أو في بعض ذلك والصحيح جواز نكاح الموالي للعربيات ~~والقرشيات، لقوله تعالى: " إن أكرمكم عند الله أتقاكم ". وقد جاء موسى إلى ~~صالح مدين غريبا طريدا خائفا وحيدا جائعا عريانا فأنكحه ابنته لما تحقق [من ~~دينه] (2) ورأى من حاله، وأعرض عما سوى ذلك. وقد تقدمت هذه المسألة مستوعبة ~~والحمد لله. # الموفية عشرين - قال بعضهم: هذا الذي جرى من شعيب لم يكن ذكرا لصداق ~~المرأة، وأنما كان اشتراطا لنفسه على ما يفعله الاعراب، فإنها تشترط صداق ~~بناتها، وتقول لي كذا في خاصة نفسي، وترك المهر مفوضا، ونكاح التفويض جائز. ~~قال ابن العربي: هذا الذي تفعله الاعراب هو حلوان وزيادة على المهر، وهو ~~حرام لا يليق بالأنبياء، فأما إذا اشترط الولي شيئا لنفسه، فقد اختلف ~~العلماء فيما يخرجه الزوج من يده ولا يدخل في يد المرأة على قولين: أحدهما ~~- أنه جائز. والآخر - لا يجوز. والذي يصح عندي التقسيم، فإن المرأة لا تخلو ~~أن تكون بكرا أو ثيبا، فإن كانت ثيبا جاز، لان نكاحها # PageV13P278 # بيدها، وإنما يكون للولي مباشرة العقد، ولا يمتنع أخذ العوض عليه كما ~~يأخذه الوكيل على عقد البيع، وإن كانت بكرا كان العقد بيده، وكأنه عوض في ~~النكاح لغير الزوج وذلك باطل، فإن وقع فسخ قبل البناء، وثبت بعده على مشهور ~~الرواية. والحمد الله. # الحادية والعشرون - لما ذكر ms4753 الشرط وأعقبه بالطوع في العشر خرج كل واحد ~~منهما على حكمه، ولم يلحق الآخر بالأول، ولا أشترك الفرض والطوع، ولذلك ~~يكتب في العقود الشروط المتفق عليها، ثم يقال وتطوع بكذا، فيجري الشرط على ~~سبيله، والطوع على حكمه، وانفصل الواجب من التطوع وقيل: ومن لفظ شعيب حسن ~~في لفظ العقود في النكاح أنكحه إياها أولى من أنكحها إياه على ما يأتي ~~بيانه في " الأحزاب ". وجعل شعيب الثمانية الأعوام شرطا، ووكل العاشرة إلى ~~المروءة. # الثانية والعشرون - قوله تعالى: (قال ذلك بيني وبينك أيما الأجلين قضيت ~~فلا عدوان على) لما فرغ كلام شعيب قرره موسى عليه السلام وكرر معناه على ~~جهة التوثق في أن الشرط إنما وقع في ثمان حجج و " أيما " استفهام منصوب ب‍ ~~" قضيت " و " الأجلين " مخفوض بإضافة " أي " إليهما و " ما " صلة للتأكيد ~~وفيه معنى الشرط وجوابه " فلا عدوان " وأن " عدوان " منصوب ب " لا ". وقال ~~ابن كيسان: " ما " في موضع خفض بإضافة " أي " إليها وهي نكرة و " الأجلين " ~~بدل منها وكذلك قوله: " فبما رحمة من الله " أي رحمة بدل من ما، قال مكي: ~~وكان يتلطف في ألا يجعل شيئا زائدا في القرآن ويخرج له وجها يخرجه من ~~الزيادة وقرأ الحسن: " أيما " بسكون الياء. # وقرأ ابن مسعود: " أي الأجلين ما قضيت " وقرأ الجمهور: " عدوان " بضم ~~العين. # وأبو حياة بكسرها، والمعنى: لا تبعة علي ولا طلب في الزيادة عليه. ~~والعدوان التجاوز في غير الواجب، والحجج السنون قال الشاعر (1): # لمن الديار بقنة الحجر * أقوين من حجج ومن دهر # PageV13P279 # الواحدة حجة بكسر الحاء. (والله على ما نقول وكيل) قيل: هو من قول موسى. ~~وقيل: # هو من قول والد المرأة. فاكتفى الصالحان صلوات الله عليهما في الاشهاد ~~عليهما بالله ولم يشهدا أحدا من الخلق، وقد اختلف العلماء في وجوب الاشهاد ~~في النكاح، وهي: # الثالثة والعشرون - على قولين: أحدهما أنه لا ينعقد إلا بشاهدين وبه قال ~~أبو حنيفة والشافعي. وقال مالك: إنه ينعقد دون شهود، لأنه عقد معاوضة فلا ~~يشترط فيه الاشهاد، وإنما يشترط فيه الاعلان ms4754 والتصريح، وفرق ما بين النكاح ~~والسفاح الدف. وقد مضت هذه المسألة في " البقرة " (1) مستوفاة وفي البخاري ~~عن أبي هريرة: أن رجلا من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف ~~دينار فقال إيتني بالشهداء أشهدهم، فقال كفى بالله شهيدا، فقال أيتني ~~بكفيل، فقال كفى بالله كفيلا قال صدقت فدفعها إليه، وذكر الحديث قوله ~~تعالى: فلما قضى موسى الاجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا قال لأهله ~~امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون ~~(29) فيه ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (فلما قضى موسى الاجل) قال سعيد بن جبير: سألني رجل ~~من النصارى أي الأجلين قضى موسى فقلت: لا أدري حتى أقدم على حبر العرب ~~فأسأله - يعني ابن عباس - فقدمت عليه فسألته، فقال: قضى أكملهما وأوفاهما ~~فأعلمت النصراني فقال: صدق والله هذا العالم. وروي عن ابن عباس أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم سأل في ذلك جبريل فأخبره أنه قضى عشر سنين. وحكى الطبري ~~عن مجاهد أنه قضى عشرا وعشرا بعدها، قال ابن عطية: وهذا ضعيف. # PageV13P280 # الثانية - قوله تعالى: (وسار بأهله) قيل فيه دليل على أن الرجل يذهب ~~بأهله حيث شاء، لما له عليها من فضل القوامية وزيادة الدرجة إلا أن يلتزم ~~لها أمرا فالمؤمنون عند شروطهم، وأحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم به ~~الفروج. # الثالثة - قوله تعالى: (آنس من جانب الطور نارا) الآية. تقدم القول في ~~ذلك في " طه ". والجذوة بكسر الجيم قراءة العامة، وضمها حمزة ويحيي، و ~~فتحها عاصم والسلمي وزر بن حبيش. قال الجوهري: الجذوة والجذوة والجذوة ~~الجمرة الملتهبة والجمع جذا وجذا وجذا قال مجاهد في قوله تعالى: " أو جذوة ~~من النار " أي قطعة من الجمر، قال: وهي بلغة جميع العرب. وقال أبو عبيدة: ~~والجذوة مثل الجذمة وهي القطعة الغليظة من الخشب كان في طرفها نار أو لم ~~يكن. قال ابن مقبل: # باتت حواطب ليلى يلتمسن لها * جزل الجذا غير خوار ولا دعر (1) وقال: # وألقى على قيس من النار ms4755 جذوة * شديدا عليها حميها ولهيبها (2) قوله ~~تعالى: فلما أتاها نودي من شطر الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة ~~أن يا موسى إني أنا الله رب العلمين (30) قوله تعالى: (فلما أتاها) يعني ~~الشجرة قدم ضميرها عليها. (نودي من شاطئ الواد) " من " الأولى والثانية ~~لابتداء الغاية، أي أتاه النداء من شاطئ الوادي من قبل الشجرة. # و " من الشجرة " بدل من قوله " من شاطئ الواد " بدل الاشتمال، لان الشجرة ~~كانت نابتة على الشاطئ، وشاطئ الوادي وشطه جانبه، والجمع شطان وشواطئ، ذكره ~~القشيري، وقال الجوهري: ويقال شاطئ الأودية ولا يجمع. وشاطأت الرجل إذا ~~مشيت على شاطئ # PageV13P281 # ومشى هو على شاطئ آخر. (الأيمن) أي عن يمين موسى. وقيل: عن يمين الجبل. # (في البقعة المباركة) وقرأ الأشهب العقيلي " في البقعة " بفتح الباء. ~~وقولهم بقاع يدل على بقعة، كما يقال جفنة وجفان. ومن قال بقعة قال بقع مثل ~~غرفة وغرف. (من الشجرة) أي من ناحية الشجرة. قيل كانت شجرة العليق. وقيل ~~سمرة وقيل عوسج. ومنها كانت عصاه، ذكره الزمخشري وقيل: عناب، والعوسج إذا ~~عظم يقال له الغرقد. وفي الحديث: # إنه من شجر اليهود فإذا نزل عيسى وقتل اليهود الذين مع الدجال فلا يختفي ~~أحد منهم خلف شجرة إلا نطقت وقالت يا مسلم هذا يهودي ورائي تعال فأقتله إلا ~~الغرقد فإنه من شجر اليهود فلا ينطق. خرجه مسلم. قال المهدوي: وكلم الله ~~تعالى موسى عليه السلام من فوق عرشه وأسمعه كلامه من الشجرة على ما شاء. ~~ولا يجوز أن يوصف الله تعالى بالانتقال والزوال وشبه ذلك من صفات ~~المخلوقين. قال أبو المعالي: وأهل المعاني وأهل الحق يقولون من كلمه الله ~~تعالى وخصه بالرتبة العليا والغاية القصوى، فيدرك كلامه القديم المتقدس عن ~~مشابهة الحروف والأصوات والعبارات والنغمات وضروب اللغات، كما أن من خصه ~~الله بمنازل الكرامات وأكمل عليه نعمته، ورزقه رؤيته يرى الله سبحانه منزها ~~عن مماثلة الأجسام وأحكام الحوادث، ولا مثل له سبحانه في ذاته وصفاته، ~~وأجمعت الأمة على أن الرب تعالى خصص موسى عليه السلام وغيره ms4756 من المصطفين من ~~الملائكة بكلامه. قال الأستاذ أبو إسحاق: اتفق أهل الحق على أن الله تعالى ~~خلق في موسى عليه السلام معنى من المعاني أدرك به كلامه كان اختصاصه في ~~سماعه، وأنه قادر على مثله في جميع خلقه. واختلفوا في نبينا عليه السلام هل ~~سمع ليلة الاسراء كلام الله، وهل سمع جبريل كلامه على قولين، وطريق أحدهما ~~النقل المقطوع به وذلك مفقود، واتفقوا على أن سماع الخلق له عند قراءة ~~القرآن على معنى أنهم سمعوا العبارة التي عرفوا بها معناه دون سماعه له في ~~عينه. وقال عبد الله. # ابن سعد بن كلاب: إن موسى عليه السلام فهم كلام الله القديم من أصوات ~~مخلوقة أثبتها الله تعالى في بعض الأجسام. قال أبو المعالي: وهذا مردود، بل ~~يجب اختصاص موسى PageV13P282 # عليه السلام بإدراك كلام الله تعالى خرقا للعادة، ولو لم يقل ذلك لم يكن ~~لموسى عليه السلام اختصاص بتكليم الله إياه. والرب تعالى أسمعه كلامه ~~العزيز، وخلق له علما ضروريا، حتى علم أن ما سمعه كلام الله، وأن الذي كلمه ~~وناداه هو الله رب العالمين. وقد ورد في الأقاصيص أن موسى عليه السلام قال: ~~سمعت كلام ربي بجميع جوارحي، ولم أسمعه من جهة واحدة من جهاتي وقد مضى هذا ~~المعنى في " البقرة " (1) مستوفى. (أن يا موسى) " أن " في موضع نصب بحذف ~~حرف الجر أي ب‍ " أن يا موسى ". (إني أنا الله رب العالمين نفي لربوبية ~~غيره سبحانه. وصار بهذا الكلام من أصفياء الله عز وجل لا من رسله، لأنه لا ~~يصير رسولا إلا بعد أمره بالرسالة، والامر بها إنما كان بعد هذا الكلام. # قوله تعالى: وأن ألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب ~~يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين (31) قوله تعالى: (وأن ألق عصاك) عطف ~~على " أن يا موسى وتقدم الكلام في هذا في " النمل " و " طه ". و (مدبرا) ~~نصب على الحال وكذلك موضع قوله: (ولم يعقب) نصب على الحال أيضا. (يا موسى ~~أقبل ولا تخف) ms4757 قال وهب: قيل له أرجع إلى حيث كنت. فرجع فلف دراعته (2) على ~~يده، فقال له الملك: أرأيت إن أراد الله أن يصيبك بما تحاذر أينفعك لفك ~~يدك؟ قال: لا ولكني ضعيف خلقت من ضعف. وكشف يده فأدخلها في فم الحية فعادت ~~عصا. (إنك من الآمنين) أي مما تحاذر. # قوله تعالى: اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء واضمم إليك جناحك من ~~الرهب فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملأه إنهم كانوا قوما فاسقين (32) ~~قال رب إني قتلت منهم نفسا # PageV13P283 # فأخاف أن يقتلون (33) وأخي هارون هو أفصح منى لسانا فأرسله معي ردءا ~~يصدقني إني أخاف أن يكذبون (34) قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطنا فلا ~~يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون (35) قوله تعالى: (اسلك ~~يدك في جيبك) الآية، تقدم القول فيه. (واضمم إليك جناحك من الرهب) " من " ~~متعلقة ب‍ " ولى " أي ولى مدبرا من الرهب. وقرأ حفص والسلمي وعيسى بن عمرو ~~وابن أبي إسحاق " من الرهب " بفتح الراء وإسكان الهاء. وقرأ ابن عامر ~~والكوفيون إلا حفص بضم الراء وجزم الهاء. الباقون بفتح الراء والهاء. ~~واختاره أبو عبيد وأبو حاتم، لقوله تعالى: " ويدعوننا رغبا ورهبا " وكلها ~~لغات وهو بمعنى الخوف. # والمعنى إذا هالك أمر يدك وشعاعها فأدخلها في جيبك وأرددها إليه تعد كما ~~كانت. وقيل: # أمره الله أن يضم يده إلى صدره فيذهب عنه خوف الحية. عن مجاهد وغيره ~~ورواه الضحاك عن ابن عباس، قال فقال ابن عباس: ليس من أحد يدخله رعب بعد ~~موسى عليه السلام، ثم يدخل يده فيضعها على صدره إلا ذهب عنه الرعب. ويحكي ~~عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله أن كاتبا كان يكتب بين يديه، فانفلتت منه ~~فلتة ريح فخجل وانكسر، فقام وضرب بقلمه الأرض فقال له عمر: خذ قلمك واضمم ~~إليك جناحك، وليفرخ روعك فإني ما سمعتها من أحد أكثر مما سمعتها من نفسي. ~~وقيل: المعنى اضمم يدك إلى صدرك ليذهب الله ما في صدرك من الخوف. وكان موسى ~~يرتعد خوفا إما ms4758 من آل فرعون وإما من الثعبان. وضم الجناح هو السكون، كقوله ~~تعالى: " واخفض لهما جناح الذل من الرحمة " يريد الرفق وكذلك قوله: " وأخفض ~~جناحك لمن اتبعك من المؤمنين " أي أرفق بهم. # وقال الفراء: أراد بالجناح عصاه. وقال بعض أهل المعاني: الرهب الكم بلغة ~~حمير وبني حنيفة قال مقاتل: سألتني أعرابية شيئا وأنا آكل فملأت الكف ~~وأومأت إليها PageV13P284 # فقالت: ها هنا في رهبي. تريد في كمي. وقال الأصمعي: سمعت أعرابيا يقول ~~لاخر أعطني رهبك. فسألته عن الرهب فقال: الكم، فعلى هذا يكون معناه اضمم ~~إليك يدك وأخرجها من الكم، لأنه تناول العصا ويده في كمه وقوله: " أسلك يدك ~~في جيبك " يدل على أنها اليد اليمني، لان الجيب على اليسار. ذكره القشيري ~~قلت: وما فسروه من ضم اليد إلى الصدر يدل على أن الجيب موضعه الصدر. # وقد مضى في سورة " النور " (1) بيانه. الزمخشري: ومن بدع التفاسير أن ~~الرهب الكم بلغة حمير وأنهم يقولون أعطني مما في رهبك، وليت شعري كيف صحته ~~في اللغة! وهل سمع من الاثبات الثقات الذين ترتضي عربيتهم، ثم ليت شعري كيف ~~موقعه في الآية، وكيف تطبيقه المفصل كسائر كلمات التنزيل، على أن موسى ~~صلوات عليه ما كان عليه ليلة المناجاة إلا زرمانقة (2) من صوف لا كمين لها. ~~قال القشيري: وقوله: " واضمم إليك جناحك " يريد اليدين إن قلنا أراد الامن ~~من فزع الثعبان. وقيل: " واضمم إليك جناحك " أي شمر واستعد لتحمل أعباء ~~الرسالة. # قلت: فعلى هذا قيل: " إنك من الآمنين " أي من المرسلين، لقوله تعالى: # " إني لا يخاف لدي المرسلون " قال ابن بحر: فصار على هذا التأويل رسولا ~~بهذا القول. # وقيل إنما صار رسولا بقول: (فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه) ~~والبرهان اليد والعصا وقرأ ابن كثير بتشديد النون وخففها الباقون. وروى أبو ~~عمارة عن أبي الفضل عن أبي بكر عن ابن كثير، " فذانيك " بالتشديد والياء. ~~وعن أبي عمرو أيضا قال لغة هذيل " فذانيك " بالتخفيف والياء. ولغة قريش " ~~فذانك " كما قرأ أبو عمرو وابن كثير. # وفي تعليله خمسة ms4759 أقوال: قيل شدد النون عوضا من الألف الساقطة في ذانك ~~الذي هو تثنية ذا المرفوع، وهو رفع بالابتداء، وألف ذا محذوفة لدخول ألف ~~التثنية عليها، ولم يلتفت إلى التقاء الساكنين، لان أصله فذاانك فحذف الألف ~~الأولى عوضا من النون الشديدة. وقيل: # PageV13P285 # التشديد للتأكيد كما أدخلوا اللام في ذلك. مكي: وقيل إن من شدد إنما بناه ~~على لغة من قال في الواحد ذلك، فلما بنى أثبت اللام بعد نون التثنية، ثم ~~أدغم اللام في النون على حكم إدغام الثاني في الأول، والأصل أن يدغم الأول ~~أبدا في الثاني، إلا أن يمنع من ذلك علة فيدغم الثاني في الأول، والعلة ~~التي منعت في هذا أن يدغم الأول في الثاني أنه لو فعل ذلك لصار في موضع ~~النون التي تدل على التثنية لام مشددة فيتغير لفظ التثنية فأدغم الثاني في ~~الأول لذلك، فصار نونا مشددة. وقد قيل: إنه لما تنافى ذلك أثبت اللام قبل ~~النون ثم أدغم الأول في الثاني على أصول الادغام فصار نونا مشددة. وقيل: ~~شددت فرقا بينها وبين الظاهر التي تسقط لإضافة نونه، لان ذان لا يضاف. ~~وقيل: للفرق بين الاسم المتمكن وبينها. وكذلك العلة في تشديد النون في " ~~اللذان " و " هذان ". قال أبو عمرو: إنما اختص أبو عمرو هذا الحرف بالتشديد ~~دون كل تثنية من جنسه لقلة حروفه فقرأه بالتثقيل. # ومن قرأ: " فذانيك " بياء مع تخفيف النون فالأصل عنده " فذانك " بالتشديد ~~فأبدل من النون الثانية ياء كراهية التضعيف، كما قالوا: لا أملاه في لا ~~أمله فأبدلوا اللام الثانية ألفا. # ومن قرأ بياء بعد النون الشديدة فوجهه أنه أشبع كسرة النون فتولدت عنها ~~الياء. # قوله تعالى: (فأرسله معي ردءا) يعني معينا مشتق من أردأته أي أعنته. ~~والردء العون قال الشاعر: # ألم تر أن أصرم كان ردئي * وخير الناس في قل ومال النحاس: وقد أردأه ~~ورداه أي أعانه، وترك همزه تخفيفا. وبه قرأ نافع: وهو بمعنى المهموز. # قال المهدوي: ويجوز أن يكون ترك الهمز من قولهم أردى على المائة أي زاد ms4760 ~~عليها، وكأن المعنى أرسله معي زيادة في تصديقي. قاله مسلم بن جندب. وأنشد ~~قول الشاعر: # وأسمر خطيا كأن كعوبه * نوى القسب قد أردى ذراعا على العشر كذا أنشد ~~الماوردي هذا البيت: قد أردى. وأنشده الغزنوي والجوهري في الصحاح قد أرمى ~~(1)، قال: والقسب الصلب، والقسب تمر يابس يتفتت في الفم صلب النواة. قال # PageV13P286 # يصف رمحا: وأسمر. البيت. قال الجوهري: ردؤ الشئ يردؤ رداءة فهو ردئ أي ~~فاسد، وأردأته أفسدته، وأردأته أيضا بمعنى أعنته، تقول: أردأته بنفسي أي ~~كنت له ردءا وهو العون. قال الله تعالى: " فأرسله معي ردءا يصدقني ". قال ~~النحاس: # وقد حكى ردأته: ردءا وجمع ردء أرداء. وقرأ عاصم وحمزة " يصدقني " بالرفع. ~~وجزم الباقون، وهو اختيار أبي حاتم على جواب الدعاء. واختار الرفع أبو عبيد ~~على الحال من الهاء في " أرسله " أي أرسله ردءا مصدقا حالة التصديق، كقوله: ~~" أنزل علينا مائدة من السماء تكون " أي كائنة، حال صرف إلى الاستقبال ~~ويجوز أن يكون صفة لقوله: # " ردءا ". (إني أخاف أن يكذبون) إذا لم يكن لي وزير ولا معين، لأنهم لا ~~يكادون يفقهون عني، ف‍ (قال) الله عز وجل له (سنشد عضدك بأخيك) أي نقويك ~~به، وهذا تمثيل، لان قوة اليد بالعضد. قال طرفة: # بني لبيني لستم بيد * إلا يدا ليست لها عضد ويقال في دعاء الخير: شد الله ~~عضدك. وفي ضده: فت الله في عضدك. (ونجعل لكما سلطانا) أي حجه وبرهانا. (فلا ~~يصلون إليكما) بالأذى (بآياتنا) أي تمتنعان منهم " بآياتنا " فيجوز أن يوقف ~~على " إليكما " ويكون في الكلام تقديم وتأخير. وقيل: التقدير " أنتما ومن ~~اتبعكما الغالبون " بآياتنا. قاله الأخفش والطبري قال المهدوي: وفي هذا ~~تقديم الصلة على الموصول، إلا أن يقدر أنتما غالبان بآياتنا أنتما ومن ~~اتبعكما الغالبون. # وعنى بالآيات سائر معجزاته. # قوله تعالى: فلما جاءهم موسى بآياتنا بينت قالوا ما هذا إلا سحر مفترى ~~وما سمعنا بهذا فئ ابائنا الأولين (36) وقال موسى ربى أعلم بمن جاء بالهدى ~~من عنده ومن تكون له عقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون (37) وقال فرعون ms4761 يا ~~أيها الملا ما علمت لكم PageV13P287 # من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلى أطلع إلى ~~إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين (38) واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير ~~الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون (39) فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم ~~فانظر كيف كان عقبة الظالمين (40) وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم ~~القيمة لا ينصرون (41) وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيمة هم من ~~المقبوحين (42) قوله تعالى: (فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات) أي ظاهرات ~~واضحات (قالوا ما هذا إلا سحر مفترى) مكذوب مختلق (وما سمعنا بهذا في ~~آبائنا الأولين). وقيل: # إن هذه الآيات وما احتج به موسى في إثبات التوحيد من الحجج العقلية. ~~وقيل: # هي معجزاته. # قوله تعالى: (وقال موسى) قراءة العامة بالواو. وقرأ مجاهد وابن كثير وابن ~~محيصن " قال " بلا واو، وكذلك هو في مصحف أهل مكة (ربي أعلم بمن جاء ~~بالهدى) أي بالرشاد. (من عنده ومن تكون له) قرأ الكوفيون إلا عاصما " يكون ~~" بالياء والباقون بالتاء. وقد تقدم هذا. (عاقبة الدار) أي دار الجزاء. ~~(إنه) الهاء ضمير الامر والشأن (لا يفلح الظالمون). # قوله تعالى: (وقال فرعون يا أيها الملا ما علمت لكم من إله غيري) قال ابن ~~عباس: # كان بينها وبين قوله: " أنا ربكم الاعلى " أربعون سنة، وكذب عدو الله بل ~~علم أن له ثم ربا هو خالقه وخالق قومه " ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله ~~". قال: (فأوقد لي يا هامان على الطين) أي اطبخ لي الآجر، عن ابن عباس رضي ~~الله عنه. وقال قتادة: هو أول من صنع الآجر وبنى به. ولما أمر فرعون وزيره ~~هامان ببناء الصرح جمع هامان العمال - قيل خمسين ألف بناء سوى الاتباع ~~والأجراء - وأمر بطبخ الآجر والجص، ونشر الخشب PageV13P288 # وضرب المسامير، فبنوا ورفعوا البناء وشيدوه بحيث لم يبلغه بنيان منذ خلق ~~الله السماوات والأرض، فكان الباني لا يقدر أن يقوم على رأسه، حتى أراد ~~الله أن يفتنهم فيه. فحكى السدي أن فرعون صعد السطح ورمى بنشابة نحو ~~السماء، فرجعت ms4762 متلطخة بدماء، فقال قد قتلت إله موسى. فروي أن جبريل عليه ~~السلام بعثه الله تعالى عند مقالته، فضرب الصرح بجناحه فقطعه ثلاث قطع، ~~قطعة على عسكر فرعون قتلت منهم ألف ألف، وقطعة في البحر، وقطعة في الغرب، ~~وهلك كل من عمل فيه شيئا. والله أعلم بصحة ذلك. (وإني لا ظنه من الكاذبين) ~~الظن هنا شك، فكفر على الشك، لأنه قد رأى من البراهين ما لا يخيل (1) على ~~ذي فطرة. # قوله تعالى: (واستكبر) أي تعظم (هو وجنوده) أي عن الايمان بموسى. (في ~~الأرض بغير الحق) أي بالعدوان، أي لم تكن له حجة تدفع ما جاء به موسى ~~(وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون) أي توهموا أنه لا معاد ولا بعث. وقرأ نافع ~~وابن محيصن وشيبة وحميد ويعقوب وحمزة والكسائي " لا يرجعون " بفتح الياء ~~وكسر الجيم على أنه مسمى الفاعل. الباقون " يرجعون " على الفعل المجهول. ~~وهو اختيار أبي عبيد، والأول اختيار أبي حاتم. (فأخذناه وجنوده) وكانوا ~~ألفي ألف وستمائة ألف. (فنبذناهم في اليم) أي طرحناهم في البحر المالح. قال ~~قتادة: بحر من وراء مصر يقال له إساف أغرقهم الله فيه. # وقال وهب والسدي: المكان الذي أغرقهم الله فيه بناحية القلزم يقال له بطن ~~مريرة، وهو إلى اليوم غضبان. وقال مقاتل: يعني نهر النيل. وهذا ضعيف ~~والمشهور الأول. (فانظر) يا محمد (كيف كان عاقبة الظالمين) أي آخر أمرهم. ~~(وجعلناهم أئمة) أي جعلناهم زعماء يتبعون على الكفر، فيكون عليهم وزرهم ~~ووزر من اتبعهم حتى يكون عقابهم أكثر. # وقيل: جعل الله الملا من قومه رؤساء السفلة منهم، فهم يدعون إلى جهنم. ~~وقيل: # أئمة يأتم بهم ذوو العبر ويتعظ بهم أهل البصائر. (يدعون إلى النار) أي ~~إلى عمل أهل # PageV13P289 # النار (ويوم القيامة لا ينصرون). (وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة) أي ~~أمرنا العباد بلعنهم فمن ذكرهم لعنهم. وقيل: أي ألزمناهم اللعن أي البعد عن ~~الخير. (ويوم القيامة هم من المقبوحين) أي من المهلكين الممقوتين. قاله ابن ~~كيسان وأبو عبيدة. وقال ابن عباس: المشوهين الخلقة بسواد الوجوه وزرقة ~~العيون ms4763 وقيل: من المبعدين. يقال: قبحه الله أي نحاه من كل خير، وقبحه وقبحه ~~إذا جعله قبيحا. وقال أبو عمرو قبحت وجهه بالتخفيف معناه قبحت. قال الشاعر: # ألا قبح الله البراجم كلها * وقبح يربوعا وقبح دارما وانتصب يوما على ~~الحمل على موضع " في هذه الدنيا " واستغنى عن حرف العطف في قوله: # " من المقبوحين " كما استغنى عنه في قوله: " سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ~~". ويجوز أن يكون العامل في " يوم " مضمرا يدل عليه قوله: " هم من ~~المقبوحين " فيكون كقوله: # " يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ". ويجوز أن يكون العامل في ~~" يوم " قوله: " هم من المقبوحين " وإن كان الظرف متقدما ويجوز أن يكون ~~مفعولا على السعة، كأنه قال: وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ولعنة يوم ~~القيامة. # قوله تعالى: ولقد آتينا موسى الكتب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر ~~للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون (43) قوله تعالى: (ولقد اتينا موسى الكتاب) ~~يعني التوراة، قاله قتادة. قال يحيى بن سلام: هو أول كتاب - يعني التوراة - ~~نزلت فيه الفرائض والحدود والاحكام. وقيل: # الكتاب هنا ست من المثاني السبع التي أنزلها الله على رسوله محمد صلى ~~الله عليه وسلم، قاله ابن عباس، ورواه مرفوعا. (من بعد ما أهلكنا القرون ~~الأولى) قال أبو سعيد الخدري قال النبي صلى الله عليه وسلم: " ما أهلك الله ~~قوما ولا قرنا ولا أمة ولا أهل قرية بعذاب من السماء ولا من الأرض منذ أنزل ~~الله التوراة على موسى غير القرية التي مسخت قردة ألم تر إلى قوله تعالى: " ~~ولقد أتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى " " PageV13P290 # أي من بعد قوم نوح وعاد وثمود. وقيل: أي من بعد ما أغرقنا فرعون وقومه ~~وخسفنا بقارون. (بصائر للناس) أي آتيناه الكتاب بصائر. أي ليتبصروا (وهدى) ~~أي من الضلالة لمن عمل بها (ورحمة) لمن آمن بها (لعلهم يتذكرون) أي ليذكروا ~~هذه النعمة فيقيموا على إيمانهم في الدنيا، ويثقوا بثوابهم في الآخرة. # قوله تعالى: وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الامر وما كنت ms4764 من ~~الشاهدين (44) ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر وما كنت ثاويا في أهل ~~مدين تتلوا عليهم آياتنا ولكنا كنا مرسلين (45) قوله تعالى: (وما كنت) أي ~~ما كنت يا محمد (بجانب الغربي) أي بجانب الجبل الغربي قال الشاعر: # أعطاك من أعطى الهدى النبيا * نورا يزين المنبر الغربيا (إذ قضينا إلى ~~موسى الامر) إذ كلفناه أمرنا ونهينا، وألزمناه عهدنا وقيل: أي إذ قضينا إلى ~~موسى أمرك وذكرناك بخير ذكر. وقال ابن عباس: " إذ قضينا " أي أخبرنا أن أمة ~~محمد خير الأمم. (وما كنت من الشاهدين) أي من الحاضرين. # قوله تعالى: (ولكنا أنشأنا قرونا) أي من بعد موسى (فتطاول عليهم العمر) ~~حتى نسوا ذكر الله أي عهده وأمره. نظيره: " فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم ~~". وظاهر هذا يوجب أن يكون جرى لنبينا عليه السلام ذكر في ذلك الوقت، وأن ~~الله سيبعثه، ولكن طالت المدة، وغلبت القسوة، فنسي القوم ذلك وقيل: آتينا ~~موسى الكتاب وأخذنا على قومه العهود، ثم تطاول العهد فكفروا، فأرسلنا محمدا ~~مجددا للدين وداعيا الخلق إليه. # قوله تعالى: (وما كنت ثاويا في أهل مدين) أي مقيما كمقام موسى وشعيب ~~بينهم. قال العجاج: # * فبات حيث يدخل الثوي * أي الضيف المقيم. وقوله: (تتلو عليهم آياتنا) أي ~~تذكرهم بالوعد والوعيد. (ولكنا كنا مرسلين) أي أرسلناك في أهل مكة، وأتيناك ~~كتابا فيه هذه الأخبار، ولولا ذلك لما علمتها. PageV13P291 # قوله تعالى: وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما ~~ما أتهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون (46) قوله تعالى: (وما كنت بجانب ~~الطور إذ نادينا) أي كما لم تحضر جانب المكان الغربي إذ أرسل الله موسى إلى ~~فرعون، فكذلك لم تحضر جانب الطور إذ نادينا موسى لما أتى الميقات مع ~~السبعين. وروى عمرو بن دينار يرفعه قال: " نودي يا أمة محمد أجبتكم قبل أن ~~تدعوني وأعطيتكم قبل أن تسألوني " فذلك قوله: " وما كنت بجانب الطور إذ ~~نادينا ". # وقال أبو هريرة - وفي رواية عن ابن عباس - إن الله قال: " يا أمة محمد قد ~~أجبتكم ms4765 قبل أن تدعوني وأعطيتكم قبل أن تسألوني وغفرت لكم قبل أن تستغفروني ~~ورحمتكم قبل أن تسترحموني " قال وهب: وذلك أن موسى لما ذكر الله له فضل ~~محمد وأمته قال: يا رب أرنيهم. فقال الله: " إنك لن تدركهم وإن شئت ناديتهم ~~فأسمعتك صوتهم " قال: بلى يا رب. # فقال الله تعالى: " يا أمة محمد " فأجابوا من أصلاب آبائهم. فقال: " قد ~~أجبتكم قبل أن تدعوني " ومعنى الآية على هذا ما كنت بجانب الطور إذ كلمنا ~~موسى فنادينا أمتك وأخبرناه بما كتبناه لك ولأمتك من الرحمة إلى آخر ~~الدنيا. (ولكن) فعلنا ذلك (رحمة) منا بكم. # قال الأخفش: " رحمه " نصب على المصدر أي ولكن رحمناك رحمة. وقال الزجاج: # هو مفعول من أجله أي فعل ذلك بك لأجل الرحمة. النحاس: أي لم تشهد قصص ~~الأنبياء، ولا تليت عليك، ولكنا بعثناك وأوحيناها إليك للرحمة. وقال ~~الكسائي: على خبر كان، التقدير: ولكن كان رحمة. قال: ويجوز الرفع بمعنى هي ~~رحمة. الزجاج: الرفع بمعنى ولكن فعل ذلك رحمة. (لتنذر قوما ما آتاهم من ~~نذير من قبلك) يعني العرب، أي لم تشاهد تلك الأخبار، ولكن أوحيناها إليك ~~رحمة بمن أرسلت إليهم لتنذرهم بها (لعلهم يتذكرون). PageV13P292 # قوله تعالى: ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا ~~أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين (47) فلما جاءهم الحق من ~~عندنا قالوا لولا أوتى مثل ما أوتى موسى أولم يكفروا بما أوتى موسى من قبل ~~قالوا ساحران تظهرا وقالوا إنا بكل كافرون (48) قوله تعالى: (ولولا أن ~~تصيبهم) يريد قريشا. وقيل: اليهود. (مصيبة) أي عقوبة ونقمة (بما قدمت ~~أيديهم) من الكفر والمعاصي. وخص الأيدي بالذكر، لان الغالب من الكسب إنما ~~يقع بها. وجواب " لولا " محذوف أي لولا أن يصيبهم عذاب بسبب معاصيهم ~~المتقدمة (فيقولوا ربنا لولا) أي هلا (أرسلت إلينا رسولا) لما بعثنا الرسل. ~~وقيل: لعاجلناهم بالعقوبة وبعث الرسل إزاحة لعذر الكفار كما تقدم في " ~~سبحان " وآخر " طه ". (فنتبع آياتك) نصب على جواب التخصيص. (ونكون) عطف ~~عليه. (من المؤمنين) من المصدقين. وقد ms4766 أحتج بهذه الآية من قال: إن العقل ~~يوجب الايمان والشكر، لأنه قال: " بما قدمت أيديهم " وذلك موجب للعقاب إذا ~~تقرر الوجوب قبل بعثة الرسل، وإنما يكون ذلك بالعقل. قال القشيري: والصحيح ~~أن المحذوف لولا كذا لما احتيج إلى تجديد الرسل. أي هؤلاء الكفار غير ~~معذورين إذ بلغتهم الشرائع السابقة والدعاء إلى التوحيد، ولكن تطاول العهد، ~~فلو عذبناهم فقد يقول قائل منهم طال العهد بالرسل، ويظن أن ذلك عذر ولا عذر ~~لهم بعد أن بلغهم خبر الرسل، ولكن أكملنا إزاحة العذر، وأكملنا البيان ~~فبعثناك يا محمد إليهم. وقد حكم الله بأنه لا يعاقب عبدا إلا بعد إكمال ~~البيان والحجة وبعثة الرسل. # قوله تعالى: (فلما جاءهم الحق من عندنا) يعني محمدا صلى الله عليه وسلم ~~(قالوا) يعنى كفار مكة (لولا) أي هلا (أوتى مثل ما أوتى موسى) من العصا ~~واليد البيضاء، PageV13P293 # وأنزل عليه القرآن جملة واحدة كالتوراة، وكان بلغهم ذلك من أمر موسى قبل ~~محمد، فقال الله تعالى: (أولم يكفروا بما أوتى موسى من قبل قالوا ساحران ~~(1) تظاهرا) أي موسى ومحمد تعاونا على السحر. قال الكلبي: بعثت قريش إلى ~~اليهود وسألوهم عن بعث محمد وشأنه فقالوا: إنا نجده في التوراة بنعته ~~وصفته. فلما رجع الجواب إليهم " قالوا ساحران تظاهرا ". # وقال قوم: إن اليهود علموا المشركين، وقالوا قولوا لمحمد لولا أوتيت مثل ~~ما أوتي موسى، فإنه أوتي التوراة دفعة واحدة. فهذا الاحتجاج وارد على ~~اليهود، أي أو لم يكفر هؤلاء اليهود بما أوتي موسى حين قالوا في موسى وهرون ~~هما ساحران و (إنا بكل كافرون) أي وإنا كافرون بكل واحد منهما. وقرأ ~~الكوفيون: " سحران " بغير ألف، أي الإنجيل والقرآن. # وقيل: التوراة والفرقان، قاله الفراء. وقيل: التوراة والإنجيل. قاله أبو ~~رزين. الباقون " ساحران " بألف. وفيه ثلاثة أقاويل: أحدها - موسى ومحمد ~~عليهما السلام. وهذا قول مشركي العرب. وبه قال ابن عباس والحسن. الثاني - ~~موسى وهرون. وهذا قول اليهود لهما في ابتداء الرسالة. وبه قال سعيد بن جبير ~~ومجاهد وابن زيد. فيكون الكلام احتجاجا عليهم. وهذا ms4767 يدل على أن المحذوف في ~~قوله: " لولا أن تصيبهم مصيبة " لما جددنا بعثة الرسل، لان اليهود اعترفوا ~~بالنبوات ولكنهم حرفوا وغيروا واستحقوا العقاب، فقال: # قد أكملنا إزاحة عذرهم ببعثه محمد صلى الله عليه وسلم. الثالث - عيسى ~~ومحمد صلى الله عليهما وسلم. # وهذا قول اليهود اليوم. وبه قال قتادة. وقيل: أو لم يكفر جميع اليهود بما ~~أوتي موسى في التوراة من ذكر المسيح، وذكر الإنجيل والقرآن، فرأوا موسى ~~ومحمدا ساحرين والكتابين سحرين. # قوله تعالى: قل فأتوا بكتب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم ~~صادقين (49) فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن ~~اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدى القوم الظالمين (50) ولقد ~~وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون (51) # PageV13P294 # قوله تعالى: (قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه) أي قل يا ~~محمد إذا كفرتم معاشر المشركين بهذين الكتابين " فاتوا بكتاب من عند الله ~~هو أهدى منهما أتبعه " ليكون ذلك عذرا لكم في الكفر (إن كنتم صادقين) في ~~أنهما سحران. أو فأتوا بكتاب هو أهدى من كتابي موسى ومحمد عليهما السلام. ~~وهذا يقوي قراءة الكوفيين " سحران ". " أتبعه " قال الفراء: بالرفع، لأنه ~~صفة للكتاب وكتاب نكره. قال: وإذا جزمت - وهو الوجه - فعلى الشرط. # قوله تعالى: (فإن لم يستجيبوا لك) يا محمد أن يأتوا بكتاب من عند الله ~~(فاعلم أنما يتبعون أهواءهم) أي آراء قلوبهم وما يستحسنونه ويحببه لهم ~~الشيطان، وإنه لا حجة لهم. # (ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله) أي لا أحد أضل منه (إن الله لا ~~يهدى القوم الظالمين). # قوله تعالى: (ولقد وصلنا لهم القول) أي أتبعنا بعضه بعضا، وبعثنا رسولا ~~بعد رسول. وقرأ الحسن " وصلنا " مخففا وقال أبو عبيدة والأخفش: معنى " ~~وصلنا " أتممنا كصلتك الشئ. وقال ابن عيينة والسدي: بينا. وقاله ابن عباس. ~~وقال مجاهد: # فصلنا. وكذلك كان يقرؤها. وقال ابن زيد: وصلنا لهم خبر الدنيا بخبر ~~الآخرة حتى كأنهم في الآخرة في الدنيا. وقال. أهل المعاني: والينا ms4768 وتابعنا ~~وأنزلنا القرآن تبع بعضه بعضا: # وعدا ووعيدا وقصصا وعبرا ونصائح ومواعظ إرادة أن يتذكروا فيفلحوا. وأصلها ~~من وصل الحبال بعضها ببعض. قال الشاعر: # فقل لبني مروان ما بال ذمة * وحبل ضعيف ما يزال يوصل (1) وقال امرؤ ~~القيس: # درير كخذروف الوليد أمره * تقلب كفيه بخيط موصل (2) # PageV13P295 # والضمير في " لهم " لقريش، عن مجاهد وقيل: هو لليهود. وقيل: هو لهم ~~جميعا. # والآية رد على من قال هلا أوتي محمد القرآن جملة واحدة. (لعلهم يتذكرون) ~~قال ابن عباس: # يتذكرون محمدا فيؤمنوا به. وقيل: يتذكرون فيخافوا أن ينزل بهم ما نزل بمن ~~قبلهم، قاله علي بن عيسى. وقيل: لعلهم يتعظون بالقرآن عن عبادة الأصنام. ~~حكاه النقاش. # قوله تعالى: الذين آتيناهم الكتب من قبله هم به يؤمنون (52) وإذا يتلى ~~عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين (53) قوله ~~تعالى: (الذين اتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون) أخبر أن قوما ممن ~~أوتوا الكتاب من بني إسرائيل من قبل القرآن يؤمنون بالقرآن، كعبد الله بن ~~سلام وسلمان. # ويدخل فيه من أسلم من علماء النصارى، وهم أربعون رجلا، قدموا مع جعفر بن ~~أبي طالب المدينة، اثنان وثلاثون رجلا من الحبشة، وثمانية نفرا أقبلوا من ~~الشام وكانوا أئمة النصارى: # منهم بحيراء الراهب وأبرهة والأشرف وعامر وأيمن وإدريس ونافع. كذا سماهم ~~الماوردي. # وأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية والتي بعدها " أولئك يؤتون أجرهم مرتين ~~بما صبروا " قاله قتادة. وعنه أيضا: أنها أنزلت في عبد الله بن سلام وتميم ~~الداري والجارود العبدي وسلمان الفارسي، أسلموا فنزلت فيهم هذه الآية. وعن ~~رفاعة القرظي: نزلت في عشرة أنا أحدهم. # وقال عروة بن الزبير: نزلت في النجاشي وأصحابه ووجه باثني عشر رجلا ~~فجلسوا مع النبي صلى الله عليه وسلم، وكان أبو جهل وأصحابه قريبا منهم، ~~فآمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، فلما قاموا من عنده تبعهم أبو جهل ومن ~~معه، فقال لهم: خيبكم الله من ركب، وقبحكم من وفد، لم تلبثوا أن صدقتموه، ~~وما رأينا ركبا أحمق منكم ms4769 ولا أجهل، فقالوا: # " سلام عليكم " لم نأل أنفسنا رشدا " لنا أعمالنا ولكم أعمالكم " وقد ~~تقدم هذا في " المائدة " (1) # PageV13P296 # عند قوله " وإذا اسمعوا ما أنزل إلى الرسول " مستوفي. وقال أبو العالية: ~~هؤلاء قوم آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث وقد أدركه بعضهم. ~~(من قبله) أي من قبل القرآن. وقيل: من قبل محمد عليه السلام (هم به) أي ~~بالقرآن أو بمحمد عليه السلام (يؤمنون). (وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به ~~أنه الحق من ربنا) أي إذا قرئ عليهم القرآن قالوا صدقنا بما فيه (إنا كنا ~~من قبله) أي من قبل نزوله، أو من قبل بعثه محمد عليه السلام (مسلمين) أي ~~موحدين، أو مؤمنين بأنه سيبعث محمد وينزل عليه القرآن. # قوله تعالى: أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرءون بالحسنة السيئة ~~ومما رزقناهم ينفقون (54) وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعملنا ~~ولكم أعملكم سلم عليكم لا نبتغي الجهلين (55) فيه أربع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا) ثبت في صحيح ~~مسلم عن أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ثلاثة يؤتون ~~أجرهم مرتين رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وأدرك النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- فآمن به واتبعه وصدقه فله أجران وعبد مملوك أدى حق الله عز وجل وحق سيده ~~فله أجران ورجل كانت له أمة فغذاها فأحسن غذاءها ثم أدبها فأحسن أدبها ثم ~~أعتقها وتزوجها فله أجران " قال الشعبي للخراساني: خذا هذا الحديث بغير شئ، ~~فقد كان الرجل يرحل فيما دون هذا إلى المدينة. # وخرجه البخاري أيضا. قال علماؤنا: لما كان كل واحد من هؤلاء مخاطبا ~~بأمرين من جهتين استحق كل واحد منهم أجرين، فالكتابي كان مخاطبا من جهة ~~نبيه، ثم إنه خوطب من جهة نبينا فأجابه واتبعه فله أجر الملتين، وكذلك ~~العبد هو مأمور من جهة الله تعالى ومن جهة سيده، ورب الأمة لما قام بما ~~خوطب به من تربيته أمته وأدبها فقد أحياها إحياء التربية، ثم إنه لما ~~أعتقها وتزوجها ms4770 أحياها إحياء الحرية التي ألحقها فيه بمنصبه، فقد قام ~~PageV13P297 # بما أمر فيها، فأجر كل واحد منهم أجرين. ثم إن كل واحد من الاجرين مضاعف ~~في نفسه، الحسنة بعشر أمثالها فتتضاعف الأجور. ولذلك قيل: إن العبد الذي ~~يقوم بحق سيده وحق الله تعالى أفضل من الحر، وهو الذي ارتضاه أبو عمر بن ~~عبد البر وغيره. # وفي الصحيح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " للعبد ~~المملوك المصلح أجران " والذي نفس أبي هريرة بيده لولا الجهاد في سبيل الله ~~والحج وبر أمي لأحببت أن أموت وأنا مملوك قال سعيد بن المسيب: وبلغنا أن ~~أبا هريرة لم يكن يحج حتى ماتت أمه لصحبتها. وفي الصحيح أيضا عن أبي هريرة ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " نعما للمملوك أن يتوفى يحسن عبادة الله وصحابة سيده نعما له ". # الثانية - قوله تعالى (بما صبروا) عام في صبرهم على ملتهم، ثم على هذه ~~وعلى الأذى الذي يلقونه من الكفار وغير ذلك. # الثالثة - قوله تعالى: (ويدرءون بالحسنة السيئة) أي يدفعون درأت إذا ~~دفعت، والدرء الدفع. وفي الحديث " ادرءوا الحدود بالشبهات ". قيل: يدفعون ~~بالاحتمال والكلام الحسن الأذى. وقيل: يدفعون بالتوبة والاستغفار الذنوب، ~~وعلى الأول فهو وصف لمكارم الأخلاق، أي من قال لهم سوءا لا ينوه وقابلوه من ~~القول الحسن بما يدفعه فهذه آية مهادنة، وهي من صدر الاسلام، وهي مما ~~نسختها آية السيف وبقي حكمها فيما دون الكفر يتعاطاه أمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم إلى يوم القيامة. ومنه قوله عليه السلام لمعاذ: " وأتبع السيئة ~~الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن " ومن الخلق الحسن دفع المكروه والأذى، ~~والصبر على الجفا بالاعراض عنه ولين الحديث. # الرابعة - قوله تعالى: (ومما رزقناهم ينفقون) أثنى عليهم بأنهم ينفقون من ~~أموالهم في الطاعات وفي رسم الشرع، وفي ذلك حض على الصدقات. وقد يكون ~~الانفاق من الأبدان بالصوم والصلاة، ثم مدحهم أيضا على إعراضهم عن اللغو، ~~كما قال تعالى: # " وإذا مروا باللغو مروا كراما " أي إذا سمعوا ما قال ms4771 لهم المشركون من ~~الأذى والشتم أعرضوا PageV13P298 # عنه، أي لم يشتغلوا به (وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم) أي ~~متاركة، مثل قول: " وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما " أي لنا ديننا ولكم ~~دينكم. (سلام عليكم) أي أمنا لكم منا فإنا لا نحاربكم، ولأنسابكم، وليس من ~~التحية في شئ. قال الزجاج: # وهذا قبل الامر بالقتال. (لا نبتغي الجاهلين) أي لا نطلبهم للجدال ~~والمراجعة والمشاتمة. # قوله تعالى: إنك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء وهو أعلم ~~بالمهتدين (56) قوله تعالى: (إنك لا تهدى من أحببت) قال الزجاج: أجمع ~~المسلمون على أنها نزلت في أبي طالب. # قلت: والصواب أن يقال أجمع جل المفسرين على أنها نزلت في شأن أبي طالب عم ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وهو نص حديث البخاري ومسلم، وقد تقدم الكلام ذلك ~~في " براءة " (1). وقال أبو روق قوله: (ولكن الله يهدى من يشاء) إشارة إلى ~~العباس. وقاله قتادة. (وهو أعلم بالمهتدين) قال مجاهد: لمن قدر له أن ~~يهتدي. وقيل: معنى " من أحببت " أي من أحببت أن يهتدي. وقال جبير بن مطعم: ~~لم يسمع أحد الوحي يلقى على النبي صلى الله عليه وسلم إلا أبا بكر الصديق ~~فإنه سمع جبريل وهو يقول: يا محمد اقرأ " إنك لا تهدى من أحببت ولكن الله ~~يهدى من يشاء ". # قوله تعالى: وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا أولم نمكن لهم حرما ~~آمنا تجبى إليه ثمرات كل شئ رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون (57) وكم ~~أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مسكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا ~~نحن الوارثين (58) # PageV13P299 # قوله تعالى: (وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا) هذا قول مشركي ~~مكة قال ابن عباس: قائل ذلك من قريش الحارث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف ~~القرشي، قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا لنعلم أن قولك حق، ولكن يمنعنا ~~أن نتبع الهدى معك، ونؤمن بك، مخافة أن يتخطفنا العرب من أرضنا - يعنى مكة ~~- لاجتماعهم على خلافنا، ولا ms4772 طاقة لنا بهم. وكان هذا من تعللاتهم، فأجاب ~~الله تعالى عما اعتل به فقال: # (أو لم نمكن لهم حرما آمنا) أي ذا أمن. وذلك أن العرب كانت في الجاهلية ~~يغير بعضهم على بعض، ويقتل بعضهم بعضا، وأهل مكة آمنون حيث كانوا بحرمة ~~الحرم، فأخبر أنه قد أمنهم بحرمة البيت، ومنع عنهم عدوهم، فلا يخافون أن ~~تستحل العرب حرمة في قتالهم. # والتخطف الانتزاع بسرعة، وقد تقدم. قال يحيي بن سلام يقول: كنتم آمنين في ~~حرمي، تأكلون رزقي، وتعبدون غيري، أفتخافون إذا عبدتموني وآمنتم بي. (يجبى ~~إليه ثمرات كل شئ) أي يجمع إليه ثمرات كل أرض وبلد، عن ابن عباس وغيره. ~~يقال: جبى الماء في الحوض أي جمعه. والجابية الحوض العظيم. وقرأ نافع: " ~~تجبى " بالتاء، لأجل الثمرات. الباقون بالياء، لقوله: " كل شئ " واختاره ~~أبو عبيد. قال: لأنه حال بين الاسم المؤنث وبين فعله حائل وأيضا فإن ~~الثمرات جمع، وليس بتأنيث حقيقي. (رزقا من لدنا) أي من عندنا. (ولكن أكثرهم ~~لا يعلمون) أي لا يعقلون، أي هم غافلون عن الاستدلال، وأن من رزقهم وأمنهم ~~فيما مضى حال كفرهم يرزقهم لو أسلموا، ويمنع الكفار عنهم في إسلامهم. " ~~رزقا " نصب على المفعول من أجله. ويجوز نصبه على المصدر بالمعنى، لان معنى ~~" تجبى " ترزق. وقرئ " تجبني " بالنون من الجنا، وتعديته بإلى كقولك يجنى ~~إلى فيه ويجنى إلى الخافة (1). # قوله تعالى: (وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها) بين لمن توهم أنه لو آمن ~~لقاتلته العرب أن الخوف في ترك الايمان أكثر، فكم من قوم كفروا ثم حل بهم ~~البوار، والبطر # PageV13P300 # والطغيان بالنعمة، قاله الزجاج " معيشتها " أي في معيشتها فلما حذف (في) ~~تعدى الفعل، قاله المازني. الزجاج كقوله: " واختار موسى قومه سبعين رجلا ". ~~الفراء: # هو منصوب على التفسير. قال كما تقول: أبطرت مالك وبطرته. ونظيره عنده " ~~إلا من سفه نفسه " وكذا عنده " فإن طبن لكم عن شئ منه نفسا " ونصب المعارف ~~على التفسير محال عند البصريين، لان معنى التفسير والتمييز أن يكون واحدا ~~نكرة يدل على الجنس. # وقيل: ms4773 أنتصب ب‍ " بطرت " ومعنى " بطرت " جهلت، فالمعنى: جهلت شكر ~~معيشتها. # (فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا) أي لم تسكن بعد إهلاك أهلها ~~إلا قليلا من المساكن وأكثرها خراب. والاستثناء يرجع المساكن أي بعضها ~~يسكن، قاله الزجاج. # واعترض عليه، فقيل: لو كان الاستثناء يرجع إلى المساكن لقال إلا قليل، ~~لأنك تقول: # القوم لم تضرب إلا قليل، ترفع إذا كان المضروب قليلا، وإذا نصبت كان ~~القليل صفة للضرب، أي لم تضرب إلا ضربا قليلا، فالمعنى إذا: فتلك مساكنهم ~~لم يسكنها إلا المسافرون ومن مر بالطريق يوما أو بعض يوم، أي لم تسكن من ~~بعدهم إلا سكونا قليلا. وكذا قال ابن عباس: لم يسكنها إلا المسافر أو مار ~~الطريق يوما أو ساعة. (وكنا نحن الوارثين) أي لما خلفوا بعد هلاكهم. # قوله تعالى: وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلوا عليهم ~~آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون (59) وما أوتيتم من شئ فمتع ~~الحياة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون (60) أفمن وعدنه ~~وعدا حسنا فهو لقيه كمن متعناه متع الحياة الدنيا ثم يوم القيمة من ~~المحضرين (61) قوله تعالى: (وما كان ريك مهلك القرى) أي القرى الكافرة. ~~(حتى يبعث في أمها) قرئ بضم الهمزة وكسرها لاتباع الجر يعني مكة و (رسولا) ~~يعنى محمدا صلى الله PageV13P301 # عليه وسلم. وقيل: " في أمها " يعني في أعظمها " رسولا " ينذرهم. وقال ~~الحسن: # في أوائلها قلت: ومكة أعظم القرى لحرمتها وأولها، لقوله تعالى: " إن أول ~~بيت وضع للناس " وخصت بالأعظم لبعثة الرسول فيها، لان الرسل تبعث إلى ~~الاشراف وهم يسكنون المدائن وهي أم ما حولها. وقد مضى هذا المعنى في آخر ~~سورة " يوسف " (1). (يتلو عليهم آياتنا) " يتلوا " في موضع الصفة أي تاليا ~~أي يخبرهم أن العذاب ينزل بهم إن لم يؤمنوا. (وما كنا مهلكي القرى) سقطت ~~النون للإضافة مثل " ظالمي أنفسهم " (إلا وأهلها ظالمون) أي لم أهلكهم إلا ~~وقد استحقوا الاهلاك لاصرارهم على الكفر بعد الاعذار إليهم. # وفي هذا بيان لعدله ms4774 وتقدسه عن الظلم. أخبر تعالى أنه لا يهلكهم إلا إذا ~~استحقوا الا هلاك بظلمهم، ولا يهلكهم مع كونهم ظالمين إلا بعد تأكيد الحجة ~~والالزام ببعثة الرسل، ولا يجعل علمه بأحوالهم حجة عليهم. ونزه ذاته أن ~~يهلكهم وهم غير ظالمين، كما قال عز من قائل: # " وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون " فنص في قوله " بظلم " ~~على أنه لو أهلكهم وهم مصلحون لكان ذلك ظلما لهم منه، وإن حاله في غناه ~~وحكمته منافية للظلم، دل على ذلك بحرف النفي مع لامه كما قال تعالى: " وما ~~كان الله ليضيع إيمانكم ". # قوله تعالى: (وما أوتيتم من شئ) يا أهل مكة (فمتاع الحياة الدنيا ~~وزينتها) أي تتمتعون بها مدة حياتكم، أو مدة في حياتكم، فإما أن تزولوا ~~عنها أو تزول عنكم. (وما عند الله خير وأبقى) أي أفضل وأدوم، يريد الدار ~~الآخرة وهي الجنة. (أفلا تعقلون) أن الباقي أفضل من الفاني. قرأ أبو عمرو " ~~يعقلون " بالياء. الباقون بالتاء على الخطاب وهو الاختيار لقوله تعالى: " ~~وما أو تيتم ". قوله تعالى: (أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه) يعني الجنة ~~وما فيها من الثواب (كمن متعناه متاع الحياة الدنيا) فأعطى منها بعض ما ~~أراد. # (ثم هو يوم القيامة من المحضرين) أي في النار. ونظيره قوله: " ولولا نعمة ~~ربى لكنت # PageV13P302 # من المحضرين " قال ابن عباس: نزلت في حمزة بن عبد المطلب، وفي أبي جهل بن ~~هشام. # وقال مجاهد: نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم وأبي جهل. وقال محمد بن ~~كعب. نزلت في حمزة وعلي، وفي أبي جهل وعمارة بن الوليد. وقيل: في عمار ~~والوليد بن المغيرة، قاله السدي. قال القشيري: والصحيح أنها نزلت في المؤمن ~~والكافر على التعميم. الثعلبي: # وبالجملة فإنها نزلت في كل كافر متع في الدنيا بالعافية والغنى وله في ~~الآخرة النار، وفي كل مؤمن صبر على بلاء الدنيا ثقة بوعد الله وله في ~~الآخرة الجنة. # قوله تعالى: ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون (62) قال ~~الذين حق عليهم القول ربنا هؤلاء الذين ms4775 أغوينا أغويناهم كما غوينا تبرأنا ~~إليك ما كانوا إيانا يعبدون (63) وقيل ادعوا شركاءكم فدعوهم فلم يستجيبوا ~~لهم ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون (64) ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم ~~المرسلين (65) فعميت عليهم الانباء يومئذ فهم لا يتساءلون (66) فأما من تاب ~~وآمن وعمل صلحا فعسى أن يكون من المفلحين (67) قوله تعالى: (ويوم يناديهم) ~~أي ينادي الله يوم القيامة هؤلاء المشركين (فيقول أين شركائي) بزعمكم أنهم ~~ينصرونكم ويشفعون لكم. (قال الذين حق عليهم القول) أي حقت عليهم كلمة ~~العذاب وهم الرؤساء، قاله الكلبي. وقال قتادة: هم الشياطين. (ربنا هؤلاء ~~الذين أغوينا) أي دعوناهم إلى الغي. فقيل لهم: أغويتموهم؟ قالوا: (أغويناهم ~~كما غوينا ". يعنون أضللناهم كما كنا ضالين. (تبرأنا إليك) أي تبرأ بعضنا ~~من بعض، والشياطين يتبرءون ممن أطاعهم، والرؤساء يتبرءون ممن قبل منهم، كما ~~قال تعالى: " الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين ". PageV13P303 # قوله تعالى: (وقيل) أي للكفار (ادعوا شركاءكم) أي استغيثوا بآلهتكم التي ~~عبدتموها في الدنيا لتنصركم وتدفع عنكم. (فدعوهم) أي استغاثوا بهم. (فلم ~~يستجيبوا لهم) أي فلم يجيبوهم ولم ينتفعوا بهم. (ورأوا العذاب لو أنهم ~~كانوا يهتدون) قال الزجاج: # جواب " لو " محذوف، والمعنى: لو أنهم كانوا يهتدون لأنجاهم الهدى، ولما ~~صاروا إلى العذاب. وقيل: أي لو أنهم كانوا يهتدون ما دعوهم. وقيل المعنى: ~~ودوا حين رأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون في الدنيا إذا رأوا العذاب يوم ~~القيامة. (ماذا أجبتم المرسلين) أي يقول الله لهم ما كان جوابكم لمن أرسل ~~إليكم من النبيين لما بلغوكم رسالاتي. (فعميت عليهم الانباء يومئذ) أي خفيت ~~عليهم الحجج، قاله مجاهد، لان الله قد أعذر إليهم في الدنيا فلا يكون لهم ~~عذر ولا حجة يوم القيامة. و " الانباء " الاخبار، سمى حججهم أنباء لأنها ~~أخبار يخبرونها. (فهم لا يتساءلون) أي لا يسأل بعضهم بعضا عن الحجج، لان ~~الله تعالى أدحض حججهم، قاله الضحاك. وقال ابن عباس: " لا يتساءلون " أي لا ~~ينطقون بحجة. # وقيل: " لا يتساءلون " في تلك الساعة، ولا يدرون ما يجيبون به من هول تلك ~~الساعة، ms4776 ثم يجيبون بعد ذلك كما أخبر عن قولهم: " والله ربنا ما كنا مشركين ~~". وقال مجاهد: # لا يتساءلون بالأنساب. وقيل: لا يسأل بعضهم بعضا أن يحمل من ذنوبه شيئا، ~~حكاه بن عيسى. # قوله تعالى: (فأما من تاب) أي من الشرك (وآمن) أي صدق (وعمل صالحا) أدى ~~الفرائض وأكثر من النوافل (فعسى أن يكون من المفلحين) أي من الفائزين ~~بالسعادة. # وعسى من الله واجبة. # قوله تعالى: وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحن الله ~~وتعالى عما يشركون (68) وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون (69) وهو الله ~~لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون (70) ~~PageV13P304 # قوله تعالى: (وربك يخلق ما يشاء ويختار) هذا متصل بذكر الشركاء اعبدوهم ~~واختاروهم للشفاعة، أي الاختيار إلى الله تعالى في الشفعاء لا إلى ~~المشركين. وقيل هو جواب الوليد بن المغيرة حين قال: " لولا نزل هذا القرآن ~~على رجل من القريتين عظيم " يعني نفسه زعم، وعروة بن مسعود الثقفي من ~~الطائف. وقيل: هو جواب اليهود إذ قالوا لو كان الرسول إلى محمد غير جبريل ~~لآمنا به. قال ابن عباس: والمعنى، وربك يخلق ما يشاء من خلقه ويختار منهم ~~من يشاء لطاعته. وقال يحيي بن سلام: والمعنى، وربك يخلق ما يشاء من خلقه ~~ويختار من يشاء لنبوته. وحكى النقاش: إن المعنى وربك يخلق ما يشاء من خلقه ~~يعني محمدا صلى الله عليه وسلم، ويختار الأنصار لدينه. # قلت: وفي كتاب البزار مرفوعا صحيحا عن جابر " إن الله تعالى اختار أصحابي ~~على العالمين سوى النبيين والمرسلين واختار لي من أصحابي أربعة - يعني أبا ~~بكر وعمر وعثمان وعليا - فجعلهم أصحابي وفي أصحابي كلهم خير واختار أمتي ~~على سائر الأمم واختار لي من أمتي أربعة قرون ". وذكر سفيان بن عيينة عن ~~عمرو بن دينار عن وهب بن منبه عن أبيه في قوله عز وجل: " وربك يخلق ما يشاء ~~ويختار " قال من النعم الضأن، ومن الطير الحمام. # والوقف التام " ويختار ". وقال علي بن سليمان: هذا وقف التمام ms4777 ولا يجوز ~~أن تكون " ما " في موضع نصب ب‍ " يختار " لأنها لو كانت في موضع نصب لم يعد ~~عليها شئ. قال وفي هذا رد على القدرية. قال النحاس: التمام " ويختار " أي ~~ويختار الرسل. (ما كان لهم الخيرة) أي ليس يرسل من اختاروه هم. قال أبو ~~إسحاق: " ويختار " هذا الوقف التام المختار، ويجوز أن تكون " ما " في موضع ~~نصب ب‍ " يختار " ويكون المعنى ويختار الذي كان لهم فيه الخيرة. قال ~~القشيري: الصحيح الأول لاطباقهم [على] الوقف على قوله " ويختار ". قال ~~المهدوي: وهو أشبه بمذهب أهل السنة و " ما " من قوله: " ما كان لهم الخيرة ~~" نفي عام لجميع الأشياء أن يكون للعبد فيها شئ سوى اكتسابه بقدرة الله عز ~~وجل. الزمخشري: # " ما كان لهم الخيرة " بيان لقوله: " ويختار " لان معناه يختار ما يشاء، ~~ولهذا لم يدخل العاطف، والمعنى، وإن الخيرة الله تعالى في أفعاله وهو أعلم ~~بوجوده الحكمة فيها أي ليس لأحد PageV13P305 # من خلقه أن يختار عليه وأجاز الزجاج وغيره أن تكون " ما " منصوبة ب‍ " ~~يختار ". وأنكر الطبري أن تكون " ما " نافيه، لئلا يكون المعنى إنهم لم تكن ~~لهم الخيرة فيما مضى وهي لهم فيما يستقبل، ولأنه لم يتقدم كلام بنفي. قال ~~المهدي: ولا يلزم ذلك، لان " ما " تنفي الحال والاستقبال كليس ولذلك عملت ~~عملها، ولأن الآي كانت تنزل على النبي صلى الله عليه وسلم على ما يسأل عنه، ~~وعلى ما هم مصرون عليه من الأعمال وإن لم يكن ذلك في النص. وتقدير الآية ~~عند الطبري: ويختار لولايته الخيرة من خلقه، لان المشركين كانوا يختارون ~~خيار أموالهم فيجعلونها لآلهتهم، فقال الله تبارك وتعالى: " وربك يخلق ما ~~يشاء ويختار " للهداية من خلقه من سبقت له السعادة في علمه، كما اختار ~~المشركون خيار أموالهم لآلهتهم، ف‍ " ما " على هذا لمن يعقل وهي بمعنى الذي ~~و " الخيرة " رفع بالابتداء " ولهم " الخبر والجملة خبر " كان ". وشبهه ~~بقولك: كان زيد أبوه منطلق وفيه ضعف، إذا ليس في الكلام عائد يعود على اسم ~~كان إلا أن يقدر فيه ms4778 حذف فيجوز على بعد. وقد روي معنى ما قاله الطبري عن ~~ابن عباس قال الثعلبي: " ما " نفي أي ليس لهم الاختيار على الله. # وهذا أصوب كقوله تعالى: " وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله ~~أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ". قال محمود الوراق: # توكل على الرحمن في كل حاجة * أردت فإن الله يقضي ويقدر إذا ما يرد ذو ~~العرش أمرا بعبده * يصبه وما للعبد (1) ما يتخير وقد يهلك الانسان ومن وجه ~~حذره * وينجو بحمد الله من حيث يحذر (2) وقال آخر: # العبد ذو ضجر والرب ذو قدر * والدهر ذو دول والرزق مقسوم والخير أجمع ~~فيها اختار خالقنا * وفي اختيار سواه اللوم والشوم قال بعض العلماء: لا ~~ينبغي لاحد أن يقدر على أمر من أمور الدنيا حتى يسأل الله الخيرة في ذلك ~~بأن يصلي ركعتين صلاة الاستخارة يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة " قل يا ~~أيها # PageV13P306 # الكافرون " في الركعة الثانية " قل هو الله أحد ". واختار بعض المشايخ أن ~~يقرأ في الركعة الأولى " وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة " ~~الآية، وفي الركعة الثانية " وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله ~~أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم " وكل حسن. # ثم يدعو بهذا الدعاء بعد السلام، وهو ما رواه البخاري من صحيحه عن جابر ~~بن عبد الله قال: # كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها، كما ~~يعلمنا السورة في القرآن، يقول: " إذا هم أحدكم بالامر فليركع ركعتين غير ~~الفريضة ثم ليقل اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك ~~العظيم فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب اللهم إن كنت ~~تعلم أن هذا الامر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال في عاجل ~~أمري وآجله - فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه اللهم وإن كنت تعلم أن هذا ~~الامر شر لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال في عاجل أمري ~~وآجله - فاصرفه عني ms4779 واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به " قال: ~~ويسمي حاجته. وروت عائشة عن أبي بكر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان إذا أراد أمرا قال: " اللهم حر لي واختر لي " وروى أنس أن النبي ~~صلى الله عليه قال له " يا أنس إذا هممت بأمر فاستخر ربك فيه سبع مرات ثم ~~انظر إلى ما يسبق قلبك فإن الخير فيه ". # قال العلماء: وينبغي له أن يفرغ قلبه من جميع الخواطر حتى لا يكون مائلا ~~إلى أمر من الأمور، فعند ذلك ما يسبق إلى قلبه يعمل عليه، فإن الخير فيه إن ~~شاء الله. وإن عزم على سفر فيتوخى بسفره يوم الخميس أو يوم الاثنين اقتداء ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم نزه نفسه سبحانه بقوله الحق، فقال: " ~~سبحان الله " أي تنزيها. (وتعالى) أي تقدس وتمجد (عما يشركون. وربك يعلم ما ~~تكن صدور هم وما يعلنون) يظهرون. وقرأ ابن محيصن وحميد: " تكن " بفتح التاء ~~وضم الكاف وقد تقدم هذا في " النمل ". تمدح سبحانه بأنه عالم الغيب ~~والشهادة لا يخفى عليه شئ (هو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى ~~والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون) تقدم معناه، وأنه المنفرد بالوحدانية، إن ~~جميع المحامد إنما تجب له وأن لا حكم إلا له وإليه المصير. PageV13P307 # قوله تعالى: قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيمة من ~~إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون (71) قل أرأيتم إن جعل الله عليكم ~~النهار سرمدا إلى يوم القيمة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا ~~تبصرون (72) ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ~~ولعلكم تشكرون (73) قوله تعالى: (قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا) ~~أي دائما، ومنه قول طرفة. # لعمرك ما أمري علي بغمة * نهاري ولا ليلي بسرمد (1) بين سبحانه أنه مهد ~~أسباب المعيشة ليقوموا بشكر نعمه. (من إله غير الله يأتيكم بضياء) أي بنور ~~تطلبون فيه المعيشة. وقيل: بنهار تبصرون ms4780 فيه معايشكم وتصلح فيه الثمار ~~والنبات. # (أفلا تسمعون) سماع فهم وقبول. (قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار ~~سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه) أي تستقرون ~~فيه من النصب. # (أفلا تبصرون) ما أنتم فيه من الخطأ في عبادة غيره، فإذا أقررتم بأنه لا ~~يقدر على إيتاء الليل والنهار غيره فلم تشركون به. (ومن رحمته جعل لكم ~~الليل والنهار لتسكنوا فيه) أي فيهما. # وقيل: الضمير للزمان وهو الليل والنهار. (ولتبتغوا من فضله) أي لتطلبوا ~~من رزقه فيه أي في النهار فحذف. (ولعلكم تشكرون) الله على ذلك. # قوله تعالى: ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون (74) ~~ونزعنا من كل أمة شهيدا فقلنا هاتوا برهانكم فعلموا أن الحق لله وضل عنهم ~~ما كانوا يفترون (75) # PageV13P308 # قوله تعالى: (ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون) أعاد هذا ~~الضمير لاختلاف الحالين، ينادون مرة فيقال لهم: " أين شركائي الذين كنتم ~~تزعمون " فيدعون الأصنام فلا يستجيبون، فتظهر حيرتهم (1)، ثم ينادون مرة ~~أخرى فيسكتون. وهو توبيخ وزيادة خزي. والمناداة هنا ليست من الله؟ لان الله ~~تعالى لا يكلم الكفار لقوله تعالى: # " ولا يكلمهم الله يوم القيامة " لكنه تعالى يأمر من يوبخهم ويبكتهم، ~~ويقيم الحجة عليهم في مقام الحساب. وقيل: يحتمل أن يكون من الله، وقوله: " ~~ولا يكلمهم الله " حين يقال لهم: " اخسئوا فيها ولا تكلمون " وقال: " ~~شركائي " لأنهم جعلوا لهم نصيبا من أموالهم. # قوله تعالى: (ونزعنا من كل أمة شهيدا) أي نبيا، عن مجاهد. وقيل: هم عدول ~~الآخرة يشهدون على العباد بأعمالهم في الدنيا. والأول أظهر، لقوله تعالى: " ~~فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا " وشهيد كل أمة ~~رسولها الذي يشهد عليها. والشهيد الحاضر. أي أحضرنا رسولهم المبعوث إليهم. ~~(فقلنا هاتوا برهانكم) أي حجتكم. (فعلموا أن الحق لله) أي علموا صدق ما ~~جاءت به الأنبياء. (وضل عنهم) أي ذهب عنهم وبطل. (ما كانوا يفترون) أي ~~يختلقونه من الكذب على الله تعالى من أن معه آلهة تعبد. ms4781 # قوله تعالى: إن قرون كان قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن ~~مفاتحة لتنوء بالعصبة أولى القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب ~~الفرحين (76) وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا ~~وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين ~~(77) # PageV13P309 # قوله تعالى: (إن قارون كان من قوم موسى) لما قال تعالى: " وما أوتيتم من ~~شئ فمتاع الحياة الدنيا وزينتها " بين أن قارون أوتيها واغتر بها ولم تعصمه ~~من عذاب الله كما لم تعصم فرعون، ولستم أيها المشركون بأكثر عددا ومالا من ~~قارون وفرعون، فلم ينفع فرعون جنوده وأمواله، ولم ينفع قارون قرابته من ~~موسى ولا كنوزه. قال النخعي وقتادة وغيرهما: كان ابن عم موسى لحا، وهو ~~قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب، وموسى بن عمران بن قاهث. وقال ابن ~~إسحاق: كان عم موسى لأب وأم. وقيل: كان ابن خالته. ولم ينصرف للعجمة ~~والتعريف. وما كان على وزن فاعول أعجميا لا يحسن فيه الألف واللام لم ينصرف ~~في المعرفة وانصرف في النكرة، فإن حسنت فيه الألف واللام انصرف إن كان اسما ~~لمذكر نحو طاوس وراقود. قال الزجاج: ولو كان قارون من قرنت الشئ لانصرف. ~~(فبغى عليهم) بغيه أنه زاد في طول ثوبه شبرا، قاله شهر بن حوشب. وفي الحديث ~~" لا ينظر الله إلى من جر إزاره بطرا " وقيل: بغيه كفره بالله عز وجل، قاله ~~الضحاك. # وقيل: بغيه استخفافه بهم بكثرة ماله وولده، قاله قتادة. وقيل: بغيه نسبته ~~ما آتاه الله من الكنوز إلى نفسه بعلمه وحيلته، قاله ابن بحر. وقيل: بغيه ~~قوله إذا كانت النبوة لموسى والمذبح والقربان في هارون فمالي! فروى أنه لما ~~جاوز بهم موسى البحر وصارت الرسالة لموسى والحبورة لهارون، يقرب القربان ~~ويكون رأسا فيهم، وكان القربان لموسى فجعله موسى إلى أخيه، وجد قارون في ~~نفسه وحسدهما فقال لموسى: الامر لكما وليس لي شئ إلى متى أصبر. # قال موسى: ms4782 هذا صنع الله. قال: والله لا أصدقنك حتى تأتي بآية، فأمر رؤساء ~~بني إسرائيل أن يجئ كل واحد منهم بعصاه، فحزمها وألقاها في القبة التي كان ~~الوحي ينزل عليه فيها، وكانوا يحرسون عصيهم بالليل فأصبحوا وإذا بعصا هارون ~~تهتز ولها ورق أخضر - وكانت من شجر اللوز - فقال قارون: ما هو بأعجب مما ~~تصنع من السحر. " فبغى عليهم " من البغي وهو الظلم. وقال يحيى بن سلام وابن ~~المسيب: كان قارون غنيا عاملا لفرعون على بني إسرائيل فتعدى عليهم وظلمهم ~~وكان منهم وقول سابع: روي عن ابن عباس قال: لما أمر الله PageV13P310 # تعالى برجم الزاني عمد قارون إلى امرأة بغي وأعطاها مالا، وحملها على أن ~~ادعت على موسى أنه زنى بها وأنه أحبلها، فعظم على موسى ذلك وأحلفها بالله ~~الذي فلق البحر لبني إسرائيل، وأنزل التوراة على موسى إلا صدقت. فتداركها ~~الله فقالت: أشهد أنك برئ، وأن قارون أعطاني مالا، وحملني على أن قلت ما ~~قلت، وأنت الصادق وقارون الكاذب. فجعل الله أمر قارون إلى موسى وأمر الأرض ~~أن تطيعه. فجاءه وهو يقول للأرض: يا أرض خذيه، وهي تأخذه شيئا فشيئا وهو ~~يستغيث يا موسى! إلى أن ساخ في الأرض هو وداره وجلساؤه الذين كانوا على ~~مذهبه. وروي أن الله تعالى أوحى إلى موسى: استغاث بك عبادي فلم ترحمهم، أما ~~أنهم لو دعوني لوجدوني قريبا مجيبا. ابن جريج: بلغنا أنه يخسف بهم كل يوم ~~قامة، فلا يبلغون إلى أسفل الأرض إلى يوم القيامة، وذكر ابن أبي الدنيا في ~~كتاب الفرج: # حدثني إبراهيم بن راشد قال حدثني داود بن مهران، عن الوليد بن مسلم، عن ~~مروان ابن جناح، عن يونس بن ميسرة بن حلبس قال: لقي قارون يونس في ظلمات ~~البحر، فنادى قارون يونس، فقال: يا يونس: تب إلى الله فإنك تجده عند أول ~~قدم ترجع بها إليه. # فقال يونس: ما منعك من التوبة. فقال: إن توبتي جعلت إلى ابن عمي فأبى أن ~~يقبل مني. # وفي الخبر: إذا وصل قارون إلى قرار الأرض ms4783 السابعة نفخ إسرافيل في الصور. ~~والله أعلم. # قال السدي: وكان أسم البغي سبرتا، وبذل لها قارون ألفي درهم. قتادة: وكان ~~قطع البحر مع موسى وكان يسمى المنور من حسن صورته في التوراة، ولكن عدو ~~الله نافق كما نافق السامري. # قوله تعالى: (وآتيناه من الكنوز) قال عطاء: أصاب كثيرا من كنوز يوسف عليه ~~السلام. وقال الوليد بن مروان: إنه كان يعمل الكيمياء. (ما إن مفاتحه) " إن ~~" واسمها وخبرها في صلة " ما " و " ما " مفعولة " آتيناه ". قال النحاس: ~~وسمعت علي بن سليمان يقول ما أقبح ما يقول الكوفيون في الصلات، إنه لا يجوز ~~أن تكون صلة الذي وأخواته " إن " وما عملت فيه، وفي القرآن " ما إن مفاتحه ~~". وهو جمع مفتح بالكسر وهو ما يفتح PageV13P311 # به. ومن قال مفتاح قال مفاتيح. ومن قال هي الخزائن فواحدها مفتح بالفتح. ~~(لتنوء بالعصبة) أحسن ما قيل فيه أن المعنى لتنئ العصبة أي تميلهم بثقلها، ~~فلما انفتحت التاء دخلت الباء. كما قالوا هو يذهب بالبؤس ومذهب البؤس. فصار ~~" لتنوء بالعصبة " فجعل العصبة تنوء أي تنهض متثاقلة، كقولك قم بنا أي ~~أجعلنا نقوم. يقال: ناء ينوء نوءا إذا نهض بثقل. قال الشاعر (1): # تنوء بأخراها فلأيا قيامها * وتمشي الهوينى عن قريب فتبهر وقال آخر: # أخذت فلم أملك ونوت فلم أقم * كأني من طول الزمان مقيد وأناءني إذا ~~أثقلني، عن أبي زيد. وقال أبو عبيدة: قوله " لتنوء بالعصبة " مقلوب، ~~والمعنى لتنوء بها العصبة أي تنهض بها. أبو زيد: نؤت بالحمل إذا نهضت. قال ~~الشاعر: # إنا وجدنا خلفا بئس الخلف * عبدا إذا ما ناء بالحمل وقف والأول معنى قول ~~ابن عباس وأبي صالح والسدي. وهو قول الفراء واختاره النحاس. # كما يقال: ذهبت به وأذهبته وجئت به وأجأته ونؤت به وأنأته، فأما قولهم: ~~له عندي ما ساءه وناءه فهو اتباع كان يجب أن يقال وأناءه. ومثله هنأني ~~الطعام ومرأني، وأخذه ما قدم وما حدث وقيل: هو مأخوذ من النأي وهو البعد. ~~ومنه قول الشاعر: # ينأون عنا وما تنأى مودتهم * فالقلب فيهم رهين ms4784 حيثما كانوا وقرأ بديل بن ~~ميسرة: " لينوء " بالياء، أي لينوء الواحد منها أو المذكور فحمل على ~~المعنى. # وقال أبو عبيدة: قلت لرؤبة بن العجاج في قوله: # فيها خطوط من سواد وبلق * كأنه في الجلد توليع البهق إن كنت أردت الخطوط ~~فقل كأنها، وإن كنت أردت السواد والبلق فقل كأنهما. فقال: # أردت كل ذلك. واختلف في العصبة وهي الجماعة التي يتعصب بعضهم لبعض على ~~أحد عشر قولا: الأول - ثلاثة رجال، قاله ابن عباس. وعنه أيضا من الثلاثة ~~إلى العشرة. # PageV13P312 # وقال مجاهد: العصبة هنا ما بين العشرين إلى خمسة عشر. وعنه أيضا: ما بين ~~العشرة إلى الخمسة عشر. وعنه أيضا: من عشرة إلى خمسة. ذكر الأول الثعلبي، ~~والثاني القشيري والماوردي، والثالث المهدوي. وقال أبو صالح والحكم بن ~~عتيبة وقتادة والضحاك: أربعون رجلا. السدي ما بين العشرة إلى الأربعين. ~~وقاله قتادة أيضا. وقال عكرمة: منهم من يقول أربعون، ومنهم من يقول سبعون. ~~وهو قول أبي صالح إن العصبة سبعون رجلا، ذكره الماوردي. والأول ذكره عنه ~~الثعلبي. وقيل: ستون رجلا. وقال سعيد بن جبير: # ست أو سبع. وقال عبد الرحمن بن زيد: ما بين الثلاثة والتسعة وهو النفر. ~~وقال الكلبي: # عشرة لقول إخوة يوسف " ونحن عصبة " وقاله مقاتل. وقال خيثمة: وجدت في ~~الإنجيل أن مفاتيح خزائن قارون وقر ستين بغلا غراء محجلة، وأنها لتنوء بها ~~من ثقلها، وما يزيد مفتح منها على إصبع، لكل مفتح منها كنز مال، لو قسم ذلك ~~الكنز على أهل البصرة لكفاهم. # قال مجاهد: كانت المفاتيح من جلود الإبل. وقيل: من جلود البقر لتخف عليه، ~~وكانت تحمل معه إذا ركب على سبعين بغلا فيما ذكره القشيري. وقيل: على ~~أربعين بغلا. وهو قول الضحاك. وعنه أيضا: إن مفاتحه أوعيته. وكذا قال أبو ~~صالح: إن المراد بالمفاتح الخزائن، فالله أعلم. (إذ قال له قومه) أي ~~المؤمنون من بني إسرائيل، قاله السدي. # وقال يحيي بن سلام: القوم هنا موسى. وقاله الفراء. وهو جمع أريد به واحد ~~كقوله: # " الذين قال لهم الناس " وإنما هو ms4785 نعيم بن مسعود على ما تقدم. (لا تفرح) ~~أي لا تأشر ولا تبطر. (إن الله لا يحب الفرحين) أي البطرين، قاله مجاهد ~~والسدي. قال الشاعر: # ولست بمفراح إذا الدهر سرني * ولا ضارع في صرفه (1) المتقلب وقال الزجاج: ~~المعنى لا تفرح بالمال فإن الفرح بالمال لا يؤدي حقه. وقال مبشر (2) بن عبد ~~الله: لا تفرح لا تفسد. قال الشاعر (3): # إذا أنت لم تبرح تؤدي أمانة * وتحمل أخرى أفرحتك الودائع # PageV13P313 # أي أفسدتك. وقال أبو عمرو: أفرحه الدين أثقله. وأنشده: إذا أنت... البيت. ~~وأفرحه سره فهو مشترك. قال الزجاج: والفرحين والفارحين سواء. وفرق بينهما ~~الفراء فقال: # معنى الفرحين الذين هم في حال فرح، والفارحين الذين يفرحون في المستقبل. ~~وزعم أن مثله طمع وطامع وميت ومائت. ويدل على خلاف ما قال قول الله عز وجل: ~~" إنك ميت وإنهم ميتون " ولم يقل مائت. وقال مجاهد أيضا: معنى " لا تفرح " ~~لا تبغ " إن الله لا يحب الفرحين " أي الباغين. وقال ابن بحر: لا تبخل إن ~~الله لا يحب الباخلين. # قوله تعالى: (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة) أي أطلب فيما أعطاك ~~الله من الدنيا الدار الآخرة وهي الجنة، فإن من حق المؤمن أن يصرف الدنيا ~~فيما ينفعه في الآخرة لا في التجبر والبغي. # قوله تعالى: (ولا تنس نصيبك من الدنيا) اختلف فيه، فقال ابن عباس ~~والجمهور: # لا تضيع عمرك في ألا تعمل عملا صالحا في دنياك، إذ الآخرة إنما يعمل لها، ~~فنصيب الانسان عمره وعمله الصالح فيها. فالكلام على هذا التأويل شدة في ~~الموعظة. وقال الحسن وقتادة: معناه لا تضيع حظك من دنياك في تمتعك بالحلال ~~وطلبك إياه، ونظرك لعاقبة دنياك. فالكلام على هذا التأويل فيه بعض الرفق به ~~وإصلاح الامر الذي يشتهيه. وهذا مما يجب استعماله مع الموعوظ خشية النبوة ~~من الشدة، قاله ابن عطية. # قلت: وهذان التأويلان قد جمعهما ابن عمر في قوله: احرث لدنياك كأنك تعيش ~~أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا وعن الحسن: قدم الفضل، وأمسك ما يبلغ. ~~وقال مالك: # هو الأكل ms4786 والشرب بلا سرف. وقيل: أراد بنصيبه الكفن. فهذا وعظ متصل، كأنهم ~~قالوا: # لا تنس أنك تترك جميع مالك إلا نصيبك هذا الذي هو الكفن. ونحو هذا قول ~~الشاعر: # نصيبك مما تجمع الدهر كله * رداء ان تلوى فيهما وحنوط وقال آخر: # وهي القناعة لا تبغي بها بدلا * فيها النعيم وفيها راحة البدن أنظر لمن ~~ملك الدنيا بأجمعها * هل راح منها بغير القطن والكفن قال ابن العربي: وأبدع ~~ما فيه عندي قول قتادة: ولا تنس نصيبك الحلال، فهو نصيبك من الدنيا ويا ما ~~أحسن هذا. (وأحسن كما أحسن الله إليك) أي طع الله وأعبده كما أنعم عليك. ~~PageV13P314 # ومنه الحديث: ما الاحسان؟ قال: (أن تعبد الله كأنك تراه) وقيل: هو أمر ~~بصلة المساكين. # قال ابن العربي: فيه أقوال كثيرة جماعها استعمال نعم الله في طاعة الله. ~~وقال مالك: هو الأكل والشرب من غير سرف. قال ابن العربي: أرى مالكا أراد ~~الرد على الغالين في العبادة والتقشف، فإن النبي صلي الله عليه وسلم كان ~~يحب الحلواء، ويشرب العسل، ويستعمل الشواء، ويشرب الماء البارد. وقد مضى ~~هذا المعنى في غير موضع (ولا تبغ الفساد في الأرض) أي لا تعمل بالمعاصي (إن ~~الله لا يحب المفسدين) قوله تعالى: قال إنما أوتيه على علم عندي أولم يعلم ~~أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يسئل ~~عن ذنوبهم المجرمون (78) قوله تعالى: (قال إنما أوتيته على علم عندي) يعني ~~علم التوراة. وكان فيما روي من أقرأ الناس لها، ومن أعلمهم بها. وكان أحد ~~العلماء السبعين الذين اختارهم موسى للميقات. # وقال ابن زيد: أي إنما أوتيته لعلمه بفضلي ورضاه عني. فقوله: " عندي " ~~معناه إن عندي أن الله تعالى آتاني هذه الكنوز على علم منه باستحقاقي إياها ~~لفضل في. وقيل: أوتيته على علم من عندي بوجوه التجارة والمكاسب، قاله علي ~~بن عيسى. ولم يعلم أن الله لو لم يسهل له اكتسابها لما اجتمعت عنده. وقال ~~ابن عباس: على علم عندي بصنعة الذهب. ms4787 وأشار إلى علم الكيمياء. وحكى النقاش: ~~أن موسى عليه السلام علمه الثلث من صنعة الكيمياء، ويوشع الثلث، وهرون ~~الثلث، فخدعهما قارون - وكان على إيمانه - حتى علم ما عندهما وعمل ~~الكيمياء، فكثرت أمواله. وقيل: إن موسى علم الكيمياء ثلاثة، يوشع بن نون، ~~[وكالب بن يوفنا] (1)، وقارون، واختار الزجاج القول الأول، وأنكر قول من ~~قال إنه يعمل الكيمياء. قال: لان الكيمياء باطل لا حقيقة له. وقيل: إن موسى ~~علم أخته علم الكيمياء، وكانت زوجة قارون، وعلمت أخت موسى قارون، والله ~~أعلم # PageV13P315 # قوله تعالى: (أو لم يعلم أن الله قد أهلك من قبله) أي بالعذاب. (من ~~القرون) أي الأمم الخالية الكافرة. (من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا) أي ~~للمال، ولو كان المال يدل على فضل لما أهلكهم. وقيل: القوة الآلات، والجمع ~~الأعوان والأنصار، والكلام خرج مخرج التقريع من الله تعال لقارون، أي " أو ~~لم يعلم " قارون " أن الله قد أهلك من قبله من القرون ". (ولا يسأل عن ~~ذنوبهم المجرمون) أي لا يسألون سؤال استعتاب كما قال: # " ولا هم يستعتبون " " وما هم من المعتبين " وإنما يسألون سؤال تقريع ~~وتوبيخ لقوله: # " فوربك لنسألنهم أجمعين " قاله الحسن. وقال مجاهد: لا تسأل الملائكة غدا ~~عن المجرمين، فإنهم يعرفون بسيماهم، فإنهم يحشرون سود الوجوه زرق العيون. ~~وقال قتادة: # لا يسأل المجرمون عن ذنوبهم لظهورها وكثرتها، بل يدخلون النار بلا حساب. ~~وقيل: # لا يسأل مجرمو هذه الأمة عن ذنوب الأمم الخالية الذين عذبوا في الدنيا. ~~وقيل: أهلك من أهلك من القرون عن علم منه بذنوبهم فلم يحتج إلى مسئلتهم عن ~~ذنوبهم. # قوله تعالى: فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا يليت ~~لنا مثل ما أوتى قرون إنه لذو حظ عظيم (79) وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ~~ثواب الله خير لمن آمن وعمل صلحا ولا يلقها إلا الصابرون (80) قوله تعالى: ~~(فخرج على قومه في زينته) أي على بني إسرائيل فيما رآه زينة من متاع الحياة ~~الدنيا، من الثياب والدواب والتجمل في يوم عيد. قال الغزنوي: في يوم ms4788 السبت. # " في زينته " أي مع زينته. قال الشاعر: # إذا ما قلوب القوم طارت مخافة * من الموت أرسوا بالنفوس المواجد (1) أي ~~مع النفوس. كان خرج في سبعين ألفا من تبعه، عليهم المعصفرات، وكان أول من ~~صبغ له الثياب المعصفرة. قال السدي: مع ألف جوار بيض على بغال بيض بسروج من # PageV13P316 # ذهب على قطف الأرجوان. قال ابن عباس: خرج على البغال الشهب. مجاهد: على ~~براذين بيض عليها سروج الأرجوان، وعليهم المعصفرات، وكان ذلك أول يوم رؤي ~~فيه المعصفر. قال قتادة: خرج على أربعة آلاف دابة عليهم ثياب حمر، منها ألف ~~بغل أبيض عليها قطف حمر. قال ابن جريج: خرج على بغلة شهباء عليها الأرجوان، ~~ومعه ثلاثمائة جارية على البغال الشهب عليهن الثياب الحمر. وقال ابن زيد: ~~خرج في سبعين ألفا عليهم المعصفرات. # الكلبي: خرج في ثوب أخضر كان الله أنزله على موسى من الجنة فسرقه منه ~~قارون. وقال جابر بن عبد الله رضي الله عنه: كانت زينته القرمز. # قلت: القرمز صبغ أحمر مثل الأرجوان، والأرجوان في اللغة صبغ أحمر، ذكره ~~القشيري. # (قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتى قارون إنه لذو ~~حظ عظيم) أي نصيب وأفر من الدنيا. ثم قيل: هذا من قول مؤمني ذلك الوقت، ~~تمنوا مثل ماله رغبة في الدنيا. # وقيل: هو من قول أقوام لم يؤمنوا بالآخرة ولا رغبوا فيها، وهم الكفار. # قوله تعالى: (وقال الذين أوتوا العلم) وهم أحبار بني إسرائيل للذين تمنوا ~~مكانه (ويلكم ثواب الله خير) يعنى الجنة. (لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها ~~إلا الصابرون) أي لا يؤتى الأعمال الصالحة، أو لا يؤتى الجنة في الآخرة إلا ~~الصابرون على طاعة الله. وجاز ضميرها لأنها المعنية بقوله: " ثواب الله ". # قوله تعالى: فخسفنا به الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما ~~كان من المنتصرين (81) وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون ويكأن الله ~~يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر لولا أن من الله علينا لخسف بنا ويكأنه ~~لا يفلح ms4789 الكافرون (82) قوله تعالى: (فخسفنا به وبداره الأرض) قال مقاتل: ~~لما أمر موسى الأرض فابتلعته قالت بنو إسرائيل: إنما أهلكه ليرث ماله، لأنه ~~كان ابن عمه، أخي أبيه، فخسف PageV13P317 # الله تعالى به وبداره الأرض وبجميع أمواله بعد ثلاثة أيام، فأوحى الله ~~إلى موسى إني لا أعيد طاعة الأرض إلى أحد بعدك أبدا. يقال: خسف المكان يخسف ~~خسوفا ذهب في الأرض وخسف الله به الأرض خسفا أي غاب به فيها. ومنه قوله ~~تعالى: " فخسفنا به بداره الأرض " وخسف هو في الأرض وخسف به. وخسوف القمر ~~كسوفه. قال ثعلب: # كسفت الشمس وخسف القمر، هذا أجود الكلام. والخسف النقصان، يقال: رضى فلان ~~بالخسف أي بالنقيصة. (فما كان له من فئة) أي جماعة وعصابة. (ينصرونه من دون ~~الله وما كان من المنتصرين) لنفسه أي الممتنعين فيما نزل به من الخسف. ~~فيروى أن قارون يسفل كل يوم بقدر قامة، حتى إذا بلغ قعر الأرض السفلى نفخ ~~إسرافيل في الصور، وقد تقدم، والله أعلم. قوله تعالى: (وأصبح الذين تمنوا ~~مكانه بالأمس) أي صاروا يتندمون على ذلك التمني و (يقولون ويكأن الله) [وي] ~~حرف تندم. قال النحاس: أحسن ما قيل في هذا قول الخليل وسيبويه ويونس ~~والكسائي إن القوم تنبهوا أو نبهوا، فقالوا وي، والمتندم من العرب يقول في ~~خلال تندمه وي. قال الجوهري: وي. كلمة تعجب، ويقال: ويك ووي لعبد الله. وقد ~~تدخل وي على كأن المخففة والمشددة تقول: ويكأن الله. قال الخليل: # هي مفصولة، تقول: " وي " ثم تبتدئ فتقول " كأن ". قال الثعلبي: وقال ~~الفراء هي كلمة تقرير، كقولك: أما ترى إلى صنع الله وإحسانه، وذكر أن ~~أعرابية قالت لزوجها: أين ابنك ويلك؟ فقال: وي كأنه وراء البيت، أي أما ~~ترينه. وقال ابن عباس والحسن: # ويك كلمة ابتداء وتحقيق تقديره: إن الله يبسط الرزق. وقيل: هو تنبيه ~~بمنزلة ألا في قولك ألا تفعل وأما في قولك أما بعد. قال الشاعر (1): # سألتاني الطلاق إذ رأتاني * قل مالي قد جئتماني بنكر وي كأن من يكن له ~~نشب يحب * ب ms4790 ومن يفتقر يعش ضر # PageV13P318 # وقال قطرب: إنما هو ويلك وأسقطت لامه وضمت الكاف التي هي للخطاب إلى وي. # قال عنترة: # ولقد شفي نفسي وأبرأ سقمها * قول الفوارس ويك عنتر أقدم وأنكره النحاس ~~وغيره، وقالوا: إن المعنى لا يصح عليه، لان القوم لم يخاطبوا أحدا فيقولوا ~~له ويلك، ولو كان كذلك لكان إنه بالكسر. وأيضا فإن حذف اللام من ويلك لا ~~يجوز. # وقال بعضهم: التقدير ويلك اعلم أنه، فأضمر اعلم. ابن الأعرابي: " ويكأن ~~الله " أي اعلم. # وقيل: معناه ألم تر أن الله. وقال القتبي: معناه رحمة لك بلغة حمير. وقال ~~الكسائي: وي فيه معنى التعجب. ويروى عنه أيضا الوقف على وي وقال كلمة تفجع. ~~ومن قال: ويك فوقف على الكاف فمعناه أعجب لان الله يبسط الرزق وأعجب لأنه ~~لا يفلح الكافرون. # وينبغي أن تكون الكاف حرف خطاب لا اسما، لان وي ليست مما يضاف. وإنما ~~كتبت متصلة، لأنها لما كثر استعمالها جعلت مع ما بعدها كشئ واحد. (لولا أن ~~من الله علينا) بالايمان والرحمة وعصمنا من مثل ما كان عليه قارون من البغي ~~والبطر " لخسف بنا ". وقرأ الأعمش: " لولا من الله علينا ". وقرأ حفص: " ~~لخسف بنا " مسمى الفاعل. الباقون: # على ما لم يسم فاعله وهو اختيار أبي عبيد وفي حرف عبد الله " لا نخسف بنا ~~" كما تقول انطلق بنا. وكذلك قرأ الأعمش وطلحة بن مصرف. واختار قراءه ~~الجماعة أبو حاتم لوجهين: # أحدهما قوله: " فخسفنا به وبداره الأرض ". والثاني قول: " لولا أن من ~~الله علينا " فهو بأن يضاف إلى الله تعالى لقرب اسمه منه أولى. (ويكأنه لا ~~يفلح الكافرون) عند الله. # قوله تعالى: تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا ~~فسادا والعقبة للمتقين (83) من جاء بالحسنة فله خير منها ومن جاء بالسيئة ~~فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون (84) PageV13P319 # قوله تعالى: (تلك الدار الآخرة) يعني الجنة. وقال ذلك على جهة التعظيم ~~لها والتفخيم لشأنها يعني تلك التي سمعت بذكرها، وبلغك وصفها (نجعلها للذين ~~لا يريدون علوا ms4791 في الأرض) أي رفعة وتكبرا على الايمان والمؤمنين (ولا ~~فسادا) عملا بالمعاصي. قاله ابن جريح ومقاتل. وقال عكرمة ومسلم البطين: أخذ ~~المال بغير حق. وقال الكلبي الدعاء إلى غير عبادة الله. وقال يحيى بن سلام: ~~هو قتل الأنبياء والمؤمنين. (والعاقبة للمتقين) قال الضحاك: الجنة. وقال ~~أبو معاوية: الذي لا يريد علوا هو من لم يجزع من ذلها. # ولم ينافس في عزها، وأرفعهم عند الله أشدهم تواضعا، وأعزهم غدا ألزمهم ~~لذل اليوم. # وروى سفيان بن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد قال: مر على علي بن الحسين ~~وهو راكب على مساكين يأكلون كسرا لهم، فسلم عليهم فدعوة إلى طعامهم، فتلا ~~هذه الآية " تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا ~~فسادا " ثم نزل وأكل معهم. ثم قال: # قد أجبتكم فأجيبوني. فحملهم إلى منزلة فأطعمهم وكساهم وصرفهم. خرجة أبو ~~القاسم الطبراني سليمان بن أحمد قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال ~~حدثني أبي، قال حدثنا سفيان بن عيينة. فذكره. وقيل: لفظ الدار الآخرة يشمل ~~الثواب والعقاب. # والمراد إنما ينتفع بتلك الدار من أتقى، ومن لم يتق فتلك الدار عليه لا ~~له، لأنها تضره ولا تنفعه، قوله تعالى: (من جاء بالحسنة فله خير منها) تقدم ~~في " النمل ". وقال عكرمة: # ليس شئ خيرا من لا إله إلا الله. وإنما المعني من جاء بلا إله إلا الله ~~فله منها خير. # (ومن جاء بالسيئة) أي بالشرك (فلا يجزي الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا ~~يعملون) أي يعاقب بما يليق بعلمه. # قوله تعالى: إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد قل ربي أعلم من جاء ~~بالهدى ومن في ضلل مبين (85) وما كنت ترجوا أن يلقى إليك الكتب إلا رحمة من ~~ربك فلا تكونن ظهيرا PageV13P320 # للكافرين (86) ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك وادع إلى ربك ~~ولا تكونن من المشركين (87) ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو كل شئ ~~هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون (88) قوله ms4792 تعالى: (إن الذي فرض عليك ~~القرآن لرادك إلى معاد) ختم السورة ببشارة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ~~برده إلى مكة قاهرا لأعدائه. وقيل: هو بشارة له بالجنة. والأول أكثر. وهو ~~قول جابر بن عبد الله وابن عباس ومجاهد وغيرهم. قال القتبي: معاد الرجل ~~بلده، لأنه ينصرف ثم يعود. وقال مقاتل: خرج النبي صلى الله عليه وسلم من ~~الغار ليلا مهاجرا إلى المدينة في غير طريق مخافة الطلب، فلما رجع إلى ~~الطريق ونزل الجحفة عرف الطريق إلى مكة فاشتاق إليها، فقال له جبريل إن ~~الله يقول: " إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلي معاد " أي إلى مكة ظاهرا ~~عليها. قال ابن عباس: نزلت هذه الآية بالجحفة ليست مكية ولا مدنية. وروى ~~سعيد بن جبير عن ابن عباس " إلي معاد " قال: إلي الموت. # وعن مجاهد أيضا وعكرمة والزهري والحسن: إن المعني لرادك إلى يوم القيامة، ~~وهو اختيار الزجاج. يقال بيني وبينك المعاد، أي يوم القيامة، لان الناس ~~يعودون فيه أحياء. # " وفرض " معناه أنزل. وعن مجاهد أيضا وأبي مالك وأبي صالح " إلى معاد " ~~إلي الجنة. # وهو قول أبي سعيد الخدري وابن عباس أيضا، لأنه دخلها ليلة الاسراء. وقيل: ~~لان أباه آدم خرج منها. (قل ربي اعلم) أي قل لكفار مكة إذا قالوا إنك لفي ~~ضلال مبين " ربي أعلم من جاء بالهدي ومن وهو في ضلال مبين " أنا أم أنتم. # قوله تعالى: (وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب) أي ما علمت أننا نرسلك ~~إلي الخلق وننزل عليك القرآن. (إلا رحمة من ربك) قال الكسائي: هو استثناء ~~منقطع بمعنى لكن. (فلا تكونن ظهيرا للكافرين) أي عونا لهم ومساعدا. وقد ~~تقدم في هذه السورة. PageV13P321 # قوله تعالى: (ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك) يعني أقوالهم ~~وكذبهم وأذاهم، ولا تلتفت نحوهم وامض لأمرك وشأنك. وقرأ يعقوب " يصدنك " ~~مجزوم النون. # وقرئ " يصدنك " من أصده بمعنى صده وهي لغة في كلب. قال الشاعر (1): # أناس أصدوا الناس بالسيف عنهم * صدود السواقي عن أنوف الحوائم (2) (وادع ~~إلى ms4793 ربك) أي إلى التوحيد. وهذا يتضمن المهادنة والموادعة. وهذا كله منسوخ ~~بآية السيف. وسبب هذه الآية ما كانت قريش تدعو رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى تعظيم أوثانهم، وعند ذلك ألقى الشيطان في أمنيته أمر الغرانيق على ~~ما تقدم (3). والله أعلم. # قوله تعالى: (ولا تدع مع الله إلها آخر) أي لا تعبد معه غيره فإنه لا إله ~~إلا هو. # نفي لكل معبود وإثبات لعبادته. (كل شئ هالك إلا وجهه) قال مجاهد: معناه ~~إلا هو. # وقال الصادق: دينه. وقال أبو العالية وسفيان: أي إلا ما أريد به وجهه، أي ~~ما يقصد إليه بالقربة. قال: # أستغفر الله ذنبا لست محصيه * رب العباد إليه الوجه والعمل وقال محمد بن ~~يزيد: حدثني الثوري قال سألت أبا عبيدة عن قوله تعالى: " كل شئ هالك إلا ~~وجهه " فقال: إلا جاهه، كما تقول لفلان وجه في الناس أي جاه. (له الحكم) في ~~الأولى والآخرة (وإليه ترجعون). قال الزجاج: " وجهه " منصوب على الاستثناء، ~~ولو كان في غير القرآن كان إلا وجهه بالرفع، بمعنى كل شئ غير وجهه هالك كما ~~قال (4): وكل أخ مفارقة أخوه * لعمر أبيك إلا الفرقدان والمعنى كل أخ غير ~~الفرقدين مفارقه أخوه. " وإليه ترجعون " بمعنى ترجعون إليه. # تمت سورة القصص والحمد لله # PageV13P322 # سورة العنكبوت مكية كلها في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر. ومدنية كلها ~~في أحد قولي ابن عباس وقتادة. وفي القول الآخر لهما وهو قول يحيى بن سلام ~~أنها مكية إلا عشر آيات من أولها، فإنها نزلت بالمدينة في شأن من كان من ~~المسلمين بمكة. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: # نزلت بين مكة والمدينة. وهي تسع وستون آية. # بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ألم (1) أحسب الناس أن يتركوا أن ~~يقولوا آمنا وهم لا يفتنون (2) ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله ~~الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين (3) قوله تعالى: (ألم أحسب الناس أن يتركوا ~~أن يقولوا امنا وهم لا يفتنون) تقدم القول في أوائل السور. وقال ابن عباس: ~~المعنى أنا الله ms4794 أعلم. وقيل: هو أسم للسورة وقل اسم للقرآن. " حسب " ~~استفهام أريد به التقرير والتوبيخ ومعناه الظن. # " أن يتركوا " في موضع نصب ب‍ " حسب " وهي وصلتها مقام المفعولين على قول ~~سيبويه. و " أن " الثانية من " أن يقولوا " في موضع نصب على إحدى جهتين، ~~بمعنى لان يقولوا أو بأن يقولوا أو على أن يقولوا. والجهة الأخرى أن يكون ~~على التكرير، التقدير " ألم أحسب الناس أن يتركوا " احسبوا " أن يقولوا ~~آمنا وهم لا يفتنون " قال ابن عباس وغيره: يريد بالناس قوما من المؤمنين ~~كانوا بمكة، وكان الكفار من قريش يؤذونهم ويعذبونهم على الاسلام، كسلمة بن ~~هشام وعياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد وعمار بن ياسر وياسر أبوه وسمية ~~أمه وعدة من بني مخزوم وغيرهم. فكانت صدورهم تضيق لذلك، وربما استنكر أن ~~يمكن الله الكفار من المؤمنين، قال مجاهد وغيره: فنزلت هذه الآية مسلية ~~ومعلمة أن هذه هي سيرة الله في عباده اختبارا للمؤمنين وفتنة. قال ابن ~~عطية: وهذه الآية وإن كانت PageV13P323 # نزلت بهذا السبب أو ما في معناه من الأقوال فهي باقية في أمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم، موجود حكمها بقية الدهر. وذلك أن الفتنة من الله تعالى ~~باقية في ثغور المسلمين بالأسر ونكاية العدو وغير ذلك. وإذا أعتبر أيضا كل ~~موضع ففيه ذلك بالأمراض وأنواع المحن. ولكن التي تشبه نازلة المسلمين مع ~~قريش هي ما ذكرناه من أمر العدو في كل ثغر. # قلت: ما أحسن ما قاله، ولقد صدق فيما قال رضي الله عنه. وقال مقاتل: نزلت ~~في مهجع مولى عمر بن الخطاب كان أول قتيل من المسلمين يوم بدر، رماه عامر ~~بن الحضرمي بسهم فقتله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ: " سيد ~~الشهداء مهجع وهو أول من يدعى إلى باب الجنة من هذه الأمة ". فجزع عليه ~~أبواه وامرأته فنزلت " ألم أحسب الناس أن يتركوا " وقال الشعبي: نزل مفتتح ~~هذه السورة في أناس كانوا بمكة من المسلمين، فكتب إليهم أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم من الحديبية أنه لا ms4795 يقبل منكم إقرار الاسلام حتى تهاجروا، ~~فخرجوا فأتبعهم المشركون فآذوهم. فنزلت فيهم هذه الآية: " ألم أحسب الناس ~~أن يتركوا " فكتبوا إليهم: نزلت فيكم آية كذا، فقالوا: نخرج وإن اتبعنا أحد ~~قاتلناه، فاتبعهم المشركون فقاتلوهم، فمنهم من قتل ومنهم من نجا فنزل فيهم: ~~" ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا " " وهم لا يفتنون " يمتحنون، أي ~~أظن الذين جزعوا من أذى المشركين أن يقنع منهم أن يقولوا إنا مؤمنون ولا ~~يمتحنون في إيمانهم وأنفسهم وأموالهم بما يتبين به حقيقة إيمانهم. # قوله تعالى: (ولقد فتنا الذين قبلهم) أي ابتلينا الماضين كالخليل ألقى في ~~النار، وكقوم نشروا بالمناشير في دين الله فلم يرجعوا عنه. وروى البخاري عن ~~خباب بن الأرت: # قالوا شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل ~~الكعبة، فقلنا له: # ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا فقال: " قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر ~~له في الأرض فيجعل فيها فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط ~~بأمشاط الحديد لحمه وعظمه فما يصرفه ذلك عن دينه والله ليتمن هذا الامر حتى ~~يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم ~~تستعجلون " وخرج ابن ماجة عن PageV13P324 # أبي سعيد الخدري قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يوعك، فوضعت ~~يدي عليه، فوجدت حره بين يدي فوق اللحاف. فقلت: يا رسول الله ما أشدها ~~عليك. # قال: " إنا كذلك يضعف لنا البلاء ويضعف لنا الاجر " قلت: يا رسول الله أي ~~الناس أشد بلاء؟ قال " الأنبياء " وقلت: ثم من. قال " ثم الصالحون إن كان ~~أحدهم ليبتلى بالفقر حتى ما يجد إلا العباءة يحوبها (1) وأن كان أحدهم ~~ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء ". وروى سعد بن أبي وقاص قال: قلت يا ~~رسول الله أي الناس أشد بلاء؟ # قال " الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان في ~~دينه صلبا أشتد بلاؤه وإن كان في دينه رقة أبتلي على حسب دينه ms4796 فما يبرح ~~البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه من خطيئة ". وروى عبد ~~الرحمن بن زيد أن عيسى عليه السلام كان له وزير، فركب يوما فأخذه السبع ~~فأكله، فقال عيسى: يا رب وزيري في دينك، وعوني على بني إسرائيل، وخليفتي ~~فيهم، سلطت عليه كلبا فأكله. قال: " نعم كانت له عندي منزلة رفيعة لم أجد ~~عمله يبلغها فابتليته بذلك لا بلغه تلك المنزلة ". وقال وهب: قرأت في كتاب ~~رجل من الحواريين: إذ سلك بك سبيل البلاء فقر عينا، فإنه سلك بك سبيل ~~الأنبياء والصالحين، وإذا سلك بك سبيل الرخاء فابك على نفسك، فقد خولف بك ~~عن سبيلهم قوله تعالى (فليعلمن الله الذين صدقوا) أي فليرين الله الذين ~~صدقوا في إيمانهم. # وقد مضى هذا المعنى في " البقرة " وغيرها. قال الزجاج: ليعلم صدق الصادق ~~بوقوع صدقه منه، وقد علم الصادق من الكاذب قبل أن يخلقهما، ولكن القصد قصد ~~وقوع العلم بما يجازى عليه. وإنما يعلم صدق الصادق واقعا كائنا وقوعه، وقد ~~علم أنه سيقع. وقال النحاس: # فيه قولان أحدهما أن يكون " صدقوا " مشتقا من الصدق و " الكاذبين " مشتقا ~~من الكذب الذي هو ضد الصدق، ويكون المعنى، فليبينن الله الذين صدقوا فقالوا ~~نحن مؤمنون واعتقدوا # PageV13P325 # مثل ذلك، والذين كذبوا حين اعتقدوا غير ذلك. والقول الآخر أن يكون صدقوا ~~مشتقا من الصدق وهو الصلب والكاذبين مشتقا من كذب إذا انهزم، فيكون المعنى، ~~فليعلمن الله الذين ثبتوا في الحرب، والذين انهزموا، كما قال الشاعر (1): # ليث بعثر يصطاد الرجال إذا * ما الليث كذب عن أقرانه صدقا فجعل " ليعلمن ~~" في موضع فليبينن مجازا. وقراءة الجماعة " فليعلمن " بفتح الياء واللام. # وقرأ علي بن أبي طالب بضم الياء وكسر اللام وهي تبين معنى ما قاله ~~النحاس. ويحتمل ثلاثة معان: الأول أن يعلم في الآخرة هؤلاء الصادقين ~~والكاذبين بمنازلهم من ثوابه وعقابه وبأعمالهم في الدنيا، بمعنى يوقفهم على ~~ما كان منهم. الثاني أن يكون المفعول الأول محذوفا تقديره، فليعلمن الناس ~~والعالم هؤلاء الصادقين والكاذبين، أي يفضحهم ويشهرهم، هؤلاء في ms4797 الخير ~~وهؤلاء في الشر، وذلك في الدنيا والآخرة. الثالث أن يكون ذلك من العلامة، ~~أي يضع لكل طائفة علامة يشتهر بها. فالآية على هذا تنظر إلى قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم: " من أسر سريرة ألبسه الله رداءها ". # قوله تعالى: أم حسب الذين يعلمون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون (4) ~~ومن كان يرجوا لقاء الله فإن أجل الله لات وهو السميع العليم (5) ومن جاهد ~~فإنما يجهد لنفسه إن الله لغني عن العلمين (6) والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون (7) قوله ~~تعالى: (أم حسب الذين يعملون السيئات) أي الشرك قال (أن يسبقونا) أي يفوتنا ~~ويعجزونا قبل أن نؤاخذهم بما يفعلون. قال ابن عباس: يريد الوليد بن المغيرة ~~وأبا جهل والأسود والعاص بن هشام وشيبة وعتبة والوليد بن عتبة وعقبة بن أبي ~~معيط وحنظلة بن # PageV13P326 # أبي سفيان والعاص بن وائل. (ساء ما يحكمون) أي بئس الحكم ما حكموا في ~~صفات ربهم أنه مسبوق والله القادر على كل شئ. و " ما " في موضع نصب بمعنى ~~ساء شيئا أو حكما يحكمون. ويجوز أن تكون " ما " في موضع رفع بمعنى ساء الشئ ~~أو الحكم حكمهم. وهذا قول الزجاج. وقدرها ابن كيسان تقدير ين آخرين خلاف ~~ذينك: أحدهما أن يكون موضع " ما يحكمون " بمنزلة شئ واحد، كما تقول: أعجبني ~~ما صنعت، أي صنيعك، ف " ما " والفعل مصدر في موضع رفع، التقدير، ساء حكمهم. ~~والتقدير الآخر أن تكون " ما " لا موضع لها من الاعراب، وقد قامت مقام ~~الاسم لساء، وكذلك نعم وبئس. قال أبو الحسن ابن كيسان: وأنا أختار أن أجعل ~~ل‍ " ما " موضعا في كل ما أقدر عليه، نحو قوله عز وجل: # " فبما رحمة من الله " وكذا " فبما نقضهم " وكذا " أيما الأجلين قضيت " " ~~ما " في موضع خفض في هذا كله وما بعده تابع لها، وكذا " إن الله لا يستحيي ~~أن يضرب مثلا ما بعوضة " " ما " في موضع نصب و " بعوضة " تابع لها. # قوله تعالى: (من كان يرجو لقاء الله فإن أجل ms4798 الله لآت) " يرجو " بمعنى ~~يخاف من قول الهذلي في وصف عسال: # * إذا لسعته النحل لم يرج لسعها (1) * وأجمع أهل التفسير على أن المعنى: ~~من كان يخاف الموت فليعمل عملا صالحا فإنه لا بد أن يأتيه، ذكره النحاس. ~~قال الزجاج: معنى " يرجو لقاء الله " ثواب الله و " من " في موضع رفع ~~بالابتداء و " كان " في موضع الخبر، وهي في موضع جزم بالشرط، و " يرجو " في ~~موضع خبر كان، والمجازاة (فإن أجل الله لآت وهو السميع العليم). # قوله تعالى: (ومن يجاهد فإنما يجاهد لنفسه) أي ومن جاهد في الدين، وصبر ~~على قتال الكفار وأعمال الطاعات، فإنما يسعى لنفسه، أي ثواب ذلك كله له، ~~ولا يرجع إلى الله نفع من ذلك. (أن الله لغنى عن العالمين) أي عن أعمالهم ~~وقيل: المعنى، من جاهد عدوه لنفسه لا يريد وجه الله فليس لله حاجة بجهاده. # PageV13P327 # قوله تعالى: (والذين آمنوا) أي صدقوا (وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم ~~سيئاتهم) أي لنغطينها عنهم بالمغفرة لهم. (وليجزينهم أحسن الذي كانوا ~~يعملون) أي بأحسن أعمالهم وهو الطاعات. ثم قيل: يحتمل أن تكفر عنهم كل ~~معصية عملوها في الشرك ويثابوا على ما عملوا من حسنة في الاسلام. ويحتمل أن ~~تكفر عنهم سيئاتهم في الكفر والاسلام. # ويثابوا على حسناتهم في الكفر والاسلام. # قوله تعالى: ووصينا الانسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك ~~به علم فلا تطعهما إلى مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون (8) والذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين (9) قوله تعالى: (ووصينا الانسان ~~بوالديه حسنا) نزلت في سعد بن أبي وقاص فيما روى الترمذي قال: أنزلت في ~~أربع آيات فذكر قصة، فقالت أم سعد: أليس قد أمر الله بالبر! والله لا أطعم ~~طعاما، ولا أشرب شرابا حتى أموت أو تكفر، قال: فكانوا إذا أرادوا أن ~~يطعموها شجروا (1) فاها فنزلت هذه الآية: " ووصينا الانسان بوالديه حسنا " ~~الآية قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وروي عن سعد أنه قال: كنت بارا ~~بأمي فأسلمت، فقالت: لتدعن دينك أو لا آكل ولا أشرب ms4799 حتى أموت فتعير بي، ~~ويقال يا قاتل أمه، وبقيت يوما ويوما فقلت: يا أماه! لو كانت لك مائة نفس، ~~فخرجت نفسا نفسا ما تركت ديني هذا فإن شئت فكلي، وإن شئت فلا تأكلي، فلما ~~رأت ذلك أكلت ونزلت: (وإن جاهداك لتشرك بي) الآية. وقال ابن عباس: نزلت في ~~عياش بن أبي ربيعة أخي أبي جهل لامه وقد فعلت أمه مثل ذلك. وعنه أيضا: نزلت ~~في جميع الأمة إذ لا يصبر على بلاء الله إلا صديق. " وحسنا " نصب عند ~~البصريين على التكرير أي ووصيناه حسنا. وقيل: هو على القطع تقديره ووصيناه ~~بالحسن كما تقول وصيته خيرا أي # PageV13P328 # بالخير وقال أهل الكوفة: تقديره ووصينا الانسان أن يفعل حسنا فيقدر له ~~فعل. # وقال الشاعر: # عجبت من دهماء إذ تشكونا * ومن أبي دهماء إذ يوصينا * خيرا بها كأنما ~~خافونا * أي يوصينا أن نفعل بها خيرا، كقوله: " فطفق مسحا " أي يمسح مسحا. ~~وقيل: # تقديره ووصيناه أمرا ذا حسن، فأقيمت الصفة مقام الموصوف، وحذف المضاف ~~وأقيم المضاف إليه مقامه. وقيل: معناه ألزمناه حسنا. وقراءة العامة " حسنا ~~" بضم الحاء وإسكان السين. وقراء أبو رجاء وأبو العالية والضحاك بفتح الحاء ~~والسين. وقرأ الجحدري. # " إحسانا " على المصدر، وكذلك في مصحف أبى، التقدير: ووصينا الانسان أن ~~يحسن إليهما إحسانا، ولا ينتصب بوصينا، لأنه قد استوفي مفعوليه. (إلى ~~مرجعكم) وعيد في طاعة الوالدين في معنى الكفر. (فأنبئكم بما كنتم تعملون. ~~والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين) كرر تعالى التمثيل ~~بحالة المؤمنين العاملين لتحرك النفوس إلى نيل مراتبهم. وقوله: " لندخلنهم ~~في الصالحين " مبالغة على معنى، فالذين هم في نهاية الصلاح وأبعد غاياته. ~~وإذا تحصل للمؤمن هذا الحكم تحصل ثمرته وجزاؤه وهو الجنة. # قوله تعالى: ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة ~~الناس كعذاب الله ولين جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم أو ليس الله ~~بأعلم بما في صدور العلمين (10) وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنفقين ~~(11) قوله تعالى: (ومن الناس من يقول آمنا بالله) الآية ms4800 نزلت في المنافقين ~~كانوا يقولن آمنا بالله (فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس) أي أذاهم ~~(كعذاب الله) في الآخرة فارتد عن إيمانه. وقيل: جزع من ذلك كما يجزع من ~~عذاب الله ولا يصبر غلى الأذية في الله. PageV13P329 # (ولئن جاء) المؤمنين (نصر من ربك ليقولن) هؤلاء المرتدون (إنا كنا معكم) ~~وهم كاذبون، فقال الله لهم (أو ليس الله بأعلم بما في صدور العالمين) يعني ~~الله أعلم بما في صدورهم منهم بأنفسهم. وقال مجاهد: نزلت في ناس كانوا ~~يؤمنون بألسنتهم، فإذا أصابهم بلاء من الله أو مصيبة في أنفسهم افتتنوا. ~~وقال الضحاك: نزلت في ناس من المنافقين بمكة كانوا يؤمنون، فإذا أوذوا ~~رجعوا إلى الشرك وقال عكرمة: كان قوم قد أسلموا فأكرههم المشركون على ~~الخروج معهم إلى بدر فقتل بعضهم، فأنزل الله " إن الذين توفاهم الملائكة ~~ظالمي أنفسهم " فكتب بها المسلمون من المدينة إلى المسلمين بمكة، فخرجوا ~~فلحقهم المشركون، فافتتن بعضهم، فنزلت هذه الآية فيهم. وقيل: نزلت في عياش ~~بن أبي ربيعة، أسلم وهاجر، ثم أوذي وضرب فأرتد. وإنما عذبه أبو جهل والحرث ~~وكانا أخويه لامه. # قال ابن عباس: ثم عاش بعد ذلك بدهر وحسن إسلامه. (وليعلمن الله الذين ~~آمنوا وليعلمن المنافقين) قال قتادة: نزلت في القوم الذين ردهم المشركون ~~إلى مكة. # قوله تعالى: وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم ~~وما هم بحاملين من خطاياهم من شئ إنهم لكاذبون (12) وليحملن أثقالهم ~~وأثقالا مع أثقالهم وليسئلن يوم القيمة عما كانوا يفترون (13) قوله تعالى: ~~(وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا) أي ديننا. (ولنحمل خطاياكم) ~~جزم على الامر. قال الفراء والزجاج: هو أمر في تأويل الشرط والجزاء، أي إن ~~تتبعوا سبيلنا نحمل خطاياكم، كما قال (1): # فقلت ادعي وأدع فإن أندى * لصوت أن ينادى داعيان # PageV13P330 # أي إن دعوت دعوت. قال المهدوي: وجاء وقوع " إنهم لكاذبون " بعده على ~~الحمل على المعنى، لان المعنى إن اتبعتم سبيلنا حملنا خطاياكم. فلما كان ~~الامر يرجع في المعنى إلى الخبر وقع عليه التكذيب كما يوقع عليه ms4801 الخبر. قال ~~مجاهد: قال المشركون من قريش نحن وأنتم لا نبعث، فإن كان عليكم وزر فعلينا، ~~أي نحن نحمل عنكم ما يلزمكم. والحمل ههنا بمعنى الحمالة لا الحمل على ~~الظهر. وروى أن قائل ذلك الوليد بن المغيرة. (وليحملن أثقالهم وأثقالا مع ~~أثقالهم) يعني ما يحمل عليهم من سيئا ت من ظلموه بعد فراغ حسناتهم. روي ~~معناه عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد تقدم في " آل عمران " (1). قال أبو ~~أمامة الباهلي: " يؤتى الرجل يوم القيامة وهو كثير الحسنات فلا يزال يقتص ~~منه حتى تفنى حسناته ثم يطالب فيقول الله عز وجل اقتصوا من عبدي فتقول ~~الملائكة ما بقيت له حسنات فيقول خذوا من سيئات المظلوم فاجعلوا عليه " ثم ~~تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم " وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم " ~~وقال قتادة: من دعا إلى ضلالة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها ولا ينقص من ~~أوزارهم شئ. ونظيره قوله تعالى: " ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن ~~أوزار الذين يضلونهم بغير علم ". ونظير هذا قوله عليه السلام: " من سن في ~~الاسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من ~~أوزار هم شئ " روي من حديث أبي هريرة وغيره. وقال الحسن قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: " من دعا إلى هدى فاتبع عليه وعمل به فله مثل أجور من اتبعه ولا ~~ينقص ذلك من أجورهم شيئا وأيما داع دعا إلى ضلالة فاتبع عليها وعمل بها ~~بعده فعليه مثل أوزار من عمل بها ممن أتبعه لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا " ~~ثم قرأ الحسن " وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم ". # قلت: هذا مرسل وهو معنى حديث أبي هريرة خرجه مسلم. ونص حديث أنس بن مالك ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " أيما داع دعا إلى ضلالة فاتبع ~~فإن له مثل أوزار من اتبعه ولا ينقص من أوزارهم شيئا وأيما داع دعا إلى هدى ~~فاتبع فإن له مثل أجور من اتبعه # PageV13P331 # ولا ينقص من أجورهم ms4802 شيئا " خرجه ابن ماجة في السنن. وفي الباب عن أبي ~~جحيفة وجرير. # وقد قيل: أن المراد أعوان الظلمة. وقيل: أصحاب البدع إذا اتبعوا عليها ~~وقيل: # محدثو السنن الحادثة إذا عمل بها من بعدهم. والمعنى متقارب والحديث يجمع ~~ذلك كله. # قوله تعالى ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما ~~فأخذهم الطوفان وهم ظالمون (14) فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية ~~للعلمين (15) قوله تعالى: (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة ~~إلا خمسين عاما) ذكر قصة نوح تسلية لنبيه صلى الله عليه وسلم، أي ابتلى ~~النبيون قبلك بالكفار فصبروا. # وخص نوحا بالذكر، لأنه أول رسول أرسل إلى الأرض وقد امتلأت كفرا على ما ~~تقدم بيانه في " هود " (1). وأنه لم يلق نبي من قومه ما لقي نوح على ما ~~تقدم في " هود " عن الحسن وروي عن قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: " أول نبي أرسل نوح " قال قتادة: وبعث من الجزيرة. وأختلف في ~~مبلغ عمره. فقيل: مبلغ عمره ما ذكره الله تعالى في كتابه. قال قتادة: لبث ~~فيهم قبل أن يدعوهم ثلاثمائة سنة ودعاهم ثلاثمائة سنة، ولبث بعد الطوفان ~~ثلاثمائة وخمسين سنة. وقال ابن عباس: بعث نوح لأربعين سنة، ولبث في قومه ~~ألف سنة إلا خمسين عاما، وعاش بعد الغرق ستين سنة حتى كثر الناس وفشوا. ~~وعنه أيضا: # أنه بعث وهو ابن مئتين وخمسين سنة، ولبث فيهم ألف سنة إلا خمسين، وعاش ~~بعد الطوفان مائتي سنة. وقال وهب: عمر نوح ألفا وأربعمائة سنة. وقال كعب ~~الأحبار: لبث نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، وعاش بعد الطوفان سبعين ~~عاما فكان مبلغ عمره ألف سنة وعشرين عاما. وقال عون بن شداد: بعث نوح وهو ~~ابن خمسين وثلاثمائة سنة، ولبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، وعاش بعد ~~الطوفان ثلاثمائة سنة # PageV13P332 # وخمسين سنة، فكان مبلغ عمره ألف سنة وستمائة سنة وخمسين سنة ونحوه عن ~~الحسن. # قال الحسن: لما أتى ملك الموت نوحا ليقبض روحه ms4803 قال: يا نوح كم عشت في ~~الدنيا؟ # قال: ثلاثمائة قبل أن أبعث، وألف سنة إلا خمسين عاما في قومي، وثلاثمائة ~~سنة وخمسين سنة بعد الطوفان. قال ملك الموت: فكيف وجدت الدنيا؟ قال نوح: ~~مثل دار لها بابان دخلت من هذا وخرجت من هذا. وروى من حديث أنس قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لما بعث الله نوحا إلي قومه بعثه وهو ابن ~~خمسين ومائتي سنة فلبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما وبقي بعد الطوفان ~~خمسين ومائتي سنة فلما أتاه ملك الموت قال يا نوح يا أكبر الأنبياء ويا ~~طويل العمر ويا مجاب الدعوة كيف رأيت الدنيا قال مثل رجل بنى له بيت له ~~بابان فدخل من واحد وخرج من الآخر " وقد قيل: دخل من أحدهما وجلس هنيهة ثم ~~خرج من الباب الآخر. وقال ابن الوردي: بنى نوح بيتا من قصب، فقيل له: # لو بنيت غير هذا، فقال: هذا كثير لمن يموت، وقال أبو المهاجر: لبث نوح في ~~قومه ألف سنة إلا خمسين عاما في بيت من شعر، فقيل له: يا نبي الله ابن بيتا ~~فقال: أموت اليوم [أو] أموت غدا. وقال وهب بن منبه: مرت بنوح خمسمائة سنة ~~لم يقرب النساء وجلا من الموت. وقال مقاتل وجويبر: إن أدم عليه السلام حين ~~كبر ورق عظمه قال يا رب إلى متى أكد وأسعى؟ قال: يا أدم حتى يولد لك ولد ~~مختون. فولد له نوح بعد عشرة أبطن، وهو يومئذ ابن ألف سنة إلا ستين عاما. ~~وقال بعضهم: إلا أربعين عاما. والله أعلم. فكان نوح بن لامك بن متوشلخ بن ~~إدريس وهو أخنوخ بن يرد بن مهلاييل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم. وكان ~~اسم نوح السكن. وإنما سمي السكن، لان الناس بعد آدم سكنوا إليه، فهو أبوهم. ~~وولد له سام وحام ويافث، فولد سام العرب وفارس والروم وفي كل هؤلاء خير. ~~وولد حام القبط والسودان والبربر. وولد يافث الترك والصقالبة ويأجوج ~~ومأجوج. # وليس في شئ ms4804 من هؤلاء خير. وقال ابن عباس: في ولد سام بياض وأدمة وفي ولد ~~حام سواد وبياض قليل. وفي ولد يافث - وهم الترك والصقالبة - الصفرة و ~~الحمرة. وكان له ولد رابع وهو كنعان الذي غرق، والعرب تسميه يام. وسمي نوح ~~نوحا لأنه ناح عن قومه ألف سنة PageV13P333 # إلا خمسين عاما، يدعوهم إلى الله تعالى، فإذا كفروا بكى وناح عليهم. وذكر ~~القشيري أبو القاسم عبد الكريم في كتاب التخبير له: يروى أن نوحا عليه ~~السلام كان اسمه يشكر ولكن لكثرة بكائه على خطيئته أوحى الله إليه يا نوح ~~كم تنوح فسمي نوحا، فقيل: يا رسول الله فأي شئ كانت خطيئته؟ فقال: " إنه مر ~~بكلب فقال في نفسه ما أقبحه فأوحى الله إليه أخلق أنت أحسن من هذا. وقال ~~يزيد الرقاشي: إنما سمي نوحا لطول ما ناح على نفسه. فإن قيل: # فلم قال " ألف سنة إلا خمسين عاما " ولم يقل تسعمائة وخمسين عاما. ففيه ~~جوابان: أحدهما - أن المقصود به تكثير العدد - فكان ذكره الألف أكثر في ~~اللفظ وأكثر في العدد. الثاني - ما روى أنه أعطى من العمر ألف سنة فوهب من ~~عمره خمسين سنة لبعض ولده، فلما حضرته الوفاة رجع في استكمال الألف، فذكر ~~الله تعالى ذلك تنبيها على أن النقيصة كانت من جهته. # (فأخذهم الطوفان) قال ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة: المطر. الضحاك: ~~الغرق. # وقيل: الموت. روته عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم. ~~ومنه قول الشاعر: # * أفناهم طوفان موت جارف * قال النحاس: يقال لكل كثير مطيف بالجميع من ~~مطر أو قتل أو موت طوفان. (وهم ظالمون) جملة في موضع الحال و " ألف سنة " ~~منصوب على الظرف " إلا خمسين عاما " منصوب على الاستثناء من الموجب. وهو ~~عند سيبويه بمنزلة المفعول، لأنه مستغنى عنه كالمفعول. # فأما المبرد أبو العباس محمد بن يزيد فهو عنده مفعول محض. كأنك قلت ~~استثنيت زيدا. # تنبيه - روى حسان بن غالب بن نجيح أبو القاسم المصري، حدثنا مالك بن أنس ~~عن الزهري عن ابن المسيب ms4805 عن أبي بن كعب قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " كان جبريل يذاكرني فضل عمر فقلت يا جبريل ما بلغ فضل عمر قال لي يا ~~محمد لو لبثت معك ما لبث نوح في قومه ما بلغت لك فضل عمر " ذكره الخطيب أبو ~~بكر أحمد بن ثابت البغدادي. وقال: تفرد بروايته حسان بن غالب عن مالك وليس ~~بثابت من حديثه. # قوله تعالى: (فأنجيناه وأصحاب السفينة) معطوف على الهاء. (وجعلناها آية ~~للعالمين) الهاء والألف في " جعلناها " للسفينة، أو للعقوبة، أو للنجاة، ~~ثلاثة أقوال. PageV13P334 # قوله تعالى: وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم إن ~~كنتم تعلمون (16) إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا إن الذين ~~تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه ~~واشكروا له إليه ترجعون (17) وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم وما على ~~الرسول إلا البلغ المبين (18) أولم يروا كيف يبدي الله الخلق ثم يعيده إن ~~ذلك على الله يسير (19) قوله تعالى: (وإبراهيم) قال الكسائي: " وإبراهيم " ~~منصوب ب (أنجينا) يعني أنه معطوف على الهاء. وأجاز الكسائي أن يكون معطوفا ~~على نوح والمعنى وأرسلنا إبراهيم. # وقول ثالث: أن يكون منصوبا بمعنى وأذكر إبراهيم. (إذ قال لقومه اعبدوا ~~الله) أي أفردوه بالعبادة. (واتقوه) أي اتقوا عقابه وعذابه. (ذلكم خير لكم) ~~أي من عبادة الأوثان (إن كنتم تعلمون). # قوله تعالى: (إنما تعبدون من دون الله أوثانا) أي أصناما. قال أبو عبيدة: # الصنم ما يتخذ من ذهب أو فضة أو نحاس، والوثن ما يتخذ من جص أو حجارة. # الجوهري: الوثن الصنم والجمع وثن وأوثان مثل أسد وآساد. (وتخلقون إفكا) ~~قال الحسن: # معنى " تخلقون " تنحتون، فالمعنى إنما تعبدون أوثانا وأنتم تصنعونها. ~~وقال مجاهد: الإفك الكذب، والمعنى تعبدون الأوثان وتخلقون الكذب. وقرأ أبو ~~عبد الرحمن: " وتخلقون ". # وقرئ " تخلقون " بمعنى التكثير من خلق و " تخلقون " من تخلق بمعنى تكذب ~~وتخرص. # وقرئ " إفكا " وفيه وجهان: أن يكون مصدرا نحو كذب ولعب والإفك مخففا منه ~~كالكذب واللعب. وأن ms4806 يكون صفة على فعل أي خلقا أفكا أي ذا إفك وباطل. و " ~~أوثانا " نصب ب " تعبدون " و " ما " كافة. ويجوز في غير القرآن رفع أوثان ~~على أن تجعل " ما " اسما لأن " تعبدون " صلته، وحذفت الهاء لطول الاسم وجعل ~~أوثان خبر إن. فأما " وتخلقون إفكا " فهو منصوب بالفعل لا غير. وكذا (لا ~~يملكون لكم رزقا فابتغوا عند PageV13P335 # الله الرزق) أي اصرفوا رغبتكم في أرزاقكم إلى الله فإياه فاسألوه وحده ~~دون غيره. # (وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم) فقيل: هو من قوله إبراهيم أي التكذيب ~~عادة الكفار وليس على الرسل إلا التبليغ. # قوله تعالى: (أو لم يروا كيف يبدي الله الخلق) قراءه العامة بالياء على ~~الخبر والتوبيخ لهم، وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم. قال أبو عبيد: لذكر ~~الأمم كأنه قال أو لم ير الأمم كيف. وقرأ أبو بكر والأعمش وابن وثاب وحمزة ~~والكسائي: " تروا " بالتاء خطابا، لقول: # " وإن تكذبوا ". وقد قيل: " وإن تكذبوا " خطاب لقريش ليس من قول إبراهيم. # (ثم يعيده) يعني الخلق والبعث. وقيل: المعنى أو لم يروا كيف يبدئ الله ~~الثمار فتحيا ثم تفني ثم بعيدها أبدا. وكذلك يبدأ خلق والانسان ثم يهلكه ~~بعد أن خلق منه ولدا، وخلق من الولد ولدا. وكذلك سائر الحيوان. أي فإذا ~~رأيتم قدرته على الابداء والايجاد فهو القادر على الإعادة (إن ذلك على الله ~~يسير) لأنه إذا أراد أمرا قال له كن فيكون. # قوله تعالى: قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ ~~النشأة الآخرة إن الله على كل شئ قدير (20) يعذب من يشاء ويرحم من يشاء ~~وإليه تقلبون (21) وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء وما لكم من دون ~~الله من ولى ولا نصير (22) والذين كفروا بآيات الله ولقائه أولئك يئسوا من ~~رحمتي وأولئك لهم عذاب اليم (23) فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو ~~حرقوه فأنجاه الله من النار إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون (24) وقال إنما ~~اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في ms4807 الحياة الدنيا ثم يوم القيمة يكفر ~~بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من نصرين (25) ~~PageV13P336 # قوله تعالى: (قل سيروا في الأرض) أي قل لهم يا محمد سيروا في الأرض ~~(فانظروا كيف بدأ الخلق) على كثرتهم وتفاوت هيئاتهم واختلاف ألسنتهم ~~وألوانهم وطبائعهم، وانظروا إلى مساكن القرون الماضية وديارهم وأثارهم كيف ~~أهلكهم، لتعلموا بذلك كمال قدرة الله. (ثم الله ينشئ النشأة الآخرة) وقرأ ~~أبو عمرو وابن كثير " النشاءة " بفتح الشين وهما لغتان مثل الرأفة والرآفة ~~وشبهه. الجوهري: أنشأه الله خلقه، والاسم النشأة والنشاءة بالمد عن أبي ~~عمرو بن العلاء. (إن الله على كل شئ قدير. يعذب من يشاء) أي بعدله. # (ويرحم من يشاء) أي بفضله. (وإليه تقلبون) ترجعون وتردون. (وما أنتم ~~بمعجزين في الأرض ولا في السماء) قال الفراء: معناه ولا من في السماء ~~بمعجزين الله. وهو غامض في العربية، للضمير الذي لم يظهر في الثاني. وهو ~~كقول حسان: # فمن يهجو رسول الله منكم * ويمدحه وينصره سواء أراد ومن يمدحه وينصره ~~سواء، فأضمر من، وقاله عبد الرحمن بن زيد. ونظيره قوله سبحانه: # " وما منا إلا له مقام معلوم " أي من له. والمعنى إن الله لا يعجزه أهل ~~الأرض في الأرض ولا أهل السماء إن عصوه. وقال قطرب: ولا في السماء لو كنتم ~~فيها، كما تقول: لا يفوتني فلان بالبصرة ولا هاهنا، بمعنى لا يفوتني ~~بالبصرة لو صار إليها. وقيل: لا يستطيعون هربا في الأرض ولا في السماء. ~~وقال المبرد: والمعنى ولا من في السماء على أن من ليست موصولة ولكن تكون ~~نكرة و " في السماء " صفة لها، فأقيمت الصفة مقام الموصوف. ورد ذلك على ابن ~~سليمان. وقال: لا يجوز. وقال: إن من إذا كانت نكرة فلا بد من وصفها فصفتها ~~كالصلة، ولا يجوز حذف الموصول وترك الصلة، قال: والمعنى إن الناس خوطبوا ~~بما يعقلون، والمعنى لو كنتم في السماء ما أعجزتم الله، كما قال: " ولو ~~كنتم في بروج مشيدة ". (وما لكم من دون الله من ولى ولا نصير) ويجوز " نصير ms4808 ~~" بالرفع على الموضع، وتكون " من " زائد. # (والذين كفروا بآيات الله ولقائه) أي بالقرآن أو بما نصب من الأدلة ~~والاعلام. # (أولئك يئسوا من رحمتي) أي من الجنة ونسب اليأس إليهم والمعنى أويسوا. ~~وهذه PageV13P337 # الآيات اعتراض من الله تعالى تذكيرا وتحذيرا لأهل مكة. ثم عاد الخطاب إلى ~~قصة إبراهيم فقال: (فما كان جواب قومه) حين دعاهم إلى الله تعالى (إلا أن ~~قالوا اقتلوه أو حرقوه) ثم اتفقوا على تحريقه (فأنجاه الله من النار) أي من ~~إذايتها (إن في ذلك) أي في إنجائه من النار العظيمة حتى لم تحرقه بعد ما ~~ألقى فيها (لآيات). وقراءة العامة " جواب " بنصب الباء على أنه خبر كان و " ~~أن قالوا " في محل الرفع اسم كان. وقرأ سالم الأفطس وعمرو ابن دينار: " ~~جواب " بالرفع على أنه اسم " كان " و " أن " في موضع الخبر نصبا. (وقال) ~~إبراهيم (إنما أتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا) ~~وقرأ حفص وحمزة: " مودة بينكم ". وابن كثير وأبو عمرو والكسائي: " مودة ~~بينكم ". والأعشى عن أبي بكر عن عاصم وابن وثاب والأعمش " مودة بينكم ". ~~الباقون " مودة بينكم " فأما قراءة ابن كثير ففيها ثلاثة أوجه، ذكر الزجاج ~~منها وجهين: أحدهما - أن المودة ارتفعت على خبر إن وتكون " ما " بمعنى ~~الذي. والتقدير إن الذي اتخذتموه من دون الله أوثانا مودة بينكم. والوجه ~~الآخر أن يكون على إضمار مبتدأ أي وهي مودة أو تلك مودة بينكم. والمعنى ~~آلهتكم أو جماعتكم مودة بينكم. قال ابن الأنباري: " أوثانا " وقف حسن لمن ~~رفع المودة بإضمار ذلك مودة بينكم، ومن رفع المودة على أنها خبر إن لم يقف. ~~والوجه الثالث الذي لم يذكره أن يكون " مودة " رفعا بالابتداء و " في ~~الحياة الدنيا " خبره، فأما إضافة " مودة " إلى " بينكم " فإنه جعل " بينكم ~~" اسما غير ظرف، والنحويون يقولون جعله مفعولا على السعة. وحكى سيبويه: # يا سارق الليلة أهل الدار. ولا يجوز أن يضاف إليه وهو ظرف، لعلة ليس هذا ~~موضع ذكرها. ومن رفع " مودة " ونونها فعلى معنى ما ذكر، و " بينكم ms4809 " بالنصب ~~ظرفا. ومن نصب " مودة " ولم ينونها جعلها مفعولة بوقوع الاتخاذ عليها وجعل ~~" إنما " حرفا واحدا ولم يجعلها بمعنى الذي. ويجوز نصب المودة على أنه ~~مفعول من أجله كما تقول: جئتك ابتغاء الخير، وقصدت فلانا مودة له " بينكم " ~~بالخفض. ومن نون " مودة " ونصبها فعلى ما ذكر " بينكم " بالنصب من غير ~~إضافة، قال ابن الأنباري: ومن قرأ " مودة بينكم " PageV13P338 # و " مودة بينكم " لم يقف على الأوثان، ووقف على الحياة الدنيا. ومعنى ~~الآية جعلتم الأوثان تتحابون عليها وعلى عبادتها في الحياة الدنيا (ثم يوم ~~القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا) تتبرأ الأوثان من عبادها ~~والرؤساء من السفلة كما قال الله عز وجل: " الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو ~~إلا المتقين ". (ومأواكم النار) هو خطاب لعبدة الأوثان الرؤساء منهم ~~والاتباع. وقيل: تدخل فيه الأوثان كقوله تعالى: " إنكم وما تعبدون من دون ~~الله حصب جهنم ". # قوله تعالى: فامن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربى إنه هو العزيز الحكيم ~~(26) ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتب وآتيناه أجره ~~في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين (27) قوله تعالى: (فآمن له لوط) لوط ~~أول من صدق إبراهيم حين رأى النار عليه بردا وسلاما. قال ابن إسحاق آمن لوط ~~بإبراهيم وكان ابن أخته، وآمنت به سارة وكانت بنت عمه. (وقال إني مهاجر إلى ~~ربى) قال النخعي وقتادة: الذي قال: " إني مهاجر إلى ربى " هو إبراهيم عليه ~~السلام. قال قتادة: هاجر من كوثا وهي قرية من سواد الكوفة إلى حران ثم إلى ~~الشام، ومعه ابن أخيه لوط بن هاران بن تارخ، وامرأته سارة. قال الكلبي: # هاجر من أرض حران إلى فلسطين. وهو أول من هاجر من أرض الكفر. قال مقاتل: # هاجر إبراهيم وهو ابن خمس وسبعين سنة. وقيل: الذي قال: " إني مهاجر إلى ~~ربى " لوط عليه السلام. ذكر البيهقي عن قتادة قال: أول من هاجر إلى الله عز ~~وجل بأهله عثمان بن عفان رضي الله عنه. قال قتادة: سمعت النضر بن أنس يقول ~~سمعت أبا حمزة ms4810 يعنى أنس بن مالك يقول: خرج عثمان بن عفان ومعه رقية بنت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض الحبشة، فأبطأ على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم خبرهم، فقدمت امرأة من قريش فقالت: # يا محمد رأيت ختنك ومعه امرأته. قال: " على أي حال رأيتهما " قالت: رأيته ~~وقد حمل PageV13P339 # امرأته على حمار من هذه الدبابة (1) وهو يسوقها، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " صحبهما الله إن عثمان لأول من هاجر بأهله بعد لوط " قال ~~البيهقي: هذا في الهجرة الأولى، وأما الهجرة الثانية إلى الحبشة فهي فيما ~~زعم الواقدي سنة خمس من مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم. " إلى ربى " أي ~~إلى رضا ربى وإلى حيث أمرني. (إنه هو العزيز الحكيم) تقدم. وتقدم الكلام في ~~الهجرة في " النساء " (2) وغيرها. # قوله تعالى: (ووهبنا له إسحاق) أي من الله عليه بالأولاد فوهب له إسحاق ~~ولدا ويعقوب ولد ولد. وإنما وهب له إسحاق من بعد إسماعيل ويعقوب من إسحاق. ~~(وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب) فلم يبعث الله نبيا بعد إبراهيم إلا من ~~صلبه. ووحد الكتاب، لأنه أراد المصدر كالنبوة، والمراد التوراة والإنجيل ~~[والفرقان]. فهو عبارة عن الجمع. فالتوراة أنزلت على موسى من ولد إبراهيم، ~~والإنجيل على عيسى من ولده، والفرقان على محمد من ولده صلى الله عليه وسلم ~~وعليهم أجمعين. # (وأتيناه أجره في الدنيا) يعنى اجتماع أهل الملل عليه، قاله عكرمة. وروى ~~سفيان عن حميد ابن قيس قال: أمر سعيد بن جبير إنسانا أن يسأل عكرمة عن قوله ~~جل ثناؤه " وآتيناه أجره في الدنيا " فقال عكرمة: أهل الملل كلها تدعيه ~~وتقول هو منا، فقال سعيد بن جبير: صدق. # وقال قتادة: هو مثل قوله " وآتيناه في الدنيا حسنة " أي عاقبة وعملا ~~صالحا وثناء حسنا. # وذلك أن أهل كل دين يتولونه. وقيل: " آتيناه أجره في الدنيا " أن أكثر ~~الأنبياء من ولده. # (وإنه في الآخرة لمن الصالحين) ليس " في الآخرة " داخلا في الصلة وإنما ~~هو تبيين. # وقد مضى في " البقرة " (3) بيانه. وكل هذا حث ms4811 على الاقتداء بإبراهيم في ~~الصبر على الدين الحق. # قوله تعالى: ولوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد ~~من العلمين (28) أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم ~~المنكر فما كان جواب قومه إلا أن قالوا # PageV13P340 # ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصدقين (29) قال رب انصرني على القوم ~~المفسدين (30) ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكوا أهل هذه ~~القرية إن أهلها كانوا ظالمين (31) قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن ~~فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين (32) ولما أن جاءت رسلنا ~~لوطا سئ بهم وضاق بهم ذرعا وقالوا لا تخف ولا تحزن إنا منجوك وأهلك إلا ~~امرأتك كانت من الغابرين (33) إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من ~~السماء بما كانوا يفسقون (34) ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون (35) ~~قوله تعالى: (ولوطا إذ قال لقومه) قال الكسائي: المعنى وأنجينا لوطا أو ~~أرسلنا لوطا. قال: وهذا الوجه أحب إلى. ويجوز أن يكون المعنى واذكر لوطا إذ ~~قال لقومه موبخا أو محذرا (أئنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من ~~العالمين) " أئنكم " تقدم القراءة في هذا وبيانها في سورة " الأعراف " (1). ~~وتقدم قصة لوط وقومه في " الأعراف " و " هود (2) " أيضا. (وتقطعون السبيل) ~~قيل: كانوا قطاع الطريق، قاله ابن زيد. # وقيل: كانوا يأخذون الناس من الطرق لقضاء الفاحشة، حكاه ابن شجرة. و قيل: ~~إنه قطع النسل بالعدول عن النساء إلى الرجال. قاله وهب بن منبه. أي استغنوا ~~بالرجال عن النساء قلت: ولعل الجميع كان فيهم فكانوا يقطعون الطريق لاخذ ~~الأموال والفاحشة، ويستغنون عن النساء بذلك. " وتأتون في ناديكم المنكر " ~~النادي المجلس واختلف في المنكر الذي كانوا يأتونه فيه، فقالت فرقة: كانوا ~~يخذفون النساء بالحصى، ويستخفون بالغريب والخاطر عليهم. وروته أم هانئ عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم. قالت أم هانئ: سألت رسول الله صلى # PageV13P341 # الله عليه وسلم عن قول الله عز وجل: " وتأتون في ناديكم المنكر " قال " ~~كانوا يخذفون من يمر بهم ويسخرون منه فذلك المنكر ms4812 الذي كانوا يأتونه " ~~أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده، وذكره النحاس والثعلبي والمهدوي ~~والماوردي. وذكر الثعلبي قال معاوية قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن ~~قوم لوط كانوا يجلسون في مجالسهم وعند كل رجل قصعة فيها الحصى للخذف فإذا ~~مر بهم عابر قذفوه فأيهم أصابه كان أولى به " يعني يذهب به للفاحشة فذلك ~~قوله: " وتأتون في ناديكم المنكر ". وقالت عائشة وابن عباس والقاسم بن أبي ~~بزة (1) والقاسم ابن محمد: إنهم كانوا يتضارطون في مجالسهم. وقال [منصور ~~عن] (2) مجاهد كانوا يأتون الرجال في مجالسهم وبعضهم يرى بعضا. وعن مجاهد: ~~كان من أمرهم لعب الحمام وتطريف الأصابع بالحناء والصفير والخذف ونبذ ~~الحياء في جميع أمورهم. قال ابن عطية: وقد توجد هذه الأمور في بعض عصاة أمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم، فالتناهي واجب. قال مكحول: # في هذه الأمة عشرة من أخلاق قوم لوط: مضغ العلك وتطريف الأصابع بالحناء، ~~وحل الإزار، وتنقيض (3) الأصابع، والعمامة التي تلف حول الرأس، والتشابك، ~~ورمي الجلاهق، (4) والصفير، والخذف، واللوطية. وعن ابن عباس قال: إن قوم ~~لوط كانت فيهم ذنوب غير الفاحشة، منها أنهم يتظالمون فيما بينهم، ويشتم ~~بعضهم بعضا ويتضارطون في مجالسهم، ويخذفون ويلعبون بالنرد والشطرنج، ~~ويلبسون المصبغات، ويتناقرون بالديكة، ويتناطحون بالكباش، ويطرفون أصابعهم ~~بالحناء، وتتشبه الرجال بلباس النساء والنساء بلباس الرجال، ويضربون المكوس ~~على كل عابر، ومع هذا كله كانوا يشركون بالله، وهم أول من ظهر على أيديهم ~~اللوطية والسحاق، فلما وقفهم لوط عليه السلام على هذه القبائح رجعوا إلى ~~التكذيب واللجاج، فقالوا: (ائتنا بعذاب الله) أي إن ذلك لا يكون ولا يقدر ~~عليه. وهم لم يقولوا هذا إلا وهم مصممون على اعتقاد كذبه. وليس يصح في ~~الفطرة أن يكون معاند يقول هذا ثم استنصر # PageV13P342 # لوط عليه السلام ربه فبعث عليهم ملائكة لعذابهم، فجاءوا إبراهيم أولا ~~مبشرين بنصرة لوط على قومه حسبما تقدم بيانه في " هود " وغيرها. وقرأ ~~الأعمش ويعقوب وحمزة والكسائي (لننجينه وأهله) بالتخفيف. وشدد الباقون. ~~وقرأ ابن كثير وأبو بكر وحمزة والكسائي: # " إنا منجوك وأهلك ms4813 " بالتخفيف وشدد الباقون. وهما لغتان: أنجى ونجى ~~بمعنى. وقد تقدم. وقرأ ابن عامر: " إنا منزلون " بالتشديد وهي قراءة ابن ~~عباس. الباقون بالتخفيف. # وقوله: " ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون " قال قتادة: هي الحجارة ~~التي أبقيت وقاله أبو العالية. وقيل: إنه يرجم بها قوم من هذه الأمة. وقال ~~ابن عباس: هي آثار منازلهم الخربة. وقال مجاهد: هو الماء الأسود على وجه ~~الأرض. وكل ذلك باق فلا تعارض. # قوله تعالى: وإلى مدين أخاهم شعيبا فقال يقوم اعبدوا الله وارجوا اليوم ~~الآخر ولا تعثوا في الأرض مفسدين (36) فكذبوه فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في ~~دارهم جاثمين (37) قوله تعالى: (وإلى مدين أخاهم شعيبا) أي وأرسلنا إلى ~~مدين. وقد يقدم ذكرهم وفسادهم في " الأعراف (1) " و " هود ". (وارجوا اليوم ~~الآخر) وقال يونس النحوي: أي أخشوا الآخرة التي فيها الجزاء على الأعمال. ~~(ولا تعثوا في الأرض مفسد ين) أي لا تكفروا فإنه أصل كل فساد. والعثو ~~والعثي أشد الفساد. عثي يعثى وعثا يعثو بمعنى واحد. وقد تقدم. وقيل: " ~~وارجوا اليوم الآخر " أي صدقوا به فإن القوم كانوا ينكرونه. # قوله تعالى: وعاد وثمودا وقد تبين لكم من مسكنهم وزين لهم الشيطان أعملهم ~~فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين (38) قوله تعالى: (وعادا وثمود) قال ~~الكسائي: قال بعضهم هو راجع إلى أول السورة، أي ولقد فتنا الذين من قبلهم ~~وفتنا عادا وثمود. قال: وأحب إلي أن يكون معطوفا على # PageV13P343 # " فأخذتهم الرجفة " وأخذت عادا وثمودا. وزعم الزجاج: أن التقدير وأهلكنا ~~عادا وثمودا. # وقيل: المعنى وأذكر عادا إذ أرسلنا إليهم هودا فكذبوه فأهلكناهم، وثمودا ~~أيضا أرسلنا إليهم صالحا فكذبوه فأهلكناهم بالصيحة كما أهلكنا عادا بالريح ~~العقيم. (وقد تبين لكم) يا معشر الكفار (من مساكنهم) بالحجر والأحقاف آيات ~~في إهلاكهم فحذف فاعل التبين. (وزين لهم الشيطان أعمالهم) أي أعمالهم ~~الخسيسة فحسبوها رفيعة. (فصدهم عن السبيل) أي عن طريق الحق. (وكانوا ~~مستبصرين) فيه قولان: أحدهما وكانوا مستبصرين في الضلالة، قاله مجاهد. ~~والثاني: كانوا مستبصرين قد عرفوا الحق من الباطل بظهور البراهين. وهذا ~~القول أشبه، لأنه إنما ms4814 يقال فلان مستبصر إذا عرف الشئ على الحقيقة. قال ~~الفراء: كانوا عقلاء ذوي بصائر فلم تنفعهم بصائرهم. وقيل: أتوا ما أتوا وقد ~~تبين لهم أن عاقبتهم العذاب. # قوله تعالى: وقرون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا في ~~الأرض وما كانوا سبقين (39) فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ~~ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان ~~الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (40) قوله تعالى: (وقارون وفرعون ~~وهامان) قال الكسائي: إن شئت كان محمولا على عاد، وكان فيه ما فيه، وإن شئت ~~كان على " فصدهم عن السبيل " وصد قارون وفرعون وهامان. وقيل: أي وأهلكنا ~~هؤلاء بعد أن جاءتهم الرسل (فاستكبروا في الأرض) عن الحق وعن عبادة الله. ~~(وما كانوا سابقين) أي فائتين. وقيل: سابقين في الكفر بل قد سبقهم للكفر ~~قرون كثيرة فأهلكناهم. (فكلا أخذنا بذنبه) قال الكسائي: " فكلا " منصوب ب‍ ~~" أخذنا " أي أخذنا كلا بذنبه. (فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا) يعني قوم لوط. ~~والحاصب ريح يأتي بالحصباء وهي الحصى الصغار. وتستعمل في كل عذاب ~~PageV13P344 # (ومنهم من أخذته الصيحة) يعني ثمودا وأهل مدين. (ومنهم من خسفنا به ~~الأرض) يعني قارون (ومنهم من أغرقنا) قوم نوح وقوم فرعون. (وما كان الله ~~ليظلمهم) لأنه أنذرهم وأمهلهم وبعث إليهم الرسل وأزاح العذر. # قوله تعالى: مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت ~~بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون (41) إن الله يعلم ما ~~يدعون من دونه من شئ وهو العزيز الحكيم (42) وتلك الأمثل نضربها للناس وما ~~يعقلها إلا العالمون (43) قوله تعالى: (مثل الذين اتخذوا من دون الله ~~أولياء كمثل العنكبوت) قال الأخفش: " كمثل العنكبوت " وقف تام، ثم قصتها ~~فقال: (أتخذت بيتا) قال ابن الأنباري: وهذا غلط، لان " أتخذت بيتا " صلة ~~للعنكبوت، كأنه قال: كمثل التي أتخذت بيتا، فلا يحسن الوقف على الصلة دون ~~الموصول، وهو بمنزلة قوله: " كمثل الحمار يحمل أسفارا " فيحمل صلة للحمار ~~ولا يحسن الوقف على الحمار دون يحمل. قال ms4815 الفراء: # هو مثل ضربه الله سبحانه لمن أتخذ من دونه آلهة لا تنفعه ولا تضره، كما ~~أن بيت العنكبوت لا يقيها حرا ولا بردا. ولا يحسن الوقف على العنكبوت، لأنه ~~لما قصد بالتشبيه لبيتها الذي لا يقيها من شئ، فشبهت الآلهة التي لا تنفع ~~ولا تضر به. (وإن أوهن البيوت) أي أضعف البيوت (لبيت العنكبوت). قال ~~الضحاك: ضرب مثلا لضعف آلهتهم ووهنها فشبهها ببيت العنكبوت. (لو كانوا ~~يعلمون) " لو " متعلقه ببيت العنكبوت. # أي لو علموا أن عبادة الأوثان كاتخاذ بيت العنكبوت التي لا تغني عنهم ~~شيئا، وأن هذا مثلهم لما عبدوها، لا أنهم يعلمون أن بيت العنكبوت ضعيف. ~~وقال النحاة: أن تاء العنكبوت في آخرها مزيدة، لأنها تسقط في التصغير ~~والجمع وهي مؤنثة. وحكى الفراء تذكيرها وأنشد: # على هطالهم منهم بيوت * كأن العنكبوت قد ابتناها PageV13P345 # ويروى: * على أهطالهم منهم بيوت * قال الجوهري والهطال: اسم جبل. ~~والعنكبوت الدويبة المعروفة التي تنسج نسجا رقيقا مهلهلا بين الهواء. ويجمع ~~عناكيب وعناكب وعكاب وعكب وأعكب. وقد حكى أنه يقال عنكب وعنكباة (1)، قال ~~الشاعر: # كأنما يسقط من لغامها * بيت عنكباة على زمانها وتصغر فيقال عنيكب. وقد ~~حكى عن يزيد بن ميسرة أن العنكبوت شيطان مسخها الله تعالى. وقال عطاء ~~الخراساني: نسجت العنكبوت مرتين مرة على داود حين كان جالوت يطلبه، ومرة ~~على النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك نهى عن قتلها. ويروى عن علي رضي الله ~~عنه انه قال: طهروا بيوتكم من نسج العنكبوت فإن تركه في البيوت يورث الفقر، ~~ومنع الخمير يورث الفقر. # قوله تعالى: (إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شئ) " ما " بمعنى الذي و ~~" من " للتبعيض، ولو كانت زائدة للتوكيد لا نقلب المعنى، والمعنى: إن الله ~~يعلم ضعف ما يعبدون من دونه. وقرأ عاصم وأبو عمرو ويعقوب: " يدعون " بالياء ~~وهو اختيار أبي عبيد، لذكر الأمم قبلها. الباقون بالتاء على الخطاب. # قوله تعالى: (وتلك الأمثال نضربها) أي هذا المثل وغيره مما ذكر في " ~~البقرة " و " الحج " وغيرهما (نضربها) نبينها (للناس وما ms4816 يعقلها) أي يفهمها ~~(إلا العالمون) أي العالمون بالله، كما روى جابر عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: " العالم من عقل عن الله فعمل بطاعته واجتنب سخطه ". # قوله تعالى: خلق الله السماوات والأرض بالحق إن في ذلك لآية للمؤمنين ~~(44) قوله تعالى: (خلق الله السماوات والأرض بالحق) أي بالعدل والقسط. ~~وقيل: # بكلامه وقدرته وذلك هو الحق. (إن في ذلك لآية) أي علامة ودلالة ~~(للمؤمنين) المصدقين. # PageV13P346 # قوله تعالى: أتل ما أوحى إليك من الكتب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن ~~الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون (45) فيه أربع ~~مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (أتل) أمر من التلاوة والدءوب عليها. وقد مضى في " ~~طه " (1) الوعيد فيمن أعرض عنها، وفي مقدمة الكتاب (2) الامر بالحض عليها. ~~والكتاب يراد به القرآن. # الثانية - قوله تعالى: (وأقم الصلاة) الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ~~وأمته. # وإقامة الصلاة أداؤها في وقتها بقراءتها وركوعها وسجودها وقعودها وتشهدها ~~وجميع شروطها. # وقد تقدم بيان ذلك في " البقرة " (3) فلا معنى للإعادة. # الثالثة - قوله تعالى: (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) يريد إن ~~الصلاة الخمس هي التي تكفر ما بينها من الذنوب، كما قال عليه السلام: " ~~أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه ~~شئ " قالوا: لا يبقى من درنه شئ، قال: # " فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا " خرجه الترمذي من حديث ~~أبي هريرة، وقال فيه حديث حسن صحيح. وقال ابن عمر: الصلاة هنا القرآن. ~~والمعنى: الذي يتلى في الصلاة ينهى عن الفحشاء والمنكر، وعن الزنى والمعاصي ~~قلت: ومنه الحديث الصحيح: " قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين " يريد قراءة ~~الفاتحة. وقال حماد بن أبي سليمان وابن جريج والكلبي: العبد ما دام في ~~صلاته لا يأتي فحشاء ولا منكرا، أي إن الصلاة تنهى ما دمت فيها. قال ابن ~~عطية: وهذه عجمة وأين هذا مما رواه أنس بن مالك قال: كان فتى من الأنصار ~~يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم ولا يدع ms4817 شيئا من الفواحش والسرقة إلا ~~ركبه، فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: " إن الصلاة ستنهاه " # PageV13P347 # فلم يلبث أن تاب وصلحت حاله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألم ~~أقل لكم ". # وفي الآية تأويل ثالث، وهو الذي ارتضاه المحققون وقال به المشيخة الصوفية ~~وذكره المفسرون، فقيل المراد ب‍ " أقم الصلاة " إدامتها والقيام بحدودها، ~~ثم أخبر حكما منه بأن الصلاة تنهى صاحبها وممتثلها عن الفحشاء والمنكر، ~~وذلك لما فيها من تلاوة القرآن المشتمل على الموعظة. # والصلاة تشغل كل بدن المصلي، فإذا دخل المصلي في محرابه وخشع وأخبت لربه ~~وادكر أنه واقف بين يديه، وأنه مطلع عليه ويراه، صلحت لذلك نفسه وتذللت، ~~وخامرها ارتقاب الله تعالى، وظهرت على جوارحه هيبتها، ولم يكد يفتر من ذلك ~~حتى تظله صلاة أخرى يرجع بها إلى أفضل حالة. فهذا معنى هذه الأخبار، لان ~~صلاة المؤمن هكذا ينبغي أن تكون. # قلت: لا سيما وإن أشعر نفسه أن هذا ربما يكون آخر عمله، وهذا أبلغ في ~~المقصود وأتم في المراد، فإن الموت ليس له سن محدود، ولا زمن مخصوص، ولا ~~مرض معلوم، وهذا مما لا خلاف فيه. وروي عن بعض السلف أنه كان إذا قام إلى ~~الصلاة ارتعد وأصفر لونه، فكلم في ذلك فقال: إني واقف بين يدي الله تعالى، ~~وحق لي هذا مع ملوك الدنيا فكيف مع ملك الملوك. فهذه صلاة تنهى ولا بد عن ~~الفحشاء والمنكر، ومن كانت صلاته دائرة حول الاجزاء، لا خشوع فيها ولا تذكر ~~ولا فضائل، كصلاتنا - وليتها تجزي - فتلك تترك صاحبها من منزلته حيث كان، ~~فإن كان على طريقة معاص تبعده من الله تعالى تركته الصلاة يتمادى على بعده. ~~وعلى هذا يخرج الحديث المروي عن ابن مسعود وابن عباس والحسن والأعمش قولهم: ~~" من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم تزده من الله إلا بعدا " وقد روي ~~أن الحسن أرسله عن النبي صلى الله عليه وسلم وذلك غير صحيح السند. قال ابن ~~عطية سمعت أبي رضي الله عنه يقول: فإذا قررنا ms4818 ونظر معناه فغير جائز أن يقول ~~إن نفس صلاة العاصي تبعده من الله حتى كأنها معصية، وإنما يتخرج ذلك على ~~أنها لا تؤثر في تقريبه من الله، بل تتركه على حاله ومعاصيه، من الفحشاء ~~والمنكر والبعد، فلم تزده الصلاة إلا تقرير ذلك البعد الذي كان سبيله، ~~فكأنها بعدته حين لم تكف بعده عن الله. وقيل لابن مسعود: # إن فلانا كثير الصلاة فقال: إنها لا تنفع إلا من أطاعها. PageV13P348 # قلت: وعلى الجملة فالمعنى المقصود بالحديث: " لم تزده من الله إلا بعدا ~~ولم يزدد بها من الله إلا مقتا " إشارة إلى أن مرتكب الفحشاء والمنكر لا ~~قدر لصلاته، لغلبة المعاصي على صاحبها. وقيل: هو خبر بمعنى الامر. أي لينته ~~المصلى عن الفحشاء والمنكر. # والصلاة بنفسها لا تنهى، ولكنها سبب الانتهاء. وهو كقوله تعالى: " هذا ~~كتابنا ينطق عليكم بالحق " وقوله: " أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما ~~كانوا به يشركون ". # الرابعة - قوله تعالى: (ولذكر الله أكبر) أي ذكر الله لكم بالثواب ~~والثناء عليكم أكبر من ذكركم له في عبادتكم وصلواتكم. قال معناه ابن مسعود ~~وابن عباس وأبو الدرداء وأبو قرة وسلمان والحسن، وهو اختيار الطبري. وروي ~~مرفوعا من حديث موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال في قول الله عز وجل: " ولذكر الله أكبر " قال: " ذكر الله إياكم ~~أكبر من ذكركم إياه ". وقيل: ذكركم الله في صلاتكم وفي قراءة القرآن أفضل ~~من كل شئ. وقيل: المعنى، إن ذكر الله أكبر مع المداومة من الصلاة في النهي ~~عن الفحشاء والمنكر. وقال الضحاك: ولذكر الله عندما يحرم فيترك أجل الذكر. ~~وقيل: المعنى ولذكر الله للنهي عن الفحشاء والمنكر أكبر أي كبير، وأكبر ~~يكون بمعنى كبير. وقال ابن زيد وقتادة: ولذكر الله أكبر من كل شئ أي أفضل ~~من العبادات كلها بغير ذكر. وقيل: ذكر الله يمنع من المعصية فإن من كان ~~ذاكرا له لا يخالفه. قال ابن عطية: وعندي أن المعنى ولذكر الله أكبر على ~~الاطلاق، أي ms4819 هو الذي ينهى عن الفحشاء والمنكر، فالجزء الذي منه في الصلاة ~~يفعل ذلك، وكذلك يفعل في غير الصلاة، لان الانتهاء لا يكون إلا من ذاكر ~~الله مراقب له. وثواب ذلك أن يذكره الله تعالى، كما في الحديث " من ذكرني ~~في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملا ذكرته في ملا خير منهم " والحركات ~~التي في الصلاة لا تأثير لها في نهى، والذكر النافع هو مع العلم وإقبال ~~القلب وتفرغه إلا من الله. وأما ما لا يتجاوز اللسان ففي رتبة أخرى. وذكر ~~الله تعالى للعبد هو إفاضة الهدى ونور العلم عليه، وذلك ثمرة لذكر العبد ~~ربه. قال الله عز وجل: " فاذكروني أذكركم ". # وباقي الآية ضرب من الوعيد والحث على المراقبة. PageV13P349 # قوله تعالى: ولا تجادلوا أهل الكتب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا ~~منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم وحد ونحن له ~~مسلمون (46) وكذلك أنزلنا إليك الكتب فالذين آتيناهم الكتب يؤمنون به ومن ~~هؤلاء من يؤمن به وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون (47) فيه مسئلتان: # الأولى - اختلف العلماء في قوله تعالى: " ولا تجادلوا أهل الكتاب " فقال ~~مجاهد: # هي محكمة فيجوز مجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن على معنى الدعاء لهم إلى ~~الله عز وجل، والتنبيه على حججه وآياته، رجاء إجابتهم إلى الايمان، لا على ~~طريق الاغلاظ والمخاشنة. # وقوله على هذا: " إلا الذين ظلموا منهم " معناه ظلموكم، وإلا فكلهم ظلمة ~~على الاطلاق. # وقيل: المعنى لا تجادلوا من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب ~~المؤمنين كعبد الله ابن سلام ومن آمن معه. (إلا بالتي هي أحسن) أي ~~بالموافقة فيما حدثوكم به من أخبار أوائلهم وغير ذلك. وقوله على هذا ~~التأويل: " إلا الذين ظلموا " يريد به من بقي على كفره منهم، كمن كفر وغدر ~~من قريظة والنضير وغيرهم. والآية على هذا أيضا محكمة. وقيل: # هذه الآية منسوخة بآية القتال قوله تعالى: " قاتلوا الذين لا يؤمنون ~~بالله ". قال قتادة: # " إلا الذين ظلموا " أي جعلوا لله ولدا، وقالوا: " يد ms4820 الله مغلولة " و " ~~إن الله فقير " فهؤلاء المشركون [الذين نصبوا الحرب ولم يؤدوا] (1) الجزية ~~فانتصروا [منهم]. قال النحاس وغيره: # من قال هي منسوخة أحتج بأن الآية مكية، ولم يكن في ذلك الوقت قتال مفروض، ~~ولا طلب جزية، ولا غير ذلك. وقول مجاهد حسن، لان أحكام الله عز وجل لا يقال ~~فيها إنها منسوخة إلا بخبر يقطع العذر، أو حجة من معقول. واختار هذا القول ~~ابن العربي. # PageV13P350 # قال مجاهد وسعيد بن جبير: وقوله " إلا الذين ظلموا منهم " معناه إلا ~~الذين نصبوا للمؤمنين الحرب فجدالهم بالسيف حتى يؤمنوا، أو يعطوا الجزية. # الثانية - قوله تعالى: (وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم) روى ~~البخاري عن أبي هريرة: قال كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية ~~ويفسرونها بالعربية، لأهل الاسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم " " وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل ~~إليكم ". وروى عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا ~~تسألوا أهل الكتاب عن شئ فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا إما أن تكذبوا بحق وإما ~~أن تصدقوا بباطل ". وفي البخاري: عن حميد بن عبد الرحمن سمع معاوية يحدث ~~رهطا من قريش بالمدينة، وذكر كعب الأحبار فقال: إن كان من أصدق هؤلاء ~~المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب، وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب. # قوله تعالى: وما كنت تتلوا من قبله من كتب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب ~~المبطلون (48) فيه ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (وما كنت تتلو من قبله من كتاب) الضمير في " قبله " ~~عائد إلى الكتاب وهو القرآن المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، أي وما ~~كنت يا محمد تقرأ قبله، ولا تختلف إلى أهل الكتاب، بل أنزلناه إليك في غاية ~~الاعجاز والتضمين للغيوب وغير ذلك، فلو كنت ممن يقرأ كتابا، ويخط حروفا " ~~لارتاب المبطلون " أي من أهل الكتاب، وكان لهم في ارتيابهم متعلق، وقالوا ~~الذي نجده في كتبنا أنه أمي لا يكتب ولا يقرأ وليس به قال مجاهد: ms4821 كان أهل ~~الكتاب يجدون في كتبهم أن محمدا صلى الله عليه وسلم لا يخط ولا يقرأ فنزلت ~~هذه الآية، قال النحاس: دليلا على نبوته لقريش، لأنه لا يقرأ ولا يكتب ولا ~~يخالط أهل الكتاب ولم يكن بمكة أهل الكتاب فجاءهم بأخبار الأنبياء والأمم ~~وزالت الريبة والشك. PageV13P351 # الثانية - ذكر النقاش في تفسير هذه الآية عن الشعبي أنه قال: ما مات ~~النبي صلى الله عليه وسلم حتى كتب. وأسند أيضا حديث أبي كبشة السلولي، ~~مضمنه: أنه صلى الله عليه وسلم قرأ صحيفة لعيينة بن حصن، وأخبر بمعناها. ~~قال ابن عطية: وهذا كله ضعيف، وقول الباجي رحمه الله منه. # قلت: وقع في صحيح مسلم من حديث البراء في صلح الحديبية أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال لعلي: " أكتب الشرط بيننا بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما ~~قاضى عليه محمد رسول الله " فقال له المشركون: لو نعلم أنك رسول الله ~~تابعناك - وفي رواية بايعناك - ولكن أكتب محمد بن عبد الله فأمر عليا أن ~~يمحوها، فقال علي: والله لا أمحاه (1). فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~" أرني مكانها " فأراه فمحاها وكتب ابن عبد الله. قال علماؤنا رضي الله ~~عنهم: # وظاهر هذا أنه عليه السلام محا تلك الكلمة التي هي رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - بيده، وكتب مكانها ابن عبد الله. وقد رواه البخاري بأظهر من ~~هذا. فقال: فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب فكتب. وزاد في طريق ~~أخرى: ولا يحسن أن يكتب. فقال جماعة: بجواز هذا الظاهر عليه وأنه كتب بيده، ~~منهم السمناني وأبو ذر (2) والباجي، ورأوا أن ذلك غير قادح في كونه أميا، ~~ولا معارض بقوله: " وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك " ولا ~~بقوله: " إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب " بل رأوه زيادة في معجزاته، ~~واستظهارا على صدقه وصحة رسالته وذلك أنه كتب من غير تعلم لكتابة، ولا تعاط ~~لأسبابها، وإنما أجرى الله تعالى على يده وقلمه حركات كانت عنها خطوط ~~مفهومها ابن عبد ms4822 الله لمن قراها، فكان ذلك خارقا للعادة، كما أنه عليه ~~السلام علم علم الأولين والآخرين من غير تعلم ولا اكتساب، فكان ذلك أبلغ في ~~معجزاته، وأعظم في فضائله. لا يزول عنه اسم الأمي بذلك، ولذلك قال الراوي ~~عنه في هذه الحالة: ولا يحسن أن يكتب. فبقي عليه اسم الأمي مع كونه قال ~~كتب. قال شيخنا أبو العباس أحمد بن عمر: وقد أنكر هذا كثير من # PageV13P352 # متفقهة الأندلس وغيرهم وشددوا النكير فيه، ونسبوا قائله إلى الكفر، وذلك ~~دليل على عدم العلوم النظرية، وعدم التوقف في تكفير المسلمين، ولم يتفطنوا، ~~لان تكفير المسلم كقتله على ما جاء عنه عليه السلام في الصحيح، لا سيما رمي ~~من شهد له أهل العصر بالعلم والفضل والإمامة، على أن المسألة ليست قطعية، ~~بل مستندها ظواهر أخبار أحاد صحيحة، غير أن العقل لا يحيلها. وليس في ~~الشريعة قاطع يحيل وقوعها. # قلت: وقال بعض المتأخرين من قال هي آية خارقة، فيقال له: كانت تكون آية ~~لا تنكر لولا أنها مناقضة لآية أخرى وهي كونه أميا لا يكتب، وبكونه أميا في ~~أمة أمية قامت الحجة، وأفحم الجاحدون، وانحسمت الشبهة، فكيف يطلق الله ~~تعالى يده فيكتب وتكون آية. وإنما الآية ألا يكتب، والمعجزات يستحيل أن ~~يدفع بعضها بعضا. وإنما معنى كتب وأخذ القلم، أي أمر من يكتب به من كتابه، ~~وكان من كتبة الوحي بين يديه صلى الله عليه وسلم ستة وعشرون كاتبا. # الثالثة - ذكر القاضي عياض عن معاوية أنه كان يكتب بين يدي النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال له: " ألق الدواة وحرف القلم وأقم الباء وفرق السين ~~ولا تعور الميم وحسن الله ومد الرحمن وجود الرحيم " قال القاضي: وهذا وإن ~~لم تصح الرواية أنه صلى الله عليه وسلم كتب فلا يبعد أن يرزق علم هذا، ~~ويمنع القراءة والكتابة. # قلت: هذا هو الصحيح في الباب أنه ما كتب ولا حرفا واحدا، وإنما أمر من ~~يكتب، وكذلك ما قرأ ولا تهجى. فإن قيل: فقد تهجى النبي صلى الله عليه وسلم ms4823 ~~حين ذكر الدجال فقال: " مكتوب بين عينيه ك ا ف ر " وقلتم إن المعجزة قائمة ~~في كونه أميا، قال الله تعالى: # " وما كنت تتلو من قبله من كتاب " الآية وقال: " إنا أمة أمية لا نكتب ~~ولا نحسب " فكيف هذا؟ فالجواب ما نص عليه صلى الله عليه وسلم في حديث ~~حذيفة، والحديث كالقرآن يفسر بعضه بعضا. ففي حديث حذيفة " يقرؤه كل مؤمن ~~كاتب وغير كاتب " فقد نص في ذلك على غير الكتاب ممن يكون أميا. وهذا من ~~أوضح ما يكون جليا. PageV13P353 # قوله تعالى: بل هو آيات بينت في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا ~~إلا الظالمون (49) قوله تعالى: (بل هو آيات بينات) يعني القرآن. قال الحسن: ~~وزعم الفراء في قراءة عبد الله " بل هي آيات بينات " المعنى بل آيات القران ~~آيات بينات. قال الحسن: ومثله " هذا بصائر " ولو كانت هذه لجاز، نظيره " ~~هذا رحمة من ربي " قال الحسن: أعطيت هذه الأمة الحفظ، وكان من قبلها لا ~~يقرءون كتابهم إلا نظرا، فإذا أطبقوه لم يحفظوا ما فيه إلا النبيون. فقال ~~كعب في صفة هذه الأمة: إنهم حكماء علماء وهم في الفقه أنبياء. (في صدور ~~الذين أوتوا العلم) أي ليس هذا القرآن كما يقوله المبطلون من أنه سحر أو ~~شعر، ولكنه علامات ودلائل يعرف بها دين الله وأحكامه. وهي كذلك في صدور ~~الذين أوتوا العلم، وهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم والمؤمنون به، ~~يحفظونه ويقرؤونه. ووصفهم بالعلم، لأنهم ميزوا بأفهامهم بين كلام الله ~~وكلام البشر والشياطين. وقال قتادة وابن عباس: " بل هو " يعني محمدا صلى ~~الله عليه وسلم " آيات بينات في صدور اللذين أوتوا العلم " من أهل الكتاب ~~يجدونه مكتوبا عندهم في كتبهم بهذه الصفة أميا لا يقرأ، ولا يكتب، ولكنهم ~~ظلموا أنفسهم وكتموا. وهذا اختيار الطبري. ودليل هذا القول قراءة ابن مسعود ~~وابن السميقع: " بل هذا آيات بينات " وكان عليه السلام آيات لا آية واحدة، ~~لأنه دل على أشياء كثيرة من أمر الدين، فلهذا قال: # " بل هو آيات بينات ". وقيل: ms4824 بل هو ذو آيات بينات، فحذف المضاف. (وما ~~يجحد بآياتنا إلا الظالمون) أي الكفار، لأنهم جحدوا نبوته وما جاء به. # قوله تعالى: وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله ~~وإنما أنا نذير مبين (50) أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتب يتلى عليهم إن ~~في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون (51) قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا يعلم ~~ما في السماوات والأرض والذين آمنوا بالبطل وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون ~~(52) PageV13P354 # قوله تعالى: (وقالوا لولا انزل عليه آيات من ربه) هذا قول المشركين لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، ومعناه هلا أنزل عليه آية كآيات الأنبياء. قيل: ~~كما جاء صالح بالناقة، وموسى بالعصا، وعيسى بإحياء الموتى، أي " قل " لهم ~~يا محمد: (إنما الآيات عند الله) فهو يأتي بها كما يريد، إذا شاء أرسلها ~~وليست عندي (وإنما أنا نذير مبين). وقرأ ابن كثير وأبو بكر وحمزة والكسائي: ~~" آية " بالتوحيد. وجمع الباقون. وهو اختيار أبي عبيد، لقوله تعالى: " قل ~~إنما الآيات عند الله ". # قوله تعالى: (أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم) هذا جواب ~~لقولهم " لولا أنزل عليه آيات من ربه " أي أو لم يكف المشركين من الآيات ~~هذا الكتاب المعجز الذي قد تحديتهم بأن يأتوا بمثله، أو بسورة منه فعجزوا، ~~ولوا أتيتهم بآيات موسى وعيسى لقالوا: سحر ونحن لا نعرف السحر، والكلام ~~مقدور، لهم ومع ذلك عجزوا عن المعارضة. # وقيل: إن سبب نزول هذه الآيات ما رواه ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن ~~يحيي بن جعدة قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم بكتف فيه كتاب فقال " كفى ~~بقوم ضلالة وأن يرغبون عما جاء به نبيهم إلى ما جاء به نبي غير نبيهم أو ~~كتاب غير كتابهم " فأنزل الله تعالى: " أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب ~~" أخرجه أبو محمد الدارمي في مسنده. وذكره أهل التفسير في كتبهم. # وفي مثل هذا قال صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه: " لو كان موسى بن ~~عمران حيا لما وسعه ms4825 إلا اتباعي " وفي مثله قال صلى الله عليه وسلم " ليس ~~منا من لم يتغن بالقرآن " أي يستغني به عن غيره. وهذا تأويل البخاري رحمه ~~الله في الآية. وإذا كان لقاء ربه بكل حرف عشر حسنات فأكثر على ما ذكرناه ~~في مقدمة الكتاب فالرغبة عنه إلى غيره ضلال وخسران وغبن ونقصان. (إن في ~~ذلك) أي في القرآن " لرحمة " في الدنيا والآخرة. وقيل: رحمة في الدنيا ~~باستنقاذهم من الضلالة. " وذكرى " في الدنيا بإرشادهم به إلى الحق (لقوم ~~يؤمنون). # قوله تعالى: (قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا) أي قل للمكذبين لك كفى ~~بالله شهيدا يشهد لي بالصدق فيما أدعيه من أنى رسوله، وأن هذا القرآن ~~كتابه. (يعلم ما في السماوات والأرض) أي لا يخفى عليه شئ. وهذا احتجاج ~~عليهم في صحه شهادته عليهم، لأنهم قد PageV13P355 # أقروا بعلمه فلزمهم أن يقروا بشهادته. (والذين آمنوا بالباطل) قال يحيى ~~بن سلام: # بإبليس. وقيل: بعبادة الأوثان والأصنام، قاله ابن شجرة. (وكفروا بالله) ~~أي لتكذيبهم برسله، وجحدهم لكتابه. وقيل: بما أشركوا به من الأوثان، ~~وأضافوا إليه من الأولاد والأضداد. (أولئك هم الخاسرون) أنفسهم وأعمالهم في ~~الآخرة. # قوله تعالى: ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب وليأتينهم ~~بغتة وهم لا يشعرون (53) يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين (54) ~~يوم يغشهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون (55) ~~قوله تعالى: (ويستعجلونك بالعذاب) لما أنذرهم بالعذاب قالوا لفرط الانكار: # عجل لنا هذا العذاب. وقيل: إن قائل ذلك النضر بن الحرث وأبو جهل حين قالا ~~" اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء " وقولهم: ~~" ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب " وقوله: (ولولا أجل مسمى) في نزول ~~العذاب. قال ابن عباس: يعني هو ما وعدتك ألا أعذب قومك وأؤخرهم إلى يوم ~~القيامة. بيانه: " بل الساعة موعدهم ". وقال الضحاك: هو مدة أعمارهم في ~~الدنيا. وقيل: المراد بالأجل المسمى النفخة الأولى، قاله يحيى بن سلام. ~~وقيل: الوقت الذي قدره الله لهلاكهم وعذابهم، قاله ابن شجرة. وقيل: ms4826 هو ~~القتل يوم بدر. وعلى الجملة فلكل عذاب أجل لا يتقدم ولا يتأخر. # دليله قوله: " لكل نبأ مستقر ". (لجاءهم العذاب) يعني الذي استعجلوه. ~~(وليأتينهم بغتة) أي فجأة. (وهم لا يشعرون) أي لا يعلمون بنزوله عليهم. ~~(يستعجلونك بالعذاب) أي يستعجلونك وقد أعد لهم جهنم وأنها ستحيط بهم لا ~~محالة، فما معنى الاستعجال. وقيل: نزلت في عبد الله بن أبي أمية وأصحابه من ~~المشركين حين قالوا " أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا ". PageV13P356 # قوله تعالى: (يوم يغشاهم العذاب من فوقهم) قيل: هو متصل بما هو قبله، أي ~~يوم يصيبهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم، فإذا غشيهم العذاب أحاطت بهم ~~جهنم. # وإنما قال " من تحت أرجلهم " للمقاربة وإلا فالغشيان من فوق أعم، كما قال ~~الشاعر: # * علفتها تبنا وماء باردا * وقال آخر: # لقد كان قواد الجياد إلى العدا * عليهن غاب من قنى ودروع (ويقول ذوقوا) ~~قرأ أهل المدينة والكوفة: " نقول " بالنون. الباقون بالياء. وأختاره أبو ~~عبيد، لقوله: " قل كفى بالله " ويحتمل أن يكون الملك الموكل بهم يقول " ~~ذوقوا " والقراءتان ترجع إلى معنى. أي يقول الملك بأمرنا ذوقوا. # قوله تعالى: يا عبادي الذين آمنوا إن أرضى وسعة فإياي فاعبدون (56) كل ~~نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون (57) والذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~لنبوئنهم من الجنة غرفا تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نعم أجر العملين ~~(58) الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون (59) وكأين من دابة لا تحمل رزقها ~~يرزقها الله وإياكم وهو السميع العليم (60) قوله تعالى: (يا عبادي الذين ~~آمنوا إن أرضى واسعة) هذه الآية نزلت في تحريض المؤمنين الذين كانوا بمكة ~~على الهجرة - في قول مقاتل والكلبي - فأخبرهم الله تعالى بسعة أرضه، وأن ~~البقاء في بقعة على أذى الكفار ليس بصواب. بل الصواب أن يتلمس عبادة الله ~~في أرضه مع صالحي عباده، أي إن كنتم في ضيق من إظهار الايمان بها فهاجروا ~~إلى المدينة فإنها واسعة، لاظهار التوحيد بها. وقال ابن جبير وعطاء: إن ~~الأرض التي فيها الظلم # PageV13P357 # والمنكر تترتب فيها هذه الآية، وتلزم الهجرة عنها إلى ms4827 بلد حق. وقاله ~~مالك. وقال مجاهد: # " إن أرضي واسعة " فهاجروا وجاهدوا. وقال مطرف بن الشخير: المعنى إن ~~رحمتي واسعة. # وعنه أيضا: إن رزقي لكم واسع فابتغوه في الأرض. قال سفيان الثوري: إذا ~~كنت بأرض غالية فانتقل إلى غيرها تملأ فيها جرابك خبزا بدرهم. وقيل: ~~المعنى: إن أرضي التي هي أرضى الجنة واسعة. " فاعبدون " حتى أورثكموها. " ~~فإياي فاعبدون " " إياي " منصوب بفعل مضمر، أي فاعبدوا إياي فاعبدون، ~~فاستغنى بأحد الفعلين عن الثاني، والفاء في قوله: # " فإياي " بمعني الشرط، أي إن ضاق بكم موضع فإياي فاعبدوني [في غيره] ~~(1)، لان أرضي واسعة. # قوله تعالى: (كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون) تقدم في " آل عمران " ~~(2). وإنما ذكره ها هنا تحقيرا لأمر الدنيا ومخاوفها. كأن بعض المؤمنين نظر ~~في عاقبة تلحقه في خروجه من وطنه من مكة أنه يموت أو يجوع أو نحو هذا، فحقر ~~الله شأن الدنيا. أي أنتم لا محالة ميتون ومحشورون إلينا، فالبدار إلى طاعة ~~الله والهجرة إليه وإلى ما يمتثل. ثم وعد المؤمنين العاملين بسكنى الجنة ~~تحريضا منه تعالى، وذكر الجزاء الذي ينالونه، ثم نعتهم بقوله: (الذين صبروا ~~وعلى ربهم يتوكلون) وقرأ أبو عمر ويعقوب والجحدري وأبن أبي أسحق وابن محيصن ~~والأعمش وحمزة والكسائي وخلف " يا عبادي " بإسكان الياء. وفتحها الباقون. " ~~إن أرضى " فتحها ابن عامر. وسكنها الباقون. وروي أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: " من فر بدينه من أرض إلى أرض ولو قيد شبر استوجب الجنة ~~وكان رفيق محمد وإبراهيم " عليهما السلام. " ثم إلينا ترجعون ". وقرأ ~~السلمي وأبو بكر عن عاصم " يرجعون " بالياء، لقوله " كل نفس ذائقة الموت " ~~وقرأ الباقون بالتاء، لقوله " يا عبادي الذين آمنوا " وأنشد بعضهم: # الموت في كل حين ينشد الكفنا * ونحن في غفلة عما يراد بنا لا تركنن إلى ~~الدنيا وزهرتها * وإن توشحت من أثوابها الحسنا # PageV13P358 # أين الأحبة والجيران ما فعلوا * أين الذين همو كانوا لها سكنا سقاهم ~~الموت كأسا غير صافية * صيرهم تحت أطباق الثرى رهنا قوله تعالى: (والذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم ms4828 من الجنة غرفا) وقرأ ابن مسعود والأعمش ~~ويحيي بن وثاب وحمزة والكسائي " لنثوينهم " بالثاء مكان الباء من الثوى وهو ~~الإقامة، أي لنعطينهم غرفا يثوون فيها. وقرأ رويس عن يعقوب والجحدري و ~~السلمي " ليبوئنهم " بالياء مكان النون. الباقون " لنبوئنهم " أي لننزلنهم. ~~" غرفا " جمع غرفة وهي العلية المشرفة. وفي صحيح مسلم عن سهل (1) بن سعد أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من ~~فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر من الأفق من المشرق أو المغرب ~~لتفاضل ما بينهم " قالوا: يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها ~~غيرهم. قال: " بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين " ~~وخرج الترمذي عن علي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~إن في الجنة لغرفا يرى ظهورها من بطونها وبطونها من ظهورها " فقام إليه ~~أعرابي فقال: لمن هي يا رسول الله؟ # قال: " هي لمن أطاب الكلام وأطعم الطعام وأدام الصيام وصلى لله بالليل ~~والناس نيام " وقد زدنا هذا المعنى بيانا في كتاب " التذكرة " والحمد لله. # قوله تعالى: (وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم) أسند ~~الواحدي عن يزيد بن هارون، قال: حدثنا حجاج بن المنهال عن الزهري - وهو عبد ~~الرحمن بن عطاء - عن عطاء عن ابن عمر قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حتى دخل بعض حيطان الأنصار فجعل يلتقط من الثمر [ويأكل] (2) فقال " يا ~~بن عمر مالك لا تأكل " فقلت لا أشتهيه يا رسول الله فقال " لكني أشتهيه ~~وهذه صبيحة رابعة لم أذق طعاما ولو شئت لدعوت ربي فأعطاني مثل ملك كسرى ~~وقيصر فكيف بك يا ابن عمر إذا بقيت في قوم يخبئون رزق سنتهم ويضعف اليقين ~~قال: والله ما برحنا حتى نزلت: " وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله برزقها ~~وإياكم وهو السميع العليم ". # PageV13P359 # قلت: وهذا ضعيف يضعفه أنه عليه السلام كان يدخر لأهله قوت سنتهم، اتفق ~~البخاري عليه ومسلم. وكانت الصحابة يفعلون ذلك وهم القدوة، ms4829 وأهل اليقين ~~والأئمة لمن بعدهم من المتقين المتوكلين. وقد روى ابن عباس أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال للمؤمنين بمكة حين آذاهم المشركون " اخرجوا إلى المدينة ~~وهاجروا ولا تجاوروا الظلمة " قالوا: ليس لنا بها دار ولا عقار ولا من ~~يطعمنا ولا من يسقينا. فنزلت: " وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها ~~وإياكم " أي ليس معها رزقها مدخرا. وكذلك أنتم يرزقكم الله في دار الهجرة. # وهذا أشبه من القول الأول. وتقدم الكلام في " كأين " وأن هذه " أي " دخلت ~~عليها كاف التشبيه وصار فيها معنى كم. والتقدير عند الخليل وسيبويه كالعدد. ~~أي كشئ كثير من العدد من دابة. قال مجاهد: يعنى الطير والبهائم تأكل ~~بأفواهها ولا تحمل شيئا. الحسن: # تأكل لوقتها ولا تدخر لغد. وقيل: " لا تحمل رزقها " أي لا تقدر على رزقها ~~" الله يرزقها " أينما توجهت " وإياكم " وقيل: الحمل بمعنى الحمالة. وحكى ~~النقاش: أن المراد النبي صلى الله عليه وسلم يأكل ولا يدخر. # قلت: وليس بشئ، لاطلاق لفظ الدابة، وليس مستعملا في العرف اطلاقها على ~~الآدمي فكيف على النبي صلى الله عليه وسلم. وقد مضى هذا في " النمل " عند ~~قوله " وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم " قال ابن ~~عباس: الدواب هو كل ما دب من الحيوان، فكله لا يحمل رزقه ولا يدخر إلا ابن ~~آدم والنمل والفأر. وعن بعضهم رأيت البلبل يحتكر في محضنه. ويقال للعقعق ~~مخابئ إلا أنه ينساها. " الله يرزقها وإياكم " يسوي بين الحريص والمتوكل في ~~رزقه، وبين الراغب والقانع، وبين الحيول والعاجز حتى لا يغتر الجلد أنه ~~مرزوق بجلده، ولا يتصور العاجز أنه ممنوع بعجزه. وفي الصحيح عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم: " لو أنكم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير ~~تغدو خماصا وتروح بطانا ". لدعائكم وقولكم لا نجد ما ننفق بالمدينة ~~(العليم) بما في قلوبكم. PageV13P360 # قوله تعالى: ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ~~ليقولن الله فأنى يؤفكون (61) الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر ms4830 له ~~إن الله بكل شئ عليم (62) قوله تعالى: (ولئن سألتهم من خلق السماوات ~~والأرض) الآية. لما عير المشركون المسلمين بالفقر وقالوا لو كنتم على حق لم ~~تكونوا فقراء، وكان هذا تمويها، وكان في الكفار فقراء أيضا أزال الله هذه ~~الشبهة. وكذا قول من قال إن هاجرنا لم نجد ما ننفق. أي فإذا اعترفتم بأن ~~الله خالق هذه الأشياء، فكيف تشكون في الرزق، فمن بيده تكوين الكائنات لا ~~يعجز عن رزق العبد، ولهذا وصله بقوله تعالى: " الله يبسط الرزق لمن يشاء من ~~عباده ويقدر له ". (فأنى يؤفكون) أي كيف يكفرون بتوحيدي وينقلبون عن ~~عبادتي. # (الله يبسط الرزق لمن يشاء) أي لا يختلف أمر الرزق بالايمان والكفر، ~~فالتوسيع والتقتير منه فلا تعيير بالفقر، فكل شئ بقضاء وقدر. (إن الله بكل ~~شئ عليم) من أحوالكم وأموركم. وقيل: عليم بما يصلحكم من إقتار أو توسيع. # قوله تعالى: ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد ~~موتها ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون (63) وما هذه الحياة ~~الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون (64) ~~قوله تعالى: (ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء) أي من السحاب مطرا. (فأحيا ~~به الأرض من بعد موتها) أي جدبها وقحط أهلها. (ليقولن الله) أي فإذا أقررتم ~~بذلك فلم تشركون به وتنكرون الإعادة. وإذ قدر على ذلك فهو القادر على إغناء ~~المؤمنين، فكرر تأكيدا. # (قل الحمد لله) أي على ما أوضح من الحجج والبراهين على قدرته. (بل أكثرهم ~~لا يعقلون) PageV13P361 # أي لا يتدبرون هذه الحجج. وقيل: " الحمد لله " على إقرارهم بذلك. وقيل: ~~على إنزال الماء وإحياء الأرض. (وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب) أي شئ ~~يلهى به ويلعب. # أي ليس ما أعطاه الله الأغنياء من الدنيا إلا وهو يضمحل ويزول، كاللعب ~~الذي لا حقيقة له ولا ثبات، قال بعضهم: الدنيا إن بقيت لك لم تبق لها. ~~وأنشد: # تروح لنا الدنيا بغير الذي غدت * وتحدث من بعد الأمور أمور ms4831 وتجري الليالي ~~باجتماع وفرقة * و تطلع فيها أنجم وتغور فمن ظن أن الدهر باق سروره * فذاك ~~محال لا يدوم سرور عفا الله عمن صير الهم واحدا * وأيقن أن الدائرات تدور ~~قلت: وهذا كله في أمور الدنيا من المال والجاه والملبس الزائد على الضروري ~~الذي به قوام العيش، والقوة على الطاعات، وأما ما كان منها لله فهو من ~~الآخرة، وهو الذي يبقى كما قال: " ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام " أي ~~ما ابتغى به ثوابه ورضاه. (وإن الدار الآخر لهي الحيوان) أي دار الحياة ~~الباقية التي لا تزول ولا موت فيها. وزعم أبو عبيدة: # أن الحيوان والحياة والحي بكسر الحاء واحد. كما قال (1): # * وقد ترى إذ الحياة حي * وغيره يقول: إن الحي جمع على فعول مثل عصى. ~~والحيوان يقع على كل شئ حي. وحيوان عين في الجنة. وقيل: أصل حيوان حييان ~~فأبدلت إحداهما واوا، لاجتماع المثلين. # (لو كانوا يعلمون) أنها كذلك. # قوله تعالى: فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم ~~إلى البر إذا هم يشركون (65) ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا فسوف يعلمون ~~(66) # PageV13P362 # قوله تعالى: (فإذا ركبوا في الفلك) يعني السفن وخافوا الغرق (دعوا الله ~~مخلصين له الدين) أي صادقين في نياتهم، وتركوا عبادة الأصنام ودعاءها. ~~(فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون) أي يدعون معه غيره، وما ينزل به ~~سلطانا. وقيل: إشراكهم أن يقول قائلهم لولا الله والرئيس أو الملاح لغرقنا، ~~فيجعلون ما فعل الله لهم من النجاة قسمة بين الله وبين خلقه. # قوله تعالى: (ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا) قيل: هما لام كي أي لكي ~~يكفروا ولكي يتمتعوا. وقيل: " إذا هم يشركون " ليكون ثمرة شركهم أن يجحدوا ~~نعم الله ويتمتعوا بالدنيا. وقيل: هما لام أمر معناه التهديد والوعيد. أي ~~أكفروا بما أعطيناكم من النعمة والنجاة من البحر وتمتعوا. ودليل هذا قراءة ~~أبى " وتمتعوا " ابن الأنباري: ويقوي هذا قراءة الأعمش ونافع وحمزة: " ~~وليتمتعوا " بجزم اللام. النحاس: " وليتمتعوا " لام كي، ويجوز أن تكون لام ~~أمر، لان أصل لام الامر الكسر، ms4832 إلا أنه أمر فيه معنى التهديد. # ومن قرأ: " وليتمتعوا " بإسكان اللام لم يجعلها لام كي، لان لام كي لا ~~يجوز إسكانها وهي قراءة ابن كثير والمسيبي وقالون عن نافع، وحمزة والكسائي ~~وحفص عن عاصم الباقون بكسر اللام. وقرأ أبو العالية: " ليكفروا بما آتيناهم ~~فتمتعوا فسوف تعلمون " تهديد ووعيد. # قوله تعالى: أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم ~~أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون (67) ومن أظلم ممن افترى على الله ~~كذبا أو كذب بالحق لما جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين (68) قوله تعالى: ~~(أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا) قال عبد الرحمن بن زيد: هي مكة وهم قريش ~~أمنهم الله تعالى فيها. " ويتخطف الناس من حولهم " قال الضحاك: يقتل بعضهم ~~بعضا ويسبي بعضهم بعضا. والخطف الاخذ بسرعة. وقد مضى في " القصص " ~~PageV13P363 # وغيرها. فأذكرهم الله عز وجل هذه النعمة ليذعنوا له بالطاعة. أي جعلت لهم ~~حرما أمنا أمنوا فيه من السبي والغارة والقتل، وخلصتهم في البر كما خلصتهم ~~في البحر، فصاروا يشركون في البر ولا يشركون في البحر. فهذا تعجب من تناقض ~~أحوالهم. (أفبالباطل يؤمنون) قال قتادة: أفبالشرك. وقال. يحيى بن سلام: ~~أفبإبليس. (وبنعمة الله يكفرون) قال ابن عباس: أفبعافية الله. وقال ابن ~~شجرة: أفبعطاء الله وإحسانه. وقال ابن سلام: # أفبما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من الهدى. وحكى النقاش: ~~أفبإطعامهم من جوع، وأمنهم من خوف يكفرون. وهذا تعجب وإنكار خرج مخرج ~~الاستفهام. # قوله تعالى: (ومن أظلم ممن أفترى على الله كذبا) أي لا أحد أظلم ممن جعل ~~مع الله شريكا وولدا، وإذا فعل فاحشة قال: " وجدنا عليها آباءنا والله ~~أمرنا بها ". (أو كذب بالحق لما جاءه) قال يحيى بن سلام: بالقرآن وقال ~~السدي بالتوحيد. وقال ابن شجرة: # بمحمد صلى الله عليه وسلم. وكل قول يتناول القولين. (أليس في جهنم مثوى ~~للكافرين) أي مستقر. وهو استفهام تقرير. # قوله تعالى: والذين جهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين ~~(69) قوله تعالى: (والذين جاهدوا فينا) أي جاهدوا الكفار فينا. أي ms4833 في طلب ~~مرضاتنا. # وقال السدي وغيره: إن هذه الآية نزلت قبل فرض القتال. قال ابن عطية: فهي ~~قبل الجهاد العرفي، وإنما هو جهاد عام في دين الله وطلب مرضاته. قال الحسن ~~بن أبي الحسن: # الآية في العباد. وقال ابن عباس وإبراهيم بن أدهم: هي في الذين يعملون ~~بما يعلمون. # وقد قال صلى الله عليه وسلم: " من عمل بما علم علمه الله ما لم يعلم " ~~ونزع بعض العلماء إلى قوله " واتقوا الله ويعلمكم الله ". وقال عمر بن عبد ~~العزيز: إنما قصر بنا عن علم ما جهلنا تقصيرنا في العمل بما علمنا، ولو ~~عملنا ببعض ما علمنا لا ورثنا علما لا تقوم به أبداننا، قال الله تعالى: " ~~واتقوا الله ويعلمكم الله ". وقال أبو سليمان الداراني: ليس الجهاد في ~~الآية PageV13P364 # قتال الكفار فقط بل هو نصر الدين، والرد على المبطلين، وقمع الظالمين، ~~وعظمه الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومنه مجاهدة النفوس في طاعة الله ~~وهو الجهاد الأكبر. وقال سفيان بن عيينة لابن المبارك: إذا رأيت الناس قد ~~اختلفوا فعليك بالمجاهدين وأهل الثغور فإن الله تعالى يقول: " لنهدينهم " ~~وقال الضحاك: معنى الآية، والذين جاهدوا في الهجرة لنهدينهم سبل الثبات على ~~الايمان. ثم قال: مثل السنة في الدنيا كمثل الجنة في العقبى، من دخل الجنة ~~في العقبى سلم، كذلك من لزم السنة في الدنيا سلم. وقال عبد الله بن عباس: ~~والذين جاهدوا في طاعتنا لنهدينهم سبل ثوابنا. وهذا يتناول بعموم الطاعة ~~جميع الأقوال. ونحوه قول عبد الله بن الزبير قال: تقول الحكمة من طلبني فلم ~~يجدني فليطلبني في موضعين: أن يعمل بأحسن ما يعلمه، ويجتنب أسوأ ما يعلمه. ~~وقال الحسن بن الفضل: فيه تقديم وتأخير أي الذين هديناهم هم الذين جاهدوا ~~فينا " لنهديهم سبلنا " أي طريق الجنة، قاله السدي. # النقاش: يوفقهم لدين الحق. وقال يوسف بن أسباط: المعنى لنخلصن نياتهم ~~وصدقاتهم وصلواتهم وصيامهم. (وإن الله مع المحسنين) لام تأكيد ودخلت في " ~~مع " على أحد وجهين: أن يكون اسما ولام التوكيد إنما تدخل على الأسماء، أو ms4834 ~~حرفا فتدخل عليها، لان فيها معنى الاستقرار، كما تقول إن زيدا لفي الدار. و ~~" مع " إذا سكنت فهي حرف لا غير. # وإذا فتحت جاز أن تكون اسما وأن تكون حرفا. والأكثر أن تكون حرفا جاء ~~لمعنى. وتقدم معنى الاحسان والمحسنين في " البقرة " وغيرها. وهو سبحانه ~~معهم بالنصرة والمعونة، والحفظ والهداية، ومع الجميع بالإحاطة والقدرة. ~~فبين المعيتين بون. # تمت سورة العنكبوت، والحمد لله وحده تم بعون الله تعالى الجزء الثالث عشر ~~من تفسير القرطبي يتلوه إن شاء الله تعالى الجزء الرابع عشر وأوله سورة " ~~الروم " PageV13P365 # الجامع لاحكام القرآن لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي الجزء ~~الرابع عشر أعاد طبعه دار احياء التراث العربي بيروت - لبنان 1405 ه‍ 1985 ~~م PageV0MP001 # بسم الله الرحمن الرحيم تفسير سورة الروم سورة الروم مكية كلها من غير ~~خلاف، وهي ستون آية. # قوله تعالى: ألم (1) غلبت الروم (2) في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم ~~سيغلبون (3) في بضع سنين لله الامر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون ~~(4) بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم (5) قوله تعالى: " ألم. غلبت ~~الروم. في أدنى الأرض " روى الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال: لما كان يوم ~~بدر ظهرت الروم على فارس فأعجب ذلك المؤمنين فنزلت: # " ألم. غلبت الروم. في أدنى الأرض - إلى قوله - يفرح المؤمنون. بنصر الله ~~". # قال: ففرح المؤمنون بظهور الروم على فارس. قال: هذا حديث غريب (1) من هذا ~~الوجه. # هكذا قرأ نصر بن علي الجهضمي " غلبت الروم ". ورواه أيضا من حديث ابن ~~عباس بأتم منه. قال ابن عباس في قول الله عز وجل: " ألم. غلبت الروم. في ~~أدنى الأرض " قال: # غلبت وغلبت، قال: كان المشركون يحبون أن يظهر أهل فارس على الروم لأنهم ~~وإياهم أهل أوثان، وكان المسلمون يحبون أن تظهر الروم على فارس لأنهم أهل ~~كتاب، فذكروه لأبي بكر فذكره أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ~~(أما إنهم سيغلبون) فذكره أبو بكر لهم فقالوا: اجعل بيننا وبينك أجلا، فإن ~~ظهرنا كان لنا ms4835 كذا، وإن ظهرتم كان لكم كذا وكذا فجعل أجل خمس سنين، فلم ~~يظهروا، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: (ألا جعلته # PageV14P001 # إلى دون) - أراه قال العشر - قال قال أبو سعيد: والبضع ما دون العشرة. ~~قال: ثم ظهرت الروم بعد، قال: فذلك قوله " ألم. غلبت الروم - إلى قوله - ~~ويومئذ يفرح المؤمنون. # بنصر الله ". قال سفيان: سمعت أنهم ظهروا عليهم يوم بدر. قال أبو عيسى: ~~هذا حديث حسن صحيح غريب. ورواه أيضا عن نيار بن مكرم الأسلمي قال: لما نزلت ~~" ألم. غلبت الروم. في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون. في بضع سنين " ~~وكانت فارس يوم نزلت هذه الآية قاهرين للروم، وكان المسلمون يحبون ظهور ~~الروم عليهم لأنهم وإياهم أهل كتاب، وفي ذلك نزل قول الله تعالى: " ويومئذ ~~يفرح المؤمنون. بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم " وكانت قريش تحب ~~ظهور فارس لأنهم وإياهم ليسوا بأهل كتاب ولا إيمان ببعث، فلما أنزل الله ~~هذه الآية خرج أبو بكر الصديق رضي الله عنه يصيح في نواحي مكة: # " ألم. غلبت الروم. في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون. في بضع سنين ~~". # قال ناس من قريش لأبي بكر: فذلك بيننا وبينكم، زعم صاحبك أن الروم ستغلب ~~فارس في بضع سنين! أفلا نراهنك على ذلك؟ قال: بلى. وذلك قبل تحريم الرهان، ~~فارتهن أبو بكر والمشركون وتواضعوا الرهان. وقالوا لأبي بكر: كم تجعل ~~البضع؟ ثلاث سنين أو تسع (1) سنين؟ فسم بيننا وبينك وسطا تنتهي إليه، قال ~~فسموا بينهم ست سنين، قال: فمضت الست سنين قبل أن يظهروا، فأخذ المشركون ~~رهن أبي بكر، فلما دخلت السنة السابعة ظهرت الروم على فارس، فعاب المسلمون ~~على أبي بكر تسمية ست سنين، قال: لان الله تعالى قال " في بضع سنين " قال: ~~وأسلم عند ذلك ناس كثير. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب. وروى ~~القشيري وابن عطية وغيرهما: أنه لما نزلت الآيات خرج أبو بكر بها إلى ~~المشركين فقال: أسركم أن غلبت الروم؟ فإن نبينا ms4836 أخبرنا عن الله تعالى أنهم ~~سيغلبون في بضع سنين. فقال له أبي بن خلف وأمية أخوه - وقيل أبو سفيان ابن ~~حرب -: يا أبا فصيل! (2) - يعرضون بكنيته يا أبا بكر - فلنتناحب - أي ~~نتراهن # PageV14P002 # في ذلك فراهنهم أبو بكر. قال قتادة: وذلك قبل أن يحرم القمار (1)، وجعلوا ~~الرهان خمس قلائص (2) والأجل ثلاث سنين. وقيل: جعلوا الرهان ثلاث قلائص. ثم ~~أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال: (فهلا احتطت، فإن البضع ما بين ~~الثلاث والتسع والعشر! ولكن ارجع فزدهم في الرهان واستزدهم في الاجل) ففعل ~~أبو بكر، فجعلوا القلائص مائة والأجل تسعة أعوام، فغلبت الروم في أثناء ~~الاجل. وقال الشعبي: فظهروا في تسع سنين. القشيري: # المشهور في الروايات أن ظهور الروم كان في السابعة من غلبة فارس للروم، ~~ولعل رواية الشعبي تصحيف من السبع إلى التسع من بعض النقلة. وفي بعض ~~الروايات: أنه جعل القلائص سبعا إلى تسع سنين. ويقال: إنه آخر فتوح كسرى ~~أبرويز فتح فيه القسطنطينية حتى بنى فيها بيت النار، فأخبر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فساءه ذلك، فأنزل الله تعالى هاتين الآيتين. وحكى النقاش ~~وغيره: أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه لما أراد الهجرة مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم تعلق به أبي بن خلف وقال له: أعطني كفيلا بالخطر (3) إن غلبت، ~~فكفل به ابنه عبد الرحمن، فلما أراد أبي الخروج إلى أحد طلبه عبد الرحمن ~~بالكفيل فأعطاه كفيلا، ثم مات أبي بمكة من جرح جرحه النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وظهرت الروم على فارس يوم الحديبية على رأس تسع سنين من مناحبتهم. ~~وقال الشعبي: لم تمض تلك المدة حتى غلبت الروم فارس، وربطوا خيلهم ~~بالمدائن، وبنوا رومية، فقمر (4) أبو بكر أبيا وأخذ مال الخطر من ورثته، ~~فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (تصدق به) فتصدق به. وقال المفسرون: إن ~~سبب (5) غلبة الروم فارس امرأة كانت في فارس لا تلد إلا الملوك والابطال، ~~فقال لها كسرى: أريد أن أستعمل أحد بنيك على جيش أجهزه إلى ms4837 الروم، فقالت: ~~هذا هرمز أروغ من ثعلب وأحذر من صقر، وهذا فرخان أحد من سنان وأنفذ من نبل، ~~وهذا شهر بزان (6) أحلم من كذا، فاختر، قال فاختار الحليم وولاه، فسار إلى ~~الروم بأهل فارس فظهر على # PageV14P003 # الروم. قال عكرمة وغيره: إن شهر بزان لما غلب الروم خرب ديارها حتى بلغ ~~الخليج، فقال أخوه فرخان: لقد رأيتني جالسا على سرير كسرى، فكتب كسرى إلى ~~شهر بزان أرسل إلي برأس فرخان فلم يفعل، فكتب كسرى إلى فارس: إني قد ~~استعملت عليكم فرخان وعزلت شهر بزان، وكتب إلى فرخان إذا ولي أن يقتل شهر ~~بزان، فأراد فرخان قتل شهر بزان فأخرج له شهر بزان ثلاث صحائف من كسرى ~~يأمره بقتل فرخان، فقال شهر بزان لفرخان: إن كسرى كتب إلي أن أقتلك ثلاث ~~صحائف وراجعته أبدا في أمرك، أفتقتلني أنت بكتاب واحد؟ # فرد الملك إلى أخيه، وكتب شهر بزان إلى قيصر ملك الروم فتعاونا على كسرى، ~~فغلبت الروم فارس ومات كسرى. وجاء الخبر إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم ~~الحديبية ففرح من معه من المسلمين، فذلك قوله تعالى: " ألم. غلبت الروم. في ~~أدنى الأرض " يعني أرض الشام. # عكرمة: بأذرعات، وهي ما بين بلاد العرب والشام. وقيل: إن قيصر كان بعث ~~رجلا يدعى يحنس وبعث كسرى شهر بزان فالتقيا بأذرعات وبصرى وهي أدنى بلاد ~~الشام إلى أرض العرب والعجم. مجاهد: بالجزيرة، وهو موضع بين العراق والشام. ~~مقاتل: بالأردن وفلسطين. و " أدنى " معناه أقرب. قال ابن عطية: فإن كانت ~~الواقعة بأذرعات فهي من أدنى الأرض بالقياس إلى مكة، وهي التي ذكرها امرؤ ~~القيس في قوله: # تنورتها من أذرعات وأهلها * بيثرب أدنى دارها نظر عال وإن كانت الواقعة ~~بالجزيرة فهي أدنى بالقياس إلى أرض كسرى، وإن كانت بالأردن فهي أدنى إلى ~~أرض الروم. فلما طرأ ذلك وغلبت الروم سر الكفار فبشر الله عباده بأن الروم ~~سيغلبون وتكون الدولة لهم في الحرب. # وقد مضى الكلام في فواتح السور. وقرأ أبو سعيد الخدري وعلي بن أبي طالب ~~ومعاوية ms4838 بن قرة " غلبت الروم " بفتح الغين واللام. وتأويل ذلك أن الذي طرأ ~~يوم بدر إنما كانت الروم غلبت فعز ذلك على كفار قريش وسر بذلك المسلمون، ~~فبشر الله تعالى عباده أنهم سيغلبون أيضا في بضع سنين، ذكر هذا التأويل أبو ~~حاتم. قال أبو جعفر النحاس: PageV14P004 # قراءة أكثر الناس " غلبت الروم " بضم الغين وكسر اللام. وروي عن ابن عمر ~~وأبي سعيد الخدري أنهما قرءا " غلبت الروم " وقرءا " سيغلبون ". وحكى أبو ~~حاتم أن عصمة روى عن هارون: أن هذه قراءة أهل الشام، وأحمد بن حنبل يقول: ~~إن عصمة هذا ضعيف، وأبو حاتم كثير الحكاية عنه، والحديث يدل على أن القراءة ~~" غلبت " بضم الغين، وكان في هذا الاخبار دليل على نبوة محمد صلى الله عليه ~~وسلم، لان الروم غلبتها فارس، فأخبر الله عز وجل نبيه محمدا صلى الله عليه ~~وسلم أن الروم ستغلب فارس في بضع سنين، وأن المؤمنين يفرحون بذلك، لان ~~الروم أهل كتاب، فكان هذا من علم الغيب الذي أخبر الله عز وجل به مما لم ~~يكن [علموه] (1)، وأمر أبا بكر أن يراهنهم على ذلك وأن يبالغ في الرهان، ثم ~~حرم الرهان بعد ونسخ بتحريم القمار. قال ابن عطية: والقراءة بضم الغين أصح، ~~وأجمع الناس على " سيغلبون " أنه بفتح الياء، يراد به الروم. ويروى عن ابن ~~عمر أنه قرأ أيضا بضم (2) الياء في " سيغلبون "، وفي هذه القراءة قلب ~~للمعنى الذي تظاهرت الروايات به. قال أبو جعفر النحاس: ومن قرأ " سيغلبون " ~~فالمعنى عنده: وفارس من بعد غلبهم، أي من بعد أن غلبوا، سيغلبون. وروي أن ~~إيقاع الروم بالفرس كان يوم بدر، كما في حديث أبي سعيد الخدري حديث ~~الترمذي، وروي أن ذلك كان يوم الحديبية، وأن الخبر وصل يوم بيعة الرضوان، ~~قاله عكرمة وقتادة. قال ابن عطية: وفي كلا اليومين كان نصر من الله ~~للمؤمنين. وقد ذكر الناس أن سبب سرور المسلمين بغلبة الروم وهمهم أن تغلب ~~إنما هو أن الروم أهل كتاب كالمسلمين، وفارس (3) من أهل الأوثان، كما تقدم ~~بيانه في ms4839 الحديث. # قال النحاس: وقول آخر وهو أولى - أن فرحهم إنما كان لانجاز وعد الله ~~تعالى، إذ كان فيه دليل على النبوة لأنه أخبر تبارك وتعالى بما يكون في بضع ~~سنين فكان فيه. قال ابن عطية: ويشبه أن يعلل ذلك بما يقتضيه النظر من محبة ~~أن يغلب العدو الأصغر لأنه أيسر مئونة، ومتى غلب الأكبر كثر الخوف منه، ~~فتأمل هذا المعنى، مع ما كان رسول الله # PageV14P005 # صلى الله عليه وسلم ترجاه من ظهور دينه وشرع الله الذي بعثه به وغلبته ~~على الأمم، وإرادة كفار مكة أن يرميه الله بملك يستأصله ويريحهم منه. وقيل: ~~سرورهم إنما كان بنصر رسول الله صلى الله عليه وسلم على المشركين، لان ~~جبريل أخبر بذلك النبي عليه السلام يوم بدر، حكاه القشيري. # قلت: ويحتمل أن يكون سرورهم بالمجموع من ذلك، فسروا بظهورهم على عدوهم ~~وبظهور الروم أيضا وبإنجاز وعد الله. وقرأ أبو حياة الشامي ومحمد بن ~~السميقع " من بعد غلبهم " بسكون اللام، وهما لغتان، مثل الظعن والظعن. وزعم ~~الفراء أن الأصل " من بعد غلبتهم " فحذفت التاء كما حذفت في قوله عز وجل " ~~وإقام الصلاة " وأصله وإقامة الصلاة. قال النحاس: " وهذا غلط لا يخيل (1) ~~على كثير من أهل النحو، لان " إقام الصلاة " مصدر قد حذف منه لاعتلال فعله، ~~فجعلت التاء عوضا من المحذوف، و " غلب " ليس بمعتل ولا حذف منه شئ. وقد حكى ~~الأصمعي: طرد طردا، وجلب جلبا، وحلب حلبا، وغلب غلبا، فأي حذف في هذا، وهل ~~يجوز أن يقال في أكل أكلا وما أشبهه -: حذف منه "؟. # (في بضع سنين) حذفت الهاء من " بضع " فرقا بين المذكر والمؤنث، وقد مضى ~~الكلام فيه في " يوسف " (2). وفتحت النون من " سنين " لأنه جمع مسلم. ومن ~~العرب من يقول " في بضع سنين " كما يقول في " غسلين ". وجاز أن يجمع سنة ~~جمع من يعقل بالواو والنون والياء والنون، لأنه قد حذف منها شئ فجعل هذا ~~الجمع عوضا من النقص الذي في واحده، لان أصل " سنة " سنهة أو سنوة، وكسرت ~~السين منه دلالة على ms4840 أن جمعه خارج عن قياسه ونمطه، هذا قول البصريين. ويلزم ~~الفراء أن يضمها لأنه يقول: الضمة دليل على الواو وقد حذف من سنة واو في ~~أحد القولين، ولا يضمها أحد علمناه. # قوله تعالى: (لله الامر من قبل ومن بعد) أخبر تعالى بانفراده بالقدرة وأن ~~ما في العالم من غلبة وغيرها إنما هي منه وبإرادته وقدرته فقال " لله الامر ~~" أي إنفاذ الاحكام. # PageV14P006 # " من قبل ومن بعد " أي من قبل هذه الغلبة ومن بعدها. وقيل: من قبل كل شئ ~~ومن بعد كل شئ. و " من قبل ومن بعد " ظرفان بنيا على الضم، لأنهما تعرفا ~~بحذف ما أضيفا إليهما وصارا متضمنين ما حذف فخالفا تعريف الأسماء وأشبها ~~الحروف في التضمين فبنيا، وخصا بالضم لشبههما بالمنادى المفرد في أنه إذا ~~نكر وأضيف زال بناؤه، وكذلك هما فضما. # ويقال: " من قبل ومن بعد ". وحكى الكسائي عن بعض بني أسد " لله الامر من ~~قبل ومن بعد " الأول مخفوض منون، والثاني مضموم بلا تنوين. وحكى الفراء " ~~من قبل ومن بعد " مخفوضين بغير تنوين. وأنكره النحاس ورده. وقال الفراء في ~~كتابه: في القرآن أشياء كثيرة، الغلط فيها بين، منها أنه زعم أنه يجوز " من ~~قبل ومن بعد " وإنما يجوز " من قبل ومن بعد " على أنهما نكرتان. قال ~~الزجاج: المعنى من متقدم ومن متأخر. (ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله) تقدم ~~ذكره. (ينصر من يشاء) يعني من أوليائه، لان نصره مختص بغلبة أوليائه ~~لأعدائه، فأما غلبة أعدائه لأوليائه فليس بنصره، وإنما هو ابتلاء وقد يسمى ~~ظفرا. (وهو العزيز) في نقمته (الرحيم) لأهل طاعته. # قوله تعالى: وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون (6) ~~يعلمون ظاهر من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون (7) قوله تعالى: ~~(وعد الله لا يخلف الله وعده) لان كلامه صدق. (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) ~~وهم الكفار وهم أكثر. وقيل: المراد مشركو مكة. وانتصب (وعد الله) على ~~المصدر: أي وعد ذلك وعدا. ثم بين تعالى مقدار ما يعلمون فقال: " يعلمون ~~ظاهرا من الحياة ms4841 الدنيا " يعني أمر معايشهم ودنياهم: متى يزرعون ومتى ~~يحصدون، وكيف يغرسون وكيف يبنون، قاله ابن عباس وعكرمة وقتادة. وقال ~~الضحاك: هو بنيان قصورها، وتشقيق أنهارها وغرس أشجارها، والمعنى واحد. ~~وقيل: هو ما تلقيه الشياطين إليهم من أمور الدنيا PageV14P007 # عند استراقهم السمع من سماء الدنيا، قاله سعيد بن جبير. وقيل: الظاهر ~~والباطن، كما قال في موضع آخر " أم بظاهر من القول " (1). # قلت: وقول ابن عباس أشبه بظاهر الحياة الدنيا، حتى لقد قال الحسن: بلغ ~~والله من علم أحدهم بالدنيا أنه ينقد الدرهم فيخبرك بوزنه ولا يحسن أن ~~يصلي. وقال أبو العباس المبرد: قسم كسرى أيامه فقال: يصلح يوم الريح للنوم، ~~ويوم الغيم للصيد، ويوم المطر للشرب واللهو، ويوم الشمس للحوائج. قال ابن ~~خالويه: ما كان أعرفهم بسياسة دنياهم، يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا. (وهم ~~عن الآخرة) أي عن العلم بها والعمل لها (هم غافلون) قال بعضهم: # ومن البلية أن ترى لك صاحبا * في صورة الرجل السميع المبصر فطن بكل مصيبة ~~في ماله * وإذا يصاب بدينه لم يشعر قوله تعالى: أو لم يتفكروا في أنفسهم ما ~~خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى وإن كثيرا من ~~الناس بلقاء ربهم لكافرون (8) قوله: " في أنفسهم " ظرف للتفكر وليس بمفعول، ~~تعدى إليه " يتفكروا " بحرف جر، لأنهم لم يؤمروا أن يتفكروا في خلق أنفسهم، ~~إنما أمروا أن يستعملوا التفكر في خلق السماوات والأرض وأنفسهم، حتى يعلموا ~~أن الله لم يخلق السماوات وغيرها إلا بالحق. قال الزجاج: # في الكلام حذف، أي فيعلموا، لان في الكلام دليلا عليه. (إلا بالحق) قال ~~الفراء: # معناه إلا للحق، يعني الثواب والعقاب. وقيل: إلا لإقامة الحق. وقيل: " ~~بالحق " بالعدل. وقيل: بالحكمة، والمعنى متقارب. وقيل: " بالحق " أي أنه هو ~~الحق وللحق خلقها، وهو الدلالة على توحيده وقدرته. (وأجل مسمى) أي للسموات ~~والأرض أجل # PageV14P008 # ينتهيان إليه وهو يوم القيامة. وفي هذا تنبيه على الفناء، وعلى أن لكل ~~مخلوق أجلا، وعلى ثواب المحسن وعقاب المسئ. وقيل: " وأجل مسمى " أي خلق ما ~~خلق ms4842 في وقت سماه لان يخلق ذلك الشئ فيه. (وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم ~~لكافرون) اللام للتوكيد، والتقدير: لكافرون بلقاء ربهم، على التقديم ~~والتأخير، أي لكافرون بالبعث بعد الموت. # وتقول: إن زيدا في الدار لجالس. ولو قلت: إن زيدا لفي الدار لجالس جاز. ~~فإن قلت: # إن زيدا جالس لفي الدار لم يجز، لان اللام إنما يؤتى بها توكيدا لاسم إن ~~وخبرها، وإذا جئت بهما لم يجز أن تأتي بها. وكذا إن قلت: إن زيدا لجالس لفي ~~الدار لم يجز. # قوله تعالى: أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ~~كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم ~~بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (9) قوله تعالى: ~~(أو لم يسيروا في الأرض فينظروا) ببصائرهم وقلوبهم. (كيف كان عاقبة الذين ~~من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض) أي قلبوها للزراعة، لان أهل ~~مكة لم يكونوا أهل حرث، قال الله تعالى: " تثير الأرض " (1) [البقرة: 71]. ~~(وعمروها أكثر مما عمروها) أي وعمروها أولئك أكثر مما عمروها هؤلاء فلم ~~تنفعهم عمارتهم ولا طول مدتهم. # (وجاءتهم رسلهم بالبينات) أي بالمعجزات. وقيل: بالأحكام فكفروا ولم ~~يؤمنوا. # (فما كان الله ليظلمهم) بأن أهلكهم بغير ذنب ولا رسل ولا حجة. (ولكن ~~كانوا أنفسهم يظلمون) بالشرك والعصيان. # قوله تعالى: ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوأى أن كذبوا بآيات الله ~~وكانوا بها يستهزءون (10) # PageV14P009 # قوله تعالى: (ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوءى) السوءى فعلى من السوء ~~تأنيث الأسوأ وهو الأقبح، كما أن الحسنى تأنيث الأحسن. وقيل: يعني بها ~~هاهنا النار، قاله ابن عباس. ومعنى " أساءوا " أشركوا، دل عليه " أن كذبوا ~~بآيات الله ". " السوءى ": # اسم جهنم، كما أن الحسنى اسم الجنة. (أن كذبوا بآيات الله) أي لان كذبوا ~~قاله الكسائي. # وقيل: بأن كذبوا. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو " ثم كان عاقبة الذين " ~~بالرفع اسم كان، وذكرت لان تأنيثها غير حقيقي. و " السوأى " خبر كان. ~~والباقون بالنصب على خبر كان. # " السوءى " بالرفع اسم ms4843 كان. ويجوز أن يكون اسمها التكذيب، فيكون التقدير: ~~ثم كان التكذيب عاقبة الذين أساءوا ويكون السوءى مصدرا لأساؤا، أو صفة ~~لمحذوف، أي الخلة السوءى. وروي عن الأعمش أنه قرأ " ثم كان عاقبة الذين ~~أساءوا السوء " برفع السوء. # قال النحاس: السوء أشد الشر، والسوءى الفعلي منه. (أن كذبوا بآيات الله) ~~قيل بمحمد والقرآن، قاله الكلبي. مقاتل: بالعذاب أن ينزل بهم. الضحاك: ~~بمعجزات محمد صلى الله عليه وسلم. (وكانوا بها يستهزئون). # قوله تعالى: الله يبدؤا الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون (11) ويوم تقوم ~~الساعة يبلس المجرمون (12) ولم يكن لهم من شركائهم شفعاء وكانوا بشركائهم ~~كافرين (13) قرأ أبو عمرو وأبو بكر " يرجعون " بالياء. الباقون بالتاء. ~~(ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون) وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي " يبلس " ~~بفتح اللام، والمعروف في اللغة: أبلس الرجل إذا سكت وانقطعت حجته، ولم يؤمل ~~أن يكون له حجة. وقريب منه: تحير، كما قال العجاج: # يا صاح هل تعرف رسما مكرسا * قال نعم أعرفه وأبلسا (1) # PageV14P010 # وقد زعم بعض النحويين أن إبليس مشتق من هذا، وأنه أبلس لأنه انقطعت حجته. # النحاس: ولو كان كما قال لوجب أن ينصرف، وهو في القرآن غير منصرف. ~~الزجاج: # المبلس الساكت المنقطع في حجته، اليائس من أن يهتدي إليها. (ولم يكن لهم ~~من شركائهم) أي ما عبدوه من دون الله (شفعاء وكانوا بشركائهم كافرين) قالوا ~~ليسوا بآلهة فتبرؤا منها وتبرأت منهم، حسبما تقدم في غير موضع. # قوله تعالى: ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون (14) فأما الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون (15) قوله تعالى: (ويوم تقوم الساعة ~~يومئذ يتفرقون) يعني المؤمنين من الكافرين. # ثم بين كيف تفريقهم فقال: (فأما الذين آمنوا) قال النحاس: سمعت الزجاج ~~يقول: # معنى " أما " دع ما كنا فيه وخذ في غيره. وكذا قال سيبويه: إن معناها ~~مهما كنا (1) في شئ فخذ في غير ما كنا فيه. (فهم في روضة يحبرون) قال ~~الضحاك: الروضة الجنة، والرياض الجنان. وقال أبو عبيد: الروضة ما كان في ~~تسفل، فإذا كانت مرتفعة فهي ترعة. وقال غيره: ms4844 أحسن ما تكون الروضة إذا كانت ~~في موضع مرتفع غليظ، كما قال الأعشى: # ما روضة من رياض الحزن معشبة * خضراء جاد عليها مسبل هطل (2) يضاحك الشمس ~~منها كوكب شرق * مؤزر بعميم النبت مكتهل (3) يوما بأطيب منها نشر رائحة * ~~ولا بأحسن منها إذ دنا الأصل (4) إلا أنه لا يقال لها روضة إلا إذا كان ~~فيها نبت، فإن لم يكن فيها نبت وكانت مرتفعة فهي ترعة. وقد قيل في الترعة ~~غير هذا. وقال القشيري: والروضة عند العرب ما ينبت حول # PageV14P011 # الغدير من البقول، ولم يكن عند العرب شئ أحسن منه. الجوهري: والجمع روض ~~ورياض، صارت الواو ياء لكسر ما قبلها. والروض: نحو من نصف القربة ماء. # وفي الحوض روضة من ماء إذا غطى أسفله. وأنشد أبو عمرو: # * وروضة سقيت منها نضوتي (1) * (يحبرون) قال الضحاك وابن عباس: يكرمون. ~~وقيل ينعمون، وقاله مجاهد وقتادة. # وقيل يسرون. السدي: يفرحون. والحبرة عند العرب: السرور والفرح، ذكره ~~الماوردي. # وقال الجوهري: الحبر: الحبور وهو السرور، ويقال: حبره يحبره (بالضم) حبرا ~~وحبرة، قال تعالى: " فهم في روضة يحبرون " أي ينعمون ويكرمون ويسرون. ورجل ~~يحبور (2) يفعول من الحبور. النحاس: وحكى الكسائي حبرته أي أكرمته ونعمته. ~~وسمعت علي بن سليمان يقول: هو مشتق من قولهم: على أسنانه حبرة أي أثر، ف‍ " ~~- يحبرون " يتبين عليهم أثر النعيم. # والحبر مشتق من هذا. قال الشاعر: # لا تملأ الدلو وعرق فيها (3) * أما ترى حبار من يسقيها وقيل: أصله من ~~التحبير وهو التحسين، ف‍ " - يحبرون " يحسنون. يقال: فلان حسن الحبر والسبر ~~إذا كان جميلا حسن الهيئة. ويقال أيضا: فلان حسن الحبر والسبر (بالفتح)، ~~وهذا كأنه مصدر قولك: حبرته حبرا إذا حسنته. والأول اسم، ومنه الحديث: ~~(يخرج رجل من النار ذهب حبره وسبره) وقال يحيى بن أبي كثير " في روضة ~~يحبرون " قال: السماع (4) في الجنة، وقاله الأوزاعي، قال: إذا أخذ أهل ~~الجنة في السماع (4) لم تبق شجرة في الجنة إلا رددت الغناء بالتسبيح ~~والتقديس. وقال الأوزاعي: ليس أحد من خلق الله أحسن صوتا من إسرافيل، فإذا ~~أخذ ms4845 في السماع قطع على أهل سبع سماوات صلاتهم وتسبيحهم. زاد غير الأوزاعي: # ولم تبق شجرة في الجنة إلا رددت، ولم يبق ستر ولا باب إلا ارتج وانفتح، ~~ولم تبق حلقة # PageV14P012 # إلا طنت بألوان طنينها، ولم تبق أجمة من آجام الذهب إلا وقع أهبوب الصوت ~~في مقاصبها فزمرت تلك المقاصب بفنون الزمر، ولم تبق جارية من جوار الحور ~~العين إلا غنت بأغانيها، والطير بألحانها، ويوحى الله تبارك وتعالى إلى ~~الملائكة أن جاوبوهم وأسمعوا عبادي الذين نزهوا أسماعهم عن مزامير الشيطان ~~فيجاوبون بألحان وأصوات روحانيين فتختلط هذه الأصوات فتصير رجة واحدة، ثم ~~يقول الله جل ذكره: يا داود قم عند ساق عرشي فمجدني، فيندفع داود بتمجيد ~~ربه بصوت يغمر الأصوات ويجليها (1) وتتضاعف اللذة، فذلك قوله تعالى: # " فهم في روضة يحبرون ". ذكره الترمذي الحكيم رحمه الله. وذكر الثعلبي من ~~حديث أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يذكر الناس، فذكر ~~الجنة وما فيها من الأزواج والنعيم، وفي أخريات القوم أعرابي فقال: يا رسول ~~الله، هل في الجنة من سماع؟ # فقال: (نعم يا أعرابي! إن في الجنة لنهرا حافتاه الأبكار من كل بيضاء ~~خمصانية يتغنين بأصوات لم تسمع الخلائق بمثلها قط فذلك أفضل نعيم الجنة) ~~فسأل رجل أبا الدرداء: # بماذا يتغنين؟ فقال: بالتسبيح. والخمصانية: المرهفة الاعلى، الخمصانة ~~البطن، الضخمة الأسفل. # قلت: وهذا كله من النعيم والسرور والاكرام، فلا تعارض بين تلك الأقوال. ~~وأين هذا من قوله الحق: " فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين " [السجدة: ~~17] على ما يأتي (2). وقوله عليه السلام: # (فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر). وقد روي: (إن في ~~الجنة لأشجارا عليها أجراس من فضة، فإذا أراد أهل الجنة السماع بعث الله ~~ريحا من تحت العرش فتقع في تلك الأشجار (3) فتحرك تلك الأجراس بأصوات لو ~~سمعها أهل الدنيا لماتوا طربا). # ذكره الزمخشري. # PageV14P013 # قوله تعالى: وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة فأولئك في ~~العذاب محضرون (16) قوله تعالى: (وأما الذين كفروا ms4846 وكذبوا بآياتنا) تقدم ~~الكلام فيه. (ولقاء الآخرة) أي بالبعث. (فأولئك في العذاب محضرون) أي ~~مقيمون. وقيل: مجموعون. وقيل: معذبون. # وقيل: نازلون، ومنه قوله تعالى: " إذا حضر أحدكم الموت " [البقرة: 180] ~~أي نزل به، قاله ابن شجرة، والمعنى متقارب. # قوله تعالى: فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون (17) وله الحمد في ~~السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون (18) فيه ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (فسبحان الله) الآية فيه ثلاثة أقوال: الأول - أنه ~~خطاب للمؤمنين بالامر بالعبادة والحض على الصلاة في هذه الأوقات. قال ابن ~~عباس: الصلوات الخمس في القرآن، قيل له: أين؟ فقال: قال الله تعالى " ~~فسبحان الله حين تمسون " صلاة المغرب والعشاء " وحين تصبحون " صلاة الفجر " ~~وعشيا " العصر " وحين تظهرون " الظهر، وقاله الضحاك وسعيد بن جبير. وعن ابن ~~عباس أيضا وقتادة: أن الآية تنبيه على أربع صلوات: المغرب والصبح والعصر ~~والظهر، قالوا: والعشاء الآخرة هي في آية أخرى في " وزلفا من الليل " (1) ~~[هود: 114] وفي ذكر أوقات العورة. وقال النحاس: أهل التفسير على أن هذه ~~الآية " فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون " في الصلوات. وسمعت على بن ~~سليمان يقول: # حقيقته عندي: فسبحوا الله في الصلوات، لان التسبيح يكون في الصلاة، وهو ~~القول الثاني. # والقول الثالث - فسبحوا الله حين تمسون وحين تصبحون، ذكره الماوردي. وذكر ~~القول # PageV14P014 # الأول، ولفظه فيه: فصلوا لله حين تمسون وحين تصبحون. وفي تسمية الصلاة ~~بالتسبيح وجهان: أحدهما - لما تضمنها من ذكر التسبيح في الركوع والسجود. ~~الثاني - مأخوذ من السبحة والسبحة الصلاة، ومنه قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: (تكون لهم سبحة يوم القيامة) أي صلاة. # الثانية - قوله تعالى: (وله الحمد في السماوات والأرض) اعتراض بين الكلام ~~بدءوب الحمد على نعمه وآلائه. وقيل: معنى " وله الحمد " أي الصلاة له ~~لاختصاصها بقراءة الحمد. والأول أظهر، فإن الحمد لله من نوع تعظيم الله ~~تعالى والحض على عبادته ودوام نعمته، فيكون نوعا آخر خلاف الصلاة، والله ~~أعلم. وبدأ بصلاة المغرب لان الليل يتقدم النهار. # وفى سورة " سبحان " (1) بدأ بصلاة الظهر إذ هي أول صلاة صلاها جبريل ms4847 ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم. الماوردي: وخص صلاة الليل باسم التسبيح وصلاة ~~النهار بأسم الحمد لان للانسان في النهار متقلبا في أحوال توجب حمد الله ~~تعالى عليها، وفي الليل على خلوة توجب تنزيه الله من الأسواء فيها، فلذلك ~~صار الحمد بالنهار أخص فسميت به صلاة النهار، والتسبيح بالليل أخص فسميت به ~~صلاة الليل. # الثالثة - قرأ عكرمة " حينا تمسون وحينا تصبحون " والمعنى: حينا تمسون ~~فيه وحينا تصبحون فيه، فحذف " فيه " تخفيفا، والقول فيه كالقول في " واتقوا ~~يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا " (2) [البقرة: 48]. (وعشيا) قال الجوهري: ~~العشي والعشية من صلاة المغرب إلى العتمة، تقول: أتيته عشية أمس وعشي أمس. ~~وتصغير العشي: عشيان، على غير [قياس] مكبره، كأنهم صغروا عشيانا، والجمع ~~عشيانات. وقيل أيضا في تصغيره: # عشيشيان، والجمع عشيشيات. وتصغير العشية عشيشية، والجمع عشيشيات. والعشاء ~~(بالكسر (3) والمد) مثل العشي. والعشاءان (4) المغرب والعتمة. وزعم قوم أن ~~العشاء من زوال الشمس إلى طلوع الفجر، وأنشدوا: # غدونا غدوة سحرا بليل * عشاء بعدما انتصف النهار # PageV14P015 # الماوردي: والفرق بين المساء والعشاء: أن المساء بدو الظلام بعد المغيب، ~~والعشاء آخر النهار عند ميل الشمس للمغيب، وهو مأخوذ من عشا العين وهو نقص ~~النور من الناظر كنقص نور الشمس. # قوله تعالى: يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحيى الأرض بعد ~~موتها وكذلك تخرجون (19) بين كمال قدرته، أي كما أحيا الأرض بإخراج النبات ~~بعد همودها، كذلك يحييكم بالبعث. # وفي هذا دليل على صحة القياس، وقد مضى في " آل عمران " بيان " يخرج الحي ~~من الميت " (1) [آل عمران: 27]. # قوله تعالى: ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون (20) ~~ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ~~ورحمة إن في ذلك لايات لقوم يتفكرون (21) ومن آياته خلق السماوات والأرض ~~واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لايات للعالمين (22) ومن آياته منامكم ~~بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله إن في ذلك لايات لقوم يسمعون (23) ومن ~~آياته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من السماء ماء فيحيي ms4848 به الأرض بعد ~~موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون (24) ومن آياته أن تقوم السماء والأرض ~~بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون (25) وله من في السماوات ~~والأرض كل له قانتون (26) # PageV14P016 # قوله تعالى: (ومن آياته أن خلقكم من تراب) أي من علامات ربوبيته ~~ووحدانيته أن خلقكم من تراب، أي خلق أباكم منه والفرع كالأصل، وقد مضى بيان ~~هذا في " الانعام " (1). # و " أن " في موضع رفع بالابتداء وكذا " أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا ". # (ثم إذا أنتم بشر تنتشرون) ثم أنتم عقلاء ناطقون تتصرفون فيما هو قوام ~~معايشكم، فلم يكن ليخلقكم عبثا، ومن قدر على هذا فهو أهل للعبادة والتسبيح. ~~ومعنى: (خلق لكم من أنفسكم أزواجا) أي نساء تسكنون إليها. " من أنفسكم " أي ~~من نطف الرجال ومن جنسكم. وقيل: المراد حواء، خلقها من ضلع آدم، قاله ~~قتادة. (وجعل بينكم مودة ورحمة) قال ابن عباس ومجاهد: المودة الجماع، ~~والرحمة الولد، وقاله الحسن. وقيل: المودة والرحمة عطف قلوبهم بعضهم على ~~بعض. وقال السدي: المودة: المحبة، والرحمة: الشفقة، وروي معناه عن ابن عباس ~~قال: المودة حب الرجل امرأته، والرحمة رحمته إياها أن يصيبها بسوء. ويقال: # إن الرجل أصله من الأرض، وفيه قوة الأرض، وفيه الفرج الذي منه بدئ خلقه ~~فيحتاج إلى سكن، وخلقت المرأة سكنا للرجل، قال الله تعالى: " ومن آياته أن ~~خلقكم من تراب " الآية. وقال: " ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا ~~لتسكنوا إليها " فأول ارتفاق الرجل بالمرأة سكونه إليها مما فيه من غليان ~~القوة، وذلك أن الفرج إذا تحمل (2) فيه هيج ماء الصلب إليه، فإليها يسكن ~~وبها يتخلص من الهياج، وللرجال خلق البضع منهن، قال الله تعالى: # " وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم " (3) [الشعراء: 166] فأعلم الله عز ~~وجل الرجال أن ذلك الموضع خلق منهن للرجال، فعليها بذله في كل وقت يدعوها ~~الزوج، فإن منعته فهي ظالمة وفي حرج عظيم، ويكفيك من ذلك ما ثبت في صحيح ~~مسلم من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى ms4849 الله عليه وسلم: (والذي نفسي ~~بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشها فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ~~ساخطا عليها حتى يرضى عنها). وفي لفظ آخر: (إذا باتت المرأة هاجرة فراش ~~زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح). (ومن آياته خلق السماوات والأرض) تقدم # PageV14P017 # في " البقرة " (1) وكانوا يعترفون بأن الله هو الخالق. (واختلاف ألسنتكم ~~وألوانكم) اللسان في الفم، وفيه اختلاف اللغات: من العربية والعجمية ~~والتركية والرومية. واختلاف الألوان في الصور: من البياض والسواد والحمرة، ~~فلا تكاد ترى أحدا إلا وأنت تفرق بينه وبين الآخر. وليس هذه الأشياء من فعل ~~النطفة ولا من فعل الأبوين، فلا بد من فاعل، فعلم أن الفاعل هو الله تعالى، ~~فهذا من أدل دليل على المدبر البارئ. (إن في ذلك لآيات للعالمين) (2) أي ~~للبر والفاجر. وقرأ حفص: " للعالمين " بكسر اللام جمع عالم. # (ومن آياته منامكم بالليل والنهار) قيل: في هذه الآية تقديم وتأخير، ~~والمعنى: # ومن آياته منامكم بالليل وابتغاؤكم من فضله بالنهار، فحذف حرف الجر ~~لاتصاله بالليل وعطفه عليه، والواو تقوم مقام حرف الجر إذا اتصلت بالمعطوف ~~عليه في الاسم الظاهر خاصة، فجعل النوم بالليل دليلا على الموت، والتصرف ~~بالنهار دليلا على البعث. (إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون) يريد سماع تفهم ~~وتدبر. وقيل: يسمعون الحق فيتبعونه. وقيل: # يسمعون الوعظ فيخافونه. وقيل: يسمعون القرآن فيصدقونه، والمعنى متقارب. ~~وقيل: # كان منهم من إذا تلي القرآن وهو حاضر سد أذنيه حتى لا يسمع، فبين الله عز ~~وجل هذه الدلائل عليه. (ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا) قيل: المعنى أن ~~يريكم، فحذف " أن " لدلالة الكلام عليه، قال طرفة: # ألا أيهذا اللائمي أحضر الوغى * وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي وقيل: هو ~~على التقديم والتأخير، أي ويريكم البرق من آياته. وقيل: أي ومن آياته آية ~~يريكم بها البرق، كما قال الشاعر: (3) وما الدهر إلا تارتان فمنهما * أموت ~~وأخرى أبتغي العيش أكدح وقيل: أي من آياته أنه يريكم البرق خوفا وطمعا من ~~آياته، قاله الزجاج، فيكون عطف جملة على جملة. " خوفا ms4850 " أي للمسافر. " ~~وطمعا " للمقيم، قاله قتادة. الضحاك: # PageV14P018 # " خوفا " من الصواعق، " وطمعا " في الغيث. يحيى بن سلام: " خوفا " من ~~البرد أن يهلك الزرع، " وطمعا " في المطر أن يحيي الزرع. ابن بحر: " خوفا " ~~أن يكون البرق برقا خلبا لا يمطر، " وطمعا " أن يكون ممطرا، وأنشد قول ~~الشاعر: # لا يكن برقك برقا خلبا * إن خير البرق ما الغيث معه وقال آخر: # فقد أرد المياه بغير زاد * سوى عدي لها برق الغمام والبرق الخلب: الذي لا ~~غيث فيه كأنه خادع، ومنه قيل لمن يعد ولا ينجز: إنما أنت كبرق خلب. والخلب ~~أيضا: السحاب الذي لا مطر فيه. ويقال: برق خلب، بالإضافة. (وينزل من السماء ~~ماء فيحيى به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون) تقدم. (ومن ~~آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره) " أن " في محل رفع كما تقدم، أي قيامها ~~واستمساكها بقدرته بلا عمد. وقيل: بتدبيره وحكمته، أي يمسكها بغير عمد ~~لمنافع الخلق. وقيل: " بأمره " بإذنه، والمعنى واحد. " ثم إذا دعاكم دعوة ~~من الأرض إذا أنتم تخرجون " أي الذي فعل هذه الأشياء قادر على أن يبعثكم من ~~قبوركم، والمراد سرعة وجود ذلك من غير توقف ولا تلبث، كما يجيب الداعي ~~المطاع مدعوه، كما قال القائل: # دعوت كليبا باسمه فكأنما * دعوت برأس الطود أو هو أسرع (1) يريد برأس ~~الطود: الصدى أو الحجر إذا تدهده. وإنما عطف هذا على قيام السماوات والأرض ~~ب‍ " ثم " لعظم ما يكون من ذلك الامر واقتداره على مثله، وهو أن يقول: يأهل ~~القبور قوموا، فلا تبقى نسمة من الأولين والآخرين إلا قامت تنظر، كما قال ~~تعالى: " ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون " (2) [الزمر: 68]. " وإذا " ~~الأولى في قوله تعالى: # PageV14P019 # " إذا دعاكم " للشرط، والثانية في قوله تعالى: " إذا أنتم " للمفاجأة، ~~وهي تنوب مناب الفاء في جواب الشرط. وأجمع القراء على فتح التاء هنا في " ~~تخرجون ". واختلفوا في التي في " الأعراف " فقرأ أهل المدينة: " ومنها ~~تخرجون " (1) [الأعراف: 25] بضم التاء، وقرأ أهل العراق: بالفتح، وإليه ~~يميل أبو عبيد. والمعنيان متقاربان، إلا ms4851 أن أهل المدينة فرقوا بينهما لنسق ~~الكلام، فنسق الكلام في التي في " الأعراف " بالضم أشبه، إذ كان الموت ليس ~~من فعلهم، وكذا الاخراج. والفتح في سورة الروم أشبه بنسق الكلام، أي إذا ~~دعاكم خرجتم أي أطعتم، فالفعل [بهم] (2) أشبه. وهذا الخروج إنما هو عند ~~نفخة إسرافيل النفخة الآخرة، على ما تقدم ويأتي. وقرئ: " تخرجون " بضم ~~التاء وفتحها، ذكره الزمخشري ولم يزد على هذا شيئا، ولم يذكر ما ذكرناه من ~~الفرق، والله أعلم. (وله من في السماوات الأرض) خلقا وملكا وعبدا. (كل له ~~قانتون) روي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # (كل قنوت في القرآن فهو طاعة). قال النحاس: مطيعون طاعة انقياد. وقيل: # " قانتون " مقرون بالعبودية، إما قالة وإما دلالة، قاله عكرمة وأبو مالك ~~والسدي. # وقال ابن عباس: " قانتون " مصلون. الربيع بن أنس: " كل له قانتون " أي ~~قائم يوم القيامة، كما قال: " يوم يقوم الناس لرب العالمين " (3) ~~[المطففين: 6] أي للحساب. الحسن: كل له قائم بالشهادة أنه عبد له. سعيد بن ~~جبير: " قانتون " مخلصون. # قوله تعالى: وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل ~~الاعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم (27) قوله تعالى: (وهو الذي ~~يبدأ الخلق ثم يعيده) أما بدء خلقه فبعلوقه في الرحم قبل ولادته، وأما ~~إعادته فإحياؤه بعد الموت بالنفخة الثانية للبعث، فجعل ما علم من ابتداء ~~خلقه دليلا على ما يخفى من إعادته، استدلالا بالشاهد على الغائب، ثم أكد ~~ذلك بقوله # PageV14P020 # " وهو أهون عليه " وقرأ ابن مسعود وابن عمر: " يبدئ الخلق " من أبدأ ~~يبدئ، دليله قوله تعالى: " إنه هو يبدئ ويعيد " (1) [البروج: 13]. ودليل ~~قراءة العامة قوله سبحانه: " كما بدأكم تعودون " (2) [الأعراف: 29]. # و " أهون " بمعنى هين، أي الإعادة هين عليه، قاله الربيع بن خثيم والحسن. ~~فأهون بمعنى هين، لأنه ليس شئ أهون على الله من شئ. قال أبو عبيدة: ومن جعل ~~أهون يعبر عن تفضيل شئ على شئ فقوله مردود بقوله تعالى: " وكان ذلك على ~~الله يسيرا " [النساء: 30] وبقوله: # " ولا يؤوده ms4852 حفظهما " [البقرة: 255]. والعرب تحمل أفعل على فاعل، ومنه ~~قول الفرزدق: # إن الذي سمك السماء بنى لنا * بيتا دعائمه أعز وأطول أي دعائمه عزيزة ~~طويلة. وقال آخر: (3) لعمرك ما أدري وإني لأوجل * على أينا تعدو المنية أول ~~أراد: إني لوجل. وأنشد أبو عبيدة أيضا: # إني لأمنحك الصدود وإنني * قسما إليك مع الصدود لأميل (4) أراد لمائل. ~~وأنشد أحمد بن يحيى: # تمنى رجال أن أموت وإن أمت * فتلك سبيل لست فيها بأوحد أراد بواحد. وقال ~~آخر: # لعمرك إن الزبرقان لباذل * لمعروفه عند السنين وأفضل أي وفاضل. ومنه ~~قولهم: الله أكبر، إنما معناه الله الكبير. وروى معمر عن قتادة قال: # في قراءة عبد الله بن مسعود " وهو عليه هين ". وقال مجاهد وعكرمة ~~والضحاك: إن المعنى أن الإعادة أهون عليه - أي على الله - من البداية، أي ~~أيسر، وإن كان جميعه على الله تعالى هينا، وقاله ابن عباس. ووجهه أن هذا ~~مثل ضربه الله تعالى لعباده، يقول: إعادة الشئ على الخلائق أهون من ~~ابتدائه، فينبغي أن يكون البعث لمن قدر على البداية عندكم وفيما بينكم # PageV14P021 # أهون عليه من الانشاء. وقيل: الضمير في " عليه " للمخلوقين، أي وهو أهون ~~عليه، أي على الخلق، يصاح بهم صيحة واحدة فيقومون ويقال لهم: كونوا ~~فيكونون، فذلك أهون عليهم من أن يكونوا نطفا ثم علقا ثم مضغا ثم أجنة ثم ~~أطفالا ثم غلمانا ثم شبانا ثم رجالا أو نساء. # وقاله ابن عباس وقطرب. وقيل: أهون أسهل، قال: # وهان على أسماء أن شطت النوى * يحن إليها واله ويتوق أي سهل عليها، وقال ~~الربيع بن خثيم في قوله تعالى: " وهو أهون عليه " قال: ما شئ على الله ~~بعزيز. عكرمة: تعجب الكفار من إحياء الله الموتى فنزلت هذه الآية. " وله ~~المثل الاعلى " أي ما أراده عز وجل كان. وقال الخليل: المثل الصفة، أي وله ~~الوصف الاعلى " في السماوات والأرض " كما قال: " مثل الجنة التي وعد ~~المتقون " [الرعد: 35] أي صفتها. وقد مضى الكلام في ذلك. (1) وعن مجاهد: " ~~المثل الاعلى " قول لا إله إلا الله، ومعناه: أي ms4853 الذي له الوصف الاعلى، أي ~~الا رفع الذي هو الوصف بالوحدانية. وكذا قال قتادة: إن المثل الاعلى شهادة ~~أن لا إله إلا الله، ويعضده قوله تعالى: " ضرب لكم مثلا من أنفسكم " على ما ~~نبينه آنفا إن شاء الله تعالى. وقال الزجاج: " وله المثل الاعلى في ~~السماوات والأرض " أي قوله: " وهو أهون عليه " قد ضربه لكم مثلا فيما يصعب ~~ويسهل، يريد التفسير الأول. وقال ابن عباس: أي ليس كمثله شئ (وهو العزيز ~~الحكيم) تقدم (2). # قوله تعالى: ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء ~~في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل الآيات ~~لقوم يعقلون (28) # PageV14P022 # فيه مسألتان: # الأولى - قوله تعالى: " من أنفسكم " ثم قال: " من شركاء "، ثم قال: " مما ~~ملكت أيمانكم " ف‍ " - من " الأولى للابتداء، كأنه قال: أخذ مثلا وانتزعه ~~من أقرب شئ منكم وهي أنفسكم. والثانية للتبعيض، والثالثة زائدة لتأكيد ~~الاستفهام. والآية نزلت في كفار قريش، كانوا يقولون في التلبية: لبيك لا ~~شريك لك إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك، قاله سعيد بن جبير. وقال قتادة: ~~هذا مثل ضربه الله للمشركين، والمعنى: هل يرضى أحدكم أن يكون مملوكه في ~~ماله ونفسه مثله، فإذا لم ترضوا بهذا لأنفسكم فكيف جعلتم لله شركاء. # الثانية - قال بعض العلماء: هذه الآية أصل في الشركة بين المخلوقين ~~لافتقار بعضهم إلى بعض ونفيها عن الله سبحانه، وذلك أنه لما قال عز وجل: " ~~ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم مما ملكت أيمانكم " الآية، فيجب أن يقولوا: ~~ليس عبيدنا شركاءنا فيما رزقتنا! فيقال لهم: فكيف يتصور أن تنزهوا نفوسكم ~~عن مشاركة عبيدكم وتجعلوا عبيدي شركائي في خلقي، فهذا حكم فاسد وقلة نظر ~~وعمى قلب! فإذا بطلت الشركة بين العبيد وساداتهم فيما يملكه السادة والخلق ~~كلهم عبيد لله تعالى فيبطل أن يكون شئ من العالم شريكا لله تعالى في شئ من ~~أفعاله، فلم يبق إلا أنه واحد يستحيل أن يكون له شريك، إذ الشركة تقتضي ~~المعاونة، ونحن مفتقرون إلى ms4854 معاونة بعضنا بعضا بالمال والعمل، والقديم ~~الأزلي منزه عن ذلك عز وجل. # وهذه المسألة أفضل للطالب من حفظ ديوان كامل في الفقه، لان جميع العبادات ~~البدنية لا تصح إلا بتصحيح هذه المسألة في القلب، فافهم ذلك. # قوله تعالى: بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدى من أضل الله ~~وما لهم من ناصرين (29) قوله تعالى: (بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير ~~علم) لما قامت عليهم الحجة ذكر أنهم يعبدون الأصنام باتباع أهوائهم في ~~عبادتها وتقليد الأسلاف في ذلك. (فمن يهدى من أضل الله) أي لا هادي لمن ~~أضله الله تعالى. وفي هذا رد على القدرية. (وما لهم من ناصرين) PageV14P023 # قوله تعالى: فأقم وجهك حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل ~~لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون (30) قوله تعالى: ~~(فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله) فيه ثلاث مسائل: # الأولى - قال الزجاج: " فطرة " منصوب بمعنى اتبع فطرة الله. قال: لان ~~معنى " فأقم وجهك للدين " اتبع الدين الحنيف واتبع فطرة الله. وقال الطبري: ~~" فطرة الله " مصدر من معنى: " فأقم وجهك " لان معنى ذلك: فطر الله الناس ~~على ذلك فطرة. وقيل: معنى ذلك اتبعوا دين الله الذي خلق الناس له، وعلى هذا ~~القول يكون الوقف على " حنيفا " تاما. # وعلى القولين الأولين يكون متصلا، فلا يوقف على " حنيفا ". وسميت الفطرة ~~دينا لان الناس يخلقون له، قال عز وجل: " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ~~" (1) [الذاريات:]. ويقال: # " عليها " بمعنى لها، كقوله تعالى: " وإن أسأتم فلها " (2) [الاسراء:]. ~~والخطاب ب‍ " - أقم وجهك " للنبي صلى الله عليه وسلم، أمره بإقامة وجهه ~~للدين المستقيم، كما قال: " فأقم وجهك للدين القيم " (3) [الروم:] وهو دين ~~الاسلام. وإقامة الوجه هو تقويم المقصد والقوة على الجد في أعمال الدين، ~~وخص الوجه بالذكر لأنه جامع حواس الانسان وأشرفه. ودخل في هذا الخطاب أمته ~~باتفاق من أهل التأويل. و " حنيفا " معناه معتدلا مائلا عن جميع الأديان ~~المحرفة المنسوخة. # الثانية - في الصحيح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى ms4855 الله عليه وسلم: # (ما من مولود إلا يولد على الفطرة - في رواية) على هذه الملة - أبواه ~~يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء (4) هل تحسون فيها ~~من جدعاء) ثم يقول أبو هريرة: # واقرؤوا إن شئتم، " فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ~~"، في رواية: (حتى # PageV14P024 # تكونوا أنتم تجدعونها) قالوا: يا رسول الله، أفرأيت من يموت صغيرا؟ قال: ~~(الله أعلم بما كانوا عاملين). لفظ مسلم. # الثالثة - واختلف العلماء في معنى الفطرة المذكورة في الكتاب والسنة على ~~أقوال متعددة، منها الاسلام، قاله أبو هريرة وابن شهاب وغيرهما، قالوا: وهو ~~المعروف عند عامة السلف من أهل التأويل، واحتجوا بالآية وحديث أبي هريرة، ~~وعضدوا ذلك بحديث عياض بن حمار المجاشعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال للناس يوما: (ألا أحدثكم بما حدثني الله في كتابه، أن الله خلق آدم ~~وبنيه حنفاء مسلمين، وأعطاهم المال حلالا لا حرام فيه فجعلوا مما أعطاهم ~~الله حلالا وحراما..) الحديث. وبقوله صلى الله عليه وسلم: (خمس من ~~الفطرة...) فذكر منها قص الشارب، وهو من سنن الاسلام، وعلى هذا التأويل ~~فيكون معنى الحديث: أن الطفل خلق سليما من الكفر على الميثاق الذي أخذه ~~الله على ذرية آدم حين أخرجهم من صلبه، وأنهم إذا ماتوا قبل أن يدركوا في ~~الجنة، أولاد مسلمين كانوا أو أولاد كفار. وقال آخرون: الفطرة هي البداءة ~~التي ابتدأهم الله عليها، أي على ما فطر الله عليه خلقه من أنه ابتدأهم ~~للحياة والموت والسعادة والشقاء، وإلى ما يصيرون إليه عند البلوغ. # قالوا: والفطرة في كلام العرب البداءة. والفاطر: المبتدئ، واحتجوا بما ~~روي عن ابن عباس أنه قال: لم أكن أدري ما فاطر السماوات والأرض حتى أتى ~~أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، أي ابتدأتها. قال ~~المروزي: كان أحمد بن حنبل يذهب إلى هذا القول ثم تركه. قال أبو عمر في ~~كتاب التمهيد له: ما رسمه مالك في موطئه وذكر في باب القدر (1) فيه من ~~الآثار - يدل على أن مذهبه ms4856 في ذلك نحو هذا، والله أعلم. ومما احتجوا به ما ~~روي عن كعب القرظي في قول الله تعالى: " فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة ~~" (2) [الأعراف:] قال: # من ابتدأ الله خلقه للضلالة صيره إلى الضلالة وإن عمل بأعمال الهدى، ومن ~~ابتدأ الله خلقه على الهدى صيره إلى الهدى وإن عمل بأعمال الضلالة، ابتدأ ~~الله خلق إبليس على الضلالة وعمل بأعمال السعادة مع الملائكة، ثم رده الله ~~إلى ما ابتدأ عليه خلقه، قال: وكان من الكافرين. # PageV14P025 # قلت: قد مضى قول كعب هذا في " الأعراف " وجاء معناه مرفوعا من حديث عائشة ~~رضي الله عنها قالت: دعي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنازة غلام من ~~الأنصار فقلت: # يا رسول الله، طوبى لهذا عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل السوء ولم ~~يدركه! قال: # (أو غير ذلك يا عائشة! إن الله خلق للجنة أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب ~~آبائهم، وخلق للنار أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم) خرجه ابن ماجة في ~~السنن. وخرج أبو عيسى الترمذي عن عبد الله بن عمرو قال: خرج علينا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وفي يده كتابان فقال: # (أتدرون ما هذان الكتابان)؟ فقلنا: لا يا رسول الله، إلا أن تخبرنا، فقال ~~للذي في يده اليمنى: (هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل الجنة وأسماء ~~آبائهم وقبائلهم ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدا - ثم ~~قال للذي في شماله - هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل النار وأسماء ~~آبائهم وقبائلهم ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدا...) ~~وذكر الحديث، وقال فيه: حديث حسن. وقالت فرقة: ليس المراد بقوله تعالى: " ~~فطر الناس عليها " ولا قوله عليه السلام: (كل مولود يولد على الفطرة) ~~العموم، وإنما المراد بالناس المؤمنون، إذا لو فطر الجميع على الاسلام لما ~~كفر أحد، وقد ثبت أنه خلق أقواما للنار، كما قال تعالى: " ولقد ذرأنا لجهنم ~~" (1) [الأعراف:] وأخرج الذرية من صلب آدم سوداء وبيضاء. وقال في ms4857 الغلام ~~الذي قتله الخضر: طبع يوم طبع كافرا. وروى أبو سعيد الخدري قال: صلى بنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر بنهار (2)، وفيه: وكان فيما حفظنا أن ~~قال: (ألا إن بني آدم خلقوا طبقات شتى فمنهم من يولد مؤمنا ويحيا مؤمنا ~~ويموت مؤمنا، ومنهم من يولد كافرا ويحيا كافرا ويموت كافرا، ومنهم من يولد ~~مؤمنا ويحيا مؤمنا ويموت كافرا، ومنهم من يولد كافرا ويحيا كافرا ويموت ~~مؤمنا، ومنهم حسن القضاء حسن الطلب). ذكره حماد بن زيد بن سلمة (3) في مسند ~~الطيالسي قال: حدثنا علي بن زيد عن أبي نضرة عن أبي سعيد. قالوا: والعموم ~~بمعنى الخصوص كثير في لسان العرب، ألا ترى إلى قوله # PageV14P026 # عز وجل: " تدمر كل شئ " (1) [الأحقاف:] ولم تدمر السماوات والأرض. وقوله: ~~" فتحنا عليهم أبواب كل شئ " (2) [الانعام:] ولم تفتح عليهم أبواب الرحمة. ~~وقال إسحاق بن راهويه الحنظلي: تم الكلام عند قوله: " فأقم وجهك للدين ~~حنيفا " ثم قال: " فطرة الله " أي فطر الله الخلق فطرة إما بجنة أو نار، ~~وإليه أشار النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (كل مولود يولد على الفطرة) ~~ولهذا قال: " لا تبديل لخلق الله " قال شيخنا أبو العباس: من قال هي سابقة ~~السعادة والشقاوة فهذا إنما يليق بالفطرة المذكورة في القرآن، لان الله ~~تعالى قال: " لا تبديل لخلق الله " وأما في الحديث فلا، لأنه قد أخبر في ~~بقية الحديث بأنها تبدل وتغير. وقالت طائفة من أهل الفقه والنظر: الفطرة هي ~~الخلقة التي خلق عليها المولود في المعرفة بربه، فكأنه قال: كل مولود يولد ~~على خلقة يعرف بها ربه إذا بلغ مبلغ المعرفة، يريد خلقة مخالفة لخلقة ~~البهائم التي لا تصل بخلقتها إلى معرفته. واحتجوا على أن الفطرة الخلقة، ~~والفاطر الخالق، لقول الله عز وجل: " الحمد لله فاطر السماوات (3) والأرض " ~~[فاطر:] يعني خالقهن، وبقوله: " وما لي لا أعبد الذي فطرني " (4) [يس:] ~~يعني خلقني، وبقوله: " الذي فطرهن " (5) [الأنبياء:] يعني خلقهن. قالوا: ~~فالفطرة الخلقة، والفاطر الخالق، وأنكروا أن يكون المولود يفطر على كفر أو ms4858 ~~إيمان أو معرفة أو إنكار. قالوا: # وإنما المولود على السلامة في الأغلب خلقة وطبعا وبنية ليس معها إيمان ~~ولا كفر ولا إنكار ولا معرفة، ثم يعتقدون الكفر والايمان بعد البلوغ إذا ~~ميزوا. واحتجوا بقوله في الحديث: # (كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء - يعني سالمة - هل تحسون فيها من جدعاء) ~~يعني مقطوعة الأذن. # فمثل قلوب بني آدم بالبهائم لأنها تولد كاملة الخلق ليس فيها نقصان، ثم ~~تقطع آذانها بعد وأنوفها، فيقال: هذه بحائر وهذه سوائب (6). يقول: فكذلك ~~قلوب الأطفال في حين ولادتهم ليس لهم كفر ولا إيمان، ولا معرفة ولا إنكار ~~كالبهائم السائمة، فلما بلغوا استهوتهم الشياطين فكفر أكثرهم، وعصم الله ~~أقلهم. قالوا: ولو كان الأطفال قد فطروا على شئ من الكفر والايمان في أولية ~~أمورهم ما انتقلوا عنه أبدا، وقد نجدهم يؤمنون ثم يكفرون. قالوا: # PageV14P027 # ويستحيل في المعقول أن يكون الطفل في حين ولادته يعقل كفرا أو إيمانا، ~~لان الله أخرجهم في حال لا يفقهون معها شيئا، قال الله تعالى: " والله ~~أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا " (1) [النحل:] فمن لا يعلم شيئا ~~استحال منه كفر أو إيمان، أو معرفة أو إنكار. قال أبو عمر بن عبد البر: هذا ~~أصح ما قيل في معنى الفطرة التي يولد الناس عليها. ومن الحجة أيضا في هذا ~~قوله تعالى: " إنما تجزون ما كنتم تعملون " (2) [الطور:] و " كل نفس بما ~~كسبت رهينة " (3) [المدثر:] ومن لم يبلغ وقت العمل لم يرتهن بشئ. وقال: " ~~وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا " (4) ولما أجمعوا على دفع القود والقصاص ~~والحدود والآثام عنهم في دار الدنيا كانت الآخرة أولى بذلك. # والله أعلم. ويستحيل أن تكون الفطرة المذكورة الاسلام، كما قال ابن شهاب، ~~لان الاسلام والايمان: قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح، وهذا ~~معدوم من الطفل، لا يجهل ذلك ذو عقل. وأما قول الأوزاعي: سألت الزهري عن ~~رجل عليه رقبة أيجزي عنه الصبي أن يعتقه وهو رضيع؟ قال نعم، لأنه ولد على ~~الفطرة يعني الاسلام، فإنما أجزى عتقه عند من أجازه، لان ms4859 حكمه حكم أبويه. ~~وخالفهم آخرون فقالوا: لا يجزي في الرقاب الواجبة إلا من صام وصلى، وليس في ~~قوله تعالى: " كما بدأكم تعودون " (5) [الأعراف:] ولا في (أن يختم الله ~~للعبد بما قضاه له وقدره عليه): دليل على أن الطفل يولد حين يولد مؤمنا أو ~~كافرا، لما شهدت له العقول أنه في ذلك الوقت ليس ممن يعقل إيمانا ولا كفرا، ~~والحديث الذي جاء فيه: (أن الناس خلقوا على طبقات) ليس من الأحاديث التي لا ~~مطعن فيها، لأنه انفرد به علي بن زيد بن جدعان، وقد كان شعبة (6) يتكلم ~~فيه. على أنه يحتمل قوله: (يولد مؤمنا) أي يولد ليكون مؤمنا، ويولد ليكون ~~كافرا على سابق علم الله فيه، وليس في قوله في الحديث (خلقت هؤلاء للجنة ~~وخلقت هؤلاء للنار) أكثر من مراعاة ما يختم به لهم، لا أنهم في حين طفولتهم ~~ممن يستحق جنة أو نارا، أو يعقل كفرا أو إيمانا. # PageV14P028 # قلت: وإلى ما اختاره أبو عمر واحتج له، ذهب غير واحد من المحققين منهم ~~ابن عطية في تفسيره في معنى الفطرة، وشيخنا أبو العباس. قال ابن عطية: ~~والذي يعتمد عليه في تفسير هذه اللفظة أنها الخلقة والهيئة التي في نفس ~~الطفل التي هي معدة ومهيأة لان يميز بها مصنوعات الله تعالى، ويستدل بها ~~على ربه ويعرف شرائعه ويؤمن به، فكأنه تعالى قال: أقم وجهك للدين الذي هو ~~الحنيف، وهو فطرة الله الذي على الاعداد له فطر البشر، لكن تعرضهم العوارض، ~~ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه ~~يهودانه أو ينصرانه) فذكر الأبوين إنما هو مثال للعوارض التي هي كثيرة. ~~وقال شيخنا في عبارته: # إن الله تعالى خلق قلوب بني آدم مؤهلة لقبول الحق، كما خلق أعينهم ~~وأسماعهم قابلة للمرئيات والمسموعات، فما دامت باقية على ذلك القبول وعلى ~~تلك الأهلية أدركت الحق ودين الاسلام وهو الدين الحق. وقد دل على صحة هذا ~~المعنى قوله: (كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء) يعني ~~أن البهيمة ms4860 تلد ولدها كامل الخلقة سليما من الآفات، فلو ترك على أصل تلك ~~الخلقة لبقى كاملا بريئا من العيوب، لكن يتصرف فيه (1) فيجدع أذنه ويوسم ~~وجهه فتطرأ عليه الآفات والنقائص فيخرج عن الأصل، وكذلك الانسان، وهو تشبيه ~~واقع ووجهه واضح. # قلت: وهذا القول مع القول الأول موافق له في المعنى، وأن ذلك بعد الادراك ~~حين عقلوا أمر الدنيا، وتأكدت حجة الله عليهم بما نصب من الآيات الظاهرة: ~~من خلق السماوات والأرض، والشمس والقمر، والبر والبحر، واختلاف الليل ~~والنهار، فلما عملت أهواؤهم فيهم أتتهم الشياطين فدعتهم إلى اليهودية ~~والنصرانية فذهبت بأهوائهم يمينا وشمالا، وأنهم إن ماتوا صغارا فهم في ~~الجنة، أعني جميع الأطفال، لان الله تعالى لما أخرج ذرية آدم من صلبه في ~~صورة الذر أقروا له بالربوبية وهو قوله تعالى: " وإذ أخذ ربك من بني آدم من ~~ظهورهم ذرياتهم (2) وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا " (3) ~~[الأعراف:]. ثم أعادهم في صلب آدم بعد أن أقروا له بالربوبية، وأنه الله لا ~~إله غيره، ثم يكتب العبد في بطن أمه شقيا أو سعيدا على # PageV14P029 # الكتاب الأول، فمن كان في الكتاب الأول شقيا عمر حتى يجري عليه القلم ~~فينقض الميثاق الذي أخذ عليه في صلب آدم بالشرك، ومن كان في الكتاب الأول ~~سعيدا عمر حتى يجري عليه القلم فيصير سعيدا، ومن مات صغيرا من أولاد ~~المسلمين قبل أن يجري عليه القلم فهم مع آبائهم في الجنة، ومن كان من أولاد ~~المشركين فمات قبل أن يجري عليه القلم فليس يكونون مع آبائهم، لأنهم ماتوا ~~على الميثاق الأول الذي أخذ عليهم في صلب آدم ولم ينقض الميثاق. # ذهب إلى هذا جماعة من أهل التأويل، وهو يجمع بين الأحاديث، ويكون معنى ~~قوله عليه السلام لما سئل عن أولاد المشركين فقال: (الله أعلم بما كانوا ~~عاملين) يعني لو بلغوا. # ودل على هذا التأويل أيضا حديث البخاري عن سمرة بن جندب عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم - الحديث الطويل حديث الرؤيا، وفيه قوله عليه السلام: (وأما ~~الرجل الطويل ms4861 الذي في الروضة فإبراهيم عليه السلام، وأما الولدان حوله فكل ~~مولود يولد على الفطرة). قال فقيل: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وأولاد المشركين). وهذا نص يرفع الخلاف، ~~وهو أصح شئ روي في هذا الباب، وغيره من الأحاديث فيها علل وليست من أحاديث ~~الأئمة الفقهاء، قاله أبو عمر بن عبد البر. وقد روي من حديث أنس قال: سئل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولاد المشركين فقال: (لم تكن لهم حسنات ~~فيجزوا بها فيكونوا من ملوك الجنة، ولم تكن لهم سيئات فيعاقبوا عليها ~~فيكونوا من أهل النار، فهم خدم لأهل الجنة) ذكره يحيى بن سلام في التفسير ~~له. وقد زدنا هذه المسألة بيانا في كتاب التذكرة، وذكرنا في كتاب المقتبس ~~في شرح موطأ مالك بن أنس ما ذكره أبو عمر من ذلك، والحمد لله. وذكر إسحاق ~~بن راهويه قال: حدثنا يحيى بن آدم قال: أخبرنا جرير بن حازم عن أبي رجاء ~~العطاردي قال: سمعت ابن عباس يقول: لا يزال أمر هذه الأمة مواتيا أو ~~متقاربا - أو كلمة تشبه هاتين - حتى يتكلموا أو ينظروا في الأطفال والقدر. ~~قال يحيى بن آدم فذكرته لابن المبارك فقال: أيسكت الانسان على الجهل؟ قلت: ~~فتأمر بالكلام؟ # قال فسكت. وقال أبو بكر الوراق: " فطرة الله التي فطر الناس عليها " هي ~~الفقر والفاقة، وهذا حسن، فإنه منذ ولد إلى حين يموت فقير محتاج، نعم! وفي ~~الآخرة. PageV14P030 # قوله تعالى: (لا تبديل لخلق الله) أي هذه الفطرة لا تبديل لها من جهة ~~الخالق. # ولا يجئ الامر على خلاف هذا بوجه، أي لا يشقى من خلقه سعيدا، ولا يسعد من ~~خلقه شقيا. وقال مجاهد: المعنى لا تبديل لدين الله، وقاله قتادة وابن جبير ~~والضحاك وابن زيد والنخعي، قالوا: هذا معناه في المعتقدات. وقال عكرمة: ~~وروي عن ابن عباس وعمر ابن الخطاب أن المعنى: لا تغيير لخلق الله من ~~البهائم أن تخصى فحولها، فيكون معناه النهي عن خصاء الفحول من الحيوان. وقد ~~مضى هذا ms4862 في " النساء " (1). (وذلك الدين القيم) أي ذلك القضاء المستقيم، ~~قاله ابن عباس. وقال مقاتل: ذلك الحساب البين. وقيل: # " ذلك الدين القيم " أي دين الاسلام هو الدين القيم المستقيم. (ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون) أي لا يتفكرون فيعلمون أن لهم خالقا معبودا، وإلها قديما ~~سبق قضاؤه ونفذ حكمه. # قوله تعالى: منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين ~~(31) من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون (32) قوله ~~تعالى: (منيبين إليه) اختلف في معناه، فقيل: راجعين إليه بالتوبة والاخلاص. # وقال يحيى بن سلام والفراء: مقبلين إليه. وقال عبد الرحمن بن زيد: مطيعين ~~له. وقيل: # تائبين إليه من الذنوب (2)، ومنه قول [أبي] قيس بن الأسلت: # فإن تابوا فإن بني سليم * وقومهم هوازن قد أنابوا والمعنى واحد، فإن " ~~ناب وتاب وثاب وآب " معناه الرجوع. قال الماوردي: # وفي أصل الإنابة قولان: أحدهما - أن أصله القطع، ومنه أخذ اسم الناب لأنه ~~قاطع، فكأن الإنابة هي الانقطاع إلى الله عز وجل بالطاعة. الثاني - أصله ~~الرجوع، مأخوذ (3) من ناب ينوب إذا رجع مرة بعد أخرى، ومنه النوبة لأنها ~~الرجوع إلى عادة. الجوهري: # PageV14P031 # وأناب إلى الله أقبل وتاب. والنوبة واحدة النوب، تقول: جاءت نوبتك ~~ونيابتك، وهم يتناوبون النوبة فيما بينهم في الماء وغيره. وانتصب على ~~الحال. قال محمد بن يزيد: # لان معنى: " أقم وجهك " فأقيموا وجوهكم منيبين. وقال الفراء: المعنى فأقم ~~وجهك ومن معك منيبين. وقيل: انتصب على القطع، أي فأقم وجهك أنت وأمتك ~~المنيبين إليه، لان الامر له، أمر لامته، فحسن أن يقول منيبين إليه، وقد ~~قال الله تعالى: " يا أيها النبي إذا طلقتم النساء " (1) [الطلاق: 1]. ~~(واتقوه) أي خافوه وامتثلوا ما أمركم به. (وأقيموا الصلاة وال تكونوا من ~~المشركين) [بين أن العبادة لا تنفع إلا مع الاخلاص، فلذلك قال: " ولا ~~تكونوا من المشركين " (2)] وقد مضى هذا مبينا " في النساء والكهف " (3) ~~وغيرهما. (من الذين فرقوا دينهم) تأوله أبو هريرة وعائشة وأبو أمامة: أنه ~~لأهل القبلة من أهل الأهواء والبدع. وقد مضى " في الانعام " (4) بيانه. ~~وقال ms4863 الربيع بن أنس: الذين فرقوا دينهم أهل الكتاب من اليهود والنصارى، ~~وقاله قتادة ومعمر. وقرأ حمزة والكسائي: " فارقوا دينهم "، وقد قرأ ذلك علي ~~ابن أبي طالب، أي فارقوا دينهم الذي يجب اتباعه، وهو التوحيد. (وكانوا ~~شيعا) أي فرقا، قاله الكلبي. وقيل أديانا، قاله مقاتل. (كل حزب بما لديهم ~~فرحون) أي مسرورون معجبون، لأنهم لم يتبينوا الحق وعليهم أن يتبينوه. وقيل: ~~كان هذا قبل أن تنزل الفرائض. وقول ثالث: أن العاصي لله عز وجل قد يكون ~~فرحا بمعصيته، فكذلك الشيطان وقطاع الطريق وغيرهم، والله أعلم. وزعم الفراء ~~أنه يجوز أن يكون التمام " ولا تكونوا من المشركين " ويكون المعنى: من ~~الذين فارقوا دينهم " وكانوا شيعا " على الاستئناف، وأنه يجوز أن يكون ~~متصلا بما قبله. [النحاس: وإذا كان متصلا بما قبله] (2) فهو عند البصريين ~~على البدل بإعادة الحرف، كما قال جل وعز: " قال الملا الذين استكبروا من ~~قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم " [الأعراف: 75] ولو كان بلا حرف لجاز. # PageV14P032 # قوله تعالى: وإذ ا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه ~~رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون (33) قوله تعالى: (وإذا مس الناس ضر) أي ~~قحط وشدة (دعوا ربهم) أن يرفع ذلك عنهم (منيبين إليه) قال ابن عباس: مقبلين ~~عليه بكل قلوبهم لا يشركون. ومعنى هذا الكلام التعجب، عجب نبيه من المشركين ~~في ترك الإنابة إلى الله تعالى مع تتابع الحجج عليهم، أي إذا مس هؤلاء ~~الكفار ضر من مرض وشدة دعوا ربهم، أي استغاثوا به في كشف ما نزل بهم، ~~مقبلين عليه وحده دون الأصنام، لعلمهم بأنه لا فرج عندها. (ثم إذا أذاقهم ~~منه رحمة) أي عافية ونعمة. (إذا فريق منهم بربهم يشركون) أي يشركون به في ~~العبادة. # قوله تعالى: ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون (34) قوله تعالى: ~~(ليكفروا بما آتيناهم) قيل: هي لام كي. وقيل: هي لام أمر فيه معنى التهديد، ~~كما قال عز وجل: " فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر " (1) [الكهف: 29]. ~~(فتمتعوا فسوف تعلمون) تهديد ووعيد. وفي مصحف ms4864 عبد الله " وليتمتعوا "، أي ~~مكناهم من ذلك لكي يتمتعوا، فهو إخبار عن غائب، مثل: " ليكفروا ". وهو على ~~خط المصحف خطاب بعد الاخبار عن غائب، أي تمتعوا أيها الفاعلون لهذا. # قوله تعالى: أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون (35) ~~قوله تعالى: (أم أنزلنا عليهم سلطانا) استفهام فيه معنى التوقيف. قال ~~الضحاك: # " سلطانا " أي كتابا، وقاله قتادة والربيع بن أنس. وأضاف الكلام إلى ~~الكتاب توسعا. # وزعم الفراء أن العرب تؤنث السلطان، تقول: قضت به عليك السلطان. فأما ~~البصريون فالتذكير عندهم أفصح، وبه جاء القرآن، والتأنيث عندهم جائز لأنه ~~بمعنى الحجة، أي حجة # PageV14P033 # تنطق بشرككم، قاله ابن عباس والضحاك أيضا. وقال علي بن سليمان عن أبي ~~العباس محمد ابن يزيد قال: سلطان جمع سليط، مثل رغيف ورغفان، فتذكيره على ~~معنى الجمع وتأنيثه على معنى الجماعة. وقد مضى في (آل عمران) الكلام في ~~السلطان أيضا مستوفى (1). والسلطان: # ما يدفع به الانسان عن نفسه أمرا يستوجب به عقوبة، كما قال تعالى: " أو ~~لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين " (2) [النمل: 21]. # قوله تعالى: وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت ~~أيديهم إذا هم يقطنون (36) قوله تعالى: (وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها) ~~يعني الخصب والسعة والعافية، قاله يحيى بن سلام. النقاش: النعمة والمطر. ~~وقيل: الامن والدعة، والمعنى متقارب. # " فرحوا بها " أي بالرحمة. (وإن تصبهم سيئة) أي بلاء وعقوبة، قاله مجاهد. ~~السدي: # قحط المطر. (بما قدمت أيديهم) أي بما عملوا من المعاصي. (إذا هم يقنطون) ~~أي ييأسون من الرحمة والفرج (3)، قاله الجمهور. وقال الحسن: إن القنوط ترك ~~فرائض الله سبحانه وتعالى في السر. قنط يقنط، وهي قراءة العامة. وقنط يقنط، ~~وهي قراءة أبي عمرو والكسائي ويعقوب. وقرأ الأعمش: " قنط (4) يقنط " ~~[الحجر: 56] بالكسر فيهما، مثل حسب يحسب. # والآية صفة للكافر، يقنط عند الشدة، ويبطر عند النعمة، كما قيل: # كحمار السوء إن أعلفته * رمح الناس وإن جاع نهق وكثير ممن لم يرسخ ~~الايمان في قلبه بهذه المثابة، وقد مضى في غير موضع. فأما المؤمن ms4865 فيشكر ربه ~~عند النعمة، ويرجوه عند الشدة. # قوله تعالى: أو لم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك ~~لآيات لقوم يؤمنون (37) # PageV14P034 # قوله تعالى: (أو لم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر) أي يوسع ~~الخير في الدنيا لمن يشاء أو يضيق، فلا يجب أن يدعوهم الفقر إلى القنوط. ~~(إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون). # قوله تعالى: فلت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ذلك خير للذين ~~يريدون وجه الله وأولئك هم المفلحون (38) قوله تعالى: (فلت ذا القربى حقه) ~~فيه ثلاث مسائل: # الأولى - لما تقدم أنه سبحانه يبسط الرزق [لمن يشاء] (1) ويقدر أمر من ~~وسع عليه الرزق أن يوصل إلى الفقير كفايته ليمتحن شكر الغني. والخطاب للنبي ~~عليه السلام والمراد هو وأمته، لأنه قال: " ذلك خير للذين يريدون وجه الله ~~". وأمر بإيتاء ذي القربى لقرب رحمه، وخير الصدقة ما كان على القريب، وفيها ~~صلة الرحم. وقد فضل رسول الله صلى الله عليه وسلم الصدقة على الأقارب على ~~عتق الرقاب، فقال لميمونة وقد أعتقت وليدة: (أما إنك لو أعطيتها أخوالك كان ~~أعظم لاجرك). # الثانية - واختلف في هذه الآية، فقيل: إنها منسوخة بآية المواريث. وقيل: # لا نسخ، بل للقريب حق لازم في البر على كل حال، وهو الصحيح. قال مجاهد ~~وقتادة: # صلة الرحم فرض من الله عز وجل، حتى قال مجاهد: لا تقبل صدقة من أحد ورحمه ~~محتاجة. وقيل: المراد بالقربى أقرباء النبي صلى الله عليه وسلم. والأول ~~أصح، فإن حقهم مبين في كتاب الله عز وجل في قوله: " فأن لله خمسه وللرسول ~~ولذي القربى " (2) [الأنفال: 41]. وقيل: # إن الامر بالايتاء لذي القربى على جهة الندب. قال الحسن: " حقه " ~~المواساة في اليسر، وقول ميسور في العسر. (والمسكين) قال ابن عباس: أي أطعم ~~السائل الطواف، وابن السبيل: # الضيف، فجعل الضيافة فرضا، وقد مضى جميع هذا مبسوطا مبينا في مواضعه (3) ~~والحمد لله. # PageV14P035 # الثالثة - (ذلك خير الذين يريدون وجه الله) أي إعطاء الحق أفضل من ~~الامساك إذا أريد بذلك وجه الله والتقرب ms4866 إليه. (وأولئك هم المفلحون) أي ~~الفائزون بمطلوبهم من الثواب في الآخرة. وقد تقدم في " البقرة " (1) القول ~~فيه. # قوله تعالى: وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله ~~وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون (39) قوله تعالى: ~~(وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله) فيه أربع ~~مسائل: # الأولى - لما ذكر ما يراد به وجهه ويثبت عليه ذكر غير ذلك من الصفة وما ~~يراد به أيضا وجهه. وقرأ الجمهور: " آتيتم " بالمد بمعنى أعطيتم. وقرأ ابن ~~كثير ومجاهد وحميد بغير مد، بمعنى ما فعلتم من ربا ليربو، كما تقول: أتيت ~~صوابا وأتيت خطأ. وأجمعوا على المد في قوله: " وما آتيتم من زكاة ". والربا ~~الزيادة وقد مضى في " البقرة " معناه (2)، وهو هناك محرم وهاهنا حلال. وثبت ~~بهذا أنه قسمان: منه حلال ومنه حرام. قال عكرمة في قوله تعالى: " وما آتيتم ~~من ربا ليربو في أموال الناس " قال: الربا ربوان، ربا حلال وربا حرام، فأما ~~الربا الحلال فهو الذي يهدى، يلتمس ما هو أفضل منه. وعن الضحاك في هذه ~~الآية: هو الربا الحلال الذي يهدى ليثاب ما هو أفضل منه، لا له ولا عليه، ~~ليس له فيه (3) أجر وليس عليه فيه إثم. وكذلك قال ابن عباس: " وما آتيتم من ~~ربا " يريد هدية الرجل الشئ يرجو أن يثاب أفضل منه، فذلك الذي لا يربو عند ~~الله ولا يؤجر صاحبه ولكن لا إثم عليه، وفي هذا المعنى نزلت الآية. # قال ابن عباس وابن جبير وطاوس ومجاهد: هذه آية نزلت في هبة الثواب. قال ~~ابن عطية: # وما جرى مجراها مما يصنعه الانسان ليجازى عليه كالسلام وغيره، فهو وإن ~~كان لا إثم فيه فلا أجر فيه ولا زيادة عند الله تعالى. وقاله القاضي أبو ~~بكر بن العربي. وفي كتاب النسائي # PageV14P036 # عن عبد الرحمن بن علقمة قال: قدم وفد ثقيف على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ومعهم هدية [فقال: (أهدية أم صدقة] (1) فإن كانت هدية فإنما يبتغى ms4867 بها ~~وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقضاء الحاجة، وإن كانت صدقة فإنما يبتغى ~~بها وجه الله عز وجل) قالوا: لا بل هدية، فقبلها منهم وقعد معهم يسائلهم ~~ويسألونه. وقال ابن عباس أيضا وإبراهيم النخعي: نزلت في قوم يعطون قراباتهم ~~وإخوانهم على معنى نفعهم وتمويلهم والتفضل عليهم، وليزيدوا في أموالهم على ~~وجه النفع لهم. وقال الشعبي: معنى الآية أن ما خدم الانسان به أحدا وخف له ~~لينتفع به في دنياه فإن ذلك النفع الذي يجزي به الخدمة لا يربو عند الله. ~~وقيل: كان هذا حراما على النبي صلى الله عليه وسلم على الخصوص، قال الله ~~تعالى: " ولا تمنن تستكثر " (2) [المدثر: 6] فنهى أن يعطي شيئا فيأخذ أكثر ~~منه عوضا. وقيل: إنه الربا المحرم، فمعنى: " لا يربو عند الله " على هذا ~~القول لا يحكم به لآخذه بل هو للمأخوذ منه. قال السدي: نزلت هذه الآية في ~~ربا ثقيف، لأنهم كانوا يعملون بالربا وتعمله فيهم قريش. # الثانية - قال القاضي أبو بكر بن العربي: صريح الآية فيمن يهب يطلب (3) ~~الزيادة من أموال الناس في المكافأة. قال المهلب: اختلف العلماء فيمن وهب ~~هبة يطلب ثوابها وقال: إنما أردت الثواب، فقال مالك: ينظر فيه، فإن كان ~~مثله ممن يطلب الثواب من الموهوب له فله ذلك، مثل هبة الفقير للغني، وهبة ~~الخادم لصاحبه، وهبة الرجل لأميره ومن فوقه، وهو أحد قولي الشافعي. وقال ~~أبو حنيفة: لا يكون له ثواب إذا لم يشترط، وهو قول الشافعي الآخر. قال: ~~والهبة للثواب باطلة لا تنفعه، لأنها بيع بثمن مجهول. واحتج الكوفي بأن ~~موضوع الهبة التبرع، فلو أوجبنا فيها العوض لبطل معنى التبرع وصارت في معنى ~~المعاوضات، والعرب قد فرقت بين لفظ البيع ولفظ الهبة، فجعلت لفظ البيع على ~~ما يستحق فيه العوض، والهبة بخلاف ذلك. ودليلنا ما رواه مالك في موطئه عن ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: أيما رجل وهب هبة يرى أنها للثواب فهو ~~على هبته حتى يرضى # PageV14P037 # منها. ونحوه عن علي رضي الله عنه ms4868 قال: المواهب ثلاثة: موهبة يراد بها وجه ~~الله، وموهبة يراد بها وجوه الناس، وموهبة يراد بها الثواب، فموهبة الثواب ~~يرجع فيها صاحبها إذا لم يثب منها. وترجم البخاري رحمه الله (باب المكافأة ~~في الهبة) وساق حديث عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل ~~الهدية ويثيب عليها، وأثاب على لقحة (1) ولم ينكر على صاحبها حين طلب ~~الثواب، وإنما أنكر سخطه للثواب وكان زائدا على القيمة. # خرجه الترمذي. # الثالثة - وما ذكره علي رضي الله عنه وفصله من الهبة صحيح، وذلك أن ~~الواهب لا يخلو في هبته من ثلاثة أحوال: أحدها - أن يريد بها وجه الله ~~تعالى ويبتغي عليها الثواب منه. والثاني: أن يريد بها وجوه الناس رياء ~~ليحمدوه عليها ويثنوا عليه من أجلها. # والثالث - أن يريد بها الثواب من الموهوب له، وقد مضى الكلام فيه. وقال ~~صلى الله عليه وسلم: (الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى). فأما إذا ~~أراد بهبته وجه الله تعالى وابتغى عليه الثواب من عنده فله ذلك عند الله ~~بفضله ورحمته، قال الله عز وجل: # " وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون ". # وكذلك من يصل قرابته ليكون غنيا حتى لا يكون كلا فالنية في ذلك متبوعة، ~~فإن كان ليتظاهر بذلك دنيا فليس لوجه الله، وإن كان لما له عليه من حق ~~القرابة وبينهما من وشيجة الرحم فإنه لوجه الله. # وأما من أراد بهبته وجوه الناس رياء ليحمدوه عليها ويثنوا عليه من أجلها ~~فلا منفعة له في هبته، لا ثواب في الدنيا ولا أجر في الآخرة، قال الله عز ~~وجل: " يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ~~ماله رئاء الناس " (2) [البقرة: 264] الآية. # وأما من أراد بهبته الثواب من الموهوب له فله ما أراد بهبته، وله أن يرجع ~~فيها ما لم يثب بقيمتها، على مذهب ابن القاسم، أو ما لم يرض منها بأزيد من ~~قيمتها، على ظاهر قول عمر # PageV14P038 # وعلي، وهو قول مطرف في الواضحة: أن الهبة ما كانت قائمة ms4869 العين، وإن زادت ~~أو نقصت فللواهب الرجوع فيها وإن أثابه الموهوب فيها أكثر منها. وقد قيل: ~~إنها إذا كانت قائمة العين لم تتغير فإنه يأخذ ما شاء. وقيل: تلزمه القيمة ~~كنكاح التفويض، وأما إذا كان بعد فوت الهبة فليس له إلا القيمة اتفاقا، ~~قاله ابن العربي. # الرابعة - قوله تعالى: (ليربو) قرأ جمهور القراء السبعة: (ليربوا) بالياء ~~وإسناد الفعل إلى الربا. وقرأ نافع وحده: بضم التاء [والواو] ساكنة على ~~المخاطبة، بمعنى تكونوا ذوي زيادات وهذه قراءة ابن عباس والحسن وقتادة ~~والشعبي. قال أبو حاتم: هي قراءتنا. # وقرأ أبو مالك: (لتربوها) بضمير مؤنث. (فلا يربو عند الله) أي لا يزكوا ~~ولا يثيب عليه، لأنه لا يقبل إلا ما أريد به وجهه وكان خالصا له، وقد تقدم ~~في (النساء) (1). (وما آتيتم من زكاة) قال ابن عباس: أي من صدقة. (تريدون ~~وجه الله فأولئك هم المضعفون) أي ذلك الذي يقبله ويضاعفه له عشرة أضعافه أو ~~أكثر، كما قال: " من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا (2) ~~كثيرة " [البقرة: 245]. وقال: " ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة ~~الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة " (2) [البقرة: 265]. وقال: " ~~فأولئك هم المضعفون " ولم يقل فأنتم المضعفون لأنه رجع من المخاطبة إلى ~~الغيبة، مثل قوله: " حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم " (3) [يونس: 22]. ~~وفي معنى المضعفين قولان: أحدهما - أنه تضاعف لهم الحسنات كما ذكرنا. ~~والآخر: أنهم قد أضعف لهم الخير والنعيم، أي هم أصحاب أضعاف، كما يقال: # فلان مقو إذا كانت إبله قوية، أوله أصحاب أقوياء. ومسمن إذا كانت إبله ~~سمانا. ومعطش إذا كانت إبله عطاشا. ومضعف إذا كان إبله ضعيفة، ومنه قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم إني أعوذ بك من الخبيث المخبث الشيطان ~~الرجيم ". فالمخبث: الذي أصابه خبث، يقال: فلان ردئ أي هو ردئ، في نفسه. ~~ومردئ: أصحابه إردائاء. # PageV14P039 # قوله تعالى: الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم ~~من يفعل من ذلكم من شئ سبحانه وتعالى عما يشركون (40) قوله تعالى: ms4870 (الله ~~الذي خلقكم) ابتداء وخبر. وعاد الكلام إلى الاحتجاج على المشركين وأنه ~~الخالق الرازق المميت المحيي. ثم قال على جهة الاستفهام: (هل من شركائكم من ~~يفعل من ذلكم من شئ) لا يفعل. ثم نزه نفسه عن الأنداد والأضداد والصاحبة ~~والأولاد بقوله الحق: (سبحانه وتعالى عما يشركون) وأضاف الشركاء إليهم ~~لأنهم كانوا يسمونهم بالآلهة والشركاء، ويجعلون لهم من أموالهم. # قوله تعالى: ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض ~~الذي عملوا لعلهم يرجعون (41) قوله تعالى: (ظهر الفساد في البر البحر) ~~اختلف العلماء في معنى الفساد والبر والبحر، فقال قتادة والسدي: الفساد ~~الشرك، وهو أعظم الفساد. وقال ابن عباس وعكرمة ومجاهد: فساد البر قتل ابن ~~آدم أخاه، قابيل قتل هابيل. وفي البحر بالملك الذي كان يأخذ كل سفينة غصبا. ~~وقيل: الفساد القحط وقلة النبات وذهاب البركة. ونحوه قال ابن عباس قال: هو ~~نقصان البركة بأعمال العباد كي يتوبوا. قال النحاس: وهو أحسن ما قيل في ~~الآية. # وعنه أيضا: أن الفساد في البحر انقطاع صيده بذنوب بني آدم. وقال عطية: ~~فإذا قل المطر قل الغوص عنده، وأخفق الصيادون، وعميت دواب البحر. وقال ابن ~~عباس: إذا مطرت السماء تفتحت الأصداف في البحر، فما وقع فيها من السماء فهو ~~لؤلؤ. وقيل: الفساد كساد الأسعار وقلة المعاش. وقيل: الفساد المعاصي وقطع ~~السبيل والظلم، أي صار هذا العمل مانعا من الزرع والعمارات والتجارات، ~~والمعنى كله متقارب. والبر والبحر هما المعروفان المشهوران في اللغة (1) ~~وعند الناس، لا ما قاله بعض العباد: أن البر اللسان، والبحر القلب، لظهور # PageV14P040 # ما على اللسان وخفاء ما في القلب. وقيل: البر: الفيافي، والبحر: القرى، ~~قاله عكرمة. # والعرب تسمى الأمصار البحار. وقال قتادة: البر أهل العمود، والبحر أهل ~~القرى والريف. وقال ابن عباس: إن البر ما كان من المدن والقرى على غير نهر، ~~والبحر ما كان على شط نهر، وقاله مجاهد، قال: أما والله ما هو بحركم هذا، ~~ولكن كل قرية على ماء جار فهي بحر. وقال معناه النحاس، قال: في ms4871 معناه ~~قولان: أحدهما: ظهر الجذب في البر، أي في البوادي وقراها، وفي البحر أي في ~~مدن البحر، مثل: " واسأل القرية " (1) [يوسف: 82]. أي ظهر قلة الغيث وغلاء ~~السعر. " بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض " أي عقاب بعض " الذين عملوا " ~~ثم حذف. والقول الآخر - أنه ظهرت المعاصي من قطع السبيل والظلم، فهذا هو ~~الفساد على الحقيقة، والأول مجاز إلا أنه على الجواب الثاني، فيكون في ~~الكلام حذف واختصار دل عليه ما بعده، ويكون المعنى: ظهرت المعاصي في البر ~~والبحر فحبس الله عنهما الغيث وأغلى سعرهم ليذيقهم عقاب بعض الذي عملوا. " ~~لعلهم يرجعون " لعلهم يتوبون. وقال: " بعض الذي عملوا " لان معظم الجزاء في ~~الآخرة. والقراءة " ليذيقهم " بالياء. وقرأ ابن عباس بالنون، وهي قراءة ~~السلمي وابن محيصن وقنبل ويعقوب على التعظيم، أي نذيقهم عقوبة بعض ما ~~عملوا. # قوله تعالى: قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان ~~أكثرهم مشركين (42) قوله تعالى: (قل سيروا في الأرض) أي قل لهم يا محمد ~~سيروا في الأرض ليعتبروا بمن قبلهم، وينظروا كيف كان عاقبة من كذب الرسل ~~(كان أكثرهم مشركين) أي كافرين فأهلكوا. # قوله تعالى: فأقم وجهك للدين القيم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله ~~يومئذ يصدعون (43) # PageV14P041 # قوله تعالى: (فأقم وجهك للدين القيم) قال الزجاج: أي أقم قصدك، واجعل ~~جهتك اتباع الدين القيم، يعني الاسلام. وقيل: المعنى أوضح الحق وبالغ في ~~الاعذار، واشتغل بما أنت فيه ولا تحزن عليهم. (من قبل أن يأتي يوم لا مرد ~~له من الله) أي لا يرده الله عنهم، فإذا لم يرده لم يتهيأ لاحد دفعه. ويجوز ~~عند غير سيبويه " لا مرد له " وذلك عند سيبويه بعيد، إلا أن يكون في الكلام ~~عطف. والمراد يوم القيامة. (يومئذ يصدعون) قال ابن عباس: معناه يتفرقون. ~~وقال الشاعر: # وكنا كندماني جذيمة حقبة * من الدهر حتى قيل لن يتصدعا (1) أي لن يتفرقا، ~~نظيره قوله تعالى: " يومئذ يتفرقون " [الروم: 14] " فريق في الجنة وفريق في ~~السعير ". # والأصل يتصدعون، ويقال: تصدع القوم ms4872 إذا تفرقوا، ومنه اشتق الصداع، لأنه ~~يفرق شعب الرأس. # قوله تعالى: (من كفر فعليه كفره) أي جزاء كفره. (ومن عمل صالحا فلأنفسهم ~~يمهدون) أي يوطئون لأنفسهم في الآخرة فراشا ومسكنا وقرارا بالعمل الصالح، ~~ومنه: مهد الصبي. والمهاد الفراش، وقد مهدت الفراش مهدا: بسطته ووطأته. ~~وتمهيد الأمور: تسويتها وإصلاحها. وتمهيد العذر: بسطه وقبوله. والتمهد: ~~التمكن. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد " فلأنفسهم يمهدون " قال: في القبر. # قوله تعالى: ليجزى الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله إنه لا يحب ~~الكافرين (45) # PageV14P042 # قوله تعالى: (ليجزى الذين آمنوا) أي يمهدون لأنفسهم ليجزيهم الله من ~~فضله. # وقيل يصدعون ليجزيهم الله، أي ليميز الكافر من المسلم. " إنه لا يحب ~~الكافرين ". # قوله تعالى: ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم من رحمته ولتجري ~~الفلك بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (46) قوله تعالى: (ومن آياته ~~أن يرسل الرياح مبشرات) أي ومن أعلام كمال قدرته إرسال الرياح مبشرات أي ~~بالمطر لأنها تتقدمه. وقد مضى في " الحجر " بيانه (1). (وليذيقكم من رحمته) ~~يعني الغيث والخصب. (ولتجري الفلك) أي في البحر عند هبوبها. وإنما زاد " ~~بأمره " لان الرياح قد تهب ولا تكون مواتية، فلا بد من إرساء السفن ~~والاحتيال بحبسها، وربما عصفت فأغرقتها بأمره. (ولتبتغوا من فضله) يعني ~~الرزق بالتجارة (لعلكم تشكرون) هذه النعم بالتوحيد والطاعة. وقد مضى هذا ~~كله مبينا (2). # قوله تعالى: ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات ~~فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقا علينا نصر المؤمنين (47) قوله تعالى: ~~(ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات) أي المعجزات والحجج ~~النيرات (فانتقمنا) أي فكفروا فانتقمنا ممن كفر. (وكان حقا علينا نصر ~~المؤمنين) " حقا " نصب على خبر كان، " ونصر " اسمها. وكان أبو بكر يقف على ~~" حقا " أي وكان عقابنا حقا، ثم قال: " علينا نصر المؤمنين " ابتداء وخبر، ~~أي أخبر بأنه لا يخلف (3) الميعاد، ولا خلف في خبرنا. وروي من حديث أبي ~~الدرداء قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من مسلم يذب عن عرض ~~أخيه إلا كان ms4873 حقا على الله تعالى أن يرد عنه نار جهنم يوم القيامة - ثم تلا ~~- " وكان حقا علينا نصر المؤمنين "). ذكره النحاس والثعلبي والزمخشري ~~وغيرهم. # PageV14P043 # قوله تعالى: الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف ~~يشاء ويجعله كسفا فترى الودق يخرج من خلاله فإذا أصاب به من يشاء من عباده ~~إذا هم يستبشرون (48) وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين (49) ~~قوله تعالى: " الله الذي يرسل الرياح " قرأ ابن محيصن وابن كثير وحمزة ~~والكسائي: # " الريح " بالتوحيد. والباقون بالجمع. قال أبو عمرو: وكل ما كان بمعنى ~~الرحمة فهو جمع، وما كان بمعنى العذاب فهو موحد. وقد مضى في " البقرة " (1) ~~معنى هذه الآية وفي غيرها. # " كسفا " جمع كسفة وهي القطعة. وفي قراءة الحسن وأبي جعفر و عبد الرحمن ~~الأعرج وابن عامر " كسفا " بإسكان السين، وهي أيضا جمع كسفة، كما يقال: ~~سدرة وسدر، وعلى هذه القراءة يكون المضمر الذي بعده عائدا عليه، أي فترى ~~الودق أي المطر يخرج من خلال الكسف، لان كل جمع بينه وبين واحده الهاء [لا ~~غير] (2) فالتذكير فيه حسن. ومن قرأ: " كسفا " فالمضمر عنده عائد على ~~السحاب. وفي قراءة الضحاك وأبي العالية وابن عباس: " فترى الودق يخرج من ~~خلله " ويجوز أن يكون خلل جمع خلال. (فإذا أصاب به) أي بالمطر. # (من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون) يفرحون بنزول المطر عليهم. (وإن ~~كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين) أي يائسين مكتئبين قد ظهر ~~الحزن عليهم لاحتباس المطر عنهم. و " من قبله " تكرير عند الأخفش معناه ~~التأكيد، وأكثر النحويين على هذا القول، قاله النحاس. وقال قطرب: إن " قبل ~~" الأولى للانزال والثانية للمطر، أي وإن كانوا من قبل التنزيل من قبل ~~المطر. وقيل: المعنى من قبل تنزيل الغيث عليهم من قبل الزرع، ودل على الزرع ~~المطر إذ بسببه يكون. ودل عليه أيضا " فرأوه مصفرا " على ما يأتي. # وقيل: المعنى من قبل السحاب من قبل رؤيته، واختار هذا القول النحاس أي من ~~قبل رؤية السحاب " لمبلسين " أي ms4874 ليائسين. وقد تقدم ذكر السحاب. # (3) # PageV14P044 # قوله تعالى: فانظر إلى آثار رحمت الله كيف يحيى الأرض بعد موتها إن ذلك ~~لمحيي الموتى وهو على كل شئ قدير (50) قوله تعالى: (فانظر إلى أثر رحمة ~~الله) يعني المطر، أي انظروا نظر استبصار واستدلال، أي استدلوا بذلك على أن ~~من قدر عليه قادر على إحياء الموتى. وقرأ ابن عامر وحفص وحمزة والكسائي: " ~~آثار " بالجمع. الباقون بالتوحيد، لأنه مضاف إلى مفرد. # والأثر فاعل " يحيي " ويجوز أن يكون الفاعل اسم الله عز وجل. ومن قرأ: " ~~آثار " بالجمع فلان رحمة الله يجوز أن يراد بها الكثرة، كما قال تعالى: " ~~وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها " (1) [إبراهيم: 34]. # وقرأ الجحدري وأبو حياة وغيرهما: " كيف تحيي الأرض " بتاء، ذهب بالتأنيث ~~إلى لفظ الرحمة، لان أثر الرحمة يقوم مقامها فكأنه هو الرحمة، أي كيف تحيي ~~الرحمة الأرض أو الآثار. # " ويحيي " أي يحيي الله عز وجل أو المطر أو الأثر فيمن قرأ بالياء. و " ~~كيف يحيي الأرض " في موضع نصب على الحال على الحمل على المعنى لان اللفظ ~~لفظ الاستفهام والحال خبر، والتقدير: فانظر إلى أثر رحمة الله محيية للأرض ~~بعد موتها. (إن ذلك لمحيى الموتى وهو على كل شئ قدير) استدلال بالشاهد على ~~الغائب. # قوله تعالى: ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا من بعده يكفرون (51) ~~قوله تعالى: (ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا) يعني الريح، والريح يجوز ~~تذكيره. # قال محمد بن يزيد: لا يمتنع تذكير كل مؤنث غير حقيقي، نحو أعجبني الدار ~~وشبهه. وقيل: # فرأوا السحاب. وقال ابن عباس: الزرع، وهو الأثر، والمعنى: فرأوا الأثر ~~مصفرا، واصفرار الزرع بعد اخضراره يدل على يبسه، وكذا السحاب يدل على أنه ~~لا يمطر، والريح على أنها لا تلقح (لظلوا من بعده يكفرون) أي ليظلن، وحسن ~~وقوع الماضي في موضع المستقبل لما في الكلام من معنى المجازاة، والمجازاة ~~لا تكون إلا بالمستقبل، قاله الخليل وغيره. # PageV14P045 # قوله تعالى: فإنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين ~~(52) وما أنت بهاد العمى عن ضلالتهم إن تسمع ms4875 إلا من يؤمن بآياتنا فهم ~~مسلمون (53) قوله تعالى: (فإنك لا تسمع الموتى) أي وضحت الحجج يا محمد، ~~لكنهم لالفهم تقليد الأسلاف في الكفر ماتت عقولهم وعميت بصائرهم، فلا يتهيأ ~~لك إسماعهم وهدايتهم. وهذا رد على القدرية. (إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا) ~~أي لا تسمع مواعظ الله إلا المؤمنين الذين يصغون إلى أدلة التوحيد وخلقت ~~لهم الهداية. وقد مضى هذا في " النمل " (1) ووقع قوله " بهاد العمي " هنا ~~بغير ياء. # قوله تعالى: الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد ~~قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير (54) قوله تعالى: (الله ~~الذي خلقكم من ضعف) ذكر استدلالا آخر على قدرته في نفس الانسان ليعتبر. ~~ومعنى: " من ضعف " من نطفة ضعيفة. وقيل: " من ضعف " أي في حال ضعف، وهو ما ~~كانوا عليه في الابتداء من الطفولة والصغر. (ثم جعل من بعد ضعف قوة) يعني ~~الشبيبة. (ثم جعل من بعد قوة ضعفا) يعني الهرم. وقرأ عاصم وحمزة: # بفتح الضاد فيهن، الباقون بالضم، لغتان، والضم لغة النبي صلى الله عليه ~~وسلم. وقرأ الجحدري: # " من ضعف ثم جعل من بعد ضعف " بالفتح فيهما، " ضعفا " بالضم خاصة. أراد ~~أن يجمع بين اللغتين. قال الفراء: الضم لغة قريش، والفتح لغة تميم. ~~الجوهري: الضعف والضعف: # خلاف القوة. وقيل: الضعف بالفتح في الرأي، وبالضم في الجسد، ومنه الحديث ~~في الرجل # PageV14P046 # الذي كان يخدع في البيوع: (أنه يبتاع وفي عقدته (1) ضعف). " وشيبة " مصدر ~~كالشيب، والمصدر يصلح للجملة، وكذلك القول في الضعف والقوة. (يخلق ما يشاء) ~~عني من قوة وضعف. (وهو العليم) بتدبيره. (القدير) على إرادته. وأجاز ~~النحويون الكوفيون (من ضعف) بفتح العين، وكذا كل ما كان فيه حرف من حروف ~~الحلق ثانيا أو ثالثا. # قوله تعالى: ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك ~~كانوا يؤفكون (55) قوله تعالى: (ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون) أي يحلف ~~المشركون. (ما لبثوا غير ساعة) ليس في هذا رد لعذاب القبر، إذ كان قد صح ms4876 عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم من غير طريق أنه تعوذ منه، وأمر أن يتعوذ منه، ~~فمن ذلك ما رواه عبد الله بن مسعود قال: سمع النبي صلى الله عليه وسلم أم ~~حبيبة وهي تقول: اللهم أمتعني بزوجي رسول الله، وبأبي أبي سفيان، وبأخي ~~معاوية، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (لقد سألت الله لآجال مضروبة ~~وأرزاق مقسومة ولكن سليه أن يعيذك من عذاب جهنم وعذاب القبر) في أحاديث ~~مشهورة خرجها مسلم والبخاري وغيرهما. وقد ذكرنا منها جملة في كتاب ~~(التذكرة). وفي معنى: " ما لبثوا غير ساعة " قولان: أحدهما - أنه لا بد من ~~خمدة قبل يوم القيامة، فعلى هذا قالوا: ما لبثنا غير ساعة. # (2) [والقول الآخر - أنهم يعنون في الدنيا لزوالها وانقطاعها، كما قال ~~الله تعالى: # " كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها " (3) [النازعات: 46] ~~كأن لم يلبثوا إلا ساعة من نهار، وإن كانوا قد أقسموا على غيب وعلى غير ما ~~يدرون. قال الله عز وجل:] (2) (وكذلك كانوا يؤفكون) أي كانوا يكذبون في ~~الدنيا، يقال: أفك الرجل إذا صرف عن الصدق والخير. وأرض مأفوكة: ممنوعة من ~~المطر. وقد زعم جماعة من أهل النظر أن القيامة لا يجوز أن يكون فيها كذب ~~لما هم فيه، والقرآن يدل على غير ذلك، قال الله عز وجل: " كذلك كانوا # PageV14P047 # يؤفكون " أي كما صرفوا عن الحق في قسمهم أنهم ما لبثوا غير ساعة كذلك ~~كانوا يصرفون عن الحق في الدنيا، وقال عز وجل: " يوم يبعثهم الله جميعا ~~فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شئ ألا إنهم هم الكاذبون " (1) ~~[المجادلة: 18] وقال: " ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا ~~مشركين. انظر كيف كذبوا " (2) [الانعام: 23 - 24]. # قوله تعالى: وقال الذين أوتوا العلم والايمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى ~~يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون (52) قوله تعالى: (وقال ~~الذين أوتوا العلم والايمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث) اختلف ~~في الذين أوتوا العلم، فقيل الملائكة. ms4877 وقيل الأنبياء. وقيل علماء الأمم. ~~وقيل مؤمنو هذه الأمة. وقيل جميع المؤمنين، أي يقول المؤمنون للكفار ردا ~~عليهم لقد لبثتم في قبوركم إلى يوم البعث. والفاء في قوله: (فهذا يوم ~~البعث) جواب لشرط محذوف دل عليه الكلام، مجازه: إن كنتم منكرين البعث فهذا ~~يوم البعث. وحكى يعقوب عن بعض القراء وهي قراءة الحسن: " إلى يوم البعث " ~~بالتحريك، وهذا مما فيه حرف من حروف الحلق. وقيل: معنى " في كتاب الله " في ~~حكم الله. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، أي وقال الذين أوتوا العلم في ~~كتاب الله والايمان لقد لبثتم إلى يوم البعث، قاله مقاتل وقتادة والسدي. ~~القشيري: # وعلى هذا " أوتوا العلم " بمعنى كتاب الله. وقيل: الذين حكم لهم في ~~الكتاب بالعلم " فهذا يوم البعث " أي اليوم الذي كنتم تنكرونه. # قوله تعالى: فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ولا هم يستعتبون (57) # PageV14P048 # قوله تعالى: (فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم) أي لا ينفعهم العلم ~~بالقيامة ولا الاعتذار يومئذ. وقيل: لما رد عليهم المؤمنون سألوا الرجوع ~~إلى الدنيا واعتذروا فلم يعذروا. # (ولا هم يستعتبون) أي ولا حالهم حال من يستعتب ويرجع، يقال: استعتبته ~~فأعتبني، أي استرضيته فأرضاني، وذلك إذا كنت جانيا عليه. وحقيقة أعتبته: ~~أزلت عتبه. وسيأتي في " فصلت " (1) بيانه. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: " ~~فيومئذ لا ينفع " بالياء، والباقون بالتاء. # قوله تعالى: ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ولئن جئتهم بآية ~~ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون (58) كذلك يطبع الله على قلوب الذين ~~لا يعلمون (59) فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون (60) ~~قوله تعالى: (ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل) أي من كل مثل ~~يدلهم على ما يحتاجون إليه، وينبههم على التوحيد وصدق الرسل. (ولئن جئتهم ~~بآية) أي معجزة، كفلق البحر والعصا وغيرهما (ليقولن الذين كفروا إن أنتم) ~~يا معشر المؤمنين. (إلا مبطلون) أي تتبعون الباطل والسحر (كذلك) أي كما طبع ~~الله على قلوبهم حتى لا يفهموا الآيات عن الله فكذلك " يطبع الله على ms4878 قلوب ~~الذين لا يعلمون " أدلة التوحيد (فاصبر إن وعد الله حق) أي اصبر على أذاهم ~~فإن الله ينصرك (ولا يستخفنك) أي لا يستفزنك عن دينك (الذين لا يوقنون) ~~قيل: هو النضر بن الحارث. والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته ~~يقال: استخف فلان فلانا أي استجهله حتى حمله على اتباعه في الغي. وهو في ~~موضع جزم بالنهي، أكد بالنون الثقيلة فبني على الفتح كما يبنى الشيئان إذا ~~ضم أحدهما إلى الآخر. " الذين لا يوقنون " في موضع رفع، ومن العرب من يقول: ~~اللذون في موضع الرفع. وقد مضى في " الفاتحة " (2). # PageV14P049 # تفسير سورة لقمان وهي مكية، غير آيتين قال قتادة: أولهما " ولو أن ما في ~~الأرض من شجرة أقلام " [لقمان: 27] إلى آخر الآيتين (1). وقال ابن عباس: ~~ثلاث آيات، أولهن " ولو أن ما في الأرض " [لقمان: 27]. # وهي أربع وثلاثون آية. # بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ألم (1) تلك آيات الكتاب الحكيم (2) ~~هدى ورحمة للمحسنين (3) الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم ~~يوقنون (4) أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون (5) قوله تعالى: ~~(ألم. تلك آيات الكتاب الحكيم) مضى الكلام في فواتح السور و " تلك " في ~~موضع رفع على إضمار مبتدأ، أي هذه تلك. ويقال: " تيك آيات الكتاب الحكيم " ~~بدلا من تلك. والكتاب: القرآن. والحكيم: المحكم، أي لا خلل فيه ولا تناقض. # وقيل ذو الحكمة وقيل الحاكم (هدى ورحمة) بالنصب على الحال، مثل: " هذه ~~ناقة الله لكم آية " (2) [الأعراف: 73] وهذه قراءة المدنيين وأبي عمرو ~~وعاصم والكسائي. وقرأ حمزة: # " هدى ورحمة " بالرفع، وهو من وجهين: أحدهما - على إضمار مبتدأ، لأنه أول ~~آية. # والآخر - أن يكون خبر " تلك ". والمحسن: الذي يعبد الله كأنه يراه، فإن ~~لم يكن يراه فإنه يراه. # وقيل: هم المحسنون في الدين وهو الاسلام، قال الله تعالى: " ومن أحسن ~~دينا ممن أسلم وجهه لله " (3) [النساء: 125] الآية. (الذين يقيمون الصلاة) ~~في موضع الصفة، ويجوز الرفع على القطع بمعنى: هم الذين، والنصب بإضمار ~~أعني. وقد مضى الكلام في هذه الآية والتي بعدها في ms4879 (البقرة) (4) وغيرها. # PageV14P050 # قوله تعالى: ومن الناس من يشترى لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ~~ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين (6) فيه خمس مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (ومن الناس من يشترى لهو الحديث) " من " في موضع ~~رفع بالابتداء. و " لهو الحديث ": الغناء، في قول ابن مسعود وابن عباس ~~وغيرهما. # النحاس: وهو ممنوع بالكتاب والسنة، والتقدير: من يشتري ذا لهو أو ذات ~~لهو، مثل: # " واسأل القرية " (1) [يوسف: 82]. أو يكون التقدير: لما كان إنما اشتراها ~~يشتريها ويبالغ في ثمنها كأنه اشتراها للهو (2). # قلت: هذه إحدى الآيات الثلاث التي استدل بها العلماء على كراهة الغناء ~~والمنع منه. # والآية الثانية قوله تعالى: " وأنتم سامدون " (3) [النجم: 61]. قال ابن ~~عباس: هو الغناء بالحميرية، اسمدي لنا، أي غني لنا. والآية الثالثة قوله ~~تعالى: " واستفزز من استطعت منهم بصوتك " (4) [الاسراء: 64] قال مجاهد: # الغناء والمزامير. وقد مضى في " سبحان " (4) الكلام فيه. وروى الترمذي عن ~~أبي أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تبيعوا القينات ولا ~~تشتروهن ولا تعلموهن ولا خير في تجارة فيهن وثمنهن حرام، في مثل هذا أنزلت ~~هذه الآية: " ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله " إلى آخر ~~الآية. قال أبو عيسى: هذا حديث غريب، إنما يروى من حديث القاسم عن أبي ~~أمامة، والقاسم ثقة وعلي بن يزيد يضعف في الحديث، قاله محمد بن إسماعيل. ~~قال ابن عطية: وبهذا فسر ابن مسعود وابن عباس وجابر بن عبد الله ومجاهد، ~~وذكره أبو الفرج الجوزي عن الحسن وسعيد بن جبير وقتادة والنخعي. # PageV14P051 # قلت: هذا أعلى ما قيل في هذه الآية، وحلف على ذلك ابن مسعود بالله الذي ~~لا إله إلا هو ثلاث مرات إنه الغناء. روى سعيد بن جبير عن أبي الصهباء ~~البكري قال: سئل عبد الله بن مسعود عن قوله تعالى: " ومن الناس من يشتري ~~لهو الحديث " فقال: الغناء والله الذي لا إله إلا هو، يرددها ثلاث مرات. ~~وعن ابن عمر أنه الغناء، وكذلك قال عكرمة وميمون بن مهران ومكحول. وروى ms4880 ~~شعبة وسفيان عن الحكم وحماد عن إبراهيم قال قال عبد الله بن مسعود: الغناء ~~ينبت النفاق في القلب، وقاله مجاهد، وزاد: إن لهو الحديث في الآية الاستماع ~~إلى الغناء وإلى مثله من الباطل. وقال الحسن: لهو الحديث المعازف والغناء. ~~وقال القاسم بن محمد: الغناء باطل والباطل في النار. وقال ابن القاسم سألت ~~مالكا عنه فقال: قال الله تعالى: " فماذا بعد الحق إلا الضلال " (1) [يونس: ~~32] أفحق هو؟! وترجم البخاري (2) (باب كل لهو باطل إذا شغل عن طاعة الله، ~~ومن قال لصاحبه تعال أقامرك)، وقوله تعالى: # " ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها ~~هزوا " فقوله: (إذا شغل عن طاعة الله) مأخوذ من قوله تعالى: " ليضل عن سبيل ~~الله ". # وعن الحسن أيضا: هو الكفر والشرك. وتأوله قوم على الأحاديث التي يتلهى ~~بها أهل الباطل واللعب. وقيل: نزلت في النضر بن الحارث، لأنه اشترى كتب ~~الأعاجم: # رستم، واسفنديار، فكان يجلس بمكة، فإذا قالت قريش إن محمدا قال كذا ضحك ~~منه، وحدثهم بأحاديث ملوك الفرس ويقول: حديثي هذا أحسن من حديث محمد، حكاه ~~الفراء والكلبي وغيرهما. وقيل: كان يشتري المغنيات فلا يظفر بأحد يريد ~~الاسلام إلا انطلق به إلى قينته فيقول: أطعميه واسقيه وغنيه، ويقول: هذا ~~خير مما يدعوك إليه محمد من الصلاة والصيام وأن تقاتل بين يديه. وهذا القول ~~والأول ظاهر في الشراء. وقالت طائفة: الشراء في هذه الآية مستعار، وإنما ~~نزلت الآية في أحاديث قريش وتلهيهم بأمر الاسلام وخوضهم في الباطل. قال ابن ~~عطية: فكان ترك ما يجب فعله وامتثال هذه المنكرات # PageV14P052 # شراء لها، على حد قوله تعالى: " أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى " (1) ~~[البقرة: 16]، اشتروا الكفر بالايمان، أي استبدلوه منه واختاروه عليه. وقال ~~مطرف: شراء لهو الحديث استحبابه. # قتادة: ولعله لا ينفق فيه مالا، ولكن سماعه شراؤه. # قلت: القول الأول أولى ما قيل به في هذا الباب، للحديث المرفوع فيه، وقول ~~الصحابة والتابعين فيه. وقد زاد الثعلبي والواحدي في حديث أبي أمامة: (وما ~~من رجل يرفع صوته ms4881 بالغناء إلا بعث الله عليه شيطانين أحدهما على هذا المنكب ~~(2) [والآخر على هذا المنكر] فلا يزالان يضربان بأرجلهما حتى يكون هو الذي ~~يسكت). وروى الترمذي وغيره من حديث أنس وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: (صوتان ملعونان فاجران أنهى عنهما: صوت مزمار ورنة شيطان عند نغمة ~~ومرح ورنة عند مصيبة لطم خدود وشق جيوب). وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جده ~~عن علي عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بعثت بكسر ~~المزامير) خرجه أبو طالب الغيلاني. # وخرج ابن بشران عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~(بعثت بهدم المزامير والطبل). وروى الترمذي من حديث علي رضي الله عنه قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها ~~البلاء - فذكر منها: إذا اتخذت القينات والمعازف). وفي حديث أبي هريرة: ~~(وظهرت القيان والمعازف). وروى ابن المبارك عن مالك بن أنس عن محمد بن ~~المنكدر عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من جلس إلى ~~قينة يسمع منها صب في أذنه الآنك (3) يوم القيامة). # وروى أسد بن موسى عن عبد العزيز بن أبي سلمة عن محمد بن المنكدر قال: ~~بلغنا أن الله تعالى يقول يوم القيامة: (أين عبادي الذين كانوا ينزهون ~~أنفسهم وأسماعهم عن اللهو ومزامير الشيطان أحلوهم رياض (4) المسك وأخبروهم ~~أني قد أحللت عليهم رضواني). وروى ابن وهب عن مالك عن محمد بن المنكدر ~~مثله، وزاد بعد قوله (المسك: ثم يقول للملائكة أسمعوهم حمدي وشكري وثنائي، ~~وأخبروهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون). وقد روي مرفوعا هذا المعنى من حديث ~~أبي موسى الأشعري أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # PageV14P053 # (من استمع إلى صوت غناء لم يؤذن له أن يسمع الروحانيين). فقيل: ومن ~~الروحانيون يا رسول الله؟ قال: (قراء أهل الجنة) خرجه الترمذي الحكيم أبو ~~عبد الله في نوادر الأصول، وقد ذكرنا في كتاب التذكرة ms4882 مع نظائره: (فمن شرب ~~الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة، ومن لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه ~~في الآخرة). إلى غير ذلك. وكل ذلك صحيح المعنى على ما بيناه هناك. ومن ~~رواية مكحول عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # (من مات وعنده جارية مغنية فلا تصلوا عليه). ولهذه الآثار وغيرها قال ~~العلماء بتحريم الغناء. وهي المسألة: - الثانية - وهو الغناء المعتاد عند ~~المشتهرين به، الذي يحرك النفوس ويبعثها على الهوى والغزل، والمجون الذي ~~يحرك الساكن ويبعث الكامن فهذا النوع إذا كان في شعر يشبب فيه بذكر النساء ~~ووصف محاسنهن وذكر الخمور والمحرمات لا يختلف في تحريمه، لأنه اللهو ~~والغناء المذموم بالاتفاق. فأما ما سلم من ذلك فيجوز القليل منه في أوقات ~~الفرح، كالعرس والعيد وعند التنشيط على الأعمال الشاقة، كما كان في حفر ~~الخندق وحدو أنجشة (1) وسلمة بن الأكوع. # فأما ما ابتدعته الصوفية اليوم من الادمان على سماع المغاني بالآلات ~~المطربة من الشبابات (2) والطار والمعازف والأوتار فحرام. ابن العربي: فأما ~~طبل الحرب فلا حرج فيه، لأنه يقيم النفوس ويرهب العدو. وفي اليراعة (3) ~~تردد. والدف مباح. [الجوهري (4): وربما سموا قصبة الراعي التي يزمر بها ~~هيرعة ويراعة] (4). قال القشيري: ضرب بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم يوم ~~دخل المدينة، فهم أبو بكر بالزجر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دعهن ~~يا أبا بكر حتى تعلم اليهود أن ديننا فسيح) فكن يضربن ويقلن: نحن بنات ~~النجار، حبذا محمد من جار. # وقد قيل: إن الطبل في النكاح كالدف، وكذلك الآلات المشهرة للنكاح يجوز ~~استعمالها فيه بما يحسن من الكلام ولم يكن فيه رفث. # PageV14P054 # الثالثة - الاشتغال بالغناء على الدوام سفه ترد به الشهادة، فإن لم يدم ~~لم ترد. وذكر إسحاق بن عيسى الطباع قال: سألت مالك بن أنس عما يرخص فيه أهل ~~المدينة من الغناء فقال: إنما يفعله عندنا الفساق. وذكر أبو الطيب طاهر بن ~~عبد الله الطبري قال: # أما مالك بن أنس فإنه نهى عن الغناء وعن استماعه، ms4883 وقال: إذا اشترى جارية ~~ووجدها مغنية كان له ردها بالعيب، وهو مذهب سائر أهل المدينة، إلا إبراهيم ~~بن سعد فإنه حكى عنه زكريا الساجي أنه كان لا يرى به بأسا. وقال ابن خويز ~~منداد: فأما مالك فيقال عنه: # إنه كان عالما بالصناعة وكان (1) مذهبه تحريمها. وروي عنه أنه قال: تعلمت ~~هذه الصناعة وأنا غلام شاب، فقالت لي أمي: أي بني! إن هذه الصناعة يصلح لها ~~من كان صبيح الوجه ولست كذلك، فطلب العلوم الدينية، فصحبت ربيعة فجعل الله ~~في ذلك خيرا. قال أبو الطيب الطبري: وأما مذهب أبي حنيفة فإنه يكره الغناء ~~مع إباحته شرب النبيذ، ويجمل سماع الغناء من الذنوب. وكذلك مذهب سائر أهل ~~الكوفة: إبراهيم والشعبي وحماد والثوري وغيرهم، لا اختلاف بينهم في ذلك. ~~وكذلك لا يعرف بين أهل البصرة خلاف في كراهية ذلك والمنع منه، إلا ما روي ~~عن عبيد الله بن الحسن العنبري أنه كان لا يرى به بأسا. قال: وأما مذهب ~~الشافعي فقال: الغناء مكروه يشبه الباطل، ومن استكثر منه فهو سفيه ترد ~~شهادته. وذكر أبو الفرج الجوزي عن إمامه أحمد بن حنبل ثلاث روايات قال: وقد ~~ذكر أصحابنا عن أبي بكر الخلال وصاحبه عبد العزيز إباحة الغناء، وإنما ~~أشاروا إلى ما كان في زمانهما من القصائد الزهديات، قال: وعلى هذا يحمل ما ~~لم يكرهه أحمد، ويدل عليه أنه سئل عن رجل مات وخلف ولدا وجارية مغنية ~~فاحتاج الصبي إلى بيعها فقال: تباع على أنها ساذجة لا على أنها مغنية. فقيل ~~له: إنها تساوي ثلاثين ألفا، ولعلها إن بيعت ساذجة تساوي عشرين ألفا؟ فقال: ~~لا تباع إلا على أنها ساذجة. قال أبو الفرج: # وإنما قال أحمد هذا لان هذه الجارية المغنية لا تغني بقصائد الزهد، بل ~~بالاشعار المطربة المثيرة إلى العشق. # PageV14P055 # وهذا دليل على أن الغناء محظور، إذ لو لم يكن محظورا ما جاز تفويت المال ~~على اليتيم. وصار هذا كقول أبي طلحة للنبي صلى الله عليه وسلم: عندي خمر ~~لأيتام؟ فقال: # (أرقها). فلو جاز ms4884 استصلاحها لما أمر بتضييع مال اليتامى. قال الطبري: فقد ~~أجمع علماء الأمصار على كراهة الغناء والمنع منه. وإنما فارق الجماعة ~~إبراهيم بن سعد وعبيد الله العنبري، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~(عليكم بالسواد الأعظم. ومن فارق الجماعة مات ميتة جاهلية). قال أبو الفرج: ~~وقال القفال من أصحابنا: لا تقبل شهادة المغني والرقاص. # قلت: وإذ قد ثبت أن هذا الامر لا يجوز فأخذ الأجرة عليه لا تجوز. وقد ~~ادعى أبو عمر بن عبد البر الاجماع على تحريم الأجرة على ذلك. وقد مضى في ~~الانعام عند قوله: # " وعنده مفاتح الغيب " (1) [الانعام: 59] وحسبك. # الرابعة - قال القاضي أبو بكر بن العربي: وأما سماع القينات فيجوز للرجل ~~أن يسمع غناء جاريته، إذ ليس شئ منها عليه حراما لا من ظاهرها ولا من ~~باطنها، فكيف يمنع من التلذذ بصوتها. أما أنه لا يجوز انكشاف النساء للرجال ~~ولا هتك الأستار ولا سماع الرفث، فإذا خرج ذلك إلى ما لا يحل ولا يجوز منع ~~من أوله واجتث من أصله. وقال أبو الطيب الطبري: أما سماع الغناء من المرأة ~~التي ليست بمحرم فإن أصحاب الشافعي قالوا لا يجوز، سواء كانت حرة أو ~~مملوكة. قال: وقال الشافعي: وصاحب الجارية إذا جمع الناس لسماعها فهو سفيه ~~ترد شهادته، ثم غلظ القول فيه فقال: فهي دياثة. وإنما جعل صاحبها سفيها ~~لأنه دعا الناس إلى الباطل، ومن دعا الناس إلى الباطل كان سفيها. # الخامسة - قوله تعالى: (ليضل عن سبيل الله) قراءة العامة بضم الياء، أي ~~ليضل غيره عن طريق الهدى، وإذا أضل غيره فقد ضل. وقرأ ابن كثير وابن محيصن ~~وحميد وأبو عمرو ورويس وابن أبي إسحاق (بفتح الياء) على اللازم، أي ليضل هو ~~نفسه. # PageV14P056 # (ويتخذها هزوا) قراءة المدنيين وأبي عمرو وعاصم بالرفع عطفا على " من ~~يشتري " ويجوز أن يكون مستأنفا. وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي: " ويتخذها " ~~بالنصب عطفا على " ليضل ". ومن الوجهين جميعا لا يحسن الوقف على قوله: " ~~بغير علم " والوقف على قوله: " هزوا "، والهاء في " يتخذها " كناية عن ~~الآيات. ms4885 ويجوز أن يكون كناية عن السبيل، لان السبيل يؤنث ويذكر. (أولئك لهم ~~عذاب مهين) أي شديد يهينهم. # قال الشاعر: # ولقد جزعت إلى النصارى بعدما * لقي الصليب من العذاب مهينا (1) قوله ~~تعالى: وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا ~~فبشره بعذاب أليم (7) قوله تعالى: (وإذا تتلى عليه آياتنا) يعني القرآن. ~~(ولى) أي أعرض. (مستكبرا) نصب على الحال. (كأن لم يسمعها كأن في أذنيه ~~وقرا) ثقلا وصمما. وقد تقدم (2). # (فبشره بعذاب أليم) تقدم أيضا (3). # قوله تعالى: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم (8) خالدين ~~فيها وعد الله حقا وهو العزيز الحكيم (9) قوله تعالى: (إن الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم) لما ذكر عذاب الكفار ذكر نعيم المؤمنين. ~~(خالدين فيها) أي دائمين. (وعد الله حقا) أي وعدهم الله هذا وعدا حقا لا ~~خلف فيه. (وهو العزيز الحكيم) تقدم أيضا (4). # PageV14P057 # قوله تعالى: خلق السماوات بغير عمد ترونها وألقى في الأرض رواسي أن تميد ~~بكم وبث فيها من كل دابة وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج ~~كريم (10) هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه بل الظالمون في ضلال ~~مبين (11) قوله تعالى: (خلق السماوات بغير عمد ترونها) تكون " ترونها " في ~~موضع خفض على النعت ل‍ " - عمد " فيمكن أن يكون ثم عمد ولكن لا ترى. ويجوز ~~أن تكون في موضع نصب على الحال من " السماوات " ولا عمد ثم البتة. النحاس: ~~وسمعت علي بن سليمان يقول: الأولى أن يكون مستأنفا، ولا عمد ثم، قاله مكي. ~~ويكون " بغير عمد " التمام. # وقد مضى في " الرعد " (1) الكلام في هذه الآية. (وألقى في الأرض رواسي) ~~أي جبالا ثوابت. # (أن تميد) في موضع نصب، أي كراهية أن تميد. والكوفيون يقدرونه بمعنى لئلا ~~تميد. # (وبث فيها من كل دابة وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج ~~كريم) عن ابن عباس: من كل لون حسن. وتأوله الشعبي على الناس، لأنهم مخلوقون ~~من الأرض، قال: من كان منهم يصير إلى الجنة ms4886 فهو الكريم، ومن كان منهم يصير ~~إلى النار فهو اللئيم. # وقد تأول غيره أن النطفة مخلوقة من تراب، وظاهر القرآن يدل على ذلك. # قوله تعالى: (هذا خلق الله) [مبتدأ وخبر. والخلق بمعنى المخلوق، أي هذا ~~الذي ذكرته مما تعاينون " خلق الله "] (2) أي مخلوق الله، أي خلقها من غير ~~شريك. (فأروني) معاشر المشركين (ماذا خلق الذين من دونه) يعني الأصنام. (بل ~~الظالمون) أي المشركون (في ضلال مبين) أي خسران ظاهر. و " ما " استفهام في ~~موضع رفع بالابتداء وخبره " ذا " وذا بمعنى الذي. و " خلق واقع على هاء ~~محذوفة، تقديره فأروني أي شئ خلق الذين من دونه، والجملة في موضع نصب ب‍ " ~~- أروني " وتضمر الهاء مع " خلق " # PageV14P058 # تعود على الذين، أي فأروني الأشياء التي خلقها الذين من دونه. وعلى هذا ~~القول تقول: # ماذا تعلمت، أنحو أم شعر. ويجوز أن تكون " ما " في موضع نصب ب‍ " - أروني ~~" و " ذا " زائد، وعلى هذا القول يقول: ماذا تعلمت، أنحوا أم شعرا. # قوله تعالى: ولقد آتينا لقمان الحكمة أن أشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر ~~لنفسه ومن كفر فإن الله غنى حميد (12) قوله تعالى: (ولقد آتينا لقمان ~~الحكمة) مفعولان. ولم ينصرف " لقمان " لان في آخره ألفا ونونا زائدتين، ~~فأشبه فعلان الذي أنثاه فعلى فلم ينصرف في المعرفة لان ذلك ثقل ثان، وانصرف ~~في النكرة لان أحد الثقلين قد زال، قاله النحاس. وهو لقمان بن باعوراء ابن ~~ناحور بن تارح، وهو آزر أبو إبراهيم، كذا نسبه محمد بن إسحاق. وقيل: هو ~~لقمان ابن عنقاء بن سرون وكان نوبيا من أهل أيلة، ذكره السهيلي. قال وهب: ~~كان ابن أخت أيوب. وقال مقاتل: ذكر أنه كان ابن خالة أيوب. الزمخشري: وهو ~~لقمان بن باعوراء ابن أخت أيوب أو ابن خالته، وقيل كان من أولاد آزر، عاش ~~ألف سنة وأدركه داود عليه الصلاة والسلام وأخذ عنه العلم، وكان يفتي قبل ~~مبعث داود، فلما بعث قطع الفتوى فقيل له، فقال: ألا أكتفي إذ كفيت. وقال ~~الواقدي: كان قاضيا في بني إسرائيل. ms4887 وقال سعيد ابن المسيب: كان لقمان أسود ~~من سودان مصر ذا مشافر، أعطاه الله تعالى الحكمة ومنعه النبوة، وعلى هذا ~~جمهور أهل التأويل إنه كان وليا ولم يكن نبيا. وقال بنبوته عكرمة والشعبي، ~~وعلى هذا تكون الحكمة النبوة. والصواب أنه كان رجلا حكيما بحكمة الله تعالى ~~- وهي الصواب في المعتقدات والفقه في الدين والعقل (1) - قاضيا في بني ~~إسرائيل، أسود مشقق الرجلين ذا مشافر، أي عظيم الشفتين، قاله ابن عباس ~~وغيره. وروي من حديث ابن عمر قال: # سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لم يكن لقمان نبيا ولكن كان ~~عبدا كثير التفكر # PageV14P059 # حسن اليقين، أحب الله تعالى فأحبه، فمن عليه بالحكمة، وخيره في أن يجعله ~~خليفة يحكم بالحق، فقال: رب، إن خيرتني قبلت العافية وتركت البلاء، وإن ~~عزمت علي فسمعا وطاعة فإنك ستعصمني، ذكره ابن عطية. وزاد الثعلبي: فقالت له ~~الملائكة بصوت لا يراهم: # لم يا لقمان؟ قال: لان الحاكم بأشد المنازل وأكدرها، يغشاه المظلوم من كل ~~مكان، إن يعن فبالحري (1) أن ينجو، وإن أخطأ أخطأ طريق الجنة. ومن يكن في ~~الدنيا ذليلا [فذلك] (2) خير من أن يكون فيها شريفا. ومن يختر الدنيا على ~~الآخرة نفته الدنيا ولا يصيب الآخرة. # فعجبت الملائكة من حسن منطقه، فنام نومة فأعطي الحكمة فانتبه يتكلم بها. ~~ثم نودي داود بعده فقبلها - يعني الخلافة - ولم يشترط ما اشترطه لقمان، ~~فهوى في الخطيئة غير مرة، كل ذلك يعفو الله عنه. وكان لقمان يوازره بحكمته، ~~فقال له داود: طوبى لك يا لقمان! # أعطيت الحكمة وصرف عنك البلاء، وأعطى داود الخلافة وابتلي بالبلاء ~~والفتنة. وقال قتادة: خير الله تعالى لقمان بين النبوة والحكمة، فاختار ~~الحكمة على النبوة، فأتاه جبريل عليه السلام وهو نائم فذر عليه الحكمة ~~فأصبح وهو ينطق بها، فقيل له: كيف اخترت الحكمة على النبوة وقد خيرك ربك؟ ~~فقال: إنه لو أرسل إلي بالنبوة عزمة (3) لرجوت فيها العون منه، ولكنه خيرني ~~فخفت أن أضعف عن النبوة، فكانت الحكمة أحب إلي. # واختلف في صنعته، فقيل: كان ms4888 خياطا، قاله سعيد بن المسيب، وقال لرجل أسود: # لا تحزن من أنك أسود، فإنه كان من خير الناس ثلاثة من السودان: بلال ~~ومهجع مولى عمر ولقمان. وقيل: كان يحتطب كل يوم لمولاه حزمة حطب. وقال لرجل ~~ينظر إليه: # إن كنت تراني غليظ الشفتين فإنه يخرج من بينهما كلام رقيق، وإن كنت تراني ~~أسود فقلبي أبيض. وقيل: كان راعيا، فرآه رجل كان يعرفه قبل ذلك فقال له: ~~ألست عبد بني فلان؟ # قال بلى. قال: فما بلغ بك ما أرى؟ قال: قدر الله، وأدائي الأمانة، وصدق ~~الحديث، # PageV14P060 # وترك ما لا يعنيني، قاله عبد الرحمن بن زيد بن جابر. وقال خالد الربعي: ~~كان نجارا، فقال له سيده: اذبح لي شاة وائتني بأطيبها مضغتين، فأتاه ~~باللسان والقلب، فقال له: ما كان فيها شئ أطيب من هذين؟ فسكت، ثم أمره بذبح ~~شاة أخرى ثم قال له: ألق أخبثها مضغتين، فألقى اللسان والقلب، فقال له: ~~أمرتك أن تأتيني بأطيب مضغتين فأتيتني باللسان والقلب، وأمرتك أن تلقي ~~أخبثها فألقيت اللسان والقلب؟! فقال له: إنه ليس شئ أطيب منهما إذا طابا، ~~ولا أخبث منهما إذا خبثا. # قلت: هذا معناه مرفوع في غير ما حديث، من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: # (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ~~ألا وهي القلب). وجاء في اللسان آثار كثيرة صحيحة وشهيرة، منها قوله عليه ~~السلام: # (من وقاه الله شر اثنتين ولج الجنة: ما بين لحييه (1) ورجليه...) الحديث. ~~وحكم لقمان كثيرة مأثورة هذا منها. وقيل له: أي الناس شر؟ قال: الذي لا ~~يبالي أن رآه الناس مسيئا. # قلت: وهذا أيضا مرفوع معنى، قال صلى الله عليه وسلم: (كل أمتي معافى إلا ~~المجاهرون وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملا ثم يصبح وقد ستره ~~الله فيقول يا فلان عملت البارحة كذا وكذا وقد بات يستره ربه ويصبح يكشف ~~ستر الله عنه). رواه أبو هريرة خرجه البخاري. وقال وهب بن منبه: قرأت من ~~حكمة لقمان ms4889 أرجح من عشرة آلاف باب. # وروي أنه دخل على داود عليه السلام وهو يسرد الدروع، وقد لين الله له ~~الحديد كالطين فأراد أن يسأله، فأدركته الحكمة فسكت، فلما أتمها لبسها ~~وقال: نعم لبوس الحرب أنت. # فقال: الصمت حكمة، وقليل فاعله. فقال له داود: بحق ما سميت حكيما. # قوله تعالى: (أن أشكر لله) فيه تقديران: أحدهما أن تكون " أن " بمعنى أي ~~مفسرة، أي قلنا له اشكر. والقول الآخر أنها في موضع نصب والفعل داخل في ~~صلتها، كما حكى سيبويه: # كتبت إليه أن قم، إلا أن هذا الوجه عنده بعيد. وقال الزجاج: المعنى ولقد ~~آتينا لقمان # PageV14P061 # الحكمة لان يشكر الله تعالى. وقيل: أي بأن اشكر لله تعالى فشكر، فكان ~~حكيما بشكره لنا. # والشكر لله: طاعته فيما أمر به. وقد مضى القول في حقيقته لغة ومعنى في " ~~البقرة " (1) وغيرها. # (ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه) أي من يطع الله تعالى فإنما يعمل لنفسه، لان ~~نفع الثواب عائد إليه. (ومن كفر) أي كفر النعم فلم يوحد الله (فإن الله ~~غني) عن عبادة خلقه (حميد) عند الخلق، أي محمود. وقال يحيى بن سلام: " غني ~~" عن خلقه " حميد " في فعله. # قوله تعالى: وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك ~~لظلم عظيم (13) قوله تعالى: (وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه) قال السهيلي: ~~اسم ابنه ثاران، في قول الطبري والقتبي. وقال الكلبي: مشكم. وقيل أنعم، ~~حكاه النقاش. وذكر القشيري أن ابنه وامرأته كانا كافرين فما زال يعظهما حتى ~~أسلما. # قلت: ودل على هذا قوله: (لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم) وفي صحيح ~~مسلم وغيره عن عبد الله قال: لما نزلت " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم ~~بظلم " (2) [الانعام: 82] شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقالوا: أينا لا يظلم نفسه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس هو ~~كما تظنون إنما هو كما قال لقمان لابنه: يا بني لا تشرك بالله إن الشرك ~~لظلم عظيم). واختلف في قوله: " إن ms4890 الشرك لظلم عظيم " فقيل: إنه من كلام ~~لقمان. وقيل: # هو خبر من الله تعالى منقطعا من كلام لقمان متصلا به في تأكيد المعنى، ~~ويؤيد هذا الحديث المأثور أنه لما نزلت: " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم ~~بظلم " [الانعام: 82] أشفق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: ~~أينا لم يظلم، فأنزل الله تعالى: " إن الشرك لظلم عظيم " فسكن إشفاقهم، ~~وإنما يسكن إشفاقهم بأن يكون خبرا من الله تعالى، وقد يسكن الاشفاق بأن ~~يذكر الله ذلك عن عبد قد وصفه بالحكمة والسداد. و " إذ " في موضع نصب بمعنى ~~أذكر. وقال الزجاج # PageV14P062 # في كتابه في القرآن: إن " إذ " في موضع نصب ب‍ " - آتينا " والمعنى: ولقد ~~آتينا لقمان الحكمة إذ قال. النحاس: وأحسبه غلطا، لان في الكلام واوا تمنع ~~من ذلك. وقال: " يا بني " بكسر الياء، لأنها دالة على الياء المحذوفة، ومن ~~فتحها فلخفة الفتحة عنده، وقد مضى في " هود " (1) القول في هذا. وقوله: " ~~يا بني " ليس هو على حقيقة التصغير وإن كان على لفظه، وإنما هو على وجه ~~الترقيق، كما يقال للرجل: يا أخي، وللصبي هو كويس. # قوله تعالى: ووصينا الانسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في ~~عامين أن أشكر لي ولوالديك إلى المصير (14) وإن جاهداك على أن ترك بي ما ~~ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا وابتع سبيل من أناب ~~إلى ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون (15) فيه ثماني مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (ووصينا الانسان بوالديه) هاتان الآيتان اعتراض بين ~~أثناء وصية لقمان. وقيل: إن هذا مما أوصى به لقمان ابنه، أخبر الله به عنه، ~~أي قال لقمان لابنه: # لا تشرك بالله ولا تطع في الشرك والديك، فإن الله وصى بهما في طاعتهما ~~مما لا يكون شركا ومعصية لله تعالى. وقيل: أي وإذ قال لقمان لابنه، فقلنا ~~للقمان فيما آتيناه من الحكمة ووصينا الانسان بوالديه، أي قلنا له اشكر ~~لله، وقلنا له ووصينا الانسان. وقيل: وإذ قال لقمان لابنه، لا تشرك، ونحن ~~وصينا الانسان بوالديه ms4891 حسنا، وأمرنا الناس بهذا، وأمر لقمان به ابنه، ذكر ~~هذه الأقوال القشيري. والصحيح أن هاتين الآيتين نزلتا في شأن سعد ابن أبي ~~وقاص، كما تقدم في " العنكبوت " (2) وعليه جماعة المفسرين. # PageV14P063 # وجملة هذا الباب أن طاعة الأبوين لا تراعى في ركوب كبيرة ولا في ترك ~~فريضة على الأعيان، وتلزم طاعتهما في المباحات، ويستحسن في ترك الطاعات ~~الندب، ومنه أمر الجهاد الكفاية، والإجابة للام في الصلاة مع إمكان ~~الإعادة، على أن هذا أقوى من الندب، لكن يعلل بخوف هلكة عليها، ونحوه مما ~~يبيح قطع الصلاة فلا يكون أقوى (1) من الندب. وخالف الحسن في هذا التفصيل ~~فقال: إن منعته أمه من شهود العشاء شفقة فلا يطعها. # الثانية - لما خص تعالى الام بدرجة ذكر الحمل وبدرجة ذكر الرضاع حصل لها ~~بذلك ثلاث مراتب، وللأب واحدة، وأشبه ذلك قوله صلى الله عليه وسلم حين قال ~~له رجل من أبر؟ قال: (أمك) قال ثم من؟ قال: (أمك) قال ثم من؟ قال: (أمك) ~~قال ثم من؟ قال: (أبوك) فجعل له الربع من المبرة كما في هذه الآية، وقد مضى ~~هذا كله في " سبحان " (2). # الثالثة - قوله تعالى: (وهنا على وهن) أي حملته في بطنها وهي تزداد كل ~~يوم ضعفا على ضعف. وقيل: المرأة ضعيفة الخلقة ثم يضعفها الحمل. وقرأ عيسى ~~الثقفي: " وهنا على وهن " بفتح الهاء فيهما، ورويت عن أبي عمرو، وهما بمعنى ~~واحد. قال قعنب ابن أم صاحب: # هل للعواذل من ناه فيزجرها * إن العواذل فيها الأين والوهن يقال: وهن ~~يهن، ووهن يوهن ووهن، يهن، مثل ورم يرم. وانتصب " وهنا " على المصدر، ذكره ~~القشيري. النحاس: على المفعول الثاني بإسقاط حرف الجر، أي حملته بضعف على ~~ضعف. وقرأ الجمهور: " وفصاله " وقرأ الحسن ويعقوب: " وفصله " وهما لغتان، ~~أي وفصاله في انقضاء عامين، والمقصود من الفصال الفطام، فعبر بغايته ~~ونهايته. ويقال: # انفصل عن كذا أي تميز، وبه سمي الفصيل. # PageV14P064 # الرابعة - الناس مجمعون على العامين في مدة الرضاع في باب الاحكام ~~والنفقات، وأما في تحريم اللبن فحددت فرقة بالعام لا زيادة ms4892 ولا نقص. وقالت ~~فرقة: العامان وما اتصل بهما من الشهر ونحوه إذا كان متصل الرضاع. وقالت ~~فرقة: إن فطم الصبي قبل العامين وترك اللبن فإن ما شرب بعد ذلك في الحولين ~~لا يحرم، وقد مضى هذا في " البقرة " (1) مستوفى. # الخامسة - قوله تعالى: (أن أشكر لي) " أن " في موضع نصب في قول الزجاج، ~~وأن المعنى: ووصينا الانسان بوالديه أن اشكر لي. النحاس: وأجود منه أن تكون ~~" أن " مفسرة، والمعنى: قلنا له أن اشكر لي ولوالديك. قيل: الشكر لله على ~~نعمة الايمان، وللوالدين على نعمة التربية. وقال سفيان بن عيينة: من صلى ~~الصلوات الخمس فقد شكر الله تعالى، ومن دعا لوالديه في أدبار الصلوات فقد ~~شكرهما. # السادسة - قوله تعالى: (وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا ~~تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم ~~فأنبئكم بما كنتم تعملون) قد بينا أن هذه الآية والتي قبلها نزلتا في شأن ~~سعد بن أبي وقاص لما أسلم، وأن أمه وهي حمنة بنت أبي سفيان بن أمية حلفت ~~ألا تأكل، كما تقدم في الآية قبلها. # السابعة - قوله تعالى: (وصاحبهما في الدنيا معروفا) نعت لمصدر محذوف، أي ~~مصاحبا معروفا، يقال صاحبته مصاحبة ومصاحبا. و " معروفا " أي ما يحسن. # والآية دليل على صلة الأبوين الكافرين بما أمكن من المال إن كانا فقيرين، ~~وإلانة القول والدعاء إلى الاسلام برفق. وقد قالت أسماء بنت أبي بكر الصديق ~~للنبي عليه الصلاة والسلام وقد قدمت عليه خالتها وقيل أمها من الرضاعة ~~فقالت: يا رسول الله، إن أمي قدمت علي وهي راغبة أفأصلها؟ قال: (نعم). ~~وراغبة قيل معناه: عن الاسلام. قال ابن عطية: والظاهر عندي أنها راغبة في ~~الصلة، وما كانت لتقدم على أسماء لولا حاجتها. ووالدة أسماء هي قتيلة بنت ~~عبد العزى بن عبد أسد. وأم عائشة و عبد الرحمن هي أم رومان قديمة الاسلام. # PageV14P065 # الثامنة - قوله تعالى: (واتبع سبيل من أناب إلي) وصية لجميع العالم، كأن ~~المأمور الانسان. و " أناب " معناه ms4893 مال ورجع إلى الشئ، وهذه سبيل الأنبياء ~~والصالحين. # وحكى النقاش أن المأمور سعد، والذي أناب أبو بكر، وقال: إن أبا بكر لما ~~أسلم أتاه سعد و عبد الرحمن بن عوف وعثمان وطلحة وسعيد والزبير فقالوا: ~~آمنت! قال نعم، فنزلت فيه: # " أم من هو قانت آناء الليل ساجد وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة (1) ربه ~~" [الزمر: 9] فلما سمعها الستة آمنوا، فأنزل الله تعالى فيهم: " والذين ~~اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى (1) - إلى قوله - ~~أولئك الذين هداهم الله " [الزمر: 17 - 18]. قيل: الذي أناب النبي صلى الله ~~عليه وسلم. وقال ابن عباس: ولما أسلم سعد أسلم معه أخواه عامر وعويمر، فلم ~~يبق منهم مشرك إلا عتبة. ثم توعد عز وجل ببعث من في القبور والرجوع إليه ~~للجزاء والتوقيف على صغير الأعمال وكبيرها. # قوله تعالى: يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في ~~السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير (16) المعنى: وقال ~~لقمان لابنه يا بني. وهذا القول من لقمان إنما قصد به إعلام ابنه بقدر قدرة ~~الله تعالى. وهذه الغاية التي أمكنه أن يفهمه، لان الخردلة يقال: إن الحس ~~لا يدرك لها ثقلا، إذ لا ترجح ميزانا. أي لو كان للانسان رزق مثقال حبة ~~خردل في هذه المواضع جاء الله بها حتى يسوقها إلى من هي رزقه، أي لا تهتم ~~للرزق حتى تشتغل به عن أداء الفرائض، وعن اتباع سبيل من أناب إلي. # قلت: ومن هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن مسعود: ~~(لا تكثر همك ما يقدر يكون وما ترزق يأتيك). وقد نطقت هذه الآية بأن الله ~~تعالى قد أحاط بكل شئ علما، وأحصى كل شئ عددا، سبحانه لا شريك له. وروي أن ~~ابن لقمان سأل أباه # PageV14P066 # عن الحبة تقع في سفل البحر أيعلمها الله؟ فراجعه لقمان بهذه الآية. وقيل: ~~المعنى أنه أراد الأعمال، المعاصي والطاعات، أي إن تك الحسنة أو الخطيئة ~~مثقال حبة يأت بها ms4894 الله، أي لا تفوت الانسان المقدر وقوعها منه. وبهذا ~~المعنى يتحصل في الموعظة ترجية وتخويف مضاف [ذلك] (1) إلى تبيين قدرة الله ~~تعالى. وفي القول الأول ليس فيه ترجية ولا تخويف. # قوله تعالى: " مثقال حبة " عبارة تصلح للجواهر، أي قدر حبة، وتصلح ~~للأعمال، أي ما يزنه على جهة المماثلة قدر حبة. ومما يؤيد قول من قال هي من ~~الجواهر: قراءة عبد الكريم الجزري (2) " فتكن " بكسر الكاف وشد النون، من ~~الكن الذي هو الشئ المغطى. # وقرأ جمهور القراء: " إن تك " بالتاء من فوق " مثقال " بالنصب على خبر ~~كان، واسمها مضمر تقديره: مسألتك، على ما روى، أو المعصية والطاعة على ~~القول الثاني، ويدل على صحته قول ابن لقمان لأبيه: يا أبت إن عملت الخطيئة ~~حيث لا يراني أحد كيف يعلمها الله؟ # فقال لقمان له: " يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة " ~~الآية. فما زال ابنه يضطرب حتى مات، قاله مقاتل. والضمير في " إنها " ضمير ~~القصة، كقولك: إنها هند قائمة، أي القصة إنها إن تك مثقال حبة. والبصريون ~~يجيزون: إنها زيد ضربته، بمعنى إن القصة. والكوفيون لا يجيزون هذا إلا في ~~المؤنث كما ذكرنا. وقرأ نافع: " مثقال " بالرفع، وعلى هذا " تك " يرجع إلى ~~معنى خردلة، أي إن تك حبة من خردل. وقيل: أسند إلى المثقال فعلا فيه علامة ~~التأنيث من حيث انضاف إلى مؤنث هو منه، لان مثقال الحبة من الخردل إما سيئة ~~أو حسنة، كما قال: " فله عشر أمثالها " (3) [الانعام: 160] فأنث وإن كان ~~المثل مذكرا، لأنه أراد الحسنات. وهذا كقول الشاعر: # مشين كما اهتزت رماح تسفهت * أعاليها مر الرياح النواسم (4) و " تك " ~~هاهنا بمعنى تقع فلا تقتضي خبرا. # PageV14P067 # قوله تعالى: " فتكن في صخرة " قيل: معنى الكلام المبالغة والانتهاء في ~~التفهيم، أي أن قدرته تعالى تنال ما يكون في تضاعيف صخرة وما يكون في ~~السماء والأرض. وقال ابن عباس: # الصخرة تحت الأرضين السبع وعليها الأرض. وقيل: هي الصخرة على ظهر الحوت. ~~وقال السدي: هي صخرة ليست في السماوات والأرض، ms4895 بل هي وراء سبع أرضين عليها ~~ملك قائم، لأنه قال: " أو في السماوات أو في الأرض " وفيهما غنية عن قوله: ~~" فتكن في صخرة "، وهذا الذي قاله ممكن، ويمكن أن يقال: قوله: " فتكن في ~~صخرة " تأكيد، كقوله: # " اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الانسان من (1) علق " [العلق: 1 - 2]، ~~وقوله: " سبحان الذي أسرى بعبده (2) ليلا " [الاسراء: 1]. # قوله تعالى: يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وأنه عن المنكر واصبر على ~~ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور (17) فيه ثلاث مسائل: # الأولى قوله تعالى: (يا بني أقم الصلاة) وصى ابنه بعظم الطاعات وهي ~~الصلاة والامر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهذا إنما يريد به بعد أن يمتثل ~~ذلك هو في نفسه ويزدجر عن المنكر، وهنا هي الطاعات والفضائل أجمع. ولقد ~~أحسن من قال: # وابدأ بنفسك فانهها عن غيها * فإذا انتهت عنه فأنت حكيم في أبيات تقدم في ~~" البقرة " ذكرها (3). # الثانية - قوله تعالى: (واصبر على ما أصابك) يقتضي حضا على تغيير المنكر ~~وإن نالك ضرر، فهو إشعار بأن المغير يؤذى أحيانا، وهذا القدر على جهة الندب ~~والقوة في ذات الله، وأما على اللزوم فلا، وقد مضى الكلام في هذا مستوفى في ~~" آل عمران والمائدة " (4). وقيل: أمره بالصبر على شدائد الدنيا كالأمراض ~~وغيرها، وألا يخرج من الجزع إلى معصية الله عز وجل، وهذا قول حسن لأنه يعم. # PageV14P068 # الثالثة قوله تعالى: (إن ذلك من عزم الأمور) قال ابن عباس: من حقيقة ~~الايمان الصبر على المكاره. وقيل: إن إقامة الصلاة والامر بالمعروف والنهى ~~عن المنكر من عزم الأمور، أي مما عزمه الله وأمر به، قاله ابن جريج. ويحتمل ~~أن يريد أن ذلك من مكارم الأخلاق وعزائم أهل الحزم السالكين طريق النجاة. ~~وقول ابن جريج صوب. # قوله تعالى: ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل ~~مختال فخور (18) فيه ثلاث مسائل: # الأولى - قرأ نافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي وابن محيصن: " تصاعر " ~~بالألف بعد الصاد. وقرأ ابن كثير وعاصم وابن عامر والحسن ومجاهد: " تصعر " ~~وقرأ ms4896 الجحدري: # " تصعر " بسكون الصاد، والمعنى متقارب. والصعر: الميل، ومنه قول ~~الأعرابي: وقد أقام الدهر صعري، بعد أن أقمت صعره. ومنه قول عمرو بن حني ~~التغلبي: # وكنا إذا الجبار صعر خده * أقمنا له من ميله فتقوم (1) وأنشده الطبري: " ~~فتقوما ". قال ابن عطية: وهو خطأ، لان قافية الشعر مخفوضة (2). # وفي بيت آخر: # * أقمنا له من خده المتصعر * قال الهروي: " لا تصاعر " أي لا تعرض عنهم ~~تكبرا عليهم، يقال: أصاب البعير صعر وصيد إذ أصابه داء يلوي منه عنقه. ثم ~~يقال للمتكبر: فيه صعر وصيد، فمعنى: " لا تصعر " أي لا تلزم خدك الصعر. وفي ~~الحديث: (يأتي على الناس زمان ليس فيهم إلا أصعر أو أبتر) # PageV14P069 # والأصعر: المعرض بوجهه كبرا، وأراد رذالة الناس الذين لا دين لهم. وفي ~~الحديث: # (كل صعار ملعون) أي كل ذي أبهة وكبر. # الثانية - معنى الآية: ولا تمل خدك للناس كبرا عليهم وإعجابا واحتقارا ~~لهم. # وهذا تأويل ابن عباس وجماعة. وقيل: هو أن تلوي شدقك إذا ذكر الرجل عندك ~~كأنك تحتقره، فالمعنى: أقبل عليهم متواضعا مؤنسا مستأنسا، وإذا حدثك أصغرهم ~~فاصغ إليه حتى يكمل حديثه. وكذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل. # قلت: ومن هذا المعنى (1) ما رواه مالك عن ابن شهاب عن أنس بن مالك أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تباغضوا ولا تدابروا ولا تحاسدوا ~~وكونوا عباد الله إخوانا، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث). فالتدابر ~~الاعراض وترك الكلام والسلام ونحوه. # وإنما قيل للاعراض تدابر لان من أبغضته أعرضت عنه ووليته دبرك، وكذلك ~~يصنع هو بك. ومن أحببته أقبلت عليه بوجهك وواجهته لتسره ويسرك، فمعنى ~~التدابر موجود فيمن صعر خده، وبه فسر مجاهد الآية. وقال ابن خويز منداد: ~~قوله: " ولا تصاعر خدك للناس " كأنه نهى أن يذل الانسان نفسه من غير حاجة، ~~ونحو ذلك روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ليس للانسان أن يذل ~~نفسه). # الثالثة - قوله تعالى: (ولا تمش في الأرض مرحا) أي متبخترا متكبرا، مصدر ~~في موضع ms4897 الحال، وقد مضى في " سبحان ". وهو النشاط والمشي فرحا في غير شغل ~~وفي غير حاجة. وأهل هذا الخلق ملازمون للفخر والخيلاء، فالمرح مختال في ~~مشيته. روى يحيى ابن جابر الطائي عن ابن عائذ الأزدي عن غضيف بن الحارث ~~قال: أتيت بيت المقدس أنا و عبد الله بن عبيد بن عمير (3) قال: فجلسنا إلى ~~عبد الله بن عمرو بن العاصي فسمعته يقول: إن القبر يكلم العبد إذا وضع فيه ~~فيقول: يا بن آدم ما غرك بي! ألم تعلم أني بيت الوحدة! ألم تعلم أني بيت ~~الظلمة! ألم تعلم أني بيت الحق! يا بن آدم ما غرك بي! لقد كنت تمشي حولي # PageV14P070 # فدادا. قال ابن عائذ قلت لغضيف: ما الفداد يا أبا أسماء؟ قال: كبعض مشيتك ~~يا ابن أخي أحيانا. قال أبو عبيد: والمعنى ذا مال كثير وذا خيلاء. وقال صلى ~~الله عليه وسلم: (من جر ثوبه خيلاء لا ينظر الله إليه يوم القيامة). ~~والفخور: هو الذي يعدد ما أعطي ولا يشكر الله تعالى، قاله مجاهد. وفي ~~اللفظة الفخر بالنسب وغير ذلك. # قوله تعالى: واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير ~~(19) فيه ست مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (واقصد في مشيك) لما نهاه عن الخلق الذميم رسم له ~~الخلق الكريم الذي ينبغي أن يستعمله فقال: " واقصد في مشيك " أي توسط فيه. ~~والقصد: # ما بين الاسراع والبطء، أي لا تدب دبيب المتماوتين ولا تثب وثب الشطار، ~~وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن). فأما ~~ما روي عنه عليه السلام أنه كان إذا مشى أسرع، وقول عائشة في عمر رضي الله ~~عنهما: كان إذا مشى أسرع - فإنما أرادت السرعة المرتفعة عن دبيب المتماوت، ~~والله أعلم. وقد مدح الله سبحانه من هذه صفته حسبما تقدم بيانه في " ~~الفرقان " (1). # الثانية - قوله تعالى: (واغضض من صوتك) أي انقص منه، أي لا تتكلف رفع ~~الصوت وخذ منه ما تحتاج إليه، فإن الجهر بأكثر من الحاجة تكلف يؤذي. ~~والمراد بذلك كله ms4898 التواضع، وقد قال عمر لمؤذن تكلف رفع الاذان بأكثر من ~~طاقته: لقد خشيت أن ينشق مريطاؤك! والمؤذن هو أبو محذورة سمرة بن معير (2). ~~والمريطاء: ما بين السرة إلى العانة. # الثالثة - قوله تعالى: (إن أنكر الأصوات لصوت الحمير) أي أقبحها وأوحشها، ~~ومنه أتانا بوجه منكر. والحمار مثل في الذم البليغ والشتيمة، وكذلك نهاقه، ~~ومن استفحاشهم # PageV14P071 # لذكره مجردا أنهم يكنون عنه ويرغبون عن التصريح فيقولون: الطويل الاذنين، ~~كما يكنى عن الأشياء المستقذرة. وقد عد في مساوئ الآداب أن يجري ذكر الحمار ~~في مجلس قوم من أولي المروءة. ومن العرب من لا يركب الحمار استنكافا وإن ~~بلغت منه الرجلة (1). وكان عليه الصلاة والسلام يركبه تواضعا وتذللا لله ~~تبارك وتعالى. # الرابعة - في الآية دليل على تعريف قبح رفع الصوت في المخاطبة والملاحاة ~~(2) بقبح أصوات الحمير، لأنها عالية. وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: (وإذا سمعتم نهيق الحمير فتعوذوا بالله من الشيطان فإنها رأت ~~شيطانا). وقد روي: أنه (3) ما صاح حمار ولا نبح كلب إلا أن يرى شيطانا. ~~وقال سفيان الثوري: صياح كل شئ تسبيح إلا نهيق الحمير. وقال عطاء: نهيق ~~الحمير دعاء على الظلمة. # الخامسة - (4) وهذه الآية أدب من الله تعالى بترك الصياح في وجوه الناس ~~تهاونا (5) بهم، أو بترك الصياح جملة، وكانت العرب تفخر بجهارة الصوت ~~الجهير وغير ذلك، فمن كان منهم أشد صوتا كان أعز، ومن كان أخفض كان أذل، ~~حتى قال شاعرهم: # جهير الكلام جهير العطاس * جهير الرواء جهير النعم (6) ويعدو على الأين ~~عدوى الظليم * ويعلو الرجال بخلق عمم (7) فنهى الله سبحانه وتعالى عن هذه ~~الخلق الجاهلية بقوله: " إن أنكر الأصوات لصوت الحمير " أي لو أن شيئا يهاب ~~لصوته لكان الحمار، فجعلهم في المثل سواء. # السادسة - قوله تعالى: " لصوت الحمير " اللام للتأكيد، ووحد الصوت وإن ~~كان مضافا إلى الجماعة لأنه مصدر والمصدر يدل على الكثرة، وهو مصدر صات ~~يصوت صوتا فهو صائت. ويقال: صوت تصويتا فهو مصوت. ورجل صات أي شديد الصوت ~~بمعنى صائت، كقولهم: رجال مال ms4899 ونال، أي كثير المال والنوال. # PageV14P072 # قوله تعالى: ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض وأسبغ ~~عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا ~~كتاب منير (20) وإذا قيل لهم أتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا ~~عليه آباءنا أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير (21) قوله تعالى: ~~(ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض) ذكر نعمه على بني ~~آدم، وأنه سخر لهم " ما في السماوات " من شمس وقمر ونجوم وملائكة تحوطهم ~~وتجر إليهم منافعهم. " وما في الأرض " عام في الجبال والأشجار والثمار وما ~~لا يحصى. (وأسبغ عليكم نعمه) أي أكملها وأتمها. وقرأ ابن عباس ويحيى بن ~~عمارة: " وأصبغ " بالصاد على بدلها من السين، لان حروف الاستعلاء تجتذب ~~السين من سفلها إلى علوها فتردها صادا. والنعم: جمع نعمة كسدرة وسدر (بفتح ~~الدال) وهي قراءة نافع وأبي عمرو وحفص. الباقون: " نعمة " على الافراد، ~~والافراد يدل على الكثرة، كقوله تعالى: " وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها " ~~(1) [إبراهيم: 34]. # وهي قراءة ابن عباس من وجوه صحاح. وقيل: إن معناها الاسلام، قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم لابن عباس وقد سأله عن هذه الآية: (الظاهرة الاسلام وما ~~حسن من خلقك، والباطنة ما ستر عليك من سيئ عملك). النحاس: وشرح هذا أن سعيد ~~بن جبير قال في قول الله عز وجل: " ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم " ~~(2) [المائدة: 6] قال: يدخلكم الجنة. وتمام نعمة الله عز وجل على العبد أن ~~يدخله الجنة، فكذا لما كان الاسلام يئول أمره إلى الجنة سمي نعمة. وقيل: ~~الظاهرة الصحة وكمال الخلق، والباطنة المعرفة والعقل. وقال المحاسبي: # الظاهرة نعم الدنيا، والباطنة نعم العقبى. وقيل: الظاهرة ما يرى بالابصار ~~من المال والجاه والجمال في الناس وتوفيق الطاعات، والباطنة ما يجده المرء ~~في نفسه من العلم بالله # PageV14P073 # وحسن اليقين وما يدفع الله تعالى عن العبد من الآفات. وقد سرد الماوردي ~~في هذا أقوالا تسعة، كلها ترجع إلى ms4900 هذا. # قوله تعالى: (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم) تقدم معناها في ~~(الحج) (1) وغيرها. # نزلت في يهودي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، أخبرني ~~عن ربك، من أي شئ هو؟ فجاءت صاعقة فأخذته، قاله مجاهد. وقد مضى هذا في " ~~الرعد " (2). وقيل: # إنها نزلت في النضر بن الحارث، كان يقول: إن الملائكة بنات الله، قاله ~~ابن عباس. # " يجادل " يخاصم (بغير علم) أي بغير حجة (ولا هدى ولا كتاب منير) أي نير ~~بين، إلا الشيطان فيما يلقي إليهم. " وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ~~ليجادلوكم " (3) [الانعام: 121] وإلا تقليد الأسلاف كما في الآية بعد. (أو ~~لو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير) يتبعونه. # قوله تعالى: ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى ~~وإلى الله عاقبة الأمور (22) قوله تعالى: (ومن يسلم وجهه إلى الله) أي يخلص ~~عبادته وقصده إلى الله تعالى. # (وهو محسن) لان العبادة من غير إحسان ولا معرفة القلب لا تنفع، نظيره: " ~~ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن " (4) [طه: 112]. وفي حديث جبريل قال: ~~فأخبرني عن الاحسان؟ قال: # (أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك). (فقد استمسك ~~بالعروة الوثقى) قال ابن عباس: لا إله إلا الله، وقد مضى في " البقرة " ~~(5). وقد قرأ علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه والسلمي و عبد الله بن ~~مسلم بن يسار: " ومن يسلم ". النحاس: و " يسلم " في هذا أعرف، كما قال عز ~~وجل: " فقل أسلمت وجهي لله " (6) [آل عمران: 20] ومعنى: " أسلمت وجهي لله " ~~قصدت بعبادتي إلى الله عز وجل، ويكون " يسلم " على التكثير، إلا أن ~~المستعمل # PageV14P074 # في سلمت أنه بمعنى دفعت، يقال سلمت في الحنطة، وقد يقال أسلمت. الزمخشري: # قرأ علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: " ومن يسلم " بالتشديد، يقال: ~~أسلم أمرك وسلم أمرك إلى الله تعالى، فإن قلت: ماله عدي بإلى، وقد عدي ~~باللام في قوله عز وجل: # " بلى من أسلم وجهه لله (1) "؟ [البقرة: 112] قلت: معناه مع اللام أنه ~~جعل ms4901 وجهه وهو ذاته ونفسه سالما لله، أي خالصا له. ومعناه مع إلى راجع إلى ~~أنه سلم إليه نفسه كما يسلم المتاع إلى الرجل إذا دفع إليه. والمراد التوكل ~~عليه والتفويض إليه. (وإلى الله عاقبة الأمور) أي مصيرها. # قوله تعالى: ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا إن ~~الله عليم بذات الصدور (23) نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ. # قوله تعالى: (ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا) أي ~~نجازيهم. # (إن الله عليم بذات الصدور). (نمتعهم قليلا) أي نبقيهم في الدنيا مدة ~~قليلة يتمتعون بها. # (ثم نضطرهم) أي نلجئهم ونسوقهم. (إلى عذاب غليظ) وهو عذاب جهنم. ولفظ " ~~من " يصلح للواحد والجمع، فلهذا قال: " كفره " ثم قال: " مرجعهم " وما بعده ~~على المعنى. # قوله تعالى: ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل الحمد ~~لله بل أكثرهم لا يعلمون (25) لله ما في السماوات والأرض إن الله هو الغنى ~~الحميد (26) قوله تعالى: (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله) ~~أي هم يعترفون بأن الله خالقهن فلم يعبدون غيره. (قل الحمد لله) أي على ما ~~هدانا له من دينه، وليس الحمد لغيره. (بل أكثرهم لا يعلمون) أي لا ينظرون ~~ولا يتدبرون. (لله # PageV14P075 # ما في السماوات والأرض) أي ملكا وخلقا. (إن الله هو الغنى) أي الغني عن ~~خلقه وعن عبادتهم، وإنما أمرهم لينفعهم. (الحميد) أي المحمود على صنعه. # قوله تعالى: ولو إنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة ~~أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم (27) لما احتج على المشركين بما ~~احتج بين أن معاني كلامه سبحانه لا تنفد، وأنها لا نهاية لها. # وقال القفال: لما ذكر أنه سخر لهم ما في السماوات وما في الأرض وأنه أسبغ ~~النعم نبه على أن الأشجار لو كانت أقلاما، والبحار مدادا فكتب بها عجائب ~~صنع الله الدالة على قدرته ووحدانيته لم تنفد تلك العجائب. قال القشيري: ~~فرد معنى تلك الكلمات إلى المقدورات، وحمل الآية على الكلام ms4902 القديم أولى، ~~والمخلوق لا بد له من نهاية، فإذا نفيت النهاية عن مقدوراته فهو نفي ~~النهاية عما يقدر في المستقبل على إيجاده، فأما ما حصره الوجود وعده فلا بد ~~من تناهيه، والقديم لا نهاية له على التحقيق. وقد مضى الكلام في معنى " ~~كلمات الله " في آخر " الكهف " (1). وقال أبو علي: المراد بالكلمات والله ~~أعلم ما في المقدور دون ما خرج منه إلى الوجود. وهذا نحو مما قاله القفال، ~~وإنما الغرض الاعلام بكثرة معاني كلمات الله وهي في نفسها غير متناهية، ~~وإنما قرب الامر على أفهام البشر بما يتناهى لأنه غاية ما يعهده البشر من ~~الكثرة، لا أنها تنفد بأكثر من هذه الأقلام والبحور. ومعنى نزول الآية: يدل ~~على أن المراد بالكلمات الكلام القديم. قال ابن عباس: إن سبب هذه الآية أن ~~اليهود قالت: # يا محمد، كيف عنينا بهذا القول " وما أوتيتم من العلم إلا قليلا " (2) ~~[الاسراء: 85] ونحن قد أوتينا التوراة فيها كلام الله وأحكامه، وعندك أنها ~~تبيان كل شئ؟ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: # (التوراة قليل من كثير) ونزلت هذه الآية، والآية مدنية. قال أبو جعفر ~~النحاس: فقد تبين أن الكلمات ها هنا يراد بها العلم وحقائق الأشياء، لأنه ~~عز وجل علم قبل أن # PageV14P076 # يخلق الخلق ما هو خالق في السماوات والأرض من كل شئ، وعلم ما فيه من ~~مثاقيل الذر، وعلم الأجناس كلها وما فيها من شعرة وعضو، وما في الشجرة من ~~ورقة، وما فيها من ضروب الخلق، وما يتصرف فيه من ضروب الطعم واللون، فلو ~~سمى كل دابة وحدها، وسمى أجزاءها على ما علم من قليلها وكثيرها وما تحولت ~~عليه من الأحوال، وما زاد فيها في كل زمان، وبين كل شجرة وحدها وما تفرعت ~~إليه، وقدر ما ييبس من ذلك في كل زمان، ثم كتب البيان على كل واحد منها ما ~~أحاط الله جل ثناؤه به منها، ثم كان البحر مدادا لذلك البيان الذي بين الله ~~تبارك وتعالى عن تلك الأشياء يمده من بعده سبعة ms4903 أبحر لكان البيان عن تلك ~~الأشياء أكثر. # قلت: هذا معنى قول القفال، وهو قول حسن إن شاء الله تعالى. وقال قوم: إن ~~قريشا قالت سيتم هذا الكلام لمحمد وينحسر، فنزلت وقال السدي: قالت قريش ما ~~أكثر كلام محمد! فنزلت. # قوله تعالى: " والبحر يمده " قراءة الجمهور بالرفع على الابتداء، وخبره ~~في الجملة التي بعدها، والجملة في موضع الحال، كأنه قال: والبحر هذه حاله، ~~كذا قدرها سيبويه. # وقال بعض النحويين: هو عطف على " أن " لأنها في موضع رفع بالابتداء. وقرأ ~~أبو عمرو وابن أبي إسحاق: " والبحر " بالنصب على العطف على " ما " وهي اسم ~~" أن ". وقيل: أي ولو أن البحر يمده أي يزيد فيه. وقرأ ابن هرمز والحسن: " ~~يمده "، من أمد. قالت فرقة: هما بمعنى واحد. وقالت فرقة: مد الشئ بعضه ~~بعضا، كما تقول: مد النيل الخليج، أي زاد فيه. وأمد الشئ ما ليس منه. وقد ~~مضى هذا في " البقرة. وآل عمران " (1). وقرأ جعفر بن محمد: " والبحر مداده ~~". " ما نفدت كلمات الله " تقدم (2). (إن الله عزيز حكيم) تقدم أيضا (3). ~~وقال أبو عبيدة: البحر ها هنا الماء العذب الذي ينبت الأقلام، وأما الماء ~~الملح فلا ينبت الأقلام. # PageV14P077 # قوله تعالى: ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة إن الله سميع بصير (28) ~~قوله تعالى: (ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة) قال الضحاك: المعنى ما ~~ابتداء خلقكم جميعا إلا كخلق نفس واحدة، وما بعثكم يوم القيامة إلا كبعث ~~نفس واحدة. قال النحاس: وهكذا قدره النحويون بمعنى إلا كخلق نفس واحدة، ~~مثل: " واسأل القرية " (1) [يوسف: 82]. # وقال مجاهد: لأنه يقول للقليل والكثير كن فيكون. ونزلت الآية في أبي بن ~~خلف وأبي الأسديين (2) ومنبه ونبيه ابني الحجاج بن السباق، قالوا للنبي صلى ~~الله عليه وسلم: إن الله تعالى قد خلقنا أطوارا، نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم ~~عظاما، ثم تقول إنا نبعث خلقا جديدا جميعا في ساعة واحدة! فأنزل الله ~~تعالى: " ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة "، لان الله تعالى لا يصعب ~~عليه ما يصعب على العباد، وخلقه ms4904 للعالم كخلقه لنفس واحدة. (إن الله سميع) ~~لما يقولون (بصير) بما يفعلون. # قوله تعالى ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل ~~وسخر الشمس والقمر كل يجرى إلى أجل مسمى وأن الله بما تعملون خبير (29) ذلك ~~بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل دونه الباطل وأن الله هو ~~العلي الكبير (30) قوله تعالى: (ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج ~~النهار في الليل) تقدم في (الحج وآل عمران) (3). (وسخر الشمس والقمر) أي ~~ذللهما بالطلوع والأفول تقديرا للآجال وإتماما للمنافع. (كل يجرى إلى أجل ~~مسمى) قال الحسن: إلى يوم القيامة. قتادة: # PageV14P078 # إلى وقته في طلوعه وأفوله لا يعدوه ولا يقصر عنه. (وأن الله بما تعملون ~~خبير) أي من قدر على هذه الأشياء فلا بد من أن يكون عالما بها، والعالم بها ~~عالم بأعمالكم. وقراءة العامة " تعملون " بالتاء على الخطاب. وقرأ السلمي ~~ونصر بن عاصم والدوري عن أبي عمرو بالياء على الخبر. (ذلك) أي فعل الله ~~تعالى ذلك لتعلموا وتقروا " بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل ~~" أي الشيطان، قاله مجاهد. وقيل: ما أشركوا به الله تعالى من الأصنام ~~والأوثان. (وأن الله هو العلي الكبير) العلي في مكانته، الكبير في سلطانه. # قوله تعالى: ألم تر أن الفلك تجرى في البحر بنعمت الله ليريكم من آياته ~~إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور (31) قوله تعالى: (ألم تر أن الفلك) أي ~~السفن " تجري " في موضع الخبر. " في البحر بنعمة الله " أي بلطفه بكم ~~وبرحمته لكم في خلاصكم منه. وقرأ ابن هرمز: " بنعمات الله " جمع نعمة وهو ~~جمع السلامة، وكان الأصل تحريك العين فأسكنت. " ليريكم من آياته " " من " ~~للتبعيض، أي ليريكم جري السفن، قاله يحيى بن سلام. وقال ابن شجرة: " من ~~آياته " ما تشاهدون من قدرة الله تعالى فيه. النقاش: ما يرزقهم الله منه. ~~وقال الحسن: مفتاح البحار السفن، ومفتاح الأرض الطرق، ومفتاح السماء ~~الدعاء. (إن ذلك لآيات لكل صبار شكور) أي صبار لقضائه ms4905 شكور على نعمائه. ~~وقال أهل المعاني: أراد لكل مؤمن بهذه الصفة، لان الصبر والشكر من أفضل ~~خصال الايمان. والآية: العلامة، والعلامة لا تستبين في صدر كل مؤمن إنما ~~تستبين لمن صبر على البلاء وشكر على الرخاء. قال الشعبي: الصبر نصف ~~الايمان، والشكر نصف الايمان، واليقين الايمان كله، ألم تر إلى قوله تعالى: ~~" إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور " وقوله: " وفي الأرض آيات للموقنين " (1) ~~[الذاريات: 20] وقال عليه السلام: # (الايمان نصفان نصف صبر ونصف شكر). # PageV14P079 # قوله تعالى: وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم ~~إلى البر فمنهم مقتصد وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور (32) قوله تعالى: ~~(وإذا غشيهم موج كالظلل) قال مقاتل: كالجبال. وقال الكلبي: # كالسحاب، وقاله قتادة - جمع ظلة، شبه الموج بها لكبرها وارتفاعها. قال ~~النابغة في وصف بحر: # يماشيهن أخضر ذو ظلال * على حافاته فلق الدنان وإنما شبه الموج وهو واحد ~~بالظل وهو جمع، لان الموج يأتي شيئا بعد شئ ويركب بعضه بعضا كالظلل. وقيل: ~~هو بمعنى الجمع، وإنما لم يجمع لأنه مصدر. وأصله من الحركة والازدحام، ~~ومنه: ماج البحر، والناس يموجون. قال كعب: # فجئنا إلى موج من البحر وسطه * أحابيش منهم حاسر ومقنع وقرأ محمد بن ~~الحنفية: " موج كالظلال " جمع ظل. (دعوا الله مخلصين له الدين) موحدين له ~~لا يدعون لخلاصهم سواه، وقد تقدم. (1) (فلما نجاهم) يعني من البحر. (إلى ~~البر فمنهم مقتصد) قال ابن عباس: موف بما عاهد عليه الله في البحر. النقاش: ~~يعني عدل في العهد، وفى في البر بما عاهد عليه الله في البحر. وقال الحسن: ~~" مقتصد " مؤمن متمسك بالتوحيد والطاعة. وقال مجاهد: " مقتصد " في القول ~~مضمر للكفر. وقيل: في الكلام حذف، والمعنى: فمنهم مقتصد ومنهم كافر. ودل ~~على المحذوف قوله تعالى: (وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور) الختار: ~~الغدار. والختر: أسوأ الغدر. قال عمرو بن معد يكرب: # فإنك لو رأيت أبا عمير * ملأت يديك من غدر وختر وقال الأعشى: # بالأبلق الفرد من تيماء منزله * حصن حصين وجار غير ms4906 ختار # PageV14P080 # قال الجوهري: الختر الغدر، يقال: ختره فهو ختار. الماوردي: وهو قول ~~الجمهور. # وقال عطية: إنه الجاحد. ويقال: ختر يختر ويختر (بالضم والكسر) خترا، ذكره ~~القشيري. # وجحد الآيات إنكار أعيانها. والجحد بالآيات إنكار دلائلها. # قوله تعالى: يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزى والد عن ولده ~~ولا مولود هو جاز عن والده شيئا إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ~~ولا يغرنكم بالله الغرور (33) قوله تعالى: يا أيها الناس اتقوا ربكم) يعني ~~الكافر والمؤمن، أي خافوه ووحدوه. # (واخشوا يوما لا يجزى والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا) تقدم ~~معنى " يجزي " في البقرة (1) وغيرها. فإن قيل: فقد قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: (من مات له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث (2) لم تمسه النار إلا ~~تحلة القسم). وقال: (من ابتلي بشئ من هذا البنات فأحسن إليهن كن له حجابا ~~من النار). قيل له: المعنى بهذه الآية أنه لا يحمل والد ذنب ولده، ولا ~~مولود ذنب والده، ولا يؤاخذ أحدهما عن الآخر. والمعنى بالاخبار أن ثواب ~~الصبر على الموت والاحسان إلى البنات يحجب العبد عن النار، ويكون الولد ~~سابقا له إلى الجنة. (إن وعد الله حق) أي البعث (فلا تغرنكم) أي تخدعنكم ~~(الحياة الدنيا) بزينتها وما تدعوا إليه فتتكلوا عليها وتركنوا إليها ~~وتتركوا العمل للآخرة (ولا يغرنكم بالله الغرور) قراءة العامة هنا وفي سورة ~~الملائكة (3) والحديد (4) بفتح الغين، وهو الشيطان في قول مجاهد وغيره، وهو ~~الذي يغر الخلق ويمنيهم الدنيا ويلهيهم عن الآخرة، وفي سورة " النساء ": " ~~يعدهم ويمنيهم " (5). # وقرأ سماك بن حرب وأبو حياة وابن السميقع بضم الغين، أي لا تغتروا. كأنه ~~مصدر غر يغر غرورا. قال سعيد بن جبير: هو أن يعمل بالمعصية ويتمنى المغفرة. # PageV14P081 # قوله تعالى: إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام ~~وما تدرى نفس ماذا تكسب غدا وما تدرى نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير ~~(34) زعم الفراء أن هذا معنى النفي، أي ما يعلمه ms4907 أحد إلا الله تعالى. قال ~~أبو جعفر النحاس: # وإنما صار فيه معنى النفي والايجاب بتوقيف الرسول صلى الله عليه وسلم على ~~ذلك، لأنه صلى الله عليه وسلم قال في قوله الله عز وجل: " وعنده مفاتح ~~الغيب لا يعلمها إلا هو " [الانعام: 59]: # (إنها هذه): # قلت: قد ذكرنا في سورة " الانعام " (1) حديث ابن عمر في هذا، خرجه ~~البخاري. وفي حديث جبريل عليه السلام قال: (أخبرني عن الساعة؟ فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # (ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، هن خمس لا يعلمهن إلا الله تعالى: إن ~~الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا ~~تكسب غدا) قال: (صدقت). # لفظ أبي داود الطيالسي. وقال عبد الله بن مسعود: كل شئ أوتي نبيكم صلى ~~الله عليه وسلم غير خمس: " إن الله عنده علم الساعة، الآية إلى آخرها. وقال ~~ابن عباس: هذه الخمسة لا يعلمها إلا الله تعالى، ولا يعلمها ملك مقرب ولا ~~نبي مرسل، فمن ادعى أنه يعلم شيئا من هذه فقد كفر بالقرآن، لأنه خالفه. ثم ~~إن الأنبياء يعلمون كثيرا من الغيب بتعريف الله تعالى إياهم. والمراد إبطال ~~كون الكهنة والمنجمين ومن يستسقى بالانواء (2) وقد يعرف بطول التجارب أشياء ~~من ذكورة الحمل وأنوثته إلى غير ذلك، حسبما تقدم ذكره في الانعام (1). وقد ~~تختلف التجربة وتنكسر العادة ويبقى العلم لله تعالى وحده. وروي أن يهوديا ~~كان يحسب حساب النجوم، فقال لابن عباس: إن شئت نبأتك نجم ابنك، وأنه يموت ~~بعد عشرة أيام، # PageV14P082 # وأنت لا تموت حتى تعمى، وأنا لا يحول علي الحول حتى أموت. قال: فأين موتك ~~يا يهودي؟ فقال: لا أدري. فقال ابن عباس: صدق الله. " وما تدري نفس بأي أرض ~~تموت " فرجع ابن عباس فوجد ابنه محموما، ومات بعد عشرة أيام. ومات اليهودي ~~قبل الحول، ومات ابن عباس أعمى. قال علي بن الحسين راوي هذا الحديث: هذا ~~أعجب الأحاديث. وقال مقاتل: إن هذه الآية نزلت في رجل من أهل البادية اسمه ~~الوارث ابن عمرو ms4908 بن حارثة، أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن امرأتي ~~حبلى فأخبرني ماذا تلد، وبلادنا جدبة فأخبرني متى ينزل الغيث، وقد علمت متى ~~ولدت فأخبرني متى أموت، وقد علمت ما عملت اليوم فأخبرني ماذا أعمل غدا، ~~وأخبرني متى تقوم الساعة؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية، ذكره القشيري ~~والماوردي. وروى أبو المليح عن أبي عزة الهذلي قال قال رسول صلى الله عليه ~~وسلم: (إذا أراد الله تعالى قبض روح عبد بأرض جعل له إليها حاجة فلم ينته ~~حتى يقدمها - ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم - " إن الله عنده علم ~~الساعة - إلى قوله - بأي أرض تموت ") ذكره الماوردي، وخرجه ابن ماجة من ~~حديث ابن مسعود بمعناه. وقد ذكرناه في كتاب (التذكرة) مستوفى. وقراءة ~~العامة: " وينزل " مشددا. # وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي مخففا. وقرأ أبي بن كعب: " بأية ~~أرض " الباقون " بأي أرض ". قال الفراء: اكتفى بتأنيث الأرض من تأنيث أي. ~~وقيل: أراد بالأرض المكان فذكر. قال الشاعر: # فلا مزنة ودقت ودقها * ولا أرض أبقل إبقالها (1) وقال الأخفش: يجوز مررت ~~بجارية أي جارية، وأية جارية. وشبه سيبويه تأنيث " أي " بتأنيث كل في ~~قولهم: كلتهن. (إن الله عليم خبير) " خبير " نعت ل‍ " - عليم " أو خبر بعد ~~خبر. والله تعالى أعلم. # PageV14P083 # تفسير سورة السجدة وهي مكية، غير ثلاث آيات نزلت بالمدينة، وهي قوله ~~تعالى: " أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا " [السجدة: 18] تمام ثلاث آيات، ~~قاله الكلبي ومقاتل. وقال غيرهما: إلا خمس آيات، من قوله تعالى: " تتجافى ~~(1) جنوبهم " - إلى قوله - الذي كنتم به تكذبون " [السجدة: 16 - 20]. وهي ~~ثلاثون آية. وقيل تسع وعشرون. وفي الصحيح عن ابن عباس أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة " ألم. تنزيل " السجدة، و " ~~هل أتى على الانسان حين من الدهر " الحديث. وخرج الدارمي أبو محمد في مسنده ~~عن جابر بن عبد الله قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم لا ينام حتى يقرأ: ~~" ألم. تنزيل " السجدة. # و " تبارك الذي بيده الملك ms4909 " [الملك: 1]. قال الدارمي: وأخبرنا أبو ~~المغيرة قال حدثنا عبدة عن خالد بن معدان قال: اقرؤوا المنجية، وهي " ألم. ~~تنزيل " فإنه بلغني أن رجلا كان يقرؤها، ما يقرأ شيئا غيرها، وكان كثير ~~الخطايا فنشرت جناحها عليه وقالت: رب اغفر له فإنه كان يكثر من قراءتي، ~~فشفعها الرب فيه وقال (اكتبوا له بكل خطيئة حسنة وارفعوا له درجة). # بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ألم (1) تنزيل الكتاب لا ريب فيه من ~~رب العالمين (2) قوله تعالى: " ألم. تنزيل الكتاب " الاجماع على رفع " ~~تنزيل الكتاب " ولو كان منصوبا على المصدر لجاز، كما قرأ الكوفيون: " إنك ~~لمن المرسلين. على صراط مستقيم. # تنزيل العزيز الرحيم " (1) [يس: 3 - 5]. و " تنزيل " رفع بالابتداء ~~والخبر " لا ريب فيه ". أو خبر على إضمار مبتدأ، أي هذا تنزيل، أو المتلو ~~تنزيل، أو هذه الحروف تنزيل. ودلت: " ألم " # PageV14P084 # على ذكر الحروف. ويجوز أن يكون " لا ريب فيه " في موضع الحال من " الكتاب ~~". # و " من رب العالمين " الخبر. قال مكي: وهو أحسنها. ومعنى: (لا ريب فيه من ~~رب العالمين) لا شك فيه أنه من عند الله، فليس بسحر ولا شعر ولا كهانة ولا ~~أساطير الأولين. # قوله تعالى: أم يقولون افتراه بل هو الحق من ربك لتنذر قوما ما أتهم من ~~نذير من قبلك لعلهم يهتدون (3) قوله تعالى: (أم يقولون افتراه) هذه " أم " ~~المنقطعة التي تقدر ببل وألف الاستفهام، أي بل أيقولون. وهي تدل على خروج ~~من حديث إلى حديث، فإنه عز وجل أثبت أنه تنزيل من رب العالمين، وأن ذلك مما ~~لا ريب فيه، ثم أضرب عن ذلك إلى قوله: " أم يقولون افتراه " أي افتعله ~~واختلقه. (بل هو الحق من ربك) كذبهم في دعوى الافتراء (لتنذر قوما) قال ~~قتادة: يعني قريشا، كانوا أمة أمية لم يأتهم نذير من قبل محمد صلى الله ~~عليه وسلم. # و " لتنذر " متعلق بما قبلها فلا يوقف على " من ربك ". ويجوز أن يتعلق ~~بمحذوف، التقدير: # أنزله لتنذر قوما، فيجوز الوقف على " من ربك ". و " ما " في قوله: " ما ~~أتاهم ms4910 " نفي. # " من نذير " صلة. و " نذير " في محل الرفع، وهو المعلم المخوف. وقيل: ~~المراد بالقوم أهل الفترة بين عيسى ومحمد عليهما السلام، قاله ابن عباس ~~ومقاتل. وقيل: كانت الحجة ثابتة لله عز وجل عليهم بإنذار من تقدم من الرسل ~~وإن لم يروا رسولا، وقد تقدم هذا المعنى (1). # قوله تعالى: الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم ~~استوى على العرش ما لكم من دونه من ولى ولا شفيع أفلا تتذكرون (4) # PageV14P085 # قوله تعالى: (الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام) ~~عرفهم كمال قدرته ليسمعوا القرآن ويتأملوه. ومعنى: " خلق " أبدع وأوجد بعد ~~العدم وبعد أن لم تكن شيئا. " في ستة أيام " من يوم الأحد إلى آخر يوم ~~الجمعة. قال الحسن: من أيام الدنيا. # وقال ابن عباس: إن اليوم من الأيام الستة التي خلق الله فيها السماوات ~~والأرض مقداره ألف سنة من سني الدنيا. وقال الضحاك: في ستة آلاف سنة، أي في ~~مدة ستة أيام من أيام الآخرة. (ثم استوى على العرش) تقدم في الأعراف ~~والبقرة (1) وغيرهما وذكرنا ما للعلماء في ذلك مستوفى في (الكتاب الأسنى في ~~شرح أسماء الله الحسنى). وليست (ثم) للترتيب وإنما هي بمعنى الواو. (ما لكم ~~من دونه من ولي ولا شفيع) أي ما للكافرين من ولي يمنع من عذابهم ولا شفيع. ~~ويجوز الرفع على الموضع. (أفلا تتذكرون) في قدرته ومخلوقاته. # قوله تعالى: يدبر الامر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان ~~مقداره ألف سنة مما تعدون (5) قوله تعالى: (يدبر الامر من السماء إلى ~~الأرض) قال ابن عباس: ينزل القضاء والقدر. وقيل: ينزل الوحي مع جبريل. وروى ~~عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن سابط قال: يدبر أمر الدنيا أربعة: جبريل، ~~وميكائيل، وملك الموت، وإسرافيل، صلوات الله عليهم أجمعين. فأما جبريل ~~فموكل بالرياح والجنود. وأما ميكائيل فموكل بالقطر والماء. # وأما ملك الموت فموكل بقبض الأرواح. وأما إسرافيل فهو ينزل بالامر عليهم. ~~وقد قيل: # إن العرش موضع التدبير، كما أن ما ms4911 دون العرش موضع التفصيل، قال الله ~~تعالى: " ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر ~~الامر يفصل الآيات " (2) [الرعد: 2]. # وما دون السماوات موضع التصريف، قال الله تعالى: " ولقد صرفناه بينهم ~~ليذكروا " (3) [الفرقان: 50]. # PageV14P086 # قوله تعالى: (ثم يعرج إليه) قال يحيى بن سلام: هو جبريل يصعد إلى السماء ~~بعد نزوله بالوحي. النقاش: هو الملك الذي يدبر الامر من السماء إلى الأرض. ~~وقيل: إنها أخبار أهل الأرض تصعد إليه مع حملتها من الملائكة، قاله ابن ~~شجرة. (في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون). وقيل: " ثم يعرج إليه " أي ~~يرجع ذلك الامر والتدبير إليه بعد انقضاء الدنيا " في يوم كان مقداره ألف ~~سنة " وهو يوم القيامة. وعلى الأقوال المتقدمة فالكناية في " يعرج " كناية ~~عن الملك، ولم يجر له ذكر لأنه مفهوم من المعنى، وقد جاء صريحا في " سأل ~~سائل " قوله: " تعرج الملائكة والروح إليه (1) " [المعارج: 4]. والضمير في ~~" إليه " يعود على السماء على لغة من يذكرها، أو على مكان الملك الذي يرجع ~~إليه، أو على اسم الله تعالى، والمراد إلى الموضع الذي أقره فيه، وإذا رجعت ~~إلى الله فقد رجعت إلى السماء، أي إلى سدرة المنتهى، فإنه إليها يرتفع ما ~~يصعد به من الأرض ومنها ينزل ما يهبط به إليها، ثبت معنى ذلك في صحيح مسلم. ~~والهاء في " مقداره " راجعة إلى التدبير، والمعنى: كان مقدار ذلك التدبير ~~ألف سنة من سني الدنيا، أي يقضي أمر كل شئ لألف سنة في يوم واحد، ثم يلقيه ~~إلى ملائكته، فإذا مضت قضى لألف سنة أخرى، ثم كذلك أبدا، قاله مجاهد. وقيل: # الهاء للعروج. وقيل: المعنى أنه يدبر أمر الدنيا إلى أن تقوم الساعة، ثم ~~يعرج إليه ذلك الامر فيحكم فيه في يوم كان مقداره ألف سنة. وقيل: المعنى ~~يدبر أمر الشمس في طلوعها وغروبها ورجوعها إلى موضعها من الطلوع، في يوم ~~كان مقداره في المسافة ألف سنة. وقال ابن عباس: المعنى كان مقداره لو ساره ~~غير الملك ألف سنة، لان النزول خمسمائة والصعود ms4912 خمسمائة. وروي ذلك عن جماعة ~~من المفسرين، وهو اختيار الطبري، ذكره المهدوي. # وهو معنى القول الأول. أي أن جبريل لسرعة سيره يقطع مسيرة ألف سنة في يوم ~~من أيامكم، ذكره الزمخشري. وذكر الماوردي على ابن عباس والضحاك أن الملك ~~يصعد في يوم مسيرة ألف سنة. وعن قتادة أن الملك ينزل ويصعد في يوم مقداره ~~ألف سنة، فيكون مقدار # PageV14P087 # نزوله خمسمائة سنة، ومقدار صعوده خمسمائة على قول قتادة والسدي. وعلى قول ~~ابن عباس والضحاك: النزول ألف سنة، والصعود ألف سنة. " مما تعدون " أي مما ~~تحسبون من أيام الدنيا. وهذا اليوم عبارة عن زمان يتقدر بألف سنة من سني ~~العالم، وليس بيوم يستوعب نهارا بين ليلتين، لان ذلك ليس عند الله. والعرب ~~قد تعبر عن مدة العصر باليوم، كما قال الشاعر: # يومان يوم مقامات وأندية * ويوم سير إلى الأعداء تأويب (1) وليس يريد ~~يومين مخصوصين، وإنما أراد أن زمانهم ينقسم شطرين، فعبر عن كل واحد من ~~الشطرين بيوم. وقرأ ابن أبي عبلة: " يعرج " على البناء للمفعول. وقرئ: " ~~يعدون " بالياء. فأما قوله تعالى: " في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة " ~~فمشكل مع هذه الآية. # وقد سأل عبد الله بن فيروز الديلمي عبد الله بن عباس عن هذه الآية وعن ~~قوله: " في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة " فقال: أيام سماها سبحانه، وما ~~أدري ما هي؟ فأكره أن أقول فيها ما لا أعلم. ثم سئل عنها سعيد بن المسيب ~~فقال: لا أدري. فأخبرته بقول ابن عباس فقال ابن المسيب للسائل: هذا ابن ~~عباس اتقى أن يقول فيها وهو أعلم مني. # ثم تكلم العلماء في ذلك فقيل: إن آية " سأل سائل " [المعارج: 1] هو إشارة ~~إلى يوم القيامة، بخلاف هذه الآية. والمعنى: أن الله تعالى جعله في صعوبته ~~على الكفار كخمسين ألف سنة، قاله ابن عباس. والعرب تصف أيام المكروه بالطول ~~وأيام السرور بالقصر. قال: # ويوم كظل الرمح قصر طوله * دم الزق عنا واصطفاق المزاهر وقيل: إن يوم ~~القيامة فيه أيام، فمنه ما مقداره ألف سنة ومنه ms4913 ما مقداره خمسون ألف سنة. ~~وقيل: أوقات القيامة مختلفة، فيعذب الكافر بجنس من العذاب ألف سنة، ثم ~~ينتقل إلى جنس آخر مدته خمسون ألف سنة. وقيل: مواقف القيامة خمسون موقفا، ~~كل موقف ألف سنة. فمعنى: " يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة " أي مقدار # PageV14P088 # وقت، أو موقف من يوم القيامة. وقال النحاس: اليوم في اللغة بمعنى الوقت، ~~فالمعنى: # تعرج الملائكة والروح إليه في وقت كان مقداره ألف سنة، وفي وقت آخر كان ~~مقداره خمسين ألف سنة. وعن وهب بن منبه: " في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ~~" قال: ما بين أسفل الأرض إلى العرش. وذكر الثعلبي عن مجاهد وقتادة والضحاك ~~في قوله تعالى: " تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف ~~سنة " (1) [المعارج: 4] أراد من الأرض إلى سدرة المنتهى التي فيها جبريل. ~~يقول تعالى: يسير جبريل والملائكة الذين معه من أهل مقامه مسيرة خمسين ألف ~~سنة في يوم واحد من أيام الدنيا. وقوله: " إليه " يعني إلى المكان الذي ~~أمرهم الله تعالى أن يعرجوا إليه. وهذا كقول إبراهيم عليه الصلاة والسلام: ~~" إني ذاهب إلى ربي سيهدين " (2) [الصافات: 99] أراد أرض الشام. وقال ~~تعالى: " ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله " (3) [النساء: 100] أي إلى ~~المدينة. وقال أبو هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أتاني ملك من ربي ~~عز وجل برسالة ثم رفع رجله فوضعها فوق السماء والأخرى على الأرض لم يرفعها ~~بعد). # قوله تعالى: ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم (6) قوله تعالى: (ذلك ~~عالم الغيب والشهادة) أي علم ما غاب عن الخلق وما حضرهم. # و " ذلك " بمعنى أنا. حسبما تقدم بيانه في أول البقرة (4). وفي الكلام ~~معنى التهديد والوعيد، أي أخلصوا أفعالكم وأقوالكم فإني أجازي عليها. # قوله تعالى: الذي أحسن كل شئ خلقه وبدأ خلق الانسان من طين (7) ثم جعل ~~نسله من سلالة من ماء مهين (8) ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع ~~والابصار والأفئدة قليلا ما تشكرون (9) # PageV14P089 # قوله تعالى: (الذي أحسن كل شئ خلقه) قرأ ابن ms4914 كثير وأبو عمرو وابن عامر: # " خلقه " بإسكان اللام. وفتحها الباقون. واختاره أبو عبيد وأبو حاتم طلبا ~~لسهولتها. # وهو فعل ماض في موضع خفض نعت ل‍ " - شئ ". والمعنى على ما روي عن ابن ~~عباس: # أحكم كل شئ خلقه، أي جاء به على ما أراد، لم يتغير عن إرادته. وقول آخر - ~~أن كل شئ خلقه حسن، لأنه لا يقدر أحد أن يأتي بمثله، وهو دال على خالقه. ~~ومن أسكن اللام فهو مصدر عند سيبويه، لان قوله: " أحسن كل شئ خلقه " يدل ~~على: خلق كل شئ خلقا، فهو مثل: " صنع الله " (1) [النمل: 88] و " كتاب الله ~~عليكم " (2) [النساء: 24]. وعند غيره منصوب على البدل من " كل " أي الذي ~~أحسن خلق كل شئ. وهو مفعول ثان عند بعض النحويين، على أن يكون معنى: " أحسن ~~" أفهم وأعلم، فيتعدى إلى مفعولين، أي أفهم كل شئ خلقه. # وقيل: هو منصوب على التفسير، والمعنى: أحسن كل شئ خلقا. وقيل: هو منصوب ~~بإسقاط حرف الجر، والمعنى: أحسن كل شئ في خلقه. وروي معناه عن ابن عباس و " ~~أحسن " أي أتقن وأحكم، فهو أحسن من جهة ما هو لمقاصده التي أريد لها. ومن ~~هذا المعنى قال ابن عباس وعكرمة: ليست است القرد بحسنة، ولكنها متقنة ~~محكمة. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد " أحسن كل شئ خلقه " قال: أتقنه. وهو ~~مثل قوله تبارك وتعالى: " الذي أعطى كل شئ خلقه " (3) [طه: 50] أي لم يخلق ~~الانسان على خلق البهيمة، ولا خلق البهيمة [على] خلق الانسان. ويجوز: " ~~خلقه " بالرفع، على تقدير ذلك خلقه. وقيل: هو عموم في اللفظ خصوص في ~~المعنى، والمعنى: حسن خلق كل شئ حسن. وقيل: هو عموم في اللفظ والمعنى، أي ~~جعل كل شئ خلقه حسنا، حتى جعل الكلب في خلقه حسنا، قاله ابن عباس. وقال ~~قتادة: في است القرد حسنة. # قوله تعالى: (وبدأ خلق الانسان من طين) يعني آدم. (ثم جعل نسله من سلالة ~~من ماء مهين) تقدم في " المؤمنون " وغيرها (4). قال الزجاج: " من ماء مهين ~~" ضعيف. # PageV14P090 # وقال غيره: " مهين " لا خطر ms4915 له عند الناس. (ثم سواه) رجع إلى آدم، أي سوى ~~خلقه (ونفخ فيه من روحه) ثم رجع إلى ذريته فقال: " وجعل لكم السمع والابصار ~~" وقيل: ثم جعل ذلك الماء المهين خلقا معتدلا، وركب فيه الروح وأضافه إلى ~~نفسه تشريفا. # وأيضا فإنه من فعله وخلقه كما أضاف العبد إليه بقوله: " عبدي ". وعبر عنه ~~بالنفخ لان الروح في جنس الريح. وقد مضى هذا مبينا في " النساء " (1) ~~وغيرها. (قليلا ما تشكرون) أي ثم أنتم لا تشكرون بل تكفرون. # قوله تعالى: (وقالوا أئذا ضللنا في الأرض) هذا قول منكري البعث، أي هلكنا ~~وبطلنا وصرنا ترابا. وأصله من قول العرب: ضل الماء في اللبن إذا ذهب. ~~والعرب تقول للشئ غلب عليه غيره حتى خفى فيه أثره: قد ضل. قال الأخطل: # كنت القذى في موج أكدر مزبد * قذف الآتي به فضل ضلالا وقال قطرب: معنى ~~ضللنا غبنا في الأرض. وأنشد قول النابغة الذبياني: # فآب مضلوه بعين جلية * وغودر بالجولان حزم ونائل وقرأ ابن محيصن ويحيى بن ~~يعمر: " ضللنا " بكسر اللام، وهي لغة. قال الجوهري: # وقد ضللت أضل قال الله تعالى: " قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي " (2) ~~[سبأ: 50]. فهذه لغة نجد وهي الفصيحة. وأهل العالية يقولون: " ضللت " - ~~بكسر اللام - أضل. وهو ضال تال، وهي الضلالة والتلالة. وأضله أي أضاعه ~~وأهلكه. يقال: أضل الميت إذا دفن. قال: # * فآب مضلوه...... * البيت. # PageV14P091 # ابن السكيت. أضللت بعيري إذا ذهب منك. وضللت المسجد والدار: إذا لم تعرف ~~موضعهما. وكذلك كل شئ مقيم لا يهتدى له. وفي الحديث (لعلي أضل الله) يريد ~~أضل عنه، أي أخفى عليه، من قوله تعالى: " أئذا ضللنا في الأرض " أي خفينا. ~~وأضله الله فضل، تقول: إنك تهدي الضال ولا تهدي المتضال. وقرأ الأعمش ~~والحسن: " صللنا " بالصاد، أي أنتنا. وهي قراءة علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه. النحاس: ولا يعرف في اللغة صللنا ولكن يقال: صل اللحم وأصل، وخم وأخم ~~إذا أنتن. الجوهري: صل اللحم يصل - بالكسر - صلولا، أي أنتن، مطبوخا كان أو ~~نيئا. قال الحطيئة: # ذاك ms4916 فتى يبذل ذا قدره * لا يفسد اللحم لديه الصلول وأصل مثله. " إنا (1) ~~لفي خلق جديد " أي نخلق بعد ذلك خلقا جديدا؟ ويقرأ: " أئنا ". # النحاس: وفي هذا سؤال صعب من العربية، يقال: ما العامل في " إذا "؟ و " ~~إن " لا يعمل ما بعدها فيما قبلها. والسؤال في الاستفهام أشد، لان ما بعد ~~الاستفهام أجدر، ألا يعمل فيما قبله من " إن " كيف وقد اجتمعا. فالجواب على ~~قراءة من قرأ: " إنا " أن العامل " ضللنا "، وعلى قراءة من قرأ: " أئنا " ~~أن العامل مضمر، والتقدير أنبعث إذا متنا. # وفيه أيضا سؤال آخر، يقال: أين جواب " إذا " على القراءة الأولى لان فيها ~~معنى الشرط؟ # فالقول في ذلك أن بعدها فعلا ماضيا، فلذلك جاز هذا. (بل هم بلقاء ربهم ~~كافرون) أي ليس لهم جحود قدرة الله تعالى عن الإعادة، لأنهم يعترفون بقدرته ~~ولكنهم اعتقدوا أن لا حساب عليهم، وأنهم لا يلقون الله تعالى. # قوله تعالى: قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون (11) ~~فيه مسألتان: # PageV14P092 # الأولى - قوله تعالى: (قل يتوفاكم ملك الموت) لما ذكر استبعادهم للبعث ~~ذكر توفيهم وأنه يعيدهم. " يتوفاكم " من توفى العدد والشئ إذا استوفاه ~~وقبضه جميعا. يقال: # توفاه الله أي استوفى روحه ثم قبضه. وتوفيت مالي من فلان أي استوفيته. " ~~ملك الموت " واسمه عزرائيل ومعناه عبد الله، كما تقدم في " البقرة " (1). ~~وتصرفه كله بأمر الله تعالى وبخلقه واختراعه. وروي في الحديث أن (البهائم ~~كلها يتوفى الله أرواحها دون ملك الموت) كأنه يعدم حياتها، ذكره ابن عطية. # قلت: وقد روي خلافه، وأن ملك الموت يتوفى أرواح جميع الخلائق حتى البرغوث ~~والبعوضة. روى جعفر بن محمد عن أبيه قال: نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى ملك الموت عند رأس رجل من الأنصار، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ~~(ارفق بصاحبي فإنه مؤمن) فقال ملك الموت عليه السلام: (يا محمد، طب نفسا ~~وقر عينا فإني بكل مؤمن رفيق. واعلم أن ما من أهل بيت مدر ولا شعر في بر ~~ولا بحر إلا ms4917 وأنا أتصفحهم في كل يوم خمس مرات حتى لأنا أعرف بصغيرهم ~~وكبيرهم منهم بأنفسهم. والله يا محمد لو أني أردت أن أقبض روح بعوضة ما ~~قدرت على ذلك حتى يكون الله هو الآمر بقبضها). قال جعفر ابن علي: بلغني أنه ~~يتصفحهم عند مواقيت الصلوات، ذكره الماوردي. وذكر الخطيب أبو بكر أحمد بن ~~علي بن ثابت البغدادي قال: حدثني أبو محمد الحسن بن محمد الخلال قال: # حدثنا أبو محمد عبد الله بن عثمان الصفار قال حدثنا أبو بكر حامد المصري ~~قال حدثنا يحيى بن أيوب العلاف قال حدثنا سليمان بن مهير الكلابي قال: حضرت ~~مالك بن أنس رضي الله عنه فأتاه رجل فسأله: أبا عبد الله، البراغيث أملك ~~الموت يقبض أرواحها؟ قال: فأطرق مالك طويلا ثم قال: ألها أنفس؟ قال نعم. ~~قال: ملك الموت يقبض أرواحها، " الله يتوفى الأنفس حين موتها " (2) [الزمر: ~~42]. قال ابن عطية بعد ذكره الحديث: وكذلك الامر في بني آدم، إلا أنه نوع ~~شرف بتصرف ملك وملائكة معه في قبض أرواحهم. فخلق الله تعالى ملك # PageV14P093 # الموت وخلق على يديه قبض الأرواح، واستلالها من الأجسام وإخراجها منها. ~~وخلق الله تعالى جندا يكونون معه يعملون عمله بأمره، فقال تعالى: " ولو ترى ~~إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة " (1) [الأنفال: 50]، وقال تعالى: " توفته ~~رسلنا " [الانعام: 61] وقد مضى هذا المعنى في " الانعام " (2). والبارئ ~~خالق الكل، الفاعل حقيقة لكل فعل، قال الله تعالى: " الله يتوفى الأنفس حين ~~موتها والتي لم تمت في منامها " [الزمر: 42]. " الذي خلق الموت والحياة " ~~(3) [الملك: 2]. " يحيي ويميت " [الأعراف: 158]. فملك الموت يقبض والأعوان ~~يعالجون والله تعالى يزهق الروح. وهذا هو الجمع بين الآي والأحاديث، لكنه ~~لما كان ملك الموت متولي ذلك بالوساطة والمباشرة أضيف التوفي إليه كما أضيف ~~الخلق للملك، كما تقدم في " الحج " (4). وروي عن مجاهد أن الدنيا بين يدي ~~ملك الموت كالطست بين يدي الانسان يأخذ من حيث شاء. وقد روي هذا المعنى ~~مرفوعا، وقد ذكرناه في (كتاب التذكرة). وروي أن ملك الموت لما وكله الله ~~تعالى بقبض الأرواح قال: ms4918 # رب جعلتني أذكر بسوء ويشتمني بنو آدم. فقال الله تعالى له: (إني أجعل ~~للموت عللا وأسبابا من الأمراض والاسقام ينسبون الموت إليها فلا يذكرك أحد ~~إلا بخير). وقد ذكرناه في التذكرة مستوفى - وقد ذكرنا أنه يدعو الأرواح ~~فتجيئه ويقبضها، ثم يسلمها إلى ملائكة الرحمة أو العذاب - بما فيه شفاء لمن ~~أراد الوقوف على ذلك. # الثانية - استدل بهذه الآية بعض العلماء على جواز الوكالة من قوله: " وكل ~~بكم " أي بقبض الأرواح. قال ابن العربي: " وهذا أخذ من لفظه لا من معناه، ~~ولو اطرد ذلك لقلنا في قوله تعالى: " قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم ~~(5) جميعا " [الأعراف: 158]: إنها نيابة عن الله تبارك وتعالى ووكالة في ~~تبليغ رسالته، ولقلنا أيضا في قوله تبارك وتعالى: " وآتوا الزكاة " (4) ~~[النور: 56] إنه وكالة، فإن الله تعالى ضمن الرزق لكل دابة وخص الأغنياء ~~بالأغذية وأوعز إليهم بأن رزق الفقراء عندهم، وأمر بتسليمه إليهم مقدارا ~~معلوما في وقت معلوم، دبره بعلمه، وأنفذه # PageV14P094 # من حكمه، وقدره بحكمته. والاحكام لا تتعلق بالألفاظ إلا أن ترد على ~~موضوعاتها الأصلية في مقاصدها المطلوبة، فإن ظهرت في غير مقصدها لم تعلق ~~عليها. ألا ترى أن البيع والشراء معلوم اللفظ والمعنى، وقد قال تعالى: " إن ~~الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة " (1) [التوبة: 111] ~~ولا يقال: هذه الآية دليل على جواز مبايعة السيد لعبده، لان المقصدين ~~مختلفان. # أما إنه إذا لم يكن بد من المعاني فيقال: إن هذه الآية دليل على أن ~~للقاضي أن يستنيب من يأخذ الحق ممن هو عليه قسرا دون أن يكون له في ذلك ~~فعل، أو يرتبط به رضا إذا وجد ذلك. # قوله تعالى: لو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا ~~وسمعنا فأرجعنا نعمل صالحا إنا موقنون (12) قوله تعالى: (ولو ترى إذ ~~المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم) ابتداء وخبر. قال الزجاج: والمخاطبة ~~للنبي صلى الله عليه وسلم مخاطبة لامته. والمعنى: ولو ترى يا محمد منكري ~~البعث يوم القيامة لرأيت العجب. ومذهب أبي العباس غير هذا، ms4919 وأن يكون ~~المعنى: يا محمد، قل للمجرم ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم عند ربهم ~~لندمت على ما كان منك. " ناكسو رؤوسهم " أي من الندم والخزي والحزن والذل ~~والغم. " عند ربهم " أي عند محاسبة ربهم وجزاء أعمالهم. " ربنا " أي يقولون ~~ربنا. " أبصرنا " أي أبصرنا ما كنا نكذب. " وسمعنا " ما كنا ننكر. وقيل: " ~~أبصرنا " صدق وعيدك. " وسمعنا " تصديق رسلك. أبصروا حين لا ينفعهم البصر، ~~وسمعوا حين لا ينفعهم السمع. " فأرجعنا " أي إلى الدنيا. " نعمل صالحا إنا ~~موقنون " أي مصدقون بالبعث، قاله النقاش. وقيل: مصدقون بالذي جاء به محمد ~~صلى الله عليه وسلم أنه حق، قاله يحيى بن سلام. قال سفيان الثوري: فأكذبهم ~~الله تعالى: فقال " ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون " (2). ~~وقيل: معنى " إنا موقنون " أي قد زالت عنا الشكوك الآن، وكانوا يسمعون ~~ويبصرون في الدنيا، ولكن لم يكونوا # PageV14P095 # يتدبرون، وكانوا كمن لا يبصر ولا يسمع، فلما تنبهوا في الآخرة صاروا ~~حينئذ كأنهم سمعوا وأبصروا. وقيل: أي ربنا لك الحجة، فقد أبصرنا رسلك ~~وعجائب خلقك في الدنيا، وسمعنا كلامهم فلا حجة لنا. فهذا اعتراف منهم، ثم ~~طلبوا أن يردوا إلى الدنيا ليؤمنوا. # قوله تعالى: ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول منى لأملأن جهنم ~~من الجنة والناس أجمعين (13) قال محمد بن كعب القرظي: لما قالوا: " ربنا ~~أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون " رد عليهم بقوله: " ولو شئنا ~~لآتينا كل نفس هداها " يقول: لو شئت لهديت الناس جميعا فلم يختلف منهم أحد ~~" ولكن حق القول مني " الآية، ذكره ابن المبارك في (رقائقه) في حديث طويل. ~~وقد ذكرناه في {التذكرة}. النحاس: " ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها " في ~~معناه قولان: أحدهما: أنه في الدنيا. والآخر: أن سياق الكلام يدل على أنه ~~في الآخرة، أي لو شئنا لرددناهم إلى الدنيا والمحنة كما سألوا " ولكن حق ~~القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين " أي حق القول مني لأعذبن من ~~عصاني بنار جهنم. وعلم الله تبارك وتعالى [أنه] لو ردهم ms4920 لعادوا، كما قال ~~تعالى: " ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه " [الانعام: 28]. # وهذه الهداية معناها خلق المعرفة في القلب. وتأويل المعتزلة: ولو شئنا ~~لأكرهناهم على الهداية بإظهار الآيات الهائلة، لكن لا يحسن منه فعله، لأنه ~~ينقض الغرض المجرى بالتكليف إليه وهو الثواب الذي لا يستحق إلا بما يفعله ~~المكلف باختياره. وقالت الامامية في تأويلها: إنه يجوز أن يريد هداها إلى ~~طريق الجنة في الآخرة ولم يعاقب أحدا، لكن حق القول منه أنه يملا جهنم، فلا ~~يجب على الله تعالى عندنا هداية الكل إليها، قالوا: بل الواجب هداية ~~المعصومين، فأما من له ذنب فجائز هدايته إلى النار جزاء على أفعاله. وفي ~~جواز ذلك منع، لقطعهم على أن المراد هداها إلى الايمان. وقد تكلم ~~PageV14P096 # العلماء عليهم في هذين التأويلين بما فيه كفاية في أصول الدين. وأقرب ما ~~لهم في الجواب أن يقال: فقد بطل عندنا وعندكم أن يهديهم الله سبحانه على ~~طريق الالجاء والاجبار والاكراه، فصار يؤدي ذلك إلى مذهب الجبرية، وهو مذهب ~~رذل عندنا وعندكم، فلم يبق إلا أن المهتدين من المؤمنين إنما هداهم الله ~~تعالى إلى الايمان والطاعة على طريق الاختيار حتى يصح التكليف فمن شاء آمن ~~وأطاع اختيارا لا جبرا، قال الله تعالى: " لمن شاء منكم أن يستقيم " (1) ~~[التكوير: 28]، وقال: # " فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا " (1). ثم عقب هاتين الآيتين بقوله تعالى: ~~" وما تشاءون إلا أن يشاء الله " [التكوير: 29]. [فوقع إيمان المؤمنين ~~بمشيئتهم، ونفي أن يشاءوا إلا أن يشاء الله] (2)، ولهذا فرطت المجبرة لما ~~رأوا أن هدايتهم إلى الايمان معذوق (3) بمشيئة الله تعالى، فقالوا: الخلق ~~مجبورون في طاعتهم كلها، التفاتا إلى قوله: " وما تشاءون إلا أن يشاء الله ~~" [التكوير: 29]. وفرطت القدرية لما رأوا أن هدايتهم إلى الايمان معذوق ~~بمشيئة العباد، فقالوا: الخلق خالقون لأفعالهم، التفاتا منهم إلى قوله ~~تعالى: " لمن شاء منكم أن يستقيم " [التكوير: 28]. ومذهبنا هو الاقتصاد في ~~الاعتقاد، وهو مذهب بين مذهبي المجبرة والقدرية، وخير الأمور أوساطها. وذلك ~~أن أهل الحق قالوا: نحن نفرق بين ما اضطررنا إليه ms4921 وبين ما اخترناه، وهو أنا ~~ندرك تفرقة بين حركة الارتعاش الواقعة في يد الانسان بغير محاولته وإرادته ~~ولا مقرونة بقدرته، وبين حركة الاختيار إذا حرك يده حركة مماثلة لحركة ~~الارتعاش، ومن لا يفرق بين الحركتين: حركة الارتعاش وحركة الاختيار، وهما ~~موجودتان في ذاته ومحسوستان في يده بمشاهدته وإدراك حاسته - فهو معتوه في ~~عقله ومختل في حسه، وخارج من حزب العقلاء. وهذا هو الحق المبين، وهو طريق ~~بين طريقي الافراط والتفريط. و: # * كلا طرفي قصد الأمور ذميم * (4) # PageV14P097 # وبهذا الاعتبار اختار أهل النظر من العلماء أن سموا هذه المنزلة بين ~~المنزلتين كسبا، وأخذوا هذه التسمية من كتاب الله العزيز، وهو قوله سبحانه: ~~" لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت " (1) [البقرة: 286]. # قوله تعالى: فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا إنا نسيناكم وذوقوا عذاب ~~الخلد بما كنتم تعملون (14) قوله تعالى: (فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا) ~~فيه قولان: أحدهما - أنه من النسيان الذي لا ذكر معه، أي لم يعملوا لهذا ~~اليوم فكانوا بمنزلة الناسين. والآخر: أن " نسيتم " بما تركتم، وكذا " إنا ~~نسيناكم ". واحتج محمد بن يزيد بقوله تعالى: " ولقد عهدنا إلى آدم من قبل ~~فنسي " (2) [طه: 115] قال: والدليل على أنه بمعنى ترك أن الله عز وجل أخبر ~~عن إبليس أنه قال: " ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين " ~~(3) [الأعراف: 20] فلو كان آدم ناسيا لكان قد ذكره. وأنشد: # كأنه خارجا من جنب صفحته * سفود شرب نسوه عند مفتأد (4) أي تركوه. ولو ~~كان من النسيان لكان قد عملوا به مرة. قال الضحاك: " نسيتم " أي تركتم ~~أمري. يحيى بن سلام: أي تركتم الايمان بالبعث في هذا اليوم. " نسيناكم " ~~تركناكم من الخير، قاله السدي. مجاهد: تركناكم في العذاب. وفي استئناف ~~قوله: " إنا نسيناكم " وبناء الفعل على " إن " واسمها تشديد في الانتقام ~~منهم. والمعنى: فذوقوا هذا، أي ما أنتم فيه من نكس الرؤوس والخزي والغم ~~بسبب نسيان الله. أو ذوقوا العذاب المخلد، وهو الدائم الذي لا انقطاع له في ~~جهنم. (بما كنتم تعملون) يعنى في الدنيا من ms4922 المعاصي. وقد يعبر بالذوق عما ~~يطرأ على النفس وإن لم يكن مطعوما، لاحساسها به كإحساسها بذوق المطعوم. # قال عمر بن أبي ربيعة: # فذق هجرها إن كنت تزعم أنها * فساد ألا يا ربما كذب الزعم # PageV14P098 # الجوهري: وذقت ما عند فلان، أي خبرته. وذقت القوس إذا جذبت وترها لتنظر ~~ما شدتها. وأذاقه الله وبال أمره. قال طفيل: # فذوقوا كما ذقنا غداة محجر * من الغيظ في أكبادنا والتحوب وتذوقته أي ~~ذقته شيئا بعد شئ. وأمر مستذاق أي مجرب معلوم. قال الشاعر: # وعهد الغانيات كعهد قين * ونت عنه الجعائل مستذاق والذواق: الملول. # قوله تعالى: إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا ~~بحمد ربهم وهم لا يستكبرون (15) هذه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم، أي ~~أنهم لألفهم الكفر لا يؤمنون بك، إنما يؤمن بك وبالقرآن المتدبرون له ~~والمتعظون به، وهم الذين إذا قرئ عليهم القرآن " خروا سجدا " قال ابن عباس: ~~ركعا. قال المهدوي: وهذا على مذهب من يرى الركوع عند قراءة السجدة، واستدل ~~بقوله تبارك وتعالى: " وخر راكعا وأناب " (1) [ص: 24]. وقيل: المراد به ~~السجود، وعليه أكثر العلماء، أي خروا سجدا لله تعالى على وجوههم تعظيما ~~لآياته وخوفا من سطوته وعذابه. # (وسبحوا بحمد ربهم) أي خلطوا التسبيح بالحمد، أي نزهوه وحمدوه، فقالوا في ~~سجودهم: # سبحان الله وبحمده، سبحان ربي الاعلى وبحمده، أي تنزيها لله تعالى عن قول ~~المشركين. # وقال سفيان: " وسبحوا بحمد ربهم " أي صلوا حمدا لربهم. (وهم لا يستكبرون) ~~عن عبادته، قاله يحيى بن سلام. النقاش: " لا يستكبرون " كما استكبر أهل مكة ~~عن السجود. # قوله تعالى: تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما ~~رزقناهم ينفقون (16) قوله تعالى: " تتجافى جنوبهم عن المضاجع " أي ترتفع ~~وتنبو عن مواضع الاضطجاع. # وهو في موضع نصب على الحال، أي متجافية جنوبهم. والمضاجع جمع مضجع، وهي # PageV14P099 # مواضع النوم. ويحتمل عن وقت الاضطجاع، ولكنه مجاز، والحقيقة أولى. ومنه ~~قول عبد الله بن رواحة: # وفينا رسول الله يتلو كتابه * إذا انشق معروف من الصبح ساطع يبيت يجافي ~~جنبه ms4923 عن فراشه * إذا استثقلت بالمشركين المضاجع قال الزجاج والرماني: ~~التجافي التنحي إلى جهة فوق. وكذلك هو في الصفح عن المخطئ في سب ونحوه. ~~والجنوب جمع جنب. وفيما تتجافى جنوبهم عن المضاجع لأجله قولان: # أحدهما - لذكر الله تعالى، إما في صلاة وإما في غير صلاة، قاله ابن عباس ~~والضحاك. # الثاني - للصلاة. وفي الصلاة التي تتجافى جنوبهم لأجلها أربعة أقوال: ~~أحدها - التنفل بالليل، قاله الجمهور من المفسرين وعليه أكثر الناس، وهو ~~الذي فيه المدح، وهو قول مجاهد والأوزاعي ومالك بن أنس والحسن بن أبي الحسن ~~وأبي العالية وغيرهم. ويدل عليه قوله تعالى: " فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من ~~قرة أعين " [السجدة: 17] لأنهم جوزوا على ما أخفوا بما خفي. # والله أعلم. وسيأتي بيانه. # وفي قيام الليل أحاديث كثيرة، منها حديث معاذ بن جبل أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال له: (ألا أدلك على أبواب الخير: الصوم جنة، والصدقة تطفئ ~~الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل من جوف الليل - قال ثم تلا - " ~~تتجافى جنوبهم عن المضاجع - حتى بلغ - يعملون ") أخرجه أبو داود الطيالسي ~~في مسنده والقاضي إسماعيل ابن إسحاق وأبو عيسى الترمذي، وقال فيه: حديث حسن ~~صحيح. الثاني: صلاة العشاء التي يقال لها العتمة، قاله الحسن وعطاء. وفي ~~الترمذي عن أنس بن مالك أن هذه الآية " تتجافى جنوبهم عن المضاجع " نزلت في ~~انتظار الصلاة التي تدعى العتمة قال: هذا حديث حسن غريب. الثالث - التنفل ~~ما بين المغرب والعشاء، قاله قتادة وعكرمة. وروى أبو داود عن أنس بن مالك ~~أن هذه الآية " تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما ~~رزقناهم ينفقون " قال: كانوا يتنفلون بين المغرب والعشاء. الرابع - قال ~~الضحاك: تجافي الجنب هو أن يصلي الرجل العشاء والصبح في جماعة. وقاله أبو ~~الدرداء وعبادة. PageV14P100 # قلت: وهذا قول حسن، وهو يجمع الأقوال بالمعنى. وذلك أن منتظر العشاء إلى ~~أن يصليها في صلاة وذكر لله عز وجل، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا ~~يزال الرجل في صلاة ما انتظر الصلاة). ms4924 وقال أنس: المراد بالآية انتظار صلاة ~~العشاء الآخرة، لان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يؤخرها إلى نحو ثلث ~~الليل. قال ابن عطية: وكانت الجاهلية ينامون من أول الغروب ومن أي وقت شاء ~~الانسان، فجاء انتظار وقت العشاء غريبا شاقا. ومصلي الصبح في جماعة لا سيما ~~في أول الوقت، كما كان عليه السلام يصليها. # والعادة أن من حافظ على هذه الصلاة في أول الوقت يقوم سحرا يتوضأ ويصلي ~~ويذكر الله عز وجل إلى أن يطلع الفجر، فقد حصل التجافي أول الليل وآخره. ~~يزيد هذا ما رواه مسلم من حديث عثمان بن عفان قال سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: (من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى ~~الصبح في جماعة فكأنما قام الليل كله). # ولفظ الترمذي وأبي داود في هذا الحديث: (من شهد العشاء في جماعة كان له ~~قيام نصف ليلة، ومن صلى العشاء والفجر في جماعة كان له كقيام ليلة). وقد ~~مضى في سورة " النور " عن كعب فيمن صلى بعد العشاء الآخرة أربع ركعات كن له ~~بمنزلة ليلة القدر (1). # وجاءت آثار حسان في فضل الصلاة بين المغرب والعشاء وقيام الليل. ذكر ابن ~~المبارك قال: أخبرنا يحيى بن أيوب قال حدثني محمد بن الحجاج أو ابن أبي ~~الحجاج أنه سمع عبد الكريم يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من ~~ركع عشر ركعات بين المغرب والعشاء بني له قصر في الجنة) فقال له عمر بن ~~الخطاب: إذا تكثر قصورنا وبيوتنا يا رسول الله؟ # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الله أكبر وأفضل - أو قال - أطيب). # وعن عبد الله بن عمرو بن العاصي قال: صلاة الأوابين الخلوة التي بين ~~المغرب والعشاء حتى تثوب الناس إلى الصلاة. وكان عبد الله بن مسعود يصلي في ~~تلك الساعة ويقول: صلاة الغفلة بين المغرب والعشاء، ذكره ابن المبارك. ~~ورواه الثعلبي مرفوعا عن ابن عمر قال قال # PageV14P101 # النبي صلى الله عليه وسلم: (من جفت جنباه عن المضاجع ms4925 ما بين المغرب ~~والعشاء بني له قصران في الجنة مسيرة عام، وفيهما من الشجر ما لو نزلها أهل ~~المشرق والمغرب لأوسعتهم فاكهة). وهي صلاة الأوابين وغفلة الغافلين. وأن من ~~الدعاء المستجاب الذي لا يرد الدعاء بين المغرب والعشاء. فصل في فضل ~~التجافي - ذكر ابن المبارك عن ابن عباس قال: إذا كان يوم القيامة نادى ~~مناد: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، ليقم الحامدون لله على كل حال، ~~فيقومون فيسرحون إلى الجنة. ثم ينادي ثانية: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، ~~ليقم الذين كانت جنوبهم تتجافى عن المضاجع " يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما ~~رزقناهم ينفقون ". قال: # فيقومون فيسرحون إلى الجنة. قال: ثم ينادي ثالثة: ستعلمون اليوم من أصحاب ~~الكرم، ليقم الذين كانوا " لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام ~~الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والابصار " [النور: ~~37]، فيقومون فيسرحون إلى الجنة. ذكره الثعلبي مرفوعا عن أسماء بنت يزيد ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة ~~جاء مناد فنادى بصوت تسمعه الخلائق كلهم: سيعلم أهل الجمع اليوم من أولى ~~بالكرم، ليقم الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع فيقومون وهم قليل، ثم ~~ينادي الثانية ستعلمون اليوم من أولى بالكرم ليقم الذين لا تلهيهم تجارة ~~ولا بيع عن ذكر الله فيقومون، ثم ينادي الثالثة ستعلمون اليوم من أولى ~~بالكرم ليقم الحامدون لله على كل حال في السراء والضراء فيقومون وهم قليل ~~فيسرحون جميعا إلى الجنة، ثم يحاسب سائر الناس). وذكر ابن المبارك قال ~~أخبرنا معمر عن رجل عن أبي العلاء بن الشخير عن أبي ذر قال: ثلاثة يضحك ~~الله إليهم ويستبشر الله بهم: رجل قام من الليل وترك فراشه ودفئه، ثم توضأ ~~فأحسن الوضوء، ثم قام إلى الصلاة، فيقول الله لملائكته: (ما حمل عبدي على ~~ما صنع) فيقولون: ربنا أنت أعلم به منا، فيقول: (أنا أعلم به ولكن أخبروني) ~~فيقولون: رجيته شيئا فرجاه وخوفته فخافه. فيقول: (أشهدكم أني قد أمنته مما ~~خاف وأوجبت له ما رجاه) ms4926 قال: ورجل كان PageV14P102 # في سرية فلقي العدو فانهزم أصحابه وثبت هو حتى يقتل أو يفتح الله عليهم، ~~فيقول الله لملائكته مثل هذه القصة. ورجل سرى في ليلة حتى إذا كان في آخر ~~الليل نزل هو وأصحابه، فنام أصحابه وقام هو يصلي، فيقول الله لملائكته...) ~~وذكر القصة. # قوله تعالى: " يدعون ربهم " في موضع نصب على الحال، أي داعين. ويحتمل أن ~~تكون صفة مستأنفة، أي تتجافى جنوبهم وهم أيضا في كل حال يدعون ربهم ليلهم ~~ونهارهم. و " خوفا " مفعول من أجله. ويجوز أن يكون مصدرا. " وطمعا " مثله، ~~أي خوفا من العذاب وطمعا في الثواب. " ومما رزقناهم ينفقون " تكون " ما " ~~بمعنى الذي وتكون مصدرا، وفي كلا الوجهين يجب أن تكون منفصلة (1) من " من " ~~و " ينفقون " قيل: معناه الزكاة المفروضة. وقيل: النوافل، وهذا القول أمدح. # قوله تعالى: فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون ~~(17) قرأ حمزة: " ما أخفي لهم " بإسكان الياء. وفتحها الباقون. وفي قراءة ~~عبد الله " ما نخفي " بالنون مضمومة. وروى المفضل عن الأعمش " ما يخفى لهم ~~" بالياء المضمومة وفتح الفاء. # وقرأ ابن مسعود وأبو هريرة: " من قرأت أعين ". فمن أسكن الياء من قوله: " ~~ما أخفى فهو مستقبل وألفه ألف المتكلم. و " ما " في موضع نصب ب‍ " - أخفي " ~~وهي استفهام، والجملة في موضع نصب لوقوعها موقع المفعولين، والضمير العائد ~~على " ما " محذوف. # ومن فتح الياء فهو فعل ماض مبني للمفعول. و " ما " في موضع رفع ~~بالابتداء، والخبر " أخفى " وما بعده، والضمير في " أخفى " عائد على " ما ~~". قال الزجاج: ويقرأ " ما أخفى لهم " بمعنى ما أخفى الله لهم، وهي قراءة ~~محمد بن كعب، و " ما " في موضع نصب. المهدوي: # ومن قرأ: " قرأت أعين " فهو جمع قرة، وحسن الجمع فيه لإضافته إلى جمع، ~~والافراد لأنه # PageV14P103 # مصدر، وهو اسم للجنس. وقال أبو بكر الأنباري: وهذا غير مخالف للمصحف، لان ~~تاء " قرة " تكتب تاء لغة من يجري الوصل على الوقف، كما كتبوا (رحمت الله) ~~بالتاء. # ولا يستنكر سقوط الألف من " قرأت ms4927 " في الخط وهو موجود في اللفظ، كما لم ~~يستنكر سقوط الألف من السماوات (1) وهي ثابتة في اللسان والنطق. والمعنى ~~المراد: أنه أخبر تعالى بما لهم من النعيم الذي لم تعلمه نفس ولا بشر ولا ~~ملك. وفي معنى هذه الآية: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (قال الله عز وجل ~~أعدت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر - ثم ~~قرأ هذه الآية - " تتجافى جنوبهم عن المضاجع - إلى قوله - بما كانوا يعملون ~~") خرجه الصحيح من حديث سهل بن سعد الساعدي. # وقال ابن مسعود: في التوراة مكتوب: على الله للذين تتجافى جنوبهم عن ~~المضاجع ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وقال ابن عباس: ~~الامر في هذا أجل وأعظم من أن يعرف تفسيره. # قلت: وهذه الكرامة إنما هي لاعلى أهل الجنة منزلا، كما جاء مبينا في صحيح ~~مسلم عن المغيرة بن شعبة يرفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (سأل ~~موسى عليه السلام ربه فقال يا رب ما أدنى أهل الجنة منزلة قال هو رجل يأتي ~~بعدما يدخل أهل الجنة الجنة فيقال له ادخل الجنة فيقول أي رب كيف وقد نزل ~~الناس منازلهم وأخذوا أخذاتهم فيقال له أترضى أن يكون لك مثل ملك ملك من ~~ملوك الدنيا فيقول رضيت رب فيقول لك ذلك ومثله ومثله معه ومثله ومثله ومثله ~~ومثله فقال في الخامسة رضيت رب فيقال هذا لك وعشرة أمثاله ولك ما اشتهت ~~نفسك ولذت عينك فيقول رضيت رب قال رب فأعلاهم منزلة قال أولئك الذين أردت ~~غرست (2) كرامتهم بيدي وختمت عليها فلم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على ~~قلب بشر - قال - ومصداقه من كتاب الله قوله تعالى: " فلا تعلم نفس ما أخفى ~~لهم # PageV14P104 # من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون ". وقد روي عن المغيرة موقوفا قوله. ~~وخرج مسلم أيضا عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يقول ~~الله تبارك وتعالى أعددت لعبادي ms4928 الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا ~~خطر على قلب بشر ذخرا بله (1) ما أطلعكم عليه - ثم قرأ - " فلا تعلم نفس ما ~~أخفى لهم من قرة أعين ". وقال ابن سيرين: # المراد به النظر إلى الله تعالى. وقال الحسن: أخفى القوم أعمالا فأخفى ~~الله تعالى لهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت. # قوله تعالى: أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون (18) فيه ثلاث ~~مسائل: # الأولى - قوله تعالى (أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون) أي ليس ~~المؤمن كالفاسق، فلهذا آتينا هؤلاء المؤمنين الثواب العظيم. قال ابن عباس ~~وعطاء بن يسار: # نزلت الآية في علي بن أبي طالب والوليد بن عقبة بن أبي معيط، وذلك أنهما ~~تلاحيا (2) فقال له الوليد: أنا أبسط منك لسانا وأحد سنانا وأرد للكتيبة - ~~وروي وأملا في الكتيبة - جسدا. فقال له علي: اسكت! فإنك فاسق، فنزلت الآية. ~~وذكر الزجاج والنحاس أنها نزلت في علي وعقبة بن أبي معيط. قال ابن عطية: ~~وعلى هذا يلزم أن تكون الآية مكية، لان عقبة لم يكن بالمدينة، وإنما قتل في ~~طريق مكة منصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من بدر. ويعترض القول الآخر ~~بإطلاق اسم الفسق على الوليد. وذلك يحتمل أن يكون في صدر إسلام الوليد لشئ ~~كان في نفسه، أو لما روي من نقله عن بني المصطلق ما لم يكن، حتى نزلت فيه: ~~" إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا " (3) [الحجرات: 6] على ما يأتي في الحجرات ~~بيانه. ويحتمل أن تطلق الشريعة ذلك عليه، لأنه كان على طرف مما يبغي. وهو ~~الذي شرب الخمر في زمن # PageV14P105 # عثمان رضي الله عنه، وصلى الصبح بالناس ثم التفت وقال: أتريدون أن ~~أزيدكم، ونحو هذا مما يطول ذكره. # الثانية - لما قسم الله تعالى المؤمنين والفاسقين الذين فسقهم بالكفر - ~~لان التكذيب في آخر الآية يقتضي ذلك - اقتضى ذلك نفي المساواة بين المؤمن ~~والكافر، ولهذا منع القصاص بينهما، إذ من شرط وجوب القصاص المساواة بين ~~القاتل والمقتول. وبذلك احتج علماؤنا على أبي حنيفة في ms4929 قتله المسلم بالذمي. ~~وقال: أراد نفي المساواة ها هنا في الآخرة في الثواب وفي الدنيا في ~~العدالة. ونحن حملناه على عمومه، وهو أصح، إذ لا دليل يخصه، قاله ابن ~~العربي. # الثالثة - قوله تعالى: (لا يستوون) قال الزجاج وغيره: " من " يصلح للواحد ~~والجمع. النحاس: لفظ " من " يؤدي عن الجماعة، فلهذا قال: " لا يستوون "، ~~هذا قول كثير من النحويين. وقال بعضهم: " لا يستوون " لاثنين، لان الاثنين ~~جمع، لأنه واحد جمع مع آخر. وقاله الزجاج أيضا. والحديث يدل على هذا القول، ~~لأنه عن ابن عباس. # وغيره قال: نزلت " أفمن كان مؤمنا " في علي بن أبي طالب رضي الله عنه، " ~~كمن كان فاسقا " في الوليد بن عقبة بن أبي معيط. وقال الشاعر: # أليس الموت بينهما سواء * إذا ماتوا وصاروا في القبور قوله تعالى: أما ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى نزلا بما كانوا يعملون (19) ~~وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها ~~وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون (20) قوله تعالى: (أما ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى) أخبر عن مقر الفريقين غدا، ~~فللمؤمنين جنات المأوى أو يأوون إلى الجنات فأضاف الجنات إلى المأوى لان ~~ذلك PageV14P106 # الموضع يتضمن جنات. " نزلا " أي ضيافة. والنزل: ما يهيأ للنازل والضيف. ~~وقد مضى في آخر " آل عمران " (1) وهو نصب على الحال من الجنات، أي لهم ~~الجنات معدة، ويجوز أن يكون مفعولا له. (وأما الذين فسقوا) أي خرجوا عن ~~الايمان إلى الكفر (فمأواهم النار) أي مقامهم فيها. (كلما أرادوا أن يخرجوا ~~منها أعيدوا فيها) أي إذا دفعهم لهب النار إلى أعلاها ردوا إلى موضعهم ~~فيها، لأنهم يطمعون في الخروج منها. وقد مضى هذا في " الحج " (2). # (وقيل لهم) أي يقول لهم خزنة جهنم. أو يقول الله لهم: (ذوقوا عذاب النار ~~الذي كنتم به تكذبون) والذوق يستعمل محسوسا ومعنى. وقد مضى في هذه السورة ~~بيانه (3). # قوله تعالى: ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون ~~(21) قوله تعالى: (ولنذيقنهم من العذاب الأدنى) قال ms4930 الحسن وأبو العالية ~~والضحاك وأبي بن كعب وإبراهيم النخعي: العذاب الأدنى مصائب الدنيا وأسقامها ~~مما يبتلى به العبيد حتى يتوبوا، وقاله ابن عباس. وعنه أيضا أنه الحدود. ~~وقال ابن مسعود والحسين بن علي و عبد الله بن الحارث: هو القتل بالسيف يوم ~~بدر. وقال مقاتل: الجوع سبع سنين بمكة حتى أكلوا الجيف، وقاله مجاهد. وعنه ~~أيضا: العذاب الأدنى عذاب القبر، وقاله البراء ابن عازب. قالوا: والأكبر ~~عذاب يوم القيامة. قال القشيري: وقيل عذاب القبر. # وفيه نظر، لقوله: " لعلهم يرجعون ". قال: ومن حمل العذاب على القتل قال: ~~" لعلهم يرجعون " أي يرجع من بقي منهم. ولا خلاف أن العذاب الأكبر عذاب ~~جهنم، إلا ما روي عن جعفر بن محمد أنه خروج المهدي بالسيف. والأدنى غلاء ~~السعر. وقد قيل: إن معنى قوله: " لعلهم يرجعون ". على قول مجاهد والبراء: ~~أي لعلهم يريدون الرجوع ويطلبونه # PageV14P107 # كقوله: " فارجعنا نعمل صالحا " (1) [السجدة: 12]. وسميت إرادة الرجوع ~~رجوعا كما سميت إرادة القيام قياما في قوله تعالى: " إذا قمتم إلى الصلاة " ~~(2) [المائدة: 6]. ويدل عليه قراءة من قرأ: " يرجعون " على البناء للمفعول، ~~ذكره الزمخشري. # قوله تعالى: ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين ~~منتقمون (22) قوله تعالى: (ومن أظلم) أي لا أحد أظلم لنفسه. (ممن ذكر بآيات ~~ربه) أي بحججه وعلاماته. (ثم أعرض عنها) بترك القبول. (إنا من المجرمين ~~منتقمون) لتكذيبهم وإعراضهم. # قوله تعالى: ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من لقائه وجعلناه ~~هدى لبني إسرائيل (23) وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا ~~بآياتنا يوقنون (24) إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه ~~يختلفون (25) قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من ~~لقائه) أي فلا تكن يا محمد في شك من لقاء موسى، قاله ابن عباس. وقد لقيه ~~ليلة الاسراء. قتادة: المعنى فلا تكن في شك من أنك لقيته ليلة الاسراء. ~~والمعنى واحد. وقيل: فلا تكن في شك من لقاء موسى في القيامة، وستلقاه فيها. ~~وقيل: فلا تكن في ms4931 شك من لقاء موسى الكتاب بالقبول، قاله مجاهد والزجاج. وعن ~~الحسن أنه قال في معناه: " ولقد آتينا موسى الكتاب " فأوذي وكذب، فلا تكن ~~في شك من أنه سيلقاك ما لقيه من التكذيب والأذى، فالهاء عائدة على محذوف، ~~والمعنى من لقاء ما لاقى. النحاس: وهذا قول غريب، إلا أنه من رواية عمرو # PageV14P108 # ابن عبيد. وقيل في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: قل يتوفاكم ملك الموت ~~الذي وكل بكم فلا تكن في مرية من لقائه، فجاء معترضا بين " ولقد آتينا موسى ~~الكتاب " وبين " وجعلناه هدى لبني إسرائيل ". والضمير في " وجعلناه " فيه ~~وجهان: أحدهما: جعلنا موسى، قاله قتادة. الثاني - جعلنا الكتاب، قاله ~~الحسن. (وجعلنا منهم أئمة) أي قادة وقدوة يقتدى بهم في دينهم. والكوفيون ~~يقرءون " أئمة " النحاس: وهو لحن عند جميع النحويين، لأنه جمع بين همزتين ~~في كلمة واحدة، وهو من دقيق النحو. # وشرحه: أن الأصل " أأممة " لم ألقيت حركة الميم على الهمزة وأدغمت الميم، ~~وخففت الهمزة الثانية لئلا يجتمع همزتان، والجمع بين همزتين في حرفين بعيد، ~~فأما في حرف واحد فلا يجوز إلا تخفيف الثانية نحو قولك: آدم وآخر. ويقال: ~~هذا أوم من هذا وأيم، بالواو والياء. وقد مضى هذا في " براءة " (1) والله ~~تعالى أعلم. " يهدون بأمرنا " أي يدعون الخلق إلى طاعتنا. " بأمرنا " أي ~~أمرناهم بذلك. وقيل: " بأمرنا " أي لامرنا، أي يهدون الناس لديننا. ثم قيل: ~~المراد الأنبياء عليهم السلام، قاله قتادة. وقيل: المراد الفقهاء والعلماء. ~~" لما صبروا " قراءة العامة " لما " بفتح اللام وتشديد الميم وفتحها، أي ~~حين صبروا. وقرأ يحيى وحمزة والكسائي وخلف ورويس عن يعقوب: " لما صبروا " ~~أي لصبرهم جعلناهم أئمة. واختاره أبو عبيد اعتبارا بقراءة ابن مسعود " بما ~~صبروا " بالباء. وهذا الصبر صبر على الدين وعلى البلاء. وقيل: صبروا عن ~~الدنيا. (إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة) أي يقضي ويحكم بين المؤمنين ~~والكفار، فيجازي كلا بما يستحق. # وقيل: يقضي بين الأنبياء وبين قومهم، حكاه النقاش. # قوله تعالى: أو لم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في ms4932 ~~مساكنهم إن في ذلك لآيات أفلا يسمعون (26) # PageV14P109 # قوله تعالى: (أو لم يهد لهم) وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وقتادة وأبو زيد ~~عن يعقوب " نهد لهم " بالنون، فهذه قراءة بينة. النحاس: وبالياء فيها ~~إشكال، لأنه يقال: الفعل لا يخلو من فاعل، فأين الفاعل ل‍ " - يهد "؟ فتكلم ~~النحويون في هذا، فقال الفراء: " كم " في موضع رفع ب‍ " - يهد " وهذا نقض ~~لأصول النحويين في قولهم: إن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله ولا في " كم " ~~بوجه، أعني ما قبلها. ومذهب أبي العباس أن " يهد " يدل على الهدى، والمعنى ~~أو لم يهد لهم الهدى. وقيل: المعنى أو لم يهد الله لهم، فيكون معنى الياء ~~والنون واحدا، أي أو لم نبين لهم إهلاكنا القرون الكافرة من قبلهم. وقال ~~الزجاج: # " كم " هي موضع نصب ب‍ " - أهلكنا ". " يمشون في مساكنهم " يحتمل الضمير ~~في " يمشون " أن يعود على الماشين في مساكن المهلكين، أي وهؤلاء يمشون ولا ~~يعتبرون. ويحتمل أن يعود على المهلكين فيكون حالا، والمعنى: أهلكناهم ماشين ~~في مساكنهم. (إن في ذلك لآيات أفلا يسمعون) آيات الله وعظاته فيتعظون. # قوله تعالى: أو لم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا ~~تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون (27) قوله تعالى: (أو لم يروا أنا ~~نسوق الماء إلى الأرض الجرز) أي أو لم يعلموا كمال قدرتنا بسوقنا الماء إلى ~~الأرض اليابسة التي لا نبات فيها لنحييها. الزمخشري: الجرز الأرض التي جرز ~~نباتها، أي قطع، إما لعدم الماء وإما لأنه رعي وأزيل. ولا يقال للتي لا ~~تنبت كالسباخ جرز، ويدل عليه قوله تعالى: " فنخرج به زرعا " قال ابن عباس: # هي أرض باليمن. وقال مجاهد: هي أبين. وقال عكرمة: هي الأرض الظمأى. وقال ~~الضحاك: هي الأرض الميتة العطشى. وقال الفراء: هي الأرض التي لا نبات فيها. ~~وقال الأصمعي: هي الأرض التي لا تنبت شيئا. وقال محمد بن يزيد: يبعد أن ~~تكون لأرض بعينها لدخول الألف واللام، إلا أنه يجوز على قول من قال: العباس ~~والضحاك. والاسناد PageV14P110 # عن ابن عباس صحيح ms4933 لا مطعن فيه. وهذا إنما هو نعت والنعت للمعرفة يكون ~~بالألف واللام، وهو مشتق من قولهم: رجل جروز إذا كان لا يبقي شئ شيئا إلا ~~أكله. قال الراجز: # خب جروز وإذا جاع بكى * ويأكل التمر ولا يلقي النوى وكذلك ناقة جروز: إذا ~~كانت تأكل كل شئ تجده. وسيف جراز: أي قاطع ماض. # وجرزت الجراد الزرع: إذا استأصلته بالاكل. وحكى الفراء وغيره أنه يقال: ~~أرض جرز وجرز وجرز وجرز. وكذلك بخل ورغب ورهب، في الأربعة أربع لغات. وقد ~~روي أن هذه الأرض لا أنهار فيها، وهي بعيدة من البحر، وإنما يأتيها في كل ~~عام ودان (1) فيزرعون ثلاث مرات في كل عام. وعن مجاهد أيضا: أنها أرض ~~النيل. " فنخرج به " أي بالماء. # " زرعا تأكل منه أنعامهم " من الكلأ والحشيش. " وأنفسهم " من الحب والخضر ~~والفواكه. " أفلا يبصرون " هذا فيعلمون أنا نقدر على إعادتهم. و " فنخرج " ~~يكون معطوفا على " نسوق " أو منقطعا مما قبله. " تأكل منه أنعامهم " في ~~موضع نصب على النعت. # قوله تعالى: ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين (28) قل يوم الفتح لا ~~ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون (29) قوله تعالى: (ويقولون متى هذا ~~الفتح إن كنتم صادقين) " متى " في موضع رفع، ويجوز أن يكون في موضع نصب على ~~الظرف. قال قتادة: الفتح القضاء. وقال الفراء والقتبي: يعنى فتح مكة. وأولى ~~من هذا ما قاله مجاهد، قال: يعني يوم القيامة. # ويروى أن المؤمنين قالوا: سيحكم الله عز وجل بيننا يوم القيامة فيثيب ~~المحسن ويعاقب المسئ. فقال الكفار على التهزئ. متى يوم الفتح، أي هذا ~~الحكم. ويقال للحاكم: # فاتح وفتاح، لان الأشياء تنفتح على يديه وتنفصل. وفي القرآن: " ربنا افتح ~~بيننا وبين # PageV14P111 # قومنا (1) بالحق " [الأعراف: 89] وقد مضى هذا في " البقرة " (2) وغيرها. ~~" قل يوم الفتح " على الظرف. # وأجاز الفراء الرفع. " لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون " أي ~~يؤخرون ويمهلون للتوبة، إن كان يوم الفتح يوم بدر أو فتح مكة. ففي بدر ~~قتلوا، ويوم الفتح هربوا (3) فلحقهم خالد بن الوليد فقتلهم. # قوله ms4934 تعالى: فأعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون (30) قوله تعالى: (فأعرض ~~عنهم) قيل: معناه فأعرض عن سفههم ولا تجبهم إلا بما أمرت به. (وأنتظر إنهم ~~منتظرون) أي انتظر يوم الفتح، يوم يحكم الله لك عليهم. # ابن عباس: " فأعرض عنهم " أي عن مشركي قريش مكة، وأن هذا منسوخ بالسيف في ~~" براءة " في قوله: " فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم " (4) [التوبة: 5]. " ~~وانتظر " أي موعدي لك. قيل: يعني يوم بدر. " إنهم منتظرون " أي ينتظرون بكم ~~حوادث الزمان. وقيل: # الآية غير منسوخة، إذ قد يقع الاعراض مع الامر بالقتال كالهدنة وغيرها. ~~وقيل: أعرض عنهم بعدما بلغت الحجة، وانتظر إنهم منتظرون. إن قيل: كيف ~~ينتظرون القيامة وهم لا يؤمنون؟ ففي هذا جوابان: أحدهما - أن يكون المعنى ~~إنهم منتظرون الموت وهو من أسباب القيامة، فيكون هذا مجازا. والآخر - أن ~~فيهم من يشك وفيهم من يؤمن بالقيامة، فيكون هذا جوابا لهذين الصنفين. والله ~~أعلم. وقرأ ابن السميقع: " إنهم منتظرون " بفتح الظاء. ورويت عن مجاهد وابن ~~محيصن. قال الفراء: لا يصح هذا إلا بإضمار، مجازه: إنهم منتظرون بهم. قال ~~أبو حاتم: الصحيح الكسر، أي انتظر عذابهم إنهم منتظرون هلاكك. # وقد قيل: إن قراءة ابن السميقع (بفتح الظاء) معناها: وانتظر هلاكهم فإنهم ~~أحقاء بأن ينتظر هلاكهم، يعني أنهم هالكون لا محالة، وانتظر ذلك فإن ~~الملائكة في السماء ينتظرونه، ذكره الزمخشري. وهو معنى قول الفراء. والله ~~أعلم. # PageV14P112 # سورة الأحزاب مدنية في قول جميعهم. نزلت في المنافقين وإيذائهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وطعنهم فيه وفي مناكحته وغيرها. وهي ثلاث وسبعون آية. ~~وكانت هذه السورة تعدل سورة البقرة. وكانت فيها آية الرجم: (الشيخ والشيخة ~~إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالا من الله والله عزيز حكيم)، ذكره أبو بكر ~~الأنباري عن أبي بن كعب. وهذا يحمله أهل العلم على أن الله تعالى رفع من ~~الأحزاب إليه ما يزيد على ما في أيدينا، وأن آية الرجم رفع لفظها. وقد ~~حدثنا أحمد بن الهيثم بن خالد قال حدثنا أبو عبيد القاسم بن سلام قال حدثنا ~~ابن أبي مريم ms4935 عن ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة عن عائشة قالت: كانت سورة ~~الأحزاب تعدل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مائتي آية، فلما كتب ~~المصحف لم يقدر منها إلا على ما هي الآن. # قال أبو بكر: فمعنى هذا من قول أم المؤمنين عائشة: أن الله تعالى رفع ~~إليه من سورة الأحزاب ما يزيد على ما عندنا. # قلت: هذا وجه من وجوه النسخ، وقد تقدم في " البقرة " (1) القول فيه ~~مستوفى والحمد لله. # وروى زر قال قال لي أبي بن كعب: كم تعدون سورة الأحزاب؟ قلت ثلاثا وسبعين ~~آية، قال: فوالذي يحلف به أبي بن كعب إن كانت لتعدل سورة البقرة أو أطول، ~~ولقد قرأنا منها آية الرجم: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالا ~~من الله والله عزيز حكيم. # أراد أبي أن ذلك من جملة ما نسخ من القرآن. وأما ما يحكى من أن تلك ~~الزيادة كانت في صحيفة في بيت عائشة فأكلتها الداجن فمن تأليف الملاحدة ~~والروافض. # بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: يا أيها النبي اتق الله ولا تطع ~~الكافرين والمنافقين إن الله كان عليما حكيما (1) # PageV14P113 # قوله تعالى: (يا أيها النبي اتق الله) ضمت " أي " لأنه نداء مفرد، ~~والتنبيه لازم لها. # و " النبي " نعت لأي عند النحويين، إلا الأخفش فإنه يقول: إنه صلة لأي. ~~مكي: # ولا يعرف في كلام العرب اسم مفرد صلة لشئ. النحاس: وهو خطأ عند أكثر ~~النحويين، لان الصلة لا تكون إلا جملة، والاحتيال له فيما قال إنه لما كان ~~نعتا لازما سمي صلة، وهكذا الكوفيون يسمون نعت النكرة صلة لها. ولا يجوز ~~نصبه على الموضع عند أكثر النحويين. وأجازه المازني، جعله كقولك: يا زيد ~~الظريف، بنصب " الظريف " على موضع زيد. مكي: وهذا نعت يستغنى عنه، ونعت " ~~أي " لا يستغنى عنه فلا يحسن نصبه على الموضع. وأيضا فإن نعت " أي " هو ~~المنادى في المعنى فلا يحسن نصبه. وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لما هاجر إلى المدينة وكان يحب إسلام اليهود: ms4936 قريظة والنضير وبني قينقاع، ~~وقد تابعه (1) ناس منهم على النفاق، فكان يلين لهم جانبه، ويكرم صغيرهم ~~وكبيرهم، وإذا أتى منهم قبيح تجاوز عنه، وكان يسمع منهم، فنزلت. وقيل، إنها ~~نزلت فيما ذكر الواحدي والقشيري والثعلبي والماوردي وغيرهم في أبي سفيان بن ~~حرب وعكرمة بن أبي جهل وأبي الأعور عمرو (2) بن سفيان، نزلوا المدينة على ~~عبد الله بن أبي ابن سلول رأس المنافقين بعد أحد، وقد أعطاهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم الأمان على أن يكلموه، فقام معهم عبد الله بن سعد بن أبي ~~سرح وطعمة بن أبيرق، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم وعنده عمر ابن ~~الخطاب: ارفض ذكر آلهتنا اللات والعزى ومناة، وقل إن لها شفاعة ومنعة (3) ~~لمن عبدها، وندعك وربك. فشق على النبي صلى الله عليه وسلم ما قالوا. فقال ~~عمر: يا رسول الله ائذن لي في قتلهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إني ~~قد أعطيتهم الأمان) فقال عمر: اخرجوا في لعنة الله وغضبه. فأمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن يخرجوا من المدينة، فنزلت الآية. " يا أيها النبي اتق ~~الله " أي خف الله. # (ولا تطع الكافرين) من أهل مكة، يعني أبا سفيان وأبا الأعور وعكرمة. ~~(والمنافقين) من أهل المدينة، يعني عبد الله بن أبي وطعمة و عبد الله بن ~~سعد بن أبي سرح فيما نهيت عنه، # PageV14P114 # ولا تمل إليهم. (إن الله كان عليما) بكفرهم (حكيما) فيما يفعل بهم. ~~الزمخشري: وروي أن أبا سفيان بن حرب وعكرمة بن أبي جهل وأبا الأعور السلمي ~~قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم في الموادعة التي كانت بينه وبينهم، ~~وقام معهم عبد الله بن أبي ومعتب بن قشير والجد بن قيس، فقالوا لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: ارفض ذكر آلهتنا. وذكر الخبر بمعنى ما تقدم. وأن الآية ~~نزلت في نقض العهد ونبذ الموادعة. " ولا تطع الكافرين " من أهل مكة. " ~~والمنافقين " من أهل المدينة فيما طلبوا إليك. وروي أن أهل مكة دعوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى أن ms4937 يرجع عن دينه ويعطوه شطر أموالهم، ويزوجه ~~شيبة بن ربيعة بنته، وخوفه منافقو المدينة أنهم يقتلونه إن لم يرجع، فنزلت. ~~النحاس: ودل بقوله " إن الله كان عليما حكيما " على أنه كان يميل إليهم ~~استدعاء لهم إلى الاسلام، أي لو علم الله عز وجل أن ميلك إليهم فيه منفعة ~~لما نهاك عنه، لأنه حكيم. ثم قيل: الخطاب له ولأمته. # قوله تعالى: واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان بما تعملون خبيرا (2) ~~وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا (3) قوله تعالى: (واتبع ما يوحى إليك من ~~ربك) يعني القرآن. وفيه زجر عن اتباع مراسم الجاهلية، وأمر بجهادهم ~~ومنابذتهم، وفيه دليل على ترك اتباع الآراء مع وجود النص. # والخطاب له ولأمته. (إن الله كان بما تعملون خبيرا) قراءة العامة بتاء ~~على الخطاب، وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم. وقرأ السلمي وأبو عمرو وابن ~~أبي إسحاق: " يعملون " بالياء على الخبر، وكذلك في قوله: " بما تعملون ~~بصيرا " (1) [الفتح: 24]. (وتوكل على الله) أي اعتمد عليه في كل أحوالك، ~~فهو الذي يمنعك ولا يضرك من خذلك. (وكفى بالله وكيلا) حافظا. وقال شيخ من ~~أهل الشام: قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وفد من ثقيف فطلبوا منه أن ~~يمتعهم باللات سنة - وهي الطاغية التي كانت ثقيف تعبدها - وقالوا: لتعلم ~~قريش منزلتنا عندك، فهم # PageV14P115 # النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فنزلت " وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا ~~" أي كافيا لك ما تخافه منهم. و " بالله " في موضع رفع لأنه الفاعل. و " ~~وكيلا " نصب على البيان أو الحال. # قوله تعالى: ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وما جعل أزواجكم اللائي ~~تظاهرون منهن أمهاتكم وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله ~~يقول الحق وهو يهدى السبيل (4) فيه خمس مسائل: # الأولى - قال مجاهد: نزلت في رجل من قريش كان يدعى ذا القلبين من دهائه، ~~وكان يقول: إن لي في جوفي قلبين، أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد. ~~قال: # وكان من فهر. الواحدي والقشيري وغيرهما: نزلت ms4938 في جميل بن معمر الفهري، ~~وكان رجلا حافظا لما يسمع. فقالت قريش: ما يحفظ هذه الأشياء إلا وله قلبان. ~~وكان يقول: # لي قلبان أعقل بهما أفضل من عقل محمد. فلما هزم المشركون يوم بدر ومعهم ~~جميل بن معمر، رآه أبو سفيان في العير وهو معلق إحدى نعليه في يده والأخرى ~~في رجله، فقال أبو سفيان: ما حال الناس؟ قال انهزموا. قال: فما بال إحدى ~~نعليك في يدك والأخرى في رجلك؟ قال: ما شعرت إلا أنهما في رجلي، فعرفوا ~~يومئذ أنه لو كان له قلبان لما نسي نعله في يده. وقال السهيلي: كان جميل بن ~~معمر الجمحي، وهو ابن معمر ابن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح، واسم جمح: ~~تيم، وكان يدعى ذا القلبين فنزلت فيه الآية، وفيه يقول الشاعر: # وكيف ثوائي بالمدينة بعد ما * قضى وطرا منها جميل بن معمر قلت: كذا قالوا ~~جميل بن معمر. وقال الزمخشري: جميل بن أسد الفهري. وقال ابن عباس: سببها أن ~~بعض المنافقين قال: إن محمدا له قلبان، لأنه ربما كان في شئ فنزع ~~PageV14P116 # في غيره نزعة ثم عاد إلى شأنه الأول، فقالوا ذلك عنه فأكذبهم الله عز ~~وجل. وقيل: نزلت في عبد الله بن خطل. وقال الزهري وابن حبان: نزل ذلك ~~تمثيلا في زيد بن حارثة لما تبناه النبي صلى الله عليه وسلم، فالمعنى: كما ~~لا يكون لرجل قلبان كذلك لا يكون ولد واحد لرجلين. قال النحاس: وهذا قول ~~ضعيف لا يصح في اللغة، وهو من منقطعات الزهري، رواه معمر عنه. وقيل: هو مثل ~~ضرب للمظاهر، أي كما لا يكون للرجل قلبان كذلك لا تكون امرأة المظاهر أمه ~~حتى تكون له أمان. وقيل: كان الواحد من المنافقين يقول: لي قلب يأمرني ~~بكذا، وقلب يأمرني بكذا، فالمنافق ذو قلبين، فالمقصود رد النفاق. وقيل: لا ~~يجتمع الكفر والايمان بالله تعالى في قلب، كما لا يجتمع قلبان في جوف، ~~فالمعنى: لا يجتمع اعتقادان متغايران في قلب. ويظهر من الآية بجملتها نفي ~~أشياء كانت العرب تعتقدها ms4939 في ذلك الوقت، وإعلام بحقيقة الامر، والله أعلم. # الثانية - القلب بضعة (1) صغيرة على هيئة الصنوبرة، خلقها الله تعالى في ~~الآدمي وجعلها محلا للعلم، فيحصى به العبد من العلوم ما لا يسع في أسفار، ~~يكتبه الله تعالى فيه بالخط الإلهي، ويضبطه فيه بالحفظ الرباني، حتى يحصيه ~~ولا ينسى منه شيئا. وهو بين لمتين: (2) لمة من الملك، ولمة من الشيطان، كما ~~قال صلى الله عليه وسلم. خرجه الترمذي، وقد مضى في " البقرة " (3). # وهو محل الخطرات والوساوس ومكان الكفر والايمان، وموضع الاصرار والإنابة، ~~ومجرى الانزعاج والطمأنينة (4). والمعنى في الآية: أنه لا يجتمع في القلب ~~الكفر والايمان، والهدى والضلال، والإنابة والاصرار، وهذا نفي لكل ما توهمه ~~أحد في ذلك من حقيقة أو مجاز، والله أعلم. # الثالثة - أعلم الله عز وجل في هذه الآية أنه لا أحد بقلبين، ويكون في ~~هذا طعن على المنافقين الذين تقدم ذكرهم، أي إنما هو قلب واحد، فإما فيه ~~إيمان وإما فيه كفر، لان # PageV14P117 # درجة النفاق كأنها متوسطة، فنفاها الله تعالى وبين أنه قلب واحد. وعلى ~~هذا النحو يستشهد الانسان بهذه الآية، متى نسي شيئا أو وهم. يقول على جهة ~~الاعتذار: ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه. # الرابعة - قوله تعالى: (وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم) ~~يعني قول الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أمي. وذلك مذكور في سورة " المجادلة ~~" (1) على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. # الخامسة - قوله تعالى: (وما جعل أدعياءكم أبناءكم) أجمع أهل التفسير على ~~أن هذا نزل في زيد بن حارثة. وروى الأئمة أن ابن عمر قال: ما كنا ندعو زيد ~~بن حارثة إلا زيد ابن محمد حتى نزلت: " ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله " ~~[الأحزاب: 5] وكان زيد فيما روي عن أنس ابن مالك وغيره مسبيا من الشأم، ~~سبته خيل من تهامة، فابتاعه حكيم بن حزام بن خويلد، فوهبه لعمته خديجة ~~فوهبته خديجة للنبي صلى الله عليه وسلم فأعتقه وتبناه، فأقام عنده مدة، ثم ~~جاء عمه وأبوه يرغبان في فدائه، فقال لهما النبي ms4940 صلى الله عليه وسلم وذلك ~~قبل البعث: (خيراه فإن اختاركما فهو لكما دون فداء). فاختار الرق مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على حريته وقومه، فقال محمد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عند ذلك: (يا معشر قريش اشهدوا أنه ابني يرثني وأرثه) وكان يطوف ~~على حلق قريش يشهدهم على ذلك، فرضي ذلك عمه وأبوه وانصرفا. وكان أبوه لما ~~سبي يدور الشأم ويقول: # بكيت على زيد ولم أدر ما فعل * أحي فيرجى أم أتى دونه الاجل فوالله لا ~~أدري وإني لسائل * أغالك بعدي السهل أم غالك الجبل فيا ليت شعري! هل لك ~~الدهر أوبة * فحسبي من الدنيا رجوعك لي بجل (2) تذكرنيه الشمس عند طلوعها * ~~وتعرض ذكراه إذا غربها أفل وإن هبت الأرياح هيجن ذكره * فيا طول ما حزني ~~عليه وما وجل سأعمل نص العيس في الأرض جاهدا * ولا أسأم التطواف أو تسأم ~~الإبل حياتي أو تأتي على منيتي * فكل امرئ فان وإن غره الامل # PageV14P118 # فأخبر أنه بمكة، فجاء إليه فهلك عنده. وروى أنه جاء إليه فخيره النبي صلى ~~الله عليه وسلم كما ذكرنا وانصرف. وسيأتي من ذكره وفضله وشرفه شفاء عند ~~قوله: " فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها " (1) [الأحزاب: 37] إن شاء الله ~~تعالى. وقتل زيد بمؤتة من أرض الشأم سنة ثمان من الهجرة، وكان النبي صلى ~~الله عليه وسلم أمره في تلك الغزاة، وقال: (إن قتل زيد فجعفر فإن قتل جعفر ~~فعبد الله بن رواحة). فقتل الثلاثة في تلك الغزاة رضوان الله تعالى عليهم ~~أجمعين. ولما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نعي زيد وجعفر بكى وقال: ~~(أخواي ومؤنساي ومحدثاي). # قوله تعالى: ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم ~~فإخوانكم في الدين ومواليكم وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت ~~قلوبكم وكان الله غفورا رحيما (5) فيه ست مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (أدعوهم لآبائهم) نزلت في زيد بن حارثة على ما تقدم ~~بيانه. وفي قول ابن عمر: ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا ms4941 زيد بن محمد دليل ~~على أن التبني كان معمولا به في الجاهلية والاسلام يتوارث به ويتناصر إلى ~~أن نسخ الله ذلك بقوله: (ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله) أي أعدل. فرفع ~~الله حكم التبني ومنع من إطلاق لفظه وأرشد بقوله إلى أن الأولى والأعدل أن ~~ينسب الرجل إلى أبيه نسبا فيقال: كان الرجل في الجاهلية إذا أعجبه من الرجل ~~جلده وظرفه ضمه إلى نفسه وجعل له نصيب الذكر من أولاده من ميراثه وكان ينسب ~~إليه فيقال فلان بن فلان. وقال النحاس: # هذه الآية ناسخة لما كانوا عليه من التبني وهو من نسخ السنة بالقرآن فأمر ~~أن يدعوا من دعوا إلى أبيه المعروف فإن لم يكن له أب معروف نسبوه إلى ولائه ~~فإن لم يكن له ولاء معروف قال له يا أخي يعنى في الدين قال الله تعالى: ~~(إنما المؤمنون إخوة) (2). # PageV14P119 # الثانية - لو نسبه إنسان إلى أبيه من التبني فإن كان على جهة الخطأ وهو ~~أن يسبق لسانه إلى ذلك من غير قصد فلا إثم ولا مؤاخذة لقوله تعالى: (وليس ~~عليكم جناح فيما أخطأتم ولكن ما تعمدت قلوبكم). وكذلك لو دعوت رجلا إلى غير ~~أبيه وأنت ترى أنه أبوه فليس عليك بأس قاله قتادة. ولا يجرى هذا المجرى ما ~~غلب عليه اسم التبني كالحال في المقداد بن عمرو فإنه كان غلب عليه نسب ~~التبني فلا يكاد يعرف إلا بالمقداد بن الأسود فإن الأسود بن عبد يغوث كان ~~قد تبناه في الجاهلية وعرف به. فلما نزلت الآية قال المقداد: # أنا ابن عمرو ومع ذلك فبقى الاطلاق عليه. ولم يسمع فيمن مضى من عصى مطلق ~~ذلك عليه وإن كان متعمدا. وكذلك سالم مولى أبي حذيفة كان يدعى لأبي حذيفة. ~~وغير هؤلاء ممن تبنى وانتسب لغير أبيه وشهر بذلك وغلب عليه. وذلك بخلاف ~~الحال في زيد بن حارثة فإنه لا يجوز أن يقال فيه زيد بن محمد فإن قاله أحد ~~متعمدا عصى لقوله تعالى: (ولكن ما تعمدت قلوبكم) أي فعليكم الجناح. والله ~~أعلم. ولذلك ms4942 قال بعده: (وكان الله غفورا رحيما) أي (غفورا) للعمد و (رحيما) ~~برفع إثم الخطأ. # الثالثة - وقد قيل: إن قول الله تبارك وتعالى: (وليس عليكم جناح فيما ~~أخطأتم) مجمل أي وليس عليكم جناح في شئ أخطأتم وكانت فتيا عطاء وكثير من ~~العلماء. على هذا إذا حلف رجل ألا يفارق غريمه حتى يستوفى منه حقه فأخذ منه ~~ما يرى أنه جيد من دنانير فوجدها زيوفا أنه لا شئ عليه. وكذلك عنده إذا حلف ~~ألا يسلم على فلان فسلم عليه وهو لا يعرفه أنه لا يحنث لأنه لم يتعمد ذلك. ~~و (ما) في موضع خفض ردا على (ما) التي مع (أخطأتم). # ويجوز أن تكون في موضع رفع على إضمار مبتدأ والتقدير: ولكن الذي تؤاخذون ~~به ما تعمدت قلوبكم. قال قتادة وغيره: من نسب رجلا إلى غير أبيه وهو يرى ~~أنه أبوه خطأ (1) فذلك من الذي رفع الله فيه الجناح. وقيل: هو أن يقول له ~~في المخاطبة: يا بني على غير تبن. # الرابعة - قوله (2) تعالى: (ذلكم قولكم بأفواهكم) " بأفواهكم " تأكيد ~~لبطلان القول، أي أنه قول لا حقيقة له في الوجود، إنما هو قول لساني فقط. ~~وهذا كما تقول: أنا أمشى # PageV14P120 # إليك على قدم، فإنما تريد بذلك المبرة. وهذا كثير. وقد تقدم هذا المعنى ~~في غير موضع (1). # (والله يقول الحق) " الحق " نعت لمصدر محذوف، أي يقول القول الحق. و ~~(يهدى) معناه يبين، فهو يتعدى بغير حرف جر. # الخامسة - الأدعياء جمع الدعي وهو الذي يدعى ابنا لغير أبيه أو يدعى غير ~~أبيه والمصدر الدعوة بالكسر فأمر تعالى بدعاء الأدعياء إلى آبائهم للصلب ~~فمن جهل ذلك فيه ولم تشتهر أنسابهم كان مولى وأخا في الدين. وذكر الطبري أن ~~أبا بكر قرأ هذه الآية وقال: # أنا ممن لا يعرف أبوه فأنا أخوكم في الدين ومولاكم. قال الراوي عنه: ولو ~~علم - والله - أن أباه حمار لانتمى إليه. ورجال الحديث يقولون في أبي بكرة: ~~نفيع بن الحارث. # السادسة - روى الصحيح عن سعد بن أبي وقاص وأبي بكر كلاهما قال: سمعته ms4943 ~~أذناي ووعاه قلبي محمدا (2) صلى الله عليه وسلم يقول: (من ادعى إلى غير ~~أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام). وفي حديث أبي ذر أنه سمع ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا ~~كفر). # قوله تعالى: النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وأولوا ~~الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن ~~تفعلوا إلى أوليائكم معروفا كان ذلك في الكتاب مسطورا (6) فيه تسع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) هذه الآية أزال ~~الله تعالى بها أحكاما كانت في صدر الاسلام، منها: أنه صلى الله عليه وسلم ~~كان لا يصلي على ميت # PageV14P121 # عليه دين، فلما فتح الله عليه الفتوح قال: (أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم ~~فمن توفي وعليه دين فعلي قضاؤه ومن ترك مالا فلورثته) أخرجه الصحيحان. ~~وفيهما أيضا (فأيكم ترك دينا أو ضياعا فأنا مولاه). قال ابن العربي: ~~فانقلبت الآن الحال بالذنوب، فإن تركوا مالا ضويق العصبة فيه، وإن تركوا ~~ضياعا أسلموا إليه، فهذا تفسير الولاية المذكورة في هذه الآية بتفسير النبي ~~صلى الله عليه وسلم وتنبيهه، (ولا عطر بعد عروس). قال ابن عطية: # وقال بعض العلماء العارفين هو أولى بهم من أنفسهم، لان أنفسهم تدعوهم إلى ~~الهلاك، وهو يدعوهم إلى النجاة. قال ابن عطية: ويؤيد هذا قوله عليه الصلاة ~~والسلام: # (أنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تقتحمون فيها تقحم الفراش). # قلت: هذا قول حسن في معنى الآية وتفسيرها، والحديث الذي ذكر أخرجه مسلم ~~في صحيحه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما مثلي ~~ومثل أمتي كمثل رجل استوقد نارا فجعلت الدواب والفراش يقعن فيه (1) وأنا ~~آخذ بحجزكم وأنتم تقحمون فيه). # وعن جابر مثله، وقال: (وأنتم تفلتون من يدي). قال العلماء الحجزة ~~للسراويل، والمعقد للازار، فإذا أراد الرجل إمساك من يخاف سقوطه أخذ بذلك ~~الموضع منه. وهذا مثل لاجتهاد نبينا عليه الصلاة والسلام في نجاتنا، وحرصه ~~على تخلصنا ms4944 من الهلكات التي بين أيدينا، فهو أولى بنا من أنفسنا، ولجهلنا ~~بقدر ذلك وغلبة شهواتنا علينا وظفر عدونا اللعين بناصرنا أحقر من الفراش ~~وأذل من الفراش، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! وقيل: أولى بهم ~~أي أنه إذا أمر بشئ ودعت النفس إلى غيره كان أمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~أولى. وقيل أولى بهم أي هو أولى بأن يحكم على المؤمنين فينفذ حكمه في ~~أنفسهم، أي فيما يحكمون به لأنفسهم مما يخالف حكمه. # الثانية - قال بعض أهل العلم: يجب على الامام أن يقضي من بيت المال دين ~~الفقراء اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، فإنه قد صرح بوجوب ذلك عليه حيث ~~قال: (فعلي قضاؤه). والضياع (بفتح الضاد) مصدر ضاع، ثم جعل اسما لكل ما هو ~~بصدد أن يضيع # PageV14P122 # من عيال وبنين لا كافل لهم، ومال لا قيم له. وسميت الأرض ضيعة لأنها ~~معرضة للضياع وتجمع ضياعا بكسر الضاد. # الثالثة - قوله تعالى: (وأزواجه أمهاتهم) شرف الله تعالى أزواج نبيه صلى ~~الله عليه وسلم بأن جعلهن أمهات المؤمنين، أي في وجوب التعظيم والمبرة ~~والاجلال وحرمة النكاح على الرجال، وحجبهن رضي الله تعالى عنهن بخلاف ~~الأمهات. وقيل: لما كانت شفقتهن عليهم كشفقة الأمهات أنزلن منزلة الأمهات، ~~ثم هذه الأمومة لا توجب ميراثا كأمومة التبني. وجاز تزويج بناتهن، ولا ~~يجعلن أخوات للناس. وسيأتي عدد أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في آية ~~التخيير (1) إن شاء الله تعالى. # واختلف الناس هل هن أمهات الرجال والنساء أم أمهات الرجال خاصة، على ~~قولين: # فروى الشعبي عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها أن امرأة قالت لها: يا أمة، ~~فقالت لها: # لست لك بأم، إنما أنا أم رجالكم. قال ابن العربي: وهو الصحيح. # قلت: لا فائدة في اختصاص الحصر في الإباحة للرجال دون النساء، والذي يظهر ~~لي أنهن أمهات الرجال والنساء، تعظيما لحقهن على الرجال والنساء. يدل عليه ~~صدر الآية: # " النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم "، وهذا يشمل الرجال والنساء ضرورة. ~~ويدل على ذلك حديث أبي ms4945 هريرة وجابر، فيكون قوله: " وأزواجه أمهاتهم " عائدا ~~إلى الجميع. ثم إن في مصحف أبي بن كعب " وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم ". ~~وقرأ ابن عباس: # " من أنفسهم وهو أب [لهم] (2) وأزواجه [أمهاتهم] " (2). وهذا كله يوهن ما ~~رواه مسروق إن صح من جهة الترجيح، وإن لم يصح فيسقط الاستدلال به في ~~التخصيص، وبقينا على الأصل الذي هو العموم الذي يسبق إلى الفهوم (3). والله ~~أعلم. # الرابعة - قوله تعالى: (وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من ~~المؤمنين والمهاجرين) قيل: إنه أراد بالمؤمنين الأنصار، وبالمهاجرين قريشا. ~~وفيه قولان: # PageV14P123 # أحدهما: أنه ناسخ للتوارث بالهجرة. حكى سعيد عن قتادة قال: كان نزل في ~~سورة الأنفال " والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شئ يهاجروا ~~" [الأنفال: 72] فتوارث المسلمون بالهجرة، فكان لا يرث الأعرابي المسلم من ~~قريبه المسلم المهاجر شيئا حتى يهاجر، ثم نسخ ذلك في هذه السورة بقوله: " ~~وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض ". الثاني: أن ذلك ناسخ للتوارث بالحلف ~~والمؤاخاة في الدين، روى هشام بن عروة عن أبيه عن الزبير: " وأولو الأرحام ~~بعضهم أولى ببعض في كتاب الله " وذلك أنا معشر قريش لما قدمنا المدينة ~~قدمنا ولا أموال لنا، فوجدنا الأنصار نعم الاخوان فآخيناهم فأورثونا ~~وأورثناهم، فآخى أبو بكر خارجة بن زيد، وآخيت أنا كعب بن مالك، فجئت فوجدت ~~السلاح قد أثقله، فوالله لقد مات عن الدنيا ما ورثه غيري، حتى أنزل الله ~~تعالى هذه الآية فرجعنا إلى موارثنا. وثبت عن عروة أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم آخى بين الزبير وبين كعب بن مالك، فارتث (2) كعب يوم أحد فجاء ~~الزبير يقوده بزمام راحلته، فلو مات يومئذ كعب عن الضح (3) والريح لورثه ~~الزبير، فأنزل الله تعالى: " وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ~~". فبين الله تعالى أن القرابة أولى من الحلف، فتركت الوراثة بالحلف وورثوا ~~بالقرابة. وقد مضى في " الأنفال " (4) الكلام في توريث ذوي الأرحام. وقوله: ~~" في كتاب الله " يحتمل أن يريد القرآن، ويحتمل أن يريد اللوح المحفوظ الذي ~~قضى فيه أحوال ms4946 خلقه. و " من المؤمنين " متعلق ب‍ " - أولى " لا بقوله: " ~~وأولو الأرحام " بالاجماع، لان ذلك كان يوجب تخصيصا ببعض المؤمنين، ولا ~~خلاف في عمومها، وهذا حل إشكالها، قاله ابن العربي. النحاس: " وأولو ~~الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين " يجوز أن ~~يتعلق " من المؤمنين " ب‍ " - أولو " فيكون التقدير: وأولو الأرحام من ~~المؤمنين والمهاجرين. ويجوز أن يكون المعنى أولى من المؤمنين. وقال ~~المهدوي: وقيل إن معناه: وأولو الأرحام بعضهم أولى # PageV14P124 # ببعض في كتاب الله إلا ما يجوز لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعين ~~أمهات المؤمنين. # والله تعالى أعلم. # الخامسة - واختلف في كونهن كالأمهات في المحرم وإباحة النظر، على وجهين: # أحدهما - هن محرم، لا يحرم النظر إليهن. الثاني: أن النظر إليهن محرم، ~~لان تحريم نكاحهن إنما كان حفظا لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهن، ~~وكان من حفظ حقه تحريم النظر إليهن، ولأن عائشة رضي الله عنها كانت إذا ~~أرادت دخول رجل عليها (1) أمرت أختها أسماء أن ترضعه ليصير أبنا لأختها من ~~الرضاعة، فيصير محرما يستبيح النظر. وأما اللاتي طلقهن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في حياته فقد اختلف في ثبوت هذه الحرمة لهن على ثلاثة أوجه: ~~أحدها: ثبتت لهن هذه الحرمة تغليبا لحرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~الثاني - لا يثبت لهن ذلك، بل هن كسائر النساء، لان النبي صلى الله عليه ~~وسلم قد أثبت عصمتهن، وقال: (أزواجي في الدنيا هن أزواجي في الآخرة). ~~الثالث - من دخل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم منهن ثبتت حرمتها وحرم ~~نكاحها وإن طلقها، حفظا لحرمته وحراسة لخلوته. # ومن لم يدخل بها لم تثبت لها هذه الحرمة، وقد هم عمر بن الخطاب رضي الله ~~تعالى عنه برجم امرأة فارقها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتزوجت فقالت: ~~لم هذا! وما ضرب علي رسول الله صلى الله عليه وسلم حجابا ولا سميت أم ~~المؤمنين، فكف عنها عمر رضي الله عنه. # السادسة - قال قوم: لا يجوز أن يسمى النبي ms4947 صلى الله عليه وسلم أبا لقوله ~~تعالى: # " ما كان محمد أبا أحد من رجالكم " [الأحزاب: 40]. ولكن يقال: مثل الأب ~~للمؤمنين، كما قال: # (إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم...) الحديث. خرجه أبو داود. والصحيح ~~أنه يجوز أن يقال: إنه أب للمؤمنين، أي في الحرمة، وقوله تعالى: " ما كان ~~محمد أبا أحد من رجالكم " [الأحزاب: 40] أي في النسب. وسيأتي. وقرأ ابن ~~عباس: " من أنفسهم وهو أب لهم وأزواجه ". وسمع عمر هذه القراءة فأنكرها ~~وقال: حكمها يا غلام؟ فقال: إنها في مصحف أبي، فذهب إليه # PageV14P125 # فسأله فقال له أبي: إنه كان يلهيني القرآن ويلهيك الصفق (1) بالأسواق؟ ~~وأغلظ لعمر. وقد قيل في قول لوط عليه السلام " هؤلاء بناتي " (2) [الحجر: ~~71]: إنما أراد المؤمنات، أي تزوجوهن. وقد تقدم. # السابعة - قال قوم: لا يقال بناته أخوات المؤمنين، ولا أخوالهن أخوال ~~المؤمنين وخالاتهم. قال الشافعي رضي الله عنه: تزوج الزبير أسماء بنت أبي ~~بكر الصديق وهي أخت عائشة، ولم يقل هي خالة المؤمنين. وأطلق قوم هذا ~~وقالوا: معاوية خال المؤمنين، يعني في الحرمة لا في النسب. # الثامنة - قوله تعالى: (إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا) يريد الاحسان ~~في الحياة، والوصية عند الموت، أي إن ذلك جائز، قاله قتادة والحسن وعطاء. ~~وقال محمد ابن الحنفية، نزلت في إجازة الوصية لليهودي والنصراني، أي يفعل ~~هذا مع الولي والقريب وإن كان كافرا، فالمشرك ولي في النسب لا في الدين ~~فيوصي له بوصية. واختلف العلماء هل يجعل الكافر وصيا، فجوز بعض ومنع بعض. ~~ورد النظر إلى السلطان في ذلك بعض، منهم مالك رحمه الله تعالى. وذهب مجاهد ~~وابن زيد والرماني إلى أن المعنى: إلى أوليائكم من المؤمنين. ولفظ الآية ~~يعضد هذا المذهب، وتعميم الولي أيضا حسن. وولاية النسب لا تدفع الكافر، ~~وإنما تدفع أن يلقى إليه بالمودة كولي الاسلام. # التاسعة - قوله تعالى: (كان ذلك في الكتاب مسطورا) " الكتاب " يحتمل ~~الوجهين المذكورين المتقدمين في " كتاب الله ". و " مسطورا " من قولك سطرت ~~الكتاب إذا أثبته أسطارا. وقال قتادة: أي مكتوبا عند الله عز وجل ms4948 ألا يرث ~~كافر مسلما. قال قتادة: وفي بعض القراءة " كان ذلك عند الله مكتوبا ". وقال ~~القرظي: كان ذلك في التوراة. # قوله تعالى: وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى ~~وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا (7) # PageV14P126 # قوله تعالى: " (وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم) أي عهدهم على الوفاء بما ~~حملوا، وأن يبشر بعضهم ببعض، ويصدق بعضهم بعضا، أي كان مسطورا حين كتب الله ~~ما هو كائن، وحين أخذ الله تعالى المواثيق من الأنبياء. (ومنك) يا محمد ~~(ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم) وإنما خص هؤلاء الخمسة وإن دخلوا ~~في زمرة النبيين تفضيلا لهم. # وقيل: لأنهم أصحاب الشرائع والكتب، وأولو العزم من الرسل وأئمة الأمم. ~~ويحتمل أن يكون هذا تعظيما في قطع الولاية بين المسلمين والكافرين، أي هذا ~~مما لم تختلف فيه الشرائع، أي شرائع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. أي كان ~~في ابتداء الاسلام توارث بالهجرة، والهجرة سبب متأكد في الديانة، ثم ~~توارثوا بالقرابة مع الايمان وهو سبب وكيد، فأما التوارث بين مؤمن وكافر ~~فلم يكن في دين أحد من الأنبياء الذين أخذ عليهم المواثيق، فلا تداهنوا في ~~الدين ولا تمالئوا الكفار. ونظيره: " شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا " ~~إلى قوله " ولا تتفرقوا فيه " (1) [الشورى: 13]. # ومن ترك التفرق في الدين ترك موالاة الكفار. وقيل: أي النبي أولى ~~بالمؤمنين من أنفسهم كان ذلك في الكتاب مسطورا ومأخوذا به المواثيق من ~~الأنبياء. (وأخذنا منهم ميثاقا غليظا) أي عهدا وثيقا عظيما على الوفاء بما ~~التزموا من تبليغ الرسالة، وأن يصدق بعضهم بعضا. # والميثاق هو اليمين بالله تعالى، فالميثاق الثاني تأكيد للميثاق الأول ~~باليمين. وقيل: الأول هو الاقرار بالله تعالى، والثاني في أمر النبوة. ~~ونظير هذا قوله تعالى: " وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب ~~وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم ~~على ذلكم إصري " (2) [آل عمران: 81] الآية. أي أخذ عليهم أن يعلنوا أن ~~محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعلن ms4949 محمد صلى الله عليه وسلم أن لا ~~نبي بعده. وقدم محمدا في الذكر لما روى قتادة عن الحسن عن أبي هريرة أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن قوله تعالى " وإذ أخذنا من النبيين ~~ميثاقهم ومنك ومن نوح " قال: (كنت أولهم في الخلق وآخرهم في البعث). وقال ~~مجاهد: هذا في ظهر آدم عليه الصلاة والسلام. # PageV14P127 # قوله تعالى: ليسئل الصادقين عن صدقهم وأعد للكافرين عذابا أليما (8) قوله ~~تعالى: (ليسأل الصادقين عن صدقهم) فيه أربعة أوجه: # أحدها - ليسأل الأنبياء عن تبليغهم الرسالة إلى قومهم، حكاه النقاش. وفي ~~هذا تنبيه، أي إذا كان الأنبياء يسألون فكيف من سواهم. # الثاني - ليسأل الأنبياء عما أجابهم به قومهم، حكاه علي بن عيسى. # الثالث - ليسأل الأنبياء عليهم السلام عن الوفاء بالميثاق الذي أخذه ~~عليهم، حكاه ابن شجرة. # الرابع - ليسأل الأفواه الصادقة عن القلوب المخلصة، وفي التنزيل: " ~~فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين " [الأعراف: 6]. وقد تقدم (1). ~~وقيل: فائدة سؤالهم توبيخ الكفار، كما قال تعالى: " أأنت قلت للناس " (2) ~~[المائدة: 116]. (وأعد للكافرين عذابا أليما) وهو عذاب جهنم. # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود ~~فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا (9) يعني ~~غزوة الخندق والأحزاب وبني قريظة (3)، وكانت حالا شديدة معقبة بنعمة ورخاء ~~وغبطة، وتضمنت أحكاما كثيرة وآيات باهرات عزيزة ونحن نذكر من ذلك بعون الله ~~تعالى ما يكفي في عشر مسائل: # الأولى - اختلف في أي سنة كانت، فقال ابن إسحاق: كانت في شوال من السنة ~~الخامسة. وقال ابن وهب وابن القاسم عن مالك رحمه الله: كانت وقعة الخندق ~~سنة أربع، # PageV14P128 # وهي وبنو قريظة في يوم واحد، وبين بني قريظة والنضير أربع سنين. قال ابن ~~وهب وسمعت مالكا يقول: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقتال من ~~المدينة، وذلك قوله تعالى: # " إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الابصار وبلغت القلوب ~~الحناجر " [الأحزاب: 10]. # قال: ذلك يوم الخندق، جاءت قريش من ها هنا واليهود من ها ms4950 هنا والنجدية من ~~ها هنا. # يريد مالك: إن الذين جاءوا من فوقهم بنو قريظة، ومن أسفل منهم قريش ~~وغطفان. وكان سببها: أن نفرا من اليهود منهم كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق ~~وسلام بن أبي الحقيق وسلام ابن مشكم وحيي بن أخطب النضريون وهوذة بن قيس ~~وأبو عمار من بني وائل، وهم كلهم يهود، هم الذين حزبوا الأحزاب وألبوا ~~وجمعوا، خرجوا في نفر من بني النضير ونفر من بني وائل فأتوا مكة فدعوا إلى ~~حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وواعدوهم من أنفسهم بعون من انتدب إلى ~~ذلك، فأجابهم أهل مكة إلى ذلك، ثم خرج اليهود المذكورون إلى غطفان فدعوهم ~~إلى مثل ذلك فأجابوهم، فخرجت قريش يقودهم أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان ~~وقائدهم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري على فزارة، والحارث بن عوف ~~المري على بني مرة، ومسعود بن رخيلة على أشجع. فلما سمع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم باجتماعهم وخروجهم شاور أصحابه، فأشار عليه سلمان بحفر الخندق ~~فرضي رأيه. وقال المهاجرون يومئذ: سلمان منا. وقال الأنصار: سلمان منا! ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # (سلمان منا أهل البيت). وكان الخندق أول مشهد شهده سلمان مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وهو يومئذ حر. فقال: يا رسول الله، إنا كنا بفارس إذا ~~حوصرنا خندقنا، فعمل المسلمون في الخندق مجتهدين، ونكص المنافقون وجعلوا ~~يتسللون لواذا (1) فنزلت فيهم آيات من القرآن ذكرها ابن إسحاق وغيره. وكان ~~من فرغ من المسلمين من حصته عاد إلى غيره، حتى كمل الخندق. وكانت فيه آيات ~~بينات وعلامات للنبوات. # قلت: ففي هذا الذي ذكرناه من هذا الخبر من الفقه وهي: - # PageV14P129 # الثانية: مشاورة السلطان أصحابه وخاصته في أمر القتال، وقد مضى ذلك في " ~~آل عمران (1)، والنمل ". وفيه التحصن من العدو بما أمكن من الأسباب ~~واستعمالها، وقد مضى ذلك في غير موضع. وفيه أن حفر الخندق يكون مقسوما على ~~الناس، فمن فرغ منهم عاون من لم يفرغ، فالمسلمون يد على من ms4951 سواهم، وفي ~~البخاري ومسلم عن البراء بن عازب قال: لما كان يوم الأحزاب وخندق رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم رأيته ينقل من تراب الخندق وارى عني الغبار جلدة بطنه، ~~وكان كثير الشعر، فسمعته يرتجز بكلمات ابن رواحة ويقول: # اللهم لولا أنت ما اهتدينا * ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا * ~~وثبت الاقدام إن لاقينا وأما ما كان فيه من الآيات وهي: # الثالثة - فروى النسائي عن أبي سكينة رجل من المحررين (2) عن رجل من ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لما أمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بحفر الخندق عرضت لهم صخرة حالت بينهم وبين الحفر، فقام رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأخذ المعول ووضع رداءه ناحية الخندق وقال: " وتمت كلمة ربك ~~صدقا " (3) [الانعام: 115] الآية، فندر (4) ثلث الحجر وسلمان الفارسي قائم ~~ينظر، فبرق مع ضربة رسول الله صلى الله عليه وسلم برقة، ثم ضرب الثانية ~~وقال: # " وتمت " [الانعام: 115] الآية، فندر الثلث الآخر، فبرقت برقة فرآها ~~سلمان، ثم ضرب الثالثة وقال: # " وتمت كلمة ربك صدقا " الآية، فندر الثلث الباقي، وخرج رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فأخذ رداءه وجلس. قال سلمان: يا رسول الله، رأيتك حين ضربت! ~~ما تضرب ضربة إلا كانت معها برقة؟ قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~(رأيت ذلك يا سلمان)؟ فقال: # أي والذي بعثك بالحق يا رسول الله! قال: (فإني حين ضربت الضربة الأولى ~~رفعت لي مدائن كسرى وما حولها ومدائن كثيرة حتى رأيتها بعيني - قال له من ~~حضره من أصحابه: يا رسول الله، # PageV14P130 # ادع الله أن يفتحها علينا ويغنمنا ذراريهم (1) ويخرب بأيدينا بلادهم، ~~فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم - ثم ضربت الضربة الثانية فرفعت لي ~~مدائن قيصر وما حولها حتى رأيتها بعيني - قالوا: يا رسول الله، ادع الله ~~تعالى أن يفتحها علينا ويغنمنا ذراريهم ويخرب بأيدينا بلادهم، فدعا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم - ثم ضربت الضربة الثالثة فرفعت لي مدائن الحبشة ~~وما حولها من القرى حتى رأيتها بعيني ms4952 - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عند ذلك: # دعوا الحبشة ما ودعوكم واتركوا الترك ما تركوكم). وخرجه أيضا عن البراء ~~قال: لما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نحفر الخندق عرض لنا صخرة ~~لا تأخذ فيها المعاول، فاشتكينا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فألقى ثوبه وأخذ المعول وقال: (باسم الله) ~~فضرب ضربة فكسر ثلث الصخرة ثم قال: (الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام والله ~~إني لأبصر إلى قصورها الحمراء الآن من مكاني هذا) قال: ثم ضرب أخرى وقال: ~~(باسم الله) فكسر ثلثا آخر ثم قال: (الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس والله إني ~~لأبصر قصر المدائن الأبيض). ثم ضرب الثالثة وقال: (باسم الله) فقطع الحجر ~~وقال: (الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن والله إني لأبصر باب صنعاء). صححه أبو ~~محمد عبد الحق. # الرابعة - فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من حفر الخندق أقبلت ~~قريش في نحو عشرة آلاف بمن معهم من كنانة وأهل تهامة، وأقبلت غطفان بمن ~~معها من أهل نجد حتى نزلوا إلى جانب أحد، وخرج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم والمسلمون حتى نزلوا بظهر سلع (2) في ثلاثة آلاف وضربوا عسكرهم ~~والخندق بينهم وبين المشركين، واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم - في قول ~~ابن شهاب - وخرج عدو الله حيي بن أخطب النضري حتى أتى كعب بن أسد القرظي، ~~وكان صاحب عقد بني قريظة ورئيسهم، وكان قد وادع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وعاقده وعاهده، فلما سمع كعب بن أسد حيي بن أخطب # PageV14P131 # أغلق دونه باب حصنه وأبى أن يفتح له، فقال له: افتح لي يا أخي، فقال له: ~~لا أفتح لك، فإنك رجل مشئوم، تدعوني إلى خلاف محمد وأنا قد عاقدته وعاهدته، ~~ولم أر منه إلا وفاء وصدقا، فلست بناقض ما بيني وبينه. فقال حيي: افتح لي ~~حتى أكلمك وأنصرف عنك، فقال: لا أفعل، فقال: إنما تخاف أن آكل معك جشيشتك، ~~فغضب كعب وفتح له، فقال: ms4953 يا كعب! إنما جئتك بعز الدهر، جئتك بقريش وسادتها، ~~وغطفان وقادتها، قد تعاقدوا على أن يستأصلوا محمدا ومن معه، فقال له كعب: ~~جئتني والله بذل الدهر وبجهام (1) لا غيث فيه! ويحك يا حيي؟ دعني فلست ~~بفاعل ما تدعوني إليه، فلم يزل حيي بكعب يعده ويغره حتى رجع إليه وعاقده ~~على خذلان محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأن يسير معهم، وقال له حيي بن ~~أخطب: إن انصرفت قريش وغطفان دخلت عندك بمن معي من اليهود. # فلما انتهى خبر كعب وحيي إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعث سعد بن عبادة ~~وهو سيد الخزرج، وسيد الأوس سعد بن معاذ، وبعث معهما عبد الله بن رواحة ~~وخوات بن جبير، وقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (انطلقوا إلى بني ~~قريظة فإن كان ما قيل لنا حقا فالحنوا لنا لحنا ولا تفتوا في أعضاد الناس. ~~وإن كان كذبا فاجهروا به للناس) فانطلقوا حتى أتوهم فوجدوهم على أخبث ما ~~قيل لهم عنهم، ونالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: لا عهد له ~~عندنا، فشاتمهم سعد بن معاذ وشاتموه، وكانت فيه حدة فقال له سعد بن عبادة: ~~دع عنك مشاتمتهم، فالذي بيننا وبينهم أكثر من ذلك، ثم أقبل سعد وسعد حتى ~~أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم في جماعة المسلمين فقالا: عضل والقارة - ~~يعرضان بغدر عضل والقارة بأصحاب الرجيع خبيب وأصحابه - فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم. (أبشروا يا معشر المسلمين) وعظم عند ذلك البلاء واشتد الخوف، ~~وأتى المسلمين عدوهم من فوقهم، يعني من فوق الوادي من قبل المشرق، ومن أسفل ~~منهم من بطن الوادي من قبل المغرب، حتى ظنوا بالله الظنونا، وأظهر ~~المنافقون كثيرا مما كانوا يسرون، فمنهم من قال: إن بيوتنا عورة، فلننصرف ~~إليها، # PageV14P132 # فإنا نخاف عليها، وممن قال ذلك: أوس بن قيظي. ومنهم من قال: يعدنا محمد ~~أن يفتح كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه يذهب إلى الغائط! ~~وممن قال ذلك: # معتب ابن قشير أحد ms4954 بني عمرو بن عوف. فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأقام المشركون بضعا وعشرين ليلة قريبا من شهر لم يكن بينهم حرب إلا الرمي ~~بالنبل والحصى. فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه اشتد على ~~المسلمين البلاء بعث إلى عيينة بن حصن الفزاري، وإلى الحارث بن عوف المري، ~~وهما قائدا غطفان، فأعطاهما ثلث ثمار المدينة لينصرفا بمن معهما من غطفان ~~ويخذلان قريشا ويرجعا بقومهما عنهم. وكانت هذه المقالة مراوضة ولم تكن ~~عقدا، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم منهما أنهما قد أنابا ورضيا ~~أتى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فذكر ذلك لهما واستشارهما فقالا: يا رسول ~~الله، هذا أمر تحبه فنصنعه لك، أو شئ أمرك الله به فنسمع له ونطيع، أو أمر ~~تصنعه لنا؟ قال: # (بل أمر أصنعه لكم، والله ما أصنعه إلا أني قد رأيت العرب قد رمتكم عن ~~قوس واحدة) فقال له سعد بن معاذ: يا رسول الله، والله لقد كنا نحن وهؤلاء ~~القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وما طمعوا ~~قط أن ينالوا منا ثمرة إلا شراء أو قرى، فحين أكرمنا الله بالاسلام وهدانا ~~له وأعزنا بك نعطيهم أموالنا! والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله ~~بيننا وبينهم!! فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك وقال: (أنتم وذاك). # وقال لعيينة والحارث: (انصرفا فليس لكما عندنا إلا السيف). وتناول سعد ~~الصحيفة وليس فيها شهادة فمحاها. # الخامسة - فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون على حالهم، ~~والمشركون يحاصرونهم ولا قتال بينهم، إلا أن فوارس من قريش منهم عمرو بن ~~عبد ود العامري من بني عامر بن لؤي، وعكرمة بن أبي جهل، وهبيرة بن أبي وهب، ~~وضرار بن الخطاب الفهري، وكانوا فرسان قريش وشجعانهم، أقبلوا حتى وقفوا على ~~الخندق، فلما رأوه قالوا: إن هذه لمكيدة، ما كانت العرب تكيدها. ثم تيمموا ~~مكانا ضيقا من الخندق، فضربوا خيلهم فاقتحمت بهم، وجاوزوا الخندق وصاروا ~~بين الخندق وبين سلع، ms4955 وخرج علي بن أبي طالب PageV14P133 # في نفر من المسلمين حتى أخذوا عليهم الثغرة التي اقتحموا منها، وأقبلت ~~الفرسان نحوهم، وكان عمرو بن عبد ود قد أثبتته الجراح يوم بدر فلم يشهد ~~أحدا، وأراد يوم الخندق أن يرى مكانه، فلما وقف هو وخيله، نادى: من يبارز؟ ~~فبرز له علي بن أبي طالب وقال له: # يا عمرو، إنك عاهدت الله فيما بلغنا أنك لا تدعى إلى إحدى خلتين إلا أخذت ~~إحداهما؟ # قال نعم. قال: فإني أدعوك إلى الله والاسلام. قال: لا حاجة لي بذلك. قال: ~~فأدعوك إلى البراز. قال: يا بن أخي، والله ما أحب أن أقتلك لما كان بيني ~~وبين أبيك. فقال له علي: أنا والله أحب أن أقتلك. فحمي عمرو بن عبد ود ونزل ~~عن فرسه، فعقره وصار نحو علي، فتنازلا وتجاولا وثار النقع بينهما حتى حال ~~دونهما، فما انجلى النقع حتى رئي علي على صدر عمرو يقطع رأسه، فلما رأى ~~أصحابه أنه قد قتله علي اقتحموا بخيلهم الثغرة منهزمين هاربين. وقال علي ~~رضي الله عنه في ذلك: # نصر الحجارة من سفاهة رأيه * ونصرت دين محمد بضراب (1) نازلته (2) فتركته ~~متجدلا * كالجذع بين دكادك وروابي (3) وعففت عن أثوابه ولو أنني * كنت ~~المقطر بزني أثوابي (4) لا تحسبن الله خاذل دينه * ونبيه يا معشر الأحزاب ~~قال ابن هشام: أكثر أهل العلم بالسير (5) يشك فيها لعلي. قال ابن هشام: ~~وألقى عكرمة ابن أبي جهل رمحه يومئذ وهو منهزم عن عمرو، فقال حسان بن ثابت ~~في ذلك: # فر وألقى لنا رمحه * لعلك عكرم لم تفعل ووليت تعدو كعدو الظليم * ما إن ~~تجور عن المعدل ولم تلق ظهرك مستأنسا * كأن قفاك قفا فرعل # PageV14P134 # قال ابن هشام: فرعل صغير الضباع. وكانت عائشة رضي الله عنها في حصن بني ~~حارثة، وأم سعد بن معاذ معها، وعلى سعد درع مقلصة (1) قد خرجت منها ذراعه، ~~وفي يده حربته وهو يقول: # لبث قليلا يلحق الهيجا جمل * لا بأس بالموت إذا كان الاجل ورمي يومئذ سعد ~~بن معاذ بسهم فقطع منه الأكحل ms4956 (2). واختلف فيمن رماه، فقيل: # رماه حبان بن قيس ابن العرقة (3)، أحد بني عامر بن لؤي، فلما أصابه قال ~~له: خذها وأنا ابن العرقة. فقال له سعد: عرق الله وجهك في النار. وقيل: إن ~~الذي رماه خفاجة ابن عاصم بن حبان (4). وقيل: بل الذي رماه أبو أسامة ~~الجشمي، حليف بني مخزوم. ولحسان مع صفية بنت عبد المطلب خبر طريف يومئذ، ~~ذكره ابن إسحاق وغيره. # قالت صفية بنت عبد المطلب رضي الله عنها: كنا يوم الأحزاب في حصن حسان ~~ابن ثابت، وحسان معنا في النساء والصبيان، والنبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه في نحر العدو لا يستطيعون الانصراف إلينا، فإذا يهودي يدور، فقلت ~~لحسان: انزل إليه فاقتله، فقال: # ما أنا بصاحب هذا يا بنة عبد المطلب! فأخذت عمودا ونزلت من الحصن فقتلته، ~~فقلت: # يا حسان، انزل فاسلبه، فلم يمنعني من سلبه إلا أنه رجل. فقال: ما لي ~~بسلبه حاجة يا بنة عبد المطلب! قال: فنزلت فسلبته. قال أبو عمر بن عبد ~~البر: وقد أنكر هذا عن حسان جماعة من أهل السير وقالوا: لو كان في حسان من ~~الجبن ما وصفتم لهجاه بذلك الذين كان يهاجيهم في الجاهلية والاسلام، ولهجي ~~بذلك ابنه عبد الرحمن، فإنه كان كثيرا ما يهاجي الناس من شعراء العرب، مثل ~~النجاشي وغيره. # السادسة - وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نعيم بن مسعود بن عامر ~~الأشجعي فقال: يا رسول الله، إني قد أسلمت ولم يعلم قومي بإسلامي، فمرني ~~بما شئت، فقال له رسول # PageV14P135 # الله صلى الله عليه وسلم: (إنما أنت رجل واحد من غطفان فلو خرجت فخذلت ~~عنا إن استطعت كان أحب إلينا من بقائك (1) معنا فأخرج فإن الحرب خدعة) (2). ~~فخرج نعيم بن مسعود حتى أتى بني قريظة - وكان ينادمهم في الجاهلية - فقال: ~~يا بني قريظة، قد عرفتم ودي إياكم، وخاصة ما بيني وبينكم، قالوا: قل فلست ~~عندنا بمتهم، فقال لهم: إن قريشا وغطفان ليسوا كأنتم، البلد بلدكم، فيه ~~أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم، وإن قريشا وغطفان قد جاءوا لحرب محمد ms4957 وأصحابه، ~~وقد ظاهرتموهم عليه فإن رأوا نهزة (2) أصابوها، وإن كان غير ذلك لحقوا ~~ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل، ولا طاقة لكم به، فلا تقاتلوا مع القوم ~~حتى تأخذوا منهم رهنا. ثم خرج حتى أتى قريشا فقال لهم: قد عرفتم ودي لكم ~~معشر قريش، وفراقي محمدا، وقد بلغني أمر أرى من الحق أن أبلغكموه نصحا لكم، ~~فاكتموا علي، قالوا نفعل، قال: تعلمون أن معشر يهود، قد ندموا على ما كان ~~من خذلانهم محمدا، وقد أرسلوا إليه: # إنا قد ندمنا على ما فعلنا، فهل يرضيك أن نأخذ من قريش وغطفان [رجالا من ~~(3) أشرافهم فنعطيكهم فتضرب] أعناقهم، ثم نكون معك على ما بقي منهم حتى ~~نستأصلهم. ثم أتى غطفان فقال مثل ذلك. فلما كان ليلة السبت وكان ذلك من صنع ~~الله عز وجل لرسوله والمؤمنين، أرسل أبو سفيان إلى بني قريظة عكرمة بن أبي ~~جهل في نفر من قريش وغطفان يقول لهم: إنا لسنا بدار مقام، قد هلك الخف ~~والحافر، فاغدوا صبيحة غد للقتال حتى نناجز محمدا، فأرسلوا إليهم: # إن اليوم يوم السبت، وقد علمتم ما نال منا من تعدى في السبت، ومع ذلك فلا ~~نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا، فلما رجع الرسول بذلك قالوا: صدقنا والله نعيم ~~بن مسعود، فردوا # PageV14P136 # إليهم الرسل وقالوا: والله لا نعطيكم رهنا أبدأ فاخرجوا معنا إن شئتم ~~وإلا فلا عهد بيننا وبينكم. فقال بنو قريظة: صدق والله نعيم بن مسعود. وخذل ~~الله بينهم، واختلفت كلمتهم، وبعث الله عليهم ريحا عاصفا في ليال شديدة ~~البرد، فجعلت الريح تقلب آنيتهم وتكفأ قدورهم. # السابعة - فلما اتصل برسول الله صلى الله عليه وسلم اختلاف أمرهم، بعث ~~حذيفة ابن اليمان ليأتيه بخبرهم، فأتاهم واستتر في غمارهم (1)، وسمع أبا ~~سفيان يقول: يا معشر قريش، ليتعرف كل امرئ جليسه. قال حذيفة: فأخذت بيد ~~جليسي وقلت: ومن أنت؟ فقال: # أنا فلان. ثم قال أبو سفيان: ويلكم يا معشر قريش! إنكم والله ما أصبحتم ~~بدار مقام، ولقد هلك الكراع والخف (2) وأخلفتنا بنو قريظة، ولقينا من هذه ms4958 ~~الريح ما ترون، ما يستمسك لنا بناء، ولا تثبت لنا قدر، ولا تقوم لنا نار، ~~فارتحلوا فإني مرتحل، ووثب على جمله فما حل عقال يده إلا وهو قائم. قال ~~حذيفة: ولولا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لي إذ بعثني، قال لي: (مر ~~إلى القوم فاعلم ما هم عليه ولا تحدث شيئا) - لقتلته بسهم، ثم أتيت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عند رحيلهم، فوجدته قائما يصلي في مرط لبعض نسائه ~~مراجل - قال ابن هشام: المراجل ضرب من وشى اليمن - فأخبرته فحمد الله. # قلت: وخبر حذيفة هذا مذكور في صحيح مسلم، وفيه آيات عظيمة، رواه جرير عن ~~الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال: كنا عند حذيفة فقال رجل لو أدركت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتلت معه وأبليت. فقال حذيفة: أنت كنت تفعل ~~ذلك! لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الأحزاب وأخذتنا ريح ~~شديدة وقر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا رجل يأتيني بخبر القوم ~~جعله الله معي يوم القيامة)؟ فسكتنا فلم يجبه منا أحد، ثم قال: (ألا رجل ~~يأتينا بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة)؟ فسكتنا فلم يجبه أحد. فقال: ~~(قم يا حذيفة فأتنا بخبر القوم) فلم أجد بدا إذ دعاني باسمي أن أقوم. # قال: (اذهب فأتني بخبر القوم ولا تذعرهم (3) علي) قال: فلما وليت من عنده ~~جعلت كأنما # PageV14P137 # أمشي في حمام (1) حتى أتيتهم، فرأيت أبا سفيان يصلي ظهره بالنار، فوضعت ~~سهما في كبد القوس فأردت أن أرميه، فذكرت قول رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: (ولا تذعرهم علي) ولو رميته لأصبته: فرجعت وأنا أمشي في مثل الحمام، ~~فلما أتيته فأخبرته بخبر القوم وفرغت قررت، فألبسني رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من فضل عباءة كانت عليه يصلي فيها، فلم أزل نائما حتى أصبحت، ~~فلما أصبحت قال: (قم يا نومان). ولما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقد ذهب الأحزاب، رجع إلى المدينة ووضع المسلمون سلاحهم، فأتاه جبريل ms4959 صلى ~~الله عليه وسلم في صورة دحية بن خليفة الكلبي، على بغلة عليها قطيفة ديباج ~~فقال له: يا محمد، إن كنتم قد وضعتم سلاحكم فما وضعت الملائكة سلاحها. إن ~~الله يأمرك أن تخرج إلى بني قريظة، وإني متقدم إليهم فمزلزل بهم حصونهم. ~~فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي: - الثامنة - مناديا فنادى: لا ~~يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة، فتخوف ناس فوت الوقت فصلوا دون بني ~~قريظة. وقال آخرون: لا نصلي العصر إلا حيث أمرنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وإن فاتنا الوقت. قال: فما عنف واحدا من الفريقين. # وفي هذا من الفقه تصويب المجتهدين. وقد مضى بيانه في " الأنبياء " (2). ~~وكان سعد بن معاذ إذ أصابه السهم دعا ربه فقال: اللهم إن كنت أبقيت من حرب ~~قريش فأبقني لها، فإنه لا قوم أحب أن أجاهدهم من قوم كذبوا رسولك وأخرجوه. ~~اللهم وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعلها لي شهادة، ولا تمتني حتى ~~تقر عيني في بني قريظة. وروى ابن وهب عن مالك قال: بلغني أن سعد بن معاذ مر ~~بعائشة رضي الله عنها ونساء معها في الاطم (3) (فارع) (4)، وعليه درع مقلصة ~~(5) مشمر الكمين، وبه أثر صفرة وهو يرتجز: # لبث قليلا يدرك الهيجا جمل * لا بأس بالموت إذا حان الاجل # PageV14P138 # فقالت عائشة رضي الله عنها: لست أخاف أن يصاب سعد اليوم إلا في أطرافه، ~~فأصيب في أكحله. وروى ابن وهب وابن القاسم عن مالك قالت عائشة رضي الله ~~عنها: ما رأيت رجلا أجمل من سعد بن معاذ حاشا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. فأصيب في أكحله ثم قال: اللهم إن كان حرب قريظة لم يبق منه شئ ~~فاقبضني إليك، وإن كان قد بقيت منه بقية فأبقني حتى أجاهد مع رسولك أعداءه، ~~فلما حكم في بني قريظة توفي، ففرح الناس وقالوا: نرجو أن يكون قد استجيبت ~~دعوته. # التاسعة - ولما خرج المسلمون إلى بني قريظة أعطى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الراية علي بن أبي طالب، واستخلف ms4960 على المدينة ابن أم مكتوم، ونهض علي ~~وطائفة معه حتى أتوا بني قريظة ونازلوهم، فسمعوا سب الرسول صلى الله عليه ~~وسلم، فانصرف علي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: يا رسول الله، ~~لا تبلغ إليهم، وعرض له. فقال له: # (أظنك سمعت منهم شتمي. لو رأوني لكفوا عن ذلك) ونهض إليهم فلما رأوه ~~أمسكوا. # فقال لهم: (نقضتم العهد يا إخوة القرود أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته) ~~فقالوا: ما كنت جاهلا يا محمد فلا تجهل علينا، ونزل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فحاصرهم بضعا وعشرين ليلة. وعرض عليهم سيدهم كعب ثلاث خصال ~~ليختاروا أيها شاءوا: إما أن يسلموا ويتبعوا محمدا على ما جاء به فيسلموا. ~~قال: وتحرزوا أموالكم ونساءكم وأبناءكم، فوالله إنكم لتعلمون أنه الذي ~~تجدونه مكتوبا في كتابكم. وإما أن يقتلوا أبناءهم ونساءهم ثم يتقدموا، ~~فيقاتلون حتى يموتوا من آخرهم. # وإما أن يبيتوا المسلمين ليلة السبت في حين طمأنينتهم فيقتلوهم قتلا. ~~فقالوا له: أما الاسلام فلا نسلم ولا نخالف حكم التوراة، وأما قتل أبنائنا ~~ونسائنا فما جزاؤهم المساكين منا أن نقتلهم، ونحن لا نتعدى في السبت. ثم ~~بعثوا إلى أبي لبابة، وكانوا حلفاء بني عمرو بن عوف وسائر الأوس، فأتاهم ~~فجمعوا إليه أبناءهم ونساءهم ورجالهم وقالوا له: يا أبا لبابة، أترى أن ~~ننزل على حكم محمد؟ فقال نعم، - وأشار بيده إلى حلقه - إنه الذبح إن فعلتم. ~~ثم ندم أبو لبابة في الحين، وعلم أنه خان الله ورسوله، وأنه أمر لا يستره ~~الله عليه عن نبيه صلى الله عليه وسلم. PageV14P139 # فانطلق إلى المدينة ولم يرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فربط نفسه في ~~سارية وأقسم ألا يبرح من مكانه حتى يتوب الله عليه فكانت امرأته تحله لوقت ~~كل صلاة. قال ابن عيينة وغيره: # فيه نزلت: " يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا ~~أماناتكم " (1) [الأنفال: 27] الآية. وأقسم ألا يدخل أرض بني قريظة أبدا ~~مكانا أصاب فيه الذنب. فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم من ms4961 فعل أبي ~~لبابة قال: (أما إنه لو أتاني لاستغفرت له وأما إذ فعل ما فعل فلا أطلقه ~~حتى يطلقه الله تعالى) فأنزل الله تعالى في أمر أبي لبابة: " وآخرون ~~اعترفوا بذنوبهم " (2) [التوبة: 102] الآية. فلما نزل فيه القرآن أمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بإطلاقه، فلما أصبح بنو قريظة نزلوا على حكم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فتواثب الأوس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقالوا: # يا رسول الله، وقد علمت أنهم حلفاؤنا، وقد أسعفت (3) عبد الله بن أبي ابن ~~سلول في بني النضير حلفاء الخزرج، فلا يكن حظنا أوكس وأنقص عندك من حظ ~~غيرنا، فهم موالينا. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا معشر ~~الأوس ألا ترضون أن يحكم فيهم رجل منكم - قالوا بلى. قال -: فذلك إلى سعد ~~بن معاذ). وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ضرب له خيمة في المسجد، ~~ليعوده من قريب في مرضه من جرحه الذي أصابه في الخندق. # فحكم فيهم بأن تقتل المقاتلة، وتسبى الذرية والنساء، وتقسم أموالهم. فقال ~~له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لقد حكمت فيهم بحكم الله تعالى من فوق ~~سبع أرقعة) (4). وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخرجوا إلى موضع بسوق ~~المدينة اليوم - زمن ابن إسحاق - فخندق بها خنادق، ثم أمر عليه السلام ~~فضربت أعناقهم في تلك الخنادق، وقتل يومئذ حيي بن أخطب وكعب بن أسد، وكانا ~~رأس القوم، وكانوا من الستمائة إلى السبعمائة. وكان على حيي حلة فقاحيه (5) ~~قد شققها عليه من كل ناحية كموضع الأنملة، أنملة أنملة لئلا يسلبها. فلما ~~نظر إلى رسول الله # PageV14P140 # صلى الله عليه وسلم حين أتي به ويداه مجموعتان إلى عنقه بحبل قال: أما ~~والله ما لمت نفسي في عداوتك. # * ولكنه من يخذل الله يخذل * ثم قال: يا أيها الناس، لا بأس بأمر الله ~~كتاب وقدر وملحمة (1) كتبت على بني إسرائيل، ثم جلس فضربت عنقه. وقتل من ~~نسائهم امرأة، وهي بنانة امرأة الحكم القرظي التي طرحت الرحى ms4962 على خلاد ابن ~~سويد فقتلته. وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل كل من أنبت منهم وترك ~~من لم ينبت. وكان عطية القرظي ممن لم ينبت، فاستحياه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وهو مذكور في الصحابة. ووهب رسول الله صلى الله عليه وسلم لثابت ~~ابن قيس بن شماس ولد الزبير بن باطا فاستحياهم، منهم عبد الرحمن بن الزبير ~~أسلم وله صحبة. # ووهب أيضا عليه السلام رفاعة بن سموءل القرظي لام المنذر سلمى بنت قيس، ~~أخت سليط ابن قيس من بني النجار، وكانت قد صلت إلى القبلتين، فأسلم رفاعة ~~وله صحبة ورواية. # وروى ابن وهب وابن القاسم عن مالك قال: أتى ثابت بن قيس بن شماس إلى ابن ~~باطا - وكانت له عنده يد - وقال: قد استوهبتك من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ليدك التي لك عندي، قال: ذلك يفعل الكريم بالكريم، ثم قال: وكيف يعيش ~~رجل لا ولد له ولا أهل؟ قال: فأتى ثابت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فذكر ذلك له، فأعطاه أهله وولده، فأتى فأعلمه فقال: كيف يعيش رجل لا مال ~~له؟ فأتى ثابت النبي صلى الله عليه وسلم فطلبه فأعطاه ماله، فرجع إليه ~~فأخبره، قال: ما فعل ابن أبي الحقيق الذي كأن وجهه مرآة صينية؟ قال: قتل. ~~قال: فما فعل المجلسان، يعني بني كعب بن قريظة وبني عمرو ابن قريظة؟ قال: ~~قتلوا. قال: فما فعلت الفئتان؟ قال: قتلتا. قال: برئت ذمتك، ولن أصب فيها ~~دلوا أبدا، يعني النخل، فألحقني بهم، فأبى أن يقتله فقتله غيره. واليد التي ~~كانت لابن باطا عند ثابت أنه أسره يوم بعاث فجز ناصيته وأطلقه. # PageV14P141 # العاشرة - وقسم صلى الله عليه وسلم أموال بني قريظة فأسهم للفارس ثلاثة ~~أسهم وللراجل سهما. وقد قيل: للفارس سهمان وللراجل سهم. وكانت الخيل ~~للمسلمين يومئذ ستة وثلاثين فرسا. ووقع للنبي صلى الله عليه وسلم من سبيهم ~~ريحانة بنت عمرو بن جنافة (1) أحد بني عمرو بن قريظة، فلم تزل عنده إلى أن ~~مات صلى الله ms4963 عليه وسلم. وقيل: إن غنيمة قريظة هي أول غنيمة قسم فيها ~~للفارس والراجل، وأول غنيمة جعل فيها الخمس. وقد تقدم أن أول ذلك كان في ~~بعث عبد الله بن جحش، فالله أعلم. قال: أبو عمر: وتهذيب ذلك أن تكون غنيمة ~~قريظة أول غنيمة جرى فيها الخمس بعد نزول قوله: " واعلموا أنما غنمتم من شئ ~~فأن لله خمسه وللرسول " (2) [الأنفال: 41] الآية. وكان عبد الله بن جحش قد ~~خمس قبل ذلك في بعثه، ثم نزل القرآن بمثل ما فعله، وكان ذلك من فضائله رحمة ~~الله عليه. # وكان فتح قريظة في آخر ذي القعدة وأول ذي الحجة من السنة الخامسة من ~~الهجرة. # فلما تم أمر بني قريظة أجيبت دعوة الرجل الفاضل الصالح سعد بن معاذ، ~~فانفجر جرحه، وانفتح عرقه، فجرى دمه ومات رضي الله عنه. وهو الذي أتى ~~الحديث فيه: (اهتز لموته عرش الرحمن) يعني سكان العرش من الملائكة فرحوا ~~بقدوم روحه واهتزوا له. وقال ابن القاسم عن مالك: حدثني يحيى بن سعيد قال: ~~لقد نزل لموت سعد بن معاذ سبعون ألف ملك، ما نزلوا إلى الأرض قبلها. قال ~~مالك: ولم يستشهد يوم الخندق من المسلمين إلا أربعة أو خمسة. # قلت: الذي استشهد يوم الخندق من المسلمين ستة نفر فيما ذكر أهل العلم ~~بالسير: سعد ابن معاذ أبو عمرو من بني عبد الأشهل، وأنس بن أوس بن عتيك، و ~~عبد الله بن سهل، وكلاهما أيضا من بني عبد الأشهل، والطفيل بن النعمان، ~~وثعلبة بن غنمة (3)، وكلاهما من بني سلمة، وكعب بن زيد من بني دينار بن ~~النجار، أصابه سهم غرب (4) فقتله، رضي الله عنهم. # PageV14P142 # وقتل من الكفار ثلاثة: منبه بن عثمان بن عبيد بن السباق بن عبد الدار، ~~أصابه سهم مات منه بمكة. وقد قيل: إنما هو عثمان بن أمية بن منبه بن عبيد ~~بن السباق. ونوفل بن عبد الله ابن المغيرة المخزومي، اقتحم الخندق فتورط ~~فيه فقتل، وغلب المسلمون على جسده، فروى عن الزهري أنهم أعطوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ms4964 في جسده عشرة آلاف درهم فقال: # (لا حاجة لنا بجسده ولا بثمنه) فخلى بينهم وبينه. وعمرو بن [عبد] ود الذي ~~قتله علي مبارزة، وقد تقدم. واستشهد يوم قريظة من المسلمين خلاد بن سويد بن ~~ثعلبة بن عمرو من بني الحارث بن الخزرج، طرحت عليه امرأة من بني قريظة رحى ~~فقتلته. ومات في الحصار أبو سنان بن محصن بن حرثان الأسدي، أخو عكاشة بن ~~محصن، فدفنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقبرة بني قريظة التي يتدافن ~~فيها المسلمون السكان بها اليوم. ولم يصب غير هذين، ولم يغز كفار قريش ~~المؤمنين بعد الخندق. وأسند الدارمي أبو محمد في مسنده: أخبرنا يزيد ابن ~~هارون عن ابن أبي ذئب عن المقبري عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه ~~قال: حبسنا يوم الخندق حتى ذهب هوي (1) من الليل حتى كفينا، وذلك قول الله ~~عز وجل: # " وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا " [الأحزاب: 25] فأمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم بلالا فأقام فصلى الظهر فأحسن كما كان يصليها في ~~وقتها، ثم أمره فأقام العصر فصلاها، ثم أمره فأقام المغرب فصلاها، ثم أمره ~~فأقام العشاء فصلاها، وذلك قبل أن ينزل: " فإن خفتم فرجالا (2) أو ركبانا " ~~[البقرة: 239] خرجه النسائي أيضا. وقد مضت هذه المسألة في " طه " (3). وقد ~~ذكرنا في هذه الغزاة أحكاما كثيرة لمن تأملها في مسائل عشر. ثم نرجع إلى ~~أول الآي وهي تسع عشرة آية تضمنت ما ذكرناه. # قوله تعالى: (إذ جاءتكم جنود) يعني الأحزاب. (فأرسلنا عليهم ريحا) قال ~~مجاهد: # هي الصبا، أرسلت على الأحزاب يوم الخندق حتى ألقت قدورهم ونزعت فساطيطهم. ~~قال: # والجنود الملائكة ولم تقاتل يومئذ. وقال عكرمة: قالت الجنوب للشمال ليلة ~~الأحزاب: # PageV14P143 # انطلقي لنصرة النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت الشمال: إن محوة (1) لا ~~تسري بليل. فكانت الريح التي أرسلت عليهم الصبا. وروى سعيد بن جبير عن ابن ~~عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نصرت بالصبا وأهلكت عاد ~~بالدبور). وكانت هذه الريح معجزة للنبي الله ms4965 عليه وسلم، لان النبي صلى الله ~~عليه وسلم والمسلمين كانوا قريبا منها، لم يكن بينهم وبينها إلا عرض ~~الخندق، وكانوا في عافية منها، ولا خبر عندهم بها. (وجنود لم تروها) وقرئ ~~بالياء، أي لم يرها المشركون. قال المفسرون: بعث الله تعالى عليهم الملائكة ~~فقلعت الأوتاد، وقطعت أطناب الفساطيط، وأطفأت النيران، وأكفأت القدور، ~~وجالت الخيل بعضها في بعض، وأرسل الله عليهم الرعب، وكثر تكبير الملائكة في ~~جوانب العسكر، حتى كان سيد كل خباء يقول: يا بني فلان هلم إلي فإذا اجتمعوا ~~قال لهم: النجاء النجاء، لما بعث الله تعالى عليهم من الرعب. (وكان الله ~~بما تعملون بصيرا) وقرئ: " يعملون " بالياء على الخبر، وهي قراءة أبي عمرو. ~~الباقون بالتاء، يعني من حفر الخندق والتحرز من العدو. # قوله تعالى: إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الابصار وبلغت ~~القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا (10) قوله تعالى: (إذ جاءوكم من فوقكم ~~ومن أسفل منكم) " إذ " في موضع نصب بمعنى واذكر. وكذا " وإذ قالت طائفة ~~منهم ". " من فوقكم " يعني من فوق الوادي، وهو أعلاه من قبل المشرق، جاء ~~منه عوف بن مالك في بني نصر، وعيينة بن حصن في أهل نجد، وطليحة ابن خويلد ~~الأسدي في بني أسد. " ومن أسفل منكم " يعني من بطن الوادي من قبل المغرب، ~~جاء منه أبو سفيان بن حرب على أهل مكة، ويزيد بن جحش على قريش، وجاء أبو ~~الأعور السلمي ومعه حيي بن أخطب اليهودي في يهود بني قريظة مع عامر بن ~~الطفيل من وجه الخندق. (وإذ زاغت الابصار) أي شخصت. وقيل: مالت، فلم تلتفت ~~إلا إلى # PageV14P144 # عدوها دهشا من فرط الهول. (وبلغت القلوب الحناجر) أي زالت عن أماكنها من ~~الصدور حتى بلغت الحناجر وهي الحلاقيم، واحدها حنجرة، فلولا أن الحلوق ضاقت ~~عنها لخرجت، قاله قتادة. وقيل: هو على معنى المبالغة على مذهب العرب على ~~إضمار كاد، قال: (1) إذا ما غضبنا غضبة مضرية * هتكنا حجاب الشمس أو قطرت ~~دما أي كادت تقطر. ويقال: إن الرئة تنفتح عند الخوف ms4966 فيرتفع القلب حتى يكاد ~~يبلغ الحنجرة مثلا، ولهذا يقال للجبان: انتفخ سحره. وقيل: إنه مثل مضروب في ~~شدة الخوف ببلوغ القلوب الحناجر وإن لم تزل عن أماكنها مع بقاء الحياة. قال ~~معناه عكرمة. روى حماد ابن زيد عن أيوب عن عكرمة قال: بلغ فزعها. والأظهر ~~أنه أراد اضطراب القلب وضربانه، أي كأنه لشدة اضطرابه بلغ الحنجرة. ~~والحنجرة والحنجور (بزيادة النون) حرف الحلق. # (وتظنون بالله الظنونا) قال الحسن: ظن المنافقون أن المسلمين يستأصلون، ~~وظن المؤمنون أنهم ينصرون. وقيل: هو خطاب للمنافقين، أي قلتم هلك محمد ~~وأصحابه. واختلف القراء في قوله تعالى: " الظنونا، والرسولا، والسبيلا " ~~آخر السورة، فأثبت ألفاتها في الوقف والوصل نافع وابن عامر. وروي عن أبي ~~عمرو والكسائي تمسكا بخط المصحف، مصحف عثمان، وجميع المصاحف في جميع ~~البلدان. واختاره أبو عبيد، إلا أنه قال: لا ينبغي للقارئ أن يدرج القراءة ~~بعدهن لكن يقف عليهن. قالوا: ولأن العرب تفعل ذلك في قوافي أشعارهم ~~ومصاريعها، قال: # نحن جلبنا القرح (2) القوافلا * تستنفر الأواخر الأوائلا وقرأ أبو عمرو ~~والجحدري ويعقوب وحمزة بحذفها في الوصل والوقف معا. قالوا: هي زائدة في ~~الخط كما زيدت الألف في قوله تعالى: " ولأوضعوا (3) خلالكم " [التوبة: 47] ~~فكتبوها كذلك، وغير هذا. وأما الشعر فموضع ضرورة، بخلاف القرآن فإنه أفصح ~~اللغات ولا ضرورة فيه. قال ابن الأنباري: ولم يخالف المصحف من قرأ. " ~~الظنون. والسبيل. والرسول " بغير ألف # PageV14P145 # في الحروف الثلاثة، وخطهن في المصحف بألف لان الألف التي في " أطعنا " ~~والداخلة في أول " الرسول. والظنون. والسبيل " كفى من الألف المتطرفة ~~المتأخرة كما كفت ألف أبي جاد من ألف هواز. وفيه حجة أخرى: أن الألف أنزلت ~~منزلة الفتحة وما يلحق دعامة للحركة التي تسبق والنية فيه السقوط، فلما عمل ~~على هذا كانت الألف مع الفتحة كالشئ الواحد يوجب الوقف سقوطهما ويعمل على ~~أن صورة الألف في الخط لا توجب موضعا في اللفظ، وأنها كالألف في " سحران " ~~وفي " فطر السماوات والأرض " وفي " وعدنا موسى " وما يشبههن مما يحذف من ~~الخط وهو موجود في اللفظ (1)، وهو ms4967 مسقط من الخط. وفيه حجة ثالثة هي أنه كتب ~~على لغة من يقول لقيت الرجلا. وقرئ على لغة من يقول: لقيت الرجل، بغير ألف. ~~أخبرنا أحمد بن يحيى عن جماعة من أهل اللغة أنهم رووا عن العرب قام الرجلو، ~~بواو، ومررت بالرجلي، بياء، في الوصل والوقف. ولقيت الرجلا، بألف في ~~الحالتين كلتيهما. قال الشاعر: # أسائلة عميرة عن أبيها * خلال الجيش تعترف الركابا (2) فأثبت الألف في " ~~الركاب " بناء على هذه اللغة. وقال الآخر: # إذا الجوزاء أردفت الثريا * ظننت بآل فاطمة الظنونا وعلى هذه اللغة بنى ~~نافع وغيره. وقرأ ابن كثير وابن محيصن والكسائي بإثباتها في الوقف وحذفها ~~في الوصل. قال ابن الأنباري: ومن وصل بغير ألف ووقف بألف فجائز أن يحتج بأن ~~الألف احتاج إليها عند السكت حرصا على بقاء الفتحة، وأن الألف تدعمها ~~وتقويها. # قوله تعالى: هنالك ابتلى المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا (11) " هنا " ~~للقريب من المكان. و " هنالك " للبعيد. و " هناك " للوسط. ويشار به إلى ~~الوقت، أي عند ذلك اختبر المؤمنون ليتبين المخلص من المنافق. وكان هذا ~~الابتلاء بالخوف والقتال والجوع والحصر والنزال. (وزلزلوا زلزالا شديدا) أي ~~حركوا تحريكا. # PageV14P146 # قال الزجاج: كل مصدر من المضاعف على فعلال يجوز فيه الكسر والفتح، نحو ~~قلقلته قلقالا وقلقالا، وزلزلوا زلزالا وزلزالا. والكسر أجود، لان غير ~~المضاعف على الكسر نحو دحرجته دحراجا. وقراءة العامة بكسر الزاي. وقرأ عاصم ~~والجحدري " زلزالا " بفتح الزاي. قال ابن سلام: أي حركوا بالخوف تحريكا ~~شديدا. وقال الضحاك: هو إزاحتهم عن أماكنهم حتى لم يكن لهم إلا موضع ~~الخندق. وقيل: إنه اضطرابهم عما كانوا عليه، فمنهم من اضطرب في نفسه ومنهم ~~من اضطرب في دينه. و " هنالك " يجوز أن يكون العامل فيه " ابتلي " فلا يوقف ~~على " هنالك ". ويجوز أن يكون " وتظنون بالله الظنونا " فيوقف على " هنالك ~~". # قوله تعالى: وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ~~ورسوله إلا غرورا (12) قوله تعالى: (وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم ~~مرض) أي شك ونفاق. # (ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا) أي ms4968 باطلا من القول. وذلك أن طعمة بن ~~أبيرق ومعتب ابن قشير وجماعة نحو من سبعين رجلا قالوا يوم الخندق: كيف ~~يعدنا كنوز كسرى وقيصر ولا يستطيع أحدنا أن يتبرز؟ وإنما قالوا ذلك لما فشا ~~في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من قوله عند ضرب الصخرة، على ما تقدم في ~~حديث النسائي، فأنزل الله تعالى هذه الآية. # قوله تعالى: وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ~~ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا ~~فرارا (13) قوله تعالى: (وإذ قالت طائفة منهم يأهل يثرب لا مقام لكم ~~فارجعوا) الطائفة تقع على الواحد فما فوقه. وعني به هنا أوس بن قيظي والد ~~عرابة بن أوس، الذي يقول فيه الشماخ: # إذا ما راية رفعت لمجد * تلقاها عرابة باليمين PageV14P147 # و " يثرب " هي المدينة، وسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم طيبة وطابة. ~~وقال أبو عبيدة: # يثرب اسم أرض، والمدينة ناحية منها. السهيلي: وسميت يثرب لان الذي نزلها ~~من العماليق اسمه يثرب بن عميل بن مهلائيل بن عوض بن عملاق بن لاوذ بن إرم. ~~وفي بعض هذه الأسماء (1) اختلاف. وبنو عميل (2) هم الذين سكنوا الجحفة ~~فأجحفت بهم السيول فيها. وبها سميت الجحفة. " لا مقام لكم " بفتح الميم ~~قراءة العامة. وقرأ حفص والسلمي والجحدري وأبو حياة: # بضم الميم، يكون مصدرا من أقام يقيم، أي لا إقامة، أو موضعا يقيمون فيه. ~~ومن فتح فهو اسم مكان، أي لا موضع لكم تقيمون فيه. " فارجعوا " أي إلى ~~منازلكم. أمروهم بالهروب من عسكر النبي صلى الله عليه وسلم. قال ابن عباس: ~~قالت اليهود لعبد الله بن أبي ابن سلول وأصحابه من المنافقين: ما الذي ~~يحملكم على قتل أنفسكم بيد أبي سفيان وأصحابه! فارجعوا إلى المدينة فإنا مع ~~القوم فأنتم آمنون. # قوله تعالى: (ويستأذن فريق منهم النبي) في الرجوع إلى منازلهم بالمدينة، ~~وهم بنو حارثة ابن الحارث، في قول ابن عباس. وقال يزيد بن رومان: قال ذلك ~~أوس بن قيظي عن ms4969 ملا من قومه. (يقولون إن بيوتنا عورة) أي سائبة ضائعة ليست ~~بحصينة، وهي مما يلي العدو. # وقيل: ممكنة للسراق لخلوها من الرجال. يقال: دار معورة وذات عورة إذا كان ~~يسهل دخولها. يقال: عور المكان عورا فهو عور. وبيوت عورة. وأعور فهو معور. ~~وقيل: # عورة ذات عورة. وكل مكان ليس بممنوع ولا مستور فهو عورة، قاله الهروي. ~~وقرأ ابن عباس وعكرمة ومجاهد وأبو رجاء العطاردي: " عورة " بكسر الواو، ~~يعني قصيرة الجدران فيها خلل. # تقول العرب: دار فلان عورة إذا لم تكن حصينة. وقد أعور الفارس إذا بدا ~~فيه خلل للضرب والطعن، قال الشاعر: # متى تلقهم لم تلق في البيت معورا * ولا الضيف مفجوعا ولا الجار مرملا # PageV14P148 # الجوهري: والعورة كل خلل يتخوف منه في ثغر أو حرب. النحاس: يقال أعور ~~المكان إذا تبينت فيه عورة، وأعور الفارس إذا تبين فيه موضع الخلل. ~~المهدوي: ومن كسر الواو في " عورة " فهو شاذ، ومثله قولهم: رجل عور (1)، أي ~~لا شئ له، وكان القياس أن يعل فيقال: # عار، كيوم راح (2)، ورجل مال، أصلهما روح ومول. ثم قال تعالى: (وما هي ~~بعورة) تكذيبا لهم وردا عليهم فيما ذكروه. (إن يريدون إلا فرارا) أي ما ~~يريدون إلا الهرب. قيل: # من القتل. وقيل: من الدين. وحكى النقاش أن هذه الآية نزلت في قبيلتين من ~~الأنصار: # بني حارثة وبني سلمة، وهموا أن يتركوا مراكزهم يوم الخندق، وفيهم أنزل ~~الله تعالى: # " إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا " (3) [آل عمران: 122] الآية. فلما نزلت ~~هذه الآية قالوا: والله ما ساءنا ما كنا هممنا به، إذ الله ولينا. وقال ~~السدي: الذي استأذنه منهم رجلان من الأنصار من بني حارثة أحدهما - أبو ~~عرابة بن أوس، والآخر أوس بن قيظي. قال الضحاك: ورجع ثمانون رجلا بغير ~~إذنه. # قوله تعالى: ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لاتوها وما ~~تلبثوا بها إلا يسيرا (14) قوله تعالى: (ولو دخلت عليهم من أقطارها) وهي ~~البيوت أو المدينة، أي من نواحيها وجوانبها، الواحد قطر، وهو الجانب ~~والناحية. وكذلك القتر لغة ms4970 في القطر. (ثم سئلوا الفتنة لاتوها) أي لجاؤوها، ~~هذا على قراءة نافع وابن كثير بالقصر. وقرأ الباقون بالمد، أي لأعطوها من ~~أنفسهم، وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم. وقد جاء في الحديث: أن أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم كانوا يعذبون في الله ويسألون الشرك، فكل أعطى ما سألوه ~~إلا بلالا. وفيه دليل على قراءة المد، من الاعطاء. ويدل على قراءة القصر ~~قوله: " ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل # PageV14P149 # لا يولون الادبار "، فهذا يدل على " لاتوها " مقصورا. وفي " الفتنة " هنا ~~وجهان: أحدهما - سئلوا القتال في العصبية لأسرعوا إليه، قاله الضحاك. ~~الثاني: ثم سئلوا الشرك لأجابوا إليه مسرعين، قاله الحسن. (ما تلبثوا بها) ~~أي بالمدينة بعد إعطاء الكفر إلا قليلا حتى يهلكوا، قاله السدي والقتيبي ~~والحسن والفراء. وقال أكثر المفسرين: أي وما احتبسوا عن فتنة الشرك إلا ~~قليلا ولأجابوا بالشرك مسرعين، وذلك لضعف نياتهم ولفرط نفاقهم، فلو اختلطت ~~بهم الأحزاب لأظهروا الكفر. # قوله تعالى: ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الادبار وكان عهد ~~الله مسؤولا (15) قوله تعالى: (ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل) أي من قبل ~~غزوة الخندق وبعد بدر. # قال قتادة: وذلك أنهم غابوا عن بدر ورأوا ما أعطى الله أهل بدر من ~~الكرامة والنصر، فقالوا لئن أشهدنا الله قتالا لنقاتلن. وقال يزيد بن ~~رومان: هم بنو حارثة، هموا يوم أحد أن يفشلوا مع بني سلمة، فلما نزل فيهم ~~ما نزل عاهدوا الله ألا يعودوا لمثلها فذكر الله لهم الذي أعطوه من أنفسهم. ~~" وكان عهد الله مسؤولا " أي مسؤولا عنه. قال مقاتل والكلبي: # هم سبعون رجلا بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة وقالوا: ~~اشترط لنفسك ولربك ما شئت. فقال: (أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا ~~وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأموالكم وأولادكم) فقالوا: ~~فما لنا إذا فعلنا ذلك يا نبي الله؟ قال: # (لكم النصر في الدنيا والجنة في الآخرة). فذلك قوله تعالى: (وكان عهد ~~الله مسؤولا) أي أن الله ليسألهم عنه ms4971 يوم القيامة. # قوله تعالى: قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا ~~تمتعون إلا قليلا (16) PageV14P150 # قوله تعالى: (قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل) أي من حضر ~~أجله مات أو قتل، فلا ينفع الفرار. (وإذا لا تمتعون إلا قليلا) أي في ~~الدنيا بعد الفرار إلى أن تنقضي آجالكم، وكل ما هو آت فقريب. وروى الساجي ~~عن يعقوب الحضرمي " وإذا لا يمتعون " بياء. وفي بعض الروايات " وإذا لا ~~تمتعوا " نصب ب‍ " - إذا " والرفع بمعنى ولا تمتعون. و " إذا " ملغاة، ~~ويجوز إعمالها. فهذا حكمها إذا كان قبلها الواو والفاء. # فإذا كانت مبتدأة نصبت بها فقلت: إذا أكرمك. # قوله تعالى: قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم ~~رحمة ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا (17) قوله تعالى: (قل من ذا ~~الذي يعصمكم من الله) أي يمنعكم منه. (أن أراد بكم سوءا) أي هلاكا. (أو ~~أراد بكم رحمة) أي خيرا ونصرا وعافية. (ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا ~~نصيرا) أي لا قريبا ينفعهم ولا ناصرا ينصرهم. # قوله تعالى: قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ~~ولا يأتون البأس إلا قليلا (18) قوله تعالى: (قد يعلم الله المعوقين منكم) ~~أي المعترضين منكم لان يصدوا الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو مشتق ~~من عاقني عن كذا أي صرفني عنه. وعوق، على التكثير (والقائلين لإخوانهم هلم ~~إلينا) على لغة أهل الحجاز. وغيرهم يقولون: " هلموا " للجماعة، وهلمي ~~للمرأة، لان الأصل: " ها " التي للتنبيه ضمت إليها " لم " ثم حذفت الألف ~~استخفافا وبنيت على الفتح. ولم يجز فيها الكسر ولا الضم لأنها لا تنصرف. ~~ومعنى " هلم " أقبل، وهؤلاء طائفتان، أي منكم من يثبط ويعوق. والعوق المنع ~~والصرف، يقال: عاقه يعوقه عوقا، وعوقه واعتاقه بمعنى واحد. قال مقاتل: هم ~~عبد الله بن أبي وأصحابه المنافقون. PageV14P151 # " والقائلين لإخوانهم هلم " فيهم ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم المنافقون، ~~قالوا للمسلمين: # ما محمد وأصحابه إلا ms4972 أكلة (1) رأس، وهو هالك ومن معه، فهلم إلينا. ~~الثاني: أنهم اليهود من بني قريظة، قالوا لإخوانهم من المنافقين: هلم ~~إلينا، أي تعالوا إلينا وفارقوا محمدا فإنه هالك، وإن أبا سفيان إن ظفر لم ~~يبق منكم أحدا. والثالث: ما حكاه ابن زيد: أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم بين الرماح والسيوف، فقال أخوه - وكان من أمه وأبيه -: # هلم إلي، قد تبع بك وبصاحبك، أي قد أحيط بك وبصاحبك. فقال له: كذبت، ~~والله لأخبرنه بأمرك، وذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخبره، فوجده ~~قد نزل عليه جبريل عليه السلام بقوله تعالى: " قد يعلم الله المعوقين منكم ~~والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ". # ذكره الماوردي والثعلبي أيضا. ولفظه: قال ابن زيد هذا يوم الأحزاب، انطلق ~~رجل من عند النبي صلى الله عليه وسلم فوجد أخاه بين يديه رغيف وشواء ونبيذ، ~~فقال له: أنت في هذا ونحن بين الرماح والسيوف؟ فقال: هلم إلى هذا فقد تبع ~~لك ولأصحابك، والذي تحلف به لا يستقل بها محمد أبدا. فقال: كذبت. فذهب إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم يخبره فوجده قد نزل عليه جبريل بهذه الآية. (ولا ~~يأتون البأس إلا قليلا) خوفا من الموت. # وقيل: لا يحضرون القتال إلا رياء وسمعة. # قوله تعالى: أشحة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم ~~كالذي يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة على ~~الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيرا (19) ~~قوله تعالى: (أشحة عليكم) أي بخلاء عليكم، أي بالحفر في الخندق والنفقة في ~~سبيل الله، قاله مجاهد وقتادة. وقيل: بالقتال معكم وقيل: بالنفقة على ~~فقرائكم ومساكينكم. # PageV14P152 # وقيل: أشحة بالغنائم إذا أصابوها، قاله السدي. وانتصب على الحال. قال ~~الزجاج: # ونصبه عند الفراء من أربع جهات: إحداها: أن يكون على الذم، ويجوز أن يكون ~~عنده نصبا بمعنى يعوقون أشحة. ويجوز أن يكون التقدير: والقائلين أشحة. ~~ويجوز عنده [" ولا يأتون البأس إلا قليلا " أشحة، أي أنهم يأتونه أشحة على ms4973 ~~الفقراء بالغنيمة] (1). النحاس: # ولا يجوز أن يكون العامل فيه " المعوقين " ولا " القائلين "، لئلا يفرق ~~بين الصلة والموصول. ابن الأنباري: " إلا قليلا " غير تام، لان " أشحة " ~~متعلق بالأول، فهو ينتصب من أربعة أوجه: أحدها: أن تنصبه على القطع من " ~~المعوقين " كأنه قال: # قد يعلم الله الذين يعوقون عن القتال ويشحون عن الانفاق على فقراء ~~المسلمين. ويجوز أن يكون منصوبا على القطع من " القائلين " أي وهم أشحة. ~~ويجوز أن تنصبه على القطع مما في " يأتون "، كأنه قال: ولا يأتون البأس إلا ~~جبناء بخلاء. ويجوز أن تنصب " أشحة " على الذم. فمن هذا الوجه الرابع يحسن ~~أن تقف على قوله: " إلا قليلا ". " أشحة عليكم " وقف حسن. ومثله " أشحة على ~~الخير " حال من المضمر في " سلقوكم " وهو العامل فيه. # (فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من ~~الموت) وصفهم بالجبن، وكذا سبيل الجبان ينظر يمينا وشمالا محددا بصره، ~~وربما غشي عليه. وفي " الخوف " وجهان: أحدهما: من قتال العدو إذا أقبل، ~~قاله السدي. الثاني: الخوف من النبي صلى الله عليه وسلم إذا غلب، قاله ابن ~~شجرة. " رأيتهم ينظرون إليك " خوفا من القتال على القول الأول. ومن النبي ~~صلى الله عليه وسلم على الثاني. " تدور أعينهم " لذهاب عقولهم حتى لا يصح ~~منهم النظر إلى جهة. وقيل: لشدة خوفهم حذرا أن يأتيهم القتل من كل جهة. # (فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد) وحكى الفراء " صلقوكم " بالصاد. ~~وخطيب مسلاق ومصلاق إذا كان بليغا. وأصل الصلق الصوت، ومنه قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم: (لعن الله الصالقة والحالقة والشاقة). قال الأعشى: # PageV14P153 # فيهم المجد والسماحة والنجدة * فيهم والخاطب السلاق (1) قال قتادة: ~~ومعناه بسطوا ألسنتهم فيكم في وقت قسمة الغنيمة، يقولون: أعطنا أعطنا، فإنا ~~قد شهدنا معكم. فعند الغنيمة أشح قوم وأبسطهم لسانا، ووقت البأس أجبن قوم ~~وأخوفهم. قال النحاس: هذا قول حسن، لان بعده (أشحة على الخير) (2). وقيل: # المعنى بالغوا في مخاصمتكم والاحتجاج عليكم. وقال القتبي: المعنى آذوكم ~~بالكلام الشديد. # السلق: الأذى. ومنه قول الشاعر: # ولقد سلقنا ms4974 هوازنا * بنواهل حتى انحنينا " أشحة على الخير " أي على ~~الغنيمة، قاله يحيى بن سلام. وقيل: على المال أن ينفقوه في سبيل الله، قاله ~~السدي. (أولئك لم يؤمنوا) يعني بقلوبهم وإن كان ظاهرهم الايمان، والمنافق ~~كافر على الحقيقة لوصف الله عز وجل لهم بالكفر (3). (فأحبط الله أعمالهم) ~~أي لم يثبهم عليها، إذا لم يقصدوا وجه الله تعالى بها. (وكان ذلك على الله ~~يسيرا) يحتمل وجهين: # أحدهما - وكان نفاقهم على الله هينا. الثاني - وكان إحباط عملهم على الله ~~هينا. # قوله تعالى: يحسبون الأحزاب لم يذهبوا وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم ~~بأدون في الاعراب يسئلون عن أنبائكم ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا ~~(20) قوله تعالى: (يحسبون الأحزاب لم يذهبوا) أي لجبنهم، يظنون الأحزاب لم ~~ينصرفوا وكانوا انصرفوا ولكنهم لم يتباعدوا في السير. (وإن يأت الأحزاب) أي ~~وإن يرجع الأحزاب إليهم للقتال. (يودوا لو أنهم بأدون في الاعراب) تمنوا أن ~~يكونوا مع الاعراب حذرا من القتل وتربصا للدوائر. وقرأ طلحة بن مصرف " لو ~~أنهم بدى في الاعراب "، يقال: باد وبدى، مثل غاز وغزى. ويمد مثل صائم ~~وصوام. بدا فلان يبدو إذا خرج # PageV14P154 # إلى البادية. وهي البداوة والبداوة، بالكسر والفتح. وأصل الكلمة من البدو ~~وهو الظهور. # " يسألون " وقرأ يعقوب في رواية رويس (يتساءلون عن أنبائكم) أي عن أخبار ~~النبي صلى الله عليه وسلم. يتحدثون: أما هلك محمد وأصحابه! أما غلب أبو ~~سفيان وأحزابه! أي يودوا لو أنهم بأدون سائلون عن أنبائكم من غير مشاهدة ~~القتال لفرط جبنهم. وقيل: أي هم أبدا لجبنهم يسألون عن أخبار المؤمنين، وهل ~~أصيبوا. وقيل: كان منهم في أطراف المدينة من لم يحضر الخندق، جعلوا يسألون ~~عن أخباركم ويتمنون هزيمة المسلمين. (ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا) ~~أي رميا بالنبل والحجارة على طريق الرياء والسمعة، ولو كان ذلك لله لكان ~~قليله كثيرا. # قوله تعالى: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله ~~واليوم الآخر وذكر الله كثيرا (21) فيه مسألتان. # الأولى - قوله تعالى (لقد كان ms4975 لكم في رسول الله أسوة حسنة) هذا عتاب ~~للمتخلفين عن القتال، أي كان لكم قدوة في النبي صلى الله عليه وسلم حيث بذل ~~نفسه لنصرة دين الله في خروجه إلى الخندق. والأسوة القدوة. وقرأ عاصم " ~~أسوة " بضم الهمزة. الباقون بالكسر، وهما لغتان. والجمع فيهما واحد عند ~~الفراء. والعلة عنده في الضم على لغة من كسر في الواحدة: الفرق بين ذوات ~~الواو وذوات الياء، فيقولون كسوة وكسا، ولحية ولحى. # الجوهري: والأسوة والأسوة بالضم والكسر لغتان. والجمع أسى وإسى. وروى ~~عقبة ابن حسان الهجري عن مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر " لقد كان لكم في ~~رسول الله أسوة حسنة " قال: في جوع النبي صلى الله عليه وسلم، ذكره الخطيب ~~أبو بكر أحمد وقال: # تفرد به عقبة بن حسان عن مالك، ولم أكتبه إلا بهذا الاسناد. # الثانية - قوله تعالى " أسوة " الأسوة القدوة. والأسوة ما يتأسى به، أي ~~يتعزى به. # فيقتدى به في جميع أفعاله ويتعزى به في جميع أحواله، فلقد شج وجهه، وكسرت ~~رباعيته، PageV14P155 # وقتل عمه حمزة، وجاع بطنه، ولم يلف إلا صابرا محتسبا، وشاكرا راضيا. وعن ~~أنس ابن مالك عن أبي طلحة قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الجوع ورفعنا [عن بطوننا] (1) عن حجر حجر، فرفع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن حجرين. خرجه أبو عيسى الترمذي وقال فيه: حديث غريب. وقال صلى الله ~~عليه وسلم لما شج: (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون) وقد تقدم. (لمن كان ~~يرجو الله واليوم الآخر) قال سعيد بن جبير: # المعنى لمن كان يرجو لقاء الله بإيمانه ويصدق بالبعث الذي فيه جزاء ~~الافعال. وقيل: # أي لمن كان يرجو ثواب الله في اليوم الآخر. ولا يجوز عند الحذاق من ~~النحويين أن يكتب " يرجو " إلا بغير ألف إذا كان لواحد، لان العلة التي في ~~الجمع ليست في الواحد. (وذكر الله كثيرا خوفا من عقابه ورجاء لثوابه. وقيل: ~~إن " لمن " بدل من قوله: " لكم " ولا يجيزه البصريون، لان الغائب لا يبدل ~~من المخاطب، ms4976 وإنما اللام من " لمن " متعلقة ب‍ " - حسنة "، و " أسوة " اسم ~~" كان " و " لكم " الخبر. واختلف فيمن أريد بهذا الخطاب على قولين: أحدهما ~~- المنافقون، عطفا على ما تقدم من خطابهم. الثاني - المؤمنون، لقوله: " لمن ~~كان يرجو الله واليوم الآخر " واختلف في هذه الأسوة بالرسول عليه السلام هل ~~هي على الايجاب أو على الاستحباب على قولين:) أحدهما - على الايجاب حتى ~~يقوم دليل على الاستحباب. الثاني - على الاستحباب حتى يقوم دليل على ~~الايجاب. ويحتمل أن يحمل على الايجاب في أمور الدين وعلى الاستحباب في أمور ~~الدنيا. # قوله تعالى: ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله ~~وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما (22) قوله تعالى: (ولما رأى ~~المؤمنون الأحزاب) ومن العرب من يقول: " راء " على القلب. " قالوا هذا ما ~~وعدنا الله " يريد قوله تعالى في سورة البقرة: " أم حسبتم أن # PageV14P156 # تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم " (1) [البقرة: 214] ~~الآية. فلما رأوا الأحزاب يوم الخندق قالوا: " هذا ما وعدنا الله ورسوله "، ~~قاله قتادة. وقول ثان رواه كثير بن عبد الله بن عمرو المزني عن أبيه عن جده ~~قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم عام ذكرت الأحزاب فقال: # (أخبرني جبريل عليه السلام أن أمتي ظاهرة عليها - يعني على قصور الحيرة ~~ومدائن كسرى - فأبشروا بالنصر) فاستبشر المسلمون وقالوا: الحمد لله، موعد ~~صادق، إذ وعدنا بالنصر بعد الحصر. فطلعت الأحزاب فقال المؤمنون: " هذا ما ~~وعدنا الله ورسوله ". ذكره الماوردي. # و " ما وعدنا " إن جعلت " ما " بمعنى الذي فالهاء محذوفة. وإن جعلتها ~~مصدرا لم تحتج إلى عائد (وما زادهم إلا إيمانا وتسليما) قال الفراء: وما ~~زادهم النظر إلى الأحزاب. وقال علي بن سليمان: " رأى " يدل على الرؤية، ~~وتأنيث الرؤية غير حقيقي، والمعنى: ما زادهم الرؤية إلا إيمانا بالرب ~~وتسليما للقضاء، قاله الحسن. ولو قال: ما زادوهم لجاز. ولما أشتد الامر على ~~المسلمين وطال المقام في الخندق، قام عليه السلام على التل الذي عليه مسجد ~~الفتح في بعض الليالي، وتوقع ما وعده ms4977 الله من النصر وقال: (من يذهب ليأتينا ~~بخبرهم وله الجنة) فلم يجبه أحد. وقال ثانيا وثالثا فلم يجبه أحد، فنظر إلى ~~جانبه وقال: (من هذا)؟ فقال حذيفة. فقال: (ألم تسمع كلامي منذ الليلة)؟ قال ~~حذيفة: فقلت يا رسول الله، منعني أن أجيبك الضر والقر. قال: (انطلق حتى ~~تدخل في القوم فتسمع كلامهم وتأتيني بخبرهم. # اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله حتى ترده إلي، ~~انطلق ولا تحدث شيئا حتى تأتيني). فانطلق حذيفة بسلاحه، ورفع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يده يقول: # (يا صريخ المكروبين ويا مجيب المضطرين اكشف همي وغمي وكربي فقد ترى حالي ~~وحال أصحابي) فنزل جبريل وقال: (إن الله قد سمع دعوتك وكفاك هول عدوك) فخر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم على ركبتيه وبسط يديه وأرخى عينيه وهو يقول: ~~(شكرا شكرا كما رحمتني ورحمت أصحابي). وأخبره جبريل أن الله تعالى مرسل ~~عليهم ريحا، فبشر أصحابه بذلك. # PageV14P157 # قال حذيفة: فانتهيت إليهم وإذا نيرانهم تتقد، فأقبلت ريح شديدة فيها ~~حصباء فما تركت لهم نارا إلا أطفأتها ولا بناء إلا طرحته، وجعلوا يتترسون ~~من الحصباء. وقام أبو سفيان إلى راحلته وصاح في قريش: النجاء النجاء! وفعل ~~كذلك عيينة بن حصن والحارث بن عوف والأقرع ابن حابس. وتفرقت الأحزاب، وأصبح ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فعاد إلى المدينة وبه من الشعث ما شاء الله، ~~فجاءته فاطمة بغسول فكانت تغسل رأسه، فأتاه جبريل فقال: # (وضعت السلاح ولم تضعه أهل السماء، ما زلت أتبعهم حتى جاوزت بهم الروحاء ~~- ثم قال - انهض إلى بني قريظة). وقال أبو سفيان: ما زلت أسمع قعقعة السلاح ~~حتى جاوزت الروحاء. # قوله تعالى: من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى ~~نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا (23) ليجزي الله الصادقين بصدقهم ~~ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إن الله كان غفورا رحيما (24) قوله ~~تعالى: (من المؤمنين رجال) رفع بالابتداء، وصلح الابتداء بالنكرة لان " ~~صدقوا " في موضع النعت. (فمنهم ms4978 من قضى نحبه) " من " في موضع رفع بالابتداء. # وكذا " ومنهم من ينتظر " والخبر في المجرور. والنحب: النذر والعهد، تقول ~~منه: نحبت انحب، بالضم. قال الشاعر: # وإذا نحبت كلب على الناس إنهم * أحق بتاج الماجد المتكرم وقال آخر: # * قد نحب المجد علينا نحبا (1) * وقال آخر: # * أنحب فيقضى أم ضلال وباطل (2) * # PageV14P158 # وروى البخاري ومسلم والترمذي عن أنس قال: قال عمي أنس بن النضر - سميت به ~~- ولم يشهد بدرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكبر عليه فقال: أول مشهد ~~شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم غبت عنه، أما والله لئن أراني الله ~~مشهدا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بعد ليرين الله ما أصنع. قال: ~~فهاب أن يقول غيرها، فشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد من ~~العام القابل، فاستقبله سعد بن مالك فقال: يا أبا عمرو أين؟ قال: # واها (1) لريح الجنة! أجدها دون أحد، فقاتل حتى قتل، فوجد في جسده بضع ~~وثمانون ما بين ضربة وطعنة ورمية. فقالت عمتي الربيع بنت النضر: فما عرفت ~~أخي إلا ببنانه. # ونزلت هذه الآية " رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ~~ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا " لفظ الترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح. ~~وقالت عائشة رضي الله عنها في قوله تعالى " من المؤمنين رجال صدقوا ما ~~عاهدوا الله عليه " الآية: منهم طلحة بن عبيد الله ثبت مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حتى أصيبت يده، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أوجب (2) ~~طلحة الجنة). وفي الترمذي عنه: أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قالوا لاعرابي جاهل: سله عمن قضى نحبه من هو؟ وكانوا لا يجترئون على ~~مسألته، يوقرونه ويهابونه، فسأله الأعرابي فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض عنه، ~~ثم إني اطلعت من باب المسجد وعلي ثياب خضر، فلما رآني النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: (أين السائل عمن قضى نحبه)؟ قال الأعرابي: أنا يا رسول الله. ~~قال: (هذا ممن قضى نحبه) قال: ms4979 هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث يونس ~~بن بكير. وروى البيهقي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ~~انصرف من أحد، مر على مصعب بن عمير وهو مقتول على طريقه، فوقف عليه ودعا ~~له، ثم تلا هذه الآية: " من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم ~~من قضى نحبه - إلى - تبديلا " ثم قال رسول الله صلى الله عليه # PageV14P159 # وسلم: (أشهد أن هؤلاء شهداء عند الله يوم القيامة فأتوهم وزوروهم والذي ~~نفسي بيده لا يسلم عليهم أحد إلى يوم القيامة إلا ردوا عليه). وقيل: النحب ~~الموت، أي مات على ما عاهد عليه، عن ابن عباس. والنحب أيضا الوقت والمدة. ~~يقال: قضى فلان نحبه إذا مات. وقال ذو الرمة: # عشية فر الحارثيون بعد ما * قضى نحبه في ملتقى الخيل هوبر والنحب أيضا ~~الحاجة والهمة، يقول قائلهم ما لي عندهم نحب، وليس المراد بالآية. # والمعنى في هذا الموضع بالنحب النذر كما قدمنا أولا، أي منهم من بذل جهده ~~على الوفاء بعهده حتى قتل، مثل حمزة وسعد بن معاذ وأنس بن النضر وغيرهم. ~~ومنهم من ينتظر الشهادة وما بدلوا عهدهم ونذرهم. وقد روي عن ابن عباس أنه ~~قرأ " فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر ومنهم من بدل تبديلا ". قال أبو ~~بكر الأنباري: وهذا الحديث عند أهل العلم مردود، لخلافه الاجماع، ولأن فيه ~~طعنا على المؤمنين والرجال الذين مدحهم الله وشرفهم بالصدق والوفاء، فما ~~يعرف فيهم مغير وما وجد من جماعتهم مبدل، رضي الله عنهم. (ليجزى الله ~~الصادقين بصدقهم) أي أمر الله بالجهاد ليجزي الصادقين في الآخرة بصدقهم. # (ويعذب المنافقين) في الآخرة (إن شاء) أي إن شاء أن يعذبهم لم يوفقهم ~~للتوبة، وإن لم يشأ أن يعذبهم تاب عليهم قبل الموت. (إن الله كان غفورا ~~رحيما). # قوله تعالى: ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله ~~المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا (25) قوله تعالى: (ورد الله الذين ~~كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا) قال محمد ms4980 بن عمرو يرفعه إلى عائشة: قالت " ~~الذين كفروا " هاهنا أبو سفيان وعيينة بن بدر، رجع أبو سفيان إلى تهامة، ~~ورجع عيينة إلى نجد. (وكفى الله المؤمنين القتال) بأن أرسل عليهم ريحا ~~وجنودا حتى رجعوا ورجعت بنو قريظة إلى صياصيهم، فكفى أمر قريظة - بالرعب. ~~(وكان الله قويا) أمره (عزيزا) لا يغلب. PageV14P160 # قوله تعالى: وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في ~~قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا (26) وأورثكم أرضهم وديارهم ~~وأموالهم وأرضا لم تطؤها وكان الله على كل شئ قديرا (27) قوله تعالى: ~~(وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم) يعني الذين عاونوا ~~الأحزاب: قريشا وغطفان وهم بنو قريظة. وقد مضى خبرهم (من صياصيهم) أي ~~حصونهم واحدها صيصة. قال الشاعر: # فأصبحت الثيران صرعى وأصبحت * نساء تميم يبتدرن الصياصيا (1) ومنه قيل ~~لشوكة الحائك التي بها يسوي السداة واللحمة: صيصة. قال دريد بن الصمة: # فجئت إليه والرماح تنوشه * كوقع الصياصي في النسيج الممدد ومنه: صيصة ~~الديك التي في رجله. وصياصي البقر قرونها، لأنها تمتنع بها. وربما كانت ~~تركب في الرماح مكان الأسنة، ويقال: جذ الله صئصئه، أي أصله (وقذف في ~~قلوبهم الرعب فريقا تقتلون) وهم الرجال. (وتأسرون فريقا) وهم النساء ~~والذرية، على ما تقدم. (وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطئوها) ~~بعد. قال يزيد ابن رومان وأبن زيد ومقاتل: يعني حنين، ولم يكونوا نالوها، ~~فوعدهم الله إياها. وقال قتادة: كنا نتحدث أنها مكة. وقال الحسن: هي فارس ~~والروم. وقال عكرمة: كل أرض تفتح إلى يوم القيامة. " وكان الله على كل شئ ~~قديرا " فيه وجهان: أحدهما: على ما أراد بعباده من نقمة أو عفو قدير، قاله ~~محمد بن إسحاق. الثاني: على ما أراد أن يفتحه # PageV14P161 # من الحصون والقرى قدير، قاله النقاش. وقيل: (وكان الله على كل شئ) مما ~~وعدكموه (قديرا) لا ترد قدرته ولا يجوز عليه العجز تعالى. ويقال: تأسرون ~~وتأسرون (بكسر السين وضمها) حكاه الفراء. # قوله تعالى: يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا ~~وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن ms4981 سراحا جميلا (18) وإن كنتن تردن الله ~~ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما (29) فيه ~~ثماني مسائل: # الأولى: قوله تعالى: (يا أيها النبي قل لأزواجك) قال علماؤنا: هذه الآية ~~متصلة بمعنى ما تقدم من المنع من إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم، وكان قد ~~تأذى ببعض الزوجات. قيل: سألنه شيئا من عرض الدنيا. وقيل: زيادة في النفقة. ~~وقيل: # أذينة بغيرة بعضهن على بعض. وقيل: أمر صلى الله عليه وسلم بتلاوة هذه ~~الآية عليهن وتخييرهن بين الدنيا والآخرة. وقال الشافعي رحمه الله تعالى: ~~إن من ملك زوجة فليس عليه تخييرها. أمر صلى الله عليه وسلم أن يخير نساءه ~~فاخترنه. وجملة ذلك أن الله سبحانه خير النبي صلى الله عليه وسلم بين أن ~~يكون نبيا ملكا وعرض عليه مفاتيح خزائن الدنيا، وبين أن يكون نبيا مسكينا، ~~فشاور جبريل فأشار عليه بالمسكنة فاختارها، فلما اختارها وهي أعلى ~~المنزلتين، أمره الله عز وجل أن يخير زوجاته، فربما كان فيهن من يكره ~~المقام معه على الشدة تنزيها له. وقيل: إن السبب الذي أوجب التخيير لأجله، ~~أن امرأة من أزواجه سألته أن يصوغ لها حلقة من ذهب، فصاغ لها حلقة من فضة ~~وطلاها بالذهب - وقيل بالزعفران - فأبت إلا أن تكون من ذهب، فنزلت آية ~~التخيير فخيرهن، فقلن اخترنا الله ورسوله. وقيل: إن واحدة منهن اختارت ~~الفراق. فالله أعلم. روى البخاري ومسلم - واللفظ لمسلم - عن جابر بن عبد ~~الله قال: دخل أبو بكر يستأذن رسول الله PageV14P162 # صلى الله عليه وسلم، فوجد الناس جلوسا ببابه لم يؤذن لاحد منهم، قال: ~~فأذن لأبي بكر فدخل، ثم جاء عمر فأستأذن فأذن له، فوجد النبي صلى الله عليه ~~وسلم جالسا حوله نساؤه واجما ساكتا. قال: - فقال والله لأقولن شيئا أضحك ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: # يا رسول الله، لو رأيت بنت خارجة سألتني النفقة فقمت إليها فوجأت عنقها، ~~فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: " هن حولي كما ترى يسألنني ~~النفقة) فقام أبو بكر إلى عائشة ms4982 يجأ عنقها، وقام عمر إلى حفصة يجأ عنقها، ~~كلاهما يقول: تسألن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ليس عنده!! فقلن: ~~والله لا نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا أبدا ليس عنده. ثم ~~اعتزلهن شهرا أو تسعا وعشرين. ثم نزلت عليه هذه الآية: " يا أيها النبي قل ~~لأزواجك - حتى بلغ - للمحسنات منكن أجرا عظيما ". قال: فبدأ بعائشة فقال: # (يا عائشة، إني أريد أن أعرض عليك أمرا أحب ألا تعجلي فيه حتى تستشيري ~~أبويك) قالت: # وما هو يا رسول الله؟ فتلا عليها الآية. قالت: أفيك يا رسول الله أستشير ~~أبوي! بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة، وأسألك ألا تخبر امرأة من نسائك ~~بالذي قلت. قال: (لا تسألني امرأة منهن إلا أخبرتها، إن الله لم يبعثني ~~معنتا ولا متعنتا ولكن بعثني معلما ميسرا). وروى الترمذي عن عائشة رضي الله ~~عنها قالت: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتخيير أزواجه بدأ بي فقال: ~~(يا عائشة، إني ذاكر لك أمرا فلا عليك ألا تستعجلي حتى تستأمري أبويك) ~~قالت: وقد علم أن أبوي لم يكونا ليأمراني بفراقه، قالت ثم قال: (إن الله ~~يقول: # " يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين ~~أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا - حتى بلغ - للمحسنات منكن أجرا عظيما " فقلت: ~~أفي هذا أستأمر أبوي! # فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة، وفعل أزواج النبي صلى الله عليه ~~وسلم مثل ما فعلت. # قال: هذا حديث حسن صحيح. قال العلماء: وأما أمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~عائشة أن تشاور أبويها لأنه كان يحبها، وكان يخاف أن يحملها فرط الشباب على ~~أن تختار فراقه، ويعلم من أبويها أنهما لا يشيران عليها بفراقه. ~~PageV14P163 # الثانية - قوله تعالى: (قل لأزواجك) كان للنبي صلى الله عليه وسلم أزواج، ~~منهن من دخل بها، ومنهن من عقد عليها ولم يدخل بها، ومنهن من خطبها فلم يتم ~~نكاحه معها. # فأولهن: خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب. وكانت قبله ~~عند أبي ms4983 هالة (1) واسمه زرارة بن النباش الأسدي، وكانت قبله عند عتيق بن ~~عائذ، ولدت منه غلاما اسمه عبد مناف. وولدت من أبي هالة هند بن أبي هالة، ~~وعاش إلى زمن الطاعون فمات فيه. ويقال: إن الذي عاش إلى زمن الطاعون هند بن ~~هند، وسمعت نادبته تقول حين مات: وا هند بن هنداه، وا ربيب رسول الله. ولم ~~يتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم على خديجة غيرها حتى ماتت. وكانت يوم ~~تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بنت أربعين سنة، وتوفيت بعد أن مضى من ~~النبوة سبع سنين، وقيل: عشر. أو كان لها حين توفيت خمس وستون سنة. وهي أول ~~امرأة أمنت به. وجميع أولاده منها غير إبراهيم. # قال حكيم بن حزام: توفيت خديجة فخرجنا بها من منزلها حتى دفناها بالحجون، ~~ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في حفرتها، ولم تكن يومئذ سنة الجنازة ~~الصلاة عليها. # ومنهن: سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس العامرية، أسلمت قديما وبايعت، ~~وكانت عند أبن عم لها يقال له السكران بن عمرو، وأسلم أيضا، وهاجرا جميعا ~~إلى أرض الحبشة في الهجرة الثانية، فلما قدما مكة مات زوجها. وقيل: مات ~~بالحبشة، فلما حلت خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتزوجها ودخل بها ~~بمكة، وهاجر بها إلى المدينة، فلما كبرت أراد طلاقها فسألته ألا يفعل وأن ~~يدعها في نسائه، وجعلت ليلتها لعائشة حسبما هو مذكور في الصحيح فأمسكها، ~~وتوفيت بالمدينة في شوال سنة أربع وخمسين. # ومنهن: عائشة بنت أبي بكر الصديق، وكانت مسماة لجبير بن مطعم، فخطبها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر: يا رسول الله، دعني أسلها من ~~جبير سلا رفيقا، فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة قبل الهجرة ~~بسنتين، وقيل بثلاث سنين، وبنى بها بالمدينة # PageV14P164 # وهي بنت تسع، وبقيت عنده تسع سنين، ومات رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وهي بنت ثمان عشرة، ولم يتزوج بكرا غيرها، وماتت سنة تسع وخمسين، وقيل ثمان ~~وخمسين. # ومنهن: حفصة ms4984 بنت عمر بن الخطاب القرشية العدوية، تزوجها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ثم طلقها، فأتاه جبريل فقال: (إن الله يأمرك أن تراجع حفصة ~~فإنها صوامة قوامة) فراجعها. قال الواقدي: وتوفيت في شعبان سنة خمس وأربعين ~~في خلافة معاوية، وهي ابنة ستين سنة.. وقيل: ماتت في خلافة عثمان بالمدينة. # ومنهن: أم سلمة، واسمها هند بنت أبي أمية المخزومية واسم أبي أمية سهيل ~~تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليال بقين من شوال سنة أربع، زوجها ~~منه ابنها سلمة على الصحيح، وكان عمر ابنها صغيرا، وتوفيت في سنة تسع ~~وخمسين. وقيل: سنة ثنتين وستين، والأول أصح. وصلى عليها سعيد بن زيد. وقيل ~~أبو هريرة. وقبرت بالبقيع وهي ابنة أربع وثمانين سنة. # ومنهن، أم حبيبة، واسمها رملة بنت أبي سفيان. بعث رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عمرو بن أمية الضميري إلى النجاشي، ليخطب عليه أم حبيبة فزوجه ~~إياها، وذلك سنة سبع من الهجرة، وأصدق النجاشي عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أربعمائة دينار، وبعث بها مع شرحبيل بن حسنة، وتوفيت سنة أربع ~~وأربعين. وقال الدارقطني: كانت أم حبيبة تحت عبيد الله بن جحش فمات بأرض ~~الحبشة على النصرانية، فزوجها النجاشي النبي صلى الله عليه وسلم، وأمهرها ~~عنه أربعة آلاف، وبعث بها إليه مع شرحبيل بن حسنة. # ومنهن: زينب بنت جحش بن رئاب الأسدية، وكان اسمها برة فسماها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم زينب، وكان أسم أبيها برة، فقالت: يا رسول الله، بدل ~~اسم أبي فإن البرة حقيرة، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (لو كان أبوك ~~مؤمنا سميناه بأسم رجل منا أهل البيت ولكني قد سميته جحشا والجحش من البرة) ~~ذكر هذا الحديث الدارقطني. تزوجها PageV14P165 # رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة في سنة خمس من الهجرة، وتوفيت سنة ~~عشرين، وهي بنت ثلاث وخمسين. # ومنهن: زينب بنت خذيمة بن الحارث [بن عبد الله] بن عمرو بن عبد مناف بن ~~هلال ابن عامر بن صعصعة الهلالية، كانت ms4985 تسمى في الجاهلية أم المساكين، ~~لاطعامها إياهم. # تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان على رأس واحد وثلاثين شهرا ~~من الهجرة، فمكثت عنده ثمانية أشهر، وتوفيت في حياته في آخر ربيع الأول على ~~رأس تسعة وثلاثين شهرا، ودفنت بالبقيع. # ومنهن: جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار الخزاعية المصطلقية، أصابها في ~~غزوة بني المصطلق فوقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس فكاتبها، فقضى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كتابتها وتزوجها، وذلك في شعبان سنة ست، وكان ~~اسمها برة فسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم جويرية، وتوفيت في ربيع ~~الأول سنة ست وخمسين. وقيل: سنة خمسين وهي ابنة خمس وستين. # ومنهن: صفية بنت حيي بن أخطب الهارونية، سباها النبي صلى الله عليه وسلم ~~يوم خيبر واصطفاها لنفسه، وأسلمت وأعتقها، وجعل عتقها صداقها. وفي الصحيح: ~~أنها وقعت في سهم دحية الكلبي فاشتراها رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبعة ~~أرؤس، وماتت في سنة خمسين. وقيل: سنة اثنتين وخمسين، ودفنت بالبقيع. # ومنهن: ريحانة بنت زيد بن عمرو بن خنافة من بني النضير، سباها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأعتقها، وتزوجها في سنة ست، وماتت مرجعه من حجة ~~الوداع، فدفنها بالبقيع. # وقال الواقدي: ماتت سنة ست عشرة وصلى عليها عمر. قال أبو الفرج الجوزي: ~~وقد سمعت من يقول: إنه كان يطؤها بملك اليمين ولم يعتقها. # قلت: ولهذا والله أعلم لم يذكرها أبو القاسم عبد الرحمن السهيلي في عداد ~~أزواج النبي صلى الله عليه وسلم. PageV14P166 # ومنهن: ميمونة بنت الحارث الهلالية، تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بسرف على عشرة أميال من مكة، وذلك في سنة سبع من الهجرة في عمرة القضية، ~~وهي آخر امرأة تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقدر الله تعالى أنها ~~ماتت في المكان الذي بنى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بها، ودفنت ~~هنالك، وذلك في سنة إحدى وستين. وقيل: # ثلاث وستين. وقيل ثمان وستين. # فهؤلاء المشهورات من أزواج النبي صلى الله عليه ms4986 وسلم، وهن اللاتي دخل ~~بهن، رضي الله عنهن. # فأما من تزوجهن ولم يدخل بهن فمنهن: الكلابية. واختلفوا في اسمها، فقيل ~~فاطمة. # وقيل عمرة. وقيل العالية. قال الزهري: تزوج فاطمة بنت الضحاك الكلابية ~~فاستعاذت منه فطلقها، وكانت تقول: أنا الشقية. تزوجها في ذي القعدة سنة ~~ثمان من الهجرة، وتوفيت سنة ستين. # ومنهن: أسماء بنت النعمان بن الجون بن الحارث الكندية، وهي الجونية. قال ~~قتادة: # لما دخل عليها دعاها فقالت: تعال أنت، فطلقها. وقال غيره: هي التي ~~استعاذت منه. # وفي البخاري قال: تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أميمة بنت شراحيل، ~~فلما أدخلت عليه بسط يده إليها فكأنها كرهت ذلك، فأمر أبا أسيد أن يجهزها ~~ويكسوها ثوبين. وفي لفظ آخر قال أبو أسيد: أتى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بالجونية، فلما دخل عليها قال: (هبي لي نفسك) فقالت: وهل تهب الملكة ~~نفسها للسوقة! فأهوى بيده ليضعها عليها لتسكن، فقالت: أعوذ بالله منك! ~~فقال: (قد عذت بمعاذ) ثم خرج علينا فقال: (يا أبا أسيد، أكسها رازقيين (1) ~~وألحقها بأهلها). # ومنهن: قتيلة بنت قيس، أخت الأشعث بن قيس، زوجها إياه الأشعث، ثم أنصرف ~~إلى حضر موت، فحملها إليه فبلغه وفاة النبي صلى الله عليه وسلم. فردها إلى ~~بلاده، فارتد # PageV14P167 # وارتدت معه. ثم تزوجها عكرمة بن أبي جهل، فوجد من ذلك أبو بكر وجدا ~~شديدا. # فقال له عمر: إنها والله ما هي من أزواجه، ما خيرها ولا حجبها. ولقد ~~برأها (1) الله منه بالارتداد. وكان عروة ينكر أن يكون تزوجها. # ومنهن: أم شريك الأزدية، واسمها غزية بنت جابر بن حكيم (2)، وكانت قبله ~~عند أبي بكر ابن أبي سلمى، فطلقها النبي صلى الله عليه وسلم ولم يدخل بها. ~~وهي التي وهبت نفسها. # وقيل: إن التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم خولة بنت حكيم. # ومنهن: خولة بنت الهذيل بن هبيرة، تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فهلكت قبل أن تصل إليه. # ومنهن: شراف بنت خليفة، أخت دحية، تزوجها ولم يدخل بها. # ومنهن ليلى بنت ms4987 الخطيم، أخت قيس، تزوجها وكانت غيورا فاستقالته فأقالها. # ومنهن: عمرة بنت معاوية الكندية، تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~الشعبي: # تزوج امرأة من كندة فجئ بها بعد ما مات. # ومنهن: ابنة جندب بن ضمرة الجندعية. قال بعضهم: تزوجها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. وأنكر بعضهم وجود ذلك. # ومنهن: الغفارية. قال بعضهم: تزوج امرأة من غفار، فأمرها فنزعت ثيابها ~~فرأى بياضا فقال: (الحقي بأهلك) ويقال: إنما رأى البياض بالكلابية. فهؤلاء ~~اللاتي، عقد عليهن ولم يدخل بهن، صلى الله عليه وسلم. # فأما من خطبهن فلم يتم نكاحه معهن، ومن وهبت له نفسها: # فمنهن: أم هانئ بنت أبي طالب، واسمها فاختة. خطبها النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقالت: إني مرأة مصبية (3) واعتذرت إليه فعذرها. # PageV14P168 # ومنهن: ضباعة بنت عامر. # ومنهن: صفية بنت بشامة بن نضلة، خطبها النبي صلى الله عليه وسلم وكان ~~أصابها سباء، فخيرها النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (إن شئت أنا وإن شئت ~~زوجك)؟ قالت: # زوجي. فأرسلها، فلعنتها بنو تميم، قاله ابن عباس. # ومنهن: أم شريك. وقد تقدم ذكرها. # ومنهن: ليلى بنت الخطيم، وقد تقدم ذكرها. # ومنهن: خولة بنت حكم بن أمية، وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم ~~فأرجأها، فتزوجها عثمان بن مظعون. # ومنهن: جمرة بنت الحارث بن عوف المري، خطبها النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال أبوها: إن بها سوءا ولم يكن بها، فرجع إليها أبوها وقد برصت، وهي أم ~~شبيب بن البرصاء الشاعر. # ومنهن: سودة القرشية، خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت مصبية. ~~فقالت: # أخاف أن يضغو (1) صبيتي عند رأسك. فحمدها ودعا لها. # ومنهن: امرأة لم يذكر اسمها. قال مجاهد: خطب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم امرأة فقالت: أستأمر أبي. فلقيت أباها فأذن لها، فلقيت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال: # (قد التحفنا لحافا غيرك). # فهؤلاء جميع أزواج النبي صلى الله عليه وسلم. # وكان له من السراري سريتان: مارية القبطية، وريحانة، في قول قتادة. وقال ~~غيره: # كان له أربع: مارية، وريحانة، وأخرى ms4988 جميلة أصابها في السبي، وجارية ~~وهبتها له زينب بنت جحش. # PageV14P169 # الثالثة - قوله تعالى: (إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها) " إن " شرط، ~~وجوابه " فتعالين "، فعلق التخيير على شرط. وهذا يدل على أن التخيير ~~والطلاق المعلقين على شرط صحيحان، فينفذان ويمضيان، خلافا للجهال المبتدعة ~~الذين يزعمون أن الرجل إذا قال لزوجته: أنت طالق إن دخلت الدار، أنه لا يقع ~~الطلاق إن دخلت الدار، لان الطلاق الشرعي هو المنجز في الحال لا غير. # الرابعة - قوله تعالى: (فتعالين) هو جواب الشرط، وهو فعل جماعة النساء، ~~من قولك تعالى، وهو دعاء إلى الاقبال إليه يقال: تعال بمعنى أقبل، وضع لمن ~~له جلالة ورفعة، ثم صار في الاستعمال لكل داع إلى الاقبال، وأما في هذا ~~الموضع فهو على أصله، فإن الداعي هو رسول الله صلى الله عليه وسلم (أمتعكن) ~~قد تقدم الكلام في المتعة في (البقرة) (1). وقرئ " أمتعكن " بضم العين. ~~وكذا (وأسرحكن) بضم الحاء على الاستئناف. # والسراح الجميل: هو أن يكون طلاقا للسنة من غير ضرار ولا منع واجب لها. # الخامسة - اختلف العلماء في كيفية تخيير النبي صلى الله عليه وسلم أزواجه ~~على قولين: # الأول - أنه خيرهن بإذن الله تعالى في البقاء على الزوجية أو الطلاق، ~~فاخترن البقاء، قالته عائشة ومجاهد وعكرمة والشعبي وأبن شهاب وربيعة. ومنهن ~~من قال: إنما خيرهن بين الدنيا فيفارقهن، وبين الآخرة فيمسكهن، لتكون لهن ~~المنزلة العليا كما كانت لزوجهن، ولم يخيرهن في الطلاق، ذكره الحسن وقتادة. ~~ومن الصحابة علي فيما رواه عنه أحمد بن حنبل أنه قال لم يخير رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم نساءه إلا بين الدنيا والآخرة. # قلت: القول الأول أصح، لقول عائشة رضي الله عنها لما سئلت عن الرجل يخير ~~امرأته فقالت: قد خيرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أفكان طلاقا! في ~~رواية: فاخترناه فلم يعده طلاقا ولم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلا التخيير المأمور بين البقاء والطلاق، لذلك قال: (يا عائشة إني ذاكر لك ~~أمرا فلا عليك ألا تعجلي فيه حتى ms4989 تستأمري # PageV14P170 # أبويك) الحديث. ومعلوم أنه لم يرد الاستئمار في اختيار الدنيا وزينتها ~~على الآخرة. فثبت أن الاستئمار إنما وقع في الفرقة، أو النكاح. والله أعلم. # السادسة - اختلف العلماء في المخيرة إذا اختارت زوجها، فقال جمهور ~~العلماء من السلف وغيرهم وأئمة الفتوى: إنه لا يلزمه طلاق، لا واحدة ولا ~~أكثر، هذا قول عمر بن الخطاب وعلي وأبن مسعود وزيد بن ثابت وأبن عباس ~~وعائشة. ومن التابعين عطاء ومسروق وسليمان بن يسار وربيعة وأبن شهاب. وروي ~~عن علي وزيد أيضا: إن اختارت زوجها فواحدة بائنة، وهو قول الحسن البصري ~~والليث، وحكاه الخطابي والنقاش عن مالك. وتعلقوا بأن قوله: اختاري، كناية ~~عن إيقاع الطلاق، فإذا أضافه إليها وقعت طلقة، كقوله: أنت بائن. والصحيح ~~الأول، لقول عائشة: خيرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخترناه فلم يعده ~~علينا طلاقا. أخرجه الصحيحان. قال أبن المنذر: وحديث عائشة يدل على أن ~~المخيرة إذا اختارت زوجها لم يكن ذلك طلاقا، ويدل على أن اختيارها نفسها ~~يوجب الطلاق، ويدل على معنى ثالث، وهو أن المخيرة إذا اختارت نفسها أنها ~~تطليقة يملك زوجها رجعتها، إذ غير جائز أن يطلق رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بخلاف ما أمره الله. وروي هذا عن عمر وابن مسعود وابن عباس. وبه قال ~~ابن أبي ليلى والثوري والشافعي. وروي عن علي أنها إذا اختارت نفسها أنها ~~واحدة بائنة. وهو قول أبي حنيفة وأصحابه. ورواه ابن خويز منداد عن مالك. ~~وروي عن زيد: بن ثابت أنها إذا اختارت نفسها أنها ثلاث. # وهو قول الحسن البصري، وبه قال مالك والليث، لان الملك إنما يكون بذلك. ~~وروي عن علي رضي الله عنه أنها إذا اختارت نفسها فليس بشئ. وروي عنه أنها ~~إذا اختارت زوجها فواحدة رجعية. # السابعة - ذهب جماعة من المدنيين وغيرهم إلى أن التمليك والتخيير سواء، ~~والقضاء ما قضت فيهما جميعا، وهو قول عبد العزيز بن أبي سلمة. قال أبن ~~شعبان: وقد اختاره كثير من أصحابنا، وهو قول جماعة من أهل المدينة. قال أبو ~~عمر: ms4990 وعلى هذا القول أكثر PageV14P171 # الفقهاء. والمشهور من مذهب مالك الفرق بينهما، وذلك أن التمليك عند مالك ~~هو قول الرجل لامرأته: قد ملكتك، أي قد ملكتك ما جعل الله لي من الطلاق ~~واحدة أو اثنتين أو ثلاثا، فلما جاز أن يملكها بعض ذلك دون بعض وادعى ذلك، ~~كان القول قوله مع يمينه إذا ناكرها. وقالت طائفة من أهل المدينة: له ~~المناكرة في التمليك وفي التخيير سواء في المدخول بها. والأول قول مالك في ~~المشهور. وروى ابن خويزمنداد. عن مالك أن للزوج أن يناكر المخيرة في ~~الثلاث، وتكون طلقة بائنة كما قال أبو حنيفة. وبه قال أبو الجهم. # قال سحنون: وعليه أكثر أصحابنا. # وتحصيل مذهب مالك: أن المخيرة إذا اختارت نفسها وهي مدخول بها فهو الطلاق ~~كله، وإن أنكر زوجها فلا نكرة له. وإن اختارت واحدة فليس بشئ، وإنما الخيار ~~البتات، إما أخذته وإما تركته، لان معنى التخيير التسريح، قال الله تعالى ~~في آية التخيير: " فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا " (1) فمعنى التسريح ~~البتات، قال الله تعالى: " الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان " ~~[البقرة: 229]. والتسريح بإحسان هو الطلقة الثالثة، روي ذلك عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كما تقدم. ومن جهة المعنى أن قوله: اختاريني أو اختاري نفسك ~~يقتضي ألا يكون له عليها سبيل إذا اختارت نفسها، ولا يملك منها شيئا، إذ قد ~~جعل إليها أن تخرج ما يملكه منها أو تقيم معه إذا اختارته، فإذا اختارت ~~البعض من الطلاق لم تعمل بمقتضى اللفظ، وكانت به بمنزل من خير بين شيئين ~~فاختار غيرهما. وأما التي لم يدخل بها فله مناكرتها في التخيير والتمليك ~~إذا زادت على واحدة، لأنها تبين في الحال. # الثامنة - اختلفت الرواية عن مالك متى يكون لها الخيار، فقال مرة: لها ~~الخيار ما دامت في المجلس قبل القيام أو الاشتغال بما يدل على الاعراض. فإن ~~لم تختر ولم تقض شيئا حتى افترقا من مجلسهما بطل ما كان من ذلك إليها، وعلى ~~هذا أكثر الفقهاء. وقال مرة: # لها الخيار أبدا ما ms4991 لم يعلم أنها تركت، وذلك يعلم بأن تمكنه من نفسها ~~بوطئ أو مباشرة، فعلى هذا إن منعت نفسها ولم تختر شيئا كان له رفعها إلى ~~الحاكم لتوقع أو تسقط، فإن أبت أسقط # PageV14P172 # الحاكم تمليكها. وعلى القول الأول إذا أخذت في غير ذلك من حديث أو عمل أو ~~مشي أو ما ليس في التخيير بشئ كما ذكرنا سقط تخييرها. واحتج بعض أصحابنا ~~لهذا القول بقوله تعالى: " فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره " (1) ~~[النساء: 140]. وأيضا فإن الزوج أطلق لها القول ليعرف الخيار منها، فصار ~~كالعقد بينهما، فإن قبلته وإلا سقط، كالذي يقول: # قد وهبت لك أو بايعتك، فإن قبل وإلا كان الملك باقيا بحاله. هذا قول ~~الثوري والكوفيين والأوزاعي والليث والشافعي وأبى ثور، وهو اختيار أبن ~~القاسم ووجه الرواية الثانية أن ذلك قد صار في يدها وملكته على زوجها ~~بتمليكه إياها فلما ملكت ذلك وجب أن يبقى في يدها كبقائه في يد زوجها. # قلت: وهذا هو الصحيح لقوله عليه السلام لعائشة: (إني ذاكر لك أمرا فلا ~~عليك ألا تستعجلي حتى تستأمري أبويك) رواه الصحيح، وخرجه البخاري، وصححه ~~الترمذي. # وقد تقدم في أول الباب. وهو حجة لمن قال: إنه إذا خير الرجل امرأته أو ~~ملكها أن لها أن تقضي في ذلك وإن افترقا من مجلسهما، روي هذا عن الحسن ~~والزهري، وقاله مالك في إحدى روايتيه. قال أبو عبيد: والذي عندنا في هذا ~~الباب، أتباع السنة في عائشة في هذا الحديث، حين جعل لها التخيير إلى أن ~~تستأمر أبويها، ولم يجعل قيامها من مجلسها خروجا من الامر. قال المروزي. ~~هذا أصح الأقاويل عندي، وقاله أبن المنذر والطحاوي. # قوله تعالى: يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ~~ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا (30) ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا ~~نؤتها أجرها مرتين وأعتدنا لها رزقا كريما (31) # PageV14P173 # قوله تعالى: (يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة) فيه ثلاث مسائل: # الأولى: قال العلماء: لما أختار نساء النبي صلى الله ms4992 عليه وسلم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم شكرهن الله على ذلك فقال تكرمة لهن: " لا يحل لك النساء ~~من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج " (1) [الأحزاب: 52] الآية. وبين حكمهن عن ~~غيرهن فقال: " وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من ~~بعده أبدا " (1) [الأحزاب: 53]. وجعل ثواب طاعتهن وعقاب معصيتهن أكثر مما ~~لغيرهن فقال: " يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ~~ضعفين " فأخبر تعالى أن من جاء من نساء النبي صلى الله عليه وسلم بفاحشة - ~~والله عاصم رسوله عليه السلام من ذلك كما مر في حديث الإفك (2) - يضاعف لها ~~العذاب ضعفين، لشرف منزلتهن وفضل درجتهن، وتقدمهن على سائر النساء أجمع. ~~وكذلك بينت الشريعة في غير ما موضع حسبما تقدم بيانه غير مرة - أنه كلما ~~تضاعفت الحرمات فهتكت تضاعفت العقوبات، ولذلك ضوعف حد الحر على العبد ~~والثيب على البكر. وقيل: لما كان أزوج النبي صلى الله عليه وسلم في مهبط ~~الوحي وفي منزل أوامر الله ونواهيه، قوي الامر عليهن ولزمهن بسبب مكانتهن ~~أكثر مما يلزم غيرهن، فضوعف لهن الاجر والعذاب. وقيل، إنما ذلك لعظم الضرر ~~في جرائمهن بإيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت العقوبة على قدر ~~عظم الجريمة في إيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال تعالى: " إن ~~الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة " (1) [الأحزاب: ~~57]. واختار هذا القول الكيا الطبري. # الثانية - قال قوم: لو قدر الزنى من واحدة منهن - وقد أعاذهن الله من ذلك ~~- لكانت تحد حدين لعظم قدرها، كما يزاد حد الحرة على الأمة. والعذاب بمعنى ~~الحد، قال الله تعالى: " وليشهد عذابهما طائفة (2) من (3) المؤمنين " ~~[النور: 2]. وعلى هذا فمعنى الضعفين معنى المثلين أو المرتين،. وقال أبو ~~عبيدة: ضعف الشئ شيئان حتى يكون ثلاثة. وقاله أبو عمرو فيما # PageV14P174 # حكى الطبري عنه، فيضاف إليه عذابان مثله فيكون ثلاثة أعذبة. وضعفه ~~الطبري. وكذلك هو غير صحيح وإن كان، له باللفظ تعلق الاحتمال. وكون الاجر ~~مرتين مما يفسد هذا القول، ms4993 لان العذاب في الفاحشة بإزاء الاجر في الطاعة، ~~قاله أبن عطية. وقال النحاس: فرق أبو عمرو بين " يضاعف ويضعف " قال: " ~~يضاعف " للمرار الكثيرة. و " يضعف " مرتين. وقرأ " يضعف " لهذا. وقال أبو ~~عبيدة: " يضاعف لها العذاب " يجعل ثلاثة أعذبة. قال النحاس: التفريق الذي ~~جاء به أبو عمرو وأبو عبيدة لا يعرفه أحد من أهل اللغة علمته، والمعنى في " ~~يضاعف ويضعف " واحد، أي يجعل ضعفين، كما تقول: إن دفعت إلى درهما دفعت إليك ~~ضعفيه، أي مثليه، يعني درهمين. ويدل على هذا " نؤتها أجرها مرتين " ولا ~~يكون العذاب أكثر من الاجر. وقال في موضع آخر " آتهم ضعفين من العذاب " (1) ~~[الأحزاب: 68] أي مثلين. وروى معمر عن قتادة " يضاعف لها العذاب ضعفين " ~~قال: عذاب الدنيا وعذاب الآخرة. قال القشيري أبو نصر: الظاهر أنه أراد ~~بالضعفين المثلين، لأنه قال: # " نؤتها أجرها مرتين، ". فأما في الوصايا، لو أوصي لانسان بضعفي نصيب ~~ولده فهو وصية بأن يعطي مثل نصيبه ثلاث مرات، فإن الوصايا تجري على العرف ~~فيما بين الناس، وكلام الله يرد تفسيره إلى كلام العرب، والضعف في كلام ~~العرب المثل إلى ما زاد، وليس بمقصور على مثلين. يقال: هذا ضعف هذا، أي ~~مثله. وهذا ضعفاه، أي مثلاه، فالضعف في الأصل زيادة غير محصورة، قال الله ~~تعالى: " فأولئك لهم جزاء الضعف " (1) [سبأ: 37] ولم يرد مثلا ولا مثلين. ~~كل هذا قول الأزهري. وقد تقدم في " النور " الاختلاف في حد من قذف واحدة ~~منهن (2)، والحمد لله. # الثالثة: قال أبو رافع: كان عمر رضي الله عنه كثيرا ما يقرأ سورة يوسف ~~وسورة الأحزاب في الصبح، وكان إذا بلغ " يا نساء النبي " رفع بها صوته، ~~فقيل له في ذلك فقال: # (أذكرهن العهد). قرأ الجمهور: " من يأت " بالياء. وكذلك " من يقنت " حملا ~~على لفظ # PageV14P175 # " من ". والقنوت الطاعة، وقد تقدم (1). وقرأ يعقوب: " من تأت " و " تقنت ~~" بالتاء من فوق، حملا على المعنى. وقال قوم: الفاحشة إذا وردت معرفة فهي ~~الزنى واللواط. وإذا وردت منكرة فهي سائر المعاصي. وإذا وردت منعوتة فهي ~~عقوق الزوج وفساد ms4994 عشرته. وقالت فرقة: بل قوله " فاحشة مبينة " تعم جميع ~~المعاصي. وكذلك الفاحشة كيف وودت. # وقرأ ابن كثير " مبينة " بفتح الياء. وقرأ نافع وأبو عمرو بكسرها. وقرأت ~~فرقة: " يضاعف " بكسر العين على إسناد الفعل إلى الله تعالى. وقرأ أبو عمرو ~~فيما روى خارجة " نضاعف " بالنون المضمومة ونصب " العذاب " وهذه قراءة أبن ~~محيصن. وهذه مفاعلة من واحد، كطارقت النعل وعاقبت اللص. وقرأ نافع وحمزة ~~والكسائي " يضاعف " بالياء وفتح العين، " العذاب " رفعا. وهي قراءة الحسن ~~وأبن كثير وعيسى. وقرأ أبن كثير وأبن عامر " نضعف " بالنون وكسر العين ~~المشددة، " العذاب " نصبا. قال مقاتل: هذا التضعيف في العذاب إنما هو في ~~الآخرة، لان إيتاء الاجر مرتين أيضا في الآخرة. وهذا حسن، لان نساء النبي ~~صلى الله عليه وسلم لا يأتين بفاحشة توجب حدا. وقد قال ابن عباس: ما بغت ~~امرأة نبي قط، وإنما خانت في الايمان والطاعة. وقال بعض المفسرين: العذاب ~~الذي توعدن به " ضعفين " هو عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فكذلك الاجر. قال ~~أبن عطية: وهذا ضعيف، اللهم إلا أن يكون أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لا ~~ترفع عنهن حدوة الدنيا عذاب الآخرة، على ما هي حال الناس عليه، بحكم حديث ~~عبادة بن الصامت (2). وهذا أمر لم يرو في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ~~ولا حفظ تقرره. وأهل التفسير على أن الرزق الكريم الجنة، ذكره النحاس. # PageV14P176 # قوله تعالى: يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن ~~بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا (32) قوله تعالى: (يا نساء ~~النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن) يعني في الفضل والشرف. # وقال: " كأحد " ولم يقل كواحدة، لان أحدا نفي (1) من المذكر والمؤنث ~~والواحد والجماعة. # وقد يقال على ما ليس بآدمي، يقال: ليس فيها أحد، لا شاة ولا بعير. وإنما ~~خصص النساء بالذكر لان فيمن تقدم آسية ومريم. وقد أشار إلى هذا قتادة، وقد ~~تقدم في " آل عمران " الاختلاف في التفضيل بينهن، فتأمله (2) هناك. ثم قال: ~~(إن اتقيتن) أي خفتن الله. فبين ms4995 أن الفضيلة إنما تتم لهن بشرط التقوى، لما ~~منحهن الله من صحبة الرسول وعظيم المحل منه، ونزول القرآن في حقهن. # قوله تعالى: (فلا تخضعن بالقول) في موضع جزم بالنهي إلا أنه مبني كما بني ~~الماضي، هذا مذهب سيبويه، أي لا تلن القول. أمرهن الله أن يكون قولهن جزلا ~~وكلامهن فصلا، ولا يكون على وجه يظهر في القلب علاقة بما يظهر عليه من ~~اللين، كما كانت الحال عليه في نساء العرب من مكالمة الرجال بترخيم الصوت ~~ولينه، مثل كلام المريبات والمومسات. فنهاهن عن مثل هذا. # قوله تعالى: " فيطمع " بالنصب على جواب النهي. " الذي في قلبه مرض " أي ~~شك ونفاق، عن قتادة والسدي. وقيل: تشوف الفجور، وهو الفسق والغزل، قاله ~~عكرمة. # وهذا أصوب، وليس للنفاق مدخل في هذه الآية. وحكى أبو حاتم أن الأعرج قرأ ~~" فيطمع " بفتح الياء وكسر الميم. النحاس: أحسب هذا غلطا، وأن يكون قرأ " ~~فيطمع " بفتح الميم (3) وكسر العين بعطفه على " تخضعن " فهذا وجه جيد حسن. ~~ويجوز " فيطمع " بمعنى فيطمع الخضوع أو القول. # PageV14P177 # قوله تعالى: (وقلن قولا معروفا) قال ابن عباس: أمرهن بالامر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر. والمرأة تندب إذا خاطبت الأجانب وكذا المحرمات عليها ~~بالمصاهرة إلى الغلظة في القول، من غير رفع صوت فإن المرأة مأمورة بخفض ~~الكلام. وعلى الجملة فالقول المعروف: # هو الصواب الذي لا تنكره الشريعة ولا النفوس. # قوله تعالى: وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة ~~وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ~~ويطهركم تطهيرا (33) قوله تعالى: (وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية ~~الأولى) فيه أربع مسائل: # الأولى: قوله تعالى " وقرن " قرأ الجمهور " وقرن " بكسر القاف. وقرأ عاصم ~~ونافع بفتحها. فأما القراءة الأولى فتحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون من ~~الوقار، تقول: # وقر يقر وقارا أي سكن، والامر قر، وللنساء قرن، مثل عدن وزن. والوجه ~~الثاني: # وهو قول المبرد (1)، أن يكون من القرار، تقول: قررت بالمكان (بفتح الراء) ~~أقر، والأصل أقررن، بكسر الراء، فحذفت الراء الأولى ms4996 تخفيفا، كما قالوا في ~~ظللت: ظللت، ومسست: مست، ونقلوا حركتها إلى القاف، واستغنى عن ألف الوصل ~~لتحرك القاف. قال أبو علي: بل على أن أبدلت الراء ياء كراهة التضعيف، كما ~~أبدلت في قيراط ودينار، ويصير للياء حركة الحرف المبدل منه، فالتقدير: ~~إقيرن، ثم تلقى حركة الياء على القاف كراهة تحرك الياء بالكسر، فتسقط الياء ~~لاجتماع الساكنين، وتسقط همزة الوصل لتحرك ما بعدها فيصير " قرن ". # وأما قراءة أهل المدينة وعاصم، فعلى لغة العرب: قررت في المكان إذا أقمت ~~فيه (بكسر الراء) أقر (بفتح القاف)، من باب حمد يحمد، وهي لغة أهل الحجاز ~~ذكرها أبو عبيد في " الغريب المصنف " عن الكسائي، وهو من أجل مشايخه، ~~وذكرها الزجاج وغيره، والأصل " إقررن " # PageV14P178 # حذفت الراء الأولى لثقل التضعيف، وألقيت حركتها على القاف فتقول: قرن. ~~قال الفراء: # هو كنا تقول: أحست صاحبك، أي هل أحسست. وقال أبو عثمان المازني: قررت به ~~عينا (بالكسر لا غير)، من قرة العين. ولا يجوز قررت في المكان (بالكسر) ~~وإنما هو قررت (بفتح الراء)، وما أنكره من هذا لا يقدح في القراءة إذا ثبتت ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيستدل بما ثبت عنه من القراءة على صحة ~~اللغة. وذهب (1) أبو حاتم أيضا أن " قرن " لا مذهب له في كلام العرب. قال ~~النحاس: وأما قول أبي حاتم: " لا مذهب له " فقد خولف فيه، وفيه مذهبان: ~~أحدهما ما حكاه الكسائي، والآخر ما سمعت علي بن سليمان يقول، قال: وهو من ~~قررت به عينا أقر، والمعنى: وأقررن به عينا في بيوتكن. وهو وجه حسن، إلا أن ~~الحديث يدل على أنه من الأول. كما روي أن عمارا قال لعائشة رضي الله عنها: ~~إن الله قد أمرك أن تقري في منزلك، فقالت: يا أبا اليقظان، ما زلت قوالا ~~بالحق! # فقال: الحمد لله الذي جعلني كذلك على لسانك. وقرأ ابن أبي عبلة " وأقررن ~~" بألف وصل وراءين، الأولى مكسورة. # الثانية - معنى هذه الآية الامر بلزوم البيت، وإن كان الخطاب لنساء النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقد دخل ms4997 غيرهن فيه بالمعنى. هذا لو لم يرد دليل يخص ~~جميع النساء، كيف والشريعة طافحة بلزوم النساء بيوتهن، والانكفاف عن الخروج ~~منها إلا لضرورة، على ما تقدم في غير موضع. # فأمر الله تعالى نساء النبي صلى الله عليه وسلم بملازمة بيوتهن، وخاطبهن ~~بذلك تشريفا لهن، ونهاهن عن التبرج، وأعلم أنه فعل الجاهلية الأولى فقال: " ~~ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى ". # وقد تقدم معنى التبرج في " النور " (2). وحقيقته إظهار ما ستره أحسن، وهو ~~مأخوذ من السعة، يقال: في أسنانه برج إذا كانت متفرقة، قاله المبرد. واختلف ~~الناس في " الجاهلية الأولى "، فقيل: هي الزمن الذي ولد فيه إبراهيم عليه ~~السلام، كانت المرأة تلبس الدرع من اللؤلؤ، فتمشي وسط الطريق تعرض نفسها ~~على الرجال. وقال الحكم بن عيينة: ما بين آدم ونوح، # PageV14P179 # وهي ثمانمائة سنة، وحكيت لهم سير ذميمة. وقال ابن عباس: ما بين نوح ~~وإدريس. # الكلبي: ما بين نوج وإبراهيم. قيل: إن المرأة كانت تلبس الدرع من اللؤلؤ ~~غير مخيط الجانبين، وتلبس الثياب الرقاق ولا تواري بدنها. وقالت فرقة: ما ~~بين موسى وعيسى. # الشعبي: ما بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم. أبو العالية: هي زمان ~~داود وسليمان، كان فيه للمرأة قميص من الدر غير مخيط الجانبين. وقال أبو ~~العباس المبرد: والجاهلية الأولى كما تقول الجاهلية الجهلاء، قال: وكان ~~النساء في الجاهلية الجهلاء يظهرن ما يقبح إظهاره، حتى كانت المرأة تجلس مع ~~زوجها وخلها (1)، فينفرد خلها بما فوق الإزار إلى الاعلى، وينفرد زوجها بما ~~دون الإزار إلى الأسفل، وبما سأل أحدهما صاحبه البدل. وقال مجاهد: # كان النساء يتمشين بين الرجال، فذلك التبرج. قال ابن عطية: والذي يظهر ~~عندي أنه أشار للجاهلية التي لحقنها، فأمرن بالنقلة عن سيرتهن فيها، وهي ما ~~كان قبل الشرع من سيرة الكفرة، لأنهم كانوا لا غيرة عندهم وكان أمر النساء ~~دون حجاب، (2) وجعلها أولى بالنسبة إلى ما كن عليه، وليس المعنى أن ثم ~~جاهلية أخرى. وقد أوقع اسم الجاهلية على تلك المدة التي قبل الاسلام، ~~فقالوا: جاهلي في الشعراء. وقال ms4998 ابن عباس في البخاري: سمعت أبي في الجاهلية ~~يقول، إلى غير هذا. # قلت: وهذا قول حسن. ويعترض بأن العرب كانت أهل قشف وضنك في الغالب، وأن ~~التنعم وإظهار الزينة إنما جرى في الأزمان السابقة، وهي المراد بالجاهلية ~~الأولى، وأن المقصود من الآية مخالفة من قبلهن من المشية على تغنيج وتكسير ~~وإظهار المحاسن للرجال، إلى غير ذلك مما لا يجوز شرعا. وذلك يشمل الأقوال ~~كلها ويعمها فيلزمن البيوت، فإن مست الحاجة إلى الخروج فليكن على تبذل (3) ~~وتستر تام. والله الموفق. # الثالثة - ذكر الثعلبي وغيره: أن عائشة رضي الله عنها كانت إذا قرأت هذه ~~الآية تبكي حتى تبل خمارها. وذكر أن سودة قيل لها: لم لا تحجين ولا تعتمرين ~~كما يفعل # PageV14P180 # أخواتك؟ فقالت: قد حججت واعتمرت، وأمرني الله أن أقر في بيتي. قال ~~الراوي: # فوالله ما خرجت من باب حجرتها حتى أخرجت جنازتها. رضوان الله عليها! قال ~~ابن العربي: # لقد دخلت نيفا على ألف قرية فما رأيت نساء أصون عيالا ولا أعف نساء من ~~نساء نابلس، التي رمي بها الخليل صلى الله عليه وسلم النار، فإني أقمت فيها ~~فما رأيت امرأة في طريق نهارا إلا يوم الجمعة فإنهن يخرجن إليها حتى يمتلئ ~~المسجد منهن، فإذا قضيت الصلاة وانقلبن إلى منازلهن لم تقع عيني على واحدة ~~منهن إلى الجمعة الأخرى. وقد رأيت بالمسجد الأقصى عفائف ما خرجن من معتكفهن ~~حتى استشهدن فيه. # الرابعة - قال ابن عطية: بكاء عائشة رضي الله عنها إنما كان بسبب سفرها ~~أيام الجمل، وحينئذ قال لها عمار: إن الله قد أمرك أن تقري في بيتك. قال ~~ابن العربي: # تعلق الرافضة لعنهم الله - بهذه الآية على أم المؤمنين عائشة رضي الله ~~عنها إذ قالوا: # إنها خالفت أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرجت تقود الجيوش، ~~وتباشر الحروب، وتقتحم مأزق الطعن والضرب فيما لم يفرض عليها ولا يجوز لها. ~~قالوا: ولقد حصر عثمان، فلما رأت ذلك أمرت برواحلها فقربت لتخرج إلى مكة، ~~فقال لها مروان: أقيمي هنا يا أم ms4999 المؤمنين، وردي هؤلاء الرعاع، فإن الاصلاح ~~بين الناس خير من حجك. قال ابن العربي قال علماؤنا رحمة الله عليهم: إن ~~عائشة رضي الله عنها نذرت عنها، نذرت الحج قبل الفتنة، فلم تر التخلف عن ~~نذرها، ولو خرجت في تلك الثائرة لكان ذلك صوابا لها. وأما خروجها إلى حرب ~~الجمل فما خرجت لحرب، ولكن تعلق الناس بها، وشكوا إليها ما صاروا إليه من ~~عظيم الفتنة وتهارج الناس، ورجوا بركتها، وطمعوا في الاستحياء منها إذا ~~وقفت إلى الخلق، وظنت هي ذلك [فخرجت] (1) مقتدية بالله في قوله: " لا خير ~~في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس " (2) ~~[النساء: 114]، وقوله: " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما " ~~(3) [الحجرات: 9] والامر بالاصلاح مخاطب به جميع الناس من ذكر وأنثى، حر # PageV14P181 # أو عبد فلم يرد الله تعالى بسابق قضائه ونافذ حكمه أن يقع إصلاح، ولكن ~~جرت مطاعنات وجراحات حتى كاد يفني الفريقان، فعمد بعضهم إلى الجمل فعرقبه، ~~فلما سقط الجمل لجنبه أدرك محمد بن أبي بكر عائشة رضى الله تعالى عنها، ~~فاحتملها إلى البصرة، وخرجت في ثلاثين امرأة، قرنهن علي بها حتى أوصلوها ~~إلى المدينة برة تقية مجتهدة، مصيبة مثابة فيما تأولت، مأجورة فيما فعلت، ~~إذ كل مجتهد في الاحكام مصيب. وقد تقدم في " النحل " (1) اسم هذا الجمل، ~~وبه يعرف ذلك اليوم. # قوله تعالى: (وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله) أي فيما أمر ~~ونهى (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت) قال الزجاج: قيل يراد به ~~نساء النبي صلى الله عليه وسلم وقيل: يراد به نساؤه وأهله الذين هم أهل ~~بيته، على ما يأتي بيانه بعد. # و " أهل البيت " نصب على المدح. قال: وإن شئت على البدل. قال: ويجوز ~~الرفع والخفض. قال النحاس: إن خفض على أنه بدل من الكاف والميم لم يجز عند ~~أبي العباس محمد بن يزيد، قال لا يبدل من المخاطبة ولا من المخاطب، لأنهما ~~لا يحتاجان إلى تبيين. # " ويطهركم تطهيرا " مصدر فيه معنى التوكيد. # قوله ms5000 تعالى: واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان ~~لطيفا خبيرا (34) فيه ثلاثة مسائل: # الأولى: قوله تعالى: " واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة " ~~هذه الألفاظ تعطي أن أهل البيت نساؤه. وقد اختلف أهل العلم في أهل البيت، ~~من هم؟ # فقال عطاء وعكرمة وأبن عباس: هم زوجاته خاصة، لا رجل معهن. وذهبوا إلى أن ~~البيت أريد به مساكن النبي صلى الله عليه وسلم، لقوله تعالى: " واذكرن ما ~~يتلى في بيوتكن ". # وقالت فرقة منهم الكلبي: هم علي وفاطمة والحسن والحسين خاصة، وفي هذا ~~أحاديث عن النبي عليه السلام، واحتجوا بقوله تعالى: " ليذهب عنكم الرجس أهل ~~البيت ويطهركم " # PageV14P182 # بالميم ولو كان للنساء خاصة لكان " عنكن ويطهركن "، إلا أنه يحتمل أن ~~يكون خرج على لفظ الأهل، كما يقول الرجل لصاحبه: كيف أهلك، أي امرأتك ~~ونساؤك، فيقول: # هم بخير، قال الله تعالى: " أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم ~~أهل البيت " [هود: 73] (1). # والذي يظهر من الآية أنها عامة في جميع أهل البيت من الأزواج وغيرهم. ~~وإنما قال: # " ويطهركم " لان رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليا وحسنا وحسينا كان ~~فيهم، وإذا أجتمع المذكر والمؤنث غلب المذكر، فاقتضت الآية أن الزوجات من ~~أهل البيت، لان الآية فيهن، والمخاطبة لهن يدل عليه سياق الكلام. والله ~~أعلم. أما أن أم سلمة قالت: نزلت هذه الآية في بيتي، فدعا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عليا وفاطمة وحسنا وحسنا، فدخل معهم تحت كساء خيبري وقال: ~~(هؤلاء أهل بيتي) - وقرأ الآية - وقال: (اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم ~~تطهيرا) فقالت أم سلمة: وأنا معهم يا رسول الله؟ قال: # (أنت على مكانك وأنت على خير) أخرجه الترمذي وغيره وقال: هذا حديث غريب. # وقال القشيري: وقالت أم سلمة أدخلت رأسي في الكساء وقلت: أنا منهم يا ~~رسول الله؟ # قال: (نعم). وقال الثعلبي: هم بنو هاشم، فهذا يدل على أن البيت يراد به ~~بيت النسب، فيكون العباس وأعمامه وبنو أعمامه منهم. وروي نحوه عن زيد بن ms5001 ~~أرقم رضي الله عنهم أجمعين. وعلى قول الكلبي يكون قوله: " واذكرن " ابتداء ~~مخاطبة الله تعالى، أي مخاطبة أمر الله عز وجل أزواج النبي صلى الله عليه ~~وسلم، على جهة الموعظة وتعديد النعمة بذكر ما يتلى في بيوتهن من آيات الله ~~تعالى والحكمة. قال أهل العلم بالتأويل: " آيات الله " القرآن. " والحكمة " ~~السنة. والصحيح أن قوله: " واذكرن " منسوق على ما قبله. # وقال " عنكم " لقوله " أهل " فالأهل مذكر، فسماهن وإن كن إناثا باسم ~~التذكير فلذلك صار " عنكم ". ولا اعتبار بقول الكلبي وأشباهه، فإنه توجد له ~~أشياء في هذا التفسير ما لو كان في زمن السلف الصالح لمنعوه من ذلك وحجروا ~~عليه. فالآيات كلها من قوله: # " يا أيها النبي قل لأزواجك - إلى قوله - إن الله كان لطيفا خبيرا " ~~منسوق بعضها على بعض، # PageV14P183 # فكيف صار في الوسط كلاما منفصلا لغيرهن! وإنما هذا شئ جرى في الاخبار أن ~~النبي عليه السلام لما نزلت عليه هذه الآية دعا عليا وفاطمة والحسن ~~والحسين، فعمد النبي صلى الله عليه وسلم إلى كساء فلفها عليهم، ثم ألوى ~~بيده إلى السماء فقال: (اللهم هؤلاء أهل بيتي اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم ~~تطهيرا). فهذه دعوة من النبي صلى الله عليه وسلم لهم بعد نزول الآية، أحب ~~أن يدخلهم في الآية التي خوطب بها الأزواج، فذهب الكلبي ومن وافقه فصيرها ~~لهم خاصة، وهي دعوة لهم خارجة من التنزيل. # الثانية - لفظ الذكر يحتمل ثلاثة معان: أحدها: أي اذكرن موضع النعمة، إذ ~~صيركن الله في بيوت تتلى فيها آيات الله والحكمة. الثاني: اذكرن آيات الله ~~واقدرن قدرها، وفكرن فيها حتى تكون منكن على بال لتتعظن بمواعظ الله تعالى، ~~ومن كان هذا حاله ينبغي أن تحسن أفعاله. الثالث: " اذكرن " بمعنى احفظن ~~واقرأن والزمنه الألسنة، فكأنه يقول: احفظن أوامر الله تعالى ونواهيه، وذلك ~~هو الذي يتلى في بيوتكن من آيات الله. # فأمر الله سبحانه وتعالى أن يخبرن بما ينزل من القرآن في بيوتهن، وما ~~يرين من أفعال النبي عليه الصلاة والسلام، ويسمعن من أقواله حتى يبلغن ذلك ms5002 ~~إلى الناس، فيعملوا ويقتدوا. # وهذا يدل على جواز قبول خبر الواحد من الرجال والنساء في الدين. # الثالثة - قال ابن العربي: في هذه الآية مسألة بديعة، وهي أن الله تعالى ~~أمر نبيه عليه الصلاة والسلام بتبليغ ما أنزل عليه من القرآن، وتعليم ما ~~علمه من الدين، فكان إذا قرأ على واحد أو ما اتفق سقط عنه الفرض، وكان على ~~من سمعه أن يبلغه إلى غيره، ولا يلزمه أن يذكره لجميع الصحابة، ولا كان ~~عليه إذا علم ذلك أزواجه أن يخرج إلى الناس فيقول لهم نزل كذا ولا كان كذا، ~~ولهذا قلنا: يجوز العمل بخبر بسرة (1) في إيجاب الوضوء من مس الذكر، لأنها ~~روت ما سمعت وبلغت ما وعت. ولا يلزم أن يبلغ ذلك الرجال، كما قال أبو ~~حنيفة، على أنه قد نقل عن سعد بن أبي وقاص وابن عمر. # PageV14P184 # قوله تعالى: إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين ~~والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات ~~والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات ~~والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما (35) فيه ~~مسألتان: # الأولى - روى الترمذي عن أم عمارة الأنصارية أنها أتت النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فقالت: # ما أرى كل شئ إلا للرجال، وما أرى النساء يذكرن بشئ! فنزلت هذه الآية: " ~~إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات " الآية. هذا حديث حسن غريب. و ~~" المسلمين " اسم " إن ". " والمسلمات " عطف عليه. ويجوز رفعهن عند ~~البصريين، فأما الفراء فلا يجوز عنده إلا فيما لا يتبين فيه الاعراب. # الثانية - بدأ تعالى في هذه الآية بذكر الاسلام الذي يعم الايمان وعمل ~~الجوارح، ثم ذكر الايمان تخصيصا له وتنبيها على أنه عظم الاسلام ودعامته. ~~والقانت: العابد المطيع. # والصادق: معناه فيما عوهد عليه أن يفي به. والصابر عن الشهوات وعلى ~~الطاعات في المكره والمنشط (1). والخاشع: الخائف لله. والمتصدق بالفرض ~~والنفل. وقيل. بالفرض خاصة، والأول أمدح. والصائم كذلك. " والحافظين فروجهم ~~والحافظات " أي عما لا يحل من الزنى وغيره. وفي قوله: " والحافظات " حذف ~~يدل عليه المتقدم، تقديره: والحافظاتها، فاكتفى بما ms5003 تقدم. وفي " الذاكرات " ~~أيضا مثله، ونظيره قول الشاعر: # PageV14P185 # وكمتا مدماة كأن متونها * جرى فوقها واستشعرت لون مذهب (1) وروى سيبويه: ~~" لون مذهب " بالنصب. وإنما يجوز الرفع على حذف الهاء، كأنه قال: ~~واستشعرته، فيمن رفع لونا. والذاكر قيل في أدبار الصلوات وغدوا وعشيا، وفي ~~المضاجع وعند الانتباه من النوم. وقد تقدم هذا كله مفصلا في مواضعه، وما ~~يترتب عليه من الفوائد والاحكام، فأغنى عن الإعادة (2). والحمد لله رب ~~العالمين. قال مجاهد: # لا يكون ذاكرا لله تعالى كثيرا حتى يذكره قائما وجالسا ومضطجعا. وقال أبو ~~سعيد الخدري رضي الله عنه: من أيقظ أهله بالليل وصليا أربع ركعات كتبا من ~~الذاكرين الله كثيرا والذاكرات. # قوله تعالى: وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون ~~لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا (36) فيه أربع ~~مسائل: # الأولى: روى قتادة وابن عباس ومجاهد في سبب نزول هذه الآية: أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم خطب زينب بنت جحش، وكانت بنت عمته، فظنت أن الخطبة ~~لنفسه، فلما تبين أنه يريدها لزيد، كرهت وأبت وامتنعت، فنزلت الآية. فأذعنت ~~زينب حينئذ وتزوجته. # في رواية: فامتنعت وامتنع أخوها عبد الله لنسبها من قريش، وأن زيدا كان ~~بالأمس عبدا، إلى أن نزلت هذه الآية، فقال له أخوها: مرني بما شئت، فزوجها ~~من زيد. وقيل: # إنها نزلت في أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وكانت وهبت نفسها للنبي صلى ~~الله عليه وسلم، فزوجها من زيد بن حارثة، فكرهت ذلك هي وأخوها وقالا: إنما ~~أردنا رسول # PageV14P186 # الله صلى الله عليه وسلم فزوجنا غيره، فنزلت الآية بسبب ذلك، فأجابا إلى ~~تزويج زيد، قاله ابن زيد. وقال الحسن: ليس لمؤمن ولا مؤمنة إذا أمر الله عز ~~وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم بأمر أن يعصياه. # الثانية: لفظة " ما كان، وما ينبغي " ونحوهما، معناها الحظر والمنع. فتجئ ~~لحظر الشئ والحكم بأنه لا يكون، كما في هذه الآية. وربما كان امتناع ذلك ~~الشئ عقلا كقوله تعالى: # " ما ms5004 كان لكم أن تنبتوا شجرها " (1) [النمل: 60]. وربما كان العلم ~~بامتناعه شرعا كقوله تعالى: " ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم ~~والنبوة " (2)، وقوله تعالى: (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من ~~وراء حجاب " (3) [الشورى: 51]. وربما كان في المندوبات، كما تقول: ما كان ~~لك يا فلان أن تترك النوافل، ونحو هذا. # الثالثة - في هذه الآية دليل بل نص في أن الكفاءة لا تعتبر في الأحساب ~~وإنما تعتبر في الأديان، خلافا لمالك والشافعي والمغيرة وسحنون. وذلك أن ~~الموالي تزوجت في قريش، تزوج زيد زينب بنت جحش. وتزوج المقداد بن الأسود ~~ضباعة بنت الزبير. وزوج أبو حذيفة سالما من فاطمة (4) بنت الوليد بن عتبة. ~~وتزوج بلال أخت عبد الرحمن بن عوف. # وقد تقدم هذا المعنى في غير (5) موضع. # الرابعة - قوله تعالى: " أن يكون لهم الخيرة من أمرهم " قرأ الكوفيون: " ~~أن يكون " بالياء. وهو اختيار أبي عبيد، لأنه قد فرق بين المؤنث وبين فعله. ~~الباقون بالتاء، لان اللفظ مؤنث [فتأنيث] فعله حسن. والتذكير على أن الخيرة ~~بمعنى التخيير، فالخيرة مصدر بمعنى الاختيار. وقرأ ابن السميقع " الخيرة " ~~بإسكان الياء. وهذه الآية في ضمن قوله تعالى: # " النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم " (6) [الأحزاب: 6]. ثم توعد تعالى ~~وأخبر أن من يعصى الله ورسوله فقد ضل. # PageV14P187 # هذا أدل دليل على ما ذهب إليه الجمهور من فقهائنا، وفقهاء أصحاب الإمام ~~الشافعي وبعض الأصوليين، من أن صيغة " أفعل " للوجوب في أصل وضعها، لان ~~الله تبارك وتعالى نفى خيرة المكلف عند سماع أمره وأمر رسوله صلى الله عليه ~~وسلم، ثم أطلق على من بقيت له خيرة عند صدور الامر أسم المعصية، ثم علق على ~~المعصية بذلك الضلال، فلزم حمل الامر على الوجوب. والله أعلم. # قوله تعالى: وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك ~~واتق الله وتخفى في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه ~~فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج ~~أدعيائهم إذا قضوا منهن ms5005 وطرا وكان أمر الله مفعولا (37) فيه تسع مسائل: # الأولى - روى الترمذي قال: حدثنا علي بن حجر قال حدثنا داود بن الزبرقان ~~عن داود بن أبي هند عن الشعبي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: لو كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتما شيئا من الوحي لكتم هذه الآية: " وإذ ~~تقول للذي أنعم الله عليه " يعني بالاسلام " وأنعمت عليه " بالعتق فأعتقته. ~~" أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله ~~أحق أن تخشاه - إلى قوله - وكان أمر الله مفعولا " وأن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لما تزوجها قالوا: تزوج حليلة ابنه، فأنزل الله تعالى: # " ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين " ~~[الأحزاب: 40]. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم تبناه وهو صغير، فلبث ~~حتى صار رجلا يقال له زيد بن محمد، فأنزل الله تبارك وتعالى " ادعوهم ~~لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم ~~" [الأحزاب: 5] PageV14P188 # فلان مولى فلان، وفلان أخو فلان، هو أقسط عند الله [يعني أعدل] (1). قال ~~أبو عيسى: # هذا حديث [غريب] (1) قد روي عن داود بن أبي هند عن الشعبي عن مسروق عن ~~عائشة رضي الله عنها. قالت: لو كان النبي صلى الله عليه وسلم كاتما شيئا من ~~الوحي لكتم هذه الآية " وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه " هذا ~~الحرف لم يرو بطوله. # قلت: هذا القدر هو الذي أخرجه مسلم في صحيحه، وهو الذي صححه الترمذي في ~~جامعه. # وفي البخاري عن أنس بن مالك أن هذه الآية " وتخفي في نفسك ما الله مبديه ~~" نزلت في شأن زينب بنت جحش وزيد بن حارثة. وقال عمر وابن مسعود وعائشة ~~والحسن: ما أنزل الله على رسوله آية أشد عليه من هذه الآية. وقال الحسن ~~وعائشة: لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتما شيئا من الوحي لكتم هذه ~~الآية لشدتها عليه. وروي في الخبر أنه: أمسى زيد فأوى إلى فراشه، قالت ms5006 ~~زينب: ولم يستطعني زيد، وما أمتنع منه غير ما منعه الله مني، فلا يقدر على. ~~هذه رواية أبي عصمة نوح بن أبي مريم، رفع الحديث إلى زينب أنها قالت ذلك. ~~وفي بعض الروايات: أن زيدا تورم ذلك منه حين أراد أن يقربها، فهذا قريب من ~~ذلك. وجاء زيد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن زينب تؤذيني ~~بلسانها وتفعل وتفعل! وإني أريد أن أطلقها، فقال له: (أمسك عليك زوجك واتق ~~الله) الآية. # فطلقها زيد فنزلت: " وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه " الآية. # واختلف الناس في تأويل هذه الآية، فذهب قتادة وابن زيد وجماعة من ~~المفسرين، منهم الطبري وغيره - إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم وقع منه ~~استحسان لزينب بنت جحش، وهي في عصمة زيد، وكان حريصا على أن يطلقها زيد ~~فيتزوجها هو ثم إن زيدا لما أخبره بأنه يريد فراقها، ويشكو منها غلظة قول ~~وعصيان أمر، وأذى باللسان وتعظما. بالشرف، قال له: (اتق الله أي فيما تقول ~~عنها وأمسك عليك زوجك) وهو يخفي الحرص على طلاق زيد إياها. وهذا الذي كان ~~يخفي في نفسه، ولكنه لزم ما يجب من الامر بالمعروف. # PageV14P189 # وقال مقاتل: زوج النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش من زيد فمكثت ~~عنده حينا، ثم إنه عليه السلام أتى زيدا يوما يطلبه، فأبصر زينب قائمة، ~~كانت بيضاء جميلة جسيمة من أتم نساء قريش، فهويها وقال: (سبحان الله مقلب ~~القلوب)! فسمعت زينب بالتسبيحة فذكرتها لزيد، ففطن زيد فقال: يا رسول الله، ~~ائذن لي في طلاقها، فإن فيها كبرا، تعظم علي وتؤذيني بلسانها، فقال عليه ~~السلام: (أمسك عليك زوجك واتق الله). وقيل: إن الله بعث ريحا فرفعت الستر ~~وزينب متفضلة (1) في منزلها، فرأى زينب فوقعت في نفسه، ووقع في نفس زينب ~~أنها وقعت في نفس النبي صلى الله عليه وسلم وذلك لما جاء يطلب زيدا، ~~فأخبرته بذلك، فوقع في نفس زيد أن يطلقها. وقال ابن عباس: " وتخفي في نفسك ~~" الحب لها. " وتخشى الناس " أي ms5007 تستحييهم وقيل: تخاف وتكره لائمة المسلمين ~~لو قلت طلقها، ويقولون أمر رجلا بطلاق امرأته ثم نكحها حين طلقها. " والله ~~أحق أن تخشاه " في كل الأحوال. وقيل: والله أحق أن تستحي منه، ولا تأمر ~~زيدا بإمساك زوجته بعد أن أعلمك الله أنها ستكون زوجتك، فعاتبه الله على ~~جميع هذا. وروي عن علي بن الحسين: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد أوحى ~~الله تعالى إليه أن زيدا يطلق زينب، وأنه يتزوجها بتزويج الله إياها، فلما ~~تشكى زيد للنبي صلى الله عليه وسلم خلق زينب، وأنها لا تطيعه، وأعلمه أنه ~~يريد طلاقها، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم على جهة الأدب والوصية: ~~(اتق الله في قولك وأمسك عليك زوجك) وهو يعلم أنه سيفارقها ويتزوجها، وهذا ~~هو الذي أخفى في نفسه، ولم يرد أن يأمره بالطلاق لما علم أنه سيتزوجها، ~~وخشي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلحقه قول من الناس في أن يتزوج زينب ~~بعد زيد، وهو مولاه، وقد أمره بطلاقها، فعاتبه الله تعالى على هذا القدر من ~~أن خشي الناس في شئ قد أباحه الله له، بأن قال: " أمسك " مع علمه بأنه ~~يطلق. وأعلمه أن الله أحق بالخشية، أي في كل حال. قال علماؤنا رحمة الله ~~عليهم: وهذا القول أحسن ما قيل في تأويل هذه الآية، وهو الذي # PageV14P190 # عليه أهل التحقيق من المفسرين والعلماء الراسخين، كالزهري والقاضي بكر بن ~~العلاء (1) القشيري، والقاضي أبي بكر بن العربي وغيرهم. والمراد بقوله ~~تعالى: " وتخشى الناس " إنما هو إرجاف المنافقين بأنه نهى عن تزويج نساء ~~الأبناء وتزوج بزوجة ابنه. فأما ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم هوي ~~زينب امرأة زيد وربما أطلق بعض المجان لفظ عشق فهذا إنما يصدر عن جاهل ~~بعصمة النبي صلى الله عليه وسلم عن مثل هذا، أو مستخف بحرمته. قال الترمذي ~~الحكيم في نوادر الأصول، وأسند إلى علي بن الحسين قوله: فعلي بن الحسين جاء ~~بهذا من خزانة العلم جوهرا من الجواهر، ودرا من الدرر، ms5008 أنه إنما عتب الله ~~عليه في أنه قد أعلمه أن ستكون هذه من أزواجك، فكيف قال بعد ذلك لزيد: ~~(أمسك عليك زوجك) وأخذتك خشية الناس أن يقولوا: تزوج امرأة ابنه، والله أحق ~~أن تخشاه. وقال النحاس: قال بعض العلماء: ليس هذا من النبي صلى الله عليه ~~وسلم خطيئة، ألا ترى أنه لم يؤمر بالتوبة ولا بالاستغفار منه. وقد يكون ~~الشئ ليس بخطيئة إلا أن غيره أحسن منه، وأخفى ذلك في نفسه خشية أن يفتتن ~~الناس. # الثانية: قال ابن العربي: فإن قيل لأي معنى قال له: (أمسك، عليك زوجك) ~~وقد أخبره الله أنها زوجه. قلنا: أراد أن يختبر منه ما لم يعلمه الله من ~~رغبته فيها أو رغبته عنها، فأبدى له زيد من النفرة عنها والكراهة فيها ما ~~لم يكن علمه منه في أمرها. فإن قيل: # كيف، يأمره بالتمسك بها وقد علم أن الفراق لا بد منه؟ وهذا تناقض. قلنا: ~~بل هو صحيح للمقاصد الصحيحة، لإقامة الحجة ومعرفة العاقبة، ألا ترى أن الله ~~تعالى يأمر العبد بالايمان وقد علم أنه لا يؤمن، فليس في مخالفة متعلق ~~الامر لمتعلق العلم ما يمنع من الامر به عقلا وحكما. وهذا من نفيس العلم ~~فتيقنوه وتقبلوه وقوله: " واتق الله " أي في طلاقها، فلا تطلقها. وأراد نهي ~~تنزيه لا نهي تحريم، لان الأولى ألا يطلق. وقيل: " اتق الله " فلا تذمها ~~بالنسبة # PageV14P191 # إلى الكبر وأذى الزوج. " وتخفي في نفسك " قيل تعلق قلبه. وقيل: مفارقة ~~زيد إياها. # وقيل: علمه بأن زيدا سيطلقها، لان الله قد أعلمه بذلك. # الثالثة: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لزيد: (ما أجد في نفسي ~~أوثق منك فاخطب زينب علي) قال: فذهبت ووليتها ظهري توقيرا للنبي صلى الله ~~عليه وسلم، وخطبتها ففرحت وقالت: ما أنا بصانعة شيئا حتى أوامر (1) ربي، ~~فقامت إلى مسجدها ونزل القرآن، فتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم ودخل بها. # قلت: معنى هذا الحديث ثابت في الصحيح. وترجم له النسائي (صلاة المرأة إذا ~~خطبت واستخارتها ربها) روى الأئمة ms5009 - واللفظ لمسلم - عن أنس قال: لما انقضت ~~عدة زينب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد: (فاذكرها علي) قال: ~~فانطلق زيد حتى أتاها وهي تخمر عجينها. قال: فلما رأيتها عظمت في صدري، حتى ~~ما أستطيع أن أنظر إليها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرها فوليتها ~~ظهري، ونكصت على عقبي، فقلت: يا زينب، أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يذكرك، قالت،: ما أنا بصانعة شيئا حتى أوامر ربي، فقامت إلى مسجدها ونزل ~~القرآن. وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل عليها بغير إذن. # قال: فقال ولقد رأيتنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أطعمنا الخبز ~~واللحم حين امتد النهار.. # الحديث. في رواية (حتى تركوه). وفي رواية عن أنس أيضا قال: ما رأيت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أولم على امرأة [من نسائه] (2) ما أولم على زينب، ~~فإنه ذبح شاة. قال علماؤنا: # فقوله عليه السلام لزيد: (فاذكرها علي) أي أخطبها، كما بينه الحديث ~~الأول. وهذا امتحان لزيد واختبار له، حتى يظهر صبره وانقياده وطوعه. # قلت: وقد يستنبط من هذا أن يقول الانسان لصاحبه: اخطب علي فلانة، لزوجه ~~المطلقة منه، ولا حرج في ذلك. والله أعلم. # PageV14P192 # الرابعة - لما وكلت أمرها إلى الله وصح تفويضها إليه تولى الله إنكاحها، ~~ولذلك قال: " فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها ". وروى الإمام جعفر بن محمد ~~عن آبائه عن النبي صلى الله عليه وسلم " وطرا زوجتكها ". ولما أعلمه الله ~~بذلك دخل عليها بغير إذن، ولا تجديد عقد ولا تقرير صداق، ولا شئ مما يكون ~~شرطا في حقوقنا (1) ومشروعا لنا. وهذا من خصوصياته صلى الله عليه وسلم التي ~~لا يشاركه فيها أحد بإجماع من المسلمين. ولهذا كانت زينب تفاخر نساء النبي ~~صلى الله عليه وسلم وتقول: زوجكن آباؤكن وزوجني الله تعالى. # أخرجه النسائي عن أنس بن مالك قال: كانت زينب تفخر على نساء النبي صلى ~~الله عليه وسلم تقول: إن الله عز وجل أنكحني من السماء. وفيها نزلت أية ~~الحجاب، وسيأتي. # الخامسة ms5010 - المنعم عليه في هذه الآية هو زيد بن حارثة، كما بيناه، وقد ~~تقدم خبره في أول السورة (2). وروي أن عمه لقيه يوما وكان قد ورد مكة في ~~شغل له، فقال: ما أسمك يا غلام؟ قال: زيد، قال: أبن من؟ قال: أبن حارثة. ~~قال أبن من؟ قال: أبن شراحيل الكلبي. قال: فما اسم أمك؟ قال: سعدى، وكنت في ~~أخوالي طي، فضمه إلى صدره. وأرسل إلى أخيه وقومه فحضروا، وأرادوا منه أن ~~يقيم معهم، فقالوا: لمن أنت؟ قال: لمحمد ابن عبد الله، فأتوه وقالوا: هذا ~~ابننا فرده علينا. فقال: (أعرض عليه فإن اختاركم فخذوا بيده) فبعث إلى زيد ~~وقال: (هل تعرف هؤلاء)؟ قال نعم! هذا أبي، وهذا أخي، وهذا عمي. فقال له ~~النبي صلى الله عليه وسلم: (فأي صاحب كنت لك)؟ فبكى وقال: # لم سألتني عن ذلك؟ قال: (أخيرك فإن أحببت أن تلحق بهم فألحق وإن أردت أن ~~تقيم فأنا من قد عرفت) فقال: ما أختار عليك أحدا. فجذبه عمه وقال: زيد، ~~اخترت العبودية على أبيك وعمك! فقال: أي والله العبودية عند محمد أحب إلي ~~من أن أكون عندكم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اشهدوا أني وارث ~~وموروث). فلم يزل يقال: زيد بن محمد إلى أن نزل قوله تعالى: " ادعوهم ~~لآبائهم " [الأحزاب: 5] ونزل " ما كان محمد أبا أحد من رجالكم " [الأحزاب: ~~40]. # PageV14P193 # السادسة - قال الإمام أبو القاسم عبد الرحمن السهيلي رضي الله عنه: كان ~~يقال زيد بن محمد حتى نزل " ادعوهم لآبائهم " [الأحزاب: 5] فقال: أنا زيد ~~بن حارثة. وحرم عليه أن يقول: # أنا زيد بن محمد. فلما نزع عنه هذا الشرف وهذا الفخر (1)، وعلم الله ~~وحشته من ذلك شرفه بخصيصة لم يكن يخص بها أحدا من أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم وهي أنه سماه في القرآن، فقال تعالى: " فلما قضى زيد منها وطرا " ~~يعني من زينب. ومن ذكره الله تعالى باسمه في الذكر الحكيم حتى صار أسمه (2) ~~قرآنا يتلى في المحاريب، نوه به غاية التنويه، فكان في هذا تأنيس له ms5011 وعوض ~~من الفخر بأبوة محمد صلى الله عليه وسلم له ألا ترى إلى قول أبي ابن كعب ~~حين قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله أمرني أن أقرأ عليك سورة ~~كذا) فبكى وقال: أو ذكرت هنالك؟ وكان بكاؤه من الفرح حين أخبر أن الله ~~تعالى ذكره، فكيف بمن صار أسمه قرآنا يتلى مخلدا لا يبيد، يتلوه أهل الدنيا ~~إذا قرأوا القرآن، وأهل الجنة كذلك أبدا، لا يزال على ألسنة المؤمنين، كما ~~لم يزل مذكورا على الخصوص عند رب العالمين، إذ القرآن كلام الله القديم، ~~وهو باق لا يبيد، فاسم زيد هذا في الصحف المكرمة المرفوعة المطهرة، تذكره ~~في التلاوة السفرة الكرام البررة. وليس ذلك لاسم من أسماء المؤمنين إلا ~~لنبي من الأنبياء، ولزيد بن حارثة تعويضا من الله تعالى له مما نزع عنه. ~~وزاد في الآية أن قال: " وإذ تقول للذي أنعم الله عليه " أي بالايمان، فدل ~~على أنه من أهل الجنة، علم ذلك قبل أن يموت، وهذه فضيلة أخرى. # السابعة - قوله تعالى: " وطرا " الوطر كل حاجة للمرء له فيها همة، والجمع ~~الأوطار. قال ابن عباس: أي بلغ ما أراد من حاجته، يعني الجماع. وفيه إضمار، ~~أي لما قضى وطره منها وطلقها " زوجناكها ". وقراءة أهل البيت " زوجتكها ". ~~وقيل: # الوطر عبارة عن الطلاق، قاله قتادة. # الثامنة - ذهب بعض الناس من هذه الآية، ومن قول شعيب: " إني أريد أن ~~أنكحك " (3) [القصص: 27] إلى أن ترتيب هذا المعنى في المهور ينبغي أن يكون: ~~" أنكحه إياها " فتقدم # PageV14P194 # ضمير الزوج كما في الآيتين. وكذلك قوله عليه السلام لصاحب الرداء (اذهب ~~فقد أنكحتكها بما معك من القرآن). قال ابن عطية: وهذا غير لازم، لان الزوج ~~في الآية مخاطب فحسن تقديمه، وفي المهور الزوجان [سواء]، فقدم من شئت، ولم ~~يبق ترجيح إلا بدرجة الرجال، وأنهم القوامون. # التاسعة - قوله تعالى: " زوجناكها " دليل على ثبوت الولي في النكاح، وقد ~~تقدم الخلاف في ذلك (1). روي أن عائشة وزينب تفاخرتا، فقالت عائشة: أنا ~~التي جاء بي الملك إلى النبي صلى ms5012 الله عليه وسلم في سرقة (2) من حرير ~~فيقول: (هذه امرأتك) خرجه الصحيح. وقالت زينب: أنا التي زوجني الله من فوق ~~سبع سماوات. وقال الشعبي: # كانت زينب تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم إني لأدل عليك بثلاث، ما ~~من نسائك امرأة تدل بهن: إن جدي وجدك واحد، وإن الله أنكحك إياي من السماء، ~~وإن السفير في ذلك جبريل. وروي عن زينب أنها قالت: لما وقعت في قلب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لم يستطعني زيد، وما أمتنع منه غير ما يمنعه الله ~~تعالى مني فلا يقدر علي. # قوله تعالى: ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين ~~خلوا من قبل وكان أمر الله قدرا مقدورا (38) الذين يبلغون رسالات الله ~~ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا (39) قوله تعالى: (سنة ~~الله في الذين خلوا من قبل) هذه مخاطبة من الله تعالى لجميع الأمة. # أعلمهم أن هذا ونحوه هو السنن الأقدم في الأنبياء أن ينالوا ما أحله لهم، ~~أي سن لمحمد صلى الله عليه وسلم التوسعة عليه في النكاح سنة الأنبياء ~~الماضية، كداود وسليمان. فكان لداود مائة امرأة وثلاثمائة سرية، ولسليمان ~~ثلاثمائة امرأة وسبعمائة سرية. وذكر الثعلبي عن مقاتل وابن الكلبي أن ~~الإشارة إلى داود عليه السلام، حيث جمع الله بينه وبين من فتن بها. # PageV14P195 # و " سنة " نصب على المصدر، أي سن الله له سنة واسعة. و " الذين خلوا " هم ~~الأنبياء، بدليل وصفهم بعد بقوله: " الذين يبلغون رسالات الله ". # قوله تعالى: ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين ~~وكان الله بكل شئ عليما (40) فيه ثلاث مسائل: # الأولى - لما تزوج زينب قال الناس: تزوج امرأة ابنه، فنزلت الآية، أي ليس ~~هو بابنه حتى تحرم عليه حليلته، ولكنه أبو أمته في التبجيل والتعظيم، وأن ~~نساءه عليهم حرام. # فأذهب الله بهذه الآية ما وقع في نفوس المنافقين وغيرهم، وأعلم أن محمدا ~~لم يكن أبا أحد من الرجال المعاصرين له في الحقيقة. ms5013 ولم يقصد بهذه الآية أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن له ولد، فقد ولد له ذكور: إبراهيم، ~~والقاسم، والطيب، والمطهر، ولكن لم يعش له ابن حتى يصير رجلا. وأما الحسن ~~والحسين فكانا طفلين، ولم يكونا رجلين معاصرين له. # الثانية - قوله تعالى: " ولكن رسول الله " قال الأخفش والفراء: أي ولكن ~~كان رسول الله. وأجازا " ولكن رسول الله وخاتم " بالرفع. وكذلك قرأ ابن أبي ~~عبلة وبعض الناس " ولكن رسول الله " بالرفع، على معنى هو رسول الله وخاتم ~~النبيين. وقرأت فرقة " ولكن " بتشديد النون، ونصب " رسول الله " على أنه ~~اسم " لكن " والخبر محذوف " وخاتم " قرأ عاصم وحده بفتح التاء، بمعنى أنهم ~~به ختموا، فهو كالخاتم والطابع لهم. # وقرأ الجمهور بكسر التاء بمعنى أنه ختمهم، أي جاء آخرهم. وقيل: الخاتم ~~والخاتم لغتان، مثل طابع وطابع، ودانق ودانق، وطابق من اللحم وطابق. # الثالثة - قال ابن عطية: هذه الألفاظ عند جماعة علماء الأمة (1) خلفا ~~وسلفا متلقاة على العموم التام مقتضية نصا أنه لا نبي بعده صلى الله عليه ~~وسلم. وما ذكره القاضي أبو الطيب في كتابه المسمى بالهداية: من تجويز ~~الاحتمال في ألفاظ هذه الآية ضعيف. وما ذكره الغزالي # PageV14P196 # في هذه الآية، وهذا المعنى في كتابه الذي سماه بالاقتصاد، إلحاد عندي، ~~وتطرق خبيث إلى تشويش عقيدة المسلمين في ختم محمد صلى الله عليه وسلم ~~النبوة، فالحذر الحذر منه! والله الهادي برحمته. # قلت: وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا نبوة بعدي إلا ما ~~شاء الله). # قال أبو عمر: يعني الرؤيا - والله أعلم - التي هي جزء منها، كما قال عليه ~~السلام: (ليس يبقى بعدي من النبوة إلا الرؤيا الصالحة). وقرأ ابن مسعود " ~~من رجالكم ولكن نبيا ختم النبيين ". قال الرماني: ختم به عليه الصلاة ~~والسلام الاستصلاح، فمن لم يصلح به فميئوس من صلاحه. # قلت: ومن هذا المعنى قوله عليه السلام: (بعثت لأتمم مكارم الأخلاق). وفي ~~صحيح مسلم عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مثلي ومثل ~~الأنبياء كمثل ms5014 رجل بنى دارا فأتمها وأكملها إلا موضع لبنة فجعل الناس ~~يدخلونها ويتعجبون. منها ويقولون لولا موضع اللبنة! - قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم - فأنا موضع اللبنة جئت فختمت الأنبياء). ونحوه عن أبي ~~هريرة، غير أنه قال: فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين). # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا أذكروا الله ذكرا كثيرا (41) أمر الله ~~تعالى عباده بأن يذكروه ويشكروه، ويكثروا من ذلك على ما أنعم به عليهم. # وجعل تعالى ذلك دون حد لسهولته على العبد. ولعظم الاجر فيه قال ابن عباس: ~~لم يعذر أحد في ترك ذكر الله إلا من غلب على عقله. وروى أبو سعيد عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم: # (أكثروا ذكر الله حتى يقولوا مجنون). وقيل: الذكر الكثير ما جرى على ~~الاخلاص من القلب، والقليل ما يقع على حكم النفاق كالذكر باللسان. # قوله تعالى: وسبحوه بكرة وأصيلا (42) أي اشغلوا ألسنتكم في معظم أحوالكم ~~بالتسبيح والتهليل والتحميد والتكبير. قال مجاهد: # وهذه كلمات يقولهن الطاهر والمحدث والجنب. وقيل: أدعوه. قال جرير: ~~PageV14P197 # فلا تنس تسبيح الضحى إن يوسفا * دعا ربه فاختاره حين سبحا وقيل: المراد ~~صلوا لله بكرة وأصيلا، والصلاة تسمى تسبيحا. وخص الفجر والمغرب والعشاء ~~بالذكر لأنها أحق بالتحريض عليها، لاتصالها بأطراف الليل (1). وقال قتادة ~~والطبري: الإشارة إلى صلاة الغداة وصلاة العصر. والأصيل: العشي وجمعه ~~أصائل. والأصل بمعنى الأصيل، وجمعه آصال، قاله المبرد. وقال غيره: أصل جمع ~~أصيل، كرغيف ورغف. وقد تقدم (2). # مسألة - هذه الآية مدنية، فلا تعلق بها لمن زعم أن الصلاة إنما فرضت أولا ~~صلاتين، في طرفي النهار. والرواية بذلك ضعيفة فلا التفات إليها ولا معول ~~عليها. وقد مضى الكلام في كيفية فرض الصلاة وما للعلماء في ذلك في " سبحان ~~" (3) والحمد لله. # قوله تعالى: هو الذي يصلى عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور ~~وكان بالمؤمنين رحيما (43) قوله تعالى: (هو الذي يصلى عليكم) قال ابن عباس: ~~لما نزل " إن الله وملائكته يصلون على النبي " [الأحزاب: 56] قال المهاجرون ~~والأنصار: هذا لك يا رسول الله خاصة، وليس لنا فيه ms5015 شئ، فأنزل الله تعالى ~~هذه الآية. # قلت: وهذه نعمة من الله تعالى على هذه الأمة من أكبر النعم، ودليل على ~~فضلها (4) على سائر الأمم. وقد قال: " كنتم خير أمة أخرجت للناس " (5) [آل ~~عمران: 110]. والصلاة من الله على العبد هي رحمته له وبركته لديه. وصلاة ~~الملائكة: دعاؤهم للمؤمنين واستغفارهم لهم، كما قال: # " ويستغفرون للذين آمنوا " (6) [غافر: 7] وسيأتي. وفي الحديث: أن بني ~~إسرائيل سألوا موسى عليه السلام: أيصلي ربك عز وجل؟ فأعظم ذلك، فأوحى الله ~~عز وجل: " إن صلاتي بأن رحمتي سبقت غضبي " ذكره النحاس. وقال ابن عطية: ~~وروت فرقة أن النبي صلى الله عليه وسلم # PageV14P198 # قيل له: يا رسول الله، كيف صلاة الله على عباده. قال: (سبوح قدوس - رحمتي ~~سبقت غضبي). واختلف في تأويل هذا القول، فقيل: إنه كلمة من كلام الله تعالى ~~وهي صلاته على عباده. وقيل سبوح قدوس من كلام (1) محمد صلى الله عليه وسلم ~~وقدمه بين يدي نطقه باللفظ الذي هو صلاة الله وهو (رحمتي سبقت غضبي) من حيث ~~فهم من السائل أنه توهم في صلاة الله على عباده وجها لا يليق بالله عز وجل، ~~فقدم التنزيه والتعظيم بين يدي إخباره. # قوله تعالى: (ليخرجنكم من الظلمات إلى النور) أي من الضلالة إلى الهدى. # ومعنى هذا التثبيت على الهداية، لأنهم كانوا في وقت الخطاب على الهداية. ~~ثم أخبر تعالى برحمته بالمؤمنين تأنيسا لهم فقال: (وكان بالمؤمنين رحيما). # قوله تعالى: تحيتهم يوم يلقونه سلام وأعد لهم أجرا كريما (44) اختلف في ~~الضمير الذي في " يلقونه " على من يعود، فقيل على الله تعالى، أي كان ~~بالمؤمنين رحيما، فهو يؤمنهم من عذاب الله يوم القيامة. وفي ذلك اليوم ~~يلقونه. و " تحيتهم " أي تحية بعضهم لبعض. " سلام " أي سلامة لنا ولكم من ~~عذاب الله. وقيل: هذه التحية من الله تعالى، المعنى: فيسلمهم من الآفات، أو ~~يبشرهم بالأمن من المخافات " يوم يلقونه " أي يوم القيامة بعد دخول الجنة. ~~قال معناه الزجاج، واستشهد بقوله عز وجل: # " وتحيتهم فيها سلام " (2) [يونس: 10]. وقيل: " يوم يلقونه " أي يوم ~~يلقون ms5016 ملك الموت، وقد ورد أنه لا يقبض روح مؤمن إلا سلم عليه. روى عن ~~البراء بن عازب قال: " تحتهم يوم يلقونه سلام " فيسلم ملك الموت على المؤمن ~~عند قبض روحه، لا يقبض روحه حتى يسلم عليه. # قوله تعالى: يا أيها النبي إنا أرسلناك شهادا ومبشرا ونذيرا (45) وداعيا ~~إلى الله بإذنه وسراجا منيرا (46) # PageV14P199 # هذه الآية فيها تأنيس للنبي صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، وتكريم ~~لجميعهم. وهذه الآية تضمنت من أسمائه صلى الله عليه وسلم ستة أسماء ولنبينا ~~صلى الله عليه وسلم أسماء كثيرة وسمات جليلة، ورد ذكرها في الكتاب والسنة ~~والكتب المتقدمة. وقد سماه الله في كتابه محمدا وأحمد. وقال صلى الله عليه ~~وسلم فيما روى عنه الثقات العدول: (لي خمسة أسماء أنا محمد وأنا أحمد وأنا ~~الماحي الذي يمحو الله بي الكفر وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي وأنا ~~العاقب). وفي صحيح مسلم من حديث جبير بن مطعم: وقد سماه الله " رؤوفا رحيما ~~". # وفيه أيضا عن أبي موسى الأشعري قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يسمي لنا نفسه أسماء، فيقول: (أنا محمد وأحمد والمقفي والحاشر ونبي التوبة ~~ونبي الرحمة). وقد تتبع القاضي أبو الفضل عياض في كتابه المسمى (بالشفا) ما ~~جاء في كتاب الله وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ومما نقل في الكتب ~~المتقدمة (1)، وإطلاق الأمة أسماء كثيرة وصفات عديدة، قد صدقت عليه صلى ~~الله عليه وسلم مسمياتها، ووجدت فيه معانيها. # وقد ذكر القاضي أبو بكر بن العربي في أحكامه في هذه الآية من أسماء النبي ~~صلى الله عليه وسلم سبعة وستين اسما. وذكر صاحب (وسيلة المتعبدين إلى ~~متابعة سيد المرسلين) عن ابن عباس أن لمحمد صلى الله عليه وسلم مائة ~~وثمانين اسما، من أرادها وجدها هناك. # وقال ابن عباس: لما نزلت هذه الآية دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عليا ومعاذا، فبعثهما إلى اليمن، وقال: (اذهبا فبشرا ولا تنفرا، ويسرا ولا ~~تعسرا فإنه قد أنزل علي...) وقرأ هذه الآية. # قوله تعالى: (شاهدا) قال ms5017 سعيد عن قتادة: " شاهدا " على أمته بالتبليغ ~~إليهم، وعلى سائر الأمم بتبليغ أنبيائهم، ونحو ذلك. (ومبشرا) معناه ~~للمؤمنين برحمة الله وبالجنة (ونذيرا) معناه للعصاة والمكذبين من النار ~~وعذاب الخلد. (وداعيا إلى الله) الدعاء إلى الله هو تبليغ التوحيد والاخذ ~~به، ومكافحة الكفرة. و (بإذنه) هنا معناه: بأمره إياك، وتقديره ذلك في وقته ~~وأوانه. (وسراجا منيرا) هنا استعارة للنور الذي يتضمنه شرعه. # PageV14P200 # وقيل: " وسراجا " أي هاديا من ظلم الضلالة، وأنت كالمصباح المضئ. ووصفه ~~بالإنارة لان من السرج ما لا يضئ، إذا قل سليطه (1) ودقت فتيلته. وفي كلام ~~بعضهم: ثلاثة تضنى: رسول بطئ، وسراج لا يضئ، ومائدة ينتظر لها من يجئ. وسئل ~~بعضهم عن الموحشين فقال: ظلام ساتر وسراج فاتر، وأسند النحاس قال: حدثنا ~~محمد بن إبراهيم الرازي قال حدثنا عبد الرحمن بن صالح الأزدي قال حدثنا عبد ~~الرحمن بن محمد المحاربي عن شيبان النحوي قال حدثنا قتادة عن عكرمة عن ابن ~~عباس قال: لما نزلت " يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا. ~~وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا " دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عليا ومعاذا فقال: (انطلقا فبشرا ولا تعسرا فإنه قد نزل علي الليلة آية " ~~يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا - من النار - وداعيا إلى ~~الله - قال - شهادة أن لا إله إلا الله - بإذنه - بأمره - وسراجا منيرا - ~~قال - بالقرآن ". # وقال الزجاج: " وسراجا " أي وذا سراج منير، أي كتاب نير. وأجاز أيضا أن ~~يكون بمعنى: وتاليا كتاب الله. # قوله تعالى: وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا (47) ولا تطع ~~الكافرين والمنافقين ودع أذاهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا (48) قوله ~~تعالى: " وبشر المؤمنين " الواو عاطفة جملة على جملة، والمعنى منقطع من ~~الذي قبله. أمره تعالى أن يبشر المؤمنين بالفضل الكبير من الله تعالى. وعلى ~~قول الزجاج: # ذا سراج منير، أو وتاليا سراجا منيرا، يكون معطوفا على الكاف لا في " ~~أرسلناك ". قال أبن عطية: قال لنا أبي رضي الله عنه: هذه من أرجى آية عندي ~~في ms5018 كتاب الله تعالى، لان الله عز وجل قد أمر نبيه أن يبشر المؤمنين بأن لهم ~~عنده فضلا كبيرا، وقد بين تعالى الفضل الكبير في قوله تعالى: " والذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشاءون # PageV14P201 # عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير " (1) [الشورى: 22]. فالآية التي في هذه ~~السورة خبر، والتي في حم. # عسق " تفسير لها. (ولا تطع الكافرين والمنافقين) أي لا تطعهم فيما يشيرون ~~عليك من المداهنة في الدين ولا تمالئهم. " الكافرين ": أبي سفيان وعكرمة ~~وأبي الأعور السلمي، قالوا: يا محمد، لا تذكر آلهتنا بسوء نتبعك. " ~~والمنافقين ": عبد الله بن أبي و عبد الله ابن سعد وطعمة بن أبيرق، حثوا ~~النبي صلى الله عليه وسلم على إجابتهم بتعلة المصلحة. # (ودع أذاهم) أي دع أن تؤذيهم مجازاة على إذا يتهم (2) إياك. فأمره تبارك ~~وتعالى بترك معاقبتهم، والصفح عن زللهم، فالمصدر على هذا مضاف إلى المفعول. ~~ونسخ من الآية على هذا التأويل ما يخص الكافرين، وناسخه آية السيف. وفيه ~~معنى ثان: أي أعرض عن أقوالهم وما يؤذونك، ولا تشتغل به، فالمصدر على هذا ~~التأويل مضاف إلى الفاعل. وهذا تأويل مجاهد، والآية منسوخة بآية السيف. ~~(وتوكل على الله) أمره بالتوكل عليه وآنسه بقوله " وكفى بالله وكيلا " وفي ~~قوة الكلام وعد بنصر. والوكيل: الحافظ القائم على الامر. # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل ~~أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا (49) ~~فيه سبع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم ~~طلقتموهن " لما جرت قصة زيد وتطليقه زينب، وكانت مدخولا بها، وخطبها النبي ~~صلى الله عليه وسلم بعد انقضاء عدتها - كما بيناه - خاطب الله المؤمنين ~~بحكم الزوجة تطلق قبل البناء، وبين ذلك الحكم للأمة، فالمطلقة إذا لم تكن ~~ممسوسة لا عدة عليها بنص الكتاب وإجماع الأمة على ذلك. فإن دخل بها فعليها ~~العدة إجماعا. # PageV14P202 # الثانية - النكاح حقيقة في الوطئ، وتسمية العقد نكاحا لملابسته له من حيث ~~إنه طريق إليه. ms5019 ونظيره تسميتهم الخمر إثما (1) لأنه سبب في اقتراف الاثم. ~~ولم يرد لفظ النكاح في كتاب الله إلا في معنى العقد، لأنه في معنى الوطئ، ~~وهو من آداب القرآن، الكناية عنه بلفظ: الملامسة والمماسة والقربان والتغشي ~~والآتيان. # الثالثة - استدل بعض العلماء بقوله تعالى: " ثم طلقتموهن " وبمهلة " ثم " ~~على أن الطلاق لا يكون إلا بعد نكاح وأن من طلق المرأة قبل نكاحها وإن ~~عينها، فإن ذلك لا يلزمه. وقال هذا نيف على ثلاثين من صاحب وتابع وإمام. ~~سمى البخاري منهم اثنين (2) وعشرين. وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~(لا طلاق قبل نكاح) ومعناه: أن الطلاق لا يقع حتى يحصل النكاح. قال حبيب بن ~~أبي ثابت: سئل علي بن الحسين رضي الله عنهما عن رجل قال لامرأة: إن تزوجتك ~~فأنت طالق؟ فقال: ليس بشئ، ذكر الله عز وجل النكاح قبل الطلاق. وقالت طائفة ~~من أهل العلم: إن طلاق المعينة الشخص أو القبيلة أو البلد لازم قبل النكاح، ~~منهم مالك وجميع أصحابه، وجمع عظيم من علماء الأمة. # وقد مضى في " براءة " (3) الكلام فيها ودليل الفريقين. والحمد لله. فإذا ~~قال: كل امرأة أتزوجها [طالق] وكل عبد أشتريه حر، لم يلزمه شئ. وإن قال: كل ~~امرأة أتزوجها إلى عشرين سنة، أو إن تزوجت من بلد فلان أو من بني فلان فهي ~~طالق، لزمه الطلاق ما لم يخف العنت على نفسه في طول السنين، أو يكون عمره ~~في الغالب لا يبلغ ذلك، فله أن يتزوج. # وإنما لم يلزمه الطلاق إذا عمم لأنه ضيق على نفسه المناكح، فلو منعناه ~~ألا يتزوج لحرج وخيف (4) عليه العنت. وقد قال بعض أصحابنا: إنه إن وجد ما ~~يتسرر به لم ينكح، وليس بشئ وذلك أن الضرورات والاعذار ترفع الاحكام، فيصير ~~هذا من حيث الضرورة كمن لم يحلف، قاله ابن خويز منداد. # PageV14P203 # الرابعة - استدل داود - ومن قال بقوله - إن المطلقة الرجعية إذا راجعها ~~زوجها قبل أن تنقضي عدتها ثم فارقها قبل أن يمسها، أنه ليس عليها أن تتم ~~عدتها ولا عدة ms5020 مستقبلة، لأنها مطلقة قبل الدخول بها. وقال عطاء بن أبي رباح ~~وفرقة: تمضي في عدتها من طلاقها الأول - وهو أحد قولي الشافعي -، لان طلاقه ~~لها إذا لم يمسها في حكم من طلقها في عدتها قبل أن يراجعها. ومن طلق امرأته ~~في كل طهر مره بنت ولم تستأنف. وقال مالك: إذا فارقها قبل أن يمسها إنها لا ~~تبني على ما مضى من عدتها، وإنها تنشئ من يوم طلقها عدة مستقبلة. وقد ظلم ~~زوجها نفسه وأخطأ إن كان ارتجعها ولا حاجة له بها. وعلى هذا أكثر أهل ~~العلم، لأنها في حكم الزوجات المدخول بهن في النفقة والسكنى وغير ذلك، ~~ولذلك تستأنف العدة من يوم طلقت، وهو قول جمهور فقهاء البصرة والكوفة ومكة ~~والمدينة والشام. وقال الثوري: أجمع الفقهاء عندنا على ذلك. # الخامسة - فلو كانت بائنة غير مبتوتة فتزوجها في العدة ثم طلقها قبل ~~الدخول فقد اختلفوا في ذلك أيضا، فقال مالك والشافعي وزفر وعثمان البتي: ~~لها نصف الصداق وتتم بقية العدة الأولى. وهو قول الحسن وعطاء وعكرمة وابن ~~شهاب. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف والثوري والأوزاعي،: لها مهر كامل للنكاح ~~الثاني وعدة مستقبلة. جعلوها في حكم المدخول بها لاعتدادها من مائه. وقال ~~داود: لها نصف الصداق، وليس عليها بقية العدة الأولى ولا عدة مستقبلة. ~~والأولى ما قاله مالك والشافعي، والله أعلم. # السادسة - هذه الآية مخصصة لقوله تعالى: " والمطلقات يتربصن بأنفسهن ~~ثلاثة قروء " [البقرة: 228]، ولقوله: " واللائي يئسن من المحيض من نسائكم ~~إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر " (1) [الطلاق: 4]. # وقد مضى في " البقرة " (2)، ومضى فيها الكلام في المتعة (2)، فأغنى عن ~~الإعادة هنا. " وسرحوهن سراحا جميلا " فيه وجهان: أحدهما: أنه دفع المتعة ~~بحسب الميسرة والعسرة، قاله # PageV14P204 # ابن عباس. الثاني - أنه طلاقها طاهرا من غير جماع، قاله قتادة وقيل: ~~فسرحوهن بعد الطلاق إلى أهلهن، فلا يجتمع الرجل والمطلقة في موضع واحد. # السابعة - قوله تعالى: (فمتعوهن) قال سعيد: هي منسوخة بالآية التي في ~~البقرة، وهي قوله: " وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة ~~فنصف ما ms5021 فرضتم " [البقرة: 237] أي فلم يذكر المتعة. وقد مضى الكلام في هذا ~~(البقرة) (1) مستوفى. وقوله: # (وسرحوهن) طلقوهن. والتسريح كناية عن الطلاق عند أبي حنيفة، لأنه يستعمل ~~في غيره فيحتاج إلى النية. وعند الشافعي صريح. وقد مضى في (البقرة) القول ~~فيه فلا معنى للإعادة (1). " جميلا " سنة، غير بدعة. # قوله تعالى: يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ~~ملكت يمينك مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات ~~خالاتك اللاتي هاجرن معك وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي ~~أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم ~~وما ملكت أيمانهم لكيلا يكون عليك حرج وكان الله غفورا رحيما (50) فيه تسع ~~عشرة مسألة: # الأولى - روى السدي عن أبي صالح عن أم هانئ بنت أبي طالب قالت: خطبني ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتذرت (2) إليه فعذرني، ثم أنزل الله ~~تعالى: " إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء ~~الله عليك وبنات عمك وبنات # PageV14P205 # عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك " قالت: فلم أكن أحل له، ~~لأني لم أهاجر، كنت من الطلقاء. خرجه أبو عيسى وقال: هذا حديث حسن لا نعرفه ~~إلا من هذا الوجه. قال ابن العربي: وهو ضعيف جدا ولم يأت هذا الحديث من ~~طريق صحيح يحتج بها. # الثانية - لما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه فاخترنه، حرم عليه ~~التزوج بغيرهن والاستبدال بهن، مكافأة لهن على فعلهن. والدليل على ذلك قوله ~~تعالى: " لا يحل لك النساء من بعد " الآية. وهل كان يحل له أن يطلق واحدة ~~منهن بعد ذلك؟ فقيل: لا يحل له ذلك جزاء لهن على اختيارهن له. وقيل: كان ~~يحل له ذلك كغيره من النساء ولكن لا يتزوج بدلها. ثم نسخ هذا التحريم فأباح ~~له أن يتزوج بمن شاء عليهن من النساء، والدليل عليه قوله تعالى: " إنا ~~أحللنا لك أزواجك " والاحلال يقتضي تقدم حظر. وزوجاته اللاتي في حياته لم ms5022 ~~يكن محرمات عليه، وإنما كان حرم عليه التزويج بالأجنبيات فانصرف الاحلال ~~إليهن، ولأنه قال في سياق الآية " وبنات عمك وبنات عماتك " الآية. ومعلوم ~~أنه لم يكن تحته أحد من بنات عمه ولا من بنات عماته ولا من بنات خاله ولا ~~من بنات خالاته، فثبت أنه أحل له التزويج بهذا ابتداء. وهذه الآية وإن كانت ~~مقدمة في التلاوة فهي متأخرة النزول على الآية المنسوخة بها، كآيتي الوفاة ~~في " البقرة " (1). # وقد اختلف الناس في تأويل قوله تعالى: " إنا أحللنا لك أزواجك " فقيل: ~~المراد بها أن الله تعالى أحل له أن يتزوج كل امرأة يؤتيها مهرها، قاله ابن ~~زيد والضحاك. فعلى هذا تكون الآية مبيحة جميع النساء حاشا ذوات المحارم. ~~وقيل: المراد أحللنا لك أزواجك، أي الكائنات عندك، لأنهن قد اخترنك على ~~الدنيا والآخرة، قاله الجمهور من العلماء. وهو الظاهر، لان قوله: " آتيت ~~أجورهن " ماض، ولا يكون الفعل الماضي بمعنى الاستقبال إلا بشروط. # ويجئ الامر على هذا التأويل ضيقا على النبي صلى الله عليه وسلم. ويؤيد ~~هذا التأويل ما قاله # PageV14P206 # ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتزوج في أي الناس شاء، وكان ~~يشق ذلك على نسائه، فلما نزلت هذه الآية وحرم عليه بها النساء إلا من سمى، ~~سر نساؤه بذلك. # قلت: والقول الأول أصح لما ذكرناه. ويدل أيضا على صحته ما خرجه الترمذي ~~عن عطاء قال قالت عائشة رضي الله عنها: ما مات رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حتى أحل الله تعالى له النساء. قال: هذا حديث حسن صحيح. # الثالثة - قوله تعالى: (وما ملكت يمينك) أحل الله تعالى السراري لنبيه ~~صلى الله عليه وسلم ولأمته مطلقا، وأحل الأزواج لنبيه عليه الصلاة والسلام ~~مطلقا، وأحله للخلق بعدد. وقوله: (مما أفاء الله عليك) أي رده عليك من ~~الكفار. والغنيمة قد تسمى فيئا، أي مما أفاء الله عليك من النساء بالمأخوذ ~~على وجه القهر والغلبة. # الرابعة - قوله تعالى: (وبنات عمك وبنات عماتك) أي أحللنا لك ذلك زائدا ~~من الأزواج اللاتي آتيت أجورهن ms5023 وما ملكت يمينك، على قول الجمهور، لأنه لو ~~أراد أحللنا لك كل امرأة تزوجت وآتيت أجرها، لما قال بعد ذلك: " وبنات عمك ~~وبنات عماتك " لان ذلك داخل فيما تقدم. # قلت: وهذا لا يلزم، وإنما خص هؤلاء بالذكر تشريفا، كما قال تعالى: " ~~فيهما فاكهة ونخل ورمان " (1) [الرحمن: 68]. والله أعلم. # الخامسة - قوله تعالى: (اللاتي هاجرن معك) فيه قولان: الأول: لا يحل لك ~~من قرابتك كبنات عمك العباس وغيره من أولاد عبد المطلب، وبنات أولاد بنات ~~عبد المطلب، وبنات الخال من ولد بنات عبد مناف بن زهرة إلا من أسلم، لقول ~~صلى الله عليه وسلم: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من ~~هجر ما نهى الله تعالى عنه). الثاني: لا يحل لك منهن إلا من هاجر إلى ~~المدينة، لقوله تعالى. " والذين آمنوا ولم يهاجروا مالكم من ولايتهم # PageV14P207 # من شئ حتى يهاجروا " (1) ومن لم يهاجر لم يكمل، ومن لم يكمل لم يصلح ~~للنبي صلى الله عليه وسلم الذي كمل وشرف وعظم، صلى الله عليه وسلم. # السادسة - قوله تعالى: " معك " المعية هنا الاشتراك في الهجرة لا في ~~الصحبة فيها، فمن هاجر حل له، كان في صحبته إذ هاجر أو لم يكن. يقال: دخل ~~فلان معي وخرج معي، أي كان عمله كعملي وإن لم يقترن فيه عملكما. ولو قلت: ~~خرجنا معا لاقتضى ذلك المعنيين جميعا: الاشتراك في الفعل، والاقتران [فيه]. # السابعة - ذكر الله تبارك وتعالى العم فردا والعمات جمعا. وكذلك قال: ~~(خالك)، (وخالاتك) والحكمة في ذلك: أن العم والخال في الاطلاق اسم جنس ~~كالشاعر والراجز وليس كذلك العمة والخالة. وهذا عرف لغوي فجاء الكلام عليه ~~بغاية البيان لرفع الاشكال وهذا دقيق فتأملوه قاله ابن العربي. # الثامنة - قوله تعالى: (وامرأة مؤمنة) عطف على " أحللنا ". المعنى ~~وأحللنا لك امرأة تهب نفسها من غير صداق. وقد اختلف في هذا المعنى، فروى عن ~~ابن عباس أنه قال: لم تكن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة إلا بعقد ~~نكاح أو ملك يمين. # فأما الهبة فلم يكن عنده ms5024 منهن أحد. وقال قوم: كانت عنده موهوبة. # قلت: والذي في الصحيحين يقوي هذا القول ويعضده، روى مسلم عن عائشة رضي ~~الله عنها أنها قالت: كنت أغار على اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأقول: # أما تستحي امرأة تهب نفسها لرجل! حتى أنزل الله تعالى " ترجي من تشاء ~~منهن وتؤوي إليك من تشاء " [الأحزاب: 51] فقلت: والله ما أرى ربك إلا يسارع ~~في هواك. وروى البخاري عن عائشة أنها قالت: كانت خولة بنت حكيم من اللائي ~~وهبن أنفسهن لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فدل هذا على أنهن كن غير ~~واحدة. والله تعالى أعلم. الزمخشري: وقيل الموهبات أربع: ميمونة بنت ~~الحارث، وزينب بنت خزيمة أم المساكين الأنصارية، وأم شريك بنت جابر، وخولة ~~بنت حكيم. # PageV14P208 # قلت: وفي بعض هذا اختلاف. قال قتادة: هي ميمونة بنت الحارث. وقال الشعبي: # هي زينب بنت خزيمة أم المساكين امرأة من الأنصار. وقال علي بن الحسين ~~والضحاك ومقاتل: هي أم شريك بنت جابر الأسدية. وقال عروة بن الزبير: أم ~~حكيم بنت الأوقص السلمية. # التاسعة - وقد اختلف في اسم الواهبة نفسها، فقيل هي أم شريك الأنصارية، ~~اسمها غزية. وقيل غزيلة. وقيل ليلى بنت حكيم. وقيل: هي ميمونة بنت الحارث ~~حين خطبها النبي صلى الله عليه وسلم، فجاءها الخاطب وهي على بعيرها فقالت: ~~البعير وما عليه لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: هي أم شريك ~~العامرية، وكانت عند أبي العكر الأزدي. وقيل عند. الطفيل بن الحارث فولدت ~~له شريكا. وقيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها، ولم يثبت ذلك. ~~والله تعالى أعلم، ذكره أبو عمر بن عبد البر. وقال الشعبي وعروة: # هي زينب بنت خزيمة أم المساكين. والله تعالى أعلم. # العاشرة - قرأ جمهور الناس " إن وهبت " بكسر الألف، وهذا يقتضي استئناف ~~الامر، أي إن وقع فهو حلال له. وقد روي عن ابن عباس ومجاهد أنهما قالا: لم ~~يكن عند النبي صلى الله عليه وسلم امرأة موهوبة، وقد دللنا على خلافه. وروى ~~الأئمة من طريق ms5025 سهل وغيره في الصحاح: أن امرأة قالت لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: جئت أهب لك نفسي، فسكت حتى قام رجل فقال: زوجنيها إن لم يكن لك ~~بها حاجة. فلو كانت هذه الهبة غير جائزة لما سكت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لأنه لا يقر على الباطل إذا سمعه، غير أنه يحتمل أن يكون سكوته منتظرا ~~بيانا، فنزلت الآية. بالتحليل والتخيير، فاختار تركها وزوجها من غيره. ~~ويحتمل أن يكون سكت ناظرا في ذلك حتى قام الرجل لها طالبا. # وقرأ الحسن البصري وأبى بن كعب والشعبي " أن " بفتح الألف. وقرأ الأعمش " ~~وامرأة مؤمنة وهبت ". قال النحاس: وكسر " إن " أجمع للمعاني، لأنه قيل إنهن ~~نساء. وإذا فتح كان المعنى على واحدة بعينها، لان الفتح على البدل من ~~امرأة، أو بمعنى لان. PageV14P209 # الحادية عشرة - قوله تعالى: " مؤمنة " يدل على أن الكافرة لا تحل له. قال ~~إمام الحرمين: وقد اختلف في تحريم الحرة الكافرة عليه. قال أبن العربي: ~~والصحيح عندي تحريمها عليه. وبهذا يتميز علينا، فإنه ما كان من جانب ~~الفضائل والكرامة فحظه فيه أكثر، وما كان من جانب النقائص فجانبه عنها ~~أطهر، فجوز لنا نكاح الحرائر الكتابيات، وقصر هو صلى الله عليه وسلم ~~لجلالته على المؤمنات. وإذا كان لا يحل له من لم تهاجر لنقصان فضل الهجرة ~~فأحرى ألا تحل له الكافرة (1) الكتابية لنقصان الكفر. # الثانية عشرة - قوله تعالى: " إن وهبت نفسها " دليل على أن النكاح عقد ~~معاوضة على صفات مخصوصة، قد تقدمت في " النساء " (1) وغيرها. وقال الزجاج: ~~معنى " إن وهبت نفسها للنبي " حلت. وقرأ الحسن: " إن وهبت " بفتح الهمزة. و ~~" أن " في موضع نصب. # قال الزجاج: أي لان. وقال غيره: " إن وهبت " بدل اشتمال من " امرأة ". # الثالثة عشرة - قوله تعالى: (إن أراد النبي أن يستنكحها) أي إذا وهبت ~~المرأة نفسها وقبلها النبي صلى الله عليه وسلم حلت له، وإن لم يقبلها لم ~~يلزم ذلك. كما إذا وهبت لرجل، شيئا فلا يجب عليه القبول، بيد أن من مكارم ~~أخلاق نبينا أن يقبل ms5026 من الواهب هبته. # ويرى الأكارم أن ردها هجنة في العادة، ووصمة على الواهب وأذية لقلبه، ~~فبين الله ذلك في حق رسوله صلى الله عليه وسلم وجعله قرآنا يتلى، ليرفع عنه ~~الحرج، ومبطل بطل الناس في عادتهم وقولهم. # الرابعة عشرة - قوله تعالى " خالصة لك " أي هبة النساء أنفسهن خالصة ~~ومزية لا تجوز، فلا يجوز أن تهب المرأة نفسها لرجل. ووجه الخاصية أنها لو ~~طلبت فرض المهر قبل الدخول لم يكن لها ذلك. فأما فيما بيننا فللمفوضة طلب ~~المهر قبل الدخول، ومهر المثل بعد الدخول. # PageV14P210 # الخامسة عشرة - أجمع العلماء على أن هبة المرأة نفسها غير جائز (1)، وأن ~~هذا اللفظ من الهبة لا يتم عليه نكاح، إلا ما روى عن أبي حنيفة وصاحبيه ~~فإنهم قالوا: إذا وهبت فأشهد هو على نفسه بمهر فذلك جائز. قال أبن عطية: ~~فليس في قولهم إلا تجويز العبارة ولفظة الهبة، وإلا فالافعال التي اشترطوها ~~هي أفعال النكاح بعينه، وقد تقدمت هذه المسألة في " القصص " مستوفاة (2). ~~والحمد لله. # السادسة عشرة - خص الله تعالى رسوله في أحكام الشريعة بمعان لم يشاركه ~~فيها أحد - في باب الفرض والتحريم والتحليل - مزية على الأمة وهبت (3) له، ~~ومرتبة خص بها، ففرضت عليه أشياء ما فرضت على غيره، وحرمت عليه أفعال لم ~~تحرم عليهم، وحللت له أشياء لم تحلل لهم، منها متفق عليه ومختلف فيه. # فأما ما فرض عليه فتسعة: الأول - التهجد بالليل، يقال: إن قيام الليل كان ~~واجبا عليه إلى أن مات، لقوله تعالى: " يا أيها المزمل (4). قم الليل " ~~[المزمل: 1 - 2] الآية. والمنصوص أنه كان، واجبا عليه ثم نسخ بقوله تعالى: ~~" ومن الليل فتهجد به (5) نافلة لك " [الاسراء: 79] وسيأتي. الثاني - ~~الضحا. # الثالث - الأضحى. الرابع - الوتر، وهو يدخل في قسم التهجد. الخامس - ~~السواك. # السادس - قضاء دين من مات معسرا. السابع - مشاورة ذوي الأحلام في غير ~~الشرائع. # الثامن - تخير النساء. التاسع - إذا عمل عملا أثبته. زاد غيره: وكان يجب ~~عليه إذا رأى منكرا أنكره وأظهره، لان إقراره لغيره على ذلك يدل على جوازه، ~~ذكره صاحب البيان. ms5027 # وأما ما حرم عليه فجملته عشرة: الأول - تحريم الزكاة عليه وعلى آله. ~~الثاني - صدقة التطوع عليه، وفي آله تفصيل باختلاف. الثالث - خائنة (6) ~~الأعين، وهو أن يظهر خلاف ما يضمر، أو ينخدع عما يجب. وقد ذم بعض الكفار ~~عند إذنه ثم ألان له القول # PageV14P211 # عند دخوله (1). الرابع - حرم الله عليه إذا لبس لامته (2) أن يخلعها عنه ~~أو يحكم الله بينه وبين محاربه. الخامس - الاكل متكئا. السادس - أكل ~~الأطعمة الكريهة الرائحة. السابع - التبدل بأزواجه، وسيأتي. الثامن - نكاح ~~امرأة تكره صحبته. التاسع - نكاح الحرة الكتابية. # العاشر - نكاح الأمة. # وحرم الله عليه أشياء لم يحرمها على غيره تنزيها له وتطهيرا. فحرم الله ~~عليه الكتابة وقول الشعر وتعليمه، تأكيدا لحجته وبيانا لمعجزته قال الله ~~تعالى: " وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك " (3) [العنكبوت: ~~48]. وذكر النقاش أن النبي صلى الله عليه وسلم ما مات حتى كتب، والأول هو ~~المشهور. # وحرم عليه أن يمد عينيه إلى ما متع به الناس، قال الله تعالى: " لا تمدن ~~عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم " (4) [الحجر: 88] الآية. # وأما ما أحل له صلى الله عليه وسلم فجملته ستة عشر: الأول - صفي المغنم. ~~الثاني - الاستبداد بخمس الخمس أو الخمس. الثالث - الوصال. الرابع - ~~الزيادة على أربع نسوة. # الخامس - النكاح بلفظ الهبة. السادس - النكاح بغير ولي. السابع - النكاح ~~بغير صداق. # الثامن - نكاحه في حالة الاحرام. التاسع - سقوط القسم بين الأزواج عنه، ~~وسيأتي. # العاشر - إذا وقع بصره على امرأة وجب على زوجها طلاقها، وحل له نكاحها. ~~قال أبن العربي: هكذا قال إمام الحرمين، وقد مضى ما للعلماء في قصة زيد من ~~هذا المعنى. # الحادي عشر - أنه أعتق صفية وجعل عتقها صداقها. الثاني عشر - دخوله مكة ~~بغير إحرام، وفي حقنا فيه اختلاف. الثالث عشر - القتال بمكة. الرابع عشر - ~~أنه لا يورث. # وإنما ذكر هذا في قسم التحليل لان الرجل إذا قارب الموت بالمرض زال عنه ~~أكثر ملكه، ولم يبق له إلا الثلث خالصا، وبقي ملك رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على ما ms5028 تقرر بيانه في آية المواريث (5)، وسورة " مريم " (6) بيانه ~~أيضا. الخامس عشر - بقاء زوجيته من بعد # PageV14P212 # الموت. السادس عشر - إذا طلق امرأة تبقى حرمته عليها فلا تنكح. وهذه ~~الأقسام الثلاثة تقدم معظمها مفصلا في مواضعها. وسيأتي إن شاء الله تعالى. # [وأبيح (1) له عليه الصلاة والسلام أخذ الطعام والشراب من الجائع ~~والعطشان، وإن كان من هو معه يخاف على نفسه الهلاك، لقوله تعالى: " النبي ~~أولى بالمؤمنين من أنفسهم " [الأحزاب: 6]. # وعلى كل أحد من المسلمين أن يقي النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه. وأبيح ~~له أن يحمي لنفسه (2). # وأكرمه الله بتحليل الغنائم. وجعلت الأرض له ولأمته مسجدا وطهورا. وكان ~~من الأنبياء [من] لا تصح صلاتهم إلا في المساجد. ونصر بالرعب، فكان يخافه ~~العدو من مسيرة شهر. # وبعث إلى كافة الخلق، وقد كان من قبله من الأنبياء يبعث الواحد إلى بعض ~~الناس دون بعض. وجعلت معجزاته كمعجزات الأنبياء قبله وزيادة. وكانت معجزة ~~موسى عليه السلام العصا وانفجار الماء من الصخرة. وقد أنشق القمر للنبي صلى ~~الله عليه وسلم وخرج الماء من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم. وكانت معجزة ~~عيسى صلى الله عليه وسلم إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص. وقد سبح ~~الحصى في يد النبي صلى الله عليه وسلم، وحن الجذع إليه، وهذا أبلغ. وفضله ~~الله عليهم بأن جعل القرآن معجزة له، وجعل معجزته فيه باقية إلى يوم ~~القيامة، ولهذا جعلت نبوته مؤبدة لا تنسخ إلى يوم القيامة] (1). # السابعة عشر - قوله تعالى: (أن يستنكحها) أي ينكحها يقال: نكح واستنكح ~~مثل عجب واستعجب وعجل واستعجل. ويجوز أن يرد الاستنكاح بمعنى طلب النكاح أو ~~طلب الوطئ. و (خالصة) نصب على الحال قاله الزجاج. وقيل: حال من ضمير متصل ~~بفعل مضمر دل عليه المضمر تقديره: أحللنا لك أزواجك وأحللنا لك امرأة مؤمنة ~~أحللناها خالصة بلفظ الهبة وبغير صداق وبغير ولى. # الثامنة عشرة - قوله تعالى: (من دون المؤمنين) فائدته أن الكفار وإن ~~كانوا مخاطبين بفروع الشريعة عندنا فليس لهم في ذلك دخول، لان تصريف ~~الاحكام إنما يكون فيهم ms5029 على تقدير الاسلام. # PageV14P213 # قوله تعالى: (قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم) أي ما أوجبنا على ~~المؤمنين، وهو ألا يتزوجوا إلا أربع نسوة بمهر وبينة وولي. قال معناه أبي ~~بن كعب وقتاه وغيرهما. # التاسعة عشرة - قوله تعالى: لكيلا يكون عليك حرج) أي ضيق في أمر أنت فيه ~~محتاج إلى السعة، أي بينا هذا البيان وشرحنا هذا الشرح " لكيلا يكون عليك ~~حرج ". # ف‍ " - لكيلا " متعلق بقوله: " إنا أحللنا لك أزواجك " أي فلا يضيق قلبك ~~حتى يظهر منك أنك قد أثمت عند ربك في شئ. ثم آنس تعالى جميع المؤمنين ~~بغفرانه ورحمته فقال تعالى: # " وكان الله غفورا رحيما ". # قوله تعالى: ترجى من تشاء منهن وتأوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت ~~فلا جناح عليك ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن ~~والله يعلم ما في قلوبكم وكان الله عليما حليما (51) فيه إحدى عشرة مسألة. # الأولى - قوله تعالى: " ترجي من تشاء " قرئ مهموزا وغير مهموز، وهما ~~لغتان، يقال: أرجيت الامر وأرجأته إذا أخرته. " وتؤوي " تضم، يقال: آوى ~~إليه. (ممدودة الألف) ضم إليه. وأوى (مقصورة الألف) انضم إليه. # الثانية - وأختلف العلماء في تأويل هذه الآية، وأصح ما قيل فيها. التوسعة ~~على النبي صلى الله عليه وسلم في ترك القسم، فكان لا يجب عليه القسم بين ~~زوجاته. وهذا القول هو الذي يناسب ما مضى، وهو الذي ثبت معناه في الصحيح عن ~~عائشة رضي الله عنها، قالت: كنت أغار على اللائي وهبن أنفسهن لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأقول: أو تهب المرأة نفسها لرجل؟ فلما أنزل الله عز ~~وجل " ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت " قالت: ~~قلت والله ما أرى ربك إلا يسارع في هواك. قال PageV14P214 # ابن العربي: هذا الذي ثبت في الصحيح هو الذي ينبغي أن يعول عليه. والمعنى ~~المراد: # هو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مخيرا في أزواجه، إن شاء أن يقسم ~~قسم، وإن شاء أن يترك القسم ترك. فخص ms5030 النبي صلى الله عليه وسلم بأن جعل ~~الامر إليه فيه، لكنه كان يقسم من قبل نفسه دون أن فرض ذلك عليه، تطييبا ~~لنفوسهن، وصونا لهن عن أقوال الغيرة التي تؤدي إلى ما لا ينبغي. وقيل: كان ~~القسم واجبا على النبي صلى الله عليه وسلم ثم نسخ الوجوب عنه بهذه الآية. ~~قال أبو رزين: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد هم بطلاق بعض نسائه ~~فقلن له: أقسم لنا ما شئت. فكان ممن آوى عائشة وحفصة وأم سلمة وزينب، فكان ~~قسمتهن من نفسه وماله سواء بينهن. وكان ممن أرجى سودة وجويرية وأم حبيبة ~~وميمونة وصفية، فكان يقسم لهن ما شاء. وقيل: المراد الواهبات. ورى هشام بن ~~عروة عن أبيه عن عائشة في قوله: " ترجي من تشاء منهن " قالت: هذا في ~~الواهبات أنفسهن. # قال الشعبي: هن الواهبات أنفسهن، تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم منهن ~~وترك منهن. # وقال الزهري: ما علمنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرجأ أحدا من ~~أزواجه، بل آواهن كلهن. وقال أبن عباس وغيره: المعنى في طلاق من شاء ممن ~~حصل في عصمته، وإمساك من شاء. وقيل غير هذا. وعلى كل معنى فالآية معناها ~~التوسعة على رسول الله صلى الله عليه وسلم والإباحة. وما اخترناه أصح والله ~~أعلم. # الثالثة - ذهب هبة الله في الناسخ والمنسوخ إلى أن قوله: " ترجي من تشاء ~~" الآية، ناسخ لقوله: " لا يحل لك النساء من بعد " [الأحزاب: 52] الآية. ~~وقال: ليس في كتاب الله ناسخ تقدم المنسوخ سوى هذا. وكلامه يضعف من جهات. ~~وفي " البقرة " عدة المتوفي عنها أربعة أشهر وعشر، وهو ناسخ للحول وقد تقدم ~~عليه (1). # الرابعة - قوله تعالى: (ومن ابتغيت ممن عزلت) (ابتغيت) طلبت، والابتغاء ~~الطلب. و " عزلت " أزلت، والعزلة الإزالة، أي إن أردت أن تؤوي إليك امرأة ~~ممن # PageV14P215 # عزلتهن من القسمة وتضمها إليك فلا بأس عليك في ذلك. كذلك حكم الارجاء، ~~فدل أحد الطرفين على الثاني. # الخامسة - قوله تعالى: (فلا جناح عليك) أي لا ميل، يقال: جنحت السفينة أي ms5031 ~~مالت إلى الأرض. أي لا ميل عليك باللوم والتوبيخ. # السادسة - قوله تعالى: (ذلك أدنى أن تقر أعينهن) قال قتادة وغيره: أي ذلك ~~التخيير الذي خيرناك في صحبتهن أدنى إلى رضاهن إذ كان من عندنا، لأنهن إذا ~~علمن أن الفعل (1) من الله قرت أعينهن بذلك ورضين، لان المرء إذا علم أنه ~~لا حق له في شئ كان راضيا بما أوتى منه وإن قل. وإن علم أن له حقا لم يقنعه ~~ما أوتي منه، واشتدت غيرته عليه وعظم حرصه فيه. فكان ما فعل الله لرسوله من ~~تفويض الامر إليه في أحوال أزواجه أقرب إلى رضاهن معه، وإلى استقرار أعينهن ~~بما يسمح به لهن، دون أن تتعلق قلوبهن بأكثر منه. وقرئ: " تقر أعينهن " بضم ~~التاء ونصب الأعين. " وتقر أعينهن " على البناء للمفعول. وكان عليه السلام ~~مع هذا يشدد على نفسه في رعاية التسوية بينهن، تطييبا لقلوبهن - كما قدمناه ~~- ويقول: (اللهم هذه قدرتي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك) يعني ~~قلبه، لايثاره عائشة رضي الله عنها دون أن يكون يظهر ذلك في شئ من فعله.. ~~وكان في مرضه الذي توفي فيه يطاف به محمولا على بيوت أزواجه، إلى أن ~~استأذنهن أن يقيم في بيت عائشة. # قالت عائشة: أول ما اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت ميمونة، ~~فاستأذن أزواجه أن يمرض في بيتها - يعني في بيت عائشة - فأذن له... الحديث، ~~خرجه الصحيح. وفي الصحيح أيضا عن عائشة رضي الله عنها قالت: إن كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ليتفقد (2)، # PageV14P216 # يقول: (أين أنا اليوم أين أنا غدا) استبطاء ليوم عائشة رضي الله عنها. ~~قالت: فلما كان يومي قبضه الله تعالى بين سحري ونحري (1)، صلى الله عليه ~~وسلم السابعة - على الرجل أن يعدل بين نسائه لكل واحدة منهن يوما وليلة، ~~هذا قول عامة العلماء. وذهب بعضهم إلى وجوب ذلك في الليل دون النهار. ولا ~~يسقط حق الزوجة مرضها ولا حيضها، ويلزمه المقام عندها في يومها وليلتها. ~~وعليه أن يعدل بينهن في ms5032 مرضه كما يفعل في صحته، إلا أن يعجز عن الحركة ~~فيقيم حيث غلب عليه المرض، فإذا صح استأنف القسم. والإماء والحرائر ~~والكتابيات والمسلمات في ذلك سواء. قال عبد الملك: # للحرة ليلتان وللأمة ليلة. وأما السراري فلا قسم بينهن وبين الحرائر، ولا ~~حظ لهن فيه. # الثامنة - ولا يجمع بينهن في منزل واحد إلا برضاهن، ولا يدخل لإحداهن في ~~يوم الأخرى وليلتها لغير حاجة. واختلف في دخوله لحاجة وضرورة، فالأكثرون ~~على جوازه، مالك وغيره. وفي كتاب ابن حبيب منعه. وروى أبن بكير عن مالك عن ~~يحيى بن سعيد أن معاذ بن جبل كانت له امرأتان، فإذا كان يوم هذه لم يشرب من ~~بيت الأخرى الماء. # قال ابن بكير: وحدثنا مالك عن يحيى بن سعيد أن معاذ بن جبل كانت له ~~امرأتان ماتتا في الطاعون. فأسهم بينهما أيهما تدلى أول. # التاسعة - قال مالك: ويعدل بينهن في النفقة والكسوة إذا كن معتدلات ~~الحال، (ولا يلزم ذلك في المختلفات المناصب. وأجاز مالك أن يفضل إحداهما في ~~الكسوة على غير وجه الميل. فأما الحب والبغض فخارجان عن الكسب فلا يتأتى ~~العدل فيهما، وهو المعنى بقوله صلى الله عليه وسلم في قسمه (اللهم هذا فعلي ~~فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك). # أخرجه النسائي وأبو داود عن عائشة رضي الله عنها. وفي كتاب أبي داود " ~~يعني القلب "، وإليه الإشارة بقوله تعالى: " ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين ~~النساء ولو حرصتم " (2) [النساء: 129] وقوله تعالى: # " والله يعلم ما في قلوبكم ". وهذا هو وجه تخصيصه بالذكر هنا، تنبيها منه ~~لنا على أنه يعلم # PageV14P217 # ما في قلوبنا من ميل بعضنا إلى بعض من عندنا من النساء دون بعض، وهو ~~العالم بكل شئ " لا يخفى عليه شئ في الأرض ولا في السماء " (1) [آل عمران: ~~5] " يعلم السر وأخفى " (2) [طه: 7] لكنه سمح في ذلك، إذ لا يستطيع العبد ~~أن يصرف قلبه عن ذلك الميل، وإلى ذلك يعود قوله: " وكان الله غفورا رحيما ~~". # وقد قيل في قوله: " ذلك أدنى أن تقر أعينهن " وهي: # العاشرة - أي ms5033 ذلك أقرب ألا يحزن إذا لم يجمع إحداهن مع الأخرى ويعاين ~~الأثرة والميل. وروى أبو داود عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: (من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل). ~~(ويرضين بما آتيتهن كلهن) توكيد للضمير، أي ويرضين كلهن. وأجاز أبو حاتم ~~والزجاج " ويرضين بما آتيتهن كلهن " على التوكيد للمضمر الذي في " آتيتهن ~~". والفراء لا يجيزه، لان المعنى ليس عليه، إذ كان المعنى وترضى كل واحدة ~~منهن، وليس المعنى بما أعطيتهن كلهن. النحاس: والذي قاله حسن. # الحادية عشرة - قوله تعالى: (والله يعلم ما في قلوبكم) خبر عام، والإشارة ~~إلى ما في قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم من محبة شخص دون شخص. وكذلك ~~يدخل في المعنى أيضا المؤمنون. وفي البخاري عن عمرو بن العاص أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم بعثه على جيش ذات السلاسل، فأتيته فقلت: أي الناس أحب إليك؟ ~~فقال: (عائشة) فقلت: # من الرجال؟ قال: (أبوها) قلت: ثم من؟ قال: (عمر بن الخطاب...) فعد رجالا. # وقد تقدم القول في القلب بما فيه كفاية في أول " البقرة " (3)، وفي أول ~~هذه السورة (4). # يروى أن لقمان الحكيم كان عبدا نجارا قال له سيده: اذبح شاة وائتني ~~بأطيبها بضعتين، فأتاه باللسان والقلب. ثم أمره بذبح شاة أخرى فقال له: ألق ~~أخبثها بضعتين، فألقى اللسان والقلب. فقال: أمرتك أن تأتيني بأطيبها بضعتين ~~فأتيتني باللسان والقلب، وأمرتك أن تلقي بأخبثها بضعتين فألقيت اللسان ~~والقلب؟ فقال: ليس شئ أطيب منهما إذا طابا، ولا أخبث منهما إذا خبثا. # PageV14P218 # قوله تعالى: لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك ~~حسنهن إلا ما ملكت يمينك وكان الله على كل شئ رقيبا (52) فيه سبع مسائل: # الأولى - اختلف العلماء في تأويل قوله: " لا يحل لك النساء من بعد " على ~~أقوال سبعة: # الأولى - إنها منسوخة بالسنة، والناسخ لها حديث عائشة، قالت: ما مات رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل له النساء. وقد تقدم (1). # الثاني ms5034 - أنها منسوخه بآية أخرى، روى الطحاوي عن أم سلمة قالت: لم يمت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل الله له أن يتزوج من النساء من شاء، ~~إلا ذات محرم، وذلك قوله عز وجل: " ترجى من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ~~". قال النحاس: # وهذا والله أعلم أولى ما قيل في الآية، وهو وقول عائشة واحد في النسخ. ~~وقد يجوز أن تكون عائشة أرادت أحل له ذلك بالقرآن. وهو مع هذا قول علي بن ~~أبي طالب وابن عباس وعلي بن الحسين والضحاك. وقد عارض بعض فقهاء الكوفيين ~~فقال: محال أن تنسخ هذه الآية يعني " ترجي من تشاء منهن " " لا يحل لك ~~النساء من بعد " وهي قبلها في المصحف الذي أجمع عليه المسلمون. ورجح قول من ~~قال نسخت بالسنة. قال النحاس: وهذه المعاوضة لا تلزم وقائلها غالط، لان ~~القرآن بمنزلة سورة واحدة، كما صح عن ابن عباس: # أنزل الله القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا في شهر رمضان. ومبين لك ~~أن اعتراض هذا [المعترض] لا يلزم [أن] قوله عز وجل: " والذين يتوفون منكم ~~ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج " (2) [البقرة: ~~240] منسوخة على قول أهل التأويل - لا نعلم بينهم # PageV14P219 # خلافا - بالآية التي قبلها " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن ~~بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا " (1) [البقرة: 234]: # الثالث - أنه صلى الله عليه وسلم حظر عليه أن يتزوج على نسائه، لأنهن ~~اخترن الله ورسوله والدار الآخرة، هذا قول الحسن وابن سيرين وأبي بكر بن ~~عبد الرحمن بن الحارث ابن هشام. قال النحاس: وهذا القول يجوز أن يكون هكذا ~~ثم نسخ. # الرابع - أنه لما حرم عليهن أن يتزوجن بعده حرم عليه أن يتزوج غيرهن، ~~قاله أبو أمامة بن سهل بن حنيف. # الخامس - " لا يحل لك النساء من بعد " أي من بعد الأصناف التي سميت، قاله ~~أبي بن كعب وعكرمة وأبو رزين، وهو اختيار محمد بن جرير. ومن قال إن الإباحة ~~كانت له مطلقة قال هنا: " لا يحل لك النساء " معناه لا تحل لك ms5035 اليهوديات ~~ولا النصرانيات. وهذا تأويل فيه بعد. وروي عن مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة ~~أيضا. وهو القول السادس. # قال مجاهد: لئلا تكون كافرة أما للمؤمنين. وهذا القول يبعد، لأنه يقدره: ~~من بعد المسلمات، ولم يجر للمسلمات ذكر. وكذلك قدر " ولا أن تبدل بهن " أي ~~ولا أن تطلق مسلمة لتستبدل بها كتابية. # السابع - أن النبي صلى الله عليه وسلم كان له حلال أن يتزوج من شاء ثم ~~نسخ ذلك. # قال: وكذلك كانت الأنبياء قبله صلى الله عليه وسلم قاله محمد بن كعب ~~القرظي. # الثانية - قوله تعالى: (ولا أن تبدل بهن من أزواج) قال ابن زيد: هذا شئ ~~كانت العرب تفعله، يقول أحدهم: خذ زوجتي وأعطني زوجتك، روى الدارقطني عن ~~أبي هريرة قال: كان البدل في الجاهلية أن يقول الرجل للرجل: انزل لي عن ~~امرأتك وأنزل لك عن امرأتي وأزيدك، فأنزل الله عز وجل " ولا أن تبدل بهن من ~~أزواج ولو أعجبك حسنهن " قال: فدخل عيينة بن حصن الفزاري على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وعنده # PageV14P220 # عائشة، فدخل بغير إذن، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا عيينة ~~فأين الاستئذان)؟ # فقال: يا رسول الله، ما استأذنت على رجل من مضر منذ أدركت. قال: من هذه ~~الحميراء إلى جنبك؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هذه عائشة أم ~~المؤمنين) قال: أفلا أنزل لك عن أحسن الخلق. فقال: (يا عيينة، إن الله قد ~~حرم ذلك). قال فلما خرج قالت عائشة: # يا رسول الله، من هذا؟ قال: (أحمق مطاع وإنه على ما ترين لسيد قومه). وقد ~~أنكر الطبري والنحاس وغيرهما ما حكاه أبن زيد عن العرب، من أنها كانت تبادل ~~بأزواجها. # قال الطبري: وما فعلت العرب قط هذا. وما روي من حديث عيينة بن حصن من أنه ~~دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده عائشة... الحديث، فليس بتبديل، ~~ولا أراد ذلك، وإنما أحتقر عائشة لأنها كانت صبية فقال هذا القول. # قلت: وما ذكرناه من حديث زيد بن أسلم عن ms5036 عطاء بن يسار عن أبي هريرة من أن ~~البدل كان في الجاهلية يدل على خلاف ما أنكر من ذلك، والله أعلم. قال ~~المبرد: وقرئ " لا يحل " بالياء والتاء. فمن قرأ بالتاء فعلى معنى جماعة ~~النساء، وبالياء من تحت على معنى جميع النساء. وزعم الفراء قال: اجتمعت ~~القراء على أن القراءة بالياء، وهذا غلط، وكيف يقال: # اجتمعت القراء وقد قرأ أبو عمرو بالتاء بلا اختلاف عنه! # الثالثة - قوله تعالى: (ولو أعجبك حسنهن) قال ابن عباس: نزل ذلك بسبب ~~أسماء بنت عميس، أعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مات عنها جعفر بن ~~أبي طالب، حسنها، فأراد أن يتزوجها، فنزلت الآية، وهذا حديث ضعيف قاله ابن ~~العربي. # الرابعة - في هذه الآية دليل على جواز أن ينظر الرجل إلى من يريد زواجها. ~~وقد أراد المغيرة بن شعبة زواج امرأة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ~~(انظر إليها فإنه أجدر أن يؤدم (1) بينكما). وقال عليه السلام لآخر: (انظر ~~إليها فإن في أعين الأنصار شيئا) أخرجه الصحيح. قال الحميدي وأبو الفرج ~~الجوزي. يعني صفراء أو زرقاء. وقيل رمصاء (2). # PageV14P221 # الخامسة - الامر بالنظر إلى المخطوبة إنما هو على جهة الارشاد إلى ~~المصلحة، فإنه إذا نظر إليها فلعله يرى منها ما يرغبه في نكاحها. ومما يدل ~~على أن الامر على جهة الارشاد ما ذكره أبو داود من حديث جابر عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: (إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر منها ~~إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل). فقوله: (فإن استطاع فليفعل) لا يقال مثله ~~في الواجب. وبهذا قال جمهور الفقهاء مالك والشافعي والكوفيون وغيرهم وأهل ~~الظاهر. وقد كره ذلك قوم لا مبالاة بقولهم، للأحاديث الصحيحة، وقوله تعالى: ~~" ولو أعجبك حسنهن ". وقال سهل بن أبي حثمة: رأيت محمد بن مسلمة يطارد ~~ثبيتة بنت الضحاك على إجار من أجاجير المدينة فقلت له: أتفعل هذا؟ فقال ~~نعم! قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا ألقى الله في قلب أحدكم خطبة ~~امرأة فلا بأس أن ms5037 ينظر إليها). # الأجار: السطح، بلغة أهل الشام والحجاز. قال أبو عبيد: وجمع الأجار ~~أجاجير وأجاجرة. # السادسة - اختلف فيما يجوز أن ينظر منها، فقال مالك: ينظر إلى وجهها ~~وكفيها، ولا ينظر إلا بإذنها. وقال الشافعي وأحمد: بإذنها وبغير إذنها إذا ~~كانت مستترة. وقال الأوزاعي: ينظر إليها ويجتهد وينظر مواضع اللحم منها. ~~قال داود: ينظر إلى سائر جسدها، تمسكا بظاهر اللفظ. وأصول الشريعة ترد عليه ~~في تحريم الاطلاع على العورة. والله أعلم. # السابعة - قوله تعالى: (إلا ما ملكت يمينك) اختلف العلماء في إحلال الأمة ~~الكافرة للنبي صلى الله عليه وسلم على قولين: تحل لعموم قوله: " إلا ما ~~ملكت يمينك "، قاله مجاهد وسعيد بن جبير وعطاء والحكم. قالوا: قوله تعالى " ~~لا يحل لك النساء من بعد " أي لا تحل لك النساء من غير المسلمات، فأما ~~اليهوديات والنصرانيات والمشركات فحرام عليك، أي لا يحل لك أن تتزوج كافرة ~~فتكون أما للمؤمنين ولو أعجبك حسنها، إلا ما ملكت يمينك، فإن له أن يتسرى ~~بها. القول الثاني - لا تحل، تنزيها لقدره عن مباشرة الكافرة، وقد قال الله ~~تعالى: " ولا تمسكوا بعصم الكوافر " (1) [الممتحنة: 10] فكيف به صلى الله ~~عليه وسلم. # PageV14P222 # و " ما " في قوله: " إلا ما ملكت يمينك " في موضع رفع بدل من " النساء ". ~~ويجوز أن يكون في موضع نصب على استثناء، وفيه ضعف. ويجوز أن تكون مصدرية، ~~والتقدير: # إلا ملك يمينك، وملك بمعنى مملوك، وهو في موضع نصب لأنه استثناء من غير ~~الجنس الأول. # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم ~~إلى طعام غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فأدخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا ~~مستئنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحى من ~~الحق وإذا سألتموهن متاعا فسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن ~~وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم ~~كان عند الله عظيما (53) فيه ست عشرة مسألة: # الأولى - قوله تعالى: (لا تدخلوا بيوت ms5038 النبي إلا أن يؤذن لكم) " أن " في ~~موضع نصب على معنى: إلا بأن يؤذن لكم، ويكون الاستثناء ليس من الأول. (إلى ~~طعام غير ناظرين إناه) نصب على الحال، أي لا تدخلوا في هذه الحال. ولا يجوز ~~في " غير " الخفض على النعت للطعام، لأنه لو كان نعتا لم يكن بد من إظهار ~~الفاعلين، وكان يقول: # غير ناظرين إناه أنتم. ونظير هذا من النحو: هذا رجل مع رجل ملازم له، وإن ~~شئت قلت: هذا رجل مع رجل ملازم له هو. # وهذه الآية تضمنت قصتين: إحداهما - الأدب في أمر الطعام والجلوس. ~~والثانية - أمر الحجاب. وقال حماد بن زيد: هذه الآية نزلت في الثقلاء. فأما ~~القصة الأولى فالجمهور PageV14P223 # من المفسرين على أن: سببها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تزوج ~~زينب بنت جحش امرأة زيد (1) أولم عليها، فدعا الناس، فلما طعموا جلس طوائف ~~منهم يتحدثون في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوجته مولية وجهها إلى ~~الحائط، فثقلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال أنس: فما أدري أأنا ~~أخبرت النبي صلى الله عليه وسلم أن القوم قد خرجوا أو أخبرني. قال: فانطلق ~~حتى دخل البيت، فذهبت أدخل معه فألقى الستر بيني وبينه ونزل الحجاب. قال: ~~ووعظ القوم بما وعظوا به، وأنزل الله عز وجل " يا أيها الذين آمنوا لا ~~تدخلوا بيوت النبي - إلى قوله - إن ذلكم كان عند الله عظيما " أخرجه ~~الصحيح. وقال قتادة ومقاتل في كتاب الثعلبي: إن هذا السبب جرى في بيت أم ~~سلمة. # والأول الصحيح، كما رواه الصحيح. وقال ابن عباس: نزلت في ناس من المؤمنين ~~كانوا يتحينون طعام النبي صلى الله عليه وسلم فيدخلون قبل أن يدرك الطعام، ~~فيقعدون إلى أن يدرك، ثم يأكلون ولا يخرجون. وقال إسماعيل بن أبي حكيم: ~~وهذا أدب أدب الله به الثقلاء. وقال ابن أبي عائشة في كتاب الثعلبي: حسبك ~~من الثقلاء أن الشرع لم يحتملهم. # وأما قصة الحجاب فقال أنس بن مالك وجماعة: سببها أمر القعود في بيت زينب، ms5039 ~~القصة المذكورة آنفا. وقالت عائشة رضي الله عنها وجماعة: سببها أن عمر قال ~~قلت: يا رسول الله، إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، فلو أمرتهن أن ~~يحتجبن، فنزلت الآية. وروى الصحيح عن ابن عمر قال: قال عمر وافقت ربي في ~~ثلاث: في مقام إبراهيم، وفي الحجاب، وفي أسارى بدر. هذا أصح ما قيل في أمر ~~الحجاب، وما عدا هذين القولين من الأقوال والروايات فواهية، لا يقوم شئ ~~منها على ساق، وأضعفها ما روي عن ابن مسعود: أن عمر أمر نساء النبي صلى ~~الله عليه وسلم بالحجاب، فقالت زينب بنت جحش: يا بن الخطاب، إنك تغار علينا ~~والوحي ينزل في بيوتنا! فأنزل الله تعالى: " وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن ~~من وراء حجاب " وهذا باطل، لان الحجاب نزل يوم البناء بزينب، كما بيناه. ~~أخرجه البخاري ومسلم والترمذي وغيرهم. وقيل: إن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كان يطعم ومعه بعض # PageV14P224 # أصحابه، فأصاب يد رجل منهم يد عائشة، فكره النبي صلى الله عليه وسلم ~~فنزلت آية الحجاب. # قال ابن عطية: وكانت سيرة القوم إذا كان لهم طعام وليمة أو نحوه أن يبكر ~~من شاء إلى الدعوة ينتظرون طبخ الطعام ونضجه. وكذلك إذا فرغوا منه جلسوا ~~كذلك، فنهى الله المؤمنين عن أمثال ذلك في بيت النبي صلى الله عليه وسلم، ~~ودخل في النهي سائر المؤمنين، والتزم الناس أدب الله تعالى لهم في ذلك، ~~فمنعهم من الدخول إلا بإذن عند الاكل، لاقبله لانتظار نضج الطعام. # الثانية - قوله تعالى: " بيوت النبي " دليل على أن البيت للرجل، ويحكم له ~~به، فإن الله تعالى أضافه إليه. فإن قيل: فقد قال الله تعالى: " واذكرن ما ~~يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفا (1) خبيرا " ~~[الأحزاب: 34] قلنا: إضافة البيوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم إضافة ملك، ~~وإضافة البيوت إلى الأزواج إضافة محل، بدليل أنه جعل فيها الاذن للنبي صلى ~~الله عليه وسلم والاذن إنما يكون للمالك. # الثالثة - واختلف العلماء في بيوت النبي صلى الله عليه وسلم إذ ms5040 كان يسكن ~~فيها أهله بعد موته، هل هي ملك لهن أم لا على قولين: فقالت طائفة: كانت ~~ملكا لهن، بدليل أنهن سكن فيها بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم إلى ~~وفاتهن، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم وهب ذلك لهن في حياته. الثاني - ~~أن ذلك كان إسكانا كما يسكن الرجل أهله ولم يكن هبة، وتمادى سكناهن بها إلى ~~الموت. وهذا هو الصحيح، وهو الذي ارتضاه أبو عمر بن عبد البر وابن العربي ~~وغيرهم، فإن ذلك من مئونتهن التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~استثناها لهن، كما استثنى لهن نفقاتهن حين قال: (لا تقتسم ورثتي دينارا ولا ~~درهما، ما تركت بعد نفقة أهلي ومئونة عاملي فهو صدقة). هكذا قال أهل العلم، ~~قالوا: ويدل على ذلك أن مساكنهن لم يرثها عنهن ورثتهن. قالوا: ولو كان ذلك ~~ملكا لهن كان لا شك قد ورثه عنهن ورثتهن. قالوا: وفي ترك ورثتهن ذلك دليل ~~على أنها لم تكن لهن ملكا. وإنما كان لهن # PageV14P225 # سكن حياتهن، فلما توفين جعل ذلك زيادة في المسجد الذي يعم المسلمين نفعه، ~~كما جعل ذلك الذي كان لهن من النفقات في تركة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لما مضين لسبيلهن، فزيد إلى أصل المال فصرف في منافع المسلمين مما يعم ~~جميعهم نفعه. والله الموفق. # قوله تعالى: " غير ناظرين إناه " أي غير منتظرين وقت نضجه. و " إناه " ~~مقصور، وفيه لغات: " إني " بكسر الهمزة. قال الشيباني: # وكسرى إذ تقسمه بنوه * بأسياف كما اقتسم اللحام تمخضت المنون له بيوم * ~~أنى (1) ولكل حاملة تمام وقرأ أبن أبي عبلة: " غير ناظرين إناه ". مجرورا ~~صفة ل‍ " - طعام ". الزمخشري: وليس بالوجه، لأنه جرى على غير ما هو له، فمن ~~حق ضمير ما هو له أن يبرز إلى اللفظ، فيقال: # غير ناظرين، إناه أنتم، كقولك: هند زيد ضاربته هي. وأنى (بفتحها)، وإناء ~~(بفتح الهمزة والمد) قال الحطيئة: # وأخرت العشاء إلى سهيل * أو الشعري فطال بي الاناء يعني إلى طلوع سهيل. ~~وإناه مصدر أنى الشئ ms5041 يأنى إذا فرغ وحان وأدرك. # الرابعة - قوله تعالى: (ولكن إذا دعيتم فأدخلوا فإذا طعمتم فانتشروا) ~~فأكد المنع، وخص وقت الدخول بأن يكون عند الاذن على جهة الأدب، وحفظ الحضرة ~~الكريمة من المباسطة المكروهة. قال ابن العربي: وتقدير الكلام: ولكن إذا ~~دعيتم وأذن لكم في الدخول فأدخلوا، وإلا فنفس الدعوة لا تكون إذنا كافيا في ~~الدخول. والفاء في جواب " إذا " لازمة لما فيها من معنى المجازاة. # الخامسة - قوله تعالى: (فإذا طعمتم فانتشروا) أمر تعالى بعد الاطعام بأن ~~يتفرق جميعهم وينتشروا. والمراد إلزام الخروج من المنزل عند انقضاء المقصود ~~من الاكل. # والدليل على ذلك أن الدخول حرام، وإنما جاز لأجل الاكل، فإذا انقضى الاكل ~~زال السبب المبيح وعاد التحريم إلى أصله. # PageV14P226 # السادسة - في هذه الآية دليل على أن الضيف يأكل على ملك المضيف لا على ~~ملك نفسه، لأنه قال: " فإذا طعمتم فانتشروا " فلم يجعل له أكثر من الاكل، ~~ولا أضاف إليه (1) سواه، وبقي الملك على أصله. # السابعة - قوله تعالى: (ولا مستأنسين لحديث) عطف على قوله: " غير ناظرين ~~" و " غير " منصوبة على الحال من الكاف والميم في " لكم " أي غير ناظرين ~~ولا مستأنسين، والمعنى، المقصود: لا تمكثوا مستأنسين بالحديث كما فعل أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في وليمة زينب. (إن ذلكم كان يؤذي النبي ~~فيستحي منكم والله لا يستحى من الحق) أي لا يمتنع من بيانه وإظهاره. ولما ~~كان ذلك يقع من البشر لعلة الاستحياء نفي عن الله تعالى العلة الموجبة لذلك ~~في البشر. وفي الصحيح عن أم سلمة قالت: جاءت أم سليم إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحي من الحق، فهل على المرأة ~~من غسل إذا احتلمت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا رأت الماء). # الثامنة - قوله تعالى: (وإذا سألتموهن متاعا) الآية. روى أبو داود ~~الطيالسي عن أنس بن مالك قال قال عمر: وافقت ربي في أربع...، الحديث. وفيه: ~~قلت يا رسول الله، لو ضربت على نسائك الحجاب، فإنه يدخل ms5042 عليهن البر ~~والفاجر، فأنزل الله عز وجل " وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ~~". # واختلف في المتاع، فقيل: ما يتمتع به من العواري (2). وقال فتوى. وقيل ~~صحف القرآن. # والصواب أنه عام في جميع ما يمكن أن يطلب من المواعين وسائر المرافق ~~للدين والدنيا. # التاسعة - في هذه الآية دليل على أن الله تعالى أذن في مسألتهن من وراء ~~حجاب، في حاجة تعرض، أو مسألة يستفتين فيها، ويدخل في ذلك جميع النساء ~~بالمعنى، وبما تضمنته أصول الشريعة من أن المرأة كلها عورة، بدنها وصوتها، ~~كما تقدم، فلا يجوز كشف ذلك إلا لحاجة كالشهادة عليها، أو داء يكون ببدنها، ~~أو سؤالها عما يعرض وتعين عندها. # PageV14P227 # العاشرة - استدل بعض العلماء بأخذ الناس عن أزواج النبي صلى الله عليه ~~وسلم من وراء حجاب على جواز شهادة الأعمى، وبأن الأعمى يطأ زوجته بمعرفته ~~بكلامها. وعلى إجازة شهادته أكثر العلماء، ولم يجزها أبو حنيفة والشافعي ~~وغيرهما. قال أبو حنيفة: تجوز في الأنساب. وقال الشافعي: لا تجوز إلا فيما ~~رآه قبل ذهاب بصره. # الحادية عشرة - قوله تعالى: (ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن) يريد من الخواطر ~~التي تعرض للرجال في أمر النساء، وللنساء في أمر الرجال، أي ذلك أنفى ~~للريبة وأبعد للتهمة وأقوى في الحماية. وهذا يدل على أنه لا ينبغي لاحد أن ~~يثق بنفسه في الخلوة مع من لا تحل له فإن مجانبة ذلك أحسن لحاله وأحصن ~~لنفسه وأتم لعصمته. # الثانية عشرة - قوله تعالى: (وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله) الآية. هذا ~~تكرار للعلة وتأكيد لحكمها، وتأكيد العلل أقوى في الاحكام. # الثالثة عشرة - قوله تعالى: (ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا) روى ~~إسماعيل ابن إسحاق قال حدثنا محمد بن عبيد قال حدثنا محمد بن ثور عن معمر ~~عن قتادة أن رجلا قال: # لو قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجت عائشة، فأنزل، الله تعالى: " ~~وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله " الآية. ونزلت: " وأزواجه أمهاتهم " ~~[الأحزاب 6]. وقال القشيري أبو نصر عبد الرحمن: # قال ابن عباس قال ms5043 رجل من سادات قريش من العشرة الذين كانوا مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على حراء - في نفسه - لو توفي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لتزوجت عائشة، وهي بنت عمي. قال مقاتل: هو طلحة بن عبيد الله. قال ابن ~~عباس: وندم هذا الرجل على ما حدث به في نفسه، فمشى إلى مكة على رجليه وحمل ~~على عشرة أفراس في سبيل الله، وأعتق رقيقا فكفر الله عنه. وقال ابن عطية: ~~روي أنها نزلت بسبب أن بعض الصحابة قال: # لو مات رسول الله صلى الله عليه وسلم لتزوجت عائشة، فبلغ ذلك رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فتأذى به، هكذا كني عنه ابن عباس ببعض الصحابة. وحكى ~~مكي عن معمر أنه قال: # هو طلحة بن عبيد الله. PageV14P228 # قلت: وكذا حكى النحاس عن معمر أنه طلحة، ولا يصح. قال ابن عطية: لله در ~~ابن عباس! وهذا عندي لا يصح على طلحة بن عبيد الله. قال شيخنا الإمام أبو ~~العباس: # وقد حكى هذا القول عن بعض فضلاء الصحابة، وحاشاهم عن مثله! والكذب في ~~نقله (1)، وإنما يليق مثل هذا القول بالمنافقين الجهال. يروى أن رجلا من ~~المنافقين قال حين تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم سلمة بعد أبي ~~سلمة، وحفصة بعد خنيس بن حذافة: ما بال محمد يتزوج نساءنا! والله لو قد مات ~~لأجلنا السهام على نسائه، فنزلت الآية في هذا، فحرم الله نكاح أزواجه من ~~بعده، وجعل لهن حكم الأمهات. وهذا من خصائصه تمييزا لشرفه وتنبيها على ~~مرتبته صلى الله عليه وسلم. قال الشافعي رحمه الله: وأزواجه صلى الله عليه ~~وسلم اللاتي مات عنهن لا يحل لاحد نكاحهن، ومن استحل ذلك كان كافرا، لقوله ~~تعالى: " وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده ~~أبدا ". وقد قيل: إنما منع من التزوج بزوجاته، لأنهن أزواجه في الجنة، وأن ~~المرأة في الجنة لآخر أزواجها. قال حذيفة لامرأته: إن سرك أن تكوني زوجتي ~~في الجنة إن جمعنا الله فيها ms5044 فلا تزوجي من بعدي، فإن المرأة لآخر أزواجها. ~~وقد ذكرنا ما للعلماء في هذا في (كتاب التذكرة) من أبواب الجنة. # الرابعة عشرة - اختلف العلماء في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بعد ~~موته، هل بقين أزواجا أم زال النكاح بالموت، وإذا زال النكاح بالموت فهل ~~عليهن عدة أم لا؟ فقيل: # عليهن العدة، لأنه توفي عنهن، والعدة عبادة. وقيل: لا عدة عليهن، لأنها ~~مدة تربص لا ينتظر بها الإباحة. وهو الصحيح، لقوله عليه السلام: (ما تركت ~~بعد نفقة عيالي) وروي (أهلي) وهذا أسم خاص بالزوجية، فأبقى عليهن النفقة ~~والسكنى مدة حياتهن لكونهن نساءه، وحرمن على غيره، وهذا هو معنى بقاء ~~النكاح. وإنما جعل الموت في حقه عليه السلام لهن بمنزلة المغيب في حق غيره، ~~لكونهن أزواجا له في الآخرة قطعا بخلاف سائر # PageV14P229 # الناس، لان الرجل لا يعلم كونه مع أهله في دار واحدة، فربما كان أحدهما ~~في الجنة والآخر في النار، فبهذا انقطع السبب في حق الخلق وبقي في حق النبي ~~صلى الله عليه وسلم وقد قال عليه السلام: (زوجاتي في الدنيا هن زوجاتي في ~~الآخرة). وقال عليه السلام: (كل سبب ونسب ينقطع إلا سببي ونسبي فإنه باق ~~إلى يوم القيامة). # فرع - فأما زوجاته عليه السلام اللاتي فارقهن في حياته مثل الكلبية ~~وغيرها، فهل كان يحل لغيره نكاحهن؟ فيه خلاف. والصحيح جواز ذلك، لما روي أن ~~الكلبية التي فارقها رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها عكرمة بن أبي جهل ~~على ما تقدم. وقيل: إن الذي تزوجها الأشعث بن قيس الكندي. قال القاضي أبو ~~الطيب: الذي تزوجها مهاجر بن أبي أمية، ولم ينكر ذلك أحد، فدل على أنه ~~إجماع. # الخامسة عشرة - قوله تعالى: (إن ذلكم كان عند الله عظيما) يعني أذية رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أو نكاح أزواجه فجعل ذلك من جملة الكبائر ولا ذنب ~~أعظم منه. # السادسة عشرة - قد بينا سبب نزول الحجاب من حديث أنس وقول عمر، وكان يقول ~~لسودة إذا خرجت وكانت امرأة طويلة: قد رأيناك ms5045 يا سودة، حرصا على أن ينزل ~~الحجاب، فأنزل الله آية الحجاب. ولا بعد في نزول الآية عند هذه الأسباب ~~كلها - والله أعلم - بيد أنه لما ماتت زينب بنت جحش قال: لا يشهد جنازتها ~~إلا ذو محرم منها، مراعاة للحجاب الذي نزل بسببها. فدلته أسماء بنت عميس ~~على سترها في النعش في القبة، وأعلمته أنها رأت ذلك في بلاد الحبشة فصنعه ~~عمر. وروي أن ذلك صنع في جنازة فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم. # قوله تعالى: إن تبدوا شيئا أو تخفوه فإن الله كان بكل شئ عليما (54) ~~البارئ سبحانه وتعالى عالم بما بدا وما خفى وما كان وما لم يكن، لا يخفى ~~عليه ماض تقضى، ولا مستقبل يأتي. وهذا على العموم تمدح به، وهو أهل المدح ~~والحمد. والمراد به ها هنا التوبيخ والوعيد لمن تقدم التعريض به في الآية ~~قبلها، ممن أشير إليه بقوله: " ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن "، ومن أشير إليه ~~في قوله: " وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن PageV14P230 # تنكحوا أزواجه من بعده أبدا " فقيل لهم في هذه الآية: إن الله تعالى يعلم ~~ما تخفونه من هذه المعتقدات والخواطر المكروهة ويجازيكم عليها. فصارت هذه ~~الآية منعطفة (1) على ما قبلها مبينة لها. والله أعلم. # قوله تعالى: لا جناح عليهن في آبائهن ولا أبنائهن ولا إخوانهن ولا أبناء ~~إخوانهن ولا أبناء أخواتهن ولا نسائهن ولا ما ملكت أيمانهن واتقين الله إن ~~الله كان على كل شئ شهيدا (55) فيه ثلاث مسائل: # الأولى - لما نزلت آية الحجاب قال الآباء والأبناء والأقارب لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: ونحن أيضا نكلمهن من وراء حجاب؟ فنزلت هذه الآية. # الثانية - ذكر الله تعالى في هذه الآية من يحل للمرأة البروز له، ولم ~~يذكر العم والخال لأنهما يجريان مجرى الوالدين. وقد يسمى العم أبا، قال ~~الله تعالى: " نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل " (2) [البقرة: 133] ~~وإسماعيل كان العم. قال الزجاج: العم والخال ربما يصفان المرأة لولديهما، ~~فإن المرأة تحل لابن العم وابن الخال فكره لهما الرؤية. ms5046 وقد كره الشعبي ~~وعكرمة أن تضع المرأة خمارها عند عمها أو خالها. وقد ذكر في هذه الآية بعض ~~المحارم وذكر الجميع في سورة " النور "، فهذه الآية بعض تلك، وقد مضى ~~الكلام هناك مستوفى (3)، والحمد لله. # الثالثة - قوله تعالى: (واتقين الله) لما ذكر الله تعالى الرخصة في هذه ~~الأصناف وانجزمت الإباحة، عطف بأمرهن بالتقوى عطف جملة. وهذا في غاية ~~البلاغة والايجاز، كأنه قال: اقتصرن على هذا واتقين الله فيه أن تتعدينه ~~إلى غيره. وخص النساء بالذكر وعينهن في هذا الامر، لقلة تحفظهن وكثرة ~~استرسالهن. والله أعلم. ثم توعد تعالى بقوله: # " إن الله كان على كل شئ شهيدا ". # PageV14P231 # قوله تعالى: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا ~~عليه وسلموا تسليما (56) هذه الآية شرف الله بها رسوله عليه السلام حياته ~~وموته، وذكر منزلته منه، وطهر بها سوء فعل من استصحب في جهته فكرة سوء، أو ~~في أمر زوجاته ونحو ذلك. والصلاة من الله رحمته ورضوانه، ومن الملائكة ~~الدعاء والاستغفار، ومن الأمة الدعاء والتعظيم لامره. # مسألة - واختلف العلماء في الضمير في قوله: " يصلون " فقالت فرقة: الضمير ~~فيه لله والملائكة، وهذا قول من الله تعالى شرف به ملائكته، فلا يصحبه ~~الاعتراض الذي جاء في قول الخطيب: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما ~~فقد غوى. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بئس الخطيب أنت، قل ومن ~~يعصى الله ورسوله) أخرجه الصحيح. قالوا: لأنه ليس لأحد أن يجمع ذكر الله ~~تعالى مع غيره في ضمير، ولله أن يفعل في ذلك ما يشاء. وقالت فرقة: في ~~الكلام حذف، تقديره إن الله يصلي وملائكته يصلون، وليس في الآية اجتماع في ~~ضمير، وذلك جائز للبشر فعله. ولم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم (بئس ~~الخطيب أنت) لهذا المعنى، وإنما قاله لان الخطيب وقف على ومن يعصهما، وسكت ~~سكتة. واستدلوا بما رواه أبو داود عن عدي بن حاتم أن خطيبا خطب عند النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال: من يطع الله ورسوله ms5047 ومن يعصهما. فقال: (قم - أو ~~اذهب - بئس الخطيب أنت). إلا أنه يحتمل أن يكون لما خطأه في وقفه وقال له: ~~(بئس الخطيب) أصلح له بعد ذلك جميع كلامه، فقال: (قل ومن يعص الله ورسوله) ~~كما في كتاب مسلم. # وهو يؤيد القول الأول بأنه لم يقف على " ومن يعصهما ". وقرأ أبن عباس: " ~~وملائكة " بالرفع على موضع اسم الله قبل دخول " إن ". والجمهور بالنصب عطفا ~~على المكتوبة. # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) فيه خمس ~~مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) أمر ~~الله تعالى عباده بالصلاة على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم دون أنبيائه ~~تشريفا له، ولا خلاف في أن PageV14P232 # الصلاة عليه فرض في العمر مرة، وفي كل حين من الواجبات وجوب السنن ~~المؤكدة التي لا يسع تركها ولا يغفلها إلا من لا خير فيه. الزمخشري: فإن ~~قلت الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم واجبة أم مندوب إليها؟ قلت: ~~بل واجبة. وقد اختلفوا في حال وجوبها، فمنهم من أوجبها كلما جرى ذكره. وفي ~~الحديث: (من ذكرت عنده فلم يصل علي فدخل النار فأبعده الله). وروى أنه قيل ~~له: يا رسول الله، أرأيت قول الله عز وجل: # " إن الله وملائكته يصلون على النبي " فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~(هذا من العلم المكنون ولولا أنكم سألتموني عنه ما أخبرتكم به إن الله ~~تعالى وكل بي ملكين فلا أذكر عند مسلم فيصلي علي إلا قال ذلك الملكان غفر ~~الله لك وقال الله تعالى وملائكته جوابا لذينك الملكين آمين. ولا أذكر. عند ~~عبد مسلم فلا يصلي علي إلا قال ذلك الملكان لا غفر الله لك وقال الله تعالى ~~وملائكته لذينك الملكين آمين). ومنهم من قال: تجب في كل مجلس مرة وإن تكرر ~~ذكره، كما قال في آية السجدة وتشميت العاطس. وكذلك في كل دعاء في أوله ~~وآخره ومنهم من أوجبها في العمر. وكذلك قال في إظهار الشهادتين. والذي ~~يقتضيه الاحتياط: # الصلاة عند ms5048 كل ذكر، لما ورد من الاخبار في ذلك. # الثانية - واختلفت الآثار في صفة الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم فروى ~~مالك عن أبي مسعود الأنصاري قال: أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن ~~في مجلس سعد ابن عبادة، فقال له بشير بن سعد: أمرنا الله أن نصلي عليك يا ~~رسول الله، فكيف نصلي عليك؟ قال: فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى، ~~تمنينا أنه لم يسأله، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قولوا اللهم ~~صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل ~~محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد ~~والسلام كما قد علمتم). ورواه النسائي عن طلحة مثله، بإسقاط قوله: (في ~~العالمين) وقوله: (والسلام كما قد علمتم). وفي الباب عن كعب بن عجرة وأبي ~~حميد الساعدي وأبي سعيد الخدري وعلي بن أبي طالب وأبي هريرة وبريدة الخزاعي ~~وزيد بن خارجة، PageV14P233 # ويقال ابن حارثة أخرجها أئمة أهل الحديث في كتبهم. وصحح الترمذي حديث كعب ~~ابن عجرة. خرجه مسلم في صحيحه مع حديث أبي حميد الساعدي. قال أبو عمر: روى ~~شعبة والثوري عن الحكم بن عبد الرحمن بن أبن ليلى عن كعب بن عجرة قال: لما ~~نزل قوله: تعالى: " يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما " جاء رجل ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، هذا السلام عليك قد ~~عرفناه فكيف الصلاة؟ فقال: (قل اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت ~~على إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل ~~إبراهيم إنك حميد مجيد) وهذا لفظ حديث الثوري لا حديث شعبة وهو يدخل في ~~التفسير المسند إليه لقول الله تعالى: " إن الله وملائكته يصلون على النبي ~~يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما " فبين كيف الصلاة عليه ~~وعلمهم في التحيات كيف السلام عليه، وهو قوله: (السلام عليك أيها النبي ~~ورحمة الله وبركاته). وروى ms5049 المسعودي عن عون ابن عبد الله عن أبي فاختة عن ~~الأسود عن عبد الله أنه قال: إذا صليتم على النبي صلى الله عليه وسلم ~~فأحسنوا الصلاة عليه، فإنكم لا تدرون لعل ذلك يعرض عليه. قالوا فعلمنا، ~~قال: # (قولوا اللهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على سيد المرسلين وإمام المتقين ~~وخاتم النبيين محمد عبدك ونبيك ورسولك إمام الخير وقائد الخير ورسول ~~الرحمة. اللهم أبعثه مقاما محمودا يغبطه به الأولون والآخرون. اللهم صل على ~~محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. ~~اللهم بارك على محمد وعلى آل حمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ~~إنك حميد مجيد). وروينا بالاسناد المتصل في كتاب (الشفا) للقاضي عياض عن ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: عدهن في يدي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وقال: (عدهن في يدي جبريل وقال هكذا أنزلت من عند رب العزة اللهم صل ~~على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد ~~مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل ~~إبراهيم إنك حميد مجيد. اللهم وترحم على محمد وعلى آل محمد كما ترحمت على ~~إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. اللهم وتحنن على محمد PageV14P234 # وعلى آل محمد كما تحننت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد). قال ~~ابن العربي: # من هذه الروايات صحيح ومنها سقيم، وأصحها ما رواه مالك فاعتمدوه. ورواية ~~غير مالك من زيادة الرحمة مع الصلاة وغيرها لا يقوى، وإنما على الناس أن ~~ينظروا في أديانهم نظرهم في أموالهم، وهم لا يأخذون في البيع دينارا معيبا، ~~وإنما يختارون السالم الطيب، كذلك لا يؤخذ من الروايات عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم إلا ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم سنده، لئلا يدخل في حيز ~~الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبينما هو يطلب الفضل إذا به قد ~~أصاب النقص، بل ربما أصاب الخسران ms5050 المبين. # الثالثة - في فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: (من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا). وقال سهل بن ~~عبد الله: الصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم أفضل العبادات، لان الله ~~تعالى تولاها هو وملائكته، ثم أمر بها المؤمنين، وسائر العبادات ليس كذلك. ~~قال أبو سليمان الداراني: من أراد أن يسأل الله حاجة فليبدأ بالصلاة على ~~النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يسأل الله حاجته، ثم يختم بالصلاة على النبي ~~صلى الله عليه وسلم فإن الله تعالى يقبل الصلاتين وهو أكرم من أن يرد ما ~~بينهما. وروى سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: ~~الدعاء يحجب دون السماء حتى يصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا جاءت ~~الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم رفع الدعاء. وقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: (من صلى علي وسلم علي في كتاب لم تزل الملائكة يصلون عليه ما دام ~~اسمي في ذلك الكتاب). # الرابعة - واختلف العلماء في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الصلاة، فالذي عليه الجم الغفير والجمهور الكثير: أن ذلك من سنن الصلاة ~~ومستحباتها. قال ابن المنذر: # يستحب ألا يصلي أحد صلاة إلا صلى فيها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فإن ترك ذلك تارك فصلاته مجزية في مذاهب مالك وأهل المدينة وسفيان الثوري ~~وأهل الكوفة من أصحاب الرأي وغيرهم. وهو قول جل أهل العلم. وحكي عن مالك ~~وسفيان أنها في التشهد الأخير PageV14P235 # مستحبة، وأن تاركها في التشهد مسئ. وشذ الشافعي فأوجب على تاركها في ~~الصلاة الإعادة. وأوجب إسحاق الإعادة مع تعمد تركها دون النسيان. وقال أبو ~~عمر: قال الشافعي إذا لم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد ~~الأخير بعد التشهد وقبل التسليم أعاد الصلاة. قال: وإن صلى عليه قبل ذلك لم ~~تجزه. وهذا قول حكاه عنه حرملة بن يحيى، لا يكاد يوجد هكذا عن الشافعي ms5051 إلا ~~من رواية حرملة عنه، وهو من كبار أصحابه الذين كتبوا كتبه. وقد تقلده أصحاب ~~الشافعي ومالوا إليه وناظروا عليه، وهو عندهم تحصيل مذهبه. # وزعم الطحاوي أنه لم يقل به أحد من أهل العلم غيره. وقال الخطابي وهو من ~~أصحاب الشافعي: وليست بواجبة في الصلاة، وهو قول جماعة الفقهاء إلا ~~الشافعي، ولا أعلم له فيها قدوة. والدليل على أنها ليست من فروض الصلاة عمل ~~السلف الصالح قبل الشافعي وإجماعهم عليه، وقد شنع عليه في هذه المسألة جدا. ~~وهذا تشهد ابن مسعود الذي اختاره الشافعي وهو الذي علمه النبي صلى الله ~~عليه وسلم ليس فيه الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك كل من روي ~~التشهد عنه صلى الله عليه وسلم. وقال ابن عمر: كان أبو بكر يعلمنا التشهد ~~على المنبر كما تعلمون الصبيان في الكتاب. وعلمه أيضا على المنبر عمر، وليس ~~فيه ذكر الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. # قلت: قد قال بوجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة محمد ~~بن المواز من أصحابنا فيما ذكر ابن القصار وعبد الوهاب، واختاره ابن العربي ~~للحديث الصحيح: إن الله أمرنا أن نصلي عليك فكيف نصلي عليك؟ فعلم الصلاة ~~ووقتها فتعينت كيفية ووقتا. # وذكر الدارقطني عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين أنه قال: لو صليت صلاة ~~لم أصل فيها على النبي صلى الله عليه وسلم ولا على أهل بيته لرأيت أنها لا ~~تتم. وروي مرفوعا عنه عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم. والصواب ~~أنه قول أبي جعفر، قاله الدارقطني. # الخامسة - قوله تعالى: (وسلموا تسليما) قال القاضي أبو بكر بن بكير: نزلت ~~هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم فأمر الله أصحابه أن يسلموا عليه. ~~وكذلك من بعدهم أمروا PageV14P236 # أن يسلموا عليه عند حضورهم قبره وعند ذكره. وروى النسائي عن عبد الله بن ~~أبي طلحة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء ذات يوم والبشر يرى ~~في وجهه، فقلت: # إنا ms5052 لنرى البشرى في وجهك! فقال: (إنه أتاني الملك فقال يا محمد إن ربك ~~يقول أما يرضيك إنه لا يصلي عليك أحد إلا صليت عليه عشرا ولا يسلم عليك أحد ~~إلا سلمت عليه عشرا). # وعن محمد بن عبد الرحمن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما منكم ~~من أحد يسلم علي إذا مت إلا جاءني سلامه مع جبريل يقول يا محمد هذا فلان بن ~~فلان يقرأ عليك السلام فأقول وعليه السلام ورحمة الله وبركاته) وروى ~~النسائي عن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن لله ملائكة ~~سياحين في الأرض يبلغوني من أمتي السلام). قال القشيري والتسليم قولك: سلام ~~عليك. # قوله تعالى: إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة ~~وأعد لهم عذابا مهينا (57) فيه خمس مسائل الأولى - اختلف العلماء في أذية ~~الله بماذا تكون؟ فقال الجمهور من العلماء: معناه بالكفر ونسبة الصاحبة ~~والولد والشريك إليه، ووصفه بما لا يليق به، كقول اليهود لعنهم الله: وقالت ~~اليهود يد الله مغلولة. والنصارى: المسيح ابن الله. والمشركون: الملائكة ~~بنات الله والأصنام شركاؤه. وفي صحيح البخاري قال الله تعالى: (كذبني ابن ~~آدم ولم يكن له ذلك وشتمني ولم يكن له ذلك...) الحديث. وقد تقدم في سورة " ~~مريم " (1). وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال الله تبارك وتعالى: ~~(يؤذيني أبن آدم يقول يا خيبة الدهر فلا يقولن أحدكم يا خيبة الدهر فإني ~~أنا الدهر أقلب ليله ونهاره فإذا شئت قبضتهما). هكذا جاء هذا الحديث موقوفا ~~على أبي هريرة في هذه الرواية. وقد جاء مرفوعا عنه (يؤذيني ابن آدم # PageV14P237 # يسب الدهر وأنا الدهر أقلب الليل والنهار) أخرجه أيضا مسلم. وقال عكرمة: ~~معناه بالتصوير والتعرض لفعل ما لا يفعله إلا الله بنحت الصور وغيرها، وقد ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لعن الله المصورين). قلت: وهذا مما ~~يقوي قول مجاهد في المنع من تصوير الشجر وغيرها، إذ كل ذلك صفة اختراع ~~وتشبه بفعل الله الذي انفرد به سبحانه ms5053 وتعالى. وقد تقدم هذا في سورة " ~~النمل " (1) والحمد لله. وقالت فرقة: ذلك على حذف مضاف، تقديره: يؤذون ~~أولياء الله. وأما أذية رسوله صلى الله عليه وسلم فهي كل ما يؤذيه من ~~الأقوال في غير معنى واحد، ومن الافعال أيضا. أما قولهم: " فساحر. شاعر. ~~كاهن مجنون. وأما فعلهم: فكسر رباعيته وشج وجهه يوم أحد، وبمكة إلقاء السلى ~~على ظهره وهو ساجد " إلى غير ذلك. وقال ابن عباس: نزلت في الذين طعنوا عليه ~~حين أتخذ صفية بنت حيي. وأطلق إيذاء الله ورسوله وقيد إيذاء المؤمنين ~~والمؤمنات، لان إيذاء الله ورسوله لا يكون إلا بغير حق أبدا. وأما إيذاء ~~المؤمنين والمؤمنات فمنه.. ومنه.. # الثانية - قال علماؤنا: والطعن في تأمير أسامة بن زيد أذية له عليه ~~السلام. # روى الصحيح عن ابن عمر قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثا وأمر ~~عليهم أسامة ابن زيد فطعن الناس في إمرته، فقام رسول الله صلى فقال: (إن ~~تطعنوا في إمرته فقد كنتم تطعنون في إمرة أبيه من قبل وأيم الله إن كان ~~لخليقا للامارة وإن كان لمن أحب الناس إلي وإن هذا لمن أحب الناس إلى ~~بعده). وهذا البعث - والله أعلم - هو الذي جهزه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مع أسامة وأمره عليهم وأمره أن يغزوا " أبنى " وهي القرية التي عند ~~مؤتة، الموضع الذي قتل فيه زيد أبوه مع جعفر بن أبي طالب وعبد الله ابن ~~رواحة. فأمره أن يأخذ بثأر أبيه فطعن من في قلبه ريب في إمرته، من حيث إنه ~~كان من الموالي، ومن حيث إنه كان صغير السن، لأنه كان إذ ذاك ابن ثمان عشرة ~~سنة، فمات النبي صلى الله عليه وسلم وقد برز هذا البعث عن المدينة ولم ~~ينفصل بعد عنها، فنفذه أبو بكر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم الله عليه ~~وسلم. # PageV14P238 # الثالثة: في هذا الحديث أوضح دليل على جواز إمامة المولى والمفضول على ~~غيرهما ما عدا الإمامة الكبرى. وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم سالما ~~مولى ms5054 أبي حذيفة على الصلاة بقباء، فكان يؤمهم وفيهم أبو بكر وعمر وغيرهم من ~~كبراء قريش. وروى الصحيح عن عامر بن واثلة أن نافع بن عبد الحارث لقي عمر ~~بعسفان، وكان عمر يستعمله على مكة فقال: من استعملت على هذا الوادي؟ قال: ~~أبن أبزى. قال: ومن أبن أبزى؟ قال: # مولى من موالينا. قال: فاستخلفت عليهم مولى! قال: إنه لقارئ لكتاب الله ~~لأنه لعالم بالفرائض - قال - أما إن نبيكم قد قال: (إن الله يرفع بهذا ~~الكتاب أقواما ويضع به آخرين). # الرابعة - كان أسامة رضي الله عنه الحب أبن الحب وبذلك كان يدعي، وكان ~~أسود شديد السواد، وكان زيد أبوه أبيض من القطن. هكذا ذكره أبو داود عن ~~أحمد بن صالح. وقال غير أحمد: كان زيد أزهر اللون وكان أسامة شديد الأدمة. ~~ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحسن أسامة وهو صغير ويمسح مخاطه، ~~وينقي أنفه ويقول: (لو كان أسامة جارية لزيناه وجهزناه وحببناه إلى ~~الأزواج). وقد ذكر أن سبب ارتداد العرب بعد النبي صلى الله عليه وسلم، أنه ~~لما كان عليه السلام في حجة الوداع بجبل عرفة عشية عرفة عند النفر، أحتبس ~~النبي صلى الله عليه وسلم قليلا بسبب أسامة إلى أن أتاه، فقالوا: # ما أحتبس إلا لأجل هذا! تحقيرا له. فكان قولهم هذا سبب ارتدادهم. ذكره ~~البخاري في التاريخ بمعناه. والله أعلم. # الخامسة - كان عمر رضي الله عنه يفرض لأسامة في العطاء خمسة آلاف، ولابنه ~~عبد الله ألفين، فقال له عبد الله: فضلت علي أسامة وقد شهدت ما لم يشهد! ~~فقال: إن أسامة كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك، وأباه كان ~~أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبيك، ففضل رضي الله عنه محبوب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم على محبوبه. # وهكذا يجب أن يحب ما أحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويبغض من أبغض. ~~وقد قابل مروان هذا الحب بنقيضه، وذلك أنه مر بأسامة بن زيد وهو يصلي عند ~~باب ms5055 بيت PageV14P239 # النبي صلى الله عليه وسلم فقال له مروان: إنما أردت أن نرى مكانك، فقد ~~رأينا مكانك، فعل الله بك! وقال (1) قولا قبيحا. فقال له أسامة: إنك ~~آذيتني، وإنك فاحش متفحش، وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن ~~الله تعالى يبغض الفاحش المتفحش). # فانظر ما بين الفعلين وقس ما بين الرجلين، فقد أذى بنو أمية النبي صلى ~~الله عليه وسلم في أحبابه، وناقضوه في محابه. # قوله تعالى: " لعنهم الله " معناه أبعدوا من كل خير. واللعن في اللغة: ~~الابعاد، ومنه اللعان. " وأعد لهم عذابا مهينا " تقدم معناه في غير موضع. ~~والحمد لله رب العالمين. # قوله تعالى: والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد ~~احتملوا بهتانا وإثما مبينا (58) أذية المؤمنين والمؤمنات هي أيضا بالافعال ~~والأقوال القبيحة، كالبهتان والتكذيب الفاحش المختلق. وهذه الآية نظير ~~الآية التي في النساء: " ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل ~~بهتانا وإثما مبينا " (2) [النساء: 112] كما قال هنا. وقد قيل: إن من ~~الأذية تعييره بحسب مذموم، أو حرفة مذمومة، أو شئ يثقل عليه إذا سمعه، لان ~~أذاه في الجملة حرام. وقد ميز الله تعالى بين أذاه وأذى الرسول وأذى ~~المؤمنين فجعل الأول كفرا والثاني كبيرة، فقال في أذى المؤمنين: " فقد ~~احتملوا بهتانا وإثما مبينا " وقد بيناه. وروي أن عمر بن الخطاب قال لأبي ~~بن كعب: قرأت البارحة هذه الآية ففزعت منها " والذين يؤذون المؤمنين ~~والمؤمنات بغير ما اكتسبوا " الآية، والله إني لأضربهم وأنهرهم. فقال له ~~أبي: # يا أمير المؤمنين، لست منهم، إنما أنت معلم ومقوم. وقد قال: إن سبب نزول ~~هذه الآية أن عمر رأى جارية من الأنصار فضربها وكره ما رأى من زينتها، فخرج ~~أهلها فآذوا عمر باللسان، فأنزل الله هذه الآية. وقيل: نزلت في علي، فإن ~~المنافقين كانوا يؤذونه ويكذبون عليه. رضي الله عنه. # PageV14P240 # قوله تعالى: يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهم ~~من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما (59) فيه ms5056 ~~ست مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (قل لأزواجك وبناتك) قد مضى الكلام في تفضيل أزواجه ~~واحدة واحدة (1). قال قتادة: مات رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تسع. خمس ~~من قريش: عائشة، وحفصة، وأم حبيبة، وسودة، وأم سلمة. وثلاث من سائر العرب: # ميمونة، وزينب بنت جحش، وجويرية. وواحدة من بني هارون: صفية. وأما أولاده ~~فكان للنبي صلى الله عليه وسلم أولاد ذكور وإناث. # فالذكور من أولاده: القاسم، أمه خديجة، وبه كان يكنى صلى الله عليه وسلم، ~~وهو أول من مات من أولاده، وعاش سنتين. وقال عروة: ولدت خديجة للنبي صلى ~~الله عليه وسلم القاسم والطاهر و عبد الله والطيب. وقال أبو بكر البرقي: ~~ويقال إن الطاهر هو الطيب وهو عبد الله. وإبراهيم أمه مارية القبطية، ولد ~~في ذي الحجة سنة ثمان من الهجرة، وتوفي أبن ستة عشر شهرا، وقيل ثمانية عشر، ~~ذكره الدارقطني. ودفن بالبقيع. وقال صلى الله عليه وسلم: (إن له موضعا تتم ~~رضاعه في الجنة). وجميع أولاد النبي صلى الله عليه وسلم من خديجة سوى ~~إبراهيم. وكل أولاده ماتوا في حياته غير فاطمة. # وأما الإناث من أولاده فمنهن: فاطمة الزهراء بنت خديجة، ولدتها وقريش ~~تبني البيت قبل النبوة بخمس سنين، وهي أصغر بناته، وتزوجها علي رضي الله ~~عنهما في السنة الثانية من الهجرة في رمضان، وبنى بها في ذي الحجة. وقيل: ~~تزوجها في رجب، وتوفيت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بيسير، وهي أول من ~~لحقه من أهل بيته. رضي الله عنها. # PageV14P241 # ومنهن: زينب - أمها خديجة - تزوجها أبن خالتها أبو العاصي بن الربيع، ~~وكانت أم العاصي هالة بنت خويلد أخت خديجة. واسم أبي العاصي لقيط. وقيل ~~هاشم. وقيل هشيم. وقيل مقسم. وكانت أكبر بنات رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وتوفيت سنة ثمان من الهجرة، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~قبرها. # ومنهن: رقية - أمها خديجة - تزوجها عتبة بن أبي لهب قبل النبوة، فلما بعث ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنزل عليه: " تبت يدا أبي ms5057 لهب " (1) [المسد: ~~1] قال أبو لهب لابنه: رأسي من رأسك حرام إن لم تطلق أبنته، ففارقها ولم ~~يكن بنى بها. وسلمت حين أسلمت أمها خديجة، وبايعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم هي وأخواتها حين بايعه النساء، وتزوجها عثمان بن عفان، وكانت نساء ~~قريش يقلن حين تزوجها عثمان: # أحسن شخصين رأى إنسان * رقية وبعلها عثمان وهاجرت معه إلى أرض الحبشة ~~الهجرتين، وكانت قد أسقطت من عثمان سقطا (2)، ثم ولدت بعد ذلك عبد الله، ~~وكان عثمان يكنى به في الاسلام، وبلغ ست سنين فنقره ديك في وجهه فمات، ولم ~~تلد له شيئا بعد ذلك. وهاجرت إلى المدينة ومرضت ورسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يتجهز إلى بدر فخلف عثمان عليها، فتوفيت ورسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ببدر، على رأس سبعة عشر شهرا من الهجرة. وقدم زيد بن حارثة بشيرا من ~~بدر، فدخل المدينة حين سوي التراب على رقية. ولم يشهد دفنها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. # ومنهن: أم كلثوم - أمها خديجة - تزوجها عتيبة بن أبي لهب - أخو عتبة - ~~قبل النبوة، وأمره أبوه أن يفارقها للسبب المذكور في أمر رقية، ولم يكن دخل ~~بها، حتى تزل بمكة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأسلمت حين أسلمت ~~أمها، وبايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أخواتها حين بايعه النساء، ~~وهاجرت إلى المدينة حين هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما توفيت ~~رقية تزوجها عثمان، وبذلك سمي ذا النورين. وتوفيت # PageV14P242 # في حياة النبي صلى الله عليه وسلم في شعبان سنة تسع من الهجرة. وجلس رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على قبرها، ونزل في حفرتها علي والفضل وأسامة. ~~وذكر الزبير بن بكار أن أكبر ولد النبي صلى الله عليه وسلم: القاسم، ثم ~~زينب، ثم عبد الله، وكان يقال له الطيب والطاهر، وولد بعد النبوة ومات ~~صغيرا ثم أم كلثوم، ثم فاطمة، ثم رقية. فمات القاسم بمكة ثم مات عبد الله. # الثانية - لما كانت عادة العربيات التبذل، وكن يكشفن وجوههن كما ms5058 يفعل ~~الإماء، وكان ذلك داعية إلى نظر الرجال إليهن، وتشعب الفكرة فيهن، أمر الله ~~رسوله صلى الله عليه وسلم أن يأمرهن بإرخاء الجلابيب عليهن إذا أردن الخروج ~~إلى حوائجهن، وكن يتبرزن في الصحراء قبل أن تتخذ الكنف - فيقع الفرق بينهن ~~وبين الإماء، فتعرف الحرائر بسترهن، فيكف عن معارضتهن من كان عذبا أو شابا. ~~وكانت المرأة من نساء المؤمنين قبل نزول هذه الآية تتبرز للحاجة فيتعرض لها ~~بعض الفجار. يظن أنها أمة، فتصيح به فيذهب، فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم ونزلت الآية بسبب ذلك. قال معناه الحسن وغيره. # الثالثة - قوله تعالى: (من جلابيبهن) الجلابيب جمع جلباب، وهو ثوب أكبر ~~من الخمار. وروى عن ابن عباس وأبن مسعود أنه الرداء. وقد قيل: إنه القناع. ~~والصحيح أنه الثوب الذي يستر جميع البدن. وفي صحيح مسلم عن أم عطية: قلت: ~~يا رسول الله إحدانا لا يكون لها جلباب؟ قال: (لتلبسها أختها من جلبابها). # الرابعة - واختلف الناس في صورة إرخائه، فقال ابن عباس وعبيدة السلماني: # ذلك أن تلويه المرأة حتى لا يظهر منها إلا عين واحدة تبصر بها. وقال أبن ~~عباس أيضا وقتادة: ذلك أن تلويه فوق الجبين وتشده، ثم تعطفه على الانف، وإن ~~ظهرت عيناها لكنه يستر الصدر ومعظم الوجه. وقال الحسن: تغطي نصف وجهها. # الخامسة - أمر الله سبحانه جميع النساء بالستر، وأن ذلك لا يكون إلا بما ~~لا يصف جلدها، إلا إذا كانت مع زوجها فلها أن تلبس ما شاءت، لان له أن ~~يستمتع بها كيف شاء. PageV14P243 # ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم استيقظ ليلة فقال: (سبحان الله ماذا ~~أنزل الليلة من الفتن وماذا فتح من الخزائن من يوقظ صواحب الحجر رب كاسية ~~في الدنيا عارية في الآخرة). # وروي أن دحية الكلبي لما رجع من عند هرقل فأعطاه النبي صلى الله عليه ~~وسلم قبطية، فقال: (اجعل صديعا لك قميصا وأعط صاحبتك صديعا تختمر به). ~~والصديع النصف. # ثم قال له: (مرها تجعل تحتها شيئا لئلا يصف). وذكر أبو هريرة رقة ms5059 الثياب ~~للنساء فقال: # الكاسيات العاريات الناعمات (1) الشقيات. ودخل نسوة من بني تميم على ~~عائشة رضي الله عنها عليهن ثياب رقاق، فقالت عائشة: إن كنتن مؤمنات فليس ~~هذا بلباس المؤمنات، وإن كنتن غير مؤمنات فتمتعينه (2). وأدخلت امرأة عروس ~~على عائشة رضي الله عنها وعليها خمار قبطي معصفر، فلما رأتها قالت: لم تؤمن ~~بسورة " النور " امرأة تلبس هذا. وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: (نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رؤوسهن مثل أسنمة البخت لا يدخلن ~~الجنة ولا يجدن ريحها). وقال عمر رضي الله عنه: ما يمنع المرأة المسلمة إذا ~~كانت لها حاجة أن تخرج في أطمارها (3) أو أطمار جارتها مستخفية، لا يعلم ~~بها أحد حتى ترجع إلى بيتها. # السادسة - قوله تعالى: (ذلك أدنى أن يعرفن) أي الحرائر، حتى لا يختلطن ~~بالإماء، فإذا عرفن لم يقابلن بأدنى من المعارضة مراقبة لرتبة الحرية، ~~فتنقطع الأطماع عنهن. # وليس المعنى أن تعرف المرأة حتى تعلم من هي. وكان عمر رضي الله عنه إذا ~~رأى أمة قد تقنعت ضربها بالدرة، محافظة على زي الحرائر. وقد قيل: إنه يجب ~~الستر والتقنع الآن في حق الجميع من الحرائر والإماء. وهذا كما أن أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم منعوا النساء المساجد بعد وفاة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مع قوله: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله) حتى قالت عائشة ~~رضي الله عنها: لو عاش رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وقتنا هذا لمنعهن ~~من الخروج إلى المساجد كما منعت نساء بني إسرائيل. (وكان الله غفورا رحيما) ~~تأنيس للنساء في ترك الجلابيب قبل هذا الامر المشروع. # PageV14P244 # قوله تعالى: لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في ~~المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا (60) ملعونين أينما ~~ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا (61) سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد ~~لسنة الله تبديلا (62) فيه خمس مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (لئن لم ينته المنافقون) الآية. أهل التفسير على أن ~~الأوصاف الثلاثة لشئ واحد، ms5060 كما روى سفيان بن سعيد عن منصور عن أبي رزين ~~قال: " المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة " قال هم شئ ~~واحد، يعني أنهم قد جمعوا هذه الأشياء. والواو مقحمة، كما قال: # إلى الملك القرم وابن الهمام * وليث الكتيبة في المزدحم أراد إلى الملك ~~القرم ابن الهمام ليث الكتيبة، وقد مضى في " البقرة " (1). وقيل: كان منهم ~~قوم يرجفون، وقوم يتبعون النساء للريبة وقوم يشككون المسلمين. قال عكرمة ~~وشهر ابن حوشب: " الذين في قلوبهم مرض " يعني الذين في قلوبهم الزنى. وقال ~~طاوس: # نزلت هذه الآية في أمر النساء. وقال سلمة بن كهيل: نزلت في أصحاب ~~الفواحش، والمعنى متقارب. وقيل: المنافقون والذين في قلوبهم مرض شئ واحد، ~~عبر عنهم بلفظين، دليله آية المنافقين في أول سورة " البقرة " (1). ~~والمرجفون في المدينة قوم كانوا يخبرون المؤمنين بما يسوءهم من عدوهم، ~~فيقولون إذا خرجت سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنهم قد قتلوا أو ~~هزموا، وإن العدو قد أتاكم، قال قتادة وغيره. وقيل كانوا يقولون: أصحاب ~~الصفة قوم عزاب، فهم الذين يتعرضون للنساء. وقيل: هم قوم من المسلمين ~~ينطقون بالاخبار الكاذبة حبا للفتنة. وقد كان في أصحاب الإفك قوم مسلمون ~~ولكنهم خاضوا حبا # PageV14P245 # للفتنة. وقال ابن عباس: الارجاف التماس الفتنة، والارجاف: إشاعة الكذب ~~والباطل للاغتمام (1) به. وقيل: تحريك القلوب، يقال: رجفت الأرض - أي تحركت ~~وتزلزلت - ترجف رجفا. والرجفان: الاضطراب الشديد. والرجاف: البحر، سمي به ~~لاضطرابه. # قال الشاعر: # المطعمون اللحم كل عشية * حتى تغيب الشمس في الرجاف (2) والارجاف: واحد ~~أراجيف الاخبار. وقد أرجفوا في الشئ، أي خاضوا فيه. # قال الشاعر: # فإنا وإن عيرتمونا بقتله * وأرجف بالاسلام باغ وحاسد وقال آخر: # أبالأراجيف يا بن اللؤم توعدني * وفي الأراجيف خلت اللؤم والخور (3) ~~فالارجاف حرام، لان فيه إذاية. فدلت الآية على تحريم الايذاء بالارجاف. # الثانية - قوله تعالى: (لنغرينك بهم) أي لنسلطنك عليهم فتستأصلهم بالقتل. # وقال ابن عباس: لم ينتهوا عن إيذاء النساء وأن الله عز وجل قد أغراه بهم. ~~ثم إنه قال عز وجل: " ولا تصل على ms5061 أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره " ~~(4) [التوبة: 84] وإنه أمره بلعنهم، وهذا هو الاغراء، وقال محمد بن يزيد: ~~قد أغراه بهم في الآية التي تلي هذه مع اتصال الكلام بها، وهو قوله عز وجل: ~~" أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا ". فهذا فيه معنى الامر # PageV14P246 # بقتلهم وأخذهم، أي هذا حكمهم إذا كانوا مقيمين على النفاق والارجاف. وفي ~~الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: (خمس يقتلن في الحل والحرم). فهذا فيه ~~معنى الامر كالآية سواء. النحاس: وهذا من أحسن ما قيل في الآية. وقيل: إنهم ~~قد انتهوا عن الارجاف فلم يغر بهم. ولام " لنغرينك " لام القسم، واليمين ~~واقعة عليها، وأدخلت اللام في " إن " توطئة لها. # الثالثة - قوله تعالى: (ثم لا يجاورونك فيها) أي في المدينة. " إلا قليلا ~~" نصب على الحال من الضمير في " يجاورونك "، فكان الامر كما قال تبارك ~~وتعالى، لأنهم لم يكونوا إلا أقلاء. فهذا أحد جوابي الفراء، وهو الأولى ~~عنده، أي لا يجاورونك إلا في حال قلتهم. # والجواب الآخر - أن يكون المعنى إلا وقتا قليلا، أي لا يبقون معك إلا مدة ~~يسيرة، أي لا يجاورونك فيها إلا جوارا قليلا حتى يهلكوا، فيكون نعتا لمصدر ~~أو ظرف محذوف. ودل على أن من كان معك ساكنا بالمدينة فهو جار. وقد مضى في " ~~النساء ". (1) الرابعة - قوله تعالى: (ملعونين) هذا تمام الكلام عند محمد ~~بن يزيد، وهو منصوب على الحال. وقال ابن الأنباري: " قليلا ملعونين " وقف ~~حسن. النحاس: ويجوز أن يكون التمام " إلا قليلا " وتنصب " ملعونين " على ~~الشتم. كما قرأ عيسى بن عمر: # " وامرأته حمالة الحطب ". وقد حكي عن بعض النحويين أنه قال: يكون المعنى ~~أينما ثقفوا أخذوا ملعونين. وهذا خطأ لا يعمل ما [كان] (2) مع المجازاة ~~فيما قبله وقيل: معنى الآية إن أصروا على النفاق لم يكن لهم مقام بالمدنية ~~إلا وهم مطرودون ملعونون. وقد فعل بهم هذا، فإنه لما نزلت سورة " براءة " ~~جمعوا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (يا فلان قم فاخرج فإنك منافق ويا ~~فلان قم) فقام إخوانهم من ms5062 المسلمين وتولوا إخراجهم من المسجد. # الخامسة - قوله تعالى: (سنة الله) نصب على المصدر، أي سن الله عز وجل ~~فيمن أرجف بالأنبياء وأظهر نفاقه أن يؤخذ ويقتل. (ولن تجد لسنة الله ~~تبديلا) أي تحويلا وتغييرا، حكاه النقاش. وقال السدي: يعني أن من قتل بحق ~~فلا دية على قاتله. # PageV14P247 # المهدوي: وفي الآية دليل على جواز ترك إنفاذ الوعيد، والدليل على ذلك ~~بقاء المنافقين معه حتى مات. والمعروف من أهل الفضل إتمام وعدهم وتأخير ~~وعيدهم، وقد مضى هذا في " آل عمران " (1) وغيرها. # قوله تعالى: يسئلك الناس عن الساعة قل إنما علمها عند الله وما يدريك لعل ~~الساعة تكون قريبا (63) قوله تعالى: (يسألك الناس عن الساعة) هؤلاء المؤذون ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما توعدوا بالعذاب سألوا عن الساعة، ~~استبعادا وتكذيبا، موهمين أنها لا تكون. # (قل إنما علمها عند الله) أي أجبهم عن سؤالهم وقل علمها عند الله، وليس ~~إخفاء الله وقتها عني ما يبطل نبوتي، وليس من شرط النبي أن يعلم الغيب بغير ~~تعليم من الله عز وجل. # (وما يدريك) أي ما يعلمك. (لعل الساعة تكون قريبا) أي في زمان قريب. وقال ~~صلى الله عليه وسلم: (بعثت أنا والساعة كهاتين) وأشار إلى السبابة والوسطى، ~~خرجه أهل الصحيح. وقيل: أي ليست الساعة تكون قريبا، فحذف هاء التأنيث ذهابا ~~بالساعة إلى اليوم، كقوله: " إن رحمة الله قريب من المحسنين " [الأعراف: ~~56] ولم يقل قريبة ذهابا بالرحمة إلى العفو، إذ ليس تأنيثها أصليا. وقد مضى ~~هذا مستوفي (2). وقيل: إنما أخفى وقت الساعة ليكون العبد مستعدا لها في كل ~~وقت قوله تعالى: إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا (64) خالدين فيها ~~أبدا لا يجدون وليا ولا نصيرا (65) قوله تعالى: (إن الله لعن الكافرين) أي ~~طردهم وأبعدهم. واللعن: الطرد والابعاد عن الرحمة. وقد مضى في " البقرة " ~~(3) بيانه. (وأعد لهم سعيرا. خالدين فيها أبدا) أنث السعير لأنها بمعنى ~~النار. (لا يجدون وليا ولا نصيرا) ينجيهم من عذاب الله والخلود فيه. # PageV14P248 # قوله تعالى: يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ms5063 ليتنا أطعنا الله وأطعنا ~~الرسولا (66) وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا (67) ~~قوله تعالى: (يوم تقلب وجوههم في النار) قراءة العامة بضم التاء وفتح ~~اللام، على الفعل المجهول وقرأ عيسى الهمداني وابن إسحاق: " نقلب " بنون ~~وكسر اللام. " وجوههم " نصبا. وقرأ عيسى أيضا: " تقلب " بضم التاء وكسر ~~اللام على معنى تقلب السعير وجوههم. # وهذا التقليب تغيير ألوانهم بلفح النار، فتسود مرة وتخضر أخرى. وإذا بدلت ~~جلودهم بجلود أخر فحينئذ يتمنون أنهم ما كفروا (يقولون يا ليتنا) ويجوز أن ~~يكون المعنى: # يقولون يوم تقلب وجوههم في النار يا ليتنا. (أطعنا الله وأطعنا الرسولا) ~~أي لم نكفر فننجو من هذا العذاب كما نجا المؤمنون. وهذه الألف تقع في ~~الفواصل فيوقف عليها ولا يوصل بها. وكذا " السبيلا " وقد مضى في أول السورة ~~(1). وقرأ الحسن: " إنا أطعنا ساداتنا " بكسر التاء، جمع سادة. وكان في هذا ~~زجر عن التقليد. والسادة جمع السيد، وهو فعلة، مثل كتبة وفجرة. وساداتنا ~~جمع الجمع. والسادة والكبراء بمعنى. وقال قتادة: # هم المطعمون في غزوة بدر. والأظهر العموم في القادة والرؤساء في الشرك ~~والضلالة، أي أطعناهم في معصيتك وما دعونا إليه (فأضلونا السبيلا) أي عن ~~السبيل وهو التوحيد، فلما حذف الجار وصل الفعل فنصب. والاضلال لا يتعدى إلى ~~مفعولين من غير توسط حرف الجر، كقوله: " لقد أضلني عن (2) الذكر " ~~[الفرقان: 92] قوله تعالى: ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا ~~(68) # PageV14P249 # قوله تعالى: (ربنا آتهم ضعفين من العذاب) قال قتادة: عذاب الدنيا وعذاب ~~الآخرة. وقيل: عذاب الكفر وعذاب الاضلال، أي عذبهم مثلي ما تعذبنا فإنهم ~~ضلوا وأضلوا. (والعنهم لعنا كبيرا) قرأ ابن مسعود وأصحابه ويحيى وعاصم ~~بالباء. الباقون بالثاء، واختاره أبو حاتم وأبو عبيد والنحاس، لقوله تعالى: ~~" أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون " (1) [البقرة: 159] وهذا المعنى ~~كثير. وقال محمد بن أبي السري: رأيت في المنام كأني في مسجد عسقلان وكأن ~~رجلا يناظرني فيمن يبغض أصحاب محمد فقال: والعنهم لعنا كثيرا، ثم كررها حتى ~~غاب عني، لا يقولها إلا بالثاء. وقراءة الباء ترجع في ms5064 المعنى إلى الثاء، ~~لان ما كبر كان كثيرا عظيم المقدار. # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله ~~مما قالوا وكان عند الله وجيها (69) لما ذكر الله تعالى المنافقين والكفار ~~الذين آذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، حذر المؤمنين من ~~التعرض للايذاء، ونهاهم عن التشبه ببني إسرائيل في أذيتهم نبيهم موسى. # واختلف الناس فيما أوذي به محمد صلى الله عليه وسلم وموسى، فحكى النقاش ~~أن أذيتهم محمدا عليه السلام قولهم: زيد بن محمد. وقال أبو وائل: أذيته أنه ~~صلى الله عليه وسلم قسم قسما فقال رجل من الأنصار: إن هذه القسمة ما أريد ~~بها وجه الله، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فغضب وقال: (رحم الله ~~موسى لقد أوذي لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر). وأما أذية موسى صلى الله عليه ~~وسلم فقال أبن عباس وجماعة: هي ما تضمنه حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك أنه قال: (كان بنو إسرائيل يغتسلون عراة ~~وكان موسى عليه السلام يتستر كثيرا ويخفى بدنه فقال قوم هو آدر (2) وأبرص ~~أو به آفة، فانطلق ذات يوم يغتسل في عين بأرض الشأم وجعل ثيابه على صخرة ~~ففر الحجر بثيابه واتبعه موسى عريانا يقول ثوبي حجر ثوبي حجر حتى انتهى إلى ~~ملا من بني إسرائيل فنظروا إليه وهو من # PageV14P250 # أحسنهم خلقا وأعدلهم صورة وليس به الذي قالوا فهو قوله تبارك وتعالى: " ~~فبرأه الله مما قالوا " أخرجه البخاري ومسلم بمعناه. ولفظ مسلم: قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # (كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى سوءة بعض وكان موسى عليه ~~السلام يغتسل وحده فقالوا والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آدر ~~قال فذهب يوما (1) يغتسل فوضع ثوبه على حجر ففر الحجر بثوبه قال فجمح (2) ~~موسى عليه السلام بإثره يقول ثوبي حجر ثوبي حجر حتى نظرت بنو إسرائيل إلى ~~سوءة موسى وقالوا والله ما بموسى من بأس فقام ms5065 الحجر حتى نظر إليه قال فأخذ ~~ثوبه فطفق بالحجر ضربا) قال أبو هريرة: والله إنه بالحجر ندب (3) ستة أو ~~سبعة ضرب موسى بالحجر. فهذا قول. وروي عن أبن عباس عن علي بن أبي طالب رضي ~~الله تعالى عنه أنه قال: آذوا موسى بأن قالوا: قتل هارون، وذلك أن موسى ~~وهرون خرجا من فحص (4) التيه إلى جبل فمات هارون فيه، فجاء موسى فقالت بنو ~~إسرائيل لموسى: # أنت قتلته وكان ألين لنا منك وأشد حبا. فأذوه بذلك فأمر الله تعالى ~~الملائكة فحملته حتى طافوا به في بني إسرائيل، ورأوا آية عظيمة دلتهم على ~~صدق موسى، ولم يكن فيه أثر القتل. وقد قيل: إن الملائكة تكلمت بموته ولم ~~يعرف موضع قبره إلا الرخم، وإنه تعالى جعله أصم أبكم. ومات هارون قبل موسى ~~في التيه، ومات موسى قبل انقضاء مدة التيه بشهرين. وحكى القشيري عن علي بن ~~أبي طالب رضى الله تعالى عنه: أن الله تعالى أحيا هارون فأخبرهم أنه لم ~~يقتله، ثم مات. وقد قيل: إن أذية موسى عليه السلام رميهم إياه بالسحر ~~والجنون. والصحيح الأول. ويحتمل أن فعلوا كل ذلك فبرأه الله من جميع ذلك. # مسألة: في وضع موسى عليه السلام ثوبه على الحجر ودخوله في الماء عريانا - ~~دليل على جواز ذلك، وهو مذهب الجمهور. ومنعه ابن أبي ليلى واحتج بحديث لم ~~يصح، وهو # PageV14P251 # قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تدخلوا الماء إلا بمئزر فإن للماء عامرا). ~~قال القاضي عياض: وهو ضعيف عند أهل العلم. # قلت: أما إنه يستحب التستر لما رواه إسرائيل عن عبد الاعلى أن الحسن بن ~~علي دخل غديرا وعليه برد له متوشحا به، فلما خرج قيل له، قال: إنما تسترت ~~ممن يراني ولا أراه، يعني من ربي والملائكة. فإن قيل: كيف نادى موسى عليه ~~السلام الحجر نداء من يعقل؟ # قيل: لأنه صدر عن الحجر فعل من يعقل. و " حجر " منادى مفرد محذوف حرف ~~النداء، كما قال تعالى: " يوسف أعرض عن هذا " (1) [يوسف: 29]. و " ثوبي " ~~منصوب بفعل مضمر، التقدير: ms5066 # أعطني ثوبي، أو اترك ثوبي، فحذف الفعل لدلالة الحال عليه. # قوله تعالى: (وكان عند الله وجيها) أي عظيما. والوجيه عند العرب: العظيم ~~القدر الرفيع المنزلة. ويروى أنه كان إذا سأل الله شيئا أعطاه إياه. وقرأ ~~أبن مسعود: " وكان عبدا لله ". # وقيل: معنى " وجيها " أي كلمه تكليما. قال أبو بكر الأنباري في (كتاب ~~الرد): زعم من طعن في القرآن أن المسلمين صحفوا " وكان عند الله وجيها " ~~وأن الصواب عنده " وكان عبدا لله وجيها " وذلك يدل على ضعف مقصده ونقصان ~~فهمه وقلة علمه، وذلك أن الآية لو حملت على قوله وقرئت: " وكان عبدا " نقص ~~الثناء على موسى عليه السلام، وذلك أن " وجيها " يكون عند أهل الدنيا وعند ~~أهل زمانه وعند أهل الآخرة، فلا يوقف على مكان المدح، لأنه إن كان وجيها ~~عند بني الدنيا كان ذلك إنعاما من الله عليه لا يبين عليه معه ثناء من ~~الله. فلما أوضح الله تعالى موضع المدح بقوله: " وكان عند الله وجيها " ~~استحق الشرف وأعظم الرفعة بأن الوجاهة عند الله، فمن غير اللفظة صرف عن نبي ~~الله أفخر الثناء وأعظم المدح. # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا (70) يصلح ~~لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما () # PageV14P252 # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا) أي قصدا ~~وحقا. # وقال ابن عباس: أي صوابا. وقال قتادة ومقاتل: يعني قولوا قولا سديدا في ~~شأن زينب وزيد، ولا تنسبوا النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما لا يحل. وقال ~~عكرمة وابن عباس أيضا: # القول السداد لا إله إلا الله. وقيل: هو الذي يوافق ظاهره باطنه. وقيل: ~~هو ما أريد به وجه الله دون غيره. وقيل: هو الاصلاح بين المتشاجرين. وهو ~~مأخوذ من تسديد السهم ليصاب به الغرض. والقول السداد يعم الخيرات، فهو عام ~~في جميع ما ذكر وغير ذلك. # وظاهر الآية يعطي أنه إنما أشار إلى ما يكون خلافا للأذى الذي قيل في جهة ~~الرسول وجهة المؤمنين. ms5067 ثم وعد عز وجل بأنه يجازي على القول السداد بإصلاح ~~الأعمال وغفران الذنوب، وحسبك بذلك درجة ورفعة منزلة. (ومن يطع الله ~~ورسوله) أي فيما أمر به ونهى عنه (فقد فاز فوزا عظيما). # قوله تعالى: إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن ~~يحملنها وأشفقن منها وحملها الانسان إنه كان ظلوما جهولا (72) ليعذب الله ~~المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين ~~والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما (73) لما بين تعالى في هذه السورة من ~~الاحكام ما بين، أمر بالتزام أوامره. والأمانة تعم جميع وظائف الدين على ~~الصحيح من الأقوال، وهو قول الجمهور. روى الترمذي الحكيم أبو عبد الله: ~~حدثنا إسماعيل بن نصر عن صالح بن عبد الله عن محمد بن يزيد (1) بن جوهر عن ~~الضحاك عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قال الله تعالى ~~لآدم يا آدم إني عرضت الأمانة على السماوات والأرض فلم تطقها فهل أنت ~~حاملها بما فيها فقال # PageV14P253 # وما فيها يا رب قال إن حملتها أجرت وإن ضيعتها عذبت فاحتملها بما فيها ~~فلم يلبث في الجنة إلا قدر ما بين صلاة الأولى إلى العصر حتى أخرجه الشيطان ~~منها). فالأمانة هي الفرائض التي ائتمن الله عليها العباد. وقد اختلف في ~~تفاصيل بعضها على أقوال، فقال ابن مسعود: # هي في أمانات الأموال كالودائع وغيرها. وروي عنه أنها في كل الفرائض، ~~وأشدها أمانة المال. وقال أبي بن كعب: من الأمانة أن ائتمنت المرأة على ~~فرجها. وقال أبو الدرداء: غسل الجنابة أمانة، وإن الله تعالى لم يأمن ابن ~~آدم على شئ من دينه غيرها. # وفي حديث مرفوع (الأمانة الصلاة) إن شئت قلت قد صليت وإن شئت قلت لم أصل. ~~وكذلك الصيام وغسل الجنابة. وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: أول ما خلق ~~الله تعالى من الانسان فرجه وقال هذه أمانة استودعتكها، فلا تلبسها (1) إلا ~~بحق. # فإن حفظتها حفظتك فالفرج أمانة، والاذن أمانة، والعين أمانة، واللسان ~~أمانة، والبطن أمانة، واليد أمانة، والرجل أمانة، ولا إيمان لمن ms5068 لا أمانة ~~له. وقال السدي: # هي ائتمان آدم ابنه قابيل على ولده وأهله، وخيانته إياه في قتل أخيه. ~~وذلك أن الله تعالى قال له: (يا آدم، هل تعلم أن لي بيتا في الأرض) قال: ~~(اللهم لا) قال: (فإن لي بيتا بمكة فأته، فقال للسماء: احفظي ولدي ~~بالأمانة؟ فأبت، وقال للأرض: احفظي ولدي بالأمانة فأبت، وقال للجبال كذلك ~~فأبت. فقال لقابيل: احفظ ولدي بالأمانة، فقال نعم، تذهب وترجع فتجد ولدك ~~كما يسرك. فرجع فوجده قد قتل أخاه، فذلك قوله تبارك وتعالى: " إنا عرضنا ~~الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها ". الآية. # وروى معمر عن الحسن أن الأمانة عرضت على السماوات والأرض والجبال، قالت: # وما فيها؟ قيل لها: إن أحسنت جوزيت وإن أسأت عوقبت. فقالت لا. قال مجاهد: # فلما خلق الله تعالى آدم عرضها عليه، قال: وما هي؟ قال: إن حسنت أجرتك ~~وإن # PageV14P254 # أسأت عذبتك. قال: فقد تحملتها يا رب. قال مجاهد: فما كان بين أن تحملها ~~إلى أن أخرج من الجنة إلا قدر ما بين الظهر والعصر. وروى علي بن طلحة عن ~~ابن عباس في قوله تعالى: " إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال ~~" قال: الأمانة الفرائض، عرضها الله عز وجل على السماوات والأرض والجبال، ~~إن أدوها أثابهم، وإن ضيعوها عذبهم. فكرهوا ذلك وأشفقوا من غير معصية، ولكن ~~تعظيما لدين الله عز وجل ألا يقوموا به. ثم عرضها على آدم فقبلها بما فيها. ~~قال النحاس: وهذا القول هو الذي عليه أهل التفسير. وقيل: لما حضرت آدم صلى ~~الله عليه وسلم الوفاة أمر أن يعرض الأمانة على الخلق، فعرضها فلم يقبلها ~~إلا بنوه. وقيل: هذه الأمانة هي ما أودعه الله تعالى في السماوات والأرض ~~والجبال والخلق، من الدلائل على ربوبيته أن يظهروها فأظهروها، إلا الانسان ~~فإنه كتمها وجحدها، قال بعض المتكلمين. ومعنى " عرضنا " أظهرنا، كما تقول: ~~عرضت الجارية على البيع. والمعنى إنا عرضنا الأمانة وتضييعها على أهل ~~السماوات وأهل الأرض من الملائكة والانس والجن " فأبين أن يحملنها " أي أن ~~يحملن وزرها، ms5069 كما قال عز وجل: # " وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم " (1) [العنكبوت: 13]. " وحملها ~~الانسان " قال الحسن: المراد الكافر والمنافق. " إنه كان ظلوما " لنفسه " ~~جهولا " بربه. فيكون على هذا الجواب مجازا، مثل: " واسأل القرية " (2) ~~[يوسف: 82]. وفيه جواب آخر على أن يكون حقيقة أنه عرض على السماوات والأرض ~~والجبال الأمانة وتضييعها وهي الثواب والعقاب، أي أظهر لهن ذلك فلم يحملن ~~وزرها، وأشفقت وقالت: لا أبتغي ثوابا ولا عقابا، وكل يقول: هذا أمر لا ~~نطيقه، ونحن لك سامعون ومطيعون فيما أمرن به وسخرن له، قاله الحسن وغيره. ~~قال العلماء: معلوم أن الجماد لا يفهم ولا يجيب، فلا بد من تقدير الحياة ~~على القول الأخير. وهذا العرض عرض تخيير لا إلزام. والعرض على الانسان ~~إلزام. وقال القفال وغيره: العرض في هذه الآية ضرب مثل، أي أن السماوات ~~والأرض على كبر أجرامها، لو كانت بحيث يجوز تكليفها لثقل عليها # PageV14P255 # تقلد الشرائع، لما فيها من الثواب والعقاب، أي أن التكليف أمر حقه أن ~~تعجز عنه السماوات والأرض والجبال، وقد كلفه الانسان وهو ظلوم جهول لو عقل. ~~وهذا كقوله: " لو أنزلنا هذا (1) القرآن على جبل " [الحشر: 21] - ثم قال: - ~~" وتلك الأمثال نضربها للناس " [الحشر: 21]. قال القفال: فإذا تقرر في أنه ~~تعالى يضرب الأمثال، وورد علينا من الخبر ما لا يخرج إلا على ضرب المثل، ~~وجب حمله عليه. وقال قوم: إن الآية من المجاز، أي إنا إذا قايسنا ثقل ~~الأمانة بقوة السماوات والأرض والجبال، رأينا أنها لا تطيقها، وأنها لو ~~تكلمت لأبت وأشفقت، فعبر عن هذا المعنى بقوله. " إنا عرضنا الأمانة " ~~الآية. وهذا كما تقول: # عرضت الحمل على البعير فأباه، وأنت تريد قايست، قوته بثقل الحمل، فرأيت ~~أنها تقصر عنه. # وقيل: " عرضنا " بمعنى عارضنا الإمامة بالسموات والأرض والجبال فضعفت هذه ~~الأشياء عن الأمانة، ورجحت الأمانة بثقلها عليها. وقيل: إن عرض الأمانة على ~~السماوات والأرض والجبال، إنما كان من آدم عليه السلام. وذلك أن الله تعالى ~~لما أستخلفه على ذريته، وسلطه على جميع ما في الأرض من الانعام والطير ~~والوحش، وعهد إليه ms5070 عهدا أمره فيه ونهاه وحرم وأحل، فقبله ولم يزل عاملا به. ~~فلما أن حضرته الوفاة سأل الله أن يعلمه من يستخلف بعده، ويقلده من الأمانة ~~ما تقلده، فأمره أن يعرض ذلك على السماوات بالشرط الذي أخذ عليه من الثواب ~~إن أطاع ومن العقاب إن عصى، فأبين أن يقبلنه شفقا (2) من عذاب الله. # ثم أمره أن يعرض ذلك على الأرض والجبال كلها فأبياه. ثم أمره أن يعرض ذلك ~~على ولده فعرضه عليه فقبله بالشرط، ولم يهب منه ما تهيبت السماوات والأرض ~~والجبال. " إنه كان ظلوما " لنفسه " جهولا " بعاقبة ما تقلد لربه. قال ~~الترمذي الحكيم أبو عبد الله محمد بن علي: # عجبت من هذا القائل من أين أتى بهذه القصة! فإن نظرنا إلى الآثار وجدناها ~~بخلاف ما قال، وإن نظرنا إلى ظاهره وجدناه بخلاف ما قال، وإن نظرنا إلى ~~باطنه وجدناه بعيدا مما قال! # وذلك أنه ردد ذكر الأمانة ولم يذكر ما الأمانة، إلا أنه يومئ في مقالته ~~إلى أنه سلطه على # PageV14P256 # جميع ما في الأرض، وعهد الله إليه عهدا فيه أمره ونهيه وحله وحرامه، وزعم ~~أنه أمره أن يعرض ذلك على السماوات والأرض والجبال، فما تصنع السماوات ~~والأرض والجبال بالحلال والحرام؟ وما التسليط (1) على الانعام والطير ~~والوحش! وكيف إذا عرضه على ولده فقبله في أعناق ذريته من بعده. وفي مبتدأ ~~الخبر في التنزيل أنه عرض الأمانة على السماوات والأرض والجبال حتى ظهر ~~الاباء منهم، ثم ذكر أن الانسان حصلها، أي من قبل نفسه لا أنه حمل ذلك، ~~فسماه " ظلوما " أي لنفسه، " جهولا " بما فيها. وأما الآثار التي هي بخلاف ~~ما ذكر، فحدثني أبي رحمه الله قال حدثنا الفيض بن الفضل الكوفي حدثنا السري ~~بن إسماعيل عن عامر الشعبي عن مسروق عن عبد الله بن مسعود قال: لما خلق ~~الله الأمانة مثلها صخرة، ثم وضعها حيث شاء ثم دعا لها السماوات والأرض ~~والجبال ليحملنها، وقال لهن: # إن هذه " الأمانة "، ولها ثواب وعليها عقاب، قالوا: يا رب، لا طاقة لنا ~~بها، وأقبل الانسان ms5071 من قبل أن يدعي فقال للسموات والأرض والجبال: ما ~~وقوفكم؟ قالوا: دعانا ربنا أن نحمل هذه فأشفقن منها ولم نطقها، قال: فحركها ~~بيده وقال: والله لو شئت أن أحملها لحملتها، فحملها حتى بلغ بها إلى ~~ركبتيه، ثم وضعها وقال: والله لو شئت أن أزداد لزددت، قالوا: # دونك! فحملها حتى بلغ بها حقويه (2)، ثم وضعها وقال: والله لو شئت أن ~~أزداد لزددت، قالوا: # دونك، فحملها حتى وضعها على عاتقه، فلما أهوى ليضعها، قالوا: مكانك! إن ~~هذه " الأمانة " ولها ثواب وعليها عقاب وأمرنا ربنا أن نحملها فأشفقن منها، ~~وحملتها أنت من غير أن تدعى لها، فهي في عنقك وفي أعناق ذريتك إلى يوم ~~القيامة، إنك كنت ظلوما جهولا. وذكر أخبارا عن الصحابة والتابعين تقدم ~~أكثرها. " وحملها الانسان " أي التزم القيام بحقها، وهو في ذلك ظلوم لنفسه. ~~وقال قتادة: للأمانة، جهول بقدر ما دخل فيه. وهذا تأويل ابن عباس وابن ~~جبير. وقال الحسن: جهول بربه. قال: ومعنى " حملها " خان فيها. وقال الزجاج ~~والآية في الكافر والمنافق والعصاة على قدرهم على هذا التأويل. وقال ابن ~~عباس وأصحابه # PageV14P257 # والضحاك وغيره: " الانسان " آدم، تحمل الأمانة فما تم له يوم حتى عصى ~~المعصية التي أخرجته من الجنة. وعن ابن عباس أن الله تعالى قال له: أتحمل ~~هذه الأمانة بما فيها. قال وما فيها؟ # قال: إن أحسنت جزيت وإن أسأت عوقبت. قال: أنا أحملها بما فيها بين أذني ~~وعاتقي. # فقال الله تعالى له: إني سأعينك، قد جعلت لبصرك حجابا فأغلقه عما لا يحل ~~لك، ولفرجك لباسا فلا تكشفه إلا على ما أحللت لك. وقال قوم: " الانسان " ~~النوع كله. وهذا حسن مع عموم الأمانة كما ذكرناه أولا. وقال السدي: الانسان ~~قابيل. فالله أعلم. (ليعذب الله المنافقين والمنافقات) اللام في " ليعذب " ~~متعلقة ب‍ " - حمل " أي حملها ليعذب العاصي ويثيب المطيع، فهي لام التعليل، ~~لان العذاب نتيجة حمل الأمانة. وقيل ب‍ " - عرضنا "، أي عرضنا الأمانة على ~~الجميع ثم قلدناها الانسان ليظهر شرك المشرك ونفاق المنافق ليعذبهم: # الله، وإيمان المؤمن ليثيبه الله. ms5072 (ويتوب الله) قراءة الحسن بالرفع، ~~يقطعه من الأول، أي يتوب الله عليهم بكل حال. (وكان الله غفورا رحيما) خبر ~~بعد خبر ل‍ " - كان ". ويجوز أن يكون نعتا لغفور، ويجوز أن يكون حالا من ~~المضمر. والله أعلم بالصواب. # سورة سبأ مكية في قول الجميع، إلا آية واحدة اختلف فيها، وهي قوله تعالى: ~~" ويرى الذين أوتوا العلم " الآية. فقالت فرقة: هي مكية، والمراد المؤمنون ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قاله ابن عباس. وقالت فرقة: هي مدنية، ~~والمراد بالمؤمنين من أسلم بالمدينة، كعبد الله بن سلام وغيره، قاله مقاتل. ~~وقال قتادة: هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم المؤمنون به كائنا من كان. # وهي أربع وخمسون آية. PageV14P258 # بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: الحمد لله الذي له ما في السماوات ~~وما في الأرض وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير (1) قوله تعالى: ~~(الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض) " الذي " في موضع خفض على ~~النعت أو البدل. ويجوز أن يكون في موضع رفع على إضمار مبتدأ، وأن يكون في ~~موضع نصب بمعنى أعني. وحكى سيبويه " الحمد لله أهل الحمد " بالرفع والنصب ~~والخفض. # والحمد الكامل والثناء الشامل كله لله، إذ النعم كلها منه. وقد مضى ~~الكلام فيه في أول الفاتحة (1). (وله الحمد في الآخرة) قيل: هو قوله تعالى: ~~" وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده " (2) [الزمر: 47]. # وقيل: هو قوله " وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين " (3) [يونس: 10] ~~فهو المحمود في الآخرة كما أنه المحمود في الدنيا، وهو المالك للآخرة كما ~~أنه المالك للأولى. (وهو الحكيم) في فعله. # (الخبير) بأمر خلقه. # قوله تعالى: يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما ~~يعرج فيها وهو الرحيم الغفور (2) قوله تعالى: (يعلم ما يلج في الأرض) أي ما ~~يدخل فيها من قطر وغيره، كما قال: # " فسلكه ينابيع في الأرض " (2) [الزمر: 21] من الكنوز والدفائن والأموات ~~وما هي له كفات (4). # (وما يخرج منها) من نبات وغيره. (وما ينزل من السماء) من الأمطار ms5073 والثلوج ~~والبرد والصواعق والأرزاق والمقادير والبركات. وقرأ علي بن أبي طالب " وما ~~ننزل " بالنون والتشديد. (وما يعرج فيها) من الملائكة وأعمال العباد، قاله ~~الحسن وغيره (وهو الرحيم الغفور). # PageV14P259 # قوله تعالى: وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم ~~عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ~~ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين (3) ليجزى الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~أولئك لهم مغفرة ورزق كريم (4) قوله تعالى: (وقال الذين كفروا لا تأتينا ~~الساعة) قيل: المراد أهل مكة. قال مقاتل: قال أبو سفيان لكفار مكة: واللات ~~والعزى لا تأتينا الساعة أبدا ولا نبعث. فقال الله: " قل " يا محمد " بلى ~~وربي لتأتينكم " وروى هارون عن طلق المعلم قال: سمعت أشياخنا يقرءون " قل ~~بلى وربي ليأتينكم " بياء، حملوه على المعنى، كأنه قال: ليأتينكم البعث أو ~~أمره. كما قال: " هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك " (1) ~~[الانعام: 158]. فهؤلاء الكفار مقرون بالابتداء منكرون الإعادة، وهو نقض ~~لما اعترفوا بالقدرة على البعث، وقالوا: وإن قدر لا يفعل. فهذا تحكم بعد أن ~~أخبر على ألسنة الرسل أنه يبعث الخلق، وإذا ورد الخبر بشئ وهو ممكن في ~~الفعل مقدور، فتكذيب من وجب صدقه محال. (عالم الغيب) بالرفع قراءة نافع ~~وابن كثير على الابتداء، وخبره (لا يعزب عنه) وقرأ عاصم وأبو عمرو " عالم " ~~بالخفض، أي الحمد لله عالم، فعلى هذه القراءة لا يحسن الوقف على قوله: " ~~لتأتينكم ". # وقرأ حمزة والكسائي: " علام الغيب " على المبالغة والنعت. (لا يعزب عنه) ~~أي لا يغيب عنه، " ويعزب " أيضا. قال الفراء: والكسر أحب إلى. النحاس: وهي ~~قراءة يحيى بن وثاب، وهي لغة معروفة. يقال: عزب يعزب ويعزب إذا بعد وغاب. ~~(مثقال ذرة) أي قدر نملة صغيرة. (في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ~~ولا أكبر) وفي قراءة الأعمش " ولا أصغر من ذلك ولا أكبر " بالفتح فيهما ~~عطفا على " ذرة ". وقراء العامة # PageV14P260 # بالرفع عطفا على " مثقال ". (إلا في كتاب مبين) فهو العالم بما ms5074 خلق ولا ~~يخفى عليه شئ. # (ليجزى) منصوب بلام كي، والتقدير: لتأتينكم ليجزي. (الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات) بالثواب، والكافرين بالعقاب. (أولئك) يعني المؤمنين. (لهم مغفرة) ~~لذنوبهم. # (ورزق كريم) وهو الجنة. # قوله تعالى: والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك لهم عذاب من رجز أليم ~~(5) قوله تعالى: (والذين سعوا في آياتنا) أي في إبطال أدلتنا والتكذيب ~~بآياتنا. # (معاجزين) مسابقين يحسبون أنهم يفتوننا، وأن الله لا يقدر على بعثهم في ~~الآخرة، وظنوا أنا نهملهم، فهؤلاء " لهم عذاب من رجز أليم " يقال: عاجزه ~~وأعجزه إذا غالبه وسبقه. # و " أليم " قراءة نافع بالكسر نعتا للرجز، فإن الرجز هو العذاب، قال الله ~~تعالى: " فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء " (1) [البقرة: 59]. وقرأ ~~ابن كثير وحفص عن عاصم " عذاب من رجز أليم " برفع " الميم " هنا وفي " ~~الجاثية " (2) نعتا للعذاب. وقرأ ابن كثير وأبن محيصن وحميد بن قيس ومجاهد ~~وأبو عمرو " معجزين " مثبطين، أي ثبطوا الناس عن الايمان بالمعجزات وآيات ~~القرآن. # قوله تعالى: ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدى ~~إلى صراط العزيز الحميد (6) لما ذكر الذين سعوا في إبطال النبوة بين أن ~~الذين أوتوا العلم يرون أن القرآن حق. # قال مقاتل: " الذين أوتوا العلم " هم مؤمنو أهل الكتاب. وقال ابن عباس: ~~هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل جميع المسلمين، وهو أصح لعمومه. ~~والرؤية بمعنى العلم، وهو في موضع نصب عطفا على " ليجزى " أي ليجزى وليرى، ~~قاله الزجاج والفراء. وفيه نظر، # PageV14P261 # لان قوله: " ليجزي " متعلق بقوله: " لتأتينكم الساعة "، ولا يقال: ~~لتأتينكم الساعة ليرى الذين أوتوا العلم أن القرآن حق، فإنهم يرون القرآن ~~حقا وإن لم تأتهم الساعة. والصحيح أنه رفع على الاستئناف، ذكره القشيري. # قلت: وإذا كان " ليجزي " متعلقا بمعنى أثبت ذلك في كتاب مبين، فيحسن عطف ~~" ويرى " [عليه]، أي وأثبت أيضا ليرى (1) الذين أوتوا العلم أن القرآن حق. ~~ويجوز أن يكون مستأنفا. " الذي " في موضع نصب على أنه مفعول أول ل‍ " - يرى ~~" " هو الحق " مفعول ثان، و " هو " فاصلة. والكوفيون يقولون ms5075 " هو " عماد. ~~ويجوز الرفع على أنه مبتدأ. # و " الحق " خبره، والجملة في موضع نصب على المفعول الثاني، والنصب أكثر ~~فيما كانت فيه الألف واللام عند جميع النحويين، وكذا ما كان نكرة لا يدخله ~~الألف واللام فيشبه المعرفة. # فإن كان الخبر اسما معروفا نحو قولك: كان أخوك هو زيد، فزعم الفراء أن ~~الاختيار فيه الرفع. وكذا كان محمد هو عمرو. وعلته في اختياره الرفع أنه لم ~~تكن فيه الألف واللام أشبه النكرة في قولك: كان زيد هو جالس، لان هذا لا ~~يجوز فيه إلا الرفع. (ويهدى إلى صراط العزيز الحميد) أي يهدي القرآن إلى ~~طريق الاسلام الذي هو دين الله. ودل بقوله: # " العزيز " على أنه لا يغالب. وبقوله: " الحميد " على أنه لا يليق به صفة ~~العجز. # قوله تعالى: وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق ~~إنكم لفي خلق جديد (7) قوله تعالى: " وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل " ~~وإن شئت أدغمت اللام في النون لقربها منها. " ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق " ~~هذا إخبار عمن قال: " لا تأتينا الساعة " [سبأ: 3] أي هل نرشدكم إلى رجل ~~ينبئكم، أي يقول لكم: إنكم تبعثون بعد البلى في القبور. وهذا صادر عن فرط ~~إنكارهم. الزمخشري: " فإن قلت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مشهورا ~~علما في قريش، وكان إنباؤه بالبعث شائعا عندهم، فما معنى قولهم: " هل ندلكم # PageV14P262 # على رجل ينبئكم " فنكروه لهم وعرضوا عليهم الدلالة عليه، كما يدل على ~~مجهول في أمر مجهول. # قلت: كانوا يقصدون بذلك الطنز (1) والهزؤ والسخرية، فأخرجوه مخرج التحكي ~~(2) ببعض الأحاجي التي يتحاجى بها للضحك والتلهي، متجاهلين به وبأمره. و " ~~إذا " في موضع نصب والعامل فيها " مزقتم " قاله النحاس. ولا يجوز أن يكون ~~العامل فيها " ينبئكم "، لأنه ليس يخبرهم ذلك الوقت. ولا يجوز أن يكون ~~العامل فيها ما بعد " إن "، لأنه لا يعمل فيما قبله، وألا يتقدم عليها ما ~~بعدها ولا معمولها. وأجاز الزجاج أن يكون العامل فيها محذوفا، التقدير: إذا ~~مزقتم كل ممزق بعثتم، أو ms5076 ينبئكم بأنكم تبعثون إذا مزقتم. المهدوي: # ولا يعمل فيه " مزقتم "، لأنه مضاف إليه، والمضاف إليه لا يعمل في ~~المضاف. وأجازه بعضهم على أن يجعل " إذا " للمجازاة، فيعمل فيها حينئذ ما ~~بعدها لأنها غير مضافة إليه. # وأكثر ما تقع " إذا " للمجازاة في الشعر. ومعنى " مزقتم كل ممزق " فرقتم ~~كل تفريق. # والمزق خرق الأشياء، يقال: ثوب مزيق وممزوق ومتمزق وممزق. # قوله تعالى: أفترى على الله كذبا أم به جنة بل الذين لا يؤمنون بالآخرة ~~في العذاب والضلال البعيد (8) قوله تعالى: (أفترى على الله كذبا) لما دخلت ~~ألف الاستفهام استغنيت عن ألف الوصل فحذفتها، وكان فتح ألف الاستفهام فرقا ~~بينها وبين ألف الوصل. وقد مضى هذا في سورة " مريم " عند قوله تعالى: " ~~أطلع الغيب " (3) [مريم: 78] مستوفى. (أم به جنة) هذا مردود على ما تقدم من ~~قول المشركين، والمعنى: قال المشركون " افترى على الله كذبا ". والافتراء ~~الاختلاق. " أم به جنة " أي جنون، فهو يتكلم بما لا يدري. ثم رد عليهم ~~فقال: # (بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد) أي ليس الامر كما ~~قالوا، بل هو أصدق الصادقين، ومن ينكر البعث فهو غدا في العذاب، واليوم في ~~الضلال عن الصواب، إذ صاروا إلى تعجيز الاله ونسبة الافتراء إلى من أيده ~~الله بالمعجزات. # PageV14P263 # قوله تعالى: أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض إن ~~نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء إن في ذلك لآية لكل عبد ~~منيب (9) أعلم الله تعالى أن الذي قدر على خلق السماوات والأرض وما فيهن ~~قادر على البعث وعلى تعجيل العقوبة لهم، فاستدل بقدرته عليهم، وأن السماوات ~~والأرض ملكه، وأنهما محيطتان بهم من كل جانب، فكيف يأمنون الخسف والكسف كما ~~فعل بقارون وأصحاب الأيكة. وقرأ حمزة والكسائي " إن يشأ يخسف بهم الأرض أو ~~يسقط " بالياء في الثلاث، أي إن يشأ الله أمر الأرض فتنخسف بهم، أو السماء ~~فتسقط عليهم كسفا. الباقون بالنون على التعظيم. وقرأ السلمي وحفص " كسفا " ~~بفتح السين. الباقون بالاسكان. وقد ms5077 تقدم بيانه في " سبحان " (1) " وغيرها. ~~(إن في ذلك لآية) أي في هذا الذي ذكرناه من قدرتنا " لآية " أي دلالة ~~ظاهرة. (لكل عبد منيب) أي تائب رجاع إلى الله بقلبه. وخص المنيب بالذكر ~~لأنه المنتفع بالفكرة في حجج الله وآياته. # قوله تعالى: ولقد آتينا داوود منا فضلا يا جبال أوبي معه والطير وألنا له ~~الحديد (10) (ولقد آتينا داود منا فضلا) بين لمنكري نبوة محمد صلى الله ~~عليه وسلم أن إرسال الرسل ليس أمرا بدعا، بل أرسلنا الرسل وأيدناهم ~~بالمعجزات، وأحللنا بمن خالفهم العقاب. " آتينا " أعطينا. " فضلا " أي أمرا ~~فضلناه به على غيره. واختلف في هذا الفضل على تسعة أقوال: # الأول - النبوة. الثاني - الزبور. الثالث - العلم، قال الله تعالى: " ~~ولقد آتينا داود وسليمان علما " (2) [النمل: 15]. الرابع - القوة، قال الله ~~تعالى: " واذكر عبدنا داود ذا الأيد " (3) [ص: 17]. الخامس - تسخير # PageV14P264 # الجبال والناس، قال الله تعالى: " يا جبال أوبي معه " (1). السادس - ~~التوبة، قال الله تعالى: # " فغفرنا (1) له ذلك " [ص: 25]. السابع: الحكم بالعدل، قال الله تعالى: " ~~يا داود إنا جعلناك (1) خليفة في الأرض " [ص: 26] الآية. الثامن - إلانة ~~الحديد، قال تعالى: " وألنا له الحديد " (1). التاسع - حسن الصوت، وكان ~~داود عليه السلام ذا صوت حسن ووجه حسن. وحسن الصوت هبة من الله تعالى وتفضل ~~منه، وهو المراد بقوله تبارك وتعالى: " يزيد في الخلق ما يشاء " (2) [فاطر: ~~1] على ما يأتي إن شاء الله تعالى. وقال صلى الله عليه وسلم لأبي موسى: ~~(لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود). قال العلماء: المزمار والمزمور ~~الصوت الحسن، وبه سميت آلة الزمر مزمارا. وقد استحسن كثير من فقهاء الأمصار ~~القراءة بالتزيين والترجيع. وقد مضى هذا في مقدمة الكتاب (3) والحمد لله. # قوله تعالى: (يا جبال أوبي معه) أي وقلنا يا جبال أوبي معه، أي سبحي معه، ~~لأنه قال تبارك وتعالى: " إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والاشراق " ~~(1) [ص: 18]. قال أبو ميسرة: # هو التسبيح بلسان الحبشة، ومعنى تسبيح الجبال: هو أن الله تعالى خلق فيها ~~تسبيحا كما خلق الكلام في الشجرة، فيسمع منها ما يسمع ms5078 من المسبح معجزة ~~لداود عليه الصلاة والسلام. # وقيل: المعنى سيرى معه حيث شاء، من التأويب الذي هو سير النهار أجمع ~~وينزل الليل. # قال ابن مقبل: # لحقنا بحي أوبوا السير بعدما * دفعنا شعاع الشمس والطرف يجنح وقرأ الحسن ~~وقتادة وغيرهما: " أوبي معه " أي رجعي معه، من آب يؤوب إذا رجع، أوبا وأوبة ~~وإيابا. وقيل: المعنى تصرفي معه على ما يتصرف عليه داود بالنهار، فكان إذا ~~قرأ الزبور صوتت الجبال معه، وأصغت إليه الطير، فكأنها فعلت ما فعل. وقال ~~وهب ابن منبه: المعنى نوحي معه والطير تساعده على ذلك، فكان إذا نادى ~~بالنياحة أجابته الجبال # PageV14P265 # بصداها، وعكفت الطير عليه من فوقه. فصدى الجبال الذي يسمعه الناس إنما ~~كان من ذلك اليوم إلى هذه الساعة، فأيد بمساعدة الجبال والطير لئلا يجد ~~فترة (1)، فإذا دخلت الفترة اهتاج، أي ثار وتحرك، وقوي بمساعدة الجبال ~~والطير. وكان قد أعطي من الصوت ما يتزاحم الوحوش من الجبال على حسن صوته، ~~وكان الماء الجاري ينقطع عن الجري وقوفا لصوته. # " والطير " بالرفع قراءة ابن أبي إسحاق ونصر عن عاصم وابن هرمز ومسلمة بن ~~عبد الملك، عطفا على لفظ الجبال، أو على المضمر في " أوبي " وحسنه الفصل ~~بمع. الباقون بالنصب عطفا على موضع " يا جبال " أي نادينا الجبال والطير، ~~قاله سيبويه. وعند أبي عمرو ابن العلاء بإضمار فعل على معنى وسخرنا له ~~الطير. وقال الكسائي: هو معطوف، أي وآتيناه الطير، حملا على " ولقد آتينا ~~داود ما فضلا ". النحاس: ويجوز أن يكون مفعولا معه، كما تقول: استوى الماء ~~والخشبة. وسمعت الزجاج يجيز: قمت وزيدا، فالمعنى أوبي معه ومع الطير. ~~(وألنا له الحديد) قال ابن عباس: صار عنده كالشمع. وقال الحسن: # كالعجين، فكان يعمله من غير نار. وقال السدي: كان الحديد في يده كالطين ~~المبلول والعجين والشمع، يصرفه كيف شاء، من غير إدخال نار ولا ضرب بمطرقة. ~~وقاله مقاتل. # وكان يفرغ من الدرع في بعض اليوم أو بعض الليل، ثمنها ألف درهم. وقيل: ~~أعطي قوة يثنى بها الحديد، وسبب ذلك أن داود ms5079 عليه السلام، لما ملك بني ~~إسرائيل لقي ملكا وداود يظنه إنسانا، وداود متنكر خرج يسأل عن نفسه وسيرته ~~في بني إسرائيل في خفاء، فقال داود لذلك الشخص الذي تمثل له: (ما قولك في ~~هذا الملك داود)؟ فقال له الملك (نعم العبد لولا خلة فيه) قال داود: (وما ~~هي)؟ قال: (يرتزق من بيت المال ولو أكل من عمل يده لتمت فضائله). فرجع فدعا ~~الله في أن يعلمه صنعة ويسهلها عليه، فعلمه صنعة لبوس كما قال عز وجل في ~~سورة الأنبياء (2)، فألان له الحديد فصنع الدروع، فكان يصنع الدرع فيما بين ~~يومه وليلته يساوي ألف درهم، حتى ادخر منها كثيرا وتوسعت # PageV14P266 # معيشة منزله، ويتصدق على الفقراء والمساكين، وكان ينفق ثلث المال في ~~مصالح المسلمين، وهو أول من اتخذ الدروع وصنعها وكانت قبل ذلك صفائح. ~~ويقال: إنه كان يبيع كل درع منها بأربعة آلاف. والدرع مؤنثة إذا كانت ~~للحرب. ودرع المرأة مذكر. # مسألة - في هذه الآية دليل على تعلم أهل الفضل الصنائع، وأن التحرف بها ~~لا ينقص من مناصبهم، بل ذلك زيادة في فضلهم وفضائلهم، إذ يحصل لهم التواضع ~~في أنفسهم والاستغناء عن غيرهم، وكسب الحلال الخلي عن الامتنان. وفي الصحيح ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن خير ما أكل المرء من عمل يده وإن نبي ~~الله داود كان يأكل من عمل يده). وقد مضى هذا في " الأنبياء مجودا والحمد ~~لله. # قوله تعالى: أن أعمل سابغات وقدر في السرد واعملوا صالحا إني بما تعملون ~~بصير (11) قوله تعالى: (أن أعمل سابغات) أي دروعا سابغات، أي كوامل تامات ~~واسعات، يقال: سبغ الدرع والثوب وغيرهما إذا غطى كل ما هو عليه وفضل منه. ~~(وقدر في السرد) قال قتادة: كانت الدروع قبله صفائح فكانت ثقالا، فلذلك أمر ~~هو بالتقدير فيما يجمع من الخفة والحصانة. أي قدر ما تأخذ من هذين المعنيين ~~بقسطه. أي لا تقصد الحصانة فتثقل، ولا الخفة فتزيل المنعة. وقال ابن زيد: ~~التقدير الذي أمر به هو في قدر الحلقة، أي لا تعملها ms5080 صغيرة فتضعف فلا تقوى ~~الدروع على الدفاع، ولا تعملها كبيرة فينال لابسها. وقال ابن عباس: # التقدير الذي أمر به هو في المسمار، أي لا تجعل مسمار الدرع رقيقا فيقلق ~~(1)، ولا غليظا فيفصم الحلق. روي " يقصم " بالقاف، والفاء أيضا رواية. " في ~~السرد " السرد نسج حلق الدروع، ومنه قيل لصانع حلق الدروع: السراد والزراد، ~~تبدل من السين الزاي، كما قيل: سراط وزراط. والسرد: الخرز، يقال: سرد يسرد ~~إذا خرز. والمسرد: الأشفى، ويقال سراد، قال الشماخ: # PageV14P267 # فظلت (1) تباعا خيلنا في بيوتكم * كما تابعت سرد العنان الخوارز والسراد: ~~السير الذي يخرز به، قال لبيد: # يشك صفائحها بالروق شزرا * كما خرج السراد من النقال (2) ويقال: قد سرد ~~الحديث والصوم، فالسرد فيهما أن يجئ بهما (3) ولاء في نسق واحد، ومنه سرد ~~الكلام. وفي حديث عائشة: لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يسرد الحديث ~~كسردكم، وكان يحدث الحديث لو أراد العاد أن يعده لأحصاه. قال سيبويه: ومنه ~~رجل سرندي أي جرئ، قال: لأنه يمضي قوما (4). وأصل ذلك في سرد الدرع، وهو أن ~~يحكمها ويجعل نظام حلقها ولاء غير مختلف. قال لبيد: # صنع الحديد مضاعفا أسراده * لينال طول العيش غير مروم وقال أبو ذؤيب: # وعليهما مسرودتان قضاهما * داود أو صنع السوابغ تبع (5) (وأعملوا صالحا) ~~أي عملا صالحا. وهذا خطاب لداود وأهله، كما قال: " اعملوا آل داود شكرا " ~~[سبأ: 13]. (إني بما تعملون بصير). # قوله تعالى: ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر وأسلنا له عين القطر ~~ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب ~~السعير (12) قوله تعالى: (ولسليمان الريح) قال الزجاج، التقدير وسخرنا ~~لسليمان الريح. وقرأ عاصم في رواية أبي بكر عنه: " الريح " بالرفع على ~~الابتداء، والمعنى له تسخير الريح، أو بالاستقرار، # PageV14P268 # أي ولسليمان الريح ثابتة، وفيه ذلك المعنى الأول. فإن قال قائل: إذا قلت ~~أعطيت زيدا درهما ولعمرو دينار، فرفعته فلم يكن فيه معنى الأول، وجاز أن ~~يكون لم تعطه الدينار. وقيل: # الامر كذا ولكن الآية على خلاف هذا من ms5081 جهة المعنى، لأنه قد علم أنه لم ~~يسخرها أحد إلا الله عز وجل. (غدوها شهر ورواحها شهر) أي مسيرة شهر. قال ~~الحسن: كان يغدو من دمشق فيقيل بإصطخر، وبينهما مسيرة شهر للمسرع، ثم يروح ~~من إصطخر ويبيت بكابل، وبينهما شهر للمسرع. قال السدي: كانت تسير به في ~~اليوم مسيرة شهرين. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان سليمان إذا جلس ~~نصبت حواليه أربعمائة ألف كرسي، ثم جلس رؤساء الانس مما يليه، وجلس سفلة ~~الانس مما يليهم، وجلس رؤساء الجن مما يلي سفلة الانس، وجلس سفلة الجن مما ~~يليهم، وموكل بكل كرسي طائر لعمل قد عرفه، ثم تقلهم الريح، والطير تظلهم من ~~الشمس، فيغدو من بيت المقدس إلى إصطخر، فيبيت ببيت المقدس، ثم قرأ ابن ~~عباس: " غدوها شهر ورواحها شهر ". وقال وهب بن منبه: # ذكر لي أن منزلا بناحية دجلة مكتوبا فيه - كتبه بعض صحابة سليمان، إما من ~~الجن وإما من الانس -: نحن نزلنا وما بنيناه، ومبنيا وجدناه، غدونا من ~~إصطخر فقلناه، ونحن رائحون منه إن شاء الله تعالى فبائتون في الشام. وقال ~~الحسن: شغلت سليمان الخيل حتى فاتته صلاة العصر، فعقر الخيل فأبدله الله ~~خيرا منها وأسرع، أبدل الريح تجري بأمره حيث شاء، غدوها شهر ورواحها شهر. ~~وقال ابن زيد: كان مستقر سليمان بمدينة تدمر، وكان أمر الشياطين قبل شخوصه ~~من الشام إلى العراق، فبنوها له بالصفاح (1) والعمد والرخام الأبيض ~~والأصفر. وفيه يقول النابغة: # إلا سليمان إذ قال الاله له * قم في البرية فأحددها (2) عن الفند وخيس ~~(3) الجن إني قد أذنت لهم * يبنون تدمر بالصفاح والعمد # PageV14P269 # فمن أطاعك فانفعه بطاعته * كما أطاعك وأدلله على الرشد ومن عصاك فعاقبه ~~معاقبة * تنهى الظلوم ولا تقعد على ضمد (1) ووجدت هذه الأبيات منقورة في ~~صخرة بأرض يشكر، أنشأهن بعض أصحاب سليمان عليه الصلاة والسلام: # ونحن ولا حول سوى حول ربنا * نروح إلى الأوطان من أرض تدمر إذا نحن رحنا ~~كان ريث رواحنا * مسيرة شهر والغدو لآخر أناس شروا لله طوعا نفوسهم * بنصر ms5082 ~~ابن داود النبي المطهر لهم في معالي الدين فضل ورفعة (2) * وإن نسبوا يوما ~~فمن خير معشر متى يركبوا الريح المطيعة أسرعت * مبادرة عن شهرها لم تقصر ~~تظلهم طير صفوف عليهم * متى رفرفت من فوقهم لم تنفر قوله تعالى: (وأسلنا له ~~عين القطر) القطر: النحاس، عن ابن عباس وغيره. أسيلت له مسيرة ثلاثة أيام ~~كما يسيل الماء، وكانت بأرض اليمن، ولم يذب النحاس فيما روي لاحد قبله، ~~وكان لا يذوب، ومن وقته ذاب، وإنما ينتفع الناس اليوم بما أخرج الله تعالى ~~لسليمان. قال قتادة: أسأل الله عينا يستعملها فيما يريد. وقيل لعكرمة: إلى ~~أين سألت؟ # فقال: لا أدري! وقال ابن عباس ومجاهد والسدي: أجريت له عين الصفر ثلاثة ~~أيام بلياليهن. # قال القشيري: وتخصيص الإسالة بثلاثة أيام لا يدرى ما حده، ولعله وهم من ~~الناقل، إذ في رواية عن مجاهد: أنها سألت من صنعاء ثلاث ليال مما يليها، ~~وهذا يشير إلى بيان الموضع لا إلى بيان المدة. والظاهر أنه جعل النحاس ~~لسليمان في معدنه عينا تسيل كعيون المياه، دلالة على نبوته. وقال الخليل: ~~القطر: النحاس المذاب. # قلت: دليله قراءة من قرأ: " من قطران ". (ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ~~ربه) أي بأمره (ومن يزغ منهم عن أمرنا) الذي أمرناه به من طاعة سليمان. ~~(نذقه من # PageV14P270 # عذاب السعير) أي في الآخرة، قاله أكثر المفسرين. وقيل ذلك في الدنيا، ~~وذلك أن الله تعالى وكل بهم - فيما روى السدي - ملكا بيده سوط من نار، فمن ~~زاغ عن أمر سليمان ضربه بذلك السوط ضربة من حيث لا يراه فأحرقته. و " من " ~~في موضع نصب بمعنى وسخرنا له من الجن من يعمل. ويجوز أن يكون في موضع رفع، ~~كما تقدم في الريح. # قوله تعالى: يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور ~~راسيات اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور (13) فيه ثماني مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " من محاريب وتماثيل " المحراب في اللغة: كل موضع ~~مرتفع. وقيل للذي يصلي فيه: محراب، لأنه يجب أن ms5083 يرفع ومعظم. وقال الضحاك: # " من محاريب " أي من مساجد. وكذا قال قتادة. وقال مجاهد: المحاريب دون ~~القصور. # وقال أبو عبيدة: المحراب أشرف بيوت الدار. قال: # وماذا عليه أن ذكرت أو انسا * كغزلان رمل في محاريب أقيال (1) وقال عدي ~~بن زيد: # كدمي العاج في المحاريب أو كالبيض * في الروض زهره مستنير وقيل: هو ما ~~يرقى إليه بالدرج كالغرفة الحسنة، كما قال: " إذ تسوروا المحراب " (2) [ص: ~~21] وقوله: # " فخرج على قومه من المحراب " (3) [مريم: 11] أي أشرف عليهم. وفي الخبر ~~(أنه أمر أن يعمل حول كرسيه ألف محراب فيها ألف رجل عليهم المسوح يصرخون ~~إلى الله دائبا، وهو على الكرسي في موكبه والمحاريب حوله، ويقول لجنوده إذا ~~ركب: سبحوا الله إلى ذلك العلم، فإذا بلغوه قال: هللوه إلى ذلك العلم فإذا ~~بلغوه قال: كبروه إلى ذلك العلم الآخر، فتلج الجنود بالتسبيح والتهليل لجة ~~واحدة. # PageV14P271 # الثانية - قوله تعالى: (وتماثيل) جمع تمثال. وهو كل ما صور على مثل صورة ~~من حيوان أو غير حيوان. وقيل: كانت من زجاج ونحاس ورخام تماثيل أشياء ليست ~~بحيوان. وذكر أنها صور الأنبياء والعلماء، وكانت تصور في المساجد ليراها ~~الناس فيزدادوا عبادة واجتهادا، قال صلى الله عليه وسلم: (إن أولئك كان إذا ~~مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور). أي ~~ليتذكروا عبادتهم فيجتهدوا في العبادة. وهذا يدل على أن التصوير كان مباحا ~~في ذلك الزمان، ونسخ ذلك بشرع محمد صلى الله عليه وسلم. وسيأتي لهذا مزيد ~~بيان في سورة " نوح " (1) عليه السلام. وقيل: # التماثيل طلسمات كان يعملها، ويحرم على كل مصور أن يتجاوزها فلا ~~يتجاوزها، فيعمل تمثالا للذباب أو للبعوض أو للتماسيح في مكان، ويأمرهم ألا ~~يتجاوزوه فلا يتجاوزه واحد أبدا ما دام ذلك التماثل قائما. وواحد التماثيل ~~تمثال بكسر التاء. قال: # ويا رب يوم قد لهوت وليلة * بآنسة كأنها خط تمثال (2) وقيل: إن هذه ~~التماثيل رجال اتخذهم من نحاس وسأل ربه أن ينفخ فيها الروح ليقاتلوا في ~~سبيل الله ولا يحيك (3) فيهم السلاح. ويقال: إن ms5084 اسفنديار كان منهم، والله ~~أعلم. وروي أنهم عملوا له أسدين في أسفل كرسيه ونسرين فوقه، فإذا أراد أن ~~يصعد بسط الأسدان له ذراعيهما، وإذا قعد أطلق النسران أجنحتهما. # الثالثة - حكى مكي في الهداية له: أن فرقة تجوز التصوير، وتحتج بهذه ~~الآية. # قال ابن عطية: وذلك خطأ، وما أحفظ عن أحد من أئمة العلم من يجوزه. # قلت: ما حكاه مكي ذكره النحاس قبله، قال النحاس: قال قوم عمل الصور جائز ~~لهذه الآية، ولما أخبر الله عز وجل عن المسيح. وقال قوم: قد صح النهي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم عنها والتوعد لمن عملها أو أتخذها، فنسخ الله عز ~~وجل بهذا ما كان مباحا قبله، وكانت الحكمة في ذلك لأنه بعث عليه السلام ~~والصور تعبد، فكان الأصلح إزالتها. # PageV14P272 # الرابعة - التمثال على قسمين: حيوان وموات. والموات على قسمين: جماد ~~ونام، وقد كانت الجن تصنع لسليمان جميعه، لعموم قوله: " وتماثيل ". وفي ~~الإسرائيليات: # أن التماثيل من الطير كانت على كرسي سليمان. فإن قيل: لا عموم لقوله: " ~~وتماثيل " فإنه إثبات في نكره، والاثبات في النكرة لا عموم له، إنما العموم ~~في النفي في النكرة. قلنا: كذلك هو، بيد أنه قد اقترن بهذا الاثبات في ~~النكرة ما يقتضي حمله على العموم، وهو قوله: # " ما يشاء " فاقتران المشيئة به يقتضي العموم له. فإن قيل: كيف استجاز ~~الصور المنهي عنها؟ قلنا: كان ذلك جائزا في شرعه ونسخ ذلك بشرعنا كما بينا، ~~والله أعلم. وعن أبي العالية: # لم يكن اتخاذ الصور إذ ذاك محرما. # الخامسة - ومقتضى الأحاديث يدل على أن الصور ممنوعة، ثم جاء (إلا ما كان ~~رقما (1) في ثوب) فخص من جملة الصور، ثم ثبتت الكراهية فيه بقوله عليه ~~السلام لعائشة في الثوب: (أخريه عني فإني كلما رأيته ذكرت الدنيا). ثم ~~بهتكه (2) الثوب المصور على عائشة منع منه، ثم بقطعها له وسادتين تغيرت ~~الصورة وخرجت عن هيئتها، فإن جواز ذلك إذا لم تكن الصورة فيه متصلة الهيئة، ~~ولو كانت متصلة الهيئة لم يجز، لقولها في النمرقة المصورة: (3) اشتريتها ms5085 لك ~~لتقعد عليها وتوسدها، فمنع منه وتوعد عليه. وتبين بحديث الصلاة إلى الصور ~~أن ذلك جائز في الرقم في الثوب ثم نسخه المنع منه. فهكذا استقر الامر فيه ~~والله أعلم، قاله ابن العربي. # السادسة - روى مسلم عن عائشة قالت: كان لنا ستر فيه تمثال طائر وكان ~~الداخل إذا دخل استقبله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حولي هذا ~~فإني كلما دخلت فرأيته ذكرت الدنيا). قالت: وكانت لنا قطيفة كنا نقول علمها ~~حرير، فكنا نلبسها. وعنها قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ~~مستترة بقرام (4) فيه صورة، فتلون وجهه، # PageV14P273 # ثم تناول الستر فهتكه، ثم قال: (إن من أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين ~~يشبهون بخلق الله عز وجل). وعنها: أنه كان لها ثوب فيه تصاوير ممدود إلى ~~سهوة (1)، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي إليه فقال: (أخريه عني) ~~قالت: فأخرته فجعلته وسادتين. قال بعض العلماء: ويمكن أن يكون تهتيكه عليه ~~السلام الثوب وأمره بتأخيره ورعا، لان محل النبوة والرسالة الكمال. فتأمله. # السابعة - قال المزني عن الشافعي: إن دعي رجل إلى عرس فرأى صورة ذات روح ~~أو صورا ذات أرواح، لم يدخل إن كانت منصوبة. وإن كانت توطأ فلا بأس، وإن ~~كانت صور الشجر. ولم يختلفوا أن التصاوير في الستور المعلقة مكروهة غير ~~محرمة. # وكذلك عندهم ما كان خرطا أو نقشا في البناء. واستثنى بعضهم (ما كان رقما ~~في ثوب)، لحديث سهل بن حنيف. # قلت: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المصورين ولم يستثن. وقوله: (إن ~~أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة ويقال لهم أحيوا ما خلقتم) ولم يستثن. ~~وفي الترمذي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الله عليه ~~وسلم: (يخرج عنق (2) من النار يوم القيامة له عينان تبصران وأذنان تسمعان ~~ولسان ينطق يقول: إني وكلت بثلاث: بكل جبار عنيد، وبكل من دعا مع الله إلها ~~آخر وبالمصورين) قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب صحيح. # وفي البخاري ومسلم عن عبد ms5086 الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: (أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون). يدل على المنع من تصوير شئ، ~~أي شئ كان. # وقد قال عز وجل: " ما كان لكم أن تنبتوا شجرها " (3) [النمل: 60] على ما ~~تقدم بيانه فأعلمه. # الثامنة - وقد أستثني من هذا الباب لعب البنات، لما ثبت، عن عائشة رضي ~~الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وهي بنت سبع سنين، وزفت إليه ~~وهي بنت تسع # PageV14P274 # ولعبها معها، ومات عنها وهي بنت ثمان عشرة سنة. وعنها أيضا قالت: كنت ~~ألعب بالبنات عند النبي صلى الله عليه وسلم وكان لي صواحب يلعبن معي، فكان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل ينقمعن (1) منه فيسربهن (2) إلي ~~فيلعبن معي. خرجهما مسلم. قال العلماء: وذلك للضرورة إلى ذلك وحاجة البنات ~~حتى يتدربن على تربية أولادهن. ثم إنه لا بقاء لذلك، وكذلك ما يصنع من ~~الحلاوة أو من العجين لا بقاء له، فرخص في ذلك، والله أعلم. # قوله تعالى: (وجفان كالجواب) قال ابن عرفة: الجوابي جمع الجابية، وهي ~~حفيرة كالحوض. وقال: كحياض الإبل. وقال ابن القاسم عن مالك: كالجوبة من ~~الأرض، والمعنى متقارب. وكان يقعد على الجفنة الواحدة ألف رجل. النحاس: " ~~وجفان كالجواب " الأولى أن تكون بالياء، ومن حذف الياء قال سبيل الألف ~~واللام أن تدخل على النكرة فلا يغيرها عن حالها، فلما كان يقال جواب ودخلت ~~الألف واللام أقر على حاله فحذف الياء. # وواحد الجوابي جابية، وهي القدر العظيمة، والحوض العظيم الكبير الذي يجبى ~~فيه الشئ أي يجمع، ومنه جبيت الخراج، وجبيت الجراد، أي جعلت الكساء فجمعته ~~فيه. إلا أن ليثا روى عن مجاهد قال: الجوابي جمع جوبة، والجوبة الحفرة ~~الكبيرة تكون في الجبل فيها ماء المطر. وقال الكسائي: جبوت الماء في الحوض ~~وجبيته أي جمعته، والجابية: الحوض الذي يجبى فيه الماء للإبل، قال: # تروح على آل المحلق جفنة * كجابية الشيخ العراقي تفهق (3) ويروى أيضا. # نفي الذم عن آل المحلق جفنة * كجابية السيح (4 *.... # ذكره النحاس. ms5087 # PageV14P275 # قوله تعالى: (وقدور راسيات) قال سعيد بن جبير: هي قدور النحاس تكون ~~بفارس. وقال الضحاك: هي قدور تعمل من الجبال. غيره: قد نحتت من الجبال الصم ~~مما عملت له الشياطين، أثافيها (1) منها منحوتة هكذا من الجبال. ومعنى " ~~راسيات " ثوابت، لا تحمل ولا تحرك لعظمها. قال ابن العربي: وكذلك كانت قدور ~~عبد الله بن جدعان، يصعد إليها في الجاهلية بسلم. وعنها عبر طرفة بن العبد ~~بقوله: # كالجوابي لا تني مترعة * لقرى الأضياف أو للمحتضر قال ابن العربي: ورأيت ~~برباط أبي سعيد قدور الصوفية على نحو ذلك، فإنهم يطبخون جميعا ويأكلون ~~جميعا من غير استئثار واحد منهم على أحد. # قوله تعالى: (اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور) قد مضى معنى ~~الشكر في " البقرة " (2) وغيرها. وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد ~~المنبر فتلا هذه الآية ثم قال: # (ثلاث من أوتيهن فقد أوتي مثل ما أوتي آل داود) قال فقلنا: ما هن. فقال: ~~(العدل في الرضا والغضب. والقصد في الفقر والغنى. وخشية الله في السر ~~والعلانية). خرجه الترمذي الحكيم أبو عبد الله عن عطاء بن يسار عن أبي ~~هريرة. وروي أن داود عليه السلام قال: (يا رب كيف أطيق شكرك على نعمك. ~~وإلهامي وقدرتي على شكرك نعمة لك) فقال: (يا داود الآن عرفتني). وقد مضى ~~هذا المعنى في سورة " إبراهيم " (3). وأن الشكر حقيقته الاعتراف بالنعمة ~~للمنعم واستعمالها في طاعته، والكفران استعمالها في المعصية. وقليل من يفعل ~~ذلك، لان الخير أقل من الشر، والطاعة أقل من المعصية، بحسب سابق التقدير. # وقال مجاهد: لما قال الله تعالى " اعملوا آل داود شكرا " قال داود ~~لسليمان: أن الله عز وجل قد ذكر الشكر فاكفني صلاة النهار أكفك صلاة الليل، ~~قال: لا أقدر، قال: فاكفني - قال الفاريابي، أراه قال إلى صلاة الظهر - قال ~~نعم، فكفاه. وقال الزهري: " اعملوا # PageV14P276 # آل داود شكرا " أي قولوا الحمد لله. و " شكرا " نصب على جهة المفعول، أي ~~اعملوا عملا هو الشكر. وكأن الصلاة والصيام والعبادات كلها هي في نفسها ~~الشكر ms5088 إذ سدت مسدة، ويبين هذا قوله تعالى: " إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات وقليل ما هم " (1) [ص: 24] وهو المراد بقوله " وقليل من عبادي ~~الشكور ". وقد قال سفيان بن عيينة في تأويل قوله تعالى " أن اشكر لي " ~~[لقمان: 14] أن المراد بالشكر الصلوات الخمس. وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي ~~الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقوم من الليل حتى ~~تفطر (2) قدماه، فقالت له عائشة رضي الله عنها: # أتصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: (أفلا أكون ~~عبدا شكورا). # انفرد بإخراجه مسلم. فظاهر القرآن والسنة أن الشكر بعمل الأبدان دون ~~الاقتصار على عمل اللسان، فالشكر بالافعال عمل الأركان، والشكر بالأقوال ~~عمل اللسان. والله أعلم. # قوله تعالى: (وقليل من عبادي الشكور) يحتمل أن يكون مخاطبة لآل داود، ~~ويحتمل أن يكون مخاطبة لمحمد صلى الله الله عليه وسلم. قال ابن عطية: وعلى ~~كل وجه ففيه تنبيه وتحريض. وسمع عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه رجلا ~~يقول: اللهم اجعلني من القليل، فقال عمر: ما هذا الدعاء؟ فقال الرجل: أردت ~~قوله تعالى " وقليل من عبادي الشكور ". # فقال عمر رضي الله عنه: كل الناس أعلم منك يا عمر! وروي أن سليمان عليه ~~السلام كان يأكل الشعير ويطعم أهله الخشكار (3) ويطعم المساكين الدرمك (4). ~~وقد قيل: إنه كان يأكل الرماد ويتوسده، والأول أصح، إذ الرماد ليس بقوت. ~~وروي أنه ما شبع قط، فقيل له في ذلك فقال: أخاف إن شبعت أن أنسى الجياع. ~~وهذا من الشكر ومن القليل، فتأمله، والله أعلم. # قوله تعالى: فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل ~~منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعملون الغيب ما لبثوا في العذاب ~~المهين (14) # PageV14P277 # قوله تعالى: (فلما قضينا عليه الموت) أي فلما حكمنا على سليمان بالموت ~~حتى صار كالأمر المفروغ منه ووقع به الموت (ما دلهم على موته إلا دابة ~~الأرض تأكل منسأته) وذلك أنه كان متكئا على المنسأة (وهي العصا بلسان ms5089 ~~الحبشة، في قول السدي. وقيل: # هي بلغة اليمن، ذكره القشيري) فمات كذلك وبقي خافي الحال إلى أن سقط ميتا ~~لانكسار العصا لاكل الأرض إياها، فعلم موته بذلك، فكانت الأرضة دالة على ~~موته، أي سببا لظهور موته، وكان سأل الله تعالى ألا يعلموا بموته حتى تمضي ~~عليه سنة. واختلفوا في سبب سؤاله لذلك على قولين: أحدهما ما قاله قتادة ~~وغيره، قال: كانت الجن تدعي علم الغيب، فلما مات سليمان عليه السلام وخفي ~~موته عليهم " تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب ~~المهين " ابن مسعود: أقام حولا والجن تعمل بين يديه حتى أكلت الأرضة منسأته ~~فسقط. ويروى أنه لما سقط لم يعلم منذ مات، فوضعت الأرضة على العصا فأكلت ~~منها يوما وليلة ثم حسبوا على ذلك فوجدوه قد مات منذ سنة. وقيل: # كان رؤساء الجن سبعة، وكانوا منقادين لسليمان عليه السلام، وكان داود ~~عليه السلام أسس بيت المقدس فلما مات أوصى إلى سليمان في إتمام مسجد بيت ~~المقدس، فأمر سليمان الجن به، فلما دنا وفاته قال لأهله: لا تخبروهم بموتى ~~حتى يتموا بناء المسجد، وكان بقي لاتمامه سنة. وفي الخبر أن ملك الموت كان ~~صديقه فسأل عن آية موته فقال: أن تخرج من موضع سجودك شجرة يقال لها ~~الخرنوبة، فلم يكن يوم يصبح فيه إلا تنبت في بيت المقدس شجرة فيسألها: ما ~~اسمك؟ فتقول الشجرة: اسمي كذا وكذا، فيقول: ولأي شئ أنت؟ فتقول: # لكذا ولكذا، فيأمر بها فتقطع، ويغرسها في بستان له، ويأمر بكتب منافعها ~~ومضارها واسمها وما تصلح له في الطب، فبينما هو يصلي ذات يوم إذا رأى شجرة ~~نبتت بين يديه فقال لها: ما اسمك؟ قالت: الخرنوبة، قال: ولأي شئ أنت؟ قال: ~~لخراب هذا المسجد، فقال سليمان: ما كان الله ليخربه وأنا حي، أنت التي على ~~وجهك هلاكي وهلاك بيت المقدس! فنزعها وغرسها في حائطه ثم قال. اللهم عم عن ~~الجن موتي حتى تعلم الانس أن PageV14P278 # الجن لا يعلمون الغيب. وكانت الجن تخبر أنهم يعلمون من ms5090 الغيب أشياء، ~~وأنهم يعلمون ما في غد، ثم لبس كفنه وتحنط ودخل المحراب وقام يصلي واتكأ ~~على عصاه على كرسيه، فمات ولم تعلم الجن إلى أن مضت سنة وتم بناء المسجد. ~~قال أبو جعفر النحاس: # وهذا أحسن ما قيل في الآية، ويدل على صحته الحديث المرفوع، روى إبراهيم ~~بن طهمان عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # (كان نبي الله سليمان بن داود عليهما السلام إذا صلى رأى شجرة نابتة بين ~~يديه فيسألها ما اسمك؟ فإن كانت لغرس غرست وإن كانت لدواء كتبت، فبينما هو ~~يصلي ذات يوم إذا شجرة نابتة بين يديه قال ما اسمك؟ قالت: الخرنوبة، فقال: ~~لأي شئ أنت؟ فقالت: # لخراب هذا البيت، فقال: اللهم عم عن الجن موتى حتى تعلم الانس أن الجن لا ~~يعلمون الغيب، فنحتها عصا فتوكأ عليها حولا لا يعلمون فسقطت، فعلم الانس أن ~~الجن لا يعلمون الغيب فنظروا مقدار ذلك فوجدوه سنة. وفي قراءة ابن مسعود ~~وابن عباس " تبينت الانس أن لو كان الجن يعلمون الغيب ". وقرأ يعقوب في ~~رواية رويس " تبنت الجن " غير مسمى الفاعل. ونافع وأبو عمرو " تأكل منسأته ~~" بألف بين السين والتاء من غير همز. # والباقون بهمزة مفتوحة موضع الألف، لغتان، إلا أن أبن ذكوان أسكن الهمزة ~~تخفيفا، قال الشاعر في ترك الهمزة: # إذا دببت على المنسأة من كبر * فقد تباعد عنك اللهو والغزل وقال آخر فهمز ~~وفتح: # ضربنا بمنسأة وجهه * فصار بذاك مهينا ذليلا وقال آخر: # أمن أجل حبل لا أباك ضربته * بمنسأة قد جر حبلك أحبلا وقال آخر فسكن ~~همزها: # وقائم قد قام من تكأته * كقومة الشيخ إلى منسأته PageV14P279 # وأصلها من: نسأت الغنم أي زجرتها وسقتها، فسميت العصا بذلك لأنه يزجر بها ~~الشئ ويساق. وقال طرفة: # أمون كألواح الاران نسأتها * على لأحب كأنه ظهر برجد (1) فسكن همزها. قال ~~النحاس: واشتقاقها يدل على أنها مهموزة، لأنها مشتقة من نسأته أي أخرته ~~ودفعته فقيل لها منسأة لأنها يدفع ms5091 بها الشئ ويؤخر. وقال مجاهد وعكرمة: هي ~~العصا، ثم قرأ " منساته " أبدل من الهمزة ألفا، فإن قيل: البدل من الهمزة ~~قبيح جدا وإنما يجوز في الشعر على بعد وشذوذ، وأبو عمرو بن العلاء لا يغيب ~~عنه مثل هذا لا سيما وأهل المدينة على هذه القراءة. فالجواب على هذا أن ~~العرب استعملت في هذه الكلمة البدل ونطقوا بها هكذا كما يقع البدل في غير ~~هذا ولا يقاس عليه حتى قال أبو عمور: ولست أدري ممن هو إلا أنها غير مهموزة ~~لان ما كان مهموزا فقد يترك همزه وما لم يكن مهموزا لم يجز همزة بوجه. ~~المهدوي: ومن قرأ بهمزة ساكنة فهو شاذ بعيد، لان هاء التأنيث لا يكون ما ~~قبلها إلا متحركا أو ألفا، لكنه يجوز أن يكون ما سكن من المفتوح استخفافا، ~~ويجوز أن يكون لما أبدل الهمزة ألفا على غير قياس قلب الألف همزة كما ~~قلبوها في قولهم العألم والخأتم، وروي عن صعيد بن جبير " من " مفصولة " ~~سأته " مهموزة مكسورة التاء، فقيل: # إنه من سئة القوس في لغة من همزها، وقد روي همز سية القوس عن رؤبة. قال ~~الجوهري: # سية القوس ما عطف من طرفيها، والجمع سيات، والهاء عوض من الواو، والنسبة ~~إليها سيوي. قال أبو عبيدة: كان رؤبة يهمز " سية القوس " وسائر العرب لا ~~يهمزونها. # وفي دابة الأرض قولان: أحدهما - أنها أرضة، قاله ابن عباس ومجاهد ~~وغيرهما. وقد قرئ " دابة الأرض " بفتح الراء، وهو (2) جمع الأرضة، ذكره ~~الماوردي. الثاني - أنها دابة تأكل العيدان. قال الجوهري: والأرضة ~~(بالتحريك): دويبة تأكل الخشب، يقال: أرضت الخشبة تؤرض أرضا (بالتسكين) فهي ~~مأروضة إذا أكلتها. # PageV14P280 # قوله تعالى (فلما خر) أي سقط (تبينت الجن) قال الزجاج: أي تبينت الجن ~~موته. وقال غيره: المعنى تبين أمر الجن، مثل: " واسأل القرية " [يوسف: 82]. ~~وفي التفسير - بالأسانيد الصحاح عن ابن عباس قال: أقام سليمان بن داود ~~عليهما الصلاة والسلام حولا لا يعلم بموته وهو متكئ على عصاه، والجن منصرفة ~~فيما كان أمرها به، ثم سقط بعد حول، فلما ms5092 خر تبينت، الانس أن لو كان الجن ~~يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين. # وهذه القراءة من ابن عباس على جهة التفسير. وفي الخبر: أن الجن شكرت ذلك ~~للأرضة فأينما كانت، يأتونها بالماء. # قال السدي: والطين، ألم تر إلى الطين الذي يكون في جوف الخشب فإنه مما ~~يأتيها (1) به الشياطين شكرا، وقالت: لو كنت تأكلين الطعام والشراب لأتيناك ~~بهما. و " أن " في موضع رفع على البدل من الجن، والتقدير: تبين أمر الجن، ~~فحذف المضاف، أي تبين وظهر للانس وانكشف لهم أمر الجن أنهم لا يعلمون ~~الغيب. وهذا بدل الاشتمال. ويجوز أن تكون في موضع نصب على تقدير حذف اللام. ~~و (لبثوا) أقاموا. و (العذاب المهين) السخرة والحمل والبنيان وغير ذلك. ~~وعمر سليمان ثلاثا وخمسين سنة، ومدة ملكه أربعون سنة، فملك وهو ابن ثلاث ~~عشرة سنة، وابتدأ في بنيان بيت المقدس وهو ابن سبع عشره سنة. وقال السدي ~~وغيره: كان عمر سليمان سبعا وستين ستة، وملك وهو ابن سبع عشرة سنة. وابتدأ ~~في بنيان بيت المقدس وهو ابن عشرين سنة، وكان ملكه خمسين سنة. # وحكى أن سليمان عليه السلام ابتدأ بنيان بيت المقدس في السنة الرابعة من ~~ملكه، وقرب بعد فراغه منه أثنى عشر ألف ثور ومائة وعشرين ألف شاة، واتخذ ~~اليوم الذي فرغ فيه من بنائه عيدا، وقام على الصخرة رافعا يديه إلى الله ~~تعالى بالدعاء فقال: اللهم أنت وهبت لي هذا السلطان وقويتني، على بناء هذا ~~المسجد، اللهم فأوزعني شكرك على ما أنعمت علي وتوفني على ملتك ولا تزغ قلبي ~~بعد إذ هديتني، اللهم إني أسألك لمن دخل هذا المسجد خمس خصال: # لا يدخله مذنب دخل للتوبة إلا غفرت له وتبت عليه. ولا خائف إلا أمنته. ~~ولا سقيم # PageV14P281 # إلا شفيته. ولا فقير إلا أغنيته. والخامسة: ألا تصرف نظرك عمن دخله حتى ~~يخرج منه، إلا من أراد إلحادا أو ظلما، يا رب العالمين، ذكره الماوردي. # قلت: وهذا أصح مما تقدم أنه لم يفرغ بناؤه إلا بعد موته بسنة، والدليل ~~على ms5093 صحة هذا ما خرجه النسائي وغيره بإسناد صحيح من حديث عبد الله بن عمرو ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم (أن سليمان بن داود لما بنى بيت المقدس سأل ~~الله تعالى خلالا ثلاثة: حكما يصادف حكمه فأوتيه، وسأل الله تعالى ملكا لا ~~ينبغي لاحد من بعده فأوتيه، وسأل الله تعالى حين فرغ من بنائه المسجد ألا ~~يأتيه أحد لا ينهزه (1) إلا الصلاة فيه أن يخرج من خطيئته كيوم ولدته أمه) ~~وقد ذكرنا هذا الحديث في " آل عمران " (2) وذكرنا بناءه في " سبحان " (3). # قوله تعالى: لقد كان لسبأ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ~~ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور (15) قوله تعالى: (لقد كان لسبأ في ~~مساكنهم (4) آية) قرأ نافع وغيره بالصرف والتنوين على أنه أسم حي، وهو في ~~الأصل أسم رجل، جاء بذلك التوقيف عن النبي صلى الله عليه وسلم. # روى الترمذي قال: حدثنا أبو كريب وعبد بن حميد قالا حدثنا أبو أسامة عن ~~الحسن بن الحكم النخعي قال حدثنا أبو سبرة النخعي عن فروة بن مسيك المرادي ~~قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، ألا أقاتل من أدبر ~~من قومي بمن أقبل منهم، فأذن لي في قتالهم وأمرني، فلما خرجت من عنده سأل ~~عني: (ما فعل الغطيفي) (5)؟ فأخبر أني قد سرت، قال: فأرسل في أثري فردني ~~فأتيته وهو في نفر من أصحابه فقال: (ادع القوم فمن أسلم منهم فأقبل منه ومن ~~لم يسلم فلا تعجل حتى أحدث إليك، قال: وأنزل في سبأ ما أنزل، فقال رجل: يا ~~رسول الله، وما سبأ؟ أرض أو امرأة؟ قال: ليس بأرض ولا بامرأة # PageV14P282 # ولكنه رجل ولد عشرة من العرب فتيامن منهم ستة وتشاءم منهم أربعة. فأما ~~الذين تشاءموا فلخم وجذام وغسان وعاملة. وأما الذين تيامنوا فالأزد ~~والأشعريون وحمير وكندة ومذحج وأنمار. فقال رجل: يا رسول الله وما أنمار؟ ~~قال: (الذين منهم خثعم وبجيلة). وروي هذا عن ابن عباس عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم. قال ms5094 أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب. # وقرأ ابن كثير وأبو عمرو " لسبأ " بغير صرف، جعله اسما للقبيلة، وهو ~~اختيار أبي عبيد، وأستدل على أنه أسم قبيلة بأن بعده " في مساكنهم ". ~~النحاس: ولو كان كما قال لكان في مساكنها. وقد مضى في " النمل " (1) زيادة ~~بيان لهذا المعنى. وقال الشاعر في الصرف: # الواردون وتيم في ذرى سبأ * قد عض أعناقهم جلد الجواميس وقال آخر في غير ~~الصرف: # من سبأ الحاضرين مأرب إذ * يبنون من دون سيلها العرما وقرأ قنبل وأبو ~~حنيفة والجحدري " لسبأ " بإسكان الهمزة. " في مساكنهم " قراءة العامة على ~~الجمع، وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم، لان لهم مساكن كثيرة وليس بمسكن ~~واحد. # وقرأ إبراهيم وحمزة وحفص " مسكنهم " موحدا، إلا أنهم فتحوا الكاف. وقرأ ~~يحيى والأعمش والكسائي موحدا كذلك، إلا أنهم كسروا الكاف. قال النحاس: ~~والساكن في هذا أبين، لأنه يجمع اللفظ والمعنى، فإذا قلت " مسكنهم " كان ~~فيه تقديران: أحدهما - أن يكون واحدا يؤدي عن الجمع. والآخر - أن يكون ~~مصدرا لا يثني ولا يجمع، كما قال الله تعالى: " ختم الله على قلوبهم وعلى ~~سمعهم وعلى أبصارهم " (2) [البقرة: 7] فجاء بالسمع موحدا. وكذا " مقعد صدق ~~" (3) [القمر: 55] و " مسكن " مثل مسجد، خارج عن القياس، ولا يوجد مثله إلا ~~سماعا. " آية " اسم كان، أي علامة دالة على قدرة الله تعالى على أن لهم ~~خالقا خلقهم، وأن كل الخلائق لو اجتمعوا على أن يخرجوا من الخشبة ثمرة لم ~~يمكنهم ذلك، ولم يهتدوا إلى اختلاف أجناس الثمار وألوانها وطعومها وروائحها ~~وأزهارها، وفي ذلك ما يدل على أنها لا تكون إلا من عالم قادر. (جنتان) يجوز # PageV14P283 # أن يكون بدلا من " آية "، ويجوز أن يكون خبر ابتداء محذوف، فوقف على هذا ~~الوجه على " آية " وليس بتمام. قال الزجاج: أي الآية جنتان، فجنتان رفع ~~لأنه خبر ابتداء محذوف. # وقال الفراء: رفع تفسيرا للآية، ويجوز أن تنصب " آية " على أنها خبر كان، ~~ويجوز أن تنصب الجنتين على الخبر أيضا في غير القرآن. وقال عبد الرحمن بن ~~زيد: إن الآية التي كانت ms5095 لأهل سبأ في مساكنهم أنهم لم يروا فيها بعوضة قط ~~ولا ذبابا ولا برغوثا ولا قملة ولا عقربا ولا حية ولا غيرها من الهوام، ~~وإذا جاءهم الركب في ثيابهم القمل والدواب فإذا نظروا إلى بيوتهم ماتت ~~الدواب. وقيل: إن الآية هي الجنتان، كانت المرأة تمشي فيهما وعلى رأسها ~~مكتل (1) فيمتلئ من أنواع الفواكه من غير أن تمسها بيدها، قاله قتادة. وروى ~~أن الجنتين كانتا بين جبلين باليمن. قال سفيان: وجد فيهما قصران مكتوب على ~~أحدهما: نحن بنينا سلحين في سبعين خريفا دائبين، وعلى الآخر مكتوب: نحن ~~بنينا صرواح، مقيل ومراح، فكانت إحدى الجنتين عن يمين الوادي والأخرى عن ~~شماله. قال القشيري: ولم يرد جنتين اثنتين بل أراد من الجنتين يمنة ويسرة، ~~أي كانت بلادهم ذات بساتين وأشجار وثمار، تستتر الناس بظلالها. " كلوا من ~~رزق ربكم " أي قيل لهم كلوا، ولم يكن ثم أمر، ولكنهم تمكنوا من تلك النعم. ~~وقيل: أي قالت الرسل لهم قد أباح الله تعالى لهم ذلك، أي أباح لكم هذه ~~النعم فاشكروه بالطاعة. (من رزق ربكم) أي من ثمار الجنتين. (واشكروا له) ~~يعني على ما رزقكم. (بلدة طيبة) هذا كلام مستأنف، أي هذه بلدة طيبة أي ~~كثيرة الثمار. # وقيل: غير سبخة. وقيل: طيبة ليس فيها هوام لطيب هوائها. قال مجاهد: هي ~~صنعاء. # (ورب غفور) أي والمنعم بها عليكم رب غفور يستر ذنوبكم، فجمع لهم بين ~~مغفرة ذنوبهم وطيب بلدهم ولم يجمع ذلك لجميع خلقه. وقيل: إنما ذكر المغفرة ~~مشيرا إلى أن الرزق قد يكون فيه حرام. وقد مضى القول في هذا في أول " ~~البقرة " (2). وقيل: إنما أمتن عليهم بعفوه عن عذاب الاستئصال بتكذيب من ~~كذبوه من سالف الأنبياء إلى أن استداموا الاصرار فاستؤصلوا. # PageV14P284 # قوله تعالى: فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ~~ذواتي أكل خمط وأثل وشئ من سدر قليل (16) قوله تعالى: (فأعرضوا) يعني عن ~~أمره واتباع رسله بعد أن كانوا مسلمين. قال السدي ووهب: بعث إلى أهل سبأ ~~ثلاثة عشر نبيا فكذبوهم. قال القشيري: وكان ms5096 لهم رئيس يلقب بالحمار، وكانوا ~~في زمن الفترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم. وقيل: # كان له ولد فمات فرفع رأسه إلى السماء فبزق وكفر، ولهذا يقال: أكفر من ~~حمار. وقال الجوهري: وقولهم " أكفر من حمار " هو رجل من عاد مات له أولاد ~~فكفر كفرا عظيما، فلا يمر بأرضه أحد إلا دعاه إلى الكفر، فإن أجابه وإلا ~~قتله. ثم لما سال السيل بجنتيهم تفرقوا في البلاد، على ما يأتي بيانه. ~~ولهذا قيل في المثل: " تفرقوا أيادي سبا ". وقيل: # الأوس والخزرج منهم. (فأرسلنا عليهم سيل العرم) والعرم فيما روي عن ابن ~~عباس: # السد فالتقدير: سيل السد العرم. وقال عطاء: العرم اسم الوادي. قتادة: ~~العرم وادي سبأ، كانت تجتمع إليه مسايل من الأودية، قيل من البحر وأودية ~~اليمن، فردموا ردما بين جبلين وجعلوا في ذلك الردم ثلاثة أبواب بعضها فوق ~~بعض، فكانوا يسقون من الأعلى ثم من الثاني ثم من الثالث على قدر حاجاتهم، ~~فأخصبوا وكثرت أموالهم، فلما كذبوا الرسل سلط الله عليهم الفأر فنقب الردم. ~~قال وهب: كانوا يزعمون أنهم يجدون في علمهم وكهانتهم أنه يخرب سدهم فأرة ~~فلم يتركوا فرجة بين صخرتين إلا ربطوا إلى جانبها هرة، فلما جاء ما أراد ~~الله تعالى بهم أقبلت فأرة حمراء إلى بعض تلك الهرر فساورتها حتى استأخرت ~~عن الصخرة ثم وثبت ودخلت في الفرجة التي كانت عندها ونقبت السد حتى أوهنته ~~للسيل وهم لا يدرون، فلما جاء السيل دخل تلك الخلل حتى بلغ السد وفاض الماء ~~على أموالهم فغرقها ودفن بيوتهم. # وقال الزجاج: العرم اسم الجرذ الذي نقب السكر عليهم، وهو الذي يقال له ~~الخلد - وقاله قتادة أيضا - فنسب السيل إليه لأنه بسببه. وقد قال ابن ~~الأعرابي أيضا: العرم من PageV14P285 # أسماء الفأر. وقال مجاهد وابن أبي نجيح: العرم ماء أحمر أرسله الله تعالى ~~في السد فشقه وهدمه. وعن ابن عباس أيضا أن العرم المطر الشديد. وقيل العرم ~~بسكون الراء. وعن الضحاك كانوا في الفترة بين عيسى ومحمد عليهما السلام. ~~وقال عمرو بن ms5097 شرحبيل: العرم المسناة، وقاله الجوهري، قال: ولا واحد لها من ~~لفظها، ويقال واحدها عرمة. وقال محمد بن يزيد: # العرم كل شئ حاجز بين شيئين، وهو الذي يسمى السكر، وهو جمع عرمة. النحاس: ~~وما يجتمع من مطر بين جبلين وفي وجهه مسناة فهو العرم، والمسناة هي التي ~~يسميها أهل مصر الجسر (1)، فكانوا يفتحونها إذا شاءوا فإذا رويت جنتاهم ~~سدوها. قال الهروي: المسناة الضفيرة تبني للسيل ترده، سميت مسناة لان فيها ~~مفاتح الماء. وروي أن العرم سد بنته بلقيس صاحبة سليمان عليه الصلاة ~~والسلام، وهو المسناة بلغة حمير، بنته بالصخر والقار، وجعلت له أبوابا ~~ثلاثة ببعضها فوق بعض، وهو مشتق من العرامة وهي الشدة، ومنه: رجل عارم، أي ~~شديد، وعرمت العظم أعرمه وأعرمه عرما إذا عرقته، وكذلك عرمت الإبل الشجر أي ~~نالت منه. والعرام بالضم: العراق من العظم والشجر. وتعرمت العظم تعرقته. ~~وصبي عارم بين العرام (بالضم) أي شرس. وقد عرم يعرم ويعرم عرامة (بالفتح). ~~والعرم العارم، عن الجوهري. # قوله تعالى: (وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط) وقرأ أبو عمرو (أكل ~~خمط) بغير تنوين مضافا. قال أهل التفسير والخليل: الخمط الأراك. الجوهري: ~~الخمط ضرب من الأراك له حمل يؤكل. وقال أبو عبيدة: هو كل شجر ذي شوك فيه ~~مرارة. الزجاج: # كل نبت فيه مرارة لا يمكن أكله. المبرد: الخمط كل ما تغير إلى ما لا ~~يشتهي. واللبن خمط إذا حمض. والأولى عنده في القراءة " ذواتي أكل خمط " ~~بالتنوين على أنه نعت ل‍ " - أكل " أو بدل منه، لان الاكل هو الخمط بعينه ~~عنده، فأما الإضافة فباب جوازها أن يكون # PageV14P286 # تقديرها ذواتي أكل حموضة أو أكل مرارة. وقال الأخفش: والإضافة أحسن في ~~كلام العرب، نحو قولهم: ثوب خز والخمط: اللبن الحامض وذكر أبو عبيد أن ~~اللبن إذا ذهب عنه حلاوة الحلب ولم يتغير طعمه فهو سامط، وإن أخذ شيئا من ~~الريح فهو خامط وخميط، فإن أخذ شيئا من طعم فهو ممحل، فإذا كان فيه طعم ~~الحلاوة فهو فوهة (1). وتخمط الفحل: # هدر. وتخمط فلان أي ms5098 غضب وتكبر. وتخمط البحر أي التطم. وخمطت الشاة أخمطها ~~خمطا: إذا نزعت جلدها وشويتها فهي [خميط، فإن نزعت شعرها وشويتها فهي] (2) ~~سميط. # والخمطة: الخمر التي قد أخذت ريح الادراك كريح التفاح ولم تدرك بعد. ~~ويقال هي الحامضة، قاله الجوهري. وقال القتبي في أدب الكاتب. يقال للحامضة ~~خمطة، ويقال: # الخمطة التي قد أخذت شيئا من الريح، وأنشد: # عقار كماء النئ ليست بخمطة * ولا خلة يكوي الشروب شهابها (3) (وأثل) قال ~~الفراء: هو شبيه بالطرفاء إلا أنه أعظم منه طولا، ومنه اتخذ منبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وللأثل أصول غليظة يتخذ منه الأبواب، وورقه كورق الطرفاء، ~~الواحدة أثلة والجمع أثلاث. وقال الحسن: الأثل الخشب. قتادة: هو ضرب من ~~الخشب يشبه الطرفاء رأيته بفيد. وقيل هو السمر. وقال أبو عبيدة: هو شجر ~~النضار. [النضار: الذهب. # والنضار: خشب يعمل منه قصاع، ومنه: قدح نضار] (4). (وشئ من سدر قليل) قال ~~الفراء: هو السمر، ذكره النحاس. وقال الأزهري: السدر من الشجر سدران: # بري لا ينتفع به ولا يصلح ورقه للغسول وله ثمر عفص لا يؤكل، وهو الذي ~~يسمى الضال. # والثاني - سدر ينبت على الماء وثمره النبق وورقه غسول يشبه شجر العناب. ~~قال قتادة: # بينما شجر القوم من خير شجر إذ صيره الله تعالى من شر الشجر بأعمالهم، ~~فأهلك أشجارهم المثمرة # PageV14P287 # وأنبت بدلها الأراك والطرفاء والسدر. القشيري: وأشجار البوادي لا تسمى ~~جنة وبستانا ولكن لما وقعت الثانية في مقابلة الأولى أطلق لفظ الجنة، وهو ~~كقوله تعالى: # " وجزاء سيئة سيئة مثلها " (1) [الشورى: 40]. ويحتمل أن يرجع قوله " قليل ~~" إلى جملة ما ذكر من الخمط والأثل والسدر. # قوله تعالى: ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجزى إلا الكفور (17) قوله تعالى: ~~(ذلك جزيناهم بما كفروا) أي هذا التبديل جزاء كفرهم. وموضع " ذلك " نصب، أي ~~جزيناهم ذلك بكفرهم. (وهل يجازى إلا الكفور) قراءة العامة " يجازي " بياء ~~مضمومة وزاي مفتوحة، " الكفور " رفعا على ما لم يسم فاعله. وقرأ يعقوب وحفص ~~وحمزة والكسائي: " نجازي " بالنون وكسر الزاي، " الكفور " بالنصب، واختاره ~~أبو عبيد وأبو حاتم، قالا: ms5099 لان قبله " جزيناهم " ولم يقل جوزوا. النحاس: ~~والامر في هذا واسع، والمعنى فيه بين، ولو قال قائل: خلق الله تعالى آدم ~~صلى الله عليه وسلم من طين، وقال آخر: # خلق آدم من طين، لكان المعنى واحدا. # مسألة - في هذه الآية سؤال ليس في هذه السورة أشد منه، وهو أن يقال: لم ~~خص الله تعالى المجازاة بالكفور ولم يذكر أصحاب المعاصي؟ فتكلم العلماء في ~~هذا، فقال قوم: ليس يجازى بهذا الجزاء الذي هو الاصطلام (2) والاهلاك إلا ~~من كفر. وقال مجاهد: يجازى بمعنى يعاقب، وذلك أن المؤمن يكفر الله تعالى ~~عنه سيئاته، والكافر يجازى بكل سوء عمله، فالمؤمن يجزى ولا يجازى لأنه يثاب ~~(3). وقال طاوس: هو المناقشة في الحساب، وأما المؤمن فلا يناقش الحساب. ~~وقال قطرب خلاف هذا، فجهلها في أهل المعاصي غير الكفار، وقال: المعنى على ~~من كفر بالنعم وعمل بالكبائر. النحاس: وأولى ما قيل في هذه الآية وأجل ما ~~روي فيها: # أن الحسن قال مثلا بمثل. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # PageV14P288 # يقول: (من حوسب هلك) فقلت: يا نبي الله، فأين قوله عز وجل: " فسوف يحاسب ~~حسابا يسيرا " (1) [الانشقاق: 8]؟ قال: (إنما ذلك العرض ومن نوقش الحساب ~~هلك). وهذا إسناد صحيح، وشرحه: أن الكافر يكافأ على أعماله ويحاسب عليها ~~ويحبط ما عمل من خير، ويبين هذا قوله تعالى في الأول: " ذلك جزيناهم بما ~~كفروا " وفي الثاني: وهل يجازى إلا الكفور " ومعنى " يجازى ": يكافأ بكل ~~عمل عمله، ومعنى " جزيناهم ". وفيناهم، فهذا حقيقة اللغة، وإن كان " جازى " ~~يقع بمعنى " جزى ". مجازا. # قوله تعالى: وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا ~~فيها السير سيروا فيها ليالي وأياما آمنين (18) قوله تعالى: (وجعلنا بينهم ~~وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة) قال الحسن: # يعني بين اليمن والشأم. والقرى التي بورك فيها: الشام والأردن وفلسطين. ~~والبركة: قيل إنها كانت أربعة آلاف وسبعمائة قرية بورك فيها بالشجر والثمر ~~والماء. ويحتمل أن يكون " باركنا فيها " بكثرة العدد. (قرى ظاهرة) ms5100 قال ابن ~~عباس: يريد بين المدينة والشام. # وقال قتادة: معنى " ظاهرة ": متصلة على طريق، يغدون فيقيلون في قرية ~~ويروحون فيبيتون في قرية. وقيل: كان على كل ميل قرية بسوق، وهو سبب أمن ~~الطريق. قال الحسن: كانت المرأة تخرج معها مغزلها وعلى رأسها مكتلها ثم ~~تلتهي بمغزلها فلا تأتي بيتها حتى يمتلئ مكتلها من كل الثمار، فكان ما بين ~~الشام واليمن كذلك. وقيل " ظاهرة " أي مرتفعة، قاله المبرد. وقيل: إنما قيل ~~لها " ظاهرة " لظهورها، أي إذا خرجت عن هذه ظهرت لك الأخرى، فكانت قرى ~~ظاهرة أي معروفة، يقال: هذا أمر ظاهر أي معروف. # (وقدرنا فيها السير) أي جعلنا السير بين قراهم وبين القرى التي باركنا ~~فيها سيرا مقدرا من منزل إلى منزل، ومن قرية إلى قرية، أي جعلنا بين كل ~~قريتين نصف يوم حتى يكون المقيل في قرية والمبيت في قرية أخرى. وإنما يبالغ ~~الانسان في السير لعدم الزاد والماء # PageV14P289 # ولخوف الطريق، فإذا وجد الزاد والامن لم يحمل على نفسه المشقة ونزل أينما ~~أراد. (سيروا فيها) أي وقلنا لهم سيروا فيها، أي في هذه المسافة فهو أمر ~~تمكين، أي كانوا يسيرون فيها إلى مقاصدهم إذا أرادوا آمنين، فهو أمر بمعنى ~~الخبر، وفيه إضمار القول. (ليالي وأياما) ظرفان " آمنين " نصب على الحال. ~~وقال: " ليالي وأياما " بلفظ النكرة تنبيها على قصر أسفارهم، أي كانوا لا ~~يحتاجون إلى طول السفر لوجود ما يحتاجون إليه. قال قتادة: كانوا يسيرون غير ~~خائفين ولا جياع ولا ظماء، وكانوا يسيرون مسيرة أربعة أشهر في أمان لا يحرك ~~بعضهم بعضا، ولو لقي الرجل قاتل أبيه لا يحركه. # قوله تعالى: فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث ~~ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور (19) قوله تعالى: (فقالوا ~~ربنا باعد بين أسفارنا) لما بطروا وطغوا وسئموا الراحة ولم يصبروا على ~~العافية تمنوا طول الاسفار والكدح في المعيشة، كقول بني إسرائيل: " فادع ~~لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها " (1) [البقرة: 61] الآية. ~~وكالنضر بن الحارث حين ms5101 قال: " اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السماء " (2) [الأنفال: 32] فأجابه الله تبارك وتعالى، وقتل ~~يوم بدر بالسيف صبرا (3)، فكذلك هؤلاء تبددوا في الدنيا ومزقوا كل ممزق، ~~وجعل بينهم وبين الشام فلوات ومفاوز يركبون فيها الرواحل ويتزودون الأزواد. ~~وقراءة العامة " ربنا " بالنصب على أنه نداء مضاف، وهو منصوب لأنه مفعول ~~به، لان معناه: ناديت ودعوت. # " باعد " سألوا المباعدة في أسفارهم. وقرأ أبن كثير وأبو عمرو وأبن محيصن ~~وهشام عن ابن عامر: " ربنا " كذلك على الدعاء " بعد " من التبعيد. النحاس: ~~وباعد وبعد واحد في المعنى، كما تقول: قارب وقرب. وقرأ أبو صالح ومحمد بن ~~الحنفية وأبو العالية ونصر بن عاصم # PageV14P290 # ويعقوب، ويروى عن ابن عباس: " ربنا " رفعا " باعد " بفتح العين والدال ~~على الخبر، تقديره: # لقد باعد ربنا بين أسفارنا، كأن الله تعالى يقول: قربنا لهم أسفارهم ~~فقالوا أشرا وبطرا: لقد بوعدت علينا أسفارنا. واختار هذه القراءة أبو حاتم ~~قال: لأنهم ما طلبوا التبعيد إنما طلبوا أقرب من ذلك القرب بطرا وعجبا مع ~~كفرهم. وقراءة يحيى بن يعمر وعيسى بن عمر وتروى عن ابن عباس " ربنا بعد بين ~~أسفارنا " بشد العين من غير ألف، وفسرها ابن عباس قال: شكوا أن ربهم باعد ~~بين أسفارهم. وقراءة سعيد بن أبي الحسن أخي الحسن البصري " ربنا بعد بين ~~أسفارنا. " ربنا " نداء مضاف، ثم أخبروا بعد ذلك فقالوا: " بعد بين أسفارنا ~~" ورفع " بين " بالفعل، أي، بعدما يتصل بأسفارنا. وروى الفراء وأبو إسحاق ~~قراءة سادسة مثل التي قبلها في ضم العين إلا أنك تنصب " بين " على ظرف، ~~وتقديره في العربية: # بعد سيرنا بين أسفارنا. النحاس: وهذه القراءات إذا اختلفت معانيها لم يجز ~~أن يقال إحداها أجود من الأخرى، كما لا يقال ذلك في أخبار الآحاد إذا ~~اختلفت معانيها، ولكن خبر عنهم أنهم دعوا ربهم أن يبعد بين أسفارهم بطرا ~~وأشرا، وخبر عنهم أنهم لما فعل ذلك بهم خبروا به وشكوا، كما قال ابن عباس. ~~(وظلموا أنفسهم) أي بكفرهم (فجعلناهم أحاديث) أي يتحدث ms5102 بأخبارهم، وتقديره ~~في العربية: ذوي أحاديث. (ومزقناهم كل ممزق) أي لما لحقهم ما لحقهم تفرقوا ~~وتمزقوا. قال الشعبي: فلحقت الأنصار بيثرب، وغسان بالشام، والأسد بعمان، ~~وخزاعة بتهامة، وكانت العرب تضرب بهم المثل فتقول: تفرقوا أيدي سبا وأيادي ~~سبأ، أي مذاهب سبأ وطرقها. (إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور) الصبار الذي ~~يصبر عن المعاصي، وهو تكثير صابر يمدح بهذا الاسم. فإن أردت أنه صبر عن ~~المعصية لم يستعمل فيه إلا صبار عن كذا. " شكور " لنعمه، وقد مضى هذا ~~المعنى في " البقرة " (1). # قوله تعالى: ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فأتبعوه إلا فريقا من المؤمنين ~~(20) # PageV14P291 # قوله تعالى: (ولقد صدق عليهم إبليس ظنه) فيه أربع قراءات: قرأ أبو جعفر ~~وشيبة ونافع وأبو عمرو وأبن كثير وأبن عامر ويروى عن مجاهد، " ولقد صدق ~~عليهم " بالتخفيف " إبليس " بالرفع " ظنه " بالنصب، أي في ظنه. قال الزجاج: ~~وهو على المصدر أي صدق عليهم ظنا ظنه إذ صدق في ظنه، فنصب على المصدر أو ~~على الظرف. وقال أبو علي: # " ظنه " نصب لأنه مفعول به، أي صدق الظن الذي ظنه إذ قال: " لأقعدن لهم ~~صراطك المستقيم " (1) [الأعراف: 16] وقال: " لأغوينهم أجمعين " (2) [الحجر: ~~39]، ويجوز تعدية الصدق إلى المفعول به، ويقال: # صدق الحديث، أي في الحديث. وقرأ ابن عباس ويحيى بن وثاب والأعمش وعاصم ~~وحمزة والكسائي: " صدق " بالتشديد " ظنه " بالنصب بوقوع الفعل عليه. قال ~~مجاهد: ظن ظنا فكان كما ظن فصدق ظنه. وقرأ جعفر بن محمد وأبو الهجهاج (3) " ~~صدق عليهم " بالتخفيف " إبليس " بالنصب " ظنه " بالرفع. قال أبو حاتم: لا ~~وجه لهذه القراءة عندي، والله تعالى أعلم. وقد أجاز هذه القراءة الفراء ~~وذكرها الزجاج وجعل الظن فاعل " صدق " " إبليس " مفعول به، والمعنى: أن ~~إبليس سول له ظنه فيهم شيئا فصدق ظنه، فكأنه قال: ولقد صدق عليهم ظن إبليس. ~~و " علي " متعلقة ب‍ " صدق "، كما تقول: صدقت عليك فيما ظننته بك، ولا ~~تتعلق بالظن لاستحالة تقدم شئ من الصلة على الموصول. والقراءة الرابعة: " ~~ولقد صدق عليهم إبليس ظنه " برفع إبليس والظن، مع التخفيف في ms5103 " صدق " على ~~أن يكون ظنه بدلا من إبليس وهو بدل الاشتمال. ثم قيل: هذا في أهل سبأ، أي ~~كفروا وغيروا وبدلوا بعد أن كانوا مسلمين إلا قوما منهم آمنوا برسلهم. ~~وقيل: هذا عام، أي صدق إبليس ظنه على الناس كلهم إلا من أطاع الله تعالى، ~~قاله مجاهد. وقال الحسن: لما أهبط آدم عليه السلام من الجنة ومعه حواء وهبط ~~إبليس قال إبليس: أما إذ أصبت من الأبوين ما أصبت فالذرية أضعف وأضعف! فكان ~~ذلك ظنا من إبليس، فأنزل الله تعالى: " ولقد صدق عليهم إبليس ظنه ". وقال ~~ابن عباس: إن إبليس قال: خلقت من نار وخلق آدم من طين # PageV14P292 # والنار تحرق كل شئ " لاحتنكن ذريته (1) إلا قليلا " [الاسراء: 62] فصدق ~~ظنه عليهم. وقال زيد بن أسلم: # إن إبليس قال يا رب أرأيت هؤلاء الذين كرمتهم وشرفتهم وفضلتهم علي لا تجد ~~أكثرهم شاكرين، ظنا منه فصدق عليهم إبليس ظنه. وقال الكلبي: إنه ظن أنه إن ~~أغواهم أجابوه وإن أضلهم أطاعوه، فصدق ظنه. " فاتبعوه " قال الحسن: ما ~~ضربهم بسوط ولا بعصا وإنما ظن ظنا فكان كما ظن بوسوسته. (إلا فريقا من ~~المؤمنين) نصب على الاستثناء، وفيه قولان: أحدهما أنه يراد به بعض ~~المؤمنين، لان كثيرا من المؤمنين من يذنب وينقاد لإبليس في بعض المعاصي، أي ~~ما سلم من المؤمنين أيضا إلا فريق وهو المعنى بقوله تعالى: " إن عبادي ليس ~~لك عليهم سلطان " (1) [الحجر: 42]. فأما ابن عباس فعنه أنه قال: هم ~~المؤمنون كلهم، ف‍ " - من " على هذا للتبيين لا للتبعيض، فإن قيل: كيف علم ~~إبليس صدق ظنه وهو لا يعلم الغيب؟ # قيل له: لما نفذ له في آدم ما نفذ غلب على ظنه أنه ينفذ له مثل ذلك في ~~ذريته، وقد وقع له تحقيق ما ظن. وجواب آخر وهو ما أجيب من قوله تعالى " ~~واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك " (1) [الاسراء: 64] ~~فأعطي القوة والاستطاعة، فظن أنه يملكهم كلهم بذلك، فلما رأى أنه تاب على ~~آدم وأنه سيكون له نسل يتبعونه إلى الجنة ms5104 وقال: " إن عبادي ليس لك عليهم ~~سلطان إلا من اتبعك من الغاوين " [الحجر: 42] علم أن له تبعا ولآدم تبعا، ~~فظن أن تبعه أكثر من تبع آدم، لما وضع في يديه من سلطان الشهوات، ووضعت ~~الشهوات في أجواف الآدميين، فخرج على ما ظن حيث نفخ فيهم وزين في أعينهم ~~تلك الشهوات، ومدهم إليها بالأماني والخدائع، فصدق عليهم الظن الذي ظنه، ~~والله أعلم. # قوله تعالى: وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو ~~منها في شك وربك على كل شئ حفيظ (21) قوله تعالى: (وما كان له عليهم من ~~سلطان) أي لم يقهرهم إبليس على الكفر، وإنما كان منه الدعاء والتزيين. ~~والسلطان: القوة. وقيل الحجة، أي لم تكن له حجة يستتبعهم # PageV14P293 # بها، وإنما اتبعوه بشهوة وتقليد وهوى نفس، لا عن حجة ودليل. (إلا لنعلم ~~من يؤمن بالآخرة) يريد علم الشهادة الذي يقع به الثواب والعقاب، فأما الغيب ~~فقد علمه تبارك وتعالى. ومذهب الفراء أن يكون المعنى: إلا لنعلم ذلك عندكم، ~~كما قال: " أين شركائي " (1) [النحل: 27]، على قولكم وعندكم، وليس قوله: " ~~إلا لنعلم " جواب " وما كان له عليهم من سلطان " في ظاهره إنما هو محمول ~~على المعنى، أي وما جعلنا له سلطانا إلا لنعلم، فالاستثناء منقطع، أي لا ~~سلطان له عليهم ولكنا ابتليناهم بوسوسته لنعلم، ف‍ " - إلا " بمعنى لكن. ~~وقيل هو متصل، أي ما كان له عليهم من سلطان، غير أنا سلطناه عليهم ليتم ~~الابتلاء. وقيل: " كان " زائدة، أي وماله عليهم من سلطان، كقوله: " كنتم ~~خير (2) أمة " [آل عمران: 110] أي أنتم خير أمة. وقيل: لما اتصل طرف منه ~~بقصة سبأ قال: وما كان لإبليس على أولئك الكفار من سلطان. وقيل: وما كان له ~~في قضائنا السابق سلطان عليهم. وقيل: " إلا لنعلم " إلا لنظهر، وهو كما ~~تقول: النار تحرق الحطب، فيقول آخر لا بل الحطب يحرق النار، فيقول الأول ~~تعال حتى نجرب النار والحطب لنعلم أيهما يحرق صاحبه، أي لنظهر ذلك وإن كان ~~معلوما لهم ذلك. وقيل: # إلا لتعلموا أنتم. ms5105 وقيل: أي ليعلم أولياؤنا والملائكة، كقوله: " إنما ~~جزاء الذين يحاربون الله ورسوله " (3) [المائدة: 33] أي يحاربون أولياء ~~الله ورسوله. وقيل: أي ليميز، كقوله: " ليميز الله الخبيث من الطيب " ~~[الأنفال: 37] وقد مضى هذا المعنى في " البقرة " (4) وغيرها. وقرأ الزهري " ~~إلا ليعلم " على ما لم يسم فاعله. (وربك على كل شئ حفيظ) أي أنه عالم بكل ~~شئ. وقيل: يحفظ كل شئ على العبد حتى يجازيه عليه. # قوله تعالى: قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في ~~السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير (22) # PageV14P294 # قوله تعالى: (قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله) أي هذا الذي مضى ذكره من ~~أمر داود وسليمان وقصة سبأ من آثار قدرتي، فقل يا محمد لهؤلاء المشركين هل ~~عند شركائكم قدرة على شئ من ذلك. وهذا خطاب توبيخ، وفيه إضمار: أي ادعوا ~~الذين زعمتم أنهم آلهة لكم من دون الله لتنفعكم أو لتدفع عنكم ما قضاه الله ~~تبارك وتعالى عليكم، فإنهم لا يملكون ذلك، و (لا يملكون مثقال ذرة في ~~السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير) أي ما ~~لله من هؤلاء من معين على خلق شئ، بل الله المنفرد بالايجاد، فهو الذي ~~يعبد، وعبادة غيره محال. # قوله تعالى: ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له حتى إذا فزع عن قلوبهم ~~قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير (33) قوله تعالى: (ولا ~~تنفع الشفاعة) أي شفاعة الملائكة وغيرهم. (عنده) أي عند الله. # (إلا لمن أذن له) قراءة العامة " أذن " بفتح الهمزة، لذكر الله تعالى ~~أولا. وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي " أذن " بضم الهمزة على ما لم يسم ~~فاعله. والآذن هو الله تعالى. و " من يجوز أن ترجع إلى الشافعين، ويجوز أن ~~ترجع إلى المشفوع لهم. (حتى إذا فزع عن قلوبهم) قال ابن عباس: خلي عن ~~قلوبهم الفزع. قطرب: أخرج ما فيها من الخوف. مجاهد: كشف عن قلوبهم الغطاء ~~يوم ms5106 القيامة، أي إن الشفاعة لا تكون من أحد هؤلاء المعبودين من دون الله من ~~الملائكة والأنبياء والأصنام، إلا أن الله تعالى يأذن للأنبياء والملائكة ~~في الشفاعة وهم على غاية الفزع من الله، كما قال: " وهم من خشيته مشفقون " ~~(1) [الأنبياء: 28] والمعنى: أنه إذا أذن لهم في الشفاعة وورد عليهم كلام ~~الله فزعوا، لما يقترن بتلك الحال من الامر الهائل والخوف أن يقع في تنفيذ ~~ما أذن لهم فيه تقصير، فإذا سرى عنهم قالوا للملائكة فوقهم وهم الذين ~~يوردون عليهم الوحي بالاذن: (ماذا قال ربكم) أي ماذا أمر الله به، فيقولون ~~لهم: (قالوا الحق) وهو أنه أذن لكم في الشفاعة للمؤمنين. (وهو العلي ~~الكبير) فله أن يحكم في عباده بما # PageV14P295 # يريد. ثم يجوز أن يكون هذا إذنا لهم في الدنيا في شفاعة أقوام، ويجوز أن ~~يكون في الآخرة. وفي الكلام إضمار، أي ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن ~~له ففزع لما ورد عليه من الاذن تهيبا لكلام الله تعالى، حتى إذا ذهب الفزع ~~عن قلوبهم أجاب بالانقياد. وقيل: هذا الفزع يكون اليوم للملائكة في كل أمر ~~يأمر به الرب تعالى، أي لا تنفع الشفاعة إلا من الملائكة الذين هم اليوم ~~فزعون، مطيعون لله تعالى دون الجمادات والشياطين. وفي صحيح الترمذي عن أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا قضى الله في السماء أمرا ضربت ~~الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنها سلسلة على صفوان (1) فإذا فزع عن ~~قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير - قال - والشياطين ~~بعضهم فوق بعض) قال: حديث حسن صحيح. وقال النواس بن سمعان قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # (إن الله إذا أراد أن يوحي بالامر تكلم بالوحي أخذت السماوات منه رجفة أو ~~رعدة شديدة خوفا من الله تعالى فإذا سمع أهل السماوات ذلك صعقوا وخروا لله ~~تعالى سجدا فيكون أول من يرفع رأسه جبريل فيكلمه الله تعالى ويقول له من ~~وحيه ما أراد ثم يمر جبريل بالملائكة كلما مر بسماء سأله ملائكتها ماذا ms5107 قال ~~ربنا يا جبريل فيقول جبريل قال الحق وهو العلى الكبير - قال - فيقول كلهم ~~كما قال جبريل فينتهي جبريل بالوحي حيث أمره الله تعالى). وذكر البيهقي عن ~~ابن عباس في قوله تعالى: " حتى إذا فزع عن قلوبهم " قال: كان لكل قبيل من ~~الجن مقعد من السماء يستمعون منه الوحي، وكان إذا نزل الوحي سمع له صوت ~~كإمرار السلسلة على الصفوان، فلا ينزل على أهل سماء إلا صعقوا فإذا فزع عن ~~قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير، ثم يقول يكون ~~العام كذا ويكون كذا فتسمعه الجن فيخبرون به الكهنة والكهنة الناس [يقولون] ~~يكون العام كذا وكذا فيجدونه كذلك، فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم ~~دحروا بالشهب فقالت العرب حين لم تخبرهم الجن بذلك: هلك من في السماء، فجعل ~~صاحب الإبل ينحر كل يوم بعيرا، وصاحب البقر ينحر كل يوم بقرة، # PageV14P296 # وصاحب الغنم ينحر كل يوم شاة، حتى أسرعوا في أموالهم فقالت ثقيف وكانت ~~أعقل العرب: # أيها الناس! أمسكوا على أموالكم، فإنه لم يمت من في السماء، وإن هذا ليس ~~بانتثار، ألستم ترون معالمكم من النجوم كما هي والشمس والقمر والليل ~~والنهار! قال فقال إبليس: لقد حدث في الأرض اليوم حدث، فأتوني من تربة كل ~~أرض فأتوه بها، فجعل يشمها فلما شم تربة مكة قال من ها هنا جاء الحدث، ~~فنصتوا فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعث. # وقد مضى هذا المعنى مرفوعا مختصرا في سورة " الحجر " (1)، ومعنى القول ~~أيضا في رميهم بالشهب وإحراقهم بها، ويأتي في سورة " الجن " (1) بيان ذلك ~~إن شاء الله تعالى. وقيل: # إنما يفزعون من قيام الساعة. وقال الكلبي وكعب: كان بين عيسى ومحمد ~~عليهما السلام فترة خمسمائة وخمسون سنة لا يجئ فيها الرسل، فلما بعث الله ~~تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم كلم الله تعالى جبريل بالرسالة، فلما سمعت ~~الملائكة الكلام ظنوا أنها الساعة قد قامت، فصعقوا مما سمعوا، فلما انحدر ~~جبريل عليه السلام جعل يمر بكل سماء فيكشف ms5108 عنهم فيرفعون رؤوسهم ويقول بعضهم ~~لبعض ماذا قال ربكم فلم يدروا ما قال ولكنهم قالوا قال الحق وهو العلي ~~الكبير، وذلك أن محمدا عليه السلام عند أهل السماوات من أشراط الساعة. وقال ~~الضحاك: # إن الملائكة المعقبات الذين يختلفون إلى أهل الأرض يكتبون أعمالهم، ~~يرسلهم الرب تبارك وتعالى، فإذا انحدروا سمع لهم صوت شديد فيحسب الذين هم ~~أسفل من الملائكة أنه من أمر الساعة، فيخرون سجدا ويصعقون حتى يعلموا أنه ~~ليس من أمر الساعة. وهذا تنبيه من الله تعالى وإخبار أن الملائكة مع ~~اصطفائهم ورفعتهم لا يمكن أن يشفعوا لاحد حتى يؤذن لهم، فإذا أذن لهم ~~وسمعوا صعقوا، وكان هذه حالهم، فكيف تشفع الأصنام أو كيف تؤملون أنتم ~~الشفاعة ولا تعترفون بالقيامة. وقال الحسن وأبن زيد ومجاهد: حتى إذا كشف ~~الفزع عن قلوب المشركين. قال الحسن ومجاهد وابن زيد: في الآخرة عند نزول ~~الموت، إقامة للحجة عليهم قالت الملائكة لهم: ماذا قال ربكم في الدنيا ~~قالوا الحق وهو العلي الكبير، فأقروا # PageV14P297 # حين لا ينفعهم الاقرار، أي قالوا قال الحق. وقراءة العامة " فزع عن ~~قلوبهم ". وقرأ ابن عباس " فزع عن قلوبهم " مسمى الفاعل وفاعله ضمير يرجع ~~إلى اسم الله تعالى. ومن بناه للمفعول فالجار والمجرور في موضع رفع، والفعل ~~في المعنى لله تبارك وتعالى، والمعنى في القراءتين: # أزيل الفزع عن قلوبهم، حسبما تقدم بيانه. ومثله: أشكاه، إذا أزال عنه ما ~~يشكوه. # وقرأ الحسن: " فزع " مثل قراءة العامة، إلا أنه خفف الزاي، والجار ~~والمجرور في موضع رفع أيضا، وهو كقولك: انصرف عن كذا إلى كذا. وكذا معنى " ~~فرغ " بالراء والغين المعجمة والتخفيف، غير مسمى الفاعل، رويت عن الحسن ~~أيضا وقتادة. وعنهما أيضا " فرغ " بالراء والغين المعجمة مسمى الفاعل، ~~والمعنى: فرغ الله تعالى قلوبهم أي كشف عنها، أي فرغها من الفزع والخوف، ~~وإلى ذلك يرجع البناء للمفعول على هذه القراءة. وعن الحسن أيضا " فرغ " ~~بالتشديد. # قوله تعالى: قل من يرزقكم من السماوات والأرض قل الله وإنا أو إياكم لعلى ~~هدى أو في ضلال مبين ms5109 (24) قوله تعالى: (قل من يرزقكم من السماوات الأرض) ~~لما ذكر أن آلهتهم لا يملكون مثقال ذرة مما يقدر عليه الرب قرر ذلك فقال: ~~قل يا محمد للمشركين " من يرزقكم من السماوات والأرض " أي من يخلق لكم هذه ~~الأرزاق الكائنة من السماوات، أي عن المطر والشمس والقمر والنجوم وما فيها ~~من المنافع. " والأرض " أي الخارجة من الأرض عن الماء والنبات - أي لا ~~يمكنهم أن يقولوا هذا فعل آلهتنا - فيقولون لا ندري، فقل إن الله يفعل ذلك ~~الذي يعلم ما في نفوسكم. وإن قالوا: إن الله يرزقنا فقد تقررت الحجة بأنه ~~الذي ينبغي أن يعبد. # (وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين) هذا على وجه الانصاف في الحجة، ~~كما يقول القائل: أحدنا كاذب، وهو يعلم أنه صادق وأن صاحبه كاذب. والمعنى: ~~ما نحن وأنتم على أمر واحد، بل على أمرين متضادين، وأحد الفريقين مهتد وهو ~~نحن والآخر ضال وهو أنتم، PageV14P298 # فكذبهم بأحسن من تصريح التكذيب، والمعنى: أنتم الضالون حين أشركتم بالذي ~~يرزقكم من السماوات والأرض. " أو إياكم " معطوف على اسم " إن " ولو عطف على ~~الموضع لكان " أو أنتم " ويكون " لعلى هدى " للأول لا غير. وإذا قلت: " أو ~~إياكم " كان للثاني أولى، وحذفت من الأول، ويجوز أن يكون للأول، وهو اختيار ~~المبرد، قال: ومعناه معنى قول المستبصر لصاحبه على صحة الوعيد والاستظهار ~~بالحجة الواضحة: أحدنا كاذب، قد عرف المعنى، كما تقول: أنا أفعل كذا وتفعل ~~أنت كذا وأحدنا مخطئ، وقد عرف أنه هو المخطئ، فهكذا " وإنا أو إياكم لعلى ~~هدى أو في ضلال مبين ". و " أو " عند البصريين على بابها وليست للشك، ~~ولكنها على ما تستعمله العرب في مثل هذا إذا لم يرد المخبر أن يبين وهو ~~عالم بالمعنى. وقال أبو عبيدة والفراء: هي بمعنى الواو، وتقديره: وإنا على ~~هدى وإياكم لفي ضلال مبين. وقال جرير: # أثعلبة الفوارس أو رياحا * عدلت بهم طهية والربابا (1) يعني أثعلبة ~~ورياحا وقال آخر: # فلما اشتد أمر الحرب فينا * تأملنا رياحا أو رزاما قوله تعالى: قل ms5110 لا ~~تسئلون عما أجرمنا ولا نسئل عما تعملون (25) قوله تعالى: (قل لا تسألون عما ~~أجرمنا) أي اكتسبنا، " ولا نسأل " نحن أيضا " عما تعملون " أي إنما أقصد ~~بما أدعوكم إليه الخير لكم، لا أنه ينالني ضرر كفركم، وهذا كما قال: " لكم ~~دينكم ولي دين " (2) [الكافرون: 6] والله مجازي الجميع. فهذه آية مهادنة ~~ومتاركة، وهي منسوخة بالسيف. وقيل: نزل هذا قبل آية السيف. # قوله تعالى: قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم ~~(26) # PageV14P299 # قوله تعالى: (قل يجمع بيننا ربنا) يريد يوم القيامة (ثم يفتح بيننا ~~بالحق) أي يقضي فيثيب المهتدي ويعاقب الضال (وهو الفتاح) أي القاضي بالحق ~~(العليم) بأحوال الخلق. # وهذا كله منسوخ بآية السيف. # قوله تعالى: قل أروني الذين ألحقتم به شركاء كلا بل هو الله العزيز ~~الحكيم (27) قوله تعالى: (قل أروني الذين ألحقتم به شركاء) يكون " أروني " ~~هنا من رؤية القلب، فيكون " شركاء " المفعول الثالث، أي عرفوني الأصنام ~~والأوثان التي جعلتموها شركاء لله عز وجل، وهل شاركت في خلق شئ، فبينوا ما ~~هو؟ وإلا فلم تعبدونها. ويجوز أن تكون من رؤية البصر، فيكون " شركاء " ~~حالا. (كلا) أي ليس الامر كما زعمتم. # وقيل: إن " كلا " رد لجوابهم المحذوف، كأنه قال: أروني الذين ألحقتم به ~~شركاء. # قالوا: هي الأصنام. فقال كلا، أي ليس له شركاء (بل هو الله العزيز ~~الحكيم). # قوله تعالى: وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون (28) ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (29) قل لكم ميعاد يوم ~~لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون (30) قوله تعالى: (وما أرسلناك إلا كافة ~~للناس بشيرا ونذيرا) أي وما أرسلناك إلا للناس كافة أي عامة، ففي الكلام ~~تقديم وتأخير. وقال الزجاج: أي وما أرسلناك إلا جامعا للناس بالانذار ~~والابلاغ. والكافة بمعنى الجامع. وقيل: معناه كافا للناس، تكفهم عما هم فيه ~~من الكفر وتدعوهم إلى الاسلام. والهاء للمبالغة. وقيل: أي إلا ذا كافة، ~~فحذف المضاف، أي ذا منع للناس من أن يشذوا عن تبليغك، أو ذا منع لهم ms5111 من ~~الكفر، ومنه: PageV14P300 # كف الثوب، لأنه ضم طرفيه. (بشيرا) أي بالجنة لمن أطاع. (ونذيرا) من النار ~~لمن كفر. (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) ما عند الله وهم المشركون، وكانوا في ~~ذلك الوقت أكثر من المؤمنين عددا. (ويقولون متى هذا الوعد) يعني موعدكم لنا ~~بقيام الساعة. # (إن كنتم صادقين) فقال الله تعالى: (قل) لهم يا محمد (لكم ميعاد يوم لا ~~تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون) فلا يغرنكم تأخيره. والميعاد الميقات. ~~ويعني بهذا الميعاد وقت البعث وقيل وقت حضور الموت، أي لكم قبل يوم القيامة ~~وقت معين تموتون فيه فتعلمون حقيقة قولي. وقيل: أراد بهذا اليوم يوم بدر، ~~لان ذلك اليوم كان ميعاد عذابهم في الدنيا في حكم الله تعالى. وأجاز ~~النحويون " ميعاد يوم " على أن يكون " ميعاد " ابتداء و " يوم " بدل منه، ~~والخبر " لكم ". وأجازوا " ميعاد يوما " يكون ظرفا، وتكون الهاء في " عنه " ~~ترجع إلى " يوم " ولا يصح " ميعاد يوم لا تستأخرون " بغير تنوين، وإضافة " ~~يوم " إلى ما بعده إذا قدرت الهاء عائدة على اليوم، لان ذلك يكون من إضافة ~~الشئ إلى نفسه من أجل الهاء التي في الجملة. ويجوز ذلك على أن تكون الهاء ~~للميعاد لا لليوم. # قوله تعالى: وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه ~~ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين ~~استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين (31) قال الذين استكبروا ~~للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين (32) ~~وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن ~~نكفر بالله ونجعل له أندادا وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وجعلنا الأغلال ~~في أعناق الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا يعملون (33) PageV14P301 # قوله تعالى: (وقال الذين كفروا) يريد كفار قريش. (لن نؤمن بهذا القرآن ~~ولا بالذي بين يديه) قال سعيد عن قتادة: " ولا بالذي بين يديه " من الكتب ~~والأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وقيل من الآخرة. وقال ابن جريج: قائل ذلك ~~أبو جهل ms5112 بن هشام. وقيل: # إن أهل الكتاب قالوا للمشركين صفة محمد في كتابنا فسلوه، فلما سألوه ~~فوافق ما قال أهل الكتاب قال المشركون: لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي أنزل ~~قبله من التوراة والإنجيل بل نكفر بالجميع، وكانوا قبل ذلك يراجعون أهل ~~الكتاب ويحتجون بقولهم، فظهر بهذا تناقضهم وقلة علمهم. ثم أخبر الله تبارك ~~وتعالى عن حالهم فيما لهم فقال (ولو ترى) يا محمد (إذ الظالمون موقوفون عند ~~ربهم) أي محبوسون في موقف الحساب، يتراجعون الكلام فيما بينهم باللوم ~~والعتاب بعد أن كانوا في الدنيا أخلاء متناصرين. وجواب " لو " محذوف، أي ~~لرأيت أمرا هائلا فظيعا. ثم ذكر أي شئ يرجع من القول بينهم فقال: (يقول ~~الذين استضعفوا) في الدنيا من الكافرين (للذين استكبروا) وهم القادة ~~والرؤساء (لولا أنتم لكنا مؤمنين) أي أغويتمونا وأضللتمونا. واللغة الفصيحة ~~" لولا أنتم " ومن العرب من يقول " لولاكم " حكاها سيبويه، تكون " لولا " ~~تخفض المضمر ويرتفع المظهر بعدها بالابتداء ويحذف خبره. # ومحمد بن يزيد يقول: لا يجوز " لولاكم " لان المضمر عقيب المظهر، فلما ~~كان المظهر مرفوعا بالاجماع وجب أن يكون المضمر أيضا مرفوعا. (قال الذين ~~استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى) هو استفهام بمعنى الانكار، ~~أي ما رددناكم نحن عن الهدى، ولا أكرهناكم. (بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين) ~~أي مشركين مصرين على الكفر. # (وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار) المكر أصله ~~في كلام العرب الاحتيال والخديعة، وقد مكر به يمكر فهو ماكر ومكار. قال ~~الأخفش: هو على تقدير: هذا مكر الليل والنهار. قال النحاس: والمعنى - والله ~~أعلم - بل مكركم في الليل والنهار، أي مسارتكم إيانا ودعاؤكم لنا إلى الكفر ~~حملنا على هذا. وقال سفيان الثوري: بل عملكم في الليل والنهار. قتادة: بل ~~مكركم بالليل والنهار صدنا، فأضيف المكر إليهما لوقوعه فيهما، PageV14P302 # وهو كقوله تعالى: " إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر " (1) [نوح: 4] فأضاف ~~الاجل إلى نفسه، ثم قال: # " فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة " (2) [الأعراف: 34] إذ كان الاجل ~~لهم. وهذا من قبيل قولك: ms5113 ليله قائم ونهاره صائم. قال المبرد: أي بل مكركم ~~الليل والنهار، كما تقول العرب: نهاره صائم وليله قائم. وأنشد لجرير: # لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى * ونمت وما ليل المطي بنائم وأنشد ~~سيبويه: * فنام ليلي وتجلى همي * أي نمت فيه. ونظيره: " والنهار مبصرا " ~~(3) [يونس: 67]. وقرأ قتادة: " بل مكر الليل والنهار " بتنوين " مكر " ونصب ~~" الليل والنهار "، والتقدير: بل مكر كائن في الليل والنهار، فحذف. وقرأ ~~سعيد بن جبير " بل مكر " بفتح الكاف وشد الراء بمعنى الكرور، وارتفاعه ~~بالابتداء والخبر محذوف. ويجوز أن يرتفع بفعل مضمر دل عليه " أنحن صددناكم ~~" كأنهم لما قالوا لهم أنحن صددناكم عن الهدى قالوا بل صدنا مكر الليل ~~والنهار. وروي عن سعيد بن جبير " بل مكر الليل والنهار " قال: مر الليل ~~والنهار عليهم فغفلوا. وقيل: طول السلامة فيهما كقوله " فطال عليهم الأمد " ~~(4) [الحديد: 16]. وقرأ راشد " بل مكر الليل والنهار " بالنصب، كما تقول: # رأيته مقدم الحاج، وإنما يجوز هذا فيما يعرف، لو قلت: رأيته مقدم زيد، لم ~~يجز، ذكره النحاس. (إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا) أي أشباها ~~وأمثالا ونظراء. قال محمد بن يزيد: فلان ند فلان، أي مثله. ويقال نديد، ~~وأنشد: # أينما تجعلون إلي ندا * وما أنتم لذي حسب نديد وقد مضى هذا في البقرة " ~~(5). " وأسروا الندامة " أي أظهروها، وهو من الأضداد يكون بمعنى الاخفاء ~~والابداء. قال امرؤ القيس: # تجاوزت أحراسا وأهوال معشر * علي حراصا لو يسرون مقتلي (6) # PageV14P303 # وروي " يشرون ". وقيل: (وأسروا الندامة) أي تبينت الندامة في أسرار ~~وجوههم. # قيل: الندامة لا تظهر، وإنما تكون في القلب، وإنما يظهر ما يتولد عنها، ~~حسبما تقدم بيانه في سورة " يونس (1)، وآل عمران ". وقيل: إظهارهم الندامة ~~قولهم: " فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين " (2) [الشعراء: 102]. وقيل: ~~أسروا الندامة فيما بينهم ولم يجهروا القول بها، كما قال: " وأسروا النجوى ~~" (3) [الأنبياء: 3]. (وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا) الأغلال جمع ~~غل، يقال: في رقبته غل من حديد. ومنه قيل للمرأة السيئة الخلق: غل قمل، ~~وأصله أن الغل كان يكون من ms5114 قد وعليه شعر فيقمل. وغللت يده إلى عنقه، وقد غل ~~فهو مغلول، يقال: ماله أل وغل (4). # والغل أيضا والغلة: حرارة العطش، وكذلك الغليل، يقال منه: غل الرجل يغل ~~غللا فهو مغلول، على ما لم يسم فاعله، عن الجوهري. أي جعلت الجوامع في ~~أعناق التابعين والمتبوعين. قيل من غير هؤلاء الفريقين. وقيل يرجع " الذين ~~كفروا " إليهم. وقيل: # تم الكلال عند قوله: " لما رأوا العذاب " ثم ابتدأ فقال: " وجعلنا ~~الأغلال " بعد ذلك في أعناق سائر الكفار. (هل يجزون إلا ما كانوا يعملون) ~~في الدنيا. # قوله تعالى: وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم ~~به كافرون (34) وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين (35) قل إن ~~ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ولكن أكثر الناس لا يعلمون (36) وما أموالكم ~~ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا فأولئك لهم ~~جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون (37) والذين يسعون في آياتنا ~~معجزين أولئك في العذاب محضرون (38) # PageV14P304 # قوله تعالى: (وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها) قال قتادة: أي ~~أغنياؤها ورؤساؤها وجبابرتها وقادة الشر للرسل: (إنا بما أرسلتم به كافرون. ~~وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا) أي فضلنا عليكم بالأموال والأولاد، ولو لم ~~يكن ربكم راضيا بما نحن عليه من الدين والفضل لم يخولنا ذلك. (وما نحن ~~بمعذبين) لان من أحسن إليه فلا يعذبه، فرد الله عليهم قولهم وما احتجوا به ~~من الغنى فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: (قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء) ~~أي يوسعه (ويقدر) أي يقتر، أي إن الله هو الذي يفاضل بين عباده في الأرزاق ~~امتحانا لهم، فلا يدل شئ من ذلك على ما في العواقب، فسعة الرزق في الدنيا ~~لا تدل على سعادة الآخرة فلا تظنوا أموالكم وأولادكم تغنى عنكم غدا شيئا. ~~(ولكن أكثر الناس لا يعلمون) هذا لأنهم لا يتأملون. ثم قال تأكيدا: (وما ~~أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى) قال مجاهد: أي قربى. والزلفة ~~القربة. ms5115 وقال الأخفش: أي إزلافا، وهو اسم المصدر، فيكون موضع " قربى " نصبا ~~كأنه قال بالتي تقربكم عندنا تقريبا. وزعم الفراء أن " التي " تكون للأموال ~~والأولاد جميعا. وله قول آخر وهو مذهب أبي إسحاق الزجاج، يكون المعنى: وما ~~أموالكم بالتي تقربكم عندنا، ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى، ثم حذف ~~خبر الأول لدلالة الثاني عليه. وأنشد الفراء: # نحن بما عندنا وأنت بما * عندك راض والرأي مختلف ويجوز في غير القرآن: ~~باللتين وباللاتي وباللواتي وباللذين وبالذين، للأولاد خاصة أي لا تزيدكم ~~الأموال عندنا رفعة ودرجة، ولا تقربكم تقريبا. (إلا من آمن وعمل صالحا) قال ~~سعيد بن جبير: المعنى إلا من آمن وعمل صالحا فلن يضره ماله وولده في ~~الدنيا. وروى ليث عن طاوس أنه كان يقول: اللهم ارزقني الايمان والعمل، ~~وجنبني المال والولد، فإني سمعت فيما أوحيت " وما أموالكم ولا أولادكم ~~بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا ". # قلت: قول طاوس فيه نظر، والمعنى والله أعلم: جنبني المال والولد المطغيين ~~أو اللذين لا خير فيهما، فأما المال الصالح والولد الصالح للرجل الصالح ~~فنعم هذا! وقد مضى هذا في " آل عمران PageV14P305 # ومريم، والفرقان " (1). و " من " في موضع نصب على الاستثناء المنقطع، أي ~~لكن من آمن وعمل صالحا فإيمانه وعمله يقر بأنه مني. وزعم الزجاج أنه في ~~موضع نصب بالاستثناء على البدل من الكاف والميم التي في " تقربكم ". ~~النحاس: وهذا القول غلط، لان الكاف والميم للمخاطب فلا يجوز البدل، ولو جاز ~~هذا لجاز: رأيتك زيدا. وقول أبي إسحاق هذا هو قول الفراء. إلا أن الفراء لا ~~يقول بدل لأنه ليس من لفظ الكوفيين، ولكن قوله يئول إلى ذلك، وزعم أن مثله ~~" إلا من أتى الله بقلب سليم " (1) يكون منصوبا عنده ب‍ " - ينفع ". وأجاز ~~الفراء أن يكون " من " في موضع رفع بمعنى: ما هو إلا من آمن، كذا قال، ولست ~~أحصل معناه. # (فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا) يعني قوله: " من جاء بالحسنة فله عشر ~~أمثالها " (2) [الانعام: 160] فالضعف الزيادة، أي لهم جزاء التضعيف، وهو ms5116 من ~~باب إضافة المصدر إلى المفعول. # وقيل: لهم جزاء الأضعاف، فالضعف في معنى الجمع، وإضافة الضعف إلى الجزاء ~~كإضافة الشئ إلى نفسه، نحو: حق اليقين، وصلاة الأولى. أي لهم الجزاء ~~المضعف، للواحد عشرة إلى ما يريد الله من الزيادة. # وبهذه الآية استدل من فضل الغنى على الفقر. وقال محمد بن كعب: إن المؤمن ~~إذا كان غنيا تقيا أتاه الله أجره مرتين بهذه الآية. (وهم في الغرفات ~~آمنون) قراءة العامة " جزاء الضعف " بالإضافة. وقرأ الزهري ويعقوب ونصر بن ~~عاصم " جزاء " منونا منصوبا " الضعف " رفعا، أي فأولئك لهم الضعف جزاء، على ~~التقديم والتأخير. " وجزاء الضعف " على أن يجازوا الضعف. و " جزاء الضعف " ~~مرفوعان، الضعف بدل من جزاء. # وقرأ الجمهور أيضا " في الغرفات " على الجمع، وهو اختيار أبى عبيد، ~~لقوله: " لنبوئنهم من الجنة غرفا " (1) [العنكبوت: 58]. الزمخشري: وقرئ " ~~في الغرفات " بضم الراء وفتحها وسكونها. وقرأ الأعمش ويحيى بن وثاب وحمزة ~~وخلف " في الغرفة " على التوحيد، لقوله تعالى: " أولئك يجزون (1) الغرفة " ~~[الفرقان: 75]. والغرفة قد يراد بها أسم الجمع واسم الجنس. قال ابن عباس: ~~هي غرف # PageV14P306 # من ياقوت وزبرجد ودر. وقد مضى بيان ذلك (1). (آمنون) أي من العذاب والموت ~~والاسقام والأحزان. (والذين يسعون في آياتنا) في إبطال أدلتنا وحجتنا ~~وكتابنا. (معاجزين) معاندين، يحسبون أنهم يفوتوننا بأنفسهم. (أولئك في ~~العذاب محضرون) أي في جهنم تحضرهم الزبانية فيها. # قوله تعالى: قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له وما أنفقتم ~~من شئ فهو يخلفه وهو خير الرازقين (39) قوله تعالى: (قل إن ربي يبسط الرزق ~~لمن يشاء من عباده ويقدر له) كرر تأكيدا. # (وما أنفقتم من شئ فهو يخلفه) أي قل يا محمد لهؤلاء المغترين بالأموال ~~والأولاد إن الله يوسع على من يشاء ويضيق على من يشاء، فلا تغتروا بالأموال ~~والأولاد بل أنفقوها في طاعة الله، فإن ما أنفقتم في طاعة الله فهو يخلفه. ~~وفيه إضمار، أي فهو يخلفه عليكم، يقال: أخلف له وأخلف عليه، أي يعطيكم خلفه ~~وبدله، وذلك البدل إما في الدنيا وإما في ms5117 الآخرة. # وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما ~~من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان فيقول أحدهما اللهم أعط منفقا ~~خلفا وأعط ممسكا تلفا). # وفيه أيضا عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال، (إن الله ~~قال لي أنفق أنفق عليك...) الحديث. وهذه إشارة إلى الخلف في الدنيا بمثل ~~المنفق فيها إذا كانت النفقة في طاعة الله. وقد لا يكون الخلف في الدنيا ~~فيكون كالدعاء - كما (2) تقدم - سواء في الإجابة أو التكفير أو الادخار، ~~والادخار ها هنا مثله في الاجر. # مسألة - روى الدارقطني وأبو أحمد بن عدي عن عبد الحميد الهلالي عن محمد ~~بن المنكدر عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل معروف صدقة ~~وما أنفق الرجل على نفسه وأهله كتب له صدقة وما وقى به الرجل عرضه فهو صدقة ~~وما أنفق الرجل # PageV14P307 # من نفقة فعلى الله خلفها إلا ما كان من نفقة في بنيان أو معصية). قال عبد ~~الحميد: قلت لابن المنكدر: " ما وقى الرجل عرضه "؟ قال: يعطي الشاعر وذا ~~اللسان. عبد الحميد وثقه ابن معين. # قلت: أما ما أنفق في معصية فلا خلاف أنه غير مثاب عليه ولا مخلوف له. ~~وأما البنيان فما كان منه ضروريا يكن الانسان ويحفظه فذلك مخلوف عليه ~~ومأجور ببنيانه. وكذلك كحفظ بنيته وستر عورته، قال صلى الله عليه وسلم: ~~(ليس لابن آدم حق في سوى هذه الخصال، بيت يسكنه وثوب يواري عورته وجلف ~~الخبز والماء). وقد مضى هذا المعنى في " الأعراف " (1) مستوفى. # قوله تعالى: (وهو خير الرازقين) لما كان يقال في الانسان: إنه يرزق عياله ~~والأمير جنده، قال: " وهو خير الرازقين " والرازق من الخلق يرزق، لكن ذلك ~~من مال يملك عليهم ثم ينقطع، والله تعالى يرزق من خزائن لا تفنى ولا ~~تتناهى. ومن أخرج من عدم إلى الوجود فهو الرازق على الحقيقة، كما قال: " إن ~~الله هو الرزاق ذو القوة المتين " (2) [الذاريات: 58]. # قوله تعالى: ويوم يحشرهم جميعا ms5118 ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا ~~يعبدون (40) قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم ~~بهم مؤمنون (41) قوله تعالى: (ويوم نحشرهم (3) جميعا) هذا متصل بقوله: " ~~ولو ترى إذ الظالمون موقوفون " (4) [سبأ: 31]. # أي لو تراهم في هذه الحالة لرأيت أمرا فظيعا. والخطاب للنبي صلى الله ~~عليه وسلم والمراد هو وأمته. ثم قال: ولو تراهم أيضا " يوم نحشرهم جميعا " ~~العابدين والمعبودين، أي نجمعهم للحساب (ثم نقول (3) للملائكة أهؤلاء إياكم ~~كانوا يعبدون). قال سعيد عن قتادة: هذا # PageV14P308 # استفهام، كقوله عز وجل لعيسى: " أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من ~~دون الله " (1) [المائدة: 116] قال النحاس: فالمعنى أن الملائكة صلوات الله ~~عليهم إذا كذبتهم كان في ذلك تبكيت لهم، فهو استفهام توبيخ للعابدين. ~~(قالوا سبحانك) أي تنزيها لك. (أنت ولينا من دونهم) أي أنت ربنا الذي ~~نتولاه ونطيعه ونعبده ونخلص في العبادة له. (بل كانوا يعبدون الجن) أي ~~يطيعون إبليس وأعوانه. وفي التفاسير: أن حيا يقال لهم بنو مليح من خزاعة ~~كانوا يعبدون الجن، ويزعمون أن الجن تتراءى لهم، وأنهم ملائكة، وأنهم بنات ~~الله، وهو قوله: " وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا " (2) [الصافات: 158]. # قوله تعالى: فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا ولا ضرا ونقول للذين ظلموا ~~ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون (42) قوله تعالى: (فاليوم لا يملك ~~بعضكم لبعض نفعا) أي شفاعة ونجاة. (ولا ضرا) أي عذابا وهلاكا. وقيل: أي لا ~~تملك الملائكة دفع ضر عن عابديهم، فحذف المضاف (ونقول للذين ظلموا ذوقوا ~~عذاب النار التي كنتم بها تكذبون) يجوز أن يقول الله لهم أو الملائكة: ~~ذوقوا. # قوله تعالى: وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قالوا ما هذا إلا رجل يريد أن ~~يصدكم عما كان يعبد آباؤكم وقالوا ما هذا إلا إفك مفترى وقال الذين كفروا ~~للحق لما جاءهم إن هذا إلا سحر مبين (43) قوله تعالى: (وإذا تتلى عليهم ~~آياتنا بينات) يعني القرآن. (قالوا ما هذا إلا رجل) يعنون محمدا صلى الله ~~عليه وسلم. (يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم) أي أسلافكم ms5119 من # PageV14P309 # الآلهة التي كانوا يعبدونها. (وقالوا ما هذا إلا إفك مفترى) يعنون ~~القرآن، أي ما هو إلا كذب مختلق. (وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم إن هذا ~~إلا سحر مبين) فتارة قالوا سحر، وتارة قالوا إفك. ويحتمل أن يكون منهم من ~~قال سحر ومنهم من قال إفك. # قوله تعالى: وما آتيناهم من كتب يدرسونها وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير ~~(44) وكذب الذين من قبلهم وما بلغوا معشار ما آتيناهم فكذبوا رسلي فكيف كان ~~نكير (45) قوله تعالى: (وما آتيناهم من كتب يدرسونها) أي لم يقرءوا في كتاب ~~أوتوه بطلان ما جئت به، ولا سمعوه من رسول بعث إليهم، كما قال: " أم ~~آتيناهم كتابا من قبله فهم به مستمسكون " (1) [الزخرف: 21] فليس لتكذيبهم ~~وجه يتشبث به ولا شبهة متعلق كما يقول أهل الكتاب وإن كانوا مبطلين: نحن ~~أهل كتاب وشرائع ومستندون إلى رسل من رسل الله، ثم توعدهم على تكذيبهم ~~بقوله الحق: (وكذب الذين من قبلهم) أي كذب قبلهم أقوام كانوا أشد من هؤلاء ~~بطشا وأكثر أموالا وأولادا وأوسع عيشا، فأهلكتهم كثمود وعاد. (وما بلغوا) ~~أي ما بلغ أهل مكة (معشار ما آتيناهم) تلك الأمم. والمعشار والعشر سواء، ~~لغتان. وقيل: المعشار عشر العشر. الجوهري: ومعشار الشئ عشره، ولا يقولون ~~هذا في شئ سوى العشر. # وقال: ما بلغ الذين من قبلهم معشار شكر ما أعطيناهم، حكاه النقاش. وقيل: ~~ما أعطى الله تعالى من قبلهم معشار ما أعطاهم من العلم والبيان والحجة ~~والبرهان. قال ابن عباس: فليس أمة أعلم من أمته، ولا كتاب أبين من كتابه. ~~وقيل: المعشار هو عشر العشير، والعشير هو عشر العشر فيكون جزءا من ألف جزء. ~~الماوردي: وهو الأظهر، لان المراد به المبالغة في التقليل. # (فكذبوا رسلي فكيف كان نكير) أي عقابي في الأمم، وفيه محذوف وتقديره: ~~فأهلكناهم فكيف كان نكيري. # PageV14P310 # قوله تعالى: قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ~~ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد (46) قوله تعالى: ~~(قل إنما ms5120 أعظكم بواحدة) تمم الحجة على المشركين، أي قل لهم يا محمد: # (إنما أعظكم) أي أذكركم وأحذركم سوء عاقبة ما أنتم فيه. (بواحدة) أي ~~بكلمة واحدة مشتملة على جميع الكلام، تقتضي نفي الشرك لاثبات الاله. قال ~~مجاهد: هي لا إله إلا الله وهذا قول أبن عباس والسدي. وعن مجاهد أيضا: ~~بطاعة الله. وقيل: بالقرآن، لأنه يجمع كل المواعظ. وقيل: تقديره بخصلة ~~واحدة، ثم بينها بقوله: (أن تقوموا لله مثنى وفرادى) فتكون " أن " في موضع ~~خفض على البدل من " واحدة "، أو في موضع رفع على إضمار مبتدأ، أي هي أن ~~تقوموا. ومذهب الزجاج أنها في موضع نصب بمعنى لان تقوموا. وهذا القيام ~~معناه القيام إلى طلب الحق لا القيام الذي هو ضد القعود، وهو كما يقال: قام ~~فلان بأمر كذا، أي لوجه الله والتقرب إليه. وكما قال تعالى: " وأن تقوموا ~~لليتامى بالقسط " (1) [النساء: 127]. # " مثنى وفرادى " أي وحدانا ومجتمعين قاله السدي. وقيل: منفردا برأيه ~~ومشاورا لغيره، وهذا قول مأثور. وقال القتبي: مناظرا مع غيره ومفكرا في ~~نفسه، وكله متقارب. ويحتمل رابعا أن المثنى عمل النهار والفرادى عمل الليل، ~~لأنه في النهار معان وفي الليل وحيد، قاله الماوردي. وقيل: إنما قال: " ~~مثنى وفرادى " لان الذهن حجة الله على العباد وهو العقل، فأوفرهم عقلا ~~أوفرهم حظا من الله، فإذا كانوا فرادى كانت فكرة واحدة، وإذا كانوا مثنى ~~تقابل الذهنان فتراءى من العلم لهما ما أضعف على الانفراد، والله أعلم. (ثم ~~تتفكروا ما بصاحبكم من جنة) الوقف عند أبي حاتم وأبن الأنباري على " ثم ~~تتفكروا ". وقيل: ليس هو بوقف لان المعنى: ثم تتفكروا هل جربتم على صاحبكم ~~كذبا، أو رأيتم فيه جنة، أو في أحواله من # PageV14P311 # فساد، أو اختلف إلى أحد ممن يدعي العلم بالسحر، أو تعلم الأقاصيص وقرأ ~~الكتب، أو عرفتموه بالطمع في أموالكم، أو تقدرون على معارضته في سورة ~~واحدة، فإذا عرفتم بهذا الفكر صدقه فما بال هذه المعاندة. (إن هو إلا نذير ~~لكم بين يدي عذاب شديد) وفي صحيح مسلم عن ابن عباس ms5121 قال: لما نزلت هذه الآية ~~" وأنذر عشيرتك الأقربين. [الشعراء: 214] ورهطك منهم المخلصين " (1)، خرج ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صعد الصفا فهتف: يا صباحاه؟ (2) فقالوا: # من هذا الذي يهتف!؟ قالوا محمد، فاجتمعوا إليه فقال: (يا بني فلان يا بني ~~فلان يا بني عبد مناف يا بني عبد المطلب - فاجتمعوا إليه فقال - أرأيتم لو ~~أخبرتكم أن خيلا تخرج من سفح هذا الجبل أكنتم مصدقي)؟ قالوا: ما جربنا عليك ~~كذبا. قال: (فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد). قال فقال أبو لهب: تبا لك! ~~أما جمعتنا إلا لهذا؟ ثم قال فنزلت هذه السورة: " تبت يدا أبي لهب (3) وقد ~~تب " [المسد: 1] كذا قرأ الأعمش إلى آخر السورة. # قوله تعالى: قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجرى إلا على الله وهو على ~~كل شئ شهيد (47) قوله تعالى: (قل ما سألتكم من أجر) أي جعل على تبليغ ~~الرسالة (فهو لكم) أي ذلك الجعل لكم إن كنت سألتكموه (إن أجرى إلا على الله ~~وهو على كل شئ شهيد) أي رقيب وعالم وحاضر لأعمالي وأعمالكم، لا يخفى عليه ~~شئ فهو يجازي الجميع. # قوله تعالى: قل إن ربي يقذف بالحق علام الغيوب (48) قوله تعالى: (قل إن ~~ربي يقذف بالحق) أي يبين الحجة ويظهرها. قال قتادة: # بالحق بالوحي. وعنه: الحق القرآن. وقال ابن عباس: أي يقذف الباطل بالحق ~~علام الغيوب. # PageV14P312 # وقرأ عيسى بن عمر " علام الغيوب " على أنه بدل، أي قل إن ربي علام الغيوب ~~يقذف بالحق. قال الزجاج. والرفع من وجهين على الموضع، لان الموضع موضع رفع، ~~أو على البدل مما في يقذف. النحاس: وفي الرفع وجهان آخران: يكون خبرا بعد ~~خبر، ويكون على إضمار مبتدأ. وزعم الفراء أن الرفع في مثل هذا أكثر في كلام ~~العرب إذا أتى بعد خبر " إن " ومثله " إن ذلك لحق تخاصم أهل (1) النار " ~~[ص: 64] وقرئ: " الغيوب " بالحركات الثلاث، فالغيوب كالبيوت (2)، والغيوب ~~كالصبور، وهو الامر الذي غاب وخفي جدا. # قوله تعالى: قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد (49) قوله ms5122 تعالى: (قل ~~جاء الحق) قال سعيد عن قتادة: يريد القرآن. النحاس: # والتقدير جاء صاحب الحق أي الكتاب الذي فيه البراهين والحجج. (وما يبدئ ~~الباطل) قال قتادة: الشيطان، أي ما يخلق الشيطان أحدا (وما يعيد) ف‍ " - ما ~~" نفي. ويجوز أن يكون استفهاما بمعنى أي شئ، أي جاء الحق فأي شئ بقي للباطل ~~حتى يعيده ويبدئه أي فلم يبق منه شئ، كقوله: " فهل ترى لهم من باقية " (3) ~~[الحاقة: 8] أي لا ترى. # قوله تعالى: قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحى إلى ربي ~~إنه سميع قريب (50) قوله تعالى: (قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي) وذلك أن ~~الكفار قالوا تركت دين آبائك فضللت. فقال له: قل يا محمد إن ضللت كما ~~تزعمون فإنما أضل على نفسي. وقراءة العامة " ضللت " بفتح اللام. وقرأ يحيى ~~بن وثاب وغيره: " قل إن ضللت " بكسر اللام وفتح الضاد من " أضل "، والضلال ~~والضلالة ضد الرشاد. وقد ضللت (بفتح اللام) أضل # PageV14P313 # (بكسر الضاد)، قال الله تعالى: " قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي " فهذه ~~لغة نجد وهي الفصيحة. وأهل العالية يقولون " ضللت " بالكسر " أضل " (1)، أي ~~إثم ضلالتي على نفسي. # (وإن اهتديت فبما يوحى إلى ربي) من الحكمة والبيان (إنه سميع قريب) أي ~~سميع ممن دعاه قريب الإجابة. وقيل وجه النظم: قل إن ربي يقذف بالحق ويبين ~~الحجة، وضلال من ضل لا يبطل الحجة، ولو ضللت لأضررت بنفسي، لا أنه يبطل حجة ~~الله، وإذا اهتديت فذلك فضل الله إذ ثبتني على الحجة إنه سميع قريب. # قوله تعالى: ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب (51) قوله ~~تعالى: (ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت) ذكر أحوال الكفار في وقت ما يضطرون فيه ~~إلى معرفة الحق. والمعنى: لو ترى إذا فزعوا في الدنيا عند نزول الموت أو ~~غيره من بأس الله تعالى بهم، روي معناه عن ابن عباس. الحسن: هو فزعهم في ~~القبور من الصيحة. وعنه أن ذلك الفزع إنما هو إذا خرجوا من قبورهم، وقاله ~~قتادة. ms5123 وقال ابن مغفل: إذا عاينوا عقاب الله يوم القيامة. السدي: هو فزعهم ~~يوم بدر حين ضربت أعناقهم بسيوف الملائكة فلم يستطيعوا فرارا ولا رجوعا إلى ~~التوبة. سعيد بن جبير: هو الجيش الذي يخسف بهم في البيداء فيبقى منهم رجل ~~فيخبر الناس بما لقي أصحابه فيفزعون، فهذا هو فزعهم. " فلا فوت " فلا نجاة، ~~قاله ابن عباس. مجاهد: فلا مهرب. (وأخذوا من مكان قريب) أي من القبور. ~~وقيل: من حيث كانوا، فهم من الله قريب لا يعزبون عنه ولا يفوتونه. وقال ابن ~~عباس: نزلت في ثمانين ألفا يغزون في آخر الزمان الكعبة ليخربوها، وكما ~~يدخلون البيداء يخسف بهم، فهو الاخذ من مكان قريب. # قلت: وفي هذا المعنى خبر مرفوع عن حذيفة وقد ذكرناه في كتاب التذكرة، قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وذكر فتنة تكون بين أهل المشرق والمغرب: ~~(فبينا هم # PageV14P314 # كذلك إذ خرج عليهم السفياني من الوادي اليابس في فورة ذلك حتى ينزل دمشق ~~فيبعث جيشين جيشا إلى المشرق، وجيشا إلى المدينة، فيسير الجيش نحو المشرق ~~حتى ينزلوا بأرض بابل في المدينة الملعونة والبقعة الخبيثة يعني مدينة ~~بغداد، قال - فيقتلون أكثر من ثلاثة آلاف ويفتضون أكثر من مائة امرأة ~~ويقتلون بها ثلاثمائة كبش (1) من ولد العباس، ثم يخرجون متوجهين إلى الشام ~~فتخرج راية هدى من الكوفة فتلحق ذلك الجيش منها على ليلتين (2) فيقتلونهم ~~لا يفلت منهم مخبر ويستنقذون ما في أيديهم من السبي والغنائم ويحل جيشه ~~الثاني بالمدينة فينتهبونها ثلاثة أيام ولياليها ثم يخرجون متوجهين إلى مكة ~~حتى إذا كانوا بالبيداء بعث الله جبريل عليه السلام فيقول يا جبريل أذهب ~~فأبدهم فيضربها برجله ضربة يخسف الله بهم، وذلك قوله تعالى: " ولو ترى إذ ~~فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب " فلا يبقى منهم إلا رجلان أحدهما بشير ~~والآخر نذير وهما من جهينة، ولذلك جاء القول: وعند جهينة الخبر اليقين ~~وقيل: " أخذوا من مكان قريب " أي قبضت أرواحهم في أماكنها فلم يمكنهم ~~الفرار من الموت، وهذا على قول من يقول: ms5124 هذا الفزع عند النزع. ويحتمل أن ~~يكون هذا من الفزع الذي هو بمعنى الإجابة، يقال: فزع الرجل أي أجاب الصارخ ~~الذي يستغيث به إذا نزل به خوف. ومنه الخبر إذ قال للأنصار: (إنكم لتقلون ~~عند الطمع وتكثرون عند الفزع). ومن قال: أراد الخسف أو القتل في الدنيا ~~كيوم بدر قال: # أخذوا في الدنيا قبل أن يؤخذوا في الآخرة. ومن قال: هو فزع يوم القيامة ~~قال: أخذوا من بطن الأرض إلى ظهرها. وقيل: " اخذوا من مكان قريب " من جهنم ~~فألقوا فيها. # قوله تعالى: وقالوا آمنا به وأنى لهم التناوش من مكان بعيد (52) قوله ~~تعالى: (وقالوا آمنا به) أي القرآن. وقال مجاهد: بالله عز وجل. الحسن: # بالبعث. قتادة: بالرسول صلى الله عليه وسلم (وأنى لهم التناوش من مكان ~~بعيد) قال # PageV14P315 # ابن عباس والضحاك: التناوش الرجعة، أي يطلبون الرجعة إلى الدنيا ليؤمنوا، ~~وهيهات من ذلك! ومنه قول الشاعر: # تمنى أن تئووب إلي مى * وليس إلى تناوشها سبيل وقال السدي: هي التوبة، أي ~~طلبوها وقد بعدت، لأنه إنما تقبل التوبة في الدنيا. وقيل: # التناوش التناول، قال ابن السكيت: يقال للرجل إذا تناول رجلا ليأخذ برأسه ~~ولحيته: # ناشه ينوشه نوشا. وأنشد: # فهي تنوش الحوض نوشا من علا * نوشا به تقطع أجواز الفلا (1) أي تتناول ~~ماء الحوض من فوق وتشرب شربا كثيرا، وتقطع بذلك الشرب فلوات فلا تحتاج إلى ~~ماء آخر. قال: ومنه المناوشة في القتال، وذلك إذا تدانى الفريقان. ورجل ~~نووش أي ذو بطش. والتناوش. التناول: والانتياش مثله. قال الراجز: # * كانت تنوش العنق انتياشا * قوله تعالى: " وأنى لهم التناوش من مكان ~~بعيد " يقول: أنى لهم تناول الايمان في الآخرة وقد كفروا في الدنيا. وقرأ ~~أبو عمرو والكسائي والأعمش وحمزة: " وأنى لهم التناؤش " بالهمز. النحاس: ~~وأبو عبيدة يستبعد هذه القراءة، لان " التناؤش " بالهمز البعد، فكيف يكون: ~~وأنى لهم البعد من مكان بعيد. قال أبو جعفر: والقراءة جائزة حسنة، ولها ~~وجهان في كلام العرب، ولا يتأول بها هذا المتأول البعيد. فأحد الوجهين أن ~~يكون الأصل غير مهموز، ms5125 ثم همزت الواو لان الحركة فيها خفية، وذلك كثير في ~~كلام العرب. وفي المصحف الذي نقلته الجماعة عن الجماعة " وإذا الرسل أقتت " ~~(2) [المرسلات: 11] والأصل " وقتت " لأنه مشتق من الوقت. ويقال في جمع دار: ~~أدؤر. والوجه الآخر ذكره أبو إسحاق قال: يكون مشتقا من النئيش وهو الحركة ~~في إبطاء، أي من أين لهم الحركة فيما قد بعد، يقال: نأشت الشئ أخذته # PageV14P316 # من بعد والنئيش: الشئ البطئ. قال الجوهري: التناؤش (بالهمز) التأخر ~~والتباعد. # وقد نأشت الامر أنأشه نأشا أخرته، فانتأش. ويقال: فعله نئيشا أي أخيرا. # قال الشاعر: # تمنى نئيشا أن يكون أطاعني * وقد حدثت (1) بعد الأمور أمور وقال آخر: # قعدت زمانا عن طلابك للعلا * وجئت نئيشا بعدما فاتك الخبر (2) وقال ~~الفراء: الهمز وترك الهمز في التناؤش متقارب، مثل: ذمت (3) الرجل وذأمته أي ~~عبته. # " من مكان بعيد " أي من الآخرة. وروى أبو إسحاق عن التميمي عن ابن عباس ~~قال: # " وأنى لهم " قال: الرد، سألوه وليس بحين رد. # قوله تعالى: وقد كفروا به من قبل ويقذفون بالغيب من مكان بعيد (53) قوله ~~تعالى: (وقد كفروا به) أي بالله عز وجل وقيل: بمحمد (من قبل) يعني في ~~الدنيا. (ويقذفون بالغيب) العرب تقول لكل من تكلم بما لا يحقه (4): هو يقذف ~~ويرجم بالغيب. " من مكان بعيد " على جهة التمثيل لمن يرجم ولا يصيب، أي ~~يرمون بالظن فيقولون: لا بعث ولا نشور ولا جنة ولا نار، رجما منهم بالظن، ~~قال قتادة. وقيل: # " يقذفون " أي يرمون في القرآن فيقولون: سحر وشعر وأساطير الأولين. وقيل: ~~في محمد، فيقولون ساحر شاعر كاهن مجنون. " من مكان بعيد " أي إن الله بعد ~~لهم أن يعلموا صدق محمد. وقيل: أراد البعد عن القلب، أي من مكان بعيد عن ~~قلوبهم. وقرأ مجاهد " ويقذفون بالغيب " غير مسمى الفاعل، أي يرمون به. ~~وقيل: يقذف به إليهم من يغويهم ويضلهم. # PageV14P317 # قوله تعالى: وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل إنهم ~~كانوا في شك مريب (54) قوله تعالى: (وحيل بينهم وبين ما يشتهون) قيل: حيل ~~بينهم وبين ms5126 النجاة من العذاب. وقيل: حيل بينهم وبين ما يشتهون في الدنيا من ~~أموالهم وأهليهم. ومذهب قتادة أن المعنى أنهم كانوا يشتهون لما رأوا العذاب ~~أن يقبل منهم أن يطيعوا الله عز وجل وينتهوا إلى ما يأمرهم به الله فحيل ~~بينهم وبين ذلك، لان ذلك إنما كان في الدنيا أو قد زالت في ذلك الوقت. ~~والأصل " حول " فقلبت حركة الواو على الحاء فانقلبت ياء ثم حذفت حركتها ~~لثقلها. (كما فعل بأشياعهم) الأشياع جمع شيع، وشيع جمع شيعة. (من قبل) أي ~~بمن مضى من القرون السالفة الكافرة. (إنهم كانوا في شك) أي من أمر الرسل ~~والبعث والجنة والنار. وقيل: في الدين والتوحيد، والمعنى واحد. (مريب) أي ~~يستراب به، يقال: # أراب الرجل أي صار ذا ريبة، فهو مريب. ومن قال هو من الريب الذي هو الشك ~~والتهمة قال: يقال شك مريب، كما يقال: عجب عجيب وشعر شاعر، في التأكيد. # ختمت السورة، والحمد لله رب العالمين. # سورة فاطر مكية في قول الجميع وهي خمس وأربعون آية بسم الله الرحمن ~~الرحيم الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولى أجنحة مثنى ~~وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شئ قدير (1) PageV14P318 # قوله تعالى: (الحمد لله فاطر السماوات والأرض) يجوز في " فاطر " ثلاثة ~~أوجه: # الخفض على النعت، والرفع على إضمار مبتدأ، والنصب على المدح. وحكى ~~سيبويه: الحمد لله أهل الحمد [مثله] (1) وكذا " جاعل الملائكة ". والفاطر: ~~الخالق. وقد مضى في " يوسف " (2) وغيرها. والفطر. الشق عن الشئ، يقال: ~~فطرته فانفطر. ومنه: فطر ناب البعير طلع، فهو بعير فاطر. وتفطر الشئ تشقق. ~~وسيف فطار، أي فيه تشقق. قال عنترة: # وسيفي كالعقيقة فهو كمعي * سلاحي لا أفل ولا فطارا (3) والفطر: الابتداء ~~والاختراع. قال ابن عباس: كنت لا أدري ما " فاطر السماوات والأرض " حتى ~~أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، أي أنا ابتدأتها. ~~والفطر. # حلب الناقة بالسبابة والابهام. والمراد بذكر السماوات والأرض العالم كله، ~~ونبه بهذا على أن من قدر على الابتداء قادر على ms5127 الإعادة. " جاعل الملائكة " ~~لا يجوز فيه التنوين، لأنه لما مضى. " رسلا " مفعول ثان، ويقال على إضمار ~~فعل، لان " فاعلا " إذا كان لما مضى لم يعمل فيه شيئا، وإعماله على أنه ~~مستقبل حذف التنوين منه تخفيفا. وقرأ الضحاك " الحمد لله فطر السماوات ~~والأرض " على الفصل الماضي. (جاعل الملائكة رسلا) الرسل منهم جبريل ~~وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، صلى الله عليهم أجمعين. وقرأ الحسن: # " جاعل الملائكة " بالرفع. وقرأ خليد بن نشيط " جعل الملائكة " وكله ~~ظاهر. (أولى أجنحة) نعت، أي أصحاب أجنحة. (مثنى وثلاث ورباع) (4) أي اثنين ~~اثنين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة. قال قتادة: بعضهم له جناحان، وبعضهم ~~ثلاثة، وبعضهم أربعة، ينزلون بهما من السماء إلى الأرض، ويعرجون من الأرض ~~إلى السماء، وهي مسيرة كذا في وقت واحد، أي جعلهم رسلا. قال يحيى بن سلام: ~~إلى الأنبياء. وقال السدي: إلى العباد برحمة أو نقمة. وفي صحيح مسلم عن ابن ~~مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى جبريل عليه # PageV14P319 # السلام له ستمائة جناح. وعن الزهري أن جبريل عليه السلام قال له: (يا ~~محمد، لو رأيت إسرافيل إن له لاثني عشر ألف جناح منها جناح بالمشرق وجناح ~~بالمغرب وإن العرش لعلى كاهله وإنه في الأحايين ليتضاءل لعظمة الله حتى ~~يعود مثل الوصع والوصع عصفور صغير حتى ما يحمل عرش ربك إلا عظمته). و " ~~أولو " اسم جمع لذو، كما أن هؤلاء اسم جمع لذا، ونظيرهما في المتمكنة: ~~المخاض (1) والخلفة. وقد مضى الكلام في " مثنى وثلاث ورباع " في " النساء " ~~(2) وأنه غير منصرف. (يزيد في الخلق ما يشاء) أي في خلق الملائكة، في قول ~~أكثر المفسرين، ذكره المهدوي. وقال الحسن: " يزيد في الخلق " أي في أجنحة ~~الملائكة ما يشاء. وقال الزهري وابن جريج: يعني حسن الصوت. وقد مضى القول ~~فيه في مقدمة الكتاب (3). وقال الهيثم الفارسي: رأيت النبي صلى الله عليه ~~وسلم في منامي، فقال: # (أنت الهيثم الذي تزين القرآن بصوتك جزاك الله خيرا). وقال قتادة: " يزيد ~~في الخلق ما يشاء " الملاحة في العينين والحسن في الانف والحلاوة ms5128 في الفم. ~~وقيل: الخط الحسن. # وقال مهاجر الكلاعي قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الخط الحسن يزيد ~~الكلام وضوحا). # وقيل: الوجه الحسن. وقيل في الخبر في هذه الآية: هو الوجه الحسن والصوت ~~الحسن والشعر الحسن، ذكره القشيري. النقاش: هو الشعر الجعد (4). وقيل: ~~العقل والتمييز. # وقيل: العلوم والصنائع. (إن الله على كل شئ قدير) من النقصان والزيادة. ~~الزمخشري: # والآية مطلقة تتناول كل زيادة في الخلق، من طول قامة، واعتدال صورة، ~~وتمام في الأعضاء، وقوة في البطش، وحصافة في العقل، وجزالة في الرأي، وجرأة ~~في القلب، وسماحة في النفس، وذلاقة في اللسان، ولباقة في التكلم، وحسن تأت ~~(5) في مزاولة الأمور، وما أشبه ذلك مما لا يحيط به وصف. # PageV14P320 # قوله تعالى: " ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها " وأجاز النحويون ~~في غير القرآن " فلا ممسك له " على لفظ " ما " و " لها " على المعنى. ~~وأجازوا " وما يمسك فلا مرسل لها " وأجازوا " ما يفتح الله للناس من رحمة " ~~(بالرفع) تكون " ما " بمعنى الذي. # أي إن الرسل بعثوا رحمة للناس فلا يقدر على إرسالهم غير الله. وقيل: ما ~~يأتيهم به الله من مطر أو رزق فلا يقدر أحد أن يمسكه، وما يمسك من ذلك فلا ~~يقد أحد على أن يرسله. # وقيل: هو الدعاء: قاله الضحاك. أبن عباس: من توبة. وقيل: من توفيق ~~وهداية. # قلت: ولفظ الرحمة يجمع ذلك إذ هي منكرة للإشاعة والابهام، فهي متناولة ~~لكل رحمة على البدل، فهو عام في جميع ما ذكر. وفي موطأ مالك: أنه بلغه أن ~~أبا هريرة كان يقول إذا أصبح وقد مطر الناس: مطرنا بنوء الفتح، ثم يتلو هذه ~~الآية " ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها ". " وهو العزيز الحكيم " ~~تقدم (1). # قوله تعالى: يا أيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم هل من خلق غير الله ~~يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون. # قوله تعالى: يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم معنى هذا الذكر الشكر. ~~(هل من خالق غير الله) يجوز في ms5129 " غير " الرفع والنصب والخفض، فالرفع من ~~وجهين: أحدهما: # بمعنى هل من خالق إلا الله، بمعنى ما خالق إلا الله. والوجه الثاني: أن ~~يكون نعتا على الموضع، لان المعنى: هل خاق غير الله، و " من " زائدة. ~~والنصب على الاستثناء. PageV14P321 # والخفض، على اللفظ. قال حميد الطويل: قلت للحسن: من خلق الشر؟ فقال سبحان ~~الله! # هل من خالق غير الله عز وجل، خلق الخير والشر. وقرأ حمزة والكسائي: " هل ~~من خالق غير الله " بالخفض. الباقون بالرفع. أي المطر. # أي النبات. من الإفك (بالفتح) وهو الصرف، يقال: # ما أفكك عن كذا، أي ما صرفك عنه. وقيل: من الإفك (بالكسر) وهو الكذب، ~~ويرجع هذا أيضا إلى ما تقدم، لأنه قول مصروف عن الصدق والصواب، أي من أين ~~يقع لكم التكذيب بتوحيد الله. والآية حجة على القدرية لأنه نفى خالقا غير ~~الله وهم يثبتون معه خالقين، على ما تقدم في غير موضع. # قوله تعالى: وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك وإلى الله ترجع الأمور. # قوله تعالى: وان يكذبوك. يعني كفار قريش. # يعزي نبيه ويسليه صلى الله عليه وسلم وليتأسى بمن قبله في الصبر. # قرأ الحسن والأعرج ويعقوب وأبن عامر وأبو حياة وأبن محيصن وحميد والأعمش ~~وحمزة ويحيى والكسائي وخلف (بفتح التاء) على أنه مسمى الفاعل. وأختاره أبو ~~عبيد لقول تعالى: # " ألا إلى الله تصير الأمور " [الشورى: 53] الباقون " ترجع " على الفعل ~~المجهول. # قوله تعالى: يا أيها الناس ان وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا ~~يغرنكم بالله الغرور. # قوله تعالى: (يا أيها الناس إن وعد الله حق) هذا وعظ للمكذبين للرسول بعد ~~إيضاح الدليل على صحة قوله: إن البعث والثواب والعقاب حق. # قال سعيد بن جبير: غرور الحياة الدنيا أن يشتغل الانسان بنعيمها ولذاتها ~~عن عمل الآخرة، PageV14P322 # حتى يقول: يا ليتني قدمت لحياتي. قال أبن السكيت وأبو حاتم: " الغرور " ~~الشيطان. وغرور جمع غر، وغر مصدر. ويكون " الغرور " مصدرا وهو بعيد عند غير ~~أبي إسحاق، لان " غررته " متعد، والمصدر المتعدي إنما هو على فعل، نحو: ~~ضربته ms5130 ضربا، إلا في أشياء يسيرة لا يقاس عليها، قالوا: لزمته لزوما، ونهكه ~~المرض نهوكا. فأما معنى الحرف فأحسن ما قيل فيه ما قاله سعيد بن جبير، قال: ~~الغرور بالله أن يكون الانسان يعمل بالمعاصي ثم يتمنى على الله المغفرة. ~~وقراءة العامة " الغرور " (بفتح الغين) وهو الشيطان، أي لا يغرنكم بوساوسه ~~في أنه يتجاوز عنكم لفضلكم. وقرأ أبو حياة وأبو المال العدوي ومحمد بن ~~المقع " الغرور " (برفع الغين) وهو الباطل، أي لا يغرنكم الباطل. وقال أبن ~~السكيت: والغرور (بالضم) ما اغتر به من متاع الدنيا. قال الزجاج: # ويجوز أن يكون الغرور جمع غار، مثل قاعد وقعود. النحاس: أو جمع غر، أو ~~يشبه بقولهم: نهكه المرض نهوكا ولزمه لزوما. الزمخشري: أو مصدر " غره " ~~كاللزوم والنهوك. # قوله تعالى: ان الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعوا حزبه ليكونوا من ~~أصحاب السعير * الذين كفروا يهم عذاب شديد والذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~لهم مغفرة وأجر كبير. # قوله تعالى: إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا. أي فعادوه ولا تطيعوه. # ويدلكم على عداوته إخراجه أباكم من الجنة، وضمانه إضلالكم في قول: " ~~ولأضلنهم ولأمنينهم " [النساء: 119] الآية. وقوله: " لأقعدن لهم صراطك ~~المستقيم. ثم لآتينهم من بين أيديهم " [الأعراف: 16 - 17] الآية. فأخبرنا ~~عز وجل أن الشيطان لنا عدو مبين، واقتص علينا قصته، وما فعل بأبينا آدم صلى ~~الله عليه وسلم، وكيف أنتدب لعداوتنا وغرورنا من قبل وجودنا وبعده، ونحن ~~على ذلك نتولاه ونطيعه فيما يريد منا مما فيه هلاكنا. وكان الفضيل بن عياض ~~يقول: يا كذاب PageV14P323 # يا مفتر، أتق الله ولا تسب الشيطان في العلانية وأنت صديقه في السر. وقال ~~أبن السماك: # يا عجبا لمن عصى المحسن بعد معرفته بإحسانه! وأطاع اللعين بعد معرفته ~~بعداوته! وقد مضى هذا المعنى في " البقرة " مجودا. و " عدو " في قوله: " إن ~~الشطان لكم عدو " يجوز أن يكون بمعنى معاد، فيثنى ويجمع ويؤنث. ويكون بمعنى ~~النسب فيكون موحدا بكل حال، كما قال عز وجل: " فإنهم عدو لي " [الشعراء: ~~77]. وفي المؤنث على هذا أيضا عدو. النحاس: ms5131 فأما قول بعض النحويين إن الواو ~~خفية فجاؤوا بالهاء فخطأ، بل الواو حرف جلد. (إنما يدعو حزبه) كفت " ما " " ~~إن " عن العمل فوقع بعدها الفعل. " حزبه " أي أشياعه. # (ليكونوا من أصحاب السعير) فهذه عداوته. " الذين كفروا لهم عذاب شديد " ~~يكون " الذين " بدلا " من أصحاب " فيكون في موضع خفض، أو يكون بدلا من " ~~حزبه " فيكون في موضع نصب، أو يكون بدلا من الواو فكون في موضع رفع وقول ~~رابع وهو أحسنها يكون في موضع رفع بالابتداء ويكون خبره لهم عذاب شديد "، ~~وكأنه. سبحانه بين حال موافقته ومخالفته، ويكون الكلام قد تم في قوله: " من ~~أصحاب السعير " ثم ابتدأ فقال " الذين كفروا لهم عذاب شديد ". في موضع رفع ~~بالابتداء أيضا، وخبره (لهم مغفرة) أي لذنوبهم. (وأجر كبير) وهو الجنة. # قوله تعالى: أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي ~~من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما تصنعون. # قوله تعالى (أفمن زين له سوء عمله) " من " في موضع رفع بالابتداء، وخبره ~~محذوف. قال الكسائي: والذي يدل عليه قوله تعالى: " فلا تذهب نفسك عليهم ~~حسرات " فالمعنى: أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا ذهبت نفسك عليهم حسرات. ~~قال: وهذا كلام PageV14P324 # عربي طريف لا يعرفه إلا قليل. وذكره الزمخشري عن الزجاج. قال النحاس: ~~والذي قال الكسائي أحسن ما قيل في الآية، لما ذكره من الدلالة على المحذوف، ~~والمعنى أن الله جل وعز نهى نبيه عن شدة الاغتمام بهم والحزن عليهم، كما ~~قال عز وجل: " فلعلك باخع نفسك " [الكهف: 6] قال أهل التفسير: قاتل. قال ~~نصر ابن علي: سألت الأصمعي عن قول النبي صلى الله عليه وسلم في أهل اليمن: ~~(هم أرق قلوبا وأبخع طاعة) ما معنى أبخع؟ فقال: أنصح. # فقلت له: إن أهل التفسير مجاهدا وغيره يقولون في قول الله عز وجل: " لعلك ~~باخع نفسك ": معناه قاتل نفسك. فقال: هو من ذاك بعينه، كأنه من شدة النصح ~~لهم قاتل نفسه. # وقال الحسين بن الفضل: فيه تقديم وتأخير، ms5132 مجازه: أفمن زين له سوء عمله ~~فرآه حسنا، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، فإن الله يضل من يشاء ويهدي من ~~يشاء. وقيل: # الجواب محذوف، المعنى أفمن زين له سوء عمله كمن هدي، ويكون يدل على هذا ~~المحذوف " فإن الله يضل من، يشاء ويهدي من يشاء ". وقرأ يزيد بن القعقاع: " ~~فلا تذهب نفسك " وفي " أفمن زين له سوء عمله " أربعة أقوال، أحدها: أنهم ~~اليهود والنصارى والمجوس، قال أبو قلابة. ويكون، " سوء عمله " معاندة ~~الرسول عليه الصلاة والسلام. الثاني: أنهم الخوارج، رواه عمر بن القاسم. ~~يكون " سوء عمله " تحريف التأويل. الثالث: # الشيطان، قال الحسن. ويكون " سوء عمله " الاغواء. الرابع: كفار قريش، ~~قاله الكلبي. ويكون " سوء عمله " الشرك. وقال: إنها نزلت في العاص بن وائل ~~السهمي والأسود بن المطلب. وقال غيره: نزلت في أبي جهل بن هشام. " فرآه ~~حسنا " أي صوابا، قال الكلبي. وقال: جميلا. # قلت: والقول بأن المراد كفار قريش أظهر الأقوال، لقوله تعالى: " ليس عليك ~~هداهم " [البقرة: 272]، وقوله: " ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر " [آل ~~عمران: 176]، وقال: " فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث ~~أسفا " [الكهف: 6]، وقوله: " لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين "، ~~PageV14P325 # وقوله في هذه الآية: وهذا ظاهر بين، أي لا ينفع تأسفك على مقامهم على ~~كفرهم، فإن الله أضلهم. وهذه الآية ترد على القدرية قولهم على ما تقدم، أي ~~أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا تريد أن تهديه، وإنما ذلك إلى الله لا ~~إليك، والذي إليك هو التبليغ. وقرأ أبو جعفر وشيبة وأبن محيصن: " فلا تذهب ~~" بضم التاء وكسر الهاء " نفسك " نصبا على المفعول، والمعنيان متقاربان. " ~~حسرات " منصوب مفعول من أجله، أي فلا تذهب نفسك للحسرات. و " عليهم " صلة " ~~تذهب "، كما تقول: هلك عليه حبا ومات عليه حزنا. وهو بيان للمتحسر عليه. ~~ولا يجوز أن يتعلق بالحسرات، لان المصدر لا يتقدم عليه صلته. ويجوز أن يكون ~~حالا كأن كلها صارت حسرات لفرط التحسر، كما قال جرير: # مشق الهواجر لحمهن مع السرى * وحتى ذهبن كلاكلا وصدورا ms5133 يريد: رجعن كلاكلا ~~وصدورا، أي لم يبق إلا كلاكلها وصدورها. ومنه قول الآخر: # فعلى إثرهم تساقط نفسي * وحسرات وذكرهم لي سقام أو مصدرا. # قوله تعالى: والله الذي ارسل الريح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت ~~فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور. # قوله تعالى: " والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت " ~~ميت وميت واحد، وكذا ميتة وميتة، هذا قول الحذاق من النحويين. وقال محمد بن ~~يزيه: هذا قول البصريين، ولم يستثن أحدا، واستدل على ذلك بدلائل قاطعة. ~~وأنشد: # ليس من مات فاستراح بميت * وإنما الميت ميت الاحياء إنما المت من يعيش ~~كئيبا * وكاسفا باله قليل الرجاء قال: فهل ترى بين ميت وميت فرقا، وأنشد: ~~PageV14P326 # هينون لينون أيسار بنو يسر * وسواس مكرمة أبناء أيسار قال: فقد أجمعوا ~~على أن هينون ولينون واحد، وكذا ميت وميت، وسيد وسيد. قال: # " فسقناه " بعد أن قال: " والله الذي أرسل الرياح " وهو من باب تلوين ~~الخطاب. # وقال أبو عبيدة: سبيله " فتسوقه "، لأنه قال: " فتثير سحابا ". الزمخشري: ~~فإن قلت: # لم جاء " فتثير " على المضارعة دون ما قبله وما بعده؟ قلت: لتحكي الحال ~~التي تقع فيها إثارة الرياح السحاب، وتستحضر تلك الصورة البديعة الدالة على ~~القدوة الربانية، وهكذا يفعلون بفعل فيه نوع تمييز وخصوصية بحال تستغرب، أو ~~تهم المخاطب أو غير ذلك، كما قال تأبط شرا: # بأني قد لقيت الغول تهوي * وبسهب كالصحيفة صحصحان فأضربها بلا دهش فخرت * ~~وصريعا لليدين وللجران لأنه قصد أن يصور لقومه الحالة التي تشجع فيها بزعمه ~~على ضرب الغول، كأنه يبصرهم إياها، ويطلعهم على كنهها مشاهدة للتعجب. من ~~جرأته على كل هول، وثباته عند كل شدة وكذلك سوق السحاب إلى البلد الميت، ~~لما كانا من الدلائل على القدرة الباهرة قيل: " فسقنا " و " أحيينا " ~~معدولا بهما عن لفظة الغيبة إلى ما هو أدخل في الاختصاص وأدل عليه. # وقراءة العامة " الرياح ". وقرأ ابن محيصن وأبن كثير والأعمش ويحيى وحمزة ~~والكسائي " الريح " توحيدا. وقد مضى بيان هذه الآية والكلام فيها مستوفي. # أي كذلك ms5134 تحيون بعدما متم، من نشر الانسان نشورا. فالكاف في محل الرفع، أي ~~مثل إحياء الأموات نشر الأموات. وعن أبي رزين العقيلي قال: قلت يا رسول ~~الله، كيف يحيي الله الموتى، وما آية ذلك في خلقه؟ قال: (أما مررت بوادي ~~أهلك ممحلا ثم مررت به يهتز خضرا) قلت: نعم يا رسول الله. قال (فكذلك يحيي ~~الله الموتى وتلك آيته في خلقه) وقد ذكرنا هذا الخبر في " الأعراف " وغيرها ~~PageV14P327 # قوله تعالى: من كان يريد العزة فلله العزة جميعا إليه يصعد الكلم الطيب ~~والعمل الصالح يرفعه والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو ~~يبور. # قوله تعالى: (من كان يريد العزة فلله العزة جميعا) التقدير عند الفراء: ~~من كان يريد علم العزة. وكذا قال غيره من أهل العلم. أي من كان يريد علم ~~العزة التي لا ذلة معها، لان العزة إذا كانت تودي إلى ذلة فإنما هي تعرض ~~للذلة، والعزة التي لا ذل معها لله عز وجل. " جميعا " منصوب على الحال. ~~وقدر الزجاج معناه: من كان يريد بعبادته الله عز وجل العزة والعزة له ~~سبحانه فإن الله عز وجل يعزه في الآخرة والدنيا. # قلت وهذا أحسن وروى مرفوعا على ما يأتي " فلله العزة جميعا " ظاهر هذا ~~إيئاس السامعين من عزته، وتعريفهم أن ما وجب له من ذلك لا مطمع فيه لغيره، ~~فتكون الألف واللام للعهد عند العالمين به سبحانه وبما وجب له من ذلك، وهو ~~المفهوم من قوله الحق في سورة يونس: " ولا يحزنك قولهم إن العزة لله " ~~[يونس: 65]. ويحتمل أن يريد سبحانه أن ينبه ذوي الاقدار والهمم من أين تنال ~~العزة ومن أين تستحق، فتكون الألف واللام للاستغراق، وهو المفهوم من آيات ~~هذه السورة. فمن طلب العزة من الله وصدقه في طلبها بافتقار وذل، وسكون ~~وخضوع، وجدها عنده إن شاء الله غير ممنوعة ولا محجوبة عنه، قال صلى الله ~~عليه وسلم: (من تواضع لله رفعه الله). ومن طلبها من غيره وكله إلى من طلبها ~~عنده. # وقد ذكر قوما طلبوا العزة عند ms5135 من سواه فقال: " الذين يتخذون الكافرين ~~أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا " ~~[النساء: 139]. # فأنبأك صريحا لا إشكال فيه أن العزة له يعز بها من يشاء ويذل من يشاء. ~~وقال صلى الله عليه وسلم مفسرا لقوله " من كان يريد PageV14P328 # العزة فلله العزة جميعا ": (من أراد عز الدارين فليطع العزيز. وهذا معنى ~~قول الزجاج. # ولقد أحسن من قال: # وإذا تذللت الرقاب تواضعا * ومنا إليك فعزها في ذلها فمن كان يريد العزة ~~لينال الفوز الأكبر، ويدخل دار العزة ولله العزة فليقصد بالعزة الله سبحانه ~~والاعتزاز به، فإنه من اعتز بالعبد أذل الله، ومن اعتز بالله أعزه الله. # قوله تعالى: إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه فيه مسألتان ~~الأولى: قوله تعالى: " إله يصعد الكلم الطيب " وتم الكلام. ثم تبتدئ " ~~والعمل الصالح يرفعه " على معنى: يرفعه الله، أو يرفع صاحبه. ويجوز أن يكون ~~المعنى: والعمل الصالح يرفع الكلم الطيب، فيكون الكلام متصلا على ما يأتي ~~بيانه. والصعود هو الحركة إلى فوق، وهو العروج أيضا. ولا يتصور ذلك في ~~الكلام لأنه عرض، لكن ضرب صعوده مثلا لقبوله، لان موضع الثواب فوق، وموضع ~~العذاب أسفل. وقال الزجاج: # يقال ارتفع الامر إلى القاضي أي علمه، فهو بمعنى العلم. وخص الكلام والطب ~~بالذكر لبيان الثواب عليه. وقوله " إليه " أي إلى الله يصعد. وقيل: يصعد ~~إلى سمائه والمحل الذي لا يجري فيه لاحد غيره حكم. وقيل: أي يحمل الكتاب ~~الذي كتب فيه طاعات العبد إلى السماء. و " الكلم الطيب " هو التوحيد الصادر ~~عن عقيدة طيبة. وقيل: هو التحميد والتمجيد، وذكر الله ونحوه. وأنشدوا: # لا ترض من رجل حلاوة قوله * وحتى يزين ما يقول فعال فإذا وزنت فعاله ~~بمقاله * وفتوازنا فإخاء ذاك جمال وقال أبن المقفع: قول بلا عمل، كثريد بلا ~~دسم، وسحاب بلا مطر، وقوس بلا وتر. # وفيه قيل: # لا يكون المقال إلا بفعل * وكل قول بلا فعال هباء إن قولا بلا فعال جميل ~~* ونكاحا بلا ولي سواء PageV14P329 # وقرأ الضحاك " يصعد " بضم الياء. وقرأ. ms5136 جمهور الناس " الكلم " جمع كلمة. ~~وقرأ أبو عبد الرحمن " الكلام ". # قلت: فالكلام على هذا قد يطلق بمعنى الكلم وبالعكس، وعليه يخرج قول أبي ~~القاسم: # أقسام الكلام ثلاثة، فوضع الكلام موضع الكلم، والله أعلم. " والعمل ~~الصالح يرفعه " قال أبن عباس ومجاهد وغيرهما: المعنى والعمل الصالح يرفع ~~الكلم الطيب. وفي الحديث (لا يقبل الله قولا إلا بعمل، ولا يقبل قولا وعملا ~~إلا بنية، ولا يقبل قولا وعملا ونية إلا بإصابة السنة). قال أبن عباس: فإذا ~~ذكر العبد الله وقال كلاما طيبا وأدى فرائضه، ارتفع قوله مع عمله وإذا قال ~~ابن قوله على عمله. قال أبن عطية: # وهذا قول يرده معتقد أهل السنة ولا يصح عن أبن عباس. والحق أن العاصي ~~التارك للفرائض إذا ذكر الله وقال كلاما طيبا فإنه مكتوب له متقبل منه، وله ~~حسناته وعليه سيئاته، والله تعالى يتقبل من كل من أتقى الشرك. وأيضا فإن ~~الكلام الطيب عمل صالح، وإنما يستقيم قول من يقول: إن العمل هو الرافع ~~للكلم، بأن يتأول أنه يزيده في رفعه وحسن موقعه إذا تعاضد معه. # كما أن صاحب الأعمال من صلاة وصيام وغير ذلك، إذا تخلل أعماله كلم طيب ~~وذكر الله تعالى كانت الأعمال أشرف، فيكون قول: " والعمل الصالح يرفعه " ~~موعظة وتذكرة وحضا على الأعمال. وأما الأقوال التي هي أعمال في نفوسها، ~~كالتوحيد والتسبيح فمقبولة. # قال أبن العربي: " إن كلام المرء بذكر الله إن لم يقترن به عمل صالح لم ~~ينفع، لان من خالف قوله فعله فهو وبال عليه. وتحقيق هذا: أن العمل إذا وقع ~~شرطا في قبول القول أو مرتبطا، فإنه لا قبول له إلا به وإن لم يكن شرطا فيه ~~فإن كلمه الطيب يكتب له، وعمله السئ يكتب عليه، وتقع الموازنة بينهما، ثم ~~يحكم الله بالفوز والربح والخسران ". # قلت: ما قال أبن العربي تحقيق. والظاهر أن العمل الصالح شرط في قبول ~~القول الطيب. وقد جاء في الآثار (أن العبد إذا قال: لا إله إلا الله بنية ~~صادقة نظرت الملائكة PageV14P330 # إلى عمله، فإن كان ms5137 العمل موافقا لقوله صعدا جميعا، وإن كان عمله. مخالفا ~~وقف قوله حتى يتوب من عمله). فعلى هذا العمل الصالح يرفع الكلم الطيب إلى ~~الله. والكناية في " يرفعه " ترجع إلى الكلم الطيب. وهذا قول أبن عباس وشهر ~~بن حوشب وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة وأبي العالية والضحاك. وعلي أن " ~~الكلم الطيب " هو التوحيد، فهو الرافع للعمل الصالح، لأنه لا يقبل العمل ~~الصالح إلا مع الايمان والتوحيد. أي والعمل الصالح يرفعه الكلم الطيب، ~~فالكناية تعود على العمل الصالح. وروي هذا القول عن شهر بن حوشب قال: " ~~الكلم الطيب " القرآن " والعمل الصالح يرفعه " القرآن. وقيل: تعود على الله ~~جل وعز، أي أن العمل الصالح يرفعه الله على الكلم الطيب، لان العمل تحقيق ~~الكلم، والعامل أكثر تعبا من القائل، وهذا هو حقيقة الكلام، لان الله هو ~~الرافع الخافض. # والثاني والأول مجاز، ولكنه سائغ جائز. قال النحاس: القول الأول أولاها ~~وأصحها لعلو من قال به، وأنه في العربية أولى، لان القراء على رفع العمل. ~~ولو كان المعنى: والعمل الصالح يرفعه الله، أو العمل الصالح يرفعه الكلم ~~الطيب، لكان الاختيار نصف العمل. # ولا نعلم أحدا قرأه منصوبا إلا شيئا روي عن عيسى، بن عمر أنه قال: قرأه ~~أناس " والعمل الصالح يرفعه الله ". وقيل: والعمل الصالح يرفع صاحبه، وهو ~~الذي أراد العزة وعلم أنها تطلب من الله تعالى، ذكره القشيري. # الثانية: ذكروا عند أبن عباس أن الكلب يقطع الصلاة، فقرأ هذه الآية: " ~~إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ". وهذا استدلال بعموم على مذهب ~~السلف في القول بالعموم، (وقد دخل في الصلاة بشروطها، فلا يقطعها عليه شئ ~~إلا بثبوت ما يوجب ذلك، من مثل ما انعقدت به من قرآن أو سنة أو إجماع. وقد ~~تعلق من رأى، ذلك بقوله عليه السلام: (يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب ~~الأسود) فقلت: ما بال الكلب الأسود من الكلب الأبيض من الكلب الأحمر؟ فقال: ~~(إن الأسود شيطان) خرجه مسلم. وقد PageV14P331 # جاء ما يعارض هذا، وهو ما خرجه البخاري عن ابن أخي ابن ms5138 شهاب أنه سأل عمه ~~عن الصلاة يقطعها شئ؟ فقال: لا يقطعها شئ، أخبرني عروة بن الزبير أن عائشة ~~زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقوم فيصلي من الليل، وإني لمعترضة بينه وبين القبلة على فراش أهله. # قوله تعالى: (والذين يمكرون السيئات) ذكر الطبري في، (كتاب آداب النفوس): # حدثني يونس بن عبد الاعلى قال حدثنا سفيان عن ليث بن أبي سليم عن شهر بن ~~حوشب الأشعري في قوله عز وجل: " والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر ~~أولئك هو يبور " قال: هم أصحاب الرياء، وهو قول أبن عباس ومجاهد وقتادة. ~~وقال أبو العالية: # هم الذين مكروا بالنبي صلى الله عليه وسلم لما اجتمعوا في دار الندوة. ~~وقال الكلبي: يعني الذين يعملون السيئات في السيئات في الدنيا مقاتل: يعني ~~الشرك، فتكون " السيئات " مفعولة. ويقال: بار يبور إذا هلك وبطل. وبارت ~~السوق أي كسدت، ومنه: نعوذ بالله من بوار الأيم. # وقول: " وكنتم قوما بورا " [الفتح: 12] أي هلكى. والمكر: ما عمل على سبيل ~~احتيال وخديعة. # وقد مضى في " سبأ ". # قوله تعالى: والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجا وما تحمل من ~~أنثى ولا تضع إلا بعلمه وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب إن ~~ذلك على الله يسير قوله تعالى (والله خلقكم من تراب ثم من نطفة) قال سعيد ~~عن قتادة قال: # يعني آدم عليه السلام، والتقدير على هذا: خلق أصلكم من تراب. # قال: أي التي أخرجها من ظهور آبائكم. قال: أي زوج بعضكم بعضا، فالذكر زوج ~~الأنثى ليتم البقاء في الدنيا إلى انقضاء مدتها. (وما تحمل من أنثى ولا تضع ~~PageV14P332 # إلا بعلمه) أي جعلكم أزواجا فيتزوج الذكر بالأنثى فيتناسلان بعلم الله، ~~فلا يكون حمل ولا وضع إلا والله عالم به، فلا يخرج شئ عن تدبيره. # عمره إلا في كتاب) سماه معمرا بما هو صائر إليه. قال سعيد بن جبير عن أبن ~~عباس: # " وما يعمر من معمر " إلا ms5139 كتب عمره، كم هو سنة كم هو شهرا كم هو يوما كم ~~هو ساعة ثم يكتب في كتاب آخر: نقص من عمره يوم، نقص شهر، نقص سنة، حتى ~~يستوفي أجله. وقال سعيد بن جبير أيضا، قال: فما مضى من أجله فهو النقصان، ~~وما يستقبل فهو الذي يعمره، فالهاء على هذا للمعمر. وعن سعيد أيضا: يكتب ~~عمره كذا وكذا سنة ثم يكتب في أسفل ذلك: ذهب يوم، ذهب يومان، حتى يأتي على ~~آخره. وعن قتادة: # المعمر من بلغ ستين سنة، والمنقوص من عمره من يموت قبل ستين سنة. ويذهب ~~الفراء في معنى " وما يعمر من معمر " أي ما يكون من عمره " ولا ينقص من ~~عمره " بمعنى آخر، أي ولا ينقص الآخر من عمره إلا في كتاب. فالكناية في " ~~عمره " ترجع إلى آخر غير الأول. # وكنى عنه بالهاء كأنه الأول، ومثله قولك: عندي درهم ونصفه، أي نصف أخر. ~~وقيل: # إن الله كتب عمر الانسان مائة سنة إن أطاع، وتسعين إن عصى، فأيهما بلغ ~~فهو في كتاب. # وهذا مثل قوله عليه الصلاة والسلام: (من أحب أن يبسط له في زرقه وينسأ له ~~في أثره فليصل رحمه) أي أنه يكتب في اللوح المحفوظ: عمر فلان كذا سنة، فإن ~~وصل رحمه زيد في عمره كذا سنة. فبين ذلك في موضع آخر من اللوح المحفوظ، إنه ~~سيصل رحمه فمن أطلع على الأول دون الثاني ظن أنه زيادة أو نقصان وقد مضى ~~هذا المعنى عند قوله تعالى: " يمحوا الله ما يشاء ويثبت " [الرعد: 39] ~~والكناية على هذا ترجع إلى العمر. وقيل: المعنى وما يعمر من معمر أي هرم، ~~ولا ينقص آخر من عمر الهرم إلا في كتاب، أي بقضاء من الله جل وعز. روي ~~معناه عن الضحاك واختاره النحاس، قال: وهو أشبهها بظاهر التنزيل. # وروي نحوه عن أبن عباس. فالهاء على هذا يجوز أن تكون للمعمر، ويجوز أن ~~تكون لغير PageV14P333 # المعمر. أي كتابة الأعمال والآجال غير متعذر عليه. وقراءة العامة " ينقص ~~" بضم الياء وفتح القاف وقرأت فرقة منهم ms5140 يعقوب " ينقص " بفتح الياء وضم ~~القاف، أي لا ينقص من عمره شئ. يقال، نقص الشئ بنفسه ونقصه غيره، وزاد ~~بنفسه وزاده غيره، متعد ولازم. وقرأ الأعرج والزهري " من عمره " بتخفيف ~~الميم وضمها الباقون. وهما لغتان مثل السحق والسحق. و " يسير " أي إحصاء ~~طويل الأعمار وقصيرها لا يتعذر عليه شئ منها ولا يعزب. والفضل منه: يسر ولو ~~سميت به إنسانا انصرف، لأنه فعيل. قوله تعالى: وما يستوي البحران هذا عذب ~~فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية ~~تلبسونها وترى الفلك فيه مواخر لتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون قوله تعالى: ~~وما يستوي البحران هذا عذب فرات) فيه أربه مسائل: # الأولى: قال ابن عباس: " فرات " حلو، و " أجاج " مر. وقرأ طلحة: " هذا ~~ملح أجاج " بفتح الميم وكسر اللام بغير ألف. وأما المالح فهو الذي يجعل فيه ~~الملح. وقرأ عيسى وأبن أبي إسحاق " سيغ شرابه " مثل سيد وميت. لا اختلاف في ~~أنه منهما جميعا. وقد مضى في " النحل " الكلام فيه. # الثانية قوله تعالى (وتستخرجون حلية تلبسونها) مذهب أبي إسحاق أن الحلية ~~إنما تستخرج من الملح، فقيل منهما لأنهما مختلطان. وقال غيره: إنما تستخرج ~~الأصداف التي فيها الحلية من الدر وغيره من المواضع التي فيها العذب والملح ~~نحو العيون، فهو مأخوذ منهما، لان في البحر عيونا عذبة، وبينهما يخرج ~~اللؤلؤ عند التمازج. وقيل: PageV14P334 # من مطر السماء. وقال محمد بن يزيد قولا رابعا، قال: إنما تستخرج الحلية ~~من الملح خاصة. # النحاس: وهذا أحسنها وليس هذا عنده، لأنهما مختلطان، ولكن جمعا ثم أخبر ~~عن أحدهما كما قال عز وجل: " ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ~~ولتبتغوا من فضله " [القصص: 73]. # وكما تقول: لو رأيت الحسن والحجاج لرأيت خيرا وشرا. وكما تقول: لو رأيت ~~الأعمش وسيبويه لملأت يدك لغة ونحوا. فقد عرف معنى هذا، وهو كلام فصيح ~~كثير، فكذا: " ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها " فاجتمعا ~~في الأول وانفرد الملح بالثاني. # الثالثة وفي قول: " تلبسونها "، دليل على أن لباس ms5141 كل شئ بحسبه، فالخاتم ~~يجعل في الإصبع، والسوار في الذراع، والقلادة في العنق، والخلخال في الرجل. ~~وفي البخاري والنسائي عن ابن سيرين قال قلت لعبيدة: افتراش الحرير كلبسه؟ ~~فال نعم. وفي، الصحاح عن أنس (فقمت على حصير لنا قد اسود من طول ما لبس). ~~الحديث. # الرابعة قوله تعالى (وترى الفلك فيه مواخر) قال النحاس: أي ماء الملح ~~خاصة، ولولا ذلك لقال فيهما. وقد مخرت السفينة تمخر إذا شقت الماء. وقد مضى ~~هذا في " النحل ". فال مجاهد: التجارة في الفلك إلى البلدان البعيدة: # في مدة قريبة، كما تقدم في " البقرة ". وقيل: ما يستخرج من حليته ويصاد ~~من حيتانه. # (ولعلكم تشكرون) على ما آتاكم من فضله. وقيل: على ما أنجاكم من هول. # قوله تعالى: يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس ~~والقمر كل يجري لأجل مسمى ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه ما ~~يملكون من قطمير قوله تعالى: (يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل) ~~تقدم في (آل عمران) وغيرها. (وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى) تقدم في ~~(لقمان) بيانه. PageV14P335 # (ذلكم الله ربكم له الملك) أي هذا الذي من صنعه ما تقرر هو الخالق ~~المدبر، والقادر المقتدر، فهو الذي يعبد. # # يعني الأصنام. # قطمير) أي لا يقدرون عليه ولا على خلقه. والقطمير القشرة الرقيقة البيضاء ~~التي بين التمرة والنواة، قاله أكثر المفسرين. وقال أبن عباس: هو شق ~~النواة، وهو اختيار المبرد، وقال قتادة. وعن قتادة أيضا: القطمير القمع ~~الذي على رأس النواة. الجوهري: ويقال: # هي النكتة البيضاء التي في ظهر النواة، تنبت منها النخلة. # قوله تعالى: إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم ~~القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير قوله تعالى: (إن تدعوهم لا ~~يسمعوا دعاءكم) أي إن تستغيثوا بهم في النوائب لا يسمعوا دعاءكم، لأنها ~~جمادات لا تبصر ولا تسمع. # إذ ليس كل سامع ناطقا. وقال قتادة: المعنى لو سمعوا لم ينفعوكم. وقيل: أي ~~لو جعلنا لهم عقولا وحياة ms5142 فسمعوا دعاءكم لكانوا أطوع لله منكم، ولما ~~استجابوا لكم على الكفر. # (ويوم القيامة يكفرون بشرككم) أي يجحدون أنكم عبدتموهم، ويتبرؤون منكم. ~~ثم يجوز أن يرجع هذا إلى المعبودين مما يعقل، كالملائكة والجن والأنبياء ~~والشياطين أي يجحدون أن يكون ما فعلتموه حقا، وأنهم أمروكم بعبادتهم، كما ~~أخبر عن عيسى بقوله: " ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق " [المائدة: 116] ~~ويجوز أن يندرج فيه الأصنام أيضا، أي يحييها الله حتى تخبر أنها ليست أهلا ~~للعبادة. # # هو الله عز وجل، أي لا أحد أخبر بخلق الله من الله، فلا ينبئك مثله في ~~عمله. # ينبئك مثله في عمله. # قوله تعالى: يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد ~~PageV14P336 # قوله تعالى: (يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله) أي المحتاجون إليه في ~~بقائكم وكل أحوالكم. الزمخشري: " فإن قلت لم عرف الفقراء؟ قلت: قصد بذلك أن ~~يريهم أنهم لشدة افتقارهم إليه هم جنس الفقراء، وإن كانت الخلائق كلهم ~~مفتقرين إليه من الناس وغيرهم لان الفقر مما يتبع الضعف، وكلما كان الفقير ~~أضعف كان أفقر، وقد شهد الله سبحانه على الانسان بالضعف في قوله: " وخلق ~~الانسان ضعيفا " (1) [النساء: 28]، وقال: " الله الذي خلقكم من ضعف " (2) ~~[الروم: 54] ولو نكر لكان المعنى: أنتم بعض الفقراء. فإن قلت: قد قوبل " ~~الفقراء " ب‍ " - الغنى " فما فائدة " الحميد "؟ قلت: لما أثبت فقرهم إليه ~~وغناه عنهم، وليس كل غنى نافعا بغناه إلا إذا كان الغني جوادا منعما، وإذا ~~جاد وأنعم حمده المنعم عليهم واستحق عليهم الحمد - ذكر " الحميد " ليدل به ~~على أنه الغني النافع بغناه خلقه، الجواد المنعم عليهم، المستحق بإنعامه ~~عليهم أن يحمدوه ". وتخفيف الهمزة الثانية أجود الوجوه عند الخليل، ويجوز ~~تخفيف الأولى وحدها وتخفيفهما وتحقيقهما جميعا. " والله هو الغني الحميد " ~~تكون " هو " زائدة، فلا يكون لها موضع من الاعراب، وتكون مبتدأة فيكون ~~موضعها رفعا. # قوله تعالى: إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد (16) وما ذلك على الله بعزيز ~~(17) قوله تعالى: (إن يشأ يذهبكم) فيه حذف، المعنى إن يشأ [أن] ms5143 (3) يذهبكم ~~يذهبكم، أي يفنيكم. (ويأت بخلق جديد) أي أطوع منكم وأزكى. (وما ذلك على ~~الله بعزيز) أي ممتنع عسير متعذر. وقد مضى هذا في (إبراهيم) (4). # قوله تعالى: ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه ~~شئ ولو كان ذا قربى إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة ومن ~~تزكى فإنما يتزكى لنفسه وإلى الله المصير (18) # PageV14P337 # تقدم الكلام فيه (1)، وهو مقطوع مما قبله. والأصل " توزر " حذفت الواو ~~اتباعا ليزر. " وازرة " نعت لمحذوف، أي نفس وازرة. وكذا (وإن تدع مثقلة إلى ~~حملها) قال الفراء: أي نفس مثقلة أو دابة. قال: وهذا يقع للمذكر والمؤنث. ~~قال الأخفش: # أي وإن تدع مثقلة إنسانا إلى حملها وهو ذنوبها. والحمل ما كان على الظهر، ~~والحمل حمل المرأة وحمل النخلة، حكاهما الكسائي بالفتح لا غير. وحكى ابن ~~السكيت أن حمل النخلة يفتح ويكسر. (لا يحمل منه شئ ولو كان ذا قربى) ~~التقدير على قول الأخفش: ولو كان الانسان المدعو ذا قربى. وأجاز الفراء ولو ~~كان ذو قربى. وهذا جائز عند سيبويه، ومثله " وإن كان ذو عسرة " (2) ~~[البقرة: 280] فتكون " كان " بمعنى وقع، أو يكون الخبر محذوفا، أي وإن كان ~~فيمن تطالبون ذو عسرة. وحكى سيبويه: الناس مجزيون بأعمالهم إن خير فخير، ~~على هذا. # وخيرا فخير، على الأول. وروى عن عكرمة أنه قال: بلغني أن اليهودي ~~والنصراني يرى الرجل المسلم يوم القيامة فيقول له: ألم أكن قد أسديت إليك ~~يدا، ألم أكن قد أحسنت إليك؟ فيقول بلى. فيقول: أنفعني، فلا يزال المسلم ~~يسأل الله تعالى حتى ينقص، من عذابه. # وأن الرجل ليأتي إلى أبيه يوم القيامة فيقول: ألم أكن بك بارا، وعليك ~~مشفقا، وإليك محسنا، وأنت ترى ما أنا فيه، فهب لي حسنة من حسناتك، أو احمل ~~عني سيئة، فيقول: # إن الذي سألتني يسير، ولكني أخاف مثل ما تخاف. وأن الأب ليقول لابنه مثل ~~ذلك فيرد عليه نحوا من هذا. وأن الرجل ليقول لزوجته: ألم أكن أحسن العشرة ~~لك، فاحملي عني خطيئة لعلي ms5144 أنجو، فتقول: إن ذلك ليسير ولكني أخاف مما تخاف ~~منه. ثم تلا عكرمة: # " وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شئ ولو كان ذا قربى ". وقال ~~الفضيل بن عياض: # هي المرأة تلقى ولدها فتقول: يا ولدي، ألم يكن بطني لك وعاء، ألم يكن ~~ثديي لك سقاء، ألم يكن حجري لك وطاء، يقول: بلى يا أماه، فتقول: يا بني، قد ~~أثقلتني ذنوبي فاحمل عني منها ذنبا واحدا، فيقول: إليك عني يا أماه، فإني ~~بذنبي عنك مشغول. # PageV14P338 # قوله تعالى: (إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب) أي إنما يقبل إنذارك من ~~يخشى عقاب الله تعالى، وهو كقوله تعالى: " إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي ~~الرحمن بالغيب " (1) [يس: 11]. # قوله تعالى: (ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه) أي من اهتدى فإنما يهتدي ~~لنفسه. # وقرئ: " ومن أزكى فإنما يزكى لنفسه ". (وإلى الله المصير) أي إليه مرجع ~~جميع الخلق. # قوله تعالى: وما يستوى الأعمى والبصير (19) ولا الظلمات ولا النور (20) ~~ولا الظل ولا الحرور (21) وما يستوى الاحياء ولا الأموات إن الله يسمع من ~~يشاء وما أنت بمسمع من في القبور (22) قوله تعالى: (وما يستوى الأعمى ~~والبصير) أي الكافر والمؤمن والجاهل والعالم. # مثل: " قل لا يستوي الخبيث والطيب " (2) [المائدة: 100]. (ولا الظلمات ~~ولا النور) قال الأخفش سعيد: " لا " زائدة، والمعنى ولا الظلمات والنور، ~~ولا الظل والحرور. قال الأخفش: # والحرور لا يكون إلا مع شمس النهار، والسموم يكون بالليل، وقيل بالعكس. ~~وقال رؤبة ابن العجاج: الحرور تكون بالنهار خاصة، والسموم يكون بالليل ~~خاصة، حكاه المهدوي. # وقال الفراء: السموم لا يكون إلا بالنهار، والحرور يكون فيهما. النحاس: ~~وهذا أصح، لان الحرور فعول من الحر، وفيه معنى التكثير، أي الحر المؤذي. # قلت: وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~(قالت النار رب أكل بعضي بعضا فأذن لي أتنفس فأذن لها بنفسين نفس في الشتاء ~~ونفس في الصيف فما وجدتم من برد أو زمهرير فمن نفس جهنم وما وجدتم من حر أو ~~حرور فمن نفس جهنم). وروي ms5145 من حديث الزهري عن سعيد عن أبي هريرة: (فما تجدون ~~من الحر فمن # PageV14P339 # سمومها وشدة ما تجدون من البرد فمن زمهريرها) وهذا يجمع تلك الأقوال، وأن ~~السموم والحرور يكون بالليل والنهار، فتأمله. وقيل: المراد بالظل والحرور ~~الجنة والنار، فالجنة ذات ظل دائم، كما قال تعالى: " أكلها دائم وظلها " ~~(1) [الرعد: 35] والنار ذات حرور، وقال معناه السدي. وقال ابن عباس: أي ظل ~~الليل، وحر السموم بالنهار. قطرب: الحرور الحر، والظل البرد. (وما يستوى ~~الاحياء ولا الأموات) قال ابن قتيبة: الاحياء العقلاء، والأموات الجهال. ~~قال قتادة: هذه كلها أمثال، أي كما لا تستوي هذه الأشياء كذلك لا يستوي ~~الكافر والمؤمن. (إن الله يسمع من يشاء) أي يسمع أولياءه الذين خلقهم ~~لجنته. (وما أنت بمسمع من في القبور) أي الكفار الذين أمات الكفر قلوبهم، ~~أي كما لا تسمع من مات، كذلك لا تسمع من مات قلبه. وقرأ الحسن وعيسى الثقفي ~~وعمرو ابن ميمون: " بمسمع من في القبور " بحذف التنوين تخفيفا، أي هم ~~بمنزلة [أهل] القبور في أنهم لا ينتفعون بما يسمعونه ولا يقبلونه. # قوله تعالى: إن أنت إلا نذير (23) أي رسول منذر، فليس عليك إلا التبليغ، ~~ليس لك من الهدي شئ إنما الهدى بيد الله تبارك وتعالى. # قوله تعالى: إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا وإن من أمة إلا خلا فيها ~~نذير (24) قوله تعالى: (إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا) أي بشيرا بالجنة ~~أهل طاعته، ونذيرا بالنار أهل معصيته. (وإن من أمة إلا خلا فيها نذير) أي ~~سلف فيها نبي. قال ابن جريج: # إلا العرب. # PageV14P340 # قوله تعالى: وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم بالبينات ~~وبالزبر وبالكتاب المنير (25) ثم أخذت الذين كفروا فكيف كان نكير (26) قوله ~~تعالى: (وإن كذبوك) يعني كفار قريش. (فقد كذب الذين من قبلهم) أنبياءهم، ~~يسلي رسوله صلى الله عليه وسلم. (جاءتهم رسلهم بالبينات) أي بالمعجزات ~~الظاهرات والشرائع الواضحات. (وبالزبر) أي الكتب المكتوبة. (وبالكتاب ~~المنير) أي الواضح. وكرر الزبر والكتاب وهما واحد لاختلاف اللفظين. وقيل: ~~يرجع البينات والزبر والكتاب إلى معنى ms5146 واحد، وهو ما أنزل على الأنبياء من ~~الكتب. (ثم أخذت الذين كفروا فكيف كان نكير) أي كيف كانت عقوبتي لهم. وأثبت ~~ورش عن نافع وشيبة الياء في " نكيري " حيث وقعت في الوصل دون الوقف. ~~وأثبتها يعقوب في الحالين، وحذفها الباقون في الحالين. وقد مضى هذا كله، ~~والحمد لله. # قوله تعالى: ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ~~ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود (27) ومن الناس ~~والدواب والانعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء إن ~~الله عزيز غفور (28) قوله تعالى: (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء) هذه ~~الرؤية رؤية القلب والعلم، أي ألم ينته علمك ورأيت بقلبك أن الله أنزل، ف‍ ~~" - أن " واسمها وخبرها سدت مسد مفعولي الرؤية. " فأخرجنا به ثمرات " هو من ~~باب تلوين الخطاب. " مختلفا ألوانها " نصبت " مختلفا " نعتا ل‍ " - ثمرات ~~". " ألوانها " رفع بمختلف، وصلح أن يكون نعتا ل‍ " - ثمرات " لما عاد عليه ~~من ذكره. ويجوز في غير القرآن رفعه، ومثله رأيت رجلا خارجا أبوه. ~~PageV14P341 # " به " أي بالماء وهو واحد، والثمرات مختلفة. (ومن الجبال جدد بيض وحمر ~~مختلف ألوانها) الجدد جمع جدة، وهي الطرائق المختلفة الألوان، وإن كان ~~الجميع حجرا أو ترابا. # قال الأخفش: ولو كان جمع جديد لقال: جدد (بقسم الجيم والدال) نحو سرير ~~وسرر. # وقال زهير: # كأنه أسفع الخدين ذو جدد * طاو ويرتع بعد الصيف عريانا وقيل: إن الجدد ~~القطع، مأخوذ من جددت الشئ إذا قطعته، حكاه ابن بحر. # قال الجوهري: والجدة الخطة التي في ظهر الحمار تخالف لونه. والجدة ~~الطريقة، والجمع جدد، قال تعالى: " ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها ~~" أي طرائق تخالف لون الجبل. ومنه قولهم: ركب فلان جدة من الامر، إذا رأى ~~فيه رأيا. وكساء مجدد: فيه خطوط مختلفة. الزمخشري: وقرأ الزهري " جدد " ~~بالضم جمع جديدة، وهي الجدة، يقال: جديدة وجدد وجدائد كسفينة وسفن وسفائن. ~~وقد فسر بها قول أبي ذؤيب: # * جون السراة له جدائد أربع (1) وروي عنه " جدد ms5147 " بفتحتين، وهو الطريق ~~الواضح المسفر، وضعه موضع الطرائق والخطوط الواضحة المنفصل بعضها من بعض. ~~(ومن الناس والدواب) وقرئ: (والدواب) مخففا. ونظير هذا التخفيف قراءة من ~~قرأ: (ولا الضالين) لان كل واحد منهما فر من التقاء الساكنين فحرك ذلك ~~أولهما وحذف هذا آخرهما قاله الزمخشري. (والانعام مختلف ألوانه) أي فيهم ~~الأحمر والأبيض والأسود وغير ذلك وكل ذلك دليل على صانع مختار. # وقال: (مختلف ألوانه) فذكر الضمير مراعاة ل‍ (- من) قاله المؤرج. وقال ~~أبو بكر بن عياش: # إنما ذكر الكناية لأجل أنها مردودة إلى (ما) مضمرة مجازه: ومن الناس ومن ~~الدواب ومن الانعام ما هو مختلف ألوانه أي أبيض وأحمر وأسود. (وغرابيب سود) ~~قال أبو عبيدة: الغربيب الشديد السواد، ففي الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: ~~ومن الجبال # PageV14P342 # سود غرابيب. والعرب تقول للشديد السواد الذي لونه كلون الغراب: أسود ~~غربيب. # قال الجوهري: وتقول هذا أسود غربيب، أي شديد السواد. وإذا قلت: غرابيب ~~سود، تجعل السود بدلا من غرابيب لان توكيد الألوان لا يتقدم. وفي الحديث عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله يبغض الشيخ الغربيب) يعني الذي يخضب ~~بالسواد. قال امرؤ القيس: # العين طامحة واليد سابحة * والرجل لافحة والوجه غربيب (1) وقال آخر يصف ~~كرما: # ومن تعاجيب خلق الله غاطية * يعصر منها ملاحي وغربيب (2) (كذلك) هنا تمام ~~الكلام، أي كذلك تختلف أحوال العباد في الخشية، ثم استأنف فقال: # (إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور) يعني بالعلماء ~~الذين يخافون قدرته، فمن علم أنه عز وجل قدير أيقن بمعاقبته على المعصية، ~~كما روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس " إنما يخشى الله من عباده العلماء " ~~قال: الذين علموا أن الله على كل شئ قدير. وقال الربيع بن أنس: من لم يخش ~~الله تعالى فليس بعالم. وقال مجاهد: إنما العالم من خشى الله عز وجل. وعن ~~ابن مسعود: كفى بخشية الله تعالى علما وبالاغترار جهلا. وقيل لسعد ابن ~~إبراهيم: من أفقه أهل المدينة؟ قال أتقاهم لربه عز وجل. وعن مجاهد قال: ~~إنما ms5148 الفقيه من يخاف الله عز وجل. وعن علي رضي الله عنه قال: إن الفقيه حق ~~الفقيه من لم يقنط # PageV14P343 # الناس من رحمة الله، ولم يرخص لهم في معاصي الله تعالى، ولم يؤمنهم من ~~عذاب الله، ولم يدع القرآن رغبة عنه إلى غيره، إنه لا خير في عبادة لا علم ~~فيها، ولا علم لا فقه فيه، ولا قراءة لا تدبر فيها. وأسند الدارمي أبو محمد ~~عن مكحول قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن فضل العالم على ~~العابد كفضلي على أدناكم ثم تلا هذه الآية - إنما يخشى الله من عباده ~~العلماء. إن الله وملائكته وأهل سماواته وأهل أرضيه والنون في البحر يصلون ~~على الذين يعلمون الناس الخير " الخبر مرسل. قال الدارمي: وحدثني أبو ~~النعمان حدثنا حماد ابن زيد عن يزيد بن حازم قال حدثني عمي جرير بن زيد (1) ~~أنه سمع تبيعا يحدث عن كعب قال: # إني لأجد نعت قوم يتعلمون لغير العمل، ويتفقهون لغير العبادة، ويطلبون ~~الدنيا بعمل الآخرة، ويلبسون جلود الضأن، قلوبهم أمر من الصبر، فبي يغترون، ~~وإياي يخادعون، فبي حلفت لأتيحن لهم فتنة تذر الحليم فيهم حيران. خرجه ~~الترمذي مرفوعا من حديث أبي الدرداء وقد كتبناه في مقدمة الكتاب (2). ~~الزمخشري: فإن قلت: فما وجه قراءة من قرأ " إنما يخشى الله " بالرفع " من ~~عباده العلماء " بالنصب، وهو عمر بن عبد العزيز. وتحكى عن أبي حنيفة. قلت: ~~الخشية في هذه القراءة استعارة، والمعنى: إنما يجلهم ويعظمهم كما يجل ~~المهيب المخشي من الرجال بين الناس من بين جميع عباده. (إن الله عزيز غفور) ~~تعليل لوجوب الخشية، لدلالته على عقوبة العصاة وقهرهم، وإثابة أهل الطاعة ~~والعفو عنهم. والمعاقب والمثيب حقه أن يخشى. # قوله تعالى: إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما ~~رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور (29) ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من ~~فضله إنه غفور شكور (30) # PageV14P344 # قوله تعالى: (إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما ~~رزقناهم سرا وعلانية) هذه آية القراء العاملين العالمين الذين يقيمون ~~الصلاة الفرض ms5149 والنفل، وكذا في الانفاق. وقد مضى في مقدمة الكتاب ما ينبغي ~~أن يتخلق به قارئ القرآن (1). " يرجون تجارة لن تبور " قال أحمد بن يحيى: ~~خبر " إن " " يرجون ". (ويزيدهم من فضله) قيل: # الزيادة الشفاعة في الآخرة. وهذا مثل الآية الأخرى: " رجال لا تلهيهم ~~تجارة ولا بيع عن ذكر الله " إلى قوله " ويزيدهم من فضله " (2) [النور: 37 ~~- 38]، وقوله في آخر النساء: " فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم ~~أجورهم ويزيدهم من فضله " [النساء: 173] وهناك (3) بيناه. (إنه غفور) ~~للذنوب. (شكور) يقبل القليل من العمل الخالص، ويثيب عليه الجزيل من الثواب. # قوله تعالى: والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقا لما بين يديه إن ~~الله بعباده لخبير بصير (31) قوله تعالى: (والذي أوحينا إليك من الكتاب) ~~يعني القرآن. (هو الحق مصدقا لما بين يديه) أي من الكتب. (إن الله بعباده ~~لخبير بصير). # قوله تعالى: ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ~~ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير (32) جنات ~~عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير (33) ~~وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور (34) الذي أحلنا ~~دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب (35) # PageV14P345 # فيه أربع مسائل: # الأولى - هذه الآية مشكلة، لأنه قال جل وعز: " اصطفينا من عبادنا " ثم ~~قال: # " فمنهم ظالم لنفسه " وقد تكلم العلماء فيها من الصحابة والتابعين ومن ~~بعدهم. قال النحاس: # فمن أصح ما روى في ذلك ما روي عن ابن عباس " فمنهم ظالم لنفسه " قال: ~~الكافر، رواه ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس أيضا. وعن ~~ابن عباس أيضا " فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات " قال: ~~نجت فرقتان، ويكون التقدير في العربية: # فمنهم من عبادنا ظالم لنفسه، أي كافر. وقال الحسن: أي فاسق. ويكون الضمير ~~الذي في " يدخلونها " يعود على المقتصد والسابق لا على الظالم. وعن عكرمة ~~وقتادة والضحاك والفراء أن المقتصد المؤمن العاصي، والسابق التقي ms5150 على ~~الاطلاق. قالوا: وهذه الآية نظير قوله تعالى في سورة الواقعة " وكنتم ~~أزواجا (1) ثلاثة " [الواقعة: 7] الآية. قالوا وبعيد أن يكون ممن يصطفي ~~ظالم. ورواه مجاهد عن ابن عباس. قال مجاهد: " فمنهم ظالم لنفسه " أصحاب ~~المشأمة، " ومنهم مقتصد " أصحاب الميمنة، " ومنهم سابق بالخيرات " السابقون ~~من الناس كلهم. وقيل: الضمير في " يدخلونها " يعود على الثلاثة الأصناف، ~~على ألا يكون الظالم ها هنا كافرا ولا فاسقا. وممن روي عنه هذا القول عمر ~~وعثمان وأبو الدرداء، وابن مسعود وعقبة بن عمرو وعائشة، والتقدير على هذا ~~القول: أن يكون الظالم لنفسه الذي عمل الصغائر. # و " المقتصد " قال محمد بن يزيد: هو الذي يعطي الدنيا حقها والآخرة حقها، ~~فيكون " جنات عدن يدخلونها " عائدا على الجميع على هذا الشرح والتبيين، ~~وروي عن أبي سعيد الخدري. # وقال كعب الأحبار: استوت مناكبهم - ورب الكعبة - وتفاضلوا بأعمالهم. وقال ~~أبو إسحاق السبيعي: أما الذي سمعت منذ ستين سنة فكلهم ناج. وروى أسامة بن ~~زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية وقال: (كلهم في الجنة). ~~وقرأ عمر بن الخطاب هذه الآية ثم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~(سابقنا سابق ومقتصدنا ناج وظالمنا مغفور له). فعلى هذا القول يقدر مفعول ~~الاصطفاء من قوله: " أورثنا الكتاب الذين PageV14P346 # اصطفينا من عبادنا " مضافا حذف كما حذف المضاف في " واسأل القرية " (1) ~~[يوسف: 82] أي اصطفينا دينهم فبقى اصطفيناهم، فحذف العائد إلى الموصول كما ~~حذف في قوله: " ولا أقول للذين تزدري أعينكم " (1) [هود: 31] أي تزدريهم، ~~فالاصطفاء إذا موجه إلى دينهم، كما قال تعالى: " إن الله اصطفى لكم (2) ~~الدين " [البقرة: 132]. قال النحاس: وقول ثالث - يكون الظالم صاحب الكبائر، ~~والمقتصد الذي لم يستحق الجنة بزيادة حسناته على سيئاته، فيكون: " جنات عدن ~~يدخلونها " للذين سبقوا بالخيرات لا غير. وهذا قول جماعة من أهل النظر، لان ~~الضمير في حقيقة النظر لما يليه أولى. # قلت: القول الوسط أولاها وأصحها إن شاء الله، لان الكافر والمنافق لم ~~يصطفوا بحمد الله، ولا اصطفى دينهم. وهذا قول ستة من الصحابة، وحسبك. ms5151 ~~وسنزيده بيانا وإيضاحا في باقي الآية. # الثانية - قوله تعالى: (أورثنا الكتاب) أي أعطينا. والميراث عطاء حقيقة ~~أو مجازا، فإنه يقال فيما صار للانسان بعد موت آخر. و " الكتاب " ها هنا ~~يريد به معاني الكتاب وعلمه وأحكامه وعقائده، وكأن الله تعالى لما أعطى أمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم القرآن، وهو قد تضمن معاني الكتب المنزلة، فكأنه ~~ورث أمة محمد عليه السلام الكتاب الذي كان في الأمم قبلنا. (اصطفينا) أي ~~اخترنا. واشتقاقه من الصفو، وهو الخلوص من شوائب الكدر. وأصله اصتفونا، ~~فأبدلت التاء طاء والواو ياء. (من عبادنا) قيل المراد أمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم، قاله أبن عباس وغيره. وكان اللفظ يحتمل جميع المؤمنين من كل ~~أمة، إلا أن عبارة توريث الكتاب لم تكن إلا لامة محمد صلى الله عليه وسلم، ~~والأول لم يرثوه. وقيل: # المصطفون الأنبياء، توارثوا الكتاب بمعنى أنه انتقل عن بعضهم إلى آخر، ~~قال الله تعالى: # " وورث سليمان داود " (3) [النمل: 16]، وقال: " يرثني ويرث من آل يعقوب " ~~(4) [مريم: 6] فإذا جاز أن تكون النبوة موروثة فكذلك الكتاب. " فمنهم ظالم ~~لنفسه " من وقع في صغيرة. قال أبن عطية: وهذا # PageV14P347 # قول مردود من غير ما وجه. قال الضحاك: معنى " فمنهم ظالم لنفسه " أي من ~~ذريتهم ظالم لنفسه وهو المشرك. الحسن: من أممهم، على ما تقدم ذكره من ~~الخلاف في الظالم. والآية في أمة محمد صلى الله عليه وسلم. وقد اختلفت ~~عبارات أرباب القلوب في الظالم والمقتصد والسابق، فقال سهل بن عبد الله: ~~السابق العالم، والمقتصد المتعلم، والظالم الجاهل. وقال ذو النون المصري: ~~الظالم الذاكر الله بلسانه فقط، والمقتصد الذاكر بقلبه، والسابق الذي لا ~~ينساه. وقال الأنطاكي: الظالم صاحب الأقوال، والمقتصد صاحب الافعال، ~~والسابق صاحب الأحوال. وقال أبن عطاء: الظالم الذي يحب الله من أجل الدنيا، ~~والمقتصد الذي يحبه من أجل العقبى، والسابق الذي أسقط مراده بمراد الحق. ~~وقيل: الظالم الذي يعبد الله خوفا من النار، والمقتصد الذي يعبد الله طمعا ~~في الجنة، والسابق الذي يعبد الله لوجهه لا لسبب. وقيل: الظالم ms5152 الزاهد في ~~الدنيا، لأنه ظلم نفسه فترك لها حظا وهي المعرفة والمحبة، والمقتصد العارف، ~~والسابق المحب. وقيل: الظالم الذي يجزع عند البلاء، والمقتصد الصابر على ~~البلاء، والسابق المتلذذ بالبلاء. وقيل: الظالم الذي يعبد الله على الغفلة ~~والعادة، والمقتصد الذي يعبده على الرغبة والرهبة، والسابق الذي يعبده على ~~الهيبة. وقيل: الظالم الذي أعطي فمنع، والمقتصد الذي أعطي فبذل، والسابق ~~الذي يمنع فشكر وآثر. يروى أن عابدين التقيا فقال: كيف حال إخوانكم ~~بالبصرة؟ قال: بخير، إن أعطوا شكروا وإن منعوا صبروا. # فقال (1): هذه حالة الكلاب عندنا ببلخ! عبادنا إن منعوا شكروا وإن أعطوا ~~آثروا. وقيل: # الظالم من استغنى بماله، والمقتصد من استغنى بدينه، والسابق من استغنى ~~بربه. وقيل: # الظالم التالي للقرآن ولا يعمل به، والمقتصد التالي للقرآن ويعمل به، ~~والسابق القارئ للقرآن العامل به والعالم به. وقيل: السابق الذي يدخل ~~المسجد قبل تأذين المؤذن، والمقتصد الذي يدخل المسجد وقد أذن، والظالم الذي ~~يدخل المسجد وقد أقيمت الصلاة، لأنه ظلم نفسه الاجر فلم يحصل لها ما حصله ~~غيره. وقال بعض أهل العلم في هذا: بل السابق الذي يدرك الوقت والجماعة ~~فيدرك الفضيلتين، والمقتصد الذي إن فاتته الجماعة لم يفرط PageV14P348 # في الوقت، والظالم الغافل عن الصلاة حتى يفوت الوقت والجماعة، فهو أولى ~~بالظلم. وقيل: # الظالم الذي يحب نفسه، والمقتصد الذي يحب دينه، والسابق الذي يحب ربه. ~~وقيل: # الظالم الذي ينتصف ولا ينصف، والمقتصد الذي ينتصف وينصف، والسابق الذي ~~ينصف ولا ينتصف. وقالت عائشة رضي الله عنها: السابق الذي أسلم قبل الهجرة، ~~والمقتصد من أسلم بعد الهجرة، والظالم من لم يسلم إلا بالسيف، وهم كلهم ~~مغفور لهم. # قلت: ذكر هذه الأقوال وزيادة عليها الثعلبي في تفسيره. وبالجملة فهم ~~طرفان وواسطة، وهو المقتصد الملازم للقصد وهو ترك الميل، ومنه قول جابر بن ~~حني الثعلبي: # نعاطي الملوك السلم ما قصدوا لنا * وليس علينا قتلهم بمحرم أي نعاطيهم ~~الصلح ما ركبوا بنا القصد، أي ما لم يجوروا، وليس قتلهم بمحرم علينا إن ~~جاروا، فلذلك كان المقتصد منزلة بين ms5153 المنزلتين، فهو فوق الظالم لنفسه ودون ~~السابق بالخيرات. # (ذلك هو الفضل الكبير) يعنى إتياننا الكتاب لهم. وقيل: ذلك الاصطفاء مع ~~علمنا بعيوبهم هو الفضل الكبير. وقيل: وعد الجنة لهؤلاء الثلاثة فضل كبير. # الثالثة - وتكلم الناس في تقديم الظالم على المقتصد والسابق فقيل: ~~التقديم في الذكر لا يقتضي تشريفا، كقوله تعالى: " لا يستوي أصحاب (1) ~~النار وأصحاب الجنة " [الحشر: 20]. # وقيل: قدم الظالم لكثرة الفاسقين منهم وغلبتهم وأن المقتصدين قليل ~~بالإضافة إليهم، والسابقين أقل من القليل، ذكره الزمخشري ولم يذكره غيره ~~وقيل: قدم الظالم لتأكيد الرجاء في حقه، إذ ليس له شئ يتكل عليه إلا رحمة ~~ربه. واتكل المقتصد على حسن ظنه، والسابق على طاعته. وقيل: قدم الظالم لئلا ~~ييئس من رحمة الله، وأخر السابق لئلا يعجب بعمله. وقال جعفر بن محمد بن علي ~~الصادق رضي الله عنه: قدم الظالم ليخبر أنه لا يتقرب إليه إلا بصرف رحمته ~~وكرمه، وأن الظلم لا يؤثر في الاصطفائية إذا كانت ثم عناية، ثم ثنى ~~بالمقتصدين لأنهم بين الخوف والرجاء، ثم ختم بالسابقين لئلا يأمن أحد مكر ~~الله، وكلهم في الجنة # PageV14P349 # بحرمة كلمة الاخلاص: " لا إله إلا الله محمد رسول الله ". وقال محمد بن ~~علي الترمذي: # جمعهم في الاصطفاء إزالة للعلل عن العطاء، لان الاصطفاء يوجب الإرث، لا ~~الإرث يوجب الاصطفاء، ولذلك قيل في الحكمة: صحح النسبة ثم ادع في الميراث. ~~وقيل: أخر السابق ليكون أقرب إلى الجنات والثواب، كما قدم الصوامع والبيع ~~في " سورة الحج " (1) على المساجد، لتكون الصوامع أقرب إلى الهدم والخراب، ~~وتكون المساجد أقرب إلى ذكر الله. وقيل: # إن الملوك إذا أرادوا الجمع بين الأشياء بالذكر قدموا الأدنى، كقوله ~~تعالى: " لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم " (2) [الأعراف: 167]، وقوله: " يهب ~~لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور " (3) [الشورى: 49]، وقوله: # " لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة " [الحشر: 20] قلت: ولقد أحسن من ~~قال: # وغاية هذا الجود أنت وإنما * يوافي إلى الغايات في آخر الامر الرابعة - ~~قوله: (جنات عدن يدخلونها) جمعهم في الدخول لأنه ميراث، والعاق والبار في ~~الميراث ms5154 سواء إذا كانوا معترفين بالنسب، فالعاصي والمطيع مقرون بالرب. # وقرئ: " جنة عدن " على الافراد، كأنها جنة مختصة بالسابقين لقلتهم، على ~~ما تقدم. و " جنات عدن " بالنصب على إضمار فعل يفسره الظاهر، أي يدخلون ~~جنات عدن يدخلونها. وهذا للجميع، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى. وقرأ أبو ~~عمرو (يدخلونها) بضم الياء وفتح الخاء. # قال: لقوله (يحلون). وقد مضى في (الحج) الكلام في قوله تعالى: (يحلون ~~فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير) (4). # " وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن " قال أبو ثابت: دخل رجل المسجد ~~فقال اللهم ارحم غربتي وآنس وحدتي يسر لي جليسا صالحا. فقال أبو الدرداء: ~~لئن كنت صادقا فلانا أسعد بذلك منك، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " ~~ثم أورثنا الكتاب # PageV14P350 # الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق ~~بالخيرات " - قال - فيجئ هذا السابق فيدخل الجنة بغير حساب، وأما المقتصد ~~فيحاسب حسابا يسيرا، وأما الظالم لنفسه فيحبس في المقام ويوبخ ويقرع ثم ~~يدخل الجنة فهم الذين قالوا: " الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا ~~لغفور شكور " وفي لفظ آخر " وأما الذين ظلموا أنفسهم فأولئك يحبسون في طول ~~المحشر ثم هم الذين يتلقاهم (1) الله برحمته فهم الذين يقولون " الحمد لله ~~الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور - إلى قوله - ولا يمسنا فيها لغوب ~~". وقيل: # هو الذي يؤخذ منه في مقامه، يعني يكفر عنه بما يصيبه من الهم والحزن، ~~ومنه قوله تعالى: # " من يعمل سوءا يجز به " (2) [النساء: 123] يعني في الدنيا. قال الثعلبي: ~~وهذا التأويل أشبه بالظاهر، لأنه قال: " جنات عدن يدخلونها "، ولقوله: " ~~الذين اصطفينا من عبادنا " والكافر والمنافق لم يصطفوا. # قلت: وهذا هو الصحيح، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (ومثل المنافق الذي ~~يقرأ القرآن مثل الريحانة، ريحها وطيب وطعمها مر). فأخبر أن المنافق يقرؤه، ~~وأخبر الحق سبحانه وتعالى أن المنافق في الدرك الأسفل من النار، وكثير من ~~الكفار واليهود والنصارى يقرءونه في زماننا هذا. وقال مالك: قد يقرأ القرآن ~~من ms5155 لا خير فيه. والنصب: التعب. # واللغوب: الاعياء. # قوله تعالى: والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف ~~عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور (36) وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل ~~صالحا غير الذي كنا نعمل أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير ~~فذوقوا فما للظالمين من نصير (37) # PageV14P351 # قوله تعالى: (والذين كفروا لهم نار جهنم) لما ذكر أهل الجنة وأحوالهم ~~ومقالتهم، ذكر أهل النار وأحوالهم ومقالتهم. (لا يقضى عليهم فيموتوا) مثل: ~~" لا يموت فيها ولا يحيا " (1) [الاعلى: 13]. (ولا يخفف عنهم من عذابها) ~~مثل: (كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب " (2) [النساء: ~~56]. (كذلك نجزى كل كفور) أي كافر بالله ورسوله. وقرأ الحسن (فيموتون) ~~بالنون ولا يكون للنفي حينئذ جواب ويكون (فيموتون) عطفا على (يقضى) تقديره ~~لا يقضى عليهم ولا يموتون كقوله تعالى: (ولا يؤذن لهم فيعتذرون) (3). # قال الكسائي: (ولا يؤذن لهم فيعتذرون) بالنون في المصحف لأنه رأس آية و ~~(لا يقضى عليهم فيموتوا) لأنه ليس رأس آية. ويجوز في كل واحد منهما ما جاز ~~في صاحبه. (وهم يصطرخون فيها) أي يستغيثون في النار بالصوت العالي. والصراخ ~~الصوت العالي، والصارخ المستغيث والمصرخ المغيث. قال: # كنا إذا ما أتانا صارخ فزع * كان الصراخ له قرع الظنابيب (4) (ربنا ~~أخرجنا) أي يقولون ربنا أخرجنا من جهنم وردنا إلى الدنيا. (نعمل صالحا) قال ~~ابن عباس: نقل: لا إله إلا الله. وهو معنى قولهم: (غير الذي كنا نعمل) أي ~~من الشرك، أي نؤمن بدل الكفر، ونطيع بدل المعصية، ونمتثل أمر الرسل. (أو لم ~~نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر) هذا جواب دعائهم، أي فيقال لهم، فالقول مضمر. ~~وترجم البخاري: (باب من بلغ ستين سنة فقد أعذر الله إليه في العمر لقوله عز ~~وجل " أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير " يعني الشيب) حدثنا ~~عبد السلام بن مطهر قال حدثنا عمر بن علي قال حدثنا معن بن محمد الغفاري عن ~~سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي ms5156 صلى الله عليه وسلم قال: ~~(أعذر الله إلى امرئ أخر أجله حتى بلغه ستين سنة). قال الخطابي: " أعذر ~~إليه " أي بلغ به أقصى العذر، ومنه قولهم: قد # PageV14P352 # أعذر من أنذر، أي أقام عذر نفسه في تقديم نذارته. والمعنى: أن من عمره ~~الله ستين سنة لم يبق له عذر، لان الستين قريب من معترك المنايا، وهو سن ~~الإنابة والخشوع وترقب المنية ولقاء الله تعالى، ففيه إعذار بعد إعذار، ~~الأول بالنبي صلى الله عليه وسلم، والموتان (1) في الأربعين والستين. قال ~~علي وأبن عباس وأبو هريرة في تأويل قوله تعالى " أو لم نعمركم ما يتذكر فيه ~~من تذكر ": إنه ستون سنة. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في ~~موعظته: (ولقد أبلغ في الاعذار من تقدم في الانذار وإنه لينادي مناد من قبل ~~الله تعالى أبناء الستين " أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم ~~النذير "). وذكر الترمذي الحكيم من حديث عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا كان يوم القيامة نودي أبناء الستين ~~وهو العمر الذي قال الله " أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر "). وعن ابن ~~عباس أيضا أنه أربعون سنة. وعن الحسن البصري ومسروق مثله. ولهذا القول أيضا ~~وجه، وهو صحيح، والحجة له قوله تعالى: " حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة ~~" (2) [الأحقاف 15] الآية. ففي الأربعين تناهي العقل، وما قبل ذلك وما بعده ~~منتقص عنه (3)، والله أعلم. وقال مالك: أدركت أهل العلم ببلدنا وهم يطلبون ~~الدنيا والعلم ويخالطون الناس، حتى يأتي لأحدهم أربعون سنة، فإذا أتت عليهم ~~اعتزلوا الناس واشتغلوا بالقيامة حتى يأتيهم الموت. وقد مضى هذا المعنى في ~~سورة " الأعراف " (4). وخرج ابن ماجة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: (أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين وأقلهم من تجاوز ~~ذلك). # قوله تعالى: (وجاءكم النذير) وقرئ " وجاءتكم النذر " واختلف فيه، فقيل ~~القرآن. # وقيل الرسول، قاله زيد بن علي وابن زيد. وقال ms5157 ابن عباس وعكرمة وسفيان ~~ووكيع والحسين ابن الفضل والفراء والطبري: هو الشيب. وقيل: النذير الحمى. ~~وقيل: موت الأهل والأقارب. وقيل: كمال العقل. والنذير بمعنى الانذار. # PageV14P353 # قلت: فالشيب والحمى وموت الأهل كله إنذار بالموت، قال صلى الله عليه ~~وسلم: # (الحمى رائد الموت). قال الأزهري: معناه أن الحمى رسول الموت، أي كأنها ~~تشعر بقدومه وتنذر بمجيئه. والشيب نذير أيضا، لأنه يأتي في سن الاكتهال، ~~وهو علامة لمفارقة سن الصبا الذي هو سن اللهو واللعب. قال: # رأيت الشيب من نذر المنايا * لصاحبه وحسبك من نذير وقال آخر: # فقلت لها المشيب نذير عمري * ولست مسودا وجه النذير وأما موت الأهل ~~والأقارب والأصحاب والاخوان فإنذار بالرحيل في كل وقت وأوان، وحين وزمان. ~~قال: # وأراك تحملهم ولست تردهم * فكأنني بك قد حملت فلم ترد وقال آخر: # الموت في كل حين ينشر الكفنا * ونحن في غفلة عما يراد بنا وأما كمال ~~العقل فبه تعرف حقائق الأمور ويفصل بين الحسنات والسيئات، فالعاقل يعمل ~~لآخرته ويرغب فيما عند ربه، فهو نذير. وأما محمد صلى الله عليه وسلم فبعثه ~~الله بشيرا ونذيرا إلى عباده قطعا لحججهم، قال الله تعالى: " لئلا يكون ~~للناس على الله حجة بعد الرسل " (1) [النساء: 165] وقال: " وما كنا معذبين ~~حتى نبعث رسولا " (2) [الاسراء: 15]. # قوله تعالى: (فذوقوا) يريد عذاب جهنم، لأنكم ما اعتبرتم ولا اتعظتم. (فما ~~للظالمين من نصير) أي مانع من عذاب الله. # قوله تعالى: إن الله علام غيب السماوات والأرض إنه عليم بذات الصدور (38) # PageV14P354 # تقدم معناه في غير موضع. والمعنى: علم أنه لو ردكم إلى الدنيا لم تعملوا ~~صالحا، كما قال: # " ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه " (1) [الانعام: 28]. و " عالم " إذا كان ~~بغير تنوين صلح أن يكون للماضي والمستقبل، وإذا كان منونا لم يجز أن يكون ~~للماضي. # قوله تعالى: هو الذي جعلكم خلائف في الأرض فمن كفر فعليه كفره ولا يزيد ~~الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا (39) ~~قوله تعالى: (هو الذي جعلكم خلائف في الأرض) قال قتادة: خلفا بعد خلف، ms5158 قرنا ~~بعد قرن. والخلف هو التالي للمتقدم، ولذلك قيل لأبي بكر: يا خليفة الله، ~~فقال: لست بخليفة الله، ولكني خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا ~~راض بذلك. (فمن كفر فعليه كفره) أي جزاء كفره وهو العقاب والعذاب. (ولا ~~يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا) أي بغضا وغضبا. (ولا يزيد الكافرين ~~كفرهم إلا خسارا) أي هلاكا وضلالا. # قوله تعالى: قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا ~~من الأرض أم لهم شرك في السماوات أم آتيناهم كتابا فهم على بينت منه بل إن ~~يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا (40) قوله تعالى: " قل أرأيتم شركاءكم ~~الذين تدعون " " شركاءكم " منصوب بالرؤية، ولا يجوز رفعه، وقد يجوز الرفع ~~عند سيبويه في قولهم: قد علمت زيدا أبو من هو؟ لان زيدا في المعنى مستفهم ~~عنه. ولو قلت: أرأيت زيدا أبو من هو؟ لم يجز الرفع. والفرق بينهما أن معنى ~~هذا أخبرني عنه، وكذا معنى هذا أخبروني عن شركائكم الذي تدعون من # PageV14P355 # دون الله، أعبدتموهم لان لهم شركة في خلق السماوات، أم خلقوا من الأرض ~~شيئا! # (أم آتيناهم كتابا) أي أم عندهم كتاب أنزلناه إليهم بالشركة. وكان في هذا ~~رد على من عبد غير الله عز وجل، لأنهم لا يجدون في كتاب من الكتب أن الله ~~عز وجل أمر أن يعبد غيره. # (فهم على بينة منه) قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وحفص عن عاصم " على ~~بينة " بالتوحيد، وجمع الباقون. والمعنيان متقاربان إلا أن قراءة الجمع ~~أولى، لأنه لا يخلو من قرأه " على بينة " من أن يكون خالف السواد الأعظم، ~~أو يكون جاء به على لغة من قال: # جاءني طلحت، فوقف بالتاء، وهذه لغة شاذة قليلة، قاله النحاس. وقال أبو ~~حاتم وأبو عبيد: الجمع أولى لموافقته الخط، لأنها في مصحف عثمان " بينات " ~~بالألف والتاء. # (بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا) أي أباطيل تغر، وهو قول ~~السادة للسفلة: # إن هذه الآلهة تنفعكم وتقربكم. وقيل: إن الشيطان يعد المشركين ذلك. ms5159 وقيل: ~~وعدهم بأنهم ينصرون عليهم. # قوله تعالى: إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن ~~أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا (41) قوله تعالى: (إن الله ~~يمسك السماوات والأرض أن تزولا) لما بين أن آلهتهم لا تقدر على خلق شئ من ~~السماوات والأرض بين أن خالقهما وممسكهما هو الله، فلا يوجد حادث إلا ~~بإيجاده، ولا يبقى إلا ببقائه. و " أن " في موضع نصب بمعنى كراهة أن تزولا، ~~أو لئلا تزولا، أو يحمل على المعنى، لان المعنى أن الله يمنع السماوات ~~والأرض أن تزولا، فلا حاجة على هذا إلى إضمار، وهذا قول الزجاج. (ولئن ~~زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده) قال الفراء: أي ولو زالتا ما أمسكهما من ~~أحد. و " إن " بمعنى ما. قال: وهو مثل قوله: " ولئن أرسلنا ريحا فرأوه ~~مصفرا لظلوا من بعده يكفرون " (1) [الروم: 51]. وقيل: المراد زوالهما # PageV14P356 # يوم القيامة. وعن إبراهيم قال: دخل رجل من أصحاب ابن مسعود إلى كعب ~~الأحبار يتعلم منه العلم، فلما رجع قال له ابن مسعود: ما الذي أصبت من كعب؟ ~~قال سمعت كعبا يقول: إن السماء تدور على قطب مثل قطب الرحى، في عمود على ~~منكب ملك، فقال له عبد الله: وددت أنك انقلبت براحلتك ورحلها، كذب كعب، ما ~~ترك يهوديته! إن الله تعالى يقول: " إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ~~" إن السماوات لا تدور، ولو كانت تدور لكانت قد زالت. وعن ابن عباس نحوه، ~~وأنه قال لرجل مقبل من الشام: # من لقيت به؟ قال كعبا. قال: وما سمعته يقول؟ قال: سمعته يقول: إن ~~السماوات على منكب ملك. فال: كذب كعب، أما ترك يهوديته بعد! إن الله تعالى ~~يقول: # " إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا " والسماوات سبع والأرضون سبع، ~~ولكن لما ذكرهما أجراهما مجرى شيئين، فعادت الكناية إليهما، وهو كقوله ~~تعالى: " أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما " (1) [الأنبياء: 30] ثم ~~ختم الآية بقوله: " إنه كان حليما غفورا " لان المعنى فيما ذكره بعض أهل ~~التأويل: أن الله يمسك ms5160 السماوات والأرض أن تزولا من كفر الكافرين، وقولهم ~~اتخذ الله ولدا. قال الكلبي: لما قالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى ~~المسيح ابن الله، كادت السماوات والأرض أن تزولا عن أمكنتهما، فمنعهما ~~الله، وأنزل هذه الآية فيه، وهو كقوله تعالى: " لقد جئتم شيئا إدا. تكاد ~~السماوات يتفطرن منه " (2) [مريم: 89 - 90] الآية. # قوله تعالى: وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من ~~إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا (2) استكبارا في الأرض ومكر ~~السيئ ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله فهل ينظرون إلا سنت الأولين فلن تجد ~~لسنت الله تبديلا ولن تجد لسنت الله تحويلا (43) # PageV14P357 # قوله تعالى: (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير) هم قريش أقسموا ~~قبل أن يبعث الله رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم، حين بلغهم أن أهل الكتاب ~~كذبوا رسلهم، فلعنوا من كذب نبيه منهم، وأقسموا بالله جل أسمه (لئن جاءهم ~~نذير) أي نبي (ليكونن أهدى من إحدى الأمم) يعني ممن كذب الرسل من أهل ~~الكتاب. وكانت العرب تتمنى أن يكون منهم رسول كما كانت الرسل من بني ~~إسرائيل، فلما جاءهم ما تمنوه وهو النذير من أنفسهم، نفروا عنه ولم يؤمنوا ~~به. (استكبارا) أي عتوا عن الايمان (ومكر السيئ) أي مكر العمل السيئ وهو ~~الكفر وخدع الضعفاء، وصدهم عن الايمان ليكثر أتباعهم. # وأنث " من إحدى الأمم " لتأنيث أمة، قاله الأخفش. وقرأ حمزة والأخفش " ~~ومكر السيئ ولا يحيق المكر السيئ " فحذف الاعراب من الأول وأثبته في ~~الثاني. قال الزجاج: # وهو لحن، وإنما صار لحنا لأنه حذف الاعراب منه. وزعم المبرد أنه لا يجوز ~~في كلام ولا في شعر، لان حركات الاعراب لا يجوز حذفها، لأنها دخلت للفرق ~~بين المعاني. وقد أعظم بعض النحويين أن يكون الأعمش على جلالته ومحله يقرأ ~~بهذا، قال: إنما كان يقف عليه، فغلط من أدى عنه، قال: والدليل على هذا أنه ~~تمام الكلام، وأن الثاني لما لم يكن تمام الكلام أعرب باتفاق، والحركة في ~~الثاني أثقل منها في الأول لأنها ms5161 ضمة بين كسرتين. وقد احتج بعض النحويين ~~لحمزة في هذا بقول سيبويه، وأنه أنشد هو وغيره: # * إذا اعوججن قلت صاحب قوم (1) * وقال الآخر: # فاليوم أشرب غير مستحقب * إثما من الله ولا واغل (2) # PageV14P358 # وهذا لا حجة فيه، لان سيبويه لم يجزه، وإنما حكاه عن بعض النحويين، ~~والحديث إذا قيل فيه عن بعض العلماء لم يكن فيه حجة، فكيف وإنما جاء به على ~~وجه الشذوذ ولضرورة الشعر وقد خولف فيه. وزعم الزجاج أن أبا العباس أنشده: # * إذا اعوججن قلت صاح قوم * وأنه أنشد: # * فاليوم أشرب غير مستحقب * بوصل الألف على الامر، ذكر جميعه النحاس. ~~الزمخشري: وقرأ حمزة " ومكر السيئ " بسكون الهمزة، وذلك لاستثقاله الحركات، ~~ولعله اختلس فظن سكونا، أو وقف وقفة خفيفة ثم ابتدأ " ولا يحيق ". وقرأ ابن ~~مسعود " ومكرا سيئا " وقال المهدوي: ومن سكن الهمزة من قوله: " ومكر السيئ ~~" فهو على تقدير الوقف عليه، ثم أجرى الوصل مجرى الوقف، أو على أنه أسكن ~~الهمزة لتوالي الكسرات والياءات، كما قال: # * فاليوم أشرب غير مستحقب * قال القشيري: وقرأ حمزة " ومكر السيئ " بسكون ~~الهمزة، وخطأه أقوام. وقال قوم: لعله وقف عليه لأنه تمام الكلام، فغلط ~~الراوي وروى ذلك عنه في الادراج، وقد سبق الكلام في أمثال هذا، وقلنا: ما ~~ثبت بالاستفاضة أو التواتر أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأه فلا بد من ~~جوازه، ولا يجوز أن يقال: إنه لحن، ولعل مراد من صار إلى التخطئة أن غيره ~~أفصح منه، وإن كان هو فصيحا. " ولا يحيق المكر السئ إلا بأهله " أي لا ينزل ~~عاقبة الشرك إلا بمن أشرك. وقيل: هذا إشارة إلى قتلهم ببدر. # وقال الشاعر: # وقد دفعوا المنية فاستقلت * ذراعا بعد ما كانت تحيق أي تنزل، وهذا قول ~~قطرب. وقال الكلبي: " يحيق " بمعنى يحيط. والحوق الإحاطة، يقال: حاق به كذا ~~أي أحاط به. وعن ابن عباس أن كعبا قال له: إني أجد في التوراة " من حفر ~~لأخيه حفرة وقع فيها "؟ فقال ابن عباس: فإني أوجدك في القرآن ذلك. قال: # وأين؟ قال: فاقرأ (ولا ms5162 يحيق المكر السيئ إلا باهله) ومن أمثال العرب " من ~~حفر لأخيه PageV14P359 # جبا وقع فيه منكبا " وروى الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا ~~تمكر ولا تعن ماكرا فإن الله تعالى يقول: " ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله ~~"، ولا تبغ ولا تعن باغيا فإن الله تعالى يقول: " فمن نكث فإنما ينكث على ~~نفسه " [الفتح: 10] وقال تعالى: " إنما بغيكم على أنفسكم " [يونس: 23] وقال ~~بعض الحكماء: # يا أيها الظالم في فعله * والظلم مردود على من ظلم إلى متى أنت وحتى متى ~~* تحصى المصائب وتنسى النعم وفي الحديث (المكر والخديعة في النار). فقوله: ~~(في النار) يعني في الآخرة تدخل أصحابها في النار، لأنها من أخلاق الكفار ~~لا من أخلاق المؤمنين الأخيار، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام في سياق هذا ~~الحديث: (وليس من أخلاق المؤمن المكر والخديعة والخيانة). وفي هذا أبلغ ~~تحذير عن التخلق بهذه الأخلاق الذميمة، والخروج عن أخلاق الايمان الكريمة. # قوله تعالى: (فهل ينظرون إلا سنة الأولين) أي إنما ينتظرون العذاب الذي ~~نزل بالكفار الأولين. (فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا) ~~أي أجرى الله العذاب على الكفار، ويجعل ذلك سنة فيهم، فهو يعذب بمثله من ~~استحقه، لا يقدر أحد أن يبدل ذلك، ولا أن يحول العذاب عن نفسه إلى غيره. ~~والسنة الطريقة، والجمع سنن. # وقد مضى في " آل عمران " (1) وأضافها إلى الله عز وجل. وقال في موضع آخر: ~~" سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا " (2) فأضاف إلى القوم لتعلق الامر ~~بالجانبين، وهو كالأجل، تارة يضاف إلى الله، وتارة إلى القوم، قال الله ~~تعالى: " فإن أجل الله لآت " (3) [العنكبوت: 5] وقال: " فإذا جاء أجلهم ". ~~[النحل: 61]. # قوله تعالى: أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ~~وكانوا أشد منهم قوة وما كان الله ليعجزه من شئ في السماوات ولا في الأرض ~~إنه كان عليما قديرا (44) # PageV14P360 # بين السنة التي ذكرها، أي أو لم يروا ما أنزلنا بعاد وثمود، وبمدين ~~وأمثالهم لما كذبوا الرسل، فتدبروا ذلك بنظرهم إلى ms5163 مساكنهم ودورهم، وبما ~~سمعوا على التواتر بما حل بهم، أفليس فيه عبرة وبيان لهم، ليسوا خيرا من ~~أولئك ولا أقوى، بل كان أولئك أقوى، دليله قوله: " وكانوا أشد منهم قوة وما ~~كان الله ليعجزه من شئ في السماوات ولا في الأرض " أي إذا أراد إنزال عذاب ~~بقوم لم يعجزه ذلك. " إنه كان عليما قديرا ". # قوله تعالى: ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ~~ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا (45) ~~قوله تعالى: (ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا) يعني من الذنوب. (ما ترك على ~~ظهرها من دابة) قال ابن مسعود: يريد جميع الحيوان مما دب ودرج. قال قتادة: ~~وقد فعل ذلك زمن نوح عليه السلام. وقال الكلبي: " من دابة " يريد الجن ~~والإنس دون غيرهما، لأنهما مكلفان بالعقل. وقال ابن جرير والأخفش والحسين ~~بن الفضل: أراد بالدابة هنا الناس وحدهم دون غيرهم. # قلت: والأول أظهر، لأنه عن صحابي كبير. قال ابن مسعود: كاد الجعل أن يعذب ~~في حجره بذنب ابن آدم. وقال يحيى بن أبي كثير: أمر رجل بالمعرف ونهى عن ~~المنكر، فقال له رجل: عليك بنفسك فإن الظالم لا يضر إلا نفسه. فقال أبو ~~هريرة: كذبت؟ # والله الذي لا إله إلا هو - ثم قال - والذي نفسي بيده إن الحبارى لتموت ~~هزلا في وكرها بظلم الظالم. وقال الثمالي ويحيى بن سلام في هذه الآية: يحبس ~~الله المطر فيهلك كل شئ. # وقد مضى في " البقرة " نحو هذا عن عكرمة ومجاهد في تفسير " ويلعنهم ~~اللاعنون " (1) هم الحشرات والبهائم يصيبهم الجدب بذنوب علماء السوء ~~الكاتمين فيلعنونهم. وذكرنا هناك حديث البراء # PageV14P361 # ابن عازب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: " ويلعنهم ~~اللاعنون " قال: # (دواب الأرض). (ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى) قال مقاتل: الاجل المسمى هو ما ~~وعدهم في اللوح المحفوظ. وقال يحيى: هو يوم القيامة. (فإن الله كان بعباده) ~~أي بمن يستحق العقاب منهم (بصيرا). ولا يجوز أن يكون العامل في ms5164 " إذا " " ~~بصيرا " كما لا يجوز: اليوم إن زيدا خارج. ولكن العامل فيها " جاء " لشبهها ~~بحروف المجازاة، والأسماء التي يجازى بها يعمل فيها ما بعدها. وسيبويه لا ~~يرى المجازاة ب‍ " - إذا " إلا في الشعر، كما قال: # إذا قصرت أسيافنا كان وصلها * خطانا إلى أعدائنا فنضارب (1) ختمت سورة " ~~فاطر " والحمد لله. # PageV14P362 # الجامع لاحكام القرآن لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي الجزء ~~الخامس عشر أعاد طبعه دار احياء التراث العربي بيروت - لبنان 1405 ه‍ 1985 ~~م بسم الله الرحمن الرحيم سورة يس وهي مكية بإجماع. وهي ثلاث وثمانون آية، ~~إلا أن فرقة قالت: إن قوله تعالى " ونكتب ما قدموا وآثارهم " [يس: 12] نزلت ~~في بنى سلمة من الأنصار حين أرادوا أن يتركوا ديارهم، وينتقلوا إلى جوار ~~مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، على ما يأتي. وفى كتاب أبى داود عن معقل ~~بن يسار قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " اقرؤوا يس على موتاكم ". ~~وذكر الآجري من حديث أم الدرداء (1) عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما ~~من ميت يقرأ عليه سورة يس إلا هون الله عليه. وفي مسند الدارمي عن أبي ~~هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من قرأ سورة يس في ليلة ~~ابتغاء وجه الله غفر له في تلك الليلة " خرجه أبو نعيم الحافظ أيضا. وروى ~~الترمذي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن لكل شئ قلبا ~~وقلب القرآن يس ومن قرأ يس كتب الله له بقراءتها قراءة القرآن عشر مرات " ~~قال: هذا حديث غريب، وفي إسناده هارون أبو محمد شيخ مجهول، وفي الباب عن ~~أبي بكر الصديق، ولا يصح حديث أبي بكر من قبل إسناده، وإسناده ضعيف. وعن ~~عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن في القرآن لسورة تشفع ~~لقرائها ويغفر لمستمعها ألا وهي سورة يس تدعى في التوراة المعمة " قيل: يا ~~رسول الله وما المعمة؟ قال: " تعم صاحبها بخير الدنيا وتدفع عنه أهاويل ~~الآخرة وتدعى الدافعة والقاضية ms5165 " قيل: يا رسول الله وكيف ذلك؟ قال: " تدفع ~~عن صاحبها كل سوء وتقضي له كل حاجة ومن قرأها عدلت له عشرين حجة ومن سمعها ~~كانت له كألف دينار تصدق بها في سبيل الله ومن كتبها وشربها أدخلت جوفه ألف ~~دواء وألف نور وألف يقين وألف رحمة وألف رأفة وألف هدى ونزع # PageV15P001 # عنه كل داء وغل ". ذكره الثعلبي من حديث عائشة، والترمذي الحكيم في نوادر ~~الأصول من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه مسندا. وفي مسند الدارمي عن ~~شهر بن حوشب قال قال ابن عباس: من قرأ " يس " حين يصبح أعطي يسر يومه حتى ~~يمسي ومن قرأها في صدر ليلته أعطي يسر ليلته حتى يصبح. وذكر النحاس عن عبد ~~الرحمن بن أبي ليلى قال: لكل شئ قلب وقلب القرآن يس من قرأها نهارا كفي همه ~~ومن قرأها ليلا غفر ذنبه. وقال شهر ابن حوشب: يقرأ أهل الجنة " طه " و " يس ~~" فقط. رفع هذه الأخبار الثلاثة الماوردي فقال: روى الضحاك عن ابن عباس ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن لكل شئ قلبا وإن قلب القرآن ~~يس ومن قرأها في ليلة أعطي يسر تلك الليلة ومن قرأها في يوم أعطي يسر ذلك ~~اليوم وإن أهل الجنة يرفع عنهم القرآن فلا يقرءون شيئا إلا طه ويس ". وقال ~~يحيى بن أبي كثير: بلغني أن من قرأ سورة " يس " ليلا لم يزل في فرح حتى ~~يصبح، ومن قرأها حين يصبح لم يزل في فرح حتى يمسي، وقد حدثني من جربها، ~~ذكره الثعلبي وابن عطية، قال ابن عطية: ويصدق ذلك التجربة. وذكر الترمذي ~~الحكيم في نوادر الأصول عن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن الصلت عن عمر بن ~~ثابت عن محمد بن مروان عن أبي جعفر قال: من وجد في قلبه قساوة فليكتب " يس ~~" في جام بزعفران ثم يشربه، حدثني أبي رحمه الله قال: حدثنا أصرم بن حوشب، ~~عن بقية بن الوليد، عن المعتمر بن أشرف، عن محمد بن علي قال: قال رسول ms5166 الله ~~صلى الله عليه وسلم " القرآن أفضل من كل شئ دون الله وفضل القرآن على سائر ~~الكلام كفضل الله على خلقه فمن وقر القرآن فقد وقر الله ومن لم يوقر القرآن ~~لم يوقر الله وحرمة القرآن عند الله كحرمة الوالد على ولده. القرآن شافع ~~مشفع وما حل (1) مصدق فمن شفع له القرآن شفع ومن محل به القرآن ص، دق ومن ~~جعله أمامه قاده إلى الجنة ومن جعله خلفه ساقه إلى النار. وحملة القرآن هم ~~المحفوفون بحرمة الله الملبسون نور الله المعلمون كلام الله من والاهم فقد ~~والى الله ومن عاداهم فقد عادى الله، يقول الله تعالى: يا حملة القرآن # PageV15P002 # استجيبوا لربكم بتوقير كتابه يزدكم حبا ويحببكم إلى عباده يدفع عن مستمع ~~القرآن بلوى الدنيا ويدفع عن تالي (1) القرآن بلوى الآخرة ومن استمع آية من ~~كتاب الله كان له أفضل مما تحت العرش إلى التخوم وإن في كتاب الله لسورة ~~تدعى العزيزة ويدعى صاحبها الشريف يوم القيامة تشفع لصاحبها في أكثر من ~~ربيعة ومضر وهي سورة يس ". وذكر الثعلبي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: " من قرأ سورة يس ليلة الجمعة أصبح مغفورا له ". # وعن أنس أن رسول الله صلى قال: " من دخل المقابر فقرأ سورة يس خفف الله ~~عنهم يومئذ وكان له بعدد حروفها حسنات ". # قوله تعالى: يس والقرءان الحكيم انك لمن المرسلين على صرط مستقيم تنزيل ~~العزيز الرحيم قوله تعالى: " يس " في " يس " أوجه من القراءات: قرأ أهل ~~المدينة والكسائي " يس والقرآن الحكيم " بإدغام النون في الواو. وقرأ أبو ~~عمرو والأعمش وحمزة " يس " بإظهار النون. وقرأ عيسى بن عمر " يسن " بنصب ~~النون. وقرأ ابن عباس وابن أبي إسحاق ونصر بن عاصم " يسن " بالكسر. وقرأ ~~هارون الأعور ومحمد بن السميقع " يسن " بضم النون، فهذه خمس قراءات. ~~القراءة الأولى بالادغام على ما يجب في العربية، لأن النون تدغم في الواو. ~~ومن بين قال سبيل حروف الهجاء أن يوقف عليها، وإنما يكون الإدغام في ~~الإدراج. وذكر سيبويه ms5167 النصب وجعله من جهتين: إحداهما أن يكون مفعولا ولا ~~يصرفه، لأنه عنده اسم أعجمي بمنزلة هابيل، والتقدير أذكر يسين. وجعله ~~سيبويه اسما للسورة. وقوله الآخر أن يكون مبنيا على الفتح مثل كيف وأين. ~~وأما الكسر فزعم الفراء أنه مشبه بقول العرب جير لا أفعل، فعلى هذا يكون " ~~يسن " قسما. وقاله ابن عباس. # وقيل: مشبه بأمس وحذام وهؤلاء ورقاش. وأما الضم فمشبه بمنذ وحيث وقط، ~~وبالمنادى المفرد إذا قلت يا رجل، لمن يقف عليه. قال ابن السميقع وهارون: ~~وقد جاء في تفسيرها # PageV15P003 # يا رجل فالأولى بها الضم. قال ابن الأنباري " " يس " وقف حسن لمن قال هو ~~افتتاح للسورة. ومن قال: معنى " يس " يا رجل لم يقف عليه. وروي عن ابن عباس ~~مسعود وغيرهما أن معناه يا إنسان، وقالوا في قوله تعالى: " سلام على آل ~~ياسين " [الصافات: 130] أي على آل محمد. # وقال سعيد بن جبير: هو اسم من أسماء محمد صلى الله عليه وسلم، ودليله " ~~إنك لمن المرسلين ". # قال السيد الحميري: # يا نفس لا تمحضي بالنصح جاهدة * على المودة إلا آل ياسين وقال أبو بكر ~~الوراق: معناه يا سيد البشر. وقيل: إنه اسم من أسماء الله، قال مالك. # روى عنه أشهب قال: سألته هل ينبغي لأحد أن يتسمى بياسين؟ قال: ما أراه ~~ينبغي لقول الله: " يس والقرآن الحكيم " يقول هذا اسمي يس. قال ابن العربي ~~هذا كلام بديع، وذلك أن العبد يجوز له أن يتسمى باسم الرب إذا كان فيه معنى ~~منه، كقوله: عالم وقادر ومريد ومتكلم. وإنما منع مالك من التسمية ب " يسين ~~"، لأنه اسم من أسماء الله لا يدرى معناه، فربما كان معناه ينفرد به الرب ~~فلا يجوز أن يقدم عليه العبد. فإن قيل فقد قال الله تعالى: # " سلام على إل ياسين " [الصافات: 130] قلنا: ذلك مكتوب بهجاء فتجوز ~~التسمية به، وهذا الذي ليس بمتهجي هو الذي تكلم مالك عليه، لما فيه من ~~الإشكال، والله أعلم. وقال بعض العلماء: افتتح الله هذه السورة بالياء ~~والسين وفيهما مجمع الخير: ودل المفتتح على ms5168 أنه قلب، والقلب أمير على ~~الجسد، وكذلك " يس " أمير على سائر السور، مشتمل على جميع القرآن. ثم ~~اختلفوا فيه أيضا، فقال سعيد بن جبير وعكرمة: هو بلغة الحبشة. وقال الشعبي: ~~هو بلغة طي. # الحسن: بلغة كلب. الكلبي: هو بالسريانية فتكلمت به العرب فصار من لغتهم. ~~وقد مضى هذا المعنى في [طه] (1) وفي مقدمة الكتاب مستوفى. وقد سرد القاضي ~~عياض أقوال المفسرين في معنى " يس " فحكى أبو محمد مكي أنه روي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: لي عند ربي عشرة أسماء " ذكر أن منها طه ويس اسمان ~~له. # PageV15P004 # قلت: وذكر الماوردي عن علي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول " إن الله تعالى أسماني في القرآن سبعة أسماء محمد وأحمد ~~وطه ويس والمزمل والمدثر وعبد الله " قاله القاضي. وحكى أبو عبد الرحمن ~~السلمي عن جعفر الصادق أنه أراد يا سيد، مخاطبة لنبيه صلى الله عليه وسلم ~~وعن ابن عباس: " يس " يا إنسان أراد محمدا صلى الله عليه وسلم. وقال: هو ~~قسم وهو من أسماء الله سبحانه. وقال الزجاج: قيل معناه يا محمد وقيل يا رجل ~~وقيل يا إنسان. وعن ابن الحنفية: " يس " يا محمد. وعن كعب: " يس " قسم أقسم ~~الله به قبل أن يخلق السماء والأرض بألفي عام قال (1) يا محمد: " إنك لمن ~~المرسلين " ثم قال: " والقرآن الحكيم ". فإن قدر أنه من أسمائه صلى الله ~~عليه وسلم، وصح فيه أنه قسم كان فيه من التعظيم ما تقدم، مؤكد فيه القسم ~~عطف القسم الآخر عليه. وإن كان بمعنى النداء فقد جاء قسم آخر بعده لتحقيق ~~رسالته والشهادة بهدايته. # أقسم الله تعالى باسمه وكتابه أنه لمن المرسلين بوحيه إلى عباده، وعلى ~~صراط مستقيم من إيمانه، أي طريق لا اعوجاج فيه ولا عدول عن الحق. # قال النقاش: لم يقسم الله تعالى لأحد من أنبيائه بالرسالة في كتابه إلا ~~له، وفيه من تعظيمه وتمجيده على تأويل من قال إنه يا سيد ما فيه، وقد قال ~~عليه السلام: " أنا ms5169 سيد ولد آدم " انتهى كلامه. وحكى القشيري قال ابن عباس: ~~قالت كفار قريش لست مرسلا وما أرسلك الله إلينا، فأقسم الله بالقرآن المحكم ~~أن محمدا من المرسلين. " والحكيم " المحكم حتى لا يتعرض لبطلان وتناقض، كما ~~قال: " أحكمت آياته " وكذلك أحكم في نظمه ومعانيه فلا يلحقه خلل. وقد يكون ~~" الحكيم " في حق الله بمعنى المحكم بكسر الكاف كالأليم بمعنى المؤلم " على ~~صراط مستقيم " أي دين مستقيم وهو الإسلام. وقال الزجاج: على طريق الأنبياء ~~الذين تقدموك، وقال: " إنك لمن المرسلين " خبر إن، و " على صراط مستقيم " ~~خبر ثان، أي إنك لمن المرسلين، وإنك على صراط مستقيم. وقيل: المعنى لمن ~~المرسلين على استقامة، فيكون قوله: " على صراط مستقيم " من صلة المرسلين، ~~أي إنك لمن المرسلين # PageV15P005 # الذين أرسلوا على طريقة مستقيمة، كقوله تعالى: " وإنك لتهدي إلى صراط ~~مستقيم. # صراط الله " أي الصراط الذي أمر الله به. # قوله تعالى: " تنزيل العزيز الرحيم " قرأ ابن عامر وحفص والأعمش ويحيى ~~وحمزة والكسائي وخلف: " تنزيل " بنصب اللام على المصدر، أي نزل الله ذلك ~~تنزيلا. وأضاف المصدر فصار معرفة كقوله: " فضرب الرقاب " [محمد: 4] أي ~~فضربا للرقاب. الباقون " تنزيل " بالرفع على خبر ابتداء محذوف أي هو تنزيل، ~~أو الذي أنزل إليك تنزيل العزيز الرحيم. # هذا وقرئ: " تنزيل " بالجر على البدل من " القرآن " والتنزيل يرجع إلى ~~القرآن. وقيل: # إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أي إنك لمن المرسلين، وإنك " تنزيل العزيز ~~الرحيم ". # فالتنزيل على هذا بمعنى الإرسال، قال الله تعالى: " قد أنزل الله إليكم ~~ذكرا. رسولا يتلوا " [الطلاق: 10 - 11] ويقال: أرسل الله المطر وأنزله ~~بمعنى. ومحمد صلى الله عليه وسلم رحمة الله أنزلها من السماء. # ومن نصب قال: إنك لمن المرسلين إرسالا من العزيز الرحيم. و " العزيز " ~~المنتقم ممن خالفه " الرحيم " بأهل طاعته. # قوله تعالى: لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غفلون (6) لقد حق القول على ~~أكثرهم فهم لا يؤمنون (7) إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم ~~مقمحون (8) قوله تعالى: " لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم " " ما " لا موضع لها ms5170 ~~من الإعراب عند أكثر أهل التفسير منهم قتادة، لأنها نفي والمعنى: لتنذر ~~قوما ما أتى آباءهم قبلك نذير. وقيل: # هي بمعنى الذي فالمعنى: لتنذرهم مثل ما أنذر آباؤهم، قاله ابن عباس ~~وعكرمة وقتادة أيضا. # وقيل: إن " ما " والفعل مصدر، أي لتنذر قوما إنذار آبائهم. ثم يجوز أن ~~تكون العرب قد بلغتهم بالتواتر أخبار الأنبياء، فالمعنى لم ينذروا برسول من ~~أنفسهم. ويجوز أن يكون بلغهم الخبر ولكن غفلوا وأعرضوا ونسوا. ويجوز أن ~~يكون هذا خطابا لقوم لم يبلغهم خبر نبي، وقد قال الله: " وما آتيناهم من ~~كتب يدرسونها وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير " PageV15P006 # [سبأ: 44] وقال: " لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يهتدون " ~~[السجدة: 3] أي لم يأتهم نبي. وعلى قول من قال بلغهم خبر الأنبياء، فالمعنى ~~فهم معرضون الان متغافلون عن ذلك ويقال للمعرض عن الشئ انه غافل عنه. وقيل: ~~" فهم غافلون " عن عقاب الله. # قوله تعالى: " لقد حق القول على أكثرهم " أي وجب العذاب على أكثرهم " فهم ~~لا يؤمنون " بإنذارك. وهذا فيمن سبق في علم الله أنه يموت على كفره. ثم بين ~~سبب تركهم الإيمان فقال: " إنا جعلنا في أعناقه أغلالا ". قيل: نزلت في أبي ~~جهل ابن هشام وصاحبيه المخزوميين، وذلك أن أبا جهل حلف لئن رأى محمدا يصلي ~~ليرضخن رأسه بحجر، فلما رآه ذهب فرفع حجرا ليرميه، فلما أومأ إليه رجعت يده ~~إلى عنقه، والتصق الحجر بيده، قاله ابن عباس وعكرمة وغيرهما، فهو على هذا ~~تمثيل أي هو بمنزلة من غلت يده إلى عنقه، فلما عاد إلى أصحابه أخبرهم بما ~~رأى، فقال الرجل الثاني وهو الوليد بن المغيرة: # أنا أرضخ رأسه. فأتاه وهو يصلي على حالته ليرميه بالحجر فأعمى الله بصره ~~فجعل يسمع صوته ولا يراه، فرجع إلى أصحابه فلم يرهم حتى نادوه فقال: والله ~~ما رأيته ولقد سمعت صوته. # فقال الثالث: والله لأشدخن أنا رأسه. ثم أخذ الحجر وانطلق فرجع القهقرى ~~ينكص على عقبيه حتى خر على قفاه مغشيا عليه. فقيل له: ما شأنك؟ قال ms5171 شأني ~~عظيم رأيت الرجل فلما دنوت منه، وإذا فحل يخطر بذنبه ما رأيت فحلا قط أعظم ~~منه حال بيني وبينه، فواللات والعزى لو دنوت منه لأكلني. فأنزل الله تعالى: ~~" إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون ". وقرأ ابن ~~عباس: " إنا جعلنا في أيمانهم ". وقال الزجاج: # وقرئ " إنا جعلنا في أيديهم ". قال النحاس: وهذه القراءة تفسير ولا يقرأ ~~بما خالف المصحف. وفي الكلام حذف على قراءة الجماعة، التقدير: إنا جعلنا في ~~أعناقهم وفي أيديهم أغلالا فهي إلى الأذقان، فهي كناية عن الأيدي لا عن ~~الأعناق، والعرب تحذف مثل هذا. ونظيره: " سرابيل تقيكم الحر " [النحل: 81] ~~وتقديره وسرابيل تقيكم البرد فحذف، لأن ما وقى من الحر وقى من البرد، لأن ~~الغل إذا كان في العنق فلا بد أن يكون في اليد، ولا سيما PageV15P007 # وقد قال الله عز وجل: " فهي إلى الأذقان " فقد علم أنه يراد به الأيدي. " ~~فهم مقمحون " أي رافعو رؤوسهم لا يستطيعون الإطراق، لأن من علت يده إلى ~~ذقنه ارتفع رأسه. روى عبد الله بن يحيى: أن علي بن أبي طالب عليه السلام ~~أراهم الإقماح، فجعل يديه تحت لحيته وألصقهما ورفع رأسه. قال النحاس، وهذا ~~أجل ما روي فيه وهو مأخوذ مما حكاه الأصمعي. قال: يقال أقمحت الدابة إذا ~~جذبت لجامها لترفع رأسها. قال النحاس: # والقاف مبدلة من الكاف لقربها منها. كما يقال: قهرته وكهرته. قال ~~الأصمعي: يقال أكمحت الدابة إذا جذبت عنانها حتى ينتصب رأسها. ومنه قول ~~الشاعر: # ... والرأس مكمح (1) ويقال: أكمحتها وأكفحتها وكبحتها، هذه وحدها بلا ألف ~~عن الأصمعي. وقمح البعير قموحا إذا رفع رأسه عند الحوض وامتنع من الشرب، ~~فهو بعير قامح وقمح، يقال: شرب فتقمح وانقمح بمعنى إذا رفع رأسه وترك الشرب ~~ريا. وقد قامحت إبلك: إذا وردت ولم تشرب، ورفعت رأسها من داء يكون بها أو ~~برد. وهي إبل مقامحة، وبعير مقامح، وناقة مقامح أيضا، والجمع قماح على غير ~~قياس، قال بشر يصف سفينة: # ونحن على جوانبها قعود * نغض الطرف كالإبل القماح والإقماح: ms5172 رفع الرأس ~~وغض البصر، يقال: أقمحه الغل إذا ترك رأسه مرفوعا من ضيقه. وشهرا قماح: أشد ~~ما يكون من البرد، وهما الكانونان سميا بذلك، لأن الإبل إذا وردت آذاها برد ~~الماء فقامحت رؤوسها، ومنه قمحت السويق. وقيل: هو مثل ضربه الله تعالى لهم ~~في امتناعكم من الهدى كامتناع المغلول، قال يحيى بن سلام وأبو عبيدة. وكما ~~يقال: فلان حمار، أي لا يبصر الهدى. وكما قال: # لهم عن الرشد أغلال وأقياد # PageV15P008 # وفي الخبر: أن أبا ذؤيب كان يهوى امرأة في الجاهلية، فلما أسلم راودته ~~فأبى وأنشأ يقول: # فليس كعهد الدار يا أم مالك * لكن أحاطت بالرقاب السلاسل وعاد الفتى ~~كالكهل ليس بقائل * سوى العدل شيئا فاستراح العواذل (1) أراد منعنا بموانع ~~الإسلام عن تعاطي الزنى والفسق. وقال الفراء أيضا: هذا ضرب مثل، أي حبسناهم ~~عن الإنفاق في سبيل الله، وهو كقوله تعالى: " ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ~~" [الإسراء: 29] وقال الضحاك. وقيل: إن هؤلاء صاروا في الاستكبار عن الحق ~~كمن جعل في يده غل فجمعت إلى عنقه، فبقي رافعا رأسه لا يخفضه، وغاضا بصره ~~لا يفتحه. والمتكبر يوصف بانتصاب العنق. وقال الأزهري: إن أيديهم لما علت ~~عند أعناقهم رفعت الأغلال أذقانهم ورؤوسهم صعدا كالإبل ترفع رؤوسها. وهذا ~~المنع بخلق الكفر في قلوب الكفار، وعند قوم بسلبهم التوفيق عقوبة لهم على ~~كفرهم. وقيل: الآية إشارة إلى ما يفعل بأقوام غدا في النار من وضع الأغلال ~~في أعناقهم والسلاسل، كما قال تعالى: " إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل " ~~[غافر: 71] وأخبر عنه بلفظ الماضي. " فهم مقمحون " تقدم تفسيره. وقال ~~مجاهد: " مقمحون " مغلون عن كل خير. # قوله تعالى: وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا ~~يبصرون وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون انما تنذر من اتبع ~~الذكر وخشي الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة وأجر كريم قوله تعالى: " وجعلنا من ~~بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا " قال مقاتل: لما عاد أبو جهل إلى أصحابه، ~~ولم يصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وسقط ms5173 الحجر من يده، أخذ # PageV15P009 # الحجر رجل آخر من بني مخزوم وقال: أقتله بهذا الحجر. فلما دنا من النبي ~~صلى الله عليه وسلم طمس الله على بصره فلم ير النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فرجع إلى أصحابه فلم يبصرهم حتى نادوه، فهذا معنى الآية. وقال محمد بن ~~إسحاق في روايته: جلس عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو جهل وأمية بن خلف، ~~يرصدون النبي صلى الله عليه وسلم ليبلغوا من أذاه، فخرج عليهم عليه السلام ~~وهو يقرأ " يس " وفي يد ه تراب فرماهم به وقرأ: " وجعلنا من بين أيديهم سدا ~~ومن خلفهم سدا " فأطرقوا حتى مر عليهم عليه السلام. وقد مضى هذا في سورة " ~~سبحان " (1) ومضى في " الكهف " (2) الكلام في " سدا " بضم السين وفتحها ~~وهما لغتان. " فأغشيناهم " أي غطينا أبصارهم، وقد مضى في أول [البقرة] (3). ~~وقرأ ابن عباس وعكرمة ويحيى بن يعمر " فأعشيناهم " بالعين غير معجمة من ~~العشاء في العين وهو ضعف بصرها حتى لا تبصر بالليل قال: # متى تأته تعشو إلى ضوء ناره (4) وقال تعالى: " ومن يعش عن ذكر الرحمن " ~~[الزخرف: 36] الآية. والمعنى متقارب، والمعنى أعميناهم، كما قال: # ومن الحوادث لا أبا لك أنني * ضربت علي الأرض بالأسداد لا أهتدي فيها ~~لموضع تلعة * بين العذب وبين أرض مراد " فهم لا يبصرون " أي الهدى، قاله ~~قتادة. وقيل: محمدا حين ائتمروا على قتله، قاله السدي. وقال الضحاك: " ~~وجعلنا من بين أيديهم سدا " أي الدنيا " ومن خلفهم سدا " أي الآخرة أي عموا ~~عن البعث وعموا عن قبول الشرائع في الدنيا، قال الله تعالى: " وقيضنا لهم ~~قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم " أي زينوا لهم الدنيا ودعوهم ~~إلى التكذيب بالآخرة. وقيل: على هذا " من بين أيديهم سدا " أي غرورا ~~بالدنيا " ومن خلفهم سدا " أي تكذيبا بالآخرة وقيل: " من بين أيديهم " ~~الآخرة " ومن خلفهم " الدنيا. " وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا ~~يؤمنون تقدم في " البقرة " (5) والآية رد على القدرية وغيرهم. # PageV15P010 # وعن ابن شهاب: أن عمر بن عبد العزيز أحضر غيلان القدري فقال: يا غيلان ms5174 ~~بلغني أنك تتكلم بالقدر، فقال: يكذبون على يا أمير المؤمنين. ثم قال: يا ~~أمير المؤمنين أرأيت قول الله تعالى: " إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج ~~نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا. إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا " ~~[الإنسان: 2 - 3] قال: اقرأ يا غيلان فقرأ حتى انتهى إلى قوله: " فمن شاء ~~اتخذ إلى ربه سبيلا " [الإنسان: 29] فقال اقرأ فقال: " وما تشاءون إلا أن ~~يشاء الله " [الإنسان: 30] فقال: والله يا أمير المؤمنين إن شعرت أن هذا في ~~كتاب الله قط. فقال له: يا غيلان اقرأ أول سورة [يس] فقرأ حتى بلغ " وسواء ~~عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون " فقال غيلان: والله يا أمير ~~المؤمنين كأني لم أقرأها قط قبل اليوم، اشهد يا أمير المؤمنين أني تائب. ~~قال عمر: اللهم إن كان صادقا فتب عليه وثبته، وإن كان كاذبا فسلط عليه من ~~لا يرحمه واجعله آية للمؤمنين، فأخذه هشام فقطع يديه ورجليه وصلبه. وقال ~~ابن عون: فأنا رأيته مصلوبا على باب دمشق. # فقلنا: ما شأنك يا غيلان؟ فقال: أصابتني دعوة الرجل الصالح عمر بن عبد ~~العزيز. # قوله تعالى: " إنما تنذر من اتبع الذكر " يعني القرآن وعمل به. " وخشي ~~الرحمن بالغيب " أي ما غاب من عذابه وناره، قاله قتادة. وقيل: أي يخشاه في ~~مغيبه عن أبصار الناس وانفراده بنفسه. " فبشره بمغفرة " أي لذنبه " وأجر ~~كريم " أي الجنة. # قوله تعالى: إنا نحن نحى الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شئ أحصيناه ~~في امام مبين (12) فيه أربع مسائل الأولى - قوله تعالى: " إنا نحن نحى ~~الموتى " أخبرنا تعالى باحيائه الموتى ردا على الكفرة. وقال الضحاك والحسن: ~~أي نحييهم بالإيمان بعد الجهل، والأول أظهر أي نحييهم بالبعث للجزاء. ثم ~~توعدهم بذكره كتب الآثار وهي الثانية - وإحصاء كل شئ وكل ما يصنعه الإنسان. ~~قال قتادة: معناه من عمل. # وقاله مجاهد وابن زيد. ونظيره قوله: " علمت نفس ما قدمت وأخرت ": ~~[الانفطار: 5] وقوله: " ينبأ PageV15P011 # الإنسان يومئذ بما قدم وأخر " [القيامة: 13]، وقال: " اتقوا الله ولتنظر ~~نفس ما قدمت لغد " [الحشر: 18] فآثار المرء ms5175 التي تبقى وتذكر بعد الإنسان من ~~خير أو شر يجازى عليها: من أثر حسن، كعلم علموه، أو كتاب صنفوه، أو حبيس ~~احتبسوه، أو بناء بنوه من مسجد أو رباط أو قنطرة أو نحو ذلك. أو سيئ كوظيفة ~~وظفها بعض الظلام على المسلمين، وسكة أحدثها فيها تخسيرهم، أو شئ أحدثه فيه ~~صد عن ذكر الله من ألحان وملأه، وكذلك كل سنة حسنة، أو سيئة يستن بها. # وقيل: هي آثار المشائين إلى المساجد. وعلى هذا المعنى تأول الآية عمر ~~وابن عباس وسعيد بن جبير. وعن ابن عباس أيضا أن معنى: " وآثارهم " خطاهم ~~إلى المساجد. قال النحاس: وهذا أولى ما قيل فيه، لأنه قال: إن الآية نزلت ~~في ذلك، لأن الأنصار كانت منازلهم بعيدة عن المسجد. وفي الحديث مرفوعا إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يكتب له برجل حسنة وتحط عنه برجل سيئه ~~ذاهبا وراجعا إذ اخرج إلى المسجد ". # قلت: وفي الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال: كانت بنو سلمة (1) في ناحية ~~المدينة فأرادوا النقلة إلى قرب المسجد فنزلت هذه الآية: " إنا نحن نحيي ~~الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم " فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن ~~آثاركم تكتب " فلم ينتقلوا. قال: # هذا حديث [حسن] (2) غريب من حديث الثوري. وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد ~~الله قال: # أراد بنو سلمة أن يتحولوا إلى قرب المسجد، قال: والبقاع خالية، قال: فبلغ ~~ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " يا بني سلمة دياركم تكتب آثاركم ~~دياركم تكتب آثاركم " فقالوا: ما كان يسرنا أنا كنا تحولنا. وقال ثابت ~~البناني: مشيت مع أنس بن مالك إلى الصلاة فأسرعت، فحبسني فلما انقضت الصلاة ~~قال: مشيت مع النبي صلى الله عليه وسلم وأسرعت، فحبسني فلما انقضت الصلاة ~~قال: " أما علم أن الآثار تكتب " فهذا احتجاج بالآية. وقال قتادة ومجاهد ~~أيضا والحسن: الآثار في هذه الآية الخطأ. وحكى الثعلبي عن أنس أنه قال: ~~الآثار هي الخطأ إلى الجمعة. وواحد الآثار أثر ويقال أثر. # PageV15P012 # الثالثة - في هذه الأحاديث المفسرة ms5176 لمعنى الآية دليل على أن البعد من ~~المسجد أفضل، فلو كان بجوار مسجد، فهل له أن يجاوزه إلى الأبعد؟ اختلف فيه، ~~فروي عن أنس أنه كان يجاوز المحدث إلى القديم. وروي عن غيره: الأبعد ~~فالأبعد من المسجد أعظم أجرا. وكره الحسن وغيره هذا، وقال: لا يدع مسجدا ~~قربه ويأتي غيره. وهذا مذهب مالك. وفي تخطي مسجده إلى المسجد الأعظم قولان. ~~وخرج ابن ماجة من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~" صلاة الرجل في بيته بصلاة وصلاته في مسجد القبائل بخمس وعشرين صلاة ~~وصلاته في المسجد الذي يجمع (1) فيه بخمسمائة صلاة ". # الرابعة - " دياركم " منصوب على الإغراء أي ألزموا و " تكتب " جزم على ~~جواب ذلك الأمر. " وكل " نصب بفعل مضمر يدل عليه " أحصيناه " كأنه قال: ~~وأحصينا كل شئ أحصيناه. ويجوز رفعه بالابتداء إلا أن نصبه أولى، ليعطف ما ~~عمل فيه الفعل على ما عمل فيه الفعل. وهو قول الخليل وسيبويه. والإمام: ~~الكتاب المقتدى به الذي هو حجة. # وقال مجاهد وقتادة وابن زيد: أراد اللوح المحفوظ. وقالت فرقة: أراد صحائف ~~الأعمال. # قوله تعالى: * واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاء‌ها المرسلون [يس 13] * ~~إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون [يس ~~14] * قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شئ إن أنتم إلا ~~تكذبون [يس 15] * قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون [يس 16] * وما علينا ~~إلا البلاغ المبين [يس 17] * قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم ~~وليمسنكم منا عذاب أليم [يس 18] * قالوا طائركم معكم أئن ذكرتم بل أنتم قوم ~~مسرفون [يس 19] # PageV15P013 # قوله تعالى: (واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاء‌ها المرسلون) [خطاب ~~للنبي صلى الله عليه وسلم أمر أن يضرب لقومه مثلا بأصحاب القرية (1)] هذه ~~القرية هي أنطاكية في قول جميع المفسرين فيما ذكر الماوردي. نسبت إلى أهل ~~أنطبيس وهو اسم الذي بناها ثم غير لما عرب، ذكره السهيلي. ويقال فيها: ~~أنتاكية بالتاء بدل الطاء. وكان بها فرعون يقال له أنطيخس بن ms5177 أنطيخس يعبد ~~الأصنام، ذكره المهدوي، وحكاه أبو جعفر النحاس عن كعب ووهب. فأرسل الله ~~إليه ثلاثة: وهم صادق، وصدوق، وشلوم هو الثالث. هذا قول الطبري. وقال غيره: ~~شمعون ويوحنا. وحكى النقاش: سمعان ويحيى ولم يذكرا صادقا ولا صدوقا. ويجوز ~~أن يكون " مثلا " و " أصحاب القرية " مفعولين لأضرب، أو " أصحاب القرية " ~~بدلا من " مثلا " أي اضرب لهم مثل أصحاب القرية فحذف المضاف. أمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم بإنذار هؤلاء المشركين أن يحل بهم ما حل بكفار أهل القرية ~~المبعوث إليهم ثلاثة رسل. قيل: رسل من الله على الابتداء. وقيل: # إن عيسى بعثهم إلى أنطاكية للدعاء إلى الله.. أضاف الرب ذلك إلى نفسه، ~~لأن عيسى أرسلهما بأمر الرب، وكان ذلك حين رفع عيسى إلى السماء. قيل ~~ضربوهما وسجنوهما. " فعززنا بثالث " أي فقوينا وشددنا الرسالة " بثالث ". ~~وقرأ أبو بكر عن عاصم " فعززنا بثالث " بالتخفيف وشدد الباقون. # قال الجوهري: وقول تعالى: " فعززنا بثالث " يخفف ويشدد، أي قوينا وشددنا. # قال الأصمعي: أنشدني فيه أبو عمرو بن العلاء للمتلمس: # أجد إذا رحلت (2) تعزز لحمها * إذا تشد بنسعها لا تنبس أي لا ترغو، فعلى ~~هذا تكون القراءتان بمعنى. وقيل: التخفيف بمعنى غلبنا وقهرنا ومنه " وعزني ~~في الخطاب " [ص: 23]. والتشديد بمعنى قوينا وكثرنا. وفي القصة: أن عيسى ~~أرسل # PageV15P014 # إليهم رسولين فلقيا شيخا يرعى غنيمات له وهو حبيب النجار صاحب " يس " ~~فدعوه إلى الله وقالا: نحن رسولا عيسى ندعوك إلى عبادة الله. فطالبهما ~~بالمعجزة فقالا: نحن نشفي المرضى وكان له ابن مجنون. وقيل: مريض على الفراش ~~فمسحاه، فقام بإذن الله صحيحا، فآمن الرجل بالله. وقيل: هو الذي جاء من ~~أقصى المدينة يسعى، ففشا أمرهما، وشفيا كثيرا من المرضى، فأرسل الملك ~~إليهما - وكان يعبد الأصنام - يستخبرهما فقالا: نحن رسولا عيسى. فقال: وما ~~آيتكما؟ قالا: نبرئ الأكمه والأبرص ونبرئ المريض بإذن الله، وندعوك إلى ~~عبادة الله وحده. فهم الملك بضربهما. وقال وهب: حبسهما الملك وجلدهما مائة ~~جلدة، فانتهى الخبر إلى عيسى فأرسل ثالثا. قيل: شمعون الصفا رأس الحواريين ~~لنصرهما، فعاشر ms5178 حاشية الملك حتى تمكن منهم، واستأنسوا به، ورفعوا حديثه إلى ~~الملك فأنس به، وأظهر موافقته في دينه، فرضي الملك طريقته، ثم قال يوما ~~للملك: بلغني أنك حبست رجلين دعواك إلى الله، فلو سألت عنهما ما وراءهما. ~~فقال: إن الغضب حال بيني وبين سؤالهما. قال: فلو أحضرتهما. فأمر بذلك، فقال ~~لهما شمعون: ما برهانكما على ما تدعيان؟ فقالا: نبرئ الأكمه والأبرص. فجئ ~~بغلام ممسوح العينين، موضع عينيه كالجبهة، فدعوا ربهما فانشق موضع البصر، ~~فأخذا بندقتين طينا فوضعاهما في خديه، فصارتا مقلتين يبصر بهما، فعجب الملك ~~وقال: إن ها هنا غلاما مات منذ سبعة أيام ولم أدفنه حتى يجئ أبوه فهل يحييه ~~ربكما؟ فدعوا الله علانية، ودعاه شمعون سرا، فقام الميت حيا، فقال للناس: ~~إني مت منذ سبعة أيام، فوجدت مشركا، فأدخلت في سبعة أودية من النار، ~~فاحذركم ما أنتم فيه فآمنوا بالله، ثم فتحت أبواب السماء، فرأي شابا حسن ~~الوجه يشفع لهؤلاء الثلاثة شمعون وصاحبيه، حتى أحياني الله، وأنا أشهد أن ~~لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن عيسى روح الله وكلمته، وأن هؤلاء هم ~~رسل الله. فقالوا له وهذا شمعون أيضا معهم؟ قال: نعم وهو أفضلهم. فأعلمهم ~~شمعون أنه رسول المسيح إليهم، فأثر قوله في الملك، فدعاه إلى الله، فآمن ~~الملك في قوم كثير وكفر آخرون. وحكى القشيري أن الملك آمن ولم يؤمن قومه، ~~وصاح جبريل صيحة مات كل من بقي منهم من الكفار. PageV15P015 # وروي أن عيسى لما أمرهم أن يذهبوا إلى تلك القرية قالوا: يا نبي الله إنا ~~لا نعرف أن نتكلم بألسنتهم ولغاتهم. فدعا الله لهم فناموا بمكانهم، فهبوا ~~من نومتهم قد حملتهم الملائكة فألقتهم بأرض أنطاكية، فكلم كل واحد صاحبه ~~بلغة القوم، فذلك قول: " وأيدناه بروح القدس " [البقرة: 87] فقالوا جميعا: ~~" إنا إليكم مرسلون " قالوا ما أنتم الا بشر مثلنا " تأكلون الطعام وتمشون ~~في الأسواق " وما أنزل الرحمن من شئ " يأمر به ولا من شئ (1) ينهى عنه " إن ~~أنتم الا تكذبون " في دعواكم الرسالة، " ربنا يعلم ms5179 إنا إليكم لمرسلون " ~~فقالت الرسل: " ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون " وإن كذبتمونا " وما علينا ~~الا البلاغ المبين " في أن الله واحد " قالوا " لهم " إنا تطيرنا بكم " أي ~~تشاءمنا بكم. قال مقاتل: حبس عنهم المطر ثلاث سنين فقالوا هذا بشؤمكم. ~~ويقال إنهم أقاموا ينذرونهم عشر سنين. " لئن لم تنتهوا " عن إنذارنا " ~~لنرجمنكم " قال الفراء: # لنقتلنكم. قال: وعامة ما في القرآن من الرجم معناه القتل. وقال قتادة: هو ~~على بابه من الرجم بالحجارة. وقيل: لنشتمنكم، وقد تقدم جميعه (2). " ~~وليمسنكم منا عذاب اليم " قيل: هو القتل. # وقيل: هو التعذيب المؤلم. وقيل: هو التعذيب المؤلم قبل القتل كالسلخ ~~والقطع والصلب. # فقالت الرسل: " طائركم معكم " أي شؤمكم معكم أي حظكم من الخير والشر معكم ~~ولازم في أعناقكم، وليس هو من شؤمنا، قال معناه الضحاك. وقال قتادة: ~~أعمالكم معكم. ابن عباس: # معناه الأرزاق والأقدار تتبعكم. الفراء: " طائركم معكم " رزقكم وعملكم، ~~والمعنى واحد. # وقرأ الحسن: " أطيركم " أي تطيركم (3). " أئن ذكرتم " قال قتادة: إن ~~ذكرتم تطيرتم. وفيه تسعة أوجه من القراءات: قرأ أهل المدينة " أين ذكرتم " ~~بتخفيف الهمزة الثانية. وقرأ أهل الكوفة: " أإن " بتحقيق الهمزتين. والوجه ~~الثالث: " أاإن ذكرتم " بهمزتين بينهما ألف أدخلت الألف كراهة للجمع بين ~~الهمزتين. والوجه الرابع " اان " بهمزة بعدها ألف وبعد الألف همزة مخففة. ~~والقراءة الخامسة " أاأن " بهمزتين مفتوحتين بينهما ألف. والوجه السادس " ~~أأن " بهمزتين محققتين مفتوحتين. وحكى الفراء: أن هذه القراءة قراءة أبي ~~رزين. # PageV15P016 # قلت: وحكاه الثعلبي عن زر بن حبيش وابن السميقع. وقرأ عيسى بن عمر والحسن ~~البصري: " قالوا طائركم معكم أين ذكرتم " بمعنى حيث. وقرأ يزيد بن القعقاع ~~والحسن وطلحة " ذكرتم " بالتخفيف، ذكر جميعه النحاس. وذكر المهدوي عن طلحة ~~بن مصرف وعيسى الهمذاني: " آن ذكرتم " بالمد، على أن همزة الاستفهام دخلت ~~على همزة مفتوحة. # الماجشون: " أن ذكرتم " بهمزة واحدة مفتوحة. فهذه تسع قراءات. وقرأ ابن ~~هرمز " طيركم معك ". " أئن ذكرتم " أي لإن وعظتم، وهو كلام مستأنف أي إن ~~وعظتم تطيرتم. # وقيل: إنما تطيروا لما بلغهم أن كل نبي دعا قومه فلم ms5180 يجيب كان عاقبتهم ~~الهلاك. # قال قتادة: مسرفون في تطيركم. يحيى بن سلام: مسرفون في كفركم. وقال ابن ~~بحر: السرف ها هنا الفساد ومعناه بل أنتم قوم مفسدون. وقيل: # مسرفون مشركون، والإسراف مجاوزة الحد والمشرك يجاوز الحد. # قوله تعالى: وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين ~~[يس 20] * اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون [يس 21] * وما لي لا أعبد ~~الذي فطرني وإليه ترجعون [يس 22] * أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر ~~لاتغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون [يس 23] * إني إذا لفي ضلال مبين [يس ~~24] * إني آمنت بربكم فاسمعون [يس 25] * قيل ادخل الجنة قال يا ليت قومي ~~يعلمون [يس 26] * بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين [يس 27] * وما أنزلنا ~~على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين [يس 28] * إن كانت إلا ~~صيحة واحدة فإذا هم خامدون قوله تعالى: (وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى) هو ~~حبيب بن مري وكان نجارا. وقيل: إسكافا. وقيل: قصارا. وقال ابن عباس ومجاهد ~~ومقاتل: هو حبيب PageV15P017 # ابن إسرائيل النجار وكان ينحت الأصنام، وهو ممن آمن بالنبي صلى الله عليه ~~وسلم وبينهما ستمائة سنة، كما آمن به تبع الأكبر وورقة بن نوفل وغيرهما. ~~ولم يؤمن بنبي أحد إلا بعد ظهوره. قال وهب: وكان حبيب مجذوما، ومنزله عند ~~أقصى باب من أبواب المدينة، وكان يعكف على عبادة الأصنام سبعين سنة يدعوهم، ~~لعلهم يرحمونه ويكشفون ضره فما استجابوا له، فلما أبصر الرسل دعوه إلى ~~عبادة الله فقال: هل من آية؟ قالوا: نعم ندعو ربنا القادر فيفرج عنك ما بك. ~~فقال: إن هذا لعجب لي، أدعو هذه الآلهة سبعين سنة تفرج عني فلم تستطع، فكيف ~~(1) يفرجه ربكم في غداة واحدة؟ قالوا: نعم ربنا على ما يشاء قدير، وهذه لا ~~تنفع شيئا ولا تضر. فآمن ودعوا ربهم فكشف الله ما به، كأن لم يكن به بأس، ~~فحينئذ أقبل على التكسب، فإذا أمسى تصدق بكسبه، فأطعم عياله نصفا وتصدق ~~بنصف، فلما هم قومه بقتل الرسل ms5181 جاءهم. ف " قال يا قوم اتبعوا المرسلين " ~~الآية قال قتادة: كان يعبد الله في غار، فلما سمع بخبر المرسلين جاء يسعى، ~~فقال للمرسلين: أتطلبون على ما جئتم به أجرا؟ قالوا: لا ما أجرنا إلا على ~~الله. قال أبو العالية: فاعتقد صدقهم وآمن بهم وأقبل على قومه ف " قال يا ~~قوم اتبعوا المرسلين ". # أي لو كانوا متهمين لطلبوا منكم المال " وهم مهتدون " فاهتدوا بهم. " ~~ومالي لا أعبد الذي فطرني " قال قتادة: قال له قومه أنت على دينهم؟! فقال: ~~" وما لي لا أعبد الذي فطرني " أي خلقني. " واليه ترجعون " وهذا احتجاج منه ~~عليهم. وأضاف الفطرة إلى نفسه، لأن ذلك نعمة عليه توجب الشكر، والبعث ~~إليهم: لأن ذلك وعيد يقتضي الزجر، فكان إضافة النعمة إلى نفسه أظهر شكرا، ~~وإضافة البعث إلى الكافر أبلغ أثرا. " أأتخذ من دونه آلهة " يعني أصناما. " ~~إن يردن الرحمن بضر " يعني ما أصابه من السقم. " لا تغن شفاعتهم شيئا ولا ~~ينقذون " يخلصوني مما أنا فيه من البلاء " إني إذا " يعني إن فعلت ذلك " ~~لفي ضلال مبين أي خسران ظاهر. " إني آمنت بربكم فاسمعون " قال ابن مسعود: ~~خاطب الرسل بأنه # PageV15P018 # مؤمن بالله ربهم، ومعنى " فاسمعون " أي فأشهدوا، أي كونوا شهودي ~~بالإيمان. وقال كعب ووهب: إنما قال ذلك لقومه إني آمنت بربكم الذي كفرتم ~~به. وقيل: إنه لما قال لقومه " اتبعوا المرسلين. اتبعوا من لا يسألكم أجرا ~~" رفعوه إلى الملك وقالوا: قد تبعت عدونا، فطول معهم الكلام ليشغلهم بذلك ~~عن قتل الرسل، إلى أن قال: " إني آمنت بربكم " فوثبوا عليه فقتلوه. قال ابن ~~مسعود: وطئوه بأرجلهم حتى خرج قصبه (1) من دبره، وألقي في بئر وهي الرس وهم ~~أصحاب الرس. وفي رواية أنهم قتلوا الرسل الثلاثة. وقال السدي رموه بالحجارة ~~وهو يقول: اللهم أهد قومي حتى قتلوه. وقال الكلبي: حفروا حفرة وجعلوه فيها، ~~وردموا فوقه التراب فمات ردما. وقال الحسن: حرقوه حرقا، وعلقوه من سور ~~المدينة وقبره في سور أنطاكية، حكاه الثعلبي. قال القشيري: وقال الحسن لما ~~أراد القوم أن يقتلوه رفعه ms5182 الله إلى السماء، فهو في الجنة لا يموت إلا ~~بفناء السماء وهلاك الجنة، فإذا أعاد الله الجنة أدخلها. # وقيل: نشروه بالمنشار حتى خرج من بين رجليه، فوالله ما خرجت روحه إلا إلى ~~الجنة فدخلها، فذلك قوله: " قيل أدخل الجنة " وقال جماعة: معنى " قيل ادخل ~~الجنة " وجبت لك الجنة، فهو خبر بأنه قد استحق دخول الجنة: لأن دخولها ~~يستحق بعد البعث. # PageV15P019 # قلت: والظاهر من الآية أنه لما قتل قيل له ادخل الجنة. قال قتادة: أدخله ~~الله الجنة وهو فيها حي يرزق، أراد قول تعالى: " ولا تحسبن الذين قتلوا في ~~سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون " [آل عمران: 169] على ما تقدم ~~في [آل عمران] (1) بيانه. والله أعلم. # قوله تعالى: " قال يا ليت قومي يعلمون " مرتب على تقدير سؤال سائل عما ~~وجد من قول عند ذلك الفوز العظيم الذي هو " بما غفر لي ربي " وجعلني من ~~المكرمين " وقرى " من المكرمين " وفي معنى تمنيه قولان: أحد هما أنه تمنى ~~أن يعلموا بحاله ليعلموا حسن مآله وحميد عاقبته. الثاني تمنى ذلك ليؤمنوا ~~مثل إيمانه فيصيروا إلى مثل حاله. قال ابن عباس: نصح قومه حيا وميتا. رفعه ~~القشيري فقال: وفي الخبر أنه عليه السلام قال في هذه الآية " إنه نصح لهم ~~في حياته وبعد موته ". وقال ابن أبي ليلى: سباق الأمم ثلاثة لم يكفروا ~~بالله طرفة عين، علي بن أبي طالب وهو أفضلهم، ومؤمن آل فرعون، وصاحب يس، ~~فهم الصديقون. # ذكره الزمخشري مرفوعا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي هذه الآية ~~تنبيه عظيم، ودلالة على وجوب كظم الغيظ، والحلم عن أهل الجهل، والترؤف على ~~من أدخل نفسه في غمار الأشرار وأهل البغي، والتشمر في تخليصه، والتلطف في ~~افتدائه، والاشتغال بذلك عن الشماتة به والدعاء عليه. ألا ترى كيف تمنى ~~الخير لقتلته، والباغين له الغوائل وهم كفرة عبدة أصنام، فلما قتل حبيب غضب ~~الله له وعجل النقمة على قومه، فأمر جبريل فصاح بهم صيحة فماتوا عن آخرهم، ~~فذلك قوله: " وما أنزلنا على قومه ms5183 من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين ~~" أي ما أنزلنا عليهم من رسالة ولا نبي بعد قتله، قال قتادة ومجاهد والحسن. ~~قال الحسن: الجند الملائكة النازلون بالوحي على الأنبياء. وقيل: الجند ~~العساكر، أي لم أحتج في هلاكهم إلى إرسال جنود ولا جيوش ولا عساكر بل ~~أهلكهم بصيحة واحدة. قال معناه ابن مسعود وغيره. فقوله: " وما كنا منزلين " ~~تصغير لأمرهم، أي أهلكناهم بصيحة واحدة من بعد ذلك الرجل، أو من بعد رفعه ~~إلى السماء. وقيل: " وما كنا منزلين " على من كان قبلهم. # PageV15P020 # الزمخشري: فان قلت فلم أنزل الجنود من السماء يوم بدر والخندق؟ فقال: " ~~فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها " [الأحزاب 9]، وقال: " بثلاثة الألف ~~من الملائكة منزلين " [آل عمران: 24 1]. " بخمسة آلاف من الملائكة مسومين " ~~[آل عمران: 125]. # قلت: إنما كان يكفي ملك واحد، فقد أهلكت مدائن قوم لوط بريشة من جناح ~~جبريل، وبلاد ثمود وقوم صالح بصيحة، ولكن الله فضل محمدا صلى الله عليه ~~وسلم بكل شئ على سائر الأنبياء وأولي العزم من الرسل فضلا عن حبيب النجار، ~~وأولاه من أسباب الكرامة والإعزاز ما لم يوله أحدا، فمن ذلك أنه أنزل له ~~جنودا من السماء، وكأنه أشار بقوله: # " وما أنزلنا ". " وما كنا منزلين " إلى أن إنزال الجنود من عظائم الأمور ~~التي لا يؤهل لها إلا مثلك، وما كنا نفعل لغيرك. " إن كانت إلا صيحة واحدة ~~" قراءة العامة " واحدة " بالنصب على تقدير ما كانت عقوبتهم إلا صيحة ~~واحدة. # وقرأ أبو جعفر بن القعقاع وشيبة والأعرج: " صيحة " بالرفع هنا، وفي قوله: ~~" إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع " جعلوا الكون بمعنى الوقوع ~~والحدوث، فكأنه قال: # ما وقعت عليهم إلا صيحة واحدة. وأنكر هذه القراءة أبو حاتم وكثير من ~~النحويين بسبب التأنيث فهو ضعيف، كما تكون ما قامت إلا هند ضعيفا من حيث ~~كان المعنى ما قام أحد إلا هند. قال أبو حاتم: فلو كان كما قرأ أبو جعفر ~~لقال: إن كان إلا صيحة. قال النحاس: # لا يمتنع شئ من هذا، ms5184 يقال: ما جاءتني إلا جاريتك، بمعنى ما جاءتني امرأة ~~أو جارية إلا جاريتك. والتقدير في القراءة بالرفع ما قاله أبو إسحاق، قال: ~~المعنى إن كانت عليهم صيحة إلا صيحة واحدة، وقدره غيره: ما وقع عليهم إلا ~~صيحة واحدة. وكان بمعنى وقع كثير في كلام العرب. وقرأ عبد الرحمن بن الأسود ~~- ويقال إنه في حرف عبد الله كذلك - " إن كانت إلا زقية واحدة ". وهذا ~~مخالف للمصحف. وأيضا فإن اللغة المعروفة زقا يزقو إذا صاح، ومنه المثل: ~~أثقل من الزواقي، فكان يجب على هذا أن يكون زقوة. # ذكره النحاس. PageV15P021 # قلت: وقال الجوهري الزقو والزقي مصدر، وقد زقا الصدى يزقو زقاء: أي صاح، ~~وكل صائح زاق، والزقية الصيحة. # قلت: وعلى هذا يقال: زقوة وزقية لغتان، فالقراء صحيحة لا اعتراض عليها. ~~والله أعلم. # " فإذا هم خامدون " أي ميتون هامدون، تشبيها بالرماد الخامد. وقال قتادة: ~~هلكى. # والمعنى واحد. # قوله تعالى: يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول الا كانوا به يستهزءون ~~ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون و إن كل لما جميع ~~لدينا محضرون قوله تعالى: " يا حسرة على العباد " منصوب، لأنه نداء نكرة ~~ولا يجوز فيه غير النصب عند البصريين. وفي حرف أبي " يا حسرة العباد " على ~~الإضافة. وحقيقة الحسرة في اللغة أن يلحق الإنسان من الندم ما يصير به ~~حسيرا. وزعم الفراء أن الاختيار النصب، وأنه لو رفعت النكرة الموصولة ~~بالصلة كان صوابا. واستشهد بأشياء منها أنه سمع من العرب: # يا مهتم بأمرنا لا تهتم. وأنشد: # يا دار غيرها البلى تغييرا (1) قال النحاس: وفي هذا إبطال باب النداء أو ~~أكثره، لأنه يرفع النكرة المحضة، ويرفع ما هو بمنزلة المضاف في طول، ويحذف ~~التنوين متوسطا، ويرفع ما هو في المعنى مفعول بغير علة أوجبت ذلك. فأما ما ~~حكاه عن العرب فلا يشبه ما أجازه، لأن تقدير يا مهتم بأمرنا لا تهتم على ~~التقديم والتأخير، والمعنى يا أيها المهتم لا تهتم بأمرنا. وتقدير البيت: ~~يا أيتها الدار، ثم حول ms5185 المخاطبة، أي يا هؤلاء غير هذه الدار البلى، كما ~~قال الله جل وعز: " حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم " [يونس: 22]. ف " ~~حسرة " منصوب على النداء، كما تقول يا رجلا أقبل، ومعنى النداء # PageV15P022 # هذا موضع حضور الحسرة. الطبري: المعنى يا حسرة من العباد على أنفسهم ~~وتندما وتلهفا في استهزائهم برسل عليهم السلام. ابن عباس: " يا حسرة على ~~العباد " أي يا ويلا على العباد. وعنه أيضا حل هؤلاء محل من يتحسر عليهم. ~~وروى الربيع عن أنس عن أبي العالية أن العباد ها هنا الرسل، وذلك أن الكفار ~~لما رأوا العذاب قالوا: " يا حسرة على العباد " فتحسروا على قتلهم، وترك ~~الإيمان بهم، فتمنوا الإيمان حين لم ينفعهم الإيمان، وقال مجاهد. وقال ~~الضحاك: # إنها حسرة الملائكة على الكفار حين كذبوا الرسل. وقيل: " يا حسرة على ~~العباد " من قول الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى، لما وثب القوم ~~لقتله. وقيل: إن الرسل الثلاثة هم الذين قالوا لما قتل القوم ذلك الرجل ~~الذي جاء من أقصى المدينة يسعى، وحل بالقوم العذاب: يا حسرة على هؤلاء، ~~كأنهم امنوا أن يكونوا قد أمنوا. وقيل: هذا من قول القوم قالوا لما قتلوا ~~الرجل وفارقتهم الرسل، أو قتلوا الرجل مع الرسل الثلاثة، على اختلاف ~~الروايات: يا حسرة على هؤلاء الرسل، وعلى هذا الرجل، ليتنا آمنا بهم في ~~الوقت الذي ينفع الإيمان وتم الكلام على هذا، ثم ابتدأ فقال: " ما يأتيهم ~~من رسول ". وقرأ ابن هرمز ومسلم بن جندب وعكرمة: " يا حسرة على العباد " ~~بسكون الهاء للحرص على البيان وتقرير المعنى في النفس، إذ كان موضع وعظ ~~وتنبيه والعرب تفعل ذلك في مثله، وإن لم يكن موضعا للوقف. ومن ذلك ما روي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقطع قراءته حرفا حرفا، حرصا على ~~البيان والإفهام. ويجوز أن يكون " على العباد " متعلقا بالحسرة. # ويجوز أن يكون متعلقا بمحذوف لا بالحسرة، فكأنه قدر الوقف على الحسرة ~~فأسكن الهاء، ثم قال: " على العباد " أي أتحسر على العباد. وعن ابن ms5186 عباس ~~والضحاك وغيرهما: " يا حسرة العباد " مضاف بحذف " على ". وهو خلاف المصحف. ~~وجاز أن يكون من باب الإضافة إلى الفاعل فيكون العباد فاعلين، كأنهم إذا ~~شاهدوا العذاب تحسروا فهو كقولك يا قيام زيد. ويجوز أن تكون من باب الإضافة ~~إلى المفعول، فيكون العباد مفعولين، فكأن العباد يتحسر عليهم من يشفق لهم. ~~وقراءة من قرأ: " يا حسرة على العباد " مقوية لهذا المعنى. PageV15P023 # قال سيبويه: " أن " بدل من " كم "، ومعنى كم ها هنا الخبر، فلذلك جاز أن ~~يبدل منها ما ليس باستفهام. # والمعنى: ألم يروا أن القرون الذين أهلكناهم أنهم إليهم لا يرجعون. وقال ~~الفراء: " كم " في موضع نصب من وجهين: أحدهما ب " ير وا " واستشهد على هذا ~~بأنه في قراءة ابن مسعود " ألم يروا من أهلكنا ". والوجه الآخر أن يكون " ~~كم " في موضع نصب ب " أهلكنا ". # قال النحاس: القول الأول محال، لأن " كم " لا يعمل فيها ما قبلها، لأنها ~~استفهام، ومحال أن يدخل الاستفهام في خبر ما قبله. وكذا حكمها إذا كانت ~~خبرا، وإن كان سيبويه قد أومأ إلى بعض هذا فجعل " أنهم " بدلا من كم. وقد ~~رد ذلك محمد بن يزيد أشد رد، وقال: # " كم " في موضع نصب ب " أهلكنا " و " أنهم " في موضع نصب، والمعنى عنده ~~بأنهم أي " ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون " بالاستئصال. قال: والدليل ~~على هذا أنها في قراءة عبد الله " من أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا ~~يرجعون ". وقرأ الحسن: " إنهم إليهم لا يرجعون " بكسر الهمزة على ~~الاستئناف. وهذه الآية رد على من زعم أن من الخلق من يرجع قبل القيامة بعد ~~الموت. يريد يوم القيامة للجزاء. وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة: " وإن كل لما ~~" بتشديد " لما ". وخفف الباقون. # فإن مخففة من الثقيلة وما بعدها مرفوع بالابتداء، وما بعده الخبر. وبطل ~~عملها حين تغير لفظها. ولزمت اللام في الخبر فرقا بينها وبين إن التي بمعنى ~~ما. " وما " عند أبي عبيدة زائدة. # والتقدير عنده: وإن كل لجميع. قال الفراء: ومن شدد جعل " لما " بمعنى ms5187 إلا ~~و " إن " بمعنى ما، أي ما كل إلا لجميع، كقوله: " إن هو إلا رجل به جنة " ~~[المؤمنون: 25]. وحكى سيبويه: # في قوله سألتك بالله لما فعلت. وزعم الكسائي أنه لا يعرف هذا. وقد مضى ~~هذا المعنى في [هود] (1). وفي حرف أبي " وإن منهم إلا جميع لدينا محضرون ". # PageV15P024 # قوله تعالى: وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه ~~يأكلون وجعلنا فيها جنت من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون ليأكلوا من ~~ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون ومما لا يعملون قوله تعالى: " وآية لهم ~~الأرض الميتة أحييناها " نبههم الله تعالى بهذا على إحياء الموتى، وذكرهم ~~توحيده وكمال قدرته، وهي الأرض الميتة أحياها بالنبات وإخراج الحب منها. ~~وشدد أهل المدينة " الميتة " وخفف الباقون، وقد تقدم. " فمنه " أي من الحب ~~" يأكلون " وبه يتغذون. و شدد أهل المدينة " الميتة " وخفف الباقون وقد ~~تقدم (1). " وجعلنا فيها " أي في الأرض. " جنات " أي بساتين. # " من نخيل وأعناب " وخصصهما بالذكر، لأنهما أعلى الثمار. " وفجرها فيها ~~من العيون " أي في البساتين. " يأكلوا من ثمره " الهاء في " ثمره " تعود ~~على ماء العيون، لأن الثمر منه اندرج، قاله الجرجاني والمهدوي وغيرهما. ~~وقيل: أي ليأكلوا من ثمر ما ذكرنا، كما قال: # " وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه " [النحل: 66]. وقرأ ~~حمزة والكسائي: " من ثمره " بضم الثاء والميم. وفتحهما الباقون. وعن الأعمش ~~ضم الثاء وإسكان الميم. وقد مضى الكلام فيه في [الأنعام] (2). " ما " في ~~موضع خفض على العطف على " من ثمره " أي ومما عملته أيديهم. وقرأ الكوفيون: ~~" وما عملت " بغير هاء. الباقون " عملته " على الأصل من غير حذف. وحذف ~~الصلة أيضا في الكلام كثير لطول الاسم. # ويجوز أن تكون " ما " نافية لا موضع لها فلا تحتاج إلى صلة ولا راجع. أي ~~ولم تعمله أيديهم من الزرع الذي أنبته الله لهم. وهذا قول ابن عباس والضحاك ~~ومقاتل. وقال غيرهم: # المعنى ومن الذي عملته أيديهم أي من الثمار، ومن أصناف الحلاوات ~~والأطعمة، ومما # PageV15P025 # اتخذوا من الحبوب بعلاج كالخبز والدهن المستخرج من السمسم ms5188 والزيتون. ~~وقيل: يرجع ذلك إلى ما يغرسه الناس. روي معناه عن ابن عباس أيضا. # نعمه. # نزه نفسه سبحانه عن قول الكفار، إذ عبدوا غيره مع ما رأوه من نعمه وآثار ~~قدرته. وفيه تقدير الأمر، أي سبحوه ونزهوه عما لا يليق به. وقيل: فيه معنى ~~التعجب، أي عجبا لهؤلاء في كفرهم مع ما يشاهدونه من هذه الآيات، ومن تعجب ~~من شئ قال: سبحان الله. والأزواج الأنواع والأصناف، فكل زوج صنف، لأنه ~~مختلف في الألوان والطعوم والأشكال والصغر والكبر، فاختلافها هو ازدواجها. ~~وقال قتادة: يعني الذكر والأنثى. (مما تنبت الأرض) يعني من النبات، لأنه ~~أصناف. (ومن أنفسهم) يعني وخلق منهم أولادا أزواجا ذكورا وإناثا. و (مما لا ~~يعلمون) أي من أصناف خلقه في البر والبحر والسماء والأرض. ثم يجوز أن يكون ~~ما يخلقه لا يعلمه البشر وتعلمه الملائكة. ويجوز ألا يعلمه مخلوق. ووجه ~~الاستدلال في هذه الآية أنه إذا انفرد بالخلق فلا ينبغي أن يشرك به. # قوله تعالى: وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون والشمس تجرى ~~لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم قوله تعالى: (وآية لهم الليل نسلخ منه ~~النهار) أي وعلامة دالة على توحيد الله وقدرته ووجوب إلاهيته. والسلخ: ~~الكشط والنزع، يقال: سلخه الله من دينه، ثم تستعمل بمعنى الإخراج. وقد جعل ~~ذهاب الضوء ومجئ الظلمة كالسلخ من الشئ وظهور المسلوخ فهي استعارة. و ~~(مظلمون) داخلون في الظلام، يقال: أظلمنا أي دخلنا في ظلام الليل، وأظهرنا ~~دخلنا في وقت الظهر، وكذلك أصبحنا وأضحينا وأمسينا. وقيل: " منه " بمعنى ~~عنه، والمعنى نسلخ عنه ضياء النهار. " فإذا هم مظلمون " أي في ظلمه، لأن ~~ضوء النهار يتداخل في الهواء فيضئ فإذا خرج منه أظلم. PageV15P026 # قوله تعالى: (والشمس تجرى لمستقر لها) يجوز أن يكون تقديره وآية لهم ~~الشمس. # ويجوز أن يكون الشمس مرفوعا بإضمار فعل يفسره الثاني. ويجوز أن يكون ~~مرفوعا بالابتداء " تجري " في موضع الخبر أي جارية. وفي صحيح مسلم عن أبي ~~ذر قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ms5189 قوله عز وجل: " والشمس تجري ~~لمستقر لها " قال: " مستقرها تحت العرش ". وفيه عن أبي ذر أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال يوما: (أتدرون أين تذهب هذه الشمس) قالوا الله ورسوله ~~أعلم، قال: " إن هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة فلا ~~تزال كذلك حتى يقال لها ارتفعي ارجعي من حيث جئت فترجع فتصبح طالعة من ~~مطلعها ثم تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة ولا تزال كذلك ~~حتى يقال لها ارتفعي ارجعي من حيث جئت فترجع فتصبح طالعة من مطلعها ثم تجري ~~لا يستنكر الناس منها شيئا حتى تنتهي إلى مستقرها ذاك تحت العرش فيقال لها ~~ارتفعي أصبحي طالعة من مغربك فتصبح طالعة من مغربها) فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " أتدرون متى ذلكم ذاك حين " لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن ~~آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا " [الأنعام: 158]). ولفظ البخاري عن ~~أبي ذر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر حين غربت الشمس: " تدري ~~أين تذهب " قلت الله ورسوله أعلم، قال: " فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش ~~فتستأذن فيؤذن لها ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها وتستأذن فلا يؤذن لها يقال ~~لها ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها فذلك قوله تعالى: " والشمس تجري ~~لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم ". ولفظ الترمذي عن أبي ذر قال: دخلت ~~المسجد حين غابت الشمس والنبي صلى الله عليه وسلم جالس. فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: " يا أبا ذر أتدري أين تذهب هذه " قال قلت: الله ورسوله ~~أعلم، قال: " فإنها تذهب فتستأذن في السجود فيؤذن لها وكأنها قد قيل لها ~~اطلعي من حيث جئت فتطلع من مغربها " قال: ثم قرأ " ذلك (1) مستقر لها " قال ~~وذلك قراءة عبد الله. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. # PageV15P027 # وقال عكرمة: إن الشمس إذا غربت دخلت محرابا تحت العرش تسبح الله حتى ~~تصبح، فإذا أصبحت استعفت ربها من الخروج فيقول لها الرب: ولم ذاك؟ قالت: ms5190 ~~إني إذا خرجت عبدت من دونك. فيقول الرب تبارك وتعالى: أخرجي فليس عليك من ~~ذاك شئ، سأبعث إليهم جهنم مع سبعين ألف ملك يقودونها حتى يدخلوهم فيها. ~~وقال الكلبي وغيره: # المعنى تجري إلى أبعد منازلها في الغروب، ثم ترجع إلى أدنى منازلها، ~~فمستقرها بلوغها الموضع الذي لا تتجاوزه بل ترجع منه، كالإنسان يقطع مسافة ~~حتى يبلغ أقصى مقصوده فيقضي وطره، ثم يرجع إلى منزل الأول الذي أبتدأ منه ~~سفره. وعلى تبليغ الشمس أقصى منازلها، وهو مستقرها إذا طلعت الهنعة، وذلك ~~اليوم أطول الأيام في السنة، وتلك الليلة أقصر الليالي، فالنهار خمس عشرة ~~ساعة والليل تسع ساعات، ثم يأخذ في النقصان وترجع الشمس، فإذا طلعت الثريا ~~استوى الليل والنهار، وكل واحد ثنتا عشرة ساعة، ثم تبلغ أدنى منازلها وتطلع ~~النعائم، وذلك اليوم أ قصر الأيام، والليل خمس عشرة ساعة، حتى إذا طلع فرغ ~~الدلو المؤخر استوى الليل والنهار، فيأخذ الليل من النهار كل يوم عشر ثلث ~~ساعة، وكل عشرة أيام ثلث ساعة، وكل شهر ساعة تامة، حتى يستويا ويأخذ الليل ~~حتى يبلغ خمس عشرة ساعة، ويأخذ النهار من الليل كذلك. وقال الحسن: إن للشمس ~~في السنة ثلاثمائة وستين مطلعا، تنزل في كل يوم مطلعا، ثم لا تنزله إلى ~~الحول، فهي تجري في تلك المنازل وهي مستقرها. وهو معنى الذي قبله سواء. ~~وقال ابن عباس: إنها إذا غربت وانتهت إلى الموضع الذي لا تتجاوزه استقرت ~~تحت العرش إلى أن تطلع. # قلت: ما قاله ابن عباس يجمع الأقوال فتأمله. وقيل: إلى انتهاء أمدها عند ~~انقضاء الدنيا وقرأ ابن مسعود وا بن عباس " والشمس تجري لا مستقر لها " أي ~~إنها تجري في الليل والنهار لا وقوف لها ولا قرار، إلى أن يكورها الله يوم ~~القيامة. وقد احتج من خالف المصحف فقال: أنا أقرأ بقراءة ابن مسعود وابن ~~عباس. قال أبو بكر الأنباري: وهذا باطل مردود على من نقله، لأن أبا عمر ~~وروى عن مجاهد عن ابن عباس وابن كثير روى PageV15P028 # عن مجاهد عن ابن ms5191 عباس " والشمس تجري لمستقر لها " فهذان السندان عن ابن ~~عباس اللذان يشهد بصحتهما الإجماع، يبطلان ما روي بالسند الضعيف مما يخالف ~~مذهب الجماعة، وما اتفقت عليه الأمة. # قلت: والأحاديث الثابتة التي ذكرناها ترد قوله، فما أجرأه على كتاب الله، ~~قاتله الله. وقوله: # " لمستقر لها " أي إلى مستقرها، والمستقر موضع القرار. (ذلك تقدير) أي ~~الذي ذكر من أمر الليل والنهار والشمس تقدير " العزيز العليم ". # قوله تعالى: والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم فيه ثلاث ~~مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " والقمر " يكون تقديره وآية لهم القمر. ويجوز أن ~~يكون " والقمر " مرفوعا بالابتداء. وقرأ الكوفيون " والقمر " بالنصب على ~~إضمار فعل وهو اختيار أبي عبيد. قال: لأن قبله فعلا وبعده فعلا، قبله " ~~نسلخ " وبعده " قدرنا ". # النحاس: وأهل العربية جميعا فيما علمت على خلاف ما قال: منهم الفراء قال: ~~الرفع أعجب إلي، وإنما كان الرفع عندهم أولى، لأنه معطوف على ما قبله ~~ومعناه وآية لهم القمر. وقوله: # إن قبله " نسلخ " فقبله ما هو أقرب منه وهو " تجري " وقبله " والشمس " ~~بالرفع. والذي ذكره بعده وهو " قدرناه " قد عمل في الهاء. قال أبو حاتم: ~~الرفع أولى، لأنك شغلت الفعل عنه بالضمير فرفعته بالابتداء. ويقال: القمر ~~ليس هو المنازل فكيف قال: " قدرناه منازل " ففي هذا جوابان: أحدهما قدرناه ~~إذا منازل، مثل: " واسأل القرية " [يوسف: 82]. والتقدير الآخر قدرنا له ~~منازل ثم حذفت اللام، وكان حذفها حسنا لتعدي الفعل إلى مفعولين مثل " ~~واختار موسى قومه سبعين رجلا " [الأعراف: 155]. والمنازل ثمانية وعشرون ~~منزلا، ينزل القمر كل ليلة منها بمنزل، وهي، الشرطان. البطين. الثريا. ~~الدبران. الهقعة. الهنعة. الذراع. # النثرة. الطرف الجبهة. الخراتان. الصرفة. العواء. السماك. الغفر. ~~الزبانيان. PageV15P029 # الإكليل. القلب. الشولة. النعائم. البلدة. سعد الذابح. سعد بلع. سعد ~~السعود. # سعد الأخبية. الفرغ المقدم. الفرغ المؤخر. بطن الحوت. فإذا صار القمر في ~~آخرها عاد إلى أولها، فيقطع الفلك في ثمان وعشرين ليلة. ثم يستسر ثم يطلع ~~هلالا، فيعود في قطع الفلك على المنازل، وهي منقسمة على البروج لكل برج ~~منزلان وثلث. فللحمل الشرطان والبطين ms5192 وثلث الثريا، وللثور ثلثا الثريا ~~والدبران وثلثا الهقعة، ثم كذلك إلى سائرها. وقد مضى في " الحجر " (1) ~~تسمية البروج والحمد لله. وقيل: إن الله تعالى خلق الشمس والقمر من نار ثم ~~كسيا النور عند الطلوع، فأما نور الشمس فمن نور العرش، وأما نور القمر فمن ~~نور الكرسي، فذلك أصل الخلقة وهذه الكسوة. فأما الشمس فتركت كسوتها على ~~حالها لتشعشع وتشرق، وأما القمر فأمر الروح الأمين جناح على وجهه فمحا ضوءه ~~بسلطان الجناح، وذلك أنه روح والروح سلطانه غالب على الأشياء. فبقي ذلك ~~المحو على ما يراه الخلق، ثم جعل في غلاف من ماء، ثم جعل له مجرى، فكل ليلة ~~يبدو للخلق من ذلك الغلاف قمرا بمقدار ما يقمر لهم حتى ينتهي بدؤه، ويراه ~~الخلق بكماله واستدارته. ثم لا يزال يعود إلى الغلاف كل ليلة شئ منه فينقص ~~من الرؤية والإفمار بمقدار ما زاد في البدء. ويبتدئ في النقصان من الناحية ~~التي لا تراه الشمس وهي ناحية الغروب حتى يعود كالعرجون القديم، وهو العذق ~~المتقوس ليبسه ودقته. وإنما قيل القمر، لأنه يقمر أي يبيض الجو ببياضه إلى ~~أن يستسر. # الثانية - " حتى عاد كالعرجون القديم " قال الزجاج: هو عود العذق الذي ~~عليه الشماريخ، وهو فعلون من الانعراج وهو الانعطاف، أي سار في منازله، ~~فإذا كان في آخرها دق واستقوس وضاق حتى صار كالعرجون. وعلى هذا فالنون ~~زائدة. وقال قتادة: هو العذق اليابس المنحني من النخلة. ثعلب: " كالعرجون ~~القديم " قال: " العرجون " الذي يبقى من الكباسة في النخلة إذا قطعت، و " ~~القديم " البالي. الخليل: في باب الرباعي " العرجون " أصل العذق وهو أصفر ~~عريض يشبه به الهلال إذا انحنى. الجوهري: # PageV15P030 # العرجون " أصل العذق الذي يعوج وتقطع منه الشماريخ فيبقى على النخل ~~يابسا، وعرجنه ضربه بالعرجون. فالنون على قول هؤلاء أصلية، ومنه شعر أعشى ~~بني قيس: # شرق المسك والعبير (1) بها * فهي صفراء كعرجون القمر فالعرجون إذا عتق ~~ويبس وتوس شبه القمر في دقته وصفرته به. ويقال له أيضا الإهان والكباسة ~~والقنو، وأهل مصر يسمونه الإسباطة. وقرئ: " العرجون ms5193 " بوزن الفرجون وهما ~~لغتان كالبزيون (2) والبزيون، ذكره الزمخشري وقال: هو عود العذق ما بين ~~شماريخه إلى منبته من النخلة. واعلم أن السنة منقسمة على أربعة فصول، لكل ~~فصل سبعة منازل: فأولها الربيع، وأوله خمسة عشر يوما من أذار، وعدد أيامه ~~اثنان وتسعون يوما، تقطع فيه الشمس ثلاثة بروج: الحمل، والثور، والجوزاء، ~~وسبعة منازل: الشرطان والبطين والثريا والدبران والهقعة والهنعة والذراع. ~~ثم يدخل فصل الصيف في خمسة عشر يوما من حزيران، وعدد أيامه اثنان وتسعون ~~يوما، تقطع الشمس فيه ثلاثة بروج: الشرطان، والأسد، والسنبلة، وسبعة منازل: ~~وهي النثرة والطرف والجبهة والخراتان والصرفة والعواء والسماك. # ثم يدخل فصل الخريف في خمسة عشر يوما من أيلول، وعدد أيامه أحد وتسعون ~~يوما، تقطع فيه الشمس ثلاثة بروج، وهي الميزان، والعقرب، والقوس، وسبعة ~~منازل الغفر والزبانان والإكليل والقلب والشولة والنعائم والبلدة. ثم يدخل ~~فصل الشتاء في خمسة عشر يوما من كانون الأول، وعدد أيامه تسعون يوما وربما ~~كان أحدا وتسعين يوما، تقطع فيه الشمس ثلاثة بروج: وهي الجدي والدلو ~~والحوت، وسبعة منازل سعد الذابح وسعد بلع وسعد السعود وسعد الأخبية والفرغ ~~المقدم، والفرغ المؤخر وبطن الحوت. وهذه قسمة السريانيين لشهورها: تشرين ~~الأول، تشرين الثاني، كانون الأول، كانون الثاني، أشباط، آذار، نيسان، ~~أيار، حزيران، تموز، آب، أيلول، وكلها أحد وثلاثون إلا تشرين الثاني ونيسان ~~وحزيران وأيلول، فهي ثلاثون، وأشباط ثمانية وعشرون يوما وربع يوم. # PageV15P031 # وإنما أردنا بهذا أن تنظر في قدرة الله تعالى فذلك قوله تعالى: " والقمر ~~قدرناه منازل " فإذا كانت الشمس في منزل أهل الهلال بالمنزل الذي بعده، ~~وكان الفجر بمنزلتين من قبله، فإذا كانت الشمس بالثريا في خمسة وعشرين وما ~~من نيسان، كان الفجر بالشرطين، وأهل الهلال بالدبران، ثم يكون له في كل ~~ليلة منزلة حتى يقطع في ثمان وعشرين ليلة ثمانيا وعشرين منزلة. وقد قطعت ~~الشمس منزلتين فيقطعهما، ثم يطلع في المنزلة التي بعد منزلة الشمس ف " ذلك ~~تقدير العزيز العليم ". # الثالثة - قوله تعالى: " القديم " قال الزمخشري: القديم المحول وإذا قدم ~~دق وانحنى ms5194 واصفر فشبه القمر به من ثلاثة أوجه. وقيل: أقل عدة الموصوف بالقد ~~يم لحول، فلو أن رجلا قال: كل مملوك لي قديم فهو حر، أو كتب ذلك في وصيته ~~عتق من مضى له حول أو أكثر. # قلت: قد مضى في " البقرة " (1) ما يترتب على الأهلة من الأحكام والحمد ~~لله. # قوله تعالى: لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل ~~في فلك يسبحون قوله تعالى: " لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر " رفعت ~~الشمس بالابتداء، ولا يجوز أن تعمل " لا " في معرفة. وقد تكلم العلماء في ~~معنى هذه الآية، فقال بعضهم: معناها أن الشمس لا تدرك القمر فتبطل معناه. ~~أي لكل واحد منهما سلطان على حياله، فلا يدخل أحدهما على الآخر فيذهب ~~سلطانه، إلى أن يبطل الله ما دبر من ذلك، فتطلع الشمس من مغربها على ما ~~تقدم في آخر سورة " الأنعام " (2) بيانه. وقيل: إذا طلعت الشمس لم يكن ~~للقمر ضوء، وإذا طلع القمر لم يكن للشمس ضوء. روي معناه عن ابن عباس ~~والضحاك وقال مجاهد: أي لا يشبه ضوء أحدهما ضوء الآخر. وقال قتادة: لكل حد ~~وعلم لا يعدوه # PageV15P032 # ولا يقصر دونه إذا جاء سلطان هذا ذهب سلطان هذا. وقال الحسن: إنهما لا ~~يجتمعان في السماء ليلة الهلال خاصة. أي لا تبقى الشمس حتى يطلع القمر، ~~ولكن إذا غربت الشمس طلع القمر. يحيى بن سلام: لا تدرك الشمس القمر ليلة ا ~~لبدر خاصة لأنه يبادر بالمغيب قبل طلوعها. وقيل: معناه إذا اجتمعا في ~~السماء كان أحدهما بين يدي الآخر في منازل لا يشتركان فيها، قاله ابن عباس ~~أيضا. وقيل: القمر في السماء الدنيا والشمس في السماء الرابعة فهي لا ~~تدركه، ذكره النحاس والمهدوي. قال النحاس: وأحسن ما قيل في معناها وأبينه ~~مما لا يدفع أن سير القمر سير سريع والشمس لا تدركه في السير ذكره المهدوي ~~أيضا. فأما قول سبحانه: " وجمع الشمس والقمر " [القيامة: 9] فذلك حين حبس ~~الشمس عن الطلوع على ما تقدم بيانه في آخر ms5195 " الأنعام " (1) ويأتي في سورة " ~~القيامة " أيضا. وجمعهما علامة لانقضاء الدنيا وقيام الساعة. # " وكل " يعنى من الشمس والقمر والنجوم " في فلك يسبحون " أي يجرون. وقيل: ~~يدورون. ولم يقل تسبح، لأنه وصفها بفعل من يعقل. وقال الحسن: الشمس والقمر ~~والنجوم في فلك بين السماء والأرض غير ملصقة، ولو كانت ملصقة ما جرت، ذكره ~~الثعلبي والماوردي. واستدل بعضهم بقول تعالى: # " ولا الليل سابق النهار " على أن النهار مخلوق قبل الليل، وأن الليل لم ~~يسبقه بخلق. وقيل: # كل واحد منهما يجئ وقته ولا يسبق صاحبه إلى أن يجمع بين الشمس والقمر يوم ~~القيامة، كما قال: " وجمع الشمس والقمر " وإنما هذا التعاقب الآن لتتم ~~مصالح العباد " لتعلموا عدد السنين والحساب " [يونس: 5] ويكون الليل ~~للإجمام والاستراحة، والنهار للتصرف، كما قال تعالى: # " ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله " ~~[القصص: 73] وقال: " وجعلنا نومكم سباتا " أي راحة لأبدانكم من عمل النهار. ~~فقوله: " ولا الليل سابق النهار " أي غالب النهار، يقال: سبق فلان فلانا أي ~~غلبه. وذكر المبرد قال: سمعت عمارة يقرأ: " ولا الليل سابق النهار " فقلت ~~ما هذا؟ قال: أردت سابق النهار فحذفت التنوين، لأنه أخف. قال النحاس: # يجوز أن يكون " النهار " منصوبا بغير تنوين ويكون التنوين حذف لالتقاء ~~الساكنين. # PageV15P033 # قوله تعالى: وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون وخلقنا لهم من ~~مثله ما يركبون وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون الا رحمة منا ~~ومتاعا إلى حين قوله تعالى: " وآية لهم " يحتمل ثلاثة معان: أحدها عبرة ~~لهم، لأن في الآيات اعتبارا. الثاني نعمة عليهم، لأن في الآيات إنعاما. ~~الثالث انذار لهم، لأن في الآيات إنذارا. " أنا حملنا ذرياتهم (1) في الفلك ~~المشحون " من أشكل ما في السورة، لأنهم هم المحمولون. فقيل المعنى وآية ~~لأهل مكة أنا حملنا ذرية القرون الماضية " في الفلك المشحون " فالضميران ~~مختلفان، ذكره المهدوي. وحكاه النحاس عن علي بن سليمان أنه سمعه يقوله. # وقيل: الضميران جميعا لأهل مكة على أن يكون ذرياتهم أولادهم وضعفاءهم، ~~فالفلك على القول الأول ms5196 سفينة نوح. وعلى الثاني يكون اسما للجنس، خبر جل ~~وعز بلطفه وامتنانه أنه خلق السفن يحمل فيها من يحمل فيها من يصعب عليه ~~المشي والركوب من الذمة والضعفاء، فيكون الضميران على هذا متفقين. وقيل: ~~الذرية الآباء والأجداد، حملهم الله تعالى في سفينة نوح عليه السلام، ~~فالآباء ذرية والأبناء ذرية، بدليل هذه الآية، قاله أبو عثمان. وسمي الآباء ~~ذرية، لأن منهم ذرأ الأبناء. وقول رابع: أن الذرية النطف حملها الله تعالى ~~في بطون ا لنساء تشبيها بالفلك المشحون، قاله علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه، ذكره الماوردي. وقد مضى في " البقرة " (2) اشتقاق الذرية والكلام فيها ~~مستوفى. و " المشحون " المملوء الموقر و " الفلك " يكون واحدا وجمعا. وقد ~~تقدم في " يونس " (3) القول فيه. # قوله تعالى: " وخلقنا لهم من مثله ما يركبون " والأصل يركبونه فحذفت ~~الهاء لطول الاسم (4) وأنه رأس آية. وفي معناه ثلاثة أقوال: مذهب مجاهد ~~وقتادة وجماعة من أهل التفسير، # PageV15P034 # وروي عن ابن عباس أن معنى " من مثله " للإبل، خلقها لهم للركوب في البر ~~مثل السفن المركوبة في البحر، والعرب تشبه الإبل بالسفن. قال طرفة: # كأن حدوج المالكية غدوة * خلايا سفين بالنواصف من دد (1) جمع خلية وهي ~~السفينة العظيمة. والقول الثاني أنه للإبل والدواب وكل ما يركب. والقول ~~الثالث أنه للسفن، النحاس: وهو أصحها لأنه متصل الإسناد عن ابن عباس. " ~~وخلقنا لهم من مثله ما يركبون " قال: خلق لهم سفنا أمثالها يركبون فيها. ~~وقال أبو مالك: إنها السفن الصغار خلقها مثل السفن الكبار، وروي عن ابن ~~عباس والحسن. وقال الضحاك وغيره: هي السفن المتخذة بعد سفينة نوح. قال ~~الماوردي: ويجئ على مقتضى تأويل علي رضي الله عنه في أن الذرية في الفلك ~~المشحون هي النطف في بطون النساء قول خامس في قوله: " وخلقنا لهم مثله ما ~~يركبون " أن يكون تأويله النساء خلقن لركوب الأزواج لكن لم أره محكيا. # قوله تعالى: " وإن نشأ نغرقهم " أي في البحر فترجع الكناية إلى أصحاب ~~الذرية، أو إلى الجميع، وهذا يدل على صحت قول ابن عباس ms5197 ومن قال إن المراد " ~~من مثله " السفن لا الإبل. # " فلا صريخ لهم " أي لا مغيث لهم رواه سعيد عن قتادة. وروى شيبان عنه فلا ~~منعة لهم ومعناهما متقاربان. و " صريخ " بمعنى مصرخ فعيل بمعنى فاعل. ويجوز ~~" فلا صريخ لهم "، لأن بعده ما لا يجوز فيه إلا الرفع، لأنه معرفة وهو " ~~ولا هم ينقذون " والنحويون يختارون لا رجل في الدار ولا زيد. ومعنى: " ~~ينقذون " يخلصون من الغرق. # وقيل: من العذاب. " الا رحمة منا " قال الكسائي: هو نصب على الاستثناء. ~~وقال الزجاج: نصب مفعول من أجله، أي للرحمة " ومتاعا " معطوف عليه. " إلى ~~حين " إلى الموت، قاله قتادة. يحيى بن سلام: إلى القيامة أي إلا أن نرحمهم ~~ونمتعهم إلى آجالهم، وأن الله عجل عذاب الأمم السالفة، وأخر عذاب أمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم وإن كذبوه إلى الموت والقيامة. # PageV15P035 # قوله تعالى: وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم لعلكم ترحمون ~~وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين وإذا قيل لهم أنفقوا ~~مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه ~~إن أنتم إلا في ضلل مبين ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ما ينظرون ~~إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون ~~قوله تعالى: " وإذا قيل لهم ابقوا ما بين أيديكم وما خلفكم " قال قتادة: ~~يعني " اتقوا ما بين أيديكم " أي من الوقائع فيمن كان قبلكم من الأمم " وما ~~خلفكم " من الآخرة. ابن عباس وابن جبير ومجاهد: " ما بين أيديكم " ما مضى ~~من الذنوب " وما خلفكم " ما يأتي من الذنوب. الحسن: " ما بين أيديكم " ما ~~مضى من أجلكم " وما خلفكم " ما بقي منه. وقيل: " ما بين أيديكم " من ~~الدنيا، " وما خلفكم " من عذاب الآخرة، قال سفيان. وحكى عكس هذا القول ~~الثعلبي عن ابن عباس. قال: " ما بين أيديكم " من أمر الآخرة وما عملوا لها، ~~" وما خلفكم " من أمر الدنيا فاحذروها ولا تغتروا بها. # وقيل: " ما بين ms5198 أيديكم " ما ظهر لكم " وما خلفكم " ما خفي عنكم. والجواب ~~محذوف والتقدير إذا قيل لهم ذلك أعرضوا، دليله قول بعد: " وما تأتيهم من ~~آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين " فأكتفي بهذا عن ذلك. # قوله تعالى: " وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله " أي تصدقوا على ~~الفقراء. قال الحسن: يعني اليهود أمروا بإطعام الفقراء. وقيل: هم المشركون ~~قال لهم فقراء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: أعطونا ما زعمتم من أموالكم ~~أنها لله، وذلك قوله: " وجعلوا لله مما PageV15P036 # ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا " [الأنعام: 136] فحرموهم وقالوا: لو شاء ~~الله أطعمكم - استهزاء - فلا نطعمكم حتى ترجعوا إلى ديننا. قالوا " أتطعم " ~~أي أنرزق " من لو يشاء الله أطعمه " كان بلغهم من قول المسلمين: أن الرازق ~~هو الله. فقالوا هزءا أنرزق من لو يشاء الله أغناه. # وعن ابن عباس: كان بمكة زنادقة، فإذا أمروا بالصدقة على المساكين قالوا: ~~لا والله أيفقره الله ونطعمه نحن. وكانوا يسمعون المؤمنين يعلقون أفعال ~~الله تعالى بمشيئته فيقولون: # لو شاء الله لأغنى فلانا، ولو شاء الله لأعز، ولو شاء الله لكان كذا. ~~فأخرجوا هذا الجواب مخرج الاستهزاء بالمؤمنين، وبما كانوا يقولونه من تعليق ~~الأمور بمشيئة الله تعالى. وقيل: # قالوا هذا تعلقا بقول المؤمنين لهم: " أنفقوا مما رزقكم الله " أي فإذا ~~كان الله رزقنا فهو قادر على أن يرزقكم فلم تلتمسون الرزق منا؟. وكان هذا ~~الاحتجاج باطلا، لأن الله تعالى إذا ملك عبدا مالا ثم أوجب عليه فيه حقا ~~فكأنه انتزع ذلك القدر منه، فلا معنى للاعتراض. وقد صدقوا في قولهم: لو شاء ~~الله أطعمهم ولكن كذبوا في الاحتجاج. ومثله قوله: " سيقول الذين أشركوا لو ~~شاء الله ما أشركنا " [الأنعام: 148]، وقوله: " قالوا نشهد إنك لرسول الله ~~والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون " [المنافقون: 1]. # " إن أنتم إلا في ضلال مبين " قيل هو من قول الكفار للمؤمنين، أي في سؤال ~~المال وفي اتباعكم محمدا. قال معناه مقاتل وغيره. وقيل: هو من قول أصحاب ~~النبي صلى الله عليه ms5199 وسلم لهم. وقيل: # من قول الله تعالى للكفار حين ردوا بهذا الجو أب. وقيل: إن أبا بكر ~~الصديق رضي الله عنه كان يطعم مساكين المسلمين فلقيه أبو جهل فقال: يا أبا ~~بكر أتزعم أن الله قادر على إطعام هؤلاء؟ قال: نعم. قال: فما باله لم ~~يطعمهم؟ قال: ابتلى قوما بالفقر، وقوما بالغنى، وأمر الفقراء بالصبر، وأمر ~~الأغنياء بالإعطاء. فقال: والله يا أبا بكر ما أنت إلا في ضلال أتزعم أن ~~الله قادر على إطعام هؤلاء وهو لا يطعمهم ثم تطعمهم أنت؟ فنزلت هذه الآية، ~~ونزل قوله تعالى: " فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى " [الليل: 5 - 6] ~~الآيات. وقيل: # نزلت الآية في قوم من الزنادقة، وقد كان فيهم أقوام يتزندقون فلا يؤمنون ~~بالصانع واستهزؤوا بالمسلمين بهذا القول، ذكره القشيري والماوردي. ~~PageV15P037 # قوله تعالى: " ويقولون متى هذا الوعد " لما قيل لهم: " اتقوا ما بين ~~أيديكم وما خلفكم " قالوا: " متى هذا الوعد " وكان هذا استهزاء منهم أيضا ~~أي لا تحقيق لهذا الوعيد. # قال الله تعالى: " ما ينظرون " أي ما ينتظرون " إلا صيحة واحدة " وهي ~~نفخة إسرافيل " تأخذهم وهم يختصمون " أي يختصمون في أمور دنياهم فيموتون في ~~مكانهم، وهذه نفخة الصعق. وفي " يختصمون " خمس قراءات: قرأ أبو عمرو وابن ~~كثير " وهم يختصمون " بفتح الياء و الخاء وتشديد الصاد. وكذا روى ورش عن ~~نافع. فأما أصحاب القراءات وأصحاب نافع سوى ورش فرو وا عنه " يختصمون " ~~بإسكان الخاء وتشديد الصاد على الجمع بين ساكنين. وقرأ عاصم والكسائي " وهم ~~يختصمون " بإسكان الخاء وتخفيف الصاد من خصمه. وقرأ عاصم والكسائي " وهم ~~يختصمون " بكسر الخاء وتشديد الصاد ومعناه يختصم بعضهم بعضا. وقيل: تأخذهم ~~وهم عند أنفسهم يختصمون في الحجة أنهم لا يبعثون. وقد روى ابن جبير عن أبي ~~بكر عن عاصم وحماد عن عاصم كسر الياء والخاء والتشديد. قال النحاس: القراءة ~~الولي أبينها والأصل فيها يختصمون فأدغمت التاء في الصاد فنقلت حركتها إلى ~~الخاء - وفى حرف بي " وهم يختصمون " - وإسكان الخاء لا يجوز، لأنه جمع بين ~~ساكنين وليس أحدهما حرف مدولين. ms5200 وقيل: أسكنوا الخاء على أصلها، والمعنى ~~يخصم بعضهم بعضا فحذف المضاف، وجاز أن يكون المعنى يخصمون مجادلهم عند ~~أنفسهم فخذف المفعول، قال الثعلبي: وهي قراءة أبي بن كعب. قال النحاس: فأما ~~" يخصمون " فالأصل فقيه أيضا يختصمون، فأد غمت التاء في الصاد ثم كسرت ~~الخاء لالتقاء الساكنين. وزعم الفراء أن هذه القراءة أجود وأكثر، فترك ما ~~هو أولى من إلقاء حركة التاء على الخاء واجتلب لها حركة أخرى وجمع بين ياء ~~وكسرة، وزعم أنه أجود وأكثر. # وكيف يكون أكثر وبالفتح قراءة الخلق من أهل مكة وأهل البصرة وأهل ~~المدينة! # وما روى عن عاصم من كسر الياء والخاء فللإتباع. وقد مضى هذا في " البقرة ~~" (1) في " يخطف # PageV15P038 # أبصارهم " وفى " يونس " (1) في " يهدى ". وقال عكرمة في قوله جل وعز " ~~إلا صيحة واحدة " قال: هي النفخة الأولى في الصور. وقال أبو هريرة: ينفخ في ~~الصور والناس في أسواقهم، فمن حالب لقحة، ومن ذارع ثوبا، ومن مار في حاجة. ~~وروى نعيم عن أبي هريرة قال قال رسول الله عليه وسلم: " تقوم الساعة ~~والرجلان قد نشرا ثوبهما يتبايعانه فلا يطويانه حتى تقوم الساعة، والرجل ~~يليط (2) حوضه ليسقي ماشيته فما يسقيها حتى تقوم الساعة والرجل يخفض ميزانه ~~فما يرفعه حتى تقوم الساعة، والرجل يرفع أكلته إلى فيه فما يتبلعها حتى ~~تقوم الساعة). وفي حديث عبد الله بن عمرو: " وأول من يسمعه رجل يلوط حوض ~~إبله - قال - فيصعق ويصعق الناس " الحديث. # " فلا يستطيعون توصية " أي لا يستطيع بعضهم أن يوصى بعضا لما في يده من ~~حق. وقيل: لا يستطيع أن يوصى بعضهم بعضا بالتوبة والإقلاع بل يموتون في ~~أسواقهم ومواضعهم. " ولا إلى أهلهم يرجعون " إذا ماتوا. وقيل: إن معنى " ~~ولا إلى أهلهم يرجعون " لا يرجعون إليهم قولا. وقال قتادة: # " ولا إلى أهلهم يرجعون " أي إلى منازلهم، لأنهم قد أعجلوا عن ذلك. # قوله تعالى: ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون قالوا يا ~~ويلتنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون ان كانت الا ms5201 ~~صيحة وحده فإذا هم جميع لدينا محضرون فاليوم لا تظلم نفس شيئا ولا تجزون ~~الا ما كنتم تعملون قوله تعالى: " ونفخ في الصور " هذه النفخة الثانية ~~للنشأة. وقد بينا في سورة " النمل " (3) أنهما نفختان لا ثلاث. وهذه الآية ~~دال ء على ذلك. وروى المبارك بن # PageV15P039 # فضالة عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بين النفختين ~~أربعون سنة الأولى يميت الله بها كل حي والأخرى يحيى الله بها كل ميت ". ~~وقال قتادة: الصور جمع صورة، أي نفخ في الصور الأرواح. وصورة وصور مثل ~~سورة، قال العجاج: # ورب ذي سرادق محجور * سرت إليه في أعالي السور وقد روى عن أبي هريرة أنه ~~قرأ " ونفخ في الصور ". النحاس: والصحيح أن " الصور " بإسكان الواو. القرن، ~~جاء بذلك التوقيف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك معروف في كلام ~~العرب. أنشد أهل اللغة: # نحن نطحناهم غداة الغورين * بالضابحات في غبار النقعين * نطحا شديدا لا ~~كنطح الصورين * وقد مضى هذا في " الأنعام " (1) مستوفى. " فإذا هم من ~~الأجداث " أي القبور. وقرى بالفاء " من الأجداف " ذكره الزمخشري. يقال جدث ~~وجدف. و اللغة الفصيحة الجدث بالثاء والجمع أجدث وأجداث، قال المتنخل ~~الهذلي: # عرفت بأجدث فنعاف عرق * علامات كتجير النماط واجتدث أي اتخذ جدثا. " إلى ~~ربهم ينسلون " أي يخرجون، قاله ابن عباس وقتادة. ومنه قول امرى القيس: # * فسلى ثيابي من ثيابك تنسيلى * ومنه قيل للولد نسل، لأنه يخرج من بطن ~~أمه. وقيل: يسرعون. والنسلان والعسلان الإسراع في السير، ومنه مشية الذئب، ~~قال (2): # عسلان الذئب أمسى قاربا * برد الليل عليه فنسل يقال: عسل الذئب ونسل، ~~يعسل وينسل، من باب ضرب يضرب. ويقال: ينسل بالضم أيضا. وهو الإسراع في ~~المشي، فالمعنى يخرجون مسرعين. وفى التنزيل: " ما خلقكم ولا بعثكم # PageV15P040 # إلا كنفس واحدة " [لقمان: 28]، وقال: " يخرجون من الأجداث كأنهم جراد ~~منتشر " [القمر: 7]، وفي " سائل سائل ": # [المعارج: 1] " يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون " ~~[المعارج: 43] أي يسرعون. وفى الخبر: # شكونا إلى النبي صلى الله عليه وسلم الضعف فقال: ms5202 " عليكم بالنسل " أي ~~بالإسراع في المشي فإنه ينشط. # قوله تعالى: (قالوا يا ويلنا) قال ابن الأنباري: " يا ويلنا " وقف حسن ثم ~~تبتدئ " من بعثنا " وروي عن بعض القراء " يا ويلنا من بعثنا " بكسر من ~~والثاء من البعث. # روي ذلك عن علي رضي الله عنه، فعلى هذا المذهب لا يحسن الوقف على قوله: " ~~يا ويلنا " حتى يقول: " من مرقدنا ". وفي قراءة أبي بن كعب " من هبنا " ~~بالوصل " من مرقدنا " فهذا دليل على صحة مذهب العامة. قال المهدوي: قرأ ابن ~~أبي ليلى: " قالوا يا ويلتنا " بزيادة تاء وهو تأنيث الوصل، ومثله: " يا ~~ويلتا أألد وأنا عجوز " [هود: 72]. وقرأ علي رضي الله عنه " يا ويلتا من ~~بعثنا " ف " من " متعلقة بالويل أو حال من " ويلتا " فتتعلق بمحذوف، كأنه ~~قال: # يا ويلتا كائنا من بعثنا، وكما يجوز أن يكون خبرا عنه كذلك يجوز أن يكون ~~حالا منه. و " من " من قوله: " من مرقدنا " متعلقة بنفس البعث. ثم قيل: كيف ~~قالوا هذا وهم من المعذبين في قبورهم؟ فالجواب أن أبي بن كعب قال: ينامون ~~نومة. وفى رواية فيقولون: يا ويلنا من أهبنا من مرقدنا. قال أبو بكر ~~الأنباري: لا يحمل هذا الحديث على أن " أهبنا " من لفظ القرآن كما قال من ~~طعن في القرآن، ولكنه تفسير " بعثنا " أو معبر عن بعض معانيه. # قال أبو بكر: وكذا حفظته " من هبنا " بغير ألف في أهبنا مع تسكين نون من. ~~والصواب فيه على طريق اللغة " من أهبنا " بفتح النون على أن فتحة همزة أهب ~~ألقيت على نون " من " وأسقطت الهمزة، كما قالت العرب: من أخبرك من أعلمك؟ ~~وهم يريدون من أخبرك. # ويقال: أهببت النائم فهب النائم. أنشدنا أحمد بن يحيى النحوي: # وعاذلة هبت بليل تلومني * ولم يعتمرني قبل ذاك عذول وقال أبو صالح: إذا ~~نفخ النفخة الأولى رفع العذاب عن أهل القبور وهجعوا هجعة إلى النفخة ~~الثانية وبينهما أربعون سنة، فذلك قولهم: " من بعثنا من مرقدنا " وقال ابن ~~PageV15P041 # عباس وقتادة. وقال أهل المعاني: إن الكفار إذا عاينوا جهنم ms5203 وما فيها من ~~أنواع العذاب صار ما عذبوا به في قبورهم إلى جنب عذابها كالنوم. قال مجاهد: ~~فقال لهم المؤمنون " هذا ما وعد الرحمن ". قال قتادة: فقال لهم من هدى ~~الله: " هذا ما وعد الرحمن ". وقال الفراء: فقال لهم الملائكة: " هذا ما ~~وعد الرحمن ". النحاس: وهذه الأقوال متفقة، لأن الملائكة من المؤمنين وممن ~~هدى الله عز وجل. وعلى هذا يتأول قول الله عز وجل: " إن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات أولئك هم خير البرية " [البينة: 7] وكذا الحديث: # (المؤمن عند الله خير من كل ما خلق). ويجوز أن تكون الملائكة وغيرهم من ~~المؤمنين قالوا لهم: " هذا ما وعد الرحمن ". وقيل: إن الكفار لما قال بعضهم ~~لبعض: " من بعثنا من مرقدنا " صدقوا الرسل لما عاينوا ما أخبروهم به، ثم ~~قالوا " هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون " فكذبنا به، أقروا حين لم ينفعهم ~~الإقرار. وكا ن حفص يقف على " من مرقدنا " ثم يبتدئ فيقول: " هذا ". قال ~~أبو بكر بن الأنباري: " من بعثنا من مرقدنا " وقف حسن، ثم تبتدئ: " هذا ما ~~وعد الرحمن " ويجوز أن تقف على مرقدنا هذا " فتخفض هذا على الإتباع للمرقد، ~~وتبتدئ: " ما وعد الرحمن " على معنى بعثكم ما وعد الرحمن، أي بعثكم وعد ~~الرحمن. النحاس: التمام على " من مرقدنا " و " هذا " في موضع رفع بالابتداء ~~وخبره " ما وعد الرحمن ". ويجوز أن يكون في موضع خفض على النعت ل " مرقدنا ~~" فيكون التمام " من مرقدنا هذا ". " ما وعد الرحمن " في موضع رفع من ثلاث ~~جهات. # ذكر أبو إسحاق منها اثنتين قال: يكون بإضمار هذا. والجهة الثانية أن يكون ~~بمعنى حق ما وعد الرحمن بعثكم. والجهة الثالثة أن يكون بمعنى ما وعد ~~الرحمن. " ان كانت الا صيحة واحدة " يعني إن بعثهم وإحياءهم كان بصيحة ~~واحدة وهي قول إسرافيل: أيتها العظام البالية، والأوصال المتقطعة والشعور ~~المتمزقة! إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء. # وهذا معنى قول الحق: " يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج. " [ق: ~~42]. وقال: # " مهطعين إلى الداعي " [القمر: 8] على ما يأتي. وفي قراءة ms5204 ابن مسعود إن ~~صح عنه " إن كانت إلا زقية PageV15P042 # واحدة " والزقية الصيحة، وقد تقدم هذا. " فإذا هم جميع لدينا محضرون " ~~فإذا هم " مبتدأ وخبره " جميع " نكرة، و " محضرون " من صفته. ومعنى " ~~محضرون " مجموعون أحضروا موقف الحساب، وهو كقوله: " وما أمر الساعة إلا ~~كلمح البصر " [النحل: 77]. قوله تعالى: # " فاليوم لا تظلم نفس شيئا " أي لا تنقص من ثواب عمل. " ولا تجزون الا ما ~~كنتم تعملون " " ما " في محل نصب من وجهين: الأول أنه مفعول ثان لما لم يسم ~~فاعله. والثاني بنزع حرف الصفة تقديره: إلا بما كنتم تعملون، أي تعملونه ~~فحذف. # قوله تعالى: إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فكهون هم وأزواجهم في ظلل على ~~الأرائك متكئون لهم فيها فكهة ولهم ما يدعون سلم قولا من رب رحيم وامتازوا ~~اليوم أيها المجرمون قوله تعالى: " إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون " ~~قال ابن مسعود وابن عباس وقتادة ومجاهد: شغلهم افتضاض العذارى. وذكر ~~الترمذي الحكيم في كتاب مشكل القرآن له: # حدثنا محمد بن حميد الرازي، حدثنا يعقوب القمي، عن حفص بن حميد، عن شمر ~~بن عطية، عن شقيق بن سلمة، عن عبد الله بن مسعود في قوله " إ ن أصحاب الجنة ~~اليوم في شغل فاكهون " قال: شغلهم افتضاض العذارى. حدثنا محمد بن حميد، ~~حدثنا هارون بن المغيرة، عن نهشل، عن الضحاك، عن ابن عباس بمثله. وقال أبو ~~قلابة: بينما الرجل من أهل الجنة مع أهله إذ قيل له تحول إلى أهلك فيقول ~~أنا مع أهلي مشغول، فيقال تحول أيضا إلى أهلك. وقيل: # أصحاب الجنة في شغل بما هم فيه من اللذات والنعيم عن الاهتمام بأهل ~~المعاصي ومصيرهم إلى النار، وما هم فيه من أليم العذاب، وإن كان فيهم ~~أقرباؤهم وأهلوهم، قال سعيد بن المسيب وغير ه. # وقال وكيع: يعني في السماع. وقال ابن كيسان: " في شغل " أي في زيارة ~~بعضهم بعضا. # وقيل: في ضيافة الله تعالى. وروي أنه إذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين ~~عبادي الذين PageV15P043 # أطاعوني وحفظوا عهدي بالغيب؟ فيقومون ms5205 كأنما وجوههم البدر والكوكب الدري، ~~ركبانا على نجب من نور أزمتها من الياقوت، تطير بهم على رؤوس الخلائق، حتى ~~يقوموا بين يدي العرش، فيقول الله جل وعز لهم: السلام على عبادي الذين ~~أطاعوني وحفظوا عهدي بالغيب، أنا اصطفيتكم وأنا اجتبيتكم وأنا اخترتكم، ~~اذهبوا فأدخلوا الجنة بغير حساب ف " لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون " ~~[الزخرف: 68]) فيمرون على الصراط كالبرق الخاطف فتفتح لهم أبوابها. ثم إن ~~الخلق في المحشر موقوفون فيقول بعضهم لبعض: يا قوم أين فلان وفلان، وذلك ~~حين يسأل بعضهم بعضا فينادي مناد " إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون ". # و " شغل " و " شغل " لغتان قر ئ بهما، مثل الرعب والرعب، والسحت والسحت، ~~وقد تقدم (1). " فاكهون " قال الحسن: مسرورون. وقال ابن عباس: فرحون. مجاهد ~~والضحاك: # معجبون. السدي: ناعمون. والمعنى متقارب. والفكاهة المزاح والكلام الطيب. ~~وقرأ أبو جعفر وشيبة والأعرج: " فكهون " بغير ألف وهما لغتان كالفاره ~~والفره، والحاذر والحذر، قاله الفراء. # وقال الكسائي وأبو عبيدة: الفاكه ذو الفاكهة، مثل شاحم ولاحم وتامر ~~ولابن، والفكه المتفكه والمتنعم. و " فكهون " بغير ألف في قول قتادة ~~معجبون. وقال أبو زيد: يقال رجل فكه إذا كان طيب النفس ضحوكا. وقرأ طلحة بن ~~مصرف: " فاكهين " نصبه على الحال. " هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك ~~متكئون " مبتدأ وخبره. ويجوز أن يكون " هم " توكيدا " وأزواجهم " عطف على ~~المضمر، و " متكئون " نعت لقوله " فاكهون ". # وقراءة العامة: " في ظلال " بكسر الظاء والألف. وقرأ ابن مسعود وعبيد بن ~~عمير والأعمش ويحيى وحمزة والكسائي وخلف: " في ظلل " بضم الظاء من غير ألف، ~~فالظلال جمع ظل، وظلل جمع ظلة. " على الأرائك " يعني السرر في الحجال ~~واحدها أريكة، مثل سفينة وسفائن، قال الشاعر: # كأن احمرار الورد فوق غصونه * بوقت الضحى في روضه المتضاحك خدود عذارى قد ~~خجلن من الحيا * تهادين بالريحان فوق الأرائك # PageV15P044 # وفي الخبر عن أبي سعيد الخدري قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن أهل ~~الجنة كلما جامعوا نساءهم عدن أبكارا. " وقال ابن عباس: إن الرجل من أهل ~~الجنة ليعانق ms5206 الحوراء سبعين سنة، لا يملها ولا تمله، كلما أتاها وجدها ~~بكرا، وكلما رجع إليها عادت إليه شهوته، فيجامعها بقوة سبعين رجلا، لا يكون ~~بينهما مني، يأتي من غير مني منه ولا منها. " لهم فيها فاكهة " ابتداء ~~وخبر. " ولهم ما يدعون " الدال الثانية مبدلة من تاء، لأنه يفتعلون من دعا ~~أي من دعا بشئ أعطيه. قاله أبو عبيدة، فمعنى " يدعون " يتمنون من الدعاء. # وقيل: المعنى أن من أدعى منهم شيئا فهو له، لأن الله تعالى قد طبعهم على ~~ألا يدعي منهم أحد إلا ما يجمل ويحسن أن يدعيه. وقال يحيى بن سلام: " يدعون ~~" يشتهون. # ابن عباس. يسألون. والمعنى متقارب. قال ابن الأنباري: " ولهم ما يدعون " ~~وقف حسن، ثم تبتدئ: " سلام " على معنى ذلك لهم سلام. ويجوز أن يرفع السلام ~~على معنى ولهم ما يدعون مسلم خالص. فعلى هذا المذهب لا يحسن الوقف على " ما ~~يدعو ن ". # وقال الزجاج: " سلام " مرفوع على البدل من " ما " أي ولهم أن يسلم الله ~~عليهم، وهذا منى أهل الجنة. وروي من حديث جرير بن عبد الله البجلي أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: (بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور ~~فرفعوا رؤوسهم فإذا الرب تعالى قد اطلع عليهم من فوقهم فقال السلام عليكم ~~يا أهل الجنة فذلك قوله: " سلام قولا من رب رحيم ". # فينظر إليهم وينظرون إليه فلا يلتفتون إلى شئ من النعيم ما داموا ينظرون ~~إليه حتى يحتجب عنهم فيبقى نوره وبركاته عليهم في ديارهم " ذكره الثعلبي ~~والقشيري. ومعناه ثابت في صحيح مسلم، وقد بيناه في " يونس " (1) عند قوله ~~تعالى: " للذين أحسنوا الحسنى وزيادة " [يونس: 26]. ويجوز أن تكون " ما " ~~نكرة، و " سلام " نعتا لها، أي ولهم ما يدعون مسلم. ويجوز أن تكون " ما " ~~رفع بالابتداء، و " سلام " خبر عنها. وعلى هذه الوجوه لا يوقف على " ولهم ~~ما يدعون ". # وفي قراءة ابن مسعود " سلاما " يكون مصدرا، وإن شئت في موضع الحال، أي ~~ولهم # PageV15P045 # ما يدعون ذا سلام أو سلامة أو مسلما، فعلى ms5207 هذا المذهب لا يحسن الوقف على ~~" يدعون " وقرأ محمد بن كعب القرظي " سلم " على الاستئناف كأنه قال: ذلك ~~سلم لهم لا يتنازعون فيه. # ويكون " ولهم ما يدعون " تاما. ويجوز أن يكون " سلام " بدلا من قوله: " ~~ولهم ما يدعون "، وخبر " ما يدعون " " لهم ". ويجوز أن يكون " سلام " خبرا ~~آخر، ويكون معنى الكلام أنه لهم خالص من غير منازع فيه. " قولا " مصدر على ~~معنى قال الله ذلك قولا. أو يقوله قولا، ودل على الفعل المحذوف لفظ مصدره. ~~ويجوز أن يكون المعنى ولهم ما يدعون قولا، أي عدة من الله. فعلى هذا المذهب ~~الثاني لا يحسن الوقف على " يدعون ". وقال السجستاني: الوقف على قوله: " ~~سلام " تام، وهذا خطأ لأن القول خارج مما قبله. # قوله تعالى: " وامتازوا اليوم أيها المجرمون " ويقال تميزوا وأمازوا ~~وامتازوا بمعنى، ومزته فانماز وامتاز، وميزته فتميز. أي يقال لهم هذا عند ~~الوقوف للسؤال حين يؤمر بأهل الجنة إلى الجنة، أي اخرجوا من جملتهم. قال ~~قتادة: عزلوا عن كل خير. وقال الضحاك: يمتاز المجرمون بعضهم من بعض، فيمتاز ~~اليهود فرقة، والنصارى فرقة، والمجوس فرقة، والصابئون فرقة، وعبدة الأوثان ~~فرقة. وعنه أيضا: إن لكل فرقة في النار بيتا تدخل فيه ويرد بابه، فتكون فيه ~~أبدالا ترى وقال داود بن الجراح: فيمتاز المسلمون من المجرمين، إلا أصحاب ~~الأهواء فيكونون مع المجرمين. # قوله تعالى: ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان انه لكم عدو ~~مبين وأن أعبدوني هذا صراط مستقيم ولقد أضل منكم كثيرا أفلم تكونوا تعقلون ~~هذه جهنم التي كنتم توعدون اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون PageV15P046 # قوله تعالى: " ألم أعهد إليكم يا بني آدم " العهد هنا بمعنى الوصية، أي ~~ألم أوصكم وأبلغكم على ألسنة الرسل. " ألا تعبدوا الشيطان " أي لا تطيعوه ~~في معصيتي. قال الكسائي: # لا للنهي. " وأن اعبدوني " وأن اعبدوني " بكسر النون على الأصل، ومن ضم ~~كره كسرة بعدها ضمة. # " هذا صراط مستقيم " أي عبادتي دين قويم. # قوله تعالى: " ولقد أضل منكم " أي أغوى " جبلا كثيرا " أي خلقا كثيرا، ms5208 ~~قاله مجاهد. قتادة: جموعا كثيرة. الكلبي: أمما كثيرة، والمعنى واحد. وقرأ ~~أهل المدينة وعاصم " جبلا " بكسر الجيم والباء. وأبو عمرو وابن عامر " جبلا ~~" بضم الجيم وإسكان الباء. # الباقون " جبلا " ضم الجيم والباء وتخفيف اللام، وشددها الحسن وابن أبي ~~إسحاق وعيسى بن عمر وعبد الله بن عبيد والنضر بن أنس. وقرأ أبو يحيى ~~والأشهب العقيلي " جبلا " بكسر الجيم وإسكان الباء وتخفيف اللام. فهذه خمس ~~قراءات. قال المهدوي والثعلبي: # وكلها لغات بمعنى الخلق. النحاس: أبينها القراءة الأولى، والدليل على ذلك ~~أنهم قد أجمعوا على أن قرؤوا " والجبلة الأولين " [الشعراء: 184] فيكون " ~~جبلا " جمع جبلة والاشتقاق فيه كله واحد. # وإنما هو من جبل الله عز وجل الخلق أي خلقهم. وقد ذكرت قراءة سادسة وهي: # " ولقد أضل منكم جيلا كثيرا " بالياء. وحكي عن الضحاك أن الجيل الواحد ~~عشرة آلاف، والكثير ما لا يحصيه إلا الله عز وجل، ذكره الماوردي. " أفلم ~~تكونوا تعقلون " عداوته وتعلموا أن الواجب طاعة الله. " هذه جهنم " أي تقول ~~لهم خزنة جهنم هذه جهنم التي وعدتم فكذبتم بها. وروي عن أبي هريرة أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا كان يوم القيامة جمع الله الإنس والجن ~~والأولين والآخرين في صعيد واحد ثم أشرف عنق من النار على الخلائق فأحاط ~~بهم ثم ينادي مناد " هذه جهنم التي كنتم توعدون اصلوها اليوم بما كنتم ~~تكفرون " فحينئذ تجثو الأمم على ركبها وتضع كل ذات حمل حملها، وتذهل كل ~~مرضعة عما أرضعت، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد ". ~~PageV15P047 # قوله تعالى: اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما ~~كانوا يكسبون ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون ولو ~~نشاء لمسخناهم على مكانتهم فما استطاعوا مضيا ولا يرجعون ومن نعمره ننكسه ~~في الخلق أفلا يعقلون قوله تعالى: " اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم ~~وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون " في صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال: كنا عند ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك فقال: (هل تدرون ms5209 مم أضحك؟ - قلنا الله ~~ورسوله أعلم قال - من مخاطبة العبد ربه، يقول يا رب ألم تجرني من الظلم ~~قال: يقول بلى فيقول فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهدا مني قال فيقول كفى ~~بنفسك اليوم عليك شهيدا وبالكرام الكاتبين شهودا قال فيختم على فيه فيقال ~~لأركانه انطقي قال فتنطق بأعماله قال: ثم يخلى بينه وبين الكلام فيقول بعدا ~~لكن وسحقا فعنكن كنت أناضل " خرجه أيضا من حديث أبي هريرة. وفيه: " ثم يقال ~~له الآن نبعث شاهدنا عليك ويتفكر في نفسه من ذا الذي يشهد علي فيختم على ~~فيه ويقال لفخذه (ولحمه وعظامه) (1) انطقي فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله ~~وذلك ليعذر من نفسه وذلك المنافق وذلك الذي يسخط الله عليه ". وخرج الترمذي ~~عن معاوية بن حيدة عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ذكره قال: وأشاره ~~بيده إلى الشام فقال " من هاهنا إلى ها هنا تحشرون ركبانا ومشاة وتجرون على ~~وجوهكم يوم القيامة على أفواهكم الفدام توفون سبعين أمة أ نتم خيرهم ~~وأكرمهم على الله وإن أول ما يعرب عن أحدكم فخذه " في رواية أخرى: " فخذه ~~وكفه " الفدام مصفاة الكوز والإبريق، قال الليث. قال أبو عبيد: يعني أنهم ~~منعوا الكلام حتى تكلم أفخاذهم فشبه ذلك بالفدام الذي يجعل على الإبريق. ثم ~~قيل في سبب الختم أربعة أوجه: أحدها: لأنهم قالوا # PageV15P048 # " والله ربنا ما كنا مشركين " [الأنعام: 23] فختم الله على أفواههم حتى ~~نطقت جوارحهم، قاله أبو موسى الأشعري. الثاني: ليعرفهم أهل الموقف فيتميزون ~~منهم، قاله ابن زياد. الثالث: لأن إقرار غير الناطق أبلغ في الحجة من إقرار ~~الناطق لخروجه مخرج الإعجاز، إن كان يوما لا يحتاج إلى إعجاز. الرابع: ~~ليعلم أن أعضاءه التي كانت أعوانا في حق نفسه صارت عليه شهودا في حق ربه. ~~فإن قيل: لم قال " وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم " فجعل ما كان من اليد ~~كلاما، وما كان من الرجل شهادة؟ قيل: إن اليد مباشرة لعمله والرجل حاضرة، ~~وقول الحاضر على غيره شهادة، وقول الفاعل على نفسه إقرار بما ms5210 قال أو فعل، ~~فلذلك عبر عما صدر من الأيدي وبالقول وعما صدر من الأرجل بالشهادة. وقد روي ~~عن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " أول عظم ~~من الإنسان يتكلم يوم يختم على الأفواه فخذه من الرجل اليسرى " ذكره ~~الماوردي والمهدوي. وقال أبو موسى الأشعري: إني لأحسب أن أول ما ينطق منه ~~فخذه اليمنى، ذكره المهدوي أيضا. قال الماوردي: فاحتمل أن يكون تقدم الفخذ ~~بالكلام على سائر الأعضاء، لأن لذة معاصيه يدركها بحواسه التي هي في الشطر ~~الأسفل منها الفخذ، فجاز لقربه منها أن يتقدم في الشهادة عليها. قال: ~~وتقدمت اليسرى، لأن الشهوة في ميامن الأعضاء أقوى منها في مياسرها، فلذلك ~~تقدمت اليسرى على اليمنى لقلة شهوتها. # قلت: أو بالعكس لغلبة الشهوة، أو كلاهما معا والكف، فإن بمجموع ذلك يكون ~~تمام الشهوة واللذة. والله أعلم. # قوله تعالى: " ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون " ~~حكى الكسائي: طمس يطمس ويطمس. والمطموس والطميس عند أهل اللغة الأعمى الذي ~~ليس في عينيه شق. قال ابن عباس: المعنى لأعميناهم عن الهدى، فلا يهتدون ~~أبدا إلى طريق الحق. وقال الحسن والسدي: المعنى لتركناهم عميا يترددون. ~~فالمعنى لأعميناهم فلا يبصرون طريقا إلى تصرفهم في منازلهم ولا غيرها. وهذا ~~اختيار الطبري. وقوله: # " فاستبقوا الصراط " أي استبقوا الطريق ليجوزوا " فأنى يبصرون " أي فمن ~~أين يبصرون. # وقال عطاء ومقاتل وقتادة وروي عن ابن عباس: ولو نشاء لفقأنا أعين ~~ضلالتهم، PageV15P049 # وأعميناهم عن غيهم، وحولنا أبصارهم من الضلالة إلى الهدى، فاهتدوا ~~وأبصروا رشدهم، وتبادروا إلى طريق الآخرة. ثم قال: " فأنى يبصرون " ولم ~~نفعل ذلك بهم، أي فكيف يهتدون وعين الهدى مطموسة، على الضلال باقية. وقد ~~روي عن عبد الله بن سلام في تأويل هذه الآية غير ما تقدم، وتأولها على أنها ~~في يوم القيامة. وقال: إذا كان يوم القيامة ومد الصراط.، نادى مناد ليقم ~~محمد صلى الله عليه وسلم وأمته، فيقومون برهم وفاجرهم يتبعونه ليجوزوا ~~الصراط، فإذا صاروا عليه طمس الله أعين فجارهم، فاستبقوا ms5211 الصراط فمن أين ~~يبصرونه حتى يجاوزوه. ثم ينادي مناد ليقم عيسى وأمته، فيقوم فيتبعونه برهم ~~وفاجرهم فيكون سبيلهم تلك السبيل، وكذا سائر الأنبياء عليهم السلام. ذكره ~~النحاس وقد كتبناه في التذكرة بمعناه حسب ما ذكره ابن المبارك في رقائقه. ~~وذكره القشيري. وقال ابن عباس رضي الله عنه: أخذ الأسود بن الأسود حجرا ~~ومعه جماعة من بني مخزوم ليطرحه على النبي صلى الله عليه وسلم، فطمس الله ~~على بصره، وألصق الحجر بيده، فما أبصره ولا اهتدى، ونزلت الآية فيه. ~~والمطموس هو الذي لا يكون بين جفنيه شق، مأخوذ من طمس الريح الأثر، قاله ~~الأخفش والقتبي. # قوله تعالى: " ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم فما استطاعوا مضيا ولا ~~يرجعون " المسخ: تبديل الخلقة وقلبها حجرا أو جمادا أو بهيمة. قال الحسن: ~~أي لأقعدناهم فلا يستطيعون أن يمضوا أمامهم ولا يرجعوا وراءهم. وكذلك ~~الجماد لا يتقدم ولا يتأخر. وقد يكون المسخ تبديل صورة الإنسان بهيمة، ثم ~~تلك البهيمة لا تعقل موضعا تقصده فتتحير، فلا تقبل ولا تدبر. ابن عباس رضي ~~الله عنه: المعنى لو نشاء لأهلكناهم في مساكنهم. وقيل: المعنى لو نشاء ~~لمسخناهم في المكان الذي اجترأوا فيه على المعصية. ابن سلام: هذا كله يوم ~~القيامة يطمس الله تعالى أعينهم على الصراط. وقرأ الحسن والسلمي وزر بن ~~حبيش وعاصم في رواية أبي بكر " مكاناتهم " على الجمع، الباقون بالتوحيد: ~~وقرأ أبو حياة: " فما استطاعوا مضيا " بفتح الميم. والمضي بضم الميم مصدر ~~يمضي مضيا إذا ذهب. PageV15P050 # قوله تعالى: " ومن نعمره ننكسه في الخلق " قرأ عاصم وحمزة " ننكسه " بضم ~~النون الأولى وتشديد الكاف من التنكيس. الباقون " ننكسه " بفتح النون ~~الأولى وضم الكاف من نكست الشئ أنكسه نكسا قلبته على رأسه فانتكس. قال ~~قتادة: المعنى أنه يصير إلى حال الهرم الذي يشبه حال الصبا. وقال سفيان في ~~قول تعالى: " ومن نعمره ننكسه في الخلق " إذا بلغ ثمانين سنة تغير جسمه ~~وضعفت قوته. قال الشاعر: # من عاش أخلقت الأيام جدته * وخانه ثقتاه السمع والبصر فطول العمر يصير ~~الشباب هرما، والقوة ms5212 ضعفا، والزيادة نقصا، وهذا هو الغالب. وقد تعوذ صلى ~~الله عليه وسلم من أن يرد إلى أرذل العمر. وقد مضى في " النحل " (1) بيانه. # " أفلا تعقلون " أن من فعل هذا بكم قادر على بعثكم. وقرأ نافع وابن ذكوان ~~" تعقلون " بالتاء. الباقون بالياء ". # قوله تعالى: وما علمنه الشعر وما ينبغي له ان هو الا ذكر وقران مبين ~~ليمدر من كان حيا ويحق القول على الكافرين قوله تعالى: " وما علمناه الشعر ~~وما ينبغي له " فيه أربع مسائل: لا أولى - أخبر تعالى عن حال نبيه صلى الله ~~عليه وسلم، ورد قول من قال من الكفار إنه شاعر، وإن القرآن شعر، بقوله: " ~~وما علمناه الشعر وما ينبغي له " وكذلك كان رسول الله صلى عليه وسلم لا ~~يقول الشعر ولا يزنه، وكان إذا حاول إنشاد بيت قديم متمثلا كسر وزنه، وإنما ~~كان يحرز المعاني فقط صلى الله عليه وسلم. من ذلك أنه أنشد يوما قول طرفة: # ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا * ويأتيك من لم تزوده بالأخبار وأنشد يوما ~~وقد قيل له من أشعر الناس فقال الذي يقول: # ألم ترياني كلما جئت طارقا * وجدت بها وإن لم تطب طيبا # PageV15P051 # وأنشد يوما: # أتجعل نهبي ونهب العبيد * بين الأقرع وعيينة وقد كان عليه السلام ربما ~~أنشد بيت المستقيم في النادر. روي أنه أنشد بيت عبد الله بن رواحة: # ببيت يجافي جنبة عن فراشه * إذا استثقلت بالمشركين المضاجع وقال الحسن بن ~~أبي الحسن: أنشد النبي عليه السلام: # كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهيا فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول ~~الله إنما قال الشاعر: # هريرة ودع إن تجهزت غاديا * كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا فقال أبو بكر ~~أو عمر: أشهد أنك رسول الله، يقول الله عز وجل: " وما علمناه الشعر وما ~~ينبغي له ". وعن الخليل بن أحمد: كان الشعر أحب إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من كثير من الكلام، ولكن لا يتأتى له. # الثانية - إصابته الوزن أحيانا لا يوجب أنه يعلم الشعر، وكذلك ما يأتي ~~أحيانا من ms5213 نثر كلامه ما يدخل في ورن، كقول يوم حنين وغيره: # (هل أنت إلا إصبع دميت * وفي سبيل الله ما لقيت) وقوله: # (أنا النبي لا كذب * أنا ابن عبد المطلب) فقد يأتي مثل ذلك في آيات ~~القرآن، وفى كل كلام، وليس ذلك شعرا ولا في معناه، كقوله تعالى: " لن ~~تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون " [آل عمران: 92]، وقوله: " نصر من الله ~~وفتح قريب " [الصف: 13]، وقوله: " وجفان كالجواب وقدور راسيات " [سبأ: 13] ~~إلى غير ذلك من الآيات. # وقد ذكر ابن العربي منها آيات وتكلم عليها وأخرجها عن الوزن، على أن أبا ~~الحسن الأخفش قال في قول: (أنا النبي لا كذب) ليس بشعر. وقال الخليل في ~~كتاب العين: إن ما جاء من السجع على جزأين لا يكون شعرا. وروي عنه أنه من ~~منهوك الرجز. وقد قيل: PageV15P052 # لا يكون من منهوك الرجز إلا بالوقف على الباء من قوله: " لا كذب "، ومن ~~قوله: # " عبد المطلب ". ولم يعلم كيف قاله النبي صلى الله عليه وسلم. قال ابن ~~العربي: # والأظهر من حال أنه قال: " لا كذب " الباء مرفوعة، ويخفض الباء من عبد ~~المطلب على الإضافة. # وقال النحاس قال بعضهم: إنما الرواية بالإعراب، وإذا كانت بالإعراب لم ~~يكن شعرا، لأنه إذا فتح الباء من البيت الأول أو ضمها أو نونها، وكسر الباء ~~من البيت الثاني خرج عن وزن الشعر. وقال بعضهم: ليس هذا الوزن من الشعر. ~~وهذا مكابرة العيان، لأن أشعار العرب على هذا قد رواها الخليل وغيره. وأما ~~قوله: " هل أنت إلا إصبع دميت " فقيل إنه من بحر السريع، وذلك لا يكون إلا ~~إذا كسرت التاء من دميت، فإن سكن لا يكون شعرا بحال، لأن هاتين الكلمتين ~~على هذه الصفة تكون فعول، ولا مدخل لفعول في بحر السريع. # ولعل النبي صلى الله عليه وسلم قالها ساكنة التاء أو متحركة التاء من غير ~~إشباع. والمعول عليه في الانفصال على تسليم أ ن هذا شعر، ويسقط الاعتراض، ~~ولا يلزم منه أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم عالما بالشعر ولا ms5214 شاعر أن ~~التمثل بالبيت النزر وإصابة القافيتين من الرجز وغيره، لا يوجب أن يكون ~~قائلها عالما بالشعر، ولا يسمى شاعرا باتفاق العلماء، كما أن من خاط خيطا ~~لا يكون خياطا. قال أبو إسحاق الزجاج: معنى: " وما علمناه الشعر " وما ~~علمنا ه أن يشعر أي ما جعلناه شاعرا، وهذا لا يمنع أن ينشد شيئا من الشعر. ~~قال النحاس: وهذا من أحسن ما قيل في هذا. وقد قيل: إنما خبر الله عز وجل ~~أنه ما علمه الله الشعر ولم يخبر أنه لا ينشد شعرا، وهذا ظاهر الكلام. وقيل ~~فيه قول بين، زعم صاحبه أنه إجماع من أهل اللغة، وذلك أنهم قالوا: كل من ~~قال قولا موزونا لا يقصد به إلى شعر فليس بشعر وإنما وافق الشعر. وهذا قول ~~بين. قالوا: وإنما الذي نفاه الله عن نبيه عليه السلام فهو العلم بالشعر ~~وأصنافه، وأعاريضه وقوافيه والاتصاف بقوله، ولم يكن موصوفا بذلك بالاتفاق. ~~ألا ترى أن قريشا تراوضت فيما يقولون للعرب فيه إذا قدموا عليهم الموسم، ~~فقال بعضهم: نقول إنه شاعر. فقال أهل الفطنة منهم: والله لتكذبنكم العرب، ~~فإنهم يعرفون PageV15P053 # أصناف الشعر، فوالله ما يشبه شيئا منها، وما قوله بشعر. وقال أنيس أخو ~~أبي ذر: لقد وضعت قوله على أقراء الشعر (1) فلم يلتئم أنه شعر. أخرجه مسلم، ~~وكان أنيس من أشعر العرب. وكذلك عتبة بن أبي ربيعة لما كلمه: والله ما هو ~~بشعر ولا كهانة ولا سحر، على ما يأتي بيانه من خبره في سورة " فصلت " إن ~~شاء الله تعالى. وكذلك قال غيرهما من فصحاء العرب العرباء، واللسن البلغاء. ~~ثم إن ما يجري على اللسان من موزون الكلام لا يعد شعرا، وإنما بعد منه ما ~~يجري على وزن الشعر مع القصد إليه، فقد يقول القائل: حدثنا شيخ لنا وينادي ~~يا صاحب الكسائي، ولا يعد هذا شعرا. وقد كان رجل ينادي في مرضه وهو من عرض ~~العامة العقلاء: اذهبوا بي إلى الطبيب وقولوا قد اكتوى. # الثالثة - روى ابن القاسم عن مالك أنه سئل عن إنشاد ms5215 الشعر فقال: لا تكثرن ~~منه، فمن عيبه أن الله يقول: " وما علمناه الشعر وما ينبغي له " قال: ولقد ~~بلغني أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى أبي موسى الأشعري: أن أجمع ~~الشعراء قبلك، وسلهم عن الشعر، وهل بقي معهم معرفة، وأحضر لبيدا ذلك، قال: ~~فجمعهم فسألهم فقالوا إنا لنعرفه ونقوله. # وسأل لبيدا فقال: ما قلت شعرا منذ سمعت الله عز وجل يقول: " ألم ذلك ~~الكتاب لا ريب فيه " [البقرة: 1 - 2] قال ابن العربي: هذه الآية ليست من ~~عيب الشعر، كما لم يكن قوله: # " وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك " [العنكبوت: 48] من عيب ~~الكتابة، فلما لم تكن الأمية من عيب الخط، كذلك لا يكون نفي النظم عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم من عيب الشعر. # روي أن المأمون قال لأبي علي المنقر ي: بلغني أنك أمي، وأنك لا تقيم ~~الشعر، وأنك تلحن. # فقال: يا أمير المؤمنين، أ ما اللحن فربما سبق لساني منه بشئ، وأما ~~الأمية وكسر الشعر فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكتب ولا يقيم ~~الشعر. فقال له: سألتك عن ثلاثة عيوب فيك فزدتني رابعا وهو الجهل، يا جاهل! ~~إن ذلك كان للنبي صلى الله عليه وسلم فضيلة، وهو فيك وفي أمثالك نقيصة، ~~وإنما منع النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لنفي الظنة عنه، لا لعيب في الشعر ~~والكتابة. # PageV15P054 # الرابعة - قوله تعالى: " وما ينبغي له " أي وما ينبغي له أن يقول. وجعل ~~الله جل وعز ذلك علما من أعلام نبيه عليه السلام لئلا تدخل الشبهة على من ~~أرسل إليه، فيظن أنه قوي على القرآن بما في طبعه من القوة على الشعر. ولا ~~اعتراض لملحد على هذا بما يتفق الوزن فيه من القرآن وكلام الرسول، لأن ما ~~وافق وزنه وزن الشعر، ولم يقصد به إلى الشعر ليس بشعر، ولو كان شعرا لكان ~~كل من نطق بموزون من العامة الذين لا يعرفون الوزن شاعرا، على ما تقدم ~~بيانه. وقال الزجاج: معنى " وما ms5216 ينبغي له " أي ما يتسهل ل قول الشعر إلا ~~الإنشاء. " إن هو " أي هذا الذي يتلوه عليكم " ذكر وقرآن مبين " قوله ~~تعالى: " لتنذر من كان حيا " أي حي القلب، قال قتادة. الضحاك: عاقلا. # وقيل: المعنى لتنذر من كان مؤمنا في علم الله. هذا على قراءة التاء خطابا ~~للنبي عليه السلام، وهي قراءة نافع وابن عامر. وقرأ الباقون بالياء على ~~معنى لينذر الله عز وجل، أو لينذر محمد صلى الله عليه وسلم، أو لينذر ~~القرآن. وروي عن ابن السميقع " لينذر " بفتح الياء والذال. " ويحق القول ~~على الكافرين " أي وتجب الحجة بالقرآن على الكفرة. # قوله تعالى: أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعما فهم لها ~~مالكون وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون ولهم فيها منافع ومشارب ~~أفلا يشكرون قوله تعالى: " أولم يروا أنا خلقنا لهم " هذه رؤية القلب، أي ~~أو لم ينظروا ويعتبروا ويتفكروا. " مما عملت أيدينا " أي مما أبدعناه ~~وعملناه من غير واسطة ولا وكالة ولا شركة. # و " ما " بمعنى الذي وحذفت الها لطول الاسم. وإن جعلت " ما " مصدرية لم ~~تحتج إلى إضمار الهاء. " أنعاما " جمع نعم والنعم مذكر. " فهم لها مالكون " ~~ضابطون قاهرون. # " وذللناها لهم أي سخرناها لهم حتى يقود الصبي الجمل العظيم ويضربه ~~ويصرفه كيف شاء لا يخرج من طاعته. " فمنها ركوبهم " قراءة العامة بفتح ~~الراء، أي مركوبهم، كما يقال: ناقة PageV15P055 # حلوب أي محلوب. وقرأ الأعمش والحسن وابن السميقع: " فمنها ركوبهم " بضم ~~الراء على المصدر. وروى عن عائشة أنها قرأت " فمنها ركوبتهم " وكذا في ~~مصحفها والركوب والركوبة واحد، مثل الحلوب والحلوبة والحمول والحمولة. وحكى ~~النحويون الكوفيون: # أن العرب تقول: امرأة صبور وشكور بغير هاء. ويقولون: شاة حلوبة وناقة ~~ركوبة، لأنهم أرادوا أن يفرقوا بين ما كان له الفعل وبين ما كان الفعل ~~واقعا عليه، فحذفوا الهاء مما كان فاعلا وأثبتوها فيما كان مفعولا، كما قال ~~(1): # فيها اثنتان وأربعون حلوبة * سودا كخافية الغراب الأسحم فيجب أن يكون على ~~هذا ركوبتهم. فأما البصريون فيقولون: حذفت الهاء على النسب. ms5217 والحجة للقول ~~الأول ما رواه الجرمي عن أبي عبيدة قال: الركوبة تكون للواحد والجماعة، ~~والركوب لا يكون إلا للجماعة. فعلى هذا يكون لتذكير الجمع. وزعم أبو حاتم: ~~أنه لا يجوز " فمنها ركوبهم " بضم الراء لأنه مصدر، والركوب ما يركب. وأجاز ~~الفراء " فمنها ركوبهم " بضم الراء، كما تقول فمنها أكلهم ومنها شربهم. " ~~ومنها يأكلون " من لحمانها " ولهم فيها منافع " من أصوافها وأوبارها ~~وأشعارها وشحومها ولحومها وغير ذلك. " ومشارب " يعني ألبانها، ولم ينصرفا ~~لأنهما من الجموع التي لا نظير لها في الواحد. " أفلا يشكرون " الله على ~~نعمه. # قوله تعالى: واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون لا يستطيعون نصرهم ~~وهم لهم جند محضرون فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون قوله ~~تعالى: " واتخذوا من دون الله آلهة " أي قد رأوا هذه الآيات من قدوتنا، ثم ~~اتخذوا من دوننا آلهة لا قدرة لها على فعل. " لعلهم ينصرون " أي لما يرجون ~~من نصرتها # PageV15P056 # لهم إن نزل بهم عذاب. ومن العرب من يقول: لعله أن يفعل. " لا يستطيعون ~~نصرهم " يعني الآلهة. وجمعوا بالواو والنون، لأنه أخبر عنهم بخبر الآدميين. ~~" وهم " يعني الكفار " لهم " أي للآلهة " جند محضرون " قال الحسن: يمنعون ~~منهم ويدفعون عنهم. وقال قتادة: # أي يغضبون لهم في الدنيا. وقيل: المعنى أنهم يعبدون الآلهة ويقومون بها، ~~فهم لها بمنزلة الجند وهي لا تستطيع أن تنصرهم. وهذه الأقوال الثلاثة ~~متقاربة المعنى. وقيل: إن الآلهة جند للعابدين محضرون معهم في النار. فلا ~~يدفع بعضهم عن بعض. وقيل: معناه وهذه الأصنام لهؤلاء الكفار جند الله عليهم ~~في جهنم، لأنهم يلعنونهم ويتبرؤون من عبادتهم. # وقيل: الآلهة جند لهم محضرون يوم القيامة لإعانتهم في ظنونهم. وفي الخبر: ~~إنه يمثل لكل قوم ما كانوا يعبدونه في الدنيا من دون الله فيتبعونه إلى ~~النار، فهم لهم جند محضرون قلت: ومعنى هذا الخبر ما ثبت في صحيح مسلم من ~~حديث أبي هريرة، وفي الترمذي عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يجمع ~~الله الناس يوم القيامة في صعيد واحد ms5218 ثم يطلع عليهم رب العالمين فيقول ألا ~~ليتبع كل إنسان ما كان يعبد فيمثل لصاحب الصليب صليبه ولصاحب التصاوير ~~تصاويره ولصاحب النار ناره فيتبعون ما كانوا يعبدون ويبقى المسلمون " وذكر ~~الحديث بطوله. " فلا يحزنك قولهم " هذه اللغة الفصيحة. ومن العرب من يقول ~~يحزنك. # والمراد تسلية نبيه عليه السلام، أي لا يحزنك قولهم شاعر ساحر. وتم ~~الكلام تم استأنف فقال: " إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون " من القول والعمل ~~وما يظهرون فنجازيهم بذلك. # قوله تعالى: أو لم ير الانسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين قوله ~~تعالى: " أو لم ير الإنسان " قال ابن عباس: الإنسان هو عبد الله بن أبي. ~~وقال سعيد بن جبير: هو العاص بن وا السهمي. وقال الحسن: هو أبي بن خلف ~~الجمحي. PageV15P057 # وقاله ابن إسحاق، ورواه ابن وهب عمالك. " أنا خلقناه من نطفة " وهو ~~اليسير من الماء، نطف إذا قطر. " فإذا هو خصيم مبين " أي مجادل في الخصومة ~~مبين للحجة. يريد بذلك أنه صار به بعد أن لم يكن شيئا مذكورا خصيما مبينا. ~~وذلك أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم بعظم حائل فقال: يا محمد أترى أن ~~الله يحيي هذا بعد ما رم! فقال النبي صلى الله عليه وسلم " نعم ويبعثك الله ~~ويدخلك النار " فنزلت هذه الآية. # قوله تعالى: وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظم وهي رميم قل ~~يحيها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم قوله تعالى: " وضرب لنا مثلا ~~ونسي خلقه قال من يحيى العظام وهي رميم " فيه مسئلتان: # الأولى - قوله تعالى: " وضرب لنا مثلا ونسي خلقه " أي ونسي أنا أنشأناه ~~من نطفة ميتة فركبنا فيه الحياة. أي جوا به من نفسه حاضر، ولهذا قال عليه ~~السلام: " نعم ويبعثك الله ويدخلك النار " ففي هذا دليل على صحة القياس، ~~لأن الله جل وعز احتج على منكري البعث بالنشأة الأولى. " قال من يحيى ~~العظام وهي رميم " أي بالية. رم العظم فهو رميم ورمام. وإنما قال رميم ولم ~~يقل رميمة، لأنها ms5219 معدولة عن فاعلة، وما كان معدولا عن وجهه ووزنه كان ~~مصروفا عن إعرابه، كقوله: " وما كانت أمك بغيا " [مريم: 28] أسقط الهاء، ~~لأنها مصروفة عن باغية. وقيل: إن هذا الكافر قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ~~أرأيت إن سحقتها وأذريتها في الريح أيعيدها الله! فنزلت " قل يحييها الذي ~~أنشأها أول مرة " أي من غير شئ فهو قادر على إعادتها في النشأة الثانية من ~~شئ وهو عجم الذنب. ويقال عجب الذنب بالياء. " وهو بكل خلق عليم " أي كيف ~~بيدي ويعيد. PageV15P058 # الثانية - في هذه الآية دليل على أن في العظام حياة وأنها تنجس بالموت. ~~وهو قول أبي حنيفة (1) وبعض أصحاب الشافعي. وقال الشافعي رضي الله عنه: ~~حياة فيها. وقد تقدم هذا في " النحل ". فإن قيل: أراد بقوله " من يحي ~~العظام " أصحاب العظام وإقامة المضاف مقام المضاف إليه كثير في اللغة، ~~موجود في الشريعة. قلنا: إنما يكون إذ احتيج لضرورة وليس ها هنا ضرورة تدعو ~~إلى هذا الإضمار، ولا يفتقر إلى هذ ا التقدير، إذا الباري سبحانه قد أخبر ~~به وهو قادر عليه والحقيقة تشهد له، فإن الإحساس الذي هو علامة الحياة ~~موجود فيه، قاله ابن العربي. # قوله تعالى: الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون أو ~~ليس الذي خلق السماوات والأرض بقدر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلق العليم ~~إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون فسبحن الذي بيده ملكوت كل شئ ~~واليه ترجعون قوله تعالى: " الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا " نبه تعالى ~~على وحدانيته، ودل على كمال قدرته في إحياء الموتى بما يشاهدونه من إخراج ~~المحرق اليابس من العود الندي الرطب. # وذلك أن الكافر قال: النطفة حارة رطبة بطبع حياة فخرج منها الحياة، ~~والعظم بارد يابس بطبع الموت فكيف تخرج منه الحياة! فأنزل الله تعالى: " ~~الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا " أي إن الشجر الأخضر من الماء والماء ~~بارد رطب ضد النار وهما لا يجتمعان، فأخرج الله منه النار، فهو القادر ms5220 على ~~إخراج الضد من الضد، وهو على كل شئ قدير. معني بالآية # PageV15P059 # ما في المرخ والعفار، وهي زنادة العرب، ومنه قولهم: في كل شجر نار ~~واستمجد المر والعفار (1)، فالعفار الزند وهو الأعلى، والمرخ الزندة وهي ~~الأسفل، يؤخذ منهما غصنان مثل المسواكين يقطران ماء فيحك بعضهما إلى بعض ~~فتخرج منهما النار. وقال: " من الشجر الأخضر " ولم يقل الخضراء وهو جمع، ~~لأن رده إلى اللفظ. ومن العرب من يقول: الشجر الخضراء، كما قال عز وجل: " ~~من شجر من زقوم فمالئون منها البطون " [الواقعة: 52 - 53]. ثم قال تعالى ~~محتجا: # " أو ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم " أي أمثال ~~المنكرين للبعث. وقرأ سلام أبو المنذر ويعقوب الحضرمي: " يقدر على أن يخلق ~~مثلهم " على أنه فعل. " بلى " أي إن خلق السماوات والأرض أعظم من خلقهم، ~~فالذي خلق السماوات والأرض يقدر على أن يبعثهم. " وهو الخلا ق العليم " ~~وقرأ الحسن باختلاف عنه " الخالق ". # قوله تعالى: " إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون " قرأ ~~الكسائي " فيكون " بالنصب عطفا على " يقول " أي إذا أراد خلق شئ لا يحتاج ~~إلى تعب ومعالجة. # وقد مضى هذا في غير موضع. " فسبحان الذي بيده ملكوت كل شئ " نزه نفسه ~~تعالى عن العجز والشرك وملكوت وملكوتي في كلام العرب بمعنى ملك. والعرب ~~تقول: # جبروتي خير من رحموتي. وقال سعيد عن قتادة: " ملكوت كل شئ " مفاتح كل شئ. # وقرأ طلحة بن مصرف وإبراهيم التيمي والأعمش " ملكة "، وهو بمعنى ملكوت ~~إلا أنه خلاف المصحف. " وإليه ترجعون " أي تردون وتصيرون بعد مماتكم. ~~وقراءة العامة بالتاء على الخطاب. وقرأ السلمي وزر بن حبيش وأصحاب عبد الله ~~" يرجعون " بالياء على الخبر. # PageV15P060 # تفسير سورة الصافات مكية في قول الجميع بسم الله الرحمن الرحيم والصافات ~~صفا فالزاجرات زجرا فالتاليات ذكرا إن إلهكم لوحد رب السماوات والأرض وما ~~بينهما ورب المشرق قوله تعالى: " والصافات صفا. فالزاجرات زجرا. فالتاليات ~~ذكرا " هذه قراءة أكثر القراء. وقرأ حمزة بالإدغام فيهن. وهذه القراءة التي ~~نفر منها أحمد بن ms5221 حنبل لما سمعها. # النحاس: وهي بعيدة في العربية من ثلاث جهات: إحداهن أن التاء ليست من ~~مخرج الصاد، ولا من مخرج الزاي، ولا من مخرج الذال، ولا من أخواتهن، وإنما ~~أختاها الطاء والدال، وأخت الزاي الصاد والسين، وأخت الذال الظاء والثاء. ~~والجهة الثانية أن التاء في كلمة وما بعدها في كلمة أخرى. والجهة الثالثة ~~أنك إذا أدغمت جمعت بين ساكنين من كلمتين، وإنما يجوز الجمع بين ساكنين في ~~مثل هذا إذا كانا في كلمة واحدة، نحو دابة وشابة. # ومجاز قراءة حمزة أن التاء قريبة المخرج من هذه الحروف. " والصافات " ~~قسم، الواو بدل من الباء. والمعنى برب الصافات و " الزاجرات " عطف عليه. " ~~إن إلهكم لواحد " جواب القسم. وأجاز الكسائي فتح إن في القسم. والمراد ب " ~~الصافات " وما بعدها إلى قوله: # " فالتاليات ذكرا " الملائكة في قول ابن عباس وابن مسعود وعكرمة وسعيد بن ~~جبير ومجاهد وقتادة. تصف في السماء كصفوف الخلق في الدنيا للصلاة. وقيل: ~~تصف أجنحتها في الهواء واقفة فيه حتى يأمرها الله بما يريد. وهذا كما تقوم ~~العبيد بين أيدي ملوكهم صفوفا. # وقال الحسن: " صفا " لصفوفهم عند ربهم في صلاتهم. وقيل: هي الطير، دليله ~~قوله PageV15P061 # تعالى: " أو لم يروا إلى الطير فوقهم صافات " [الملك: 19]. والصف ترتيب ~~الجمع على خط كالصف في الصلاة. والصافات " جمع الجمع، يقال: جماعة صافة ثم ~~يجمع صافات. وقيل: # الصافات جماعة الناس المؤمنين إذا قاموا صفا في الصلاة أو في الجهاد، ~~ذكره القشيري. # " فالزاجرات " الملائكة في قول ابن عباس وابن مسعود ومسروق وغيرهم على ما ~~ذكرناه. # إما لأنها تزجر السحاب وتسوقه في قول السدي. وإما لأنها تزجر عن المعاصي ~~بالمواعظ والنصائح. وقال قتادة: هي زواجر القرآن. " فالتاليات ذكرا " ~~الملائكة تقرأ كتاب الله تعالى، قال ابن مسعود وابن عباس والحسن ومجاهد ~~وابن جبير والسدي. وقيل: المراد جبريل وحده فذكر بلفظ الجمع، لأنه كبير ~~الملائكة فلا يخلو من جنود وأتباع. وقال قتادة: # المراد كل من تلا ذكر الله تعالى وكتبه. وقيل: هي آيات القرآن وصفها ~~بالتلاوة كما قال تعالى: ms5222 " إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل " [النمل: ~~76]. ويجوز أن يقال لآيات القرآن تاليات، لأن بعض الحروف يتبع بعضا، ذكره ~~القشيري. وذكر الماوردي: أن المراد بالتاليات الأنبياء يتلون الذكر على ~~أممهم. فإن قيل: ما حكم الفاء إذا جاءت عاطفة في الصفات؟ قيل له: إما أن ~~تدل على ترتب معانيها في الوجود، كقوله: # يا لهف زيابة (1) للحارث * الصابح فالغانم فالآيب كأنه قال: الذي صبح ~~فغنم فآب. وإما على ترتبها في التفاوت من بعض الوجوه كقولك: # خذ الأفضل فالأكمل، واعمل الأحسن فالأجمل. وإما على ترتب موصوفاتها في ~~ذلك كقوله: # رحم الله المحلقين فالمقصرين. فعلى هذه القوانين الثلاثة ينساق أمر ألفا ~~ء العاطفة في الصفات، قاله الزمخشري. " إن إلهكم لواحد " جواب القسم. قال ~~مقاتل: وذلك أن الكفار بمكة قالوا أجعل الآلهة إلها واحدا، وكيف يسع هذا ~~الخلق فر د إله! فأقسم الله بهؤلاء تشريفا. # PageV15P062 # ونزلت الآية. قال ابن الأنباري: وهو وقف حسن، ثم تبتدى " رب السماوات ~~والأرض " على معنى هو رب السماوات. النحاس: ويجوز أن يكون " رب السماوات ~~والأرض " خبرا بعد خبر، ويجوز أن يكون بدلا من " واحد ". # قلت: وعلى هذين الوجهين لا يوقف على " لواحد ". وحكى الأخفش: " رب ~~السماوات ورب المشارق " بالنصب على النعت لاسم إن. بين سبحانه معنى ~~وحدانيته وألوهيته وكمال قدرته بأنه " رب السماوات والأرض " أي خالقهما ~~ومالكهما " وما بينها ورب المشارق " أي مالك مطالع الشمس. ابن عباس: للشمس ~~كل يوم مشرق ومغرب، وذلك أن الله تعالى خلق للشمس ثلاثمائة وخمسة وستين كوة ~~في مطلعها، ومثلها في مغربها على عدد أيام السنة الشمسية، تطلع في كل يوم ~~في كوة منها، وتغيب في كوة، لا تطلع في تلك الكوة إلا في ذلك اليوم من ~~العام المقبل. ولا تطلع إلا وهي كارهة فتقول: رب لا تطلعني على عبادك فإني ~~أراهم يعصونك. ذكره أبو عمر في كتاب التمهيد، وابن الأنباري في كتاب الرد ~~عن عكرمة، قال: قلت لابن عباس أرأيت ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~أمية بن أبي الصلت ms5223 " آمن شعره وكفر قلبه " قال: هو حق فما أنكرتم من ذلك؟ ~~قلت: أنكرنا قول: # والشمس تطلع كل آخر ليلة * حمراء يصبح لونها يتورد ليست بطالعة لهم في ~~رسلها * إلا معذبة وإلا ت جلد ما بال الشمس تجلد؟ فقال: والذي نفسي بيده ما ~~طلعت شمس قط حتى ينخسها سبعون ألف ملك، فيقولون لها اطلعي اطلعي، فتقول لا ~~أطلع على قوم يعبدونني من دون الله، فيأتيها ملك فيستقل لضياء بني آدم، ~~فيأتيها شيطان يريد أن يصدها عن الطلوع فتطلع بين قرنيه فيحرقه الله تعالى ~~تحتها، فذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما طلعت إلا بين قرني ~~شيطان ولا غربت إلا بين قرني شيطان وما غربت قط إلا خرت لله ساجدة فيأتيها ~~شيطان يريد أن يصدها عن السجود فتغرب بين قرنيه فيحرقه الله تعالى تحتها " ~~لفظ ابن الأنباري. وذكر PageV15P063 # عن عكرمة عن ابن عباس قال: صدق رسول ا لله صلى الله عليه وسلم أمية بن ~~أبي الصلت في هذا الشعر: # زحل وثور تحت رجل يمينه * والنسر للأخرى وليث مرصد والشمس تطلع كل آخر ~~ليلة * حمراء يصبح لونها يتورد ليست بطالعة لهم في رسلها * إلا معذبة وإلا ~~تجلد قال عكرمة: فقلت لابن عباس: يا مولاي أتجلد الشمس؟ فقال: إنما اضطره ~~الروي إلى الجلد لكنها تخاف العقاب. ودل بذكر المطالع على المغارب، فلهذا ~~لم يذكر المغارب، وهو كقوله: " سرابيل تقيكم الحر " [النحل: 81]. وخص ~~المشارق بالذكر، لأن الشروق قبل الغروب. # وقال في سورة [الرحمن] " رب المشرقين ورب المغربين " [الرحمن: 17] أراد ~~بالمشرقين أقصى مطلع تطلع منه الشمس في الأيام الطوال، وأقصر يوم في الأيام ~~القصار على ما تقدم في " يس " (1) والله أعلم. # قوله تعالى: إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب وحفظا من كل شيطن مارد ~~لا يسمعون إلى الملأ الأعلى ويقذفون من كل جانب دحورا ولهم عذاب واصب إلا ~~من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب قوله تعالى: " إنا زينا السماء الدنيا ~~بزينة الكواكب " قال قتادة: خلقت النجوم ثلاثا، رجوما للشياطين، ونورا ~~يهتدى بها، وزينة لسماء ms5224 الدنيا. وقرأ مسروق والأعمش والنخعي وعاصم وحمزة " ~~بزينة " مخفوض منون " الكواكب " خفض على البدل من " زينة " لأنها هي. وقرأ ~~أبو بكر كذلك إلا أنه نصب " الكواكب " بالمصدر الذي هو زينة. والمعنى بأن ~~زينا الكواكب فيها. ويجوز أن يكون منصوبا بإضمار أعني، كأنه قال: إنا ~~زيناها " بزينة " أعني " الكواكب ". وقيل: هي بدل من زينة على الموضع. # PageV15P064 # ويجوز " بزينة الكواكب " بمعنى أن زينتها الكواكب. أو بمعنى هي الكواكب. # الباقون " بزينة الكواكب " على الإضافة. والمعنى زينا السماء الدنيا ~~بتزيين الكواكب، أي بحسن الكواكب. ويجوز أن يكون كقراءة من نون إلا أنه حذف ~~التنوين استخفافا. # " وحفظا " مصدر أي حفظناها حفظنا. " من كل شيطان مارد " لما أخبر أن ~~الملائكة تنزل بالوحي من السماء، بين أنه حرس السماء عن استراق السمع بعد ~~أن زينها بالكواكب. # والمارد: العاتي من الجن والإنس، والعرب تسميه شيطانا. # قوله تعالى: " لا يسمعون إلى الملأ الأعلى " قال أبو حاتم: أي لئلا ~~يسمعوا ثم حذف " أن " فرفع الفعل. الملأ الأعلى: أهل السماء الدنيا فما ~~فوقها، وسمي الكل منهم أعلى بالإضافة إلى ملأ الأرض. الضمير في " يسمعون " ~~للشياطين. وقرأ جمهور الناس " يسمعون " بسكون السين وتخفيف الميم. وقرأ ~~حمزة وعاصم في رواية حفص " لا يسمعون " بتشديد السين والميم من التسميع. ~~فينتفي على القراءة الأولى سماعهم وإن كانوا يستمعون، وهو المعنى الصحيح، ~~ويعضده قوله تعالى: " إنهم عن السمع لمعزولون " [الشعراء: 212]. وينتفي على ~~القراءة الأخيرة أن يقع منهم استماع أو سماع. قال مجاهد: كانوا يتسمعون ~~ولكن لا يسمعون. وروي عن ابن عباس " لا يسمعون إلى الملأ " قال: هم لا ~~يسمعون ولا يتسمعون. وأصل " يسمعون " يتسمعون فأدغمت التاء في السين لقربها ~~منها. واختارها أبو عبيد، لأن العرب لا تكاد تقول: سمعت إليه وتقول تسمعت ~~إليه. " ويقذفون من كل جانب " أي يرمون من كل جانب، أي بالشهب. " دحورا " ~~مصدر لأن معنى " يقذفون " يدحرون. دحرته دحرا ودحورا أي طردته. وقرأ السلمي ~~ويعقوب الحضرمي " دحورا " بفتح الدال يكون مصدرا على فعول. وأما الفراء ~~فإنه قدره على أنه اسم الفاعل. أي ويقذفون ms5225 بما يدحرهم أي بدحور ثم حذف ~~الباء، والكوفيون يستعملون هذا كثير كما أنشدوا: (1) تمرون الديار ولم ~~تعوجوا * # PageV15P065 # واختلف هل كان هذا القذف قبل المبعث، أو بعده لأجل المبعث، على قولين. ~~وجاءت الأحاديث بذلك على ما يأتي من ذكرها في سورة " الجن " عن ابن عباس. ~~وقد يمكن الجمع بينهما أن يقال: إن الذين قالوا لم تكن الشياطين ترمى ~~بالنجوم قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ثم رميت، أي لم تكن ترمى رميا ~~يقطعها عن السمع، ولكنها كانت ترمى وقتا ولا ترمى وقتا، وترمى من جانب ولا ~~ترمى من جانب. ولعل الإشارة بقوله تعالى: " ويقذفون من كل جانب. دحورا ولهم ~~عذاب وا صب " إلى هذا المعنى، وهو أنهم كانوا لا يقذفون إلا من بعض الجوانب ~~فصاروا يرمون واصبا. وإنما كانوا من قبل كالمتجسسة من الإنس، يبلغ الواحد ~~منهم حاجته ولا يبلغها غيره، ويسلم واحد ولا يسلم غيره، بل يقبض عليه ~~ويعاقب وينكل. # فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم زيد في حفظ السماء، وأعدت لهم شهب لم ~~تكن من قبل، ليدحروا عن جميع جوانب السماء، ولا يقروا في مقعد من المقاعد ~~التي كانت لهم منها، فصاروا لا يقدرون على سماع شئ مما يجري فيها، إلا أن ~~يختطف أحد منهم بخفة حركته خطفة، فيتبعه شهاب ثاقب قبل أن ينزل إلى الأرض ~~فيلقيها إلى إخوانه فيحرقه، فبطلت من ذلك الكهانة وحصلت الرسالة والنبوة. ~~فإن قيل: إن هذا القذف إن كان لأجل النبوة فلم دام بعد النبي صلى الله عليه ~~وسلم؟ فالجواب: أنه دام بدوام النبوة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر ~~ببطلان الكهانة فقال: " ليس منا من تكهن " فلو لم تحرس بعد موته لعادت الجن ~~إلى تسمعها، وعادت الكهانة. ولا يجوز ذلك بعد أن بطل، ولأن قطع الحراسة عن ~~السماء إذا وقع لأجل النبوة فعادت الكهانة دخلت الشبهة على ضعفاء المسلمين، ~~ولم يؤمن أن يظنوا أن الكهانة إنما عادت لتناهي النبوة، فصح أن الحكمة تقضي ~~دوام الحراسة في حياة النبي عليه السلام، ms5226 وبعد أن توفاه الله إلى كرامته ~~صلى الله عليه وعلى آله. " ولهم عذاب واصب " أي دائم، عن مجاهد وقتادة. ~~وقال ابن عباس: شديد. الكلبي والسدي وأبو صالح: # موجع، أ ي الذي يصل وجعه إلى القلب، مأخوذ من الوصب وهو المرض " إلا من ~~خطف الخطفة " استثناء من قوله: " ويقذفون من كل جانب ". وقيل: الاستثناء ~~يرجع إلى غير PageV15P066 # الوحي، لقوله تعالى: " إنهم عن السمع لمعزولون " [الشعراء: 212] فيسترق ~~الواحد منهم شيئا مما يتفاوض فيه الملائكة، مما سيكون في العالم قبل أن ~~يعلمه أهل الأرض، وهذا لخفة أجسام الشياطين فيرجمون بالشهب حينئذ. وروي في ~~هذا الباب أحادث صحاح، مضمنها أن الشياطين كانت تصعد إلى السماء، فتقعد ~~للسمع واحدا فوق واحد، فيتقدم الأجسر نحو السماء ثم الذي يليه ثم الذي ~~يليه، فيقضي الله تعالى الأمر من أمر الأرض، فيتحدث به أهل السماء فيسمعه ~~منهم الشيطان الأدنى، فيلقيه إلى الذي تحته فربما أحرقه شهاب، وقد ألقى ~~الكلام، وربما لم يحرقه على ما بيناه. فتنزل تلك الكلمة إلى الكهان، ~~فيكذبون معها مائة كذبة، وتصدق تلك الكلمة فيصدق الجاهلون الجميع كما بيناه ~~في [الأنعام] (1). فلما جاء الله بالإسلام حرست السماء بشدة، فلا يفلت ~~شيطان سمع بتة. والكواكب الراجمة هي التي يراها الناس تنقض. # قال النقاش ومكي: وليست بالكواكب الجارية في السماء، لأن تلك لا ترى ~~حركتها، وهذه الراجمة ترى حركتها، لأنها قريبة منا. وقد مضى في هذا الباب ~~في سورة " الحجر " (2) من البيان ما فيه كفاية. وذكرنا في " سبأ " (3) حديث ~~أبي هريرة. وفيه " والشياطين بعضهم فوق بعض " وقال فيه الترمذي حديث حسن ~~صحيح. وفيه عن ابن عباس: " ويختطف الشياطين السمع فيرمون فيقذفونه إلى ~~أوليائهم فما جاءوا به على وجهه فهو حق ولكنهم يحرفونه ويزيدون ". قال هذا ~~حديث حسن صحيح. والخطف: أخذ الشئ بسرعة، يقال (4) خطف وخطف وخطف وخطف. ~~والأصل في المشددات اختطف فأدغم التاء في الطاء لأنها أختها، وفتحت الخاء، ~~لأن حركة التاء ألقيت عليها. ومن كسرها فلالتقاء الساكنين. ومن كسر الطاء ~~أتبع الكسر الكسر. " فاتبعه شهاب ثاقب ms5227 " أي مضئ، قاله الضحاك والحسن ~~وغيرهما. وقيل: المراد كواكب النار تتبعهم حتى تسقطهم في البحر. # وقال ابن عباس في الشهب: تحرقهم من غير موت. وليست الشهب التي يرجم الناس ~~بها # PageV15P067 # من الكواكب الثوابت. يدل على ذلك رؤية حركاتها، والثابتة تجري ولا ترى ~~حركاتها لبعدها. وقد مضى هذا. وجمع شهاب شهب، والقياس في القليل أشهبة وإن ~~لم يسمع من العرب و " ثاقب " معناه مضئ، قاله الحسن ومجاهد وأبو مجلز. ومنه ~~قوله: # وزندك أثقب أزنادها أي أضوأ. وحكى الأخفش في الجمع: شهب ثقب وثواقب ~~وثقاب. وحكى الكسائي: # ثقبت النار تثقب ثقابة وثقوبا إذا اتقدت، وأثقبتها أنا. وقال زيد بن أسلم ~~في الثاقب: إنه المستوقد، من قولهم: أثقب زندك أي استوقد نارك، قال الأخفش. ~~وأنشد قول الشاعر: # بينما المرء شهاب ثاقب * ضرب الدهر سناه فخمد قوله تعالى: فاستفتهم أهم ~~أشد خلقا أم خلقنا انا خلقناهم من طين لازب بل عجب ويسخرون وإذا ذكروا لا ~~يذكرون وإذا رأوا آية يستسخرون وقالوا ان هذا الا سحر مبين أإذا متنا وكنا ~~وعظما أإنا لمبعوثون أو آباؤنا الأولون قوله تعالى: " فاستفتهم " أي سلهم ~~يعني أهل مكة، مأخوذ من استفتاء المفتي. # " أهم أشد خلقا أم من خلقنا " قال مجاهد: أي من خلقنا من السماوات والأرض ~~والجبال والبحار. # وقيل: يدخل فيه الملائكة ومن سلف من الأمم الماضية. يدل على ذلك أنه أخبر ~~عنهم " بمن " قال سعيد بن جبير: الملائكة. وقال غيره: " من " الأمم الماضية ~~وقد هلكوا وهم أشد خلقا منهم. نزلت في أبي الأشد بن كلدة، وسمى بأبي الأشد ~~لشدة بطشه وقوته. وسيأتي في " البلد " ذكره. ونظير هذه: " لخلق السماوات ~~والأرض أكبر من خلق الناس " غافر: 57] وقوله: " أأنتم أشد خلقا أم السماء " ~~[النازعات: 27]. " إنا خلقناهم من طين لازب " أي لاصق، قال ابن عباس. ومنه ~~قول علي رضي الله عنه: # تعلم فإن الله زادك بسطة * وأخلاق خير كلها لك لازب PageV15P068 # وقال قتادة وابن زيد: معنى " لازب " لازق. الماوردي: والفرق بين اللاصق ~~واللازق أن اللاصق: هو الذي قد لصق بعضه ببعض، ms5228 واللازق: هو الذي يلتزق بما ~~أصابه. وقال عكرمة: " لازب " لزج. سعيد بن جبير: أي جيد حر يلصق باليد. ~~مجاهد " لازب " لازم. والعرب تقول: طين لازب ولازم، تبدل الباء من الميم. ~~ومثله قولهم لا تب ولازم. # على إبدال الباء بالميم. واللازب الثابت، تقول: صار الشئ ضربة لازب، وهو ~~أفصح من لازم. قال النابغة: # ولا تحسبون الخير لا شر بعده * ولا تحسبون الشر ضربة لازب وحكى الفراء عن ~~العرب: طين لاتب بمعنى لازم. واللاتب الثابت، تقول منه: لتب يلتب لتبا ~~ولتوبا، مثل لزب يزب بالضم لزوبا، وأنشد أبو الجراح في اللاتب: # فإن يك هذا من نبيذ شربته * فإني من شرب النبيذ لتائب صداع وتوصيم العظام ~~وفترة * وغم مع الإشراق في الجوف لاتب (1) واللاتب أيضا: اللاصق مثل ~~اللازب، عن الأصمعي حكاه الجوهري. وقال السدي والكلبي في اللازب: إنه ~~الخالص. مجاهد والضحاك: إنه المنتن. # قوله تعالى: " بل عجبت ويسخرون " قراءة أهل المدينة وأبي عمرو وعاصم بفتح ~~التاء خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم، أي بل عجبت مما نزل عليك من القرآن ~~وهم يسخرون به. # وهي قراءة شريح وأنكر قراءة الضم (2) وقال: إن الله لا يعجب من شئ، وإنما ~~يعجب من لا يعلم. وقيل: المعنى بل عجبت من إنكارهم للبعث. وقرأ الكوفيون ~~إلا عاصما بضم التاء. # واختارها أبو عبيد والفراء، وهي مروية عن علي وابن مسعود، رواه شعبة عن ~~الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود أنه قرأ: " بل عجبت " بضم التاء. ~~ويروى عن ابن عباس. قال الفراء في قوله سبحانه: " بل عجبت ويسخرون " قرأها ~~الناس بنصب # PageV15P069 # التاء ورفعها، والرفع أحب إلي، لأنها عن علي وعبد الله وابن عباس. وقال ~~أبو زكريا القراء: # العجب إن أسند إلى الله عز وجل فليس معناه من الله كمعناه من العباد، ~~وكذلك قوله: # " " الله يستهزئ بهم " ليس ذلك من الله كمعناه من العباد. وفى هذا بيان ~~الكسر لقول شريح حيث أنكر القراءة بها. روى جرير والأعمش عن أبي وائل شقيق ~~بن سلمة قال: قرأها عبد الله يعني ms5229 ابن مسعود " بل عجبت ويسخرون " قال شريح: ~~إن الله لا يعجب من شئ إنما يعجب من لا يعلم. قال الأعمش فذكرته لإبراهيم ~~فقال: إن شريحا كان يعجبه رأيه، إن عبد الله كان أعلم من شريح وكان يقرؤها ~~عبد الله " بل عجبت، ". قال الهروي: # وقال بعض الأئمة: معنى قوله: " بل عجبت " بل جازيتهم على عجبهم، لأن الله ~~تعالى أخبر عنهم في غير موضع بالتعجب من الحق، فقال: " وعجبوا أن جاءهم ~~منذر منهم " [ص: 4] وقال: # " إن هذا لشئ عجاب "، " أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم " [يونس: ~~2] فقال تعالى: # " بل عجبت " بل جازيتهم على التعجب. # قلت: وهذا تمام معنى قول الفراء واختاره البيهقي. وقال علي بن سليمان: ~~معنى القراءتين واحد، التقدير: قيل يا محمد بل عجبت، لأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم مخاطب بالقرآن. # النحاس: وهذا قول حسن وإضمار القول كثير. البيهقي: والأول أصح. المهدوي: # ويجوز أن يكون إخبار الله عن نفسه بالعجب محمولا على أنه أظهر من أمره ~~وسخطه على من كفر به ما يقوم مقام العجب من المخلوقين، كما يحمل إخباره ~~تعالى عن نفسه بالضحك لمن يرضى عنه - على ما جاء في الخبر عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم - على أنه أظهر له من رضاه عنه ما يقوم له مقام الضحك من ~~المخلوقين مجازا واتساعا. قال الهروي: ويقال معنى (عجب ربكم) أي رضي وأثاب، ~~فسماه عجبا وليس بعجب في الحقيقة، كما فال تعالى: " ويمكر الله " [الأنفال: ~~30] معناه ويجازيهم الله على مكرهم، ومثله في الحديث (عجب ربكم من إلك، م ~~وقنوطكم). وقد يكون العجب بمعنى وقوع ذلك العمل عند الله عظيما. فيكون معنى ~~قوله: " بل عجبت " أي بل عظم فعلهم عندي. قال البيهقي: ويشبه أن يكون هذا ~~معنى حديث عقبة بن عامر قال: PageV15P070 # سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " عجب ربك من شاب ليست له صبوة ~~" وكذلك ما خرجه البخاري عن [أبي هريرة (1) عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال " عجب الله من قوم يدخلون الجنة في السلاسل ms5230 "] قال البيهقي: وقد يكون ~~هذا الحديث وما ورد من أمثاله أنه يعجب ملائكته من كرمه ورأفته بعباده، حين ~~حملهم على الإيمان به بالقتال والأسر في السلاسل، حتى إذا آمنوا أدخلهم ~~الجنة. وقيل: معنى " بل عجبت " بل أنكرت. حكاه النقاش. # وقال الحسين بن الفضل: التعجب من الله إنكار الشئ وتعظيمه، وهو لغة ~~العرب. وقد جاء في الخبر " عجب ربكم من إلكم وقنوطكم ". " ويسخرون " قيل: ~~الواو واو الحال، أي عجبت منهم في حال سخريتهم. وقيل: تم الكلام عند فوله: ~~" بل عجبت " ثم استأنف فقال: " ويسخرون " أي مما جئت به إذا تلوته عليهم. ~~وقيل: يسخرون منك إذ ا دعوتهم. قوله تعالى: " وإذا ذكروا " أي وعظوا ~~بالقرآن في قول قتادة: " لا يذكرون " لا ينتفعون به. وقال سعيد بن جبير: أي ~~إذا ذكر لهم ما حل بالمكذبين من قبلهم أعرضوا عنه ولم يتدبروا. " وإذا رأوا ~~آية " أي معجزة " يستسخرون " أي يسخرون في قول قتادة. ويقولون إنها سحر. ~~واستسخر وسخر بمعنى د مثل استقر وقر، واستعجب، وعجب. وقيل: # " يستسخرون " أي يستدعون السخري من غيرهم. وقال مجاهد: يستهزئون. وقيل: # أي يظنون أن تلك الآية سخرية. " وقالوا إن هذا إلا سحر مبين " أي إذا ~~عجزوا عن مقابلة المعجزات بشئ قالوا هذا سحر وتخييل وخداع. " أئذا متنا " ~~أي انبعث إذا متنا؟. فهو استفهام إنكار منهم وسخرية. " أو آباؤنا الأولون " ~~أي أو تبعث آباؤنا. دخلت ألف الاستفهام على حرف العطف. قرأ نافع: " أو ~~آباؤنا " بسكون الواو. وقد مضى هذا في سورة " الأعراف " (2). # في قوله تعالى: " أو أمن أهل القرى " [الأعراف: 98]. # PageV15P071 # قوله تعالى: قل نعم وأنتم داخرون فإنما هي زجرة وحدة فإذا هم ينظرون ~~وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدين هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون قوله ~~تعالى: " قل نعم " أي نعم تبعثون. " وأنتم داخرون " أي صاغرون أذلاء، لأنهم ~~إذا رأوا وقوع ما أنكروه فلا محالة يذلون وقيل: أي ستقوم القيامة وإن ~~كرهتم، فهذا أمر واقع على رغمكم وإن أنكرتموه اليوم بزعمكم. " فإنما هر ~~زجرة واحدة " أي صيحة واحدة، قاله ms5231 الحسن وهي النفخة الثانية. وسميت الصيحة ~~زجرة، لأن مقصودها الزجر أي يزجر بها كزجر الإبل والخيل عند السوق. " فإذا ~~هم " قيام " ينظرون " أي ينظر بعضهم إلى بعض. وقيل: المعنى ينتظرون ما يفعل ~~بهم. وقيل: هي مثل قوله: " فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا " [الأنبياء: ~~97]. وقيل: أي ينظرون إلى البعث الذي أنكروه. # قوله تعالى: " وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدين " نادوا على أنفسهم بالويل، ~~لأنهم يومئذ يعلمون ما حل بهم. وهو منصوب على أنه مصدر عند البصريين. وزعم ~~الفراء أن تقديره يأوي لنا، ووى بمعنى حزن. النحاس: ولو كان كما قال لكان ~~منفصلا وهو في المصحف متصل، ولا نعلم أحدا يكتبه إلا متصلا. و " يوم الدين ~~" يوم الحساب. وقيل: # يوم الجزاء. " هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون " قيل: هو من قول بعضهم ~~لبعض، أي هذا اليوم الذي كذبنا به. وقيل: هو قول الله تعالى لهم. وقيل: من ~~قول الملائكة، أي هذا يوم الحكم بين الناس فيبين المحق من المبطل. ف " فريق ~~في الجنة وفريق في السعير " [الشورى: 7]. # قوله تعالى: احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله ~~فاهدوهم إلى صراط الجحيم وقفوهم انهم مسؤولون ما لكم لا تناصرون بل هم ~~اليوم مستسلمون PageV15P072 # وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون قالوا انكم كنتم تأتوننا عن اليمين قالوا ~~بل لم تكونوا مؤمنين وما كان لنا عليكم من سلطن بل كنتم قوما طاغين فحق ~~علينا قول ربنا انا لذائقون فأغويناكم انا كنا غاوين فإنهم يومئذ في العذاب ~~مشتركون انا كذلك نفعل بالمجرمين إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله ~~يستكبرون قوله تعالى: " احشروا الذين ظلموا وأزواجهم ", هو من قول الله ~~تعالى للملائكة: # " احشروا " المشركين " وأزواجهم " أي أشياعهم في الشرك، والشرك الظلم، ~~قال الله تعالى: " إن الشرك لظلم عظيم " [لقمان: 13] فيحشر الكافر مع ~~الكافر، قاله قتادة وأبو العالية. وقال عمر بن الخطاب في قول الله عز وجل: ~~" احشروا الذين ظلموا وأزواجهم " قال: الزاني مع الزاني، وشارب الخمر مع ~~شارب الخمر، وصاحب السرقة ms5232 مع صاحب السرقة. وقال ابن عباس: " وأزواجهم " أي ~~أشباههم. وهذا يرجع إلى قول عمر. وقيل: " وأزواجهم " نساؤهم الموافقات على ~~الكفر، قاله مجاهد والحسن، ورواه النعمان بن بشير عن عمر بن الخطاب. # وقال الضحاك: " وأزواجهم " قرناءهم من الشياطين. وهذا قول مقا تل أيضا: ~~يحشر كل كافر مع شيطانه في سلسلة. " وما كانوا يعبدون. من دون الله " من ~~الأصنام والشياطين وإبليس. " فاهدوهم إلى صراط الجحيم " أي سوقوهم إلى ~~النار. وقيل: # " فأهدوهم " أي دلوهم. يقال: هديته إلى الطريق، وهديته الطريق، أي دللته ~~عليه. # وأهديت الهدية وهديت العروس، ويقال أهديتها، أي جعلتها بمنزلة الهدية. # قوله تعالى: " وقفوهم إنهم مسؤولون " وحكى عيسى بن عمر " أنهم " بفتح ~~الهمزة. # قال الكسائي: أي لأنهم وبأنهم، يقال: وقفت الدابة أقفها وقفا فوقفت هي ~~وقوفا، يتعدى ولا يتعدى، أي احسبوهم. وهذا يكون قبل السوق إلى الجحيم، وفيه ~~تقديم وتأخير، PageV15P073 # أي قفوهم للحساب ثم سوقوهم إلى النار. وقيل: يساقون إلى النار أولا ثم ~~يحشرون للسؤال إذا قربوا من النار. " إنهم مسؤولون " عن أعمالهم وأقوالهم ~~وأفعالهم، قال القرظي والكلبي. # الضحاك: عن خطاياهم. ابن عباس: عن لا إله إلا الله. وعنه أيضا: عن ظلم ~~الخلق. # وفي هذا كله دليل على أن الكافر يحاسب. وقد مضى في " الحجر " (1) الكلام ~~فيه. وقيل سؤالهم أن يقال لهم: " ألم يأتكم رسل منكم " [الأنعام: 130] ~~إقامة للحجة. ويقال لهم: " ما لكم لا تناصرون " على جهة التقريع والتوبيخ، ~~أي ينصر بعضكم بعضا فيمنعه من عذاب الله. وقيل: هو إشارة إلى قول أبي جهل ~~يوم بدر: " نحن جميع منتصر " [القمر: 44]. وأصله تتناصرون فطرحت إحدى ~~التاءين تخفيفا. وشدد البزي التاء في الوصل. # قوله تعالى: " بل هم اليوم مستسلمون " قال قتادة: مستسلمون في عذاب الله ~~عز وجل. ابن عباس: خاضعون ذليلون. الحسن: منقادون. الأخفش: ملقون بأيديهم. # والمعنى متقارب. " وأقبل بعضهم على بعض " يعني الرؤساء والأتباع " ~~يتساءلون " يتخاصمون. # ويقال لا يتساءلون فسقطت لا. النحاس: وإنما غلط الجاهل باللغة فتوهم أن ~~هذا من قوله: " فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون " [المؤمنون: 101] إنما ~~هو لا يتساءلون ms5233 بالأرحام، فيقول أحدهم: أسألك بالرحم الذي بيني وبينك لما ~~نفعتني، أو أسقطت لي حقا لك علي، أو وهبت لي حسنة. وهذا بين، لأن قبله " ~~فلا أنساب بينهم " [المؤمنون: 101]. أي ليس ينتفعون بالأنساب التي بينهم، ~~كما جاء في الحديث: " إن الرجل ليسر بأن يصبح له على أبيه أو على ابنه حق ~~فيأخذه منه لأنها الحسنات والسيئات "، وفي حديث آخر: " رحم الله امرأ كان ~~لأخيه عنده مظلمة من مال أو عرض فأتاه فاستحله قبل أن يطالبه به فيأخذ من ~~حسناته فإن لم تكن له حسنات زيد عليه من سيئات المطالب ". و " يتساءلون " ~~ها هنا إنما هو أن يسأل بعضهم بعضا ويوبخه في أنه أضله أو فتح بابا من ~~المعصية، يبين ذلك أن بعده " إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين " قال مجاهد: هو ~~قول الكفار للشياطين. قتادة: هو قول الإنس للجن. وقيل: هو من قول # PageV15P074 # الأتباع للمتبوعين، دليله قول تعالى: " ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ~~ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول " [سبأ: 31] الآية. قال سعيد عن قتادة: أي ~~تأتوننا عن طريق الخير وتصدوننا عنها. وعن ابن عباس نحو منه. وقيل: تأتوننا ~~عن اليمين التي نحبها ونتفاءل بها لتغرونا بذلك من جهة النصح. والعرب ~~تتفاءل بما جاء عن اليمين وتسميه السانح. وقيل: # " تأتوننا عن اليمين " تأتوننا مجئ من إذا حلف لنا صدقناه. وقيل: تأتوننا ~~من قبل الدين فتهونون علينا أمر الشريعة وتنفروننا عنها. # قلت: وهذا القول حسن جدا، لأن من جهة الدين يكون الخير والشر، واليمين ~~بمعنى الدين، أي كنتم تزينون لنا الضلالة. وقيل: اليمين بمعنى القوة، أي ~~تمنعوننا بقوة وغلبة وقهر، قال الله تعالى: " فراغ عليهم ضربا باليمين " ~~[الصافات: 93] أي بالقوة وقوة الرجل في يمينه، وقال الشاعر: # إذا ما راية رفعت لمجد * تلقاها عرابة باليمين أي بالقوة والقدرة. وهذا ~~قول ابن عباس. وقال مجاهد: " تأتوننا عن اليمين " أي من قبل الحق أنه معكم، ~~وكله متقارب المعنى. " قالوا بل لم تكونوا مؤمنين " قال قتادة: # هذا قول الشياطين لهم. وقيل: من قول الرؤساء، أي لم ms5234 تكونوا مؤمنين قط حتى ~~ننقلكم منه إلى الكفر، بل كنتم على الكفر فأقمتم عليه للألف والعادة. " وما ~~كان لنا عليكم من سلطان " أي من حجة في ترك الحق " بل كنتم قوما طاغين " أي ~~ضالين متجاوزين الحد. # " فحق علينا قول ربنا " هو أيضا من قول المتبوعين، أي وجب علينا وعليكم ~~قول ربنا، فكلنا ذائقوا العذاب، كما كتب الله وأخبر على ألسنة الرسل " ~~لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين " [السجدة: 13]. وهذا موافق للحديث: ~~(إن الله جل وعز كتب للنار أهلا وللجنة أهلا لا يزاد فيهم ولا ينقص منهم). ~~" فأغويناكم " أي زينا لكم ما كنتم عليه من الكفر " إنا كنا غاوين " ~~بالوسوسة والاستدعاء. ثم قال خبرا عنهم: " فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون " ~~الضال والمضل. " إنا كذلك " أي مثل هذا الفعل " نفعل بالمجرمين " أي ~~المشركين. # ! إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون " أي إذا قيل لهم ~~قولوا فأضمر القول. PageV15P075 # و " يستكبرون " في موضع نصب على خبر كان. ويجوز أن يكون في موضع رفع على ~~أنه خبر إن، وكان ملغاة. ولما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي طالب عند ~~موته واجتماع قريش " قولوا لا إله إلا الله تملكوا بها العرب وتدين لكم بها ~~العجم " أبوا وأنفوا من ذلك. وقال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: " أنزل الله تعالى في كتابه فذكر قوما استكبروا فقال: " إنهم كانوا ~~إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون " وقال تعالى: " إذ جعل الذين كفروا ~~في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ~~وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها " [الفتح: 26] وهي (لا إله إلا ~~الله محمد رسول الله) استكبر عنها المشركون يوم الحديبية يوم كاتبهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على قضية المدة، ذكر هذا الخبر البيهقي، والذي ~~قبله القشيري. # قوله تعالى: ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون بل جاء بالحق وصدق ~~المرسلين إنكم لذائقوا العذاب الأليم وما تجزون إلا ما كنتم تعملون إلا ~~عباد الله المخلصين ms5235 قوله تعالى: " ويقولون أئنا لتاركو آلهتنا لشاعر مجنون ~~" أي لقول شاعر مجنون، فرد الله جل وعز عليهم فقال: " بل جاء بالحق " يعني ~~القرآن والتوحيد " وصدق المرسلين " فيما جاءوا به من التوحيد. " إنكم ~~لذائقو العذاب الأليم " الأصل لذائقون فحذفت النون استخفافا وخفضت للإضافة. ~~ويجوز النصب كما أنشد سيبويه: # فألفيته غير مستعتب * ولا ذاكر الله إلا قليلا وأجاز سيبويه " والمقيمي ~~الصلاة " على هذا. " وما تجزون إلا ما كنتم تعملون " أي إلا بما عملتم من ~~الشرك " إلا عباد الله المخلصين " لاستثناء ممن يذوق العذاب. وقراءة أهل ~~المدينة والكوفة " المخلصين " بفتح اللام، يعني الذين أخلصهم الله لطاعته ~~ودينه وولايته. الباقون بكسر اللام، أي الذين أخلصوا لله العبادة. وقيل: هو ~~استثناء منقطع، أي إنكم أيها المجرمون ذائقوا ا لعذاب لكن عباد الله ~~المخلصين لا يذوقون العذاب. PageV15P076 # قوله تعالى: أولئك لهم رزق معلوم فواكه وهم مكرمون في حنت النعيم على سرر ~~متقبلين يطاف عليهم بكأس من معين بيضاء لذة للشاربين لا فيها غول ولا هم ~~عنها ينزفون وعندهم قصرت الطرف عين كأنهم بيض مكنون قوله تعالى: " أولئك ~~لهم رزق معلوم " يعني المخلصين، أي لهم عطية معلومة لا تنقطع. # قال قتادة: يعني الجنة. وقال غيره: يعني رزق الجنة. وقيل: هي الفواكه ~~التي ذكر قال مقاتل: حين يشتهونه. وقال ابن السائب: إنه بمقدار الغداة ~~والعشي، قال الله تعالى: # " ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا " [مريم: 62]. " فواكه " جمع فاكهة، قال ~~الله تعالى: " وأمددناهم بفاكهة " [الطور: 22] وهي الثمار كلها رطبها ~~ويابسها، قاله ابن عباس. " في جنات النعيم " أي ولهم إكرام من الله جل وعز ~~برفع الدرجات وسماع كلامه ولقائه. " في جنات النعيم " أي في بساتين يتنعمون ~~فيها. وقد تقدم أن الجنان سبع في سورة [يونس] (1) منها النعيم. # قوله تعالى: " على سرر متقابلين " قال عكرمة ومجاهد: لا ينظر بعضهم في ~~قفا بعض تواصلا وتحاببا. وقيل: الأسرة تدور كيف شاءوا فلا يرى أحد قفا أحد. ~~وقال ابن عباس: # على سرر مكللة بالدر والياقوت والزبرجد، السرير ما بين صنعاء إلى ~~الجابية، وما بين عدن ms5236 إلى أيلة. وقيل: تدور بأهل المنزل الواحد. والله ~~أعلم. # قوله تعالى: " يطاف عليهم بكأس من معين " لما ذكر مطاعمهم ذكر شرابهم. # والكأس عند أهل اللغة اسم شامل لكل إناء مع شرابه، فإن كان فارغا فليس ~~بكأس. قال الضحاك والسدي: كل كأس في القرآن فهي الخمر، والعرب تقول للإناء ~~إذا كان فيه خمر كأس، فإذا لم يكن فيه خمر قالوا إناء وقدح. النحاس: وحكى ~~من يوثق به من أهل اللغة # PageV15P077 # أن العرب تقول للقدح إذا كان فيه خمر: كأس، فإذا لم يكن فيه خمر فهو قدح، ~~كما يقال للخوان إذا كان عليه طعام: مائدة، فإذا لم يكن عليه طعام لم تقل ~~له مائدة. قال أبو الحسن ابن كيسان: ومنه ظعينة للهودج إذا كان فيه المرأة. ~~وقال الزجاج: " بكأس من معين " أي من خمر تجري كما تجري العيون على وجه ~~الأرض. والمعين: الماء ا لجاري الظاهر. # " بيضاء " صفة للكأس. وقيل: للخمر. " لذة للشاربين " قال الحسن: خمر ~~الجنة أشد بياضا من اللبن. " لذة " قال الزجاج: أي ذات لذة فحذف المضاف. ~~وقيل: هو مصدر جعل اسما أي بيضا لذيذة، يقال شراب لذ ولذيذ، مثل نبات غض ~~وغضيض. # فأما قول القائل (1): # ولذ كطعم الصرخدي تركته * بأرض العدا من خشية الحدثان فإنه يريد النوم. ~~وقيل: " بيضاء " أي لم يعتصرها الرجال بأقدامهم. " لا فيها غول " أي لا ~~تغتال عقولهم، ولا يصيبهم منها مرض ولا صداع. # " ولا هم عنها ينزفون " أي لا تذهب عقولهم بشربها، يقال: الخمر غول ~~للحلم، والحرب غول للنفوس، أي تذهب بها. # وقال: نزف الرجل ينزف فهو منزوف ونزيف إذا سكر. قال امرؤ القيس: # وإذا هي تمشي كمشي النزيف * يصرعه بالكثيب البهر (2) وقال أيضا: # نزيف إذا قام لوجه تمايلت * تراشي الفؤاد الرخص ألا تخترا (3) وقال آخر ~~(4): # فلثمت فاها آخذا بقرونها * شرب النزيف ببرد ماء الحشرج # PageV15P078 # وقرأ حمزة والكسائي بكسر الزاي، من أ نزف القوم إذا حان منهم النزف وهو ~~السكر، يقال: # أحصد الزرع إذا حان حصاده، وأقطف الكرم إذا حان قطافه، وأركب المهر إذا ~~حان ms5237 ركوبه. وقيل: المعنى لا ينفدون شرابهم، لأنه دأبهم، يقال: أنزف الرجل ~~فهو منزوف إذا فنيت خمره. قال الحطيئة (1): # لعمري لئن أنزفتم أو صحوتم * لبئس الندامى كنتم آل أبجرا النحاس: ~~والقراءة الأولى أبين وأصح في المعنى، لأن معنى " ينزفون " عند جلة أهل ~~التفسير منهم مجاهد لا تذهب عقولهم، فنفى الله عز وجل عن خمر الجنة الآفات ~~التي تلحق في الدنيا من خمرها من الصداع والسكر. ومعنى " ينزفون " الصحيح ~~فيه أنه يقال: أنزف الرجل إذا نفد شرابه، وهو يبعد أن يوصف به شراب الجنة، ~~ولكن مجازه أن يكون بمعنى لا ينفد أبدا. وقيل: " لا ينزفون " بكسر الزاي لا ~~يسكرون، ذكره الزجاج وأبو علي على ما ذكره القشيري. المهدوي: ولا يكون ~~معناه يسكرون، لأن قبله " لا فيها غول ". أي لا تغتال عقولهم فيكون تكرارا، ~~ويسوغ ذلك في " الواقعة ". ويجوز أن يكون معنى " لا فيها غول " لا يمرضون، ~~فيكون معنى " ولا هم عنها ينزفون " لا يسكرون أو لا ينفد شرابهم. قال قتادة ~~الغول وجع البطن. وكذا روى ابن أبي نجيح عن مجاهد " لا فيها غول " قال لا ~~فيها وجع بطن. الحسن: صداع. وهو قول ابن عباس: " لا فيها غول " لا فيها ~~صداع. وحكى الضحاك عنه أنه قال: في الخمر أربع خصال: السكر والصداع والقئ ~~والبول، فذكر الله خمر الجنة فنزهها عن هذه الخصال. مجاهد: داء. ابن كيسان: ~~مغص. وهذه الأقوال متقاربة. وقال الكلبي: " لا فيها غول " أي إثم، نظيره: " ~~لا لغو فيها ولا تأثيم " [الطور: 23]. وقال الشعبي والسدي وأبو عبيدة: لا ~~تغتال عقولهم فتذهب بها. ومنه قول الشاعر: # وما زالت الكأس تغتالنا * تذهب بالأول الأول # PageV15P079 # أي تصرع واحدا واحدا. وإنما صرف الله تعالى السكر عن أهل الجنة لئلا ~~ينقطع الالتذاذ عنهم بنعيمهم. وقال أهل المعاني: الغول فساد يلحق في خفاء. ~~يقال: اغتاله اغتيالا إذا أفسد عليه أمره في خفية. ومنه الغول والغيلة: وهو ~~القتل خفية. قوله تعالى: " وعندهم قاصرات الطرف " أي نساء قد قصرن طرفهن ~~على أزواجهن فلا ينظرن إلى غيرهم، قاله ابن عباس ms5238 ومجاهد ومحمد بن كعب ~~وغيرهم. عكرمة: " قاصرات الطرف " أي محبوسات على أزواجهن. والتفسير الأول ~~أبين، لأنه ليس في الآية مقصورات ولكن في موضع آخر " مقصورات " يأتي بيانه. ~~و " قاصرات " مأخوذ من قولهم: قد أقتصر على كذا إذا اقتنع به وعدل عن غيره، ~~قال امرؤ القيس: # من القاصرات الطرف لو دب محول * من الذر فوق الإتب منها لأثرا ويروى: فوق ~~الخد. والأول أبلغ. والإتب القميص، والمحول الصغير من الذر. # وقال مجاهد أيضا: معناه لا يغرن. " عين " عظام العيون الواحدة عيناء،، ~~وقال السدي. # مجاهد: " عين " حسان العيون. الحسن: الشديدات بياض العين، الشديدات ~~سوادها. # والأول أشهر في اللغة. يقال: رجل أعين واسع العين بين العين، والجمع عين. ~~وأصله فعل بالضم فكسرت العين، لئلا تنقلب الواو ياء. ومنه قيل لبقر الوحش ~~عين، والثور أعين، والبقرة عيناء. " كأنهن بيض مكنون " أي مصون. قال الحسن ~~وابن زيد: شبهن ببيض النعام، تكنها النعامة بالريش من الريح والغبار، ~~فلونها أبيض في صفرة وهو حسن ألوان النساء. وقال ابن عباس وابن جبير ~~والسدي: شبهن ببطن البيض قبل أن يقشر وتمسه الأيدي. وقال عطاء: شبهن ~~بالسحاء الذي يكون بين القشر ة العليا ولباب البيض. وسحاة كل شئ: قشره ~~والجمع سحا، قاله الجوهري. ونحوه قول الطبري، قال: هو القشر الرقيق، الذي ~~على البيضة بين ذلك. وروي نحوه عن النبي صلى الله عليه وسلم. والعرب تشبه ~~المرأة بالبيضة لصفائها وبياضها، قال امرؤ القيس: # وبيضة خدر لا يرام خباؤها * تمتعت من لهو بها غير معجل PageV15P080 # وتقول العرب إذا وصفت الشئ بالحسن والنظافة: كأنه بيض النعام المغطى ~~بالريش. # وقيل: المكنون المصون عن الكسر، أي إنهن عذارى. وقيل: المراد بالبيض ~~اللؤلؤ، كقوله تعالى: " وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون " [الواقعة: 22 - ~~23] أي في أصدافه، قاله ابن عباس أيضا. ومنه قول الشاعر: # وهي بيضاء مثل لؤلؤة الغ * واص ميزت من جوهر مكنون وإنما ذكر المكنون ~~والبيض جمع، لأنه رد ا لنعت إلى اللفظ. # قوله تعالى: فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون قال قائل منهم إني كان لي قرين ms5239 ~~يقول أإنك لمن المصدقين أإذا متنا وكنا ترابا وعظما أإنا لمدينون قال هل ~~أنتم مطلعون قاطلع فرآه في سواء الجحيم قال تالله إن كدت لتردين ولولا نعمة ~~ربى لكنت من المحضرين أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأول وما نحن بمعذبين إن ~~هذا لهو الفوز العظيم لمثل هذا فليعمل العاملون قوله تعالى: " فأقبل بعضهم ~~على بعض يتساءلون " أي يتفاوضون فيما بينهم أحاديثهم في الدنيا. وهو من ~~تمام الأنس في الجنة. وهو معطوف على معنى " يطاف عليهم " المعنى يشربون ~~فيتحادثون على الشراب كعادة الشراب. قال بعضهم: # وما بقيت من اللذات إلا * أحاديث الكرام على المدام فيقبل بعضهم على بعض ~~يتساءلون عما جرى لهم وعليهم في الدنيا، إلا أنه جئ به ماضيا على عادة الله ~~تعالى في إخباره. PageV15P081 # قوله تعالى: " قال قائل منهم " أي من أهل الجنة " إني كان لي قرين " أي ~~صديق ملازم " يقول أئنك لمن المصدقين " أي بالبعث والجزاء. وقال سعيد بن ~~جبير: قرينه شريكه. وقد مضى في " الكهف " ذكرهما وقصتهما والاختلاف في ~~أسميهما مستوفى عند قوله تعالى: " واضرب لهم مثلا رجلين " (1) وفيهما انزل ~~الله جل وعز " قال قائل منهم إني كان لي قرين " إلى " من المحضرين " وقيل: ~~أراد بالقرين قرينه من الشيطان كان يوسوس إليه بإنكار البعث. وقرئ: " أئنك ~~لمن المصدقين " بتشديد الصاد. رواه علي بن كيسة عن سليم عن حمزة. قال ~~النحاس: ولا يجوز " أئنك لمن المصدقين " لأنه لا معنى للصدقة ها هنا. وقال ~~القشيري: وفي قراءة عن حمزة " أئنك لمن المصدقين " بتشديد الصاد. # واعترض عليه بأن هذا من التصديق لا من التصدق. والاعتراض باطل، لأن ~~القراءة إذا ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا مجال للطعن فيها. ~~فالمعنى " أئنك لمن المصدقين " بالمال طلبا في ثواب الآخرة. " أئذا متنا ~~وكنا ترابا وعظاما أئنا لمدينون " أي مجزيون محاسبون بعد الموت. ف " قال " ~~الله تعالى لأهل الجنة " هل أنتم مطلعون ". وقيل: هو من قول المؤمن لإخوانه ~~في الجنة هل أنتم مطلعون إلى النار لننظر كيف حال ذلك القرين. وقيل: # هو ms5240 من قول الملائكة. وليس " هل أنتم مطلعون " باستفهام، إنما هو بمعنى ~~الأمر، أي اطلعوا، قاله ابن الأعر أبي وغيره. ومنه لما نزلت آية الخمر، قام ~~عمر قائما بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، ثم رفع رأسه إلى السماء، ثم ~~قال: يا رب بيانا أشفى من هذا في الخمر. # فنزلت: " فهل أنتم منتهون " [المائدة: 91] قال: فنادى عمر انتهينا يا ~~ربنا. وقرأ ابن عباس: " هل أنتم مطلعون " بإسكان الطاء خفيفة " فأطلع " ~~بقطع الألف مخففة على معنى هل أنتم مقبلون، فأقبل. قال النحاس " فأطلع فرآه ~~" فيه قولان: أحدهما أن يكون فعلا مستقبلا معناه فأطلع أنا، ويكون منصوبا ~~على أنه جواب الاستفهام. والقول الثاني أن يكون فعلا ماضيا ويكون اطلع ~~وأطلع واحدا. قال الزجاج: يقال طلع وأطلع واطلع بمعنى واحد. وقد حكى # PageV15P082 # " هل أنتم مطلعون " بكسر النون وأنكره أبو حاتم وغيره. ا لنحاس: وهولا ~~يجوز، لأنه جمع بين النون والإضافة، ولو كان مضافا لكان هل أنتم مطلعي، وإن ~~كان سيبويه والفراء قد حكيا مثله، وأنشدا: # هم القائلون الخير والآمرونه * إذا ما خشوا من حدث الأمر معظما وأنشد ~~الفراء: والفاعلونه. وأنشد سيبويه وحده: # ولم يرتفق والناس محتضرونه (1) وهذا شاذ خارج عن كلام العرب، وما كان مثل ~~هذا لم يحتج به في كتاب الله عز وجل، ولا يدخل في الفصيح. وقد قيل في ~~توجيهه: إنه أجرى اسم الفاعل مجرى المضارع لقربه منه، فجرى " مطلعون " مجرى ~~يطلعون. ذكره أبو الفتح عثمان بن جني وأنشد: # أرأيت إن جئت به أملودا * مرجلا ويلبس البرودا أقائلن أحضروا (2) الشهودا ~~فأجرى أقائلن مجرى أتقولن. وقال ابن عباس في قول تعالى: " هل أنتم مطلعون. ~~فاطلع فرآه " إن في الجنة كوى ينظر أهلها منها إلى النار وأهلها. وكذلك قال ~~كعب فيما ذكر ابن المبارك، قال: إن بين الجنة والنار كوى، فإذا أراد المؤمن ~~أن ينظر إلى عدو كان له في الدنيا اطلع من بعض الكوى. قال الله تعالى: " ~~فاطلع فرآه في سواء الجحيم " أي في وسط النار والحسك حواليه، قاله ابن ~~مسعود. ويقال: ms5241 تعبت حتى انقطع سوائي: أي وسطي. وعن أبي عبيدة: قال لي عيسى ~~بن عمر: كنت أكتب يا أبا عبيدة حتى ينقطع سوائي. وعن قتادة قال: قال بعض ~~العلماء: لولا أن الله جل وعز عرفه إياه لما عرفه، لقد تغير حبره وسبره ~~(3). # فعند ذلك يقول: " تالله إن كدت لتردين " " إن " مخففة من الثقيلة دخلت ~~على كاد كما # PageV15P083 # تدخل على كان. ونحوه " إن كاد ليضلنا " [الفرقان: 24] واللام هي الفارقة ~~بينها وبين النافية. " ولولا نعمة ربى لكنت من المحضرين " في النار وقال ~~الكسائي: " لتردين " أي لتهلكني، والردى الهلاك. وقال المبرد: لو قيل: " ~~لتردين " لتوقعني في النار لكان جائزا " ولولا نعمة ربى " أي عصمته وتوفيقه ~~بالاستمساك بعروة الإسلام والبراءة من القرين السوء. وما بعد لولا مرفوع ~~بالابتداء عند سيبويه والخبر محذوف. " لكنت من المحضرين " قال الفراء: أي ~~لكنت معك في النار محضرا. وأحضر لا يستعمل مطلقا إلا في الشر، قاله ~~الماوردي. # قوله تعالى: " أفما نحن بميتين " وقرئ " بمائتين " والهمزة في " أفما " ~~للاستفهام دخلت على فاء العطف، والمعطوف محذوف معناه أنحن مخلدون منعمون ~~فما نحن بميتين ولا معذبين. " إلا موتتنا الأولى " يكون استثناء ليس من ~~الأول ويكون مصدرا، لأنه منعوت. # وهو من قول أهل الجنة للملائكة حين يذبح الموت، ويقال: يا أهل الجنة خلود ~~ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت. وقيل: هو من قول المؤمن على جهة ~~الحديث بنعمة الله في أنهم لا يموتون ولا يعذبون، أي هذه حالنا وصفتنا. ~~وقيل: هو من قول المؤمن توبيخا للكافر لما كان ينكره من البعث، وأنه ليس ~~إلا الموت في الدنيا. ثم قال المؤمن مشيرا إلى ما هو فيه، " إن هذا لهو ~~الفوز العظيم " يكون " هو " مبتدأ وما بعده خبر عنه والجملة خبر إن. # ويجوز أن يكون " هو " فاصلا. " لمثل هذا فليعمل العاملون " يحتمل أن يكون ~~من كلام المؤمن لما رأى ما أعد الله له في الجنة وما أعطاه قال: " لمثل هذا ~~" العطاء والفضل " فليعمل العاملون " نظير ما قال له الكافر " أنا أكثر منك ~~مالا وأعز ms5242 نفرا " [الكهف: 34]. ويحتمل أن يكون من قول الملائكة. وقيل: هو ~~من قول الله عز وجل لأهل الدنيا، أي قد سمعتم ما في الجنة من الخيرات ~~والجزاء، و " لمثل هذا " الجزاء " فليعمل العاملون ". النحاس: # وتقدير الكلام - والله أعلم - فليعمل العاملون لمثل هذا. فإن قال قائل: ~~الفاء في العربية تدل على أن الثاني بعد الأول، فكيف صار ما بعدها ينو ى به ~~التقديم؟ فالجواب أن التقديم كمثل التأخير، لأن حق حروف الخفض وما بعدها أن ~~تكون متأخرة. PageV15P084 # قوله تعالى: أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم إنا جعلناها فتنة للظالمين ~~إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم طلعها كأنه رؤوس الشياطين فإنهم لآكلون منها ~~فمالؤن منها البطون ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم ثم إن مرجعهم لإلى ~~الجحيم قوله تعالى: " أذلك خير " مبتدأ وخبر، وهو من قول الله جل وعز. " ~~نزلا " على البيان، والمعنى أنعيم الجنة خير نزلا " أم شجرة الزقوم " خير ~~نزلا. والنزل في اللغة الرزق الذي له سعة - النحاس - وكذا النزل إلا أنه ~~يجوز أن يكون النزل بإسكان الزاي لغة، ويجوز أن يكون أصله النزل، ومنه أقيم ~~للقوم نزلهم، واشتقاقه أنه الغذاء الذي يصلح أن ينزلوا معه ويقيموا فيه. ~~وقد مضى هذا في آخر سورة " آل عمران " (1) وشجرة الزقوم مشتقة من التزقم ~~وهو البلع على جهد لكراهتها ونتنها. قال المفسرون: وهي في الباب السادس، ~~وأنها تحيا بلهب النار كما تحيا الشجرة ببرد الماء، فلا بد لأهل النار من ~~أن ينحدر إليها من كان فوقها فيأكلون منها، وكذلك يصعد إليها من كان أسفل. ~~واختلف فيها هل هي من شجر الدنيا التي تعرفها العرب أم لا على قولين - ~~أحدهما أنها معروفة من شجر الدنيا. ومن قال بهذا اختلفوا فيها، فقال قطرب: ~~إنها شجرة مرة تكون بتهامة من أخبث الشجر. وقال غيره: بل هو كل نبات قاتل. ~~القول الثاني: إنها لا تعرف في شجر الدنيا. فلما نزلت هذه الآية في شجرة ~~الزقوم قالت كفار قريش: ما نعرف هذه الشجرة. فقدم عليهم رجل من إفريقية ms5243 ~~فسألوه فقال: هو عندنا الزبد والتمر. فقال ابن الزبعري: أكثر الله في ~~بيوتنا الزقوم فقال أبو جهل لجاريته: # زقمينا، فأتته بزبد وتمر. ثم قال لأصحابه: تزقموا، هذا الذي يخوفنا به ~~محمد، يزعم أن النار تنبت الشجر، والنار تحرق الشجر. # PageV15P085 # قوله تعالى: " إنا جعلناها فتنة للظالمين " أي المشركين، وذلك أنهم ~~قالوا: كيف تكون في النار شجرة وهي تحرق الشجر؟ وقد مضى هذا المعنى في " ~~سبحان " (1) واستخفافهم في هذا كقولهم في قوله تعالى: " عليها تسعة عشر " ~~[المدثر: 30]. ما الذي يخصص هذا العدد؟ حتى قال بعضهم: أنا أكفيكم منهم كذا ~~فاكفوني الباقين. فقال الله تعالى: " وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ~~" [المدثر: 31] والفتنة الاختبار، وكان هذا القول منهم جهلا، إذ لا يستحيل ~~في العقل أن يخلق الله في النار شجرا من جنسها لا تأكله النار، كما يخلق ~~الله فيها الأغلال والقيود والحيات والعقارب وخزنة النار. وقيل: هذا ~~الاستبعاد الذي وقع للكفار هو الذي وقع الآن للملحدة، حتى حملوا الجنة ~~والنار على نعيم أو عقاب تتخلله الأرواح، وحملوا وزن الأعمال والصراط ~~واللوح والقلم على معاني زوروها في أنفسهم، دون ما فهمه المسلمون من موارد ~~الشرع، وإذا ورد خبر الصادق بشئ موهوم في العقل، فالواجب تصديقه وإن جاز أن ~~يكون له تأويل، ثم التأويل في موضع إجماع المسلمين على أنه تأويل باطل لا ~~يجوز، والمسلمون مجمعون على الأخذ بهذه الأشياء من غير مصير إلى علم ~~الباطن. وقيل إنها فتنة أي عقوبة للظالمين، كما قال: " ذوقوا فتنتكم هذا ~~الذي كنتم به تستعجلون " [الذاريات: 14]. # قوله تعالى: " إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم " أي قعر النار ومنها منشؤها ~~ثم هي متفرعة في جهنم. " طلها " أي ثمرها، سمي طلعا لطلوعه. " كأنه رؤوس ~~الشياطين " قيل: يعني الشياطين بأعيانهم شبهها برؤوسهم لقبحهم، ورؤوس ~~الشياطين متصور في النفوس وإن كان غير مرئي. ومن ذلك قولهم لكل قبيح هو ~~كصورة الشيطان، ولكل صورة حسنة هي كصورة ملك. ومنه قوله تعالى مخبرا عن ~~صواحب يوسف: " ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم ms5244 " [يوسف: 31] وهذا تشبيه ~~تخييلي، روي معناه عن ابن عباس والقرظي. ومنه قول امرئ القيس: # ومسنونة زرق كأنياب أغوال (2) # PageV15P086 # وإن كانت الغول لا تعرف، ولكن لما تصور من قبحها في النفوس. وقد قال الله ~~تعالى: # " شياطين الإنس والجن " [الأنعام: 112] فمردة الإنس شياطين مرئية. وفي ~~الحديث الصحيح " ولكأن نخلها رؤوس الشياطين " وقد أدعى كثير من العرب رؤية ~~الشياطين والغيلان. وقال الزجاج والفراء: الشياطين حياة لها رؤوس وأعراف، ~~وهي من أقبح الحيات وأخبثها وأخفها جسما. قال الراجز وقد شبه المرأة بحية ~~لها عرف: # عنجرد تحلف حين أحلف * كمثل شيطان الحماط أعرف الواحدة حماطة والأعرف ~~الذي له عف. وقال الشاعر يصف ناقته: # تلاعب مثنى حضرمي كأنه * تعمج شيطان بذي خروع قفر التعمج: الاعوجاج في ~~السير. وسهم عموج: يتلوى في ذهابه. وتعمجت الحية: إذا تلوت في سيرها. # وقال يصف زمام الناقة (1): # تلاعب مثنى حضر مي كأنه * تعمج شيطان بذي خروع قفر وقيل: إنما شبه ذلك ~~بنبت قبيح في اليمن يقال له الأستن والشيطان. قال النحاس: وليس ذلك معروفا ~~عند العرب. الزمخشري: هو شجر خشن منتن مر منكر الصورة يسمى ثمره رؤوس ~~الشياطين. النحاس: وقيل: الشياطين ضرب من الحيات قباح. " فإنهم لآكلون منها ~~فمالئون منها البطون " فهذا طعامهم وفاكهتهم بدل رزق أهل الجنة. وقال في " ~~الغاشية ": " ليس لهم طعام إلا من ضريع " [الغاشية: 6] وسيأتي. " ثم إن لهم ~~عليها " أي بعد الأكل من الشجرة " لشوبا من حميم " الشوب الخلط، والشب ~~والشوب لغتان كالفقر والفقر والفتح أشهر. قال ا لفراء: شاب طعامه وشرابه ~~إذا خلطهما بشئ يشوبهما شوبا وشيابة. # فأخبر أنه يشاب لهم. والحميم: الماء الحار ليكون أشنع، قال الله تعالى: " ~~وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم " [محمد: 15]. السدي: يشاب لهم الحميم بغساق ~~أعينهم وصديد من قيحهم ودمائهم. # وقيل: يمزج لهم الزقوم بالحميم ليجمع لهم بين مرارة الزقوم وحراوة ~~الحميم، تغليظا لعذابهم وتجديدا # PageV15P087 # لبلائهم. " ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم " قيل: إن هذا يدل على أنهم كانوا ~~حين أكلوا الزقوم في عذاب غير النار ثم يردون إليها. وقال مقاتل: الحميم ms5245 ~~خارج الجحيم فهم يوردون الحميم لشربه ثم يردون إلى الجحيم، لقوله تعالى: " ~~هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون. يطوفون بينها وبين حميم آن " [الرحمن: 43 ~~- 44]. وقرأ ابن مسعود: " ثم إن منقلبهم لإلى الجحيم " قال أبو عبيدة: يجوز ~~أن تكون " ثم " بمعنى الواو. القشيري: ولعل الحميم في موضع من جهنم على طرف ~~منها. # قوله تعالى: إنهم ألفوا آباءهم ضالين فهم على آثارهم يهرعون ولقد ضل ~~قبلهم أكثر الأولين ولقد أرسلنا فيهم منذرين فانظر كيف كان عقبة المنذرين ~~إلا عباد عباد الله المخلصين قوله تعالى: " إنهم ألفوا آباءهم ضالين " أي ~~صادفوهم كذلك فاقتدوا بهم. # " فهم على آثارهم يهرعون " أي يسرعون، عن قتادة. وقال مجاهد: كهيئة ~~الهرولة. قال قال الفراء: الإهراع الإسراع برعدة. وقال أبو عبيدة: " يهرعون ~~" يستحثون من خلفهم. # ونحوه قول المبرد. قال: المهرع المستحث، يقال: جاء فلان يهر ع إلى النار ~~إذا استحثه البرد إليها. وقيل: يزعجون من شدة الإسراع، قال الفضل. الزجاج: ~~يقال هرع وأهرع إذا استحث وأزعج. # قوله تعالى: " ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين " أي من الأمم الماضية. " ولقد ~~أرسلنا فيهم منذرين " أي رسلا أنذروهم العذاب فكفروا. " فانظر كيف كان ~~عاقبة المنذرين " أي آخر أمرهم. " إلا عباد الله المخلصين " أي الذين ~~استخلصهم الله من الكفر. # وقد تقدم (1). ثم قيل: هو استثناء من " المنذرين ". وقيل هو من قوله ~~تعالى: " ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين ". # PageV15P088 # قوله تعالى: ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون ونجيناه وأهله من الكرب ~~العظيم وجعلنا ذريته هم الباقين وتركنا عليه في الآخرين سلم على نوح في ~~العلمين إنا كذلك نجزى المحسنين إنه من عبادنا المؤمنين ثم أغرقنا الآخرين ~~قوله تعالى: " ولقد نادانا نوح " من النداء الذي هو الاستغاثة، ودعا قيل ~~بمسألة هلاك قومه فقال: " رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا " [نوح: ~~26]. " فأنعم المجيبون " قال الكسائي: أي " فلنعم المجيبون له كنا. " ~~فنجيناه وأهله " يعني أهل دينه، وهم من آمن معه وكانوا ثمانين على ما تقدم ~~(1). " من الكرب العظيم " وهو الغرق. " وجعلنا ذريته هم الباقين " قال ابن ~~عباس: ms5246 لما خرج نوح من السفينة مات من معه من الرجال والنساء إلا ولده ~~ونساءه، فذلك قوله: " وجعلنا ذريته هم الباقين ". وقال سعيد بن المسيب: كان ~~ولد نوح ثلاثة والناس كلهم من ولد نوح: فسام أبو العرب وفارس والروم ~~واليهود والنصارى. وحام أبو السودان من المشرق إلى المغرب: السند والهند ~~والنوب والزنج والحبشة والقبط والبربر وغيرهم. ويافث أبو الصقالبة والترك و ~~" اللان " (2) والخزر ويأجوج ومأجوج وما هنالك. وقال قوم: كان لغير ولد نوح ~~أيضا نسل، بدليل قوله: " ذرية من حملنا مع نوح " [الإسراء: 3]. وقوله: " ~~قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم ~~يمسهم منا عذاب أليم " [هود: 48] فعلى هذا معنى الآية: " وجعلنا ذريته هم ~~الباقين " دون ذرية من كفر أنا أغرقنا أولئك. # PageV15P089 # قوله تعالى: " وتركنا عليه في الآخرين " أي تركنا عليه ثناء حسنا في كل ~~أمة، فإنه محبب إلى الجميع، حتى إن في المجوس من يقول إنه أفريدون. روى ~~معناه عن مجاهد وغيره. # وزعم الكسائي أن فيه تقديرين: أحدهما " وتركنا عليه في الآخرين " يقال: " ~~سلام على نوح " أي تركنا عليه هذا الثناء الحسن. وهذا مذهب أبي العباس ~~المبرد. أي تركنا عليه هذه الكلمة باقية، يعني يسلمون له تسليما ويدعون له، ~~وهو من الكلام المحكي، كقوله تعالى: " سورة أنزلناها ". [النور: 1]. والقول ~~الآخر أن يكون المعنى وأبقينا عليه، وتم الكلام ثم ابتدأ فقال: " سلام على ~~نوح " أي سلامة له من أن يذكر بسوء " في الآخرين ". قال الكسائي: وفي قراءة ~~ابن مسعود " سلاما " منصوب ب " تركنا " أي تركنا عليه ثناء حسنا سلاما. ~~وقيل: # " في آخرين " أي في أمة محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: في الأنبياء إذ ~~لم يبعث بعده نبي إلا أمر بالاقتداء به، قال الله تعالى: " شرع لكم من ~~الدين ما وصى به نوحا " [الشورى: 13]. وقال سعيد بن المسيب: وبلغني أنه من ~~قال حين يسمي " سلام على نوح في العامين " لم تلدغه عقرب. # ذكره أبو عمر في التمهيد. وفي الموطأ عن خولة بنت حكيم أن ms5247 رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: " من نزل منزلا فليقل أعوذ بكلمات الله التامات من شر ~~ما خلق فإنه لن يضره شئ حتى يرتحل ". وفيه عن أبي هريرة أن رجلا من أسلم ~~قال: ما نمت هذه الليلة، فقال وسول الله صلى الله عليه وسلم: " من أي شئ " ~~فقال: لدغتني عقرب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أما إنك لو قلت حين أمسيت أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم ~~تضرك ". # قوله تعالى: " إنا كذلك نجزى المحسنين " أي نبقي عليهم الثناء الحسن. ~~والكاف في موضع نصب، أي جزاء كذلك. " إنه من عبادنا المؤمنين " هذا بيان ~~إحسانه. قوله تعالى: " ثم أغرقنا الآخرين " أي من كفر. وجمعه أ، خر. والأصل ~~فيه أن يكون معه " من " إلا أنها حذفت، لأن المعنى معروف، ولا يكون آخرا ~~إلا وقبله شئ من جنسه. " ثم " ليس للتراخي ها هنا بل هو لتعديد النعم، ~~كقول: " أو مسكينا ذا متربة. ثم كان من الذين آمنوا " [البلد: 16 - 17] أي ~~ثم أخبركم أني قد أغرقت الآخرين، وهم الذين تأخروا عن الإيمان. PageV15P090 # قوله تعالى: وإن من شيعته لإبراهيم إذا جاء ربه بقلب سليم إذا قال لأبيه ~~وقومه ماذا تعبدون أئفكا آلهة دون الله تريدون فما ظنكم برب العلمين فنظر ~~نظرة في النجوم فقال إني سقيم فتولوا عنه مدبرين قوله تعالى: " وإن من ~~شيعته لإبراهيم " قال ابن عباس: أي من أهل دينه. # وقال مجاهد: أي على منهاجه وسنته. قال الأصمعي: الشيعة الأعوان، وهو ~~مأخوذ من الشياع، وهو الحطب الصغار الذي يوقد مع الكبا ر حتى يستوقد. وقال ~~الكلبي والفراء: # المعنى وإن من شيعة محمد لإبراهيم. فالهاء في " شيعته " على هذا لمحمد ~~عليه السلام. وعلى الأول لنوح وهو أظهر، لأنه هو المذكور أولا، وما كان بين ~~نوح وإبراهيم إلا نبيان هود وصالح، وكان بين نوح وإبراهيم ألفان وستمائة ~~وأربعون سنة، حكاه الزمخشري. # قوله تعالى: " إذ جاء ربه بقلب سليم " أي مخلص من الشرك والشك. وقال عوف ~~الأعرابي: سألت محمد بن سيرين ms5248 ما القلب السليم؟ فقال: الناصح لله عز وجل في ~~خلقه. # وذكر الطبري عن غالب القطان وعوف وغيرهما عن محمد بن سيرين أنه كان يقول ~~للحجاج: # مسكين أبو محمد! إن عذبه الله فبذنبه، وإن غفر له فهنيئا له، وإن كان ~~قلبه سليما فقد أصاب الذنوب من هو خير منه. قال عوف: فقلت لمحمد ما القلب ~~السليم؟ قال: أن يعلم أن الله حق، وأن الساعة قائمة، وأن الله يبعث من في ~~القبور. وقال هشام بن عروة: كان أبي يقول لنا: يا بني لا تكونوا لعانين، ~~ألم تروا إلى إبراهيم لم يلعن شيئا قط، فقال تعالى: # " إذ جاء ربه بقلب سليم ". ويحتمل مجيئه إلى ربه وجهين: أحدهما عند دعائه ~~إلى توحيده وطاعته، الثاني عند إلقائه في النار. " إذا قال لأبيه " وهو ~~آزر، وقد مضى الكلام (1) فيه. # " وقومه ماذا تعبدون " تكون " ما " في موضع رفع بالابتداء و " ذا " خبره ~~ويجوز أن تكون # PageV15P091 # " ما " و " ذا " في موضع نصب ب " تعبدون ". " أئفكا " نصب على المفعول يه ~~بمعنى أتريدون إفكا. قال المبرد: والإفك أسوأ الكذب، وهو الذي لا يثبت ~~ويضطرب، ومنه ائتفكت بهم الأرض. " آلهة " بدل من إفك " دون الله تريدون " ~~أي تعبدون. ويجوز أن يكون حالا بمعنى أتريدون ألهة من دون الله آفكين. " ~~فما ظنكم برب العالمين " أي ما ظنكم به إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره؟ فهو ~~تحذير، مثل قوله: " ما غرك بربك الكريم " [الانفطار: 6]. وقيل: # أي شئ أوهمتموه حتى أشركتم به غيره. # قوله تعالى: " فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم " قال ابن زيد عن أبيه: ~~أرسل إليه ملكهم إن غدا عيدنا فاخرج معنا، فنظر إلى نجم طالع فقال: إن هذا ~~يطلع مع سقمي. # وكان علم النجوم مستعملا عندهم منظورا فيه، فأوهمهم هو من تلك الجهة، ~~وأراهم من معتقدهم عذرا لنفسه، وذلك أنهم كانوا أهل رعاية وفلاحة، وهاتان ~~المعيشتان يحتاج فيهما إلى نظر في النجوم. وقال ابن عباس: كان علم النجوم ~~من النبو ة، فلما حبس الله تعالى الشمس على يوشع بن نون أبطل ms5249 ذلك، فكان نظر ~~إبراهيم فيها علما نبويا. وحكى جويبر عن الضحاك. كان علم النجوم باقيا إلى ~~زمن عيسى عليه السلام، حتى دخلوا عليه في موضع لا يطلع عليه منه، فقالت لهم ~~مريم: من أين علمتم بموضعه؟ قالوا: من النجوم. فدعا ربه عند ذلك فقال: ~~اللهم لا تفهمهم في علمها، فلا يعلم علم النجوم أحد، فصار حكمها في الشرع ~~محظورا، وعلمها في الناس مجهولا. قال الكلبي: وكانوا في قرية بين البصرة ~~والكوفة يقال لهم هرمز جرد (1)، وكانوا ينظرون في النجوم. فهذا قول. وقال ~~الحسن: المعنى أنهم لما كلفوه الخروج معهم تفكر فيما يعمل. فالمعنى على هذا ~~أنه نظر فيما نجم له من الرأي، أي فيما طلع له منه، فعلم أن كل حي يسقم ~~فقال. " إني سقيم ". الخليل والمبرد: يقال للرجل إذا فكر في الشئ يدبره: ~~نظر في النجوم. وقيل: كانت الساعة التي دعوه إلى الخروج معهم فيها ساعة ~~تغشاه فيها الحمى. وقيل: المعنى فنظر فيما نجم من الأشياء فعلم أن لها ~~خالقا. # PageV15P092 # ومدبرا، وأنه يتغير كتغيرها. فقال: " إني سقيم ". قال الضحاك: معنى " ~~سقيم " سأسقم سقم الموت، لأن من كتب عليه الموت يسقم في الغالب ثم يموت، ~~وهذا تورية وتعريض، كما قال للملك لما سأل عن سارة هي أختي، يعني أخوة ا ~~لدين. وقال ابن عباس وأبن جبير والضحاك أيضا أشار لهم إلى مرض وسقم يعدي ~~كالطاعون، وكانوا يهربون من الطاعون، " ف " لذلك " تولوا عنه مدبرين " أي ~~فارين منه خوفا من العدوى. وروى الترمذي الحكيم قال: حدثنا أبي قال حدثنا ~~عمرو بن حماد عن أسباط عن السدي عن أبي مالك وأبي صالح عن ابن عباس، وعن ~~سمرة عن الهمداني عن ابن مسعود قال: قالوا لإبراهيم: إن لنا عيدا لو خرجت ~~معنا لأعجبك ديننا. فلما كان يوم العيد خرجوا إليه وخرج معهم، فلما كان ~~ببعض الطريق ألقى بنفسه، وقال إني سقيم أشتكي رجلي، فوطئوا رجله وهو صريع، ~~فلما مضوا نادى في آخرهم " وتالله لأكيدن أصنامكم " [الأنبياء: 57]. قال ~~أبو عبد الله وهذا ليس بمعارض ms5250 لما قال ابن عباس وابن جبير، لأنه يحتمل أن ~~يكون قد اجتمع له أمران. # قلت: وفى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: " لم يكذب إبراهيم النبي ~~عليه السلام إلا ثلاث كذبات " الحديث. وقد مضى في سورة " الأنبياء " (1) ~~وهو يدل على أنه لم يكن سقيما وإنما عرض لهم. وقد قال جل وعز: " إنك ميت ~~وإنهم ميتون " [الزمر: 30]. فالمعنى إني سقيم فيما أستقبل فتوهموا هم أنه ~~سقيم الساعة. وهذا من معاريض الكلام على ما ذكرنا، ومنه المثل السائر (2) " ~~كفى بالسلامة داء " وقول لبيد: # فدعوت ربي بالسلامة جاهدا * ليصحني فإذا السلامة داء وقد مات رجل فجأة ~~فالتف عليه الناس فقالوا: مات وهو صحيح! فقال أعرابي: أصحيح من الموت في ~~عنقه! فإبراهيم صادق، لكن لما كان الأنبياء لقرب محلهم واصطفائهم عد هذا ~~ذنبا، ولهذا قال: " والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين " [الشعراء: ~~82] وقد مضى هذا كله مبينا والحمد (3) لله. وقيل: أراد سقيم النفس لكفرهم. ~~والنجوم يكون جمع نجم ويكون واحدا مصدرا. # PageV15P093 # قوله تعالى: فراغ إلى آلهتهم فقال ألا تأكلون ما لكم لا تنطقون فراغ ~~عليهم ضربا باليمين فاقبلوا إليه يزفون قال أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم ~~وما تعملون قوله تعالى: " فراغ إلى آلهتهم " قال السدى: ذهب إليهم. وقال ~~أبو مالك: جاء إليهم عليهم. وقيل: عدل. والمعنى متقارب. فراغ يروغ روغا ~~وروغانا إذا مال. وطريق رائغ أي مائل. وقال الشاعر: # ويريك من طرف اللسان حلاوة * ويروغ عنك كما يروغ الثعلب فقال: " ألا ~~تأكلون " فخاطبها كما يخاطب من يعقل، لأنهم أنزلوها بتلك المنزلة. وكذا " ~~ما لكم لا تنطقون " قيل: كان بين يدي الأصنام طعام تركوه ليأكلوه إذا رجعوا ~~من العيد، وإنما تركوه لتصيبه بركة أصنامهم بزعمهم. وقيل: تركوه للسدنة. ~~وقيل: قرب هو إليها طعاما على جهة الاستهزاء، فقال: " ألا تأكلون ما لكم لا ~~تنطقون ". " فراغ عليهم ضربا باليمين " خص ا لضرب باليمين لأنها أقوى ~~والضرب بها أشد، قال الضحاك والربيع بن أنس. # وقيل: المراد باليمين اليمين التي حلفها حين قال: " وتالله لأكيدن ~~أصنامكم ms5251 " [الأنبياء: 57]. وقال الفراء وثعلب: ضربا بالقوة واليمين القوة. ~~وقيل: بالعدل واليمين ها هنا العدل. ومنه قوله تعالى: " ولو تقول علينا بعض ~~الأقاويل. لأخذنا منه باليمين " [الحاقة: 44 - 45] أي بالعدل، فالعدل ~~لليمين والجور للشمال. ألا ترى أن العدو عن الشمال والمعاصي عن الشمال ~~والطاعة عن اليمين، ولذلك قال: " إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين " [الصافات: ~~28] أي من قبل الطاعة. فاليمين هو موضع العدل من المسلم، والشمال موضع ~~الجور. ألا ترى أنه بايع الله بيمينه يوم الميثاق، فالبيعة باليمين، فلذلك ~~يعطى كتابه غدا بيمينه، لأنه وفى بالبيعة، ويعطى الناكث للبيعة الهارب ~~برقبته من الله بشماله، لأن الجور هناك. فقوله: " فراغ عليهم ضربا باليمين ~~" أي بذلك العدل الذي كان بايع الله عليه يوم الميثاق ثم وفى له هاهنا. ~~فجعل تلك الأوثان جذاذا، أي فتاتا كالجذيذة PageV15P094 # وهي السويق وليس من قبيل القوة، قاله الترمذي الحكيم " فاقبلوا إليه ~~يزفون " قرأ حمزة " يزفون " بضم الياء. الباقون بفتحها. أي يسرعون، قاله ~~ابن زيد. قتادة والسدي: # يمشون. وقيل: المعنى يمشون بجمعهم على مهل آمنين أن يصيب أحد آلهتهم ~~بسوء. وقيل: # المعنى يتسللون تسللا بين المشي والعدو، ومنه زفيف النعامة. وقال الضحاك: ~~يسعون وحكى يحيى بن سلام: يرعدون غضبا. وقيل: يختالون وهو مشي الخيلاء، ~~قاله مجاهد. # ومنه أ، خذ زفاف العروس إلى زوجها. وقال الفرزدق: # وجاء قريع الشول قبل إفالها * يزف وجاءت خلفه وهي زفف (1) ومن قرأ " ~~يزفون " فمعناه يزفون غيرهم أي يحملونهم على التزفيف. وعلى هذا فالمفعول ~~محذوف. قال الأصمعي: أزففت الإبل أي حملتها على أن تزف. وقيل: هما لغتان ~~يقال: # زف القوم وأزفوا، وزففت العروس وأزففتها وازدففتها بمعنى، والمزفة: ~~المحفة التي تزف فيها العروس، حكي ذلك عن الخليل. النحاس: " ويزفون " بضم ~~الياء. زعم أبو حاتم أنه لا يعرف هذه اللغة، وقد عرفها جماعة من العلماء ~~منهم الفراء وشبهها بقولهم: أطردت الرجل أي صيرته إلى ذلك. وطردته نحيته، ~~وأنشد هو وغيره: # تمنى حصين أن يسود جذاعة * فأمسى حصين قد أذل وأقهرا (2) أي صير إلى ذلك، ~~فكذلك " يزفون " يصيرون إلى ms5252 الزفيف. قال محمد بن زيد: الزفيف الإسراع. وقال ~~أبو إسحاق: الزفيف أول عدو النعام. وقال أبو حاتم: وزعم الكسائي أن قوما ~~قرأوا " فأقبلوا إليه يزفون " خفيفة، من وزف يزف، مثل وزن يزن. قال النحاس: # فهذه حكاية أبي حاتم وأبو حاتم لم يسمع من الكسائي شيئا. وروى الفراء وهو ~~صاحب الكسائي عن الكسائي أنه لا يعرف " يزفون " مخففة. قال الفراء: وأنا لا ~~أعرفها. قال # PageV15P095 # أبو إسحاق: وقد عرفها غيرهما أنه يقال (1) وزف يزف إذا أسرع. قال النحاس: ~~ولا نعلم أحدا قرأ " يزفون ". # قلت: هي قراءة عبد الله بن يزيد فيما ذكر المهدوي. الزمخشري: و " يزفون " ~~على البناء للمفعول. و " يزفون " من زفاه إذا حداه، كأن بعضهم يزف بعضا ~~لتسارعهم إليه. وذكر الثعلبي عن الحسن ومجاهد وابن السميقع " يزفون " ~~بالراء من رفيف النعام، وهو ركض بين المشي والطيران. # قوله تعالى: " قال أتعبدون ما تنحتون " فيه حذف، أي قالوا من فعل هذا ~~بآلهتنا، فقال محتجا: " أتعبدون ما تنحتون " أي أتعبدون أصناما أنتم ~~تنحتونها بأيديكم تنجرونها. والنحت النجر والبري نحته ينحته بالكسر نحتا أي ~~براه. والنحاتة البراية والمنحت ما ينحت به. # " والله خلقكم وما تعملون " " ما " في موضع نصب أي وخلق ما تعملونه من ~~الأصنام، يعني الخشب والحجارة وغيرهما، كقوله: " بل ربكم رب السماوات ~~والأرض الذي فطرهن " [الأنبياء: 56] وقيل: إن " ما " استفهام ومعناه ~~التحقير لعملهم. وقيل: هي نفي، والمعنى وما تعملون ذلك لكن الله خالقه. ~~والأحسن أن تكون " ما " مع الفعل مصدرا، والتقدير والله خلقكم وعملكم وهذا ~~مذهب أهل السنة: أن الأفعال خلق لله عز وجل واكتساب للعباد. وفي هذا إبطال ~~مذاهب القدرية والجبرية. وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~" إن الله خالق كل صانع وصنعته " ذكره الثعلبي. وخرجه البيهقي من حديث ~~حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله عز وجل صنع كل ~~صانع وصنعته فهو الخالق وهو الصانع سبحانه " وقد بيناهما في الكتاب الأسنى ~~في شرح أسماء الله الحسنى. # قوله تعالى: قالوا ابنوا له بنينا ms5253 فألقوه في الجحيم (97) فأرادوا به كيدا ~~فجعلناهم الأسفلين (98) # PageV15P096 # قوله تعالى: " قالوا ابنوا له بنيانا " أي تشاوروا في أمره لما غلبهم ~~بالحجة حسب ما تقدم في " الأنبياء " (1) بيانه ف " قالوا ابنوا له بنيانا " ~~تملئونه حطبا فتضرمونه، ثم ألقوه فيه وهو الجحيم. قال ابن عباس: بنوا حائطا ~~من حجارة طوله في السماء ثلاثون ذراعا، وملأوه نارا وطرحوه فيها. وقال ابن ~~عمرو بن العاص: فلما صار في البنيان قال: حسبي الله ونعم الوكيل. والألف ~~واللام في " الجحيم " تدل على الكناية، أي في جحيمه، أي في جحيم ذلك ~~البنيان. وذكر الطبري: أن قائل ذلك اسمه الهيزن (2) رجل من أعراب فارس وهم ~~الترك، وهو الذي جاء فيه الحديث: " بينما رجل يمشى في حلة له يتبختر فيها ~~فخسف به فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة " والله أعلم. " فأرادوا به ~~كيدا " أي بإبراهيم. والكيد المكر، أي احتالوا لإهلاكه. " فجعلنا هم ~~الأسفلين " المقهورين المغلوبين إذ نفذت حجته من حيث لم يمكنهم دفعها، ولم ~~ينفذ فيه مكرهم ولا كيدهم. # قوله تعالى: وقال إني ذاهب إلى ربى سيهدين رب هب لي من الصالحين فبشرناه ~~بغلام حليم فيه مسئلتان: # الأولى - هذه الآية أصل في الهجرة والعزلة. وأول من فعل ذلك إبراهيم عليه ~~السلام، وذلك حين خلصه الله من النار " قال إن ذاهب إلى ربي " أي مهاجر من ~~بلد قومي ومولدي إلى حيث أتمكن من عبادة ربي فإنه " سيهدين " فيما نويت إلى ~~الصواب. قال مقاتل: # هو أول من هاجر من الخلق مع لوط وسارة، إلى الأرض المقدسة وهي أرض الشام. # وقيل: ذاهب بعملي وعبادتي، وقلبي ونيتي. فعلى هذا ذهابه بالعمل لا ~~بالبدن. وقد مضى بيان هذا في [الكهف] (3) مستوفى. وعلى الأول بالمهاجرة إلى ~~الشام وبيت القدس. # PageV15P097 # وقيل: خرج إلى حران فأقام بها مدة. ثم قيل: قال ذلك لمن فارقه من قومه، ~~فيكون ذلك توبيخا لهم. وقيل: قاله لمن هاجر معه من أهله، فيكون ذلك منه ~~ترغيبا. وقيل: قال هذا قبل إلقائه في النار. وفيه على هذا القول تأويلان: ~~أحدهما: إني ذاهب ms5254 إلى ما قضاه علي ربي. الثاني: إني ميت، كما يقال لمن مات: ~~قد ذهب إلى الله تعالى، لأنه عليه السلام تصور أنه يموت بإلقائه في النار، ~~على المعهود من حالها في تلف ما يلقى فيها، إلى أن قيل لها: " كوني بردا ~~وسلاما " فحينئذ سلم إبراهيم منها. وفي قوله: " سيهدين " على هذا القول ~~تأويلان: أحدهما " سيهدين " إلى الخلاص منها. الثاني - إلى الجنة. وقال ~~سليمان ابن صرد وهو ممن أدرك النبي صلى الله عليه وسلم: لما أرادوا إلقاء ~~إبراهيم في النار جعلوا يجمعون له الحطب، فجعلت المرأة العجوز تحمل على ~~ظهرها وتقول: اذهب به إلى هذا الذي يذكر آلهتنا، فلما ذهب به ليطرح في ~~النار " قال إني ذاهب إلى ربي ". فلما طرح في النار قال: (حسبي الله ونعم ~~الوكيل) فقال الله تعالى: " يا نار كوني بردا وسلاما " [الأنبياء: 9 6] ~~فقال أبو لوط وكان ابن عمه: إن النار لم تحرقه من أجل قرابته مني. فأرسل ~~الله عنقا من النار فأحرقه. # الثانية - قوله تعالى: " رب هب لي من الصالحين " لما عرفه الله أنه مخلصه ~~دعا الله ليعضده بولد يأنس به في غربته. وقد مضى في [آل عمران] (1) القول ~~في هذا. # وفى الكلام حذف، أي هب لي ولدا صالحا من الصالحين، وحذف مثل هذا كثير. ~~قال الله تعالى: # " فبشرناه بغلام حليم " أي أنه يكون حليما في كبره فكأنه بشر ببقاء ذلك ~~الولد، لأن الصغير لا يوصف بذلك، فكانت البشرى على ألسنة الملائكة كما تقدم ~~في [هود] (2). ويأتي أيضا في [الذاريات] (3). # قوله تعالى: فلما بلغ معه السعي قال يبنى إني أرى في المنام أنى أذبحك ~~فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن # PageV15P098 # شاء الله من الصابرين فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن يا إبراهيم قد ~~صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزى المحسنين إن هذا لهو البلاء المبين وفديناه بذبح ~~عظيم وتركنا عليه في الآخرين سلم على إبراهيم كذلك نجزى المحسنين إنه من ~~عبادنا المؤمنين وبشرناه بإسحق نبيا من الصالحين وبركنا عليه وعلى إسحاق ms5255 ~~ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين فيه سبع عشرة مسألة: # الأولى - قوله تعالى: " فلما بلغ معه السعي " أي فوهبنا له الغلام، فلما ~~بلغ مع المبلغ الذي يسعى مع أبيه في أمور دنياه معينا له على أعمال " قال ~~يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك ". وقال مجاهد: " فلما بلغ معه السعي " ~~أي شب وأدرك سعيه سعي إبراهيم. # وقال الفراء: كان يومئذ ابن ثلاث عشرة سنة. وقال ابن عباس: هو احتلام. ~~قتادة: # مشى مع أبيه. الحسن ومقاتل: هو سعي العقل الذي تقوم به الحجة. ابن زيد: ~~هو السعي في العبادة. ابن عباس: صام وصلى، ألم تسمع الله عز وجل يقول: " ~~وسعى لها سعيها. " [الإسراء: 19]. # اختلف العلماء في المأمور بذبحه. فقال أكثرهم: الذبيح إسحاق. وممن قال ~~بذلك العباس بن عبد المطلب وابنه عبد الله وهو الصحيح عنه. روى الثوري وابن ~~جريج يرفعانه إلى ابن عباس قال: الذبيح إسحاق. وهو الصحيح عن عبد الله بن ~~مسعود أن رجلا قال له: # يا بن الأشياخ الكرام. فقال عبد الله: ذلك يوسف بن يعقوب بن إسحاق ذبيح ~~الله ابن إبراهيم خليل الله صلى الله عليه وسلم. وقد روى حماد بن زيد يرفعه ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ~~ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم PageV15P099 # صلى الله عليهم وسلم ". وروى أبو الزبير عن جابر قال: الذبيح إسحاق. وذلك ~~مر وي أيضا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وعن عبد الله بن عمر: أن ~~الذبيح إسحاق. وهو قول عمر رضي الله عنه. فهؤلاء سبعة من الصحابة. وقال به ~~من التابعين وغيرهم علقمة والشعبي ومجاهد وسعيد بن جبير وكعب الأحبار ~~وقتادة ومسروق وعكرمة والقاسم بن أبي بزة وعطاء ومقاتل وعبد الرحمن بن سابط ~~(1) والزهري والسدي وعبد الله بن أبي الهذيل ومالك بن أنس، كلهم قالوا: ~~الذبيح إسحاق. وعليه أهل الكتابين اليهود والنصارى، واختاره غير واحد منهم ~~النحاس (2) والطبري وغيرهما. قال سعيد بن جبير: أري إبراهيم ذبح ms5256 إسحاق في ~~المنام، فسار به مسيرة شهر في غداة واحدة، حتى أتى به المنحر من منى، فلما ~~صرف الله عنه الذبح وأمره أن يذبح الكبش فذبحه، وسار به مسيرة شهر في روحة ~~واحدة طويت له الأودية والجبال. وهذا القول أقوى في النقل عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم وعن الصحابة والتابعين. وقال آخرون: # هو إسماعيل. وممن قال ذلك أبو هريرة وأبو الطفيل عامر بن واثلة. وروي ذلك ~~عن ابن عمر وابن عباس أيضا، ومن التابعين سعيد بن المسيب والشعبي ويوسف بن ~~مهران ومجاهد والربيع بن أنس ومحمد بن كعب القرظي والكلبي وعلقمة. وسئل أبو ~~سعيد الضرير عن الذبيح فأنشد: # إن الذبيح هديت إسماعيل * نطق الكتاب ء بذاك والتنزيل شرف به خص الإله ~~نبينا * وأتى به التفسير والتأويل إن كنت أمته فلا تنكر له * شرفا به قد ~~خصه التفضيل وعن الأصمعي قال: سألت أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح، فقال: يا ~~أصمعي أين عزب عنك عقلك! ومتى كان إسحاق بمكة؟ وإنما كان إسماعيل بمكة، وهو ~~الذي بنى البيت مع أبيه والمنحر بمكة. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: " ~~أن الذبيح # PageV15P100 # إسماعيل " والأول أكثر عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه وعن ~~التابعين. واحتجوا بأن الله عز وجل قد أخبر عن إبراهيم حين فارق قومه، ~~فهاجر إلى الشام مع امرأته سارة وابن أخيه لوط فقال: " إني ذاهب إلى ربي ~~سيهدين " أنه دعا فقال: " رب هب لي من الصالحين " فقال تعالى: " فلما ~~اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب " [مريم: 49]، ولأن ~~الله قال: " وفديناه بذبح عظيم " فذكر أن الفداء في الغلام الحليم الذي ~~بشره به إبراهيم وإنما بشر بإسحاق، لأنه قال: " وبشرناه بإسحاق "، وقال ~~هنا: " بغلام حليم " وذلك قبل أن يتزوج هاجر وقبل أن يولد له إسماعيل، وليس ~~في القرآن أنه بشر بولد إلا إسحاق. احتج من قال إنه إسماعيل: بأن الله ~~تعالى وصفه بالصبر دون إسحاق في قول تعالى: " وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل ~~من الصابرين " [الأنبياء: ms5257 85] وهو صبره على الذبح، ووصفه بصدق الوعد في ~~قوله: " إنه كان صاد ق الوعد " [مريم: 54]، لأنه وعد أباه من نفسه الصبر ~~على الذبح فوفى به، ولأن الله تعالى قال: " وبشرناه بإسحاق نبيا " فكيف ~~يأمره بذبحه وقد وعده أن يكون نبيا، وأيضا فإن الله تعالى قال: " فبشرناها ~~بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب " [هود: 71] فكيف يؤمر بذبح إسحاق قبل إنجاز ~~الوعد في يعقوب. وأيضا ورد في الأخبار تعليق قرن الكبش في الكعبة، فدل على ~~أن الذبيح إسماعيل، ولو كان إسحاق لكان الذبح يقع ببيت المقدس. وهذا ~~الاستدلال كله ليس بقاطع، أما قولهم: كيف يأمره بذبحه وقد وعده بأنه يكون ~~نبيا، فإنه يحتمل أن يكون المعنى: وبشرناه بنبوته بعد أن كان من أمره ما ~~كان، قال ابن عباس وسيأتي. ولعله أمر بذبح إسحاق بعد أن ولد لإسحاق يعقوب. ~~قال: لم يرد في القرآن أن يعقوب يولد من إسحاق. وأما قولهم: ولو كان الذبيح ~~إسحاق لكان الذبح يقع ببيت المقدس، فالجواب عنه ما قاله سعيد بن جبير على ~~ما تقدم. # وقال الزجاج: الله أعلم أيهما الذبيح. وهذا مذهب ثالث. # الثانية - قوله تعالى: " قال يا بنى إني أرى في المنام أنى أذبحك فانظر ~~ماذا ترى " قال مقاتل: رأى ذلك إبراهيم عليه السلام ثلاث ليال متتابعات. ~~وقال محمد بن كعب: PageV15P101 # كانت الرسل يأتيهم الوحي من الله تعالى أيقاظا ورقودا، فإن الأنبياء لا ~~تنام قلوبهم. وهذا ثابت في الخبر المرفوع، قال صلى الله عليه وسلم: " إنا ~~معاشر الأنبياء تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا ". وقال ابن عباس: رؤيا ~~الأنبياء وحي، واستدل بهذه الآية. وقال السدي: # لما بشر إبراهيم بإسحاق قبل أن يولد له قال هو إذا لله ذبيح. فقيل له في ~~منامه: قد نذرت نذرا فف بنذرك. ويقال: إن إبراهيم رأى في ليلة التروية كأن ~~قائلا يقول: إن الله يأمرك بذبح ابنك، فلما أصبح روى في نفسه أي فكر أهذا ~~الحلم من الله أم من الشيطان؟ # فسمي يوم التروية. فلما كانت الليلة الثانية رأى ذلك أيضا وقيل له ms5258 الوعد، ~~فلما أصبح عرف أن ذلك من الله فسمي يوم عرفة. ثم رأى مثله في الليلة ~~الثالثة فهم بنحره فسمي يوم النحر. وروي أنه لما ذبحه قال جبريل: الله أكبر ~~الله أكبر. فقال الذبيح: لا إله إلا الله والله أكبر. فقال إبراهيم: الله ~~أكبر والحمد لله، فبقي سنة. وقد اختلف الناس في وقوع هذا الأمر وهي: # الثالثة - فقال أهل السنة: إن نفس الذبح لم يقع، وإنما وقع الأمر بالذبح ~~قبل أن يقع الذبح، ولو وقع لم يتصور رفعه، فكان هذا من باب النسخ قبل ~~الفعل، لأنه لو حصل الفراغ من امتثال الأمر بالذبح ما تحقق الفداء. وقوله ~~تعالى: " قد صدقت الرؤيا ": أي حققت ما نبهناك عليه، وفعلت ما أمكنك ثم ~~امتنعت لما منعناك. هذا أصح ما قيل به في هذا الباب. وقالت طائفة: ليس هذا ~~مما ينسخ بوجه، لأن معنى ذبحت الشئ قطعته. واستدل على هذا بقول مجاهد: قال ~~إسحاق لإبراهيم لا تنظر آلي فترحمني، ولكن اجعل وجهي إلى الأرض، فأخذ ~~إبراهيم السكين فأمرها على حلقة فانقلبت. # فقال له ما لك؟ قال: انقلبت السكين. قال أطعني بها طعنا. وقال بعضهم: كان ~~كلما قطع جزءا التأم. وقالت طائفة: وجد حلقه نحاسا أو مغشى بنحاس، وكان ~~كلما أراد قطعا وجد منعا. وهذا كله جائز في القدرة الإلهية. لكنه يفتقر إلى ~~نقل صحيح، فإنه أمر لا يدرك بالنظر وإنما طريقه الخبر. ولو كان قد جرى ذلك ~~لبينه الله تعالى تعظيما لرتبة إسماعيل PageV15P102 # وإبراهيم صلوات الله عليهما، وكان أولى بالبيان من الفداء. وقال بعضهم: ~~إن إبراهيم ما أمر بالذبح الحقيقي الذي هو فري الأوداج وإنهار الدم، وإنما ~~رأى أنه أضجعه للذبح فتوهم أنه أمر بالذبح الحقيقي، فلما أتى بما أمر به من ~~الإضجاع قيل له: " قد صدقت الرؤيا " وهذا كله خارج عن المفهوم. ولا يظن ~~بالخليل والذبيح أن يفهما من هذا الأمر ما ليس له حقيقة حتى يكون منهما ~~التوهم. وأيضا لو صحت هذه الأشياء لما احتيج إلى الفداء. # الرابعة - قوله تعالى: " فانظر ماذا ms5259 ترى " قرأ أهل الكوفة غير عاصم " ~~ماذا ترى " بضم التاء وكسر الراء من أرى يرى. قال الفراء: أي فانظر ماذا ~~ترى من صبرك وجزعك. # قال الزجاج: لم يقل هذا أحد غيره، وإنما قال العلماء ماذا تشير، أي ما ~~تريك نفسك من الرأي. وأنكر أبو عبيد " ترى " وقال: إنما يكون هذا من رؤية ~~العين خاصة. وكذلك قال أبو حاتم. النحاس: وهذا غلط، وهذا يكون من رؤية ~~العين وغيرها وهو مشهور، يقال: أريت فلانا الصواب، وأريته رشده، وهذا ليس ~~من رؤية العين. الباقون " ترى " مضارع رأيت. وقد روي عن الضحاك والأعمش " ~~ترى " غير مسمى الفاعل. ولم يقل له ذلك على وجه المؤامرة في أمر الله، ~~وإنما شاوره ليعلم صبره لأمر الله، أو لتقر عينه إذا رأى من ابنه طاعة في ~~أمر الله. ف " قال يا أبيت افعل ما تؤمر " أي ما تؤمر به فحذف الجار كما ~~حذف من قوله: # أمرتك الخير فافعل ما أمرت به فوصل الفعل إلى الضمير فصار تؤمره ثم حذفت ~~الهاء، كقوله: " وسلام على عباده الذين اصطفى " [النمل: 59] أي اصطفاهم على ~~ما تقدم (1). و " ما " بمعنى الذي. " ستجدني إن شاء الله من الصابرين " قال ~~بعض أهل الإشارة: لما استثنى وفقه الله للصبر. وقد مضى الكلام في " يا أبت ~~" [يوسف: 4] وكذلك في " يا بني " في " يوسف " (2) وغيرها. # PageV15P103 # الخامسة - قوله تعالى: " فلما أسلما " أي انقادا لأمر الله. وقرأ ابن ~~مسعود وابن عباس وعلي رضوان الله عليهم " فلما سلما " أي فوضا أمرهما إلى ~~الله. وقال ابن عباس: استسلما. وقال قتادة: أسلم أحدهما نفسه لله عز وجل ~~وأسلم الآخر ابنه. # " وتله للجبين " قال قتادة: كبه وحول وجهه إلى القبلة. وجواب " لما " ~~محذوف عند البصريين تقديره " فلما أسلما وتله للجبين " فديناه بكبش. وقال ~~الكوفيون: الجواب " ناديناه " والواو زائدة مقحمة، كقوله: " فلما ذهبوا به ~~وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب وأوحينا " [يوسف: 15] أي أوحينا. وقوله: " ~~وهم من كل حدب ينسلون " [الأنبياء: 96]. " واقترب " أي اقترب. # وقوله: " حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال " [الزمر: 73] أي قال لهم. ms5260 ~~وقال امرؤ القيس: # فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى (1) أي انتحى، والواو زائدة. وقال أيضا: # حتى إذا حملت بطونكم * ورأيتم أبناءكم شبوا وقلبتم ظهر المجن لنا * إن ~~اللئيم الفاجر الخب أراد قلبتم. النحاس: والواو من حروف المعاني لا يجوز أن ~~تزاد. وفي الخبر: إن الذبيح قال لإبراهيم عليه السلام حين أراد ذبحه: يا ~~أبت اشدد رباطي حتى لا أضطرب، واكفف ثيابك لئلا ينتضح عليها شئ من دمي ~~فتراه أمي فتحزن، وأسرع مر السكين على حلقي ليكون الموت أهون علي واقذفني ~~للوجه، لئلا تنظر إلى وجهي فترحمني، ولئلا أنظر إلى الشفرة فأجزع، وإذا ~~أتيت إلى أمي فأقرئها مني السلام. فلما جر إبراهيم عليه السلام السكين ضرب ~~الله عليه صفيحة من نحاس، فلم تعمل السكين شيئا، ثم ضرب به على جبينه وحز ~~في قفاه فلم تعمل السكين شيئا، فذلك قو له تعالى: " وتله للجبين " كذلك قال ~~ابن عباس: معناه كبه على وجهه فنودي " يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا " فالتفت ~~فإذا بكبش، ذكره المهدوي. وقد تقدمت الإشارة إلى عدم صحته، وأن المعنى لما ~~اعتقد الوجوب وتهيأ للعمل، هذا بهيئة # PageV15P104 # لا لذبح، وهذا بصورة المذبوح، أعطيا محلا للذبح فداء ولم يكن هناك مر ~~سكين. وعلى هذا يتصور النسخ قبل الفعل على ما تقدم. والله أعلم. قال ~~الجوهري: " وتله للجبين " أي صرعه، كما تقول: كبه لوجهه. الهروي: والتل ~~الدفع والصرع، ومنه حديث أبي الدرداء رضي الله عنه: " وتركوك لمتلك " أي ~~لمصرعك. وفي حديث آخر: " فجاء بناقة كوماء فتلها " أي أناخها. # وفي الحديث: " بينا أنا نائم أتيت بمفاتيح خزائن الأرض فتلت في يدي " قال ~~ابن الأنباري: # أي فألقيت في يدي، يقال: تللت الرجل إذا ألقيته. قال ابن الأعرابي: فصبت ~~في يدي، والتل الصب، يقال: تل يتل إذا صب، وتل يتل بالكسر إذا سقط. قلت: ~~وفي صحيح مسلم عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي ~~بشراب فشرب منه، وعن يمينه غلام وعن يساره أشياخ، فقال للغلام: " أتأذن لي ~~أن أعطي هؤلاء " فقال ms5261 الغلام: لا والله، لا أوثر بنصيبي منك أحدا. قال، ~~فتله رسول الله صلى الله عليه وسلم في يده، يريد جعله في يده. وقال بعض أهل ~~الإشارة: إ ن إبراهيم ادعى محبة الله، ثم نظر إلى الولد بالمحبة، فلم يرض ~~حبيبه محبة مشتركة، فقيل له: يا إبراهيم اذبح ولدك في مرضاتي، فشمر وأخذ ~~السكين وأضجع ولده، ثم قال: اللهم تقبله مني في مرضاتك. فأوحى الله إليه: ~~يا إبراهيم لم يكن المراد ذبح الولد، وإنما المراد أن ترد قلبك إلينا، فلما ~~رددت قلبك بكليته إلينا رددنا ولدك إليك. وقال كعب وغيره: لما أرى إبراهيم ~~ذبح ولده في منامه، قال الشيطان: # والله لئن لم أفتن عند هذا آل إبراهيم لا أفتن منهم أحدا أبدا. فتمثل ~~الشيطان لهم في صورة الرجل، ثم أتى أم الغلام وقال: أتدرين أين يذهب ~~إبراهيم بابنك؟ قالت: لا. قال: إنه يذهب به ليذبحه. قالت: كلا هو أرأف به ~~من ذلك. فقال: إنه يزعم أن ربه أمره بذلك. # قالت: فإن كان ربه قد أمره بذلك فقد أحسن أن يطيع ر به. ثم أتى الغلام ~~فقال: # أتدري أين يذهب بك أبوك؟ قال: لا. قال: فإنه يذهب بك ليذبحك. قال: ولم؟ # قال: زعم أن ربه أمره بذلك. قال: فليفعل ما أمره الله به، سمعا وطاعة ~~لأمر الله. # ثم جاء إبراهيم فقال: أين تريد؟ والله إني لأظن أن الشيطان قد جاءك في ~~منامك فأمرك PageV15P105 # بذبح ابنك. فعرفه إبراهيم فقال: إليك عني يا عدو الله، فوالله لأمضين ~~لأمر ربي. فلم يصب، الملعون منهم شيئا. وقال ابن عباس: لما أمر إبراهيم ~~بذبح ابنه عرض له الشيطان عند جمرة العقبة فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم ~~عرض له عند الجمرة الوسطى، فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم عرض له عند الجمرة ~~الأخرى فرماه بسبع حصيات حتى ذهب ثم مضى إبراهيم لأمر الله تعالى. واختلف ~~في الموضع الذي أراد ذبحه فيه فقيل: بمكة في المقام. وقيل: في المنحر بمنى ~~عند الجمار التي رمى بها إبليس لعنه الله، ms5262 قاله ابن عباس وابن عمر ومحمد بن ~~كعب وسعيد بن المسيب. وحكي عن سعيد بن جبير: أنه ذبحه على الصخرة التي بأصل ~~ثبير بمنى. وقال ابن جريج: ذبحه بالشام وهو من بيت المقدس على ميلين. ~~والأول أكثر، فإنه ورد في الأخبار تعليق قرن الكبش في الكعبة، فدل على أنه ~~ذبحه بمكة. وقال ابن عباس: فوالذي نفسي بيده لقد كان أول الإسلام، وإن رأس ~~الكبش لمعلق بقرنيه من ميزاب الكعبة وقد يبس. أجاب من قال بأن الذبح وقع ~~بالشام: # لعل الرأس حمل من الشام إلى مكة. والله أعلم. # السادسة - قوله تعالى: " إنا كذلك نجزى المحسنين " أي نجزيهم بالخلاص من ~~الشدائد في الدنيا والآخرة. " إن هذا لهو البلاء المبين " أي النعمة ~~الظاهرة، يقال: أبلاه الله إبلاء وبلاء إذا أنعم عليه. وقد يقال بلاه. قال ~~زهير: # فأبلاهما خير البلاء الذي يبلو (1) فزعم قوم أنه جاء باللغتين. وقال ~~آخرون: بل الثاني من بلاه يبلوه إذا اختبره، ولا يقال من الاختبار إلا بلاه ~~يبلوه، ولا يقال من الابتلاء يبلوه. وأصل هذا كله من الاختبار أن يكون ~~بالخير والشر، قال الله عز وجل: " ونبلوكم بالشر والخير فتنة " [الأنبياء: ~~35]. وقال أبو زيد: # هذا من البلاء الذي نزل به في أن يذبح ابنه، قال: وهذا من البلاء ~~المكروه. # PageV15P106 # السابعة - قوله تعالى: " وفديناه بذبح عظيم " الذبح اسم المذبوح وجمعه ~~ذبوح، كالطحن اسم المطحون. والذبح بالفتح المصدر. " عظيم " أي عظيم القدر ~~ولم يرد عظيم الجثة. وإنما عظم قدره لأنه فدى به الذبيح، أو لأنه متقبل. ~~قال النحاس: عظيم في اللغة يكون للكبير وللشريف. وأهل التفسير على أنه ~~هاهنا للشريف، أو المتقبل. وقال ابن عباس: هو الكبش الذي تقرب به هابيل، ~~وكان في الجنة يرعى حتى فدى الله به إسماعيل. وعنه أيضا: أنه كبش أرسله ~~الله من الجنة كان قد رعى في الجنة أربعين خريفا. # وقال الحسن: ما فدي إسماعيل إلا بتيس من الأروى هبط عليه من ثبير، فذبحه ~~إبراهيم فداء عن ابنه، وهذا قول علي رضي الله عنه. فلما رآه ms5263 إبراهيم أخذه ~~فذبحه وأعتق ابنه. # وقال: يا بني اليوم وهبت لي. وقال أبو إسحاق الزجاج: قد قيل أنه فدي ~~بوعل، والوعل: # التيس الجبلي. وأهل التفسير على أنه فدي بكبش. # الثامنة - في هذه الآية دليل على أن الأضحية بالغنم أفضل من الإبل ~~والبقر. وهذا مذهب مالك وأصحابه. قالوا: أفضل الضحايا الفحول من الضأن، ~~وإناث الضأن أفضل من فحل المعز، وفحول المعز خير من إناثها، وإناث المعز ~~خير من الإبل والبقر. وحجتهم قوله سبحانه وتعالى: " وفديناه بذبح عظيم " أي ~~ضخم الجثة سمين، وذلك كبش لا جمل ولا بقرة. # وروى مجاهد وغيره عن ابن عباس أنه سأل رجل: إني نذرت أن أنحر ا بني؟ ~~فقال: يجزيك كبش سمين، ثم قرأ: " وفديناه بذبح عظيم ". وقال بعضهم: لو علم ~~الله حيوانا أفضل من الكبش لفدى به إسحاق. وضحى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بكبشين أملحين. وأكثر ما ضحي به الكباش. وذكر ابن أبي شيبة عن ابن ~~علية عن الليث عن مجاهد قال: الذبح العظيم الشاة. # التاسعة - واختلفوا أيما أفضل: الأضحية أو الصدقة بثمنها. فقال مالك ~~وأصحابه: # الضحية أفضل إلا بمنى، لأنه ليس موضع الأضحية، حكاه أبو عمر. وقال ابن ~~المنذر: # روينا عن بلال أنه قال: ما أبالي ألا أضحي إلا بديك ولأن أضعه في يتيم قد ~~ترب فيه - PageV15P107 # هكذا قال المحدث - أحب إلي من أن أضحي به. وهذا قول الشعبي إن الصدقة ~~أفضل. # وبه قال مالك وأبو ثور. وفيه قول ثان: إن الضحية أفضل، هذا قول ربيعة ~~وأبي الزناد. وبه قال أصحاب الراء ي. زاد أبو عمر وأحمد بن حنبل قالوا: ~~الضحية أفضل من الصدقة، لأن الضحية سنة مؤكدة كصلاة العيد. ومعلوم أن صلاة ~~العيد أفضل من سائر النوافل. وكذلك صلوات السنن أفضل من التطوع كله. فال ~~أبو عمر: وقد روي في فضل الضحايا آثار حسان، فمنها ما رواه سعيد بن داود بن ~~أبي زنبر عن مالك عن ثور بن زيد عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: ms5264 " ما من نفقة بعد صلة الرحم أفضل عند الله من إهراق ~~الدم " قال أبو عمر: وهو حديث غريب من حديث مالك. وعن عائشة قالت: يا أيها ~~الناس ضحوا وطيبوا أنفسا، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ~~ما من عبد توجه بأضحيته إلى القبلة إلا كان دمها وقرنها وصوفها حسنات ~~محضرات في ميزانه يوم القيامة فإن الدم إن وقع في التراب فإنما يقع في حرز ~~الله حتى يوفيه صاحبه يوم القيامة " ذكره أبو عمر في كتاب التمهيد. وخرج ~~الترمذي أيضا عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ما عمل آدمي من ~~عمل يوم النحر أحب إلى الله من إهراق الدم إنها لتأتي يوم القيامة بقرونها ~~وأشعارها وأظلافها، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع إلى الأرض ~~فطيبوا بها نفسا " قال: وفى الباب عن عمران بن حصين وزيد بن أرقم. وهذا ~~حديث حسن. # العاشرة - إن الضحية ليست بواجبة ولكنها سنة ومعروف. وقال عكرمة: كان ابن ~~عباس يبعثني يوم الأضحى بدرهمين اشتري له لحما، ويقول: من لقيت فقل هذه ~~أضحية ابن عباس. قال أبو عمر: ومحمل هذا وما روي عن أبي بكر وعمر أنهما لا ~~يضحيان عند أهل العلم، لئلا يعتقد في المواظبة عليها أنها واجبة فرض، ~~وكانوا أئمة يقتدي بهم من بعدهم ممن ينظر في دينه إليهم، لأنهم الواسطة بين ~~النبي صلى الله عليه وسلم وبين أمته، فساغ لهم من الاجتهاد في ذلك ما لا ~~يسوغ اليوم لغيرهم. وقد حكى الطحاوي في مختصره: وقال PageV15P108 # أبو حنيفة: الأضحية واجبة على المقيمين الواجدين من أهل الأمصار، ولا تجب ~~على المسافر. # قال: ويجب على الرجل من الأضحية على ولده الصغير مثل الذي يجب عليه من ~~نفسه. وخالفه أبو يوسف ومحمد فقالا: ليست بواجبة ولكنها سنة غير مرخص لمن ~~وجد السبيل إليها في تركها. قال: وبه نأخذ. قال أبو عمر: وهذا قول مالك، ~~قال: لا ينبغي لأحد تركها مسافرا كان أو مقيما، فإن تركها فبئس ما صنع إلا ~~أن ms5265 يكون له عذر إلا الحاج بمنى. وقال الإمام الشافعي: هي سنة على جميع ~~الناس وعلى الحاج بمنى وليست بواجبة. وقد احتج من أوجبها بأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أمر أبا بردة بن نيار أن يعيد ضحية أخرى، لأن ما لم يكن ~~فرضا لا يؤمر فيه بالإعادة. احتج آخرون بحديث أم سلمة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: " إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يضحى قالوا: فلو كان ~~ذلك واجبا لم يجعل ذلك إلى إرادة المضحي " وهو قول أبي بكر وعمر وأبي مسعود ~~البدري وبلال. # الحادية - والذي يضحى به بإجماع المسلمين الأزواج الثمانية: وهي الضأن ~~والمعز والإبل والبقر. قال ابن المنذر: وقد حكي عن الحسن بن صالح أنه قال: ~~يضحى ببقرة الوحش عن سبعة، وبالظبي عن رجل. وقال الإمام الشافعي: لو نزا ~~ثور وحشي على بقرة إنسية، أو ثور إنسي على بقرة وحشية لا يجوز شئ من هذا ~~أضحية. وقال أصحاب الرأي: جائز، لأن ولدها بمنزلة أمه. وقال أبو ثور: يجوز ~~إذا كان منسوبا إلى الأنعام. # الثانية عشرة - وقد مضى في سورة " الحج " (1) الكلام في وقت الذبح والأكل ~~من الأضحية مستوفى. وفي صحيح مسلم عن أنس قال: " ضحى النبي صلى الله عليه ~~وسلم بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده وسمى وكبر ووضع رجله على صفاحهما " ~~في رواية قال " ويقول بسم الله والله أكبر " وقد مضى في آخر " الأنعام " ~~(2) حديث عمران بن حصين، ومضى في " المائدة " (3) القول في التذكية وبيانها ~~وما يذكى به، وأن ذكاة الجنين ذكاة أمه مستوفى. وفي صحيح مسلم # PageV15P109 # عن عائشة أن رسول ا لله صلى الله عليه وسلم " أمر بكبش أقرن يطأ في سواد ~~ويبرك في سواد وينظر في سواد فأتي به ليضحي به " فقال لها: " يا عائشة هلمي ~~المدية " ثم قال: " اشحذيها بحجر " ففعلت، ثم أخذها وأخذ الكبش فأضجعه ثم ~~ذبحه، ثم قال: " بسم الله اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد " ثم ~~ضحى به. وقد اختلف العلماء في هذا فكان الحسن البصري ms5266 يقول في الأضحية: بسم ~~الله والله أكبر هذا منك ولك تقبل من فلان. وقال مالك: إن فعل ذلك فحسن، ~~وإن لم يفعل وسمى الله أجزأه. وقال الشافعي: والتسمية على الذبيحة بسم ~~الله، فإن زاد بعد ذلك شيئا من ذكر الله، أو صلى على محمد عليه السلام لم ~~أكرهه، أو قال اللهم تقبل مني، أو قال تقبل من فلان فلا بأس. وقال النعمان: ~~يكره أن يذكر مع اسم الله غيره، يكره أن يقول: اللهم تقبل من فلان عند ~~الذبح. وقال: لا بأس إذا كان قبل التسمية وقبل أن يضجع للذبح. وحديث عائشة ~~يرد هذا القول. وقد تقدم أن إبراهيم عليه السلام قال لما أراد ذبح ابنه: ~~الله أكبر والحمد لله. فبقي سنة. # الثالثة عشرة - روى البراء بن عازب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: ~~ماذا يتقى من الضحايا؟ فأشار بيده وقال: " أربعا - وكان البراء يشير بيده ~~ويقول يدي أقصر من يد رسول الله صلى الله عليه وسلم - العرجاء البين ظلعها ~~والعوراء البين عورها والمريضة البين مرضها والعجفاء التي لا تنقى " (1) ~~لفظ مالك ولا خلاف فيه. واختلف في اليسير من ذلك. # وفي الترمذي عن علي رضي الله عنه قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن نستشرف (2) العين والأذن وألا نضحي بمقابلة ولا مدابرة ولا شرقاء ~~ولا خرقاء. قال: والمقابلة ما قطع طرف أذنها، والمدابرة ما قطع من جانب ~~الأذن، والشرقاء المشقوقة، والخرقاء المثقوبة ، قال هذا حديث حسن صحيح. وفي ~~الموطأ عن نافع: أن عبد الله بن عمر كان يتقي من الضحايا والبدن التي لم ~~تسنن والتي نقص من خلقها. قال مالك: وهذا أحب ما سمعت إلي. قال # PageV15P110 # القتبي: لم تسنن أي لم تنبت أسنانها كأنها لم تعط أسنانا. وهذا كما يقال: ~~فلان لم يلبن أي لم يعط لبنا، ولم يسمن أي لم يعط سمنا، ولم يعسل أي لم يعط ~~عسلا (1). وهذا مثل النهي في الأضاحي عن الهتماء. قال أبو عمر: ولا بأس أن ~~يضحى عند مالك بالشاة الهتماء ms5267 إذا كان سقوط أسنانها من الكبر والهرم وكانت ~~سمينة، فإن كانت ساقطة الأسنان وهي فتية لم يجز أن يضحى بها، لأنه عيب غير ~~خفيف. والنقصان كله مكروه، وشرحه وتفصيله في كتب الفقه. # وفي الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم: " استشرقوا ضحاياكم فإنها على ~~الصراط مطاياكم " ذكره الزمخشري. # الرابعة عشر - ودلت الآية على أن من نذر نحر ابنه أو ذبحه أنه يفديه بكبش ~~كما فدى به إبراهيم ابنه، قال ابن عباس. وعنه رواية أخرى: ينحر مائة من ~~الإبل كما فدى بها عبد المطلب ابنه، روى الروايتين عنه الشعبي. وروى عنه ~~القاسم بن محمد: يجزيه كفارة يمين. وقال مسروق: لا شئ عليه. وقال الشافعي: ~~هو معصية يستغفر الله منها. # وقال أبو حنيفة: هي كلمة يلزمه بها في ولده ذبح شاة ولا يلزمه في غير ~~ولده شئ. قال محمد: عليه في الحلف بنحر عبده مثل الذي عليه في الحلف بنحر ~~ولده إذا حنث. وذكر ابن عبد الحكم عن مالك فيمن قال: أنا أنحر ولدي عند ~~مقام إبراهيم في يمين ثم حنث فعليه هدي. قال: ومن نذر أن ينحر ابنه ولم يقل ~~عند مقام إبراهيم ولا أراد فلا شئ عليه. # قال: ومن جعل ابنه هديا أهدى عنه، قال القاضي ابن العربي: يلزمه شاة كما ~~قال أبو حنيفة، لأن الله تعالى جعل ذبح الولد عبارة عن ذبح الشاة شرعا، ~~فألزم الله إبراهيم ذبح الولد، وأخرجه عنه بذبح شاة. وكذلك إذا نذر العبد ~~ذبح ولده يلزمه أن يذبح شاة، لأن الله تعالى قال: # PageV15P111 # " ملة أبيكم إبراهيم " [الحج: 78] والإيمان التزام أصلي، والنذر التزام ~~فرعي، فيجب أن يكون محمولا عليه. # فإن قيل: كيف يؤمر إبراهيم بذبح الولد وهو معصية والأمر بالمعصية لا ~~يجوز. قلنا: هذا اعتراض على كتاب الله، ولا يكون ذلك ممن يعتقد الإسلام، ~~فكيف بمن يفتي في الحلال والحرام، وقد قال الله تعالى: " أفعل ما تؤمر " ~~والذي يجلو الإلباس عن قلوب الناس في ذلك: أن المعاصي والطاعات ليست بأوصاف ~~ذاتية للأعيان، وإنما الطاعات عبار ة ms5268 عما تعلق به الأمر من الأفعال، ~~والمعصية عبارة عما تعلق به النهي من الأفعال، فلما تعلق الأمر بذبح الولد ~~إسماعيل من إبراهيم صار طاعة وابتلاء، ولهذا قال الله تعالى: " إن هذا لهو ~~البلاء المبين " في الصبر على ذبح الولد والنفس، ولما تعلق النهي بنا في ~~ذبح أبنائنا صار معصية. فإن قيل: # كيف يصير نذرا وهو معصية. قلنا إنما يكون معصية لو كان يقصد ذبح الولد ~~بنذره ولا ينوي الفداء؟ فإن قيل: فلو وقع ذلك وقصد المعصية ولم ينو الفداء؟ ~~قلنا: لو قصد ذلك لم يضره في قصده ولا أثر في نذره، لأن نذر الولد صار ~~عبارة عن ذبح الشاة شرعا. # الخامسة عشرة - قوله تعالى: " وتركنا عليه في الآخرين " أي على إبراهيم ~~ثناء جميلا في الأمم بعده، فما من أمة إلا تصلي عليه وتحبه. وقيل: هو دعاء ~~إبراهيم عليه السلام " واجعل لي لسان صدق في الآخرين " [الشعراء. 84]. وقال ~~عكرمة: هو السلام على إبراهيم أي سلاما منا. وقيل: سلامة له من الآفات مثل: ~~" سلام على نوح في العالمين " [الصافات: 79] حسب ما تقدم. # " كذلك نجزى المحسنين. إنه من عبادنا المؤمنين " أي من الذين أعطوا ~~العبودية حقها حتى استحقوا الإضافة إلى الله تعالى. # السادسة عشرة - قوله تعالى: " وبشرنا بإسحاق نبيا من الصالحين " قال ابن ~~عباس: # بشر بنبوته وذهب إلى أن البشارة كانت مرتين (1)، فعلى هذا الذبيح هو ~~إسحاق بشر بنبوته جزاء على صبره ورضاه بأمر ربه واستسلامه له. " وباركنا ~~عليه وعلى إسحاق " أي ثنينا عليهما النعمة. # وقيل كثرنا ولدهما، أي باركنا على إبراهيم وعلى أولاده، وعلى إسحاق حين ~~أخرج أنبياء بني # PageV15P112 # إسرائيل من صلبه. وقد قيل: إن الكناية في " عليه " تعود على إسماعيل وأنه ~~هو الذبيح. # قال المفضل: الصحيح الذي يدل عليه القرآن أنه إسماعيل وذلك أنه قص قصة ~~الذبيح، فلما قال في آخر القصة: " وفديناه بذبح عظيم " ثم قال: " سلام عل ~~إبراهيم. كذلك نجزي المحسنين " قال: " وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين. ~~وباركنا عليه " أي على إسماعيل " وعلى إسحاق " كنى عنه، لأنه قد تقدم ms5269 ذكره. ~~ثم قال: " ومن ذريتهما " فدل على أنها ذرية إسماعيل وإسحاق، وليس تختلف ~~الرواة في أن إسماعيل كان أكبر من إسحاق بثلاث عشرة سنة. # قلت: قد ذكرنا أولا ما يدل على أن إسحاق أكبر من إسماعيل، وأن المبشر به ~~هو إسحاق بنص التنزيل، فإذا كانت البشارة بإسحاق نصا فالذبيح لا شك هو ~~إسحاق، وبشر به إبراهيم مرتين، الأولى بولادته والثانية بنبوته، كما قال ~~ابن عباس. ولا تكون النبوة إلا في حال الكبر و " نبيا " نصب على الحال ~~والهاء في " عليه " عائدة إلى إبراهيم وليس لإسماعيل في الآية ذكر حتى ترجع ~~الكناية إليه. وأما ما روي من طريق معاوية قال: سمعت رجلا يقول للنبي صلى ~~الله عليه وسلم: يا بن الذبيحين، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم. ثم قال ~~معاوية: إن عبد المطلب لما حفر بئر زمزم، نذر لله إن سهل عليه أمرها ليذبحن ~~أحد ولده لله، فسهل الله عليه أمرها، فوقع السهم على عبد الله، فمنعه ~~أخواله بنو مخزوم، وقالوا: أفد ابنك، ففداه بمائة من الإبل وهو الذبيح، ~~وإسماعيل هو الذبيح الثاني فلا حجة فيه، لأن سنده لا يثبت على ما ذكرناه في ~~كتاب الأعلام في معرفة مولد المصطفى عليه الصلاة والسلام، ولأن العرب تجعل ~~العم أبا، قال الله تعالى: " قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل ~~وإسحاق " [البقرة: 133] وقال تعالى: " ورفع أبويه على العرش " [يوسف: 100] ~~وهما أبوه وخالته. وكذلك ما روي عن الشاعر الفرزدق عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم لو صح إسناده فكيف وفي الفرزدق نفسه مقال. # السابعة عشرة - قوله تعالى: " ومن ذريتهما محسن وظالم " لما ذكر البركة ~~في الذرية والكثرة قال: منهم محسن ومنهم مسئ، وإن المسئ لا تنفعه بنوة ~~النبوة، فاليهود والنصارى PageV15P113 # وإن كانوا من ولد إسحاق، والعرب وإن كانوا من ولد إسماعيل، فلا بد من ~~الفرق بين المحسن والمسئ والمؤمن والكافر، وفي التنزيل: " وقالت اليهود ~~والنصارى نحن أبنا ء الله وأحباؤه " [المائدة: 18] الآية، أي أبناء رسل ~~الله فرأوا لأنفسهم ms5270 فضلا. وقد تقدم (1). # قوله تعالى: ولقد مننا على موسى وهرون ونجيناهما وقومهما من الكرب العظيم ~~ونصرناهم فكانوا هم الغالبين وآتيناهما الكتب المستبين وهديناهما الصراط ~~المستقيم وتركنا عليهما في الآخرين سلم على موسى وهرون إنا كذلك نجزى ~~المحسنين إنهما من عبادنا المؤمنين قوله تعالى: " ولقد مننا على موسى وهرون ~~" لما ذكر إنجاء إسحاق من الذبح، وما من به عليه بعد النبوة، ذكر ما من به ~~أيضا على موسى وهرون من ذلك. وقوله: # " من الكرب العظيم " قيل: من الرق الذي لحق بني إسرائيل. وقيل من الغرق ~~الذي لحق فرعون. " ونصرناهم " قال الفراء: الضمير لموسى وهرون وحدهما، وهذا ~~على أن الاثنين جمع، دليله قوله: " وآتيناهما " " وهديناهما ". وقيل: ~~الضمير لموسى وهرون وقومهما وهذا هو الصواب، لأن قبله " ونجيناهما وقومهما ~~". و " الكتاب المستبين " التوراة، يقال استبان كذا أي صار بينا، واستبانه ~~فلان مثل تبين الشئ بنفسه وتبينه فلان. # و " الصراط المستقيم " الدين القويم الذي لا اعوجاج فيه وهو دين الإسلام. ~~" وتركنا عليهما في الآخرين " يريد الثناء الجميل. " سلام على موسى وهرون ~~إنا كذلك نجزى المحسنين. # إنهما من عبادنا المؤمنين " تقدم. # PageV15P114 # قوله تعالى: وإن إلياس لمن المرسلين إذ قال لقومه ألا تتقون أتدعون بعلا ~~وتدرون أحسن الخلقين الله ربكم ورب آبائكم الأولين فكذبوه فإنهم لمحضرون ~~إلا عباد الله المخلصين وتركنا عليه في الآخرين سلم على آل ياسين إنا كذلك ~~نجزى المحسنين إنه من عبادنا المؤمنين قوله تعالى: " وإن إلياس لمن ~~المرسلين " قال المفسرون: إلياس نبي من بني إسرائيل. # وروي عن ابن مسعود قال: إسرائيل هو يعقوب وإلياس هو إدريس. وقرأ: " وإن ~~إدريس " وقاله عكرمة. وقال: هو في مصحف عبد الله: " وإن إدريس لمن المرسلين ~~" وانفرد بهذا القول. وقال ابن عباس: هو عم اليسع (1). وقال ابن إسحاق ~~وغيره: كان القيم بأمر بني إسرائيل بعد يوشع كالب بن يوقنا ثم حزقيل، ثم ~~لما قبض الله حزقيل النبي عظمت الأحداث في بني إسرائيل، ونسوا عهد الله ~~وعبدوا الأوثان من دونه، فبعث الله إليهم إلياس نبيا وتبعه اليسع وآمن به، ms5271 ~~فلما عتا عليه بنو إسرائيل دعا ربه أن يريحه منهم فقيل له: اخرج يوم كذا ~~وكذا إلى موضع كذا وكذا فما استقبلك من شئ فاركبه ولا تهبه. فخرج ومعه ~~اليسع فقال: يا إلياس ما تأمرني. فقذف إليه بكسائه من الجو الأعلى، فكان ~~ذلك علامة استخلافه إياه على بني إسرائيل، وكان ذلك آخر العهد به. وقطع ~~الله على إلياس لذة المطعم والمشرب، وكساه الريش وألبسه النور، فطار مع ~~الملائكة، فكان إنسيا ملكيا سماويا أرضيا. قال ابن قتيبة: # وذلك أن الله تعالى قال لإنياس " سلني أعطك ". قال: ترفعني إليك وتؤخر ~~عني مذاقة الموت. فصار يطير مع الملائكة. وقال بعضهم: كان قد مرض وأحس ~~الموت فبكى، فأوحى الله إليه: لم تبك؟ حرصا على الدنيا، أو جزعا من الموت، ~~أو خوفا من النار؟ قال: # لا، ولا شئ من هذا وعزتك، إنما جزعي كيف يحمدك الحامدون بعدي ولا أحمدك! ~~ويذكرك # PageV15P115 # الذاكرون بعدي ولا أذكرك! ويصوم الصائمون بعدي ولا أصوم! ويصلي المصلون ~~ولا أصلي. # فقيل له: " يا إلياس وعزتي لأؤخرنك إلى وقت لا يذكرني فيه ذاكر ". يعني ~~يوم القيامة. # وقال عبد العزيز بن أبي رواد: إن إلياس والخضر عليهما السلام يصومان شهر ~~رمضان في كل عام ببيت المقدس يوافيان الموسم في كل عام. وذكر ابن أبي ~~الدنيا، إنهما يقولان عند افتراقهما عن الموسم: ما شاء الله ما شاء الله، ~~لا يسوق الخير إلا الله، ما شاء الله ما شاء الله، لا يصر ف السوء إلا ~~الله، ما شاء الله ما شاء الله، ما يكون من نعمة فمن الله، ما شاء ا لله ما ~~شاء الله، توكلت على الله حسبنا الله ونعم الوكيل. وقد مضى في " الكهف " ~~(1). وذكر من طريق مكحول عن أنس قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حتى إذا كنا بفج الناقة عند الحجر، إذا نحن بصوت يقول: اللهم اجعلني ~~من أمة محمد المرحومة، المغفور لها، المتوب عليها، المستجاب لها. فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " يا أنس، انظر ما هذا ms5272 الصوت ". فدخلت الجبل، ~~فإذا أنا برجل أبيض اللحية والرأس، عليه ثياب بيض، طوله أكثر من ثلاثمائة ~~ذراع، فلما نظر إلي قال: أنت رسول النبي؟ قلت: نعم، قال: ارجع إليه فأقرئه ~~مني السلام وقل له: هذا أخوك إلياس يريد لقاءك. فجاء النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأنا معه، حتى إذا كنا قريبا منه، تقدم النبي صلى الله عليه وسلم ~~وتأخرت، فتحدثا طويلا، فنزل عليهما شئ من السماء شبه السفرة فدعواني فأكلت ~~معهما، فإذا فيها كمأة ورمان وكرفس، فلما أكلت قمت فتنحيت، وجاءت سحابة ~~فاحتملته فإذا أنا أنظر إلى بياض ثيابه فيها تهوي، فقلت للنبي صلى الله ~~عليه وسلم: بأبي أنت وأمي! هذا الطعام الذي أ كلنا أمن السماء نزل عليه؟ ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " سألته عنه فقال يأتيني به جبريل في كل ~~أربعين يوما أكلة، وفي كل حول شربة من ماء زمزم، وربما رأيته على الجب يملأ ~~بالدلو فيشرب وربما سقاني ". # قوله تعالى: " إذا قال لقومه " يعنى لبني إسرائيل. " ألا تتقون " يعنى ~~الله عز وجل وتخافون عقابه. " أتدعون بعلا " اسم صنم لهم كانوا يعبدونه ~~وبذلك سميت مدينتهم بعلبك. # PageV15P116 # قال ثعلب: اختلف الناس في قوله عز وجل ها هنا " بعلا " فقالت طائفة: ~~البعل ها هنا الصنم. وقال طائفة: البعل ها هنا ملك. وقال ابن إسحاق: امرأة ~~كانوا يعبدونها. # والأول أكثر. وروى الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس: " أتدعون بعلا " ~~قال: # صنما. وروى عطاء بن السائب عن عكرمة عن ابن عباس: " أتدعون بعلا " قال: ~~ربا. # النحاس: والقولان صحيحان، أي أتدعو ن صنما عملتموه ربا. يقال: هذا بعل ~~الدار أي ربها. فالمعنى أتدعون ربا اختلقتموه، و " أتدعون " بمعنى أتسمون. ~~حكى ذلك سيبويه. # وقال مجاهد وعكرمة وقتادة والسدي: البعل الرب بلغة اليمن. وسمع ابن عباس ~~رجلا من أهل اليمن يسوم ناقة بمنى فقال: من بعل هذه؟. أي من ربها، ومنه سمي ~~الزوج بعلا. # قال أبو دؤاد (1): # ورأيت بعلك في الوغى * متقلدا سيفا ورمحا مقاتل: صنم كسره إلياس وهرب ~~منهم. وقيل: كان ms5273 من ذهب وكان طوله عشرين ذراعا، وله أربعة أوجه، فتنوا به ~~وعظموه حتى أخدموه أربعمائة سادن وجعلوهم أنبياءه، فكان الشيطان يدخل في ~~جوف بعل ويتكلم بشريعة الضلالة، والسدنة يحفظونها ويعلمونها الناس، وهم أهل ~~بعلبك من بلاد الشام. وبه سميت مدينتهم بعلبك كما ذكرنا. # " وتذرون أحسن الخالقين " أي أحسن من يقال له خالق. وقيل: المعنى أحسن ~~الصانعين، لأن الناس يصنعون ولا يخلقون. " الله ربكم ورب آبائكم الأولين " ~~بالنصب في الأسماء الثلاثة قرأ الربيع بن خيثم والحسن وابن أبي إسحاق وابن ~~وثاب والأعمش وحمزة والكسائي. وإليها يذهب أبو عبيد وأبو حاتم. وحكى أبو ~~عبيد أنها على النعت. النحاس: وهو غلط وإنما هو على البدل ولا يجوز النعت ~~ها هنا، لأنه ليس بتخلية. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وأبو جعفر وشيبة ~~ونافع بالرفع. قال أبو حاتم: بمعنى هو الله ربكم. قال النحاس: وأولى مما ~~قال أنه مبتدأ وخبر بغير إضمار ولا حذف. ورأيت علي بن سليمان يذهب إلى أن ~~الرفع # PageV15P117 # أولى وأحسن، لأن قبله رأس آية فالاستئناف أولى. ابن الأنباري: من نصب أو ~~رفع لم يقف على " أحسن الخالقين " على جهة التمام، لأن الله عز وجل مترجم ~~عن " أحسن الخالقين " من الوجهين جميعا. # قوله تعالى: " فكذبوه " أخبر عن قوم إلياس أنهم كذبوه. " فإنهم لمحضرون " ~~أي في العذاب. " إلا عباد الله المخلصين " أي من قومه فإنهم نجوا من ~~العذاب. وقرئ " المخلصين " بكسر اللام وقد تقدم. " وتركنا عليه في الآخرين ~~" تقدم. " سلام على آل ياسين " قراءة الأعرج وشيبة ونافع. وقرأ عكرمة وأبو ~~عمرو وابن كثير وحمزة والكسائي: # " سلام على إلياسين ". وقرأ الحسن: " سلام على الياسين " بوصل الألف ~~كأنها ياسين دخلت عليها الألف واللام التي للتعريف. والمراد إلياس عليه ~~السلام، وعليه وقع التسليم ولكنه اسم أعجمي. والعرب تضطرب في هذه الأسماء ~~الأعجمية ويكثر تغييرهم لها. قال ابن جني: # العرب تتلاعب بالأسماء الأعجمية تلاعبا، فياسين وإلياس والياسين شئ واحد. ~~الزمخشري: # وكان حمزة إذا وصل نصب وإذا وقف رفع. وقرئ: " على إلياسين " و " إدريسين ~~وإدرسين وإدراسين " على ms5274 أنها لغات في إلياس وإدريس. ولعل لزيادة الياء ~~والنون في السريانية معنى. النحاس: ومن قرأ: " سلام على آل ياسين " فكأنه ~~والله أعلم جعل اسمه إلياس وياسين ثم سلم على آله، أي أهل دينه ومن كان على ~~مذهبه، وعلم أنه إذا سلم على آله من أجله فهو داخل في السلام، كما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " اللهم صل على آل أبي أوفى " وقال الله تعالى: ~~" أدخلوا آل فرعون أشد العذاب " [غافر: 46]. ومن قرأ " إلياسين " فللعلماء ~~فيه غير قول. فروى هارون عن ابن أبي إسحاق قال: إليا سين مثل إبراهيم يذهب ~~إلى أنه اسم له. وأبو عبيدة يذهب إلى أنه جمع جمع التسليم على أنه وأهل ~~بيته سلم عليهم، وأنشد: # قدني من نصر الخبيبين قدي (1) # PageV15P118 # يقال: قدني وقدي لغتان بمعنى حسب. وإنما يريد أبا خبيب عبد الله بن ~~الزبير فجمعه على أن من كان على مذهبه داخل معه. وغير أبي عبيدة يرويه: ~~الخبيبين على التثنية، يريد عبد الله ومصعبا. ورأيت علي بن سليمان يشرحه ~~بأكثر من هذا، " قال " (1) فإن العرب تسمي قوم الرجل باسم الرجل الجليل ~~منهم، فيقولون: المهالبة على أنهم سموا كل رجل منهم بالمهلب. # قال: فعلى هذا " سلام على إلياسين " سمي كل رجل منهم بإلياس. وقد ذكر ~~سيبويه عي كتابه شيئا من هذا، إلا أنه ذكر أن العرب تفعل هذا على جهة ~~النسبة، فيقولون: الأشعرون يريدون به النسب. المهدوي: ومن قرأ " إلياسين " ~~فهو جمع يدل فيه إلياس فهو جمع إلياسي فحذفت ياء النسبة، كما حذفت ياء ~~النسبة في جميع المكسر في نحو المهالبة في جمع مهلبي، كذلك حذفت في المسلم ~~فقيل المهلبون. وقد حكى سيبويه: الأشعرون والنميرون يريدون الأشعريين ~~والنميريين. السهيلي: وهذا لا يصح بل هي لغة في إلياس، ولو أراد ما قالوه ~~لأدخل الألف واللام كما تدخل في المهالبة والأشعريين، فكان يقول: " سلام ~~على الإلياسين " لأن العلم إذا جمع ينكر حتى يعرف بالألف واللام، لا تقول: ~~سلام على زيدين، بل على الزيدين بالألف واللام. فإلياس عليه السلام فيه ms5275 ~~ثلاث لغات. النحاس: واحتج أبو عبيد في قراءته " سلام على إلياسين " وأنه ~~اسمه كما أن اسمه إلياس لأنه ليس في السورة سلام على " آل " لغيره من ~~الأنبياء صلى الله عليهم وسلم، فكما سمي الأنبياء كذا سمي هو. # وهذا الاحتجاج أصله لأبي عمرو وهو غير لازم، لأنا بينا قول أهل اللغة أنه ~~إذا سلم على آله من أجله فهو سلام عليه. والقول بأن اسمه " إلياسين " يحتاج ~~إلى دليل ورواية، فقد وقع في الأمر إشكال. قال الماوردي: وقرأ الحسن " سلام ~~على ياسين " بإسقاط الألف واللام وفيه وجهان: أحدهما أنهم آل محمد صلى الله ~~عليه وسلم، قال ابن عباس. والثاني أنهم آل ياسين، فعلى هذا في دخول الزيادة ~~في ياسين وجهان: أحدهما: أنها زيدت لتساوي الآي، كما قال في موضع: " طور ~~سيناء " [المؤمنون: 20] وفي موضع آخر " طور سينين " [التين: 2] فعلى هذا ~~يكون # PageV15P119 # السلام على أهله دونه، وتكون الإضافة إليه تشريفا له. الثاني: أنها دخلت ~~للجمع فيكون داخلا في جملتهم فيكون السلام عليه وعليهم. قال السهيلي: قال ~~بعض المتكلمين في معاني القرآن آل ياسين آل محمد عليه السلام، ونزع إلى قول ~~من قال في تفسير " يس " يا محمد. وهذا القول يبطل من وجوه كثيرة: أحدها: أن ~~سياقة الكلام في قصة إلياسين يلزم أن تكون كما هي في قصة إبراهيم ونوح ~~وموسى وهارون وأن التسليم راجع عليهم، ولا معنى للخروج عن مقصود الكلام ~~لقول قيل في تلك الآية الأخرى مع ضعف ذلك القول أيضا، فإن " يس " و " حم " ~~و " ألم " ونحو ذلك القول فيها واحد، إنما هي حروف مقطعة، إما مأخوذة من ~~أسماء الله تعالى كما قال ابن عباس، وإما من صفات القرآن، وإما كما قال ~~الشعبي: # لله في كل كتاب سر، وسره في القرآن فواتح القرآن. وأيضا فإن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: " لي خمسة أسماء " ولم يذكر فيها " يس ". وأيضا ~~فإن " يس " جاءت التلاوة فيها بالسكون والوقف، ولو كان اسما للنبي صلى صلى ~~الله عليه وسلم لقال: " يسن " بالضم، كما قال ms5276 تعالى: " يوسف أيها الصديق " ~~[يوسف: 46] وإذا بطل هذا القول لما ذكرناه، ف " إلياسين " هو إلياس المذكور ~~وعليه وقع التسليم. وقال أبو عمرو بن العلاء: هو مثل إدريس وإدراسين، كذلك ~~هو في مصحف ابن مسعود. " وإن إدريس لمن المرسلين " ثم قال: " سلام على ~~إدراسين ". # " إنا كذلك نجزى المحسنين. إنه من عبادنا المؤمنين " تقدم. # قوله تعالى: وإن لوطا لمن المرسلين إذ نجيناه وأهله - أجمعين إلا عجوزا ~~في الغابرين ثم دمرنا الآخرين وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا ~~تعقلون قوله تعالى: " وإن لوطا لمن المرسلين. إذ نجيناه وأهله أجمعين. إلا ~~عجوزا في الغابرين " تقدم قصة لوط (1). " ثم دمرنا الآخرين " أي بالعقوبة. ~~" وإنكم لتمرون عليهم مصبحين " # PageV15P120 # خاطب العرب أي تمرون عل منازلهم وآثارهم " مصبحين " وقت الصباح " وبالليل ~~" تمرون عليهم أيضا بالليل وتم الكلام. ثم قال: " أفلا تعقلون " أي تعتبرون ~~وتتدبرون. # قوله تعالى: وإن يونس لمن المرسلين إذ أبق إلى الفلك المشحون فساهم فكان ~~من المدحضين فالتقمه الحوت وهو مليم فلولا أنه كان من المسبحين للبث في ~~بطنه إلى يوم يبعثون فيه عان مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " وإن يونس لمن المرسلين " يونس هو ذو النون، وهو ~~ابن متى، وهو ابن العجوز التي نزل عليها إلياس فاستخفى عندها من قومه ستة ~~أشهر ويونس صبي يرضع، وكانت أم يونس تخدمه بنفسها وتؤانسه، ولا تدخر عنه ~~كرامة تقدر عليها ثم إن إلياس سئم ضيق البيوت فلحق بالجبال، ومات ابن ~~المرأة يونس، فخرجت في أثر إلياس تطوف وراءه في الجبال حتى وجدته، فسألته ~~أن يدعو الله لها لعله يحيى لها ولدها، فجاء إلياس إلى الصبي بعد أربعة عشر ~~يوما من موته، فتوضأ وصلى ودعا الله فأحيا الله يونس بن متى بدعوة إلياس ~~عليه السلام. وأرسل الله يونس إ لي أهل نينوى من أرض الموصل وكانوا يعبدون ~~الأصنام ثم تابوا، حسب ما تقدم بيانه في سورة " يونس " (1) ومضى في " ~~الأنبياء " (2) قصة يونس في خروجه مغاضبا. واختلف في رسالته هل كانت قبل ~~التقام الحوت إياه أو بعده. قال الطبري عن شهر ms5277 بن حوشب: إن جبريل عليه ~~السلام أتي يونس فقال: # انطلق إلى أهل نينوى فأنذرهم أن العذاب قد حضرهم. قال: ألتمس دابة. قال: ~~الأمر أعجل من ذلك. قال: ألتمس حذاء. قال: ا لأمر أعجل من ذلك. قال: فغضب ~~فانطلق إلى السفينة فركب، فلما ركب السفينة احتبست السفينة لا تتقدم ولا ~~تتأخر. قال: فتساهموا، # PageV15P121 # قال: فسهم، فجاء الحوت يبصبص بذنبه، فنودي الحوت: أيا حوت! إنا لم نجعل ~~لك يونس رزقا، إنما جعلناك له حرزا ومسجدا. قال: فالتقمه الحوت من ذلك ~~المكان حتى مر به إلى الأبلة، ثم انطلق به حتى مر به على دجلة، ثم انطلق ~~حتى ألقاه في نينوى. حدثنا الحرث قال حدثنا الحسن قال حدثنا أبو هلال قال ~~حدثنا شهر بن حوشب عن ابن عباس قال: إنما كانت رسالة يونس بعد ما نبذه ~~الحوت، واستدل هؤلاء بأن الرسول لا يخرج مغاضبا لربه، فكان ما جرى منه قبل ~~النبوة. وقال آخرون: كان ذلك منه بعد دعائه من أرسل إليهم إلى ما أمره الله ~~بدعائهم إليه، وتبليغه إياهم رسالة ربه، ولكنه وعدهم نزول ما كان حذرهم من ~~بأس الله في وقت وقته لهم ففارقهم إذ لم يتوبوا ولم يراجعوا طاعة الله، ~~فلما أظل القوم العذاب وغشيهم - كما قال الله تعالى في تنزيله - تابوا إلى ~~الله، فرفع الله العذاب عنهم، وبلغ يونس سلامتهم وارتفاع العذاب الذي كان ~~وعدهموه فغضب من ذلك وقال: وعدتهم وعدا فكذب وعدي. فذهب مغاضبا ربه وكره ~~الرجوع إليهم، وقد جربوا عليه الكذب، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. وقد ~~مضى هذا في " الأنبياء " وهو الصحيح على ما يأتي عند قول تعالى: " وأرسلناه ~~إلى مائة ألف أو يزيدون " [الصافات: 147]. ولم ينصف يونس، لأنه اسم أعجمي ~~ولو كان عربيا لانصرف وإن كانت في أول الياء، لأنه ليس في الأفعال يفعل كما ~~أنك إذا سميت بيعفر صرفته (2)، وإن سميت بيعفر لم تصرفه. # الثانية - قوله تعالى: " إذا أبق " قال المبرد: أصل أبق تباعد، ومنه غلام ~~آبق. # وقال غيره: إنما قيل ليونس أبق، ms5278 لأنه خرج بغير أمر الله عز وجل مستترا من ~~الناس. # " إلى الفلك المشحون " أي المملوء. " والفلك " يذكر ويؤنث ويكون واحدا ~~وجمعا وقد تقدم. قال الترمذي الحكيم: سماه آبقا لأنه أبق عن العبودية، ~~وإنما العبودية ترك الهوى وبذل النفس عند أمور الله، فلما لم يبذل النفس ~~عندما اشتدت عليه العزمة من الملك حسب ما تقدم بيانه في [الأنبياء]، وآثر ~~هواه لزمه اسم الآبق، وكانت عزمة الملك في أمر الله # PageV15P122 # لا في أمر نفسه، وبحظ حق الله لا بحظ نفسه، فتحرى يونس فلم يصب الصواب ~~الذي عند الله فسماه آبقا ومليما. # الثالثة: قوله تعالى: " فساهم " قل المبرد: فقارع قال: وأصله من السهام ~~التي تجال. " فكا من المدحضين " قال: من المغلوبين. قال القراء: دحضت حجته ~~وأدحضها الله. وأصله من الزلق، قال الشاعر: # قتلنا المدحضين بكل فج * فقد قرت بقتلهم العيون أي المغلوبين. # الرابعة - قوله تعالى: " فالتقمه الحوت وهو مليم " أي أتى بما يلام عليه. # فأما الملوم فهو الذي يلام، استحق ذلك أو لم يستحق. وقيل: المليم المعيب. ~~يقال لام الرجل إذا عمل شيئا فصار معيبا بذلك العمل. " فلولا أنه كان من ~~المسبحين " قال الكسائي: # لم تكسر " أن " لدخول اللام، لأن اللام ليست لها. النحاس: والأمر كما ~~قال، إنما اللام في جواب لولا. " فلولا أنه كان من المسبحين " أي من ~~المصلين للبث ف بطنه إلى يوم يبعثون " أي عقوبة له، أي يكون بطن الحوت قبرا ~~له إلى يوم القيامة. واختلف كم أقام في بطن الحوت. فقال السدي والكلبي ~~ومقاتل بن سليمان: أربعين يوما. الضحاك: # عشرين يوما. عطاء: سبعة أيام. مقاتل بن حيان: ثلاثة أيام. وقيل: ساعة ~~واحدة. # والله أعلم. # الخامسة - روى الطبري من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " لما أراد الله تعالى ذكره - حبس يونس في بطن الحوت أوحى الله ~~إلى الحوت أن خذه ولا تخدش لحما ولا تكسر عظما فأخذه ثم هوى به إلى مسكنه ~~من البحر، فلما انتهى به إلى أسفل البحر سمع يونس حسا فقال ms5279 في نفسه ما هذا؟ ~~فأوحى الله تبارك وتعالى إليه وهو في بطن الحوت: " إن هذا تسبيح دواب البحر ~~قال: " فسبح وهو في بطن الحوت " قال: " فسمعت الملائكة تسبيحه فقالوا: يا ~~ربنا إنا نسمع صوتا ضعيفا بأرض غريبة " قال: # " ذلك عبدي يونس عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر " قالوا العبد ~~الصالح الذي كان PageV15P123 # يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عمل صالح؟ قال نعم. فشفعوا له عند ذلك ~~فأمر الحوت بقذفه في الساحل كما قال تعالى: " وهو سقيم ". وكان سقمه الذي ~~وصفه به الله - تعالى ذكره أنه ألقاه الحوت على الساحل كالصبي المنفوس قد ~~نشر اللحم والعظم. وقد روي: أن الحوت سار مع السفينة رافعا رأسه يتنفس فيه ~~يونس ويسبح، ولم يفارقهم حتى انتهوا إلى البر، فلفظه سالما لم يغير منه شئ ~~فأسلموا، ذكره الزمخشري في تفسيره. وقال ابن العربي: # أخبرني غير واحد من أصحابنا عن إمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك بن ~~عبد الله بن يوسف الجويني: أنه سئل عن الباري في جهة؟ فقال: لا، هو يتعالى ~~عن ذلك. قيل له: ما الدليل عليه؟ قال: الدليل عليه قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: " لا تفضلوني على يونس بن متى " فقيل له: ما وجه الدليل في هذا ~~الخبر؟ فقال: لا أقوله حتى يأخذ ضيفي هذا ألف دينار يقضي بها دينا. فقام ~~رجلان فقالا: هي علينا. فقال لا يتبع بها اثنين، لأنه يشق عليه. # فقال واحد: هي علي. فقال: إن يونس بن متى رمى بنفسه في البحر فالتقمه ~~الحوت، فصار في قعر البحر في ظلمات ثلاث، ونادى " لا إله إلا أنت سبحانك ~~إني كنت من الظالمين " [الأنبياء: 87] كما أخبر الله عنه، ولم يكن محمد صلى ~~الله عليه وسلم حين جلس على الرفرف الأخضر وارتقى به صعدا، حتى انتهى به ~~إلى موضع يسمع فيه صريف الأقلام، ومنا جاه ربه بما ناجاه به، وأوحى إليه ما ~~أوحى بأقرب إلى الله تعالى من يونس في. بطن الحوت في ظلمة البحر. # السادسة - ذكر الطبري: أن ms5280 يونس عليه السلام لما ركب في السفينة أصاب ~~أهلها عاصف من الريح، فقالوا: هذه بخطيئة أحدكم. فقال يونس وعرف أنه هو ~~صاحب الذنب: هذه خطيئتي فألقوني في البحر، وأنهم أبوا عليه حتى أفاضوا ~~بسهامهم " فساهم " فكان من المدحضين " فقال لهم: قد أخبرتكم أن هذا الأمر ~~بذنبي. وأنهم أبوا عليه حتى أفاضوا بسهامهم الثانية فكان من المدحضين، ~~وأنهم أبوا أن يلقوه في البحر حتى أعادوا سهامهم الثالثة فكان من المدحضين. ~~فلما رأى ذلك ألقى نفسه في البحر، وذلك تحت الليل فابتلعه الحوت. وروى أنه ~~لما ركب في السفينة تقنع ورقد، فساروا غير بعيد إذ جاءتهم PageV15P124 # ريح كادت السفينة أن تغرق، فاجتمع أهل السفينة فدعوا فقالوا: أيقظوا ~~الرجل النائم يدعو معنا، فدعا الله معهم فرفع الله عنهم تلك الريح، ثم ~~انطلق يونس إلى مكانه فرقد، فجاعت ريح كادت السفينة أن تغرق، فأيقظوه ودعوا ~~الله فارتفعت الريح. قال: فبينما هم كذلك إذ رفع حوت عظيم رأسه إليهم أراد ~~أن يبتلع السفينة، فقال لهم يونس: يا قوم! هذا من أجلى فلو طرحتموني في ~~البحر لسرتم ولذهب الريح عنكم والروع. قالوا: لا نطرحك حتى نتساهم فمن وقعت ~~عليه رميناه في البحر. قال: فتساهموا فوقع على يونس، فقال لهم: # يا قوم اطرحوني فمن أجلى أوتيتم، فقالوا لا نفعل حتى نتساهم مرة أخرى. ~~ففعلوا فوقع: # على يونس. فقال لهم: يا قوم اطرحوني فمن أجلي أوتيتم. فذلك قول الله عز ~~وجل: # " فساهم فكان من المدحضين " أي وقع السهم عليه، فانطلقوا به إلى صدر ~~السفينة ليلقوه في البحر، فإذا الحوت فاتح فاه، ثم جاءوا به إلى جانب ~~السفينة، فإذا بالحوت، ثم رجعوا به إلى الجانب الاخر بالحوت فاتح فاه، فلما ~~رأى ذلك ألقى بنفسه فالتقمه الحوت، فأوحى الله تعالى إلى الحوت: إني لم ~~أجعله لك رزقا ولكن جعلت بطنك له وعاء. فمكث في بطن الحوت أربعين ليلة ~~فنادى في الظلمات " أن لا اله الا أنت سبحانك انى كنت من الظالمين. ~~فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين " وقد ms5281 تقدم ويأتي. ففي ~~هذا من الفقه أن القرعة كانت معمولا بها في شرع من قبلنا، وجاءت في شرعنا ~~على ما تقدم في " آل عمران " (1) قال ابن العربي: وقد وردت القرعة في الشرع ~~في ثلاثة مواطن، الأول كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا أقرع ~~بين نسائه، فأيتهم خرج سهمها خرج بها معه، الثاني - أنن النبي صلى الله ~~عليه وسلم رفع إليه أن رجلا أعتق ستة أعبد لا مال له غيرهم، فأقرع بينهم، ~~فاعتق اثنين وأرق أربعة. الثالث - أن رجلين اختصما إليه في مواريث قد درست ~~فقال: " اذهبا وتوخيا الحق واستهما وليحلل كل واحد منكما صاحبه ". فهذه ~~ثلاثة مواطن، وهي القسم في النكاح والعتق والقسمة، وجريان القرعة فيها لرفع ~~الإشكال # PageV15P125 # وجسم داء التشهر. واختلف علماؤنا في القرية بين الزوجات في الغزو على ~~قولين، الصحيح منهما الاقراع. وبه قال فقهاء الأمصار. وذلك أن السفر ~~بجميعهن لا يمكن، واختيار واحدة منهن إيثار فلم يبق الا القرعة. وكذلك في ~~مسألة الأعبد السنة، فإن كل اثنى منهما ثلث، وهو القدر الذي يجوز له فيه ~~العتق في مرض الموت، وتعيينهما بالتشهي لا يجوز شرعا فلم يبق الا القرعة. ~~وكذلك التشاجر إذا وقع في أعيان المواريث لم يميز الحق الا القرعة فصارت ~~أصلا في تعيين المستحق إذا أشكل. قال: والحق عندي أن تجرى في كل مشكل فذلك ~~أبين لها، وأقوى لفصل الحكم فيها، وأجلى لرفع الاشكال عنها، ولذلك قلنا إن ~~القرعة بين الزوجات في الطلاق كالقرعة بين الإماء في العتق. # السابعة - الاقتراع على إلقاء الآدمي في البحر لا يجوز. وإنما كان ذلك في ~~يونس وزمانه مقدمه لتحقيق برهانه، وزيادة في ايمانه، فإنه لا يجوز لمن كان ~~عاصيا أن يقتل ولا يرمى به في النار أو البحر، وإنما تجرى عليه الحدود ~~والتعزير على مقدار جنايته. وقد ظن بعض الناس أن البحر إذا هال على القوم ~~فاضطروا إلى تخفيف السفينة أن القرعة تضرب عليهم فيطرح بعضهم تخفيفا، وهذا ~~فاسد، فإنها لا تخف برمي بعض الرجال و إنما ms5282 ذلك في الأموال: ولكنهم يصبرون ~~على قضاء الله عز وجل. # الثامنة - أخبر الله عز وجل أن يونس كان من المسبحين، وأن تسبيحه كان سبب ~~نجاته، ولذلك قيل: إن العمل الصالح يرفع صاحبه إذا عثر. قال ابن عباس: " من ~~المسبحين " من المصلين المطيعين قبل المعصية. وقال وهب: من العابدين. وقال ~~الحسن: # ما كان له صلاة في بطن الحوت، ولكنه قدم عملا صالحا في حال الرخاء فذكره ~~الله به في حال البلاء، وإن العمل الصالح ليرفع صاحبه، وإذا عثر وجد متكأ. ~~PageV15P126 # قلت: ومن هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم " من استطاع منكم أن تكون ~~له خبيئة من عمل صالح فليفعل " فيجتهد العبر، ويحرص على خصله من صالح عمله، ~~يخلص فيها بينه وبين ربه، ويدخرها ليوم فاقته وفقره، ويخبؤها بجهده، ~~ويسترها عن خلقه، يصل إليه نفعها أحوج ما كان إليه. وقد خرج البخاري وسلم ~~من حديث ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " بينما ثلاثة ~~نفر - في رواية ممن كان قبلكم - يتماشون أخذهم المطر فآووا إلى غار في جبل ~~فانحطت على فم الغار صخرة من الجبل فانطبقت عليهم فقال بعضهم لبعض انظروا ~~أعمالا عملتموها صالحه لله بها لعله يفرجها عنكم " الحديث بكماله وهو ~~مشهور، شهرته أغنت عن تمامه. وقال سعيد بن جبير: لما قال في بطن الحوت " لا ~~اله الا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين " قذفه الحوت. وقيل: " من المسبحين ~~" من المصلين في بطن الحوت. # قلت: والأظهر أنه تسبيح اللسان الموافق للجنان، وعليه يدل حديث أبي هريرة ~~المذكور قبل الذي ذكره الطبري. قال: فسبح في بطن الحوت. قال: فسمعت ~~الملائكة تسبيحه، فقالوا: يا ربنا إنا نسمع صوتا ضعيفا بأرض غريبه. وتكون " ~~كان " على هذا القول زائدة. أي فلولا أنه من المسبحين. وفي كتاب أبى داود ~~عن سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " دعاه ذي النون في ~~بطن الحوت " لا اله الا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين " لم يدع به رجل ~~مسلم ms5283 في شئ قط الا استجب له " وقد مضى هذا في سورة " الأنبياء " (1) فيونس ~~عليه السلام كان قبل مصليا مسبحا، وفى بطن الحوت كذلك. # وفي الخبر: فنودي الحوت، انا لم نجعل يونس لك رزقا، إنما جعلناك له حرزا ~~ومسجدا. وقد تقدم. # قوله تعالى: فنبذناه بالعراء وهو سقيم وأنبتنا عليه شجرة من يقطين ~~وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون فامنوا فمتهم إلى حين # PageV15P127 # قوله تعالى: " فنبذناه بالعراء وهو سقيم وأنبتنا عليه شجرة من يقطين " ~~روى أن الحوت قذفه بساحل قرية من الموصل. وقال ابن قسيط عن أبي هريرة: طرح ~~يونس بالعراء وأنبت الله عليه يقطينة، فقلنا يا أبا هريرة: وما اليقطينة؟ ~~قال: شجرة الدباء هيأ الله له أروية (1) وحشية تأكل من خشاش الأرض - أو ~~هشاش الأرض - فتفشج (2) عليه فترويه من لبنها كل عشية وبكرة حتى نبت. وقال ~~سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: خرج به يعنى الحوت - حتى لفظه في ساحل ~~البحر، فطرحه مثل الصبي المنفوس لم ينقص من خلقه شئ. وقيل إن يونس لما ~~ألقاه الحوت على ساحل البحر أنبت الله عليه شجرة من يقطين، وهي فيها ذكر ~~شجرة القرع تتقطر عليه من اللبن حتى رجعت إليه قوته. ثم رجع ذات يوم إلى ~~الشجرة فوجدها يبست، فحزن وبكى عليها فعوتب، فقيل له: أحزنت على شجرة وبكيت ~~عليها، ولم تحزن على مائة ألف وزيادة من بني إسرائيل، من أولاد إبراهيم ~~خليلي، أسرى في أيدي العدو، وأردت إهلاكهم جميعا. وقيل: هي شجرة التين. ~~وقيل: شجرة الموز تغطي بورقها، واستظل بأغصانها، وأفطر على ثمارها. والأكثر ~~على أنها شجرة اليقطين على ما يأتي. ثم إن الله تبارك وتعالى اجتباه فجعله ~~من الصالحين. ثم أمره أن يأتي قومه ويخبرهم أن الله تعالى قد تاب عليهم، ~~فعمد إليهم حتى لقي راعيا فسأله عن قوم يونس وعن حالهم وكيف هم، فأخبره ~~أنهم بخير، وأنهم على رجاء أن يرجع إليهم رسولهم. فقال له: فأخبرهم أني قد ~~لقيت يونس. قال: وماذا؟ قال: وهذه البقعة التي أنت فيها تشهد لك ms5284 أنك لقيت ~~يونس، قال: وماذا؟ قال وهذه الشجرة تشهد لك أنك لقيت يونس. # وأنه رجع الراعي إلى قومه فأخبرهم أنه لقي يونس فكذبوه وهموا به شرا ~~فقال: لا تعجلوا علي حتى أصبح، فلما أصبح غدا بهم إلى البقعة التي لقي فيها ~~يونس، فاستنطقها فأخبرتهم أنه لقي يونس، واستنطق الشاة والشجرة فأخبرتاهم ~~أنه لقي يونس، ثم إن يونس أتاهم بعد ذ لك. # PageV15P128 # ذكر هذا الخبر وما قبله الطبري رحمه الله. " فنبذناه " طرحناه. وقيل: ~~تركناه. " بالعراء " بالصحراء، قال ابن الأعرابي. الأخفش: بالفضاء. أبو ~~عبيدة: الواسع من الأرض. # الفراء: العراء المكان الخالي. قال: وقال أبو عبيدة: العراء وجه الأرض، ~~وأنشد لرجل من خزاعة: # ورفعت رجلا لا أخاف عثارها * ونبذت بالبلد العراء ثيابي وحكى الأخفش في ~~قوله: " وهو سقيم " جمع سقيم [سقمي و] (1) سقامي وسقام. وقال في هذه ~~السورة: " فنبذناه بالعراء " وقال في " ن والقلم " [القلم: 1]: " لولا أن ~~تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم " [القلم: 49] والجواب: أن الله ~~عز وجل خبر ها هنا أنه نبذه بالعراء وهو غير مذموم ولولا رحمة الله عز وجل ~~لنبذ بالعراء وهو مذموم، قاله النحاس. وقوله، " وأنبتنا عليه شجرة من يقطين ~~" يعني " عليه " أي عنده، كقوله تعالى: " ولهم على ذنب " [الشعراء: 14] أي ~~عندي. وقيل: # " عليه " بمعنى له. " شجرة من يقطين " اليقطين: شجر الدباء: وقيل غيرها، ~~ذكره ابن الأعرابي. وفي الخبر: " الدباء والبطيخ من الجنة " وقد ذكرناه في ~~كتاب التذكرة. # وقال المبرد: يقال لكل شجرة ليس لها ساق يفترش ورقها على الأرض يقطينة ~~نحو الدباء والبطيخ والحنظل، فإن كان لها ساق يقلها فهي شجرة فقط، وإن كانت ~~قائمة أي بعروق تفترش فهي نجمة وجمعها نجم. قال الله تعالى: " والنجم ~~والشجر يسجدان " [الرحمن: 6] وروي نحوه عن ابن عباس والحسن ومقاتل. قالوا: ~~كل نبت يمتد ويبسط على الأرض ولا يبقى على استواء وليس له ساق نحو القثاء ~~والبطيخ والقرع والحنظل فهو يقطين. وقال سعيد بن جبير: # هو كل شئ ينبت ثم يموت من عامه فيدخل في هذا الموز. # قلت: وهو ms5285 مما له ساق. الجوهر ي: واليقطين ما لا ساق له كشجر القرع ونحوه. # الزجاج: اشتقاق اليقطين من قطن بالمكان إذا أقام به فهو يفعيل. وقيل: هو ~~اسم أعجمي. # وقيل: إنما خص اليقطين بالذكر، لأنه لا ينزل عليه ذباب. وقيل: ما كان ثم ~~يقطين # PageV15P129 # فأنبته الله في الحال. القشيري: وفي الآية ما يدل على أنه كان مفروشا ~~ليكون له ظل. # الثعلبي: كانت تظله فرأى خضرتها فأعجبته، فيبست فجعل يتحزن عليها، فقيل ~~له: يا يونس أنت الذي لم تخلق ولم تسق ولم تنبت تحزن على شجيرة، فأنا الذي ~~خلقت مائة ألف من الناس أو يزيدون تريد مني أن استأصلهم في ساعة واحدة، وقد ~~تابوا وتبت عليهم فأين رحمتي يا يونس أنا أرحم الراحمين. وروي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه كان يأكل الثريد باللحم والقرع وكان يحب القرع ويقول: " ~~إنها شجرة أخي يونس " وقال أنس: قدم للنبي صلى الله عليه وسلم مرق فيه دباء ~~وقديد فجعل يتبع الدباء حوالي القصعة. قال أنس: فلم أزل أحب الدباء من ~~يومئذ. أخرجه الأئمة. # قوله تعالى: " وأرسلنا إلى مائة ألف أو يزيدون " قد تقدم عن ابن عباس أن ~~رسالة يونس عليه السلام إنما كانت بعد ما نبذه الحوت. وليس له طريق إلا عن ~~شهر بن حوشب. # النحاس: وأجود منه إسنادا وأصح ما حدثناه عن علي بن الحسين قال: حدثنا ~~الحسن بن محمد قال حدثني عمرو بن العنقزي قال حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق ~~عن عمرو بن ميمون قال حدثنا عبد الله بن مسعود في بيت المال عن يونس النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: إن يونس وعد قومه العذاب وأخبرهم أن يأتيهم إلى ~~ثلاثة أيام، ففرقوا بين كل والدة وولدها، وحرجوا فجأروا إلى الله عز وجل ~~واستغفروا، فكف الله عز وجل عنهم العذاب، وغدا يونس عليه السلام ينتظر ~~العذاب فلم ير شيئا - وكان من كذب لم تكن له بينة قتل - فخرج يونس مغاضبا، ~~فأتى قوما في سفينة فحملوه وعرفوه، فلما دخل السفينة ركدت السفينة والسفن ms5286 ~~تسير يمينا وشمالا، فقالوا: ما لسفينتكم؟ فقالوا: لا ندري. فقال يونس عليه ~~السلام: إن فيها عبدا آبقا من ربه جل وعز وإنها لن تسير حتى تلقوه. قالوا ~~أما أنت يا نبي الله فإنا لا نلقيك. # قال: فأقر عوا فمن قرع فليقع، فاقترعوا فقرعهم يونس فأبوا أن يدعوه، فال: ~~فاقترعوا ثلاثا فمن قرع فليقع. فاقترعوا فقرعهم يونس ثلاث مرات أو قال ~~ثلاثا فوقع. وقد وكل الله به جل وعز حوتا فابتلعه وهو يهوي به إلى قرار ~~الأرض، فسمع يونس عليه السلام PageV15P130 # تسبيح الحصى " فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من ~~الظالمين " [الأنبياء: 87] قال: ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت. ~~قال: فنبذناه بالعراء وهو سقيم " قال: كهيئة الفرخ الممعوط الذي ليس عليه ~~ريش. قال: وأنبت الله عليه شجرة من يقطين فنبتت، فكان يستظل بها ويصيب ~~منها، فيبست فبكى عليها، فأوحى الله جل وعز إليه: # أتبكي على شجرة يبست، ولا تبكي على مائة ألف أو يزيدون أردت أن تهلكهم ~~قال: # وخرج رسول الله يونس فإذا هو بغلام يرعى، قال: يا غلام من أنت؟ قال: من ~~قوم يونس. # قال: فإذا جئت إليهم فأخبرهم أنك قد لقيت يونس. قال: إن كنت يونس فقد ~~علمت أنه من كذب قتل إذا لم تكن له بينة فمن يشهد لي؟ قال: هذه الشجرة وهذه ~~البقعة. قال: # فمرهما، فقال لهما يونس: إذا جاءكما هذا الغلام فأشهدا له. قالتا نعم. ~~قال: فرجع الغلام إلى قومه وكان في منعة وكان له إخوة، فأتى الملك فقال: ~~إني قد لقيت يونس وهو يقرأ عليك السلام. قال: فأمر به أن يقتل، فقالوا: إن ~~له بينة فأرسلوا معه. فأتى الشجرة والبقعة فقال لهما: نشدتكما بالله جل وعز ~~أتشهدان أني لقيت يونس؟ قالتا: نعم! قال: # فرجع القوم مذعورين يقولون له: شهدت له الشجرة والأرض فأتوا الملك ~~فأخبروه بما رأوا. قال عبد الله: فتناول الملك يد الغلام فأجلسه في مجلسه، ~~وقال: أنت أحق بهذا المكان مني. قال عبد الله: فأقام لهم ذلك ms5287 الغلام أمرهم ~~أربعين سنة. قال أبو جعفر النحاس: # فقد تبين في هذا الحديث أن يونس كان قد أرسل قبل أن يلقمه الحو ت بهذا ~~الإسناد الذي لا يؤخذ بالقياس. وفيه أيضا من الفائدة أن قوم يونس آمنوا ا ~~وندموا قبل أن يروا العذاب، لأن فيه أنه أخبرهم أنه يأتيهم العذاب إلى ~~ثلاثة أيام، ففرقوا بين كل والده وولدها، وضجوا ضجة واحدة إلى الله عز وجل. ~~وهذا هو الصحيح في الباب، وأنه لم يكن حكم الله عز وجل فيهم كحكمه في غيرهم ~~في قول عز وجل: " فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا " [غافر: 85] وقوله ~~عز وجل: " " وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت " ~~[النساء: 18] الآية. PageV15P131 # وقال بعض العلماء: إنهم رأوا مخائل العذاب فتابوا. وهذا لا يمنع، وقد ~~تقدم ما للعلماء في هذا في سورة " يونس " (1) فلينظر هناك. # قوله تعالى: " أو يزيدون " قد مضى في " البقرة " (2) محامل " أو " في ~~قوله تعالى: # " أو أشد قسوة ". وقال الفراء: " أو " بمعنى بل. وقال غيره: إنها بمعنى ~~الواو، ومنه قول الشاعر: # فلما اشتد امر الحرب فينا * تأملنا رياحا أو رزاما أي ورزاما. وهذا كقوله ~~تعالى: " وما أمر الساعة الا كلمح البصر أو هو أقرب ". # وقرأ جعفر بن محمد " إلى مائة ألف ويزيدون " بغير همز ف " يزيدون " في ~~موضع رفع بأنه خبر مبتدأ محذوف أي وهم يزيدون. النحاس: ولا يصح هذان ~~القولان عند البصريين، وأنكروا كون " أو " بمعنى بل وبمعنى الواو، لان بل ~~للاضراب عن الأول والايجاب لما بعده وتعالى الله عز وجل عن ذلك، أو خروج من ~~شئ إلى شئ وليس هذا موضع ذلك، والواو معناه خلاف معنى " أو " فلو كان ~~أحدهما بمعنى الاخر لبطلت المعاني، ولو جاز ذلك لكان وأرسلناه إلى أكثر من ~~مائتي ألف أخصر. وقال المبرد: المعنى وأرسلناه إلى جماعة لو رأيتموهم لقلتم ~~هم مائة ألف أو أكثر، وإنما خوطب العباد على يا يعرفون. وقيل: # هو كما تقول: جاءني زيد أو عمر وأنت تعرف من جاءك منهما الا أنك ms5288 أبهمت ~~على المخاطب. # وقال الأخفش والزجاج: أي أو يزيدون في تقديركم. قال ابن عباس: زادوا على ~~مائة ألف عشرين ألفا. ورواه أبي بن كعب مرفوعا. وعن ابن عباس أيضا: ثلاثين ~~ألفا. الحسن والربيع: بضعا وثلاثين ألفا. وقال مقاتل بن حيان: سبعين ألفا. ~~" فامنوا فمتعناهم إلى حين " أي إلى منتهى آجالهم. # PageV15P132 # قوله تعالى: فاستفتهم الربك البنات ولهم البنون أم خلقنا الملائكة إناثا ~~وهم شاهدون ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون أصطفى البنات ~~على البنين مالكم كيف تحكمون أفلا تذكرون أم لكم سلطن مبين فأتوا بكتبكم إن ~~كنتم صادقين قوله تعالى: " فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون " لما ذكر ~~أخبار الماضين تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم احتج على كفار قريش في ~~قولهم: إن الملائكة بنات الله، فقال: " فاستفتهم ". وهو معطوف على مثله في ~~أول السورة وإن تباعدت بينهم المسافة، أي فسل يا محمد أهل مكة " ألربك ~~البنات " وذلك أن جهينة وخزاعة وبني مليح وبنى سلمة وعبد الدار زعموا أن ~~الملائكة بنات الله. وهذا سؤال توبيخ. " أم خلقنا الملائكة إناثا وهم ~~شاهدون " أي حاضرون لخلقنا إياهم إناثا، وهذا كما قال الله عز وجل: " ~~وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم " [الزخرف: 19]. ~~ثم قال " ألا إنهم من إفكهم " وهو أسوأ الكذب " ليقولون. ولد الله وإنهم ~~لكاذبون " في قولهم إن لله ولدا وهو الذي لا يلد ولا يولد. و " إن " بعد " ~~ألا " مكسورة، لأنها مبتدأة. وحكى سيبويه أنها تكون بعد أما مفتوح أو ~~مكسورة، فالفتح على أن تكون أما بمعنى ألا. النحاس: وسمعت علي بن سليمان ~~يقول يجوز فتحها بعد ألا تشبيها بأما، وأما في الآية فلا يجوز إلا كسرها، ~~لأن بعدها الرفع. وتمام الكلام " كاذبون ". ثم يبتدى " أصطفى " على معنى ~~التقريع والتوبيخ كأنه قال: ويحكم " أصطفى البنات " أي اختار البنات وترك ~~البنين. وقراءة العامة " أصطفى " بقطع الألف، لأنها ألف استفهام دخلت على ~~ألف الوصل، فحذفت ألف الوصل وبقيت ألف الاستفهام مفتوح مقطوعة على ~~PageV15P133 # حالها مثل: " أطلع الغيب " على ما ms5289 تقدم (1). وقرأ أبو جعفر وشيبة ونافع ~~وحمزة " اصطفى " بوصل الألف على الخبر بغير استفهام. وإذا ابتدأ كسر ~~الهمزة. وزعم أبو حاتم أنه لا وجه لها، لأن بعدها " ما لكم كيف تحكمون " ~~فالكلام جار على التوبيخ من جهتين: # إحداهما أن يكون تبيينا وتفسير لما قالوه من الكذب ويكون " ما لكم كيف ~~تحكمون " منقطعا مما قبله. والجهة الثانية أنه قد حكى النحويون - منهم ~~الفراء - أن التوبيخ يكون باستفهام وبغير استفهام كما قال جل وعز: " أذهبتم ~~طيباتكم في حياتكم الدنيا " [الأحقاف: 20]. وقيل: # هو على إضمار القول، أي ويقولون " أصطفى البنا ت ". أو يكون بدلا من ~~قوله: " ولد الله " لأن ولادة البنات واتخاذهن اصطفاه لهن، فأبدل مثال ~~الماضي من مثال الماضي فلا يوقف على هذا على " لكاذبون ". " أفلا تذكرون في ~~أنه لا يجوز أن يكون له ولد. " أم لكم سلطان مبين " حجة وبرهان. " فأتوا ~~بكتابكم " أي بحججكم " إن كنتم صادقين " في قولكم. # قوله تعالى: وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون ~~سبحن الله عما يصفون إلا عباد الله المخلصين قوله تعالى: " وجعلوا بينه ~~وبين الجنة نسبا " أكثر أهل التفسير أن الجنة ها هنا الملائكة. روى ابن أبي ~~نجيح عن مجاهد قال: قالوا - يعني كفار قريش - الملائكة بنات الله، جل ~~وتعالى. فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: فمن أمهاتهن. قالوا: مخدرات ~~الجن. وقال أهل الاشتقاق: قيل لهم جنة لأنهم لا يرون. وقال مجاهد: إنهم بطن ~~من بطون الملائكة يقال لهم الجنة. وروي عن ابن عباس. وروى إسرائيل عن السدي ~~عن أبي مالك قال: إنما قيل لهم جنة لأنهم خزان على الجنان والملائكة كلهم ~~جنة. " نسبا " مصاهرة. فال قتادة والكلبي ومقاتل: قالت اليهود لعنهم الله ~~إن الله صاهر الجن فكانت # PageV15P134 # الملائكة من بينهم. وقال مجاهد والسدي ومقاتل أيضا. القائل ذلك كنانة ~~وخزاعة، قالوا: # إن الله خطب إلى سادات الجن فزوجوه من سروات بناتهم، فالملائكة بنات الله ~~من سروات بنات الجن. وقال الحسن: أشركوا الشيطان في عبادة الله فهو النسب ~~الذي جعلوه. # قلت: ms5290 قول الحسن في هذا أحسن، دليله قوله تعالى: " إذ نسويكم برب العالمين ~~" [الشعراء: 98] أي في العبادة. وقال ابن عباس والضحاك والحسن أيضا: هو ~~قولهم إن الله تعالى وإبليس أخوان، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. # قوله تعالى: " ولقد علمت الجنة " أي الملائكة " إنهم " يعني قائل هذا ~~القول " لمحضرون " في النار، قال قتادة. وقال مجاهد: للحساب. الثعلبي: ~~الأول أولى، لأن الإحضار تكرر في هذه السورة ولم يرد الله به غير العذاب. # " سبحان الله عما يصفون " أي تنزيها لله عما يصفون. " إلا عباد الله ~~المخلصين " فإنهم ناجون من النار. # قوله تعالى: فإنكم وما تعبدون ما أنتم عليه بفاتنين إلا من هو صال الجحيم ~~فيه ثلاث مسائل: الأولى - قوله تعالى: " فإنكم وما عبدون " " ما " بمعنى ~~الذي. وقيل: بمعنى المصدر، أي فإنكم وعبادتكم لهذه الأصنام. وقيل: أي فإنكم ~~مع ما تعبدون من دون الله، يقال: جاء فلان وفلان. وجاء فلان مع فلان. " ما ~~أنتم عليه " أي على الله " بفاتنين " بمضلين. # النحاس. أهل التفسير مجمعون فيما علمت على أن المعنى: ما أنتم بمضلين ~~أحدا إلا من قدر الله عز وجل عليه أن يضل: # وقال الشاعر: فرد بنعمته كيده * عليه وكان لنا فاتنا أي مضلا. ~~PageV15P135 # الثانية - في هذه الآية رد على القدرية. قال عمرو بن ذر: قدمنا على عمر ~~بن عبد العزيز فذكر عنده القدر، فقال عمر: لو أراد الله ألا يعصى ما خلق ~~إبليس وهو رأس الخطيئة، وإن في ذلك لعلما في كتاب الله عز وجل، عرفه من ~~عرفه، وجهل من جهله، ثم قرأ: " فإنكم وما تعبدون. " ما " أنتم عليه بفاتنين ~~" إلا من كتب الله عز وجل عليه أن يصلى الجحيم. وقال: فصلت هذه الآية بين ~~الناس، وفيها من المعاني أن الشياطين لا يصلون إلى إضلال أحد إلا من كتب ~~الله عليه أنه لا يهتدي، ولو علم الله جل وعز أنه يهتدي لحال بينه وبينهم، ~~وعلى هذا قوله تعالى: " وأجلب عليهم بخيلك ورجلك " [الإسراء: 64] أي لست ~~تصل منهم إلى شئ إلا إلى ما في علمي. ms5291 وقال لبيد بن ربيعة في تثبيت القدر ~~فأحسن: # إن تقوى ربنا خير نفل * وبإذن الله ريثي وعجل أحمد الله فلا ند له * بيد ~~يه الخير ما شاء فعل من هداه سبل الخير اهتدى * ناعم البال ومن شاء أضل قال ~~الفراء: أهل الحجاز يقولون فتنت الرجل، وأهل نجد يقولون أفتنته. # الثالثة - روي عن الحسن أنه قرأ: " إلا من وصال الجحيم " بضم اللام. # النحاس: وجماعة أهل التفسير يقولون إنه لحن، لأنه لا يجوز هذا قاض ~~المدينة. ومن أحسن ما قيل فيه ما سمعت علي بن سليمان يقول، قال: هو محمول ~~عل المعنى، لأن معنى. " من " جماعة، فالتقدير صالون، فحذفت النون للإضافة، ~~وحذفت الواو لالتقاء الساكنين. وقيل: # أصله فاعل إلا أنه قلب من صال إلى صايل وحذفت الياء وبقيت اللام مضمومة ~~فهو مثل " شفا جرف هار " [التوبة: 109]. ووجه ثالث أن تحذف لام " صال " ~~تخفيفا وتجري الإعراب على عينه، كما حذف من قولهم: ما باليت به بالة. ~~وأصلها بالية من بالي كعافية من عافي، ونظيره قراءة من قرأ، " وجنى الجنتين ~~دان " [الرحمن: 54]، " وله الجوار المنشآت " [الرحمن: 24] أجرى الإعراب على ~~العين. # والأصل ني قراءة الجماعة صالي بالياء فحذفها الكاتب من الخط لسقوطها في ~~اللفظ. PageV15P136 # قوله تعالى: وما منا إلا له مقام معلوم وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن ~~المسبحون هذا من قول الملائكة تعظيما لله عز وجل، وإنكارا منهم عبادة من ~~عبدهم. " وإنا لنحن الصافون. وإنا لنحن المسبحون " قال مقاتل: هذه الثلاث ~~الآيات نزلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم عند سدرة المنتهى، فتأخر جبريل، ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أهنا تفارقني " فقال ما أستطيع أن أتقدم ~~عن مكاني. وأنزل الله تعالى حكاية عن قول الملائكة: # " وما منا الاله مقام معلوم " الآيات. والتقدير عند الكوفيين: وما منا ~~إلا من له مقام معلوم. فحذف الموصول. وتقديره عند البصريين: وما منا ملك ~~إلا له مقام معلوم، أي مكان معلوم في العبادة، قال ابن مسعود وابن جبير. ~~وقال ابن عباس: ما في السماوات موضع شبر إلا وعليه ملك ms5292 يصلي سبح. وقالت ~~عائشة رضي الله عنها: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " ما في السماء موضع قدم إلا عليه ملك ساجد أو قائم ". وعن أبي ذر قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا ~~تسمعون أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع ~~جبهته ساجدا لله والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا وما ~~تلذذتم بالنساء على الفرش ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله لوددت أني ~~كنت شجرة تعضد " خرجه أبو عيسى الترمذي وقال فيه حديث " حسن " (1) غريب. # ويروى من غير هذا الوجه أن أبا ذر قال: لوددت أني كنت شجرة تعضد. ويروى ~~عن أبي ذر موقوفا. وقال قتادة: كان يصلي الرجال والنساء جميعا حتى نزلت هذه ~~الآية: " وما منا إلا له مقام معلوم ". قال: فتقدم الرجال وتأخر النساء. # " وإنا لنحن الصافون " قال الكلبي: صفوفهم كصفوف أهل الدنيا في الأرض. ~~وفي صحيح مسلم عن جابر بن سمرة قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ونحن في المسجد، فقال: " ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها " فقلنا ~~يا رسول الله كيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال؟ # PageV15P137 # " يتمون الصفوف الأول ويتراصون في الصف " وكان عمر يقول إذا قام للصلاة: ~~أقيموا صفوفكم واستووا إنما يريد الله بكم هدي الملائكة عند ربها ويقرأ: " ~~وإنا لنحن الصافون " تأخر يا فلان تقدم يا فلان، ثم يتقدم فيكبر. وقد مضى ~~في سورة [الحجر] (1) بيانه. وقال أبو مالك: كان الناس يصلون متبددين فأنزل ~~الله تعالى: " وإنا لنحن الصافون " فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~يصطفوا. وقال الشعبي. جاء جبريل أو ملك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ~~تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه، إن الملائكة لتصلي وتسبح ما في ~~السماء ملك فارغ. وقيل: أي لنحن الصافون أجنحتنا في الهواء وقوفا ننتظر ما ~~نؤمر به. وقيل: # أي نحن الصافون حول العرش. " وإنا لنحن المسبحون " أي المصلون، قال ms5293 قتاد ~~ة: # وقيل: أي المنزهون الله عما أضافه إليه المشركون. والمراد أنهم يخبرون ~~أنهم يعبدون الله بالتسبيح والصلاة وليسوا معبودين ولا بنات الله. وقيل: " ~~وما منا إلا له مقام معلوم " من قول الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ~~المشركين، أي لكل واحد منا ومنكم في الآخرة مقام معلوم وهو مقام الحساب. ~~وقيل: أي منا من له مقام الخوف، ومنا من له مقام الرجاء، ومنا من له مقام ~~الإخلاص، ومنا من له مقام الشكر. إلى غيرها من المقامات. # قلت: والأظهر أن ذلك راجع إلى قول الملائكة " وما منا إلا له مقام معلوم ~~" والله أعلم. # قوله تعالى: وإن كانوا ليقولون لو أن عندنا ذكرا من الأولين لكنا عباد ~~الله المخلصين فكفروا به فسوف يعلمون عاد إلى الإخبار عن قول المشركين، أي ~~كانوا قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم إذا عيروا بالجهل قالوا: " لو أن ~~عندنا ذكرا من الأولين " أي لو بعث إلينا نبي ببيان الشرائع لاتبعناه. # ولما خففت " إن " دخلت على الفعل ولزمتها اللام فرقا بين النفي والإيجاب. ~~والكوفيون # PageV15P138 # يقولون: " إن " بمعنى ما واللام بمعنى إلا. وقيل: معنى " لو أن عندنا ~~ذكرا " أي كتابا من كتب الأنبياء. " لكنا عباد الله المخلصين " أي لو جاءنا ~~ذكر كما جاء الأولين لأخلصنا العبادة لله. # " فكفروا به " أي بالذكر. والفراء يقدره على حذف، أي فجاءهم محمد صلى ~~الله عليه وسلم بالذكر فكفروا به. وهذا تعجيب منهم، أي فقد جاءهم نبي وأنزل ~~عليهم كتاب فيه بيان ما يحتاجون إليه فكفروا وما وفوا بما قالوا. " فسوف ~~يعلمون " قال الزجاج: يعلمون مغبة كفرهم. # قوله تعالى: ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن ~~جندنا لهم الغالبون فتول عنهم حتى حين وأبصرهم فسوف يبصرون أفبعذابنا ~~يستعجلون فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين وتول عنهم حتى حين وأبصر ~~فسوف يبصرون قوله تعالى: " ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين " قال ~~الفراء: أي بالسعادة. # وقيل: أراد بالكلمة قوله عز وجل: " كتب الله لأغلبن أنا ورسلي " ~~[المجادلة: 21] قال الحسن: لم يقتل من أصحاب ms5294 الشرائع قط أحد " إنهم لهم ~~المنصورون " أي سبق الوعد بنصرهم بالحجة والغلبة. # " وإن جندنا لهم الغالبون " على المعنى ولو كان على اللفظ لكان هو الغالب ~~مثل " جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب " [ص: 11]. وقال الشيباني: جاء ها هنا ~~على الجمع من أجل أنه رأس آية. # قوله تعالى: " فتول عنهم " أي أعرض عنهم. " حتى حين " قال قتادة: إلى ~~الموت. # وقال الزجاج: إلى الوقت الذي أمهلوا إليه. وقال ابن عباس: يعني القتل ~~ببدر. وقيل يعني فتح مكة. وقيل: الآية منسوخة بآية السيف. " وأبصرهم فسوف ~~يبصرون " قال قتادة: سوف يبصرون حين لا ينفعهم الإبصار. وعسى من الله ~~للوجوب وعبر بالإبصار عن تقريب الأمر، أي عن قريب يبصرون. وقيل: المعنى ~~فسوف يبصرون العذاب يوم PageV15P139 # القيامة. " أفبعذابنا يستعجلون " كانوا يقولون من فرط تكذيبهم متى هذا ~~العذاب، أي لا تستعجلوه فإنه واقع بكم. # قوله تعالى: " فإذا نزل بساحتهم " أي العذاب. قال الزجاج: وكان عذاب ~~هؤلاء بالقتل. ومعنى " بساحتهم " أي بدارهم، عن السدي وغيره. والساحة ~~والسحسة في اللغة فناء الدار الواسع. الفراء: " نزل بساحتهم " ونزل بهم ~~سواء. " فساء صباح المنذرين " أي بئس صباح الذين أنذروا بالعذاب. وفيه ~~إضمار أي فساء الصباح صباحهم. وخص الصباح بالذكر، لأن العذاب كان يأتيهم ~~فيه. ومنه الحديث الذي رواه أنس رضي الله عنه قال: # لما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر، وكانوا خارجين إلى مزارعهم ~~ومعهم المساحي، فقالوا: محمد والخميس (1)، ورجعوا إلى حصنهم، فقال صلى الله ~~عليه وسلم: " الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح ~~المنذرين " وهو يبين معنى: " فإذا نزل بساحتهم " يريد النبي صلى الله عليه ~~وسلم. " وتول عنهم حتى حين " كرر تأكيدا وكذا " وأبصر فسوف يبصرون " تأكيدا ~~أيضا. # قوله تعالى: سبحن ربك رب العزة عما يصفون وسلم على المرسلين والحمد لله ~~رب العلمين فيه أربع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " سبحان ربك " نزه سبحانه نفسه عما أضاف إليه ~~المشركون. # " رب العزة " على البدل. ويجوز النصب على المدح، والرفع بمعنى هو رب ~~العزة. # " عما يصفون " أي ms5295 من الصاحبة والولد. وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن معنى " سبحان الله " فقال: " هو تنزيه الله عن كل سوء " وقد مضى في " ~~البقرة " (2) مستوفى. # الثانية - سئل محمد بن سحنون عن معنى " رب العزة " لم جاز ذلك والعزة من ~~صفات الذات، ولا يقال رب القدرة ونحوها من صفات ذاته جل وعز؟ فال: العزة ~~تكون # PageV15P140 # صفة ذات وصفة فعل، فصفة الذات نحو قوله: " فلله العزة جميعا " وصفه الفعل ~~نحو قوله: " رب العزة " والمعنى رب العزة التي يتعاز بها الخلق فيما بينهم ~~فهي من خلق الله عز وجل. قال: وقد جاء في التفسير إن العزة ها هنا يراد بها ~~الملائكة. قال: وقال بعض علمائنا: من حلف بعزة الله فإن أراد عزته التي هي ~~صفته فحنث فعليه الكفارة، وإن أراد التي جعلها الله بين عباده فلا كفارة ~~عليه. الماوردي: " رب العزة " يحتمل وجهين، أحدهما مالك العزة، والثاني رب ~~كل شئ متعزز من ملك أو متجبر. # قلت: وعلى الوجهين فلا كفارة إذا نواها الحالف. # الثالثة - روي من حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كان يقول قبل أن يسلم: " سبحان ربك رب العزة " إلى آخر السورة، ذكره ~~الثعلبي. # قلت: قرأت عل الشيخ الإمام المحدث الحافظ أبى على الحسن بن محمد بن محمد ~~بن محمد ابن عمروك البكري بالجزيرة قبالة المنصورة من الديار المصرية، قال ~~أخبرتنا الحرة أم المؤيد زينب بنت عبد الرحمن بن الحسن الشعرى بنيشابور في ~~المرة الأولى، أخبرنا أبو محمد إسماعيل ابن أبي بكر القارئ، قال حدثنا أبو ~~الحسن عبد الغافر بن محمد الفارسي، قال حدثنا أبو سهل بشر بن أحد ~~الأسفرايني، قال حدثنا أبو سليمان داود بن الحسين البيهقي، قال حدثنا أبو ~~زكرياء يحيى بن يحيى عبد الرحمن التميمي النيشابوري، قال حدثنا هشيم عن أبي ~~هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~غير مرة ولا مرتين يقول في آخر صلاته أو حين ينصرف " سبحان ربك رب العزة ~~عما يصفون. ms5296 وسلام على المرسلين. والحمد لله رب العالمين ". قال الماوردي: ~~روى الشعبي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من سره أن يكتال ~~بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة فليقل آخر مجلسه حين يريد أن يقوم " ~~سبحان ربك رب العزة عما يصفون. وسلام على المرسلين. والحمد لله رب العالمين ~~". ذكره الثعلبي من حديث على رضي الله عنه مرفوعا. PageV15P141 # الرابعة - قوله تعالى: " وسلام على المرسلين " أي الذين بلغوا عن الله ~~تعالى التوحيد والرسالة. وقال أنس قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إذا ~~سلمتم علي فسلموا على المرسلين فإنما أنا رسول من المرسلين وقيل: معنى " ~~وسلام على المرسلين " أي أمن لهم من الله جل وعز يوم الفزع الأكبر. " ~~والحمد لله رب العالمين " أي على إرسال المرسلين مبشرين ومنذرين. وقيل: أي ~~على جميع ما أنعم الله به على الخلق أجمعين. وقيل: أي على هلاك المشركين، ~~دليله: " فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين. " [الأنعام: ~~45]. # قلت: والكل مراد والحمد يعم. ومعنى " يصفون " يكذبون، والتقدير عما يصفون ~~من الكذب. قم تفسير سورة الصافات. # سورة ص مكية في قول الجميع، وهي ست وثمانون آية. وقيل ثمان وثمانون آية. # بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ص والقرءان ذي الذكر بل الذين كفروا ~~في عزة وشقاق كم أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ولات حين مناص قوله تعالى: ~~" ص " قراءة العامة " ص " بجزم الدال على الوقف، لأنه حرف من حروف الهجاء ~~مثل: " ألم " و " المر ". وقرأ أبي بن عب والحسن وابن أبي إسحاق ونصر ابن ~~عاصم " صاد " بكسر الدال بغير تنوين. ولقراءته مذهبان: أحدهما أنه من صادى ~~يصادي إذا عارض، ومنه " فأنت له تصدى " [عبس: 6] أي تعرض. والمصاداة ~~المعارضة، ومنه الصدى وهو ما يعارض الصوت في الأماكن الخالية. فالمعنى صاد ~~القرآن بعملك، أي عارضه بعملك وقابله به، فاعمل بأوامره، وانته عن نواهيه. ~~النحاس: وهذا المذهب يروى عن الحسن أنه فسر به قراءته رواية صحيحة. وعنه أن ~~المعنى اتله وتعرض لقراءته. والمذهب PageV15P142 # الآخر أن تكون الدال مكسورة ms5297 لالتقاء الساكنين. وقرأ عيسى بن عمر " صاد " ~~بفتح الدال مثله: " قاف " و " نون " بفتح آخرها. وله في ذلك ثلاثة مذاهب: ~~أحدهن أن يكون بمعنى أتل. # والثاني أن يكون فتح لالتقاء الساكنين واختار الفتح للإتباع، ولأنه أخف ~~الحركات. # والثالث أن يكون منصوبا على القسم بغير حرف، كقولك: الله لأفعلن، وقيل: ~~نصب على الإغراء. وقيل: معناه صاد محمد قلوب الخلق واستمالها حتى آمنوا به. ~~وقرأ ابن أبي إسحاق أيضا " صاد " بكسر الدال والتنوين على أن يكون مخفوضا ~~على حذف حرف القسم، وهذا بعيد وإن كان سيبويه قد أجاز مثله. ويجوز أن يكون ~~مشبها بما لا يتمكن من الأصوات وغيرها. # وقرأ هارون الأعور ومحمد بن السميقع: " صاد " و " قاف " و " نون " بضم ~~آخرهن: لأنه المعروف بالبناء في غالب الحال، نحو منذ وقط وقبل وبعد. و " ص ~~" إذا جعلته اسما للسورة لم ينصرف، كما أنك إدا سميت مؤنثا بمذكر لا ينصرف ~~وإن قلت حروفه. وقال ابن عباس وجابر بن عبد الله وقد سئلا عن " ص " فقالا: ~~لا ندري ما هي. وقال عكرمة: سأل نافع بن الأزرق ابن عباس عن " ص " فقال: " ~~ص " كان بحرا بمكة وكان عليه عرش الرحمن إذ لا ليل ولا نهار. وقال سعيد بن ~~جبير: " ص " بحر يحيي الله به الموتى بين النفختين. # قال الضحاك: معناه صدق الله. وعنه أن " ص " قسم أقسم الله به وهو من ~~أسمائه تعالى. # وقال السدي، وروي عن ابن عباس. وقال محمد بن كعب: هو مفتاح أسماء الله ~~تعالى صمد وصانع المصنوعات وصادق الوعد. وقال قتادة: هو اسم من أسماء ~~الرحمن. وعنه أنه اسم من أسماء القرآن. وقال مجاهد: هو فاتحة السورة. وقيل: ~~هو مما استأثر الله تعالى بعلمه وهو معنى القول الأول. وقد تقدم جميع هذا ~~في " البقرة " (1). # قوله تعالى: " والقران " خفض بواو القسم والواو بدل من الباء، أقسم ~~بالقرآن تنبيها على جلالة قدره، فإن فيه بيان كل شئ، وشفاء لما في الصدور، ~~ومعجزة للنبي صلى الله عليه وسلم. " ذي الذكر " خفض على النعت وعلامة ms5298 خفضه ~~الياء، وهو اسم معتل والأصل فيه ذوي على فعل. قال ابن عباس: ومقاتل معنى " ~~ذي الذكر " ذي البيان. الضحاك: # PageV15P143 # ذي الشرف أي من آمن به كان شرفا له في الدارين، كما قال تعالى: " لقد ~~أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم " [الأنبياء: 10] أي شرفكم. وأيضا القرآن ~~شريف في نفسه لإعجازه واشتماله على ما لا يشتمل عليه غيره. وقيل: " ذي ~~الذكر " أي فيه ذكر ما يحتاج إليه من أمر الدين. وقيل: # " ذي الذكر " أي فيه ذكر أسماء الله وتمجيده. وقيل: أي ذي الموعظة ~~والذكر. وجواب القسم محذوف. واختلف فيه على أوجه: فقيل جواب القسم " ص "، ~~لأن معناه حق فهي جواب لقوله: " والقرآن " كما تقول: حقا والله، نزل والله، ~~وجب والله، فيكون الوقف من هذا الوجه على قوله: " والقرآن ذي الذكر " حسنا، ~~وعلى " في عزة وشقاق " تماما. # قال ابن الأنباري. وحكى معناه الثعلبي عن الفراء. وقيل: الجواب " بل ~~الذين كفروا في عزة وشقاق " لأن " بل " نفي لأمر سبق وإثبات لغيره، قاله ~~القتبي، فكأنه قال: # " والقرآن ذي الذكر بل الذين كفروا في عزة وشقاق " عن قبول الحق وعداوة ~~لمحمد صلى الله عليه وسلم. أو " والقرآن ذي الذكر " ما الأمر كما يقولون من ~~أنك ساحر كذاب، لأنهم يعرفونك بالصدق والأمانة بل هم في تكبر عن قبول الحق. ~~وهو كقوله: " ق والقرآن المجيد. بل عجبوا " [ق: 2]. وقيل: الجواب " وكم ~~أهلكنا " [ق: 36] كأنه قال: والقرآن لكم أهلكنا، فلما تأخرت " كم " حذفت ~~اللام منها، كقوله تعالى: " والشمس وضحاها " [الشمس: 1] ثم قال: " قد أفلح ~~" [الشمس: 9] أي لقد أفلح. قال المهدوي: وهذا مذهب الفراء. ابن الأنباري: ~~فمن هذا الوجه لا يتم الوقف على قوله: " في عزة وشقاق ". وقال الأخفش: جواب ~~القسم " إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب " ونحو منه قوله تعالى: " تالله إن ~~كنا لفي ضلال مبين " [الشعراء: 97] وقوله: # " والسماء والطارق " إلى قوله " إن كل نفس " [الطارق: 1 - 4]. ابن ~~الأنباري: وهذا قبيح، لأن الكلام قد طال فيما بينهما وكثرت الآيات والقصص. ~~وقال الكسائي: جواب القسم قول: " إن ذلك لحق ms5299 تخاصم أهل النار " [ص: 64]. ~~ابن الأنباري: وهذا أقبح من الأول، لأن الكلام أشد طولا فيما بين القسم ~~وجوابه. وقيل الجواب قوله: " إن هذا لرزقنا ما له من نفاد " [ص: 54]. وقال ~~قتادة: الجواب محذوف تقديره " والقرآن ذي الذكر " لتبعثن ونحوه. ~~PageV15P144 # قوله تعالى: " بل الذين كفروا في عزة " أي تكبر وامتناع من قبول الحق، ~~كما قال جل وعز: " وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم " [البقرة: ~~206] والعزة عند العرب: الغلبة والقهر. # يقال: من عز بز، يعني من غلب سلب. ومنه: " وعزني في الخطاب " [ص: 23] ~~أراد غلبني. # وقال جرير: # يعز على الطريق بمنكبيه * كما ابترك الخليع على القداح (1) أراد يغلب. " ~~و شقاق " أي في إظهار خلاف ومباينة. وهو من الشق كأن هذا في شق وذلك في شق. ~~وقد مضى في " البقرة " (2) مستوفى. # قوله تعالى: " كم أهلكنا من قبلهم من قرن " أي قوم كانوا أمنع من هؤلاء. # و " كم " لفظة التكثير " فنادوا " أي بالاستغاثة والتوبة. والنداء رفع ~~الصوت، ومنه الخبر: # " ألقه على بلال فإنه أندى منك صوتا " أي أرفع. " ولات حين مناص " قال ~~الحسن: # نادوا بالتوبة وليس حين التوبة ولا حين ينفع العمل. النحاس: وهذا تفسير ~~منه لقوله عز وجل: " ولات حين مناص " فأما إسرائيل فروى عن أبي إسحاق عن ~~التميمي عن ابن عباس: " ولات حين مناص " قال: ليس بحين (3) نزو ولا فرار، ~~قال: ضبط القوم جميعا قال الكلبي: كانوا إذا قاتلوا فاضطروا قال بعضهم لبعض ~~مناص، أي عليكم بالفرار والهزيمة، فلما أتاهم العذاب قالوا مناص، فقال الله ~~عز وجل: " ولات حين مناص " قال القشيري: # وعلى هذا فالتقدير، فنادوا مناص فحذف لدلالة بقية الكلام عليه، أي ليس ~~الوقت وقت ما تنادون به. وفي هذا نوع تحكم، إذ يبعد أن يقال: كل من هلك من ~~القرون كانوا يقولون مناص عند الاضطرار. وقيل: المعنى " ولات حين مناص " أي ~~لاخلاص وهو نصب بوقوع لا عليه. قال القشيري: وفيه نظر لأنه لا معنى على هذا ~~للواو في " ولات حين # PageV15P145 # مناص " وقال الجرجاني: أي فنادوا حين لا مناص، ms5300 أي ساعة لا منجى ولا فوت. ~~فلما قدم " لا " وأخر " حين " اقتضى ذلك الواو، كما يقتضي الحال إذا جعل ~~ابتداء وخبرا، مثل قولك: جاء زيد راكبا، فإذا جعلته مبتدأ وخبر اقتضى الواو ~~مثل جاءني زيد وهو راكب، فحين ظرف لقوله: فنادوا ". والمناص بمعنى التأخر ~~والفرار والخلاص، أي نادوا لطلب الخلاص في وقت لا يكون لهم فيه خلاص. قال ~~الفراء: # أمن ذكر ليلى إذ نأتك تنوص (1) يقال: ناص عن قرنه ينوص نوصا ومناصا أي فر ~~وزاغ. النحاس: ويقال: ناص ينوص إذا تقدم. # قلت: فعلى هذا يكون من الأضداد، والنوص الحمار الوحشي. واستناص أي تأخر، ~~قاله الجوهري. وتكلم النحويون في " ولات حين " وفي الوقف عليه، وكثر فيه ~~أبو عبيدة القاسم بن سلام في كتاب القراءات وكل ما جاء به إلا يسيرا مردود. ~~فقال سيبويه: " لات " مشبهة بليس والاسم فيها مضمر، أي ليست أحياننا حين ~~مناص. وحكي أن من العرب من يرفع بها فيقول: ولات حين مناص. وحكي أن الرفع ~~قليل ويكون الخبر محذوفا كما كان الاسم محذوفا في النصب، أي ولات حين مناص ~~لنا. وا لقف عليها عند سيبويه والفراء " ولات " بالتاء ثم تبتدئ " حين مناص ~~" هو قول ابن كيسان والزجاج. قال أبو الحسن بن كيسان: # والقول كما قال سيبويه، لأن شبهها بليس فكما يقال ليست يقال لات. والوقوف ~~عليها عند الكسائي بالهاء ولاه. وهو قول المبرد محمد بن يزيد. وحكى عنه علي ~~بن سليمان أن الحجة في ذلك أنها دخلت عليها الهاء لتأنيث الكلمة، كما يقال ~~ثمة وربه. وقال القشيري: وقد يقال ثمت بعني ثم، وربت بمعنى رب، فكأنهم ~~زادوا في لا هاء فقالوا لاه، كما قالوا في ثمة عند الوصل صارت تاء. وقال ~~الثعلبي: وقال أهل اللغة: و " لات حين " مفتوحتان كأنهما # PageV15P146 # كلمة واحدة، وإنما هي " لا " زيدت فيها التاء نحو رب وربت، وثم وثمت. قال ~~أبو زبيد الطائي: # طلبوا صلحنا ولات أوان * فأجبنا أن ليس حين بقاء وقال آخر: # تذكر حب ليلى لات حينا * وأمسى الشيب فقطع القرينا ومن ms5301 العرب من يخفض ~~بها، وأنشد الفراء: # فلتعرفن خلائقا مشمولة * ولتندمن ولات ساعة مندم وكان الكسائي والفراء ~~والخليل وسيبويه والأخفش يذهبون إلى أن " ولات حين " التاء منقطعة من حين، ~~ويقولون معناها وليست. وكذلك هو في المصاحف الجدد والعتق بقطع التاء من ~~حين. وإلى هذا كان يذهب أبو عبيدة معمر بن المثنى. وقال أبو عبيد القاسم ~~ابن سلام: الوقف عندي على هذا الحرف " ولا " والابتداء " تحين مناص " فتكون ~~التاء مع حين. وقال بعضهم: " لات " ثم يبتدئ فيقول: " حين مناص ". قال ~~المهدوي: # وذكر أبو عبيد أن التاء في المصحف متصلة بحين وهو غلط عند النحويين، وهو ~~خلاف قول المفسرين. ومن حجة أبي عبيد أن قال: إنا لم نجد العرب تزيد هذه ~~التاء إلا في حين وأوان والآن، وأنشد لأبي وجزة السعدي: # العاطفون تحين ما من عاطف * والمطعمون زمان ابن المطعم وأنشد لأبي زبيد ~~الطائي: # طلبوا صلحنا ولا تأوان * فأجبنا أن ليس حين بقاء فأدخل التاء في أوان. ~~قال أبو عبيد: ومن إدخالهم التاء في الآن، حديث ابن عمر وسأله رجل عن عثمان ~~بن عفان رضي الله عنه، فذكر مناقبه ثم قال: اذهب بها تلان معك. # وكذلك قول الشاعر (1): # نولي قبل نأي داري جمانا * وصلينا كما زعمت تلانا # PageV15P147 # قال أبو عبيد: ثم مع هذا كله إني تعمدت النظر في الذي يقال له الإمام - ~~مصحف عثمان - فوجدت التاء متصلة مع حين قد كتبت تحين. قال أبو جعفر النحاس: ~~أما البيت الأول الذي أنشده لأبي وجزة فر واه العلماء باللغة على أربعة ~~أوجه، كلها على خلاف ما أنشده، وفي أحدها تقديران، رواه أبو العباس محمد بن ~~يزيد: # العاطفون ولات ما من عاطف والرواية الثانية: # العاطفون ولات حين تعاطف والرواية الثالثة رواها ابن كيسان: # العاطفونة حين ما من عاطف جعلها هاء في الوقف وتاء في الإدراج، وزعم أنها ~~لبيان الحركة شبهت بهاء التأنيث. # الرواية الرابعة: # العاطفونه حين ما من عاطف وفي هذه الرواية تقديران، أحدهما وهو مذهب ~~إسماعيل بن إسحاق أن الهاء في موضع نصب، كما تقول: ms5302 الضاربون زيدا فإذا كنيت ~~قلت الضاربوه. وأجاز سيبويه في الشعر الضاربونه، فجاء إسماعيل بالتأنيث على ~~مذهب سيبويه في إجازته مثله. والتقدير الآخر العاطفون على أن الهاء لبيان ~~الحركة، كما تقول: مر بنا المسلمونه في الوقف، ثم أجريت في الوصل مجراها في ~~الوقف، كما قرأ أهل المدينة: " ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه " ~~[الحاقة: 28 - 29] وأما البيت الثاني فلا حجة له فيه، لأنه يوقف عليه: ~~(ولات أوان) غير أن فيه شيئا مشكلا، لأنه يروى (ولات أوان) بالخفض، وإنما ~~يقع ما بعد لات مرفوعا أو منصوبا. وإن كان قد روي عن عيسى بن عمر أنه قرأ " ~~ولات حين مناص " بكسر التاء من لات والنون من حين فإن الثبت عنه أنه قرأ " ~~ولات حين مناص " (1) فبنى " لات " على الكسر ونصب " حين ". فأما: (ولات ~~أوان) فقيه تقديران، قال الأخفش: فيه مضمر أي ولا ت حين أوان. # PageV15P148 # قال النحاس: وهذا القول بين الخطأ. والتقدير الآخر عن أبي إسحاق قال: ~~تقديره ولات أو اننا فحذف، المضاف إليه فوجب ألا يعرب، وكسره لالتقاء ~~الساكنين. وأنشده محمد بن يزيد (ولات أوان) بالرفع. وأما البيت الثالث فبيت ~~مولد لا يعرف قائلة ولا تصح به حجة. # على أن محمد بن يزيد رواه (كما زعمت الآن). وقال غيره: المعنى كما زعمت ~~أنت الآن. # فأسقط الهمزة من أنت والنون. وأما احتجاجه بحديث ابن عمر، لما ذكر للرجل ~~مناقب عثمان فقال له: اذهب بها تلان إلى أصحابك فلا حجة، فيه، لأن المحدث ~~إنما يروي هذا على المعنى. والدليل على هذا أن مجاهدا يروي عن ابن عمر هذا ~~الحديث وقال فيه: اذهب فاجهد جهدك. ورواه آخر: اذهب بها الآن معك. وأما ~~احتجاجه بأنه وجدها في الإمام " تحين " فلا حجة فيه، لأن معنى الإمام أنه ~~إمام المصاحف فإن كان مخالفا لها فليس بإمام لها، وفي المصاحف كلها " ولات ~~" فلو لم يكن في هذا إلا هذا الاحتجاج لكان مقنعا. وجمع مناص مناوص. # قوله تعالى: وعجبوا أن جاءكم منذر منهم وقال الكافرون هذا سحر كذاب أجعل ms5303 ~~الالهة الها وحدا إن هذا لشئ عجاب قوله تعالى: " وعجبوا أن جاءهم منذر منهم ~~" " أن " في موضع نصب والمعنى من أن جاءهم. قيل: هو متصل بقوله: " في عزة ~~وشقاق " أي في عزة وشقاق وعجبوا، وقوله: # " كم أهلكنا " معترض. وقيل: لا بل هذا ابتداء كلام، أي ومن جهلهم أنهم ~~أظهروا التعجب من أن جاءهم منذر منهم. " فقال الكافرون هذا ساحر " أي يجئ ~~بالكلام المموه الذي يخدع به الناس، وقيل: يفرق بسحره بين الوالد وولده ~~والرجل وزوجته " كذاب " أي في دعوى النبوة. # قوله تعالى: " أجعل الالهة إلها واحدا " مفعولان أي صير الآلهة إلها ~~واحدا. # " إن هذا لشئ عجاب " أي عجيب. وقرأ السلمي: " عجاب " بالتشديد. والعجاب ~~والعجاب PageV15P149 # والعجب سواء. وقد فرق الخليل بين عجيب وعجاب فقال: العجيب العجب، والعجاب ~~الذي قد تجاوز حد العجب، والطويل الذي فيه طول، والطوال، الذي قد تجاوز حد ~~الطول. # وقال الجوهري: العجيب الأمر الذي يتعجب منه، وكذلك العجاب بالضم، والعجاب ~~بالتشديد أكثر منه، وكذلك الأعجوبة. وقال مقاتل: " عجاب " لغة أزد شنوءة. ~~وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: مرض أبو طالب فجاءت قريش إليه، وجاء ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وعند رأس أبي طالب مجلس رجل، فقام أبو جهل كي ~~يمنعه، قال: وشكوه إلى أبي طالب، فقال: يا بن أخي ما تريد من قومك؟ فقال: " ~~يا عم إنما أريد منهم كلمة تذل لهم بها العرب وتؤدي إليهم بها الجزية العجم ~~" فقال: وما هي؟ قال: " لا إله إلا الله " قال: فقالوا " أجعل الآلهة إلها ~~واحدا " قال: فنزل فيهم القرآن: " ص والقرآن ذي الذكر. بل الذين كفروا في ~~عزة وشقاق " حتى بلغ " إن هذا إلا اختلاق " خرجه الترمذي أيضا بمعناه. # وقال: هذا حديث حسن صحيح. وقيل: لما أسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه شق ~~على قريش إسلامه فاجتمعوا إلى أبي طالب وقالوا: اقض بيننا وبين ابن أخيك. ~~فأرسل أبو طالب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: بابن أخي هؤلاء قومك ~~يسألونك السواء (1)، فلا تمل كل الميل على ms5304 قومك. قال: " وماذا يسألونني " ~~قالوا: ارفضنا وارفض ذكر آلهتنا وندعك وإلهك. فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: " أتعطونني كلمة واحدة وتملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم " فقال ~~أبو جهل: لله أبوك لنعطينكها وعشر أمثالها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~" قولوا لا إله إلا الله " فنفروا من ذلك وقاموا، فقالوا: " أجعل الآلهة ~~إلها واحدا " فكيف يسع الخلق كلهم إله واحد. فأنزل الله فيهم هذه الآيات ~~إلى قوله: " كذبت قبلهم قوم نوح " [ص: 12] # PageV15P150 # قوله تعالى: وانطلق الملا منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشئ ~~يراد ما سمعنا بهذا الملة الآخرة ان هذا إلا اختلق أأنزل عليه الذكر من ~~بيننا بل هم في شك من ذكرى بل لما يذوقوا عذاب أم عندهم خزائن رحمة ربك ~~العزيز الوهاب أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما فليرتقوا في الأسباب ~~جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب قوله تعالى: " وانطلق الملا منهم أن امشوا " ~~" الملأ " الاشراف، والانطلاق الذهاب بسرعة، أي انطلق هؤلاء الكافرون من ~~عند الرسول عليه السلام يقول بعضهم لبعض " أن امشوا " أي امضوا على ما كنتم ~~عليه ولا تدخلوا في دينه. " واصبروا على آلهتكم ". # وقيل: هو إشارة إلى مشيهم إلى أبي طالب في مرضه كما سبق. وفي رواية محمد ~~بن إسحاق أنهم أبو جهل بن هشام، وشيبة وعتبة أبناء ربيعة بن عبد شمس، وأمية ~~بن خلف، والعاص بن وائل، وأبو معيط، وجاءوا إلى أبي طالب فقالوا: أنت سيدنا ~~وأنصفنا في أنفسنا، فاكفنا أمر ابن أخيك وسفهاء معه، فقد تركوا ألهتنا ~~وطعنوا في ديننا، فأرسل أبو طالب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: إن ~~قومك يدعونك إلى السواء والنصفة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إنما ~~أدعوهم إلى كلمة واحدة " فال أبو جهل وعشرا. قال: " تقولون لا إله إلا الله ~~" فقاموا وقالوا: " أجعل الآلهة إلا واحد " الآيات. " أن امشوا " " أن " في ~~موضع نصب والمعنى بأن امشوا. وقيل: " أن بمعنى أي، أي " وانطلق الملأ منهم ~~" أي امشوا، وهذا تفسير انطلاقهم لا ms5305 أنهم تكلموا بهذا اللفظ. وقيل: المعنى ~~انطلق الأشراف منهم فقالوا للعوام: " امشوا واصبروا على آلهتكم " أي على ~~عبادة آلهتكم. " إن هذا " أي هذا الذي جاء به محمد عليه السلام " لشئ يراد ~~" أي يراد بأهل الأرض من زوال نعم قوم PageV15P151 # وغير تنزل بهم. وقيل: " إن هذا لشئ يراد " كلمة تحذير، أي إنما يريد محمد ~~بما يقول الانقياد له ليعلو علينا، ونكون له أتباعا فيتحكم فينا بما يريد، ~~فاحذروا أن تطيعوه. وقال مقاتل: إن عمر لما أسلم وقوي به الإسلام شق ذلك ~~على قريش فقالوا: إن إسلام عمر في قوة الإسلام لشئ يراد. # قوله تعالى: " ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة " قال ابن عباس والقرظي ~~وقتادة ومقاتل والكلبي والسدي: يعنون ملة عيسى النصرانية وهي آخر الملل. ~~والنصارى يجعلون مع الله إلها. وقال مجاهد وقتادة أيضا: يعنون ملة قريش. ~~وقال الحسن: ما سمعنا أن هذا يكون في آخر الزمان. وقيل: أي ما سمعنا من أهل ~~الكتاب أن محمدا رسول حق. " إن هذا الا اختلاق " أي كذب وتخرص، عن ابن عباس ~~وغيره. يقال: خلق واختلق أي ابتدع، وخلق الله عز وجل الخلق من هذا، أي ~~ابتدعهم على غير مثال. # قوله تعالى: " أأنزل عليه الذكر من بيننا " هو استفهام إنكار، والذكر ها ~~هنا القرآن. # أنكروا اختصاصه بالوحي من بينهم. فقال الله تعالى: " بل هم في شك من ذكرى ~~" أي من وحيي وهو القرآن. أي قد علموا أنك لم تزل صدوقا فيما بينهم، وإنما ~~شكوا فيما أنزلته عليك هل هو من عندي أم لا. " بل اما يذوقوا عذاب " أي ~~إنما اغتروا بطول الإمهال، ولو ذاقوا عذابي على الشرك لزال عنهم الشك، ولما ~~قالوا ذلك، ولكن لا ينفع الإيمان حينئذ. و " لما " بمعنى لم وما زائدة ~~كقوله: " عما قليل " المؤمنون: 40] وقوله " فبما نقضهم ميثاقهم " [النساء: ~~155]. قوله تعالى: " أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب " قيل: أم لهم ~~هذا فيمنعوا محمدا عليه السلام مما أنعم الله عز وجل به عليه من النبوة. و ~~" أم " قد ترد بمعنى التقريع ms5306 إذا كالكلام متصلا بكلام قبله، كقوله تعالى: " ~~ألم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين أم يقولون افتراه " [السجدة: 1 ~~- 3] وقد قيل إن قوله: " أم عندهم خزائن رحمة ربك " متصل بقول: " وعجبوا أن ~~جاءهم منذر منهم " [ص: 4] فالمعنى أن الله عز وجل يرسل من يشاء، لأن خزائن ~~السماوات والأرض له. # " أم لهم ملك السماوات والأرش وما بينهما " PageV15P152 # أي فإن ادعوا ذلك " فليرتقوا في الأسباب " أي فليصعدوا إلى السماوات، ~~وليمنعوا الملائكة من إنزال الوحي على محمد. يقال: رقي يرقى وارتقى إذا ~~صعد. ورقى يرقي رقيا مثل رمى يرمي رميا من الرقية. قال الربيع بن أنس: ~~الأسباب أرق من الشعر وأشد من الحديد ولكن لا ترى. والسبب في اللغة كل ما ~~يوصل به إلى المطلوب من حبل أو غيره. وقيل: الأسباب أبواب السماوات التي ~~تنزل الملائكة منها، قاله مجاهد وقتادة. قال زهير: # ولو رام أسباب السماء بسلم (1) وقيل: الأسباب السماوات نفسها، أي ~~فليصعدوا سماء سماء. وقال السدي: # " في الأسباب " في الفضل والدين. وقيل: أي فليعلوا في أسباب القوة إن ~~ظنوا أنها مانعة. # وهو معنى قول أبي عبيدة. وقيل: الأسباب الحبال، يعني إن وجدوا حبلا أو ~~سببا يصعدون فيه إلى السماء فليرتقوا، وهذا أمر توبيخ وتعجيز. وعد نبيه صلى ~~النصر عليهم فقال: " جند ما هنالك " " ما " صلة وتقديره هم جند، ف " جند " ~~خبر ابتدا محذوف. # " مهزوم " أي مقموع ذليل قد انقطعت حجتهم، لأنهم لا يصلون إلى أن يقولوا ~~هذا لنا. # ويقال: هزمت القربة إذا انكسرت، وهزمت الجيش كسرته. والكلام مرتبط بما ~~قبل، أي " بل الذين كفروا في عزة وشقاق " وهم جند من الأحزاب مهزومون، فلا ~~تغمك عزتهم وشقاقهم، فإني أهزم جمعهم وأسلب عزهم. وهذا تأنيس للنبي صلى ~~الله عليه وسلم، وقد فعل بهم هذا في يوم بدر. قال قتادة: وعد الله أنه ~~سيهزمهم وهم بما فجاء تأويلها يوم بدر. و " هنالك " إشارة لبدر وهو موضع ~~تحزبهم لقتال محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: المراد بالأحزاب الذين أتوا ~~المدينة وتحزبوا على النبي صلى ms5307 اله عليه وسلم. وقد مضى ذلك في " الأحزاب " ~~(2). والأحزاب الجند، كما يقال: جند من قبائل شتى. # وقيل: أراد بالأحزاب القرون الماضية من الكفار. أي هؤلاء جند على طريقة ~~أولئك، كقوله # PageV15P153 # تعالى: " فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني " [البقرة: 249] أي ~~على ديني ومذهبي. # وقال الفراء: المعنى هم جند مغلوب، أي ممنوع عن أن يصعد إلى السماء. وقال ~~القتبي: يعنى أنهم جند لهذه الآلهة مهزوم، فهم لا يقدرون على أن يدعوا لشئ ~~من آلهتهم، ولا لأنفسهم شيئا من خزائن رحمة الله، ولا من ملك السماوات ~~والأرض. # " قوله تعالى: كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد وثمود وقوم لوط ~~وأصحب ليكة أولئك الأحزاب إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب قوله تعالى: " كذبت ~~قبلهم قوم نوح " ذكرها تعزية للنبي صلى الله عليه وسلم وتسلية له، أي هؤلاء ~~من قومك يا محمد جند من الأحزاب المتقدمين الذين تحزبوا على أنبيائهم، وقد ~~كانوا أقوى من هؤلاء فأهلكوا. وذكر الله تعالى القوم بلفظ التأنيث، واختلف ~~أهل العربية في ذلك على قولين: أحدهما: أنه قد يجوز فيه التذكير والتأنيث. ~~الثاني - أنه مذكر اللفظ لا يجوز تأنيثه، إلا أن يقع المعنى على العشيرة ~~والقبيلة، فيغلب في اللفظ حكم المعنى المضمر تنبيها عليه، كقول تعالى: " ~~كلا إنها تذكرة فمن شاء ذكره " [المدثر: 54 - 55] ولم يقل ذكرها، لأنه لما ~~كان المضمر فيه مذكرا ذكره، وإن كان اللفظ مقتضيا للتأنيث. ووصف فرعون بأنه ~~ذو الأوتاد. وقد اختلف في تأويل ذلك، فقال ابن عباس: المعنى ذو البناء ~~المحكم. وقال الضحاك: كان كثير البنيان، والبنيان يسمى أوتادا. وعن ابن ~~عباس أيضا وقتادة وعطاء: # أنه كانت له أوتاد وأرسان وملاعب يلعب له عليها. وعن الضحاك أيضا: ذو ~~القوة والبطش. # وقال الكلبي ومقاتل: كان يعذب الناس بالأوتاد، وكان إذا غضب على أحد مده ~~مستلقيا بين أربعة أوتاد في الأرض، ويرسل عليه العقارب والحيات حتى يموت. ~~وقيل: كان يشبح المعذب بين أربع سوار، كل طرف من أطرافه إلى سارية مضروب ~~فيه ms5308 وتد من حديد ويتركه حتى يموت. وقيل: ذو الأوتاد أي ذو الجنود الكثيرة ~~فسميت الجنود أوتادا، PageV15P154 # لأنهم يقوون أمره كما يقوي الوتد البيت. وقال ابن قتيبة: العرب تقول هم ~~في عز ثابت الأوتاد، يريدون دائما شديدا. وأصل هذا أن البيت من بيوت الشعر ~~إنما يثبت ويقوم بالأوتاد. وقال الأسود بن يعفر: # ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة * في ظل ملك ثابت الأوتاد وواحد الأوتاد وتد ~~بالكسر، وبالفتح لغة. وقال الأصمعي: يقال وتد واتد كما يقال شغل شاغل. ~~وأنشد (1): # لاقت على الماء جذيلا واتدا * ولم يكن يخلفها المواعدا قال: شبه الرجل ~~بالجذل. " وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة " أي الغيضة. وقد مضى ذكرها في ~~[الشعراء] (2). وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر " ليكة " بفتح اللام والتاء ~~من غير همز. وهمز الباقون وكسروا التاء. وقد تقدم هذا. " أولئك الأحزاب " ~~أي هم الموصوفون بالقوة والكثرة، كقولك فلان هو الرجل. " إن كل " بمعنى ما ~~كل. " إلا كذب الرسل فحق عقاب " أي فنزل بهم العذاب لذلك التكذيب. وأثبت ~~يعقوب الياء في " عذابي " و " عقابي " في الحالين وحذفها الباقون في ~~الحالين. ونظير هذه الآية قوله عز وجل: # " وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب مثل دأب قوم نوح ~~وعاد وثمود " [غافر: 30 - 31] فسمى هذه الأمم أحزابا. # قوله تعالى: وما ينظر هؤلاء إلا صيحة وحدة ما لها من فوق وقالوا ربنا عجل ~~لنا قطنا قبل يوم الحساب قوله تعالى: " وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة " " ~~ينظر " بمعنى ينتظر، ومنه قوله تعالى: " انظرونا نقتبس من نوركم " [الحديد: ~~13]. " هؤلاء " يعني كفار مكة. " إلا صيحة # PageV15P155 # واحدة " أي نفخة القيامة. أي ما ينتظرون بعد ما أصيبوا ببدر إلا صيحة ~~القيامة. وقيل: # ما ينتظر أحياؤهم الآن إلا الصيحة التي هي النفخة في الصور، كما قال ~~تعالى: " ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون. فلا يستطيعون توصية ~~" [يس: 49 - 50] وهذا إخبار عن قرب القيامة والموت. وقيل: أي ما ينتظر كفار ~~آخر هذه الأمة المتدينين بدين أولئك إلا صيحة واحدة وهي النفخة. ms5309 وقال عبد ~~الله بن عمرو: لم تكن صيحة في السماء إلا بغضب من الله عز وجل على أهل ~~الأرض. " ما لها من فواق " أي من ترداد، عن ابن عباس. مجاهد: # ما لها رجوع. قتادة: ما لها من مثنوية. السدي: مالها من إفاقة. وقرأ حمزة ~~والكسائي " ما لها من فواق " بضم الفاء. الباقون بالفتح. الجوهري: والفواق ~~والفواق ما بين الحلبتين من الوقت، لأنها تحلب ثم تترك سويعة يرضعها الفصيل ~~لتدر ثم تحلب. يقال: ما أقام عنده إلا فواقا، وفي الحديث: " العيادة قدر ~~فواق الناقة. وقول تعالى: " ما لها من فواق " يقرأ بالفتح والضم أي ما لها ~~من نظرة وراحة وإفاقة. والفيقة بالكسر اسم اللبن الذي يجتمع بين الحلبتين: ~~صارت الواو ياء لكسر ما قبلها، قال الأعشى يصف بقرة: # حتى إذا فيقة في ضرعها اجتمعت * جاءت لترضع شق النفس لو رضعا والجمع فيق ~~ثم أفواق مثل شبر وأشبار ثم أفاويق. قال ابن همام السلولي: # وذموا لنا الدنيا وهم يرضعونها * أفاويق حتى ما يدر لها ثعل (1) ~~والأفاويق أيضا ما اجتمع في السحاب من ماء، فهو يمطر ساعة بعد ساعة. وأفاقت ~~الناقة إفاقة أي اجتمعت الفيقة في ضرعها، فهي مفيق ومفيقة - عن أبي عمرو - ~~والجمع مفاويق. وقال الفراء وأبو عبيدة وغيرهما: " من فواق " بفتح الفاء أي ~~راحة لا يفيقون فيها، كما يفيق المريض والمغشي عليه. و " من فواق " بضم ~~الفاء من انتظار. وقد تقدم أنهما بمعنى وهو ما بين الحلبتين. # PageV15P156 # قلت: والمعنى المراد أنها ممتدة لا تقطيع فيها. وروى أبو هريرة قال: ~~حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في طائفة من أصحابه، الحديث. ~~وفيه، " يأمر الله عز وجل إسرافيل بالنفخة الأولى فيقول انفخ نفخة الفزع ~~أهل السماوات وأهل الأرض إلا من شاء الله ويأمره فيمدها ويديمها ويطولها ~~يقول الله عز وجل: " ما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق " وذكر ~~الحديث، خرجه علي بن معبد وغيره كما ذكرناه في كتاب التذكرة. # قوله تعالى: " وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم ms5310 الحساب " قال مجاهد: ~~عذابنا. # وكذا قال قتادة: نصيبنا من العذاب. الحسن: نصيبنا من الجنة لنتنعم به في ~~الدنيا. # وقاله سعيد بن جبير. ومعروف في اللغة أن يقال للنصيب قط وللكتاب المكتوب ~~بالجائزة قط. قال الفراء: القط في كلام العرب الحظ والنصيب. ومنه قيل للصك ~~قط. وقال أبو عبيدة والكسائي: القط الكتاب بالجوائز والجمع القطوط، قال ~~الأعشى: # ولا الملك النعمان يوم لقيته * بغبطته يعطي القطوط ويأفق يعني كتب ~~الجوائز. ويروى: بأمته بدل بغبطته، أي بنعمته وحال الجليلة، ويأفق يصلح. # ويقال: في جمع قط أيضا قططة وفي القليل أقط وأقطاط. ذكره النحاس. وقال ~~السدي: # سألوا أن يمثل لهم منازلهم من الجنة ليعلموا حقيقة ما يوعدون به. وقال ~~إسماعيل بن أبي خالد: # المعنى عجل لنا أرزاقنا. وقيل: معناه عجل لنا ما يكفينا، من قولهم: قطني، ~~أي يكفيني. # وقيل: إنهم قالوا ذلك استعجالا لكتبهم التي يعطونها بأيمانهم وشمائلهم ~~حين تلي عليهم بذلك القرآن. وهو قول تعالى: " فأما من أوتي كتابه بيمينه " ~~[الحاقة: 19]. " وأما من أوتي كتابه وراء ظهره " [الانشقاق: 10]. وأصل القط ~~القط وهو القطع، ومنه قط القلم، فالقط اسم للقطعة من الشئ كالقسم والقس ~~فأطلق على النصيب والكتاب والرزق لقطعه عن غيره، إلا أنه في الكتاب أكثر ~~استعمالا وأقوى حقيقة. قال أمية بن أبي الصلت: # قوم لهم ساحة العراق وما * يجبى إلى يه والقط والقلم PageV15P157 # " قبل يوم الحساب " أي قبل يوم القيامة في الدنيا إن كان الأمر كما يقول ~~محمد. وكل هذا استهزاء منهم. # قوله تعالى: اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داوود ذا الأيد إنه أواب ~~قوله تعالى: " اصبر على ما يقولون " أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالصبر ~~لما استهزءوا به. وهذه منسوخة بآية السيف. # قوله تعالى: " واذكر عبدنا داود ذا الأيد " لما ذكر من أخبار الكفار ~~وشقاقهم وتقريعهم بإهلاك القرون من قبلهم، أمر نبيه عليه الصلاة والسلام ~~بالصبر على أذاهم، وسلاه بكل ما تقدم ذكره. ثم أخذ في ذكر داود وقصص ~~الأنبياء، ليتسلى بصبر من صبر منهم، وليعلم أن له في ms5311 الآخرة أضعاف ما أعطيه ~~داود وغيره من الأنبياء. وقيل: المعنى اصبر على قولهم، واذكر لهم أقاصيص ~~الأنبياء، لتكون برهانا على صحة نبوتك. " ذا الأيد " ذا القوة في العبادة. ~~وكان يصوم يوما ويفطر يوما، وذلك أشد الصوم وأفضله، وكان يصلى نصف الليل، ~~وكان لا يفر إذا لاقى العدو، وكان قويا في الدعا إلى الله تعالى. # وقوله: " عبدنا " إظهارا لشرفه بهذه الإضافة. ويقال: الأيد والآد كما ~~تقول العيب والعاب. قال (1): # لم يك ينآد فأمسى انآدا ومنه رجل أيد أي قوي. وتأيد الشئ تقوى، قال ~~الشاعر: # إذا القوس وترها أيد * رمى فأصاب الكلى والذرا يقول: إذا الله وتر القوس ~~التي في السحاب رمى كلى الإبل وأسمنها بالشحم. يعني من النبات الذي يكون من ~~المطر. " إنه أواب " قال الضحاك: أي تواب. وعن غيره: أنه كلما ذكر # PageV15P158 # ذنبه أو خطر على باله أستغفر منه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " ~~إني لأستغفر الله في اليوم والليلة مائة مرة ". ويقال آب يؤوب إذا رجع، كما ~~قال (1): # وكل ذي غيبة يؤوب * وغائب الموت لا يؤوب فكان داود رجاعا إلى طاعة الله ~~ورضاه في كل أمر فهو أهل لأن يقتدى به. # قوله تعالى: إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والاشراق فيه أربع مسائل ~~الأولى - قوله تعالى: " إنا سخرنا الجبال معه يسبحن " " يسبحن " في موضع ~~نصب على الحال. ذكر تعالى ما آتاه من البرهان والمعجزة وهو تسبيح الجبال ~~معه. قال مقاتل: كان داود إذا ذكر الله جل وعز ذكرت الجبال معه، وكان يفقه ~~تسبيح الجبال. # وقال ابن عباس: " يسبحن " يصلين. وإنما يكون هذا معجزة إذا رآه الناس ~~وعرفوه. وقال محمد بن إسحاق: أوتي داود من حسن الصوت ما يكون له في الجبال ~~دوي حسن، وما تصغي لحسنه [الطير] (2) وتصوت معه، فهذا تسبيح الجبال والطير. ~~وقيل: # سخرها الله عز وجل لتسير معه فذلك تسبيحها، لأنها دالة على تنزيه الله عن ~~شبه المخلوقين. وقد مضى القول في هذا في " سبأ " (3) وفي " سبحان " (4) عند ~~قوله تعالى: " وإن من شئ إلا يسبح ms5312 بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم " ~~[الإسراء: 44] وأن ذلك تسبيح مقال على الصحيح من الأقوال. # والله أعلم. " بالعشي والإشراق " الإشراق أيضا ابيضاض الشمس بعد طلوعها. ~~يقال: # شرقت الشمس إذا طلعت، وأشرقت إذا أضاءت. فكان داود يسبح إثر صلاته عند ~~طلوع الشمس وعند غروبها. # الثانية - روي عن ابن عباس أنه قال: كنت أمر بهذه الآية: " بالعشي ~~والإشراق " ولا أدري ما هي، حتى حدثتني أم هانئ أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم دخل عليها، # PageV15P159 # فدعا بوضوء فتوضأ، ثم صلى صلاة الضحى، وقال: " يا أم هانئ هذه صلاة ~~الإشراق ". # وقال عكرمة قال ابن عباس: كان في نفسي شئ من صلاة الضحى حتى وجدتها في ~~القرآن " يسبحن بالعشي والإشراق ". قال عكرمة: وكان ابن عباس لا يصلي صلاة ~~الضحى ثم صلاها بعد. وروي أن كعب الأحبار قال لابن عباس: إني أجد في كتب ~~الله صلاة بعد طلوع الشمس هي صلاة الأوابين. فقال ابن عباس: وأنا أوجدك في ~~القرآن، ذلك في قصة داود: " يسبحن بالعشي والإشراق ". # الثالثة - صلاة الضحى نافلة مستحبة، وهي في الغداة بإزاء العصر في العشي، ~~لا ينبغي أن تصلى حتى تبيض الشمس طالعة، ويرتفع كدرها، وتشرق بنورها، كما ~~لا تصلى العصر إذا اصفرت الشمس. وفي صحيح مسلم عن زيد بن أرقم أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: " صلاة الأوابين حين ترمض الفصال " الفصال ~~والفصلان جمع فصيل، وهو الذي يفطم من الرضاعة من الإبل. والرمضاء شدة الحر ~~في الأرض. وخص الفصال هنا بالذكر، لأنها هي التي ترمض قبل انتهاء شدة الحر ~~التي ترمض بها أمهاتها لقلة جلدها، وذلك يكون في الضحى أو بعده بقليل وهو ~~الوقت المتوسط بين طلوع الشمس وزوالها، قاله القاضي أبو بكر بن العربي. ومن ~~الناس من يبادر بها قبل ذلك استعجالا، لأجل شغله فيخسر عمله، لأنه يصليها ~~في الوقت المنهي عنه ويأتي بعمل هو عليه لا له. # الرابعة - روى الترمذي من حديث أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " من صلى الضحى ثنتي عشرة ms5313 ركعة بنى الله له قصرا من ذهب في ~~الجنة " قال حديث غريب. وفي صحيح مسلم عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: " يصبح على كل سلامي من أحدكم صدقة فكل تسبيحة صدقة وكل ~~تهليلة صدقة وكل تكبيرة صدقة وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن المنكر صدقة ويجزي ~~من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى ". # وفي الترمذي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من ~~حافظ على شفعة الضحى غفرت له ذنوبه وإن كانت مئل زبد البحر ". وروى البخاري ~~ومسلم عن أبي هريرة PageV15P160 # قال: " أوصاني خليلي بثلاث لا أدعهن حتى أموت صوم ثلاثة أيام من كل شهر ~~وصلاة الضحى ونوم على وتر " لفظ البخاري. وقال مسلم: " وركعتي الضحى " ~~وخرجه من حديث أبي الدرداء كما خرجه البخار ي من حديث أبي هريرة. وهذا كله ~~يدل على أن أقل الضحى ركعتان وأكثره اثنتا عشرة. والله أعلم. وأصل السلامي ~~" بضم السين " عظام الأصابع والأكف والأرجل، ثم استعمل في سائر عظام الجسد ~~ومفاصله. وروي من حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: " إنه خلق كل إنسان من بني آدم على ستين وثلاثمائة مفصل فمن كبر ~~الله وحمد الله وهلل الله وسبح الله واستغفر الله وعزل حجرا عن طريق الناس، ~~أو شوكة أو عظما عن طريق الناس وأمر بمعروف أو نهى عن منكر عدد تلك الستين ~~والثلاثمائة سلامي فإنه يمشي يومئذ وقد زحزح نفسه عن النار " قال أبو توبة: # وربما قال: " يمسي " كذا خرجه مسلم. وقوله: " ويجزي من ذلك ركعتان " أي ~~يكفي من هذه الصدقات عن هذه الأعضاء ركعتان. وذلك أن الصلاة عمل بجميع ~~أعضاء الجسد، فإذا صلى فقد قام كل عضو بوظيفته التي عليه في الأصل. والله ~~أعلم. # قوله تعالى: والطير محشورة كل له أواب وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل ~~الخطاب قوله تعالى: " والطير محشورة " معطوف على الجبال. قال الفراء: ولو ~~قرئ " والطير محشورة " لجاز، لأنه لم يظهر الفعل. قال ابن عباس: كان ms5314 داود ~~عليه السلام إذا سبح جاوبته الجبال واجتمعت إليه الطير فسبحت معه. ~~فاجتماعها إليه حشرها. فالمعنى وسخرنا الطير مجموعة إليه لتسبح الله معه. ~~وقيل: أي وسخرنا الريح لتحشر الطيور إليه لتسبح معه. أو أمرنا الملائكة ~~تحشر الطيور. " كل له " أي لداود " أواب " أي مطيع، أي تأتيه وتسبح معه. # وقيل: الهاء لله عز وجل. # قوله تعالى: " وشددنا ملكه " أي قويناه حتى ثبت. قيل: بالهيبة وإلقاء ~~الرعب منه في القلوب. وقيل: بكثرة الجنود. وقيل: بالتأييد والنصر. وهذا ~~اختيار ابن العربي. PageV15P161 # فلا ينفع الجيش الكثير التفافه على غير منصور وغير معان. وقال ابن عباس ~~رضي الله عنه: # كان داود أشد ملوك الأرض سلطانا. كان يحرس محرابه كل ليلة نيف وثلاثون ~~ألف رجل، فإذا أصبح قيل: ارجعوا فقد رضي عنكم نبي الله. والملك عبارة عن ~~كثرة الملك، فقد يكون للرجل ملك ولكن لا يكون ملكا حتى يكثر ذلك، فلو ملك ~~الرجل دارا وامرأة لم يكن ملكا حتى يكون له خادم يكفيه مؤنة التصرف في ~~المنافع التي يفتقر إليها لضرورته الآدمية. # وقد مضى هذا المعنى في " براءة " (1) وحقيقة الملك في " النمل " مستوفى. # قوله تعالى: " وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب " فيه مسئلتان: # الأولى - قوله تعالى: " وآتيناه الحكمة " أي النبوة، قال السدي. مجاهد: ~~العدل. # أبو العالية: العلم بكتاب الله تعالى. قتادة: السنة. شريح: العلم والفقه. ~~" وفصل الخطاب " قال أبو عبد الرحمن السلمي وقتادة: يعني الفصل في القضاء. ~~وهو قول ابن مسعود والحسن والكلبي ومقاتل. وقال ابن عباس: بيان الكلام. علي ~~بن أبي طالب: هو البينة على المدعي واليمين على من أنكر. وقاله شريح ~~والشعبي وقتادة أيضا. وقال أبو موسى الأشعري والشعبي أيضا: هو قوله أما ~~بعد، وهو أول من تكلم بها. وقيل: " فصل الخطاب " البيان الفاصل بين الحق ~~والباطل. وقيل: هو الإيجاز بجعل المعنى الكثير في اللفظ القليل. والمعنى في ~~هذه الأقوال متقارب. وقول علي رضي الله عنه يجمعه، لأن مدار الحكم عليه في ~~القضاء ما عدا قول أبي موسى. # الثانية - قال القاضي أبو بكر بن العربي: فأما ms5315 علم القضاء فلعمر إلهك إنه ~~لنوع من العلم مجرد، وفصل منه مؤكد، غير معرفة الأحكام والبصر بالحلال ~~والحرام، ففي الحديث " أقضاكم علي وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل " ~~وقد يكون الرجل بصيرا بأحكام الأفعال، عارفا بالحلال والحرام، ولا يقوم ~~بفصل القضاء. يروى أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: لما بعثني رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن حفر قوم زبية للأسد، # PageV15P162 # فوقع فيها الأسد، وازدحم الناس على الزبية فوقع فيها رجل وتعلق بآخر، ~~وتعلق الآخر بآخر، حتى صاروا أربعة، فجرحهم الأسد فيها فهلكوا، وحمل القوم ~~السلاح وكاد يكون بينهم قتال، قال فأتيتهم فقلت: أتقتلون مائتي رجل من أجل ~~أربعة أناس! تعالوا أقض بينكم بقضاء، فإن رضيتموه فهو قضاء بينكم، وإن ~~أبيتم رفعتم ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو أحق بالقضاء. فجعل ~~للأول ربع الدية، وجعل للثاني ثلث الدية، وجعل للثالث نصف الدية، وجعل ~~للرابع الدية، وجعل الديات على من حفر الزبية على قبائل الأربع، فسخط بعضهم ~~ورضي بعضهم، ثم قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقصوا عليه القصة، ~~فقال: " أنا أقضي بينكم " فقال قائل: إن عليا قد قضى بيننا. فأخبروه بما ~~قضى علي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " القضاء كما قضى علي " في ~~رواية: فأمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم قضاء علي. وكذلك يروى في ~~المعرفة بالقضاء أن أبا حنيفة جاء إليه رجل فقال: إن ابن أبي ليلى - وكان ~~قاضيا بالكوفة - جلد امرأة مجنونة قالت لرجل يا بن الزانيين حدين في المسجد ~~وهي قائمة. فقال: أخطأ من ستة أوجه. قال ابن العربي: # وهذا الذي قال أبو حنيفة بالبديهة لا يدركه أحد بالرؤية إلا العلماء. ~~فأما قضية علي فلا يدركها الشادي، ولا يلحقها بعد التمرن في الأحكام إلا ~~العاكف المتمادي. وتحقيقها أن هؤلاء الأربعة المقتولين خطأ بالتدافع على ~~الحفرة من الحاضرين عليها، فلهم الديات على من حضر على وجه الخطأ، بيد أن ~~الأول مقتول بالمدافعة قاتل ثلاثة بالمجاذبة، فله ms5316 الدية بما قتل، وعليه ~~ثلاثة أرباع الدية بالثلاثة الذين قتلهم. وأما الثاني فله ثلث الدية وعليه ~~الثلثان بالاثنين اللذين قتلهما بالمجاذبة. وأما الثالث فله نصف الدية ~~وعليه النصف، لأنه قتل واحدا بالمجاذبة فوقعت المحاصة وغرمت العواقل هذا ~~التقدير بعد القصاص الجاري فيه. وهذا من بديع الاستنباط. وأما أبو حنيفة ~~فإنه نظر إلى المعاني المتعلقة فرآها ستة: # الأول أن المجنون لا حد عليه، لأن الجنون يسقط التكليف. وهذا إذا كان ~~القذف في حالة الجنون، وأما إذا كان يجن مرة ويفيق أخرى فإنه يحد بالقذف في ~~حالة إفاقته. والثاني قولها يا ابن الزانيين فجلدها حدين لكل أب حد، فإنما ~~خطأه أبو حنيفة على مذهبه في أن حد PageV15P163 # القذف يتداخل، لأنه عنده حق لله تعالى كحد الخمر والزنى، وأما الشافعي ~~ومالك فإنهما يريان أن الحد بالقذف حق للآدمي، فيتعدد بتعدد المقذوف. ~~الثالث أنه جلد بغير مطالبة المقذوف، ولا تجوز إقامة حد القذف بإجماع من ~~الأمة إلا بعد المطالبة بإقامته ممن يقول إنه حق لله تعالى، ومن يقول إنه ~~حق الآدمي. وبهذا المعنى وقع الاحتجاج لمن يرى أنه حق للآدمي، إذ لو كان ~~حقا لله لما توقف على المطالبة كحد الزنى. الرابع. أنه والى بين الحدين، ~~ومن وجب عليه حدان لم يوال بينهما، بل يحد لأحدهما ثم يترك حتى يندمل ~~الضرب، " أو يستبل المضروب " (1) ثم يقام عليه الحد الآخر. الخامس أنه حدها ~~قائمة، ولا تحد المرأة إلا جالسة مستورة، قال بعض الناس: في زنبيل. السادس ~~أنه أقام الحد في المسجد ولا تقام الحدود فيه إجماعا. وفي القضاء في المسجد ~~والتعزير فيه خلاف. قال القاضي: فهذا هو فصل الخطاب وعلم القضاء، الذي وقعت ~~الإشارة إليه على التأويلات في الحديث المروي " أقضاكم علي " وأما من قال: ~~إنه الإيجاز فذلك للعرب دون العجم، ولمحمد صلى الله عليه وسلم دون العرب، ~~وقد بين هذا بقوله: " وأوتيت جوامع الكلم ". وأما من قال: إنه قوله أما ~~بعد، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته: " أما بعد ". ويروى أن ms5317 ~~أول من قالها في الجاهلية سحبان بن وائل، وهو أول من آمن بالبعث، وأول من ~~توكأ على عصا، وعمر مائة وثمانين سنة. ولو صح أن داود عليه السلام قالها، ~~لم يكن ذلك منه بالعربية على هذا النظم، وإنما كان بلسانه. والله أعلم. # قوله تعالى: وهل أنك نبأ الخصم إذا تسوروا المحراب إذا دخلوا على داود ~~ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا ~~تشطط واهدنا إلى سواء الصراط إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولى نعجة وحدة ~~فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه ~~PageV15P164 # وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات وقليل ما هم وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب ~~فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب فيه أربع وعشرون مسألة. # الأولى - قوله تعالى: " وهل أتاك نبأ الخصم إذا تسوروا المحراب " " الخصم ~~" يقع على الواحد والاثنين والجماعة، لأن أصله المصدر. قال الشاعر: # وخصم غضاب ينفضون لحاهم * كنفض البراذين العراب المخاليا النحاس: ولا ~~خلاف بين أهل التفسير أنه يراد به ها هنا ملكان. وقيل: " تسوروا " وإن كانا ~~اثنين حملا على الخصم، إذ كان بلفظ الجمع ومضارعا له، مثل الركب والصحب. # تقديره للاثنين ذوا خصم وللجماعة ذوو خصم. ومعنى: " تسوروا المحراب " ~~أتوه من أعلى سوره. يقال: تسور. الحائط تسلقه، والسور حائط المدينة وهو ~~بغير همز، وكذلك السور جمع سورة مثل بسرة وبسر وهي كل منزلة من البناء. ~~ومنه سورة القرآن، لأنها منزلة بعد منزلة مقطوعة عن الأخرى. وقد مضى في ~~مقدمة الكتاب بيان هذا (1). وقول النابغة: # ألم تر أن الله أعطاك سورة * ترى كل ملك دونها يتذبذب يريد شرفا ومنزلة. ~~فأما السؤر بالهمز فهو بقية الطعام في الإناء. ابن العربي: والسؤر الوليمة ~~و بالفارسي. وفي الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم الأحزاب " إن ~~جابرا قد صنع لكم سؤرا فحيهلا بكم " والمحراب هنا الغرفة، لأنهم تسوروا ~~عليه ms5318 فيها، قال يحيى بن سلام. وقال أبو عبيدة: إنه صدر المجلس، ومنه محراب ~~المسجد. وقد مضى القول فيه في غير موضع (2). " إذا دخلوا على داود " جاءت " ~~إذ " مرتين، لأنهما فعلان. وزعم # PageV15P165 # الفراء: أن إحداهما بمعنى لما. وقول آخر أن تكون الثانية مع ما بعدها ~~تبيينا لما قبلها. # قيل: إنهما كانا إنسيين، قاله النقاش. وقيل: ملكين، قال جماعة. وعينهما ~~جماعة فقالوا: إنهما جبريل وميكائيل. وقيل: ملكين في صورة إنسيين بعثهما ~~الله إليه في يوم عبادته. فمنعهما الحرس الدخول، فتسوروا المحراب عليه، فما ~~شعر وهو في الصلاة إلا وهما بين يديه جالسين، وهو قوله تعالى: " وهل أتاك ~~نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب " أي علوا ونزلوا عليه من فوق المحراب، قال ~~سفيان الثوري وغيره. وسبب ذلك ما حكاه ابن عباس أن داود عليه السلام حدث ~~نفسه إن ابتلي أن يعتصم. فقيل له: انك ستبتلى وتعلم اليوم الذي تبتلى فيه ~~فخذ حذرك. فأخذ الزبور ودخل المحراب ومنع من الدخول عليه، فبينا هو يقرأ ~~الزبور إذ جاء طائر كأحسن ما يكون من الطير، فجعل يدرج بين يديه. فهم أن ~~يتناوله بيده، فاستدرج حتى وقع في كوة المحراب، فدنا منه ليأخذه فطار، ~~فاطلع ليبصره فأشرف على امرأة تغتسل، فلما رأته غطت جسدها بشعرها. قال ~~السدي: فوقعت في قلبه. # قال ابن عباس: وكان زوجها غازيا في سبيل الله وهو أوريا بن حنان، فكتب ~~داود إلى أمير الغزاة أن يجعل زوجها في حملة التابوت، وكان حملة التابوت ~~إما أن يفتح الله عليهم أو يقتلوا، فقدمه فيهم فقتل، فلما انقضت عدتها ~~خطبها داود، واشترطت عليه إن ولدت غلاما أن يكون الخليفة بعده، وكتبت عليه ~~بذلك كتابا، وأشهدت عليه خمسين رجلا من بني إسرائيل، فلم تستقر نفسه حتى ~~ولدت سليمان وشب، وتسور الملكان وكان من شأنهما ما قص الله في كتابه. # ذكره الماوردي وغيره. ولا يصح. قال ابن لعربي: وهو أمثل ما روي في ذلك ~~(1). # PageV15P166 # قلت: ورواه مرفوعا بمعناه الترمذي لحكيم " في نوادر الأصول " عن يزيد ~~الرقاشي، سمع أنس بن ms5319 مالك يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ~~إن داود النبي عليه السلام حين نظر إلى المرأة فهم بها قطع على بني إسرائيل ~~بعثا وأوصى صاحب البعث فقال إذا حضر العدو قرب فلانا وسماه، قال فقربه بين ~~يدي التابوت - قال - وكان ذلك التابوت في ذلك الزمان يستنصر به فمن قدم بين ~~يدي التابوت لم يرجع حتى يقتل أو ينهزم عنه الجيش الذي يقاتله فقدم فقتل ~~زوج المرأة ونزل الملكان على داود فقصا عليه القصة ". وقال سعيد عن قتادة: ~~كتب إلى زوجها وذلك في حصار عمان مدينة بلقاء (1) أن يأخذوا بحلقة الباب، ~~وفيه الموت الأحمر، فتقدم فقتل. وقال الثعلبي قال قوم من العلماء: إنما ~~امتحن الله داود بالخطيئة، لأنه تمنى يوما على ربه منزلة إبراهيم وإسحق ~~ويعقوب، وسأله أن يمتحنه نحو ما أمتحنهم، ويعطيه نحو ما أعطاهم. وكان داود ~~قد قسم الدهر ثلاثة أيام، يوم يقضي فيه بين الناس، ويوم يخلو فيه بعبادة ~~ربه، ويوم يخلو فيه بنسائه وأشغاله. وكان يجد فيما يقرأ من الكتب فضل ~~إبراهيم وإسحق ويعقوب. فقال: يا رب! إن الخير كله قد ذهب به آبائي، فأوحى ~~الله تعالى إليه: إنهم ابتلوا ببلايا لم يبتل بها غيرهم فصبروا عليها، ~~ابتلي إبراهيم بنمرود وبالنار وبذبح ابنه، وابتلي إسحاق بالذبح، وابتلي ~~يعقوب بالحزن على يوسف وذهاب بصره، ولم تبتل أنت بشئ من ذلك. فقال داود ~~عليه السلام: فابتلني بمثل ما ابتليتهم، وأعطني مثل ما أعطيتهم، فأوحى الله ~~تعالى إليه: إنك مبتلى في شهر كذا في يوم الجمعة. # فلما كان ذلك اليوم دخل محرابه وأغلق بابه، وجعل يصلي يقرأ الزبور. فبينا ~~هو كذلك إذ مثل له الشيطان في صورة حمامة من ذهب، فيها من كل لون حسن، فوقف ~~بين رجليه، فمد يده ليأخذها فيدفعها لابن له صغير، فطارت غير بعيد ولم ~~تؤيسه من نفسها، فامتد إليها ليأخذها فتنحت، فتبعها فطارت حتى وقعت في كوة، ~~فذهب ليأخذها فطارت ونظر داود يرتفع في إثرها ليبعث إليها من يأخذها، فنظر ~~امرأة في ms5320 بستان على شط بركة # PageV15P167 # تغتسل، قاله الكلبي. وقال السدي: تغتسل عريانة على سطح لها، فرأى أجمل ~~النساء خلقا، فأبصرت ظله فنفضت شعرها فغطى بدنها، فزاده إعجابا بها. وكان ~~زوجها أور يا بن حنان، في غزوة مع أيوب بن صوريا ابن أخت داود، فكتب داود ~~إلى أيوب أن ابعث بأوريا إلى مكان كذا وكذا، وقدمه قبل التابوت، وكان من ~~قدم قبل التابوت لا يحل له أن يرجع وراءه حتى يفتح الله عليه أو يستشهد. ~~فقدمه ففتح له فكتب إلى داود يخبره بذلك. # قال الكلبي: وكان أوريا سيف الله في أرضه في زمان داود، وكان إذا ضرب ~~ضربة وكبر كبر جبريل عن يمينه وميكائيل عن شماله، وكبرت ملائكة السماء ~~بتكبيره حتى ينتهي ذلك إلى العرش، فتكبر ملائكة العرش بتكبيره. قال: وكان. ~~سيوف الله ثلاثة (1)، كالب بن يوفنا في زمن موسى، وأوريا في زمن داود، ~~وحمزة بن عبد المطلب في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما كتب أيوب ~~إلى داود يخبره أن الله قد فتح على أوريا كتب داود إليه: # أن ابعثه في بعث كذا وقدمه قبل التابوت، ففتح الله عليه، فقتل في الثالثة ~~شهيدا. فتزوج داود تلك المرأة حين انقضت عدتها. فهي أم سليمان بن داود. ~~وقيل: سبب امتحان داود عليه السلام أن نفسه حدثته أنه يطيق قطع يوم بغير ~~مقارفة شئ. قال الحسن: إن داود جزأ الدهر أربعة أجزاء، جزء لنسائه، وجزءا ~~للعبادة، وجزء البني إسرائيل يذاكرونه ويذاكرهم ويبكونه ويبكيهم، ويوما ~~للقضا فتذاكروا هل يمر على الإنسان يوم لا يصيب فيه ذنبا؟ فأضمر داود أنه ~~يطيق ذلك، فأغلق الباب على نفسه يوم عبادته، وأمر ألا يدخل عليه أحد، وأكب ~~على قراءة الزبور، فوقعت حمامة من ذهب بين يديه. وذكر نحو ما تقدم. قال ~~علماؤنا: وفي هذا دليل وهي. # الثانية - على أنه ليس على الحاكم أن ينتصب للناس كل يوم، وأنه ليس ~~للإنسان أن يترك وطء نسائه وإن كان مشغولا بالعبادة. وقد مضى هذا المعنى في ~~" النساء " (2). # وحكم كعب بذلك ms5321 في زمن عمر بمحضره رضي الله عنهما. وقد قال عليه السلام # PageV15P168 # لعبد الله بن عمر: " إن لزوجك عليك حقا " الحديث. وقال الحسن أيضا ~~ومجاهد: # إن داود عليه السلام قال لبني إسرائيل حين استخلف: والله لأعدلن بينكم، ~~ولم يستثن فابتلي بهذا. وقال أبو بكر الوراق: كان داود كثير العبادة فأعجب ~~بعمله وقال: # هل في الأرض أحد يعمل كعملي. [فأرسل] (1) الله إليه جبريل، فقال: إن الله ~~تعالى يقول لك: # عجبت بعبادتك، والعجب يأكل العبادة كما تأكل النار الحطب، فإن أعجبت ~~ثانية وكلتك إلى نفسك. قال: يا رب كلني إلى نفسي سنة. قال: إن ذلك لكثير. ~~قال: فشهرا. # قال: إن ذلك لكثير. قال: فيوما. قال: إن ذلك لكثير. قال: يا رب فكلني إلى ~~نفسي ساعة. قال: فشأنك بها. فوكل الأحراس، ولبس الصوف، ودخل المحراب، ووضع ~~الزبور بين يديه، فبينما هو في عبادته إذ وقع الطائر بين يديه، فكان من أمر ~~المرأة ما كان. # وقال سفيان الثوري: قال داود ذات يوم: يا رب ما من يوم إلا ومن آل داود ~~لك فيه صائم، وما من ليلة إلا ومن آل داود لك فيها قائم. فأوحى الله إليه: ~~يا داود منك ذلك أو مني؟ # وعزتي لأكلنك إلى نفسك. قال: يا رب اعف عني. قال: أكلك إلى نفسك سنة. # قال: لا بعزتك. قال: فشهرا. قال: لا بعزتك. قال: فأسبوعا. قال: لا بعزتك. # قال: فيوما. قال: لا بعزتك. قال: فساعة. قال: لا بعزتك. قال: فلحظة. فقال ~~له الشيطان: وما قدر لحظة. قال: كلني إلى نفسي لحظة. فوكله الله إلى نفسه ~~لحظة. # وقيل له: هي في يوم كذا في وقت كذا. فلما جاء ذلك اليوم جعله للعبادة، ~~ووكل الأحراس حول مكانه. قيل: أربعة آلاف. وقيل: ثلاثين ألفا أو ثلاثة ~~وثلاثين ألفا. وخلا بعبادة ربه، ونشر الزبور بين يديه، فجاءت الحمامة فوقعت ~~له، فكان من أمره في لحظته مع المرأة ما كان. وأرسل الله عز وجل إليه ~~الملكين بعد ولادة سليمان، وضربا له المثل بالنعاج، فلما سمع المثل ذكر ~~خطيئته ms5322 فخر ساجدا أربعين ليلة على ما يأتي. # الثالثة - قوله تعالى: " ففزع منهم " لأنهما أتياه ليلا في غير وقت دخول ~~الخصوم. # وقيل: لد خولهم عليه بغير إذنه. وقيل: لأنهم تسوروا عليه المحراب ولم ~~يأتوه من الباب. # PageV15P169 # قال ابن العربي: وكان محراب داود عليه السلام من الامتناع بالارتفاع، ~~بحيث لا يرتقى إليه آدمي بحيلة إلا أن يقيم إليه أياما أو أشهرا بحسب ~~طاقته، مع أعوان يكثر عددهم، وآلات جمة مختلفة الأنواع. ولو قلنا: إنه يوصل ~~إليه من باب المحراب لما قال الله تعالى مخبرا عن ذلك " تسوروا المحراب " ~~إذ لا يقال تسور المحراب والغرفة لمن طلع إليها من درجها، وجاءها من أسفلها ~~إلا أن يكون ذلك مجازا، وإذا شاهدت الكوة التي يقال إنه دخل منها الخصمان ~~علمت قطعا أنهما لكان، لأنها من العلو بحيث لا ينالها إلا علوي. قال ~~الثعلبي: وقد قيل كان المتسوران أخوين من بني إسرائيل لأب وأم. فلما قضى ~~داود بينهما بقضية قال له ملك من الملائكة: فهلا قضيت بذلك على نفسك يا ~~داود. قال الثعلبي: والأول أحسن أنهما كانا ملكين نبها داود على ما فعل. # قلت: وعلى هذا أكثر أهل التأويل. فإن قيل: كيف يجوز أن يقول الملكان " ~~خصمان بغى بعضنا على بعض " وذلك كذب والملائكة عن مثله منزهون. فالجواب أنه ~~لابد في الكلام من تقدير، فكأنهما قالا: قدنا كأننا خصمان بغى بعضنا على ~~بعض فاحكم بيننا بالحق، وعلى ذلك يحمل قولهما: " إن هذا أخي له تسع وتسعون ~~نعجة " لأن ذلك وإن كان بصورة الخبر فالمراد إيراده على طريق التقدير لينبه ~~داود على ما فعل، والله أعلم. # الرابعة - إن قبل: لم فزع داود وهو نبي، وقد قويت نفسه بالنبوة، واطمأنت ~~بالوحي، ووثقت بما أتاه الله من المنزلة، وأظهر على يديه من الآيات، وكان ~~من الشجاعة في غاية المكانة؟ قيل له: ذلك سبيل الأنبياء قبله، لم يأمنوا ~~القتل والإذاية ومنهما كان يخاف. # ألا ترى إلى موسى وهرون عليهما السلام كيف قالا: " إننا نخاف أن يفرط ~~علينا أو أن يطغى ms5323 " فقال الله عزو جل " لا تخافا " وقالت الرسل للوط: " لا ~~تخف. " " إنا رسل ربك لن يصلوا إليك " وكذا قال الملكان هنا: " لا تخف. " ~~قال محمد بن إسحاق: بعث الله إليه ملكين يختصمان إليه وهو في محرابه - مثلا ~~ضربه الله له ولأوريا - فرأهما واقفين على رأسه، فقال: ما أدخلكما على؟ ~~قالا: " لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض " فجئناك لتقضى بيننا. PageV15P170 # الخامسة - قال ابن العربي: فإن قيل كيف لم يأمر بإخراجهما إذ قد علم ~~مطلبهما، وهلا أدبهما وقد دخلا عليه بغير إذن؟ فالجواب عليه من أربعة أوجه: ~~الأول: أنا لم نعلم كيفية شرعه في الحجاب والإذن فيكون الجواب بحسب تلك ~~الأحكام، وقد كان ذلك في ابتداء شرعنا مهملا في هذه الأحكام، حتى أوضحها ~~الله تعالى بالبيان. الثاني - أنا لو نزلنا الجواب على أحكام الحجاب، ~~لاحتمل أن يكون الفزع الطارئ عليه أذهله عما كان يجب في ذلك له. الثالث - ~~أنه أراد أن يستوفي كلامهما الذي دخلا له حتى يعلم آخر الأمر منه، ويرى هل ~~يحتمل التقحم فيه بغير إذن أم لا؟ وهل يقترن بذلك عذر لهما أم لا يكون لهما ~~عذر فيه؟ فكان من آخر الحال ما انكشف أنه بلاء ومحنة، ومثل ضربه الله في ~~القصة، وأدب وقع على دعوى العصمة. الرابع - أنه يحتمل أن يكون في مسجد ولا ~~إذن في المسجد لأحد إذ لا حجر فيه على أحد. # قلت: وقول خامس ذكره القشيري، وهو أنهما قالا: لما لم يأذن لنا الموكلون ~~بالحجاب، توصلنا إلى الدخول بالتسور، وخفنا أن يتفاقم الأمر بيننا. فقبل ~~داود عذرهم، وأصغى إلى قولهم. # السادسة - قوله تعالى: " خصمان " إن قيل: كيف قال " خصمان " وقبل هذا " ~~إذا تسور وا المحراب " فقيل: لأن الاثنين جمع، قال الخليل: كما تقول نحن ~~فعلنا إذا كنتما اثنين. وقال الكسائي: جمع لما كان خبرا، فلما انقضى الخبر ~~وجاءت المخاطبة، خبر الاثنان عن أنفسهما فقالا خصمان. وقال الزجاج: المعنى ~~نحن خصمان. وقال غيره: # القول محذوف، أي يقول: " خصمان بغى بعضنا على بعض " قال الكسائي: ولو ms5324 كان ~~بغى بعضهما على بعض، لجاز. الماوردي: وكانا ملكين، ولم يكونا خصمين ولا ~~باغيين، ولا يأتي منهما كذب، وتقدير كلامهما ما تقول: إن أتاك خصمان قالا ~~بغى بعضنا على بعض. وقيل: # أي نحن فريقان من الخصوم بغى بعضنا على بعض. وعلى هذا يحتمل أن تكون ~~الخصومة بين اثنين ومع كل واحد جمع. ويحتمل أن يكون لكل واحد من هذا الفريق ~~خصومة PageV15P171 # مع كل واحد من الفريق الآخر، فحضروا الخصومات ولكن ابتدأ منهم اثنان، ~~فعرف داود بذكر النكاح القصة. وأغنى ذلك عن التعرض للخصومات الأخر. والبغي ~~التعدي والخروج عن الواجب. يقال: بغى الجرح إذا أفرط وجعه وترامى، إلى ما ~~يفحش، ومنه بغت المرأة إذا أتت الفاحشة. # السابعة - قوله تعالى: " فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط " أي لا تجر، قاله ~~السدي. وحكى أبو عبيد: شططت عليه شططت أي جرت. وفي حديث تميم الداري: # " إنك لشاطي " أي جائر علي في الحكم. وقال قتادة: لا تمل. الأخفش: لا ~~تسرف. # وقيل: لا تفرط. والمعنى متقارب. والأصل فيه البعد من شطت الدار أي بعدت، ~~شطت الدار تشط وتشط شطا وشطوطا بعدت. وأشط في القضية أي جار، وأشط في السوم ~~واشتط أي أبعد، وأشطوا في طلبي أي امعنوا. قال أبو عمرو: الشطط مجاوزة ~~القدر في كل شئ. وفي الحديث: " لها مهر مثلها لا وكس ولا شطط " أي لا نقصان ~~ولا زيادة. # وفي التنزيل: " لقد قلنا إذا شططا " [الكهف: 14] أي جورا من القول وبعدا ~~عن الحق. " واهدنا إلى سواء الصراط " أي أرشدنا إلى قصد السبيل. # الثامنة - قوله تعالى: " إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة " أي قال الملك ~~الذي تكلم عن أوريا " إن هذا أخي " أي على ديني، وأشار إلى المدعى عليه. ~~وقيل: أخي أي صاحبي. " له تسع وتسعون نعجة " وقرأ الحسن: " تسع وتسعون نعجة ~~" بفتح التاء فيهما وهي لغة شاذة، وهي الصحيحة من قراءة الحسن، قال النحاس. ~~والعرب تكني عن المرأة بالنعجة والشاة، لما هي عليه من السكون والمعجزة ~~وضعف الجانب. وقد يكنى عنها بالبقرة والحجرة والناقة، لأن ms5325 الكل مركوب. قال ~~أبن عون: # أنا أبوهن ثلاث هنه * رابعة في البيت صغرا هنه ونعجتي خمسا توفيهنه * ألا ~~فتى سمح يغذيهنه طي النقا في الجوع يطويهنه * ويل الرغيف ويله منهنه ~~PageV15P172 # وقال عنترة: # يا شاة ما قنص لمن حلت له * حرمت علي وليتها لم تحرم فبعثت جاريتي فقلت ~~لها اذهبي * فتجسسي أخبارها لي واعلم قالت رأيت من الأعادي غرة * والشاة ~~ممكنة لمن هو مرتم فكأنما التفتت بجيد جداية * رشأ من الغزلان حر أرثم وقال ~~آخر (1): # فرميت غفلة عينه عن شاته * فأصبت حبة قلبها وطحالها وهذا من أحسن التعريض ~~حيث كنى بالنعاج عن النساء. قال الحسين بن الفضل: هذا من الملكين تعريض ~~وتنبيه كقولهم ضرب زيد عمرا، وما كان ضرب ولا نعاج على التحقيق، كأنه قال: ~~نحن خصمان هذه حالنا. قال أبو جعفر النحاس: وأحسن ما قيل في هذا أن المعنى، ~~يقول: خصمان بغى بعضنا على بعض على جهة المسألة، كما تقول: رجل يقول ~~لامرأته كذا، ما يجب عليه؟ # قلت: وفد تأول المزني صاحب الشافعي هذه الآية، وقوله صلى الله عليه وسلم ~~في حديث ابن شهاب الذي خرجه الموطأ وغيره: " هو لك يا عبد بن زمعة " على ~~نحو هذا، قال المزني: يحتمل هذا الحديث عندي - والله أعلم - أن يكون النبي ~~صلى الله عليه وسلم أجاب عن المسألة فأعلمهم بالحكم أن هذا يكون إذا ادعى ~~صاحب فراش وصاحب زنى، لا أنه قبل على عتبة قول أخيه سعد، ولا على زمعة قول ~~ابنه إنه ولد (2) زنى، لأن كل، واحد منهما أخبر عن غيره. وقد أجمع المسلمون ~~أنه لا يقبل إقرار أحد على غيره. # وقد ذكر الله سبحانه في كتابه مثل ذلك في، قصة داود والملائكة، إذ دخلوا ~~عليه ففزع منهم، قالوا لا تخف خصمان ولم يكونوا خصمين، ولا كان لواحد منهم ~~تسع وتسعون نعجة، ولكنهم كلموه على المسألة ليعرف بها ما أرادوا تعريفه. ~~فيحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم # PageV15P173 # حكم في هذه القصة على المسألة، وإن لم يكن أحد يؤنسني على هذا ms5326 التأويل في ~~الحديث، فإنه عندي صحيح. والله أعلم. # التاسعة - قال النحاس: وفي قراءة أبن مسعود " إن هذا أخي كان له تسع ~~وتسعون نعجة أنثى " و " كان " هنا مثل قول عز وجل: " وكان الله غفورا رحيما ~~" [النساء: 96] فأما قوله " أنثى " فهو تأكيد، كما يقال: هو رجل ذكر وهو ~~تأكيد. وقيل: لما كان يقال هذه مائة نعجة، وإن كان فيها من الذكور شئ يسير، ~~جاز أن يقال: أنثى ليعلم أنه لا ذكر فيها. وفي التفسير: # له تسع وتسعون امرأة. قال ابن العربي: إن كان جميعهن أحرارا فذلك شرعه، ~~وإن كن إماء فذلك شرعنا. والظاهر أن شرع من تقدم قبلنا لم يكن محصورا بعدد، ~~وإنما الحصر في شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، لضعف الأبدان وقلة الأعمار. ~~وقال القشيري: ويجوز أن يقال: لم يكن له هذا العدد بعينه، ولكن المقصود ضرب ~~مثل، كما تقول: لو جئتني مائة مرة لم أقض حاجتك، أي مرارا كثيرة. قال ابن ~~العربي: قال بعض المفسرين لم يكن لداود مائة امرأة، وإنما ذكر التسعة ~~والتسعين مثلا، المعنى: هذا غني عن الزوجة وأنا مفتقر إليها. وهذا فاسد من، ~~وجهين: أحدهما - أن العدول عن الظاهر بغير دليل لا معنى له، ولا دليل يدل ~~على أن شرع من قبلنا كان مقصورا من النساء على ما في شرعنا. # الثاني: أنه روى البخاري وغيره أن سليمان قال: " لأطوفن الليلة على مائة ~~امرأة تلد كل امرأة غلاما يقاتل في سبيل الله ونسي أن يقول إن شاء الله " ~~وهذا نص العاشرة - قوله تعالى: " ولى نعجة واحدة " أي امرأة واحدة " فقال ~~أكفلنيها " أي أنزل لي عنها حتى أكفلها. وقال ابن عباس: أعطنيها. وعنه: ~~تحول لي عنها. وقاله ابن مسعود. وقال أبو العالية: ضمها إلي حتى أكفلها. ~~وقال ابن كيسان: اجعلها كفلي ونصيبي. # " وعزني في الحطاب " أي غلبني. قال الضحاك: إن تكلم كان أفصح مني، وإن ~~حارب كان أبطش مني. يقال: عزه يعزه " بضم العين في المستقبل " عزا غلبه. # وفي المثل: من عزيز، أي من غلب سلب. والاسم ms5327 العزة وهي القوة والغلبة. قال ~~الشاعر: # قطاة عزها شرك فباتت * تجاذبه وقد علق الجناح PageV15P174 # وقرأ عبد الله بن مسعود وعبيد بن عمير: " وعازني في الخطاب " أي غالبني، ~~من المعازة وهي المغالبة، عازه أي غالبه. قال ابن العربي: واختلف في سبب ~~الغلبة، فقيل: معناه غلبني ببيانه. وقيل: غلبني بسلطانه، لأنه لما سأله لم ~~يستطع خلافه. كان ببلادنا أمير يقال له: سير بن أبي بكر (1) فكلمته في أن ~~يسأل لي رجلا حاجة، فقال لي: أما علمت أن طلب السلطان للحاجة غصب لها. ~~فقلت: أما إذا كان عدلا فلا. فعجبت من عجمته وحفظه لما تمثل به وفطنته، كما ~~عجب من جوابي له واستغربه. # الحادية عشرة - قوله تعالى: " قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه " قال ~~النحاس: فيقال إن هذه كانت خطيئة داود عليه السلام، لأنه قال: لقد ظلمك من ~~غير تثبت ببينة، ولا إقرار من الخصم، هل كان هذا كذا أو لم يكن. فهذا قول. # وسيأتي بيانه في المسألة بعد هذا، وهو حسن إن شاء الله تعالى. وقال أبو ~~جعفر النحاس: # فأما قول العلماء الذين لا يدفع قولهم، منهم عبد الله بن مسعود وابن ~~عباس، فإنهم قالوا: # ما زاد داود صلى الله على نبينا وعليه على أن قال للرجل انزل لي عن ~~امرأتك. قال أبو جعفر: # فعاتبه الله عز وجل على ذلك ونبهه عليه، وليس هذا بكبير من المعاصي، ومن ~~تخطى إلى غير هذا فإنما يأتي بما لا يصح عن عالم، ويلحقه فيه إثم عظيم. كذا ~~قال: في كتاب " إعراب القرآن. " وقال: في كتاب معاني القرآن له بمثله. قال ~~رضي الله عنه: قد جاءت أخبار وقصص في أمر داود عليه السلام وأوريا، وأكثرها ~~لا يصح ولا يتصل إسناده، ولا ينبغي أن يجترأ على مثلها إلا بعد المعرفة ~~بصحتها. وأصح ما روي في ذلك ما رواه مسروق عن عبد الله بن مسعود قال: ما ~~زاد داود عليه السلام على أن قال " أكفلنيها " أي انزل لي عنها. وروى ~~المنهال عن سعيد بن جبير قال: ما ms5328 زاد داود صلى الله عليه وسلم على أن قال: ~~" أكفلنيها " أي تحول لي عنها وضمها إلي، قال أبو جعفر: فهذا أجل ما روي في ~~هذا، والمعنى عليه أن داود عليه السلام سأل أوريا أن يطلق امرأته، كما يسأل ~~الرجل الرجل أن يبيعه جاريته، فنبهه الله # PageV15P175 # عز وجل على ذلك، وعاتبه لما كان نبيا وكان له تسع وتسعون أنكر عليه أن ~~يتشاغل بالدنيا بالتزيد منها، فأما غير هذا فلا ينبغي الاجتراء عليه. قال ~~ابن العربي: وأما قولهم إنها لما أعجبته أمر بتقديم زوجها للقتل في سبيل ~~الله فهذا باطل قطعا، فإن داود صلى الله عليه وسلم لم يكن ليريق دمه في غرض ~~نفسه، وإنما كان من الأمر أن داود قال لبعض أصحابه: انزل لي عن أهلك وعزم ~~عليه في ذلك، كما يطلب الرجل من الرجل الحاجة برغبة صادقة، كانت في الأهل ~~أو في المال. وقد قال سعيد بن الربيع لعبد الرحمن بن عوف حين آخى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بينهما: إن لي زوجتين أنزل لك عن أحسنهما، فقال له: ~~بارك الله لك في أهلك. وما يجوز فعله ابتداء يجوز طلبه، وليس في القرآن أن ~~ذلك كان، ولا أنه تزوجها بعد زوال عصمة الرجل عنها، ولا ولادتها لسليمان، ~~فعمن يروى هذا ويسند؟! وعلى من في نقله يعتمد، وليس يأثره عن الثقات ~~الأثبات أحد. أما أن في سورة " الأحزاب " نكتة تدل على أن داود قد صارت له ~~المرأة زوجة، وذلك قوله: " ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة ~~الله في الذين خلوا من قبل " [الأحزاب: 38] يعني في أحد الأقوال: تزويج ~~داود المرأة التي نظر إليها، كما تزوج النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت ~~جحش، إلا أن تزويج زينب كان من غير سؤال الزوج في فراق، بل أمره بالتمسك ~~بزوجته، وكان تزويج داود للمرأة بسؤال زوجها فراقها. فكانت، هذه المنقبة ~~لمحمد صلى الله عليه وسلم على داود مضافة إلى مناقبه العلية صلى الله عليه ~~وسلم. ولكن قد ms5329 قيل: إن معنى " سنة الله في الذين خلوا من قبل " تزويج ~~الأنبياء بغير صداق من وهبت نفسها لهم من النساء بغير صداق. وقيل: أراد ~~بقوله: # " سنة الله في الذين خلوا من قبل " [الأحزاب: 38] أن الأنبياء صلوات الله ~~عليهم فرض لهم ما يمتثلونه في النكاح وغيره. وهذا أصح الأقوال. وقد روى ~~المفسرون أن داود عليه السلام نكح مائة امرأة، وهذا نص القرآن. وروي أن ~~سليمان كانت له ثلاثمائة امرأة وسبعمائة جارية، وربك أعلم. وذكر الكيا ~~الطبري في أحكامه في قول الله عز وجل: " وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا ~~المحراب " الآية: ذكر المحققون الذين يرون تنزيه الأنبياء عليهم السلام عن ~~الكبائر، أن داود عليه PageV15P176 # السلام كان قد أقدم على خطبة امرأة قد خطبها غيره، يقال هو أوريا، فمال ~~القوم إلى تزويجها من داود راغبين فيه، وزاهدين في الخاطب الأول، ولم يكن ~~بذلك داود عارفا، وقد كان يمكنه أن يعرف ذلك فيعدل عن هذه الرغبة، وعن ~~الخطبة بها فلم يفعل ذلك، من حيث أعجب بها إما وصفا أو مشاهدة على غير ~~تعمد، وقد كان لداود عليه السلام من النساء العدد الكثير، وذلك الخاطب لا ~~امرأة له، فنبه الله تعالى على ما فعل بما كان من تسور الملكين، وما أورداه ~~من التمثيل على وجه التعريض، لكي يفهم من ذلك موقع العتب فيعدل عن هذه ~~الطريقة، ويستغفر ربه من هذه الصغيرة. # الثانية عشرة - قوله تعالى: " قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه " فيه ~~الفتوى في النازلة بعد السماع من أحد الخصمين، وقبل أن يسمع من الآخر بظاهر ~~هذا القول. # قال ابن العربي: وهذا مما لا يجوز عند أحد، ولا في ملة من الملل، ولا ~~يمكن ذلك للبشر. # وإنما تقدير الكلام أن أحد الخصمين أدعى والآخر سلم في الدعوى، فوقعت بعد ~~ذلك الفتوى. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إذا جلس إليك الخصمان فلا ~~تقضى لأحدهما حتى تسمع من الآخر " وقيل: إن داود لم يقض للآخر حتى اعترف ~~صاحبه بذلك. وقيل: # تقديره لقد ظلمك ms5330 إن كان كذلك. والله أعلم بتعيين ما يمكن من هذه الوجوه. # قلت: ذكر هذين الوجهين القشيري والماوردي وغيرهما. قال القشيري: وقوله: # " لقد ظلمك بسؤال نعجتك " من غير أن يسمع كلام الخصم مشكل، فيمكن أن ~~يقال: إنما قال هذا بعد مراجعة الخصم الآخر وبعد اعترافه. وقد روي هذا وإن ~~لم تثبت روايته، فهذا معلوم من قرائن الحال، أو أراد لقد ظلمك إن كان الأمر ~~على ما تقول، فسكته بهذا وصبره إلى أن يسأل خصمه. قال ويحتمل أن يقال: كان ~~من شرعهم التعويل على قول المدعي عند سكوت المدعى عليه، إذا لم يظهر منه ~~إنكار بالقول. وقال الحليمي أبو عبد الله في كتاب منهاج الدين له: ومما جاء ~~في شكر النعمة المنتظرة إذا حضرت، أو كانت خافية فظهرت: السجود لله عز وجل. ~~قال والأصل في ذلك قول عز وجل: " وهل أتاك نبأ PageV15P177 # الخصم " إلى قوله: " وحسن مآب ". أخبر الله عز وجل عن داود عليه السلام، ~~أنه سمع قول المتظلم من الخصمين، ولم يخبر عنه أنه سأل الآخر، إنما حكى أنه ~~ظلمه، فكان ظاهر ذلك أنه رأى في المتكلم مخائل الضعف والهضيمة، فحمل أمره ~~على أنه مظلوم كما يقول، ودعاه ذلك إلى ألا يسأل الخصم، فقال له مستعجلا: " ~~لقد ظلمك " مع إمكان أنه لو سأله لكان يقول: كانت لي مائة نعجة ولا شئ ~~لهذا، فسرق مني هذه النعجة، فلما وجدتها عنده قلت له ارددها، وما قلت له ~~أكفلنيها، وعلم أني مرافعه إليك، فجرني قبل أن أجره، وجاءك متظلما من قبل ~~أن أحضره، لتظن أنه هو المحق وأني أنا الظالم. ولما تكلم داود بما حملته ~~العجلة عليه، علم أن الله عز وجل خلاه ونفسه في ذلك الوقت، وهو الفتنة التي ~~ذكرناها، وأن ذلك لم يكن إلا عن تقصير منه، فاستغفر ربه وخر راكعا لله ~~تعالى شكرا على أن عصمه، بأن اقتصر على تظليم المشكو، ولم يزده على ذلك ~~شيئا من انتهار أو ضرب أو غيرهما، مما يليق بمن تصور في القلب أنه ظالم، ~~فغفر ms5331 الله له ثم أقبل عليه يعاتبه، فقال: " يا داود إنا جعلناك خليفة في ~~الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله " [ص: 26] ~~فبان بما قصه الله تعالى من هذه الموعظة، التي توخاه بها بعد المغفرة، أن ~~خطيئته إنما كانت التقصير في الحكم، والمبادرة إلى تظليم من لم يثبت عنده ~~ظلمه. ثم جاء عن ابن عباس أنه قال: سجدها داود شكرا، وسجدها النبي صلى الله ~~عليه وسلم اتباعا، فثبت أن السجود للشكر سنة متواترة عن الأنبياء صلوات ~~الله عليهم. " بسؤال نعجتك " أي بسؤاله نعجتك، فأضاف المصدر إلى المفعول، ~~وألقى الهاء من السؤال، وهو كقوله تعالى: " لا يسأم الإنسان من دعاء الخير ~~" [فصلت: 49] أي من دعائه الخير. # الثالثة عشرة - قوله تعالى: " وإن كثيرا من الخلطاء " يقال: خليط وخلطاء ~~ولا يقال طويل وطولاء، لثقل الحركة في الواو. وفيه وجهان: أحدهما أنهما ~~الأصحاب. # الثاني أنهما الشركاء. PageV15P178 # قلت: إطلاق الخلطاء على الشركاء فيه بعد، وقد اختلف العلماء في صفة ~~الخلطاء فقال أكثر العلماء: هو أن يأتي كل واحد بغنمه فيجمعهما راع واحد ~~والدلو والمراح. وقال طاوس وعطاء: لا يكون الخلطاء إلا الشركاء. وهذا خلاف ~~الخبر، وهو قول صلى الله عليه وسلم: # " لا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة وما كان من خليطين ~~فإنهما يتراجحان بينهما بالسوية " وروي " فإنهما يترادان الفضل " ولا موضع ~~لتراد الفضل بين الشركاء، فاعلمه. وأحكام الخلطة مذكورة في كتب الفقه. ~~ومالك وأصحابه وجمع من العلماء لا يرون " الصدقة " (1) على من ليس في حصته ~~ما تجب فيه الزكاة. وقال الربيع والليث وجمع من العلماء منهم الشافعي: إذا ~~كان في جميعها ما تجب فيه الزكاة أخذت منهم الزكاة. قال مالك: # وإن أخذ المصدق بهذا ترادوا بينهم للاختلاف في ذلك، وتكون كحكم حاكم ~~اختلف فيه. # الرابعة عشرة - قوله تعالى: " ليبغي بعضهم على بعض " أي يتعدى ويظلم. # " إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات " فإنهم لا يظلمون أحدا. # " وقليل ما هم " يعني الصالحين، أي وقليل هم ف‍ " ما " زائدة. وقيل: ~~بمعنى ms5332 الذين وتقديره وقليل الذين هم. وسمع عمر رضي الله عنه رجلا يقول في ~~دعائه: اللهم اجعلني من عبادك القليل. فقال له عمر: ما هذا الدعاء. فقال ~~أردت قول الله عز وجل: " إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم " ~~فقال عمر: كل الناس أفقه منك يا عمر الخامسة عشرة - قوله تعالى: " وظن داود ~~أنما فتناه " أي ابتليناه. " وظن " معناه أيقن. قال أبو عمرو والفراء: ظن ~~بمعنى أيقن، إلا أن الفراء شرحه بأنه لا يجوز في المعاين أن يكون الظن إلا ~~بمعنى اليقين. والقراءة " فتناه " بتشديد النون دون التاء. وقرأ عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه " فتناه " بتشديد التاء والنون على المبالغة. وقرأ ~~قتادة وعبيد ابن عمير وابن السميقع " فتناه " بتخفيفهما. ورواه علي بن نصر ~~عن أبي عمرو، والمراد به الملكان اللذان دخلا على داود عليه السلام. # PageV15P179 # السادسة عشرة - قيل: لما قضى داود بينهما في المسجد، نظر أحدهما إلى ~~صاحبه فضحك فلم يفطن داود، فأحبا أن يعرفهما، فصعدا إلى السماء حيال وجهه، ~~فعلم داود عليه السلام أن الله تعالى ابتلاه بذلك، ونبهه على ما ابتلاه. # قلت: وليس في القران ما يدل على، القضاء في المسجد إلا هذه الآية، وبها ~~استدل من قال بجواز القضاء في المسجد، ولو كان ذلك لا يجوز كما قال الشافعي ~~لما أقرهم داود على ذلك. ويقول: انصرفا إلى موضع القضاء. وكان النبي صلى ~~الله عليه وسلم والخلفاء يقضون في المسجد، وقد قال مالك: القضاء في المسجد ~~من الأمر القديم. يعني في أكثر الأمور. ولا بأس أن يجلس في رحبته، ليصل ~~إليه الضعيف والمشرك والحائض، ولا يقيم فيه الحدود، ولا بأس بخفيف الأدب. ~~وقد قال أشهب يقضي في منزله وأين أحب. # السابعة عشرة - قال مالك رحمه الله: وكان الخلفاء يقضون بأنفسهم، وأول من ~~استقضى معاوية. قال مالك: وينبغي للقضاة مشاورة العلماء. وقال عمر بن عبد ~~العزيز: # لا يستقضي حتى يكون عالما بآثار من مضى، مستشيرا لذوي الرأي، حليما نزها. ~~قال: # ويكون ورعا. قال مالك: وينبغي أن يكون متيقظا ms5333 كثير التحذر من الحيل، وأن ~~يكون عالما بالشروط، عارفا بما لا بد له منه من العربية، فإن الأحكام تختلف ~~باختلاف العبارات والدعاوى والإقرارات والشهادات والشروط التي تتضمن حقوق ~~المحكوم له. # وينبغي له أن يقول قبل إنجاز الحكم للمطلوب: أبقيت لك حجة؟ فإن قال لا ~~حكم عليه، ولا يقبل منه حجة بعد إنفاذ حكمه إلا أن يأتي بما له وجه أو ~~بينة. وأحكام القضاء والقضاة فيما لهم وعليهم مذكورة في غير هذا الموضع. # الثامنة عشرة - قوله تعالى: " فاستغفر ربه " اختلف المفسرون في الذنب ~~الذي استغفر منه على أقوال ستة، الأول أنه نظر إلى المرأة حتى شبع منها. ~~قال سعيد بن جبير: # إنما كانت فتنته النظرة. قال أبو إسحاق: ولم يتعمد داود النظر إلى المرأة ~~لكنه عاود النظر إليها، فصارت الأولى له والثانية عليه. الثاني أنه أغزى ~~زوجها في حملة التابوت. الثالث PageV15P180 # أنه نوى إن مات زوجها أن يتزوجها. الرابع أن أوريا كان خطب تلك المرأة، ~~فلما غاب خطبها داود فزوجت منه لجلالته، فاغتم لذلك أوريا. فعتب الله على ~~داود إذ لم يتركها لخاطبها. وقد كان عنده تسع وتسعون امرأة. الخامس أنه لم ~~يجزع على قتل أوريا، كما كان يجزع على من هلك من الجند، ثم تزوج امرأته، ~~فعاتبه الله تعالى على ذلك، لأن ذنوب الأنبياء وإن صغرت فهي عظيمة عند ~~الله. السادس أنه حكم لأحد الخصمين قبل أن يسمع من الآخر. قال القاضي ابن ~~العربي: أما قول من قال: إنه حكم لأحد الخصمين قبل أن يسمع من الآخر فلا ~~يجوز على الأنبياء، وكذلك تعريض زوجها للقتل. وأما من قال: # إنه نظر إليها حتى شبع فلا يجوز ذلك عندي بحال، لأن طموح النظر لا يليق ~~بالأولياء المتجردين للعبادة، فكيف بالأنبياء الذين هم وسائط الله ~~المكاشفون بالغيب! وحكى السدي عن علي ابن أبي طالب رضي الله عنه قال: لو ~~سمعت رجلا يذكر أن داود عليه السلام قارف من تلك المرأة محرما لجلدته ستين ~~ومائة، لأن حد قاذف الناس ثمانون وحد قاذف الأنبياء ستون ms5334 ومائة. # ذكره الماوردي والثعلبي أيضا. قال الثعلبي: وقال الحرث الأعور عن علي: من ~~حدث بحديث داود على ما ترويه القصاص معتقدا جلدته حدين، لعظم ما ارتكب برمي ~~من قد رفع الله محله، وارتضاه من خلقه رحمة للعالمين، وحجة للمجتهدين. قال ~~ابن العربي: وهذا مما لم يصح عن علي. فإن قيل: فما حكمه عندكم؟ قلنا: أما ~~من قال إن نبيا زنى فإنه يقتل، وأما من نسب إليه ما دون ذلك من النظر ~~والملامسة، فقد اختلف [نقل] (1) الناس في ذلك، فإن صمم أحد على ذلك فيه ~~ونسبه إليه قتلته، فإنه يناقض التعزير المأمور به، فأما قولهم: إنه وقع ~~بصره على امرأة تغتسل عريانة، فلما رأته أسبلت شعرها فسترت جسدها، فهذا لا ~~حرج عليه فيه بإجماع من الأمة، لأن النظرة الأولى تكشف المنظور إليه ولا ~~يأثم الناظر بها، فأما النظرة الثانية فلا أصل لها. وأما قولهم: إنه. [نوى] ~~(1) إن مات زوجها تزوجها فلا شئ فيه إذ لم يعرضه للموت. وأما قولهم: إنه ~~خطب على خطبة أوريا فباطل يرده القرآن والآثار التفسيرية كلها. # PageV15P181 # وقد روى أشهب عن مالك قال: بلغني أن تلك الحمامة أتت فوقعت قريبا من داود ~~عليه السلام وهي من ذهب، فلما رآها أعجبته فقام ليأخذها فكانت قرب يده، ثم ~~صنع مثل ذلك مرتين، ثم طارت واتبعها ببصره فوقعت عينه على تلك المرأة وهي، ~~تغتسل ولها شعر طويل، فبلغني أنه أقام أربعين ليلة ساجدا حتى نبت العشب من ~~دموع عينه. قال ابن العربي: وأما قول المفسرين إن الطائر درج عنده فهم ~~بأخذه واتبعه فهذا لا يناقض العبادة، لأنه مباح فعله، لا سيما وهو حلال ~~وطلب الحلال فريضة، وإنما أتبع الطير لذاته لا لجماله فإنه لا منفعة له ~~فيه، وإنما ذكرهم لحسن الطائر خرق في الجهالة. أما أنه روي أنه كان طائرا ~~من ذهب فاتبعه ليأخذه، لأنه من فضل الله سبحانه وتعالى كما روي في الصحيح: ~~" إن أيوب عليه السلام كان يغتسل عريانا فخر عليه رجل من جراد [من ذهب] (1) ~~فجعل يحثي منه ms5335 ويجعل في ثوبه. " فقال الله تعالى له: " يا أيوب ألم أكن ~~أغنيتك " قال: " بلى يا رب ولكن لا غنى لي عن بركتك " وقال القشيري: فهم ~~داود بأن يأخذه ليدفعه إلى ابن له صغير فطار ووقع على كوة البيت، وقاله ~~الثعلبي أيضا وقد تقدم. # التاسعة عشرة - قوله تعالى: " وخر راكعا وأناب " أي خر ساجدا، وقد يعبر ~~عن السجود بالركوع. قال الشاعر: # فخر على وجهه راكعا * وتاب إلى الله من كل ذنب قال ابن العربي: لا خلاف ~~بين العلماء أن المراد بالركوع ها هنا السجود، فإن السجود هو الميل، ~~والركوع هو الانحناء، وأحدهما يدخل على الآخر، ولكنه قد يختص كل واحد ~~بهيئة، ثم جاء هذا على تسمية أحدهما بالآخر، فسمي السجود ركوعا. وقال ~~المهدوي: # وكان ركوعهم سجودا. وقيل: بل كان سجودهم ركوعا. وقال مقاتل: فوقع من ~~ركوعه ساجدا لله عز وجل. أي لما أحس بالأمر قام إلى الصلاة، ثم وقع من ~~الركوع إلى السجود، لاشتمالهما جميعا على الانحناء. " وأناب " أي تاب من ~~خطيئته ورجع إلى الله. # PageV15P182 # وقال الحسين بن الفضل: سألني عبد الله بن طاهر وهو الوالي عن قول الله عز ~~وجل: # " وخر راكعا " فهل يقال للراكع خر؟. قلت: لا. قال: فما معنى الآية؟ قلت: ~~معناها فخر بعد أن كان راكعا أي سجد. # الموفية عشرين - وأختلف في سجدة داود هل هي من عزائم السجود المأمور به ~~في القرآن أم لا؟ فروى أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ~~على المنبر: " ص والقرآن ذي الذكر " فلما بلغ السجدة نزل فسجد وسجد الناس ~~معه، فلما كان يوم آخر قرأ بها فتشزن (1) الناس للسجود، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " إنها توبة نبي ولكني رأيتكم تشزنتم للسجود " ونزل وسجد. ~~وهذا لفظ أبي داود. وفي البخاري وغيره عن ابن عباس أنه قال: # " ص " ليست من عزائم القرآن، وقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يسجد ~~فيها. وقد روي من طريق عن أبن مسعود أنه قال: " ص " توبة نبي ولا يسجد ~~فيها، وعن ms5336 ابن عباس أنها توبة نبي ونبيكم ممن أمر أن يقتدى به. قال ابن ~~العربي: والذي عندي أنها ليست موضع سجود، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم ~~سجد فيها فسجدنا بالاقتداء به. ومعنى السجود أن داود سجد خاضعا لربه، ~~معترفا بذنبه. تائبا من خطيئته، فإذا سجد أحد فيها فليسجد بهذه النية، فلعل ~~الله أن يغفر له بحرمة داود الذي اتبعه، وسواء قلنا إن شرع من قبلنا شرع ~~لنا أم لا؟ فإن هذا أمر مشروع في كل أمة لكل أحد. والله أعلم. # الحادية والعشرون - قال ابن خويزمنداد: قوله: " وخر راكعا وأناب " فيه ~~دلالة على، أن السجود للشكر مفردا لا يجوز، لأنه ذكر معه الركوع، وإنما ~~الذي يجوز أن يأتي بركعتين شكرا فأما سجدة مفردة فلا، وذلك أن البشارات ~~كانت تأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم والأئمة بعده، فلم ينقل عن أحد ~~منهم أنه سجد شكرا، ولو كان ذلك مفعولا لهم لنقل نقلا متظاهرا لحاجة العامة ~~إلى جوازه وكونه قربة. # PageV15P183 # قلت: وفي سنن ابن ماجة عن عبد الله بن أبي أوفى أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم صلى يوم بشر برأس أبي جهل ركعتين. وخرج من حديث أبي بكرة أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أتاه أمر يسره - أو يسر به - خر ساجدا ~~شكرا لله. وهذا قول الشافعي وغيره. # الثانية والعشرون - روى الترمذي وغيره واللفظ للغير: أن رجلا من الأنصار ~~على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي من الليل يستتر بشجرة وهو ~~يقرأ: " ص والقرآن ذي الذكر " فلما بلغ السجدة سجد وسجدت معه الشجرة، ~~فسمعها وهي تقول: اللهم أعظم لي بهذه السجدة أجرا، وارزقني بها شكرا. # قلت: خرج ابن ماجة في سننه عن ابن عباس قال: كنت عند النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فأتاه رجل فقال: إني رأيت البارحة فيما يرى النائم، كأني أصلي إلى ~~أصل شجرة، فقرأت السجدة [فسجدت] (1) فسجدت الشجرة لسجودي، فسمعتها تقول: ~~اللهم أحطط بها عني وزرا، واكتب لي بها أجرا، وأجعلها لي ms5337 عندك ذخرا. قال ~~ابن عباس فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ " السجدة " فسجد، فسمعته ~~يقول في سجوده مثل الذي أخبره الرجل عن قول الشجرة. ذكره الثعلبي عن أبي ~~سعيد الخدري، قال: قلت يا رسول الله رأيتني في النوم كأني تحت شجرة والشجرة ~~تقرأ " ص " فلما بلغت السجدة سجدت فيها، فسمعتها تقول في سجودها: اللهم ~~أكتب لي بها أجرا، وحط عني بها وزرا، وارزقني بها شكرا، وتقبلها مني كما ~~تقبلت من عبدك داود سجدته. فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: " أفسجدت أنت ~~يا أبا سعيد " فقلت: لا والله يا رسول الله. فقال: لقد كنت أحق بالسجود من ~~الشجرة " ثم قرأ النبي صلى الله عليه وسلم " ص " حتى بلغ السجدة فسجد، ثم ~~قال مثل ما قالت الشجرة. # الثالثة والعشرون - قوله تعالى: " فغفرنا له ذلك " أي فغفرنا له ذنبه. ~~قال ابن الأنباري: " فغفرنا له ذلك " تام، ثم تبتدئ " وإن له " وقال ~~القشيري: ويجوز الوقف على " فغفرنا له " ثم تبتدئ " ذلك وإن له " كقوله: " ~~هذا وإن للطاغين " [ص: 55] أي الأمر ذلك. PageV15P184 # وقال عطاء الخراساني وغيره: إن داود سجد أربعين يوما حتى نبت المرعى من ~~حر جوفه وغمر رأسه، فنودي: أجائع فتطعم وأعار فتكسى، فنحب نحبة هاج المرعى ~~من حر جوفه، فغفر له وستر بها. فقال: يا رب هذا ذنبي فيما بيني وبينك قد ~~غفرته، وكيف بفلان وكذا وكذا رجلا من بني إسرائيل، تركت أولادهم أيتاما، ~~ونساءهم أرامل؟ قال: يا داود لا يجاوزني يوم القيامة ظلم أمكنه منك ثم ~~أستوهبك منه بثواب الجنة. قال: يا رب هكذا تكون المغفرة الهينة. ثم قيل: يا ~~داود ارفع رأسك. فذهب ليرفع رأسه فإذا به قد نشب في الأرض، فأتاه جبريل ~~فاقتلعه عن وجه الأرض كما يقتلع من الشجرة صمغها. رواه الوليد بن مسلم عن ~~ابن جابر عن عطاء. قال الوليد: وأخبرني منير بن الزبير، قال: فلزق مواضع ~~مساجده على الأرض من فروة وجهه ما شاء الله. قال الوليد قال ابن لهيعة: ~~فكان يقول في سجوده ms5338 سبحانك هذا شرابي دموعي وهذا طعامي في رماد بين يدي. في ~~رواية: إنه سجد أربعين يوما لا يرفع رأسه إلا للصلاة المكتوبة، فبكى حتى ~~نبت العشب من دموعه. وروي مرفوعا من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: " إن داود مكث أربعين ليلة ساجدا حتى نبت العشب من دموعه على رأسه ~~وأكلت الأرض من جبينه وهو يقول في سجوده: يا رب داود زل زلة بعد بها ما بين ~~المشرق والمغرب رب إن لم ترحم ضعف داود وتغفر ذنبه جعلت ذنبه حديثا في ~~الخلق من بعده فقال له جبريل بعد أربعين سنة يا داود إن الله قد غفر لك ~~الهم الذي هممت به " وقال وهب: إن داود عليه السلام نودي أني قد غفرت لك. ~~فلم يرفع رأسه حتى جاءه جبريل فقال: لم لا ترفع رأسك وربك قد غفر لك؟ قال ~~يا رب كيف وأنت لا تظلم أحدا. فقال الله لجبريل: اذهب إلى داود فقل له يذهب ~~إلى قبر أوريا فيتحلل منه، فأنا أسمعه نداءه. فلبس داود المسوح وجلس عند ~~قبر أوريا ونادى يا أوريا فقال: لبيك! من هذا الذي قطع علي لذتي وأيقظني؟ ~~فقال: أنا أخوك داود أسألك أن تجعلني في حل فإني عرضتك للقتل قال: عرضتني ~~للجنة فأنت في حل. وقال الحسن وغيره: # كان داود عليه السلام بعد الخطيئة لا يجالس إلا الخاطئين، ويقول: تعالوا ~~إلى داود الخطاء، ولا يشرب شرابا إلا مزجه بدموع عينيه. وكان يجعل خبز ~~الشعير اليابس في قصعة فلا يزال PageV15P185 # يبكي حتى يبتل بدموعه، وكان يذر عليه الرماد والملح فيأكل ويقول: هذا أكل ~~الخاطئين. # وكان قبل الخطيئة يقوم نصف الليل ويصوم نصف الدهر. ثم صام بعده الدهر كله ~~وقام الليل كله، وقال: يا رب اجعل خطيئتي في كفي فصارت خطيئته منقوشة في ~~كفه. فكان لا يبسطها لطعام ولا شراب ولا شئ إلا رآها فأبكته، وإن كان ليؤتى ~~بالقدح ثلثاه ماء، فإذا تناوله أبصر خطيئته فما يضعه عن شفته حتى يفيض من ~~دموعه. وروى الوليد ms5339 بن مسلم: # حدثني أبو عمرو الأوزاعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إنما ~~مثل عيني داود مثل القربتين تنطفان ولقد خدد الدموع في وجه داود خديد الماء ~~في الأرض " قال الوليد: # وحدثنا عثمان بن ابن العاتكة أنه كان في قول داود. إذ هو خلو من الخطيئة ~~شدة قوله في الخطائين أن كان يقول: اللهم لا تغفر للخطائين. ثم صار إلى أن ~~يقول: اللهم رب اغفر للخاطئين لكي تغفر لداود معهم، سبحان خالق النور. إلهي ~~خرجت أسأل أطباء عبادك أن يداووا خطيئتي فكلهم عليك يدلني. إلهي أخطأت ~~خطيئة قد خفت أن تجعل حصادها عذابك يوم القيامة إن لم تغفرها، سبحان خالق ~~النور. إلهي إذا ذكرت خطيئتي ضاقت الأرض برحبها علي، وإذا ذكرت رحمتك ارتد ~~إلى روحي. وفي الخبر: أن داود عليه السلام كان إذا علا المنبر رفع يمينه ~~فاستقبل بها الناس ليريهم نقش خطيئته، فكان ينادي: إلهي! # إذا ذكرت خطيئتي ضاقت علي الأرض برحبها، وإذا ذكرت رحمتك ارتد إلي روحي، ~~رب! # أغفر للخاطئين كي تغفر لداود معهم. وكان يقعد على سبعة أفرشة من الليف ~~محشوة بالرماد، فكانت تستنقع دموعه تحت رجليه حتى تنفذ من الأفرشة كلها. ~~وكان إذا كان يوم نوحه نادى مناديه في الطرق والأسواق والأودية والشعاب ~~وعلى رؤوس الجبال وأفواه الغيران: # ألا إن هذا يوم نوح داود، فمن أراد أن يبكي على ذنبه فليأت داود فيسعده، ~~فيهبط السياح من الغيران والأودية، وترتج الأصوات حول منبره والوحوش ~~والسباع والطير عكف، وبنو إسرائيل حول منبره، فإذا أخذ في العويل والنوح، ~~وأثارت الحرقات منابع دموعه، صارت الجماعة ضجة واحدة نوحا وبكاء، حتى يموت ~~حول منبره بشر كثير في مثل ذلك اليوم. ومات داود عليه السلام فيما قيل يوم ~~السبت فجأة، أتاه ملك الموت وهو يصعد في محرابه وينزل، PageV15P186 # فقال: جئت لأقبض روحك. فقال: دعني حتى أنزل أو أرتقي. فقال: مالي إلى ذلك ~~سبيل، نفدت الأيام والشهور والسنون والآثار والأرزاق، فما أنت بمؤثر بعدها ~~أثرا. # قال: فسجد داود على مرقاة من ms5340 الدرج فقبض نفسه على تلك الحال. وكان بينه ~~وبين موسى عليهما السلام خمسمائة وتسع وتسعون سنة. وقيل: تسع وسبعون، وعاش ~~مائة سنة، وأوصى إلى ابنه سليمان بالخلافة. # الرابعة والعشرون - قوله تعالى: " وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب " قال ~~محمد بن كعب ومحمد بن قيس: " وإن له عندنا لزلفى " قربة بعد المغفرة. " ~~وحسن مآب " قالا: # والله إن أول من يشرب الكأس يوم القيامة داود. وقال مجاهد عن عبدا لله بن ~~عمر: الزلفى الدنو من الله عز وجل يوم القيامة. وعن مجاهد: يبعث داود يوم ~~القيامة وخطيئته منقوشة في يده: فإذا رأى أهاويل يوم القيامة لم يجد منها ~~محرزا إلا أن يلجأ إلى رحمة الله تعالى. قال: # ثم يرى خطيئته فيقلق فيقال له هاهنا، ثم يرى فيقلق فيقال له هاهنا، ثم ~~يرى فيقلق فيقال له هاهنا، " حتى يقرب فيسكن " (1) فذلك قوله عز وجل: " وإن ~~له عندنا لزلفى وحسن مآب " ذكره الترمذي الحكيم قال: حدثنا الفضل بن محمد، ~~قال حدثنا عبد الملك بن الأصبغ قال حدثنا الوليد بن مسلم، قال حدثنا ~~إبراهيم بن محمد الفزاري عن عبد الملك بن أبي سليمان عن مجاهد فذكره. قال ~~الترمذي: ولقد كنت أمر زمانا طويلا بهذه الآيات فلا ينكشف لي المراد ~~والمعنى من قوله: " ربنا عجل لنا قطنا " والقط الصحيفة في اللغة، وذلك أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا عليهم: " فأما من أوتي كتابه بيمينه " ~~[الحاقة: 19]: وقال لهم: " إنكم ستجدون هذا كله في صحائفكم تعطونها ~~بشمائلكم " فقالوا: " ربنا عجل لنا قطنا " أي صحيفتنا " قبل يوم الحساب " ~~قال الله تعالى: " أصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود ذا الأيد " فقص قصة ~~خطيئته إلى منتهاها، فكنت أقول: أمره بالصبر على ما قالوا، وأمره بذكر داود ~~فأي شئ أريد من هذا الذكر؟ وكيف اتصل هذا بذاك؟ فلا أقف على شئ يسكن قلبي ~~عليه، حتى هداني الله له # PageV15P187 # يوما فألهمته أن هؤلاء أنكروا قول أنهم يعطون كتبهم بشمائلهم، فيها ~~ذنوبهم وخطاياهم استهزاء بأمر الله، وقالوا: " ربنا عجل لنا قطنا ms5341 قبل يوم ~~الحساب " فأوجعه ذلك من استهزائهم، فأمره بالصبر على مقالتهم، وأن يذكر ~~عبده داود، سأل تعجيل خطيئته أن يراها منقوشة في كفه، فنزل به ما نزل من ~~أنه كان إذا رآها اضطرب وامتلأ القدح من دموعه، وكان إذا رآها بكى حتى تنفذ ~~(1) سبعة أفرشة من الليف محشوة بالرماد، فإنما سألها بعد المغفرة وبعد ضمان ~~تبعة الخصم، وأن الله تبارك وتعالى اسمه يستوهبه منه، وهو حبيبه ووليه ~~وصفيه، فرؤية نقش الخطيئة بصورتها مع هذه المرتبة صنعت به هكذا، فكيف كان ~~يحل بأعداء الله وبعصاته من خلقه وأهل خزيه، لو عجلت لهم صحائفهم فنظروا ~~إلى صورة تلك الخطايا التي عملوها على الكفر والجحود، وماذا يحل بهم إذا ~~نظروا إليها في تلك الصحائف، وقد أخبر الله عنهم فقال: " فترى المجرمين ~~مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة ~~إلا أحصاها " [الكهف: 49] فداود صلوات الله عليه مع المغفرة والبشرى والعطف ~~لم يقم لرؤية صورتها. وقد روينا في الحديث: إذا رآها يوم القيامة منقوشة في ~~كفه قلق حتى يقال له ها هنا، ثم يرى فيقلق ثم يقال هاهنا، ثم يرى فيقلق حتى ~~يقرب فيسكن. # قوله تعالى: يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ~~ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب ~~شديد بما نسوا يوم الحساب فيه خمس مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " إنا جعلناك خليفة في الأرض " أي ملكناك لتأمر ~~بالمعروف وتنهى عن المنكر، فتخلف من كان قبلك من الأنبياء والأئمة الصالحين ~~وقد مضى في " البقرة " (2) القول في الخليفة وأحكامه. مستوفى والحمد لله. # PageV15P188 # الثانية - قوله تعالى: " فاحكم بين الناس بالحق " أي بالعدل وهو أمر على ~~الوجوب وقد ارتبط هذا بما قبله، وذلك أن الذي عوتب عليه داود طلبه المرأة ~~من زوجها وليس ذلك بعدل. فقيل له بعد هذا، فاحكم بين الناس بالعدل " ولا ~~تتبع الهوى " أي لا تقتد بهواك المخالف لأمر الله " فيضلك عن سبيل الله " ~~أي ms5342 عن طريق الجنة. " إن الذين يضلون عن سبيل الله " " أي يحيدون عنها ~~ويتركونها " لهم عذاب شديد " في النار " بما نسوا يوم الحساب " أي بما ~~تركوا من سلوك طريق الله، فقوله: " نسوا " أي تركوا الإيمان به، أو تركوا ~~العمل به فصاروا كالناسين. ثم قيل: هذا لداود لما أكرمه الله بالنبوة. ~~وقيل: بعد أن تاب عليه وغفر خطيئته. # الثالثة - الأصل في الأقضية قوله تعالى: " يا داود إنا جعلناك خليفة في ~~الأرض فاحكم بين الناس بالحق " وقوله: " وأن احكم بينهم بما أنزل الله " ~~[المائدة: 49] وقوله تعالى: # " لتحكم بين الناس بما أراك الله " [النساء: 105] وقوله تعالى: " يا أيها ~~الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط " الآية. وقد تقدم الكلام فيه ~~(1). # الرابعة - قال ابن عباس في قوله تعالى: " يا داود إنا جعلناك خليفة في ~~الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله " قال: إن ~~ارتفع لك الخصمان فكان لك في أحدهما هوى، فلا تشته في نفسك الحق له ليفلج ~~على صاحبه (2)، فإن فعلت محوت اسمك من نبوتي، ثم لا تكون خليفتي ولا أهل ~~كرامتي. فدل هذا على بيان وجوب الحكم بالحق، وألا يميل إلى أحد الخصمين ~~لقرابة أو رجاء نفع، أو سبب يقتضي الميل من صحبة أو صداقة، أو غيرهما. وقال ~~ابن عباس: إنما ابتلي سليمان بن داود عليه السلام، لأنه تقدم إليه خصمان ~~فهوي أن يكون الحق لأحدهما. وقال عبد العزيز بن أبي رواد: بلغني أن قاضيا ~~كان في زمن بني إسرائيل، بلغ من اجتهاده أن طلب إلى ربه # PageV15P189 # أن يجعل بينه وبينه علما، إذا هو قضى بالحق عرف ذلك، وإذا هو قصر عرف ~~ذلك، فقيل له: ادخل منزلك، ثم مد يدك في جدارك، ثم انظر حيث تبلغ أصابعك من ~~الجدار فاخطط عندها خطا، فإذا أنت قمت من مجلس القضاء، فارجع إلى ذلك الخط ~~فامدد يدك إليه، فإنك متى ما كنت على الحق فإنك ستبلغه، وإن قصرت عن الحق ~~قصر بك، فكان يغدو إلى القضاء وهو مجتهد فكان لا يقضي ms5343 إلا بحق، وإذا قام من ~~مجلسه وفرغ لم يذق طعاما ولا شرابا، ولم يفض إلى أهله بشئ من الأمور حتى ~~يأتي ذلك الخط، فإذا بلغه حمد الله وأفضى إلى كل ما أحل الله له من أهل أو ~~مطعم أو مشرب. فلما كان ذات يوم وهو في مجلس القضاء، أقبل إليه رجلان ~~يريدانه فوقع في نفسه أنهما يريدان أن يختصما إليه، وكان أحدهما له صديقا ~~وخدن، فتحرك قلبه عليه محبة أن يكون الحق له فيقضي له، فلما أن تكلما دار ~~الحق على صاحبه فقضى عليه، فلما قام من مجلسه ذهب إلى خطه كما كان يذهب كل ~~يوم، فمد يده إلى الخط فإذا الخط قد ذهب وتشمر إلى السقف، وإذا هو لا يبلغه ~~فخر ساجدا وهو يقول: يا رب شيئا لم أتعمده ولم أرده فبينه لي. فقيل له: # أتحسبن أن الله تعالى لم يطلع على خيانة قلبك، حيث أحببت أن يكون الحق ~~لصديقك لتقضي له به، قد أردته وأحببته ولكن الله قد رد الحق إلى أهله وأنت ~~كاره. وعن ليث قال: تقدم إلى عمر بن الخطاب خصمان فأقامهما، ثم عادا ~~فأقامهما، ثم عادا ففصل بينهما، فقيل له في ذلك، فقال: تقدما إلي فوجدت ~~لأحدهما ما لم أجد لصاحبه، فكرهت أن أفصل بينهما على ذلك، ثم، عادا فوجدت ~~بعض ذلك له، ثم عادا وقد ذهب ذلك ففصلت بينهما. وقال الشعبي: كان بين عمر ~~وأبي خصومة، فتقاضيا إلى زيد بن ثابت، فلما دخلا عليه أشار لعمر إلى ~~وسادته، فقال عمر: هذا أول جورك، أجلسني وإياه مجلسا واحدا، فجلسا بين ~~يديه. # الخامسة - هذه الآية تمنع من حكم الحاكم بعلمه، لأن الحكام لو مكنوا أن ~~يحكموا بعلمهم لم يشأ أحدهم إذا أراد أن يحفظ وليه ويهلك عدوه إلا ادعى ~~علمه فيما حكم به. # ونحو ذلك روي عن جماعة من الصحابة منهم أبو بكر، قال: لو رأيت رجلا على ~~حد من حدود PageV15P190 # الله، ما أخذته حتى يشهد على ذلك غيري. وروي أن امرأة جاءت إلى عمر فقالت ms5344 ~~له: # احكم لي على فلان بكذا فإنك تعلم ما لي عنده. فقال لها: إن أردت أن أشهد ~~لك فنعم وأما الحكم فلا. وفي صحيح مسلم عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قضى بيمين وشاهد، وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اشترى ~~فرسا فجحده البائع، فلم يحكم عليه بعلمه وقال: " من يشهد لي " فقام خزيمة ~~فشهد فحكم. خرج الحديث أبو داود وغيره وقد مضى في " البقرة ". (1) قوله ~~تعالى: وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما بطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل ~~للذين كفروا من النار أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في ~~الأرض أم نجعل المتقين كالفجار كتب أنزلناه إليك مبرك ليدبروا آياته ~~وليتذكر أولوا الألباب قوله تعالى: " وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما ~~باطلا " أي هزلا ولعبا. أي ما خلقنا هما إلا لأمر صحيح وهو الدلالة على ~~قدرتنا. " ذلك ظن الذين كفروا " أي حسبان الذين كفروا أن الله خلقهما ~~باطلا. " فويل للذين كفروا من النار " ثم ونجهم فقال: # " أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات " والميم صلة تقديره، أنجعل الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات " كالمفسدين في الأرض " فكان في هذا رد على المرجئة، ~~لأنهم يقولون: يجوز أن يكون المفسد ما لصالح أو أرفع درجة منه. وبعده أيضا: ~~" أم نجعل المتقين كالفجار " أي أنجعل أصحاب محمد عليه السلام كالكفار، ~~قاله ابن عباس. وقيل هو عام في المسلمين المتقين والفجار الكافرين وهو ~~أحسن، وهو رد على منكري البعث الذين جعلوا مصير المطيع والعاصي إلى شئ ~~واحد. # PageV15P191 # قوله تعالى: " كتاب " أي هذا كتاب " أنزلناه إليك مبارك " يا محمد " ~~ليدبروا " أي ليتدبروا فأدغمت التاء في الدال. وفي هذا دليل على، وجوب ~~معرفة معاني القرآن، ودليل على أن الترتيل أفضل من الهذ (1)، إذ لا يصح ~~التدبر مع الهذ على ما بيناه في كتاب التذكار. وقال الحسن: تدبر آيات الله ~~اتباعها. وقراءة العامة " ليدبروا ". وقرأ أبو حنيفة وشيبة " لتدبروا " ~~بتاء وتخفيف الدال، وهي قراءة علي (2) رضي الله عنه، والأصل لتتدبروا فحذف ~~إحدى ms5345 التاءين تخفيفا " وليتذكر أولو الألباب " أي أصحاب العقول واحدها لب، ~~وقد جمع على ألب، كما جمع بؤس على أبؤس، ونعم على أنعم، قال أبو طالب: # قلبي إليه مشرف الألب وربما أظهروا التضعيف في ضرورة الشعر، قال الكميت: # إليكم ذوي آل النبي تطلعت * نوازع من قلبي ظماء وألبب قوله تعالى: ووهبنا ~~لداود سليمن نعم العبد إنه أواب إذا عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد فقال ~~إني أحببت حب الخير عن ذكر ربى حتى توارت بالحجاب ردوها على فطفق مسحا ~~بالسوق والأعناق قوله تعالى: " ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب " ~~لما ذكر داود ذكر سليمان و " أواب " معناه مطيع. " إذ عرض عليه بالعشي ~~الصافنات الجياد " يعني الخيل جمع جواد للفرس إذا كان شديد الحضر، كما يقال ~~للإنسان جواد إذا كان كثير العطية غزيرها، يقال: قوم أجواد وخيل جياد، جاد ~~الرجل بماله يجود جودا فهو جواد، وقوم جود مثال # PageV15P192 # قذال وقذل، وإنما سكنت الواو لأنها حرف علة، وأجواد وأجاود وجوداء، وكذلك ~~امرأة جواد ونسوة جود مثل نوار ونور، قال الشاعر (1): # صناع بإشفاها حصان بشكرها * جواد بقوت البطن والعرق زاخر وتقول: سرنا ~~عقبة جوادا، وعقبتين جوادين، وعقبا جيادا. وجاد الفرس أي صار رائعا يجود ~~جودة " بالضم " فهو جواد للذكر والأنثى، من خيل جياد وأجياد وأجاويد. وقيل: # إنها الطوال الأعناق مأخوذ من الجيد وهو العنق، لأن طول الأعناق " في " ~~الخيل من صفات فراهتها. وفي الصافنات أيضا وجهان: أحدهما أن صفونها قيامها. ~~قال القتبي والفراء: # الصافن في كلام العرب الواقف من الخيل أو غيرها. ومنه ما روي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من سره أن يقوم له الرجال صفونا فليتبوأ ~~مقعده من النار " أي يديمون له القيام، حكاه قطرب أيضا وأنشد قول النابغة: # لنا قبة مضروبة بفنائها * عتاق المهارى والجياد الصوافن وهذا قول قتادة. ~~الثاني أن صفونها رفع إحدى اليدين على طرف الحافر حتى يقوم على ثلاث كما ~~قال الشاعر: # ألف الصفون فما يزال كأنه * مما يقوم على الثلاث كسيرا (2) وقال عمرو بن ms5346 ~~كلثوم: # تركنا الخيل عاكفة عليه * مقلدة أعنتها صفونا وهذا قول مجاهد. قال ~~الكلبي: غزا سليمان أهل دمشق ونصيبين فأصاب منهم ألف فرس. وقال مقاتل: ورث ~~سليمان من أبيه داود ألف فرس، وكان أبوه أصابها من العمالقة. وقال الحسن: ~~بلغني أنها كانت خيلا خرجت من البحر لها أجنحة. وقاله الضحاك. # وأنها كانت خيلا أخرجت لسليمان من البحر منقوشة ذات أجنحة. ابن زيد: أخرج # PageV15P193 # لا لشيطان لسليمان الخيل من البحر من مروج البحر، وكانت لها أجنحة. وكذلك ~~قال علي رضي الله عنه: كانت عشرين فرسا ذوات أجنحة. وقيل: كانت مائة فرس. ~~وفي الخبر عن إبراهيم التيمي: أنها كانت عشرين ألفا، فالله أعلم. فقال: " ~~إني أحببت حب الخير عن ذكر ربى " يعنى بالخير الخيل، والعرب تسميها كذلك، ~~وتعاقب بين الراء واللام، فتقول: # انهملت العين وانهمرت، وختلت وخترت إذا خدعت. قال الفراء: الخير في كلام ~~العرب والخيل واحد. النحاس: في الحديث: " الخيل معقود في نواصيها الخير إلى ~~يوم القيامة " فكأنها سميت خيرا لهذا. وفي الحديث: لما وفد زيد الخيل على ~~النبي صلى الله عليه وسلم، قال له: # " أنت زيد الخير " وهو زيد بن مهلهل الشاعر. وقيل: إنما سميت خيرا لما ~~فيها من المنافع. وفي الخبر: إن الله تعالى عرض على آدم جميع الدواب، وقيل ~~له: اختر منها واحدا فاختار الفرس، فقيل له: اخترت عزك، فصار اسمه الخير من ~~هذا الوجه. وسمي خيلا، لأنها موسومة بالعز. وسمي فرسا لأنه يفترس مسافات ~~الجو افتراس الأسد وثبانا، ويقطعها كالالتهام بيديه على كل شئ خبطا ~~وتناولا. وسمي عربيا لأنه جئ به من بعد آدم لإسمعيل جزاء عن رفع قواعد ~~البيت، وإسماعيل عربي فصارت له نحلة من الله، فسمى عربيا. # و " حب " مفعول في قول الفراء. والمعنى إني آثرت حب الخير. وغيره يقدره ~~مصدرا أضيف إلى المفعول، أي أحببت الخير حبا فألهاني عن ذكر ربي. وقيل: إن ~~معنى " أحببت " قعدت وتأخرت من قولهم: أحب البعير إذا برك وتأخر. وأحب فلان ~~أي طأطأ رأسه. قال أبو زيد: يقال بعير محب، ms5347 وقد أحب إحبابا وهو أن يصيبه ~~مرض أو كسر فلا يبرح مكانه حتى يبرأ أو يموت. وقال ثعلب: يقال أيضا للبعير ~~الحسير محب، فالمعنى قعدت عن ذكر ربي. و " حب " على هذا مفعول له. وذكر أبو ~~الفتح الهمداني في كتاب التبيان: # أحببت بمعنى لزمت، من قوله (1): # مثل بعير السوء إذ أحبا # PageV15P194 # " حتى توارت بالحجاب " يعني الشمس كناية عن غير مذكور، مثل قوله تعالى: " ~~ما ترك على ظهرها من دابة " [فاطر: 45] أي على ظهر الأرض، وتقول العرب: ~~هاجت باردة أي هاجت الريح باردة. وقال الله تعالى: " حتى إذا بلغت الحلقوم ~~" أي بلغت النفس الحلقوم " [الواقعة: 83] وقال تعالى: " إنها ترمي بشرر ~~كالقصر " [المرسلات: 32] ولم يتقدم للنار ذكر. وقال الزجاج: إنما يجوز ~~الإضمار إذا جرى ذكر الشئ أو دليل الذكر، وقد جرى هاهنا الدليل وهو قوله: " ~~بالعشي ". # والعشي ما بعد الزوال، والتواري الاستتار عن الأبصار، والحجاب جبل أخضر ~~محيط بالخلائق، قاله قتادة وكعب. وقيل: هو جبل قاف. وقيل: جبل دون قاف. ~~والحجاب الليل سمي حجابا، لأنه يستر ما فيه. وقيل: " حتى توارت " أي الخيل ~~في المسابقة. وذلك أن سليمان كان له ميدان مستدير يسابق فيه بين الخيل، حتى ~~توارت عنه وتغيب عن عينه في المسابقة، لأن الشمس لم يجر لها ذكر. وذكر ~~النحاس أن سليمان عليه السلام كان في صلاة فجئ إليه بخيل لتعرض عليه قد ~~غنمت فأشار بيده لأنه كان يصلي حتى توارت الخيل وسترتها جدر الاصطبلات فلما ~~فرغ من صلاته قال: " ردوها علي فطفق مسحا " أي فأقبل يمسحها مسحا. وفي ~~معناه قولان: أحدهما أنه أقبل يمسح سوقها وأعناقها بيده إكراما منه لها، ~~وليرى أن الجليل لا يقبح أن يفعل مثل هذا بخيله. وقال قائل هذا القول: كيف ~~يقتلها؟ وفي ذلك إفساد المال ومعاقبة من لا ذنب له. وقيل: المسح ها هنا هو ~~القطع أذن له في قتلها. # قال الحسن والكلبي ومقاتل: صلى سليمان الصلاة الأولى وقعد على كرسيه وهي ~~تعرض عليه، وكانت ألف فرس، فعرض عليه منها تسعمائة فتنبه لصلاة العصر، ms5348 فإذا ~~الشمس قد غربت وفاتت الصلاة، ولم يعلم بذلك هيبة له فاغتم، فقال: " ردوها ~~علي " فردت فعقرها بالسيف، قربة لله وبقي منها مائة، فما في أيدي الناس من ~~الخيل العتاق اليوم فهي من نسل تلك الخيل. قال القشيري: وقيل: ما كان في ~~ذلك الوقت صلاة الظهر ولا صلاة العصر، بل كانت تلك الصلاة نافلة فشغل عنها. ~~وكان سليمان عليه السلام رجلا مهيبا، فلم يذكره أحد ما نسي من الفرض أو ~~النفل وظنوا التأخر مباحا، فتذكر سليمان تلك PageV15P195 # الصلاة الفائتة، وقال على سبيل التلهف: " إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي ~~" أي عن الصلاة، وأمر برد الأفراس إليه، وأمر بضرب عراقيبها وأعناقها، ولم ~~يكن ذلك معاقبة للأفراس، إذ ذبح البهائم جائز إذا كانت مأكولة، بل عاقب ~~نفسه حتى لا تشغله الخيل بعد ذلك عن الصلاة. ولعله عرقبها ليذبحها فحبسها ~~بالعرقبة عن النفار، ثم ذبحها في الحال، ليتصدق بلحمها، أو لأن ذلك كان ~~مباحا في شرعه فأتلفها لما شغلته عن ذكر الله، حتى يقطع عن نفسه ما يشغله ~~عن الله، فأثنى الله عليه بهذا، وبين أنه أثابه بأن سخر له الريح، فكان ~~يقطع عليها من المسافة في يوم ما يقطع مثله على الخيل في شهرين غدوا ~~ورواحا. # وقد قيل: إن الهاء في قوله: " ردوها علي " للشمس لا للخيل. # قال ابن عباس: سألت عليا عن هذه الآية فقال: ما بلغك فيها؟ فقلت سمعت ~~كعبا يقول: إن سليمان لما اشتغل بعرض الأفراس حتى توارت الشمس بالحجاب ~~وفاتته الصلاة، قال: " إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي " أي آثرت " حب الخير ~~عن ذكر ربي " الآية " ردوها علي " يعني الأفراس وكانت أربع عشرة، فضرب ~~سوقها وأعناقها بالسيف، وأن الله سلبه ملكه أربعة عشر يوما، لأنه ظلم ~~الخيل. فقال علي بن أبي طالب: كذب كعب لكن سليمان اشتغل بعرض الأفراس ~~للجهاد حتى توارت أي غربت الشمس بالحجاب فقال بأمر الله للملائكة الموكلين ~~بالشمس: " ردوها " يعني الشمس فردوها حتى صلى العصر في وقتها، وأن أنبياء ~~الله لا يظلمون ms5349 لأنهم معصومون. # قلت: الأكثر في التفسير أن التي توارت بالحجاب هي الشمس، وتركها لدلالة ~~السامع عليها بما ذكر مما يرتبط بها ومتعلق بذكرها، حسب ما تقدم بيانه. ~~وكثيرا ما يضمرون الشمس، قال لبيد: # حتى إذا ألقت يدا في كافر * وأجن عورات الثغور ظلامها الهاء في " ردوها " ~~للخيل، ومسحها قال الزهري وابن كيسان: كان يمسح سوقها وأعناقها، ويكشف ~~الغبار عنها حبا لها. وقال الحسن وقتادة وابن عباس. وفي الحديث أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم رؤي وهو يمسح فرسه بردائه. وقال: " إني عوتبت الليلة في ~~الخيل " PageV15P196 # خرجه الموطأ عن يحيى بن سعيد مرسلا. وهو في غير الموطأ مسند متصل عن مالك ~~عن يحيى بن سعيد عن أنس. وقد مضى في " الأنفال " (1) قوله عليه السلام: " ~~وامسحوا بنواصيها وأكفالها " وروى ابن وهب عن مالك أنه مسح أعناقها وسوقها ~~بالسيوف. # قلت: وقد استدل الشبلي وغيره من الصوفية في تقطيع ثيابهم وتخريقها بفعل ~~سليمان، هذا. وهو استدلال فاسد، لأنه لا يجوز أن ينسب إلى نبي معصوم أنه ~~فعل الفساد. # والمفسرون اختلفوا في معنى الآية، فمنهم من قال: مسح على أعناقها وسوقها ~~إكراما لها وقال: أنت في سبيل الله، فهذا إصلاح. ومنهم من قال: عرقبها ثم ~~ذبحها، وذبح الخيل وأكل لحمها جائز. وقد مضى في " النحل " (2) بيانه. وعلى ~~هذا فما فعل شيئا عليه فيه جناح. # فأما إفساد ثوب صحيح لا لغرض صحيح فإنه لا يجوز. ومن الجائز أن يكون في ~~شريعة سليمان جواز ما فعل، ولا يكون في شرعنا. وقد قيل: إنما فعل بالخيل ما ~~فعل بإباحة الله جل وعز له ذلك. وقد قيل: إن مسحه إياها وسمها بالكي وجعلها ~~في سبيل الله، فالله أعلم. وقد ضعف هذا القول من حيث أن السوق ليست بمحل ~~للوسم بحال. وقد يقال: الكي على الساق علاط، وعلى العنق وثاق. والذي في ~~الصحاح للجوهري: علط البعير علطا كواه في عنقه بسمة العلاط. والعلاطان ~~جانبا العنق. # قلت: ومن قال إن الهاء في " ردوها " ترجع للشمس فذلك من معجزاته. وقد ~~اتفق مثل ms5350 ذلك لنبينا صلى الله عليه وسلم. خرج الطحاوي في مشكل الحديث عن ~~أسماء بنت عميس من طريقين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوحى إليه ورأسه ~~في حجر علي، فلم يصل العصر حتى غربت الشمس، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " أصليت يا علي " قال: لا. # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اللهم إنه كان في طاعتك وطاعة ~~رسولك فأردد عليه الشمس " قالت أسماء: فرأيتها غربت ثم رأيتها بعدما غربت ~~طلعت على الجبال والأرض، وذلك بالصهباء في خيبر. قال الطحاوي: وهذان ~~الحديثان ثابتان، ورواتهما ثقات. # PageV15P197 # قلت: وضعف أبو الفرج ابن الجوزي هذا الحديث فقال: وغلو الرافضة في حب علي ~~عليه السلام حملهم على أن وضعوا أحاديث كثيرة في فضائله، منها أن الشمس ~~غابت ففاتت عليا عليه السلام العصر فردت له الشمس، وهذا من حيث النقل محال، ~~ومن حيث المعنى فإن الوقت قد فات وعودها طلوع متجدد لا يرد الوقت. ومن قال: ~~أن الهاء ترجع إلى الخيل، وأنها كانت تبعد عن عين سليمان في السباق، ففيه ~~دليل على المسابقة بالخيل وهو أمر مشروع. وقد مضى القول فيه في " يوسف (1). # " قوله تعالى: ولقد فتنا سليمن وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب قال رب ~~اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب فسخرنا له الريح ~~تجرى بأمره رخاء حيث أصاب والشياطين كل بناء وغواص وآخرين مقرنين في ~~الأصفاد هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب ~~قوله تعالى: " ولقد فتنا سليمان " قيل: فتن سليمان بعد ما ملك عشرين سنة، ~~وملك بعد الفتنة عشرين سنة، ذكره الزمخشري. و " فتنا " أي ابتلينا وعاقبنا. ~~وسبب ذلك ما رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: اختصم إلى سليمان عليه ~~السلام فريقان أحدهما من أهل جرادة امرأة سليمان، وكان يحبها فهوى أن يقع ~~القضاء لهم، ثم قضى بينهما بالحق، فأصابه الذي أصابه عقوبة لذلك الهوى. ~~وقال سعيد بن المسيب: إن سليمان عليه السلام احتجب ms5351 عن الناس ثلاثة أيام لا ~~يقضي بين أحد، ولا ينصف مظلوما من ظالم، فأوحى الله تعالى إليه: " إني لم ~~أستخلفك لتحتجب عن عبادي ولكن لتقضي بينهم وتنصف مظلومهم ". # PageV15P198 # وقال شهر بن حوشب ووهب بن منبه: إن سليمان عليه السلام سبى بنت ملك غزاه ~~في البحر، في جزيرة من جزائر البحر يقال لها صيدون. فألقيت عليه محبتها وهي ~~تعرض عنه، لا تنظر إليه إلا شزرا، ولا تكلمه إلا نزرا، وكان لا يرقأ لها ~~دمع حزنا على أبيها، وكانت في غاية من الجمال، ثم إنها سألته أن يصنع لها ~~تمثالا على صورة أبيها حتى تنظر إليه، فأمر فصنع لها فعظمته وسجدت له، ~~وسجدت معها جواريها، وصار صنما معبودا في داره وهو لا يعلم، حتى مضت أربعون ~~ليلة، وفشا خبره في بني إسرائيل وعلم به سليمان فكسره، وحرقه ثم ذراه في ~~البحر. وقيل: إن سليمان لما أصاب ابنة ملك صيدون واسمها جرادة - فيما ذكر ~~الزمخشري - أعجب بها، فعرض عليها الإسلام فأبت، فخوفها فقالت: اقتلني ولا ~~أسلم فتزوجها وهي مشركة فكانت تعبد صنما لها من ياقوت أربعين يوما في خفية ~~من سليمان إلى أن أسلمت فعوقب سليمان بزوال ملكه أربعين يوما. وقال كعب ~~الأحبار: إنه لما ظلم الخيل بالقتل سلب ملكه. وقال الحسن: إنه قارب بعض ~~نسائه في شئ من حيض أو غيره. وقيل: # إنه أمر ألا يتزوج امرأة إلا من بني إسرائيل، فتزوج امرأة من غيرهم، ~~فعوقب على ذلك، والله أعلم. # قوله تعالى: " وألقينا على كرسيه جسدا " قيل: شيطان في قول أكثر أهل ~~التفسيرين، ألقى الله شبه سليمان عليه السلام عليه، واسمه صخر بن عمير صاحب ~~البحر، وهو الذي دل سليمان على الماس حين أمر سليمان ببناء بيت المقدس، ~~فصوتت الحجارة لما صنعت بالحديد، فأخذوا الماس فجعلوا يقطعون به الحجارة ~~والفصوص وغيرها ولا تصوت. قال ابن عباس: # كان ماردا لا يقوى عليه جميع الشياطين، ولم يزل يحتال حتى ظفر بخاتم ~~سليمان بن داود، وكان سليمان لا يدخل الكنيف بخاتمه، فجاء صخر في صورة ms5352 ~~سليمان حتى أخذ الخاتم من امرأة من نساء سليمان أم ولد له يقال لها ~~الأمينة، قاله شهر ووهب. وقال ابن عباس وابن جبير: # اسمها جرادة. فقام أربعين يوما على ملك سليمان وسليمان هارب، حتى رد الله ~~عليه الخاتم والملك. # وقال سعيد بن المسيب: كان سليمان قد وضع خاتمه تحت فراشه، فأخذه الشيطان ~~من تحته. PageV15P199 # وقال مجاهد: أخذه الشيطان من يد سليمان، لأن سليمان سأل الشيطان وكان ~~اسمه آصف: # كيف تضلون الناس؟ فقال له الشيطان: أعطني خاتمك حتى أخبرك. فأعطاه خاتمه، ~~فلما أخذ الشيطان الخاتم جلس على كرسي سليمان، متشبها بصورته، داخلا على ~~نسائه، يقضي بغير الحق، ويأمر بغير الصواب (1). واختلف في إصابته لنساء ~~سليمان، فحكي عن ابن عباس ووهب بن منبه: أنه كان يأتيهن في حيضهن. وقال ~~مجاهد: منع من إتيانهن وزال عن سليمان ملكه فخرج هاربا إلى ساحل البحر ~~يتضيف الناس، ويحمل سموك الصيادين بالأجر، وإذا أخبر الناس أنه سليمان ~~أكذبوه. قال قتادة: ثم إن سليمان بعد أن استنكر بنو إسرائيل حكم الشيطان ~~أخذ حوته من صياد. قيل: إنه استطعمها. وقال ابن عباس: أخذها أجرة في حمل ~~حوت. وقيل: إن سليمان صادها فلما شق بطنها وجد خاتمه فيها، وذلك بعد أربعين ~~يوما من زوال ملكه، وهي عدد الأيام التي عبد " فيها " الصنم في داره، وإنما ~~وجد الخاتم في بطن الحوت، لأن الشيطان الذي أخذه ألقاه في البحر. وقال علي ~~بن أبي طالب رضي الله عنه: # بينما سليمان على شاطئ البحر وهو يعبث بخاتمه، إذ سقط منه في البحر وكان ~~ملكه في خاتمه. # وقال جابر بن عبد الله: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " كان نقش خاتم ~~سليمان بن داود لا إله إلا الله محمد رسول الله. " وحكى يحيى بن أبي عمرو ~~الشيباني أن سليمان وجد خاتمه بعسقلان، فمشى منها إلى بيت المقدس تواضعا ~~لله تعالى. قال أبن عباس وغيره: ثم إن # PageV15P200 # سليمان لما رد الله عليه ملكه، أخذ صخرا الذي أخذ خاتمه، ونقر له صخرة ~~وأدخله فيها، وسد عليه ms5353 بأخرى وأوثقها بالحديد والرصاص، وختم عليها بخاتمه ~~وألقاها في البحر، وقال: هذا محبسك إلى يوم القيامة. وقال علي رضي الله ~~عنه: لما أخذ سليمان الخاتم، أقبلت إليه الشياطين والجن والإنس والطير ~~والوحش والريح، وهرب الشيطان الذي خلف في أهله، فأتى جزيرة في البحر، فبعث ~~إليه الشياطين فقالوا: لا نقدر عليه، ولكنه يرد عينا في الجزيرة في كل سبعة ~~أيام يوما، ولا نقدر عليه حتى يسكر! قال: فنزح سليمان ماءها وجعل فيها ~~خمرا، فجاء يوم وروده فإذا هو بالخمر، فقال: والله إنك لشراب طيب إلا أنك ~~تطيشين الحليم، وتزيدين الجاهل جهلا. ثم عطش عطشا شديدا ثم أتاه فقال مثل ~~مقالته، ثم شربها فغلبت على عقله، فأروه الخاتم فقال: سمعا وطاعة. فأتوا به ~~سليمان فأوثقه وبعث به إلى جبل، فذكروا أنه جبل الدخان فقالوا: إن الدخان ~~الذي ترون من نفسه، والماء الذي يخرج من الجبل من بوله. وقال مجاهد: اسم ~~ذلك الشيطان آصف. وقال السدي اسمه حبقيق، فالله أعلم. وقد ضعف هذا القول من ~~حيث إن الشيطان لا يتصور بصورة الأنبياء، ثم من المحال أن يلتبس على أهل ~~مملكة سليمان الشيطان بسليمان حتى يظنوا أنهم مع نبيهم في حق، وهم مع ~~الشيطان في باطل. وقيل: إن الجسد ولد ولد لسليمان، وأنه لما ولد اجتمعت ~~الشياطين، وقال بعضهم لبعض: إن عاش له ابن لم ننفك مما نحن فيه من البلاء ~~والسخرة، فتعالوا نقتل ولده أو نخبله. فعلم سليمان بذلك فأمر الريح حتى ~~حملته إلى السحاب، وغدا ابنه في السحاب خوفا من مضرة الشياطين، فعاقبه الله ~~بخوفه من الشياطين، فلم يشعر إلا وقد وقع على كرسيه ميتا. قال معناه ~~الشعبي. فهو الجسد الذي قال الله تعالى: # " وألقينا على كرسيه جسدا ". # وحكى النقاش وغيره: إن أكثر ما وطئ سليمان جواريه طلبا للولد، فولد له ~~نصف إنسان، فهو كان الجسد الملقى على كرسيه جاءت به القابلة فألقته هناك. ~~وفي صحيح البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: قال سليمان لأطوفن ms5354 الليلة على PageV15P201 # تسعين امرأة كلهن تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله فقال له صاحبه قل إن شاء ~~الله، فلم يقل إن شاء الله فطاف عليهن جميعا فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة ~~جاءت بشق رجل، وأيم الذي نفس محمد بيده لو قال إن شاء الله لجاهد وا في ~~سبيل الله فرسانا أجمعون " وقيل: إن الجسد هو آصف بن برخيا الصديق كاتب ~~سليمان، وذلك أن سليمان لما فتن سقط الخاتم من يده وكان فيه ملكه، فأعاده ~~إلى يده فسقط فأيقن بالفتنة، فقال له آصف: إنك مفتون ولذلك لا يتماسك في ~~يدك، ففر إلى الله تعالى تائبا من ذلك، وأنا أقوم مقامك في عالمك إلى أن ~~يتوب الله عليك، ولك من حين فتنت أربعة عشر يوما. ففر سليمان هاربا إلى ~~ربه، وأخذ آصف الخاتم فوضعه في يده فثبت، وكان عنده علم من الكتاب. وقام ~~آصف في ملك سليمان وعياله، يسير بسيره ويعمل بعمله، إلى أن رجع سليمان إلى ~~منزله تائبا إلى الله تعالى، ورد الله عليه ملكه، فأقام آصف في مجلسه، وجلس ~~على كرسيه وأخذ الخاتم. وقيل: إن الجسد كان سليمان نفسه، وذلك أنه مرض مرضا ~~شديدا حتى صار جسدا. وقد يوصف به المريض المضنى فيقال: كالجسد الملقى. # صفة كرسي سليمان وملكه روي عن ابن عباس قال: كان سليمان يوضع له ستمائة ~~كرسي، ثم يجئ أشراف الناس فيجلسون مما يليه، ثم يأتي أشراف الجن فيجلسون ~~مما يلي الإنس، ثم يدعو الطير فتظلهم، ثم يدعو الريح فتقلهم، وتسير بالغداة ~~الواحدة مسيرة شهر. وقال وهب وكعب وغيرهما: # إن سليمان عليه السلام لما ملك بعد أبيه، أمر باتخاذ كرسي ليجلس عليه ~~للقضاء، وأمر أن يعمل بديعا مهولا بحيث إذا رآه مبطل أو شاهد زور ارتدع ~~وتهيب، فأمر أن يعمل من أنياب الفيلة مفصصة بالدر والياقوت والزبرجد، وأن ~~يحف بنخيل الذهب، فحف بأربع نخلات من ذهب، شماريخها الياقوت الأحمر والزمرد ~~الأخضر، على رأس نخلتين منهما طاووسان من ذهب، وعلى رأس نخلتين نسران من ~~ذهب بعضها مقابل ms5355 لبعض، وجعلوا من جنبي الكرسي أسدين من ذهب، على رأس كل ~~واحد منهما عمود من الزمرد الأخضر. PageV15P202 # وقد عقدوا على النخلات أشجار كروم من الذهب الأحمر، واتخذوا عناقيدها من ~~الياقوت الأحمر، بحيث أظل عريش الكروم النخل والكرسي. وكان سليمان عليه ~~السلام إذا أراد صعوده وضع قدميه على الدرجة السفلى، فيستدير الكرسي كله ~~بما فيه دوران الرحى المسرعة، وتنشر تلك النسور والطواويس أجنحتها، ويبسط ~~الأسدان أيديهما، ويضربان الأرض بأذنابهما. وكذلك يفعل في كل درجة يصعدها ~~سليمان، فإذا استوى بأعلاه أخذ النسران اللذان على النخلتين تاج سليمان ~~فوضعاه على رأسه، ثم يستدير الكرسي بما فيه، ويدور معه النسران والطاووسان ~~والأسدان مائلان برؤوسهما إلى سليمان، وينضحن عليه من أجوافهن المسك ~~والعنبر، ثم تناول حمامة من ذهب قائمة على عمود من أعمدة الجواهر فوق ~~الكرسي التوراة، فيفتحها سليمان عليه السلام ويقرؤها على الناس ويدعوهم إلى ~~فصل القضاء. # قالوا: ويجلس عظماء بني إسرائيل على كراسي الذهب المفصصة بالجواهر، وهي ~~ألف كرسي عن يمينه، ويجلس عظماء الجن على كراسي الفضة عن يساره وهي ألف ~~كرسي، ثم تحف بهم الطير تظلهم، ويتقدم الناس لفصل القضاء. فإذا تقدمت ~~الشهود للشهادات، دار الكرسي بما فيه وعليه دوران الرحى المسرعة، ويبسط ~~الأسدان أيديهما ويضربان الأرض بأذنابهما، وينشر النسران والطاووسان ~~أجنحتهما، فتفزع الشهود فلا يشهدون إلا بالحق. # وقيل: إن الذي كان يدور بذلك الكرسي تنين من ذهب ذلك الكرسي عليه، وهو ~~عظيم مما عمله له صخر الجني، فإذا أحست بدورانه تلك النسور والأسد ~~والطواويس التي في أسفل الكرسي إلى أعلاه درن معه، فإذا وقفن وقفن كلهن عل ~~رأس سليمان وهو جالس، ثم ينضحن جميعا على رأسه ما في أجوافهن من المسك ~~والعنبر. فلما توفي سليمان بعث بختنصر فأخذ الكرسي فحمله إلى أنطاكية، ~~فأراد أن يصعد إليه ولم يكن له علم كيف يصعد إليه، فلما وضع رجله ضرب الأسد ~~رجله فكسرها، وكان سليمان إذا صعد وضع قدميه جميعا. ومات بختنصر وحمل ~~الكرسي إلى بيت المقدس، فلم يستطع قط ملك أن يجلس عليه، ms5356 ولكن لم يدر أحد ~~عاقبة أمره ولعله رفع. PageV15P203 # قوله تعالى: " ثم أناب " أي رجع إلى الله وتاب. وقد تقدم. # قوله تعالى: " قال رب اغفر لي " أي أغفر لي ذنبي " وهب لي ملكا لا ينبغي ~~لاحد من بعدي " يقال: كيف أقدم سليمان على طلب الدنيا مع ذمها من الله ~~تعالى، وبغضه لها، وحقارتها لديه؟. فالجواب أن ذلك محمول عند العلماء على ~~أداء حقوق الله تعالى وسياسة ملكه، وترتيب منازل خلقه، وإقامة حدوده، ~~والمحافظة على رسومه، وتعظيم شعائره، وظهور عبادته، ولزوم طاعته، ونظم ~~قانون الحكم النافذ عليهم منه، وتحقيق الوعود في أنه يعلم ما لا يعلم أحد ~~من خلقه حسب ما صرح بذلك لملائكته فقال: " إني أعلم ما لا تعلمون " ~~[البقرة: 30] وحوشي سليمان عليه السلام أن يكون سؤاله طلبا لنفس الدنيا، ~~لأنه هو والأنبياء أزهد خلق الله فيها، وإنما سأل مملكتها لله، كما سأل نوح ~~دمارها وهلاكها لله، فكانا محمودين مجابين إلى ذلك، فأجيب نوح فأهلك من ~~عليها، وأعطى سليمان المملكة. وقد قيل: أن ذلك كان بأمر من الله جل وعز على ~~الصفة التي علم الله أنه لا يضبطه إلا هو وحده دون سائر عباده، أو أراد أن ~~يقول ملكا عظيما فقال: " لا ينبغي لأحد من بعدي " وهذا فيه نظر. والأول ~~أصح. ثم قال له: " هذا عطاؤنا فأمنن أو أمسك بغير حساب " قال الحسن: ما من ~~أحد إلا ولله عليه تبعة في نعمه غير سليمان بن داود عليه السلام فإنه قال: ~~" هذا عطاؤنا " الآية. # قلت: وهذا يرد ما روي في الخبر: إن آخر الأنبياء دخولا الجنة سليمان بن ~~داود عليه السلام لمكان ملكه في الدنيا. وفى بعض الأخبار: يدخل الجنة بعد ~~الأنبياء بأربعين خريفا، ذكره صاحب القوت وهو حديث لا أصل له، لأنه سبحانه ~~إذا كان عطاؤه لا تبعة فيه لأنه من طريق المنة، فكيف يكون آخر الأنبياء ~~دخولا الجنة، وهو سبحانه يقول: " وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب ". وفي ~~الصحيح: " لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته " الحديث. وقد تقدم ms5357 ~~فجعل له من قبل السؤال حاجة مقضية، فلذلك لم تكن عليه تبعة. ومعنى قوله: " ~~لا ينبغي لأحد من بعدي " أي أن يسأله. فكأنه سأل منع السؤال بعده، حتى لا ~~يتعلق به أمل أحد، ولم يسأل منع الإجابة. وقيل: إن سؤاله ملكا لا ينبغي ~~PageV15P204 # لأحد من بعده، ليكون محله وكرامته من الله ظاهرا في خلق السماوات والأرض، ~~فإن الأنبياء عليهم السلام لهم تنافس في المحل عنده، فكل يحب أن تكون له ~~خصوصية يستدل بها على محله عنده، ولهذا لما أخذ النبي صلى الله عليه وسلم ~~العفريت الذي أراد أن يقطع عليه صلاته وأمكنه الله منه، أراد ربطه ثم تذكر ~~قوله أخيه سليمان: " رب أغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي " فرده ~~خاسئا. فلو أعطي أحد بعده مثله ذهبت الخصوصية، فكأنه كره صلى الله عليه ~~وسلم أن يزاحمه في تلك الخصوصية، بعد أن علم أنه شئ هو الذي خص به من سخرة ~~الشياطين، وأنه أجيب إلى ألا يكون لأحد بعده. والله أعلم. # قوله تعالى: " فسخرنا له الريح تجرى بأمره رخاء " أي لينة مع قوتها ~~وشدتها حتى لا تضر بأحد، وتحمله بعسكره وجنوده وموكبه. وكان موكبه فيما روي ~~فرسخا في فرسخ، مائة درجة بعضها فوق بعض، كل درجة صنف من الناس، وهو في ~~أعلى درجة مع جواريه وحشمه وخدمه، صلوات الله وسلامه عليه. وذكر أبو نعيم ~~الحافظ قال: حدثنا أحمد بن جعفر، قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال ~~حدثنا أحمد بن محمد بن أيوب، قال حدثنا أبو بكر بن عياش عن إدريس بن وهب بن ~~منبه، قال حدثني أبي قال: كان لسليمان ابن داود عليه السلام ألف بيت أعلاه ~~قوارير وأسفله حديد، فركب الريح يوما فمر بحراث فنظر إليه الحراث فقال: لقد ~~أوتي آل داود ملكا عظيما! فحملت الريح كلامه فألقته في أذن سليمان، قال ~~فنزل حتى أتى الحراث فقال: إني سمعت قولك، وإنما مشيت إليك لئلا تتمنى مالا ~~تقدر عليه، لتسبيحة واحدة يقبلها الله منك لخير ms5358 مما أوتي آل داود. فقال ~~الحراث: # أذهب الله همك كما أذهبت همي. # قوله تعالى: " حيث أصاب " أي أراد، قاله مجاهد. والعرب تقول: أصاب الصواب ~~وأخطأ الجواب. أي أراد الصواب وأخطأ الجواب، قال ابن الأعرابي. # وقال الشاعر: # أصاب الكلام فلم يستطع * فأخطأ الجواب لدى المفصل PageV15P205 # وقيل: أصاب أراد بلغة حمير. وقال قتادة: هو بلسان هجر. وقيل: " حيث أصاب ~~" حينما قصد، وهو مأخوذ من إصابة السهم الغرض المقصود. # " والشياطين كل بناء وغواص " أي وسخرنا له الشياطين وما سخرت لأحد قبله. # " كل بناء " بدل من الشياطين أي كل بناء منهم، فهم يبنون له ما يشاء. قال ~~(1): # إلا سليمان إذ قال الإله له * قم في البرية فاحددها عن الفند وخيس الجن ~~إني قد أذنت لهم * يبنون تدمر بالصفاح والعمد " وغواص " يعني في البحر ~~يستخرجون له الدر. فسليمان أول من استخرج له اللؤلؤ من البحر. # " وآخرين مقرنين في الأصفاد " أي وسخرنا له مردة الشياطين حتى قرنهم في ~~سلاسل الحديد وقيود الحديد، قال قتادة. السدي: الأغلال. ابن عباس: في وثاق. ~~ومنه قول الشاعر (2): # فآبوا بالنهاب وبالسبايا * وأبنا بالملوك مصفدينا قال يحيى بن سلام: ولم ~~يكن يفعل ذلك إلا بكفارهم، فإذا آمنوا أطلقهم ولم يسخرهم. # قوله تعالى: " هذا عطاؤنا " الإشارة بهذا إلى الملك، أي هذا الملك عطاؤنا ~~فأعط من شئت أو امنع من شئت لا حساب عليك، عن الحسن والضحاك وغيرهما. قال ~~الحسن: # ما أنعم الله على أحد نعمة إلا عليه فيها تبعة إلا سليمان عليه السلام، ~~فإن الله تعالى يقول: # " هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب ". وقال قتادة: الإشارة في قوله ~~تعالى: # " هذا عطاؤنا " إلى ما أعطيه من القوة على الجماع، وكانت له ثلاثمائة ~~امرأة وسبعمائة سرية، وكان في ظهره ماء مائة رجل، رواه عكرمة عن ابن عباس ~~(3). ومعناه في البخاري. وعلى هذا " فامنن " من المني، يقال: أمنى يمني ~~ومنى يمني لغتان، فإذا أمرت من أمنى قلت أمن، ويقال: من منى يمني في الأمر ~~آمن، فإذا جئت بنون الفعل نون الخفيفة قلت امنن. ومن # PageV15P206 # ذهب ms5359 به إلى المنة قال: من عليه، فإذا أخرجه مخرج الأمر أبرز النونين، ~~لأنه كان مضاعفا فقال امنن. فيروى في الخبر أنه سخر له الشياطين، فمن شاء ~~من عليه بالعتق والتخلية، ومن شاء أمسكه، قال قتادة والسدي. وعلى ما روى ~~عكرمة عن ابن عباس: أي جامع من شئت من نسائك، واترك جماع من شئت منهن لا ~~حساب عليك. # " وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب " أي إن أنعمنا عليه في الدنيا فله عندنا ~~في الآخرة قربة وحسن مرجع. # قوله تعالى: واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أنى مسني الشيطان بنصب وعذاب ~~اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا ~~وذكرى لأولي الألباب قوله تعالى: " واذكر عبدنا أيوب " أمر للنبي صلى الله ~~عليه وسلم بالاقتداء بهم في الصبر على المكاره. " أيوب " بدل. " إذ نادى ~~ربه أنى مسني الشيطان بنصب وعذاب " وقرأ عيسى بن عمر " إني " بكسر الهمزة ~~أي قال. قال الفراء: وأجمعت القراء على أن قرأوا " بنصب " بضم النون ~~والتخفيف. النحاس: وهذا غلط وبعده مناقضة وغلط أيضا، لأنه قال: أجمعت ~~القراء على هذا، وحكى بعده أنهم ذكروا عن يزيد بن القعقاع أنه قرأ: " بنصب ~~" بفتح النون والصاد فغلط على أبي جعفر، وإنما قرأ أبو جعفر: " بنصب " بضم ~~النون والصاد، كذا حكاه أبو عبيد وغيره وهو مروي عن الحسن. فأما " بنصب " ~~فقراءة عاصم الجحدري ويعقوب الحضرمي. وقد رويت هذه القراءة عن الحسن وقد ~~حكي " بنصب " بفتح النون وسكون الصاد عن أبي جعفر. وهذا كله عند أكثر ~~النحويين بمعنى النصب فنصب ونصب كحزن وحزن. وقد يجوز أن يكون نصب جمع نصب ~~كو، ثن ووثن. ويجوز أن يكون نصب بمعنى نصب حذفت منه الضمة، فأما " وما ذبح ~~على النصب " [المائدة: 3] فقيل: إنه جمع نصاب. # وقال أبو عبيدة وغيره: النصب الشر والبلاء. والنصب التعب والإعياء. وقد ~~قيل في معنى: # " أني مسني الشيطان بنصب وعذاب " أي ما يلحقه من وسوسته لا غير. والله ~~أعلم. ذكره PageV15P207 # النحاس. وقيل: إن النصب ما أصابه في بدنه، ms5360 والعذاب ما أصابه في ماله، ~~وفيه بعد. # وقال المفسرون: إن أيوب كان روميا (1) من البثنية وكنيته أبو عبد الله في ~~قول الواقدي، اصطفاه الله بالنبوة، وأتاه جملة عظيمة من الثروة في أنواع ~~الأموال والأولاد. وكان شاكرا لأنعم الله، مواسيا لعباد الله، برا رحيما. ~~ولم يؤمن به إلا ثلاثة نفر. وكان لإبليس موقف من السماء السابعة في يوم من ~~العام، فوقف به إبليس على عادته، فقال الله له أو قيل له عنه: # أقدرت من عبدي أيوب على شئ؟ فقال: يا رب وكيف أقدر منه على شئ، وقد ~~ابتليته بالمال والعافية، فلو ابتليته بالبلاء والفقر ونزعت منه ما أعطيته ~~لحال عن حاله، ولخرج عن طاعتك،. قال الله: قد سلطتك على أهله وماله. فانحط ~~عدو الله فجمع عفاريت الجن فأعلمهم، وقال قائل منهم: أكون إعصارا فيه نار ~~أهلك ماله فكان، فجاء أيوب في صورة قيم ماله فأعلمه بما جرى، فقال: الحمد ~~لله هو أعطاه وهو منعه. ثم جاء قصره بأهله وولده، فاحتمل القصر من نواحيه ~~حتى ألقاه على أهله وولده، ثم جاء إليه وأعلمه فألقى التراب على رأسه، وصعد ~~إبليس إلى السماء فسبقته توبة أيوب. قال: يا رب سلطني على بدنه. قال: قد ~~سلطتك على بدنه إلا على لسانه وقلبه وبصره، فنفخ في جسده نفخة اشتعل [منها] ~~(2) فصار في جسده ثآليل فحكها بأظفاره حتى دميت، ثم بالفخار حتى تساقط ~~لحمه. وقال عند ذلك: # " مسني الشيطان ". ولم يخلص إلى شئ من حشوة البطن، لأنه لا بقاء للنفس ~~إلا بها فهو يأكل ويشرب، فمكث كذلك ثلاث سنين. فلما غلبه أيوب اعترض ~~لامرأته في هيئة أعظم من هيئة بني آدم في القدر والجمال، وقال لها: أنا إله ~~الأرض، وأنا الذي صنعت بصاحبك ما صنعت، ولو سجدت لي سجدة واحدة لرددت عليه ~~أهله وماله وهم عندي. وعرض لها في بطن الوادي ذلك كله في صورته، أي أظهره ~~لها، فأخبرت أيوب فأقسم أن يضربها إن عافاه الله. وذكروا كلاما طويلا في " ~~سبب بلائه و " (3) مراجعته لربه وتبرمه من ms5361 البلاء الذي # PageV15P208 # نزل به، وأن النفر الثلاثة الذين آمنوا به نهوه عن ذلك واعترضوا عليه، ~~وقيل: استعان به مظلوم فلم ينصره فابتلي بسبب ذلك. وقيل: استضاف يوما الناس ~~فمنع فقيرا الدخول فابتلي بذلك. وقيل: كان أيوب يغزو ملكا وكان له غنم في ~~ولايته، فداهنه لأجلها بترك غزوه فابتلي. وقيل،: كان الناس يتعدون امرأته ~~ويقولون نخشى العدوى وكانوا يستقذرونها، فلهذا قال. " مسني الشيطان ". ~~وامرأته ليا بنت يعقوب. وكان أيوب في زمن يعقوب وكانت أمه ابنة لوط. وقيل: ~~كانت زوجة أيوب رحمة بنت إفرائيم بن يوسف بن يعقوب عليهم السلام. ذكر ~~القولين الطبري رحمه الله. قال ابن العربي: ما ذكره المفسرون من أن إبليس ~~كان له مكان في السماء السابعة يوما من العام فقول باطل، لأنه أهبط منها ~~بلعنة وسخط إلى الأرض، فكيف يرقى إلى محل الرضا، ويجول في مقامات الأنبياء، ~~ويخترق السماوات العلى، ويعلو إلى السماء السابعة إلى منازل الأنبياء، فيقف ~~موقف الخليل؟! إن هذا لخطب من الجهالة عظيم. وأما قولهم: إن الله تعالى قال ~~له هل قدرت من عبدي أيوب على شئ فباطل قطعا، لأن الله عز وجل لا يكلم ~~الكفار الذين هم من جند إبليس الملعون، فكيف يكلم من تولى إضلالهم؟! وأما ~~قولهم: إن الله قال قد سلطتك على ماله وولده فذلك ممكن في القدرة، ولكنه ~~بعيد في هذه القصة. وكذلك قولهم: إنه نفخ في جسده حين سلطه عليه فهو أبعد، ~~والباري سبحانه قادر على أن يخلق ذلك كله من غير أن يكون للشيطان فيه كسب ~~حتى تقر له - لعنة الله عليه - عين بالتمكن من الأنبياء في أموالهم وأهليهم ~~وأنفسهم. وأما قولهم: إنه قال لزوجته أنا إله الأرض، ولو تركت ذكر الله ~~وسجدت أنت لي لعافيته، فاعلموا وإنكم لتعلمون أنه لو عرض لأحدكم وبه ألم ~~وقال هذا الكلام ما جاز عنده أن يكون إلها في الأرض، وأنه يسجد له، وأنه ~~يعافي من البلاء، فكيف أن تستريب زوجة نبي؟! # ولو كانت زوجة سوادي أو فدم (1) بربري ما ساغ ذلك عندها. ms5362 وأما تصويره ~~الأموال والأهل في واد للمرأة فذلك ما لا يقدر عليه إبليس بحال، ولا هو في ~~طريق السحر فيقال إنه من جنسه. # PageV15P209 # ولو تصور لعلمت المرأة أنه سحر كما نعلمه نحن وهي فوقنا في المعرفة بذلك، ~~فإنه لم يخل زمان قط من السحر وحديثه وجريه بين الناس وتصويره. قال القاضي: ~~والذي جرأهم على ذلك وتذرعوا به إلى ذكر هذا قوله تعالى: " إذ نادى ربه أني ~~مسني الشيطان بنصب وعذاب " فلما رأوه قد شكا مس الشيطان أضافوا إليه من ~~رأيهم ما سبق من التفسير في هذه الأقوال. # وليس الأمر كما زعموا والأفعال كلها خيرها وشرها. في إيمانها وكفرها، ~~طاعتها وعصيانها، خالقها هو الله لا شريك له في خلقه، ولا في خلق شئ غيرها، ~~ولكن الشر لا ينسب إليه ذكرا، وإن كان موجودا منه خلقا، أدبا أدبنا به، ~~وتحميدا علمناه. وكان من ذكر محمد صلى الله عليه وسلم لربه به قول من ~~جملته: " والخير في يديك والشر ليس إليك " على هذا المعنى. # ومنه قول إبراهيم: " وإذا مرضت فهو يشفين " [الشعراء: 80] وقال الفتى ~~للكليم: " وما أنسانيه إلا الشيطان " [الكهف: 63] وأما قولهم: انه استعان ~~به مظلوم فلم ينصره، فمن لنا بصحة هذا القول. # ولا يخلو أن يكون قادرا على نصره، فلا يحل لأحد تركه فيلام على أنه عصى ~~وهو منزه عن ذلك،. أو كان عاجزا فلا شئ عليه في ذلك، وكذلك قولهم: إنه منع ~~فقيرا من الدخول، إن كان علم به فهو باطل عليه وإن لم يعلم به فلا شئ عليه ~~فيه. وأما قولهم: إنه داهن على غنمه الملك الكافر فلا تقل داهن ولكن قل ~~داري. ودفع الكافر والظالم عن النفس أو المال بالمال جائز، نعم وبحسن ~~الكلام. قال ابن العربي القاضي أبو بكر رضي الله عنه: ولم يصح عن أيوب في ~~أمره إلا ما أخبرنا الله عنه في كتابه في آيتين، الأولى قوله تعالى: # " وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر " [الأنبياء: 83] والثانية في: " ص " ~~" أني مسني الشيطان بنصب وعذاب ". وأما النبي ms5363 صلى الله عليه وسلم فلم يصح ~~عنه أنه ذكره بحرف واحد إلا قوله: # " بينا أيوب يغتسل إذ خر عليه رجل من جراد من ذهب " الحديث. وإذ لم يصح ~~عنه فيه قرآن ولا سنة إلا ما ذكرناه، فمن الذي يوصل السامع إلى أيوب خبره، ~~أم على أي لسان سمعه؟ والإسرائيليات مرفوضة عند العلماء على البتات، فأعرض ~~عن سطورها بصرك، وأصمم عن سماعها أذنيك، فإنها لا تعطي فكرك إلا خيالا، ولا ~~تزيد فؤادك إلا خبالا PageV15P210 # وفي الصحيح واللفظ للبخاري أن ابن عباس قال: يا معشر المسلمين تسألون أهل ~~الكتاب وكتابكم الذي أنزل على نبيكم أحدث الأخبار بالله، تقرؤونه محضا لم ~~يشب، وقد حدثكم أن أهل الكتاب قد بدلوا من كتب الله وغيروا وكتبوا بأيديهم ~~الكتب، فقالوا: " هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا " [البقرة: 79] ~~ولا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسئلتهم، فلا والله ما رأينا رجلا منهم ~~يسألكم عن الذي أنزل عليكم، وقد أنكر النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ~~الموطأ على عمر قراءته التوراة. # قوله تعالى: " اركض برجلك " الركض الدفع بالرجل. يقال: ركض الدابة وركض ~~ثوبه برجله. وقال المبرد: الركض التحريك، ولهذا قال الأصمعي: يقال ركضت ~~الدابة ولا يقال ركضت هي، لأن الركض إنما هو تحريك راكبها رجليه ولا فعل ~~لها في ذلك. # وحكى سيبويه: ركضت الدابة فركضت مثل جبرت العظم فجبر وحزنته فحزن، وفى ~~الكلام إضمار أي قلنا له: " اركض " قال الكسائي. وهذا لما عافاه الله. # " هذا مغتسل بارد وشراب " أي فركض فنبعت عين ماء فاغتسل به، فذهب الداء ~~من ظاهره، ثم شرب منه فذهب الداء من باطنه. وقال قتادة: هما عينان بأرض ~~الشام في أرض يقال لها الجابية، فاغتسل من إحداهما فأذهب الله تعالى ظاهر ~~دائه، وشرب من الأخرى فأذهب الله تعالى باطن دائه. ونحوه عن الحسن ومقاتل، ~~قال مقاتل: نبعت عين حارة واغتسل فيها فحرج صحيحا ثم نبعت عين أخرى فشرب ~~منها ماء عذبا. وقيل: أ مر بالركض بالرجل ليتناثر عنه كل داء في جسده. ms5364 ~~والمغتسل الماء الذي يغتسل به، قال القتبي. وقيل: إنه الموضع الذي يغتسل ~~فيه، قال مقاتل. الجوهري: واغتسلت بالماء، والغسول الماء الذي يغتسل به، ~~وكذلك المغتسل، قال الله تعالى: " هذا مغتسل بارد وشراب " والمغتسل أيضا ~~الذي يغتسل فيه، والمغسل والمغسل بكسر السين وفتحها مغسل الموتى والجمع ~~المغاسل. واختلف كم بقي أيوب في البلاء، فقال ابن عباس: سبع سنين وسبعة ~~أشهر وسبعة أيام وسبع ساعات. وقال وهب بن منبه: أصاب أيوب البلاء سبع سنين، ~~وترك يوسف، في السجن سبع سنين، PageV15P211 # وعذب بختنصر وحول (1) في السباع سبع سنين. ذكره أبو نعيم. وقيل: عشر ~~سنين. وقيل: # ثمان عشرة سنة. رواه أنس مرفوعا فيما ذكر الماوردي: # قلت: وذكره ابن المبارك، أخبرنا يونس بن يزيد، عن عقيل عن ابن شهاب أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر يوما أيوب، وما أصابه من البلاء، وذكر أن ~~البلاء الذي أصابه كان به ثمان عشرة سنة. وذكر الحديث القشيري. وقيل: ~~أربعين سنة. # قوله تعالى: " ووهبنا له أهله ومثلهم معهم " تقدم في " الأنبياء " (2) ~~الكلام فيه. # " رحمة منا " أي نعمة منا. " وذكرى لأولي الألباب " أي عبرة لذوي العقول. # قوله تعالى: وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث إنا وجدناه صابرا نعم العبد ~~إنه أواب فيه سبع مسائل: # الأولى - كان أيوب حلف في مرضه أن يضرب امرأته مائة جلدة، وفي سبب ذلك ~~أربعة أقوال: أحدها ما حكاه ابن عباس أن إبليس لقيها في صورة طبيب فدعته ~~لمداواة أيوب، فقال أداويه عل أنه إذا برئ قال أنت شفيتني، لا أريد جزاء ~~سواه. قالت: # نعم فأشارت على أيوب بذلك فحلف ليضربنها. وقال: ويحك ذلك الشيطان. # الثاني - ما حكاه سعيد بن المسيب، أنها جاءته بزيادة على ما كانت تأتيه ~~من الخبز، فخاف خيانتها فحلف ليضربنها. الثالث - ما حكاه يحيى بن سلام ~~وغيره: أن الشيطان أغواها أن تحمل أيوب على أن يذبح سخلة تقربا إليه وأنه ~~يبرأ، فذكرت ذلك له فحلف ليضربنها إن عوفي مائة. [الرابع] قيل: باعت ~~ذوائبها برغيفين إذ لم تجد شيئا تحمله ms5365 إلى أيوب، وكان أيوب يتعلق بها إذا ~~أراد القيام، فلهذا حلف ليضربنها، فلما شفاه الله أمره أن يأخذ ضغثا فيضرب ~~به، # PageV15P212 # فأخذ شماريخ قدر مائة فضربها ضربة واحدة. وقيل: الضغث قبضة حشيش مختلطة ~~الرطب باليابس. وقال ابن عباس: إنه إثكال النخل الجامع بشماريخه. # الثانية - تضمنت هذه الآية جواز ضرب الرجل امرأته تأديبا. وذلك أن امرأة ~~أيوب أخطأت فحلف ليضربنها مائة، فأمره الله تعالى أن يضربها بعثكول من ~~عثاكيل النخل، وهذا لا يجوز في الحدود. إنما أمره الله بذلك لئلا يضرب ~~امرأته فوق حد الأدب. # وذلك أنه ليس للزوج أن يضرب امرأته فوق حد الأدب، ولهذا قال عليه السلام: # " واضربوهن ضربا غير مبرح " على ما تقدم في " النساء " (1) بيانه. # الثالثة - واختلف العلماء في هذا الحكم هل هو عام أو خاص بأيوب وحده، ~~فروى عن مجاهد أنه عام للناس. ذكره ابن العربي. وحكي عن القشيري أن ذلك خاص ~~بأيوب. وحكى المهدوي عن عطاء بن أبي رباح أنه ذهب إلى أن ذلك حكم باق، وأنه ~~إذا ضرب بمائة قضيب ونحوه ضربة واحدة بر. وروي نحوه الشافعي. وروى نحوه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في المقعد الذي حملت منه الوليدة، وأمر أن يضرب ~~بعثكول فيه مائة شمراخ ضربة واحدة. وقال القشيري: وقيل لعطاء هل يعمل بهذا ~~اليوم؟ فقال: ما أنزل القرآن إلا ليعمل به ويتبع. ابن العربي: وروي عن عطاء ~~أنها لأيوب خاصة. وكذلك روى أبو زيد عن ابن القاسم عن مالك: من حلف ليضربن ~~عبده مائة فجمعها فضربه بها ضربة واحدة لم يبر. قال بعض علمائنا: يريد مالك ~~قوله تعالى: " لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا " [المائدة: 48] أي إن ذلك ~~منسوخ بشريعتنا. قال ابن المنذر: وقد روينا عن علي أنه جلد الوليد بن عقبة ~~بسوط له طرفان أربعين جلدة. وأنكر مالك هذا وتلا قول الله عز وجل: " ~~فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة " [النور: 2] وهذا مذهب أصحاب الرأي. وقد ~~احتج الشافعي لقوله بحديث، وقد تكلم في إسناده، والله أعلم. # قلت: الحديث الذي أحتج ms5366 به الشافعي خرجه أبو داود في سننه قال: حدثنا أحمد ~~بن سعيد الهمداني، قال حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس عن ابن شهاب، قال: ~~أخبرني # PageV15P213 # أبو أمامة بن سهل بن حنيف أنه أخبره بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~من الأنصار، أنه اشتكى رجل منهم حتى أضنى، فعاد جلدة على عظم، فدخلت عليه ~~جارية لبعضهم فهش لها فوقع عليها، فلما دخل عليه رجال قومه يعودونه أخبرهم ~~بذلك وقال: استفتوا لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإني قد وقعت على ~~جارية دخلت علي. فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: ما ~~رأينا بأحد من الناس من الضر مثل الذي هو به، لو حملناه إليك لتفسخت عظامه، ~~ما هو إلا جلد على عظم، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذوا له ~~مائة شمراخ فيضربوه بها ضربة واحدة. قال الشافعي: إذا حلف ليضربن فلانا ~~مائة جلدة، أو ضربا ولم يقل ضربا شديدا ولم ينو ذلك بقلبه يكفيه مثل هذا ~~الضرب المذكور في الآية ولا يحنث. قال ابن المنذر: وإذا حلف الرجل ليضربن ~~عبده مائة فضربه ضربا خفيفا فهو بار عند الشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي. ~~وقال مالك: ليس الضرب إلا الضرب الذي يؤلم. # الرابعة - قوله تعالى: " ولا تحنث " دليل على أن الاستثناء في اليمين لا ~~يرفع حكمها إذا كان متراخيا. وقد مضى، القول فيه في [المائدة] (1) يقال: ~~حنث في يمينه يحنث إذا لم يبر بها. وعند الكوفيين الواو مقحمة أي فاضرب لا ~~تحنث. # الخامسة - قال ابن العربي: قوله تعالى: " فاضرب به ولا تحنث " يدل على ~~أحد وجهين: إما أن يكون أنه لم يكن في شرعهم كفارة، وإنما كان البر والحنث. ~~والثاني أن يكون صدر منه نذر لا يمين وإذا كان النذر معينا فلا كفارة فيه ~~عند مالك وأبي حنيفة. وقال الشافعي: في كل نذر كفارة. # قلت: قوله إنه لم يكن في شرعهم كفارة ليس بصحيح، فإن أيوب عليه السلام ~~لما بقي في البلاء ثمان عشرة سنة، كما ms5367 في حديث ابن شهاب، قال له صاحباه: ~~لقد أذنبت ذنبا ما أظن أحدا بلغه. فقال أيوب صلى الله عليه وسلم: ما أدري ~~ما تقولان، غير أن ربي # PageV15P214 # عز وجل يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتزاعمان فكل يحلف بالله، أو على ~~النفر يتزاعمون فأنقلب إلى أهلي، فأكفر عن أيمانهم إرادة ألا يأثم أحد ~~يذكره ولا يذكره إلا بحق فنادى ربه " أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين " ~~[الأنبياء: 83] وذكر الحديث. فقد أفادك هذا الحديث أن الكفارة كانت من شرع ~~أيوب، وأن من كفر عن غيره بغير إذنه فقد قام بالواجب عنه وسقطت عنه ~~الكفارة. # السادسة - استدل بعض جهال المتزهدة، وطغام المتصوفة بقوله تعالى لأيوب: # " اركض برجلك " على جواز الرقص. قال أبو الفرج الجوزي: وهذا احتجاج بارد، ~~لأنه لو كان أمر بضرب الرجل فرحا كان لهم فيه شبهة، وإنما أمر بضرب الرجل ~~لينبع الماء. # قال ابن عقيل: أين الدلالة في مبتلى أمر عند كشف البلاء بأن يضرب برجله ~~الأرض لينبع الماء إعجازا من الرقص، ولئن جاز أن يكون تحريك رجل قد أنحلها ~~تحكم الهوام دلالة على جواز الرقص في الاسلام، جاز أن يجعل قوله سبحانه ~~لموسى: " اضرب بعصاك الحجر " دلالة على ضرب المحاد (2) بالقضبان! نعوذ ~~بالله من التلاعب بالشرع. وقد احتج بعض قاصريهم بان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال لعلي: " أنت منى وأنا منك " فجعل. وقال الجعفر: # أشبهت خلقي وخلقي " فجعل. وقال لزيد: " أنت أخونا ومولانا " فجعل. ومنهم ~~من احتج بان الحبشة زفنت والنبي صلى الله عليه وسلم ينظر إليهم. والجواب - ~~أما العجل فهو نوع من الشئ يفعل عند الفرح فأين هو والرقص، وكذلك زفن ~~الحبشة نوع من الشئ يفعل عند اللقاء للحرب. # السابعة - قوله تعالى: " إنا وجدناه صابرا " أي على البلاء. " نعم العبد ~~إنه أواب " أي تواب رجاع مطيع. وسئل سفيان عن عبدين ابتلى أحدهما فصبر، ~~وأنعم على الآخر فشكر، فقال: كلاهما سواء، لأن الله تعالى أثنى على عبدين، ~~أحدهما صابر والآخر شاكر ثناء واحدا، فقال في وصف أيوب: ms5368 " نعم العبد إنه ~~أواب " وقال في وصف سليمان: " نعم العبد إنه أواب ". # PageV15P215 # قلت: وقد رد هذا الكلام صاحب القوت وأستدل بقصة أيوب في تفضيل الفقير على ~~الغني وذكر كلاما كثيرا شيد به كلامه، وقد ذكرناه في غير هذا الموضع من ~~كتاب " منهج العباد ومحجة السالكين والزهاد ". وخفي عليه أن أيوب عليه ~~السلام كان أحد الأغنياء من الأنبياء قبل البلاء وبعده، وإنما ابتلي بذهاب ~~ماله وولده وعظيم الداء في جسده. # وكذلك الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه صبروا على ما به امتحنوا وفتنوا. ~~فأيوب عليه السلام دخل في البلاء على صفة، فخرج منه كما دخل فيه، وما تغير ~~منه حال ولا مقال، فقد اجتمع (1) مع أيوب في المعنى المقصود، وهو عدم ~~التغير الذي يفضل فيه بعض الناس بعضا. # وبهذا الاعتبار يكون الغني الشاكر والفقير الصابر سواء. وهو كما قال ~~سفيان. والله أعلم. # وفي حديث ابن شهاب عن النبي صلى الله عليه وسلم: " إن أيوب خرج لما كان ~~يخرج إليه من حاجته فأوحى الله إليه: " اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب " ~~فاغتسل فأعاد الله لحمه وشعره وبشره على أحسن ما كان ثم شرب فأذهب الله كل ~~ما كان في جوفه من ألم أو ضعف وأنزل الله عليه ثوبين من السماء أبيضين ~~فائتزر بأحدهما وارتدى بالآخر ثم أقبل يمشي إلى منزله وراث (2) على امرأته ~~فأقبلت حتى لقيته وهي لا تعرفه فسلمت عليه وقالت أي يرحمك الله هل رأيت هذا ~~الرجل المبتلى؟ قال من هو؟ قالت نبي الله أيوب، أما والله ما رأيت أحدا قط ~~أشبه به منك إذ كان صحيحا. قال فإني أيوب وأخذ ضغثا فضربها به " فزعم ابن ~~شهاب أن ذلك الضغث كان ثماما (3). ورد الله إليه أهله ومثلهم معهم، فأقبلت ~~سحابة حتى سجلت (4) في أندر (5) قمحه ذهبا حتى امتلأ، وأقبلت سحابة أخرى ~~إلى أندر شعيره وقطانيه (6) فسجلت فيه ورقا حتى امتلأ. # PageV15P216 # قوله تعالى: واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار ~~إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار قوله ms5369 ~~تعالى: " واذكر عبادنا إبراهيم واسحق ويعقوب " وقرأ ابن عباس: " عبدنا " ~~بإسناد صحيح، رواه ابن عيينة عن عمرو عن عطاء عنه، وهي قراءة مجاهد وحميد ~~وابن محيصن وابن كثير، فعلى هذه القراءة يكون " إبراهيم " بدلا من " عبدنا ~~" و " إسحاق ويعقوب " عطف. والقراءة بالجمع أبين، وهي اختيار أبي عبيد وأبي ~~حاتم، ويكون " إبراهيم " وما بعده على البدل. النحاس: وشرح هذا من العربية ~~أنك إذا قلت: رأيت أصحابنا زيدا وعمرا وخالدا، فزيد وعمرو وخالد بدل وهم ~~الأصحاب، وإذا قلت رأيت صاحبنا زيدا وعمرا وخالدا فزيد وحده بدل وهو ~~صاحبنا، وزيد وعمرو عطف على صاحبنا وليسا بداخلين في المصاحبة إلا بدليل ~~غير هذا، غير أنه قد علم أن قوله: " وإسحاق ويعقوب " داخل في العبودية. وقد ~~استدل بهذه الآية من قال: إن الذبيح إسحاق لا إسماعيل، وهو الصحيح على ما ~~ذكرناه في كتاب " الإعلام بمولد النبي عليه السلام ". " أولى الأيدي ~~والابصار " قال النحاس: أما " الأبصار " فمتفق على تأويلها أنها البصائر في ~~الدين والعلم. وأما " الأيدي " فمختلف في تأويلها، فأهل التفسير يقولون: ~~إنها القوة في الدين. وقوم يقولون: " الأيدي " جمع يد وهي النعمة، أي هم ~~أصحاب النعم، أي الذين أنعم الله عز وجل عليهم. وقيل: هم أصحاب النعم ~~والإحسان، لأنهم قد أحسنوا وقدموا خيرا. وهذا اختيار الطبري. " وإنهم عندنا ~~لمن المصطفين الأخيار " أي الذين اصطفاهم من الأدناس واختارهم لرسالته. ~~ومصطفين جمع مصطفى والأصل مصتفى وقد مضى في " البقرة " (1) عند قوله: # " إن الله أصطفى لكم الدين " " والأخيار " جمع خير. وقرأ الأعمش وعبد ~~لوارث والحسن # PageV15P217 # وعيسى الثقفي " أولى الأيد " بغير ياء في الوصل والوقف على معنى أولى ~~القوة في طاعة الله. # ويجوز أن يكون كمعنى قراءة الجماعة وحذفت الياء تخفيفا. # قوله تعالى: " إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار " قراءة العامة " بخالصة " ~~منونة وهي اختيار أبى عبيد وأبى حاتم. وقرأ نافع وشيبة وأبو جعفر وهشام عن ~~ابن عامر " بخالصة ذكرى الدار " بالإضافة فمن نون خالصة ف " ذكرى الدار " ~~بدل منها، التقدير إنا أخلصناهم بأن يذكروا الدار الآخرة ويتأهبوا لها، ~~ويرغبوا ms5370 فيها ويرغبوا الناس فيها. ويجوز أن يكون " خالصة " مصدرا لخلص و " ~~ذكرى " في موضع رفع بأنها فاعلة، والمعنى أخلصناهم بأن خلصت لهم ذكرى ~~الدار، أي تذكير الدار الآخرة. ويجوز أن يكون " خالصة " مصدرا لأخلصت فحذفت ~~الزيادة، فيكون " ذكرى " على هذا في موضع نصب، التقدير: بأن أخلصوا ذكرى ~~الدار. والدار يجوز أن يراد بها الدنيا، أي ليتذكروا الدنيا ويزهدوا فيها، ~~ولتخلص لهم بالثناء الحسن عليهم، كما قال تعالى: " وجعلنا لهم لسان صدق ~~عليا " [مر يم: 50] ويجوز أن يراد بها الدار الآخرة وتذكير الخلق بها. ومن ~~أضاف خالصة إلى الدار فهي مصدر بمعنى الإخلاص، والذكرى مفعول به أضيف إليه ~~المصدر، أي بإخلاصهم ذكرى الدار. ويجوز أن يكون المصدر مضافا إلى الفاعل ~~والخالصة مصدر بمعنى الخلوص، أي بأن خلصت لهم ذكرى الدار، و. هي الدار ~~الآخرة أو الدنيا على ما تقدم. وقال ابن زيد: معنى أخلصناهم أي بذكر ~~الآخرة، أي يذكرون الآخرة ويرغبون فيها ويزهدون في الدنيا. وقال مجاهد: # المعنى إنا أخلصناهم بأن ذكرنا الجنة لهم. # قوله تعالى: واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الأخيار هذا ذكر وإن ~~للمتقين لحسن مآب جنت عدن مفتحة لهم الأبواب متكئين فيها يدعون فيها بفاكهة ~~كثيرة وشراب وعندهم قاصرات الطرف أتراب هذا ما توعدون ليوم الحساب إن هذا ~~لرزقنا ماله من نفاد PageV15P218 # قوله تعالى: " واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل " مضى ذكر اليسع في " ~~الأنعام " (1) وذكر ذي الكفل في " الأنبياء " (2). " وكل من الأخيار " أي ~~ممن اختير للنبوة. " هذا ذكر " بمعنى هذا ذكر جميل في الدنيا وشرف يذكرون ~~به في الدنيا أبدا. " وإن للمتقين لحسن مآب " أي لهم مع هذا الذكر الجميل ~~في الدنيا حسن المرجع في القيامة. ثم بين ذلك بقوله تعالى: # " جنات عدن " والعدن في اللغة الإقامة، يقال: عدن بالمكان إذا أقام. وقال ~~عبد الله ابن عمر: إن في الجنة قصرا (3) يقال له عدن حوله البروج والمروج ~~فيه خمسة آلاف باب على كل باب خمسة آلاف حبرة (4) لا يدخله إلا نبي أو صديق ~~أو شهيد. " مفتحة ms5371 " حال " لهم الأبواب " رفعت الأبواب لأنه اسم ما لم يسم ~~فاعله. قال الزجاج: أي مفتحة لهم الأبواب منها. وقال الفراء: مفتحة لهم ~~أبوابها. وأجاز الفراء: " مفتحة لهم الأبواب " بالنصب. قال الفراء: أي ~~مفتحة الأبواب ثم جئت بالتنوين فنصبت. وأنشد هو وسيبويه: # ونأخذ بعده بذناب عيش * أجب الظهر ليس له سنام (5) وإنما قال: " مفتحة " ~~ولم يقل مفتوحة، لأنها تفتح لهم بالأمر لا بالمس. قال الحسن: # تكلم: انفتحي فتنفتح انغلقي فتنغلق. وقيل: تفتح لهم الملائكة الأبواب. # قوله تعالى: " متكئين فيها " هو حال قدمت على العامل فيها وهو قوله: " ~~يدعون فيها " أي يدعون في الجنات متكئين فيها. " بفاكهة كثيرة " أي بألوان ~~الفواكه " وشراب " أي وشراب كثير فحذف لدلالة الكلام عليه. # قوله تعالى: " وعندهم قاصرات الطرف " أي على أزواجهن لا ينظرن إلى غيرهم ~~وقد مضى في " الصافات " (6). " أتراب " أي على سن واحد، وميلاد امرأة ~~واحدة، وقد # PageV15P219 # تساوين في الحسن والشباب، بنات ثلاث وثلاثين سنة. قال ابن عباس: يريد ~~الآدميات. # و " أتراب " جمع ترب وهو نعت لقاصرات، لأن " قاصرات " نكرة وإن كان مضافا ~~إلى المعرفة. والدليل على ذلك أن الألف واللام يدخلانه كما قال: # من القاصرات الطرف لودب محول * من الذر فوق الإتب منها لأثرا (1) قوله ~~تعالى: " هذا ما توعدون ليوم الحساب " أي هذا الجزاء الذي وعدتم به. وقراءة ~~العامة بالتاء أي ما توعدون أيها المؤمنون. وقرأ ابن كثير وابن محيصن وأبو ~~عمرو ويعقوب بالياء على الخبر، وهي قراءة السلمي واختيار أبي عبيد وأبي ~~حاتم، لقوله تعالى: " وإن للمتقين لحسن مآب " فهو خبر. " ليوم الحساب " أي ~~في يوم الحساب، قال الأعشى: # المهينين ما لهم لزمان * السوء حتى إذا أفاق أفاقوا أي في زمان السوء. # قوله تعالى: " إن هذا لرزقنا ماله من نفاد " دليل على أن نعيم الجنة دائم ~~لا ينقطع، كما قال: " عطاء غير مجذوذ " [هود: 108] وقال: " لهم أجر غير " ~~ممنون. " [التين: 6]. # قوله تعالى: هذا وإن للطاغين لشر مآب جهنم يصلونها فبئس المهاد هذا ~~فليذوقوه حميم وغساق وآخر من شكله أزوج هذا فوج مقتحم معكم ms5372 لا مرحبا بهم ~~إنهم صالوا النار قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم أنتم قدمتموه لنا فبئس القرار ~~قالوا ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا في النار قوله تعالى: " هذا وإن ~~للطاغين لشر مآب " لما ذكر ما للمتقين ذكر ما للطاغين. # قال الزجاج: " هذا " خبر ابتداء محذوف أي الأمر هذا فيوقف على " هذا " ~~قال ابن الأنباري: " هذا " وقف حسن. ثم تبتدئ " وإن للطاغين " وهم الذين ~~كذبوا الرسل. # PageV15P220 # " لشر مآب " أي منقلب يصيرون إليه. ثم بين ذلك بقوله: " جهنم يصلونها ~~فبئس المهاد " أي بئس ما مهدوا لأنفسهم، أو بئس الفراش لهم. ومنه مهد ~~الصبي. وقيل: فيه حذف أي بئس موضع المهاد. وقيل: أي هذا الذي وصفت لهؤلاء ~~المتقين، ثم قال: # وإن للطاغين لشر مرجع فيوقف على " هذا " أيضا. قوله تعالى: " هذا ~~فليذوقوه حميم وغساق " " هذا " في موضع رفع بالابتداء وخبره " حميم " على ~~التقديم والتأخير، أي هذا حميم وغساق فليذوقوه. ولا يوقف على " فليذوقوه " ~~ويجوز أن يكون " هذا " في موضع رفع بالابتداء و " فليذوقوه " في موضع ~~الخبر، ودخلت الفاء للتنبيه الذي في " هذا " فيوقف على " فليذوقوه " ويرتفع ~~" حميم " على تقدير هذا حميم. # قال النحاس: ويجوز أن يكون المعنى الأمر هذا، وحميم وغساق إذا لم تجعلهما ~~خبرا فرفعهما على معنى هو حميم وغساق. والفراء يرفعهما بمعنى منه حميم ومنه ~~غساق وأنشد: # حتى إذا ما أضاء الصبح (1) في غلس * وغودر البقل ملوى ومحصود وقال آخر ~~(2): # لها متاع وأعوان غدون به * قتب وغرب إذا ما أفرغ انسحقا ويجوز أن يكون " ~~هذا " في موضع نصب بإضمار فعل يفسره " فليذوقوه " كما تقول زيدا اضربه. ~~والنصب في هذا أولى فيوقف على " فليذوقوه " وتبتدئ " حميم وغساق " على ~~تقدير الأمر حميم وغساق. وقراءة أهل المدينة وأهل البصرة وبعض الكوفيين ~~بتخفيف السين في " وغساق ". وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي " ~~وغساق " بالتشديد، وهما لغتان بمعنى واحد في قول الأخفش. وقيل: معناهما ~~مختلف، فمن خفف فهو اسم مثل عذاب وجواب وصواب، ومن شدد قال: هو اسم فاعل ~~نقل إلى فعال ms5373 للمبالغة، نحو ضراب وقتال وهو فعال من غسق يغسق فهو غساق ~~وغاسق. قال ابن عباس: هو الزمهرير يخوفهم # PageV15P221 # ببرده. وقال مجاهد ومقاتل: هو الثلج البارد الذي قد انتهى برده. وقال ~~غيرهما. إنه يحرق ببرده كما يحرق الحميم بحره. وقال عبد الله بن عمرو: هو ~~قيح غليظ لو وقع منه شئ بالمشرق لأنتن من في المغرب، ولو وقع منه شئ في ~~المغرب لأنتن من في المشرق. وقال قتادة: هو ما يسيل من فروج الزناة ومن نتن ~~لحوم الكفرة وجلودهم من الصديد والقيح والنتن. وقال محمد بن كعب: هو عصارة ~~أهل النار. وهذا القول أشبه باللغة، يقال: غسق الجرح يغسق غسقا إذا خرج منه ~~ماء أصفر، قال الشاعر: # إذا ما تذكرت الحياة وطيبها * إلي جرى دمع من الليل (1) غاسق أي بارد. ~~ويقال: ليل غاسق، لأنه أبرد من النهار. وقال السدي: الغساق الذي يسيل من ~~أعينهم ودموعهم يسقونه مع الحميم. وقال ابن زيد: الحميم دموع أعينهم، يجمع ~~في حياض النار فيسقونه، والصديد الذي يخرج من جلودهم. والاختيار على هذا " ~~وغساق " حتى يكون مثل سيال. وقال كعب: الغساق عين في جهنم يسيل إليها سم كل ~~ذي حمة من عقرب وحية. # وقيل: هو مأخوذ من الظلمة والسواد. والغسق أول ظلمة الليل، وقد غسق الليل ~~يغسق إذا أظلم. وفي الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " لو أن دلوا من غساق يهراق في الدنيا لأنتن أهل الدنيا. # قلت: وهذا أشبه على الاشتقاق الأول كما بينا، إلا أنه يحتمل أن يكون ~~الغساق مع سيلانه أسود مظلما فيصح الاشتقاقان. والله أعلم. # قوله تعالى: " وآخر من شكله أزواج " قرأ أبو عمرو: " وأخر " جمع أخرى مثل ~~الكبرى والكبر. الباقون: " وآخر " مفرد مذكر. وأنكر أبو عمرو " وآخر " ~~لقوله تعالى: # " أزواج " أي لا يخبر بواحد عن جماعة. وأنكر عاصم الجحدري " وأخر " قال: ~~ولو كانت " وأخر " لكان من شكلها. وكلا الردين لا يلزم والقراءتان صحيحتان. ~~" وآخر " أي وعذاب آخر سوى الحميم والغساق. " من شكله " قال قتادة: من ms5374 ~~نحوه. قال ابن مسعود: هو # PageV15P222 # لا لزمهرير. وارتفع " وآخر " بالابتداء و " أزواج " مبتدأ ثان و " من ~~شكله " خبره والجملة خبر " آخر ". ويجوز أن يكون " وآخر " مبتدأ والخبر ~~مضمر دل عليه " هذا فليذوقوه حميم وغساق " لأن فيه دليلا على أنه لهم، ~~فكأنه قال: ولهم آخر ويكون " من شكله أزواج " صفة لآخر فالمبتدأ متخصص ~~بالصفة و " أزواج " مرفوع بالظرف. ومن قرأ " وأخر " أراد وأنواع من العذاب ~~أخر، ومن جمع وهو يريد الزمهرير فعلى أنه جعل الزمهرير أجناسا فجمع لاختلاف ~~الأجناس. أو على أنه جعل لكل جزء منه زمهريرا ثم جمع كما قالوا: شابت ~~مفارقه. # أو على أنه جمع لما في الكلام من الدلالة على جواز الجمع، لأنه جعل ~~الزمهرير الذي هو نهاية البرد بإزاء الجمع في قول: " هذا فليذوقوه حميم ~~وغساق " والضمير في " شكله " يجوز أن يعود على الحميم أو الغساق. أو على ~~معنى " وآخر من شكله " ما ذكرنا، ورفع " أخر " على قراءة الجمع بالابتداء و ~~" من شكله " صفة له وفيه ذكر يعود على المبتدأ و " أزواج " خبر المبتدأ. ~~ولا يجوز أن يحمل على تقدير ولهم أخر و " من شكله " صفة لأخر و " أزواج " ~~مرتفعة بالظرف كما جاز في الإفراد، لأن الصفة لا ضمير فيها من حيث ارتفع " ~~أزواج " مفرد،، قاله أبو علي. و " أزواج " أي أصناف وألوان من العذاب. وقال ~~يعقوب: الشكل بالفتح المثل وبالكسر الدل (1). # قوله تعالى: " هذا فوج مقتحم معكم " قال ابن عباس: هو أن القادة إذا ~~دخلوا النار ثم دخل بعدهم الأتباع، قالت الخزنة للقادة: " هذا فوج " يعني ~~الأتباع والفوج الجماعة " مقتحم معكم " أي داخل النار معكم، فقالت السادة: ~~" لا مرحبا بهم " أي لا اتسعت منازلهم في النار. والرحب السعة، ومنه رحبة ~~المسجد وغيره. وهو في مذهب الدعاء فلذلك نصب، قال النابغة: # لا مرحبا بغد ولا أهلا به * إن كان تفريق الأحبة في غد # PageV15P223 # قال أبو عبيدة العرب تقول: لا مرحبا بك، أي لا رحبت عليك الأرض ولا ~~اتسعت. # ! إنهم صالوا النار " قيل: هو من قول القادة، أي ms5375 إنهم صالو النار كما ~~صليناها. وقيل: # هو من قول الملائكة متصل بقولهم: " هذا فوج مقتحم معكم " و " قالوا بل ~~أنتم لا مرحبا بكم " هو من قول الأتباع وحكى النقاش: إن الفوج الأول قادة ~~المشركين ومطعموهم يوم بدر، والفوج الثاني أتباعهم ببدر والظاهر من الآية ~~أنها عامة في كل تابع ومتبوع. # " أنتم قدمتموه لنا " أي دعوتمونا إلى العصيان " فبئس القرار " لنا ولكم ~~" قالوا " يعني الأتباع " ربنا من قدم لنا هذا " قال الفراء: من سوغ لنا ~~هذا وسنه وقال غيره من قدم لنا هذا العذاب بدعائه إيانا إلى المعاصي " فزده ~~عذابا ضعفا في النار " وعذابا بدعائه إيانا فصار ذلك ضعفا. وقال ابن مسعود: ~~معنى عذابا ضعفا في النار الحيات والأفاعي. ونظير هذه الآية قوله تعالى: " ~~ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار " [الأعراف: 38]. قوله تعالى: ~~وقالوا ما لنا لا نرى رجالا كما نعدهم من الأشرار اتخذناهم سخريا أن زاغت ~~عنهم الابصار إن ذلك لحق لحق تخاصم أهل النار قوله تعالى: " وقالوا " يعني ~~أكابر المشركين " ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار " قال ابن ~~عباس: يريدون أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، يقول أبو جهل: أين بلال أين ~~صهيب أين عمار أولئك في الفردوس واعجبا لأبي جهل مسكين، أسلم ابنه عكرمة، ~~وابنته جويرية، وأسلمت أمه، وأسلم أخوه، وكفر هو، قال: # ونورا أضاء الأرض شرقا ومغربا * وموضع رجلي منه أسود مظلم " اتخذناهم ~~سخريا " قال مجاهد: اتخذناهم سخريا في الدنيا فأخطأنا " أم زاغت عنهم ~~الابصار " فلم نعلم مكانهم. قال الحسن: كل ذلك قد فعلوا، اتخذوهم سخريا، ~~وزاغت عنهم أبصارهم في الدنيا محقرة لهم. وقيل: معنى " أم زاغت عنهم ~~الأبصار " أي أهم معنا في النار فلا PageV15P224 # نراهم. وكان ابن كثير والأعمش وأبو عمر وحمزة والكسائي يقرءون " من ~~الأشرار اتخذناهم " بحذف الألف في الوصل. وكان أبو جعفر وشيبة ونافع وعاصم ~~وابن عامر يقرءون " اتخذناهم " بقطع الألف على الاستفهام وسقطت ألف الوصل، ~~لأنه قد استغنى عنها، فمن قرأ بحذف الألف لم يقف على " الأشرار " لأن ms5376 " ~~اتخذناهم " حال. وقال النحاس والسجستاني: هو نعت لرجال. قال ابن الأنباري: ~~وهذا خطأ، لأن النعت لا يكون ماضيا ولا مستقبلا. # ومن قرأ: " اتخذناهم " بقطع الألف وقف على " الأشرار " قال الفراء: ~~والاستفهام هنا بمعنى التوبيخ والتعجب. " أم زاغت عنهم الأبصار " إذا قرأت ~~بالاستفهام كانت أم للتسوية، وإذا قرأت بغير الاستفهام فهي بمعنى بل. وقرأ ~~أبو جعفر ونافع شيبة والمفضل وهبيرة ويحيى والأعمش وحمزة والكسائي " سخريا ~~" بضم السين. الباقون بالكسر. قال أبو عبيدة: من كسر جعله من الهزء ومن ضم ~~جعله من التسخير. وقد تقدم " إن ذلك لحق تخاصم أهل النار " " الحق " خبر إن ~~و " تخاصم " خبر مبتدأ محذوف بمعنى هو تخاصم. # ويجوز أن يكون بدلا من حق. ويجوز أن يكون خبر أبعد خبر. ويجوز أن يكون ~~بدلا من ذلك على الموضع. أي إن تخاصم أهل النار في النار لحق. يعني قولهم: ~~" لا مرحبا بكم " الآية وشبهه من قول أهل النار. # قوله تعالى: قل إنما أنا منذر وما من اله الا الله الواحد القهار رب ~~السماوات والأرض وما بينهما العزيز الغفر قل هو نبأ عظيم أنتم عنه معرضون ~~ما كان لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون إن يوحى إلى الا انما انا نذير ~~مبين قوله تعالى: " قل إنما أنا منذر " أي مخوف عقاب الله لمن عصاه وقد ~~تقدم. # " وما من اله " أي معبود " الا الله الواحد القهار " الذي لا شريك له " ~~رب السماوات PageV15P225 # والأرض وما بينهما العزيز الغفار " بالرفع على النعت وإن نصبت الأول ~~نصبته. ويجوز رفع الأول ونصب ما بعده على المدح. " والعزيز " معناه المنيع ~~الذي لا مثل له. # " الغفار " الستار لذنوب خلقه. # قوله تعالى: " قل هو نبأ عظيم " أي وقل لهم يا محمد " هو نبأ عظيم " أي ~~ما أنذركم به من الحساب والثواب والعقاب خبر عظيم القدر فلا ينبغي أن يستخف ~~به. قال معناه قتادة. # نظيره قوله تعالى: " عم يتساءلون عن النبأ العظيم " [النبأ: 1 - 2]. وقال ~~ابن عباس ومجاهد وقتادة: # يعني القرآن الذي أنبأكم به خبر جليل. وقيل: عظيم ms5377 المنفعة " أنتم عنه ~~معرضون ". # قوله تعالى: " ما كان لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون " الملأ الأعلى ~~هم الملائكة في قول ابن عباس والسدي اختصموا في أمر آدم حين خلق ف " قالوا ~~أتجعل فيها من يفسد فيها " [البقرة: 30] وقال إبليس: " أنا خير منه " ~~[الأعراف: 12] وفي هذا بيان أن محمدا صلى الله عليه وسلم أخبر عن قصة آدم ~~وغيره، وذلك لا يتصور إلا بتأييد إلهي، فقد قامت المعجزة على صدقه، فما ~~بالهم أعرضوا عن تدبر القرآن ليعرفوا صدقه، ولهذا وصل قوله بقوله: " قل هو ~~نبأ عظيم أنتم عنه معرضون ". وقول ثان رواه أبو الأشهب عن الحسن قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " سألني ربي فقال يا محمد فيم اختصم الملأ الأعلى قلت في الكفارات ~~والدرجات قال وما الكفارات قلت المشي على الأقدام إلى الجماعات وإسباغ ~~الوضوء في السبرات (1) والتعقيب في المساجد بانتظار الصلاة بعد الصلاة قال ~~وما الدرجات قلت إفشاء السلام وإطعام الطعام والصلاة بالليل والناس نيام " ~~خرجه الترمذي بمعناه عن ابن عباس، وقال فيه حديث غريب. # وعن معاذ بن جبل أيضا وقال حديث حسن صحيح. وقد كتبناه بكماله في كتاب ~~الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، وأوضحنا إشكاله والحمد لله. وقد مضى في " ~~يس " (2) القول في المشي إلى المساجد، وأن الخطأ تكفر السيئات، وترفع ~~الدرجات. وقيل: الملأ الأعلى الملائكة والضمير في " يختصمون " لفرقتين. ~~يعني قول من قال منهم الملائكة بنات الله، # PageV15P226 # [ومن قال آلهة تعبد] (1). وقيل: الملأ الأعلى هاهنا قريش، يعني اختصامهم ~~فيما بينهم سرا، فأطلع الله نبيه على ذلك. " إن يوحى إلي الا أنما أنا نذير ~~مبين " أي إن يوحى إلي إلا الإنذار. # وقرأ أبو جعفر بن القعقاع " إلا إنما " بكسر الهمزة، لأن الوحي قول، كأنه ~~قال: يقال لي إنما أنت نذير مبين، ومن فتحها جعلها في موضع رفع، لأنها اسم ~~ما لم يسم فاعله. قال الفراء: كأنك قلت ما يوحى إلي إلا الإنذار، النحاس: ~~ويجوز أن تكون في موضع نصب بمعنى إلا لأنما. والله أعلم. # قوله ms5378 تعالى: إذ قال ربك للملائكة انى خلق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت ~~فيه من روحي فقعوا له ساجدين فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس استكبر ~~وكان من الكافرين قوله تعالى: " إذ قال ربك للملائكة " " إذ " من صلة " ~~يختصمون " المعنى، ما كان لي من علم بالملأ الأعلى حين يختصمون حين " قال ~~ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين ". # وقيل: " إذ قال " بدل من " إذ يختصمون " و " يختصمون " يتعلق بمحذوف، لأن ~~المعنى ما كان لي من علم بكلام الملأ الأعلى وقت اختصامهم. " فإذا سويته " ~~" إذا " ترد الماضي إلى المستقبل، لأنها تشبه حروف الشرط وجوابها كجوابه، ~~أي خلقته. " ونفخت فيه من روحي " أي من الروح الذي أملكه ولا يملكه غيري. ~~فهذا معنى الإضافة، وقد مضى هذا المعنى مجودا في " النساء " (2) في قوله في ~~عيسى " وروح منه " [النساء: 171]. " فقعوا له ساجدين " نصب على الحال. وهذا ~~سجود تحية لا سجود عبادة. وقد مضى في " البقرة " (3). " فسجد الملائكة كلهم ~~أجمعون " أي امتثلوا الأمر وسجدوا له خضوعا له وتعظيما لله بتعظيمه " إلا ~~إبليس " أنف من السجود له جهلا بأن السجود له طاعة لله، والأنفة من طاعة ~~الله استكبارا كفر، ولذلك كان من الكافرين باستكباره عن أمر الله تعالى. ~~وقد مضى الكلام في، هذا في " البقرة " (4) مستوفى. # PageV15P227 # قوله تعالى: قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي استكبرت أم كنت ~~من العالين قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين قال فاخرج منها ~~فإنك رجيم وإن عليك لعنتني إلى يوم الدين قال رب فانظرني إلى يوم يبعثون ~~قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين ~~إلا عبادك منهم المخلصين قوله تعالى: " قال يا إبليس ما منعك " أي صرفك ~~وصدك " أن تسجد " أي عن أن تسجد " لما خلقت بيدي " أضاف خلقه إلى نفسه ~~تكريما له، وإن كان خالق كل شئ وهذا كما أضاف إلى نفسه الروح والبيت ~~والناقة والمساجد. فخاطب الناس بما يعرفونه في تعاملهم، فإن الرئيس من ~~المخلوقين لا ms5379 يباشر شيئا بيده إلا على سبيل الإعظام والتكرم، فذكر اليد هنا ~~بمعنى هذا. قال مجاهد: اليد ها هنا بمعنى التأكيد والصلة، مجازه لما خلقت ~~أنا كقوله: # " ويبقى وجه ربك " [الرحمن: 27] أي يبقى ربك. وقيل: التشبيه في اليد في ~~خلق الله تعالى دليل على أنه ليس بمعنى النعمة والقوة والقدرة، وإنما هما ~~صفتان من صفات ذاته تعالى. وقيل: أراد باليد القدرة، يقال: مالي بهذا الأمر ~~يد. وما لي بالحمل الثقيل يدان. ويدل عليه أن الخلق لا يقع إلا بالقدرة ~~بالإجماع. وقال الشاعر: # تحملت من [عفراء] (1) ما ليس لي به * ولا للجبال الراسيات يدان وقيل: " ~~لما خلقت بيدي " لما خلقت بغير واسطة. " أستكبرت " أي عن السجود " أم كنت ~~من العالمين " أي المتكبرين على ربك. وقرأ محمد بن صالح عن شبل عن ابن كثير ~~وأهل مكة " بيدي استكبرت " موصولة الألف على الخبر وتكون أم منقطعة بمعنى ~~بل مثل: " أم يقولون # PageV15P228 # افتراه " [السجدة: 3] وشبهه. ومن استفهم فأم معادلة لهمزة الاستفهام وهو ~~تقرير وتوبيخ. أي استكبرت بنفسك حين أبيت السجود لآدم، أم كنت من القوم ~~الذين يتكبرون فتكبرت لهذا. # قوله تعالى: " قال أنا خير منه " قال الفراء: من العرب من يقول أنا أخير ~~منه وأشر منه، وهذا هو الأصل إلا أنه حذف لكثرة الاستعمال. " خلقتني من نار ~~وخلقته من طين " فضل النار على الطين وهذا جهل منه، لأن الجواهر متجانسة ~~فقاس فأخطأ القياس. وقد مضى في " الأعراف " (1) بيانه. " قال فاخرج منها " ~~يعني من الجنة " فإنك رجيم " أي مرجوم بالكواكب والشهب " وإن عليك لعنتي " ~~أي طردي وإبعادي من رحمتي " إلى يوم الدين " تعريف بإصراره على الكفر لأن ~~اللعن منقطع حينئذ، ثم بدخوله النار يظهر تحقيق اللعن " قال رب فانظرني إلى ~~يوم يبعثون " أراد الملعون ألا يموت فلم يجب إلى ذلك، وأخر إلى وقت معلوم، ~~وهو يوم يموت الخلق فيه، فاخر إليه تهاونا به. " قال فبعزتك لا غوينهم ~~أجمعين " لما طرده بسبب آدم حلف بعزة الله أنه يضل بني آدم بتزيين الشهوات ~~وإدخال الشبهة عليهم، فمعنى: " لأغوينهم ms5380 " لأستدعينهم إلى المعاصي وقد علم ~~أنه لا يصل إلا إلى الوسوسة، ولا يفسد إلا من كان لا يصلح لو لم يوسوسه، ~~ولهذا قال: " إلا عبادك منهم المخلصين " أي الذي أخلصتهم لعبادتك، وعصمتهم ~~مني. وقد مضى في " الحجر " (2) بيانه. # قوله تعالى: قال فالحق والحق أقول لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين ~~قل ما أسئلكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين إن هو الا ذكر للعلمين ~~ولتعلمن نباه بعد حين قوله تعالى: " قال فالحق والحق أقول " هذه قراءة أهل ~~الحرمين وأهل البصرة والكسائي. وقرأ ابن عباس ومجاهد وعاصم والأعمش وحمزة ~~برفع الأول. وأجاز الفراء فيه # PageV15P229 # الخفض. ولا اختلاف في الثاني في أنه منصوب ب " أقول " ونصب الأول على ~~الإغراء أي فاتبعوا الحق واستمعوا الحق، والثاني بإيقاع القول عليه. وقيل: ~~هو بمعنى أحق الحق أي أفعله. قال أبو علي: الحق الأول منصوب بفعل مضمر أي ~~يحق الله الحق، أو على القسم وحذف حرف الجر، كما تقول: الله لأفعلن، ~~ومجازه: قال فبالحق وهو الله تعالى أقسم بنفسه. " والحق أقول " جملة اعترضت ~~بين القسم والمقسم عليه، وهو توكيد القصة، وإذا جعل الحق منصوبا بإضمار فعل ~~كان " لأملأن " على إرادة القسم. وقد أجاز الفراء وأبو عبيدة أن يكون الحق ~~منصوبا بمعنى حقا " لأملأن جهنم " وذلك عند جماعة من النحويين خطأ، لا يجوز ~~زيدا لأضربن، لأن ما بعد اللام مقطوع مما قبلها فلا يعمل فيه. والتقدير على ~~قولهما لأملأن جهنم حقا. ومن رفع " الحق " رفعه بالابتداء، أي فأنا الحق أو ~~الحق مني. رويا جميعا عن مجاهد. ويجوز أن يكون التقدير هذا الحق. وقول ثالث ~~على مذهب سيبويه والفراء أن معنى فالحق لأملأن جهنم بمعنى فالحق أن أملأ ~~جهنم. وفي الخفض قولان وهي قراءة ابن السميقع وطلحة بن مصرف: أحدهما أنه ~~على حذف حرف القسم. # هذا قول الفراء قال كما يقول: الله عز وجل لأفعلن. وقد أجاز مثل هذا ~~سيبويه وغلطه فيه أبو العباس ولم يجز الخفض، لأن حروف الخفض لا تضمر، ~~والقول الآخر أن تكون ms5381 الفاء بدلا من واو القسم، كما أنشدوا (1): # فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع " لأملأن جهنم منك " أي من نفسك وذريتك " وممن ~~تبعك " من بني آدم " أجمعين ". # قوله تعالى: " قل ما أسئلكم عليه من أجر " أي من جعل على تبليغ الوحي ~~وكنى به عن غير مذكور. وقيل هو راجع إلى قوله: " أأنزل عليه الذكر من بيننا ~~" [ص: 8]. " وما أنا من المتكلمين " أي لا أتكلف ولا أتخرص ما لم أومر به. ~~وروى مسروق عن عبد الله بن مسعود قال: # PageV15P230 # من سئل عما لم يعلم فليقل لا أعلم ولا يتكلف، فإن قوله لا أعلم علم، وقد ~~قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: " قل ما أسألكم عليه من أجر وما ~~أنا من المتكلفين ". وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " للمتكلف ثلاث ~~علامات ينازع من فوقه ويتعاطى ما لا ينال ويقول ما لا يعلم ". وروى ~~الدارقطني من حديث نافع عن ابن عمر قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في بعض أسفاره، فسار ليلا فمروا على رجل جالس عند مقراة (1) له، فقال له ~~عمر: # يا صاحب المقراة أولغت السباع الليلة في مقراتك؟ فقال له النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # " يا صاحب المقراة لا تخبره هذا متكلف لها ما حملت في بطونها ولنا ما بقي ~~شراب وطهور ". # وفي الموطأ عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب: أن عمر بن الخطاب خرج في ركب ~~فيهم عمرو بن العاص حتى وردوا حوضا، فقال عمرو بن العاص: يا صاحب الحوض هل ~~ترد حوضك السباع؟ فقال عمر: يا صاحب الحوض لا تخبرنا فإنا نرد على السباع ~~وترد علينا. # وقد مضى القول في المياه في سورة " الفرقان " (2). " إن هو الا ذكر " ~~يعني القرآن " للعالمين " من الجن والإنس. " ولتعلمن نبأه بعد حين " أي نبأ ~~الذكر وهو القرآن أنه حق " بعد حين " قال قتادة: بعد الموت. وقال الزجاج. ~~وقال ابن عباس وعكرمة وابن زيد: يعني يوم القيامة. # وقال الفراء: بعد الموت وقبله. أي لتظهر لكم حقيقة ما أقول: " بعد ms5382 حين " ~~أي في المستأنف أي إذا أخذتكم سيوف المسلمين. قال السدي: وذلك يوم بدر. ~~وكان الحسن يقول: # يا ابن آدم عند الموت يأتيك الخبر اليقين. وسئل عكرمة عمن حلف ليصنعن كذا ~~إلى حين. # قال: إن من الحين ما لا تدركه كقوله تعالى: " ولتعلمن نبأه بعد حين " ~~ومنه ما تدركه، كقوله تعالى: " تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها " [إبراهيم: ~~25] من صرام النخل إلى طلوعه ستة أشهر. # وقد مضى القول في هذا في " البقرة " (3) و " إبراهيم " (4) والحمد لله. # PageV15P231 # سورة الزمر يقال سورة الغرف. قال وهب بن منبه: من أحب أن يعرف قضاء الله ~~عز وجل في خلفه فليقرأ سورة الغرف. وهي مكية في قول الحسن وعكرمة وعطاء ~~وجابر بن زيد. # وقال ابن عباس: إلا آيتين نزلتا بالمدينة إحداهما " الله نزل أحسن الحديث ~~" [الزمر: 23] والأخرى " قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم " [الزمر: ~~53] الآية. وقال آخرون: إلا سبع آيات من قوله تعالى: " قل يا عبادي الذين ~~أسرفوا على أنفسهم " [الزمر: 53] إلى آخر سبع آيات نزلت في وحشي وأصحابه ~~على ما يأتي. روى الترمذي عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لا ينام حتى يقرأ الزمر وبني إسرائيل. وهي خمس وسبعون آية. وقيل: اثنتان ~~وسبعون آية. # بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: تنزيل الكتب من الله العزيز الحكيم ~~إنا أنزلنا إليك الكتب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين ألا لله الدين ~~الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ~~إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدى من هو كذب كفار ~~لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو الله الواحد ~~القهار قوله تعالى: " تنزيل الكتاب " رفع بالابتداء وخبره " من الله العزيز ~~الحكيم ". # ويجوز أن يكون مرفوعا بمعنى هذا تنزيل، قال الفراء. وأجاز الكسائي ~~والفراء أيضا " تنزيل " بالنصب على أنه مفعول به. قال الكسائي: أي اتبعوا ~~واقرأوا " تنزيل الكتاب ". # وقال الفراء: هو على الإغراء مثل قوله: ms5383 " كتاب الله عليكم " [النساء: 24] ~~أي الزموا. والكتاب القرآن. # سمي بذلك لأنه مكتوب. PageV15P232 # قوله تعالى: " إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق " أي هذا تنزيل الكتاب من ~~الله وقد أنزلناه بالحق، أي بالصدق وليس بباطل وهزل. " فاعبد الله مخلصا " ~~" مخلصا " فيه مسئلتان: # الأولى - " مخلصا " نصب على الحال أي موحدا لا تشرك به شيئا " له الدين " ~~أي الطاعة. وقيل: العبادة وهو مفعول به. " ألا لله الدين الخالص " أي الذي ~~لا يشوبه شئ. وفي حديث الحسن عن أبي هريرة أن رجلا قال: يا رسول الله إني ~~أتصدق بالشئ. # وأصنع الشئ أريد به وجه الله وثناء الناس. فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم " والذي نفس محمد بيده لا يقبل الله شيئا شورك فيه " ثم تلا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم " ألا لله الدين الخالص " وقد مضى هذا المعنى في " ~~البقرة " (1) و " النساء " (2) و " الكهف " (3) مستوفى. # الثانية - قال ابن العربي: هذه الآية دليل على وجوب النية في كل عمل، ~~وأعظمه الوضوء الذي هو شطر الإيمان، خلافا لأبي حنيفة والوليد بن مسلم عن ~~مالك اللذين يقولان أن الوضوء يكفي من غير نية، وما كان ليكون من الإيمان ~~شطرا ولا ليخرج الخطايا من بين الأظافر والشعر بغير نية. قوله تعالى: " ~~والذين اتخذوا من دونه أولياء " يعنى الأصنام والخبر محذوف. أي قالوا " ما ~~نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى " قال قتادة: كانوا إذا قيل لهم من ربكم ~~وخالقكم؟ # ومن خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء؟ قالوا الله، فيقال لهم ما ~~معنى عبادتكم الأصنام؟ قالوا ليقربونا إلى الله زلفى، ويشفعوا لنا عنده. ~~قال الكلبي: جواب هذا الكلام في الأحقاف " فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون ~~الله قربانا آلهة " [الأحقاف: 28] والزلفى القربة، أي ليقربونا إليه ~~تقريبا، فوضع " زلفى " في موضع المصدر. وفي قراءة ابن مسعود وابن عباس ~~ومجاهد " والذين اتخذوا من دونه أولياء قالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى ~~الله # PageV15P233 # زلفى " وفي حرف أبي " والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدكم إلا ~~لتقربونا إلى الله زلفى " ذكره النحاس. قال: ms5384 والحكاية في هذا بينة. " إن ~~الله يحكم بينهم " أي بين أهل الأديان يوم القيامة فيجازي كلا بما يستحق. " ~~إن الله لا يهدى من هو كاذب كفار " أي من سبق له القضاء بالكفر لم يهتد، أي ~~للدين الذي ارتضاه وهو دين الإسلام، كما قال الله تعالى: # " ورضيت لكم الإسلام دينا " وفي هذا رد على القدرية وغيرهم على ما تقدم ~~(1). # قوله تعالى: " لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء " أي ~~لو أراد أن يسمي أحدا من خلقه بهذا ما جعله عز وجل إليهم. " سبحانه " أي ~~تنزيها له عن الولد " هو الله الواحد القهار ". # قوله تعالى: خلق السماوات والأرض بالحق يكور الليل على النهار ويكور ~~النهار على الليل وسخر الشمس والقمر كل يجرى لأجل مسمى ألا هو العزيز الغفر ~~خلقكم من نفس وحدة ثم جعل منها زوجها وأنزل لكم من الانعام ثمانية أزوج ~~يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمت ثلث ذلكم الله ربكم له ~~الملك لا اله الا هو فانى تصرفون قوله تعالى: " خلق السماوات والأرض بالحق ~~" أي هو القادر على الكمال المستغني عن الصاحبة والولد، ومن كان هكذا فحقه ~~أن يفرد بالعبادة لا أنه يشرك به. ونبه بهذا على أن يتعبد العباد بما شاء ~~وقد فعل. قوله تعالى: " يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل " ~~قال الضحاك: أي يلقي هذا على هذا وهذا على هذا. وهذا على معنى التكوير في ~~اللغة وهو طرح الشئ بعضه على بعض، يقال كور المتاع أي ألقى بعضه على بعض، # PageV15P234 # ومنه كور العمامة. وقد روي عن ابن عباس هذا في معنى الآية. قال: ما نقص ~~من الليل دخل في النهار وما نقص من النهار دخل في الليل وهو معنى قوله ~~تعالى: " يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل " [فاطر: 13] وقيل: ~~تكوير الليل على النهار تغشيته إياه حتى يذهب ضوءه، ويغشي النهار على الليل ~~فيذهب ظلمته، وهذا قول قتادة. وهو معنى قوله تعالى: # " يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا ms5385 " [الأعراف: 4 5]. " وسخر الشمس والقمر ~~" أي بالطلوع والغروب لمنافع العباد. " كل يجزى لأجل مسمى " أي في فلكه إلى ~~أن تنصرم الدنيا وهو يوم القيامة [حين] (1) تنفطر السماء وتنتثر الكواكب. ~~وقيل: الأجل المسمى هو الوقت الذي ينتهى فيه سير الشمس والقمر إلى المنازل ~~المرتبة لغروبها وطلوعها. قال الكلبي: يسيران إلى أقصى منازلهما، ثم يرجعان ~~إلى أدنى منازلهما لا يجاوزانه. وقد تقدم بيان هذا في سورة " يس " (2). # " ألا هو العزيز الغفار " " ألا " تنبيه أي تنبهوا فإني أنا " العزيز " ~~الغالب " الغفار " الساتر لذنوب خلقه برحمته. # " قوله تعالى: " خلقكم من نفس واحدة " يعني آدم عليه السلام " ثم جعل ~~منها زوجها " يعني ليحصل التناسل وقد مضى هذا في " الأعراف " (3) وغيرها. " ~~وأنزل لكم من الانعام ثمانية أزواج " أخبر عن الأزواج بالنزول، لأنها تكونت ~~بالنبات والنبات بالماء المنزل. وهذا يسمى التدريج، ومثله قوله تعالى: " قد ~~أنزلنا عليكم لباسا " [الأعراف: 26] الآية. وقيل: أنزل أنشأ وجعل. # وقال سعيد بن جبير: خلق. وقيل: إن الله تعالى خلق هذه الأنعام في الجنة ~~ثم أنزلها إلى الأرض، كما قيل في قوله تعالى: " وأنزلنا الحديد فيه بأس ~~شديد " [الحديد: 25] فإن آدم لما هبط إلى الأرض أنزل معه الحديد. وقيل: " ~~وأنزل لكم من الأنعام " أي أعطاكم. وقيل: جعل الخلق إنزالا، لأن الخلق إنما ~~يكون بأمر ينزل من السماء. فالمعنى: خلق لكم كذا بأمره النازل. # قال قتادة: من الإبل اثنين ومن البقر اثنين ومن الضأن اثنين ومن المعز ~~اثنين كل واحد # PageV15P235 # زوج. وقد تقدم هذا (1). " يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق " قال ~~قتادة والسدي: # نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظما ثم لحما. ابن زيد: " خلقا من بعد خلق " ~~خلقا في بطون أمهاتكم من بعد خلقكم في ظهر آدم. وقيل: في ظهر الأب ثم خلقا ~~في بطن الأم ثم خلقا بعد الوضع ذكره الماوردي. " في ظلمات ثلاث " ظلمة ~~البطن وظلمة الرحم وظلمة المشيمة. # قاله ابن عباس وعكرمة ومجاهد وقتادة والضحاك. وقال ابن جبير: ظلمة ~~المشيمة وظلمة الرحم وظلمة الليل. والقول الأول أصح. وقيل: ms5386 ظلمة صلب الرجل ~~وظلمة بطن المرأة وظلمة الرحم. وهذا مذهب أبي عبيدة. أي لا تمنعه الظلمة ~~كما تمنع المخلوقين. " ذلكم الله " أي الذي خلق هذه الأشياء " ربكم له ~~الملك لا إله إلا هو ". " فأنى تصرفون " أي كيف تنقلبون وتنصرفون عن عبادته ~~إلى عبادة غيره. وقرأ حمزة " إمهاتكم " بكسر الهمزة والميم. # والكسائي بكسر الهمزة وفتح الميم. الباقون بضم الهمزة وفتح الميم. # قوله تعالى: إن تكفروا فإن الله غنى عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن ~~تشكروا يرضه لكم ولا تزر وازرة أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم ~~تعملون إنه عليم بذات الصدور قوله تعالى: " إن تكفروا فإن الله غني عنكم " ~~شرط وجوابه. " ولا يرضى لعباده الكفر " أي أن يكفروا أي لا يحب ذلك منهم. ~~وقال ابن عباس والسدي: معناه لا يرضى لعباده المؤمنين الكفر، وهم الذين قال ~~الله فيهم: " إن عبادي ليس لك عليهم سلطان " [الإسراء: 65]. # وكقوله: " عينا يشرب بها عباد الله " [الإنسان: 6] أي المؤمنون. وهذا على ~~قول من لا يفرق بين الرضا والإرادة. وقيل: لا يرضى الكفر وإن أراده، فالله ~~تعالى يريد الكفر من الكافر وبإرادته كفر لا يرضاه ولا يحبه، فهو يريد كون ~~ما لا يرضاه، وقد أراد الله عز وجل خلق إبليس وهو لا يرضاه، فالإرادة غير ~~الرضا. وهذا مذهب أهل السنة. # PageV15P236 # قوله تعالى: " وإن تشكروا يرضه لكم " أي يرضى الشكر لكم، لأن " تشكروا " ~~يدل عليه. وقد مضى القول في الشكر في [البقرة] (1) وغيرها. ويرضى بمعنى ~~يثيب ويثني، فالرضا على هذا إما ثوابه فيكون صفة فعل " لئن شكرتم لأزيدنكم ~~" [إبراهيم: 7] وإما ثناؤه فهو صفة ذات. # و " يرضه " بالإسكان في الهاء قرأ أبو جعفر وأبو عمرو وشيبة وهبيرة عن ~~عاصم. وأشبع الضمة ابن ذكوان وابن كثير وابن محيصن والكسائي وورش عن نافع ~~(2). واختلس الباقون. # " ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون ~~إنه عليم بذات الصدور " تقدم في غير موضع (3). # قوله تعالى: وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيا إليه ثم إذا خوله ms5387 نعمة منه ~~نسى ما كان يدعوا إليه من قبل وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله قل تمتع بكفرك ~~قليلا إنك من أصحب النار أمن هو قنت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ~~ويرجوا رحمة ربه قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر ~~أولوا الألباب قوله تعالى: " وإذا مس الإنسان " يعنى الكافر " ضر " أي شدة ~~من الفقر والبلاء " دعا ربه منيبا إليه " أي راجعا إليه مخبتا مطيعا له ~~مستغيثا به في إزالة تلك الشدة عنه. # " ثم إذا خوله نعمة منه " أي أعطاه وملكه. يقال: خولك الله الشئ أي ملكك ~~إياه، وكان أبو عمرو بن العلاء ينشد: # هنالك إن يستخولوا المال يخولوا * وإن يسألوا يعطوا وإن ييسروا يغلوا (4) # PageV15P237 # وخول الرجل: حشمه الواحد خائل. قال أبو النجم: # أعطى فلم يبخل ولبخل * كوم الذرى من خول المخول " نسى ما كان يدعو إليه ~~من قبل " أي نسي ربه الذي كان يدعوه من قبل فكشف الضر عنه. ف " ما " على ~~هذا الوجه لله عز وجل وهي بمعنى الذي. وقيل: بمعنى من كقوله: # " ولا أنتم عابدون ما أعبد " [الكافرون: 3] والمعنى واحد. وقيل: نسي ~~الدعاء الذي كان يتضرع به إلى الله عز وجل. أي ترك كون الدعاء منه إلى ~~الله، فما والفعل على هذا القول مصدر. " وجعل لله أندادا " أي أوثانا ~~وأصناما. وقال السدي: يعني أندادا من الرجال يعتمدون عليهم في جميع أمورهم. ~~" ليضل عن سبيله " أي ليقتدي به الجهال. " قل تمتع بكفرك قليلا " أي قل ~~لهذا الإنسان " تمتع " وهو أمر تهديد فمتاع الدنيا قليل. " إنك من أصحاب ~~النار " أي مصيرك إلى النار. # قوله تعالى: " أمن هو قانت آناه الليل " بين تعالى أن المؤمن ليس كالكافر ~~الذي مضى ذكره. وقرأ الحسن وأبو عمرو وعاصم والكسائي " أمن " بالتشديد. ~~وقرأ نافع وابن كثير ويحيى ابن وثاب والأعمش وحمزة: " أمن هو " بالتخفيف ~~على معنى النداء، كأنه قال يا من هو قانت. قال الفراء: الألف بمنزلة يا، ~~تقول يا زيد أقبل وأزيد أقبل. وحكي ذلك عن سيبويه وجميع النحويين، ms5388 كما قال ~~أوس بن حجر: # أبني لبينى لستم بيد * إلا يدا ليست لها عضد وقال آخر هو ذو الرمة: # أدارا بحزوي هجت للعين عبرة * فماء الهوى يرفض أو يترقرق فالتقدير على ~~هذا " قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار " يا من هو قانت إنك من ~~أصحاب الجنة، كما يقال في الكلام: فلان لا يصلي ولا يصوم، فيا من يصلي ~~ويصوم أبشر، فحذف لدلالة الكلام عليه. وقيل: إن الألف في " أمن " ألف ~~استفهام أي " أمن هو قانت آناء الليل " أفضل؟ أم من جعل لله أندادا؟ ~~والتقدير الذي هو قانت خير. ومن شدد PageV15P238 # " أمن " فالمعنى العاصون المتقدم ذكرهم خير " أمن هو قانت " فالجملة التي ~~عادلت أم محذوفة، والأصل أم من فأدغمت في الميم. النحاس: وأم بمعنى بل، ومن ~~بمعنى الذي، والتقدير: أم الذي هو قانت أفضل ممن ذكر. وفي قانت أربعة أوجه: ~~أحدها أنه المطيع، قاله ابن مسعود. # الثاني أنه الخاشع في صلاته، قاله ابن شهاب. الثالث أنه القائم في صلاته، ~~قاله يحيى ابن سلام. الرابع أنه الداعي لربه. وقول ابن مسعود يجمع ذلك. وقد ~~روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " كل قنوت في القرآن فهو طاعة ~~لله عز وجل " وروي عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل أي الصلاة ~~أفضل؟ فقال: " طول القنوت " وتأوله جماعة من أهل العلم على أنه طول القيام. ~~وروى عبد الله عن نافع عن ابن عمر سئل عن القنوت فقال: # ما أعرف القنوت إلا طول القيام، وقراءة القرآن. وقال مجاهد: من القنوت ~~طول الركوع وغض البصر. وكان العلماء إذا وقفوا في الصلاة غضوا أبصارهم، ~~وخضعوا ولم يلتفتوا في صلاتهم، ولم يعبثوا ولم يذكروا شيئا من أمر الدنيا ~~إلا ناسين. قال النحاس: أصل هذا أن القنوت الطاعة، فكل ما قيل فيه فهو طاعة ~~لله عز وجل، فهذه الأشياء كلها داخلة في الطاعة وما هو أكثر منها كما قال ~~نافع: قال لي ابن عمر قم فصل فقمت أصلي وكان علي ثوب خلق، ms5389 فدعاني فقال لي: ~~أرأيت لو وجهتك في حاجة أكنت تمضي هكذا؟ فقلت: كنت أتزين قال: فالله أحق أن ~~تتزين له. واختلف في تعيين القانت ها هنا، فذكر يحيى بن سلام أنه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. وقال ابن عباس في رواية الضحاك عنه: هو أبو بكر وعمر ~~رضي الله عنهما. # وقال ابن عمر: هو عثمان رضي الله عنه. وفال مقاتل: إنه عمار بن ياسر. ~~الكلبي: صهيب وأبو ذر وابن مسعود. وعن الكلبي أيضا أنه مرسل فيمن كان على ~~هذه الحال. " آناء الليل " قال الحسن: ساعاته، أوله وأوسطه وآخره. وعن ابن ~~عباس: " آناء الليل " جوف الليل. # قال ابن عباس: من أحب أن يهون الله عليه الوقوف يوم القيامة، فليره الله ~~في ظلمة الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة، ويرجو رحمة ربه. وقيل: ما بين ~~المغرب والعشاء. وقول الحسن عام. " يحذر الآخرة " قال سعيد بن جبير: أي ~~عذاب الآخرة. " ويرجو رحمة ربه " أي PageV15P239 # نعيم الجنة. وروي عن الحسن أنه سئل عن رجل يتمادى في المعاصي ويرجو فقال: ~~هذا متمن. # ولا يقف على قوله: " رحمة ربه " من خفف " أمن هو قانت " على معنى النداء، ~~لأن قوله: " قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون " متصل إلا أن يقدر ~~في الكلام حذف وهو أيسر، على ما تقدم بيانه. قال الزجاج: أي كما لا يستوي ~~الذين يعلمون والذين لا يعلمون كذلك لا يستوي المطيع والعاصي. وقال غيره: ~~الذين يعلمون هم الذين ينتفعون بعلمهم ويعملون به، فأما من لم ينتفع بعلمه ~~ولم يعمل به فهو بمنزلة من لم يعلم. " إنما يتذكر أولوا الألباب " أي أصحاب ~~العقول من المؤمنين قوله تعالى: قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم للذين ~~أحسنوا في هذه الدنيا حسنة وأرض الله وسعة انما يوفى الصابرون اجرهم بغير ~~حساب قوله تعالى: " قل يا عباد الذين آمنوا " أي قل يا محمد لعبادي ~~المؤمنين " اتقوا ربكم أي اتقوا معاصيه والتاء مبدلة من واو وقد تقدم (1). ~~وقال ابن عباس: يريد جعفر بن أبي طالب والذين خرجوا ms5390 معه إلى الحبشة. ثم ~~فال: " للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة " يعني بالحسنة الأولى الطاعة ~~وبالثانية الثواب في الجنة. وقيل: المعنى للذين أحسنوا في الدنيا حسنة في ~~الدنيا، يكون ذلك زيادة على ثواب الآخرة، والحسنة الزائد في الدنيا الصحة ~~والعافية والظفر والغنيمة. قال القشيري: والأول أصح، لأن الكافر قد نال نعم ~~الدنيا. # قلت: وينالها معه المؤمن ويزاد الجنة إذا شكر تلك النعم. وقد تكون الحسنة ~~في الدنيا الثناء الحسن، وفي الآخرة الجزاء. " وأرض الله واسعة " فهاجروا ~~فيها ولا تقيموا مع من يعمل بالمعاصي. وقد مضى القول في هذا مستوفى في " ~~النساء " (2) وقيل: المراد أرض الجنة، رغبهم في سعتها وسعة نعيمها، كما ~~قال: " عرضها السماوات والأرض " [آل عمران: 133] والجنة قد تسمى أرضا، # PageV15P240 # قال الله تعالى: وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ ~~من الجنة حيث نشاء " [الزمر: 74] والأول أظهر فهو أمر بالهجرة. أي ارحلوا ~~من مكة إلى حيث تأمنوا. الماوردي: # يحتمل أن يريد بسعة الأرض سعة الرزق، لأنه يرزقهم من الأرض فيكون معناه ~~ورزق الله واسع وهو أشبه، لأنه أخرج سعتها مخرج الامتنان. # قلت: فتكون الآية دليلا على الانتقال من الأرض الغالية، إلى الأرض ~~الراخية، كما قال سفيان الثوري: كن في موضع تملأ فيه جرابك خبزا بدرهم. " ~~إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب " أي بغير تقدير. وقيل: يزاد على ~~الثواب، لأنه لو أعطي بقدر ما عمل لكان بحساب. وقيل: " بغير حساب " أي بغير ~~متابعة ولا مطالبة كما تقع المطالبة بنعيم الدنيا. و " الصابرون " هنا ~~الصائمون، دليله قوله عليه الصلاة والسلام مخبرا عن الله عز وجل: # " الصوم لي وأنا أجزي به " قال أهل العلم: كل أجر يكال كيلا ويوزن وزنا ~~إلا الصوم فإنه يحثى حثوا ويغرف غرفا، وحكي عن علي رضي الله عنه. وقال مالك ~~بن أنس في قوله: # " إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب " قال: هو الصبر على فجائع الدنيا ~~وأحزانها. # ولا شك أن كل من سلم فيما أصابه، وترك ما نهي عنه، فلا مقدار لأجرهم. ~~وقال قتادة: # لا ms5391 والله ما هناك مكيال ولا ميزان، حدثني أنس أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: " تنصب الموازين فيؤتى بأهل الصدقة فيوفون أجورهم بالموازين ~~وكذلك الصلاة والحج ويؤتى بأهل البلاء فلا ينصب لهم ميزان ولا ينشر لهم ~~ديوان ويصب عليهم الأجر بغير حساب قال الله تعالى: # " إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب " حتى يتمنى أهل العافية في الدنيا ~~أن أجسادهم تقرض بالمقاريض مما يذهب به أهل البلاء من الفضل ". وعن الحسين ~~بن علي رضي الله عنهما قال سمعت جدي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ~~أد الفرائض تكن من أعبد الناس وعليك بالقنوع تكن من أغنى الناس، يا بني إن ~~في الجنة شجرة يقال لها شجرة البلوى يؤتى بأهل البلاء فلا ينصب لهم ميزان ~~ولا ينشر لهم ديوان يصب عليهم الأجر صبا " ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم ~~PageV15P241 # " إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ". ولفظ صابر يمدح به وإنما هو لمن ~~صبر عن المعاصي، وإذا أردت أنه صبر على المصيبة قلت صابر على كذا، قال ~~النحاس. وقد مضى في " البقرة " (1) مستوفى. # قوله تعالى: قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين وأمرت لان أكون أول ~~المسلمين قل إني أخاف إن عصيت ربى عذاب يوم عظيم قل الله أعبد مخلصا له ~~ديني فاعبدوا ما شئتم من دونه قل إن الجسرين المبين لهم من فوقهم ظلل من ~~النار ومن تحتهم ذلكم يخوف الله به عباده يا عباد فاتقون قوله تعالى: " قل ~~إني أمرت ان اعبد الله مخلصا له الدين " تقدم أول السورة " وأمرت لان أكون ~~أول المسلمين " من هذه الأمة، وكذلك كان فإنه كان أول من خالف دين آبائه ~~وخلع الأصنام وحطمها، وأسلم لله وآمن به، ودعا إليه صلى الله عليه وسلم. # واللام في قوله: " لان أكون " صلة زائدة، قاله الجرجاني وغيره. وقيل: لام ~~أجل. # وفي الكلام حذف أي أمرت بالعبادة " لأن أكون أول المسلمين ". # يريد عذاب يوم القيامة. وقاله حين دعاه قومه إلى دين آبائه، قال أكثر أبو ms5392 ~~حمزة الثمالي وابن المسيب: هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: " ليغفر لك الله ~~ما تقدم من ذنبك وما تأخر " [الفتح: 2] فكانت هذه الآية من قبل أن يغفر ذنب ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # PageV15P242 # قوله تعالى: " قل الله أعبد " " الله " نصب ب " أعبد "، " مخلصا له ديني ~~" طاعتي وعبادتي. " فاعبدوه ما شئتم من دونه " أمر تهديد ووعيد وتوبيخ، ~~كقوله تعالى: # " اعملوا ما شئتم " [فصلت: 40]. وقيل بآية السيف. # قوله تعالى: " قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة " ~~قال ميمون بن مهران عن ابن عباس: ليس من أحد إلا وقد خلق الله له زوجة في ~~الجنة، فإذا دخل النار خسر نفسه وأهله. في رواية عن ابن عباس فمن عمل بطاعة ~~الله كان له ذلك المنزل والأهل إلا ما كان له ذلك، المنزل والأهل الا ما ~~كان له قبل ذلك، وهو قوله تعالى: " أولئك هم الوارثون " [المؤمنون: 10]. # قوله تعالى: " لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل " سمى ما تحتهم ~~ظللا، لأنها تظل من تحتهم، وهذه الآية نظير قوله تعالى: " لهم من جهنم مهاد ~~ومن فوقهم غواش " [الأعراف: 41] وقوله: " يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن ~~تحت أرجلهم ". [العنكبوت: 55]. " ذلك يخوف الله به عباده " قال ابن عباس: ~~أولياءه. " يا عباد فاتقون " أي يا أوليائي فخافون. وقيل: # هو عام في المؤمن والكافر. وقيل: خاص بالكفار. # قوله تعالى: والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم ~~البشرى فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم ~~الله وأولئك هم أولوا الألباب قوله تعالى: " والذين اجتنبوا الطاغوت أن ~~يعبدوها " قال الأخفش: الطاغوت جمع ويجوز أن تكون واحدة مؤنثه. وقد تقدم ~~(1). أي تباعدوا من الطاغوت وكانوا منها على جانب فلم يعبدوها. قال مجاهد ~~وابن زيد: هو الشيطان. وقال الضحاك والسدي: هو الأوثان. # وقيل: إنه الكاهن. وقيل إنه اسم أعجمي مثل طالوت وجالوت وهاروت وماروت. ~~وقيل: إنه اسم عربي مشتق من الطغيان، و " أن " في موضع نصب بدلا من ~~الطاغوت، تقديره: والذين # PageV15P243 # اجتنبوا عبادة الطاغوت. " وأنابوا إلى ms5393 الله " أي رجعوا إلى عبادته ~~وطاعته. " لهم البشرى " في الحياة الدنيا بالجنة في العقبى. روي أنها نزلت ~~في عثمان وعبد الرحمن بن عوف وسعد وسعيد وطلحة والزبير رضي الله عنهم، ~~سألوا أبا بكر رضي الله عنه فأخبرهم بإيمانه فآمنوا. # وقيل: نزلت في زيد بن عمرو بن نفيل وأبي ذر وغيرهما ممن وحد الله تعالى ~~قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم. وقوله: " فبشر عباد. الذين يستمعون ~~القول فيتبعون أحسنه " قال ابن عباس: # هو الرجل يسمع الحسن والقبيح فيتحدث بالحسن وينكف عن القبيح فلا يتحدث ~~به. # وقيل: يستمعون القرآن وغيره فيتبعون القرآن. وقيل: يستمعون القرآن وأقوال ~~الرسول فيتبعون أحسنه أي محكمه فيعملون به. وقيل: يستمعون عزما وترخيصا ~~فيأخذون بالعزم دون الترخيص. وقيل: يستمعون العقوبة الواجبة لهم والعفو ~~فيأخذون بالعفو. وقيل: # إن أحسن القول على من جعل الآية فيمن وحد الله قبل الإسلام " لا إله إلا ~~الله ". وقال عبد الرحمن بن زيد: نزلت في زيد بن عمرو بن نفيل وأبي ذر ~~الغفاري وسلمان الفارسي، اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها في جاهليتهم، واتبعوا ~~أحسن ما صار من القول إليهم. " أولئك الذين هداهم الله " لما يرضاه. " ~~وأولئك هم أولو الألباب " أي أصحاب العقول من المؤمنين الذين انتفعوا ~~بعقولهم قوله تعالى: أفمن حق عليه كلمة العذاب أفانت تنقذ من في النار قوله ~~تعالى: " أفمن حق عليه كلمة العذاب أفانت تنقذ من في النار " كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يحرص على إيمان قوم وقد سبقت لهم من الله الشقاوة فنزلت هذه ~~الآية. # قال ابن عباس: يريد أبا لهب وولده ومن تخلف من عشيرة النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن الإيمان. وكرر الاستفهام في قوله: " أفأنت " تأكيدا لطول الكلام، ~~وكذا قال سيبويه في قوله تعالى: " أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما ~~أنكم مخرجون " [المؤمنون: 35] على ما تقدم (1). # والمعنى: " أفمن حق عليه كلمة العذاب " أفأنت تنقذه. والكلام شرط وجوابه. ~~وجئ بالاستفهام، ليدل على التوقيف والتقرير. وقال الفراء: المعنى أفأنت ~~تنقذ من حقت عليه # PageV15P244 # كلمة العذاب. والمعنى واحد. ms5394 وقيل: إن في الكلام حذفا والتقدير: أفمن حق ~~عليه كلمة العذاب ينجو منه، وما بعده مستأنف وقال: " أفمن حق عليه " وقال ~~في موضع آخر: # " حقت كلمة العذاب " [الزمر: 71] لأن الفعل إذا تقدم ووقع بينه وبين ~~الموصوف به حائل جاز التذكير والتأنيث، على أن التأنيث هنا ليس بحقيقي بل ~~الكلمة في معنى الكلام والقول، أي أفمن حق عليه قول العذاب. # قوله تعالى: لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية تجرى من ~~تحتها الأنهر وعد الله لا يخلف الله الميعاد قوله تعالى: " لكن الذين اتقوا ~~ربهم " لما بين أن للكفار ظلا من النار من فوقهم ومن تحتهم بين أن للمتقين ~~غرفا فوقها غرف، لأن الجنة درجات يعلو بعضها بعضا و " لكن " ليس للاستدرار، ~~لأنه لم يأت نفي كقوله: ما رأيت زيدا لكن عمرا، بل هو لترك قصة إلى قصة ~~مخالفة للأولى كقولك: جاءني زيد لكن عمرو لم يأت. " غرف مبنية " قال ابن ~~عباس: # من زبرجد وياقوت " تجرى من تحتها الأنهار " أي هي جامعة لأسباب النزهة. " ~~وعد الله " نصب على المصدر، لأن معنى " لهم غرف " وعدهم الله ذلك وعدا. ~~ويجوز الرفع بمعنى ذلك وعد الله. " لا يخلف الله الميعاد " أي ما وعد ~~الفريقين. # قوله تعالى: ألم تر ان الله انزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض ثم ~~يخرج به زرعا مختلفا ألوانه ثم يهيج فتريه مصفرا ثم يجعله حطما ان في ذلك ~~لذكرى لأولي الألباب قوله تعالى: " ألم تر ان الله انزل من السماء ماء " أي ~~إنه لا يخلف الميعاد في إحياء الخلق، والتمييز بين المؤمن والكافر، وهو ~~قادر على ذلك كما أنه قادر على إنزال الماء من السماء. # " أنزل من السماء " أي من السحاب " ماء " أي المطر " فسلكه " أي فأدخله ~~في الأرض PageV15P245 # وأسكنه فيها، كما قال: " فأسكناه في الأرض " [المؤمنون: 18]. " ينابيع " ~~جمع ينبوع وهو يفعول من نبع ينبع وينبع وينبع بالرفع والنصب والخفض. ~~النحاس: وحكى لنا ابن كيسان في قول الشاعر (1): # ينباع من ذفرى غضوب جسرة أن معناه ms5395 ينبع فأشبع الفتحة فصارت ألفا، نبوعا ~~خرج. والينبوع عين الماء والجمع الينابيع. # وقد مضى في " سبحان " (2). " ثم يخرج به " أي بذلك الماء الخارج من ~~ينابيع الأرض " زرعا " هو للجنس أي زروعا شتى لها ألوان مختلفة، حمرة وصفرة ~~وزرقة وخضرة ونورا. قال الشعبي والضحاك: كل ماء في الأرض فمن السماء نزل، ~~إنما ينزل من السماء إلى الصخرة، ثم تقسم منها العيون والركايا. " ثم يهيج ~~" أي ييبس. " فتراه " أي بعد خضرته " مصفرا " قال المبرد قال الأصمعي: يقال ~~هاجت الأرض تهيج إذا أدبر نبتها وولى. # قال: كذلك هاج النبت. قال: وكذلك قال غير الأصمعي. وقال الجوهري: هاج ~~النبت هياجا أي يبس. وأرض هائجة يبس بقلها أو اصفر، وأهاجت الريح النبت ~~أيبسته، وأهيجنا الأرض أي وجدناها هائجة النبات، وهاج هائجه أي ثار غضبه، ~~وهدأ هائجه أي سكنت فورته. " ثم يجعله حطاما " أي فتاتا مكسرا من تحطم ~~العود إذا تفتت من اليبس. # والمعنى أن من قدر على هذا قدر على الإعادة. وقيل: هو مثل ضربه الله ~~للقرآن ولصدور من في الأرض، أي أنزل من السماء قرآنا فسلكه في قلوب ~~المؤمنين " ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه " أي دينا مختلفا بعضه أفضل من ~~بعض، فأما المؤمن فيزداد إيمانا ويقينا، وأما الذي في قلبه مرض فإنه يهيج ~~كما يهيج الزرع. وقيل: هو مثل ضربه الله للدنيا، أي كما يتغير النبت الأخضر ~~فيصفر كذلك الدنيا بعد بهجتها. " إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب ". # قوله تعلى: أفمن شرح الله للاسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية ~~قلوبهم من ذكر الله أولئك في ظلل مبين # PageV15P246 # شرح فتح ووسع. قال ابن عباس: # وسع صدره للإسلام حتى ثبت فيه. وقال السدي: بالإسلام للفرح به والطمأنينة ~~إليه، فعلى هذا لا يجوز أن يكون هذا الشرح إلا بعد الإسلام، وعلى الوجه ~~الأول يجوز أن يكون الشرح قبل الإسلام. " فهو على نور من ربه " أي على هدى ~~من ربه كمن طبع على قلبه وأقساه. ودل على هذا المحذوف قوله: " فويل للقاسية ~~قلوبهم " قال المبرد: ms5396 # يقال قسا القلب إذا صلب، وكذلك عتا وعسا مقاربة لها. وقلب قاس أي صلب لا ~~يرق ولا يلين. # والمراد بمن شرح الله صدره هاهنا فيما ذكر المفسرون على وحمزة رضي الله ~~عنهما. # وحكى النقاش أنه عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وقال مقاتل: عمار بن ياسر، ~~وعنه أيضا والكلبي رسول الله صلى الله عليه وسلم. والآية عامة فيمن شرح ~~الله صدره بخلق الايمان فيه. وروى مرة (1) عن ابن مسعود قال: قلنا يا رسول ~~الله قوله تعالى: " أفمن شرح الله صدره للاسلام فهو على نور من ربه " كيف ~~انشرح صدره؟ قال " إذا دخل النور القلب انشرح وانفتح " قلنا: يا رسول الله ~~وما علامة ذلك؟. قال: " الإنابة إلى دار الجلود والتجافي عن دار الغرور ~~والاستعداد للموت قبل نزوله " وخرجه الترمذي الحكيم في " نوادر الأصول " من ~~حديث ابن عمر: أن رجلا قال يا رسول الله أي المؤمنين أكيس؟ # قال: " أكثر هم للموت ذكرا وأحسنهم له استعدادا وإذا دخل النور في القلب ~~انفسح واستوسع " قالوا: فما آية ذلك يا نبي الله؟ قال: " الإنابة إلى دار ~~الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزول الموت " فذكر صلى ~~الله عليه وسلم خصالا ثلاثة، ولا شك أن من كانت فيه هذه الخصال فهو الكامل ~~الايمان، فان الإنابة انما هي أعمال البر، لان دار الجلود انما وضعت جزاء ~~لأعمال البر، ألا ترى كيف ذكره الله في مواضع في تنزيله ثم قال بعقب ذلك " ~~جزاء بما كانوا يعملون " فالجنة جزاء الأعمال، فإذا انكمش العبد في أعمال ~~البر فهو انابته إلى دار الجلود، وإذا خمد حرصه عن الدنيا، ولها عن طلبها، ~~وأقبل على # PageV15P247 # ما يغنيه منها فاكتفى به وقنع، فقد تجافى عن دار الغرور. وإذا احكم أموره ~~بالتقوى فكان ناظرا في كل أمر، واقفا متأدبا متثبتا حذرا يتورع عما يربيه ~~إلى ما لا يريبه فقد استعد للموت. فهذه علامتهم في الظاهر. وإنما صار هكذا ~~الرؤية بالنور الذي ولج القلب. وقوله: " فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله: ~~قيل: المراد أبو ms5397 لهب وولده، ومعنى " من ذكر الله " أن قلوبهم نزداد قسوة من ~~سماع ذكره. وقيل: إن " من " بمعنى عن والمعنى قست عن قبول ذكر الله. وهذا ~~اختيار الطبري. وعن أبي سعيد الجدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~" قال الله تعالى اطلبوا الحوائج من السمحاء فانى جعلت فيهم رحمتي ولا ~~تطلبوها من القاسية قلوبهم فانى جعلت فيهم سخطي ". وقال مالك بن دينار: # ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة قلب، وما غضب الله على قوم الأنزع الرحمة ~~من قلوبهم، قوله تعالى: الله نزل أحسن الحديث كتبا متشابها مثاني تقشعر منه ~~جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله ~~يهدى به من يشاء ومن يظلل الله فماله من هاد فيه ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " نزل أحسن الحديث " يعنى القرآن لما قال " فيتبعون ~~أحسنه " بين أن أحسن ما يسمع ما أنزله الله وهو القرآن. قال سعد بن أبي ~~وقاص قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو حدثتنا فأنزل اله عز وجل ~~" الله نزل أحسن الحديث " فقالوا: لو قصصت علينا فنزل " نحن نقص عليك أحسن ~~القصص " فقالوا: لو ذكرتنا فنزل " ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر ~~الله " الآية. وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ملوا ملة فقالوا له: حدثنا فنزلت. والحديث ما يحدث به المحدث. ~~وسمى القرآن حديثا، لان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحدث به ~~PageV15P248 # أصحابه وقومه، وهو كقوله: " فبأي حديث بعده يؤمنون " وقوله: " أفمن هذا ~~الحديث تعجبون " وقوله: فذرني ومن يكذب بهذا الحديث " [القلم: 4 4] قال ~~القشيري: وتوهم قوم أن الحديث من الحدوث فيدل على أن كلامه محدث وهو وهم، ~~لأنه لا يريد لفظ الحديث على ما في قوله: # " ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث " وقد قالوا: إن الحدوث يرجع إلى ~~التلاوة لا إلى المتلو، وهو كالذكر مع المذكور إذا ذكرنا أسماء الرب تعالى. ~~" كتابا " نصب على البدل ms5398 من " أحسن الحديث " ويحتمل أن يكون حالا منه. " ~~متشابها " يشبه بعضه بعضا في الحسن والحكمة ويصدق بعضه بعضا، ليس فيه تناقض ~~ولا اختلاف. وقال قتادة: يشبه بعضه بعضا في الآي والحروف. وقيل: يشبه كتب ~~الله المنزلة على أنبيائه، لما يتضمنه من أمر ونهي وترغيب وترهيب وإن كان ~~أعم وأعجز. ثم وصفه فقال: " مثاني " تثنى فيه القصص والمواعظ والأحكام وثنى ~~للتلاوة فلا يمل. " تقشعر " تضطرب وتتحرك بالخوف مما فيه من الوعيد. " ثم ~~تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله " أي عند آية الرحمة. وقيل: # إلى العمل بكتاب الله والتصديق به. وقيل: " إلى ذكر الله " يعنى الاسلام. # الثانية - عن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما قالت: كان أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم، إذا قرى عليهم القرآن كما نعتهم الله تدمع ~~أعينهم وتقشعر جلودهم. # قيل لها: فان أناسا اليوم إذا قرى عليهم القرآن خر أحدهم مغشيا عليه. ~~فقالت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وقال سعيد بن عبد الرحمن الجمحي: مر ~~ابن عمر برجل من أهل القرآن ساقطا فقال: ما بال هذا؟ قالوا: إنه إذا قرى ~~عليه القرآن وسمع ذكر الله سقط. فقال ابن عمر: إنا لنخشى الله وما نسقط. ثم ~~قال: إن الشيطان يدخل في جوف أحدهم، ما كان هذا صنيع أصحاب محمد صلى الله ~~عليه سلم. وقال عمر بن عبد العزيز: ذكر عند ابن سيرين الذين يصرعون إذا قرى ~~عليهم القرآن فقال: بيننا وبينهم أن يقعد أحدهم على ظهر بيت باسطا رجليه، ~~ثم يقرأ عليه القرآن من أوله إلى آخره فان رمى بنفسه فهو صادق. وقال أبو ~~عمران PageV15P249 # الجوني: وعظ موسى عليه السلام بني إسرائيل ذات يوم فشق رجل قميصه، فأوحى ~~الله إلى موسى، قل لصاحب القميص لا يشق قميصه فانى لا أحب المبذرين، يشرح ~~لي عن قلبه. قال زيد بن أسلم: ذرأ أبي بن كعب عند النبي صلى الله عليه وسلم ~~ومعه أصحابه فرقوا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " اغتنموا الدعاء عند ~~الرقة فإنها رحمة ". وعن العباس أن ms5399 رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ~~إذا اقشعر جلد المؤمن من مخافة الله تحاتت عنه خطاياه كما يتحات عن الشجرة ~~البالية ورقها ". وعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ما اقشعر جلد عبد من خشية الله إلا حرمه الله على النار ". وعن شهر بن ~~حوشب عن أم الدرداء قالت: إنما الوجل في قلب الرجل كاحتراق السعفة، أما تجد ~~إلا قشعريرة؟ قلت: # بلى، قالت: فادع الله فإن الدعاء عند ذلك مستجاب. وعن ثابت البناني قال: ~~قال فلان: # إني لأعلم متى يستجاب لي. قالوا: ومن أين تعلم ذلك؟ قال: إذا اقشعر جلدي، ~~ووجل قلبي، وفاضت عيناي، فذلك حين يستجاب لي. يقال: اقشعر جلد الرجل ~~اقشعرارا فهو مقشعر والجمع قشاعر فتحذف الميم، لأنها زائدة، يقال أخذته ~~قشعريرة. قال امرؤ القيس: # فبت أكابد ليل التمام (1) * والقلب من خشية مقشعر وقيل: إن القرآن لما ~~كان في غاية الجزالة والبلاغة، فكانوا إذا رأوا عجز هم عن معارضته، اقشعرت ~~الجلود منه إعظاما له، وتعجبا من حسن ترصيعه وتهيبا لما فيه، وهو كقوله ~~تعالى: " لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله " ~~[الحشر: 21] فالتصدع قريب من الاقشعرار، والخشوع قريب من قوله: " ثم تلين ~~جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله " ومعنى لين القلب رقته وطمأنينته وسكونه. " ~~ذلك هدى اله " أي القرآن هدى الله. وقيل: # أي الذي وهبه الله لهؤلاء من خشية عقابه ورجاء ثوابه هدى الله. " ومن ~~يظلل الله فماله من هاد " أي من خذله فلا مرشد له. وهو يرد على القدرية ~~وغيرهم. وقد مضى معنى هذا كله مستوفى في غير موضع والحمد لله. ووقف ابن ~~كثير وابن محيصن على قوله: " هاد " في الموضعين بالياء، الباقون بغير ياء. # PageV15P250 # قوله تعالى: أفمن يتقى بوجهه سوء العذاب يوم القيمة وقيل للظالمين ذوقوا ~~ما كنتم تكسبون كذب الذين من قبلهم فاتهم العذاب من حيث لا يشعرون فأذاقهم ~~الله الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعملون قوله ~~تعالى: " أفمن يتقى بوجهه سوء ms5400 العذاب " قال عطاء وابن زيد: يرمى به مكتوفا ~~في النار فأول شئ تمس منه النار وجهه. وقال مجاهد: يجر على وجهه في النار. ~~وقال مقاتل: # هو أن الكافر يرمى به في النار مغلولة يداه إلى عنقه، وفي عنقه صخرة ~~عظيمة كالجبل العظيم من الكبريت، فتشتعل النار في الحجر وهو معلق في عنقه، ~~فحرها ووهجها على وجهه، لا يطيق دفعها عن وجهه من أجل الأغلال. والخبر ~~محذوف. قال الأخفش: أي " أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب " أفضل أم من سعد، ~~مثل: " أفمن يلقى في النار خير أمن يأتي آمنا يوم القيامة " [فصلت: 40]. " ~~وقيل للظالمين " أي وتقول الخزنة للكافرين " ذوقوا ما كنتم تكسبون " أي ~~جزاء كسبكم من المعاصي. ومثله " هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم ~~تكنزون " [التوبة: 35]. قوله تعالى: " كذب الذين من قبلهم فأتاهم العذاب من ~~حيث لا يشعرون. فأذاقهم الله الخزي في الحياة الدنيا " تقدم معناه (1). ~~وقال المبرد: يقال لكل ما نال الجارحة من شئ قد ذاقته، أي وصل إليها كما ~~تصل الحلاوة والمرارة إلى الذائق لهما. قال: والخزي من المكروه والخزاية من ~~الاستحياء " ولعذاب الآخرة أكبر " أي مما أصابهم في الدنيا " لو كانوا ~~يعلمون ". # قوله تعالى: ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون ~~قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون # PageV15P251 # قوله تعالى: " ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل " أي من كل مثل ~~يحتاجون إليه، مثل قوله تعالى: " ما فرطنا في الكتاب من شئ " [الأنعام: 38] ~~وقيل: أي ما ذكرنا من إهلاك الأمم السالفة مثل لهؤلاء. " لعلهم يتذكرون " ~~يتعظون. " قرآنا عربيا " نصب على الحال. قال الأخفش: لأن قوله جل وعز: " في ~~هذا القرآن " معرفة. وقال علي بن سليمان: " عربيا " نصب على الحال و " ~~قرآنا " توطئة للحال كما تقول مررت بزيد رجلا صالحا فقولك صالحا هو المنصوب ~~على الحال. وقال الزجاج: " عربيا " منصوب على الحال و " قرآنا " توكيد. " ~~غير ذي عوج " النحاس: أحسن ما قيل فيه قول الضحاك، قال: # غير مختلف. وهو قول ابن عباس، ذكره ms5401 الثعلبي. وعن ابن عباس أيضا غير ~~مخلوق، ذكره المهدوي وقاله السدي فيما ذكره الثعلبي. وقال عثمان بن عفان: ~~غير متضاد. وقال مجاهد: # غير ذي لبس. قال وقد أتاك يقين غير ذي عوج * من الإله وقول غير مكذوب " ~~لعلهم يتقون " الكفر والكذب. قوله تعالى: ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء ~~متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون ~~قوله تعالى: " ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون " قال الكسائي: نصب " ~~رجلا " لأنه ترجمة للمثل وتفسير له، وإن شئت نصبته بنزع الخافض، مجازه: ضرب ~~الله مثلا برجل " فيه شركاء متشاكسون " قال الفراء: أي مختلفون. وقال ~~المبرد: أي متعاسرون من شكس يشكس شكسا [بوزن قفل] (1) فهو شكس مثل عسر يعسر ~~عسرا فهو عسر، يقال: رجل شكس وشرس وضرس وضبس. ويقال: رجل ضبس وضبيس أي # PageV15P252 # شرس عسر شكس، قاله الجوهري. الزمخشري: والتشاكس والتشاخس الاختلاف. # يقال: تشاكست أحواله وتشاخست أسنانه. ويقال: شاكسني فلان أي ماكسني ~~وشاحني في حقي. قال الجوهري: رجل شكس بالتسكين أي صعب الخلق. قال الراجز: # شكس عبوس عنبس عذور وقوم شكس مثال رجل صدق وقوم صدق. وقد شكس بالكسر ~~شكاسة. وحكى الفراء: # رجل شكس. وهو القياس، وهذا مثل من عبد آلهة كثيرة. " ورجلا سلمنا لرجل " ~~أي خالصا لسيد واحد، وهو مثل من يعبد الله وحده. " هل يستويان مثلا " هذا ~~الذي يخدم جماعة شركاء أخلاقهم مختلفة ونياتهم متباينة، لا يلقاه رجل إلا ~~جره واستخدمه، فهو يلقى منهم العناء والنصب والتعب العظيم، وهو مع ذلك كله ~~لا يرضي واحدا منهم بخدمته لكثرة الحقوق في رقبته، والذي يخدم واحدا لا ~~ينازعه فيه أحد، إذا أطاعه وحده عرف ذلك له، وإن أخطأ صفح عن خطأه، فأيهما ~~أقل تعبا أو على هدى مستقيم. وقرأ أهل الكوفة وأهل المدينة: " ورجلا سالما ~~" وقرأ ابن عباس ومجاهد والحسن وعاصم الجحدري وأبو عمرو وابن كثير ويعقوب: ~~" ورجلا سالما " واختاره أبو عبيد لصحة التفسير فيه. قال: لأن السالم ~~الخالص ضد المشترك، والسلم ضد الحرب ولا موضع للحرب ms5402 هنا. النحاس: وهذا ~~الاحتجاج لا يلزم، لأن الحرف إذا كان له معنيان لم يحمل إلا على أولاهما، ~~فهذا وإن كان السلم ضد الحرب فله موضع آخر، كما يقال لك في هذا المنزل ~~شركاء فصار سلما لك. ويلزمه أيضا في سالم ما ألزم غيره، لأنه يقال شئ سالم ~~أي لا عاهة به. والقراءتان حسنتان قرأ بهما الأئمة. واختار أبو حاتم قراءة ~~أهل المدينة " سلما " قال وهذا الذي لا تنازع فيه. وقرأ سعيد ابن جبير ~~وعكرمة وأبو العالية ونصر " سلما " بكسر السين وسكون اللام. و سلما وسلما ~~مصدران، والتقدير: ورجلا ذا سلم فحذف المضاف و " مثلا " صفة على التمييز، ~~والمعنى هل تستوي صفاتهما وحالاهما. وإنما اقتصر في التمييز على الواحد ~~لبيان الجنس. " الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون " الحق فيتبعونه. ~~PageV15P253 # قوله تعالى: إنك ميت وإنهم ميتون ثم إنكم يوم القيمة عند ربكم تختصمون ~~قرأ ابن محيصن وابن أبي عبلة وعيسى بن عمر وابن أبي إسحاق " إنك مائت وإنهم ~~مائتون " وهي قراءة حسنة وبها قرأ عبد الله بن الزبير. النحاس: ومثل هذه ~~الألف تحذف في الشواذ و " مائت " في المستقبل كثير في كلام العرب، ومثله ما ~~كان مريضا وإنه لمارض من هذا الطعام. وقال الحسن والفراء والكسائي: الميت ~~بالتشديد من لم يمت وسيموت، والميت بالتخفيف من فارقته الروح، فلذلك لم ~~تخفف هنا. قال قتادة: نعيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم نفسه، ونعيت إليكم ~~أنفسكم. وقال ثابت البناني: نعى رجل إلى صلة بن أشيم أخا له فوافقه يأكل، ~~فقال: # ادن فكل فقد نعي إلي أخي منذ حين، قال: وكيف وأنا أول من أتاك بالخبر. ~~قال إن الله تعالى نعاه إلي فقال: " إنك ميت وإنهم ميتون ". وهو خطاب للنبي ~~صلى الله عليه وسلم أخبره بموته وموتهم، فاحتمل خمسة أوجه أحدها أن يكون ~~ذلك تحذيرا من الآخرة. # الثاني أن يذكره حثا على العمل. الثالث أن يذكره توطئة للموت. الرابع ~~لئلا يختلفوا في موته كما اختلفت الأمم في غيره، حتى أن عمر رضي الله عنه ~~لما ms5403 أنكر موته احتج أبو بكر رضي الله عنه بهذه الآية فأمسك. الخامس ليعلمه ~~أن الله تعالى قد سوى فيه بين خلقه مع تفاضلهم في غيره، لتكثر فيه السلوة ~~وتقل فيه الحسرة " ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون " يعني تخاصم ~~الكافر والمؤمن والظالم والمظلوم، قال ابن عباس وغيره. وفي خبر فيه طول: إن ~~الخصومة تبلغ يوم القيامة إلى أن يحاج الروح الجسد. وقال الزبير: لما نزلت ~~هذه الآية قلنا: يا رسول الله أيكرر علينا ما كان بيننا في الدنيا مع خواص ~~الذنوب؟ قال: " نعم ليكررن عليكم حتى يؤدى إلى كل ذي حق حقه " فقال الزبير: ~~والله إن الأمر لشديد. وقال ابن عمر: # لقد عشنا برهة من دهرنا ونحن نرى هذه الآية نزلت فينا وفي أهل الكتابين: ~~" ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون " فقلنا: وكيف نختصم ونبينا واحد ~~وديننا واحد، حتى رأيت PageV15P254 # بعضنا يضرب وجوه بعض بالسيف، فعرفت أنها فينا نزلت. وقال أبو سعيد ~~الخدري: # كنا نقول ربنا واحد وديننا واحد ونبينا واحد فما هذه الخصومة فلما كان ~~يوم صفين وشد بعضنا على بعض بالسيوف قلنا نعم هو هذا. وقال إبراهيم النخعي: ~~لما نزلت هذه الآية جعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: ما ~~خصومتنا بيننا؟ فلما قتل عثمان رضي الله عنه قالوا: هذه خصومتنا بيننا. ~~وقيل تخاصمهم هو تحاكمهم إلى الله تعالى، فيستوفي من حسنات الظالم بقدر ~~مظلمته، ويردها في حسنات من وجبت له. وهذا عام في جميع المظالم كما في حديث ~~أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أتدرون من المفلس " ~~قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. قال: إن المفلس من أمتي من ~~يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال ~~هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت ~~حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرفي النار " ~~خرجه مسلم. وقد مضى ms5404 المعنى مجودا في " آل عمران " (1) وفي البخاري عن أبي ~~هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من كانت له مظلمة لأحد من ~~عرضه أو شئ فليتحلله منه اليوم قبل ألا يكون دينار ولا درهم إن كان له عمل ~~صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل ~~عليه " وفي الحديث المسند " أول ما تقع الخصومات في الدنيا " وقد ذكرنا هذا ~~الباب كله في التذكرة مستوفى. # قوله تعالى: فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه أليس في جهنم ~~مثوى للكافرين والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون لهم ما يشاؤون ~~عند ربهم ذلك جزاء المحسنين ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم ~~بأحسن الذي كانوا يعملون # PageV15P255 # قوله تعالى: " فمن أظلم " أي لا أحد أظلم " ممن كذب على الله " فزعم أن ~~له ولدا وشريكا " وكذب بالصدق " يعني القرآن " أليس في جهنم " لاستفهام ~~تقرير " مثوى للكافرين " أي مقام للجاحدين، وهو مشتق من ثوى بالمكان إذ ~~أقام به يثوي ثواء وثويا مثل مضى مضاء ومضيا، ولو كان من أثوى لكان مثوى. ~~وهذا يدل على أن ثوى هي اللغة الفصيحة. # وحكى أبو عبيد أثوى، وأنشد قول الأعشى: # أثوى وقصر ليلة ليزودا * ومضى وأخلف من قتيلة موعدا والأصمعي لا يعرف إلا ~~ثوى، ويروى البيت أثوى على الاستفهام. وأثويت غيري يتعدى ولا يتعدى. قوله ~~تعالى: والذي جاء بالصدق " في موضع رفع بالابتداء وخبره " أولئك هم المتقون ~~" واختلف في الذي جاء بالصدق وصدق به، فقال علي رضي الله عنه: " الذي جاء ~~بالصدق " النبي صلى الله عليه وسلم " وصدق به " أبو بكر رضي الله عنه. وقال ~~مجاهد: النبي عليه السلام وعلي رضي الله عنه. السدي: الذي جاء بالصدق جبريل ~~والذي صدق به محمد صلى الله عليه وسلم. وقال ابن زيد ومقاتل وقتادة: " الذي ~~جاء بالصدق " النبي صلى الله عليه وسلم: " وصدق به " المؤمنون. واستدلوا ~~على ذلك بقوله: " أولئك هم المتقون " كما قال: " هدى للمتقين " [البقرة: ~~2]. وقال ms5405 النخعي ومجاهد: " الذي جاء بالصدق وصدق به " المؤمنون الذين ~~يجيئون بالقرآن يوم القيامة فيقولون: هذا الذي أعطيتمونا قد اتبعنا ما فيه، ~~فيكون " الذي " على هذا بمعنى جمع كما تكون من بمعنى جمع. وقيل: بل حذفت ~~منه النون لطول الاسم، وتأول الشعبي على أنه واحد. وقال: " الذي جاء بالصدق ~~" محمد صلى الله عليه وسلم فيكون على هذا خبره جماعة، كما يقال لمن يعظم هو ~~فعلوا، وزيد فعلوا كذا وكذا. # وقيل: إن ذلك عام في كل من دعا إلى توحيد الله عز وجل، قاله ابن عباس ~~وغيره، واختاره الطبري. وفي قراءة ابن مسعود " والذي جاءوا بالصدق وصدقوا ~~به " وهي قراءة على التفسير. # وفي قراءة أبي صالح الكوفي " والذي جاء بالصدق وصدق به " مخففا على معنى ~~وصدق بمجيئه PageV15P256 # به، أي صدق في طاعة الله عز وجل، وقد مضى في " البقرة " (1) الكلام في " ~~الذي " وأنه يكون واحدا ويكون جمعا. " لهم ما يشاؤون عند ربهم " أي من ~~النعيم في الجنة، كما يقال: # لك إكرام عندي، أي ينالك مني ذلك. " ذلك جزاء المحسنين " الثناء في ~~الدنيا والثواب في الآخرة. # قوله تعالى: " ليكفر الله عنهم " أي صدقوا " ليكفر الله عنهم ". " أسوا ~~الذي عملوا " أي يكرمهم ولا يؤاخذهم بما عملوا قبل الإسلام. " ويجزيهم ~~أجرهم " أي يثيبهم على الطاعات الدنيا " بأحسن الذي كانوا يعملون " وهي ~~الجنة. # قوله تعالى: أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه ومن يظلل الله ~~فما له من هاد ومن يهد الله فما له من مضل أليس الله بعزيز ذي انتقام قوله ~~تعالى: " أليس الله بكاف عبده " حذفت الياء من " كاف " لسكونها وسكون ~~التنوين بعدها، وكان الأصل ألا تحذف في الوقف لزوال التنوين، إلا أنها حذفت ~~ليعلم أنها كذلك في الوصل. ومن العرب من يثبتها في الوقف على الأصل فيقول: ~~كافي. وقراءة العامة " عبده " بالتوحيد يعني محمدا صلى الله عليه وسلم ~~يكفيه الله وعيد المشركين وكيدهم. # وقرأ حمزة والكسائي " عباده " وهم الأنبياء أو الأنبياء والمؤمنون بهم. ~~واختار أبو عبيد قراءة الجماعة لقوله عقيبه: " ويخوفونك بالذين ms5406 من دونه ". ~~ويحتمل أن يكون العبد لفظ الجنس، كقوله عز من قائل: " إن الإنسان لفي خسر " ~~[العصر: 2] وعلى هذا تكون القراءة الأولى راجعة إلى الثانية. والكفاية شر ~~الأصنام، فإنهم كانوا يخوفون المؤمنين بالأصنام، حتى قال إبراهيم عليه ~~السلام. " وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله " [الأنعام: ~~81]. وقال الجرجاني: إن الله كاف عبده المؤمن وعبده الكافر، هذا بالثواب ~~وهذا بالعقاب. # PageV15P257 # قوله تعالى: " ويخوفونك بالذين من دونه " وذلك أنهم خوفوا النبي صلى الله ~~عليه وسلم مضرة الأوثان، فقالوا: أتسب آلهتنا؟ لئن لم تكف عن ذكرها لتخبلنك ~~أو تصيبنك بسوء. وقال قتادة: مشى خالد بن الوليد إلى العزى ليكسرها بالفأس. ~~فقال له سادنها: # أحذركها يا خالد فإن لها شدة لا يقوم لها شئ، فعمد خالد إلى العزى فهشم ~~أنفها حتى كسرها بالفأس. وتخويفهم لخالد تخويف للنبي صلى الله عليه وسلم، ~~لأنه الذي وجه خالدا. ويدخل في الآية تخويفهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~بكثرة جمعهم وقوتهم، كما قال: " أم يقولون نحن جميع منتصر " [القمر: 44] " ~~ومن يضلل الله فما له من هاد " تقدم. " ومن يهد الله فما له من مضل أليس ~~الله بعزيز ذي انتقام " أي ممن عاداه أو عادى رسله. # قوله تعالى: ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل أفرءيتم ~~ما تدعون من دون الله ان أرادني الله بضر هل هن كشفت ضره أو أرادني برحمة ~~هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون قل يقوم اعملوا على ~~مكانتكم إني عمل فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم إنا ~~أنزلنا عليك الكتب للناس بالحق فمن اهتدى فلنفسه ومن فإنما يضل عليها وما ~~أنت عليهم بوكيل قوله تعالى: " ولئن سألتهم " أي ولئن سألتهم يا محمد " من ~~خلق السماوات والأرض ليقولن الله " بين أنهم مع عبادتهم الأوثان مقرون بأن ~~الخالق هو الله، وإذا كان الله هو الخالق فكيف يخوفونك بآلهتهم التي هي ~~مخلوقة لله تعالى، وأنت رسول الله الذي خلقها وخلق السماوات والأرض. " قل ~~أفرأيتم " أي ms5407 قل لهم يا محمد بعد اعترافهم بهذا " أفرأيتم " إن أرادني الله ~~بضر " بشدة وبلاء " هل هن كاشفات ضره " يعنى هذه الأصنام " أو أرادني ~~PageV15P258 # برحمة " نعمة ورخاء " هل هن ممسكات رحمته " قال مقاتل: فسألهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم فسكتوا. وقال غيره: قالوا لا تدفع شيئا قدره الله ولكنها ~~تشفع. فنزلت " قل حسي وترك الجواب لدلالة الكلام عليه يعنى فسيقولون لا (أي ~~لا تكشف ولا تمسك) (1) ف " قل " أنت " حسي الله " أي عليه توكلت أي اعتمدت ~~و " عليه يتوكل المتوكلون " يعتمد المعتمدون. وقد تقدم الكلام (2) في ~~التوكل. وقرأ نافع وابن كثير والكوفيون ما عدا عاصما " كاشفات ضره " بغيره ~~تنوين. وقرأ أبو عمر وشيبة وهي المعروفة من قراءة الحسن وعاصم " هل هن ~~كاشفات ضره ". " ممسكات رحمته " بالتنوين على الأصل وهو اختيار أبى عبيد ~~وأبى حاتم، لأنه اسم فاعل في معنى الاستقبال، وإذا كان كذلك كان التنوين ~~أجود. قال الشاعر: # الضاربون عميرا عن بيوتهم * بالليل يوم عمير ظالم عادى. # ولو كان ماضيا لم يجز فيه التنوين، وحذف التنوين على التحقيق فإذا حذفت ~~التنوين لي يبق بين الاسمين حاجز فخفضت الثاني بالإضافة. وحذف التنوين كثير ~~في كلام العرب موجود حسن قال الله تعالى " هديا بالغ الكعبة " وقال: " إنا ~~مرسلو الناقة " قال سيبويه: ومثل ذلك " غير محلى الصيد " وأنشد سيبويه: # هل أنت باعث دينار لحاجتنا * أو عبد رب أخا عون بن مخراق وقال النابغة: # أحكم كحكم فتاه الحي إذ نظرات * إلى حمام شراع وارد الثمد (3) معناه وارد ~~الثمد فحذف التنوين، مثل " كاشفات ضره. " قوله تعالى: " قل يا قوم اعملوا ~~على مكانتكم إني عامل " أي مكانتي أي على جهتي إلى تمكنت عندي " فسوف ~~تعلمون. " وقرأ أبو بكر بالجمع " مكاناتكم ". وقد مضى في " الأنعام. " (4) # PageV15P259 # " من يأتيه عذاب يخزيه " أي يهينه ويذله أي في الدنيا وذلك بالجوع ~~والسيف. " ويحل عليه " أي في الآخرة " عذاب مقيم. " قوله تعالى: " إنا ~~أنزلنا عليك الكتاب للناس بالحق فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ~~وما أنت عليهم بوكيل " تقدم الكلام في ms5408 هذه الآية مستوفى في غير موضع. (1) ~~قوله تعالى: الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك ~~التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لأيت لقوم ~~يتفكرون فيه أربع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " الله يتوفى الأنفس حين موتها " أي يقبضها عند ~~فناء آجالها " والتي لم تمت في منامها " اختلف فيه. فقيل: يقبضها عن التصرف ~~مع بقاء أرواحها في أجسادها " فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى " ~~وهي النائمة فيطلقها بالتصرف إلى أجل موتها، قال ابن عيسى (2). وقال ~~الفراء: المعنى ويقبض التي لم تمت في منامها عند انقضاء أجلها. قال: وقد ~~يكون توفيها نومها، فيكون التقدير على هذا والتي لم تمت وفاتها نومها. وقال ~~ابن عباس وغيره من المفسرين: إن أرواح الأحياء والأموات تلتقي في المنام ~~فتتعارف ما شاء الله منها، فإذا أراد جميعها الرجوع إلى الأجساد أمسك الله ~~أرواح الأموات عنده، وأرسل أرواح الأحياء إلى أجسادها. وقال سعيد بن جبير: ~~إن الله يقبض أرواح الأموات إذا ماتوا، وأرواح الأحياء إذا ناموا، فتتعارف ~~ما شاء الله أن تتعارف " فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى " أي ~~يعيدها. قال علي رضي الله عنه: فما رأته نفس النائم وهي في السماء قبل ~~إرسالها إلى جسدها فهي الرؤيا الصادقة، وما رأته بعد إرسالها وقبل ~~استقرارها في جسدها تلقيها الشياطين، وتخيل إليها الأباطيل فهي الرؤيا ~~الكاذبة. # PageV15P260 # وقال ابن زيد: النوم وفاة والموت وفاة. وعن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: " كما تنامون فكذلك تموتون وكما توقظون فكذلك تبعثون. " وقال عمر: ~~النوم أخو الموت. وروي مرفوعا من حديث جابر بن عبد الله قيل: يا رسول الله ~~أينام أهل الجنة؟ قال: " لا النوم أخو الموت والجنة لا موت فيها " خرجه ~~الدارقطني. وقال ابن عباس: " في ابن آدم نفس وروح بينهما مثل شعاع الشمس، ~~فالنفس التي بها العقل والتمييز، والروح التي بها النفس والتحريك، فإذا نام ~~العبد قبض الله نفسه ولم يقبض روحه. " وهذا قول ابن الأنباري والزجاج. قال ~~القشيري أبو ms5409 نصر: وفي هذا بعد إذ المفهوم من الآية أن النفس المقبوضة في ~~الحالين شئ واحد، ولهذا قال: " فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى ~~إلى أجل مسمى " فإذا يقبض الله الروح في حالين في حالة النوم وحالة الموت، ~~فما قبضه في حال النوم فمعناه أنه يغمره بما يحبسه عن التصرف فكأنه شئ ~~مقبوض، وما قبضه في حال الموت فهو يمسكه ولا يرسله إلى يوم القيامة. وقوله: ~~" ويرسل الأخرى " أي يزيل الحابس عنه فيعود كما كان. فتوفي الأنفس في حال ~~النوم بإزالة الحس وخلق الغفلة والآفة في محل الإدراك. وتوفيها في حالة ~~الموت بخلق الموت وإزالة الحس بالكلية. " فيمسك التي قضى عليها الموت " ~~بألا يخلق فيها الإدراك كيف وقد خلق فيها الموت؟ " ويرسل الأخرى " بأن يعيد ~~إليها الإحساس. # الثانية - وقد اختلف الناس من هذه الآية في النفس والروح، هل هما شئ واحد ~~أو شيئان على ما ذكرنا. والأظهر أنهما شئ واحد، وهو الذي تدل عليه الآثار ~~الصحاح على ما نذكره في هذا الباب. من ذلك حديث أم سلمة قالت: دخل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على أبي سلمة وقد شق (1) بصره فأغمضه، ثم قال: " ~~إن الروح إذا قبض تبعه البصر " وحديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " ألم تروا الإنسان إذا مات شخص بصره " قال: " فذلك حين يتبع ~~بصره نفسه " خرجهما مسلم. وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # PageV15P261 # " تحضر الملائكة فإذا كان الرجل صالحا قالوا اخرجي أيتها النفس الطيبة ~~كانت في الجسد الطيب اخرجي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب راض غير غضبان فلا ~~يزال يقال لها ذلك حتى تخرج ثم يعرج بها إلى السماء " وذكر الحديث وإسناده ~~صحيح خرجه ابن ماجة، وقد ذكرناه في " التذكرة. " وفي صحيح، مسلم عن أبي ~~هريرة قال: " إذا خرجت روح المؤمن تلقاها " ملكان يصعدان بها. " وذكر ~~الحديث. وقال بلال في حديث الوادي: أخذ بنفسي يا رسول الله الذي أخذ بنفسك. ~~وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مقابلا له ms5410 في حديث زيد بن أسلم في حديث ~~الوادي: " يا أيها الناس إن الله قبض أرواحنا ولو شاء ردها إلينا في حين ~~غير هذا. " الثالثة - والصحيح فيه أنه جسم لطيف مشابك للأجسام المحسوسة، ~~يجذب ويخرج وفي أكفانه يلف ويدرج، وبه إلى السماء يعرج، لا يموت ولا يفنى، ~~وهو مما له أول وليس له آخر، وهو بعينين ويدين، وأنه ذو ريح طيبة وخبيثة، ~~كما في حديث أبي هريرة. # وهذه صفة الأجسام لا صفة الأعراض، وقد ذكرنا الأخبار بهذا كله في كتاب " ~~التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة. " وقال تعالى: " فلولا إذا بلغت ~~الحلقوم " [الواقعة: 83] يعني النفس إلى خروجها من الجسد، وهذه صفة الجسم. ~~والله أعلم. # الرابعة - خرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: " إذا أوى أحدكم إلى فراشه فليأخذ داخلة إزاره فلينفض بها ~~فراشه وليسم الله فإنه لا يعلم ما خلفه بعد على فراشه فإذا أراد أن يضطجع ~~فليضطجع على شقه الأيمن وليقل سبحانك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه إن أمسكت ~~نفسي فاغفر لها. " وقال البخاري وابن ماجة والترمذي: " فارحمها " بدل " ~~فاغفر لها " وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين " زاد الترمذي ~~" وإذا استيقظ فليقل الحمد لله الذي عافاني في جسدي ورد علي روحي وأذن لي ~~بذكره. " وخرج البخاري عن حذيفة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~أخذ مضجعه من الليل وضع يده تحت خده، ثم يقول: " اللهم باسمك أموت وأحيا " ~~وإذا استيقظ قال: " الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور. " ~~PageV15P262 # قوله تعالى: " فيمسك التي قضى عليها الموت " هذه قراءة العامة على أنه ~~مسمى الفاعل " الموت " نصبا، أي قضى الله عليها وهو اختيار أبي حاتم وأبي ~~عبيد، لقوله في أول الآية: " الله يتوفى الأنفس " فهو يقضي عليها. وقرأ ~~الأعمش ويحيى بن وثاب وحمزة والكسائي " قضي عليها الموت " على ما لم يسم ~~فاعله. النحاس: والمعنى واحد غير أن القراءة الأولى أبين وأشبه بنسق ~~الكلام، لأنهم قد أجمعوا على " ويرسل، " ولم ms5411 يقرءوا " ويرسل، ". وفي الآية ~~تنبيه على عظيم قدرته وانفراده بالألوهية، وأنه يفعل ما يشاء، ويحيي ويميت، ~~لا يقدر على ذلك سواه. " إن في ذلك لآيات " يعني في قبض الله نفس الميت ~~والنائم، وإرساله نفس النائم وحبسه نفس الميت " لقوم يتفكرون. " وقال ~~الأصمعي سمعت معتمرا يقول: روح الإنسان مثل كبة (1) الغزل، فترسل الروح، ~~فيمضي ثم تمضي ثم تطوى فتجئ فتدخل، فمعنى الآية أنه يرسل من الروح شئ في ~~حال النوم ومعظمها في البدن متصل بما يخرج منها اتصالا خفيا، فإذا استيقظ ~~المرء جذب معظم روحه ما انبسط منها فعاد. وقيل غير هذا، وفي التنزيل: " ~~ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربي " [الإسراء: 85] أي لا يعلم حقيقته ~~إلا الله. وقد تقدم في [سبحان] (2). # قوله تعالى: أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أو لو كانوا لا يملكون شيئا ~~ولا يعقلون قل لله الشفعة جميعا له ملك السماوات والأرض ثم إليه ترجعون ~~وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من ~~دونه إذا هم يستبشرون قوله تعالى: " أم اتخذوا من دون الله شفعاء " أي بل ~~اتخذوا يعني الأصنام وفي الكلام ما يتضمن لم، أي " إن في ذلك لآيات لقوم ~~يتفكرون " لم يتفكروا ولكنهم اتخذوا آلهتم شفعاء. " قل أو لو كانوا لا ~~يملكون شيئا " أي قل لهم يا محمد أتتخذونهم شفعاء وإن كانوا # PageV15P263 # لا يملكون شيئا من الشفاعة " ولا يعقلون " لأنها جمادات. وهذا استفهام ~~إنكار. # " قل لله الشفاعة جميعا " نص في أن الشفاعة لله وحده كما قال: " من ذا ~~الذي يشفع عنده إلا بإذنه " [البقرة: 255] فلا شافع إلا من شفاعته " ولا ~~يشفعون إلا لمن ارتضى " [الأنبياء: 28]. " جميعا " نصب على الحال. فإن قيل: ~~" جميعا " إنما يكون للاثنين فصاعدا والشفاعة واحدة. فالجواب أن الشفاعة ~~مصدر والمصدر يؤدي عن الاثنين والجميع " له ملك السماوات والأرض ثم إليه ~~ترجعون " قوله تعالى: " وإذا ذكر الله وحده " نصب على المصدر عند الخليل ~~وسيبويه، وعلى الحال عند يونس. " اشمأزت " قال المبرد انقبضت. وهو قول ابن ms5412 ~~عباس ومجاهد. # وقال قتادة: نفرت واستكبرت وكفرت وتعصت. وقال المؤرج أنكرت. وأصل ~~الاشمئزاز النفور والازورار. قال عمرو بن كلثوم: # إذا عض الثقاف بها اشمأزت * وولتهم عشوزنة زبونا (1) وقال أبو زيد: اشمأز ~~الرجل ذعر من الفزع وهو المذعور. وكان المشركون إذا قيل لهم " لا إله إلا ~~الله " نفروا وكفروا. " وإذا ذكر الذين من دونه " يعني الأوثان حين ألقى ~~الشيطان في أمنية النبي صلى الله عليه وسلم عند قراءته سورة [النجم] تلك ~~الغرانيق العلى وإن شفاعتهم ترتجى (2). قاله جماعة المفسرين. " إذا هم ~~يستبشرون " أي يظهر في وجوههم البشر والسرور. # قوله تعالى: قل اللهم فاطر السماوات والأرض علم الغيب والشهدة أنت تحكم ~~بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ~~ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيمة وبدا لهم من الله ما لم ~~يكونوا يحتسبون وبدا لهم سيات ما كسبوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون # PageV15P264 # قوله تعالى: " قل اللهم فاطر السماوات والأرض " نصب لأنه نداء مضاف وكذا ~~" عالم الغيب " ولا يجوز عند سيبويه أن يكون نعتا. " أنت تحكم بين عبادك ~~فيما كانوا فيه يختلفون " وفي صحيح مسلم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ~~قال: # سألت عائشة رضي الله عنها بأي شئ كان النبي صلى الله عليه وسلم يستفتح ~~صلاته إذا قام من الليل؟ قالت: كان إذا قام من الليل افتتح صلاته " اللهم ~~رب جبريل وميكائيل " وإسرافيل " فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة ~~أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون " اهدني لما اختلف فيه من الحق ~~بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم " ولما بلغ الربيع بن خيثم قتل ~~الحسين بن علي رضي الله عنهم قرأ " قل اللهم فاطر السماوات والأرض عالم ~~الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ". # وقال سعيد بن جبير: إني لأعرف آية ما قرأها أحد قط فسأل الله شيئا إلا ~~أعطاه إياه، قوله تعالى: " قل اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب ~~والشهادة أنت ms5413 تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ". # قوله تعالى: " ولو أن للذين ظلموا " أي كذبوا وأشركوا " ما في الأرض ~~جميعا ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب " أي من سوء عذاب ذلك اليوم. وقد ~~مضى هذا في سورة " آل عمران " (1) و " الرعد " (2). " وبدا لهم من الله ما ~~لم يكونوا يحتسبون " من أجل ما روي فيه ما رواه منصور عن مجاهد قال: عملوا ~~أعمالا توهموا أنها حسنات فإذا هي سيئات. وقاله السدي. وقيل: عملوا أعمالا ~~توهموا أنهم يتوبون منها قبل الموت فأدركهم الموت قبل أن يتوبوا، وقد كانوا ~~ظنوا أنهم ينجون بالتوبة. ويجوز أن يكونوا توهموا أنه يغفر لهم من غير توبة ~~ف " بدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون " من دخول النار. وقال سفيان ~~الثوري في هذه الآية: ويل لأهل الرياء ويل لأهل الرياء هذه آيتهم وقصتهم. ~~وقال عكرمة ابن عمار: جزع محمد بن المنكدر عند موته جزعا شديد، فقيل له: ما ~~هذا الجزع؟ قال: # PageV15P265 # أخاف آية من كتاب الله " وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون " فأنا ~~أخشى أن يبدو لي ما لم أكن أحتسب. # " وبدا لهم " أي ظهر لهم " سيئات ما كسبوا " أي عقاب ما كسبوا من الكفر ~~والمعاصي. " وحاق بهم " أي أحاط بهم ونزل " ما كانوا به يستهزئون. " قوله ~~تعالى: فإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته ~~على علم بل هي فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون قد قالها الذين من قبلهم فما ~~أغنى عنهم ما كانوا يكسبون فأصابهم سيئات ما كسبوا والذين ظلموا من هؤلاء ~~سيصيبهم سيات ما كسبوا وما هم بمعجزين أو لم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن ~~يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون قوله تعالى: " فإذا مس الإنسان ضر ~~دعانا " قيل: إنها نزلت في حذيفة بن المغيرة. # " ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته عل علم " قال قتادة: " على علم ~~" عندي بوجوه المكاسب، وعنه أيضا " على علم " على خير عندي قيل: " على علم ms5414 ~~" أي على علم من الله بفضلي. وقال الحسن: " على علم " أي بعلم علمني الله ~~إياه. وقيل: المعنى أنه قال قد علمت أني إذا أوتيت هذا في الدنيا أن لي عند ~~الله منزلة، " فقال الله: " بل هي فتنة " أي بل النعم التي أوتيتها فتنة ~~تختبر بها. قال الفراء: أنث " هي " لتأنيث الفتنة، ولو كان بل هو فتنة ~~لجاز. النحاس: التقدير بل أعطيته فتنة. " ولكن أكثرهم لا يعلمون " أي لا ~~يعلمون أن إعطاءهم المال اختبار. # قوله تعالى: " قد قالها " أنث على تأنيث الكلمة. " الذين من قبلهم " يعني ~~الكفار قبلهم كقارون وغيره حيث قال: " إنما أوتيته على علم عندي ". " فما ~~أغنى عنهم ما كانوا يكسبون " " ما " للجحد أي لم تغن عنهم أموالهم ولا ~~أولادهم من عذاب الله شيئا. وقيل: PageV15P266 # أي فما الذي أغنى أموالهم؟ ف " ما " استفهام. " فأصابهم سيئات ما كسبوا " ~~أي جزاء سيئا ت أعمالهم. وقد يسمى جزاء السيئة سيئة. " والذين ظلموا " أي ~~أشركوا " من هؤلاء " لا لأمة " سيصيبهم سيئات ما كسبوا " أي بالجوع والسيف. ~~" وما هم بمعجزين " أي فائتين الله ولا سابقيه. وقد تقدم (1). # قوله تعالى: " أو لم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك ~~لايات لقوم يؤمنون " خص المؤمن بالذكر، لأنه هو الذي يتدبر الآيات وينتفع ~~بها. ويعلم أن سعة الرزق قد يكون مكرا واستدراجا، وتقتيره رفعة وإعظاما. # قوله تعالى: " قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة ~~الله إن الله يغفر الذنوب جميعا انه هو الغفور الرحيم وأنيبوا إلى ربكم ~~وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون واتبعوا أحسن ما انزل ~~إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغته وأنتم لا تشعرون أن تقول نفس ~~يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين أو تقول لو أن الله ~~هداني لكنت من المتقين أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من ~~المحسنين بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين ms5415 قوله ~~تعالى: " قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله " ~~وإن شئت حذفت الياء، لأن النداء موضع حذف. النحاس: ومن أجل ما روي فيه ما ~~رواه محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر عن عمر قال: لما اجتمعنا على ~~الهجرة، اتعدت # PageV15P267 # أنا وهشام بن العاصي بن وائل السهمي، وعياش بن أبي ربيعة بن عتبة، فقلنا: ~~الموعد أضاة (1) بني غفار، وقلنا: من تأخر منا فقد حبس فليمض صاحبه. فأصبحت ~~أنا وعياش ابن عتبة وحبس عنا هشام، وإذا به قد فتن فافتتن، فكنا نقول ~~بالمدينة: هؤلاء قد عرفوا الله عز وجل وآمنوا برسوله صلى الله عليه وسلم، ~~ثم افتتنوا لبلاء لحقهم لا نرى لهم توبة، وكانوا هم أيضا يقولون هذا في ~~أنفسهم، فأنزل الله عز وجل في كتابه: " قل يا عبادي الذين أسرفوا على ~~أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله " إلى قوله تعالى: " أليس في جهنم مثوى ~~للمتكبرين قال عمر: فكتبتها بيدي ثم بعثتها إلى هشام. قال هشام: فلما قدمت ~~علي خرجت بها إلى ذي طوى فقلت: اللهم فهمنيها فعرفت أنها نزلت فينا، فرجعت ~~فجلست على بعيري فلحقت برسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن سعيد بن جبير عن ~~ابن عباس قال: كان قوم من المشركين قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا، فقالوا ~~للنبي صلى الله عليه وسلم أو بعثوا إليه: # إن ما تدعو إليه لحسن أو تخبرنا أن لنا توبة؟ فأنزل الله عز وجل هذه ~~الآية: " قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم " ذكره البخاري بمعناه. وقد ~~مضى في آخر " الفرقان " (2). وعن ابن عباس أيضا نزلت في أهل مكة قالوا: ~~بزعم محمد أن من عبد الأوثان وقتل النفس التي حرم الله لم يغفر له، وكيف ~~نهاجر ونسلم وقد عبدنا مع الله إلها آخر وقتلنا النفس التي حرم الله فأنزل ~~الله هذه الآية. وقيل: إنها نزلت في قوم من المسلمين أسرفوا على أنفسهم في ~~العبادة، وخافوا ألا يتقبل منهم لذنوب سبقت لهم في الجاهلية. وقال ابن عباس ~~أيضا وعطاء ms5416 نزلت في وحشي قاتل حمزة، لأنه ظن أن الله لا يقبل إسلامه: وروى ~~ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: أتى وحشي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فقال: يا محمد أتيتك مستجيرا فأجرني حتى أسمع كلام الله. فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: " قد كنت أحب أن أراك على غير جوار فأما إذ أتيتني ~~مستجيرا فأنت في جواري حتى تسمع كلام الله " قال: # فإني أشركت بالله وقتلت النفس التي حرم الله وزنيت، هل يقبل الله منى ~~توبة؟ فصمت # PageV15P268 # رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلت: " والذين لا يدعون مع الله إلها ~~آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون " [الفرقان: 68 ~~إلى آخر الآية فتلاها عليه، فقال أرى شرطا فلعلي لا أعمل صالحا، أنا في ~~جوارك حتى أسمع كلام الله. فنزلت: " إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما ~~دون ذلك لمن يشاء " [النساء: 48] فدعا به فتلا عليه، قال: فلعلي ممن لا ~~يشاء أنا في جوارك حتى أسمع كلام الله. # فنزلت: " يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله " ~~فقال: نعم الآن لا أرى شرطا. فأسلم. وروى حماد بن سلمة عن ثابت عن شهر بن ~~حوشب عن أسماء أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ: " قل يا عبادي ~~الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا ~~ولا يبالي إنه هو الغفور الرحيم ". وفي مصحف ابن مسعود " إن الله يغفر ~~الذنوب جميعا لمن يشاء ". قال أبو جعفر النحاس: وهاتان القراءتان على ~~التفسير، أي يغفر الله لمن يشاء. وقد عرف الله عز وجل من شاء أن يغفر له، ~~وهو التائب أو من عمل صغيرة ولم تكن له كبيرة، ودل على أنه يريد التائب ما ~~بعده " وأنيبوا إلى ربكم " فالتائب مغفور له ذنوبه جميعا يدل على ذلك " ~~وإني لغفار لمن تاب " [طه: 82] فهذا لا إشكال فيه. وقال علي بن أبي طالب: ~~ما في القرآن آية ms5417 أوسع من هذه الآية: " قل يا عبادي الذين أسرفوا على ~~أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله " وقد مضى هذا في [سبحان] (1). وقال عبد ~~الله بن عمر: وهذه أرجى آية في القرآن فرد عليهم ابن عباس وقال أرجى آية في ~~القرآن قول تعالى: " وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم " [الرعد: 6] وقد ~~مضى في [الرعد] (2). وقرئ " ولا تقنطوا " بكسر النون وفتحها. وقد مضى في " ~~الحجر (3) " بيانه. # قوله تعالى: (وأنيبوا إلى ربكم) أي ارجعوا إليه بالطاعة، لما بين أن من ~~تاب من الشرك يغفر له أمر بالتوبة والرجوع إليه، والإنابة الرجوع إلى الله ~~بالاخلاص. # (وأسلموا له) أي اخضعوا له وأطيعوا (من قبل أن يأتيكم العذاب) في الدنيا # PageV15P269 # (ثم لا تنصرون) أي لا تمنعون من عذابه، وروى من حديث جابر أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: " من السعادة أن يطيل الله عمر المرء في الطاعة ~~ويرزقه الإنابة وإن من الشقاوة أن يعمل المرء ويعجب بعمله ". # قوله تعالى: (واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم ~~العذاب بغثة وأنتم لا تشعرون) " أحسن ما أنزل " هو القرآن وكله حسن، ~~والمعنى ما قال الحسن: التزموا طاعته، واجتنبوا معصيته، وقال السدى: الأحسن ~~ما أمر الله به في كتابه، وقال ابن زيد: # يعنى المحكمات، وكلوا علم المتشابه إلى عالمه، وقال: أنزل الله كتبا ~~التوراة والإنجيل والزبور، ثم أنزل القرآن وأمر باتباعه فهو الأحسن وهو ~~المعجز، وقيل: هذا أحسن لأنه ناسخ قاض على جميع الكتب وجميع الكتب منسوخة - ~~وقيل: يعنى العفو، لان الله تعالى خير نبيه عليه السلام بين العفو والقصاص، ~~وقيل ما علم الله النبي عليه السلام وليس بقرآن فهو حسن، وما أوحى إليه من ~~القرآن فهو الأحسن، وقيل: أحسن ما أنزل إليكم من أخبار الأمم الماضية. # قوله تعالى: (أن تقول نفس يا حسرتا) " أن " في موضع نصب أي كراهة " أن ~~تقول " وعند الكوفيين لئلا تقول وعند البصريين حذر " أن تقول ". وقيل: أي ~~من قبل " أن تقول نفس " لأنه قال قبل هذا: " من ms5418 قبل أن يأتيكم العذاب ". ~~الزمخشري: فإن قلت لم نكرت؟ # قلت، لان المراد بها بعض الأنفس وهي نفس الكافر، ويجوز أن يريد نفسا ~~متميزة من الأنفس، إما بلجاج في الكفر شديد، أو بعقاب عظيم. ويجوز أن يراد ~~التكثير كما قال الأعشى: # ورب بقيع لو هتفت بجوه * أتاني كريم ينفض الرأس مغضبا وهو يريد أفواجا من ~~الكرام ينصرونه لا كريما واحدا، ونظيره رب بلد قطعت، ورب بطل قارعت، ولا ~~يقصد إلا التكثير. " يا حسرتا " والأصل " يا حسرتي " فأبدل من الياء ألف، ~~لأنها أخف وأمكن في الاستغاثة بمد الصوت، وربما ألحقوا بها الهاء، أنشد ~~الفراء: # يا مرحباه بحمار ناجية (1) * إذا أتى قربته للسانية # PageV15P270 # وربما ألحقوا بها الياء بعد الألف، لتدل على الإضافة، وكذلك قرأها أبو ~~جعفر: يا حسرتاي والحسرة الندامة. (على ما فرطت في جنب الله) قال الحسن: في ~~طاعة الله. وقال الضحاك: # أي في ذكر الله عز وجل. قال: يعنى القرآن والعمل به. وقال أبو عبيدة: في ~~جنب الله أي في ثواب الله. وقال الفراء: الجنب القرب والجوار: يقال فلان ~~يعيش في جنب فلان أي في جواره ومنه " والصاحب بالجنب " أي على ما فرطت في ~~طلب جواره وقربه وهو الجنة وقال الزجاج: أي على ما فرطت في الطريق الذي هو ~~طريق الله الذي دعاني إليه، والعرب تسمى السبب والطريق إلى الشئ جنبا، تقول ~~تجرعت في جنبك غصصا، أي لأجلك وسببك ولأجل مرضاتك. وقيل: " في جنب الله " ~~أي في الجانب الذي يؤدى إلى رضا الله عز وجل وثوابه، والعرب تسمى الجانب ~~جنبا، قال الشاعر: # قسم مجهودا لذاك القلب * الناس جنب والأمير جنب يعنى الناس من جانب ~~والأمير من جانب، وقال ابن عرفه: أي تركت من أمر الله، يقال ما فعلت ذلك في ~~جنب حاجتي، قال كثير: # ألا تتقين الله في جنب عاشق * له كبد حرى عليك تقطع وكذا قال مجاهد، أي ~~ضيعت من أمر الله. ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ما جلس رجل مجلسا ولا مشى ممشى ولا اضطجع ms5419 مضطجع لم يذكر الله عز وجل ~~فيه إلا كان عليه ترة يوم القيامة " أي حسرة (1)، خرجه أبو داود بمعناه. ~~وقال إبراهيم التيمي: # من الحسرات يوم القيامة أن يرى الرجل ماله الذي أتاه الله في الدنيا يوم ~~القيامة في ميزان غيره، قد ورثه وعمل فيه بالحق، كان له أجره وعلى الاخر ~~وزره، ومن الحسرات أن يرى الرجل عبده الذي خوله الله إياه في الدنيا أقرب ~~منزلة من الله عز وجل، أو يرى رجلا يعرفه أعمى في الدنيا قد أبصر يوم ~~القيامة وعمى هو، (وإن كنت لمن الساخرين) أي وما كنت إلا من المستهزئين ~~بالقرآن وبالرسول في الدنيا، بأولياء الله، قال قتادة: لم يكفه أن ضيع . # PageV15P271 # طاعة الله حتى سخر من أهلها، ومحل " إن كنت " النصب على الحال، كأنه قال: ~~فرطت وأنا ساخر، أي فرطت في حال سخريتي، وقيل وما كنت إلا في سخرية ولعب ~~وباطل أي ما كان سعيي إلا في عبادة غير الله تعالى. # قوله تعالى: (أو تقول) هذه النفس (لو أن الله هداني) أي أرشدني إلى دينه ~~(لكنت من المتقين) أي الشرك والمعاصي، وهذا القول لو أن الله هداني لاهتديت ~~قول صدق، وهو قريب من احتجاج المشركين فيما أخبر الرب جل وعز عنهم في قوله: # " سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركا " فهي كلمة حق أريد بها باطل، ~~كما قال على رضي الله عنه لما قال قائل من الخوارج لا حكم إلا لله، (أو ~~تقول) يعنى هذه النفس (حين ترى العذاب لو أن لي كرة) أي رجعة، (فأكون) نصب ~~على جواب التمني، وإن شئت كان معطوفا على " كرة " لان معناه أن أك ر، كما ~~قال الشاعر (1): # للبس عباءة وتقر عيني * أحب إلى من لبس الشفوف وأنشد الفراء: # فمالك منها غير ذكرى وخشية * وتسأل عن ركبانها أين يمموا فنصب و (تسأل) ~~على موضع الذكرى، لان معنى الكلام فمالك منها إلا أن تذكر، ومنه للبس عباءة ~~وتقر، أي لان ألبس عباءة وتقر، وقال أبو صالح: كان رجل عالم في بني ms5420 إسرائيل ~~وجد رقعة، إن العبد ليعمل الزمان الطويل بطاعة الله فيختم له عمله بعمل أهل ~~النار فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل الزمن الطويل بمعصية الله ثم يختم له ~~عمله بعمل رجل من أهل الجنة فيدخل الجنة، فقال: ولأي شئ أتعب نفسي فترك ~~عمله وأخذ في الفسوق والمعصية، وقال له إبليس: لك عمر طويل فتمتع في الدنيا ~~ثم تتوب، فأخذ في الفسوق وأنفق ماله في الفجور، فأتاه ملك الموت في ألذ ما ~~كان، فقال: يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله، ذهب عمري في طاعة الشيطان، ~~فندم حين لا ينفعه الندم، فأنزل الله خبره في القرآن، وقال . # PageV15P272 # قتادة: هؤلاء أصناف، صنف منهم قال: " يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله ~~". # وصنف منهم قال: " لو أن الله هداني لكنت من المتقين "، وقال آخر: " لو أن ~~لي كرة فأكون من المحسنين " فقال الله تعالى ردا لكلامهم (بلى قد جاءتك ~~آياتي) قال الزجاج: # " بلى " جواب النفي وليس في الكلام لفظ النفي، ولكن معنى " لو أن الله ~~هداني " ما هداني، وكأن هذا القائل قال ما هديت، فقيل، بلى قد بين لك طريق ~~الهدي فكنت بحيث لو أردت أن تؤمن أمكنك أن تؤمن. " آياتي " أي القرآن، ~~وقيل: عنى بالآيات المعجزات، أي وضح الدليل فأنكرته وكذبته، (واستكبرت) أي ~~تكبرت عن الايمان (وكنت من الكافرين). # وقال: " استكبرت وكنت " وهو خطاب الذكر، لان النفس تقع على الذكر ~~والأنثى. # يقال،: ثلاثة أنفس، وقال المبرد: تقول العرب نفس واحد أي إنسان واحد. ~~وروى الربيع ابن أنس عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرأ " قد ~~جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين ". وقرأ الأعمش " بلى قد ~~جاءته آياتي " وهذا يدل على التذكر - والربيع ابن أنس لم يلحق أم سلمة إلا ~~أن القراءة جائزة، لان النفس تقع للمذكر والمؤنث. وقد أنكر هذه القراءة ~~بعضهم وقال: يجب إذا كسر التاء أن تقول وكنت من الكوافر أو من الكافرات. # قال النحاس: وهذا لا يلزم، إلا تقول وكنت من ms5421 الكوافر أو من الكافرات. # قال النحاس: وهذا لا يلزم، ألا ترى أن قبله، " أن تقول نفس: ثم قال: " ~~وإن كنت لمن الساخرين " ولم يقل من السواخر ولا من الساخرات، والتقدير في ~~العربية على كسر التاء " واستكبرت وكنت " من الجمع الساخرين أو من الناس ~~الساخرين أو من القوم الساخرين. # قوله تعالى: ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة أليس في ~~جهنم مثوى للمتكبرين (60) وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء ~~ولا هم يحزنون (61) الله خالق كل شئ وهو على كل شئ وكيل (62) له مقاليد ~~السماوات والأرض والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون (63) قل أفغير ~~الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون PageV15P273 # قوله تعالى: (ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة) أي ~~مما أحاط بهم من غضب الله ونقمته، وقال الأخفش: " ترى " غير عامل في قوله: ~~وجوههم مسودة: إنما هو ابتداء وخبر، الزمخشري: جملة في موضع الحال إن كان " ~~ترى " من رؤية البصر، ومفعول ثان إن كان من رؤية القلب، (أليس في جهنم مثوى ~~للمتكبرين) وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم معنى الكبر فقال عليه ~~السلام: " سفه الحق وغمص الناس " أي احتقارهم، وقد مضى في " البقرة " (1) ~~وغيرها، وفى حديث عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم " يحشر ~~المتكبرون يوم القيامة كالذر يلحقهم الصغار حتى يؤتى بهم إلى سجن جهنم ". # قوله تعالى: (وينجي الله الذين اتقوا) وقرئ " وينجي " أي من الشرك ~~والمعاصي. # (بمفازتهم) على التوحيد قراءة العامة لأنها مصدر، وقرأ الكوفيون " ~~بمفازاتهم " وهو جائز كما تقول بسعاداتهم. وعن النبي صلى الله عليه وسلم ~~تفسير هذه الآية من حديث أبي هريرة، قال: " يحشر الله مع كل امرئ عمله ~~فيكون عمل المؤمن معه في أحسن صورة وأطيب ريح فكلما كان رعب أو خوف قال له ~~لا ترع فما أنت بالمراد به ولا أنت بالمعنى به فإذا كثر ذلك عليه قال فما ~~أحسنك فمن أنت فيقول أما تعرفني أنا عملك الصالح حملتني على ثقلي فوالله ~~لأحملنك ولأدفعن عنك ms5422 فهي التي قال الله " وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم ~~لا يمسهم السوء ولاهم يحزنون ". (الله خالق كل شئ وهو على كل شئ وكيل) أي ~~حافظ وقائم به، وقد تقدم. # قوله تعالى: (له مقاليد السماوات والأرض) واحدها مقليد. وقيل: مقلاد ~~وأكثر ما يستعمل فيه إقليد والمقاليد المفاتيح عن ابن عباس، وغيره، وقال ~~السدى: خزائن السماوات والأرض، وقال غيره: خزائن السماوات المطر وخزائن ~~الأرض النبات، وفيه لغة أخرى أقاليد وعليها يكون واحدها إقليد، قال ~~الجوهري: والاقليد المفتاح، والمقلد مفتاح كالمنجل ربما يقلد به الكلاء كما ~~يقلد ألقت إذا جعل حبالا، أي يقتل والجمع المقاليد، وأقلد البحر على خلق ~~كثير أي غرقهم كأنه أغلق عليهم، وخرج البيهقي عن ابن عمر أن عثمان بن . # PageV15P274 # عفان رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تفسير قوله ~~تعالى: " له مقاليد السماوات والأرض " فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~" ما سألني عنها أحد لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله وبحمده استغفر ~~الله ولا حول ولا قوة إل بالله العلى العظيم هو الأول والاخر والظاهر ~~والباطن يحيى ويميت بيده الخير وهو على كل شئ قدير " ذكره الثعلبي في ~~تفسيره، وزاد من قالها إذا أصبح أو أمسى عشر مرات أعطاه الله ست خصال: ~~أولها يحرس من إبليس، والثانية يحضره اثنا عشر ألف ملك، والثالثة يعطى ~~قنطارا من الاجر، والرابعة ترفع له درجة، والخامسة يزوجه الله من الحور ~~العين.، والسادسة يكون له من الاجر كمن قرأ القرآن والتوراة والإنجيل ~~والزبور، وله أيضا من الاجر كمن حج واعتمر فقبلت حجته وعمرته. # فإن مات من ليلته مات شهيدا، وروى الحارث عن علي قال: سألت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن تفسير المقاليد فقال: " يا علي لقد سألت عن عظيم ~~المقاليد هو أن تقول عشرا إذا أصبحت وعشرا إذا أمسيت لا إله إلا الله والله ~~أكبر وسبحان الله والحمد لله واستغفر الله ولا قولة ألا بالله الأول والاخر ~~والظاهر والباطن له الملك وله الحمد بيده الخير ms5423 وهو على كل شئ قدير " من ~~قالها عشرا إذا أصبح، وعشرا إذا أمسى أعطاه الله خصالا ستا أولها يحرسه من ~~الشيطان وجنوده فلا يكون لهم عليه سلطان، والثانية يعطى قنطارا في الجنة هو ~~أثقل في ميزانه من جبل أحد، والثالثة ترفع له درجة لا ينالها إلا الأبرار، ~~والرابعة يزوجه الله من الحور العين، والخامسة يشهده اثنا عشر ألف ملك ~~يكتبونها له في رق منشور ويشهدون له بها يوم القيامة والسادسة يكون له من ~~الاجر كأنما قرأ التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، وكمن حج واعتمر فقبل ~~الله حجته وعمرته، وإن مات من يومه أو ليلته أو شهره طبع بطابع الشهداء ~~وقيل: المقاليد الطاعة يقال ألقى إلى فلان بالمقاليد أي أطاعه فيما يأمره، ~~فمعنى الآية له طاعة من في السماوات والأرض. # قوله تعالى: (والذين كفروا بآيات الله) أي بالقرآن والحجج والدلالات. ~~(أولئك هم الخاسرون) تقدم. PageV15P275 # قوله تعالى: قل أفغير الله تأمروني أعبد) وذلك حين دعوا النبي صلى الله ~~عليه وسلم إلى ما هم عليه من عبادة الأصنام وقالوا هو دين آبائك، و " غير " ~~نصب ب‍ " أعبده " على تقدير أعبد غير الله فيما تأمرونني، ويجوز أن ينتصب ~~ب‍ " تأمروني " على حذف حرف الجز، التقدير: أتأمروني بغير الله أن أعبد، ~~لان أن مقدرة وأن والفعل مصدر، وهي بدل من غير، التقدير: أتأمروني بعبادة ~~غير الله، وقرأ نافع " تأمروني " بنون واحدة مخففة وفتح الياء، وقرأ ابن ~~عامر " تأمرونني، بنونين مخففتين على الأصل. الباقون بنون واحدة مشددة على ~~الادغام، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم، لأنها وقعت في مصحف عثمان بنون ~~واحدة، وقرأ نافع على حذف النون الثانية وإنما كانت المحذوفة الثانية، لان ~~التكرير والتثقيل يقع بها، وأيضا حذف الأولى لا يجوز، لأنها دلالة الرفع، ~~وقد مضى في " الانعام " (1) بيانه عند قوله تعالى: " أتحاجوني ". " أعبد " ~~أي أن أعبد فلما حذف " أن " رفع، قاله الكسائي، ومنه قول الشاعر: # * إلا أيهذا الزاجري أحضر الوغى (2) * والدليل على صحة هذا الوجه قراءة ~~من قرأ " أعبد " بالنصب. # قوله تعالى: ولقد أوحى إليك وإلى ms5424 الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ~~ولتكونن من الخاسرين (65) بل الله فاعبد وكن من الشاكرين (66). # قوله تعالى: (ولقد أوحى إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت) قيل: إن في ~~الكلام تقديما وتأخيرا، والقدير: لقد أوحى إليك لئن أشركت وأوحى إلى الذين ~~من قبلك كذلك، وقيل: هو على بابه، قال مقاتل: أي أوحى إليك وإلى الأنبياء ~~قبلك بالتوحيد والتوحيد محذوف، ثم قال: " لئن أشركت " يا محمد (ليحبطن ~~عملك) وهو خطاب للنبي . # PageV15P276 # صلى الله عليه وسلم خاصة، وقيل: الخطاب له والمراد أمته، إذ قد علم الله ~~إنه لا يشرك ولا يقع منه إشراك، والاحباط الابطال والفساد، قال القشيري: ~~فمن ارتد لم تنفعه طاعاته السابقة ولكن إحباط الردة العمل مشروط بالوفاة ~~على الكفر، ولهذا قال: " من يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت ~~أعمالهم " فالمطلق ها هنا محمول على المقيد، ولهذا قلنا من حج ثم ارتد ثم ~~عاد إلى الاسلام لا يجب عليه إعادة الحج. # قلت: هذا مذهب الشافعي، وعند مالك تجب عليه الإعادة وقد مضى في " البقرة ~~" (1) بيان هذا مستوفى. # قوله تعالى: (بل الله فاعبد) النحاس: في كتابي عن أبي إسحاق لفظ اسم الله ~~عز وجل منصوب ب‍ اعبد " قال: ولا اختلاف في هذا بين البصريين والكوفيين، ~~قال النحاس: وقال الفراء يكون منصوبا بإضمار فعل، وحكاه المهدوي عن ~~الكسائي، فأما الفاء فقال: الزجاج: إنها للمجازاة، وقال الأخفش: هي زائدة، ~~وقال ابن عباس: فاعبد: # أي فوحد، وقال غيره: بل الله: فأطع (وكن من الشاكرين) لنعمة بخلاف ~~المشركين: # قوله تعالى: وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة ~~والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون (67) ونفخ في الصور فصعق ~~من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ~~ينظرون (68) قوله تعالى: وما قدروا الله حق قدره) قال المبرد: ما عظموه حق ~~عظمته من قولك فلان عظيم القدر، قال النحاس: والمعنى على هذا وما عظموه حق ~~عظمته إذ عبدوا معه غيره وهو ms5425 خالق الأشياء ومالكها، ثم أخبر عن قدرته ~~وعظمته فقال: (والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات يمينه). ثم ~~نزه نفسه عن أن يكون ذلك بجارحة . # PageV15P277 # فقال: (سبحانه وتعالى عما يشركون). وفى الترمذي عن عبد الله قال: جاء ~~يهودي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد إن الله يمسك السماوات ~~على إصبع والخلائق على إصبع ثم يقول أنا الملك، فضحك النبي صلى الله عليه ~~وسلم حتى بدت نواجذه ثم قال: # " وما قدروا الله حق قدره ". قال: هذا حديث حسن صحيح. وفى البخاري ومسلم ~~عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يقبض الله الأرض يوم ~~القيامة ويطوي السماء بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض ". وفى ~~الترمذي عن عائشة أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله: " ~~والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه " قالت: قلت فأين ~~الناس يومئذ يا رسول الله؟ قال: " على جسر جهنم " في رواية " على الصراط يا ~~عائشة " قال: حديث حسن صحيح، وقوله: " والأرض جميعا قبضته " ويقبض الله ~~الأرض " عبارة عن قدرته وإحاطته بجميع مخلوقاته، يقال ما فلان إلا في ~~قبضتي، بمعنى ما فلان إلا في قدرتي، والناس يقولون الأشياء في قبضته يريدون ~~في ملكه وقدرته، وقد يكون معنى القبض والطي إفناء الشئ وإذهابه فقوله جل ~~وعز: " والأرض جميعا قبضته " يحتمل أن يكون المراد به والأرض جميعا ذاهبة ~~فانية يوم القيامة، والمراد بالأرض الأرضون السبع، يشهد لذلك شاهدان قوله: ~~" والأرض جميعا " ولأن الموضع موضع تفخيم وهو مقتض للمبالغة، وقوله: " ~~والسماوات مطويات بيمينه " ليس يريد به طيا بعلاج وانتصاب، وإنما المراد ~~بذلك الفناء والذهاب، يقال: قد انطوى عنا ما كنا فيه وجاءنا غيره، وانطوى ~~عنا دهر بمعنى المضي والذهاب، واليمين في كلام العرب قد تون بمعنى القدرة ~~والملك، ومنه قوله تعالى: " أو ما ملكت أيمانكم " يريد بن الملك، وقال: # " لاخذنا منه باليمين " أي بالقوة والقدرة أي لاخذنا قوته وقدرته، قال ~~الفراء والمبرد: # اليمين القوة والقدرة، وأنشدا: # إذا ما راية ms5426 رفعت لمجد * تلقاها عرابة باليمين (1) . # PageV15P278 # وقال آخر: # ولما رأيت الشمس أشرق نورها * تناولت منها حاجتي بيمين (1) قتلت شنيفا ثم ~~فاران بعده * وكان على الآيات غير أمين وإنما خص يوم القيامة بالذكر وإن ~~كانت قدرته شاملة لكل شئ أيضا، لان الدعاوي تنقطع ذلك اليوم، كما قال: " ~~والامر يومئذ لله " وقال: " مالك يوم الدين " حسب ما تقدم في " الفاتحة " ~~(2) ولذلك قال في الحديث: " ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض " وقد زدنا ~~هذا الباب في " التذكرة " بيانا، وتكلمنا على ذكر الشمال في حديث ابن عمر، ~~قوله: # " ثم يطوى الأرض بشماله ". # قوله تعالى: (ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء ~~الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون) بين ما يكون بعد قبض الأرض وطي ~~السماء وهو النفخ في الصور، وإنما هما نفختان، يموت الخلق في الأولى منهما ~~ويحيون في الثانية. # وقد مضى الكلام في هذا في " النمل " (3) و " الانعام " (4) أيضا، والذي ~~ينفخ في الصور هو إسرافيل عليه السلام، وقد قيل: إنه يكون معه جبريل لحديث ~~أبى سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن صاحبي الصور ~~بأيديهما - أو في أيديهما - قرنان يلاحظان النظر متى يؤمران " خرجه ابن ~~ماجة في السنن، وفى كتاب أبى داود عن أبي سعيد الخدري قال: ذكر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم صاحب الصور، وقال: " عن يمينه جبرائيل وعن يساره ~~ميكائيل " واختلف في المستثنى من هم؟ فقيل: هم الشهداء متقلدين أسيافهم حول ~~العرش. روى مرفوعا من حديث أبي هريرة فيما ذكر القشيري، ومن حديث عبد الله ~~بن عمر فيما ذكر الثعلبي، وقيل: جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت عليهم ~~السلام. # وروى من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا " ونفخ في الصور فصعق ~~من . # PageV15P279 # في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله " فقالوا: يا نبي الله من هم ~~الذين استثنى الله تعالى؟ قال: هم جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت ~~فيقول الله لملك الموت يا ملك الموت ms5427 من بقى من خلقي وهو أعلم فيقول يا رب ~~بقى جبريل وميكائيل وإسرافيل وعبدك الضعيف ملك الموت فيقول الله تعالى خذ ~~نفس إسرافيل وميكائيل فيخران ميتين كالطودين العظيمين فيقول مت يا ملك ~~الموت فيموت فيقول الله تعالى لجبريل يا جبريل من بقى فيقول تباركت وتعاليت ~~يا ذا الجلال والاكرام وجهك الباقي الدائم وجبريل الميت الفاني فيقول الله ~~تعالى يا جبريل لابد من موتك فيقع ساجدا يخفق بجناحيه يقول سبحانك ربى ~~تبارك وتعاليت يا ذا الجلال والاكرام " فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ~~إن فضل خلقه على خلق ميكائيل كالطود العظيم على الظرب (1) من الظراب " ذكره ~~الثعلبي، وذكره النحاس أيضا من حديث محمد بن إسحاق، عن يزيد الرقاشي، عن ~~أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله جل وعز: " فصعق من في ~~السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله " قال: جبرئيل وميكائيل وحملة العرش ~~وملك الموت وإسرافيل " وفى هذا الحديث: # " إن آخرهم موتا جبريل عليه وعليهم السلام " وحديث أبي هريرة في الشهداء ~~أصح على ما تقدم في " النمل " (2)، وقال الضحاك: هو رضوان والحور ومالك ~~والزبانية. وقيل: عقارب أهل النار وحياتها. وقال الحسن: هو الله الواحد ~~القهار وما يدع أحد من أهل السماء والأرض إلا أذاقه الموت. وقال قتادة: ~~الله أعلم بثنياه، وقيل: الاستثناء في قوله: " إلا من شاء الله " يرجع إلى ~~من مات قبل النفخة الأولى، أي فيموت من في السماوات والأرض إلا من سبق ~~موته، لأنهم كانوا قد ماتوا، وفى الصحيحين وابن ماجة واللفظ له عن أبي ~~هريرة قال قال رجل من اليهود بسوق المدينة: والذي اصطفى موسى على البشر، ~~فرفع رجل من الأنصار يده فلطمه، قال: تقول هذا وفينا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. # . # PageV15P280 # فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " قال الله عز وجل " ونفخ ~~في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه ~~أخرى فإذا هم قيام ينظرون " فأكون أول من رفع رأسه ms5428 فإذا أنا بموسى آخذ ~~بقائمة من قوائم العرش فلا أدرى أرفع رأسه قبلي أو كان ممن استثنى الله ومن ~~قال أنا خير من يونس بن متى كذب " وخرجه الترمذي أيضا وقال فيه: حديث حسن ~~صحيح، قال القشيري: ومن حمل الاستثناء على موسى والشهداء فهؤلاء قد ماتوا ~~غير أنهم أحياء عند الله، فيجوز أن تكون الصعقة بزوال العقل دون زوال ~~الحياة، ويجوز أن تكون بالموت، ولا يبعد أن تكون الموت والحياة فكل ذلك مما ~~يجوزه العقل، والامر في وقوعه موقوف على خبر صدق قلت: جاء في بعض طرق أبي ~~هريرة أنه عليه السلام قال: " لا تخيروني على موسى فإن الناس يصعقون فأكون ~~أول من يفيق فإذا موسى باطش بجانب العرش (1) فلا أدرى أكان فيمن صعق فأفاق ~~قبلي أم كان ممن استثنى الله " خرجه مسلم، ونحوه عن أبي سعيد الخدري، ~~والإفاقة إنما تكون عن غشية وزوال عقل لا عن موت برد الحياة، والله أعلم. # قوله تعالى: " فإذا قيام ينظرون " أي فإذا الأموات من أهل الأرض والسماء ~~أحياء بعثوا من قبورهم، وأعيدت إليهم أبدانهم وأرواحهم، فقاموا ينظرون ماذا ~~يؤمرون وقيل: قيام على أرجلهم ينظرون إلى البعث الذي وعدوا به، وقيل: هذا ~~النظر بمعنى الانتظار، أي ينتظرون ما يفعل بهم، وأجاز الكسائي قياما ~~بالنصب، كما تقول: خرجت فإذا زيد جالسا. # قوله تعالى: وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجئ بالنبيين والشهداء ~~وقضى بينهم بالحق وهم لا يظلمون (69) ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما ~~يفعلون (70) . # PageV15P281 # قوله تعالى: (وأشرقت الأرض بنور ربها) إشراقها إضاءتها، يقال: أشرقت ~~الشمس إذا أضاءت وشرقت إذا طلعت. ومعنى " بنور ربها " بعدل ربها، قاله ~~الحسن وغيره، وقال الضحاك: بحكم ربها، والمعنى واحد: أي أنارت وأضاءت بعدل ~~الله وقضائه بالحق بين عباده. والظلم ظلمات والعدل نور. وقيل: إن الله يخلق ~~نورا يوم القيامة يلبسه وجه الأرض فتشرق الأرض به، وقال ابن عباس: النور ~~المذكور هاهنا ليس من نور الشمس والقمر، بل هو نور يخلقه الله فيضئ به ~~الأرض، وروى أن الأرض ms5429 يومئذ من فضة تشرق بنور الله تعالى حين يأتي لفصل ~~القضاء. والمعنى أنها أشرقت بنور خلقه الله تعالى، فأضاف النور إليه على حد ~~إضافة الملك إلى المالك. وقيل: إنه اليوم الذي يقضى فيه بين خلقه، لأنه ~~نهار لا ليل معه. وقرأ ابن عباس وعبيد بن عمير " وأشرقت الأرض " على ما لم ~~يسم فاعله وهي قراءة على التفسير، وقد ضل قوم هاهنا فتوهما أن الله عز وجل ~~من جنس النور والضياء المحسوس، وهو متعال عن (مشابهة) (1) المحسوسات، بل هو ~~منور السماوات والأرض، فمنه كل نور خلقا وإنشاء. وقال أبو جعفر النحاس: ~~وقوله عز وجل: # وقال أبو جعفر النحاس: وقوله عز وجل: # " وأشرقت الأرض بنور ربها " يبين هذا الحديث المرفوع من طرق كثيرة صحاح " ~~تنظرون إلى الله عز وجل لا تضامون في رؤيت " وهو يروى على أربعة أوجه: لا ~~تضامون ولا تضارون ولا تضامون ولا تضارون، فمعنى " لا تضام، ون " لا يلحقكم ~~ضيم كما يلحقكم في الدنيا في النظر إلى الملوك. و " لا تضار، ون " لا ~~يلحقكم ضير. و " لا تضامون " لا ينضم بعضكم إلى بعض ليسأله أن يريه. و (لا ~~تضار، ون) لا يخالف بعضكم بعضا. يقال: ضاره مضارة وضرارا أي خالفه. " قوله ~~تعالى: " ووضع الكتاب " قال لابن عباس: يريد اللوح المحفوظ. وقال قتادة: # يريد الكتاب والصحف التي فيها أعمال بني آدم، فآخذ بيمينه وآخذ بشماله. " ~~وجئ بالنبيين " أي جئ بهم فسألهم عما أجابتهم به أممهم. " والشهداء " الذين ~~شهدوا على الأمم من أمة # PageV15P282 # محمد صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى: " وكذلك جعلناكم أمة وسطا ~~لتكونوا شهداء على الناس " [البقرة: 143 وقيل: المراد بالشهداء الذي ~~استشهدوا في سبيل الله، فيشهدون يوم القيامة لمن ذب عن دين الله، قاله ~~السدي. قال ابن زيد: هم الحفظة الذين يشهدون على الناس بأعمالهم. # قال الله تعالى: " وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد " [ق: 21] فالسائق ~~يسوقها إلى الحساب والشهيد يشهد عليها، وهو الملك الموكل بالإنسان على ما ~~يأتي بيانه في [قاف] (1). " وقضى بينهم بالحق " أي بالصدق ms5430 والعدل. " وهم لا ~~يظلمون " قال سعيد بن جبير: لا ينقص من حسناتهم ولا يزاد على سيئاتهم. " ~~ووفيت كل نفس ما عملت " من خير أو شر. " وهم أعلم بما يفعلون " في الدنيا ~~ولا حاجة به عز وجل إلى كتاب ولا إلى شاهد، ومع ذلك فتشهد الكتب، إلزاما ~~للحجة. # قوله تعالى: وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاءوها فتحت أبوبها ~~وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء ~~يومكم هذا قالوا بلى ولكم حقت كلمة العذاب على الكافرين قيل ادخلوا أبواب ~~جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين قوله تعالى: " وسيق الذين كفروا إلى ~~جهنم زمرا " هذا بيان توفية كل نفس عملها، فيساق الكافر إلى النار والمؤمن ~~إلى الجنة. والزمر: الجماعات واحدتها زمرة كظلمة وغرفة. # وقال الأخفش وأبو عبيدة: " زمرا " جماعات متفرقة بعضها إثر بعض. قال ~~الشاعر: # وترى الناس إلى منزله * زمرا تنتابه بعد زمر وقال آخر: # حتى احزألت * زمر بعد زمر # PageV15P283 # وقيل: دفعا وزجرا بصوت كصوت المزمار. " حتى إذا جاءوا فتحت أبوابها " ~~جواب إذا، وهي سبعة أبواب. وقد مضى في " الحجر " (1). " وقال لهم خزنتها " ~~واحدهم خازن نحو سدنة وسادن، " يقولون لهم تقريعا وتوبيخا. " ألم يأتكم رسل ~~منكم " يتلون عليكم آيات ربكم " أي الكتب المنزلة على الأنبياء. " ~~وينذرونكم " أي يخوفونكم " لقاء يومكم هذا قالوا بلى " أي قد جاءتنا، وهذا ~~اعتراف منهم بقيام الحجة عليهم " ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين " وهي ~~قوله تعالى: " لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين " [السجدة: 13]. " قيل ~~ادخلوا أبواب جهنم " أي يقال لهم ادخلوا جهنم. وقد مضى الكلام في أبوابها. ~~قال وهب: تستقبلهم الزبانية بمقامع من نار فيدفعونهم بمقامعهم، فإنه ليقع ~~في الدفعة الواحدة إلى النار بعدد ربيعة ومضر. # " فبئس مثوى المتكبرين " تقدم بيانه (2). # قوله تعالى: وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاءوا وفتحت ~~أبوبها وقال لهم خزنتها سلم عليكم طبتم فادخلوها خالدين وقالوا الحمد الله ~~الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العملين ms5431 ~~وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم وقضى بينهم بالحق وقيل ~~الحمد لله رب العلمين قوله تعالى: " وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا ~~" يعني من الشهداء والزهاد والعلماء والقراء وغيرهم، ممن اتقى الله تعالى ~~وعمل بطاعته. وقال في حق الفريقين " وسيق " بلفظ واحد، فسوق أهل النار ~~طردهم إليها بالخزي والهوان، كما يفعل بالأسارى والخارجين # PageV15P284 # على السلطان إذا سيقوا إلى حبس أو قتل، وسوق أهل الجنان سوق مراكبهم إلى ~~دار الكرامة والرضوان، لأنه لا يذهب بهم إلا راكبين كما يفعل بمن يشرف ~~ويكرم من الوافدين على بعض الملوك، فشتان ما بين السوقين. " حتى إذا جاءوها ~~وفتحت أبوابها " قيل: الواو هنا للعطف عطف على جملة والجواب محذوف. قال ~~المبرد: أي سعدوا وفتحت، وحذف الجواب بليغ في كلام العرب. وأنشد (1): # فلو أنها نفس تموت جميعة * ولكنها نفس تساقط أنفسا فحذف جواب لو والتقدير ~~لكان أروح. وقال الزجاج: " حتى إذا جاءوها " دخلوها وهو قريب من الأول. ~~وقيل: الواو زائدة. قال الكوفيون وهو خطأ عند البصريين. وقد قيل: # إن زيادة الواو دليل على أن الأبواب فتحت لهم قبل أن يأتوا لكرامتهم على ~~الله تعالى، والتقدير حتى إذا جاءوها وأبوابها مفتحة، بدليل قوله: " جنات ~~عدن مفتحة لهم الأبواب " [ص: 50] وحذف الواو في قصة أهل النار، لأنهم وقفوا ~~على النار وفتحت بعد وقوفهم إذلالا وترويعا لهم. ذكره المهدوي وحكى معناه ~~النحاس قبله. قال النحاس: فأما الحكمة في إثبات الواو في الثاني وحذفها من ~~الأول، فقد تكلم فيه بعض أهل العلم بقول لا أعلم أنه سبقه إليه أحد، وهو ~~أنه لما قال الله عز وجل في أهل النار: " حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها " دل ~~بهذا على أنها كانت مغلقة ولما قال في أهل الجنة: " حتى إذا جاءوها وفتحت ~~أبوابها " دل بهذا على أنها كانت مفتحة قبل أن يجيئوها، والله أعلم. وقيل: ~~إنها واو الثمانية. وذلك من عادة قريش أنهم يعدون من الواحد فيقولون خمسة ~~ستة سبعة وثمانية، فإذا بلغوا السبعة قالوا وثمانية. قاله أبو بكر ms5432 بن عياش. ~~قال الله تعالى: " سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام " [الحاقة: 7] وقال: ~~" التائبون العابدون " [التوبة: 112] ثم قال في الثامن: " والناهون عن ~~المنكر " [التوبة: 112] وقال: " ويقولون سبعة وثامنهم " [الكهف: 22] وقال " ~~ثيبات وأبكارا " [التحريم: 5] وقد مضى القول في هذا في " براءة " (2) ~~مستوفى وفي " الكهف " (3) أيضا. # PageV15P285 # قلت: وقد استدل بهذا من قال إن أبواب الجنة ثمانية، وذكروا حديث عمر بن ~~الخطاب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما منكم من أحد يتوضأ ~~فيبلغ - أو فيسبغ الوضوء - (1) ثم قال أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا ~~عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء " خرجه ~~مسلم وغيره. وقد خرج الترمذي حديث عمر هذا وقال فيه: " فتح له من أبواب ~~الجنة ثمانية أبواب يوم القيامة " بزيادة من وهو يدل على أن أبواب الجنة ~~أكثر من ثمانية. وقد ذكرنا ذلك في كتاب التذكرة وانتهى عددها إلى ثلاثة عشر ~~بابا، وذكرنا هناك عظم أبوابها وسعتها حسب ما ورد في الحديث من ذلك، فمن ~~أراده وقف عليه هناك. " وقال لهم خزنتها " قيل: الواو ملغاة تقديره حتى إذا ~~جاءوها وفتحت أبوابها " قال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم " أي في الدنيا. ~~قال مجاهد: # بطاعة الله. وقيل: بالعمل الصالح. حكاه النقاش والمعنى واحد. وقال مقاتل: ~~إذا قطعوا جسر جهنم حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار، فيقص لبعضهم من بعض ~~مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا وطيبوا قال لهم رضوان وأصحابه: ~~" سلام عليكم " بمعنى التحية " طبتم فادخلوها خالدين ". # قلت: خرج البخاري حديث القنطرة هذا في جامعه من حديث أبي سعيد الخدري قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يخلص المؤمنون من النار فيحبسون على ~~قنطرة بين الجنة والنار فيقص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى ~~إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى ~~بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا ". # وحكى النقاش: إن على باب الجنة شجرة ينبع من ساقها عينان ms5433 يشرب المؤمنون ~~من إحداهما فتطهر أجوافهم وذلك قوله تعالى: " وسقاهم ربهم شرابا طهورا " ~~[الإنسان: 21] ثم يغتسلون من الأخرى فتطيب أبشارهم فعندها يقول لهم خزنتها: ~~" سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين " وهذا يروى معناه عن علي رضي الله عنه. ~~" وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده " أي إذا دخلوا الجنة # PageV15P286 # قالوا هذا. " وأورثنا الأرض " أي أرض الجنة قيل: إنهم ورثوا الأرض التي ~~كانت تكون لأهل النار لو كانوا مؤمنين، قاله أبو العالية وأبو صالح وقتادة ~~والسدي وأكثر المفسرين وقيل: إنها أرض الدنيا على التقديم والتأخير. " فنعم ~~أجر العاملين " قيل: # هو من قولهم أي نعم الثواب هذا. وقيل: هو من قول الله تعالى، أي نعم ثواب ~~المحسنين هذا الذي أعطيتهم. # قوله تعالى: " وترى الملائكة " يا محمد " حافين " أي محدقين " من حول ~~العرش " في ذلك اليوم " يسبحون بحمد ربهم " متلذذين بذلك لا متعبدين به أي ~~يصلون حول العرش شكرا لربهم. والحافون أخذ من حافات الشئ ونواحيه. قال ~~الأخفش: واحدهم حاف. # وقال الفراء: لا واحد له إذ لا يقع لهم الاسم الا مجتمعين. ودخلت " من " ~~على " حول " لأنه ظرف والفعل يتعدى إلى الظرف بحرف وبغير حرف. وقال الأخفش: ~~" من " زائدة أي حافين حول العرش. وهو كقولك: ما جاءني من أحد، فمن توكيد. ~~الثعلبي: والعرب تدخل الباء أحيانا في التسبيح وتحذفها أحيانا، فيقولون: ~~سبح بحمد ربك وسبح حمدا لله قال الله تعالى: " سبح اسم ربك الاعلى " وقال " ~~فسبح باسم ربك العظيم ". " وقضى بينهم بالحق " بين أهل الجنة والنار. وقيل: ~~قضى بين النبيين الذين جئ بهم مع الشهداء وبين أممهم بالحق والعدل. " وقيل ~~الحمد لله رب العالمين " أي يقول المؤمنون الحمد لله على ما أثابنا من نعمه ~~وإحسانه ونصرنا على من ظلمنا. وقال قتادة في هذه الآية: افتتح الله أول ~~الخلق بالحمد لله فقال: " وقضى بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين " ~~فلزم الاقتداء به، والأخذ في ابتداء كل أمر بحمده وخاتمته بحمده. وقيل: إن ~~قول " الحمد لله رب العالمين " من قول الملائكة فعلى هذا يكون حمدهم لله ms5434 ~~تعالى على عدله وقضائه. وروي من حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قرأ على المنبر آخر سورة " الزمر " فتحرك المنبر مرتين. # ثم تفسير سورة " الزمر " PageV15P287 # تفسير سورة غافر وهي سورة المؤمن، وتسمى سورة الطول وهي مكية في قول ~~الحسن وعطاء وعكرمة وجابر. وعن الحسن إلا قوله: " وسبح بحمد ربك " [غافر: ~~55] لأن الصلوات نزلت بالمدينة. وقال ابن عباس وقتادة: إلا آيتين منها ~~نزلتا بالمدينة وهما " إن الذين يجادلون في آيات الله " [غافر: 56] والتي ~~بعدها. وهي خمس وثمانون آية. # وفي مسند الدارمي قال: حدثنا جعفر بن عون عن مسعر عن سعد بن إبراهيم قال: # كن الحواميم يسمين العرائس. وروي من حديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " الحواميم ديباج القرآن " وروي عن ابن مسعود مثله. وقال الجوهري وأبو ~~عبيدة: # وآل حم سور في القرآن. قال ابن مسعود: آل حم ديباج القرآن. قال الفراء: ~~إنما هو كقولك آل فلان وآل فلان كأنه نسب السورة كلها إلى حم، قال الكميت: # وجدنا لكم في آل حاميم آية * تأولها منا تقي ومعزب (1) قال أبو عبيدة: ~~هكذا رواها الأموي بالزاي، وكان أبو عمرو يرويها بالراء. فأما قول العامة ~~الحواميم فليس من كلام العرب. وقال أبو عبيدة: الحواميم سور في القرآن على ~~غير قياس، وأنشد: # وبالحواميم التي قد سبغت (2) قال: والأولى أن تجمع بذوات حم. وروي أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لكل شئ ثمرة وإن ثمرة القرآن ذوات حم هن ~~روضا ت حسان مخصبات متجاورات فمن أحب أن يرتع في رياض الجنة فليقرأ ~~الحواميم ". وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " مثل الحواميم في القرآن كمثل ~~الحبرات في الثياب " ذكرهما الثعلبي. وقال أبو عبيد: وحدثني حجاج بن محمد ~~عن أبي معشر عن محمد بن قيس قال: رأى رجل سبع جوار حسان مزينات في النوم ~~فقال لمن أنتن بارك الله فيكن فقلن نحن لمن قرأنا نحن الحواميم. # PageV15P288 # بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: " حم " تنزيل الكتب من الله العزيز ~~العليم غافر ms5435 الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا اله الا هو إليه ~~المصير ما يجدل فئ آيات الله الا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلد ~~قوله تعالى: " حم " اختلف في معناه، فقال عكرمة: قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " حم " اسم من أسماء الله تعالى وهي مفاتيح خزائن ربك " قال ابن عباس: " ~~حم " اسم الله الأعظم. وعنه: " الر " و " حم " و " ن " حروف الرحمن مقطعة. ~~وعنه أيضا: # اسم من أسماء الله تعالى أقسم به. وقال قتادة: إنه اسم من أسماء القرآن. ~~مجاهد: فواتح السور. وقال عطاء الخراساني: الحاء افتتاح اسمه حميد وحنان ~~وحليم وحكيم، والميم افتتاح اسمه ملك ومجيد ومنان ومتكبر ومصور، يدل عليه ~~ما روى أنس أن أعرابيا سأل النبي صلى الله عليه وسلم: ما " حم " فإنا لا ~~نعرفها في لساننا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " بدء أسماء وفواتح سور " وقال الضحاك والكسائي: معناه قضي ما هو كائن. ~~كأنه أراد الإشارة إلى تهجى " حم "، لأنها تصير حم بضم الحاء وتشديد الميم، ~~أي قضي ووقع. # وقال كعب بن مالك: # فلما تلاقيناهم ودارت بنا الرحى * وليس لأمر حمه الله مدفع وعنه أيضا: إن ~~المعنى حم أمر الله أي قرب، كما قال الشاعر: # قد حم يومي فسر قوم * قوم بهم غفلة ونوم ومنه سميت الحمى، لأنها تقرب من ~~المنية. والمعنى المراد قرب نصره لأوليائه، وانتقامه من أعدائه كيوم بدر. ~~وقيل: حروف هجاء، قال الجرمي: ولهذا تقرأ ساكنة الحروف PageV15P289 # فخرجت مخرج التهجي وإذا سميت سورة بشئ من هذه الحروف أعربت، فتقول: قرأت ~~" حم " فتنصب، وقال الشاعر (1): # يذكرني حاميم والرمح شاجر فهلا * تلا حاميم قبل التقدم وقرأ عيسى بن عمر ~~الثقفي: " حم " بفتح الميم على معنى اقرأ حم أو لالتقاء الساكنين. ابن أبي ~~إسحاق وأبو السمال بكسرها. والإمالة والكسر للالتقاء الساكنين، أو على وجه ~~القسم. # وقرأ أبو جعفر بقطع الحاء من الميم. الباقون بالوصل. وكذلك في " حم. عسق ~~". وقرأ أبو عمرو وأبو بكر وحمزة والكسائي وخلف وابن ذكوان بالإمالة في ~~الحاء. وروي ms5436 عن أبي عمرو بين اللفظين وهي قراءة نافع وأبي جعفر وشيبة. ~~الباقون بالفتح مشبعا. قوله تعالى: " تنزيل الكتاب " ابتداء والخبر " من ~~الله العزيز العليم ". ويجوز أن يكون " تنزيل " خبرا لمبتدأ محذوف، أي هذا ~~" تنزيل الكتاب ". ويجوز أن يكون " حم " مبتدأ و " تنزيل " خبره والمعنى: ~~أن القرآن أنزله الله وليس منقولا ولا مما يجوز أن يكذب به. # قوله تعالى: " غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب " قال الفراء: جعلها ~~كالنعت للمعرفة وهي نكرة. وقال الزجاج: هي خفض على البدل. النحاس: وتحقيق ~~الكلام في هذا وتلخيصه أن " غافر الذنب وقابل التوب " يجوز أن يكونا ~~معرفتين على أنهما لما مضى فيكونا نعتين، ويجوز أن يكونا للمستقبل والحال ~~فيكونا نكرتين ولا يجوز أن يكونا نعتين على هذا ولكن يكون خفضهما على ~~البدل، ويجوز النصب على الحال، فأما " شديد العقاب " فهو نكره ويكون خفضه ~~على البدل. قال ابن عباس: " غافر الذنب " لمن قال: " لا إله إلا الله " " ~~وقابل التوب " ممن قال: " لا إله إلا الله " " شديد العقاب " لمن لم يقل: " ~~لا إله إلا الله ". # وقال ثابت البناني: كنت إلى سرادق مصعب بن الزبير في مكان لا تمر فيه ~~الدواب، قال: # فاستفتحت " حم. تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم " فمر علي رجل على ~~دابة فلما قلت " غافر الذنب " قال: قل يا غافر الذنب اغفر لي ذنبي، فلما ~~قلت: " قابل التوب " قال: # PageV15P290 # قل يا قابل التوب تقبل توبتي، فلما قلت: " شديد العقاب " قال: قل يا شديد ~~العقاب اعف عني، فلما قلت: " ذي الطول " قال: قل يا ذا الطول طل علي بخير، ~~فقمت إليه فأخذ ببصري، فالتفت يمينا وشمالا فلم أر شيئا. وقال أهل الإشارة: ~~" غافر الذنب " فضلا " وقابل التوب " وعدا " شديد العقاب " عدلا " لا إله ~~إلا هو إليه المصير " فردا. وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه افتقد ~~رجلا ذا بأس شديد من أهل الشام، فقيل له: # تتابع في هذا الشراب، فقال عمر لكاتبه: اكتب من عمر إلى فلان، سلام عليك، ~~وأنا أحمد الله إليك الذي ms5437 لا إله إلا هو: " بسم الله الرحمن. حم تنزيل ~~الكتاب من الله العزيز العليم غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول ~~لا إله إلا هو إليه المصير " ثم ختم الكتاب وقال لرسوله: لا تدفعه إليه حتى ~~تجده صاحيا، ثم أمر من عنده بالدعاء له بالتوبة، فلما أتته الصحيفة جعل ~~يقرؤها ويقول: قد وعدني الله أن يغفر لي، وحذرني عقابه، فلم يبرح يرددها ~~حتى بكى ثم نزع فأحسن النزع وحسنت توبته. فلما بلغ عمر أمره قال: هكذا ~~فاصنعوا إذا رأيتم أحدكم قد زل زلة فسددوه وادعوا الله له أن يتوب عليه، ~~ولا تكونوا أعوانا للشياطين عليه. و " التوب " يجوز أن يكون مصدر تاب يتوب ~~توبا، ويحتمل أن يكون جمع توبة نحو دومة ودوم وعزمة وعزم، ومنه قوله (1): # فيخبو ساعة ويهب ساعا ويجوز أن يكون التوب بمعنى التوبة. قال أبو العباس: ~~والذي يسبق إلى قلبي أن يكون مصدرا، أي يقبل هذا الفعل، كما تقول قالا ~~قولا، وإذا كان جمعا فمعناه يقبل التوبات. # " ذي الطول " على البدل وعلى النعت، لأنه معرفة. وأصل الطول الإنعام ~~والفضل يقال منه: اللهم طل علينا أي أنعم وتفضل. قال ابن عباس: " ذي الطول ~~" ذي النعم. وقال مجاهد: ذي الغنى والسعة، ومنه قوله تعالى: " ومن لم يستطع ~~منكم طولا " [النساء: 25] أي غنى وسعة. # وعن ابن عباس أيضا: " ذي الطول " ذي الغنى عمن لا يقول لا إله إلا الله. ~~وقال عكرمة: # PageV15P291 # " ذي الطول " ذي المن. قال الجوهري: والطول بالفتح المن، يقال منه طال ~~عليه وتطول عليه إذا أمتن عليه. وقال محمد بن كعب: " ذي الطول " ذي التفضل، ~~قال الماوردي: # والفرق بين المن والتفضل أن المن عفو عن ذنب. والتفضل إحسان غير مستحق. ~~والطول مأخوذ من الطول كأنه طال بإنعامه على غيره. وقيل: لأنه طالت مدة ~~إنعامه. " لا اله الا هو إليه المصير " أي المرجع. # قوله تعالى: " ما يجادل في آيات الله الا الذين كفروا " سجل سبحانه على ~~المجادلين في آيات الله بالكفر، والمراد الجدال بالباطل، من الطعن فيها، ~~والقصد ms5438 إلى إدحاض الحق، وإطفاء نور الله تعالى. وقد دل على ذلك في قوله ~~تعالى: " وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق ". [غافر: 5]. فأما الجدال فيها ~~لإيضاح ملتبسها، وحل مشكلها، ومقادحة أهل العلم في استنباط معانيها، ورد ~~أهل الزيغ بها وعنها، فأعظم جهاد في سبيل الله. # وقد مضى هذا المعنى في [البقرة] عند قوله تعالى: " ألم تر إلى الذي حاج ~~إبراهيم في ربه " (1) مستوفى. " فلا يغررك " وقرئ: " فلا يغرك " " تقلبهم " ~~أي تصرفهم " في البلاد " فإني إن أمهلتهم لا أهملهم بل أعاقبهم. قال ابن ~~عباس: يريد تجارتهم من مكة إلى الشام وإلى اليمن. وقيل: " لا يغررك " ما هم ~~فيه من الخير والسعة في الرزق فإنه متاع قليل في الدنيا. وقال الزجاج: " لا ~~يغررك " سلامتهم بعد كفرهم فإن عاقبتهم الهلاك. # وقال أبو العالية: آيتان ما أشدهما على الذين يجادلون في القرآن: قوله: " ~~ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا "، وقوله: " وإن الذين اختلفوا في ~~الكتاب لفي شقاق بعيد " [البقرة: 176]. قوله تعالى: كذبت قبلهم قوم نوح ~~والأحزاب من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالبطل ليدحضوا به ~~الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب وكذلك حقت كلمت ربك على الذين كفروا ~~PageV15P292 # أنهم أصحب النار الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون ~~به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شئ رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا ~~واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم ربنا وأدخلهم جنت عدن التي وعدتهم ومن صلح ~~من آبائهم وأزواجهم وذريتهم إنك أنت العزيز الحكيم وقهم السيئات ومن تق ~~السيئات يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم قوله تعالى: " كذبت قبلهم ~~قوم نوح " على تأنيث الجماعة أي كذبت الرسل. " والأحزاب من بعدهم " أي ~~والأمم الذين تحزبوا عل أنبيائهم بالتكذيب نحو عاد وثمود فمن بعدهم. " وهمت ~~كل أمة برسولهم ليأخذوه " أي ليحبسوه ويعذبوه وقال قتادة والسدي: # ليقتلوه. والأخذ يرد بمعنى الإهلاك، كقوله: " ثم أخذتهم فكيف كان نكير " ~~[الحج: 44]. والعرب تسمي الأسير الأخيذ، لأنه مأسور للقتل، وأنشد قطرب قول ~~الشاعر: # فإما تأخذوني تقتلوني * فكم من آخذ ms5439 يهوى خلودي (1) وفي وقت أخذهم لرسولهم ~~قولان: أحدهما عند دعائه لهم. الثاني عند نزول العذاب بهم. " وجادلوا ~~بالباطل ليدحضوا به الحق " أي ليزيلوا. ومنه مكان دحض أي مزلقة، والباطل ~~داحض، لأنه يزلق ويزل فلا يستقر. قال يحيى بن سلام: جادلوا الأنبياء بالشرك ~~ليبطلوا به الإيمان. " فأخذتهم " أي بالعذاب. " فكيف كان عقاب " أي عاقبة ~~الأمم المكذبة. # أي أليس وجدوه حقا. # قوله تعالى: " وكذلك حقت " أي وجبت ولزمت، مأخوذ من الحق لأنه اللازم. # " كلمة ربك " هذه قراءة العامة على التوحيد. وقرأ نافع وابن عامر: " ~~كلمات " جمعا. # PageV15P293 # " على الذين كفروا أنهم " قال الأخفش: أي لأنهم وبأنهم. قال الزجاج: ~~ويجوز إنهم بكسر الهمزة. " أصحاب النار " أي المعذبون بها وتم الكلام. ثم ~~ابتدأ فقال: " الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ~~ويستغفرون للذين آمنوا " ويروى: # أن حملة العرش أرجلهم في الأرض السفلى ورؤوسهم قد خرقت العرش، وهم خشوع ~~لا يرفعون طرفهم، وهم أشراف الملائكة وأفضلهم. ففي الحديث: " أالله تبارك ~~وتعالى أمر جميع الملائكة أن يغدوا ويروحوا بالسلام على حملة العرش تفضيلا ~~لهم على سائر الملائكة ". ويقال: # خلق الله العرش من جوهرة خضراء، وبين القائمتين من قوامه خفقان الطير ~~المسرع ثمانين ألف عام. وقيل: حول العرش سبعون ألف صف من الملائكة يطوفون ~~به مهللين مكبرين، ومن ورائهم سبعون ألف صف قيام، قد وضعوا أيديهم على ~~عواتقهم، ورافعين أصواتهم بالتهليل والتكبير، ومن ورائهم مائة ألف صف، وقد ~~وضعوا الإيمان على الشمائل، ما منهم أحد إلا وهو يسبح بما لا يسبح به ~~الآخر. وقرأ ابن عباس: " العرش " بضم العين، ذكر جميعه الزمخشري رحمه الله. ~~وقيل: اتصل هذا بذكر الكفار، لأن المعنى والله أعلم - " الذين يحملون العرش ~~ومن حوله " ينزهون الله عز وجل عما يقوله الكفار " ويستغفرون للذين آمنوا " ~~أي يسألون لهم المغفرة من الله تعالى. وأقاويل أهل التفسير على أن العرش هو ~~السرير، وأنه جسم مجسم خلقه الله عز وجل، وأمر ملائكة بحمله، وتعبدهم ~~بتعظيمه والطواف به، كما خلق في الأرض بيتا وأمر بني آدم ms5440 بالطواف به ~~واستقباله في الصلاة. وروى ابن طهمان، عن موسى بن عقبة، عن محمد بن ~~المنكدر، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش ما بين شحمة أذنه ~~إلى عاتقه مسير سبعمائة عام) ذكره البيهقي وقد مضى في " البقرة " (1) في ~~آية الكرسي عظم العرش وأنه أعظم المخلوقات. وروى ثور بن يزيد، عن خالد بن ~~معدان، عن كعب الأحبار أنه قال: لما خلق الله تعالى العرش قال: لن يخلق ~~الله خلقا أعظم مني، فاهتز فطوقه الله بحية، للحية # PageV15P294 # سبعون ألف جناح، في الجناح سبعون ألف ريشة، في كل ريشة سبعون ألف وجه، في ~~كل وجه سبعون ألف فم، في كل فم سبعون ألف لسان. يخرج من أفواهها في كل يوم ~~من التسبيح عدد قطر المطر، وعدد ورق الشجر، وعدد الحصى والثرى، وعدد أيام ~~الدنيا وعدد الملائكة أجمعين، فالتوت الحية بالعرش، فالعرش إلى نصف الحية ~~وهي ملتوية (1) به. # وقال مجاهد: بين السماء السابعة وبين العرش سبعون ألف حجاب، حجاب نور ~~وحجاب ظلمة، وحجاب نور وحجاب ظلمة. " ربنا " أي يقولون " ربنا وسعت كل شئ ~~رحمة وعلما " أي وسعت رحمتك وعلمك كل شئ فلما نقل الفعل عن الرحمة والعلم ~~نصب على التفسير " فاغفر للذين تابوا " أي من الشرك والمعاصي " واتبعوا ~~سبيلك " أي دين الاسلام " وقهم عذاب الجحيم " أي اصرفه عنهم حتى لا يصل ~~إليهم. قال إبراهيم نخعي: كان أصحاب عبد الله يقولون الملائكة خير ن ابن ~~الكواء هم يستغفرون لمن في الأرض وابن الكواء يشهد عليهم بالكفر. قال ~~إبراهيم: وكانوا يقولون لا يحجبون الاستغفار عن أحد من أهل القبلة. وقال ~~مطرف بن عبد الله: وجدنا أنصح عباد الله لعباد الله الملائكة ووجدنا أغش ~~عباد الله لعباد الله الشيطان وتلا هذه الآية. وقال يحيى بن معاذ الرازي ~~لأصحابه في هذه الآية: افهموها فما في العالم جنة أرجى منها ان ملكا واحدا ~~لو سأل الله أن يغفر لجميع ms5441 المؤمنين لغفر لهم، كيف وجميع الملائكة وحملة ~~العرش يستغفرون للمؤمنين. وقال خلف بن هشام البزاز القارئ. كنت أقرأ على ~~سليم بن عيسى فلما بلغت " ويستغفرون للذين آمنوا " بكى ثم قال: # يا خلف ما أكرم المؤمن على الله نائما على فراشه والملائكة يستغفرون له. # قوله تعالى: " ربنا وأدخلهم جنات عدن " يروى أن عمر بن الخطاب قال لكعب ~~الأحبار: ما جنات عدن. قال: قصور من ذهب في الجنة يدخلها النبيون والصديقون ~~والشهداء وأئمة العدل. " التي وعدتهم " " التي " في محل نصب نعتا للجنات. " ~~ومن صلح " " من " في محل نصب عطفا على الهاء والميم في قوله " وأدخلهم ". " ~~ومن صلح " بالإيمان # PageV15P295 # " من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم " وقد مضى في " الرعد " (1) نظير هذه ~~الآية. قال سعيد بن جبير: يدخل الرجل الجنة، فيقول: يا رب أين أبي وجدي ~~وأمي؟ وأين ولدي وولد ولدي؟ # وأين زوجاتي؟ فيقال إنهم لم يعملوا كعملك، فيقول: يا رب كنت أعمل لي ~~ولهم، فيقال ادخلوهم الجنة. ثم تلا: " الذين يحملون العرش ومن حوله " إلى ~~قوله: " ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم ". ويقرب من هذه الآية قوله: ~~" والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم " [الطور: 21]. # قوله تعالى: " وقهم السيئات " قال قتادة: أي وقهم ما يسوءهم، وقيل: ~~التقدير وقهم عذاب السيئات وهو أمر (2) من وقاه الله يقيه وقاية بالكسر، أي ~~حفظه. " ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته " أي بدخول الجنة " و ذلك هو الفوز ~~العظيم " أي النجاة الكبيرة. # قوله تعالى: إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ ~~تدعون إلى الأيمن فتكفرون قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين ~~فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم ~~وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلى الكبير قوله تعالى: إن الذين كفروا ~~ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم " قال الأخفش: " لمقت " هذه لام ~~الابتداء وقعت بعد " ينادون " لأن معناه يقال لهم والنداء قول. وقال غيره: ~~المعنى يقال لهم: " لمقت الله " إياكم في الدنيا " إذ تدعون إلى الإيمان ~~فتكفرون ms5442 " " أكبر " من مقت بعضكم بعضا يوم القيامة، لأن بعضهم عادى بعضا ~~ومقته يوم القيامة، فأذعنوا عند ذلك، وخضعوا وطلبوا الخروج من النار. وقال ~~الكلبي: يقول كل إنسان من أهل النار لنفسه مقتك يا نفس، فتقول الملائكة لهم ~~وهم في النار: لمقت الله # PageV15P296 # إياكم إذ أنتم في الدنيا وقد بعث إليكم الرسل فلم تؤمنوا أشد من مقتكم ~~أنفسكم اليوم. وقال الحسن: يعطون كتابهم فإذا نظروا إلى سيئاتهم مقتوا ~~أنفسهم فينادون " لمقت الله " إياكم في الدنيا " إذ تدعون إلى الإيمان ~~فتكفرون " " أكبر من مقتكم أنفسكم " اليوم. وقال معناه مجاهد. وقال قتادة: ~~المعنى " لمقت الله " لكم " إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون " " أكبر من ~~مقتكم أنفسكم " إذ عاينتم النار. فإن قيل: كيف يصح أن يمقتوا أنفسهم؟ ففيه ~~وجهان: # أحدهما أنهم أحلوها بالذنوب محل الممقوت. الثاني أنهم لما صاروا إلى حال ~~زال عنهم الهوى، وعلموا أن نفوسهم هي التي أوبقتهم في المعاصي مقتوها. وقال ~~محمد بن كعب القرظي: # إن أهل النار لما يئسوا مما عند الخزنة وقال لهم مالك: " إنكم ماكثون " ~~على ما يأتي. قال بعضهم لبعض: يا هؤلاء إنه قد نزل بكم من العذاب والبلاء ~~ما قد ترون، فهلم فلنصبر فلعل الصبر ينفعنا، كما صبر أهل الطاعة على طاعة ~~الله فنفعهم الصبر إذ صبروا، فأجمعوا رأيهم على الصبر فصبروا فطال صبرهم، ~~ثم جزعوا فنادوا " سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص " [إبراهيم: ~~21] أي من ملجأ، فقال إبليس عند ذلك: " إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم ~~فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان " [إبراهيم: 22] إلى قوله: " ما أنا ~~بمصرخكم وما أنتم بمصرخي " [إبراهيم: 22] يقول: بمغن عنكم شيئا " إني كفرت ~~بما أشركتمون من قبل " [إبراهيم: 22] فلما سمعوا مقالته مقتوا أنفسهم. # قال: فنودوا " لمقت الله أكبر من مقتهم أنفسهم إذ تدعون إلى الإيمان ~~فتكفرون " إلى قوله: " فهل إلى خروج من سبيل " قال فرد عليهم: " ذلكم بأنه ~~إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير " ~~ذكره ابن المبارك. # قوله تعالى: " قالوا ms5443 ربنا أمتنا اثنين " اختلف أهل التأويل في معنى ~~قولهم: " أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين " فقال ابن مسعود وابن عباس وقتادة ~~والضحاك: كانوا أمواتا في أصلاب آبائهم، ثم أحياهم ثم أماتهم الموتة التي ~~لا بد منها في الدنيا، ثم أحياهم للبعث والقيامة، فهاتان حياتان موتتان، ~~وهو قوله تعالى: " كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم ~~يحييكم " [البقرة: 28]. وقال السدي: أميتوا في الدنيا ثم أحياهم في القبور ~~للمسألة، ثم أميتوا ثم أحيوا في الآخرة. وإنما صار إلى هذا، لأن لفظ الميت ~~لا ينطلق في العرف على PageV15P297 # النطفة. واستدل العلماء من هذا في إثبات سؤال القبر، ولو كان الثواب ~~والعقاب للروح دون الجسد فما معنى الإحياء والإماتة؟ والروح عند من يقصر ~~أحكام الآخرة على الأرواح لا تموت ولا تتغير ولا تفسد، وهو حي لنفسه لا ~~يتطرق إليه موت ولا غشية ولا فناء. # وقال ابن زيد في قوله: " ربنا أمتنا اثنتين... " الآية قال: خلقهم في ظهر ~~آدم وأخرجهم وأحياهم وأخذ عليهم الميثاق، ثم أماتهم ثم أحياهم في الدنيا ثم ~~أماتهم. وقد مضى هذا في " البقرة " (1). # " فاعترفوا بذنوبنا " اعترفوا حيث لا ينفعهم الاعتراف وندموا حيث لا ~~ينفعهم الندم. " فهل إلى خروج من سبيل " أي هل نرد إلى الدنيا لنعمل ~~بطاعتك، نظيره: " هل إلى مرد من سبيل " [الشورى: 44] وقوله: " فارجعنا نعمل ~~صالحا " [السجدة: 12] وقوله: " يا ليتنا نرد " [الأنعام: 27] الآية. # قوله تعالى: " ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم " " ذلكم " في موضع رفع ~~أي الأمر " ذلكم " أو " ذلكم " العذاب الذي أنتم فيه بكفركم. وفي الكلام ~~متروك تقديره فأجيبوا بأن لا سبيل إلى الرد. وذلك لأنكم " إذا دعي الله " ~~أي وحد الله " وحده كفرتم " وأنكرتم أن تكون الألوهية له خاصة، وإن أشرك به ~~مشرك صدقتموه وآمنتم بقوله. قال الثعلبي: وسمعت بعض العلماء يقول: " وإن ~~يشرك به " بعد الرد إلى الدنيا لو كان به " تؤمنوا " تصدقوا المشرك، نظيره: # " ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه " " فالحكم لله العلى الكبير " عن أن ~~تكون له صاحبة أو ولد. # قوله تعالى: هو ms5444 الذي يريكم آياته وينزل لكم من السماء رزقا وما يتذكر الا ~~من ينيب فادعوا الله مخلصين له الذين ولو كره الكافرون رفيع الدرجات ذو ~~العرش يلقى الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق يوم هم ~~بارزون لا يخفى على الله منهم شئ لمن الملك اليوم لله الواحد القهار اليوم ~~تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم ان الله سريع الحساب PageV15P298 # قوله تعالى: " هو الذي يريكم آياته " أي دلائل توحيده وقدرته " وينزل لكم ~~من السماء رزقا " جمع بين إظهار الآيات وإنزال الرزق، لأن بالآيات قوام ~~الأبدان، وبالرزق قوام الأبدان. وهذه الآيات هي السماوات والأرضون وما ~~فيهما وما بينهما من الشمس والقمر والنجوم والرياح والسحاب والبخار ~~والأنهار والعيون والجبال والأشجار وآثار قوم هلكوا. # " وما يتذكر " أي ما يتعظ بهذه الآيات فيوحد الله " إلا من ينيب " أي ~~يرجع إلى طاعة الله. # " فادعوا الله " أي اعبدوه " مخلصين له الدين " أي العبادة. وقيل: ~~الطاعة. " و لو كره الكافرون " عبادة الله فلا تعبدوا أنتم غيره. # قوله تعالى: " رفيع الدرجات ذو العرش " " ذو العرش " على إضمار مبتدأ. ~~قال الأخفش: ويجوز نصبه على المدح. ومعنى " رفيع الدرجات " أي رفيع الصفات. ~~وقال ابن عباس والكلبي وسعيد بن جبير: رفيع السماوات السبع. وقال يحيى بن ~~سلام: هو رفعة درجة أوليائه في الجنة ف " رفيع " على هذا بمعنى رافع فعيل ~~بمعنى فاعل. وهو على القول الأول من صفات الذات، ومعناه الذي لا أرفع قدرا ~~منه، وهو المستحق لدرجات المدح والثناء، وهي أصنافها وأبوابها لا مستحق لها ~~غيره قال الحليمي. وقد ذكرناه في الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى ~~والحمد لله. " ذو العرش " أي خالقه ومالكه لا أنه محتاج إليه. وقيل: هو من ~~قولهم: ثل عرش فلان أي زال ملكه وعزه، فهو سبحانه " ذو العرش " بمعنى ثبوت ~~ملكه وسلطانه وقد بيناه في الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى. " يلقى الروح ~~" أي الوحي والنبوة " على من يشاء من عباده " وسمي ذلك روحا لأن الناس ~~يحيون به، أي ms5445 يحيون من موت الكفر كما تحيا الأبدان بالأرواح. وقال ابن زيد: ~~الروح القرآن، قال الله قوله تعالى: " رفيع الدرجات ذو العرش " " ذو العرش ~~" على إضمار مبتدأ. قال الأخفش: ويجوز نصبه على المدح. ومعنى " رفيع ~~الدرجات " أي رفيع الصفات. وقال ابن عباس والكلبي وسعيد بك جبير: رفيع ~~السماوات السبع. وقال يحيى بن سلام: هو رفعة درجة أوليائه في الجنة ف " ~~رفيع " على هذا بمعنى رافع فعيل بمعنى فاعل. وهو على القول الأول من صفات ~~الذات، ومعناه الذي لا أرفع قدرا منه، وهو المستحق لدرجات المدح والثناء ~~وهي أصنافها وأبوابها لا مستحق لها غيره قاله الحليمي. وقد ذكرناه في " ~~الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى " والحمد لله. " ذو العرش " أي ~~خالقه ومالكه لا أنه محتاج إليه. وقيل: هو من قولهم ثل عرش فلان أي زال ~~ملكه وعزه فهو سبحانه " ذو العرش " بمعنى ثبوت ملكه وسلطانه وقد بيناه في " ~~الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى " " يلقى الروح " أي الوحي والنبوة " على ~~من يشاء من عباده " وسمى ذلك روحا لان الناس يحيون بها، أي يحيون من موت ~~الكفر كما تحيا الأبدان بالأرواح. وقال ابن زيد: الروح القرآن، قال الله ~~تعلى: " وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا " وقيل " الروح جبرئيل، قال الله ~~تعالى " نزل به الروح الأمين على قلبك " وقال: " قل نزله روح القدس من ربك ~~بالحق ". # " من أمره " أي من قوله. وقيل: من قضائه. وقيل: " من " بمعنى الباء أي ~~بأمره. # " على من يشاء من عباده " وهم الأنبياء يشاء هو أن يكونوا أنبياء وليس ~~لأحد فيهم مشيئة. PageV15P299 # " لينذر يوم التلاق " أي إنما يبعث الرسول لإنذار يوم البعث. فقوله: " ~~لينذر " يرجع إلى الرسول. وقيل: لينذر الله ببعثه الرسل إلى الخلائق " يوم ~~التلاق ". وقرأ ابن عباس والحسن وابن السميقع " لتنذر " بالتاء خطابا للنبي ~~عليه السلام. " يوم التلاق " قال ابن عباس وقتادة: يوم تلتقي أهل السماء ~~وأهل الأرض. وقال قتادة أيضا وأبو العالية ومقاتل: # يلتقي فيه الخلق والخالق. وقيل: العابدون والمعبودون. وقيل: الظالم ~~والمظلوم. وقيل: # يلقى كل ms5446 إنسان جزاء عمله. وقيل: يلتقي الأولون والآخرون على صعيد واحد، ~~روي معناه عن ابن عباس. وكله صحيح المعنى. " يوم هم بارزون " يكون بدلا من ~~يوم الأول. # وقيل: " هم " في موضع رفع بالابتداء و " بارزون " خبره والجملة في موضع ~~خفض بالإضافة، فلذلك حذف التنوين من " يوم " وإنما يكون هذا عند سيبويه إذا ~~كان الظرف بمعنى إذ، تقول لقيتك يوم زيد أمير. فإن كان بمعنى إذا لم يجز ~~نحو أنا ألقاك يوم زيد أمير. ومعنى: " بارزون " خارجون من قبورهم لا يسترهم ~~شئ، لأن الأرض يومئذ قاع صفصف لا عوج فيها ولا أمتا على ما تقدم في " طه " ~~(1) بيانه. " لا يخفى على الله منهم شئ " قيل: إن هذا هو العامل في " يوم ~~هم بارزون " أي لا يخفى عليه شئ منهم ومن أعمالهم " يوم هم بارزون ". " لمن ~~الملك اليوم " وذلك عند فناء الخلق. وقال الحسن: هو السائل تعالى وهو ~~المجيب، لأنه يقول ذلك حين لا أحد يجيبه فيجيب نفسه سبحانه فيقول: " لله ~~الواحد القهار ". النحاس: وأصح ما قيل فيه ما رواه أبو وائل عن ابن مسعود ~~قال: يحشر الناس على أرض بيضاء مثل الفضة لم يعص الله جل وعز عليها، فيؤمر ~~مناد ينادي " لمن الملك اليوم " فيقول العباد مؤمنهم وكافرهم " لله الواحد ~~القهار " فيقول المؤمنون هذا الجواب " سرورا وتلذذا، ويقوله الكافرون غما ~~وانقيادا وخضوعا. فأما أن يكون هذا والخلق غير موجودين فبعيد، لأنه لا ~~فائدة فيه، والقول صحيح عن ابن مسعود وليس هو مما يؤخذ بالقياس ولا ~~بالتأويل. # PageV15P300 # قلت: والقول الأول ظاهر جدا، لأن المقصود إظهار انفراده تعالى بالملك عند ~~انقطاع دعاوي المدعين وانتساب المنتسبين، إذ قد ذهب كل ملك وملكه ومتكبر ~~وملكه وانقطعت نسبهم ودعاويهم، ودل على هذا قوله الحق عند قبض الأرض ~~والأرواح وطي السماء: # " أنا الملك أين ملوك الأرض " كما تقدم في حديث أبي هريرة وفي حديث ابن ~~عمر، ثم يطوي الأرض بشماله والسماوات بيمينه، ثم يقول: أنا الملك أين ~~الجبارون أين المتكبرون. # وعنه قوله سبحانه: " لمن الملك اليوم " هو انقطاع ms5447 زمن الدنيا وبعده يكون ~~البعث والنشر. # قال محمد بن كعب قوله سبحانه: " لمن الملك اليوم " يكون بين النفختين حين ~~فني الخلق وبقي الخالق فلا يرى غير نفسه مالكا ولا مملوكا فيقول: " لمن ~~الملك اليوم " فلا يجيبه أحد، لأن الخلق أموات فيجيب نفسه فيقول: " لله ~~الواحد القهار " لأنه بقي وحده وقهر خلقه. # وقيل: إنه ينادي مناد فيقول: " لمن الملك اليوم " فيجيبه أهل الجنة: " ~~لله الواحد القهار " فالله أعلم. ذكره الزمخشري. # قوله تعالى: " اليوم تجزى كل نفس بما كسبت " أي يقال لهم إذا أقروا ~~بالملك يومئذ لله وحده " اليوم تجزى كل نفس بما كسبت " من خير أو شر. " لا ~~ظلم اليوم " أي لا ينقص أحد شيئا مما عمله. " إن الله سريع الحساب " أي لا ~~يحتاج إلى تفكر وعقد يد كما يفعله الحساب، لأنه العالم الذي لا يعزب عن ~~علمه شئ فلا يؤخر جزاء أحد للاشتغال بغيره، وكما يرزقهم في ساعة واحدة ~~يحاسبهم كذلك في ساعة واحدة. وقد مضى هذا المعنى في " البقرة " (1). وفي ~~الخبر: ولا ينتصف النهار حتى يقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار. # قوله تعالى: وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما ~~للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور والله ~~يقضى بالحق والذين يدعون من دونه # PageV15P301 # لا يقضون بشئ ان الله هو السميع البصير أو لم يسيروا في الأرض فينظروا ~~كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وآثارا في الأرض ~~فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق ذلك بأنهم كانت تأتيهم ~~رسلهم بالبينات فكفروا فأخذهم الله إنه قوى شديد العقاب قوله تعالى: " ~~وأنذرهم يوم الآزفة " أي يوم القيامة. سميت بذلك لأنها قريبة، إذ كل ما هو ~~آت قريب. وأزف فلان أي قرب يأزف أزفا، قال النابغة: # أزف الترحل غير أن ركابنا * لما تزل برحالنا وكأن قد أي قرب. ونظير هذه ~~الآية: " أزفت الآزفة " (1) أي قربت الساعة. وكان بعضهم يتمثل ويقول: # أزف الرحيل وليس ms5448 لي من زاد غير * الذنوب لشقوتي ونكادي " إذ القلوب لدى ~~الحناجر كاظمين " على الحال وهو محمول على المعنى. قال الزجاج: المعنى إذ ~~قلوب الناس " لدى الحناجر " في حال كظمهم. وأجاز الفراء أن يكون التقدير " ~~وأنذرهم " كاظمين. وأجاز رفع " كاظمين " على أنه خبر للقلوب. وقال: المعنى ~~إذ هم كاظمون. # وقال الكسائي: يجوز رفع " كاظمين " على الابتداء. وقد قيل: إن المراد ب " ~~يوم الآزفة " يوم حضور المنية، قاله قطرب. وكذا " إذ القلوب لدى الحناجر " ~~عند حضور المنية. # والأول أظهر. وقال قتادة: وقعت في الحناجر المخافة فهي لا تخرج ولا تعود ~~في أمكنتها، وهذا لا يكون إلا يوم القيامة كما قال: " وأفئدتهم هواء ". ~~وقيل: هذا إخبار عن نهاية الجزع، كما قال: " وبلغت القلوب الحناجر " وأضيف ~~اليوم إلى " الآزفة " على تقدير يوم القيامة " الآزفة " أو يوم المجادلة " ~~الآزفة ". وعند الكوفيين هو من باب إضافة الشئ إلى # PageV15P302 # نفسه مثل مسجد الجامع وصلاة الأولى. " ما للظالمين من حميم " أي من قريب ~~ينفع " ولا شفيع يطاع " فيشفع فيهم. # قوله تعالى: " يعلم خائنة الأعين " قال المؤرج: فيه تقديم وتأخير أي يعلم ~~الأعين الخائنة وقال ابن عباس: هو الرجل يكون جالسا مع القوم فتمر المرأة ~~فيسارقهم النظر إليها. وعنه: # هو الرجل ينظر إلى المرأة فإذا نظر إليه أصحابه غض بصره، فإذا رأى منهم ~~غفلة تدسس بالنظر، فإذا نظر إليه أصحابه غض بصره، وقد علم الله عز وجل منه ~~أنه يود لو نظر إلى عورتها. وقال مجاهد هي مسارقة نظر الأعين إلى ما نهى ~~الله عنه. وقال قتادة: هي الهمزة بعينه وإغماضه فيما لا يحب الله تعالى. ~~وقال الضحاك: هي قول الإنسان ما رأيت وقد رأى أو رأيت وما رأى. وقال السدي: ~~إنها الرمز بالعين. وقال سفيان: هي النظرة بعد النظرة. # وقال الفراء: " خائنة الأعين " النظرة الثانية " وما تخفي الصدور " ~~النظرة الأولى. وقال ابن عباس: " وما تخفي الصدور " أي هل يزني بها لو خلا ~~بها أو لا. وقيل: " وما تخفي الصدور " تكنه وتضمره. ولما جئ بعبد الله بن ~~أبي سرح ms5449 (1) إلى رسول الله لي الله عليه وسلم، بعد ما اطمأن أهل مكة وطلب ~~له الأمان عثمان رضي الله عنه، صمت رسول الله صلى الله عليه وسلم طويلا ثم ~~قال: " نعم " فلما انصرف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن حوله: # " ما صمت إلا ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه " فقال رجل من الأنصار فهلا ~~أومأت إلي يا رسول الله، فقال: " إن النبي لا تكون له خائنة أعين ". " ~~والله يقضى بالحق " أي يجازي من غض بصره عن المحارم، ومن نظر إليها، ومن ~~عزم على مواقعة الفواحش إذا قدر عليها. # " والذين يدعون من دونه " يعني الأوثان " لا يقضون بشئ " لأنها لا تعلم ~~شيئا ولا تقدر عليه ولا تملك. وقراءة العامة بالياء على الخبر عن الظالمين ~~وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم. # وقرأ نافع وشيبة وهشام: " تدعون " بالتاء. " إن الله هو السميع البصير " ~~" هو " زائدة فاصلة. # ويجوز أن تكون في موضع رفع بالابتداء وما بعدها خبر والجملة خبر إن. # PageV15P303 # قوله تعالى: " أولم يسيروا في الأرض فينظروا " في موضع جزم عطف على " ~~يسيروا " ويجوز أن يكون في موضع نصب على أنه جواب، والجزم والنصب في ~~التثنية والجمع واحد. # " كيف كان عاقبة " اسم كان والخبر في " كيف ". و " واق " في موضع خفض ~~معطوف على اللفظ. ويجوز أن يكون في موضع رفع على الموضع فرفعه وخفضه واحد، ~~لأن الياء تحذف وتبقى الكسرة دالة عليها وقد مضى الكلام في معنى هذه الآية ~~في غير موضع (1) فأغنى عن الإعادة. # قوله تعالى: ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطن مبين إلى فرعون وهامان ~~وقارون فقالوا سحر كذاب فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء ~~الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم وما كيد الكافرين إلا في ظلل وقال فرعون ~~ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض ~~الفساد وقال موسى إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب قوله ~~تعالى: " ولقد أرسلنا موسى بآياتنا " وهي التسع الآيات المذكورة في قوله ~~تعالى: " ولقد ms5450 آتينا موسى تسع آيات بينات " وقد مضى تعيينها (2). " وسلطان ~~مبين " أي بحجة واضحة بينة، وهو يذكر ومؤنث. وقيل: أراد بالسلطان التوراة. ~~" إلى فرعون وهامان وقارون " خصهم بالذكر لأن مدار التدبير في عداوة موسى ~~كان عليهم، ففرعون الملك وهامان الوزير وقارون صاحب الأموال والكنوز فجمعه ~~الله معهما، لأن عمله في الكفر والتكذيب كأعمالهما. " فقالوا ساحر كذاب " ~~لما عجزوا عن معارضته حملوا المعجزات على السحر. # PageV15P304 # قوله تعالى: " فلما جاءهم بالحق من عندنا " وهي المعجزة الظاهرة " قالوا ~~اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه " قال قتادة: هذا قتل غير القتل الأول، لأن ~~فرعون كان قد أمسك عن قتل الولدان بعد ولادة موسى، فلما بعث الله موسى أعاد ~~القتل على بني إسرائيل عقوبة لهم فيمتنع الإنسان من الإيمان، ولئلا يكثر ~~جمعهم فيعتضدوا بالذكور من أولادهم. فشغلهم الله عن ذلك بما أنزل عليهم من ~~أنواع العذاب. كالضفادع والقمل والدم والطوفان إلى أن خرجوا من مصر، ~~فأغرقهم الله. وهذا معنى قوله تعالى: " وما كيد الكافرين الا في ضلال " أي ~~في خسران وهلاك، وان الناس لا يمتنعون من الايمان وإن فعل بهم مثل هذا ~~فكيده يذهب باطلا. # قوله تعالى: " وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه " أقتل " جزم، لأنه ~~جواب الأمر " وليدع " جزم، لأنه أمر و " ذروني " ليس بمجزوم وإن كان أمرا ~~ولكن لفظه لفظ المجزوم وهو مبني. وقيل: هذا يدل على أنه قيل لفرعون: إنا ~~نخاف أن يدعو عليك فيجاب، فقال: " وليدع ربه " أي لا يهولنكم ما يذكر من ~~ربه فإنه لا حقيقة له وأنا ربكم الأعلى. " إني أخاف أن يبدل دينكم " أي ~~عبادتكم لي إلى عبادة ربه " أو أن يظهر في الأرض الفساد " إن لم يبدل دينكم ~~فإنه يظهر في الأرض الفساد. أي يقع بين الناس بسببه الخلاف. # وقراءة المدنيين وأبي عبد الرحمن السلمي وابن عامر وأبي عمرو: " وأن يظهر ~~في الأرض الفساد " وقراءة الكوفيين " أو أن يظهر " بفتح الياء " الفساد " ~~بالرفع وكذلك هي في مصاحف الكوفيين: " أو " بألف وإليه يذهب أبو عبيد، قال: ~~لأن فيه زيادة ms5451 حرف وفيه فصل، ولأن " أو " تكون بمعنى الواو. النحاس: وهذا ~~عند حذاق النحويين لا يجوز أن تكون بمعنى الواو، لأن في ذلك بطلان المعاني، ~~ولو جاز أن تكون بمعنى الواو لما احتيج إلى هذا ها هنا، لأن معنى الواو " ~~إني أخاف " الأمرين جميعا ومعنى " أو " لأحد الأمرين أي " إني أخاف أن يبدل ~~دينكم " فإن أعوزه ذلك أظهر في الأرض الفساد. # قوله تعالى: " وقال موسى إني عذت بربي وربكم " لما هدده فرعون بالقتل ~~استعاذ موسى بالله " من كل متكبر " أي متعظم عن الإيمان بالله، وصفته أنه " ~~لا يؤمن بيوم الحساب ". PageV15P305 # قوله تعالى: وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ~~ربى الله وقد جاء كم بالبينات من ربكم وإن يك كذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا ~~يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدى من هو مسرف كذاب (28) فيه أربع ~~مسائل: الأولى - قوله تعالى " وقال رجل مؤمن " ذكر بعض المفسرين: أن اسم ~~هذا الرجل حبيب. وقيل: شمعان بالشين المعجمة. قال السهيلي: وهو أصح ما قيل ~~فيه. وفي تاريخ الطبري رحمه الله: اسمه خبرك (1). وقيل: حزقيل. ذكره ~~الثعلبي عن ابن عباس وأكثر العلماء. الزمخشري: واسمه سمعان أو حبيب. وقيل: ~~خربيل أو حزبيل. واختلف هل كان إسرائيليا أو قبطيا فقال الحسن وغيره: كان ~~قبطيا. ويقال: إنه كان ابن عم فرعون، قاله السدي. قال: وهو الذي نجا مع ~~موسى عليه السلام، ولهذا قال: " من آل فرعون " وهذا الرجل هو المراد بقوله ~~تعالى: " وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى " [القصص: 20] الآية. ~~وهذا قول مقاتل. وقال ابن عباس: لم يكن من آل فرعون مؤمن غيره وغير امرأة ~~فرعون وغير المؤمن الذي أنذر موسى فقال: " إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك " ~~[القصص: 20]. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " الصديقون حبيب ~~النجار مؤمن آل يس ومؤمن آل فرعون الذي قال أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله ~~والثالث أبو بكر الصديق وهو أفضلهم " (2) وفي هذا تسلية للنبي صلى الله ~~عليه ms5452 وسلم أي لا تعجب من مشركي قومك. وكان هذا الرجل له وجاهة عند فرعون، ~~فلهذا لم يتعرض له بسوء. وقيل: كان هذا الرجل من بني إسرائيل يكتم إيمانه ~~من آل فرعون، عن السدي أيضا. ففي الكلام على هذا تقديم # PageV15P306 # ف " من " عنده متعلقة بمحذوف صفة لرجل، تأخير، والتقدير: وقال رجل مؤمن ~~منسوب من آل فرعون. أي من أهله وأقاربه. ومن جعله إسرائيليا ف " من " ~~متعلقة ب " يكتم " في موضع المفعول الثاني ل " يكتم ". القشيري: ومن جعله ~~إسرائيليا ففيه بعد، لأنه يقال كتمه أمر كذا ولا يقال كتم منه. قال الله ~~تعالى: " ولا يكتمون الله حديثا " [النساء: 42] وأيضا ما كان فرعون يحتمل ~~من بني إسرائيل مثل هذا القول. # الثانية - قوله تعالى: " أتقتلون رجلا أن يقول ربى الله " أي لان يقول ~~ومن أجل " أن يقول ربى الله " ومن أجل " أن يقول ربي الله " ف " أن " في ~~موضع نصب بنزع الخافض. " وقد جاءكم بالبينات " يعنى الآيات التسع " من ربكم ~~وان يك كاذبا فعليه كذبه " ولم يكن ذلك لشك منه في رسالته وصدقه، ولكم ~~تلطفا في الاستكفاف واستنزلا عن الأذى. ولو كان و " إن يكن " بالنون جاز ~~ولكم حذفت النون لكثرة الاستعمال على قول سيبويه، ولأنها نون الاعراب على ~~قول أبى العباس. " وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم " أن إن لم يصبكم الا ~~بعض الذي يعدكم به هلكتم. ومذهب أبي عبيدة أن معنى " بعض الذي يعدكم " كل ~~الذي يعدكم، وأنشد قول لبيد: # تراك أمكنه إذا لم أرضها * أو يرتبط بعض النفوس حمامها فبعض بمعنى كل لان ~~البعض إذا أصابهم أصابهم الكل لا محالة لدخوله في الوعيد، وهذا ترقيق ~~الكلام في الوعظ. وذكر الماوردي: أن البعض قد يستعمل في موضع الكل تلطفا في ~~الخطاب وتوسعا في الكلام، كما قال (2) الشاعر: # قد يدرك المتأنى بعض حاجته * وقد يكون مع المتعجل الزلل وقيل أيضا: قال ~~ذلك لأنه حذرهم أنواعا من العذاب كل نوع منها مهلك فكأنه حذرهم أن يصيبهم ~~بعض تلك الأنواع. وقيل وعدهم موسى بعذاب ms5453 الدنيا أو بعذاب الآخرة إن كفروا ~~فالمعنى يصبكم أحد العذابين. وقيل: أي يصبكم هذا العذاب الذي يقوله في ~~الدنيا # PageV15P307 # وهو بعض الوعيد، ثم يترادف العذاب في الآخرة أيضا. وقيل: وعدهم العذاب إن ~~كفروا والثواب ان آمنوا، فإذا كفروا يصيبهم بعض ما وعدوا. " إن الله لا ~~يهدى من هو مسرف " على نفسه " كذاب " على ربه إشارة إلى موسى ويكون هذا من ~~قول المؤمن. وقيل: # " مسرف " في عناده " كذاب " في ادعائه إشارة إلى فرعون ويكون هذا من قول ~~الله تعالى. # الثالثة - قوله تعالى: " يكتم ايمانه " قال القاضي أبو بكر بن العربي: ظن ~~بعضهم أن المكلف إذا كتم ايمانه ولم يتلفظ به بلسانه لا يكون مؤمنا ~~باعتقاده، وقد قال مالك: إن الرجل إذا نوى الكفر بقلبه كان كافرا وإن لم ~~يتلفظ بلسانه، وأما إذا نوى الايمان بقلبه فلا يكون مؤمنا بحال حتى يتلفظ ~~بلسانه، ولا تمنعه التقية والخوف من أن يتلفظ بلسانه فيما بينه وبين الله ~~تعالى، انما تمنعه من أن يسمعه غيره، وليس من شرط الايمان أن يسمعه الغير ~~في صحته من التكليف، وإنما يشترط سماع الغير له ليكف عن نفسه وماله. # الرابعة - روى البخاري ومسلم عن عروة بن الزبير قال قلت لعبد الله بن ~~عمرو بن العاص: أخبرني بأشد ما صنعه المشركون برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بفناء الكعبة، وإذ أقبل عقبة ~~بن أبي معيط، فاخذ بمنكب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولوى ثوبه في عنقه ~~فخنقه به خنقا شديدا، فأقبل أبو بكر بمنكبه ودفع عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وقال: " أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ~~ربكم " لفظ البخاري. خرجه الترمذي الحكيم في نوادر الأصول من حديث جعفر بن ~~محمد عن أبيه عن علي رضي الله عنه قال: اجتمعت قريش بعد وفاة أبي طالب ~~بثلاث فأرادوا قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل هذا يجؤه (1) وهذا ~~يتلتله، فاستغاث النبي صلى الله عليه وسلم ms5454 يومئذ فلم يغثه أحد إلا أبو بكر ~~وله ضفيرتان، فأقبل يجأ ذا ويتلتل ذا # PageV15P308 # ويقول بأعلى صوته: ويلكم: " أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله " والله إنه ~~لرسول الله، فقطعت إحدى ضفيرتي أبي بكر يومئذ. فقال علي: والله ليوم أبي ~~بكر خير من مؤمن آل فرعون، إن ذلك رجل كتم إيمانه، فأثنى الله عليه في ~~كتابه، وهذا أبو بكر أظهر إيمانه وبذل مال ودمه لله عز وجل. قلت: قول علي ~~رضي الله عنه إن ذلك رجل كتم إيمانه يريد في أول أمره بخلاف الصديق فإنه ~~أظهر إيمانه ولم يكتمه، وإلا فالقرآن مصرح بأن مؤمن آل فرعون أظهر إيمانه ~~لما أرادوا قتل موسى عليه السلام على ما يأتي بيانه. في نوادر الأصول أيضا ~~عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قالوا لها: ما أشد شئ رأيت المشركين ~~بلغوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت: كان المشركون قعودا في ~~المسجد، ويتذاكرون رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يقول في آلهتهم، فبينا ~~هم كذلك إذ دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقاموا إليه بأجمعهم وكانوا ~~إذا سألوه عن شئ صدقهم، فقالوا: ألست تقول كذا في آلهتنا قال: " بلى " ~~فتشبثوا فيه بأجمعهم فأتى الصريخ إلى أبي بكر فقال له: أدرك صاحبك. فخرج من ~~عندنا وإن له غدائر، فدخل المسجد وهو يقول: ويلكم " أتقتلون رجلا أن يقول ~~ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم " فلهوا عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأقبلوا على أبي بكر، فرجع إلينا أبو بكر فجعل لا يمس شيئا من غدائره ~~إلا جاء معه، وهو يقول: تباركت يا ذا الجلال والإكرام، إكرام إكرام. # قوله تعالى: يقوم لكم الملك اليوم ظهرين في الأرض فمن ينصرنا من بأس الله ~~إن جاءنا قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد وقال ~~الذي آمن يقوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود ~~PageV15P309 # والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد ويقوم ms5455 إني أخاف عليكم يوم ~~التناد يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم ومن يضلل الله فما له من ~~هاد قوله تعالى. " يا قوم لكم الملك اليوم " هذا من قول مؤمن آل فرعون، وفي ~~قوله " يا قوم " دليل على أنه قبطي، ولذلك أضافهم إلى نفسه فقال: " يا قوم ~~" ليكونوا أقرب إلى قبول وعظه " لكم الملك " فاشكروا الله على ذلك. " ~~ظاهرين في الأرض " أي غالبين وهو نصب على الحال أي في حال ظهوركم. والمراد ~~بالأرض أرض مصر في قول السدي وغيره، كقوله: " وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ". ~~[يوسف: 21] أي في أرض مصر. " فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا " أي من عذاب ~~الله تحذيرا لهم من نقمه إن كان موسى صادقا، فذكر وحذر فعلم فرعون ظهور ~~حجته فقال: " ما أريكم إلا ما أرى ". قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: # ما أشير عليكم إلا ما أرى لنفسي. " وما أهديكم إلا سبيل الرشاد " في ~~تكذيب موسى والإيمان بي. # قوله تعالى: " وقال الذي آمن يا قوم " زادهم في الوعظ " إني أخاف عليكم ~~مثل يوم الأحزاب " يعني أيام العذاب التي عذب فيها المتحزبون على الأنبياء ~~المذكورين فيما بعد. # قوله تعالى: " يا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد " زاد في الوعظ والتخويف ~~وأفصح عن إيمانه، إما مستسلما موطنا نفسه على القتل، أو واثقا بأنهم لا ~~يقصدونه بسوء، وقد وقاه الله شرهم بقوله الحق " فوقاه الله سيئات ما مكروا ~~". وقراءة العامة " التناد " بتخفيف الدال وهو يوم القيامة، قال أمية بن ~~أبي الصلت: # وبث الخلق فيها إذ دحاها * فهم سكانها حتى التناد سمي بذلك لمناداة الناس ~~بعضهم بعضا، فينادي أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم، وينادي أصحاب ~~الجنة أصحاب النار: " أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا " وينادي أصحاب النار ~~أصحاب الجنة: " أن أفيضوا علينا من الماء " وينادي المنادى أيضا بالشقوة ~~PageV15P310 # والسعادة: ألا إن فلان بن فلان قد شقي شقاوة لا يسعد بعدها أبدا، ألا إن ~~فلان بن فلان قد سعد سعادة لا يشقى بعدها أبدا. وهذا ms5456 عند وزن الأعمال. ~~وتنادي الملائكة أصحاب الجنة: " أن تلكمو الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون ~~" [الأعراف: 43] وينادى حين يذبح الموت: يا أهل الجنة خلود لا موت ويا أهل ~~النار خلود لا موت. وينادي كل قوم بإمامهم إلى غير ذلك من النداء. # وقرأ الحسن وابن السميقع ويعقوب وابن كثير ومجاهد: " التناد " بإثبات ~~الياء في الوصل والوقف على الأصل. وقرأ ابن عباس والضحاك وعكرمة " يوم ~~التناد " بتشديد الدال. # قال بعض أهل العربية: هذا لحن، لأنه من ند يند إذا مر على وجهه هاربا، ~~كما قال الشاعر (1): # وبرك هجود قد أثارت مخافتي * نواديها أسعى بعضب مجرد قال: فلا معنى لهذا ~~في القيامة. قال أبو جعفر النحاس: وهذا غلط والقراءة بها حسنة على معنى يوم ~~التنافر. قال الضحاك: ذلك إذا سمعوا زفير جهنم ندوا هربا، فلا يأتون قطرا ~~من أقطار الأرض إلا وجدوا صفوفا من الملائكة، فيرجعون إلى المكان الذي ~~كانوا فيه، فذلك قوله: " يوم التناد ". وقوله: " يا معشر الجن والإنس إن ~~استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض " [الرحمن: 33] الآية. وقوله: ~~" والملك على أرجائها " [الحاقة: 17] ذكره ابن المبارك بمعناه. قال: # وأخبرنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال: حدثنا عبد الجبار بن عبيد الله ~~بن سلمان في قوله تعالى: # " إني أخاف عليكم يوم التناد. يوم تولون مدبرين " ثم تستجيب لهم أعينهم ~~بالدمع فيبكون حتى ينفد الدمع، ثم تستجيب لهم أعينهم بالدم فيبكون حتى ينفد ~~الدم، ثم تستجيب لهم أعينهم بالقيح. قال: يرسل عليهم من الله أمر فيولون ~~مدبرين، ثم تستجيب لهم أعينهم بالقيح، فيبكون حتى ينفد القيح فتغور أعينهم ~~كالخرق في الطين. وقيل: إن هذا يكون عند نفخ إسرافيل عليه السلام في الصور ~~نفخة الفزع. ذكره علي بن معبد والطبري وغيرهما من حديث أبي هريرة، وفيه ~~فتكون الأرض كالسفينة في البحر تضربها الأمواج فيميد الناس على ظهرها وتذهل ~~المراضع وتضع الحوامل ما في بطونها وتشيب الولدان وتتطاير الشياطين # PageV15P311 # هاربة فتلقاها الملائكة تضرب وجوهها ويولي الناس مدبرين ينادي بعضهم بعضا ~~وهي التي يقول الله تعالى: ms5457 " يوم التناد. يوم تولون مدبرين ما لكم من الله ~~من عاصم ومن يضلل الله فما له من هاد " الحديث بكماله. وقد ذكرناه في كتاب ~~التذكرة وتكلمنا عليه هناك. وروي عن علي ابن نصر عن أبي عمرو إسكان الدال ~~من " التناد " في الوصل خاصة. وروى أبو معمر عن عبد الوارث زيادة الياء في ~~الوصل خاصة وهو مذهب ورش. والمشهور عن أبي عمرو حذفها في الحالين. وكذلك ~~قرأ سائر السبعة سوى ورش على ما ذكرنا عنه وسوى ابن كثير على ما تقدم. ~~وقيل: سمي يوم القيامة يوم التناد، لأن الكافر ينادي فيه بالويل والثبور ~~والحسرة. # قاله ابن جريج. وقيل: فيه إضمار أي إني أخاف عليكم عذاب يوم التناد، ~~فالله أعلم. " يوم تولون مدبرين " على البدل من " يوم التناد " ومن يظلل ~~الله فما له من هاد " أي من خلق الله في قلبه الضلال فلا هادي له. وفي ~~قائله قولان: أحدهما موسى. الثاني مؤمن آل فرعون وهو الأظهر. والله أعلم. # قوله تعالى: ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم ~~به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا كذلك يضل الله من هو مسرف ~~مرتاب الذين يجدلون في آيات الله بغير سلطن أتهم كبر مقتا عند الله وعند ~~الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار قوله تعالى: " ولقد ~~جاءكم يوسف من قبل بالبينات " قيل: إن هذا من قول موسى. # وقيل: هو من تمام وعظ مؤمن آل فرعون، ذكرهم قديم عتوهم على الأنبياء، ~~وأراد يوسف بن يعقوب جاءهم بالبينات " أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد ~~القهار " [يوسف: 39] قال ابن جريج: # هو يوسف بن يعقوب بعثه الله تعالى رسولا إلى القبط بعد موت الملك من قبل ~~موسى بالبينات وهي الرؤيا. وقال ابن عباس: هو يوسف بن إفرائيم بن يوسف بن ~~يعقوب أقام فيهم نبيا PageV15P312 # عشرين سنة. وحكى النقاش عن الضحاك: أن الله تعالى بعث إليهم رسولا من ~~الجن يقال له يوسف. وقال وهب بن منبه: إن ms5458 فرعون موسى هو فرعون يوسف عمر. ~~وغيره يقول: # هو آخر. النحاس: وليس في الآية ما يدل على أنه هو، لأنه إذا أتى بالبينات ~~نبي لمن معه ولمن بعده فقد جاءهم جميعا بها وعليهم أن يصدقوه بها. # " فما زلتم في شك مما جاءكم به " أي أسلافكم كانوا في شك. " حتى إذا هلك ~~قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا " أي من يدعي الرسالة " كذلك يضل الله " ~~أي مثل ذلك الضلال " يضل الله من هو مسرف " مشرك " مرتاب " شاك في وحدانية ~~الله تعالى. # قوله تعالى: " الذين يجادلون في آيات الله " أي في حججه الظاهرة " بغير ~~سلطان " أي بغير حجة وبرهان و " الذين " في موضع نصب على البدل من " من " ~~وقال الزجاج: أي كذلك يضل الله الذين يجادلون في آيات الله ف " الذين " ~~نصب. قال: ويجوز أن يكون رفعا على معنى هم الذين أو على الابتداء والخبر " ~~كبر مقتا ". ثم قيل: هذا من كلام مؤمن آل فرعون. # وقيل: ابتداء خطاب من الله تعالى. " مقتا " على البيان أي " كبر " جدالهم ~~" مقتا "، كقوله: # كبرت كلمة " [الكهف: 5] ومقت الله تعالى ذمه لهم ولعنه إياهم وإحلال ~~العذاب بهم. " كذلك " أي كما طبع الله على قلوب هؤلاء المجادلين فكذلك " ~~يطبع الله " أي يختم " على كل قلب متكبر جبار " حتى لا يعقل الرشاد ولا ~~يقبل الحق. وقراءة العامة " على كل قلب متكبر " بإضافة قلب إلى المتكبر ~~واختاره أبو حاتم وأبو عبيد. وفي الكلام حذف والمعنى: " كذلك يطبع الله على ~~كل قلب " على كل " متكبر جبار " فحذف " كل " الثانية لتقدم ما يدل عليها. ~~وإذا لم يقدر حذف " كل " لم يستقم المعنى، لأنه يصير معناه أنه يطبع على ~~جميع قلبه وليس المعنى عليه. # وإنما المعنى أنه يطبع على قلوب المتكبرين الجبارين قلبا قلبا. ومما يدل ~~على حذف " كل " قول أبي دؤاد (1): # أكل امرئ تحسبين امرأ * ونار توقد باليل نارا # PageV15P313 # يريد وكل نار. وفي قراءة ابن مسعود " على قلب كل متكبر " فهذه قراءة على ~~التفسير والإضافة. وقرأ أبو عمرو وابن محيصن وابن ms5459 ذكوان عن أهل الشام " قلب ~~" منون على أن " متكبر " نعت للقلب فكني بالقلب عن الجملة، لأن القلب هو ~~الذي يتكبر وسائر الأعضاء تبع له، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: " ~~إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي ~~القلب " ويجوز أن يكون على حذف المضاف، أي على كل ذي قلب متكبر، تجعل الصفة ~~لصاحب القلب. # قوله تعالى: وقال فرعون ي هامان ابن لي صرحا لعلى أبلغ الأسباب أسبب ~~السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كذبا وكذلك زين لفرعون سوء عمله ~~وصد عن السبيل وما كيد فرعون إلا في تباب قوله تعالى: " وقال فرعون يا ~~هامان ابن لي صرحا " لما قال مؤمن آل فرعون ما قال، وخاف فرعون أن يتمكن ~~كلام هذا المؤمن في قلوب القوم، أوهم أنه يمتحن ما جاء به موسى من التوحيد، ~~فإن بان له صوابه لم يخفه عنهم، وإن لم يصح ثبتهم على دينهم، فأمر وزيره ~~هامان ببناء الصرح. وقد مضى في [القصص] (1) ذكره. " لعلى أبلغ الأسباب. ~~أسباب السماوات " " أسباب السماوات " بدل من الأول. وأسباب السماء أبوابها ~~في قول قتادة والزهري والسدي والأخفش، وأنشد: # ومن هاب أسباب المنايا ينلنه * ولو رام أسباب السماء بسلم (2) وقال أبو ~~صالح: أسباب السماوات طرقها. وقيل: الأمور التي تستمسك بها السماوات. # وكرر أسباب تفخيما، لأن الشئ إذا أبهم ثم أوضح كان تفخيما لشأنه. والله ~~أعلم. " فأطلع إلى إله موسى " فأنظر إليه نظر مشرف عليه. توهم أنه جسم ~~تحويه الأماكن. وكان فرعون # PageV15P314 # يدعي الألوهية ويرى تحقيقها بالجلوس في مكان مشرف. وقراءة العامة " فأطلع ~~" بالرفع نسقا على قوله: " أبلغ " وقرأ الأعرج والسلمي وعيسى وحفص " فأطلع ~~" بالنصب، قال أبو عبيدة: على جواب " لعل " بالفاء. النحاس: ومعنى النصب ~~خلاف معنى الرفع، لأن معنى النصب متى بلغت الأسباب اطلعت. ومعنى الرفع " ~~لعلي أبلغ الأسباب " ثم لعلي أطلع بعد ذلك، إلا أن ثم أشد تراخيا من الفاء. ~~" وإني لأظنه كاذبا " أي وإني لأظن موسى كاذبا في ادعائه إلها ms5460 دوني، وإنما ~~أفعل ما أفعل لإزاحة العلة. وهذا يوجب شك فرعون في أمر الله. وقيل: إن الظن ~~بمعنى اليقين أي وأنا أتيقن أنه كاذب وإنما أقول ما أقول لإزالة الشبهة عمن ~~لا أتيقن ما أتيقنه. # قوله تعالى: " وكذلك زين لفرعون سوء عمله " أي الشرك والتكذيب. " وصد عن ~~السبيل " قراءة الكوفيين " وصد " على ما لم يسم فاعله وهو اختيار أبي عبيد ~~وأبي حاتم، ويجوز على هذه القراءة " وصد " بكسر الصاد نقلت كسرة الدال عل ~~الصاد، وهي قراءة يحيى بن وثاب وعلقمة. وقرأ ابن أبي إسحاق وعبد الرحمن بن ~~بكرة " وصد عن السبيل " بالرفع والتنوين. الباقون " وصد " بفتح الصاد ~~والدال. أي صد فرعون الناس عن السبيل. # " وما كيد فرعون إلا في تباب " أي في خسران وضلال، ومنه: " تبت يدا أبي ~~لهب " [المسد: 1] وقوله: # " وما زادوهم غير تتبيب " [هود: 101] وفي موضع " غير تخسير " [هود: 63] ~~فهد الله صرحه وغرقه هو وقومه على ما تقدم (1). # قوله تعالى: وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد يقوم إنما ~~هذه الحياة الدنيا متع وإن الآخرة هي دار القرار من عمل سيئة فلا يجزى إلا ~~مثلها ومن عمل صلحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون ~~فيها بغير # PageV15P315 # حساب ويقوم ما لي أدعوكم إلى النجوة وتدعونني إلى النار تدعونني لأكفر ~~بالله وأشرك به ما ليس لي به علم وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفر لا جرم أنما ~~تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة وأن مردنا إلى الله وأن ~~المسرفين هم أصحاب النار فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله إن الله ~~بصير بالعباد قوله تعالى: " وقال الذي آمن يا قوم اتبعون " هذا من تمام ما ~~قاله مؤمن آل فرعون، أي اقتدوا بي في الدين. " أهدكم سبيل الرشاد " أي طريق ~~الهدى وهو الجنة. وقيل من قول موسى. وقرأ معاذ بن جبل " الرشاد " بتشديد ~~الشين وهو لحن عند أكثر أهل العربية، لأنه إنما يقال أرشد يرشد ولا يكون ~~فعال من أفعل إنما ms5461 يكون من الثلاثي، فإن أردت التكثير من الرباعي قلت: ~~مفعال. قال النحاس: يجوز أن يكون رشاد بمعنى يرشد لا على أنه مشتق منه، ~~ولكن كما يقال لآل من اللؤلؤ فهو بمعناه وليس جاريا عليه. # ويجوز أن يكون رشاد من رشد يرشد أي صاحب رشاد، كما قال: # كليني لهم يا أميمة ناصب (1) الزمخشري: وقرئ " الرشاد " فعال من رشد ~~بالكسر كعلام أو من رشد بالفتح كعباد. # وقيل: من أرشد كجبار من أجبر وليس بذاك، لأن فعالا من أفعل لم يجئ إلا في ~~عدة أحرف، نحو دراك وسار وقصار وجبار. ولا يصح القياس على هذا القليل. ~~ويجوز أن يكون نسبته إلى الرشد كعواج وبتات (2) غير منظور فيه إلى فعل. ~~ووقع في المصحف " اتبعون " # PageV15P316 # بغير ياء. وقرأها يعقوب وابن كثير بالإثبات في الوصل والوقف. وحذفها أبو ~~عمرو ونافع في الوقف وأثبتوها في الوصل، إلا ورشا حذفها في الحالين، وكذلك ~~الباقون، لأنها وقعت في المصحف بغير ياء ومن أثبتها فعلى الأصل. # قوله تعالى: " يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع " أي يتمتع بها قليلا ~~ثم تنقطع وتزول. # " وإن الآخرة هي دار القرار " أي الاستقرار والخلود. ومراده بالدار ~~الآخرة الجنة والنار لأنهما لا يفنيان. بين ذلك بقوله: " من عمل سيئة " ~~يعني الشرك " فلا يجزى إلا مثلها " وهو العذاب. " ومن عمل صالحا " قال ابن ~~عباس: يعني لا إله إلا الله. " وهو مؤمن " مصدق بقلبه لله وللأنبياء. " ~~فأولئك يدخلون الجنة " بضم الياء على ما لم يسم فاعله. # وهي قراءة ابن كثير وابن محيصن وأبي عمرو ويعقوب وأبي بكر عن عاصم، يدل ~~عليه " يرزقون فيها بغير حساب " الباقون " يدخلون " بفتح الياء. # قوله تعالى: " و يا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة " أي إلى طريق الإيمان ~~الموصل إلى الجنان " و تدعونني إلى النار " بين أن ما قال فرعون من قوله: " ~~وما أهديكم إلا سبيل الرشاد " [غافر: 29] سبيل الغي عاقبته النار وكانوا ~~دعوه إلى اتباعه، ولهذا قال: " تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به ~~علم " وهو فرعون " وأنا أدعوكم ms5462 أي العزيز الغفار ". " لاجرم " تقدم الكلام ~~فيه (1) ومعناه حقا. " أن ما تدعونني إليه " " ما " بمعنى الذي " ليس له ~~دعوه " قال الزجاج: ليس له استجابة دعوة تنفع، وقال غيره: ليس له دعوة توجب ~~له الألوهية " في الدنيا ولا في الآخرة ". وقال الكلبي: ليس له شفاعة في ~~الدنيا ولا في الآخرة. وكان فرعون أولا يدعو الناس إلى عبادة الأصنام، ثم ~~دعاهم إلى عبادة البقر، فكانت تعبد ما كانت شابة، فإذا هرمت أمر بذبحها، ثم ~~دعا بأخرى لتعبد، ثم لما طال عليه الزمان قال أنا ربكم الاعلى. " وأن ~~المسرفين هم أصحاب النار " قال قتادة وابن سيرين: يعنى المشركين. وقال ~~مجاهد والشعبي: هم السفهاء و السفاكون للدماء بغير حقها. وقال عكرمة: ~~الجبارون # PageV15P317 # والمتكبرون. وقيل: هم الذين تعدوا حدود الله. وهذا جامع لما ذكر. و " أن ~~" في المواضع في موضع نصب باسقاط حرف الجر. وعلى ما حكاه سيبويه عن الخليل ~~من أن " لاجرم " رد لكلام يجوز أن يكون موضع " أن " رفعا على تقدير وجب أن ~~ما تدعونني إليه، كأنه قال وجب بطلان ما تدعونني إليه، والمرد إلى الله، ~~وكون المسفرين هم أصحاب النار. # قوله تعالى: " فستذكرون ما أقول لكم " تهديد ووعيد. و " ما " يجوز أن ~~تكون بمعنى الذي أي الذي أقوله لكم. ويجوز أن تكون مصدرية أي فستذكرون قولي ~~لكم إذا حل بكم العذاب. " وأفوض امرى إلى الله " أي أتوكل عليه وأسلم أمري ~~إليه. وقيل: هذا يدل على أنهم أرادوا قتله. وقال مقاتل: هرب هذا المؤمن إلى ~~الجبل فلم يقدروا عليه. وقد قيل: القائل موسى. والأظهر أنه مؤمن آل فرعون، ~~وهو قول ابن عباس. # قوله تعالى: فوقه الله سيئات ما مكروا وحاق بال فرعون سوء العذاب النار ~~يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة ادخلوا آل فرعون أشد العذاب قوله ~~تعالى: " فوقاه الله سيئات ما مكروا " أي من الحاق أنواع العذاب به فطلبوه ~~فما وجدوه لأنه فوض أمره إلى الله. قال قتادة: كان قبطيا فنجاه الله مع بني ~~إسرائيل. # فالهاء على هذا لمؤمن آل فرعون. ms5463 وقيل: إنها لموسى على ما تقدم من الخلاف. ~~" وحاق بال فرعون سوء العذاب " قال الكسائي: يقال حاق يحيق حيقا وحيوقا إذ ~~نزل ولزم. # ثم بين العذاب فقال: " النار يعرضون عليها " وفيه ستة أوجه: يكون رفعا ~~على البدل من " سوء ". ويجوز أن يكون بمعنى هو النار. ويجوز أن يكون مرفوعا ~~بالابتداء. وقال الفراء: # يكون مرفوعا بالعائد على معنى النار عليها يعرضون، فهذه أربعة أوجه في ~~الرفع، وأجاز الفراء النصب، لأن بعدها عائدا وقبلها ما يتصل به، وأجاز ~~الأخفش الخفض على البدل من " العذاب ". والجمهور على أن هذا العرض في ~~البرزخ. # احتج بعض أهل العلم في تثبيت PageV15P318 # عذاب القبر بقوله: " النار يعرضون عليها غدوا وعشيا " ما دامت الدنيا. ~~كذلك قال مجاهد وعكرمة ومقاتل ومحمد بن كعب كلهم قال: هذه الآية تدل على ~~عذاب القبر في الدنيا، ألا تراه يقول عن عذاب الآخرة: " ويوم تقوم الساعة ~~أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ". # وفي الحديث عن ابن مسعود: أن أرواح آل فرعون ومن كان مثلهم من الكفار ~~تعرض على النار بالغداة والعشي فيقال هذه داركم. وعنه أيضا: إن أرواحهم في ~~أجواف طير سود تغدو على جهنم وتروح كل يوم مرتين فذلك عرضها. وروى شعبة عن ~~يعلى بن عطاء قال: # سمعت ميمون بن [مهران] (1) يقول: كان أبو هريرة إذا أصبح ينادي: أصبحنا ~~والحمد لله وعرض آل فرعون على النار. فإذا أمسى نادى: أمسينا والحمد لله ~~وعرض آل فرعون على النار، فلا يسمع أبا هريرة أحد إلا تعوذ بالله من النار. ~~وفي حديث صخر بن جويرية عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " إن الكافر إذا مات عرض على النار بالغداة والعشي ثم تلا: " ~~النار يعرضون عليها غدوا وعشيا " وإن المؤمن إذا مات عرض روحه على الجنة ~~بالغداة والعشي " وخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: " إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان ~~من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن ms5464 كان من أهل النار فمن أهل النار فيقال هذا ~~مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة ". قال الفراء: في الغداة والعشي ~~بمقادير دلك في الدنيا. وهو قول مجاهد. # قال: " غدوا وعشيا " قال: من أيام الدنيا. وقال حماد بن محمد الفزاري: ~~قال رجل للأوزاعي رأينا طيورا تخرج من البحر تأخذ ناحية الغرب، بيضا صغارا ~~فوجا فوجا لا يعلم عددها إلا الله، فإذا كان العشاء رجعت مثلها سودا. قال: ~~تلك الطيور في حواصلها أرواح آل فرعون، يعرضون على النار غدوا وعشيا، فترجع ~~إلى أوكارها وقد احترقت رياشها وصارت سودا، فينبت عليها من الليل رياشها ~~بيضا وتتناثر السود، ثم تغدو فتعرض على النار غدوا وعشيا، ثم ترجع إلى ~~وكرها فذلك دأبها ما كانت في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة قال الله تعالى: ~~" أدخلوا آل فرعون أشد العذاب " وهو الهاوية. قال الأوزاعي: فبلغنا أنهم # PageV15P319 # ألفا ألف وستمائة ألف. و " غدوا " مصدر جعل ظرفا على السعة. " وعشيا " ~~عطف عليه وتم الكلام. ثم تبتدئ و " يوم تقوم الساعة " على أن تنصب يوما ~~بقوله: " أدخلوا " ويجوز أن يكون منصوبا ب " يعرضون " على معنى " يعرضون " ~~على النار في الدنيا " ويوم تقوم الساعة " فلا يوقف عليه. وقرأ نافع وأهل ~~المدينة وحمزة والكسائي: " أدخلوا " بقطع الألف وكسر الخاء من أدخل وهي ~~اختيار أبي عبيد، أي يأمر الملائكة أن يدخلوهم، ودليله " النار يعرضون ~~عليها ". الباقون " أدخلوا " بوصل الألف وضم الخاء من دخل أي يقال لهم: " ~~أدخلوا " يا " آل فرعون أشد العذاب " وهو اختيار أبي حاتم. قال: # في القراءة الأولى: " آل " مفعول أول و " أشد " مفعول ثان بحذف الجر، وفي ~~القراءة الثانية منصوب، لأنه نداء مضاف. وآل فرعون: من كان على دينه وعلى ~~مذهبه، وإذا كان من كان على دينه ومذهبه في أشد العذاب كان هو أقرب إلى ~~ذلك. وروى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم: " إن العبد يولد مؤمنا ~~ويحيا مؤمنا ويموت مؤمنا منهم يحيى بن زكريا ولد مؤمنا وحيي مؤمنا ومات ~~مؤمنا وإن العبد يولد كافرا ويحيا كافرا ms5465 ويموت كافرا منهم فرعون ولد كافرا ~~وحيي كافرا ومات كافرا " ذكره النحاس. وجعل الفراء في الآية تقديما وتأخيرا ~~مجازه: # " أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ". " النار يعرضون عليها غدوا وعشيا " فجعل ~~العرض في الآخرة، وهو خلاف ما ذهب إليه الجمهور من انتظام الكلام على سياقه ~~على ما تقدم. والله أعلم. # قوله تعالى: وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء اللذين استكبروا إنا كنا ~~لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار قال الذين استكبروا إنا كل ~~فيها إن الله قد حكم بين العباد وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم ~~يخفف عنا يوما من العذاب قالوا أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى ~~قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال. PageV15P320 # قوله تعالى: " وإذ يتحاجون في النار " أي يختصمون فيها " فيقول الضعفاء ~~للذين استكبروا " عن الانقياد للأنبياء " إنا كنا لكم تبعا " فيما دعوتمونا ~~إليه من الشرك في الدنيا " فهل أنتم مغنون " أي متحملون " عنا نصيبا من ~~النار " أي جزاءا من العذاب. والتبع يكون واحدا ويكون جمعا في قول البصريين ~~واحده تابع. وقال أهل الكوفة: هو جمع لا واحد له كالمصدر فلذلك لم يجمع ولو ~~جمع لقيل أتباع. " قال الذين استكبروا إنا كل فيها " أي في جهنم. قال ~~الأخفش: " كل " مرفوع بالابتداء. الكسائي والفراء " إنا كلا فيها " بالنصب ~~على النعت والتأكيد للمضمر في " إنا " وكذلك قرأ ابن السميقع وعيسى بن عمر ~~والكوفيون يسمون التأكيد نعتا. ومنع ذلك سيبويه، قال: لأن " كلا " لا تنعت ~~ولا ينعت بها. ولا يجوز البدل فيه لأن المخبر عن نفسه لا يبدل منه غيره، ~~وقال معناه المبرد قال: لا يجوز أن يبدل من المضمر هنا، لأنه مخاطب ولا ~~يبدل من المخاطب ولا من المخاطب، لأنهما لا يشكلان فيبدل منهما، هذا نص ~~كلامه. " إن الله قد حكم بين العباد " أي لا يؤاخذ أحدا بذنب غيره، فكل منا ~~كافر. # قوله تعالى: " وقال الذين في النار " من الأمم الكافرة. ومن العرب من ~~يقول اللذون على أنه جمع مسلم معرب، ومن ms5466 قال: " الذين " في الرفع بناه كما ~~كان في الواحد مبنيا. وقال الأخفش: ضمت النون إلى الذي فأشبه خمسة عشر فبني ~~على الفتح. " لخزنة جهنم " خزنة جمع خازن ويقال: خزان وخزن. " ادعوا ربكم ~~يخفف عنا يوما من العذاب " " يخفف " جواب مجزوم وإن كان بالفاء كان منصوبا، ~~إلا أن الأكثر في كلام العرب في جواب الأمر وما أشبهه أن يكون بغير فاء ~~وعلى هذا جاء القرآن بأفصح اللغات كما قال (1): # قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل قال محمد بن كعب القرظي: بلغني أو ذكر لي أن ~~أهل النار استغاثوا بالخزنة، فقال الله تعالى: # " وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب " ~~فسألوا يوما # PageV15P321 # واحدا يخفف عنهم فيه العذاب فردت عليهم " أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات ~~قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال " الخبر بطوله وفي ~~الحديث عن أبي الدرداء خرجه الترمذي وغيره قال: يلقى على أهل النار الجوع ~~حتى يعدل ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون منه فيغاثون بالضريع لا يسمن ولا ~~يغنى من جوع، فيأكلونه لا يغنى عنهم شيئا فيستغيثون فيغاثون بطعام ذي غصة ~~فيغصون به، فيذكرون أنهم كانوا في الدنيا يجيزون الغصص بالماء، فيستغيثون ~~بالشراب فيرفع لهم الحميم بالكلاليب، فإذا دنا من وجوههم شواها، فإذا وقع ~~في بطونهم قطع أمعاءهم وما في بطونهم، فيستغيثون بالملائكة يقولون: " ادعوا ~~ربكم يخفف عنا يوما من العذاب " فيجيبوهم " أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات ~~قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال " أي خسار وتبار. # قوله تعالى: إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم ~~الأشهاد يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار ولقد ~~آتينا موسى الهدى وأورثنا بني إسرائيل الكتب هدى وذكرى لأولي الألباب. # قوله تعالى: " إنا لننصر رسلنا " ويجوز حذف الضمة لثقلها فيقال: " رسلنا ~~" والمراد موسى عليه السلام. " والذين آمنوا في الحياة الدنيا " في موضع ~~نصب عطف على الرسل، والمراد المؤمن الذي وعظ. وقيل: هو عام في ms5467 الرسل ~~والمؤمنين، ونصرهم بإعلاء الحجج وإفلاحها في قول أبي العالية. وقيل: ~~بالانتقام من أعدائهم. قال السدي: ما قتل قوم قط نبيا أو قوما من دعاة الحق ~~من المؤمنين إلا بعث الله عز وجل من ينتقم لهم، فصاروا منصورين فيها وإن ~~قتلوا. # قوله تعالى: " ويو م يقوم الأشهاد " يعني يوم القيامة. قال زيد بن أسلم: ~~" الأشهاد " أربعة: الملائكة والنبيون والمؤمنون والأجساد. وقال مجاهد ~~والسدي: " الأشهاد " الملائكة تشهد للأنبياء بالإبلاغ وعلى الأمم بالتكذيب. ~~وقال قتادة: الملائكة والأنبياء. ثم قيل: PageV15P322 # " الأشهاد " جمع شهيد مثل شريف وأشراف. وقال الزجاج: " الأشهاد " جمع ~~شاهد مثل صاحب وأصحاب. النحاس: ليس باب فاعل أن يجمع على أفعال ولا يقاس ~~عليه ولكن ما جاء منه مسموعا أدي كما سمع، وكان على حذف الزائد. وأجاز ~~الأخفش والفراء: " ويوم تقوم الأشهاد " بالتاء على تأنيث الجماعة. وفي ~~الحديث عن أبي الدرداء وبعض المحدثين يقول عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: " من رد عن عرض أخيه المسلم كان حقا على الله عز وجل أن يرد عنه نار ~~جهنم " ثم تلا: " إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا ". وعنه عليه السلام أنه ~~قال: # " من حمى مؤمنا من منافق يغتابه بعث الله عز وجل يوم القيامة ملكا يحميه ~~من النار ومن ذكر مسلما بشئ يشينه به وقفه الله عز وجل على جسر من جهنم حتى ~~يخرج مما قال " (1). " يوم " بدل من يوم الأول. " لا ينفع الظالمين معذرتهم ~~" قرأ نافع والكوفيون " ينفع " بالياء. # الباقون بالتاء. " ولهم اللعنة ولهم سوء الدار " اللعنة " البعد من رحمة ~~الله و " سوء الدار " جهنم. # قوله تعالى: " ولقد آتينا موسى الهدى " هذا دخل في نصرة الرسل في الدنيا ~~والآخرة أي آتيناه التوراة والنبوة. وسميت التوراة هدى بما فيها من الهدى ~~والنور، وفي التنزيل: # " إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور " [المائدة: 44]. " وأورثنا بني ~~إسرائيل الكتاب " يعني التوراة جعلناها لهم ميراثا. " هدى " بدل من الكتاب ~~ويجوز بمعنى هو هدى، يعني ذلك الكتاب. # " وذكرى لا أولي الألباب " أي موعظة لأصحاب العقول. # قوله تعالى: فاصبر ان وعد ms5468 الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي ~~والابكار ان الذين يجدلون في آيات الله بغير سلطن أتاهم ان في صدورهم الا ~~كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله انه هو السميع البصير لخلق السماوات والأرض ~~أكبر من # PageV15P323 # خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون وما يستوى الأعمى والبصير والذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسئ قليلا ما تتذكرون ان الساعة لآتية لا ريب ~~فيها ولكن أكثر الناس لا يؤمنون قوله تعالى: " فاصبر ان وعد الله حق " أي ~~فاصبر يا محمد على أذى المشركين، كما صبر من قبلك " إن وعد الله حق " بنصرك ~~وإظهارك، كما نصرت موسى وبني إسرائيل. # وقال الكلبي: نسخ هذا بآية السيف. " واستغفر لذنبك " قيل: لذنب أمتك حذف ~~المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وقيل: لذنب نفسك على من يجوز الصغائر على ~~الأنبياء. # ومن قال لا تجوز قال: هذا تعبد للنبي عليه السلام بدعاء، كما قال تعالى: ~~" وآتنا ما وعدتنا " [آل عمران: 194] والفائدة زيادة الدرجات وأن يصير ~~الدعاء سنة لمن بعده. وقيل: فاستغفر الله من ذنب صدر منك قبل النبوة. " ~~وسبح بحمد ربك بالعشي والابكار " يعني صلاة الفجر وصلاة العصر، قال الحسن ~~وقتادة. وقيل: هي صلاة كانت بمكة قبل أن تفرض الصلوات الخمس ركعتان غدوة ~~وركعتا عشية. عن الحسن أيضا ذكره الماوردي. فيكون هذا مما نسخ والله أعلم. # وقوله: " بحمد ربك " بالشكر له والثناء عليه. وقيل: " وسبح بحمد ربك " أي ~~استدم التسبيح في الصلاة وخارجا منها لتشتغل بذلك عن استعجال النصر. # قوله تعالى: " إن الذين يجادلون " يخاصمون " في آيات الله بغير سلطان " ~~أي حجة " أتاهم إن في صدورهم الا كبر ما هم ببالغيه " قال الزجاج: المعنى ~~ما في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغي إرادتهم فيه. قدره على الحذف. وقال ~~غيره: المعنى ما هم ببالغي الكبر على غير حذف، لأن هؤلاء قرأوا أنهم أن ~~اتبعوا النبي صلى الله عليه وسلم قل ارتفاعهم، ونقصت أحوالهم، وأنهم ~~يرتفعون إذا لم يكونوا تبعا، فأعلم الله عز وجل أنهم لا يبلغون الارتفاع ~~الذي أملوه ms5469 بالتكذيب. والمراد المشركون. وقيل: اليهود، فالآية مدنية على ~~هذا كما تقدم أول السور. PageV15P324 # والمعنى: إن تعظموا عن اتباع محمد صلى الله عليه وسلم وقالوا إن الدجال ~~سيخرج عن قريب فيرد الملك إلينا، وتسير معه الأنهار، وهو آية من آيات الله ~~[فذلك كبر لا يبلغونه] (1) فنزلت الآية فيهم. قال أبو العالية وغيره. وقد ~~تقدم في [آل عمران] (2) أنه يخرج ويطأ البلاد كلها إلا مكة والمدينة. وقد ~~ذكرنا خبره مستوفى في كتاب التذكرة. وهو يهودي واسمه صاف ويكنى أبا يوسف. ~~وقيل: كل من كفر بالنبي صلى الله عليه وسلم. وهذا حسن، لأنه يعم. وقال ~~مجاهد: معناه في صدورهم عظمة ما هم ببالغيها والمعنى واحد. وقيل: المراد ~~بالكبر الأمر الكبير أي يطلبون النبوة أو أمرا كبيرا يصلون به إليك من ~~القتل ونحوه، ولا يبلغون قوله تعالى: " فاستعد بالله " قيل: من فتنة الدجال ~~على قول من قال إن الآية نزلت في اليهود. وعلى القل الآخر من شر الكفار. ~~قيل: من مثل ما ابتلوا به من الكفر والكبر. " إنه هو السميع البصير " هو " ~~يكون فاصلا ويكون مبتدأ وما بعده خبره والجملة خبر إن على ما تقدم. # قوله تعالى: " لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس " مبتدأ وخبره. ~~قال أبو العالية: أي أعظم من خلق الدجال حين عظمته اليهود. وقال يحيى بن ~~سلام: هو احتجاج على منكري البعث، أي هما أكبر من إعادة خلق الناس فلم ~~اعتقدوا عجزي عنها. " ولكن أكثر الناس لا يعلمون " ذلك. # قوله تعالى: " وما يستوى الأعمى والبصير " أي المؤمن والكافر والضال ~~والمهتدي. # " والذين آمنوا وعملوا الصالحات " أي ولا يستوي العامل للصالحات " ولا ~~المسئ " الذي يعمل السيئات. " قليلا ما يتذكرون " قراءة العامة بياء على ~~الخبر واختاره أبو عبيد وأبو حاتم، لأجل ما قبله من الخبر وما بعده. وقرأ ~~الكوفيون بالتاء على الخطاب. # PageV15P325 # قوله تعالى: " إن الساعة لآتية " هذه لام التأكيد دخلت في خبر إن وسبيلها ~~أن تكون في أول الكلام، لأنها توكيد الجملة إلا أنها تزحلق عن موضعها، كذا ~~قال سيبويه. تقول: # إن ms5470 عمر لخارج، وإنما أخرت عن موضعها لئلا يجمع بينها وبين إن، لأنهما ~~يؤديان عن معنى واحد، وكذا لا يجمع بين إن وأن عند البصريين. وأجاز هشام إن ~~أن زيدا منطلق حق، فإن حذفت حقا لم يجز عند أحد من النحويين علمته، قاله ~~النحاس. " لا ريب فيها " لا شك ولامرية. " ولكن أكثر الناس لا يؤمنون " أي ~~لا يصدقون بها وعندها يبين فرق ما بين الطائع والعاصي. # قوله تعالى: وقال ربكم ادعوني استجب لكم ان الذين يستكبرون عن عبادتي ~~سيدخلون جهنم داخرين الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا ان ~~الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون ذلكم الله ربكم خلق كل ~~شئ لا اله الا هو فانى تؤفكون كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون ~~الله الذي جعل لكم الأرض قرارا والسماء ربكم فتبارك الله رب العلمين هو ~~الحي لا اله الا هو فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العلمين. # قوله تعالى: " وقال ربكم ادعوني استجب لكم " الآية روى النعمان بن بشير ~~قال: # سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " الدعاء هو العبادة " ثم قرأ " ~~وقال ربكم ادعوني استجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم ~~داخرين " قال أبو عيسى: # هذا حديث حسن صحيح. فدل هذا على أن الدعاء هو العبادة. وكذا قال أكثر ~~المفسرين PageV15P326 # وأن المعنى: وحدوني واعبدوني أتقبل عبادتكم وأغفر لكم. وقيل: هو الذكر ~~والدعاء والسؤال. # قال أنس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها ~~حتى يسأله شسع نعله إذا انقطع " ويقال الدعاء: هو ترك الذنوب. وحكى قتادة ~~أن كعب الأحبار قال: أعطيت هذه الأمة ثلاثا لم تعطهن أمة قبلهم إلا نبي: ~~كان إذا أرسل نبي قيل له أنت شاهد على أمتك، وقال تعالى لهذه الأمة: " ~~لتكونوا شهداء على الناس " [البقرة: 143] وكان يقال للنبي: ليس عليك في ~~الدين من حرج، وقال لهذه الأمة: " وما جعل عليكم في الدين من حرج " [الحج: ~~78] وكان يقال للنبي ادعني استجب لك، وقال ms5471 لهذه الأمة: " ادعوني استجب لكم ~~". # قلت: مثل هذا لا يقال من جهة الرأي. وقد جاء مرفوعا، رواه ليث عن شهر بن ~~حوشب عن عبادة بن الصامت، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ~~أعطيت أمتي ثلاثا لم تعط إلا للأنبياء كان الله تعالى إذا بعث النبي قال ~~ادعني استجب لك وقال لهذه الأمة: " ادعوني استجب لكم " وكان الله إذا بعث ~~النبي قال: ما جعل عليك في الدين من حرج وقال لهذه الأمة: " وما جعل عليكم ~~في الدين من حرج " [الحج: 78] وكان الله إذا بعث النبي جعله شهيدا على قومه ~~وجعل هذه الأمة شهداء على الناس " ذكره الترمذي الحكيم في نوادر الأصول. # وكان خالد الربعي يقول: عجيب لهذه الأمة قيل لها: " ادعوني استجب لكم " ~~أمرهم بالدعاء ووعدهم الاستجابة وليس بينهما شرط. قال له قائل: مثل ماذا؟ ~~قال: مثل قوله تعالى: # " وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات " [البقرة: 25] فها هنا شرط، وقوله: ~~" وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق " [يونس: 2]، فليس فيه شرط العمل، ومثل ~~قوله: " فادعوا الله مخلصين له الدين " [غافر: 14] فها هنا شرط، وقوله ~~تعالى: " ادعوني استجب لكم " ليس فيه شرط. وكانت الأمة تفزع إلى أنبيائها ~~في حوائجها حتى تسأل الأنبياء لهم ذلك. وقد قيل: إن هذا من باب المطلق ~~والمقيد على ما تقدم في " البقرة " (1) بيانه. أي " استجب لكم " إن شئت، ~~كقوله: " فيكشف ما تدعون إليه إن شاء " [الأنعام: 41]. وقد تكون الاستجابة ~~في غير عين المطلوب على حديث أبي سعيد الخدري على ما تقدم # PageV15P327 # في " البقرة " بيانه فتأمله هناك. وقرأ ابن كثير وابن محيصن ورويس عن ~~يعقوب وعياش عن أبي عمرو وأبو بكر والمفضل عن عاصم " سيدخلون " بضم الياء ~~وفتح الخاء على ما لم يسم فاعله. الباقون " يدخلون " بفتح الياء وضم الخاء. ~~ومعنى " داخرين " صاغرين أذلاء وقد تقدم (1). # قوله تعالى: " الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه " " جعل " هنا بمعنى ~~خلق، والعرب تفرق بين جعل إذا كانت بمعنى خلق وبين جعل إذ لم تكن بمعنى ~~خلق، فإذا كانت ms5472 بمعنى خلق فلا تعديها إلا إلى مفعول واحد، وإذا لم تكن ~~بمعنى خلق عدتها إلى مفعولين، نحو قوله: إنا جعلناه قرآنا عربيا " وقد مضى ~~هذا المعنى في غير موضع (2). " والنهار مبصرا " أي مضيئا لتبصروا فيه ~~حوائجكم وتتصرفوا في طلب معايشكم. " إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر ~~الناس لا يشكرون " فضله وإنعامه عليهم. # بين الدلالة على وحدانيته وقدرته. # " لا اله الا هو فانى تؤفكون " أي كيف تنقلبون وتنصرفون عن الإيمان بعد ~~أن تبينت لكم دلائله كذلك، أي كما صرفتم عن الحق مع قيام الدليل عليه ف " ~~كذلك يؤفك " يصرف عن الحق " الذين كانوا بآيات الله يجحدون ". قوله تعالى: ~~" الله الذي جعل لكم الأرض قرارا " زاد في تأكيد التعريف والدليل، أي جعل ~~لكم الأرض مستقرا لكم في حياتكم وبعد الموت. " والسماء بناء " تقدم (3). # " وصوركم فأحسن صوركم " أي خلقكم في أحسن صورة. وقرأ أبو رزين والأشهب ~~العقيلي " صوركم " بكسر الصاد، قال الجوهري: والصور بكسر الصاد لغة في ~~الصور جمع صورة وينشد هذا البيت على هذه اللغة يصف الجواري: # أشبهن من بقر الخلصاء أعينها * هن أحسن من صيرانها صورا # PageV15P328 # [والصيران جمع صوار وهو القطيع من البقر والصوار أيضا وعاء المسك] (1) ~~وقد جمعهما الشاعر بقوله: # إذا لاح الصوار ذكرت ليلى * وأذكرها إذا نفخ الصوار والصيار لغة فيه. " ~~ورزقكم من الطيبات ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين " تقدم " هو ~~الحي " أي الباقي الذي لا يموت " لا اله الا هو فادعون مخلصين له الدين " ~~أي الطاعة والعبادة. " الحمد لله رب العالمين " قال الفراء: هو خبر وفيه ~~إضمار أمر أي ادعوه واحمدوه. وقد مضى هذا كله مستوفى في " البقرة " (3) ~~وغيرها. وقال ابن عباس: # من قال: " لا إله إلا الله " فليقل " الحمد لله رب العالمين ". قوله ~~تعالى: قل إني نهيت أن اعبد الذين تدعون من دون الله لما جاءني البينات من ~~ربى وأمرت أن أسلم لرب العلمين هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من ~~علقة ثم يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ثم تكونوا ms5473 شيوخا ومنكم من يتوفى من ~~قبل ولتبلغوا أجلا مسمى ولعلكم تعقلون هو الذي يحيي ويميت فإذا قضى أمرا ~~فإنما يقول له كن فيكون قوله تعالى: " قل إني نهيت " أي قل يا محمد: نهاني ~~الله الذي هو الحي القيوم ولا إله غيره " أن اعبد " غيره. " لما جاءني ~~البينات من ربى " أي دلائل توحيده " وأمرت أن أسلم " أذل وأخضع " لرب ~~العالمين " وكانوا دعوه إلى دين آبائه، فأمر أن يقول هذا. # PageV15P329 # قوله تعالى: " هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم ~~طفلا " أي أطفالا. وقد تقدم هذا (1). " ثم لتبلغوا أشدكم " وهي حالة اجتماع ~~القوة وتمام العقل. وقد مضى في [الأنعام] (2) بيانه. " ثم لتكونوا شيوخا " ~~بضم الشين قراءة نافع وابن محيصن وحفص وهشام ويعقوب وأبو عمرو على الأصل، ~~لأنه جمع فعل، نحو: قلب وقلوب ورأس ورؤوس. وقرأ الباقون بكسر الشين لمراعاة ~~الياء وكلاهما جمع كثرة، وفي العدد القليل أشياخ والأصل أشيخ، مثل فلس ~~وأفلس إلا أن الحركة في الياء ثقيلة. وقرئ " شيخا " على التوحيد، كقوله: " ~~طفلا " والمعنى كل واحد منكم، واقتصر على الواحد لأن الغرض بيان الجنس. وفي ~~الصحاح: جمع الشيخ شيوخ وأشياخ وشيخة وشيخان ومشيخة ومشايخ ومشيوخاء، ~~والمرأة شيخة. قال عبيد (3): # كأنها شيخة رقوب (4) وقد شاخ الرجل يشيخ شيخا بالتحريك على أصله وشيخوخة، ~~وأصل الياء متحركة فسكنت، لأنه ليس في الكلام فعلول. وشيخ تشييخا أي شاخ. ~~[وشيخته] (5) دعوته شيخا للتبجيل. وتصغير الشيخ شييخ وشييخ أيضا بكسر الشين ~~ولا تقل شويخ النحاس: وإن اضطر شاعر جاز أن يقول أشيخ مثل عين وأعين إلا ~~أنه حسن في عين، لأنها مؤنثة. # والشيخ من جاوز أربعين سنة. " ومنكم من يتوفى من قبل " قال مجاهد: أي من ~~قبل أن يكون شيخا، أو من قبل هذه الأحوال إذا خرج سقطا. " ولتبلغوا أجلا ~~مسمى " قال مجاهد: الموت للكل. واللام لام العاقبة. " ولعلكم تعقلون " ذلك ~~فتعلموا أن لا إله غيره. # PageV15P330 # قوله تعالى: " هو الذي يحيى ويميت " زاد في التنبيه أي هو الذي يقدر على ~~الإحياء والإماتة. ms5474 " فإذا قضى أمرا " أي أراد فعله قال " له كن فيكون ". ~~ونصب " فيكون " ابن عامر على جواب الأمر. وقد مضى في [البقرة] (1) القول ~~فيه. # قوله تعالى: ألم تر إلى الذين يجدلون في آيات الله أنى يصرفون الذين ~~كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون إذ الأغلال في أعناقهم ~~والسلاسل يسحبون في الحميم ثم في النار يسجرون ثم قيل لهم أنى ما كنتم ~~تشركون من دون الله قالوا ضلوا عنا بل لم نكن ندعوا من قبل شيئا كذلك يضل ~~الله الكافرين ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون ~~ادخلوا أبوب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين فاصبر إن وعد الله حق ~~فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون ولقد أرسلنا رسلا من ~~قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك وما كان لرسول أن يأتي باية ~~إلا بإذن الله فإذا جاء أمر الله قبضي بالحق وخسر هنالك المبطلون قوله ~~تعالى: " ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون " قال ابن زيد: # هم المشركون بدليل قوله: " الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا ". ~~وقال أكثر المفسرين: نزلت في القدرية. قال ابن سيرين: إن لم تكن هذه الآية ~~نزلت في القدرية # PageV15P331 # فلا أدري فيمن نزلت. قال أبو قبيل: لا أحسب المكذبين بالقدر إلا الذين ~~يجادلون الذين آمنوا. وقال عقبة بن عامر: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " ~~نزلت هذه الآية في القدرية " ذكره المهدوي. # قوله تعالى: " إذا الأغلال في أعناقهم " أي عن قريب يعلمون بطلان ما هم ~~فيه إذا دخلوا النار وغلت أيديهم إلى أعناقهم. قال التيمي: لو أن غلا من ~~أغلال جهنم وضع على جبل لوهصه حتى يبلغ الماء الأسود. " والسلاسل " بالرفع ~~قراءة العامة عطفا على الأغلال. قال أبو حاتم: " يسحبون " مستأنف على هذه ~~القراءة. وقال غيره: هو في موضع نصب على الحال، والتقدير: " إذ الأغلال في ~~أعناقهم والسلاسل " مسحوبين. وقرأ ابن عباس وأبو الجوزاء وعكرمة وابن مسعود ~~" والسلاسل " بالنصب " يسحبون " بفتح ms5475 الياء والتقدير في هذه القراءة ~~ويسحبون السلاسل. قال ابن عباس: إذا كانوا يجرونها فهو أشد عليهم. # وحكي عن بعضهم " والسلاسل " بالجر ووجهه أنه محمول على المعنى، لأن ~~المعنى أعناقهم في الأغلال والسلاسل، قال الفراء. وقال الزجاج: ومن قرأ " ~~والسلاسل يسحبون " بالخفض فالمعنى عنده وفي " السلاسل يسحبون ". قال ابن ~~الأنباري: والخفض على هذا المعنى غير جائز، لأنك إذا قلت زيد في الدار لم ~~يحسن أن تضمر " في " فتقول زيد الدار، ولكن الخفض جائز. على معنى إذ ~~أعناقهم في الأغلال والسلاسل، فتخفض السلاسل على النسق على تأويل الأغلال، ~~لأن الأغلال في تأويل الخفض، كما تقول: خاصم عبد الله زيدا العاقلين فتنصب ~~العاقلين. ويجوز رفعهما، لأن أحدهما إذا خاصم صاحبه فقد خاصمه صاحبه، أنشد ~~الفراء: # قد سالم الحيات منه القدما * الأفعوان والشجاع الشجعما (1) فنصب الأفعوان ~~على الإتباع للحيات إذا سالمت القدم فقد سالمتها القدم. فمن نصب السلاسل أو ~~خفضها لم يقف عليها. " الحميم " لا لمتناهي في الحر. وقيل: الصديد المغلي. ~~" ثم في النار # PageV15P332 # يسجرون " أي يطرحون فيها فيكونون وقودا لها، قال مجاهد. يقال: سجرت ~~التنور أي أوقدته، وسجرته ملأته، ومنه " والبحر المسجور " [الطور: 6] أي ~~المملوء. فالمعنى على هذا تملأ بهم النار وقال الشاعر يصف وعلا: # إذا شاء طالع مسجورة * ترى حولها النبع والسمسما أي عينا مملوءة. " ثم ~~قيل لهم أينما كنتم تشركون من دون الله " وهذا تقريع وتوبيخ. # " قالوا ضلوا عنا " أي هلكوا وذهبوا عنا وتركونا في العذاب، من ضل الماء ~~في اللبن أي خفي. وقيل: أي صاروا بحيث لا نجدهم. " بل لم نكن ندعو من قبل ~~شيئا " أي شيئا لا يبصر ولا يسمع ولا يضر ولا ينفع. وليس هذا إنكارا لعبادة ~~الأصنام، بل هو اعتراف بأن عبادتهم الأصنام كانت باطلة، قال الله تعلى: " ~~كذلك يضل الله الكافرين " أي كما فعل بهؤلاء من الإضلال يفعل بكل كافر. # قوله تعالى: " ذلكم " أي ذلكم العذاب " بما كنتم تفرحون " بالمعاصي يقال ~~لهم ذلك توبيخا. أي إنما نالكم هذا بما كنتم تظهرون في الدنيا من السرور ~~بالمعصية ms5476 وكثرة المال والأتباع والصحة. وقيل إن فرحهم بها عندهم أنهم قالوا ~~للرسل: نحن نعلم أنا لا نبعث ولا نعذب. وكذا قال مجاهد في قوله جل وعز: " ~~فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم " [غافر: 83]. " وبما ~~كنتم تمرحون " قال مجاهد وغيره: أي تبطرون وتأشرون. # وقد مضى في " سبحان " (1) بيانه. وقال الضحاك: الفرح السرور، والمرح ~~العدوان. وروى خالد عن ثور عن معاذ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~" إن الله يبغض البذخين الفرحين ويحب كل قلب حزين ويبغض أهل بيت لحمين ~~ويبغض كل حبر سمين " (2) فأما أهل بيت لحمين: فالذين يأكلون لحوم الناس ~~بالغيبة. وأما الحبر السمين: فالمتحبر بعلمه ولا يخبر بعلمه الناس، يعني ~~المستكثر من علمه ولا ينتفع به الناس. ذكره الماوردي. وقد قيل في # PageV15P333 # اللحمين: أنهم الذين يكثرون أكل اللحم، ومنه قول عمر: اتقوا هذه المجازر ~~فإن لها ضراوة (1) كضراوة الخمر، ذكره المهدوي. والأول قول سفيان الثوري. " ~~ادخلوا أبواب جهنم " أي يقال لهم ذلك اليوم، وقد قال الله تعالى: " لها ~~سبعة أبواب " [الحجر: 44]. " فبئس مثوى المتكبرين " تقدم جميعه (2). # قوله تعالى: " فاصبر إن وعد الله حق " هذا تسلية للنبي عليه السلام، أي ~~إنا لينتقم لك منهم إما في حياتك أو في الآخرة. " فاما نرينك " في موضع جزم ~~بالشرط وما زائدة للتوكيد وكذا النون وزال الجزم وبني الفعل على الفتح. " ~~أو نتوفينك " عطف عليه " فإلينا يرجعون " الجواب. # قوله تعالى: " ولقد أرسلنا رسلا من قبلك " عزاه أيضا بما لقيت الرسل من ~~قبله. " منهم من قصصنا عليك " أي أنبأناك بأخبارهم وما لقوا من قومهم. " ~~ومنهم من لم نقصص عليك وما كان لرسول أن يأتي باية " لا يأتي بها من قبل ~~نفسه وإنما هي من عند الله أي من قبل نفسه " الا بإذن الله فإذا جاء أمر ~~الله " أي إذا جاء الوقت المسمى لعذابهم أهلكهم الله، وانما التأخير لاسلام ~~من علم الله اسلامه منهم ولمن في أصلابهم من المؤمنين. وقيل: أشار بهذا إلى ~~القتل ببدر. " قضى بينهم بالحق وخسر هنالك المبطلون ms5477 " أي الذين يتبعون ~~الباطل والشرك. # قوله تعالى: الله الذي جعل لكم الانعام لتركبوا منها ومنها تأكلون ولكم ~~فيها منافع ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم وعليها وعلى الفلك تحملون ويريكم ~~آياته فأي آيات الله تنكرون قوله تعالى: " الله الذي جعل لكم الانعام " قال ~~أبو إسحاق الزجاج: الأنعام ها هنا الإبل. " لتركبوا منها ومنها تأكلون " ~~فاحتج من منع أكل الخيل وأباح أكل الجمال بأن # PageV15P334 # الله عز وجل قال في الأنعام: " ومنها تأكلون " وقال في الخيل: " والخيل ~~والبغال والحمير لتركبوها " [النحل: 8] ولم يذكر إباحة أكلها. وقد مضى هذا ~~في " النحل " (1) مستوفى. # قوله تعالى: " ولكم فيها منافع " في الوبر والصوف والشعر واللبن والزبد ~~والسمن والجبن وغير ذلك. " ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم " أي تحمل ~~الأثقال والأسفار. وقد مضى في " النحل " (2) بيان هذا كله فلا معنى ~~لإعادته. ثم قال: " وعليها " يعني الأنعام في البر " وعلى الفلك " في البحر ~~" تحملون. ويريكم آياته " أي آياته الدالة على وحدانيته وقدرته فيما ذكر. # " فأي آيات الله تنكرون " نصب " أيا " ب " تنكرون "، لأن الاستفهام له ~~صدر الكلام فلا يعمل فيه ما قبله، ولو كان مع الفعل هاء لكان الاختيار في " ~~أي " الرفع، ولو كان الاستفهام بألف أو هل وكان بعدهما اسم بعده فعل معه ~~هاء لكان الاختيار النصب، أي إذا كنتم لا تنكرون أن هذه الأشياء من الله ~~فلم تنكرون قدرته على البعث والنشر قوله تعالى: أفلم يسيروا في الأرض ~~فينظروا كيف كان عقبه الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في ~~الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما ~~عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا ~~بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا ~~سنت الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون قوله تعالى: " أفلم ~~يسيروا في الأرض " حتى يشاهدوا آثار الأمم السالفة " كانوا أكثر منهم " ~~عددا " وأشد قوة وآثارا في الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا ms5478 يكسبون " من ~~الأبنية والأموال وما أدلوا به من الأولاد والاتباع، يقال: دلوت بفلان إليك ~~أي استشفعت # PageV15P335 # به إليك. وعلى هذا " ما " للجحد أي فلم يغن عنهم ذلك شيئا. وقيل: " ما " ~~للاستفهام أي أي شئ أغنى عنهم كسبهم حين هلكوا ولم ينصرف " وزن أفعل. # وزعم الكوفيون أن كل ما لا ينصرف فإنه يجوز أن ينصرف إلا أفعل من كذا ~~فإنه لا يجوز صرفه بوجه في شعر ولا غيره إذا كانت معه من. قال أبو العباس: ~~ولو كانت من المانعة من صرفه لوجب ألا يقال: مررت بخير منك وشر [منك و] (1) ~~من عمرو. # قوله تعالى: " فلما جائتهم رسلهم بالبينات " أي بالآيات الواضحات. " ~~فرحوا بما عندهم من العلم " في معناه ثلاثة أقوال. قال مجاهد: إن الكفار ~~الذين فرحوا بما عندهم من العلم قالوا: نحن أعلم منهم لن نعذب ولن نبعث. ~~وقيل: فرح الكفار بما عندهم من علم الدنيا نحو " يعلمون ظاهرا من الحياة ~~الدنيا " [الروم: 7]. وقيل: الذين فرحوا الرسل لما كذبهم قومهم أعلمهم الله ~~عز وجل أنه مهلك الكافرين ومنجيهم والمؤمنين ف " فرحوا بما عندهم من العلم ~~" بنجاة المؤمنين " وحاق بهم " أي بالكفار " ما كانوا به يستهزؤن " أي عقاب ~~استهزائهم بما جاء به الرسل صلوات الله عليهم. # قوله تعالى: " فلما رأوا بأسنا " أي عاينوا العذاب. " قالوا آمنا بالله ~~وحده وكفرنا بما كنا به مشركين " أي بالأوثان التي أشركناهم في العبادة " ~~فلم يك ينفعهم ايمانهم " بالله عند معاينة العذاب وحين رأوا البأس. " سنة ~~الله " مصدر، لأن العرب تقول: سن يسن سنا وسنة، أي سن الله عز وجل في ~~الكفار أنه لا ينفعهم الإيمان إذا رأوا العذاب. # وقد مضى هذا مبينا في " النساء " (2) و " يونس " (3) وأن التوبة لا تقبل ~~بعد رؤية العذاب وحصول العلم الضروري. وقيل: أي احذروا يا أهل مكة سنة الله ~~في إهلاك الكفرة ف " سنة الله " منصوب على التحذير والإغراء. " وخسر هنالك ~~الكافرون " قال الزجاج: # وقد كانوا خاسرين من قبل ذلك إلا أنه بين لنا الخسران لما رأوا العذاب. ~~وقيل: فيه تقديم ms5479 وتأخير، أي " لم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا " " ~~وخسر هنالك الكافرون " كسنتنا في جميع الكافرين ف " سنة " نصب بنزع الخافض ~~أي كسنة الله في الأمم كلها. # والله أعلم. ثم تفسير سورة " غافر " والحمد لله. # PageV15P336 # سورة فصلت مكية في قول الجميع وهي أربع وخمسون، وقيل: ثلاث وخمسون آية. # بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتب فصلت آياته قرآنا ~~عربيا لقوم يعلمون بشيرا ونذيرا فاعرض أكثرهم فهم لا يسمعون وقالوا قلوبنا ~~في أكنه مما تدعونا إليه وفئ اذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل اننا ~~عاملون قوله تعالى: " حم. تنزيل من الرحمن الرحيم " قال الزجاج: " تنزيل " ~~رفع بالابتداء وخبره " كتاب فصلت آياته " وهذا قول البصريين. وقال الفراء: ~~يجوز أن يكون رفعه على إضمار هذا. ويجوز أن يقال: " كتاب " بدل من قوله: " ~~تنزيل ". وقيل: نعت لقوله: # " تنزيل ". وقيل: " حم " أي هذه " حم " كما تقول باب كذا، أي هو باب كذا ~~ف " حم " خبر ابتداء مضمر أي هو " حم "، وقوله: " تنزيل " مبتدأ آخر، ~~وقوله: # " كتاب " خبر. " فصلت آياته " أي بينت وفسرت. قال قتادة: ببيان حلاله من ~~حرامه، وطاعته من معصيته. الحسن: بالوعد والوعيد. سفيان: بالثواب والعقاب. ~~وقرئ " فصلت " أي فرقت بين الحق والباطل، أو فصل بعضها من بعض باختلاف ~~معانيها، من قولك فصل أي تباعد من البلد. " قرانا عربيا " في نصبه وجوه، ~~قال الأخفش: # هو نصب على المدح. وقيل: على إضمار فعل، أي أذكر " قرآنا عربيا ". وقيل: ~~على إعادة الفعل، أي فصلنا " قرآنا عربيا ". وقيل: على الحال أي " فصلت ~~آياته " في حال كونه " قرآنا عربيا ". وقيل: لما شغل " فصلت " بالآيات حتى ~~صارت بمنزلة الفاعل انتصب. # " قرآنا " لوقوع البيان عليه. وقيل: على القطع. " لقوم يعلمون " قال ~~الضحاك: أي إن PageV15P337 # القرآن منزل من عند الله. وقال مجاهد: أي يعلمون أنه إله واحد في التوراة ~~والإنجيل. # وقيل: يعلمون العربية فيعجزون عن مثله ولو كان غير عربي لما علموه. # قلت: هذا أصح، والسورة نزلت تقريعا وتوبيخا لقريش في إعجاز القرآن. " ~~بشيرا ونذيرا " حالان من ms5480 الآيات والعامل فيه " فصلت ". وقيل: هما نعتان ~~للقرآن " بشيرا " لأولياء الله " نذيرا " لأعدائه. وقرئ " بشير ونذير " صفة ~~للكتاب. أو خبر مبتدأ محذوف " فأعرض أكثرهم " يعني أهل مكة " فهم لا يسمعون ~~" سماعا ينتفعون به. وروي أن الريان بن حرملة قال: قال الملأ من قريش وأبو ~~جهل قد التبس علينا أمر محمد، فلو التمستم رجلا عالما بالشعر والكهانة ~~والسحر فكلمه ثم آتانا ببيان من أمره، فقال عتبة ابن ربيعة: والله لقد سمعت ~~الكهانة والشعر والسحر، وعلمت من ذلك علما لا يخفى علي إن كان كذلك. ~~فقالوا: إيته فحدثه. فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: # يا محمد أنت خير أم قصي بن كلاب؟ أنت خير أم هاشم؟ أنت خير أم عبد ~~المطلب؟ # أنت خير أم عبد الله؟ فبم تشتم آلهتنا، وتضلل آباءنا، وتسفه أحلامنا، ~~وتذم ديننا؟ # فإن كنت إنما تريد الرياسة عقدنا إليك ألويتنا فكنت رئيسنا ما بقيت، وإن ~~كنت تريد الباءة زوجناك عشر نساء من أي بنات قريش شئت، وإن كنت تريد المال ~~جمعنا لك ما تستغني به أنت وعقبك من بعدك، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا من ~~الجن قد غلب عليك بذلنا لك أموالنا في طلب ما تتداوى به أو نغلب فيك. ~~والنبي صلى الله عليه وسلم ساكت، فلما فرغ قال: " قد فرغت يا أبا الوليد " ~~قال: نعم. (قال فاسمع منى) (1) قال يا بن أخي أسمع. قال " بسم الله الرحمن ~~الرحيم. حم. تنزيل من الرحمن الرحيم. # كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون " إلى قول: " فإن أعرضوا فقل ~~أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود " [فصلت: 13] فوثب عتبة ووضع يده على فم ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وناشده الله والرحم ليسكتن، ورجع إلى أهله ولم ~~يخرج إلى قريش فجاءه أبو جهل، فقال: # PageV15P338 # أصبوت إلى محمد؟ أم أعجبك طعامه؟ فغضب عتبة وأقسم ألا يكلم محمدا أبدا، ~~ثم قال: والله لقد تعلمون أني من أكثر قريش مالا، ولكني لما قصصت عليه ~~القصة أجابني بشئ والله ما هو بشعر ولا كهانة ولا ms5481 سحر، ثم تلا عليهم ما سمع ~~منه إلى قوله: " مثل صاعقة عاد وثمود " [فصلت: 13] وأمسكت بفيه وناشدته ~~بالرحم أن يكف، وقد علمتم أن محمدا إذا قال شيئا لم يكذب، فوالله لقد خفت ~~أن ينزل بكم العذاب، يعني الصاعقة. وقد روى هذا الخبر أبو بكر الأنباري في ~~كتاب الرد له عن محمد بن كعب القرظي، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ " ~~حم. فصلت " حتى انتهى إلى السجدة فسجد وعتبة مصغ يستمع، قد اعتمد على يديه ~~من وراء ظهره. # فلما قطع رسول الله صلى الله عليه وسلم القراءة قال له: " يا أبا الوليد ~~قد سمعت الذي قرأت عليك فأنت وذاك " فانصرف عتبة إلى قريش في ناديها ~~فقالوا: والله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي مضى به من عندكم. ثم ~~قالوا: ما وراءك أبا الوليد؟ قال: والله لقد سمعت كلاما من محمد ما سمعت ~~مثله قط، والله ما هو بالشعر ولا بالكهانة، فأطيعوني في هذه وأنزلوها بي، ~~خلوا محمدا وشأنه واعتزلوه، فوالله ليكونن لما سمعت من كلامه نبأ، فان ~~أصابته العرب كفيتموه بأيدي غيركم، وإن كان ملكا أو نبيا كنتم أسعد الناس ~~به، لأن ملكه ملككم وشرفه شرفكم. فقالوا: هيهات سحرك محمد يا أبا الوليد. ~~وقال: هذا رأيي لكم فاصنعوا ما شئتم. # قوله تعالى: " وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه " الأكنة جمع كنان ~~وهو الغطاء. # وقد مضى في " البقرة " (1). قال مجاهد: الكنان للقلب كالجنة للنبل. " وفي ~~آذاننا وقر " أي صمم، فكلامك لا يدخل أسماعنا، وقلوبنا مستورة من فهمه. " و ~~من بيننا وبينك حجاب " أي خلاف في الدين، لأنهم يعبدون الأصنام وهو يعبد ~~الله عز وجل. قال معناه الفراء وغيره. وقيل: ستر مانع عن الإجابة. وقيل: إن ~~أبا جهل استغشى على رأسه ثوبا وقال: # يا محمد بيننا وبينك حجاب. استهزاء منه. حكاه النقاش وذكره القشيري. ~~فالحجاب هنا # PageV15P339 # الثوب. " فاعمل اننا عاملون " أي اعمل في هلاكنا فإنا عاملون في هلاكك، ~~قاله الكلبي. # وقال مقاتل: اعمل لإلهك الذي أرسلك، فإنا نعمل لآلهتنا التي ms5482 نعبدها. ~~وقيل: أعمل بما يقتضيه دينك، فإنا عاملون بما يقتضيه ديننا. ويحتمل خامسا ~~(1): فاعمل لآخرتك فإنا نعمل لدنيانا، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلى أنما إلهكم إله وحد ~~فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة ~~هم كافرون إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون قوله تعالى: " ~~قل إنما أنا بشر مثلكم " أي لست بملك بل أنا من بني آدم. قال الحسن: علمه ~~الله تعالى التواضع. " يوحى إلى " أي من السماء على أيدي الملائكة " أنما ~~إلهكم إله واحد " " ف‍ " آمنوا به و " استقيموا إليه " أي وجهوا وجوهكم ~~بالدعاء له والمسألة إليه، كما يقول الرجل: استقم إلى منزلك، أي لا تعرج ~~على شئ غير القصد إلى منزلك. " واستغفروه " أي من شرككم. " وويل للمشركين ~~الذين لا يؤتون الزكاة " قال ابن عباس: لا يشهدون " أن لا إله إلا الله " ~~وهي زكاة الأنفس. وقال قتادة: # لا يقرون بالزكاة أنها واجبة. وقال الضحاك ومقاتل: لا يتصدقون ولا ينفقون ~~في الطاعة. # قرعهم بالشح الذي يأنف منه الفضلاء، وفيه دلالة على أن الكافر يعذب بكفر ~~مع منع وجوب الزكاة عليه. وقال الفراء وغيره: كان المشركون ينفقون النفقات، ~~ويسقون الحجيج ويطعمونهم، فحرموا ذلك على من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، ~~فنزلت فيهم هذه الآية. # " وهم بالآخرة هم كافرون " فلهذا لا ينفقون في الطاعة ولا يستقيمون ولا ~~يستغفرون. # PageV15P340 # الزمخشري: فإن قلت لم خص من بين أوصاف المشركين منع الزكاة مقرونا بالكفر ~~بالآخرة؟ # قلت: لأن أحب شئ إلى الإنسان ماله، وهو شقيق روحه، فإذا بذله في سبيل ~~الله فذلك أقوى دليل على ثباته [واستقامته وصدق نيته ونصوع طويته] (1) ألا ~~ترى إلى قوله عز وجل: # " ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله وتثبيتا من أنفسهم " ~~[البقرة: 265] أي يثبتون أنفسهم، ويدلون على ثباتها بإنفاق الأموال، وما ~~خدع المؤلفة قلوبهم إلا بلمظة (2) من الدنيا، فقويت عصبتهم ولانت شكيمتهم، ~~وأهل الردة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تظاهروا إلا بمنع الزكاة، ms5483 ~~فنصبت لهم الحروب وجوهدوا. وفيه بعث للمؤمنين على أداء الزكاة، وتخويف شديد ~~من منعها، حيث جعل المنع من أوصاف المشركين، وقرن بالكفر بالآخرة. # قوله تعالى: " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون " قال ~~ابن عباس: # غير مقطوع، مأخوذ من مننت الحبل إذا قطعته، ومنه قول ذي الإصبع: # إني لعمرك ما بابي بذي غلق * على الصديق ولا خيري بممنون (3) وقال آخر: # فترى خلفها من الرجع والوقع * منينا كأنه أهباء يعني بالمنين الغبار ~~المنقطع الضعيف. وعن ابن عباس أيضا ومقاتل: غير منقوص. # ومنه المنون، لأنها تنقص منه الإنسان أي قوته، وقال قطرب، وأنشد قول ~~زهير: # فضل الجياد على الخيل البطاء فلا * يعطي بذلك ممنونا ولا نزقا (4) قال ~~الجوهري: والمن القطع، ويقال النقص، ومنه قوله تعالى: " لهم أجر غير ممنون ~~". # وقال لبيد: # غبس كواسب لا يمن طعامها (5) # PageV15P341 # وقال مجاهد: " غير ممنون " غير محسوب. وقيل: " غير ممنون " عليهم به. قال ~~السدي: نزلت في الزمني والمرضى والهرمى إذا ضعفوا عن الطاعة كتب لهم من ~~الأجر كأصح ما كانوا يعملون فيه. # قوله تعالى: قل أنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ~~ذلك رب العلمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبرك فيها وقدر فيها أقواتها في ~~أربعة أيام سواء للسائلين ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ~~ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى ~~في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز ~~العليم قوله تعالى: " قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين " أئنكم " ~~بهمزتين الثانية بين بين و " أائنكم " بألف بين همزتين وهو استفهام معناه ~~التوبيخ. أمره بتوبيخهم والتعجب من فعلهم، أي لم تكفرون بالله وهو خالق ~~السماوات والأرض؟! " في يومين " الأحد والاثنين. " وتجعلون له أندادا " أي ~~أضدادا وشركاء " ذلك رب العالمين. " " وجعل فيها " أي في الأرض " رواسي من ~~فوقها " يعني الجبال. وقال وهب: لما خلق الله الأرض مادت على وجه الماء، ~~فقال لجبريل ثبتها يا جبريل. فنزل فأمسكها ms5484 فغلبته الرياح، قال: # يا رب أنت أعلم لقد غلبت فيها فثبتها بالجبال وأرساها " وبارك فيها " بما ~~خلق فيها من المنافع. # قال السدي: أنبت فيها شجرها. " وقدر فيها أقواتها " قال السدي والحسن: ~~أرزاق أهلها ومصالحهم. وقال قتادة ومجاهد: خلق فيها أنهارها وأشجارها ~~ودوابها في يوم الثلاثاء والأربعاء. # وقال عكرمة والضحاك: معنى " قدر فيها أقواتها " أي أرزاق أهلها وما يصلح ~~لمعايشهم من PageV15P342 # التجارات والأشجار والمنافع في كل بلدة ما لم يجعله في الأخرى ليعيش ~~بعضهم من بعض بالتجارة والأسفار من بلد إلى بلد. قال عكرمة: حتى إنه في بعض ~~البلاد ليتبايعون الذهب بالملح مثلا بمثل. وقال مجاهد والضحاك: السابري من ~~سابور، والطيالسة من الري، والحبر اليمانية من اليمن. # " في أربعة أيام " يعني في تتمة أربعة أيام. ومثاله قول القائل: خرجت من ~~البصرة إلى بغداد في عشرة أيام، وإلى الكوفة في خمسة عشر يوما، أي في تتمة ~~خمسة عشر يوما. قال معناه ابن الأنباري وغيره. " سواء للسائلين " قال ~~الحسن: المعنى في أربعة أيام مستوية تامة. الفراء: # في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: وقدر فيها أقواتها سواء للمحتاجين. ~~واختاره الطبري. وقرأ الحسن، البصري ويعقوب الحضرمي " سواء للسائلين " ~~بالجر وعن ابن القعقاع " سواء " بالرفع، فالنصب على المصدر و " سواء " ~~بمعنى استواء أي استوت استواء. وقيل: على الحال والقطع، والجر على النعت ~~لأيام أو لأربعة أي " في أربعة أيام " مستوية تامة. والرفع على الابتداء ~~والخبر " للسائلين " أو على تقدير هذه " سواء للسائلين ". وقال أهل ~~المعاني: # معنى " سواء للسائلين " ولغير السائلين، أي خلق الأرض وما فيها لمن سأل ~~ولمن لم يسأل، ويعطي من سأل ومن لا يسأل. # قوله تعالى: " ثم استوى إلى السماء وهي دخان " أي عمد إلى خلقها وقصد ~~لتسويتها. # والاستواء من صفة الأفعال على أكثر الأقوال، يدل عليه قوله تعالى: " ثم ~~استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات " وقد مضى القول هناك (1). وروى أبو ~~صالح عن ابن عباس في قوله: # " ثم استوى إلى السماء " يعني صعد أمره إلى السماء، وقال الحسن. ومن قال: ~~إنه صفة ذاتية زائدة ms5485 قال: استوى في الأزل بصفاته. و " ثم " ترجع إلى نقل ~~السماء من صفة الدخان إلى حالة الكثافة، وكان ذلك الدخان من تنفس الماء حين ~~تنفس، على ما مضى في [البقرة] عن ابن مسعود وغيره. " فقال لها وللأرض ائتيا ~~طوعا أو كرها " أي جيئا بما خلقت فيكما من المنافع والمصالح وأخرجاها ~~لخلقي. قال ابن عباس: قال الله تعالى للسماء: أطلعي شمسك # PageV15P343 # وقمرك وكواكبك، واجري رياحك وسحابك، وقال للأرض: شقي أنهارك واخرجي شجرك ~~وثمارك طائعتين أو كارهتين " قالتا أتينا طائعين " في الكلام حذف أي أتينا ~~أمرك " طائعين ". وقيل: معنى هذا الأمر التسخير، أي كونا فكانتا كما قال ~~تعالى: " إنما قولنا لشئ إذا أردناه أن نقول له كن فيكون " [النحل: 40] ~~فعلى هذا قال ذلك قبل خلقهما. وعلى القول الأول قال ذلك بعد خلقهما. وهو ~~قول الجمهور. وفي قوله تعالى لهما وجهان: أحدهما أنه قول تكلم به. الثاني ~~أنها قدرة منه ظهرت لهما فقام مقام الكلام في بلوغ المراد، ذكره الماوردي. ~~" قالتا أتينا طائعين " فيه أيضا وجهان: أحدهما أنه ظهور الطاعة منهما حيث ~~انقادا وأجابا فقام مقام قولهما، ومنه قول الراجز: # امتلأ الحوض وقال قطني * مهلا رويدا قد ملأت بطني يعني ظهر ذلك فيه. وقال ~~أكثر أهل العلم: بل خلق الله فيهما الكلام فتكلمتا كما أراد تعالى: قال أبو ~~نصر السكسكي: فنطق من الأرض موضع الكعبة، ونطق من السماء ما بحيالها، فوضع ~~الله تعالى فيه حرمه. وقال: " طائعين " ولم يقل طائعتين على اللفظ ولا ~~طائعات على المعنى، لأنهما سماوات وأرضون، لأنه أخبر عنهما وعمن فيهما، ~~وقيل: لما وصفهن بالقول والإجابة وذلك من صفات من يعقل أجراهما في الكناية ~~مجرى من يعقل، ومثله: " رأيتهم لي ساجدين " وقد تقدم (1). وفي حديث: إن ~~موسى عليه الصلاة والسلام قال: يا رب لو أن السماوات والأرض حين قلت لهما " ~~ائتيا طوعا أو كرها " عصياك ما كنت صانعا بهما؟ قال كنت آمر دابة من دوابي ~~فتبتلعهما. قال: يا رب وأين تلك الدابة؟ قال: في مرج من مروجي. قال: يا رب ms5486 ~~وأين ذلك المرج؟ قال علم من علمي. # ذكره الثعلبي. وقرأ ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة " آتيا " بالمد ~~والفتح. # وكذلك قوله: " آتينا طائعين " على معنى أعطيا الطاعة من أنفسكما " قالتا ~~" أعطينا " طائعين " فحذف المفعولين جميعا. ويجوز وهو أحسن أن يكون " آتينا ~~" فاعلنا فحذف مفعول واحد. # ومن قرأ " آتينا " فالمعنى جئنا بما فينا، على ما تقدم بيانه في غير ما ~~موضع والحمد لله. # PageV15P344 # قوله تعالى: " فقضاهن سبع سماوات في يومين " أي أكملهن وفرغ منهن. وقيل. # أحكمهن كما قال (1): # وعليهما مسرودتان قضاهما * داود أو صنع السوابغ تبع " في يومين " سوى ~~الأربعة الأيام التي خلق فيها الأرض، فوقع خلق السماوات والأرض في ستة ~~أيام، كما قال تعالى: " خلق السماوات والأرض في ستة أيام " [الأعراف: 54] ~~على ما تقدم في [الأعراف] (2) بيانه. قال مجاهد: ويوم من الستة الأيام كألف ~~سنة مما تعدون. وعن عبد الله بن سلام قال: خلق الله الأرض في يومين، وقدر ~~فيها أقواتها في يومين، وخلق السماوات في يومين، خلق الأرض في يوم الأحد ~~والاثنين، وقدر فيها أقواتها في يومين، وخلق السماوات في يومين، خلق الأرض ~~في يوم الأحد والاثنين، وقدر فيها أقواتها يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء، ~~وخلق السماوات في يوم الخميس ويوم الجمعة، وأخر ساعة في يوم الجمعة خلق ~~الله آدم في عجل، وهي التي تقوم فيها الساعة، وما خلق الله من دابة إلا وهي ~~تفزع من يوم الجمعة إلا الإنس والجن. على هذا أهل التفسير، إلا ما رواه ~~مسلم من حديث أبي هريرة قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي، فقال: ~~" خلق الله التربة يوم السبت " الحديث، وقد تكلمنا على إسناده في أول سورة ~~(الأنعام) (3). " وأوحى في كل سماء أمرها " قال قتادة والسدي: خلق فيها ~~شمسها وقمرها ونجومها وأفلاكها، وخلق في كل سماء خلقها من الملائكة والخلق ~~الذي فيها من البحار وجبال البرد والثلوج. وهو قول ابن عباس، قال: # ولله في كل سماء بيت تحج إليه وتطوف به الملائكة بحذاء الكعبة، والذي في ~~السماء الدنيا هو البيت ms5487 المعمور. وقيل: أوحى الله في كل سماء، أي أوحى فيها ~~ما أراده وما أمر به فيها. # والإيحاء قد يكون أمرا، لقوله: " بأن ربك أوحى لها " [الزلزلة: 5] وقوله: ~~" وإذ أوحيت إلى الحواريين " [المائدة: 111] أي أمرتهم وهو أمر تكوين. " ~~وزينا السماء الدنيا بمصابيح " أي بكواكب تضئ وقيل: إن في كل سماء كواكب ~~تضئ. وقيل: بل الكواكب مختصة بالسماء الدنيا. " وحفظا " أي وحفظناها حفظا، ~~أي من الشياطين الذين يسترقون السمع. وهذا # PageV15P345 # لا لحفظ بالكواكب التي ترجم بها الشياطين على ما تقدم في [الحجر] (1) ~~بيانه. وظاهر هذه الآية يدل على أن الأرض خلقت قبل السماء. وقال في آية ~~أخرى: " أم السماء بناها " [النازعات: 27] ثم قال: " والأرض بعد ذلك دحاها ~~" [النازعات: 30] وهذا يدل على خلق السماء أولا. وقال قوم: خلقت الأرض قبل ~~السماء، فأما قوله: " والأرض بعد ذلك دحاها " [النازعات: 30] فالدحو غير ~~الخلق، فالله خلق الأرض ثم خلق السماوات، ثم دحا الأرض أي مدها وبسطها، قال ~~ابن عباس. # وقد مضى هذا المعنى مجودا في " البقرة " (2) والحمد لله. " ذلك تقدير ~~العزيز العليم ". # قوله تعالى: فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صعقة مثل صعقة عاد وثمود إذ جاءتهم ~~الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم ألا تعبدوا إلا الله قالوا لو شاء ربنا ~~لأنزل ملائكة فإنا بما أرسلتم به كافرون فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير ~~الحق وقالوا من أشد منا قوة أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة ~~وكانوا بآياتنا يجحدون فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات لنذيقهم ~~عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخرى وهم لا ينصرون قوله تعالى: ~~" فإن أعرضوا " يعني كفار قريش عما تدعوهم إليه يا محمد من الإيمان. # " فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود " أي خوفتكم هلاكا مثل هلاك عاد ~~وثمود. # " إذا جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم " يعني من أرسل إليهم وإلى ~~من قبلهم " ألا تعبدوا إلا الله " موضع " أن " نصب بإسقاط الخافض أي ب " ~~ألا تعبدوا " " و " قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة " بدل الرسل " فإنا ms5488 بما ~~أرسلتم به كافرون " من الإنذار والتبشير. # قيل: هذا استهزاء منهم. وقيل: إقرار بإرسالهم ثم بعده جحود وعناد. # PageV15P346 # قوله تعالى: " فأما عاد فاستكبروا في الأرض " على عباد الله هود ومن آمن ~~معه " بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة " اغتروا بأجسامهم حين تهددهم ~~بالعذاب، وقالوا: # نحن نقدر على دفع العذاب عن أنفسنا بفضل قوتنا. وذلك أنهم كانوا ذوي ~~أجسام طوال وخلق عظيم. وقد مضى في [الأعراف] (1) عن ابن عباس: أن أطولهم ~~كان مائة ذراع وأقصرهم كان ستين ذراعا. فقال الله تعالى ردا عليهم: " أولم ~~يروا أن الذي خلقهم هو أشد منهم قوة " وقدرة، وإنما يقدر العبد بإقدار ~~الله، فالله أقدر إذا. " وكانوا بآياتنا يجحدون " أي بمعجزاتنا يكفرون. # قوله تعالى، " فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا " هذا تفسير الصاعقة التي أرسلها ~~عليهم، أي ريحا باردة شديدة البرد وشديدة الصوت والهبوب. ويقال: أصلها صرر ~~من الصر [وهو البرد] (2) فأبدلوا مكان الراء الوسطى فاء الفعل، كقولهم ~~كبكبوا أصله كببوا، وتجفجف الثوب أصله تجفف. أبو عبيدة: معنى صرصر: شديدة ~~عاصفة. عكرمة وسعيد بن جبير: # شديد البرد. وأنشد قطرب قول الحطيئة: # المطعمون إذا هبت بصرصرة * والحاملون إذا استودوا على الناس استودوا: إذا ~~سئلوا الدية. مجاهد: الشديدة السموم. وروى معمر عن قتادة قال: باردة. # وقاله عطاء، لأن " صرصرا " مأخوذ من صر والصر في كلام العرب البرد كما ~~قال (3): # لها عذر كقرون النساء * ركبن في يوم ريح وصر وقال السدي: الشديدة الصوت. ~~ومنه صر القلم والباب يصر صريرا أي صوت. ويقال: # درهم صري وصري للذي له صوت إذا نقد. قال ابن السكيت: صرصر يجوز أن يكون ~~من الصر وهو البرد، ويجوز أن يكون من صرير الباب، ومن الصرة وهي الصيحة. ~~ومنه " فأقبلت امرأته في صرة " [الذاريات: 29]. وصرصر اسم نهر بالعراق. " ~~في أيام نحسات " أي مشؤومات، # PageV15P347 # قاله مجاهد وقتادة. كن آخر شوال من يوم الأربعاء إلى يوم الأربعاء وذلك " ~~سبع ليال وثمانية أيام حسوما " [الحاقة: 7] قال ابن عباس: ما عذب قوم إلا ~~في يوم الأربعاء. وقيل: " نحسات " باردات، حكاه النقاش. ms5489 وقيل: متتابعات، عن ~~ابن عباس وعطية. الضحاك: شداد. # وقيل: ذات غبار، حكاه ابن عيسى. ومنه قول الراجز: # قد اغتدى قبل طلوع الشمس * للصيد في يوم قليل النحس قال الضحاك وغيره: ~~أمسك الله عنهم المطر ثلاث سنين، ودرت الرياح عليهم في غير مطر، وخرج منهم ~~قوم إلى مكة يستسقون بها للعباد، وكان الناس في ذلك الزمان إذا نزل بهم ~~بلاء أو جهد طلبوا إلى الله تعالى الفرج منه، وكانت طلبتهم ذلك من الله ~~تعالى عند بيته الحرام مكة مسلمهم وكافرهم، فيجتمع بمكة ناس كثير شتى، ~~مختلفة أديانهم، وكلهم معظم لمكة، عارف حرمتها ومكانها من الله تعالى. وقال ~~جابر بن عبد الله والتيمي: إذا أراد الله بقوم خيرا أرسل عليهم المطر وحبس ~~عنهم كثرة الرياح، وإذا أراد الله بقوم شرا حبس عنهم المطر وسلط عليهم كثرة ~~الرياح. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو " نحسات " بإسكان الحاء على أنه جمع ~~نحس الذي هو مصدر وصف به. الباقون: " نحسات " بكسر الحاء أي ذوات نحس. # ومما يدل على أن النحس مصدر قوله: " في يوم نحس مستمر " [القمر: 19] ولو ~~كان صفة لم يضف اليوم إليه، وبهذا كان يحتج أبو عمرو على قراءته، واختاره ~~أبو حاتم. واختار أبو عبيد القراءة الثانية وقال: لا تصح حجة أبي عمرو، ~~لأنه أضاف اليوم إلى النحس فأسكن، وإنما كان يكون حجة لو نون اليوم ونعت ~~وأسكن، فقال: " في يوم نحس " [القمر: 19] وهذا لم يقرأ به أحد نعلمه. وقال ~~المهدوي: ولم يسمع في " نحس " إلا الإسكان. قال الجوهري: وقرئ في قوله " في ~~يوم نحس " [القمر: 19] على الصفة، والإضافة أكثر وأجود. وقد نحس الشئ ~~بالكسر فهو نحس أيضا، قال الشاعر: # أبلغ جذاما ولخما أن إخوتهم * طيا وبهراء قوم نصرهم نحس ومنه قيل: أيام ~~نحسات. " لنذيقهم " أي لكي نذيقهم " عذاب الخزي في الحياة الدنيا " أي ~~العذاب بالريح العقيم. " ولعذاب الآخرة أخزى " أي أعظم وأشد. " وهم لا ~~ينصرون. " PageV15P348 # قوله تعالى: واما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى فأخذتهم صعقة ~~العذاب الهون بما كانوا يكسبون ونجينا ms5490 الذين آمنوا وكانوا يتقون قوله ~~تعالى: " وأما ثمود فهديناهم " أي بينا لهم الهدى والضلال، عن ابن عباس ~~وغيره. # وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق وغيرهما " وأما ثمود " بالنصب وقد مضى الكلام ~~فيه في [الأعراف] (1). " فاستحبوا العمى على الهدى " أي اختاروا الكفر على ~~الإيمان. وقال أبو العالية: اختاروا العمى على البيان. السدي: اختاروا ~~المعصية على الطاعة. " فأخذتهم صاعقة العذاب الهون " " الهون " بالضم ~~الهوان. وهون بن خزيمة بن مدركة بن إلياس ابن مضر أخو كنانة وأسد. وأهانه: ~~استخف به. والاسم الهوان والمهانة. وأضيف الصاعقة إلى العذاب، لأن الصاعقة ~~اسم للمبيد المهلك، فكأنه قال مهلك العذاب، أي العذاب المهلك. # والهون وإن كان مصدرا فمعناه الإهانة والإهانة عذاب، فجاز أن يجعل أحدهما ~~وصفا للآخر، فكأنه قال: صاعقة الهون. وهو كقولك: عندي علم اليقين، وعندي ~~العلم اليقين. ويجوز أن يكون الهون اسما مثل الدون، يقال: عذاب هون أي مهين ~~كما قال: " ما لبثوا في العذاب المهين ". [سبأ: 14]. وقيل: أي صاعقة العذاب ~~الهون. " بما كانوا يكسبون " من تكذيبهم صالحا وعقرهم الناقة، على ما تقدم. ~~" ونجينا الذين آمنوا " يعني صالحا ومن آمن به، أي ميزناهم عن الكفار، فلم ~~يحل بهم ما حل بالكفار، وهكذا يا محمد نفعل بمؤمني قومك وكفارهم. # قوله تعالى: ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون حتى إذا ما ~~جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصرهم وجلودهم بما كانوا يعملون وقالوا لجلودهم ~~لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطلق كل شئ وهو خلقكم أول مرة ~~واليه ترجعون # PageV15P349 # قوله تعالى: " ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون " قرأ نافع " ~~نحشر " بالنون " أعداء " بالنصب. الباقون " يحشر " بياء مضمومة " أعداء " ~~بالرفع ومعناهما بين. وأعداء الله: الذين كذبوا رسله وخالفوا أمره. " فهم ~~يوزعون " يساقون ويدفعون إلى جهنم. قال قتادة والسدي: يحبس أولهم عل آخرهم ~~حتى يجتمعوا، قال أبو الأحوص: فإذا تكاملت العدة بدئ بالأكابر فالأكابر ~~جرما. وقد مضى في " النمل " (1) الكلام في " يوزعون " [النمل: 17] مستوفى. # قوله تعالى: " حتى إذا جاءوها " " ما " زائدة " شهد عليهم سمعهم وأبصارهم ~~وجلودهم بما ms5491 كانوا يعملون " الجلود يعني بها الجلود أعيانها في قول أكثر ~~المفسرين وقال السدي وعبيد الله بن أبي جعفر والفراء: أراد بالجلود الفروج، ~~وأنشد بعض الأدباء لعامر بن جوية: # المرء يسعى للسلامة * والسلامة حسبه (2) أو سالم من قد تثنى * جلده وابيض ~~رأسه وقال: جلده كناية عن فرجه. # " وقالوا " يعنى الكفار " لجلودهم لم شهدتم علينا " وإنما كنا نجادل عنكم ~~" قالوا انطلقنا الله الذي انطق كل شئ " لما خاطبت وخوطبت أجريت مجرى من ~~يعقل. " وهو خالقكم أول مرة " أي ركب الحياة فيكم بعد أن كنتم نطفا، فمن ~~قدر عليه قدر على أن ينطق الجلود وغيرها من الأعضاء. وقيل: " وهو خلقكم أول ~~مرة " ابتداء كلام من الله. " واليه ترجعون " وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك ~~قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله فضحك فقال: " هل تدرون مم أضحك ~~" قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: # " من مخاطبة العبد ربه يقول يا رب ألم تجزني من الظلم قال: يقول بلى قال ~~فيقول فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهدا مني قال يقول كفى بنفسك اليوم عليك ~~شهيدا وبالكرام الكاتبين شهودا قال فيختم على فيه فيقال لأركانه انطقي ~~فتنطق بأعماله قال ثم يخلي بينه وبين الكلام قال فيقول بعدا لكن وسحقا ~~فعنكن كنت أناضل " وفي حديث أبي هريرة ثم يقال: " الآن نبعث شاهدنا # PageV15P350 # عليك ويتفكر في نفسه من ذا الذي يشهد علي فيختم على فيه ويقال لفخذه ~~(ولحمه وعظامه) (1) انطقي فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله وذلك ليعذر من ~~نفسه (2) وذلك المنافق وذلك الذي سخط الله عليه " خرجه أيضا مسلم. # قوله تعالى: وما كنتم تسترون ان يشهد عليكم سمعكم ولا أبصركم ولا جلودكم ~~ولكم ظننتم ان الله لا يعلم كثيرا مما تعملون وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم ~~أردئكم فأصبحتم من الخاسرين فان يصبروا فالنار مثوى لهم وإن يستعتبوا فما ~~هم من المعتبين وقيظنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم وحق ~~عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس انهم كانوا ms5492 خاسرين قوله ~~تعالى: " وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم " يجوز أن يكون هذا من قول ~~الجوارح لهم: ويجوز أن يكون من قول الله عز وجل أو الملائكة. وفي صحيح مسلم ~~عن ابن مسعود قال: اجتمع عند البيت ثلاثة نفر، قرشيان وثقفي أو ثقفيان ~~وقرشي، قليل فقه قلوبهم، كثير شحم بطونهم: فقال أحدهم: أترون الله يسمع ما ~~نقول؟ فقال الآخر: يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا، وقال الآخر: إن كان ~~يسمع إذا جهرنا فهو يسمع إذا أخفينا، فأنزل الله عز وجل: " وما كنتم ~~تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم " الآية، خرجه الترمذي فقال: ~~اختصم عند البيت ثلاثة نفر. ثم ذكره بلفظه حرفا حرفا وقال: حديث حسن صحيح، ~~حدثنا هناد قال حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عمارة ابن عمير عن عبد ~~الرحمن بن يزيد قال قال عبد الله: كنت مستترا بأستار الكعبة فجاء ثلاثة # PageV15P351 # نفسر كثير شحم بطونهم قليل فقه قلوبهم قرشي وختناه ثقفيان أو ثقفي وختناه ~~قرشيان فتكلموا بكلام لم أفهمه فقال أحدهم: أترون ان الله يسمع كلامنا هذا، ~~فقال الاخر: # إنا إذا رفعنا أصواتنا سمعه: وإذا لم نرفع أصواتنا لم يسمعه، فقال الاخر: ~~ان سمع منه شيئا سمعه كله، فقال عبد الله: فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه ~~وسلم فأنزل الله تعالى: # " وما كنتم تستترون ان يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم " إلى ~~قوله: " فأصبحتم من الخاسرين " قال: هذا حديث حسن صحيح. قال الثعلبي: ~~والثقفي عبد يا ليل، وختناه ربيعة وصفوان بن أمية. ومعنى " تستترون " ~~تستخفون في قول أكثر العلماء، أي ما كنتم تستخفون من أنفسكم حذرا من شهادة ~~الجوارح عليكم، لأن الإنسان لا يمكنه أن يخفي من نفسه عمله، فيكون ~~الاستخفاء بمعنى ترك المعصية. وقيل: الاستتار بمعنى الاتقاء، أي ما كنتم ~~تتقون في الدنيا أن تشهد عليكم جوارحكم في الآخرة فتتركوا المعاصي خوفا من ~~هذه الشهادة. # وقال معناه مجاهد. وقال قتادة: " وما كنتم تستترون " أي تظنون " أن يشهد ~~عليكم سمعكم " بأن يقول سمعت الحق ms5493 وما وعيت وسمعت ما لا يجوز من المعاصي " ~~ولا أبصاركم " فتقول رأيت آيات الله وما اعتبرت ونظرت فيما لا يجوز " ولا ~~جلودكم " تقدم. " ولكن ظننتم ان الله لا يعلم كثيرا مما تعملون " من ~~أعمالكم فجادلتم على ذلك حتى شهدت عليكم جوارحكم بأعمالكم. روى بهز بن حكيم ~~عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: # " أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم " قال: " إنكم تدعون يوم ~~القيامة مفدمة أفواهكم بفدام فأول ما يبين عن الإنسان فخذه وكفه " قال عبد ~~الله بن عبد الأعلى (1) الشامي فأحسن. # العمر ينقص والذنوب تزيد * تقال عثرات الفتى فيعود هل يستطيع جحود ذنب ~~واحد * رجل جوارحه عليه شهود والمرء يسأل عن سنيه فيشتهي * تقليلها وعن ~~الممات يحيد # PageV15P352 # وعن معقل بن يسار عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ليس من يوم يأتي ~~على ابن آدم إلا ينادي فيه يا بن آدم أنا خلق جديد وأنا فيما تعمل غدا عليك ~~شهيد فاعمل في خيرا أشهد لك به غدا فإني لو قد مضيت لم ترني أبدا ويقول ~~الليل مثل ذلك " ذكره أبو نعيم الحافظ وقد ذكرناه في كتاب التذكرة في باب ~~شهادة الأرض والليالي والأيام والمال. وقال محمد بن بشير فأحسن: # مضى أمسك الأدنى شهيدا معدلا * ويومك هذا بالفعال شهيد فإن تك بالأمس ~~اقترفت إساءة * فثن بإحسان وأنت حميد ولا ترج فعل الخير منك إلى غد * لعل ~~غدا يأتي وأنت فقيد قوله تعالى: " وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرادكم " أي ~~أهلككم فأوردكم النار. قال قتادة: الظن هنا بمعنى العلم. وقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: " لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله فإن قوما أساءوا ~~الظن بربهم فأهلكهم " فذلك قوله: " وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم ". ~~وقال الحسن البصري: إن قوما ألهتهم الأماني حتى خرجوا من الدنيا وما لهم ~~حسنة، ويقول أحدهم: إني أحسن الظن بربي وكذب، ولو أحسن الظن لأحسن العمل، ~~وتلا قول الله تعالى: " وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم ms5494 من ~~الخاسرين ". وقال قتادة: من استطاع منكم أن يموت وهو حسن الظن بربه فليفعل، ~~فإن الظن اثنان ظن ينجي وظن يردي. وقال عمر بن الخطاب في هذه الآية: هؤلاء ~~قوم كانوا يدمنون المعاصي ولا يتوبون منها ويتكلمون على المغفرة، حتى خرجوا ~~من الدنيا مفاليس، ثم قرأ: " وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم ~~من الخاسرين ". # قوله تعالى: " فان يصبروا فالنار مثوى لهم " أي فإن يصبروا في الدنيا على ~~أعمال أهل النار فالنار مثوى لهم. نظيره: " فما أصبرهم على النار " ~~[البقرة: 175] على (1) ما تقدم. " وإن يستعتبوا " في الدنيا وهم مقيمون على ~~كفرهم " فما هم من المعتبين ". وقيل: المعنى " فإن يصبروا " # PageV15P353 # في النار أو يجزعوا " فالنار مثوى لهم " أي لا محيص لهم عنها، ودل على ~~الجزع قوله: # " وإن يستعتبوا " لأن المستعتب جزع والمعتب المقبول عتابه، قال النابغة: # فإن أك مظلوما فعبد ظلمته * وإن تك ذا عتبى فمثلك يعتب أي مثلك من قبل ~~الصلح والمراجعة إذا سئل. قال الخليل: العتاب مخاطبة الإدلال ومذاكرة ~~الموجدة. تقول: عاتبته معاتبة، وبينهم أعتوبة يتعاتبون بها. يقال: إذا ~~تعاتبوا أصلح ما بينهم العتاب. وأعتبني فلان: إذا عاد إلى مسرتي راجعا عن ~~الإساءة، والاسم منه العتبى، وهو رجوع المعتوب عليه إلى ما يرضي العاتب. ~~واستعتب وأعتب بمعنى، واستعتب أيضا طلب أن يعتب، تقول: استعتبته فأعتبني أي ~~استرضيته فأرضاني. فمعنى " وإن يستعتبوا " أي طلبوا الرضا لم ينفعهم ذلك بل ~~لا بد لهم من النار. وفي التفاسير: وإن يستقيلوا ربهم فما هم من المقالين. ~~وقرأ عبيد بن عمير وأبو العالية " وإن يستعتبوا " بفتح التاء الثانية وضم ~~الياء على الفعل المجهول " فما هم من المعتبين " بكسر التاء أي إن أقالهم ~~الله وردهم إلى الدنيا لم يعملوا بطاعته لما سبق لهم في علم الله من ~~الشقاء، قال الله تعالى: " ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه " [الأنعام: 28] ~~ذكره الهروي. وقال ثعلب: يقال أعتب إذا غضب وأعتب إذا رضي. # قوله تعالى: " وقيضنا لهم قرناء " قال النقاش: أي هيأنا لهم شياطين. ~~وقيل: سلطنا عليهم قرناء يزينون ms5495 عندهم المعاصي، وهؤلاء القرناء من الجن ~~والشياطين ومن الإنس أيضا، أي سببنا لهم قرناء، يقال: قيض الله فلانا لفلان ~~أي جاءه به وأتاحه له، ومنه قوله تعالى: # " وقيضنا لهم قرناء ". القشيري: ويقال قيض الله لي رزقا أي أتاحه كما كنت ~~أطلبه، والتقييض الإبدال ومنه المقايضة، قايضت الرجل مقايضة أي عاوضته ~~بمتاع، وهما قيضان كما تقول بيعان. " فزينوا لهم ما بين أيديهم " من أمر ~~الدنيا فحسنوه لهم حتى آثروه على الآخرة " وما خلفهم " حسنوا لهم ما بعد ~~مماتهم ودعوهم إلى التكذيب بأمور الآخرة، عن مجاهد. # وقيل: المعنى " قيضنا لهم قرناء " في النار " فزينوا لهم " أعمالهم في ~~الدنيا، والمعنى قدرنا عليهم أن ذلك سيكون وحكمنا به عليهم. وقيل: المعنى ~~أحوجناهم إلى الأقران، أي أحوجنا PageV15P354 # الفقير إلى الغني لينال منه، والغني إلى الفقير ليستعين به فزين بعضهم ~~لبعض المعاصي. وليس قوله: " وما خلفهم " عطفا على " ما بين أيديهم " بل ~~المعنى وأنسوهم ما خلفهم ففيه هذا الإضمار قال ابن عباس: " ما بين أيديهم " ~~تكذيبهم بأمور الآخرة " وما خلفهم " التسويف والترغيب في الدنيا. الزجاج: " ~~ما بين أيديهم " ما عملوه " وما خلفهم " ما عزموا على أن يعملوه. وقد تقدم ~~قول مجاهد. وقيل: المعنى لهم مثل ما تقدم من المعاصي " وما خلفهم " ما يعمل ~~بعدهم. " وحق عليهم القول في أمم " أي وجب عليهم من العذاب ما وجب على ~~الأمم الذين من قبلهم الذين كفروا ككفرهم. وقيل: " في " بمعنى مع، فالمعنى ~~هم داخلون مع الأمم الكافرة قبلهم فيما دخلوا فيه. وقيل: " في أمم " في ~~جملة أمم، ومثله قول الشاعر (1): # إن تك عن أحسن الصنيعة ماء * فوكا ففي آخرين قد أفكوا يريد فأنت في جملة ~~آخرين لست في ذلك بأوحد. ومحل " في أمم " النصب على الحال من الضمير في " ~~عليهم " أي حق عليهم القول كائنين في جملة أمم. " إنهم كانوا خاسرين " ~~أعمالهم في الدنيا وأنفسهم وأهليهم يوم القيامة. # قوله تعالى: وقال الذين كفروا لا يسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم ~~تغلبون فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا ولنجزينهم أسوا الذي ms5496 كانوا يعملون ~~ذلك جزاء أعداء الله النار لهم فيها دار الخلد جزاء بما كانوا بآياتنا ~~يجحدون وقال الذين كفروا ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما ~~تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين # PageV15P355 # قوله تعالى: " وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه " لما ~~أخبر تعالى عن كفر قوم هود وصالح وغيرهم أخبر عن مشركي قريش وأنهم كذبوا ~~القرآن فقالوا: # " لا تسمعوا ". وقيل: معنى " لا تسمعوا " لا تطيعوا، يقال: سمعت لك أي ~~أطعتك. # " والغوا فيه " قال ابن عباس: قال أبو جهل إذا قرأ محمد فصيحوا في وجهه ~~حتى لا يدري ما يقول. وقيل: إنهم فعلوا ذلك لما أعجزهم القرآن. وقال مجاهد: ~~المعنى " والغوا فيه " بالمكاء والتصفيق والتخليط في المنطق. حتى يصير ~~لغوا. وقال الضحاك: أكثروا الكلام ليختلط عليه ما يقول. وقال أبو العالية ~~وابن عباس أيضا: قعوا فيه. وعيبوه. " لعلكم تغلبون " محمدا على قراءته فلا ~~يظهر ولا يستميل القلوب. وقرأ عيسى بن عمر والجحدري وابن أبي إسحاق وأبو ~~حياة وبكر بن حبيب السهمي " والغوا " بضم الغين وهي لغة من لغا يلغو. ~~وقراءة الجماعة من لغي يلغى قال الهروي: وقوله: " والغوا فيه " قيل: عارضوه ~~بكلام لا يفهم. يقال: لغوت ألغو وألغى، ولغي يلغى ثلاث لغات. وقد مضى معنى ~~اللغو في " البقرة " (1) وهو ما لا يعلم له حقيقة ولا تحصيل. # قوله تعالى: " فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا " قد تقدم أن الذوق يكون ~~محسوسا، ومعنى العذاب الشديد: ما يتوالى فلا ينقطع. العذاب في جميع ~~أجزائهم. # " ولنجزينهم أسوا الذي كانوا يعملون " أي ولنجزينهم في الآخرة جزاء قبح ~~أعمالهم التي عملوها في الدنيا. وأسوأ الأعمال الشرك. # " قوله تعالى: " ذلك جزاء أعداء الله النار " أي ذلك العذاب الشديد، ثم ~~بينه بقوله " النار " وقرأ ابن عباس " ذلك جزاء أعداء الله النار دار الخلد ~~" فترجم بالدار عن النار وهو مجاز الآية. و " ذلك " ابتداء و " جزاء " ~~الخبر و " النار " بدل من " جزاء " أو خبر مبتدأ مضمر، والجملة في موضع ~~بيان للجملة الأولى. # PageV15P356 # قوله تعالى: " وقال الذين كفروا " يعني ms5497 في النار فذكره بلفظ الماضي ~~والمراد المستقبل " ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس " يعني إبليس ~~وابن آدم الذي قتل أخاه. عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما، ويشهد لهذا القول ~~الحديث المرفوع: (ما من مسلم يقتل ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من ~~ذنبه لأنه أول من سن القتل) خرجه الترمذي، وقيل: هو بمعنى الجنس وبني على ~~التثنية لاختلاف الجنسين. " نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين " ~~سألوا ذلك حتى يشتفوا منهم بأن يجعلوهم تحت أقدامهم " ليكونا من الأسفلين " ~~في النار وهو الدرك الأسفل سألوا أن يضعف الله عذاب من كان سبب ضلالتهم من ~~الجن والإنس. وقرأ ابن محيص والسوسي عن أبي عمرو وابن عامر وأبو بكر ~~والمفضل " أرنا بإسكان الراء وعن أبي عمرو أيضا باختلاسها. وأشبع الباقون ~~كسرتها وقد تقدم في " الأعراف " (1). # قوله تعالى: إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ~~الا تخافوا ولا تحزنوا وابشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياؤكم في ~~الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهى أنفسكم ولكم فيها ما تدعون ~~نزلا من غفور رحيم قوله تعالى: ان الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا " قال ~~عطاء عن ابن عباس: # نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وذلك أن المشركين قالوا ~~ربنا الله والملائكة بناته وهؤلاء شفعاؤنا عند الله، فلم يستقيموا. وقال ~~أبو بكر: ربنا الله وحده لا شريك له ومحمد صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله، ~~فاستقام. وفي الترمذي عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ ~~" إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا " قال: " قد قال الناس ثم كفر ~~أكثرهم فمن مات عليها فهو ممن استقام 2 قال: حديث غريب. ويروى في هذه الآية ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي معنى " استقاموا "، ~~ففي صحيح مسلم # PageV15P357 # عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت يا رسول الله قل لي في الإسلام ~~قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك - وفي ms5498 رواية - غيرك. قال: " قل آمنت بالله ثم ~~استقم " زاد الترمذي قلت: يا رسول الله ما أخوف ما تخاف علي؟ فأخذ بلسان ~~نفسه وقال: " هذا ". وروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال: " ثم ~~استقاموا " لم يشركوا بالله شيئا. وروى عنه الأسود بن هلال أنه قال ~~لأصحابه: ما تقولون في هاتين الآيتين " إن الذين قالوا ربنا الله ثم ~~استقاموا " و " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم " فقالوا: استقاموا ~~فلم يذنبوا ولم يلبسوا إيمانهم بخطيئة، فقال أبو بكر: لقد حملتموها على غير ~~المحمل " قالوا ربنا الله ثم استقاموا " فلم يلتفتوا إلى إله غيره " ولم ~~يلبسوا إيمانهم " بشرك " أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ". # وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال على المنبر وهو يخطب: " إن الذين قالوا ~~ربنا الله ثم استقاموا " فقال: استقاموا والله على الطريقة لطاعته ثم لم ~~يروغوا روغان الثعالب. وقال عثمان رضي الله عنه: ثم أخلصوا العمل لله. وقال ~~علي رضي الله عنه: ثم أدوا الفرائض. # وأقوال التابعين بمعناها. قال ابن زيد وقتادة: استقاموا على الطاعة لله. ~~الحسن: استقاموا على أمر الله فعملوا بطاعته واجتنبوا معصيته. وقال مجاهد ~~وعكرمة: استقاموا على شهادة أن لا إله إلا الله حتى ماتوا. وقال سفيان ~~الثوري: عملوا على وفاق ما قالوا. وقال الربيع: # اعرضوا عما سوى الله. وقال الفضيل بن عياض: زهدوا في الفانية ورغبوا في ~~الباقية. # وقيل: استقاموا إسرارا كما استقاموا إقرارا. وقيل: استقاموا فعلا كما ~~استقاموا قولا. # وقال أنس: لما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم: " هم أمتي ~~ورب الكعبة ". # وقال الإمام ابن فورك: السين سين الطلب مئل استسقى أي سألوا من الله أن ~~يثبتهم على الدين. وكان الحسن إذا قرأ هذه الآية قال: اللهم أنت ربنا ~~فارزقنا الاستقامة. # قلت: وهذه الأقوال وإن تداخلت فتلخيصها: اعتدلوا على طاعة الله عقدا ~~وقولا وفعلا، وداموا على ذلك. تتنزل عليهم الملائكة " قال ابن زيد ومجاهد: ~~عند الموت. وقال مقاتل وقتادة: إذا قاموا من قبورهم للبعث. وقال ابن عباس: ~~هي ms5499 بشرى تكون لهم من PageV15P358 # الملائكة في الآخرة. وقال وكيع وابن زيد: البشرى في ثلاثة مواطن عند ~~الموت وفي القبر وعند البعث. " إلا تخافوا " أي ب‍ " ألا تخافوا " فحذف ~~الجار. وقال مجاهد: لا تخافوا الموت. " ولا تحزنوا " على أولادكم فان الله ~~خليفتكم عليهم. وقال عطاء بن أبي رباح: # لا تخافوا رد ثوابكم فإنه مقبول، وقال عكرمة ولا تخافوا أمامكم، ولا ~~تحزنوا على ذنوبكم. " وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون ". # قوله تعالى: " نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة " أي تقول لهم ~~الملائكة الذين تتنزل عليهم بالبشارة " نحن أولياؤكم " قال مجاهد: أي نحن ~~قرناؤكم الذين كنا معكم في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة قالوا لا نفارقكم ~~حتى ندخلكم الجنة. وقال السدي: أي نحن الحفظة لأعمالكم في الدنيا وأولياؤكم ~~في الآخرة. ويجوز أن يكون هذا من قول الله تعالى، والله ولي المؤمنين ~~ومولاهم. " ولكم فيها ما تشتهى أنفسكم " أي من الملاذ. # " ولكم فيها ما تدعون " تسألون وتتمنون. " نزلا " أي رزقا وضيافة وقد ~~تقدم في [آل عمران] (1) وهو منصوب على المصدر أي أنزلناه نزلا. وقيل: على ~~الحال. وقيل: # هو جمع نازل، أي لكم ما تدعون نازلين، فيكون حالا من الضمير المرفوع في " ~~تدعون " أو من المجرور في " لكم ". # قوله تعالى: ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال انني من ~~المسلمين (33) ولا تستوى الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي ~~بينك وبينه عدوة كأنه ولى حميم (34) وما يلقاها الا الذين صبروا وما يلقها ~~الا ذو حظ عظيم (35) واما ينزغنك من الشياطين نزغ فاستعذ بالله انه هو ~~السميع العليم. # PageV15P359 # قوله تعالى " ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا " هذا توبيخ ~~للذين تواصوا باللغو في القرآن. والمعنى: أي كلام أحسن من القرآن، ومن أحسن ~~قولا من الداعي إلى الله وطاعته وهو محمد صلى الله عليه وسلم. قال ابن ~~سيرين والسدي وابن زيد والحسن: # هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان الحسن إذا تلا هذه الآية يقول: ~~هذا رسول الله، هذا ms5500 حبيب الله، هذا ولي الله، هذا صفوة الله، هذا خيرة ~~الله، هذا والله أحب أهل الأرض إلى الله، أجاب الله في دعوته، ودعا الناس ~~إلى ما أجاب إليه. وقالت عائشة رضي الله عنها وعكرمة وقيس بن أبي حازم ~~ومجاهد: نزلت في المؤذنين. قال فضيل بن رفيدة: كنت مؤذنا لأصحاب عبد الله ~~بن مسعود، فقال لي عاصم بن هبيرة: إذا أذنت فقلت: الله أكبر الله أكبر لا ~~إله إلا الله، فقل وأنا من المسلمين، ثم قرأ هذه الآية، قال ابن العربي: ~~والأول أصح، لأن الآية مكية والأذان مدني، وإنما يدخل فيها بالمعنى، لا أنه ~~كان المقصود وقت القول، ويدخل فيها أبو بكر الصديق حين قال في النبي صلى ~~الله عليه وسلم وقد خنقه الملعون: # " أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله " [غافر: 28] وتتضمن كل كلام حسن فيه ~~ذكر التوحيد والإيمان. # قلت: وقول ثالث وهو أحسنها، قال الحسن: هذه الآية عامة في كل من دعا إلى ~~الله. وكذا قال قيس بن أبي حازم قال: نزلت في كل مؤمن. قال: ومعنى " وعمل ~~صالحا " الصلاة بين الأذان والإقامة. وقاله أبو أمامة، قال: صلي ركعتين بين ~~الأذان والإقامة. # وقال عكرمة: " وعمل صالحا " صلى وصام. وقال الكلبي: أدى الفرائض. # قلت: وهذا أحسنها مع اجتناب المحارم وكثرة المندوب. والله أعلم. " وقال ~~انني من المسلمين " قال ابن العربي: وما تقدم يدل على الإسلام، لكن لما كان ~~الدعاء بالقول والسيف يكون للاعتقاد ويكون للحجة، وكان العمل يكون للرياء ~~والإخلاص، دل على أنه لا بد من التصريح بالاعتقاد لله في ذلك كله، وأن ~~العمل لوجهه. # مسألة: لما قال الله تعالى: " وقال إنني من المسلمين " ولم يقل له اشترط ~~إن شاء الله، كان في ذلك رد على من يقول أنا مسلم إن شاء الله. PageV15P360 # قوله تعالى: " ولا تستوى الحسنة ولا السيئة " قال الفراء: " لا " صلة أي ~~" ولا تستوي الحسنة والسيئة " وأنشد: # ما كان يرضى رسول الله فعلهم * والطيبان أبو بكر ولا عمر أراد أبو بكر ~~وعمر، أي لا يستوي ما أنت عليه ms5501 من التوحيد، وما المشركون عليه من الشرك. # قال ابن عباس: الحسنة لا إله إلا الله، والسيئة الشرك. وقيل: الحسنة ~~الطاعة، والسيئة الشرك. وهو الأول بعينه. وقيل: الحسنة المداراة، والسيئة ~~الغلظة. وقيل: الحسنة العفو، والسيئة الانتصار. وقال الضحاك: الحسنة العلم، ~~والسيئة الفحش. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: الحسنة حب آل الرسول، ~~والسيئة بغضهم. # " قوله تعالى: " ادفع بالتي هي أحسن " نسخت بآية السيف، وبقي المستحب من ~~ذلك: حسن العشرة والاحتمال والإغضاء. قال ابن عباس: أي ادفع بحلمك جهل من ~~يجهل عليك. وعنه أيضا: هو الرجل يسب الرجل فيقول الآخر إن كنت صادقا فغفر ~~الله لي، وإن كنت كاذبا فغفر الله لك. وكذلك يروى في الأثر: أن أبا بكر ~~الصديق رضي الله عنه قال ذلك لرجل نال منه. وقال مجاهد: " بالتي هي أحسن " ~~يعني السلام إذا لقي من يعاديه، وقاله عطاء. وقول ثالث ذكره القاضي أبو بكر ~~بن العربي في الأحكام وهو المصافحة. # وفي الأثر: " تصافحوا يذهب الغل ". ولم ير مالك المصافحة، وقد اجتمع مع ~~سفيان فتكلما فيها فقال سفيان: قد صافح رسول الله صلى الله عليه وسلم جعفرا ~~حين قدم من أرض الحبشة، فقال له مالك: ذلك خاص. فقال له سفيان: ما خص رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يخصنا، وما عمه يعمنا، والمصافحة ثابتة فلا وجه ~~لإنكارها. وقد روى قتادة قال قلت لأنس: هل كانت المصافحة في أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم. وهو حديث صحيح. وفي الأثر: (من تمام ~~المحبة الأخذ باليد). ومن حديث محمد بن إسحاق وهو إمام مقدم، عن الزهري عن ~~عروة عن عائشة قالت: قدم زيد بن حارثة المدينة ورسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في بيتي، فقرع الباب فقام إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم عريانا ~~يجر ثوبه - والله ما رأيته عريانا قبله ولا بعده - فاعتنقه وقبله. ~~PageV15P361 # قلت: قد روي عن مالك جواز المصافحة وعليها جماعة من العلماء. وقد مضى ذلك ~~في " يوسف " (1) وذكرنا هناك حديث البراء بن عازب ms5502 قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " ما من مسلمين يلتقيان فيأخذ أحدهما بيد صاحبه مودة ~~بينهما ونصيحة إلا ألقيت ذنوبهما بينهما ". # قوله تعالى: " فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولى حميم " أي قريب صديق. # قال مقاتل: نزلت في أبي سفيان بن حرب، كان مؤذيا للنبي صلى الله عليه ~~وسلم، فصار له وليا بعد أن كان عدوا بالمصاهرة التي وقعت بينه وبين النبي ~~صلى الله عليه وسلم، ثم أسلم فصار وليا في الإسلام حميما بالقرابة. وقيل: ~~هذه الآية نزلت في أبي جهل بن هشام، كان يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فأمره الله تعالى بالصبر عليه والصفح عنه، ذكره الماوردي. # والأول ذكره الثعلبي والقشيري وهو أظهر، لقوله تعالى: " فإذا الذي بينك ~~وبينه عداوة كأنه ولي حميم ". وقيل: كان هذا قبل الأمر بالقتال. قال ابن ~~عباس: أمره الله تعالى في هذه الآية بالصبر عند الغضب، والحلم عند الجهل، ~~والعفو عند الإساءة، فإذا فعل الناس ذلك عصمهم الله من الشيطان، وخضع لهم ~~عدوهم. وروي أن رجلا شتم قنبرا مولى علي ابن أبي طالب فناداه علي يا قنبر ~~دع شاتمك، وآله عنه ترضي الرحمن وتسخط الشيطان، وتعاقب شاتمك، فما عوقب ~~الأحمق بمثل السكوت عنه. وأنشدوا: # وللكف عن شتم اللئيم تكرما * أضر له من شتمه حين يشتم وقال آخر: # وما شئ أحب إلى سفيه * إذا سب الكريم من الجواب متاركة السفيه بلا جواب * ~~أشد على السفيه من السباب وقال محمود الوراق (2): # سألزم نفسي الصفح عن كل مذنب * وإن كثرت منه لدي الجرائم فما الناس إلا ~~واحد من ثلاثة * شريف ومشرف ومثل مقاوم # PageV15P362 # فأما الذي فوقي فأعرف قدره * واتبع فيه الحق والحق لازم وأما الذي دوني ~~فإن قال صنت عن * إجابته عرضي وإن لام لائم وأما مثلي فإن زل أو هفا * ~~تفضلت إن الفضل بالحلم حاكم " وما يلقاها " يعني هذه الفعلة الكريمة ~~والخصلة الشريفة " إلا الذين صبروا " بكظم الغيظ واحتمال الأذى. " وما ~~يلقاها الا ذو حظ عظيم " أي نصيب وافر من الخير، قاله ابن ms5503 عباس. وقال قتادة ~~ومجاهد: الحظ العظيم الجنة. قال الحسن: والله ما عظم حظ قط دون الجنة. وقيل ~~الكناية في " يلقاها " عن الجنة أي ما يلقاها الا الصابرون والمعنى متقارب. # قوله تعالى: " واما ينزغنك من الشيطان نزغ " تقدم في آخر " الأعراف " (1) ~~مستوفى. # " فاستعذ بالله " من كيد وشره " إنه هو السميع " لاستعاذتك " العليم " ~~بأفعالك وأقوالك. # قوله تعالى: ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا ~~للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن وان كنتم إياه تعبدون فان استكبروا فالذين ~~عند ربك يسبحون له باليل والنهار وهم لا يسئمون ومن آياته انك ترى الأرض ~~خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت ان الذي أحياها لمحيي الموتى انه ~~على كل شئ قدير. # قوله تعالى " ومن آياته " علاماته الدالة على وحدانيته وقدرته " الليل ~~والنهار والشمس والقمر " وقد مضى في غير موضع (2). ثم نهى عن السجود لهما، ~~لأنهما وان كانا خلقين فليس ذلك لفضيلة لهما في أنفسهما فيستحقان بها ~~العبادة مع الله. لان خالقهما هو الله # PageV15P363 # لو شاء لأعدمهما أو طمس نورهما. " واسجدوا لله الذي خلقهن " وصورهن ~~وسخرهن، فالكناية ترجع إلى الشمس والقمر والليل والنهار. وقيل: للشمس ~~والقمر خاصة، لأن الاثنين جمع. وقيل: الضمير عائد على معنى الآيات " إن ~~كنتم إياه تعبدون " وإنما أنث على جمع التكثير ولم يجر على طريق التغليب ~~للمذكر والمؤنث لأنه فيما لا يعقل. " فان استكبروا " يعنى الكفار عن السجود ~~لله " فالذين عند ربك " من الملائكة " يسبحون له بالليل والنهار وهم لا ~~يسأمون " أي لا يملون عبادته. قال زهير سئمت تكاليف الحياة ومن يعش * ~~ثمانين حولا لا أبالك يسام مسألة - هذه الآية آية سجدة بلا خلاف، واختلفوا ~~في موضع السجود منها. فقال مالك: موضعه " إن كنتم إياه تعبدون "، لأنه متصل ~~بالأمر. وكان علي وابن مسعود وغيرهم يسجدون عند قوله: " تعبدون ". وقال ابن ~~وهب والشافعي: موضعه " وهم لا يسأمون " لأنه تمام الكلام وغاية العبادة ~~والامتثال. وبه قال أبو حنيفة. وكان ابن عباس يسجد عند قوله: " يسأمون ". ~~وقال ابن عمر: اسجدوا بالآخرة منهما. وكذلك ms5504 يروى عن مسروق وأبي عبد الرحمن ~~السلمي وإبراهيم النخعي وأبي صالح ويحيى بن وثاب وطلحة وزبيد الياميين (1) ~~والحسن وابن سيرين. وكان أبو وائل وقتادة وبكر بن عبد الله يسجدون عند ~~قوله: " يسأمون ". قال ابن العربي: والأمر قريب. # مسألة: ذكر ابن خويز منداد: أن هذه الآية تضمنت صلاة كسوف القمر والشمس، ~~وذلك أن العرب كانت تقول: إن الشمس والقمر لا يكسفان إلا لموت عظيم، فصلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الكسوف. # قلت: صلاة الكسوف ثابتة في الصحاح البخاري ومسلم وغيرهما. واختلفوا في ~~كيفيتها اختلافا كثيرا، لاختلاف الآثار، وحسبك ما في صحيح مسلم من ذلك، وهو ~~العمدة في الباب. # والله الموفق للصواب. # PageV15P364 # قوله تعالى: " ومن آياته انك ترى الأرض خاشعة " الخطاب لكل عاقل أي " ومن ~~آياته " الدالة على أنه يحيي الموتى " أنك ترى الأرض خاشعة " أي يابسة ~~جدبة، هذا وصف الأرض بالخشوع، قال النابغة: # رماد ككحل العين لأيا أبينه * ونؤي كجذم الحوض أثلم خاشع (1) والأرض ~~الخاشعة، الغبراء التي تنبت. وبلدة خاشعة: أي مغبرة لا منزل بها. ومكان ~~خاشع. # " فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت " أي بالنبات، قال مجاهد. يقال: اهتز ~~الإنسان أي تحرك، ومنه: # تراه كنصل السيف يهتز للندى * إذا لم تجد عند امرئ السوء مطمعا " وربت " ~~أي انتفخت وعلت قبل أن تنبت، قال مجاهد. أي تصعدت عن النبات بعد موتها. ~~وعلى هذا التقدير يكون في الكلام تقديم وتأخير وتقديره: ربت واهتزت. ~~والاهتزاز والربو قد يكونان قبل الخروج من الأرض، وقد يكونان بعد خروج ~~النبات إلى وجه الأرض، فربوها ارتفاعها. ويقال للموضع المرتفع: ربوة ~~ورابية، فالنبات يتحرك للبروز ثم يزداد في جسمه بالكبر طولا وعرضا. وقرأ ~~أبو جعفر وخالد " وربأت " ومعناه عظمت، من الربيئة. وقيل: " اهتزت " أي ~~استبشرت بالمطر " وربت " أي انتفخت بالنبات. والأرض إذا انشقت بالنبات: ~~وصفت بالضحك، فيجوز وصفها بالاستبشار أيضا. ويجوز أن يقال الربو والاهتزاز ~~واحد، وهي حالة خروج النبات. وقد مضى هذا المعنى في " الحج " (2) " إن الذي ~~أحياها لمحيى الموتى انه على كل شئ قدير " تقدم في غير ms5505 موضع (3). # PageV15P365 # قوله تعالى: إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا أفمن يلقى في ~~النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيمة اعملوا ما شئتم انه بما تعملون بصير ~~ان الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وانه لكتب عزيز لا يأتيه البطل من بين ~~يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ما يقال لك الا ما قد قيل للرسل من ~~قبلك ان ربك لذو مغفرة وذو عقاب اليم قوله تعالى: " ان الذين يلحدون في ~~آياتنا " أي يميلون عن الحق في أدلتنا. والإلحاد: # الميل والعدول. ومنه اللحد في القبر لأنه أميل إلى ناحية منه. يقال: ألحد ~~في دين الله أي حاد عنه وعدل. ولحد لغة فيه. وهذا يرجع إلى الذين قالوا: " ~~لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه " وهم الذين ألحدوا في آياته ومالوا عن ~~الحق فقالوا: ليس القرآن من عند الله، أو هو شعر أو سحر، فالآيات آيات ~~القرآن. قال مجاهد: " يلحدون في آياتنا " أي عند تلاوة القرآن بالمكاء ~~والتصدية واللغو والغناء. وقال ابن عباس: هو تبديل الكلام ووضعه في غير ~~موضعه. وقال قتادة: " يلحدون في آياتنا " يكذبون في آياتنا. وقال السدي: ~~يعاندون ويشاقون. وقال ابن زيد: يشركون ويكذبون. والمعنى متقارب. وقال ~~مقاتل: نزلت في أبي جهل. وقيل: الآيات المعجزات، وهو يرجع إلى الأول فإن ~~القرآن معجز. # " أفمن يلقى في النار " على وجهه وهو أبو جهل في قول ابن عباس وغيره. " ~~خير امن يأتي آمنا يوم القيامة " قيل: النبي صلى الله عليه وسلم، قاله ~~مقاتل. وقيل: عمار ابن ياسر. وقيل: حمزة. وقيل: عمر بن الخطاب. وقيل: أبو ~~سلمة بن عبد الأسد المخزومي. وقيل: المؤمنون. وقيل: إنها على العموم، فالذي ~~يلقى في النار الكافر، والذي يأتي آمنا يوم القيامة المؤمن، قال ابن بحر. " ~~اعملوا ما شئتم " أمر تهديد، أي بعد ما علمتم أنهما لا يستويان فلا بد لكم ~~من الجزاء. " إنه بما تعملون بصير " وعيد بتهديد وتوعد. PageV15P366 # قوله تعالى: " ان الذين كفروا بالذكر لما جاءهم " الذكر ها هنا القرآن في ~~قول الجميع، ms5506 لأن فيه ذكر ما يحتاج إليه من الأحكام. والخبر محذوف [تقديره] ~~(1) هالكون أو معذبون. # وقيل: الخبر " أولئك ينادون من مكان بعيد " [فصلت: 44] واعترض قوله: " ما ~~يقال لك " ثم رجع إلى الذكر فقال: " ولو جعلناه قرآنا أعجميا " ثم قال: " ~~أولئك ينادون " [فصلت: 44] والأول الاختيار، قال النحاس: عند النحويين ~~جميعا فيما علمت. " وإنه لكتاب عزيز " أي عزيز على الله، قاله ابن عباس، ~~وعنه: عزيز من عند الله. وقيل: كريم على الله. وقيل: " عزيز " أي أعزه الله ~~فلا يتطرق إليه باطل. وقيل: ينبغي أن يعز ويجل وألا يلغى فيه. وقيل: " عزيز ~~" من الشيطان أن يبدله، قاله السدي. مقاتل: منع من الشيطان والباطل. السدي: ~~غير مخلوق فلا مثل له. وقال ابن عباس أيضا: " عزيز " أي ممتنع عن الناس أن ~~يقولوا مثله. # " لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه " أي لا يكذبه شئ مما أنزل ~~الله من قبل ولا ينزل من بعده يبطله وينسخه، قال الكلبي. وقال السدي ~~وقتادة: " لا يأتيه الباطل " يعني الشيطان " من بين يديه ولا من خلفه " لا ~~يستطيع أن يغير ولا يزيد ولا ينقص. # وقال سعيد بن جبير: لا يأتيه التكذيب " من بين يديه ولا من خلفه ". ابن ~~جريج: # " لا يأتيه الباطل " فيما أخبر عما مضى ولا فيما أخبر عما يكون. وعن ابن ~~عباس: " من بين يديه " من الله تعالى: " ولا من خلفه " يريد من جبريل صلى ~~الله عليه وسلم، ولا من محمد صلى الله عليه وسلم. " تنيل من حكيم حميد " ~~ابن عباس: " حكيم " في خلقه " حميد " إليهم. # قتادة: " حكيم " في أمره " حميد " إلى خلقه. # قوله تعالى: " ما يقال لك " أي من الأذى والتكذيب " الا ما قد قيل للرسل ~~من قبلك " يعزي نبيه ويسليه " ان ربك لذو مغفرة " لك ولأصحابك " وذو عقاب ~~اليم " يريد لأعدائك وجيعا. وقيل أي ما يقال لك من اخلاص العبادة لله الا ~~ما قد أوحى إلى من قبلك، ولا خلاف بين الشرائع فيما يتعلق بالتوحيد وهو ~~كقوله، " ولقد أوحي إليك والى الذين # PageV15P367 # من قبلك لئن ms5507 أشركت ليحبطن عملك " أي لم تدعهم الا إلى ما تدعو إليه جميع ~~الأنبياء فلا معنى لانكارهم عليك وقيل: # هو استفهام أي أي شئ يقال لك " إلا ما قد قيل للرسل من قبلك ". وقيل: " ~~إن ربك " كلام مبتدأ وما قبله كلام تام إذا كان الخبر مضمرا. # وقيل: هو متصل ب " ما يقال لك ". " ان ربك لذو مغفرة وذو عقاب اليم " أي ~~إنما أمرت بالانذار والتبشير. # قوله تعالى: ولو جعلنه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي ~~قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى ~~أولئك ينادون من مكان بعيد قوله تعالى " ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا ~~لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي " فيه ثلاث مسائل: الأولى - قوله تعالى: " ~~ولو جعلناه قرآنا أعجميا " أي بلغة غير العرب " لقالوا لولا فصلت آياته " ~~أي بينت بلغتنا فإننا عرب لا نفهم الأعجمية. فبين أمخ أنزله بلسانهم ليتقرر ~~به معنى الاعجاز، إذ هم أعلم الناس بأنواع الكلام نظما ونثرا. وإذا عجزوا ~~عن معارضته كان من أدل الدليل على أنه من عند الله. ولو كان بلسان العجم ~~لقالوا لا علم لنا بهذا اللسان. # الثانية - وإذا ثبت هذا ففيه دليل على أن القرآن عربي، وأنه نزل بلغة ~~العرب، وأنه ليس أعجميا، وأنه إذا نقل عنها إلى غيرها لم يكن قرآنا. # الثالثة - قوله تعالى: " أأعجمي وعربي " وقرأ أبو بكر وحمزة والكسائي " ~~ااعجمي وعربي " بهمزتين مخففتين، والعجمي الذي ليس من العرب كان فصيحا أو ~~غير فصيح، والأعجمي الذي لا يفصح كان من العرب أو من العجم، فالأعجم ضد ~~الفصيح وهو الذي لا يبين كلامه. ويقال للحيوان غير الناطق أعجم، ومنه " ~~صلاة النهار عجماء " أي لا يجهر فيها بالقراء فكانت النسبة إلى الأعجم آكد، ~~لأن الرجل العجمي الذي ليس من العرب قد يكون PageV15P368 # فصيحا بالعربية، والعربي قد يكون غير فصيح، فالنسبة إلى الأعجمي آكد في ~~البيان. والمعنى أقرآن أعجمي، ونبي عربي؟ وهو استفهام إنكار. وقرأ الحسن ~~وأبو العالية ونصر بن عاصم والمغيرة وهشام عن ms5508 ابن عامر " أعجمي " بهمزة ~~واحدة على الخبر. والمعنى " لولا فصلت آياته " فكان منها عربي يفهمه العرب، ~~وأعجمي يفهمه العجم. وروى سعيد بن جبير قال قالت قريش: لولا أنزل القرآن ~~أعجميا وعربيا فيكون بعض آياته عجميا وبعض آياته عربيا فنزلت الآية. وأنزل ~~في القرآن من كل لغة فمنه " السجيل " وهي فارسية وأصلها سنك كيل، أي طين ~~وحجر، ومنه " الفردوس " رومية وكذلك " القسطاس " وقرأ أهل الحجاز وأبو عمرو ~~وابن ذكوان وحفص على الاستفهام، إلا أنهم لينوا الهمزة على أصولهم. ~~والقراءة الصحيحة قراءة الاستفهام. والله أعلم. # قوله تعالى: " قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء " أعلم الله أن القرآن هدى ~~وشفاء لكل من آمن به من الشك والريب والأوجاع. " والذين لا يؤمنون في ~~آذانهم وقر " أي صمم عن سماع القرآن. ولهذا تواصوا باللغو فيه. ونظير هذه ~~الآية: " وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا ~~خسارا " [الإسراء: 82] وقد مضى مستوفى (1). وقراءة العامة " عمى " على ~~المصدر. وقرأ ابن عباس وعبد الله بن الزبير وعمرو بن العاص ومعاوية وسليمان ~~بن قتة " وهو عليهم عم " بكسر الميم أي لا يتبين لهم. واختار أبو عبيد ~~القراءة الأولى، لإجماع الناس فيها، ولقوله أولا: " هدى وشفاء " ولو كان ~~هاد وشاف لكان الكسر في " عمى " أجود، ليكون نعتا مثلهما، تقديره: " والذين ~~لا يؤمنون " في ترك قبوله بمنزلة من في آذانهم " وقر وهو " يعنيي القرآن " ~~عليهم " ذو عمى، لأنهم لا يفقهون فحذف المضاف وقيل المعل والوقر عليهم عمى. ~~" أولئك ينادون من مكان بعيد " يقال ذلك لمن لا يفهم من التمثيل. وحكى أهل ~~اللغة أنه يقال للذي يفهم: أنت تسمع من قريب. ويقال للذي لا يفهم: أنت ~~تنادى من بعيد. أي كأنه ينادى من موضع بعيد منه فهو لا يسمع النداء # PageV15P369 # ولا يفهمه. وقال الضحاك: " ينادون " يوم القيامة بأقبح أسمائهم " من مكان ~~بعيد " فيكون ذلك أشد لتوبيخهم وفضيحتهم. وقيل: أي من لم يتدبر القرآن صار ~~كالأعمى الأصم، فهو ينادى من مكان بعيد فينقطع صوت المنادي عنه وهو لم ~~يسمع. ms5509 وقال علي رضي الله عنه ومجاهد: أي بعيد من قلوبهم. وفي التفسير: ~~كأنما ينادون من السماء فلا يسمعون. # وحكى معناه النقاش. # قوله تعالى: ولقد آتينا موسى الكتب فاختلف فيه ولولا كلمة سبقت من ربك ~~لقضى بينهم وانهم لفي شك منه مريب من عمل صلحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ~~ربك بظلم للعبيد قوله تعالى: " ولقد آتينا موسى الكتاب " يعني التوراة " ~~فاختلف فيه " أي آمن به قوم وكذب به قوم. والكناية ترجع إلى الكتاب، وتسلية ~~للنبي صلى الله عليه وسلم، أي لا يحزنك اختلاف قومك في كتابك، فقد اختلف من ~~قبلهم في كتابهم. وقيل الكناية ترجع إلى موسى. " ولولا كلمة سبقت من ربك " ~~أي في إمهالهم. " لقضى بينهم " أي بتعجيل العذاب. " وإنهم لفي شك منه " من ~~القرآن " مريب " أي شديد الريبة. # وقد تقدم (1). وقال الكلبي في هذه الآية: لولا أن الله أخر عذاب هذه ~~الأمة إلى يوم القيامة لأتاهم العذاب كما فعل بغيرهم من الأمم. وقيل: تأخير ~~العذاب لما يخرج من أصلابهم من المؤمنين. # قوله تعالى: " من عمل صالحا فلنفسه " شرط وجوابه " ومن أساء فعليها ". # والله جل وعز مستغن عن طاعة العباد، فمن أطاع فالثواب له، ومن أساء ~~فالعقاب عليه. # " وما ربك بظلام للعبيد " نفى الظلم عن نفسه جل وعز قليله وكثيره، وإذا ~~انتفت المبالغة انتفى غيرها، دليله قوله الحق: " إن الله لا يظلم الناس ~~شيئا " [يونس: 44] وروى العدول الثقات، # PageV15P370 # والأئمة الأثبات، عن الزاهد العدل، عن أمين الأرض، عن أمين السماء، عن ~~الرب جل جلاله: " يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا ~~تظالموا " الحديث. # وأيضا فهو الحكيم المالك، وما يفعله المالك في ملكه لا اعتراض عليه، إذ ~~له التصرف في ملكه بما يريد. # قوله تعالى: إليه يرد علم الساعة وما تخرج من ثمرات من أكمامها وما تحمل ~~من أنثى ولا تضع الا بعلمه ويوم يناديهم أين شركائي قالوا آذنك ما منا من ~~شهيد وضل عنهم ما كانوا يدعون من قبل وظنوا مالهم من محيص قوله تعالى: " ~~إليه ms5510 يرد علم الساعة " أي حين وقتها. وذلك أنهم قالوا: يا محمد إن كنت نبيا ~~فخبرنا متى قيام الساعة فنزلت: " وما تخرج من ثمرات " " من " زائدة أي وما ~~تخرج ثمرة. " من أكمامها " أي من أوعيتها، فالأكمام أوعية الثمرة، واحدها ~~كمة وهي كل ظرف لمال أو غيره، ولذلك سمي قشر الطلع أعني كفراه الذي ينشق عن ~~الثمرة كمة، قال ابن عباس: الكمة الكفرى قبل أن تنشق، فإذا انشقت فليست ~~بكمة. وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة [الرحمن] (1). وقرأ نافع وابن عامر ~~وحفص " من ثمرات " على الجمع. الباقون " ثمرة " على التوحيد والمراد الجمع، ~~لقوله: " وما تحمل من أنثى " والمراد الجمع، يقول: # " إليه يرد علم الساعة " كما يرد إليه علم الثمار والنتاج. " ويوم ~~يناديهم " أي ينادي الله المشركين " أين شركائي " الذين زعمتم في الدنيا ~~أنها آلهة تشفع. " قالوا " يعني الأصنام. وقيل: # المشركون. ويحتمل أن يريدهم جميعا العابد والمعبود " آذانك " أسمعناك ~~وأعلمناك. يقال: # آذن يؤذن: إذا أعلم، قال (2): # آذنتنا ببينها أسماء * رب ثاو يمل منه الثواء # PageV15P371 # " ما منا من شهيد " أي نعلمك ما منا أحد يشهد بأن لك شريكا. لما عاينوا ~~القيامة تبرءوا من الأصنام وتبرأت الأصنام منهم كما تقدم في غير موضع (1). ~~وضل عنهم " أي بطل عنهم " ما كانوا يدعون من قبل " في الدنيا " وظنوا " أي ~~أيقنوا وعلموا " مالهم من محيص " أي فرار عن النار. و " ما " هنا حرف وليس ~~باسم، فلذلك لم يعمل فيه الظن وجعل الفعل ملغى، تقديره: وظنوا أنهم مالهم ~~محيص ولا مهرب. يقال: حاص يحيص. حيصا ومحيصا إذا هرب. وقيل: إن الظن هنا ~~الذي هو أغلب الرأي، لا يشكون في أنهم أصحاب النار ولكن يطمعون أن يخرجوا ~~منها. وليس يبعد أن يكون لهم ظن ورجاء إلى أن يؤيسوا. # قوله تعالى: لا يسئم الانسان من دعاء الخير وان مسه الشر فيئوس قنوط ولئن ~~أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي وما أظن الساعة قائمة ولئن ~~رجعت إلى ربى ان لي عنده للحسنى فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ولنذيقنهم ms5511 ~~من عذاب غليظ وإذا أنعمنا على الانسان أعرض ونئا بجانبه وإذا مسه الشر فذو ~~دعاء عريض قوله تعالى: " لا يسأم الانسان من دعاء الخير " أي لا يمل من ~~دعائه بالخير. والخير هنا المال والصحة والسلطان والعز. قال السدى: ~~والانسان ها هنا يراد به الكافر. # وقيل: الوليد بن المغيرة. وقيل: عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأمية بن خلف. وفي ~~قراءة عبد الله " لا يسأم الإنسان من دعاء المال ". " وان مسه الشر " لا ~~لفقر والمرض " فيئوس " من روح الله " قنوط " من رحمته. وقيل: " يؤوس " من ~~إجابة الدعاء " قنوط " بسوء الظن بربه. وقيل: " يؤوس " أي يئس من زوال ما ~~به من المكروه " قنوط " أي يظن أنه يدوم، والمعنى متقارب. # PageV15P372 # قوله تعالى: " ولئن أذقناه رحمة منا " عاقبة ورخاء وغنى " من بعد ضراء ~~مسته " ضر وسقم وشدة وفقر. " ليقولن هذا لي " أي هذا شئ أستحقه على الله ~~لرضاه بعملي، فيرى النعمة حتما واجب على الله تعالى، ولم يعلم أنه ابتلاه ~~بالنعمة والمحنة، ليتبين شكره وصبره. وقال ابن عباس: " هذا لي " أي هذا من ~~عندي. " وما أظن الساعة قائمه ولئن رجعت إلى ربى ان لي عنده للحسنى " أي ~~الجنة، واللام للتأكيد. يتمنى الأماني بلا عمل. # قال الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب: للكافر أمنيتان أما في الدنيا ~~فيقول: " لئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى "، وأما في الآخرة فيقول: " ~~يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين " [الأنعام: 27] و " ~~يا ليتني كنت ترابا " [النبأ: 40]. " فلننبئن الذين كفروا بما عملوا " أي ~~لنجزينهم. قسم أقسم الله عليه. " ولنذيقنهم من عذاب غليظ " شديد. # قوله تعالى: وإذا أنعمنا على الانسان " يريد الكافر " أعرض ونأى بجانبه " ~~وقال ابن عباس: يريد عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأمية بن خلف أعرضوا عن ~~الإسلام وتباعدوا عنه. ومعنى " نأى بجانبه " أي ترفع عن الانقياد إلى الحق ~~وتكبر على أنبياء الله. وقيل: " نأى " تباعد. يقال: نأيته ونأيت عنه نأيا ~~بمعنى تباعدت عنه، وأنايته فانتأى أبعدته فبعد، وتناءوا تباعدوا، والمنتأى ~~الموضع البعيد، ms5512 قال النابغة فإنك كالليل الذي هو مدركي * وإن خلت أن ~~المنتأى عنك واسع وقرأ يزيد بن القعقاع و " ناء بجانبه " بالألف قبل ~~الهمزة. فيجوز أن يكون من " ناء " إذا نهض. ويجوز أن يكون على قلب الهمزة ~~بمعنى الأول. " وإذا مسه الشر " أي أصابه المكروه " فذو دعاء عريض " كثير، ~~والعرب تستعمل الطول والعرض في الكثرة. # يقال: أطال فلان في الكلام وأعرض في الدعاء إذا أكثر. وقال ابن عباس: # " فذو دعاء عريض " فذو تضرع واستغاثة. والكافر يعرف ربه في البلاء ولا ~~يعرفه في الرخاء. PageV15P373 # قوله تعالى: قل أرأيتم ان كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو في ~~شقاق بعيد سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو ~~لم يكف بربك انه على كل شئ شهيد الا انهم في مرية من لقاء ربهم الا انه بكل ~~شئ محيط قوله تعالى: " قل أرأيتم " أي قل لهم يا محمد " أرأيتم " يا معشر ~~المشركين. " إن كان " هذا القرآن " من عند الله ثم كفرتم به من أضل " أي ~~فأي الناس أضل، أي لا أحد أضل منكم لفرط شقاقكم وعداوتكم. وقيل: قوله: " إن ~~كان من عند الله " يرجع إلى الكتاب المذكور في قوله: " آتينا موسى الكتاب " ~~[البقرة: 53] والأول أظهر وهو قول ابن عباس. # قوله تعالى: " سنريهم آياتنا في الآفاق " أي علامات وحدانيتنا وقدرتنا " ~~في الآفاق " يعني خراب منازل الأمم الخالية " وفي أنفسهم " بالبلايا ~~والأمراض. وقال ابن زيد: # " في الآفاق " آيات السماء " وفي أنفسهم " حوادث الأرض. وقال مجاهد: " في ~~الآفاق " فتح القرى، فيسر الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم وللخلفاء ~~من بعده وأنصار دينه في آفاق الدنيا وبلاد المشرق والمغرب عموما، وفي ناحية ~~المغرب خصوصا من الفتوح التي لم يتيسر أمثالها لأحد من خلفاء الأرض قبلهم، ~~ومن الإظهار على الجبابرة والأكاسرة وتغليب قليلهم على كثيرهم، وتسليط ~~ضعفائهم على أقويائهم، وإجرائه على أيديهم أمورا خارجة عن المعهود خارقة ~~للعادات " وفي أنفسهم " فتح مكة. وهذا اختيار الطبري. وقال المنهال بن عمرو ms5513 ~~والسدي. وقال قتادة والضحاك: " في الآفاق " وقائع الله في الأمم " وفي ~~أنفسهم " يوم بدر. وقال عطاء وابن زيد أيضا " في الآفاق " يعني أقطار ~~السماوات والأرض من الشمس والقمر والنجوم والليل والنهار والرياح والأمطار ~~والرعد والبرق والصواعق والنبات PageV15P374 # والأشجار والجبال والبحار وغيرها. وفي الصحاح: الآفاق النواحي، واحدها ~~أفق وأفق مثل عسر وعسر، ورجل أفقي بفتح الهمزة والفاء: إذا كان من آفاق ~~الأرض. حكاه أبو نصر. # وبعضهم يقول: أفقي بضمها وهو القياس. وأنشد غير الجوهري: # أخذنا بآفاق السماء عليكم * لنا قمراها والنجوم الطوالع " وفي أنفسهم " ~~من لطيف الصنعة وبديع الحكمة حتى سبيل الغائط والبول، فإن الرجل يشرب ويأكل ~~من مكان واحد ويتميز ذلك من مكانين، وبديع صنعة الله وحكمته في عينيه ~~اللتين هما قطرة ماء ينظر بهما من السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة عام، وفى ~~أذنيه اللتين يفرق بهما بين الأصوات المختلفة. وغير ذلك من بديع حكمة الله ~~فيه. وقيل: " وفي أنفسهم " من كونهم نطفا إلى غير ذلك من انتقال أحوالهم ~~كما تقدم في [المؤمنون] (1) بيانه. وقيل: المعنى سيرون ما أخبرهم به النبي ~~صلى الله عليه وسلم من الفتن وأخبار الغيوب " حتى يتبين لهم انه الحق " فيه ~~أربعة أوجه [أحدها] أنه القرآن. [الثاني] الإسلام جاءهم به الرسول ودعاهم ~~إليه. [الثالث] أن ما يريهم الله ويفعل من ذلك هو الحق. [الرابع] أن محمدا ~~صلى الله عليه وسلم هو الرسول الحق. " أو لم يكف بربك " في موضع رفع بأنه ~~فاعل " بيكف " و " أنه " بدل من " ربك " فهو رفع إن قدرته بدلا على الموضع، ~~وجر " إن " قدرته بدلا على اللفظ. # ويجوز أن يكون نصبا بتقدير حذف اللام، والمعنى أو لم يكفهم ربك بما دلهم ~~عليه من توحيده، لأنه " على كل شئ شهيد " وإذا شهده جازى عليه. وقيل: ~~المعنى " أو لم يكف بربك " في معاقبته الكفار. وقيل: المعنى " أو لم يكف ~~بربك " يا محمد أنه شاهد على أعمال الكفار. # وقيل: " أو لم يكف بربك " شاهدا على أن القرآن من عند الله. وقيل: " أو ~~لم يكف بربك ms5514 أنه على كل شئ " مما يفعله العبد " شهيد " والشهيد بمعنى ~~العالم، أو هو من الشهادة التي هي الحضور " الا انهم في مرية " في شك " من ~~لقاء ربهم " في الآخرة. # وقال السدي: أي من البعث. " إلا إنه بكل شئ محيط " أي أحاط علمه بكل شئ. # PageV15P375 # قاله السدي. وقال الكلبي: أحاطت قدرته بكل شئ. وقال الخطابي: هو الذي ~~أحاطت قدرته بجميع خلقه، وهو الذي أحاط بكل شئ علما، وأحصى كل شئ عددا. ~~وهذا الاسم أكثر ما يجئ في معرض الوعيد، وحقيقته الإحاطة بكل شئ، واستئصال ~~المحاط به، وأصله محيط نقلت حركة الياء إلى الحاء فسكنت. يقال منه: أحاط ~~يحيط إحاطة وحيطة، ومن ذلك حائط الدار، يحوطها أهلها. وأحاط ت الخيل بفلان: ~~إذا أخذ مأخذا حاصرا من كل جهة، ومنه قوله تعالى: " وأحيط بثمره " [الكهف: ~~42] والله أعلم بصواب ذلك. # تم الجزء الخامس عشر من تفسير القرطبي يتلوه إن شاء الله تعالى الجزء ~~السادس عشر، وأوله: # " سورة الشورى " PageV15P376 # الجامع لاحكام القرآن لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي الجزء ~~السادس عشر أعاد طبعه دار احياء التراث العربي بيروت - لبنان 1405 ه‍ 1985 ~~م بسم الله الرحمن الرحيم سورة الشورى مكية في قول الحسن وعكرمة وعطاء ~~وجابر. وقال ابن عباس وقتادة: إلا أربع آيات منها أنزلت بالمدينة: " قل لا ~~أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى " (1) [الشورى: 23] إلى آخرها. # وهي ثلاث وخمسون آية. # قوله تعالى: حم (1) عسق (2) كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله ~~العزيز الحكيم (3) له ما في السماوات وما في الأرض وهو العلي العظيم (4) ~~قوله تعالى: " حم. عسق " قال عبد المؤمن: سألت الحسين بن الفضل: لم قطع " ~~حم " من " عسق " ولم تقطع " كهيعص " و " المر " و " المص "؟ فقال: لان " ~~حم. # عسق " بين سور أولها " حم " فجرت مجرى نظائرها قبلها وبعدها، فكأن " حم " ~~مبتدأ و " عسق " خبره. ولأنها عدت آيتين، وعدت أخواتها اللواتي كتبت جملة ~~آية واحدة. # وقيل: إن الحروف المعجمة كلها في معنى واحد، من حيث إنها أس البيان ~~وقاعدة الكلام، ms5515 ذكره الجرجاني. وكتبت " حم. عسق " منفصلا و " كهيعص " متصلا ~~لأنه قيل: حم، أي حم ما هو كائن، ففصلوا بين ما يقدر فيه فعل وبين ما لا ~~يقدر. ثم لو فصل هذا ووصل ذا لجاز، حكاه القشيري. وفي قراءة ابن مسعود وابن ~~عباس " حم. سق " قال ابن عباس: # PageV16P001 # وكان علي رضي الله عنه يعرف الفتن بها. وقال أرطاة بن المنذر: قال رجل ~~لابن عباس وعنده حذيفة بن اليمان: أخبرني عن تفسير قوله تعالى: " حم. عسق ~~"؟ فأعرض عنه حتى أعاد عليه ثلاثا فأعرض عنه. فقال حذيفة بن اليمان: أنا ~~أنبئك بها، قد عرفت لم تركها، نزلت في رجل من أهل بيته يقال له عبد الاله ~~أو عبد الله، ينزل على نهر من أنهار المشرق، يبني عليه مدينتين يشق النهر ~~بينهما شقا، فإذا أراد الله زوا ملكهم وانقطاع دولتهم، بعث على إحداهما ~~نارا ليلا فتصبح سوداء مظلمة، فتحرق كلها كأنها لم تكن مكانها، فتصبح ~~صاحبتها متعجبة، كيف قلبت! فما هو إلا بياض يومها حتى يجتمع فيها كل جبار ~~عنيد، ثم يخسف الله بها وبهم جميعا، فذلك قوله: " حم. عسق " أي عزمة (1) من ~~عزمات الله، وفتنة وقضاء حم: حم. " ع ": عدلا منه، " س ": سيكون، " ق ": ~~واقع في هاتين المدينتين. # ونظير هذا التفسير ما روى جرير بن عبد الله البجلي قال: سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: (تبنى مدينة بين دجلة ودجيل وقطربل (2) والصراة، ~~يجتمع فيها جبابرة الأرض تجبى إليها الخزائن يخسف بها - وفي رواية بأهلها - ~~فلهي أسرع ذهابا في الأرض من الوتد الجيد في الأرض الرخوة). وقرأ ابن عباس ~~" حم. سق " بغير عين. وكذلك هو في مصحف عبد الله بن مسعود، حكاه الطبري. ~~وروى نافع عن ابن عباس: " الحاء " حلمه (3)، و " الميم " مجده، و " العين " ~~علمه، و " السين " سناه، و " القاف " قدرته، أقسم الله بها. # وعن محمد بن كعب: أقسم الله بحلمه ومجده وعلوه وسناه وقدرته ألا يعذب من ~~عاذ بلا إله إلا الله مخلصا من قلبه. وقال جعفر بن محمد وسعيد ms5516 بن جبير: " ~~الحاء " من الرحمن، " والميم " من المجيد، و " العين " من العليم، و " ~~السين " من القدوس، و " القاف " من القاهر. وقال مجاهد: فواتح السور. وقال ~~عبد الله بن بريدة: إنه اسم الجبل المحيط بالدنيا. وذكر القشيري واللفظ ~~للثعلبي: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية عرفت الكآبة في ~~وجهه، # PageV16P002 # فقيل له: يا رسول الله، ما أحزنك؟ قال: (أخبرت ببلايا تنزل بأمتي من خسف ~~وقذف ونار تحشرهم وريح تقذفهم في البحر وآيات متتابعات متصلات بنزول عيسى ~~وخروج الدجال). والله أعلم. وقيل: هذا في شأن النبي صلى الله عليه وسلم ف " ~~الحاء " حوضه المورود، و " الميم " ملكه الممدود، و " العين " عزه الموجود، ~~و " السين " سناه المشهود، و " القاف " قيامه في المقام المحمود، وقربه في ~~الكرامة (1) من الملك المعبود. وقال ابن عباس: # ليس من نبي صاحب كتاب إلا وقد أوحي إليه: " حم. عسق "، فلذلك قال: " يوحي ~~إليك وإلى الذين من قبلك " المهدوي: وقد جاء في الخبر أن (" حم. عسق " ~~معناه أوحيت إلى الأنبياء المتقدمين). وقرأ ابن محيصن وابن كثير ومجاهد " ~~يوحى " (بفتح الحاء) على ما لم يسم فاعله، وروي عن ابن عمر. فيكون الجار ~~والمجرور في موضع رفع لقيامه مقام الفاعل. # ويجوز أن يكون اسم ما لم يسم فاعله مضمرا، أي يوحى إليك القرآن الذي ~~تضمنته هذه السورة، ويكون اسم الله مرفوعا بإضمار فعل، التقدير: يوحيه الله ~~إليك، كقراءة ابن عامر وأبي بكر " يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال " ~~[النور: 36 - 37] أي يسبحه رجال. وأنشد سيبويه: # ليبك يزيد ضارع بخصومة * وأشعث ممن طوحته الطوائح (2) فقال: لبيك يزيد، ~~ثم بين من ينبغي أن يبكيه، فالمعنى يبكيه ضارع. ويجوز أن يكون مبتدأ والخبر ~~محذوف، كأنه قال: الله يوحيه. أو على تقدير إضمار مبتدأ أي الموحي الله. # أو يكون مبتدأ والخبر " العزيز الحكيم ". وقرأ الباقون " يوحي إليك " ~~بكسر الحاء، ورفع الاسم على أنه الفاعل. " له ما في السماوات وما في الأرض ~~وهو العلي العظيم " تقدم في غير موضع (3). # PageV16P003 # قوله تعالى: تكاد السماوات يتفطرن ms5517 من فوقهن والملائكة يسبحون بحمد ربهم ~~ويستغفرون لمن في الأرض ألا إن الله هو الغفور الرحيم (5) قوله تعالى: " ~~تكاد السماوات " قراءة العامة بالتاء. وقرأ نافع وابن وثاب والكسائي ~~بالياء. " يتفطرن " قرأ نافع وغيره بالياء والتاء والتشديد في الطاء، وهي ~~قراءة العامة. وقرأ أبو عمرو وأبو بكر والمفضل وأبو عبيد " ينفطرن " من ~~الانفطار، كقول تعالى: " إذا السماء انفطرت " [الانفطار: 1] وقد مضى في ~~سورة " مريم " بيان هذا (1). وقال ابن عباس: " تكاد السماوات يتفطرن " أي ~~تكاد كل واحدة منها تنفطر فوق التي تليها، من قول المشركين: " اتخذ الله ~~ولدا " (2) [البقرة: 116]. وقال الضحاك والسدي: " يتفطرن " أي يتشققن من ~~عظمة الله وجلاله فوقهن. # وقيل: " فوقهن "، فوق الأرضين من خشية الله لو كن مما يعقل. # قوله تعالى: " والملائكة يسبحون بحمد ربهم " أي ينزهونه عما لا يجوز في ~~وصفه، وما لا يليق بجلاله. وقيل يتعجبون من جرأة المشركين، فيذكر التسبيح ~~في موضع التعجب. # وعن علي رضي الله عنه: أن تسبيحهم تعجب مما يرون من تعرضهم لسخط الله. ~~وقال ابن عباس: تسبيحهم خضوع لما يرون من عظمة الله. ومعنى " بحمد ربهم " ~~بأمر ربهم، قاله السدي. " ويستغفرون لمن في الأرض " قال الضحاك: لمن في ~~الأرض من المؤمنين، وقاله السدي. بيانه في سورة المؤمن: " ويستغفرون للذين ~~آمنوا " (3) [غافر: 7]. وعلى هذا تكون الملائكة هنا حملة العرش. وقيل: جميع ~~ملائكة السماء، وهو الظاهر من قول الكلبي. وقال وهب ابن منبه: هو منسوخ ~~بقوله: " ويستغفرون للذين آمنوا ". قال المهدوي: والصحيح أنه ليس بمنسوخ، ~~لأنه خبر، وهو خاص للمؤمنين. وقال أبو الحسن الماوردي عن الكلبي: # ان الملائكة لما رأت الملكين اللذين اختبرا وبعثا إلى الأرض ليحكما ~~بينهم، فافتتنا بالزهرة # PageV16P004 # وهربا إلى إدريس - وهو جد أبي نوح عليهما السلام - وسألاه أن يدعو لهما، ~~سبحت الملائكة بحمد ربهم واستغفرت لبني آدم. قال أبو الحسن بن الحصار: وقد ~~ظن بعض من جهل أن هذه الآية نزلت بسبب هاروت وماروت، وأنها منسوخة بالآية ~~التي في المؤمن، وما علموا أن حملة العرش مخصوصون بالاستغفار للمؤمنين ~~خاصة، ولله ملائكة أخر ms5518 يستغفرون لمن في الأرض. الماوردي: وفي استغفارهم لهم ~~قولان: أحدهما - من الذنوب والخطايا، وهو ظاهر قول مقاتل. الثاني - أنه طلب ~~الرزق لهم والسعة عليهم، قاله الكلبي. # قلت: وهو أظهر، لان الأرض تعم الكافر وغيره، وعلى قول مقاتل لا يدخل فيه ~~الكافر. وقد روي في هذا الباب خبر رواه عاصم الأحول عن أبي عثمان عن سلمان ~~قال: إن العبد إذا كان يذكر الله في السراء فنزلت به الضراء قالت الملائكة: ~~صوت معروف من آدمي ضعيف، كان يذكر الله تعالى في السراء فنزلت به الضراء، ~~فيستغفرون له. فإذا كان لا يذكر الله في السراء فنزلت به الضراء قالت ~~الملائكة: صوت منكر من آدمي كان لا يذكر الله في السراء فنزلت به الضراء، ~~فلا يستغفرون. وهذا يدل على أن الآية في الذاكر لله تعالى في السراء ~~والضراء، فهي خاصة ببعض من في الأرض من المؤمنين. والله أعلم. يحتمل أن ~~يقصدوا بالاستغفار طلب الحلم والغفران في قوله تعالى: " إن الله يمسك ~~السماوات والأرض أن تزولا " (1) [فاطر: 41] - إلى أن قال - إنه كان حليما ~~غفورا "، وقوله تعالى: " وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم " (2) [الرعد: ~~6]. والمراد الحلم عنهم وألا يعالجهم بالانتقام، فيكون عاما، قاله ~~الزمخشري. وقال مطرف: وجدنا أنصح عباد الله لعباد الله الملائكة، ووجدنا ~~أغش عباد الله لعباد الله الشياطين. وقد تقدم (3). " ألا إن الله هو الغفور ~~الرحيم " قال بعض العلماء: هيب وعظم عز وجل في الابتداء، وألطف وبشر في ~~الانتهاء. # قوله تعالى: والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم ~~بوكيل (6) # PageV16P005 # قوله تعالى: " والذين اتخذوا من دونه أولياء " يعني أصناما يعبدونها. " ~~الله حفيظ عليم " أي يحفظ أعمالهم ليجازيهم بها. " وما أنت عليهم بوكيل " ~~وهذه منسوخة بآية السيف. وفي الخبر: (أطت السماء وحق لها أن تئط) أي صوتت ~~من ثقل سكانها لكثرتهم، فهم مع كثرتهم لا يفترون عن عبادة الله، وهؤلاء ~~الكفار يشركون به. # قوله تعالى: وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى ومن حولها ~~وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه ms5519 فريق في الجنة وفريق في السعير (7) قوله تعالى: ~~" وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا " أي وكما أوحينا إليك وإلى من قبلك هذه ~~المعاني فكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا بيناه بلغة العرب. وقيل: أي أنزلنا ~~عليك قرآنا عربيا بلسان قومك، كما أرسلنا كل رسول بلسان قومه. والمعنى ~~واحد. " لتنذر أم القرى " يعني مكة. قيل لمكة أم القرى لان الأرض دحيت من ~~تحتها. " ومن حولها " من سائر الخلق. " وتنذر يوم الجمع " أي بيوم الجمع، ~~وهو يوم القيامة. " لا ريب فيه " لا شك فيه. " فريق في الجنة وفريق في ~~السعير " ابتداء وخبر. وأجاز الكسائي النصب على تقدير: لتنذر فريقا في ~~الجنة وفريقا في السعير. # قوله تعالى: ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة ولكن يدخل من يشاء في رحمته ~~والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير (8) قوله تعالى: " ولو شاء الله لجعلهم ~~أمة واحدة " قال الضحاك: أهل دين واحد، أهل ضلالة أو أهل هدى. " ولكن يدخل ~~من يشاء في رحمته " قال أنس بن مالك: # في الاسلام. " والظالمون " رفع على الابتداء، والخبر " ما لهم من ولي ولا ~~نصير " عطف على اللفظ. ويجوز " ولا نصير " بالرفع على الموضع و " من " ~~زائدة. PageV16P006 # قوله تعالى: أم اتخذوا من دونه أولياء فالله هو الولي وهو يحي الموتى وهو ~~على كل شئ قدير (9) قوله تعالى: " أم اتخذوا " أي بل اتخذوا. " من دونه ~~أولياء " يعني أصناما. # " فالله هو الولي " أي وليك يا محمد وولي من اتبعك، لا ولي سواه. " وهو ~~يحيي الموتى " يريد عند البعث. " وهو على كل شئ قدير " وغيره من الأولياء ~~لا يقدر على شئ. # قوله تعالى: وما اختلفتم فيه من شئ فحكمه إلى الله ذلكم الله ربي عليه ~~توكلت وإليه أنيب (10) قوله تعالى: " وما اختلفتم فيه من شئ " حكاية قول ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم للمؤمنين، أي وما خالفكم فيه الكفار من أهل ~~الكتاب والمشركين من أمر الدين، فقولوا لهم حكمه إلى الله لا إليكم، وقد ~~حكم أن الدين هو الاسلام لا غيره. وأمور الشرائع إنما تتلقى من ms5520 بيان الله. ~~" ذلكم الله ربي " أي الموصوف بهذه الصفات هو ربي وحده، وفيه إضمار: أي قل ~~لهم يا محمد ذلكم الله الذي يحيي الموتى ويحكم بين المختلفين هو ربي. " ~~عليه توكلت " اعتمدت. " وإليه أنيب " أرجع. # قوله تعالى: فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الانعام ~~أزواجا يذرؤكم فيه ليس كمثله شئ وهو السميع البصير (11) قوله تعالى: " فاطر ~~السماوات والأرض " بالرفع على النعت لاسم الله، أو على تقدير هو فاطر. ~~ويجوز النصب على النداء، والجر على البدل من الهاء في " عليه ". والفاطر: # المبدع والخالق. وقد تقدم. (1). " جعل لكم من أنفسكم أزواجا " قيل معناه ~~إناثا. وإنما # PageV16P007 # قال: " من أنفسكم " لأنه خلق حواء من ضلع آدم. وقال مجاهد: نسلا بعد نسل. # " ومن الانعام أزواجا " يعني الثمانية التي ذكرها في " الانعام " (1) ~~ذكور الإبل والبقر والضأن والمعز وإناثها. " يذرؤكم فيه " أي يخلقكم ~~وينشئكم " فيه " أي في الرحم. وقيل: في البطن. # وقال الفراء وابن كيسان: " فيه " بمعنى به. وكذلك قال الزجاج: معنى " ~~يذرؤكم فيه " يكثركم به، أي يكثركم يجعلكم أزواجا، أي حلائل، لأنهن سبب ~~النسل. وقيل: إن الهاء في " فيه " للجعل، ودل عليه " جعل "، فكأنه قال: ~~يخلقكم ويكثركم في الجعل. # ابن قتيبة: " يذرؤكم فيه " أي في الزوج، أي يخلقكم في بطون الإناث. وقال: ~~ويكون " فيه " في الرحم، وفيه بعد، لان الرحم مؤنثة ولم يتقدم لها ذكر. " ~~ليس كمثله شئ وهو السميع البصير " قيل: إن الكاف زائدة للتوكيد، أي ليس ~~مثله شئ. قال: # * وصاليات ككما يؤثفين (2) * فأدخل على الكاف كافا تأكيدا للتشبيه. وقيل: ~~المثل زائدة للتوكيد، وهو قول ثعلب: # ليس كهو شئ، نحو قوله تعالى: " فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا " ~~(3). [البقرة: 137]. وفي حرف ابن مسعود " فإن آمنوا بما آمنتم به فقد ~~اهتدوا " قال أوس بن حجر: # وقتلى كمثل جذوع * النخيل يغشاهم مطر منهمر أي كجذوع. والذي يعتقد في هذا ~~الباب أن الله جل اسمه في عظمته وكبريائه وملكوته وحسنى أسمائه وعلي صفاته، ~~لا يشبه شيئا من مخلوقاته ولا يشبه به، وإنما جاء ms5521 مما أطلقه الشرع على ~~الخالق والمخلوق، فلا تشابه بينهما في المعنى الحقيقي، إذ صفات القديم عز ~~وجل بخلاف صفات المخلوق، إذ صفاتهم لا تنفك عن الاغراض والاعراض، وهو تعالى ~~منزه عن ذلك، بل لم يزل بأسمائه وبصفاته على ما بيناه في (الكتاب الأسنى في ~~شرح # PageV16P008 # أسماء الله الحسنى)، وكفى في هذا قوله الحق: " ليس كمثله شئ ". وقد قال ~~بعض العلماء المحققين: التوحيد إثبات ذات غير مشبهة للذوات ولا معطلة من ~~الصفات. # وزاد الواسطي رحمه الله بيانا فقال: ليس كذاته ذات، ولا كاسمه اسم، ولا ~~كفعله فعل، ولا كصفته صفة إلا من جهة موافقة اللفظ، وجلت الذات القديمة أن ~~يكون لها صفة حديثة، كما استحال أن يكون للذات المحدثة صفة قديمة. وهذا كله ~~مذهب أهل الحق والسنة والجماعة. رضي الله عنهم! # قوله تعالى: له مقاليد السماوات والأرض يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه ~~بكل شئ عليم (12) قوله تعالى: " له مقاليد السماوات والأرض " تقدم في " ~~الزمر " (1) بيانه. النحاس: # والذي يملك المفاتيح يملك الخزائن، يقال للمفتاح: إقليد، وجمعه على غير ~~قياس، كمحاسن والواحد حسن. " يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه بكل شئ عليم " ~~تقدم أيضا في غير موضع (2). # قوله تعالى: شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما ~~وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على ~~المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب (13) ~~وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ولولا كلمة سبقت من ربك ~~إلى أجل مسمى لقضي بينهم وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب ~~(14) # PageV16P009 # قوله تعالى: " شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا " فيه مسألتان: # الأولى - قوله تعالى: " شرع لكم من الدين " أي الذي له مقاليد السماوات ~~والأرض شرع لكم من الدين ما شرع لقوم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى، ثم بين ذلك ~~بقوله تعالى: " أن أقيموا الدين " وهو توحيد الله وطاعته، والايمان برسله ~~وكتبه وبيوم الجزاء، وبسائر ما ms5522 يكون الرجل بإقامته مسلما. ولم يرد الشرائع ~~التي هي مصالح الأمم على حسب أحوالها، فإنها مختلفة متفاوتة، قال الله ~~تعالى: " لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا " [المائدة: 48] وقد تقدم القول (1) ~~فيه. ومعنى " شرع " أي نهج وأوضح وبين المسالك. وقد شرع لهم يشرع شرعا أي ~~سن. والشارع: الطريق الأعظم. وقد شرع المنزل إذا كان على طريق نافذ. وشرعت ~~الإبل إذا أمكنتها من الشريعة. وشرعت الأديم إذا سلخته. وقال يعقوب: # إذا شققت ما بين الرجلين، قال: وسمعته من أم الحمارس البكرية. وشرعت في ~~هذا الامر شروعا أي خضت. " أن أقيموا الدين " " أن " في محل رفع، على تقدير ~~والذي وصى به نوحا أن أقيموا الدين، ويوقف على هذا الوجه على " عيسى ". ~~وقيل: هو نصب، أي شرع لكم إقامة الدين. وقيل: هو جر بدلا من الهاء في " به ~~"، كأنه قال: به أقيموا الدين. ولا يوقف على " عيسى " على هذين الوجهين. ~~ويجوز أن تكون " أن " مفسرة، مثل أن امشوا، فلا يكون لها محل من الاعراب. # الثانية - قال القاضي أبو بكر بن العربي: ثبت في الحديث الصحيح أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال في حديث الشفاعة الكبير المشهور: (ولكن ائتوا نوحا ~~فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض فيأتون نوحا فيقولون له أنت أول ~~رسول بعثه الله إلى أهل الأرض...) وهذا صحيح لا إشكال فيه، كما أن آدم أول ~~نبي (2) بغير إشكال، لان آدم لم يكن معه إلا نبوة، ولم تفرض له الفرائض ولا ~~شرعت له المحارم، وإنما كان تنبيها على بعض # PageV16P010 # الأمور واقتصارا على ضرورات المعاش، وأخذا بوظائف الحياة والبقاء، واستقر ~~المدى إلى نوح فبعثه الله بتحريم الأمهات والبنات والأخوات، ووظف عليه ~~الواجبات وأوضح له الآداب في الديانات، ولم يزل ذلك يتأكد بالرسل يتناصر ~~(1) بالأنبياء - صلوات الله عليهم - واحدا بعد واحد وشريعة إثر شريعة، حتى ~~ختمها الله بخير الملل ملتنا على لسان أكرم الرسل نبينا محمد صلى الله عليه ~~وسلم، فكان المعنى أوصيناك يا محمد ونوحا دينا واحدا، يعني في الأصول التي ~~لا تختلف ms5523 فيها الشريعة، وهي التوحيد والصلاة والزكاة والصيام والحج، ~~والتقرب إلى الله بصالح الأعمال، والزلف إليه بما يرد القلب والجارحة إليه، ~~والصدق والوفاء بالعهد، وأداء الأمانة وصلة الرحم، وتحريم الكفر والقتل ~~والزنى والإذاية للخلق كيفما تصرفت، والاعتداء على الحيوان كيفما دار، ~~واقتحام الدناءات وما يعود بخرم المروءات، فهذا كله مشروع دينا واحدا وملة ~~متحدة، لم تختلف على ألسنة الأنبياء وإن اختلفت أعدادهم، وذلك قوله تعالى: # " أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه " أي اجعلوه قائما، يريد دائما مستمرا ~~محفوظا مستقرا من غير خلاف فيه ولا اضطراب، فمن الخلق من وفى بذلك ومنهم من ~~نكث، ومن نكث فإنما ينكث على نفسه [الفتح: 10]. واختلفت الشرائع وراء هذا ~~في معان حسبما أراده الله مما اقتضت المصلحة وأوجبت الحكمة وضعه في الأزمنة ~~على الأمم ". والله أعلم. قال مجاهد: لم يبعث الله نبيا قط إلا وصاه بإقامة ~~الصلاة وإيتاء الزكاة والاقرار لله بالطاعة، فذلك دينه الذي شرع لهم، وقاله ~~الوالبي عن ابن عباس، وهو قول الكلبي. وقال قتادة: يعني تحليل الحلال ~~وتحريم الحرام. وقال الحكم: تحريم الأمهات والأخوات والبنات. وما ذكره ~~القاضي يجمع هذه الأقوال ويزيد عليها. وخص نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى ~~بالذكر لأنهم أرباب الشرائع. # قوله تعالى: " كبر على المشركين " أي عظم عليهم. " ما تدعوهم إليه " من ~~التوحيد ورفض الأوثان. قال قتادة: كبر على المشركين فاشتد عليهم شهادة أن ~~لا إله إلا الله، وضاق بها إبليس وجنوده، فأبى الله عز وجل إلا أن ينصرها ~~ويعليها ويظهرها على من # PageV16P011 # ناوأها. ثم قال: " الله يجتبي إليه من يشاء " أي يختار. والاجتباء ~~الاختيار، أي يختار للتوحيد من يشاء. " ويهدي إليه من ينيب " أي يستخلص ~~لدينه من رجع إليه. # " وما تفرقوا " قال ابن عباس: يعني قريشا. " إلا من بعد ما جاءهم العلم " ~~محمد صلى الله عليه وسلم، وكانوا يتمنون أن يبعث إليهم نبي، دليله قوله ~~تعالى في سورة فاطر: " وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير " (1) ~~[فاطر: 42] يريد نبيا. وقال في سورة البقرة: " فلما جاءهم ما عرفوا كفروا ~~به " [البقرة: ms5524 89] على ما تقدم بيانه هناك (2). وقيل: أمم الأنبياء ~~المتقدمين، فإنهم فيما بينهم اختلفوا لما طال بهم المدى، فآمن قوم وكفر ~~قوم. وقال ابن عباس أيضا: يعني أهل الكتاب، دليله في سورة المنفكين " وما ~~تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة " [البينة: 4]. ~~فالمشركون قالوا: لم خص بالنبوة! واليهود حسدوه لما بعث، وكذا النصارى. # " بغيهم بينهم " أي بغيا من بعضهم على بعض طلبا للرياسة، فليس تفرقهم ~~لقصور في البيان والحجج، ولكن للبغي والظلم والاشتغال بالدنيا. " ولولا ~~كلمة سبقت من ربك " في تأخير العقاب عن هؤلاء. " إلى أجل مسمى " قيل: ~~القيامة، لقوله تعالى: " بل الساعة موعدهم " (3) [القمر: 46]. وقيل: إلى ~~الاجل الذي قضي فيه بعذابهم. " لقضي بينهم " أي بين من آمن وبين من كفر ~~بنزول العذاب. " وإن الذين أورثوا الكتاب " يريد اليهود والنصارى. # " من بعدهم " أي من بعد المختلفين في الحق. " لفي شك " من الذي أوصى به ~~الأنبياء. # والكتاب هنا التوراة والإنجيل. وقيل: " إن الذين أورثوا الكتاب " قريش. " ~~من بعدهم " من بعد اليهود النصارى. " لفي شك " من القرآن أو من محمد. وقال ~~مجاهد: معنى " من بعدهم " من قبلهم، يعني من قبل مشركي مكة، وهم اليهود ~~والنصارى. # PageV16P012 # قوله تعالى: فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما ~~أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم ~~أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير (15) قوله ~~تعالى: " فلذلك فادع واستقم " لما أجاز أن يكون الشك لليهود والنصارى، أو ~~لقريش قيل له: " فلذلك فادع " أي فتبينت شكهم فادع إلى الله، أي إلى ذلك ~~الدين الذي شرعه الله للأنبياء ووصاهم به. فاللام بمعنى إلى، كقوله تعالى: ~~" بأن ربك أوحى لها " [الزلزلة: 5] أي إليها. و " ذلك " بمعنى هذا. وقد ~~تقدم أول " البقرة " (1). والمعنى فلهذا القرآن فادع. # وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى كبر على المشركين ما تدعوهم إليه ~~فلذلك فادع. # وقيل: إن اللام على بابها، والمعنى: فمن أجل ذلك الذي تقدم ذكره فادع ~~واستقم. قال ابن عباس: ms5525 أي إلى القرآن فادع الخلق. " واستقم " خطاب له عليه ~~السلام. قال قتادة: أي استقم على أمر الله. وقال سفيان: أي استقم على ~~القرآن. وقال الضحاك: استقم على تبليغ الرسالة. " ولا تتبع أهواءهم " أي لا ~~تنظر إلى خلاف من خالفك. " وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل ~~بينكم " أي أن أعدل، كقوله تعالى: " وأمرت أن أسلم لرب العالمين " (2) ~~[غافر: 66]. وقيل: هي لام كي، أي لكي أعدل. قال ابن عباس وأبو العالية: ~~لأسوي بينكم في الدين فأومن بكل كتاب وبكل رسول. وقال غيرهما: لأعدل في ~~جميع الأحوال وقيل: هذا العدل هو العدل في الاحكام. وقيل في التبليغ. " ~~الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم " قال ابن ~~عباس ومجاهد: الخطاب لليهود، أي لنا ديننا ولكم دينكم. قال: ثم نسخت بقوله: ~~" قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر " (2) [التوبة: 29] ~~الآية. # قال مجاهد: ومعنى " لا حجة بيننا وبينكم " لا خصومة بيننا وبينكم. وقيل: ~~ليس بمنسوخ، # PageV16P013 # لان البراهين قد ظهرت، والحجج قد قامت، فلم يبق إلا العناد، وبعد العناد ~~لا حجة ولا جدال. # قال النحاس: ويجوز أن يكون معنى " لا حجة بيننا وبينكم " على ذلك القول: ~~لم يؤمر أن يحتج عليكم ويقاتلكم، ثم نسخ هذا. كما أن قائلا لو قال من قبل ~~أن تحول القبلة: لا تصل إلى الكعبة، ثم حول الناس بعد، لجاز أن يقال نسخ ~~ذلك. " الله يجمع بيننا " يريد يوم القيامة. " وإليه المصير " أي فهو يحكم ~~بيننا إذا صرنا إليه، ويجازي كلا بما كان عليه. # وقيل: إن هذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة وشيبة بن ربيعة، وقد سألا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرجع عن دعوته ودينه إلى دين قريش، على أن ~~يعطيه الوليد نصف ماله ويزوجه شيبة بابنته. # قوله تعالى: والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ~~ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد (16) قوله تعالى: " والذين يحاجون في الله ~~" رجع إلى المشركين. " من بعد ما استجيب له ms5526 " قال مجاهد: من بعد ما أسلم ~~الناس. قال: وهؤلاء قد توهموا أن الجاهلية تعود. وقال قتادة: الذين يحاجون ~~في الله اليهود والنصارى، ومحاجتهم قولهم نبينا قبل نبيكم وكتابنا قبل ~~كتابكم، وكانوا يرون لأنفسهم الفضيلة بأنهم أهل الكتاب وأنهم أولاد ~~الأنبياء. وكان المشركون يقولون: " أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا " (1) ~~[مريم: 73] فقال الله تعالى: " والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له ~~حجتهم داحضة عند ربهم " أي لا ثبات لها كالشئ الذي يزل عن موضعه. والهاء في ~~" له " يجوز أن يكون لله عز وجل، أي من بعد ما وحدوا الله وشهدوا له ~~بالوحدانية. ويجوز أن يكون للنبي صلى الله عليه وسلم، أي من بعد ما استجيب ~~لمحمد صلى الله عليه وسلم في دعوته من أهل بدر ونصر الله المؤمنين. يقال: ~~دحضت حجته دحوضا بطلت. وأدحضها الله. والادحاض: الازلاق. ومكان دحض ودحض ~~أيضا # PageV16P014 # (بالتحريك) أي زلق. ودحضت رجله تدحض دحضا زلقت. ودحضت الشمس عن كبد ~~السماء زالت. " وعليهم غضب " يريد في الدنيا. " ولهم عذاب شديد " يريد في ~~الآخرة عذاب دائم. # قوله تعالى: الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان وما يدريك لعل الساعة ~~قريب (17) قوله تعالى: " الله الذي أنزل الكتاب " يعني القرآن وسائر الكتب ~~المنزلة. " بالحق " أي بالصدق. " والميزان " أي العدل، قاله ابن عباس وأكثر ~~المفسرين. والعدل يسمى ميزانا، لان الميزان آلة الانصاف والعدل. وقيل: ~~الميزان ما بين في الكتب مما يجب على الانسان أن يعمل به. وقال قتادة: ~~الميزان العدل فيما أمر به ونهى عنه. وهذه الأقوال متقاربة المعنى. وقيل: ~~هو الجزاء على الطاعة بالثواب وعلى المعصية بالعقاب. وقيل: إنه الميزان ~~نفسه الذي يوزن به، أنزله من السماء وعلم العباد الوزن به، لئلا يكون بينهم ~~تظالم وتباخس، قال الله تعالى: " لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم ~~الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط " (1) [الحديد: 25]. قال مجاهد: هو ~~الذي يوزن به. ومعنى أنزل الميزان. هو إلهامه للخلق أن يعملوه ويعملوا ~~[به]. وقيل: الميزان محمد صلى الله عليه وسلم، يقضي بينكم بكتاب الله. # " وما يدريك ms5527 لعل الساعة قريب " فلم يخبره بها. يحضه على العمل بالكتاب ~~والعدل والسوية، والعمل بالشرائع قبل أن يفاجئ اليوم الذي يكون فيه ~~المحاسبة ووزن الأعمال، فيوفى لمن أوفى ويطفف لمن طفف. ف‍ " لعل الساعة ~~قريب " أي منك وأنت لا تدري. وقال: # " قريب " ولم يقل قريبة، لان تأنيثها غير حقيقي لأنها كالوقت، قاله ~~الزجاج. والمعنى: # لعل البعث أو لعل مجئ الساعة قريب. وقال الكسائي: " قريب " نعت ينعت به ~~المذكر والمؤنث والجمع بمعنى ولفظ واحد، قال الله تعالى: " إن رحمة الله ~~قريب من المحسنين " (2) [الأعراف: 56] قال الشاعر: # وكنا قريبا والديار بعيدة * فلما وصلنا نصب أعينهم غبنا # PageV16P015 # قوله تعالى: يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ~~ويعلمون أنها الحق ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد (18) قوله ~~تعالى: " يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها " يعني على طريق الاستهزاء، ظنا ~~منهم أنها غير آتية، أو إيهاما للضعفة أنها لا تكون. " والذين آمنوا مشفقون ~~منها " أي خائفون وجلون لاستقصارهم أنفسهم مع الجهد في الطاعة، كما قال: " ~~والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون " (1) [المؤمنون: ~~60]. " ويعلمون أنها الحق " أي التي لا شك فيها. # " ألا إن الذين يمارون في الساعة " أي يشكون ويخاصمون في قيام الساعة. " ~~لفي ضلال بعيد " أي عن الحق وطريق الاعتبار، إذ لو تذكروا لعلموا أن الذي ~~أنشأهم من تراب ثم من نطفة إلى أن بلغوا ما بلغوا، قادر على أن يبعثهم. # قوله تعالى: الله لطيف بعباده يرزق من يشاء وهو القوى العزيز (19) قوله ~~تعالى: " الله لطيف بعباده " قال ابن عباس: حفي بهم. وقال عكرمة: # بار بهم. وقال السدي: رفيق بهم. وقال مقاتل: لطيف بالبر والفاجر، حيث لم ~~يقتلهم جوعا بمعاصيهم. وقال القرظي: لطيف بهم في العرض والمحاسبة. قال: # غدا عند مولى الخلق للخلق موقف * يسائلهم فيه الجليل ويلطف وقال جعفر بن ~~محمد بن علي بن الحسين: يلطف بهم في الرزق من وجهين: أحدهما - أنه جعل رزقك ~~من الطيبات. والثاني - أنه لم يدفعه إليك مرة واحدة فتبذوه. ms5528 وقال الحسين بن ~~الفضل: لطيف بهم في القرآن وتفصيله وتفسيره. وقال الجنيد: لطيف # PageV16P016 # بأوليائه حتى عرفوه، ولو لطف بأعدائه لما جحدوه. وقال محمد بن علي ~~الكتاني: اللطيف بمن لجأ إليه من عباده إذا يئس من الخلق توكل عليه ورجع ~~إليه، فحينئذ يقبله ويقبل عليه. # وجاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله تعالى يطلع على القبور ~~الدوارس فيقول جل وعز امحت آثارهم واضمحلت صورهم وبقي عليهم العذاب وأنا ~~اللطيف وأنا أرحم الراحمين خففوا عنهم العذاب فيخفف عنهم العذاب). قال أبو ~~علي الثقفي رضي الله عنه: # أمر بأفناء القبور كأنني * أخو فطنة والثواب فيه نحيف ومن شق فاه الله ~~قدر رزقه * وربي بمن يلجأ إليه لطيف وقيل: اللطيف الذي ينشر من عباده ~~المناقب ويستر عليهم المثالب، وعلى هذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يا ~~من أظهر الجميل وستر القبيح). وقيل: هو الذي يقبل القليل ويبذل الجزيل. ~~وقيل: هو الذي يجبر الكسير وييسر العسير. وقيل: هو الذي لا يخاف إلا عدله ~~ولا يرجى إلا فضله. وقيل: هو الذي يبذل لعبده النعمة فوق الهمة ويكلفه ~~الطاعة فوق الطاقة، قال تعالى: " وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها " (1) ~~[النحل: 18] " وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة " (2) [لقمان: 20]، وقال: " ~~وما جعل عليكم في الدين من حرج " (3) [الحج: 78]، " يريد الله أن يخفف عنكم ~~" (4) [النساء: 28]. وقيل: هو الذي يعين على الخدمة ويكثر المدحة. وقيل: هو ~~الذي لا يعاجل من عصاه ولا يخيب من رجاه. وقيل: هو الذي لا يرد سائله ولا ~~يوئس آمله. وقيل: # هو الذي يعفو عمن يهفو. وقيل: هو الذي يرحم من لا يرحم نفسه. وقيل: هو ~~الذي أوقد في أسرار العارفين من المشاهدة سراجا، وجعل الصراط المستقيم لهم ~~منهاجا، وأجزل لهم من سحائب بره ماء ثجاجا. وقد مضى في " الانعام " قول أبي ~~العالية والجنيد أيضا (5). # وقد ذكرنا جميع هذا في (الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى) عند ~~اسمه اللطيف، والحمد لله. " يرزق من يشاء " ويحرم من يشاء. وفي تفضيل قوم ~~بالمال حكمة، ليحتاج ms5529 # PageV16P017 # البعض إلى البعض، كما قال: " ليتخذ بعضهم بعضا سخريا " (1) [الزخرف: 32]، ~~فكان هذا لطفا بالعباد. # وأيضا ليمتحن الغني بالفقير والفقير بالغني، كما قال: " وجعلنا بعضكم ~~لبعض فتنة أتصبرون " [الفرقان: 20] على ما تقدم بيانه. (2) " وهو القوي ~~العزيز " قوله تعالى: من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد ~~حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب (20) قوله تعالى: " من كان ~~يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه " الحرث العمل والكسب. # ومنه قول عبد الله بن عمر: واحرث لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك ~~كأنك تموت غدا. ومنه سمى الرجل حارثا. والمعنى: أي من طلب بما رزقناه حرثا ~~لآخرته، فأدى حقوق الله وأنفق في إعزاز الدين، فإنما نعطيه ثواب ذلك للواحد ~~عشرا إلى سبعمائة فأكثر. # " ومن كان يريد حرث الدنيا " أي طلب بالمال الذي آتاه الله رياسة الدنيا ~~والتوصل إلى المحظورات، فإنا لا نحرمه الرزق أصلا، ولكن لا حظ له في الآخرة ~~من ماله، قال الله تعالى: # " من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم ~~يصلاها مذموما مدحورا ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان ~~سعيهم مشكورا " (3) [الاسراء: 18 - 19]. # وقيل: " نزد له في حرثه " نوفقه للعبادة ونسهلها عليه. وقيل: حرث الآخرة ~~الطاعة، أي من أطاع فله الثواب. وقيل: " نزد له في حرثه " أي نعطيه الدنيا ~~مع الآخرة. وقيل: # الآية في الغزو، أي من أراد بغزوه الآخرة أوتي الثواب، ومن أراد بغزوه ~~الغنيمة أوتي منها. # قال القشيري: والظاهر أن الآية في الكافر، يوسع له في الدنيا، أي لا ~~ينبغي له أن يغتر بذلك لان الدنيا لا تبقى. وقال قتادة: إن الله يعطي على ~~نية الآخرة ما شاء من أمر الدنيا، ولا يعطي على نية الدنيا إلا الدنيا. ~~وقال أيضا: يقول الله تعالى: (من عمل لآخرته زدناه في عمله وأعطيناه من ~~الدنيا ما كتبنا له ومن آثر دنياه على آخرته لم نجعل له نصيبا في الآخرة # PageV16P018 # إلا النار ولم يصب ms5530 من الدنيا إلا رزقا قد قسمناه له لا بد أن كان يؤتاه ~~مع إيثار أو غير إيثار). وروى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال: وقوله عز ~~وجل: " من كان يريد حرث الآخرة " من كان من الأبرار يريد بعمله الصالح ثواب ~~الآخرة " نزد له في حرثه " أي في حسناته. " ومن كان يريد حرث الدنيا " أي ~~من كان من الفجار يريد بعمله الحسن الدنيا " نؤته منها " ثم نسخ ذلك في ~~سبحان: " من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد " (1) ~~[الاسراء. 18]. والصواب أن هذا ليس بنسخ، لان هذا خبر والأشياء كلها بإرادة ~~الله عز وجل. # ألا ترى أنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يقل أحدكم ~~اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن شئت). وقد قال قتادة ما تقدم ذكره، ~~وهو يبين لك أن لا نسخ. # وقد ذكرنا في " هود " أن هذا من باب المطلق والمقيد، وأن النسخ لا يدخل ~~في الاخبار (2). # والله المستعان. # مسألة: هذه الآية تبطل مذهب أبي حنيفة في قوله: إنه من توضأ تبردا أنه ~~يجزيه عن فريضة الوضوء الموظف عليه، فإن فريضة الوضوء من حرث الآخرة ~~والتبرد من حرث الدنيا، فلا يدخل أحدهما على الآخر، ولا تجزي نيته عنه ~~بظاهر هذه الآية، قاله ابن العربي. # قوله تعالى: أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ولولا ~~كلمة الفصل لقضي بينهم وإن الظالمين لهم عذاب أليم (21) قوله تعالى: " أم ~~لهم شركاء " أي ألهم! والميم صلة والهمزة للتقريع. وهذا متصل بقوله: " شرع ~~لكم من الدين ما وصى به نوحا " [الشورى: 13]، وقوله تعالى: " الله الذي ~~أنزل الكتاب بالحق والميزان " [الشورى: 17] كانوا لا يؤمنون به، فهل لهم ~~آلهة شرعوا لهم الشرك الذي لم يأذن به الله! # وإذا استحال هذا فالله لم يشرع الشرك، فمن أين يدينون به. " ولولا كلمة ~~الفصل " يوم # PageV16P019 # القيامة حيث قال: " بل الساعة موعدهم " [القمر: 46]. " لقضي بينهم " في ~~الدنيا، فعاجل الظالم بالعقوبة وأثاب الطائع. " وإن الظالمين ms5531 " أي ~~المشركين. " لهم عذاب أليم " في الدنيا القتل والأسر والقهر، وفي الآخرة ~~عذاب النار. وقرأ ابن هرمز " وأن " بفتح الهمزة على العطف على " ولولا كلمة ~~" والفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بجواب " لولا " جائز. ويجوز أن يكون ~~موضع " أن " رفعا على تقدير: وجب أن الظالمين لهم عذاب أليم، فيكون منقطعا ~~مما قبله كقراءة الكسر، فاعلمه. # قوله تعالى: ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم والذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك هو الفضل ~~الكبير (22) قوله تعالى: " ترى الضالمين مشفقين " أي خائفين " مما كسبوا " ~~أي من جزاء ما كسبوا. والظالمون ها هنا الكافرون، بدليل التقسيم بين المؤمن ~~والكافر. " وهو واقع بهم " أي نازل بهم. " والذين آمنوا وعملوا الصالحات في ~~روضات الجنات " الروضة: الموضع النزه الكثير الخضرة. وقد مضى في " الروم ". ~~(1) " لهم ما يشاءون عند ربهم " أي من النعيم والثواب الجزيل. " ذلك هو ~~الفضل الكبير " أي لا يوصف ولا تهتدي العقول إلى كنه صفته، لان الحق إذا ~~قال كبير فمن ذا الذي يقدر قدره. # قوله تعالى: ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات قل لا ~~أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن ~~الله غفور شكور (23) # PageV16P020 # قوله تعالى: " ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا " قرئ " يبشر " من ~~بشره، " ويبشر " من أبشره، " ويبشر " من بشره، وفيه حذف، أي يبشر الله به ~~عباده المؤمنين ليتعجلوا السرور ويزدادوا منه وجدا في الطاعة. # قوله تعالى: " قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى " فيه ~~مسألتان: # الأولى - قوله تعالى: " قل لا أسألكم عليه أجرا " أي قل يا محمد لا ~~أسألكم على تبليغ الرسالة جعلا. " إلا المودة في القربى " قال الزجاج: " ~~إلا المودة " استثناء ليس من الأول، أي إلا أن تودوني لقرابتي فتحفظوني. ~~والخطاب لقريش خاصة، قاله ابن عباس وعكرمة ومجاهد وأبو مالك والشعبي ~~وغيرهم. قال الشعبي: أكثر الناس علينا في هذه الآية فكتبنا إلى ابن عباس ~~نسأله عنها، فكتب أن ms5532 رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أوسط الناس في قريش، ~~فليس بطن من بطونهم إلا وقد ولده، فقال الله له: " قل لا أسألكم عليه أجرا ~~إلا المودة في القربى " إلا أن تودوني في قرابتي منكم، أي تراعوا ما بيني ~~وبينكم فتصدقوني. # ف‍ " القربى " ها هنا قرابة الرحم، كأنه قال: اتبعوني للقرابة إن لم ~~تتبعوني للنبوة. # قال عكرمة: وكانت قريش تصل أرحامها فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم ~~قطعته، فقال: (صلوني كما كنتم تفعلون). فالمعنى على هذا: قل لا أسألكم عليه ~~أجرا لكن أذكركم قرابتي، على أنه استثناء ليس من الأول، ذكره النحاس. وفي ~~البخاري عن طاوس عن ابن عباس أنه سئل عن قوله تعالى: " إلا المودة في ~~القربى " فقال سعيد بن جبير: # قربى آل محمد، فقال ابن عباس: عجلت! إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن ~~بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة، فقال: إلا أن تصلوا ما بينكم من ~~القرابة. فهذا قول. وقيل: القربى قرابة الرسول صلى الله عليه وسلم، أي لا ~~أسألكم أجرا إلا أن تودوا قرابتي وأهل بيتي، كما أمر بإعظامهم ذوي القربى. ~~وهذا قول علي بن حسين وعمرو بن شعيب والسدي. وفي رواية سعيد بن جبير عن ابن ~~عباس: لما أنزل الله عز وجل: " قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في ~~القربى " قالوا: يا رسول الله، من PageV16P021 # هؤلاء الذين نودهم؟ قال: (علي وفاطمة وأبناؤهما). ويدل عليه أيضا ما روي ~~عن علي رضي الله عنه قال: شكوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم حسد الناس لي. ~~فقال: (أما ترضى أن تكون رابع أربعة أول من يدخل الجنة أنا وأنت والحسن ~~والحسين وأزواجنا عن أيماننا وشمائلنا وذريتنا خلف أزواجنا). وعن النبي صلى ~~الله عليه وسلم: (حرمت الجنة على من ظلم أهل بيتي وآذاني في عترتي ومن ~~اصطنع صنيعة إلى أحد من ولد عبد المطلب ولم يجازه عليها فأنا أجازيه عليها ~~غدا إذا لقيني يوم القيامة). وقال الحسن وقتادة: المعنى إلا أن يتوددوا إلى ms5533 ~~الله عز وجل ويتقربوا إليه بطاعته. ف‍ " القربى " على هذا بمعنى القربة. # يقال: قربة وقربى بمعنى، كالزلفة والزلفى. وروى قزعة بن سويد عن ابن أبي ~~نجيح عن مجاهد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: (قل لا أسألكم على ~~ما آتيتكم به أجرا إلا أن توادوا وتقربوا إليه بالطاعة). وروى منصور وعوف ~~عن الحسن " قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى " قال: يتوددون ~~إلى الله عز وجل ويتقربون منه بطاعته. # وقال قوم: الآية منسوخة وإنما نزلت بمكة، وكان المشركون يؤذون رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية، وأمرهم الله بمودة نبيه صلى الله عليه ~~وسلم وصلة رحمه، فلما هاجر آوته الأنصار ونصروه، وأراد الله أن يلحقه ~~بإخوانه من الأنبياء حيث قالوا: " وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على ~~رب العالمين " (1) [الشعراء: 109] فأنزل الله تعالى: " قل ما سألتكم من أجر ~~فهو لكم إن أجري إلا على الله " (2) [سبأ: 47] فنسخت بهذه الآية وبقوله: " ~~قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين " (3) [ص: 86]، وقوله. " أم ~~تسألهم خرجا فخراج ربك خير " (4) [المؤمنون: 72]، وقوله: # " أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون " (5) [الطور: 40]، قاله الضحاك ~~والحسين بن الفضل. ورواه جويبر عن الضحاك عن ابن عباس. قال الثعلبي: وليس ~~بالقوي، وكفى قبحا بقول من يقول: إن التقرب إلى الله بطاعته ومودة نبيه صلى ~~الله عليه وسلم وأهل بيته منسوخ، وقد سورة القلم # PageV16P022 # قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من مات على حب آل محمد مات شهيدا. ومن ~~مات على حب آل محمد جعل الله زوار قبره الملائكة والرحمة. ومن مات على بغض ~~آل محمد جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه أيس اليوم من رحمة الله. ومن مات ~~على بغض آل محمد لم يرح (1) رائحة الجنة. ومن مات على بغض آل بيتي فلا نصيب ~~له في شفاعتي). # قلت: وذكر هذا الخبر الزمخشري في تفسيره بأطول من هذا فقال: وقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: (من مات على ms5534 حب آل محمد مات شهيدا ألا ومن مات ~~على حب آل محمد مات مؤمنا مستكمل الايمان. ألا ومن مات على حب آل محمد بشره ~~ملك الموت بالجنة ثم منكر ونكير. ألا ومن مات على حب آل محمد فتح له في ~~قبره بابان إلى الجنة. ألا ومن مات في حب آل محمد جعل الله قبره مزار ~~ملائكة الرحمة. ألا ومن مات على حب آل محمد مات على السنة والجماعة. ألا ~~ومن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه أيس من رحمة ~~الله. ألا ومن مات على بغض آل محمد مات كافرا. ألا ومن مات على بغض آل محمد ~~لم يشم رائحة الجنة). قال النحاس: ومذهب عكرمة ليست بمنسوخة، قال: كانوا ~~يصلون أرحامهم فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم قطعوه فقال: (قل لا ~~أسئلكم عليه أجرا إلا أن تودوني وتحفظوني لقرابتي ولا تكذبوني). # قلت: وهذا هو معنى قول ابن عباس في البخاري والشعبي عنه بعينه، وعليه لا ~~نسخ. # قال النحاس: وقول الحسن حسن، ويدل على صحته الحديث المسند عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كما حدثنا أحمد بن محمد الأزدي قال أخبرنا الربيع بن ~~سليمان المرادي قال أخبرنا أسد ابن موسى قال حدثنا قزعة - وهو ابن يزيد (2) ~~البصري - قال حدثنا عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا أسئلكم على ما أنبئكم به من البينات ~~والهدى أجرأ إلا أن توادوا الله عز وجل وأن تتقربوا إليه بطاعته). فهذا ~~المبين عن الله عز وجل قد قال هذا، وكذا قالت الأنبياء صلى الله عليه وسلم ~~قبله: " إن أجري إلا على الله " [سبأ: 47]. # PageV16P023 # الثانية - واختلفوا في سبب نزولها، فقال ابن عباس: لما قدم النبي صلى ~~الله عليه وسلم المدينة كانت تنوبه نوائب وحقوق لا يسعها ما في يديه، فقالت ~~الأنصار: إن هذا الرجل هداكم الله به وهو ابن أخيكم، وتنوبه نوائب وحقوق لا ~~يسعها ما في يديه فنجمع ms5535 له، ففعلوا، ثم أتوه به فنزلت. وقال الحسن: نزلت ~~حين تفاخرت الأنصار والمهاجرون، فقالت الأنصار نحن فعلنا، وفخرت المهاجرون ~~بقرابتهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم. # روى مقسم عن ابن عباس قال سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا فخطب ~~فقال للأنصار: (ألم تكونوا أذلاء فأعزكم الله بي. ألم تكونوا ضلالا فهداكم ~~الله بي. ألم تكونوا خائفين فأمنكم الله بي ألا تردون علي)؟ فقالوا: بم ~~نجيبك؟ قال. (تقولون ألم يطردك قومك فآويناك. ألم يكذبك قومك فصدقناك...) ~~فعدد عليهم. قال: فجثوا على ركبهم فقالوا: أنفسنا وأموالنا لك، فنزلت: " قل ~~لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ". # وقال قتادة: قال المشركون لعل محمدا فيما يتعاطاه يطلب أجرا، فنزلت هذه ~~الآية، ليحثهم على مودته ومودة أقربائه. قال الثعلبي: وهذا أشبه بالآية، ~~لان السورة مكية. # قوله تعالى: " ومن يقترف حسنة " أي يكتسب. وأصل القرف الكسب، يقال: فلان ~~يقرف لعياله، أي يكسب. والاقتراف الاكتساب، وهو مأخوذ من قولهم: # رجل قرفة، إذا كان محتالا. وقد مضى في " الانعام " (1) القول فيه. وقال ~~ابن عباس: # " ومن يقترف حسنة " قال المودة لآل محمد صلى الله عليه وسلم. " نزد له ~~فيها حسنا " أي نضاعف له الحسنة بعشر فصاعدا. " إن الله غفور شكور " قال ~~قتادة: " غفور " للذنوب " شكور " للحسنات. وقال السدي: " غفور " لذنوب آل ~~محمد عليه السلام، " شكور " لحسناتهم. # قوله تعالى: أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشأ الله يختم على قلبك ~~ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته إنه عليم بذات الصدور (24) # PageV16P024 # قوله تعالى: " أم يقولون افترى على الله كذبا " الميم صلة، والتقدير ~~أيقولون افترى. # واتصل الكلام بما قبل، لان الله تعالى لما قال: " وقل آمنت بما أنزل الله ~~من كتاب " (1) [الشورى: 15]، وقال " الله الذي أنزل الكتاب بالحق " (2) ~~[الشورى: 17] قال إتماما للبيان: " أم يقولون افترى على الله كذبا " يعني ~~كفار قريش قالوا: إن محمدا اختلق الكذب على الله. " فإن يشأ الله يختم " ~~شرط وجوابه " على قلبك " قال قتادة: يطبع على قلبك فينسيك القرآن، فأخبرهم ~~الله أنه لو ms5536 افترى عليه لفعل بمحمد ما أخبرهم به في هذه الآية. وقال مجاهد ~~ومقاتل: " إن يشأ الله " يربط على قلبك بالصبر على أذاهم حتى لا يدخل قلبك ~~مشقة من قولهم. وقيل: المعنى إن يشأ يزل تمييزك. وقيل: المعنى لو حدثت نفسك ~~أن تفتري على الله كذبا لطبع على قلبك، قاله ابن عيسى. وقيل: فإن يشأ الله ~~يختم على قلوب الكفار وعلى ألسنتهم وعاجلهم بالعقاب. # فالخطاب له والمراد الكفار، ذكره القشيري. ثم ابتدأ فقال: " ويمح الله ~~الباطل " قال ابن الأنباري: " يختم على قلبك " تام. وقال الكسائي: فيه ~~تقديم وتأخير، مجازه: والله يمحو الباطل، فحذف منه الواو في المصحف، وهو في ~~موضع رفع. كما حذفت من قوله " سندع الزبانية "، (3) [العلق: 18]، " ويدع ~~الانسان " (4) [الاسراء: 11] ولأنه عطف على قوله " يختم على قلبك ". وقال ~~الزجاج: # قول: " أم يقولون افترى على الله كذبا " تمام، وقوله: " ويمح الله الباطل ~~" احتجاج على من أنكر ما أتى به النبي صلى الله عليه وسلم، أي لو كان ما ~~أتى به باطلا لمحاه كما جرت به عادته في المفترين. # " ويحق الحق " أي الاسلام فيثبته " بكلماته " أي بما أنزله من القرآن. " ~~إنه عليم بذات الصدور " عام، أي بما في قلوب العباد. وقيل خاص. والمعنى أنك ~~لو حدثت نفسك أن تفتري على الله كذبا لعلمه وطبع على قلبك. # قوله تعالى: وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفوا عن السيئات ويعلم ما ~~تفعلون (25) # PageV16P025 # قوله تعالى: " وهو الذي يقبل التوبة عن عباده " قال ابن عباس: لما نزل ~~قوله تعالى " قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى " قال قوم في ~~نفوسهم: ما يريد إلا أن يحثنا على أقاربه من بعده، فأخبر جبريل النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وأنهم قد اتهموه فأنزل: " أم يقولون افترى على الله كذبا " ~~الآية، فقال القوم: يا رسول الله، فإنا نشهد أنك صادق ونتوب. # فنزلت: " وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ". قال ابن عباس: أي عن أوليائه ~~وأهل طاعته. # والآية عامة. وقد مضى الكلام في معنى التوبة وأحكامها (1)، ومضى هذا ~~اللفظ ms5537 في " براءة " (2) " ويعفو عن السيئات " أي عن الشرك قبل الاسلام. " ~~ويعلم ما تفعلون " أي من الخير والشر. وقرأ حمزة والكسائي وحفص وخلف بالتاء ~~على الخطاب، وهي قراءة ابن مسعود وأصحابه. الباقون بالياء على الخبر، ~~واختاره أبو عبيد وأبو حاتم، لأنه بين خبرين: الأول وهو " وهو الذي يقبل ~~التوبة عن عباده " والثاني " ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ". # قوله تعالى: ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله ~~والكافرون لهم عذاب شديد (26) " الذين " في موضع نصب، أي ويستجيب الله ~~الذين آمنوا، أي يقبل عبادة من أخلص له بقلبه وأطاع ببدنه. وقيل: يعطيهم ~~مسألتهم إذا دعوه. وقيل: ويجيب دعاء المؤمنين بعضهم لبعض، يقال: أجاب ~~واستجاب بمعنى، وقد مضى في " البقرة " (3). وقال ابن عباس: # " ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات " يشفعهم في إخوانهم. " ويزيدهم ~~من فضله " قال: يشفعهم في إخوان إخوانهم. وقال المبرد: معنى " ويستجيب ~~الذين آمنوا " وليستدع الذين آمنوا الإجابة، هكذا حقيقة معنى استفعل. ف‍ " ~~الذين " في موضع رفع. # " والكافرون لهم عذاب شديد ". # PageV16P026 # قوله تعالى: ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل يقدر ما ~~يشاء إنه بعباده خبير بصير (27) فيه مسألتان: # الأولى - في نزولها، قيل: إنها نزلت في قوم من أهل الصفة تمنوا سعة ~~الرزق. وقال خباب بن الأرت: فينا نزلت، نظرنا إلى أموال بني النضير وقريظة ~~وبني قينقاع فتمنيناها فنزلت. " لو بسط " معناه وسع. وبسط الشئ نشره. ~~وبالصاد أيضا. " لبغوا في الأرض " طغوا وعصوا. وقال ابن عباس: بغيهم طلبهم ~~منزلة بعد منزلة ودابة بعد دابة ومركبا بعد مركب وملبسا بعد ملبس. وقيل ~~أراد لو أعطاهم الكثير لطلبوا ما هو أكثر منه، لقوله: # (لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى إليهما ثالثا) وهذا هو البغي، وهو ~~معنى قول ابن عباس. وقيل: لو جعلناهم سواء في المال لما انقاد بعضهم لبعض، ~~ولتعطلت الصنائع. # وقيل: أراد بالرزق المطر الذي هو سبب الرزق، أي لو أدام المطر لتشاغلوا ~~به عن الدعاء، فيقبض تارة ليتضرعوا ويبسط أخرى ليشكروا. وقيل: كانوا إذا ~~أخصبوا أغار بعضهم ms5538 على بعض، فلا يبعد حمل البغي على هذا. الزمخشري: " لبغوا ~~" من البغي وهو الظلم، أي لبغى هذا على ذاك وذاك على هذا، لان الغنى مبطرة ~~مأشرة، وكفى بقارون عبرة. ومنه قوله عليه السلام: (أخوف ما أخاف على أمتي ~~زهرة الدنيا وكثرتها). ولبعض العرب: # وقد جعل الوسمي ينبت بيننا * وبين بني دودان نبعا وشوحطا (1) يعني أنهم ~~أحيوا فحدثوا أنفسهم بالبغي والتغابن. أو من البغي وهو البذخ والكبر، أي ~~لتكبروا في الأرض وفعلوا ما يتبع الكبر من العلو فيها والفساد. " ولكن ينزل ~~بقدر ما يشاء " أي ينزل أرزاقهم بقدر ما يشاء لكفايتهم. وقال مقاتل: " ينزل ~~بقدر ما يشاء " يجعل من يشاء غنيا ومن يشاء فقيرا. # PageV16P027 # الثانية - قال علماؤنا: أفعال الرب سبحانه لا تخلو عن مصالح وإن لم يجب ~~على الله الاستصلاح، فقد يعلم من حال عبد أنه لو بسط عليه قاده ذلك إلى ~~الفساد فيزوى عنه الدنيا، مصلحة له. فليس ضيق الرزق هوانا ولا سعة فضيلة، ~~وقد أعطى أقواما مع علمه أنهم يستعملونه في الفساد، ولو فعل بهم خلاف ما ~~فعل لكانوا أقرب إلى الصلاح. # والامر على الجملة مفوض إلى مشيئته، ولا يمكن التزام مذهب الاستصلاح في ~~كل فعل من أفعال الله تعالى. وروى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما ~~يرويه عن ربه تبارك وتعالى قال: (من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة ~~وإني لأسرع شئ إلى نصرة أوليائي وإني لأغضب لهم كما يغضب الليث الحرد. وما ~~ترددت في شئ أنا فاعله ترددي في قبض روح عبدي المؤمن يكره الموت وأنا أكره ~~إساءته ولا بد له منه. وما تقرب إلي عبدي المؤمن بمثل أداء ما افترضت عليه. ~~وما يزال عبدي المؤمن يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت له سمعا ~~وبصرا ولسانا ويدا ومؤيدا فإن سألني أعطيته وإن دعاني أجبته. وإن من عبادي ~~المؤمنين من يسألني الباب من العبادة وإني عليم أن لو أعطيته إياه لدخله ~~العجب فأفسده. وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلحه إلا الغنى ولو أفقرته ms5539 ~~لأفسده الفقر. وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته ~~لأفسده الغنى. وإني لأدبر عبادي لعلمي بقلوبهم فإني عليم خبير). ثم قال ~~أنس: اللهم إني من عبادك المؤمنين الذين لا يصلحهم إلا الغنى، فلا تفقرني ~~برحمتك. # قوله تعالى: وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي ~~الحميد (28) قرأ ابن كثير وابن محيصن وحميد ومجاهد وأبو عمرو ويعقوب وابن ~~وثاب والأعمش وحمزة والكسائي " ينزل " مخففا. الباقون بالتشديد. وقرأ ابن ~~وثاب أيضا والأعمش وغيرهما " قنطوا " بكسر النون، وقد تقدم جميع هذا (1). ~~والغيث المطر، وسمي الغيث غيثا لأنه يغيث # PageV16P028 # الخلق. وقد غاث الغيث الأرض أي أصابها. وغاث الله البلاد يغيثها غيثا. ~~وغيثت الأرض تغاث غيثا فهي أرض مغيثة ومغيوثة. وعن الأصمعي قال: مررت ببعض ~~قبائل العرب وقد مطروا فسألت عجوزا منهم: أتاكم المطر؟ فقالت: غثنا ما شئنا ~~غيثا، أي مطرنا. وقال ذو الرمة: قاتل الله أمة بني فلان ما أفصحها! قلت لها ~~كيف كان المطر عندكم؟ فقالت: # غثنا ما شئنا. ذكر الأول الثعلبي والثاني الجوهري. وربما سمي السحاب ~~والنبات غيثا. # والقنوط الإياس، قاله قتادة وغيره. قال قتادة: ذكر أن رجلا قال لعمر بن ~~الخطاب: يا أمير المؤمنين، قحط المطر وقل الغيث وقنط الناس؟ فقال: مطرتم إن ~~شاء الله، ثم قرأ: " وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا ". والغيث ما كان ~~نافعا في وقته، والمطر قد يكون نافعا وضارا في وقته وغير وقته، قال ~~الماوردي. " وينشر رحمته " قيل المطر، وهو قول السدي. وقيل ظهور الشمس بعد ~~المطر، ذكره المهدوي. وقال مقاتل: نزلت في حبس المطر عن أهل مكة سبع سنين ~~حتى قنطوا، ثم أنزل الله المطر. وقيل: نزلت في الأعرابي سأل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن المطر يوم الجمعة في خبر الاستسقاء، ذكره القشيري، والله ~~أعلم. " وهو الولي الحميد " " الولي " الذي ينصر أولياءه. " الحميد " ~~المحمود بكل لسان. # قوله تعالى: ومن آياته خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من دابة وهو على ~~جمعهم إذا يشاء ms5540 قدير (29) قوله تعالى: " ومن آياته خلق السماوات والأرض " ~~أي علاماته الدالة على قدرته. # " وما بث فيهما من دابة " قال مجاهد: يدخل في هذا الملائكة والناس، وقد ~~قال تعالى: # " ويخلق ما لا تعلمون " (1) [النحل: 8]. وقال الفراء: أراد ما بث في ~~الأرض دون السماء، كقوله: " يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان " [الرحمن: 22] ~~وإنما يخرج من الملح دون العذب. وقال أبو علي: تقديره وما بث في أحدهما، ~~فحذف المضاف. وقوله: " يخرج منهما " أي من أحدهما. " وهو على جمعهم " أي ~~يوم القيامة. " إذا يشاء قدير ". # PageV16P029 # قوله تعالى: وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير (30) ~~وما أنتم بمعجزين في الأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير (31) قوله ~~تعالى: " وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم " قرأ نافع وابن عامر " بما ~~كسبت " بغير فاء. الباقون " فبما " بالفاء، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم ~~للزيادة في الحرف والاجر. قال المهدوي: إن قدرت أن " ما " الموصولة جاز حذف ~~الفاء وإثباتها، والاثبات أحسن. وإن قدرتها التي للشرط لم يجز الحذف عند ~~سيبويه، وأجازه الأخفش واحتج بقوله تعالى: " وإن أطعتموهم إنكم لمشركون " ~~(1) [الانعام: 121]. والمصيبة هنا الحدود على المعاصي، قاله الحسن. وقال ~~الضحاك: ما تعلم رجل القرآن ثم نسيه إلا بذنب، قال الله تعالى: # " وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم " ثم قال: وأي مصيبة أعظم من ~~نسيان القرآن، ذكره ابن المبارك عن عبد العزيز بن أبي رواد. قال أبو عبيد: ~~إنما هذا على الترك، فأما الذي هو دائب في تلاوته حريص على حفظه إلا أن ~~النسيان يغلبه فليس من ذلك في شئ. # ومما يحقق ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينسى الشئ من القرآن حتى ~~يذكره، من ذلك حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم: سمع قراءة رجل في ~~المسجد فقال: (ماله رحمه الله لقد أذكرني آيات كنت أنسيتها من سورة كذا ~~وكذا). وقيل: " ما " بمعنى الذي، والمعنى الذي أصابكم فيما مضى بما كسبت ~~أيديكم. وقال علي رضي الله عنه: هذه الآية أرجى آية ms5541 في كتاب الله عز وجل. ~~وإذا كان يكفر عني بالمصائب ويعفو عن كثير فما يبقى بعد كفارته وعفوه! وقد ~~روي هذا المعنى مرفوعا عنه رضي الله عنه، قال علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه: ألا أخبركم بأفضل آية في كتاب الله حدثنا بها النبي صلى الله عليه ~~وسلم: " وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم " الآية: (يا علي ما أصابكم ~~من مرض أو عقوبة أو بلاء في الدنيا فبما كسبت أيديكم. والله أكرم من أن ~~يثني عليكم العقوبة في الآخرة وما عفا عنه # PageV16P030 # في الدنيا فالله أحلم من أن يعاقب به بعد عفوه). وقال الحسن: لما نزلت ~~هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من اختلاج عرق ولا خدش عود ~~ولا نكبة حجر إلا بذنب ولما يعفو الله عنه أكثر). وقال الحسن: دخلنا على ~~عمران بن حصين فقال رجل: لا بد أن أسألك عما أرى بك من الوجع، فقال عمران: ~~يا أخي لا تفعل! فوالله إني لأحب الوجع ومن أحبه كان أحب الناس إلى الله، ~~قال الله تعالى: " وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير " ~~فهذا مما كسبت يدي، وعفو ربي عما بقي أكثر. وقال مرة الهمداني: رأيت على ~~ظهر كف شريح قرحه فقلت: يا أبا أمية، ما هذا؟ قال: هذا بما كسبت أيديكم ~~ويعفو عن كثير. وقال ابن عون: إن محمد بن سيرين لما ركبه الدين اغتم لذلك ~~فقال: إني لأعرف هذا الغم، هذا بذنب أصبته منذ أربعين سنة. وقال أحمد بن ~~أبي الحواري (1) قيل لأبي سليماني الداراني: ما بال العقلاء أزالوا اللوم ~~عمن أساء إليهم؟ # فقال: لأنهم علموا أن الله تعالى إنما ابتلاهم بذنوبهم، قال الله تعالى: ~~" وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير ". وقال عكرمة: ما ~~من نكبة أصابت عبد ا فما فوقها إلا بذنب لم يكن الله ليغفره له إلا بها أو ~~لينال درجة لم يكن يوصله إليها إلا بها. # وروي أن رجلا قال لموسى: يا موسى، ms5542 سل الله لي في حاجة يقضيها لي هو أعلم ~~بها، ففعل موسى، فلما نزل إذ هو بالرجل قد مزق السبع لحمه وقتله، فقال ~~موسى: ما بال هذا يا رب؟ # فقال الله تبارك وتعالى له: (يا موسى إنه سألني درجة علمت أنه لم يبلغها ~~بعمله فأصبته بما ترى لأجعلها وسيلة له في نيل تلك الدرجة). فكان أبو ~~سليمان الداراني إذا ذكر هذا الحديث يقول: سبحان من كان قادرا على أن ينيله ~~تلك الدرجة بلا بلوى! ولكنه يفعل ما يشاء. # قلت: ونظير هذه الآية في المعنى قوله تعالى: " من يعمل سوءا يجز به " ~~[النساء: 123] وقد مضى القول فيه (2). قال علماؤنا: وهذا في حق المؤمنين، ~~فأما الكافر فعقوبته مؤخرة إلى الآخرة. وقيل: # هذا خطاب للكفار، وكان إذا أصابهم شر قالوا: هذا بشؤم محمد، فرد عليهم ~~وقال بل ذلك # PageV16P031 # بشؤم كفركم. والأول أكثر وأظهر وأشهر. وقال ثابت البناني: إنه كان يقال ~~ساعات الأذى يذهبن ساعات الخطايا. ثم فيها قولان: أحدهما - أنها خاصة في ~~البالغين أن تكون عقوبة لهم، وفي الأطفال أن تكون مثوبة لهم. الثاني - أنها ~~عقوبة عامة للبالغين في أنفسهم والأطفال في غيرهم من والد ووالدة. " ويعفو ~~عن كثير " أي عن كثير من المعاصي ألا يكون عليها حدود، وهو مقتضى قول ~~الحسن. وقيل: أي يعفو عن كثير من العصاة ألا يعجل عليهم بالعقوبة. " وما ~~أنتم بمعجزين في الأرض " أي بفائتين الله، أي لن تعجزوه ولن تفوتوه " وما ~~لكم من دون الله من ولي ولا نصير " تقدم في غير موضع (1). # قوله تعالى: ومن آياته الجوار في البحر كالاعلام (32) إن يشأ يسكن الريح ~~فيظللن رواكد على ظهره إن في ذلك لايات لكل صبار شكور (33) قوله تعالى: " ~~ومن آياته الجوار في البحر كالاعلام " أي ومن علاماته الدالة على قدرته ~~السفن الجارية في البحر كأنها من عظمها أعلام. والاعلام: الجبال، وواحد ~~الجواري جارية، قال الله تعالى: " إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية " ~~(1) [الحاقة: 11]. سميت جارية لأنها تجري في الماء. والجارية: هي المرأة ~~الشابة، سميت بذلك لأنها ms5543 يجري فيها ماء الشباب. # وقال مجاهد: الاعلام القصور، واحدها علم، ذكره الثعلبي. وذكر الماوردي ~~عنه أنها الجبال. وقال الخليل: كل شئ مرتفع عند العرب فهو علم. قالت ~~الخنساء ترثي أخاها صخرا: # وإن صخرا لتأتم الهداة به * كأنه علم في رأسه نار " إن يشأ يسكن الرياح " ~~كذا قرأه أهل المدينة " الرياح " بالجمع. " فيظللن رواكد على ظهره " أي ~~فتبقى السفن سواكن على ظهر البحر لا تجري. ركد الماء ركودا سكن. وكذلك ~~الريح والسفينة، والشمس إذا قام قائم الظهيرة. وكل ثابت في مكان فهو راكد. ~~وركد # PageV16P032 # الميزان استوى. وركد القوم هدأوا. والمراكد: المواضع التي يركد فيها ~~الانسان وغيره. # وقرأ قتادة " فيظللن " بكسر اللام الأولى على أن يكون لغة، مثل ضللت (1) ~~أضل. وفتح اللام وهي اللغة المشهورة. " إن في ذلك لآيات " أي دلالات ~~وعلامات " لكل صبار شكور " أي صبار على البلوى شكور على النعماء. قال قطرب: ~~نعم العبد الصبار الشكور، الذي إذا أعطي شكر وإذا ابتلي صبر. قال عون بن ~~عبد الله: فكم من منعم عليه غير شاكر، وكم من مبتلى غير صابر. # قوله تعالى: أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير (34) ويعلم الذين يجادلون ~~في آياتنا ما لهم من محيص (35) قوله تعالى: " أو يوبقهن بما كسبوا " أي وإن ~~يشأ يجعل الرياح عواصف فيوبق السفن، أي يغرقهن بذنوب أهلها. وقيل: يوبق أهل ~~السفن. " ويعف عن كثير " من أهلها فلا يغرقهم معها، حكاه الماوردي. وقيل: " ~~ويعفو عن كثير " أي ويتجاوز عن كثير من الذنوب فينجيهم الله من الهلاك. قال ~~القشري: والقراءة الفاشية " ويعف " بالجزم، وفيها إشكال، لان المعنى: إن ~~يشأ يسكن الريح فتبقى تلك السفن رواكد ويهلكها بذنوب أهلها، فلا يحسن عطف " ~~يعف " على هذا، لأنه يصير المعنى: إن يشأ يعف، وليس المعنى ذلك بل المعنى ~~الاخبار عن العفو من غير شرط المشيئة، فهو إذا عطف على المجزوم من حيث ~~اللفظ لا من حيث المعنى. وقد قرأ قوم " ويعفو " بالرفع، وهي جيدة في ~~المعنى. # " ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص " يعني الكفار، ms5544 أي إذا ~~توسطوا البحر وغشيتهم الرياح من كل مكان أو بقيت السفن رواكد علموا أنه لا ~~ملجأ لهم سوى الله، ولا دافع لهم إن أراد الله إهلاكهم فيخلصون له العبادة. ~~وقد مضى هذا المعنى في غير موضع (2)، ومضى القول في ركوب البحر في " البقرة ~~" (3) وغيرها بما يغني عن إعادته. وقرأ نافع وابن عامر # PageV16P033 # " ويعلم " بالرفع، الباقون بالنصب. فالرفع على الاستئناف بعد الشرط ~~والجزاء، كقوله في سورة التوبة: " ويخزهم (1) وينصركم عليهم " [التوبة: 14] ~~ثم قال: " ويتوب الله على من يشاء " [التوبة: 15] رفعا. # ونظيره في الكلام: إن تأتني آتك وينطلق عبد الله. أو على أنه خبر ابتداء ~~محذوف. والنصب على الصرف، كقوله تعالى: " ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ~~ويعلم الصابرين " (2) [آل عمران: 142] صرف من حال الجزم إلى النصب استخفافا ~~كراهية لتوالي الجزم، كقول النابغة: # فإن يهلك أبو قابوس يهلك * ربيع الناس والشهر الحرام (3) ويمسك بعده ~~بذناب عيش * أجب الظهر ليس له سنام (4) وهذا معنى قول الفراء، قال: ولو جزم ~~" ويعلم " جاز. وقال الزجاج: نصب على إضمار " أن " لان قبلها جزما، تقول: ~~ما تصنع أصنع مثله وأكرمك. وإن شئت قلت: وأكرمك بالجزم. وفي بعض المصاحف " ~~وليعلم ". وهذا يدل على أن النصب بمعنى: وليعلم أو لان يعلم. وقال أبو علي ~~والمبرد: النصب بإضمار " أن " على أن يجعل الأول في تقدير المصدر، أي ويكون ~~منه عفو وأن يعلم، فلما حمله. على الاسم أضمر أن، كما تقول: إن تأتني ~~وتعطيني أكرمك، فتنصب تعطيني، أي إن يكن منك إتيان وأن تعطيني. ومعنى " من ~~محيص " أي من فرار ومهرب، قاله قطرب. السدي: من ملجأ وهو مأخوذ من قولهم: ~~حاص به البعير حيصة إذا رمى به. ومنه قولهم: فلان يحيص عن الحق أي يميل ~~عنه. # قوله تعالى: فما أوتيتم من شئ فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله خير ~~وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون (36) # PageV16P034 # قوله تعالى: " فما أوتيتم من شئ " يريد من الغنى والسعة في الدنيا. " ~~فمتاع " أي فإنما هو متاع في أيام قليلة تنقضي وتذهب، فلا ينبغي أن ms5545 يتفاخر ~~به. والخطاب للمشركين. # " وما عند الله خير وأبقى " يريد من الثواب على الطاعة " الذين آمنوا " ~~صدقوا ووحدوا " وعلى ربهم يتوكلون " نزلت في أبي بكر الصديق حين أنفق جميع ~~ماله في طاعة الله فلامه الناس. وجاء في الحديث أنه: أنفق ثمانين ألفا. # قوله تعالى: والذين يجتنبون كبائر الاثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم ~~يغفرون (37) فيه مسألتان: الأولى - قوله تعالى: " والذين يجتنبون " الذين ~~في موضع جر معطوف على قوله: # " خير وأبقى للذين آمنوا " أي وهو للذين يجتنبون " كبائر الاثم " وقد مضى ~~القول في الكبائر في " النساء " (1). وقرأ حمزة والكسائي " كبائر الاثم " ~~والواحد قد يراد به الجمع عند الإضافة، كقوله تعالى: " وإن تعدوا نعمة الله ~~لا تحصوها " (2) [النحل: 18]، وكما جاء في الحديث: (منعت العراق درهمها ~~وقفيزها). الباقون بالجمع هنا وفي " النجم ". # (3) " والفواحش " قال السدي: يعني الزنى. وقاله ابن عباس، وقال: كبير ~~الاثم الشرك. وقال قوم: كبائر الاثم ما تقع على الصغائر مغفورة عند ~~اجتنابها. والفواحش داخلة في الكبائر، ولكنها تكون أفحش وأشنع كالقتل ~~بالنسبة إلى الجرح، والزنى بالنسبة إلى المراودة. وقيل: الفواحش والكبائر ~~بمعنى واحد، فكرر لتعدد اللفظ، أي يجتنبون المعاصي لأنها كبائر وفواحش. ~~وقال مقاتل: الفواحش موجبات الحدود. # الثانية - قوله تعالى: " وإذا ما غضبوا هم يغفرون " أي يتجاوزون ويحملون ~~عمن ظلمهم. قيل: نزلت في عمر حين شتم بمكة. وقيل: في أبي بكر حين لامه ~~الناس على # PageV16P035 # انفاق مال كله وحين شتم فحلم. وعن علي رضي الله عنه قال: اجتمع لأبي بكر ~~مال مرة، فتصدق به كله في سبيل الخير، فلامه المسلمون وخطأه الكافرون ~~فنزلت: " فما أوتيتم من شئ فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله خير وأبقى ~~للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون - إلى قوله - وإذا ما غضبوا هم يغفرون ". ~~وقال ابن عباس: شتم رجل من المشركين أبا بكر فلم يرد عليه شيئا، فنزلت ~~الآية. وهذه من محاسن الأخلاق، يشفقون على ظالمهم ويصفحون لمن جهل عليهم، ~~يطلبون بذلك ثواب الله تعالى وعفوه، لقوله تعالى في آل عمران: " والكاظمين ~~الغيظ والعافين عن الناس " (1) [آل ms5546 عمران: 134]. وهو أن يتناولك الرجل ~~فتكظم غيظك عنه. وأنشد بعضهم: # إني عفوت لظالمي ظلمي * ووهبت ذاك له على علمي ما زال يظلمني وأرحمه * ~~حتى بكيت له من الظلم قوله تعالى: والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة ~~وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون (38) فيه ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة " قال عبد ~~الرحمن ابن زيد: هم الأنصار بالمدينة، استجابوا إلى الايمان بالرسول حين ~~أنفذ إليهم اثنى عشر نقيبا منهم قبل الهجرة. " وأقاموا الصلاة " أي أدوها ~~لمواقيتها بشروطها وهيئاتها. # الثانية - قوله تعالى: " وأمرهم شورى بينهم " أي يتشاورون في الأمور. # والشورى مصدر شاورته، مثل البشرى والذكرى ونحوه. فكانت الأنصار قبل قدوم ~~النبي صلى الله عليه وسلم إليهم إذا أرادوا أمرا تشاوروا فيه ثم عملوا ~~عليه، فمدحهم الله تعالى به، قاله النقاش. وقال الحسن: أي إنهم لانقيادهم ~~إلى الرأي في أمورهم متفقون لا يختلفون، فمدحوا باتفاق كلمتهم. قال الحسن: ~~ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمورهم. وقال # PageV16P036 # الضحاك: هو تشاورهم حين سمعوا بظهور رسول الله صلى الله عليه وسلم، وورد ~~النقباء إليهم حتى اجتمع رأيهم في دار أبي أيوب على الايمان به والنصرة له. ~~وقيل تشاورهم فيما يعرض لهم، فلا يستأثر بعضهم بخبر دون بعض. وقال ابن ~~العربي: الشورى ألفة للجماعة ومسبار للعقول وسبب إلى الصواب، وما تشاور قوم ~~إلا هدوا. وقد قال الحكيم: # إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن * برأي لبيب أو مشورة حازم (1) ولا تجعل ~~الشورى عليك غضاضة * فإن الخوافي قوة (1) للقوادم فمدح الله المشاورة في ~~الأمور بمدح القوم الذين كانوا يمتثلون ذلك. وقد كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يشاور أصحابه في الآراء المتعلقة بمصالح الحروب، وذلك في الآراء كثير. # ولم يكن يشاورهم في الاحكام، لأنها منزلة من عند الله على جميع الأقسام ~~من الفرض والندب والمكروه والمباح والحرام. فأما الصحابة بعد استئثار الله ~~تعالى به علينا فكانوا يتشاورون في الاحكام ويستنبطونها من الكتاب والسنة. ~~وأول ما تشاور فيه الصحابة الخلافة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم ms5547 ينص ~~عليها حتى كان فيها بين أبي بكر والأنصار ما سبق بيانه (3). # وقال عمر رضي الله عنه: نرضى لدنيانا من رضيه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لديننا وتشاوروا في أهل الردة فاستقر رأي أبي بكر على القتال. ~~وتشاوروا في الجد وميراثه، وفي حد الخمر وعدده. وتشاوروا بعد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في الحروب، حتى شاور عمر الهرمزان حين وفد عليه مسلما في ~~المغازي، فقال له الهرمزان: مثلها ومثل من فيها من الناس من عدو المسلمين ~~مثل طائر له ريش وله جناحان ورجلان فإن كسر أحد الجناحين نهضت الرجلان ~~بجناح والرأس وإن كسر الجناح الآخر نهضت الرجلان والرأس وإن شدخ الرأس ذهب ~~الرجلان والجناحان. والرأس كسرى والجناح الواحد قيصر والآخر فارس، فمر ~~المسلمين فلينفروا إلى كسرى... وذكر الحديث. وقال بعض العقلاء: ما أخطأت ~~قط! إذا حزبني أمر شاورت قومي ففعلت الذي يرون، فإن أصبت فهم المصيبون، وإن ~~أخطأت فهم المخطئون. # PageV16P037 # الثالثة - قد مضى في " آل عمران " ما تضمنته الشورى من الاحكام عند قوله ~~تعالى: " وشاورهم في الامر " (1) [آل عمران: 159]. والمشورة بركة. ~~والمشورة: الشورى، وكذلك المشورة (بضم الشين)، تقول منه: شاورته في الامر ~~واستشرته بمعنى. وروى الترمذي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: (إذا كان أمراؤكم خياركم وأغنياؤكم سمحاءكم وأمركم شورى بينكم ~~فظهر الأرض خير لكم من بطنها وإذا كان أمراؤكم شراركم وأغنياؤكم بخلاءكم ~~وأموركم إلى نسائكم فبطن الأرض خير لكم من ظهرها). قال حديث غريب. " مما ~~رزقناهم ينفقون " أي ومما أعطيناهم يتصدقون. وقد تقدم في " البقرة " (2). # قوله تعالى: والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون (39) وجزاء سيئة سيئة ~~مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين (40) ولمن انتصر ~~بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل (41) إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ~~ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم (42) ولمن صبر وغفر إن ذلك ~~لمن عزم الأمور (43) فيه إحدى عشرة مسألة: # الأولى - قوله تعالى: " والذين إذا أصابهم البغي " أي أصابهم ms5548 بغي ~~المشركين. # قال ابن عباس: وذلك أن المشركين بغوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وعلى أصحابه وآذوهم وأخرجوهم من مكة، فأذن الله لهم بالخروج ومكن لهم في ~~الأرض ونصرهم على من بغى عليهم، وذلك قوله في سورة الحج: " أذن للذين ~~يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم # PageV16P038 # لقدير. الذين أخرجوا... (1) " [الحج: 39 - 40] الآيات كلها. وقيل: هو عام ~~في بغي كل باغ من كافر وغيره، أي إذا نالهم ظلم من ظالم لم يستسلموا لظلمه. ~~وهذه إشارة إلى الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الحدود. قال ابن ~~العربي: ذكر الله الانتصار في البغي في معرض المدح، وذكر العفو عن الجرم في ~~موضع آخر في معرض المدح، فاحتمل أن يكون أحدهما رافعا للاخر، واحتمل أن ~~يكون ذلك راجعا إلى حالتين، إحداهما أن يكون الباغي معلنا بالفجور، وقحا في ~~الجمهور، مؤذيا للصغير والكبير، فيكون الانتقام منه أفضل. وفي مثله قال ~~إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم فتجترئ عليهم الفساق. ~~الثانية - أن تكون الفلتة، أو يقع ذلك ممن يعترف بالزلة ويسأل المغفرة، ~~فالعفو ها هنا أفضل، وفي مثله نزلت " وأن تعفوا أقرب للتقوى " (2) [البقرة: ~~237]. وقوله: " فمن تصدق به فهو كفارة له " (3) [المائدة: 45]. وقوله: # " وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم ". (4) [النور: 22] قلت: ~~هذا حسن، وهكذا ذكر الكيا الطبري في أحكامه قال: قوله تعالى: " والذين إذا ~~أصابهم البغي هم ينتصرون " يدل ظاهره على أن الانتصار في هذا الموضع أفضل، ~~ألا ترى أنه قرنه إلى ذكر الاستجابة لله سبحانه وتعالى وإقام الصلاة، وهو ~~محمول على ما ذكر إبراهيم النخعي أنهم كانوا يكرهون للمؤمنين أن يذلوا ~~أنفسهم فتجترئ عليهم الفساق، فهذا فيمن تعدى وأصر على ذلك. والموضع المأمور ~~فيه بالعفو إذا كان الجاني نادما مقلعا. وقد قال عقيب هذه الآية: " ولمن ~~أنتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل ". ويقتضي ذلك إباحة الانتصار لا ~~الامر به، وقد عقبه بقوله: " ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور ". وهو ~~محمول على الغفران عن غير المصر، ms5549 فأما المصر على البغي والظلم فالأفضل ~~الانتصار منه بدلالة الآية التي قبلها. وقيل: أي إذا أصابهم البغي تناصروا ~~عليه حتى يزيلوه عنهم ويدفعوه، قاله ابن بحر. وهو راجع إلى العموم على ما ~~ذكرنا. # PageV16P039 # الثانية - قوله تعالى: " وجزاء سيئة سيئة مثلها " قال العلماء: جعل الله ~~المؤمنين صنفين، صنف يعفون عن الظالم فبدأ بذكرهم في قوله " وإذا ما غضبوا ~~هم يغفرون ". [الشورى: 37]. # وصنف ينتصرون من ظالمهم. ثم بين حد الانتصار بقوله: " وجزاء سيئة سيئة ~~مثلها " فينتصر ممن ظلمه من غير أن يعتدي. قال مقاتل وهشام بن حجير: هذا في ~~المجروح ينتقم من الجارح بالقصاص دون غيره من سب أو شتم. وقاله الشافعي ~~وأبو حنيفة وسفيان. قال سفيان: وكان ابن شبرمة يقول: ليس بمكة مثل هشام. ~~وتأول الشافعي في هذه الآية أن للانسان أن يأخذ من مال من خانه مثل ما خانه ~~من غير علمه، واستشهد في ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم لهند زوج أبي ~~سفيان: (خذي من ماله ما يكفيك وولدك) فأجاز لها أخذ ذلك بغير إذنه. وقد مضى ~~الكلام في هذا مستوفى في " البقرة " (1). وقال ابن أبي نجيح: إنه محمول على ~~المقابلة في الجراح. وإذا قال: أخزاه الله أو لعنه الله أن يقول مثله. ولا ~~يقابل القذف بقذف ولا الكذب بكذب. وقال السدي: إنما مدح الله من انتصر ممن ~~بغى عليه من غير اعتداء بالزيادة على مقدار ما فعل به، يعني كما كانت العرب ~~تفعله. وسمي الجزاء سيئة لأنه في مقابلتها، فالأول ساء هذا في مال أو بدن، ~~وهذا الاقتصاص يسوءه بمثل ذلك أيضا، وقد مضى هذا كله في " البقرة " مستوفى ~~(1). # الثالثة - قوله تعالى: " فمن عفا وأصلح " قال ابن عباس: من ترك القصاص ~~وأصلح بينه وبين الظالم بالعفو " فأجره على الله " أي إن الله يأجره على ~~ذلك. قال مقاتل: # فكان العفو من الأعمال الصالحة. وقد مضى في " آل عمران " (2) في هذا ما ~~فيه كفاية، والحمد لله. وذكر أبو نعيم الحافظ عن علي بن الحسين رضي الله ~~عنهم قال: إذا ms5550 كان يوم القيامة نادى مناد أيكم أهل الفضل؟ فيقوم ناس من ~~الناس، فيقال: انطلقوا إلى الجنة فتتلقاهم الملائكة، فيقولون إلى أين؟ ~~فيقولون إلى الجنة، قالوا قبل الحساب؟ قالوا نعم قالوا من أنتم؟ قالوا أهل ~~الفضل، قالوا وما كان فضلكم؟ قالوا كنا إذا جهل علينا حلمنا # PageV16P040 # وإذا ظلمنا صبرنا وإذا سئ إلينا عفونا، قالوا ادخلوا الجنة فنعم أجر ~~العاملين. وذكر الحديث. " إنه لا يحب الظالمين " أي من بدأ بالظلم، قاله ~~سعيد بن جبير. وقيل: # لا يحب من يتعدى في الاقتصاص ويجاوز الحد، قاله ابن عيسى. # الرابعة - قوله تعالى: " ولمن انتصر بعد ظلمه " أي المسلم إذا انتصر من ~~الكافر فلا سبيل إلى لومه، بل يحمد على ذلك مع الكافر. ولا لوم إن انتصر ~~الظالم من المسلم، فالانتصار من الكافر حتم، ومن المسلم مباح، والعفو ~~مندوب. # الخامسة - في قوله تعالى: " ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل ~~" دليل على أن له أن يستوفي ذلك بنفسه. وهذا ينقسم ثلاثة أقسام: أحدها - أن ~~يكون قصاصا في بدن يستحقه آدمي، فلا حرج عليه إن استوفاه من غير عدوان وثبت ~~حقه عند الحكام، لكن يزجره الامام في تفوته بالقصاص لما فيه من الجرأة على ~~سفك الدم. وإن كان حقه غير ثابت عند الحاكم فليس عليه فيما بينه وبين الله ~~حرج، وهو في الظاهر مطالب وبفعله مؤاخذ ومعاقب. القسم الثاني - أن يكون حد ~~الله تعالى لا حق لادمي فيه كحد الزنى وقطع السرقة، فإن لم يثبت ذلك عند ~~حاكم أخذ به وعوقب عليه، وإن ثبت عند حاكم نظر، فان كان قطعا في سرقة سقط ~~به الحد لزوال العضو المستحق قطعه، ولم يجب عليه في ذلك حق لان التعزير ~~أدب، وإن كان جلدا لم يسقط به الحد لتعديه مع بقاء محله فكان مأخوذا بحكمه. ~~القسم الثالث - أن يكون حقا في مال، فيجوز لصاحبه أن يغالب على حقه حتى يصل ~~إليه إن كان ممن هو عالم به، وإن كان غير عالم نظر، فإن أمكنه الوصول إليه ~~عند المطالبة ms5551 لم يكن له الاستسرار بأخذه. وإن كان لا يصل إليه بالمطالبة ~~لجحود من هو عليه من عدم بينة تشهد له ففي جواز استسراره بأخذه مذهبان: ~~أحدهما - جوازه، وهو قول مالك والشافعي. الثاني - المنع، وهو قول أبي ~~حنيفة. # السادسة - قوله تعالى: " إنما السبيل على الذين يظلمون الناس " أي ~~بعدوانهم عليهم، في قول أكثر العلماء. وقال ابن جريج: أي يظلمونهم بالشرك ~~المخالف لدينهم. PageV16P041 # " ويبغون في الأرض بغير الحق " أي في النفوس والأموال، في قول الأكثرين. ~~وقال مقاتل: بغيهم عملهم بالمعاصي. وقال أبو مالك: هو ما يرجوه كفار قريش ~~أن يكون بمكة غير الاسلام دينا. وعلى هذا الحد قال ابن زيد: إن هذا كله ~~منسوخ بالجهاد، وإن هذا للمشركين خاصة. وقول قتادة: إنه عام، وكذا يدل ظاهر ~~الكلام. وقد بيناه والحمد لله. # السابعة - قال ابن العربي: هذه الآية في مقابلة الآية المتقدمة في " ~~براءة " وهي قوله " ما على المحسنين من سبيل " (1) [التوبة: 91]، فكما نفى ~~الله السبيل عمن أحسن فكذلك نفاها (2) على من ظلم، واستوفى بيان القسمين. # الثامنة - واختلف علماؤنا في السلطان يضع على أهل بلد مالا معلوما بأخذهم ~~به ويؤدونه على قدر أموالهم، هل لمن قدر على الخلاص من ذلك أن يفعل، وهو ~~إذا تخلص أخذ سائر أهل البلد بتمام ما جعل عليهم. فقيل لا، وهو قول سحنون ~~من علمائنا. وقيل: # نعم، له ذلك إن قدر على الخلاص، وإليه ذهب أبو جعفر أحمد بن نصر الداودي ~~ثم المالكي. # قال: ويدل عليه قول مالك في الساعي يأخذ من غنم أحد الخلطاء شاة وليس في ~~جميعها نصاب إنها مظلمة على من أخذت له لا يرجع على أصحابه بشئ. قال: ولست ~~آخذ بما روي عن سحنون، لان الظلم لا أسوة فيه، ولا يلزم أحد أن يولج نفسه ~~في ظلم مخافة أن يضاعف الظلم على غيره، والله سبحانه يقول: " إنما السبيل ~~على الذين يظلمون الناس ". # التاسعة - واختلف العلماء في التحليل، فكان ابن المسيب لا يحلل أحدا من ~~عرض ولا مال. وكان سليمان بن يسار ومحمد بن سيرين ms5552 يحللان من العرض والمال. ~~ورأى مالك التحليل من المال دون العرض. روى ابن القاسم وابن وهب عن مالك ~~وسئل عن قول سعيد بن المسيب " لا أحلل أحدا " فقال: ذلك يختلف، فقلت له يا ~~أبا عبد الله، الرجل يسلف الرجل فيهلك ولا وفاء له؟ قال: أرى أن يحلله وهو ~~أفضل عندي، فان الله تعالى يقول " الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه " ~~[الزمر: 18]. فقيل له: الرجل يظلم الرجل؟ # PageV16P042 # فقال: لا أرى ذلك، هو عندي مخالف للأول، يقول الله تعالى " إنما السبيل ~~على الذين يظلمون الناس " ويقول تعالى " ما على المحسنين من سبيل " ~~[التوبة: 91] فلا أرى أن يجعله من ظلمه في حل. قال ابن العربي: فصار في ~~المسألة ثلاثة أقوال: أحدها لا يحلله بحال، قاله سعيد ابن المسيب. الثاني - ~~يحلله، قاله محمد بن سيرين. الثالث - إن كان مالا حلله وإن كان ظلما لم ~~يحلله، وهو قول مالك. وجه الأول ألا يحلل ما حرم الله، فيكون كالتبديل لحكم ~~الله. # ووجه الثاني أنه حقه فله أن يسقط كما يسقط دمه وعرضه. ووجه الثالث الذي ~~اختاره مالك هو أن الرجل إذا غلب على أداء حقك فمن الرفق به أن يتحلله، وان ~~كان ظالما فمن الحق ألا تتركه لئلا تغتر الظلمة (1) ويسترسلوا في أفعالهم ~~القبيحة. وفي صحيح مسلم حديث أبي اليسر الطويل وفيه أنه قال لغريمه: اخرج ~~إلي، فقد علمت أين أنت، فخرج، فقال: ما حملك على أن اختبأت مني؟ قال: أنا ~~والله أحدثك ثم لا أكذبك، خشيت والله أن أحدثك فأكذبك، وان أعدك فأخلفك، ~~وكنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكنت والله معسرا. # قال قلت: آلله؟ قال الله (2)، قال: فأتى بصحيفة فمحاها فقال: إن وجدت ~~قضاء فاقض، وإلا فأنت في حل... وذكر الحديث. قال ابن العربي: وهذا في الحي ~~الذي يرجى له الأداء لسلامة الذمة ورجاء التمحل (3)، فكيف بالميت الذي لا ~~محاللة له ولا ذمة معه. # العاشرة - قال بعض العلماء: إن من ظلم وأخذ له مال فإنما له ثواب ما ~~احتبس عنه إلى موته، ثم ms5553 يوجع الثواب إلى ورثته، ثم كذلك إلى آخرهم، لان ~~المال يصير بعده للوارث. قال أبو جعفر الداودي المالكي: هذا صحيح في النظر، ~~وعلى هذا القول إن مات الظالم قبل من ظلمه ولم يترك شيئا أو ترك ما لم يعلم ~~وارثه فيه بظلم لم تنتقل تباعة المظلوم إلى ورثة الظالم، لأنه لم يبق ~~للظالم ما يستوجبه ورثة المظلوم. # PageV16P043 # الحادية عشرة - قوله تعالى: " ولمن صبر وغفر " أي صبر على الأذى و " غفر ~~" أي ترك الانتصار لوجه الله تعالى، وهذا فيمن ظلمه مسلم. ويحكى أن رجلا سب ~~رجلا في مجلس الحسن رحمه الله فكان المسبوب يكظم ويعرق فيمسح العرق، ثم قام ~~فتلا هذه الآية، فقال الحسن: عقلها والله! وفهمها إذ ضيعها الجاهلون. ~~وبالجملة العفو مندوب إليه، ثم قد ينعكس الامر في بعض الأحوال فيرجع ترك ~~العفو مندوبا إليه كما تقدم، وذلك إذا احتيج إلى كف زيادة البغي وقطع مادة ~~الأذى، وعن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل عليه، وهو أن زينب أسمعت عائشة ~~رضي الله عنهما بحضرته فكان ينهاها فلا تنتهي، فقال لعائشة: # (دونك فانتصري) خرجه مسلم في صحيحه بمعناه. وقيل: " صبر " عن المعاصي ~~وستر على المساوئ. " إن ذلك لمن عزم الأمور " أي من عزائم الله التي أمر ~~بها. وقيل من عزائم الصواب التي وفق لها. وذكر الكلبي والفراء أن هذه الآية ~~نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه مع ثلاث آيات قبلها، وقد شتمه بعض ~~الأنصار فرد عليه ثم أمسك. وهي المدنيات من هذه السورة. وقيل: هذه الآيات ~~في المشركين، وكان هذا في ابتداء الاسلام قبل الامر بالقتال ثم نسختها آية ~~القتال، وهو قول ابن زيد، وقد تقدم. وفي تفسير ابن عباس " ولمن انتصر بعد ~~ظلمه " يريد حمزة بن عبد المطلب، وعبيدة وعليا وجميع المهاجرين رضوان الله ~~عليهم. " فأولئك ما عليهم من سبيل " يريد حمزة بن عبد المطلب وعبيدة وعليا ~~رضوان الله عليهم أجمعين. " إنما السبيل على الذين يظلمون الناس " يريد ~~عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة ms5554 وأبا جهل والأسود، وكل من ~~قاتل من المشركين يوم بدر. " ويبغون في الأرض " يريد بالظلم والكفر. " ~~أولئك لهم عذاب أليم " يريد وجيع. " ولمن صبر وغفر " يريد أبا بكر وعمر ~~وأبا عبيدة بن الجراح ومصعب بن عمير وجميع أهل بدر رضوان الله عليهم ~~أجمعين. " إن ذلك لمن عزم الأمور " حيث قبلوا الفداء وصبروا على الأذى. # قوله تعالى: ومن يظلل الله فما له من ولي من بعده وترى الظالمين لما رأوا ~~العذاب يقولون هل إلى مرد من سبيل (44) PageV16P044 # قوله تعالى: " ومن يظلل الله " أي يخذله " فما له من ولي من بعده " هذا ~~فيمن أعرض عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما دعاه إليه من الايمان بالله ~~والمودة في القربى، ولم يصدقه في البعث وأن متاع الدنيا قليل. أي من أضله ~~الله عن هذه الأشياء فلا يهديه هاد. # قوله تعالى: " وترى الظالمين " أي الكافرين. " لما رأوا العذاب " يعني ~~جهنم. # وقيل رأوا العذاب عند الموت. " يقولون هل إلى مرد من سبيل " يطلبون أن ~~يردوا إلى الدنيا ليعملوا بطاعة الله فلا يجابون إلى ذلك. # قوله تعالى: وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي وقال ~~الذين آمنوا إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا إن ~~الظالمين في عذاب مقيم (45) قوله تعالى: " وتراهم يعرضون عليها " أي على ~~النار لأنها عذابهم، فكنى عن العذاب المذكور بحرف التأنيث، لان ذلك العذاب ~~هو النار، وإن شئت جهنم، ولو راعى اللفظ لقال عليه. ثم قيل: هم المشركون ~~جميعا يعرضون على جهنم عند انطلاقهم إليها، قاله الأكثرون. # وقيل: آل فرعون خصوصا، تحبس أرواحهم في أجواف طير سود تغدو على جهنم ~~وتروح، فهو عرضهم عليها، قاله ابن مسعود. وقيل: إنهم عامة المشركين، تعرض ~~عليهم ذنوبهم في قبورهم، ويعرضون على العذاب في قبورهم، وهذا معنى قول أبي ~~الحجاج. " خاشعين من الذل " ذهب بعض القراء إلى الوقف على " خاشعين ". ~~وقوله: " من الذل " متعلق ب‍ " ينظرون ". وقيل: متعلق ب‍ " خاشعين ". ~~والخشوع الانكسار والتواضع. ومعنى " ينظرون من طرف خفي " أي لا يرفعون ms5555 ~~أبصارهم للنظر رفعا تاما، لأنهم ناكسو الرؤوس. # والعرب تصف الذليل بغض الطرف، كما يستعملون في ضده حديد النظر إذا لم ~~يتهم بريبة فيكون عليه منها غضاضة. وقال مجاهد: " من طرف خفي " أي ذليل، ~~قال: وإنما ينظرون بقلوبهم لأنهم يحشرون عميا، وعين القلب طرف خفي. وقال ~~قتادة والسدي والقرظي وسعيد بن جبير: يسارقون النظر من شدة الخوف. وقيل: ~~المعنى ينظرون من PageV16P045 # عين ضعيفة النظر. وقال يونس: " من " بمعنى الباء، أي ينظرون بطرف خفي، أي ~~ضعيف من الذل والخوف، ونحوه عن الأخفش. وقال ابن عباس: بطرف ذابل ذليل. # وقيل: أي يفزعون أن ينظروا إليها بجميع أبصارهم لما يرون من أصناف ~~العذاب. " وقال الذين آمنوا إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم ~~القيامة " أي يقول المؤمنون في الجنة لما عاينوا ما حل بالكفار إن الخسران ~~في الحقيقة ما صار إليه هؤلاء، فإنهم خسروا أنفسهم لأنهم في العذاب المخلد، ~~وخسروا أهليهم لان الأهل إن كانوا في النار فلا انتفاع بهم، وإن كانوا في ~~الجنة فقد حيل بينه وبينهم. وقيل: خسران الأهل أنهم لو آمنوا لكان لهم أهل ~~في الجنة من الحور العين. وفي سنن ابن ماجة عن أبي هريرة قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: (ما منكم من أحد إلا له منزلان منزل في الجنة ومنزل في ~~النار فإذا مات فدخل النار ورث أهل الجنة منزله فذلك قوله تعالى: " أولئك ~~هم الوارثون " [المؤمنون: 10]. وقد تقدم (1). وفي مسند الدارمي عن أبي ~~أمامة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من أحد يدخله الله الجنة ~~إلا زوجه اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين وسبعين من ميراثه من أهل النار ~~وما منهن واحدة إلا ولها قبل شهي وله ذكر لا ينثني). قال هشام ابن خالد: ~~(من ميراثه من أهل النار) يعني رجالا أدخلوا النار فورث أهل الجنة نساءهم ~~كما ورثت امرأة فرعون. " إلا إن الظالمين في عذاب مقيم " أي دائم لا ينقطع. ~~ثم يجوز أن يكون هذا من قول المؤمنين، ويجوز أن يكون ms5556 ابتداء من الله تعالى ~~قوله تعالى: وما كان لهم من أولياء ينصرونهم من دون الله ومن يظلل الله فما ~~له من سبيل (46) قوله تعالى: " وما كان لهم من أولياء " أي أعوانا ونصراء " ~~ينصرونهم من دون الله " أي من عذابه " ومن يظلل الله فما له من سبيل " أي ~~طريق يصل به إلى الحق في الدنيا والجنة في الآخرة، لأنه قد سدت عليه طريق ~~النجاة. # PageV16P046 # قوله تعالى: استجيبوا لربكم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله ما لكم ~~من ملجأ يومئذ وما لكم من نكير (47) قوله تعالى: " استجيبوا لربكم " أي ~~أجيبوه إلى ما دعاكم إليه من الايمان به والطاعة. استجاب وأجاب بمعنى، وقد ~~تقدم. " من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله " يريد يوم القيامة، أي لا ~~يرده أحد بعد ما حكم الله به وجعله أجلا ووقتا. " ما لكم من ملجأ " أي من ~~ملجأ ينجيكم من العذاب. " وما لكم من نكير " أي من ناصر ينصركم، قاله ~~مجاهد. # وقيل: النكير بمعنى المنكر، كالأليم بمعنى المؤلم، أي لا تجدون يومئذ ~~منكرا لما ينزل بكم من العذاب، حكاه ابن أبي حاتم، وقاله الكلبي. الزجاج: ~~معناه أنهم لا يقدرون أن ينكروا الذنوب التي يوقفون عليها. وقيل: " من نكير ~~" أي إنكار ما ينزل بكم من العذاب، والنكير والانكار تغيير المنكر. # قوله تعالى: فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا إن عليك إلا البلاغ وإنا ~~إذا أذقنا الانسان منا رحمة فرح بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن ~~الانسان كفور (48) قوله تعالى: " فإن أعرضوا " أي عن الايمان " فما أرسلناك ~~عليهم حفيظا " أي حافظا لاعمالهم حتى تحاسبهم عليها. وقيل: موكلا بهم لا ~~تفارقهم دون أن يؤمنوا، أي ليس لك إكراههم على الايمان. " إن عليك إلا ~~البلاغ " وقيل: نسخ هذا بآية القتال. " وإنا إذا أذقنا الانسان " الكافر. " ~~منا رحمة " رخاء وصحة. " فرح بها " بطر بها. " وإن تصبهم سيئة " بلاء وشدة. ~~" بما قدمت أيديهم فان الانسان كفور " أي لما تقدم من النعمة فيعدد المصائب ~~وينسى النعم. ms5557 PageV16P047 # قوله تعالى: لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا ~~ويهب لمن يشاء الذكور (49) أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما ~~إنه عليم قدير (50) قوله تعالى: " لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء " ~~فيه أربع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " لله ملك السماوات والأرض " ابتداء وخبر. " يخلق ~~ما يشاء " من الخلق. " يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور " قال أبو ~~عبيدة وأبو مالك ومجاهد والحسن والضحاك: يهب لمن يشاء إناثا لا ذكور معهن، ~~ويهب لمن يشاء ذكورا لا إناثا معهم، وأدخل الألف واللام على الذكور دون ~~الإناث لأنهم أشرف فميزهم بسمة التعريف. وقال واثلة بن الأسقع: إن من يمن ~~المرأة تبكيرها بالأنثى قبل الذكر، وذلك أن الله تعالى قال: " يهب لمن يشاء ~~إناثا ويهب لمن يشاء الذكور " فبدأ بالإناث. # " أو يزوجهم ذكرانا وإناثا " قال مجاهد: هو أن تلد المرأة غلاما ثم تلد ~~جارية، ثم تلد غلاما ثم تلد جارية. وقال محمد بن الحنفية: هو أن تلد توأما، ~~غلاما وجارية، أو يزوجهم ذكرانا وإناثا. قال القتبي: التزويج ها هنا هو ~~الجمع بين البنين والبنات، تقول العرب: # زوجت إبلي إذا جمعت بين الكبار والصغار. " ويجعل من يشاء عقيما " أي لا ~~يولد له، يقال: رجل عقيم، وامرأة عقيم. وعقمت المرأة تعقم عقما، مثل حمد ~~يحمد. وعقمت تعقم، مثل عظم يعظم. وأصله القطع، ومنه الملك العقيم، أي تقطع ~~فيه الأرحام بالقتل والعقوق خوفا على الملك. وريح عقيم، أي لا تلقح سحابا ~~ولا شجرا. ويوم القيامة يوم عقيم، لأنه لا يوم بعده. ويقال: نساء عقم وعقم، ~~قال الشاعر (1): # عقم النساء فما يلدن شبيهه * إن النساء بمثله عقم # PageV16P048 # وحكى النقاش أن هذه الآية نزلت في الأنبياء خصوصا وإن عم حكمها. وهب للوط ~~الإناث ليس معهن ذكر، ووهب لإبراهيم الذكور ليس معهم أنثى، ووهب لإسماعيل ~~وإسحاق الذكور والإناث، وجعل عيسى ويحيى عقيمين، ونحوه عن ابن عباس وإسحاق ~~بن بشر. # قال إسحاق: نزلت في الأنبياء، ثم عمت. " يهب لمن يشاء إناثا " يعني لوطا ~~عليه ms5558 السلام، لم يولد له ذكر وإنما ولد له ابنتان. " ويهب لمن يشاء الذكور ~~" يعني إبراهيم عليه السلام لم يولد له أنثى بل ولد له ثمانية ذكور. " أو ~~يزوجهم ذكرانا وإناثا " يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولد له أربعة ~~بنين وأربع بنات. " ويجعل من يشاء عقيما " يعني يحيى بن زكريا عليهما ~~السلام، لم يذكر عيسى. ابن العربي: قال علماؤنا " يهب لمن يشاء إناثا " ~~يعني لوطا كان له بنات ولم يكن له ابن. " ويهب لمن يشاء الذكور " يعني ~~إبراهيم، كان له بنون ولم يكن له بنت. وقوله " أو يزوجهم ذكرانا وإناثا " ~~يعني آدم، كانت حواء تلد له في كل بطن توأمين ذكرا وأنثى، ويزوج الذكر من ~~هذا البطن من الأنثى من البطن الآخر، حتى أحكم الله التحريم في شرع نوح صلى ~~الله عليه وسلم. وكذلك محمد صلى الله عليه وسلم كان له ذكور وإناث من ~~الأولاد: القاسم والطيب والطاهر وعبد الله (1) وزينب وأم كلثوم ورقية ~~وفاطمة، وكلهم من خديجة رضي الله عنها، وإبراهيم وهو من مارية القبطية. ~~وكذلك قسم الله الخلق من لدن آدم إلى زماننا هذا، إلى أن تقوم الساعة، على ~~هذا التقدير المحدود بحكمته البالغة ومشيئته النافذة، ليبقى النسل، ويتمادى ~~الخلق، وينفذ الوعد، ويحق الامر، وتعمر الدنيا، وتأخذ الجنة وجهنم كل واحدة ~~ما يملؤها ويبقى. ففي الحديث: (إن النار لن تمتلئ حتى يضع الجبار فيها قدمه ~~(2)، فتقول قط قط (3). وأما الجنة فيبقى منها فينشئ الله لها خلقا آخر.) ~~الثانية - قال ابن العربي: إن الله تعالى لعموم قدرته وشديد قوته يخلق ~~الخلق ابتداء من غير شئ، وبعظيم لطفه وبالغ حكمته يخلق شيئا من شئ لا عن ~~حاجة، فإنه قدوس # PageV16P049 # عن الحاجات سلام عن الآفات، كما قال القدوس السلام، فخلق آدم من الأرض ~~وخلق حواء من آدم وخلق النشأة من بينهما منهما مرتبا على الوطئ كائنا عن ~~الحمل موجودا في الجنين بالوضع، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا ~~سبق ماء الرجل ماء المرأة أذكرا وإذا سبق ماء المرأة ms5559 ماء الرجل آنثا (1)). ~~وكذلك في الصحيح أيضا (إذا علا ماء الرجل ماء المرأة أشبه الولد أعمامه ~~وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل أشبه الولد أخواله). # قلت: وهذا معنى حديث عائشة لا لفظه خرجه مسلم من حديث عروة بن الزبير ~~عنها أن امرأة قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هل تغتسل المرأة إذا ~~احتلمت وأبصرت الماء؟ # فقال: (نعم) فقالت لها عائشة: تربت يداك وألت (2)، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # (دعيها وهل يكون الشبه إلا من قبل ذلك. إذا علا ماؤها ماء الرجل أشبه ~~الولد أخواله وإذا علا ماء الرجل ماءها أشبه أعمامه). قال علماؤنا: فعلى ~~مقتضى هذا الحديث أن العلو يقتضي الشبه، وقد جاء في حديث ثوبان خرجه مسلم ~~أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لليهودي: (ماء الرجل أبيض وماء ~~المرأة أصفر، فإذا اجتمعا فعلا مني الرجل مني المرأة أذكرا بإذن الله وإذا ~~علا مني المرأة مني الرجل آنثا بإذن الله...) الحديث. فجعل في هذا الحديث ~~أيضا العلو يقتضي الذكورة والأنوثة، فعلى مقتضى الحديثين يلزم اقتران الشبه ~~للأعمام والذكورة إن علا مني الرجل، وكذلك يلزم إن علا مني المرأة اقتران ~~الشبه للأخوال والأنوثة، لأنهما معلولا علة واحدة، وليس الامر كذلك بل ~~الوجود بخلاف ذلك، لأنا نجد الشبه للأخوال والذكورة والشبه للأعمام ~~والأنوثة فتعين تأويل أحد الحديثين. والذي يتعين تأويله الذي في حديث ثوبان ~~فيقال: إن ذلك العلو معناه سبق الماء إلى الرحم، ووجهه أن العلو لما كان ~~معناه الغلبة من قولهم سابقني فلان فسبقته أي غلبته، ومنه قوله تعالى: # PageV16P050 # " وما نحن بمسبوقين " [الواقعة: 60] أي بمغلوبين قيل عليه: علا. ويؤيد ~~هذا التأويل قوله في الحديث: # (إذا سبق ماء الرجل ماء المرأة أذكرا وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل ~~آنثا). وقد بنى القاضي أبو بكر بن العربي على هذه الأحاديث بناء فقال: إن ~~للماءين أربعة أحوال: الأول أن يخرج ماء الرجل أولا، الثاني أن يخرج ماء ~~المرأة أولا، الثالث أن يخرج ماء الرجل أولا ويكون أكثر، الرابع أن ms5560 يخرج ~~ماء المرأة أولا ويكون أكثر. ويتم التقسيم بأن يخرج ماء الرجل أولا ثم يخرج ~~ماء المرأة بعده ويكون أكثر أو بالعكس، فإذا خرج ماء الرجل أولا وكان أكثر ~~جاء الولد ذكرا بحكم السبق وأشبه الولد أعمامه بحكم الكثرة. وإن خرج ماء ~~المرأة أولا وكان أكثر جاء الولد أنثى بحكم السبق وأشبه أخواله بحكم ~~الغلبة. وإن خرج ماء الرجل أولا لكن لما خرج ماء المرأة بعده كان أكثر كان ~~الولد ذكرا بحكم السبق وأشبه أخواله بحكم غلبة ماء المرأة. # وإن سبق ماء المرأة لكن لما خرج ماء الرجل كان أعلى من ماء المرأة كان ~~الولد أنثى بحكم سبق ماء المرأة وأشبه أعمامه بحكم غلبة ماء الرجل. قال: ~~وبانتظام هذه الأقسام يستتب الكلام ويرتفع التعارض عن الأحاديث، فسبحان ~~الخالق العليم. # الثالثة - قال علماؤنا: كانت الخلقة مستمرة ذكرا وأنثى إلى أن وقع في ~~الجاهلية الأولى الخنثى فأتي به فريض العرب ومعمرها (1) عامر بن الظرب فلم ~~يدر ما يقول فيه وأرجأهم عنه، فلما جن عليه الليل تنكر موضعه، وأقض عليه ~~مضجعه، وجعل يتقلى ويتقلب، وتجئ به الأفكار وتذهب، إلى أن أنكرت خادمه حاله ~~فقالت: ما بك؟ قال لها: سهرت لأمر قصدت به فلم أدر ما أقول فيه؟ فقالت ما ~~هو؟ قال لها: رجل له ذكر وفرج كيف يكون حاله في الميراث؟ قالت له الأمة: ~~ورثه من حيث يبول، فعقلها وأصبح فعرضها عليهم وانقلبوا بها راضين. وجاء ~~الاسلام على ذلك فلم تنزل إلا في عهد علي رضي الله عنه فقضى فيها. وقد روى ~~الفرضيون عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه سئل عن مولود له قبل وذكر من أين يورث؟ قال: من حيث يبول. وروي # PageV16P051 # أنه أتى بخنثى من الأنصار فقال: (ورثوه من أول ما يبول). وكذا روى محمد ~~بن الحنفية عن علي، ونحوه عن ابن عباس، وبه قال ابن المسيب وأبو حنيفة وأبو ~~يوسف ومحمد، وحكاه المزني عن الشافعي. وقال قوم: لا دلالة في البول، ms5561 فان ~~خرج البول منهما جميعا قال أبو يوسف: يحكم بالأكثر. وأنكره أبو حنيفة وقال: ~~أتكيله! ولم يجعل أصحاب الشافعي للكثرة حكما. وحكي عن علي والحسن أنهما ~~قالا: تعد أضلاعه، فان المرأة تزيد على الرجل بضلع واحد. وقد مضى ما ~~للعلماء في هذا في آية المواريث في " النساء " (1) مجودا والحمد لله. # الرابعة - قال القاضي أبو بكر بن العربي: وقد أنكر قوم من رؤوس العوام ~~وجود الخنثى، لان الله تعالى قسم الخلق إلى ذكر وأنثى. قلنا: هذا جهل ~~باللغة، وغباوة عن مقطع الفصاحة، وقصور عن معرفة سعة القدرة. أما قدرة الله ~~سبحانه فإنه واسع عليم، وأما ظاهر القرآن فلا ينفي وجود الخنثى، لان الله ~~تعالى قال: " لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء ". فهذا عموم مدح فلا ~~يجوز تخصيصه، لان القدرة تقتضيه. # وأما قوله " يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور. أو يزوجهم ذكرانا ~~وإناثا ويجعل من يشاء عقيما " فهذا إخبار عن الغالب في الموجودات، وسكت عن ~~ذكر النادر لدخوله تحت عموم الكلام الأول، والوجود يشهد له والعيان يكذب ~~منكره، وقد كان يقرأ معنا برباط أبي سعيد على الامام الشهيد من بلاد المغرب ~~خنثى ليس له لحية وله ثديان وعنده جارية، فربك أعلم به، ومع طول الصحبة ~~عقلني الحياء عن سؤاله، وبودي اليوم لو كاشفته عن حاله. # قوله تعالى: وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من ورآى حجاب أو ~~يرسل رسولا فيوحى بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم (51) # PageV16P052 # فيه مسألتان: الأولى - قوله تعالى " وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا ~~" سبب ذلك أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ألا تكلم الله وتنظر ~~إليه إن كنت نبيا كما كلمه موسى ونظر إليه، فإنا لن نؤمن لك حتى تفعل ذلك. ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن موسى لن ينظر إليه) فنزل قوله " وما ~~كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا "، ذكره النقاش والواحدي والثعلبي. " وحيا ~~" قال مجاهد: نفث ينفث في قلبه فيكون إلهاما، ومنه قوله صلى ms5562 الله عليه ~~وسلم: (إن روح القدس نفث في روعي (1) إن نفسا لن تموت حتى تستكمل، رزقها ~~وأجلها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب. خذوا ما حل ودعوا ما حرم). " أو من ~~وراء حجاب " كما كلم موسى. # " أو يرسل رسولا " كارساله جبريل عليه السلام. وقيل: " إلا وحيا " رؤيا ~~يراها في منامه، قاله محمد بن زهير. " أو من وراء حجاب " كما كلم موسى. " ~~أو يرسل رسولا " قال زهير هو جبريل عليه السلام. " فيوحى بإذنه ما يشاء " ~~وهذا الوحي من الرسل خطاب منهم للأنبياء يسمعونه نطقا ويرونه عيانا. وهكذا ~~كانت حال جبريل عليه السلام إذا نزل بالوحي على النبي صلى الله عليه وسلم. ~~قال ابن عباس: نزل جبريل عليه السلام على كل نبي فلم يره منهم إلا محمد ~~وعيسى وموسى وزكريا عليهم السلام. فأما غيرهم فكان وحيا إلهاما في المنام. # وقيل " إلا وحيا " بارسال جبريل " أو من وراء حجاب " كما كلم موسى. " أو ~~يرسل رسولا " إلى الناس كافة. وقرأ الزهري وشيبة ونافع " أو يرسل رسولا ~~فيوحي " برفع الفعلين. # الباقون بنصبهما. فالرفع على الاستئناف، أي وهو يرسل. وقيل: " يرسل " ~~بالرفع في موضع الحال، والتقدير إلا موحيا أو مرسلا. ومن نصب عطفوه على محل ~~الوحي، لان معناه وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا أن يوحي أو يرسل. ويجوز ~~أن يكون النصب على تقدير حذف الجار من أن المضمرة. ويكون في موضع الحال، ~~التقدير أو بأن يرسل رسولا. # ولا يجوز أن يعطف " أو يرسل " بالنصب على " أن يكلمه " لفساد المعنى، ~~لأنه يصير: # ما كان لبشر أن يرسله أو أن يرسل إليه رسولا، وهو قد أرسل الرسل من البشر ~~وأرسل إليهم. # PageV16P053 # الثانية - احتج بهذه الآية من رأى فيمن حلف ألا يكلم رجلا فأرسل إليه ~~رسولا أنه حانث، لان المرسل قد سمي فيها مكلما للمرسل إليه، إلا أن ينوي ~~الحالف المواجهة بالخطاب. قال ابن المنذر: واختلفوا في الرجل يحلف ألا يكلم ~~فلانا فكتب إليه كتابا أو أرسل إليه رسولا، فقال الثوري: الرسول ليس بكلام. ~~وقال الشافعي: لا يبين ms5563 أن يحنث. # وقال النخعي: والحكم في الكتاب يحنث. وقال مالك: يحنث في الكتاب والرسول. # وقال مرة: الرسول أسهل من الكتاب. وقال أبو عبيد: الكلام سوى الخط ~~والإشارة. # وقال أبو ثور: لا يحنث في الكتاب. قال ابن المنذر: لا يحنث في الكتاب ~~والرسول. # قلت: وهو قول مالك. قال أبو عمر: ومن حلف ألا يكلم رجلا فسلم عليه عامدا ~~أو ساهيا، أو سلم على جماعة هو فيهم فقد حنث في ذلك كله عند مالك. وإن أرسل ~~إليه رسولا أو سلم عليه في الصلاة لم يحنث. # قلت: يحنث في الرسول إلا أن ينوي المشافهة، للآية، وهو قول مالك وابن ~~الماجشون. # وقد مضى في أول " سورة مريم " (1) هذا المعنى عن علمائنا مستوفى، والحمد ~~لله. # قوله تعالى: وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا ~~الايمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط ~~مستقيم (52) صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله ~~تصير الأمور (53) فيه أربع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " وكذلك أوحينا إليك " أي وكالذي أوحينا إلى ~~الأنبياء من قبلك أوحينا إليك " روحا " أي نبوة، قاله ابن عباس. الحسن ~~وقتادة: رحمة من عندنا. # السدي: وحيا. الكلبي: كتابا. الربيع: هو جبريل. الضحاك: هو القرآن. وهو ~~قول # PageV16P054 # مالك بن دينار. وسماه روحا لان فيه حياة من موت الجهل. وجعله من أمره ~~بمعنى أنزله كما شاء على من يشاء من النظم المعجز والتأليف المعجب. ويمكن ~~أن يحمل قوله " ويسئلونك عن الروح " [الاسراء: 85] على القرآن أيضا " قل ~~الروح من أمر ربي " [الاسراء: 85] أي يسئلونك من أين لك هذا القرآن، قل إنه ~~من أمر الله أنزله علي معجزا، ذكره القشيري. وكان مالك بن دينار يقول: يا ~~أهل القرآن، ماذا زرع القرآن في قلوبكم؟ فإن القرآن ربيع القلوب كما أن ~~الغيث ربيع الأرض. # الثانية - قوله تعالى: " ما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان " أي لم تكن ~~تعرف الطريق إلى الايمان. وظاهر هذا يدل على أنه ما ms5564 كان قبل الايحاء متصفا ~~بالايمان. # قال القشيري: وهو من مجوزات العقول، والذي صار إليه المعظم ان الله ما ~~بعث نبيا إلا كان مؤمنا به قبل البعثة. وفيه تحكم، إلا أن يثبت ذلك بتوقيف ~~مقطوع به. قال القاضي أبو الفضل عياض: وأما عصمتهم من هذا الفن (1) قبل ~~النبوة فللناس فيه خلاف، والصواب أنهم معصومون قبل النبوة من الجهل بالله ~~وصفاته والتشكك في شئ من ذلك. # وقد تعاضدت الاخبار والآثار عن الأنبياء بتنزيههم عن هذه النقيصة منذ ~~ولدوا، ونشأتهم على التوحيد والايمان، بل على إشراق أنوار المعارف ونفحات ~~ألطاف السعادة، ومن طالع سيرهم منذ صباهم إلى مبعثهم حقق ذلك، كما عرف من ~~حال موسى وعيسى ويحيى وسليمان وغيرهم عليهم السلام. قال الله تعالى " ~~وآتيناه الحكم صبيا " (2) [مريم: 12] قال المفسرون: أعطي يحيى العلم بكتاب ~~الله في حال صباه. قال معمر: كان ابن سنتين أو ثلاث، فقال له الصبيان: # لم لا تلعب! فقال: أللعب خلقت! وقيل في قوله " مصدقا بكلمة من الله " (3) ~~[آل عمران: 39] صدق يحيى بعيسى وهو ابن ثلاث سنين، فشهد له أنه كلمة الله ~~وروحه وقيل: صدقه وهو في بطن أمه، فكانت أم يحيى تقول لمريم إني أجد ما في ~~بطني يسجد لما في بطنك تحية له. وقد نص الله على كلام عيسى لامه عند ~~ولادتها إياه بقوله " لا تحزني " [مريم: 24] على قراءة من قرأ " من # PageV16P055 # تحتها "، وعلى قول من قال إن المنادى عيسى ونص على كلامه في مهده فقال " ~~إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا " [مريم: 30]. وقال: " ففهمناها ~~سليمان وكلا آتينا حكما وعلما " (1) [الأنبياء: 79] وقد ذكر من حكم سليمان ~~وهو صبي يلعب في قصة المرجومة وفي قصة الصبي ما اقتدى به أبوه داود. وحكى ~~الطبري أن عمره كان حين أوتي الملك اثني عشر عاما. وكذلك قصة موسى مع فرعون ~~وأخذه بلحيته وهو طفل. وقال المفسرون في قوله تعالى " ولقد آتينا إبراهيم ~~رشده من قبل " (2) [الأنبياء: 51]: أي هديناه صغيرا، قاله مجاهد وغيره. ~~وقال ابن عطاء: اصطفاه قبل ابداء خلقه. وقال بعضهم: ms5565 لما ولد إبراهيم بعث ~~الله إليه ملكا يأمره عن الله تعالى أن يعرفه بقلبه ويذكره بلسانه فقال: قد ~~فعلت، ولم يقل أفعل، فذلك رشده. وقيل: إن إلقاء إبراهيم في النار ومحنته ~~كانت وهو ابن ست عشرة سنة. وإن ابتلاء إسحاق بالذبح وهو ابن سبع سنين. وإن ~~استدلال إبراهيم بالكوكب والقمر والشمس كان وهو ابن خمس عشرة سنة (3). وقيل ~~أوحي إلى يوسف وهو صبي عندما هم إخوته بإلقائه في الجب بقوله تعالى: " ~~وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم (4) هذا " [يوسف: 15] الآية، إلى غير ذلك من ~~أخبارهم. وقد حكى أهل السير أن آمنة بنت وهب أخبرت أن نبينا محمدا صلى الله ~~عليه وسلم ولد حين ولد باسطا يديه إلى الأرض رافعا رأسه إلى السماء، وقال ~~في حديثه صلى الله عليه وسلم: (لما نشأت بغضت إلي الأوثان وبغض إلي الشعر ~~ولم أهم بشئ مما كانت الجاهلية تفعله إلا مرتين فعصمني الله منهما ثم لم ~~أعد). ثم يتمكن الامر لهم، وتترادف نفحات الله تعالى عليهم، وتشرق أنوار ~~المعارف في قلوبهم حتى يصلوا الغاية ويبلغوا باصطفاء الله تعالى لهم ~~بالنبوة في تحصيل الخصال الشريفة النهاية دون ممارسة ولا رياضة. قال الله ~~تعالى: " ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما " (5) [يوسف: 22]. قال ~~القاضي: # ولم ينقل أحد من أهل الأخبار أن أحدا نبئ واصطفي ممن عرف بكفر وإشراك قبل ~~ذلك. # ومستند هذا الباب النقل. وقد استدل بعضهم بأن القلوب تنفر عمن كانت هذه ~~سبيله. # PageV16P056 # قال القاضي: وأنا أقول إن قريشا قد رمت نبينا عليه السلام بكل ما افترته، ~~وعير كفار الأمم أنبياءها بكل ما أمكنها واختلقته، مما نص الله عليه أو ~~نقلته إلينا الرواة، ولم نجد في شئ من ذلك تعييرا لواحد منهم برفضه آلهتهم ~~وتقريعه بذمه بترك ما كان قد جامعهم عليه. ولو كان هذا لكانوا بذلك ~~مبادرين، وبتلونه في معبوده محتجين، ولكان توبيخهم له بنهيهم عما كان يعبد ~~قبل أفظع وأقطع في الحجة من توبيخه بنهيهم عن تركه آلهتهم وما كان يعبد ~~آباؤهم من قبل، ففي إطباقهم ms5566 على الاعراض عنه دليل على أنهم لم يجدوا سبيلا ~~إليه، إذ لو كان لنقل وما سكتوا عنه كما لم يسكتوا عن تحويل القبلة وقالوا ~~" ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها " [البقرة: 142] كما حكاه الله ~~عنهم. # الثالثة - وتكلم العلماء في نبينا صلى الله عليه وسلم، هل كان متعبدا ~~بدين قبل الوحي أم لا، فمنهم من منع ذلك مطلقا وأحاله عقلا. قالوا: لأنه ~~يبعد أن يكون متبوعا من عرف تابعا، وبنوا هذا على التحسين والتقبيح. وقالت ~~فرقة أخرى بالوقف في أمره عليه السلام وترك قطع الحكم عليه بشئ في ذلك، إذ ~~لم يحل الوجهين منهما العقل ولا استبان عندها (1) في أحدهما طريق النقل، ~~وهذا مذهب أبي المعالي. وقالت فرقة ثالثة: إنه كان متعبدا بشرع من قبله ~~وعاملا به، ثم اختلف هؤلاء في التعيين، فذهبت طائفة إلى أنه كان على دين ~~عيسى فإنه ناسخ لجميع الأديان والملل قبلها، فلا يجوز أن يكون النبي على ~~دين منسوخ. # وذهبت طائفة إلى أنه كان على دين إبراهيم، لأنه من ولده وهو أبو ~~الأنبياء. وذهبت طائفة إلى أنه كان على دين موسى، لأنه أقدم الأديان. وذهبت ~~المعتزلة إلى أنه لا بد أن يكون على دين ولكن عين الدين غير معلومة عندنا. ~~وقد أبطل هذه الأقوال كلها أئمتنا، إذ هي أقوال متعارضة وليس فيها دلالة ~~قاطعة، وإن كان العقل يجوز ذلك كله. والذي يقطع به أنه عليه السلام لم يكن ~~منسوبا إلى واحد من الأنبياء نسبة تقتضي أن يكون واحدا من أمته ومخاطبا بكل ~~شريعته، بل شريعته مستقلة بنفسها مفتتحة من عند الله الحاكم عز وجل وأنه # PageV16P057 # صلى الله عليه وسلم كان مؤمنا بالله عز وجل، ولا سجد لصنم، ولا أشرك ~~بالله، ولا زنى ولا شرب الخمر، ولا شهد السامر (1) ولا حضر حلف المطر (2) ~~ولا حلف المطيبين (3)، بل نزهه الله وصانه عن ذلك. فإن قيل: فقد روى عثمان ~~بن أبي شيبة حديثا بسنده عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان يشهد ~~مع المشركين مشاهدهم، ms5567 فسمع ملكين خلفه أحدهما يقول لصاحبه: اذهب حتى تقوم ~~خلفه، فقال الآخر: كيف أقوم خلفه وعهده باستلام الأصنام فلم يشهدهم بعد؟ ~~فالجواب أن هذا حديث أنكره الإمام أحمد بن حنبل جدا وقال: هذا موضوع أو ~~شبيه بالموضوع. وقال الدارقطني: إن عثمان وهم في إسناده، والحديث بالجملة ~~منكر غير متفق على إسناده فلا يلتفت إليه، والمعروف عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم خلافه عند أهل العلم من قوله: (بغضت إلي الأصنام) وقوله في قصة بحيرا ~~حين استحلف النبي صلى الله عليه وسلم باللات والعزى إذ لقيه بالشام في ~~سفرته مع عمه أبي طالب وهو صبي، ورأى فيه علامات النبوة فاختبره بذلك، فقال ~~له النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تسألني بهما فوالله ما أبغضت شيئا قط ~~بغضهما) فقال له بحيرا: فبالله إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه، فقال: # (سل عما بدا لك). وكذلك المعروف من سيرته عليه السلام وتوفيق الله إياه ~~له أنه كان قبل نبوته يخالف المشركين في وقوفهم بمزدلفة في الحج، وكان يقف ~~هو بعرفة، لأنه كان # PageV16P058 # موقف إبراهيم عليه السلام. فإن قيل: فقد قال الله تعالى: " قل بل ملة ~~إبراهيم " (1) [البقرة: 135] وقال: # " أن اتبع ملة إبراهيم " (2) [النحل: 12] وقال: " شرع لكم من الدين " ~~[الشورى: 13] الآية. وهذا يقتضي أن يكون متعبدا بشرع. فالجواب أن ذلك فيما ~~لا تختلف فيه الشرائع من التوحيد وإقامة الدين، على ما تقدم بيانه في غير ~~موضع وفي هذه السورة عند قوله " شرع لكم من الدين " (3) [الشورى: 13] ~~والحمد لله. # الرابعة - إذا تقرر هذا فاعلم أن العلماء اختلفوا في تأويل قوله تعالى: " ~~ما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان ". فقال جماعة: معنى الايمان في هذه ~~الآية شرائع الايمان ومعالمه، ذكره الثعلبي. وقيل: تفاصيل هذا الشرع، أي ~~كنت غافلا عن هذه التفاصيل. ويجوز إطلاق لفظ الايمان على تفاصيل الشرع، ~~ذكره القشيري: وقيل: ما كنت تدري قبل الوحي أن تقرأ القرآن، ولا كيف تدعو ~~الخلق إلى الايمان، ونحوه عن أبي العالية. وقال بكر القاضي: ولا الايمان ~~الذي هو الفرائض ms5568 والاحكام. قال: وكان قبل مؤمنا بتوحيده ثم نزلت الفرائض ~~التي لم يكن يدريها قبل، فزاد بالتكليف إيمانا. وهذه الأقوال الأربعة ~~متقاربة. وقال ابن خزيمة: عنى بالايمان الصلاة، لقوله تعالى " وما كان الله ~~ليضيع إيمانكم " [البقرة: 143] أي صلاتكم إلى بيت المقدس، فيكون اللفظ عاما ~~والمراد الخصوص. وقال الحسين بن الفضل: أي ما كنت تدري ما الكتاب ولا أهل ~~الايمان. وهو من باب حذف المضاف، أي من الذي يؤمن؟ أبو طالب أو العباس أو ~~غيرهما. وقيل: ما كنت تدري شيئا إذ كنت في المهد وقبل البلوغ. وحكى ~~الماوردي نحوه عن علي بن عيسى قال: ما كنت تدري ما الكتاب لولا الرسالة، ~~ولا الايمان لولا البلوغ. وقيل: ما كنت تدري ما الكتاب لولا إنعامنا عليك، ~~ولا الايمان لولا هدايتنا لك، وهو محتمل. وفي هذا الايمان وجهان: أحدهما ~~أنه الايمان بالله، وهذا يعرفه بعد بلوغه وقبل نبوته. والثاني - أنه دين ~~الاسلام، وهذا لا يعرفه إلا بعد النبوة. # PageV16P059 # قلت: أنه صلى الله عليه وسلم كان مؤمنا بالله عز وجل من حين نشأ إلى حين ~~بلوغه، على ما تقدم. وقيل: " ما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان " أي كنت ~~من قوم أميين لا يعرفون الكتاب ولا الايمان، حتى تكون قد أخذت ما جئتهم به ~~عمن كان يعلم ذلك منهم، وهو كقوله تعالى: " وما كنت تتلو من قبله من كتاب ~~ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون " (1) [العنكبوت: 48] روي معناه عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما. " ولكن جعلناه " قال ابن عباس والضحاك: # يعني الايمان. السدي: القرآن. وقيل الوحي، أي جعلنا هذا الوحي " نورا ~~نهدي به من نشاء " أي من نختاره للنبوة، كقوله تعالى: " يختص برحمته من ~~يشاء " (2) [آل عمران: 74]. ووحد الكنابة لان الفعل في كثرة أسمائه بمنزلة ~~الفعل في الاسم الواحد، ألا ترى أنك تقول: إقبالك وإدبارك يعجبني، فتوحد، ~~وهما اثنان. " وإنك لتهدي " أي تدعو وترشد " إلى صراط مستقيم " دين قويم لا ~~اعوجاج فيه. وقال علي: إلى كتاب مستقيم. وقرأ عاصم الجحدري وحوشب " وإنك ~~لتهدى " غير مسمى الفاعل، ms5569 أي لتدعى. الباقون " لتهدي " مسمى الفاعل. # وفي قراءة أبي " وإنك لتدعو ". قال النحاس: وهذا لا يقرأ به، لأنه مخالف ~~للسواد، وإنما يحمل ما كان مثله على أنه من قائله على جهة التفسير، كما قال ~~" وإنك لتهدي " أي لتدعو. وروى معمر عن قتادة في قوله تعالى " وإنك لتهدي ~~إلى صراط مستقيم " قال: # " ولكل قوم هاد " [الرعد: 7]. " صراط الله " بدل من الأول بدل المعرفة من ~~النكرة. قال على: # هو القرآن. وقيل الاسلام. ورواه النواس بن سمعان عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم. # " الذي له ما في السماوات وما في والأرض " ملكا وعبد ا وخلقا. " ألا إلى ~~الله تصير الأمور " وعيد بالبعث والجزاء. قال سهل بن أبي الجعد: احترق مصحف ~~فلم يبق إلا قوله " ألا إلى الله تصير الأمور " وغرق مصحف فامحى كله إلا ~~قوله " ألا إلى الله تصير الأمور ". # والحمد لله وحده. # PageV16P060 # سورة الزخرف مكية بإجماع. وقال مقاتل: إلا قوله " وأسأل من أرسلنا من ~~قبلك من رسلنا " (1) [الزخرف: 45]. # وهي تسع وثمانون آية. # بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: حم‍ (1) والكتاب المبين (2) إنا ~~جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون (3) قوله تعالى: " حم. والكتاب المبين ". ~~تقدم (2) الكلام فيه. وقيل: " حم " قسم. # " والكتاب المبين " قسم ثان، ولله أن يقسم بما شاء. والجواب " إنا جعلناه ~~". وقال ابن الأنباري: من جعل جواب " والكتاب " " حم " - كما تقول نزل ~~والله وجب والله - وقف على " الكتاب المبين ". ومن جعل جواب القسم " إنا ~~جعلناه " لم يقف على " الكتاب المبين ". ومعنى " جعلناه " أي سميناه ~~ووصفناه، ولذلك تعدى إلى مفعولين، كقوله تعالى: # " ما جعل الله من بحيرة " (3) [المائدة: 103]. وقال السدي: أي أنزلناه ~~قرآنا. مجاهد: قلناه. الزجاج وسفيان الثوري: بيناه. " عربيا " أي أنزلناه ~~بلسان العرب، لان كل نبي أنزل كتابه بلسان قومه، قاله سفيان الثوري وغيره. ~~وقال مقاتل: لان لسان أهل السماء عربي. # وقيل: المراد بالكتاب جميع الكتب المنزلة على الأنبياء، لان الكتاب اسم ~~جنس فكأنه أقسم بجميع ما أنزل من الكتب أنه جعل القرآن عربيا. والكناية في ~~قوله " جعلناه " ترجع إلى القرآن وإن لم ms5570 يجر له ذكر في هذه السورة، كقوله ~~تعالى: " إنا أنزلناه في ليلة القدر ". [القدر: 1]. # " لعلكم تعقلون " أي تفهمون أحكامه ومعانيه. فعلى هذا القول يكون خاصا ~~للعرب دون العجم، قاله ابن عيسى. وقال ابن زيد: المعنى لعلكم تتفكرون، فعلى ~~هذا يكون خطابا عاما للعرب والعجم. ونعت الكتاب بالمبين لان الله بين فيه ~~أحكامه وفرائضه، على ما تقدم في غير موضع. # PageV16P061 # قوله تعالى: وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم (4) قوله تعالى: " وإنه ~~في أم الكتاب " يعني القرآن في اللوح المحفوظ " لدينا " عندنا " لعلي حكيم ~~" أي رفيع محكم لا يوجد فيه اختلاف ولا تناقض، قال الله تعالى: " إنه لقرآن ~~كريم في كتاب مكنون " (1) [الواقعة: 77 - 78] وقال تعالى: " بل هو قرآن (2) ~~مجيد. في لوح محفوظ " [البروج: 21 - 22]. وقال ابن جريج: # المراد بقوله تعالى " وإنه " أي أعمال الخلق من إيمان وكفر وطاعة ومعصية. ~~" لعلي " أي رفيع عن أن ينال فيبدل " حكيم " أي محفوظ من نقص أو تغيير. ~~وقال ابن عباس: أول ما خلق الله القلم فأمره أن يكتب ما يريد أن يخلق، ~~فالكتاب عنده، ثم قرأ " وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم ". وكسر الهمزة ~~من " أم الكتاب " حمزة والكسائي. وضم الباقون، وقد تقدم. # (2) قوله تعالى: أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين (5) قوله ~~تعالى: " أفنضرب عنكم الذكر صفحا " يعني: القرآن، عن الضحاك وغيره. # وقيل: المراد بالذكر العذاب، أي أفنضرب عنكم العذاب ولا نعاقبكم على ~~إسرافكم وكفركم، قاله مجاهد وأبو صالح والسدي، ورواه العوفي عن ابن عباس. ~~وقال ابن عباس: المعنى أفحسبتم أن نصفح عنكم العذاب ولما تفعلوا ما أمرتم ~~به. وعنه أيضا أن المعنى أتكذبون بالقرآن ولا تعاقبون. وقال السدي أيضا: ~~المعنى أفنترككم سدى فلا نأمركم ولا ننهاكم. # وقال قتادة: المعنى أفنهلككم ولا نأمركم ولا ننهاكم. وعنه أيضا: أفنمسك ~~عن إنزال القرآن من قبل أنكم لا تؤمنون به فلا ننزله عليكم. وقاله ابن زيد. ~~قال قتادة: والله لو كان هذا القرآن رفع حين رددته أوائل هذه الأمة لهلكوا، ~~ولكن الله ردده وكرره ms5571 عليهم برحمته. وقال الكسائي: أفنطوي عنكم الذكر طيا ~~فلا توعظون ولا تؤمرون. وقيل: الذكر التذكر، فكأنه قال أنترك تذكيركم لان ~~كنتم قوما مسرفين، في قراءة من فتح. ومن كسر جعلها للشرط # PageV16P062 # وما قبلها جوابا لها، لأنها لم تعمل في اللفظ. ونظيره: " وذروا ما بقي من ~~الربا إن كنتم مؤمنين " (1) [البقرة: 278] وقيل: الجواب محذوف دل عليه ما ~~تقدم، كما تقول: أنت ظالم إن فعلت. ومعنى الكسر عند الزجاج الحال، لان في ~~الكلام معنى التقرير والتوبيخ. ومعنى " صفحا " إعراضا، يقال: صفحت عن فلان ~~إذا أعرضت عن ذنبه. وقد ضربت عنه صفحا إذا أعرضت عنه وتركته. والأصل فيه ~~صفحة العنق، يقال: أعرضت عنه أي وليته صفحة عنقي. # قال الشاعر (2): # صفوحا فما تلقاك إلا بخيلة * فمن مل منها ذلك الوصل ملت وانتصب " صفحا " ~~على المصدر لان معنى " أفنضرب " أفنصفح. وقيل: التقدير أفنضرب عنكم الذكر ~~صافحين، كما يقال: جاء فلان مشيا. ومعنى " مسرفين " مشركين. واختار أبو ~~عبيدة الفتح في " أن " وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وعاصم وابن عامر، قال: ~~لان الله تعالى عاتبهم على ما كان منهم، وعلمه قبل ذلك من فعلهم. # قوله تعالى: وكم أرسلنا من نبي في الأولين (6) وما يأتيهم من نبي إلا ~~كانوا به يستهزءون (7) فأهلكنا أشد منهم بطشا ومضى مثل الأولين (8) قوله ~~تعالى: " وكم أرسلنا من نبي في الأولين " كم " هنا خبرية والمراد بها ~~التكثير، والمعنى ما أكثر ما أرسلنا من الأنبياء. كما قال " كم تركوا من ~~جنات وعيون " (3) [الدخان: 25] أي ما أكثر ما تركوا. # " وما يأتيهم من نبي " أي لم يكن يأتيهم نبي " إلا كانوا به يستهزئون " ~~كاستهزاء قومك بك. # يعزي نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم ويسليه. " فأهلكنا أشد منهم بطشا " ~~أي قوما أشد منهم قوة. والكناية في " منهم " ترجع إلى المشركين المخاطبين ~~بقوله " أفنضرب عنكم الذكر صفحا " فكنى عنهم بعد أن خاطبهم. و " أشد " نصب ~~على الحال. وقيل هو مفعول، أي فقد أهلكنا # PageV16P063 # أقوى من هؤلاء المشركين في أبدانهم وأتباعهم. " ومضى مثل الأولين " أي ~~عقوبتهم، عن قتادة. ms5572 وقيل: صفة الأولين، فخبرهم بأنهم أهلكوا على كفرهم، ~~حكاه النقاش والمهدوي. # والمثل: الوصف والخبر. # قوله تعالى: ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز ~~العليم (9) قوله تعالى: " ولئن سألتهم " يعني المشركين. " من خلق السماوات ~~والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم " فأقروا له بالخلق والايجاد، ثم عبدوا ~~معه غيره جهلا منهم. وقد مضى في غير (1) موضع. # قوله تعالى: الذي جعل لكم الأرض مهدا وجعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون ~~(10) قوله تعالى: " الذي جعل لكم الأرض مهادا " وصف نفسه سبحانه بكمال ~~القدرة. # وهذا ابتداء إخبار منه عن نفسه، ولو كان هذا إخبارا عن قول الكفار لقال ~~الذي جعل لنا الأرض. " مهادا " فراشا وبساطا. وقد تقدم. # (2). وقرأ الكوفيون " مهدا " " جعل لكم فيها سبلا " أي معايش. وقيل طرقا، ~~لتسلكوا منها إلى حيث أردتم. " لعلكم تهتدون " فتستدلون بمقدوراته على ~~قدرته. وقيل " لعلكم تهتدون " في أسفاركم، قاله ابن عيسى. # وقيل: لعلكم تعرفون نعمة الله عليكم، قاله سعيد بن جبير. وقيل: تهتدون ~~إلى معايشكم. # قوله تعالى: والذي نزل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك ~~تخرجون (11) قوله تعالى: " والذي نزل من السماء ماء بقدر " قال ابن عباس: ~~أي لا كما أنزل على قوم نوح بغير قدر حتى أغرقهم، بل هو بقدر لا طوفان مغرق ~~ولا قاصر عن الحاجة، حتى # PageV16P064 # يكون معاشا لكم ولأنعامكم. " فأنشرنا " أي أحيينا. " به " أي بالماء. " ~~بلدة ميتا " أي مقفرة من النبات. " كذلك تخرجون " أي من قبوركم، لان من قدر ~~على هذا قدر على ذلك. # وقد مضى في " الأعراف " مجودا. (1) وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة ~~والكسائي وابن ذكوان عن ابن عامر " يخرجون " بفتح الياء وضم الراء. الباقون ~~على الفعل المجهول. # قوله تعالى: والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والانعام ما ~~تركبون (12) لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه ~~وتقولون سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين (13) وإنا إلى ربنا ~~لمنقلبون (14) فيه خمس مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " والذي خلق الأزواج " أي والله الذي خلق الأزواج. ms5573 ~~قال سعيد بن جبير: أي الأصناف كلها. وقال الحسن: الشتاء والصيف والليل ~~والنهار والسماوات والأرض والشمس والقمر والجنة والنار. وقيل: أزواج ~~الحيوان من ذكر وأنثى، قاله ابن عيسى. وقيل: أراد أزواج النبات، كما قال ~~تعالى: " وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج " (2) [ق: 7] و " من كل زوج (3) كريم ~~" [لقمان: 10]. وقيل ما يتقلب فيه الانسان من خير وشر، وإيمان وكفر، ونفع ~~وضر، وفقر وغنى، وصحة وسقم. # قلت: وهذا القول يعم الأقوال كلها ويجمعها بعمومه. " وجعل لكم من الفلك " ~~السفن " والانعام " الإبل " ما تركبون " في البر والبحر. " لتستووا على ~~ظهوره " ذكر الكناية لأنه رده إلى ما في قوله " ما تركبون "، قاله أبو ~~عبيد. وقال الفراء: أضاف الظهور إلى واحد لان المراد به الجنس، فصار الواحد ~~في معنى الجمع بمنزلة الجيش والجند، فلذلك ذكر، وجمع الظهور، أي على ظهور ~~هذا الجنس. # PageV16P065 # الثانية - قال سعيد بن جبير: الانعام هنا الإبل والبقر. وقال أبو معاذ: ~~الإبل وحدها، وهو الصحيح لقوله عليه السلام: (بينما رجل راكب بقرة إذ قالت ~~له لم أخلق لهذا إنما خلقت للحرث) فقال النبي صلى الله عليه وسلم: [آمنت ~~بذلك أنا وأبو بكر وعمر]. وما هما (1) في القوم. وقد مضى هذا في أول سورة " ~~النحل " (2) مستوفى والحمد لله. # الثالثة - قوله تعالى: " لتستووا على ظهوره " يعني به الإبل خاصة بدليل ~~ما ذكرنا. # ولأن الفلك إنما تركب بطونها، ولكنه ذكرهما جميعا في أول الآية وعطف ~~أخرها على أحدهما. ويحتمل أن يجعل ظاهرهما باطنهما، لان الماء غمره وستره ~~وباطنهما ظاهرا، لأنه انكشف للظاهرين وظهر للمبصرين. # الرابعة - قوله تعالى: " ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه " أي ~~ركبتم عليه وذكر النعمة هو الحمد لله على تسخير ذلك لنا في البر والبحر. " ~~وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا " أي ذلل لنا هذا المركب. وفي قراءة علي بن ~~أبي طالب " سبحان من سخر لنا هذا ". # " وما كنا له مقرنين " أي مطيقين، في قول ابن عباس والكلبي. وقال الأخفش ~~وأبو عبيدة: # " مقرنين " ضابطين. وقيل: مماثلين في الأيد والقوة، من قولهم: ms5574 هو قرن ~~فلان إذا كان مثله في القوة. ويقال: فلان مقرن لفلان أي ضابط له. وأقرنت ~~كذا أي أطقته. # وأقرن له أي أطاقه وقوي عليه، كأنه صار له قرنا. قال الله تعالى: " وما ~~كنا له مقرنين " أي مطيقين. وأنشد قطرب قول عمرو بن معد يكرب: # لقد علم القبائل ما عقيل * لنا في النائبات بمقرنينا وقال آخر: # ركبتم صعبتي أشرا وحيفا * ولستم للصعاب بمقرنينا والمقرن أيضا: الذي ~~غلبته ضيعته، يكون له إبل أو غنم ولا معين له عليها، أو يكون يسقي إبله ولا ~~ذائد له يذودها. قال ابن السكيت: وفي أصله قولان: أحدهما - أنه مأخوذ من ~~الاقران، يقال: أقرن يقرن إقرانا إذا أطاق. وأقرنت كذا إذا أطقته وحكمته، ~~كأنه جعله # PageV16P066 # في قرن - وهو الحبل - فأوثقه به وشده. والثاني - أنه مأخوذ من المقارنة ~~وهو أن يقرن بعضها ببعض في السير، يقال: قرنت كذا بكذا إذا ربطته به وجعلته ~~قرينه. # الخامسة - علمنا الله سبحانه ما نقول إذا ركبنا الدواب، وعرفنا في آية ~~أخرى على لسان نوح عليه السلام ما نقول إذا ركبنا السفن، وهي قوله تعالى: " ~~وقال اركبوا فيها بسم الله مجريها ومرساها إن ربي لغفور رحيم " (1) [هود: ~~41] فكم من راكب دابة عثرت به أو شمست أو تقحمت (2) أو طاح من ظهرها فهلك ~~(3). وكم من راكبين في سفينة انكسرت بهم فغرقوا. فلما كان الركوب مباشرة ~~أمر محظور واتصالا بأسباب من أسباب التلف أمر ألا ينسى عند اتصاله به يومه، ~~وأنه هالك لا محالة فمنقلب إلى الله عز وجل غير منفلت من قضائه. ولا يدع ~~ذكر ذلك بقلبه ولسانه حتى يكون مستعدا للقاء الله بإصلاحه من نفسه. والحذر ~~من أن يكون وركوبه ذلك من أسباب موته في علم الله وهو غافل عنه. حكى سليمان ~~بن يسار أن قوما كانوا في سفر فكانوا إذا ركبوا قالوا: " سبحان الذي سخر ~~لنا هذا وما كنا له مقرنين " وكان فيهم رجل على ناقة له رازم - وهي التي لا ~~تتحرك هزالا (4) - فقال: أما أنا فإني لهذه لمقرن، قال: فقمصت ms5575 به فدقت ~~عنقه. وروي أن أعرابيا ركب قعودا له وقال إني لمقرن له فركضت به القعود (5) ~~حتى صرعته فاندقت عنقه. ذكر الأول الماوردي والثاني ابن العربي. قال: وما ~~ينبغي لعبد أن يدع قول هذا وليس بواجب ذكره باللسان، فيقول متى ركب وخاصة ~~في السفر إذا تذكر: " سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين. وإنا إلى ~~ربنا لمنقلبون " اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل والمال، ~~اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنقلب، والجور بعد الكور، وسوء ~~المنظر في الأهل والمال، يعني ب‍ " الجور بعد الكور " تشتت أمر الرجل بعد ~~اجتماعه. # وقال عمرو بن دينار: ركبت مع أبي جعفر إلى أرض له نحو حائط يقال لها ~~مدركة، فركب # PageV16P067 # على جمل صعب فقلت له: أبا جعفر! أما تخاف أن يصرعك؟ فقال إن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: (على سنام كل بعير شيطان إذا ركبتموها فاذكروا اسم ~~الله كما أمركم ثم امتهنوها لأنفسكم فإنما يحمل الله). وقال علي بن ربيعة: ~~شهدت علي بن أبي طالب ركب دابة يوما فلما وضع رجله في الركاب قال: باسم ~~الله، فلما استوى على الدابة قال الحمد لله، ثم قال " سبحان الذي سخر لنا ~~هذا وما كنا له مقرنين. وإنا إلى ربنا لمنقلبون " ثم قال: # الحمد لله والله أكبر - ثلاثا - اللهم لا إله إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي ~~إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، ثم ضحك فقلت له: ما أضحكك؟ قال: رأيت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم صنع كما صنعت، وقال كما قلت، ثم ضحك فقلت له ما ~~يضحكك يا رسول الله؟ قال: (العبد - أو قال - عجبا لعبد أن يقول اللهم لا ~~إله إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت يعلم أنه لا ~~يغفر الذنوب غيره). خرجه أبو داود الطيالسي في مسنده، وأبو عبد الله محمد ~~بن خويز منداد في أحكامه. وذكر الثعلبي نحوه مختصرا عن علي رضي الله عنه، ~~ولفظه عنه: أن النبي ms5576 صلى الله عليه وسلم كان إذا وضع رجله في الركاب قال: ~~(باسم الله - فإذا استوى قال - الحمد لله على كل حال سبحان الذي سخر لنا ~~هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون وإذا نزلتم من الفلك ~~والانعام فقولوا اللهم أنزلنا منزلا مباركا وأنت خير المنزلين). وروى ابن ~~أبي نجيح عن مجاهد قال: من ركب ولم يقل " سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا ~~له مقرنين " قال له الشيطان تغنه، فإن لم يحسن قال له تمنه، ذكره النحاس. # ويستعيذ بالله من مقام من يقول لقرنائه: تعالوا نتنزه على الخيل أو في ~~بعض الزوارق، فيركبون حاملين مع أنفسهم أواني الخمر والمعازف، فلا يزالون ~~يستقون حتى تمل طلاهم (1) وهم على ظهور الدواب أو في بطون السفن وهي تجري ~~بهم، لا يذكرون إلا الشيطان، ولا يمتثلون إلا أوامره. الزمخشري: ولقد بلغني ~~أن بعض السلاطين ركب وهو يشرب الخمر من بلد إلى بلد بينهما مسيرة شهر، فلم ~~يصح إلا بعد ما اطمأنت به الدار، فلم يشعر بمسيره ولا أحس به، فكم بين فعل ~~أولئك الراكبين وبين ما أمر الله به في هذه الآية!؟ # PageV16P068 # قوله تعالى: وجعلوا له من عباده جزءا إن الانسان لكفور مبين (15) قوله ~~تعالى: " وجعلوا له من عباده جزءا " أي عدلا، عن قتادة. يعني ما عبد من دون ~~الله عز وجل. الزجاج والمبرد: الجزء ها هنا البنات، عجب المؤمنين من جهلهم ~~إذ أقروا بأن خالق السماوات والأرض هو الله ثم جعلوا له شريكا أو ولدا، ولم ~~يعلموا أن من قدر على خلق السماوات والأرض لا يحتاج إلى شئ يعتضد به أو ~~يستأنس به، لان هذا من صفات النقص. قال الماوردي: والجزء عند أهل العربية ~~البنات، يقال: قد أجزأت المرأة إذا ولدت البنات، قال الشاعر: # إن أجزأت حرة يوما فلا عجب * قد تجزئ الحرة المذكار أحيانا الزمخشري: ومن ~~بدع التفاسير تفسير الجزء بالإناث، وادعاء أن الجزء في لغة العرب اسم ~~للإناث، وما هو إلا كذب على العرب ووضع مستحدث متحول، ولم يقنعهم ms5577 ذلك حتى ~~اشتقوا منه: أجزأت المرأة، ثم صنعوا بيتا، وبيتا: # * إن أجزأت حرة يوما فلا عجب * * زوجتها من بنات الأوس مجزئة (1) * وإنما ~~قوله " وجعلوا له من عباده جزءا " متصل بقوله " ولئن سألتهم " أي ولئن ~~سألتهم عن خالق السماوات والأرض ليعترفن به، وقد جعلوا له مع ذلك الاعتراف ~~من عباده جزءا فوصفوه بصفات المخلوقين. ومعنى " من عباده جزءا " أن قالوا ~~الملائكة بنات الله، فجعلوهم جزءا له وبعضا، كما يكون الولد بضعة من والده ~~وجزءا له. وقرئ " جزؤا " بضمتين. # " إن الانسان " يعني الكافر. " لكفور مبين " قال الحسن: يعد المصائب ~~وينسى النعم. # " مبين " مظهر الكفر. # PageV16P069 # قوله تعالى: أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين (16) قوله تعالى: " ~~أم اتخذ مما يخلق بنات " الميم صلة، تقديره اتخذ مما يخلق بنات كما زعمتم ~~أن الملائكة بنات الله، فلفظه لفظ الاستفهام ومعناه التوبيخ. " وأصفاكم ~~بالبنين أي اختصكم وأخلصكم بالبنين، يقال: أصفيته بكذا، أي آثرته به. ~~وأصفيته الود أخلصته له. وصافيته وتصافينا تخالصنا. عجب من إضافتهم إلى ~~الله اختيار البنات مع اختيارهم لأنفسهم البنين، وهو مقدس عن أن يكون له ~~ولد إن توهم جاهل أنه اتخذ لنفسه ولدا فهلا أضاف إليه أرفع الجنسين! ولم ~~جعل هؤلاء لأنفسهم أشرف الجنسين وله الأخس؟ # وهذا كما قال تعالى: " ألكم الذكر (1) وله الأنثى. تلك إذا قسمة ضيزى " ~~[النجم: 21 - 22]. # قوله تعالى: وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا وهو كظيم ~~(17) قوله تعالى: " وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا " أي بأنه ولدت له ~~بنت " ظل وجهه " أي صار وجهه " مسودا " قيل ببطلان مثله الذي ضربه. وقيل: ~~بما بشر به من الأنثى، دليله في سورة النحل " وإذا بشر أحدهم بالأنثى " (2) ~~[النحل: 58]. ومن حالهم أن أحدهم إذا قيل له قد ولدت له أنثى اغتم واربد ~~وجهه غيظا وتأسفا وهو مملوء من الكرب. وعن بعض العرب أن امرأته وضعت أنثى ~~فهجر البيت الذي فيه المرأة فقالت: # ما لأبي حمزة لا يأتينا * يظل في البيت الذي يلينا غضبان ألا نلد البنينا ~~* وإنما نأخذ ms5578 ما أعطينا وقرئ " مسودا، ومسواد ". وعلى قراءة الجماعة يكون ~~وجهه اسم " ظل " و " مسودا " خبر " ظل ". ويجوز أن يكون في " ظل " ضمير ~~عائد على أحد وهو اسمها، و " وجهه " # PageV16P070 # بدل من الضمير. و " مسودا " خبر " ظل ". ويجوز أن يكون رفع " وجهه " ~~بالابتداء، ويرفع " مسودا " على أنه خبره، وفي " ظل " اسمها والجملة خبرها. ~~" وهو كظيم " أي حزين، قاله قتادة. وقيل مكروب، قاله عكرمة. وقيل ساكت، ~~قاله ابن أبي حاتم، وذلك لفساد مثله وبطلان حجته. ومن أجاز أن تكون ~~الملائكة بنات الله فقد جعل الملائكة شبها لله، لان الولد من جنس الوالد ~~وشبهه. ومن اسود وجهه بما يضاف إليه مما لا يرضى، أولى من أن يسود وجهه ~~بإضافة مثل ذلك إلى من هو أجل منه، فكيف إلى الله عز وجل! # وقد مضى في " النحل " في معنى هذه الآية ما فيه كفاية. (1) قوله تعالى: ~~أو من ينشؤا في الحلية وهو في الخصام غير مبين (18) وجعلوا الملائكة الذين ~~هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسئلون (19) قوله تعالى: ~~" أو من ينشأ في الحلية " فيه مسألتان: # الأولى - قوله تعالى: " أو من ينشأ " أي يربى ويشب. والنشوء: التربية، ~~يقال: # نشأت في بني فلان نشأ ونشوءا إذا شببت فيهم. ونشئ وأنشئ بمعنى. وقرأ ابن ~~عباس والضحاك وابن وثاب وحفص وحمزة والكسائي وخلف " ينشأ " بضم الياء وفتح ~~النون وتشديد الشين، أي يربى ويكبر في الحلية. واختاره أبو عبيد، لان ~~الاسناد فيها أعلى. # وقرأ الباقون " ينشأ " بفتح الياء وإسكان النون، واختاره أبو حاتم، أي ~~يرسخ وينبت، وأصله من نشأ أي ارتفع، قاله الهروي. ف‍ " ينشأ " متعد، و " ~~ينشأ " لازم. # الثانية - قوله تعالى: " في الحلية " أي في الزينة. قال ابن عباس وغيره: ~~هن الجواري زيهن غير زي الرجال. قال مجاهد: رخص للنساء في الذهب والحرير، ~~وقرأ هذه الآية. # قال الكيا: فيه دلالة على إباحة الحلي للنساء، والاجماع منعقد عليه ~~والاخبار فيه لا تحصى. # PageV16P071 # قلت - روي عن أبي هريرة أنه كان يقول لابنته: يا بنية، إياك والتحلي ~~بالذهب! # فإني أخاف ms5579 عليك اللهب. # قوله تعالى: " وهو في الخصام غير مبين " أي في المجادلة والأدلاء بالحجة. ~~قال قتادة: # ما تكلمت امرأة ولها حجة إلا جعلتها على نفسها. وفي مصحف عبد الله " وهو ~~في الكلام غير مبين ". ومعنى الآية: أيضاف إلى الله من هذا وصفه! أي لا ~~يجوز ذلك. وقيل: # المنشأ في الحلية أصنامهم التي صاغوها من ذهب وفضة وحلوها، قاله ابن زيد ~~والضحاك. # ويكون معنى " وهو في الخصام غير مبين " على هذا القول: أي ساكت عن ~~الجواب. # و " من " في محل نصب، أي اتخذوا لله من ينشأ في الحلية. ويجوز أن يكون ~~رفعا على الابتداء والخبر مضمر، قاله الفراء. وتقديره: أو من كان على هذه ~~الحالة يستحق العبادة. # وإن شئت قلت خفض ردا إلى أول الكلام وهو قوله " بما ضرب "، أو على " ما " ~~في قوله " مما يخلق بنات ". وكون البدل في هذين الموضعين ضعيف لكون ألف ~~الاستفهام حائله بين البدل والمبدل منه. " وجعلوا الملائكة الذين هم عباد ~~الرحمن إناثا " قرأ الكوفيون " عباد " بالجمع. واختاره أبو عبيد، لان ~~الاسناد فيها أعلى، ولأن الله تعالى إنما كذبهم في قولهم إنهم بنات الله، ~~فأخبرهم أنهم عبيد وأنهم ليسوا ببناته. وعن ابن عباس أنه قرأ " عباد الرحمن ~~"، فقال سعيد بن جبير: إن في مصحفي " عبد الرحمن " فقال: امحها واكتبها " ~~عباد الرحمن ". وتصديق هذه القراءة قوله تعالى: " بل عباد مكرمون " (1) ~~[الأنبياء: 26]. # وقوله تعالى: " أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء " (2) ~~[الكهف: 102]. وقوله تعالى: # " إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم " (3) [الأعراف: 194]. وقرأ ~~الباقون " عند الرحمن " بنون ساكنة، واختاره أبو حاتم. وتصديق هذه القراءة ~~قوله تعالى: " إن الذين عند ربك " (4) وقوله " وله من في السماوات والأرض ~~ومن عنده " (5) [الأنبياء: 19]. والمقصود إيضاح كذبهم وبيان جهلهم # PageV16P072 # في نسبة الأولاد إلى الله سبحانه، ثم في تحكمهم بأن الملائكة إناث وهم ~~بنات الله. وذكر العباد مدح لهم، أي كيف عبدوا من هو في نهاية العبادة، ثم ~~كيف حكموا بأنهم إناث من غير دليل. والجعل هنا بمعنى القول والحكم، تقول: ms5580 ~~جعلت زيدا أعلم الناس، أي حكمت له بذلك. " أشهدوا خلقهم " أي أحضروا حالة ~~خلقهم حتى حكموا بأنهم إناث. وقيل: # إن النبي صلى الله عليه وسلم سألهم وقال: [فما يدريكم أنهم إناث]؟ ~~فقالوا: سمعنا بذلك من آبائنا ونحن نشهد أنهم لم يكذبوا في أنهم إناث، فقال ~~الله تعالى: " ستكتب شهادتهم ويسألون " أي يسئلون عنها في الآخرة. وقرأ ~~نافع " أو شهدوا " (1) بهمزة استفهام داخلة على همزة مضمومة مسهلة، ولا يمد ~~سوى ما روى المسيبي عنه أنه يمد. وروى المفضل عن عاصم مثل ذلك وتحقق ~~الهمزتين. والباقون " أشهدوا " بهمزة واحدة للاستفهام. وروي عن الزهري " ~~أشهدوا خلقهم " على الخبر، " ستكتب " قراءة العامة بضم التاء على الفعل ~~المجهول " شهادتهم " رفعا. وقرأ السلمي وابن السميقع وهبيرة عن حفص " سنكتب ~~" بنون، " شهادتهم " نصبا بتسمية الفاعل. وعن أبي رجاء " ستكتب شهاداتهم " ~~بالجمع. # قوله تعالى: وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم ~~إلا يخرصون (20) قوله تعالى: " وقالوا لو شاء الرحمن " يعني قال المشركون ~~على طريق الاستهزاء والسخرية: لو شاء الرحمن على زعمكم ما عبدنا هذه ~~الملائكة. وهذا منهم كلمة حق أريد بها باطل. وكل شئ بإرادة الله، وإرادته ~~تجب وكذا علمه فلا يمكن الاحتجاج بها، وخلاف المعلوم والمراد مقدور وإن لم ~~يقع. ولو عبدوا الله بدل الأصنام لعلمنا أن الله أراد منهم ما حصل منهم. ~~وقد مضى هذا المعنى في الانعام عند قوله " سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ~~ما أشركنا " (2) [الانعام: 148] وفي يس: " أنطعم من لو يشاء الله أطعمه " ~~(3) [يس: 47]. وقوله " ما لهم بذلك من علم " مردود إلى # PageV16P073 # قوله " وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا " [الزخرف: 19] أي ما ~~لهم بقولهم: الملائكة بنات الله، من علم، قاله قتادة ومقاتل والكلبي. وقال ~~مجاهد وابن جريج: يعني الأوثان، أي ما لهم بعبادة الأوثان من علم. " من " ~~صلة. " إن هم إلا يخرصون " أي يحدسون ويكذبون، فلا عذر لهم في عبادة غير ~~الله عز وجل. وكان في ضمن كلامهم أن الله أمرنا بهذا أو أرضى ذلك ms5581 منا، ~~ولهذا لم ينهنا ولم يعاجلنا بالعقوبة. # قوله تعالى: أم آتيناهم كتبا من قبله فهم به مستمسكون (21) هذا معادل ~~لقوله " أشهدوا خلقهم ". والمعنى: أحضروا خلقهم أم آتيناهم كتابا من قبله، ~~أي من قبل القرآن بما ادعوه، فهم به متمسكون يعملون بما فيه. # قوله تعالى: بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون ~~(22) وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا ~~آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون (23) فيه مسألتان: # الأولى - قوله تعالى: " على أمة " أي على طريقة ومذهب، قاله عمر بن عبد ~~العزيز. # وكان يقرأ هو ومجاهد وقتادة " على إمة " بكسر الألف. والأمة الطريقة. ~~وقال الجوهري: # والأمة (بالكسر): النعمة. والأمة أيضا لغة في الأمة، وهي الطريقة والدين، ~~عن أبي عبيدة. # قال عدي بن زيد في النعمة: # ثم بعد الفلاح والملك والأمة * وارتهم هناك القبور عن غير الجوهري. وقال ~~قتادة وعطية: " على أمة " على دين، ومنه فول قيس بن الخطيم: # كنا على أمة آبائنا * ويقتدي الآخر بالأول PageV16P074 # قال الجوهري: والأمة الطريقة والدين، يقال: فلان لا أمة له، أي لا دين له ~~ولا نحلة. # قال الشاعر: # * وهل يستوي ذو أمة وكفور * وقال مجاهد وقطرب: على دين على ملة. وفي بعض ~~المصاحف " قالوا إنا وجدنا آباءنا على ملة " وهذه الأقوال متقاربة. وحكي عن ~~الفراء على ملة على قبلة الأخفش: على استقامة، وأنشد قول النابغة: # حلفت فلم أترك لنفسك ريبة * وهل يأثمن ذو أمة وهو طائع الثانية - " وإنا ~~على آثارهم مهتدون " أي نهتدي بهم. وفي الآية الأخرى " مقتدون " أي نقتدي ~~بهم، والمعنى واحد. قال قتادة: مقتدون متبعون. وفي هذا دليل على إبطال ~~التقليد، لذمه إياهم على تقليد آبائهم وتركهم النظر فيما دعاهم إليه الرسول ~~صلى الله عليه وسلم. # وقد مضى القول في هذا في " البقرة " مستوفى. # (2) وحكى مقاتل أن هذه الآية نزلت في الوليد ابن المغيرة وأبي سفيان وأبي ~~جهل وعتبة وشيبة ابني ربيعة من قريش، أي وكما قال هؤلاء فقد قال من قبلهم ~~أيضا. ms5582 يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم، ونظيره: " ما يقال لك إلا ما قد قيل ~~للرسل من قبلك " (2) [فصلت: 43]. والمترف: المنعم، والمراد هنا الملوك ~~والجبابرة. # قوله تعالى: قل أو لو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما ~~أرسلتم به كافرون (24) قوله تعالى: " قل أو لو جئتكم بأهدى " أي قل يا محمد ~~لقومك: أو ليس قد جئتكم من عند الله بأهدى، يريد بأرشد. " مما وجدتم عليه ~~آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون " يعني بكل ما أرسل به الرسل. ~~فالخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ولفظه لفظ الجمع، لان تكذيبه تكذيب لمن ~~سواه. وقرئ " قل وقال وجئتكم وجئناكم " يعني أتتبعون آباءكم ولو جئتكم بدين ~~أهدى من دين آبائكم؟ قالوا إنا ثابتون على دين آبائنا لا ننفك عنه وان ~~جئتنا بما هو أهدى. وقد مضى في " البقرة " القول في التقليد وذمه فلا معنى ~~لإعادته. (1) # PageV16P075 # قوله تعالى: فانتقمنا منهم فانظر كيف كان عاقبة المكذبين (25) قوله ~~تعالى: " فانتقمنا منهم " بالقحط والقتل والسبي " فانظر كيف كان عاقبة ~~المكذبين " آخر أمر من كذب الرسل. [وقراءة العامة (1) " قل أو لو جئتكم ". ~~وقرأ ابن عامر وحفص " قال أو لو " على الخبر عن النذير أنه قال لهم هذه ~~المقالة. وقرأ أبو جعفر " قل أولو جئناكم " بنون وألف، على أن المخاطبة من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جميع الرسل.] قوله تعالى: وإذ قال إبراهيم ~~لأبيه وقومه إنني برآء مما تعبدون (26) إلا الذي فطرني فإنه سيهدين (27) ~~قوله تعالى: " وإذ قال " أي ذكرهم إذ قال. " إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء ~~مما تعبدون " البراء يستعمل للواحد فما فوقه فلا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث، ~~لأنه مصدر وضع موضع النعت، لا يقال: البراءان والبراءون، لان المعنى ذو ~~البراء وذوو البراء. قال الجوهري: وتبرأت من كذا، وأنا منه براء، وخلاء ~~منه، لا يثنى ولا يجمع لأنه مصدر في الأصل، مثل: سمع سماعا. # فإذا قلت: أنا برئ منه وخلي ثنيت وجمعت وأنثت، وقلت في الجمع: نحن منه ~~برآء مثل فقيه وفقهاء، وبراء أيضا ms5583 مثل كريم وكرام، وأبراء مثل شريف وأشراف، ~~وأبرياء مثل نصيب وأنصباء، وبريئون. وامرأة بريئة وهما بريئتان وهن بريئات ~~وبرايا. ورجل برئ وبراء مثل عجيب وعجاب. والبراء (بالفتح) أول ليلة من ~~الشهر، سميت بذلك لتبرؤ القمر من الشمس. # " إلا الذي فطرني " استثناء متصل، لأنهم عبدوا الله مع آلهتهم. قال ~~قتادة: كانوا يقولون الله ربنا، مع عبادة الأوثان. ويجوز أن يكون منقطعا، ~~أي لكن الذي فطرني فهو يهدين. # قال ذلك ثقة بالله وتنبيها لقومه أن الهداية من ربه. # قوله تعالى: وجعلنا كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون (28) # PageV16P076 # فيه ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " وجعلها كلمة باقية " الضمير في " جعلها " عائد ~~على قوله " إلا الذي فطرني ". وضمير الفاعل في " جعلها " لله عز وجل، أي ~~وجعل الله هذه الكلمة والمقالة باقية في عقبه، وهم ولده وولد ولده، أي إنهم ~~توارثوا البراءة عن عبادة غير الله، وأوصى بعضهم بعضا في ذلك. والعقب من ~~يأتي بعده. وقال السدي: هم آل محمد صلى الله عليه وسلم. وقال ابن عباس: ~~قوله " في عقبه " أي في خلفه. وفي الكلام تقديم وتأخير، المعنى فإنه سيهدين ~~لعلهم يرجعون وجعلها كلمة باقية في عقبه. أي قال لهم ذلك لعلهم يتوبون عن ~~عبادة غير الله. قال مجاهد وقتادة: الكلمة لا إله إلا الله. قال قتادة: لا ~~يزال من عقبه من يعبد الله إلى يوم القيامة. وقال الضحاك: الكلمة أن لا ~~تعبدوا إلا الله. عكرمة: # الاسلام، لقوله تعالى " هو سماكم المسلمين من قبل " (1) [الحج: 78]. ~~القرظي: وجعل وصية إبراهيم التي وصى بها بنيه وهو قوله " يا بني إن الله ~~اصطفى، لكم الدين ". [البقرة: 132] - الآية المذكورة في البقرة (2) - كلمة ~~باقية في ذريته وبنيه. وقال ابن زيد: الكلمة قوله " أسلمت لرب العالمين " ~~[البقرة: 131] وقرأ " هو سماكم المسلمين من قبل ". وقيل: الكلمة النبوة. ~~قال ابن العربي: ولم تزل النبوة باقية في ذرية إبراهيم. والتوحيد هم أصله ~~وغيرهم فيه تبع لهم. # الثانية - قال ابن العربي: إنما كانت لإبراهيم في الأعقاب موصولة ~~بالأحقاب بدعوتيه المجابتين، إحداهما في قوله " إني جاعلك ms5584 للناس إماما قال ~~ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين " (3) [البقرة: 124] فقد قال نعم إلا ~~من ظلم منهم فلا عهد. ثانيهما قوله " واجنبني وبني أن نعبد الأصنام " (4) ~~[إبراهيم: 35]. وقيل: بل الأولى قوله " واجعل لي لسان صدق في الآخرين " (5) ~~[الشعراء: 84] فكل أمة تعظمه، بنوه وغيرهم ممن يجتمع معه في سام أو نوح. # الثالثة - قال ابن العربي: جرى ذكر العقب ها هنا موصولا في المعنى، وذلك ~~مما يدخل في الاحكام وترتب عليه عقود العمرى (6) والتحبيس. قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # PageV16P077 # (أيما رجل أعمر عمرى له ولعقبه فإنها للذي أعطيها لا ترجع إلى الذي ~~أعطاها لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث). وهي ترد على أحد عشر لفظا: # اللفظ الأول - الولد، وهو عند الاطلاق عبارة عمن وجد من الرجل وامرأته في ~~الإناث والذكور. وعن ولد الذكور دون الإناث لغة وشرعا، ولذلك وقع الميراث ~~على الولد المعين وأولاد الذكور من المعين دون ولد الإناث لأنه من قوم ~~آخرين، ولذلك لم يدخلوا في الحبس بهذا اللفظ، قاله مالك في المجموعة ~~وغيرها. # قلت: هذا مذهب مالك وجميع أصحابه المتقدمين، ومن حجتهم على ذلك الاجماع ~~على أن ولد البنات لا ميراث لهم مع قوله تعالى " يوصيكم الله في أولادكم " ~~(1) [النساء: 11]. وقد ذهب جماعة من العلماء إلى أن ولد البنات من الأولاد ~~والأعقاب يدخلون في الأحباس، يقول المحبس: # حبست على ولدي أو على عقبي. وهذا اختيار أبي عمر بن عبد البر وغيره، ~~واحتجوا بقول الله عز وجل: " حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم " (2) [النساء: ~~23]. قالوا: فلما حرم الله البنات فحرمت بذلك بنت البنت بإجماع علم أنها ~~بنت ووجب أن تدخل في حبس أبيها إذا حبس على ولده أو عقبه. وقد مضى هذا ~~المعنى في " الانعام " (3) مستوفى. # اللفظ الثاني - البنون، فإن قال: هذا حبس على ابني، فلا يتعدى الولد ~~المعين ولا يتعدد. # ولو قال ولدي، لتعدى وتعدد في كل من ولد. وإن قال على بني، دخل فيه ~~الذكور والإناث. # قال مالك: من تصدق على بنيه وبني بنيه فإن بناته وبنات بناته ms5585 يدخلن في ~~ذلك. روى عيسى عن ابن القاسم فيمن حبس على بناته فإن بنات بنته يدخلن في ~~ذلك مع بنات صلبه. # والذي عليه جماعة أصحابه أن ولد البنات لا يدخلون في البنين. فإن قيل فقد ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحسن ابن ابنته: (إن ابني هذا سيد ولعل ~~الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين). قلنا: هذا مجاز، وإنما ~~أشار به إلى تشريفه وتقديمه، ألا ترى أنه يجوز نفيه عنه فيقول الرجل في ولد ~~بنته ليس بابني، ولو كان حقيقة ما جاز نفيه عنه، # PageV16P078 # لان الحقائق لا تنفى عن منتسباتها (1). ألا ترى أنه ينتسب إلى أبيه دون ~~أمه، ولذلك قيل في عبد الله بن عباس: إنه هاشمي وليس بهلالي وإن كانت أمه ~~هلالية. # قلت: هذا الاستدلال غير صحيح، بل هو ولد على الحقيقة في اللغة لوجود معنى ~~الولادة فيه، ولأن أهل العلم قد أجمعوا على تحريم بنت البنت من قول الله ~~تعالى " حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم " [النساء: 23]. وقال تعالى " ومن ~~ذريته داود وسليمان - إلى قوله - من الصالحين " (2) [الانعام: 84 - 85] ~~فجعل عيسى من ذريته وهو ابن بنته على ما تقدم بيانه هناك. فان قيل فقد قال ~~الشاعر: # بنونا بنو أبنائنا، وبناتنا * بنوهن أبناء الرجال الأباعد قيل لهم: هذا ~~لا دليل فيه، لان معنى قوله إنما هو ولد بنيه الذكران هم الذين لهم حكم ~~بنيه في الموارثة والنسب، وإن ولد بناته ليس لهم حكم بناته في ذلك، إذ ~~ينتسبون إلى غيره فأخبر بافتراقهم بالحكم مع اجتماعهم في التسمية ولم ينف ~~عن ولد البنات اسم الولد لأنه ابن، وقد يقول الرجل في ولده ليس هو بابني إذ ~~لا يطيعني ولا يرى لي حقا، ولا يريد بذلك نفي اسم الولد عنه وإنما يريد أن ~~ينفي عنه حكمه. ومن استدل بهذا البيت على أن ولد البنت لا يسمى ولدا فقد ~~أفسد معناه وأبطل فائدته، وتأول على قائله ما لا يصح، إذ لا يمكن أن يسمى ~~ولد الابن في اللسان العربي ابنا، ms5586 ولا يسمى ولد الابنة ابنا، من أجل أن ~~معنى الولادة التي اشتق منها اسم الولد فيه أبين وأقوى، لان ولد الابنة هو ~~ولدها بحقيقة الولادة، وولد الابن انما هو ولده بماله مما كان سببا ~~للولادة. # ولم يخرج مالك رحمه الله أولاد البنات من حبس على ولده من أجل أن اسم ~~الولد غير واقع عليه عنده في اللسان، وإنما أخرجهم منه قياسا على الموارثة. ~~وقد مضى هذا في " الانعام " (2) والحمد لله. # اللفظ الثالث - الذرية، وهي مأخوذة من ذرأ الله الخلق، فيدخل فيه ولد ~~البنات لقوله " ومن ذريته داود وسليمان - إلى أن قال - وزكريا ويحيى وعيسى ~~" [الانعام: 84 - 85]. وإنما كان من ذريته من قبل أمه. وقد مضى في " البقرة ~~" (3) اشتقاق الذرية وفي " الانعام " الكلام على " ومن ذريته " [الانعام: ~~84] الآية، فلا معنى للإعادة. # PageV16P079 # اللفظ الرابع - العقب، وهو في اللغة عبارة عن شئ بعد شئ كان من جنسه أو ~~من غير جنسه، يقال: أعقب الله بخير، أي جاء بعد الشدة بالرخاء. وأعقب الشيب ~~السواد. # وعقب يعقب عقوبا وعقبا إذا جاء شيئا بعد شئ، ولهذا قيل لولد الرجل: عقبه. ~~والمعقاب من النساء: التي تلد ذكرا بعد أنثى، هكذا أبدا. وعقب الرجل: ولده ~~وولد ولده الباقون بعده. والعاقبة الولد، قال يعقوب: في القرآن " وجعلها ~~كلمة باقية في عقبه ". وقيل: بل الورثة كلهم عقب. والعاقبة الولد، ولذلك ~~فسره مجاهد هنا. وقال ابن زيد: ها هنا هم الذرية. # وقال ابن شهاب: هم الولد وولد الولد. وقيل غيره على ما تقدم عن السدي. ~~وفي الصحاح والعقب (بكسر القاف) مؤخر القدم وهي مؤنثة. وعقب الرجل أيضا ~~ولده وولد ولده. # وفيه لغتان: عقب وعقب (بالتسكين) وهي أيضا مؤنثة، عن الأخفش. وعقب فلان ~~مكان أبيه عاقبة أي خلفه، وهو اسم جاء بمعنى المصدر كقوله تعالى " ليس ~~لوقعتها كاذبة " (1) [الواقعة: 2]. # ولا فرق عند أحد من العلماء بين لفظ العقب والولد في المعنى. واختلف في ~~الذرية والنسل فقيل إنهما بمنزلة الولد والعقب، لا يدخل ولد البنات فيهما ~~على مذهب مالك. وقيل: # إنهم يدخلون فيهما. ms5587 وقد مضى الكلام في الذرية هنا وفي " الانعام " (2). # اللفظ الخامس - نسلي، وهو عند علمائنا كقوله ولدي وولد ولدي، فإنه يدخل ~~فيه ولد البنات. ويجب أن يدخلوا، لان نسل به بمعنى خرج، وولد البنات قد ~~خرجوا منه بوجه، ولم يقترن به ما يخصه كما اقترن بقوله عقبي ما تناسلوا. ~~وقال بعض علمائنا: إن النسل بمنزلة الولد والعقب لا يدخل فيه ولد البنات، ~~إلا أن يقول المحبس نسلي ونسل نسلي، كما إذا قال عقبي وعقب عقبي، وأما إذا ~~قال ولدي أو عقبي مفردا فلا يدخل فيه البنات. # اللفظ السادس - الآل، وهم الأهل، وهو اللفظ السابع. قال ابن القاسم: هما ~~سواء، وهم العصبة والاخوة والبنات والعمات، ولا يدخل فيه الخالات. وأصل أهل ~~الاجتماع، # PageV16P080 # يقال: مكان آهل إذا كان فيه جماعة، وذلك بالعصبة ومن دخل في القعدد (1) ~~من النساء، والعصبة مشتقة منه وهي أخص به. وفي حديث الإفك: يا رسول الله، ~~أهلك! ولا نعلم إلا خيرا، يعني عائشة. ولكن لا تدخل فيه الزوجة بإجماع وإن ~~كانت أصل التأهل، لان ثبوتها ليس بيقين إذ قد يتبدل ربطها وينحل بالطلاق. ~~وقد قال مالك: آل محمد كل تقي، وليس من هذا الباب. وإنما أراد أن الايمان ~~أخص من القرابة فاشتملت عليه الدعوة وقصد بالرحمة. وقد قال أبو إسحاق ~~التونسي: يدخل في الأهل كل من كان من جهة الأبوين، فوفى الاشتقاق حقه وغفل ~~عن العرف ومطلق الاستعمال. وهذه المعاني إنما تبنى على الحقيقة أو على ~~العرف المستعمل عند الاطلاق، فهذان لفظان. # اللفظ الثامن - قرابة، فيه أربعة أقوال: الأول - قال مالك في كتاب محمد ~~بن عبدوس: إنهم الأقرب فالأقرب بالاجتهاد، ولا يدخل فيه ولد البنات ولا ولد ~~الخالات. # الثاني - يدخل فيه أقاربه من قبل أبيه وأمه، قاله علي بن زياد. الثالث - ~~قال أشهب: # يدخل فيه كل رحم من الرجال والنساء. الرابع - قال ابن كنانة: يدخل فيه ~~الأعمام والعمات والأخوال والخالات وبنات الأخت. وقد قال ابن عباس في تفسير ~~قوله تعالى " قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ms5588 " (1) [الشورى: ~~23] قال: إلا أن تصلوا قرابة ما بيني وبينكم. # وقال: لم يكن بطن من قريش إلا كان بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم ~~قرابة، فهذا يضبطه والله أعلم. # اللفظ التاسع - العشيرة، ويضبطه الحديث الصحيح: إن الله تعالى لما أنزل " ~~وأنذر عشيرتك الأقربين " (3) [الشعراء: 214] دعا النبي صلى الله عليه وسلم ~~بطون قريش وسماهم - كما تقدم ذكره - وهم العشيرة الأقربون، وسواهم عشيرة في ~~الاطلاق. واللفظ يحمل على الأخص الأقرب بالاجتهاد، كما تقدم من قول ~~علمائنا. # PageV16P081 # اللفظ العاشر - القوم، يحمل ذلك على الرجال خاصة من العصبة دون النساء. ~~والقوم يشمل الرجال والنساء، وإن كان الشاعر قد قال: # وما أدري وسوف إخال أدري * أقوم آل حصن أم نساء ولكنه أراد أن الرجل إذا ~~دعا قومه للنصرة عنى الرجال، وإذا دعاهم للحرمة دخل فيهم الرجال والنساء، ~~فتعممه الصفة وتخصصه القرينة. # اللفظ الحادي عشر - الموالي، قال مالك: يدخل فيه موالي أبيه وابنه مع ~~مواليه. # وقال ابن وهب: يدخل فيه أولاد مواليه. قال ابن العربي: والذي يتحصل منه ~~أنه يدخل فيه من يرثه بالولاء، قال: وهذه فصول الكلام وأصوله المرتبطة ~~بظاهر القرآن والسنة المبينة له، والتفريع والتتميم في كتاب المسائل، والله ~~أعلم. # قوله تعالى: بل متعت هؤلاء وآباءهم حتى جاءهم الحق ورسول مبين (29) ولما ~~جاءهم الحق قالوا هذا سحر وإنا به كافرون (30) وقالوا لولا نزل هذا القرآن ~~على رجل من القريتين عظيم (31) أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم ~~معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا ~~سخريا ورحمت ربك خير مما يجمعون (32) قوله تعالى: " بل متعت " وقرئ " بل ~~متعنا ". " هؤلاء وآبائهم " أي في الدنيا بالامهال. " حتى جاءهم الحق " أي ~~محمد صلى الله عليه وسلم بالتوحيد والاسلام الذي هو أصل دين إبراهيم، وهو ~~الكلمة التي بقاها الله في عقبه. " ورسول مبين " أي يبين لهم ما بهم إليه ~~حاجة. " ولما جاءهم الحق " يعني القرآن. " قالوا هذا سحر وإنا به كافرون " ~~جاحدون. " وقالوا لولا نزل " أي هلا نزل " هذا القرآن على رجل " ~~PageV16P082 # وقرئ " على ms5589 رجل " بسكون الجيم. " من القريتين عظيم " أي من إحدى ~~القريتين، كقوله تعالى: " يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان " [الرحمن: 22] أي من ~~أحدهما. أو على أحد رجلين من القريتين. القريتان: مكة والطائف. والرجلان: ~~الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم عم أبي جهل. والذي من ~~الطائف أبو مسعود عروة بن مسعود الثقفي، قاله قتادة. # وقيل: عمير بن عبد يا ليل الثقفي من الطائف، وعتبة بن ربيعة من مكة، وهو ~~قول مجاهد. # وعن ابن عباس: أن عظيم الطائف حبيب بن عمرو الثقفي. وقال السدي: كنانة بن ~~عبد بن عمرو. روي أن الوليد بن المغيرة - وكان يسمى ريحانة قريش - كان ~~يقول: لو كان ما يقوله محمد حقا لنزل علي أو على أبي مسعود، فقال الله ~~تعالى: " أهم يقسمون رحمة ربك " يعني النبوة فيضعونها حيث شاءوا. " نحن ~~قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا " أي أفقرنا قوما وأغنينا قوما، فإذا ~~لم يكن أمر الدنيا إليهم فكيف يفوض أمر النبوة إليهم. قال قتادة: # تلقاه ضعيف القوة قليل الحيلة عيي اللسان وهو مبسوط له، وتلقاه شديد ~~الحيلة بسيط اللسان وهو مقتر عليه. وقرأ ابن عباس ومجاهد وابن محيصن في ~~رواية عنه " معايشهم ". # وقيل: أي نحن أعطينا عظيم القريتين ما أعطينا لا لكرامتهما علي وأنا قادر ~~على نزع النعمة عنهما، فأي فضل وقدر لهما. " ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات " ~~أي فاضلنا بينهم، فمن فاضل ومفضول ورئيس ومرؤوس، قاله مقاتل. وقيل: بالحرية ~~والرق، فبعضهم مالك وبعضهم مملوك. وقيل: بالغنى والفقر، فبعضهم غني وبعضهم ~~فقير. وقيل: بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر. " ليتخذ بعضهم بعضا سخريا " ~~قال السدي وابن زيد: خولا وخداما، يسخر الأغنياء الفقراء فيكون بعضهم سببا ~~لمعاش بعض. وقال قتادة والضحاك: # يعني ليملك بعضهم بعضا. وقيل: هو من السخرية التي بمعنى الاستهزاء، أي ~~ليستهزئ الغني بالفقير. قال الأخفش: سخرت به وسخرت منه، وضحكت منه وضحكت ~~به، وهزئت منه وبه، كل يقال، والاسم السخرية (بالضم). والسخري والسخري ~~(بالضم والكسر). # وكل الناس ضموا " سخريا " إلا ابن محيصن ومجاهد فإنهما قرءا ms5590 " سخريا ". " ~~ورحمة ربك PageV16P083 # خير مما يجمعون " أي أفضل مما يجمعون من الدنيا. ثم قيل: الرحمة النبوة، ~~وقيل الجنة. # وقيل: تمام الفرائض خير من كثرة النوافل. وقيل: ما يتفضل به عليهم خير ~~مما يجازيهم عليه من أعمالهم. # قوله تعالى: ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن ~~لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون (33) فيه خمس مسائل: # الأولى - قال العلماء: ذكر حقارة الدنيا وقلة خطرها، وأنها عنده من ~~الهوان بحيث كان يجعل بيوت الكفرة ودرجها ذهبا وفضة لولا غلبة حب الدنيا ~~على القلوب، فيحمل ذلك على الكفر. قال الحسن: المعنى لولا أن يكفر الناس ~~جميعا بسبب ميلهم إلى الدنيا وتركهم الآخرة لأعطيناهم في الدنيا ما وصفناه، ~~لهوان الدنيا عند الله عز وجل. وعلى هذا أكثر المفسرين ابن عباس والسدي ~~وغيرهم. وقال ابن زيد: " ولولا أن يكون الناس أمة واحدة " في طلب الدنيا ~~واختيارها على الآخرة " لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ". # وقال الكسائي: المعنى لولا أن يكون في الكفار غني وفقير وفي المسلمين مثل ~~ذلك لأعطينا الكفار من الدنيا هذا لهوانها. # الثانية - قرأ ابن كثير وأبو عمرو " سقفا " بفتح السين وإسكان القاف على ~~الواحد ومعناه الجمع، اعتبارا بقوله تعالى " فخر عليهم السقف من فوقهم " ~~[النحل: 26]. وقرأ الباقون بضم السين والقاف على الجمع، مثل رهن ورهن. قال ~~أبو عبيد: ولا ثالث لهما. وقيل: هو جمع سقيف، مثل كثيب وكثب، ورغيف ورغف، ~~قاله الفراء. وقيل: هو جمع سقوف، فيصير جمع الجمع: سقف وسقوف، نحو فلس ~~وفلوس. ثم جعلوا فعولا كأنه اسم واحد فجمعوه على فعل. وروي عن مجاهد " سقفا ~~" بإسكان القاف. وقيل: اللام في " لبيوتهم " بمعنى على، أي على بيوتهم. ~~وقيل: بدل، كما تقول فعلت هذا لزيد لكرامته، قال الله تعالى " ولأبويه لكل ~~واحد منهما السدس " [النساء: 1 1] كذلك قال هنا " لجعلنا لمن يكفر بالرحمن ~~لبيوتهم ". PageV16P084 # الثالثة - قوله تعالى: " ومعارج " يعني الدرج، قاله ابن عباس وهو قول ~~الجمهور. # واحدها معراج، والمعراج السلم، ومنه ليلة المعراج. والجمع معارج ومعاريج، ~~مثل ms5591 مفاتح ومفاتيح، لغتان. " ومعاريج " قرأ أبو رجاء العطاردي وطلحة بن ~~مصرف، وهي المراقي والسلاليم. قال الأخفش: إن شئت جعلت الواحد معرج ومعرج، ~~مثل مرقاة ومرقاة. # " عليها يظهرون " أي على المعارج يرتقون ويصعدون، يقال: ظهرت على البيت ~~أي علوت سطحه. وهذا لان من علا شيئا وارتفع عليه ظهر للناظرين. ويقال: ظهرت ~~على الشئ أي علمته. وظهرت على العدو أي غلبته. وأنشد نابغة بني جعدة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قوله: # علونا السماء عزة ومهابة * وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا (1) أي مصعدا، فغضب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: [إلى أين]؟ قال إلى الجنة، قال: [أجل ~~إن شاء الله]. قال الحسن: والله لقد مالت الدنيا بأكثر أهلها وما فعل ذلك! # فكيف لو فعل؟! # الرابعة - استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن السقف لا حق فيه لرب ~~العلو، لان الله تعالى جعل السقوف للبيوت كما جعل الأبواب لها. وهذا مذهب ~~مالك رحمه الله. # قال ابن العربي: وذلك لان البيت عبارة عن قاعة وجدار وسقف وباب، فمن له ~~البيت فله أركانه. ولا خلاف أن العلول إلى السماء. واختلفوا في السفل، ~~فمنهم من قال هو له، ومنهم من قال ليس له في باطن الأرض شئ. وفي مذهبنا ~~القولان. وقد بين حديث الإسرائيلي الصحيح فيما تقدم: أن رجلا باع من رجل ~~دارا فبناها فوجد فيها جرة من ذهب، فجاء بها إلى البائع فقال: إنما اشتريت ~~الدار دون الجرة، وقال البائع: إنما بعت الدار بما فيها، وكلهم تدافعها ~~فقضى بينهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يزوج أحدهما ولده من بنت # PageV16P085 # الآخر ويكون المال لهما. والصحيح أن العلو والسفل له إلا أن يخرج عنهما ~~بالبيع، فإذا باع أحدهما أحد الموضعين فله منه ما ينتفع به وباقيه للمبتاع ~~منه. # الخامسة - من أحكام العلو والسفل. إذا كان العلو والسفل بين رجلين فيعتل ~~السفل أو يريد صاحبه هدمه، فذكر سحنون عن أشهب أنه قال: إذا أراد صاحب ~~السفل أن يهدم، أو أراد صاحب العلو أن يبني علوه فليس ms5592 لصاحب السفل أن يهدم ~~إلا من ضرورة، ويكون هدمه له أرفق لصاحب العلو، لئلا ينهدم بانهدامه العلو، ~~وليس لرب العلو أن يبني على علوه شيئا لم يكن قبل ذلك إلا الشئ الخفيف الذي ~~لا يضر بصاحب السفل. # ولو انكسرت خشبة من سقف العلو لادخل مكانها خشبة ما لم تكن أثقل منها ~~ويخاف ضررها على صاحب السفل. قال أشهب: وباب الدار على صاحب السفل. قال: ~~ولو انهدم السفل أجبر صاحبه على بنائه، وليس على صاحب العلو أن يبني السفل، ~~فإن أبى صاحب السفل من البناء قيل له بع ممن يبني. وروى ابن القاسم عن مالك ~~في السفل لرجل والعلو لآخر فاعتل السفل، فإن صلاحه على رب السفل وعليه ~~تعليق العلو حتى يصلح سفله، لان عليه إما أن يحمله على بنيان أو على تعليق، ~~وكذلك لو كان على العلو علو فتعليق العلو الثاني على صاحب الأوسط. وقد قيل: ~~إن تعليق العلو الثاني على رب العلو حتى يبني الأسفل. وحديث النعمان بن ~~بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [مثل القائم على حدود الله والواقع ~~فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها فكان ~~الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا لو أنا ~~خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا فان يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا ~~وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا] - أصل في هذا الباب. وهو حجة لمالك ~~وأشهب. وفيه دليل على أن صاحب السفل ليس له أن يحدث على صاحب العلو ما يضر ~~به، وأنه إن أحدث عليه ضررا لزمه إصلاحه دون صاحب العلو، وأن لصاحب العلو ~~منعه من الضرر، لقوله عليه السلام: [فإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا ~~جميعا] ولا يجوز الاخذ إلا على يد الظالم أو من هو ممنوع من إحداث ~~PageV16P086 # ما لا يجوز له في السنة. وفيه دليل على استحقاق العقوبة بترك الامر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد مضى في " الأنفال " (1). وفيه دليل على ~~جواز القرعة واستعمالها، ms5593 وقد مضى في " آل عمران " (2) فتأمل كلا في موضعه ~~تجده مبينا، والحمد لله. # قوله تعالى: ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكئون (34) وزخرفا وإن كل ذلك ~~لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين (35) قوله تعالى: " ~~ولبيوتهم أبوابا " أي ولجعلنا لبيوتهم. وقيل: " لبيوتهم " بدل اشتمال من ~~قوله " لمن يكفر بالرحمن ". " أبوابا " أي من فضة. " وسررا " كذلك، وهو جمع ~~السرير. وقيل: جمع الأسرة، والأسرة جمع السرير، فيكون جمع الجمع. " يتكئون ~~عليها " الاتكاء والتوكؤ: التحامل على الشئ، ومنه " أتوكأ عليها ". ورجل ~~تكأة، مثال همزة، كثير الاتكاء. والتكأة أيضا: ما يتكأ عليه. واتكأ على ~~الشئ فهو متكئ، والموضع متكأ. # وطعنه حتى أتكأه (على أفعله) أي ألقاه على هيئة المتكئ. وتوكأت على ~~العصا. واصل التاء في جميع ذلك واو، ففعل به ما فعل باتزن واتعد. " وزخرفا ~~" الزخرف هنا الذهب، عن ابن عباس وغيره. نظيره: " أو يكون لك بيت من زخرف " ~~[الاسراء: 93] وقد تقدم (3). وقال ابن زيد: # هو ما يتخذه الناس في منازلهم من الأمتعة والأثاث. وقال الحسن: النقوش، ~~وأصله الزينة. يقال: زخرفت الدار، أي زينتها. وتزخرف فلان، أي تزين. وانتصب ~~" زخرفا " على معنى وجعلنا لهم مع ذلك زخرفا. وقيل: ينزع الخافض، والمعنى ~~فجعلنا لهم سقفا وأبوابا وسررا من فضة ومن ذهب، فلما حذف " من " قال " ~~وزخرفا " فنصب. " وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا " قرأ عاصم وحمزة ~~وهشام عن ابن عامر " وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا " بالتشديد. ~~الباقون بالتخفيف، وقد ذكر هذا. وروي عن أبي رجاء كسر اللام من " لما "، ف ~~" ما " عنده بمنزلة الذي، والعائد عليها محذوف، والتقدير: وإن كل ذلك للذي # PageV16P087 # هو متاع الحياة الدنيا، وحذف الضمير ها هنا كحذفه في قراءة من قرأ " مثلا ~~ما بعوضة فما (1) فوقها " [البقرة: 26 و " تماما على الذي أحسن " (2) ~~[الانعام: 154]. أبو الفتح: ينبغي أن يكون " كل " على هذه القراءة منصوبة، ~~لان " إن " مخففة من الثقيلة، وهي إذا خففت وبطل عملها لزمتها اللام في آخر ~~الكلام للفرق بينها وبين " إن " النافية التي بمعنى ما، نحو إن ms5594 زيد لقائم، ~~ولا لام هنا سوى الجارة. " والآخرة عند ربك للمتقين " يريد الجنة لمن اتقى ~~وخاف. وقال كعب: إني لأجد في بعض كتب الله المنزلة: لولا أن يحزن عبدي ~~المؤمن لكللت رأس عبدي الكافر بالإكليل، ولا يتصدع ولا ينبض منه عرق بوجع. ~~وفي صحيح الترمذي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~[الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر]. وعن سهل بن سعد قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: [لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا ~~منها شربة ماء]. وفي الباب عن أبي هريرة، وقال: حديث حسن غريب. وأنشدوا: # فلو كانت الدنيا جزاء لمحسن * إذا لم يكن فيها معاش لظالم لقد جاع فيها ~~الأنبياء كرامة * وقد شبعت فيها بطون البهائم وقال آخر: # تمتع من الأيام إن كنت حازما * فإنك فيها بين ناه وآمر إذا أبقت الدنيا ~~على المرء دينه * فما فاته منها فليس بضائر فلا تزن الدنيا جناح بعوضة * ~~ولا وزن رق من جناح لطائر فلم يرض بالدنيا ثوابا لمحسن * ولا رضي الدنيا ~~عقابا لكافر قوله تعالى: ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين ~~(36) وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون (37) حتى إذا جاءنا قال ~~يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين (38) # PageV16P088 # قوله تعالى: " ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا. فهو له قرين " وقرأ ~~ابن عباس وعكرمة " ومن يعش " بفتح الشين، ومعناه يعمى، يقال منه عشي يعشى ~~عشا إذا عمي. ورجل أعشى وامرأة عشواء إذا كان لا يبصر، ومنه قول الأعشى: # رأت رجلا غائب الوافدين * مختلف الخلق أعشى ضريرا (1) وقوله: # أأن رأت رجلا أعشى أضر به * ريب المنون ودهر مفند خبل الباقون بالضم، من ~~عشا يعشو إذا لحقه ما لحق الأعشى. وقال الخليل: العشو هو النظر ببصر ضعيف، ~~وأنشد: # متى تأته تعشو إلى ضوء ناره * تجد خير نار عندها خير موقد (2) وقال آخر: # لنعم الفتى يعشو إلى ضوء ناره * إذا الريح هبت والمكان جديب الجوهري: ms5595 ~~والعشا (مقصور) مصدر الأعشى وهو الذي لا يبصر بالليل ويبصر بالنهار. # والمرأة عشواء، وامرأتان عشواوان. وأعشاه الله فعشي (بالكسر) يعشى عشي، ~~وهما يعشيان، ولم يقولوا يعشوان، لان الواو لما صارت في الواحد ياء لكسرة ~~ما قبلها تركت في التثنية على حالها. وتعاشى إذا أرى من نفسه أنه أعشى. ~~والنسبة إلى أعشى أعشوي. وإلى العشية عشوى. والعشواء: الناقة التي لا تبصر ~~أمامها فهي تخبط بيديها كل شئ. وركب فلان العشواء إذا خبط أمره على غير ~~بصيرة. وفلان خابط خبط عشواء. # وهذه الآية تتصل بقول أول السورة " أفنضرب عنكم الذكر صفحا " (3) ~~[الزخرف: 5] أي نواصل لكم الذكر، فمن يعش عن ذلك الذكر بالاعراض عنه إلى ~~أقاويل المضلين وأباطيلهم " نقيض له شيطانا " أي نسبب له شيطانا جزاء له ~~على كفره " فهو له قرين " قيل في الدنيا، يمنعه من الحلال، ويبعثه على ~~الحرام، وينهاه عن الطاعة، ويأمره بالمعصية، وهو معنى قول ابن عباس. # PageV16P089 # وقيل في الآخرة إذا قام من قبره، قاله سعيد الجريري. وفي الخبر: أن ~~الكافر إذا خرج من قبره يشفع بشيطان لا يزال معه حتى يدخلا النار. وأن ~~المؤمن يشفع بملك حتى يقضي الله بين خلقه، ذكره المهدوي. وقال القشيري: ~~والصحيح فهو له قرين في الدنيا والآخرة. # وقال أبو الهيثم والأزهري: عشوت إلى كذا أي قصدته. وعشوت عن كذا أي أعرضت ~~عنه، فتفرق بين " إلى " و " عن "، مثل: ملت إليه وملت عنه. وكذا قال قتادة: ~~يعش، يعرض، وهو قول الفراء. النحاس: وهو غير معروف في اللغة. وقال القرظي: ~~يولي ظهره، والمعنى واحد. وقال أبو عبيدة والأخفش: تظلم عينه. وأنكر العتبي ~~عشوت بمعنى أعرضت، قال: وإنما الصواب تعاشيت. والقول قول أبي الهيثم ~~والأزهري. وكذلك قال جميع أهل المعرفة. وقرأ السلمي وابن أبي إسحاق ويعقوب ~~وعصمة عن عاصم وعن الأعمش " يقيض " (بالياء) لذكر " الرحمن " أولا، أي يقيض ~~له الرحمن شيطانا. الباقون بالنون. وعن ابن عباس " يقيض له شيطان فهو له ~~قرين " أي ملازم ومصاحب. قيل: " فهو " كناية عن الشيطان، على ما تقدم. ~~وقيل: عن الاعراض ms5596 (1) عن القرآن، أي هو قرين للشيطان. " وإنهم ليصدونهم عن ~~السبيل " أي وإن الشيطان ليصدونهم عن سبيل الهدى، وذكر بلفظ الجمع لان " من ~~" في قوله " ومن يعش " في معنى الجمع. " ويحسبون " أي ويحسب الكفار " أنهم ~~مهتدون " وقيل: ويحسب الكفار أن الشياطين مهتدون فيطيعونهم. " حتى إذا ~~جاءنا " على التوحيد قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص، يعني الكافر يوم ~~القيامة. الباقون " جاءانا " على التثنية، يعني الكافر وقرينه وقد جعلا في ~~سلسلة واحدة، فيقول الكافر " يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين " أي مشرق ~~الشتاء ومشرق الصيف، كما قال تعالى: " رب المشرقين ورب المغربين " (2) ~~[الرحمن: 17] ونحوه قول مقاتل. وقراءة التوحيد وإن كان ظاهرها الافراد ~~فالمعنى لهما جميعا، لأنه قد عرف ذلك بما بعده، كما قال: # وعين لها حدرة بدرة * شقت مآقيهما من أخر (3) # PageV16P090 # قال مقاتل: يتمنى الكافر أن بينهما بعد مشرق أطول يوم في السنة إلى مشرق ~~أقصر يوم في السنة، ولذلك قال " بعد المشرقين ". وقال الفراء: أراد المشرق ~~والمغرب فغلب اسم أحدهما، كما يقال: القمران للشمس والقمر، والعمران لأبي ~~بكر وعمر، والبصرتان للكوفة والبصرة، والعصران للغداة والعصر. وقال الشاعر: # أخذنا بآفاق السماء عليكم * لنا قمراها والنجوم الطوالع وأنشد أبو عبيدة ~~لجرير: # ما كان يرضى رسول الله فعلهم * والعمران أبو بكر ولا عمر وأنشد سيبويه: # * قدني من نصر الخبيثين قدي * يريد عبد الله ومصعبا ابني الزبير، وإنما ~~أبو خبيب عبد الله. " فبئس القرين " أي فبئس الصاحب أنت، لأنه يورده إلى ~~النار. قال أبو سعيد الخدري: إذا بعث الكافر زوج بقرينه من الشياطين فلا ~~يفارقه حتى يصير به إلى النار. # قوله تعالى: ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون (39) قوله ~~تعالى: " ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم " " إذ " بدل من اليوم، أي يقول الله ~~للكافر لن ينفعكم اليوم إذ أشركتم في الدنيا هذا الكلام، وهو قول الكافر " ~~يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين " أي لا تنفع الندامة اليوم. " إنكم " ~~بالكسر " في العذاب مشتركون " وهي قراءة ابن عامر باختلاف عنه. الباقون ~~بالفتح. وهي في موضع رفع ms5597 تقديره: ولن ينفعكم اليوم اشتراككم في العذاب، لان ~~لكل واحد نصيبه الأوفر منه. أعلم الله تعالى أنه منع أهل النار التأسي كما ~~يتأسى أهل المصائب في الدنيا، وذلك أن التأسي يستروحه أهل الدنيا فيقول ~~أحدهم: لي في البلاء والمصيبة أسوة، فيسكن ذلك من حزنه، كما قالت الخنساء: # فلولا كثرة الباكين حولي * على إخوانهم لقتلت نفسي وما يبكون مثل أخي ~~ولكن * أعزي النفس عنه بالتأسي PageV16P091 # فإذا كان في الآخرة لم ينفعهم التأسي شيئا لشغلهم بالعذاب. وقال مقاتل: ~~لن ينفعكم الاعتذار والندم اليوم، لان قرناءكم وأنتم في العذاب مشتركون كما ~~اشتركتم في الكفر. # قوله تعالى: أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين (40) ~~قوله تعالى: " أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي " يا محمد " ومن كان في ضلال ~~مبين " أي ليس لك ذلك فلا يضيق صدرك إن كفروا، ففيه تسلية للنبي صلى الله ~~عليه وسلم. وفيه رد على القدرية وغيرهم، وأن الهدى والرشد والخذلان في ~~القلب خلق الله تعالى، يضل من يشاء ويهدي من يشاء. # قوله تعالى: فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون (41) أو نرينك الذي وعدناهم ~~فإنا عليهم مقتدرون (42) قوله تعالى: " فإما نذهبن بك " يريد نخرجنك من مكة ~~من أذى قريش. " فإنا منهم منتقمون. أو نريك الذي وعدناهم " وهو الانتقام ~~منهم في حياتك " فإنا عليهم مقتدرون " قال ابن عباس: قد أراه الله ذلك يوم ~~بدر، وهو قول أكثر المفسرين. وقال الحسن وقتادة: هي في أهل الاسلام، يريد ~~ما كان بعد النبي صلى الله عليه وسلم من الفتن. # و " نذهبن بك " على هذا نتوفينك. وقد كان بعد النبي صلى الله عليه وسلم ~~نقمة شديدة فأكرم الله نبيه صلى الله عليه وسلم وذهب به فلم يره في أمته ~~إلا التي تقر به عينه وأبقى النقمة بعده، وليس من نبي إلا وقد أري النقمة ~~في أمته. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم أري ما لقيت أمته من بعده، فما ~~زال منقبضا، ما انبسط ضاحكا حتى لقي، الله عز وجل. وعن ابن ms5598 مسعود أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: [إذا أراد الله بأمة خيرا قبض نبيها قبلها فجعله ~~لها فرطا وسلفا. وإذا أراد الله بأمة عذابا عذبها ونبيها حي لتقر عينه لما ~~كذبوه وعصوا أمره]. PageV16P092 # قوله تعالى: فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم (43) وإنه لذكر ~~لك ولقومك وسوف تسئلون (44) قوله تعالى: " فاستمسك بالذي أوحي إليك " يريد ~~القرآن، وإن كذب به من كذب، ف‍ " إنك على صراط مستقيم " يوصلك إلى الله ~~ورضاه وثوابه. " وإنه لذكر لك ولقومك " يعني القرآن شرف لك ولقومك من قريش، ~~إذ نزل بلغتهم وعلى رجل منهم، نظيره: " لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم " ~~(1) [الأنبياء: 10] أي شرفكم. فالقرآن نزل بلسان قريش وإياهم خاطب، فاحتاج ~~أهل اللغات كلها إلى لسانهم كل من آمن بذلك فصاروا عيالا عليهم، لان أهل كل ~~لغة احتاجوا إلى أن يأخذوه من لغتهم حتى يقفوا على المعنى الذي عنى به من ~~الأمر والنهي وجميع ما فيه من الانباء، فشرفوا بذلك على سائر أهل اللغات ~~ولذلك سمي عربيا. وقيل: # بيان لك ولأمتك فيما بكم إليه حاجة. وقيل: تذكرة تذكرون به أمر الدين ~~وتعملون به. # وقيل: " وإنه لذكر لك ولقومك " يعني الخلافة فإنها في قريش لا تكون في ~~غيرهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: [الناس تبع لقريش في هذا الشأن ~~مسلمهم تبع لمسلمهم وكافرهم تبع لكافرهم]. وقال مالك: هو قول الرجل حدثني ~~أبي عن أبيه، حكاه ابن أبي سلمة عن أبيه عن مالك بن أنس فيما ذكر الماوردي ~~والثعلبي وغيرهما. قال ابن العربي: ولم أجد في الاسلام هذه المرتبة لاحد ~~إلا ببغداد فإن بني التميمي بها يقولون: حدثني أبي قال حدثني أبي، إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وبذلك شرفت أقدارهم، وعظم الناس شأنهم، وتهممت ~~الخلافة بهم. ورأيت بمدينة السلام ابني أبي محمد رزق الله بن عبد الوهاب ~~أبي الفرج بن عبد العزيز بن الحارث بن الأسد بن الليث بن سليمان بن أسود بن ~~سفيان بن يزيد ابن أكينة بن عبد الله التميمي وكانا ms5599 يقولان: سمعنا أبانا ~~رزق الله يقول سمعت أبي يقول سمعت أبي يقول سمعت أبي يقول سمعت أبي يقول ~~سمعت أبي يقول سمعت علي بن أبي طالب # PageV16P093 # يقول وقد سئل عن الحنان المنان فقال: الحنان الذي يقبل على من أعرض عنه، ~~والمنان الذي يبدأ بالنوال قبل السؤال. والقائل سمعت عليا: أكينة بن عبد ~~الله جدهم الاعلى. # والأقوى أن يكون المراد بقوله " وإنه لذكر لك ولقومك " يعني القرآن، ~~فعليه انبنى الكلام وإليه يرجع المصير، والله أعلم. قال الماوردي: " ولقومك ~~" فيهم قولان: أحدهما - من اتبعك من أمتك، قاله قتادة وذكره الثعلبي عن ~~الحسن. الثاني - لقومك من قريش، فيقال ممن هذا؟ فيقال من العرب، فيقال من ~~أي العرب؟ فيقال من قريش، قاله مجاهد. # قلت - والصحيح أنه شرف لمن عمل به، كان من قريش أو من غيرهم. روى ابن ~~عباس قال: أقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم من سرية أو غزاة فدعا فاطمة ~~فقال: [يا فاطمة اشتري نفسك من الله فإني لا أغني عنك من الله شيئا] وقال ~~مثل ذلك لنسوته، وقال مثل ذلك لعترته،. ثم قال نبي الله صلى الله عليه ~~وسلم: [ما بنو هاشم بأولى الناس بأمتي إن أولى الناس بأمتي المتقون ولا ~~قريش بأولى الناس بأمتي إن أولى الناس بأمتي المتقون، ولا الأنصار بأولى ~~الناس بأمتي إن أولى الناس بأمتي المتقون ولا الموالي بأولى الناس بأمتي إن ~~أولى الناس بأمتي المتقون. إنما أنتم من رجل وامرأة وأنتم كجمام (1) الصاع ~~ليس لأحد على أحد فضل إلا بالتقوى]. وعن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: [لينتهين أقوام يفتخرون بفحم من فحم جهنم أو يكونون شرا ~~عند الله من الجعلان التي تدفع النتن بأنفها كلكم بنو آدم وآدم من تراب، إن ~~الله أذهب عنكم عيبة الجاهلية وفخرها بالآباء [الناس] مؤمن تقي وفاجر شقي]. ~~خرجهما الطبري. وسيأتي لهذا مزيد بيان في الحجرات إن شاء الله تعالى. # " وسوف تسألون " أي عن الشكر عليه، قاله مقاتل والفراء. وقال ابن جريج: ~~أي تسألون أنت ms5600 ومن معك على ما أتاك. وقيل تسألون عما عملتم فيه، والمعنى ~~متقارب. # قوله تعالى: وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة ~~يعبدون (45) # PageV16P094 # قال ابن عباس وابن زيد: لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى - وهو مسجد بيت المقدس - بعث الله له آدم ~~ومن ولد من المرسلين، وجبريل مع النبي صلى الله عليه وسلم، فأذن جبريل صلى ~~الله عليه وسلم ثم أقام الصلاة، ثم قال: يا محمد تقدم فصل بهم، فلما فرغ ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له جبريل صلى الله عليه وسلم: [سل يا ~~محمد من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون. فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: [لا أسأل قد اكتفيت]. قال ابن عباس: # وكانوا سبعين نبيا منهم إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام، فلم يسألهم ~~لأنه كان أعلم بالله منهم. في غير رواية ابن عباس: فصلوا خلف رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم سبعة صفوف، المرسلون ثلاثة صفوف والنبيون أربعة، وكان يلي ~~ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم إبراهيم خليل الله، وعلى يمينه إسماعيل ~~وعلى يساره إسحاق ثم موسى ثم سائر المرسلين فأمهم ركعتين، فلما انفتل (1) ~~قام فقال: [إن ربي أوحى إلي أن أسألكم هل أرسل أحد منكم يدعو إلى عبادة غير ~~الله]؟ فقالوا: يا محمد، إنا نشهد إنا أرسلنا أجمعين بدعوة واحدة أن لا إله ~~إلا الله وأن ما يعبدون من دونه باطل وأنك خاتم النبيين وسيد المرسلين، قد ~~استبان ذلك لنا بإمامتك إيانا، وأن لا نبي بعدك إلى يوم القيامة إلا عيسى ~~بن مريم فإنه مأمور أن يتبع أثرك). # وقال سعيد بن جبير في قوله تعالى: " واسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا " ~~قال: لقي الرسل ليلة أسري به. وقال الوليد بن مسلم في قوله تعالى " واسأل ~~من أرسلنا من قبلك من رسلنا " قال: سألت عن ذلك خليد بن دعلج فحدثني عن ~~قتادة قال سألهم ليلة ms5601 أسري به، لقي الأنبياء ولقي آدم ومالك خازن النار. # قلت: هذا هو الصحيح في تفسير هذه الآية. و " من " التي قبل " رسلنا " على ~~هذا القول غير زائدة. وقال المبرد وجماعة من العلماء: إن المعنى واسأل أمم ~~من قد أرسلنا من قبلك من رسلنا. وروي أن في قراءة ابن مسعود " واسال الذين ~~أرسلنا إليهم قبلك رسلنا ". # PageV16P095 # وهذه قراءة مفسرة، ف " من " على هذا زائدة، وهو قول مجاهد والسدي والضحاك ~~وقتادة وعطاء والحسن وابن عباس أيضا. أي واسأل مؤمني أهل الكتابين التوراة ~~والإنجيل. وقيل: # المعنى سلنا يا محمد عن الأنبياء الذين أرسلنا قبلك، فحذفت " عن "، ~~والوقف على " رسلنا " على هذا تام، ثم ابتدأ بالاستفهام على طريق الانكار. ~~وقيل: المعنى واسأل تباع من أرسلنا من قبلك من رسلنا، فحذف المضاف. والخطاب ~~للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته. " أجعلنا من دون الرحمن آلهة ~~يعبدون " أخبر عن الآلهة كما أخبر عمن يعقل فقال " يعبدون " ولم يقل تعبد ~~ولا يعبدن، لان الآلهة جرت عندهم مجرى من يعقل فأجرى الخبر عنهم مجرى الخبر ~~عمن يعقل. # وسبب هذا الامر بالسؤال أن اليهود والمشركين قالوا للنبي صلى الله عليه ~~وسلم: إن ما جئت به مخالف لمن كان قبلك، فأمره الله بسؤاله الأنبياء على ~~جهة التوقيف والتقرير، لا لأنه كان في شك منه. واختلف أهل التأويل في سؤال ~~النبي صلى الله عليه وسلم لهم على قولين: أحدهما - أنه سألهم فقالت الرسل ~~بعثنا بالتوحيد، قاله الواقدي. الثاني - أنه لم يسألهم ليقينه بالله عز ~~وجل، حتى حكى ابن زيد أن ميكائيل قال لجبريل: (هل سألك محمد عن ذلك؟ فقال ~~جبريل: هو أشد إيمانا وأعظم يقينا من أن يسأل عن ذلك). وقد تقدم هذا المعنى ~~في الروايتين حسبما ذكرناه. # قوله تعالى: ولقد أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون وملأه فقال إني رسول رب ~~العالمين (46) فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون (47) وما نريهم من ~~آية إلا هي أكبر من أختها وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون (48) وقالوا يا ~~أيه الساحر ادع لنا ربك بما عهد ms5602 عندك إننا لمهتدون (49) فلما كشفنا عنهم ~~العذاب إذا هم ينكثون (50) PageV16P096 # قوله تعالى: " ولقد أرسلنا موسى بآياتنا " لما أعلم النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه منتقم له من عدوه وأقام الحجة باستشهاد الأنبياء واتفاق الكل على ~~التوحيد أكد ذلك قصة موسى وفرعون، وما كان من فرعون من التكذيب، وما نزل به ~~وبقومه من الاغراق والتكذيب، أي أرسلنا موسى بالمعجزات وهي التسع الآيات ~~فكذب، فجعلت العاقبة الجميلة له، فكذلك أنت. ومعنى " يضحكون " استهزاء ~~وسخرية، يوهمون أتباعهم أن تلك الآيات سحر وتخييل، وأنهم قادرون عليها. ~~وقوله: " وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها " أي كانت آيات موسى من ~~كبار الآيات، وكانت كل واحدة أعظم مما قبلها. وقيل: # " إلا وهي أكبر من أختها " لان الأولى تقتضي علما والثانية تقتضي علما، ~~فتضم الثانية إلى الأولى فيزداد الوضوح. ومعنى الاخوة المشاكلة والمناسبة، ~~كما يقال: هذه صاحبة هذه، أي هما قريبتان في المعنى. " وأخذناهم بالعذاب " ~~أي على تكذيبهم بتلك الآيات، وهو كقوله تعالى: " ولقد أخذنا آل فرعون ~~بالسنين ونقص من الثمرات " (1) [الأعراف: 130]. والطوفان والجراد والقمل ~~والضفادع. وكانت هذه الآيات الأخيرة عذابا لهم وآيات لموسى. " لعلهم يرجعون ~~" من كفرهم. " وقالوا يا أيها الساحر " لما عاينوا العذاب قالوا يا أيها ~~الساحر، نادوه بما كانوا ينادونه به من قبل ذلك على حسب عادتهم. وقيل: ~~كانوا يسمون العلماء سحرة فنادوه بذلك على سبيل التعظيم. قال ابن عباس: " ~~يا أيها الساحر " يا أيها العالم، وكان الساحر فيهم عظيما يوقرونه، ولم يكن ~~السحر صفة ذم. وقيل: يا أيها الذي غلبنا بسحره، يقال: ساحرته فسحرته، أي ~~غلبته بالسحر، كقول العرب: خاصمته فخصمته أي غلبته بالخصومة، وفاضلته ~~ففضلته، ونحوها. ويحتمل أن يكون أرادوا به الساحر على الحقيقة على معنى ~~الاستفهام، فلم يلمهم على ذلك رجاء أن يؤمنوا. وقرأ ابن عامر وأبو حياة ~~ويحيى بن وثاب " وآية الساحر " بغير ألف والهاء مضمومة، وعلتها أن الهاء ~~خلطت بما قبلها وألزمت ضم الياء الذي أوجبه النداء المفرد. وأنشد الفراء: # يأيه القلب اللجوج النفس * أفق عن البيض ms5603 الحسان اللعس # PageV16P097 # فضم الهاء حملا على ضم الياء، وقد مضى في " النور " (1) معنى هذا. ووقف ~~أبو عمرو وابن أبي إسحاق ويحيى والكسائي " أيها " بالألف على الأصل. ~~الباقون بغير ألف، لأنها كذلك وقعت في المصحف. " ادع لنا ربك بما عهد عندك ~~" أي بما أخبرنا عن عهده إليك إنا إن آمنا كشف عنا، فسله يكشف عنا " إننا ~~لمهتدون " أي فيما يستقبل. " فلما كشفنا عنهم العذاب " أي فدعا فكشفنا. " ~~إذا هم ينكثون " أي ينقضون العهد الذي جعلوه على أنفسهم فلم يؤمنوا. وقيل: ~~قولهم " إننا لمهتدون " إخبار منهم عن أنفسهم بالايمان، فلما كشف عنهم ~~العذاب ارتدوا. # قوله تعالى: " ونادى فرعون في قومه " قيل: لما رأى تلك الآيات خاف ميل ~~القوم إليه فجمع قومه فقال، فنادى بمعنى قال، قاله أبو مالك. فيجوز أن يكون ~~عنده عظماء القبط فرفع صوته بذلك فيما بينهم ثم ينشر عنه في جموع القبط، ~~وكأنه نودي بينهم. وقيل: # إنه أمر من ينادي في قومه، قاله ابن جريج. " قال يا قوم أليس لي ملك مصر ~~" أي لا ينازعني فيه أحد. قيل: إنه ملك منها أربعين فرسخا في مثلها، حكاه ~~النقاش. وقيل: # أراد بالملك هنا الإسكندرية. " وهذه الأنهار تجري من تحتي " يعني أنهار ~~النيل، ومعظمها أربعة (2): نهر الملك ونهر طولون ونهر دمياط ونهر تنيس. قال ~~قتادة: كانت جنانا وأنهارا تجري من تحت قصوره. وقيل: من تحت سريره. وقيل: " ~~من تحتي " أي تصرفي نافذ فيها من غير صانع. وقيل: كان إذا أمسك عنانه أمسك ~~النيل عن الجري. قال القشيري: ويجوز ظهور خوارق العادة على مدعي الربوبية، ~~إذ لا حاجة في تمييز الاله من غير الاله إلى فعل خارق للعادة. # وقيل: معنى " وهذه الأنهار تجري من تحتي " أي القواد والرؤساء والجبابرة ~~يسيرون تحت لوائي، قاله الضحاك. وقيل: أراد بالأنهار الأموال، وعبر عنها ~~بالأنهار لكثرتها وظهورها. # وقوله " تجري من تحتي " أي أفرقها على من يتبعني، لان الترغيب والقدرة في ~~الأموال دون # PageV16P098 # الأنهار. " أفلا تبصرون " عظمتي وقوتي وضعف موسى. وقيل قدرتي على نفقتكم ~~وعجز موسى. والواو في ms5604 " وهذه " يجوز أن تكون عاطفة للأنهار على " ملك مصر " ~~و " تجري " نصب على الحال منها. ويجوز أن تكون واو الحال، واسم الإشارة ~~مبتدأ، و " الأنهار " صفة لاسم الإشارة، و " تجري " خبر للمبتدأ. وفتح ~~الياء من " تحتي " أهل المدينة والبزي وأبو عمرو، وأسكن الباقون. وعن ~~الرشيد أنه لما قرأها قال: لأولينها أحسن عبيدي، فولاها الخصيب، وكان على ~~وضوئه. وعن عبد الله بن طاهر أنه وليها فخرج إليها فلما شارفها ووقع عليها ~~بصره قال: أهذه القرية التي افتخر بها فرعون حتى قال " أليس لي ملك مصر "؟! # والله لهي عندي أقل من أن أدخلها! فثنى عنانه. ثم صرح بحاله فقال " أم ~~أنا خير " قال أبو عبيدة السدي: " أم " بمعنى " بل " وليست بحرف عطف، على ~~قول أكثر المفسرين. # والمعنى: قال فرعون لقومه بل أنا خير " من هذا الذي هو مهين " أي لا عز ~~له فهو يمتهن نفسه في حاجاته لحقارته وضعفه " ولا يكاد يبين " يعني ما كان ~~في لسانه من العقدة، على ما تقدم في " طه " (1). وقال الفراء: في " أم " ~~وجهان: إن شئت جعلتها من الاستفهام الذي جعل بأم لاتصاله بكلام قبله، وإن ~~شئت جعلتها نسقا على قوله " أليس لي ملك مصر ". # وقيل: هي زائدة. وروى أبو زيد عن العرب أنهم يجعلون " أم " زائدة، ~~والمعنى أنا خير من هذا الذي هو مهين. وقال الأخفش: في الكلام حذف، والمعنى ~~أفلا تبصرون أم تبصرون، كما قال: # أيا ظبية الوعساء بين جلاجل * وبين النقا آأنت أم أم سالم (2) أي أنت ~~أحسن أم أم سالم. ثم ابتدأ فقال أنا خير. وقال الخليل وسيبويه: المعنى أفلا ~~تبصرون، أم أنتم بصراء، فعطف ب " أم " على " أفلا تبصرون " لان معنى " أم ~~أنا خير " أم أي تبصرون، وذلك أنهم إذا قالوا له أنت خير منه كانوا عنده ~~بصراء. وروي عن عيسى # PageV16P099 # الثقفي ويعقوب الحضرمي أنهما وقفا على " أم " على أن يكون التقدير أفلا ~~تبصرون أم تبصرون، فحذف تبصرون الثاني. وقيل: من وقف على " أم " جعلها ~~زائدة، وكأنه وقف على " تبصرون " من قوله ms5605 " أفلا تبصرون ". ولا يتم الكلام ~~على " تبصرون " عند الخليل وسيبويه، لان " أم " تقتضي الاتصال بما قبلها. ~~وقال قوم: الوقف على قوله " أفلا تبصرون " ثم ابتدأ " أم أنا خير " بمعنى ~~بل أنا خير، وأنشد الفراء: # بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى * وصورتها أم أنت في العين أملح فمعناه: ~~بل أنت أملح. وذكر الفراء أن بعض القراء قرأ " أما أنا خير "، ومعنى هذا ~~ألست خيرا. وروي عن مجاهد أنه وقف على " أم " ثم يبتدئ " أنا خير " وقد ~~ذكر. # قوله تعالى: فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين ~~(53) قوله تعالى: " فلولا " أي هلا " ألقي عليه أساورة من ذهب " إنما قال ~~ذلك لأنه كان عادة الوقت وزي أهل الشرف. وقرأ حفص " أسورة " جمع سوار، ~~كخمار وأخمرة. # وقرأ أبي " أساور " جمع إسوار. وابن مسعود " أساوير ". الباقون " أساورة ~~" جمع الأسورة، فهو جمع الجمع. ويجوز أن يكون " أساورة " جمع " إسوار " ~~وألحقت الهاء في الجمع عوضا من الياء، فهو مثل زناديق وزنادقة، وبطاريق ~~وبطارقة، وشبهه. وقال أبو عمرو ابن العلاء: واحد الأساورة والأساور ~~والأساوير إسوار، وهي لغة في سوار. قال مجاهد: # كانوا إذا سوروا رجلا سوروه بسوارين وطوقوه بطوق ذهب علامة لسيادته، فقال ~~فرعون: # هلا ألقى رب موسى عليه أساورة من ذهب إن كان صادقا! " أو جاء معه ~~الملائكة مقترنين " يعني متتابعين، في قول قتادة. مجاهد: يمشون معا. ابن ~~عباس: يعاونونه على من خالفه، والمعنى: هلا ضم إليه الملائكة التي يزعم ~~أنها عند ربه حتى يتكثر بهم ويصرفهم على أمره ونهيه، فيكون ذلك أهيب في ~~القلوب. فأوهم قومه أن رسل الله ينبغي أن يكونوا PageV16P100 # كرسل الملوك في الشاهد، ولم يعلم أن رسل الله إنما أيدوا بالجنود ~~السماوية، وكل عاقل يعلم أن حفظ الله موسى مع تفرده ووحدته من فرعون مع ~~كثرة أتباعه، وإمداد موسى بالعصا واليد البيضاء كان أبلغ من أن يكون له ~~أسورة أو ملائكة يكونون معه أعوانا - في قول مقاتل - أو دليلا على صدقه - ~~في قول الكلبي - وليس يلزم هذا لان ms5606 الاعجاز كاف، وقد كان في الجائز أن يكذب ~~مع مجئ الملائكة كما كذب مع ظهور الآيات. وذكر فرعون الملائكة حكاية عن لفظ ~~موسى، لأنه لا يؤمن بالملائكة من لا يعرف خالقهم. # قوله تعالى: فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين (54) قوله ~~تعالى: " فاستخف قومه " قال ابن الأعرابي: المعنى فاستجهل قومه " فأطاعوه " ~~لخفة أحلامهم وقلة عقولهم، يقال: استخفه الفرح أي أزعجه، واستخفه أي حمله ~~على الجهل، ومنه " ولا يستخفنك الذين لا يوقنون " (1) [الروم: 60]. وقيل: ~~استفزهم بالقول فأطاعوه على، التكذيب. وقيل: استخف قومه أي وجدهم خفاف ~~العقول. وهذا لا يدل على أنه يجب أن يطيعوه، فلابد من إضمار بعيد تقديره ~~وجدهم خفاف العقول فدعاهم إلى الغواية فأطاعوه. وقيل: استخف قومه وقهرهم ~~حتى اتبعوه، يقال استخفه خلاف استثقله، واستخف به أهانه. " إنهم كانوا قوما ~~فاسقين " أي خارجين عن طاعة الله. # قوله تعالى: فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين (55) قوله تعالى: ~~" فلما آسفونا انتقمنا منهم " روى الضحاك عن ابن عباس: أي غاظونا وأغضبونا. ~~وروى عنه علي بن أبي طلحة: أي أسخطونا. قال الماوردي: # ومعناهما مختلف، والفرق بينهما أن السخط إظهار الكراهة، والغضب إرادة ~~الانتقام . القشيري: والأسف ها هنا بمعنى الغضب، والغضب من الله إما إرادة ~~العقوبة فيكون من صفات الذات، وإما عين العقوبة فيكون من صفات الفعل، وهو ~~معنى قول الماوردي. # PageV16P101 # وقال عمر بن ذر: يأهل معاصي الله، لا تغتروا بطول حلم الله عنكم، واحذروا ~~أسفه، فإنه قال " فلما آسفونا انتقمنا منهم ". وقيل: " آسفونا " أي أغضبوا ~~رسلنا وأولياءنا المؤمنين، نحو السحرة وبني إسرائيل. وهو كقوله تعالى: " ~~يؤذون الله " (1) [الأحزاب: 57] و " يحاربون الله " (2) [المائدة: 33] أي ~~أولياءه ورسله. # قوله تعالى: فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين (56) قوله تعالى: " فجعلناهم ~~سلفا " أي جعلنا قوم فرعون سلفا. قال أبو مجلز: " سلفا " لمن عمل عملهم، " ~~ومثلا " لمن يعمل عملهم. وقال مجاهد: " سلفا " إخبارا لامة محمد صلى الله ~~عليه وسلم، " ومثلا " أي عبرة لهم. وعنه أيضا " سلفا " لكفار قومك ~~يتقدمونهم إلى النار. # قتادة: " سلفا " إلى النار، " ومثلا " عظة لمن يأتي بعدهم. والسلف ms5607 ~~المتقدم، يقال: # سلف يسلف سلفا، مثل طلب طلبا، أي تقدم ومضى. وسلف له عمل صالح أي تقدم. # والقوم السلاف المتقدمون. وسلف الرجل: آباؤه المتقدمون، والجمع أسلاف ~~وسلاف. # وقراءة العامة " سلفا " (بفتح السين واللام) جمع سالف، كخادم وخدم، وراصد ~~ورصد، وحارس وحرس. وقرأ حمزة والكسائي " سلفا " (بضم السين واللام). قال ~~الفراء: هو جمع سليف، نحو سرير وسرر. وقال أبو حاتم: هو جمع سلف، نحو خشب ~~وخشب، وثمر وثمر، ومعناهما واحد. وقرأ علي وابن مسعود وعلقمة وأبو وائل ~~والنخعي وحميد بن قيس " سلفا " (بضم السين وفتح اللام) جمع سلفة، أي فرقة ~~متقدمة. قال المؤرج والنضر بن شميل: # " سلفا " جمع سلفة، نحو غرفة وغرف، وطرفة وطرف، وظلمة وظلم. # قوله تعالى: ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون (57) لما قال ~~تعالى: " واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة ~~يعبدون " [الزخرف: 45] تعلق المشركون بأمر عيسى وقالوا: ما يريد محمد إلا ~~أن نتخذه إلها كما اتخذت النصارى عيسى بن مريم إلها، قاله قتادة. ونحوه عن ~~مجاهد قال: إن قريشا قالت إن محمدا # PageV16P102 # يريد أن نعبده كما عبد قوم عيسى عيسى، فأنزل الله هذه الآية. وقال ابن ~~عباس: أراد به مناظرة عبد الله بن الزبعري مع النبي صلى الله عليه وسلم في ~~شأن عيسى، وأن الضارب لهذا المثل هو عبد الله بن الزبعري السهمي حالة كفره ~~لما قالت له قريش إن محمدا يتلو " إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم " ~~(1) [الأنبياء: 98] الآية، فقال: لو حضرته لرددت عليه، قالوا: # وما كنت تقول له؟ قال: كنت أقول له هذا المسيح تعبده النصارى، واليهود ~~تعبد عزيرا، أفهما من حصب جهنم؟ فعجبت قريش من مقالته ورأوا أنه قد خصم، ~~وذلك معنى قوله " يصدون ". فأنزل الله تعالى: " إن الذين سبقت لهم منا ~~الحسنى أولئك عنها مبعدون " [الأنبياء: 101]. # ولو تأمل ابن الزبعري الآية ما اعترض عليها، لأنه قال " وما تعبدون " ولم ~~يقل ومن تعبدون، وإنما أراد الأصنام ونحوها مما لا يعقل، ولم يرد المسيح ~~ولا ms5608 الملائكة وإن كانوا معبودين. وقد مضى هذا في آخر سورة " الأنبياء " ~~(3). وروى ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لقريش: [يا معشر ~~قريش لا خير في أحد يعبد من دون الله]. # قالوا: أليس تزعم أن عيسى كان عبد ا نبيا وعبد ا صالحا، فإن كان كما تزعم ~~فقد كان يعبد من دون الله!. فأنزل الله تعالى " ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا ~~قومك يصدون " أي يضجون كضجيج الإبل عند حمل الأثقال. قرأ نافع وابن عامر ~~والكسائي " يصدون " (بضم الصاد) ومعناه يعرضون، قاله النخعي، وكسر الباقون. ~~قال الكسائي: هما لغتان، مثل يعرشون ويعرشون، وينمون وينمون، ومعناه يضجون. ~~قال الجوهري: وصد يصد صديدا، أي ضج. وقيل: إنه بالضم من الصدود وهو ~~الاعراض، وبالكسر من الضجيج، قاله قطرب. قال أبو عبيد: لو كانت من الصدود ~~عن الحق لكانت: إذا قومك عنه يصدون. الفراء: هما سواء، منه وعنه. ابن ~~المسيب: يصدون يضجون. الضحاك يعجون. ابن عباس: يضحكون. أبو عبيدة: من ضم ~~فمعناه يعدلون، فيكون المعنى: من أجل الميل يعدلون. ولا يعدى " يصدون " ~~بمن، ومن كسر فمعناه يضجون، ف " من " متصلة ب " يصدون " والمعنى يضجون منه. # PageV16P103 # قوله تعالى: وقالوا أآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم ~~خصمون (58) قوله تعالى: " وقالوا أآلهتنا خير أم هو " أي آلهتنا خير أم ~~عيسى؟ قاله السدي. # وقال: خاصموه وقالوا إن كل من عبد من دون الله في النار، فنحن نرضى أن ~~تكون آلهتنا مع عيسى والملائكة وعزير، فأنزل الله تعالى " إن الذين سبقت ~~لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون " [الأنبياء: 101] الآية. وقال قتادة: " ~~أم هو " يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم. وفي قراءة ابن مسعود " آلهتنا خير ~~أم هذا ". وهو يقوي قول قتادة، فهو استفهام تقرير في أن آلهتهم خير. وقرأ ~~الكوفيون ويعقوب " أآلهتنا " بتحقيق الهمزتين، ولين الباقون. وقد تقدم. " ~~ما ضربوه لك إلا جدلا " " جدلا " حال، أي جدلين. يعني ما ضربوا لك هذا ~~المثل إلا إرادة الجدل، لأنهم علموا أن المراد ms5609 بحصب جهنم ما اتخذوه من ~~الموات " بل هم قوم خصمون " مجادلون بالباطل. وفي صحيح الترمذي عن أبي ~~أمامة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # [ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل - ثم تلا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم هذه الآية - " ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون "]. # قوله تعالى: إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل (59) ~~ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون (60) قوله تعالى: " إن هو إلا ~~عبد أنعمنا عليه " أي ما عيسى إلا عبد أنعم الله عليه بالنبوة، وجعله مثلا ~~لبني إسرائيل، أي آية وعبرة يستدل بها على قدرة الله تعالى، فإن عيسى كان ~~من غير أب، ثم جعل إليه من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص والاسقام ~~كلها ما لم يجعل لغيره في زمانه، مع أن بني إسرائيل كانوا يومئذ خير الخلق ~~وأحبه إلى الله عز وجل، والناس دونهم، ليس أحد عند الله عز وجل مثلهم. ~~وقيل: المراد بالعبد المنعم عليه محمد صلى الله عليه PageV16P104 # وسلم، والأول أظهر. " ولو نشاء لجعلنا منكم " أي بدلا منكم " ملائكة " ~~يكونون خلفا عنكم، قاله السدي. ونحوه عن مجاهد قال: ملائكة يعمرون الأرض ~~بدلا منكم. وقال الأزهري: # إن " من " قد تكون للبدل، بدليل هذه الآية. # قلت: قد تقدم هذا المعنى في " براءة " (1) وغيرها. وقيل: لو نشاء لجعلنا ~~من الانس ملائكة وإن لم تجر العادة بذلك، والجواهر جنس واحد والاختلاف ~~بالأوصاف، والمعنى: لو نشاء لأسكنا الأرض الملائكة، وليس في إسكاننا إياهم ~~السماء شرف حتى يعبدوا، أو يقال لهم بنات الله. ومعنى " يخلفون " يخلف ~~بعضهم بعضا، قاله ابن عباس. # قوله تعالى: وإنه لعلم للساعة فلا تمترون بها واتبعون هذا صراط مستقيم ~~(61) ولا يصدنكم الشيطان إنه لكم عدو مبين (62) قوله تعالى: " وإنه لعلم ~~للساعة فلا تمترون بها " قال الحسن وقتادة وسعيد بن جبير: # يريد القرآن، لأنه يدل على قرب مجئ الساعة، أو به تعلم الساعة وأهوالها ~~وأحوالها. وقال ابن عباس ومجاهد والضحاك والسدي وقتادة ms5610 أيضا: إنه خروج عيسى ~~عليه السلام، وذلك من أعلام الساعة، لان الله ينزله من السماء قبيل قيام ~~الساعة، كما أن خروج الدجال من أعلام الساعة. وقرأ ابن عباس وأبو هريرة ~~وقتادة ومالك بن دينار والضحاك " وإنه لعلم للساعة " (بفتح العين واللام) ~~أي أمارة. وقد روي عن عكرمة " وإنه للعلم " (بلامين) وذلك خلاف للمصاحف. ~~وعن عبد الله بن مسعود قال: لما كان ليلة أسري برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لقي إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام فتذاكروا الساعة فبدءوا ~~بإبراهيم فسألوه عنها فلم يكن عنده منها علم، ثم سألوا موسى فلم يكن عنده ~~منها علم، فرد الحديث إلى عيسى بن مريم قال: قد عهد إلي فيما دون وجبتها ~~فأما وجبتها فلا يعلمها إلا الله عز وجل، فذكر خروج الدجال - قال: فأنزل ~~فأقتله. وذكر الحديث، خرجه ابن ماجة في سننه. وفي صحيح مسلم [فبينما هو - ~~يعني المسيح الدجال - إذ بعث الله المسيح بن مريم فينزل عند المنارة ~~البيضاء شرقي # PageV16P105 # دمشق بين مهرودتين (1) واضعا كفيه على أجنحة ملكين إذا طأطأ رأسه قطر ~~وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات ونفسه ~~[ينتهي] حيث ينتهي طرفه فيطلبه حتى يدركه بباب لد (2) فيقتله...] الحديث. ~~وذكر الثعلبي والزمخشري وغيرهما من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: [ينزل عيسى بن مريم عليه السلام من السماء على ثنية من الأرض ~~المقدسة يقال لها أفيق (3) بين ممصرتين (4) وشعر رأسه دهين وبيده حربة يقتل ~~بها الدجال فيأتي بيت المقدس والناس في صلاة العصر والامام يؤم بهم فيتأخر ~~الامام فيقدمه عيسى ويصلي خلفه على شريعة محمد صلى الله عليه وسلم ثم يقتل ~~الخنازير ويكسر الصليب ويخرب البيع والكنائس ويقتل النصارى إلا من آمن به]. ~~وروى خالد عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [الأنبياء إخوة ~~لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد وأنا أولى الناس بعيسى بن مريم إنه ليس بيني ~~وبينه نبي وإنه أول نازل فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ms5611 ويقاتل الناس على ~~الاسلام]. قال الماوردي: وحكى ابن عيسى عن قوم أنهم قالوا إذا نزل عيسى رفع ~~التكليف لئلا يكون رسولا إلى ذلك الزمان يأمرهم عن الله تعالى وينهاهم. # وهذا قول مردود لثلاثة أمور، منها الحديث، ولأن بقاء الدنيا يقتضي ~~التكليف فيها، ولأنه ينزل آمرا بمعروف وناهيا عن منكر. وليس يستنكر أن يكون ~~أمر الله تعالى له مقصورا على تأييد الاسلام والامر به والدعاء إليه. # قلت: ثبت في صحيح مسلم وابن ماجة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: [لينزلن عيسى بن مريم حكما عادلا فليكسرن الصليب وليقتلن ~~الخنزير وليضعن الجزية ولتتركن القلاص فلا يسعى عليها ولتذهبن الشحناء ~~والتباغض والتحاسد وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد]. وعنه قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: [كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم] ~~وفي رواية [فأمكم منكم] قال ابن أبي ذئب: تدري [ما أمكم # PageV16P106 # منكم]؟ قلت: تخبرني، قال: فأمكم بكتاب ربكم وسنة نبيكم صلى الله عليه ~~وسلم]. # قال علماؤنا رحمة الله عليهم: فهذا نص على أنه ينزل مجددا لدين النبي صلى ~~الله عليه وسلم للذي درس منه، لا بشرع مبتدأ والتكليف باق، على ما بيناه ~~هنا وفي كتاب التذكرة. وقيل: # " وإنه لعلم للساعة " أي وإن إحياء عيسى الموتى دليل على الساعة وبعث ~~الموتى، قاله ابن إسحاق. # قلت: ويحتمل أن يكون المعنى " وإنه " وإن محمدا صلى الله عليه وسلم لعلم ~~للساعة، بدليل قوله عليه السلام: [بعثت أنا والساعة كهاتين] وضم السبابة ~~والوسطى، خرجه البخاري ومسلم. وقال الحسن: أول أشراطها محمد صلى الله عليه ~~وسلم. " فلا تمترون بها " فلا تشكون فيها، يعني في الساعة، قاله يحيى بن ~~سلام. وقال السدي: فلا تكذبون بها، ولا تجادلون فيها فإنها كائنة لا محالة. ~~" واتبعون " أي في التوحيد وفيما أبلغكم عن الله. # " هذا صراط مستقيم " أي طريق قويم إلى الله، أي إلى جنته. وأثبت الياء ~~يعقوب في قوله " واتبعون " في الحالين، وكذلك " وأطيعون ". وأبو عمرو ~~وإسماعيل عن نافع في الوصل دون ms5612 الوقف، وحذف الباقون في الحالين. " ولا ~~يصدنكم الشيطان " أي لا تغتروا بوساوسه وشبه الكفار المجادلين، فان شرائع ~~الأنبياء لم تختلف في التوحيد ولا فيما أخبروا به من علم الساعة وغيرها بما ~~تضمنته من جنة أو نار. " إنه لكم عدو مبين " تقدم في " البقرة " (1) وغيرها ~~قوله تعالى: ولما جاء عيسى بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة ولابين لكم بعض ~~الذي تختلفون فيه فاتقوا الله وأطيعون (63) إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه ~~هذا صراط مستقيم (64) قوله تعالى: " ولما جاء عيسى بالبينات " قال ابن ~~عباس: يريد إحياء الموتى وإبراء الأسقام وخلق الطير والمائدة وغيرها، ~~والاخبار بكثير من الغيوب. وقال قتادة: البينات # PageV16P107 # هنا الإنجيل. " قال قد جئتكم بالحكمة " أي النبوة، قاله السدي. ابن عباس: ~~علم ما يؤدي إلى الجميل ويكف عن القبيح. وقيل الإنجيل، ذكره القشيري ~~والماوردي. " ولابين لكم بعض الذي تختلفون فيه " قال مجاهد: من تبديل ~~التوراة. الزجاج: المعنى لابين لكم في الإنجيل بعض الذي تختلفون فيه من ~~تبديل التوراة. قال مجاهد: وبين لهم في غير الإنجيل ما احتاجوا إليه. وقيل: ~~بين لهم بعض الذي اختلفوا فيه من أحكام التوراة على قدر ما سألوه. # ويجوز أن يختلفوا في أشياء غير ذلك لم يسألوه عنها. وقيل: إن بني إسرائيل ~~اختلفوا بعد موت موسى في أشياء من أمر دينهم وأشياء من أمر دنياهم فبين لهم ~~أمر دينهم. ومذهب أبي عبيدة أن البعض بمعنى الكل، ومنه قوله تعالى: " يصبكم ~~بعض الذي يعدكم " (1) [غافر: 28]. وأنشد الأخفش قول لبيد: # تراك أمكنة إذا لم أرضها * أو تعتلق بعض النفوس حمامها والموت لا يعتلق ~~بعض النفوس دون بعض. ويقال للمنية: علوق وعلاقة. قال المفضل البكري: # وسائلة بثعلبة بن سير (2) * وقد علقت بثعلبة العلوق وقال مقاتل: هو كقوله ~~" ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم " (3) [آل عمران: 50]. يعني ما أحل في ~~الإنجيل مما كان محرما في التوراة، كلحم الإبل والشحم من كل حيوان وصيد ~~السمك يوم السبت. # " فاتقوا الله " أي اتقوا الشرك ولا تعبدوا إلا الله وحده، وإذا كان هذا ~~قول عيسى فكيف ms5613 يجوز أن يكون إلها أو ابن إله. " وأطيعون " فيما أدعوكم إليه ~~من التوحيد وغيره. # " إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم " أي عبادة الله صراط ~~مستقيم، وما سواه معوج لا يؤدي سالكه إلى الحق. # قوله تعالى: فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم ~~(65) هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة وهم لا يشعرون (66) # PageV16P108 # قوله تعالى: " فاختلف الأحزاب من بينهم " قال قتادة: يعني ما بينهم، ~~وفيهم قولان: # أحدهما - أنهم أهل الكتاب من اليهود والنصارى، خالف بعضهم بعضا، قاله ~~مجاهد والسدي. الثاني - فرق النصارى من النسطورية والملكية واليعاقبة، ~~اختلفوا في عيسى، فقال النسطورية: هو ابن الله. وقالت اليعاقبة: هو الله. ~~وقالت الملكية: ثالث ثلاثة أحدهم الله، قاله الكلبي ومقاتل، وقد مضى هذا في ~~سورة " مريم " (1). " فويل للذين ظلموا " أي كفروا وأشركوا، كما في سورة " ~~مريم " (1). " من عذاب يوم أليم " أي أليم عذابه، ومثله: ليل نائم، أي ينام ~~فيه. " هل ينظرون " يريد الأحزاب لا ينتظرون. " إلا الساعة " يريد القيامة. ~~" أن تأتيهم بغتة " أي فجأة. " وهم لا يشعرون " يفطنون. وقد مضى في غير ~~موضع (2). وقيل: المعنى لا ينتظر مشركو العرب إلا الساعة. ويكون " الأحزاب ~~" على هذا، الذين تحزبوا على النبي صلى الله عليه وسلم وكذبوه من المشركين. ~~ويتصل هذا بقوله تعالى: " ما ضربوه لك إلا جدلا " (3) [الزخرف: 58]. # قوله تعالى: الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين (67) قوله تعالى: ~~" الأخلاء يومئذ " يريد يوم القيامة. " بعضهم لبعض عدو " أي أعداء، يعادي ~~بعضهم بعضا ويلعن بعضهم بعضا. " إلا المتقين " فإنهم أخلاء في الدنيا ~~والآخرة، قال معناه ابن عباس ومجاهد وغيرهما. وحكى النقاش أن هذه الآية ~~نزلت في أمية بن خلف الجمحي وعقبة بن أبي معيط، كانا خليلين، وكان عقبة ~~يجالس النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت قريش: قد صبأ عقبة بن أبي معيط، ~~فقال له أمية: وجهي من وجهك حرام إن لقيت محمدا ولم تتفل في وجهه، ففعل ~~عقبة ذلك، فنذر النبي صلى الله عليه وسلم قتله فقتله يوم بدر صبرا ms5614 (4)، ~~وقتل أمية في المعركة، وفيهم نزلت هذه الآية. وذكر الثعلبي رضي الله عنه في ~~هذه الآية قال: كان خليلان مؤمنان وخليلان كافران، فمات أحد المؤمنين فقال: ~~يا رب، # PageV16P109 # إن فلانا كان يأمرني بطاعتك، وطاعة رسولك، وكان يأمرني بالخير وينهاني عن ~~الشر. ويخبرني أني ملاقيك، يا رب فلا تضله بعدي، واهده كما هديتني، وأكرمه ~~كما أكرمتني. فإذا مات خليله المؤمن جمع الله بينهما، فيقول الله تعالى: ~~ليثن كل واحد منكما على صاحبه، فيقول يا رب، إنه كان يأمرني بطاعتك وطاعة ~~رسولك، ويأمرني بالخير وينهاني عن الشر، ويخبرني أني ملاقيك، فيقول الله ~~تعالى: نعم الخليل ونعم الأخ ونعم الصاحب كان. قال: ويموت أحد الكافرين ~~فيقول: يا رب، إن فلانا كان ينهاني عن طاعتك وطاعة رسولك، ويأمرني بالشر ~~وينهاني عن الخير، ويخبرني أني غير ملاقيك، فأسألك يا رب ألا تهده بعدي، ~~وأن تضله كما أضللتني، وأن تهينه كما أهنتني، فإذا مات خليله الكافر قال ~~الله تعالى لهما: ليثن كل واحد منكما على صاحبه، فيقول: يا رب، إنه كان ~~يأمرني بمعصيتك ومعصية رسولك، ويأمرني بالشر وينهاني عن الخير ويخبرني أني ~~غير ملاقيك، فأسألك أن تضاعف عليه العذاب، فيقول الله تعالى: بئس الصاحب ~~والأخ والخليل كنت. فيلعن كل واحد منهما صاحبه. # قلت: والآية عامة في كل مؤمن ومتق وكافر ومضل. # قوله تعالى: يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون (68) قال مقاتل ~~ورواه المعتمر بن سليمان عن أبيه: ينادي مناد في العرصات " يا عبادي لا خوف ~~عليكم اليوم "، فيرفع أهل العرصة رؤوسهم، فيقول المنادي: " الذين آمنوا ~~بآياتنا وكانوا مسلمين " فينكس أهل الأديان رؤوسهم غير المسلمين. وذكر ~~المحاسبي في الرعاية: وقد روي في هذا الحديث أن المنادي ينادي يوم القيامة: ~~" يا عبادي لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون " فيرفع الخلائق رؤوسهم، يقولون: ~~نحن عباد الله. ثم ينادي الثانية: " الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين " ~~فينكس الكفار رؤوسهم ويبقى الموحدون رافعي رؤوسهم. ثم ينادي الثالثة: # " الذين آمنوا وكانوا يتقون " [يونس: 63] فينكس أهل الكبائر رؤوسهم، ~~ويبقى أهل التقوى ms5615 رافعي رؤوسهم، قد أزال عنهم الخوف والحزن كما وعدهم، لأنه ~~أكرم الأكرمين، لا يخذل وليه ولا يسلمه عند الهلكة. وقرئ " يا عباد ". ~~PageV16P110 # قوله تعالى: الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين (69) ادخلوا الجنة أنتم ~~وأزواجكم تحبرون (70) قال الزجاج: " الذين " نصب على النعت ل‍ " عبادي " ~~لان " عبادي " منادي مضاف. # وقيل: " الذين آمنوا " [خبر لمبتدأ محذوف أو (1)] ابتداء وخبره محذوف، ~~تقديره هم الذين آمنوا أو الذين آمنوا يقال لهم " ادخلوا الجنة ". قرأ أبو ~~بكر وزر بن حبيش " يا عبادي " بفتح الياء وإثباتها في الحالين، ولذلك ~~أثبتها نافع وابن عامر وأبو عمرو ورويس ساكنة في الحالين. وحذفها الباقون ~~في الحالين، لأنها وقعت مثبتة في مصاحف أهل الشام والمدينة لا غير. " ~~ادخلوا الجنة ". أي يقال لهم ادخلوا الجنة، أو يا عبادي الذين آمنوا ادخلوا ~~الجنة. # " أنتم وأزواجكم " المسلمات في الدنيا. وقيل: قرناؤكم من المؤمنين. وقيل: ~~زوجاتكم من الحور العين. " تحبرون " تكرمون، قاله ابن عباس، والكرامة في ~~المنزلة. الحسن: # تفرحون، والفرح في القلب. قتادة: تنعمون، والنعيم في البدن. مجاهد: ~~تسرون، والسرور في العين. ابن أبي نجيح: تعجبون، والعجب ها هنا درك ما ~~يستطرف. يحيى بن أبي كثير: # هو التلذذ بالسماع. وقد مضى هذا في " الروم " (2). # قوله تعالى: يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ ~~الأعين وأنتم فيها خالدون (71) فيه أربع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب " أي لهم في ~~الجنة أطعمة وأشربة يطاف بها عليهم في صحاف من ذهب وأكواب. ولم يذكر ~~الأطعمة والأشربة، لأنه يعلم أنه لا معنى للإطافة بالصحاف والأكواب عليهم ~~من غير أن يكون فيها شئ. وذكر الذهب في الصحاف واستغنى به عن الإعادة في ~~الأكواب، كقوله تعالى: # PageV16P111 # " والذاكرين الله كثيرا والذاكرات " (1) [الأحزاب: 35]. وفي الصحيحين عن ~~حذيفة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: [لا تلبسوا الحرير ولا ~~الديباج ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافها (2) فإنها ~~لهم في الدنيا ولكم في الآخرة]. وقد مضى في سورة " الحج " (3) أن من أكل ~~فيهما ms5616 في الدنيا أو لبس الحرير في الدنيا ولم يتب حرم ذلك في الآخرة تحريما ~~مؤبدا. # والله أعلم. وقال المفسرون: يطوف على أدناهم في الجنة منزلة سبعون ألف ~~غلام بسبعين ألف صحفة من ذهب، يغدى عليه بها، في كل واحدة منها لون ليس في ~~صاحبتها، يأكل من آخرها كما يأكل من أولها، ويجد طعم آخرها كما يجد طعم ~~أولها، لا يشبه بعضه بعضا، ويراح عليه بمثلها. ويطوف على أرفعهم درجة كل ~~يوم سبعمائة ألف غلام، مع كل غلام صحفة من ذهب، فيها لون من الطعام ليس في ~~صاحبتها، يأكل من آخرها كما يأكل من أولها، ويجد طعم آخرها كما يجد طعم ~~أولها، لا يشبه بعضه بعضا. " وأكواب " أي ويطاف عليهم بأكواب، كما قال ~~تعالى: " ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب " (4) [الانسان: 15] وذكر ابن ~~المبارك قال: أخبرنا معمر عن رجل عن أبي قلابة قال: يؤتون بالطعام والشراب، ~~فإذا كان في آخر ذلك أوتوا بالشراب الطهور فتضمر لذلك بطونهم، ويفيض عرقا ~~من جلودهم أطيب من ريح المسك، ثم قرأ " شرابا طهورا " [الانسان: 21]. وفي ~~صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: [إن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون ولا يتفلون ولا يبولون ولا ~~يتغوطون [ولا يمتخطون] قالوا فما بال الطعام؟ قال: جشاء ورشح كرشح المسك ~~يلهمون التسبيح والتحميد والتكبير - في رواية - كما يلهمون النفس]. # الثانية - روى الأئمة من حديث أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~(الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم) وقال: (لا ~~تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافها) وهذا يقتضي التحريم، ~~ولا خلاف في ذلك. # PageV16P112 # واختلف الناس في استعمالها في غير ذلك. قال ابن العربي: والصحيح أنه لا ~~يجوز للرجال استعمالها في شئ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الذهب ~~والحرير: (هذان حرام لذكور أمتي حل لإناثها). والنهي عن الأكل والشرب فيها ~~يدل على تحريم استعمالها، لأنه نوع من المتاع فلم يجز. ms5617 أصله الأكل والشرب، ~~ولأن العلة في ذلك استعجال أمر (1) الآخرة، وذلك يستوي فيه الأكل والشرب ~~وسائر أجزاء الانتفاع، ولأنه صلى الله عليه وسلم قال: # (هي لهم في الدنيا ولنا في الآخرة) فلم يجعل لنا فيها حظا في الدنيا. # الثالثة - إذا كان الاناء مضببا بهما أو فيه حلقة منهما، فقال مالك: لا ~~يعجبني أن يشرب فيه، وكذلك المرآة تكون فيها الحلقة من الفضة ولا يعجبني أن ~~ينظر فيها وجهه. وقد كان عند أنس إناء مضبب بفضة وقال: لقد سقيت فيه النبي ~~صلى الله عليه وسلم. قال ابن سيرين: كانت فيه حلقة حديد فأراد أنس أن يجعل ~~فيه حلقة فضة، فقال أبو طلحة: # لا أغير شيئا مما صنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتركه. # الرابعة - إذا لم يجز استعمالها لم يجز اقتناؤها، لان ما لا يجوز ~~استعماله لا يجوز اقتناؤه كالصنم والطنبور (2). وفي كتب علمائنا أنه يلزم ~~الغرم في قيمتها لمن كسرها، وهو معنى فاسد، فإن كسره واجب فلا ثمن لقيمتها. ~~ولا يجوز تقويمها في الزكاة بحال. وغير هذا لا يلتفت إليه. # قوله تعالى: " بصحاف " قال الجوهري: الصحفة كالقصعة والجمع صحاف. قال ~~الكسائي: أعظم القصاع الجفنة ثم القصعة تليها تشبع العشرة، ثم الصحفة تشبع ~~الخمسة، ثم المئكلة تشبع الرجلين والثلاثة، ثم الصحيفة تشبع الرجل. ~~والصحيفة الكتاب والجمع صحف وصحائف. # قوله تعالى: " وأكواب " قال الجوهري: الكوب كوز لا عروة له، والجمع ~~أكواب. # قال الأعشى يصف الخمر: # PageV16P113 # صريفية طيب طعمها * لها زبد بين كوب ودن (1) وقال آخر (2): # متكئا تصفق أبوابه * يسعى عليه العبد بالكوب وقال قتادة: الكوب المدور ~~القصير العنق القصير العروة. والإبريق المستطيل العنق الطويل العروة. وقال ~~الأخفش: الأكواب الأباريق التي لا خراطيم لها. وقال قطرب: # هي الأباريق التي ليست لها عرى. وقال مجاهد: إنها الآنية المدورة ~~الأفواه. السدي: # هي التي لا آذان لها. ابن عزيز: " أكواب " أباريق لا عرى لها ولا خراطيم، ~~واحدها كوب. # قلت: وهو معنى قول مجاهد والسدي، وهو مذهب أهل اللغة أنها التي لا آذان ~~لها ولا عرى. ms5618 # قوله تعالى: " وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين " روى الترمذي عن ~~سليمان بن بريدة عن أبيه أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا ~~رسول الله، هل في الجنة من خيل؟ قال: [إن الله أدخلك الجنة فلا تشاء أن ~~تحمل فيها على فرس من ياقوتة حمراء يطير بك [في الجنة (3)] حيث شئت]. قال: ~~وسأله رجلا فقال يا رسول الله، هل في الجنة من إبل؟ قال: فلم يقل له مثل ما ~~قال لصاحبه قال: [إن يدخلك الله الجنة يكن لك فيها ما اشتهت نفسك ولذت ~~عينك]. وقرأ أهل المدينة، ابن عامر وأهل الشام " وفيها ما تشتهيه الأنفس "، ~~الباقون " تشتهي الأنفس " أي تشتهيه الأنفس، تقول الذي ضربت زيد، أي الذي ~~ضربته زيد. " وتلذ الأعين " تقول: لذ الشئ يلذ لذاذا، ولذاذة. ولذذت. # بالشئ ألذ (بالكسر في الماضي والفتح في المستقبل) لذاذا ولذاذة، أي وجدته ~~لذيذا. # والتذذت به وتلذذت به بمعنى. أي في الجنة ما تستلذه العين فكان حسن ~~المنظر. وقال سعيد بن جبير: " وتلذ الأعين " النظر إلى الله عز وجل، كما في ~~الخبر: [أسألك لذة النظر إلى وجهك]. " وأنتم فيها خالدون " باقون دائمون، ~~لأنها لو انقطعت لتبغضت. # PageV16P114 # قوله تعالى: وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون (72) قوله تعالى: ~~" وتلك الجنة " أي يقال لهم هذه تلك الجنة التي كانت توصف لكم في الدنيا. ~~وقال ابن خالويه: أشار تعالى إلى الجنة بتلك وإلى جهنم بهذه، ليخوف بجهنم ~~ويؤكد التحذير منها. وجعلها بالإشارة القريبة كالحاضرة التي ينظر إليها. " ~~التي أورثتموها بما كنتم تعملون " قال ابن عباس: خلق الله لكل نفس جنة ~~ونارا، فالكافر يرث نار المسلم، والمسلم يرث جنة الكافر، وقد تقدم هذا ~~مرفوعا في " قد أفلح المؤمنون " (1) [المؤمنون: 1] من حديث أبي هريرة، وفي ~~" الأعراف " (2) أيضا. # قوله تعالى: لكم فيها فاكهة كثيرة منها تأكلون (73) الفاكهة معروفة، ~~وأجناسها الفواكه، والفاكهاني الذي يبيعها. وقال ابن عباس: # هي الثمار كلها، رطبها ويابسها، أي لهم في الجنة سوى الطعام والشراب ~~فاكهة كثيرة يأكلون منها. # قوله تعالى: إن المجرمين ms5619 في عذاب جهنم خالدون (74) لا يفتر عنهم وهم فيه ~~مبلسون (75) وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين (76) قوله تعالى: " إن ~~المجرمين في عذاب جهنم خالدون " لما ذكر أحوال أهل الجنة ذكر أحوال أهل ~~النار أيضا ليبين فضل المطيع على العاصي " لا يفتر عنهم " أي لا يخفف عنهم ~~ذلك العذاب. " وهم فيه ملبسون " أي آيسون من الرحمة. وقيل: ساكتون سكوت ~~يأس، وقد مضى في " الانعام " (3) " وما ظلمناهم " بالعذاب " ولكن كانوا هم ~~الظالمين " أنفسهم بالشرك. ويجوز " ولكن كانوا هم الظالمون " بالرفع على ~~الابتداء والخبر، والجملة خبر كان. # قوله تعالى: ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون (77) # PageV16P115 # قوله تعالى: " ونادوا يا مالك " وهو خازن جهنم، خلقه لغضبه، إذا زجر ~~النار زجرة أكل بعضها بعضا. وقرأ علي وابن مسعود رضي الله عنهما " ونادوا ~~يا مال " وذلك خلاف المصحف. وقال أبو الدرداء وابن مسعود: قرأ النبي صلى ~~الله عليه وسلم " ونادوا يا مال " باللام خاصة، يعني رخم الاسم وحذف الكاف. ~~والترخيم الحذف، ومنه ترخيم الاسم في النداء، وهو أن يحذف من آخره حرف أو ~~أكثر، فتقول في مالك: يا مال، وفى حارث: يا حار، وفي فاطمة: يا فاطم، وفي ~~عائشة: يا عائش وفي مروان: يا مرو، وهكذا. قال: # يا حار لا أرمين منكم بداهية * لم يلقها سوقة قبلي ولا ملك (1) وقال امرؤ ~~القيس: # أحار ترى برقا أريك وميضه * كلمع اليدين في حبي مكلل (2) وقال أيضا: # أفاطم مهلا بعض هذا التدلل * وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجمل (3) وقال آخر: ~~(4) يا مرو إن مطيتي محبوسة * ترجو الحباء وربها لم ييأس وفي صحيح الحديث ~~(أي فل، هلم). ولك في آخر الاسم المرخم وجهان: أحدهما - أن تبقيه على ما ~~كان عليه قبل الحذف. والآخر - أن تبنيه على الضم، مثل: يا زيد، كأنك أنزلته ~~منزلته ولم تراع المحذوف. وذكر أبو بكر الأنباري قال: حدثنا محمد بن يحيى ~~المروزي قال حدثنا محمد - وهو ابن سعدان - قال حدثنا حجاج عن شعبة عن الحكم ~~بن # PageV16P116 # عيينة عن مجاهد قال: كنا لا ندري ms5620 ما الزخرف حتى وجدناه في قراءة عبد الله ~~" بيت من ذهب " (1)، وكنا لا ندري " ونادوا يا مالك " أو يا ملك (بفتح ~~اللام وكسرها) حتى وجدناه في قراءة عبد الله " ونادوا يا مال " على ~~الترخيم. قال أبو بكر: لا يعمل على هذا الحديث لأنه مقطوع لا يقبل مثله في ~~الرواية عن الرسول عليه السلام، وكتاب الله أحق بأن يحتاط له وينفى عنه ~~الباطل. # قلت: وفي صحيح البخاري عن صفوان بن يعلى عن أبيه قال سمعت النبي صلى الله ~~عليه وسلم يقرأ على المنبر " ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك " بإثبات ~~الكاف. وقال محمد بن كعب القرظي: بلغني - أو ذكر لي - أن أهل النار ~~استغاثوا بالخزنة فقال الله تعالى: " وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ~~ربكم يخفف عنا يوما من العذاب " (2) [غافر: 49] فسألوا يوما واحدا يخفف ~~عنهم فيه العذاب، فردت عليهم " أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى ~~قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال " [غافر: 50] قال: فلما يئسوا ~~مما عند الخزنة نادوا مالكا، وهو عليهم وله مجلس في وسطها، وجسور تمر عليها ~~ملائكة العذاب، فهو يرى أقصاها كما يرى أدناها فقالوا: " يا مالك ليقض ~~علينا ربك " قال: سألوا الموت، قال: فسكت عنهم لا يجيبهم ثمانين سنة، قال: ~~والسنة ستون وثلاثمائة يوم، والشهر ثلاثون يوما، واليوم كألف سنة مما ~~تعدون، ثم لحظ إليهم بعد الثمانين فقال: " إنكم ماكثون " وذكر الحديث، ذكره ~~ابن المبارك. # وفي حديث أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [فيقولون ادعوا ~~مالكا فيقولون يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون]. قال الأعمش: نبئت ~~أن بين دعائهم وبين إجابة مالك إياهم ألف عام، خرجه الترمذي. وقال ابن ~~عباس: يقولون ذلك فلا يجيبهم ألف سنة، ثم يقول إنكم ماكثون. وقال مجاهد ~~ونوف البكالي: بين ندائهم وإجابته إياهم مائة سنة. وقال عبد الله بن عمرو: ~~أربعون سنة، ذكره ابن المبارك. # PageV16P117 # قوله تعالى: لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون (78) يحتمل أن ~~يكون هذا من قول مالك لهم، ms5621 أي إنكم ماكثون في النار لأنا جئناكم في الدنيا ~~بالحق فلم تقبلوا. ويحتمل أن يكون من كلام الله لهم اليوم، أي بينا لكم ~~الأدلة وأرسلنا إليكم الرسل. " ولكن أكثركم " قال ابن عباس: " ولكن أكثركم ~~" أي ولكن كلكم. وقيل: # أراد بالكثرة الرؤساء والقادة منهم، وأما الاتباع فما كان لهم أثر " للحق ~~" أي للاسلام ودين الله " كارهون ". # قوله تعالى: أم أبرموا أمرا فإنا مبرمون (79) قال مقاتل: نزلت في تدبيرهم ~~بالمكر بالنبي صلى الله عليه وسلم في دار الندوة، حين استقر أمرهم على ما ~~أشار به أبو جهل عليهم أن يبرز من كل قبيلة رجل ليشتركوا في قتله فتضعف ~~المطالبة بدمه، فنزلت هذه الآية، وقتل الله جميعهم ببدر. " أبرموا " ~~أحكموا. والابرام الاحكام. أبرمت الشئ أحكمته. وأبرم الفتال إذا أحكم ~~الفتل، وهو الفتل الثاني، والأول سحيل، كما قال: # *... من سحيل (1) ومبرم * فالمعنى أم أحكموا كيدا فإنا محكمون لهم كيدا، ~~قاله ابن زيد ومجاهد. قتادة: أم أجمعوا على التكذيب فإنا مجمعون على الجزاء ~~بالبعث. الكلبي: أم قضوا أمرا فإنا قاضون عليهم بالعذاب. وأم بمعنى بل. ~~وقيل: " أم أبرموا " عطف على قوله " أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون " ~~(2) [الزخرف: 45]. وقيل: أي ولقد جئناكم بالحق فلم تسمعوا، أم سمعوا ~~فأعرضوا لأنهم في أنفسهم أبرموا أمرا أمنوا به العقاب. # قوله تعالى: أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون ~~(80) # PageV16P118 # قوله تعالى: " أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم " أي ما يسرونه في ~~أنفسهم ويتناجون به بينهم. " بلى " نسمع ونعلم. " ورسلنا لديهم يكتبون " أي ~~الحفظة عندهم يكتبون عليهم. وروي أن هذا نزل في ثلاثة نفر كانوا بين الكعبة ~~وأستارها، فقال أحدهم: # أترون أن الله يسمع كلامنا؟ وقال الثاني: إذا جهرتم سمع، وإذا أسررتم لم ~~يسمع. وقال الثالث: إن كان يسمع إذا أعلنتم فهو يسمع إذا أسررتم. قاله محمد ~~بن كعب القرضي. وقد مضى هذا المعنى عن ابن مسعود في سورة " فصلت ". (1) ~~قوله تعالى: قل إن كان الرحمن ولد فأنا أول العبدين (81) سبحان رب السماوات ~~والأرض رب ms5622 العرش عما يصفون (82) قوله تعالى: " قل إن كان للرحمن ولد فأنا ~~أول العابدين " اختلف في معناه، فقال ابن عباس والحسن والسدي: المعنى ما ~~كان للرحمن ولد، ف " إن " بمعنى ما، ويكون الكلام على هذا تاما، ثم تبتدئ " ~~فأنا أول العابدين " أي الموحدين من أهل مكة على أنه لا ولد له. # والوقف على " العابدين " تام. وقيل: المعنى قل يا محمد إن ثبت لله ولد ~~فأنا أول من يعبد ولده، ولكن يستحيل أن يكون له ولد، وهو كما تقول لمن ~~تناظره: إن ثبت ما قلت بالدليل فأنا أول من يعتقده، وهذا مبالغة في ~~الاستبعاد، أي لا سبيل إلى اعتقاده. وهذا ترقيق في الكلام، كقوله: " وإنا ~~أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين " (2) [سبأ: 24]. والمعنى على هذا: فأنا ~~أول العابدين لذلك الولد، لان تعظيم الولد تعظيم للوالد. وقال مجاهد: ~~المعنى إن كان للرحمن ولد فأنا أول من عبده وحده، على أنه لا ولد له. وقال ~~السدي أيضا: المعنى لو كان له ولد كنت أول من عبده، على أن له ولدا ولكن لا ~~ينبغي ذلك. قال المهدوي: ف " إن " على هذه الأقوال للشرط، وهو الأجود، وهو ~~اختيار الطبري، لان كونها بمعنى ما يتوهم معه أن المعنى لم يكن له فيما ~~مضى. # وقيل: إن معنى " العابدين " الآنفين. وقال بعض العلماء: لو كان كذلك لكان ~~العبدين. # PageV16P119 # وكذلك قرأ أبو عبد الرحمن واليماني " فأنا أول العبدين " بغير ألف، يقال، ~~عبد يعبد عبد ا (بالتحريك) إذا أنف وغضب فهو عبد، والاسم العبدة مثل ~~الانفة، عن أبي زيد. قال الفرزدق: # أولئك أجلاسي فجئني بمثلهم * وأعبد أن أهجو كليبا بدارم وينشد أيضا: # أولئك ناس إن هجوني هجوتهم * وأعبد أن يهجى كليب بدارم قال الجوهري: وقال ~~أبو عمرو وقوله تعالى " فأنا أول العابدين " من الانف والغضب، وقال الكسائي ~~والقتبي، حكاه الماوردي عنهما. وقال الهروي: وقوله تعالى " فأنا أول ~~العابدين " قيل هو من عبد يعبد، أي من الآنفين. وقال ابن عرفة: إنما يقال ~~عبد يعبد فهو عبد، وقلما يقال عابد، والقرآن ms5623 لا يأتي بالقليل من اللغة ولا ~~الشاذ، ولكن المعنى فأنا أول من يعبد الله عز وجل على أنه واحد لا ولد له. ~~وروي أن امرأة دخلت على زوجها فولدت منه لستة أشهر، فذكر ذلك لعثمان رضي ~~الله عنه فأمر برجمها، فقال له علي: قال الله تعالى " وحمله وفصاله ثلاثون ~~شهرا " [الأحقاف: 15] وقال في آية أخرى " وفصاله في عامين " [لقمان: 14] ~~فوالله ما عبد عثمان أن بعث إليها ترد. قال عبد الله بن وهب: يعني ما ~~استنكف ولا أنف. # وقال ابن الأعرابي: " فأنا أول العابدين " أي الغضاب الآنفين. وقيل: " ~~فأنا أول العابدين " أي أنا أول من يعبده على الوحدانية مخالفا لكم. أبو ~~عبيدة: معناه الجاحدين، وحكى: # عبدني حقي أي جحدني. وقرأ أهل الكوفة إلا عاصما " ولد " بضم الواو وإسكان ~~اللام. # الباقون وعاصم " ولد " وقد تقدم. (1) " سبحان رب السماوات والأرض " أي ~~تنزيها له وتقديسا. نزه نفسه عن كل ما يقتضي الحدوث، وأمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم بالتنزيه. # " عما يصفون " أي عما يقولون من الكذب. # قوله تعالى: فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون (83) # PageV16P120 # قوله تعالى: " فذرهم يخوضوا ويلعبوا " يعني كفار مكة حين كذبوا بعذاب ~~الآخرة. # أي اتركهم يخوضوا في باطلهم ويلعبوا في دنياهم " حتى يلاقوا يومهم الذي ~~يوعدون " إما العذاب في الدنيا أو في الآخرة. وقيل: إن هذا منسوخ بآية ~~السيف. وقيل: هو محكم، وإنما أخرج مخرج التهديد. وقرأ ابن محيصن ومجاهد ~~وحميد وابن القعقاع وابن السميقع " حتى يلقوا " بفتح الياء وإسكان اللام من ~~غير ألف، وفتح القاف هنا وفي " الطور " (1) و " المعارج " (2). الباقون " ~~يلاقوا ". # قوله تعالى: وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله وهو الحكيم العليم ~~(84) هذا تكذيب لهم في أن لله شريكا وولدا، أي هو المستحق للعبادة في ~~السماء والأرض. # وقال عمر رضي الله عنه وغيره: المعنى وهو الذي في السماء إله في الأرض ~~(3)، وكذلك قرأ. # والمعنى أنه يعبد فيهما. وروي أنه قرأ هو وابن مسعود وغيرهما " وهو الذي ~~في السماء الله وفي الأرض الله " وهذا خلاف المصحف. ms5624 و " إله " رفع على أنه ~~خبر مبتدأ محذوف، أي وهو الذي في السماء هو إله، قاله أبو علي. وحسن حذفه ~~لطول الكلام. وقيل: " في " بمعنى على، كقوله تعالى: " ولأصلبنكم في جذوع ~~النخل " [طه: 71] أي على جذوع النخل، أي هو القادر على السماء والأرض. " ~~وهو الحكيم العليم " تقدم (4). # قوله تعالى: وتبارك الذي له ملك السماوات والأرض وما بينهما وعنده علم ~~الساعة وإليه ترجعون (85) " تبارك " تفاعل من البركة، وقد تقدم (5). " ~~وعنده علم الساعة " أي وقت قيامها. # " وإليه ترجعون " قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي " وإليه يرجعون " بالياء. ~~الباقون بالتاء. # وكان ابن محيصن وحميد ويعقوب وابن أبي إسحاق يفتحون أوله على أصولهم. وضم ~~الباقون. # PageV16P121 # قوله تعالى: ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم ~~يعلمون (86) فيه مسألتان: # الأولى - قوله تعالى: " إلا من شهد بالحق " " من " في موضع الخفض. وأراد ~~ب " الذين يدعون من دونه " عيسى وعزيرا والملائكة. والمعنى ولا يملك هؤلاء ~~الشفاعة إلا لمن شهد بالحق وآمن على علم وبصيرة، قاله سعيد بن جبير وغيره. ~~قال: وشهادة الحق لا إله إلا الله. وقيل: " من " في محل رفع، أي ولا يملك ~~الذين يدعون من دونه الشفاعة، يعني الآلهة - في قول قتادة - أي لا يشفعون ~~لعابديها إلا من شهد بالحق، يعني عزيرا وعيسى والملائكة فإنهم يشهدون بالحق ~~والوحدانية لله. " وهم يعلمون " حقيقة ما شهدوا به. وقيل: # إنها نزلت بسبب أن النضر بن الحارث ونفرا من قريش قالوا: إن كان ما يقول ~~محمد حقا فنحن نتولى الملائكة وهم أحق بالشفاعة لنا منه، فأنزل الله " ولا ~~يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق " أي اعتقدوا أن ~~الملائكة أو الأصنام أو الجن أو الشياطين تشفع لهم ولا شفاعة لاحد يوم ~~القيامة. " إلا من شهد بالحق " يعني المؤمنين إذا أذن لهم. قال ابن عباس: " ~~إن من شهد بالحق " أي شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. وقيل: # أي لا يملك هؤلاء العابدون من دون الله أن يشفع لهم أحد إلا ms5625 من شهد ~~بالحق، فإن من شهد بالحق يشفع له ولا يشفع لمشرك. و " إلا " بمعنى لكن، أي ~~لا ينال المشركون الشفاعة لكن ينال الشفاعة من شهد بالحق، فهو استثناء ~~منقطع. ويجوز أن يكون متصلا، لان في جملة " الذين يدعون من دونه " ~~الملائكة. ويقال: شفعته وشفعت له، مثل كلته وكلت له. # وقد مضى في " البقرة " معنى الشفاعة واشتقاقها فلا معنى لإعادتها (1). ~~وقيل: " إلا من شهد بالحق " إلا من تشهد له الملائكة بأنه كان على الحق في ~~الدنيا، مع علمهم بذلك منه بأن يكون الله أخبرهم به، أو بأن شاهدوه على ~~الايمان. # PageV16P122 # الثانية - قوله تعالى: " إلا من شهد بالحق وهم يعلمون " يدل على معنيين: # أحدهما - أن الشفاعة بالحق غير نافعة إلا مع العلم، وأن التقيد لا يغني ~~مع عدم العلم بصحة المقالة. والثاني - أن شرط سائر الشهادات في الحقوق ~~وغيرها أن يكون الشاهد عالما بها. # ونحوه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم [إذا رأيت مثل الشمس فاشهد ~~وإلا فدع]. # وقد مضى في " البقرة " (1). # قوله تعالى: ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون (87) قوله ~~تعالى: " ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله " أي لأقروا بأن الله خلقهم بعد ~~أن لم يكونوا شيئا. " فأنى يؤفكون " أي كيف ينقلبون عن عبادته وينصرفون ~~عنها حتى أشركوا به غيره رجاء شفاعتهم له. يقال: أفكه يأفكه أفكا، أي قلبه ~~وصرفه عن الشئ. # ومنه قوله تعالى: " قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا " (2) [الأحقاف: 22]. ~~وقيل: أي ولئن سألت الملائكة وعيسى " من خلقهم " لقالوا الله. " فأنى ~~يؤفكون " أي فأنى يؤفك هؤلاء في ادعائهم إياهم آلهة. # قوله تعالى: وقيله يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون (88) في " قيله " ثلاث ~~قراءات: النصب، والجر، والرفع. فأما الجر فهي قراءة عاصم وحمزة. وبقية ~~السبعة بالنصب. وأما الرفع فهي قراءة الأعرج وقتادة وابن هرمز ومسلم بن ~~جندب. فمن جر حمله على معنى: وعنده علم الساعة وعلم قيله. ومن نصب فعلى ~~معنى: وعنده علم الساعة ويعلم قيله، وهذا اختيار الزجاج. وقال الفراء ~~والأخفش: يجوز أن يكون ms5626 " قيله " عطفا على قوله " أنا لا نسمع سرهم ونجواهم ~~" (3) [الزخرف: 80]. قال ابن الأنباري: سألت أبا العباس محمد ابن يزيد ~~المبرد بأي شئ تنصب القيل؟ فقال: أنصبه على " وعنده علم الساعة ويعلم قيله ~~". # فمن هذا الوجه لا يحسن الوقف على " ترجعون "، ولا على " يعلمون ". ويحسن ~~الوقف على " يكتبون ". # (4) وأجاز الفراء والأخفش أن ينصب القيل على معنى: لا نسمع سرهم ونجواهم # PageV16P123 # وقيله، كما ذكرنا عنهما فمن هذا الوجه لا يحسن الوقف على " يكتبون ". ~~وأجاز الفراء والأخفش أيضا: أن ينصب على المصدر، كأنه قال: وقال قيله، وشكا ~~شكواه إلى الله عز وجل، كما قال كعب بن زهير: # تمشي الوشاة جنابيها (1) وقيلهم * إنك يا بن أبي سلمى لمقتول أراد: ~~ويقولون قيلهم. ومن رفع " قيله " فالتقدير: وعنده قيله، أو قيله مسموع، أو ~~قيله هذا القول. الزمخشري: والذي قالوه ليس بقوي في المعنى مع وقوع الفصل ~~بين المعطوف والمعطوف عليه بما لا يحسن اعتراضا ومع تنافر النظم. وأقوى من ~~ذلك وأوجه أن يكون الجر والنصب على إضمار حرف القسم وحذفه. والرفع على ~~قولهم: أيمن الله وأمانة الله ويمين الله ولعمرك، ويكون قوله " إن هؤلاء ~~قوم لا يؤمنون " جواب القسم، كأنه قال: وأقسم بقيله يا رب، أو قيله يا رب ~~قسمي، إن هؤلاء قوم لا يؤمنون. وقال ابن الأنباري: ويجوز في العربية " ~~وقيله " بالرفع، على أن ترفعه بأن هؤلاء قوم لا يؤمنون. المهدوي: أو يكون ~~على تقدير وقيله قيله يا رب، فحذف قيله الثاني (2) الذي هو خبر، وموضع " يا ~~رب " نصب بالخبر المضمر، ولا يمتنع ذلك من حيث امتنع حذف بعض الموصول وبقي ~~بعضه، لان حذف القول قد كثر حتى صار بمنزلة المذكور. والهاء في " قيله " ~~لعيسى، وقيل لمحمد صلى الله عليه وسلم، وقد جرى ذكره إذ قال " قل إن كان ~~للرحمن ولد " [الزخرف: 81]. وقرأ أبو قلابة " يا رب " بفتح الباء. والقيل ~~مصدر كالقول، ومنه الخبر [نهى عن قيل وقال]. ويقال: قلت قولا وقيلا وقالا. ~~وفي النساء " ومن أصدق من الله قيلا " (3) [النساء: 122]. # قوله تعالى: فاصفح عنهم ms5627 وقل سلام فسوف يعلمون (89) قال قتادة: أمر بالصفح ~~عنهم ثم أمره بقتالهم، فصار الصفح منسوخا بالسيف. ونحوه عن ابن عباس قال: " ~~فاصفح عنهم " أي أعرض عنهم. " وقل سلام " أي معروفا، أي قل لمشركي أهل مكة ~~" فسوف تعلمون " ثم نسخ هذا في سورة " براءة " بقوله تعالى: " فاقتلوا ~~المشركين حيث وجدتموهم " (4) [التوبة: 5] الآية. وقيل: هي محكمة لم تنسخ. ~~وقراءة العامة " فسوف # PageV16P124 # يعملون " (بالياء) على أنه خبر من الله تعالى لنبيه بالتهديد. وقرأ نافع ~~وابن عامر " تعلمون " (بالتاء) على أنه من خطاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~للمشركين بالتهديد. و " سلام " رفع بإضمار عليكم، قاله الفراء. ومعناه ~~الامر بتوديعهم بالسلام، ولم يجعله تحية لهم، حكاه النقاش. وروى شعيب بن ~~الحبحاب أنه عرفه بذلك كيف السلام عليهم، والله أعلم. # سورة الدخان مكية باتفاق، إلا قوله تعالى: " إنا كاشفوا العذاب قليلا " ~~(1) [الدخان: 15]. وهي سبع وخمسون آية. # وقيل تسع. وفي مسند الدارمي عن أبي رافع قال: (من قرأ الدخان في ليلة ~~الجمعة أصبح مغفورا له وزوج من الحور العين) رفعه الثعلبي من حديث أبي ~~هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قرأ الدخان في ليلة الجمعة ~~أصبح مغفورا له). وفي لفظ آخر عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: (من قرأ الدخان في ليلة أصبح يستغفر له سبعون ألف ملك). وعن أبي أمامة ~~قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من قرأ حم الدخان ليلة الجمعة ~~أو يوم الجمعة بنى الله له بيتا في الجنة). # بسم الله الرحمن الرحيم حم (1) والكتاب المبين (2) إنا أنزلناه في ليلة ~~مباركة إنا كنا منذرين (3) إن جعلت " حم " جواب القسم تم الكلام عند قوله " ~~المبين " ثم تبتدئ " إنا أنزلناه ". # وإن جعلت " إنا كنا منذرين " جواب القسم الذي هو " الكتاب " وقفت على " ~~منذرين " وابتدأت " فيها يفرق كل أمر حكيم ". وقيل: الجواب " إنا أنزلناه ~~"، وأنكره بعض النحويين من حيث كان صفة للمقسم به، ولا تكون صفة المقسم به ~~جوابا للقسم، والهاء في " أنزلناه " # PageV16P125 # للقرآن. ومن قال: أقسم ms5628 بسائر الكتب فقوله " إنا أنزلناه " كنى به عن غير ~~القرآن، على ما تقدم بيانه في أول " الزخرف " (1) والليلة المباركة ليلة ~~القدر. ويقال: ليلة النصف من شعبان، ولها أربعة أسماء: الليلة المباركة، ~~وليلة البراءة، وليلة الصك، وليلة القدر. ووصفها بالبركة لما ينزل الله ~~فيها على عباده من البركات والخيرات والثواب. وروى قتادة عن واثلة أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: (أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان وأنزلت ~~التوراة لست مضين من رمضان وأنزلت الزبور لاثنتي عشرة من رمضان وأنزل ~~الإنجيل لثمان عشرة خلت من رمضان وأنزل القرآن لأربع وعشرين مضت من رمضان). ~~ثم قيل: أنزل القرآن كله إلى السماء الدنيا في هذه الليلة. ثم أنزل نجما ~~نجما في سائر الأيام على حسب اتفاق الأسباب. وقيل: كان ينزل في كل ليلة ~~القدر ما ينزل في سائر السنة. وقيل كان ابتداء الانزال في هذه الليلة. وقال ~~عكرمة: الليلة المباركة ها هنا ليلة النصف من شعبان. والأول أصح لقوله ~~تعالى: " إنا أنزلناه في ليلة القدر " [القدر: 1]. قال قتادة وابن زيد: ~~أنزل الله القرآن كله في ليلة القدر من أم الكتاب إلى بيت العزة في سماء ~~الدنيا، ثم أنزله الله على نبيه صلى الله عليه وسلم في الليالي والأيام في ~~ثلاث وعشرين سنة. وهذا المعنى قد مضى في " البقرة " (2) عند قوله تعالى " ~~شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن " [البقرة: 185]، ويأتي آنفا إن شاء الله ~~تعالى. # قوله تعالى: فيها يفرق كل أمر حكيم (4) قال ابن عباس: يحكم الله أمر ~~الدنيا إلى قابل في ليلة القدر ما كان من حياة أو موت أو رزق. وقاله قتادة ~~ومجاهد والحسن وغيرهم. وقيل: إلا الشقاء والسعادة فإنهما لا يتغيران، قاله ~~ابن عمر. قال المهدوي: ومعنى هذا القول أمر الله عز وجل الملائكة بما يكون ~~في ذلك العام ولم يزل ذلك في علمه عز وجل. وقال عكرمة: هي ليلة النصف من ~~شعبان يبرم فيها أمر السنة وينسخ الاحياء من الأموات، ويكتب الحاج فلا يزاد ~~فيهم أحد ولا ينقص ms5629 منهم أحد. وروى عثمان بن المغيرة قال قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: (تقطع الآجال من شعبان # PageV16P126 # إلى شعبان حتى أن الرجل لينكح ويولد له وقد خرج اسمه في الموتى). وعن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا كانت ليلة النصف من شعبان فقوموا ~~ليلتها وصوموا نهارها فإن الله ينزل لغروب الشمس إلى سماء الدنيا يقول ألا ~~مستغفر فأغفر له ألا مبتلى فأعافيه ألا مسترزق فأرزقه ألا كذا ألا كذا حتى ~~يطلع الفجر) ذكره الثعلبي. وخرج الترمذي بمعناه عن عائشة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: (إن الله عز وجل ينزل ليلة النصف من شعبان إلى سماء الدنيا ~~فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب). وفي الباب عن أبي بكر الصديق قال أبو ~~عيسى: # حديث عائشة لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث الحجاج بن أرطاة عن يحيى بن أبي ~~كثيرة عن عروة عن عائشة، وسمعت محمدا يضعف هذا الحديث، وقال: يحيى بن أبي ~~كثير لم يسمع من عروة والحجاج بن أرطاة لم يسمع من يحيى بن أبي كثير. # قلت: وقد ذكر حديث عائشة مطولا صاحب كتاب العروس، واختار أن الليلة التي ~~يفرق فيها كل أمر حكيم ليلة النصف من شعبان، وأنها تسمى ليلة البراءة. وقد ~~ذكرنا قوله والرد عليه في غير هذا الموضع، وأن الصحيح إنما هي ليلة القدر ~~على ما بيناه. روى حماد ابن سلمة قال أخبرنا ربيعة بن كلثوم قال: سأل رجل ~~الحسن وأنا عنده فقال: يا أبا سعيد، أرأيت ليلة القدر أفي كل رمضان هي؟ ~~قال: أي والذي لا إله إلا هو، إنها في كل رمضان، إنها الليلة التي يفرق ~~فيها كل أمر حكيم، فيها يقضي الله كل خلق وأجل ورزق وعمل إلى مثلها. وقال ~~ابن عباس: يكتب من أم الكتاب في ليلة القدر ما يكون في السنة من موت وحياة ~~ورزق ومطر حتى الحج، يقال: يحج فلان ويحج فلان. وقال في هذه الآية: إنك ~~لترى الرجل يمشي في الأسواق وقد وقع اسمه في الموتى، وهذه ms5630 الإبانة لاحكام ~~السنة إنما هي للملائكة الموكلين بأسباب الخلق. وقد ذكرنا هذا المعنى آنفا. ~~وقال القاضي أبو بكر بن العربي: # وجمهور العلماء على أنها ليلة القدر. ومنهم من قال: إنها ليلة النصف من ~~شعبان، وهو باطل لان الله تعالى قال في كتابه الصادق القاطع: " شهر رمضان ~~الذي أنزل فيه القرآن " [البقرة: 185] فنص على أن ميقات نزوله رمضان، ثم ~~عين من زمانه الليل ها هنا بقوله " في ليلة مباركة "، PageV16P127 # فمن زعم أنه في غيره فقد أعظم الفرية على الله، وليس في ليلة النصف من ~~شعبان حديث يعول عليه لا في فضلها ولا في نسخ الآجال فيها فلا تلتفتوا ~~إليها. الزمخشري: " وقيل يبدأ في استنساخ ذلك من اللوح المحفوظ في ليلة ~~البراءة ويقع الفراغ في ليلة القدر، فتدفع نسخة الأرزاق إلى ميكائيل، ونسخة ~~الحروب إلى جبريل، وكذلك الزلازل والصواعق والخسف، ونسخة الأعمال إلى ~~إسماعيل صاحب سماء الدنيا وهو ملك عظيم، ونسخة المصائب إلى ملك الموت. وعن ~~بعضهم: يعطى كل عامل بركات أعماله، فيلقى على ألسنة الخلق مدحه، وعلى ~~قلوبهم هيبته. وقرئ " نفرق " بالتشديد، و " يفرق " كل على بنائه للفاعل ~~ونصب " كل "، والفارق الله عز وجل. وقرأ زيد بن علي رضي الله عنه " نفرق " ~~بالنون. " كل أمر حكيم " كل شأن ذي حكمة، أي مفعول على ما تقتضيه الحكمة ". # قوله تعالى: أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين (5) رحمة من ربك إنه هو السميع ~~العليم (6) قوله تعالى: " أمرا من عندنا " قال النقاش: الامر هو القرآن ~~أنزله الله من عنده. # وقال ابن عيسى: هو ما قضاه الله في الليلة المباركة من أحوال عباده. وهو ~~مصدر في موضع الحال. وكذلك " رحمة من ربك " وهما عند الأخفش حالان، ~~تقديرهما: أنزلناه آمرين به وراحمين. المبرد: " أمرا " في موضع المصدر، ~~والتقدير: أنزلناه إنزالا. الفراء والزجاج: # " أمرا " نصب ب‍ " يفرق "، مثل قولك: يفرق فرقا. فأمر بمعنى فرق فهو ~~مصدر، مثل قولك: يضرب ضربا. وقيل: " يفرق " يدل على يؤمر، فهو مصدر عمل فيه ~~ما قبله. # " إنا كنا مرسلين. رحمة من ربك " قال ms5631 الفراء: " رحمة " مفعول ب " مرسلين ~~". # والرحمة النبي صلى الله عليه وسلم. وقال الزجاج: " رحمة " مفعول من أجله، ~~أي أرسلناه للرحمة. وقيل: هي بدل من قوله " أمرا ". وقيل: هي مصدر. ~~الزمخشري: " أمرا " نصب على الاختصاص، جعل كل أمر جزلا فخما بأن وصفه ~~بالحكيم، ثم زاده جزالة وكسبه PageV16P128 # فخامة بأن قال: أعني بهذا الامر أمرا حاصلا من عندنا، كائنا من لدنا، ~~وكما اقتضاه علمنا وتدبيرنا. وفي قراءة زيد بن علي " أمر من عندنا " على هو ~~أمر، وهي تنصر انتصابه على الاختصاص. وقرأ الحسن " رحمة " على تلك هي رحمة، ~~وهي تنصر انتصابها بأنه مفعول له. # قوله تعالى: رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين (7) لا إله ~~إلا هو يحي ويميت ربكم ورب آبائكم الأولين (8) بل هم في شك يلعبون (9) قوله ~~تعالى: " رب السماوات والأرض " قرأ الكوفيون " رب " بالجر. الباقون بالرفع، ~~ردا على قوله " إنه هو السميع العليم ". وإن شئت على الابتداء، والخبر لا ~~إله إلا هو. # أو يكون خبر ابتداء محذوف، تقديره: هو رب السماوات والأرض. والجر على ~~البدل من " ربك " وكذلك " ربكم ورب آبائكم الأولين " بالجر فيهما، رواه ~~الشيزري (1) عن الكسائي. # الباقون بالرفع على الاستئناف. ثم يحتمل أن يكون هذا الخطاب مع المعترف ~~بأن الله خلق السماوات والأرض، أي إن كنتم موقنين به فاعلموا أن له أن يرسل ~~الرسل، وينزل الكتب. ويجوز أن يكون الخطاب مع من لا يعترف أنه الخالق، أي ~~ينبغي أن يعرفوا أنه الخالق، وأنه الذي يحيي ويميت. وقيل: الموقن ها هنا هو ~~الذي يريد اليقين ويطلبه، كما تقول: فلان ينجد، أي يريد نجدا. ويتهم، أي ~~يريد تهامة. " لا إله إلا هو يحيي ويميت " أي هو خالق العالم، فلا يجوز أن ~~يشرك به غيره ممن لا يقدر على خلق شئ. و " هو يحيي ويميت " أي يحيي الأموات ~~ويميت الاحياء. " ربكم ورب آبائكم الأولين " أي مالككم ومالك من تقدم منكم. ~~واتقوا تكذيب محمد لئلا ينزل بكم العذاب. " بل هم في شك يلعبون " أي ليسوا ~~على يقين فيما يظهرونه من ms5632 الايمان والاقرار في قولهم: إن الله خالقهم، ~~وإنما # PageV16P129 # يقولونه لتقليد آبائهم من غير علم فهم في شك. وإن توهموا أنهم مؤمنون فهم ~~يلعبون في دينهم بما يعن لهم من غير حجة. وقيل: " يلعبون " يضيفون إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم الافتراء استهزاء. ويقال لمن أعرض عن المواعظ: ~~لاعب، وهو كالصبي الذي يلعب فيفعل ما لا يدري عاقبته. # قوله تعالى: فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين (10) يغشى الناس هذا عذاب ~~أليم (11) قوله تعالى: " فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين " ارتقب معناه ~~انتظر يا محمد بهؤلاء الكفار يوم تأتي السماء بدخان مبين، قاله قتادة. ~~وقيل: معناه احفظ قولهم هذا لتشهد عليهم يوم تأتي السماء بدخان مبين، ولذلك ~~سمي الحافظ رقيبا. وفي الدخان أقوال ثلاثة: الأول أنه من أشراط الساعة لم ~~يجئ بعد، وأنه يمكث في الأرض أربعين يوما يملا ما بين السماء والأرض، فأما ~~المؤمن فيصيبه مثل الزكام، وأما الكافر والفاجر فيدخل في أنوفهم فيثقب ~~مسامعهم، ويضيق أنفاسهم، وهو من آثار جهنم يوم القيامة. وممن قال إن الدخان ~~لم يأت بعد: علي وابن عباس وابن عمرو وأبو هريرة وزيد بن علي والحسن وابن ~~أبي مليكة وغيرهم. وروى أبو سعيد الخدري مرفوعا أنه دخان يهيج بالناس يوم ~~القيامة، يأخذ المؤمن منه كالزكمة. وينفخ الكافر حتى يخرج من كل مسمع منه، ~~ذكره الماوردي. وفي صحيح مسلم عن أبي الطفيل عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال: ~~اطلع النبي صلى الله عليه وسلم علينا ونحن نتذاكر فقال: (ما تذكرون)؟ ~~قالوا: نذكر الساعة، قال: (إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات - فذكر - ~~الدخان والدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى بن مريم وخروج ~~يأجوج ومأجوج وثلاثة خسوف خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب وآخر ~~ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم). في رواية عن حذيفة (إن ~~الساعة لا تكون حتى تكون عشر آيات: خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف في جزيرة ~~العرب والدخان والدجال PageV16P130 # ودابة الأرض ويأجوج ومأجوج وطلوع الشمس من مغربها ونار ms5633 تخرج من قعر عدن ~~ترحل الناس). وخرجه الثعلبي أيضا عن حذيفة قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: (أول الآيات خروجا الدجال ونزول عيسى بن مريم ونار تخرج من قعر عدن ~~أبين تسوق الناس إلى المحشر تبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم إذا قالوا ~~وتصبح معهم إذا أصبحوا وتمسي معهم إذا أمسوا). # قلت: يا نبي الله، وما الدخان؟ قال هذه الآية: " فارتقب يوم تأتي السماء ~~بدخان مبين " يملا ما بين المشرق والمغرب يمكث أربعين يوما وليلة أما ~~المؤمن فيصيبه منه شبه الزكام وأما والكافر فيكون بمنزلة السكران يخرج ~~الدخان من فمه ومنخره وعينيه وأذنيه ودبره). # فهذا قول. القول الثاني - أن الدخان هو ما أصاب قريشا من الجوع بدعاء ~~النبي صلى الله عليه وسلم، حتى كان الرجل يرى بين السماء والأرض دخانا، ~~قاله ابن مسعود. قال: وقد كشفه الله عنهم، ولو كان يوم القيامة لم يكشفه ~~عنهم. والحديث عنه بهذا في صحيح البخاري ومسلم والترمذي. قال البخاري: ~~حدثني يحيي قال حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن مسلم عن مسروق قال قال عبد ~~الله: إنما كان هذا لان قريشا لما استعصت على النبي صلى الله عليه وسلم دعا ~~عليهم بسنين كسني يوسف، فأصابهم قحط وجهد حتى أكلوا العظام، فجعل الرجل ~~ينظر إلى السماء فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد، فأنزل الله ~~تعالى: # " فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين. يغشى الناس هذا عذاب أليم ". قال: ~~فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل: يا رسول الله، استسق الله لمضر ~~فإنها قد هلكت. قال: # (لمضر! إنك لجرئ) فاستسقى فسقوا، فنزلت: " إنكم عائدون " [الدخان: 15]. ~~فلما أصابتهم الرفاهية عادوا إلى حالهم حين أصابتهم الرفاهية، فأنزل الله ~~عز وجل " يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون " قال: يعني يوم بدر. قال أبو ~~عبيدة: والدخان الجدب. القتبي: سمي دخانا ليبس الأرض منه حين يرتفع منها ~~كالدخان. القول الثالث - إنه يوم فتح مكة لما حجبت السماء الغبرة، قاله عبد ~~الرحمن الأعرج. " يغشى الناس " في موضع الصفة للدخان، ms5634 فإن كان قد مضى على ~~ما قال ابن مسعود فهو خاص بالمشركين من أهل مكة، وإن كان من PageV16P131 # أشراط الساعة فهو عام على ما تقدم. " هذا عذاب أليم " أي يقول الله لهم: ~~" هذا عذاب أليم ". فمن قال: إن الدخان قد مضى فقوله: " هذا عذاب أليم " ~~حكاية حال ماضية، ومن جعله مستقبلا فهو حكاية حال آتية. وقيل: " هذا " ~~بمعنى ذلك. وقيل: # أي يقول الناس لذلك الدخان: " هذا عذاب أليم ". وقيل: هو إخبار عن دنو ~~الامر، كما تقول: هذا الشتاء فأعد له. # قوله تعالى: ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون (12) أي يقولون ذلك، اكشف ~~عنا العذاب ف " إنا مؤمنون "، أي نؤمن بك إن كشفته عنا. قيل: إن قريشا أتوا ~~النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: إن كشف الله عنا هذا العذاب أسلمنا، ثم ~~نقضوا هذا القول. قال قتادة: " العذاب " هنا الدخان. وقيل: الجوع، حكاه ~~النقاش. # قلت: ولا تناقض، فإن الدخان لم يكن إلا من الجوع الذي أصابهم، على ما ~~تقدم. # وقد يقال للجوع والقحط: الدخان، ليبس الأرض في سنة الجدب وارتفاع الغبار ~~بسبب قلة الأمطار، ولهذا يقال لسنة الجدب: الغبراء. وقيل: إن العذاب هنا ~~الثلج. قال الماوردي وهذا لا وجه له، لان هذا إنما يكون في الآخرة أو في ~~أهل مكة، ولم تكن مكة من بلاد الثلج، غير أنه مقول فحكيناه. # قوله تعالى: أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين (13) ثم تولوا عنه ~~وقالوا معلم مجنون (14) قوله تعالى: " أنى لهم الذكرى " أي من أين يكون لهم ~~التذكر والاتعاظ عند حلول العذاب. " وقد جاءهم رسول مبين " يبين لهم الحق، ~~والذكرى والذكر واحد، قاله البخاري. # " ثم تولوا عنه " أي أعرضوا. قال ابن عباس: أي متى يتعظون والله أبعدهم ~~من الاتعاظ والتذكر بعد توليهم عن محمد صلى الله عليه وسلم وتكذيبهم إياه. ~~وقيل: أي أنى ينفعهم PageV16P132 # قولهم: " إنا مؤمنون " بعد ظهور العذاب غدا أو بعد ظهور أعلام الساعة، ~~فقد صارت المعارف ضرورية. وهذا إذا جعلت الدخان آية مرتقبة. " وقالوا معلم ~~مجنون " أي علمه بشر أو ms5635 علمه الكهنة والشياطين، ثم هو مجنون وليس برسول. # قوله تعالى: إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون (15) قوله تعالى: " إنا ~~كاشفوا العذاب قليلا " أي وقتا قليلا، وعد أن يكشف عنهم ذلك العذاب قليلا، ~~أي في زمان قليل ليعلم أنهم لا يفون بقولهم، بل يعودون إلى الكفر بعد كشفه، ~~قاله ابن مسعود. فلما كشف ذلك عنهم باستسقاء النبي صلى لهم الله عليه وسلم ~~عادوا إلى تكذيبه. ومن قال: إن الدخان منتظر قال: أشار بهذا إلى ما يكون من ~~الفرجة بين آية وآية من آيات قيام الساعة. ثم من قضي عليه بالكفر يستمر على ~~كفره. ومن قال هذا في القيامة قال: أي لو كشفنا عنكم العذاب لعدتم إلى ~~الكفر. وقيل: معنى " إنكم عائدون " إلينا، أي مبعوثون بعد الموت. وقيل: ~~المعنى " إنكم عائدون " إلى نار جهنم إن لم تؤمنوا. # قوله تعالى: يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون (16) " يوم " محمول على ~~ما دل عليه " منتقمون "، أي ننتقم منهم يوم نبطش. وأبعده بعض النحويين بسبب ~~أن ما بعد " إن " لا يفسر ما قبلها. وقيل: إن العامل فيه " منتقمون ". # وهو بعيد أيضا، لان ما بعد " إن " لا يعمل فيما قبلها. ولا يحسن تعلقه ~~بقوله: " عائدون " ولا بقوله: " إنا كاشفوا العذاب "، إذ ليس المعنى عليه. ~~ويجوز نصبه بإضمار فعل، كأنه قال: ذكرهم أو أذكر. ويجوز أن يكون المعنى ~~إنكم عائدون، فإذا عدتم أنتقم منكم يوم نبطش البطشة الكبرى. ولهذا وصل هذا ~~بقصة فرعون، فإنهم وعدوا موسى الايمان إن كشف عنهم العذاب، ثم لم يؤمنوا ~~حتى غرقوا. وقيل: " إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون " كلام تام. ثم ~~ابتدأ " يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون " أي ننتقم من جميع الكفار. ~~وقيل: المعنى وارتقب الدخان وارتقب يوم نبطش، فحذف واو العطف، PageV16P133 # كما تقول: اتق النار اتق العذاب. و " البطشة الكبرى " في قول ابن مسعود: ~~يوم بدر. # وهو قول ابن عباس وأبي بن كعب ومجاهد والضحاك. وقيل: عذاب جهنم يوم ~~القيامة، قاله الحسن وعكرمة وابن عباس أيضا، واختاره الزجاج. وقيل: دخان ~~يقع ms5636 في الدنيا، أو جوع أو قحط يقع قبل يوم القيامة. الماوردي: ويحتمل أنها ~~قيام الساعة، لأنها خاتمة بطشاته في الدنيا. ويقال: انتقم الله منه، أي ~~عاقبه. والاسم منه النقمة (1) والجمع النقمات. # وقيل بالفرق بين النقمة والعقوبة، فالعقوبة بعد المعصية لأنها من ~~العاقبة. والنقمة قد تكون قبلها، قاله ابن عباس. وقيل: العقوبة ما تقدرت ~~والانتقام غير مقدر. # قوله تعالى: ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون وجاءهم رسول كريم (17) أي ~~ابتليناهم. ومعنى هذه الفتنة والابتلاء الامر بالطاعة. والمعنى: عاملناهم ~~معاملة المختبر ببعثة موسى إليهم فكذبوا فأهلكوا، فهكذا أفعل بأعدائك يا ~~محمد إن لم يؤمنوا. وقيل: فتناهم عذبناهم بالغرق. وفي الكلام تقديم وتأخير، ~~والتقدير: ولقد جاء آل فرعون رسول كريم وفتناهم، أي أغرقناهم، لان الفتنة ~~كانت بعد مجئ الرسل. والواو لا ترتب. ومعنى " كريم " أي كريم في قومه. ~~وقيل: كريم الأخلاق بالتجاوز والصفح. وقال الفراء: كريم على ربه إذ اختصه ~~بالنبوة وإسماع الكلام. # قوله تعالى: أن أدوا إلى عباد الله إني لكم رسول أمين (18) وأن لا تعلو ~~على الله إني آتيكم بسلطان مبين (19) قوله تعالى: " أن أدوا إلى عباد الله ~~" قال ابن عباس: المعنى جاءهم فقال اتبعوني. # ف " عباد الله " منادى. وقال مجاهد: المعنى أرسلوا معي عباد الله ~~وأطلقوهم من العذاب. # ف " عباد الله " على هذا مفعول. وقيل: المعنى أدوا إلي سمعكم حتى أبلغكم ~~رسالة ربي. # " إني رسول أمين " أي أمين على الوحي فاقبلوا نصحي. وقيل: أمين على ما ~~أستأديه # PageV16P134 # منكم فلا أخون فيه. " والا تعلوا على الله " أي لا تتكبروا عليه ولا ~~ترتفعوا عن طاعته. وقال قتادة: لا تبغوا على الله. ابن عباس: لا تفتروا على ~~الله. والفرق بين البغي والافتراء أن البغي بالفعل والافتراء بالقول. وقال ~~ابن جريج: لا تعظموا على الله. يحيى بن سلام: # لا تستكبروا على عبادة الله. والفرق بين التعظيم والاستكبار أن التعظيم ~~تطاول المقتدر، والاستكبار ترفع المحتقر، ذكره الماوردي. " إني آتيكم ~~بسلطان مبين " قال قتادة: بعذر بين. وقال يحيى بن سلام: بحجة بينة. والمعنى ~~واحد، أي برهان بين. ms5637 # قوله تعالى: وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون (20) كأنهم توعدوه بالقتل ~~فاستجار بالله. قال قتادة: " ترجمون " بالحجارة. وقال ابن عباس: تشتمون، ~~فتقولوا ساحر كذاب. وأظهر الذال من " عذت " نافع وابن كثير وابن عامر وعاصم ~~ويعقوب. وأدغم الباقون. والادغام طلبا للتخفيف، والاظهار على الأصل. # ثم قيل: إني عذت بالله فيما مضى، لان الله وعده فقال: " فلا يصلون إليكما ~~" (1) [القصص: 35]. وقيل: # إني أعوذ، كما تقول نشدتك بالله، وأقسمت عليك بالله، أي أقسم. # قوله تعالى: وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون (21) قوله تعالى: " وإن لم تؤمنوا ~~لي " أي إن لم تصدقوني ولم تؤمنوا بالله لأجل برهاني، فاللام في " لي " لام ~~أجل. وقيل: أي وإن لم تؤمنوا بي، كقوله: " فآمن له لوط " (2) [العنكبوت: ~~26] أي به. " فاعتزلون " أي دعوني كفافا (3) لا لي ولا علي، قاله مقاتل. ~~وقيل: أي كونوا بمعزل مني وأنا بمعزل منكم إلى أن يحكم الله بيننا. وقيل: ~~فخلوا سبيلي وكفوا عن أذاي. # والمعنى متقارب، والله أعلم. # قوله تعالى: فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون (22) # PageV16P135 # قوله تعالى: " فدعا ربه " فيه حذف، أي فكفروا فدعا ربه. " أن هؤلاء " ~~بفتح " أن " أي بأن هؤلاء. " قوم مجرمون " أي مشركون، قد امتنعوا من إطلاق ~~بني إسرائيل ومن الايمان. # قوله تعالى: فأسر بعبادي ليلا إنكم متبعون (23) فيه مسألتان: # الأولى - قوله تعالى: " فأسر بعبادي ليلا " أي فأجبنا دعاءه وأوحينا إليه ~~أن أسر بعبادي، أي بمن آمن بالله من بني إسرائيل. " ليلا " أي قبل الصباح. ~~" إنكم متبعون " وقرأ أهل الحجاز " فاسر " بوصل الألف. وكذلك ابن كثير، من ~~سرى. الباقون " فأسر " بالقطع، من أسرى. وقد تقدم (1). وتقدم خروج فرعون ~~وراء موسى في " البقرة والأعراف وطه والشعراء ويونس " (2) وإغراقه وإنجاء ~~موسى، فلا معنى للإعادة. # الثانية - أمر موسى عليه السلام بالخروج ليلا. وسير الليل في الغالب إنما ~~يكون عن خوف، والخوف يكون بوجهين: إما من العدو فيتخذ الليل سترا مسدلا، ~~فهو من أستار الله تعالى. وإما من خوف المشقة على الدواب والأبدان بحر أو ~~جدب، فيتخذ السرى مصلحة من ذلك. وكان النبي صلى الله ms5638 عليه وسلم يسري ويدلج ~~(3) ويترفق ويستعجل، بحسب الحاجة وما تقتضيه المصلحة. وفي الصحيح عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم: (إذا سافرتم في الخصب فأعطوا الإبل حظها من الأرض وإذا ~~سافرتم في السنة فبادروا بها نقيها). (4) وقد مضى في أول " النحل " (5)، ~~والحمد لله. # قوله تعالى: واترك البحر رهوا إنهم جند مغرقون (24) # PageV16P136 # قال ابن عباس: " رهوا " أي طريقا. وقاله كعب والحسن. وعن ابن عباس أيضا ~~سمتا. الضحاك والربيع: سهلا. عكرمة: يبسا، لقوله: " فاضرب لهم طريقا في ~~البحر يبسا " وقيل: مفترقا. مجاهد: منفرجا. وعنه يابسا. وعنه ساكنا، وهو ~~المعروف في اللغة. وقاله قتادة والهروي. وقال غيرهما: منفرجا. وقال ابن ~~عرفة: وهما يرجعان إلى معنى واحد وإن اختلف لفظاهما، لأنه إذا سكن جريه ~~انفرج. وكذلك كان البحر يسكن جريه وانفرج لموسى عليه السلام. والرهو عند ~~العرب: الساكن، يقال: جاءت الخيل رهوا، أي ساكنة. قال: # والخيل تمزع رهوا في أعنتها * كالطير تنجو من الشؤبوب ذي البرد (1) ~~الجوهري: ويقال افعل ذلك رهوا، أي ساكنا على هينتك (2). وعيش رآه، أي ساكن ~~رافه. # وخمس رآه، إذا كان سهلا. ورها البحر أي سكن. وقال أبو عبيد: رها بين ~~رجليه يرهو رهوا أي فتح، ومنه قوله تعالى: " واترك البحر رهوا ". والرهو: ~~السير السهل، يقال: # جاءت الخيل رهوا. قال ابن الأعرابي: رها يرهو في السير أي رفق. قال ~~القطامي في نعت الركاب: # يمشين رهوا فلا الاعجاز خاذلة * ولا الصدور على الاعجاز تتكل والرهو ~~والرهوة: المكان المرتفع، والمنخفض أيضا يجتمع فيه الماء، وهو من الأضداد. # وقال أبو عبيد: الرهو: الجوبة تكون في محلة القوم يسيل فيها ماء المطر ~~وغيره. وفي الحديث أنه قضى أن (لا شفعة في فناء ولا طريق ولا منقبة ولا ركح ~~ولا رهو) (3). والجمع رهاء. # والرهو: المرأة الواسعة الهن. حكاه النضير بن شميل. والرهو: ضرب من ~~الطير، ويقال: # PageV16P137 # هو الكركي. قال الهروي: ويجوز أن يكون " رهوا " من نعت موسى - وقاله ~~القشيري - أي سر ساكنا على هينتك، فالرهو من نعت موسى وقومه لا من نعت ~~البحر، وعلى الأول هو من ms5639 نعت البحر، أي اتركه ساكنا كما هو قد انفرق فلا ~~تأمره بالانضمام حتى يدخل فرعون وقومه. قال قتادة: أراد موسى أن يضرب البحر ~~لما قطعه بعصاه حتى يلتئم، وخاف أن يتبعه فرعون فقيل له هذا. وقيل: ليس ~~الرهو من السكون بل هو الفرجة بين الشيئين، يقال: رها ما بين الرجلين أي ~~فرج. فقوله: " رهوا " أي منفرجا. وقال الليث: الرهو ومشي في سكون، يقال: ~~رها يرهو رهوا فهو رآه. وعيش رآه: وادع خافض. وافعل ذلك سهوا رهوا، أي ~~ساكنا بغير شدة. وقد ذكرناه آنفا. " إنهم " أي إن فرعون وقومه. " جند ~~مغرقون " أخبر موسى بذلك ليسكن قلبه. # قوله تعالى: كم تركوا من جنات وعيون (25) وزروع ومقام كريم (26) ونعمة ~~كانوا فيها فاكهين (27) قوله تعالى: " كم تركوا من جنات وعيون. وزروع ومقام ~~كريم " " كم " للتكثير. # وقد مضى الكلام في معنى هذه الآية في " الشعراء " مستوفى (1). " ونعمة ~~كانوا فيها فاكهين " النعمة (بالفتح) التنعيم، يقال: نعمه الله وناعمه ~~فتنعم. وامرأة منعمة ومناعمة، بمعنى. # والنعمة (بالكسر) اليد والصنيعة والمنة وما أنعم به عليك. وكذلك النعمى. ~~فإن فتحت النون مددت وقلت: النعماء. والنعيم مثله. وفلان واسع النعمة، أي ~~واسع المال، جميعه عن الجوهري. وقال ابن عمر: المراد بالنعمة نيل مصر. ابن ~~لهيعة: الفيوم. ابن زياد: # أرض مصر لكثرة خيرها. وقيل: ما كانوا فيه من السعة والدعة. وقد يقال: ~~نعمة ونعمة (بفتح النون وكسرها)، حكاه الماوردي. قال: وفى الفرق بينهما ~~وجهان: أحدهما - أنها بكسر النون في الملك، وبفتحها في البدن والدين، قاله ~~النضر بن شميل. الثاني - أنها بالكسر من المنة وهو الافضال والعطية، ~~وبالفتح من التنعيم وهو سعة العيش والراحة، قاله ابن زياد. # PageV16P138 # قلت: هذا الفرق هو الذي وقع في الصحاح وقد ذكرناه. وقرأ أبو رجاء والحسن ~~وأبو الأشهب والأعرج وأبو جعفر وشيبة " فكهين " بغير ألف، ومعناه أشرين ~~بطرين. # قال الجوهري: فكه الرجل (بالكسر) فهو فكه إذا كان طيب النفس مزاحا. ~~والفكه أيضا الأشر البطر. وقرئ " ونعمة كانوا فيها فكهين " أي أشرين بطرين. ~~و " فاكهين " أي ناعمين. القشيري: " فاكهين ms5640 " لاهين مازحين، يقال: إنه ~~لفاكه أي مزاح. وفيه فكاهة أي مزح. الثعلبي: وهما لغتان كالحاذر والحذر، ~~والفاره والفره. وقيل: إن الفاكه هو المستمتع بأنواع اللذة كما يتمتع الآكل ~~بأنواع الفاكهة. والفاكهة: فضل عن القوت الذي لا بد منه. # قوله تعالى: كذلك وأورثناها قوما آخرين (28) قال الزجاج: أي الامر كذلك، ~~فيوقف على " كذلك ". وقيل: إن الكاف في موضع نصب، على تقدير نفعل فعلا كذلك ~~بمن نريد إهلاكه. وقال الكلبي: " كذلك " أفعل بمن عصاني. وقيل: " كذلك " ~~كان أمرهم فأهلكوا. " وأورثناها قوما آخرين " يعني بني إسرائيل، ملكهم الله ~~تعالى أرض مصر بعد أن كانوا فيها مستعبدين، فصاروا لها وارثين، لوصول ذلك ~~إليهم كوصول الميراث. ونظيره " وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق ~~الأرض ومغاربها " (1) [الأعراف: 137]. الآية. # قوله تعالى: فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين (29) قوله ~~تعالى: " فما بكت عليهم السماء والأرض " أي لكفرهم. " وما كانوا منظرين ". # أي مؤخرين بالغرق. وكانت العرب تقول عند موت السيد منهم: بكت له السماء ~~والأرض، أي عمت مصيبته الأشياء حتى بكته السماء والأرض والريح والبرق، ~~وبكته الليالي الشاتيات. # قال الشاعر: # PageV16P139 # فالريح تبكي شجوها * والبرق يلمع في الغمامة (1) وقال آخر: (2) والشمس ~~طالعة ليست بكاسفة * تبكي عليك نجوم الليل والقمرا وقالت الخارجية: (3) أيا ~~شجر الخابور مالك مورقا * كأنك لم تجزع على ابن طريف وذلك على سبيل التمثيل ~~والتخييل مبالغة في وجوب الجزع والبكاء عليه. والمعنى أنهم هلكوا فلم تعظم ~~مصيبتهم ولم يوجد لهم فقد. وقيل: في الكلام إضمار، أي ما بكى عليهم أهل ~~السماء والأرض من الملائكة، كقوله تعالى: " واسأل القرية " [يوسف: 82] بل ~~سروا بهلاكهم، قاله الحسن. وروى يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # (ما من مؤمن إلا وله في السماء بابان باب ينزل منه رزقه وباب يدخل منه ~~كلامه وعمله فإذا مات فقداه فبكيا عليه - ثم تلا - " فما بكت عليهم السماء ~~والأرض ". يعني أنهم لم يعملوا على الأرض عملا صالحا تبكي عليهم لأجله، ولا ~~صعد لهم إلى السماء عمل صالح ms5641 فتبكي فقد ذلك. # وقال مجاهد: إن السماء والأرض يبكيان على المؤمن أربعين صباحا. قال أبو ~~يحيى: فعجبت من قوله فقال: أتعجب! وما للأرض لا تبكي على عبد يعمرها ~~بالركوع والسجود! # وما للسماء لا تبكي على عبد كان لتسبيحه وتكبيره فيها دوي كدوي النحل!. ~~وقال علي وابن عباس رضي الله عنهما: إنه يبكي عليه مصلاه من الأرض ومصعد ~~عمله من السماء. وتقدير الآية على هذا: فما بكت عليهم مصاعد عملهم من ~~السماء ولا مواضع عبادتهم من الأرض. # وهو معنى قول سعيد بن جبير. وفي بكاء السماء والأرض ثلاثة أوجه: أحدها ~~أنه كالمعروف من بكاء الحيوان. ويشبه أن يكون قول مجاهد. وقال شريح الحضرمي ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الاسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ ~~فطوبى للغرباء يوم القيامة - # PageV16P140 # قيل: من هم يا رسول الله؟ قال - هم الذين إذا فسد الناس صلحوا - ثم قال - ~~ألا لا غربة على مؤمن وما مات مؤمن في غربة غائبا عنه بواكيه إلا بكت عليه ~~السماء والأرض - ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم - " فما بكت عليهم ~~السماء والأرض " - ثم قال - ألا إنهما لا يبكيان على الكافر). # قلت: وذكر أبو نعيم محمد بن معمر قال: حدثنا أبو شعيب الحراني قال حدثنا ~~يحيى بن عبد الله قال حدثنا الأوزاعي قال حدثني عطاء الخراساني قال: ما من ~~عبد يسجد لله سجدة في بقعة من بقاع الأرض إلا شهدت له يوم القيامة وبكت ~~عليه يوم يموت. وقيل: بكاؤهما حمرة أطرافهما، قاله علي بن أبي طالب - رضي ~~الله عنه - وعطاء والسدي والترمذي محمد ابن علي وحكاه عن الحسن. قال السدي: ~~لما قتل الحسين بن علي رضي الله عنهما بكت عليه السماء، وبكاؤها حمرتها. ~~وحكى جرير عن يزيد بن أبي زياد قال: لما قتل الحسين بن علي ابن أبي طالب ~~رضي الله عنهما احمر له آفاق السماء أربعة أشهر. قال يزيد: واحمرارها ~~بكاؤها. # وقال محمد بن سيرين: أخبرونا أن الحمرة التي تكون مع الشفق لم تكن حتى ~~قتل ms5642 الحسين بن علي رضي الله عنهما. وقال سليمان القاضي: مطرنا دما يوم قتل ~~الحسين. # قلت: روى الدارقطني من حديث مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر قال قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: (الشفق الحمرة). وعن عبادة بن الصامت وشداد بن ~~أوس قالا: # الشفق شفقان، الحمرة والبياض، فإذا غابت الحمرة حلت الصلاة. وعن أبي ~~هريرة قال: # الشفق الحمرة. وهذا يرد ما حكاه ابن سيرين. وقد تقدم في " سبحان " (1) عن ~~قرة بن خالد قال: ما بكت السماء على أحد إلا على يحيى بن زكرياء والحسين بن ~~علي، وحمرتها بكاؤها. # وقال محمد بن علي الترمذي: البكاء إدرار الشئ فإذا أدرت العين بمائها قيل ~~بكت، وإذا أدرت السماء بحمرتها قيل بكت، وإذا أدرت الأرض بغبرتها قيل بكت، ~~لان المؤمن نور ومعه نور الله، فالأرض مضيئة بنوره وإن غاب عن عينيك، فإن ~~فقدت نور المؤمن اغبرت فدرت # PageV16P141 # باغبرارها، لأنها كانت غبراء بخطايا أهل الشرك، وإنما صارت مضيئة بنور ~~المؤمن، فإذا قبض المؤمن منها درت بغبرتها. وقال أنس: لما كان اليوم الذي ~~دخل فيه النبي صلى الله عليه وسلم المدينة أضاء كل شئ، فلما كان اليوم الذي ~~قبض فيه أظلم كل شئ، وإنا لفي دفنه ما نفضنا الأيدي منه حتى أنكرنا قلوبنا. ~~وأما بكاء السماء فحمرتها كما قال الحسن. # وقال نصر بن عاصم: إن أول الآيات حمرة تظهر، وإنما ذلك لدنو الساعة، فتدر ~~بالبكاء لخلائها من أنوار المؤمنين. وقيل: بكاؤها أمارة تظهر منها تدل على ~~أسف وحزن. # قلت: والقول الأول أظهر، إذ لا استحالة في ذلك. وإذا كانت السماوات ~~والأرض تسبح وتسمع وتتكلم - كما بيناه في " سبحان ومريم وحم فصلت (1) " - ~~فكذلك تبكي، مع ما جاء من الخبر في ذلك. # قوله تعالى: ولقد نحينا بني إسرائيل من العذاب المهين (30) من فرعون إنه ~~كان عاليا من المسرفين (31) يعني ما كانت القبط تفعل بهم بأمر فرعون، من ~~قتل الأبناء واستخدام النساء، واستعبادهم إياهم وتكلفهم الأعمال الشاقة. " ~~من فرعون " بدل من " العذاب المهين " فلا تتعلق " من " بقوله: " من ms5643 العذاب ~~" لأنه قد وصف، وهو لا يعمل بعد الوصف عمل الفعل. وقيل: أي أنجيناهم من ~~العذاب ومن فرعون. " إنه كان عاليا من المسرفين " أي جبارا من المشركين. ~~وليس هذا علو مدح بل هو علو في الاسراف، كقوله: # " إن فرعون علا في الأرض " (2) [القصص: 4]. وقيل: هذا العلو هو الترفع عن ~~عبادة الله. # قوله تعالى: ولقد اخترناهم على علم على العالمين (32) قوله تعالى: " ولقد ~~اخترناهم " يعني بني إسرائيل. " على علم " أي على علم منا بهم لكثرة ~~الأنبياء منهم. " على العالمين " أي عالمي زمانهم، بدليل قوله لهذه الأمة: ~~" كنتم خير # PageV16P142 # أمة أخرجت للناس " (1) [آل عمران: 110]. وهذا قول قتادة وغيره. وقيل على ~~كل العالمين بما جعل فيهم من الأنبياء. وهذا خاصة لهم وليس لغيرهم، حكاه ~~ابن عيسى والزمخشري وغيرهما. ويكون قوله: " كنتم خير أمة " أي بعد بني ~~إسرائيل. والله أعلم. وقيل: يرجع هذا الاختيار إلى تخليصهم من الغرق ~~وإيراثهم الأرض بعد فرعون. # قوله تعالى: وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين (33) قوله تعالى: " ~~وآتيناهم من الآيات " أي من المعجزات لموسى. " ما فيه بلاء مبين " قال ~~قتادة: الآيات إنجاؤهم من فرعون وفلق البحر لهم، وتظليل الغمام عليهم ~~وإنزال المن والسلوى. ويكون هذا الخطاب متوجها إلى بني إسرائيل. وقيل: إنها ~~العصا واليد. # ويشبه أن يكون قول الفراء. ويكون الخطاب متوجها إلى قوم فرعون. وقول ثالث ~~- إنه الشر الذي كفهم عنه والخبر الذي أمرهم به، قاله عبد الرحمن بن زيد. ~~ويكون الخطاب متوجها إلى الفريقين معا من قوم فرعون وبني إسرائيل. وفي ~~قوله: " بلاء مبين " أربعة أوجه: أحدها - نعمة ظاهرة، قاله الحسن وقتادة. ~~كما قال الله تعالى: " وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا " (2) [الأنفال: 17]. ~~وقال زهير: # فأبلاهما خير البلاء الذي يبلو (3) الثاني - عذاب شديد، قاله الفراء. ~~الثالث - اختيار يتميز به المؤمن من الكافر، قاله عبد الرحمن بن زيد. وعنه ~~أيضا: ابتلاؤهم بالرخاء والشدة، ثم قرأ " ونبلوكم بالشر والخير فتنة " (4) ~~[الأنبياء: 35]. # قوله تعالى: إن هؤلاء ليقولون (34) إن هي إلا موتتنا الأولى ما نحن ~~بمنشرين (35) فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين ms5644 (36) # PageV16P143 # قوله تعالى: " إن هؤلاء ليقولون " يعني كفار قريش " إن هي إلا موتتنا ~~الأولى " ابتداء وخبر، مثل " إن هي إلا فتنتك " (1) [الأعراف: 155]، " إن ~~هي إلا حياتنا الدنيا " (2) [المؤمنون: 37] " وما نحن بمنشرين " أي ~~بمبعوثين. " فاتوا بآبائنا إن كنتم صادقين " أنشر الله الموتى فنشروا. وقد ~~تقدم. # (3) والمنشورون المبعوثون. قيل: إن قائل هذا من كفار قريش أبو جهل، قال: ~~يا محمد، إن كنت صادقا في قولك فابعث لنا رجلين من آبائنا، أحدهما - قصي بن ~~كلاب فإنه كان رجلا صادقا، لنسأله عما يكون بعد الموت. وهذا القول من أبي ~~جهل من أضعف الشبهات، لان الإعادة إنما هي للجزاء لا للتكليف، فكأنه قال: ~~إن كنت صادقا في إعادتهم للجزاء فأعدهم للتكليف. وهو كقول قائل: لو قال إن ~~كان ينشأ بعدنا قوم من الأبناء، فلم لا يرجع من مضى من الآباء، حكاه ~~الماوردي. ثم قيل: " فأتوا بآبائنا " مخاطبة وللنبي صلى الله عليه وسلم ~~وحده، كقوله: " رب ارجعون " (4) [المؤمنون: 99] قاله الفراء. وقيل: مخاطبة ~~له ولاتباعه. # قوله تعالى: أهم خير أم قوم تبع والذين من قبلهم أهلكناهم إنهم كانوا ~~مجرمين (37) وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين (38) ما خلقناهما ~~إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون (39) قوله تعالى: " أهم خير أم قوم تبع " ~~هذا استفهام إنكار، أي إنهم مستحقون في هذا القول العذاب، إذ ليسوا خيرا من ~~قوم تبع والأمم المهلكة، وإذا أهلكنا أولئك فكذا هؤلاء. # وقيل: المعنى أهم أظهر نعمة وأكثر أموالا أم قوم تبع. وقيل: أهم أعز وأشد ~~وأمنع أم قوم تبع. وليس المراد بتبع رجلا واحدا بل المراد به ملوك اليمن، ~~فكانوا يسمون ملوكهم التبابعة. فتبع لقب للملك منهم كالخليفة للمسلمين، ~~وكسرى للفرس، وقيصر للروم. وقال أبو عبيدة: سمى كل واحد منهم تبعا لأنه ~~يتبع صاحبه. قال الجوهري: والتبابعة ملوك اليمن، واحدهم تبع. والتبع أيضا ~~الظل، وقال: # PageV16P144 # يرد المياه حضيرة ونفيضة * ورد القطاة إذا اسمأل التبع (1) والتبع أيضا ~~ضرب من الطير. وقال السهيلي: تبع اسم لكل ملك ملك اليمن والشحر وحضرموت، ~~وإن ملك اليمن وحدها لم يقل ms5645 له تبع، قاله المسعودي. فمن التبابعة: الحارث ~~الرائش، هو ابن همال ذي سدد (2). وأبرهة ذو المنار. وعمرو ذو الأذعار. وشمر ~~بن مالك، الذي تنسب إليه سمرقند. وأفريقيس بن قيس، الذي ساق البربر إلى ~~إفريقية من أرض كنعان، وبه سميت إفريقية. # والظاهر من الآيات أن الله سبحانه إنما أراد واحدا من هؤلاء، وكانت العرب ~~تعرفه بهذا الاسم أشد من معرفة غيره، ولذلك قال عليه السلام: (ولا أدري ~~أتبع لعين أم لا). # ثم قد روي عنه أنه قال: (لا تسبوا تبعا فإنه كان مؤمنا) فهذا يدلك على ~~أنه كان واحدا بعينه، وهو - والله أعلم - أبو كرب الذي كسا البيت بعد ما ~~أراد غزوه، وبعد ما غزا المدينة وأراد خرابها، ثم انصرف عنها لما أخبر أنهم ~~مهاجر نبي اسمه أحمد. وقال شعرا أودعه عند أهلها، فكانوا يتوارثونه كابرا ~~عن كابر إلى أن هاجر النبي صلى الله عليه وسلم فأدوه إليه. ويقال: كان ~~الكتاب والشعر عند أبي أيوب خالد بن زيد. وفيه: # شهدت على أحمد أنه * رسول من الله باري النسم فلو مد عمري إلى عمره * ~~لكنت وزيرا له وابن عم وذكر الزجاج وابن أبي الدنيا والزمخشري وغيرهم أنه ~~حفر قبر له بصنعاء - ويقال بناحية حمير - في الاسلام، فوجد فيه امرأتان ~~صحيحتان، وعند رؤوسهما لوح من فضة مكتوب فيه بالذهب " هذا قبر حبي ولميس " ~~ويروى أيضا: حبي وتماضر، ويروى أيضا: هذا قبر رضوي وقبر حبي ابنتا تبع، ~~ماتتا وهما يشهدان أن لا إله إلا الله ولا يشركان به شيئا، وعلى ذلك مات ~~الصالحون قبلهما. # PageV16P145 # قلت: وروى ابن إسحاق وغيره أنه كان في الكتاب الذي كتبه: (أما بعد، فإني ~~آمنت بك وبكتابك الذي أنزل عليك، وأنا على دينك وسنتك، وآمنت بربك ورب كل ~~شئ، وآمنت بكل ما جاء من ربك من شرائع الاسلام، فإن أدركتك فبها ونعمت، وإن ~~لم أدركك فاشفع لي ولا تنسني يوم القيامة، فإني من أمتك الأولين وبايعتك ~~قبل مجيئك، وأنا على ملتك وملة أبيك إبراهيم عليه السلام ". ثم ختم الكتاب ~~ونقش ms5646 عليه: " لله الامر من قبل ومن بعد " [الروم: 4]. وكتب على عنوانه (إلى ~~محمد بن عبد الله نبي الله ورسوله، خاتم النبيين ورسول رب العالمين صلى ~~الله عليه وسلم. من تبع الأول ". وقد ذكرنا بقية خبره وأوله في " اللمع ~~اللؤلؤية شرح العشر بينات النبوية " (1) للفارابي رحمه الله. وكان من اليوم ~~الذي مات فيه تبع إلى اليوم الذي بعث فيه النبي صلى الله عليه وسلم ألف سنة ~~لا يزيد ولا ينقص. # واختلف هل كان نبيا أو ملكا، فقال ابن عباس: كان تبع نبيا. وقال كعب: كان ~~تبع ملكا من الملوك، وكان قومه كهانا وكان معهم قوم من أهل الكتاب، فأمر ~~الفريقين أن يقرب كل فريق منهم قربانا ففعلوا، فتقبل قربان أهل الكتاب ~~فأسلم، وقالت عائشة رضي الله عنها: لا تسبوا تبعا فإنه كان رجلا صالحا. ~~وحكى قتادة أن تبعا كان رجلا من حمير، سار بالجنود حتى عبر الحيرة وأتى ~~سمرقند فهدمها، حكاه الماوردي. وحكى الثعلبي عن قتادة أنه تبع الحميري، ~~وكان سار بالجنود حتى عبر الحيرة. وبنى سمرقند وقتل وهدم البلاد. # وقال الكلبي: تبع هو أبو كرب أسعد بن ملكيكرب، وإنما سمي تبعا لأنه تبع ~~من قبله. # وقال سعيد بن جبير: هو الذي كسا البيت الحبرات (2). وقال كعب: ذم الله ~~قومه ولم يذمه، وضرب بهم لقريش مثلا لقربهم من دارهم وعظمهم في نفوسهم، ~~فلما أهلكهم الله تعالى ومن قبلهم - لأنهم كانوا مجرمين - كان من أجرم مع ~~ضعف اليد وقلة العدد أحرى بالهلاك. وافتخر أهل اليمن بهذه الآية، إذ جعل ~~الله قوم تبع خيرا من قريش. وقيل: # سمي أولهم تبعا لأنه أتبع قرن الشمس وسافر في الشرق مع العساكر. # PageV16P146 # قوله تعالى: " والذين من قبلهم أهلكناهم " " الذين " في موضع رفع عطف على ~~" قوم تبع ". " أهلكناهم " صلته. ويكون " من قبلهم " متعلقا به. ويجوز أن ~~يكون " من قبلهم " صلة " الذين " ويكون في الظرف عائد إلى الموصول. وإذا ~~كان كذلك كان " أهلكناهم " على أحد أمرين: إما أن يقدر معه " قد " فيكون في ~~موضع الحال. أو يقدر حذف ms5647 موصوف، كأنه قال: قوم أهلكناهم. والتقدير أفلا ~~تعتبرون أنا إذا قدرنا على إهلاك هؤلاء المذكورين قدرنا على إهلاك ~~المشركين. ويجوز أن يكون " والذين من قبلهم " ابتداء خبره " أهلكناهم ". ~~ويجوز أن يكون " الذين " في موضع جر عطفا على " تبع " كأنه قال: # قوم تبع المهلكين من قبلهم. ويجوز أن يكون " الذين " في موضع نصب باضمار ~~فعل دل عليه " أهلكناهم ". والله أعلم. # قوله تعالى: " وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين " أي غافلين، ~~قاله مقاتل. وقيل: لاهين، وهو قول الكلبي. " وما خلقناهما إلا بالحق " أي ~~إلا بالامر الحق، قاله مقاتل. وقيل: إلا للحق، قاله الكلبي والحسن. وقيل: ~~إلا لإقامة الحق وإظهاره من توحيد الله والتزام طاعته. وقد مضى هذا المعنى ~~في " الأنبياء " (1). " ولكن أكثرهم " يعني أكثر الناس. " لا يعلمون " ذلك. # قوله تعالى: إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين (40) " يوم الفصل " هو يوم ~~القيامة، وسمي بذلك لان الله تعالى يفصل فيه بين خلقه. دليله قوله تعالى: " ~~لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم " (2) [الممتحنة: ~~3]. ونظيره قوله تعالى: # " ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون " (3) [الروم: 14]. ف " يوم الفصل " ~~ميقات الكل، كما قال تعالى: # " إن يوم الفصل كان ميقاتا " (4) [النبأ: 17] أي الوقت المجعول لتمييز ~~المسئ من المحسن، والفصل بينهما: # فريق في الجنة وفريق في السعير. وهذا غاية في التحذير والوعيد. ولا خلاف ~~بين القراء في رفع # PageV16P147 # " ميقاتهم " على أنه خبر " إن " واسمها " يوم الفصل ". وأجاز الكسائي ~~والفراء نصب " ميقاتهم ". ب " إن " و " يوم الفصل " ظرف في موضع خبر " إن ~~"، أي إن ميقاتهم يوم الفصل. # قوله تعالى: يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا ولا هم ينصرون (41) إلا من ~~رحم الله إنه هو العزيز الرحيم (42) قوله تعالى: " يوم لا يغني مولى عن ~~مولى شيئا " " يوم " بدل من " يوم " الأول. # والمولى: الولي وهو ابن العم والناصر. أي لا يدفع ابن عم عن ابن عمه، ولا ~~قريب عن قريبه، ولا صديق عن صديقه. " ولا هم ينصرون " أي لا ينصر المؤمن ~~الكافر لقرابته. # ونظير هذه الآية " واتقوا يوما لا تجزي ms5648 نفس عن نفس شيئا " (1) [البقرة: ~~48] الآية. " إلا من رحم الله " " من " رفع على البدل من المضمر في " ~~ينصرون "، كأنك قلت: لا يقوم أحد إلا فلان. أو على الابتداء والخبر مضمر، ~~كأنه قال: إلا من رحم الله فمغفور له، أو فيغني عنه ويشفع وينصر. أو على ~~البدل من " مولى " الأول، كأنه قال: لا يغني إلا من رحم الله. وهو عند ~~الكسائي والفراء نصب على الاستثناء المنقطع، أي لكن من رحم الله لا ينالهم ~~ما يحتاجون فيه إلى من يغنيهم من المخلوقين. ويجوز أن يكون استثناء متصلا، ~~أي لا يغني قريب عن قريب إلا المؤمنين فإنه يؤذن لهم في شفاعة بعضهم لبعض. ~~" إنه هو العزيز الرحيم " أي المنتقم من أعدائه الرحيم بأوليائه، كما قال " ~~شديد العقاب ذي الطول " (2) [غافر: 3] فقرن الوعد بالوعيد. # قوله تعالى: إن شجرة الزقوم (43) طعام الأثيم (44) كالمهل يغلي في البطون ~~(45) كغلي الحميم (46) قوله تعالى: " إن شجرة الزقوم " كل ما في كتاب الله ~~تعالى من ذكر الشجرة فالوقف عليه بالهاء، إلا حرفا واحدا في صورة الدخان " ~~إن شجرة الزقوم. طعام الأثيم "، قاله # PageV16P148 # ابن الأنباري. و " الأثيم " الفاجر، قاله أبو الدرداء. وكذلك قرأ هو وابن ~~مسعود. وقال همام بن الحارث: كان أبو الدرداء يقرئ رجلا " إن شجرة الزقوم ~~طعام الأثيم " والرجل يقول: طعام اليتيم، فلما لم يفهم قال له: " طعام ~~الفاجر ". قال أبو بكر الأنباري: # حدثني أبي قال حدثنا نصر قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا نعيم بن حماد عن ~~عبد العزيز بن محمد عن ابن عجلان عن عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال: ~~علم عبد الله بن مسعود رجلا " إن شجرة الزقوم. طعام الأثيم " فقال الرجل: ~~طعام اليتيم، فأعاد عليه عبد الله الصواب وأعاد الرجل الخطأ، فلما رأى عبد ~~الله أن لسان الرجل لا يستقيم على الصواب قال له: أما تحسن أن تقول طعام ~~الفاجر؟ قال بلى، قال فافعل. ولا حجة في هذا للجهال من أهل الزيغ، أنه يجوز ~~إبدال الحرف من القرآن بغيره، لان ذلك إنما ms5649 كان من عبد الله تقريبا ~~للمتعلم، وتوطئة منه له للرجوع إلى الصواب، واستعمال الحق والتكلم بالحرف ~~على إنزال الله وحكاية رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال الزمخشري: " ~~وبهذا يستدل على أن إبدال كلمة مكان كلمة جائز إذا كانت مؤدية معناها. ومنه ~~أجاز أبو حنيفة القراءة بالفارسية على شريطة، وهي أن يؤدي القارئ المعاني ~~على كمالها من غير أن يخرم منها شيئا. قالوا: # وهذه الشريطة تشهد أنها إجازة كلا إجازة، لان في كلام العرب خصوصا في ~~القرآن الذي هو معجز بفصاحته وغرابة نظمه وأساليبه، من لطائف المعاني ~~والاغراض ما لا يستقل بأدائه لسان من فارسية وغيرها، وما كان أبو حنيفة ~~رحمه الله يحسن الفارسية، فلم يكن ذلك منه عن تحقق وتبصر. وروى علي بن ~~الجعد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة مثل قول صاحبيه في إنكار القراءة بالفارسية ~~". وشجرة الزقوم: الشجرة التي خلقها الله في جهنم وسماها الشجرة الملعونة، ~~فإذا جاع أهل النار التجئوا إليها فأكلوا منها، فغليت في بطونهم كما يغلي ~~الماء الحار. وشبه ما يصير منها إلى بطونهم بالمهل، وهو النحاس المذاب. ~~وقراءة العامة " تغلي " بالتاء حملا على الشجرة. وقرأ ابن كثير وحفص وابن ~~محيصن ورويس عن يعقوب " يغلي " بالياء حملا على الطعام، وهو في معنى ~~الشجرة. ولا يحمل على المهل لأنه PageV16P149 # ذكر للتشبيه. و " الأثيم " الآثم، من أثم يأثم إثما، قاله القشيري وابن ~~عيسى. وقيل هو المشرك المكتسب للإثم، قاله يحيى بن سلام. وفي الصحاح: وقد ~~أثم الرجل (بالكسر) إثما ومأثما إذا وقع في الاثم، فهو آثم وأثيم أيضا. ~~فمعنى " طعام الأثيم " أي ذي الاثم الفاجر، وهو أبو جهل. وذلك أنه قال: ~~يعدنا محمد أن في جهنم الزقوم، وإنما هو الثريد بالزبد والتمر، فبين الله ~~خلاف ما قاله. وحكى النقاش عن مجاهد أن شجرة الزقوم أبو جهل. # قلت: وهذا لا يصح عن مجاهد. وهو مردود بما ذكرناه في هذه الشجرة في سورة ~~" الصافات وسبحان " (1) أيضا. # قوله تعالى: خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم (47) ثم صبوا فوق رأسه من ms5650 عذاب ~~الحميم (48) قوله تعالى: " خذوه " أي يقال للزبانية خذوه، يعني الأثيم. " ~~فاعتلوه " أي جروه وسوقوه. والعتل: أن تأخذ بتلابيب الرجل فتعتله، أي تجره ~~إليك لتذهب به إلى حبس أو بلية. عتلت الرجل أعتله وأعتله عتلا إذا جذبته ~~جذبا عنيفا. ورجل، معتل (بالكسر). # وقال يصف فرسا: # * نفرعه فرعا ولسانا نعتله (2) * وفيه لغتان: عتله وعتنه (باللام والنون ~~جميعا)، قاله ابن السكيت. وقرأ الكوفيون وأبو عمرو " فاعتلوه " بالكسر. وضم ~~الباقون. # " إلى سواء الجحيم " وسط الجحيم. " ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم " ~~قال مقاتل: يضرب مالك خازن النار ضربة على رأس أبي جهل بمقمع من حديد، ~~فيتفتت رأسه عن دماغه، فيجري دماغه عل جسده، # PageV16P150 # ثم يصب الملك فيه ماء حميما قد انتهى حره فيقع في بطنه، فيقول الملك: ذق ~~العذاب. ونظيره " يصب من فوق رؤوسهم الحميم " (1) [الحج: 19]. # قوله تعالى: ذق إنك أنت العزيز الكريم (49) إن هذا ما كنتم به تمترون ~~(50) قوله تعالى: " ذق إنك أنت العزيز الكريم " قال ابن الأنباري: أجمعت ~~العوام على كسر " إن ". وروي عن الحسن عن علي رحمه الله " ذق أنك " بفتح " ~~أن "، وبها قرأ الكسائي. # فمن كسر " إن " وقف على " ذق ". ومن فتحها لم يقف على " ذق "، لان المعنى ~~ذق لأنك وبأنك أنت العزيز الكريم. قال قتادة: نزلت في أبي جهل وكان قد قال: ~~ما فيها أعز مني ولا أكرم، فلذلك قيل له: ذق إنك أنت العزيز الكريم. وقال ~~عكرمة: التقى النبي صلى الله عليه وسلم وأبو جهل فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: (إن الله أمرني أن أقول لك أولى لك فأولى) فقال: بأي شئ تهددني! ~~والله ما تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بي شيئا، إني لمن أعز هذا الوادي ~~وأكرمه على قومه، فقتله الله يوم بدر وأذله ونزلت هذه الآية. أي يقول له ~~الملك: ذق إنك أنت العزيز الكريم بزعمك. وقيل: هو على معنى الاستخفاف ~~والتوبيخ والاستهزاء والإهانة والتنقيص، أي قال له: إنك أنت الذليل المهان. ~~وهو كما قال قوم شعيب لشعيب: " إنك لأنت الحليم (2) الرشيد ms5651 " [هود: 87] ~~يعنون السفيه الجاهل في أحد التأويلات على ما تقدم (3). وهذا قول سعيد بن ~~جبير. " إن هذا ما كنتم به تمترون " أي تقول لهم الملائكة: # إن هذا ما كنتم تشكون فيه في الدنيا. # قوله تعالى: إن المتقين في مقام أمين (51) في جنات وعيون (52) يلبسون من ~~سندس وإستبرق متقابلين (53) # PageV16P151 # قوله تعالى: " إن المتقين في مقام أمين " لما ذكر مستقر الكافرين وعذابهم ~~ذكر نزل المؤمنين ونعيمهم. وقرأ نافع وابن عامر " في مقام " بضم الميم. ~~الباقون بالفتح. # قال الكسائي: المقام المكان، والمقام الإقامة، كما قال: # * عفت الديار محلها فمقامها (1) * قال الجوهري: وأما المقام والمقام فقد ~~يكون كل واحد منهما بمعنى الإقامة، وقد يكون بمعنى موضع القيام، لأنك إذا ~~جعلته من قام يقوم فمفتوح، وإن جعلته من أقام يقيم فمضموم، لان الفعل إذا ~~جاوز الثلاثة فالموضع مضموم الميم، لأنه مشبه ببنات الأربعة، نحو دحرج وهذا ~~مدحرجنا. وقيل: المقام (بالفتح) المشهد والمجلس، و (بالضم) يمكن أن يراد به ~~المكان، ويمكن أن يكون مصدرا ويقدر فيه المضاف، أي في موضع إقامة. " أمين " ~~يؤمن فيه من الآفات " في جنات وعيون " بدل " من مقام أمين ". " يلبسون من ~~سندس وإستبرق متقابلين " لا يرى بعضهم قفا بعض، متواجهين يدور بهم مجلسهم ~~حيث داروا. # والسندس: ما رق من الديباج. والاستبرق: ما غلظ منه. وقد مضى في " الكهف " ~~(2). # قوله تعالى: كذلك وزوجناهم بحور عين (54) قوله تعالى: " كذلك " أي الامر ~~كذلك الذي ذكرناه. فيوقف على " كذلك ". وقيل: # أي كما أدخلناهم الجنة وفعلنا بهم ما تقدم ذكره، كذلك أكرمناهم بأن ~~زوجناهم حورا عينا. # وقد مضى الكلام في العين في " والصافات " (3). والحور: البيض، في قول ~~قتادة والعامة، جمع حوراء. والحوراء: البيضاء التي يرى ساقها من وراء ~~ثيابها، ويرى الناظر وجهه في كعبها، كالمرآة من دقة الجلد وبضاضة البشرة ~~وصفاء اللون. ودليل هذا التأويل أنها في حرف ابن مسعود " بعيس (4) عين ". ~~وذكر أبو بكر الأنباري أخبرنا أحمد بن الحسين قال حدثنا حسين # PageV16P152 # قال حدثنا عمار بن محمد قال: صليت خلف منصور بن المعتمر فقرأ في " حم ms5652 " ~~الدخان " بعيس عين. لا يذوقون طعم الموت إلا الموتة الأولى ". والعيس: ~~البيض، ومنه قيل للإبل البيض: عيس، واحدها بعير أعيس وناقة عيساء. قال امرؤ ~~القيس: # يرعن إلى صوتي إذا ما سمعنه * كما ترعوي عيط إلى صوت أعيسا (1) فمعنى ~~الحور هنا: الحسان الثاقبات (2) البياض بحسن. وذكر ابن المبارك أخبرنا معمر ~~عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون الأودي عن ابن مسعود قال: إن المرأة من ~~الحور العين ليرى مخ ساقها من وراء اللحم والعظم، ومن تحت سبعين حلة، كما ~~يرى الشراب الأحمر في الزجاجة البيضاء. وقال مجاهد: إنما سميت الحور حورا ~~لأنهن يحار الطرف في حسنهن وبياضهن وصفاء لونهن. وقيل: إنما قيل لهن حور ~~لحور أعينهن. والحور: شدة بياض العين في شدة سوادها. امرأة حوراء بينة ~~الحور. يقال: احورت عينه احورارا. واحور الشئ ابيض. # قال الأصمعي: ما أدري ما الحور في العين؟ وقال أبو عمرو: الحور أن تسود ~~العين كلها مثل أعين الظباء والبقر. قال: وليس في بني آدم حور، وإنما قيل ~~للنساء: حور العين لأنهن يشبهن بالظباء والبقر. وقال العجاج: # * بأعين محورات حور (3) * يعني الأعين النقيات البياض الشديدات سواد ~~الحدق. والعين جمع عيناء، وهي الواسعة العظيمة العينين. وعن أبي هريرة رضي ~~الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (مهور الحور العين قبضات ~~التمر وفلق الخبز). وعن أبي قرصافة (4) سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقول: (إخراج القمامة من المسجد مهور الحور العين). وعن أنس أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم # PageV16P153 # قال: (كنس المساجد مهور الحور العين) ذكره الثعلبي رحمه الله. وقد أفردنا ~~لهذا المعنى بابا مفردا في (كتاب التذكرة) والحمد لله. # واختلف أيما أفضل في الجنة، نساء الآدميات أم الحور؟ فذكر ابن المبارك ~~قال: # وأخبرنا رشدين عن ابن أنعم عن حبان بن أبي جبلة قال: إن نساء الآدميات من ~~دخل منهن الجنة فضلن على الحور العين بما عملن في الدنيا. وروي مرفوعا إن ~~(الآدميات أفضل من الحور العين سبعين ألف ضعف). وقيل: إن الحور العين أفضل، ~~لقوله ms5653 عليه السلام في دعائه: (وأبدله زوجا خيرا من زوجه). والله أعلم. وقرأ ~~عكرمة " بحور عين " مضاف. والإضافة والتنوين في " بحور عين " سواء. # قوله تعالى: يدعون فيها بكل فاكهة آمنين (55) قال قتادة: " آمنين " من ~~الموت والوصب والشيطان. وقيل: آمنين من انقطاع ما هم فيه من النعيم، أو من ~~أن ينالهم من أكلها أذى أو مكروه. # قوله تعالى: لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ووقاهم عذاب الجحيم ~~(56) فضلا من ربك ذلك هو الفوز العظيم (57) قوله تعالى: " لا يذوقون الموت ~~إلا الموتة الأولى " أي لا يذوقون فيها الموت البتة لأنهم خالدون فيها. ثم ~~قال: " إلا الموتة الأولى " على الاستثناء المنقطع، أي لكن الموتة الأولى ~~قد ذاقوها في الدنيا. وأنشد سيبويه: # من كان أسرع في تفرق فالج * فلبونه جربت معا وأغدت (1) # PageV16P154 # ثم استثنى بما ليس من الأول فقال: # إلا كناشرة الذي ضيعتم * كالغصن في غلوائه المتنبت وقيل: إن " إلا " ~~بمعنى بعد، كقولك: ما كلمت رجلا اليوم إلا رجلا عندك، أي بعد رجل عندك. ~~وقيل: " إلا " بمعنى سوى، أي سوى الموتة التي ماتوها في الدنيا، كقوله ~~تعالى: # " ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف " (1) [النساء: 22]. ~~وهو كما تقول: ما ذقت اليوم طعاما سوى ما أكلت أمس. وقال القتبي: " إلا ~~الموتة الأولى " معناه أن المؤمن إذا أشرف على الموت استقبلته ملائكة ~~الرحمة ويلقى الروح والريحان، وكان موته في الجنة لاتصافه بأسبابها، فهو ~~استثناء صحيح. والموت عرض لا يذاق، ولكن جعل كالطعام الذي يكره ذوقه، ~~فاستعير فيه لفظ الذوق. " ووقاهم عذاب الجحيم. فضلا من ربك " أي فعل ذلك ~~بهم تفضلا منه عليهم. ف " فضلا " مصدر عمل فيه " يدعون ". وقيل: # العامل فيه " ووقاهم ". وقيل فعل مضمر. وقيل: معنى الكلام الذي قبله، ~~لأنه تفضل منه عليهم، إذ وفقهم في الدنيا إلى أعمال يدخلون بها الجنة. " ~~ذلك هو الفوز العظيم " أي السعادة والربح العظيم والنجاة العظيمة. وقيل: هو ~~من قولك فاز بكذا، أي ناله وظفر به. # قوله تعالى: فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون (58) فارتقب إنهم ms5654 مرتقبون ~~(59) قوله تعالى: " فإنما يسرناه بلسانك " يعني القرآن، أي سهلناه بلغتك ~~عليك وعلى من يقرؤه. (لعلهم يتذكرون) أي يتعظون وينزجرون. ونظيره " ولقد ~~يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر " (2) [القمر: 17] فختم السورة بالحث على ~~اتباع القرآن وإن لم يكن مذكورا، كما قال في مفتتح السورة: " إنا أنزلناه ~~في ليلة مباركة " [الدخان: 3]، " إنا أنزلناه في ليلة القدر " [القدر: 1] ~~على ما تقدم. " فارتقب إنهم مرتقبون " أي انتظر ما وعدتك من النصر عليهم ~~إنهم منتظرون لك الموت، حكاه # PageV16P155 # النقاش. وقيل: انتظر الفتح من ربك إنهم منتظرون بزعمهم قهرك. وقيل: انتظر ~~أن يحكم الله بينك وبينهم فإنهم ينتظرون بك ريب الحدثان. والمعنى متقارب. ~~وقيل: ارتقب ما وعدتك من الثواب فإنهم كالمنتظرين لما وعدتهم من العقاب. ~~وقيل: ارتقب يوم القيامة فإنه يوم الفصل، وإن لم يعتقدوا وقوع القيامة، ~~جعلوا كالمرتقبين لان عاقبتهم ذلك. # والله تعالى أعلم. # سورة الجاثية مكية كلها في قول الحسن وجابر وعكرمة. وقال ابن عباس ~~وقتادة: إلا آية، هي: # " قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله " (1) [الجاثية: 14] ~~نزلت بالمدينة في عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ذكره الماوردي، وقال المهدوي ~~والنحاس عن ابن عباس: إنها نزلت في عمر رضي الله عنه، شتمه رجل من المشركين ~~بمكة قبل الهجرة. فأراد أن يبطش به، فأنزل الله عز وجل " قل للذين آمنوا ~~يغفروا للذين لا يرجون أيام الله " [الجاثية: 14] ثم نسخت بقوله: # " فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم " (2) [التوبة: 5]. فالسورة كلها مكية ~~على هذا من غير خلاف. وهي سبع وثلاثون آية. وقيل ست. # بسم الله الرحمن الرحيم حم (1) تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم (2) ~~قوله تعالى: " حم " مبتدأ و " تنزيل " خبره. وقال بعضهم: " حم " اسم ~~السورة. و " تنزيل الكتاب " مبتدأ. وخبره " من الله ". والكتاب القرآن. و " ~~العزيز " المنيع. # " الحكيم " في فعله. وقد تقدم جميع هذا (3). # قوله تعالى: إن في السماوات والأرض لايات للمؤمنين (3) وفي خلقكم وما يبث ~~من دابة آيات لقوم يوقنون (4) واختلاف # PageV16P156 # الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد ms5655 موتها ~~وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون (5) قوله تعالى: " إن في السماوات والأرض " ~~أي في خلقهما " لآيات للمؤمنين. # وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون. واختلاف الليل والنهار وما ~~أنزل الله من السماء من رزق " يعني المطر. " فأحيا به الأرض بعد موتها ~~وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون " تقدم جميعه مستوفى في " البقرة " وغيرها ~~(1). وقراءة العامة " وما يبث من دابة آيات " " وتصريف الرياح آيات " ~~بالرفع فيهما. وقرأ حمزة والكسائي بكسر التاء فيهما. ولا خلاف في الأول أنه ~~بالنصب على اسم " إن " وخبرها " في السماوات ". ووجه الكسر في " آيات " ~~الثاني العطف على ما عملت فيه، التقدير: وإن في خلقكم وما يبث من دابة ~~آيات. فأما الثالث فقيل: إن وجه النصب فيه تكرير " آيات " لما طال الكلام، ~~كما تقول: ضربت زيدا زيدا. وقيل: إنه على الحمل على ما عملت فيه " إن " على ~~تقدير حذف " في "، التقدير: # وفي اختلاف الليل والنهار آيات. فحذفت " في " لتقدم ذكرها. وأنشد سيبويه ~~في الحذف: # أكل امرئ تحسبين امرأ * ونار توقد بالليل (2) نارا فحذف " كل " المضاف ~~إلى نار المجرورة لتقدم ذكرها. وقيل: هو من باب العطف على عاملين. ولم يجزه ~~سيبويه، وأجازه الأخفش وجماعة من الكوفيين، فعطف " اختلاف " على قوله: (وفي ~~خلقكم) ثم قال: (وتصريف الرياح آيات) فيحتاج إلى العطف على عاملين، والعطف ~~على عاملين قبيح من أجل أن حروف العطف تنوب مناب العامل، فلم تقو أن تنوب ~~مناب عاملين مختلفين، إذ لو ناب مناب رافع وناصب لكان رافعا ناصبا في حال. ~~وأما قراءة الرفع فحملا على موضع " إن " مع ما عملت فيه. وقد ألزم النحويون ~~في ذلك أيضا العطف على عاملين، لأنه عطف على " واختلاف " على " وفي خلقكم ~~"، وعطف " آيات " على موضع " آيات " الأول، ولكنه يقدر على تكرير " في ". ~~ويجوز أن يرفع # PageV16P157 # على القطع مما قبله فيرفع بالابتداء، وما قبله خبره، ويكون عطف جملة على ~~جملة. وحكى الفراء رفع " اختلاف " و " آيات " جميعا، وجعل الاختلاف هو ~~الآيات. # قوله تعالى: تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق فبأي حديث ms5656 بعد الله وآياته ~~يؤمنون (6) قوله تعالى: " تلك آيات الله " أي هذه آيات الله، أي حججه ~~وبراهينه الدالة على وحدانيته وقدرته. " نتلوها عليك بالحق " أي بالصدق ~~الذي لا باطل ولا كذب فيه. وقرئ " يتلوها " بالياء. " فبأي حديث بعد الله " ~~وقيل بعد قرآنه " وآياته يؤمنون " وقراءة العامة بالياء على الخبر. وقرأ ~~ابن محيصن وأبو بكر عن عاصم وحمزة والكسائي " تؤمنون " بالتاء على الخطاب. # قوله تعالى: ويل لكل أفاك أثيم (7) يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر ~~مستكبرا كأن لم يسمعها فبشره بعذاب أليم (8) قوله تعالى: " ويل لكل أفاك ~~أثيم " " ويل " واد في جهنم. توعد من ترك الاستدلال بآياته. والأفاك: ~~الكذاب. والإفك الكذب. (أثيم) أي مرتكب للإثم. والمراد فيما روي النضر بن ~~الحارث. وعن ابن عباس أنه الحارث بن كلدة. وحكى الثعلبي أنه أبو جهل ~~وأصحابه. # " يسمع آيات الله تتلى عليه " يعني آيات القرآن. " ثم يصر مستكبرا " أي ~~يتمادى على كفره متعظما في نفسه عن الانقياد، مأخوذ من صر الصرة إذا شدها. ~~قال معناه ابن عباس وغيره. وقيل: أصله من إصرار الحمار على العانة (1)، وهو ~~أن ينحني عليها صارا أذنيه. # و " أن " من " كان " مخففة من الثقيلة، كأنه لم يسمعها، والضمير ضمير ~~الشأن، كما في قوله: * كأن ظبية تعطو إلى ناضر السلم (2) # PageV16P158 # ومحل الجملة النصب، أي يصر مثل غير السامع. وقد تقدم في أول " لقمان " ~~القول في معنى هذه الآية (1). وتقدم معنى " فبشره بعذاب أليم " في " البقرة ~~" (2). # قوله تعالى: إذا علم من آياتنا شيئا اتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين (9) ~~من ورائهم جهنم ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئا ولا ما اتخذوا من دون الله ~~أولياء ولهم عذاب عظيم (10) قوله تعالى: " وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذها ~~هزوا " نحو قوله في الزقوم: إنه الزبد والتمر، وقوله في خزنة جهنم: إن ~~كانوا تسعة عشر فأنا ألقاهم وحدي. " أولئك لهم عذاب مهين " مذل مخز. " من ~~ورائهم جهنم " أي من وراء ما هم فيه من التعزز في الدنيا والتكبر عن الحق ~~جهنم. وقال ابن عباس: " من ms5657 ورائهم جهنم " أي أمامهم، نظيره " من ورائه جهنم ~~ويسقى من ماء صديد " (3) [إبراهيم: 16] أي من أمامه. قال: # أليس ورائي إن تراخت منيتي * أدب مع الولدان أزحف كالنسر " ولا يغني عنهم ~~ما كسبوا شيئا " أي من المال والولد، نظيره " لن تغني عنهم أموالهم ولا ~~أولادهم من الله شيئا " (4) [آل عمران: 10] أي من المال والولد. " ولا ما ~~اتخذوا من دون الله أولياء " يعني الأصنام. " ولهم عذاب عظيم " أي دائم ~~مؤلم. # قوله تعالى: هذا هدى والذين كفروا بآيات ربهم لهم عذاب من رجز أليم (11) ~~قوله تعالى: " هذا هدى " ابتداء وخبر، يعني القرآن. وقال ابن عباس: يعنى كل ~~ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم. " والذين كفروا بآيات ربهم " أي جحدوا ~~دلائله. # PageV16P159 # " لهم عذاب من رجز أليم " الرجز العذاب، أي لهم عذاب من عذاب أليم، دليله ~~قوله تعالى: " فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء " (1) [البقرة: 59] ~~أي عذابا. وقيل: الرجز القذر مثل الرجس، وهو كقوله تعالى: " ويسقى من ماء ~~صديد " (2) [إبراهيم: 16] أي لهم عذاب من تجرع الشراب القذر. وضم الراء من ~~الرجز ابن محيصن حيث وقع. وقرأ ابن كثير وابن محيصن وحفص " اليم " بالرفع، ~~على معنى لهم عذاب أليم من رجز. الباقون بالخفض نعتا للرجز. # قوله تعالى: الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من ~~فضله ولعلكم تشكرون (12) وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه ~~إن في ذلك لايات لقوم يتفكرون (13) قوله تعالى: " الله الذي سخر البحر ~~لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون " ذكر كمال قدرته ~~وتمام نعمته على عباده، وبين أنه خلق ما خلق لمنافعهم. # " وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه " يعني أن ذلك فعله ~~وخلقه وإحسان منه وإنعام. وقرأ ابن عباس والجحدري وغيرهما " جميعا منة " ~~بكسر الميم وتشديد النون وتنوين الهاء، منصوبا على المصدر. قال أبو عمرو: ~~وكذلك سمعت مسلمة يقرؤها " منة " أي تفضلا وكرما. وعن مسلمة بن محارب أيضا ~~" جميعا منه " على إضافة المن إلى هاء الكناية. ms5658 وهو عند أبي حاتم خبر ~~ابتداء محذوف، أي ذلك، أو هو منه. وقراءة الجماعة ظاهرة. " إن في ذلك لآيات ~~لقوم يتفكرون " قوله تعالى: قل للذين آمنوا يغفرون للذين لا يرجون أيام ~~الله ليجزي قوما بما كانوا يكسبون (14) قوله تعالى: " قل للذين آمنوا ~~يغفرون " جزم على جواب " قل " تشبيها بالشرط والجزاء، كقولك: قم تصب خيرا. ~~وقيل: هو على حذف اللام. وقيل: على معنى قل # PageV16P160 # لهم اغفروا يغفروا، فهو جواب أمر محذوف دل الكلام عليه، قاله علي بن عيسى ~~واختاره ابن العربي. ونزلت الآية بسبب أن رجلا من قريش شتم عمر بن الخطاب ~~فهم أن يبطش به. # قال ابن العربي: وهذا لم يصح. وذكر الواحدي والقشيري وغيرهما عن ابن عباس ~~أن الآية نزلت في عمر مع عبد الله بن أبي في غزوة بني المصطلق، فإنهم نزلوا ~~على بئر يقال لها " المريسيع " فأرسل عبد الله غلامه ليستقي، وأبطأ عليه ~~فقال: ما حبسك؟ قال: غلام عمر بن الخطاب قعد على فم البئر، فما ترك أحدا ~~يستقي حتى ملا قرب النبي صلى الله عليه وسلم وقرب أبي بكر، وملا لمولاه. ~~فقال عبد الله: ما مثلنا ومثل هؤلاء إلا كما قيل: سمن كلبك يأكلك. فبلغ عمر ~~رضي الله عنه قوله، فاشتمل على سيفه يريد التوجه إليه ليقتله، فأنزل الله ~~هذه الآية. هذه رواية عطاء عن ابن عباس. وروى عنه ميمون بن مهران قال: لما ~~نزلت " من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا " (1) [البقرة: 245] قال يهودي ~~بالمدينة يقال له فنحاص: احتاج رب محمد! قال: فلما سمع عمر بذلك اشتمل على ~~سيفه وخرج في طلبه، فجاء جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال: (إن ربك يقول لك قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله). ~~وأعلم أن عمر قد اشتمل على سيفه وخرج في طلب اليهودي، فبعث رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في طلبه، فلما جاء قال: (يا عمر، ضع سيفك) قال: # يا رسول الله، صدقت. أشهد إنك أرسلت بالحق. قال: (فإن ربك ms5659 يقول قل للذين ~~آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله) قال: لا جرم! والذي بعثك بالحق لا ~~ترى الغضب في وجهي. # قلت: وما ذكره المهدوي والنحاس فهو رواية الضحاك عن ابن عباس، وهو قول ~~القرظي والسدي، وعليه يتوجه النسخ في الآية. وعلى أن الآية نزلت بالمدينة ~~أو في غزوة بني المصطلق فليست بمنسوخة. ومعنى " يغفروا ": يعفوا ويتجاوزوا. ~~ومعنى " لا يرجون أيام الله ": أي لا يرجون ثوابه. وقيل: أي لا يخافون بأس ~~الله ونقمه. وقيل: الرجاء بمعنى الخوف، كقوله: " ما لكم لا ترجون لله وقارا ~~" (2) [نوح: 13] أي لا تخافون له عظمة. والمعنى: لا تخشون # PageV16P161 # مثل عذاب الأمم الخالية. والأيام يعبر بها عن الوقائع. وقيل: لا يأملون ~~نصر الله لأوليائه وإيقاعه بأعدائه. وقيل: المعنى لا يخافون البعث. " ليجزي ~~قوما بما كانوا يكسبون " قراءة العامة " ليجزي " بالياء على معنى ليجزي ~~الله. وقرأ حمزة والكسائي وابن عامر " لنجزي " بالنون على التعظيم. وقرأ ~~أبو جعفر والأعرج وشيبة " ليجزى " بياء مضمومة وفتح الزاي على الفعل ~~المجهول، " قوما " بالنصب. قال أبو عمرو: وهذا لحن ظاهر. وقال الكسائي: # معناه ليجزي الجزاء قوما، نظيره " وكذلك نجي المؤمنين " على قراءة ابن ~~عامر وأبي بكر في سورة " الأنبياء " (1). قال الشاعر: # ولو ولدت قفيرة جرو كلب * لسب بذلك الجرو الكلابا (2) أي لسب السب. # قوله تعالى: من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها ثم إلى ربكم ترجعون ~~(15) تقدم (3). # قوله تعالى: ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من ~~الطيبات وفضلناهم على العالمين (16) وآتيناهم بينات من الامر فما اختلفوا ~~إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما ~~كانوا فيه يختلفون (17) قوله تعالى: " ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب " ~~يعني التوراة. " والحكم والنبوة " الحكم: الفهم في الكتاب. وقيل: الحكم على ~~الناس والقضاء. و " النبوة " يعني الأنبياء من وقت يوسف عليه السلام إلى ~~زمن عيسى عليه السلام. " ورزقناهم من الطيبات " أي الحلال # PageV16P162 # من الأقوات والثمار والأطعمة التي كانت بالشام. وقيل: يعني المن والسلوى ~~في التيه. # " وفضلناهم على العالمين " أي ms5660 على عالمي زمانهم، على ما تقدم في " الدخان ~~" (1) بيانه " وآتيناهم بينات من الامر " قال ابن عباس: يعني أمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وشواهد نبوته بأنه يهاجر من تهامة إلى يثرب، وينصره أهل ~~يثرب. وقيل: بينات الامر شرائع واضحات في الحلال والحرام ومعجزات. " فما ~~اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم " يريد يوشع بن نون، فآمن بعضهم وكفر ~~بعضهم، حكاه النقاش. وقيل: " إلا من بعد ما جاءهم العلم " نبوة النبي صلى ~~الله عليه وسلم فاختلفوا فيها. " بغيا بينهم " أي حسدا على النبي صلى الله ~~عليه وسلم، قال معناه الضحاك. وقيل: معنى " بغيا " أي بغى بعضهم على بعض ~~يطلب الفضل والرياسة، وقتلوا الأنبياء، فكذا مشركو عصرك يا محمد، قد جاءتهم ~~البينات ولكن أعرضوا عنها للمنافسة في الرياسة. " إن ربك يقضي بينهم " أي ~~يحكم ويفصل. " يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون " في الدنيا. # قوله تعالى: ثم جعلناك على شريعة من الامر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين ~~لا يعلمون (18) فيه مسألتان: # الأولى - قوله تعالى: " ثم جعلناك على شريعة من الامر " الشريعة في ~~اللغة: # المذهب والملة. ويقال لمشرعة الماء - وهي مورد الشاربة -: شريعة. ومنه ~~الشارع لأنه طريق إلى المقصد. فالشريعة: ما شرع الله لعباده من الدين، ~~والجمع الشرائع. والشرائع في الدين: المذاهب التي شرعها الله لخلقه. فمعنى ~~" جعلناك على شريعة من الامر " أي على منهاج واضح من أمر الدين يشرع بك إلى ~~الحق. وقال ابن عباس: " على شريعة " أي على هدى من الامر. قتادة: الشريعة ~~الأمر والنهي والحدود والفرائض. مقاتل: البينة، لأنها # PageV16P163 # طريق إلى الحق. الكلبي: السنة، لأنه يستن بطريقة من قبله من الأنبياء. ~~ابن زيد: # الدين، لأنه طريق النجاة. قال ابن العربي: والامر يرد في اللغة بمعنيين: ~~أحدهما - بمعنى الشأن كقوله: " فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد " ~~(1) [هود: 97]. والثاني - أحد أقسام الكلام الذي يقابله النهي. وكلاهما يصح ~~أن يكون مرادا ها هنا، وتقديره: ثم جعلناك على طريقة من الدين وهي ملة ~~الاسلام، كما قال تعالى: " ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم ms5661 حنيفا وما ~~كان من المشركين " (2) [النحل: 123]. # ولا خلاف أن الله تعالى لم يغاير بين الشرائع في التوحيد والمكارم ~~والمصالح، وإنما خالف بينهما في الفروع حسبما علمه سبحانه. # الثانية - قال ابن العربي: ظن بعض من يتكلم في العلم أن هذه الآية دليل ~~على أن شرع من قبلنا ليس بشرع لنا، لان الله تعالى أفرد النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأمته في هذه الآية بشريعة، ولا ننكر أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأمته منفردان بشريعة، وإنما الخلاف فيما أخبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم عنه من شرع من قبلنا في معرض المدح والثناء هل يلزم اتباعه أم لا. # قوله تعالى: " ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون " يعني المشركين. وقال ابن ~~عباس: # قريظة والنضير. وعنه: نزلت لما دعته قريش إلى دين آبائه. # قوله تعالى: إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وإن الظالمين بعضهم أولياء ~~بعض والله ولي المتقين (19) قوله تعالى: " إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا ~~" أي إن اتبعت أهواءهم لا يدفعون عنك من عذاب الله شيئا. " وإن الظالمين ~~بعضهم أولياء بعض " أي أصدقاء وأنصار وأحباب. قال ابن عباس: يريد أن ~~المنافقين أولياء اليهود. " والله ولي المتقين " أي ناصرهم ومعينهم. ~~والمتقون هنا: الذين اتقوا الشرك والمعاصي. # PageV16P164 # قوله تعالى: هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون (20) قوله تعالى: " ~~هذا بصائر للناس " ابتداء وخبر، أي هذا الذي أنزلت عليك براهين ودلائل ~~ومعالم للناس في الحدود والاحكام. وقرئ " هذه بصائر " أي هذه الآيات. # " هدى " أي رشد وطريق يؤدي إلى الجنة لمن أخذ به. " ورحمة " في الآخرة " ~~لقوم يوقنون " قوله تعالى: أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون (21) قوله تعالى: ~~" أم حسب الذين اجترحوا السيئات " أي اكتسبوها. والاجتراح: # الاكتساب، ومنه الجوارح، وقد تقدم في المائدة (1). " أن نجعلهم كالذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات " قال الكلبي: " الذين اجترحوا " عتبة وشيبة ابنا ~~ربيعة والوليد بن عتبة. # و " الذين آمنوا " علي وحمزة وعبيدة بن الحارث - رضي الله عنهم - حين ms5662 ~~برزوا إليهم يوم بدر فقتلوهم. وقيل: نزلت في قوم من المشركين قالوا: إنهم ~~يعطون في الآخرة خيرا مما يعطاه المؤمن، كما أخبر الرب عنهم في قوله: " ~~ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى " (2) [فصلت: 50]. # وقوله " أم حسب " استفهام معطوف معناه الانكار. وأهل العربية يجوزون ذلك ~~من غير عطف إذا كان متوسطا للخطاب. وقوم يقولون: فيه إضمار، أي والله ولي ~~المتقين أفيعلم المشركون ذلك أم حسبوا أنا نسوي بينهم. وقيل: هي أم ~~المنقطعة، ومعنى الهمزة فيها إنكار الحسبان. وقراءة العامة " سواء " بالرفع ~~على أنه خبر ابتداء مقدم، أي محياهم ومماتهم سواء. والضمير في " محياهم ~~ومماتهم " يعود على الكفار، أي محياهم محيا سوء ومماتهم كذلك. وقرأ حمزة ~~والكسائي والأعمش " سواء " بالنصب، واختاره أبو عبيد قال: معناه # PageV16P165 # نجعلهم سواء. وقرأ الأعمش أيضا وعيسى بن عمر " ومماتهم " بالنصب، على ~~معنى سواء في محياهم ومماتهم، فلما أسقط الخافض انتصب. ويجوز أن يكون " ~~محياهم ومماتهم " بدلا من الهاء والميم في نجعلهم، المعنى: أن نجعل محياهم ~~ومماتهم سواء كمحيا الذين آمنوا ومماتهم. ويجوز أن يكون الضمير في " محياهم ~~ومماتهم " للكفار والمؤمنين جميعا. قال مجاهد: المؤمن يموت مؤمنا ويبعث ~~مؤمنا، والكافر يموت كافرا ويبعث كافرا. وذكر ابن المبارك أخبرنا شعبة عن ~~عمرو بن مرة عن أبي الضحا عن مسروق قال قال رجل من أهل مكة: هذا مقام تميم ~~الداري، لقد رأيته ذات ليلة حتى أصبح أو قرب أن يصبح يقرأ آية من كتاب الله ~~ويركع ويسجد ويبكي " أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات " الآية كلها. # وقال بشير: بت عند الربيع بن خيثم ذات ليلة فقام يصلي فمر بهذه الآية ~~فمكث ليله حتى أصبح لم يعدها ببكاء شديد. وقال إبراهيم بن الأشعث: كثيرا ما ~~رأيت الفضيل بن عياض يردد من أول الليل إلى آخره هذه الآية ونظيرها، ثم ~~يقول: ليت شعري! من أي الفريقين أنت؟ # وكانت هذه الآية تسمى مبكاة العابدين لأنها محكمة. # قوله تعالى: وخلق الله السماوات والأرض بالحق ولتجزي كل نفس ms5663 بما كسبت وهم ~~لا يظلمون (22) قوله تعالى: " وخلق الله السماوات والأرض بالحق " أي بالامر ~~الحق. " ولتجزي " أي ولكي تجزى. " كل نفس بما كسبت " أي في الآخرة. " وهم ~~لا يظلمون ". # قوله تعالى: أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه ~~وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون (23) قال ابن ~~عباس والحسن وقتادة: ذلك الكافر اتخذ دينه ما يهواه، فلا يهوى شيئا إلا ~~ركبه. وقال عكرمة: أفرأيت من جعل إلهه الذي يعبده ما يهواه أو يستحسنه، ~~فإذا استحسن PageV16P166 # شيئا وهويه اتخذه إلها. قال سعيد بن جبير: كان أحدهم يعبد الحجر، فإذا ~~رأى ما هو أحسن منه رمى به وعبد الآخر. وقال مقاتل: نزلت في الحارث بن قيس ~~السهمي أحد المستهزئين، لأنه كان يعبد ما تهواه نفسه. وقال سفيان بن عيينة: ~~إنما عبدوا الحجارة لان البيت حجارة. وقيل: المعنى أفرأيت من ينقاد لهواه ~~ومعبوده تعجيبا لذوي العقول من هذا الجهل. وقال الحسن بن الفضل: في هذه ~~الآية تقديم وتأخير، مجازه: أفرأيت من اتخذ هواه إلهه. وقال الشعبي: إنما ~~سمي الهوى [هوى] لأنه يهوي بصاحبه في النار. وقال ابن عباس: ما ذكر الله ~~هوى في القرآن إلا ذمه، قال الله تعالى: " واتبع هواه فمثله كمثل الكلب " ~~(1) [الأعراف: 176]. وقال تعالى: " واتبع هواه وكان أمره فرطا " (2) ~~[الكهف: 28]. وقال تعالى " بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدي ~~من أضل (3) الله " [الروم: 29]. وقال تعالى: " ومن أضل ممن اتبع هواه بغير ~~هدى من الله " (4) [القصص: 50]. وقال تعالى: " ولا تتبع الهوى فيضلك عن ~~سبيل الله " (5) [ص: 26]. وقال عبد الله ابن عمرو بن العاص عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم: " لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ". وقال ~~أبو أمامة: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " ما عبد تحت السماء إله ~~أبغض إلى الله من الهوى ". وقال شداد بن أوس عن النبي صلى الله عليه وسلم: # (الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت. والفاجر من ms5664 أتبع نفسه هواها ~~وتمنى على الله). وقال عليه السلام: " إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا ~~مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك ودع عنك أمر العامة ". وقال ~~صلى الله عليه وسلم: # " ثلاث مهلكات وثلاث منجيات فالمهلكات شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء ~~بنفسه. # والمنجيات خشية الله في السر والعلانية والقصد في الغنى والفقر والعدل في ~~الرضا والغضب ". # وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: إذا أصبح الرجل اجتمع هواه وعمله وعلمه، ~~فإن كان عمله # PageV16P167 # تبعا لهواه فيومه يوم سوء، وإن كان عمله تبعا لعلمه فيومه يوم صالح. وقال ~~الأصمعي سمعت رجلا يقول: إن الهوان هو الهوى قلب اسمه * فإذا هويت فقد لقيت ~~هوانا وسئل ابن المقفع عن الهوى فقال: هوان سرقت نونه، فأخذه شام فنظمه ~~وقال: # نون الهوان من الهوى مسروقة * فإذا هويت فقد لقيت هوانا وقال آخر: # إن الهوى لهو الهوان بعينه * فإذا هويت فقد كسبت هوانا وإذا هويت فقد ~~تعبدك الهوى * فاخضع لحبك كائنا من كانا ولعبد الله بن المبارك: # ومن البلايا للبلاء علامة * ألا يرى لك عن هواك نزوع العبد عبد النفس في ~~شهواتها * والحر يشبع تارة ويجوع ولابن دريد: # إذا طالبتك النفس يوما بشهوة * وكان إليها للخلاف طريق فدعها وخالف ما ~~هويت فإنما * هواك عدو والخلاف صديق ولأبي عبيد الطوسي: # والنفس إن أعطيتها مناها * فاغرة نحو هواها فاها وقال أحمد بن أبي ~~الحوارى: مررت براهب فوجدته نحيفا فقلت له: أنت عليل. # قال نعم. قلت مذ كم؟ قال: مذ عرفت نفسي! قلت فتداوى؟ قال: قد أعياني ~~الدواء، وقد عزمت على الكي. قلت وما الكي؟ قال: مخالفة الهوى. وقال سهل بن ~~عبد الله التستري: هواك داؤك، فإن خالفته فدواؤك. وقال وهب: إذا شككت في ~~أمرين ولم تدر خيرهما فانظر أبعدهما من هواك فأته. PageV16P168 # وللعلماء في هذا الباب في ذم الهوى ومخالفته كتب وأبواب أشرنا إلى ما فيه ~~كفاية منه، وحسبك بقوله تعالى: " وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن ~~الهوى. فإن الجنة هي المأوى " (1) [النازعات: ms5665 40 - 41]. # قوله تعالى: " وأضله الله على علم " أي على علم قد علمه منه. وقيل: أضله ~~عن الثواب على علم منه بأنه لا يستحقه. وقال ابن عباس: أي على علم قد سبق ~~عنده أنه سيضل. # مقاتل: على علم منه أنه ضال، والمعنى متقارب. وقيل: على علم من عابد ~~الصنم أنه لا ينفع ولا يضر. ثم قيل: " على علم " يجوز أن يكون حالا من ~~الفاعل، المعنى: أضله على علم منه به، أي أضله عالما بأنه من أهل الضلال في ~~سابق علمه. ويجوز أن يكون حالا من المفعول، فيكون المعنى: أضله في حال علم ~~الكافر بأنه ضال. " وختم على سمعه وقلبه " أي طبع على سمعه حتى لا يسمع ~~الوعظ، وطبع على قلبه حتى لا يفقه الهدى. # (2) " وجعل على بصره غشاوة " أي غطاء حتى لا يبصر الرشد. وقرأ حمزة ~~والكسائي " غشوة " بفتح الغين من غير ألف، وقد مضى في " البقرة " (3). وقال ~~الشاعر: # أما والذي أنا عبد له * يمينا ومالك أبدى اليمينا لئن كنت ألبستني غشوة * ~~لقد كنت أصفيتك الود حينا " فمن يهديه من بعد الله " أي من بعد أن أضله. " ~~أفلا تذكرون " تتعظون وتعرفون أنه قادر على ما يشاء. # وهذه الآية ترد على القدرية والامامية ومن سلك سبيلهم في الاعتقاد، إذ هي ~~مصرحة بمنعهم من الهداية. ثم قيل: " وختم على سمعه وقلبه " إنه خارج مخرج ~~الخبر عن أحوالهم. وقيل: # إنه خارج مخرج الدعاء بذلك عليهم، كما تقدم في أول " البقرة " (4). وحكى ~~ابن جريج أنها نزلت # PageV16P169 # في الحارث بن قيس من الغياطلة (1). وحكى النقاش أنها نزلت في الحارث بن ~~نوفل بن عبد مناف. وقال مقاتل: نزلت في أبي جهل، وذلك أنه طاف بالبيت ذات ~~ليلة ومعه الوليد ابن المغيرة، فتحدثا في شأن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فقال أبو جهل: والله إني لاعلم أنه لصادق! فقال له مه! وما دلك على ذلك!؟ ~~قال: يا أبا عبد شمس، كنا نسميه في صباه الصادق الأمين، فلما تم عقله وكمل ~~رشده، نسميه الكذاب الخائن!! والله إني لاعلم أنه ms5666 لصادق! قال: فما يمنعك أن ~~تصدقه وتؤمن به؟ قال: تتحدث عني بنات قريش أني قد اتبعت يتيم أبي طالب من ~~أجل كسرة، واللات والعزى إن اتبعته أبدا. فنزلت " وختم على سمعه وقلبه ". # قوله تعالى: وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا ~~الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون (24) قوله تعالى: " وقالوا ما ~~هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا " هذا إنكار منهم للآخرة وتكذيب للبعث ~~وإبطال للجزاء. ومعنى " نموت ونحيا " أي نموت نحن وتحيا أولادنا، قاله ~~الكلبي. # وقرئ " ونحيا " بضم النون. وقيل: يموت بعضنا ويحيا بعضنا. وقيل: فيه ~~تقديم وتأخير، أي نحيا ونموت، وهي قراءة ابن مسعود. " وما يهلكنا إلا الدهر ~~" قال مجاهد: يعني السنين والأيام. وقال قتادة: إلا العمر، والمعنى واحد. ~~وقرئ " إلا دهر يمر ". وقال ابن عيينة كان أهل الجاهلية يقولون: الدهر هو ~~الذي يهلكنا وهو الذي يحيينا ويميتنا، فنزلت هذه الآية. وقال قطرب: وما ~~يهلكنا إلا الموت، وأنشد قول أبي ذؤيب: # أمن المنون وريبها تتوجع * والدهر ليس بمعتب من يجزع # PageV16P170 # وقال عكرمة: أي وما يهلكنا إلا الله. وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: " كان أهل الجاهلية يقولون ما يهلكنا إلا الليل والنهار وهو ~~الذي يهلكنا ويميتنا ويحيينا فيسبون الدهر قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم ~~يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الامر أقلب الليل والنهار ". # قلت: قوله " قال الله " إلى آخره نص البخاري ولفظه. وخرجه مسلم أيضا وأبو ~~داود. # وفي الموطأ عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يقولن ~~أحدكم يا خيبة الدهر فإن الله هو الدهر). وقد استدل بهذا الحديث من قال: إن ~~الدهر من أسماء الله. # وقال: من لم يجعله من العلماء اسما إنما خرج ردا على العرب في جاهليتها، ~~فإنهم كانوا يعتقدون أن الدهر هو الفاعل كما أخبر الله عنهم في هذه الآية، ~~فكانوا إذا أصابهم ضر أو ضيم أو مكروه نسبوا ذلك إلى الدهر فقيل لهم على ~~ذلك لا ms5667 تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر، أي إن الله هو الفاعل لهذه الأمور ~~التي تضيفونها إلى الدهر فيرجع السب إليه سبحانه، فنهوا عن ذلك. ودل على ~~صحة هذا ما ذكرناه من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: (قال الله تبارك وتعالى يؤذيني ابن آدم...) الحديث. ولقد أحسن من ~~قال، وهو أبو علي الثقفي: # يا عاتب الدهر إذا نابه * لا تلم الدهر على غدره الدهر مأمور، له آمر * ~~وينتهي الدهر إلى أمره كم كافر أمواله جمة * تزداد أضعافا على كفره ومؤمن ~~ليس له درهم * يزداد إيمانا على فقره وروي أن سالم بن عبد الله بن عمر كان ~~كثيرا ما يذكر الدهر فزجره أبوه وقال: إياك يا بني وذكر الدهر! وأنشد: # فما الدهر بالجاني لشئ لحينه * ولا جالب البلوى فلا تشتم الدهرا ولكن متى ~~ما يبعث الله باعثا * على معشر يجعل مياسيرهم عسرا PageV16P171 # وقال أبو عبيد: ناظرت بعض الملحدة فقال: ألا تراه يقول: " فإن الله هو ~~الدهر "!؟ # فقلت: وهل كان أحد يسب الله في آباد الدهر، بل كانوا يقولون كما قال ~~الأعشى: # إن محلا وإن مرتحلا * وإن في السفر إذ مضوا مهلا استأثر الله بالوفاء ~~وبالعد * ل وولى الملامة الرجلا قال أبو عبيد: ومن شأن العرب أن يذموا ~~الدهر عند المصائب والنوائب، حتى ذكروه في أشعارهم، ونسبوا الاحداث إليه. ~~قال عمرو بن قميئة: # رمتني بنات الدهر من حيث لا أرى * فكيف بمن يرمى وليس برام فلو أنها نبل ~~إذا لاتقيتها * ولكنني أرمى بغير سهام على الراحتين مرة وعلى العصا * أنوء ~~ثلاثا بعدهن قيامي ومثله كثير في الشعر. ينسبون ذلك إلى الدهر ويضيفونه ~~إليه، والله سبحانه الفاعل لا رب سواه. " وما لهم بذلك من علم ". أي علم. و ~~" من " زائدة، أي قالوا ما قالوا شاكين. # " إن هم إلا يظنون " أي ما هم إلا يتكلمون بالظن. وكان المشركون أصنافا، ~~منهم هؤلاء، ومنهم من كان يثبت الصانع وينكر البعث، ومنهم من كان يشك في ~~البعث ولا يقطع بإنكاره. # وحدث في ms5668 الاسلام أقوام ليس يمكنهم إنكار البعث خوفا من المسلمين، ~~فيتأولون ويرون القيامة موت البدن، ويرون الثواب والعقاب إلى خيالات تقع ~~للأرواح بزعمهم، فشر هؤلاء أضر من شر جميع الكفار، لان هؤلاء يلبسون على ~~الحق، ويغتر بتلبيسهم الظاهر. # والمشرك المجاهر بشركه يحذره المسلم. وقيل: نموت وتحيا آثارنا، فهذه حياة ~~الذكر. # وقيل أشاروا إلى التناسخ، أي يموت الرجل فتجعل روحه في موات فتحيا به. # قوله تعالى: وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان حجتهم إلا أن قالوا ~~ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين (25) قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى ~~يوم القيامة لا ريب فيه ولكن أكثر الناس لا يعلمون (26) PageV16P172 # قوله تعالى: " وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات " أي وإذ تقرأ على هؤلاء ~~المشركين آياتنا المنزلة في جواز البعث لم يكن ثم دفع " ما كان حجتهم إلا ~~أن قالوا ائتوا بآبائنا " " حجتهم " خبر كان، والاسم " إلا أن قالوا ائتوا ~~بآبائنا " الموتى نسألهم عن صدق ما تقولون، فرد الله عليهم بقوله " قل الله ~~يحييكم " يعني بعد كونكم نطفا أمواتا " ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم ~~القيامة " كما أحياكم في الدنيا. " ولكن أكثر الناس لا يعلمون " أن الله ~~يعيدهم كما بدأهم. الزمخشري: " فإن قلت لم سمي قولهم حجة وليس بحجة؟ قلت: ~~لأنهم أدلوا به كما يدلي المحتج بحجته، وساقوه مساقها فسميت حجة على سبيل ~~التهكم. أو لأنه في حسبانهم وتقديرهم حجة. أو لأنه في أسلوب قوله: # * تحية بينهم ضرب وجيع (1) * كأنه قيل: ما كان حجتهم إلا ما ليس بحجة. ~~والمراد نفي أن تكون لهم حجة البتة. فإن قلت: كيف وقع قوله " قل الله ~~يحييكم " جواب " ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين "؟ # قلت: لما أنكروا البعث وكذبوا الرسل، وحسبوا أن ما قالوه قول مبكت ألزموا ~~ما هم مقرون به من أن الله عز وجل وهو الذي يحييهم ثم يميتهم، وضم إلى ~~إلزام ذلك إلزام ما هو واجب الاقرار به إن أنصفوا وأصغوا إلى داعي الحق وهو ~~جمعهم يوم القيامة، ومن كان قادرا على ذلك كان قادرا على ms5669 الاتيان بآبائهم، ~~وكان أهون شئ عليه. " قوله تعالى: ولله ملك السماوات والأرض ويوم تقوم ~~الساعة يومئذ يخسر المبطلون (27) قوله تعالى: " ولله ملك السماوات والأرض " ~~خلقا وملكا. " ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون " " يوم " الأول منصوب ~~ب " يخسر " و " يومئذ " تكرير للتأكيد # PageV16P173 # أو بدل. وقيل: إن التقدير وله الملك يوم تقوم الساعة. والعامل في " يومئذ ~~" " يخسر "، ومفعول " يخسر " محذوف، والمعنى يخسرون منازلهم في الجنة. # قوله تعالى: وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها اليوم تجزون ما ~~كنتم تعملون (28) قوله تعالى: " وترى كل أمة جاثية " أي من هول ذلك اليوم. ~~والأمة هنا: أهل كل ملة. وفي الجاثية تأويلات خمس: الأول - قال مجاهد: ~~مستوفزة. وقال سفيان: المستوفز الذي لا يصيب الأرض منه إلا ركبتاه وأطراف ~~أنامله. الضحاك: ذلك عند الحساب. # الثاني - مجتمعة، قاله ابن عباس. الفراء: المعنى وترى أهل كل دين ~~مجتمعين. # الثالث - متميزة، قاله عكرمة. الرابع - خاضعة بلغة قريش، قاله مؤرج. ~~الخامس - باركة على الركب، قاله الحسن. والجثو: الجلوس على الركب. جثا على ~~ركبتيه يجثو ويجثي جثوا وجثيا، على فعول فيهما، وقد مضى في " مريم " (1): ~~وأصل الجثوة (2): الجماعة من كل شئ. قال طرفة يصف قبرين: # ترى جثوتين من تراب عليهما * صفائح صم من صفيح منضد (3) ثم قيل: هو خاص ~~بالكفار، قاله يحي بن سلام. وقيل: إنه عام للمؤمن والكافر انتظارا للحساب. ~~وقد روى سفيان بن عيينة عن عمرو عن عبد الله بن باباه أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: " كأني أراكم بالكوم (4) جاثين دون جهنم " ذكره الماوردي. ~~وقال سلمان: # إن في يوم القيامة لساعة هي عشر سنين يخر الناس فيها جثاة على ركبهم حتى ~~إن إبراهيم عليه السلام لينادي " لا أسألك اليوم إلا نفسي ". " كل أمة تدعى ~~إلى كتابها " قال يحيى ابن سلام: إلى حسابها. وقيل: إلى كتابها الذي كان ~~يستنسخ لها فيه ما عملت من خير وشر، # PageV16P174 # قاله مقاتل. وهو معنى قول مجاهد. وقيل: " كتابها " ما كتبت الملائكة ~~عليها. وقيل كتابها المنزل عليها لينظر هل عملوا بما فيه. ms5670 وقيل: الكتاب ها ~~هنا اللوح المحفوظ. وقرأ يعقوب الحضرمي " كل أمة " بالنصب على البدل من " ~~كل " الأولى لما في الثانية من الايضاح الذي ليس في الأولى، إذ ليس في ~~جثوها شئ من حال شرح الجثو كما في الثانية من ذكر السبب الداعي إليه وهو ~~استدعاؤها إلى كتابها. وقيل: انتصب بإعمال " ترى " مضمرا. # والرفع على الابتداء. " اليوم تجزون ما كنتم تعملون " من خير أو شر. # قوله تعالى: هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ~~(29) قوله تعالى: " هذا كتابنا " قيل من قول الله لهم. وقيل من قول ~~الملائكة. " ينطق عليكم بالحق " أي يشهد. وهو استعارة، يقال: نطق الكتاب ~~بكذا أي بين. وقيل: إنهم يقرءونه فيذكرهم الكتاب ما عملوا، فكأنه ينطق ~~عليهم، دليله قوله: " ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا ~~كبيرة إلا أحصاها " (1) [الكهف: 49]. وفي المؤمنين: " ولدينا كتاب ينطق ~~بالحق وهم لا يظلمون " (2) وقد تقدم (3). و " ينطق " في، موضع الحال من ~~الكتاب، أو من ذا، أو خبر ثان لذا، أو يكون " كتابنا " بدلا من " هذا " و " ~~ينطق " الخبر. # " إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون " أي نأمر بنسخ ما كنتم تعملون. قال علي ~~رضي الله عنه: إن لله ملائكة ينزلون كل يوم بشئ يكتبون فيه أعمال بني آدم. ~~وقال ابن عباس: # إن الله وكل ملائكة مطهرين فينسخون من أم الكتاب في رمضان كل ما يكون من ~~أعمال بني آدم فيعارضون حفظة الله على العباد كل خميس، فيجدون ما جاء به ~~الحفظة من أعمال العباد موافقا لما في كتابهم الذي استنسخوا من ذلك الكتاب ~~لا زيادة فيه ولا نقصان. # قال ابن عباس: وهل يكون النسخ إلا من كتاب. الحسن: نستنسخ ما كتبته ~~الحفظة # PageV16P175 # على بني آدم، لان الحفظة ترفع إلى الخزنة صحائف الأعمال. وقيل: تحمل ~~الحفظة كل يوم ما كتبوا على العبد، ثم إذا عادوا إلى مكانهم نسخ منه ~~الحسنات والسيئات، ولا تحول المباحات إلى النسخة الثانية. وقيل: إن ~~الملائكة إذا رفعت أعمال العباد إلى الله عز ms5671 وجل أمر بأن يثبت عنده منها ما ~~فيه ثواب وعقاب، ويسقط من جملتها ما لا ثواب فيه ولا عقاب. # قوله تعالى: فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته ذلك ~~هو الفوز المبين (30) وأما الذين كفروا أفلم تكن آياتي تتلى عليكم ~~فاستكبرتم وكنتم قوما مجرمين (31) قوله تعالى: " فأما الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته " أي الجنة " ذلك هو الفوز المبين. وأما ~~الذين كفروا أفلم تكن آياتي تتلى عليكم " أي فيقال لهم ذلك. وهو استفهام ~~توبيخ. " فاستكبرتم " عن قبولها. " وكنتم قوما مجرمين " أي مشركين تكسبون ~~المعاصي. يقال: فلان جريمة أهله إذا كان كاسبهم، فالمجرم من أكسب نفسه ~~المعاصي. وقد قال الله تعالى: " أفنجعل المسلمين كالمجرمين " (1) [القلم: ~~35] فالمجرم ضد المسلم فهو المذنب بالكفر إذا. # قوله تعالى: وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها قلتم ما ندري ~~ما الساعة إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين (32) قوله تعالى: " وإذا قيل ~~إن وعد الله حق " أي البعث كائن. " والساعة لا ريب فيها " وقرأ حمزة " ~~والساعة " بالنصب عطفا على " وعد ". الباقون بالرفع على الابتداء، أو العطف # PageV16P176 # على موضع " إن وعد الله ". ولا يحسن على الضمير الذي في المصدر، لأنه غير ~~مؤكد، والضمير المرفوع إنما يعطف عليه بغير تأكيد في الشعر. " قلتم ما ندري ~~ما الساعة " هل هي حق أم باطل. " إن نظن إلا ظنا " تقديره عند المبرد: إن ~~نحن إلا نظن ظنا. # " وما نحن بمستيقنين " أن الساعة آتية. # قوله تعالى: وبدا لهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون (33) ~~قوله تعالى: " وبدا لهم سيئات ما عملوا " أي ظهر لهم جزاء سيئات ما عملوا. # " وحاق بهم " أي نزل بهم وأحاط. " ما كانوا به يستهزئون من عذاب الله. # قوله تعالى: وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا ومأواكم النار ~~وما لكم من ناصرين (34) قوله تعالى: " وقيل اليوم ننساكم " أي نترككم في ~~النار كما تركتم لقاء يومكم هذا، أي تركتم العمل له. " ومأواكم النار " أي ~~مسكنكم ومستقركم. " وما لكم ms5672 من ناصرين " من ينصركم. # قوله تعالى: ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله هزوا وغرتكم الحياة الدنيا ~~فاليوم لا يخرجون منها ولا هم يستعتبون (35) قوله تعالى: " ذلكم بأنكم ~~اتخذتم آيات الله " يعني القرآن. " هزوا " لعبا. # " وغرتكم الحياة الدنيا " أي خدعتكم بأباطيلها وزخارفها، فظننتم أن ليس ~~ثم غيرها، وأن لا بعث. " فاليوم لا يخرجون منها " أي من النار. " ولا هم ~~يستعتبون " يسترضون. # وقد تقدم (1). وقرأ حمزة والكسائي " فاليوم لا يخرجون " بفتح الياء وضم ~~الراء، لقوله تعالى: # PageV16P177 # " كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها " (1) [السجدة: 20] الباقون ~~بضم الياء وفتح الراء، لقوله تعالى: # " ربنا أخرجنا " [فاطر: 37] ونحوه. # قوله تعالى: فلله الحمد رب السماوات ورب الأرض رب العالمين (36) وله ~~الكبرياء في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم (37) قوله تعالى: " فلله ~~الحمد رب السماوات ورب الأرض رب العالمين " قرأ مجاهد وحميد وابن محيصن " ~~رب السماوات ورب الأرض رب العالمين " بالرفع فيها كلها على معنى هو رب. " ~~وله الكبرياء " أي العظمة والجلال والبقاء والسلطان والقدرة والكمال. # " في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم " والله أعلم. # سورة الأحقاف مكية في قول جميعهم. وهي أربع وثلاثون آية، وقيل خمس. # بسم الله الرحمن الرحيم حم (1) تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم (2) ~~ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى والذين كفروا عما ~~أنذروا معرضون (3) قوله تعالى: " حم. تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم " ~~تقدم (2) " ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق " تقدم أيضا. " ~~وأجل مسمى " يعني القيامة، في قول ابن عباس وغيره. وهو الاجل الذي تنتهي ~~إليه السماوات والأرض. وقيل: إنه هو الاجل # PageV16P178 # المقدور لكل مخلوق. " والذين كفروا عما أنذروا " خوفوه " معرضون " مولون ~~لا هون غير مستعدين له. ويجوز أن تكون " ما " مصدرية، أي عن إنذارهم ذلك ~~اليوم. # قوله تعالى: قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض ~~أم لهم شرك في السماوات ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم ~~صادقين (4) فيه خمس مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " قل أرأيتم ما تدعون من ms5673 دون الله " أي ما تعبدون ~~من الأصنام والأنداد من دون الله. " أروني ماذا خلقوا من الأرض " أي هل ~~خلقوا شيئا من الأرض " أم لهم شرك " أي نصيب " في السماوات " أي في خلق ~~السماوات مع الله. " ائتوني بكتاب من قبل هذا " أي من قبل هذا القرآن. # الثانية - قوله تعالى: " أو أثارة من علم ". قراءة العامة " أو أثارة " ~~بألف بعد الثاء. قال ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: [هو خط كانت ~~تخطه العرب في الأرض]، ذكره المهدوي والثعلبي. وقال ابن العربي: ولم يصح. ~~وفي مشهور الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [كان نبي من الأنبياء ~~يخط فمن وافق خطه فذاك] ولم يصح أيضا. # قلت: هو ثابت من حديث معاوية بن الحكم السلمي، خرجه مسلم. وأسند النحاس: # حدثنا محمد بن أحمد (يعرف بالجرايجي) (1) قال حدثنا محمد بن بندار قال ~~حدثنا يحيى بن سعيد عن سفيان الثوري عن صفوان بن سليم عن أبي سلمة عن ابن ~~عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله عز وجل " أو أثارة من علم " قال ~~[الخط] وهذا صحيح أيضا. قال ابن العربي: # واختلفوا في تأويله، فمنهم من قال: جاء لإباحة الضرب، لان بعض الأنبياء ~~كان يفعله. # PageV16P179 # ومنهم من قال جاء للنهي عنه، لأنه صلى الله عليه وسلم قال: [فمن وافق خطه ~~فذاك] ولا سبيل إلى معرفة طريق النبي المتقدم فيه، فإذا لا سبيل إلى العمل ~~به. قال: # لعمرك ما تدري الضوارب بالحصا * ولا زاجرات الطير ما الله صانع (1) ~~وحقيقته عند أربابه ترجع إلى صور الكواكب، فيدل ما يخرج منها على ما تدل ~~عليه تلك الكواكب من سعد أو نحس يحل بهم، فصار ظنا مبنيا على ظن، وتعلقا ~~بأمر غائب قد درست طريقه وفات تحقيقه، وقد نهت الشريعة عنه، وأخبرت أن ذلك ~~مما اختص الله به، وقطعه عن الخلق، وإن كانت لهم قبل ذلك أسباب يتعلقون بها ~~في درك الأشياء المغيبة، فإن الله قد رفع تلك الأسباب وطمس تيك الأبواب ~~وأفرد نفسه بعلم الغيب، ms5674 فلا يجوز مزاحمته في ذلك، ولا يحل لاحد دعواه. ~~وطلبه عناء لو لم يكن فيه نهي، فإذ وقد ورد النهي فطلبه معصية أو كفر بحسب ~~قصد الطالب. # قلت: ما اختاره هو قول الخطابي. قال الخطابي: قوله عليه السلام: [فمن ~~وافق خطه فذاك] هذا يحتمل الزجر إذ كان ذلك علما لنبوته وقد انقطعت، فنهينا ~~عن التعاطي لذلك. قال القاضي عياض: الأظهر من اللفظ خلاف هذا، وتصويب خط من ~~يوافق خطه، لكن من أين تعلم الموافقة والشرع منع من التخرص وادعاء الغيب ~~جملة - فإنما معناه أن من وافق خطه فذاك الذي يجدون إصابته، لا أنه يريد ~~إباحة ذلك لفاعله على ما تأوله بعضهم. وحكى مكي في تفسير قوله: [كان نبي من ~~الأنبياء يخط] أنه كان يخط بأصبعه السبابة والوسطى في الرمل ثم يزجر. وقال ~~ابن عباس في تفسير قوله [ومنا رجال يخطون]: هو الخط الذي يخطه الحازي (2) ~~فيعطى حلوانا فيقول: اقعد حتى أخط لك، وبين يدي الحازي غلام معه ميل ثم ~~يأتي إلى أرض رخوة فيخط الأستاذ خطوطا معجلة لئلا يلحقها العدد، ثم يرجع ~~فيمحو على مهل خطين خطين، فإن بقي خطان فهو علامة النجح، وإن بقي خط فهو ~~علامة الخيبة. والعرب تسميه الأسحم وهو مشئوم عندهم. # PageV16P180 # الثالثة - قال ابن العربي: إن الله تعالى لم يبق من الأسباب الدالة على ~~الغيب التي أذن في التعلق بها والاستدلال منها إلا الرؤيا، فإنه أذن فيها، ~~وأخبر أنها جزء من النبوة وكذلك الفأل، وأما الطيرة والزجر فإنه نهى عنهما. ~~والفأل: هو الاستدلال بما يسمع من الكلام على ما يريد من الامر إذا كان ~~حسنا، فإن سمع مكروها فهو تطير، أمره الشرع بأن يفرح بالفأل ويمضي على أمره ~~مسرورا. وإذا سمع المكروه أعرض عنه ولم يرجع لأجله، وقد قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: [اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك ولا إله غيرك]. # وقد روى بعض الأدباء: # الفأل والزجر والكهان كلهم * مضللون ودون الغيب أقفال وهذا كلام صحيح، ~~إلا في الفأل فإن الشرع ms5675 استثناه وأمر به، فلا يقبل من هذا الشاعر ما نظمه ~~فيه، فإنه تكلم بجهل، وصاحب الشرع أصدق وأعلم وأحكم. # قلت: قد مضى في الطيرة والفأل وفي الفرق بينهما ما يكفي في (المائدة) (1) ~~وغيرها. # ومضى في (الانعام) (2) أن الله سبحانه منفرد بعلم الغيب، وأن أحدا لا ~~يعلم ذلك إلا ما أعلمه الله، أو يجعل على ذلك دلالة عادية يعلم بها ما يكون ~~على جري العادة، وقد يختلف. مثاله إذا رأى نخلة قد أطلعت فإنه يعلم أنها ~~ستثمر، وإذا رآها قد تناثر طلعها علم أنها لا تثمر. وقد يجوز أن يأتي عليها ~~آفة تهلك ثمرها فلا تثمر، كما أنه جائز أن تكون النخلة التي تناثر طلعها ~~يطلع الله فيها طلعا ثانيا فتثمر. وكما أنه جائز أيضا ألا يلي شهره شهر ولا ~~يومه يوم إذا أراد الله إفناء العالم ذلك الوقت. إلى غير ذلك مما تقدم في ~~(الانعام) بيانه. # الرابعة - قال ابن خويز منداد: قوله تعالى: " أو أثارة من علم " يريد ~~الخط. # وقد كان مالك رحمه الله يحكم بالخط إذا عرف الشاهد خطه. وإذا عرف الحاكم ~~خطه أو خط من كتب إليه حكم به، ثم رجع عن ذلك حين ظهر في الناس ما ظهر من ~~الحيل والتزوير. وقد روي عنه أنه قال: [يحدث الناس فجورا فتحدث لهم أقضية]. ~~فأما إذا شهد الشهود على الخط المحكوم به، مثل أن يشهدوا أن هذا خط الحاكم ~~وكتابه، أشهدنا على # PageV16P181 # ما فيه وإن لم يعلموا ما في الكتاب. وكذلك الوصية أو خط الرجل باعترافه ~~بمال لغيره يشهدون أنه خطه ونحو ذلك - فلا يختلف مذهبه أنه يحكم به. وقيل: ~~" أو أثارة من علم " أو بقية من علم، قاله ابن عباس والكلبي وأبو بكر بن ~~عياش وغيرهم. وفي الصحاح " أو أثارة من علم " بقية منه. وكذلك الأثرة ~~(بالتحريك). ويقال: سمنت الإبل على أثارة، أي بقية شحم كان قبل ذلك. وأنشد ~~الماوردي والثعلبي قول الراعي: # وذات أثارة أكلت عليها * نباتا في أكمته ففارا وقال الهروي: والإثارة ~~والأثر: البقية، يقال: ما ms5676 ثم عين ولا أثر. وقال ميمون بن مهران وأبو سلمة ~~بن عبد الرحمن وقتادة: " أو أثارة من علم " خاصة من علم. وقال مجاهد: رواية ~~تأثرونها عمن كان قبلكم. وقال عكرمة ومقاتل: رواية عن الأنبياء. وقال ~~القرظي: هو الاسناد. الحسن: المعنى شئ يثار أو يستخرج. وقال الزجاج: " أو ~~أثارة " أي علامة. والإثارة مصدر كالسماحة والشجاعة. وأصل الكلمة من الأثر، ~~وهي الرواية، يقال: أثرت الحديث آثره أثرا وأثارة وأثرة فأنا آثر، إذا ~~ذكرته عن غيرك. ومنه قيل: # حديث مأثور، أي نقله خلف عن سلف. قال الأعشى: # إن الذي فيه تماريتما * بين للسامع والآثر ويروى " بين " وقرئ " أو أثرة ~~" بضم الهمزة وسكون الثاء. ويجوز أن يكون معناه بقية من علم. ويجوز أن يكون ~~معناه شيئا مأثورا من كتب الأولين. والمأثور: ما يتحدث به مما صح سنده عمن ~~تحدث به عنه. وقرأ السلمي والحسن وأبو رجاء بفتح الهمزة والثاء من غير ألف، ~~أي خاصة من علم أوتيتموها أو أوثرتم بها على غيركم. وروي عن الحسن أيضا ~~وطائفة " أثرة " مفتوحة الألف ساكنة الثاء، ذكر الأولى الثعلبي والثانية ~~الماوردي. # وحكى الثعلبي عن عكرمة: أو ميراث من علم. " إن كنتم صادقين ". # الخامسة - قوله تعالى: " ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم " فيه ~~بيان مسالك الأدلة بأسرها، فأولها المعقول، وهو قوله تعالى: " قل أرأيتم ما ~~تدعون من دون PageV16P182 # الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات " وهو احتجاج ~~بدليل العقل في أن الجماد لا يصح أن يدعى من دون الله فإنه لا يضر ولا ~~ينفع. ثم قال: " ائتوني بكتاب من قبل هذا " فيه بيان أدلة السمع " أو أثارة ~~من علم ". # قوله تعالى: ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم ~~القيامة وهم عن دعائهم غافلون (5) قوله تعالى: " ومن أضل " أي لا أحد أضل ~~وأجهل " ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة " وهي ~~الأوثان. " وهم عن دعائهم غافلون " يعني لا يسمعون ولا يفهمون، فأخرجها ms5677 وهي ~~جماد مخرج ذكور بني آدم، إذ قد مثلتها عبدتها بالملوك والامراء التي تخدم. # قوله تعالى: وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين (6) ~~قوله تعالى: " وإذا حشر الناس " يريد يوم القيامة. " كانوا لهم أعداء " أي ~~هؤلاء المعبودون أعداء الكفار يوم القيامة. فالملائكة أعداء الكفار، والجن ~~والشياطين يتبرءون غدا من عبدتهم، ويلعن بعضهم بعضا. ويجوز أن تكون الأصنام ~~للكفار الذين عبدوها أعداء، على تقدير خلق الحياة لها، دليله قوله تعالى: " ~~تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون " (1) [القصص: 63]. وقيل: عادوا ~~معبوداتهم لأنهم كانوا سبب هلاكهم، وجحد المعبودون عبادتهم، وهو قوله " ~~وكانوا بعبادتهم كافرين ". # قوله تعالى: وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للحق لما ~~جاءهم هذا سحر مبين (7) # PageV16P183 # قوله تعالى: " وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات " يعني القرآن. " قال الذين ~~كفروا للحق لما جاءهم هذا سحر مبين ". # قوله تعالى: أم يقولون افتراه قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله هو ~~أعلم بما تفيضون فيه كفى به شهيدا بيني وبينكم وهو الغفور الرحيم (8) قوله ~~تعالى: " أم يقولون افتراه " الميم صلة، التقدير: أيقولون افتراه، أي تقوله ~~محمد. وهو إضراب عن ذكر تسميتهم الآيات سحرا. ومعنى الهمزة في " أم " ~~الانكار والتعجب، كأنه قال: دع هذا واسمع قولهم المستنكر المقضي منه العجب. ~~وذلك أن محمدا كان لا يقدر عليه حتى يقوله ويفتريه على الله، ولو قدر عليه ~~دون أمة العرب لكانت قدرته عليه معجزة لخرقها العادة، وإذا كانت معجزة كانت ~~تصديقا من الله له، والحكيم لا يصدق الكاذب فلا يكون مفتريا، والضمير للحق، ~~والمراد به الآيات. " قل إن افتريته " على سبيل الفرض. " فلا تملكون لي من ~~الله شيئا " أي لا تقدرون على أن تردوا عني عذاب الله، فكيف أفتري على الله ~~لأجلكم. " هو أعلم بما تفيضون فيه " أي تقولونه، عن مجاهد. وقيل: تخوضون ~~فيه من التكذيب. والإفاضة في الشئ: الخوض فيه والاندفاع. # أفاضوا في الحديث أي اندفعوا فيه. وأفاض البعير أي دفع جرته من كرشه ~~فأخرجها، ومنه قول الشاعر: # * وأفضن بعد كظومهن بجرة ms5678 (1) * # PageV16P184 # وأفاض الناس من عرفات إلى منى أي دفعوا، وكل دفعة إفاضة. " كفى به شهيدا ~~" نصب على التمييز. " بيني وبينكم " أي هو يعلم صدقي وأنكم مبطلون. " وهو ~~الغفور " لمن تاب " الرحيم " بعباده المؤمنين. # قوله تعالى: قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم إن ~~أتبع إلا ما يوحى إلي وما أنا إلا نذير مبين (9) قوله تعالى: " قل ما كنت ~~بدعا من الرسل " أي أول من أرسل، قد كان قبلي رسل، عن ابن عباس وغيره. ~~والبدع: الأول. وقرأ عكرمة وغيره " بدعا " بفتح الدال، على تقدير حذف ~~المضاف، والمعنى: ما كنت صاحب بدع. وقيل: بدع وبديع بمعنى، مثل نصف ونصيف. ~~وأبدع الشاعر: جاء بالبديع. وشئ بدع (بالكسر) أي مبتدع. # وفلان بدع في هذا الامر أي بديع. وقوم أبداع، عن الأخفش. وأنشد قطرب قول ~~عدي بن زيد: # فلا أنا بدع من حوادث تعتري * رجالا غدت من بعد بؤسى بأسعد (1) " وما ~~أدري ما يفعل بي وبكم " يريد يوم القيامة. ولما نزلت فرح المشركون واليهود ~~والمنافقون وقالوا: كيف نتبع نبيا لا يدري ما يفعل به ولا بنا، وأنه لا فضل ~~له علينا، ولولا أنه ابتدع الذي يقوله من تلقاء نفسه لأخبره الذي بعثه بما ~~يفعل به، فنزلت " ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر " (2) [الفتح: 2] ~~فنسخت هذه الآية، وأرغم الله أنف الكفار. وقالت الصحابة: هنيئا لك يا رسول ~~الله، لقد بين الله لك ما يفعل بك يا رسول الله، فليت شعرنا ما هو فاعل ~~بنا؟ فنزلت " ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار " (3) ~~[الفتح: 5] الآية. # ونزلت " وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا " (4) [الأحزاب: 47]. ~~قاله أنس وابن عباس وقتادة والحسن وعكرمة والضحاك. وقالت أم العلاء امرأة ~~من الأنصار: اقتسمنا المهاجرين فطار لنا عثمان # PageV16P185 # ابن مظعون بن حذافة بن جمح، فأنزلناه أبياتنا فتوفي، فقلت: رحمة الله ~~عليك أبا السائب! # إن الله أكرمك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: [وما يدريك أن الله ~~أكرمه]؟ فقلت: # بأبي وأمي يا رسول ms5679 الله! فمن؟ قال: [أما هو فقد جاءه اليقين وما رأينا ~~إلا خيرا فوالله إني لأرجو له الجنة ووالله إني لرسول الله وما أدري ما ~~يفعل بي ولا بكم]. قالت: فوالله لا أزكي بعده أحدا أبدا. ذكره الثعلبي، ~~وقال: وإنما قال هذا حين لم يعلم بغفران ذنبه، وإنما غفر الله له ذنبه في ~~غزوة الحديبية قبل موته بأربع سنين. # قلت: حديث أم العلاء خرجه البخاري، وروايتي فيه: " وما أدري ما يفعل به " ~~ليس فيه " بي ولا بكم " وهو الصحيح إن شاء الله، على ما يأتي بيانه. والآية ~~ليست بمنسوخة، لأنها خبر. قال النحاس: محال أن يكون في هذا ناسخ ولا منسوخ ~~من جهتين: أحدهما أنه خبر، والآخر أنه من أول السورة إلى هذا الموضع خطاب ~~للمشركين واحتجاج عليهم وتوبيخ لهم، فوجب أن يكون هذا أيضا خطابا للمشركين ~~كما كان قبله وما بعده، ومحال أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم للمشركين " ~~ما أدري ما يفعل بي ولا بكم " في الآخرة، ولم يزل صلى الله عليه وسلم من ~~أول مبعثه إلى مماته يخبر أن من مات على الكفر مخلد في النار، ومن مات على ~~الايمان واتبعه وأطاعه فهو في الجنة، فقد رأى صلى الله عليه وسلم ما يفعل ~~به وبهم في الآخرة. وليس يجوز أن يقول لهم ما أدري ما يفعل بي ولا بكم في ~~الآخرة، فيقولون كيف نتبعك وأنت لا تدري أتصير إلى خفض ودعة أم إلى عذاب ~~وعقاب. والصحيح في الآية قول الحسن، كما قرأ علي بن محمد بن جعفر بن حفص عن ~~يوسف بن موسى قال حدثنا وكيع قال حدثنا أبو بكر الهذلي عن الحسن " وما أدري ~~ما يفعل بي ولا بكم في الدنيا " قال أبو جعفر: # وهذا أصح قول وأحسنه، لا يدري صلى الله عليه وسلم ما يلحقه وإياهم من مرض ~~وصحة ورخص وغلاء وغنى وفقر. ومثله " ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير ~~وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير " (1) [الأعراف: 188]. وذكر الواحدي ~~وغيره عن الكلبي ms5680 عن أبي صالح عن # PageV16P186 # ابن عباس: لما اشتد البلاء بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في ~~المنام أنه يهاجر إلى أرض ذات نخل وشجر وماء، فقصها على أصحابه فاستبشروا ~~بذلك، ورأوا فيها فرجا مما هم فيه من أذى المشركين، ثم إنهم مكثوا برهة لا ~~يرون ذلك فقالوا: يا رسول الله، متى نهاجر إلى الأرض التي رأيت؟ فسكت النبي ~~صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: # " وما أدري ما يفعل بي ولا بكم " أي لا أدري أأخرج إلى الموضع الذي رأيته ~~في منامي أم لا. # ثم قال: [إنما هو شئ رأيته في منامي ما أتبع إلا ما يوحى إلي] أي لم يوح ~~إلي ما أخبرتكم به. # قال القشيري: فعلى هذا لا نسخ في الآية. وقيل: المعنى لا أدري ما يفرض ~~علي وعليكم من الفرائض. واختار الطبري أن يكون المعنى: ما أدري ما يصير ~~إليه أمري وأمركم في الدنيا، أتؤمنون أم تكفرون، أم تعاجلون بالعذاب أم ~~تؤخرون. # قلت: وهو معنى قول الحسن والسدي وغيرهما. قال الحسن: ما أدري ما يفعل بي ~~ولا بكم في الدنيا، أما في الآخرة فمعاذ الله! قد علم أنه في الجنة حين أخذ ~~ميثاقه في الرسل، ولكن قال ما أدري ما يفعل بي في الدنيا أأخرج كما أخرجت ~~الأنبياء قبلي، أو أقتل كما قتلت الأنبياء قبلي، ولا أدري ما يفعل بكم، ~~أأمتي المصدقة أم المكذبة، أم أمتي المرمية بالحجارة من السماء قذفا، أو ~~مخسوف بها خسفا، ثم نزلت " هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على ~~الدين كله " (1) [التوبة: 33]. يقول: سيظهر دينه على الأديان. ثم قال في ~~أمته: " وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم " (2) [الأنفال: 33] فأخبره تعالى ~~بما يصنع به وبأمته، ولا نسخ على هذا كله، والحمد لله. # وقال الضحاك أيضا: " ما أدري ما يفعل بي ولا بكم " أي ما تؤمرون به ~~وتنهون عنه. # وقيل: أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول للمؤمنين ما أدري ما يفعل بي ~~ولا بكم في القيامة، ثم بين ms5681 الله تعالى ذلك في قوله: " ليغفر لك الله ما ~~تقدم من ذنبك وما تأخر " [الفتح: 2] وبين فيما بعد ذلك حال المؤمنين ثم بين ~~حال الكافرين. # قلت: وهذا معنى القول الأول، إلا أنه أطلق فيه النسخ بمعنى البيان، وأنه ~~أمر أن يقول ذلك للمؤمنين، والصحيح ما ذكرناه عن الحسن وغيره. و " ما " في ~~" ما يفعل " يجوز أن # PageV16P187 # تكون موصولة، وأن تكون استفهامية مرفوعة. " إن أتبع إلا ما يوحى إلي وما ~~أنا إلا نذير مبين " وقرئ " يوحى " أي الله عز وجل. تقدم في غير موضع. # قوله تعالى: قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني ~~إسرائيل على مثله فأمن واستكبرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين (10) قوله ~~تعالى: " قل أرأيتم إن كان من عند الله " يعني القرآن. " وكفرتم به " قال ~~الشعبي: المراد محمد صلى الله عليه وسلم. " وشهد شاهد من بني إسرائيل " قال ~~ابن عباس والحسن وعكرمة وقتادة ومجاهد: هو عبد الله بن سلام، شهد على ~~اليهود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مذكور في التوراة، وأنه نبي من عند ~~الله. وفي الترمذي عنه: ونزلت في آيات من كتاب الله، نزلت في " وشهد شاهد ~~من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين ". ~~وقد تقدم في آخر سورة " الرعد " (1). وقال مسروق: هو موسى والتوراة، لا ابن ~~سلام، لأنه أسلم بالمدينة والسورة مكية. وقال: وقوله " وكفرتم به " مخاطبة ~~لقريش. الشعبي: هو من آمن من بني إسرائيل بموسى والتوراة، لان ابن سلام ~~إنما أسلم قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بعامين، والسورة مكية. قال ~~القشيري: ومن قال الشاهد موسى قال السورة مكية، وأسلم ابن سلام قبل موت ~~النبي صلى الله عليه وسلم بعامين. # ويجوز أن تكون الآية نزلت بالمدينة وتوضع في سورة مكية، فإن الآية كانت ~~تنزل فيقول النبي صلى الله عليه وسلم ضعوها في سورة كذا. والآية في محاجة ~~المشركين، ووجه الحجة أنهم كانوا يراجعون اليهود في أشياء، أي شهادتهم لهم ~~وشهادة ms5682 نبيهم لي من أوضح الحجج. # ولا يبعد أن تكون السورة في محاجة اليهود، ولما جاء ابن سلام مسلما من ~~قبل أن تعلم اليهود بإسلامه قال: يا رسول الله، اجعلني حكما بينك وبين ~~اليهود، فسألهم عنه: [أي رجل هو فيكم] قالوا: سيدنا وعالمنا. فقال: [إنه قد ~~آمن بي] فأساءوا القول فيه... الحديث، # PageV16P188 # وقد تقدم (1). قال ابن عباس: رضيت اليهود بحكم ابن سلام، وقالت للنبي صلى ~~الله عليه وسلم: إن يشهد لك آمنا بك، فسئل فشهد ثم أسلم. " على مثله " أي ~~على مثل ما جئتكم به، فشهد موسى على التوراة ومحمد على القرآن. وقال ~~الجرجاني. " مثل " صلة، أي وشهد شاهد عليه أنه من عند الله. " فآمن " أي ~~هذا الشاهد. " واستكبرتم " أنتم عن الايمان. وجواب " إن كان " محذوف ~~تقديره: فآمن أتؤمنون، قاله الزجاج. وقيل: " فآمن واستكبرتم " أليس قد ~~ظلمتم، يبينه " إن الله لا يهدي القوم الظالمين " وقيل: " فآمن واستكبرتم " ~~أفتأمنون عذاب الله. و " أرأيتم " لفظ موضوع للسؤال والاستفهام، ولذلك لا ~~يقتضي مفعولا. # وحكى النقاش وغيره: أن في الآية تقديما وتأخيرا، وتقديره: قل أرأيتم إن ~~كان من عند الله وشهد شاهد من بني إسرائيل فآمن هو وكفرتم إن الله لا يهدي ~~القوم الظالمين. # قوله تعالى: وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه ~~وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم (11) قوله تعالى: " وقال الذين ~~كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه " اختلف في سبب نزولها على ~~ستة (2) أقوال: # الأول - أن أبا ذر الغفاري دعاه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الاسلام ~~بمكة فأجاب، واستجار به قومه فأتاه زعيمهم فأسلم، ثم دعاهم الزعيم فأسلموا، ~~فبلغ ذلك قريشا فقالوا: # غفار الحلفاء لو كان هذا خيرا ما سبقونا إليه، فنزلت هذه الآية، قاله أبو ~~المتوكل. # الثاني - أن زنيرة (3) أسلمت فأصيب بصرها فقالوا لها: أصابك اللات ~~والعزى، فرد الله عليها بصرها. فقال عظماء قريش: لو كان ما جاء به محمد ~~خيرا ما سبقتنا إليه زنيرة، فأنزل الله تعالى هذه الآية، قاله عروة ms5683 بن ~~الزبير. # PageV16P189 # الثالث - أن الذين كفروا هم بنو عامر وغطفان وتميم وأسد وحنظلة وأشجع، ~~قالوا لمن أسلم من غفار وأسلم وجهينة ومزينة وخزاعة: لو كان ما جاء به محمد ~~خيرا ما سبقتنا إليه رعاة البهم إذ نحن أعز منهم، قاله الكلبي والزجاج، ~~وحكاه القشيري عن ابن عباس. وقال قتادة: نزلت في مشركي قريش، قالوا: لو كان ~~ما يدعونا إليه محمد خيرا ما سبقنا إليه بلال وصهيب وعمار وفلان وفلان. وهو ~~القول الرابع. # القول الخامس - أن الذين كفروا من اليهود قالوا للذين آمنوا يعني عبد ~~الله بن سلام وأصحابه: لو كان دين محمد حقا ما سبقونا إليه، قاله أكثر ~~المفسرين، حكاه الثعلبي. وقال مسروق: إن الكفار قالوا لو كان خيرا ما ~~سبقتنا إليه اليهود، فنزلت هذه الآية. # وهذه المعارضة من الكفار في قولهم: لو كان خيرا ما سبقونا إليه من أكبر ~~المعارضات بانقلابها عليهم لكل من خالفهم، حتى يقال لهم: لو كان ما أنتم ~~عليه خيرا ما عدلنا عنه، لو كان تكذيبكم للرسول خيرا ما سبقتمونا إليه، ~~ذكره الماوردي. ثم قيل: قوله " ما سبقونا إليه " يجوز أن يكون من قول ~~الكفار لبعض المؤمنين، ويجوز أن يكون على الخروج من الخطاب إلى الغيبة، ~~كقوله تعالى " حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم " (1) [يونس: 22]. " وإذ لم ~~يهتدوا به " يعني الايمان. وقيل القرآن. وقيل محمد صلى الله عليه وسلم. " ~~فسيقولون هذا إفك قديم " أي لما لم يصيبوا الهدى بالقرآن ولا بمن جاء به ~~عادوه ونسبوه إلى الكذب، وقالوا هذا إفك قديم، كما قالوا: أساطير الأولين. ~~وقيل لبعضهم: هل في القرآن: من جهل شيئا عاداه؟ فقال نعم؟ قال الله تعالى: ~~" وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم " ومثله " بل كذبوا بما لم ~~يحيطوا بعلمه " (2) [يونس: 39]. # قوله تعالى: ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة وهذا كتاب مصدق لسانا عربيا ~~لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين (12) # PageV16P190 # قوله تعالى: " ومن قبله " أي ومن قبل القرآن " كتاب موسى " أي التوراة " ~~إماما " يقتدى بما فيه و " ورحمة " من الله. وفي ms5684 الكلام حذف، أي فلم تهتدوا ~~به. وذلك أنه كان في التوراة نعت النبي صلى الله عليه وسلم والايمان به ~~فتركوا ذلك. و " إماما " نصب على الحال، لان المعنى: وتقدمه كتاب موسى ~~إماما. " ورحمة " معطوف عليه. وقيل: انتصب بإضمار فعل، أي أنزلناه إماما ~~ورحمة. وقال الأخفش: على القطع، لان كتاب موسى معرفة بالإضافة، لان النكرة ~~إذا أعيدت أو أضيفت أو أدخل عليها ألف ولاما صارت معرفة. # " وهذا كتاب " يعني القرآن " مصدق " يعني للتوراة ولما قبله من الكتب. ~~وقيل: مصدق للنبي صلى الله عليه وسلم. " لسانا عربيا " منصوب على الحال، أي ~~مصدق لما قبله عربيا، و " لسانا " توطئة للحال أي تأكيد، كقولهم: جاءني زيد ~~رجلا صالحا، فتذكر رجلا توكيدا. وقيل: نصب بإضمار فعل تقديره: وهذا كتاب ~~مصدق أعني لسانا عربيا. # وقيل: نصب بإسقاط حرف الخفض تقديره: بلسان عربي. وقيل: إن لسانا مفعول ~~والمراد به النبي صلى الله عليه وسلم، أي وهذا كتاب مصدق للنبي صلى الله ~~عليه وسلم لأنه معجزته، والتقدير: مصدق ذا لسان عربي. فاللسان منصوب بمصدق، ~~وهو النبي صلى الله عليه وسلم. ويبعد أن يكون اللسان القرآن، لان المعنى ~~يكون يصدق نفسه. " لينذر الذين ظلموا " قراءة العامة " لينذر " بالياء خبرا ~~عن الكتاب، أي لينذر الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والمعصية. وقيل: هو خبر عن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم. وقرأ نافع وابن عامر والبزي بالتاء، واختاره ~~أبو عبيد وأبو حاتم، على خطاب النبي صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: " ~~إنما أنت منذر " [الرعد: 7]. " وبشرى للمحسنين " " بشرى " في موضع رفع، أي ~~وهو بشرى. وقيل: عطفا على الكتاب، أي وهذا كتاب مصدق وبشرى. ويجوز أن يكون ~~منصوبا بإسقاط حرف الخفض، أي لينذر الذين ظلموا وللبشرى، فلما حذف الخافض ~~نصب. وقيل: على المصدر، أي وتبشر المحسنين بشرى، فلما جعل مكان وتبشر بشرى ~~أو بشارة نصب، كما تقول: أتيتك لأزورك، وكرامة لك وقضاء لحقك، يعني لأزورك ~~وأكرمك وأقضي حقك، فنصب الكرامة بفعل مضمر. PageV16P191 # قوله تعالى: إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف ms5685 عليهم ولا هم ~~يحزنون (13) أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون (14) ~~قوله تعالى: " إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا " الآية تقدم معناها ~~(1). وقال ابن عباس: نزلت في أبي بكر الصديق. والآية تعم. " جزاء " نصب على ~~المصدر. # قوله تعالى: ووصينا الانسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها ~~وحمله وفصاله ثلاثون شهرا حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني ~~أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ~~ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين (15) فيه سبع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " ووصينا الانسان بوالديه إحسانا " بين اختلاف حال ~~الانسان مع أبويه، فقد يطيعهما وقد يخالفهما، أي فلا يبعد مثل هذا في حق ~~النبي صلى الله عليه وسلم وقومه حتى يستجيب له البعض ويكفر البعض. فهذا وجه ~~اتصال الكلام بعضه ببعض، قاله القشيري. # الثانية - قوله تعالى: " حسنا " قراءة العامة " حسنا " وكذا هو في مصاحف ~~أهل الحرمين والبصرة والشام. وقرأ ابن عباس والكوفيون " إحسانا " وحجتهم ~~قوله تعالى في سورة (الانعام وبني إسرائيل): " وبالوالدين إحسانا " (2) ~~[الانعام: 151] وكذا هو في مصاحف الكوفة. # وحجة القراءة الأولى قول تعالى في سورة العنكبوت: " ووصينا الانسان ~~بوالديه حسنا " (3) [العنكبوت: 8] # PageV16P192 # ولم يختلفوا فيها. والحسن خلاف القبح. والاحسان خلاف الإساءة. والتوصية ~~الامر. # وقد مضى القول في هذا وفيمن نزلت (1). # الثالثة - قوله تعالى: " حملته أمه كرها ووضعته كرها " أي بكره ومشقة. ~~وقراءة العامة بفتح الكاف. واختاره أبو عبيد، قال: وكذلك لفظ الكره في كل ~~القرآن بالفتح إلا التي في سورة البقرة " كتب عليكم القتال وهو كره لكم " ~~(2) [البقرة: 216] لان ذلك اسم وهذه كلها مصادر. # وقرأ الكوفيون " كرها " بالضم. قيل: هما لغتان مثل الضعف والضعف والشهد ~~والشهد، قاله الكسائي، وكذلك هو عند جميع البصريين. وقال الكسائي أيضا ~~والفراء في الفرق بينهما: # إن الكره (بالضم) ما حمل الانسان على نفسه، وبالفتح ما حمل على غيره، أي ~~قهرا وغصبا، ولهذا قال بعض أهل العربية: إن كرها (بفتح الكاف) لحن. # الرابعة - قوله تعالى: " وحمله ms5686 وفصاله ثلاثون شهرا " قال ابن عباس: إذا ~~حملت تسعة أشهر أرضعت إحدى وعشرين شهرا، وإن حملت ستة أشهر أرضعت أربعة ~~وعشرين شهرا. وروي أن عثمان قد أتي بامرأة قد ولدت لستة أشهر، فأراد أن ~~يقضي عليها بالحد، فقال له علي رضي الله عنه: ليس ذلك عليها، قال الله ~~تعالى: " وحمله وفصاله ثلاثون شهرا " وقال تعالى: " والوالدات يرضعن ~~أولادهن حولين كاملين " [البقرة: 233] فالرضاع أربعة وعشرون شهرا والحمل ~~ستة أشهر، فرجع عثمان عن قوله ولم يحدها. وقد مضى في " البقرة " (3). وقيل: # لم يعد ثلاثة أشهر في ابتداء الحمل، لان الولد فيها نطفة وعلقة ومضغة فلا ~~يكون له ثقل يحس به، وهو معنى قوله تعالى: " فلما تغشاها حملت حملا خفيفا ~~فمرت (4) به " [الأعراف: 189]. والفصال الفطام. وقد تقدم في " لقمان " (5) ~~الكلام فيه. وقرأ الحسن ويعقوب وغيرهما " وفصله " بفتح الفاء وسكون الصاد. ~~وروي أن الآية نزلت في أبي بكر الصديق، وكان حمله وفصاله في ثلاثين شهرا، ~~حملته أمه تسعة أشهر وأرضعته إحدى وعشرين شهرا. وفي الكلام إضمار، # PageV16P193 # أي ومدة حمله ومدة فصاله ثلاثون شهرا، ولولا هذا الاضمار لنصب ثلاثون على ~~الظرف وتغير المعنى. # الخامسة - قوله تعالى: " حتى إذا بلغ أشده " قال ابن عباس: ثماني عشرة ~~سنة. # وقال في رواية عطاء عنه: إن أبا بكر صحب النبي صلى الله عليه وسلم وهو ~~ابن ثماني عشرة سنة والنبي صلى الله عليه وسلم ابن عشرين سنة، وهم يريدون ~~الشام للتجارة، فنزلوا منزلا فيه سدرة، فقعد النبي صلى الله عليه وسلم في ~~ظلها، ومضى أبو بكر إلى راهب هناك فسأله عن الدين. فقال الراهب: من الرجل ~~الذي في ظل الشجرة؟ فقال: ذاك محمد بن عبد الله ابن عبد المطلب. فقال: هذا ~~والله نبي، وما استظل أحد تحتها بعد عيسى. فوقع في قلب أبي بكر اليقين ~~والتصديق، وكان لا يكاد يفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم في أسفاره ~~وحضره. # فلما نبئ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن أربعين سنة، صدق أبو بكر ~~رضي الله عنه رسول الله ms5687 صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثمانية وثلاثين سنة. ~~فلما بلغ أربعين سنة قال: # " رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي " الآية. وقال ~~الشعبي وابن زيد: الأشد الحلم. وقال الحسن: هو بلوغ الأربعين. وعنه قيام ~~الحجة عليه. وقد مضى في " الانعام " الكلام (1) في الآية. وقال السدي ~~والضحاك: نزلت في سعد بن أبي وقاص. # وقد تقدم (2). وقال الحسن: هي مرسلة نزلت على العموم. والله أعلم. # السادسة - قوله تعالى: " قال رب أوزعني " أي ألهمني. " أن أشكر " في موضع ~~نصب على المصدر، أي شكر نعمتك " علي " أي ما أنعمت به علي من الهداية " ~~وعلى والدي " بالتحنن والشفقة حتى ربياني صغيرا. وقيل: أنعمت علي بالصحة ~~والعافية وعلى والدي بالغنى والثروة. وقال علي رضي الله عنه: هذه الآية ~~نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه! أسلم أبواه جميعا ولم يجتمع لاحد من ~~المهاجرين أبواه غيره، فأوصاه الله بهما ولزم ذلك من بعده. ووالده هو أبو ~~قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم. وأمه # PageV16P194 # أم الخير، واسمها سلمى بنت صخر بن عامر بن كعب بن سعد. وأم أبيه أبي ~~قحافة " قيلة " " بالياء المعجمة باثنتين من تحتها ". وامرأة أبي بكر ~~الصديق اسمها " قتيلة " " بالتاء المعجمة باثنتين من فوقها " بنت عبد ~~العزى. " وأن أعمل صالحا ترضاه " قال ابن عباس: فأجابه الله فأعتق تسعة من ~~المؤمنين يعذبون في الله منهم بلال وعامر بن فهيرة، ولم يدع شيئا من الخير ~~إلا أعانه الله عليه. وفي الصحيح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # [من أصبح منكم اليوم صائما]؟ قال أبو بكر أنا. قال: [فمن تبع منكم اليوم ~~جنازة]؟ # قال أبو بكر أنا. قال: [فمن أطعم منكم اليوم مسكينا]؟ قال أبو بكر أنا. ~~قال: [فمن عاد منكم اليوم مريضا]؟ قال أبو بكر أنا. قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: [ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة]. # السابعة - قوله تعالى: " وأصلح لي في ذريتي " أي اجعل ذريتي صالحين. ms5688 قال ~~ابن عباس: فلم يبق له ولد ولا والد ولا والدة إلا آمنوا بالله وحده. ولم ~~يكن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أسلم هو وأبواه وأولاده ~~وبناته كلهم إلا أبو بكر. وقال سهل بن عبد الله: المعنى اجعلهم لي خلف صدق، ~~ولك عبيد حق. وقال أبو عثمان: # اجعلهم أبرارا لي مطيعين لك. وقال ابن عطاء: وفقهم لصالح أعمال ترضى بها ~~عنهم. وقال محمد بن علي: لا تجعل للشيطان والنفس والهوى عليهم سبيلا. وقال ~~مالك بن مغول: اشتكى أبو معشر ابنه إلى طلحة بن مصرف، فقال: استعن عليه ~~بهذه الآية، وتلا " رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن ~~أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين ". " ~~إني تبت إليك " قال ابن عباس: رجعت عن الامر الذي كنت عليه. " وإني من ~~المسلمين " أي المخلصين بالتوحيد. # قوله تعالى: أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في ~~أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون (16) PageV16P195 # قوله تعالى: " أولئك الذين يتقبل عنهم أحسن ما عملوا ويتجاوز عن سيئاتهم ~~" قراءة العامة بضم الياء فيهما. وقرئ " يتقبل، ويتجاوز " بفتح الياء، ~~والضمير فيهما يرجع لله عز وجل. وقرأ حفص وحمزة والكسائي " نتقبل، ونتجاوز ~~" النون فيهما، أي نغفرها ونصفح عنها. والتجاوز أصله من جزت الشئ إذا لم ~~تقف عليه. وهذه الآية تدل على أن الآية التي قبلها " ووصينا الانسان " إلى ~~آخرها مرسلة نزلت على العموم. وهو قول الحسن. ومعنى " نتقبل عنهم " أي ~~نتقبل منهم الحسنات ونتجاوز عن السيئات. # قال زيد بن أسلم - ويحكيه مرفوعا -: إنهم إذا أسلموا قبلت حسناتهم وغفرت ~~سيئاتهم. وقيل: الأحسن ما يقتضى الثواب من الطاعات، وليس في الحسن المباح ~~ثواب ولا عقاب، حكاه ابن عيسى. " في أصحاب الجنة " " في " بمعنى مع، أي مع ~~أصحاب الجنة، تقول: أكرمك وأحسن إليك في جميع أهل البلد، أي مع جميعهم. " ~~وعد الصدق " نصب لأنه مصدر مؤكد لما قبله، أي وعد الله أهل الايمان أن ~~يتقبل ms5689 من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم وعد الصدق. وهو من باب إضافة الشئ إلى ~~نفسه، لان الصدق هو ذلك الوعد الذي وعده الله، وهو كقوله تعالى: " حق ~~اليقين " (1) [الواقعة: 95]. وهذا عند الكوفيين، فأما عند البصريين ~~فتقديره: وعد الكلام الصدق أو الكتاب الصدق، فحذف الموصوف. وقد مضى هذا في ~~غير موضع (2). " الذي كانوا يوعدون " في الدنيا على ألسنة الرسل، وذلك ~~الجنة. # قوله تعالى: والذي قال لوالديه أف لكما أتعداني أن أخرج وقد خلت القرون ~~من قبلي وهما يستغيثان الله ويلك آمن إن وعد الله حق فيقول ما هذا إلا ~~أساطير الأولين (17) أولئك الذين حق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من ~~الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين (18) # PageV16P196 # قوله تعالى: " والذي قال لوالديه أف لكما أتعدانني أن أخرج " أي أن أبعث. # " وقد خلت القرون من قبلي " قراءة نافع وحفص وغيرهما " أف " مكسور منون. ~~وقرأ ابن كثير وابن محيصن وابن عامر والمفضل عن عاصم " أف " بالفتح من غير ~~تنوين. الباقون بالكسر غير منون، وكلها لغات، وقد مضى في " بني إسرائيل " ~~(1). وقراءة العامة " أتعدانني " بنونين مخففتين. وفتح ياءه أهل المدينة ~~ومكة. وأسكن الباقون. وقرأ أبو حياة والمغيرة وهشام " أتعداني " بنون واحدة ~~مشددة، وكذلك هي في مصاحف أهل الشام. والعامة على ضم الألف وفتح الراء من " ~~أن أخرج ". وقرأ الحسن ونصر وأبو العالية والأعمش وأبو معمر بفتح الألف وضم ~~الراء. قال ابن عباس والسدي وأبو العالية ومجاهد: نزلت في عبد الله بن أبي ~~بكر رضي الله عنهما، وكان يدعوه أبواه إلى الاسلام فيجيبهما بما أخبر الله ~~عز وجل. وقال قتادة والسدي أيضا: هو عبد الرحمن بن أبي بكر قبل إسلامه، ~~وكان أبوه وأمه أم رومان يدعوانه إلى الاسلام ويعدانه بالبعث، فيرد عليهما ~~بما حكاه الله عز وجل عنه، وكان هذا منه قبل إسلامه. وروي أن عائشة رضي ~~الله عنها أنكرت أن تكون نزلت في عبد الرحمن. وقال الحسن وقتادة أيضا: هي ~~نعت عبد كافر عاق لوالديه. وقال الزجاج: # كيف يقال نزلت في عبد الرحمن قبل ms5690 إسلامه والله عز وجل يقول: " أولئك ~~الذين حق عليهم القول في أمم " أي العذاب، ومن ضرورته عدم الايمان، وعبد ~~الرحمن من أفاضل المؤمنين، فالصحيح أنها نزلت في عبد كافر عاق لوالديه. ~~وقال محمد بن زياد: كتب معاوية إلى مروان ابن الحكم حتى يبايع الناس ليزيد، ~~فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: لقد جئتم بها هرقلية (2)، أتبايعون لأبنائكم! ~~فقال مروان: هو الذي يقول الله فيه " والذي قال لوالديه أف لكما " الآية. ~~فقال: # والله ما هو به. ولو شئت لسميت، ولكن الله لعن أباك وأنت في صلبه، فأنت ~~فضض (3) من لعنة الله. قال المهدوي: ومن جعل الآية في عبد الرحمن كان قوله ~~بعد ذلك " أولئك الذين # PageV16P197 # حق عليهم القول " يراد به من اعتقد ما تقدم ذكره، فأول الآية خاص وآخرها ~~عام. وقيل: # إن عبد الرحمن لما قال " وقد خلت القرون من قبلي " قال مع ذلك: فأين عبد ~~الله ابن جدعان، وأين عثمان بن عمرو، وأين عامر بن كعب ومشايخ قريش حتى ~~أسألهم عما يقولون. فقوله " أولئك الذين حق عليهم القول " يرجع إلى أولئك ~~الأقوام. # قلت: قد مضى من خبر عبد الرحمن بن أبي بكر في سورة (الانعام) عند قوله " ~~له أصحاب يدعونه إلى الهدى " (1) [الانعام: 71] ما يدل على نزول هذه الآية ~~فيه، إذ كان كافرا وعند إسلامه وفضله تعين أنه ليس المراد بقوله " أولئك ~~الذين حق عليهم القول ". " وهما " يعني والديه. " يستغيثان الله " أي ~~يدعوان الله له بالهداية. أو يستغيثان بالله من كفره، فلما حذف الجار وصل ~~الفعل فنصب. وقيل: الاستغاثة الدعاء، فلا حاجة إلى الباء. قال الفراء: أجاب ~~الله دعاءه وغواثه. " ويلك آمن " أي صدق بالبعث. " إن وعد الله حق " أي صدق ~~لا خلف فيه. " فيقول ما هذا " أي ما يقوله والداه. " إلا أساطير الأولين " ~~أي أحاديثهم وما سطروه مما لا أصل له. " أولئك الذين حق عليهم القول " يعني ~~الذين أشار إليهم ابن أبي بكر في قوله أحيوا لي مشايخ قريش، وهم المعنيون ~~بقوله " وقد خلت القرون من قبلي ". فأما ابن ms5691 أبي بكر عبد الله أو عبد ~~الرحمن فقد أجاب الله فيه دعاء أبيه في قوله " وأصلح لي في ذريتي " ~~[الأحقاف: 15] على ما تقدم. ومعنى " حق عليهم القول " أي، وجب عليهم ~~العذاب، وهي كلمة الله: [هؤلاء في الجنة ولا أبالي وهؤلاء في النار ولا ~~أبالي]. " في أمم " أي مع أمم " قد خلت " تقدمت ومضت. " من قبلهم من الجن ~~والإنس " الكافرين " إنهم " أي تلك الأمم الكافرة " كانوا خاسرين " ~~لاعمالهم، أي ضاع سعيهم وخسروا الجنة. # قوله تعالى: ولكل درجات مما عملوا وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون (19) # PageV16P198 # قوله تعالى: " ولكل درجات " أي ولكل واحد من الفريقين المؤمنين والكافرين ~~من الجن والإنس مراتب عند الله يوم القيامة بأعمالهم. قال ابن زيد: درجات ~~أهل النار في هذه الآية تذهب سفالا، ودرج أهل الجنة علوا. " وليوفيهم ~~أعمالهم " قرأ ابن كثير وابن محيصن وعاصم وأبو عمرو ويعقوب بالياء لذكر ~~الله قبله، وهو قوله تعالى: " إن وعد الله حق " واختاره أبو حاتم. الباقون ~~بالنون ردا على قوله تعالى: " ووصينا الانسان بوالديه " وهو اختيار أبي ~~عبيد. " وهم لا يظلمون " أي لا يزاد على مسئ ولا ينقص من محسن. # قوله تعالى: ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم ~~الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض ~~بغير الحق وبما كنتم تفسقون (20) قوله تعالى: " ويوم يعرض " أي ذكرهم يا ~~محمد يوم يعرض. " الذين كفروا على النار " أي يكشف الغطاء فيقربون من النار ~~وينظرون إليها. " أذهبتم طيباتكم " أي يقال لهم أذهبتم، فالقول مضمر. وقرأ ~~الحسن ونصر وأبو العالية ويعقوب وابن كثير " أأذهبتم " بهمزتين مخففتين، ~~واختاره أبو حاتم. وقرأ أبو حياة وهشام " آذهبتم " بهمزة واحدة مطولة على ~~الاستفهام. الباقون بهمزة واحدة من غير مد على الخبر، وكلها لغات فصيحة ~~ومعناها التوبيخ، والعرب توبخ بالاستفهام وبغير الاستفهام، وقد تقدم. ~~واختار أبو عبيد ترك الاستفهام لأنه قراءة أكثر أئمة السبعة نافع وعاصم ~~وأبي عمرو وحمزة والكسائي، مع من وافقهم شيبة والزهري وابن محيصن والمغيرة ~~بن أبي شهاب ويحيى بن ms5692 الحارث والأعمش ويحيى بن وثاب وغيرهم، فهذه عليها جلة ~~الناس. وترك الاستفهام أحسن، لان إثباته يوهم أنهم لم يفعلوا ذلك، كما ~~تقول: أنا ظلمتك؟ تريد أنا لم أظلمك. وإثباته حسن أيضا، يقول القائل: ذهبت ~~فعلت كذا، يوبخ ويقول: أذهبت فعلت! كل ذلك جائز. ومعنى PageV16P199 # " أذهبتم طيباتكم " أي تمتعتم بالطيبات في الدنيا واتبعتم الشهوات ~~واللذات، يعني المعاصي. # " فاليوم تجزون عذاب الهون " أي عذاب الخزي والفضيحة. قال مجاهد: الهون ~~الهوان. # قتادة: بلغة قريش. # " بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق " أي تستعجلون على أهلها بغير ~~استحقاق. # " وبما كنتم تفسقون " في أفعالكم بغيا وظلما. وقيل: " أذهبتم طيباتكم " ~~أي أفنيتم شبابكم في الكفر والمعاصي. قال ابن بحر: الطيبات الشباب والقوة، ~~مأخوذ من قولهم: # ذهب أطيباه، أي شبابه وقوته. قال الماوردي: ووجدت الضحاك قاله أيضا. # قلت: القول الأول أظهر، روى الحسن عن الأحنف بن قيس أنه سمع عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه يقول: لأنا أعلم بخفض العيش، ولو شئت لجعلت أكبادا ~~وصلاء وصنابا وصلائق، ولكني أستبقي حسناتي، فإن الله عز وجل وصف أقواما ~~فقال " أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها " وقال أبو عبيد في ~~حديث عمر: لو شئت لدعوت بصلائق وصناب وكراكر وأسنمة. وفي بعض الحديث: ~~وأفلاذ. قال أبو عمرو وغيره: الصلاء (بالمد والكسر): الشواء، سمي بذلك لأنه ~~يصلى بالنار. والصلاء أيضا: صلاء النار، فإن فتحت الصاد قصرت وقلت: صلى ~~النار. والصناب: الأصبغة المتخذة من الخردل والزبيب. # قال أبو عمرو: ولهذا قيل للبرذون: صنابي، وإنما شبه لونه بذلك. قال: ~~والسلائق (بالسين) هو ما يسلق من البقول وغيرها. وقال غيره: هي الصلائق ~~بالصاد، قال جرير: # تكلفني معيشة آل زيد * ومن لي بالصلائق والصناب والصلائق: الخبز الرقاق ~~العريض. وقد مضى هذا المعنى في (الأعراف) (1). # وأما الكراكر فكراكر الإبل، واحدتها كركرة وهي معروفة، هذا قول أبي عبيد. # وفي الصحاح: والكركرة رحى زور البعير، وهي إحدى النفثات الخمس. والكركرة ~~أيضا الجماعة من # PageV16P200 # الناس. وأبو مالك عمرو بن كركرة رجل من علماء اللغة. قال أبو عبيد: وأما ~~الأفلاذ ms5693 فإن واحدها فلذ، وهي القطعة من الكبد. قال أعشى باهلة: # تكفيه حزة فلذ إن ألم بها * من الشواء ويروي شربه الغمر (1) وقال قتادة: ~~ذكر لنا أن عمر رضي الله عنه قال: لو شئت كنت أطيبكم طعاما، وألينكم لباسا، ~~ولكني أستبقي طيباتي للآخرة. ولما قدم عمر الشام صنع له طعام لم ير قط مثله ~~قال: هذا لنا! فما لفقراء المسلمين الذين ماتوا وما شبعوا من خبز الشعير! ~~فقال خالد ابن الوليد: لهم الجنة، فاغرورقت عينا عمر بالدموع وقال: لئن كان ~~حظنا من الدنيا هذا الحطام، وذهبوا هم في حظهم بالجنة فلقد باينونا بونا ~~بعيدا. وفي صحيح مسلم وغيره أن عمر رضي الله عنه دخل على النبي صلى الله ~~عليه وسلم وهو في مشربته (2) حين هجر نساءه قال: فالتفت فلم أر شيئا يرد ~~البصر إلا أهبا (3) جلودا معطونة قد سطع ريحها، فقلت: يا رسول الله، أنت ~~رسول الله وخيرته، وهذا كسرى وقيصر في الديباج والحرير؟ قال: فاستوى جالسا ~~وقال: # (أفي شك أنت يا بن الخطاب. أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا) ~~فقلت: # استغفر لي! فقال: (اللهم اغفر له). وقال حفص بن أبي العاص: كنت أتغدى عند ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه الخبز والزيت، والخبز والخل، والخبز واللبن، ~~والخبز والقديد، وأقل ذلك اللحم الغريض (4). وكان يقول: لا تنخلوا الدقيق ~~فإنه طعام كله، فجئ بخبز متفلع (5) غليظ، فجعل يأكل ويقول: كلوا، فجعلنا لا ~~نأكل، فقال: ما لكم لا تأكلون؟ فقلنا: # والله يا أمير المؤمنين نرجع إلى طعام ألين من طعامك هذا، فقال: يا بن ~~أبي العاص أما ترى بأني عالم أن لو أمرت بعناق (6) سمينة فيلقى عنها شعرها ~~ثم تخرج مصلية (7) كأنها كذا وكذا، # PageV16P201 # أما ترى بأني عالم أن لو أمرت بصاع أو صاعين من زبيب فأجعله في سقاء ثم ~~أشن عليه من الماء فيصبح كأنه دم غزال، فقلت: يا أمير المؤمنين، أجل (1)! ~~ما تنعت العيش، قال: أجل! والله الذي لا إله إلا هو لولا أني أخاف أن تنقص ~~حسناتي يوم ms5694 القيامة لشاركناكم في العيش! ولكني سمعت الله تعالى يقول ~~لأقوام: " أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها ". " فاليوم ~~تجزون عذاب الهون " أي الهوان. " بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق " ~~أي تتعظمون عن طاعة الله وعلى عباد الله. # " وبما كنتم تفسقون " تخرجون عن طاعة الله. وقال جابر: اشتهى أهلي لحما ~~فاشتريته لهم فمررت بعمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: ما هذا يا جابر؟ ~~فأخبرته، فقال: # أو كلما اشتهى أحدكم شيئا جعله في بطنه! أما يخشى أن يكون من أهل هذه ~~الآية: # " أذهبتم طيباتكم " الآية. قال ابن العربي: وهذا عتاب منه له على التوسع ~~بابتياع اللحم والخروج عن جلف الخبز والماء، فإن تعاطي الطيبات من الحلال ~~تستشره لها الطباع وتستمرئها العادة فإذا فقدتها استسهلت في تحصيلها ~~بالشبهات حتى تقع في الحرام المحض بغلبة العادة واستشراه الهوى على النفس ~~الامارة بالسوء، فأخذ عمر الامر من أوله وحماه من ابتدائه كما يفعله مثله. ~~والذي يضبط هذا الباب ويحفظ قانونه: على المرء أن يأكل ما وجد، طيبا كان أو ~~قفارا (2)، ولا يتكلف الطيب ويتخذه عادة، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يشبع إذا وجد، ويصبر إذا عدم، ويأكل الحلوى إذا قدر عليها، ويشرب العسل إذا ~~اتفق له، ويأكل اللحم إذا تيسر، ولا يعتمده أصلا، ولا يجعله ديدنا. ومعيشة ~~النبي صلى الله عليه وسلم معلومة، وطريقة الصحابة منقولة، فأما اليوم عند ~~استيلاء الحرام وفساد الحطام فالخلاص عسير، والله يهب الاخلاص، ويعين على ~~الخلاص برحمته. # وقيل: إن التوبيخ واقع على ترك الشكر لا على تناول الطيبات المحللة، وهو ~~حسن، فإن # PageV16P202 # تناول الطيب الحلال مأذون فيه، فإذا ترك الشكر عليه واستعان به على ما لا ~~يحل له فقد أذهبه. والله أعلم. # قوله تعالى: واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف وقد خلت النذر من بين ~~يديه ومن خلفه ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم (21) قوله ~~تعالى: " واذكر أخا عاد " هو هود بن عبد الله بن رباح عليه السلام، كان ~~أخاهم في ms5695 النسب لا في الدين. " إذ أنذر قومه بالأحقاف " أي أذكر لهؤلاء ~~المشركين قصة عاد ليعتبروا بها. وقيل: أمره بأن يتذكر في نفسه قصة هود ~~ليقتدي به، ويهون عليه تكذيب قومه له. والأحقاف: ديار عاد. وهي الرمال ~~العظام، في قول الخليل وغيره. # وكانوا قهروا أهل الأرض بفضل قوتهم. والأحقاف جمع حقف، وهو ما استطال من ~~الرمل العظيم واعوج ولم يبلغ أن يكون جبلا، والجمع حقاف وأحقاف [وحقوف]. # واحقوقف الرمل والهلال أي أعوج. وقيل: الحقف جمع حقاف. والأحقاف جمع ~~الجمع. # ويقال: حقف أحقف. قال الأعشى: # * بات إلى أرطاة حقف أحقفا (1) * أي رمل مستطيل مشرف. والفعل منه احقوقف. ~~قال العجاج: # طي الليالي زلفا فزلفا * سماوة الهلال حتى احقوقفا أي انحنى واستدار. ~~وقال امرؤ القيس: # كحقف النقا (2) يمشي الوليدان فوقه * بما احتسبا من لين مس وتسهال وفيما ~~أريد بالأحقاف ها هنا مختلف فيه. فقال ابن زيد: هي رمال مشرفة مستطيلة ~~كهيئة الجبال، ولم تبلغ أن تكون جبالا، وشاهده ما ذكرناه. وقال قتادة: هي ~~جبال # PageV16P203 # مشرفة بالشحر، والشحر قريب من عدن، يقال: شحر عمان وشحر عمان، وهو ساحل ~~البحر بين عمان وعدن. وعنه أيضا: ذكر لنا أن عادا كانوا أحياء باليمن، أهل ~~رمل مشرفين على البحر بأرض يقال لها: الشحر. وقال مجاهد: هي أرض من حسمى ~~تسمى بالأحقاف. # وحسمى (بكسر الحاء) اسم أرض بالبادية فيها جبال شواهق ملس الجوانب لا ~~يكاد القتام يفارقها. قال النابغة: # فأصبح عاقلا بجبال حسمى * دقاق الترب محتزم القتام (1) قاله الجوهري. ~~وقال ابن عباس والضحاك: الأحقاف جبل بالشام. وعن ابن عباس أيضا: واد بين ~~عمان ومهرة. وقال مقاتل: كانت منازل عاد باليمن في حضرموت بواد يقال له ~~مهرة، وإليه تنسب الإبل (2) المهرية، فيقال: إبل مهرية ومهاري. وكانوا أهل ~~عمد سيارة في الربيع فإذا هاج (3) العود رجعوا إلى منازلهم، وكانوا من ~~قبيلة إرم. وقال الكلبي: أحقاف الجبل ما نضب عنه الماء زمان الغرق، كان ~~ينضب الماء من الأرض ويبقى أثره. وروى الطفيل عن علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه أنه قال: ms5696 خير واديين في الناس واد بمكة وواد نزل به آدم بأرض الهند. ~~وشر واديين في الناس واد بالأحقاف وواد بحضرموت يدعى برهوت تلقى فيه أرواح ~~الكفار. وخير بئر في الناس بئر زمزم. وشر بئر في الناس بئر برهوت، وهو في ~~ذلك الوادي الذي بحضرموت. " وقد خلت النذر " أي مضت الرسل. " من بين يديه " ~~أي من قبل هود. " ومن خلفه " أي ومن بعده، قاله الفراء. وفي قراءة ابن ~~مسعود " من بين يديه ومن بعده ". " إلا تعبدوا إلا الله " هذا من قول ~~المرسل، فهو كلام معترض. ثم قال هود " إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم " وقيل ~~" ألا تعبدوا إلا الله " من كلام هود، والله أعلم. # قوله تعالى: قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من ~~الصادقين (22) قال إنما العلم عند الله وأبلغكم # PageV16P204 # ما أرسلت به ولكني أراكم قوما تجهلون (23) فلما رأوه عارضا مستقبل ~~أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم ~~(24) تدمر كل شئ بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم كذلك نجزي القوم ~~المجرمين (25) قوله تعالى: " قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا " فيه وجهان: ~~أحدهما - لتزيلنا عن عبادتها بالإفك. الثاني - لتصرفنا عن آلهتنا بالمنع، ~~قاله الضحاك. قال عروة بن أذينة: # إن تك عن أحسن الصنيعة ماء * فوكا ففي آخرين قد أفكوا يقول: إن لم توفق ~~للإحسان فأنت في قوم قد صرفوا. " فأتنا بما تعدنا " هذا يدل على أن الوعد ~~قد يوضع موضع الوعيد. " إن كنت من الصادقين " أنك نبي " قال إنما العلم " ~~بوقت مجئ العذاب. " عند الله " لا عندي. " وأبلغكم ما أرسلت به " عن ربكم. ~~" ولكني أراكم قوما تجهلون " في سؤالكم استعجال العذاب. " فلما رأوه عارضا ~~" قال المبرد: الضمير في " رأوه " يعود إلى غير مذكور، وبينه قوله: " عارضا ~~" فالضمير يعود إلى السحاب، أي فلما رأوا السحاب عارضا. ف " عارضا " نصب ~~على التكرير، سمي بذلك لأنه يبدو في عرض السماء. وقيل: نصب على الحال. ~~وقيل: يرجع الضمير إلى قوله: " فأتنا بما تعدنا " فلما رأوه ms5697 حسبوه سحابا ~~يمطرهم، وكان المطر قد أبطأ عنهم، فلما رأوه " مستقبل أوديتهم " استبشروا. ~~وكان قد جاءهم من واد جرت العادة أن ما جاء منه يكون غيثا، قاله ابن عباس ~~وغيره. قال الجوهري: والعارض السحاب يعترض في الأفق، ومنه قوله تعالى: # " هذا عارض ممطرنا " أي ممطر لنا، لأنه معرفة لا يجوز أن يكون صفة لعارض ~~وهو نكرة. # والعرب إنما تفعل مثل هذا في الأسماء المشتقة من الافعال دون غيرها. قال ~~جرير: # يا رب غابطنا لو كان يطلبكم * لاقى مباعدة منكم وحرمانا ولا يجوز أن ~~يقال: هذا رجل غلامنا. وقال أعرابي بعد الفطر: رب صائمة لن تصومه وقائمة لن ~~تقومه، فجعله نعتا للنكرة وأضافه إلى المعرفة. PageV16P205 # قلت: قوله: (لا يجوز أن يكون صفة لعارض) خلاف قول النحويين، والإضافة في ~~تقدير الانفصال، فهي إضافة لفظية لا حقيقية، لأنها لم تفد الأول تعريفا، بل ~~الاسم نكرة على حاله، فلذلك جرى نعتا على النكرة. هذا قول النحويين في ~~الآية والبيت. ونعت النكرة نكرة. و " رب " لا تدخل إلا على النكرة. " بل هو ~~" أي قال هود لهم. والدليل عليه قراءة من قرأ " قال هود بل هو " وقرئ " قل ~~بل ما استعجلتم به هي ريح " أي قال الله قل بل هو ما استعجلتم به، يعني ~~قولهم: " فأتنا بما تعدنا " ثم بين ما هو فقال: " ريح فيها عذاب أليم " ~~والريح التي عذبوا بها نشأت من ذلك السحاب الذي رأوه، وخرج هود من بين ~~أظهرهم، فجعلت تحمل الفساطيط وتحمل الظعينة (1) فترفعها كأنها جرادة، ثم ~~تضرب بها الصخور. # قال ابن عباس: أول ما رأو العارض قاموا فمدوا أيديهم، فأول ما عرفوا أنه ~~عذاب رأوا ما كان خارجا من ديارهم من الرجال والمواشي تطير بهم الريح ما ~~بين السماء والأرض مثل الريش، فدخلوا بيوتهم وأغلقوا أبوابهم، فقلعت الريح ~~الأبواب وصرعتهم، وأمر الله الريح فأمالت عليهم الرمال، فكانوا تحت الرمال ~~سبع ليال وثمانية أيام حسوما (2)، ولهم أنين، ثم أمر الله الريح فكشفت عنهم ~~الرمال واحتملتهم فرمتهم في البحر، فهي التي قال الله ms5698 تعالى فيها: # " تدمر كل شئ بأمر ربها " أي كل شئ مرت عليه من رجال عاد وأموالها. قال ~~ابن عباس: # أي كل شئ بعثت إليه. والتدمير: الهلاك. وكذلك الدمار. وقرئ " يدمر كل شئ ~~" من دمر دمارا. يقال: دمره تدميرا ودمارا ودمر عليه بمعنى. ودمر يدمر ~~دمورا دخل بغير إذن. وفي الحديث: [من سبق طرفه استئذانه فقد دمر] مخفف ~~الميم. وتدمر: بلد بالشام. ويربوع تدمري إذا كان صغيرا قصيرا. " بأمر ربها ~~" بإذن ربها. وفي البخاري عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه ~~وسلم قالت: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضاحكا حتى أرى منه لهواته ~~(3) إنما كان يتبسم. قالت: وكان إذا رأى غيما أو ريحا # PageV16P206 # عرف في وجهه. قالت: يا رسول الله، الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن ~~يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته عرف في وجهك الكراهية؟ فقال: [يا عائشة، ~~ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب عذب قوم بالريح وقد رأى قوم العذاب فقالوا هذا ~~عارض ممطرنا] خرجه مسلم والترمذي، وقال فيه: حديث حسن. وفي صحيح مسلم عن ~~ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: [نصرت بالصبا (1) وأهلكت ~~عاد بالدبور]. وذكر الماوردي أن القائل " هذا عارض ممطرنا " من قوم عاد: ~~بكر بن معاوية، ولما رأى السحاب قال: إني لأرى سحابا مرمدا، لا تدع من عاد ~~أحدا (2). فذكر عمرو بن ميمون أنها كانت تأتيهم بالرجل الغائب حتى تقذفه في ~~ناديهم. قال ابن إسحاق: واعتزل هود ومن معه من المؤمنين في حظيرة، ما يصيبه ~~ومن معه منها إلا ما يلين أعلى ثيابهم. وتلتذ الأنفس به، وأنها لتمر من عاد ~~بالظعن بين السماء والأرض وتدمغهم بالحجارة حتى هلكوا. وحكى الكلبي أن ~~شاعرهم قال في ذلك: # فدعا هود عليهم * دعوة أضحوا همودا عصفت ريح عليهم * تركت عادا خمودا ~~سخرت سبع ليال * لم تدع في الأرض عودا وعمر هود في قومه بعدهم مائة وخمسين ~~سنة. " فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم " قرأ عاصم وحمزة " لا يرى إلا مساكنهم ms5699 ~~" بالياء غير مسمى الفاعل. وكذلك روى حماد بن سلمة عن ابن كثير إلا أنه قرأ ~~" ترى " بالتاء. وقد روى ذلك عن أبي بكر عن عاصم. الباقون " ترى " بتاء ~~مفتوحة. " مساكنهم " بالنصب، أي لا ترى يا محمد إلا مساكنهم. قال المهدوي: ~~ومن قرأ بالتاء غير مسمى الفاعل فعلى لفظ الظاهر الذي هو المساكن المؤنثة، ~~وهو قليل لا يستعمل إلا في الشعر. وقال أبو حاتم: لا يستقيم هذا في اللغة ~~إلا أن يكون فيها إضمار، كما تقول في الكلام ألا ترى النساء إلا زينب. ولا ~~يجوز لا ترى إلا زينب. # PageV16P207 # وقال سيبويه: معناه لا ترى أشخاصهم إلا مساكنهم. واختار أبو عبيد وأبو ~~حاتم قراءة عاصم وحمزة. قال الكسائي: معناه لا يرى شئ إلا مساكنهم، فهو ~~محمول على المعنى، كما تقول: ما قام إلا هند، والمعنى ما قام أحد إلا هند. ~~وقال الفراء: لا يرى الناس لأنهم كانوا تحت الرمل، وإنما ترى مساكنهم لأنها ~~قائمة. " كذلك نجزي القوم المجرمين " أي مثل هذه العقوبة نعاقب بها ~~المشركين. # قوله تعالى: ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصارا ~~وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شئ إذ كانوا يجحدون ~~بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون (26) قوله تعالى: " ولقد مكناهم ~~فيما إن مكناكم فيه " قيل: إن " إن " زائدة، تقديره ولقد مكناهم فيما ~~مكناكم فيه. وهذا قول القتبي. # وأنشد الأخفش: # يرجي المرء ما إن لا يراه * وتعرض دون أدناه الخطوب وقال آخر: # فما إن طبنا جبن ولكن * منايانا ودولة آخرينا (1) وقيل: إن " ما " بمعنى ~~الذي. و " إن " بمعنى ما، والتقدير ولقد مكناهم في الذي ما مكناكم فيه، ~~قاله المبرد. وقيل: شرطية وجوابها مضمر محذوف، والتقدير ولقد مكناهم في ما ~~إن مكناكم فيه كان بغيكم أكثر وعنادكم أشد، وتم الكلام. ثم ابتدأ فقال: " ~~وجعلنا لهم سمعا وأبصار وأفئدة " يعني قلوبا يفقهون بها. " فما أغنى عنهم ~~سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شئ " من عذاب الله. " إذ كانوا يجحدون " ~~يكفرون " بآيات الله ms5700 وحاق بهم " أحاط بهم. " ما كانوا به يستهزئون ". # PageV16P208 # قوله تعالى: ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون ~~(27) قوله تعالى: " ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى " يريد حجر ثمود وقرى ~~لوط ونحوهما مما كان يجاور بلاد الحجاز، وكانت أخبارهم متواترة عندهم. " ~~وصرفنا الآيات " يعني الحجج والدلالات وأنواع البينات والعظات، أي بيناها ~~لأهل تلك القرى. " لعلهم يرجعون " فلم يرجعوا. وقيل: أي صرفنا آيات القرآن ~~في الوعد والوعيد والقصص والاعجاز لعل هؤلاء المشركين يرجعون. # قوله تعالى: فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة بل ضلوا ~~عنهم وذلك إفكهم وما كانوا يفترون (28) قوله تعالى: " فلولا نصرهم " " لولا ~~" بمعنى هلا، أي هلا نصرهم آلهتهم التي تقربوا بها بزعمهم إلى الله لتشفع ~~لهم حيث قالوا: " هؤلاء شفعاؤنا عند الله " (1) [يونس: 18] ومنعتهم من ~~الهلاك الواقع بهم. قال الكسائي: القربان كل ما يتقرب به إلى الله تعالى من ~~طاعة ونسيكة، والجمع قرابين، كالرهبان والرهابين. وأحد مفعولي اتخذ الراجع ~~(2) إلى الذين المحذوف، والثاني " آلهة ". # و " قربانا " حال، ولا يصح أن يكون " قربانا " مفعولا ثانيا. و " آلهة " ~~بدل منه لفساد المعنى، قاله الزمخشري. وقرئ " قربانا " بضم الراء. " بل ~~ضلوا عنهم " أي هلكوا عنهم. وقيل: " بل ضلوا عنهم " أي ضلت عنهم آلهتهم ~~لأنها لم يصبها ما أصابهم، إذ هي جماد. وقيل: ضلوا عنهم، أي تركوا الأصنام ~~وتبرؤوا منها. " وذلك إفكهم " أي والآلهة التي ضلت عنهم هي إفكهم في قولهم: ~~إنها تقربهم إلى الله زلفى. وقراءة العامة " إفكهم " بكسر الهمزة وسكون ~~الفاء، أي كذبهم. والإفك: الكذب، وكذلك الأفيكة، والجمع الأفائك. # ورجل أفاك أي كذاب. وقرأ ابن عباس ومجاهد وابن الزبير " وذلك أفكهم " ~~بفتح الهمزة # PageV16P209 # والفاء والكاف، على الفعل، أي ذلك القول صرفهم عن التوحيد. والإفك " ~~بالفتح " مصدر قولك: أفكه يأفكه أفكا، أي قلبه وصرفه عن الشئ. وقرأ عكرمة " ~~أفكهم " بتشديد الفاء على التأكيد والتكثير. قال أبو حاتم: يعني قلبهم عما ~~كانوا عليه من النعيم. وذكر المهدوي عن ابن عباس أيضا " آفكهم " بالمد وكسر ~~الفاء، بمعنى صارفهم. وعن ms5701 عبد الله بن الزبير باختلاف عنه " آفكهم " بالمد، ~~فجاز أن يكون أفعلهم، أي أصارهم إلى الإفك. وجاز أن يكون فاعلهم كخادعهم. ~~ودليل قراءة العامة " إفكهم " قوله " وما كانوا يفترون " أي يكذبون. وقيل " ~~إفكهم " مثل " أفكهم ". الإفك والإفك كالحذر والحذر، قاله المهدوي. # قوله تعالى: وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه ~~قالوا أنصتوا فلما قضى ولوا إلى قومهم منذرين (29) قوله تعالى: " وإذ صرفنا ~~إليك نفرا من الجن " هذا توبيخ لمشركي قريش، أي إن الجن سمعوا القرآن ~~فآمنوا به وعلموا أنه من عند الله وأنتم معرضون مصرون على الكفر. # ومعنى " صرفنا " وجهنا إليك وبعثنا. وذلك أنهم صرفوا عن استراق السمع من ~~السماء برجوم الشهب - على ما يأتي - ولم يكونوا بعد عيسى قد صرفوا عنه إلا ~~عند مبعث النبي صلى الله عليه وسلم. قال المفسرون ابن عباس وسعيد بن جبير ~~ومجاهد وغيرهم: لما مات أبو طالب خرج النبي صلى الله عليه وسلم وحده إلى ~~الطائف يلتمس من ثقيف النصرة فقصد عبد يا ليل ومسعودا وحبيبا وهم إخوة - ~~بنو عمرو بن عمير - وعندهم امرأة من قريش من بني جمح، فدعاهم إلى الايمان ~~وسألهم أن ينصروه على قومه فقال أحدهم: هو يمرط (1) ثياب الكعبة إن كان ~~الله أرسلك! وقال الآخر: ما وجد الله أحدا يرسله غيرك! وقال الثالث: والله ~~لا أكلمك كلمة أبدا، إن كان الله أرسلك كما تقول فأنت أعظم خطرا من أن أرد ~~عليك الكلام، وإن كنت تكذب فما ينبغي لي أن أكلمك. ثم أغروا به سفهاءهم # PageV16P210 # وعبيدهم يسبونه ويضحكون به، حتى اجتمع عليه الناس وألجئوه إلى حائط لعتبة ~~وشيبة ابني ربيعة. فقال للجمحية: [ماذا لقينا من أحمائك]؟ ثم قال: [اللهم ~~إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، ~~أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، لمن تكلني! إلى عبد (1) يتجهمني (2)، أو إلى ~~عدو ملكته أمري! إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، ~~أعوذ بنور وجهك من أن ينزل بي غضبك، ms5702 أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ~~ولا حول ولا قوة إلا بك]. # فرحمه ابنا ربيعة وقالا لغلام لهما نصراني يقال له عداس: خذ قطفا من ~~العنب وضعه في هذا الطبق ثم ضعه بين يدي هذا الرجل، فلما وضعه بين يدي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال النبي صلى الله عليه وسلم (باسم الله) ثم أكل، ~~فنظر عداس إلى وجهه ثم قال: # والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلدة! فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: [من أي البلاد أنت يا عداس وما دينك]؟ قال: أنا نصراني من أهل نينوى. ~~فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: [أمن قرية الرجل الصالح يونس بن متى]؟ ~~فقال: وما يدريك ما يونس ابن متى؟ قال: [ذاك أخي كان نبيا وأنا نبي] فانكب ~~عداس حتى قبل رأس النبي صلى الله عليه وسلم ويديه ورجليه. فقال له ابنا ~~ربيعة: لم فعلت هكذا!؟ فقال: يا سيدي ما في الأرض خير من هذا، أخبرني بأمر ~~ما يعلمه إلا نبي. ثم انصرف النبي صلى الله عليه وسلم حين يئس من خير ثقيف، ~~حتى إذا كان ببطن نخلة قام من الليل يصلي فمر به نفر من جن أهل نصيبين. ~~وكان سبب ذلك أن الجن كانوا يسترقون السمع، فلما حرست السماء ورموا بالشهب ~~قال إبليس: إن هذا الذي حدث في السماء لشئ حدث في الأرض، فبعث سراياه ليعرف ~~الخبر، أولهم ركب نصيبين وهم أشراف الجن إلى تهامة، فلما بلغوا بطن نخلة ~~سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة الغداة ببطن نخلة ويتلو القرآن، ~~فاستمعوا له وقالوا: أنصتوا. وقالت طائفة: بل أمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~أن ينذر # PageV16P211 # الجن ويدعوهم إلى الله تعالى ويقرأ عليهم القرآن، فصرف الله عز وجل إليه ~~نفرا من الجن من نينوى وجمعهم له، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: [إني ~~أريد أن أقرأ القرآن على الجن الليلة فأيكم يتبعني]؟ فأطرقوا، ثم قال ~~الثانية فأطرقوا، ثم قال الثالثة فأطرقوا، فقال ابن مسعود: ms5703 أنا يا رسول ~~الله، قال ابن مسعود: ولم يحضر معه أحد غيري، فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى ~~مكة دخل النبي صلى الله عليه وسلم شعبا يقال له (شعب الحجون) وخط لي خطا ~~وأمرني أن أجلس فيه وقال: [لا تخرج منه حتى أعود إليك]. ثم انطلق حتى قام ~~فافتتح القرآن، فجعلت أرى أمثال النسور تهوى وتمشي في رفرفها، وسمعت لغطا ~~وغمغة حتى خفت على النبي صلى الله عليه وسلم، وغشيته أسودة (1) كثيرة حالت ~~بيني وبينه حتى ما أسمع صوته، ثم طفقوا يتقطعون مثل قطع السحاب ذاهبين، ~~ففرغ النبي صلى الله عليه وسلم مع الفجر فقال: [أنمت]؟ قلت: لا والله، ولقد ~~هممت مرارا أن أستغيث بالناس حتى سمعتك تقرعهم بعصاك تقول اجلسوا، فقال: ~~[لو خرجت لم آمن عليك أن يخطفك بعضهم] ثم قال: [هل رأيت شيئا]؟ قلت: نعم يا ~~رسول الله، رأيت رجالا سودا مستثفري (2) ثيابا بيضا، فقال: [أولئك جن ~~نصيبين سألوني المتاع والزاد فمتعتهم بكل عظم حائل (3) وروثة وبعرة]. ~~فقالوا: يا رسول الله يقذرها الناس علينا. فنهى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن يستنجى بالعظم والروث. قلت: يا نبي الله، وما يغني ذلك عنهم! قال: ~~[إنهم لا يجدون عظما إلا وجدوا عليه لحمه يوم أكل، ولا روثة إلا وجدوا فيها ~~حبها يوم أكل] فقلت: # يا رسول الله، لقد سمعت لغطا شديدا؟ فقال: [إن الجن تدارأت (4) في قتيل ~~بينهم فتحاكموا إلي فقضيت بينهم بالحق]. ثم تبرز النبي صلى الله عليه وسلم ~~ثم أتاني فقال: [هل معك ماء]، فقلت يا نبي الله، معي إداوة (5) فيها شئ من ~~نبيذ التمر فصببت على يديه فتوضأ فقال: [تمرة طيبة وماء طهور]. روى معناه ~~معمر عن قتادة وشعبة أيضا عن ابن مسعود. وليس # PageV16P212 # في حديث معمر ذكر نبيذ التمر. روي عن أبي عثمان النهدي أن ابن مسعود أبصر ~~زطا (1) فقال: # ما هؤلاء؟ قال: هؤلاء الزط. قال: ما رأيت شبههم إلا الجن ليلة الجن ~~فكانوا مستفزين يتبع بعضهم بعضا. وذكر الدارقطني عن عبد الله بن لهيعة ~~حدثني ms5704 قيس بن الحجاج عن حنش عن ابن عباس عن ابن مسعود أنه وضأ النبي صلى ~~الله عليه وسلم ليلة الجن بنبيذ فتوضأ به وقال: # [شراب وطهور]. ابن لهيعة لا يحتج به. وبهذا السند عن ابن مسعود أنه خرج ~~مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن، فقال له رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: [أمعك ماء يا بن مسعود]؟ فقال: معي نبيذ في إداوة، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: [صب علي منه]. فتوضأ وقال: [هو شراب وطهور] تفرد به ~~ابن لهيعة وهو ضعيف الحديث. قال الدارقطني: وقيل إن ابن مسعود لم يشهد مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن. كذلك رواه علقمة بن قيس وأبو عبيدة بن ~~عبد الله وغيرهما عنه أنه قال: ما شهدت ليلة الجن. # حدثنا أبو محمد بن صاعد حدثنا أبو الأشعث حدثنا بشر بن المفضل حدثنا داود ~~بن أبي هند عن عامر عن علقمة بن قيس قال قلت لعبد الله بن مسعود: أشهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أحد منكم ليلة أتاه داعي الجن؟ قال لا. قال ~~الدارقطني: هذا إسناد صحيح لا يختلف في عدالة راويه. وعن عمرو بن مرة قال ~~قلت لأبي عبيدة: حضر عبد الله بن مسعود ليلة الجن؟ فقال لا. قال ابن عباس: ~~كان الجن سبعة نفر من جن نصيبين فجعلهم النبي صلى الله عليه وسلم رسلا إلى ~~قومهم. وقال زر بن حبيش: كانوا تسعة أحدهم زوبعة. وقال قتادة: إنهم من أهل ~~نينوى. وقال مجاهد: من أهل حران. وقال عكرمة: من جزيرة الموصل. وقيل: إنهم ~~كانوا سبعة، ثلاثة من أهل نجران وأربعة من أهل نصيبين. وروى ابن أبي الدنيا ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في هذا الحديث وذكر فيه نصيبين فقال: ~~[رفعت إلي حتى رأيتها فدعوت الله أن يكثر مطرها وينضر شجرها وأن يغزو ~~نهرها]. وقال السهيلي: ويقال كانوا سبعة، وكانوا يهودا فأسلموا، ولذلك ~~قالوا " أنزل من بعد موسى ". وقيل في أسمائهم: شاصر (2) وماصر ومنشي # PageV16P213 # وماشي والأحقب، ms5705 ذكر هؤلاء الخمسة ابن دريد. ومنهم عمرو بن جابر، ذكره ابن ~~سلام من طريق أبي إسحاق السبيعي عن أشياخه عن ابن مسعود أنه كان في نفر من ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يمشون فرفع لهم إعصار ثم جاء إعصار أعظم ~~منه فإذا حية قتيل، فعمد رجل منا إلى ردائه فشقه وكفن الحية ببعضه ودفنها، ~~فلما جن الليل إذا امرأتان تسألان: # أيكم دفن عمرو بن جابر؟ فقلنا: ما ندري من عمرو بن جابر! فقالتا: إن كنتم ~~ابتغيتم الاجر فقد وجدتموه، إن فسقة الجن اقتتلوا مع المؤمنين فقتل عمرو، ~~وهو الحية التي رأيتم، وهو من النفر الذين استمعوا القرآن من محمد صلى الله ~~عليه وسلم ثم ولوا إلى قومهم منذرين. # وذكر ابن سلام رواية أخرى: أن الذي كفنه هو صفوان بن المعطل. # قلت: وذكر هذا الخبر الثعلبي بنحوه فقال: وقال ثابت بن قطبة جاء أناس إلى ~~ابن مسعود فقالوا: إنا كنا في سقر فرأينا حية متشحطة في دمائها، فأخذها رجل ~~منا فواريناها، فجاء أناس فقالوا: أيكم دفن عمرا؟ قلنا: وما عمرو! قالوا ~~الحية التي دفنتم في مكان كذا، أما إنه كان من النفر الذين سمعوا القرآن من ~~النبي صلى الله عليه وسلم وكان بين حيين من الجن مسلمين وكافرين قتال فقتل. ~~ففي هذا الخبر أن ابن مسعود لم يكن في سفر ولا حضر الدفن، والله أعلم. وذكر ~~ابن أبي الدنيا عن رجل من التابعين سماه: أن حية دخلت عليه في خبائه تلهث ~~عطشا فسقاها ثم أنها ماتت فدفنها، فأتي من الليل فسلم عليه وشكر، وأخبر أن ~~تلك الحية كانت رجلا عن جن نصيبين اسمه زوبعة. قال السهيلي: وبلغنا في ~~فضائل عمر ابن عبد العزيز رضي الله عنه مما حدثنا به أبو بكر بن طاهر ~~الإشبيلي أن عمر بن عبد العزيز كان يمشي بأرض فلاة، فإذا حية ميتة فكفنها ~~بفضلة من ردائه ودفنها، فإذا قائل يقول: # يا سرق، أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: [ستموت بأرض فلاة ~~فيكفنك رجل ms5706 صالح]. فقال: ومن أنت يرحمك الله! فقال: رجل من الجن الذين ~~استمعوا القرآن من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبق منهم إلا أنا وسرق، ~~وهذا سرق قد مات. وقد قتلت PageV16P214 # عائشة رضي الله عنها حية رأتها في حجرتها تستمع وعائشة تقرأ، فأتيت في ~~المنام فقيل لها: # إنك قتلت رجلا مؤمنا من الجن الذين قدموا على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فقالت: # لو كان مؤمنا ما دخل على حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقيل لها: ما ~~دخل عليك إلا وأنت متقنعة، وما جاء إلا ليستمع الذكر. فأصبحت عائشة فزعة، ~~واشترت رقابا فأعتقتهم. قال السهيلي: وقد ذكرنا من أسماء هؤلاء الجن ما ~~حضرنا، فإن كانوا سبعة فالأحقب منهم وصف لأحدهم، وليس باسم علم، فإن ~~الأسماء التي ذكرناها آنفا ثمانية بالأحقب. والله أعلم. # قلت: وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في تاريخه: هامة بن الهيم (1) بن الأقيس ~~بن إبليس، قيل: إنه من مؤمني الجن وممن لقي النبي صلى الله عليه وسلم وعلمه ~~سورة " إذا وقعت الواقعة " [الواقعة: 1] و " المرسلات " [المرسلات: 1] و " ~~عم يتساءلون " [النبأ: 1] و " إذا الشمس كورت " [التكوير: 1] و " الحمد " ~~[الفاتحة: 1] و " المعوذتين " [الفلق: 1 - والناس: 1]. وذكر أنه حضر قتل ~~هابيل وشرك في دمه وهو غلام ابن أعوام، وأنه لقي نوحا وتاب على يديه، وهودا ~~وصالحا ويعقوب ويوسف وإلياس وموسى بن عمران وعيسى ابن مريم عليهم السلام. # وقد ذكر الماوردي أسماءهم عن مجاهد فقال: حسي ومسى ومنشى وشاصر وماصر ~~والأرد وأنيان والأحقم. وذكرها أبو عمرو عثمان بن أحمد المعروف بابن السماك ~~قال: حدثنا محمد ابن البراء قال حدثنا الزبير بن بكار قال: كان حمزة بن ~~عتبة بن أبي لهب يسمى جن نصيبين الذين قدموا على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فيقول: حسي ومسى وشاصر وماصر والأفخر والأرد وأنيان (2). # قوله تعالى: " فلما حضروه " أي حضروا النبي صلى الله عليه وسلم، وهو من ~~باب تلوين الخطاب. وقيل: لما حضروا القرآن واستماعه. " قالوا أنصتوا " أي ~~قال بعضهم لبعض اسكتوا لاستماع ms5707 القرآن. قال ابن مسعود: هبطوا على النبي صلى ~~الله عليه وسلم # PageV16P215 # وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة، فلما سمعوه " قالوا أنصتوا " قالوا صه. ~~وكانوا سبعة: # أحدهم زوبعة، فأنزل الله تعالى: " وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون ~~القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا " الآية إلى قوله: " في ضلال مبين " ~~[الأحقاف: 32]. وقيل: " أنصتوا " لسماع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~والمعنى متقارب. " فلما قضى " وقرأ لاحق بن حميد وخبيب بن عبد الله بن ~~الزبير " فلما قضى " بفتح القاف والضاد، يعني النبي صلى الله عليه وسلم قبل ~~الصلاة. وذلك أنهم خرجوا حين حرست السماء من استراق السمع ليستخبروا ما ~~أوجب ذلك؟ فجاءوا وادي نخلة والنبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في صلاة الفجر، ~~وكانوا سبعة، فسمعوه وانصرفوا إلى قومهم منذرين، ولم يعلم بهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم. # وقيل: بل أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن ينذر الجن ويقرأ عليهم القرآن، ~~فصرف الله إليه نفرا من الجن ليستمعوا منه وينذروا قومهم، فلما تلا عليهم ~~القرآن وفرغ انصرفوا بأمره قاصدين من وراءهم من قومهم من الجن، منذرين لهم ~~مخالفة القرآن ومحذرين إياهم بأس الله إن لم يؤمنوا. وهذا يدل على أنهم ~~آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، وأنه أرسلهم. # ويدل على هذا قولهم: " يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به " [الأحقاف: ~~31] ولولا ذلك لما أنذروا قومهم. وقد تقدم عن ابن عباس أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم جعلهم رسلا إلى قومهم، فعلى هذا ليلة الجن ليلتان، وقد تقدم هذا ~~المعنى مستوفى. وفي صحيح مسلم ما يدل على ذلك على ما يأتي بيانه في " قل ~~أوحي إلي " [الجن: 1]. وفي صحيح مسلم عن معن قال: سمعت أبي قال سألت مسروقا ~~من آذن (1) النبي صلى الله عليه وسلم بالجن ليلة استمعوا القرآن؟ فقال: ~~حدثني أبوك - يعني ابن مسعود - أنه آذنته بهم شجرة. # قوله تعالى: قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما ~~بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم (30) # PageV16P216 # يا قومنا ms5708 أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب ~~أليم (31) قوله تعالى: " قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى ~~" أي القرآن، وكانوا مؤمنين بموسى. قال عطاء: كانوا يهودا فأسلموا، ولذلك ~~قالوا: " أنزل من بعد موسى ". # وعن ابن عباس أن الجن لم تكن سمعت بأمر عيسى، فلذلك قالت: " أنزل من بعد ~~موسى ". # " مصدقا لما بين يديه " يعني ما قبله من التوراة. " يهدي إلى الحق " دين ~~الحق. # " وإلى طريق مستقيم " دين الله القويم. " يا قومنا أجيبوا داعي الله " ~~يعني محمدا صلى الله عليه وسلم، وهذا يدل على أنه كان مبعوثا إلى الجن ~~والإنس. قال مقاتل: ولم يبعث الله نبيا إلى الجن والإنس قبل محمد صلى الله ~~عليه وسلم. # قلت: يدل على قوله ما في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: [أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي كان كل نبي ~~يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود وأحلت لي الغنائم ولم تحل لاحد ~~قبلي وجعلت لي الأرض طيبة طهورا ومسجدا فأيما رجل أدركته الصلاة صلى حيث ~~كان ونصرت بالرعب بين يدي مسيرة شهر وأعطيت الشفاعة]. قال مجاهد: الأحمر ~~والأسود: الجن والإنس. # وفي رواية من حديث أبي هريرة " وبعثت إلى الخلق كافة وختم بي النبيون ". ~~" وآمنوا به " أي بالداعي، وهو محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: " به " أي ~~بالله، لقوله: " يغفر لكم من ذنوبكم ". قال ابن عباس: فاستجاب لهم من قومهم ~~سبعون رجلا، فرجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوافقوه بالبطحاء، فقرأ ~~عليهم القرآن وأمرهم ونهاهم. # مسألة - هذه الآي تدل على أن الجن كالإنس في الأمر والنهي والثواب ~~والعقاب. # وقال الحسن: ليس لمؤمني الجن ثواب غير نجاتهم من النار، يدل عليه قوله ~~تعالى: # " يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم ". وبه قال أبو حنيفة قال: ليس ~~ثواب الجن إلا أن يجاروا من النار، ثم يقال لهم: كونوا ترابا مثل البهائم. ~~وقال آخرون: إنهم كما ms5709 يعاقبون PageV16P217 # في الإساءة يجازون في الاحسان مثل الانس. وإليه ذهب مالك والشافعي وابن ~~أبي ليلي. # وقد قال الضحاك: الجن يدخلون الجنة ويأكلون ويشربون. قال القشيري: ~~والصحيح أن هذا مما لم يقطع فيه بشئ، والعلم عند الله. # قلت: قوله تعالى: " ولكل درجات مما عملوا " (1) [الانعام: 132] يدل على ~~أنهم يثابون ويدخلون الجنة، لأنه قال في أول الآية: " يا معشر (1) الجن ~~والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي - إلى أن قال - ولكل درجات ~~مما عملوا " [الانعام: 130 - 132]. والله أعلم، وسيأتي لهذا في سورة " ~~الرحمن " مزيد بيان إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض وليس له من دونه ~~أولياء أولئك في ضلال مبين (32) قوله تعالى: " ومن لا يجب داعي الله فليس ~~بمعجز في الأرض " أي لا يفوت الله ولا يسبقه " وليس له من دونه أولياء " أي ~~أنصار يمنعونه من عذاب الله. " أولئك في ضلال مبين ". # قوله تعالى: أو لم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن ~~بقادر على أن يحي الموتى بلى إنه على كل شئ قدير (33) قوله تعالى: " أو لم ~~يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض " الرؤية هنا بمعنى العلم. و " أن " ~~واسمها وخبرها سدت مسد مفعولي الرؤية. " ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحي ~~الموتى " احتجاج على منكري البعث. ومعنى " لم يعي " يعجز ويضعف عن إبداعهن. ~~يقال: عي بأمره وعيي إذا لم يهتد لوجهه، والادغام أكثر. وتقول في الجمع ~~عيوا، مخففا، وعيوا أيضا بالتشديد. قال: # PageV16P218 # عيوا بأمرهم كما * عيت ببيضتها الحمامة (1) وعييت بأمري إذا لم تهتد ~~لوجهه. وأعياني هو. وقرأ الحسن " ولم يعي " بكسر العين وإسكان الياء، وهو ~~قليل شاذ، لم يأت إعلال العين وتصحيح اللام إلا في أسماء قليلة، نحو غاية ~~وآية. ولم يأت في الفعل سوى بيت أنشده الفراء، وهو قول الشاعر: # فكأنها بين النساء سبيكة * تمشى بسدة (2) بيتها فتعي " بقادر " قال أبو ~~عبيدة والأخفش: الباء زائدة للتوكيد كالباء في قوله: " وكفى بالله شهيدا " ~~[النساء: 166]، وقوله: " تنبت ms5710 بالدهن " (3) [المؤمنون: 20]. وقال الكسائي ~~والفراء والزجاج: الباء فيه خلف الاستفهام والجحد في أول الكلام. قال ~~الزجاج: والعرب تدخلها مع الجحد تقول: ما ظننت أن زيدا بقائم. ولا تقول: ~~ظننت أن زيدا بقائم. وهو لدخول " ما " ودخول " أن " للتوكيد. والتقدير: ~~أليس الله بقادر، كقوله تعالى: " أو ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر " ~~(4) [يس: 81]. وقرأ ابن مسعود والأعرج والجحدري وابن أبي إسحاق ويعقوب " ~~يقدر " واختاره أبو حاتم، لان دخول الباء في خبر " أن " قبيح. واختار أبو ~~عبيد قراءة العامة، لأنها في قراءة عبد الله " خلق السماوات والأرض قادر " ~~بغير باء. والله أعلم. # قوله تعالى: ويوم يعرض الذين كفروا على النار أليس هذا بالحق قالوا بلى ~~وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون (34) قوله تعالى: " ويوم يعرض ~~الذين كفروا على النار " أي ذكرهم يوم يعرضون فيقال لهم: " أليس هذا بالحق ~~قالوا بلى وربنا " فيقول لهم المقرر: " فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون " أي ~~بكفركم. # PageV16P219 # قوله تعالى: فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل لهم كأنهم ~~يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم ~~الفاسقون (35) قوله تعالى: " فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل " وقال ~~ابن عباس: ذوو الحزم والصبر، قال مجاهد: هم خمسة: نوح، وإبراهيم، وموسى، ~~وعيسى، ومحمد عليهم الصلاة والسلام. وهم أصحاب الشرائع. وقال أبو العالية: ~~إن أولي العزم: نوح، وهود، وإبراهيم. # فأمر الله عز وجل نبيه عليه الصلاة والسلام أن يكون رابعهم. وقال السدي: ~~هم ستة: # إبراهيم، وموسى، وداود، وسليمان، وعيسى، ومحمد، صلوات الله عليهم أجمعين. ~~وقيل: # نوح، وهود، وصالح، وشعيب، ولوط، وموسى، وهم المذكورون على النسق في سورة ~~" الأعراف والشعراء ". وقال مقاتل: هم ستة: نوح صبر على أذى قومه مدة. # وإبراهيم صبر على النار. وإسحاق صبر على الذبح. ويعقوب صبر على فقد الولد ~~وذهاب البصر. ويوسف صبر على البئر والسجن. وأيوب صبر على الضر. وقال ابن ~~جريج: # إن منهم إسماعيل ويعقوب وأيوب، وليس منهم يونس ولا سليمان ولا آدم. وقال ~~الشعبي والكلبي ms5711 ومجاهد أيضا: هم الذين أمروا بالقتال فأظهروا المكاشفة ~~وجاهدوا الكفرة. # وقيل: هم نجباء الرسل المذكورون في سورة " الانعام " وهم ثمانية عشر: ~~إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، ونوح، وداود، وسليمان، وأيوب، ويوسف، وموسى، ~~وهارون، وزكرياء، ويحيى، وعيسى، وإلياس، وإسماعيل، واليسع، ويونس، ولوط. ~~واختاره الحسن بن الفضل لقوله في عقبه: " أولئك الذين هدى الله فبهداهم ~~اقتده " (1) [الانعام: 90] وقال ابن عباس أيضا: كل الرسل كانوا أولي عزم. ~~واختاره علي بن مهدي الطبري، قال: وإنما دخلت " من " للتجنيس لا للتبعيض، ~~كما تقول: اشتريت أردية من البز وأكسية من الخز. # أي اصبر كما صبر الرسل. وقيل: كل الأنبياء أولو عزم إلا يونس بن متي، ألا ~~ترى أن # PageV16P220 # النبي صلى الله عليه وسلم نهي أن يكون مثله، لخفة وعجلة ظهرت منه حين ولى ~~مغاضبا لقومه، فابتلاه الله بثلاث: سلط عليه العمالقة حتى أغاروا على أهله ~~وماله، وسلط الذئب على ولده فأكله، وسلط عليه الحوت فابتلعه، قاله أبو ~~القاسم الحكيم. وقال بعض العلماء: أولو العزم اثنا عشر نبيا أرسلوا إلى بني ~~إسرائيل بالشام فعصوهم، فأوحى الله إلى الأنبياء أني مرسل عذابي إلى عصاة ~~بني إسرائيل، فشق ذلك على المرسلين فأوحى الله إليهم اختاروا لأنفسكم، إن ~~شئتم أنزلت بكم العذاب وأنجيت بني إسرائيل، وإن شئتم نجيتكم وأنزلت العذاب ~~ببني إسرائيل، فتشاوروا بينهم فاجتمع رأيهم على أن ينزل بهم العذاب وينجي ~~الله بني إسرائيل، فأنجى الله بني إسرائيل وأنزل بأولئك العذاب. وذلك أنه ~~سلط عليهم ملوك الأرض، فمنهم من نشر بالمناشير، ومنهم من سلخ جلدة رأسه ~~ووجهه، ومنهم من صلب على الخشب حتى مات، ومنهم من حرق بالنار. والله أعلم. ~~وقال الحسن: أولو العزم أربعة: إبراهيم، وموسى، وداود، وعيسى، فأما إبراهيم ~~فقيل له: " أسلم قال أسلمت لرب العالمين " (1) [البقرة: 131] ثم ابتلي في ~~ماله وولده ووطنه ونفسه، فوجد صادقا وافيا في جميع ما ابتلي به. وأما موسى ~~فعزمه حين قال له قومه: " إنا لمدركون. قال كلا إن معي ربي سيهدين " (2) ~~[الشعراء: 61 - 62]. وأما داود فأخطأ خطيئته فنبه عليها، فأقام يبكي أربعين ~~سنة ms5712 حتى نبتت من دموعه شجرة، فقعد تحت ظلها. وأما عيسى فعزمه أنه لم يضع ~~لبنة على لبنة وقال: " إنها معبرة فاعبروها ولا تعمروها ". فكأن الله تعالى ~~يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: اصبر، أي كن صادقا فيما ابتليت به مثل صدق ~~إبراهيم، واثقا بنصرة مولاك مثل ثقة موسى، مهتما بما سلف من هفواتك مثل ~~اهتمام داود، زاهدا في الدنيا مثل زهد عيسى. ثم قيل: هي منسوخة بآية السيف. ~~وقيل: محكمة، والأظهر أنها منسوخة، لان السورة مكية. وذكر مقاتل: أن هذه ~~الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، فأمره الله عز وجل ~~أن يصبر على ما أصابه كما صبر أولو العزم من الرسل، تسهيلا عليه وتثبيتا ~~له. والله أعلم. " ولا تستعجل " قال مقاتل: بالدعاء # PageV16P221 # عليهم. وقيل: في إحلال العذاب بهم، فإن أبعد غاياتهم يوم القيامة. ومفعول ~~الاستعجال محذوف، وهو العذاب. " كأنهم يوم يرون ما يوعدون " قال يحيى: من ~~العذاب. # النقاش: من الآخرة. " لم يلبثوا " أي في الدنيا حتى جاءهم العذاب، وهو ~~مقتضى قول يحيى. وقال النقاش: في قبورهم حتى بعثوا للحساب. " إلا ساعة من ~~نهار " يعني في جنب يوم القيامة. وقيل: نساهم هول ما عاينوا من العذاب طول ~~لبثهم في الدنيا. ثم قال: " بلاغ " أي هذا القرآن بلاغ، قاله الحسن. ف " ~~بلاغ " رفع على إضمار مبتدأ، دليله قوله تعالى: # " هذا بلاغ للناس ولينذروا به " (1) [إبراهيم: 52]، وقوله: " إن في هذا ~~لبلاغا لقوم عابدين " (2) [الأنبياء: 106]. والبلاغ بمعنى التبليغ. وقيل: ~~أي إن ذلك اللبث بلاغ، قاله ابن عيسى، فيوقف على هذا على " بلاغ " وعلى " ~~نهار ". وذكر أبو حاتم أن بعضهم وقف على " ولا تستعجل " ثم ابتدأ " لهم " ~~على معنى لهم بلاغ. قال ابن الأنباري: وهذا خطأ، لأنك قد فصلت بين البلاغ ~~وبين اللام، - وهي رافعة - بشئ ليس منهما. ويجوز في العربية: بلاغا وبلاغ، ~~النصب على معنى إلا ساعة بلاغا، على المصدر أو على النعت للساعة. والخفض ~~على معنى من نهار بلاغ. # وبالنصب قرأ عيسى بن عمر والحسن. وروي عن بعض ms5713 القراء " بلغ " على الامر، ~~فعلى هذه القراءة يكون الوقف على " من نهار " ثم يبتدئ " بلغ ". " فهل يهلك ~~إلا القوم الفاسقون " أي الخارجون عن أمر الله، قاله ابن عباس وغيره. وقرأ ~~ابن محيصن " فهل يهلك إلا القوم " على إسناد الفعل إلى القوم. وقال ابن ~~عباس: إذا عسر على المرأة ولدها تكتب هاتين الآيتين والكلمتين في صحيفة ثم ~~تغسل وتسقى منها، وهي: بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله العظيم ~~الحليم الكريم، سبحان الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش العظيم " كأنهم ~~يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية (3) أو ضحاها " [النازعات: 46]. " كأنهم يوم ~~يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم ~~الفاسقون " صدق الله العظيم. وعن قتادة: لا يهلك إلا هالك مشرك (4). وقيل: ~~هذه أقوى آية في الرجاء. والله أعلم. # PageV16P222 # سورة القتال، وهي سورة محمد صلى الله عليه وسلم مدنية في قول ابن عباس، ~~ذكره النحاس. وقال الماوردي: في قول الجميع إلا ابن عباس وقتادة فإنهما ~~قالا: إلا آية منها نزلت عليه بعد حجة الوداع حين خرج من مكة، وجعل ينظر ~~إلى البيت وهو يبكي حزنا عليه، فنزل عليه " وكأين من قرية هي أشد قوة من ~~قريتك " (1) [محمد: 13]. وقال الثعلبي: إنها مكية، وحكاه ابن هبة الله عن ~~الضحاك وسعيد ابن جبير. وهي تسع وثلاثون آية. وقيل ثمان. # بسم الله الرحمن الرحيم الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم (1) ~~قال ابن عباس ومجاهد: هم أهل مكة كفروا بتوحيد الله، وصدوا أنفسهم ~~والمؤمنين عن دين الله وهو الاسلام بنهيهم عن الدخول فيه، وقاله السدي. ~~وقال الضحاك: " عن سبيل الله " عن بيت الله بمنع قاصديه. ومعنى " أضل ~~أعمالهم " أبطل كيدهم ومكرهم بالنبي صلى الله عليه وسلم، وجعل الدائرة ~~عليهم، قاله الضحاك. وقيل: أبطل ما عملوه في كفرهم بما كانوا يسمونه مكارم، ~~من صلة الأرحام وفك الأسارى وقرى الأضياف وحفظ الجوار. # وقال ابن عباس: نزلت في المطعمين ببدر، وهم اثنا عشر رجلا: أبو جهل، ~~والحارث ابن هشام، وعتبة ms5714 وشيبة ابنا ربيعة، وأبي وأمية ابنا خلف، ومنبه ~~ونبيه ابنا الحجاج، وأبو البختري بن هشام، وزمعة بن الأسود، وحكيم بن حزام، ~~والحارث بن عامر بن نوفل. # قوله تعالى: والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو ~~الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم (2) # PageV16P223 # قوله تعالى: " والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد " ~~قال ابن عباس ومجاهد: هم الأنصار. وقال مقاتل: إنها نزلت خاصة في ناس من ~~قريش. وقيل: # هما عامتان فيمن كفروا وآمن. ومعنى " أضل أعمالهم " أبطلها. وقيل: أضلهم ~~عن الهدى بما صرفهم عنه من التوفيق. " وعملوا الصالحات " من قال إنهم ~~الأنصار فهي المواساة في مساكنهم وأموالهم. ومن قال إنهم من قريش فهي ~~الهجرة. ومن قال بالعموم فالصالحات جميع الأعمال التي ترضي الله تعالى. " ~~وآمنوا بما نزل على محمد " لم يخالفوه في شئ، قاله سفيان الثوري. وقيل: ~~صدقوا محمدا صلى الله عليه وسلم فيما جاء به. " وهو الحق من ربهم " يريد أن ~~إيمانهم هو الحق من ربهم. وقيل: أي إن القرآن هو الحق من ربهم، نسخ به ما ~~قبله " كفر عنهم سيئاتهم " أي ما مضى من سيئاتهم قبل الايمان. " وأصلح ~~بالهم " أي شأنهم، عن مجاهد وغيره. وقال قتادة: حالهم. ابن عباس: أمورهم. ~~والثلاثة متقاربة وهي متأولة على إصلاح ما تعلق بدنياهم. وحكى النقاش أن ~~المعنى أصلح نياتهم، ومنه قول الشاعر: # فإن تقبلي بالود أقبل بمثله * وإن تدبري أذهب إلى حال باليا وهو على هذا ~~التأول محمول على صلاح دينهم. " والبال " كالمصدر، ولا يعرف منه فعل، ولا ~~تجمعه العرب إلا في ضرورة الشعر فيقولون فيه: بالات. المبرد: قد يكون البال ~~في موضع آخر بمعنى القلب، يقال: ما يخطر فلان على بالي، أي على قلبي. ~~الجوهري: # والبال رخاء النفس، يقال فلان رخي البال. والبال: الحال، يقال ما بالك. ~~وقولهم: ليس هذا من بالي، أي مما أباليه. والبال: الحوت العظيم من حيتان ~~البحر، وليس بعربي. # والبالة: وعاء الطيب، فارسي معرب، وأصله بالفارسية پيلة. قال أبو ذؤيب: # كأن عليها ms5715 بالة لطمية * لها من خلال الدأيتين أريج (1) # PageV16P224 # قوله تعالى: ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا ~~الحق من ربهم كذلك يضرب الله للناس أمثالهم (3) قوله تعالى: " ذلك بأن ~~الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم " " ذلك " ~~في موضع رفع، أي الامر ذلك، أو ذلك الاضلال والهدى المتقدم ذكرهما سببه ~~هذا. فالكافر اتبع الباطل، والمؤمن اتبع الحق. والباطل: الشرك. والحق: # التوحيد والايمان. " كذلك يضرب الله للناس أمثالهم " أي كهذا البيان الذي ~~بين يبين الله للناس أمر الحسنات والسيئات. والضمير في " أمثالهم " يرجع ~~إلى الذين كفروا والذين آمنوا. # قوله تعالى: فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا ~~الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها ذلك ولو يشاء الله ~~لانتصر منهم ولكن ليبلوا بعضكم ببعض والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل ~~أعمالهم (4) فيه أربع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب " لما ميز ~~بين الفريقين أمر بجهاد الكفار. قال ابن عباس: الكفار المشركون عبدة ~~الأوثان. وقيل: كل من خالف دين الاسلام من مشرك أو كتابي إذا لم يكن صاحب ~~عهد ولا ذمة، ذكره الماوردي. # واختاره ابن العربي وقال: وهو الصحيح لعموم الآية فيه. " فضرب الرقاب " ~~مصدر. # قال الزجاج أي فاضربوا الرقاب ضربا. وخص الرقاب بالذكر لان القتل أكثر ما ~~يكون بها. # وقيل: نصب على الاغراء. قال أبو عبيدة: هو كقولك يا نفس صبرا. وقيل: ~~التقدير PageV16P225 # اقصدوا ضرب الرقاب. وقال: " فضرب الرقاب " ولم يقل فاقتلوهم، لان في ~~العبارة بضرب الرقاب من الغلظة والشدة ما ليس في لفظ القتل، لما فيه من ~~تصوير القتل بأشنع صوره، وهو حز العنق وإطارة العضو الذي هو رأس البدن ~~وعلوه وأوجه أعضائه. # الثانية - قوله تعالى: " حتى إذا أثخنتموهم " أي أكثرتم القتل. وقد مضى ~~في " الأنفال " عند قوله تعالى: " حتى يثخن في الأرض " (1) [الأنفال: 67]. ~~" فشدوا الوثاق " أي إذا أسرتموهم. والوثاق اسم من الايثاق، وقد يكون ~~مصدرا، يقال: أوثقته إيثاقا ووثاقا. وأما الوثاق (بالكسر) ms5716 فهو اسم الشئ ~~الذي يوثق به كالرباط، قاله القشيري. وقال الجوهري: وأوثقه في الوثاق أي ~~شده، وقال تعالى: " فشدوا الوثاق ". والوثاق (بكسر الواو) لغة فيه. وإنما ~~أمر بشد الوثاق لئلا يفلتوا. " فإما منا " عليهم بالاطلاق من غير فدية " ~~وإما فداء ". ولم يذكر القتل ها هنا اكتفاء بما تقدم من القتل في صدر ~~الكلام، و " منا " و " فداء " نصب بإضمار فعل. وقرئ " فدى " بالقصر مع فتح ~~الفاء، أي فإما أن تمنوا عليهم منا، وإما أن تفادوهم فداء. روي عن بعضهم ~~أنه قال: كنت واقفا على رأس الحجاج حين أتي بالأسرى من أصحاب عبد الرحمن بن ~~الأشعث وهم أربعة آلاف وثمانمائة فقتل منهم نحو من ثلاثة آلاف حتى قدم إليه ~~رجل من كندة فقال: يا حجاج، لا جازاك الله عن السنة والكرم خيرا! قال: ولم ~~ذلك؟ قال: # لان الله تعالى قال " فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا ~~أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء " في حق الذين كفروا، ~~فوالله! ما مننت ولا فديت؟ وقد قال شاعركم فيما وصف به قومه من مكارم ~~الأخلاق: # ولا نقتل الاسرى ولكن نفكهم * إذا أثقل الأعناق حمل المغارم فقال الحجاج: ~~أف لهذه الجيف! أما كان فيهم من يحسن مثل هذا الكلام!؟ خلوا سبيل من بقي. ~~فخلي يومئذ عن بقية الاسرى، وهم زهاء ألفين، بقول ذلك الرجل. # PageV16P226 # الثالثة - واختلف العلماء في تأويل هذه الآية على خمسة أقوال: # الأول - أنها منسوخة، وهي في أهل الأوثان، لا يجوز أن يفادوا ولا يمن ~~عليهم. # والناسخ لها عندهم قوله تعالى: " فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم " (1) ~~[التوبة: 5] وقوله: " فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم " (2) ~~[الأنفال: 57] وقوله: " وقاتلوا المشركين كافة " (3) [التوبة: 36] الآية، ~~قاله قتادة والضحاك والسدي وابن جريج والعوفي عن ابن عباس، وقاله كثير من ~~الكوفيين. وقال عبد الكريم الجوزي: كتب إلى أبي بكر في أسير أسر، فذكروا ~~أنهم التمسوه بفداء كذا وكذا، فقال: اقتلوه، لقتل رجل من المشركين أحب إلي ~~من كذا وكذا. # الثاني - أنها في الكفار جميعا. وهي ms5717 منسوخة على قول جماعة من العلماء ~~وأهل النظر، منهم قتادة ومجاهد. قالوا: إذ أسر المشرك لم يجز أن يمن عليه، ~~ولا أن يفادى به فيرد إلى المشركين، ولا يجوز أن يفادى عندهم إلا بالمرأة، ~~لأنها لا تقتل. والناسخ لها " فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم " [التوبة: 5] ~~إذ كانت براءة آخر ما نزلت بالتوقيف، فوجب أن يقتل كل مشرك إلا من قامت ~~الدلالة على تركه من النساء والصبيان ومن يؤخذ منه الجزية. وهو المشهور من ~~مذهب أبي حنيفة، خيفة أن يعودوا حربا للمسلمين. ذكر عبد الرزاق أخبرنا معمر ~~عن قتادة " فإما منا بعد وإما فداء " قال نسخها " فشرد بهم من خلفهم ". ~~وقال مجاهد: نسخها " فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم " [التوبة: 5]. وهو قول ~~الحكم. # الثالث - أنها ناسخة، قاله الضحاك وغيره. روى الثوري عن جويبر عن الضحاك ~~" فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم " [التوبة: 5] قال نسخها " فإما منا بعد ~~وإما فداء ". وقال ابن المبارك عن ابن جريج عن عطاء " فإما منا بعد وإما ~~فداء " فلا يقتل المشرك ولكن يمن عليه ويفادى، كما قال الله عز وجل. قال ~~أشعث: كان الحسن يكره أن يقتل الأسير، ويتلو " فإما منا بعد وإما فداء ". ~~وقال الحسن أيضا: في الآية تقديم وتأخير، فكأنه قال: # فضرب الرقاب حتى تضع الحرب أوزارها. ثم قال: " حتى إذا أثخنتموهم فشدوا ~~الوثاق ". # PageV16P227 # وزعم أنه ليس للامام إذا حصل الأسير في يديه أن يقتله، لكنه بالخيار في ~~ثلاثة منازل: # إما أن يمن، أو يفادي، أو يسترق. # الرابع - قول سعيد بن جبير: لا يكون فداء ولا أسر إلا بعد الاثخان والقتل ~~بالسيف، لقوله تعالى: " ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض " ~~(1) [الأنفال: 67]. فإذا أسر بعد ذلك فللامام أن يحكم بما رآه من قتل أو ~~غيره. # الخامس - أن الآية محكمة، والامام مخير في كل حال، رواه علي بن أبي طلحة ~~عن ابن عباس، وقاله كثير من العلماء منهم ابن عمر والحسن وعطاء، وهو مذهب ~~مالك والشافعي والثوري والأوزاعي وأبي عبيد وغيرهم. وهو الاختيار، لان ~~النبي صلى الله ms5718 عليه وسلم والخلفاء الراشدين فعلوا كل ذلك، قتل النبي صلى ~~الله عليه وسلم عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث يوم بدر صبرا، وفادى ~~سائر أسارى بدر، ومن على ثمامة بن أثال الحنفي وهو أسير في يده، وأخذ من ~~سلمة بن الأكوع جارية ففدى بها أناسا من المسلمين، وهبط عليه عليه السلام ~~قوم من أهل مكة فأخذهم النبي صلى الله عليه وسلم ومن عليهم، وقد من على سبي ~~هوازن. وهذا كله ثابت في الصحيح، وقد مضى جميعه في (الأنفال) (2) وغيرها. ~~قال النحاس: وهذا على أن الآيتين محكمتان معمول بهما، وهو قول حسن، لان ~~النسخ إنما يكون لشئ قاطع، فإذا أمكن العمل بالآيتين فلا معنى للقول ~~بالنسخ، إذا كان يجوز أن يقع التعبد إذا لقينا الذين كفروا قتلناهم، فإذا ~~كان الأسر جاز القتل والاسترقاق والمفاداة والمن، على ما فيه الصلاح ~~للمسلمين. وهذا القول يروى عن أهل المدينة والشافعي وأبي عبيد، وحكاه ~~الطحاوي مذهبا عن أبي حنيفة، والمشهور عنه ما قدمناه، وبالله عز وجل ~~التوفيق. # الرابعة - قوله تعالى: " حتى تضع الحرب أوزارها " قال مجاهد وابن جبير: # هو خروج عيسى عليه السلام. وعن مجاهد أيضا: أن المعنى حتى لا يكون دين ~~إلا دين الاسلام، فيسلم كل يهودي ونصراني وصاحب ملة، وتأمن الشاة من الذئب. ~~ونحوه # PageV16P228 # عن الحسن والكلبي والفراء والكسائي. قال الكسائي: حتى يسلم الخلق. وقال ~~الفراء: # حتى يؤمنوا ويذهب الكفر. وقال الكلبي: حتى يظهر الاسلام على الدين كله. ~~وقال الحسن: حتى لا يعبدوا إلا الله. وقيل: معنى الأوزار السلاح، فالمعنى ~~شدوا الوثاق حتى تأمنوا وتضعوا السلاح. وقيل: معناه حتى تضع الحرب، أي ~~الأعداء المحاربون أوزارهم، وهو سلاحهم بالهزيمة أو الموادعة. ويقال للكراع ~~أوزار. قال الأعشى: # وأعددت للحرب أوزارها * رماحا طوالا وخيلا ذكورا ومن نسج داود يحدى بها * ~~على أثر الحي عيرا فعيرا (1) وقيل: " حتى تضع الحرب أوزارها " أي أثقالها. ~~والوزر الثقل، ومنه وزير الملك لأنه يتحمل عنه الأثقال. وأثقالها السلاح ~~لثقل حملها. قال ابن العربي: قال الحسن وعطاء: # في الآية تقديم وتأخير، ms5719 المعنى فضرب الرقاب حتى تضع الحرب أوزارها فإذا ~~أثخنتموهم فشدوا الوثاق، وليس للامام أن يقتل الأسير. وقد روي عن الحجاج ~~أنه دفع أسيرا إلى عبد الله بن عمر ليقتله فأبى وقال: ليس بهذا أمرنا الله، ~~وقرأ " حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق ". قلنا: قد قاله رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وفعله، وليس في تفسير الله للمن والفداء منع من غيره، فقد ~~بين الله في الزنى حكم الجلد، وبين النبي صلى الله عليه وسلم حكم الرجم، ~~ولعل ابن عمر كره ذلك من يد الحجاج فاعتذر بما قال، وربك أعلم ". # قوله تعالى: " ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم " " ذلك " في موضع رفع على ~~ما تقدم، أي الامر ذلك الذي ذكرت وبينت. وقيل: هو منصوب على معنى افعلوا ~~ذلك. ويجوز أن يكون مبتدأ، المعنى ذلك حكم الكفار. وهي كلمة يستعملها ~~الفصيح عند الخروج من كلام إلى كلام، وهو كما قال تعالى: " هذا وإن للطاغين ~~لشر مآب " (2) [ص: 55]. أي هذا حق وأنا أعرفكم أن للظالمين كذا. ومعنى " لا ~~انتصر منهم " أي أهلكهم بغير قتال. وقال # PageV16P229 # ابن عباس: لأهلكهم بجند من الملائكة. " ولكن ليبلوا بعضكم ببعض " أي ~~أمركم بالحرب ليبلو ويختبر بعضكم ببعض فيعلم المجاهدين والصابرين، كما في ~~السورة نفسها. " والذين قتلوا في سبيل الله " يريد قتلى أحد من المؤمنين " ~~فلن يضل أعمالهم " قراءة العامة " قاتلوا " وهي اختيار أبي عبيد. وقرأ أبو ~~عمرو وحفص " قتلوا " بضم القاف وكسر التاء، وكذلك قرأ الحسن إلا أنه شدد ~~التاء على التكثير. وقرأ الجحدري وعيسى بن عمر وأبو حياة " قتلوا " بفتح ~~القاف والتاء من غير ألف، يعني الذين قتلوا المشركين. قال قتادة: ذكر لنا ~~أن هذه الآية نزلت يوم أحد ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب، وقد ~~فشت فيهم الجراحات والقتل، وقد نادى المشركون: اعل هبل. ونادى المسلمون: ~~الله أعلى وأجل. # وقال المشركون: يوم بيوم بدر والحرب سجال. فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: (قولوا لا سواء. قتلانا أحياء عند ربهم يرزقون وقتلاكم في النار ~~يعذبون). فقال ms5720 المشركون: # إن لنا العزى ولا عزى لكم. فقال المسلمون: الله مولانا ولا مولى لكم. وقد ~~تقدم ذكر ذلك في (آل عمران) (1). # قوله تعالى: سيهديهم ويصلح بالهم (5) قال القشيري: قراءة أبي عمرو " ~~قتلوا " بعيدة، لقوله تعالى: " سيهديهم ويصلح بالهم " والمقتول لا يوصف ~~بهذا. قال غيره: يكون المعنى سيهديهم إلى الجنة، أو سيهدي من بقي منهم، أي ~~يحقق لهم الهداية. وقال ابن زياد: سيهديهم إلى محاجة منكر ونكير في القبر. # قال أبو المعالي: وقد ترد الهداية والمراد بها إرشاد المؤمنين إلى مسالك ~~الجنان والطرق المفضية إليها، ومن ذلك قوله تعالى في صفة المجاهدين: " فلن ~~يضل أعمالهم. سيهديهم ". # ومنه قوله تعالى: " فاهدوهم إلى صراط الجحيم " (2) [الصافات: 23] معناه ~~فاسلكوا بهم إليها. # قوله تعالى: ويدخلهم الجنة عرفها لهم (6) # PageV16P230 # أي إذا دخلوها يقال لهم تفرقوا إلى منازلكم، فهم أعرف بمنازلهم من أهل ~~الجمعة إذا انصرفوا إلى منازلهم. قال معناه مجاهد وأكثر المفسرين. وفي ~~البخاري ما يدل على صحة هذا القول عن أبي سعيد الخدري، قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: (يخلص المؤمنون من النار فيحبسون على قنطرة بين الجنة ~~والنار [فيقص لبعضهم من بعض مظالم] كانت بينهم في الدنيا (1)] حتى إذا ~~هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى ~~بمنزله في الجنة [منه (1)] بمنزله في الدنيا). وقيل: " عرفها لهم " أي ~~بينها لهم حتى عرفوها من غير استدلال. قال الحسن: وصف الله تعالى لهم الجنة ~~في الدنيا، فلما دخلوها عرفوها بصفتها. وقيل: فيه حذف، أي عرف طرقها ~~ومساكنها وبيوتها لهم، فحذف المضاف. وقيل: هذا التعريف بدليل، وهو الملك ~~الموكل بعمل العبد يمشي بين يديه ويتبعه العبد حتى يأتي العبد منزله، ~~ويعرفه الملك جميع ما جعل له في الجنة. وحديث أبي سعيد الخدري يرده. وقال ~~ابن عباس " عرفها لهم " أي طيبها لهم بأنواع الملاذ، مأخوذ من العرف، وهو ~~الرائحة الطيبة. وطعام معرف أي مطيب، تقول العرب: عرفت القدر إذا طيبتها ~~بالملح والأبزار. وقال الشاعر يخاطب رجلا ويمدحه: # * عرفت كإتب عرفته اللطائم ms5721 (2) * يقول: كما عرف الاتب، وهو البقير ~~والبقيرة، وهو قميص لا كمين له تلبسه النساء. # وقيل: هو من وضع الطعام بعضه على بعض من كثرته، يقال: حرير معرف، أي بعضه ~~على بعض، وهو من العرف المتتابع كعرف الفرس. وقيل: " عرفها لهم " أي وفقهم ~~للطاعة حتى استوجبوا الجنة. وقيل: عرف أهل السماء أنها لهم إظهارا لكرامتهم ~~فيها. وقيل: # عرف المطيعين أنها لهم. # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ~~(7) # PageV16P231 # قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم " أي إن تنصروا ~~دين الله ينصركم على الكفار. نظيره " ولينصرن الله من ينصره " [الحج: 40] ~~وقد تقدم (1). وقال قطرب: # إن تنصروا نبي الله ينصركم الله، والمعنى واحد. " ويثبت أقدامكم " أي عند ~~القتال. # وقيل على الاسلام. وقيل على الصراط. وقيل: المراد تثبيت القلوب بالأمن، ~~فيكون تثبيت الاقدام عبارة عن النصر والمعونة في موطن الحرب. وقد مضى في " ~~الأنفال " (2) هذا المعنى. وقال هناك: " إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم ~~فثبتوا الذين آمنوا " (2) [الأنفال: 12] فأثبت هناك واسطة ونفاها هنا، ~~كقوله تعالى: " قل يتوفاكم ملك الموت " (1) [السجدة: 11] ثم نفاها بقوله: " ~~الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم " (4) [الروم: 40]. " الذي خلق الموت ~~والحياة " (5) [الملك: 2] ومثله كثير، فلا فاعل إلا الله وحده. # قوله تعالى: والذين كفروا فتعسا لهم وأضل أعمالهم (8) قوله تعالى: " ~~والذين كفروا " يحتمل الرفع على الابتداء، والنصب بما يفسره " فتعسا لهم " ~~كأنه قال: أتعس الذين كفروا. و " تعسا لهم " نصب على المصدر بسبيل الدعاء، ~~قاله الفراء، مثل سقيا له ورعيا. وهو نقيض لعاله (6). قال الأعشى: # * فالتعس أولى لها من أن أقول لعا (7) * وفيه عشرة أقوال: الأول - بعدا ~~لهم، قاله ابن عباس وابن جريج. الثاني - حزنا لهم، قاله السدي. الثالث - ~~شقاء لهم، قاله ابن زيد. الرابع - شتما لهم من الله، قاله الحسن. # الخامس - هلاكا لهم، قاله ثعلب. السادس - خيبة لهم، قاله الضحاك وابن ~~زيد. # السابع - قبحا لهم، حكاه النقاش. الثامن - رغما لهم، قاله الضحاك أيضا. ~~التاسع - # PageV16P232 # شرا لهم، قاله ثعلب أيضا. العاشر - شقوة ms5722 لهم، قاله أبو العالية. وقيل: إن ~~التعس الانحطاط والعثار. قال ابن السكيت: التعس أن يخر على وجهه. والنكس أن ~~يخر على رأسه. قال: والتعس أيضا الهلاك. قال الجوهري: وأصله الكب، وهو ضد ~~الانتعاش. # وقد تعس (بفتح العين) يتعس تعسا، وأتعسه الله. قال مجمع بن هلال: # تقول وقد أفردتها من خليلها * تعست كما أتعستني يا مجمع يقال: تعسا ~~لفلان، أي ألزمه الله هلاكا. قال القشيري: وجوز قوم تعس (بكسر العين). # قلت: ومنه حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تعس ~~عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة (1) إن أعطي رضي وإن لم يعط لم يرض ~~" خرجه البخاري. # في بعض طرق هذا الحديث " تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش " (2) خرجه ابن ~~ماجة. # قوله تعالى: " وأضل أعمالهم " أي أبطلها لأنها كانت في طاعة الشيطان. ~~ودخلت الفاء في قوله " فتعسا " لأجل الابهام الذي في " الذين "، وجاء " ~~وأضل أعمالهم " على الخبر حملا على لفظ الذين، لأنه خبر في اللفظ، فدخول ~~الفاء حملا على المعنى، وأضل حملا على اللفظ. # قوله تعالى: ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم (9) أي ذلك ~~الاضلال والاتعاس، لأنهم " كرهوا ما أنزل الله " من الكتب والشرائع. # " فأحبط أعمالهم " أي ما لهم من صور الخيرات، كعمارة المسجد وقرى الضيف ~~وأصناف القرب، ولا يقبل الله العمل إلا من مؤمن. وقيل: أحبط أعمالهم أي ~~عبادة الصنم. # قوله تعالى: أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ~~دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها (10) # PageV16P233 # بين أحوال المؤمن والكافر تنبيها على وجوب الايمان، ثم وصل هذا بالنظر، ~~أي ألم يسر هؤلاء في أرض عاد وثمود وقوم لوط وغيرهم ليعتبروا بهم " فينظروا ~~" بقلوبهم " كيف كان " آخر أمر الكافرين قبلهم. " دمر الله عليهم " أي ~~أهلكهم واستأصلهم. يقال: دمره تدميرا، ودمر عليه بمعنى. ثم تواعد مشركي مكة ~~فقال " وللكافرين أمثالها " أي أمثال هذه الفعلة، يعني التدمير. وقال ~~الزجاج والطبري: الهاء تعود على العاقبة، أي وللكافرين من قريش أمثال عاقبة ~~تكذيب الأمم السالفة إن لم يؤمنوا. # قوله ms5723 تعالى: ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم ~~(11) أي وليهم وناصرهم. وفي حرف ابن مسعود " ذلك بأن الله ولي الذين آمنوا ~~". # فالمولى: الناصر ها هنا، قاله ابن عباس وغيره. قال: # فغدت كلا الفرجين تحسب أنه * مولى المخافة خلفها وأمامها (1) قال قتادة: ~~نزلت يوم أحد والنبي صلى الله عليه وسلم في الشعب، إذ صاح المشركون: # يوم بيوم، لنا العزى ولا عزى لكم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: [قولوا ~~الله مولانا ولا مولى لكم] وقد تقدم. # (2) " وأن الكافرين لا مولى لهم " أي لا ينصرهم أحد من الله. # قوله تعالى: إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من ~~تحتها الأنهار والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الانعام والنار مثوى ~~لهم (12) # PageV16P234 # قوله تعالى: " إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من ~~تحتها الأنهار " تقدم في غير موضع " والذين كفروا يتمتعون " في الدنيا ~~كأنهم أنعام، ليس لهم همة إلا بطونهم وفروجهم، ساهون عما في غدهم. وقيل: ~~المؤمن في الدنيا يتزود، والمنافق يتزين، والكافر يتمتع. " والنار مثوى لهم ~~" أي مقام ومنزل. # قوله تعالى: وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ~~ناصر لهم (13) قوله تعالى: " وكأين من قرية " تقدم الكلام في " كأين " في ~~(آل عمران) (1). وهي ها هنا بمعنى كم، أي وكم من قرية. وأنشد الأخفش قول ~~لبيد: # وكائن رأينا من ملوك وسوقة * ومفتاح قيد للأسير المكبل فيكون معناه: وكم ~~من أهل قرية. " هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك " أي أخرجك أهلها. " فلا ~~ناصر لهم " قال قتادة وابن عباس: لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة ~~إلى الغار التفت إلى مكة وقال: [اللهم أنت أحب البلاد إلى الله وأنت أحب ~~البلاد إلي ولولا المشركون أهلك أخرجوني لما خرجت منك]. فنزلت الآية، ذكره ~~الثعلبي، وهو حديث صحيح. # قوله تعالى: أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا ~~أهواءهم (14) قوله تعالى: " أفمن كان على بينة من ربه " الألف ms5724 ألف تقرير. ~~ومعنى " على بينة " أي على ثبات ويقين، قاله ابن عباس. أبو العالية: وهو ~~محمد صلى الله عليه وسلم. والبينة: # الوحي. " كمن زين له سوء عمله " أي عبادة الأصنام، وهو أبو جهل والكفار. # PageV16P235 # " واتبعوا أهواءهم " أي ما اشتهوا. وهذا التزيين من جهة الله خلقا. ويجوز ~~أن يكون من الشيطان دعاء ووسوسة. ويجوز أن يكون من الكافر، أي زين لنفسه ~~سوء عمله وأصر على الكفر. وقال " سوء " على لفظ " من " " واتبعوا " على ~~معناه. # قوله تعالى: مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن ~~وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل ~~مصفى ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم كمن هو خالد في النار وسقوا ~~ماء حميما فقطع أمعاءهم (15) قوله تعالى: " مثل الجنة التي وعد المتقون " ~~لما قال عز وجل: " إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات " [الحج: ~~14] وصف تلك الجنات، أي صفة الجنة المعدة للمتقين. # وقد مضى الكلام في هذا في " الرعد " (1). وقرأ علي بن أبي طالب " مثال ~~الجنة التي وعد المتقون ". # " فيها أنهار من ماء غير آسن " أي غير متغير الرائحة. والآسن من الماء ~~مثل الآجن. وقد أسن الماء يأسن ويأسن [أسنا و] أسونا إذا تغيرت رائحته. ~~وكذلك أجن الماء يأجن ويأجن أجنا وأجونا. ويقال بالكسر فيهما: أجن وأسن ~~يأسن ويأجن أسنا وأجنا، قاله اليزيدي. # وأسن الرجل أيضا يأسن (بالكسر (2) لا غير) إذا دخل البئر فأصابته ريح ~~منتنة من ريح البئر أو غير ذلك فغشي عليه أو دار رأسه، قال زهير: # قد أترك (3) القرن مصفرا أنامله * يميد في الرمح ميد المائح الآسن ويروى ~~" الوسن ". وتأسن الماء تغير. أبو زيد: تأسن علي تأسنا اعتل وأبطأ. # أبو عمرو: تأسن الرجل أباه أخذ أخلاقه. وقال اللحياني: إذا نزع إليه في ~~الشبه. وقراءة العامة " آسن " بالمد. وقرأ ابن كثير وحميد " أسن " بالقصر، ~~وهما لغتان، مثل حاذر وحذر. وقال الأخفش: أسن للحال، وآسن (مثل فاعل) يراد ~~به الاستقبال. " وأنهار من # PageV16P236 # لبن لم ms5725 يتغير طعمه " أي لم يحمض بطول المقام كما تتغير ألبان الدنيا إلى ~~الحموضة. " وأنهار من خمرة لذة للشاربين " أي لم تدنسها الأرجل ولم ترنقها ~~(1) الأيدي كخمر الدنيا، فهي لذيذة الطعم طيبة الشرب لا يتكرهها الشاربون. ~~يقال: شراب لذ ولذيذ بمعنى. واستلذه عده لذيذا. # " وأنهار من عسل مصفى " العسل ما يسيل من لعاب النحل. " مصفى " أي من ~~الشمع والقذى، خلقه الله كذلك لم يطبخ على نار ولا دنسه النحل. وفي الترمذي ~~عن حكيم بن معاوية عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [إن في الجنة ~~بحر الماء وبحر العسل وبحر اللبن وبحر الخمر ثم تشقق الأنهار بعد]. قال: ~~حديث حسن صحيح. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: [سيحان وجيحان والنيل والفرات كل من أنهار الجنة]. ~~وقال كعب: نهر دجلة نهر ماء أهل الجنة، ونهر الفرات نهر لبنهم، ونهر مصر ~~نهر خمرهم، ونهر سيحان نهر عسلهم. وهذه الأنهار الأربعة تخرج من نهر ~~الكوثر. والعسل: يذكر ويؤنث. وقال ابن عباس: " من عسل مصفى " أي لم يخرج من ~~بطون النحل. " ولهم فيها من كل الثمرات " " من " زائدة للتأكيد. " ومغفرة ~~من ربهم " أي لذنوبهم. " كمن هو خالد في النار " قال الفراء: المعنى أفمن ~~يخلد في هذا النعيم كمن يخلد في النار. وقال الزجاج: أي أفمن كان على بينة ~~من ربه وأعطى هذه الأشياء كمن زين له سوء عمله وهو خالد في النار. فقوله " ~~كمن " بدل من قوله " أفمن زين له سوء عمله " [فاطر: 8]. وقال ابن كيسان: ~~مثل هذه الجنة التي فيها الثمار والأنهار كمثل النار التي فيها الحميم ~~والزقوم. ومثل أهل الجنة في النعيم المقيم كمثل أهل النار في العذاب ~~المقيم. " وسقوا ماء حميما " أي حارا شديد الغليان، إذا دنا منهم شوى ~~وجوههم، ووقعت فروة رؤوسهم، فإذا شربوه قطع أمعاءهم وأخرجها من دبورهم. ~~والأمعاء: جمع معي، والتثنية معيان، وهو جميع ما في البطن من الحوايا. # PageV16P237 # قوله تعالى: ومنهم من يستمع إليك حتى ms5726 إذا خرجوا من عندك قالوا للذين ~~أوتوا العلم ماذا قال آنفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا ~~أهواءهم (16) والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم (17) قوله تعالى: " ~~ومنهم من يستمع إليك " أي من هؤلاء الذين يتمتعون ويأكلون كما تأكل ~~الانعام، وزين لهم سوء عملهم قوم يستمعون إليك وهم المنافقون: عبد الله بن ~~أبي ابن سلول ورفاعة بن التابوت وزيد بن الصليت (1) والحارث بن عمرو ومالك ~~بن دخشم، كانوا يحضرون الخطبة يوم الجمعة فإذا سمعوا ذكر المنافقين فيها ~~أعرضوا عنه، فإذا خرجوا سألوا عنه، قاله الكلبي ومقاتل. وقيل: كانوا يحضرون ~~عند رسول الله صلى الله عليه وسلم مع المؤمنين، فيستمعون منه ما يقول، ~~فيعيه المؤمن ولا يعيه الكافر. " حتى إذا خرجوا من عندك " أي إذا فارقوا ~~مجلسك. " قالوا للذين أوتوا العلم " قال عكرمة: هو عبد الله بن العباس. قال ~~ابن عباس: # كنت ممن يسأل، أي كنت من الذين أوتوا العلم. وفي رواية عن ابن عباس: أنه ~~يريد عبد الله بن مسعود. وكذا قال عبد الله بن بريدة: هو عبد الله بن ~~مسعود. وقال القاسم بن عبد الرحمن: هو أبو الدرداء. وقال ابن زيد: إنهم ~~الصحابة. " ماذا قال آنفا " أي الآن، على جهة الاستهزاء. أي أنا لم ألتفت ~~إلى قوله. و " آنفا " يراد به الساعة التي هي أقرب الأوقات إليك، من قولك: ~~استأنفت الشئ إذا ابتدأت به. ومنه أمر أنف، وروضة أنف، أي لم يرعها أحد. ~~وكأس أنف: إذا لم يشرب منها شئ، كأنه استؤنف شربها مثل روضة أنف. قال ~~الشاعر: (2) ويحرم سر جارتهم عليهم * ويأكل جارهم أنف القصاع # PageV16P238 # وقال آخر (1): # إن الشواء والنشيل والرغف * والقينة الحسناء والكأس الانف * للطاعنين ~~الخيل والخيل قطف (2) * وقال امرؤ القيس: # * قد غدا يحملني في أنفه (3) * أي في أوله. وأنف كل شئ أوله. وقال قتادة ~~في هؤلاء المنافقين: الناس رجلان: # رجل عقل عن الله فانتفع بما سمع، ورجل لم يعقل ولم ينتفع بما سمع. وكان ~~يقال: الناس ثلاثة: فسامع عامل، وسامع عاقل، وسامع غافل تارك. # قوله تعالى: ms5727 " أولئك الذين طبع الله على قلوبهم " فلم يؤمنوا. " واتبعوا ~~أهواءهم " في الكفر. " والذين اهتدوا " أي للايمان زادهم الله هدى. وقيل: ~~زادهم النبي صلى الله عليه وسلم هدى. وقيل: ما يستمعونه من القرآن هدى. أي ~~يتضاعف يقينهم. وقال الفراء: زادهم إعراض المنافقين واستهزاؤهم هدى. وقيل: ~~زادهم نزول الناسخ هدى. # وفي الهدى الذي زادهم أربعة أقاويل: أحدها - زادهم علما، قاله الربيع بن ~~أنس. # الثاني - أنهم علموا ما سمعوا وعملوا بما علموا، قاله الضحاك. الثالث - ~~زادهم بصيرة في دينهم وتصديقا لنبيهم، قاله الكلبي. الرابع - شرح صدورهم ~~بما هم عليه من الايمان. # " وآتاهم تقواهم " أي ألهمهم إياها. وقيل: فيه خمسة أوجه: أحدها - آتاهم ~~الخشية، قاله الربيع. الثاني - ثواب تقواهم في الآخرة، قاله السدي. الثالث ~~- وفقهم للعمل الذي فرض عليهم، قاله مقاتل. الرابع - بين لهم ما يتقون، ~~قاله ابن زياد والسدي أيضا. # الخامس - أنه ترك المنسوخ والعمل بالناسخ، قاله عطية. الماوردي: ويحتمل. ~~سادسا - # PageV16P239 # أنه ترك الرخص والاخذ بالعزائم. وقرئ " وأعطاهم " بدل " وآتاهم ". وقال ~~عكرمة: # هذه نزلت فيمن آمن من أهل الكتاب. # قوله تعالى: فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها فأنى ~~لهم إذا جاءتهم ذكراهم (18) قوله تعالى: " فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم ~~بغتة " أي فجأة. وهذا وعيد للكفار. " فقد جاء أشراطها " أي أماراتها ~~وعلاماتها. وكانوا قد قرؤوا في كتبهم أن محمد صلى الله عليه وسلم آخر ~~الأنبياء، فبعثه من أشراطها وأدلتها، قاله الضحاك والحسن. # وفي الصحيح عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [بعثت أنا ~~والساعة كهاتين] وضم السبابة والوسطى، لفظ مسلم. وخرجه البخاري والترمذي ~~وابن ماجة. ويروى [بعثت والساعة كفرسي رهان]. وقيل: أشراط الساعة أسبابها ~~التي هي دون معظمها. # ومنه يقال للدون من الناس: الشرط. وقيل: يعني علامات الساعة انشقاق القمر ~~والدخان، قاله الحسن أيضا. وعن الكلبي: كثرة المال والتجارة وشهادة الزور ~~وقطع الأرحام، وقلة الكرام وكثرة اللئام. وقد أتينا على هذا الباب في كتاب ~~" التذكرة " مستوفى والحمد لله. # وواحد الأشراط شرط، وأصله الاعلام. ومنه قيل الشرط، ms5728 لأنهم جعلوا لأنفسهم ~~علامة يعرفون بها. ومنه الشرط في البيع وغيره. قال أبو الأسود: # فإن كنت قد أزمعت بالصرم بيننا * فقد جعلت أشراط أوله تبدو ويقال: أشرط ~~فلان نفسه في عمل كذا أي أعلمها وجعلها له. قال أوس بن حجر يصف رجلا تدلى ~~بحبل من رأس جبل إلى نبعة (1) يقطعها ليتخذ منها قوسا: # فأشرط نفسه فيها وهو معصم * وألقى بأسباب له وتوكلا # PageV16P240 # " أن تأتيهم بغتة " " أن " بدل اشتمال من " الساعة " نحو قوله: " أن ~~تطؤوهم " من قوله: " رجال مؤمنون ونساء مؤمنات " (1). وقرئ " بغتة " بوزن ~~جربة (2)، وهي غريبة لم ترد في المصادر أختها،، وهي مروية عن أبي عمرو. ~~الزمخشري: وما أخوفني أن تكون غلطة من الراوي عن أبي عمرو، وأن يكون الصواب ~~" بغتة " بفتح الغين من غير تشديد، كقراءة الحسن. وروى عن أبو جعفر الرؤاس، ~~وغيره من أهل مكة " إن تأتهم بغتة ". قال المهدوي: # ومن قرأ " إن تأتهم بغتة " كان الوقف على " الساعة " ثم استأنف الشرط. ~~وما يحتمله الكلام من الشك مردود إلى الخلق، كأنه قال: إن شكوا في مجيئها " ~~فقد جاء أشراطها ". # قوله تعالى: " فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم " " ذكراهم " ابتداء و " أنى ~~لهم " الخبر. # والضمير المرفوع في " جاءتهم " للساعة، التقدير: فمن أين لهم التذكر إذا ~~جاءتهم الساعة، قال معناه قتادة وغيره. وقيل: فكيف لهم بالنجاة إذا جاءتهم ~~الذكرى عند مجئ الساعة، قاله ابن زيد. وفي الذكرى وجهان: أحدهما - تذكيرهم ~~بما عملوه من خير أو شر. # الثاني - هو دعاؤهم بأسمائهم تبشيرا وتخويفا، روى أبان عن أنس عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: [أحسنوا أسماءكم فإنكم تدعون بها يوم القيامة يا ~~فلان قم إلى نورك يا فلان قم لا نور لك] ذكره الماوردي. # قوله تعالى: فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين ~~والمؤمنات والله يعلم متقلبكم ومثواكم (19) قوله تعالى: " فاعلم أنه لا إله ~~إلا الله " قال الماوردي: وفيه - وإن كان الرسول عالما بالله - ثلاثة أوجه: ~~يعني اعلم أن الله أعلمك أن لا إله إلا الله. الثاني - ما علمته استدلالا ms5729 ~~فاعلمه خبرا يقينا. الثالث - يعني فاذكر أن لا إله إلا الله، فعبر عن الذكر ~~بالعلم # PageV16P241 # لحدوثه عنه. وعن سفيان بن عيينة أنه سئل عن فضل العلم فقال: ألم تسمع ~~قوله حين بدأ به " فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك " فأمر بالعمل ~~بعد العلم وقال: " اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو - إلى قوله - سابقوا ~~إلى مغفرة من ربكم " (1) [الحديد: 20 - 21] وقال: # " واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة " (2) [الأنفال: 28]. ثم قال بعد: ~~" فاحذروهم " (3) [التغابن: 14]. وقال تعالى: # " واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه " (4) [الأنفال: 41]. ثم أمر ~~بالعمل بعد. # قوله تعالى: " واستغفر لذنبك " يحتمل وجهين: أحدهما - يعني استغفر الله ~~أن يقع منك ذنب. الثاني - استغفر الله ليعصمك من الذنوب. وقيل: لما ذكر له ~~حال الكافرين والمؤمنين أمره بالثبات على الايمان، أي أثبت على ما أنت عليه ~~من التوحيد والاخلاص والحذر عما تحتاج معه إلى استغفار. وقيل: الخطاب له ~~والمراد به الأمة، وعلى هذا القول توجب الآية استغفار الانسان لجميع ~~المسلمين. وقيل: كان عليه السلام يضيق صدره من كفر الكفار والمنافقين، ~~فنزلت الآية. أي فاعلم أنه لا كاشف يكشف ما بك إلا الله، فلا تعلق قلبك ~~بأحد سواه. وقيل: أمر بالاستغفار لتقتدي به الأمة. " وللمؤمنين والمؤمنات " ~~أي ولذنوبهم. وهذا أمر بالشفاعة. وروى مسلم عن عاصم الأحول عن عبد الله بن ~~سرجس المخزومي قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وأكلت من طعامه فقلت: يا ~~رسول الله، غفر الله لك! فقال له صاحبي: هل استغفر لك النبي صلى الله عليه ~~وسلم؟ قال: نعم، ولك. ثم تلا هذه الآية " واستغفر لذنبك وللمؤمنين ~~والمؤمنات " ثم تحولت فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه، جمعا (5) [عليه ~~(6)] خيلان كأنه الثآليل. # " والله يعلم متقلبكم ومثواكم " فيه خمسة أقوال: أحدها - يعلم أعمالكم في ~~تصرفكم وإقامتكم. الثاني - " متقلبكم " في أعمالكم نهارا " ومثواكم " في ~~ليلكم نياما. وقيل # PageV16P242 # " متقلبكم " في الدنيا. " ومثواكم " في الدنيا والآخرة، قاله ابن عباس ~~والضحاك. وقال عكرمة: " متقلبكم " في أصلاب الآباء إلى أرحام الأمهات. " ~~ومثواكم " مقامكم في الأرض. وقال ms5730 ابن كيسان: " متقلبكم " من ظهر إلى بطن ~~إلى الدنيا. " ومثواكم " في القبور. # قلت: والعموم يأتي على هذا كله، فلا يخفى عليه سبحانه شئ من حركات بني ~~آدم وسكناتهم، وكذا جميع خلقه. فهو عالم بجميع ذلك قبل كونه جملة وتفصيلا ~~أولى وأخرى. # سبحانه! لا إله إلا هو. # قوله تعالى: ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة فإذا أنزلت سورة محكمة ~~وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من ~~الموت فأولى لهم (20) طاعة وقول معروف فإذا عزم الامر فلو صدقوا الله لكان ~~خيرا لهم (21) قوله تعالى: " ويقول الذين آمنوا " أي المؤمنون المخلصون. " ~~لولا نزلت سورة " اشتياقا للوحي وحرصا على الجهاد وثوابه. ومعنى " لولا " ~~هلا. " فإذا أنزلت سورة محكمة " لا نسخ فيها. قال قتادة: كل سورة ذكر فيها ~~الجهاد فهي محكمة، وهي أشد القرآن على المنافقين. وفي قراءة عبد الله " ~~فإذا أنزلت سورة محدثة " أي محدثة النزول. " وذكر فيها القتال " أي فرض ~~فيها الجهاد. وقرئ " فإذا أنزلت سورة وذكر فيها القتال " على البناء للفاعل ~~ونصب القتال. " رأيت الذين في قلوبهم مرض " أي شك ونفاق. " ينظرون إليك نظر ~~المغشي عليه من الموت " أي نظر مغموصين مغتاظين بتحديد وتحديق، كمن يشخص ~~بصره عند الموت، وذلك لجبنهم عن القتال جزعا وهلعا، ولميلهم في السر إلى ~~الكفار. # قوله تعالى: " فأولى لهم. طاعة وقول معروف " " فأولى لهم " قال الجوهري: # وقولهم: أولى لك، تهدد ووعيد. قال الشاعر: # فأولى ثم أولى ثم أولى * وهل للدر يحلب من مرد PageV16P243 # قال الأصمعي: معناه قاربه ما يهلكه، أي نزل به. وأنشد: # فعادى بين هاديتين منها * وأولى أن يزيد على الثلاث أي قارب أن يزيد. قال ~~ثعلب: ولم يقل أحد في " أولى " أحسن مما قال الأصمعي. # وقال المبرد: يقال لمن هم بالعطب ثم أفلت: أولى لك، أي قاربت العطب. كما ~~روي أن أعرابيا كان يوالي رمي الصيد فيفلت منه ليقول: أولى لك. ثم رمى صيدا ~~فقاربه ثم أفلت منه فقال: # فلو كان أولى يطعم القوم صدتهم * ولكن أولى يترك ms5731 القوم جوعا وقيل: هو ~~كقول الرجل لصاحبه: يا محروم، أي شئ فاتك! وقال الجرجاني: # هو مأخوذ من الويل، فهو أفعل، ولكن فيه قلب، وهو أن عين الفعل وقع موقع ~~اللام. # وقد تم الكلام على قوله: " فأولى لهم ". قال قتادة: كأنه قال العقاب أولى ~~لهم. وقيل: # أي وليهم المكروه. ثم قال: " طاعة وقول معروف " أي طاعة وقول معروف أمثل ~~وأحسن، وهو مذهب سيبويه والخليل. وقيل: إن التقدير أمرنا طاعة وقول معروف، ~~فحذف المبتدأ فيوقف على " فأولى لهم ". وكذا من قدر يقولون منا طاعة. وقيل: ~~إن الآية الثانية متصلة بالأولى. واللام في قوله " لهم " بمعنى الباء، أي ~~الطاعة أولى وأليق بهم، وأحق لهم من ترك امتثال أمر الله. وهي قراءة أبي " ~~يقولون طاعة ". وقيل: إن " طاعة " نعت ل " سورة "، على تقدير: فإذا أنزلت ~~سورة ذات طاعة، فلا يوقف على هذا على " فأولى لهم ". قال ابن عباس: إن ~~قولهم " طاعة " إخبار من الله عز وجل عن المنافقين. والمعنى لهم طاعة وقول ~~معروف، قيل وجوب الفرائض عليهم، فإذا أنزلت الفرائض شق عليهم نزولها. فيوقف ~~على هذا على " فأولى ". # قوله تعالى: " فإذا عزم الامر " أي جد القتال، أو وجب فرض القتال، كرهوه. # فكرهوه جواب " إذا " وهو محذوف. وقيل: المعنى فإذا عزم أصحاب الامر. " ~~فلو صدقوا الله " أي في الايمان والجهاد. " لكان خيرا لهم " من المعصية ~~والمخالفة. PageV16P244 # قوله تعالى: فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم ~~(22) أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم (23) أفلا يتدبرون ~~القرآن أم على قلوب أقفالها (24) فيه أربع مسائل: # الأولى: قوله تعالى: " فهل عسيتم إن توليتم " اختلف في معنى " إن توليتم ~~" فقيل: هو من الولاية. قال أبو العالية: المعنى فهل عسيتم إن توليتم الحكم ~~فجعلتم حكاما أن تفسدوا في الأرض بأخذ الرشا. وقال الكلبي: أي فهل عسيتم إن ~~توليتم أمر الأمة أن تفسدوا في الأرض بالظلم. وقال ابن جريج: المعنى فهل ~~عسيتم إن توليتم عن الطاعة أن تفسدوا في الأرض بالمعاصي وقطع الأرحام. وقال ~~كعب: المعنى فهل عسيتم إن ms5732 توليتم الامر أن يقتل بعضكم بعضا. وقيل: من ~~الاعراض عن الشئ. قال قتادة: أي فهل عسيتم إن توليتم عن كتاب الله أن ~~تفسدوا في الأرض بسفك الدماء الحرام، وتقطعوا أرحامكم. # وقيل: " فهل عسيتم " أي فلعلكم إن أعرضتم عن القرآن وفارقتم أحكامه أن ~~تفسدوا في الأرض فتعودوا إلى جاهليتكم. وقرئ بفتح السين وكسرها. وقد مضى في ~~" البقرة " القول فيه مستوفى (1). وقال بكر المزني: إنها نزلت في الحرورية ~~والخوارج، وفيه بعد. # والأظهر أنه إنما عني بها المنافقون. وقال ابن حيان: قريش. ونحوه قال ~~المسيب بن شريك والفراء، قالا: نزلت في بني أمية وبني هاشم، ودليل هذا ~~التأويل ما روى عبد الله بن مغفل قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ~~[فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض " - ثم قال - هم هذا الحي من قريش ~~أخذ الله عليهم إن ولوا الناس ألا يفسدوا في الأرض ولا يقطعوا أرحامهم]. ~~وقرأ علي بن أبي طالب " إن توليتم أن تفسدوا في الأرض " بضم التاء والواو ~~وكسر اللام. وهي قراءة ابن أبي إسحاق، ورواها رويس عن # PageV16P245 # يعقوب. يقول: إن وليتكم ولاة جائرة خرجتم معهم في الفتنة وحاربتموهم. " ~~وتقطعوا أرحامكم " بالبغي والظلم والقتل. وقرأ يعقوب وسلام وعيسى وأبو حاتم ~~" وتقطعوا " بفتح التاء وتخفيف القاف، من القطع، اعتبارا بقوله تعالى " ~~ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل " (1) [البقرة: 27]. وروى هذه القراءة ~~هارون عن أبي عمرو. وقرأ الحسن " وتقطعوا " مفتوحة الحروف مشددة، اعتبارا ~~بقوله تعالى: " وتقطعوا أمرهم بينهم " (2) [الأنبياء: 93]. الباقون " ~~وتقطعوا " بضم التاء مشددة الطاء، من التقطيع على التكثير، وهو اختيار أبي ~~عبيد. وتقدم ذكر " عسيتم " [البقرة: 246] في (البقرة) (3). وقال الزجاج في ~~قراءة نافع: لو جاز هذا لجاز " عسي " بالكسر. قال الجوهري: ويقال عسيت أن ~~أفعل ذلك، وعسيت بالكسر. وقرئ " فهل عسيتم " بالكسر. # قلت: ويدل قوله هذا على أنهما لغتان. وقد مضى القول فيه في " البقرة " ~~مستوفى. # (3) " أولئك الذين لعنهم الله " أي طردهم وأبعدهم من رحمته. " فأصمهم " ~~عن الحق. # " وأعمى أبصارهم " أي قلوبهم عن الخير. فأتبع الاخبار بأن ms5733 من فعل ذلك حقت ~~عليه لعنته، وسلبه الانتفاع بسمعه وبصره حتى لا ينقاد للحق وإن سمعه، فجعله ~~كالبهيمة التي لا تعقل. # وقال: " فهل عسيتم " ثم قال: " أولئك الذين لعنهم الله " فرجع من الخطاب ~~إلى الغيبة على عادة العرب في ذلك. # الثانية - قوله تعالى: " أفلا يتدبرون القرآن " أي يتفهمونه فيعلمون ما ~~أعد الله للذين لم يتولوا عن الاسلام. " أم على قلوب أقفالها " أي بل على ~~قلوب أقفال أقفلها الله عز وجل عليهم فهم لا يعقلون. وهذا يرد على القدرية ~~والامامية مذهبهم. وفي حديث مرفوع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [إن ~~عليها أقفالا كأقفال الحديد حتى يكون الله يفتحها]. وأصل القفل اليبس ~~والصلابة. ويقال لما يبس من الشجر: القفل. والقفيل مثله. والقفيل أيضا نبت. ~~والقفيل: الصوت. قال الراجز: # لما أتاك يابسا قرشبا * قمت إليه بالقفيل ضربا * كيف قريت شيخك الازبا ~~(4) * # PageV16P246 # القرشب (بكسر القاف): المسن، عن الأصمعي. وأقفله الصوم أي أيبسه، قاله ~~القشيري والجوهري. فالأقفال ها هنا إشارة إلى ارتتاج القلب وخلوه عن ~~الايمان. أي لا يدخل قلوبهم الايمان ولا يخرج منها الكفر، لان الله تعالى ~~طبع على قلوبهم وقال: " على قلوب " لأنه لو قال على قلوبهم لم يدخل قلب ~~غيرهم في هذه الجملة. والمراد أم على قلوب هؤلاء وقلوب من كانوا بهذه الصفة ~~أقفالها. # الثالثة - في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # [إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت هذا مقام العائذ ~~من القطيعة قال نعم أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك قالت بلى قال ~~فذاك لك - ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - اقرؤوا إن شئتم " فهل ~~عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم. أولئك الذين لعنهم ~~الله فأصمهم وأعمى أبصارهم. أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها "]. ~~وظاهر الآية أنها خطاب لجميع الكفار. وقال قتادة وغيره: معنى الآية فلعلكم، ~~أو يخاف عليكم، إن أعرضتم عن الايمان أن تعودوا إلى الفساد في ms5734 الأرض لسفك ~~الدماء. قال قتادة: كيف رأيتم القوم حين تولوا عن كتاب الله تعالى! ألم ~~يسفكوا الدماء الحرام ويقطعوا الأرحام وعصوا الرحمن. فالرحم على هذا رحم ~~دين الاسلام والايمان، التي قد سماها الله إخوة بقوله تعالى: " إنما ~~المؤمنون إخوة " (1). وعلى قول الفراء أن الآية نزلت في بني هاشم وبني ~~أمية، والمراد من أضمر منهم نفاقا، فأشار بقطع الرحم إلى ما كان بينهم وبين ~~النبي صلى الله عليه وسلم من القرابة بتكذيبهم النبي صلى الله عليه وسلم. ~~وذلك يوجب القتال. وبالجملة فالرحم على وجهين: عامة وخاصة، فالعامة رحم ~~الدين، ويجب مواصلتها بملازمة الايمان والمحبة لأهله ونصرتهم، والنصيحة ~~وترك مضارتهم والعدل بينهم، والنصفة في معاملتهم والقيام بحقوقهم الواجبة، ~~كتمريض المرضى وحقوق الموتى من غسلهم والصلاة عليهم ودفنهم، وغير ذلك من ~~[الحقوق] المترتبة لهم. وأما الرحم الخاصة وهي رحم القرابة من طرفي الرجل ~~أبيه وأمه، فتجب لهم الحقوق الخاصة وزيادة، كالنفقة وتفقد أحوالهم، # PageV16P247 # وترك التغافل عن تعاهدهم في أوقات ضروراتهم، وتتأكد في حقهم حقوق الرحم ~~العامة، حتى إذا تزاحمت الحقوق بدئ بالأقرب فالأقرب. وقال بعض أهل العلم: ~~إن الرحم التي تجب صلتها هي كل رحم محرم، وعليه فلا تجب في بني الأعمام ~~وبني الأخوال. وقيل: # بل هذا في كل رحم ممن ينطلق عليه ذلك من ذوي الأرحام في المواريث، محرما ~~كان أو غير محرم. فيخرج من هذا أن رحم الام التي لا يتوارث بها لا تجب ~~صلتهم ولا يحرم قطعهم. # وهذا ليس بصحيح، والصواب أن كل ما يشمله ويعمه الرحم تجب صلته على كل ~~حال، قربة ودينية، على ما ذكرناه أولا والله أعلم. وقد روى أبو داود ~~الطيالسي في مسنده قال: # حدثنا شعبة قال أخبرني محمد بن عبد الجبار قال سمعت محمد بن كعب القرظي ~~يحدث عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: [إن للرحم ~~لسانا يوم القيامة تحت العرش يقول يا رب قطعت يا رب ظلمت يا رب أسئ إلي ~~فيجيبها ربها ألا ترضين أن أصل من ms5735 وصلك وأقطع من قطعك]. وفي صحيح مسلم عن ~~جبير بن مطعم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [لا يدخل الجنة قاطع]. قال ~~ابن أبي عمر قال سفيان: يعني قاطع رحم. ورواه البخاري. # الرابعة - قوله عليه السلام: [إن الله تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ ~~منهم...] " خلق " بمعنى اخترع وأصله التقدير، كما تقدم (1). والخلق هنا ~~بمعنى المخلوق. ومنه قوله تعالى: # " هذا خلق الله " (2) أي مخلوقه. ومعنى [فرغ منهم] كمل خلقهم. لا أنه ~~اشتغل بهم ثم فرغ من شغله بهم، إذ ليس. فعله بمباشرة ولا مناولة، ولا خلقه ~~بآلة ولا محاولة، تعالى عن ذلك. وقوله: [قامت الرحم فقالت] يحمل على أحد ~~وجهين: أحدهما - أن يكون الله تعالى أقام من يتكلم عن الرحم من الملائكة ~~فيقول ذلك، وكانه وكل بهذه العبادة من يناضل عنها ويكتب ثواب من وصلها ووزر ~~من قطعها، كما وكل الله بسائر الأعمال كراما كاتبين، وبمشاهدة أوقات ~~الصلوات ملائكة متعاقبين. وثانيهما - # PageV16P248 # أن ذلك على جهة التقدير والتمثيل المفهم للاعياء وشدة الاعتناء. فكأنه ~~قال: لو كانت الرحم ممن يعقل ويتكلم لقالت هذا الكلام، كما قال تعالى: " لو ~~أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله - ثم قال - ~~وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون " (1). وقوله: [فقالت هذا مقام ~~العائذ بك من القطيعة] مقصود هذا الكلام الاخبار بتأكد أمر صلة الرحم، وأن ~~الله سبحانه قد نزلها بمنزلة من استجار به فأجاره، وأدخله في ذمته وخفارته ~~(2) وإذا كان كذلك فجار الله غير مخذول وعهده غير منقوض. # ولذلك قال مخاطبا للرحم: [أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك]. وهذا ~~كما قال عليه السلام: [ومن صلى الصبح فهو في ذمة الله تعالى فلا يطلبنكم ~~الله من ذمته بشئ فإنه من يطلبه بذمته بشئ يدركه ثم يكبه في النار على ~~وجهه]. # قوله تعالى: إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى ~~الشيطان سول لهم وأملى لهم (25) قال قتادة: هم كفار أهل الكتاب، كفروا ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم ms5736 بعد ما عرفوا نعته عندهم، قاله ابن جريج. وقال ~~ابن عباس والضحاك والسدي: هم المنافقون، قعدوا عن القتال بعد ما علموه في ~~القرآن. " الشيطان سول لهم " أي زين لهم خطاياهم، قاله الحسن. # " وأملى لهم " أي مد لهم الشيطان في الامل ووعدهم طول العمر، عن الحسن ~~أيضا. وقال: # إن الذي أملى لهم في الامل ومد في آجالهم هو الله عز وجل، قاله الفراء ~~والمفضل. وقال الكلبي ومقاتل: إن معنى " أملى لهم " أمهلهم، فعلى هذا يكون ~~الله تعالى أملى لهم بالامهال في عذابهم. وقرأ أبو عمرو وابن أبي إسحاق ~~وعيسى بن عمر وأبو جعفر وشيبة " وأملي لهم " بضم الهمزة وكسر اللام وفتح ~~الياء، على ما لم يسم فاعله. وكذلك قرأ ابن هرمز ومجاهد والجحدري ويعقوب، ~~إلا أنهم سكنوا الياء على وجه الخبر من الله تعالى عن نفسه أنه يفعل ذلك ~~بهم، كأنه قال: وأنا أملي لهم. واختاره أبو حاتم، قال: لان فتح الهمزة يوهم ~~أن الشيطان # PageV16P249 # يملي لهم، وليس كذلك، فلهذا عدل إلى الضم. قال المهدوي: ومن قرأ " وأملى ~~لهم " فالفاعل اسم الله تعالى. وقيل الشيطان. واختار أبو عبيد قراءة ~~العامة، قال: لان المعنى معلوم، لقوله: " لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه ~~وتوقروه وتسبحوه " (1) [الفتح: 9] رد التسبيح على اسم الله، والتوقير ~~والتعزير على اسم الرسول. # قوله تعالى: ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض ~~الامر والله يعلم إسرارهم (26) قوله تعالى: " ذلك بأنهم قالوا " أي ذلك ~~الاملاء لهم حتى يتمادوا في الكفر بأنهم قالوا، يعني المنافقين واليهود. " ~~للذين كرهوا ما نزل الله " وهم المشركون. " سنطيعكم في بعض الامر " أي في ~~مخالفة محمد والتظاهر على عداوته، والقعود عن الجهاد معه وتوهين أمره في ~~السر. وهم إنما قالوا ذلك سرا فأخبر الله نبيه. وقراءة العامة " أسرارهم " ~~بفتح الهمزة، جمع سر، وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم. وقرأ الكوفيون وابن ~~وثاب والأعمش وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم " إسرارهم " بكسر الهمزة على ~~المصدر، نحو قوله تعالى: # " وأسررت لهم إسرارا " (2) [نوح: 9] جمع لاختلاف ضروب السر. # قوله ms5737 تعالى: فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم (27) قوله ~~تعالى: " فكيف " أي فكيف تكون حالهم. " إذا توفتهم الملائكة يضربون " أي ~~ضاربين، فهو في موضع الحال. ومعنى الكلام التخويف والتهديد، أي إن تأخر ~~عنهم العذاب فإلى انقضاء العمر. وقد مضى في " الأنفال والنحل " (3). وقال ~~ابن عباس: لا يتوفى أحد على معصية إلا بضرب شديد لوجهه وقفاه. وقيل: ذلك ~~عند القتال نصرة لرسول الله # PageV16P250 # صلى الله عليه وسلم، بضرب الملائكة وجوههم عند الطلب وأدبارهم عند الهرب. ~~وقيل: # ذلك في القيامة عند سوقهم إلى النار. # قوله تعالى: ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم ~~(28) قوله تعالى: " ذلك " أي ذلك جزاؤهم. " بأنهم اتبعوا ما أسخط الله " ~~قال ابن عباس: هو كتمانهم ما في التوراة من نعت محمد صلى الله عليه وسلم. ~~وإن حملت على المنافقين فهو إشارة إلى ما أضمروا عليه من الكفر. " وكرهوا ~~رضوانه " يعني الايمان. " فأحبط أعمالهم " أي ما عملوه من صدقة وصلة رحم ~~وغير ذلك، على ما تقدم. # قوله تعالى: أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم (29) ~~ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم ~~أعمالكم (30) قوله تعالى: " أم حسب الذين في قلوبهم مرض " نفاق وشك، يعني ~~المنافقين. # " أن لن يخرج الله أضغانهم " الأضغان ما يضمر من المكروه. واختلف في ~~معناه، فقال السدي: غشهم. وقال ابن عباس: حسدهم. وقال قطرب: عداوتهم، وأنشد ~~قول الشاعر: # قل لابن هند ما أردت بمنطق * ساء الصديق وشيد الأضغانا وقيل: أحقادهم. ~~واحدها ضغن. قال: # * وذي ضغن كففت النفس عنه * وقد تقدم. وقال عمرو بن كلثوم: # وإن الضغن بعد الضغن يفشو * عليك ويخرج الداء الدفينا PageV16P251 # قال الجوهري: الضغن والضغينة: الحقد. وقد ضغن عليه (بالكسر) ضغنا. # وتضاغن القوم واضطغنوا: أبطنوا على الأحقاد. واضطغنت الصبي إذا أخذته تحت ~~حضنك. وأنشد الأحمر: # * كأنه مضطغن صبيا * أي حامله في حجره. وقال ابن مقبل: # إذا اضطغنت سلاحي عند مغرضها * ومرفق كرئاس السيف إذ شسفا (1) وفرس ضاغن ~~لا يعطي ما عنده من الجري ms5738 إلا بالضرب. والمعنى: أم حسبوا أن لن يظهر الله ~~عداوتهم وحقدهم لأهل الاسلام. " ولو نشاء لأريناكهم " أي لعرفناكهم. قال ~~ابن عباس: وقد عرفه إياهم في سورة " براءة " (2). تقول العرب: سأريك ما ~~اصنع، أي سأعلمك، ومنه قوله تعالى: " بما أراك (3) الله " [النساء: 105] أي ~~بما أعلمك. " فلعرفتهم بسيماهم " أي بعلاماتهم. قال أنس. ما خفي على النبي ~~صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية أحد من المنافقين، كان يعرفهم بسيماهم. ~~وقد كنا في غزاة وفيها سبعة من المنافقين يشك فيهم (4) الناس، فأصبحوا ذات ~~ليلة وعلى جبهة كل واحد منهم مكتوب (هذا منافق) فذلك سيماهم. وقال ابن زيد: # قدر الله إظهارهم وأمر أن يخرجوا من المسجد فأبوا إلا أن يتمسكوا بلا إله ~~إلا الله، فحقنت دماؤهم ونكحوا وأنكحوا بها. " ولتعرفنهم في لحن القول " أي ~~في فحواه ومعناه. ومنه قول الشاعر: # * وخير الكلام ما كان لحنا * أي ما عرف بالمعنى ولم يصرح به. مأخوذ من ~~اللحن في الاعراب، وهو الذهاب عن الصواب، ومنه قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: [إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض] أي أذهب ~~بها في الجواب لقوته على تصريف الكلام. أبو زيد: # PageV16P252 # لحنت له (بالفتح) ألحن لحنا إذا قلت له قولا يفهمه عنك ويخفى على غيره. ~~ولحنه هو عني (بالكسر) يلحنه لحنا أي فهمه. وألحنته أنا إياه، ولاحنت الناس ~~فاطنتهم، قال الفزاري: # وحديث ألذه هو مما * ينعت الناعتون يوزن وزنا منطق رائع وتلحن أحيانا * ~~وخير الحديث ما كان لحنا يريد أنها تتكلم [بشئ] وهي تريد غيره، وتعرض في ~~حديثها فتزيله عن جهته من فطنتها وذكائها. وقد قال تعالى: " ولتعرفنهم في ~~لحن القول ". وقال القتال الكلابي: # ولقد وحيت (1) لكم لكيما تفهموا * ولحنت لحنا ليس بالمرتاب وقال مرار ~~الأسدي: # ولحنت لحنا فيه غش ورابني * صدودك ترضين الوشاة الأعاديا قال الكلبي: فلم ~~يتكلم بعد نزولها عند النبي صلى الله عليه وسلم منافق إلا عرفه. وقيل: # كان المنافقون يخاطبون النبي صلى الله عليه وسلم بكلام تواضعوه فيما ~~بينهم، والنبي صلى ms5739 الله عليه وسلم يسمع ذلك ويأخذ بالظاهر المعتاد، فنبهه ~~الله تعالى عليه، فكان بعد هذا يعرف المنافقين إذا سمع كلامهم. قال أنس: ~~فلم يخف منافق بعد هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم، عرفه الله ~~ذلك بوحي أو علامة عرفها بتعريف الله إياه. " والله يعلم أعمالكم " أي لا ~~يخفى عليه شئ منها. # قوله تعالى: ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم ~~(31) قوله تعالى: " ولنبلوكم " أي نتعبدكم بالشرائع وإن علمنا عواقب ~~الأمور. وقيل: # لنعاملنكم معاملة المختبرين. " حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين " ~~عليه. قال ابن عباس: # " حتى نعلم " حتى نميز. وقال على رضي الله عنه. " حتى نعلم " حتى نرى. ~~وقد مضى # PageV16P253 # في " البقرة " (1). وقراءة العامة بالنون في " نبلونكم " و " نعلم " " ~~ونبلو ". وقرأ أبو بكر عن عاصم بالياء فيهن. وروى رويس عن يعقوب إسكان ~~الواو من " نبلو " على القطع مما قبل. # ونصب الباقون ردا على قوله: " حتى نعلم ". وهذا العلم هو العلم الذي يقع ~~به الجزاء، لأنه إنما يجازيهم بأعمالهم لا بعلمه القديم عليهم. فتأويله: ~~حتى نعلم المجاهدين علم شهادة، لأنهم إذا أمروا بالعمل يشهد منهم ما عملوا، ~~فالجزاء بالثواب والعقاب يقع على علم الشهادة. # " ونبلو أخباركم " نختبرها ونظهرها. قال إبراهيم بن الأشعث: كان الفضيل ~~بن عياض إذا قرأ هذه الآية بكى وقال: اللهم لا تبتلينا فإنك إذا بلوتنا ~~فضحتنا وهتكت أستارنا. # قوله تعالى: إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما ~~تبين لهم الهدى لن يضروا الله شيئا وسيحبط أعمالهم (32) يرجع إلى المنافقين ~~أو إلى اليهود. وقال ابن عباس: هم المطعمون يوم بدر. نظيرها " إن الذين ~~كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله " [الأنفال: 36] الآية (2). " ~~وشاقوا الرسول " أي عادوه وخالفوه. " من بعد ما تبين لهم الهدى " أي علموا ~~أنه نبي بالحجج والآيات. # " لن يضروا الله شيئا " بكفرهم. " وسيحبط أعمالهم " أي ثواب ما عملوه. # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا ~~أعمالكم (33) فيه مسألتان: # الأولى - قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا ms5740 أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ~~" لما بين حال الكفار أمر المؤمنين بلزوم الطاعة في أوامره والرسول في ~~سننه. " ولا تبطلوا أعمالكم " أي حسناتكم بالمعاصي، قاله الحسن. وقال ~~الزهري: بالكبائر. ابن جريج: بالرياء والسمعة. # PageV16P254 # وقال مقاتل والثمالي: بالمن، وهو خطاب لمن كان يمن على النبي صلى الله ~~عليه وسلم بإسلامه. # وكله متقارب، وقول الحسن يجمعه. وفيه إشارة إلى أن الكبائر تحبط الطاعات، ~~والمعاصي تخرج عن الايمان. # الثانية - احتج علماؤنا وغيرهم بهذه الآية على أن التحلل من التطوع - ~~صلاة كان أو صوما - بعد التلبس به لا يجوز، لان فيه إبطال العمل وقد نهى ~~الله عنه. وقال من أجاز ذلك - وهو الإمام الشافعي وغيره -: المراد بذلك ~~إبطال ثواب العمل المفروض، فنهى الرجل عن إحباط ثوابه. فأما ما كان نفلا ~~فلا، لأنه ليس واجبا عليه. فإن زعموا أن اللفظ عام فالعام يجوز تخصيصه. ~~ووجه تخصيصه أن النفل تطوع، والتطوع يقتضي تخييرا. # وعن أبي العالية كانوا يرون أنه لا يضر مع الاسلام ذنب، حتى نزلت هذه ~~الآية فخافوا الكبائر أن تحبط الأعمال. وقال مقاتل: يقول الله تعالى إذا ~~عصيتم الرسول فقد أبطلتم أعمالكم. # قوله تعالى: إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن ~~يغفر الله لهم (34) بين أن الاعتبار بالوفاة على الكفر يوجب الخلود في ~~النار. وقد مضى في " البقرة " الكلام (1) فيه. وقيل: إن المراد بالآية ~~أصحاب القليب (2). وحكمها عام. # قوله تعالى: فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن ~~يتركم أعمالكم (35) فيه ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " فلا تهنوا " أي تضعفوا عن القتال. والوهن: الضعف ~~وقد وهن الانسان ووهنه غيره، يتعدى ولا يتعدى. قال: # * إنني لست بموهون فقر (3) * # PageV16P255 # ووهن أيضا (بالكسر) وهنا أي ضعف، وقرئ " فما وهنوا " بضم الهاء وكسرها. ~~وقد مضى في (آل عمران) (1). # الثانية - قوله تعالى: " وتدعوا إلى السلم " أي الصلح. " وأنتم الأعلون " ~~أي وأنتم أعلم بالله منهم. وقيل: وأنتم الأعلون في الحجة. وقيل: المعنى ~~وأنتم الغالبون لأنكم مؤمنون وإن غلبوكم في الظاهر في بعض الأحوال. وقال ms5741 ~~قتادة: لا تكونوا أول الطائفتين ضرعت إلى صاحبتها. # الثالثة - واختلف العلماء في حكمها، فقيل: إنها ناسخة لقوله تعالى: " وإن ~~جنحوا للسلم فاجنح لها " (2) [الأنفال: 61]، لان الله تعالى منع من الميل ~~إلى الصلح إذا لم يكن بالمسلمين حاجة إلى الصلح. وقيل: منسوخة بقوله تعالى: ~~" وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ". # وقيل: هي محكمة. والآيتان نزلتا في وقتين مختلفي الحال. وقيل: إن قوله " ~~وإن جنحوا للسلم فاجنح لها " مخصوص في قوم بأعيانهم، والأخرى عامة. فلا ~~يجوز مهادنة الكفار إلا عند الضرورة، وذلك إذا عجزنا عن مقاومتهم لضعف ~~المسلمين. وقد مضى هذا المعنى مستوفى (2). " والله معكم " أي بالنصر ~~والمعونة، مثل " وإن الله لمع المحسنين " (3) [العنكبوت: 69] " ولن يتركم ~~أعمالكم " أي لن ينقصكم، عن ابن عباس وغيره. ومنه الموتور الذي قتل له قتيل ~~فلم يدرك بدمه، تقول منه: وتره يتره وترا وترة. ومنه قوله عليه السلام: [من ~~فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله] أي ذهب بهما. وكذلك وتره حقه أي ~~نقصه. وقوله تعالى: # " ولن يتركم أعمالكم " أي لن ينتقصكم في أعمالكم، كما تقول: دخلت البيت، ~~وأنت تريد في البيت، قاله الجوهري. الفراء: " ولن يتركم " هو مشتق من الوتر ~~وهو الفرد، فكان المعنى ولن يفردكم بغير ثواب. # PageV16P256 # قوله تعالى: إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ~~ولا يسئلكم أموالكم (36) إن يسئلكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم (37) ~~قوله تعالى: " إنما الحياة الدنيا لعب ولهو " تقدم في " الانعام " (1). " ~~وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم " شرط وجوابه. " ولا يسألكم أموالكم " أي ~~لا يأمركم بإخراج جميعها في الزكاة، بل أمر بإخراج البعض، قاله ابن عيينة ~~وغيره. وقيل: " لا يسألكم أموالكم " لنفسه أو لحاجة منه إليها، إنما يأمركم ~~بالانفاق في سبيله ليرجع ثوابه إليكم. # وقيل: " لا يسألكم أموالكم " إنما يسألكم أمواله، لأنه المالك لها وهو ~~المنعم بإعطائها. # وقيل: ولا يسألكم محمد أموالكم أجرا على تبليغ الرسالة. نظيره " قل ما ~~أسألكم عليه من أجر " (2) [الفرقان: 57] الآية. " إن يسئلكموها فيحفكم " ~~يلح عليكم، يقال: أحفى بالمسألة وألحف وألح بمعنى واحد. والحفي المستقصي في ms5742 ~~السؤال، وكذلك الاحفاء الاستقصاء في الكلام والمنازعة. # ومنه أحفى شاربه أي استقصى في أخذه. " تبخلوا ويخرج أضغانكم " أي يخرج ~~البخل أضغانكم. قال قتادة: قد علم الله أن في سؤال المال خروج الأضغان. ~~وقرأ ابن عباس ومجاهد وابن محيصن وحميد " وتخرج " بتاء مفتوحة وراء مضمومة. ~~" أضغانكم " بالرفع لكونه الفاعل. وروى الوليد عن يعقوب الحضرمي " ونخرج " ~~بالنون. وأبو معمر عن عبد الوارث عن أبي عمرو " ويخرج " بالرفع في الجيم ~~على القطع والاستئناف. والمشهور عنه " ويخرج " كسائر القراء، عطف على ما ~~تقدم. # قوله تعالى: ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن ~~يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما ~~غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم (38) # PageV16P257 # قوله تعالى: " ها أنتم هؤلاء تدعون " أي ها أنتم هؤلاء أيها المؤمنون ~~تدعون " لتنفقوا في سبيل الله " أي في الجهاد وطريق الخير. " فمنكم من يبخل ~~ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه " أي على نفسه، أي يمنعها الأجر والثواب. " ~~والله الغني " أي إنه ليس بمحتاج إلى أموالكم. " وأنتم الفقراء " إليها. " ~~وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم " أي أطوع لله منكم. روى الترمذي عن أبي ~~هريرة قال: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية " وإن تتولوا ~~يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم " قالوا: ومن يستبدل بنا؟ قال: # فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على منكب سلمان ثم قال: [هذا وقومه. ~~هذا وقومه] قال: حديث غريب في إسناده مقال. وقد روى عبد الله بن جعفر بن ~~نجيح والد على بن المديني أيضا هذا الحديث عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه ~~عن أبي هريرة قال: قال أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول ~~الله، من هؤلاء الذين ذكر الله إن تولينا استبدلوا ثم لا يكونوا أمثالنا؟ ~~قال: وكان سلمان جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم فخذ سلمان، قال: [هذا وأصحابه. والذي ~~نفسي بيده لو كان الايمان ms5743 منوطا بالثريا لتناوله رجال من فارس]. وقال ~~الحسن: هم العجم. وقال عكرمة: # هم فارس والروم. قال المحاسبي: فلا أحد بعد العرب من جميع أجناس الأعاجم ~~أحسن دينا، ولا كانت العلماء منهم إلا الفرس. وقيل: إنهم اليمن، وهم ~~الأنصار، قاله شريح بن عبيد. # وكذا قال ابن عباس: هم الأنصار. وعنه أنهم الملائكة. وعنه هم التابعون. ~~وقال مجاهد: # إنهم من شاء من سائر الناس. " ثم لا يكونوا أمثالكم " قال الطبري: أي في ~~البخل بالانفاق في سبيل الله. وحكي عن أبي موسى الأشعري أنه لما نزلت هذه ~~الآية فرح بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: [هي أحب إلي من الدنيا]. ~~والله أعلم. PageV16P258 # سورة الفتح مدنية بإجماع، وهي تسع وعشرون آية. ونزلت ليلا بين مكة ~~والمدينة في شأن الحديبية. # روى محمد بن إسحاق عن الزهري عن عروة عن المسور بن مخرمة ومروان بن ~~الحكم، قالا: نزلت سورة الفتح بين مكة والمدينة في شأن الحديبية من أولها ~~إلى آخرها. # وفي الصحيحين عن زيد بن أسلم عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كان يسير في بعض أسفاره وعمر بن الخطاب يسير معه ليلا، فسأله عمر عن شئ فلم ~~يجبه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم سأله فلم يجبه، ثم سأله فلم يجبه، ~~فقال عمر بن الخطاب: ثكلت أم عمر، نزرت (1) رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ثلاث مرات كل ذلك لم يجبك، فقال عمر: # فحركت بعيري ثم تقدمت أمام الناس وخشيت أن ينزل في قرآن، فما نشبت (2) أن ~~سمعت صارخا يصرخ بي، فقلت: لقد خشيت أن يكون نزل في قرآن، فجئت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فسلمت عليه، فقال: [لقد أنزلت علي الليلة سورة لهي أحب ~~إلي مما طلعت عليه الشمس - ثم قرأ - " إنا فتحنا لك فتحا مبينا "]. لفظ ~~البخاري. وقال الترمذي: # حديث حسن غريب صحيح. وفي صحيح مسلم عن قتادة أن أنس بن مالك حدثهم قال: # لما نزلت " إنا فتحنا لك فتحا مبينا. ليغفر لك الله ما تقدم ms5744 من ذنبك وما ~~تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما - إلى قوله - فوزا عظيما " ~~مرجعه من الحديبية وهم يخالطهم الحزن والكآبة، وقد نحر الهدي بالحديبية، ~~فقال: [لقد أنزلت علي آية هي أحب إلي من الدنيا جميعا]. وقال عطاء عن ابن ~~عباس: إن اليهود شتموا النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين لما نزل قوله ~~تعالى: " وما أدري ما يفعل بي ولا بكم " [الأحقاف: 9] وقالوا: # كيف نتبع رجلا لا يدري ما يفعل به! فاشتد ذلك على النبي صلى الله عليه ~~وسلم فأنزل الله تعالى: # " إنا فتحنا لك فتحا مبينا. ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ". ~~ونحوه قال مقاتل # PageV16P259 # ابن سليمان: لما نزل قوله تعالى: " وما أدري ما يفعل بي ولا بكم " (1) ~~[الأحقاف: 9] فرح المشركون والمنافقون وقالوا: كيف نتبع رجلا لا يدري ما ~~يفعل به ولا بأصحابه، فنزلت بعد ما رجع من الحديبية: " إنا فتحنا لك فتحا ~~مبينا " أي قضينا لك قضاء. فنسخت هذه الآية تلك. # فقال النبي صلى الله عليه وسلم: [لقد أنزلت علي سورة ما يسرني بها حمر ~~النعم]. وقال المسعودي: بلغني أنه من قرأ سورة الفتح في أول ليلة من رمضان ~~في صلاة التطوع حفظه الله ذلك العام. # بسم الله الرحمن الرحيم إنا فتحنا لك فتحا مبينا (1) اختلف في هذا الفتح ~~ما هو؟ ففي البخاري حدثني محمد بن بشار قال حدثنا غندر قال حدثنا شعبة قال ~~سمعت قتادة عن أنس " إنا فتحنا لك فتحا مبينا " قال: الحديبية. وقال جابر: # ما كنا نعد فتح مكة إلا يوم الحديبية. وقال الفراء (2): تعدون أنتم الفتح ~~فتح مكة وقد كان فتح مكة فتحا ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية، ~~كنا نعد مع النبي صلى الله عليه وسلم أربع عشرة مائة (3)، والحديبية بئر. ~~وقال الضحاك: " إنا فتحنا لك فتحا مبينا " بغير قتال. # وكان الصلح من الفتح. وقال مجاهد: هو منحره بالحديبية وحلقه رأسه. وقال: ~~كان فتح الحديبية آية عظيمة، نزح ماؤها فمج فيها فدرت بالماء حتى شرب جميع ~~من كان معه. ms5745 وقال موسى بن عقبة: قال رجل عند منصرفهم من الحديبية: ما هذا ~~بفتح، لقد صدونا عن البيت. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: [بل هو أعظم ~~الفتوح قد رضي المشركون أن يدفعوكم عن بلادهم بالراح ويسألكم القضية ~~ويرغبوا إليكم في الأمان وقد رأوا منكم ما كرهوا]. # وقال الشعبي في قوله تعالى " إنا فتحنا لك فتحا مبينا " قال: هو فتح ~~الحديبية، لقد أصاب بها ما لم يصب في غزوة، غفر الله له ما تقدم من ذنبه ~~وما تأخر، وبويع بيعة الرضوان، # PageV16P260 # وأطعموا نخل خيبر، وبلغ الهدي محله، وظهرت الروم على فارس، ففرح المؤمنون ~~بظهور أهل الكتاب على المجوس. وقال الزهري: لقد كان الحديبية أعظم الفتوح، ~~وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء إليها في ألف وأربعمائة، فلما وقع ~~الصلح مشى الناس بعضهم في بعض وعلموا وسمعوا عن الله، فما أراد أحد الاسلام ~~إلا تمكن منه، فما مضت تلك السنتان إلا والمسلمون قد جاءوا إلى مكة في عشرة ~~آلاف. وقال مجاهد أيضا والعوفي: هو فتح خبير. # والأول أكثر، وخيبر إنما كانت وعدا وعدوه، على ما يأتي بيانه في قوله ~~تعالى: " سيقول المخلفون إذا انطلقتم " (1) [الفتح: 10] وقوله " وعدكم الله ~~مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه " (2) [الفتح: 20]. وقال مجمع بن جارية ~~- وكان أحد القراء الذين قرؤوا القرآن -: شهدنا الحديبية مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فلما انصرفنا عنها إذا الناس يهزون الأباعر، فقال بعض الناس ~~لبعض: # ما بال الناس؟ قالوا: أوحى الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم. قال: ~~فخرجنا نوجف (3) فوجدنا نبي الله صلى الله عليه وسلم عند كراع الغميم (4)، ~~فلما اجتمع الناس قرأ النبي صلى الله عليه وسلم " إنا فتحنا لك فتحا مبينا ~~" فقال عمر بن الخطاب: أو فتح هو يا رسول الله؟ # قال: [نعم، والذي نفسي بيده إنه لفتح]. فقسمت خيبر على أهل الحديبية، لم ~~يدخل أحد إلا من شهد الحديبية. وقيل: إن قوله تعالى " فتحا " يدل على أن ~~مكة فتحت عنوة (5)، لان اسم الفتح لا يقع مطلقا إلا على ms5746 ما فتح عنوة. هذا ~~هو حقيقة الاسم. وقد يقال: # فتح البلد صلحا، فلا يفهم الصلح إلا بأن يقرن بالفتح، فصار الفتح في ~~الصلح مجازا. # والاخبار دالة على أنها فتحت عنوة، وقد مضى القول فيها (6)، ويأتي. # قوله تعالى: ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ~~ويهديك صراط مستقيما (2) وينصرك الله نصرا عزيزا (3) # PageV16P261 # قال ابن الأنباري: " فتحا مبينا " غير تام، لان قوله " ليغفر لك الله ما ~~تقدم " متعلق بالفتح. كأنه قال: إنا فتحنا لك فتحا مبينا لكي يجمع الله لك ~~مع الفتح المغفرة، فيجمع الله لك به ما تقر به عينك في الدنيا والآخرة. ~~وقال أبو حاتم السجستاني: هي لام القسم. وهذا خطأ، لان لام القسم لا تكسر ~~ولا ينصب بها، ولو جاز هذا لجاز: ليقوم زيد، بتأويل ليقومن زيد. الزمخشري: ~~فإن قلت كيف جعل فتح مكة علة للمغفرة؟ قلت: لم يجعل علة للمغفرة، ولكن ~~لاجتماع ما عدد من الأمور الأربعة، وهي: المغفرة، وإتمام النعمة، وهداية ~~الصراط المستقيم، والنصر العزيز. كأنه قال: يسرنا لك فتح مكة ونصرناك على ~~عدوك ليجمع لك عز الدارين وأعراض العاجل والآجل. ويجوز أن يكون فتح مكة من ~~حيث إنه جهاد للعدو سببا للغفران والثواب. وفي الترمذي عن أنس قال: أنزلت ~~على النبي صلى الله عليه وسلم " ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر " ~~مرجعه من الحديبية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: [لقد أنزلت علي آية أحب ~~إلي مما على وجه الأرض]. # ثم قرأها النبي صلى الله عليه وسلم عليهم، فقالوا: هنيئا مريئا يا وسول ~~الله، لقد بين الله لك ماذا يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فنزلت عليه " ليدخل ~~المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار - حتى بلغ - فوزا عظيما " ~~قال حديث حسن صحيح. وفيه عن مجمع ابن جارية. واختلف أهل التأويل في معنى " ~~ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر " فقيل: " ما تقدم من ذنبك " قبل ~~الرسالة. " وما تأخر " بعدها، قاله مجاهد. ونحوه قال الطبري وسفيان الثوري، ms5747 ~~قال الطبري: هو راجع إلى قوله تعالى " إذا جاء نصر الله والفتح - إلى قوله ~~- توابا " [النصر: 1 - 3]. " ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك " قبل الرسالة ~~" وما تأخر " إلى وقت نزول هذه الآية وقال سفيان الثوري: " ليغفر لك الله ~~ما تقدم من ذنبك " ما عملته في الجاهلية من قبل أن يوحى إليك. " وما تأخر " ~~كل شئ لم تعمله، وقاله الواحدي. وقد مضى الكلام في جريان الصغائر على ~~الأنبياء في سورة " البقرة " (1)، فهذا قول. وقيل: # PageV16P262 # " ما تقدم " قبل الفتح. " وما تأخر " بعد الفتح. وقيل: " ما تقدم " قبل ~~نزول هذه الآية. " وما تأخر " بعدها. وقال عطاء الخراساني: " ما تقدم من ~~ذنبك " يعنى من ذنب أبويك آدم وحواء. " وما تأخر " من ذنوب أمتك. وقيل: من ~~ذنب أبيك إبراهيم. # " وما تأخر " من ذنوب النبيين. وقيل: " ما تقدم " من ذنب يوم بدر. " وما ~~تأخر " من ذنب يوم حنين. وذلك أن الذنب المتقدم يوم بدر، أنه جعل يدعو ~~ويقول: " اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض أبدا " وجعل يردد هذا ~~القول دفعات، فأوحى الله إليه من أين تعلم أني لو أهلكت هذه العصابة لا ~~أعبد أبدا، فكان هذا الذنب المتقدم. # وأما الذنب المتأخر فيوم حنين، لما انهزم الناس قال لعمه العباس ولابن ~~عمه أبي سفيان: # [ناولاني كفا من حصباء الوادي] فناولاه فأخذه بيده ورمى به في وجوه ~~المشركين وقال: # [شاهت الوجوه. حم. لا ينصرون] فانهزم القوم عن آخرهم، فلم يبق أحد إلا ~~امتلأت عيناه رملا وحصباء. ثم نادى في أصحابه فرجعوا فقال لهم عند رجوعهم: ~~[لو لم أرمهم لم ينهزموا] فأنزل الله عز وجل " وما رميت إذ رميت ولكن الله ~~رمى " (1) [الأنفال: 17] فكان هذا هو الذنب المتأخر. وقال أبو علي ~~الروذباري: يقول لو كان لك ذنب قديم أو حديث لغفرناه لك. # قوله تعالى: " ويتم نعمته عليك " قال ابن عباس: في الجنة. وقيل: بالنبوة ~~والحكمة. وقيل: بفتح مكة والطائف وخيبر. وقيل: بخضوع من استكبر وطاعة من ~~تجبر. " ويهديك صراط مستقيما " أي يثبتك على الهدى إلى ms5748 أن يقبضك إليه. " ~~وينصرك الله نصرا عزيزا " أي غالبا منيعا لا يتبعه ذل. # قوله تعالى: هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع ~~إيمانهم ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما (4) # PageV16P263 # " السكينة ": السكون والطمأنينة. قال ابن عباس: كل سكينة في القرآن هي ~~الطمأنينة إلا التي في " البقرة " (1). وتقدم معنى زيادة الايمان في " آل ~~عمران " (2). وقال ابن عباس: بعث النبي صلى الله عليه وسلم بشهادة أن لا ~~إله إلا الله، فلما صدقوه فيها زادهم الصلاة، فلما صدقوه زادهم الزكاة، ~~فلما صدقوه زادهم الصيام، فلما صدقوه زادهم الحج، ثم أكمل لهم دينهم، فذلك ~~قوله: " ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم " أي تصديقا بشرائع الايمان مع تصديقهم ~~بالايمان. وقال الربيع بن أنس: خشية مع خشيتهم. وقال الضحاك: # يقينا مع يقينهم. " ولله جنود السماوات والأرض " قال ابن عباس: يريد ~~الملائكة والجن والشياطين والانس " وكان الله عليما " بأحوال خلقه " حكيما ~~" فيما يريده. # قوله تعالى: ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها ويكفر عنهم سيئاتهم وكان ذلك عند الله فوزا عظيما (5) أي أنزل السكينة ~~ليزدادوا إيمانا. ثم تلك الزيادة بسبب إدخالهم الجنة. وقيل: اللام في " ~~ليدخل " يتعلق بما يتعلق به اللام في قوله: " ليغفر لك الله ". " وكان ذلك ~~" أي ذلك الوعد من دخول مكة وغفران الذنوب. " عند الله فوزا عظيما " أي ~~نجاة من كل غم، وظفرا بكل مطلوب. وقيل: لما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم ~~على أصحابه " ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر " قالوا: هنيئا لك يا ~~رسول الله، فماذا لنا؟ فنزل " ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات " ولما قرأ " ~~ويتم نعمته عليك " قالوا: هنيئا لك، فنزلت " وأتممت عليكم نعمتي " (3) ~~[المائدة: 3] فلما قرأ " ويهديك صراطا مستقيما " نزل في حق الأمة " ويهديكم ~~صراطا مستقيما " (4) [الفتح: 2]. ولما قال " وينصرك الله نصرا عزيزا " ~~[الفتح: 3] نزل " وكان حقا علينا نصر # PageV16P264 # المؤمنين " [الروم: 47]. وهو كقوله تعالى: " إن الله وملائكته يصلون على ~~النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما " (2). [الأحزاب: 56]. ~~ثم قال: " هو الذي ms5749 يصلي عليكم " (3) [الأحزاب: 43] ذكره القشيري. # قوله تعالى: ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين ~~بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم ~~وساءت مصيرا (6) ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عزيزا حكيما (7) قوله ~~تعالى: " ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات " أي بإيصال ~~الهموم إليهم بسبب علو كلمة المسلمين، وبأن يسلط النبي عليه السلام قتلا ~~وأسرا واسترقاقا. # " الظانين بالله ظن السوء " يعني ظنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم لا ~~يرجع إلى المدينة، ولا أحد من أصحابه حين خرج إلى الحديبية، وأن المشركين ~~يستأصلونهم. كما قال: " بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم ~~أبدا " [الفتح: 12]. وقال الخليل وسيبويه: " السوء " هنا الفساد. " عليهم ~~دائرة السوء " في الدنيا بالقتل والسبي والأسر، وفي الآخرة جهنم. # وقرأ ابن كثير وأبو عمرو " دائرة السوء " بالضم. وفتح الباقون. قال ~~الجوهري: ساءه يسوءه سوءا (بالفتح) ومساءة ومساية، نقيض سره، والاسم السوء ~~(بالضم). وقرئ " عليهم دائرة السوء " يعني الهزيمة والشر. ومن فتح فهو من ~~المساءة. " وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد الله جهنم وساءت مصيرا. ولله جنود ~~السماوات والأرض وكان الله عزيزا حكيما " تقدم في غير موضع جميعه، والحمد ~~لله. وقيل: لما جرى صلح الحديبية قال ابن أبي: # أيظن محمد أنه إذا صالح أهل مكة أو فتحها لا يبقى له عدو، فأين فارس ~~والروم! فبين الله عز وجل أن جنود السماوات والأرض أكثر من فارس والروم. ~~وقيل: يدخل فيه # PageV16P265 # جميع المخلوقات. وقال ابن عباس: " ولله جنود السماوات " الملائكة. وجنود ~~الأرض المؤمنون. وأعاد لان الذي سبق عقيب ذكر المشركين من قريش، وهذا عقيب ~~ذكر المنافقين وسائر المشركين. والمراد في الموضعين التخويف والتهديد. فلو ~~أراد إهلاك المنافقين والمشركين لم يعجزه ذلك، ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى. # قوله تعالى: إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا (8) لتؤمنوا بالله ورسوله ~~وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا (9) قوله تعالى: " إنا أرسلناك شاهد " ~~قال قتادة: على أمتك بالبلاغ. وقيل: شاهدا عليهم بأعمالهم من طاعة أو ~~معصية. وقيل: مبينا لهم ما أرسلناك به إليهم. وقيل: ms5750 شاهدا عليهم يوم ~~القيامة. فهو شاهد أفعالهم اليوم، والشهيد عليهم يوم القيامة. وقد مضى في " ~~النساء " عن سعيد بن جبير (1) هذا المعنى مبينا. " ومبشرا " لمن أطاعه ~~بالجنة. " ونذيرا " من النار لمن عصى، قاله قتادة وغيره. وقد مضى في " ~~البقرة " اشتقاق البشارة والنذارة ومعناهما (2). وانتصب " شاهدا ومبشرا ~~ونذيرا " على الحال المقدرة. حكى سيبويه: مررت برجل معه صقر صائدا به غدا، ~~فالمعنى: إنا أرسلناك مقدرين بشهادتك يوم القيامة. وعلى هذا تقول: رأيت ~~عمرا قائما غدا. " لتؤمنوا بالله ورسوله " قرأ ابن كثير وابن محيصن وأبو ~~عمرو " ليؤمنوا " بالياء، وكذلك " يعزروه ويوقروه ويسبحوه " كله بالياء على ~~الخبر. واختاره أبو عبيد لذكر المؤمنين قبله وبعده، فأما قبله فقوله " ~~ليدخل " وأما بعده فقوله " إن الذين يبايعونك " [الفتح: 10] الباقون بالتاء ~~على الخطاب، واختاره أبو حاتم. " وتعزروه " أي تعظموه وتفخموه، قاله الحسن ~~والكلبي. والتعزير: التعظيم والتوقير. وقال قتادة: تنصروه وتمنعوا منه. ~~ومنه التعزير في الحد. لأنه مانع. قال القطامي: # PageV16P266 # ألا بكرت مي بغير سفاهة * تعاتب والمودود ينفعه العزر وقال ابن عباس ~~وعكرمة: تقاتلون معه بالسيف. وقال بعض أهل اللغة: تطيعوه. # " وتوقروه " أي تسودوه، قاله السدي. وقيل تعظموه. والتوقير: التعظيم ~~والترزين أيضا. # والهاء فيهما للنبي صلى الله عليه وسلم. وهنا وقف تام، ثم تبتدئ " ~~وتسبحوه " أي تسبحوا الله " بكرة وأصيلا " أي عشيا. وقيل: الضمائر كلها لله ~~تعالى، فعلى هذا يكون تأويل " تعزروه وتوقروه " أي تثبتوا له صحة الربوبية ~~وتنفوا عنه أن يكون له ولد أو شريك. # واختار هذا القول القشيري. والأول قول الضحاك، وعليه يكون بعض الكلام ~~راجعا إلى الله سبحانه وتعالى وهو " وتسبحوه " من غير خلاف. وبعضه راجعا ~~إلى رسوله صلى الله عليه وسلم وهو " وتعزروه وتوقروه " أي تدعوه بالرسالة ~~والنبوة لا بالاسم والكنية. وفي " تسبحوه " وجهان: أحدهما - تسبيحه ~~بالتنزيه له سبحانه من كل قبيح. والثاني - هو فعل الصلاة التي فيها ~~التسبيح. " بكرة وأصيلا " أي غدوة وعشيا. وقد مضى القول (1) فيه. وقال ~~الشاعر: # لعمري لأنت البيت أكرم أهله * وأجلس في أفيائه بالأصائل (2) قوله تعالى: ~~إن الذين يبايعونك إنما ms5751 يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ~~ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما (10) قوله ~~تعالى: " إن الذين يبايعونك " بالحديبية يا محمد. " إنما يبايعون الله " ~~بين أن بيعتهم لنبيه صلى الله عليه وسلم إنما هي بيعة الله، كما قال تعالى: ~~" من يطع الرسول فقد أطاع الله " (3) [النساء: 80]. وهذه المبايعة هي بيعة ~~الرضوان، على ما يأتي بيانها في هذه السورة إن شاء الله تعالى. " يد الله ~~فوق أيديهم " قيل: يده في الثواب فوق أيديهم في الوفاء، ويده في المنة ~~عليهم بالهداية فوق أيديهم في الطاعة. وقال الكلبي: معناه نعمة الله عليهم ~~فوق ما صنعوا # PageV16P267 # من البيعة. وقال ابن كيسان: قوة الله ونصرته فوق قوتهم ونصرتهم. " فمن ~~مكث " بعد البيعة. " فإنما ينكث على نفسه " أي يرجع ضرر النكث عليه، لأنه ~~حرم نفسه الثواب وألزمها العقاب. " ومن أوفى بما عاهد عليه الله " قيل في ~~البيعة. وقيل في إيمانه. " فسيؤتيه أجرا عظيما " يعنى في الجنة. وقرأ حفص ~~والزهري " عليه " بضم الهاء. وجرها الباقون. # وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر " فسنؤتيه " بالنون. واختاره الفراء وأبو ~~معاذ. وقرأ الباقون بالياء. وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم، لقرب اسم الله ~~منه. # قوله تعالى: سيقول لك المخلفون من الاعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا ~~فاستغفر لنا يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم قل فمن يملك لكم من الله ~~شيئا إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا بل كان الله بما تعملون خبيرا (11) ~~قوله تعالى: " سيقول لك المخلفون من الاعراب " قال مجاهد وابن عباس: يعني ~~أعراب غفار ومزينة وجهينة وأسلم وأشجع والديل، وهم الاعراب الذين كانوا حول ~~المدينة، تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أراد السفر إلى مكة ~~عام الفتح، بعد أن كان استنفرهم ليخرجوا معه حذرا من قريش، وأحرم بعمرة ~~وساق معه الهدي، ليعلم الناس أنه لا يريد حربا فتثاقلوا عنه واعتلوا ~~بالشغل، فنزلت. وإنما قال: " المخلفون " لان الله خلفهم عن صحبة نبيه. ~~والمخلف المتروك. وقد مضى في " براءة ms5752 " (1). " شغلتنا أموالنا وأهلونا " أي ~~ليس لنا من يقوم بهما. " فاستغفر لنا " جاءوا يطلبون الاستغفار واعتقادهم ~~بخلاف ظاهرهم، ففضحهم الله تعالى بقوله: " يقولون بألسنتهم ما ليس في ~~قلوبهم " وهذا هو النفاق المحض. " قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد ~~بكم ضرا " قرأ حمزة والكسائي " ضرا " بضم الضاد هنا فقط، أي أمرا يضركم. ~~وقال ابن عباس: الهزيمة. # PageV16P268 # الباقون بالفتح، وهو مصدر ضررته ضرا. وبالضم اسم لما ينال الانسان من ~~الهزال وسوء الحال. والمصدر يؤدي عن المرة وأكثر. واختاره أبو عبيد وأبو ~~حاتم، قالا: لأنه قابله بالنفع وهو ضد الضر. وقيل: هما لغتان بمعنى، كالفقر ~~والفقر والضعف والضعف. " أو أراد بكم نفعا " أي نصرا وغنيمة. وهذا رد عليهم ~~حين ظنوا أن التخلف عن الرسول يدفع عنهم الضر ويعجل لهم النفع. # قوله تعالى: بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا وزين ~~ذلك في قلوبكم وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا. (12) قوله تعالى: " بل ~~ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا " وذلك أنهم قالوا: إن ~~محمدا وأصحابه أكلة (1) رأس لا يرجعون. " وزين ذلك " أي النفاق. # " في قلوبكم " وهذا التزيين من الشيطان، أو يخلق الله ذلك في قلوبهم. " ~~وظننتم ظن السوء " أن الله لا ينصر رسوله. " وكنتم قوما بورا " أي هلكى، ~~قاله مجاهد. وقال قتادة: # فاسدين لا يصلحون لشئ من الخير. قال الجوهري: البور: الرجل الفاسد الهالك ~~الذي لا خير فيه. قال عبد الله بن الزبعري السهمي: # يا رسول المليك إن لساني * راتق ما فتقت إذ أنا بور وامرأة بور أيضا، ~~حكاه أبو عبيد. وقوم بور هلكى. قال تعالى: " وكنتم قوما بورا " وهو جمع ~~بائر، مثل حائل وحول. وقد بار فلان أي هلك. وأباره الله أي أهلكه. وقيل: # " بورا " أشرارا، قاله ابن بحر. وقال حسان بن ثابت: # لا ينفع الطول من نوك الرجال وقد * يهدي الاله سبيل المعشر البور (2) أي ~~الهالك. # PageV16P269 # قوله تعالى: ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين سعيرا (13) ~~وعيد لهم، وبيان أنهم كفروا بالنفاق. # قوله ms5753 تعالى: ولله ملك السماوات والأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وكان ~~الله غفورا رحيما (14) أي هو غني عن عباده، وإنما ابتلاهم بالتكليف ليثيب ~~من آمن ويعاقب من كفر وعصى. # قوله تعالى: سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم ~~يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل فسيقولون ~~بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا (15) قوله تعالى: " سيقول ~~المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها " يعني مغانم خيبر، لان الله عز ~~وجل وعد أهل الحديبية فتح خيبر، وأنها لهم خاصة من غاب منهم ومن حضر. ولم ~~يغب منهم عنها غير جابر بن عبد الله فقسم له رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كسهم من حضر. قال ابن إسحاق: وكان المتولي للقسمة بخيبر جبار بن صخر ~~الأنصاري من بني سلمة، وزيد بن ثابت من بني النجار، كانا حاسبين قاسمين. " ~~ذرونا نتبعكم " أي دعونا. تقول: ذره، أي دعه. وهو يذره، أي يدعه. وأصله ~~وذره يذره مثال وسعه يسعه. وقد أميت صدره (1)، لا يقال: وذره ولا واذر، ~~ولكن تركه وهو تارك. # قال مجاهد: تخلفوا عن الخروج إلى مكة، فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأخذ قوما # PageV16P270 # ووجه بهم قالوا ذرونا نتبعكم فنقاتل معكم. " يريدون أن يبدلوا كلام الله ~~" أي يغيروا. # قال ابن زيد: هو قوله تعالى " فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ~~ولن تقاتلوا معي عدوا " (1) [التوبة: 83] الآية. وأنكر هذا القول الطبري ~~وغيره، بسبب أن غزوة تبوك كانت بعد فتح خيبر وبعد فتح مكة. وقيل: المعنى ~~يريدون أن يغيروا وعد الله الذي وعد لأهل الحديبية، وذلك أن الله تعالى جعل ~~لهم غنائم خيبر عوضا عن فتح مكة إذ رجعوا من الحديبية على صلح، قاله مجاهد ~~وقتادة، واختاره الطبري وعليه عامة أهل التأويل. وقرأ حمزة والكسائي " كلم ~~" بإسقاط الألف وكسر اللام جمع كلمة، نحو سلمة وسلم. الباقون " كلام " على ~~المصدر. واختاره أبو عبيد وأبو حاتم، اعتبارا بقوله " إني اصطفيتك على ~~الناس برسالاتي وبكلامي " (2) [الأعراف: 144]. والكلام: ms5754 ما استقل بنفسه من ~~الجمل. قال الجوهري: # الكلام اسم جنس يقع على القليل والكثير. والكلم لا يكون أقل من ثلاث ~~كلمات لأنه جمع كلمة، مثل نبقة ونبق. ولهذا قال سيبويه: (هذا باب علم ما ~~الكلم من العربية) ولم يقل ما الكلام، لأنه أراد نفس ثلاثة أشياء: الاسم ~~والفعل والحرف، فجاء بما لا يكون إلا جمعا، وترك ما يمكن أن يقع على الواحد ~~والجماعة. وتميم تقول: هي كلمة، بكسر الكاف، وقد مضى في " براءة " القول ~~فيها. # (3) " كذلكم قال الله من قبل " أي من قبل رجوعنا من الحديبية إن غنيمة ~~خيبر لمن شهد الحديبية خاصة. " فسيقولون بل تحسدوننا " أن نصيب معكم من ~~الغنائم. وقيل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، [إن خرجتم لم أمنعكم إلا ~~أنه لا سهم لكم]. فقالوا: هذا حسد. فقال المسلمون: قد أخبرنا الله في ~~الحديبية بما سيقولونه وهو قوله تعالى " فسيقولون بل تحسدوننا " فقال الله ~~تعالى " بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا " يعني لا يعلمون إلا أمر الدنيا. ~~وقيل: لا يفقهون من أمر الدين إلا قليلا، وهو ترك القتال. # PageV16P271 # قوله تعالى: قل للمخلفين من الاعراب ستدعون إلى قوم أولى بأس تقاتلونهم ~~أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل ~~يعذبكم عذابا أليما (16) فيه أربع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " قل للمخلفين من الاعراب " أي قل لهؤلاء الذين ~~تخلفوا عن الحديبية. " ستدعون إلى قوم أولى بأس شديد " قال ابن عباس وعطاء ~~بن أبي رباح ومجاهد وابن أبي ليلى وعطاء الخراساني: هم فارس. وقال كعب ~~والحسن وعبد الرحمن بن أبي ليلى: الروم. وعن الحسن أيضا: فارس والروم. وقال ~~ابن جبير: هوازن وثقيف. وقال عكرمة: هوازن. وقال قتادة: هوازن وغطفان يوم ~~حنين. وقال الزهري ومقاتل: بنو حنيفة أهل اليمامة أصحاب مسيلمة. وقال رافع ~~بن خديج: والله لقد كنا نقرأ هذه الآية فيما مضى " ستدعون إلى قوم أولي بأس ~~شديد " فلا نعلم من هم حتى دعانا أبو بكر إلى قتال بني حنيفة فعلمنا أنهم ~~هم. وقال ms5755 أبو هريرة: لم تأت هذه الآية بعد. # وظاهر الآية يرده. # الثانية - في هذه الآية دليل على صحة إمامة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ~~لان أبا بكر دعاهم إلى قتال بني حنيفة، وعمر دعاهم إلى قتال فارس والروم. ~~وأما قول عكرمة وقتادة إن ذلك في هوازن وغطفان يوم حنين فلا، لأنه يمتنع أن ~~يكون الداعي لهم الرسول عليه السلام، لأنه قال " لن تخرجوا معي أبدا ولن ~~تقاتلوا معي عدوا " (1) فدل على أن المراد بالداعي غير النبي صلى الله عليه ~~وسلم. ومعلوم أنه لم يدع هؤلاء القوم بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا أبو ~~بكر وعمر رضي الله عنهما. الزمخشري: فإن صح ذلك عن قتادة فالمعنى لن تخرجوا ~~معي أبدا ما دمتم على ما أنتم عليه من مرض القلوب والاضطراب في الدين. # PageV16P272 # أو على قول مجاهد كان الموعد أنهم لا يتبعون رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلا متطوعين لا نصيب لهم في المغنم. # الثالثة - قوله تعالى: " تقاتلونهم أو يسلمون " هذا حكم من لا تؤخذ منهم ~~الجزية، وهو معطوف على " تقاتلونهم " أي يكون أحد الامرين، إما المقاتلة ~~وإما الاسلام، لا ثالث لهما. وفي حرف أبي " أو يسلموا " بمعنى حتى يسلموا، ~~كما تقول: كل أو تشبع، أي حتى تشبع. قال: # فقلت له لا تبك عينك إنما * نحاول ملكا أو نموت فنعذرا (1) وقال الزجاج: ~~قال " أو يسلمون " لان المعنى أو هم يسلمون من غير قتال. وهذا في قتال ~~المشركين لا في أهل الكتاب. # الرابعة - قوله تعالى: " فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا " الغنيمة ~~والنصر في الدنيا، والجنة في الآخرة. " وإن تتولوا كما توليتم من قبل " عام ~~الحديبية. # " يعذبكم عذابا أليما " وهو عذاب النار. # قوله تعالى: ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ~~ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ومن يتول يعذبه ~~عذابا أليما (17) قال ابن عباس: لما نزلت " وإن تتولوا كما توليتم من قبل ~~يعذبكم عذابا أليما " قال أهل الزمانة: كيف بنا يا ms5756 رسول الله؟ فنزلت " ليس ~~على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج " أي لا إثم عليهم ~~في التخلف عن الجهاد لعماهم وزمانتهم وضعفهم. وقد مضى في " براءة " وغيرها ~~الكلام فيه مبينا (2). والعرج: آفة تعرض لرجل واحدة، وإذا كان ذلك مؤثرا ~~فخلل الرجلين أولى أن يؤثر. وقال مقاتل: هم أهل الزمانة # PageV16P273 # الذين تخلفوا عن الحديبية وقد عذرهم. أي من شاء أن يسير منهم معكم إلى ~~خيبر فليفعل. # " ومن يطع الله ورسوله " فيما أمره. " يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ~~" قرأ نافع وابن عامر " ندخله " بالنون على التعظيم. الباقون بالياء، ~~واختاره أبو عبيد وأبو حاتم لتقدم اسم الله أولا. " ومن يتول يعذبه عذابا ~~أليما ". # قوله تعالى: لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في ~~قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا (18) ومغانم كثيرة يأخذونها ~~وكان الله عزيزا حكيما (19) قوله تعالى: " لقد رضي الله عن المؤمنين إذ ~~يبايعونك تحت الشجرة " هذه بيعة الرضوان، وكانت بالحديبية، وهذا خبر ~~الحديبية على اختصار: وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام منصرفه من ~~غزوة بني المصطلق في شوال، وخرج في ذي القعدة معتمرا، واستنفر الاعراب ~~الذين حول المدينة فأبطأ عنه أكثرهم، وخرج النبي صلى الله عليه وسلم بمن ~~معه من المهاجرين والأنصار ومن اتبعه من العرب، وجميعهم نحو ألف وأربعمائة. # وقيل: ألف وخمسمائة. وقيل غير هذا، على ما يأتي. وساق معه الهدي، فأحرم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ليعلم الناس أنه لم يخرج لحرب، فلما بلغ ~~خروجه قريشا خرج جمعهم صادين لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن المسجد ~~الحرام ودخول مكة، وإنه إن قاتلهم قاتلوه دون ذلك، وقدموا خالد بن الوليد ~~في خيل إلى (كراع الغميم) فورد الخبر بذلك على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهو (بعسفان) (1) وكان المخبر له بشر بن سفيان الكعبي، فسلك طريقا ~~يخرج به في ظهورهم، وخرج إلى الحديبية من أسفل مكة، وكان دليله فيهم رجل من ~~أسلم، فلما بلغ ذلك خيل ms5757 قريش التي مع خالد، جرت إلى قريش تعلمهم بذلك، # PageV16P274 # فلما وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية بركت ناقته صلى الله ~~عليه وسلم فقال الناس: خلات! خلات! (1) فقال النبي صلى الله عليه وسلم: [ما ~~خلات وما هو لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة، لا تدعوني قريش اليوم ~~إلى خطة يسألوني فيها صلة رحم إلا أعطيتهم إياها]. ثم نزل صلى الله عليه ~~وسلم هناك، فقيل: يا رسول الله، ليس بهذا الوادي ماء! فأخرج عليه الصلاة ~~والسلام سهما من كنانته فأعطاه رجلا من أصحابه، فنزل في قليب من تلك القلب ~~فغرزه في جوفه فجاش بالماء الرواء (2) حتى كفى جميع الجيش. وقيل: إن الذي ~~نزل بالسهم في القليب ناجية بن جندب بن عمير الأسلمي وهو سائق بدن النبي ~~صلى الله عليه وسلم يومئذ. وقيل: نزل بالسهم في القليب البراء بن عازب، ثم ~~جرت السفراء بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين كفار قريش، وطال ~~التراجع والتنازع إلى أن جاءه سهيل بن عمرو العامري، فقاضاه على أن ينصرف ~~عليه الصلاة والسلام عامه ذلك، فإذا كان من قابل أتى معتمرا ودخل هو ~~وأصحابه مكة بغير سلاح، حاشا السيوف في قربها فيقيم بها ثلاثا ويخرج، وعلى ~~أن يكون بينه وبينهم صلح عشرة أعوام، يتداخل فيها الناس ويأمن بعضهم بعضا، ~~وعلى أن من جاء من الكفار إلى المسلمين مسلما من رجل أو امرأة رد إلى ~~الكفار، ومن جاء من المسلمين إلى الكفار مرتدا لم يردوه إلى المسلمين، فعظم ~~ذلك على المسلمين حتى كان لبعضهم فيه كلام، وكان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أعلم بما علمه الله من أنه سيجعل للمسلمين فرجا، فقال لأصحابه. ~~[اصبروا فإن الله يجعل هذا الصلح سببا إلى ظهور دينه] فأنس الناس إلى قوله ~~هذا بعد نفار منهم، وأبى سهيل بن عمرو أن يكتب في صدر صحيفة الصلح: من محمد ~~رسول الله، وقالوا له: لو صدقناك بذلك ما دفعناك عما تريد! فلا بد أن تكتب: ~~باسمك اللهم. فقال ms5758 لعلي وكان يكتب صحيفة الصلح: [امح يا علي، واكتب باسمك ~~اللهم] فأبى علي أن يمحو بيده " محمد رسول الله ". فقال له رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: [اعرضه علي] فأشار إليه فمحاه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بيده، وأمره أن # PageV16P275 # يكتب [من محمد بن عبد الله]. وأتى أبو جندل بن سهيل يومئذ بأثر كتاب ~~الصلح وهو يرسف في قيوده، فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبيه، ~~فعظم ذلك على المسلمين، فأخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبر أبا ~~جندل [أن الله سيجعل له فرجا ومخرجا]. # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الصلح قد بعث عثمان بن عفان إلى ~~مكة رسولا، فجاء خبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن أهل مكة قتلوه، ~~فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ إلى المبايعة له على الحرب ~~والقتال لأهل مكة، فروي أنه بايعهم على الموت. وروي أنه بايعهم على ألا ~~يفروا. وهي بيعة الرضوان تحت الشجرة، التي أخبر الله تعالى أنه رضي عن ~~المبايعين لرسول الله صلى الله عليه وسلم تحتها. وأخبر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنهم لا يدخلون النار. وضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيمينه ~~على شماله لعثمان، فهو كمن شهدها. وذكر وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد عن ~~الشعبي قال: أول من بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية أبو ~~سفيان الأسدي. وفي صحيح مسلم عن أبي الزبير عن جابر قال: كنا يوم الحديبية ~~ألفا وأربعمائة، فبايعناه وعمر آخذ بيده تحت الشجرة وهي سمرة (1)، وقال: ~~بايعناه على ألا نفر ولم نبايعه على الموت. وعنه أنه سمع جابرا يسأل: كم ~~كانوا يوم الحديبية؟ قال: كنا أربع عشرة مائة، فبايعناه وعمر آخذ بيده تحت ~~الشجرة وهي سمرة، فبايعناه، غير جد بن قيس الأنصاري اختبأ تحت بطن بعيره. ~~وعن سالم بن أبي الجعد قال: سألت جابر بن عبد الله عن أصحاب الشجرة. فقال: ~~لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا ألفا ms5759 وخمسمائة. وفي رواية: كنا خمس عشرة مائة. ~~وعن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان أصحاب الشجرة ألفا وثلاثمائة، وكانت ~~أسلم ثمن المهاجرين. وعن يزيد بن أبي عبيد قال قلت لسلمة: على أي شئ بايعتم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية؟ قال: على الموت. وعن البراء بن ~~عازب قال: كتب علي رضي الله عنه الصلح بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين ~~المشركين يوم الحديبية، فكتب: هذا ما كاتب عليه محمد رسول الله [صلى الله ~~عليه وسلم] فقالوا: # PageV16P276 # لا تكتب رسول الله، فلو نعلم أنك رسول الله لم نقاتلك. فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم لعلي: # [امحه]. فقال: ما أنا بالذي أمحاه (1)، فمحاه النبي صلى الله عليه وسلم ~~بيده. وكان فيما اشترطوا: # أن يدخلوا مكة فيقيموا فيها ثلاثا، ولا يدخلها بسلاح إلا جلبان السلاح. ~~[قلت لأبي إسحاق: # وما جلبان السلاح؟ قال: (2)] القراب وما فيه. وعن أنس: أن قريشا صالحوا ~~النبي صلى الله عليه وسلم فيهم سهيل بن عمرو، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم لعلي: [اكتب بسم الله الرحمن الرحيم] فقال سهيل بن عمرو: أما باسم (3) ~~الله، فما ندري ما بسم الله الرحمن الرحيم! # ولكن اكتب ما نعرف: باسمك اللهم. فقال: [اكتب من محمد رسول الله] قالوا: # لو علمنا أنك رسوله لاتبعناك! ولكن اكتب اسمك واسم أبيك. فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: [اكتب من محمد بن عبد الله] فاشترطوا على النبي صلى الله ~~عليه وسلم: أن من جاء منكم لم نرده عليكم، ومن جاءكم منا رددتموه علينا. ~~فقالوا: يا رسول الله، أنكتب هذا! # قال: [نعم إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله ومن جاءنا منهم فسيجعل الله ~~له فرجا ومخرجا]. # وعن أبي وائل قال: قام سهل بن حنيف يوم صفين فقال يا أيها الناس، اتهموا ~~أنفسكم، لقد كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية ولو نرى ~~قتالا لقاتلنا، وذلك في الصلح الذي كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وبين المشركين. فجاء عمر ms5760 بن الخطاب - رضي الله عنه - فأتى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ألسنا على حق وهم على باطل؟ قال [بلى] ~~قال. أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال [بلى] قال ففيم نعطي ~~الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟ فقال [يا بن الخطاب ~~إني رسول الله ولن يضيعني الله أبدا] قال: فانطلق عمر، فلم يصبر متغيظا ~~فأتى أبا بكر فقال: # يا أبا بكر، ألسنا على حق وهم على باطل؟ قال بلى، قال: أليس قتلانا في ~~الجنة وقتلاهم في النار؟ # قال بلى. قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا ~~وبينهم؟ فقال: # يا بن الخطاب، إنه رسول الله ولن يضيعه الله أبدا. قال: فنزل القرآن على ~~رسول الله صلى # PageV16P277 # الله عليه وسلم بالفتح، فأرسل إلى عمر فأقرأه إياه، فقال: يا رسول الله، ~~أو فتح هو؟ # قال [نعم]. فطابت نفسه ورجع. # قوله تعالى: " فعلم ما في قلوبهم " من الصدق والوفاء، قاله الفراء. وقال ~~ابن جريج وقتادة: من الرضا بأمر البيعة على ألا يفروا. وقال مقاتل: من ~~كراهة البيعة على أن يقاتلوا معه على الموت. " فأنزل السكينة عليهم " حتى ~~بايعوا وقيل: " فعلم ما في قلوبهم " من الكآبة بصد المشركين إياهم وتخلف ~~رؤيا النبي صلى الله على وسلم عنهم، إذا رأى أنه يدخل الكعبة، حتى قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: [إنما ذلك رؤيا منام]. وقال الصديق: # لم يكن فيها الدخول في هذا العام. والسكينة: الطمأنينة وسكون النفس إلى ~~صدق الوعد. # وقيل الصبر. " وأثابهم فتحا قريبا " قال قتادة وابن أبي ليلى: فتح خيبر. ~~وقيل فتح مكة. # وقرئ " وآتاهم " " ومغانم كثيرة يأخذونها " يعني أموال خيبر، وكانت خيبر ~~ذات عقار وأموال، وكانت بين الحديبية ومكة. ف " مغانم " على هذا بدل من " ~~فتحا قريبا " والواو مقحمة. وقيل: " ومغانم " فارس والروم. # قوله تعالى: وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه وكف أيدي ~~الناس عنكم ولتكون آية للمؤمنين ويهديكم صراط مستقيما (20) قوله تعالى: " ~~وعدكم الله مغانم كثيرة ms5761 تأخذونها " قال ابن عباس ومجاهد. إنها المغانم التي ~~تكون إلى يوم القيامة. وقال ابن زيد: هي مغانم خيبر. " فعجل لكم هذه " أي ~~خيبر، قاله مجاهد. وقال ابن عباس: عجل لكم صلح الحديبية. " وكف أيدي الناس ~~عنكم " يعني أهل مكة، كفهم عنكم بالصلح. وقال قتادة: كف أيدي اليهود عن ~~المدينة بعد خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية وخيبر. وهو اختيار ~~الطبري، لان كف أيدي المشركين بالحديبية مذكور في قوله " وهو الذي كف ~~أيديهم عنكم " (1) [الفتح: 24]. وقال ابن # PageV16P278 # عباس: في " كف أيدي الناس عنكم " يعني عيينة بن حصن الفزاري وعوف بن مالك ~~النضري ومن كان معهما، إذ جاءوا لينصروا أهل خيبر والنبي صلى الله عليه ~~وسلم محاصر لهم، فألقى الله عز وجل في قلوبهم الرعب وكفهم عن المسلمين " ~~ولتكون آية للمؤمنين " أي ولتكون هزيمتهم وسلامتكم آية للمؤمنين، فيعلموا ~~أن الله يحرسهم في مشهدهم ومغيبهم. وقيل: # أي ولتكون كف أيديهم عنكم آية للمؤمنين. وقيل: أي ولتكون هذه التي عجلها ~~لكم آية للمؤمنين على صدقك حيث وعدتهم أن يصيبوها. والواو في " ولتكون " ~~مقحمة عند الكوفيين. # وقال البصريون: عاطفة على مضمر، أي وكف أيدي الناس عنكم لتشكروه ولتكون ~~آية للمؤمنين. " ويهديكم صراط مستقيما " أي يزيدكم هدى، أو يثبتكم على ~~الهداية. # قوله تعالى: وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها وكان الله على كل شئ ~~قديرا (21) قوله تعالى: " وأخرى " " أخرى " معطوفة على " هذه "، أي فعجل ~~لكم هذه المغانم ومغانم أخرى. " لم تقدر عليها قد أحاط الله بها " قال ابن ~~عباس: هي الفتوح التي فتحت على المسلمين، كأرض فارس والروم، وجميع ما فتحه ~~المسلمون. وهو قول الحسن ومقاتل وابن أبي ليلى. وعن ابن عباس أيضا والضحاك ~~وابن زيد وابن إسحاق: هي خيبر، وعدها الله نبيه قبل أن يفتحها، ولم يكونوا ~~يرجونها حتى أخبرهم الله بها. وعن الحسن أيضا وقتادة: هو فتح مكة. وقال ~~عكرمة: حنين، لأنه قال " لم تقدروا عليها ". # وهذا يدل على تقدم محاولة لها وفوات درك المطلوب في الحال كما كان في ms5762 ~~مكة، قاله القشيري. # وقال مجاهد: هي ما يكون إلى يوم القيامة. ومعنى " قد أحاط الله بها " أي ~~أعدها لكم، فهي كالشئ الذي قد أحيط به من جوانبه، فهو محصور لا يفوت، فأنتم ~~وإن لم تقدروا عليها في الحال فهي محبوسة عليكم لا تفوتكم. وقيل: " أحاط ~~الله بها " علم أنها ستكون لكم، كما قال " وأن الله قد أحاط بكل شئ علما " ~~(1) [الطلاق: 12]. وقيل: حفظها الله عليكم. ليكون فتحها لكم. " وكان الله ~~على كل شئ قديرا ". # PageV16P279 # قوله تعالى: ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الادبار ثم لا يجدون وليا ولا ~~نصيرا (22) سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا (23) ~~قوله تعالى: " ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الادبار " قال قتادة: يعني ~~كفار قريش في الحديبية. وقيل: " ولو قاتلكم " غطفان وأسد والذين أرادوا ~~نصرة أهل خيبر، لكانت الدائرة عليهم. " ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا. سنة ~~الله التي قد خلت من قبل " يعني طريقة الله وعادته السالفة نصر أوليائه على ~~أعدائه. وانتصب " سنة " على المصدر. # وقيل: " سنة الله " أي كسنة الله. والسنة الطريقة والسيرة. قال: # فلا تجزعن من سيرة أنت سرتها * فأول راض سنة من يسيرها (1) والسنة أيضا: ~~ضرب من تمر المدينة. " ولن تجد لسنة الله تبديلا ". # قوله تعالى: وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن ~~أظفركم عليكم وكان الله بما تعملون بصيرا (24) قوله تعالى: " وهو الذي كف ~~أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة " وهي الحديبية. " من بعد أن أظفركم ~~عليهم " روى يزيد بن هارون قال: أخبرنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أن ~~ثمانين رجلا من أهل مكة هبطوا على النبي صلى الله عليه وسلم من جبل التنعيم ~~(2) متسلحين يريدون غرة (3) النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فأخذناهم ~~(4) سلما # PageV16P280 # فاستحييناهم، فأنزل الله تعالى " وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ~~ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم ". وقال عبد الله بن مغفل المزني: كنا مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية في أصل الشجرة ms5763 التي قال الله في ~~القرآن، فبينا نحن كذلك إذ خرج علينا ثلاثون شابا عليهم السلاح فثاروا في ~~وجوهنا فدعا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم فأخذ الله بأبصارهم، فقال لهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: [هل جئتم في عهد أحد أو هل جعل لكم أحد ~~أمانا]. قالوا: اللهم لا، فخلى سبيلهم. فأنزل الله تعالى: " وهو الذي كف ~~أيديهم عنكم " الآية. وذكر ابن هشام عن وكيع: وكانت قريش قد جاء منهم نحو ~~سبعين رجلا أو ثمانين رجلا للايقاع بالمسلمين وانتهاز الفرصة في أطرافهم، ~~ففطن المسلمون لهم فأخذوهم أسرى، وكان ذلك والسفراء يمشون بينهم في الصلح، ~~فأطلقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم الذين يسمون العتقاء، ومنهم ~~معاوية وأبوه. وقال مجاهد: أقبل النبي صلى الله عليه وسلم معتمرا، إذ أخذ ~~أصحابه ناسا من الحرم غافلين فأرسلهم النبي صلى الله عليه وسلم، فذلك ~~الأظفار ببطن مكة. وقال قتادة: ذكر لنا أن رجلا من أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقال له زنيم، اطلع الثنية من الحديبية فرماه المشركون بسهم ~~فقتلوه، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم خيلا فأتوا باثني عشر فارسا من ~~الكفار، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: # [هل لكم علي ذمة]؟ قالوا لا؟ فأرسلهم فنزلت. وقال ابن أبزى والكلبي: هم ~~أهل الحديبية، كف الله أيديهم عن المسلمين حتى وقع الصلح، وكانوا خرجوا ~~بأجمعهم وقصدوا المسلمين، وكف أيدي المسلمين عنهم. وقد تقدم أن خالد بن ~~الوليد كان في خيل المشركين. قال القشيري: فهذه رواية، والصحيح أنه كان مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت. وقد قال سلمة بن الأكوع: كانوا في ~~أمر الصلح إذ أقبل أبو سفيان، فإذا الوادي يسير بالرجال والسلاح، قال: فجئت ~~بستة من المشركين أسوقهم متسلحين لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا، فأتيت ~~بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان عمر قال في الطريق: يا رسول الله، ~~نأتي قوما حربا وليس معنا سلاح ولا كراع؟ فبعث PageV16P281 # رسول الله صلى الله عليه وسلم ms5764 إلى المدينة من الطريق فأتوه بكل سلاح ~~وكراع كان فيها، وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عكرمة بن أبي جهل ~~خرج إليك في خمسمائة فارس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لخالد بن ~~الوليد: [هذا ابن عمك أتاك في خمسمائة]. # فقال خالد: أنا سيف الله وسيف رسوله، فيومئذ سمي بسيف الله، فخرج ومعه ~~خيل وهزم الكفار ودفعهم إلى حوائط مكة. وهذه الرواية أصح، وكان بينهم قتال ~~بالحجارة، وقيل بالنبل والظفر (1). وقيل: أراد بكف اليد أنه شرط في الكتاب ~~أن من جاءنا منهم فهو رد عليهم، فخرج أقوام من مكة مسلمون وخافوا أن يردهم ~~الرسول عليه السلام إلى المشركين فلحقوا بالساحل، ومنهم أبو بصير، وجعلوا ~~يغيرون على الكفار ويأخذون عيرهم، حتى جاء كبار قريش إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم وقالوا: اضممهم إليك حتى نأمن، ففعل. # وقيل: همت غطفان وأسد منع المسلمين من يهود خيبر، لأنهم كانوا حلفاءهم ~~فمنعهم الله عن ذلك، فهو كف اليد. " ببطن مكة " فيه قولان: أحدهما - يريد ~~به مكة. # الثاني - الحديبية، لان بعضها مضاف إلى الحرم. قال الماوردي: وفي قوله " ~~من بعد أن أظفركم عليهم " بفتح مكة. تكون هذه نزلت بعد فتح مكة، وفيها دليل ~~على أن مكة فتحت صلحا، لقوله عز وجل: " كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ". # قلت: الصحيح أن هذه الآية نزلت في الحديبية قبل فتح مكة، حسب ما قدمناه ~~عن أهل التأويل من الصحابة والتابعين. وروى الترمذي قال: حدثنا عبد بن حميد ~~قال حدثني سليمان بن حرب قال حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس: أن ثمانين ~~هبطوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من جبل التنعيم عند صلاة ~~الصبح وهم يريدون أن يقتلوه، فأخذوا أخذا فأعتقهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فأنزل الله تعالى: " وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم " الآية. ~~قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وقد تقدم. وأما فتح مكة فالذي تدل عليه ~~الاخبار أنها إنما فتحت عنوة، وقد مضى القول في ms5765 ذلك في " الحج " (2) ~~وغيرها. " وكان الله بما تعملون بصيرا ". # PageV16P282 # قوله تعالى: هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن ~~يبلغ محله ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم ~~منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين ~~كفروا منهم عذابا أليما (25) قوله تعالى: " هم الذين كفروا وصدوكم عن ~~المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله ". فيه ثلاث مسائل: الأولى - ~~قوله تعالى: " هم الذين كفروا " يعني قريشا، منعوكم دخول المسجد الحرام عام ~~الحديبية حين أحرم النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه بعمرة، ومنعوا الهدي ~~وحبسوه عن أن يبلغ محله. وهذا كانوا لا يعتقدونه، ولكنه حملتهم الانفة ~~ودعتهم حمية الجاهلية إلى أن يفعلوا ما لا يعتقدونه دينا، فوبخهم الله على ~~ذلك وتوعدهم عليه، وأدخل الانس على رسول الله صلى الله عليه وسلم ببيانه ~~ووعده. # الثانية - قوله تعالى: " والهدي معكوفا " أي محبوسا. وقيل موقوفا (1). ~~وقال أبو عمرو ابن العلاء: مجموعا. الجوهري: عكفه أي حبسه ووقفه، يعكفه ~~ويعكفه عكفا، ومنه قوله تعالى: " والهدي معكوفا "، يقال: ما عكفك عن كذا. ~~ومنه الاعتكاف في المسجد وهو الاحتباس. " أن يبلغ محله " أي منحره، قاله ~~الفراء. وقال الشافعي رضي الله عنه: # الحرم. وكذا قال أبو حنيفة رضي الله عنه، المحصر محل هديه الحرم. والمحل ~~(بكسر الحاء): # غاية الشئ. (وبالفتح): هو الموضع الذي يحله الناس. وكان الهدي سبعين ~~بدنة، ولكن الله بفضله جعل ذلك الموضع له محلا. وقد اختلف العلماء في هذا ~~على ما تقدم بيانه في " البقرة " عند قوله تعالى " فإن أحصرتم " (2) ~~والصحيح ما ذكرناه. وفي صحيح مسلم عن أبي الزبير عن جابر # PageV16P283 # ابن عبد الله قال: نحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية ~~البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة. وعنه قال: اشتركنا مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في الحج والعمرة كل سبعة في بدنة. فقال رجل لجابر: أيشترك في ~~البدنة ما يشترك في الجزور؟ قال: ما هي إلا من البدن. وحضر ms5766 جابر الحديبية ~~قال: ونحرنا يومئذ سبعين بدنة، اشتركنا كل سبعة في بدنة. # وفي البخاري عن ابن عمر قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~معتمرين، فحال كفار قريش دون البيت، فنحر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بدنة وحلق رأسه. قيل: # إن الذي حلق رأسه يومئذ خراش بن أمية بن أبي العيص الخزاعي، وأمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم المسلمين أن ينحروا ويحلوا، ففعلوا بعد توقف كان ~~منهم أغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقالت له أم سلمة: لو نحرت ~~لنحروا، فنحر رسول الله صلى الله عليه وسلم هديه ونحروا بنحره، وحلق رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم رأسه ودعا للمحلقين ثلاثا وللمقصرين مرة. ورأى كعب ~~بن عجرة والقمل يسقط على وجهه، فقال: [أيؤذيك هوامك]؟ # قال نعم، فأمره أن يحلق وهو بالحديبية. خرجه البخاري والدارقطني. وقد مضى ~~في " البقرة " (1). # الثالثة - قوله تعالى: " والهدى " الهدى والهدى لغتان. وقرئ " حتى يبلغ ~~الهدي محله " بالتخفيف والتشديد، الواحدة هدية. وقد مضى في " البقرة " (2) ~~أيضا. وهو معطوف على الكاف والميم من " صدوكم ". و " معكوفا " حال، وموضع " ~~أن " من قوله " أن يبلغ محله " نصب على تقدير الحمل على " صدوكم " أي صدوكم ~~وصدوا الهدي عن أن يبلغ. ويجوز أن يكون مفعولا له، كأنه قال: وصدوا الهدي ~~كراهية أن يبلغ محله. أبو علي: لا يصح حمله على العكف، لأنا لا نعلم " عكف ~~" جاء متعديا، ومجئ " معكوفا " في الآية يجوز أن يكون محمولا على المعنى، ~~كأنه لما كان حبسا حمل المعنى على ذلك، كما حما الرفث على معنى الافضاء ~~فعدى بإلى، فإن حمل على ذلك كان موضعه نصبا على قياس قول سيبويه، وجرأ على ~~قياس # PageV16P284 # قول الخليل. أو يكون مفعولا له، كأنه قال: محبوسا كراهية أن يبلغ محله. ~~ويجوز تقدير الجر في " أن " لان عن تقدمت، فكأنه قال: وصدوكم عن المسجد ~~الحرام، وصدوا الهدي " عن " أن يبلغ محله. ومثله ما حكاه سيبويه عن يونس: ~~مررت برجل إن زيد وإن عمرو، فأضمر الجار لتقدم ذكره. # قوله ms5767 تعالى: " ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤوهم ~~فتصيبكم منهم معرة بغير علم " فيه ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " ولولا رجال مؤمنون " يعنى المستضعفين من المؤمنين ~~بمكة وسط الكفار، كسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة أبي جندل بن سهيل، ~~وأشباههم. # " لم تعلموهم " أي تعرفوهم. وقيل لم تعلموهم أنهم مؤمنون. " أن تطؤوهم " ~~بالقتل والايقاع بهم، يقال: وطئت القوم، أي أوقعت بهم. و " أن " يجوز أن ~~يكون رفعا على البدل من " رجال، ونساء " كأنه قال ولولا وطؤكم رجالا مؤمنين ~~ونساء مؤمنات. ويجوز أن يكون نصبا على البدل من الهاء والميم في " تعلموهم ~~"، فيكون التقدير: لم تعلموا وطأهم، وهو في الوجهين بدل الاشتمال. " ولم ~~تعلموهم " نعت ل " رجال " و " نساء ". وجواب " لولا " محذوف، والتقدير: ولو ~~أن تطئوا رجالا مؤمنين ونساء مؤمنات لم تعلموهم لاذن الله لكم في دخول مكة، ~~ولسلطكم عليهم، ولكنا صنا من كان فيها يكتم إيمانه خوفا. وقال الضحاك: # لولا من في أصلاب الكفار وأرحام نسائهم من رجال مؤمنين ونساء مؤمنات لم ~~تعلموا أن تطئوا آباءهم فتهلك أبناؤهم. # الثانية - قوله تعالى: " فتصيبكم منهم معرة بغير علم " المعرة العيب، وهي ~~مفعلة من العر وهو الجرب، أي يقول المشركون: قد قتلوا أهل دينهم. وقيل: ~~المعنى يصيبكم من قتلهم ما يلزمكم من أجله كفارة قتل الخطأ، لان الله تعالى ~~إنما أوجب على قاتل المؤمن في دار الحرب إذا لم يكن هاجر منها ولم يعلم ~~بإيمانه الكفارة دون الدية في قوله: " فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن ~~فتحرير رقبة مؤمنة " [النساء: 92] قاله الكلبي ومقاتل وغيرهما. وقد مضى ~~PageV16P285 # في " النساء " القول فيه (1). وقال ابن زيد: " معرة " إثم. وقال الجوهري ~~وابن إسحاق: # غرم الدية. قطرب: شدة. وقيل غم. # الثالثة - قوله تعالى: " بغير علم " تفضيل للصحابة وإخبار عن صفتهم ~~الكريمة من العفة عن المعصية والعصمة عن التعدي، حتى لو أنهم أصابوا من ذلك ~~أحدا لكان عن غير قصد. وهذا كما وصفت النملة عن جند سليمان عليه السلام في ~~قولها: " لا يحطمنكم سليمان وجنوده ms5768 وهم لا يشعرون " (2) [النمل: 18]. # قوله تعالى: " ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا " فيه أربع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " ليدخل الله في رحمته من يشاء " اللام في " ليدخل ~~" متعلقة بمحذوف، أي لو قتلتموهم لأدخلهم الله في رحمته. ويجوز أن تتعلق ~~بالايمان. ولا تحمل على مؤمنين دون مؤمنات ولا على مؤمنات دون مؤمنين، لان ~~الجميع يدخلون في الرحمة. # وقيل: المعنى لم يأذن الله لكم في قتال المشركين ليسلم بعد الصلح من قضى ~~أن يسلم من أهل مكة، وكذلك كان أسلم الكثير منهم وحسن إسلامه، ودخلوا في ~~رحمته، أي جنته. # الثانية - قوله تعالى: " لو تزيلوا " أي تميزوا، قاله القتبي. وقيل: لو ~~تفرقوا، قاله الكلبي. وقيل: لو زال المؤمنون من بين أظهر الكفار لعذب ~~الكفار بالسيف، قاله الضحاك. ولكن الله يدفع بالمؤمنين عن الكفار. وقال علي ~~رضي الله عنه: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية " لو تزيلوا ~~لعذبنا الذين كفروا " فقال: [هم المشركون من أجداد نبي الله ومن كان بعدهم ~~وفي عصرهم كان في أصلابهم قوم مؤمنون فلو تزيل المؤمنون عن أصلاب الكافرين ~~لعذب الله تعالى الكافرين عذابا أليما]. # الثالثة - هذه الآية دليل على مراعاة الكافر في حرمة المؤمن، إذ لا يمكن ~~إذاية الكافر إلا بأذية المؤمن. قال أبو زيد قلت لابن القاسم: أرأيت لو أن ~~قوما من المشركين في حصن من حصونهم، حصرهم أهل الاسلام وفيهم قوم من ~~المسلمين أسارى في أيديهم، # PageV16P286 # أيحرق هذا الحصن أم لا؟ قال: سمعت مالكا وسئل عن قوم من المشركين في ~~مراكبهم أنرمي في مراكبهم بالنار ومعهم الأسارى في مراكبهم؟ قال: فقال مالك ~~لا أرى ذلك، لقوله تعالى لأهل مكة: " لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم ~~عذابا أليما ". وكذلك لو تترس كافر بمسلم لم يجز رميه. وإن فعل ذلك فاعل ~~فأتلف أحدا من المسلمين فعليه الدية والكفارة. فإن لم يعلموا فلا دية ولا ~~كفارة، وذلك أنهم إذا علموا فليس لهم أن يرموا، فإذا فعلوه صاروا قتلة خطأ ~~والدية على عواقلهم. فإن لم يعلموا ms5769 فلهم أن يرموا. وإذا أبيحوا الفعل لم ~~يجز أن يبقى عليهم فيها تباعة. قال ابن العربي: " وقد قال جماعة إن معناه ~~لو تزيلوا عن بطون النساء وأصلاب الرجال. وهذا ضعيف، لان من في الصلب أو في ~~البطن لا يوطأ ولا تصيب منه معرة. وهو سبحانه قد صرح فقال: " ولولا رجال ~~مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم " وذلك لا ينطلق على من في بطن ~~المرأة وصلب الرجال، وإنما ينطلق على مثل الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، ~~وعياش بن أبي ربيعة، وأبي جندل بن سهيل. # وكذلك قال مالك: وقد حاصرنا مدينة الروم فحبس عنهم الماء، فكانوا ينزلون ~~الأسارى يستقون لهم الماء، فلا يقدر أحد على رميهم بالنبل، فيحصل لهم الماء ~~بغير اختيارنا. وقد جوز أبو حنيفة وأصحابه والثوري الرمي في حصون المشركين ~~وإن كان فيهم أسارى من المسلمين وأطفالهم. ولو تترس كافر بولد مسلم رمي ~~المشرك، وإن أصيب أحد من المسلمين فلا دية فيه ولا كفارة. وقال الثوري: فيه ~~الكفارة ولا دية. وقال الشافعي بقولنا. وهذا ظاهر، فإن التوصل إلى المباح ~~بالمحظور لا يجوز، سيما بروح المسلم، فلا قول إلا ما قاله مالك رضي الله ~~عنه. والله أعلم. " قلت: قد يجوز قتل الترس، ولا يكون فيه اختلاف إن شاء ~~الله، وذلك إذا كانت المصلحة ضرورية كلية قطعية. فمعنى كونها ضرورية، أنها ~~لا يحصل الوصول إلى الكفار إلا بقتل الترس. ومعنى أنها كلية، أنها قاطعة ~~لكل الأمة، حتى يحصل من قتل الترس مصلحة كل المسلمين، فإن لم يفعل قتل ~~الكفار الترس واستولوا على كل الأمة. ومعنى كونها PageV16P287 # قطعية، أن تلك المصلحة حاصلة من قتل الترس قطعا. قال علماؤنا: وهذه ~~المصلحة بهذه القيود لا ينبغي أن يختلف في اعتبارها، لان الفرض أن الترس ~~مقتول قطعا، فإما بأيدي العدو فتحصل المفسدة العظيمة التي هي استيلاء العدو ~~على كل المسلمين. وإما بأيدي المسلمين فيهلك العدو وينجو المسلمون أجمعون. ~~ولا يتأتى لعاقل أن يقول: لا يقتل الترس في هذه الصورة بوجه، لأنه يلزم منه ~~ذهاب ms5770 الترس والاسلام والمسلمين، لكن لما كانت هذه المصلحة غير خالية من ~~المفسدة، نفرت منها نفس من لم يمعن النظر فيها، فإن تلك المفسدة بالنسبة ~~إلى ما حصل منها عدم أو كالعدم. والله أعلم. # الرابعة - قراءة العامة " لو تزيلوا " إلا أبا حياة فإنه قرأ " تزايلوا " ~~وهو مثل " تزيلوا " في المعنى. والتزايل: التباين. و " تزيلوا " تفعلوا، من ~~زلت. وقيل: هي تفيعلوا. " لعذبنا الذين كفروا " قيل: اللام جواب لكلامين، ~~أحدهما: " لولا رجال " والثاني - " لو تزيلوا ". وقيل جواب " لولا " محذوف، ~~وقد تقدم. " ولو تزيلوا " ابتداء كلام. # قوله تعالى: إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل ~~الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها ~~وأهلها وكان الله بكل شئ عليما (26) العامل في " إذ " قوله تعالى: " لعذبنا ~~" أي لعذبناهم إذ جعلوا هذا. أو فعل مضمر تقديره واذكروا. " الحمية " فعيلة ~~وهي الانفة. يقال: حميت عن كذا حمية (بالتشديد) ومحمية إذا أنفت منه وداخلك ~~عار وأنفة أن تفعله. ومنه قول المتلمس: # ألا إنني منهم وعرضي عرضهم * كذي الانف يحمي أنفه أن يكشما أي يمنع. قال ~~الزهري: حميتهم أنفتهم من الاقرار للنبي صلى الله عليه وسلم بالرسالة # PageV16P288 # والاستفتاح ببسم الله الرحمن الرحيم، ومنعهم من دخول مكة. وكان الذي ~~امتنع من كتابة بسم الله الرحمن الرحيم ومحمد رسول الله: سهيل بن عمرو، على ~~ما تقدم. وقال ابن بحر: # حميتهم عصبيتهم لآلهتهم التي كانوا يعبدونها من دون الله تعالى، والأنفة ~~من أن يعبدوا غيرها. # وقيل: " حمية الجاهلية " إنهم قالوا: قتلوا أبناءنا وإخواننا ثم يدخلون ~~علينا في منازلنا، واللات والعزى لا يدخلها أبدا. " فأنزل الله سكينته " أي ~~الطمأنينة والوقار. " على رسوله وعلى المؤمنين ". وقيل: ثبتهم على الرضا ~~والتسليم، ولم يدخل قلوبهم ما أدخل قلوب أولئك من الحمية. " وألزمهم كلمة ~~التقوى " قيل لا إله إلا الله. روي مرفوعا من حديث أبي بن كعب عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم. وهو قول علي وابن عمر وابن عباس، وعمرو بن ميمون ومجاهد ~~وقتادة وعكرمة والضحاك، وسلمة بن كهيل ms5771 وعبيد بن عمير وطلحة بن مصرف، ~~والربيع والسدي وابن زيد. وقاله عطاء الخراساني، وزاد " محمد رسول الله ". ~~وعن علي وابن عمر أيضا هي لا إله إلا الله والله أكبر. وقال عطاء بن أبي ~~رباح ومجاهد أيضا: هي لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد ~~وهو على كل شئ قدير. وقال الزهري: # بسم الله الرحمن الرحيم. يعني أن المشركين لم يقروا بهذه الكلمة، فخص ~~الله بها المؤمنين. # و " كلمة التقوى " هي التي يتقى بها من الشرك. وعن مجاهد أيضا أن " كلمة ~~التقوى " الاخلاص. " وكانوا أحق بها وأهلها " أي أحق بها من كفار مكة، لان ~~الله تعالى اختارهم لدينه وصحبة نبيه. " وكان الله بكل شئ عليما ". # قوله تعالى: لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن ~~شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من ~~دون ذلك فتحا قريبا (27) قال قتادة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ~~في المنام أنه يدخل مكة على هذه الصفة، فلما صالح قريشا بالحديبية ارتاب ~~المنافقون حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV16P289 # إنه يدخل مكة، فأنزل الله تعالى " لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق " ~~فأعلمهم أنهم سيدخلون في غير ذلك العام، وأن رؤياه صلى الله عليه وسلم حق. ~~وقيل: إن أبا بكر هو الذي قال إن المنام لم يكن مؤقتا بوقت، وأنه سيدخل. ~~وروي أن الرؤيا كانت بالحديبية، وأن رؤيا الأنبياء حق. والرؤيا أحد وجوه ~~الوحي إلى الأنبياء. " لتدخلن " أي في العام القابل " المسجد الحرام إن شاء ~~الله " قال ابن كيسان: إنه حكاية ما قيل للنبي صلى الله عليه وسلم في ~~منامه، خوطب في منامه بما جرت به العادة، فأخبر الله عن رسوله أنه قال ذلك ~~ولهذا استثنى، تأدب بأدب الله تعالى حيث قال تعالى: " ولا تقولن لشئ إني ~~فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله " (1) [الكهف: 23 - 24]. وقيل: خاطب الله ~~العباد بما يحب أن يقولوه، كما قال " ولا تقولن لشئ ms5772 إني فاعل ذلك غدا إلا ~~أن يشاء الله ". وقيل: استثنى فيما يعلم ليستثني الخلق فيما لا يعلمون، ~~قاله ثعلب. وقيل: كان الله علم أنه يميت بعض هؤلاء الذين كانوا معه ~~بالحديبية فوقع الاستثناء لهذا المعنى، قاله الحسين بن الفضل. وقيل: ~~الاستثناء من " آمنين "، وذلك راجع إلى مخاطبة العباد على ما جرت به ~~العادة. وقيل: معنى " إن شاء الله " إن أمركم الله بالدخول. وقيل: أي إن ~~سهل الله. وقيل: " إن شاء الله " أي كما شاء الله. وقال أبو عبيدة: " إن " ~~بمعنى " إذ "، أي إذ شاء الله، كقوله تعالى " اتقوا الله وذروا ما بقي من ~~الربا إن كنتم مؤمنين " (2) [البقرة: 278] أي إذ كنتم. وفيه بعد، لان " إذ ~~" في الماضي من الفعل، و " إذا " في المستقبل، وهذا الدخول في المستقبل، ~~فوعدهم دخول المسجد الحرام وعلقه بشرط المشيئة، وذلك عام الحديبية، فأخبر ~~أصحابه بذلك فاستبشروا، ثم تأخر ذلك عن العام الذي طمعوا فيه فساءهم ذلك ~~واشتد عليهم وصالحهم ورجع، ثم أذن الله في العام المقبل فأنزل الله " لقد ~~صدق الله رسوله الرؤيا بالحق ". وإنما قيل له في المنام " لتدخلن المسجد ~~الحرام إن شاء الله " فحكى في التنزيل ما قيل له في المنام، فليس هنا شك ~~كما زعم بعضهم أن الاستثناء يدل على الشك، والله تعالى لا يشك، و " لتدخلن ~~" تحقيق فكيف يكون شك. ف " إن " بمعنى " إذا ". " آمنين " أي من العدو. " ~~محلقين رءوسكم # PageV16P290 # ومقصرين " والتحليق والتقصير جميعا للرجال، ولذلك غلب المذكر على المؤنث. ~~والحلق أفضل، وليس للنساء إلا التقصير. وقد مضى القول في هذا في " البقرة ~~". (1) وفي الصحيح أن معاوية أخذ من شعر النبي صلى الله عليه وسلم على ~~المروة بمشقص. وهذا كان في العمرة لا في الحج، لان النبي صلى الله عليه ~~وسلم حلق في حجته. " لا تخافون " حال من المحلقين والمقصرين، والتقدير: غير ~~خائفين. " فعلم ما لم تعلموا " أي علم ما في تأخير الدخول من الخير والصلاح ~~ما لم تعلموه أنتم. وذلك أنه عليه السلام لما رجع مضى منها إلى خيبر ~~فافتتحها، ms5773 ورجع بأموال خيبر وأخذ من العدة والقوة أضعاف ما كان فيه في ذلك ~~العام، وأقبل إلى مكة على أهبة وقوة وعدة بأضعاف ذلك. وقال الكلبي: أي علم ~~أن دخولها إلى سنة ولم تعلموه أنتم. وقيل: علم أن بمكة رجالا مؤمنين ونساء ~~مؤمنات لم تعلموهم. # " فجعل من دون ذلك فتحا قريبا " أي من دون رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم ~~فتح خيبر، قاله ابن زيد والضحاك. وقيل فتح مكة. وقال مجاهد: هو صلح ~~الحديبية، وقاله أكثر المفسرين. قال الزهري: ما فتح الله في الاسلام كان ~~أعظم من صلح الحديبية، لأنه إنما كان القتال حين تلتقي الناس، فلما كانت ~~الهدنة وضعت الحرب أوزارها وأمن الناس بعضهم بعضا، فالتقوا وتفاوضوا الحديث ~~والمناظرة. فلم يكلم أحد بالاسلام يعقل شيئا إلا دخل فيه، فلقد دخل تينك ~~السنتين في الاسلام مثل ما كان في الاسلام قبل ذلك وأكثر. يدلك على ذلك ~~أنهم كانوا سنة ست يوم الحديبية ألفا وأربعمائة، وكانوا بعد عام الحديبية ~~سنة ثمان في عشرة آلاف. # قوله تعالى: هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ~~وكفى بالله شهيدا (28) قوله تعالى: " هو الذي أرسل رسوله " يعني محمدا صلى ~~الله عليه وسلم " بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله " أي يعليه على كل ~~الأديان. فالدين اسم بمعنى المصدر، # PageV16P291 # ويستوي لفظ الواحد والجمع فيه. وقيل: أي ليظهر رسوله على الدين كله، أي ~~على الدين الذي هو شرعه بالحجة ثم باليد والسيف، ونسخ ما عداه. " وكفى ~~بالله شهيدا " " شهيدا " نصب على التفسير، والباء زائدة، أي كفى الله شهيدا ~~لنبيه صلى الله عليه وسلم، وشهادته له تبين صحة نبوته بالمعجزات. وقيل: " ~~شهيدا " على ما أرسل به، لان الكفار أبو ا أن يكتبوا: هذا ما صالح عليه ~~محمد رسول الله. # قوله تعالى: محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم ~~تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر ~~السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطئه ms5774 فأزره ~~فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما (29) فيه خمس مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " محمد رسول الله " " محمد " مبتدأ و " رسول " ~~خبره. # وقيل: " محمد " ابتداء و " رسول الله " نعته. " والذين معه " عطف على ~~المبتدأ، والخبر فيما بعده، فلا يوقف على هذا التقدير على " رسول الله ". ~~وعلى الأول يوقف على " رسول الله "، لان صفاته عليه السلام تزيد على ما وصف ~~به أصحابه، فيكون " محمد " ابتداء و " رسول الله " الخبر " والذين معه " ~~ابتداء ثان. و " أشداء " خبره و " رحماء " خبر ثان. وكون الصفات في جملة ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم هو الأشبه. قال ابن عباس: أهل الحديبية ~~أشداء على الكفار، أي غلاظ عليهم كالأسد على فريسته. وقيل: # المراد ب‍ " الذين معه " جميع المؤمنين. " رحماء بينهم " أي يرحم بعضهم ~~بعضا. وقيل: PageV16P292 # متعاطفون متوادون. وقرأ الحسن " أشداء على الكفار رحماء بينهم " بالنصب ~~على الحال، كأنه قال: والذين معه في حال شدتهم على الكفار وتراحمهم بينهم. ~~" تراهم ركعا سجدا " إخبار عن كثرة صلاتهم. " يبتغون فضلا من الله ورضوانا ~~" أي يطلبون الجنة ورضا الله تعالى. # الثانية - قوله تعالى: " سيماهم في وجوههم من أثر السجود " السيما ~~العلامة، وفيها لغتان: المد والقصر، أي لاحت علامات التهجد بالليل وأمارات ~~السهر. وفي سنن ابن ماجة قال: حدثنا إسماعيل بن محمد الطلحي قال حدثنا ثابت ~~بن موسى أبو يزيد عن شريك عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # [من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار]. وقال ابن العربي: ودسه قوم في ~~حديث النبي صلى الله عليه وسلم على وجه الغلط، وليس عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم فيه ذكر بحرف. # وقد روى ابن وهب عن مالك " سيماهم في وجوههم من أثر السجود " ذلك مما ~~يتعلق بجباههم من الأرض عند السجود، وبه قال سعيد بن جبير. وفي الحديث ~~الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: صلى صبيحة إحدى وعشرين من رمضان ms5775 وقد ~~وكف (1) المسجد وكان على عريش، فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم من صلاته ~~وعلى جبهته وأرنبته أثر الماء والطين. وقال الحسن: هو بياض يكون في الوجه ~~يوم القيامة. وقاله سعيد بن جبير أيضا، ورواه العوفي عن ابن عباس، قاله ~~الزهري. وفي الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة، ~~وفيه: [حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد وأراد أن يخرج برحمته من ~~أراد من أهل النار أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله ~~شيئا ممن أراد الله أن يرحمه ممن يقول لا إله إلا الله فيعرفونهم في النار ~~بأثر السجود تأكل النار ابن آدم إلا أثر السجود حرم الله على النار أن تأكل ~~أثر السجود]. وقال شهر بن حوشب: يكون موضع السجود من وجوههم كالقمر ليلة ~~البدر. وقال ابن عباس ومجاهد: # السيماء في الدنيا وهو السمت الحسن. وعن مجاهد أيضا: هو الخشوع والتواضع. ~~قال # PageV16P293 # منصور: سألت مجاهدا عن قوله تعالى " سيماهم في وجوههم " أهو أثر يكون بين ~~عيني الرجل؟ قال لا، ربما يكون بين عيني الرجل مثل ركبة العنز وهو أقسى ~~قلبا من الحجارة! # ولكنه نور في وجوههم من الخشوع. وقال ابن جريج: هو الوقار والبهاء. وقال ~~شمر بن عطية: هو صفرة الوجه من قيام الليل. قال الحسن: إذا رأيتهم حسبتهم ~~مرضى وما هم بمرضى. وقال الضحاك: أما انه ليس بالندب في وجوههم ولكنه ~~الصفرة. وقال سفيان الثوري: يصلون بالليل فإذا أصبحوا رؤي ذلك في وجوههم، ~~بيانه قوله صلى الله عليه وسلم: # [من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار]. وقد مضى القول فيه آنفا. وقال ~~عطاء الخراساني: دخل في هذه الآية كل من حافظ على الصلوات الخمس. # الثالثة - قوله تعالى: " ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل " قال ~~الفراء: فيه وجهان، إن شئت قلت المعنى ذلك مثلهم في التوراة وفي الإنجيل ~~أيضا، كمثلهم في القرآن، فيكون الوقف على " الإنجيل " وإن شئت قلت: تمام ~~الكلام ذلك مثلهم في التوراة، ثم ابتداء ms5776 فقال ومثلهم في الإنجيل. وكذا قال ~~ابن عباس وغيره: هما مثلان، أحدهما في التوراة والآخر في الإنجيل، فيوقف ~~على هذا على " التوراة ". وقال مجاهد: هو مثل واحد، يعني أن هذه صفتهم في ~~التوراة والإنجيل، فلا يوقف على " التوراة " على هذا، ويوقف على " الإنجيل ~~". ويبتدئ " كزرع أخرج شطأه " على معنى وهم كزرع. و " شطأه " يعني فراخه ~~وأولاده، قاله ابن زيد وغيره. وقال مقاتل: هو نبت واحد، فإذا خرج ما بعده ~~فقد شطأه. قال الجوهري: شطء الزرع والنبات فراخه، والجمع أشطاء. وقد أشطأ ~~الزرع خرج شطؤه. قال الأخفش في قوله " أخرج شطأه " أي طرفه. وحكاه الثعلبي ~~عن الكسائي. وقال الفراء: أشطأ الزرع فهو مشطئ إذا خرج. قال الشاعر: # أخرج الشطء على وجه الثرى * ومن الأشجار أفنان الثمر الزجاج: أخرج شطأه ~~أي نباته. وقيل: إن الشطء شوك السنبل، والعرب أيضا تسميه: السفا، وهو شوك ~~البهمى (1)، قاله قطرب. وقيل: إنه السنبل، فيخرج من الحبة # PageV16P294 # عشر سنبلات وتسع وثمان، قاله الفراء، حكاه الماوردي. وقرأ ابن كثير وابن ~~ذكوان " شطأه " بفتح الطاء، وأسكن الباقون. وقرأ أنس ونصر بن عاصم وابن ~~وثاب " شطاه " مثل عصاه. وقرأ الجحدري وابن أبي إسحاق " شطه " بغير همز، ~~وكلها لغات فيها. # وهذا مثل ضربه الله تعالى لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، يعني أنهم ~~يكونون قليلا ثم يزدادون ويكثرون، فكان النبي صلى الله عليه وسلم حين بدأ ~~بالدعاء إلى دينه ضعيفا فأجابه الواحد بعد الواحد حتى قوي أمره، كالزرع ~~يبدو بعد البذر ضعيفا فيقوى حالا بعد حال حتى يغلظ نباته وأفراخه. فكان هذا ~~من أصح مثل وأقوى بيان. وقال قتادة: مثل أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في ~~الإنجيل مكتوب أنه سيخرج من قوم ينبتون نبات الزرع، يأمرون بالمعروف وينهون ~~عن المنكر. " فآزره " أي قواه وأعانه وشده، أي قوى الشطء الزرع. وقيل ~~بالعكس، أي قوى الزرع الشطء. وقراءة العامة " آزره " بالمد. وقرأ ابن ذكوان ~~وأبو حياة وحميد بن قيس " فأزره " مقصورة، مثل فعله. والمعروف المد. قال ~~امرؤ القيس: # بمحنية (1) قد آزر الضال ms5777 نبتها * مجر جيوش غانمين وخيب " فاستوى على ساقه ~~" على عوده الذي يقوم عليه فيكون ساقا له. والسوق: جمع الساق. " يعجب ~~الزراع " أي يعجب هذا الزرع زراعه. وهو مثل كما بينا، فالزرع محمد صلى الله ~~عليه وسلم، والشطء أصحابه، كانوا قليلا فكثروا، وضعفاء فقووا، قاله الضحاك ~~وغيره. " ليغيظ بهم الكفار " اللام متعلقة بمحذوف، أي فعل الله هذا لمحمد ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه ليغيظ بهم الكفار. # الرابعة - قوله تعالى: " وعد الله الذين آمنوا " أي وعد الله هؤلاء الذين ~~مع محمد، وهم المؤمنون الذين أعمالهم صالحة. " مغفرة وأجرا عظيما " أي ~~ثوابا لا ينقطع وهو الجنة. # وليست " من " في قوله " منهم " مبعضة لقوم من الصحابة دون قوم، ولكنها ~~عامة # PageV16P295 # مجنسة، مثل قوله تعالى: " فاجتنبوا الرجس من الأوثان " (1) [الحج: 30] لا ~~يقصد للتبعيض لكنه يذهب إلى الجنس، أي فاجتنبوا الرجس من جنس الأوثان، إذ ~~كان الرجس يقع من أجناس شتى، منها الزنى والربا وشرب الخمر والكذب، فأدخل " ~~من " يفيد بها الجنس وكذا " منهم "، أي من هذا الجنس، يعني جنس الصحابة. ~~ويقال: أنفق نفقتك من الدراهم، أي اجعل نفقتك هذا الجنس. وقد يخصص أصحاب ~~محمد صلى الله عليه وسلم بوعد المغفرة تفضيلا لهم، وإن وعد الله جميع ~~المؤمنين المغفرة. وفي الآية جواب آخر: # وهو أن " من " مؤكدة للكلام، والمعنى وعدهم الله كلهم مغفرة وأجرا عظيما. ~~فجرى مجرى [قول] العربي: قطعت من الثوب قميصا، يريد قطعت الثوب كله قميصا. ~~و " من " لم يبعض شيئا. وشاهد هذا من القرآن " وننزل من القرآن ما هو شفاء ~~" (2) [الاسراء: 82] معناه وننزل القرآن شفاء، لان كل حرف منه يشفي، وليس ~~الشفاء مختصا به بعضه دون بعض. على أن من اللغويين من يقول " من " مجنسة، ~~تقديرها ننزل الشفاء من جنس القرآن، ومن جهة القرآن، ومن ناحية القرآن. قال ~~زهير: # * أمن أم أوفى دمنة لم تكلم (3) * أراد من ناحية أم أوفى دمنة، أم من ~~منازلها دمنة. وقال الآخر: # أخو رغائب يعطيها ويسألها * يأبى الظلامة منه النوفل الزفر (4) ف " من " ~~لم تبعض شيئا، إذ كان ms5778 المقصد يأبى الظلامة لأنه نوفل زفر. والنوفل: الكثير ~~العطاء. والزفر: حامل الأثقال والمؤن عن الناس. # الخامسة - روى أبو عروة الزبيري من ولد الزبير: كنا عند مالك بن أنس، ~~فذكروا رجلا ينتقص أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقرأ مالك هذه ~~الآية " محمد # PageV16P296 # رسول الله والذين معه " حتى بلغ " يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار ". فقال ~~مالك: من أصبح من الناس في قلبه غيظ على أحد من أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقد أصابته هذه الآية، ذكره الخطيب أبو بكر. # قلت: لقد أحسن مالك في مقالته وأصاب في تأويله. فمن نقص واحدا منهم أو ~~طعن عليه في روايته فقد رد على الله رب العالمين، وأبطل شرائع المسلمين، ~~قال الله تعالى: " محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار " الآية. ~~وقال: " لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة " [الفتح: 18] ~~إلى غير ذلك من الآي التي تضمنت الثناء عليهم، والشهادة لهم بالصدق ~~والفلاح، قال الله تعالى: " رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه " (1) ~~[الأحزاب: 23]. وقال: " للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم ~~يبتغون فضلا من الله ورضوانا - إلى قوله - أولئك هم الصادقون " (2) [الحشر: ~~8]، ثم قال عز من قائل: " والذين تبوءوا الدار والايمان من قبلهم - إلى ~~قوله - فأولئك هم المفلحون " (3) [الحشر: 9]. وهذا كله مع علمه تبارك ~~وتعالى بحالهم ومآل أمرهم، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [خير الناس ~~قرني ثم الذين يلونهم] وقال: [لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ~~ذهبا لم يدرك مد أحدهم ولا نصيفه] خرجهما البخاري. # وفي حديث آخر: [فلو أن أحدكم أنفق ما في الأرض لم يدرك مد أحدهم ولا ~~نصيفه]. # قال أبو عبيد: معناه لم يدرك مد أحدهم إذا تصدق به ولا نصف المد، فالنصيف ~~هو النصف هنا. وكذلك يقال للعشر عشير، وللخمس خميس، وللتسع تسيع، وللثمن ~~ثمين، وللسبع سبيع، وللسدس سديس، وللربع ربيع. ولم تقل العرب للثلث ثليث. ~~وفي البزار عن جابر مرفوعا صحيحا: [إن الله اختار أصحابي على العالمين سوى ~~النبيين ms5779 والمرسلين واختار لي من أصحابي أربعة - يعني أبا بكر وعمر وعثمان ~~وعليا - فجعلهم أصحابي]. وقال: [في أصحابي كلهم خير]. وروى عويم بن ساعدة ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [إن الله عز وجل اختارني واختار لي ~~أصحابي فجعل لي منهم وزراء وأختانا وأصهارا فمن سبهم فعليه لعنة # PageV16P297 # الله والملائكة والناس أجمعين ولا يقبل الله منه يوم القيامة (1) صرفا ~~ولا عدلا]. والأحاديث بهذا المعنى كثيرة، فحذار من الوقوع في أحد منهم، كما ~~فعل من طعن في الدين فقال: إن المعوذتين ليستا من القرآن، وما صح حديث عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في تثبيتهما ودخولهما في جملة التنزيل إلا عن ~~عقبة بن عامر، وعقبة بن عامر ضعيف لم يوافقه غيره عليها، فروايته مطرحة. ~~وهذا رد لما ذكرناه من الكتاب والسنة، وإبطال لما نقلته لنا الصحابة من ~~الملة. فإن عقبة بن عامر بن عيسى الجهني ممن روى لنا الشريعة في الصحيحين ~~البخاري ومسلم وغيرهما، فهو ممن مدحهم الله ووصفهم وأثنى عليهم ووعدهم ~~مغفرة وأجرا عظيما. فمن نسبه أو واحدا من الصحابة إلى كذب فهو خارج عن ~~الشريعة، مبطل للقرآن طاعن على رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومتى ألحق ~~واحد منهم تكذيبا فقد سب، لأنه لا عار ولا عيب بعد الكفر بالله أعظم من ~~الكذب، وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم من سب أصحابه، فالمكذب ~~لأصغرهم - ولا صغير فيهم - داخل في لعنة الله التي شهد بها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وألزمها كل من سب واحدا من أصحابه أو طعن عليه. وعن عمر بن ~~حبيب قال: حضرت مجلس هارون الرشيد فجرت مسألة تنازعها الحضور وعلت أصواتهم، ~~فاحتج بعضهم بحديث يرويه أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرفع ~~بعضهم الحديث وزادت المدافعة والخصام حتى قال قائلون منهم: لا يقبل هذا ~~الحديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لان أبا هريرة متهم فيما يرويه، ~~وصرحوا بتكذيبه، ورأيت الرشيد قد نحا نحوهم ونصر قولهم فقلت ms5780 أنا: الحديث ~~صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو هريرة صحيح النقل صدوق فيما ~~يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم وغيره، فنظر إلي الرشيد نظر مغضب، وقمت ~~من المجلس فانصرفت إلى منزلي، فلم ألبث حتى قيل: # صاحب البريد بالباب، فدخل فقال لي: أجب أمير المؤمنين إجابة مقتول، وتحنط ~~وتكفن! # فقلت: اللهم إنك تعلم أني دفعت عن صاحب نبيك، وأجللت نبيك أن يطعن على ~~أصحابه، # PageV16P298 # فسلمني منه. فأدخلت على الرشيد وهو جالس على كرسي من ذهب، حاسر عن ~~ذراعيه، بيده السيف وبين يديه النطع (1)، فلما بصر بي قال لي: يا عمر بن ~~حبيب ما تلقاني [أحد] (2) من الرد والدفع [لقولي بمثل] (2) ما تلقيتني به ~~فقلت: يا أمير المؤمنين، إن الذي قلته وجادلت عنه فيه ازدراء على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم [وعلى ما جاء به] (2)، إذا كان أصحابه كذابين فالشريعة ~~باطلة، والفرائض والاحكام في الصيام والصلاة والطلاق والنكاح والحدود كله ~~مردود غير مقبول، فرجع إلى نفسه ثم قال: أحييتني يا عمر بن حبيب أحياك ~~الله! وأمر لي بعشرة آلاف درهم. # قلت: فالصحابة كلهم عدول، أولياء الله تعالى وأصفياؤه، وخيرته من خلقه ~~بعد أنبيائه ورسله. هذا مذهب أهل السنة، والذي عليه الجماعة من أئمة هذه ~~الأمة. وقد ذهبت شرذمة لا مبالاة بهم إلى أن حال الصحابة كحال غيرهم، فيلزم ~~البحث عن عدالتهم. ومنهم من فرق بين حالهم في بداءة الامر فقال: إنهم كانوا ~~على العدالة إذ ذاك، ثم تغيرت بهم الأحوال فظهرت فيهم الحروب وسفك الدماء، ~~فلا بد من البحث. وهذا مردود، فإن خيار الصحابة وفضلاءهم كعلي وطلحة ~~والزبير وغيرهم رضي الله عنهم ممن أثنى الله عليهم وزكاهم ورضي عنهم ~~وأرضاهم ووعدهم الجنة بقوله تعالى " مغفرة وأجرا عظيما ". وخاصة العشرة ~~المقطوع لهم بالجنة بإخبار الرسول هم القدوة مع علمهم بكثير من الفتن ~~والأمور الجارية عليهم بعد نبيهم بإخباره لهم بذلك. وذلك غير مسقط من ~~مرتبتهم وفضلهم، إذ كانت تلك الأمور مبنية على الاجتهاد، وكل مجتهد مصيب. ~~وسيأتي الكلام ms5781 في تلك الأمور في سورة " الحجرات " مبينة إن شاء الله تعالى. # PageV16P299 # تفسير سورة الحجرات مدنية بإجماع. وهي ثماني عشرة آية بسم الله الرحمن ~~الرحيم يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن ~~الله سميع عليم (1) فيه ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ~~ورسوله " قال العلماء: كان في العرب جفاء وسوء أدب في خطاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم وتلقيب الناس. فالسورة في الامر بمكارم الأخلاق ورعاية الآداب. ~~وقرأ الضحاك ويعقوب الحضرمي: " لا تقدموا " بفتح التاء والدال من التقدم. ~~الباقون " تقدموا " بضم التاء وكسر الدال من التقديم. ومعناهما ظاهر، أي لا ~~تقدموا قولا ولا فعلا بين يدي الله وقول رسوله وفعله فيما سبيله أن تأخذوه ~~عنه من أمر الدين والدنيا. ومن قدم قوله أو فعله على الرسول صلى الله عليه ~~وسلم فقد قدمه على الله تعالى، لان الرسول صلى الله عليه وسلم إنما يأمر عن ~~أمر الله عز وجل. # الثانية - واختلف في سبب نزولها على أقوال ستة: # الأول - ما ذكره الواحدي من حديث ابن جريج قال: حدثني ابن أبي مليكة أن ~~عبد الله بن الزبير أخبره أنه قدم ركب من بني تميم على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فقال أبو بكر: أمر القعقاع بن معبد. وقال عمر: أمر الأقرع بن ~~حابس. فقال أبو بكر: # ما أردت إلا خلافي. وقال عمر: ما أردت خلافك. فتماديا حتى ارتفعت ~~أصواتهما، PageV16P300 # فنزل في ذلك: " يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله - إلى ~~قوله - ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم ". رواه البخاري عن الحسن بن محمد بن ~~الصباح، ذكره المهدوي أيضا. # الثاني - ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يستخلف على المدينة ~~رجلا إذا مضى إلى خيبر، فأشار عليه عمر برجل آخر، فنزل " يا أيها الذين ~~آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ". ذكره المهدوي أيضا. # الثالث - ما ذكره الماوردي عن الضحاك عن ابن عباس رضي ms5782 الله عنهما: أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنفذ أربعة وعشرين رجلا من أصحابه إلى بني عامر ~~فقتلوهم، إلا ثلاثة تأخروا عنهم فسلموا وانكفؤا (1) إلى المدينة، فلقوا ~~رجلين من بني سليم فسألوهما عن نسبهما فقالا: من بني عامر، لأنهم أعز من ~~بني سليم فقتلوهما، فجاء نفر من بني سليم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقالوا: ان بيننا وبينك عهدا، وقد قتل منا رجلان، فوداهما النبي صلى الله ~~عليه وسلم بمائة بعير، ونزلت عليه هذه الآية في قتلهم الرجلين. وقال قتادة: ~~إن ناسا كانوا يقولون لو أنزل في كذا، لو أنزل في كذا؟ فنزلت هذه الآية. ~~ابن عباس: نهوا أن يتكلموا بين يدي كلامه. مجاهد: لا تفتاتوا (2) على الله ~~ورسوله حتى يقضي الله على لسان رسوله، ذكره البخاري أيضا. الحسن: نزلت في ~~قوم ذبحوا قبل أن يصلي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمرهم أن يعيدوا ~~الذبح. ابن جريج: لا تقدموا أعمال الطاعات قبل وقتها الذي أمر الله تعالى ~~به ورسوله صلى الله عليه وسلم. # قلت: هذه الأقوال الخمسة المتأخرة ذكرها القاضي أبو بكر بن العربي، ~~وسردها قبله الماوردي. قال القاضي: وهي كلها صحيحة تدخل تحت العموم، فالله ~~أعلم ما كان السبب المثير للآية منها، ولعلها نزلت دون سبب، والله أعلم. ~~قال القاضي: إذا قلنا إنها نزلت في تقديم الطاعات على أوقاتها فهو صحيح، ~~لان كل عبادة مؤقتة بميقات لا يجوز تقديمها # PageV16P301 # عليه كالصلاة والصوم والحج، وذلك بين. إلا (1) أن العلماء اختلفوا في ~~الزكاة، لما كانت عبادة مالية وكانت مطلوبة لمعنى مفهوم، وهو سد خلة ~~الفقير، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم استعجل من العباس صدقة عامين، ولما ~~جاء من جمع صدقة الفطر قبل يوم الفطر حتى تعطى لمستحقيها يوم الوجوب وهو ~~يوم الفطر، فاقتضى ذلك كله جواز تقديمها العام والاثنين. # فإن جاء رأس العام والنصاب بحاله وقعت موقعها. وإن جاء رأس العام وقد ~~تغير النصاب تبين أنها صدقة تطوع. وقال أشهب: لا يجوز تقديمها على الحول ~~لحظة كالصلاة، ms5783 وكأنه طرد الأصل في العبادات فرأى أنها إحدى دعائم الاسلام ~~فوفاها حقها في النظام وحسن الترتيب. ورأى سائر علمائنا أن التقديم اليسير ~~فيها جائز، لأنه معفو عنه في الشرع بخلاف الكثير. وما قاله أشهب أصح، فإن ~~مفارقة اليسير الكثير في أصول الشريعة صحيح، ولكنه لمعان تختص باليسير دون ~~الكثير. فأما في مسألتنا فاليوم فيه كالشهر، والشهر كالسنة. فإما تقديم كلي ~~كما قاله أبو حنيفة والشافعي، وإما حفظ العبادة على ميقاتها كما قال أشهب. # الثالثة - قوله تعالى: " لا تقدموا بين يدي الله " أصل في ترك التعرض ~~لأقوال النبي صلى الله عليه وسلم، وإيجاب اتباعه والاقتداء به، وكذلك قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه: [مروا أبا بكر فليصل بالناس]. فقالت ~~عائشة لحفصة رضي الله عنهما: # قولي له إن أبا بكر رجل أسيف (2) وإنه متى يقم مقامك لا يسمع الناس من ~~البكاء، فمر عمر فليصل بالناس. فقال صلى الله عليه وسلم: [إنكن لأنتن صواحب ~~يوسف (3). مروا أبا بكر فليصل بالناس]. فمعنى قوله [صواحب يوسف] الفتنة ~~بالرد عن الجائز إلى غير الجائز. # PageV16P302 # وربما احتج بغات القياس بهذه الآية. وهو باطل منهم، فإن ما قامت دلالته ~~فليس في فعله تقديم بين يديه. وقد قامت دلالة الكتاب والسنة على وجوب القول ~~بالقياس في فروع الشرع، فليس إذا تقدم بين يديه. " واتقوا الله " يعني في ~~التقدم المنهي عنه. # " إن الله سميع " لقولكم " عليم " بفعلكم. # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا ~~تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون (2) فيه ~~ست مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت ~~النبي " روى البخاري والترمذي عن ابن أبي مليكة قال: حدثني عبد الله بن ~~الزبير أن الأقرع بن حابس قدم على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر: ~~يا رسول الله استعمله على قومه، فقال عمر: # لا تستعمله يا رسول الله، فتكلما عند النبي صلى الله عليه وسلم حتى ~~ارتفعت أصواتهما، ms5784 فقال أبو بكر لعمر: ما أردت إلا خلافي. فقال عمر: ما أردت ~~خلافك، قال: فنزلت هذه الآية: # " يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي " قال: فكان عمر ~~بعد ذلك إذا تكلم عند النبي صلى الله عليه وسلم لم يسمع كلامه حتى يستفهمه. ~~قال: وما ذكر ابن الزبير جده يعني أبا بكر. قال: هذا حديث غريب حسن. وقد ~~رواه بعضهم عن ابن أبي مليكة مرسلا، لم يذكر فيه عن عبد الله بن الزبير. # قلت: هو البخاري، قال: عن ابن أبي مليكة كاد الخيران أن يهلكا أبو بكر ~~وعمر، رفعا أصواتهما عند النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم عليه ركب بني ~~تميم، فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس أخي بني مجاشع، وأشار الآخر برجل آخر، ~~فقال نافع: لا أحفظ اسمه، فقال أبو بكر لعمر: ما أردت إلا خلافي. فقال: ما ~~أردت خلافك. فارتفعت أصواتهما PageV16P303 # في ذلك، فأنزل الله عز وجل " يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق ~~صوت النبي " الآية. # فقال ابن الزبير: فما كان عمر يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه ~~الآية حتى يستفهمه. # ولم يذكر ذلك عن أبيه، يعني أبا بكر الصديق. وذكر المهدوي عن علي رضي ~~الله عنه: # نزل قوله " لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي " فينا لما ارتفعت أصواتنا ~~أنا وجعفر وزيد بن حارثة، نتنازع ابنة حمزة لما جاء بها زيد من مكة، فقضى ~~بها رسول الله صلى الله عليه وسلم لجعفر، لان خالتها عنده. وقد تقدم هذا ~~الحديث في " آل عمران " (2) وفي الصحيحين عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم افتقد ثابت بن قيس فقال رجل: يا رسول الله، أنا أعلم لك علمه، ~~فأتاه فوجده جالسا في بيته منكسا رأسه، فقال له: ما شأنك؟ فقال: # شر! كان (3) يرفع صوته فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم فقد حبط عمله ~~وهو من أهل النار. # فأتى الرجل النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره أنه قال كذا وكذا. فقال موسى ms5785 ~~(4): فرجع إليه المرة الآخرة ببشارة عظيمة، فقال: [اذهب إليه فقل له إنك ~~لست من أهل النار ولكنك من أهل الجنة]. لفظ البخاري. وثابت هذا هو ثابت بن ~~قيس بن شماس الخزرجي يكنى أبا محمد بابنه محمد. وقيل: أبا عبد الرحمن. قتل ~~له يوم الحرة (5) ثلاثة من الولد: محمد، ويحيى، وعبد الله. وكان خطيبا ~~بليغا معروفا بذلك، كان يقال له خطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما ~~يقال لحسان شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولما قدم وفد تميم على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وطلبوا المفاخرة قام خطيبهم فافتخر، ثم قام ثابت ~~بن قيس فخطب خطبة بليغة جزلة فغلبهم، وقام شاعرهم وهو الأقرع بن حابس ~~فأنشد: # PageV16P304 # أتيناك كيما يعرف الناس فضلنا * وإذا خالفونا عند ذكر المكارم وإنا رؤوس ~~الناس من كل معشر * وأن ليس في أرض الحجاز كدارم وإن لنا المرباع في كل ~~غارة * تكون بنجد أو بأرض التهائم (1) فقام حسان فقال: # بني دارم لا تفخروا إن فخركم * يعود وبالا عند ذكر المكارم هبلتم علينا ~~تفخرون وأنتم * لنا خول من بين ظئر وخادم (2) في أبيات لهما. # فقالوا: خطيبهم أخطب من خطيبنا، وشاعرهم أشعر من شاعرنا، فارتفعت أصواتهم ~~فأنزل الله تعالى: " لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول ~~". وقال عطاء الخراساني: حدثتني ابنة ثابت بن قيس قالت: لما نزلت " يا أيها ~~الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي " الآية، دخل أبوها بيته ~~وأغلق عليه بابه، ففقده النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل إليه يسأله ما ~~خبره، فقال: أنا رجل شديد الصوت، أخاف أن يكون حبط عملي. فقال عليه السلام: ~~[لست منهم بل تعيش بخير وتموت بخير]. قال: ثم أنزل الله " إن الله لا يحب ~~كل مختال فخور " (3) [لقمان: 18] فأغلق بابه وطفق يبكي، ففقده النبي صلى ~~الله عليه وسلم فأرسل إليه فأخبره، فقال: يا رسول الله، إني أحب الجمال ~~وأحب أن أسود قومي. فقال: [لست منهم بل تعيش حميدا وتقتل شهيدا وتدخل ~~الجنة]. قالت: فلما ms5786 كان يوم اليمامة خرج مع خالد بن الوليد إلى مسيلمة فلما ~~التقوا انكشفوا، فقال ثابت وسالم مولى أبي حذيقة: ما هكذا كنا نقاتل مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم حفر كل واحد منهما له حفرة فثبتا وقاتلا ~~حتى قتلا، وعلى ثابت يومئذ درع له نفيسة، فمر به رجل من # PageV16P305 # المسلمين فأخذها، فبينا رجل من المسلمين نائم أتاه ثابت في منامه فقال ~~له: أوصيك بوصية، فإياك أن تقول هذا حلم فتضيعه، إني لما قتلت أمس مر بي ~~رجل من المسلمين فأخذ درعي ومنزله في أقصى الناس، وعند خبائه فرس يستن (1) ~~في طوله، وقد كفأ على الدرع برمة، وفوق البرمة رحل، فأت خالدا فمره أن يبعث ~~إلى درعي فيأخذها، وإذا قدمت المدينة على خليفة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم - يعني أبا بكر - فقل له: إن علي من الدين كذا وكذا، وفلان من رقيقي ~~عتيق وفلان، فأتى الرجل خالدا فأخبره، فبعث إلى الدرع فأتى بها وحدث أبا ~~بكر برؤياه فأجاز وصيته. قال: ولا نعلم أحدا أجيزت وصيته بعد موته غير ~~ثابت، رحمه الله، ذكره أبو عمر في الاستيعاب. # الثانية - قوله تعالى: " ولا تجهروا له بالقول " أي لا تخاطبوه: يا محمد، ~~ويا أحمد. ولكن: يا نبي الله، ويا رسول الله، توقيرا له. وقيل: كان ~~المنافقون يرفعون أصواتهم عند النبي صلى الله عليه وسلم، ليقتدي بهم ضعفة ~~المسلمين فنهي المسلمون عن ذلك. وقيل: " لا تجهروا له " أي لا تجهروا عليه، ~~كما يقال: سقط لفيه، أي على فيه. # " كجهر بعضكم لبعض " الكاف كاف التشبيه في محل النصب، أي لا تجهروا له ~~جهرا مثل جهر بعضكم لبعض. وفي هذا دليل [على] أنهم لم ينهوا عن الجهر مطلقا ~~حتى لا يسوغ لهم إلا أن يكلموه بالهمس والمخافتة، وإنما نهوا عن جهر مخصوص ~~مقيد بصفة، أعني الجهر المنعوت بمماثلة ما قد اعتادوه منهم فيما بينهم، وهو ~~الخلو من مراعاة أبهة النبوة وجلالة مقدارها وانحطاط سائر الرتب وإن جلت عن ~~رتبتها. " أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون ms5787 " أي من أجل أن تحبط، أي تبطل، ~~هذا قول البصريين. وقال الكوفيون: أي لئلا تحبط أعمالكم. # الثالثة - معنى الآية الامر بتعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وتوقيره، وخفض الصوت بحضرته وعند مخاطبته، أي إذا نطق ونطقتم فعليكم ألا ~~تبلغوا بأصواتكم وراء الحد # PageV16P306 # الذي يبلغه بصوته، وأن تغضوا منها بحيث يكون كلامه غالبا لكلامكم، وجهره ~~باهرا لجهركم، حتى تكون مزيته عليكم لائحة، وسابقته واضحة، وامتيازه عن ~~جمهوركم كشية الأبلق. لا أن تغمروا صوته بلغطكم، وتبهروا منطقه بصخبكم. وفي ~~قراءة ابن مسعود " لا ترفعوا بأصواتكم " وقد كره بعض العلماء رفع الصوت عند ~~قبره عليه السلام. وكره بعض العلماء رفع الصوت في مجالس العلماء تشريفا ~~لهم، إذ هم ورثة الأنبياء. # الرابعة - قال القاضي أبو بكر بن العربي: حرمة النبي صلى الله عليه وسلم ~~ميتا كحرمته حيا، وكلامه المأثور بعد موته في الرفعة مثال كلامه المسموع من ~~لفظه، فإذا قرئ كلامه، وجب على كل حاضر ألا يرفع صوته عليه، ولا يعرض عنه، ~~كما كان يلزمه ذلك في مجلسه عند تلفظه به. وقد نبه الله سبحانه على دوام ~~الحرمة المذكورة على مرور الأزمنة بقوله تعالى: " وإذا قرئ القرآن فاستمعوا ~~له وأنصتوا " (1) وكلامه صلى الله عليه وسلم من الوحي، وله من الحكمة مثل ~~ما للقرآن، إلا معاني مستثناة، بيانها في كتب الفقه. # الخامسة - وليس الغرض برفع الصوت ولا الجهر ما يقصد به الاستخفاف ~~والاستهانة، لان ذلك كفر والمخاطبون مؤمنون. وإنما الغرض صوت هو في نفسه ~~والمسموع من جرسه (2) غير مناسب لما يهاب به العظماء ويوقروا الكبراء، ~~فيتكلف الغض منه ورده إلى حد يميل به إلى ما يستبين فيه المأمور به من ~~التعزير والتوقير. ولم يتناول النهي أيضا رفع الصوت الذي يتأذى به رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وهو ما كان منهم في الحرب أو مجادلة معاند أو ~~إرهاب عدو أو ما أشبه ذلك، ففي الحديث أنه قال عليه السلام للعباس ابن عبد ~~المطلب لما انهزم الناس يوم حنين: [أصرخ بالناس] وكان العباس أجهر الناس ms5788 ~~صوتا، يروى أن غارة أتتهم يوما فصاح العباس: يا صباحاه! فأسقطت الحوامل ~~لشدة صوته، وفيه يقول نابغة بني جعدة: # PageV16P307 # زجر أبي عروة (1) السباع إذا * أشفق أن يختلطن بالغنم زعمت الرواة أنه ~~كان يزجر السباع عن الغنم فيفتق مرارة السبع في جوفه. # السادسة - قال الزجاج: " أن تحبط أعمالكم " التقدير لان تحبط، أي فتحبط ~~أعمالكم، فاللام المقدرة لام الصيرورة، وليس قوله: " أن تحبط أعمالكم وأنتم ~~لا تشعرون " بموجب أن يكفر الانسان وهو لا يعلم، فكما لا يكون الكافر مؤمنا ~~إلا باختياره الايمان على الكفر، كذلك لا يكون المؤمن كافرا من حيث لا يقصد ~~إلى الكفر ولا يختاره بإجماع. # كذلك لا يكون الكافر كافرا من حيث لا يعلم. # قوله تعالى: إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن ~~الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجرا عظيم (3) قوله تعالى: " إن الذين يغضون ~~أصواتهم عند رسول الله " أي يخفضون أصواتهم عنده إذا تكلموا إجلالا له، أو ~~كلموا غيره بين يديه إجلالا له. قال أبو هريرة: لما نزلت " لا ترفعوا ~~أصواتكم " قال أبو بكر رضي الله عنه: والله لا أرفع صوتي إلا كأخي السرار ~~(2). # وذكر سنيد قال: حدثنا عباد بن العوام عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة قال: ~~لما نزلت " لا تقدموا بين يدي الله ورسوله " [الحجرات: 1] قال أبو بكر: ~~والذي بعثك بالحق لا أكلمك بعد هذا إلا كأخي السرار. وقال عبد الله بن ~~الزبير: لما نزلت " لا ترفعوا أصواتكم " ما حدث عمر عند النبي صلى الله ~~عليه وسلم بعد ذلك فسمع كلامه حتى يستفهمه مما يخفض، فنزلت " إن الذين ~~يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى ". # قال الفراء: أي أخلصها للتقوى. وقال الأخفش: أي اختصها للتقوى. وقال ابن ~~عباس: # " امتحن الله قلوبهم للتقوى " طهرهم من كل قبيح، وجعل في قلوبهم الخوف من ~~الله # PageV16P308 # والتقوى. وقال عمر رضي الله عنه: أذهب عن قلوبهم الشهوات. والامتحان ~~افتعال من محنت الأديم محنا حتى أوسعته. فمعنى امتحن الله قلوبهم للتقوى ~~وسعها وشرحها للتقوى. ms5789 # وعلى الأقوال المتقدمة: امتحن قلوبهم فأخلصها، كقولك: امتحنت الفضة أي ~~اختبرتها حتى خلصت. ففي الكلام حذف يدل عليه الكلام، وهو الاخلاص. وقال أبو ~~عمرو: # كل شئ جهدته فقد محنته. وأنشد: # أتت رذايا باديا كلالها * قد محنت واضطربت آطالها (1) " لهم مغفرة وأجرا ~~عظيما ". # قوله تعالى: إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون (4) قال ~~مجاهد وغيره: نزلت في أعراب بني تميم، قدم الوفد منهم على النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فدخلوا المسجد ونادوا النبي صلى الله عليه وسلم من وراء حجرته ~~أن اخرج إلينا، فإن مدحنا زين وذمنا شين. وكانوا سبعين رجلا قدموا الفداء ~~ذراري لهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم نام للقائلة. وروي أن الذي نادي ~~الأقرع بن حابس، وأنه القائل: إن مدحي زين وإن ذمي شين، فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: [ذاك الله]. ذكره الترمذي عن البراء بن عازب أيضا. وروى ~~زيد بن أرقم فقال: أتى أناس النبي صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم لبعض: ~~انطلقوا بنا إلى هذا الرجل، فإن يكن نبيا فنحن أسعد الناس باتباعه، وإن يكن ~~ملكا نعش في جنابه (2). فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فجعلوا ينادونه وهو ~~في حجرته: # يا محمد، يا محمد، فأنزل الله تعالى هذه الآية. قيل: إنهم كانوا من بني ~~تميم. قال مقاتل: # كانوا تسعة عشر: قيس بن عاصم، والزبرقان بن بدر، والأقرع بن حابس، وسويد ~~بن هاشم، وخالد بن مالك، وعطاء بن حابس، والقعقاع بن معبد، ووكيع بن وكيع، ~~وعيينة بن حصن # PageV16P309 # وهو الأحمق المطاع، وكان من الجرارين يجر عشرة آلاف قناة، أي يتبعه، وكان ~~اسمه حذيفة وسمي عيينة لشتر (1) كان في عينيه ذكر عبد الرزاق في عيينة هذا ~~أنه الذي نزل فيه " ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا " (2) [الكهف: 28]. ~~وقد مضى في آخر " الأعراف " من قوله لعمر رضي الله عنه ما فيه كفاية (3)، ~~ذكره البخاري. وروي أنهم وفدوا وقت الظهيرة ورسول الله صلى الله عليه وسلم ~~راقد، فجعلوا ينادونه: يا محمد يا محمد، اخرج إلينا، ms5790 فاستيقظ وخرج، ونزلت. # وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: [هم جفاة بني تميم لولا أنهم من ~~أشد الناس قتالا للأعور الدجال لدعوت الله عليهم أن يهلكهم]. والحجرات جمع ~~الحجرة، كالغرفات جمع غرفة، والظلمات جمع ظلمة. وقيل: الحجرات جمع الحجر، ~~والحجر جمع حجرة، فهو جمع الجمع. وفيه لغتان ضم الجيم وفتحها (4). قال: # ولما رأونا باديا ركباتنا * على موطن لا نخلط الجد بالهزل والحجرة: ~~الرقعة من الأرض المحجورة بحائط يحوط عليها. وحظيرة الإبل تسمى الحجرة، وهي ~~فعلة بمعنى مفعولة. وقرأ أبو جعفر بن القعقاع " الحجرات " بفتح الجيم ~~استثقالا للضمتين. # وقرئ " الحجرات " بسكون الجيم تخفيفا. وأصل الكلمة المنع. وكل ما منعت أن ~~يوصل إليه فقد حجرت عليه. ثم يحتمل أن يكون المنادي بعضا من الجملة فلهذا ~~قال: " أكثرهم لا يعقلون " أي إن الذين ينادونك من جملة قوم الغالب عليهم ~~الجهل. # قوله تعالى: ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور ~~رحيم (5) أي لو انتظروا خروجك لكان أصلح لهم في دينهم ودنياهم. وكان صلى ~~الله عليه وسلم لا يحتجب عن الناس إلا في أوقات يشتغل فيها بمهمات نفسه، ~~فكان إزعاجه في تلك الحالة # PageV16P310 # من سوء الأدب. وقيل: كانوا جاءوا شفعاء في أسارى بني عنبر فأعتق رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم نصفهم، وفادي على النصف. ولو صبروا لأعتق جميعهم ~~بغير فداء. " والله غفور رحيم " قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم ~~فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين (6) ~~فيه سبع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ " قيل: ~~إن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط. وسبب ذلك ما رواه سعيد ~~عن قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث الوليد بن عقبة مصدقا إلى بني ~~المصطلق، فلما أبصروه أقبلوا نحوه فهابهم - في رواية: لاحنة كانت بينه ~~وبينهم -، فرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره أنهم قد ارتدوا عن ~~الاسلام. فبعث نبي الله صلى ms5791 الله عليه وسلم خالد بن الوليد وأمره أن يتثبت ~~ولا يعجل، فانطلق خالد حتى أتاهم ليلا، فبعث عيونه فلما جاءوا أخبروا خالدا ~~أنهم متمسكون بالاسلام، وسمعوا أذانهم وصلاتهم، فلما أصبحوا أتاهم خالد ~~ورأى صحة ما ذكروه، فعاد إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فنزلت ~~هذه الآية، فكان يقول نبي الله صلى الله عليه وسلم: [التأني من الله ~~والعجلة من الشيطان]. وفي رواية: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه إلى بني ~~المصطلق بعد إسلامهم، فلما سمعوا به ركبوا إليه، فلما سمع بهم خافهم، فرجع ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره أن القوم قد هموا بقتله، ومنعوا ~~صدقاتهم. فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بغزوهم، فبينما هم كذلك إذ قدم ~~وفدهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله، سمعنا ~~برسولك فخرجنا إليه لنكرمه، ونؤدي إليه ما قبلنا من الصدقة، فاستمر راجعا، ~~وبلغنا أنه يزعم لرسول الله أنا خرجنا لنقاتله، والله ما خرجنا لذلك، فأنزل ~~الله تعالى هذه الآية، وسمي الوليد فاسقا أي كاذبا. قال PageV16P311 # ابن زيد ومقاتل وسهل بن عبد الله: الفاسق الكذاب. وقال أبو الحسن (1) ~~الوراق: هو المعلن بالذنب. وقال ابن طاهر: الذي لا يستحي من الله. وقرأ ~~حمزة والكسائي " فتثبتوا " من التثبت. الباقون " فتبينوا " من التبيين " أن ~~تصيبوا " أي لئلا تصيبوا، ف‍ " أن " في محل نصب بإسقاط الخافض. " قوما ~~بجهالة " أي بخطأ. " فتصبحوا على ما فعلتم نادمين " على العجلة وترك التأني ~~الثانية - في هذه الآية دليل على قبول خبر الواحد إذا كان عدلا، لأنه إنما ~~أمر فيها بالتثبت عند نقل خبر الفاسق. ومن ثبت فسقه بطل قوله في الاخبار ~~إجماعا، لان الخبر أمانة والفسق قرينة يبطلها. وقد استثنى الاجماع من جملة ~~ذلك ما يتعلق بالدعوى والجحود، وإثبات حق مقصود على الغير، مثل أن يقول: ~~هذا عبدي، فإنه يقبل قوله. # وإذا قال: قد أنفذ فلان هذا لك هدية، فإنه يقبل ذلك. وكذلك يقبل في مثله ~~خبر الكافر. وكذلك إذا أقر لغيره ms5792 بحق على نفسه فلا يبطل إجماعا. وأما في ~~الانشاء على غيره فقال الشافعي وغيره: لا يكون وليا في النكاح. وقال أبو ~~حنيفة ومالك: يكون وليا، لأنه يلي ما لها فيلي بضعها. كالعدل، وهو وإن كان ~~فاسقا في دينه إلا أن غيرته موفرة وبها يحمي الحريم، وقد يبذل المال ويصون ~~الحرمة، وإذا ولي المال فالنكاح أولى. # الثالثة - قال ابن العربي: ومن العجب أن يجوز الشافعي ونظراؤه إمامة ~~الفاسق. # ومن لا يؤتمن على حبة مال [كيف] (2) يصح أن يؤتمن على قنطار دين. وهذا ~~إنما كان أصله أن الولاة الذين كانوا يصلون بالناس لما فسدت أديانهم ولم ~~يمكن ترك الصلاة وراءهم، ولا استطيعت إزالتهم صلى معهم ووراءهم، كما قال ~~عثمان: الصلاة أحسن ما يفعل الناس، فإذا أحسنوا فأحسن، وإذا أساءوا فاجتنب ~~إساءتهم. ثم كان من الناس من إذا صلى معهم تقية أعادوا الصلاة لله، ومنهم ~~من كان يجعلها صلاته. وبوجوب الإعادة أقول، # PageV16P312 # فلا ينبغي لاحد أن يترك الصلاة مع من لا يرضى من الأئمة، ولكن يعيد سرا ~~في نفسه، ولا يؤثر ذلك عند غيره. # الرابعة - وأما أحكامه إن كان واليا فينفذ منها ما وافق الحق ويرد ما ~~خالفه، ولا ينقض حكمه الذي أمضاه بحال، ولا تلتفتوا إلى غير هذا القول من ~~رواية [تؤثر] (1) أو قول يحكى، فإن الكلام كثير والحق ظاهر. # الخامسة - لا خلاف في أنه يصح أن يكون رسولا عن غيره في قول يبلغه أو شئ ~~يوصله، أو إذن يعلمه، إذا لم يخرج عن حق المرسل والمبلغ، فإن تعلق به حق ~~لغيرهما لم يقبل قوله. وهذا جائز للضرورة الداعية إليه، فإنه لو لم يتصرف ~~بين الخلق في هذه المعاني إلا العدول لم يحصل منها (2) شئ لعدمهم في ذلك. ~~والله أعلم. # السادسة - وفي الآية دليل على فساد قول من قال: إن المسلمين كلهم عدول ~~حتى تثبت الجرحة، لان الله تعالى أمر بالتثبت قبل القبول، ولا معنى للتثبت ~~بعد إنفاذ الحكم، فإن حكم الحاكم قبل التثبت فقد أصاب المحكوم عليه بجهالة. # السابعة - فإن قضى ms5793 بما يغلب على الظن لم يكن ذلك عملا بجهالة، كالقضاء ~~بالشاهدين العدلين، وقبول قول العالم المجتهد. وإنما العمل بالجهالة قبول ~~قول من لا يحصل غلبة الظن بقبوله. ذكر هذه المسألة القشيري، والذي قبلها ~~المهدوي. # قوله تعالى: واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الامر لعنتم ~~ولكن الله حبب إليكم الايمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق ~~والعصيان أولئك هم الراشدون (7) فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم (8) # PageV16P313 # قوله تعالى: " واعلموا أن فيكم رسول الله " فلا تكذبوا، فإن الله يعلمه ~~أنباءكم فتفتضحون. " لو يطيعكم في كثير من الامر لعنتم " أي لو تسارع إلى ~~ما أردتم قبل وضوح الامر لنا لكم مشقة وإثم، فإنه لو قتل القوم الذين سعى ~~بهم الوليد بن عقبة إليه لكان خطأ، ولعنت من أراد إيقاع الهلاك بأولئك ~~القوم لعداوة كانت بينه وبينهم. ومعنى طاعة الرسول لهم: الائتمار بما يأمر ~~به فيما يبلغونه عن الناس والسماع منهم. والعنت الاثم، يقال: عنت الرجل. ~~والعنت أيضا الفجور والزنى، كما في سورة " النساء " (1). والعنت أيضا ~~الوقوع في أمر شاق، وقد مضى في آخر " براءة " القول في " عنتم " [التوبة: ~~128] بأكثر من هذا. # (2) " ولكن الله حبب إليكم الايمان " هذا خطاب للمؤمنين المخلصين الذين ~~لا يكذبون النبي صلى الله عليه وسلم ولا يخبرون بالباطل، أي جعل الايمان ~~أحب الأديان إليكم. " وزينه " بتوفيقه. " في قلوبكم " أي حسنه إليكم حتى ~~اخترتموه. وفي هذا رد على القدرية والامامية وغيرهم، حسب ما تقدم في غير ~~موضع. فهو سبحانه المنفرد بخلق ذوات الخلق وخلق أفعالهم وصفاتهم واختلاف ~~ألسنتهم وألوانهم، لا شريك له. " وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان " قال ~~ابن عباس: # يريد به الكذب خاصة. وقاله ابن زيد. وقيل: كل ما خرج عن الطاعة، مشتق من ~~فسقت الرطبة خرجت من قشرها. والفأرة من جحرها. وقد مضى في " البقرة " القول ~~فيه مستوفي (3). والعصيان جمع المعاصي. ثم انتقل من الخطاب إلى الخبر فقال ~~" أولئك " يعني هم الذين وفقهم الله فحبب إليهم الايمان وكره إليهم الكفر ~~أي قبحه عندهم ms5794 " هم الراشدون " كقول تعالى: " وما آتيتم من زكاة تريدون وجه ~~الله فأولئك هم المضعفون " (4) [الروم: 39]. قال النابغة: # يا دار مية بالعلياء فالسند * أقوت وطال عليها سالف الأمد والرشد ~~الاستقامة على طريق الحق مع تصلب فيه، من الرشاد وهي الصخرة. # PageV16P314 # قال أبو الوازع: كل صخرة رشادة. وأنشد: # وغير مقلد وموشمات * صلين الضوء من صم الرشاد (1) " فضلا من الله ونعمة " ~~أي فعل الله ذلك بكم فضلا، أي الفضل والنعمة، فهو مفعول له. " والله عليم ~~حكيم " " عليم " بما يصلحكم " حكيم " في تدبيركم. # قوله تعالى: وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت ~~إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله فإن فاءت ~~فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين (9) فيه عشر مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ~~" روى المعتمر بن سليمان عن أنس بن مالك قال قلت: يا نبي الله، لو أتيت عبد ~~الله بن أبي؟ فانطلق إليه النبي صلى الله عليه وسلم، فركب حمارا وانطلق ~~المسلمون يمشون، وهي أرض سبخة، فلما أتاه النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~إليك عني! فوالله لقد أذاني نتن حمارك. فقال رجل من الأنصار: والله لحمار ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب ريحا منك. فغضب لعبد الله رجل من قومه، ~~وغضب لكل واحد منهما أصحابه، فكان بينهم حرب بالجريد والأيدي والنعال، ~~فبلغنا أنه أنزل فيهم هذه الآية. وقال مجاهد: نزلت في الأوس والخزرج. # قال مجاهد: تقاتل حيان من الأنصار بالعصي والنعال فنزلت الآية. ومثله عن ~~سعيد ابن جبير: أن الأوس والخزرج كان بينهم على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قتال # PageV16P315 # بالسعف والنعال ونحوه، فأنزل الله هذه الآية فيهم. وقال قتادة: نزلت في ~~رجلين من الأنصار كانت بينهما مدارأة (1) في حق بينهما، فقال أحدهما: لآخذن ~~حقي عنوة، لكثرة عشيرته. ودعاه الآخر إلى أن يحاكمه إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فأبي أن يتبعه، فلم يزل الامر بينهما حتى تواقعا وتناول بعضهم ~~بعضا بالأيدي والنعال ms5795 والسيوف، فنزلت هذه الآية. وقال الكلبي: نزلت في حرب ~~سمير وحاطب (2)، وكان سمير قتل حاطبا، فاقتتل الأوس والخزرج حتى أتاهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت. وأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم ~~والمؤمنين أن يصلحوا بينهما. وقال السدي: كانت امرأة من الأنصار يقال لها: ~~" أم زيد " تحت رجل من غير الأنصار، فتخاصمت مع زوجها، أرادت أن تزور قومها ~~فحبسها زوجها وجعلها في علية لا يدخل عليها أحد من أهلها، وأن المرأة بعثت ~~إلى قومها، فجاء قومها فأنزلوها لينطلقوا بها، فخرج الرجل فاستغاث أهله ~~فخرج بنو عمه ليحولوا بين المرأة وأهلها، فتدافعوا وتجالدوا (3) بالنعال، ~~فنزلت الآية. # والطائفة تتناول الرجل الواحد والجمع والاثنين، فهو مما حمل على المعنى ~~دون اللفظ، لان الطائفتين في معنى القوم والناس. وفي قراءة عبد الله " حتى ~~يفيئوا إلى أمر الله فإن فاءوا فخذوا بينهم بالقسط ". وقرأ ابن أبي عبلة " ~~اقتتلتا " على لفظ الطائفتين. وقد مضى في آخر " براءة " القول فيه (4). ~~وقال ابن عباس في قوله عز وجل " وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين " (5) ~~[الروم: 2] قال: الواحد فما فوقه، والطائفة من الشئ القطعة منه. " فأصلحوا ~~بينهما " بالدعاء إلى كتاب الله لهما أو عليهما. " فإن بغت إحداهما على ~~الأخرى " تعدت ولم تجب إلى حكم الله وكتابه. والبغي: التطاول والفساد. # " فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله " أي ترجع إلى كتابه. " فإن ~~فاءت " رجعت " فأصلحوا بينهما بالعدل " أي احملوهما على الانصاف. " وأقسطوا ~~" أيها الناس فلا تقتتلوا. # قيل: أقسطوا أي اعدلوا. " إن الله يحب المقسطين " أي العادلين المحقين. # PageV16P316 # الثانية - قال العلماء: لا تخلو الفئتان من المسلمين في اقتتالهما، إما ~~أن يقتتلا على سبيل البغي منهما جميعا أولا. فإن كان الأول فالواجب في ذلك ~~أن يمشي بينهما بما يصلح ذات البين ويثمر المكافة والموادعة. فإن لم ~~يتحاجزا ولم يصطلحا وأقامتا على البغي صير إلى مقاتلتهما. وأما إن كان ~~الثاني وهو أن تكون إحداهما باغية على الأخرى، فالواجب أن تقاتل فئة البغي ~~إلى أن تكف وتتوب، فإن فعلت أصلح بينها وبين المبغي ms5796 عليها بالقسط والعدل. ~~فإن التحم القتال بينهما لشبهة دخلت عليهما وكلتاهما عند أنفسهما محقة، ~~فالواجب إزالة الشبهة بالحجة النيرة والبراهين القاطعة على مراشد الحق. فإن ~~ركبتا متن اللجاج ولم تعملا على شاكلة ما هديتا إليه ونصحتا به من اتباع ~~الحق بعد وضوحه لهما فقد لحقتا بالفئتين الباغيتين. والله أعلم. # الثالثة - في هذه الآية دليل على وجوب قتال الفئة الباغية المعلوم بغيها ~~على الامام أو على أحد من المسلمين. وعلى فساد قول من منع من قتال ~~المؤمنين، واحتج بقوله عليه السلام: [قتال المؤمن كفر]. ولو كان قتال ~~المؤمن الباغي كفرا لكان الله تعالى قد أمر بالكفر، تعالى الله عن ذلك! وقد ~~قاتل الصديق رضي الله عنه من تمسك بالاسلام وامتنع من الزكاة، وأمر ألا ~~يتبع مول، ولا يجهز على جريح، ولم تحل أموالهم، بخلاف الواجب في الكفار. ~~وقال الطبري: لو كان الواجب في كل اختلاف يكون بين الفريقين الهرب منه ~~ولزوم المنازل لما أقيم حد ولا أبطل باطل، ولوجد أهل النفاق والفجور سبيلا ~~إلى استحلال كل ما حرم الله عليهم من أموال المسلمين وسبي نسائهم وسفك ~~دمائهم، بأن يتحزبوا عليهم، ويكف المسلمون أيديهم عنهم، وذلك مخالف لقوله ~~عليه السلام: [خذوا على أيدي سفهائكم]. # الرابعة - قال القاضي أبو بكر بن العربي: هذه الآية أصل في قتال ~~المسلمين، والعمدة في حرب المتأولين، وعليها عول الصحابة، وإليها لجأ ~~الأعيان من أهل الملة، وإياها عني النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: [تقتل ~~عمارا (1) الفئة الباغية]. وقوله عليه السلام في شأن # PageV16P317 # الخوارج: [يخرجون على خير فرقة أو على حين فرقة]، والرواية الأولى أصح، ~~لقوله عليه السلام: [تقتلهم أولى الطائفتين إلى الحق]. وكان الذي قتلهم علي ~~بن أبي طالب ومن كان معه. فتقرر عند علماء المسلمين وثبت بدليل الدين أن ~~عليا رضي الله عنه كان إماما، وأن كل من خرج عليه باغ وأن قتاله واجب حتى ~~يفئ إلى الحق وينقاد إلى الصلح، لان عثمان رضي الله عنه قتل والصحابة برآء ~~من دمه، لأنه منع من قتال من ms5797 ثار عليه وقال: # لا أكون أول من خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمته بالقتل، فصبر ~~على البلاء، واستسلم للمحنة وفدى بنفسه الأمة. ثم لم يمكن ترك الناس سدي، ~~فعرضت على باقي الصحابة الذين ذكرهم [عمر] (1) في الشورى، وتدافعوها، وكان ~~علي كرم الله وجهه أحق بها وأهلها، فقبلها حوطة (2) على الأمة أن تسفك ~~دماؤها بالتهارج والباطل، أو يتخرق أمرها إلى ما لا يتحصل. # فربما تغير الدين وانقض عمود الاسلام. فلما بويع له طلب أهل الشام في شرط ~~البيعة التمكن من قتلة عثمان وأخذ القود منهم، فقال لهم علي رضي الله عنه: ~~ادخلوا في البيعة واطلبوا الحق تصلوا إليه. فقالوا: لا تستحق بيعة وقتلة ~~عثمان معك تراهم صباحا ومساء. # فكان علي في ذلك أشد رأيا وأصوب قيلا، لان عليا لو تعاطى القود منهم ~~لتعصبت لهم قبائل وصارت حربا ثالثة، فانتظر بهم أن يستوثق الامر (3) وتنعقد ~~البيعة، ويقع الطلب من الأولياء في مجلس الحكم، فيجري القضاء بالحق. # ولا خلاف بين الأمة أنه يجوز للامام تأخير القصاص إذا أدى ذلك إلى إثارة ~~الفتنة أو تشتيت الكلمة. وكذلك جرى لطلحة والزبير، فإنهما ما خلعا عليا من ~~ولاية ولا اعترضا عليه في ديانة، وإنما رأيا أن البداءة بقتل أصحاب عثمان ~~أولى. # قلت: فهذا قول في سبب الحرب الواقع بينهم. وقال جلة من أهل العلم: إن ~~الوقعة بالبصرة بينهم كانت على غير عزيمة منهم على الحرب بل فجأة، وعلى ~~سبيل دفع كل واحد من الفريقين عن أنفسهم لظنه أن الفريق الآخر قد غدر به، ~~لان الامر كان قد انتظم بينهم، # PageV16P318 # وتم الصلح والتفرق على الرضا. فخاف قتلة عثمان رضي الله عنه من التمكين ~~منهم والإحاطة بهم، فاجتمعوا وتشاوروا واختلفوا، ثم اتفقت آراؤهم على أن ~~يفترقوا فريقين، ويبدأوا بالحرب سحرة في العسكرين، وتختلف السهام بينهم، ~~ويصيح الفريق الذي في عسكر علي: # غدر طلحة والزبير، والفريق الذي في عسكر طلحة والزبير: غدر علي. فتم لهم ~~ذلك على ما دبروه، ونشبت الحرب، فكان كل فريق دافعا لمكرته ms5798 عند نفسه، ~~ومانعا من الإشاطة (1) بدمه. وهذا صواب من الفريقين وطاعة لله تعالى، إذ ~~وقع القتال والامتناع منهما على هذه السبيل. وهذا هو الصحيح المشهور. والله ~~أعلم. # الخامسة - قوله تعالى: " فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله " أمر ~~بالقتال. # وهو فرض على الكفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين، ولذلك تخلف قوم من ~~الصحابة رضي الله عنهم عن هذه المقامات، كسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن ~~عمرو ومحمد بن سلمة وغيرهم. وصوب ذلك علي بن أبي طالب لهم، واعتذر إليه كل ~~واحد منهم بعذر قبله، منه. ويروى أن معاوية رضي الله عنه لما أفضى إليه ~~الامر عاتب سعدا على ما فعل، وقال له: لم تكن ممن أصلح بين الفئتين حين ~~اقتتلا، ولا ممن قاتل الفئة الباغية. فقال له سعد: ندمت على تركي قتال ~~الفئة الباغية. فتبين أنه ليس على الكل درك (2) فيما فعل، وإنما كان تصرفا ~~بحكم الاجتهاد وإعمالا بمقتضى الشرع. والله أعلم. # السادسة - قوله تعالى: " فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل " ومن العدل في ~~صلحهم ألا يطالبون بما جرى بينهم من دم ولا مال، فإنه تلف على تأويل. وفي ~~طلبهم تنفير لهم عن الصلح واستشراء (3) في البغي. وهذا أصل في المصلحة. وقد ~~قال لسان الأمة: # إن حكمة الله تعالى في حرب الصحابة التعريف منهم لاحكام قتال أهل ~~التأويل، إذ كان أحكام قتال أهل الشرك قد عرفت على لسان الرسول صلى الله ~~عليه وسلم وفعله. # PageV16P319 # السابعة - إذا خرجت على الإمام العدل خارجة باغية ولا حجة لها، قاتلهم ~~الامام بالمسلمين كافة أو بمن فيه الكفاية، ويدعوهم قبل ذلك إلى الطاعة ~~والدخول في الجماعة، فإن أبو ا من الرجوع والصلح قوتلوا. ولا يقتل أسيرهم ~~ولا يتبع مدبرهم ولا يذفف (1) على جريحهم، ولا تسبى ذراريهم ولا أموالهم. ~~وإذا قتل العادل الباغي أو الباغي العادل وهو وليه لم يتوارثا. # ولا يرث قاتل عمدا على حال. وقيل: إن العادل يرث الباغي، قياسا على ~~القصاص. # الثامنة - وما استهلكه البغاة والخوارج من دم أو مال ms5799 ثم تابوا لم يؤاخذوا ~~به. # وقال أبو حنيفة: يضمنون. وللشافعي قولان. وجه قول أبي حنيفة أنه إتلاف ~~بعدوان فيلزم الضمان. والمعول في ذلك عندنا أن الصحابة رضي الله عنهم في ~~حروبهم لم يتبعوا مدبرا ولا ذففوا على جريح ولا قتلوا أسيرا ولا ضمنوا نفسا ~~ولا مالا، وهم القدوة. وقال ابن عمر قال النبي صلى الله عليه وسلم: [يا عبد ~~الله أتدري كيف حكم الله فيمن بغي من هذه الأمة]؟ # قال: الله ورسوله أعلم. فقال: [لا يجهز على جريحها ولا يقتل أسيرها ولا ~~يطلب هاربها ولا يقسم فيثها]. فأما ما كان قائما رد بعينه. هذا كله فيمن ~~خرج بتأويل يسوغ له. # وذكر الزمخشري في تفسيره: إن كانت الباغية من قلة العدد بحيث لا منعة لها ~~ضمنت بعد الفيئة ما جنت، وإن كانت كثيرة ذات منعة وشوكة لم تضمن، إلا عند ~~محمد بن الحسن رحمه الله فإنه كان يفتي بأن الضمان يلزمها إذا فاءت. وأما ~~قبل التجمع والتجند أو حين تتفرق عند وضع الحرب أوزارها، فما جنته ضمنته ~~عند الجميع. فحمل الاصلاح بالعدل في قوله " فأصلحوا بينهما بالعدل " على ~~مذهب محمد واضح منطبق على لفظ التنزيل. وعلى قول غيره وجهه أن يحمل على كون ~~الفئة الباغية قليلة العدد. والذي ذكروا أن الغرض إماتة لضغائن وسل الأحقاد ~~دون ضمان الجنايات، ليس بحسن الطباق المأمور به من أعمال العدل ومراعاة ~~القسط. قال الزمخشري: فإن قلت: لم قرن بالاصلاح الثاني العدل دون الأول؟ # قلت: لان المراد بالاقتتال في أول الآية أن يقتتلا باغيين أو راكبتي ~~شبهة، وأيتهما كانت # PageV16P320 # فالذي يجب على المسلمين أن يأخذوا به في شأنهما إصلاح ذات البين وتسكين ~~الدهماء بإراءة الحق والمواعظ الشافية ونفي الشبهة، إلا إذا صرنا فحينئذ ~~تجب المقاتلة، وأما الضمان فلا يتجه وليس كذلك إذا بغت إحداهما، فإن الضمان ~~متجه على الوجهين المذكورين. # التاسعة - ولو تغلبوا على بلد فأخذوا الصدقات وأقاموا الحدود، وحكموا ~~فيهم بالأحكام، لم تثن عليهم الصدقات ولا الحدود، ولا ينقص من أحكامهم إلا ~~ما كان خلافا ms5800 للكتاب أو السنة أو الاجماع، كما تنقض أحكام أهل العدل ~~والسنة، قاله مطرف وابن الماجشون. وقال ابن القاسم: لا تجوز بحال. وروى عن ~~أصبغ أنه جائز. وروى عنه أيضا أنه لا يجوز كقول ابن القاسم. وبه قال أبو ~~حنيفة، لأنه عمل بغير حق ممن لا تجوز توليته. # فلم يجز كما لو لم يكونوا بغاة. والعمدة لنا ما قدمناه من أن الصحابة رضي ~~الله عنهم، لما انجلت الفتنة وارتفع الخلاف بالهدنة والصلح، لم يعرضوا لاحد ~~منهم في حكم. قال ابن العربي: # الذي عندي أن ذلك لا يصلح، لان الفتنة لما انجلت كان الامام هو الباغي، ~~ولم يكن هناك من يعترضه. والله أعلم. # العاشرة - لا يجوز أن ينسب إلى أحد من الصحابة خطأ مقطوع به، إذ كانوا ~~كلهم اجتهدوا فيما فعلوه وأرادوا الله عز وجل، وهم كلهم لنا أئمة، وقد ~~تعبدنا بالكف عما شجر بينهم، وألا نذكرهم إلا بأحسن الذكر، لحرمة الصحبة ~~ولنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن سبهم، وأن الله غفر لهم، وأخبر بالرضا ~~عنهم. هذا مع ما قد ورد من الاخبار من طرق مختلفة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن طلحة شهيد يمشي على وجه الأرض، فلو كان ما خرج إليه من الحرب ~~عصيانا لم يكن بالقتل فيه شهيدا. وكذلك لو كان ما خرج إليه خطأ في التأويل ~~وتقصيرا في الواجب عليه، لان الشهادة لا تكون إلا بقتل في طاعة، فوجب حمل ~~أمرهم على ما بيناه. ومما يدل على ذلك ما قد صح وانتشر من أخبار علي بأن ~~قاتل الزبير في النار. وقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: [بشر ~~قاتل ابن صفية بالنار]. وإذا كان كذلك فقد ثبت أن طلحة والزبير PageV16P321 # غير عاصيين ولا آثمين بالقتال، لان ذلك لو كان كذلك لم يقل النبي صلى ~~الله عليه وسلم في طلحة: [شهيد]. ولم يخبر أن قاتل الزبير في النار. وكذلك ~~من قعد غير مخطئ في التأويل. بل صواب أراهم الله الاجتهاد. وإذا كان كذلك ~~لم يوجب ms5801 ذلك لعنهم والبراءة منهم وتفسيقهم، وإبطال فضائلهم وجهادهم، وعظيم ~~غنائهم في الدين، رضي الله عنهم. وقد سئل بعضهم عن الدماء التي أريقت فيما ~~بينهم فقال: " تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما ~~كانوا يعملون " (1) [البقرة: 141]. وسئل بعضهم عنها أيضا فقال: # تلك دماء طهر الله منها يدي، فلا أخضب بها لساني. يعني في التحرز من ~~الوقوع في خطأ، والحكم على بعضهم بما لا يكون مصيبا فيه. قال ابن فورك: ومن ~~أصحابنا من قال إن سبيل ما جرت بين الصحابة من المنازعات كسبيل ما جرى بين ~~إخوة يوسف مع يوسف، ثم إنهم لم يخرجوا بذلك عن حد الولاية والنبوة، فكذلك ~~الامر فيما جرى بين الصحابة. # وقال المحاسبي: فأما الدماء فقد أشكل علينا القول فيها باختلافهم. وقد ~~سئل الحسن البصري عن قتالهم فقال: قتال شهده أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ~~وغبنا، وعلموا وجهلنا، واجتمعوا فاتبعنا، واختلفوا فوقفنا. قال المحاسبي: ~~فنحن نقول كما قال الحسن، ونعلم أن القوم كانوا أعلم بما دخلوا فيه منا، ~~ونتبع ما اجتمعوا عليه، ونقف عندما اختلفوا فيه ولا نبتدع رأيا منا، ونعلم ~~أنهم اجتهدوا وأرادوا الله عز وجل، إذ كانوا غير متهمين في الدين، ونسأل ~~الله التوفيق. # قوله تعالى: إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ~~ترحمون (10) فيه ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " إنما المؤمنون إخوة " أي في الدين والحرمة لا في ~~النسب، ولهذا قيل: أخوة الدين أثبت من أخوة النسب، فإن أخوة النسب تنقطع ~~بمخالفة الدين، # PageV16P322 # وأخوة الدين لا تنقطع بمخالفة النسب. وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا ~~تجسسوا ولا تحسسوا ولا تناجشوا وكونوا عباد الله إخوانا] (1). وفي رواية: ~~[لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع ~~بعض وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا ~~يحقره، التقوى ها هنا - ويشير إلى صدره ثلاث مرات ms5802 - بحسب امرئ من الشر أن ~~يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه] لفظ مسلم. ~~وفي غير الصحيحين عن أبي هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم: [المسلم أخو ~~المسلم لا يظلمه ولا يعيبه ولا يخذله ولا يتطاول عليه في البنيان فيستر ~~عليه الريح إلا بإذنه ولا يؤذيه بقتار قدره إلا أن يغرف له غرفة ولا يشتري ~~لبنيه الفاكهة فيخرجون بها إلى صبيان جاره ولا يطعمونهم منها]. ثم قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: [احفظوا ولا يحفظ منكم إلا قليل]. # الثانية - قوله تعالى: " فأصلحوا بين أخويكم " أي بين كل مسلمين تخاصما. # وقيل: بين الأوس والخزرج، على ما تقدم. وقال أبو علي: أراد بالأخوين ~~الطائفتين، لان لفظ التثنية يرد والمراد به الكثرة، كقوله تعالى: " بل يداه ~~مبسوطتان " (2) [المائدة: 64]. وقال أبو عبيدة: أي أصلحوا بين كل أخوين، ~~فهو آت على الجميع. وقرأ ابن سيرين ونصر بن عاصم وأبو العالية والجحدري ~~ويعقوب " بين إخوتكم " بالتاء على الجمع. وقرأ الحسن " إخوانكم ". الباقون ~~" أخويكم " بالياء على التثنية. # الثالثة - في هذه الآية والتي قبلها دليل على أن البغي لا يزيل أسم ~~الايمان، لان الله تعالى سماهم إخوة مؤمنين مع كونهم باغين. قال الحارث ~~الأعور: سئل علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو القدوة عن قتال أهل البغي من ~~أهل الجمل وصفين: أمشركون هم؟ # PageV16P323 # قال: لا، من الشرك فروا. فقيل: أمنافقون؟ قال: لا، لان المنافقين لا ~~يذكرون الله إلا قليلا. قيل له: فما حالهم؟ قال: إخواننا بغوا علينا. # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا ~~منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا ~~بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الايمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون (11) ~~قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا ~~منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن " فيه أربع مسائل: # الأولى -: " يا أيها الذين آمنوا ms5803 لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا ~~منهم " قيل عند الله. وقيل " خيرا منهم " أي معتقدا وأسلم باطنا. والسخرية ~~الاستهزاء. سخرت منه أسخر سخرا (بالتحريك) ومسخرا وسخرا (بالضم). وحكى أبو ~~زيد سخرت به، وهو أردأ اللغتين. وقال الأخفش: سخرت منه وسخرت به، وضحكت منه ~~وضحكت به، وهزئت منه وهزئت به، كل يقال. والاسم السخرية والسخري، وقرئ بهما ~~قوله تعالى: " ليتخذ بعضهم بعضا سخريا " [الزخرف: 32] وقد تقدم (1). وفلان ~~سخرة، يتسخر في العمل. # يقال: خادم سخرة. ورجل سخرة أيضا يسخر منه. وسخرة (بفتح الخاء) يسخر من ~~الناس. # الثانية - واختلف في سبب نزولها، فقال ابن عباس: نزلت في ثابت بن قيس بن ~~شماس كان في أذنه وقر، فإذا سبقوه إلى مجلس النبي صلى الله عليه وسلم ~~أوسعوا له إذا أتى حتى يجلس إلى جنبه ليسمع ما يقول، فأقبل ذات يوم وقد ~~فاتته من صلاة الفجر ركعة مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلما انصرف النبي ~~صلى الله عليه وسلم أخذ أصحابه مجالسهم منه، # PageV16P324 # فربض كل رجل منهم بمجلسه، وعضوا (1) فيه فلا يكاد يوسع أحد لاحد حتى يظل ~~الرجل لا يجد مجلسا فيظل قائما، فلما انصرف ثابت من الصلاة تخطى رقاب الناس ~~ويقول: # تفسحوا تفسحوا، ففسحوا له حتى انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبينه ~~وبينه رجل فقال له: تفسح. فقال له الرجل: قد وجدت مجلسا فأجلس! فجلس ثابت ~~من خلفه مغضبا، ثم قال: من هذا؟ قالوا فلان، فقال ثابت: ابن فلانة! يعيره ~~بها، يعني أما له في الجاهلية، فاستحيا الرجل، فنزلت. وقال الضحاك: نزلت في ~~وفد بني تميم الذي تقدم ذكرهم في أول " السورة " استهزءوا بفقراء الصحابة، ~~مثل عمار وخباب وابن فهيرة وبلال وصهيب وسلمان وسالم مولى أبي حذيفة ~~وغيرهم، لما رأوا من رثاثة حالهم، فنزلت في الذين آمنوا منهم. # وقال مجاهد: هو سخرية الغني من الفقير. وقال ابن زيد: لا يسخر من ستر ~~الله عليه ذنوبه ممن كشفه الله، فلعل إظهار ذنوبه في الدنيا خير له في ~~الآخرة. وقيل: ms5804 نزلت في عكرمة بن أبي جهل حين قدم المدينة مسلما، وكان ~~المسلمون إذا رأوه قالوا ابن فرعون هذه الأمة. فشكا ذلك إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فنزلت. وبالجملة فينبغي ألا يجترئ أحد على الاستهزاء بمن ~~يقتحمه بعينه إذا رآه رث الحال أو ذا عاهة في بدنه أو غير لبيق (2) في ~~محادثته، فلعله أخلص ضميرا وأنقى قلبا ممن هو على ضد صفته، فيظلم نفسه ~~بتحقير من وقره الله، والاستهزاء بمن عظمه الله. ولقد بلغ بالسلف إفراط ~~توقيهم وتصونهم من ذلك أن قال عمرو بن شرحبيل: لو رأيت رجلا يرضع عنزا ~~فضحكت منه لخشيت أصنع مثل الذي صنع. وعن عبد الله بن مسعود: البلاء موكل ~~بالقول، لو سخرت من كلب لخشيت أن أحول كلبا. و " قوم " في اللغة للمذكرين ~~خاصة. قال زهير: # وما أدري وسوف إخال أدري * أقوم آل حصن أم نساء وسموا قوما لأنهم يقومون ~~مع داعيهم في الشدائد. وقيل: إنه جمع قائم، ثم استعمل في كل جماعة وإن لم ~~يكونوا قائمين. وقد يدخل في القوم النساء مجازا، وقد مضى في " البقرة " (3) ~~بيانه. # PageV16P325 # الثالثة - قوله تعالى: " ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن " أفرد ~~النساء بالذكر لان السخرية منهن أكثر. وقد قال الله تعالى: " إنا أرسلنا ~~نوحا إلى قومه " (1) [نوج: 1] فشمل الجميع. قال المفسرون: نزلت في امرأتين ~~من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم سخرتا من أم سلمة، وذلك أنها ربطت ~~خصريها بسبيبة - وهو ثوب أبيض، ومثلها السب - وسدلت طرفيها خلفها فكانت ~~تجرها، فقالت عائشة لحفصة رضي الله عنهما: أنظري! ما تجر خلفها كأنه لسان ~~كلب، فهذه كانت سخريتهما. وقال أنس وابن زيد: نزلت في نساء النبي صلى الله ~~عليه وسلم، عيرن أم سلمة بالقصر. وقيل: نزلت في عائشة، أشارت بيدها إلى أم ~~سلمة، يا نبي الله إنها لقصيرة. وقال عكرمة عن ابن عباس: إن صفية بنت حيي ~~بن أخطب أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن النساء ~~يعيرنني، ويقلن لي يا ms5805 يهودية بنت يهوديين! فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: [هلا قلت إن أبي هارون وإن عمي موسى وإن زوجي محمد]. فأنزل الله هذه ~~الآية. # الرابعة - في صحيح الترمذي عن عائشة قالت: حكيت للنبي صلى الله عليه وسلم ~~رجلا (2)، فقال: [ما يسرني أني حكيت رجلا وأن لي كذا وكذا]. قالت فقلت: يا ~~رسول الله، إن صفية امرأة - وقالت بيدها (3) - هكذا، يعني أنها قصيرة. ~~فقال: [لقد مزجت بكلمة لو مزج بها البحر لمزج]. وفي البخاري عن عبد الله بن ~~زمعة قال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يضحك الرجل مما يخرج من الأنفس. ~~وقال: [لم يضرب أحدكم امرأته ضرب الفحل ثم لعله يعانقها]. وفي صحيح مسلم عن ~~أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [إن الله لا ينظر إلى ~~صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم]. # وهذا حديث عظيم يترتب عليه ألا يقطع بعيب أحد لما يرى عليه من صور أعمال ~~الطاعة أو المخالفة، فلعل من يحافظ على الأعمال الظاهرة يعلم الله من قلبه ~~وصفا مذموما لا تصح # PageV16P326 # معه تلك الأعمال. ولعل من رأينا عليه تفريطا أو معصية يعلم الله من قلبه ~~وصفا محمودا يغفر له بسببه. فالأعمال أمارات ظنية لا أدلة قطعية. ويترتب ~~عليها عدم الغلو في تعظيم من رأينا عليه أفعالا صالحة، وعدم الاحتقار لمسلم ~~رأينا عليه أفعالا سيئة. بل تحتقر وتذم تلك الحالة السيئة، لا تلك الذات ~~المسيئة. فتدبر هذا، فإنه نظر دقيق، وبالله التوفيق. # قوله تعالى: " ولا تلمزوا أنفسكم " فيه ثلاث مسائل: # قوله تعالى: " ولا تلمزوا أنفسكم " اللمز: العيب، وقد مضى في " براءة " ~~عند قوله تعالى: " ومنهم من يلمزك في الصدقات " (1) [التوبة: 58]. وقال ~~الطبري اللمز باليد والعين واللسان والإشارة. والهمز لا يكون إلا باللسان. ~~وهذه الآية مثل قوله تعالى: " ولا تقتلوا أنفسكم " (2) [النساء: 29] أي لا ~~يقتل بعضكم بعضا، لان المؤمنين كنفس واحدة، فكأنه بقتل أخيه قاتل نفسه. ~~وكقوله تعالى: " فسلموا على أنفسكم " (3) [النور: 61] يعني يسلم بعضكم على ~~بعض. والمعنى: # لا يعب بعضكم بعضا. ms5806 وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة وسعيد بن جبير: لا يطعن ~~بعضكم على بعض. وقال الضحاك: لا يلعن بعضكم بعضا. وقرئ: " ولا تلمزوا " ~~بالضم. # وفي قوله " أنفسكم " تنبيه على أن العاقل لا يعيب نفسه، فلا ينبغي أن ~~يعيب غيره لأنه كنفسه، قال صلى الله عليه وسلم: [المؤمنون كجسد واحد إن ~~اشتكى عضو منه تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى]. وقال بكر بن عبد الله ~~المزني: إذا أردت أن تنظر العيوب جمة فتأمل عيابا، فإنه إنما يعيب الناس ~~بفضل ما فيه من العيب. وقال صلى الله عليه وسلم: # [يبصر أحدكم القذاة (4) في عين أخيه ويدع الجذع في عينه] وقيل: من سعادة ~~المرء أن يشتغل بعيوب نفسه عن عيوب غيره. قال الشاعر: # المرء إن كان عاقلا ورعا * أشغله عن عيوبه ورعه كما السقيم المريض يشغله ~~* عن وجع الناس كلهم وجعه # PageV16P327 # وقال آخر: # لا تكشفن (1) مساوي الناس ما ستروا * فيهتك الله سترا عن مساويكا واذكر ~~محاسن ما فيهم إذا ذكروا * ولا تعب أحدا منهم بما فيكا الثانية - قوله ~~تعالى: " ولا تنابزوا بالألقاب " النبز (بالتحريك) اللقب، والجمع الأنباز. ~~والنبز (بالتسكين) المصدر، تقول: نبزه ينبزه نبزا، أي لقبه. وفلان ينبز ~~بالصبيان أي يلقبهم، شدد للكثرة. ويقال النبز والنزب لقب السوء. وتنابزوا ~~بالألقاب: # أي لقب بعضهم بعضا. وفي الترمذي عن أبي جبيرة بن الضحاك قال: كان الرجل ~~منا يكون له الاسمين والثلاثة فيدعي ببعضها فعسى أن يكره، فنزلت هذه الآية ~~" ولا تنابزوا بالألقاب ". قال: هذا حديث حسن. وأبو جبيرة هذا هو أخو ثابت ~~بن الضحاك بن خليفة الأنصاري. وأبو زيد (2) سعيد بن الربيع صاحب الهروي ~~ثقة. وفي مصنف أبي داود عنه قال: فينا نزلت هذه الآية، في بني سلمة " ولا ~~تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الايمان " قال: قدم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وليس منا رجل إلا وله اسمان أو ثلاثة، فجعل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول يا فلان فيقولون مه يا رسول الله، إنه يغضب من هذا ~~الاسم، فنزلت هذه الآية " ولا ms5807 تنابزوا بالألقاب ". فهذا قول. وقول ثان - ~~قال الحسن ومجاهد: كان الرجل يعير بعد إسلامه بكفره يا يهودي يا نصراني، ~~فنزلت. # وروي عن قتادة وأبي العالية وعكرمة. وقال قتادة: هو قول الرجل للرجل يا ~~فاسق يا منافق. # وقاله مجاهد والحسن أيضا. " بئس الاسم الفسوق بعد الايمان " أي بئس أن ~~يسمى الرجل كافرا أو زانيا بعد إسلامه وتوبته، قاله ابن زيد. وقيل: المعنى ~~أن من لقب أخاه أو سخر منه فهو فاسق. وفي الصحيح [من قال لأخيه يا كافر فقد ~~باء بها أحدهما إن كان كما قال وإلا رجعت عليه]. فمن فعل ما نهى الله عنه ~~من السخرية والهمز والنبز فذلك فسوق، وذلك لا يجوز. وقد روي أن أبا ذر رضي ~~الله عنه كان عند النبي صلى الله عليه وسلم فنازعه # PageV16P328 # رجل فقال له أبو ذر: يا ابن اليهودية! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~[ما ترى ها هنا أحمر وأسود ما أنت بأفضل منه] يعني بالتقوى، ونزلت " ولا ~~تنابزوا بالألقاب ". وقال ابن عباس: # التنابز بالألقاب أن يكون الرجل قد عمل السيئات ثم تاب، فنهى الله أن ~~يعير بما سلف. # يدل عليه ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [من عير مؤمنا بذنب ~~تاب منه كان حقا على الله أن يبتليه به ويفضحه فيه في الدنيا والآخرة]. # الثالثة - وقع من ذلك مستثني من غلب عليه الاستعمال كالأعرج والأحدب ولم ~~يكن له فيه كسب يجد في نفسه منه عليه، فجوزته الأمة واتفق على قوله أهل ~~الملة. قال ابن العربي: وقد ورد لعمر الله من ذلك في كتبهم ما لا أرضاه في ~~صالح (1) جزرة، لأنه صحف " خرزة " فلقب بها. وكذلك قولهم في محمد بن سليمان ~~الحضرمي: مطين، لأنه وقع في طين. # ونحو ذلك مما غلب على المتأخرين، ولا أراه سائغا في الدين. وقد كان موسى ~~بن علي بن رباح المصري يقول: لا أجعل أحدا صغر أسم أبي [في حل]، وكان ~~الغالب على اسمه التصغير بضم العين. والذي يضبط هذا كله، أن كل ms5808 ما يكرهه ~~الانسان إذا نودي به فلا يجوز لأجل الإذاية. والله أعلم. # قلت - وعلى هذا المعنى ترجم البخاري رحمه الله في (كتاب الأدب) من الجامع ~~الصحيح. في (باب ما يجوز من ذكر الناس نحو قولهم الطويل والقصير لا يراد به ~~شين الرجل) قال: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: [ما يقول ذو اليدين] قال ~~أبو عبد الله بن خويز منداد: تضمنت الآية المنع من تلقيب الانسان بما يكره، ~~ويجوز تلقيبه بما يحب، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم لقب عمر ~~بالفاروق، وأبا بكر بالصديق، وعثمان بذي النورين، وخزيمة بذي الشهادتين، ~~وأبا هريرة بذي الشمالين وبذي اليدين، في أشباه ذلك. # PageV16P329 # الزمخشري: " روي عن النبي صلى الله عليه وسلم [من حق المؤمن على المؤمن ~~أن يسميه بأحب أسمائه إليه]. ولهذا كانت التكنية من السنة والأدب الحسن، ~~قال عمر رضي الله عنه: أشيعوا الكنى فإنها منبهة. ولقد لقب أبو بكر بالعتيق ~~والصديق، وعمر بالفاروق، وحمزة بأسد الله، وخالد بسيف الله. وقل من ~~المشاهير في الجاهلية والاسلام من ليس له لقب. ولم تزل هذه الألقاب الحسنة ~~في الأمم كلها - من العرب والعجم - تجري في مخاطباتهم ومكاتباتهم من غير ~~نكير ". قال الماوردي: فأما مستحب الألقاب ومستحسنها فلا يكره. وقد وصف ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عددا من أصحابه بأوصاف صارت لهم من أجل ~~الألقاب. # قلت - فأما ما يكون ظاهرها الكراهة إذا أريد بها الصفة لا العيب فذلك ~~كثير. # وقد سئل عبد الله بن المبارك عن الرجل يقول: حميد الطويل، وسليمان ~~الأعمش، وحميد الأعرج، ومروان الأصغر، فقال: إذا أردت صفته ولم ترد عيبه ~~فلا بأس به. وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن سرجس قال: رأيت الأصلع - يعني ~~عمر - يقبل الحجر. في رواية الأصيلع. # قوله تعالى: " ومن لم يتب " أي عن هذه الألقاب التي يتأذى بها السامعون. # " فأولئك هم الظالمون " لأنفسهم بارتكاب هذه المناهي. # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ~~ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم ms5809 بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه ~~واتقوا الله إن الله تواب رحيم (12) فيه عشر مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن " ~~قيل: إنها نزلت في رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم اغتابا ~~رفيقهما. وذلك أن النبي صلى PageV16P330 # الله عليه وسلم كان إذا سافر ضم الرجل المحتاج إلى الرجلين الموسرين ~~فيخدمهما. فضم سلمان إلى رجلين، فتقدم سلمان إلى المنزل فغلبته عيناه فنام ~~ولم يهئ لهما شيئا، فجاءا فلم يجدا طعاما وإداما، فقالا له: انطلق فاطلب ~~لنا من النبي صلى الله عليه وسلم طعاما وإداما، فذهب فقال له النبي صلى ~~الله عليه وسلم: [اذهب إلى أسامة بن زيد فقل له إن كان عندك فضل من طعام ~~فليعطك] وكان أسامة خازن النبي صلى الله عليه وسلم، فذهب إليه، فقال أسامة: # ما عندي شئ، فرجع إليهما فأخبرهما، فقالا: قد كان عنده ولكنه بخل. ثم ~~بعثا سلمان إلى طائفة من الصحابة فلم يجد عندهم شيئا، فقالا: لو بعثنا ~~سلمان إلى بئر سميحة (1) لغار ماؤها. ثم انطلقا يتجسسان هل عند أسامة شئ، ~~فرأهما النبي صلى الله عليه وسلم فقال: # [مالي أرى خضرة اللحم في أفواهكما] فقالا: يا نبي الله، والله ما أكلنا ~~في يومنا هذا لحما ولا غيره. فقال: [ولكنكما ظلتما تأكلان لحم سلمان ~~وأسامة] فنزلت " يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن ~~إثم " ذكره الثعلبي. أي لا تظنوا بأهل الخير سوءا إن كنتم تعلمون من ظاهر ~~أمرهم الخير. # الثانية - ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # [إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تناجشوا ~~ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا] لفظ ~~البخاري. قال علماؤنا: فالظن هنا وفي الآية هو التهمة. ومحل التحذير والنهي ~~إنما هو تهمة لا سبب لها يوجبها، كمن يتهم بالفاحشة أو بشرب الخمر مثلا ولم ~~يظهر عليه ما يقتضي ذلك. ودليل كون الظن هنا ms5810 بمعنى التهمة قول تعالى: " ولا ~~تجسسوا " وذلك أنه قد يقع له خاطر التهمة ابتداء ويريد أن يتجسس خبر ذلك ~~ويبحث عنه، ويتبصر ويستمع لتحقق ما وقع له من تلك التهمة. # فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. وإن شئت قلت: والذي يميز الظنون ~~التي يجب اجتنابها عما سواها، أن كل ما لم تعرف له أمارة صحيحة وسبب ظاهر ~~كان حراما واجب الاجتناب. # PageV16P331 # وذلك إذا كان المظنون به ممن شوهد منه الستر والصلاح، وأونست منه الأمانة ~~في الظاهر، فظن الفساد به والخيانة محرم، بخلاف من اشتهره الناس بتعاطي ~~الريب والمجاهرة بالخبائث. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم [أن الله حرم من المسلم دمه وعرضه وأن يظن ~~به ظن السوء]. # وعن الحسن: كنا في زمن الظن بالناس فيه حرام، وأنت اليوم في زمن اعمل ~~واسكت وظن في الناس ما شئت. # الثالثة - للظن حالتان: حالة تعرف وتقوى بوجه من وجوه الأدلة فيجوز الحكم ~~بها، وأكثر أحكام الشريعة مبنية على غلبة الظن، كالقياس وخبر الواحد وغير ~~ذلك من قيم المتلفات وأروش الجنايات. والحالة الثانية - أن يقع في النفس شئ ~~من غير دلالة فلا يكون ذلك أولى من ضده، فهذا هو الشك، فلا يجوز الحكم به، ~~وهو المنهي عنه على ما قررناه آنفا. وقد أنكرت جماعة من المبتدعة تعبد الله ~~بالظن وجواز العمل به، تحكما في الدين ودعوى في المعقول. وليس في ذلك أصل ~~يعول عليه، فإن البارئ تعالى لم يذم جميعه، وإنما أورد الذم في بعضه. وربما ~~تعلقوا بحديث أبي هريرة [إياكم والظن] فإن هذا لا حجة فيه، لان الظن في ~~الشريعة قسمان: محمود ومذموم، فالمحمود منه ما سلم معه دين الظان والمظنون ~~به عند بلوغه. والمذموم ضده، بدلالة قوله تعالى: " إن بعض الظن إثم "، ~~وقوله: " لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا " (1) ~~[النور: 12]، وقوله: " وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا " (2) [الفتح: 12] ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم: [إذا كان أحدكم مادحا أخاه فليقل أحسب كذا ~~ولا أزكي على الله أحدا]. وقال: ms5811 [إذا ظننت فلا تحقق وإذا حسدت فلا تبغ وإذا ~~تطيرت فامض] خرجه أبو داود. وأكثر العلماء على أن الظن القبيح بمن ظاهره ~~الخير لا يجوز، وأنه لا حرج في الظن القبيح بمن ظاهره القبح، قاله المهدوي. # الرابعة - قوله تعالى: " ولا تجسسوا قرأ أبو رجاء والحسن باختلاف وغيرهما ~~" ولا تحسسوا " بالحاء. واختلف هل هما بمعنى واحد أو بمعنيين، فقال الأخفش: ~~ليس # PageV16P332 # تبعد إحداهما من الأخرى، لان التجسس البحث عما يكتم عنك. والتحسس ~~[بالحاء] طلب الاخبار والبحث عنها. وقيل: إن التجسس [بالجيم] هو البحث، ~~ومنه قيل: # رجل جاسوس إذا كان يبحث عن الأمور. وبالحاء: هو ما أدركه الانسان ببعض ~~حواسه. # وقول ثان في الفرق: أنه بالحاء تطلبه لنفسه، وبالجيم أن يكون رسولا ~~لغيره، قاله ثعلب. # والأول أعرف. جسست الاخبار وتجسستها أي تفحصت عنها، ومنه الجاسوس. ومعنى ~~الآية: خذوا ما ظهر ولا تتبعوا عورات المسلمين، أي لا يبحث أحدكم عن عيب ~~أخيه حتى يطلع عليه بعد أن ستره الله. وفي كتاب أبى داود عن معاوية قال ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: [إنك إن اتبعت عورات الناس ~~أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم] فقال أبو الدرداء: كلمة سمعها معاوية من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم نفعه الله تعالى بها. # وعن المقدام بن معدي يكرب عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~[إن الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس أفسدهم]. وعن زيد بن وهب قال: أتي ~~ابن مسعود فقيل: هذا فلان تقطر لحيته خمرا. فقال عبد الله: إنا قد نهينا عن ~~التجسس، ولكن إن يظهر لنا شئ نأخذ به. وعن أبي برزة الأسلمي قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # [يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الايمان قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا ~~تتبعوا عوراتهم، فإن من اتبع عوراتهم يتبع الله عورته ومن يتبع الله عورته ~~يفضحه في بيته]. وقال عبد الرحمن ابن عوف: حرست ليلة مع عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه بالمدينة إذ تبين لنا سراج ms5812 في بيت بابه مجاف على قوم لهم أصوات ~~مرتفعة ولغط، فقال عمر: هذا بيت ربيعة بن أمية بن خلف، وهم الآن شرب فما ~~ترى!؟ قلت: أرى أنا قد أتينا ما نهى الله عنه، قال الله تعالى: # " ولا تجسسوا " وقد تجسسنا، فانصرف عمر وتركهم. وقال أبو قلابة: حدث عمر ~~ابن الخطاب أن أبا محجن الثقفي يشرب الخمر مع أصحاب له في بيته، فانطلق عمر ~~حتى دخل عليه، فإذا ليس عنده إلا رجل، فقال أبو محجن: إن هذا لا يحل لك! قد ~~نهاك الله عن التجسس، فخرج عمر وتركه. وقال زيد بن أسلم: خرج عمر وعبد ~~الرحمن يعسان، PageV16P333 # إذ تبينت لهما نار فاستأذنا ففتح الباب، فإذا رجل وامرأة تغني وعلى يد ~~الرجل قدح، فقال عمر: وأنت بهذا يا فلان؟ فقال: وأنت بهذا يا أمير ~~المؤمنين! قال عمر: فمن هذه منك؟ # قال امرأتي، قال فما في هذا القدح؟ قال ماء زلال، فقال للمرأة: وما الذي ~~تغنين؟ فقالت: # تطاول هذا الليل واسود جانبه * وأرقني أن لا خليل ألاعبه فوالله لولا ~~الله أني أراقبه * لزعزع من هذا السرير جوانبه ولكن عقلي والحياء يكفني * ~~وأكرم بعلي أن تنال مراكبه ثم قال الرجل: ما بهذا أمرنا يا أمير المؤمنين! ~~قال الله تعالى: " ولا تجسسوا ". # قال صدقت. # قلت: لا يفهم من هذا الخبر أن المرأة كانت غير زوجة الرجل، لان عمر لا ~~يقر على الزنى، وإنما غنت بتلك الأبيات تذكارا لزوجها، وأنها قالتها في ~~مغيبه عنها (1). والله أعلم. وقال عمرو بن دينار: كان رجل من أهل المدينة ~~له أخت فاشتكت، فكان يعودها فماتت فدفنها. # فكان هو الذي نزل في قبرها، فسقط من كمه كيس فيه دنانير، فاستعان ببعض ~~أهله فنبشوا قبرها فأخذ الكيس ثم قال: لأكشفن حتى أنظر ما آل حال أختي ~~إليه، فكشف عنها فإذا القبر مشتعل نارا، فجاء إلى أمه فقال: أخبريني ما كان ~~عمل أختي؟ فقالت: قد ماتت أختك فما سؤالك عن عملها! فلم يزل بها حتى قالت ~~له: كان من عملها أنها كانت تؤخر ms5813 الصلاة عن مواقيتها، وكانت إذا نام ~~الجيران قامت إلى بيوتهم فألقمت أذنها أبوابهم، فتجسس عليهم وتخرج أسرارهم، ~~فقال: بهذا هلكت! # الخامسة - قوله تعالى: " ولا يغتب بعضكم بعضا " نهى عز وجل عن الغيبة، ~~وهي أن تذكر الرجل بما فيه، فإن ذكرته بما ليس فيه فهو البهتان. ثبت معناه ~~في صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [أتدرون ~~ما الغيبة]؟ قالوا: # الله ورسوله أعلم. قال: [ذكرك أخاك بما يكره] قيل: أفرأيت إن كان في أخي ~~ما أقول؟ # PageV16P334 # قال: [إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه فقد بهته]. يقال: ~~اغتابه اغتيابا إذا وقع فيه، والاسم الغيبة، وهي ذكر العيب بظهر الغيب. (1) ~~قال الحسن: الغيبة ثلاثة أوجه كلها في كتاب الله تعالى: الغيبة والإفك ~~والبهتان. فأما الغيبة فهو أن تقول في أخيك ما هو فيه. # وأما الإفك فأن تقول فيه ما بلغك عنه. وأما البهتان فأن تقول فيه ما ليس ~~فيه. وعن شعبة قال: قال لي معاوية - يعني ابن قرة -: لو مر بك رجل أقطع، ~~فقلت هذا أقطع كان غيبة. قال شعبة: فذكرته لأبي إسحاق فقال صدق. وروى أبو ~~هريرة أن الأسلمي ما عزا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فشهد على نفسه ~~بالزنى فرجمه رسول الله صلى الله عليه وسلم. # فسمع نبي الله صلى الله عليه وسلم رجلين من أصحابه يقول أحدهما للآخر: ~~انظر إلى هذا الذي ستر الله عليه فلم تدعه نفسه حتى رجم رجم الكلب، فسكت ~~عنهما. ثم سار ساعة حتى مر بجيفة حمار شائل برجله فقال: [أين فلان وفلان]؟ ~~فقالا: نحن ذا يا رسول الله، قال: [انزلا فكلا من جيفة هذا الحمار] فقالا: ~~يا نبي الله ومن يأكل من هذا! قال: # [فما نلتما من عرض أخيكما أشد من الاكل منه والذي نفسي بيده إنه الآن لفي ~~أنهار الجنة ينغمس فيها]. # السادسة - قوله تعالى: " أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا " مثل الله ~~الغيبة بأكل الميتة، لان الميت لا يعلم ms5814 بأكل لحمه كما أن الحي لا يعلم ~~بغيبة من اغتابه. وقال ابن عباس: إنما ضرب الله هذا المثل للغيبة لان أكل ~~لحم الميت حرام مستقذر، وكذا الغيبة حرام في الدين وقبيح في النفوس. وقال ~~قتادة: كما يمتنع أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا كذلك يجب أن يمتنع من غيبته ~~حيا. واستعمل أكل اللحم مكان الغيبة لان عادة العرب بذلك جارية. قال ~~الشاعر: # فإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم * وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا (2) # PageV16P335 # وقال صلى الله عليه وسلم: [ما صام من ظل يأكل لحوم الناس]. فشبه الوقيعة ~~في الناس بأكل لحومهم. فمن تنقص مسلما أو ثلم عرضه فهو كالآكل لحمه حيا، ~~ومن اغتابه فهو كالآكل لحمه ميتا. وفي كتاب أبي داود عن أنس بن مالك قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من ~~نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم فقلت من هؤلاء يا جبريل؟ قال هؤلاء الذين ~~يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم]. وعن المستورد أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: [من أكل برجل مسلم أكلة فإن الله يطعمه مثلها من جهنم ومن ~~كسي ثوبا برجل مسلم فإن الله يكسوه مثله من جهنم ومن أقام برجل مقام سمعة ~~ورياء فإن الله يقوم به مقام سمعة ورياء يوم القيامة]. وقد تقدم قوله صلى ~~الله عليه وسلم: [يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الايمان قلبه لا تغتابوا ~~المسلمين]. وقوله للرجلين: [مالي أرى خضرة اللحم في أفواهكما]. وقال أبو ~~قلابة الرقاشي: سمعت أبا عاصم يقول: ما اغتبت أحدا مذ عرفت ما في الغيبة. ~~وكان ميمون بن سياه لا يغتاب أحدا، ولا يدع أحدا يغتاب أحدا عنده، ينهاه ~~فإن انتهى وإلا قام. وذكر الثعلبي من حديث أبي هريرة قال: قام رجل من عند ~~النبي صلى الله عليه وسلم فرأوا في قيامه عجزا فقالوا: يا رسول الله ما ~~أعجز فلانا! فقال: [أكلتم لحم أخيكم واغتبتموه]. وعن سفيان الثوري قال: # أدنى الغيبة أن تقول إن فلانا جعد ms5815 قطط (1)، إلا أنه يكره ذلك. وقال عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه: إياكم وذكر الناس فإنه داء، وعليكم بذكر الله فإنه ~~شفاء. وسمع علي بن الحسين رضي الله عنهما رجلا يغتاب آخر، فقال: إياك ~~والغيبة فإنها إدام كلاب الناس. وقيل لعمرو بن عبيد: لقد وقع فيك فلان حتى ~~رحمناك، قال: إياه فارحموا. وقال رجل للحسن: بلغني أنك تغتابني! فقال: لم ~~يبلغ قدرك عندي أن أحكمك في حسناتي. # PageV16P336 # السابعة - ذهب قوم إلى أن الغيبة لا تكون إلا في الدين ولا تكون في ~~الخلقة والحسب. وقالوا: ذلك فعل الله به. وذهب آخرون إلى عكس هذا فقالوا: ~~لا تكون الغيبة إلا في الخلق والخلق والحسب. والغيبة في الخلق أشد، لان من ~~عيب صنعة فإنما عيب صانعها. وهذا كله مردود. أما الأول فيرده حديث عائشة ~~حين قالت في صفية: إنها امرأة قصيرة، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: ~~[لقد قلت كلمة لو مزج بها البحر لمزجته]. خرجه أبو داود. وقال فيه الترمذي: ~~حديث حسن صحيح، وما كان في معناه حسب ما تقدم. وإجماع العلماء قديما على أن ~~ذلك غيبة إذا أريد به العيب. وأما الثاني فمردود أيضا عند جميع العلماء، ~~لان العلماء من أول الدهر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين ~~بعدهم لم تكن الغيبة عندهم في شئ أعظم من الغيبة في الدين، لان عيب الدين ~~أعظم العيب، فكل مؤمن يكره أن يذكر في دينه أشد مما يكره في بدنه. # وكفى ردا لمن قال هذا القول قوله عليه السلام: [إذا قلت في أخيك ما يكره ~~فقد اغتبته...] الحديث. فمن زعم أن ذلك ليس بغيبة فقد رد ما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم نصا. وكفى بعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: [دماؤكم ~~وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام] وذلك عام للدين والدنيا. وقول النبي صلى ~~الله عليه وسلم: [من كانت عنده لأخيه مظلمة في عرضه أو ماله فليتحلله منه]. ~~فعم كل عرض، فمن خص من ذلك شيئا دون شئ فقد عارض ms5816 ما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم. # الثامنة - لا خلاف أن الغيبة من الكبائر، وأن من اغتاب أحدا عليه أن يتوب ~~إلى الله عز وجل. وهل يستحل المغتاب؟ اختلف فيه، فقالت فرقة: ليس عليه ~~استحلاله، وإنما هي خطيئة بينه وبين ربه. واحتجت بأنه لم يأخذ من ماله ولا ~~أصاب من بدنه ما ينقصه، فليس ذلك بمظلمة يستحلها منه، وإنما المظلمة ما ~~يكون منه البدل والعوض في المال والبدن. وقالت فرقة: هي مظلمة، وكفارتها ~~الاستغفار لصاحبها الذي اغتابه. # واحتجت بحديث يروي عن الحسن قال: كفارة الغيبة أن تستغفر لمن اغتبته. ~~وقالت فرقة: # هي مظلمة وعليه الاستحلال منها. واحتجت بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ~~[من كانت PageV16P337 # لأخيه عنده مظلمة في عرض أو مال فليتحلله منه من قبل أن يأتي يوم ليس ~~هناك دينار ولا درهم يؤخذ من حسناته فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات ~~صاحبه فزيد على سيئاته]. # خرجه البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال قال وسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # [من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شئ فليتحلله منه اليوم قبل ألا يكون ~~له دينار ولا درهم إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم يكن له ~~حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه]. وقد تقدم هذا المعنى في سورة " آل ~~عمران " عند قوله تعالى: # " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء " (1) [آل عمران: ~~169]. وقد روي من حديث عائشة أن امرأة دخلت عليها فلما قامت قالت امرأة: ما ~~أطول ذيلها! فقالت لها عائشة: لقد اغتبتيها فاستحليها. فدلت الآثار عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنها مظلمة يجب على المغتاب استحلالها. # وأما قول من قال: إنما الغيبة في المال والبدن، فقد أجمعت العلماء على أن ~~على القاذف للمقذوف مظلمة يأخذه بالحد حتى يقيمه عليه، وذلك ليس في البدن ~~ولا في المال، ففي ذلك دليل على أن الظلم في العرض والبدن والمال، وقد قال ~~الله تعالى في القاذف: ms5817 " فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم ~~الكاذبون " (2) [النور: 13]. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [من بهت ~~مؤمنا بما ليس فيه حبسه الله في طينة الخبال] (3). وذلك كله في غير المال ~~والبدن. وأما من قال: إنها مظلمة، وكفارة المظلمة أن يستغفر لصاحبها، فقد ~~ناقض إذ سماها مظلمة ثم قال كفارتها أن يستغفر لصاحبها، لان قوله مظلمة ~~تثبت ظلامة المظلوم، فإذا ثبتت الظلامة لم يزلها عن الظالم إلا إحلال ~~المظلوم له. وأما قول الحسن فليس بحجة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~[من كانت له عند أخيه مظلمة في عرض أو مال فليتحللها منه]. # وقد ذهب بعضهم إلى ترك التحليل لمن سأله، ورأى أنه لا يحل ما حرم الله ~~عليه، منهم سعيد بن المسيب قال: لا أحلل من ظلمني. وقيل لابن سيرين: يا أبا ~~بكر، هذا رجل # PageV16P338 # سألك أن تحلله من مظلمة هي لك عنده، فقال: إني لم أحرمها عليه فأحلها، إن ~~الله حرم الغيبة عليه، وما كنت لأحل ما حرم الله عليه أبدا. وخبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم يدل على التحليل، وهو الحجة والمبين. والتحليل يدل على ~~الرحمة وهو من وجه العفو، وقد قال تعالى: # " فمن عفا وأصلح فأجره على الله " (1) [الشورى: 40]. # التاسعة - ليس من هذا الباب غيبة الفاسق المعلن به المجاهر، فإن في الخبر ~~[من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له]. وقال صلى الله عليه وسلم: [اذكروا ~~الفاجر بما فيه كي يحذره الناس]. فالغيبة إذا في المرء الذي يستر نفسه. ~~وروي عن الحسن أنه قال: ثلاثة ليست لهم حرمة: صاحب الهوى، والفاسق المعلن، ~~والامام الجائر. وقال الحسن لما مات الحجاج: اللهم أنت أمته فاقطع عنا سنته ~~- وفي رواية شينه - فإنه أتانا أخيفش أعيمش، يمد بيد قصيرة البنان، والله ~~ما عرق فيها غبار في سبيل الله، يرجل جمته ويخطر في مشيته، ويصعد المنبر ~~فيهدر حتى تفوته الصلاة. لا من الله يتقي، ولا من الناس يستحي، فوقه الله ~~وتحته مائة ألف أو يزيدون، لا يقول له قائل: ms5818 الصلاة أيها الرجل. ثم يقول ~~الحسن: # هيهات! حال دون ذلك السيف والسوط. وروى الربيع بن صبيح عن الحسن قال: ليس ~~لأهل البدع غيبة. وكذلك قولك للقاضي تستعين به على أخذ حقك ممن ظلمك فتقول: # فلان ظلمني أو غضبني أو خانني أو ضربني أو قذفني أو أساء إلي، ليس بغيبة. ~~وعلماء الأمة على ذلك مجمعة. وقال النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك: [لصاحب ~~الحق مقال]. # وقال: [مطل الغني ظلم] وقال: [لي الواجد (2) يحل عرضه وعقوبته]. ومن ذلك ~~الاستفتاء، كقول هند للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أبا سفيان رجل شحيح لا ~~يعطيني ما يكفيني أنا وولدي، فآخذ من غير علمه؟ فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: [نعم فخذي]. # فذكرته بالشح والظلم لها ولولدها، ولم يرها مغتابة، لأنه لم يغير عليها، ~~بل أجابها عليه الصلاة والسلام بالفتيا لها. وكذلك إذا كان في ذكره بالسوء ~~فائدة، كقوله صلى الله عليه وسلم: # PageV16P339 # [أما معاوية فصعلوك لا مال له وأما أبو جهم (1) فلا يضع عصاه عن عاتقه]. ~~فهذا جائز، وكان مقصوده ألا تغتر فاطمة بنت قيس (2) بهما. قال جميعه ~~المحاسبي رحمه الله. # العاشرة - قول تعالى: " ميتا " وقرئ " ميتا " وهو نصب على الحال من ~~اللحم. # ويجوز أن ينصب على الأخ، ولما قررهم عز وجل بأن أحدا منهم لا يجب أكل ~~جيفة أخيه عقب ذلك بقوله تعالى: " فكرهتموه " وفيه وجهان: أحدهما - فكرهتم ~~أكل الميتة فكذلك فاكرهوا الغيبة، روي معناه عن مجاهد. الثاني - فكرهتم أن ~~يغتابكم الناس فاكرهوا غيبة الناس. وقال الفراء: أي فقد كرهتموه فلا ~~تفعلوه. وقيل: لفظه خبر ومعناه أمر، أي اكرهوه. " اتقوا الله " عطف عليه. ~~وقيل: عطف على قوله: " اجتنبوا. # ولا تجسسوا ". " إن الله تواب رحيم ". # قوله تعالى: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا ~~وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير (13) فيه سبع ~~مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى " يعني ~~آدم وحواء. # ونزلت الآية في أبي هند، ذكره أبو داود ms5819 في (المراسيل)، حدثنا عمرو بن ~~عثمان وكثير بن عبيد قالا حدثنا بقية بن الوليد قال حدثني الزهري قال: أمر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بني بياضة أن يزوجوا أبا هند امرأة منهم، ~~فقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: نزوج # PageV16P340 # بناتنا موالينا؟ فأنزل الله عز وجل: " إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم ~~شعوبا " الآية. قال الزهري: نزلت في أبي هند خاصة. وقيل: إنها نزلت في ثابت ~~بن قيس بن شماس. وقوله في الرجل الذي لم يتفسح له: ابن فلانة، فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: # [من الذاكر فلانة]؟ قال ثابت: أنا يا رسول الله، فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: [انظر في وجوه القوم] فنظر، فقال: [ما رأيت]؟ قال رأيت أبيض ~~وأسود وأحمر، فقال: # [فإنك لا تفضلهم إلا بالتقوى] فنزلت في ثابت هذه الآية. ونزلت في الرجل ~~الذي لم يتفسح له: " يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس " ~~(1) [المجادلة: 11] الآية. قال ابن عباس: # لما كان يوم فتح مكة أمر النبي صلى الله عليه وسلم بلالا حتى علا على ظهر ~~الكعبة فأذن، فقال عتاب بن أسيد بن أبي العيص: الحمد لله الذي قبض أبي حتى ~~لا يرى هذا اليوم. وقال الحارث بن هشام: ما وجد محمد غير هذا الغراب الأسود ~~مؤذنا. وقال سهيل بن عمرو: # إن يرد الله شيئا يغيره. وقال أبو سفيان: إني لا أقول شيئا أخاف أن يخبر ~~به رب السماء، فأتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بما قالوا، ~~فدعاهم وسألهم عما قالوا فأقروا، فأنزل الله تعالى هذه الآية. زجرهم عن ~~التفاخر بالأنساب، والتكاثر بالأموال، والازدراء بالفقراء، فإن المدار على ~~التقوى. أي الجميع من آدم وحواء، إنما الفضل بالتقوى. وفي الترمذي عن ابن ~~عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب بمكة فقال: [يا أيها الناس إن ~~الله قد أذهب عنكم عيبة الجاهلية وتعاظمها بآبائها. فالناس رجلان: رجل بر ~~تقي كريم على الله، وفاجر شقي هين على الله. # والناس بنو آدم وخلق ms5820 الله آدم من تراب قال الله تعالى: " يا أيها الناس ~~إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند ~~الله أتقاكم إن الله عليم خبير "]. # خرجه من حديث عبد الله بن جعفر والد علي بن المديني وهو ضعيف، ضعفه يحيى ~~بن معين وغيره. وقد خرج الطبري في كتاب [آداب النفوس] وحدثني يعقوب بن ~~إبراهيم قال حدثنا إسماعيل قال حدثنا سعيد الجريري عن أبي نضرة قال: حدثني ~~أو حدثنا من # PageV16P341 # شهد خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى في وسط أيام التشريق وهو على ~~بعير فقال: # [يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد وإن أباكم واحد ألا لا فضل لعربي على ~~عجمي ولا عجمي على عربي ولا لأسود على أحمر ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى ~~ألا هل بلغت؟ - قالوا نعم قال - ليبلغ الشاهد الغائب]. وفيه عن أبو مالك ~~الأشعري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [إن الله لا ينظر إلى ~~أحسابكم ولا إلى أنسابكم ولا إلى أجسامكم ولا إلى أموالكم ولكن ينظر إلى ~~قلوبكم فمن كان له قلب صالح تحنن الله عليه وإنما أنتم بنو آدم وأحبكم إليه ~~أتقاكم]. # ولعلي رضي الله عنه في هذا المعنى وهو مشهور من شعره: # الناس من جهة التمثيل أكفاء * أبوهم آدم والام حواء نفس كنفس وأرواح ~~مشاكلة * وأعظم خلقت فيهم وأعضاء فإن يكن لهم من أصلهم حسب * يفاخرون به ~~فالطين والماء ما الفضل إلا لأهل العلم إنهم * على الهدى لمن استهدى أدلاء ~~وقدر كل امرئ ما كان يحسنه * وللرجال على الافعال سيماء وضد كل امرئ ما كان ~~يجهله * والجاهلون لأهل العلم أعداء الثانية - بين الله تعالى في هذه الآية ~~أنه خلق الخلق من الذكر والأنثى، وكذلك في أول سورة " النساء " (1). ولو ~~شاء لخلقه دونهما كخلقه لآدم، أو دون ذكر كخلقه لعيسى عليه السلام، أو دون ~~أنثى كخلقه حواء من إحدى الجهتين. وهذا الجائز في القدرة لم يرد به الوجود. ~~وقد جاء أن آدم خلق الله منه حواء من ms5821 ضلع انتزعها من أضلاعه، فلعله هذا ~~القسم، قاله ابن العربي. # الثالثة - خلق الله الخلق بين الذكر والأنثى أنسابا وأصهارا وقبائل ~~وشعوبا، وخلق لهم منها التعارف، وجعل لهم بها التواصل للحكمة التي قدرها ~~وهو أعلم بها، فصار كل أحد يحوز نسبه، فإذا نفاه رجل عنه استوجب الحد ~~بقذفه، مثل أن ينفيه عن رهطه وحسبه، # PageV16P342 # بقوله للعربي: يا عجمي، وللعجمي: يا عربي، ونحو ذلك مما يقع به النفي ~~حقيقة. # انتهى. # الرابعة - ذهب قوم من الأوائل إلى أن الجنين إنما يكون من ماء الرجل ~~وحده، ويتربى في رحم الام، ويستمد من الدم الذي يكون فيه. واحتجوا بقوله ~~تعالى: # " ألم نخلقكم من ماء مهين. فجعلناه في قرار مكين " (1) [المرسلات: 21]. ~~وقوله تعالى: " ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين " (2) [السجدة: 8]. ~~وقوله: " ألم يك نطفة من مني يمنى " (3) [القيامة: 37]. فدل على أن الخلق ~~من ماء واحد. والصحيح أن الخلق إنما يكون من ماء الرجل والمرأة لهذه الآية، ~~فإنها نص لا يحتمل التأويل. وقوله تعالى: " خلق من ماء دافق. يخرج من بين ~~الصلب والترائب " (4) [الطارق: 6] والمراد منه أصلاب الرجال وترائب النساء، ~~على ما يأتي بيانه. وأما ما احتجوا به فليس فيه أكثر من أن الله تعالى ذكر ~~خلق الانسان من الماء والسلالة والنطفة ولم يضفها إلى أحد الأبوين دون ~~الاخر. فدل على أن الماء والسلالة لهما والنطفة منهما بدلالة ما ذكرنا. # وبأن المرأة تمني كما يمني الرجل، وعن ذلك يكون الشبه، حسب ما تقدم بيانه ~~في آخر " الشورى " (5). وقد قال في قصة نوح " فالتقى الماء على أمر قد قدر ~~" (6) [القمر: 12] وإنما أراد ماء السماء وماء الأرض، لان الالتقاء لا يكون ~~إلا من اثنين، فلا ينكر أن يكون " ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين " ~~[السجدة: 8]. وقوله تعالى: " ألم نخلقكم من ماء مهين " [المرسلات: 21] ~~ويريد ماءين. # والله أعلم. # الخامسة - قوله تعالى: " وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا " الشعوب رؤوس ~~القبائل، مثل ربيعة ومضر والأوس والخزرج، واحدها " شعب " بفتح الشين، سموا ~~به # PageV16P343 # لتشعبهم واجتماعهم كشعب أغصان الشجرة. والشعب من ms5822 الأضداد، يقال شعبته إذا ~~جمعته، ومنه المشعب (بكسر الميم) وهو الأشفى، لأنه يجمع به ويشعب. قال: # فكاب على حر الجبين ومتق * بمدرية كأنه ذلق مشعب (1) وشعبته إذا فرقته، ~~ومنه سميت المنية شعوبا لأنها مفرقة. فاما الشعب (بالكسر) فهو الطريق في ~~الجبل، والجمع الشعاب. قال الجوهري: الشعب: ما تشعب من قبائل العرب والعجم، ~~والجمع الشعوب. والشعوبية: فرقة لا تفضل العرب على العجم. # وأما الذي في الحديث أن رجلا من الشعوب أسلم (2)، فإنه يعني من العجم. ~~والشعب: القبيلة العظيمة، وهو أبو القبائل الذي ينسبون إليه، أي يجمعهم ~~ويضمهم. قال ابن عباس: # الشعوب الجمهور (3)، مثل مضر. والقبائل الأفخاذ. وقال مجاهد: الشعوب ~~البعيد من النسب، والقبائل دون ذلك. وعنه أيضا أن الشعوب النسب الأقرب. ~~وقاله قتادة. ذكر الأول عنه المهدوي، والثاني الماوردي. قال الشاعر (4): # رأيت سعودا من شعوب كثيرة * فلم أر سعدا مثل سعد بن مالك وقال آخر: # قبائل من شعوب ليس فيهم * كريم قد يعد ولا نجيب وقيل: إن الشعوب عرب ~~اليمن من قحطان، والقبائل من ربيعة ومضر وسائر عدنان. # وقيل: إن الشعوب بطون العجم، والقبائل بطون العرب. وقال ابن عباس في ~~رواية: إن الشعوب الموالي، والقبائل العرب. قال القشيري: وعلى هذا فالشعوب ~~من لا يعرف لهم أصل نسب كالهند والجبل (5) والترك، والقبائل من العرب. ~~الماوردي: ويحتمل أن # PageV16P344 # الشعوب هم المضافون إلى النواحي والشعاب، والقبائل هم المشتركون في ~~الأنساب. قال الشاعر: # وتفرقوا شعبا فكل جزيرة * فيها أمير المؤمنين ومنبر وحكى أبو عبيد عن ابن ~~الكلبي عن أبيه: الشعب أكبر من القبيلة ثم الفصيلة ثم العمارة ثم البطن ثم ~~الفخذ. وقيل: الشعب ثم القبيلة ثم العمارة ثم البطن ثم الفخذ ثم الفصيلة ثم ~~العشيرة، وقد نظمها بعض الأدباء فقال: # اقصد الشعب فهو أكثر حي * عددا في الحواء ثم القبيلة ثم تتلوها العمارة ~~ثم * البطن والفخذ بعدها والفصيله ثم من بعدها العشيرة لكن * هي في جنب ما ~~ذكرناه قليله وقال آخر: # قبيلة قبلها شعب وبعدهما * عمارة ثم بطن تلوه فخذ وليس يؤوي الفتى إلا ~~فصيلته ms5823 * ولا سداد لسهم ماله قذذ (1) السادسة - قوله تعالى: " إن أكرمكم ~~عند الله أتقاكم " وقد تقدم في سورة " الزخرف " عند قوله تعالى: " وإنه ~~لذكر لك ولقومك " (2) [الزخرف: 44]. وفي هذه الآية ما يدلك على أن التقوى ~~هي المراعى عند الله تعالى وعند رسوله دون الحسب والنسب. وقرئ " أن " ~~بالفتح. كأنه قيل: لم لا يتفاخر بالأنساب؟ قيل: لان أكرمكم عند الله أتقاكم ~~لا أنسبكم. # وفي الترمذي عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [الحسب المال ~~والكرم التقوى]. # قال: هذا حديث حسن غريب صحيح. وذلك يرجع إلى قوله تعالى: " إن أكرمكم عند ~~الله أتقاكم "، وقد جاء منصوصا عنه عليه السلام: [من أحب أن يكون أكرم ~~الناس فليتق الله]. والتقوى معناها مراعاة حدود الله تعالى أمرا ونهيا، ~~والاتصاف بما أمرك أن تتصف به، والتنزه عما نهاك عنه. وقد مضى هذا في غير ~~موضع. وفي الخبر من رواية أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: [إن الله ~~تعالى يقول يوم القيامة إني جعلت نسبا وجعلتم # PageV16P345 # نسبا فجعلت أكرمكم أتقاكم وأبيتم إلا أن تقولوا فلان بن فلان وأنا اليوم ~~أرفع نسبي وأضع أنسابكم أين المتقون أين المتقون]. وروى الطبري من حديث أبي ~~هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [إن أوليائي المتقون يوم ~~القيامة وإن كان نسب أقرب من نسب يأتي الناس بالاعمال وتأتون بالدنيا ~~تحملونها على رقابكم تقولون يا محمد فأقول هكذا وهكذا]. # وأعرض في كل عطفيه. وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو قال: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم جهارا غير سر يقول: [إن آل أبي ليسوا لي ~~بأولياء إنما وليي الله وصالح المؤمنين]. وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم سئل: من أكرم الناس؟ # فقال: [يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم] قالوا: ليس عن هذا نسألك، ~~قال: # فأكرمهم عند الله أتقاهم] فقالوا: ليس عن هذا نسألك، فقال: [عن معادن ~~العرب؟ # خيارهم في الجاهلية خيارهم في الاسلام إذا فقهوا] وأنشدوا في ذلك: # ما ms5824 يصنع العبد بعز الغني * والعز كل العز للمتقي من عرف الله فلم تغنه * ~~معرفة الله فذاك الشقي السابعة - وذكر الطبري حدثني عمر (1) بن محمد قال ~~حدثنا عبيد بن إسحاق العطار قال حدثنا مندل بن علي عن ثور بن يزيد عن سالم ~~بن أبي الجعد قال: تزوج رجل من الأنصار امرأة فطعن عليها في حسبها، فقال ~~الرجل: إني لم أتزوجها لحسبها إنما تزوجتها لدينها وخلقها، فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: [ما يضرك ألا تكون من آل حاجب بن زرارة]. ثم قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: [إن الله تبارك وتعالى جاء بالاسلام فرفع به الخسيسة وأتم ~~به الناقصة وأذهب به اللوم فلا لوم على مسلم إنما اللوم لوم الجاهلية]. ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم: [إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما ~~أتقي] ولذلك كان أكرم البشر على الله تعالى. قال ابن العربي: وهذا الذي لحظ ~~مالك في الكفاءة في النكاح. روى عبد الله عن مالك يتزوج المولى العربية، ~~واحتج بهذه الآية. وقال أبو حنيفة والشافعي: # PageV16P346 # يراعى الحسب والمال. وفي الصحيح عن عائشة أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة ~~- وكان ممن شهد بدرا مع النبي صلى الله عليه وسلم - تبنى سالما وأنكحه هندا ~~(1) بنت أخيه الوليد بن عتبة ابن ربيعة، وهو مولى لامرأة من الأنصار. ~~وضباعة بنت الزبير كانت تحت المقداد بن الأسود. # قلت: وأخت عبد الرحمن بن عوف كانت تحت بلال. وزينب بنت جحش كانت تحت زيد ~~بن حارثة. فدل على جواز نكاح الموالي العربية، وإنما تراعى الكفاءة في ~~الدين. # والدليل عليه أيضا ما روى سهل بن سعد في صحيح البخاري أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم مر عليه رجل فقال: [ما تقولون في هذا]؟ فقالوا: حري إن خطب أن ~~ينكح، وإن شفع أن يشفع، وإن قال أن يسمع. قال: ثم سكت، فمر رجل من فقراء ~~المسلمين فقال: # [ما تقولون في هذا] قالوا: حري إن خطب ألا ينكح، وإن شفع ألا يشفع، وإن ~~قال ألا يسمع. فقال ms5825 رسول الله صلى الله عليه وسلم: [هذا خير من ملء الأرض ~~مثل هذا]. # وقال صلى الله عليه وسلم: [تنكح المرأة لمالها وجمالها ودينها - وفي ~~رواية - ولحسبها فعليك بذات الدين تربت يداك]. وقد خطب سلمان إلى أبي بكر ~~ابنته فأجابه، وخطب إلى عمر ابنته فالتوى عليه، ثم سأله أن ينكحها فلم يفعل ~~سلمان. وخطب بلال بنت البكير فأبى إخوتها، فقال بلال: يا رسول الله، ماذا ~~لقيت من بني البكير! خطبت إليهم أختهم فمنعوني وآذوني، فغضب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من أجل بلال، فبلغهم الخبر فأتوا أختهم فقالوا: ماذا لقينا ~~من سببك؟ فقالت أختهم: أمري بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فزوجوها. ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم في أبي هند حين حجمه: [أنكحوا أبا هند ~~وأنكحوا إليه]. وهو مولى بني بياضة. وروى الدارقطني من حديث الزهري عن عروة ~~عن عائشة أن أبا هند مولى بني بياضة كان حجاما فحجم النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: [من سره أن ينظر إلى من صور الله ~~الايمان في قلبه فلينظر إلى أبي هند]. # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [أنكحوه وأنكحوا إليه]. قال القشيري ~~أبو نصر: # PageV16P347 # وقد يعتبر النسب في الكفاءة في النكاح وهو الاتصال بشجرة النبوة أو ~~بالعلماء الذين هم ورثة الأنبياء، أو بالمرموقين في الزهد والصلاح. والتقي ~~المؤمن أفضل من الفاجر النسيب، فإن كانا تقيين فحينئذ يقدم النسيب منهما، ~~كما تقدم الشاب على الشيخ في الصلاة إذا استويا في التقوى. # قوله تعالى: قالت الاعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل ~~الايمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا إن ~~الله غفور رحيم (14) نزلت في أعرب من بني أسد بن خزيمة قدموا على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في سنة جدبة وأظهروا الشهادتين ولم يكونوا مؤمنين في ~~السر. وأفسدوا طرق المدينة بالعذرات وأغلوا أسعارها، وكانوا يقولون لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: أتيناك بالأثقال والعيال ولم ms5826 نقاتلك كما قاتلك ~~بنو فلان فأعطنا من الصدقة، وجعلوا يمنون عليه فأنزل الله تعالى فيهم هذه ~~الآية. وقال ابن عباس: نزلت في أعراب أرادوا أن يتسموا باسم الهجرة قبل أن ~~يهاجروا، فأعلم الله أن لهم أسماء الاعراب لا أسماء المهاجرين. وقال السدي: ~~نزلت في الاعراب المذكورين في سورة الفتح: أعراب مزينة وجهينة وأسلم وغفار ~~والديل وأشجع، قالوا آمنا ليأمنوا على أنفسهم وأموالهم، فلما استنفروا إلى ~~المدينة تخلفوا، فنزلت. وبالجملة فالآية خاصة لبعض الاعراب، لان منهم من ~~يؤمن بالله واليوم الآخر كما وصف الله تعالى. # ومعنى " ولكن قولوا أسلمنا " أي استسلمنا خوف القتل والسبي، وهذه صفة ~~المنافقين، لأنهم أسلموا في ظاهر إيمانهم ولم تؤمن قلوبهم، وحقيقة الايمان ~~التصديق بالقلب. وأما الاسلام فقبول ما أتى به النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الظاهر، وذلك يحقن الدم. " وإن تطيعوا الله ورسوله " يعني إن تخلصوا ~~الايمان " لا يلتكم " أي لا ينقصكم. " من أعمالكم شيئا " لاته يليته ~~ويلوته: نقصه. وقرأ أبو عمرو " لا يألتكم " بالهمزة، من ألت يألت ~~PageV16P348 # ألتا، وهو اختيار أبي حاتم، اعتبارا بقوله تعالى: " وما ألتناهم من عملهم ~~من شئ " (1) [الطور: 21] قال الشاعر: # أبلغ بني ثعل عني مغلغلة * جهد الرسالة لا ألتا ولا كذبا واختار الأولى ~~أبو عبيد. قال رؤبة: # وليلة ذات ندى سريت * ولم يلتني عن سراها ليت أي لم يمنعني عن سراها ~~مانع، وكذلك ألاته عن وجهه، فعل وأفعل بمعنى. ويقال أيضا: ما ألاته من عمله ~~شيئا، أي ما نقصه، مثل ألته، قاله الفراء. وأنشد: # ويأكلن ما أعني الولي فلم يلت * كأن بحافات النهاء المزارعا (2) قوله: ~~فلم " يلت " أي لم ينقص منه شيئا. و " أعني " بمعنى أنبت، يقال: # ما أعنت الأرض شيئا، أي ما أنبتت. و " الولي " المطر بعد الوسمي (3)، سمي ~~وليا لأنه يلي الوسمي. ولم يقل: لا يألتاكم، لان طاعة الله تعالى طاعة ~~الرسول. # قوله تعالى: إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا ~~وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون (15) قل أتعلمون ~~الله بدينكم والله يعلم ms5827 ما في السماوات وما في الأرض والله بكل شئ عليم ~~(16) قوله تعالى: " إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا ~~" أي صدقوا ولم يشكوا وحققوا ذلك بالجهاد والأعمال الصالحة. " أولئك هم ~~الصادقون " في إيمانهم، لا من أسلم خوف القتل ورجاء الكسب. فلما نزلت حلف ~~الاعراب أنهم مؤمنون في السر # PageV16P349 # والعلانية وكذبوا، فنزلت. " قل أتعلمون الله بدينكم " الذي أنتم عليه. " ~~والله يعلم ما في السماوات وما في الأرض والله بكل شئ عليم " قوله تعالى: ~~يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم ~~للايمان إن كنتم صادقين [17] إن الله يعلم غيب السماوات والأرض والله بصير ~~بما تعلمون [18] قوله تعالى: " يمنون عليك أن أسلموا " إشارة إلى قولهم: ~~جئناك بالأثقال والعيال. # و " أن " في موضع نصب على تقدير لان أسلموا. " قل لا تمنوا علي إسلامكم " ~~أي بإسلامكم. " بل الله يمن عليكم أن هداكم للايمان " " أن " موضع نصب، ~~تقديره بأن. # وقيل: لان. وفي مصحف عبد الله " إذ هداكم ". " إن كنتم صادقين " أنكم ~~مؤمنين. # وقرأ عاصم " إن هداكم " بالكسر، وفيه بعد، لقوله " إن كنتم صادقين ". ولا ~~يقال: # يمن عليكم أن يهديكم إن صدقتم. والقراءة الظاهرة " أن هداكم ". وهذا لا ~~يدل على أنهم كانوا مؤمنين، لان تقدير الكلام: إن آمنتم فذلك منة الله ~~عليكم. " إن الله يعلم غيب السماوات والأرض والله بصير بما تعملون " قرأ ~~ابن كثير وابن محيصن وأبو عمرو بالياء على الخبر، ردا على قوله: " قالت ~~الاعراب ". الباقون بالتاء على الخطاب. # تم بعون الله تعالى الجزء السادس عشر من تفسير القرطبي، يتلوه إن شاء ~~الله تعالى الجزء السابع عشر، وأوله: # [سورة (ق)] PageV16P350 # الجامع لاحكام القرآن لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي الجزء ~~السابع عشر أعاد طبعه دار احياء التراث العربي بيروت - لبنان 1405 ه‍ - ~~1985 م بسم الله الرحمن الرحيم سورة ق مكية كلها، وهي خمس وأربعون آية مكية ~~كلها في قول الحسن وعطاء وعكرمة وجابر، قال ابن عباس وقتادة: إلا آية، وهي ~~قوله تعالى: ms5828 (ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا ~~من لغوب). # وفي صحيح مسلم عن أم هشام بنت حارثة بن النعمان قالت: لقد كان تنورنا ~~وتنور رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدا سنتين - أو سنة وبعض سنة - وما ~~أخذت (ق والقرآن المجيد) إلا عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقرؤها ~~كل يوم جمعة على المنبر إذا خطب الناس. وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأل ~~أبا واقد الليثي ما كان يقرأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأضحى ~~والفطر؟ فقال: كان يقرأ فيهما ب (ق والقرآن المجيد) و (اقتربت الساعة وانشق ~~القمر). وعن جابر بن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الفجر ب ~~(ق والقرآن المجيد) وكانت صلاته بعد تخفيفا. # قوله تعالى: ق والقرءان المجيد (1) بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال ~~الكافرون هذا شئ عجيب (2) أإذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد (3) قد علمنا ~~ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب حفيظ (4) بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في ~~أمر مريج (5) قوله تعالى: (ق والقرآن المجيد) قرأ العامة (قاف) بالجزم. ~~وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق ونصر بن عاصم (قاف) بكسر الفاء، لان الكسر أخو ~~الجزم، فلما سكن PageV17P001 # آخره حركوه بحركة الخفض. وقرأ عيسى الثقفي بفتح الفاء حركه إلى أخف ~~الحركات. # وقرأ هارون ومحمد بن السميقع (قاف) بالضم، لأنه في غالب الامر حركة ~~البناء نحو منذ وقط وقبل وبعد. واختلف في معنى (ق) ما هو؟ فقال ابن زيد ~~وعكرمة والضحاك: هو جبل محيط بالأرض من زمردة خضراء اخضرت السماء منه، ~~وعليه طرفا السماء والسماء عليه مقبية، وما أصاب الناس من زمرد كان مما ~~تساقط من ذلك الجبل. ورواه أبو الجوزاء عن عبد الله بن عباس. قال الفراء: ~~كان يجب على هذا أن يظهر الاعراب في (ق)، لأنه اسم وليس بهجاء. قال: ولعل ~~القاف وحدها ذكرت من اسمه، كقوله القائل: # * قلت لها قفي فقالت قاف * أي أنا واقفة. وهذا وجه ms5829 حسن وقد تقدم أول ~~(البقرة (1)). وقال وهب: أشرف ذو القرنين على جبل قاف فرأى تحته جبالا ~~صغارا، فقال له: ما أنت؟ قال: أنا قاف، قال: فما هذه الجبال حولك؟ قال: هي ~~عروقي وما من مدينة إلا وفيها عرق من عروقي، فإذا أراد الله أن يزلزل مدينة ~~أمرني فحركت عرقي ذلك فتزلزلت تلك الأرض، فقال له: # يا قاف أخبرني بشئ من عظمة الله، قال: إن شأن ربنا لعظيم، وإن ورائي أرضا ~~مسيرة خمسمائة عام في خمسمائة عام من جبال ثلج يحطم بعضها بعضا، لولا هي ~~لاحترقت من حر جهنم. [فهذا يدل على أن جهنم على وجه الأرض والله أعلم ~~بموضعها، وأين هي من الأرض (2)]. قال: زدني، قال: إن جبريل عليه السلام ~~واقف بين يدي الله ترعد فرائصه، يخلق الله من كل رعدة مائة ألف ملك، فأولئك ~~الملائكة وقوف بين يدي الله تعالى منكسو رؤوسهم، فإذا أذن الله لهم في ~~الكلام قالوا: لا إله إلا الله، وهو قوله تعالى: (يوم يقوم الروح والملائكة ~~صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا (3)) يعني قول: لا إله إلا ~~الله. وقال الزجاج: قوله (ق) أي قضي الامر، كما قيل في (حم) أي حم الامر. # وقال ابن عباس: (ق) اسم من أسماء الله تعالى أقسم به. وعنه أيضا: أنه اسم ~~من أسماء # PageV17P002 # القرآن. وهو قول قتادة. وقال القرظي: افتتاح أسماء الله تعالى قدير وقاهر ~~وقريب وقاض وقابض. وقال الشعبي: فاتحة السورة. وقال أبو بكر الوراق: معناه ~~قف عند أمرنا ونهينا ولا تعدهما. وقال محمد بن عاصم الأنطاكي: هو قرب الله ~~من عباده، بيانه (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد). وقال ابن عطاء: أقسم الله ~~بقوة قلب حبيبه محمد صلى الله عليه وسلم، حيث حمل الخطاب ولم يؤثر ذلك فيه ~~لعلو حاله. (والقرآن المجيد) أي الرفيع القدر. # وقيل: الكريم، قاله الحسن. وقيل: الكثير، مأخوذ من كثرة القدر والمنزلة ~~لا من كثرة العدد، من قولهم: كثير فلان في النفوس، ومنه قول العرب في المثل ~~السائر: (في ms5830 كل شجر نار، واستمجد المرخ (1) والعفار). أي استكثر هذان ~~النوعان من النار فزادا على سائر الشجر، قال ابن بحر. وجواب القسم قيل هو: ~~(قد علمنا ما تنقص الأرض منهم) على إرادة اللام، أي لقد علمنا. وقيل: هو ~~(إن في ذلك لذكرى) وهو اختيار الترمذي محمد بن علي قال: (ق) قسم بأسم هو ~~أعظم الأسماء التي خرجت إلى العباد وهو القدرة، وأقسم أيضا بالقرآن المجيد، ~~ثم اقتص ما خرج من القدرة من خلق السماوات والأرضين وأرزاق العباد، وخلق ~~الآدميين، وصفة يوم القيامة والجنة والنار، ثم قال: (إن في ذلك لذكرى لمن ~~كان له قلب) فوقع القسم على هذه الكلمة كأنه قال: (ق) أي بالقدرة والقرآن ~~المجيد أقسمت أن فيما اقتصصت في هذه السورة (لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى ~~السمع وهو شهيد). وقال ابن كيسان: جوابه (ما يلفظ من قول). وقال أهل ~~الكوفة: جواب هذا القسم (بل عجبوا). وقال الأخفش: جوابه محذوف كأنه قال: (ق ~~والقرآن المجيد) لتبعثن، يدل عليه (أئذا متنا وكنا ترابا). # قوله تعالى: (بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم) (أن) في موضع نصب على تقدير ~~لان جاءهم منذر منهم، يعني محمدا صلى الله عليه وسلم، والضمير للكفار. ~~وقيل: للمؤمنين والكفار جميعا. ثم ميز بينهم بقوله تعالى: (فقال الكافرون) ~~ولم يقل فقالوا، بل قبح حالهم وفعلهم ووصفهم بالكفر، كما تقول: جاءني فلان ~~فأسمعني المكروه، وقال لي الفاسق # PageV17P003 # أنت كذا وكذا. (هذا شئ عجيب) العجيب الامر الذي يتعجب منه، وكذلك العجاب ~~بالضم، والعجاب بالتشديد أكثر منه، وكذلك الأعجوبة. وقال قتادة: عجبهم أن ~~دعوا إلى إله واحد. وقيل: من إنذارهم بالبعث والنشور. والذي نص عليه القرآن ~~أولى. # قوله تعالى: (أئذا متنا وكنا ترابا) نبعث، ففيه إضمار. (ذلك رجع بعيد) ~~الرجع الرد أي هو رد بعيد أي محال. يقال: رجعته أرجعه رجعا، ورجع هو يرجع ~~رجوعا، وفيه إضمار آخر، أي وقالوا أنبعث إذا متنا. وذكر البعث وإن لم يجرها ~~هنا فقد جرى في مواضع، والقرآن كالسورة الواحدة. وأيضا ذكر البعث منطو ms5831 تحت ~~قوله: (بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم) لأنه إنما ينذر بالعقاب والحساب في ~~الآخرة. # أي ما تأكل من أجسادهم فلا يضل عنا شئ حتى تتعذر علينا الإعادة. وفي ~~التنزيل: (قال فما بال القرون الأولى قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ~~ولا ينسى (1)) وفي الصحيح: (كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب منه خلق ~~وفيه يركب) وقد تقدم. وثبت أن لأنبياء والأولياء والشهداء لا تأكل الأرض ~~أجسادهم، حرم الله على الأرض أن تأكل أجسادهم. وقد بينا هذا في كتاب ~~(التذكرة) وتقدم أيضا في هذا الكتاب. وقال السدي: النقص هنا الموت يقول قد ~~علمنا منهم من يموت ومن يبقى، لان من مات دفن فكأن الأرض تنقص من الناس. # وعن ابن عباس: هو من يدخل في الاسلام من المشركين. (وعندنا كتاب حفيظ) أي ~~بعدتهم وأسمائهم فهو فعيل بمعنى فاعل. وقيل: اللوح المحفوظ أي محفوظ من ~~الشياطين أو محفوظ فيه كل شئ. وقيل: الكتاب عبارة عن العلم والاحصاء، كما ~~تقول: كتبت عليك هذا أي حفظته، وهذا ترك الظاهر من غير ضرورة. وقيل: أي ~~وعندنا كتاب حفيظ لأعمال بني آدم لنحاسبهم عليها. # قوله تعالى: (بل كذبوا بالحق) أي القرآن في قول الجميع، حكاه الماوردي. ~~وقال الثعلبي: بالحق القرآن. وقيل: الاسلام. وقيل: محمد صلى الله عليه ~~وسلم. (فهم في أمر مريج) # PageV17P004 # أي مختلط. يقولون مرة ساحر ومرة شاعر ومرة كاهن، قاله الضحاك وابن زيد. # وقال قتادة: مختلف. الحسن: ملتبس، والمعنى متقارب. وقال أبو هريرة: فاسد، ~~ومنه مرجت أمانات الناس أي فسدت، ومرج الدين والامر اختلط، قال أبو دؤاد: # مرج الدين فأعددت له * مشرف الحارك محبوك الكتد (1) وقال ابن عباس: ~~المريح الامر المنكر. وقال عنه عمران بن أبي عطاء: (مريج) مختلط. # وأنشد (2): # فجالت فالتمست به حشاها * فخر كأنه خوط مريج الخوط الغصن. وقال عنه ~~العوفي: في أمر ضلالة وهو قولهم ساحر شاعر مجنون كاهن. # وقيل: متغير. وأصل المرج الاضطراب والقلق، يقال: مرج أمر الناس ومرج أمر ~~الدين ومرج الخاتم في إصبعي إذا ms5832 قلق من الهزال. وفي الحديث: (كيف بك يا عبد ~~الله (3) إذا كنت في قوم قد مرجت عهودهم وأماناتهم واختلفوا فكانوا هكذا ~~وهكذا) وشبك بين أصابعه. # أخرجه أبو داود وقد ذكرناه في كتاب (التذكرة). # قوله تعالى: أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها ~~من فروج (6) والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج ~~بهيج (7) تبصرة وذكرى لكل عبد منيب (8) ونزلنا من السماء ماء مباركا ~~فأنبتنا به جنات وحب الحصيد (9) والنخل باسقات لها طلع نضيد (10) رزقا ~~للعباد وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج (11) # PageV17P005 # قوله تعالى: (أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم) نظر اعتبار وتفكر، وأن ~~القادر على إيجادها قادر على الإعادة. (كيف بنيناها) فرفعناها بلا عمد ~~(وزيناها) بالنجوم (وما لها من فروج) جمع فرج وهو الشق، ومنه قول امرئ ~~القيس: # * تسد به فرجها من دبر (1) * وقال الكسائي: ليس فيها تفاوت ولا اختلاف ~~ولا فتوق. (والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي) تقدم في (الرعد (2)) بيانه. ~~(وأنبتنا فيها من كل زوج) أي من كل نوع من النبات (بهيج) أي حسن يسر ~~الناظرين، وقد تقدم في (الحج) بيانه. (تبصرة) أي جعلنا ذلك تبصرة لندل به ~~على كمال قدرتنا. وقال أبو حاتم: نصب على المصدر، يعني جعلنا ذلك تبصيرا ~~وتنبيها على قدرتنا (وذكرى) معطوف عليه. (لكل عبد منيب) راجع إلى الله ~~تعالى مفكر في قدرته. # قوله تعالى: (وأنزلنا من السماء) أي من السحاب (ماء مباركا) أي كثير ~~البركة. # (فأنبتنا به جنات وحب الحصيد) التقدير: وحب النبت الحصيد وهو كل ما يحصد. ~~هذا قول البصريين. وقال الكوفيون: هو من باب إضافة الشئ إلى نفسه، كما ~~يقال: مسجد الجامع وربيع الأول وحق اليقين وحبل الوريد ونحوها، قاله ~~الفراء. والأصل الحب الحصيد فحذفت الألف واللام وأضيف المنعوت إلى النعت. ~~وقال الضحاك: حب الحصيد البر والشعير. وقيل: كل حب يحصد ويدخر ويقتات. ~~(والنخل باسقات) نصب على الحال (4) ردا على قوله: (وحب الحصيد) و (باسقات) ~~حال. والباسقات الطوال، قاله مجاهد وعكرمة. وقال قتادة وعبد الله بن شداد: ~~بسوقها ms5833 استقامتها في الطول. وقال سعيد بن جبير: # PageV17P006 # مستويات. وقال الحسن وعكرمة أيضا والفراء: مواقير حوامل، يقال للشاة بسقت ~~إذا ولدت، قال الشاعر: # فلما تركنا الدار ظلت منيفة * بقران فيه الباسقات المواقر والأول في ~~اللغة أكثر وأشهر، [يقال] بسق النخل بسوقا إذا طال. قال: # لنا خمر وليست خمر كرم * ولكن من نتاج الباسقات كرام في السماء ذهبن طولا ~~* وفات ثمارها أيدي الجناة ويقال: بسق فلان على أصحابه أي علاهم، وأبسقت ~~الناقة إذا وقع في ضرعها اللبن (1) قبل النتاج فهي مبسق ونوق مباسيق. وقال ~~قطبة بن مالك: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ (باصقات) بالصاد، ذكره ~~الثعلبي. # قلت: الذي في صحيح مسلم عن قطبة بن مالك قال: صليت وصلى بنا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقرأ (ق والقرآن المجيد) حتى قرأ (والنخل باسقات) قال ~~فجعلت أرددها ولا أدري ما قال، إلا أنه لا يجوز إبدال الصاد من السين لأجل ~~القاف. (لها طلع نضيد) الطلع هو أول ما يخرج من ثمر النخل، يقال: طلع الطلع ~~طلوعا وأطلعت النخلة، وطلعها كفراها قبل أن ينشق. (نضيد) أي متراكب قد نضد ~~بعضه على بعض. وفي البخاري (النضيد) الكفري ما دام في أكمامه ومعناه منضود ~~بعضه على بعض، فإذا خرج من أكمامه فليس بنضيد. (رزقا للعباد) أي رزقناهم ~~رزقا، أو على معنى أنبتناها رزقا، لان الانبات في معنى الرزق، أو على أنه ~~مفعول له أي أنبتناها لرزقهم، والرزق ما كان مهيأ للانتفاع به. # وقد تقدم القول فيه (2). (وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج) أي من ~~القبور أي كما أحيا الله هذه الأرض الميتة فكذلك يخرجكم أحياء بعد موتكم، ~~فالكاف في محل رفع على الابتداء. # وقد مضى هذا المعنى في غير موضع (2). وقال (ميتا) لان المقصود المكان ولو ~~قال ميتة لجاز. # PageV17P007 # قوله تعالى: كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود (12) وعاد وفرعون ~~واخوان لوط (13) وأصحاب الأيكة وقوم تبع كل كذب الرسل فحق وعيد (14) ~~أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد (15) قوله تعالى: (كذبت ms5834 ~~قبلهم قوم نوح) أي كما كذب هؤلاء فكذلك كذب أولئك فحل بهم العقاب، ذكرهم ~~نبأ من كان قبلهم من المكذبين وخوفهم ما أخذهم. وقد ذكرنا قصصهم في غير ~~موضع عند ذكرهم. (كل كذب الرسل) من هذه الأمم المكذبة. # (فحق وعيد) أي فحق عليهم وعيدي وعقابي. # قوله تعالى: (أفعيينا بالخلق الأول) أي أفعيينا به فنعيا بالبعث. وهذا ~~توبيخ لمنكري البعث وجواب قولهم: (ذلك رجع بعيد). يقال: عييت بالامر إذا لم ~~تعرف وجهه. (بل هم في لبس من خلق جديد) أي في حيرة من البعث منهم مصدق ~~ومنهم مكذب، يقال: لبس عليه الامر يلبسه لبسا. # قوله تعالى: ولقد خلقنا الانسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه ~~من حبل الوريد (16) إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد (17) ما ~~يلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد (18) وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت ~~منه تحيد (19) قوله تعالى: (ولقد خلقنا الانسان) يعني الناس، وقيل أدم. ~~(ونعلم ما توسوس به نفسه) أي ما يختلج في سره وقلبه وضميره، وفي هذا زجر عن ~~المعاصي التي يستخفي بها. # ومن قال: إن المراد بالانسان آدم، فالذي وسوست به نفسه هو الاكل من ~~الشجرة، ثم هو عام لولده. والوسوسة حديث النفس بمنزلة الكلام الخفي. قال ~~الأعشى: PageV17P008 # تسمع للحلي وسواسا إذا انصرفت * كما استعان بريح عشرق زجل (1) وقد مضى في ~~(الأعراف (2)). (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) هو حبل العاتق وهو ممتد من ~~ناحية حلقه إلى عاتقه، وهما وريدان عن يمين وشمال. روي معناه عن ابن عباس ~~وغيره وهو المعروف في اللغة. والحبل هو الوريد فأضيف إلى نفسه لاختلاف ~~اللفظين. وقال الحسن: الوريد الوتين وهو عرق معلق بالقلب. وهذا تمثيل ~~للقرب، أي نحن أقرب إليه من حبل وريده الذي هو منه، وليس على وجه قرب ~~المسافة. وقيل: # أي ونحن أملك به من حبل وريده مع استيلائه عليه. وقيل: أي ونحن أعلم بما ~~توسوس به نفسه من حبل وريده الذي هو من نفسه، لأنه عرق يخالط القلب، فعلم ~~الرب ms5835 أقرب إليه من علم القلب، روي معناه عن مقاتل قال: الوريد عرق يخالط ~~القلب، وهذا القرب قرب العلم والقدرة، وأبعاض الانسان يحجب البعض البعض ولا ~~يحجب علم الله شئ. # قوله تعالى: (إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد) أي نحن أقرب ~~إليه من حبل وريده حين يتلقى المتلقيان، وهما الملكان الموكلان به، أي نحن ~~أعلم بأحواله فلا نحتاج إلى ملك يخبر، ولكنهما وكلا به إلزاما للحجة، ~~وتوكيدا للامر عليه. وقال الحسن ومجاهد وقتادة: (المتلقيان) ملكان يتلقيان ~~عملك: أحدهما عن يمينك يكتب حسناتك، والآخر عن شمالك يكتب سيئاتك. قال ~~الحسن: حتى إذا مت طويت صحيفة عملك وقيل لك يوم القيامة: (اقرأ كتابك كفى ~~بنفسك اليوم عليك حسيبا (3)) عدل والله عليك من جعلك حسيب نفسك. وقال ~~مجاهد: وكل الله بالانسان مع علمه بأحواله ملكين بالليل وملكين بالنهار ~~يحفظان عمله، ويكتبان أثره إلزاما للحجة: أحدهما عن يمينه يكتب الحسنات، ~~والآخر عن شماله يكتب السيئات، فذلك قوله تعالى: (عن اليمين وعن الشمال ~~قعيد). # وقال سفيان: بلغني أن كاتب الحسنات أمين على كاتب السيئات فإذا أذنب ~~[العبد] قال # PageV17P009 # لا تعجل لعله يستغفر الله. وروي معناه من حديث أبي أمامة، قال: قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: (كاتب الحسنات على يمين الرجل وكاتب السيئات على يساره ~~وكاتب الحسنات أمين علي كاتب السيئات فإذا عمل حسنة كتبها صاحب اليمين عشرا ~~وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال دعه سبع ساعات لعله يسبح أو ~~يستغفر). وروي من حديث علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: (إن مقعد ملكيك على ثنيتك (1) لسانك قلمهما وريقك مدادهما وأنت تجري ~~فيما لا يعنيك فلا تستحي من الله ولا منهما). وقال الضحاك: مجلسهما تحت ~~الثغر. على الحنك. ورواه عوف عن الحسن قال: وكان الحسن يعجبه أن ينظف ~~عنفقته. وإنما قال: (قعيد) ولم يقل قعيدان وهما اثنان، لان المراد عن ~~اليمين قعيد وعن الشمال قعيد فحذف الأول لدلالة الثاني عليه. قاله سيبويه، ~~ومنه قول الشاعر (2). # نحن بما ms5836 عندنا وأنت بما * عندك راض والرأي مختلف وقال الفرزدق: # إني ضمنت لمن أتاني ما جنى * وأبى فكان وكنت غير غدور ولم يقل راضيان ولا ~~غدورين. ومذهب المبرد: أن الذي في التلاوة أول أخرا تساعا، وحذف الثاني ~~لدلالة الأول عليه. ومذهب الأخفش والفراء: أن الذي في التلاوة يؤدي عن ~~الاثنين والجمع ولا حذف في الكلام. و (قعيد) بمعنى قاعد كالسميع والعليم ~~والقدير والشهيد. وقيل: (قعيد) بمعنى مقاعد مثل أكيل ونديم بمعنى مؤاكل ~~ومنادم. # وقال الجوهري: فعيل وفعول مما يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع، كقوله ~~تعالى: # (إنا رسول رب العالمين (3)) وقوله: (والملائكة بعد ذلك (4) ظهير). وقال ~~الشاعر في الجمع، أنشده الثعلبي: # ألكني إليها وخير الرسول * أعلمهم بنواحي الخبر (5) # PageV17P010 # والمراد بالقعيد ها هنا الملازم الثابت لا ضد القائم. # قوله تعالى: (ما يلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد) أي ما يتكلم بشئ إلا ~~كتب عليه، مأخوذ من لفظ الطعام وهو إخراجه من الفم. وفي الرقيب ثلاثة أوجه: ~~أحدها أنه المتبع للأمور. الثاني أنه الحافظ، قاله السدي. الثالث أنه ~~الشاهد، قاله الضحاك. # وفي العتيد وجهان: أحدهما أنه الحاضر الذي لا يغيب. الثاني أنه الحافظ ~~المعد إما للحفظ وإما للشهادة. قال الجوهري: العتيد الشئ الحاضر المهيأ، ~~وقد عتده تعتيدا وأعتده إعتادا أي أعده ليوم، ومنه قوله تعالى: (وأعتدت لهن ~~متكأ (1)) وفرس عتد وعتد بفتح التاء وكسرها المعد للجري. # قلت وكله يرجع إلى معنى الحضور، ومنه قول الشاعر: # لئن كنت مني في العيان مغيبا * فذ كرك عندي في الفؤاد عتيد قال أبو ~~الجوزاء ومجاهد: يكتب على الانسان كل شئ حتى الأنين في مرضه. وقال عكرمة: ~~لا يكتب إلا ما يؤجر به أو يؤزر عليه. وقيل: يكتب عليه كل ما يتكلم به، ~~فإذا كان آخر النهار محي عنه ما كان مباحا، نحو أنطلق أقعد كل مما لا يتعلق ~~به أجر ولا وزر، والله أعلم. وروي عن أبي هريرة وأنس أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: (ما من حافظين يرفعان إلى الله ما حفظا فيرى الله في ms5837 أول ~~الصحيفة خيرا وفي آخرها خيرا إلا قال الله تعالى لملائكته اشهدوا أني قد ~~غفرت لعبدي ما بين طرفي الصحيفة). وقال علي رضي الله عنه: # (إن لله ملائكة معهم صحف بيض فأملوا في أولها وفي أخرها خيرا يغفر لكم ما ~~بين ذلك). # وأخرج أبو نعيم الحافظ قال حدثنا أبو طاهر محمد بن الفضل بن محمد بن ~~إسحاق بن خزيمة قال حدثنا جدي محمد بن إسحاق قال حدثنا محمد بن موسى الحرشي ~~قال حدثنا سهيل ابن عبد الله قال: سمعت الأعمش يحدث عن زيد بن وهب عن ابن ~~مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الحافظين إذا نزلا على ~~العبد أو الأمة منهما كتاب مختوم فيكتبان ما يلفظ به العبد أو الأمة فإذا ~~أرادا أن ينهضا قال أحدهما للاخر فك الكتاب المختوم الذي معك فيفكه له فإذا ~~فيه ما كتب سواء فذلك قوله تعالى (ما يلفظ من قول # PageV17P011 # إلا لديه رقيب عتيد)) غريب من حديث الأعمش عن زيد، لم يروه عنه إلا سهيل. # وروي من حديث أنس أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله وكل ~~بعبده ملكين يكتبان عمله فإذا مات قالا ربنا قد مات فلان فأذن لنا أن نصعد ~~إلى السماء فيقول الله تعالى إن سماواتي مملوءة من ملائكتي يسبحونني ~~فيقولان ربنا نقيم في الأرض فيقول الله تعالى إن أرضي مملوءة من خلقي ~~يسبحونني فيقولان يا رب فأين نكون فيقول الله تعالى كونا على قبر عبدي ~~فكبراني وهللاني وسبحاني (1) واكتبا ذلك لعبدي إلى يوم القيامة). # قوله تعالى: (وجاءت سكرة الموت بالحق) أي غمرته وشدته، فالانسان ما دام ~~حيا تكتب عليه أقواله وأفعاله ليحاسب عليها، ثم يجيئه الموت وهو ما يراه ~~عند المعاينة من ظهور الحق فيما كان الله تعالى وعده وأوعده. وقيل: الحق هو ~~الموت سمي حقا إما لاستحقاقه وإما لانتقاله إلى دار الحق، فعلى هذا يكون في ~~الكلام تقديم وتأخير، وتقديره وجاءت سكرة الحق بالموت، وكذلك في قراءة أبي ~~بكر وابن مسعود رضي ms5838 الله عنهما، لان السكرة هي الحق فأضيفت إلى نفسها ~~لاختلاف اللفظين. وقيل: يجوز أن يكون الحق على هذه القراءة هو الله تعالى، ~~أي جاءت سكرة أمر الله تعالى بالموت. وقيل: الحق هو الموت والمعنى وجاءت ~~سكرة الموت بالموت، ذكره المهدوي. وقد زعم من طعن على القرآن فقال: # أخالف المصحف كما خالف أبو بكر الصديق فقرأ: وجاءت سكرة الحق بالموت. ~~فاحتج عليه بأن أبا بكر رويت عنه روايتان: إحداهما موافقة للمصحف فعليها ~~العمل، والأخرى مرفوضة تجري مجرى النسيان منه إن كان قالها، أو الغلط من ~~بعض من نقل الحديث. قال أبو بكر الأنباري: حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي ~~حدثنا علي بن عبد الله حدثنا جرير عن منصور عن أبي وائل عن مسروق قال: لما ~~احتضر أبو بكر أرسل إلى عائشة فلما دخلت عليه قالت: هذا كما قال الشاعر: # * إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر (2) * # PageV17P012 # فقال أبو بكر: هلا قلت كما قال الله: (وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت ~~منه تحيد) وذكر الحديث. والسكرة واحدة السكرات. وفي الصحيح عن عائشة أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت بين يديه ركوة - أو علبة - فيها ماء ~~فجعل يدخل يديه في الماء، فيمسح بهما وجهه ويقول: (لا إله إلا الله إن ~~للموت سكرات) ثم نصب يده فجعل يقول: (في الرفيق الاعلى) حتى قبض ومالت يده. ~~خرجه البخاري. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن العبد الصالح ~~ليعالج الموت وسكراته وإن مفاصله ليسلم بعضها على بعض تقول السلام عليك ~~تفارقني وأفارقك إلى يوم القيامة). # وقال عيسى بن مريم: (يا معشر الحواريين ادعوا الله أن يهون عليكم هذه ~~السكرة) يعني سكرات الموت. وروي: (إن الموت أشد من ضرب بالسيوف ونشر ~~بالمناشير وقرض بالمقاريض). (ذلك ما كنت منه تحيد) أي يقال لمن جاءته سكرة ~~الموت ذلك ما كنت تفر منه وتميل عنه. يقال: حاد عن الشئ يحيد حيودا وحيدة ~~وحيدودة مال عنه وعدل. # وأصله حيدودة بتحريك الياء فسكنت، لأنه ليس في الكلام فعلول ms5839 غير صعفوق. ~~وتقول في الاخبار عن نفسك: حدت عن الشئ أحيد حيدا ومحيدا إذا ملت عنه، قال ~~طرفة: # أبا منذر رمت الوفاء فهبته * وحدت كما حاد البعير عن الدحض قوله تعالى: ~~ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد (20) وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد (21) لقد ~~كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد (22) قوله تعالى: ~~(ونفخ في الصور) هي النفخة الآخرة للبعث (ذلك يوم الوعيد) الذي وعده الله ~~للكفار أن يعذبهم فيه. وقد مضى الكلام في النفخ في الصور مستوفى والحمد ~~لله. # PageV17P013 # قوله تعالى: (وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد) اختلف في السائق والشهيد، ~~فقال ابن عباس: السائق من الملائكة والشهيد من أنفسهم الأيدي والأرجل، رواه ~~العوفي عن ابن عباس. وقال أبو هريرة: السائق الملك والشهيد العمل. وقال ~~الحسن وقتادة: # المعنى سائق يسوقها وشاهد يشهد عليها بعملها. وقال ابن مسلم: السائق ~~قرينها من الشياطين سمي سائقا لأنه يتبعها وإن لم يحثها. وقال مجاهد: ~~السائق والشهيد ملكان. وعن عثمان ابن عفان رضي الله عنه أنه قال وهو على ~~المنبر: (وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد) سائق: ملك يسوقها إلى أمر الله، ~~وشهيد: يشهد عليها بعملها. # قلت: هذا أصح فإن في حديث جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: (إن ابن آدم لفي غفلة عما خلقه الله عز وجل له إن الله لا ~~اله غيره إذا أراد خلقه قال للملك اكتب رزقه وأثره وأجله واكتبه شقيا أو ~~سعيدا ثم يرتفع ذلك الملك ويبعث الله ملكا أخر فيحفظه حتى يدرك ثم يبعث ~~الله ملكين يكتبان حسناته وسيئاته فإذا جاءه الموت أرتفع ذلك (1) الملكان ~~ثم جاء ملك الموت عليه السلام فيقبض روحه فإذا أو دخل حفرته رد الروح في ~~جسده ثم يرتفع ملك الموت ثم جاءه ملكا القبر فامتحناه ثم يرتفعان فإذا قامت ~~الساعة انحط عليه ملك الحسنات وملك السيئات فأنشطا (2) كتابا معقودا في ~~عنقه ثم حضرا معه واحد سائق والآخر شهيد ثم قال الله تعالى: ms5840 (لقد كنت في ~~غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد). قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: (لتركبن طبقا عن طبق قال: (حالا بعد حال) ثم قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: (إن قدامكم أمرا عظيما فاستعينوا بالله العظيم) خرجه أبو نعيم ~~الحافظ من حديث جعفر بن محمد بن علي عن جابر وقال فيه: هذا حديث غريب من ~~حديث جعفر، وحديث جابر تفرد به عنه جابر الجعفي وعنه المفضل. ثم في الآية ~~قولان: أحدهما أنها عامة في المسلم والكافر وهو قول الجمهور. # الثاني أنها خاصة في الكافر، قاله الضحاك. # PageV17P014 # قوله تعالى: (لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك) قال ابن زيد: # المراد به النبي صلى الله عليه وسلم، أي لقد كنت يا محمد في غفلة من ~~الرسالة في قريش في جاهليتهم. وقال ابن عباس والضحاك: إن المراد به ~~المشركون أي كانوا في غفلة من عواقب أمورهم. وقال أكثر المفسرين: إن المراد ~~به البر والفاجر. وهو اختيار الطبري. # وقيل: أي لقد كنت أيها الانسان في غفلة عن أن كل نفس معها سائق وشهيد، ~~لان هذا لا يعرف إلا بالنصوص الإلهية. (فكشفنا عنك غطاءك) أي عماك، وفيه ~~أربعة أوجه: # أحدها إذ كان في بطن أمه فولد، قاله السدي. الثاني إذا كان في القبر ~~فنشر. وهذا معنى قول ابن عباس. الثالث وقت العرض في القيامة، قاله مجاهد. ~~الرابع أنه نزول الوحي وتحمل الرسالة. وهذا معنى قول ابن زيد. (فبصرك اليوم ~~حديد) قيل: يراد به بصر القلب كما يقال هو بصير بالفقه، فبصر القلب وبصيرته ~~تبصرته شواهد الأفكار ونتائج الاعتبار، كما تبصر العين ما قابلها من ~~الأشخاص والأجسام. وقيل: المراد به بصر العين وهو الظاهر أي بصر عينك اليوم ~~حديد، أي قوي نافذ يرى ما كان محجوبا عنك. قال مجاهد: (فبصرك اليوم حديد) ~~يعني نظرك إلى لسان ميزانك حين توزن سيئاتك وحسناتك. وقاله الضحاك. # وقيل: يعاين ما يصير إليه من ثواب وعقاب. وهو معنى قول ابن عباس. وقيل: ~~يعني أن ms5841 الكافر يحشر وبصره حديد ثم يزرق ويعمى. وقرئ (لقد كنت) (عنك) ~~(فبصرك) بالكسر على خطاب النفس. # قوله تعالى: وقال قرينه هذا ما لدي عتيد (23) ألقيا في جهنم كل كفار عنيد ~~(24) مناع للخير معتد مريب (25) الذي جعل مع الله إلها آخر فألقياه في ~~العذاب الشديد (26) قال قرينه ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد (27) ~~قال لا تختصموا لدى وقد قدمت إليكم بالوعيد (28) ما يبدل القول لدى وما أنا ~~بظالم للعبيد (29) PageV17P015 # قوله تعالى: (وقال قرينه) يعني الملك الموكل به في قول الحسن وقتادة ~~والضحاك. # (هذا ما لدى عتيد) أي هذا ما عندي من كتابة عمله معد محفوظ. وقال مجاهد: ~~يقول هذا الذي وكلتني به من بني آدم قد أحضرته وأحضرت ديوان عمله. وقيل: ~~المعنى هذا ما عندي من العذاب حاضر. وعن مجاهد أيضا: قرينه الذي قيض له من ~~الشياطين. # وقال ابن زيد في رواية ابن وهب عنه: إنه قرينه من الانس، فيقول الله ~~تعالى لقرينه: # (ألقيا في جهنم) قال الخليل والأخفش: هذا كلام العرب الفصيح أن تخاطب ~~الواحد بلفظ الاثنين فتقول: ويلك ارحلاها وازجراها، وخذاه وأطلقاه للواحد. ~~قال الفراء: # تقول للواحد قوما عنا، وأصل ذلك أن أدنى، أعوان الرجل في إبله وغنمه ~~ورفقته في سفره اثنان فجرى كلام الرجل على صاحبيه، ومنه قولهم للواحد في ~~الشعر: خليلي، ثم يقول: # يا صاح. قال امرؤ القيس: # خليلي مرابي على أم جندب * نقض لبانات الفؤاد المعذب وقال أيضا: # قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل * بسقط اللوى بين الدخول فحومل وقال آخر: # فإن تزجراني يا بن عفان أنزجر * وإن [تدعاني (1) أحم عرضا ممنعا وقيل: ~~جاء كذلك لان القرين يقع للجماعة والاثنين. وقال المازني: قوله (ألقيا) يدل ~~على ألق ألق. وقال المبرد: هي تثنية على التوكيد، المعنى ألق ألق فناب ~~(ألقيا) مناب التكرار. ويجوز أن يكون (ألقيا) تثنية على خطاب الحقيقة من ~~قول الله تعالى يخاطب به الملكين. وقيل: هو مخاطبة للسائق والحافظ. وقيل: ~~إن الأصل ألقين بالنون الخفيفة تقلب في الوقف ألفا فحمل الوصل على ms5842 الوقف. ~~وقرأ الحسن (ألقين) بالنون الخفيفة نحو قوله: (وليكونا من الصاغرين (2)) ~~وقوله: (لنسفعا (3)). (كل كفار عنيد) # PageV17P016 # أي معاند، قاله مجاهد وعكرمة. وقال بعضهم: العنيد المعرض عن الحق، يقال ~~عند يعند بالكسر عنودا أي خالف ورد الحق وهو يعرفه فهو عنيد وعاند، وجمع ~~العنيد عند مثل رغيف ورغف. (مناع للخير) يعنى الزكاة المفروضة وكل حق واجب. ~~(معتد) في منطقه وسيرته وأمره، ظالم. (مريب) شاك في التوحيد، قاله الحسن ~~وقتادة. يقال: أراب الرجل فهو مريب إذا جاء بالريبة. وهو المشرك يدل عليه ~~قوله تعالى: (الذي جعل مع الله إلها آخر). وقيل: نزلت في الوليد بن ~~المغيرة. وأراد بقوله: (مناع للخير) أنه كان يمنع بني أخيه من الاسلام. ~~(فألقياه العذاب الشديد) تأكيد للامر الأول. (قال قرينه ربنا ما أطغيته) ~~يعني الشيطان الذي قيض لهذا الكافر العنيد تبرأ منه وكذبه. (ولكن كان في ~~ضلال بعيد) عن الحق وكان طاغيا باختياره وإنما دعوته فاستجاب لي. وقرينه ~~هنا هو شيطانه بغير اختلاف. حكاه المهدوي. وحكى الثعلبي قال ابن عباس ~~ومقاتل: قرينه الملك، وذلك أن الوليد بن المغيرة يقول للملك الذي كان يكتب ~~سيئاته: رب إنه أعجلني، فيقول الملك: ربنا ما أطغيته أي ما أعجلته. وقال ~~سعيد بن جبير: يقول الكافر رب إنه زاد علي في الكتابة، فيقول الملك: ربنا ~~ما أطغيته أي ما زدت عليه في الكتابة، فحينئذ يقول الله تعالى: (لا تختصموا ~~لدى) يعني الكافرين وقرناءهم من الشياطين. قال القشيري: # وهذا يدل على أن القرين الشيطان. (وقد قدمت إليكم بالوعيد) أي أرسلت ~~الرسل. # وقيل: هذا خطاب لكل من اختصم. وقيل: هو للاثنين وجاء بلفظ الجمع. (ما ~~يبدل القول لدى) قيل هو قوله: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء ~~بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها (1)) وقيل هو قوله: (لأملأن جهنم من الجنة ~~والناس أجمعين (2)). وقال الفراء: # ما يكذب عندي أي ما يزاد في القول ولا ينقص لعلمي بالغيب. (وما أنا بظلام ~~للعبيد) أي ما أنا بمعذب من لم يجرم، قاله ابن عباس. وقد مضى القول ms5843 في ~~معناه في (الحج (3)) وغيرها. # PageV17P017 # قوله تعالى: يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد (30) وألفت الجنة ~~للمتقين غير بعيد (31) هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ (32) من خشى الرحمان ~~بالغيب وجاء بقلب منيب (33) ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود (34) لهم ما ~~يشاءون فيها ولدينا مزيد (35) قوله تعالى: (يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول ~~هل من مزيد) قرأ نافع وأبو بكر (يوم يقول) بالياء اعتبارا بقوله: (لا ~~تختصموا لدي). الباقون بالنون على الخطاب من الله تعالى وهي نون العظمة ~~(1). وقرأ الحسن (يوم أقول). وعن ابن مسعود وغيره (يوم يقال). وانتصب (يوم) ~~علي معنى ما يبدل القول لدي يوم. وقيل: بفعل مقدر معناه: وأنذرهم (يوم نقول ~~لجهنم هل امتلأت) لما سبق من وعده إياها أنه يملؤها. وهذا الاستفهام على ~~سبيل التصديق لخبره، والتحقيق لوعده، والتقريع لأعدائه، والتنبيه لجميع ~~عباده. (وتقول) جهنم (هل من مزيد) أي ما بقي في موضع للزيادة، كقوله عليه ~~السلام: (هل ترك لنا عقيل من ربع أو منزل) أي ما ترك، فمعنى الكلام الجحد. ~~ويحتمل أن يكون استفهاما بمعنى الاستزادة، أي هل من مزيد فأزداد؟. وإنما ~~صلح هذا للوجهين، لان في الاستفهام ضربا من الجحد. وقيل: ليس ثم قول وإنما ~~هو على طريق المثل، أي إنها فيما يظهر من حالها بمنزلة الناطقة بذلك، كما ~~قال الشاعر: # امتلأ الحوض وقال قطني * مهلا رويدا قد ملأت بطني وهذا تفسير مجاهد ~~وغيره. أي هل في من مسلك قد امتلأت. وقيل: ينطق الله النار حتى تقول هذا ~~كما تنطق الجوارح. وهذا أصح على ما بيناه في سورة (الفرقان (2)). # وفي صحيح مسلم والبخاري والترمذي عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # PageV17P018 # (لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول هل من مزيد حتى يضع رب العزة فيها قدمه ~~فينزوي (1) بعضها إلى بعض وتقول قط قط بعزتك وكرمك ولا يزال في الجنة فضل ~~حتى ينشئ الله لها خلقا فيسكنهم فضل الجنة) لفظ مسلم. وفي رواية أخرى من ~~حديث أبي هريرة: (وأما النار فلا ms5844 تمتلئ حتى يضع الله عليها رجله يقول لها ~~قط قط فهنالك تمتلئ وينزوي بعضها إلى بعض فلا يظلم الله من خلقه أحدا وأما ~~الجنة فإن الله ينشئ لها خلقا). قال علماؤنا رحمهم الله: أما معنى القدم ~~هنا فهم قوم يقدمهم الله إلى النار، وقد سبق في علمه أنهم من أهل النار. ~~وكذلك الرجل وهو العدد الكثير من الناس وغيرهم، يقال: رأيت رجلا من الناس ~~ورجلا من جراد، قال الشاعر: # فمر بنا رجل من الناس وانزوى * إليهم من الحي اليمانين أرجل قبائل من لخم ~~وعكل وحمير * على ابني نزار بالعداوة أحفل ويبين هذا المعنى ما روي عن ابن ~~مسعود أنه قال: ما في النار بيت ولا سلسلة ولا مقمع ولا تابوت إلا وعليه ~~اسم صاحبه، فكل واحد من الخزنة ينتظر صاحبه الذي قد عرف اسمه وصفته، فإذا ~~استوفى [كل واحد منهم (2)] ما أمر به وما ينتظره ولم يبق منهم أحد قال ~~الخزنة: # قط قط حسبنا حسبنا أي اكتفينا اكتفينا، وحينئذ تنزوي جهنم على من فيها ~~وتنطبق إذ لم يبق أحد ينتظر. فعبر عن ذلك الجمع المنتظر بالرجل والقدم، ~~ويشهد لهذا التأويل قوله في نفس الحديث: (ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشئ ~~الله لها خلقا فيسكنهم فضل الجنة) وقد زدنا هذا المعنى بيانا ومهدناه في ~~كتاب الأسماء والصفات من الكتاب الأسنى والحمد لله. # وقال النضر بن شميل في معنى قوله عليه السلام: (حتى يضع الجبار فيها ~~قدمه) أي من سبق في علمه أنه من أهل النار. # قوله تعالى: (وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد) أي فربت منهم. وقيل: هذا ~~قبل الدخول في الدنيا، أي قربت من قلوبهم حين قيل لهم اجتنبوا المعاصي. ~~وقيل: بعد الدخول # PageV17P019 # قربت لهم مواضعهم فيها فلا تبعد. (غير بعيد) أي منهم وهذا تأكيد. (هذا ما ~~توعدون) أي ويقال لهم هذا الجزاء الذي وعدتم في الدنيا على ألسنة الرسل. ~~وقراءة العامة (توعدون) بالتاء على الخطاب. وقرأ ابن كثير بالياء على ~~الخبر، لأنه أتى بعد ذكر المتقين. (لكل أواب حفيظ) ms5845 أواب أي رجاع إلى الله ~~عن المعاصي، ثم يرجع يذنب ثم يرجع، هكذا قاله الضحاك وغيره. وقال ابن عباس ~~وعطاء: الأواب المسبح من قوله: (يا جبال أوبي معه (1)). # وقال الحكم بن عتيبة: هو الذاكر لله تعالى في الخلوة. وقال الشعبي ~~ومجاهد: هو الذي يذكر ذنوبه في الخلوة فيستغفر الله منها. وهو قول ابن ~~مسعود. وقال عبيد بن عمير: هو الذي لا يجلس مجلسا حتى يستغفر الله تعالى ~~فيه. وعنه قال: كنا نحدث أن الأواب الحفيظ الذي إذا قام من مجلسه قال سبحان ~~الله وبحمده، اللهم إني أستغفرك مما أصبت في مجلسي هذا. # وفي الحديث: (من قال إذا قام من مجلسه سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا ~~أنت أستغفرك وأتوب إليك غفر الله له ما كان في ذلك المجلس). وهكذا كان ~~النبي صلى صلى الله عليه وسلم يقول. وقال بعض العلماء: أنا أحب أن أقول ~~أستغفرك وأسألك التوبة، ولا أحب أن أقول وأتوب إليك إلا على حقيقته. # قلت: هذا استحسان وأتباع الحديث أولى. وقال أبو بكر الوراق: هو المتوكل ~~على الله في السراء والضراء. وقال القاسم: هو الذي لا يشتغل إلا بالله عز ~~وجل. (حفيظ) قال ابن عباس: هو الذي حفظ ذنوبه حتى يرجع عنها. وقال قتادة: ~~حفيظ لما أستودعه الله من حقه ونعمته وأتمنه عليه. وعن ابن عباس أيضا: هو ~~الحافظ لأمر الله. مجاهد: هو الحافظ لحق الله تعالى بالاعتراف ولنعمه ~~بالشكر. قال الضحاك: هو الحافظ لوصية الله تعالى بالقبول. وروى مكحول عن ~~أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من حافظ على أربع ركعات ~~من أول النهار كان أوابا حفيظا) ذكره الماوردي. # قوله تعالى: (من خشى الرحمن بالغيب) (من) في محل خفض على البدل من قوله: # (لكل أواب حفيظ) أوفي موضع الصفة ل (أواب). ويجوز الرفع على الاستئناف، ~~والخبر # PageV17P020 # (ادخلوها) على تقدير حذف جواب الشرط والتقدير فيقال لهم: (أدخلوها). ~~والخشية بالغيب أن تخافه ولم تره. وقال الضحاك والسدي: يعني في الخلوة حين ~~لا يراه أحد. وقال ms5846 الحسن: إذا أرخى الستر وأغلق الباب. (وجاء بقلب منيب) ~~مقبل على الطاعة. وقيل: # مخلص. وقال أبو بكر الوراق: علامة المنيب أن يكون عارفا لحرمته ومواليا ~~له، متواضعا لجلاله تاركا لهوى نفسه. # قلت: ويحتمل أن يكون القلب المنيب القلب السليم، كما قال تعالى: (إلا من ~~أتى الله بقلب سليم) على ما تقدم (1)، والله أعلم. (ادخلوها) أي يقال لأهل ~~هذه الصفات: # (أدخلوها بسلام ذلك يوم الخلود) أي بسلامة من العذاب. وقيل: بسلام من ~~الله وملائكته عليهم. وقيل: بسلامة من زوال النعم. وقال: (أدخلوها) وفي أول ~~الكلام (من خشي)، لان (من) تكون بمعنى الجمع. # قوله تعالى: (لهم ما يشاءون فيها) يعني ما تشتهيه أنفسهم وتلذ أعينهم. ~~(ولدينا مزيد) من النعم مما لم يخطر على بالهم. وقال أنس وجابر: المزيد ~~النظر إلى وجه الله تعالى بلا كيف. وقد ورد ذلك في أخبار مرفوعة إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: # (للذين أحسنوا الحسنى (2) وزيادة) قال: الزيادة النظر إلى وجه الله ~~الكريم. وذكر ابن المبارك ويحيى بن سلام، قالا: أخبرنا المسعودي عن المنهال ~~بن عمرو عن أبي عبيدة بن عبد الله ابن عتبة عن ابن مسعود قال: تسارعوا إلى ~~الجمعة فإن الله تبارك وتعالى يبرز لأهل الجنة كل يوم جمعة في كثيب من ~~كافور أبيض فيكونون منه في القرب. قال ابن المبارك: على قدر تسارعهم إلى ~~الجمعة في الدنيا. وقال يحيى بن سلام: لمسارعتهم إلى الجمع في الدنيا، وزاد ~~(فيحدث الله لهم من الكرامة شيئا لم يكونوا رأوه قبل ذلك). قال يحيى: وسمعت ~~غير المسعودي يزيد فيه قوله تعالى: (ولدينا مزيد). # PageV17P021 # قلت: قوله (في كثيب) يريد أهل الجنة، أي وهم على كثب، كما في مرسل الحسن، ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أهل الجنة ينظرون ربهم في كل ~~يوم جمعة على كثيب من كافور) الحديث. وقد ذكرناه في كتاب (التذكرة). وقيل: ~~إن المزيد ما يزوجون به من الحور العين، رواه أبو سعيد الخدري مرفوعا. # قوله تعالى: وكم أهلكنا قبلهم من ms5847 قرن هم أشد منهم بطشا فنقبوا في البلاد ~~هل من محيص (36) ان في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ~~(37) ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب ~~(38) قوله تعالى: (وكم أهلكنا قبلهم من قرن) أي كم أهلكنا يا محمد قبل قومك ~~من أمة هم أشد منهم بطشا وقوة. (فنقبوا في البلاد) أي ساروا فيها طلبا ~~للمهرب. وقيل: أثروا في البلاد، قاله ابن عباس. وقال مجاهد: ضربوا وطافوا. ~~وقال النضر بن شميل: دوروا. # وقال قتادة: طوفوا. وقال المؤرج تباعدوا، ومنه قول امرئ القيس: # وقد نقبت في الآفاق حتى * رضيت من الغنيمة بالإياب ثم قيل: طافوا في ~~أقاصي البلاد طلبا للتجارات، وهل وجدوا من الموت محيصا؟. # وقيل: طوفوا في البلاد يلتمسون محيصا من الموت. قال الحرث بن حلزة: # نقبوا في البلاد من حذر الموت * وجالوا في الأرض كل مجال وقرأ الحسن وأبو ~~العالية (فنقبوا) بفتح القاف وتخفيفها. والنقب هو الخرق والدخول في الشئ. ~~وقيل: النقب الطريق في الجبل، وكذلك المنقب والمنقبة، عن ابن السكيت. # ونقب الجدار نقبا، واسم تلك النقبة نقب أيضا، وجمع النقب النقوب، أي ~~خرقوا البلاد وساروا في نقوبها. وقيل: أثروا فيها كتأثير الحديد فيما ينقب. ~~وقرأ السلمي يحيى بن يعمر (فنقبوا) بكسر القاف والتشديد على الامر بالتهديد ~~والوعيد، أي طوفوا البلاد وسيروا PageV17P022 # فيها فانظروا (هل من) الموت (محيص) ومهرب، ذكره الثعلبي. وحكى القشيري ~~(فنقبوا) بكسر القاف مع التخفيف، أي أكثروا السير فيها حتى نقبت دوابهم ~~الجوهري: # ونقب البعير بالكسر إذا رقت أخفافه، وأنقب الرجل إذا نقب بعيره، ونقب ~~الخف الملبوس أي تخرق. والمحيص مصدر حاص عنه يحيص حيصا وحيوصا ومحيصا ~~ومحاصا وحيصانا، أي عدل وحاد. يقال: ما عنه محيص أي محيد ومهرب. والانحياص ~~مثله، يقال للأولياء: # حاصوا عن العدو وللأعداء انهزموا. # قوله تعالى: (ان في ذلك لذكرى) أي فيما ذكرناه في هذه السورة تذكرة ~~وموعظة (لمن كان له قلب) أي عقل يتدبر به، فكنى بالقلب عن العقل لأنه ~~موضعه، ms5848 قال معناه مجاهد وغيره. وقيل: لمن كان له حياة ونفس مميزة، فعبر عن ~~النفس الحية بالقلب، لأنه وطنها ومعدن حياتها، كما قال أمرؤ القيس: # أغرك مني أن حبك قاتلي * وأنك مهما تأمري القلب يفعل وفي التنزيل: (لينذر ~~من كان حيا (1)). وقال يحيى بن معاذ: القلب قلبان، قلب محتش بأشغال الدنيا ~~حتى إذا حضر أمر من الأمور الآخرة لم يدر ما يصنع، وقلب قد احتشى بأهوال ~~الآخرة حتى إذا حضر أمر من أمور الدنيا لم يدر ما يصنع لذهاب قلبه في ~~الآخرة. # (أو ألقى السمع) أي أستمع القرآن. تقول العرب: ألق إلى سمعك أي أستمع. ~~وقد مضى في (طه (2)) كيفية الاستماع وثمرته. (وهو شهيد) أي شاهد القلب، قال ~~الزجاج: أي قلبه حاضر فيما يسمع. وقال سفيان: أي لا يكون حاضرا وقلبه غائب. ~~ثم قيل: الآية لأهل الكتاب، قاله مجاهد وقتادة. وقال الحسن: إنها في اليهود ~~والنصارى خاصة. وقال محمد ابن كعب وأبو صالح: إنها في أهل القرآن خاصة. # قوله تعالى: (ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما ~~مسنا من لغوب) تقدم في (الأعراف (3)) وغيرها. واللغوب التعب والاعياء، تقول ~~منه: لغب # PageV17P023 # يلغب بالضم لغوبا، ولغب بالكسر يلغب لغوبا لغة ضعيفة فيه. وألغبته أنا أي ~~أنصبته. # قال قتادة والكلبي: هذه الآية نزلت في يهود المدينة، زعموا أن الله تعالى ~~خلق السماوات والأرض في ستة أيام، أولها يوم الأحد وآخرها يوم الجمعة، ~~واستراح يوم السبت، فجعلوه راحة، فأكذبهم الله تعالى في ذلك. # قوله تعالى: فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل ~~الغروب (39) ومن الليل فسبحه وأدبار السجود (40) فيه خمس مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (فاصبر على ما تقولون) خطاب للنبي صلى الله عليه ~~وسلم، أمره بالصبر على ما يقوله المشركون، أي هون أمرهم عليك. ونزلت قبل ~~الامر بالقتال فهي منسوخة. وقيل: هو ثابت للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته. ~~وقيل معناه: فاصبر على ما يقوله اليهود من قولهم: إن الله استراح يوم ~~السبت. # الثانية - قوله تعالى: (وسبح بحمد ms5849 ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب) قيل: ~~إنه أراد (1) به الصلوات الخمس. قال أبو صالح: قبل طلوع الشمس صلاة الصبح، ~~وقبل الغروب صلاة العصر. ورواه جرير بن عبد الله مرفوعا، قال: كنا جلوسا ~~عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ نظر إلى القمر ليلة البدر، فقال: (أما ~~انكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته فإن استطعتم ألا ~~تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها - يعني العصر والفجر ثم قرأ ~~جرير - (وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها (2))) متفق عليه واللفظ ~~لمسلم. وقال ابن عباس: (قبل الغروب) الظهر والعصر. (ومن الليل فسبحه) يعني ~~صلاة العشاءين. وقيل: المراد تسبيحه بالقول تنزيها قبل طلوع الشمس وقبل ~~الغروب، قاله عطاء الخراساني وأبو الأحوص. وقال بعض العلماء في قوله: # (قبل طلوع الشمس) قال ركعتي الفجر (وقبل الغروب) الركعتين قبل المغرب، ~~وقال ثمامة # PageV17P024 # ابن عبد الله بن أنس: كان ذوو الألباب من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ~~يصلون الركعتين قبل المغرب. وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال: كنا ~~بالمدينة فإذا أذن المؤذن لصلاة المغرب ابتدروا السواري (1) فركعوا ركعتين، ~~حتى إن الرجل الغريب ليدخل المسجد فيحسب أن الصلاة قد صليت من كثرة من ~~يصليهما. وقال قتادة: ما أدركت أحدا يصلي الركعتين إلا أنسا وأبا برزة ~~الأسلمي. # الثالثة - قوله تعالى: (ومن الليل فسبحه وأدبار السجود) فيه أربعة أقوال: # الأول - هو تسبيح الله تعالى في الليل، قال أبو الأحوص. الثاني - أنها ~~صلاة الليل كله، قال مجاهد. الثالث - أنها ركعتا الفجر، قاله ابن عباس. ~~الرابع - أنها صلاة العشاء الآخرة، قاله ابن زيد. قال ابن العربي: من قال ~~إنه التسبيح في الليل فيعضده الصحيح (من تعار (2) من الليل فقال لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير سبحان الله ~~والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى ~~العظيم). وأما من قال إنها الصلاة بالليل فإن الصلاة ms5850 تسمى تسبيحا لما فيها ~~من تسبيح الله، ومنه سبحة الضحى. وأما من قال إنها صلاة الفجر أو العشاء ~~فلأنهما من صلاة الليل، والعشاء أوضحه. # الرابعة - قوله تعالى: (وأدبار السجود) قال عمر وعلي وأبو هريرة والحسن ~~بن علي والحسن البصري والنخعي والشعبي والأوزاعي والزهري: أدبار السجود ~~الركعتان بعد المغرب، وأدبار النجوم الركعتان قبل الفجر، ورواه العوفي عن ~~ابن عباس، وقد رفعه ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~(ركعتان بعد المغرب أدبار السجود) ذكره الثعلبي. ولفظ الماوردي: وروي عن ~~ابن عباس قال: بت ليلة عند النبي صلى الله عليه وسلم فصلى ركعتين قبل ~~الفجر، ثم خرج إلى الصلاة فقال: (يا بن عباس ركعتان قبل الفجر أدبار النجوم ~~وركعتان بعد المغرب أدبار السجود). وقال أنس: قال النبي صلى الله # PageV17P025 # عليه وسلم (من صلى ركعتين بعد المغرب قبل أن يتكلم كتبت صلاته في عليين). ~~قال أنس فقرأ في الركعة الأولى (قل يا أيها الكافرون) وفي الثانية (قل هو ~~الله أحد) قال مقاتل: # ووقتها ما لم يغرب الشفق الأحمر. وعن ابن عباس أيضا: هو الوتر. قال ابن ~~زيد: هو النوافل بعد الصلوات، ركعتان بعد كل صلاة مكتوبة، قال النحاس: ~~والظاهر يدل على هذا إلا أن الأولى اتباع الأكثر وهو صحيح عن علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه. وقال أبو الأحوص: # هو التسبيح في أدبار السجود. قال ابن العربي وهو الأقوى في النظر. وفي ~~صحيح الحديث: # أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في دبر الصلاة المكتوبة (لا إله ~~إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير اللهم لا ~~مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد (1)) وقيل: ~~إنه منسوخ بالفرائض فلا يجب على أحد إلا خمس صلوات، نقل ذلك الجماعة. # الخامسة - قرأ نافع وابن كثير وحمزة (وإدبار السجود) بكسر الهمزة على ~~المصدر من أدبر الشئ إدبارا إذا ولى. الباقون بفتحها جمع دبر. وهي قراءة ~~علي وابن عباس، ms5851 ومثالها طنب وأطناب، أو دبر كقفل وأقفال. وقد استعملوه ظرفا ~~نحو جئتك في دبر الصلاة وفي أدبار الصلاة. ولا خلاف في آخر (والطور). ~~(وإدبار النجوم) أنه بالكسر مصدر، وهو ذهاب ضوئها إذا طلع الفجر الثاني، ~~وهو البياض المنشق من سواد الليل. # قوله تعالى: واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب (41) يوم يسمعون الصيحة ~~بالحق ذلك يوم الخروج (42) انا نحن نحى ونميت والينا المصير (43) يوم تشقق ~~الأرض عنهم سراعا ذلك حشر علينا يسير (44) نحن أعلم بما يقولون وما أنت ~~عليهم بجبار فذكر بالقرءان من يخاف وعيد (45) # PageV17P026 # قوله تعالى: (واستمع يوم ينادى المنادى من مكان قريب) مفعول الاستماع ~~محذوف، أي استمع النداء والصوت أو الصيحة وهي صيحة القيامة، وهي النفخة ~~الثانية، والمنادي جبريل. وقيل: إسرافيل. الزمخشري: وقيل إسرافيل ينفخ ~~وجبريل ينادي، فينادي بالحشر ويقول: هلموا إلى الحساب فالنداء على هذا في ~~المحشر. وقيل: واستمع نداء الكفار بالويل والثبور من مكان قريب، أي يسمع ~~الجميع فلا يبعد أحد عن ذلك النداء. قال عكرمة: # ينادي منادي الرحمن فكأنما ينادي في آذانهم. وقيل: المكان القريب صخرة ~~بيت المقدس. # ويقال: إنها وسط الأرض وأقرب الأرض من السماء باثني عشر ميلا. وقال كعب: ~~بثمانية عشر ميلا، ذكر الأول القشيري والزمخشري، والثاني الماوردي. فيقف ~~جبريل أو إسرافيل على الصخرة فينادي بالحشر: أيتها العظام البالية، ~~والأوصال المتقطعة، ويا عظاما نخرة، ويا أكفانا فانية، ويا قلوبا خاوية، ~~ويا أبدانا فاسدة، ويا عيونا سائلة، قوموا لعرض رب العالمين. # قال قتادة: هو إسرافيل صاحب الصور. (يوم يسمعون الصيحة بالحق) يعني صيحة ~~البعث. ومعنى (الخروج) الاجتماع إلى الحساب. (ذلك يوم الخروج) أي يوم ~~الخروج من القبور. (انا نحن نحيي ونميت) نميت الاحياء ونحيي الموتى، أثبت ~~هنا الحقيقة (يوم تشقق الأرض عنهم سراعا) إلى المنادي صاحب الصور إلى بيت ~~المقدس. (ذلك حشر علينا يسير) أي هين سهل. وقرأ الكوفيون (تشقق) بتخفيف ~~الشين على حذف التاء الأولى. الباقون بإدغام التاء في الشين. وأثبت ابن ~~محيصن وابن كثير ويعقوب ياء (المنادي) في الحالين على الأصل، وأثبتها ms5852 نافع ~~وأبو عمرو في الوصل لا غير، وحذف الباقون في الحالين. # قلت: وقد زادت السنة هذه الآية بيانا، فروى الترمذي عن معاوية بن حيدة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ذكره، قال وأشار بيده إلى الشام فقال: ~~(من ها هنا إلى ها هنا تحشرون ركبانا ومشاة وتجرون على وجوهكم يوم القيامة ~~على أفواهكم الفدام توفون سبعين أمة أنتم خيرهم وأكرمهم على الله وإن أول ~~ما يعرب عن أحدكم فخذه) في رواية أخرى (فخذه وكفه) وخرج علي بن معبد عن أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ذكره: PageV17P027 # ثم يقول - يعني الله تعالى - لإسرافيل: (أنفخ نفخة البعث فينفخ فتخرج ~~الأرواح كأمثال النحل قد ملأت ما بين السماء والأرض فيقول الله عز وجل ~~وعزتي وجلالي ليرجعن كل روح إلى جسده فتدخل الأرواح في الأرض إلى الأجساد ~~ثم تدخل في الخياشيم فتمشي في الأجساد مشي السم في اللديغ ثم تنشق الأرض ~~عنكم وأنا أول من تنشق عنه الأرض فتخرجون منها شبابا كلكم أبناء ثلاث ~~وثلاثين واللسان يومئذ بالسريانية) وذكر الحديث، وقد ذكرنا جميع هذا وغيره ~~في (التذكرة) مستوفى والحمد لله. # قوله تعالى: (نحن أعلم بما يقولون) أي من تكذيبك وشتمك. (وما أنت عليهم ~~بجبار) أي بمسلط تجبرهم على الاسلام، فتكون الآية منسوخة بالامر بالقتال. ~~والجبار من الجبرية والتسلط إذ لا يقال جبار بمعنى مجبر، كما لا يقال خراج ~~بمعنى مخرج، حكاه القشيري. # النحاس: وقيل معنى جبار لست تجبرهم، وهو خطأ لأنه لا يكون فعال من أفعل. ~~وحكى الثعلبي: وقال ثعلب قد جاءت أحرف فعال بمعنى مفعل وهي شاذة، جبار ~~بمعنى مجبر، ودراك بمعنى مدرك، وسراع بمعنى مسرع، وبكاء بمعنى مبك، وعداء ~~بمعنى معد. وقد قرئ (وما أهديكم إلا سبيل الرشاد (1)) بتشديد الشين بمعنى ~~المرشد وهو موسى. وقيل: هو الله. # وكذلك قرئ (أما السفينة فكانت لمساكين (2)) يعني ممسكين. وقال أبو حامد ~~الخار زنجي (3): # تقول العرب: سيف سقاط بمعنى مسقط. وقيل: (بجبار) بمسيطر كما في الغاشية ~~(4) (لست عليهم بمصيطر). وقال ms5853 الفراء: سمعت من العرب من يقول جبره على ~~الامر أي قهره، فالجبار من هذه اللغة بمعنى القهر صحيح. قيل: الجبار من ~~قولهم جبرته على الامر أي أجبرته وهي لغة كنانية وهما لغتان. الجوهري: ~~وأجبرته على الامر أكرهته عليه، وأجبرته أيضا نسبته إلى [الجبر، كما تقول ~~أكفرته إذا نسبته إلى الكفر (5)]. (فذ كر بالقرآن من يخاف وعيد) قال ابن ~~عباس: قالوا يا رسول الله لو خوفتنا فنزلت: (فذكر بالقرآن من يخاف وعيد) أي ~~ما أعددته لمن عصاني من العذاب، فالوعيد العذاب والوعد الثواب، قال الشاعر: # PageV17P028 # وإني وإن أوعدته أو وعدته * لمخلف إيعادي ومنجز موعدي وكان قتادة يقول: ~~اللهم اجعلنا ممن يخاف وعيدك ويرجو موعدك. وأثبت الياء في (وعيدي) يعقوب في ~~الحالين، وأثبتها ورش في الوصل دون الوقف، وحذف الباقون في الحالين. والله ~~أعلم. تم تفسير سورة (ق) والحمد لله. # سورة والذاريات مكية في قول الجميع، وهي ستون آية بسم الله الرحمن الرحيم ~~والذاريات ذروا (1) فالحاملات وقرا (2) فالجاريات يسرا (3) فالمقسمات أمرا ~~(4) انما توعدون لصادق (5) وان الدين لواقع (6) قوله تعالى: (والذاريات ~~ذروا) قال أبو بكر الأنباري: حدثنا عبد الله بن ناجية، حدثنا يعقوب بن ~~إبراهيم، حدثنا مكي بن إبراهيم، حدثنا الجعيد بن عبد الرحمن، عن يزيد ابن ~~خصيفة، عن السائب بن يزيد أن رجلا قال لعمر رضي الله عنه: إني مررت برجل ~~(1) يسأل عن تفسير مشكل القرآن، فقال عمر: اللهم أمكني منه، فداخل الرجل ~~على عمر يوما وهو لا بس ثيابا وعمامة وعمر يقرأ القرآن، فلما فرغ قام إليه ~~الرجل فقال: يا أمير المؤمنين ما (الذاريات ذروا) فقام عمر فحسر عن ذراعيه ~~وجعل يجلده، ثم قال: ألبسوه ثيابه واحملوه على قتب وأبلغوا به حيه، ثم ليقم ~~خطيبا فليقل: إن صبيغا (1) طلب العلم فأخطأه، فلم يزل وضيعا في قومه بعد أن ~~كان سيدا فيهم. وعن عامر بن واثلة أن أبن الكواء سأل عليا رضي الله عنه، ~~فقال: # يا أمير المؤمنين ما (الذاريات ذروا) [قال]: ويلك سل تفقها ولا تسأل ~~تعنتا (والذاريات ذروا) الرياح (فالحاملات ms5854 وقرا) السحاب (فالجاريات يسرا) ~~السفن (فالمقسمات أمرا) الملائكة. وروى الحرث عن علي رضي الله عنه ~~(والذاريات ذروا) # PageV17P029 # قال: الرياح (فالحاملات وقرا) قال: السحاب تحمل الماء كما تحمل ذوات ~~الأربع الوقر (فالجاريات يسرا) قال: السفن موقرة (فالمقسمات أمرا) قال: ~~الملائكة تأتي بأمر مختلف، جبريل بالغلظة، وميكائيل صاحب الرحمة، وملك ~~الموت يأتي بالموت. وقال الفراء: وقيل تأتي بأمر مختلف من الخصب والجدب ~~والمطر والموت والحوادث (1). ويقال: # ذرت الريح التراب تذروه ذروا وتذرية ذريا. ثم قيل: (والذاريات) وما بعده ~~أقسام، وإذا أقسم الرب بشئ أثبت له شرفا. وقيل: المعنى ورب الذاريات، ~~والجواب (إنما توعدون) أي الذي توعدونه من الخير والشر والثواب والعقاب ~~(لصادق) لا كذب فيه، ومعنى (لصادق) لصدق، وقع الاسم موقع المصدر. (وان ~~الدين لواقع) يعنى الجزاء نازل (2) بكم. ثم ابتدا أقسما آخر فقال: (والسماء ~~ذات الحبك. انكم لفي قول مختلف) وقيل: إن الذاريات النساء الولودات لأن في ~~ذرايتهن ذرو الخلق، لأنهن يذرين الأولاد فصرن ذاريات، وأقسم بهن لما في ~~ترائبهن من خيرة عباده الصالحين. وخص النساء بذلك دون الرجال وإن كان كل ~~واحد منهما ذاريا لامرين: أحدهما لأنهن أوعية دون الرجال، فلاجتماع الذروين ~~فيهن خصصن بالذكر. الثاني - أن الذرو فيهن أطول زمانا، وهن بالمباشرة أقرب ~~عهدا. (فالحاملات وقرا) السحاب. وقيل: الحاملات من النساء إذا ثقلن بالحمل. ~~والوقر بكسر الواو ثقل الحمل على ظهر أو في بطن، يقال: جاء يحمل وقره وقد ~~أوقر بعيره. وأكثر ما يستعمل الوقر في حمل البغل والحمار، والوسق في حمل ~~البعير. وهذه امرأة موقرة بفتح القاف إذا حملت حملا ثقيلا. وأوقرت النخلة ~~كثر حملها، يقال: نخلة موقرة وموقر وموقرة، وحكي موقر وهو على غير القياس، ~~لان الفعل للنخلة. # وإنما قيل: موقر بكسر القاف على [قياس (3)] قولك امرأة حامل، لان حمل ~~الشجر مشبه بحمل النساء، فأما موقر بالفتح فشاذ، وقد روي في قول لبيد يصف ~~نخيلا: # عصب كوارع في خليج محلم * حملت فمنها موقر مكموم # PageV17P030 # والجمع مواقر. فأما الوقر بالفتح فهو ثقل الاذن، وقد وقرت أذنه توقر وقرا ms5855 ~~أي صمت، وقياس مصدره التحريك إلا أنه جاء بالتسكين وقد تقدم في (الانعام ~~(1) القول فيه. # (فالجاريات يسرا) السفن تجري بالرياح يسرا إلى حيث سيرت. وقيل: السحاب، ~~وفي جريها يسرا على هذا القول وجهان: أحدهما - إلى حيث يسيرها الله تعالى ~~من البلاد والبقاع. الثاني - هو سهولة تسييرها، وذلك معروف عند العرب، كما ~~قال الأعشى: # كأن مشيتها من بيت جارتها * مشي السحابة لا ريث ولا عجل قوله تعالى: ~~والسماء ذات الحبك (7) انكم لفي قول مختلف (8) يؤفك عنه من أفك (9) قتل ~~الخراصون (10) الذين هم في غمرة ساهون (11) يسئلون أيان يوم الدين (12) يوم ~~هم على النار يفتنون (13) ذوقوا فتنتكم هذا الذي كنتم به تستعجلون (14) ~~قوله تعالى: (والسماء ذات الحبك) قيل: المراد بالسماء ها هنا السحب التي ~~تظل الأرض. وقيل: السماء المرفوعة. ابن عمر: هي السماء السابعة، ذكره ~~المهدوي والثعلبي والماوردي وغيرهم. وفي (الحبك) أقوال سبعة: الأول - قال ~~ابن عباس وقتادة ومجاهد والربيع: ذات الخلق الحسن المستوي. وقاله عكرمة، ~~قال: ألم تر إلى النساج إذا نسج الثوب فأجاد نسجه، يقال منه حبك الثوب ~~يحبكه بالكسر حبكا أي أجاد نسجه. قال ابن الأعرابي: كل شئ أحكمته وأحسنت ~~عمله فقد احتبكته. والثاني - ذات الزينة، قاله الحسن وسعيد بن جبير، وعن ~~الحسن أيضا: ذات النجوم وهو الثالث. الرابع - قال الضحاك: ذات الطرائق، ~~يقال لما تراه في الماء والرمل إذا أصابته الريح حبك. ونحوه قول الفراء، ~~قال: الحبك تكسر كل شئ كالرمل إذا مرت به الريح الساكنة، والماء القائم # PageV17P031 # إذا مرت به الريح، ودرع الحديد لها حبك، والشعرة الجعدة تكسرها حبك. وفي ~~حديث الدجال: أن شعره حبك. قال زهير: # مكلل بأصول النجم تنسجه * ريح خريق لضاحي مائه حبك (1) ولكنها تبعد من ~~العباد فلا يرونها. الخامس - ذات الشدة، قاله ابن زيد، وقرأ (وبنينا فوقكم ~~سبعا شدادا (2)). والمحبوك الشديد الخلق من الفرس وغيره، قال امرؤ القيس: # قد غدا يحملني في أنفه * لا حق الإطلين (3) محبوك ممر وقال آخر: # مرج الدين فأعددت له * مشرف الحارك محبوك الكتد (4) وفي الحديث: أن عائشة ~~رضي ms5856 الله عنها كانت تحتبك تحت الدرع في الصلاة، أي تشد الإزار وتحكمه. ~~السادس - ذات الصفاقة، قاله خصيف، ومنه ثوب صفيق ووجه صفيق بين الصفاقة. ~~السابع: أن المراد بالطرق المجرة التي في السماء، سميت بذلك لأنها كأثر ~~المجر. # و (الحبك) جمع حباك، قال الراجز: # كأنما جللها الحواك * طنفسة في وشيها حباك والحباك والحبيكة الطريقة في ~~الرمل ونحوه. وجمع الحباك حبك وجمع الحبيكة حبائك، والحبكة مثل العبكة وهي ~~الحبة من السويق، عن الجوهري. وروي عن الحسن في قوله: # (ذات الحبك) (الحبك) و (الحبك) و (الحبك) والحبك والحبك [وقرأ أيضا ~~(الحبك)] كالجماعة. وروي عن عكرمة وأبي مجلز (الحبك). و (الحبك) واحدتها ~~حبيكة، (والحبك) مخفف منه. و (الحبك) واحدتها حبكة. ومن قرأ (الحبك) ~~فالواحدة حبكة كبرقة وبرق أو حبكة كظلمة وظلم. ومن قرأ (الحبك) فهو كإبل ~~وإطل (3) و (الحبك) مخففة منه. # PageV17P032 # ومن قرأ (الحبك) فهو شاذ إذ ليس في كلام العرب فعل، وهو محمول على تداخل ~~اللغات، كأنه كسر الحاء ليكسر الباء ثم تصور (الحبك) فضم الباء. وقال جميعه ~~المهدوي. # قوله تعالى: (انكم لفي قول مختلف) هذا جواب القسم الذي هو (والسماء) أي ~~إنكم يا أهل مكة (في قول مختلف) في محمد والقرآن فمن مصدق ومكذب. وقيل: ~~نزلت في المقتسمين. وقيل: اختلافهم قولهم ساحر بل شاعر بل أفتراه بل هو ~~مجنون بل هو كاهن بل هو أساطير الأولين. وقيل: اختلافهم أن منهم من نفى ~~الحشر ومنهم من شك فيه. # وقيل: المراد عبدة الأوثان والأصنام يقرون بأن الله خالقهم ويعبدون غيره. # قوله تعالى: (يؤفك عنه من أفك) أي يصرف عن الايمان بمحمد والقرآن من صرف، ~~عن الحسن وغيره. وقيل: المعنى يصرف عن الايمان من أراده بقولهم هو سحر ~~وكهانة وأساطير الأولين. وقيل: المعنى يصرف عن ذلك الاختلاف من عصمه الله. # أفكه يأفكه أفكا أي قلبه وصرفه عن الشئ، ومنه قوله تعالى: (أجئتنا ~~لتأفكنا (1)) وقال مجاهد: معنى (يؤفك عنه من أفك) يؤفن عنه من أفن، والافن ~~فساد العقل. الزمخشري: # وقرئ (يؤفن عنه من أفن) أي يحرمه ms5857 من حرم، من أفن الضرع إذا أنهكه حلبا. ~~وقال قطرب: يخدع عنه من خدع. وقال اليزيدي: يدفع عنه من دفع. والمعنى واحد ~~وكله راجع إلى معنى الصرف. # قوله تعالى: (قتل الخراصون) في التفسير: لعن الكذابون. وقال ابن عباس: # أي قتل المرتابون، يعني الكهنة. وقال الحسن: هم الذين يقولون لسنا نبعث. ~~ومعنى (قتل) أي هؤلاء ممن يجب أن يدعى عليهم بالقتل على أيدي المؤمنين. ~~وقال الفراء: # معنى (قتل) لعن، قال: و (الخراصون) الكذابون الذين يتخرصون بما لا ~~يعلمون، فيقولون: # إن محمدا مجنون كذاب ساحر شاعر، وهذا دعاء عليهم، لان من لعنه الله فهو ~~بمنزلة المقتول الهالك. قال ابن الأنباري: علمنا الدعاء عليهم، أي قولوا: ~~(قتل الخراصون) وهو جمع خارص والخرص الكذب والخراص الكذاب، وقد خرص يخرص ~~بالضم خرصا أي كذب، # PageV17P033 # يقال: خرص واخترص، وخلق واختلق، وبشك وابتشك، وسرج واسترج، ومان، بمعنى ~~كذب، حكاه النحاس. والخرص أيضا حزر ما على النخل من الرطب تمرا. وقد خرصت ~~النخل والاسم الخرص بالكسر، يقال: كم خرص نخلك والخراص الذي يخرصها فهو ~~مشترك. # وأصل الخرص القطع على ما تقدم بيانه في (الانعام (1)) ومنه الخريص ~~للخليج، لأنه ينقطع إليه الماء، والخرص حبة القرط إذا كانت منفردة، ~~لانقطاعها عن أخواتها، والخرص العود، لانقطاعه عن نظائره بطيب رائحته. ~~والخرص الذي به جوع وبرد لأنه ينقطع به، يقال: خرص الرجل بالكسر فهو خرص، ~~أي جائع مقرور، ولا يقال للجوع بلا برد خرص. # ويقال للبرد بلا جوع خرص. والخرص بالضم والكسر الحلقة من الذهب أو الفضة ~~والجمع الخرصان. ويدخل في الخرص قول المنجمين وكل من يدعي الحدس والتخمين. ~~وقال ابن عباس: هم المقتسمون الذين اقتسموا أعقاب مكة، واقتسموا القول في ~~نبي الله صلى الله عليه وسلم، ليصرفوا الناس عن الايمان به. # قوله تعالى: (الذين هم في غمرة ساهون) الغمرة ما ستر الشئ وغطاه. ومنه ~~نهر غمر أي يغمر من دخله، ومنه غمرات الموت. (ساهون) أي لاهون غافلون عن ~~أمر الآخرة. # قوله تعالى: (يسألون أيان يوم الدين) أي متى يوم الحساب، يقولون ms5858 ذلك ~~استهزاء وشكا في القيامة. (يوم هم على النار يفتنون) نصب (يوم) على تقدير ~~الجزاء أي هذا الجزاء (يوم هم على النار يفتنون) أي يحرقون، وهو من قولهم: ~~فتنت الذهب أي أحرقته لتختبره، وأصل الفتنة الاختبار. وقيل: إنه مبني بني ~~لإضافته إلى غير متمكن، وموضعه نصب على التقدير المتقدم، أو رفع على البدل ~~من (يوم الدين). وقال الزجاج: # يقول يعجبني يوم أنت قائم ويوم أنت تقوم، وإن شئت فتحت وهو في موضع رفع، ~~فإنما أنتصب هذا وهو في المعنى رفع. وقال ابن عباس: (يفتنون) يعذبون. ومنه ~~قول الشاعر: # كل امرئ من عباد الله مضطهد * ببطن مكة مقهور ومفتون # PageV17P034 # قوله تعالى: (ذوقوا فتنتكم) أي يقال لهم ذوقوا عذابكم، قاله ابن زيد. ~~مجاهد: # حريقكم. ابن عباس: أي تكذيبكم يعني جزاءكم. الفراء: أي عذابكم (الذي كنتم ~~به تستعجلون) في الدنيا. وقال: (هذا) ولم يقل هذه، لان الفتنة هنا بمعنى ~~العذاب. # قوله تعالى: ان المتقين في جنات وعيون (15) آخذين ما آتاهم ربهم انهم ~~كانوا قبل ذلك محسنين (16) قوله تعالى: (ان المتقين في جنات وعيون) لما ذكر ~~مآل الكفار ذكر مآل المؤمنين أي هم في بساتين فيها عيون جارية على نهاية ما ~~يتنزه به. (آخذين) نصب على الحال. (ما آتاهم ربهم) أي ما أعطاهم من الثواب ~~وأنواع الكرامات، قاله الضحاك. # وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: (آخذين ما آتاهم ربهم) أي عاملين بالفرائض. # (انهم كانوا قبل ذلك) أي قبل دخولهم الجنة في الدنيا (محسنين) بالفرائض. ~~وقال ابن عباس: المعنى كانوا قبل أن يفرض عليهم الفرائض محسنين في أعمالهم. # قوله تعالى: كانوا قليلا من الليل ما يهجون (17) وبالأسحار هم يستغفرون ~~(18) وفى أموالهم حق للسائل والمحروم (19) فيه خمس مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (كانوا قليلا من الليل ما يهجعون) معنى (يهجعون) ~~ينامون، والهجوع النوم ليلا، والتهجاع النومة الخفيفة، قال أبو قيس بن ~~الأسلت: # قد حصت البيضة رأسي فما * أطعم نوما غير تهجاع وقال عمرو بن معدى كرب ~~يتشوق أخته وكان أسرها الصمة أبو دريد بن الصمة: # أمن ريحانة ms5859 الداعي السميع * يؤرقني وأصحابي هجوع يقال: هجع يهجع هجوعا، ~~وهبغ يهبغ هبوغا بالغين المعجمة إذا نام، قاله الجوهري. # وأختلف في (ما) فقيل: صلة زائدة - قاله إبراهيم النخعي - والتقدير كانوا ~~قليلا من الليل PageV17P035 # يهجعون، أي ينامون قليلا من الليل ويصلون أكثره. قال عطاء: وهذا لما ~~أمروا بقيام الليل. وكان أبو ذر (1) يحتجز ويأخذ العصا فيعتمد عليها حتى ~~نزلت الرخصة (قم الليل إلا قليلا (2)). الآية. وقيل: ليس (ما) صلة بل الوقف ~~عند قوله: (قليلا) ثم يبتدئ (من الليل ما يهجعون) ف (ما) للنفي وهو نفى ~~النوم عنهم البتة. قال الحسن: كانوا لا ينامون من الليل إلا أقله وربما ~~نشطوا فجدوا إلى السحر. روي عن يعقوب الحضرمي أنه قال: اختلفوا في تفسير ~~هذه الآية فقال بعضهم: (كانوا قليلا) معناه كان عددهم يسيرا ثم ابتدأ فقال: ~~(من الليل ما يهجعون) على معنى من الليل يهجعون، قال ابن الأنباري: # وهذا فاسد، لان الآية إنما تدل على قلة نومهم لا على قلة عددهم، وبعد فلو ~~ابتدأنا (من الليل ما يهجعون) على معنى من الليل يهجعون لم يكن في هذا مدح ~~لهم، لان الناس كلهم يهجعون من الليل إلا أن تكون (ما) جحدا. # قلت: وعلى ما تأوله بعض الناس - وهو قول الضحاك - من أن عددهم كان يسيرا ~~يكون الكلام متصلا بما قبل من قوله: (إنهم كانوا قبل ذلك محسنين) أي كان ~~المحسنون قليلا، ثم استأنف فقال: (من الليل ما يهجعون) وعلى التأويل الأول ~~والثاني يكون (كانوا قليلا من الليل) خطابا مستأنفا بعد تمام ما تقدمه ~~ويكون الوقف على (ما يهجعون)، وكذلك إن جعلت (قليلا) خبر كان وترفع (ما) ~~بقليل، كأنه قال: كانوا قليلا من الليل هجوعهم. ف (ما) يجوز أن تكون نافية، ~~ويجوز أن تكون مع الفعل مصدرا، ويجوز أن تكون رفعا على البدل من اسم كان، ~~التقدير كان هجوعهم قليلا من الليل، وانتصاب قوله: # (قليلا) إن قدرت (ما) زائدة مؤكدة ب (يهجعون) على تقدير كانوا وقتا قليلا ~~أو هجوعا قليلا يهجعون، وإن لم تقدر (ما) زائدة ms5860 كان قوله: (قليلا) خبر كان ~~ولم يجز نصبه ب (يهجعون)، لأنه إذا قدر نصبه ب (يهجعون) مع تقدير (ما) ~~مصدرا قدمت الصلة على الموصول. وقال أنس وقتادة في تأويل الآية: أي كانوا ~~يصلون بين العشاءين: المغرب والعشاء. أبو العالية: كانوا لا ينامون بين ~~العشاءين. وقاله ابن وهب. وقال مجاهد: # PageV17P036 # نزلت في الأنصار كانوا يصلون العشاءين في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ~~ثم يمضون إلى قباء. وقال محمد بن علي بن الحسين: كانوا لا ينامون حتى يصلوا ~~العتمة. قال الحسن: # كأنه عد هجوعهم قليلا في جنب يقظتهم للصلاة. وقال ابن عباس ومطرف: قل ~~ليلة لا تأتي عليهم إلا يصلون لله فيها إما من أولها وإما من وسطها. # الثانية - روي عن بعض المتهجدين أنه أتاه آت في منامه فأنشده: # وكيف تنام الليل عين قريرة * ولم تدر في أي المجالس تنزل وروي عن رجل من ~~الأزد أنه قال: كنت لا أنام الليل فنمت في أخر الليل، فإذا أنا بشابين أحسن ~~ما رأيت ومعهما حلل، فوقفا على كل مصل وكسواه حلة، ثم انتهيا إلى النيام ~~فلم يكسواهم، فقلت لهما: اكسواني من حللكما هذا، فقالا لي: إنها ليست حلة ~~لباس إنما هي رضوان الله يحل على كل مصل. ويروى عن أبي خلاد أنه قال: حدثني ~~صاحب لي قال: فبينا أنا نائم ذات ليلة إذ مثلت لي القيامة، فنظرت إلى أقوام ~~من إخواني قد أضاءت وجوههم، وأشرقت ألوانهم، وعليهم الحلل من دون الخلائق، ~~فقلت: ما بال هؤلاء مكتسون والناس عراة، ووجوههم مشرقة ووجوه الناس مغبرة! ~~فقال لي قائل: الذين رأيتهم مكتسون فهم المصلون بين الأذان والإقامة، ~~والذين وجوههم مشرقة فأصحاب السهر والتهجد، قال: ورأيت أقواما على نجائب ~~فقلت: ما بال هؤلاء ركبانا والناس مشاة حفاة؟ # فقال لي: هؤلاء الذين قاموا على أقدامهم تقربا لله تعالى فأعطاهم الله ~~بذلك خير الثواب، قال: # فصحت في منامي: واها للعابدين، ما أشرف مقامهم! ثم استيقظت من منامي وأنا ~~خائف. # الثالثة - قوله تعالى: (بالأسحار هم يستغفرون) مدح ثان، أي يستغفرون ms5861 من ~~ذنوبهم، قاله الحسن. والسحر وقت يرجى فيه إجابة الدعاء. وقد مضى في (آل ~~عمران (1)) القول فيه. وقال ابن عمرو مجاهد: أي يصلون وقت السحر فسموا ~~الصلاة استغفارا. # وقال الحسن في قوله تعالى: (كانوا قليلا من الليل ما يهجعون) مدوا الصلاة ~~من أول الليل # PageV17P037 # إلى السحر ثم استغفروا في السحر. ابن وهب: هي في الأنصار، يعني أنهم ~~كانوا يغدون من قباء فيصلون في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم. ابن وهب عن ~~ابن لهيعة عن يزيد ابن أبي حبيب قالوا: كانوا ينضحون لناس من الأنصار ~~بالدلاء على الثمار ثم يهجعون قليلا، ثم يصلون آخر الليل. الضحاك: صلاة ~~الفجر. قال الأحنف بن قيس: عرضت عملي على أعمال أهل الجنة فإذا قوم قد ~~باينونا بونا بعيدا لا نبلغ أعمالهم (كانوا قليلا من الليل ما يهجعون) ~~وعرضت عملي على أعمال أهل النار فإذا قوم لا خير فيهم، يكذبون بكتاب الله ~~وبرسوله وبالبعث بعد الموت، فوجدنا خيرنا منزلة قوما خلطوا عملا صالحا وآخر ~~سيئا. # الرابعة - قوله تعالى: (وفى أموالهم حق للسائل والمحروم) مدح ثالث. # قال محمد بن سيرين وقتادة: الحق هنا الزكاة المفروضة. وقيل: إنه حق سوى ~~الزكاة يصل به رحما، أو يقري به ضيفا، أو يحمل به كلا، أو يغني محروما. ~~وقاله ابن عباس، لان السورة مكية وفرضت الزكاة بالمدينة. ابن العربي: ~~والأقوى في هذه الآية أنها الزكاة، لقوله تعالى في سورة (سأل سائل): ~~(والذين في أموالهم حق معلوم. للسائل والمحروم (1)) والحق المعلوم هو ~~الزكاة التي بين الشرع قدرها وجنسها ووقتها، فأما غيرها لمن يقول به فليس ~~بمعلوم، لأنه غير مقدر ولا مجنس ولا موقت. # الخامسة - قولة تعالى: (للسائل والمحروم) السائل الذي يسأل الناس لفاقته، ~~قاله ابن عباس وسعيد بن المسيب وغيرهما. (والمحروم) الذي حرم المال. واختلف ~~في تعيينه، فقال ابن عباس وسعيد بن المسيب وغيرهما: المحروم المحارف الذي ~~ليس له في الاسلام سهم. وقالت عائشة رضي الله عنها: المحروم المحارف الذي ~~لا يتيسر له مكسبه، يقال: رجل محارف بفتح الراء أي محدود ms5862 محروم، وهو خلاف ~~قولك مبارك. وقد حورف كسب فلان إذا شدد عليه في معاشه كأنه ميل برزقه عنه. ~~وقال قتادة والزهري: المحروم المتعفف الذي لا يسأل الناس شيئا ولا يعلم ~~بحاجته. وقال الحسن ومحمد ابن الحنفية: # المحروم الذي يجئ بعد الغنيمة وليس له فيها سهم. روي أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم بعث سرية فأصابوا وغنموا فجاء قوم بعد ما فرغوا فنزلت هذه الآية ~~(وفي أموالهم). وقال # PageV17P038 # عكرمة: المحروم الذي لا يبقى له مال. وقال زيد بن أسلم: هو الذي أصيب ~~ثمره أو زرعه أو نسل ماشيته. وقال القرظي: المحروم الذي أصابته الجائحة ثم ~~قرأ (إن لمغرمون. بل نحن محرومون) نظيره في قصة أصحاب الجنة حيث قالوا: (بل ~~نحن محرومون) وقال أبو قلابة: # كان رجل من أهل اليمامة له مال فجاء سيل فذهب بماله، فقال رجل من أصحابه: ~~هذا المحروم فأقسموا له. وقيل: إنه الذي يطلب الدنيا وتدبر عنه. وهو يروى ~~عن ابن عباس أيضا. # وقال عبد الرحمن بن حميد: المحروم المملوك. وقيل: إنه الكلب، روي أن عمر ~~بن عبد العزيز كان في طريق مكة، فجاء كلب فانتزع عمر رحمه الله كتف شاة ~~فرمى بها إليه وقال: يقولون إنه المحروم. وقيل: إنه من وجبت نفقته بالفقر ~~من ذوي الأنساب، لأنه قد حرم كسب نفسه حتى وجبت نفقته في مال غيره. وروى ~~ابن وهب عن مالك: أنه الذي يحرم الرزق، وهذا قول حسن، لأنه يعم جميع ~~الأقوال. وقال الشعبي: لي اليوم سبعون سنة منذ احتلمت أسأل عن المحروم فما ~~أنا اليوم بأعلم مني فيه يومئذ. رواه شعبة عن عاصم الأحول عن الشعبي. # وأصله في اللغة الممنوع، من الحرمان وهو المنع. قال علقمة: # ومطعم الغنم يوم الغنم مطعمه * أنى توجه والمحروم محروم وعن أنس أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: (ويل للأغنياء من الفقراء يوم القيامة يقولون ربنا ~~ظلمونا حقوقنا التي فرضت لنا عليهم فيقول الله تعالى وعزتي وجلالي لأقربنكم ~~ولأبعدنهم) ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم (وفي أموالهم ms5863 حق للسائل ~~والمحروم) ذكره الثعلبي. # قوله تعالى: وفى الأرض آيات للموقنين (20) وفى أنفسكم أفلا تبصرون (21) ~~وفى السماء رزقكم وما توعدون (22) فورب السماء والأرض انه لحق مثل ما أنكم ~~تنطقون (23) قوله تعالى: (وفى الأرض آيات للموقنين) لما ذكر أمر الفريقين ~~بين أن في الأرض علامات تدل على قدرته على البعث والنشور، فمنها عود النبات ~~بعد أن صار هشيما، ومنها أنه PageV17P039 # قدرا لأقوات فيها قواما للحيوانات، ومنها سيرهم في البلدان التي يشاهدون ~~فيها آثار الهلاك النازل بالأمم المكذبة. والموقنون هم العارفون المحققون ~~وحدانية ربهم، وصدق نبوة نبيهم، خصهم بالذكر لأنهم المنتفعون بتلك الآيات ~~وتدبرها. # قوله تعالى: (وفى أنفسكم أفلا تبصرون) قيل: التقدير وفي الأرض وفي أنفسكم ~~آيات للموقنين. وقال قتادة: المعنى من سار في الأرض رأى آيات وعبرا، ومن ~~تفكر في نفسه علم أنه خلق ليعبد الله. ابن الزبير ومجاهد: المراد سبيل ~~الخلاء والبول. وقال السائب ابن شريك: يأكل ويشرب من مكان واحد ويخرج من ~~مكانين، ولو شرب لبنا محضا لخرج منه الماء ومنه الغائط، فتلك الآية في ~~النفس. وقال ابن زيد: المعنى أنه خلقكم من تراب، وجعل لكم السمع والابصار ~~والأفئدة (ثم إذا أنتم بشر (1) تنتشرون). السدي: # (وفي أنفسكم) أي في حياتكم وموتكم، وفيما يدخل ويخرج من طعامكم. الحسن: ~~وفي الهرم بعد الشباب، والضعف بعد القوة، والشيب بعد السواد. وقيل: المعنى ~~وفي خلق أنفسكم من نطفة وعلقة ومضغة ولحم وعظم إلى نفخ الروح، وفي اختلاف ~~الألسنة والألوان والصور، إلى غير ذلك من الآيات الباطنة والظاهرة، وحسبك ~~بالقلوب وما ركز (2) فيها من العقول، وما خصت به من أنواع المعاني والفنون، ~~وبالألسن والنطق ومخارج الحروف والابصار والأطراف وسائر الجوارح، وتأتيها ~~لما خلقت له، وما سوى في الأعضاء من المفاصل للانعطاف والتثني، وأنه إذا ~~جسا (3) شئ منها جاء العجز، وإذا استرخى أناخ الذل (فتبارك الله أحسن ~~الخالقين (4)). (أفلا تبصرون) يعني بصر القلب ليعرفوا كمال قدرته. # وقيل: إنه نجح العاجز، وحرمان الحازم. # قلت: كل ما ذكر مراد في الاعتبار. وقد قدمنا في آية التوحيد من ms5864 سورة ~~(البقرة (5) أن ما في بدن الانسان الذي هو العالم الصغير شئ إلا وله نظير ~~في العالم الكبير، وذكرنا هناك من الاعتبار ما يكفي ويغني لمن تدبر. # PageV17P040 # قوله تعالى: (وفى السماء رزقكم وما توعدون) قال سعيد بن جبير والضحاك: # الرزق هنا ما من السماء من مطر وثلج ينبت به الزرع ويحيا به الخلق. قال ~~سعيد بن جبير: # كل عين قائمة فإنها من الثلج. وعن الحسن أنه كان إذا رأى السحاب قال ~~لأصحابه: # فيه والله رزقكم ولكنكم تحرمونه بخطاياكم. وقال أهل المعاني: (وفي السماء ~~رزقكم) معناه وفي المطر رزقكم، سمي المطر سماء لأنه من السماء ينزل. قال ~~الشاعر (1): # إذا سقط السماء بأرض قوم * رعيناه وإن كانوا غضابا وقال ابن كيسان: يعني ~~وعلى رب السماء رزقكم، نظيره: (وما من دابة في الأرض) إلا على الله رزقها ~~(2)). وقال سفيان الثوري: (وفي السماء رزقكم) أي عند الله في السماء رزقكم. ~~وقيل: المعنى وفي السماء تقدير رزقكم، وما فيه لكم مكتوب في أم الكتاب. وعن ~~سفيان قال: قرأ واصل الأحدب (وفي السماء رزقكم) فقال: ألا أرى رزقي في ~~السماء وأنا أطلبه في الأرض! فدخل خربة فمكث ثلاثا لا يصيب شيئا فإذا هو في ~~الثالثة بدوخلة (3) رطب، وكان له أخ أحسن نية منه فدخل معه فصارتا دوخلتين، ~~فلم يزل ذلك دأبهما حتى فرق الله بالموت بينهما. وقرأ ابن محيصن ومجاهد ~~(وفي السماء رازقكم) بالألف وكذلك في أخرها (إن الله هو الرازق. (وما ~~توعدون) قال مجاهد: يعني من خير وشر. وقال غيره: من خير خاصة. وقيل: الشر ~~خاصة. وقيل: الجنة، عن سفيان بن عيينة. # الضحاك: (وما توعدون) من الجنة والنار. وقال ابن سيرين: (وما توعدون) من ~~أمر الساعة. وقاله الربيع. # قوله تعالى: (فورب السماء والأرض انه لحق) أكد ما أخبرهم به من البعث وما ~~خلق في السماء من الرزق، وأقسم عليه بأنه لحق ثم أكده بقوله: (مثل ما أنكم ~~تنطقون) وخص النطق من بين سائر الحواس، لان ما سواه من الحواس يدخله ~~التشبيه، كالذي # PageV17P041 # يرى في المرآة، ms5865 واستحالة الذوق عند غلبة الصفراء ونحوها، والدوي والطنين ~~في الاذن، والنطق سالم من ذلك، ولا يعترض بالصدى لأنه لا يكون إلا بعد حصول ~~الكلام من الناطق غير مشوب بما يشكل به. وقال بعض الحكماء: كما أن كل إنسان ~~ينطق بنفسه ولا يمكنه أن ينطق بلسان غيره، فكذلك كل إنسان يأكل رزقه ولا ~~يمكنه أن يأكل رزق غيره. # وقال الحسن: بلغني أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: (قاتل الله ~~أقواما أقسم لهم ربهم بنفسه ثم لم يصدقوه قال الله تعالى: (فورب السماء ~~والأرض إنه لحق). وقال الأصمعي: # أقبلت ذات مرة من مسجد البصرة إذ طلع أعرابي جلف جاف على قعود له متقلدا ~~سيفه وبيده قوسه، فدنا وسلم وقال: ممن الرجل؟ قلت من بني أصمع، قال: أنت ~~الأصمعي؟ قلت: نعم. قال: ومن أين أقبلت؟ قلت: من موضع يتلى فيه كلام ~~الرحمن، قال: وللرحمن كلام يتلوه الآدميون؟ قلت: نعم، قال: فاتل علي منه ~~شيئا، فقرأت (والذاريات ذروا) إلى قوله: (وفي السماء رزقكم) فقال: يا أصمعي ~~حسبك!! # ثم قام إلى ناقته فنحرها وقطعها بجلدها، وقال: أعني على توزيعها، ~~ففرقناها على من أقبل وأدبر، ثم عمد إلى سيفه وقوسه فكسرهما ووضعهما تحت ~~الرحل وولى نحو البادية وهو يقول: # (وفي السماء رزقكم وما توعدون) فمقت نفسي ولمتها، ثم حججت مع الرشيد، ~~فبينما أنا أطوف إذا أنا بصوت رقيق، فالتفت فإذا أنا بالأعرابي وهو ناحل ~~مصفر، فسلم علي وأخذ بيدي وقال: أتل علي كلام الرحمن، وأجلسني من وراء ~~المقام فقرأت (والذاريات) حتى وصلت إلى قوله تعالى: (وفي السماء رزقكم وما ~~توعدون) فقال الأعرابي: # لقد وجدنا ما وعدنا الرحمن حقا، وقال: وهل غير هذا؟ قلت: نعم، يقول الله ~~تبارك وتعالى: (فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون) قال فصاح ~~الأعرابي وقال: يا سبحان الله! من الذي أغضب الجليل حتى حلف! ألم يصدقوه في ~~قوله حتى ألجئوه إلى اليمين؟ فقالها ثلاثا وخرجت بها نفسه. وقال يزيد بن ~~مرثد: إن رجلا جاع بمكان ليس فيه شئ ms5866 فقال: اللهم رزقك الذي وعدتني فأتني ~~به، فشبع وروي من غير طعام ولا شراب. وعن أبي سعيد الخدري قال: قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: (لو أن أحدكم PageV17P042 # فر من رزقه لتبعه كما يتبعه الموت) أسنده الثعلبي. وفي سنن ابن ماجة عن ~~حبة وسواء ابني خالد قالا: دخلنا على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يعالج ~~شيئا فأعناه عليه، فقال: (لا تيأسا من الرزق ما تهززت رؤوسكما فإن الانسان ~~تلده أمه أحمر ليس عليه قشر (1) ثم يرزقه الله). وروي أن قوما من الاعراب ~~زرعوا زرعا فأصابته جائحة فحزنوا لأجله، فخرجت عليهم أعرابية فقالت: ما لي ~~أراكم قد نكستم رءوسكم، وضاقت صدوركم، هو ربنا والعالم بنا، رزقنا عليه ~~يأتينا به حيث شاء! ثم أنشأت تقول: # لو كان في صخرة في البحر راسية * صما ململمة ملسا نواحيها رزق لنفس براها ~~الله لانفلقت * حتى تؤدي إليها كل ما فيها أو كان بين طباق السبع مسلكها * ~~لسهل الله في المرقى مراقيها حتى تنال الذي في اللوح خط لها * إن لم تنله ~~وإلا سوف يأتيها قلت: وفي هذا المعنى قصة الأشعريين حين أرسلوا رسولهم إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فسمع قوله تعالى: (وما من دابة في الأرض إلا على ~~الله رزقها) فرجع ولم يكلم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ليس الأشعريون ~~بأهون على الله من الدواب، وقد ذكرناه في سورة (هود (2)). وقال لقمان: (يا ~~بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة) الآية. وقد مضى في (لقمان ~~(3)) وقد استوفينا هذا الباب في كتاب (قمع الحرص بالزهد والقناعة) والحمد ~~لله. وهذا هو التوكل الحقيقي الذي لا يشوبه شئ، وهو فراغ القلب مع الرب، ~~رزقنا الله إياه ولا أحالنا على أحد سواه بمنه وكرمه. # قوله تعالى: (مثل من انكم تنطقون) قراءة العامة (مثل) بالنصب أي كمثل (ما ~~أنكم) فهو منصوب على تقدير حذف الكاف أي كمثل نطقكم و (ما) زائدة، قاله بعض ~~الكوفيين. وقال الزجاج والفراء: يجوز أن ينتصب على التوكيد، أي ms5867 لحق حقا مثل # PageV17P043 # نطقك، فكأنه نعت لمصدر محذوف. وقول سيبويه: انه مبني بني حين أضيف إلى ~~غير متمكن و (ما) زائدة للتوكيد. المازني: (مثل) مع (ما) بمنزلة شئ واحد ~~فبني على الفتح لذلك. وأختاره أبو عبيد وأبو حاتم، قال: ولأن من العرب من ~~يجعل مثلا منصوبا أبدا، فتقول: قال لي رجل مثلك، ومررت برجل مثلك بنصب [مثل ~~على معنى كمثل (1)]. # وقرأ أبو بكر وحمزة والكسائي والأعمش (مثل) بالرفع على أنه صفة لحق، لأنه ~~نكرة وإن أضيف إلى معرفة، إذ لا يختص بالإضافة لكثرة الأشياء التي يقع ~~بعدها التماثل بين المتماثلين. # و (مثل) مضاف إلى (أنكم) و (ما) زائدة ولا تكون مع ما بعدها بمنزلة ~~المصدر إذ لا فعل معها تكون معه مصدرا. ويجوز أن تكون بدلا من (لحق). # قوله تعالى: هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين (24) إذ دخلوا عليه ~~فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون (25) فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين (26) ~~فقربه إليهم قال الا تأكلون (27) فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه ~~بغلام عليم (28) قوله تعالى: (هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين) ذكر قصة ~~إبراهيم عليه السلام ليبين بها أنه أهلك المكذب بآياته كما فعل بقوم لوط. ~~(هل أتاك) أي ألم يأتك. وقيل: # (هل) بمعنى قد، كقوله تعالى: (هل أتى على الانسان حين من الدهر (2)). وقد ~~مضى الكلام في ضيف إبراهيم في (هود (3)) (والحجر (4)). (المكرمين) أي عند ~~الله، دليله قوله تعالى: (بل عباد مكرمون (5)) قال ابن عباس: يريد جبريل ~~وميكائيل وإسرافيل - زاد عثمان بن حصين - ورفائيل عليهم الصلاة والسلام. ~~وقال محمد بن كعب: كان جبريل ومعه تسعة. وقال عطاء وجماعة: كانوا ثلاثة ~~جبريل وميكائيل ومعهما ملك آخر. # PageV17P044 # قال ابن عباس: سماهم مكرمين لأنهم غير مذعورين. وقال مجاهد: سماهم مكرمين ~~لخدمة إبراهيم إياهم بنفسه. قال عبد الوهاب: قال لي علي بن عياض: عندي ~~هريسة ما رأيك فيها؟ قلت: ما أحسن رأيي فيها، قال: امض بنا، فدخلت الدار ~~فنادى الغلام فإذا هو غائب، فما راعني إلا به ومعه القمقمة والطست وعلى ms5868 ~~عاتقه المنديل، فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، لو علمت يا أبا الحسن أن ~~الامر هكذا، قال: هون عليك فإنك عندنا مكرم، والمكرم إنما يخدم بالنفس، ~~انظر إلى قوله تعالى: (هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين). # قوله تعالى: (إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما) تقدم في (الحجر (1)). (قال ~~سلام) أي عليكم سلام. ويجوز بمعنى أمري سلام أو ردي لكم سلام. وقرأ أهل ~~الكوفة إلا عاصما (سلم) بكسر السين. (قوم منكرون) أي أنتم قوم منكرون، أي ~~غرباء لا نعرفكم. # وقيل: لأنه رآهم على غير صورة البشر، وعلى غير صورة الملائكة الذين كان ~~يعرفهم فنكرهم، فقال: (قوم منكرون). وقيل: أنكرهم لأنهم دخلوا عليه من غير ~~استئذان. وقال أبو العالية: أنكر سلامهم في ذلك الزمان وفي تلك الأرض. ~~وقيل: خافهم، يقال: # أنكرته إذا خفته، قال الشاعر (2): # فأنكرتني وما كان الذي نكرت * من الحوادث إلا الشيب والصلعا قوله تعالى: ~~(فراغ إلى أهله) قال الزجاج: أي عدل إلى أهله. وقد مضى في (والصافات (3)). ~~ويقال: أراغ وارتاغ بمعنى طلب، وماذا تريغ أي تريد وتطلب، وأراغ إلى كذا أي ~~مال إليه سرا وحاد، فعلى هذا يكون راغ وأراغ لغتين بمعنى. # (فجاء بعجل سمين) أي جاء ضيفه بعجل قد شواه لهم كما في (هود): (فما لبث ~~أن جاء بعجل حنيذ (4)). ويقال: إن إبراهيم انطلق إلى منزله كالمستخفي (5) ~~من ضيفه، لئلا يظهروا على ما يريد أن يتخذ لهم من الطعام. # PageV17P045 # قوله تعالى: (فقربه إليهم) يعني العجل. (فقال ألا تأكلون) قال قتادة: كان ~~عامة مال إبراهيم البقر، وأختاره لهم سمينا زيادة في إكرامهم. وقيل: العجل ~~في بعض اللغات الشاة. ذكره القشيري. وفي الصحاح: العجل ولد البقرة والعجول ~~مثله والجمع العجاجيل والأنثى عجلة، عن أبي الجراح، وبقرة معجل ذات عجل، ~~وعجل قبيلة من ربيعة. # قوله تعالى: (فأوجس منهم خيفة) أي أحس منهم في نفسه خوفا. وقيل: أضمر لما ~~لم يتحرموا بطعامه. ومن أخلاق الناس: أن من تحرم بطعام إنسان أمنه. وقال ~~عمرو ابن دينار: قالت الملائكة لا نأكل إلا بالثمن. قال: كلوا ms5869 وأدوا ثمنه. ~~قالوا: وما ثمنه؟ # قال: تسمون الله إذا أكلتم وتحمدونه إذا فرغتم. فنظر بعضهم إلى بعض ~~وقالوا: لهذا اتخذك الله خليلا. وقد تقدم هذا في (هود). ولما رأوا ما ~~بإبراهيم من الخوف (قالوا لا تخف) وأعلموه أنهم ملائكة الله ورسله. (وبشروه ~~بغلام عليم) أي بولد يولد له من سارة زوجته. وقيل: لما أخبروه أنهم ملائكة ~~لم يصدقهم، فدعوا الله فأحيا العجل الذي قربه إليهم. وروى عون بن أبي شداد: ~~أن جبريل مسح العجل بجناحه، فقام يدرج حتى لحق بأمه وأم العجل في الدار. ~~ومعنى (عليم) أي يكون بعد بلوغه من أولي العلم بالله وبدينه. والجمهور على ~~أن المبشر به هو إسحاق. وقال مجاهد وحده: هو إسماعيل وليس بشئ فإن الله ~~تعالى يقول: (وبشرناه بإسحق (1)). وهذا نص. # قوله تعالى: فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم (29) قالوا ~~كذلك قال ربك انه هو الحكيم العليم (30) قوله تعالى: (فأقبلت امرأته في ~~صرة) أي في صيحة وضجة، عن ابن عباس وغيره. ومنه أخذ صرير الباب وهو صوته. ~~وقال عكرمة وقتادة: إنها الرنة والتأوه ولم يكن هذا الاقبال من مكان إلى ~~مكان. قال الفراء: وإنما هو كقولك أقبل يشتمني أي أخذ في شتمي. وقيل: أقبلت ~~في صرة أي في جماعة من النساء (2) تسمع كلام الملائكة. قال # PageV17P046 # الجوهري: الصرة الضجة والصيحة، والصرة الجماعة، والصرة الشدة من كرب ~~وغيره، قال امرؤ القيس: # فألحقه بالهاديات ودونه * جواحرها في صرة لم تزيل (1) يحتمل هذا البيت ~~الوجوه الثلاثة. وصرة القيظ شدة حره. فلما سمعت سارة البشارة صكت وجهها، أي ~~ضربت يدها على وجهها على عادة النسوان عند التعجب، قاله سفيان الثوري ~~وغيره. وقال ابن عباس: صكت وجهها لطمته. وأصل الصك الضرب، صكه أي ضربه، قال ~~الراجز (2): * يا كروانا صك فاكبأنا * قال الأموي: كبن الظبي إذا لطأ ~~بالأرض واكبأن انقبض. (وقالت عجوز عقيم) أي أتلد عجوز عقيم. الزجاج: أي ~~قالت أنا عجوز عقيم فكيف ألد، كما قالت: (يا ويلتا أألد وأنا عجوز (3)). ~~(قالوا كذلك) أي كما قلنا لك ms5870 وأخبرناك (قال ربك) فلا تشكي فيه، وكان بين ~~البشارة والولادة سنة، وكانت سارة لم تلد قبل ذلك فولدت وهي بنت تسع وتسعين ~~سنة، وإبراهيم يؤمئذ ابن مائة سنة وقد مضى هذا. (انه هو الحكيم العليم) ~~حكيم فيما يفعله عليم بمصالح خلقه. # قوله تعالى: قال فما خطبكم أيها المرسلون (31) قالوا إنا أرسلنا إلى قوم ~~مجرمين (32) لنرسل عليهم حجارة من طين (33) مسومة عند ربك للمسرفين (34) ~~فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين (35) فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين ~~(36) وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم (37) # PageV17P047 # قوله تعالى: (قال فما خطبكم أيها المرسلون) لما تيقن إبراهيم عليه السلام ~~أنهم ملائكة بإحياء العجل والبشارة قال لهم: (فما خطبكم) أي ما شأنكم ~~وقصتكم (أيها المرسلون) (قالوا انا أرسلنا إلى قوم مجرمين) يريد قوم لوط. ~~(لنرسل عليهم حجارة من طين) أي لنرجمهم بها. (مسومة) أي معلمة. قيل: كانت ~~مخططة بسواد وبياض. وقيل: بسواد وحمرة. # وقيل: (مسومة) أي معروفة بأنها حجارة العذاب. وقيل: على كل حجر أسم من ~~يهلك به. # وقيل: عليها أمثال الخواتيم. وقد مضى هذا كله في (هود (1)). فجعلت ~~الحجارة تتبع مسافريهم وشذاذهم فلم يفلت منهم مخبر. (عند ربك) أي عند الله ~~وقد أعدها لرجم من قضى برجمه. ثم قيل: كانت مطبوخة طبخ الآجر، قاله ابن ~~زيد، وهو معنى قوله تعالى: # (حجارة من سجيل) على ما تقدم بيانه في (هود). وقيل: هي الحجارة التي ~~نراها وأصلها طين، وإنما تصير حجارة بإحراق الشمس إياها على مر الدهور. ~~وإنما قال: (من طين) ليعلم أنها ليست حجارة الماء التي هي البرد. حكاه ~~القشيري. # قوله تعالى: (فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين) أي لما أردنا إهلاك قوم ~~لوط أخرجنا من كان في قومه من المؤمنين، لئلا يهلك المؤمنون، وذلك قوله ~~تعالى: (فأسر بأهلك (1)). (فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين) يعني لوطا ~~وبنتيه وفيه إضمار، أي فما وجدنا فيها غير أهل بيت. وقد يقال بيت شريف يراد ~~به الأهل. وقوله: (فيها) كناية عن القرية ولم يتقدم لها ذكر، لان ms5871 المعنى ~~مفهوم. وأيضا فقوله تعالى: (إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين) يدل على القرية، ~~لان القوم إنما يسكنون قرية. وقيل: الضمير فيها للجماعة. والمؤمنون ~~والمسلمون ها هنا سواء فجنس اللفظ لئلا يتكرر، كما قال: (إنما أشكوا بثي ~~وحزني إلى الله (1)). وقيل: الايمان تصديق القلب، والاسلام الانقياد ~~بالظاهر، فكل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمنا. فسماهم في الآية الأولى ~~مؤمنين، لأنه ما من مؤمن إلا وهو مسلم. وقد مضى الكلام في هذا المعنى في ~~(البقرة (2)) وغيرها. وقوله: (قالت الاعراب # PageV17P048 # آمنا قل لم تؤمنوا) يدل على الفرق بين الايمان والاسلام وهو مقتضى حديث ~~جبريل عليه السلام في صحيح مسلم وغيره. وقد بيناه في غير موضع. # قوله تعالى: (وتركنا فيها آية) أي عبرة وعلامة لأهل ذلك الزمان ومن ~~بعدهم، نظيره: (ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون (1)). ثم قيل: الآية ~~المتروكة نفس القرية) الخربة. وقيل: الحجارة المنضودة التي رجموا بها هي ~~الآية. (للذين يخافون) لأنهم المنتفعون (2). # قوله تعالى: وفى موسى إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين (38) فتولى بركنه ~~وقال ساحر أو مجنون (39) فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم وهو مليم (40) ~~قوله تعالى: (وفى موسى) أي وتركنا أيضا في قصة موسى آية. وقال الفراء: هو ~~معطوف على قوله: (وفي الأرض آيات) (وفي موسى). (إذ أرسلناه إلى فرعون ~~بسلطان مبين) أي بحجة بينة وهي العصا. وقيل: أي بالمعجزات من العصا وغيرها. # قوله تعالى: (فتولى بركنه) أي فرعون أعرض عن الايمان (بركنه) أي بمجموعه ~~وأجناده، قاله ابن زيد. وهو معنى قول مجاهد، ومنه قوله: (أو آوي إلى ركن ~~(3) شديد) يعني المنعة والعشيرة. وقال ابن عباس وقتادة: بقوته. ومنه قول ~~عنترة: # فما أوهى مراس الحرب ركني * ولكن ما تقادم من زماني (4) وقيل: بنفسه. ~~وقال الأخفش: بجانبه، كقوله تعالى: (أعرض ونأى بجانبه (5) وقاله المؤرج. ~~الجوهري: وركن الشئ جانبه الأقوى، وهو يأوي إلى ركن شديد أي عزة ومنعه. ~~القشيري: والركن جانب البدن. وهذا عبارة عن المبالغة في الاعراض عن الشئ. # PageV17P049 # (وقال ساحر أو مجنون) (أو) بمعنى الواو، لأنهم قالوهما جميعا. قاله ms5872 ~~المؤرج والفراء، وأنشد بيت جرير: # أثعلبة الفوارس أو رياحا * عدلت بهم طهية والخشابا (1) وقد توضع (أو) ~~بمعنى الواو، كقوله تعالى: (ولا تطع منهم آثما أو كفورا (2)) والواو بمعنى ~~أو، كقوله تعالى: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع) وقد ~~تقدم جميع هذا (3). (فأخذناه وجنوده) لكفرهم وتوليهم عن الايمان. (فنبذنا ~~هم) أي طرحناهم (في اليم وهو مليم) يعني فرعون، لأنه أتى ما يلام عليه. # قوله تعالى: وفى عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم (41) ما تذر من شئ أتت ~~عليه الا جعلته كالرميم (42) قوله تعالى: (وفى عاد) أي وتركنا في عاد آية ~~لمن تأمل. (إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم) وهي التي لا تلقح سحابا ولا ~~شجرا، ولا رحمة فيها ولا بركة ولا منفعة، ومنه امرأة عقيم لا تحمل ولا تلد. ~~ثم قيل: هي الجنوب. روى ابن أبي ذئب عن الحرث بن عبد الرحمن عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: (الريح العقيم الجنوب) وقال مقاتل: هي الدبور كما في ~~الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم (نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور). ~~وقال ابن عباس: هي النكباء. وقال عبيد بن عمير: مسكنها الأرض الرابعة وما ~~فتح على عاد منها إلا كقدر منخر الثور. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد أيضا ~~أنها الصبا، فالله أعلم. # قوله تعالى: (ما تذر من شئ أتت عليه الا جعلته كالرميم) أي كالشئ الهشيم، ~~يقال للنبت إذا يبس وتفتت: رميم وهشيم. قال ابن عباس: كالشئ الهالك البالي، ~~وقاله مجاهد. # ومنه قول الشاعر (4): # PageV17P050 # تركتني حين كف الدهر من بصري * وإذ بقيت كعظم الرمة البالي وقال قتادة: ~~إنه الذي ديس من يابس النبات. وقال أبو العالية والسدي: كالتراب المدقوق. ~~قطرب: الرميم الرماد. وقال يمان: ما رمته الماشية من الكلأ بمرمتها. ويقال ~~للشفة المرمة والمقمة بالكسر، والمرمة بالفتح لغة فيه. وأصل الكلمة من رم ~~العظم إذا بلي، تقول منه: رم العظم يرم بالكسر رمة فهو رميم، قال [الشاعر ~~(1)]: # ورأى عواقب خلف ذاك مذمة * تبقى عليه والعظام رميم والرمة بالكسر العظام ms5873 ~~البالية والجمع رمم ورمام. ونظير هذه الآية: (تدمر كل شئ) حسب ما (2) تقدم. # قوله تعالى: وفى ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين (43) فعتوا عن أمر ربهم ~~فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون (44) فما استطاعوا من قيام وما كانوا منتصرين ~~(45) قوله تعالى: (وفى ثمود) أي وفيهم أيضا عبرة وآية حين قيل لهم عيشوا ~~متمتعين بالدنيا (حتى حين) أي إلى وقت الهلاك وهو ثلاثة أيام كما في هود: ~~(3) (تمتعوا في داركم ثلاثة أيام). # وقيل: معنى (تمتعوا) أي أسلموا وتمتعوا إلى وقت فراغ آجالكم. (فعتوا عن ~~أمر ربهم) أي خالفوا أمر الله فعقروا الناقة (فأخذتهم الصاعقة) أي الموت. ~~وقيل: هي كل عذاب مهلك. قال الحسين بن واقد: كل صاعقة في القرآن فهو ~~العذاب. وقرأ عمر بن الخطاب وحميد وابن محيصن ومجاهد والكسائي (الصعقة) ~~يقال صعق الرجل صعقة وتصعاقا أي غشي عليه. وصعقتهم السماء (4) أي ألقت ~~عليهم الصاعقة. والصاعقة أيضا صيحة العذاب وقد مضى في (البقرة (5)) وغيرها. ~~(وهم ينظرون) إليها نهارا. (فما استطاعوا من قيام) قيل: معناه # PageV17P051 # من نهوض. وقيل: ما أطاقوا أن يستقلوا بعذاب الله وأن يتحملوه ويقوموا به ~~ويدفعوه عن أنفسهم، تقول: لا أقوم لهذا الامر أي لا أطيقه. وقال ابن عباس: ~~أي ذهبت أجسامهم وبقيت أرواحهم في العذاب. (وما كانوا منتصرين) أي ممتنعين ~~من العذاب حين أهلكوا، أي ما كان لهم ناصر. # قوله تعالى: وقوم نوح من قبل انهم كانوا قوما فاسقين (46) قوله تعالى: ~~(وقوم نوح من قبل) قرأ حمزة والكسائي وأبو عمرو (وقوم نوح) بالخفض، أي وفي ~~قوم نوج آية أيضا. الباقون بالنصب على معنى وأهلكنا قوم نوح، أو يكون ~~معطوفا على الهاء والميم في (أخذتهم) أو الهاء في (أخذناه) أي فأخذتهم ~~الصاعقة وأخذت قوم نوح، أو (نبذناهم في اليم) ونبذنا قوم نوح، أو يكون ~~بمعنى أذكر. # قوله تعالى: والسماء بنيناها بأيد وانا لموسعون (47) والأرض فرشناها فنعم ~~الماهدون (48) ومن كل شئ خلقنا زوجين لعلكم تذكرون (49) قوله تعالى: ~~(والسماء بنيناها بأيد) لما بين هذه الآيات قال: وفي السماء آيات وعبر تدل ~~على ms5874 أن الصانع قادر على الكمال، فعطف أمر السماء على قصة قوم نوح لأنهما ~~آيتان. ومعنى (بأيد) أي بقوة وقدرة. عن ابن عباس وغيره. (وانا لموسعون) قال ~~ابن عباس: لقادرون. # وقيل: أي وإنا لذو سعة، وبخلقها وخلق غيرها لا يضيق علينا شئ نريده. ~~وقيل: أي وإنا لموسعون الرزق على خلقنا. عن ابن عباس أيضا. الحسن: وإنا ~~لمطيقون. وعنه أيضا: # وإنا لموسعون الرزق بالمطر. وقال الضحاك: أغنيناكم، دليله: (على الموسع ~~(1) قدره). وقال القتبي: ذو سعه على خلقنا. والمعنى متقارب. وقيل: جعلنا ~~بينهما وبين الأرض سعة. # الجوهري: وأوسع الرجل أي صار ذا سعة وغنى، ومنه قوله تعالى: (والسماء ~~بنيناها بأيد وإنا لموسعون) أي أغنياء قادرون. فشمل جميع الأقوال. (والأرض ~~فرشناها) # PageV17P052 # أي بسطناها كالفراش على وجه الماء ومددناها. (فنعم الماهدون) أي فنعم ~~الماهدون نحن لهم (1). والمعنى في الجمع التعظيم، مهدت الفراش مهدا بسطته ~~ووطأته، وتمهيد الأمور تسويتها وإصلاحها. # قوله تعالى: (ومن كل شئ خلقنا زوجين) أي صنفين ونوعين مختلفين. قال ابن ~~زيد: أي ذكرا وأنثى وحلوا وحامضا ونحو ذلك. مجاهد: يعني الذكر والأنثى، ~~والسماء والأرض، والشمس والقمر، والليل والنهار، والنور والظلام، والسهل ~~والجبل، والجن والانس، والخير والشر، والبكرة والعشي، وكالأشياء المختلفة ~~الا لوان من الطعوم والأراييح والأصوات. أي جعلنا هذا كهذا دلالة على ~~قدرتنا، ومن قدر على هذا فليقدر على الإعادة. # وقيل: (ومن كل شئ خلقنا زوجين) لتعلموا أن خالق الأزواج فرد، فلا يقدر في ~~صفته حركة ولا سكون، ولا ضياء ولا ظلام، ولا قعود ولا قيام، ولا ابتداء ولا ~~انتهاء، إذ هو عز وجل وتر (ليس كمثله (2) شئ. (لعلكم تذكرون). # قوله تعالى: ففروا إلى الله انى لكم منه نذير مبين (50) ولا تجعلوا مع ~~الله إلها آخر انى لكم منه نذير مبين (51) كذلك ما أتى الذين من قبلهم من ~~رسول الا قالوا ساحر أو مجنون (52) أتواصوا به بل هم قوم طاغون (53) قتول ~~عنهم فما أنت بملوم (54) وذكر فان الذكرى تنفع المؤمنين (55) قوله تعالى: ~~(ففروا إلى الله انى لكم منه نذير مبين) لما تقدم ما ms5875 جرى من تكذيب أممهم ~~لأنبيائهم وإهلاكهم، لذلك قال الله تعالى: لنبيه صلى الله عليه وسلم قل لهم ~~يا محمد، أي قل لقومك: (ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين) أي فروا من ~~معاصيه إلى طاعته. # وقال ابن عباس: فروا إلى الله بالتوبة من ذنوبكم. وعنه فروا منه إليه ~~واعملوا بطاعته. وقال محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان: (ففروا ~~إلى الله) اخرجوا إلى مكة. وقال الحسين # PageV17P053 # ابن الفضل: احترزوا من كل شئ دون الله فمن فر إلى غيره لم يمتنع منه. ~~وقال أبو بكر الوراق: فروا من طاعة الشيطان إلى طاعة الرحمن. وقال الجنيد: ~~الشيطان داع إلى الباطل ففروا إلى الله يمنعكم منه. وقال ذو النون المصري: ~~ففروا من الجهل إلى العلم، ومن الكفر إلى الشكر. وقال عمرو بن عثمان: فروا ~~من أنفسكم إلى ربكم. وقال أيضا: فروا إلى ما سبق لكم من الله ولا تعتمدوا ~~على حركاتكم. وقال سهل بن عبد الله: فروا مما سوى الله إلى الله. # (إني لكم منه نذير مبين) أي أنذركم عقابه على الكفر والمعصية. # قوله تعالى: (ولا تجعلوا مع الله إلها آخر) أمر محمدا صلى الله عليه وسلم ~~أن يقول هذا للناس وهو النذير. وقيل: هو خطاب من الله للخلق. (انى لكم منه) ~~أي من محمد وسيوفه (نذير) أي أنذركم بأسه وسيفه إن أشركتم بي، قاله ابن ~~عباس. # قوله تعالى: (كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول) هذا تسلية للنبي صلى ~~الله عليه وسلم، أي كما كذبك قومك وقالوا ساحر أو مجنون، كذب من قبلهم ~~وقالوا مثل قولهم. # والكاف من (كذلك) يجوز أن تكون نصبا على تقدير أنذركم إنذارا كإنذار من ~~تقدمني من الرسل الذين أنذروا قومهم، أو رفعا على تقدير الامر كذلك أي ~~كالأول. والأول تخويف لمن عصاه من الموحدين، والثاني لمن أشرك به من ~~الملحدين. والتمام على قوله: (كذلك) عن يعقوب وغيره. # قوله تعالى: (أتواصوا به) أي أوصى أولهم آخرهم بالتكذيب. وتواطئوا عليه، ~~والألف للتوبيخ والتعجب. (بل ms5876 هم قوم طاغون) أي لم يوص بعضهم بعضا بل جمعهم ~~الطغيان، وهو مجاوزة الحد في الكفر. # قوله تعالى: (فتول عنهم) أي أعرض عنهم وأصفح عنهم (فما أنت بملوم) عند ~~الله لأنك أديت ما عليك من تبليغ الرسالة، ثم نسخ هذا بقوله تعالى: (وذكر ~~فإن الذكرى تنفع المؤمنين) وقيل: نسخ بآية السيف. والأول قول الضحاك، لأنه ~~قد أمر بالاقبال عليهم بالموعظة. وقال مجاهد: (فتول عنهم) فأعرض عنهم (فما ~~أنت بملوم) أي ليس يلومك PageV17P054 # ربك على تقصير كان منك (وذكر) أي بالعظة فإن العظة (تنفع المؤمنين). ~~قتادة: (وذكر) بالقرآن (فإن الذكرى) به (تنفع المؤمنين). وقيل: ذكرهم ~~بالعقوبة وأيام الله. وخص المؤمنين، لأنهم المنتفعون بها. # قوله تعالى: وما خلقت الجن والإنس الا ليعبدون (56) ما أريد منهم من رزق ~~وما أريد أن يطعمون (57) ان الله هو الرزاق ذو القوة المتين (58) فات للذين ~~ظلموا ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم فلا يستعجلون (59) فويل للذين كفروا من يومهم ~~الذي يوعدون (60) قوله تعالى: (وما خلقت الجن والإنس الا ليعبدون) قيل: إن ~~هذا خاص فيمن سبق في علم الله أنه يعبده، فجاء بلفظ العموم ومعناه الخصوص. ~~والمعنى: وما خلقت أهل السعادة من الجن والإنس إلا ليوحدون. قال القشيري: ~~والآية دخلها التخصيص على القطع، لان المجانين والصبيان ما أمروا بالعبادة ~~حتى يقال أراد منهم العبادة، وقد قال الله تعالى: (ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا ~~من الجن والإنس (1)) ومن خلق لجهنم لا يكون ممن خلق للعبادة، فالآية محمولة ~~على المؤمنين منهم، وهو كقوله تعالى: (قالت الاعراب آمنا (2)) وإنما قال ~~فريق منهم. ذكره الضحاك والكلبي والفراء والقتبي. وفي قراءة عبد الله: (وما ~~خلقت الجن والإنس من المؤمنين إلا ليعبدون) وقال علي رضي الله عنه: أي وما ~~خلقت الجن والإنس إلا لآمرهم بالعبادة. واعتمد الزجاج على هذا القول، ويدل ~~عليه قوله تعالى: # (وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا (3)). فإن قيل: كيف كفروا وقد خلقهم ~~للاقرار بربوبيته والتذلل لامره ومشيئته؟ قيل: تذللوا لقضائه عليهم، لان ~~قضاءه جار عليهم لا يقدرون على الامتناع منه، وإنما خالفهم من ms5877 كفر في العمل ~~بما أمره به، فأما التذلل لقضائه فإنه غير ممتنع منه. وقيل: (إلا ليعبدون) ~~أي إلا ليقروا لي بالعبادة طوعا أو كرها، رواه علي ابن أبي طلحة عن ابن ~~عباس. فالكره ما يرى فيهم من أثر الصنعة. مجاهد: إلا ليعرفوني. # PageV17P055 # الثعلبي: وهذا قول حسن، لأنه لو لم يخلقهم لما عرف وجوده وتوحيده. ودليل ~~هذا التأويل قوله تعالى: (ولئن سألتهم من خلقهم ليقو (1) لن الله) (ولئن ~~سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم (1)) وما أشبه ~~هذا من الآيات. وعن مجاهد أيضا: # إلا لآمرهم وأنهاهم. زيد بن أسلم: هو ما جبلوا عليه من الشقوة والسعادة، ~~فخلق السعداء من الجن والإنس للعبادة، وخلق الأشقياء منهم للمعصية. وعن ~~الكلبي أيضا: إلا ليوحدون، فأما المؤمن فيوحده في الشدة والرخاء، وأما ~~الكافر فيوحده في الشدة والبلاء دون النعمة والرخاء، يدل عليه قوله تعالى: ~~(وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين (2)) الآية. وقال عكرمة: ~~إلا ليعبدون ويطيعون فأثيب العابد وأعاقب الجاحد. وقيل: المعنى إلا ~~لأستعبدهم. والمعنى متقارب، تقول: عبد بين العبودة والعبودية، وأصل ~~العبودية الخضوع والذل. والتعبيد التذليل، يقال: طريق معبد. قال (3): # * وظيفا وظيفا فوق مور معبد * والتعبيد الاستعباد وهو أن يتخذه عبدا. ~~وكذلك الاعتباد. والعبادة: الطاعة، والتعبد التنسك. فمعنى (ليعبدون) ليذلوا ~~ويخضعوا ويعبدوا. (ما أريد منهم من رزق) (من) صلة أي رزقا بل أنا الرزاق ~~والمعطي. وقال ابن عباس وأبو الجوزاء: أي ما أريد أن يرزقوا أنفسهم ولا أن ~~يطعموها. وقيل: المعنى ما أريد أن يرزقوا عبادي ولا أن يطعموهم (ان الله هو ~~الرزاق) وقرأ ابن محيصن وغيره (الرازق). (ذو القوة المتين) أي الشديد ~~القوي. وقرأ الأعمش ويحيى بن وثاب والنخعي (المتين) بالجر على النعت للقوة. # الباقون بالرفع على النعت ل (الرزاق) أو (ذو) من قوله: (ذو القوة) أو ~~يكون خبر ابتداء محذوف، أو يكون نعتا لاسم إن على الموضع، أو خبرا بعد خبر. ~~قال الفراء: كان # PageV17P056 # حقه المتينة فذكره لأنه ذهب بها إلى الشئ المبرم المحكم الفتل، يقال: حبل ms5878 ~~متين. # وأنشد الفراء: # لكل دهر قد لبست أثوبا * حتى اكتسى الرأس قناعا أشيبا * من ريطة واليمنة ~~المعصبا * فذكر المعصب، لان اليمنة صنف من الثياب، ومن هذا الباب قوله ~~تعالى: (فمن جاءه موعظة (1)) أي وعظ (وأخذ الذين ظلموا الصيحة (2)) أي ~~الصياح والصوت. # قوله تعالى: (فان للذين ظلموا) أي كفروا من أهل مكة (ذنوبا مثل ذنوب ~~أصحابهم) أي نصيبا من العذاب مثل نصيب الكفار من الأمم السالفة. وقال ابن ~~الأعرابي: # يقال يوم ذنوب أي طويل الشر لا ينقضي. وأصل الذنوب في اللغة الدلو ~~العظيمة، وكانوا يستقون الماء فيقسمون ذلك على الأنصباء فقيل للذنوب نصيب ~~من هذا، قال الراجز: # لنا ذنوب ولكم ذنوب * فإن أبيتم فلنا القليب وقال علقمة: # وفي كل يوم قد خبطت بنعمة * فحق لشأس من نداك ذنوب وقال آخر (3): # لعمرك والمنايا طارقات * لكل بني أب منها ذنوب الجوهري: والذنوب الفرس ~~الطويل الذنب، والذنوب النصيب، والذنوب لحم أسفل المتن، والذنوب الدلو ~~الملأى ماء. وقال ابن السكيت: فيها ماء قريب من المل ء يؤنث ويذكر، ولا ~~يقال لها وهي فارغة ذنوب، والجمع في أدنى العدد أذنبة والكثير ذنائب، مثل ~~قلوص وقلائص. (فلا يستعجلون) أي فلا يستعجلون نزول العذاب بهم، لأنهم ~~قالوا: يا محمد (فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين (4)) فنزل بهم يوم بدر ~~ما حقق به وعده وعجل بهم انتقامه، ثم لهم في الآخرة العذاب الدائم، والخزي ~~القائم، الذي لا انقطاع له # PageV17P057 # سورة (والطور) مكية كلها في قول الجميع، وهي تسع وأربعون آية روى الأئمة ~~عن جبير بن مطعم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بالطور في ~~المغرب. متفق عليه. # بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: والطور (1) وكتاب مسطور (2) في رق ~~منشور (3) والبيت المعمور (4) والسقف المرفوع (5) والبحر المسجور (6) ان ~~عذاب ربك لواقع (7) ماله من دافع (8) قوله تعالى: (والطور) الطور اسم الجبل ~~الذي كلم الله عليه موسى، أقسم الله به تشريفا له وتكريما وتذكيرا لما فيه ~~من الآيات، وهو أحد جبال الجنة. وروى إسماعيل ابن إسحاق قال: حدثنا إسماعيل ms5879 ~~بن أبي أويس، قال: حدثنا كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده ~~أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أربعة أجبل من جبال الجنة ~~وأربعة أنهار من أنهار الجنة وأربعة ملاحم من ملاحم الجنة (1)) قيل: فما ~~الا جبل؟ قال: # (جبل أحد يحبنا ونحبه والطور جبل من جبال الجنة ولبنان جبل من جبال الجنة ~~[والجودي (2) جبل من جبال الجنة]) وذكر الحديث، وقد استوفيناه في كتاب ~~(التذكرة). قال مجاهد: الطور هو بالسريانية الجبل والمراد به طور سينا. ~~وقاله السدي. وقال مقاتل بن حيان: هما طوران يقال لأحدهما طور سينا والآخر ~~طور زيتا، لأنهما ينبتان التين والزيتون. وقيل: هو جبل بمدين واسمه زبير. ~~قال الجوهري: والزبير الجبل الذي كلم الله عليه موسى عليه السلام. # PageV17P058 # قلت: ومدين بالأرض المقدسة وهي قرية شعيب عليه السلام. وقيل: إن الطور كل ~~جبل أنبت، وما لا ينبت فليس بطور، قاله ابن عباس. وقد مضى في (البقرة (1)) ~~مستوفى. # قوله تعالى: (وكتاب مسطور) أي مكتوب، يعني القرآن يقرؤه المؤمنون من ~~المصاحف، ويقرؤه الملائكة من اللوح المحفوظ، كما قال تعالى: (إنه لقرآن ~~كريم في كتاب مكنون (2)). وقيل: يعني سائر الكتب المنزلة على الأنبياء، ~~وكان كل كتاب في رق ينشره أهله لقراءته. وقال الكلبي: هو ما كتب الله لموسى ~~بيده من التوراة وموسى يسمع صرير القلم. وقال الفراء: هو صحائف الأعمال، ~~فمن آخذ كتابه بيمينه، ومن آخذ كتابه بشماله، نظيره: (ونخرج له يوم القيامة ~~كتابا يلقاه منشورا (3)) وقوله: (وإذا الصحف نشرت (4)). وقيل: إنه الكتاب ~~الذي كتبه الله تعالى لملائكته في السماء يقرءون فيه ما كان وما يكون. ~~وقيل: المراد ما كتب الله في قلوب الأولياء من المؤمنين، بيانه: # (أولئك كتب في قلوبهم الايمان (2)). # قلت: وفي هذا القول تجوز، لأنه عبر بالقلوب عن الرق. قال المبرد: الرق ما ~~رقق من الجلد ليكتب فيه، والمنشور المبسوط. وكذا قال الجوهري في الصحاح، ~~قال: والرق بالفتح ما يكتب فيه وهو جلد رقيق. ومنه قوله تعالى: (في رق ~~منشور) والرق ms5880 أيضا العظيم من السلاحف. قال أبو عبيدة: وجمعه رقوق. والمعنى ~~المراد ما قاله الفراء، والله أعلم. # وكل صحيفة فهي رق لرقة حواشيها، ومنه قول المتلمس: # فكأنما هي من تقادم عهدها * رق أتيح كتابها مسطور (5) وأما الرق بالكسر ~~فهو الملك، يقال: عبد مرقوق. وحكى الماوردي عن ابن عباس: # أن الرق بالفتح ما بين المشرق والمغرب. # قوله تعالى: (والبيت المعمور) قال علي وابن عباس وغيرهما: هو بيت في ~~السماء حيال الكعبة يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، ثم يخرجون منه فلا يعودون ~~إليه. قال # PageV17P059 # علي رضي الله عنه: هو بيت في السماء السادسة. وقيل: في السماء الرابعة، ~~روى أنس ابن مالك، عن مالك بن صعصعة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: (أوتي بي إلى السماء الرابعة فرفع لنا البيت المعمور فإذا هو حيال ~~الكعبة لو خر خر عليها يدخله كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا منه لم يعودوا ~~إليه) ذكره الماوردي. وحكى القشيري عن ابن عباس أنه في السماء الدنيا. وقال ~~أبو بكر الأنباري: سأل ابن الكواء عليا رضي الله عنه قال: فما البيت ~~المعمور؟ قال: بيت فوق سبع سماوات تحت العرش يقال له الضراح. # وكذا في (الصحاح): والضراح بالضم بيت في السماء وهو البيت المعمور عن ابن ~~عباس. # وعمر أنه كثرة غاشيته من الملائكة. وقال المهدوي عنه: حذاء العرش. والذي ~~في صحيح مسلم عن مالك بن صعصعة عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ~~الاسراء: (ثم رفع إلي البيت المعمور فقلت يا جبريل ما هذا قال هذا البيت ~~المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا منه لم يعودوا إليه آخر (1) ~~ما عليهم) وذكر الحديث. وفي حديث ثابت عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: (أتيت بالبراق) الحديث، وفيه: # (ثم عرج بنا إلى السابعة (2) فأستفتح جبريل عليه السلام فقيل من هذا قال ~~جبريل قيل ومن معك قال محمد - صلى الله عليه وسلم - قيل وقد بعث إليه قال ~~قد بعث إليه ففتح ms5881 لنا فإذا أنا بإبراهيم عليه السلام مسندا ظهره إلى البيت ~~المعمور وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه). وعن ابن عباس ~~أيضا قال: لله في السماوات والأرضين خمسة عشر بيتا، سبعة في السماوات وسبعة ~~في الأرضين والكعبة، وكلها مقابلة للكعبة. وقال الحسن: البيت المعمور هو ~~الكعبة، البيت الحرام الذي هو معمور من الناس، يعمره الله كل سنة بستمائة ~~ألف، فإن عجز الناس عن ذلك أتمه الله بالملائكة، وهو أول بيت وضعه الله ~~للعبادة في الأرض. وقال الربيع بن أنس: إن البيت المعمور كان # PageV17P060 # في الأرض موضع الكعبة في زمان آدم عليه السلام، فلما كان زمان نوح عليه ~~السلام أمرهم أن يحجوا فأبوا عليه وعصوه، فلما طغى الماء رفع فجعل بحذائه ~~في السماء الدنيا، فيعمره كل يوم سبعون ألف ملك، ثم لا يرجعون إليه حتى ~~ينفخ في الصور، قال: فبوأ الله عز وجل لإبراهيم مكان البيت حيث كان، قال ~~الله تعالى: (وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي ~~للطائفين والقائمين والركع السجود (1)). (والسقف المرفوع) يعني السماء ~~سماها سقفا، لأنها للأرض كالسقف للبيت، بيانه: (وجعلنا السماء سقفا محفوظا ~~(2)). وقال، ابن عباس: هو العرش وهو سقف الجنة. (والبحر المسجور) قال ~~مجاهد: الموقد، وقد جاء في الخبر: (إن البحر يسجر يوم القيامة فيكون نارا). ~~وقال قتادة: المملوء. وأنشد النحويون للنمر بن تولب: # إذا شاء طالع مسجورة * ترى حولها النبع والساسما (3) يريد وعلا يطالع ~~عينا مسجورة مملوءة. فيجوز أن يكون المملوء نارا فيكون كالقول المتقدم. ~~وكذا قال الضحاك وشمر بن عطية ومحمد بن كعب والأخفش بأنه الموقد المحمي ~~بمنزلة التنور المسجور. ومنه قيل: للمسعر مسجر، ودليل هذا التأويل قوله ~~تعالى: # (وإذا البحار (4) سجرت) أي أوقدت، سجرت التنور أسجره سجرا أي أحميته. ~~وقال سعيد ابن المسيب: قال علي رضي الله عنه لرجل من اليهود: أين جهنم؟ ~~قال: البحر. قال ما أراك إلا صادقا، وتلا: (والبجر المسجور). (وإذا البحار ~~سجرت) مخففة. وقال عبد الله ابن عمرو: لا يتوضأ ms5882 بماء البحر لأنه طبق جهنم. ~~[وقال كعب: يسجر البحر غدا فيزاد في نار جهنم، فهذا قول (5)] وقال ابن ~~عباس: المسجور الذي ذهب ماؤه. وقاله أبو العالية. # وروى عطية وذو الرمة الشاعر عن ابن عباس قال: خرجت أمة لتستقي فقالت: إن ~~الحوض مسجور أي فارغ، قال ابن أبي داود: ليس لذي الرمة حديث إلا هذا. وقيل: # المسجور أي المفجور، دليله: (وإذا البحار فجرت (4)) أي تنشفها الأرض فلا ~~يبقى فيها ماء. # PageV17P061 # وقول ثالث قاله علي رضي الله عنه وعكرمة. قال أبو مكين: سألت عكرمة عن ~~البحر المسجور فقال: هو بحر دون العرش. وقال علي: تحت العرش فيه ماء غليظ. ~~ويقال له بحر الحيوان يمطر العباد منه بعد النفخة الأولى أربعين صباحا ~~فينبتون في قبورهم. وقال الربيع بن أنس: # المسجور المختلط العذب بالملح. # قلت: وإليه يرجع معنى (فجرت) في أحد التأويلين، أي فجر عذبها في مالحها: # والله أعلم. وسيأتي. وروى علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: المسجور ~~المحبوس. # (ان عذاب ربك لواقع) هذا جواب القسم، أي واقع بالمشركين. قال جبير بن ~~مطعم: # قدمت المدينة لأسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم في أسارى بدر، فوافيته ~~يقرأ في صلاة المغرب (والطور) إلى قوله: (إن عذاب ربك لواقع. ماله من دافع) ~~فكأنما صدع قلبي، فأسلمت خوفا من نزول العذاب، وما كنت أظن أن أقوم من ~~مقامي حتى يقع بي العذاب. وقال هشام بن حسان: انطلقت أنا ومالك بن دينار ~~إلى الحسن وعنده رجل يقرأ (والطور) حتى بلغ (إن عذاب ربك لواقع. ماله من ~~دافع) فبكى الحسن وبكى أصحابه، فجعل مالك يضطرب حتى غشي عليه. ولما ولي ~~بكار القضاء جاء إليه رجلان يختصمان فتوجهت على أحدهما اليمين، فرغب إلى ~~الصلح بينهما، وأنه يعطي خصمه من عنده عوضا من يمينه فأبى إلا اليمين، ~~فأحلفه بأول (والطور) إلى أن قاله له قل: # (إن عذاب ربك لواقع) إن كنت (1) كاذبا، فقالها فخرج فكسر من حينه. # قوله تعالى: يوم تمور السماء مورا (9) وتسير الجبال سيرا (10) فويل يومئذ ~~للمكذبين ms5883 (11) الذين هم في خوض يلعبون (12) يوم يدعون إلى نار جهنم دعا ~~(13) هذه النار التي كنتم بها تكذبون (14) أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون ~~(15) اصلوها فاصبروا أو لا تبصروا سواء عليكم انما تجزون ما كنتم تعملون ~~(16) # PageV17P062 # قوله تعالى: (يوم تمور السماء مورا) العامل في يوم قوله: (واقع) أي يقع ~~العذاب بهم يوم القيامة وهو اليوم الذي تمور فيه السماء. قال أهل اللغة: ~~مار الشئ يمور مورا، أي تحرك وجاء وذهب كما تتكفأ النخلة العيدانة، أي ~~الطويلة، والتمور مثله. وقال الضحاك: # يموج بعضها في بعض. مجاهد: تدور دورا. أبو عبيدة والأخفش: تكفأ، وأنشد ~~للأعشى: # كأن مشيتها من بيت جارتها * مور السحابة لا ريث ولا عجل وقيل تجري جريا. ~~ومنه قول جرير: # وما زالت القتلى تمور دماؤها * بدجلة حتى ماء دجلة أشكل (1) وقال ابن ~~عباس: تمور السماء يومئذ بما فيها وتضطرب. وقيل: يدور أهلها فيها ويموج ~~بعضهم في بعض. والمور أيضا الطريق. ومنه قول طرفة: # *... فوق مور معبد (2) * والمور الموج. وناقة موارة اليد أي سريعة. ~~والبعير يمور عضداه إذا ترددا في عرض جنبه، قال الشاعر: # * على ظهر موار الملاط حصان * الملاط الجنب. وقولهم: لا أدري أغار أم ~~مار، أي أتى غورا أم دار فرجع إلى نجد. # والمور بالضم الغبار بالريح. وقيل: إن السماء ها هنا الفلك وموره اضطراب ~~نظمه واختلاف سيره، قاله ابن بحر. (وتسير الجبال سيرا) قال مقاتل: تسير عن ~~أماكنها حتى تستوي بالأرض. وقيل: تسير كسير السحاب اليوم في الدنيا، بيانه ~~(وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب (3)). وقد مضى هذا المعنى في ~~(الكهف (4)). (فويل يومئذ للمكذبين) # PageV17P063 # (ويل) كلمة تقال للهالك، وإنما دخلت الفاء لان في الكلام معنى المجازاة. ~~(الذين هم في خوض يلعبون) أي في تردد في الباطل، وهو خوضهم في أمر محمد ~~بالتكذيب. وقيل: # في خوض في أسباب الدنيا يلعبون لا يذكرون حسابا ولا جزاء. وقد مضى في ~~(براءة (1)). # قوله تعالى: (يوم يدعون) (يوم) بدل من يومئذ. و (يدعون) معناه يدفعون إلى ~~جهنم بشدة وعنف، يقال: دععته أدعه ms5884 دعا أي دفعته، ومنه قوله تعالى: (فذلك ~~الذي يدع اليتيم (2)). وفي التفسير: إن خزنة جهنم يغلون أيديهم إلى ~~أعناقهم، ويجمعون نواصيهم إلى أقدامهم، ثم يدفعونهم في النار دفعا على ~~وجوههم، وزخا في أعناقهم حتى يردوا النار. وقرأ أبو رجاء العطاردي وابن ~~السميقع (يوم يدعون إلى نار جهنم دعا) بالتخفيف من الدعاء فإذا دنوا من ~~النار قالت لهم الخزنة: (هذه النار التي كنتم بها تكذبون) في الدنيا. # قوله تعالى: (أفسحر هذا) استفهام معناه التوبيخ والتقريع، أي يقال لهم: ~~(أفسحر هذا) الذي ترون الآن بأعينكم (أم أنتم لا تبصرون). وقيل: (أم) بمعنى ~~بل، أي بل كنتم لا تبصرون في الدنيا ولا تعقلون. # قوله تعالى: (اصلوها) أي تقول لهم الخزنة ذوقوا حرها بالدخول فيها. ~~(فاصبروا أولا تصبروا سواء عليكم) أي سواء كان لكم فيها صبر أو لم يكن ف ~~(سواء) خبره محذوف، أي سواء عليكم الجزع والصبر فلا ينفعكم شئ، كما أخبر ~~عنهم أنهم يقولون: (سواء علينا أجزعنا أم صبرنا (3)). (انما تجزون ما كنتم ~~تعملون). # قوله تعالى: ان المتقين في جنات ونعيم (17) فاكهين بما آتاهم ربهم ووقاهم ~~ربهم عذاب الجحيم (18) كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون (19) متكئين على ~~سرر مصفوفة وزوجناهم بحور عين (20) # PageV17P064 # قوله تعالى: (ان المتقين في جنات ونعيم) لما ذكر حال الكفار ذكر حال ~~المؤمنين أيضا (فاكهين) أي ذوي فاكهة كثيرة، يقال: رجل فاكه أي ذو فاكهة، ~~كما يقال: # لابن وتامر، أي ذو لبن وتمر، قال (1): # وغررتني وزعمت أنك * لابن بالصيف تأمر أي ذو لبن وتمر. وقرأ الحسن وغيره: ~~(فكهين) بغير ألف ومعناه معجبين ناعمين في قول ابن عباس وغيره، يقال: فكه ~~الرجل بالكسر فهو فكه إذا كان طيب النفس مزاحا: والفكه أيضا الأشر البطر. ~~وفد مضى في (الدخان (2)) القول في هذا. (بما آتاهم) أي أعطاهم (ربهم ووقاهم ~~ربهم عذاب الجحيم). (كلوا واشربوا) أي يقال لهم ذلك. # (هنيئا) الهنئ ما لا تنغيص فيه ولا نكد ولا كدر. قال الزجاج: أي ليهنئكم ~~ما صرتم إليه (هنيئا). وقيل: أي متعتم بنعيم الجنة إمتاعا ms5885 هنيئا. وقيل: أي ~~كلوا واشربوا هنئتم (هنيئا) فهو صفة في موضع المصدر. وقيل: (هنيئا) أي ~~حلالا. وقيل: لا أذى فيه ولا غائلة. # وقيل: (هنيئا) أي لا تموتون، فإن ما لا يبقى أو لا يبقى الانسان معه منغص ~~غير هنئ. # قوله تعالى: (متكئين على سرر) سرر جمع سرير وفي الكلام حذف تقديره: ~~متكئين على نمارق سرر. (مصفوفة) قال ابن الأعرابي: أي موصولة بعضها إلى بعض ~~حتى تصير صفا. وفي الاخبار أنها تصف في السماء بطول كذا وكذا، فإذا أراد ~~العبد أن يجلس عليها تواضعت له، فإذا جلس عليها عادت إلى حالها. قال ابن ~~عباس: هي سرر من ذهب مكللة بالزبرجد والدر والياقوت، والسرير ما بين مكة ~~وأيلة. (وزوجناهم بحور عين) أي قرناهم بهن. قال يونس بن حبيب: تقول العرب ~~زوجته امرأة وتزوجت امرأة، وليس من كلام العرب تزوجت بامرأة. قال: وقول ~~الله عز وجل: (وزوجناهم بحور عين) أي قرناهم بهن، من قول الله تعالى: ~~(احشروا الذين ظلموا وأزواجهم (3)) أي وقرناءهم. وقال الفراء: تزوجت بامرأة ~~لغة في أزد شنوءة. وقد مضى القول في معنى الحور العين (4). # PageV17P065 # قوله تعالى: والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بايمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ~~ألتناهم من عملهم من شئ كل امرى بما كسب رهين (21) وأمددناهم بفاكهة ولحم ~~مما يشتهون (22) يتنازعون فيها كأسا لا لغو فيها ولا تأثيم (23) ويطوف ~~عليهم غلمان لهم كأنهم لؤلؤ مكنون (24) قوله تعالى: (والذين آمنوا واتبعتهم ~~ذريتهم) قرأ العامة (وأتبعتهم) بوصل الألف وتشديد التاء وفتح العين وإسكان ~~التاء. وقرأ عمرو (وأتبعناهم) بقطع الألف وإسكان التاء والعين ونون، ~~اعتبارا بقوله: (ألحقنا بهم)، ليكون الكلام على نسق واحد. فأما قوله: ~~(ذريتهم) الأولى فقرأها بالجمع ابن عامر وأبو عمرو ويعقوب ورواها عن نافع ~~إلا أن أبا عمرو كسر التاء على المفعول وضم باقيهم. وقرأ الباقون (ذريتهم) ~~على التوحيد وضم التاء وهو المشهور عن نافع. فأما الثانية فقرأها نافع وابن ~~عامر وأبو عمرو ويعقوب بكسر التاء على الجمع. الباقون (ذريتهم) على التوحيد ~~وفتح التاء. واختلف في معناه، فقيل عن ابن ms5886 عباس أربع روايات: الأولى أنه ~~قال: إن الله ليرفع ذرية المؤمن معه في درجته في الجنة وإن كانوا دونه في ~~العمل لتقربهم عينه، وتلا هذه الآية. ورواه مرفوعا النحاس في (الناسخ ~~والمنسوخ) له عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # (إن الله عز وجل ليرفع ذرية المؤمن معه في درجته في الجنة وإن كان لم ~~يبلغها بعمله لتقربهم عينه) ثم قرأ (والذين آمنوا وأتبعناهم ذرياتهم ~~بإيمان) الآية. قال أبو جعفر: فصار الحديث مرفوعا عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم وكذا يجب أن يكون، لان ابن عباس لا يقول هذا إلا عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، لأنه إخبار عن الله عز وجل بما يفعله وبمعنى أنه أنزلها جل ~~ثناؤه. الزمخشري: فيجمع الله لهم أنواع السرور بسعادتهم في أنفسهم، ~~وبمزاوجة الحور العين، وبمؤانسة الاخوان المؤمنين، وباجتماع أولادهم ونسلهم ~~بهم. PageV17P066 # وعن ابن عباس أيضا أنه قال: إن الله ليلحق بالمؤمن ذريته الصغار الذين لم ~~يبلغوا الايمان، قاله المهدوي. والذرية تقع على الصغار والكبار، فإن جعلت ~~الذرية ها هنا للصغار كان قوله تعالى: (بإيمان) في موضع الحال من ~~المفعولين، وكان التقدير (بإيمان) من الآباء. # وإن جعلت الذرية للكبار كان قوله: (بإيمان) حالا من الفاعلين. القول ~~الثالث عن ابن عباس: أن المراد بالذين آمنوا المهاجرون والأنصار والذرية ~~التابعون. وفي رواية عنه: # إن كان الآباء أرفع درجة رفع الله الأبناء إلى الآباء، وإن كان الأبناء ~~أرفع درجة رفع الله الآباء إلى الأبناء، فالآباء داخلون في اسم الذرية، ~~كقوله تعالى: (وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون (1)). وعن ابن ~~عباس أيضا يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا دخل أهل الجنة ~~الجنة سأل أحدهم عن أبويه وعن زوجته وولده فيقال لهم إنهم لم يدركوا ما ~~أدركت فيقول يا رب إني عملت لي ولهم فيؤمر بإلحاقهم به). وقالت خديجة رضي ~~الله عنها: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن ولدين لي ماتا في الجاهلية ~~فقال ms5887 لي: (هما في النار) فلما رأى الكراهية في وجهي قال: (لو رأيت مكانهما ~~لأبغضتهما) قالت: # يا رسول الله فولدي منك؟ قال: (في الجنة) ثم قال: (إن المؤمنين وأولادهم ~~في الجنة والمشركين وأولادهم في النار (2)) ثم قرأ (والذين آمنوا وأتبعتهم ~~ذريتهم بإيمان) الآية. # (وما ألتناهم من عملهم من شئ) أي ما نقصنا الأبناء من ثواب أعمالهم لقصر ~~أعمارهم، وما نقصنا الآباء من ثواب أعمالهم شيئا بإلحاق الذريات بهم. ~~والهاء والميم راجعان إلى قوله تعالى: (والذين آمنوا). وقال ابن زيد: ~~المعنى (وأتبعتهم ذريتهم بإيمان) ألحقنا بالذرية أبناءهم الصغار الذين لم ~~يبلغوا العمل، فالهاء والميم على هذا القول للذرية. # وقرأ ابن كثير (وما ألتناهم) بكسر اللام. وفتح الباقون. وعن أبي هريرة ~~(آلتناهم) بالمد، قال ابن الأعرابي: ألته يألته ألتا، وآلته يؤلته إيلاتا، ~~ولاته يليته ليتا كلها إذا نقصه. # PageV17P067 # وفي الصحاح: ولاته عن وجهه يلوته ويليته أي حبسه عن وجهه وصرفه، وكذلك ~~ألاته عن وجهه فعل وأفعل بمعنى، ويقال أيضا: ما ألاته من عمله شيئا أي ما ~~نقصه مثل ألته وقد مضى ب (الحجرات (1)). (كل امرى بما كسب رهين) قيل: يرجع ~~إلى أهل النار. قال ابن عباس: # ارتهن أهل جهنم بأعمالهم وصار أهل الجنة إلى نعيمهم، ولهذا قال: (كل نفس ~~بما كسبت رهينة. إلا أصحاب اليمين (2)). وقيل: هو عام لكل إنسان مرتهن ~~بعمله فلا ينقص أحد من ثواب عمله، فأما الزيادة على ثواب العمل فهي تفضل من ~~الله. ويحتمل أن يكون هذا في الذرية الذين لم يؤمنوا فلا يلحقون آباءهم ~~المؤمنين بل يكونون مرتهنين بكفرهم. # قوله تعالى: (وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون) أي أكثرنا لهم من ذلك ~~زيادة من الله، أمدهم بها غير الذي كان لهم. # قوله تعالى: (يتنازعون فيها كأسا) أي يتناولها بعضهم من بعض وهو المؤمن ~~وزوجاته وخدمه في الجنة. والكأس: إناء الخمر وكل إناء مملوء من شراب وغيره، ~~فإذا فرغ لم يسم كأسا. وشاهد التنازع والكأس في اللغة قول الأخطل: # وشارب مربح بالكأس نادمني * لا بالحصور ولا فيها بسوار (3) نازعته طيب ms5888 ~~الراح الشمول وقد * صاح الدجاج وحانت وقعة الساري وقال امرؤ القيس: # فلما تنازعنا الحديث وأسمحت * هصرت بغصن ذي شماريخ ميال وقد مضى هذا في ~~(والصافات (4)). (لا لغو فيها) أي في الكأس أي لا يجري بينهم لغو # PageV17P068 # (ولا تأثيم) ولا ما فيه إثم. والتأثيم تفعيل من الاثم، أي تلك الكأس لا ~~تجعلهم آثمين لأنه مباح لهم. وقيل: (لا لغو فيها) أي في الجنة. قال ابن ~~عطاء: أي لغو يكون في مجلس محله جنة عدن، وسقاتهم الملائكة، وشربهم على ذكر ~~الله، وريحانهم وتحيتهم من عند الله، والقوم أضياف الله! (ولا تأثيم) أي ~~ولا كذب، قاله ابن عباس. الضحاك: يعني لا يكذب بعضهم بعضا. وقرأ ابن كثير ~~وابن محيصن وأبو عمرو: (لا لغو فيها ولا تأثيم) بفتح آخره. الباقون بالرفع ~~والتنوين. وقد مضى هذا في (البقرة (1)) عند قوله تعالى: (ولا خلة ولا ~~شفاعة) والحمد لله. # قوله تعالى: (ويطوف عليهم غلمان لهم) أي بالفواكه والتحف والطعام ~~والشراب، ودليله: (يطاف عليهم بصحاف من ذهب (2))، (يطاف عليهم بكأس من معين ~~(3)). ثم قيل: # هم الأطفال من أولادهم الذين سبقوهم، فأقر الله تعالى بهم أعينهم. وقيل: ~~إنهم من أخدمهم الله تعالى إياهم من أولاد غيرهم. وقيل: هم غلمان خلقوا في ~~الجنة. قال الكلبي: # لا يكبرون أبدا (كأنهم) في الحسن والبياض (لؤلؤ مكنون) في الصدف، ~~والمكنون المصون. # وقوله تعالى: (يطوف عليهم ولدان مخلدون (4)). قيل: هم أولاد المشركين وهم ~~خدم أهل الجنة. وليس في الجنة نصب ولا حاجة إلى خدمة، ولكنه أخبر بأنهم على ~~نهاية النعيم. # وعن عائشة رضي الله عنها: أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن أدنى ~~أهل الجنة منزلة من ينادي الخادم من خدمه فيجيبه ألف كلهم لبيك لبيك). وعن ~~عبد الله بن عمر قال: # قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من أحد من أهل الجنة إلا يسعى عليه ~~ألف غلام كل غلام على عمل ليس عليه صاحبه). وعن الحسن أنهم قالوا: يا رسول ~~الله إذا كان الخادم كاللؤلؤ فكيف يكون المخدوم؟ فقال: (ما ms5889 بينهما كما بين ~~القمر ليلة البدر وبين أصغر الكواكب). قال الكسائي: كننت الشئ سترته وصنته ~~من الشمس، وأكننته في نفسي أسررته. وقال أبو زيد: كننته وأكننته بمعنى في ~~الكن وفي النفس جميعا، تقول: كننت العلم وأكننته فهو مكنون ومكن. وكننت ~~الجارية وأكننتها (5) فهي مكنونة ومكنة. # PageV17P069 # قوله تعالى: وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون (25) قالوا انا كنا قبل في ~~أهلنا مشفقين (26) فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم (27) انا كنا من قبل ~~ندعوه انه هو البر الرحيم (28) قوله تعالى: (وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون) ~~قال ابن عباس: إذا بعثوا من قبورهم سأل بعضهم بعضا. وقيل: في الجنة ~~(يتساءلون) أي يتذاكرون ما كانوا فيه في الدنيا من التعب والخوف من ~~العاقبة، ويحمدون الله تعالى على زوال الخوف عنهم. # وقيل: يقول بعضهم لبعض بم صرت في هذه المنزلة الرفيعة؟ (قالوا انا كنا ~~قبل في أهلنا مشفقين) أي قال كل مسؤول منهم لسائله: (إنا كنا قبل) أي في ~~الدنيا خائفين وجلين من عذاب الله. (فمن الله علينا) بالجنة والمغفرة. ~~وقيل: بالتوفيق والهداية. (ووقانا عذاب السموم) قال الحسن: (السموم) اسم من ~~أسماء النار وطبقة من طباق جهنم. # وقيل: هو النار كما تقول جهنم. وقيل: نار عذاب السموم. والسموم الريح ~~الحارة تؤنث، يقال منه: سم يومنا فهو مسموم والجمع سمائم قال أبو عبيدة: ~~السموم بالنهار وقد تكون بالليل، والحرور بالليل وقد تكون بالنهار، وقد ~~تستعمل السموم في لفح البرد [وهو في (1) لفح الحر] والشمس أكثر، قال ~~الراجز: # اليوم يوم بارد سمومه * من جزع اليوم فلا ألومه قوله تعالى: (انا كنا من ~~قبل ندعوه) أي في الدنيا بأن يمن علينا بالمغفرة عن تقصيرنا. وقيل: (ندعوه) ~~أي نعبده. (انه هو البر الرحيم) وقرأ نافع والكسائي (أنه) بفتح الهمزة، أي ~~لأنه. الباقون بالكسر على الابتداء. و (البر) اللطيف (2)، قاله ابن عباس. # وعنه أيضا: أنه الصادق فيما وعد. وقاله ابن جريج. # PageV17P070 # قوله تعالى: فذكر فما أنت بنعمت ربك بكاهن ولا مجنون (29) أم يقولون شاعر ~~نتربص به ريب المنون (30) قل تربصوا فانى معكم ms5890 من المتربصين (31) أم تأمرهم ~~أحلامهم بهذا أم هم قوم طاغون (32) أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون (33) ~~فليأتوا بحديث مثله ان كانوا صادقين (34) قوله تعالى: (فذكر) أي فذكر يا ~~محمد قومك بالقرآن. (فما أنت بنعمة ربك) يعني برسالة ربك (بكاهن) تبتدع ~~القول وتخبر بما في غد من غير وحي. (ولا مجنون) وهذا رد لقولهم في النبي ~~صلى الله عليه وسلم، فعقبة بن أبي معيط قال: إنه مجنون، وشيبة بن ربيعة ~~قال: إنه ساحر، وغيرهما قال: كاهن، فأكذبهم الله تعالى ورد عليهم. ثم قيل: ~~إن معنى (فما أنت بنعمة ربك) القسم، أي وبنعمة الله ما أنت بكاهن ولا ~~مجنون. وقيل: ليس قسما، وإنما هو كما تقول: ما أنت بحمد الله بجاهل، أي قد ~~برأك الله من ذلك. # قوله تعالى: (أم يقولون شاعر) أي بل يقولون محمد شاعر. قال سيبويه: خوطب ~~العباد بما جرى في كلامهم. قال أبو جعفر النحاس: وهذا كلام حسن إلا أنه غير ~~مبين ولا مشروح، يريد سيبويه أن (أم) في كلام العرب لخروج من حديث إلى ~~حديث، كما قال (1): # * أتهجر غانية أم تلم * فتم الكلام ثم خرج إلى شئ آخر فقال: # * أم الحبل واه بها منجذم * فما جاء في كتاب الله تعالى من هذا فمعناه ~~التقرير والتوبيخ والخروج من حديث إلى حديث، والنحويون يمثلونها ببل. ~~(نتربص به ريب المنون) قال قتادة: قال قوم من الكفار تربصوا # PageV17P071 # بمحمد الموت يكفيكموه كما كفى شاعر بني فلان. قال الضحاك: هؤلاء بنو عبد ~~الدار نسبوه إلى أنه شاعر، أي يهلك عن قريب كما هلك من قبل من الشعراء، وأن ~~أباه مات شابا فربما يموت كما مات أبوه. وقال الأخفش: نتربص به إلى ريب ~~المنون فحذف حرف الجر، كما تقول: قصدت زيدا وقصدت إلى زيد. والمنون: الموت ~~في قول ابن عباس. # قال أبو الغول الطهوي: # هم منعوا حمى الوقبي بضرب * يؤلف بين أشتات المنون (1) أي المنايا، يقول: ~~إن الضرب يجمع بين قوم متفرقي الأمكنة لو أتتهم مناياهم في أماكنهم لا تتهم ~~متفرقة، فاجتمعوا في ms5891 موضع واحد فأتتهم المنايا مجتمعة. وقال السدي عن أبي ~~مالك عن ابن عباس: (ريب) في القرآن شك إلا مكانا واحدا في الطور (ريب ~~المنون) يعني حوادث الأمور، وقال الشاعر (2): # تربص بها ريب المنون لعلها * تطلق يوما أو يموت حليلها وقال مجاهد: (ريب ~~المنون) حوادث الدهر، والمنون هو الدهر، قال أبو ذؤيب: # أمن المنون وريبه تتوجع * والدهر ليس بمعتب من يجزع وقال الأعشى: # أأن رأت رجلا أعشى أضربه * ريب المنون ودهر متبل خبل (3) قال الأصمعي: ~~المنون والليل والنهار، وسميا بذلك لأنهما ينقصان الأعمار ويقطعان الآجال. # وعنه: أنه قيل للدهر منون، لأنه يذهب بمنة الحيوان أي قوته وكذلك المنية. ~~أبو عبيدة: # قيل للدهر منون، لأنه مضعف، من قولهم حبل منين أي ضعيف، والمنين الغبار ~~الضعيف. # قال الفراء: والمنون مؤنثة وتكون واحدا وجمعا. الأصمعي: المنون واحد لا ~~جماعة له. # PageV17P072 # الأخفش: هو جماعة لا واحد له، والمنون يذكر ويؤنث، فمن ذكره جعله الدهر ~~أو الموت ومن أنثه فعلى الحمل على المعنى كأنه أراد المنية. # قوله تعالى: (قل تربصوا) أي قل لهم يا محمد تربصوا أي انتظروا. (فانى ~~معكم من المتربصين) أي من المنتظرين بكم العذاب، فعذبوا يوم بدر بالسيف. # قوله تعالى: (أم تأمرهم أحلامهم) أي عقولهم (بهذا) أي بالكذب عليك. # (أم هم قوم طاغون) أي أم طغوا بغير عقول. وقيل: (أم) بمعنى بل، أي بل ~~كفروا طغيانا وإن ظهر لهم الحق. وقيل لعمرو بن العاص: ما بال قومك لم ~~يؤمنوا وقد وصفهم الله بالعقل؟ فقال: تلك عقول كادها الله، أي لم يصحبها ~~بالتوفيق. وقيل: (أحلامهم) أي أذهانهم، لان العقل لا يعطى للكافر ولو كان ~~له عقل لآمن. وإنما يعطى الكافر الذهن فصار عليه حجة. والذهن يقبل العلم ~~جملة، والعقل يميز العلم ويقدر المقادير لحدود الأمر والنهي . وروي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا قال: يا رسول الله، ما أعقل فلانا ~~النصراني! فقال: (مه إن الكافر لا عقل له أما سمعت قول الله تعالى: (وقالوا ~~لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في ms5892 أصحاب السعير)). وفي حديث ابن عمر: فزجره ~~النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: (مه فإن العاقل من يعمل بطاعة الله) ~~ذكره الترمذي الحكيم أبو عبد الله بإسناده. # (أم يقولون تقوله) أي افتعله وافتراه، يعني القرآن. والتقول تكلف القول، ~~وإنما يستعمل في الكذب في غالب الامر. ويقال قولتني ما لم أقل! وأقولتني ما ~~لم أقل، أي ادعيته علي. وتقول عليه أي كذب عليه. واقتال عليه تحكم قال (1): # ومنزلة في دار صدق وغبطة * وما اقتال من حكم علي طبيب فأم الأولى للانكار ~~والثانية للايجاب أي ليس كما يقولون. (بل لا يؤمنون) جحدا واستكبارا. # (فليأتوا بحديث مثله) أي بقرآن يشبهه من تلقاء أنفسهم (ان كانوا صادقين) ~~في أن محمدا افتراه. وقرأ الجحدري (فليأتوا بحديث مثله) بالإضافة. والهاء ~~في (مثله) للنبي صلى الله # PageV17P073 # عليه وسلم، وأضيف الحديث الذي يراد به القرآن إليه لأنه المبعوث به. ~~والهاء على قراءة الجماعة للقرآن. # قوله تعالى: أم خلقوا من غير شئ أم هم الخالقون (35) أم خلقوا السماوات ~~والأرض بل لا يوقنون (36) أم عندهم خزائن ربك أم هم المصيطرون (37) أم لهم ~~سلم يستمعون فيه فليأت مستمعهم بسلطان مبين (38) أم له البنات ولكم البنون ~~(39) أم تسئلهم أجرا فهم من مغرم مثقلون (40) أم عندهم الغيب فهم يكتبون ~~(41) أم يريدون كيدا فالذين كفروا هم المكيدون (42) أم لهم اله غير الله ~~سبحان الله عما يشركون (43) قوله تعالى: (أم خلقوا من غير شئ) (أم) صلة ~~زائدة والتقدير أخلقوا من غير شئ. قال ابن عباس (1): من غير رب خلقهم ~~وقدرهم. وقيل: من غير أم ولا أب، فهم كالجماد لا يعقلون ولا تقوم لله عليهم ~~حجة، ليسوا كذلك! أليس قد خلقوا من نطفة وعلقة ومضغة؟ قاله ابن عطاء. وقال ~~ابن كيسان: أم خلقوا عبثا وتركوا سدى (من غير شئ) أي لغير شئ ف (من) بمعنى ~~اللام. (أم هم الخالقون) أي أيقولون إنهم خلقوا أنفسهم فهم لا يأتمرون لأمر ~~الله وهم لا يقولون ذلك، وإذا أقروا أن ثم خالقا غيرهم فما الذي يمنعهم من ~~الاقرار له ms5893 بالعبادة دون الأصنام، ومن الاقرار بأنه قادر على البعث. (أم ~~خلقوا السماوات والأرض) أي ليس الامر كذلك فإنهم لم يخلقوا شيئا (بل لا ~~يوقنون) بالحق (أم عندهم خزائن ربك) أم عندهم ذلك فيستغنوا عن الله ويعرضوا ~~عن أمره. وقال ابن عباس: # خزائن ربك المطر والرزق. وقيل: مفاتيح الرحمة. وقال عكرمة: النبوة. أي ~~أفبأيديهم مفاتيح ربك بالرسالة يضعونها حيث شاءوا. وضرب المثل بالخزائن، ~~لان الخزانة بيت # PageV17P074 # يهيأ لجمع أنواع مختلفة من الذخائر، ومقدورات الرب كالخزائن التي فيها من ~~كل الأجناس فلا نهاية لها. (أم هم المسيطرون) قال ابن عباس: المسلطون ~~الجبارون. وعنه أيضا: # المبطلون. وقاله الضحاك. وعن ابن عباس أيضا: أم هم المتولون. عطاء: أم هم ~~أرباب قاهرون. قال عطاء: يقال تسيطرت علي أي اتخذتني خولا لك. وقاله أبو ~~عبيدة. # وفي الصحاح: المسيطر والمصيطر المسلط على الشئ ليشرف عليه ويتعهد أحواله ~~ويكتب عمله، وأصله من السطر، لان الكتاب يسطر والذي يفعله مسطر ومسيطر. ~~يقال سيطرت علينا. ابن بحر: (أم هم المسيطرون) أي هم الحفظة، مأخوذ من ~~تسطير الكتاب الذي يحفظ ما كتب فيه، فصار المسيطر هاهنا حافظا ما كتبه الله ~~في اللوح المحفوظ. وفيه ثلاث لغات: الصاد وبها قرأت العامة، والسين وهي ~~قراءة ابن محيصن وحميد ومجاهد وقنبل وهشام وأبي حياة، وبإشمام الصاد الزاي ~~وهي قراءة حمزة كما تقدم في (الصراط (1)). # قوله تعالى: (أم لهم سلم) أي أيدعون أن لهم مرتقى إلى السماء ومصعد ا ~~وسببا (يستمعون فيه) أي عليه الاخبار ويصلون به إلى علم الغيب، كما يصل ~~إليه محمد صلى الله عليه وسلم بطريق الوحي. # (فليأت مستمعهم بسلطان مبين) أي بحجة بينة أن هذا الذي هم عليه حق. ~~والسلم واحد السلالم التي يرتقى عليها. وربما سمي الغرز بذلك، قال أبو ~~الربيس الثعلبي يصف ناقته: # مطارة قلب إن ثنى الرجل ربها * بسلم غرز في مناخ يعاجله وقال زهير: # ومن هاب أسباب المنية يلقها (2) * ولو رام أسباب السماء بسلم وقال آخر: # تجنيت لي ذنبا وما إن جنيته * لتتخذي عذرا إلى الهجر سلما ms5894 # PageV17P075 # وقال ابن مقبل في الجمع: # لا تحرز المرء أحجاء البلاد ولا * يبنى له في السماوات السلاليم الاحجاء ~~النواحي مثل الارجاء واحدها حجا ورجا مقصور. ويروى: أعناء البلاد، والاعناء ~~أيضا الجوانب والنواحي واحدها عنو بالكسر. وقال ابن الأعرابي: واحدها عنا ~~مقصور. # وجاءنا أعناء من الناس واحدهم عنو بالكسر، وهم قوم من قبائل شتى. ~~(يستمعون فيه) أي عليه، كقوله تعالى: (في جذوع النخل (1)) أي عليها، قاله ~~الأخفش. وقال أبو عبيدة: # يستمعون به. وقال الزجاج: أي ألهم كجبريل الذي يأتي النبي صلى الله عليه ~~وسلم بالوحي. # قوله تعالى: (أم له البنات ولكم البنون) سفه أحلامهم توبيخا لهم وتقريعا. # أي أتضيفون إلى الله البنات مع أنفتكم منهن، ومن كان عقله هكذا فلا ~~يستبعد منه إنكار البعث. (أم تسألهم أجرا) أي على تبليغ الرسالة. (فهم من ~~مغرم مثقلون) أي فهم من المغرم الذي تطلبهم به (مثقلون) مجهدون لما كلفتهم ~~به. (أم عندهم الغيب فهم يكتبون) أي يكتبون للناس ما أرادوه من علم الغيوب. ~~وقيل: أي أم عندهم علم ما غاب عن الناس حتى علموا أن ما أخبرهم به الرسول ~~من أمر القيامة والجنة والنار والبعث باطل. وقال قتادة: # لما قالوا نتربص به ريب المنون قال الله تعالى: (أم عندهم الغيب) حتى ~~علموا متى يموت محمدا أو إلى ما يئول إليه أمره. وقال ابن عباس: أم عندهم ~~اللوح المحفوظ فهم يكتبون ما فيه ويخبرون الناس بما فيه. وقال القتبي: ~~يكتبون يحكمون والكتاب الحكم، ومنه قوله تعالى: (كتب ربكم على نفسه الرحمة ~~(2)) أي حكم، وقوله عليه الصلاة والسلام: (والذي نفسي بيده لأحكمن بينكم ~~بكتاب الله) أي بحكم الله. # قوله تعالى: (أم يريدون كيدا) أي مكرا بك في دار الندوة. (فالذين كفروا ~~هم المكيدون) أي الممكور بهم (ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله (3)) وذلك ~~أنهم قتلوا ببدر. # (أم لهم اله غير الله) يخلق ويرزق ويمنع. (سبحان الله عما يشركون) نزه ~~نفسه أن يكون له شريك. قال الخليل: كل ما في سورة (والطور) من ذكر (أم) ~~فكلمة استفهام وليس ms5895 بعطف. # PageV17P076 # قوله تعالى: وان يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم (44) فذرهم ~~حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون (45) يوم لا يغنى عنهم كيدهم شيئا ولا هم ~~ينصرون (46) قوله تعالى: (وان يروا كسفا من السماء ساقطا) قال ذلك جوابا ~~لقولهم: # (فأسقط علينا كسفا من السماء (1))، وقولهم: (أو تسقط السماء كما زعمت ~~علينا كسفا (2)) فأعلم أنه لو فعل ذلك لقالوا: (سحاب مركوم) أي بعضه فوق ~~بعض سقط علينا وليس سماء، وهذا فعل المعاند أو فعل من استولى عليه التقليد، ~~وكان في المشركين القسمان. والكسف جمع كسفة وهي القطعة من الشئ، يقال: ~~أعطني كسفة من ثوبك، ويقال في جمعها أيضا: # كسف. ويقال: الكسف والكسفة واحد. وقال الأخفش: من قرأ كسفا جعله واحدا، ~~ومن قرأ (كسفا) جعله جمعا. وقد تقدم القول في هذا في (سبحان (2)) وغيرها ~~والحمد لله. # قوله تعالى: (فذرهم) منسوخ بآية السيف. (حتى يلاقوا يومهم الذي فيه ~~يصعقون) بفتح الياء قراءة العامة، وقرأ ابن عامر وعاصم بضمها. قال الفراء: ~~هما لغتان صعق وصعق مثل سعد وسعد. قال قتادة: يوم يموتون. وقيل: هو يوم ~~بدر. وقيل: # يوم النفخة (3) الأولى. وقيل: يوم القيامة يأتيهم فيه من العذاب ما يزيل ~~عقولهم. وقيل: # (يصعقون) بضم الياء من أصعقه الله. # قوله تعالى: (يوم لا يغنى عنهم كيدهم شيئا) أي ما كادوا به النبي صلى ~~الله عليه وسلم في الدنيا. (ولاهم ينصرون) من الله. و (يوم) منصوب على ~~البدل من (يومهم الذي فيه يصعقون). # قوله تعالى: وان للذين ظلموا عذابا دون ذلك ولكن أكثرهم لا يعلمون (47) ~~واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا وسبح بحمد ربك حين تقوم (48) ومن الليل فسبحه ~~وادبار النجوم (49) # PageV17P077 # قوله تعالى: (وان للذين ظلموا) أي كفروا (عذابا دون ذلك) قيل: قبل موتهم. ~~ابن زيد: مصائب الدنيا من الأوجاع والاسقام والبلايا وذهاب الأموال ~~والأولاد. # مجاهد: هو الجوع والجهد سبع سنين. ابن عباس: هو القتل. عنه: عذاب القبر. # وقاله البراء بن عازب وعلي رضي الله عنهم. ف (دون) بمعنى غير. وقيل: ~~عذابا أخف من عذاب الآخرة. (ولكن ms5896 أكثرهم لا يعلمون) [أن (1) العذاب نازل ~~بهم] وقيل: (ولكن أكثرهم لا يعلمون) ما يصيرون إليه. # قوله تعالى: (واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا). # فيه مسألتان: # الأولى - (واصبر لحكم ربك) قيل: لقضاء ربك فيما حملك من رسالته. وقيل: # لبلائه فيما ابتلاك به من قومك، ثم نسخ بآية السيف. # الثانية - قوله تعالى: (فإنك بأعيننا) أي بمرأى ومنظر منا نرى ونسمع ما ~~تقول وتفعل. وقيل: بحيث نراك ونحفظك ونحوطك ونحرسك ونرعاك. والمعنى واحد. ~~ومنه قول تعالى لموسى عليه السلام: (ولتصنع على عيني) أي بحفظي وحراستي وقد ~~تقدم (2). # قوله تعالى: (وسبح بحمد ربك حين تقوم ومن الليل فسبحه وادبار النجوم) فيه ~~مسألتان: # الأولى - قوله تعالى: (وسبح بحمد ربك حين تقوم) اختلف في تأويل قوله: # (حين تقوم) فقال عون بن مالك وابن مسعود وعطاء وسعيد بن جبير وسفيان ~~الثوري وأبو الأحوص: يسبح الله حين يقوم من مجلسه، فيقول: سبحان الله ~~وبحمده، أو سبحانك اللهم وبحمدك، فإن كان المجلس خيرا ازددت ثناء حسنا، وإن ~~كان غير ذلك كان كفارة له، ودليل هذا التأويل ما خرجه الترمذي عن أبي هريرة ~~قال: قال وسول الله صلى الله عليه وسلم: # (من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه: سبحانك اللهم ~~وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك إلا غفر له ما كان في ~~مجلسه ذلك) قال: حديث # PageV17P078 # حسن صحيح غريب. وفيه عن ابن عمر قال: كنا نعد لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في المجلس الواحد مائة مرة من قبل أن يقوم: (رب أغفر لي وتب علي إنك ~~أنت التواب الغفور) قال حديث حسن صحيح غريب. وقال محمد بن كعب والضحاك ~~والربيع: المعنى حين تقوم إلى الصلاة. قال الضحاك يقول: الله أكبر كبيرا، ~~والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا. قال الكيا الطبري: وهذا فيه ~~بعد، فإن قوله: (حين تقوم) لا يدل على التسبيح بعد التكبير، فإن التكبير هو ~~الذي يكون بعد القيام، والتسبيح يكون وراء ذلك، فدل على أن المراد فيه ms5897 حين ~~تقوم من كل مكان كما قال ابن مسعود رضي الله عنه. وقال أبو الجوزاء وحسان ~~بن عطية: المعنى حين تقوم من منامك. قال حسان: ليكون مفتتحا لعمله بذكر ~~الله. وقال الكلبي: واذكر الله باللسان حين تقوم من فراشك إلى أن تدخل ~~الصلاة وهي صلاة الفجر. وفى هذا روايات مختلفات صحاح، منها حديث عبادة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من تعار في الليل فقال لا إله إلا الله ~~وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير والحمد لله وسبحان ~~الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله ثم قال اللهم أغفر لي أو دعا ~~أستجيب له فإن توضأ وصلى قبلت صلاته) خرجه البخاري. # تعار الرجل من الليل: إذا هب من نومه مع صوت، ومنه عار الظليم يعار عرارا ~~وهو صوته، وبعضهم يقول: عر الظليم يعر عرارا، كما قالوا زمر النعام يزمر ~~زمارا. وعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا قام إلى ~~الصلاة من جوف الليل: (اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن ~~ولك الحمد أنت قيوم السماوات والأرض ومن فيهن ولك الحمد أنت رب السماوات ~~والأرض ومن فيهن أنت الحق ووعدك الحق وقولك الحق ولقاؤك الحق والجنة حق ~~والنار حق والساعة حق والنبيون حق ومحمد حق اللهم لك أسلمت وعليك توكلت وبك ~~آمنت وإليك أنبت وبك خاصمت وإليك حاكمت فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وأسررت ~~وأعلنت أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت ولا إله غيرك) متفق عليه. ~~وعن ابن عباس أيضا أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا استيقظ من الليل مسح ~~النوم عن وجهه، ثم قرأ العشر الآيات الأواخر من سورة (آل عمران (1)). # PageV17P079 # وقال زيد بن أسلم: المعنى حين تقوم من نوم القائلة لصلاة الظهر. قال ابن ~~العربي: أما نوم القائلة فليس فيه أثر وهو ملحق بنوم الليل. وقال الضحاك: ~~إنه التسبيح في الصلاة إذا قام إليها. الماوردي: وفي هذا التسبيح ms5898 قولان: ~~أحدهما وهو قوله سبحان ربي العظيم في الركوع وسبحان ربي الاعلى في السجود. ~~الثاني أنه التوجه في الصلاة يقول: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى ~~جدك ولا إله غيرك. قال ابن العربي: من قال إنه التسبيح للصلاة فهذا أفضله، ~~والآثار في ذلك كثيرة أعظمها ما ثبت عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا قام إلى الصلاة قال: # (وجهت وجهي) الحديث. وقد ذكرناه وغيره في آخر سورة (الانعام (1)). وفي ~~البخاري عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال: قلت يا رسول الله علمني ~~دعاء أدعو به في صلاتي، فقال: (قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر ~~الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم). # الثانية - قوله تعالى: (ومن الليل فسبحه وادبار النجوم) تقدم في (ق (2)) ~~مستوفى عند قوله تعالى: (ومن الليل فسبحه وإدبار السجود). وأما (إدبار ~~النجوم) فقال علي وابن عباس وجابر وأنس: يعني ركعتي الفجر. فحمل بعض ~~العلماء الآية على هذا القول على الندب وجعلها منسوخة بالصلوات الخمس. وعن ~~الضحاك وابن زيد: أن قوله: # (وإدبار النجوم) يريد به صلاة الصبح وهو اختيار الطبري. وعن أبن عباس: ~~أنه التسبيح في آخر الصلوات. وبكسر الهمزة في (إدبار النجوم) قرأ السبعة ~~على المصدر حسب ما بيناه في (ق). وقرأ سالم بن أبي الجعد ومحمد بن السميقع ~~(وإدبار) بالفتح، ومثله روي عن يعقوب وسلام وأيوب، وهو جمع دبر ودبر. ودبر ~~الامر ودبره آخره. وروى الترمذي من حديث محمد بن فضيل، عن رشدين بن كريب عن ~~أبيه عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إدبار النجوم الركعتان ~~قبل الفجر وإدبار السجود الركعتان بعد المغرب) # PageV17P080 # قال: حديث غريب لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه من حديث محمد بن فضيل ~~عن رشدين بن كريب. وسألت محمد بن إسماعيل عن محمد بن فضيل ورشدين بن كريب ~~أيهما أوثق؟ فقال: ما أقربهما، ومحمد عندي أرجح. قال: ms5899 وسألت عبد الله بن ~~عبد الرحمن عن هذا فقال: ما أقربهما، ورشدين بن كريب أرجحهما عندي. قال ~~الترمذي: والقول ما قال أبو محمد ورشدين بن كريب عندي أرجح من محمد وأقدم، ~~وقد أدرك رشدين ابن عباس ورآه. وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: ~~لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم على شئ من النوافل أشد معاهدة منه على ~~ركعتين (1) قبل الصبح. وعنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ركعتا ~~الفجر خير من الدنيا وما فيها). تم تفسير سورة (والطور) والحمد لله. # سورة (والنجم) مكية، وهي إحدى وستون آية مكية كلها في قول الحسن وعكرمة ~~وعطاء وجابر. وقال ابن عباس وقتادة: إلا آية منها وهي قوله تعالى: (الذين ~~يجتنبون كبائر الاثم والفواحش) الآية. وقيل: اثنتان وستون آية. وقيل: إن ~~السورة كلها مدنية. والصحيح أنها مكية لما روى ابن مسعود أنه قال: # هي أول سورة أعلنها رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة. وفي (البخاري) عن ~~ابن عباس: # أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد بالنجم، وسجد معه المسلمون والمشركون ~~والجن والانس. # وعن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ سورة النجم فسجد لها، فما ~~بقي أحد من القوم إلا سجد، فأخذ رجل من القوم كفا من حصباء أو تراب فرفعه ~~إلى وجهه وقال: يكفيني هذا. قال عبد الله: فلقد رأيته بعد قتل كافرا، متفق ~~عليه. الرجل يقال له (2) أمية بن خلف. # وفي الصحيحين عن زيد بن ثابت [رضي الله عنه (3)] أنه قرأ على النبي صلى ~~الله عليه وسلم سورة (والنجم إذا هوى) فلم يسجد. وقد مضى في آخر (الأعراف ~~(4)) القول في هذا والحمد لله. # PageV17P081 # بسم الله الرحمن الرحيم والنجم إذا هوى (1) ما ضل صاحبكم وما غوى (2) وما ~~ينطق عن الهوى (3) ان هو الا وحى يوحى (4) علمه شديد القوى (5) ذو مرة ~~فاستوى (6) وهو بالأفق الاعلى (7) ثم دنا فتدلى (8) فكان قاب قوسين أو أدنى ~~(9) فأوحى إلى عبده ما أوحى (10) قوله تعالى: (والنجم إذا هوى) قال ابن ~~عباس ms5900 ومجاهد: معنى (والنجم إذا هوى) والثريا إذا سقطت مع الفجر، والعرب ~~تسمي الثريا نجما وإن كانت في العدد نجوما، يقال: إنها سبعة أنجم، ستة منها ~~ظاهرة وواحد (1) خفي يمتحن الناس به أبصارهم. # وفي (الشفا) للقاضي عياض: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرى في الثريا ~~أحد عشر نجما. وعن مجاهد أيضا أن المعنى والقرآن إذا نزل، لأنه كان ينزل ~~نجوما. وقاله الفراء. # وعنه أيضا: يعني نجوم السماء كلها حين تغرب. وهو قول الحسن قال: أقسم ~~الله بالنجوم إذا غابت. وليس يمتنع أن يعبر عنها بلفظ واحد ومعناه جمع، ~~كقول الراعي: # فباتت تعد النجم في مستحيرة * سريع بأيدي الآكلين جمودها وقال عمر بن أبي ~~ربيعة: # أحسن النجم في السماء الثريا * والثريا في الأرض زين النساء وقال الحسن ~~أيضا: المراد بالنجم النجوم إذا سقطت يوم القيامة. وقال السدي: # إن النجم ههنا الزهرة لان قوما من العرب كانوا يعبدونها. وقيل: المراد به ~~النجوم التي ترجم بها الشياطين، وسببه أن الله تعالى لما أراد بعث محمد صلى ~~الله عليه وسلم رسولا كثر انقضاض الكواكب قبل مولده، فذعر أكثر العرب منها ~~وفزعوا إلى كاهن كان لهم ضريرا، كان يخبرهم بالحوادث فسألوه عنها فقال: ~~انظروا البروج الاثني عشر فإن انقض # PageV17P082 # منها شئ فهو ذهاب الدنيا، فإن لم ينقض منها شئ فسيحدث في الدنيا أمر ~~عظيم، فاستشعروا ذلك، فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم كان هو الامر ~~العظيم الذي استشعروه، فأنزل الله تعالى: (والنجم إذا هوى) أي ذلك النجم ~~الذي هوى هو لهذه النبوة التي حدثت. وقيل: النجم هنا هو النبت الذي ليس له ~~ساق، وهوى أي سقط على الأرض. # وقال جعفر بن محمد بن علي بن الحسين رضي الله عنهم: (والنجم) يعني محمدا ~~صلى الله عليه وسلم (إذا هوى) إذا نزل من السماء ليلة المعراج. وعن عروة ~~ابن الزبير رضي الله عنهما أن عتبة ابن أبي لهب وكان تحته بنت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أراد الخروج إلى الشام فقال: لآتين محمدا ms5901 فلأوذينه، ~~فأتاه فقال: يا محمد هو كافر بالنجم إذا هوى، وبالذي دنا فتدلى. ثم تفل في ~~وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورد عليه ابنته وطلقها، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: (اللهم سلط عليه كلبا من كلابك) وكان أبو طالب حاضرا ~~فوجم لها وقال: # ما كان أغناك يا بن أخي عن هذه الدعوة، فرجع عتبة إلى أبيه فأخبره، ثم ~~خرجوا إلى الشام، فنزلوا منزلا، فأشرف عليهم راهب من الدير فقال لهم: إن ~~هذه أرض مسبعة. # فقال أبو لهب لأصحابه: أغيثونا يا معشر قريش هذه الليلة! فإني أخاف على ~~ابني من دعوة محمد، فجمعوا جمالهم وأناخوها حولهم، وأحدقوا بعتبة، فجاء ~~الأسد يتشمم وجوههم حتى ضرب عتبة فقتله. وقال حسان: # من يرجع العام إلى أهله * فما أكيل السبع بالراجع (1) وأصل النجم الطلوع، ~~يقال: نجم السن ونجم فلان ببلاد كذا أي خرج على السلطان. # والهوي النزول والسقوط، يقال: هوى يهوي هويا مثل مضى يمضي مضيا، قال ~~زهير: # فشج بها الأماعز (2) وهي تهوي * هوي الدلو أسلمها الرشاء # PageV17P083 # وقال آخر (1): # بينما نحن بالبلاكث فالقاع * سراعا والعيس تهوي هويا خطرت خطرة على القلب ~~من * ذكراك وهنا فما استطعت مضيا الأصمعي: هوى بالفتح يهوي هويا أي سقط إلى ~~أسفل. قال: وكذلك انهوى في السير إذا مضى فيه، وهوى وانهوى فيه لغتان ~~بمعنى، وقد جمعهما الشاعر في قوله: # وكم منزل لولاي طحت كما هوى * بأجرامه من قلة النيق منهوي (2) ويقال في ~~الحب: هوي بالكسر يهوى هوى، أي أحب. # قوله تعالى: (ما ضل صاحبكم) هذا جواب القسم، أي ما ضل محمد صلى الله عليه ~~وسلم عن الحق وما حاد عنه. (وما غوى) الغي ضد الرشد أي ما صار غاويا. وقيل: # أي ما تكلم بالباطل. وقيل: أي ما خاب مما طلب والغي الخيبة، قال الشاعر ~~(3): # فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره * ومن يغو لا يعدم على الغي لائما أي من ~~خاب في طلبه لامه الناس. ثم يجوز أن يكون هذا إخبارا عما بعد الوحي. ويجوز ~~أن يكون ms5902 إخبارا عن أحواله على التعميم، أي كان أبدا موحدا لله. وهو الصحيح ~~على ما بيناه في (الشورى (4)) عند قوله: (ما كنت تدري ما الكتاب ولا ~~الايمان). # قوله تعالى: (وما ينطق عن الهوى. ان هو الا وحى يوحى). # فيه مسألتان: # الأولى - قوله تعالى: (وما ينطق عن الهوى) قال قتادة: وما ينطق بالقرآن ~~عن هواه (ان هو الا وحى يوحى) إليه. وقيل: (عن الهوى) أي بالهوى، قال أبو ~~عبيدة، # PageV17P084 # كقوله تعالى: (فاسأل به خبيرا (1)) أي فاسأل عنه. النحاس: قول قتادة ~~أولى، وتكون (عن) على بابها، أي ما يخرج نطقه عن رأيه، إنما هو بوحي من ~~الله عز وجل، لان بعده: # (إن هو إلا وحي يوحى). # الثانية - قد يحتج بهذه الآية من لا يجوز لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الاجتهاد في الحوادث. وفيها أيضا دلالة على أن السنة كالوحي المنزل في ~~العمل. وقد تقدم في مقدمة الكتاب حديث المقدام بن معدى كرب (2) في ذلك ~~والحمد لله. قال السجستاني: إن شئت أبدلت (إن هو إلا وحي يوحى) من (ما ضل ~~صاحبكم) قال ابن الأنباري: وهذا غلط، لان (إن) الخفيفة لا تكون مبدلة من ~~(ما) الدليل على هذا أنك لا تقول: والله ما قمت إن أنا لقاعد. # قوله تعالى: (علمه شديد القوى) يعني جبريل عليه السلام في قول سائر ~~المفسرين، سوى الحسن فإنه قال: هو الله عز وجل، ويكون قوله تعالى: (ذو مرة) ~~على قول الحسن تمام الكلام، ومعناه ذو قوة والقوة من صفات الله تعالى، ~~وأصله من شدة فتل الحبل، كأنه استمر به الفتل حتى بلغ إلى غاية يصعب معها ~~الحل. ثم قال: (فاستوى) يعني الله عز وجل، أي استوى على العرش. روي معناه ~~عن الحسن. وقال الربيع بن أنس والفراء: # (فاستوى. وهو بالأفق الا على) أي استوى جبريل ومحمد عليهما الصلاة ~~والسلام. وهذا على العطف على المضمر المرفوع ب (هو). وأكثر العرب إذا ~~أرادوا العطف في مثل هذا الموضع أظهروا كناية المعطوف عليه، فيقولون: استوى ~~هو وفلان، وقلما يقولون استوى وفلان، وأنشد ms5903 الفراء: # ألم تر أن النبع يصلب عوده * ولا يستوي والخروع المتقصف (3) أي لا يستوي ~~هو والخروع، ونظير هذا: (أئذا كنا ترابا وآباؤنا (1)) والمعنى أئذا كنا ~~ترابا نحن وآباؤنا. ومعنى الآية: استوى جبريل هو ومحمد عليهما السلام ليلة ~~الاسراء بالأفق الاعلى. # PageV17P085 # وأجاز العطف على الضمير لئلا يتكرر. وأنكر ذلك الزجاج إلا في ضرورة ~~الشعر. وقيل: # المعنى فاستوى جبريل بالأفق الاعلى، وهو أجود. وإذا كان المستوي جبريل ~~فمعنى (ذو مرة) في وصفه ذو منطق حسن، قاله ابن عباس. وقال قتادة: ذو خلق ~~طويل حسن. وقيل: # معناه ذو صحة جسم وسلامة من الآفات، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ~~(لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي (1)). وقال امرؤ القيس: # كنت فيهم أبدا ذا حيلة * محكم المرة مأمون العقد وقد قيل: (ذو مرة) ذو ~~قوة. قال الكلبي: وكان من شدة جبريل عليه السلام: أنه اقتلع مدائن قوم لوط ~~من الأرض السفلى (2)، فحملها على جناحه حتى رفعها إلى السماء، حتى سمع أهل ~~السماء نبح كلابهم وصياح ديكتهم ثم قلبها. وكان من شدته أيضا: أنه أبصر ~~إبليس يكلم عيسى عليه السلام على بعض عقاب من الأرض المقدسة فنفحه بجناحه ~~نفحة ألقاه بأقصى جبل في الهند. وكان من شدته: صيحته بثمود في عددهم ~~وكثرتهم، فأصبحوا جاثمين خامدين. # وكان من شدته: هبوطه من السماء على الأنبياء وصعوده إليها في أسرع من ~~الطرف. وقال قطرب: تقول العرب لكل جزل الرأي حصيف العقل: ذو مرة. قال ~~الشاعر: # قد كنت قبل لقاكم ذا مرة * عندي لكل مخاصم ميزانه وكان من جزالة رأيه ~~وحصافة عقله: أن الله ائتمنه على وحيه إلى جميع رسله. قال الجوهري: والمرة ~~إحدى الطبائع الأربع، والمرة القوة وشدة العقل أيضا. ورجل مرير أي قوي ذو ~~مرة. قال: # ترى الرجل النحيف فتزدريه * وحشو ثيابه أسد مرير (3) وقال لقيط: # حتى استمرت على شزر مريرته * مر العزيمة لا رتا ولا (4) ضرعا # PageV17P086 # وقال مجاهد وقتادة: (ذو مرة) ذو قوة، ومنه قول خفاف بن ندبة: # إني امرؤ ذو مرة فاستبقني * فيما ms5904 ينوب من الخطوب صليب فالقوة تكون من صفة ~~الله عز وجل، ومن صفة المخلوق. (فاستوى) يعني جبريل على ما بينا، أي ارتفع ~~وعلا إلى مكان في السماء بعد أن علم محمدا صلى الله عليه وسلم، قاله سعيد ~~ابن المسيب وابن جبير. وقيل: (فاستوى) أي قام في صورته التي خلقه الله ~~تعالى عليها، لأنه كان يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم في صورة الآدميين ~~كما كان يأتي إلى الأنبياء، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم أن يريه نفسه ~~التي جبله الله عليها فأراه نفسه مرتين: مرة في الأرض ومرة في السماء، فأما ~~في الأرض ففي الأفق الاعلى، وكان النبي صلى الله عليه وسلم بحراء، فطلع له ~~جبريل من المشرق فسد الأرض إلى المغرب، فخر النبي صلى الله عليه وسلم مغشيا ~~عليه. فنزل إليه في صورة الآدميين وضمه إلى صدره، وجعل يمسح الغبار عن ~~وجهه، فلما أفاق النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يا جبريل ما ظننت أن الله ~~خلق أحدا على مثل هذه الصورة). فقال: يا محمد إنما نشرت جناحين من أجنحتي ~~وإن لي ستمائة جناح سعة كل جناح ما بين المشرق والمغرب. فقال: (إن هذا ~~لعظيم) فقال: وما أنا في جنب ما خلقه الله إلا يسيرا، ولقد خلق الله ~~إسرافيل له ستمائة جناح، كل جناح منها قدر جميع أجنحتي، وانه ليتضاءل ~~أحيانا من مخافة الله تعالى حتى يكون بقدر الوصع. # يعنى العصفور الصغير، دليله قوله تعالى: (ولقد رآه بالأفق المبين (1)) ~~وأما في السماء فعند سدرة المنتهى، ولم يره أحد من الأنبياء على تلك الصورة ~~إلا محمدا صلى الله عليه وسلم. وقول ثالث أن معنى (فاستوى) أي استوى القرآن ~~في صدره. وفيه على هذا وجهان: أحدهما في صدر جبريل حين نزل به عليه. الثاني ~~في صدر محمد صلى الله عليه وسلم حين نزل عليه. # وقول رابع أن معنى (فاستوى) فاعتدل يعني محمدا صلى الله عليه وسلم. وفيه ~~على هذا وجهان: # أحدهما فاعتدل في قوته. الثاني في رسالته. ذكرهما الماوردي. # قلت: ms5905 وعلى الأول يكون تمام الكلام (ذو مرة، وعلى الثاني (شديد القوى). # وقول خامس أن معناه فارتفع. وفيه على هذا وجهان: أحدهما أنه جبريل عليه ~~السلام # PageV17P087 # ارتفع إلى مكانه على ما ذكرنا آنفا. الثاني أنه النبي صلى الله عليه وسلم ~~ارتفع بالمعراج. # وقول سادس (فاستوى) يعني الله عز وجل، أي استوى على العرش على قول الحسن. # وقد مضى القول فيه في (الأعراف (1)). # قوله تعالى: (وهو بالأفق الاعلى) جملة في موضع الحال، والمعنى فاستوى ~~عاليا، أي استوى جبريل عاليا على صورته ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قبل ذلك يراه عليها حتى سأله إياها على ما ذكرنا. والأفق ناحية السماء ~~وجمعه آفاق. وقال قتادة: هو الموضع الذي تأتى منه الشمس. وكذا قال سفيان: ~~هو الموضع الذي تطلع منه الشمس. ونحوه عن مجاهد. ويقال: أفق وأفق مثل عسر ~~وعسر. وقد مضى في (حم السجدة (2)). وفرس أفق بالضم أي رائع وكذلك الأنثى، ~~قال الشاعر: # أرجل لمتي وأجر ذيلي * وتحمل شكتي أفق كميت (3) وقيل: (وهو) أي النبي صلى ~~الله عليه وسلم (بالأفق الاعلى) يعني ليلة الاسراء وهذا ضعيف، لأنه يقال: ~~استوى هو وفلان، ولا يقال استوى وفلان إلا في ضرورة الشعر. # والصحيح استوى جبريل عليه السلام وجبريل بالأفق الاعلى على صورته ~~الأصلية، لأنه كان يتمثل للنبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل بالوحي في صورة ~~رجل، فأحب النبي صلى الله وسلم أن يراه على صورته الحقيقية، فاستوى في أفق ~~المشرق فملأ الأفق. # قوله تعالى: (ثم دنا فتدلى) أي دنا جبريل بعد استوائه بالأفق الاعلى من ~~الأرض (فتدلى) فنزل على النبي صلى الله عليه وسلم بالوحي. المعنى أنه لما ~~رأى النبي صلى الله عليه وسلم من عظمته ما رأى، وهاله ذلك رده الله إلى ~~صورة آدمي حين قرب من النبي صلى الله عليه وسلم بالوحي، وذلك قوله تعالى: ~~(فأوحى إلى عبده) يعني أوحى الله إلى جبريل وكان جبريل (قاب قوسين أو أدنى) ~~قاله ابن عباس والحسن وقتادة والربيع وغيرهم. وعن # PageV17P088 # ابن عباس أيضا في قوله ms5906 تعالى: (ثم دنا فتدلى) أن معناه أن الله تبارك ~~وتعالى (دنا) من محمد صلى الله عليه وسلم (فتدلى). وروى نحوه أنس بن مالك ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم. # والمعنى دنا منه أمره وحكمه. وأصل التدلي النزول إلى الشئ حتى يقرب منه ~~فوضع موضع القرب، قال لبيد (1): # فتدليت عليه قافلا * وعلى الأرض غيابات الطفل وذهب الفراء إلى أن الفاء ~~في (فتدلى) بمعنى الواو، والتقدير ثم تدلى جبريل عليه السلام ودنا. ولكنه ~~جائز إذا كان معنى الفعلين واحدا أو كالواحد قدمت أيهما شئت، فقلت فدنا ~~فقرب وقرب فدنا، وشتمني فأساء وأساء فشتمني، لان الشتم والإساءة شئ واحد. ~~وكذلك قوله تعالى: (اقتربت الساعة وانشق القمر (2)) المعنى والله أعلم: ~~انشق القمر واقتربت الساعة. # وقال الجرجاني: في الكلام تقديم وتأخير أي تدلى فدنا، لان التدلي سبب ~~الدنو. وقال ابن الأنباري: ثم تدلى جبريل أي نزل من السماء فدنا من محمد ~~صلى الله عليه وسلم. وقال ابن عباس: تدلى الرفرف لمحمد صلى الله عليه وسلم ~~ليلة المعراج فجلس عليه ثم رفع فدنا من ربه. وسيأتي. ومن قال: المعنى ~~فاستوى جبريل ومحمد بالأفق الاعلى قد يقول: ثم دنا محمد من ربه دنو كرامة ~~فتدلى أي هوى للسجود. وهذا قول الضحاك. قال القشيري: وقيل على هذا تدلى أي ~~تدلل، كقولك تظني بمعنى تظنن، وهذا بعيد، لان الدلال غير مرضي في صفة ~~العبودية. # قوله تعالى: (فكان قاب قوسين أو أدنى) أي (كان) محمد من ربه أو من جبريل ~~(قاب قوسين) أي قدر قوسين عربيتين. قاله ابن عباس وعطاء والفراء. الزمخشري: # فإن قلت كيف تقدير قوله: (فكان قاب قوسين) قلت: تقديره فكان مقدار مسافة ~~قربه مثل قاب قوسين، فحذفت هذه المضافات كما قال أبو علي في قوله (3): # * وقد جعلتني من حزيمة إصبعا * # PageV17P089 # أي ذا مقدار مسافة إصبع (أو أدنى) أي على تقديركم، كقوله تعالى: (أو ~~يزيدون (1)). # وفي الصحاح: وتقول بينهما قاب قوس، وقيب قوس وقاد قوس، وقيد قوس، أي قدر ~~قوس. وقرأ زيد بن علي (قاد) وقرئ (قيد) و ms5907 (قدر). ذكره الزمخشري. وألقاب ما ~~بين المقبض والسية. ولكل قوس قابان. وقال بعضهم في قوله تعالى: (قاب قوسين) ~~أراد قابي قوس فقلبه. وفي الحديث: (ولقاب قوس أحدكم من الجنة وموضع قده خير ~~من الدنيا وما فيها) والقد السوط. وفي الصحيح عن أبي هريرة قال: قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: (ولقاب قوس أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما فيها). ~~وإنما ضرب المثل بالقوس، لأنها لا تختلف في ألقاب. والله أعلم. قال القاضي ~~عياض: اعلم أن ما وقع من إضافة الدنو والقرب من الله أو إلى الله فليس بدنو ~~مكان ولا قرب مدى، وإنما دنو النبي صلى الله عليه وسلم من ربه وقربه منه: ~~إبانة عظيم منزلته، وتشريف رتبته، وإشراق أنوار معرفته، ومشاهدة أسرار غيبه ~~وقدرته. ومن الله تعالى له: مبرة وتأنيس وبسط وإكرام. # ويتأول في قوله عليه السلام: (ينزل ربنا إلى سماء الدنيا) على أحد ~~الوجوه: نزول إجمال وقبول وإحسان. قال القاضي: وقوله: (فكان قاب قوسين أو ~~أدنى) فمن جعل الضمير عائدا إلى الله تعالى لا إلى جبريل كان عبارة عن ~~نهاية القرب، ولطف المحل، وإيضاح المعرفة، والاشراف على الحقيقة من محمد ~~صلى الله عليه وسلم، وعبارة عن إجابة الرغبة، وقضاء المطالب، وإظهار ~~التحفي، وإنافة المنزلة والقرب من الله، ويتأول فيه ما يتأول في قوله عليه ~~السلام: (من تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة) ~~قرب بالإجابة والقبول، وإتيان بالاحسان وتعجيل المأمول. وقد قيل: (ثم دنا) ~~جبريل من ربه (فكان قاب قوسين أو أدنى) قاله مجاهد. ويدل عليه ما روي في ~~الحديث: (إن أقرب الملائكة من الله جبريل عليه السلام). وقيل: (أو) بمعنى ~~الواو أي قاب قوسين وأدنى. وقيل: بمعنى بل أي بل أدنى. وقال سعيد بن ~~المسيب: ألقاب صدر القوس العربية حيث يشد عليه السير الذي يتنكبه صاحبه، ~~ولكل قوس قاب واحد. فأخبر أن جبريل قرب من محمد صلى الله عليه وسلم كقرب ~~قاب قوسين. وقال سعيد بن جبير وعطاء # PageV17P090 # وأبو إسحاق الهمداني وأبو ms5908 وائل شقيق بن سلمة: (فكان قاب قوسين) أي قدر ~~ذراعين، والقوس الذراع يقاس بها كل شئ، وهي لغة بعض الحجازيين. وقيل: هي ~~لغة أزد شنوءة أيضا. وقال الكسائي: قوله: (فكان قاب قوسين أو أدنى) أراد ~~قوسا واحدا، كقول الشاعر: # ومهمهين قذفين مرتين * قطعته بالسمت لا بالسمتين (1) أراد مهمها واحدا. ~~والقوس تذكر وتؤنث فمن أنث قال في تصغيرها قويسة ومن ذكر قال قويس، وفي ~~المثل هو من خير قويس سهما. والجمع قسي وقسي وأقواس وقياس، وأنشد أبو ~~عبيدة: # * ووتر الأساور القياسا (2) * والقوس أيضا بقية النمر في الجلة أي ~~الوعاء. والقوس برج في السماء. فأما القوس بالضم فصومعة الراهب، قال الشاعر ~~وذكر امرأة: # * لاستفتنتني وذا المسحين في القوس (3) * قوله تعالى: (فأوحى إلى عبده ما ~~أوحى) تفخيم للوحي الذي أوحى إليه. وتقدم معنى الوحي وهو إلقاء الشئ بسرعة ~~ومنه الوحاء (4) الوحاء. والمعنى فأوحى الله تعالى إلى عبده محمد صلى الله ~~عليه وسلم ما أوحى. وقيل: المعنى [(فأوحى إلى عبده) جبريل عليه السلام (ما ~~أوحى (5))]. وقيل: المعنى فأوحى جبريل إلى عبد الله محمد صلى الله عليه ~~وسلم ما أوحى إليه ربه. قاله الربيع والحسن وابن زيد وقتادة. قال قتادة: ~~أوحى الله إلى جبريل وأوحى جبريل إلى محمد. ثم قيل: هذا الوحي هل هو مبهم؟ ~~لا نطلع عليه نحن وتعبدنا بالايمان به # PageV17P091 # على الجملة، أو هو معلوم مفسر؟ قولان. وبالثاني قال سعيد بن جبير، قال: ~~أوحى الله إلى محمد: ألم أجدك يتيما فآويتك! ألم أجدك ضالا فهديتك! ألم ~~أجدك عائلا فأغنيتك! # (ألم نشرح لك صدرك. ووضعنا عنك وزرك. الذي أنقض ظهرك. ورفعنا لك ذكرك). # وقيل: أوحى الله إليه أن الجنة حرام على الأنبياء حتى تدخلها يا محمد، ~~وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك. # قوله تعالى: ما كذب الفؤاد ما رأى (11) أفتمارونه على ما يرى (12) ولقد ~~رآه نزلة أخرى (13) عند سدرة المنتهى (14) عندها جنة المأوى (15) إذ يغشى ~~السدرة ما يغشى (16) ما زاغ البصر وما طغى (17) لقد رأى من آيات ربه الكبرى ~~(18) قوله تعالى: (ما كذب الفؤاد ما ms5909 رأى) أي لم يكذب قلب محمد صلى الله ~~عليه وسلم ليلة المعراج، وذلك أن الله تعالى جعل بصره في فؤاده حتى رأى ربه ~~تعالى وجعل الله تلك رؤية. وقيل: كانت رؤية حقيقة بالبصر. والأول مروي عن ~~ابن عباس. وفي صحيح مسلم أنه رآه بقلبه. وهو قول أبي ذر وجماعة من الصحابة. ~~والثاني قول أنس وجماعة. # وروي عن ابن عباس أيضا أنه قال: أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم، والكلام ~~لموسى، والرؤية لمحمد صلى الله عليه وسلم. وروي عن ابن عباس أيضا أنه قال: ~~أما نحن بني هاشم فنقول إن محمدا رأى ربه مرتين. وقد مضى القول في هذا في ~~(الانعام (1)) عند قوله: # (لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار). وروى محمد بن كعب قال: قلنا يا ~~رسول الله صلى الله عليك رأيت ربك؟ قال: (رأيته بفؤادي مرتين) ثم قرأ: (ما ~~كذب الفؤاد ما رأى). # وقول: ثالث أنه رأى جلاله وعظمته، قاله الحسن. وروى أبو العالية قال: سئل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك؟ قال: (رأيت نهرا ورأيت وراء ~~النهر حجابا ورأيت # PageV17P092 # وراء الحجاب نورا لم أر غير ذلك). وفي صحيح مسلم عن أبي ذر قال: سألت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك؟ قال: (نور أني أراه) المعنى ~~غلبني من النور وبهرني منه ما منعني من رؤيته. ودل على هذا الرواية الأخرى ~~(رأيت نورا). وقال ابن مسعود: # رأى جبريل على صورته مرتين. وقرأ هشام عن ابن عامر وأهل الشام (ما كذب) ~~بالتشديد أي ما كذب قلب محمد ما رأى بعينه تلك الليلة بل صدقه. ف (ما) ~~مفعوله بغير حرف مقدر، لأنه يتعدى مشددا بغير حرف. ويجوز أن تكون (ما) ~~بمعنى الذي والعائد محذوف، ويجوز أن يكون مع الفعل مصدرا. الباقون مخففا، ~~أي ما كذب فؤاد محمد فيما رأى، فأسقط حرف الصفة. قال حسان رضي الله عنه: # لو كنت صادقة الذي حدثتني * لنجوت منجا الحارث بن هشام أي في الذي ~~حدثتني. ويجوز أن يكون مع الفعل مصدرا. ويجوز ms5910 أن يكون بمعنى الذي، أي ما ~~كذب فؤاد محمد صلى الله عليه وسلم الذي رأى. # قوله تعالى: (أفتمارونه على ما يرى) قرأ حمزة والكسائي (أفتمرونه) بفتح ~~التاء من غير ألف على معنى أفتجحدونه. واختاره أبو عبيد، لأنه قال: لم ~~يماروه وإنما جحدوه. # يقال: مراه حقه أي جحده ومريته أنا، قال الشاعر: # لئن هجرت (1) أخا صدق ومكرمة * لقد مريت أخا ما كان يمريكا أي جحدته. ~~وقال المبرد: يقال مراه عن حقه وعلى حقه إذا منعه منه ودفعه عنه. قال: # ومثل على بمعنى عن قول بني كعب بن ربيعة: رضي الله عليك، أي رضي عنك. ~~وقرأ الأعرج ومجاهد (أفتمرونه) بضم التاء من غير ألف من أمريت، أي تريبونه ~~وتشككونه. الباقون (أفتمارونه) بألف، أي أتجادلونه وتدافعونه في أنه رأى ~~الله، والمعنيان متداخلان، لان مجادلتهم جحود. وقيل: إن الجحود كان دائما ~~منهم وهذا جدال جديد، قالوا: صف لنا بيت المقدس وأخبرنا عن عيرنا التي في ~~طريق الشام. على ما تقدم (2). # PageV17P093 # قوله تعالى: (ولقد رآه نزلة أخرى) (نزلة) مصدر في موضع الحال كأنه قال: # ولقد رآه نازلا نزلة أخرى. قال ابن عباس: رأى محمد صلى الله عليه وسلم ~~ربه مرة أخرى بقلبه. روى مسلم عن أبي العالية عنه قال: (ما كذب الفؤاد ما ~~رأى) (ولقد رآه نزلة أخرى) قال: رآه بفؤاده مرتين، فقوله: (نزلة أخرى) يعود ~~إلى محمد صلى الله عليه وسلم، فإن كان له صعود ونزول مرارا بحسب أعداد ~~الصلوات المفروضة، فلكل عرجة نزلة وعلى هذا قوله تعالى: (عند سدرة المنتهى) ~~أي ومحمد صلى الله عليه وسلم عند سدرة المنتهى وفي بعض تلك النزلات. وقال ~~ابن مسعود وأبو هريرة في تفسير قوله تعالى: (ولقد رآه نزلة أخرى) أنه ~~جبريل. ثبت هذا أيضا في صحيح مسلم. وقال ابن مسعود: قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: (رأيت جبريل بالأفق الاعلى له ستمائة جناح يتناثر من ريشه الدر ~~والياقوت) ذكره المهدوي. # قوله تعالى: (عند سدرة المنتهى) (عند) من صلة (رآه) على ما بينا. والسدر ~~شجر النبق وهي ms5911 في السماء السادسة، وجاء في السماء السابعة. والحديث بهذا في ~~صحيح مسلم، الأول ما رواه مرة عن عبد الله قال: لما أسري برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم انتهى به إلى سدرة المنتهى، وهي في السماء السادسة، إليها ~~ينتهي ما يعرج به من الأرض فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها ~~فيقبض منها، قال: (إذ يغشى السدرة ما يغشى) قال: فراش (1) من ذهب، قال: ~~فأعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا: أعطي الصلوات الخمس، وأعطي ~~خواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لم يشرك بالله من أمته شيئا المقحمات (2). ~~الحديث الثاني رواه قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لما ~~رفعت إلى سدرة المنتهى في السماء السابعة نبقها مثل قلال هجر وورقها مثل ~~آذان الفيلة يخرج من ساقها نهران ظاهران ونهران باطنان قلت يا جبريل ما هذا ~~قال أما الباطنان ففي الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات) لفظ الدارقطني. ~~والنبق بكسر الباء: ثمر السدر الواحد نبقة. ويقال: نبق بفتح النون وسكون # PageV17P094 # الباء، ذكرهما يعقوب في الاصلاح وهي لغة المصريين، والأولى أفصح وهي التي ~~ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم. وروى الترمذي عن أسماء بنت أبي بكر رضي ~~الله عنهما قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول - وقد ذكر له ~~سدرة المنتهى - قال: (يسير الراكب في ظل الغصن منها مائة سنة أو يستظل ~~بظلها مائة راكب - شك يحيى - فيها فراش الذهب كأن ثمرها القلال) قال أبو ~~عيسى: هذا حديث حسن. # قلت: وكذا لفظ مسلم من حديث ثابت عن أنس (ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى ~~وإذا ورقها كآذان الفيلة وإذا ثمرها كالقلال فلما غشيها من أمر الله عز وجل ~~ما غشي تغيرت فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها). واختلف لم ~~سميت سدرة المنتهى على أقوال تسعة: الأول - ما تقدم عن أبن مسعود أنه ينتهي ~~إليها كلما يهبط من فوقها ويصعد من تحتها. الثاني - أنه ينتهي علم الأنبياء ~~إليها ويعزب علمهم عما ms5912 وراءها، قاله ابن عباس. # الثالث - أن الأعمال تنتهي إليها وتقبض منها، قاله الضحاك. الرابع - ~~لانتهاء الملائكة والأنبياء إليها ووقوفهم عندها، قاله كعب. الخامس - سميت ~~سدرة المنتهى لأنها ينتهي إليها أرواح الشهداء، قاله الربيع بن أنس. السادس ~~- لأنه تنتهي (1) إليها أرواح المؤمنين، قاله قتادة. السابع - لأنه ينتهي ~~إليها كل من كان على سنة محمد صلى الله عليه وسلم ومنهاجه، قاله علي رضي ~~الله عنه والربيع بن أنس أيضا. الثامن - هي شجرة على رؤوس حملة العرش إليها ~~ينتهي علم الخلائق، قاله كعب أيضا. # قلت: يريد - والله أعلم - أن ارتفاعها وأعالي أغصانها قد جاوزت رؤوس حملة ~~العرش، ودليله ما تقدم من أن أصلها في السماء السادسة وأعلاها في السماء ~~السابعة، ثم علت فوق ذلك حتى جاوزت رؤوس حملة العرش. والله أعلم. التاسع - ~~سميت بذلك لان من رفع إليها فقد انتهى في الكرامة. وعن أبي هريرة لما أسرى ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى به إلى سدرة المنتهى فقيل له هذه سدرة ~~المنتهى ينتهي إليها كل أحد خلا من أمتك على سنتك، فإذا هي شجرة يخرج من ~~أصلها أنهار من ماء غير آسن، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، # PageV17P095 # وأنهار من خمر لذة للشاربين، وأنهار من عسل مصفى، وإذا هي شجرة يسير ~~الراكب المسرع في ظلها مائة عام لا يقطعها، والورقة منها تغطي الأمة كلها، ~~ذكره الثعلبي. # قوله تعالى: (عندها جنة المأوى) تعريف بموضع جنة المأوى وأنها عند سدرة ~~المنتهى. وقرأ علي وأبو هريرة وأنس وأبو سبرة الجهني وعبد الله بن الزبير ~~ومجاهد (عندها جنة المأوى) يعني جنه المبيت. قال مجاهد: يريد أجنه. والهاء ~~للنبي صلى الله عليه وسلم. # وقال الأخفش: أدركه كما تقول جنه الليل أي ستره وأدركه. وقراءة العامة ~~(جنة المأوى) قال الحسن: هي التي يصير إليها المتقون. وقيل: إنها الجنة ~~التي يصير إليها أرواح الشهداء، قاله ابن عباس. وهي عن يمين العرش. وقيل: ~~هي الجنة التي آوى إليها آدم عليه الصلاة والسلام إلى أن أخرج منها وهي في ~~السماء السابعة ms5913 (1). وقيل: إن أرواح المؤمنين كلهم في جنة المأوى. وإنما ~~قيل لها: جنة المأوى لأنها تأوي إليها أرواح المؤمنين وهي تحت العرش ~~فيتنعمون بنعيمها ويتنسمون بطيب ريحها. وقيل: لان جبريل وميكائيل عليهما ~~السلام يأويان إليها. والله أعلم. # قوله تعالى: (إذ يغشى السدرة ما يغشى) قال ابن عباس والضحاك وابن مسعود ~~وأصحابه: فراش من ذهب. ورواه مرفوعا ابن مسعود وابن عباس إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم. وقد تقدم في صحيح مسلم عن ابن مسعود قوله. وقال الحسن: ~~غشيها نور رب العالمين فاستنارت. قال القشيري: وسئل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ما غشيها؟ قال: # (فراش من ذهب). وفي خبر آخر (غشيها نور من الله حتى ما يستطيع أحد أن ~~ينظر إليها). # وقال الربيع بن أنس: غشيها نور الرب والملائكة تقع عليها كما يقع الغربان ~~على الشجرة. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رأيت السدرة يغشاها فراش من ذهب ~~ورأيت على كل ورقة ملكا قائما يسبح [الله تعالى (2)] وذلك قوله: (إذ يغشى ~~السدرة ما يغشى)) ذكره # PageV17P096 # المهدوي والثعلبي (1). وقال أنس بن مالك: (إذ يغشى السدرة ما يغشى) قال ~~جراد من ذهب وقد رواه مرفوعا. وقال مجاهد: إنه رفرف أخضر. وعنه عليه ~~السلام: (يغشاها رفرف من طير خضر). وعن ابن عباس: يغشاها رب العزة، أي أمره ~~كما في صحيح مسلم مرفوعا: (فلما غشيها من أمر الله ما غشي). وقيل: هو تعظيم ~~الامر، كأنه قال: إذ يغشى السدرة ما أعلم الله به من دلائل ملكوته. وهكذا ~~قوله تعالى: (فأوحى إلى عبده ما أوحى) (والمؤتفكة أهوى. فغشاها ما غشى) ~~ومثله: (الحاقة ما الحاقة (2)). وقال الماوردي في معاني القرآن له: فإن قيل ~~لم اختيرت السدرة لهذا الامر دون غيرها من الشجر؟ قيل: # لان السدرة تختص بثلاثة أوصاف: ظل مديد، وطعم لذيذ، ورائحة ذكية، فشابهت ~~الايمان الذي يجمع قولا وعملا ونية، فظلها من الايمان بمنزلة العمل ~~لتجاوزه، وطعمها بمنزلة النية لكمونه، ورائحتها بمنزلة القول لظهوره. وروى ~~أبو داود في سننه قال: حدثنا نصر ابن علي قال ms5914 حدثنا أبو أسامة عن ابن جريج ~~عن عثمان بن أبي سليمان عن سعيد بن محمد ابن جبير بن مطعم عن عبد الله بن ~~حبشي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قطع سدرة صوب الله رأسه ~~في النار) وسئل أبو داود عن معنى هذا الحديث فقال: هذا الحديث مختصر يعني ~~من قطع سدرة في فلاة يستظل بها ابن السبيل والبهائم عبثا وظلما بغير حق ~~يكون له فيها صوب الله رأسه في النار. # قوله تعالى: (ما زاغ البصر وماء طغى) قال ابن عباس: أي ما عدل يمينا ولا ~~شمالا، ولا تجاوز الحد الذي رأى. وقيل: ما جاوز ما أمر به. وقيل: لم يمد ~~بصره إلى غير ما رأى # PageV17P097 # من الآيات. وهذا وصف أدب للنبي (1) صلى الله عليه وسلم في ذلك المقام، إذ ~~لم يلتفت يمينا ولا شمالا. # قوله تعالى: (لقد رأى من آيات ربه الكبرى) قال ابن عباس: رأى رفرفا سد ~~الأفق. وذكر البيهقي عن عبد الله قال: (رأى من آيات ربه الكبرى) قال ابن ~~عباس: # رأى رفرفا أخضر سد أفق السماء. وعنه قال: رأى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم جبريل عليه السلام في حلة رفرف أخضر، قد ملا ما بين السماء والأرض. ~~قال البيهقي: قوله في الحديث (رأى رفرفا) يريد جبريل عليه السلام في صورته ~~في رفرف، والرفرف البساط. # ويقال: فراش. ويقال: بل هو ثوب كان لباسا له، فقد روي أنه رآه في حلة ~~رفرف. # قلت: خرجه الترمذي عن عبد الله قال: (ما كذب الفؤاد ما رأى) قال: رأى ~~وسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام في حلة من رفرف قد ملا ما ~~بين السماء والأرض). # قال: هذا حديث حسن صحيح. # قلت: وقد روي عن ابن عباس في قوله تعالى: (دنا فتدلى) أنه على التقديم ~~والتأخير، أي تدلى الرفرف لمحمد صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج فجلس عليه ~~ثم رفع فدنا من ربه. # قال: (فارقني جبريل وانقطعت (2) عني الأصوات وسمعت كلام ربي) فعلى هذا ~~الرفرف ms5915 ما يقعد ويجلس عليه كالبساط وغيره. وهو بالمعنى الأول جبريل. قال ~~عبد الرحمن بن زيد ومقاتل بن حيان: رأى جبريل عليه السلام في صورته التي ~~يكون فيها في السماوات، وكذا في صحيح مسلم عن عبد الله قال: (لقد رأى من ~~آيات ربه الكبرى) قال رأى جبريل في صورته له ستمائة جناح. ولا يبعد مع هذا ~~أن يكون في حلة رفرف وعلى رفرف. والله أعلم. # وقال الضحاك: رأى سدرة المنتهى. وعن ابن مسعود: رأى ما غشي السدرة من ~~فراش الذهب، حكاه الماوردي. وقيل: رأى المعراج. وقيل: هو ما رأى تلك الليلة ~~في مسراه في عوده وبدئه، وهو أحسن، دليله: (لنريه من آياتنا (3)) و (من) ~~يجوز أن تكون للتبعيض، وتكون (الكبرى) مفعولة ل (رأى) وهي في الأصل صفة ~~الآيات ووحدت لرءوس # PageV17P098 # الآيات. وأيضا يجوز نعت الجماعة بنعت الأنثى، كقوله تعالى: (ولي فيها ~~مآرب (1) أخرى). # وقيل: (الكبرى) نعت لمحذوف، أي رأى من آيات ربه الكبرى. ويجوز أن تكون ~~(من) زائدة، أي رأى آيات ربه الكبرى. وقيل: فيه تقديم وتأخير، أي رأى ~~الكبرى من آيات ربه. # قوله تعالى: أفرءيتم اللات والعزى (19) ومناة الثالثة الأخرى (20) ألكم ~~الذكر وله الأنثى (21) تلك إذا قسمة ضيزى (22) قوله تعالى: (أفرأيتم اللات ~~والعزى. ومناة الثالثة الأخرى) لما ذكر الوحي إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وذكر من آثار قدرته ما ذكر، حاج المشركين إذ عبدوا مالا يعقل وقال ~~(2): # أفرأيتم هذه الآلهة التي تعبدونها أو حين إليكم شيئا كما أوحي إلى محمد. ~~وكانت اللات لثقيف، والعزى لقريش وبني كنانة، ومناة لبني هلال (3). وقال ~~هشام: فكانت مناة لهذيل وخزاعة، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا ~~رضي الله عنه فهدمها عام الفتح. ثم اتخذوا اللات بالطائف، وهي أحدث من مناة ~~وكانت صخرة مربعة، وكان سدنتها من ثقيف، وكانوا قد بنوا عليها بناء، فكانت ~~قريش وجميع العرب تعظمها. وبها كانت العرب تسمي زيد اللات وتيم اللات. ~~وكانت في موضع [منارة (4)] مسجد الطائف اليسرى، فلم تزل كذلك إلى أن أسلمت ~~ثقيف، فبعث رسول ms5916 الله صلى الله عليه وسلم المغيرة بن شعبة فهدمها وحرقها ~~بالنار. # ثم اتخذوا العزى وهي أحدث من اللات، اتخذها ظالم بن أسعد، وكانت بوادي ~~نخلة الشامية فوق ذات عرق، فبنوا عليها بيتا وكانوا يسمعون منها (5) الصوت. ~~قال ابن هشام: وحدثني أبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: كانت العزى شيطانة ~~تأتي ثلاث سمرات ببطن نخلة، فلما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، ~~بعث خالد بن الوليد رضي الله عنه فقال: # PageV17P099 # (ايت بطن نخلة فإنك تجد ثلاث سمرات فاعضد الأولى) فأتاها فعضدها فلما جاء ~~إليه قال: # (هل رأيت شيئا) قال: لا. قال: (فاعضد الثانية) فأتاها فعضدها، ثم أتى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (هل رأيت شيئا) قال: لا. قال: (فاعضد ~~الثالثة) فأتاها فإذا هو بحبشية نافشة شعرها، واضعة يديها على عاتقها تصرف ~~بأنيابها، وخلفها دبية (1) السلمى وكان سادنها فقال: # يا عز كفرانك لا سبحانك * إني رأيت الله قد أهانك ثم ضربها ففلق رأسها ~~فإذا هي حممة، ثم عضد الشجرة وقتل دبية السادن، ثم أتى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فأخبره فقال: (تلك العزى [ولن تعبد أبدا]) وقال ابن جبير: العزى حجر ~~أبيض كانوا يعبدونه. قتادة: نبت (2) كان ببطن نخلة. ومناة: صنم لخزاعة. ~~وقيل: # إن اللات فيما ذكر بعض المفسرين أخذه المشركون من لفظ (3) الله، والعزى ~~من العزيز، ومناة من منى الله الشئ إذا قدره. وقرأ ابن عباس وابن الزبير ~~ومجاهد وحميد وأبو صالح (اللات) بتشديد التاء وقالوا: كان رجلا يلت السويق ~~للحاج - ذكره البخاري عن ابن عباس - فلما مات عكفوا على قبره فعبدوه. ابن ~~عباس: كان يبيع السويق والسمن عند صخرة ويصبه عليها، فلما مات ذلك الرجل ~~عبدت ثقيف تلك الصخرة إعظاما لصاحب السويق. أبو صالح: # إنما كان رجلا بالطائف فكان يقوم على آلهتهم ويلت لهم السويق فلما مات ~~عبدوه. مجاهد: # كان رجل في رأس جبل له غنيمة يسلي (4) منها السمن ويأخذ منها الاقط ويجمع ~~رسلها، ثم يتخذ منها حيسا (5) فيطعم الحاج، وكان ببطن نخلة فلما مات ms5917 عبدوه ~~وهو اللات. وقال الكلبي كان رجلا من ثقيف يقال له صرمة بن غنم. وقيل: إنه ~~عامر بن ظرب العدواني. قال (6) الشاعر: # لا تنصروا اللات إن الله مهلكها * وكيف ينصركم من ليس ينتصر # PageV17P100 # والقراءة الصحيحة (اللات) بالتخفيف اسم صنم والوقوف عليها بالتاء وهو ~~اختيار الفراء. # قال الفراء: وقد رأيت الكسائي سأل أبا فقعس الأسدي (1) فقال ذاه لذات ~~[ولاه للات] وقرأ (أفرأيتم اللاه) وكذا قرأ الدوري عن الكسائي والبزي عن ~~ابن كثير (اللاه) بالهاء في الوقف، ومن قال: إن (اللات) من الله وقف بالهاء ~~أيضا. وقيل: أصلها لاهة مثل شاة [أصلها شاهة] وهي من لاهت أي اختفت، قال ~~الشاعر: # لاهت فما عرفت يوما بخارجة * يا ليتها خرجت حتى رأيناها وفي الصحاح: ~~اللات اسم صنم كان لثقيف وكان بالطائف، وبعض العرب يقف عليها بالتاء، ~~وبعضهم بالهاء، قال الأخفش: سمعنا من العرب من يقول اللات والعزى، ويقول هي ~~اللات فيجعلها تاء في السكوت وهي اللات فأعلم أنه جر في موضع الرفع، فهذا ~~مثل أمس مكسور على كل حال وهو أجود منه، لان الألف واللام اللتان في اللات ~~لا تسقطان وإن كانتا زائدتين، وأما ما سمعنا من الأكثر في اللات والعزى في ~~السكوت عليها فاللاه لأنها هاء فصارت تاء في الوصل وهي في تلك اللغة مثل ~~كان من الامر كيت وكيت، وكذلك هيهات في لغة من كسرها، إلا أنه يجوز في ~~هيهات أن تكون جماعة ولا يجوز ذلك في اللات، لان التاء لا تزاد في الجماعة ~~إلا مع الألف، وإن جعلت الألف والتاء زائدتين بقي الاسم على حرف واحد. # قوله تعالى: (ومناة الثالثة الأخرى) قرأ ابن كثير وابن محيصن وحميد ~~ومجاهد والسلمي والأعشى عن أبي بكر (ومناءة) بالمد والهمز. والباقون بترك ~~الهمز لغتان. وقيل: # سمي بذلك، لأنهم كانوا يريقون عنده الدماء يتقربون بذلك إليه. وبذلك سميت ~~منى لكثرة ما يراق فيها من الدماء. وكان الكسائي وابن كثير وابن محيصن ~~يقفون بالهاء على الأصل. # PageV17P101 # الباقون بالتاء أتباعا لخط المصحف. وفي الصحاح: ومناة اسم صنم كان ms5918 [لهذيل ~~وخزاعة (1)] بين مكة والمدينة، والهاء للتأنيث ويسكت عليها بالتاء وهي لغة، ~~والنسبة إليها منوي. # وعبد مناة بن أد بن طابخة، وزيد مناة بن تميم بن مريمد ويقصر، قال هوبر ~~الحارثي: # ألا هل أتى التيم بن عبد مناءة * على الشن ء فيما بيننا ابن تميم قوله ~~تعالى: (الأخرى) العرب [لا (2)] تقول للثالثة أخرى وإنما الأخرى نعت ~~للثانية، واختلفوا في وجهها فقال الخليل: إنما قال ذلك لوفاق رؤوس الآي، ~~كقوله: (مآرب أخرى) ولم يقل أخر. وقال الحسين بن الفضل: في الآية تقديم ~~وتأخير مجازها أفرأيتم اللات والعزى الأخرى ومناة الثالثة. وقيل: إنما قال ~~(ومناة الثالثة الأخرى) لأنها كانت مرتبة عند المشركين في التعظيم بعد ~~اللات والعزى فالكلام على نسقه. وقد ذكرنا عن [ابن (3)] هشام: أن مناة كانت ~~أولا في التقديم، فلذلك كانت مقدمة عندهم في التعظيم، والله أعلم. وفي ~~الآية حذف دل عليه الكلام، أي أفرأيتم هذه الآلهة هل نفعت أو ضرت حتى تكون ~~شركاء لله. ثم قال على جهة التقريع والتوبيخ: (ألكم الذكر وله الأنثى) ردا ~~عليهم قولهم: الملائكة بنات الله، والأصنام بنات الله. # قوله تعالى: (تلك إذا) يعني هذه القسمة (قسمة ضيزى) أي جائرة عن العدل، ~~خارجة عن الصواب، مائلة عن الحق. يقال: ضاز في الحكم أي جار، وضاز حقه ~~يضيزه ضيزا - عن الأخفش - أي نقصه وبخسه. قال: وقد يهمز فيقال ضأزه يضأزه ~~ضأزا وأنشد: # فإن تنأ عنا ننتقصك وإن تقم (4) * فقسمك مضئوز وأنفك راغم وقال الكسائي: ~~يقال ضاز يضيز ضيزا، وضاز يضوز ضوزا، وضأز يضأز ضأزا إذا ظلم وتعدى وبخس ~~وانتقص، قال الشاعر (5): # ضازت بنو أسد بحكمهم * إذ يجعلون الرأس كالذنب # PageV17P102 # قوله تعالى: (قسمة ضيزى) أي جائرة، وهي فعلى مثل طوبى وحبلى، وإنما كسروا ~~الضاد لتسلم الياء، لأنه ليس في الكلام فعلى صفة، وإنما هو من بناء الأسماء ~~كالشعرى والدفلى. قال الفراء: وبعض العرب تقول ضوزى وضئزى بالهمز. وحكى أبو ~~حاتم عن أبي زيد: أنه سمع العرب تهمز (ضيزى). قال غيره: وبها قرأ ابن كثير، ~~جعله مصدرا مثل ms5919 ذكرى وليس بصفة، إذ ليس في الصفات فعلى ولا يكون أصلها ~~فعلى، إذ ليس فيها ما يوجب القلب، وهي من قولهم ضأزته أي ظلمته. فالمعنى ~~قسمة ذات ظلم. وقد قيل هما لغتان بمعنى. وحكى فيها أيضا سواهما ضيزى وضازى ~~وضوزى وضؤزى. وقال المؤرج: # كرهوا ضم الضاد في ضيزى، وخافوا انقلاب الياء واوا وهي من بنات الواو، ~~فكسروا الضاد لهذه العلة، كما قالوا في جمع أبيض بيض والأصل بوض، مثل حمر ~~وصفر وخضر. فأما من قال: ضاز يضوز فالاسم منه ضوزى مثل شورى. # قوله تعالى: ان هي الا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من ~~سلطان ان يتبعون الا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاء هم من ربهم الهدى (23) ~~أم للانسان ما تمنى (24) فلله الآخرة والأولى (25) وكم من ملك في السماوات ~~لا تغنى شفاعتهم شيئا الا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى (26) قوله ~~تعالى: (ان هي الا أسماء سميتموها) أي ما هي يعني هذه الأوثان (إلا أسماء ~~سميتموها) يعنى نحتموها وسميتموها آلهة. (أنتم وآباؤكم) أي قلدتموهم في ~~ذلك. # (ما أنزل الله بها من سلطان) أي ما أنزل الله بها من حجة ولا برهان. (ان ~~يتبعون الا الظن) عاد من الخطاب إلى الخبر أي ما يتبع هؤلاء إلى الظن. (وما ~~تهوى الأنفس) أي تميل إليه. وقراءة العامة (يتبعون) بالياء. وقرأ عيسى بن ~~عمرو أيوب وابن السميقع PageV17P103 # (تتبعون) بالتاء على الخطاب. وهي قراءة ابن مسعود وابن عباس. (ولقد جاءهم ~~من ربهم الهدى) أي البيان من جهة الرسول أنها ليست بآلهة. (أم للانسان ما ~~تمنى) أي اشتهى أي ليس ذلك له. وقيل: (للانسان ما تمنى) من البنين، أي يكون ~~له دون البنات. وقيل: (أم للانسان ما تمنى) من غير جزاء! ليس الامر كذلك. ~~وقيل: # (أم للانسان ما تمنى) من النبوة أن تكون فيه دون غيره. وقيل: (أم للانسان ~~ما تمنى) من شفاعة الأصنام، نزلت في النضر بن الحرث. وقيل: في الوليد بن ~~المغيرة. وقيل: # في سائر الكفار. (فلله الآخرة والأولى) ms5920 يعطي من يشاء ويمنع من يشاء لا ما ~~تمنى أحد. # قوله تعالى: (وكم من ملك في السماوات لا تغنى شفاعتهم شيئا الا من بعد أن ~~يأذن الله لمن يشاء ويرضى) هذا توبيخ من الله تعالى لمن عبد الملائكة ~~والأصنام، وزعم أن ذلك يقربه إلى الله تعالى، فأعلم أن الملائكة مع كثرة ~~عبادتها وكرامتهم على الله لا تشفع إلا لمن أذن أن يشفع له. قال الأخفش: ~~الملك واحد ومعناه جمع، وهو كقوله تعالى: # (فما منكم من أحد عنه حاجزين (1)). وقيل: إنما ذكر ملكا واحدا، لان كم ~~تدل على الجمع. # قوله تعالى: ان الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى ~~(27) وما لهم به من علم أن يتبعون الا الظن وان الظن لا يغنى من الحق شيئا ~~(28) فأعرض عن من يولى عن ذكرنا ولم يرد الا الحياة الدنيا (29) ذلك مبلغهم ~~من العلم ان ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى (30) قوله ~~تعالى: (ان الذين لا يؤمنون بالآخرة) هم الكفار الذين قالوا الملائكة بنات ~~الله والأصنام بنات الله. (ليسمون الملائكة تسمية الأنثى) أي كتسمية ~~الأنثى، أي # PageV17P104 # يعتقدون أن الملائكة إناث وأنهم بنات الله. (وما لهم به من علم) أي إنهم ~~لم يشاهدوا خلقه الملائكة، ولم يسمعوا ما قالوه من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ولم يروه في كتاب. # (ان يتبعون) أي ما يتبعون (الا الظن) في أن الملائكة إناث. (وان الظن لا ~~يغنى من الحق شيئا). # قوله تعالى: (فأعرض عمن تولى عن ذكرنا) يعني القرآن والايمان. وهذا منسوخ ~~بآية السيف. (ولم يرد الا الحياة الدنيا) نزلت في النضر. وقيل: في الوليد. ~~(ذلك مبلغهم من العلم) أي إنما يبصرون أمر دنياهم ويجهلون أمر دينهم. قال ~~الفراء: صغرهم وازدرى بهم، أي ذلك قدر عقولهم ونهاية علمهم أن آثروا الدنيا ~~على الآخرة. وقيل: # أن جعلوا الملائكة والأصنام بنات الله. (ان ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله) ~~أي حاد عن دينه (وهو أعلم بمن اهتدى) فيجازي كلا بأعمالهم. # قوله تعالى: ولله ms5921 ما في السماوات وما في الأرض ليجزى الذين أساءوا بما ~~عملوا ويجزى الذين أحسنوا بالحسنى (31) الذين يجتنبون كبائر الاثم الفواحش ~~الا اللمم ان ربك واسع المغفرة هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم ~~أجنة في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى (32) قوله تعالى: ~~(ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزى الذين أساؤوا بما عملوا ويجزى ~~الذين أحسنوا بالحسن) اللام متعلقة بالمعنى الذي دل عليه (ولله ما في ~~السماوات وما في الأرض) كأنه قال: هو مالك ذلك يهدي من يشاء ويضل من يشاء ~~ليجزي المحسن بإحسانه والمسئ بإساءته. وقيل: (لله ما في السماوات وما في ~~الأرض) معترض في الكلام، والمعنى: إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم ~~بمن اهتدى ليجزي. وقيل: هي PageV17P105 # لام العاقبة، أي ولله ما في السماوات وما في الأرض، أي وعاقبة أمر الخلق ~~أن يكون فيهم مسئ ومحسن، فللمسئ السوءى وهي جهنم، وللمحسن الحسنى وهي ~~الجنة. # قوله تعالى: (الذين يجتنبون كبائر الاثم والفواحش الا اللمم) فيه ثلاث ~~مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (الذين يجتنبون كبائر الاثم والفواحش) هذا نعت ~~للمحسنين، أي هم لا يرتكبون كبائر الاثم وهو الشرك، لأنه أكبر الآثام. وقرأ ~~الأعمش ويحيى بن وثاب وحمزة والكسائي (كبير) على التوحيد وفسره ابن عباس ~~بالشرك. (والفواحش) الزنى: وقال مقاتل: (كبائر الاثم) كل ذنب ختم بالنار. ~~(والفواحش) كل ذنب فيه الحد. وقد مضى في (النساء (1)) القول في هذا. ثم ~~استثنى استثناء منقطعا وهي: # المسألة الثانية - فقال: (إلا اللمم) وهي الصغائر التي لا يسلم من الوقوع ~~فيها إلا من عصمه (2) الله وحفظه. وقد اختلف في معناها، فقال أبو هريرة ~~وابن عباس والشعبي: # (اللمم) كل ما دون الزنى. وذكر مقاتل بن سليمان: أن هذه الآية نزلت في ~~رجل كان يسمى نبهان التمار، كان له حانوت يبيع فيه تمرا، فجاءته امرأة ~~تشتري منه تمرا فقال لها: # إن داخل الدكان ما هو خير من هذا، فلما دخلت راودها فأبت وانصرفت فندم ~~نبهان، فأتى رسول الله ms5922 صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! ما من شئ ~~يصنعه الرجل إلا وقد فعلته إلا الجماع، فقال: (لعل (3) زوجها غاز) فنزلت ~~هذه الآية، وقد مضى في آخر (هود (3)) وكذا قال ابن مسعود وأبو سعيد الخدري ~~وحذيفة ومسروق: إن اللمم ما دون الوطئ من القبلة والغمزة والنظرة ~~والمضاجعة. وروى مسروق عن عبد الله بن مسعود قال: زنى العينين النظر، وزنى ~~اليدين البطش، وزنى الرجلين المشي، وإنما يصدق ذلك أو يكذبه الفرج، فإن ~~تقدم كان زنى وإن تأخر كان لمما. وفي صحيح البخاري ومسلم عن ابن عباس قال: # ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: (إن الله كتب # PageV17P106 # على ابن آدم حظه من الزنى أدرك ذلك لا محالة فزنى العينين النظر وزنى ~~اللسان النطق والنفس تتمنى وتشتهي والفرج يصدق ذلك أو يكذبه). والمعنى: أن ~~الفاحشة العظيمة والزنى التام الموجب للحد في الدنيا والعقوبة في الآخرة هو ~~في الفرج وغيره له حظ من الاثم. # والله أعلم. وفي رواية أبي صالح [عن أبي (1) هريرة] عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: (كتب على ابن آدم نصيبه من الزنى مدرك لا محالة فالعينان ~~زناهما النظر والأذنان زناهما الاستماع واللسان زناه الكلام واليد زناها ~~البطش والرجل زناها الخطا والقلب يهوى ويتمنى ويصدق ذلك الفرج ويكذبه). ~~خرجه مسلم. وقد ذكر الثعلبي حديث طاوس عن ابن عباس فذكر فيه الاذن واليد ~~والرجل، وزاد فيه بعد العينين واللسان: (وزنى الشفتين القبلة). فهذا قول. # وقال ابن عباس أيضا: هو الرجل يلم بذنب ثم يتوب. قال: ألم تسمع النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان يقول: # إن يغفر الله يغفر جما * وأي عبد لك لا ألما رواه عمرو بن دينار عن عطاء ~~عن ابن عباس (2). قال النحاس: هذا أصح ما قيل فيه وأجلها إسنادا. وروى شعبة ~~عن منصور عن مجاهد عن ابن عباس في قول الله عز وجل (إلا اللمم) قال: هو أن ~~يلم العبد بالذنب ثم لا يعاوده، قال الشاعر ms5923 (3): # إن تغفر اللهم تغفر جما * وأي عبد لك لا ألما وكذا قال مجاهد والحسن: هو ~~الذي يأتي الذنب ثم لا يعاوده، ونحوه عن الزهري، قال: # اللمم أن يزني ثم يتوب فلا يعود، وأن يسرق أو يشرب الخمر ثم يتوب فلا ~~يعود. ودليل هذا التأويل قوله تعالى: (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا ~~أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا (4) لذنوبهم) الآية. ثم قال: (أولئك جزاؤهم ~~مغفرة من (4) ربهم) فضمن لهم المغفرة، كما قال عقيب اللمم: # PageV17P107 # (إن ربك واسع المغفرة) فعلى هذا التأويل يكون (إلا اللمم) استثناء متصل. ~~قال عبد الله ابن عمرو بن العاص: اللمم ما دون الشرك. وقيل: اللمم الذنب ~~بين الحدين وهو ما لم يأت عليه حد في الدنيا، ولا توعد عليه بعذاب في ~~الآخرة تكفره الصلوات الخمس. قاله ابن زيد وعكرمة والضحاك وقتادة. ورواه ~~العوفي والحكم بن عتيبة عن ابن عباس. وقال الكلبي: اللمم على وجهين: # كل ذنب لم يذكر الله عليه حدا في الدنيا ولا عذابا في الآخرة، فذلك الذي ~~تكفره الصلوات الخمس ما لم يبلغ الكبائر والفواحش. والوجه الآخر هو الذنب ~~العظيم يلم به الانسان المرة بعد المرة فيتوب منه. وعن ابن عباس أيضا وأبي ~~هريرة وزيد بن ثابت: هو ما سلف في الجاهلية فلا يؤاخذهم به. وذلك أن ~~المشركين قالوا للمسلمين: إنما كنتم بالأمس تعملون معنا فنزلت وقاله زيد بن ~~أسلم وابنه (1)، وهو كقوله تعالى: (وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف ~~(2)). # وقيل: اللمم هو أن يأتي بذنب لم يكن له بعادة، قاله نفطويه. قال: والعرب ~~تقول ما يأتينا إلا لماما، أي في الحين بعد الحين. قال: ولا يكون أن يلم ~~ولا يفعل، لان العرب لا تقول ألم بنا إلا إذا فعل الانسان لا إذا هم ولم ~~يفعله. وفي الصحاح: وألم الرجل من اللمم وهو صغائر الذنوب، ويقال: هو ~~مقاربة المعصية من غير مواقعة. وأنشد غير الجوهري: # بزينب ألمم قبل أن يرحل الركب * وقل إن تملينا فما ملك القلب أي أقرب. ~~وقال عطاء بن أبي رباح: ms5924 اللمم عادة النفس الحين بعد الحين. وقال سعيد ابن ~~المسيب: هو ما ألم على القلب، أي خطر. وقال محمد بن الحنفية: كل ما هممت به ~~من خير أو شر فهو لمم. ودليل هذا التأويل قوله عليه الصلاة والسلام: (إن ~~للشيطان لمة وللملك لمة) الحديث. وقد مضى في (البقرة (3)) عند قوله تعالى: ~~(الشيطان يعدكم الفقر). # وقال أبو إسحاق الزجاج: أصل اللمم والالمام ما يعمله الانسان المرة بعد ~~المرة ولا يتعمق فيه # PageV17P108 # ولا يقيم عليه، يقال: ألممت به إذا زرته وانصرفت عنه، ويقال: ما فعلته ~~إلا لمما وإلماما: # أي الحين بعد الحين. وإنما زيارتك إلمام، ومنه إلمام الخيال، قال الأعشى: # ألم خيال من قتيلة بعد ما * وهي حبلها من حبلنا فتصرما وقيل: إلا بمعنى ~~الواو. وأنكر هذا الفراء وقال: المعنى إلا المتقارب من صغار الذنوب. # وقيل: اللمم النظرة التي تكون فجأة. # قلت: هذا فيه بعد إذ هو معفو عنه ابتداء غير مؤاخذ به، لأنه يقع من غير ~~قصد واختيار، وقد مضى في (النور (1)) بيانه. واللمم أيضا طرف من الجنون، ~~ورجل ملموم أي به لمم. ويقال أيضا: أصابت فلانا لمة من الجن وهي المس والشئ ~~القليل، قال الشاعر (2): # فإذا وذلك يا كبيشة لم يكن * إلا كلمة حالم بخيال الثالثة - قوله تعالى: ~~(ان ربك واسع المغفرة) لمن تاب من ذنبه واستغفر، قاله ابن عباس. وقال أبو ~~ميسرة عمرو بن شرحبيل وكان من أفاضل أصحاب ابن مسعود: # رأيت في المنام كأني دخلت الجنة فإذا قباب مضروبة، فقلت: لمن هذه؟ ~~فقالوا: لذي الكلاع وحوشب، وكانا ممن قتل بعضهم بعضا، فقلت: وكيف ذلك؟ ~~فقالوا: إنهما لقيا الله فوجداه واسع المغفرة. فقال أبو خالد: بلغني أن ذا ~~الكلاع أعتق اثني عشر ألف بنت. # قوله تعالى: (هو أعلم بكم) من أنفسكم (إذ أنشأكم من الأرض) يعني أباكم ~~آدم من الطين وخرج اللفظ على الجمع. قال الترمذي أبو عبد الله: وليس هو ~~كذلك عندنا، بل وقع الانشاء على التربة التي رفعت من الأرض، وكنا جميعا في ~~تلك التربة وفي تلك ms5925 الطينة، ثم خرجت من الطينة المياه إلى الأصلاب مع ذرو ~~النفوس على اختلاف هيئتها، ثم استخرجها من صلبها على اختلاف الهيئات، منهم ~~كالدر يتلألأ، وبعضهم أنور من بعض، وبعضهم أسود كالحممة، وبعضهم أشد سوادا ~~من بعض، فكان الانشاء واقعا علينا وعليه. حدثنا عيسى # PageV17P109 # ابن حماد العسقلاني قال: حدثنا بشر بن بكر، قال: حدثنا الأوزاعي، قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عرض علي الأولون والآخرون بين يدي ~~حجرتي هذه الليلة) فقال قائل: يا رسول الله! ومن مضى من الخلق؟ قال: (نعم ~~عرض علي آدم فمن دونه فهل كان خلق (1) أحد) قالوا: ومن في أصلاب الرجال ~~وبطون الأمهات؟ قال: (نعم مثلوا في الطين فعرفتهم كما علم آدم الأسماء ~~كلها). # قلت: وقد تقدم في أول (الانعام (2)) أن كل إنسان يخلق من طين البقعة التي ~~يدفن فيها. (وإذ أنتم أجنة) جمع جنين وهو الولد ما دام في البطن، سمي جنينا ~~لاجتنانه واستتاره. قال عمرو بن كلثوم: # * هجان اللون لم تقرأ جنينا (3) وقال مكحول: كنا أجنة في بطون أمهاتنا ~~فسقط منا من سقط وكنا فيمن بقى، ثم صرنا رضعا فهلك منا من هلك وكنا فيمن ~~بقي، ثم صرنا يفعة فهلك منا من هلك، وكنا فيمن بقى ثم صرنا شبابا فهلك منا ~~من هلك وكنا فيمن بقي، ثم صرنا شيوخا - لا أبالك! - فما بعد هذا ننتظر؟!. ~~وروى ابن لهيعة عن الحرث بن يزيد عن ثابت بن الحرث الأنصاري قال: كانت ~~اليهود تقول إذا هلك لهم صبي صغير: هو صديق، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال: # (كذبت يهود ما من نسمة يخلقها الله في بطن أمه إلا أنه شقي أو سعيد) ~~فأنزل الله تعالى عند ذلك هذه الآية: (هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض) إلى ~~آخرها. ونحوه عن عائشة: (كان اليهود). بمثله. (فلا تزكوا أنفسكم) أي لا ~~تمدحوها ولا تثنوا عليها، فإنه أبعد من الرياء وأقرب إلى الخشوع. (هو أعلم ~~بمن اتقى) أي أخلص العمل واتقى عقوبة الله، عن الحسن وغيره. قال ms5926 الحسن: قد ~~علم الله سبحانه كل نفس ما هي عاملة، وما هي صانعة، وإلى ما هي صائرة. وقد ~~مضى في (النساء) الكلام في معنى هذه الآية عند قوله # PageV17P110 # تعالى: (ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم (1)) فتأمله هناك. وقال ابن عباس: ~~ما من أحد من هذه الأمة أزكيه غير رسول الله صلى الله عليه وسلم. والله ~~تعالى أعلم. # قوله تعالى: أفرأيت الذي تولى (33) وأعطى قليلا وأكدى (34) أعنده علم ~~الغيب فهو يرى (35) قوله تعالى: (أفرأيت الذي تولى. وأعطى قليلا وأكدى) ~~[الآيات (2)] لما بين جهل المشركين في عبادة الأصنام ذكر واحدا منهم معينا ~~بسوء فعله. قال مجاهد وابن زيد ومقاتل: # نزلت في الوليد بن المغيرة، وكان قد اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على دينه فعيره بعض المشركين، وقال: لم تركت دين الأشياخ وضللتهم (3) وزعمت ~~أنهم في النار؟ قال: إني خشيت عذاب الله، فضمن له إن هو أعطاه شيئا من ماله ~~ورجع إلى شركه أن يتحمل عنه عذاب الله، فأعطى الذي عاتبه بعض ما كان ضمن ~~[له (4)] ثم بخل ومنعه فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال مقاتل: كال الوليد ~~مدح القرآن ثم أمسك عنه فنزل: (وأعطى قليلا) أي من الخير بلسانه (وأكدى) أي ~~قطع ذلك وأمسك عنه. وعنه أنه أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم عقد ~~الايمان ثم تولى فنزلت: (أفرأيت الذي تولى) الآية. وقال ابن عباس والسدي ~~والكلبي والمسيب ابن شريك: نزلت في عثمان بن عفان رضي الله عنه كان يتصدق ~~وينفق في الخير، فقال له أخوه من الرضاعة عبد الله بن أبي سرح: ما هذا الذي ~~تصنع؟ يوشك ألا يبقى لك شئ. فقال عثمان: إن لي ذنوبا وخطايا، وإني أطلب بما ~~أصنع رضا الله تعالى وأرجو عفوه! فقال له عبد الله: أعطني ناقتك برحلها ~~وأنا أتحمل عنك ذنوبك كلها. # فأعطاه وأشهد عليه، وأمسك عن بعض ما كان يصنع [من الصدقة (4)] فأنزل الله ~~تعالى: # (أفرأيت الذي تولى. وأعطى قليلا وأكدى) فعاد عثمان إلى أحسن ذلك وأجمله. ~~ذكر ذلك الواحدي والثعلبي. ms5927 وقال السدي أيضا: نزلت في العاص بن وائل السهمي، ~~وذلك أنه # PageV17P111 # كان ربما يوافق النبي صلى الله عليه وسلم. وقال محمد بن كعب القرظي: نزلت ~~في أبي جهل ابن هشام، قال: والله ما يأمر محمد إلا بمكارم الأخلاق، فذلك ~~قوله تعالى: (وأعطى قليلا وأكدى). وقال الضحاك: هو النضر بن الحرث أعطى خمس ~~قلائص لفقير من المهاجرين حين ارتد عن دينه، وضمن له أن يتحمل عنه مأثم ~~رجوعه. وأصل (أكدى) من الكدية يقال لمن حفر بئرا ثم بلغ إلى حجر لا يتهيأ ~~له فيه حفر: قد أكدى، ثم استعملته العرب لمن أعطى ولم يتمم، ولمن طلب شيئا ~~ولم يبلغ آخره. وقال الحطيئة: # فأعطى قليلا ثم أكدى عطاءه * ومن يبذل المعروف في الناس يحمد قال الكسائي ~~وغيره: أكدى الحافر وأجبل إذا بلغ في حفره كدية أو جبلا فلا يمكنه أن يحفر. ~~وحفر فأكدى إذا بلغ إلى الصلب. ويقال: كديت أصابعه إذا كلت (1) من الحفر. # وكديت (2) يده إذا كلت فلم تعمل شيئا. وأكدى النبت إذا قل ريعه، وكدت ~~الأرض تكدو كدوا [وكدوا] فهي كادية إذا أبطأ نباتها، عن أبي زيد. وأكديت ~~الرجل عن الشئ رددته عنه. وأكدى الرجل إذا قل خيره. وقوله: (وأعطى قليلا ~~وأكدى) أي قطع القليل. # قوله تعالى: (أعنده علم الغيب فهو يرى) أي أعند هذا المكدي علم ما غاب ~~عنه من أمر العذاب؟. (فهو يرى) أي يعلم ما غاب عنه من أمر الآخرة، وما يكون ~~من أمره حتى يضمن حمل العذاب عن غيره، وكفى بهذا جهلا وحمقا. وهذه الرؤية ~~هي المتعدية إلى مفعولين والمفعولان محذوفان، كأنه قال: فهو يرى الغيب مثل ~~الشهادة. # قوله تعالى: أم لم ينبأ بما في صحف موسى (36) وإبراهيم الذي وفى (37) ألا ~~تزر وازرة وزر أخرى (38) وأن ليس للانسان الا ما سعى (39) وأن سعيه سوف يرى ~~(40) ثم يجزاه الجزاء الأوفى (41) وان إلى ربك المنتهى (42) # PageV17P112 # قوله تعالى: (أم لم ينبأ بما في صحف موسى. وإبراهيم) أي صحف (إبراهيم ~~الذي وفى) كما في سورة (الاعلى (1)) (صحف إبراهيم وموسى) أي ms5928 لا تؤخذ نفس بد ~~لا عن أخرى، كما قال: (أن لا تزر وازرة وزر أخرى) وخص صحف إبراهيم وموسى ~~بالذكر، لأنه كان ما بين نوح وإبراهيم يؤخذ الرجل بجريرة (2) أخيه وأبنه ~~وأبيه، قاله الهذيل بن شرحبيل. (وأن) هذه المخففة من الثقيلة وموضعها جر ~~بدلا من (ما) أو يكون في موضع رفع على اضمار هو. # وقرأ سعيد بن جبير وقتادة (وفى) خفيفة ومعناها صدق في قوله وعمله، وهي ~~راجعة إلى معنى قراءة الجماعة (وفي) بالتشديد أي قام بجميع ما فرض عليه فلم ~~يخرم منه شيئا. وقد مضى في (البقرة (3)) عند قوله تعالى: (وإذ ابتلى ~~إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن) والتوفية الاتمام. # وقال أبو بكر الوراق: قام بشرط ما ادعى، وذلك أن الله تعالى قال له: ~~(أسلم قال أسلمت لرب العالمين (3)) فطالبه الله بصحة دعواه، فابتلاه في ~~ماله وولده ونفسه فوجده (4) وافيا بذلك، فذلك قوله: (وإبراهيم الذي وفى) أي ~~ادعى الاسلام ثم صحح دعواه. وقيل: وفى عمله كل يوم بأربع ركعات في صدر ~~النهار، رواه الهيثم عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم. # وروى سهل بن سعد الساعدي عن أبيه (ألا أخبركم لم سمى الله تعالى خليله ~~إبراهيم (الذي وفى) لأنه كان يقول كلما أصبح وأمسى: (فسبحان الله حين تمسون ~~وحين تصبحون (5))) الآية. # ورواه سهل بن معاذ عن أنس عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: ~~(وفى) أي وفى ما أرسل به، وهو قوله: (أن لا تزر وازرة وزر أخرى) قال ابن ~~عباس: كانوا قبل إبراهيم عليه السلام يأخذون الرجل بذنب غيره، ويأخذون ~~الولي بالولي في القتل والجراحة، فيقتل الرجل بأبيه وابنه وأخيه وعمه وخاله ~~وابن عمه وقريبه وزوجته وزوجها وعبده، فبلغهم إبراهيم عليه السلام عن الله ~~تعالى: (أن لا تزر وازرة وزر أخرى). وقال الحسن وقتادة وسعيد بن جبير في ~~قوله تعالى (وفى): عمل بما أمر به وبلغ رسالات ربه. # وهذا أحسن، لأنه عام. وكذا قال مجاهد: (وفى) بما فرض عليه. وقال أبو مالك # PageV17P113 # الغفاري قوله تعالى: (أن ms5929 لا تزر وازرة وزر أخرى) إلى قوله: (فبأي آلاء ~~ربك تتمارى) في صحف إبراهيم وموسى، وقد مضى في آخر (الانعام (1)) القول في ~~(ولا تزر وازرة وزر أخرى) مستوفى. # قوله تعالى: (وأن ليس للانسان الا ما سعى) روي عن ابن عباس أنها منسوخة ~~بقوله تعالى: (والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم (2)) ~~فيحصل الولد الطفل يوم القيامة في ميزان أبيه، ويشفع الله تعالى الآباء في ~~الأبناء والأبناء في الآباء، يدل على ذلك قوله تعالى: (آباؤكم وأبناؤكم لا ~~تدرون أيهم أقرب لكم نفعا (3)). وقال أكثر أهل التأويل: هي محكمة ولا ينفع ~~أحدا عمل أحد، وأجمعوا أنه لا يصلي أحد عن أحد. # ولم يجز مالك الصيام والحج والصدقة عن الميت، إلا أنه قال: إن أوصى بالحج ~~ومات جاز أن يحج عنه. وأجاز الشافعي وغيره الحج التطوع عن الميت. وروي عن ~~عائشة رضي الله عنها أنها اعتكفت عن أخيها عبد الرحمن وأعتقت عنه. وروى أن ~~سعد بن عبادة قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أمي توفيت أفأتصدق عنها؟ ~~قال: (نعم) قال: فأي الصدقة أفضل؟ قال: (سقي الماء). وقد مضى جميع هذا ~~مستوفى في (البقرة (4)) و (آل عمران (5)) (والأعراف (6)). وقد قيل: إن الله ~~عز وجل إنما قال: (وأن ليس للانسان إلا ما سعى) ولام الخفض معناها في ~~العربية الملك والايجاب فلم يجب (7) للانسان إلا ما سعى، فإذا تصدق عنه ~~غيره فليس يجب له شئ إلا أن الله عز وجل يتفضل عليه بما لا يجب له، كما ~~يتفضل على الأطفال بادخالهم الجنة بغير عمل. وقال الربيع بن أنس: (وأن ليس ~~للانسان إلا ما سعى) يعني الكافر وأما المؤمن فله ما سعى وما سعى له غيره. # قلت: وكثير من الأحاديث يدل على هذا القول، وأن المؤمن يصل إليه ثواب ~~العمل الصالح من غيره، وقد تقدم كثير منها لمن تأملها، وليس في الصدقة ~~اختلاف، كما في صدر # PageV17P114 # كتاب مسلم عن عبد الله بن المبارك. وفي الصحيح: (إذا مات الانسان انقطع ~~عمله إلا من ثلاث) وفيه (أو ms5930 ولد صالح يدعو له) وهذا كله تفضل من الله عز ~~وجل، كما أن زيادة الأضعاف فضل منه، كتب لهم بالحسنة الواحدة عشرا إلى ~~سبعمائة ضعف إلى ألف ألف حسنة، كما قيل لأبي هريرة: أسمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: (إن الله ليجزي على الحسنة الواحدة ألف ألف حسنة) ~~فقال سمعته يقول: (إن الله ليجزي على الحسنة الواحدة ألفي ألف حسنة) فهذا ~~تفضل. وطريق العدل (أن ليس للانسان إلا ما سعى). # قلت: ويحتمل أن يكون قوله: (وأن ليس للانسان إلا ما سعى) خاص في السيئة، ~~بدليل ما في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~(قال الله عز وجل إذا هم عبدي بحسنة ولم يعملها كتبتها له حسنة فإن عملها ~~كتبتها له عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف وإذا هم بسيئة ولم يعملها لم أكتبها ~~عليه فإن عملها كتبتها سيئة واحدة). # وقال أبو بكر الوراق: (إلا ما سعى) إلا ما نوى، بيانه قوله صلى الله عليه ~~وسلم: (يبعث الناس يوم القيامة على نياتهم). # قوله تعالى: (وأن سعيه سوف يرى) أي يريه الله تعالى جزاءه يوم القيامة ~~(ثم يجزاه) أي يجزى به (الجزاء الأوفى). قال الأخفش: يقال جزيته الجزاء، ~~وجزيته بالجزاء سواء لا فرق بينهما، قال الشاعر: # إن أجز علقمة بن سعد سعيه * لم أجزه ببلاء يوم واحد فجمع بين اللغتين. # قوله تعالى: (وأن إلى ربك المنتهى) أي المرجع والمراد والمصير فيعاقب ~~ويثيب. # وقيل: منه ابتداء المنة وإليه انتهاء الأمان. وعن أبي بن كعب قال: قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (وأن إلى ربك المنتهى) قال: (لا فكرة في ~~الرب). وعن أنس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذ ذكر الله تعالى فانته). ~~PageV17P115 # قلت: ومن هذا المعنى قوله عليه الصلاة والسلام: (يأتي الشيطان أحدكم ~~فيقول من خلق كذا وكذا حتى يقول له من خلق ربك فإذا بلغ ذلك فليستعذ بالله ~~ولينته) وقد تقدم في آخر (الأعراف (1)). ولقد أحسن من قال: # ولا تفكرن (2) في ms5931 ذي العلا عز وجهه * فإنك تردى إن فعلت وتخذل ودونك ~~مصنوعاته فاعتبر بها * وقل مثل ما قال الخليل المبجل قوله تعالى: وانه هو ~~أضحك وأبكى (43) وأنه هو أمات وأحيا (44) وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى ~~(45) من نطفة إذا تمنى (46) قوله تعالى: (وأنه هو أضحك وأبكى) ذهبت الوسائط ~~وبقيت الحقائق لله سبحانه وتعال فلا فاعل إلا هو، وفي صحيح مسلم عن عائشة ~~رضي الله عنها قالت: لا والله ما قال رسول الله قط إن الميت يعذب ببكاء ~~أحد، ولكنه قال: (إن الكافر يزيده الله ببكاء أهله عذابا وإن الله لهو أضحك ~~وأبكى وما تزر وازرة وزر أخرى). وعنها قالت: مر النبي صلى الله عليه وسلم ~~على قوم من أصحابه وهم يضحكون، فقال: (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ~~ولبكيتم كثيرا) فنزل عليه جبريل فقال: يا محمد! إن الله يقول لك: (وأنه هو ~~أضحك وأبكى). # فرجع إليهم فقال: (ما خطوت أربعين خطوة حتى أتاني جبريل فقال ايت هؤلاء ~~فقل لهم إن الله تعالى يقول: (هو أضحك وأبكى) أي قضى أسباب الضحك والبكاء. ~~وقال عطاء ابن أبي مسلم: يعني أفرح وأحزن، لان الفرح يجلب الضحك والحزن ~~يجلب البكاء. وقيل لعمر: # هل كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحكون؟ قال: نعم! والايمان ~~والله أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي. وقد تقدم هذا المعنى في (النمل ~~(3)) و (براءة (4)). قال الحسن: # PageV17P116 # أضحك الله أهل الجنة في الجنة، وأبكى أهل النار في النار. وقيل: أضحك من ~~شاء في الدنيا بأن سره وأبكى من شاء بأن غمه. الضحاك: أضحك الأرض بالنبات ~~وأبكى السماء بالمطر. # وقيل: أضحك الأشجار بالنوار، وأبكى السحاب بالأمطار. وقال ذو النون: أضحك ~~قلوب المؤمنين والعارفين بشمس معرفته، وأبكى قلوب الكافرين والعاصين بظلمة ~~نكرته ومعصيته. # وقال سهل بن عبد الله: أضحك الله المطيعين بالرحمة وأبكى العاصين بالسخط. ~~وقال محمد ابن علي الترمذي: أضحك المؤمن في الآخرة وأبكاه في الدنيا. وقال ~~بسام بن عبد الله: # أضحك الله أسنانهم وأبكى قلوبهم. وأنشد: # السن تضحك والاحشاء تحترق * وإنما ms5932 ضحكها زور ومختلق يا رب باك بعين لا ~~دموع لها * ورب ضاحك سن ما به رمق وقيل: إن الله تعالى خص الانسان بالضحك ~~والبكاء من بين سائر الحيوان، وليس في سائر الحيوان من يضحك ويبكي غير ~~الانسان. وقد قيل: إن القرد وحده يضحك ولا يبكي، وإن الإبل وحدها تبكي ولا ~~تضحك. وقال يوسف بن الحسين: سئل طاهر المقدسي أتضحك الملائكة؟ فقال: ما ~~ضحكوا ولا كل من دون العرش منذ خلقت جهنم. (وأنه هو أمات وأحيا) أي قضى ~~أسباب الموت والحياة. وقيل: خلق الموت والحياة كما قال: (الذي خلق الموت ~~والحياة (1)) قاله ابن بحر. وقيل: أمات الكافر بالكفر وأحيا المؤمن ~~بالايمان، قال الله تعالى: (أو من كان ميتا فأحييناه (2)) الآية. وقال: ~~(إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله) على ما تقدم (2)، وإليه ~~يرجع قول عطاء: أمات بعدله وأحيا بفضله. وقول من قال: أمات بالمنع والبخل ~~وأحيا بالجود والبذل. وقيل: أمات النطفة وأحيا النسمة. وقيل: أمات الآباء ~~وأحيا الأبناء. وقيل: يريد بالحياة الخصب وبالموت الجدب. وقيل: أنام وأيقظ. ~~وقيل: أمات في الدنيا وأحيا للبعث. (وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى) أي من ~~أولاد آدم ولم يرد آدم وحواء بأنهما خلقا من نطفة. # PageV17P117 # والنطفة الماء القليل، مشتق من نطف الماء إذا قطر. (تمنى) تصب في الرحم ~~وتراق، قاله الكلبي والضحاك وعطاء بن أبي رباح. يقال: منى الرجل وأمنى من ~~المني، وسميت منى بهذا الاسم لما يمنى فيها من الدماء أي يراق. وقيل: ~~(تمنى) تقدر، قاله أبو عبيدة. يقال: # منيت الشئ إذا قدرته، ومني له أي قدر له، قال الشاعر (1): # * حتى تلاقي ما يمني لك ألماني * أي ما يقدر لك القادر. # قوله تعالى: وأن عليه النشأة الأخرى (47) وأنه هو أغنى وأقنى (48) وأنه ~~هو رب الشعرى (49) وأنه أهلك عادا الأولى (50) وثمودا فما أبقى (51) وقوم ~~نوح من قبل انهم كانوا هم أظلم وأطغى (52) والمؤتفكة أهوى (53) فغشاها ما ~~غشى (54) فبأي آلاء ربك تتمارى (55) قوله تعالى: (وأن عليه النشأة الأخرى) ~~أي إعادة الأرواح في الأشباح للبعث. # وقرأ ابن كثير ms5933 وأبو عمرو (النشأة) بفتح الشين والمد، أي وعد ذلك ووعده ~~صدق. # (وأنه هو أغنى وأقنى) قال ابن زيد: أغنى من شاء وأفقر من شاء، ثم قرأ ~~(يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له (2)) وقرأ (يقبض ويبسط (3)) ~~واختاره الطبري. وعن ابن زيد أيضا ومجاهد وقتادة والحسن: (أغنى) مول ~~(وأقنى) أخدم. وقيل: (أقنى) جعل # PageV17P118 # لكم قنية تقتنونها، وهو معنى أخدم أيضا. وقيل: معناه أرضى بما أعطى أي ~~أغناه ثم رضاه بما أعطاه، قاله ابن عباس. وقال الجوهري: قني الرجل يقنى ~~قنى، مثل غني يغنى غنى، وأقناه الله أي أعطاه الله ما يقتنى من القنية ~~والنشب. وأقناه [الله] أيضا أي رضاه. # والقنى الرضا، عن أبي زيد، قال وتقول العرب: من أعطي مائة من المعز فقد ~~أعطي القنى، ومن أعطى مائة من الضأن فقد أعطي الغنى، ومن أعطى مائة من ~~الإبل فقد أعطي المنى. # ويقال: أغناه الله وأقناه أي أعطاه ما يسكن إليه. وقيل: (أغنى وأقنى) أي ~~أغنى نفسه وأفقر خلقه إليه، قاله سليمان التيمي. وقال سفيان: أغنى بالقناعة ~~وأقنى بالرضا. وقال الأخفش: أقنى أفقر. قال ابن كيسان: أولد. وهذا راجع لما ~~تقدم. (وأنه هو رب الشعرى) (الشعرى) الكوكب المضئ الذي يطلع بعد الجوزاء، ~~وطلوعه في شدة الحر، وهما الشعريان العبور التي في الجوزاء والشعرى ~~الغميصاء التي في الذراع، وتزعم العرب أنهما أختا سهيل. وإنما ذكر أنه رب ~~الشعرى وإن كان ربا لغيره، لان العرب كانت تعبده، فأعلمهم الله عز وجل أن ~~الشعرى مربوب وليس برب. وأختلف فيمن كان يعبده، فقال السدي: كانت تعبده ~~حمير وخزاعة. وقال غيره: أول من عبده أبو كبشة أحد أجداد النبي صلى الله ~~عليه وسلم من قبل أمهاته، ولذلك كان مشركو قريش يسمون النبي صلى الله عليه ~~وسلم ابن أبي كبشة حين دعا إلى الله وخالف أديانهم، وقالوا: ما لقينا من ~~ابن أبي كبشة! وقال أبو سفيان يوم الفتح وقد وقف في بعض المضايق وعساكر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم تمر عليه: لقد أمر أمر ابن أبي ms5934 كبشة. وقد كان ~~من لا يعبد الشعرى من العرب يعظمها ويعتقد تأثيرها في العالم، قال الشاعر: # مضى أيلول وارتفع الحرور * وأخبت نارها الشعرى العبور وقيل: إن العرب ~~تقول في خرافاتها: إن سهيلا والشعرى كانا زوجين، فانحدر سهيل فصار يمانيا، ~~فاتبعته الشعرى العبور فعبرت المجرة فسميت العبور، وأقامت الغميصاء فبكت ~~PageV17P119 # لفقد سهيل حتى غمصت عيناه، فسميت غميصاء لأنها أخفى من الأخرى. (وأنه ~~أهلك عادا الأولى) سماها الأولى لأنهم كانوا من قبل ثمود. وقيل: إن ثمود من ~~قبل (1) عاد. # وقال ابن زيد: قيل لها عاد الأولى لأنها أول أمة أهلكت بعد نوح عليه ~~السلام. وقال ابن إسحاق : هما عادان فالأولى أهلكت بالريح الصرصر، ثم كانت ~~الأخرى فأهلكت بالصيحة. # وقيل: عاد الأولى هو عاد بن إرم بن عوص بن سام بن نوح، وعاد الثانية من ~~ولد عاد الأولى، والمعنى متقارب. وقيل: إن عاد الآخرة الجبارون وهم قوم ~~هود. وقراءة العامة (عادا الأولى) ببيان التنوين والهمز. وقرأ نافع وابن ~~محيصن وأبو عمرو (عادا الأولى) بنقل حركة الهمزة إلى اللام وإدغام التنوين ~~فيها، إلا أن قالون والسوسي يظهران الهمزة الساكنة. # وقلبها الباقون واوا على أصلها، والعرب تقلب هذا القلب فتقول: قم الان ~~عنا وضم لثنين أي قم الآن وضم الاثنين (وثمود فما أبقى) ثمود هم قوم صالح ~~أهلكوا بالصيحة. قرئ (ثمودا) (وثمود) وقد تقدم (2). وانتصب على العطف على ~~عاد. (وقوم نوح من قبل) أي وأهلك قوم نوج من قبل عاد وثمود (انهم كانوا هم ~~أظلم وأطغى) وذلك لطول مدة نوح فيهم، حتى كان الرجل فيهم يأخذ بيد ابنه ~~فينطلق إلى نوح عليه السلام فيقول: احذر هذا فإنه كذاب، وإن أبي قد مشى بي ~~إلى هذا وقال لي مثل ما قلت لك، فيموت الكبير على الكفر، وينشأ الصغير على ~~وصية أبيه. وقيل: إن الكناية ترجع إلى كل من ذكر من عاد وثمود وقوم نوح، أي ~~كانوا أكفر من مشركي العرب وأطغى. فيكون فيه تسلية وتعزية للنبي صلى الله ~~عليه وسلم، فكأنه يقول له: فاصبر أنت أيضا ms5935 فالعاقبة الحميدة لك. (والمؤتفكة ~~أهوى) يعني مدائن قوم لوط عليه السلام ائتفكت بهم، أي انقلبت وصار عاليها ~~سافلها. يقال: أفكته أي قلبته وصرفته. (أهوى) أي خسف بهم بعد رفعها إلى ~~السماء، رفعها جبريل ثم أهوى بها إلى الأرض. وقال المبرد: جعلها تهوي. ~~ويقال: هوى بالفتح يهوي هويا أي سقط # PageV17P120 # و (أهوى) أي أسقط. (فغشاها ما غشى) أي ألبسها ما ألبسها من الحجارة، قال ~~الله تعالى: (فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل (1)) وقيل: ~~إن الكناية ترجع إلى جميع هذه الأمم، أي غشاها من العذاب ما غشاهم، وأبهم ~~لان كلا منهم أهلك بضرب غير ما أهلك به الآخر. وقيل: هذا تعظيم الامر. ~~(فبأي آلاء ربك تتمارى) أي فبأي نعم ربك تشك. والمخاطبة للانسان المكذب. ~~والآلاء النعم واحدها إلى وإلى وإلي. # وقرأ يعقوب (تمارى) بإدغام إحدى التاءين في الأخرى والتشديد. # قوله تعالى: هذا نذير من النذر الأولى (56) أزفت الآزفة (57) ليس لها من ~~دون الله كاشفة (58) أفمن هذا الحديث تعجبون (59) وتضحكون ولا تبكون (60) ~~وأنتم سامدون (61) فاسجدوا لله واعبدوا (62) قوله تعالى: (هذا نذير من ~~النذر الأولى) قال ابن جريج ومحمد بن كعب: يريد أن محمدا صلى الله عليه ~~وسلم نذير بالحق الذي أنذر به الأنبياء قبله، فإن أطعتموه أفلحتم، وإلا حل ~~بكم ما حل بمكذبي الرسل السالفة. وقال قتادة: يريد القرآن، وأنه نذير بما ~~أنذرت به الكتب الأولى. وقيل: أي هذا الذي أخبرنا به من أخبار الأمم ~~الماضية الذين هلكوا تخويف لهذه الأمة من أن ينزل بهم ما نزل بأولئك من ~~النذر أي مثل النذر، والنذر في قول العرب بمعنى الانذار كالنكر بمعنى ~~الانكار، أي هذا إنذار لكم. وقال أبو مالك: # هذا الذي أنذرتكم به من وقائع الأمم الخالية هو في صحف إبراهيم وموسى. ~~وقال السدي أخبرني أبو صالح قال: هذه الحروف التي ذكر الله تعالى من قوله ~~تعالى: (أم لم ينبأ بما في صحف موسى. وإبراهيم) إلى قوله: (هذا نذير من ~~النذر الأولى) كل هذه في صحف إبراهيم وموسى. # PageV17P121 # قوله تعالى: (أزفت ms5936 الآزفة) أي قربت الساعة ودنت القيامة. وسماها آزفة ~~لقرب قيامها عنده، كما قال: (يرونه بعيدا ونراه قريبا (1)). وقيل: سماها ~~آزفة لدنوها من الناس وقربها منهم ليستعدوا لها، لان كل ما هو آت قريب. ~~قال: # أزف الترحل غير أن ركابنا * لما تزل برحالنا وكأن قد وفي الصحاح: أزف ~~الترحل يأزف أزفا أي دنا وأفد، ومنه قوله تعالى: (أزفت الآزفة) يعني ~~القيامة، وأزف الرجل أي عجل فهو آزف على فاعل، والمتآزف القصير وهو ~~المتداني. قال أبو زيد: قلت لاعرابي ما المحبنطئ؟ قال: المتكأكئ. قلت: ما ~~المتكأكئ؟ # قال: المتآزف. قلت: ما المتآزف؟ قال: أنت أحمق وتركني ومر. (ليس لها من ~~دون الله كاشفة) أي ليس لها من دون الله من يؤخرها أو يقدمها. وقيل: كاشفة ~~أي انكشاف أي لا يكشف عنها ولا يبديها إلا الله، فالكاشفة اسم بمعنى المصدر ~~والهاء فيه كالهاء في العاقبة والعافية والداهية والباقية، كقولهم: ما ~~لفلان من باقية أي من بقاء. وقيل: أي لا أحد يرد ذلك، أي إن القيامة إذا ~~قامت لا يكشفها أحد من آلهتهم ولا ينجيهم غير الله تعالى. # وقد سميت القيامة غاشية، فإذا كانت غاشية كان ردها كشفا، فالكاشفة علي ~~هذا نعت مؤنث محذوف، أي نقس كاشفة أو فرقة كاشفة أو حال كاشفة. وقيل: إن ~~(كاشفة) بمعنى كاشف والهاء للمبالغة مثل راوية وداهية. # قوله تعالى: (أفمن هذا الحديث) يعني القرآن. وهذا استفهام توبيخ (تعجبون) ~~تكذيبا به (وتضحكون) استهزاء (ولا تبكون) انزجارا وخوفا من الوعيد. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم ما روى بعد نزول هذه الآية ضاحكا إلا ~~تبسما. وقال أبو هريرة: لما نزلت (أفمن هذا الحديث تعجبون) قال أهل الصفة: ~~(إنا لله وإنا إليه راجعون) ثم بكوا حتى جرت دموعهم على خدودهم، فلما سمع ~~النبي صلى الله عليه وسلم بكاءهم بكى معهم فبكينا لبكائه، فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: (لا يلج النار من بكى من # PageV17P122 # خشية الله ولا يدخل الجنة مصر على معصية الله ولو لم تذنبوا لذهب الله ~~بكم ولجاء بقوم ms5937 يذنبون فيغفر لهم ويرحمهم إنه هو الغفور الرحيم). وقال أبو ~~حازم: نزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم وعنده رجل يبكي، فقال له: من ~~هذا؟ قال: هذا فلان، فقال جبريل: إنا نزن أعمال بني آدم كلها إلا البكاء، ~~فإن الله تعالى ليطفئ بالدمعة الواحدة بحورا من جهنم. # قوله تعالى: (وأنتم سامدون) أي لاهون معرضون. عن ابن عباس، رواه الوالبي ~~والعوفي عنه. وقال عكرمة عنه: هو الغناء بلغة حمير، يقال: سمد لنا أي غن ~~لنا، فكانوا إذا سمعوا القرآن يتلى تغنوا ولعبوا حتى لا يسمعوا. وقال ~~الضحاك: سامدون شامخون متكبرون. وفي الصحاح: سمد سمودا رفع رأسه تكبرا وكل ~~رافع رأسه فهو سامد، قال (1): # * سوامد الليل خفاف الأزواد * يقول: ليس في بطونها علف. وقال ابن ~~الأعرابي: سمدت سمودا علوت. وسمدت الإبل في سيرها جدت. والسمود اللهو، ~~والسامد اللاهي، يقال للقينه: أسمدينا، أي ألهينا بالغناء. وتسميد الأرض أن ~~يجعل فيها السماد وهو سراجين ورماد. وتسميد الرأس استئصال شعره، لغة في ~~التسبيد. واسمأد الرجل بالهمز اسمئدادا أي ورم غضبا. وروي عن علي رضي الله ~~عنه أن معنى (سامدون) أن يجلسوا غير مصلين ولا منتظرين الصلاة. # وقال الحسن: واقفون للصلاة قبل وقوف الامام، ومنه ما روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه خرج الناس ينتظرونه قياما فقال: (مالي أراكم سامدين) ~~حكاه الماوردي. # وذكره المهدوي عن علي، وأنه خرج إلى الصلاة فرأى الناس قياما [ينتظرونه] ~~فقال: # (مالكم سامدون) قاله المهدوي. والمعروف في اللغة: سمد يسمد سمودا إذا لها ~~وأعرض. # وقال المبرد: سامدون خامدون، قال الشاعر: # أتى الحدثان نسوة آل حرب * بمقدور سمدن له سمودا # PageV17P123 # وقال صالح أبو الخليل: لما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم (أفمن هذا ~~الحديث تعجبون. # وتضحكون ولا تبكون. وأنتم سامدون) لم ير ضاحكا إلا مبتسما حتى مات صلى ~~الله عليه وسلم. ذكره النحاس. # قوله تعالى: (فاسجدوا لله واعبدوا) قيل: المراد به سجود تلاوة القرآن. ~~وهو قول ابن مسعود. وبه قال أبو حنيفة والشافعي. وقد تقدم أول السورة من ~~حديث ابن ms5938 عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد فيها وسجد معه المشركون. ~~وقيل: إنما سجد معه المشركون لأنهم سمعوا أصوات الشياطين في أثناء قراءة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عند قوله: (أفرأيتم اللات والعزى. ومناة ~~الثالثة الأخرى) وأنه قال: تلك الغرانيق العلا وشفاعتهن ترتجى. كذا في ~~رواية سعيد بن جبير ترتجى. وفي رواية أبي العالية وشفاعتهن ترتضي، ومثلهن ~~لا ينسى. ففرح المشركون وظنوا أنه من قول محمد صلى الله عليه وسلم على ما ~~تقدم بيانه في (الحج (1)). فلما بلغ الخبر بالحبشة من كان بها من أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم رجعوا ظنا منهم أن أهل مكة آمنوا، فكان أهل مكة ~~أشد عليهم وأخذوا في تعذيبهم إلى أن كشف الله عنهم. وقيل: المراد سجود ~~الفرض في الصلاة وهو قول ابن عمر، كان لا يراها من عزائم السجود. وبه قال ~~مالك. وروى أبي بن كعب رضي الله عنه: كان آخر فعل النبي صلى الله عليه وسلم ~~ترك السجود في المفصل. والأول أصح وقد مضى القول فيه آخر (الأعراف (2)) ~~مبينا والحمد لله رب العالمين. تم تفسير سورة (والنجم). # PageV17P124 # سورة القمر مكية كلها في قول الجمهور. وقال مقاتل: الا ثلاث آيات من قوله ~~تعالى: # (أم يقولون نحن جميع منتصر) إلى قوله: (والساعة أدهى وأمر) ولا يصح على ~~ما يأتي. # وهي خمس وخمسون آية. # بسم الله الرحمن الرحيم اقتربت الساعة وانشق القمر (1) وان يروا آية ~~يعرضوا ويقولوا سحر مستمر (2) وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر (3) ~~ولقد جاءهم من الانباء ما فيه مزدجر (4) حكمة بالغة فما تغن النذر (5) فتول ~~عنهم يوم يدع الداع إلى شئ نكر (6) خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم ~~جراد منتشر (7) مهطعين إلى الداع يقول الكافرون هذا يوم عسر (8) قوله ~~تعالى: (اقتربت الساعة وانشق القمر) (اقتربت) أي قربت مثل أزفت الآزفة (1)) ~~على ما بيناه. فهي بالإضافة إلى ما مضى قريبة، لأنه قد مضى أكثر الدنيا كما ~~روى قتادة عن أنس قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كادت الشمس ms5939 ~~تغيب فقال: (ما بقي من دنياكم فيما مضى إلا مثل ما بقي من هذا اليوم فيما ~~مضى) وما نرى من الشمس إلا يسيرا. وقال كعب ووهب: الدنيا ستة آلاف سنة. قال ~~وهب: قد مضى منها خمسة آلاف سنة وستمائة سنة. ذكره النحاس. # ثم قال تعالى: (وانشق القمر) أي وقد انشق القمر. وكذا قرأ حذيفة (اقتربت ~~الساعة وقد انشق القمر) بزيادة (قد) وعلى هذا الجمهور من العلماء، ثبت ذلك ~~في صحيح # PageV17P125 # البخاري وغيره من حديث ابن مسعود وابن عمر وأنس وجبير بن مطعم وابن عباس ~~رضي الله عنهم. وعن أنس قال: سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم آية، ~~فانشق القمر بمكة مرتين فنزلت: (اقتربت الساعة وانشق القمر) إلى قوله: (سحر ~~مستمر) يقول ذاهب قال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ولفظ البخاري ~~عن أنسى قال: انشق القمر فرقتين. وقال قوم: لم يقع انشقاق القمر بعد وهو ~~منتظر، أي اقترب قيام الساعة وانشقاق القمر، وأن الساعة إذا قامت انشقت ~~السماء بما فيها من القمر وغيره. وكذا قال القشيري. وذكر الماوردي: أن هذا ~~قول الجمهور، وقال: لأنه إذا انشق ما بقي أحد إلا رآه، لأنه آية والناس في ~~الآيات سواء. وقال الحسن: اقتربت الساعة فإذا جاءت انشق القمر بعد النفخة ~~الثانية. وقيل: (وانشق القمر) أي وضح الامر وظهر، والعرب تضرب بالقمر مثلا ~~فيما وضح، قال: # أقيموا بني أمي صدور مطيكم * فإني إلى حي سواكم لأميل فقد حمت الحاجات ~~والليل مقمر * وشدت لطيات مطايا وأرحل وقيل: انشقاق القمر هو انشقاق (1) ~~الظلمة عنه بطلوعه في أثنائها، كما يسمى الصبح فلقا، لانفلاق الظلمة عنه. ~~وقد يعبر عن انفلاقه بانشقاقه كما قال النابغة: # فلما أدبروا ولهم دوي * دعانا عند شق الصبح داع قلت: وقد ثبت بنقل الآحاد ~~العدول أن القمر انشق بمكة، وهو ظاهر التنزيل، ولا يلزم أن يستوي الناس ~~فيها، لأنها كانت آية ليلية، وأنها كانت باستدعاء النبي صلى الله عليه وسلم ~~من الله تعالى عند التحدي. فروي أن حمزة بن عبد المطلب ms5940 حين أسلم غضبا من سب ~~أبي جهل الرسول صلى الله عليه وسلم طلب أن يريه آية يزداد بها يقينا في ~~إيمانه. وقد تقدم في الصحيح أن أهل مكة هم الذين سألوا وطلبوا أن يريهم ~~آية، فأراهم انشقاق القمر فلقتين كما في حديث ابن مسعود وغيره. وعن حذيفة ~~أنه خطب بالمدائن ثم قال: ألا إن الساعة قد اقتربت، وأن القمر قد انشق على ~~عهد نبيكم صلى الله عليه وسلم. وقد قيل: هو على # PageV17P126 # التقديم والتأخير، وتقديره انشق القمر واقتربت الساعة، قاله ابن كيسان. ~~وقد مر عن الفراء أن الفعلين إذا كانا متقاربي المعنى فلك أن تقدم وتؤخر ~~عند قوله تعالى: # (ثم دنا فتدلى (1)). # قوله تعالى: (وان يروا آية يعرضوا) هذا يدل على أنهم رأوا انشقاق القمر. ~~قال ابن عباس: اجتمع المشركون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: ~~إن كنت صادقا فاشقق لنا القمر فرقتين، نصف على أبي قبيس ونصف على قعيقعان، ~~فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن فعلت تؤمنون) قالوا: نعم؟ ~~وكانت ليلة بدر، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه أن يعطيه ما قالوا، ~~فانشق القمر فرقتين، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي المشركين: (يا ~~فلان يا فلان اشهدوا). وفي حديث ابن مسعود: انشق القمر على عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فقالت قريش: هذا من سحر ابن أبي كبشة، سحركم فاسألوا ~~السفار، فسألوهم فقالوا: قد رأينا القمر انشق فنزلت: (اقتربت الساعة وانشق ~~القمر. # وإن يروا آية يعرضوا) أي إن يروا آية تدل على صدق محمد صلى الله عليه ~~وسلم أعرضوا عن الايمان (ويقولوا سحر مستمر) أي ذاهب، من قولهم: مر الشئ ~~واستمر إذا ذهب، قاله أنس وقتادة ومجاهد والفراء والكسائي وأبو عبيدة، ~~واختاره النحاس. وقال أبو العالية والضحاك: محكم قوي شديد، وهو من المرة ~~وهي القوة، كما قال لقيط: # حتى استمرت على شزر مريرته * مر العزيمة لا [قحما (2)] ولا ضرعا وقال ~~الأخفش: هو مأخوذ من إمرار الحبل وهو شدة فتله. وقيل: ms5941 معناه مر من المرارة. ~~يقال: أمر الشئ صار مرا، وكذلك مر الشئ [يمر] بالفتح مرارة فهو مر، وأمره ~~غيره ومره. وقال الربيع: مستمر نافذ. يمان: ماض. أبو عبيدة: باطل. وقيل: ~~دائم. قال (3): # * وليس على شئ قويم بمستمر * # PageV17P127 # أي بدائم. وقيل: يشبه بعضه بعضا، أي قد استمرت أفعال محمد على هذا الوجه ~~فلا يأتي بشئ له حقيقة بل الجميع تخييلات. وقيل: معناه قد مر من الأرض إلى ~~السماء. (وكذبوا) نبينا (واتبعوا أهواءهم) أي ضلالاتهم واختياراتهم. (وكل ~~أمر مستقر) أي يستقر بكل عامل عمله، فالخير مستقر بأهله في الجنة، والشر ~~مستقر بأهله في النار. # وقرأ شيبة (مستقر) بفتح القاف، أي لكل شئ وقت يقع فيه من غير تقدم وتأخر. # وقد روي عن أبي جعفر بن القعقاع (وكل أمر مستقر) بكسر القاف والراء جعله ~~نعتا لأمر و (كل) على هذا يجوز أن يرتفع بالابتداء والخبر محذوف، كأنه قال: ~~وكل أمر مستقر في أم الكتاب كائن. ويجوز أن يرتفع بالعطف على الساعة، ~~المعنى: اقتربت الساعة وكل أمر مستقر، أي اقترب استقرار الأمور يوم ~~القيامة. ومن رفعه جعله خبرا عن (كل). # قوله تعالى: (ولقد جاءهم من الانباء) أي من بعض الانباء، فذكر سبحانه من ~~ذلك ما علم أنهم يحتاجون إليه، وأن لهم فيه شفاء. وقد كان هناك أمور أكثر ~~من ذلك، وإنما اقتص علينا ما علم أن بنا إليه حاجة وسكت عما سوى ذلك، وذلك ~~قوله تعالى: (ولقد جاءهم من الانباء) أي جاء هؤلاء الكفار من أنباء الأمم ~~الخالية (ما فيه مزدجر) أي ما يزجرهم عن الكفر لو قبلوه. وأصله مزتجر فقلبت ~~التاء دالا، لان التاء حرف مهموس والزاي حرف مجهور، فأبدل من التاء دالا ~~توافقها في المخرج وتوافق الزاي في الجهر. # و (مزدجر) من الزجر وهو الانتهاء، يقال: زجره وازدجره فانزجر وازدجر، ~~وزجرته أنا فانزجر أي كففته فكف، كما قال: # فأصبح ما يطلب الغانيات * مزدجرا عن هواه ازدجارا وقرئ (مزجر) بقلب تاء ~~الافتعال زايا وإدغام الزاي فيها، حكاه الزمخشري. # (حكمة بالغة) يعني القران وهو ms5942 بدل من (ما) من قوله: (ما فيه مزدجر). # ويجوز أن يكون خبر ابتداء محذوف، أي هو حكمة. (فما تغن النذر) ~~PageV17P128 # إذا كذبوا وخالفوا كما قال الله تعالى: (وما تغني الآيات والنذر عن قوم ~~لا يؤمنون (1)) ف (ما) نفي أي ليست تغني عنهم النذر. ويجوز أن يكون ~~استفهاما بمعنى التوبيخ، أي فأي شئ تغني النذر عنهم وهم معرضون عنها. و ~~(النذر) يجوز أن تكون بمعنى الانذار، ويجوز أن تكون جمع نذير. # قوله تعالى: (فتول عنهم) أي أعرض عنهم. قيل: هذا منسوخ بآية السيف. # وقيل: هو تمام الكلام. ثم قال: (يوم يدع الداع) العامل في (يوم) (يخرجون ~~من الأجداث) أو (خشعا) أو فعل مضمر تقديره واذكر يوم. وقيل: على حذف حرف ~~الفاء وما عملت فيه من جواب الامر، تقديره: فتول عنهم فإن لهم يوم يدعو ~~الداعي. وقيل: # تول عنهم يا محمد فقد أقمت الحجة وأبصرهم يوم يدعو الداعي. وقيل: أي أعرض ~~عنهم يوم القيامة ولا تسأل عنهم وعن أحوالهم، فإنهم يدعون (إلى شئ نكر) ~~وينالهم عذاب شديد. وهو كما تقول: لا تسأل عما جرى على فلان إذا أخبرته ~~بأمر عظيم. وقيل: أي وكل أمر مستقر يوم يدعوا الداعي. وقرأ ابن كثير (نكر) ~~بإسكان الكاف، وضمها الباقون وهما لغتان كعسر وعسر وشغل وشغل، ومعناه الامر ~~الفظيع العظيم وهو يوم القيامة. # والداعي هو إسرافيل عليه السلام. وقد روي عن مجاهد وقتادة أنهما قرءا ~~(إلى شئ نكر) بكسر الكاف وفتح الراء على الفعل المجهول. (خشعا أبصارهم) ~~الخشوع في البصر الخضوع والذلة، وأضاف الخشوع إلى الابصار لان أثر العز ~~والذل يتبين في ناظر الانسان، قال الله تعالى: (أبصارها خاشعة (2)) وقال ~~تعالى: (خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي (3)). # ويقال: خشع واختشع إذا ذل. وخشع ببصره أي غضه. وقرأ حمزة والكسائي وأبو ~~عمرو (خاشعا) بالألف ويجوز في أسماء الفاعلين إذا تقدمت على الجماعة ~~التوحيد، نحو: (خاشعا أبصارهم) والتأنيث نحو: (خاشعة أبصارهم (4)) ويجوز ~~الجمع نحو: (خشعا أبصارهم) قال (5): # وشباب حسن أوجههم * من إياد بن نزار بن معد # PageV17P129 # و ms5943 (خشعا) جمع خاشع والنصب فيه على الحال من الهاء والميم في (عنهم) فيقبح ~~الوقف على هذا التقدير على (عنهم). ويجوز أن يكون حالا من المضمر في ~~(يخرجون) فيوقف على (عنهم). وقرئ (خشع أبصارهم) على الابتداء والخبر، ومحل ~~الجملة النصب على الحال، كقوله: # * [وجدته (1)] حاضراه الجود والكرم * (يخرجون من الأجداث) أي القبور ~~واحدها جدث. (كأنهم جراد منتشر. مهطعين إلى الداع). وقال في موضع آخر: (يوم ~~يكون الناس كالفراش المبثوث (2)) فهما صفتان في وقتين مختلفين، أحدهما - ~~عند الخروج من القبور، يخرجون فزعين لا يهتدون أين يتوجهون، فيدخل بعضهم في ~~بعض، فهم حينئذ كالفراش المبثوث بعضه في بعض لا جهة له يقصدها [الثاني (3)] ~~- فإذا سمعوا المنادي قصدوه فصاروا كالجراد المنتشر، لان الجراد له جهة ~~يقصدها. و (مهطعين) معناه مسرعين، قاله أبو عبيدة. ومنه قول الشاعر: # بدجلة دارهم (4) ولقد أراهم * بدجلة مهطعين إلى السماع الضحاك: مقبلين. ~~قتادة: عامدين. ابن عباس: ناظرين. عكرمة: فاتحين آذانهم إلى الصوت. والمعنى ~~متقارب. يقال: هطع الرجل يهطع هطوعا إذا أقبل على الشئ ببصره لا يقلع عنه، ~~وأهطع إذا مد عنقه وصوب رأسه. قال الشاعر (5): # تعبدني نمر بن سعد وقد أرى * ونمر بن سعد لي مطيع ومهطع وبعير مهطع: في ~~عنقه تصويب خلقة. وأهطع في عدوه أي أسرع. (يقول الكافرون هذا يوم عسر) يعني ~~يوم القيامة لما ينالهم فيه من الشدة. # PageV17P130 # قوله تعالى: كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر (9) ~~فدعا ربه أنى مغلوب فانتصر (10) ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر (11) ~~وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر (12) وحملناه على ذات ~~ألواح ودسر (13) تجرى بأعيننا جزاء لمن كان كفر (14) ولقد تركناها آية فهل ~~من مدكر (15) فكيف كان عذابي ونذر (16) ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من ~~مدكر (17) قوله تعالى: (كذبت قبلهم قوم نوح) ذكر جملا من وقائع الأمم ~~الماضية تأنيسا للنبي صلى الله عليه وسلم وتعزية له. (قبلهم) أي قبل قومك. ~~(فكذبوا عبدنا) يعني نوحا. الزمخشري: فإن قلت ما معنى قوله: (فكذبوا) بعد ~~قوله: (كذبت)؟ قلت: معناه كذبوا ms5944 فكذبوا عبدنا، أي كذبوه تكذيبا على عقب ~~تكذيب، كلما مضى منهم قرن مكذب تبعه قرن مكذب، أو كذبت قوم نوح الرسل ~~فكذبوا عبدنا، أي لما كانوا مكذبين بالرسل جاحدين للنبوة رأسا كذبوا نوحا ~~لأنه من جملة الرسل. (وقالوا مجنون) أي هو مجنون (وازدجر) أي زجر عن دعوى ~~النبوة بالسب والوعيد بالقتل. وقيل إنما قال: (وازدجر) بلفظ ما لم يسم ~~فاعله لأنه رأس آية. (فدعا ربه) أي دعا عليهم حينئذ نوح وقال: رب (أنى ~~مغلوب) أي غلبوني بتمردهم (فانتصر) أي فانتصر لي. وقيل: إن الأنبياء كانوا ~~لا يدعون على قومهم بالهلاك إلا بإذن الله عز وجل لهم فيه. (ففتحنا أبواب ~~السماء) أي فأجبنا دعاءه وأمرناه باتخاذ السفينة وفتحنا أبواب السماء (بماء ~~منهمر) أي كثير، قاله السدي. قال الشاعر: # أعيني جودا بالدموع الهوامر * على خير باد من معد وحاضر وقيل: إنه المنصب ~~المتدفق، ومنه قول امرئ القيس يصف غيثا: PageV17P131 # راح تمريه الصبا ثم انتحى * فيه شؤبوب جنوب منهمر (1) الهمر الصب، وقد ~~همر الماء والدمع يهمر همرا. وهمر أيضا إذا أكثر الكلام وأسرع. # وهمر له من ماله أي أعطاه. قال ابن عباس: ففتحنا أبواب السماء بماء ~~[منهمر (2)] من غير سحاب لم يقلع أربعين يوما. وقرأ ابن عامر ويعقوب: ~~(ففتحنا) مشددة على التكثير. الباقون (ففتحنا) مخففا. ثم قيل: إنه فتح ~~رتاجها وسعة مسالكها. وقيل: إنه المجرة وهي شرج السماء ومنها فتحت بماء ~~منهمر، قاله علي رضي الله عنه. (فجرنا الأرض عيونا) قال عبيد ابن عمير: ~~أوحى الله إلى الأرض أن تخرج ماءها فتفجرت بالعيون، وإن عينا تأخرت فغضب ~~عليها فجعل ماءها مرا أجاجا إلى يوم القيامة. (فالتقى الماء) أي ماء السماء ~~وماء الأرض (على أمر قد قدر) أي على مقدار لم يزد أحدهما على الآخر، حكاه ~~ابن قتيبة. أي كان ماء السماء والأرض سواء. وقيل: (قدر) بمعنى قضي عليهم. ~~قال قتادة: قدر لهم إذا كفروا أن يغرقوا. وقال محمد بن كعب: كانت الأقوات ~~قبل الأجساد، وكان القدر قبل البلاء، وتلا هذه الآية. وقال: (التقى ms5945 الماء) ~~والالتقاء إنما يكون في اثنين فصاعدا، لان الماء يكون جمعا وواحدا. وقيل: ~~لأنهما لما اجتمعا صارا ماء واحدا. وقرأ الجحدري: (فالتقى الماءان). وقرأ ~~الحسن: (فالتقى الماوان) وهما خلاف المرسوم. القشيري: # وفي بعض المصاحف (فالتقى الماوان) وهي لغة طئ. وقيل: كان ماء السماء ~~باردا مثل الثلج وماء الأرض حارا مثل الحميم. (وحملناه على ذات ألواح) أي ~~على سفينة ذات ألواح. # (ودسر) قال قتادة: يعني المسامير التي دسرت بها السفينة أي شدت، وقاله ~~القرظي وابن زيد وابن جبير، ورواه الوالبي عن ابن عباس. وقال الحسن وشهر بن ~~حوشب وعكرمة: هي صدر السفينة التي تضرب بها الموج سميت بذلك لأنها تدسر ~~الماء أي تدفعه، والدسر الدفع والمخر، ورواه العوفي عن ابن عباس قال: الدسر ~~كلكل (3) السفينة. # PageV17P132 # وقال الليث: الدسار خيط من ليف تشد به ألواح السفينة. وفي الصحاح: الدسار ~~واحد الدسر وهي خيوط تشد بها ألواح السفينة، ويقال: هي المسامير، وقال ~~تعالى: (على ذات ألواح ودسر). ودسر أيضا مثل عسر وعسر. والدسر الدفع، قال ~~ابن عباس في العنبر: # إنما هو شئ يدسره البحر دسرا أي يدفعه. ودسره بالرمح. ورجل مدسر. (تجرى ~~بأعيننا) أي بمرأى منا. وقيل: بأمرنا. وقيل: بحفظ منا وكلاءة: وقد مضى في ~~(هود (1)). ومنه قول الناس للمودع: عين الله عليك، أي حفظه وكلاءته. وقيل: ~~بوحينا. وقيل: أي بالأعين النابعة من الأرض. وقيل: بأعين أوليائنا من ~~الملائكة الموكلين بحفظها، وكل ما خلق الله تعالى يمكن أن يضاف إليه. وقيل: ~~أي تجري بأوليائنا، كما في الخبر: مرض عين من عيوننا فلم تعده. (جزاء لمن ~~كان كفر) أي جعلنا ذلك ثوابا وجزاء لنوح على صبره على أذى قومه وهو المكفور ~~به، فاللام في (لمن) لام المفعول له، وقيل: (كفر) أي جحد، ف (من) كناية عن ~~نوح. وقيل: كناية عن الله والجزاء بمعنى العقاب، أي عقابا لكفرهم بالله ~~تعالى. وقرأ يزيد بن رومان وقتادة ومجاهد وحميد (جزاء لمن كان كفر) بفتح ~~الكاف والفاء بمعنى: كان الغرق جزاء وعقابا لمن كفر بالله، وما نجا من ms5946 ~~الغرق غير عوج بن عنق (2)، كان الماء إلى حجزته. وسبب نجاته أن نوحا احتاج ~~إلى خشبة الساج لبناء السفينة فلم يمكنه حملها، فحمل عوج تلك الخشبة إليه ~~من الشام فشكر الله له ذلك، ونجاه من الغرق. (ولقد تركناها آية) يريد هذه ~~الفعلة عبرة. وقيل: أراد السفينة تركها آية لمن بعد قوم نوح يعتبرون بها ~~فلا يكذبون الرسل. قال قتادة: أبقاها الله بباقردى من أرض الجزيرة عبرة ~~وآية، حتى نظرت إليها أوائل هذه الأمة، وكم من سفينة كانت بعدها فصارت ~~رمادا. (فهل من مدكر) متعظ خائف، وأصله مذتكر مفتعل من الذكر، فثقلت على ~~الألسنة فقلبت التاء دالا لتوافق الذال في الجهر وأدغمت الذال فيها. (فكيف ~~كان عذابي ونذر) أي إنذاري، # PageV17P133 # قال الفراء: الانذار والنذر مصدران. وقيل: (نذر) جمع نذير ونذير بمعنى ~~الانذار كنكير بمعنى الانكار. (ولقد ولقد يسرنا القرآن للذكر) أي سهلناه ~~للحفظ وأعنا عليه من أراد حفظه، فهل من طالب لحفظه فيعان عليه؟ ويجوز أن ~~يكون المعنى: ولقد هيأناه للذكر [مأخوذ (1)] من يسر ناقته للسفر: إذا ~~رحلها، ويسر فرسه للغزو إذا أسرجه وألجمه، قال: # وقمت إليه باللجام ميسرا * هنالك يجزيني الذي كنت أصنع وقال سعيد بن ~~جبير: ليس من كتب الله كتاب يقرأ كله ظاهرا إلا القرآن، وقال غيره: # ولم يكن هذا لبني إسرائيل، ولم يكونوا يقرءون التوراة إلا نظرا، غير موسى ~~وهرون ويوشع ابن نون وعزير صلوات الله عليهم، ومن أجل ذلك افتتنوا بعزير ~~لما كتب لهم التوراة عن ظهر قلبه حين أحرقت، على ما تقدم بيانه في سورة ~~(براءة (2)) فيسر الله تعالى على هذه الأمة حفظ كتابه ليذكروا ما فيه، أي ~~يفتعلوا الذكر، والافتعال هو أن ينجع فيهم ذلك حتى يصير كالذات وكالتركيب. ~~فيهم. (فهل من مدكر) قارئ يقرؤه. وقال أبو بكر الوراق وابن شوذب: فهل من ~~طالب خير وعلم فيعان عليه، وكرر في هذه السورة للتنبيه والافهام. # وقيل: إن الله تعالى اقتص في هذه السورة على هذه الأمة أنباء الأمم وقصص ~~المرسلين، وما عاملتهم به الأمم، وما ms5947 كان من عقبى أمورهم وأمور المرسلين ~~(3)، فكان في كل قصة ونبأ ذكر للمستمع أن لو ادكر، وإنما كرر هذه الآية عند ~~ذكر كل قصة بقوله: (فهل من مدكر) لان (هل) كلمة استفهام تستدعي أفهامهم ~~التي ركبت في أجوافهم وجعلها حجة عليهم، فاللام من (هل) للاستعراض (4) ~~والهاء للاستخراج. # قوله تعالى: كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر (18) انا أرسلنا عليهم ريحا ~~صرصرا في يوم نحس مستمر (19) تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر (20) فكيف ~~كان عذابي ونذر (21) ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر (22) # PageV17P134 # قوله تعالى: (كذبت عاد) هم قوم هود. (فكيف كان عذابي ونذر) وقعت (نذر) في ~~هذه السورة في ستة أما كن محذوفة الياء في جميع المصاحف، وقرأها يعقوب ~~مثبته في الحالين، وورش في الوصل لا غير، وحذف الباقون. ولا خلاف في حذف ~~الياء من قوله: (فما تغن النذر) والواو من قوله: (يدع) فأما الياء من ~~(الداع) الأول فأثبتها في الحالين ابن محيصن ويعقوب وحميد والبزي، وأثبتها ~~ورش وأبو عمرو في الوصل، وحذفها الباقون. وأما (الداع) الثانية فأثبتها ~~يعقوب وابن محيصن وابن كثير في الحالين، وأثبتها أبو عمرو ونافع في الوصل، ~~وحذفها الباقون. (انا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا) أي شديدة البرد، قاله قتادة ~~والضحاك. وقيل: شديدة الصوت. # وقد مضى في (حم السجدة (1)). (في يوم نحس مستمر) أي في يوم كان مشؤوما ~~عليهم. # وقال ابن عباس: أي في يوم كانوا يتشاءمون به. الزجاج: قيل في يوم أربعاء. ~~ابن عباس: # كان آخر أربعاء في الشهر أفنى صغيرهم وكبيرهم. وقرأ هارون الأعور (نحس) ~~بكسر الحاء وقد مضى القول فيه في حم السجدة (في أيام نحسات). و (في يوم نحس ~~مستمر) أي دائم الشؤم استمر عليهم بنحوسه، واستمر عليهم فيه العذاب إلى ~~الهلاك. وقيل: استمر بهم إلى نار جهنم. وقال الضحاك: كان مرا عليهم. وكذا ~~حكى الكسائي أن قوما قالوا هو من المرارة، يقال: مر الشئ وأمر أي كان كالشئ ~~المر تكرهه النفوس. وقد قال: (فذوقوا) والذي يذاق قد يكون مرا. وقد قيل: هو ~~من ms5948 المرة بمعنى القوة. أي في يوم نحس مستمر مستحكم الشؤم كالشئ المحكم ~~الفتل الذي لا يطاق نقضه. فإن قيل: فإذا كان يوم الأربعاء يوم نحس مستمر ~~فكيف يستجاب فيه الدعاء؟ وقد جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم استجيب له ~~فيه فيما بين الظهر والعصر. وقد مضى في (البقرة (2)) حديث جابر بذلك. ~~فالجواب - والله أعلم - ما جاء في خبر يرويه مسروق عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: (أتاني جبريل فقال إن الله يأمرك أن تقضي باليمين مع الشاهد ~~وقال يوم الأربعاء يوم نحس مستمر) # PageV17P135 # ومعلوم أنه لم يرد بذلك أنه نحس على الصالحين (1)، بل أراد أنه نحس على ~~الفجار والمفسدين، كما كانت الأيام النحسات المذكورة في القرآن، نحسات على ~~الكفار من قوم عاد لا على نبيهم والمؤمنين به منهم، وإذا كان كذلك لم يبعد ~~أن يمهل الظالم من أول يوم الأربعاء إلى أن تزول الشمس، فإذا أدبر النهار ~~ولم يحدث رجعة استجيب دعاء المظلوم عليه، فكان اليوم نحسا على الظالم، ~~ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان على الكفار، وقول جابر في حديثه ~~(لم ينزل بي أمر غليظ) إشارة إلى هذا. والله أعلم. # قوله تعالى: (تنزع الناس) في موضع الصفة للريح أي تقلعهم من مواضعهم. # قيل: قلعتهم من تحت أقدامهم اقتلاع النخلة من أصلها. وقال مجاهد: كانت ~~تقلعهم من الأرض، فترمي بهم على رؤوسهم فتندق أعناقهم وتبين رؤوسهم عن ~~أجسادهم. وقيل: تنزع الناس من البيوت. وقال محمد بن كعب عن أبيه قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: (انتزعت الريح الناس من قبورهم). وقيل: حفروا حفرا ~~ودخلوها فكانت الريح تنزعهم منها وتكسرهم، وتبقى تلك الحفر كأنها أصول نخل ~~[قد (2)] هلك ما كان فيها فتبقى مواضعها منقعرة. # يروى أن سبعة منهم حفروا حفرا وقاموا فيها ليردوا الريح. قال ابن إسحاق: ~~لما هاجت الريح قام نفر سبعة من عاد سمي لنا منهم ستة من أشد عاد وأجسمها ~~منهم عمرو بن الحلي والحرث بن شداد والهلقام وابنا تقن وخلجان بن سعد ms5949 ~~فأولجوا العيال في شعب بين جبلين، ثم اصطفوا على باب الشعب ليردوا الريح ~~عمن في الشعب من العيال، فجعلت الريح تجعفهم (3) رجلا رجلا، فقالت امرأة من ~~عاد: # ذهب الدهر بعمرو بن * حلي والهنيات ثم بالحرث والهلقام * طلاع الثنيات ~~والذي سد مهب * الريح أيام البليات # PageV17P136 # الطبري: في الكلام حذف، والمعنى تنزع الناس فتتركهم كأنهم أعجاز نخل ~~منقعر، فالكاف في موضع نصب بالمحذوف. الزجاج: الكاف في موضع نصب على الحال، ~~والمعنى تنزع الناس مشبهين بأعجاز نخل. والتشبيه قيل إنه للحفر التي كانوا ~~فيها. والاعجاز جمع عجز وهو مؤخر الشئ، وكانت عاد موصوفين بطول القامة، ~~فشبهوا بالنخل انكبت لوجوهها. # وقال: (أعجاز نخل منقعر) للفظ النخل وهو من الجمع الذي يذكر ويؤنث. ~~والمنقعر: المنقلع من أصله، قعرت الشجرة قعرا قلعتها من أصلها فانقعرت. ~~الكسائي: قعرت البئر أي نزلت حتى انتهيت إلى قعرها، وكذلك الاناء إذا شربت ~~ما فيه حتى انتهيت إلى قعره. وأقعرت البئر جعلت لها قعرا. وقال أبو بكر بن ~~الأنباري: سئل المبرد بحضرة إسماعيل القاضي عن ألف مسألة هذه من جملتها، ~~فقيل له: ما الفرق بين قوله تعالى: (ولسليمان الريح عاصفة (1)) و (جاءتها ~~ريح (2) عاصف)، وقوله: (كأنهم أعجاز نخل خاوية (3)) و (أعجاز نخل منقعر)؟ # فقال: كلما ورد عليك من هذا الباب فإن شئت رددته إلى اللفظ تذكيرا، أو ~~إلى المعنى تأنيثا. # وقيل: إن النخل والنخيل بمعنى يذكر ويؤنث كما ذكرنا. (فكيف كان عذابي ~~ونذر. # ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) [تقدم (4)]. # قوله تعالى: كذبت ثمود بالنذر (23) فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه إنا إذا ~~لفي ضلال وسعر (24) أألقي الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر (25) سيعلمون ~~غدا من الكذاب الأشر (26) قوله تعالى: (كذبت ثمود بالنذر) هم قوم صالح ~~كذبوا الرسل ونبيهم، أو كذبوا بالآيات التي هي النذر (فقالوا أبشرا منا ~~واحدا نتبعه) وندع جماعة. وقرأ أبو الأشهب وابن السميقع وأبو السمال العدوي ~~(أبشر) بالرفع (واحد) كذلك رفع بالابتداء والخبر (نتبعه). الباقون بالنصب ~~على معنى أنتبع بشرا منا واحدا نتبعه. وقرأ أبو ms5950 السمال (5): # PageV17P137 # (أبشر) بالرفع (منا واحدا) بالنصب، رفع (أبشر) بإضمار فعل يدل عليه ~~(أؤلقي) كأنه قال: أينبأ بشر منا، وقوله: (واحدا) يجوز أن يكون حالا من ~~المضمر في (منا) والناصب له الظرف، والتقدير أينبأ بشر كائن منا منفردا، ~~ويجوز أن يكون حالا من الضمير في (نتبعه) منفردا لا ناصر له. (انا إذا لفي ~~ضلال) أي ذهاب عن الصواب (وسعر) أي جنون، من قولهم: ناقة مسعورة، أي كأنها ~~من شدة نشاطها مجنونة، ذكره ابن عباس. # قال الشاعر يصف ناقته: # تخال بها سعرا إذا السفر هزها * ذميل وإيقاع من السير متعب [الذميل (1) ~~ضرب من سير الإبل. قال أبو عبيد: إذا ارتفع السير عن العنق قليلا فهو ~~التزيد، فإذا ارتفع عن ذلك فهو الذميل، ثم الرسيم، يقال: ذمل يذمل ويذمل ~~ذميلا. قال الأصمعي: # ولا يذمل بعير يوما وليلة إلا مهري قاله ج]. وقال ابن عباس أيضا: السعر ~~العذاب، وقاله الفراء. مجاهد: بعد الحق. السدي: في احتراق. قال (2): # أصحوت اليوم أم شاقتك هر * ومن الحب جنون مستعر أي متقد ومحترق. أبو ~~عبيدة: هو جمع سعير وهو لهيب النار. والبعير (3) المجنون يذهب كذا وكذا لما ~~يتلهب به من الحدة. ومعنى الآية: إنا إذا لفي شقاء وعناء مما يلزمنا. # قوله تعالى: (أؤلقي الذكر عليه من بيننا) أي خصص بالرسالة من بين آل ثمود ~~وفيهم من هو أكثر مالا وأحسن حالا؟! وهو استفهام معناه الانكار. (بل هو ~~كذاب أشر) أي ليس كما يدعيه، وإنما يريد أن يتعاظم ويلتمس التكبر علينا من ~~غير استحقاق. والأشر المرح والتجبر والنشاط. يقال: فرس أشر إذا كان مرحا ~~نشيطا، قال امرؤ القيس يصف كلبا: # فيدركنا فغم داجن * سميع بصير طلوب نكر (4) ألص (5) الضروس حني الضلوع * ~~تبوع أريب نشيط أشر # PageV17P138 # وقيل: (أشر) بطر. والأشر البطر، قال الشاعر: # أشرتم بلبس الخز لما لبستم * ومن قبل ما تدرون من فتح القرى وقد أشر ~~بالكسر يأشر أشرا فهو أشر وأشران، وقوم أشارى مثل سكران وسكارى، قال الشاعر ~~(1): # وخلت وعولا أشارى بها * وقد أزهف الطعن أبطالها وقيل: إنه ms5951 المتعدي إلى ~~منزلة لا يستحقها، والمعنى واحد. وقال ابن زيد وعبد الرحمن ابن حماد: الأشر ~~الذي لا يبالي ما قال. وقرأ أبو جعفر وأبو قلابة (أشر) بفتح الشين وتشديد ~~الراء يعني به أشرنا وأخبثنا. (سيعلمون غدا) أي سيرون العذاب يوم القيامة، ~~أو في حال نزول العذاب بهم في الدنيا. وقرأ ابن عامر وحمزة بالتاء على أنه ~~من قول صالح لهم على الخطاب. الباقون بالياء إخبار من الله تعالى لصالح ~~عنهم. وقوله: (غدا) على التقريب على عادة الناس في قولهم للعواقب: إن مع ~~اليوم غدا، قال: # للموت فيها سهام غير مخطئة * من لم يكن ميتا في اليوم مات غدا وقال ~~الطرماح: # ألا عللاني قبل نوح النوائح * وقبل اضطراب النفس بين الجوانح وقبل غد يا ~~لهف نفسي على غد * إذا راح أصحابي ولست برائح وإنما أراد وقت الموت ولم يرد ~~غدا بعينه. (من الكذاب الأشر) وقرأ أبو قلابة (الأشر) بفتح الشين وتشديد ~~الراء جاء به على الأصل. قال أبو حاتم: لا تكاد العرب تتكلم بالأشر والأخير ~~إلا في ضرورة الشعر، كقول رؤبة: # * بلال خير الناس وابن الأخير * # PageV17P139 # وإنما يقولون هو خير قومه، وهو شر الناس، قال الله تعالى: (كنتم خير أمة ~~أخرجت للناس (1)) وقال: (فسيعلمون من هو شر مكانا (2)). وعن أبي حياة بفتح ~~الشين وتخفيف الراء. # وعن مجاهد وسعيد بن جبير ضم الشين والراء والتخفيف، قال النحاس: وهو معنى ~~(الأشر) ومثله رجل حذر وحذر. # قوله تعالى: انا مرسلوا الناقة فتنة لهم فارتقبهم واصطبر (27) ونبئهم أن ~~الماء قسمة بينهم كل شرب مختصر (28) فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر (29) فكيف ~~كان عذابي ونذر (30) انا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر ~~(31) ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر (32) قوله تعالى: (انا مرسلوا ~~الناقة) أي مخرجوها من الهضبة التي سألوها، فروي أن صالحا صلى ركعتين ودعا ~~فانصدعت الصخرة التي عينوها عن سنامها، فخرجت ناقة عشراء [وبراء (3)]. # (فتنة لهم) أي اختبارا وهو مفعول له. (فارتقبهم) أي انتظر ما يصنعون. ~~(واصطبر) أي اصبر على أذاهم، وأصل الطاء في اصطبر ms5952 تاء فتحولت طاء لتكون ~~موافقة للصاد في الاطباق. (ونبئهم): أي أخبرهم (أن الماء قسمة بينهم) أي ~~بين آل ثمود وبين الناقة، لها يوم ولهم يوم، كما قال تعالى: (لها شرب ولكم ~~شرب يوم معلوم (4)). # قال ابن عباس: كان يوم شربهم لا تشرب الناقة شيئا من الماء وتسقيهم لبنا ~~وكانوا في نعيم، وإذا كان يوم الناقة شربت الماء كله فلم تبق لهم شيئا. ~~وإنما قال: (بينهم) لان العرب إذا أخبروا عن بني آدم مع البهائم غلبوا بني ~~آدم. وروى أبو الزبير عن جابر قال: # لما نزلنا الحجر في مغزى رسول الله صلى الله عليه وسلم تبوك، قال: (أيها ~~الناس لا تسألوا في هذه الآيات هؤلاء قوم صالح سألوا نبيهم أن يبعث الله ~~لهم ناقة فبعث الله عز وجل # PageV17P140 # إليهم الناقة فكانت ترد من ذلك الفج فتشرب ماءهم يوم وردها ويحلبون منها ~~مثل الذي كانوا يشربون يوم غبها) وهو معنى قوله تعالى: (ونبئهم أن الماء ~~قسمة بينهم). # (كل شرب مختضر) الشرب - بالكسر - الحظ من الماء، وفي المثل: (آخرها أقلها ~~شربا) وأصله في سقي الإبل، لان آخرها يرد وقد نزف الحوض. ومعنى (محتضر) أي ~~يحضره من هو له، فالناقة تحضر الماء يوم وردها، وتغيب عنهم يوم وردهم، قاله ~~مقاتل. وقال مجاهد: إن ثمود يحضرون الماء يوم غبها فيشربون، ويحضرون اللبن ~~يوم وردها فيحتلبون. # قوله تعالى: (فنادوا صاحبهم) يعني بالحض على عقرها (فعقر) ها ومعنى تعاطى ~~تناول الفعل، من قولهم: عطوت أي تناولت، ومنه قول حسان: # كلتاهما حلب العصير فعاطني * بزجاجة أرخاهما للمفصل قال محمد بن إسحاق: ~~فكمن لها في أصل شجرة على طريقها فرماها بسهم فانتظم به عضلة ساقها، ثم شد ~~عليها بالسيف فكشف عرقوبها، فخرت ورغت رغاءة واحدة تحدر سقبها من بطنها ثم ~~نحرها، وانطلق سقبها حتى أتى صخرة في رأس جبل فرغا ثم لاذ بها، فأتاهم صالح ~~عليه السلام، فلما رأى الناقة قد عقرت بكى وقال: قد انتهكتم حرمة الله ~~فأبشروا بعذاب الله. وقد مضى في (الأعراف (1)) بيان هذا المعنى. قال ms5953 ابن ~~عباس: وكان الذي عقرها أحمر أزرق أشقر أكشف أقفى. ويقال في اسمه قدار بن ~~سالف. وقال الأفوه الأودي: # أو قبله (2) كقدار حين تابعه * على الغواية أقوام فقد بادوا والعرب تسمي ~~الجزار قدارا تشبيها بقدار بن سالف مشئوم آل ثمود، قال مهلهل: # إنا لنضرب بالسيوف رؤوسهم * ضرب القدار نقيعة القدام (3) # PageV17P141 # وذكره زهير فقال: # فتنتج لكم غلمان أشأم كلهم * كأحمر عاد ثم ترضع فتفطم (1) يريد الحرب، ~~فكنى عن ثمود بعاد. # قوله تعالى: (إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة) يريد صيحة جبريل عليه السلام، ~~وقد مضى في (هود (2)). (فكانوا كهشيم المحتظر) وقرأ الحسن وقتادة وأبو ~~العالية (المحتظر) بفتح الظاء أرادوا الحظيرة. الباقون بالكسر أرادوا صاحب ~~الحظيرة. وفي الصحاح: والمحتظر الذي يعمل الحظيرة. وقرئ (كهشيم المحتظر) ~~فمن كسره جعله الفاعل ومن فتحة جعله المفعول به. ويقال للرجل القليل الخير: ~~إنه لنكد الحظيرة. قال أبو عبيد: أراه سمى أمواله حظيرة لأنه حظرها عنده ~~ومنعها، وهي فعيلة بمعنى مفعولة. المهدوي: من فتح الظاء من (المحتظر) فهو ~~مصدر، والمعنى كهشيم الاحتظار. ويجوز أن يكون (المحتظر) هو الشجر المتخذ ~~منه الحظيرة. قال ابن عباس: (المحتظر) هو الرجل يجعل لغنمه حظيرة بالشجر ~~والشوك، فما سقط من ذلك وداسته الغنم فهو الهشيم. قال: # أثرن عجاجة كدخان نار * تشب بغرقد بال هشيم وعنه: كحشيش تأكله الغنم. ~~وعنه أيضا: كالعظام النخرة المحترقة، وهو قول قتادة. وقال سعيد بن جبير: هو ~~التراب المتناثر من الحيطان في يوم ريح. وقال سفيان الثوري: هو ما تناثر من ~~الحظيرة إذا ضربتها بالعصا، وهو فعيل بمعنى مفعول. وقال ابن زيد: العرب ~~تسمي كل شئ كان رطبا فيبس هشيما. والحظر المنع، والمحتظر المفتعل يقال منه: ~~احتظر على إبله وحظر أي جمع الشجر ووضع بعضه فوق بعض ليمنع برد الريح ~~والسباع عن إبله، قال الشاعر: # ترى جيف المطي بجانبيه * كأن عظامها خشب الهشيم # PageV17P142 # وعن ابن عباس: أنهم كانوا مثل القمح الذي ديس وهشم، فالمحتظر على هذا ~~الذي يتخذ حظيرة على زرعه، والهشيم فتات السنبلة والتبن. (ولقد يسرنا ~~القرآن للذكر ms5954 فهل من مدكر) قوله تعالى: كذبت قوم لوط بالنذر (33) انا ~~أرسلنا عليهم حاصبا إلا آل لوط نجيناهم بسحر (34) نعمة من عندنا كذلك نجزى ~~من شكر (35) ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر (36) ولقد راودوه عن ضيفه ~~فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر (37) ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر (38) ~~فذوقوا عذابي ونذر (39) ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر (40) قوله ~~تعالى: (كذبت قوم لوط بالنذر) أخبر عن قوم لوط أيضا لما كذبوا لوطا. # (انا أرسلنا عليهم حاصبا) أي ريحا ترميهم بالحصباء وهي الحصى، قال النضر: ~~الحاصب الحصباء في الريح. وقال أبو عبيدة: الحاصب الحجارة. وفي الصحاح: ~~والحاصب الريح الشديدة التي تثير الحصباء وكذلك الحصبة، قال لبيد: # جرت عليها أن خوت من أهلها * أذيالها كل عصوف حصبه عصفت الريح أي اشتدت ~~فهي ريح عاصف وعصوف. وقال الفرزدق: # مستقبلين شمال الشام تضربنا * بحاصب كنديف القطن منثور (الا آل لوط) يعني ~~من تبعه على دينه ولم يكن إلا بنتاه (نجيناهم بسحر) قال الأخفش: # إنما أجراه لأنه نكرة، ولو أراد سحر يوم بعينه لما أجراه، ونظيره: ~~(اهبطوا مصرا (1)) لما نكره، فلما عرفه في قوله: (ادخلوا مصر إن شاء (2) ~~الله) لم يجره، وكذا قال الزجاج: (سحر) إذا كان نكرة يراد به سحر من ~~الأسحار يصرف، تقول أتيته سحرا، فإذا أردت سحر يومك # PageV17P143 # لم تصرفه، تقول: أتيته سحر يا هذا، وأتيته بسحر. والسحر: هو ما بين آخر ~~الليل وطلوع الفجر، وهو في كلام العرب اختلاط سواد الليل ببياض أول النهار، ~~لان في هذا الوقت يكون مخاييل الليل ومخاييل النهار. (نعمة من عندنا) ~~إنعاما منا على لوط وابنتيه، فهو نصب لأنه مفعول به. (كذلك نجزى من شكر) أي ~~من آمن بالله وأطاعه. (ولقد أنذرهم) يعني لوطا خوفهم (بطشتنا) عقوبتنا ~~وأخذنا إياهم بالعذاب (فتماروا بالنذر) أي شكوا فيما أنذرهم به الرسول ولم ~~يصدقوه، وهو تفاعل من المرية. (ولقد راودوه عن ضيفه) أي أرادوا منه تمكينهم ~~ممن كان أتاه من الملائكة في هيئة الأضياف طلبا للفاحشة على ما تقدم (1). ~~يقال: راودته على، كذا مراودة ms5955 وروادا أي أردته. وراد الكلأ يروده رودا ~~وريادا، وارتاده ارتيادا بمعنى أي طلبه، وفي الحديث: (إذا بال أحدكم فليرتد ~~لبوله) أي يطلب مكانا لينا أو منحدرا. (فطمسنا أعينهم) يروى أن جبريل عليه ~~السلام ضربهم بجناحه فعموا. وقيل: صارت أعينهم كسائر الوجه لا يرى لها شق، ~~كما تطمس الريح الاعلام بما تسفي عليها من التراب. وقيل: لا، بل أعماهم ~~الله مع صحة أبصارهم فلم يروهم. قال الضحاك: طمس الله على أبصارهم فلم يروا ~~الرسل، فقالوا: لقد رأيناهم حين دخلوا البيت فأين ذهبوا؟ فرجعوا ولم يروهم. ~~(فذوقوا عذابي ونذر) أي فقلنا لهم ذوقوا، والمراد من هذا الامر الخبر، أي ~~فأذقتهم عذابي الذي أنذرهم به لوط. # (ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر) أي دائم عام استقر فيهم حتى يفضي بهم إلى ~~عذاب الآخرة. وذلك العذاب قلب قريتهم عليهم وجعل أعلاها أسفلها. و (بكرة) ~~هنا نكرة فلذلك صرفت. (فذوقوا عذابي ونذر) العذاب الذي نزل بهم من طمس ~~الأعين غير العذاب الذي أهلكوا به فلذلك حسن التكرير. (ولقد يسرنا القرآن ~~للذكر فهل من مدكر) [تقدم (2)] قوله تعالى: ولقد جاء آل فرعون النذر (41) ~~كذبوا بآياتنا كلها فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر (42) # PageV17P144 # قوله تعالى: (ولقد جاء آل فرعون النذر) يعني القبط و (النذر) موسى وهرون. # وقد يطلق لفظ الجمع على الاثنين. (كذبوا بآياتنا) معجزاتنا الدالة على ~~توحيدنا ونبوة أنبيائنا، وهي العصا، واليد، والسنون، والطمسة، والطوفان، ~~والجراد، والقمل، والضفادع، والدم. وقيل: (النذر) الرسل، فقد جاءهم يوسف ~~وبنوه إلى أن جاءهم موسى. وقيل: (النذر) الانذار. (فأخذناهم أخذ عزيز) أي ~~غالب في انتقامه (مقتدر) أي قادر على ما أراد. # قوله تعالى: أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر (43) أم يقولون ~~نحن جميع منتصر (44) سيهزم الجمع ويولون الدبر (45) بل الساعة موعدهم ~~والساعة أدهى وأمر (46) قوله تعالى: (أكفاركم خير من أولئكم) خاطب العرب. ~~وقيل: أراد كفار أمة محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: استفهام، وهو استفهام ~~إنكار ومعناه النفي، أي ليس كفاركم خيرا من كفار من تقدم من الأمم الذين ~~أهلكوا بكفرهم. ms5956 (أم لكم براءة في الزبر) أي في الكتب المنزلة على الأنبياء ~~بالسلامة من العقوبة. وقال ابن عباس: أم لكم في اللوح المحفوظ براءة من ~~العذاب. (أم يقولون نحن جميع منتصر) أي جماعة لا تطاق لكثرة عددهم وقوتهم، ~~ولم يقل منتصرين اتباعا لرؤوس الآي، فرد الله عليهم فقال: (سيهزم الجمع) أي ~~جمع كفار مكة، وقد كان ذلك يوم بدر وغيره. وقراءة العامة (سيهزم) بالياء ~~على ما لم يسم فاعله (الجمع) بالرفع. وقرأ رويس عن يعقوب (وسنهزم) بالنون ~~وكسر الزاي (الجمع) نصبا. (ويولون الدبر) قراءة العامة بالياء على الخبر ~~عنهم. وقرأ عيسى وابن إسحاق ورويس عن يعقوب (وتولون) بالتاء على الخطاب. و ~~(الدبر) اسم جنس كالدرهم PageV17P145 # والدينار فوحد والمراد الجمع لأجل رؤوس الآي. وقال مقاتل: ضرب أبو جهل ~~فرسه يوم بدر فتقدم من الصف وقال: نحن ننتصر اليوم من محمد وأصحابه، فأنزل ~~الله تعالى: # (نحن جميع منتصر. سيهزم الجمع ويولون الدبر). وقال سعيد بن جبير قال سعد ~~بن أبي وقاص: # لما نزل قوله تعالى: (سيهزم الجمع ويولون الدبر) كنت لا أدرى أي الجمع ~~ينهزم، فلما كان يوم بدر رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يثب في الدرع ~~ويقول: اللهم إن قريشا جاءتك تحادك وتحاد رسولك بفخرها و [خيلائها (1)] ~~فأخنهم الغداة - ثم قال - (سيهزم الجمع ويولون الدبر) فعرفت تأويلها. وهذا ~~من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه أخبر عن غيب فكان كما أخبر. أخنى ~~عليه الدهر: أي أتى عليه وأهلكه، ومنه قول النابغة: # * أخنى عليه الذي أخنى على لبد * وأخنيت عليه: أفسدت. قال ابن عباس: كان ~~بين نزول هذه الآية وبين بدر سبع سنين، فالآية على هذا مكية. وفى البخاري ~~عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: # لقد أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم بمكة وإني لجارية ألعب: (بل الساعة ~~موعدهم والساعة أدهى وأمر). وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~وهو في قبة له يوم بدر: # (أنشدك عهدك ووعدك اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم ms5957 أبدا) فأخذ أبو بكر ~~رضي الله عنه بيده وقال: حسبك يا رسول الله فقد ألححت على ربك، وهو في ~~الدرع فخرج وهو يقول: # (سيهزم الجمع ويولون الدبر. بل الساعة موعدهم) يريد القيامة. (والساعة ~~أدهى وأمر) أي أدهى وأمر مما لحقهم يوم بدر. و (أدهى) من الداهية وهي الامر ~~العظيم، يقال: # دهاه أمر كذا أي أصابه دهوا ودهيا. وقال ابن السكيت: دهته داهية دهواء ~~ودهياء وهي توكيد لها. # PageV17P146 # قوله تعالى: ان المجرمين في ضلال وسعر (47) يوم يسحبون في النار على ~~وجوههم ذوقوا مس سقر (48) انا كل شئ خلقناه بقدر (49) قوله تعالى: (ان ~~المجرمين في ضلال وسعر) فيه أربع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (ان المجرمين في ضلال وسعر) أي في حيدة عن الحق و ~~(سعر) أي احتراق. وقيل: جنون على ما تقدم في هذا لسورة. (يوم يسحبون في ~~النار على وجوههم ذوقوا مس سقر) في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: جاء مشركو ~~قريش يخاصمون رسول الله صلى الله عليه وسلم في القدر فنزلت: (يوم يسحبون في ~~النار على وجوههم ذوقوا مس سقر. إنا كل شئ خلقناه بقدر) خرجه الترمذي أيضا ~~وقال: حديث حسن صحيح. وروى مسلم عن طاوس قال: أدركت ناسا من أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقولون: كل شئ بقدر. قال: وسمعت عبد الله بن عمر ~~يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كل شئ بقدر حتى العجز والكيس - أو - ~~الكيس والعجز وهذا إبطال لمذهب القدرية. (ذوقوا) أي يقال لهم ذوقوا، ومسها ~~ما يجدون من الألم عند الوقوع فيها. # و (سقر) اسم من أسماء جهنم لا ينصرف، لأنه اسم مؤنث معرفة، وكذا لظى ~~وجهنم. # وقال عطاء: (سقر) الطبق السادس من جهنم. وقال قطرب: (سقر) من سقرته الشمس ~~وصقرته لوحته. ويوم مسمقر ومصمقر: شديد الحر. # الثانية - قوله تعالى: (انا كل شئ) قراءة العامة (كل) بالنصب. وقرأ أبو ~~السمال (كل) بالرفع على الابتداء. ومن نصب فبإضمار فعل وهو اختيار ~~الكوفيين، لان إن تطلب الفعل فهي به أولى، والنصب أدل على ms5958 العموم في ~~المخلوقات لله تعالى، لأنك لو حذفت (خلقناه) المفسر وأظهرت الأول لصار إنا ~~خلقنا كل شئ بقدر. ولا يصح كون خلقناه صفة لشئ، لان الصفة لا تعمل فيما قبل ~~الموصوف، ولا تكون تفسيرا لما يعمل فيما قبله. PageV17P147 # الثالثة - الذي عليه أهل السنة أن الله سبحانه قدر الأشياء، أي علم ~~مقاديرها وأحوالها وأزمانها قبل إيجادها، ثم أوجد منها ما سبق في علمه أنه ~~يوجده على نحو ما سبق في علمه، فلا يحدث حدث في العالم العلوي والسفلي إلا ~~وهو صادر عن علمه تعالى وقدرته وإرادته دون خلقه، وأن الخلق ليس لهم فيها ~~إلا نوع اكتساب ومحاولة ونسبة وإضافة، وأن ذلك كله إنما حصل لهم بتيسير ~~الله تعالى وبقدرته وتوفيقه وإلهامه، سبحانه لا إله إلا هو، ولا خالق غيره، ~~كما نص عليه القرآن والسنة، لا كما قالت القدرية وغيرهم من أن الأعمال ~~إلينا والآجال بيد غيرنا. قال أبو ذر رضي الله عنه: قدم وفد نجران على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: الأعمال إلينا والآجال بيد غيرنا، فنزلت ~~هذه الآيات إلى قوله: # (إنا كل شئ خلقناه بقدر) فقالوا: يا محمد يكتب علينا الذنب ويعذبنا؟ ~~فقال: # (أنتم خصماء الله يوم القيامة). # الرابعة - روى أبو الزبير عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن مجوس هذه الأمة المكذبون بأقدار الله إن ~~مرضوا فلا تعودهم وإن ماتوا فلا تشهدوهم وإن لقيتموهم فلا تسلموا عليهم). ~~خرجه ابن ماجة في سننه. # وخرج أيضا عن ابن عباس وجابر قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~(صنفان من أمتي ليس لهم في الاسلام نصيب أهل الارجاء والقدر). وأسند ~~النحاس: وحدثنا إبراهيم بن شريك الكوفي قال حدثنا عقبة بن مكرم الضبي قال ~~حدثنا يونس بن بكير عن سعيد بن ميسرة عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: (القدرية الذين يقولون الخير والشر بأيدينا ليس لهم في شفاعتي ~~نصيب ولا أنا منهم ولا هم مني) وفي ms5959 صحيح مسلم أن ابن عمر تبرأ منهم ولا ~~يتبرأ إلا من كافر، ثم أكد هذا بقوله: والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن ~~لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر. وهذا مثل ~~قوله تعالى في المنافقين: (وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا ~~بالله وبرسوله (1)) وهذا واضح. # وقال أبو هريرة: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الايمان بالقدر يذهب ~~الهم والحزن). # PageV17P148 # قوله تعالى: وما أمرنا الا واحدة كلمح بالبصر (50) ولقد أهلكنا أشياعكم ~~فهل من مدكر (51) وكل شئ فعلوه في الزبر (52) وكل صغير وكبير مستطر (53) ان ~~المتقين في جنات ونهر (54) في مقعد صدق عند مليك مقتدر (55) قوله تعالى: ~~(وما أمرنا الا واحدة) أي إلا مرة واحدة. (كلمح بالبصر) أي قضائي في خلقي ~~أسرع من لمح البصر. واللمح النظر بالعجلة، يقال: لمح البرق ببصره. # وفي الصحاح: لمحه وألمحه إذا أبصره بنظر خفيف، والاسم اللمحة، ولمح البرق ~~والنجم لمحا أي لمع. # قوله تعالى: (لقد أهلكنا أشياعكم) أي أشباهكم في الكفر من الأمم الخالية. ~~وقيل: # أتباعكم وأعوانكم. (فهل من مدكر) أي من يتذكر. # أي جميع ما فعلته الأمم قبلهم من خير أو شركان مكتوبا عليهم، وهذا بيان ~~قوله: (إنا كل شئ خلقناه بقدر). (في الزبر) أي في اللوح المحفوظ. وقيل: في ~~كتب الحفظة. وقيل: في أم الكتاب. (وكل صغير وكبير مستطر) أي كل ذنب كبير ~~وصغير مكتوب على عامله قبل أن يفعله (1) ليجازى به، ومكتوب إذا فعله، سطر ~~يسطر سطرا كتب، واستطر مثله. # قوله تعالى: (ان المتقين في جنات ونهر) لما وصف الكفار وصف المؤمنين ~~أيضا. # (ونهر) يعني أنهار الماء والخمر والعسل واللبن، قاله ابن جريج. ووحد لأنه ~~رأس الآية، ثم الواحد قد ينبئ عن الجميع. وقيل: في (نهر) في ضياء وسعة، ~~ومنه النهار لضيائه، ومنه أنهرت الجرح، قال الشاعر (2): # ملكت بها كفي فأنهرت فتقها * يرى قائم من دونها ما وراءها # PageV17P149 # وقرأ أبو مجلز وأبو نهيك والأعرج وطلحة بن مصرف وقتادة (ونهر) بضمتين ~~كأنه جمع ms5960 نهار لا ليل لهم، كسحاب وسحب. قال الفراء: أنشدني بعض العرب: # إن تلك ليليا فإني نهر * متى أرى الصبح فلا أنتظر أي صاحب النهار. وقال ~~آخر: # لولا الثريدان هلكنا بالضمر * ثريد ليل وثريد بالنهر (في مقعد صدق) أي ~~مجلس حق لا لغو فيه ولا تأثيم وهو الجنة (عند مليك مقتدر) أي يقدر على ما ~~يشاء. و (عند) هاهنا عندية القربة والزلفة والمكانة والرتبة والكرامة ~~والمنزلة. قال الصادق: مدح الله المكان الصدق فلا يقعد فيه إلا أهل الصدق. ~~وقرأ عثمان البتي (في مقاعد صدق) بالجمع، والمقاعد مواضع قعود الناس في ~~الأسواق وغيرها. قال عبد الله بن بريدة: # إن أهل الجنة يدخلون كل يوم على الجبار تبارك وتعالى، فيقرءون القران على ~~ربهم تبارك وتعالى، وقد جلس كل إنسان مجلسه الذي هو مجلسه، على منابر من ~~الدر والياقوت والزبرجد والذهب والفضة بقدر أعمالهم، فلا تقر أعينهم بشئ قط ~~كما تقر بذلك، ولم يسمعوا شيئا أعظم ولا أحسن منه، ثم ينصرفون إلى منازلهم، ~~قريرة أعينهم إلى مثلها من الغد. وقال ثور بن يزيد عن خالد بن معدان: بلغنا ~~أن الملائكة يأتون المؤمنين يوم القيامة فيقولون: # يا أولياء الله انطلقوا، فيقولون: إلى أين؟ فيقولون: إلى الجنة، فيقول ~~المؤمنون: إنكم تذهبون بنا إلى غير بغيتنا. فيقولون: فما بغيتكم؟ فيقولون: ~~مقعد صدق عند مليك مقتدر. # وقد روي هذا الخبر على الخصوص بهذا المعنى، ففي الخبر: أن طائفة من ~~العقلاء بالله عز وجل تزفها الملائكة إلى الجنة والناس في الحساب، فيقولون ~~للملائكة: إلى أين تحملوننا؟ فيقولون إلى الجنة. فيقولون: إنكم لتحملوننا ~~إلى غير بغيتنا، فيقولون: وما بغيتكم؟ فيقولون: # المقعد الصدق مع الحبيب كما أخبر (في مقعد صدق عند مليك مقتدر) والله ~~أعلم. # تم تفسير سورة (القمر) والحمد لله. PageV17P150 # سورة الرحمن [عز وجل (1)] مكية كلها في قول الحسن وعروة بن الزبير وعكرمة ~~وعطاء وجابر. وقال ابن عباس: # إلا آية منها هي قوله تعالى: (يسأله من في السماوات والأرض) الآية. وهي ~~ست وسبعون آية. # وقال ابن مسعود ومقاتل: هي مدنية ms5961 كلها. والقول الأول أصح لما روى عروة بن ~~الزبير قال: # أول من جهر بالقرآن بمكة بعد النبي صلى الله عليه وسلم ابن مسعود، وذلك ~~أن الصحابة قالوا: # ما سمعت قريش هذا القرآن يجهر به قط، فمن رجل يسمعهموه؟ فقال ابن مسعود: ~~أنا، فقالوا: إنا نخشى عليك، وإنما نريد رجلا له عشيرة يمنعونه، فأبى ثم ~~قام عند المقام فقال: # (بسم الله الرحمن الرحيم. الرحمن. علم القرآن) ثم تمادى رافعا بها صوته ~~وقريش في أنديتها، فتأملوا وقالوا: ما يقول ابن أم عبد؟ قالوا: هو يقول ~~الذي يزعم محمد أنه أنزل عليه، ثم ضربوه حتى أثروا في وجهه. وصح أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قام يصلي الصبح بنخلة، فقرأ سورة (الرحمن) ومر النفر من ~~الجن فآمنوا به. وفي الترمذي عن جابر قال: خرج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على أصحابه فقرأ عليهم سورة (الرحمن) من أولها إلي آخرها فسكتوا، ~~فقال: (لقد قرأتها على الجن ليلة الجن فكانوا أحسن مردودا منكم كنت كلما ~~أتيت على قوله: (فبأي آلاء ربكما تكذبان) قالوا لا بشئ من نعمك ربنا نكذب ~~فلك الحمد) قال: هذا حديث غريب. وفي هذا دليل على أنها مكية والله أعلم. ~~وروي أن قيس بن عاصم المنقري قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أتل علي مما ~~أنزل عليك، فقرأ عليه سورة (الرحمان) فقال: أعدها، فأعادها ثلاثا، فقال: ~~والله إن له لطلاوة، وإن عليه لحلاوة، وأسفله لمغدق، وأعلاه مثمر، وما يقول ~~هذا بشر، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. وروي عن علي رضي ~~الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لكل شئ عروس وعروس القرآن ~~سورة الرحمن). # PageV17P151 # بسم الله الرحمن الرحيم الرحمان (1) علم القرآن (2) خلق الانسان (3) علمه ~~البيان (4) الشمس والقمر بحسبان (5) والنجم والشجر يسجدان (6) والسماء ~~رفعها ووضع الميزان (7) ألا تطغوا في الميزان (8) وأقيموا الوزن بالقسط ولا ~~تخسروا الميزان (9) والأرض وضعها للأنام (10) فيها فاكهة والنخل ذات الا ~~كملم (11) والحب ذو العصف والريحان (12) فبأي آلاء ربكما تكذبان (13) قوله ms5962 ~~تعالى: (الرحمان. علم القرآن) قال سعيد بن جبير وعامر الشعبي: (الرحمن) ~~فاتحة ثلاث سور إذا جمعن كن اسما من أسماء الله تعالى (الر) و (حم) و (ن) ~~فيكون مجموع هذه (الرحمن). (علم القرآن) أي علمه نبيه صلى الله عليه وسلم ~~حتى أداه إلى جميع الناس. وأنزلت حين قالوا: وما الرحمن؟ وقيل: نزلت جوابا ~~لأهل مكة حين قالوا: إنما يعلمه بشر وهو رحمان اليمامة، يعنون مسيلمة ~~الكذاب، فأنزل الله تعالى: (الرحمان). علم القرآن). # وقال الزجاج: معنى (علم القرآن) أي سهله لان يذكر ويقرأ كما قال: (ولقد ~~يسرنا القرآن للذكر). وقيل: جعله علامة لما تعبد الناس به. (خلق الانسان) ~~قال ابن عباس وقتادة والحسن يعني آدم عليه السلام. (علمه البيان) أسماء كل ~~شئ. وقيل: علمه اللغات كلها. وعن ابن عباس أيضا وابن كيسان: الانسان هاهنا ~~يراد به محمد صلى الله عليه وسلم، والبيان بيان الحلال من الحرام، والهدى ~~من الضلال. وقيل: ما كان وما يكون، لأنه بين عن الأولين والآخرين ويوم ~~الدين. وقال الضحاك: (البيان) الخير والشر. وقال الربيع بن أنس: هو ما ~~ينفعه وما يضره، وقاله قتادة. وقيل: (الانسان) يراد به جميع الناس فهو اسم ~~للجنس و (البيان) على هذا الكلام والفهم، وهو مما فضل به الانسان على ~~PageV17P152 # سائر الحيوان. وقال السدي: علم كل قوم لسانهم الذي يتكلمون به. وقال ~~يمان: الكتابة والخط بالقلم. نظيره: (علم بالقلم. علم الانسان ما (1) لم ~~يعلم). (الشمس والقمر بحسبان) أي يجريان بحساب معلوم فأضمر الخبر. قال ابن ~~عباس وقتادة وأبو مالك: أي يجريان بحساب في منازل لا يعدوانها ولا يحيدان ~~عنها. وقال ابن زيد وابن كيسان: يعني أن بهما تحسب الأوقات والآجال ~~الأعمار، ولولا الليل والنهار والشمس والقمر لم يدر أحد كيف يحسب شيئا لو ~~كان الدهر كله أو نهارا. وقال السدي: (بحسبان) تقدير آجالهما أي تجري بآجال ~~كآجال الناس، فإذا جاء أجلهما هلكا، نظيره: (كل يجري لأجل مسمى (2)). # وقال الضحاك: بقدر. مجاهد: (بحسبان) كحسبان الرحى يعني قطبها يدوران في ~~مثل القطب. والحسبان قد يكون ms5963 مصدر حسبته أحسبته بالضم حسبا وحسبانا، مثل ~~الغفران والكفران والرجحان، وحسابة أيضا أي عددته. وقال الأخفش: ويكون ~~جماعة الحساب مثل شهاب وشهبان. والحسبان أيضا بالضم العذاب والسهام القصار، ~~وقد مضى في (الكهف (3)) الواحدة حسبانة، والحسبانة أيضا الوسادة الصغيرة، ~~تقول منه: حسبته إذا وسدته، قال (4): # *... لثويت غير محسب * أي غير موسد يعني غير مكرم ولا مكفن (والنجم ~~والشجر يسجدان) قال ابن عباس وغيره: النجم مالا ساق له والشجر ماله ساق، ~~وأنشد ابن عباس قول صفوان بن أسد التميمي: # لقد أنجم القاع الكبير عضاهه * وتم به حيا تميم ووائل وقال زهير بن أبي ~~سلمى: # مكلل بأصول النجم تنسجه * ريح الجنوب لضاحي مائه حبك # PageV17P153 # واشتقاق النجم من نجم الشئ ينجم بالضم نجوما ظهر وطلع، وسجودهما بسجود ~~ظلا لهما (1)، قاله الضحاك. وقال الفراء: سجودهما أنهما يستقبلان الشمس إذا ~~طلعت ثم يميلان معها حتى ينكسر الفئ. وقال الزجاج: سجودهما دوران الظل ~~معهما، كما قال تعالى: (يتفيأ ظلاله (2)). وقال الحسن ومجاهد: النجم نجم ~~السماء، وسجوده في قول مجاهد دوران ظله، وهو اختيار الطبري، حكاه المهدوي. ~~وقيل: سجود النجم أفوله، وسجود الشجر إمكان الاجتناء لثمرها، حكاه ~~الماوردي. وقيل: إن جميع ذلك مسخر لله، فلا تعبدوا النجم كما عبد قوم من ~~الصابئين النجوم، وعبد كثير من العجم الشجر. والسجود الخضوع، والمعني به ~~آثار الحدوث، حكاه القشيري. النحاس: أصل السجود في اللغة الاستسلام ~~والانقياد لله عز وجل، فهو من الموات كلها استسلامها لأمر الله عز وجل ~~وانقيادها له، ومن الحيوان كذلك ويكون من سجود الصلاة، وأنشد محمد بن يزيد ~~في النجم بمعنى النجوم قال (3): # فباتت تعد النجم في مستحيرة * سريع بأيدي الآكلين جمودها (والسماء رفعها) ~~وقرأ أبو السمال (والسماء) بالرفع على الابتداء واختار ذلك لما عطف على ~~الجملة التي هي: (والنجم والشجر يسجدان) فجعل المعطوف مركبا من مبتدأ وخبر ~~كالمعطوف عليه. الباقون بالنصب على إضمار فعل يدل عليه ما بعده. (ووضع ~~الميزان) أي العدل، عن مجاهد وقتادة والسدي، أي وضع في الأرض العدل الذي ~~أمر به، يقال: وضع الله ms5964 الشريعة. ووضع فلان كذا أي ألقاه، وقيل: على هذا ~~الميزان القرآن، لان فيه بيان ما يحتاج إليه وهو قول الحسين بن الفضل. وقال ~~الحسن وقتادة - أيضا - والضحاك: # هو الميزان ذو اللسان الذي يوزن به لينتصف به الناس بعضهم من بعض، وهو ~~خبر بمعنى الامر بالعدل، يدل عليه قوله تعالى: (وأقيموا الوزن بالقسط) ~~والقسط العدل. وقيل: هو الحكم. وقيل: أراد وضع الميزان في الآخرة لوزن ~~الأعمال. وأصل ميزان موزان وقد مضى في (الأعراف (4)) القول فيه. (ألا تطغوا ~~في الميزان) موضع (أن) يجوز أن يكون نصبا # PageV17P154 # على تقدير حذف حرف الجر كأنه قال: لئلا تطغوا، كقوله تعالى: (يبين الله ~~لكم أن تضلوا (1)). ويجوز ألا يكون ل (أن) موضع من الاعراب فتكون بمعنى أي ~~و (تطغوا) على هذا التقدير مجزوما، كقوله تعالى: (وانطلق الملا منهم أن (2) ~~امشوا) [أي امشوا (3)]. # والطغيان مجاوزة الحد. فمن قال: الميزان العدل قال طغيانه الجور. ومن ~~قال: إنه الميزان الذي يوزن به قال طغيانه البخس. قال ابن عباس: أي لا ~~تخونوا من وزنتم له. # وعنه أنه قال: يا معشر الموالي! وليتم أمرين بهما هلك الناس: المكيال ~~والميزان. # ومن قال إنه الحكم قال: طغيانه التحريف. وقيل: فيه إضمار، أي وضع الميزان ~~وأمركم ألا تطغوا فيه. (وأقيموا الوزن بالقسط) أي افعلوه مستقيما بالعدل. ~~وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: أقيموا لسان الميزان بالقسط والعدل. وقال ~~ابن (4) عيينة: # الإقامة باليد والقسط بالقلب. وقال مجاهد: القسط العدل بالرومية. وقيل: ~~هو كقولك أقام الصلاة أي أتى بها في وقتها، وأقام الناس أسواقهم أي أتوها ~~لوقتها. أي لا تدعوا التعامل بالوزن بالعدل. (ولا تحسروا الميزان) ولا ~~تنقصوا الميزان ولا تبخسوا الكيل والوزن، وهذا كقوله: (ولا تنقصوا المكيال ~~والميزان (5)). وقال قتادة في هذه الآية: اعدل يا بن آدم كما تحب أن يعدل ~~لك، وأوف كما تحب أن يوفى لك، فإن العدل صلاح الناس. # وقيل: المعنى ولا تخسروا ميزان حسناتكم يوم القيامة فيكون ذلك حسرة ~~عليكم. وكرر الميزان لحال رؤوس الآي. وقيل: التكرير للامر بإيفاء الوزن ~~ورعاية ms5965 العدل فيه. وقراءة العامة (تخسروا) بضم التاء وكسر السين. وقرأ بلال ~~بن أبي بردة وأبان عن عثمان (تخسروا) بفتح التاء والسين وهما لغتان، يقال: ~~أخسرت الميزان وخسرته كأجبرته وجبرته. وقيل: # (تخسروا) بفتح التاء والسين محمول على تقدير حذف حرف الجر، والمعنى ولا ~~تخسروا في الميزان. (والأرض وضعها للأنام) الأنام الناس، عن ابن عباس. ~~الحسن: الجن والإنس . الضحاك: كل ما دب على وجه الأرض، وهذا عام. (فيها ~~فاكهة) أي كل # PageV17P155 # ما يتفكه به الانسان من ألوان الثمار. (والنخل ذات الا كمام) الا كمام ~~جمع كم بالكسر. # قال الجوهري: والكمة بالكسر والكمامة وعاء الطلع وغطاء النور والجمع كمام ~~وأكمة وأكمام والأكاميم أيضا. وكم الفصيل إذا أشفق عليه فستر حتى يقوى، قال ~~العجاج: # بل لو شهدت الناس إذ تكموا * بغمة لو لم تفرج غموا وتكموا أي أغمي عليهم ~~وغطوا. وأكمت [النخلة (1)] وكممت أي أخرجت أكمامها. والكمام بالكسر ~~والكمامة أيضا ما يكم به فم البعير لئلا يعض، تقول منه: بعير مكموم أي ~~محجوم. # وكممت الشئ غطيته. والكم ما ستر شيئا وغطاه، ومنه كم القميص بالضم والجمع ~~أكمام وكممة، مثل حب وحببة. والكمة القلنسوة المدورة، لأنها تغطي الرأس. ~~قال: # فقلت لهم كيلو بكمة بعضكم * دراهمكم إني كذلك أكيل قال الحسن: (ذات ~~الأكمام) أي ذات الليف فإن النخلة قد تكمم بالليف، وكمامها ليفها الذي في ~~أعناقها. ابن زيد: ذات الطلع قبل أن يتفتق. وقال عكرمة: ذات الأحمال. # (والحب ذو العصف والريحان) الحب الحنطة والشعير ونحوهما، والعصف التبن، ~~عن الحسن وغيره. مجاهد: ورق الشجر والزرع. ابن عباس: تبن الزرع وورقه الذي ~~تعصفه الرياح. سعيد بن جبير: بقل الزرع أي أول ما ينبت منه، وقاله الفراء. ~~والعرب تقول: # خرجنا نعصف الزرع إذا قطعوا منه قبل أن يدرك. وكذا في الصحاح: وعصفت ~~الزرع أي جززته قبل أن يدرك. وعن ابن عباس أيضا: العصف ورق الزرع الأخضر ~~إذا قطع رؤوسه ويبس، نظيره: (فجعلهم كعصف (2) مأكول). الجوهري، وقد أعصف ~~الزرع، ومكان معصف أي كثير الزرع. قال أبو قيس بن الأسلت الأنصاري: ms5966 # إذا جمادى منعت قطرها * زان جنابي عطن معصف # PageV17P156 # والعصف أيضا الكسب، ومنه قول الراجز (1): # * بغير ما عصف ولا اصطراف * وكذلك الاعتصاف. والعصيفة الورق المجتمع الذي ~~يكون فيه السنبل. وقال الهروي: # والعصف والعصيفة ورق السنبل. وحكى الثعلبي: وقال ابن السكيت تقول العرب ~~لورق الزرع العصف والعصيفة والجل بكسر الجيم. قال علقمة بن عبدة: # تسقي مذانب قد مالت عصيفتها * حدورها من أتى الماء مطموم وفي الصحاح: ~~والجل بالكسر قصب الزرع إذا حصد. والريحان الرزق، عن ابن عباس ومجاهد. ~~الضحاك: هي لغة حمير. وعن ابن عباس أيضا والضحاك وقتادة: أنه الريحان الذي ~~يشم، وقاله ابن زيد. وعن ابن عباس أيضا: أنه خضرة الزرع. وقال سعيد ابن ~~جبير: هو ما قام على ساق. وقال الفراء: العصف المأكول من الزرع، والريحان ~~ما لا يؤكل. وقال الكلبي: إن العصف الورق الذي لا يؤكل، والريحان هو الحب ~~المأكول. # وقيل: الريحان كل بقلة طيبة الريح سميت ريحانا، لان الانسان يراح لها ~~رائحة طيبة. # أي يشم فهو فعلان روحان من الرائحة، وأصل الياء في الكلمة واو قلب ياء ~~للفرق بينه وبين الروحاني وهو كل شئ له روح. قال ابن الأعرابي: يقال شئ ~~روحاني وريحاني أي له روح. ويجوز أن يكون على وزن فيعلان فأصله ريوحان ~~فأبدل من الواو ياء وأدغم كهين ولين، ثم ألزم التخفيف لطوله ولحاق ~~الزائدتين الألف والنون، والأصل فيما يتركب من الراء والواو والحاء ~~الاهتزاز والحركة. وفي الصحاح: والريحان نبت معروف، والريحان الرزق، تقول: ~~خرجت أبتغي ريحان الله، قال النمر بن تولب: # سلام الاله وريحانه * ورحمته وسماء درر وفي الحديث: (الولد من ريحان ~~الله). وقولهم: سبحان الله وريحانه، نصبوهما على المصدر يريدون تنزيها له ~~واسترزاقا. وأما قوله: (والحب ذو العصف والريحان) فالعصف # PageV17P157 # ساق الزرع، والريحان ورقه، عن الفراء. وقراءة العامة (والحب ذو العصف ~~والريحان) بالرفع فيها كلها على العطف على الفاكهة. ونصبها كلها ابن عامر ~~وأبو حياة والمغيرة عطفا على الأرض. وقيل: بإضمار فعل، أي وخلق الحب ذا ~~العصف والريحان، فمن هذا الوجه يحسن الوقف على ms5967 (ذات الأكمام). وجر حمزة ~~والكسائي (الريحان) عطفا على العصف، أي فيها الحب ذو العصف والريحان، ولا ~~يمتنع ذلك على قول من جعل الريحان الرزق، فيكون كأنه قال: والحب ذو الرزق. ~~والرزق من حيث كان العصف رزقا، لان العصف رزق للبهائم، والريحان رزق للناس، ~~ولا شبهة فيه في قول من قال إنه الريحان المشموم. # قوله تعالى: (فبأي آلاء ربكما تكذبان) خطاب للانس والجن، لان الأنام واقع ~~عليهما. وهذا قول الجمهور، يدل عليه حديث جابر المذكور أول السورة، وخرجه ~~الترمذي وفيه (للجن أحسن منكم (1) ردا). وقيل: لما قال: (خلق الانسان) ~~(وخلق الجان) دل ذلك على أن ما تقدم وما تأخر لهما. وأيضا قال: (سنفرغ لكم ~~أيها الثقلان) وهو خطاب للانس والجن وقد قال في هذه السورة: (يا معشر الجن ~~والإنس). وقال الجرجاني: خاطب الجن مع الانس وإن لم يتقدم للجن ذكر، كقوله ~~تعالى: (حتى توارت بالحجاب (2)). وقد سبق ذكر الجن فيما سبق نزوله من ~~القرآن، والقرآن كالسورة الواحدة، فإذا ثبت أنهم مكلفون كالإنس خوطب ~~الجنسان بهذه الآيات. وقيل: الخطاب للانس على عادة العرب في الخطاب للواحد ~~بلفظ التثنية، حسب ما تقدم من القول في (ألقيا في جهنم (3)). وكذلك قوله: # * قفا نبك (4)... * و * خليلي مرابي (5)... * # PageV17P158 # فأما ما بعد (خلق الانسان) و (خلق الجان) فإنه خطاب للانس والجن، والصحيح ~~قول الجمهور لقوله تعالى: (والأرض وضعها للأنام) والآلاء النعم، وهو قول ~~جميع المفسرين، واحدها إلى وألى مثل معي وعصا، وإلي وألي أربع لغات حكاها ~~النحاس قال: وفي واحد (آناء الليل) ثلاث تسقط منها المفتوحة الألف المسكنة ~~اللام، وقد مضى في (الأعراف (1)) و (النجم (2)). وقال ابن زيد: إنها ~~القدرة، وتقدير الكلام فبأي قدرة ربكما تكذبان، وقاله الكلبي واختاره ~~الترمذي محمد بن علي، وقال: هذه السورة من بين السور علم القرآن، والعلم ~~إمام الجند والجند تتبعه، وإنما صارت علما لأنها سورة صفة الملك والقدرة، ~~فقال: (الرحمن. علم القرآن) فافتتح السورة باسم الرحمن من بين الأسماء ~~ليعلم العباد أن جميع ما يصفه بعد هذا من أفعاله ومن ملكه ms5968 وقدرته خرج إليهم ~~من الرحمة العظمى من رحمانيته فقال: (الرحمن. علم القرآن) ثم ذكر الانسان ~~فقال: (خلق الانسان) ثم ذكر ما صنع به وما من عليه به، ثم ذكر حسبان الشمس ~~والقمر وسجود الأشياء مما نجم وشجر، وذكر رفع السماء ووضع الميزان وهو ~~العدل، ووضع الأرض للأنام، فخاطب هذين الثقلين الجن والإنس حين رأوا ما خرج ~~من القدرة والملك برحمانيته التي رحمهم بها من غير منفعة ولا حاجة إلى ذلك، ~~فأشركوا به الأوثان وكل معبود اتخذوه من دونه، وجحدوا الرحمة التي خرجت هذه ~~الأشياء بها إليهم، فقال سائلا لهم: (فبأي آلاء ربكما تكذبان) أي بأي قدرة ~~ربكما تكذبان، فإنما كان تكذيبهم أنهم جعلوا له في هذه الأشياء التي خرجت ~~من ملكه وقدرته شريكا يملك معه يقدر معه، فذلك تكذيبهم. ثم ذكر خلق الانسان ~~من صلصال، وذكر خلق الجان من مارج من نار، ثم سألهم فقال: (فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان) أي بأي قدرة ربكما تكذبان، فإن له في كل خلق بعد خلق قدرة بعد ~~قدرة، فالتكرير في هذه الآيات للتأكيد والمبالغة في التقرير، واتخاذ الحجة ~~عليهم بما وقفهم على خلق خلق. وقال القتبي: إن الله تعالى عدد في هذه ~~السورة نعماءه، وذكر خلقه آلاءه، ثم أتبع # PageV17P159 # كل خلة وصفها ونعمة وضعها بهذه، وجعلها فاصلة بين كل نعمتين لينبههم على ~~النعم ويقررهم بها، كما تقول لمن تتابع فيه إحسانك وهو يكفره ومنكره: ألم ~~تكن فقيرا فأغنيتك أفتنكر هذا؟! ألم تكن خاملا فعززتك أفتنكر هذا؟! ألم تكن ~~صرورة (1) فحججت بك أفتنكر هذا!؟ ألم تكن راجلا فحملتك أفتنكر هذا؟! ~~والتكرير حسن في مثل هذا. قال: # * كم نعمة كانت لكم كم كم وكم * وقال آخر: # لا تقتلي مسلما إن كنت مسلمة * إياك من دمه إياك إياك وقال آخر: # لا تقطعن الصديق ما طرفت * عيناك من قول كاشح أشر ولا تملن من زيارته زره ~~* وزره وزر وزر وزر وقال الحسين بن الفضل: التكرير طردا للغفلة، وتأكيدا ~~للحجة. # قوله تعالى: خلق الانسان من صلصال كالفخار (14) وخلق الجان ms5969 من مارج من ~~نار (15) فبأي آلاء ربكما تكذبان (16) رب المشرقين ورب المغربين (17) فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان (18) قوله تعالى: (خلق الانسان) لما ذكر سبحانه خلق ~~العالم الكبير من السماء والأرض، وما فيهما من الدلالات على وحدانيته ~~وقدرته ذكر خلق العالم الصغير فقال: (خلق الانسان) باتفاق من أهل التأويل ~~يعنى آدم. (من صلصال كالفخار) الصلصال الطين اليابس الذي يسمع له صلصلة، ~~شبهه بالفخار الذي طبخ. وقيل: هو طين خلط برمل. وقيل: هو الطين المنتن من ~~صل اللحم وأصل إذا أنتن، وقد مضى في (الحجر (2)). وقال هنا: (من صلصال ~~كالفخار) وقال هناك: (من صلصال من حمإ مسنون). وقال: (إنا خلقناهم من طين # PageV17P160 # لازب (1)). وقال: (كمثل آدم خلقه (2) من تراب) وذلك متفق المعنى، وذلك ~~أنه أخذ من تراب الأرض فعجنه فصار طينا، ثم انتقل فصار كالحمأ المسنون، ثم ~~انتقل فصار صلصالا كالفخار. (وخلق الجان من مارج من نار) قال الحسن: الجان ~~إبليس وهو أبو الجن. # وقيل: الجان واحد الجن، والمارج اللهب، عن ابن عباس، وقال: خلق الله ~~الجان من خالص النار. وعنه أيضا من لسانها الذي يكون في طرفها إذا التهبت. ~~وقال الليث: # المارج الشعلة الساطعة ذات اللهب الشديد. وعن ابن عباس أنه اللهب الذي ~~يعلو النار فيختلط بعضه ببعض أحمر وأصفر وأخضر، ونحوه عن مجاهد، وكله ~~متقارب المعنى. وقيل: # المارج كل أمر مرسل غير ممنوع، ونحوه قول المبرد، قال المبرد: المارج ~~النار المرسلة التي لا تمنع. وقال أبو عبيدة والحسن: المارج خلط النار، ~~وأصله من مرج إذا أضطرب واختلط، ويروى أن الله تعالى خلق نارين فمرج ~~إحداهما بالأخرى، فأكلت إحداهما الأخرى وهي نار السموم فخلق منها إبليس. ~~قال القشيري: والمارج في اللغة المرسل أو المختلط وهو فاعل بمعنى مفعول، ~~كقوله: (ماء دافق (3)) و (عيشة راضية (4)) والمعنى ذو مرج، قال الجوهري في ~~الصحاح: و (مارج من نار) نار لا دخان لها خلق منها الجان. فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان). # قوله تعالى: (رب المشرقين ورب المغربين) أي هو رب المشرقين. وفي الصافات ~~(ورب المشارق) وقد مضى ms5970 الكلام في ذلك هنالك (1). # قوله تعالى: مرج البحرين يلتقيان (19) بينهما برزخ لا يبغيان (20) فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان (21) يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان (22) فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان (23) # PageV17P161 # قوله تعالى: (مرج البحرين يلتقيان. بينهما برزخ لا يبغيان) (مرج) أي خلى ~~وأرسل وأهمل، يقال: مرج السلطان الناس إذا أهملهم. وأصل المرج الاهمال كما ~~تمرج الدابة في المرعى. ويقال: مرج خلط. وقال الأخفش: ويقول قوم أمرج ~~البحرين مثل مرج، فعل وأفعل بمعنى. (البحرين) قال ابن عباس: بحر السماء ~~وبحر الأرض، وقاله مجاهد وسعيد بن جبير. (يلتقيان) في كل عام. وقيل: يلتقي ~~طرفاهما. وقال الحسن وقتادة: بحر فارس والروم. وقال ابن جريج: إنه البحر ~~المالح والأنهار العذبة. وقيل: # بحر المشرق والمغرب يلتقي طرفاهم. وقيل: بحر اللؤلؤ والمرجان. (بينهما ~~برزخ) أي حاجز فعلى القول الأول ما بين السماء والأرض، قاله الضحاك. وعلى ~~القول الثاني الأرض التي بينهما وهي الحجاز، قاله الحسن وقتادة. وعلى ~~غيرهما من الأقوال القدرة الإلهية على ما تقدم في (الفرقان (1)). وفي الخبر ~~عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم (أن الله تعالى كلم الناحية ~~الغربية فقال: إني جاعل فيك عبادا لي يسبحوني ويكبروني ويهللوني ويمجدوني ~~فكيف أنت لهم؟ فقالت: أغرقهم يا رب. قال: إني أحملهم على يدي، وأجعل بأسك ~~في نواحيك. ثم كلم الناحية الشرقية فقال: إني جاعل فيك عبادا يسبحوني ~~ويكبروني ويهللوني ويمجدوني فكيف أنت لهم؟ قالت: أسبحك معهم إذا سبحوك، ~~وأكبرك معهم إذا كبروك، وأهللك معهم إذا هللوك، وأمجدك معهم إذا مجدوك، ~~فأثابها الله الحلية وجعل بينهما برزخا، وتحول أحدهما ملحا أجاجا، وبقي ~~الآخر على حالته عذبا فراتا) ذكر هذا الخبر الترمذي الحكيم أبو عبد الله ~~قال: حدثنا صالح بن محمد، حدثنا القاسم العمري عن سهل عن أبيه عن أبي ~~هريرة: (لا يبغيان) قال قتادة: لا يبغيان على الناس فيغرقانهم، جعل بينهما ~~وبين الناس يبسا (2). وعنه أيضا ومجاهد: لا يبغي أحدهما على صاحبه فيغلبه. ~~ابن زيد: المعنى (لا يبغيان) أن يلتقيا، وتقدير الكلام: مرج البحرين ~~يلتقيان، لولا البرزخ الذي بينهما ms5971 لا يبغيان أن يلتقيا. وقيل: البرزخ ما ~~بين الدنيا والآخرة، أي بينهما مدة قدرها الله وهي مدة الدنيا فهما لا ~~يبغيان، فإذا أذن الله في انقضاء الدنيا صار البحران # PageV17P162 # شيئا واحدا، وهو كقوله وتعالى: (وإذا البحار فجرت (1)). وقال سهل بن عبد ~~الله: البحران طريق الخير والشر، والبرزخ الذي بينهما التوفيق والعصمة. # قوله تعالى: (يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان) [أي يخرج لكم من الماء اللؤلؤ ~~والمرجان (2)]، كما يخرج من التراب الحب والعصف والريحان. وقرأ نافع وأبو ~~عمر (يخرج) بضم الياء وفتح الراء على الفعل المجهول. الباقون (يخرج) بفتح ~~الياء وضم الراء على أن اللؤلؤ هو الفاعل. وقال: (منهما) وإنما يخرج من ~~الملح لا العذب لان العرب تجمع الجنسين ثم تخبر عن أحدهما، كقوله تعالى: ~~(يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل (3) منكم) وإنما الرسل من الانس دون ~~الجن، قاله الكلبي وغيره. قال الزجاج: قد ذكرهما الله فإذا خرج من أحدهما ~~شئ فقد خرج منهما، وهو كقوله تعالى: (ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات ~~طباقا وجعل القمر فيهن (4) نورا) والقمر في سماء الدنيا ولكن أجمل ذكر ~~السبع فكأن ما في إحداهن فيهن. وقال أبو علي الفارسي: هذا من باب حذف ~~المضاف، أي من أحداهما، كقوله: # (على رجل من القريتين (5) عظيم) أي من إحدى القريتين. وقال الأخفش سعيد: ~~زعم قوم أنه يخرج اللؤلؤ من العذب. وقيل: هما بحران يخرج من أحدهما اللؤلؤ ~~ومن الآخر المرجان. # ابن عباس: هما بحرا السماء والأرض. فإذا وقع ماء السماء في صدف البحر ~~انعقد لؤلؤا فصار خارجا منهما، وقاله الطبري. قال الثعلبي: ولقد ذكر لي أن ~~نواة كانت في جوف صدفة، فأصابت القطرة بعض النواة ولم تصب البعض، فكان حيث ~~أصاب القطرة من النواة لؤلؤة وسائرها نواة. وقيل: إن العذب والملح قد ~~يلتقيان، فيكون العذب كاللقاح للملح، فنسب إليهما كما ينسب الولد إلى الذكر ~~والأنثى وإن ولدته الأنثى، لذلك قيل: إنه لا يخرج اللؤلؤ إلا من موضع يلتقي ~~فيه العذب والملح. وقيل: المرجان عظام اللؤلؤ وكباره، قاله علي ms5972 وابن عباس ~~رضي الله عنهما. واللؤلؤ صغاره. وعنهما أيضا بالعكس: إن اللؤلؤ كبار اللؤلؤ ~~والمرجان صغاره، وقاله الضحاك وقتادة. وقال ابن مسعود وأبو مالك: # المرجان الخرز الأحمر. # PageV17P163 # قوله تعالى: وله الجوار المنشئات في البحر كالا علام (24) فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان (25) قوله تعالى: (وله الجوار) يعنى السفن. (المنشآت) قراءة ~~العامة (المنشئات) بفتح الشين، قال قتادة: أي المخلوقات للجري مأخوذ من ~~الانشاء. وقال مجاهد: هي السفن التي رفع قلعها، قال: وإذا لم يرفع قلعها ~~فليست بمنشئات. وقال الأخفش: إنها المجريات. وفي الحديث: أن عليا رضي الله ~~عنه رأى سفنا مقلعة، فقال: ورب هذه الجواري المنشئات ما قتلت عثمان ولا ~~مالأت في قتله. وقرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم باختلاف عنه (المنشئات) بكسر ~~الشين أي المنشئات السير، أضيف الفعل إليها على التجوز والاتساع. وقيل: ~~الرافعات الشرع أي القلع. ومن فتح الشين قال: المرفوعات الشرع. (كالا علام) ~~أي كالجبال، والعلم الجبل الطويل، قال (1): # * إذا قطعن علما بدا علم * فالسفن في البحر كالجبال في البر، وقد مضى في ~~(الشورى) بيانه (2). وقرأ يعقوب (الجواري) بياء في الوقف، وحذف الباقون. # قوله تعالى: كل من عليها فان (26) ويبقى وجه ربك ذو الجلال والا كرام ~~(27) فبأي آلاء ربكما تكذبان (28) قوله تعالى: (كل من عليها فان) الضمير في ~~(عليها) للأرض، وقد جرى ذكرها في أول السورة في قوله تعالى: (والأرض وضعها ~~للأنام) وقد يقال: هو أكرم من عليها، # PageV17P164 # يعنون الأرض وإن لم يجر لها ذكر. وقال ابن عباس: لما نزلت هذه الآية قالت ~~الملائكة هلك أهل الأرض فنزلت: (كل شئ هالك إلا وجهه (1)) فأيقنت الملائكة ~~بالهلاك، وقاله مقاتل. ووجه النعمة في فناء الخلق التسوية بينهم في الموت، ~~ومع الموت تستوي الاقدام. # وقيل: وجه النعمة أن الموت سبب النقل إلى دار الجزاء والثواب. (ويبقى وجه ~~ربك) أي ويبقى الله، فالوجه عبارة عن وجوده وذاته سبحانه، قال الشاعر: # قضى على خلقه المنايا * فكل شئ سواه فاني وهذا الذي ارتضاه المحققون من ~~علمائنا: ابن فورك وأبو المعالي وغيرهم. وقال ابن عباس: # الوجه عبارة ms5973 عنه كما قال: (ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام) وقال أبو ~~المعالي: # وأما الوجه فالمراد به عند معظم أئمتنا وجود الباري تعالى، وهو الذي ~~ارتضاه شيخنا. ومن الدليل على ذلك قوله تعالى: (ويبقى وجه ربك) والموصف ~~بالبقاء عند تعرض الخلق للفناء وجود الباري تعالى. وقد مضى في (البقرة (2)) ~~القول في هذا عند قوله تعالى: (فأينما تولوا فثم وجه الله) وقد ذكرناه في ~~الكتاب الأسنى مستوفى. قال القشيري: قال قوم هو صفة زائدة على الذات لا ~~تكيف، يحصل بها الاقبال على من أراد الرب تخصيصه بالاكرام. # والصحيح أن يقال: وجهه وجوده وذاته، يقال: هذا وجه الامر ووجه الصواب ~~وعين الصواب. وقيل: أي يبقى الظاهر بأدلته كظهور الانسان بوجهه. وقيل: ~~وتبقى الجهة التي يتقرب بها إلى الله. (ذو الجلال) الجلال عظمة الله ~~وكبرياؤه واستحقاقه صفات المدح، يقال: جل الشئ أي عظم وأجللته أي عظمته، ~~والجلال اسم من جل. # (والا كرام) أي هو أهل لان يكرم عمالا يليق به من الشرك، كما تقول: أنا ~~أكرمك عن هذا، ومنه إكرام الأنبياء والأولياء. وقد أتينا على هذين، الاسمين ~~لغة ومعنى في الكتاب الأسنى مستوفى. وروى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: (ألظوا بياذا الجلال والاكرام). وروي أنه من قول ابن مسعود، ومعناه: ~~الزموا ذلك في الدعاء. قال أبو عبيد: # PageV17P165 # الالظاظ لزوم الشئ والمثابرة عليه. ويقال: الالظاظ الالحاح. وعن سعيد ~~المقبري. أن رجلا ألح فجعل يقول: اللهم يا ذا الجلال والاكرام! اللهم يا ذا ~~الجلال والاكرام! فنودي: # إني قد سمعت فما حاجتك؟ # قوله تعالى: يسئله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن (29) فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان (30) قوله تعالى: (يسأله من في السماوات والأرض) قيل: ~~المعنى يسأله من في السماوات الرحمة، ومن في الأرض الرزق. وقال ابن عباس ~~وأبو صالح: أهل السماوات يسألونه المغفرة ولا يسألونه الرزق، وأهل الأرض ~~يسألونهما جميعا. وقال ابن جريج: # وتسأل الملائكة الرزق لأهل الأرض، فكانت المسألتان جميعا من أهل السماء ~~وأهل الأرض لأهل الأرض. وفي الحديث: (إن من ms5974 الملائكة ملكا له أربعة أوجه ~~[وجه (1)] كوجه الانسان وهو يسأل الله الرزق لبني آدم ووجه كوجه الأسد وهو ~~يسأل الله الرزق للسباع ووجه كوجه الثور وهو يسأل الله الرزق للبهائم ووجه ~~كوجه النسر وهو يسأل الله الرزق للطير). وقال ابن عطاء: # إنهم سألوه القوة على العبادة. (كل يوم هو في شأن) هذا كلام مبتدأ. ~~وانتصب (كل يوم) ظرفا، لقوله: (في شأن) أو ظرفا للسؤال، ثم يبتدئ (هو في ~~شأن). وروى أبو الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كل ~~يوم هو في شأن) قال: # (من شأنه أن يغفر ذنبا ويفرج كربا ويرفع قوما (2) ويضع آخرين). وعن ابن ~~عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول الله عز وجل: (كل يوم هو في شأن) ~~قال: (يغفر ذنبا ويكشف كربا ويجيب داعيا). وقيل: من شأنه أن يحيى ويميت، ~~ويعز ويذل، ويرزق ويمنع. # وقيل: أراد شأنه في يومي الدنيا والآخرة. قال ابن بحر: الدهر كله يومان، ~~أحدهما مدة أيام الدنيا، والآخر يوم القيامة، فشأنه سبحانه وتعالى في أيام ~~الدنيا الابتلاء والاختبار بالامر والنهى والاحياء والإماتة والاعطاء ~~والمنع، وشأنه يوم القيامة الجزاء والحساب، # PageV17P166 # والثواب والعقاب. وقيل: المراد بذلك الاخبار عن شأنه في كل يوم من أيام ~~الدنيا وهو الظاهر. والشأن في اللغة الخطب العظيم والجمع الشؤون والمراد ~~بالشأن ها هنا الجمع كقوله تعالى: (ثم يخرجكم (1) طفلا). وقال الكلبي: شانه ~~سوق المقادير إلى المواقيت. وقال عمرو ابن ميمون في قوله تعالى: (كل يوم هو ~~في شأن) من شأنه أن يميت حيا، ويقر في الأرحام ما شاء، ويعز ذليلا، ويذل ~~عزيزا. وسأل بعض الامراء وزيره عن قوله تعالى: (كل يوم هو في شأن) فلم يعرف ~~معناها، واستمهله إلى الغد فانصرف كئيبا إلى منزله فقال له غلام له أسود: ~~ما شأنك؟ فأخبره. فقال له: عد إلى الأمير فإني أفسرها له، فدعاه فقال: أيها ~~الأمير! # شأنه أن يولج الليل في النهار، ويولج النهار في الليل، ويخرج الحي من ~~الميت، ويخرج الميت من الحي، ms5975 ويشفي سقيما، ويسقم سليما، ويبتلي معافى، ~~ويعافى مبتلى، ويعز ذليلا، ويذل عزيزا، ويفقر غنيا، ويغني فقيرا، فقال له: ~~فرجت عني فرج الله عنك، ثم أمر بخلع ثياب الوزير وكساها الغلام، فقال: يا ~~مولاي! هذا من شأن الله تعالى. وعن عبد الله ابن طاهر: أنه دعا الحسين بن ~~الفضل وقال له: أشكلت علي ثلاث آيات دعوتك لتكشفها لي: قوله تعالى: (فأصبح ~~من النادمين (2)) وقد صح أن الندم توبة. وقوله: (كل يوم هو في شأن) وقد صح ~~أن القلم جف بما هو كائن إلى يوم القيامة. وقوله: (وأن ليس للانسان إلا ما ~~سعى (3)) فما بال الأضعاف؟ فقال الحسين: يجوز ألا يكون الندم توبة في تلك ~~الأمة، ويكون توبة في هذه الأمة، لان الله تعالى خص هذه الأمة بخصائص لم ~~تشاركهم فيها الأمم. # وقيل: إن ندم قابيل لم يكن على قتل هابيل ولكن على حمله. وأما قوله: (كل ~~يوم هو في شأن) فإنها شؤون يبديها لا شؤون يبتديها. وأما قوله: (وأن ليس ~~للانسان إلا ما سعى) فمعناه: ليس له إلا ما سعى عدلا ولي أن أجزيه بواحدة ~~ألفا فضلا. فقام عبد الله وقبل رأسه وسوغ خراجه. # PageV17P167 # قوله تعالى: سنفرغ لكم أيه الثقلان (31) فبأي آلاء ربكما تكذبان (32) يا ~~معشر الجن والإنس ان استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا ~~لا تنفذون الا بسلطان (33) فبأي آلاء ربكما تكذبان (34) يرسل عليكما شواظ ~~من نار ونحاس فلا تنتصران (35) فبأي آلاء ربكما تكذبان (36) قوله تعالى: ~~(سنفرغ لكم أيه الثقلان) يقال: فرغت من الشغل أفرغ فروغا وفراغا وتفرغت ~~لكذا واستفرغت مجهودي في كذا أي بذلته. والله تعالى ليس له شغل يفرغ منه، ~~إنما المعنى سنقصد لمجازاتكم أو محاسبتكم، وهذا وعيد وتهديد لهم كما يقول ~~القائل لمن يريد تهديده: إذا أتفرغ لك أي أقصدك. وفرغ بمعنى قصد، وأنشد ابن ~~الأنباري في مثل هذا لجرير: # ألان وقد فرغت إلى نمير * فهذا حين كنت لها عذابا يريد وقد قصدت. وقال ~~أيضا (1) وأنشده النحاس: # * فرغت إلى العبد المقيد في الحجل * وفى الحديث ms5976 أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لما بايع الأنصار ليلة العقبة، صاح الشيطان: # يأهل الجباجب (2)! هذا مذمم يبايع بني قيلة على حربكم، فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: (هذا إزب العقبة (3) أما والله يا عدو الله لأتفرغن لك) أي ~~أقصد إلى إبطال أمرك. وهذا اختيار القتبي والكسائي وغيرهما. وقيل: إن الله ~~تعالى وعد على التقوى وأوعد على الفجور، ثم قال: # (سنفرغ لكم) مما وعدناكم ونوصل كلا إلى ما وعدناه، أي أقسم ذلك وأتفرغ ~~منه. قاله الحسن ومقاتل وابن زيد. وقرأ عبد الله وأبي (سنفرغ إليكم) وقرأ ~~الأعمش وإبراهيم # PageV17P168 # (سيفرغ لكم) بضم الياء وفتح الراء على ما لم يسم فاعله. وقرأ ابن شهاب ~~والأعرج (سنفرغ لكم) بفتح النون والراء، قال الكسائي: هي لغة تميم يقولون ~~فرغ يفرغ، وحكى أيضا فرغ يفرغ ورواهما هبيرة عن حفص عن عاصم. وروى الجعفي ~~عن أبي عمرو (سيفرغ) بفتح الياء والراء، ورويت عن ابن هرمز. وروي عن عيسى ~~الثقفي (سنفرغ لكم) بكسر النون وفتح الراء، وقرأ حمزة والكسائي (سيفرغ لكم) ~~بالياء. الباقون بالنون وهي لغة تهامة. # والثقلان الجن والإنس، سميا بذلك لعظم شأنهما بالإضافة إلى ما في الأرض ~~من غيرهما بسبب التكليف. وقيل: سموا بذلك لأنهم ثقل على الأرض أحياء ~~وأمواتا، قال الله تعالى: # (وأخرجت الأرض أثقالها (1)) ومنه قولهم: أعطه ثقله أي وزنه. وقال بعض أهل ~~المعاني: # كل شئ له قدر ووزن ينافس فيه فهو ثقل. ومنه قيل لبيض النعام ثقل، لان ~~واجده وصائده يفرح به إذا ظفر به. وقال جعفر الصادق: سميا ثقلين، لأنهما ~~مثقلان بالذنوب. وقال: # (سنفرغ لكم) فجمع، ثم قال: (أيه الثقلان) لأنهما فريقان وكل فريق جمع، ~~وكذا قوله تعالى: (يا معشر الجن والإنس إن استطعتم) ولم يقل إن استطعتما، ~~لأنهما فريقان في حال الجمع، كقوله تعالى: (فإذا هم فريقان يختصمون (2)) و ~~(هذان خصمان اختصموا (3) في ربهم) ولو قال: سنفرغ لكما (4)، وقال: إن ~~استطعتما لجاز. وقرأ أهل الشام (أية الثقلان) بضم الهاء. الباقون بفتحها ~~وقد تقدم (3). # مسألة - هذه السورة و (الأحقاف) و (قل ms5977 أوحي) دليل على أن الجن مخاطبون ~~مكلفون مأمورون منهيون مثابون معاقبون كالأنس سواء، مؤمنهم كمؤمنهم، ~~وكافرهم ككافرهم، لا فرق بيننا وبينهم في شئ من ذلك. # قوله تعالى: (يا معشر الجن والإنس) الآية. ذكر ابن المبارك: وأخبرنا ~~جويبر عن الضحاك قال: إذا كان يوم القيامة أمر الله السماء الدنيا فتشققت ~~بأهلها، فتكون الملائكة على حافاتها حتى يأمرهم الرب، فينزلون إلى الأرض ~~فيحيطون بالأرض ومن فيها، ثم يأمر الله السماء التي تليها # PageV17P169 # كذلك فينزلون فيكونون صفا من خلف (1) ذلك الصف، ثم السماء الثالثة ثم ~~الرابعة ثم الخامسة ثم السادسة ثم السابعة، فينزل الملك الاعلى في بهائه ~~وملكه ومجنبته اليسرى جهنم، فيسمعون زفيرها وشهيقها، فلا يأتون قطرا من ~~أقطارها إلا وجدوا صفوفا من الملائكة، فذلك قوله تعالى: (يا معشر الجن ~~والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنقذون ~~إلا بسلطان) والسلطان العذر. وقال الضحاك أيضا: بينما الناس في أسواقهم ~~انفتحت السماء، ونزلت الملائكة، فتهرب الجن والإنس، فتحدق بهم الملائكة، ~~فذلك قوله تعالى: (لا تنفذون إلا بسلطان) ذكره النحاس. # قلت. فعلى هذا يكون في الدنيا، وعلى ما ذكر ابن المبارك يكون في الآخرة. ~~وعن الضحاك أيضا: إن استطعتم أن تهربوا من الموت فاهربوا. وقال ابن عباس: ~~إن استطعتم أن تعلموا ما في السماوات وما في الأرض فأعلموه، ولن تعلموه إلا ~~بسلطان أي ببينة من الله تعالى. وعنه أيضا أن معنى: (لا تنقذون إلا بسلطان) ~~لا تخرجون من سلطاني وقدرتي عليكم. قتادة: لا تنفذون إلا بملك وليس لكم ~~ملك. وقيل: لا تنفذون إلا إلى سلطان (2)، الباء بمعنى إلى، كقوله تعالى: ~~(وقد أحسن (3) بي) أي إلى. قال الشاعر (4): # أسيئي بنا أو أحسني لا ملولة * لدينا ولا مقلية إن تقلت وقوله: (فانفذوا) ~~أمر تعجيز. # قوله تعالى: (يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس) أي لو خرجتم أرسل عليكم ~~شواظ من نار، وأخذكم العذاب المانع من النفوذ. وقيل: ليس هذا متعلقا ~~بالنفوذ بل أخبر أنه يعاقب العصاة عذابا بالنار. وقيل: أي بآلاء ربكما ~~تكذبان يرسل ms5978 عليكما شواظ من نار ونحاس عقوبة على ذلك التكذيب. وقيل: يحاط ~~على الخلائق بالملائكة وبلسان من نار ثم ينادون (يا معشر الجن والإنس)، ~~فتلك النار قوله: (يرسل عليكما شواظ من نار) # PageV17P170 # والشواظ في قول ابن عباس وغيره اللهب الذي لا دخان له. والنحاس: الدخان ~~الذي لا لهب فيه، ومنه قول أمية بن أبي الصلت يهجو حسان بن ثابت رضي الله ~~عنه، كذا وقع في تفسير الثعلبي والماوردي بن أبي الصلت، وفي (الصحاح) و ~~(الوقف والابتداء) لابن الباري: أمية بن خلف قال: # ألا من مبلغ حسان عني * مغلغلة تدب إلى عكاظ أليس أبوك فينا كان فينا * ~~لدى القينات فسلا في الحفاظ يمانيا يظل يشد كيرا * وينفخ دائبا لهب الشواظ ~~فأجابه حسان رضي الله عنه فقال: # هجوتك فاختضعت لها بذل * بقافية تأجج كالشواظ (1) وقال رؤبة: # إن لهم من وقعنا أقياظا * ونار حرب تسعر الشواظا وقال مجاهد: الشواظ ~~اللهب الأخضر المنقطع من النار. الضحاك: هو الدخان الذي يخرج من اللهب ليس ~~بدخان الحطب. وقاله سعيد بن جبير. وقد قيل: إن الشواظ النار والدخان جميعا، ~~قاله أبو عمرو وحكاه الأخفش عن بعض العرب. وقرأ ابن كثير (شواظ) بكسر ~~الشين. الباقون بالضم وهما لغتان، مثل صوار وصوار لقطيع البقر. (ونحاس) ~~قراءة العامة (ونحاس) بالرفع عطف على (شواظ). وقرأ ابن كثير وابن محيصن ~~ومجاهد وأبو عمرو (ونحاس) بالخفض عطفا على النار. قال المهدوي: من قال إن ~~الشواظ النار والدخان جميعا فالجر في (نحاس) على هذا بين. فأما الجر على ~~قول من جعل الشواظ اللهب الذي لا دخان فيه فبعيد لا يسوغ إلا على تقدير حذف ~~موصوف كأنه قال: (يرسل عليكما # PageV17P171 # شواظ من نار) وشئ من نحاس، فشئ معطوف على شواظ، ومن نحاس جملة هي صفة ~~لشئ، وحذف شئ، وحذفت من لتقدم ذكرها في (من نار) كما حذفت على من قولهم: # على من تنزل أنزل [أي (1)] عليه. فيكون (نحاس) على هذا مجرورا بمن ~~المحذوفة. وعن مجاهد وحميد وعكرمة وأبي العالية (ونحاس) بكسر النون لغتان ~~كالشواظ والشواظ. # والنحاس ms5979 بالكسر أيضا الطبيعة والأصل، يقال: فلان كريم النحاس والنحاس ~~أيضا بالضم أي كريم النجار (2). وعن مسلم بن جندب (ونحس) بالرفع. وعن حنظلة ~~بن مرة بن النعمان الأنصاري (ونحس) بالجر عطف على نار. ويجوز أن يكون ~~(ونحاس) بالكسر جمع نحس كصعب وصعاب (ونحس) بالرفع عطف على (شواظ) وعن الحسن ~~(ونحس) بالضم [فيهما (3)] جمع نحس. ويجوز أن يكون أصله ونحوس فقصر بحذف ~~واوه حسب ما تقدم عند قوله: (وبالنجم هم يهتدون (4)). وعن عبد الرحمن بن ~~أبي بكرة (ونحس) بفتح النون وضم الحاء وتشديد السين من حس يحس حسا إذا ~~استأصل، ومنه قوله تعالى: (إذ تحسونهم بإذنه (5)) والمعنى ونقتل بالعذاب. ~~وعلى القراءة الأولى (ونحاس) فهو الصفر المذاب يصب على رؤوسهم، قاله مجاهد ~~وقتادة، وروي عن ابن عباس. وعن ابن عباس أيضا وسعيد ابن جبير أن النحاس ~~الدخان الذي لا لهب فيه، وهو معنى قول الخليل، وهو معروف في كلام العرب ~~بهذا المعنى، قال نابغة بني جعدة: # يضئ كضوء سراج السليط * لم يجعل الله فيه نحاسا قال الأصمعي: سمعت ~~أعرابيا يقول السليط دهن السمسم بالشام ولا دخان فيه. وقال مقاتل: هي خمسة ~~أنهار من صفر مذاب، تجري من تحت العرش على رؤوس أهل النار، ثلاثة أنهار على ~~مقدار الليل ونهران على مقدار النهار. وقال ابن مسعود: النحاس المهل. # وقال الضحاك: هو دردي الزيت المغلي. وقال الكسائي: هو النار التي لها ريح ~~شديدة. # (فلا تنتصران) أي لا ينصر بعضكم بعضا يعني الجن والإنس. # PageV17P172 # قوله تعالى: فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان (37) فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان (38) فيومئذ لا يسئل عن ذنبه انس ولا جان (39) فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان (40) قوله تعالى: (فإذا انشقت السماء) أي انصدعت يوم القيامة (فكانت ~~وردة كالدهان) الدهان الدهن، عن مجاهد والضحاك وغيرهما. والمعنى أنها صارت ~~في صفاء الدهن، والدهان على هذا جمع دهن. وقال سعيد بن جبير وقتادة: المعنى ~~فكانت حمراء. وقيل: المعنى تصير في حمرة الورد وجريان الدهن، أي تذوب مع ~~الانشقاق حتى تصير حمراء من حرارة نار جهنم، وتصير مثل ms5980 الدهن لرقتها ~~وذوبانها. وقيل: الدهان الجلد الأحمر الصرف، ذكره أبو عبيد والفراء. أي ~~تصير السماء حمراء كالأديم لشدة حر النار. ابن عباس: المعنى فكانت كالفرس ~~الورد، يقال للكميت: ورد إذا كان يتلون بألوان مختلفة. قال ابن عباس: الفرس ~~الورد، في الربيع كميت أصفر، وفي أول الشتاء كميت أحمر، فإذا اشتد الشتاء ~~كان كميتا أغبر. وقال الفراء: أراد الفرس الوردية، تكون في الربيع وردة إلى ~~الصفرة، فإذا أشتد البرد كانت وردة حمراء، فإذا كان بعد ذلك كانت وردة إلى ~~الغبرة، فشبه تلون السماء بتلون الورد من الخيل. # وقال الحسن: (كالدهان) أي كصب الدهن فإنك إذا صببته ترى فيه ألوانا. وقال ~~زيد ابن أسلم: المعنى أنها تصير كعكر الزيت، وقيل: المعنى أنها تمر وتجئ. ~~قال الزجاج: أصل الواو والراء والدال للمجئ والآتيان. وهذا قريب مما قدمناه ~~من أن الفرس الوردة تتغير ألوانها. # وقال قتادة: إنها اليوم خضراء وسيكون لها لون أحمر، حكاه الثعلبي. وقال ~~الماوردي: # وزعم المتقدمون أن أصل لون السماء الحمرة، وأنها لكثرة الحوائل وبعد ~~المسافة ترى بهذا اللون الأزرق، وشبهوا ذلك بعروق البدن، وهي حمراء كحمرة ~~الدم وترى بالحائل زرقاء، فإن كان هذا صحيحا فإن السماء لقربها من النواظر ~~يوم القيامة وارتفاع الحواجز ترى حمراء، لأنه أصل لونها. والله أعلم. ~~PageV17P173 # هذا مثل قوله تعالى: (ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون (1)) وأن القيامة ~~مواطن لطول ذلك اليوم، فيسأل في بعض ولا يسأل في بعض، وهذا قول عكرمة. ~~وقيل: المعنى لا يسألون إذا استقروا في النار. وقال الحسن وقتادة: لا ~~يسألون عن ذنوبهم، لان الله حفظها عليهم، وكتبتها عليهم الملائكة. رواه ~~العوفي عن ابن عباس. وعن الحسن ومجاهد أيضا: المعنى لا تسأل الملائكة عنهم، ~~لأنهم يعرفونهم بسيماهم، دليله ما بعده. وقاله مجاهد عن ابن عباس. وعنه ~~أيضا في قوله تعالى: (فوربك لنسألنهم أجمعين (2)) وقوله: (فيومئذ لا يسأل ~~عن ذنبه إنس ولا جان) وقال: لا يسألهم ليعرف ذلك منهم، لأنه أعلم بذلك ~~منهم، ولكنه يسألهم لم عملتموها سؤال توبيخ. وقال أبو العالية: لا يسأل ms5981 غير ~~المجرم عن ذنب المجرم. وقال قتادة: كانت المسألة قبل، ثم ختم على أفواه ~~القوم وتكلمت الجوارح شاهدة عليهم. وفي حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وفيه قال: (فيلقي العبد فيقول أي فل (3) ألم أكرمك وأسودك وأزوجك ~~وأسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع فيقول بلى فيقول أفظننت أنك ملاقي ~~فيقول لا فيقول إني أنساك كما نسيتني ثم يلقي الثاني فيقول له مثل ذلك ~~بعينه ثم يلقى الثالث فيقول له مثل ذلك فيقول يا رب آمنت بك وبكتابك ~~وبرسولك وصليت وصمت وتصدقت ويثني بخير ما استطاع فيقول ها هنا إذا ثم يقال ~~له الآن نبعث شاهدنا عليك فيفتكر في نقسه من هذا الذي يشهد علي فيختم على ~~فيه ويقال لفخذه ولحمه وعظامه انطقي فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله وذلك ~~ليعذر من نفسه وذلك المنافق وذلك الذي يسخط الله عليه) وقد مضى هذا الحديث ~~في (حم السجدة) وغيرها (4). # PageV17P174 # قوله تعالى: يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والاقدام (41) فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان (42) هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون (43) يطوفون بينها ~~وبين حميم آن (44) فبأي آلاء ربكما تكذبان (45) قوله تعالى: (يعرف المجرمون ~~بسيماهم) قال الحسن: سواد الوجه وزرقة الأعين، قال الله تعالى: (ونحشر ~~المجرمين يومئذ زرقا (1)) وقال تعالى: (يوم تبيض وجوه وتسود وجوه (2)). ~~(فيؤخذ بالنواصي والاقدام) أي تأخذ الملائكة بنواصيهم، أي بشعور مقدم ~~رؤوسهم وأقدامهم فيقذفونهم في النار. والنواصي جمع ناصية. وقال الضحاك: ~~يجمع بين ناصيته وقدميه في سلسلة من وراء ظهره. وعنه: يؤخذ برجلي الرجل ~~فيجمع بينهما وبين ناصية حتى يندق ظهره ثم يلقى في النار. وقيل: يفعل ذلك ~~به ليكون أشد لعذابه وأكثر لتشويهه. وقيل: تسحبهم الملائكة إلى النار، تارة ~~تأخذ بناصيته وتجره على وجهه، وتارة تأخذ بقدميه وتسحبه على رأسه. # قوله تعالى: (هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون) أي يقال لهم هذه النار ~~التي أخبرتم بها فكذبتم. (يطوفون بينها وبين حميم آن) قال قتادة: يطوفون ~~مرة بين الحميم ومرة بين الجحيم، والجحيم النار، والحميم الشراب. وفي قوله ~~تعالى: ms5982 (آن) ثلاثة أوجه، أحدها أنه الذي انتهى حره وحميمه. قاله ابن عباس ~~وسعيد بن جبير والسدي، ومنه قول النابغة الذبياني: # وتخضب لحية غدرت وخانت * بأحمر من نجيع الجوف آن قال قتادة: (آن) طبخ منذ ~~خلق الله السماوات والأرض، يقول: إذا استغاثوا من النار جعل غياثهم ذلك. ~~وقال كعب: (آن) واد من أودية جهنم يجتمع فيه صديد أهل # PageV17P175 # النار فيغمسون بأغلالهم فيه حتى تنخلع أوصالهم، ثم يخرجون منها وقد أحدث ~~الله لهم خلقا جديدا فيلقون في النار، فذلك قوله تعالى: (يطوفون بينها وبين ~~حميم آن). وعن كعب أيضا: أنه الحاضر. وقال مجاهد: إنه الذي قد آن شربه وبلغ ~~غايته. والنعمة فيما وصف من هول القيامة وعقاب المجرمين ما في ذلك من الزجر ~~عن المعاصي والترغيب في الطاعات. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أتى على شاب في الليل يقرأ (فإذا ~~انشقت السماء فكانت وردة كالدهان) فوقف الشاب وخنقته العبرة وجعل يقول: ~~ويحي من يوم تنشق فيه السماء ويحي! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ويحك ~~يا فتى مثلها فوالذي نفسي بيده لقد بكت ملائكة السماء لبكائك (1)). # قوله تعالى: ولمن خاف مقام ربه جنتان (46) فبأي آلاء ربكما تكذبان (47) ~~قوله تعالى: (ولمن خاف مقام ربه جنتان) فيه مسألتان: # الأولى - لما ذكر أحوال أهل النار ذكر ما أعد للأبرار. والمعنى خاف مقامه ~~بين يدي ربه للحساب فترك المعصية. ف (مقام) مصدر بمعنى القيام. وقيل: خاف ~~قيام ربه عليه أي إشرافه واطلاعه عليه، بيانه قوله تعالى: (أفمن هو قائم ~~على كل نفس بما كسبت (2)). # وقال مجاهد وإبراهيم النخعي: هو الرجل يهم بالمعصية فيذكر الله فيدعها من ~~خوفه. # الثانية - هذه الآية دليل على أن من قال لزوجه: إن لم أكن من أهل الجنة ~~فأنت طالق أنه لا يحنث إن كان هم بالمعصية وتركها خوفا من الله وحياء منه. ~~وقال به سفيان الثوري وأفتى به. وقال محمد بن علي الترمذي: جنة لخوفه من ~~ربه، وجنة لتركه شهوته. وقال ابن عباس: من خاف مقام ربه بعد ms5983 أداء الفرائض. ~~وقيل: المقام الموضع، أي خاف مقامه بين يدي ربه للحساب كما تقدم. ويجوز أن ~~يكون المقام للعبد ثم يضاف إلى الله، وهو كالأجل في قوله: (فإذا جاء أجلهم ~~(3)) وقوله في موضع آخر: # PageV17P176 # (إن أجل الله إذا (1) جاء لا يؤخر). (جنتان) أي لمن خاف جنتان على حدة، ~~فلكل خائف جنتان. وقيل: جنتان لجميع الخائفين، والأول أظهر. وروي عن ابن ~~عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الجنتان بستانان في عرض الجنة ~~كل بستان مسيرة مائة عام في وسط كل بستان دار من نور (2) وليس منها شئ إلا ~~يهتز نغمة وخضرة، قرارها ثابت وشجرها ثابت) ذكره المهدوي والثعلبي أيضا من ~~حديث أبي هريرة. وقيل: إن الجنتين جنته التي خلقت له وجنة ورثها. وقيل: ~~إحدى الجنتين منزله والأخرى منزل أزواجه كما يفعله رؤساء الدنيا. وقيل: إن ~~إحدى الجنتين مسكنه والأخرى بستانه. وقيل: إن إحدى الجنتين أسافل القصور ~~والأخرى أعاليها. وقال مقاتل: هما جنة عدن وجنة النعيم. وقال الفراء: # إنما هي جنة واحدة، فثنى لرؤوس الآي. وأنكر القتبي هذا وقال: لا يجوز أن ~~يقال خزنة النار عشرون إنما قال تسعة عشر لمراعاة رؤوس الآي. وأيضا قال: ~~(ذواتا أفنان). # وقال أبو جعفر النحاس: قال الفراء قد تكون جنة فتثنى في الشعر، وهذا ~~القول من أعظم الغلط على كتاب الله عز وجل، يقول الله عز وجل: (جنتان) ~~ويصفهما بقوله: (فيهما) فيدع الظاهر ويقول: يجوز أن تكون جنة ويحتج بالشعر! ~~وقيل: إنما كانتا اثنتين ليضاعف له السرور بالتنقل من جهة إلى جهة. وقيل: ~~نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه خاصة حين ذكر ذات يوم الجنة حين أزلفت ~~والنار حين برزت، قاله عطاء وابن شوذب. وقال الضحاك: بل شرب ذات يوم لبنا ~~على ظمأ فأعجبه، فسأل عنه فأخبر أنه من غير حل فاستقاءه ورسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ينظر إليه، فقال: (رحمك الله لقد أنزلت فيك آية) وتلا عليه ~~هذه الآية. # قوله تعالى: ذواتا أفنان (48) فبأي آلاء ربكما تكذبان (49) فيهما عينان ms5984 ~~تجريان (50) فبأي آلاء ربكما تكذبان (51) # PageV17P177 # قوله تعالى: (ذواتا أفنان) قال ابن عباس وغيره: أي ذواتا ألوان من ~~الفاكهة الواحد فن. وقال مجاهد: الأفنان الأغصان واحدها فنن، قال النابغة: # بكاء حمامة تدعو هديلا * مفجعة على فنن تغني (1) وقال آخر يصف طائرين: # باتا على غصن بان في ذرى فنن * يرددان لحونا ذات ألوان أراد باللحون ~~اللغات. وقال آخر: # ما هاج شوقك من هديل حمامة * تدعو على فنن الغصون حماما تدعو أبا فرخين ~~صادف ضاريا * ذا مخلبين من الصقور قطاما والفنن جمعه أفنان ثم الأفانين، ~~وقال يصف رحى: # * لها زمام من أفانين الشجر * وشجرة فناء أي ذات أفنان وفنواء أيضا على ~~غير قياس. وفي الحديث: (أن أهل الجنة مرد مكحلون أولو أفانين) يريد أولو ~~فنن وهو جمع أفنان، وأفنان جمع فنن [وهو الخصلة (2)] من الشعر شبه بالغصن. ~~ذكره الهروي. وقيل: (ذواتا أفنان) أي ذواتا سعة وفضل على ما سواهما، قاله ~~قتادة. وعن مجاهد أيضا وعكرمة: إن الأفنان ظل الأغصان على الحيطان. # قوله تعالى: (فيهما عينان تجريان) أي في كل واحدة منهما عين جارية. قال ~~ابن عباس: تجريان ماء بالزيادة والكرامة من الله تعالى على أهل الجنة. وعن ~~ابن عباس أيضا والحسن: تجريان بالماء الزلال، إحدى العينين التسنيم والأخرى ~~السلسبيل. وعنه أيضا: # PageV17P178 # عينان مثل الدنيا أضعافا مضاعفة، حصباؤهما الياقوت الأحمر والزبرجد ~~الأخضر، وترابهما الكافور، وحمأتهما المسك الأذفر، وحافتاهما الزعفران. ~~وقال عطية: إحداهما من ماء غير آسن، والأخرى من خمر لذة للشاربين. وقيل: ~~تجريان من جبل من مسك. وقال أبو بكر الوراق: فيهما عنيان تجريان لمن كانت ~~عيناه في الدنيا تجريان من مخافة الله عز وجل. # قوله تعالى: فيهما من كل فاكهة زوجان (52) فبأي آلاء ربكما تكذبان (53) ~~متكئين على فرش بطائنها من استبرق وجنى الجنتين دان (54) فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان (55) قوله تعالى: (فيهما من كل فاكهة زوجان) أي صنفان وكلاهما حلو ~~يستلذ به. # قال ابن عباس: ما في الدنيا شجرة حلوة ولا مرة إلا وهي في الجنة حتى ~~الحنظل إلا أنه حلو. # وقيل: ضربان رطب ms5985 ويابس لا يقصر هذا عن ذلك في الفضل والطيب. وقيل: أراد ~~تفضيل هاتين الجنتين على الجنتين اللتين دونهما، فإنه ذكر هاهنا عينين ~~جاريتين، وذكر ثم عينين تنضخان بالماء والنضخ دون الجري، فكأنه قال: في ~~تينك الجنتين من كل فاكهة نوع، وفي هذه الجنة من كل فاكهة نوعان. # قوله تعالى: (متكئين على فرش) هو نصب على الحال. والفرش جمع فراش. وقرأ ~~أبو حياة (فرش) بإسكان الراء. (بطائنها) جمع بطانة وهي التي تحت الظهارة. ~~والاستبرق ما غلظ من الديباج وخشن، أي إذا كانت البطانة التي تلي الأرض ~~هكذا فما ظنك بالظهارة، قاله ابن مسعود وأبو هريرة. وقيل لسعيد بن جبير: ~~البطائن من إستبرق فما الظواهر؟ # قال: هذا مما قال الله: (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة (1) أعين). ~~وقال ابن عباس: # إنما وصف لكم بطائنها لتهتدي إليه قلوبكم، فأما الظواهر فلا يعلمها إلا ~~الله. وفي الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ظواهرها نور ~~يتلألأ). وعن الحسن: بطائنها من إستبرق، وظواهرها من نور جامد. وعن الحسن ~~أيضا: البطائن هي الظواهر، # PageV17P179 # وهو قول الفراء، وروي عن قتادة. والعرب تقول للظهر بطنا، فيقولون: هذا ~~ظهر السماء، وهذا بطن السماء، لظاهرها الذي نراه. وأنكر ابن قتيبة وغيره ~~هذا، وقالوا: لا يكون هذا إلا في الوجهين المتساويين إذا ولي كل واحد منهما ~~قوما، كالحائط بينك وبين قوم، وعلى ذلك أمر السماء. (وجنى الجنتين دان) ~~الجنى ما يجتنى من الشجر، يقال: أتانا بجناة طيبة لكل ما يجتنى. وثمر جني ~~على فعيل حين جني، وقال (1): # هذا جناي وخياره فيه * إذ كل جان يده إلى فيه وقرئ (جنى) بكسر الجيم. ~~(دان) قريب. قال ابن عباس: تدنو الشجرة حتى يجتنيها ولي الله إن شاء قائما ~~وإن شاء قاعدا وإن شاء مضطجعا، لا يرد يده بعد ولا شوك. # قوله تعالى: فيهن قاصرات الطرف لم يطمثهن انس قبلهم ولا جان (56) فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان (57) فيه ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (فيهن قاصرات الطرف) قيل: في الجنتين المذكورتين. # قال الزجاج: ms5986 وانما قال: (فيهن) ولم يقل فيهما، لأنه عنى الجنتين وما أعد ~~لصاحبهما من النعيم. وقيل: (فيهن) يعود على الفرش التي بطائنها من إستبرق، ~~أي في هذه الفرش (قاصرات الطرف) أي نساء قاصرات الطرف، قصرن أعينهن على ~~أزواجهن فلا يرين غيرهم. # وقد مضى في (والصافات (2)) ووحد الطرف مع الإضافة إلى الجمع لأنه في معنى ~~المصدر، من طرفت عينه تطرف طرفا، ثم سميت العين بذلك فأدى عن الواحد ~~والجمع، كقولهم: # قوم عدل وصوم. # PageV17P180 # الثانية - قوله تعالى: (لم يطمثهن) أي لم يصبهن بالجماع قبل أزواجهن ~~هؤلاء أحد. الفراء: والطمث الافتضاض وهو النكاح بالتدمية، طمثها يطمثها ~~ويطمثها طمثا إذا افتضها. ومنه قيل: امرأة طامث أي حائض. وغير الفراء ~~يخالفه في هذا ويقول: # طمثها بمعنى وطئها على أي الوجوه كان. إلا أن قول الفراء أعرف وأشهر. ~~وقرأ الكسائي (لم يطمثهن) بضم الميم، يقال: طمثت المرأة تطمث بالضم حاضت. ~~وطمثت بالكسر لغة فهي طامث، وقال الفرزدق: # وقعن (1) إلي لم يطمثن قبلي * وهن أصح من بيض النعام وقيل: (لم يطمثن) لم ~~يمسهن، قال أبو عمرو: والطمث المس وذلك في كل شئ يمس. ويقال للمرتع: ما طمث ~~ذلك المرتع قبلنا أحد، وما طمث هذه الناقة حبل، أي ما مسها عقال. وقال ~~المبرد: أي لم يذللهن إنس قبلهم ولا جان، والطمث التذليل. # وقرأ الحسن (جأن) بالهمزة. # الثالثة - في هذه الآية دليل على أن الجن تغشى كالإنس، وتدخل الجنة ويكون ~~لهم فيها جنيات. قال ضمرة: للمؤمنين منهم أزواج من الحور العين، فالإنسيات ~~للإنس، والجنيات للجن. وقيل: أي لم يطمث ما وهب الله للمؤمنين من الجن في ~~الجنة من الحور العين من الجنيات جن، ولم يطمث ما وهب الله للمؤمنين من ~~الانس في الجنة من الحور العين من الإنسيات إنس، وذلك لان الجن لا تطأ بنات ~~آدم في الدنيا. ذكره القشيري. # قلت: قد مضى في (النمل (2)) القول في هذا وفي (سبحان (3)) أيضا، وأنه ~~جائز أن تطأ بنات آدم. وقد قال مجاهد: إذا جامع الرجل ولم يسم انطوى الجان ~~على إحليله فجامع ms5987 معه فذلك قوله تعالى: (لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان) وذلك ~~بأن الله تبارك وتعالى وصف الحور العين بأنه لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان. ~~يعلمك أن نساء الآدميات قد يطمثهن الجان، وأن الحور العين قد برئن من هذا ~~العيب ونزهن، والطمث الجماع. # ذكره بكماله الترمذي الحكيم، وذكره المهدوي أيضا والثعلبي وغيرهما والله ~~أعلم. # PageV17P181 # قوله تعالى: كأنهن الياقوت والمرجان (58) فبأي آلاء ربكما تكذبان (59) هل ~~جزاء الاحسان الا الاحسان (60) فبأي آلاء ربكما تكذبان (61) قوله تعالى: ~~(كأنهن الياقوت والمرجان) روى الترمذي عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: (إن المرأة من نساء أهل الجنة ليرى بياض ساقيها من ~~وراء سبعين حلة حتى يرى مخها) وذلك بأن الله تعالى يقول: (كأنهن الياقوت ~~والمرجان) فأما الياقوت فإنه حجر لو أدخلت فيه سلكا ثم استصفيته لأريته [من ~~ورائه (1)] ويروى موقوفا. # وقال عمرو بن ميمون: إن المرأة من الحور العين لتلبس سبعين حلة فيرى مخ ~~ساقها من وراء ذلك، كما يرى الشراب الأحمر في الزجاجة البيضاء. وقال الحسن: ~~هن في صفاء الياقوت، وبياض (2) المرجان. # قوله تعالى: (هل جزاء الاحسان الا الاحسان) (هل) في الكلام على أربعة ~~أوجه: # تكون بمعنى قد كقوله تعالى: (هل أتى على الاحسان حين من الدهر (3))، ~~وبمعنى الاستفهام كقوله تعالى: (فهل وجدتم ما وعد ربكم (4) حقا)، وبمعنى ~~الامر كقوله تعالى: # (فهل أنتم منتهون (5))، وبمعنى ما في الجحد كقوله تعالى: (فهل على الرسل ~~إلا البلاغ (6))، و (هل جزاء الاحسان إلا الاحسان). قال عكرمة: أي هل جزاء ~~من قال لا إله إلا الله إلا الجنة. ابن عباس: ما جزاء من قال لا إله إلا ~~اله وعمل بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم إلا الجنة. وقيل: هل جزاء من ~~أحسن في الدنيا إلا أن يحسن إليه في الآخرة، قاله ابن زيد. وروى أنس أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قرأ (هل جزاء الاحسان إلا الاحسان) ثم قال: (هل ~~تدرون ماذا قال ربكم) قالوا الله ورسوله أعلم، قال: (يقول ما ms5988 جزاء من أنعمت ~~عليه بالتوحيد إلا الجنة). وروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ # PageV17P182 # هذه الآية فقال: (يقول الله هل جزاء من أنعمت عليه بمعرفتي وتوحيدي إلا ~~أن أسكنه جنتي وحظيرة قدسي برحمتي) وقال الصادق: هل جزاء من أحسنت عليه في ~~الأزل إلا حفظ الاحسان عليه في الأبد. وقال محمد ابن الحنفية والحسن: هي ~~مسجلة للبر والفاجر، أي مرسلة على الفاجر في الدنيا والبر في الآخرة. # قوله تعالى: ومن دونهما جنتان (62) فبأي آلاء ربكما تكذبان (63) مدهامتان ~~(64) فبأي آلاء ربكما تكذبان (65) قوله تعالى: (ومن دونهما جنتان) أي وله ~~من دون الجنتين الأوليين جنتان أخريان. # قال ابن عباس: ومن دونهما في الدرج. ابن زيد: ومن دونهما في الفضل. ابن ~~عباس: # والجنات لمن خاف مقام ربه، فيكون في الأوليين النخل والشجر، وفي الأخريين ~~الزرع والنبات وما انبسط. الماوردي: ويحتمل أن يكون (ومن دونهما جنتان) ~~لاتباعه لقصور منزلتهم عن منزلته، إحداهما للحور العين، والأخرى للولدان ~~المخلدين، ليتميز بهما الذكور عن الإناث. # وقال ابن جريج: هي أربع: جنتان منها للسابقين المقربين (فيهما من كل ~~فاكهة زوجان) و (عينان تجريان)، وجنتان لأصحاب اليمين (فيهما فاكهة ونخل ~~ورمان) و (فيهما عينان نضاختان). وقال ابن زيد: إن الأوليين من ذهب ~~للمقربين، والأخريين من ورق لأصحاب اليمين. # قلت: إلى هذا ذهب الحليمي أبو عبد الله الحسن بن الحسين في كتاب (منهاج ~~الدين له)، واحتج بما رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس (ولمن خاف مقام ربه ~~جنتان) إلى قوله: # (مدهامتان) قال: تانك للمقربين، وهاتان لأصحاب اليمين. وعن أبي موسى ~~الأشعري نحوه. ولما وصف الله الجنتين أشار إلى الفرق بينهما فقال في ~~الأوليين: (فيهما عينان تجريان)، وفي الأخريين: (فيهما عينان نضاختان) أي ~~فوارتان ولكنهما ليستا كالجاريتين لان النضخ دون الجري. وقال في الأوليين: ~~(فيهما من كل فاكهة زوجان) فعم ولم يخص. وفي الأخريين: (فيهما فاكهة ونخل ~~ورمان) ولم يقل كل فاكهة، وقال PageV17P183 # في الأوليين: (متكئين على فرش بطائنها من إستبرق) وهو الديباج، وفي ~~الأخريين (متكئين على رفرف ms5989 خضر وعبقري حسان) والعبقري الوشي، ولا شك أن ~~الديباج أعلى من الوشي، والرفرف كسر الخباء، ولا شك أن الفرش المعدة ~~للاتكاء عليها أفضل من فضل الخباء. وقال في الأوليين في صفة الحور: (كأنهن ~~الياقوت والمرجان)، وفي الأخريين (فيهن خيرات حسان) وليس كل حسن كحسن ~~الياقوت والمرجان. وقال في الأوليين: (ذواتا أفنان) وفي الأخريين ~~(مدهامتان) أي خضراوان كأنهما من شدة خضرتهما سوداوان، ووصف الأوليين بكثرة ~~الأغصان، والأخريين بالخضرة وحدها، وفي هذا كله تحقيق للمعنى الذي قصدنا ~~بقوله (ومن دونهما جنتان) ولعل ما لم يذكر من تفاوت ما بينهما أكثر مما ~~ذكر. فإن قيل: كيف لم يذكر أهل هاتين الجنتين كما ذكر أهل الجنتين ~~الأوليين؟ قيل: الجنان الأربع لمن خاف مقام ربه إلا أن الخائفين لهم مراتب، ~~فالجنتان الأوليان لاعلى العباد رتبة في الخوف من الله تعالى، والجنتان ~~الاخريان لمن قصرت حاله في الخوف من الله تعالى. # ومذهب الضحاك أن الجنتين الأوليين من ذهب وفضة، والأخريين من ياقوت وزمرد ~~وهما أفضل من الأوليين، وقوله: (ومن دونهما جنتان) أي ومن أمامهما ومن ~~قبلهما. # وإلى هذا القول ذهب أبو عبد الله الترمذي الحكيم في (نوادر الأصول) فقال: ~~ومعنى (ومن دونهما جنتان) أي دون هذا إلى العرش، أي أقرب وأدنى إلى العرش، ~~وأخذ يفضلهما على الأوليين بما سنذكره عنه. وقال مقاتل: الجنتان الأوليان ~~جنة عدن وجنة النعيم، والاخريان جنة الفردوس وجنة المأوى. # قوله تعالى: (مدهامتان) أي خضروان من الري، قاله ابن عباس وغيره. وقال ~~مجاهد: مسودتان. والدهمة في اللغة السواد، يقال: فرس أدهم وبعير أدهم وناقة ~~دهماء أي اشتدت زرقته حتى ذهب البياض الذي فيه، فإن زاد على ذلك حتى اشتد ~~السواد فهو جون. وادهم الفرس ادهماما أي صار أدهم. وادهام الشئ ادهيماما أي ~~اسواد، قال الله PageV17P184 # تعالى: (مدهامتان) أي سوداوان من شدة الخضرة من الري، والعرب تقول لكل ~~أخضر أسود. وقال لبيد يرثي قتلى هوازن: # وجاءوا (1) به في هودج ووراءه * كتائب خضر في نسيج السنور السنور لبوس من ~~قد كالدرع. وسميت قرى العراق سوادا ms5990 لكثرة خضرتها. ويقال لليل المظلم: أخضر. ~~ويقال: أباد الله خضراءهم أي سوادهم. # قوله تعالى: فيهما عينان نضاختان (66) فبأي آلاء ربكما تكذبان (67) فيهما ~~فاكهة ونخل ورمان (68) فبأي آلاء ربكما تكذبان (69) قوله تعالى: (فيهما ~~عينان نضاختان) أي فوارتان بالماء، عن ابن عباس. والنضخ بالخاء أكثر من ~~النضح بالحاء. وعنه أن المعنى نضاختان بالخير والبركة، وقاله الحسن ومجاهد. # ابن مسعود وابن عباس أيضا وأنس: تنضخ على أولياء الله بالمسك والعنبر ~~والكافور في دور أهل الجنة كما ينضخ رش المطر. وقال سعيد بن جبير: بأنواع ~~الفواكه والماء. الترمذي: # قالوا بأنواع الفواكه والنعم (2) والجواري المزينات والدواب المسرجات ~~والثياب الملونات. قال الترمذي: وهذا يدل على أن النضخ أكثر من الجري. ~~وقيل: تنبعان ثم تجريان. # قوله تعالى: (فيهما فاكهة ونخل ورمان) فيه مسألتان. # الأولى - قال بعض العلماء: ليس الرمان والنخل من الفاكهة، لان الشئ لا ~~يعطف على نفسه إنما يعطف على غيره. وهذا ظاهر الكلام. وقال الجمهور: هما من ~~الفاكهة وإنما أعاد ذكر النخل والرمان لفضلهما وحسن موقعهما على الفاكهة، ~~كقوله تعالى: # PageV17P185 # (حافظوا على الصلوات (1) والصلاة الوسطى) وقوله: (من كان عدوا لله ~~وملائكته ورسله وجبريل وميكال (2)) وقد تقدم. وقيل: إنما كررهما لان النخل ~~والرمان كانا عندهم في ذلك الوقت بمنزلة البر عندنا، لان النخل عامة قوتهم، ~~والرمان كالثمرات (3)، فكان يكثر غرسهما عندهم لحاجتهم إليهما، وكانت ~~الفواكه عندهم من ألوان الثمار التي يعجبون بها، فإنما ذكر الفاكهة ثم ذكر ~~النخل والرمان لعمومهما وكثرتهما عندهم من المدينة إلى مكة إلى ما والاها ~~من أرض اليمن، فأخرجهما في الذكر من الفواكه وأفرد الفواكه على حدتها. ~~وقيل: # أفردا بالذكر لان النخل ثمره فاكهة وطعام، والرمان فاكهة ودواء، فلم ~~يخلصا للتفكه، ومنه قال أبو حنيفة رحمه الله، وهي المسألة: # الثانية - إذا حلف أن لا يأكل فاكهة فأكل رمانا أو رطبا لم يحنث. وخالفه ~~صاحباه والناس. قال ابن عباس: الرمانة في الجنة مثل البعير المقتب. وذكر ~~ابن المبارك قال: # أخبرنا سفيان عن حماد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: نخل الجنة ms5991 جذوعها ~~زمرد أخضر، وكرانيفها ذهب أحمر، وسعفها كسوة لأهل الجنة، منها مقطعاتهم ~~وحللهم، وثمرها أمثال القلال والدلاء، أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل، ~~وألين من الزبد، ليس فيه عجم (4). قال: # وحدثنا المسعودي عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة، قال: نخل الجنة نضيد من ~~أصلها إلى فرعها، وثمرها أمثال القلال كلما نزعت ثمرة عادت مكانها أخرى، ~~وإن ماءها ليجري في غير أخدود، والعنقود اثنا عشر ذراعا. # قوله تعالى: فيهن خيرات حسان (70) فبأي آلاء ربكما تكذبان (71) قوله ~~تعالى: (فيهن خيرات حسان) فيه مسألتان: # الأولى - قوله تعالى: (فيهن خيرات حسان) يعني النساء الواحدة خيرة على ~~معنى ذوات خير. وقيل: (خيرات) بمعنى خيرات فخفف، كهين ولين. ابن المبارك: ~~حدثنا # PageV17P186 # الأوزاعي عن حسان بن عطية عن سعيد بن عامر قال: لو أن خيرة من (خيرات ~~حسان) اطلعت من السماء لأضاءت لها، ولقهر ضوء وجهها الشمس والقمر، ولنصيف ~~(1) تكساه خيرة خير من الدنيا وما فيها. (حسان) أي حسان الخلق، وإذا قال ~~الله تعالى: (حسان) فمن ذا الذي يقدر أن يصف حسنهن! وقال الزهري وقتادة: ~~(خيرات) الأخلاق (حسان) الوجوه. وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم من ~~حديث أم سلمة. وقال أبو صالح: لأنهن عذارى أبكار. # وقرأ قتادة وابن السميقع وأبو رجاء العطاردي وبكر بن حبيب السهمي (خيرات) ~~بالتشديد على الأصل. وقد قيل: أن خيرات جمع خير والمعنى ذوات خير. وقيل: # مختارات. قال الترمذي: فالخيرات ما أختارهن الله فأبدع خلقهن باختياره، ~~فاختيار الله لا يشبه اختيار الآدميين. ثم قال: (حسان) فوصفهن بالحسن فإذا ~~وصف خالق الحسن شيئا بالحسن فانظر ما هناك. وفي الأوليين ذكر بأنهن (قاصرات ~~الطرف) و (كأنهن الياقوت والمرجان) فانظر كم بين الخيرة وهي مختارة الله، ~~وبين قاصرات الطرف. وفي الحديث: (إن الحور العين يأخذ بعضهن بأيدي بعض ~~ويتغنين بأصوات لم تسمع الخلائق بأحسن منها ولا بمثلها نحن الراضيات فلا ~~نسخط أبدا ونحن المقيمات فلا نظعن أبدا ونحن الخالدات فلا نموت أبدا ونحن ~~الناعمات فلا نبؤس أبدا ونحن خيرات حسان حبيبات لأزواج ms5992 كرام). خرجه الترمذي ~~بمعناه من حديث علي رضي الله عنه. وقالت عائشة رضي الله عنها: إن الحور ~~العين إذا قلن هذه المقالة أجابهن المؤمنات من نساء أهل الدنيا: # نحن المصليات وما صليتن، ونحن الصائمات وما صمتن، ونحن المتوضئات وما ~~توضأتن، ونحن المتصدقات وما تصدقتن. فقالت عائشة رضي الله، عنها: فغلبنهن ~~والله. # الثانية - وأختلف أيهما أكثر حسنا وأبهر جمالا الحور أو الآدميات؟ فقيل: ~~الحور لما ذكر من وصفهن في القرآن والسنة، ولقوله عليه الصلاة والسلام في ~~دعائه على الميت # PageV17P187 # في الجنازة: (وأبدله زوجا خيرا من زوجه). وقيل: الآدميات أفضل من الحور ~~العين بسبعين ألف ضعف، وروي مرفوعا. وذكر ابن المبارك: وأخبرنا رشدين عن ~~ابن أنعم (1) عن حيان ابن أبي جبلة، قال: إن نساء الدنيا من دخل منهن الجنة ~~فضلن على الحور العين بما عملن في الدنيا. وقد قيل: إن الحور العين ~~المذكورات في القرآن هن المؤمنات من أزواج النبيين والمؤمنين يخلقن في ~~الآخرة على أحسن صورة، قاله الحسن البصري. والمشهور أن الحور العين لسن، من ~~نساء أهل الدنيا وإنما هن مخلوقات في الجنة، لان الله تعالى قال: (لم ~~يطمثهن إنس قبلهم ولا جان) وأكثر نساء أهل الدنيا مطموثات، ولأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: (إن أقل ساكني الجنة النساء) فلا يصيب كل واحد منهم ~~امرأة، ووعد الحور العين لجماعتهم، فثبت أنهن من غير نساء الدنيا. # قوله تعالى: حور مقصورات في الخيام (72) فبأي آلاء ربكما تكذبان (73) لم ~~يطمثهن انس قبلهم ولا جان (74) فبأي آلاء ربكما تكذبان (75) قوله تعالى: ~~(حور مقصورات في الخيام) (حور) جمع حوراء، وهي الشديدة بياض العين الشديدة ~~سوادها وقد تقدم (2). (مقصورات) محبوسات مستورات (في الخيام) في الحجال لسن ~~بالطوافات في الطرق، قاله ابن عباس. وقال عمر رضي الله عنه: الخيمة درة ~~مجوفة. # وقاله ابن عباس. وقال: هي فرسخ في فرسخ لها أربعة آلاف مصراع من ذهب. ~~وقال الترمذي الحكيم أبو عبد الله في قوله تعالى (حور مقصورات في الخيام): ~~بلغنا في الرواية أن سحابة أمطرت من العرش فخلقت ms5993 الحور من قطرات الرحمة، ثم ~~ضرب على كل واحدة منهن خيمة على شاطئ الأنهار سعتها أربعون ميلا وليس لها ~~باب، حتى إذا دخل (3) ولي الله الجنة # PageV17P188 # انصدعت الخيمة عن باب ليعلم ولي الله أن أبصار المخلوقين من الملائكة ~~والخدم لم تأخذها، فهي مقصورة قد قصر بها عن أبصار المخلوقين. والله أعلم. ~~وقال في الأوليين: (فيهن قاصرات الطرف) قصرن طرفهن على الأزواج ولم يذكر ~~أنهن مقصورات، فدل على أن المقصورات أعلى وأفضل. وقال مجاهد: (مقصورات) قد ~~قصرن على أزواجهن فلا يردن بذلا منهم. وفي الصحاح: وقصرت الشئ أقصره قصرا ~~حبسته، ومنه مقصورة الجامع، وقصرت الشئ على كذا إذا لم تجاوز إلى غيره، ~~وامرأة قصيرة وقصورة أي مقصورة في البيت لا تترك أن تخرج، قال كثير: # وأنت التي حببت كل قصيرة * إلي وما تدري بذاك القصائر عنيت قصيرات الحجال ~~ولم أرد * قصار الخطا شر النساء البحاتر (1) وأنشده الفراء قصورة، ذكره ابن ~~السكيت. وروى أنس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # (مررت ليلة أسري بي في الجنة بنهر حافتاه قباب المرجان فنوديت منه السلام ~~عليك يا رسول الله فقلت: يا جبريل من هؤلاء قال هؤلاء جوار من الحور العين ~~استأذن ربهن في أن يسلمن عليك فأذن لهن فقلن نحن الخالدات فلا نموت أبدا ~~ونحن الناعمات فلا نبؤس أبدا ونحن الراضيات فلا نسخط أبدا أزواج رجال كرام) ~~ثم قرأ النبي صلى الله عليه وسلم (حور مقصورات في الخيام) أي محبوسات حبس ~~صيانة وتكرمة. وروي عن أسماء بنت يزيد (2) الأشهلية أنها أتت النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله! إنا معشر النساء محصورات مقصورات، ~~قواعد بيوتكم وحوامل أولادكم، فهل نشارككم في الاجر؟ فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: (نعم إذا أحسنتن (3) تبعل أزواجكن وطلبتن مرضاتهم). # قوله تعالى: (لم يطمثهن) أي لم يمسسهن على ما تقدم قبل. وقراءة العامة ~~(يطمثهن) بكسر الميم. وقرأ أبو حياة الشامي وطلحة بن مصرف والأعرج ~~والشيرازي عن الكسائي # PageV17P189 # بضم الميم في الحرفين. وكان الكسائي يكسر إحداهما ويضم الأخرى ms5994 ويخير في ~~ذلك، فإذا رفع الأولى كسر الثانية وإذا كسر الأولى رفع الثانية. وهي قراءة ~~أبي إسحاق السبيعي. قال أبو إسحاق: كنت أصلي خلف أصحاب علي فيرفعون الميم، ~~وكنت أصلي خلف أصحاب عبد الله فيكسرونها، فاستعمل الكسائي الاثرين. وهما ~~لغتان طمث وطمث مثل يعرشون ويعكفون، فمن ضم فللجمع بين اللغتين، ومن كسر ~~فلأنها اللغة السائرة. وإنما أعاد قوله: # (لم يطمثهن، ليبين أن صفة الحور المقصورات في الخيام كصفة الحور القاصرات ~~الطرف. # يقول: إذا [قصرن (1)] كانت لهن الخيام في تلك الحال. # قوله تعالى: متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان (76) فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان (77) تبارك اسم ربك ذي الجلال والاكرام (78) قوله تعالى: (متكئين ~~على رفرف خضر) الرفرف المحابس (2). وقال ابن عباس: الرفرف فضول الفرش ~~والبسط. وعنه أيضا: الرفرف المحابس يتكئون على فضولها، وقاله قتادة. # وقال الحسن والقرظي: هي البسط. وقال ابن عيينة: هي الزرابي. وقال ابن ~~كيسان: # هي المرافق، وقاله الحسن أيضا. وقال أبو عبيدة: هي حاشية الثوب. وقال ~~الليث: # ضرب من الثياب الخضر تبسط. وقيل: الفرش المرتفعة. وقيل: كل ثوب عريض عند ~~العرب فهو رفرف. قال ابن مقبل: # وإنا لنزالون تغشى نعالنا * سواقط من أصناف ريط ورفرف وهذه أقوال ~~متقاربة. وفي الصحاح: والرفرف ثياب خضر تتخذ منها المحابس، الواحدة رفرفة. ~~وقال سعيد بن جبير وابن عباس أيضا: الرفرف رياض الجنة، واشتقاق الرفرف # PageV17P190 # من رف يرف إذا ارتفع، ومنه رفرفة الطائر لتحريكه جناحيه في الهواء. وربما ~~سموا الظليم رفرافا بذلك، لأنه يرفرف بجناحيه ثم يعدو. ورفرف الطائر أيضا ~~إذا حرك جناحيه حول الشئ يريد أن يقع عليه. والرفرف أيضا كسر الخباء وجوانب ~~الدرع وما تدلى منها، الواحدة رفرفة. # وفي الخبر في وفاة النبي صلى الله عليه وسلم: فرفع الرفرف فرأينا وجهه ~~كأنه ورقة [تخشخش (1)] أي رفع طرف الفسطاط. وقيل: أصل الرفرف من رف النبت ~~يرف إذا صار غضا نضيرا، حكاه الثعلبي. وقال القتبي: يقال للشئ إذا كثر ماؤه ~~من النعمة والغضاضة حتى كاد يهتز: # رف يرف رفيفا، حكاه الهروي. وقد قيل: إن ms5995 الرفرف شئ إذا استوى عليه صاحبه ~~رفرف به وأهوى به كالمرجاح يمينا وشمالا ورفعا وخفضا يتلذذ به مع أنيسته، ~~قاله الترمذي الحكيم في (نوادر الأصول) وقد ذكرناه في (التذكرة). قال ~~الترمذي: فالرفرف أعظم خطرا من الفرش فذكره في الأوليين (متكئين على فرش ~~بطائنها من إستبرق) وقال هنا: (متكئين على رفرف خضر) فالرفرف هو شئ إذا ~~استوى عليه الولي رفرف به، أي طار به هكذا وهكذا حيث ما يريد كالمرجاح، ~~وأصله من رفرف بين يدي الله عز وجل، روي لنا في حديث المعراج أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لما بلغ سدرة المنتهى جاءه الرفرف فتناوله من جبريل ~~وطار به إلى مسند العرش، فذكر أنه قال: (طار بي يخفضني ويرفعني حتى وقف بي ~~بين يدي ربي) ثم لما حان الانصراف تناوله فطار به خفضا ورفعا يهوي به حتى ~~أداه إلى جبريل صلوات الله وسلامه عليه وجبريل يبكي ويرفع صوته بالتحميد، ~~فالرفرف خادم من الخدم بين يدي الله تعالى له خواص الأمور في محل الدنو ~~والقرب، كما أن البراق دابة يركبها الأنبياء مخصوصة بذلك في أرضه، فهذا ~~الرفرف الذي سخره الله لأهل الجنتين الدانيتين هو متكأهما وفرشهما، يرفرف ~~بالولي على حافات تلك الأنهار وشطوطها حيث شاء إلى خيام أزواجه الخيرات ~~الحسان. ثم قال: (وعبقري حسان) فالعبقري ثياب منقوشة تبسط، فإذا قال خالق ~~النقوش إنها حسان فما ظنك بتلك العباقر!. وقرأ عثمان رضي الله عنه والجحدري ~~والحسن وغيرهم (متكئين على رفارف) بالجمع غير مصروف كذلك # PageV17P191 # (وعباقري حسان) جمع رفرف وعبقري. و (رفرف) اسم للجمع و (عبقري) واحد يدل ~~على الجمع المنسوب إلى عبقر. وقد قيل: إن واحد رفرف وعبقري رفرفة وعبقرية، ~~والرفارف والعباقر جمع الجمع. والعبقري الطنافس الثخان منها، قاله الفراء. ~~وقيل: الزرابي، عن ابن عباس وغيره. الحسن: هي البسط. مجاهد: الديباج. ~~القتبي: كل ثوب وشئ عند العرب عبقري. قال أبو عبيد: هو منسوب إلى أرض يعمل ~~فيها الوشي فينسب إليها كل وشي حبك. قال ذو الرمة: # حتى كأن رياض القف ألبسها ms5996 * من وشي عبقر تجليل وتنجيد ويقال: عبقر قرية ~~بناحية اليمن تنسج فيها بسط منقوشة. وقال ابن الأنباري: إن الأصل فيه أن ~~عبقر قرية يسكنها الجن ينسب إليها كل فائق جليل. وقال الخليل: كل جليل نافس ~~فاضل وفاخر من الرجال والنساء وغيرهم عند العرب عبقري. ومنه قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم في عمر رضي الله عنه: فلم أر عبقريا من الناس يفري فريه) ~~وقال أبو عمرو بن العلاء وقد سئل عن قوله صلى الله عليه وسلم (فلم أر ~~عبقريا يفري فريه) فقال: رئيس قوم وجليلهم. وقال زهير: # بخيل عليها جنة عبقرية * جديرون يوما أن ينالوا فيستعلوا وقال الجوهري: ~~العبقري موضع تزعم العرب أنه من أرض الجن. # قال لبيد: # * كهول وشبان كجنة عبقر (1) * ثم نسبوا إليه كل شئ يعجبون من حذقه وجودة ~~صنعته وقوته فقالوا: عبقري وهو واحد وجمع. وفي الحديث: (إنه كان يسجد على ~~عبقري) وهو هذه البسط التي فيها الاصباغ والنقوش حتى قالوا: ظلم عبقري وهذا ~~عبقري قوم للرجل القوي. وفي الحديث: (فلم أر عبقريا يفري فريه) ثم خاطبهم ~~الله بما تعارفوه فقال: (وعبقري حسان) وقرأه بعضهم # PageV17P192 # (عباقري) وهو خطأ لان المنسوب لا يجمع على نسبته، وقال قطرب: ليس بمنسوب ~~وهو مثل كرسي وكراسي وبختي وبخاتي. وروى أبو بكر أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قرأ (متكئين على رفارف خضر وعباقر حسان) ذكره الثعلبي. وضم الضاد ~~من (خضر) قليل. # قوله تعالى: (تبارك اسم ربك ذي الجلال والاكرام) (تبارك) تفاعل من البركة ~~وقد تقدم (1). (ذي الجلال) أي العظمة. وقد تقدم (والاكرام (2)). وقرأ عامر ~~(ذو الجلال) بالواو وجعله وصفا للاسم، وذلك تقوية لكون الاسم هو المسمى. ~~الباقون (ذي الجلال) جعلوا (ذي) صفة ل (ربك). وكأنه يريد الاسم الذي افتتح ~~به السورة، فقال: # (الرحمن) فافتتح بهذا الاسم، فوصف خلق الانسان والجن (3)، وخلق السماوات ~~والأرض وصنعه، وأنه (كل يوم هو في شأن) ووصف تدبيره فيهم، ثم وصف يوم ~~القيامة وأهوالها، وصفة النار ثم ختمها بصفة الجنان. ثم قال في آخر السورة: ~~(تبارك ms5997 اسم ربك ذي الجلال والاكرام (أي هذا الاسم الذي افتتح به هذه ~~السورة، كأنه يعلمهم أن هذا كله خرج لكم من رحمتي، فمن رحمتي خلقتكم وخلقت ~~لكم السماء والأرض والخلق والخليقة والجنة والنار، فهذا كله لكم من اسم ~~الرحمن فمدح اسمه ثم قال: (ذي الجلال والاكرام) جليل في ذاته، كريم في ~~أفعاله. ولم يختلف القراء في إجراء النعت على الوجه بالرفع في أول السورة، ~~وهو يدل على أن المراد به وجه الله الذي يلقى المؤمنون عندما ينظرون إليه، ~~فيستبشرون بحسن الجزاء، وجميل اللقاء، وحسن العطاء. والله أعلم. # PageV17P193 # سورة الواقعة مكية، وهي سبع وتسعون آية مكية في قول الحسن وعكرمة وجابر ~~وعطاء. وقال ابن عباس وقتادة: إلا آية منها نزلت بالمدينة وهي قوله تعالى: ~~(وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون). وقال الكلبي: مكية إلا أربع آيات، منها آيتان ~~(أفبهذا الحديث أنتم مدهنون. وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون) نزلتا في سفره إلى ~~مكة، وقوله تعالى: (ثلة من الأولين. وثلة من الآخرين) نزلتا في سفره إلى ~~المدينة. وقال مسروق: من أراد أن يعلم نبأ الأولين والآخرين، ونبأ أهل ~~الجنة، ونبأ أهل النار، ونبأ أهل الدنيا، ونبأ أهل الآخرة، فليقرأ سورة ~~الواقعة. وذكر أبو عمر ابن عبد البر في (التمهيد) و (التعليق) والثعلبي ~~أيضا: أن عثمان دخل على ابن مسعود يعوده في مرضه الذي مات فيه فقال: ما ~~تشتكي؟ قال: ذنوبي. قال: فما تشتهي؟ # قال: رحمة ربي. قال: أفلا ندعو لك طبيبا؟ قال: الطبيب أمرضني. قال: أفلا ~~نأمر لك بعطائك؟ قال: لا حاجة لي فيه، حبسته عني في حياتي، وتدفعه لي عند ~~مماتي؟ # قال: يكون لبناتك من بعدك. قال: أتخشى على بناتي الفاقة من بعدي؟ إني ~~أمرتهن أن يقرأن سورة (الواقعة) كل ليلة، فإني سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: (من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا. # بسم الله الرحمن رحيم إذا وقعت الواقعة (1) ليس لوقعتها كاذبة (2) خافضة ~~رافعة (3) إذا رجت الأرض رجا (4) وبست الجبال بسا (5) فكانت هباء منبثا (6) ~~قوله تعالى: (إذا ms5998 وقعت الواقعة) أي قامت القيامة، والمراد النفخة الأخيرة. ~~وسميت واقعة لأنها تقع عن قرب. وقيل: لكثرة ما يقع فيها من الشدائد. وفيه ~~إضمار، أي اذكروا PageV17P194 # إذا وقعت الواقعة. وقال الجرجاني: (إذا) صلة، أي وقعت الواقعة، كقوله: ~~(اقتربت الساعة (1)) و (أتى أمر الله (2)) وهو كما يقال: قد جاء الصوم أي ~~دنا واقترب. وعلى الأول (إذا) للوقت، والجواب قوله: (فأصحاب الميمنة ما ~~أصحاب الميمنة). (ليس لوقعتها كاذبة) الكاذبة مصدر بمعنى الكذب، والعرب قد ~~تضع الفاعل والمفعول موضع المصدر، كقوله تعالى: (لا تسمع فيها لاغية) (3) ~~أي لغو، والمعنى لا يسمع (4) لها كذب، قاله الكسائي. # ومنه قول العامة: عائذا بالله أي معاذ الله، وقم قائما أي قم قياما. ~~ولبعض نساء العرب ترقص ابنها: # قم قائما قم قائما * أصبت عبدا نائما وقيل: الكاذبة صفة والموصوف محذوف، ~~أي ليس لوقعتها حال كاذبة، أو نفس كاذبة، أي كل من يخبر عن وقعتها صادق. # وقال الزجاج: (ليس لوقعتها كاذبة) أي لا يردها شئ. ونحوه قول الحسن ~~وقتادة. وقال الثوري: ليس لوقعتها أحد يكذب بها. وقال الكسائي (5) أيضا: ~~ليس لها تكذيب، أي ينبغي ألا يكذب بها أحد. وقيل: إن قيامها جد لا هزل فيه. # قوله تعالى: (خافضة رافعة) قال عكرمة ومقاتل والسدي: خفضت الصوت فأسمعت ~~من دنا ورفعت من نأى، يعني أسمعت القريب والبعيد. وقال السدي: خفضت ~~المتكبرين ورفعت المستضعفين. وقال قتادة: خفضت أقواما في عذاب الله، ورفعت ~~أقواما إلى طاعة الله. # وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: خفضت أعداء الله في النار، ورفعت ~~أولياء الله في الجنة. # وقال محمد بن كعب: خفضت أقواما كانوا في الدنيا مرفوعين، ورفعت أقواما ~~كانوا في الدنيا مخفوضين. وقال ابن عطاء: خفضت أقواما بالعدل، ورفعت آخرين ~~بالفضل. والخفض والرفع يستعملان عند العرب في المكان والمكانة، والعز ~~والمهانة. ونسب سبحانه الخفض والرفع للقيامة # PageV17P195 # توسعا ومجازا على عادة العرب في إضافتها الفعل إلى المحل والزمان وغيرهما ~~مما لم يكن منه الفعل، يقولون: ليل نائم ونهار صائم. وفي التنزيل: (بل مكر ~~الليل والنهار (1)) والخافض والرافع ms5999 على الحقيقة إنما هو الله وحده، فرفع ~~أولياءه في أعلى الدرجات، وخفض أعداءه في أسفل الدركات. # وقرأ الحسن وعيسى الثقفي (خافضة رافعة) بالنصب. الباقون بالرفع على إضمار ~~مبتدأ، ومن نصب فعلى الحال. وهو عند الفراء على إضمار فعل، والمعنى: إذا ~~وقعت الواقعة. # ليس لوقعتها كاذبة - وقعت: خافضة رافعة. والقيامة لا شك في وقوعها، وأنها ~~ترفع أقواما وتضع آخرين على ما بيناه. # قوله تعالى: (إذا رجت الأرض رجا) أي زلزلت وحركت عن مجاهد وغيره، يقال: ~~رجه يرجه رجا أي حركه وزلزله. وناقة رجاء أي عظيمة السنام. وفي ب الحديث: ~~(من ركب البحر حين يرتج فلا ذمة له) يعنى إذا اضطربت أمواجه. قال الكلبي: ~~وذلك أن الله تعالى إذا أوحى إليها اضطربت فرقا من الله تعالى. قال ~~المفسرون: ترتج كما يرتج الصبي في المهد حتى ينهدم كل ما عليها، وينكسر كل ~~شئ عليها من الجبال وغيرها. وعن ابن عباس الرجة الحركة الشديدة يسمع لها ~~صوت. وموضع (إذا) نصب على البدل من (إذا وقعت). ويجوز أن ينتصب ب (خافضة ~~رافعة) أي تخفض وترفع وقت رج الأرض وبس الجبال، لان عند ذلك ينخفض ما هو ~~مرتفع، ويرتفع ما هو منخفض. وقيل: أي وقعت الواقعة إذا رجت الأرض، قاله ~~الزجاج والجرجاني. وقيل: أي أذكر (إذا رجت الأرض رجا) مصدر وهو دليل على ~~تكرير الزلزلة. # قوله تعالى: (وبست الجبال بسا) أي فتتت، عن أبن عباس. مجاهد: كما يبس ~~الدقيق أي يلت. والبسيسة السويق أو الدقيق يلت بالسمن أو بالزيت ثم يؤكل ~~ولا يطبخ وقد يتخذ زادا. قال الراجز: # لا تخبزا خبزا وبسابسا * ولا تطيلا بمناخ حبسا # PageV17P196 # وذكر أبو عبيدة: أنه لص من غطفان أراد أن يخبز فخاف أن يعجل عن ذلك فأكله ~~عجينا. # والمعنى أنها خلطت فصارت كالدقيق الملتوت بشئ من الماء. أي تصير الجبال ~~ترابا فيختلط البعض بالبعض. وقال الحسن: وبست قلعت من أصلها فذهبت، نظيره: ~~(ينسفها ربي نسفا (1)). وقال عطية: بسطت كالرمل والتراب. وقيل: البس السوق ~~أي سيقت الجبال. # قال أبو زيد: البس السوق، ms6000 وقد بسست الإبل أبسها بالضم بسا. وقال أبو ~~عبيد: بسست الإبل وأبسست لغتان إذا زجرتها وقلت لها بس بس. وفي الحديث: ~~(يخرج قوم من المدينة إلى اليمن والشام والعراق يبسون والمدينة خير لهم لو ~~كانوا يعلمون) ومنه الحديث الآخر: # (جاءكم أهل اليمن يبسون عيالهم (2)) والعرب تقول: جئ به من حسك وبسك. ~~ورواهما أبو زيد بالكسر، فمعنى من حسك من حيث أحسسته، وبسك من حيث بلغه ~~مسيرك. وقال مجاهد: سألت سيلا. عكرمة: هدت هدا. محمد بن كعب: سيرت سيرا، ~~ومنه قول الأغلب العجلي (3): # وقال الحسن: قطعت قطعا. والمعنى متقارب. # قوله تعالى: (فكانت هباء منبثا) قال علي رضي الله عنه: الهباء المنبث ~~الرهج الذي يسطع من حوافر الدواب ثم يذهب، فجعل الله أعمالهم كذلك. وقال ~~مجاهد: الهباء هو الشعاع الذي يكون في الكوة كهيئة الغبار. وروي نحوه عن ~~ابن عباس. وعنه أيضا: # هو ما تطاير من النار إذا اضطربت يطير منها شرر فإذا وقع لم يكن شيئا. ~~وقال عطية. وقد مضى في (الفرقان) عند قوله تعالى: (وقدمنا إلى ما عملوا من ~~عمل فجعلناه هباء منثورا (5)) وقراءة العامة (منبثا) بالثاء المثلثة أي ~~متفرقا من قوله تعالى: (وبث فيها من كل دابة (6)) أي فرق ونشر. وقرأ مسروق ~~والنخعي وأبو حياة (منبتا) بالتاء المثناة أي منقطعا من قولهم: # بته الله أي قطعه، ومنه البتات. # PageV17P197 # قوله تعالى: وكنتم أزواجا ثلاثة (7) فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة (8) ~~وأصحاب المشئمة ما أصحاب المشئمة (9) والسابقون السابقون (10) أولئك ~~المقربون (11) في جنات النعيم (12) قوله تعالى: (وكنتم أزواجا ثلاثة) أي ~~أصنافا ثلاثة كل، صنف يشاكل ما هو منه، كما يشاكل الزوج الزوجة، ثم بين من ~~هم فقال: (فأصحاب الميمنة) (وأصحاب المشأمة) و (السابقون)، فأصحاب الميمنة ~~هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة، وأصحاب المشأمة هم الذين يؤخذ بهم ~~ذات الشمال إلى النار، قاله السدي. والمشأمة الميسرة وكذلك الشأمة. يقال: ~~قعد فلان شأمة. ويقال: يا فلان شائم بأصحابك، أي خذ بهم شأمة أي ذات ~~الشمال. والعرب تقول لليد الشمال الشؤمى، وللجانب الشمال الأشأم. ms6001 وكذلك ~~يقال لما جاء عن اليمين اليمن، ولما جاء عن الشمال الشؤم. وقال ابن عباس ~~والسدي: أصحاب الميمنة هم الذين كانوا عن يمين آدم حين أخرجت الذرية من ~~صلبه فقال الله لهم: هؤلاء في الجنة ولا أبالي. وقال زيد بن أسلم: أصحاب ~~الميمنة هم الذين أخذوا من شق آدم الأيمن يومئذ، وأصحاب المشأمة الذين ~~أخذوا من شق آدم الأيسر. وقال عطاء ومحمد بن كعب: أصحاب الميمنة من أوتي ~~كتابه بيمينه، وأصحاب المشأمة من أوتي كتابه بشماله. وقال ابن جريج: أصحاب ~~الميمنة هم أهل الحسنات، وأصحاب المشأمة هم أهل السيئات. وقال الحسن ~~والربيع: أصحاب الميمنة الميامين على أنفسهم بالاعمال الصالحة، وأصحاب ~~المشأمة المشائيم علي أنفسهم بالاعمال السيئة القبيحة. وفي صحيح مسلم من ~~حديث الاسراء عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فلما علونا ~~السماء الدنيا فإذا رجل عن يمينه أسودة وعن يساره أسودة - قال - فإذا نظر ~~قبل يمينه ضحك وإذا نظر قبل شماله بكى - قال - فقال مرحبا بالنبي الصالح ~~والابن الصالح - قال - قلت يا جبريل من هذا قال هذا آدم عليه السلام وهذه ~~الأسودة التي عن يمينه وعن شماله نسم بنيه فأهل اليمين أهل الجنة والأسودة ~~التي عن شماله أهل النار) وذكر الحديث. وقال المبرد: وأصحاب الميمنة أصحاب ~~التقدم، وأصحاب المشأمة PageV17P198 # أصحاب التأخر. والعرب تقول: اجعلني في يمينك ولا تجعلني في شمالك، أي ~~اجعلني من المتقدمين ولا تجعلنا من المتأخرين. والتكرير في (ما أصحاب ~~الميمنة). و (ما أصحاب المشأمة) للتفخيم والتعجيب، كقوله: (الحاقة ما ~~الحاقة) و (القارعة ما القارعة) كما يقال: زيد ما زيد! وفي حديث أم زرع رضي ~~الله (1) عنها: مالك وما مالك! والمقصود تكثير ما لأصحاب الميمنة من الثواب ~~ولأصحاب المشأمة من العقاب. وقيل: (أصحاب) رفع بالابتداء والخبر (ما أصحاب ~~الميمنة) كأنه قال: (فأصحاب الميمنة) ما هم، المعنى: أي شئ هم. وقيل: # يجوز أن تكون (ما) تأكيدا، والمعنى فالذين يعطون (2) كتابهم بأيمانهم هم ~~أصحاب التقدم وعلو المنزلة. # قوله تعالى: (والسابقون السابقون) روي عن النبي صلى الله ms6002 عليه وسلم أنه ~~قال: # (السابقون الذين إذا أعطوا الحق قبلوه وإذا سئلوه بذلوه وحكموا للناس ~~كحكمهم لأنفسهم) ذكره المهدوي. وقال محمد بن كعب القرظي: إنهم الأنبياء. ~~الحسن وقتادة: السابقون إلى الايمان من كل أمة. ونحوه عن عكرمة. محمد بن ~~سيرين: هم الذين صلوا إلى القبلتين، دليله قوله تعالى: (والسابقون الأولون ~~من المهاجرين والأنصار (3)). وقال مجاهد وغيره: # هم السابقون إلى الجهاد، وأول الناس رواحا إلى الصلاة. وقال علي رضي الله ~~عنه: هم السابقون إلى الصلوات الخمس. الضحاك: إلى الجهاد. سعيد بن جبير: ~~إلى التوبة وأعمال البر، قال الله تعالى: (وسارعوا إلى مغفرة من (4) ربكم) ~~ثم أثنى عليهم فقال: (أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها (5) سابقون). وقيل: ~~إنهم أربعة، منهم سابق أمة موسى وهو حزقيل مؤمن آل فرعون، وسابق أمة عيسى ~~وهو حبيب النجار صاحب أنطاكية، وسابقان في أمة محمد صلى الله عليه وسلم ~~وهما أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، قاله ابن عباس، حكاه الماوردي. وقال ~~شميط بن العجلان: الناس ثلاثة، فرجل ابتكر للخير في حداثة سنه # PageV17P199 # داوم عليه حتى خرج من الدنيا فهذا هو السابق المقرب، ورجل ابتكر عمره ~~بالذنوب ثم طول الغفلة ثم رجع بتوبته حتى ختم له بها فهذا من أصحاب اليمين، ~~ورجل ابتكر عمره بالذنوب ثم لم يزل عليها حتى ختم له بها فهذا من أصحاب ~~الشمال. وقيل: هم كل من سبق إلى شئ من أشياء الصلاح. ثم قيل: (السابقون) ~~رفع بالابتداء والثاني توكيد له والخبر (أولئك المقربون). وقال الزجاج: ~~(السابقون) رفع بالابتداء والثاني خبره، والمعنى السابقون إلى طاعة الله هم ~~السابقون إلى رحمة الله (أولئك المقربون) من صفتهم. وقيل: # إذا خرج رجل من السابقين المقربين من منزله في الجنة كان له ضوء يعرفه به ~~من دونه. # قوله تعالى: ثلة من الأولين (13) وقليل من الآخرين (14) على سرر موضونة ~~(15) متكئين عليها متقابلين (16) قوله تعالى: (ثلة من الأولين) أي جماعة من ~~الأمم الماضية. (وقليل من الآخرين) أي ممن آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم. ~~قال الحسن: ثلة ممن قد ms6003 مضى قبل هذه الأمة، وقليل من أصحاب محمد صلى الله ~~عليه وسلم، اللهم اجعلنا منهم بكرمك. وسموا قليلا بالإضافة إلى من كان ~~قبلهم، لان الأنبياء المتقدمين كثروا فكثر السابقون إلى الايمان منهم، ~~فزادوا على عدد من سبق إلى التصديق من أمتنا. وقيل: لما نزل هذا شق على ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت: (ثلة من الأولين. وثلة من ~~الآخرين) فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل ~~الجنة بل ثلث أهل الجنة بل نصف أهل الجنة وتقاسمونهم في النصف الثاني) رواه ~~أبو هريرة، ذكره الماوردي وغيره. ومعناه ثابت في صحيح مسلم من حديث عبد ~~الله بن مسعود. وكأنه أراد أنها منسوخة والأشبه أنها محكمة لأنها خبر، ولأن ~~ذلك في جماعتين مختلفتين. قال الحسن: سابقو من مضي أكثر من سابقينا، فلذلك ~~قال: (وقليل من الآخرين) وقال في أصحاب اليمين وهم سوى السابقين: # (ثلة من الأولين. وثلة من الآخرين) ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~(إني لأرجو PageV17P200 # أن تكون أمتي شطر أهل الجنة) ثم تلا قوله تعالى: (ثلة من الأولين. وثلة ~~من الآخرين) [قال مجاهد: كل من هذه الأمة. وروى سفيان عن أبان عن سعيد بن ~~جبير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: (الثلتان جميعا من أمتي) ~~يعني (ثلة من الأولين. وثلة من الآخرين). وروي هذا القول عن أبي بكر الصديق ~~رضي الله عنه. قال أبو بكر رضي الله (1)] عنه: كلا الثلتين من أمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم، فمنهم من هو في أول أمته، ومنهم من هو في آخرها، وهو مثل ~~قوله تعالى: (فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ~~(2)). وقيل: (ثلة من الأولين) أي من أول هذه الأمة. (وقليل من الآخرين) ~~يسارع في الطاعات حتى يلحق درجة الأولين، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: ~~(خيركم قرني) ثم سوى في أصحاب اليمين بين الأولين والآخرين. والثلة من ثللت ~~الشئ أي قطعته، فمعنى ثلة كمعنى فرقة، قاله الزجاج. # قوله تعالى: ms6004 (على سرر موضونة) أي السابقون في الجنة (على سرر)، أي ~~مجالسهم على سرر جمع سرير. (موضونة) قال ابن عباس: منسوجة بالذهب. وقال ~~عكرمة: مشبكة بالدر والياقوت. وعن ابن عباس أيضا: (موضونة) مصفوفة، كما قال ~~في موضع آخر: # (على سرر مصفوفة (2)). وعنه أيضا وعن مجاهد: مرمولة (3) بالذهب. وفي ~~التفاسير: (موضونة أي منسوجة بقضبان الذهب مشبكة بالدر والياقوت والزبرجد. ~~والوضن النسج المضاعف والنضد، يقال: وضن فلان الحجر والآجر بعضه فوق بعض ~~فهو موضون، ودرع موضونة أي محكمة في النسج مثل مصفوفة، قال الأعشى: # ومن نسج داود موضونة * تساق مع الحي عيرا فعيرا وقال أيضا: # وبيضاء كالنهي موضونة * لها قونس فوق جيب البدن # PageV17P201 # والسرير الموضون: الذي سطحه بمنزلة المنسوج، ومنه الوضين: بطان من سيور ~~ينسج فيدخل بعضه في بعض، ومنه قوله: # * إليك تعدو قلقا وضينها (1) * (متكئين عليها) أي على السرر (متقابلين) ~~أي لا يرى بعضهم قفا بعض، بل تدور بهم الأسرة، وهذا في المؤمن وزوجته ~~وأهله، أي يتكئون متقابلين. قاله مجاهد وغيره. وقال الكلبي: طول كل سرير ~~ثلاثمائة ذراع، فإذا أراد العبد أن يجلس عليها تواضعت فإذا جلس عليها ~~ارتفعت. # قوله تعالى: يطوف عليهم ولدان مخلدون (17) بأكواب وأباريق وكأس من معين ~~(18) لا يصدعون عنها ولا ينزفون (19) وفاكهة مما يتخيرون (20) ولحم طير مما ~~يشتهون (21) وحور عين (22) كأمثال اللؤلؤ المكنون (23) جزاء بما كانوا ~~يعملون (24) لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما (25) الا قيلا سلاما سلاما ~~(26) قوله تعالى: (يطوف عليهم ولدان مخلدون) أي غلمان لا يموتون، قاله ~~مجاهد. # الحسن والكلبي: لا يهرمون ولا يتغيرون، ومنه قول امرئ القيس: # وهل ينعمن إلا سعيد مخلد * قليل الهموم ما يبيت بأوجال وقال سعيد بن ~~جبير: مخلدون مقرطون، يقال للقرط الخلدة ولجماعة الحلي الخلدة. # وقيل: مسورون ونحوه عن الفراء، قال الشاعر: # ومخلدات باللجين كأنما * أعجازهن أقاوز (2) الكثبان # PageV17P202 # وقيل: مقرطون يعني ممنطقون من المناطق. وقال عكرمة: (مخلدون) منعمون. ~~وقيل: # على سن واحدة أنشأهم الله لأهل الجنة يطوفون عليهم كما شاء من غير ولادة. ~~وقال علي ابن أبي طالب رضي الله عنه والحسن ms6005 البصري: الولدان ها هنا ولدان ~~المسلمين الذين يموتون صغارا ولا حسنة لهم ولا سيئة. وقال سلمان الفارسي: ~~أطفال المشركين هم خدم أهل الجنة. قال الحسن: لم يكن لهم حسنات يجزون بها، ~~ولا سيئات يعاقبون عليها، فوضعوا في هذا الموضع. # والمقصود: أن أهل الجنة على أتم السرور والنعمة، والنعمة إنما تتم ~~باحتفاف الخدم والولدان بالانسان. (بأكواب وأباريق) أكواب جمع كوب وقد مضى ~~في (الزخرف (1)) وهي الآنية التي لا عرى لها ولا خراطيم، والأباريق التي ~~لها عرى وخراطيم واحدها إبريق، سمي بذلك لأنه يبرق لونه من صفائه. (وكأس من ~~معين) مضى في (والصافات (2)) القول فيه. والمعين الجاري من ماء أو خمر، غير ~~أن المراد في هذا الموضع الخمر الجارية من العيون. وقيل: # الظاهرة للعيون فيكون (معين) مفعولا من المعاينة. وقيل: هو فعيل من المعن ~~وهو الكثرة. # وبين أنها ليست كخمر الدنيا التي تستخرج بعصر وتكلف ومعالجة. # قوله تعالى: (لا يصدعون عنها) أي لا تنصدع رؤوسهم من شربها، أي إنها لذة ~~بلا أذى بخلاف شراب الدنيا. (ولا ينزفون) تقدم في (والصافات) أي لا يسكرون ~~فتذهب عقولهم. وقرأ مجاهد: (لا يصدعون) بمعنى لا يتصدعون أي لا يتفرقون، ~~كقوله تعالى: (يومئذ (3) يصدعون). وقرأ أهل الكوفة (ينزفون) بكسر الزاي، أي ~~لا ينفد شرابهم ولا تقنى خمرهم، ومنه قول الشاعر (4): # لعمري لئن أنزفتم أو صحوتم * لبئس الندامى كنتم آل أبجرا # PageV17P203 # وروى الضحاك عن ابن عباس قال: في الخمر أربع خصال: السكر والصداع والقئ ~~والبول، وقد ذكر الله تعالى خمر الجنة فنزهها عن هذه الخصال. # قوله تعالى: (وفاكهة مما يتخيرون) أي يتخيرون ما شاءوا لكثرتها. وقيل: ~~وفاكهة متخيرة مرضية، والتخير الاختيار. (ولحم طير مما يشتهون) روى الترمذي ~~عن أنس بن مالك قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما الكوثر؟ قال: ~~(ذاك نهر أعطانيه الله تعالى - يعني في الجنة - أشد بياضا من اللبن أحلى من ~~العسل فيه طير أعناقها كأعناق الجزر) قال عمر: # إن هذه لناعمة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أكلتها أحسن منها ~~(1)) قال: ms6006 حديث حسن. وخرجه الثعلبي من حديث أبي الدرداء أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: (إن في الجنة طيرا مثل أعناق البخت تصطف على يد ولي الله ~~فيقول أحدها يا ولي الله رعيت في مروج تحت العرش وشربت من عيون التسنيم فكل ~~مني فلا يزلن يفتخرن بين يديه حتى يخطر على قلبه أكل أحدها فتخر بين يديه ~~على ألوان مختلفة فيأكل منها ما أراد فإذا شبع تجمع عظام الطائر فطار يرعى ~~في الجنة حيث شاء) فقال عمر: يا نبي الله إنها لنا عمة. # فقال: (آكلها أنعم منها). وروي عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: (إن في الجنة لطيرا في الطائر منها سبعون ألف ريشة فيقع على ~~صحفة الرجل من أهل الجنة ثم ينتفض فيخرج من كل ريشة لون طعام أبيض من الثلج ~~وأبرد وألين من الزبد وأعذب من الشهد ليس فيه لون يشبه صاحبه فيأكل منه ما ~~أراد ثم يذهب فيطير). # قوله تعالى: (وحور عين) قرئ بالرفع والنصب والجر، فمن جر وهو حمزة ~~والكسائي وغيرهما جاز أن يكون معطوفا على (بأكواب) وهو محمول على المعنى، ~~لان المعنى يتنعمون بأكواب وفاكهة ولحم وحور، قاله الزجاج. وجاز أن يكون ~~معطوفا على (جنات) أي هم في (جنات النعيم) وفي حور على تقدير حذف المضاف، ~~كأنه قال: وفي معاشرة # PageV17P204 # حور. الفراء: الجر على الاتباع في اللفظ وإن اختلفا في المعنى، لان الحور ~~لا يطاف بهن، قال الشاعر: # إذا ما الغانيات برزن يوما * وزججن الحواجب والعيونا والعين لا تزجج ~~وإنما تكحل. وقال آخر: # ورأيت زوجك في الوغى * متقلدا سيفا ورمحا وقال قطرب: هو معطوف على ~~الأكواب والأباريق من غير حمل على المعنى. قال: # ولا ينكر أن يطاف عليهم بالحور ويكون لهم في ذلك لذة. ومن نصب وهو الأشهب ~~العقيلي والنخعي وعيسى بن عمر الثقفي وكذلك هو في مصحف أبي، فهو على تقدير ~~إضمار فعل، كأنه قال: ويزوجون حورا عينا. والحمل في النصب على المعنى أيضا ~~حسن، لان معنى يطاف عليهم ms6007 به يعطونه. ومن رفع وهم الجمهور - وهو اختيار أبي ~~عبيد وأبي حاتم - فعلى معنى وعندهم حور عين، لأنه لا يطاف عليهم بالحور. ~~وقال الكسائي: ومن قال: (وحور عين) بالرفع وعلل بأنه لا يطاف بهن يلزمه ذلك ~~في فاكهة ولحم، لان ذلك لا يطاف به وليس يطاف إلا بالخمر وحدها. وقال ~~الأخفش: يجوز أن يكون محمولا على المعنى، لان المعنى لهم أكواب ولهم حور ~~عين. وجاز أن يكون معطوفا على (ثلة) و (ثلة) ابتداء وخبره (على سرر موضونة) ~~وكذلك (وحور عين) وابتدأ بالنكرة لتخصيصها بالصفة. (كأمثال) أي مثل أمثال ~~(اللؤلؤ المكنون) أي الذي لم تمسه الأيدي ولم يقع عليه الغبار فهو أشد ما ~~يكون صفاء وتلألؤا، أي هن في تشاكل أجسادهن في الحسن من جميع جوانبهن كما ~~قال الشاعر: # كأنما خلقت في قشر لؤلؤة * فكل أكنافها وجه لمرصاد (جزاء بما كانوا ~~يعملون) أي ثوابا ونصبه على المفعول له. ويجوز أن يكون على المصدر، لان ~~معنى (يطوف عليهم ولدان مخلدون) يجازون. وقد مضى الكلام في الحور العين في ~~(والطور (1)) وغيرها. وقال أنس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (خلق الله ~~الحور العين # PageV17P205 # من الزعفران) وقال خالد بن الوليد: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ~~(إن الرجل من أهل الجنة ليمسك التفاحة من تفاح الجنة فتنفلق في يده فتخرج ~~منها حوراء لو نظرت للشمس لأخجلت الشمس من حسنها من غير أن ينقص من ~~التفاحة) فقال له رجل: يا أبا سليمان إن هذا لعجب ولا ينقص من التفاحة؟ ~~قال: نعم كالسراج الذي يوقد منه سراج آخر وسرج ولا ينقص، والله على ما يشاء ~~قدير. وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: # خلق الله الحور العين من أصابع رجليها إلى ركبتيها من الزعفران، ومن ~~ركبتيها إلى ثدييها من المسك الأذفر، ومن ثدييها إلى عنقها من العنبر ~~الأشهب، ومن عنقها إلى رأسها من الكافور الأبيض، عليها سبعون ألف حلة مثل ~~شقائق (1) النعمان، إذا أقبلت يتلألأ وجهها نورا ساطعا كما تتلألأ الشمس ~~لأهل الدنيا، ms6008 وإذا أدبرت يرى كبدها من رقة ثيابها وجلدها، في رأسها سبعون ~~ألف ذؤابة من المسك الأذفر، لكل ذؤابة منها وصيفة ترفع ذيلها وهي تنادي: ~~هذا ثواب الأولياء (جزاء بما كانوا يعملون). # قوله تعالى: (لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما) قال ابن عباس: باطلا ولا ~~كذبا. واللغو ما يلغى من الكلام، والتأثيم مصدر أثمته أي قلت له أثمت. محمد ~~بن كعب: (ولا تأثيما) أي لا يؤثم بعضهم بعضا. مجاهد: (لا يسمعون فيها لغوا ~~ولا تأثيما) شتما ولا مأثما. (الا قيلا سلاما سلاما) (قيلا) منصوب ب ~~(يسمعون) أو استثناء منقطع أي لكن يقولون قيلا أو يسمعون. و (سلاما سلاما) ~~منصوبان بالقول، أي إلا أنهم يقولون الخير. أو على المصدر أي إلا أن يقول ~~بعضهم لبعض سلاما. أو يكون وصفا ل (قيلا)، والسلام الثاني بدل من الأول، ~~والمعنى إلا قيلا يسلم فيه من اللغو. ويجوز الرفع على تقدير سلام عليكم. # قال ابن عباس: أي يحيي بعضهم بعضا. وقيل: تحييهم الملائكة أو يحييهم ربهم ~~عز وجل. # PageV17P206 # قوله تعالى: وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين (28) في سدر مخضود (28) وطلح ~~منضود (29) وظل ممدود (30) وماء مسكوب (31) وفاكهة كثيرة (32) لا مقطوعة ~~ولا ممنوعة (33) وفرش مرفوعة (34) انا أنشأناهن انشاء (35) فجعلناهن أبكارا ~~(36) عربا أترابا (37) لأصحاب اليمين (38) ثلة من الأولين (39) وثلة من ~~الآخرين (40) قوله تعالى: (وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين) رجع إلى ذكر ~~منازل أصحاب الميمنة وهم السابقون على ما تقدم، والتكرير لتعظيم شأن النعيم ~~الذي هم فيه. (في سدر مخضود) أي في نبق قد خضد شوكه أي قطع، قاله ابن عباس ~~وغيره. وذكر ابن المبارك: # حدثنا صفوان عن سليم بن عامر قال: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقولون: إنه لينفعنا الاعراب ومسائلهم، قال: أقبل أعرابي يوما، فقال: يا ~~رسول الله! لقد ذكر الله في القرآن شجرة مؤذية، وما كنت أرى في الجنة شجرة ~~تؤذي صاحبها؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وما هي) قال: السدر فإن ~~له شوكا مؤذيا، فقال صلى الله عليه وسلم: # (أو ليس يقول (في ms6009 سدر مخضود) خضد الله شوكه فجعل مكان كل شوكة ثمرة فإنها ~~تنبت ثمرا يفتق الثمر منها عن اثنين وسبعين لونا من الطعام ما فيه لون يشبه ~~الآخر). وقال أبو العالية والضحاك: نظر المسلمون إلى و ج (وهو (1) واد ~~بالطائف مخصب) فأعجبهم سدره، فقالوا: يا ليت لنا مثل هذا، فنزلت. قال أمية ~~بن أبي الصلت يصف الجنة: # إن الحدائق في الجنان ظليلة * فيها الكواعب سدرها مخضود وقال الضحاك ~~ومجاهد ومقاتل بن حيان: (في سدر مخضود) وهو الموقر حملا. وهو قريب مما ~~ذكرنا في الخبر. سعيد بن جبير: ثمرها أعظم من القلال. وقد مضى هذا في سورة # PageV17P207 # (النجم (1)) عند قوله تعالى: (عند سدرة المنتهى) وأن ثمرها مثل قلال هجر ~~من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم. # قوله تعالى: (وطلح منضود) الطلح شجر الموز واحده طلحة. قاله أكثر ~~المفسرين علي وابن عباس وغيرهم. وقال الحسن: ليس هو موز ولكنه شجر له ظل ~~بارد رطب. وقال الفراء وأبو عبيدة: شجر عظام له شوك، قال بعض الحداة (2) ~~وهو الجعدي: # بشرها دليلها وقالا * غدا ترين الطلح والأحبالا (3) فالطلح كل شجر عظيم ~~كثير الشوك. الزجاج: يجوز أن يكون في الجنة وقد أزيل شوكه. # وقال الزجاج أيضا: كشجر أم غيلان [له (4)] نور طيب جدا فخوطبوا ووعدوا ~~بما يحبون مثله، إلا أن فضله على ما في الدنيا كفضل سائر ما في الجنة على ~~ما في الدنيا. وقال السدي: طلح الجنة يشبه طلح الدنيا لكن له ثمر أحلى من ~~العسل. وقرأ علي بن أبي طالب رضي عنه الله: # (وطلع منضود) بالعين وتلا هذه الآية (ونخل طلعها هضيم (5)) وهو خلاف ~~المصحف. # في رواية أنه قرئ بين يديه (وطلح منضود) فقال: ما شأن الطلح؟ إنما هو ~~(وطلع منضود) ثم قال: (لها طلع نضيد) فقيل له: أفلا نحولها؟ فقال: لا ينبغي ~~أن يهاج القرآن ولا يحول. فقد اختار هذه القراءة ولم ير إثباتها في المصحف ~~لمخالفة ما رسمه مجمع عليه. # قاله القشيري. وأسنده أبو بكر الأنباري قال: حدثني أبي قال حدثنا ms6010 الحسن ~~بن عرفة حدثنا عيسى بن يونس عن مجالد عن الحسن بن سعد عن قيس بن عباد قال: ~~قرأت عند علي أو قرئت عند علي - شك مجالد - (وطلح منضود) فقال علي رضي الله ~~عنه: ما بال الطلح؟ # أما تقرأ (وطلع) ثم قال: (لها طلع نضيد) فقال له: يا أمير المؤمنين ~~أنحكها من المصحف؟ # PageV17P208 # فقال: [لا (1)] لا يهاج القرآن اليوم. قال أبو بكر: ومعنى هذا أنه رجع ~~إلى ما في المصحف وعلم أنه هو الصواب، وأبطل الذي كان فرط من قوله. ~~والمنضود المتراكب الذي [قد (1) نضد أوله وآخره بالحمل، ليست له سوق بارزة ~~بل هو مرصوص، والنضد هو الرص والمنضد المرصوص، قال النابغة: # خلت سبيل أتى كان يحبسه * ورفعته إلى السجفين فالنضد وقال مسروق: أشجار ~~الجنة من عروقها إلى أفنانها نضيدة ثمر كله، كلما أكل ثمرة عاد مكانها أحسن ~~منها. # قوله تعالى: (وظل ممدود) أي دائم باق لا يزول ولا تنسخه الشمس، كقوله ~~تعالى: (ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا) وذلك بالغداة وهي ~~ما بين الاسفار إلى طلوع الشمس حسب ما تقدم بيانه هناك (2). والجنة كلها ظل ~~لا شمس معه. # قال الربيع بن أنس: يعني ظل العرش. وقال عمرو بن ميمون: مسيرة سبعين ألف ~~سنة. # وقال أبو عبيدة: تقول العرب للدهر الطويل والعمر الطويل والشئ الذي لا ~~ينقطع ممدود، وقال لبيد: # غلب العزاء وكنت غير مغلب * دهر طويل دائم ممدود وفي صحيح الترمذي وغيره ~~من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: (وفي الجنة شجرة يسير ~~الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها واقرؤوا إن شئتم (وظل ممدود). (وماء ~~مسكوب) أي جار لا ينقطع وأصل السكب الصب، يقال: سكبه سكبا، والسكوب ~~انصبابه، يقال: سكب سكوبا، وانسكب انسكابا، أي وماء مصبوب يجرى الليل ~~والنهار في غير أخدود لا ينقطع عنهم. وكانت العرب أصحاب بادية وبلاد حارة، ~~وكانت الأنهار في بلادهم عزيزة لا يصلون إلى الماء إلا بالدلو والرشاء ~~فوعدوا في الجنة خلاف ذلك، ووصف لهم ms6011 أسباب النزهة المعروفة في الدنيا، وهي ~~الأشجار وظلالها، والمياه والأنهار واطرادها. # PageV17P209 # قوله تعالى: (وفاكهة كثيرة) أي ليست بالقليلة العزيزة كما كانت في بلادهم ~~(لا مقطوعة) أي في وقت من الأوقات كانقطاع فواكه الصيف في الشاء (ولا ~~ممنوعة) أي لا يحظر عليها كثمار الدنيا. وقيل: (ولا ممنوعة) أي لا يمنع من ~~أرادها بشوك ولا بعد [ولا (1)] حائط، بل إذا اشتهاها العبد دنت منه حتى ~~يأخذها، قال الله تعالى: (وذللت قطوفها تذليلا (2)). وقيل: ليست مقطوعة ~~بالأزمان، ولا ممنوعة بالأثمان. والله أعلم. # قوله تعالى: (وفرش مرفوعة) روى الترمذي [عن أبي سعيد (1)] عن النبي صلى ~~الله وسلم في قوله تعالى: (وفرش مرفوعة) قال: (ارتفاعها لكما بين السماء ~~والأرض مسيرة خمسمائة سنة) قال: حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث رشدين بن ~~سعد. وقال بعض أهل العلم في تفسير هذا الحديث: الفرش في الدرجات، وما بين ~~الدرجات كما بين السماء والأرض. # وقيل: إن الفرش هنا كناية عن النساء اللواتي في الجنة ولم يتقدم لهن ذكر، ~~ولكن قوله عز وجل: (وفرش مرفوعة) دال، لأنها محل النساء، فالمعنى ونساء ~~مرتفعات الاقدار في حسنهن وكمالهن، دليله قوله تعالى: (انا أنشأناهن أنشأ) ~~أي خلقناهن خلقا وأبدعناهن إبداعا. والعرب تسمي المرأة فراشا ولباسا ~~وإزارا، وقد قال تعالى: (هن لباس لكم (3)). # ثم قيل: على هذا هن الحور العين، أي خلقناهن من غير ولادة. وقيل: المراد ~~نساء بني آدم، أي خلقناهن خلقا جديدا وهو الإعادة، أي أعدناهن إلى حال ~~الشباب وكمال الجمال. # والمعنى أنشأنا العجوز والصبية إنشاء واحدا، وأضمرن ولم يتقدم ذكرهن، ~~لأنهن قد دخلن في أصحاب اليمين، ولأن الفرش كناية عن النساء كما تقدم. وروي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: (إنا أنشأناهن إنشاء) قال: ~~(منهن البكر والثيب). وقالت أم سلمة رضي الله تعالى عنها: سألت النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن قوله تعالى: (إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكارا. عربا ~~أترابا) فقال: (يا أم سلمة هن اللواتي قبضن في الدنيا عجائز شمطا عمشا رمصا ~~جعلهن الله بعد الكبر ms6012 أترابا على ميلاد واحد في الاستواء) أسنده النحاس عن ~~أنس قال: حدثنا أحمد بن عمرو قال: حدثنا عمرو بن علي قال: حدثنا أبو عاصم ~~عن # PageV17P210 # موسى بن عبيدة، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك رفعه (إنا أنشأناهن ~~إنشاء) قال: # (هن العجائز العمش الرمص كن في الدنيا عمشا رمصا). وقال المسيب بن شريك: # قال النبي صلى الله عليه وسلم في قوله (إنا أنشأناهن إنشاء) [الآية (1)] ~~قال: (هن عجائز الدنيا أنشأهن الله خلقا جديدا كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن ~~أبكارا) فلما سمعت عائشة ذلك قالت: وا وجعاه! فقال لها النبي صلى الله عليه ~~وسلم: (ليس هناك وجع). (عربا) جمع عروب. قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: ~~العرب العواشق لأزواجهن. وعن ابن عباس أيضا: إنها العروب الملقة. عكرمة: ~~الغنجة. ابن زيد: بلغة أهل المدينة. # ومنه قول لبيد: # وفى الخباء (2) عروب غير فاحشة * ريا الروادف يعشى دونها البصر وهي ~~الشكلة (3) بلغة أهل مكة. وعن زيد بن أسلم أيضا: الحسنة الكلام. وعن عكرمة ~~أيضا وقتادة: العرب المتحببات إلى أزواجهن، واشتقاقه من أعرب إذا بين، ~~فالعروب تبين محبتها لزوجها بشكل وغنج وحسن كلام. وقيل: إنها الحسنة التبعل ~~(4) لتكون ألذ استمتاعا. # وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: (عربا) قال: (كلامهن عربي). وقرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم (عربا) ~~بإسكان الراء. وضم الباقون وهما جائزان في جمع فعول. (أترابا) على ميلاد ~~واحد في الاستواء وسن واحدة ثلاث وثلاثين سنة. يقال في النساء أتراب وفي ~~الرجال أقران. وكانت العرب تميل إلى من جاوزت حد الصبا من النساء وانحطت عن ~~الكبر. وقيل: (أترابا) أمثالا وأشكالا، قاله مجاهد. السدي: أتراب في ~~الأخلاق لا تباغض بينهن ولا تحاسد. قيل: الحور العين للسابقين، والأتراب ~~العرب لأصحاب اليمين. # قوله تعالى: (ثلة من الأولين. وثلة من الآخرين) رجع الكلام إلى قوله ~~تعالى: # (وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين) أي هم (ثلة من الأولين. وثلة من ~~الآخرين) وقد مضى الكلام في معناه. وقال أبو العالية ومجاهد وعطاء بن ms6013 أبي ~~رباح والضحاك: # PageV17P211 # (ثلة من الأولين) يعني من سابقي هذه الأمة (وثلة من الآخرين) من هذه ~~الأمة من آخرها، يدل عليه ما روي عن ابن عباس في هذه الآية (ثلة من ~~الأولين. وثلة من الآخرين) فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (هم جميعا من ~~أمتي). وقال الواحدي: أصحاب الجنة نصفان نصف من الأمم الماضية ونصف من هذه ~~الأمة. وهذا يرده ما رواه ابن ماجة في سننه والترمذي في جامعه عن بريدة بن ~~خصيب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أهل الجنة ~~عشرون ومائة صف ثمانون منها من هذه الأمة وأربعون من سائر الأمم). قال أبو ~~عيسى: هذا حديث حسن. و (ثلة) رفع على الابتداء، أو على حذف خبر حرف الصفة، ~~ومجازه: لأصحاب اليمين ثلتان: ثلة من هؤلاء وثلة من هؤلاء. # والأولون الأمم الماضية، والآخرون هذه الأمة على القول الثاني. # قوله تعالى: وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال (41) في سموم وحميم (42) وظل ~~من يحموم (43) لا بارد ولا كريم (44) انهم كانوا قبل ذلك مترفين (45) ~~وكانوا يصرون على الحنث العظيم (46) وكانوا يقولون أئذا متنا وكنا ترابا ~~وعظاما أإنا لمبعوثون (47) أو آباؤنا الأولون (48) قل ان الأولين والآخرين ~~(49) لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم (50) ثم انكم أيها الضالون المكذبون ~~(51) لآكلون من شجر من زقوم (52) فمالئون منها البطون (53) فشاربون عليه من ~~الحميم (54) فشاربون شرب الهيم (55) هذا نزلهم يوم الدين (56) PageV17P212 # قوله تعالى: (وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال) ذكر منازل أهل النار وسماهم ~~أصحاب الشمال، لأنهم يأخذون كتبهم بشمائلهم، ثم عظم ذكرهم في البلاد ~~والعذاب فقال: (ما أصحاب الشمال. في سموم) والسموم الريح الحارة التي تدخل ~~في مسام البدن. والمراد هنا حر النار ولفحها. (وحميم) أي ماء حار قد انتهى ~~حره، إذا أحرقت النار أكبادهم وأجسادهم فزعوا إلى الحميم، كالذي يفزع من ~~النار إلى الماء ليطفئ به الحر فيجده حميما حارا في نهاية الحرارة ~~والغليان. وقد مضى في (القتال (1)) (وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم). (وظل ~~من يحموم) أي يفزعون من السموم إلى الظل كما يفزع ms6014 أهل الدنيا فيجدونه ظلا ~~من يحموم، أي من دخان جهنم أسود شديد السواد. عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما. ~~وكذلك اليحموم في اللغة: # الشديد السواد وهو يفعول من الحم وهو الشحم المسود باحتراق النار. وقيل: ~~هو مأخوذ من الحمم وهو الفحم. وقال الضحاك: النار سوداء وأهلها سود وكل ما ~~فيها أسود. وعن ابن عباس أيضا: النار سوداء. وقال ابن زيد: اليحموم جبل في ~~جهنم يستغيث إلى ظله أهل النار. (لا بارد) بل حار لأنه من دخان شفير جهنم. ~~(ولا كريم) عذب، عن الضحاك. وقال سعيد بن المسيب: ولا حسن منظره، وكل مالا ~~خير فيه فليس بكريم. # وقيل: (وظل من يحموم) أي من النار يعذبون بها، كقوله تعالى: (لهم من ~~فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم (2) ظلل). (انهم كانوا قبل ذلك مترفين) أي ~~إنما استحقوا هذه العقوبة لأنهم كانوا في الدنيا متنعمين بالحرام. والمترف ~~المنعم، عن ابن عباس وغيره. وقال السدي: (مترفين) أي مشركين. (وكانوا يصرون ~~على الخنث العظيم) أي يقيمون على الشرك، عن الحسن والضحاك وابن زيد. وقال ~~قتادة ومجاهد: الذنب العظيم الذي لا يتوبون منه. الشعبي: هو اليمين الغموس ~~وهي من الكبائر، يقال: حنث في يمينه أي لم يبرها ورجح فيها. وكانوا يقسمون ~~أن لا بعث، وأن الأصنام أنداد الله فذلك حنثهم، قال الله تعالى مخبرا عنهم: ~~(وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت (3)). وفي الخبر: # PageV17P213 # كان يتحنث في حراء، أي يفعل ما يسقط عن نفسه الحنث وهو الذنب. (وكانوا ~~يقولون أئذا متنا) هذا استبعاد منهم لأمر البعث وتكذيب له، فقال الله ~~تعالى: (قل) لهم يا محمد (ان الأولين) من آبائكم (والآخرين) منكم (لمجموعون ~~إلى ميقات يوم معلوم) يريد يوم القيامة. ومعنى الكلام القسم ودخول اللام في ~~قول تعالى: (لمجموعون) هو دليل القسم في المعنى، أي إنكم لمجموعون قسما حقا ~~خلاف قسمكم الباطل (ثم انكم أيها الضالون) عن الهدى (المكذبون) بالبعث ~~(لآكلون من شجر من زقوم) وهو شجر كريه المنظر، كريه الطعم، وهي التي ذكرت ~~في سورة (والصافات ms6015 (1)). (فمالئون منها البطون) أي من الشجرة، لان المقصود ~~من الشجر شجرة. ويجوز أن تكون (من) الأولى زائدة، ويحوز أن يكون المفعول ~~محذوفا كأنه قال: (لآكلون من شجر من زقوم) طعاما. وقوله: # (من زقوم) صفة لشجر، والصفة إذا قدرت الجار زائدا نصبت على المعنى، أو ~~جررت على اللفظ، فإن قدرت المفعول محذوفا لم تكن الصفة إلا في موضع جر. # قوله تعالى: (فشاربون عليه) أي على الزقوم أو على الاكل أو على الشجر، ~~لأنه يذكر ومؤنث. (من الحميم) وهو الماء المغلي الذي قد اشتد غليانه وهو ~~صديد أهل النار. # أي يورثهم حرما يأكلون من الزقوم مع الجوع الشديد عطشا فيشربون ماء يظنون ~~أنه يزيل العطش فيجدونه حميما مغلى. # قوله تعالى: (فشاربون شرب الهيم) قراءة نافع وعاصم وحمزة (شرب) بضم ~~الشين. # الباقون بفتحها لغتان جيدتان، تقول العرب: شربت شربا وشربا وشربا وشربا ~~بضمتين. # قال أبو زيد: سمعت العرب تقول بضم الشين وفتحها وكسرها، والفتح هو المصدر ~~الصحيح، لان كل مصدر من ذوات الثلاثة فأصله فعل، ألا ترى أنك ترده إلى ~~المرة الواحدة، فتقول: # فعلة نحو شربة وبالضم الاسم. وقيل: إن المفتوح والاسم مصدران، فالشرب ~~كالأكل، والشرب كالذكر، والشرب بالكسر المشروب كالطحن المطحون. والهيم ~~الإبل العطاش التي # PageV17P214 # لا تروى لداء يصيبها، عن ابن عباس وعكرمة وقتادة والسدي وغيرهم، وقال ~~عكرمة أيضا: # هي الإبل المراض. الضحاك: الهيم الإبل يصيبها داء تعطش منه عطشا شديدا، ~~واحدها أهيم والأنثى هيماء. ويقال لذلك الداء الهيام، قال قيس بن الملوح: # يقال به داء الهيام أصابه * وقد علمت نفسي مكان شفائها وقوم هيم أيضا أي ~~عطاش، وقد هاموا هياما. ومن العرب من يقول في الإبل: هائم وهائمة والجمع ~~هيم، قال لبيد: # أجزت إلى معارفها بشعث (1) * وأطلاح من العيدي هيم (2) وقال الضحاك ~~والأخفش وابن عيينة وابن كيسان: الهيم الأرض السهلة ذات الرمل. # وروي أيضا عن ابن عباس: فيشربون شرب الرمال التي لا تروى بالماء. ~~المهدوي: ويقال لكل مالا يروى من الإبل والرمل أهيم وهيماء. وفي الصحاح: ~~والهيام بالضم أشد العطش. # والهيام ms6016 كالجنون من العشق. والهيام داء يأخذ الإبل فتهيم في الأرض لا ~~ترعى. يقال: ناقة هيماء. والهيماء أيضا المفازة لا ماء بها. والهيام ~~بالفتح: الرمل الذي لا يتماسك أن يسيل من اليد للينه والجمع هيم مثل قذال ~~وقذل. والهيام بالكسر الإبل العطاش الواحد هيمان، وناقة هيماء مثل عطشان ~~وعطشى. # قوله تعالى: (هذا نزلهم يوم الدين) أي رزقهم الذي يعد لهم، كالنزل الذي ~~يعد للأضياف تكرمة لهم، وفيه تهكم، كما في قوله تعالى: (فبشرهم بعذاب (3) ~~أليم) وكقول أبي السعد الضبي: # وكنا إذا الجبار بالجيش ضافنا * جعلنا القنا والمرهفات له نزلا وقرأ يونس ~~بن حبيب وعباس عن أبي عمرو (هذا نزلهم) بإسكان الزاي، وقد مضى في آخر (آل ~~عمران (3)) القول فيه. (يوم الدين) يوم الجزاء، يعني في جهنم # PageV17P215 # قوله تعالى: نحن خلقناكم فلولا تصدقون (57) أفرءيتم ما تمنون (58) أأنتم ~~تخلقونه أم نحن الخالقون (59) نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين (60) ~~على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في مالا تعلمون (61) ولقد علمتم النشأة الأولى ~~فلولا تذكرون (62) قوله تعالى: (نحن خلقناكم فلولا تصدقون) أي فهلا تصدقون ~~بالبعث؟ لان الإعادة كالابتداء. وقيل: المعنى نحن خلقنا رزقكم فهلا تصدقون ~~أن هذا طعامكم إن لم تؤمنوا؟ # قوله تعالى: (أفرأيتم ما تمنون) أي ما تصبونه من المني في أرحام النساء. ~~(أأنتم تخلقونه) أي تصورون منه الانسان (أم نحن الخالقون) المقدرون ~~المصورون. وهذا احتجاج عليهم وبيان للآية الأولى، أي إذا أقررتم بأنا ~~خالقوه لا غيرنا فاعترفوا بالبعث. # وقرأ أبو السمال ومحمد بن السميقع وأشهب العقيلي: (تمنون) بفتح التاء ~~وهما لغتان أمنى ومنى، وأمذى ومذى، يمني ويمني ويمذي ويمذي. الماوردي: ~~ويحتمل أن يختلف معناها عندي، فيكون أمنى إذا أنزل عن جماع، ومنى إذا أنزل ~~عن الاحتلام. وفي تسمية المني منيا وجهان: أحدهما لأمنائه وهو إراقته. ~~الثاني لتقديره، ومنه المنا الذي يوزن به لأنه مقدار لذلك، كذلك المني ~~مقدار صحيح لتصوير الخلقة. # قوله تعالى: (نحن قدرنا بينكم الموت) احتجاج أيضا، أي الذي يقدر على ~~الإماتة يقدر على الخلق، وإذا قدر على الخلق قدر على ms6017 البعث. وقرأ مجاهد ~~وحميد وابن محيصن وابن كثير (قدرنا) بتخفيف الدال. الباقون بالتشديد، قال ~~الضحاك: أي سوينا بين أهل السماء وأهل الأرض. وقيل: قضينا. وقيل: كتبنا، ~~والمعنى متقارب، فلا أحد يبقى غيره عز وجل. (وما نحن بمسبوقين. على أن نبدل ~~أمثالكم) أي إن أردنا أن نبدل أمثالكم لم يسبقنا أحد، أي لم يغلبنا. (وما ~~نحن بمسبوقين) معناه بمغلوبين. وقال الطبري: المعنى نحن قدرنا بينكم الموت ~~على أن نبدل أمثالكم بعد موتكم بآخرين من جنسكم، وما نحن بمسبوقين ~~PageV17P216 # في آجالكم، أي لا يتقدم متأخر ولا يتأخر متقدم. (وننشئكم فيما لا تعلمون) ~~من الصور والهيئات. قال الحسن: أي نجعلكم قردة وخنازير كما فعلنا بأقوام ~~قبلكم. وقيل: المعنى ننشئكم في البعث على غير صوركم في الدنيا، فيجمل ~~المؤمن ببياض وجهه، ويقبح الكافر بسواد وجهه. سعيد بن جبير (1): قوله ~~تعالى: (فيما لا تعلمون) يعني في حواصل طير سود تكون ببرهوت كأنها ~~الخطاطيف، وبرهوت واد في اليمن. وقال مجاهد: (فيما لا تعلمون) في أي خلق ~~شئنا. وقيل: المعنى ننشئكم في عالم لا تعلمون، وفي مكان لا تعلمون. # قوله تعالى: (ولقد علمتم النشأة الأولى) أي إذ خلقتم من نطفة ثم من علقة ~~ثم من مضغة ولم تكونوا شيئا، عن مجاهد وغيره. قتادة والضحاك: يعني خلق آدم ~~عليه السلام. (فلولا تذكرون) أي فهلا تذكرون. وفى الخبر: عجبا كل العجب ~~للمكذب بالنشأة الأخرى وهو يرى النشأة الأولى، وعجبا للمصدق بالنشأة الآخرة ~~وهو لا يسعى لدار القرار. وقراءة العامة (النشأة) بالقصر. وقرأ مجاهد ~~والحسن وابن كثير وأبو عمرو: (النشاءة) بالمد، وقد مضى في (العنكبوت (2)) ~~بيانه. # قوله تعالى: أفرءيتم ما تحرثون (63) أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون (64) ~~لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون (65) انا لمغرمون (66) بل نحن محرومون ~~(67) قوله تعالى: (أفرأيتم ما تحرثون) هذه حجة أخرى، أي أخبروني عما تحرثون ~~من أرضكم فتطرحون فيها البذر، أنتم تنبتونه وتحصلونه زرعا فيكون فيه السنبل ~~والحب أم نحن نفعل ذلك؟ وإنما منكم البذر وشق الأرض، فإذا أقررتم بأن إخراج ~~السنبل من الحب ليس إليكم، ms6018 فكيف تنكرون إخراج الأموات من الأرض وإعادتهم؟! ~~وأضاف الحرث إليهم والزرع إليه تعالى، لان الحرث فعلهم ويجري على اختيارهم، ~~والزرع من فعل الله تعالى # PageV17P217 # وينبت على اختياره لا على اختيارهم. وكذلك ما روى أبو هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: (لا يقولن أحدكم زرعت وليقل حرثت فإن الزارع هو ~~الله) قال أبو هريرة: # ألم تسمعوا قول الله تعالى: (أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون). والمستحب ~~لكل من يلقي البذر في الأرض أن يقرأ بعد الاستعاذة (أفرأيتم ما تحرثون) ~~الآية، ثم يقول: بل الله الزارع والمنبت والمبلغ، اللهم صلي على محمد، ~~وارزقنا ثمره، وجنبنا ضرره، واجعلنا لأنعمك من الشاكرين، ولآلائك من ~~الذاكرين، وبارك لنا فيه يا رب العالمين. ويقال: إن هذا القول أمان لذلك ~~الزرع من جميع الآفات: الدود والجراد وغير ذلك، سمعناه من ثقة وجرب فوجد ~~كذلك. ومعنى (أأنتم تزرعونه) أي تجعلونه [زرعا (1)]. وقد يقال: فلان زراع ~~كما يقال حراث، أي يفعل ما يئول إلى أن يكون زرعا يعجب الزراع. وقد يطلق ~~لفظ الزرع على بذر الأرض وتكريبها تجوزا. # قلت: فهو نهي إرشاد [وأدب (2)] لا نهي حظر وإيجاب، ومنه قوله عليه ~~السلام: (لا يقولن أحدكم عبدي وأمتي وليقل غلامي وجاريتي وفتاي وفتاتي) وقد ~~مضى في (يوسف (3)) القول فيه. وقد بالغ بعض العلماء فقال: لا يقل حرثت ~~فأصبت، بل يقل: أعانني الله فحرثت، وأعطاني بفضله ما أصبت. قال الماوردي: ~~وتتضمن هذه الآية أمرين، أحدهما - الامتنان عليهم بأن أنبت زرعهم حتى عاشوا ~~به ليشكروه على نعمته عليهم. الثاني - البرهان الموجب للاعتبار، لأنه لما ~~أنبت زرعهم بعد تلاشي بذره، وانتقاله إلى استواء حاله من العفن والتتريب ~~حتى صار زرعا أخضر، ثم جعله قويا مشتدا أضعاف ما كان عليه، فهو بإعادة من ~~أمات أخف عليه وأقدر، وفي هذا البرهان مقنع لذوي الفطر السليمة. ثم قال (لو ~~نشاء لجعلناه حطاما) أي متكسرا يعني الزرع. والحطام الهشيم الهالك الذي لا ~~ينتفع به في مطعم ولا غذاء، فنبه بذلك أيضا على أمرين: أحدهما - ما أولاهم ms6019 ~~به من النعم في زرعهم إذ لم يجعله حطاما ليشكروه. الثاني - ليعتبروا بذلك ~~في أنفسهم، كما أنه يجعل # PageV17P218 # الزرع حطاما إذا شاء، وكذلك يهلكهم إذا شاء ليتعظوا فينزجروا. (فظلتم ~~تفكهون) أي تعجبون بذهابها وتندمون مما حل بكم، قاله الحسن وقتادة وغيرهما. ~~وفي الصحاح: وتفكه أي تعجب، ويقال: تندم، قال الله تعالى: (فظلتم تفكهون) ~~أي تندمون. وتفكهت بالشئ تمتعت به. وقال يمان: تندمون على نفقاتكم، دليله: ~~(فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق (1) فيها). # وقال عكرمة: تلاومون وتندمون على ما سلف منكم من معصية الله التي أوجبت ~~عقوبتكم حتى نالتكم في زرعكم. ابن كيسان: تحزنون، والمعنى متقارب. وفيه ~~لغتان: تفكهون وتفكنون: قال الفراء: والنون لغة عكل. وفي الصحاح: التفكن ~~التندم على ما فات. # وقيل: التفكه التكلم فيما لا يعنيك، ومنه قيل للمزاج فكاهة بالضم، فأما ~~الفكاهة بالفتح فمصدر فكه الرجل بالكسر فهو فكه إذا كان طيب النفس مزاحا. ~~وقراءة العامة (فظلتم) بفتح الظاء. وقرأ عبد الله (فظلتم) بكسر الظاء ~~ورواها هارون عن حسين عن أبي بكر. فمن فتح فعلى الأصل، والأصل ظللتم فحذف ~~اللام الأولى تخفيفا، ومن كسر نقل كسرة اللام الأولى إلى الظاء ثم حذفها. ~~(انا لمغرمون) وقرأ أبو بكر والمفضل (أئنا) بهمزتين على الاستفهام، ورواه ~~عاصم عن زربن حبيش. الباقون بهمزة واحدة على الخبر، أي يقولون (إنا ~~لمغرمون) أي معذبون، عن ابن عباس وقتادة قالا: والغرام العذاب، ومنه قول ~~ابن المحلم: # وثقت بأن الحفظ مني سجية * وأن فؤادي متبل بك مغرم وقال مجاهد وعكرمة: ~~لمولع بنا، ومنه قول النمر بن تولب: # سلا عن تذكره تكتما (2) * وكان رهينا بها مغرما يقال: أغرم فلان بفلانة، ~~أي أولع بها ومنه الغرام وهو الشر اللازم. وقال مجاهد أيضا: # لملقون شرا. وقال مقاتل بن حيان: مهلكون. النحاس: (إنا لمغرمون) مأخوذ من ~~الغرام وهو الهلاك، كما قال (3): # يوم النسار ويوم الجفا * ركانا عذابا وكانا غراما # PageV17P219 # الضحاك وابن كيسان: هو من الغرم، والمغرم الذي ذهب ماله بغير عوض، أي ~~غرمنا الحب الذي بذرناه. وقال مرة الهمداني: محاسبون. ms6020 (بل نحن محرومون) أي ~~حرمنا ما طلبنا من الريع. والمحروم الممنوع من الرزق. والمحروم ضد المرزوق ~~وهو المحارف في قول قتادة. # وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بأرض الأنصار فقال: (ما يمنعكم ~~من الحرث) قالوا: الجدوبة، فقال: (لا تفعلوا فإن الله تعالى يقول أنا ~~الزارع إن شئت زرعت بالماء وإن شئت زرعت بالريح وإن شئت زرعت بالبذر) ثم ~~تلا (أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون). # قلت: وفي هذا الخبر والحديث الذي قبله ما يصحح قول من أدخل الزارع في ~~أسماء الله سبحانه، وأباه الجمهور من العلماء، وقد ذكرنا ذلك في (الكتاب ~~الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى). # قوله تعالى: أفرءيتم الماء الذي تشربون (68) أأنتم أنزلتموه من المزن أم ~~نحن المنزلون (69) لو نشاء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون (70) أفرءيتم النار ~~التي تورون (71) أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون (72) نحن جعلناها ~~تذكرة ومتاعا للمقوين (73) فسبح باسم ربك العظيم (74) قوله تعالى: (أفرأيتم ~~الماء الذي تشربون) لتحيوا به أنفسكم، وتسكنوا به عطشكم، لان الشراب إنما ~~يكون تبعا للمطعوم، ولهذا جاء الطعام مقدما في الآية قبل، ألا ترى أنك تسقي ~~ضيفك بعد أن تطعمه. الزمخشري: ولو عكست قعدت تحت قول أبي العلاء: # إذا سقيت ضيوف الناس محضا * سقوا أضيافهم شبما زلالا (1) وسقي بعض العرب ~~فقال: أنا لا أشرب إلا على ثميلة. (أأنتم أنزلتموه من المزن) أي السحاب، ~~الواحدة مزنة، فقال الشاعر: # فنحن كماء المزن ما في نصابنا * كهام ولا فينا يعد بخيل (2) # PageV17P220 # وهذا قول ابن عباس ومجاهد وغيرهما أن المزن السحاب. وعن ابن عباس أيضا ~~والثوري: # المزن السماء والسحاب. وفي الصحاح: أبو زيد: المزنة السحابة البيضاء ~~والجمع مزن، والمزنة المطرة، قال: # ألم تر أن الله أنزل مزنة * وعفر الظباء في الكناس تقمع (1) (أم نحن ~~المنزلون) أي فإذا عرفتم بأني أنزلته فلم لا تشكروني بإخلاص العبادة لي؟ # ولم تنكرون قدرتي على الإعادة؟. (لو نشاء جعلناه أجاجا) أي ملحا شديد ~~الملوحة، قاله ابن عباس. الحسن: مرا قعاعا (2) لا تنتفعون به في شرب ولا ms6021 ~~زرع ولا غيرهما. (فلولا) أي فهلا تشكرون الذي صنع ذلك بكم. # قوله تعالى: (أفرأيتم النار التي تورون) أي أخبروني عن النار التي ~~تظهرونها بالقدح من الشجر الرطب (أأنتم أنشأتم شجرتها) يعني التي تكون منها ~~الزناد وهي المرخ والعفار، ومنه قولهم: في كل شجر نار، واستمجد المرخ ~~والعفار، أي استكثر منها، كأنهما أخذا من النار ما هو حسبهما. ويقال: ~~لأنهما يسرعان الوري. يقال: أوريت النار إذا قدحتها. # وورى الزند يري إذا انقدح منه النار. وفيه لغة أخرى: ووري الزند يري ~~بالكسر فيهما. # (أم نحن المنشئون) أي المخترعون الخالقون، أي فإذا عرفتم قدرتي فاشكروني ~~ولا تنكروا قدرتي على البعث. # قوله تعالى: (نحن جعلناها تذكرة) يعني نار الدنيا موعظة للنار الكبرى، ~~قال قتادة. # ومجاهد: تبصرة للناس من الظلام. وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: (إن ناركم هذه التي يوقد بنو آدم جزء من سبعين جزءا من نار جهنم) ~~فقالوا يا رسول الله: أن كانت لكافية، قال: (فإنها فضلت عليها بتسعة وستين ~~جزءا كلهن مثل حرها). (ومتاعا للمقوين) قال الضحاك: أي منفعة للمسافرين، ~~سموا بذلك لنزولهم القوى وهو القفر. الفراء: إنما يقال # PageV17P221 # للمسافرين: مقوين إذا نزلوا القي وهي الأرض القفر التي لا شئ فيها. وكذلك ~~القوى والقواء بالمد والقصر، ومنزل قواء لا أنيس به، يقال: أقوت الدار ~~وقويت أيضا أي خلت من سكانها، قال النابغة: # يا دار مية بالعلياء فالسند * أقوت وطال عليها سالف الأمد وقال عنترة: # حييت من طلل تقادم عهده * أقوى وأقفر بعد أم الهيثم ويقال: أقوى أي قوي ~~وقوي أصحابه، وأقوى إذا سافر أي نزل القواء والقي. وقال مجاهد: # (للمقوين) المستمتعين بها من الناس أجمعين في الطبخ والخبز والاصطلاء ~~والاستضاءة، ويتذكر بها نار جهنم فيستجار بالله منها. وقال ابن زيد: ~~للجائعين في، إصلاح طعامهم. يقال: أقويت منذ كذا وكذا، أي ما أكلت شيئا، ~~وبات فلان القواء وبات القفر إذا بات جائعا على غير طعم، قال الشاعر (1): # وإني لاختار القوى طاوي الحشي * محافظة من أن يقال لئيم وقال الربيع ms6022 ~~والسدي: (المقوين) المنزلين [الذين (2)] لا زناد معهم، يعني نارا يوقدون ~~فيختبزون بها؟ # ورواه العوفي عن ابن عباس. وقال قطرب: المقوي من الأضداد يكون بمعنى ~~الفقير ويكون بمعنى الغني، يقال: أقوى الرجل إذا لم يكن معه زاد، وأقوى إذا ~~قويت دوابه وكثر ماله. # المهدوي: والآية تصلح للجميع، لان النار يحتاج إليها المسافر والمقيم ~~والغني والفقير. وحكى الثعلبي أن أكثر المفسرين على القول الأول. القشيري: ~~وخص المسافر بالانتفاع بها لان انتفاعه بها أكثر من منفعة المقيم، لان أهل ~~البادية لا بد لهم من النار يوقدونها ليلا لتهرب منهم السباع، وفي كثير من ~~حوائجهم. # قوله تعالى: (فسبح باسم ربك العظيم) أي فنزه الله عما أضافه إليه ~~المشركون من الأنداد، والعجز عن البعث. # PageV17P222 # قوله تعالى: فلا أقسم بمواقع النجوم (75) وانه لقسم لو تعلمون عظيم (76) ~~انه لقرآن كريم (77) في كتاب مكنون (78) لا يمسه الا المطهرون (89) تنزيل ~~من العالمين (80) فيه سبع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (فلا أقسم) (لا) صلة في قول أكثر المفسرين، والمعنى ~~فأقسم، بدليل قوله: (وانه لقسم). وقال الفراء: هي نفي، والمعنى ليس الامر ~~كما تقولون، ثم أستأنف (أقسم). وقد يقول الرجل: لا والله ما كان كذا فلا ~~يريد به نفي اليمين، بل يريد به نفي كلام تقدم. أي ليس الامر كما ذكرت، بل ~~هو كذا. وقيل: (لا) بمعنى إلا للتنبيه كما قال (1): # * ألا عم صباحا أيها الطلل البالي * ونبه بهذا على فضيلة القرآن ~~ليتدبروه، وأنه ليس بشعر ولا سحر ولا كهانة كما زعموا. وقرأ الحسن وحميد ~~وعيسى بن عمر (فلا أقسم) بغير ألف بعد اللام على التحقيق وهو فعل حال ويقدر ~~مبتدأ محذوف، التقدير: فلانا أقسم بذلك. ولو أريد به الاستقبال للزمت ~~النون، وقد جاء حذف النون مع الفعل الذي يراد به الاستقبال وهو شاذ. # الثانية - قوله تعالى: (بمواقع النجوم) مواقع النجوم مساقطها ومغاربها في ~~قول قتادة وغيره. عطاء بن أبي رباح: منازلها. الحسن: انكدارها وانتثارها ~~يوم القيامة. # الضحاك: هي الأنواء التي كان أهل الجاهلية يقولون إذا مطروا قالوا مطرنا ~~بنوء كذا. # الماوردي: ms6023 ويكون قوله تعالى: (فلا أقسم) مستعملا على حقيقته من نفي ~~القسم. القشيري: # هو قسم، ولله تعالى أن يقسم بما يريد، وليس لنا أن نقسم بغير الله تعالى ~~وصفاته القديمة. # PageV17P223 # قلت: يدل على هذا قراءة الحسن (فلا أقسم) وما أقسم به سبحانه من مخلوقاته ~~في غير موضع من كتابه. وقال ابن عباس: المراد بمواقع النجوم نزول القرآن ~~نجوما، أنزله الله تعالى من اللوح المحفوظ من السماء العليا إلى السفرة ~~الكاتبين، فنجمه السفرة على جبريل عشرين ليلة، ونجمه جبريل على محمد عليهما ~~الصلاة والسلام عشرين سنة، فهو ينزله على الاحداث من أمته، حكاه الماوردي ~~عن ابن عباس والسدي. وقال أبو بكر الأنباري: حدثنا إسماعيل ابن إسحاق ~~القاضي حدثنا حجاج بن المنهال حدثنا همام عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن ~~عباس قال: نزل القرآن إلى سماء الدنيا جملة واحدة، ثم نزل إلى الأرضي ~~نجوما، وفرق بعد ذلك خمس آيات خمس آيات وأقل وأكثر، فذلك قول الله تعالى: ~~(فلا أقسم بمواقع النجوم. # وإنه لقسم لو تعلمون عظيم. انه لقرآن كريم). وحكى الفراء عن ابن مسعود أن ~~مواقع النجوم هو محكم القرآن. وقرأ حمزة والكسائي (بموقع) على التوحيد، وهي ~~قراءة عبد الله ابن مسعود والنخعي والأعمش وابن محيصن ورويس عن يعقوب. ~~الباقون على الجمع، فمن أفرد فلانه اسم جنس يؤدي الواحد فيه عن الجمع، ومن ~~جمع فلاختلاف أنواعه. # الثالثة - قوله تعالى: (انه لقرآن كريم) قيل: إن الهاء تعود على القرآن، ~~أي إن القرآن لقسم عظيم، قال ابن عباس وغيره. وقيل: ما أقسم الله به عظيم ~~(إنه لقرآن كريم) ذكر المقسم عليه، أي أقسم بمواقع النجوم إن هذا القرآن ~~قرآن كريم، ليس بسحر ولا كهانة، وليس بمفترى، بل هو قرآن كريم محمود، جعله ~~الله تعالى معجزة لنبيه صلى الله عليه وسلم، وهو كريم على المؤمنين، لأنه ~~كلام ربهم، وشفاء صدورهم، كريم على أهل السماء، لأنه تنزيل ربهم ووحيه. ~~وقيل: (كريم) أي غير مخلوق. وقيل: (كريم) لما فيه من كريم الأخلاق ومعاني ~~الأمور. وقيل: لأنه يكرم ms6024 حافظه، ويعظم قارئه. # الرابعة - قوله تعالى: (في كتاب مكنون) مصون عند الله تعالى. وقيل: # مكنون محفوظ عن الباطل. والكتاب هنا كتاب في السماء، قاله ابن عباس. وقال ~~جابر بن زيد وابن عباس أيضا: هو اللوح المحفوظ. عكرمة: التوراة والإنجيل ~~فيهما ذكر PageV17P224 # القرآن ومن ينزل عليه. السدي: الزبور. مجاهد وقتادة: هو المصحف الذي في ~~أيدينا. # الخامسة - قوله تعالى: (لا يمسه الا المطهرون) اختلف في معنى (لا يمسه) ~~هل هو حقيقة في المس بالجارحة أو معنى؟ وكذلك اختلف في (المطهرون) من هم؟ ~~فقال أنس وسعيد بن جبير: لا يمس ذلك الكتاب إلا المطهرون من الذنوب وهم ~~الملائكة. وكذا قال أبو العالية وابن زيد: إنهم الذين طهروا من الذنوب ~~كالرسل من الملائكة والرسل من بني آدم، فجبريل النازل به مطهر، والرسل ~~الذين يجيئهم بذلك مطهرون. الكلبي: هم السفرة الكرام البررة. وهذا كله قول ~~واحد، وهو نحو ما اختاره مالك حيث قال: أحسن ما سمعت في قوله (لا يمسه إلا ~~المطهرون) أنها بمنزلة الآية التي في (عبس وتولى) (فمن شاء ذكره. في صحف ~~مكرمة. مرفوعة مطهرة. بأيدي سفرة. كرام بررة (1)) يريد أن المطهرين هم ~~الملائكة الذين وصفوا بالطهارة في سورة (عبس). وقيل: معنى (لا يمسه) لا ~~ينزل به (إلا المطهرون) أي الرسل من الملائكة على الرسل من الأنبياء. وقيل: ~~لا يمس اللوح المحفوظ الذي هو الكتاب المكنون إلا الملائكة المطهرون. وقيل: ~~إن إسرافيل هو الموكل بذلك، حكاه القشيري. ابن العربي: وهذا باطل لان ~~الملائكة لا تناله في وقت ولا تصل إليه بحال، ولو كان المراد به ذلك لما ~~كان للاستثناء فيه مجال. وأما من قال: إنه الذي بأيدي الملائكة في الصحف ~~فهو قول محتمل، وهو اختيار مالك. وقيل: المراد بالكتاب المصحف الذي ~~بأيدينا، وهو الأظهر. وقد روى مالك وغيره أن كتاب عمرو بن حزم الذي كتبه له ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ونسخته: (من محمد النبي إلى شرحبيل بن عبد ~~كلال والحارث بن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال قيل ذي رعين ومعافر ms6025 وهمدان أما ~~بعد) وكان في كتابه: ألا يمس القرآن إلا طاهر. وقال ابن عمر: قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: (لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر). وقالت أخت عمر لعمر عند ~~إسلامه وقد دخل عليها ودعا بالصحيفة: (لا يمسه # PageV17P225 # إلا المطهرون) فقام واغتسل وأسلم. وقد مضى في أول سورة (طه (1)). وعلى ~~هذا المعنى قال قتادة وغيره: (لا يمسه إلا المطهرون) من الاحداث والأنجاس. ~~الكلبي: من الشرك. # الربيع بن أنس: من الذنوب والخطايا. وقيل: معنى (لا يمسه) لا يقرؤه (إلا ~~المطهرون) إلا الموحدون، قاله محمد بن فضيل وعبدة. قال عكرمة: كان ابن عباس ~~ينهي أن يمكن أحد من اليهود والنصارى من قراءة القرآن. وقال الفراء: لا يجد ~~طعمه ونفعه وبركته إلا المطهرون، أي المؤمنون بالقرآن. ابن العربي: وهو ~~اختيار البخاري، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ذاق طعم الايمان من رضي ~~بالله ربا وبالاسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا). وقال الحسين بن ~~الفضل: لا يعرف تفسيره وتأويله إلا من طهره الله من الشرك والنفاق. وقال ~~أبو بكر الوراق: لا يوفق للعمل به إلا السعداء. وقيل: المعنى لا يمس ثوابه ~~إلا المؤمنون. ورواه معاذ عن النبي صلى الله عليه وسلم. ثم قيل: ظاهر الآية ~~خبر عن الشرع، أي لا يمسه إلا المطهرون شرعا، فإن وجد خلاف ذلك فهو غير ~~الشرع، وهذا اختيار القاضي أبي بكر بن العربي. وأبطل أن يكون لفظه لفظ ~~الخبر ومعناه الامر. وقد مضى هذا المعنى في سورة (البقرة (2)). المهدوي: ~~يجوز أن يكون أمرا وتكون ضمة السين ضمة إعراب. ويجوز أن يكون نهيا وتكون ~~ضمة السين ضمة بناء والفعل مجزوم. # السادسة - واختلف العلماء في مس المصحف على غير وضوء، فالجمهور على المنع ~~من مسه لحديث عمرو بن حزم. وهو مذهب علي وابن مسعود وسعد بن أبي وقاص وسعيد ~~ابن زيد وعطاء والزهري والنخعي والحكم وحماد، وجماعة من الفقهاء منهم مالك ~~والشافعي. # واختلفت الرواية عن أبي حنيفة، فروي عنه أنه يمسه المحدث، وقد روي هذا عن ~~جماعة من ms6026 السلف منهم ابن عباس والشعبي وغيرهما. وروي عنه أنه يمس ظاهره ~~وحواشيه وما لا مكتوب فيه، وأما الكتاب فلا يمسه إلا طاهر. أبن العربي: ~~وهذا إن سلمه مما يقوي الحجة عليه، لان حريم الممنوع ممنوع. وفيما كتبه ~~النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو # PageV17P226 # ابن حزم أقوى دليل عليه. وقال مالك: لا يحمله غير طاهر بعلاقة ولا على ~~وسادة. وقال أبو حنيفة: لا بأس بذلك. ولم يمنع من حمله بعلاقة أو مسه ~~بحائل. وقد روي عن الحكم وحماد وداود بن علي أنه لا بأس بحمله ومسه للمسلم ~~والكافر طاهرا أو محدثا، إلا أن داود قال: # لا يجوز للمشرك حمله. واحتجوا في إباحة ذلك بكتاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم إلى قيصر، وهو موضع ضرورة فلا حجة فيه. وفي مس الصبيان إياه على ~~وجهين: أحدهما المنع اعتبارا بالبالغ. والثاني الجواز، لأنه لو منع لم يحفظ ~~القرآن، لان تعلمه (1) حال الصغر، ولأن الصبي وإن كانت له طهارة إلا أنها ~~ليست بكاملة، لان النية لا تصح منه، فإذا جاز أن يحمله على غير طهارة كاملة ~~جاز أن يحمله محدثا. # السابعة - قوله تعالى: (تنزيل من رب العالمين) أي منزل، كقولهم: ضرب ~~الأمير ونسج اليمن. وقيل: (تنزيل) صفة لقوله تعالى: (إنه لقرآن كريم). # وقيل: أي هو تنزيل. # قوله تعالى: أفبهذا الحديث أنتم مدهنون (81) وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون ~~(82) فلولا إذا بلغت الحلقوم (83) وأنتم حينئذ تنظرون (84) ونحن أقرب إليه ~~منكم ولكن لا تبصرون (85) فلو لا ان كنتم غير مدينين (86) ترجعونها ان كنتم ~~صادقين (87) قوله تعالى: (أفبهذا الحديث) يعني القرآن (أنتم مدهنون) أي ~~مكذبون، قاله ابن عباس وعطاء وغيرهما. والمدهن الذي ظاهره خلاف باطنه، كأنه ~~شبه بالدهن في سهولة ظاهره. وقال مقاتل بن سليمان وقتادة: مدهنون كافرون، ~~نظيره: (ودوا لو تدهن فيدهنون (2)). وقال المؤرج: المدهن المنافق أو الكافر ~~الذي يلين جانبه ليخفي كفره، # PageV17P227 # والادهان والمداهنة التكذيب والكفر والنفاق، وأصله اللين، وأن يسر خلاف ~~ما يظهر، وقال أبو قيس بن الأسلت: # الحزم والقوة خير من * الادهان والفهة والهاع (1) وأدهن وداهن ms6027 واحد. وقال ~~قوم: داهنت بمعنى واريت وأدهنت بمعنى غششت. وقال الضحاك: (مدهنون) معرضون. ~~مجاهد: ممالئون الكفار على الكفر به. ابن كيسان: # المدهن الذي لا يعقل ما حق الله عليه ويدفعه بالعلل. وقال بعض اللغويين: ~~مدهنون تاركون للجزم في قبول القرآن. # قوله تعالى: (وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون) قال ابن عباس: تجعلون شكركم ~~التكذيب. وذكر الهيثم بن عدي: أن من لغة أزد شنوءة ما رزق فلان؟ أي ما ~~شكره. # وإنما صلح أن يوضع اسم الرزق مكان شكره، لان شكر الرزق يقتضي الزيادة فيه ~~فيكون الشكر رزقا على هذا المعنى. فقيل: (وتجعلون رزقكم) أي شكر رزقكم الذي ~~لو وجد منكم لعاد رزقا لكم (أنكم تكذبون) بالرزق أن تضعون الكذب مكان ~~الشكر، كقوله تعالى: (وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية (2)) أي لم ~~يكونوا يصلون ولكنهم كانوا يصفرون ويصفقون مكان الصلاة. ففيه بيان أن ما ~~أصاب العباد من خير فلا ينبغي أن يروه من قبل الوسائط التي جرت العادة بأن ~~تكن أسبابا، بل ينبغي أن يروه من قبل الله تعالى، ثم يقابلونه بشكر إن كان ~~نعمة، أو صبر إن كان مكروها تعبدا له وتذللا. وروي عن علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ (وتجعلون شكركم أنكم تكذبون) ~~حقيقة. وعن ابن عباس أيضا: # أن المراد به الاستسقاء بالانواء، وهو قول العرب: مطرنا بنوء كذا، رواه ~~علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم. وفي صحيح مسلم عن ابن عباس ~~قال: مطر الناس على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: (أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر قالوا # PageV17P228 # هذه رحمة الله وقال بعضهم لقد صدق نوء كذا وكذا، قال: فنزلت هذه الآية: ~~(فلا أقسم بمواقع النجوم - حتى بلغ - (وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون)). وعنه ~~أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في سفر فعطشوا فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: (أرأيتم أن دعوت الله لكم فسقيتم لعلكم تقولون هذا المطر بنوء ms6028 ~~كذا) فقالوا: يا رسول الله ما هذا بحين الأنواء. فصلى ركعتين ودعا ربه ~~فهاجت ريح ثم هاجت سحابة فمطروا، فمر النبي صلى الله عليه وسلم ومعه عصابة ~~من أصحابه برجل يغترف بقدح له وهو يقول سقينا بنوء كذا، ولم يقل هذا من رزق ~~الله فنزلت: (وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون) أي شكركم لله على رزقه إياكم ~~(أنكم تكذبون) بالنعمة وتقولون سقينا بنوء كذا، كقولك: جعلت إحساني إليك ~~إساءة منك إلي، وجعلت إنعامي لديك أن اتخذتني عدوا. وفي الموطأ عن زيد بن ~~خالد الجهني أنه قال: صلى بنا رسول الله صلى عليه وسلم صلاة الصبح ~~بالحديبية على إثر (1) سماء كانت من الليل، فلما أنصرف أقبل على الناس ~~وقال: (أتدرون ماذا قال ربكم) قالوا: الله ورسول أعلم، قال: (أصبح من عبادي ~~مؤمن بي وكافر بالكوكب فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي ~~كافر بالكوكب وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك مؤمن بالكوكب كافر بي). ~~قال الشافعي رحمه الله: لا أحب أحدا أن يقول مطرنا بنوء كذا وكذا، وإن كان ~~النوء عندنا الوقت المخلوق لا يضر ولا ينفع، ولا يمطر ولا يحبس شيئا من ~~المطر، والذي أحب أن يقول: مطرنا وقت كذا كما تقول مطرنا شهر كذا، ومن قال: ~~مطرنا بنوء كذا، وهو يريد أن النوء أنزل الماء، كما عني بعض أهل الشرك من ~~الجاهلية بقوله فهو كافر، حلال دمه إن لم يتب. وقال أبو عمر بن عبد البر: ~~وأما قوله عليه الصلاة والسلام حاكيا عن الله سبحانه: # (أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر) فمعناه عندي على وجهين: أما أحدهما فإن ~~المعتقد بأن النوء هو الموجب لنزول الماء، وهو المنشئ للسحاب دون الله عز ~~وجل فذلك كافر كفرا صريحا (2) يجب استتابته عليه وقتله [إن (3) أبى] لنبذه ~~الاسلام ورده القرآن. والوجه الآخر أن # PageV17P229 # يعتقد أن النوء ينزل الله به الماء، وأنه سبب الماء على ما قدره الله ~~وسبق في علمه، وهذا وإن كان وجها مباحا، فإن فيه أيضا كفرا بنعمة ms6029 الله عز ~~وجل، وجهلا بلطيف حكمته في أنه ينزل الماء متى شاء، مرة بنوء كذا، ومرة ~~بنوء كذا، وكثيرا ما ينوء النوء فلا ينزل معه شئ من الماء، وذلك من الله ~~تعالى لا من النوء. وكذلك كان أبو هريرة يقول إذا أصبح وقد مطر: مطرنا بنوء ~~الفتح، ثم يتلو: (ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها (1)) قال أبو ~~عمر: وهذا عندي نحو قول وسول الله صلى الله عليه وسلم: (مطرنا بفضل الله ~~ورحمته). # ومن هذا الباب قول عمر بن الخطاب للعباس بن عبد المطلب حين استسقى به: يا ~~عم رسول الله صلى الله عليه وسلم كم بقي من نوء الثريا؟ فقال العباس: ~~العلماء يزعمون أنها تعترض في الأفق سبعا بعد سقوطها. فما مضت سابعة حتى ~~مطروا، فقال عمر: الحمد لله هذا بفضل الله ورحمته. # وكان عمر رحمه الله قد علم أن نوء الثريا وقت يرجى فيه المطر ويؤمل فسأله ~~عنه أخرج أم بقيت منه بقية؟. وروى سفيان بن عيينة عن إسماعيل بن أمية أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلا في بعض أسفاره يقول: مطرنا ببعض عثانين ~~الأسد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كذبت بل هو سقيا الله عز وجل) ~~قال سفيان: عثانين الأسد الذراع والجبهة. وقراءة العامة (تكذبون) من ~~التكذيب. وقرأ المفضل عن عاصم ويحيي بن وثاب (تكذبون) بفتح التاء مخففا. ~~ومعناه ما قدمناه من قول من قال: مطرنا بنوء كذا. وثبت من حديث أنس بن مالك ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاث لن يزلن في أمتي التفاخر في ~~الأحساب والنياحة والأنواء) ولفظ مسلم في هذا (أربع في أمتي من أمر ~~الجاهلية لا يتركونهن الفخر في الأحساب والطعن في الأنساب والاستسقاء ~~بالنجوم والنياحة). # قوله تعالى: (فلولا إذا بلغت الحلقوم) أي فهلا إذا بلغت النفس أو الروح ~~الحلقوم. # ولم يتقدم لها ذكر، لان المعنى معروف، قال حاتم. # أماوي ما يغنى الثراء عن الفتى * إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر # PageV17P230 # وفي حديث: (إن ms6030 ملك الموت له أعوان يقطعون العروق يجمعون الروح شيئا فشيئا ~~حتى ينتهى بها إلى الحلقوم فيتوفاها ملك الموت). (وأنتم حينئذ تنظرون) أمري ~~وسلطاني. وقيل: تنظرون إلى الميت لا تقدرون له على شئ. وقال ابن عباس: يريد ~~من حضر من أهل الميت ينتظرون متى تخرج نفسه. ثم قيل: هو رد عليهم في قولهم ~~لإخوانهم (لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا (1)) أي فهل ردوا روح الواحد ~~منهم إذا بلغت الحلقوم. # وقيل: المعنى فهلا إذا بلغت نفس أحدكم الحلقوم عند النزع وأنتم حضور ~~أمسكتم روحه في جسده، مع حرصكم على امتداد عمره، وحبكم لبقائه. وهذا ردا ~~لقولهم: (نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر (2)). وقيل: هو خطاب لمن هو في ~~النزع، أي إن لم يك ما بك من الله فهلا حفظت على نفسك الروح. (ونحن أقرب ~~إليه منكم) أي بالقدرة والعلم والرؤية. # قال عامر بن عبد القيس: ما نظر إلى شئ إلا رأيت الله تعالى أقرب إلى منه. ~~وقيل: # أراد ورسلنا الذين يتولون قبضه (أقرب إليه منكم) (ولكن لا تبصرون) أي لا ~~ترونهم. # قوله تعالى: (فلولا ان كنتم غير مدينين) أي فهلا إن كنتم غير محاسبين ولا ~~مجزيين بأعمالكم، ومنه قوله تعالى: (إنا لمدينون) أي مجزيون محاسبون. وقد ~~تقدم (3). وقيل: # غير مملوكين ولا مقهورين. قال الفراء وغيره: دنته ملكته، وأنشد للحطيئة: # لقد دنيت أمر بنيك حتى * تركتهم أدق من الطحين يعنى ملكت. ودانه أي أذله ~~واستعبده، يقال: دنته فدان. وقد مضى في (الفاتحة (5)) القول في هذا عند ~~قوله تعالى: (يوم الدين). (ترجعونها) ترجعون الروح إلى الجسد. # (ان كنتم صادقين) أي ولن ترجعوها فبطل زعمكم أنكم غير مملوكين ولا ~~محاسبين. و (ترجعونها) جواب لقوله تعالى: (فلولا إذا بلغت الحلقوم) ولقوله: ~~(فلولا إن كنتم غير مدينين) # PageV17P231 # أجيبا بجواب واحد، قاله الفراء. وربما أعادت العرب الحرفين ومعناهما ~~واحد، ومنه قوله تعالى: (فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ~~ولا هم يحزنون (1)) أجيبا بجواب واحد وهما شرطان. وقيل: حذف أحدهما لدلالة ~~الآخر عليه. وقيل: ms6031 فيها تقديم وتأخير، مجازها: فلولا وهلا إن كنتم غير ~~مدينين ترجعونها، تردون نفس هذا الميت إلى جسده إذا بلغت الحلقوم. # قوله تعالى: فأما ان كان من المقربين فروح وريحان وجنت نعيم (89) وأما ان ~~كان من أصحاب اليمين (90) فسلام لك من أصحاب اليمين (91) وأما ان كان من ~~المكذبين الضالين (92) فنزل من حميم (93) وتصلية حجيم (94) ان هذا لهو حق ~~اليقين (95) فسبح بالسم ربك العظيم (96) قوله تعالى: (فأما ان كان من ~~المقربين) ذكر طبقات الخلق عند الموت وعند البعث، وبين درجاتهم فقال: (فأما ~~إن كان) هذا المتوفى (من المقربين) وهم السابقون. # (فروح وريحان وجنة نعيم) وقراءة العامة (فروح) بفتح الراء ومعناه عند ابن ~~عباس وغيره: # فراحة من الدنيا. وقال الحسن: الروح الرحمة. الضحاك: الروح الاستراحة. ~~القتبي: # المعنى له في القبر طيب نسيم. وقال أبو العباس بن عطاء: الروح النظر إلى ~~وجه الله، والريحان الاستماع لكلامه ووحيه، (وجنة نعيم) هو ألا يحجب فيها ~~عن الله عز وجل. # وقرأ الحسن وقتادة ونصر بن عاصم والجحدري ورويس وزيد عن يعقوب (فروح) بضم ~~الراء، ورويت عن ابن عباس. قال الحسن: الروح الرحمة، لأنها كالحياة ~~للمرحوم. وقالت عائشة رضي الله عنها: قرأ النبي صلى الله عليه وسلم (فروح) ~~بضم الراء ومعناه فبقاء له وحياة # PageV17P232 # في الجنة وهذا هو الرحمة. (وريحان) قال مجاهد وسعيد بن جبير: أي رزق. قال ~~مقاتل: # هو الرزق بلغة حمير، يقال: خرجت أطلب ريحان الله أي رزقه، قال النمر بن ~~تولب: # سلام الاله وريحانه * ورحمته وسماء درر وقال قتادة: إنه الجنة. الضحاك: ~~الرحمة. وقيل هو الريحان المعروف الذي يشم. # قاله الحسن وقتادة أيضا. الربيع بن خيثم: هذا عند الموت والجنة مخبوءة له ~~إلى أن يبعث. # أبو الجوزاء: هذا عند قبض روحه يتلقى بضبائر الريحان. أبو العالية: لا ~~يفارق أحد روحه من المقربين في الدنيا حتى يؤتى بغصنين من ريحان فيشمهما ثم ~~يقبض روحه فيهما، وأصل ريحان واشتقاقه تقدم في أول سورة (الرحمن (1)) ~~فتأمله. وقد سرد الثعلبي في الروح والريحان أقوالا كثيرة سوى ما ذكرنا من ms6032 ~~أرادها وجدها هناك. # قوله تعالى: (وأما ان كان من أصحاب اليمين) أي (إن كان) هذا المتوفى (من ~~أصحاب اليمين) (فسلام لك من أصحاب اليمين) أي لست ترى منهم إلا ما تحب من ~~السلامة فلا تهتم لهم، فإنهم يسلمون من عذاب الله. وقيل: المعنى سلام لك ~~منهم، أي أنت سالم من الاغتمام لهم. والمعنى واحد. وقيل: أي إن أصحاب ~~اليمين يدعون لك يا محمد بأن يصلي الله عليك ويسلم. وقيل: المعنى إنهم ~~يسلمون عليك يا محمد. وقيل: معناه سلمت أيها العبد مما تكره فإنك من أصحاب ~~اليمين، فحذف إنك. وقيل: إنه يحيا بالسلام إكراما، فعلى هذا في محل السلام ~~ثلاثة أقاويل: أحدها عند قبض روحه في الدنيا يسلم عليه ملك الموت، قاله ~~الضحاك. وقال ابن مسعود: إذا جاء ملك الموت ليقبض روح المؤمن قال: ربك ~~يقرئك السلام. وقد مضى هذا في سورة (النحل (2)) عند قوله تعالى: (الذين ~~تتوفاهم الملائكة طيبين). # الثاني عند مساءلته في القبر يسلم عليه منكر ونكير. الثالث عند بعثه في ~~القيامة تسلم عليه الملائكة قبل وصوله إليها. # PageV17P233 # قلت: وقد يحتمل أن تسلم عليه في المواطن الثلاثة ويكون ذلك إكراما بعد ~~إكرام. # والله أعلم. وجواب (إن) عند المبرد محذوف التقدير مهما يكن من شئ (فسلام ~~لك من أصحاب اليمين) إن كان من أصحاب اليمين (فسلام لك من أصحاب اليمين) ~~فحذف جواب الشرط لدلالة ما تقدم عليه، كما حذف الجواب في نحو قولك أنت ظالم ~~إن فعلت، لدلالة ما تقدم عليه. ومذهب الأخفش أن الفاء جواب (أما) و (إن)، ~~ومعنى ذلك أن الفاء جواب (أما) وقد سدت مسد جواب (إن) على التقدير المتقدم، ~~والفاء جواب لهما على هذا الحد. ومعنى (أما) عند الزجاج: الخروج من شئ إلى ~~شئ، أي دع ما كنا فيه وخذ في غيره. # قوله تعالى: (وأما ان كان من المكذبين) بالبعث (الضالين) عن الهدى وطريق ~~الحق (فنزل من حميم) أي فلهم رزق من حميم، كما قال: (ثم إنكم أيها الضالون ~~المكذبون. # لآكلون) وكما قال: (ثم إن لهم ms6033 عليها لشوبا من (1) حميم) (وتصلية جحيم) ~~إدخال في النار. # وقيل: إقامة في الجحيم ومقاساة لأنواع عذابها، يقال: أصلاه النار وصلاه، ~~أي جعله يصلاها والمصدر ههنا أضيف إلى المفعول، كما يقال: لفلان إعطاء مال ~~أي يعطى المال. وقرئ (وتصلية) بكسر التاء أي ونزل من تصلية جحيم. ثم أدغم ~~أبو عمرو التاء في الجيم وهو بعيد. (ان هذا لهو حق اليقين) أي هذا الذي ~~قصصناه محض اليقين وخالصه. وجاز إضافة الحق إلى اليقين وهما واحد لاختلاف ~~لفظهما. قال المبرد: هو كقولك عين اليقين ومحض اليقين، فهو من باب إضافة ~~الشئ إلى نفسه عند الكوفيين. وعند البصريين حق الامر اليقين أو الخبر ~~اليقين. # وقيل: هو توكيد. وقيل: أصل اليقين أن يكون نعتا للحق فأضيف المنعوت إلى ~~النعت على الاتساع والمجاز، كقوله: (ولدار الآخرة (2)) وقال قتادة في هذه ~~الآية: إن الله ليس بتارك أحدا من الناس حتى يقفه على اليقين من هذا ~~القرآن، فأما المؤمن فأيقن في الدنيا فنفعه ذلك يوم القيامة، وأما الكافر ~~فأيقن يوم القيامة حين لا ينفعه اليقين. (فسبح باسم ربك العظيم) أي نزه ~~الله تعالى عن السوء. والباء زائدة أي سبح اسم ربك، والاسم المسمى. وقيل: # PageV17P234 # (فسبح) أي فصل بذكر ربك وبأمره. وقيل: فاذكر اسم ربك العظيم وسبحه. وعن ~~عقبة بن عامر قال: لما نزلت (فسبح بأسم ربك العظيم) قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # (اجعلوها في ركوعكم) ولما نزلت (سبح اسم ربك الاعلى) قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # (اجعلوها في سجودكم) خرجه أبو داود. والله أعلم. # سورة الحديد مدنية في قول الجميع، وهي تسع وعشرون آية عن العرباض بن ~~سارية أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بالمسبحات قبل أن يرقد ويقول: ~~(إن فيهن آية أفضل من ألف آية) يعني بالمسبحات (الحديد) و (الحشر) و (الصف) ~~و (الجمعة) و (التغابن). # بسم الله الرحمن الرحيم سبح لله ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم ~~(1) له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت وهو على كل شئ قدير (2) هو الأول ~~والاخر ms6034 والظاهر والباطن وهو بكل شئ عليم (3) قوله تعالى: (سبح لله ما في ~~السماوات والأرض) أي مجد الله ونزهه عن السوء. وقال ابن عباس: صلى لله (ما ~~في السماوات) ممن خلق من الملائكة (والأرض) من شئ فيه روح أولا روح فيه. ~~وقيل: هو تسبيح الدلالة. وأنكر الزجاج هذا وقال: لو كان هذا تسبيح الدلالة ~~وظهور آثار الصنعة لكانت مفهومة، فلم قال: (ولكن لا تفقهون تسبيحهم (1)) ~~وإنما هو تسبيح مقال. وأستدل بقوله تعالى: (وسخرنا مع داود الجبال يسبحن ~~(2)) فلو كان هذا تسبيح دلالة فأي تخصيص لداود؟! # PageV17P235 # قلت: وما ذكره هو الصحيح، وقد مضى بيانه والقول فيه في (سبحان (1)) عند ~~قوله تعالى: # (وإن من شئ إلا يسبح بحمده) (وهو العزيز الحكيم). # قوله تعالى: أي أنفرد بذلك. والملك عبارة عن الملك ونفوذ الامر فهو ~~سبحانه الملك القادر القاهر. وقيل: أراد خزائن المطر والنبات وسائر الرزق. ~~(يحيى ويميت) يميت الاحياء في الدنيا ويحيى الأموات للبعث. وقيل: يحيي ~~النطف وهي موات ويميت الاحياء. وموضع (يحيي ويميت) رفع على معنى وهو يحيى ~~ويميت. ويجوز أن يكون نصبا بمعنى (له ملك السماوات والأرض) محييا ومميتا ~~على الحال من المجرور في (له) والجار عاملا فيها. (وهو على كل شئ قدير) أي ~~الله لا يعجزه شئ. # قوله تعالى: (هو الأول والاخر والظاهر والباطن) اختلف في معاني هذه ~~الأسماء وقد بيناها في الكتاب الأسنى. وقد شرحها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم شرحا يغني عن قول كل قائل، فقال في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: ~~(اللهم أنت الأول فليس قبلك شئ وأنت الآخر فليس بعدك شئ وأنت الظاهر فليس ~~فوقك شئ وأنت الباطن فليس دونك شئ اقض عنا الدين وأغننا من الفقر) عنى ~~بالظاهر الغالب، وبالباطن العالم، والله أعلم. # (وهو كل شئ عليم) بما كان أو يكون فلا يخفى عليه شئ. # قوله تعالى: هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش ~~يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها ms6035 وهو ~~معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير (4) له ملك السماوات والأرض والى ~~الله ترجع الأمور (5) يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وهو عليم ~~بذات الصدور (6) # PageV17P236 # قوله تعالى: (هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم على العرش) ~~تقدم في (الأعراف (1)) مستوفى. # قوله تعالى: (يعلم ما يلج في الأرض) أي يدخل فيها من مطر وغيره (وما يخرج ~~منها) من نبات وغيره (وما ينزل من السماء) من رزق ومطر وملك (وما يعرج ~~فيها) يصعد فيها من ملائكة وأعمال العباد (وهو معكم) يعني بقدرته وسلطانه ~~وعلمه (أينما كنتم والله بما تعملون بصير) يبصر أعمالكم ويراها ولا يخفى ~~عليه شئ منها. وقد جمع في هذه الآية بين (استوى على العرش) وبين (وهو معكم) ~~والاخذ بالظاهرين تناقض فدل على أنه لا بد من التأويل، والاعراض عن التأويل ~~اعتراف بالتناقض. وقد قال الإمام أبو المعالي: # إن محمدا صلى الله عليه وسلم ليلة الاسراء لم يكن بأقرب إلى الله عز وجل ~~من يونس بن متى حين كان في بطن الحوت. وقد تقدم. # قوله تعالى: (له ملك السماوات والأرض) هذا التكرير للتأكيد أي هو المعبود ~~على الحقيقة (والى الله ترجع الأمور) أي أمور الخلائق في الآخرة. وقرأ ~~الحسن والأعرج ويعقوب وابن عامر وأبو حياة وابن محيصن وحميد والأعمش وحمزة ~~والكسائي وخلف (ترجع) بفتح التاء وكسر الجيم. الباقون (ترجع). # قوله تعالى: (يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل) تقدم في (آل ~~عمران (2)). # (وهو عليم بذات الصدور) أي لا تخفى عليه الضمائر، ومن كان بهذه الصفة فلا ~~يجوز أن يعبد من سواه. # PageV17P237 # قوله تعالى: آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه فالذين ~~آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير (7) وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول ~~يدعوكم لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ميثاقكم ان كنتم مؤمنين (8) هو الذي ينزل على ~~عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور وان الله بكم لرءوف رحيم (9) ~~قوله تعالى: (آمنوا بالله ورسوله) أي صدقوا أن الله واحد وأن محمدا رسوله ms6036 ~~(وأنفقوا) تصدقوا. وقيل أنفقوا في سبيل الله. وقيل: المراد الزكاة ~~المفروضة. وقيل: المراد غيرها من وجوه الطاعات وما يقرب منه (مما جعلكم ~~مستخلفين فيه) دليل على أن أصل الملك لله سبحانه، وأن العبد ليس له فيه إلا ~~التصرف الذي يرضي الله فيثيبه على ذلك بالجنة. فمن أنفق منها في حقوق الله ~~وهان عليه الانفاق منها، كما يهون عل الرجل، النفقة من مال غيره إذا أذن له ~~فيه، كان له الثواب الجزيل والاجر العظيم. وقال الحسن: (مستخلفين فيه) ~~بوراثتكم إياه عمن كان قبلكم. وهذا يدل على أنها ليست بأموالكم في الحقيقة، ~~وما أنتم فيها إلا بمنزلة النواب والوكلاء، فاغتنموا الفرصة فيها بإقامة ~~الحق قبل أن تزال عنكم إلى من بعدكم. (فالذين آمنوا) وعملوا الصالحات (منكم ~~وأنفقوا) في سبيل الله (لهم أجر كبير) وهو الجنة. # قوله تعالى: (وما لكم لا تؤمنون بالله) استفهام يراد به التوبيخ. أي أي ~~عذر لكم في ألا تؤمنوا وقد أزيحت العلل؟! (والرسول يدعوكم) بين بهذا أنه لا ~~حكم قبل ورود الشرائع. وقرأ أبو عمرو: (وقد أخذ ميثاقكم) على غير مسمى ~~الفاعل. والباقون على مسمى الفاعل، أي أخذ الله ميثاقكم. قال مجاهد: هو ~~الميثاق الأول الذي كان وهم في ظهر آدم بأن الله ربكم لا إله لكم سواه. ~~وقيل: أخذ ميثاقكم بأن ركب فيكم العقول، وأقام عليكم الدلائل والحجج التي ~~تدعو إلى متابعة الرسول (ان كنتم مؤمنين) أي إذ كنتم. وقيل: PageV17P238 # أي إن كنتم مؤمنين بالحجج والدلائل. وقيل: أي إن كنتم مؤمنين بحق يوما من ~~الأيام، فالآن أحرى الأوقات أن تؤمنوا لقيام الحجج والاعلام ببعثة محمد صلى ~~الله عليه وسلم فقد صحت براهينه. وقيل: إن كنتم مؤمنين بالله خالقكم. ~~وكانوا يعترفون بهذا. وقيل: هو خطاب لقوم آمنوا وأخذ النبي صلى الله عليه ~~وسلم ميثاقهم فارتدوا. وقوله: (إن كنتم مؤمنين) أي إن كنتم تقرون بشرائط ~~الايمان. # قوله تعالى: (هو الذي ينزل على عبده آيات بينات) يريد القرآن. وقيل: ~~المعجزات، أي لزمكم الايمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، لما معه ms6037 من ~~المعجزات، والقرآن أكبرها وأعظمها. (ليخرجكم) أي بالقرآن. وقيل: بالرسول. ~~وقيل: بالدعوة. (من الظلمات) وهو الشرك والكفر (إلى النور) وهو الايمان. ~~(وان الله بكم لرءوف رحيم). # قوله تعالى: وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث السماوات والأرض ~~لا يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا ~~من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير (10) فيه خمس ~~مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (وما لكم أن لا تنفقوا في سبيل الله) أي شئ يمنعكم ~~من الانفاق في سبيل الله، وفيما يقربكم من ربكم وأنتم تموتون وتخلفون ~~أموالكم وهي صائرة إلى الله تعالى. فمعنى الكلام التوبيخ على عدم الانفاق. ~~(ولله ميراث السماوات والأرض) أي إنهما راجعتان إليه بانقراض من فيهما ~~كرجوع الميراث إلى المستحق له. # الثانية - قوله تعالى: (لا يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل) أكثر ~~المفسرين على أن المراد بالفتح فتح مكة. وقال الشعبي والزهري: فتح ~~الحديبية. قال قتادة: PageV17P239 # كان قتالان أحدهما أفضل من الآخر، ونفقتان إحداهما أفضل من الأخرى، كان ~~القتال والنفقة قبل فتح مكة أفضل من القتال والنفقة بعد ذلك. وفي الكلام ~~حذف، أي (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل) ومن أنفق من بعد الفتح ~~وقاتل، فحذف لدلالة الكلام عليه. وإنما كانت النفقة قبل الفتح أعظم، لان ~~حاجة الناس كانت أكثر لضعف الاسلام، وفعل ذلك كان على المنفقين حينئذ أشق ~~والاجر على قدر النصب. والله أعلم. # الثالثة - روى أشهب عن مالك قال: ينبغي أن يقدم أهل الفضل والعزم، وقد ~~قال الله تعالى: (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل) وقال الكلبي: ~~نزلت في أبي بكر رضي الله عنه، ففيها دليل واضح على تفضيل أبي بكر رضي الله ~~عنه وتقديمه، لأنه أول من أسلم. وعن ابن مسعود: أول من أظهر الاسلام بسيفه ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، ولأنه أول من أنفق على نبي الله صلى ~~الله عليه وسلم. وعن أبن عمر قال: ms6038 كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم وعنده ~~أبو بكر وعليه عبادة قد خللها في صدره بخلال فنزل جبريل فقال: # يا نبي الله! ما لي أرى أبا بكر عليه عباءة قد خللها في صدره بخلال؟ ~~فقال: (قد أنفق علي ماله قبل الفتح) قال: فإن الله يقول لك اقرأ على أبي ~~بكر السلام وقل له أراض أنت في فقرك هذا أم ساخط؟ فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: (يا أبا بكر إن الله عز وجل يقرأ عليك السلام ويقول أراض أنت في ~~فقرك هذا أم ساخط)؟ فقال أبو بكر: أأسخط على ربي؟ # إني عن ربي لراض! إني عن ربي لراض! إني عن ربي لراض! قال: (فإن الله يقول ~~لك قد رضيت عنك كما أنت عني راض) فبكى أبو بكر فقال جبريل عليه السلام: ~~والذي بعثك يا محمد بالحق، لقد تخللت حملة العرش بالعبي منذ تخلل صاحبك هذا ~~بالعباءة، ولهذا قدمته الصحابة عل أنفسهم، وأقروا له بالتقدم والسبق. وقال ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنه: # سبق النبي صلى الله عليه وسلم وصلى (1) أبو بكر وثلث عمر، فلا أوتى برجل ~~فضلني على أبي بكر إلا جلدته حد المفتري ثمانين جلدة وطرح الشهادة. فنال ~~المتقدمون من المشقة أكثر مما نال من بعدهم، وكانت بصائرهم أيضا أنفذ. # PageV17P240 # الرابعة - التقدم والتأخر قد يكون في أحكام الدنيا، فأما في أحكام الدين ~~فقد قالت عائشة رضي الله عنها: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننزل ~~الناس منازلهم. وأعظم المنازل مرتبة الصلاة. وقد قال صلى الله عليه وسلم في ~~مرضه: (مروا أبا بكر فليصل بالناس) الحديث. وقال: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب ~~الله) وقال: (وليؤمكما أكبركما) من حديث مالك بن الحويرث وقد تقدم. وفهم ~~منه البخاري وغيره من العلماء أنه أراد كبر المنزلة، كما قال صلى الله عليه ~~وسلم: (الولاء للكبر) ولم يعن كبر السن. وقد قال مالك وغيره: إن للسن حقا. ~~وراعاه الشافعي وأبو حنيفة وهو أحق بالمراعاة، لأنه إذا أجتمع العلم والسن ~~في خيرين ms6039 قدم العلم، وأما أحكام الدنيا فهي مرتبة على أحكام الدين، فمن قدم ~~في الدين قدم في الدنيا. وفي الآثار: (ليس منا من لم يوقر كبيرنا ويرحم ~~صغيرنا ويعرف لعالمنا حقه). ومن الحديث الثابت في الافراد: (ما أكرم شاب ~~شيخا لسنه إلا قيض الله له عند سنه من يكرمه). وأنشدوا (1): # يا عائبا للشيوخ من أشر * داخله في الصبا ومن بذخ أذكر إذا شئت أن تعيرهم ~~* جدك واذكر أباك يا بن أخ واعلم بأن الشباب منسلخ * عنك وما وزره بمنسلخ ~~من لا يعز الشيوخ لا بلغت * يوما به سنه إلى الشيخ الخامسة - قوله تعالى: ~~(وكلا وعد الله الحسنى) أي المتقدمون المتناهون السابقون، والمتأخرون ~~اللاحقون، وعدهم الله جميعا الجنة مع تفاوت الدرجات. وقرأ ابن عامر (وكل) ~~بالرفع، وكذلك هو بالرفع في مصاحف أهل الشام. الباقون (وكلا) بالنصب على ما ~~في مصافحهم، فمن نصب فعلى إيقاع الفعل عليه أي وعد الله كلا الحسنى. ومن ~~رفع فلان المفعول إذا تقدم ضعف عمل الفعل، والهاء محذوفة من وعده. # PageV17P241 # قوله تعالى: من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر كريم ~~(11) يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم ~~اليوم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم (12) ~~قوله تعالى: (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا) ندب إلى الانفاق في سبيل ~~الله. # وقد مضى في (البقرة (1)) القول فيه. والعرب تقول لكل من فعل فعلا حسنا: ~~قد أقرض، كما قال (2): # وإذا جوزيت قرضا فاجزه * إنما يجزي الفتى ليس الجمل وسمي قرضا، لان القرض ~~أخرج لاسترداد البدل. أي من ذا الذي ينفق في سبيل الله حتى يبدله الله ~~بالأضعاف الكثيرة. قال الكلبي: (قرضا) أي صدقة (حسنا) أي محتسبا من قلبه ~~بلا من ولا أذى. (فيضاعفه له) ما بين السبع إلى سبعمائة إلى ما شاء الله من ~~الأضعاف. وقيل: القرض الحسن هو أن يقول سبحان الله والحمد الله ولا إله إلا ~~الله والله أكبر، رواه سفيان عن أبي (3) حيان. وقال زيد بن ms6040 أسلم: هو النفقة ~~على الأهل. # الحسن: التطوع بالعبادات. وقيل: إنه عمل الخير، والعرب تقول: لي عند فلان ~~قرض صدق وقرض سوء. القشيري: والقرض الحسن أن يكون المتصدق صادق النية طيب ~~النفس، يبتغي به وجه الله دون الرياء والسمعة، وأن يكون من الحلال. ومن ~~القرض الحسن ألا يقصد إلى الردئ فيخرجه، لقوله تعالى: (ولا تيمموا الخبيث ~~منه تنفقون (4)) # PageV17P242 # وأن يتصدق في حال يأمل الحياة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن أفضل ~~الصدقة فقال: (أن تعطيه وأنت صحيح شحيح تأمل العيش ولا تمهل حتى إذا بلغت ~~التراقي قلت لفلان كذا ولفلان كذا) وأن يخفي صدقته، لقوله تعالى: (وإن ~~تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم (1)) وألا يمن، لقوله تعالى: (ولا ~~تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى (1)) وأن يستحقر كثير ما يعطي، لان الدنيا ~~كلها قليلة، وأن يكون من أحب أمواله، لقوله تعالى: # (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما (2) تحبون) وأن يكون كثيرا، لقوله صلى ~~الله عليه وسلم: # (أفضل الرقاب أغلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها). (فيضاعفه له) وقرأ ابن ~~كثير وابن عامر (فيضعفه) بإسقاط الألف إلا ابن عامر ويعقوب نصبوا الفاء. ~~وقرأ نافع وأهل الكوفة والبصرة (فيضاعفه) بالألف وتخفيف العين إلا أن عاصما ~~نصب الفناء. ورفع الباقون عطفا على (يقرض). وبالنصب جوابا على الاستفهام. ~~وقد مضى في (البقرة (1)) القول في هذا مستوفى. (وله أجر كريم) يعني الجنة. # قوله تعالى: (يوم ترى المؤمنين والمؤمنات) العامل في (يوم) (وله أجر ~~كريم)، وفي الكلام حذف أي (وله أجر كريم) في (يوم ترى) فيه (المؤمنين ~~والمؤمنات يسعى نورهم) أي يمضى على الصراط في قول الحسن، وهو الضياء الذي ~~يمرون فيه (بين أيديهم) أي قدامهم. (وبأيمانهم) قال الفراء: الباء بمعنى ~~في، أي في أيمانهم. أو بمعنى عن أي عن أيمانهم. وقال الضحاك: (نورهم) هداهم ~~(وبأيمانهم) كتبهم، واختاره الطبري. أي يسعى إيمانهم وعملهم الصالح بين ~~أيديهم، وفي أيمانهم كتب أعمالهم. فالباء على هذا بمعنى في. # ويجوز على هذا أن يوقف على (بين أيديهم) ولا يوقف إذا كانت بمعنى عن. ~~وقرأ ms6041 سهل ابن سعد الساعدي وأبو حياة (وبأيمانهم) بكسر الألف، أراد الايمان ~~الذي هو ضد الكفر. # PageV17P243 # وعطف ما ليس بظرف على الظرف، لان معنى الظرف الحال وهو متعلق بمحذوف. ~~والمعنى يسعى كائنا (بين أيديهم) وكائنا (بأيمانهم)، وليس قوله: (بين ~~أيديهم) متعلقا بنفس (يسعى). وقيل: أراد بالنور القرآن. وعن ابن مسعود: ~~يؤتون نورهم على قدر أعمالهم، فمنهم من يؤتى نوره كالنخلة، ومنهم من يؤتى ~~نوره كالرجل القائم، وأدناهم نورا من نوره على إبهام رجله فيطفأ مرة ويوقد ~~أخرى. وقال قتادة: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن من ~~المؤمنين من يضئ نوره كما بين المدينة وعدن أو ما بين المدينة وصنعاء ودون ~~ذلك حتى يكون منهم من لا يضئ نوره إلا موضع قدميه) قال الحسن: ليستضيئوا به ~~على الصراط كما تقدم. وقال مقاتل: ليكون دليلا لهم إلى الجنة. والله أعلم. # قوله تعالى: (بشراكم اليوم جنات تجرى من تحتها الأنهار) التقدير يقال ~~لهم: # (بشراكم اليوم) دخول جنات. ولا بد من تقدير حذف المضاف، لان البشرى حدث، ~~والجنة عين فلا تكون هي هي. (تجري من تحتها الأنهار) أي من تحتهم أنهار ~~اللبن والماء والخمر والعسل من تحت مساكنها. (خالدين فيها) حال من الدخول ~~المحذوف، التقدير (بشراكم اليوم) دخول جنات (تجري من تحتها الأنهار) مقدرين ~~الخلود فيها ولا تكون الحال من بشراكم، لان فيه فصلا بين الصلة والموصول. ~~ويجوز أن يكون مما دل عليه البشرى، كأنه قال: تبشرون خالدين. ويجوز أن يكون ~~الظرف الذي هو (اليوم) خبرا عن (بشراكم) و (جنات) بدلا من البشرى على تقدير ~~حذف المضاف كما تقدم. و (خالدين) حال حسب ما تقدم. وأجاز الفراء نصب (جنات) ~~على الحال على أن يكون (اليوم) خبرا عن (بشراكم) وهو بعيد، إذ ليس في ~~(جنات) معنى الفعل. وأجاز أن يكون (بشراكم) نصبا على معنى يبشرونهم بشرى ~~وينصب (جنات) بالبشرى وفيه تفرقة بين الصلة والموصول. PageV17P244 # قوله تعالى: يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين ء امنوا انظرونا نقتبس ~~من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا ms6042 نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنه ~~فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب (13) ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ~~ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله ~~وغركم بالله الغرور (14) فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا ~~مأواكم النار هي مولاكم وبئس المصير (15) قوله تعالى: (يوم يقول المنافقون) ~~العامل في (يوم) (ذلك هو الفوز العظيم). # . وقيل: هو بد ل من اليوم الأول. (انظرونا نقتبس) قراءة العامة بوصل ~~الألف مضمومة الظاء من نظر، والنظر الانتظار أي انتظرونا. وقرأ الأعمش ~~وحمزة ويحيى بن وثاب (أنظرونا) بقطع الألف وكسر الظاء من الانظار. أي ~~أمهلونا وأخرونا، أنظرته أخرته، واستنظرته أي استمهلته. وقال الفراء: تقول ~~العرب: أنظرني انتظرني، وأنشد لعمرو بن كلثوم: # أبا هند فلا تعجل علينا * وأنظرنا نخبرك اليقينا أي انتظرنا. (نقتبس من ~~نوركم) أي نستضئ من نوركم. قال ابن عباس وأبو أمامة: # يغشى الناس يوم القيامة ظلمة - قال الماوردي: أظنها بعد فصل القضاء - ثم ~~يعطون نورا يمشون فيه. قال المفسرون: يعطي الله المؤمنين نورا يوم القيامة ~~على قدر أعمالهم يمشون به على الصراط، ويعطي المنافقين أيضا نورا خديعة ~~لهم، دليله قوله تعالى: (وهو خادعهم (1)). # وقيل: إنما يعطون النور، لان جميعهم أهل دعوة دون الكافر، ثم يسلب ~~المنافق نوره لنفاقه، قاله ابن عباس. وقال أبو أمامة: يعطى المؤمن النور ~~ويترك الكافر والمنافق بلا نور. # وقال الكلبي: بل يستضئ المنافقون بنور المؤمنين ولا يعطون النور، فبينما ~~هم يمشون # PageV17P245 # إذ بعث الله فيهم ريحا وظلمة فأطفأ بذلك نور المنافقين، فذلك قوله تعالى: ~~(ربنا أتمم لنا نورنا (1)) يقوله المؤمنون، خشية أن يسلبوه كما سلبه ~~المنافقون، فإذا بقي المنافقون في الظلمة لا يبصرون مواضع أقدامهم قالوا ~~للمؤمنين: (أنظرونا نقتبس من نوركم). (قيل ارجعوا وراءكم) أي قالت لهم ~~الملائكة (ارجعوا). وقيل: بل هو قول المؤمنين لهم (أرجعوا وراءكم) إلى ~~الموضع الذي أخذنا منه النور فاطلبوا هنالك لأنفسكم نورا فإنكم لا تقتبسون ~~من نورنا. فلما رجعوا وانعزلوا في طلب النور (ضرب بينهم بسور). وقيل: أي ms6043 ~~هلا طلبتم النور من الدنيا بأن تؤمنوا. (بسور) أي سور، والباء صلة. قال ~~الكسائي. # والسور حاجز بين الجنة والنار. وروي أن ذلك السور ببيت المقدس عند موضع ~~يعرف بوادي جهنم. (باطنه فيه الرحمة) يعني ما يلي منه المؤمنين (وظاهره من ~~قبله العذاب) يعني ما يلي المنافقين. قال كعب الأحبار: هو الباب الذي ببيت ~~المقدس المعروف بباب الرحمة. وقال عبد الله بن عمرو: إنه سور بيت المقدس ~~الشرقي باطنه فيه المسجد (وظاهره من قبله العذاب) يعني جهنم. ونحوه عن ابن ~~عباس. وقال زياد بن أبي سوادة: قام عبادة ابن الصامت على سور بيت المقدس ~~الشرقي فبكى، وقال: من ها هنا أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى ~~جهنم. وقال قتادة: هو حائط بين الجنة والنار (باطنه فيه الرحمة) يعني الجنة ~~(وظاهره من قبله العذاب) يعني جهنم. وقال مجاهد: إنه حجاب كما في (الأعراف) ~~وقد مضى القول فيه (1). وقد قل: إن الرحمة التي في باطنه نور المؤمنين، ~~والعذاب الذي في ظاهره ظلمة المنافقين. # قوله تعالى: (ينادونهم) أي ينادي المنافقون المؤمنين (ألم نكن معكم) في ~~الدنيا يعني نصلي مثل ما تصلون، ونغزوا مثل ما تغزون، ونفعل مثل ما تفعلون ~~(قالوا بلى) أي يقول المؤمنون (بلى) قد كنتم معنا في الظاهر (ولكنكم فتنتم ~~أنفسكم) أي استعملتموها في الفتنة. وقال مجاهد: أهلكتموها بالنفاق. وقيل: ~~بالمعاصي، قاله أبو سنان. وقيل: بالشهوات واللذات، # PageV17P246 # رواه أبو نمير الهمداني. (وتربصتم وارتبتم) أي (تربصتم) بالنبي صلى الله ~~عليه وسلم الموت، وبالمؤمنين الدوائر. وقيل: (تربصتم) بالتوبة (وار تبتم) ~~أي شككتم في التوحيد والنبوة (وغرتكم الأماني) أي الأباطيل. وقيل: طول ~~الامل. وقيل: هو ما كانوا يتمنونه من ضعف المؤمنين ونزول الدوائر بهم. وقال ~~قتادة: الأماني هنا خدع الشيطان. وقيل: الدنيا، قاله عبد الله بن عباس (1). ~~وقال أبو سنان: هو قولهم سيغفر لنا. وقال بلال بن سعد: ذكرك حسناتك ونسيانك ~~سيئاتك غرة. (حتى جاء أمر الله) يعني الموت. وقيل: نصرة نبيه صلى الله عليه ~~وسلم. وقال قتادة: إلقاؤهم في النار. (وغركم) ms6044 أي خدعكم (بالله الغرور) أي ~~الشيطان، قاله عكرمة. وقيل: الدنيا، قاله الضحاك. وقال بعض العلماء: إن ~~للباقي بالماضي معتبرا، وللآخر بالأول مزدجرا، والسعيد من لا يغتر بالطمع، ~~ولا يركن إلى الخدع، ومن ذكر المنية نسي الأمنية، ومن أطال الامل نسي ~~العمل، وغفل عن الاجل. وجاء (الغرور) على لفظ المبالغة للكثرة. وقرأ أبو ~~حياة ومحمد بن السميقع وسماك بن حرب (الغرور) بضم الغين يعني الأباطيل وهو ~~مصدر. وعن ابن عباس: أن نبي الله صلى الله عليه وسلم خط لنا خطوطا، وخط ~~منها خطا ناحية فقال: (أتدرون ما هذا هذا مثل ابن آدم ومثل التمني وتلك ~~الخطوط الآمال بينما هو يتمنى إذ جاءه الموت). وعن ابن مسعود قال: # خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا مربعا، وخط وسطه خطا وجعله ~~خارجا منه، وخط عن يمينه ويساره خطوطا صغارا فقال: (هذا ابن آدم وهذا أجله ~~محيط به وهذا أمله قد جاوز أجله وهذه الخطوط الصغار الاعراض فإن أخطأه هذا ~~نهشه هذا وإن أخطأه هذا نهشه هذا). # قوله تعالى: (فاليوم لا يؤخذ منكم فدية) أيها المنافقون (ولا من الذين ~~كفروا) أيأسهم من النجاة. وقراءة العامة (يؤخذ) بالياء، لان التأنيث غير. ~~حقيقي، ولأنه قد فصل بينها وبين الفعل. وقرأ ابن عامر ويعقوب (تؤخذ) بالتاء ~~وأختاره أبو حاتم لتأنيث الفدية. والأول # PageV17P247 # اختيار أبي عبيد، أي لا يقبل منكم بدل ولا عوض ولا نفس أخرى. (مأواكم ~~النار) أي مقامكم ومنزلكم (هي مولا كم) أي أولى بكم، والمولى من يتولى ~~مصالح الانسان، ثم استعمل فيمن كان ملازما للشئ. وقيل: أي النار تملك ~~أمرهم، بمعنى أن الله تبارك وتعالى يركب فيها الحياة والعقل فهي تتميز غيظا ~~على الكفار، ولهذا خوطبت في قوله تعالى: (يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول ~~هل من (1) مزيد). (وبئس المصير) أي ساءت مرجعا ومصيرا. # قوله تعالى: ألم يأن للذين ء امنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من ~~الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم ~~وكثير ms6045 منهم فاسقون (16) اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها قد بينا لكم ~~الآيات لعلكم تعقلون (17) قوله تعالى: (ألم يأن للذين آمنوا) أي يقرب ~~ويحين، قال الشاعر: # ألم يأن لي يا قلب أن أترك الجهلا * وأن يحدث الشيب المبين لنا عقلا ~~وماضيه أنى بالقصر يأنى. ويقال: آن لك - بالمد - أن تفعل كذا يئين أينا أي ~~حان، مثل أنى لك وهو مقلوب منه. وأنشد ابن السكيت: # ألما يئن لي أن تجلى عمايتي * وأقصر عن ليلى بلى قد أنى ليا فجمع بين ~~اللغتين. وقرأ الحسن (ألما يأن) وأصلها (ألم) زيدت (ما) فهي نفي لقول ~~القائل: قد كان كذا، و (لم) نفي لقوله: كان كذا. وفي صحيح مسلم عن ابن ~~مسعود قال: ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية (ألم يأن ~~للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله) إلا أربع سنين. قال الخليل: العتاب ~~مخاطبة الا دلال ومذاكرة الموجدة، تقول عاتبته معاتبة (أن تخشع) أي تذل ~~وتلين (قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق) # PageV17P248 # روي أن المزاح والضحك كثر في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لما ترفهوا ~~بالمدينة، فنزلت الآية، ولما نزلت هذه الآية قال صلى الله عليه وسلم: (إن ~~الله يستبطئكم بالخشوع) فقالوا عند ذلك: خشعنا. وقال ابن عباس: إن الله ~~استبطأ قلوب المؤمنين، فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن. ~~وقيل: نزلت في المنافقين بعد الهجرة بسنة. وذلك أنهم سألوا سلمان أن يحدثهم ~~بعجائب التوراة فنزلت: (الر تلك آيات الكتاب (1) المبين) إلى قوله: # (نحن نقص عليك أحسن القصص) الآية، فأخبرهم أن هذا القصص أحسن من غيره ~~وأنفع لهم، فكفوا عن سلمان، ثم سألوه مثل الأول فنزلت: (ألم يأن للذين ~~آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق) فعلى هذا التأويل يكون ~~الذين آمنوا في العلانية باللسان. # قال السدي وغيره: (ألم يأن للذين آمنوا) بالظاهر وأسروا الكفر (أن تخشع ~~قلوبهم لذكر الله). وقيل: نزلت في المؤمنين. قال سعد: قيل يا رسول الله لو ~~قصصت علينا ms6046 فنزل: (نحن نقص عليك) فقالوا بعد زمان: لو حدثتنا فنزل: (الله ~~نزل أحسن (2) الحديث) فقالوا بعد مدة: لو ذكرتنا فأنزل الله تعالى: (ألم ~~يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق) ونحوه عن ابن ~~مسعود قال: ما كان بين إسلامنا وبين أن عوتبنا بهذه الآية إلا أربع سنين، ~~فجعل ينظر بعضنا إلى بعض ويقول: ما أحدثنا؟ قال الحسن: استبطأهم وهم أحب ~~خلقه إليه. وقيل: هذا الخطاب لمن آمن بموسى وعيسى دون محمد عليهم السلام ~~لأنه قال عقيب هذا: (والذين آمنوا بالله ورسله) أي ألم يأن للذين آمنوا ~~بالتوراة والإنجيل أن تلين قلوبهم للقران، وألا يكونوا كمتقدمي قوم موسى ~~وعيسى، إذ طال عليهم الأمد بينهم وبين نبيهم فقست قلوبهم. # قوله تعالى: (ولا يكونوا) أي وألا يكونوا فهو منصوب عطفا على (أن تخشع). # وقيل: مجزوم على النهي، مجازه ولا يكونن، ودليل هذا التأويل رواية رويس ~~عن يعقوب (لا تكونوا) بالتاء، وهي قراءة عيسى وابن اسحق. يقول: لا تسلكوا ~~سبيل اليهود والنصارى، أعطوا التوراة والإنجيل فطالت الأزمان بهم. قال ابن ~~مسعود: إن بني إسرائيل # PageV17P249 # لما طال عليهم الأمد قست قلوبهم، فاخترعوا كتابا من عند أنفسهم استحلته ~~أنفسهم، وكان الحق يحول بينهم وبين كثير من شهواتهم، حتى نبذوا كتاب الله ~~وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون، ثم قالوا: اعرضوا هذا الكتاب على بني ~~إسرائيل، فإن تابعوكم فاتركوهم وإلا فاقتلوهم. ثم اصطلحوا على أن يرسلوه ~~إلى عالم من علمائهم، وقالوا: إن هو تابعنا لم يخالفنا أحد، وإن أبى قتلناه ~~فلا يختلف علينا بعده أحد، فأرسلوا إليه، فكتب كتاب الله في ورقة وجعلها في ~~[قرن وعلقه (1) في] عنقه ثم لبس عليه ثيابه، فأتاهم فعرضوا عليه كتابهم، ~~وقالوا: أتؤمن بهذا؟ فضرب بيده على صدره، وقال: آمنت بهذا يعني المعلق على ~~صدره. فافترقت بنو إسرائيل على بضع وسبعين ملة، وخير مللهم أصحاب ذي القرن. ~~قال عبد الله: ومن يعش منكم فسيرى منكرا، وبحسب أحدكم إذا رأى المنكر لا ~~يستطيع أن يغيره أن يعلم الله من ms6047 قلبه أنه له كاره. وقال مقاتل بن حيان ~~(2): يعني مؤمني أهل الكتاب طال عليهم الأمد واستبطئوا بعث النبي صلى الله ~~عليه وسلم (فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون) يعني الذين ابتدعوا الرهبانية ~~أصحاب الصوامع. وقيل: من لا يعلم ما يتدين به من الفقه ويخالف من يعلم. ~~وقيل: هم من لا يؤمن في علم الله تعالى. ثبتت طائفة منهم على دين عيسى حتى ~~بعث النبي صلى الله عليه وسلم فآمنوا به، وطائفة منهم رجعوا عن دين عيسى ~~وهم الذين فسقهم الله. وقال محمد بن كعب: كانت الصحابة بمكة مجدبين، فلما ~~هاجروا أصابوا الريف والنعمة، ففتروا عما كانوا فيه، فقست قلوبهم، فوعظهم ~~الله فأفاقوا. وذكر ابن المبارك: أخبرنا مالك بن أنس، قال: بلغني أن عيسى ~~عليه السلام قال لقومه: لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله تعالى فتقسو ~~قلوبكم، فإن القلب القاسي بعيد من الله ولكن لا تعلمون. ولا تنظروا في ذنوب ~~الناس كأنكم أرباب وانظروا فيها - أو قال في ذنوبكم - كأنكم عبيد، فإنما ~~الناس رجلان معافى ومبتلى، فارحموا أهل البلاء، واحمدوا الله على العافية. ~~وهذه الآية (ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله) كانت سبب توبة ~~الفضيل بن عياض وابن المبارك رحمهما الله # PageV17P250 # تعالى. ذكر أبو المطرف عبد الرحمن بن مروان القلاني قال: حدثنا أبو محمد ~~الحسن ابن رشيق، قال حدثنا علي بن يعقوب الزيات، قال حدثنا إبراهيم بن ~~هشام، قال حدثنا زكريا ابن أبي أبان، قال حدثنا الليث بن الحرث قال حدثنا ~~الحسن بن داهر، قال سئل عبد الله بن المبارك عن بدء زهده قال: كنت يوما مع ~~إخواني في بستان لنا، وذلك حين حملت الثمار من ألوان الفواكه، فأكلنا ~~وشربنا حتى الليل فنمنا، وكنت مولعا بضرب العود والطنبور، فقمت في بعض ~~الليل فضربت بصوت يقال له راشين (1) السحر، وأراد سنان يغني، وطائر يصيح ~~فوق رأسي على شجرة، والعود بيدي لا يجيبني إلى ما أريد، وإذا به ينطق كما ~~ينطق الانسان - يعني العود الذي بيده - ويقول: (ألم يأن للذين آمنوا ms6048 أن ~~تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق) قلت: بلى والله! وكسرت العود، ~~وصرفت من كان عندي، فكان هذا أول زهدي وتشميري. وبلغنا عن الشعر الذي أراد ~~ابن المبارك أن يضرب به العود: # ألم يأن لي منك أن ترحما * وتعص العواذل واللوما وترثي لصب بكم مغرم * ~~أقام على هجركم مأتما يبيت إذا جنه ليله * يراعي الكواكب والأنجما وماذا ~~على الظبي لو أنه * أحل من الوصل ما حرما وأما الفضيل بن عياض فكان سبب ~~توبته أنه عشق جارية فواعدته ليلا، فبينما هو يرتقي الجدران إليها إذ سمع ~~قارئا يقرأ: (ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله) فرجع القهقرى ~~وهو يقول: بلى والله قد آن فآواه الليل إلى خربة وفيها جماعه من السابلة، ~~وبعضهم يقول لبعض: إن فضيلا يقطع الطريق. فقال الفضيل: أواه! أراني بالليل ~~أسعى في معاصي الله، قوم من المسلمين يخافونني! اللهم إني قد تبت إليك، ~~وجعلت توبتي إليك جوار بيتك الحرام. # PageV17P251 # قوله تعالى: (اعلموا أن الله يحيى الأرض بعد موتها) أي (يحيي الأرض) ~~الجدبة (بعد موتها) بالمطر. وقال صالح المري: المعنى يلين القلوب بعد ~~قساوتها. وقال جعفر ابن محمد: يحييها بالعدل بعد الجور. وقيل: المعنى فكذلك ~~يحيي الكافر بالهدى إلى الايمان بعد موته بالكفر والضلالة. وقيل: كذلك يحيي ~~الله الموتى من الأمم، ويميز بين الخاشع قلبه وبين القاسي قلبه. (قد بينا ~~لكم الآيات لعلكم تعقلون) أي إحياء الله الأرض بعد موتها دليل على قدرة ~~الله، وأنه لمحيي الموتى. # قوله تعالى: قوله تعالى: ان المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضا حسنا ~~يضاعف لهم ولهم أجر كريم (18) والذين ء امنوا بالله ورسله أولئك هم ~~الصديقون والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم والذين كفروا وكذبوا بآياتنا ~~أولئك أصحاب الجحيم (19) قوله تعالى: (ان المصدقين والمصدقات) قرأ ابن كثير ~~وأبو بكر عن عاصم بتخفيف الصاد فيهما من التصديق، أي المصدقين بما أنزل ~~الله تعالى. الباقون بالتشديد أي المتصدقين والمتصدقات فأدغمت التاء في ~~الصاد، وكذلك في مصحف أبى. وهو حث على الصدقات، ولهذا ms6049 قال: (وأقرضوا الله ~~قرضا حسنا) بالصدقة والنفقة في سبيل الله. قال الحسن: كل ما في القرآن من ~~القرض الحسن فهو التطوع. وقيل: # هو العمل الصالح من الصدقة وغيرها محتسبا صادقا. وإنما عطف بالفعل على ~~الاسم، لان ذلك الاسم في تقدير الفعل، أي إن الذين صدقوا وأقرضوا (يضاعف ~~لهم) أمثالها. # وقراءة العامة بفتح العين على ما لم يسم فاعله. وقرأ الأعمش (يضاعفه) ~~بكسر العين وزيادة هاء. وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب (يضعف) بفتح العين ~~وتشديدها. (ولهم أجر كريم) يعني الجنة. PageV17P252 # قوله تعالى: (والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ~~ربهم لهم أجرهم ونورهم) اختلف في (الشهداء) هل هو مقطوع مما قبل أو متصل ~~به. فقال مجاهد وزيد ابن أسلم: إن الشهداء والصديقين هم المؤمنون وأنه ~~متصل، وروي معناه عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا يوقف على هذا على قوله: ~~(الصديقون) وهذا قول ابن مسعود في تأويل الآية. # قال القشيري قال الله تعالى: (فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيين والصديقين والشهداء والصالحين (1)) فالصديقون هم الذين يتلون ~~الأنبياء، والشهداء هم الذين يتلون الصديقين، والصالحون يتلون الشهداء، ~~فيجوز أن تكون هذه الآية في جملة من صدق بالرسل، أعني (والذين آمنوا بالله ~~ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء). ويكون المعنى بالشهداء من شهد لله ~~بالوحدانية، فيكون صديق فوق صديق في الدرجات، كما قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # (إن أهل الجنات العلا ليراهم من دونهم كما يرى أحدكم الكوكب الذي في أفق ~~السماء وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما (2)) وروي عن ابن عباس ومسروق أن ~~الشهداء غير الصديقين. # فالشهداء على هذا منفصل مما قبله والوقف على قوله: (الصديقون) حسن. ~~والمعنى والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم) أي لهم أجر أنفسهم ونور ~~أنفسهم. وفيهم قولان أحدهما - أنهم الرسل يشهدون على أممهم بالتصديق ~~والتكذيب، قاله الكلبي، ودليله قوله تعالى: (وجئنا بك على هؤلاء (1) ~~شهيدا). الثاني - أنهم أمم الرسل يشهدون يوم القيامة، وفيما يشهدون به ~~قولان: أحدهما - أنهم يشهدون على أنفسهم بما عملوا ms6050 من طاعة ومعصية. وهذا ~~معنى قول مجاهد. الثاني - يشهدون لأنبيائهم بتبليغهم الرسالة إلى أممهم، ~~قاله الكلبي. وقال مقاتل قولا ثالثا: إنهم القتلى في سبيل الله تعالى. ~~ونحوه عن ابن عباس أيضا قال: أراد شهداء المؤمنين. والواو واو الابتداء. ~~والصديقون على هذا القول مقطوع من الشهداء. # PageV17P253 # وقد اختلف في تعيينهم، فقال الضحاك: هم ثمانية نفر، أبو بكر وعلي وزيد ~~وعثمان وطلحة والزبير وسعد وحمزة. وتابعهم عمر بن الخطاب رضي الله عنهم، ~~ألحقه الله بهم لما صدق نبيه صلى الله عليه وسلم. وقال مقاتل بن حيان: ~~الصديقون هم الذين آمنوا بالرسل ولم يكذبوهم طرفة عين، مثل مؤمن آل فرعون، ~~وصاحب آل ياسين، وأبي بكر الصديق، وأصحاب الأخدود. # قوله تعالى: (والذين كفروا وكذبوا بآياتنا) أي بالرسل والمعجزات (أولئك ~~أصحاب الجحيم) فلا أجر لهم ولا نور. # قوله تعالى: اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم ~~وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه ~~مصفرا ثم يكون حطاما وفى الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما ~~الحياة الدنيا الا متاع الغرور (20) سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها ~~كعرض السماء والأرض أعدت للذين ء امنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من ~~يشاء والله ذو الفضل العظيم (21) قوله تعالى: (اعلموا أنما الحياة الدنيا ~~لعب ولهو) وجه الاتصال أن الانسان قد يترك الجهاد خوفا على نفسه من القتل، ~~وخوفا من لزوم الموت، فبين أن الحياة الدنيا منقضية فلا ينبغي أن يترك أمر ~~الله محافظة على ما لا يبقى. و (ما) صلة تقديره: اعلموا أن الحياة الدنيا ~~لعب باطل ولهو فرح ثم ينقضي. وقال قتادة: لعب ولهو: أكل وشرب. # وقيل: إنه على المعهود من اسمه، قال مجاهد: كل لعب لهو. وقد مضى هذا ~~المعنى PageV17P254 # في (الانعام (1)) وقيل: اللعب ما رغب في الدنيا، واللهو ما ألهى عن ~~الآخرة، أي شغل عنها. وقيل: اللعب الاقتناء، واللهو النساء. (وزينة) الزينة ~~ما يتزين به، فالكافر يتزين بالدنيا ولا يعمل للآخرة، وكذلك من تزين في ms6051 غير ~~طاعة الله. (وتفاخر بينكم) أي يفخر بعضكم على بعض بها. وقيل: بالخلقة ~~والقوة. وقيل: بالأنساب على عادة العرب في المفاخرة بالآباء. وفي صحيح مسلم ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا ~~يبغي أحد على أحد ولا يفخر أحد على أحد) وصح عنه عليه الصلاة والسلام أنه ~~قال: (أربع في أمتي من أمر الجاهلية الفخر في الأحساب) الحديث. وقد تقدم ~~جميع هذا. (وتكاثر في الأموال والأولاد) لان عادة الجاهلية أن تتكاثر ~~بالأبناء والأموال، وتكاثر المؤمنين بالايمان والطاعة. قال بعض المتأخرين: ~~(لعب) كلعب الصبيان (ولهو) كلهو الفتيان (وزينة) كزينة النسوان (وتفاخر) ~~كتفاخر الاقران (وتكاثر) كتكاثر الدهقان (2). وقيل: المعنى أن الدنيا كهذه ~~الأشياء في الزوال والفناء. وعن علي رضي الله عنه قال لعمار: لا تحزن على ~~الدنيا فإن الدنيا ستة أشياء: مأكول ومشروب وملبوس ومشموم ومركوب ومنكوح، ~~فأحسن طعامها العسل وهو بزقة ذبابة، وأكثر شرابها الماء يستوي فيه جميع ~~الحيوان، وأفضل ملبوسها الديباج وهو نسج دودة، وأفضل المشموم المسك وهو دم ~~فأرة، وأفضل المركوب الفرس وعليها يقتل الرجال، وأما المنكوح فالنساء وهو ~~مبال في مبال والله إن المرأة لتزين أحسنها يراد به أقبحها. ثم ضرب الله ~~تعالى لها مثلا بالزرع في غيث فقال: (كمثل غيث) أي مطر (أعجب الكفار نباته) ~~الكفار هنا: الزراع لأنهم يغطون البذر (3). والمعنى أن الحياة الدنيا ~~كالزرع يعجب الناظرين إليه لخضرته بكثرة الأمطار، ثم لا يلبث أن يصير هشيما ~~كأن لم يكن، وإذا أعجب الزراع فهو غاية ما يستحسن. وقد مضى معنى هذا المثل ~~في (يونس (4)) و (الكهف (5)). وقيل: # PageV17P255 # الكفار هنا الكافرون بالله عز وجل، لأنهم أشد إعجابا بزينة الدنيا من ~~المؤمنين. وهذا قول حسن، فإن أصل الاعجاب لهم وفيهم، ومنهم يظهر ذلك، وهو ~~التعظيم للدنيا وما فيها. # وفي الموحدين من ذلك فروع تحدث من شهواتهم، وتتقلل عندهم وتدق إذا ذكروا ~~الآخرة. # وموضع الكاف رفع على الصفة. (ثم يهيج) أي يجف بعد خضرته (فتراه مصفرا) أي ~~متغيرا عما كان عليه ms6052 من النضرة. (ثم يكون حطاما) أي فتاتا وتبنا فيذهب بعد ~~حسنه، كذلك دنيا الكافر. (وفى الآخرة عذاب شديد) أي للكافرين. والوقف عليه ~~حسن، ويبتدئ (ومغفرة من الله ورضوان) أي للمؤمنين. وقال الفراء: (وفى ~~الآخرة عذاب شديد ومغفرة) تقديره إما عذاب شديد وإما مغفرة، فلا يوقف على ~~(شديد). # (وما الحياة الدنيا الا متاع الغرور) هذا تأكيد ما سبق، أي تغر الكفار، ~~فأما المؤمن فالدنيا له متاع بلاغ إلى الجنة. وقيل: العمل للحياة الدنيا ~~متاع الغرور تزهيدا في العمل للدنيا، وترغيبا في العمل للآخرة. # قوله تعالى: (سابقوا إلى مغفرة من ربكم) أي سارعوا بالاعمال الصالحة التي ~~توجب المغفرة لكم من ربكم. وقيل: سارعوا بالتوبة، لأنها تؤدي إلى المغفرة، ~~قاله الكلبي. وقيل التكبيرة الأولى مع الامام، قال مكحول. وقيل: الصف ~~الأول. (وجنة عرضها كعرض السماء والأرض) لو وصل بعضها ببعض. قال الحسن: ~~يعني جميع السماوات والأرضين مبسوطتان كل واحدة إلى صاحبتها. وقيل: يريد ~~لرجل واحد أي لكل واحد جنة بهذه السعة. وقال ابن كيسان: عني به جنة واحدة ~~من الجنات. والعرض أقل من الطول، ومن عادة العرب أنها تعبر عن سعة الشئ ~~بعرضه دون طوله. قال: # كأن بلاد الله وهي عريضة * على الخائف المطلوب كفة حابل وقد مضى هذا كله ~~في (آل عمران (1)). وقال طارق بن شهاب: قال قوم من أهل الحيرة لعمر رضي ~~الله عنه: أرأيت قول الله عز وجل: (وجنة عرضها كعرض السماء والأرض) # PageV17P256 # فأين النار؟ فقال لهم عمر: أرأيتم الليل إذا ولى وجاء النهار أين يكون ~~الليل؟ فقالوا: لقد نزعت بما في التوراة مثله. (أعدت للذين آمنوا بالله ~~ورسله) شرط الايمان لا غير، وفيه تقوية الرجاء. وقد قيل: شرط الايمان هنا ~~وزاد عليه في (آل عمران (1)) فقال: (أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء ~~والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس). (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) ~~أي أن الجنة لا تنال ولا تدخل إلا برحمة الله تعالى وفضله. وقد مضى هذا في ~~(الأعراف (2)) وغيرها. (والله ذو الفضل العظيم). # قوله تعالى: ما ms6053 أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم الا في كتاب من قبل ~~أن نبرأها ان ذلك على الله يسير (22) لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا ~~بماء اتاكم والله لا يحب كل مختال فخور (23) الذين يبخلون ويأمرون الناس ~~بالبخل ومن يتول فان الله هو الغنى الحميد (24) قوله تعالى: (ما أصاب من ~~مصيبة في الأرض) قال مقاتل: القحط وقلة النبات والثمار. وقيل: الجوائح في ~~الزرع. (ولا في أنفسكم) بالأوصاب والأسقام، قاله قتادة. # وقيل: إقامة الحدود، قاله ابن حيان. وقيل: ضيق المعاش، وهذا معنى رواه ~~ابن جريج. # (الا في كتاب) يعني في اللوح المحفوظ. (من فبل أن نبرأها) الضمير في ~~(نبرأها) عائد على النفوس أو الأرض أو المصائب أو الجميع. وقال ابن عباس: ~~من قبل أن يخلق المصيبة. وقال سعيد بن جبير: من قبل أن يخلق الأرض والنفس. ~~(ان ذلك على الله يسير) أي خلق ذلك وحفظ جميعه (على الله يسير) هين. قال ~~الربيع بن صالح: لما أخذ سعيد ابن جبير رضي الله عنه بكيت، فقال: ما يبكيك؟ ~~قلت: أبكي لما أرى بك ولما تذهب # PageV17P257 # إليه. قال: فلا تبك فإنه كان في علم الله أن يكون، ألم تسمع قوله تعالى: ~~(ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم) الآية. وقال ابن عباس: لما خلق ~~الله القلم قال له اكتب، فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة. ولقد ترك لهذه ~~الآية جماعة من الفضلاء الدواء في أمراضهم فلم يستعملوه ثقة بربهم وتوكلا ~~عليه، وقالوا قد علم الله أيام المرض وأيام الصحة، فلو حرص الخلق على تقليل ~~ذلك أو زيادته ما قدروا، قال الله تعالى: (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا ~~في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها). وقد قيل: إن هذه الآية تتصل بما ~~قبل، وهو أن الله سبحانه هون عليهم ما يصيبهم في الجهاد من قتل وجرح، وبين ~~أن ما يخلفهم عن الجهاد من المحافظة على الأموال وما يقع فيها من خسران، ~~فالكل مكتوب مقدر لا مدفع ms6054 له، وإنما على المرء امتثال الامر، ثم أدبهم فقال ~~هذا: (لكيلا تأسوا على ما فاتكم) أي حتى لا تحزنوا على ما فاتكم من الرزق، ~~وذلك أنهم إذا علموا أن الرزق قد فرغ منه لم يأسوا على ما فاتهم منه. وعن ~~ابن مسعود أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يجد أحدكم طعم الايمان ~~حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه) ثم قرأ ~~(لكيلا تأسوا على ما فاتكم) إي كي لا تحزنوا على ما فاتكم من الدنيا فإنه ~~لم يقدر لكم ولو قدر لكم لم يفتكم (ولا تفرحوا بما آتاكم) أي من الدنيا، ~~قاله ابن عباس. وقال سعيد بن جبير: # من العافية والخصب. وروى عكرمة عن ابن عباس: ليس من أحد إلا وهو يحزن ~~ويفرح، ولكن المؤمن يجعل مصيبته صبرا، وغنيمته شكرا. والحزن والفرح المنهي ~~عنهما هما اللذان يتعدى فيهما إلى مالا يجوز، قال الله تعالى: (والله لا ~~يحب كل مختال (1) فخور) أي متكبر بما أوتى من الدنيا، فخور به على الناس. ~~وقراءة العامة (آتاكم) بمد الألف أي أعطاكم من الدنيا. وأختاره أبو حاتم. ~~وقرأ أبو العالية ونصر بن عاصم وأبو عمرو (أتاكم) بقصر الألف واختاره أبو ~~عبيد. أي جاءكم، وهو معادل ل (فاتكم) ولهذا لم يقل أفاتكم. قال جعفر بن ~~محمد الصادق: يا بن آدم مالك تأسى على مفقود لا يرده عليك الفوت، أو تفرح ~~بموجود لا يتركه في يديك الموت. وقيل لبرز جمهر: أيها الحكيم! مالك لا تحزن ~~على ما فات، # PageV17P258 # ولا تفرح بما هو آت؟ قال: لان الفائت لا يتلافى بالعبرة، والآتي لا ~~يستدام بالحبرة. # وقال الفضيل بن عياض في هذا المعنى: الدنيا مبيد ومفيد، فما أباد فلا ~~رجعة له، وما أفاد آذن بالرحيل. وقيل: المختال الذي ينظر إلى نفسه بعين ~~الافتخار، والفخور الذي ينظر إلى الناس بعين الاحتقار، وكلاهما شرك خفي. ~~والفخور بمنزلة المصراة تشد أخلافها ليجتمع فيها اللبن، فيتوهم المشتري أن ~~ذلك معتاد وليس كذلك، فكذلك الذي يرى ms6055 من نفسه حالا وزينة وهو مع ذلك مدع ~~فهو الفخور. # قوله تعالى: (الذين ينجلون) أي لا يحب المختالين (الذين يبخلون) ف ~~(الذين) في موضع خفض نعتا للمختال. وقيل: رفع بابتداء أي الذين يبخلون ~~فالله غني عنهم. قيل: # أراد رؤساء اليهود الذين يبخلون ببيان صفة محمد صلى الله عليه وسلم التي ~~في كتبهم، لئلا يؤمن به الناس فتذهب مأكلتهم (1)، قاله السدي والكلبي. وقال ~~سعيد بن جبير: (الذين يبخلون) يعني بالعلم (ويأمرون الناس بالبخل) أي بألا ~~يعلموا الناس شيئا. زيد بن أسلم: إنه البخل بأداء حق الله عز وجل. وقيل: ~~إنه البخل بالصدقة والحقوق، قاله عامر بن عبد الله الأشعري. وقال طاوس: إنه ~~البخل بما في يديه. وهذه الأقوال الثلاثة متقاربة المعنى. # وفرق أصحاب الخواطر بين البخل والسخاء بفرقين: أحدهما أن البخيل الذي ~~يلتذ بالامساك. # والسخي الذي يلتذ بالاعطاء. الثاني - أن البخيل الذي يعطي عند السؤال، ~~والسخي الذي يعطي بغير سؤال. (ومن يتول) أي عن الايمان (فان الله) غني عنه. ~~ويجوز أن يكون لما حث على الصدقة أعلمهم أن الذين يبخلون بها ويأمرون الناس ~~بالبخل بها فإن الله غني عنهم. وقرأة العامة (بالبخل) بضم الباء وسكون ~~الخاء. وقرأ أنس وعبيد بن عمير ويحيى ابن يعمر ومجاهد وحميد وابن محيصن ~~وحمزة والكسائي (بالبخل) بفتحتين وهي لغة الأنصار. # وقرأ أبو العالية وابن السميقع (بالبخل) بفتح الباء واسكان الخاء. وعن ~~نصر بن عاصم (البخل) بضمتين وكلها لغات مشهورة. وقد تقدم الفرق بين البخل ~~والشح في آخر (آل عمران (2)). # PageV17P259 # وقرأ نافع وابن عامر (فإن الله الغني الحميد) بغير (هو). والباقون (هو ~~الغني) على أن يكون فصلا. ويجوز أن يكون مبتدأ و (الغني) خبره والجملة خبر ~~إن. ومن حذفها فالأحسن أن يكون فصلا، لان حذف الفصل أسهل من حذف المبتدأ. # قوله تعالى: لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ~~ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب ان الله قوى عزيز (2) ولقد ~~أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب فمنهم مهتد وكثير ~~منهم فاسقون ms6056 (26) قوله تعالى: (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات) أي بالمعجزات ~~البينة والشرائع الظاهرة. # وقيل: الاخلاص لله تعالى في العبادة، وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة، بذلك ~~دعت الرسل: # نوح فمن دونه إلى محمد صلى الله عليه وسلم. (وأنزلنا معهم الكتاب) أي ~~الكتب، أي أوحينا إليهم خبر ما كان قبلهم (والميزان) قال ابن زيد: هو ما ~~يوزن به ويتعامل (ليقوم الناس بالقسط) أي بالعدل في معاملاتهم. وقوله: ~~(بالقسط) يدل على أنه أراد الميزان المعروف. # وقال قوم: أراد به العدل. قال القشيري: وإذا حملناه على الميزان المعروف، ~~فالمعنى أنزلنا الكتاب ووضعنا الميزان فهو من باب: # * علفتها تبنا وماء باردا * ويدل على هذا قوله تعالى: (والسماء رفعها ~~ووضع الميزان) ثم قال: (وأقيموا الوزن بالقسط) وقد مضى القول فيه (1). ~~(وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد) روى عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: (إن الله أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض: الحديد # PageV17P260 # والنار والماء والملح). وروى عكرمة عن ابن عباس قال: ثلاثة أشياء نزلت مع ~~آدم عليه السلام: الحجر الأسود وكان أشد بياضا من الثلج، وعصا موسى وكانت ~~من آس الجنة، طولها عشرة أذرع مع طول موسى، والحديد أنزل معه ثلاثة أشياء: ~~السندان والكلبتان والميقعة وهي المطرقة، ذكره الماوردي. وقال الثعلبي: قال ~~ابن عباس نزل آدم من الجنة ومعه من الحديد خمسة أشياء من آلة الحدادين: ~~السندان، والكلبتان، والميقعة، والمطرقة، والإبرة. وحكاه القشيري قال: ~~والميقعة ما يحدد به، يقال وقعت الحديدة أقعها أي حددتها. وفي الصحاح: # والميقعة الموضع الذي يألفه البازي فيقع عليه، وخشبة القصار التي يدق ~~عليها، والمطرقة والمسن الطويل. وروي أن الحديد أنزل في يوم الثلاثاء. (فيه ~~بأس شديد) أي لاهراق الدماء. ولذلك نهى عن الفصد والحجامة في يوم الثلاثاء، ~~لأنه يوم جرى فيه الدم. وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (في ~~يوم الثلاثاء ساعة لا يرقأ فيها الدم). وقيل: # (أنزلنا الحديد) أي أنشأناه وخلقناه، كقوله تعالى: (وأنزل لكم من الانعام ~~ثمانية أزواج (1)) وهذا قول الحسن. فيكون ms6057 من الأرض غير منزل من السماء. ~~وقال أهل المعاني: أي أخرج الحديد من المعادن وعلمهم صنعته بوحيه. (فيه بأس ~~شديد) يعني السلاح والكراع والجنة. # وقيل: أي فيه من خشية القتل خوف شديد. (ومنافع للناس) قال مجاهد: يعني ~~جنة. وقيل: يعني انتفاع الناس بالماعون من الحديد، مثل السكين والفأس ~~والإبرة ونحوه (وليعلم الله من ينصره) أي أنزل الحديد ليعلم من ينصره. ~~وقيل: هو عطف على قوله تعالى: (ليقوم الناس بالقسط) أي أرسلنا رسلنا ~~وأنزلنا معهم الكتاب، وهذه الأشياء، ليتعامل الناس بالحق، (وليعلم الله من ~~ينصره) وليرى الله من ينصر دينه (و) ينصر (رسله بالغيب) قال ابن عباس: ~~ينصرونهم لا يكذبونهم، ويؤمنون بهم (بالغيب) أي وهم لا يرونهم. (ان الله ~~قوى عزيز) (قوى) في أخذه (عزيز) أي منيع غالب. # وقد تقدم. وقيل: (بالغيب) بالاخلاص. # PageV17P261 # قوله تعالى: (ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم) فصل ما أجمل من إرسال الرسل ~~بالكتب، وأخبر أنه أرسل نوحا وإبراهيم وجعل النبوة في نسلهما (وجعلنا في ~~ذريتهما النبوة والكتاب) أي جعلنا بعض ذريتهما الأنبياء، وبعضهم أمما يتلون ~~الكتب المنزلة من السماء: التوراة والإنجيل والزبور والفرقان. وقال ابن ~~عباس: الكتاب الخط بالقلم (فمنهم) أي من ائتم بإبراهيم ونوح (مهتد). وقيل: ~~(فمنهم مهتد) أي من ذريتهما مهتدون. (وكثير منهم) فاسقون) كافرون خارجون عن ~~الطاعة. # قوله تعالى: ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه ~~الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما ~~كتبناها عليهم الا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فاتينا الذين ء ~~امنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون (27) فيه أربع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (ثم قفينا) أي اتبعنا (على آثارهم) أي على آثار ~~الذرية. # وقيل: على آثار نوح وإبراهيم (برسلنا) موسى وإلياس وداود وسليمان ويونس ~~وغيرهم (وقفينا بعيسى ابن مريم) فهو من ذرية إبراهيم من جهة أمه (وآتيناه ~~الإنجيل) وهو الكتاب المنزل عليه. وتقدم اشتقاقه في أول سورة (آل عمران ~~(1)). # الثانية - قوله تعالى: (وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه) على دينه يعني ~~الحواريين وأتباعهم (رأفة ms6058 ورحمة) أي مودة فكان يواد بعضهم بعضا. وقيل: هذا ~~إشارة إلى أنهم أمروا في الإنجيل بالصلح وترك إيذاء الناس وألان الله ~~قلوبهم لذلك، بخلاف اليهود الذين قست قلوبهم وحرفوا الكلم عن مواضعه. ~~والرأفة اللين، والرحمة الشفقة. وقيل: الرأفة تخفيف الكل، والرحمة تحمل ~~الثقل. وقيل: الرأفة أشد الرحمة. وتم الكلام. ثم قال: # PageV17P262 # (ورهبانية ابتدعوها) أي من قبل أنفسهم. والأحسن أن تكون الرهبانية منصوبة ~~بإضمار فعل، قال أبو علي: وابتدعوها رهبانية ابتدعوها. وقال الزجاج: أي ~~ابتدعوها رهبانية، كما تقول رأيت زيدا وعمرا كلمت. وقيل: إنه معطوف على ~~الرأفة والرحمة، والمعنى على هذا أن الله تعالى أعطاهم إياها فغيروا ~~وابتدعوا فيها. قال الماوردي: وفيها قراءتان، إحداهما بفتح الراء وهي الخوف ~~من الرهب. الثانية بضم الراء وهي منسوبة إلى الرهبان كالرضوانية من ~~الرضوان، وذلك لأنهم حملوا أنفسهم على المشقات في الامتناع من المطعم ~~والمشرب والنكاح والتعلق بالكهوف والصوامع، وذلك أن ملوكهم غيروا وبدلوا ~~وبقي نفر قليل فترهبوا وتبتلوا. قال الضحاك: إن ملوكا بعد عيسى عليه السلام ~~ارتكبوا المحارم ثلاثمائة سنة، فأنكرها عليهم من كان بقي على منهاج عيسى ~~فقتلوهم، فقال قوم بقوا بعدهم: # نحن إذا نهيناهم قتلونا فليس يسعنا المقام بينهم، فاعتزلوا الناس واتخذوا ~~الصوامع. وقال قتادة: الرهبانية التي ابتدعوها رفض النساء واتخاذ الصوامع. ~~وفي خبر مرفوع: (هي لحوقهم بالبراري والجبال). (ما كتبناها عليهم) أي ما ~~فرضناها عليهم ولا أمرناهم بها، قاله ابن زيد. وقوله تعالى: (الا ابتغاء ~~رضوان الله) أي ما أمرناهم إلا بما يرضي الله، قاله ابن مسلم. وقال الزجاج: ~~(ما كتبناها عليهم) معناه لم نكتب عليهم شيئا البتة. ويكون (ابتغاء رضوان ~~الله) بدلا من الهاء والألف في (كتبناها) والمعنى: ما كتبناها عليهم إلا ~~ابتغاء رضوان الله. وقيل: (إلا ابتغاء) الاستثناء منقطع، والتقدير ما ~~كتبناها عليهم لكن ابتدعوها ابتغاء رضوان الله. (فما رعوها حق رعايتها) أي ~~فما قاموا بها حق القيام. وهذا خصوص، لان الذين لم يرعوها بعض القوم، وإنما ~~تسببوا بالترهب إلى طلب الرياسة على الناس وأكل أموالهم، كما قال تعالى: ms6059 ~~(يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس ~~بالباطل ويصدون عن سبيل (1) الله) وهذا في قوم أداهم الترهب إلى طلب ~~الرياسة في آخر الامر. وروى سفيان الثوري عن عطاء بن السائب عن سعيد بن ~~جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: (ورهبانية ابتدعوها) قال: كانت ملوك بعد ~~عيسى بدلوا التوراة والإنجيل، # PageV17P263 # وكان فيهم مؤمنون يقرءون التوراة والإنجيل ويدعون إلى دين الله تعالى، ~~فقال أناس لملكهم: # لو قتلت هذه الطائفة. فقال المؤمنون: نحن نكفيكم أنفسنا. فطائفة قالت: ~~ابنوا لنا أسطوانة ارفعونا فيها، وأعطونا شيئا نرفع به طعامنا وشرابنا ولا ~~نرد عليكم. وقالت طائفة: # دعونا نهيم في الأرض ونسيح، ونشرب كما تشرب الوحوش في البرية، فإذا قدرتم ~~علينا فاقتلونا. # وطائفة قالت: ابنوا لنا دورا في الفيافي ونحتفر الآبار ونحترث البقول فلا ~~تروننا. وليس أحد من هؤلاء إلا وله حميم منهم ففعلوا، فمضى أولئك على منهاج ~~عيسى، وخلف قوم من بعدهم ممن قد غير الكتاب فقالوا: نسيح ونتعبد كما تعبد ~~أولئك، وهم على شركهم لا علم لهم بإيمان من تقدم من الذين اقتدوا بهم، فذلك ~~قوله تعالى: (ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله) ~~الآية. يقول: ابتدعها هؤلاء الصالحون (فما رعوها) المتأخرون (حق رعايتها) ~~(فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم) يعني الذين ابتدعوها أولا ورعوها (وكثير ~~منهم فاسقون) يعني المتأخرين، فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم ولم ~~يبق منهم إلا قليل، جاءوا من الكهوف والصوامع والغيران فآمنوا بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم. # الثالثة - وهذه الآية دالة على أن كل محدثة بدعة، فينبغي لمن ابتدع خيرا ~~أن يدوم عليه، ولا يعدل عنه إلى ضده فيدخل في الآية. وعن أبي أمامة الباهلي ~~- واسمه صدى بن عجلان - قال: أحدثتم قيام رمضان ولم يكتب عليكم، انما كتب ~~عليكم الصيام، فدوموا على القيام إذ فعلتموه ولا تتركوه، فان ناسا من بني ~~إسرائيل ابتدعوا بدعا لم يكتبها الله عليهم ابتغوا بها رضوان الله فما ~~رعوها حق رعايتها، فعابهم الله بتركها فقال: (ورهبانية ms6060 ابتدعوها ما كتبناها ~~عليهم الا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها). # الرابعة - وفى الآية دليل على العزلة عن الناس في الصوامع والبيوت، وذلك ~~مندوب إليه عند فساد الزمان وتغير الأصدقاء والإخوان. وقد مضى بيان هذا في ~~سورة (الكهف (1)) مستوفى والحمد لله. وفى مسند أحمد بن حنبل من حديث أبي ~~أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: # PageV17P264 # خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية من سراياه فقال: مر رجل ~~بغار فيه شئ من ماء، فحدث نفسه بأن يقيم في ذلك الغار، فيقوته ما كان فيه ~~من ماء ويصيب ما حوله من البقل ويتخلى عن الدنيا. قال: لو أنى أتيت النبي ~~صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فان أذن لي فعلت والا لم أفعل، فأتاه ~~فقال: يا نبي الله! انى مرت بغار فيه ما يقوتني من الماء والبقل، فحدثتني ~~نفسي بأن أقيم فيه وأتخلى من الدنيا. قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~(م أبعث باليهودية ولا بالنصرانية ولكني بعثت بالحنيفية السمحة والذي نفس ~~محمد بيده لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها ولمقام أحدكم ~~في الصف الأول خير من صلاته ستين سنة). وروى الكوفيون عن ابن مسعود، قال ~~قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هل تدرى أي الناس أعلم) قال قلت: ~~الله ورسوله أعلم. قال: (أعلم الناس أبصرهم بالحق إذا اختلف الناس فيه وان ~~كان مقصرا في العمل وان كان يزحف على استه هل تدرى من أين اتخذ بنو إسرائيل ~~الرهبانية ظهرت عليهم الجبابرة بعد عيسى يعملون بمعاصي الله فغضب أهل ~~الايمان فقاتلوهم فهزم أهل الايمان ثلاث مرات فلم يبق منهم الا القليل ~~فقالوا ان أفنونا فلم يبق للدين أحد يدعون إليه فتعالوا نفترق في الأرض إلى ~~أن يبعث الله النبي الأمي الذي وعدنا عيسى - يعنون محمدا صلى الله عليه ~~وسلم - فتفرقوا في غيران الجبال وأحدثوا رهبانية فمنهم من تمسك بدينه ومنهم ~~من كفر - وتلا (ورهبانية) الآية - أتدري ما رهبانية أمتي ms6061 الهجرة والجهاد ~~والصوم والصلاة والحج والعمرة والتكبير على التلاع يا بن مسعود اختلف من ~~كان قبلكم من اليهود على إحدى وسبعين فرقة فنجا منهم فرقة وهلك سائرها ~~واختلف من كان من قبلكم من النصارى على اثنين وسبعين فرقة فنجا منهم ثلاثة ~~وهلك سائرها فرقة وازت الملوك وقاتلتهم على دين الله ودين عيسى - عليه ~~السلام - حتى قتلوا وفرقة لم تكن لهم طاقة بموازاة الملوك أقاموا بين ~~ظهراني قومهم فدعوهم إلى دين الله ودين عيسى بن مريم فأخذتهم الملوك ~~وقتلتهم وقطعتهم بالمناشير وفرقة لم تكن لهم طاقة بموازاة الملوك ولا بأن ~~يقيموا بين ظهراني قومهم فيدعوهم إلى دين الله ودين عيسى ابن مريم فساحوا ~~في الجبال وترهبوا فيها وهي التي قال الله تعالى فيهم: (ورهبانية ابتدعوها) ~~- الآية - فمن PageV17P265 # آمن بي واتبعني وصدقني فقد رعاها حق رعايتها ومن لم يؤمن بي فأولئك هم ~~الفاسقون) يعنى الذي تهودوا وتنصروا. وقيل: هؤلاء الذين أدركوا محمدا صلى ~~الله عليه وسلم فلم يؤمنوا به فأولئك هم الفاسقون. وفى الآية تسلية للنبي ~~صلى الله عليه وسلم، أي ان الأولين أصروا على الكفر أيضا فلا تعجب من أهل ~~عصرك ان أصروا على الكفر. والله أعلم. # قوله تعالى: يا أيها الذين ء امنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين ~~من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم (28) لئلا ~~يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شئ من فضل الله وأن الفضل بيد الله يؤتيه ~~من يشاء والله ذو الفضل العظيم (29) قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا) أي ~~آمنوا بموسى وعيسى (اتقوا الله وآمنوا برسوله) بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~(يؤتكم كفلين من رحمته) أي مثلين من الاجر على إيمانكم بعيسى ومحمد صلى ~~الله عليهما وسلم، وهذا مثل قوله تعالى: (أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما ~~صبروا) وقد تقدم القول (1) فيه. والكفل الحظ والنصيب وقد مضى في (النساء ~~(2)) وهو في الأصل كساء يكتفل به الراكب فيحفظه من السقوط، قاله ابن جريح. ~~ونحوه قال الأزهري، قال: اشتقاقه من الكساء الذي ms6062 يحويه راكب البعير على ~~سنامه إذا ارتدفه لئلا يسقط، فتأويله يؤتكم نصيبين يحفظانكم من هلكة ~~المعاصي كما يحفظ الكفل الراكب. وقال أبو موسى الأشعري: (كفلين) ضعفين ~~بلسان الحبشة. وعن ابن زيد: (كفلين) أجر الدنيا والآخرة. وقيل: لما نزلت ~~(أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا) افتخر مؤمنو أهل # PageV17P266 # الكتاب على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية. وقد استدل ~~بعض العلماء بهذه الآية على أن الحسنة إنما لها من الاجر مثل واحد، فقال: ~~الحسنة اسم عام ينطلق على كل نوع من الايمان، وينطلق على عمومه، فإذا ~~انطلقت الحسنة على نوع واحد فليس له عليها من الثواب إلا مثل واحد. وإن ~~انطلقت على حسنة تشتمل على نوعين كان الثواب عليها مثلين، بدليل هذه الآلة ~~فإنه قال: (كفلين من رحمته) والكفل النصيب كالمثل، فجعل لمن اتقى الله وآمن ~~برسوله نصيبين، نصيبا لتقوى الله ونصيبا لايمانه برسوله. فدل على أن الحسنة ~~التي جعل لها عشر هي التي جمعت عشرة أنواع من الحسنات، وهو الايمان الذي ~~جمع الله تعالى في صفته عشرة أنواع، لقوله تعالى: (إن المسلمين والمسلمات) ~~الآية بكمالها. فكانت هذه الأنواع العشرة التي هي ثوابها أمثالها فيكون لكل ~~نوع منها مثل. وهذا تأويل فاسد، لخروجه عن عموم الظاهر، في قوله تعالى: # (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) بما لا يحتمله تخصيص العموم، لان ما ~~جمع عشر حسنات فليس يجزى عن كل حسنة إلا بمثلها. وبطل أن يكون جزاء الحسنة ~~عشر أمثالها والاخبار دالة عليه. وقد تقدم ذكرها (2). ولو كان كما ذكر لما ~~كان بين الحسنة والسيئة فرق. # (ويجعل لكم نورا) أي بيانا وهدى، عن مجاهد. وقال ابن عباس: هو القرآن. # وقيل: ضياء (تمشون به) في الآخرة على الصراط، وفي القيامة إلى الجنة. ~~وقيل تمشون به في الناس تدعونهم إلى الاسلام فتكونون رؤساء في دين الاسلام ~~لا تزول عنكم رياسة كنتم فيها. وذلك أنهم خافوا أن تزول رياستهم لو آمنوا ~~بمحمد عليه السلام. وإنما كان يفوتهم أخذ رشوة يسيرة من الضعفة بتحريف ms6063 ~~أحكام الله، لا الرياسة الحقيقية في الدين. # (ويغفر لكم) ذنوبكم (والله غفور رحيم). # قوله تعالى: (لئلا يعلم أهل الكتاب) أي ليعلم، و (أن لا) صلة زائدة ~~مؤكدة، قاله الأخفش. وقال الفراء: معناه لان يعلم و (لا) صلة زائدة في كل ~~كلام دخل عليه # PageV17P267 # جحد. قال قتادة: حسد أهل الكتاب المسلمين فنزلت: (لئلا يعلم أهل الكتاب) ~~أي لان يعلم أهل الكتاب أنهم (لا يقدرون على شئ من فضل الله وأن الفضل بيد ~~الله). وقال مجاهد: قالت اليهود يوشك أن يخرج منا نبي يقطع الأيدي والأرجل. ~~فلما خرج من العرب كفروا فنزلت: (لئلا يعلم) أي ليعلم أهل الكتاب (أن لا ~~يقدرون) أي أنهم يقدرون، كقوله تعالى: (أن لا يرجع إليهم (1) قولا). وعن ~~الحسن: (ليلا يعلم أهل الكتاب) وروي ذلك عن ابن مجاهد. وروى قطرب بكسر ~~اللام وإسكان (2) الياء. وفتح لام الجر لغة معروفة. # ووجه إسكان الياء أن همزة (أن) حذفت فصارت (لن) فأدغمت النون في اللام ~~فصار (للا) فلما اجتمعت اللامات أبدلت الوسطى منها ياء، كما قالوا في أما: ~~أيما. وكذلك القول في قراءة من قرأ (ليلا) بكسر اللام إلا أنه أبقى اللام ~~على اللغة المشهورة فيها فهو أقوى من هذه الجهة. وعن ابن مسعود (لكيلا ~~يعلم) وعن حطان بن عبد الله (لان يعلم). # وعن عكرمة (ليعلم) وهو خلاف المرسوم. (من فضل الله) قيل: الاسلام. وقيل: # الثواب. وقال الكلبي: من رزق الله. وقيل: نعم الله التي لا تحصى. (وأن ~~الفضل بيد الله) ليس بأيديهم فيصرفون النبوة عن محمد صلى الله عليه وسلم ~~إلى من يحبون. وقيل: # (وأن الفضل بيد الله) أي هو له (يؤتيه من يشاء). وفي البخاري: حدثنا ~~الحكم بن نافع، قال حدثنا شعيب عن الزهري، قال أخبرني سالم بن عبد الله، أن ~~عبد الله بن عمر قال: # سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو قائم على المنبر: (إنما ~~بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس أعطي ~~أهل التوراة التوراة فعملوا بها حتى ms6064 أنتصف النهار ثم عجزوا فأعطوا قيراطا ~~قيراطا ثم أعطي أهل الإنجيل الإنجيل فعملوا به حتى صلاة العصر ثم عجزوا ~~فأعطوا قيراطا قيراطا ثم أعطيتم القرآن فعملتم به حتى الشمس فأعطيتم ~~قيراطين قيراطين قال أهل التوراة ربنا هؤلاء أقل عملا وأكثر أجرا قال هل # PageV17P268 # ظلمتكم من أجركم من شئ قالوا لا فقال فذلك فضلي أوتيه من أشاء) في رواية: ~~(فغضبت اليهود والنصارى وقالوا ربنا) الحديث (والله ذو الفضل العظيم). [تم ~~تفسير سورة (الحديد) والحمد لله (1)]. # تفسير سورة المجادلة وهي اثنتان وعشرون آية مدنية في قول الجميع. إلا ~~رواية عن عطاء: أن العشر الأول منها مدني وباقيها مكي، وقال الكلبي: نزل ~~جميعها بالمدينة غير قوله تعالى: (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم) ~~نزلت بمكة. # بسم الله الرحمن الرحيم قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى ~~الله والله يسمع تحاوركما ان الله سميع بصير (1) فيه مسألتان: # الأولى قوله تعالى: (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى ~~الله) التي اشتكت إلى الله هي خولة بنت ثعلبة. وقيل بنت حكيم. وقيل اسمها ~~جميلة. وخولة أصح، وزوجها أوس بن الصامت أخو عبادة بن الصامت، وقد مر بها ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه في خلافته والناس معه على حمار فاستوقفته طويلا ~~ووعظته وقالت: يا عمر قد كنت تدعى عميرا، ثم قيل لك عمر، ثم قيل لك أمير ~~المؤمنين، فاتق الله يا عمر، فإنه من أيقن بالموت خاف الفوت، ومن أيقن ~~بالحساب خاف العذاب، وهو واقف يسمع كلامها، فقيل له: يا أمير المؤمنين أتقف ~~لهذه العجوز هذا الوقوف؟ فقال: والله لو حبستني من أول النهار إلى آخره لا ~~زلت إلا للصلاة المكتوبة، أتدرون من هذه العجوز؟ هي خولة # PageV17P269 # بنت ثعلبة سمع الله قولها من فوق سبع سماوات، أيسمع رب العالمين قولها ~~ولا يسمعه عمر؟ # وقالت عائشة رضي الله عنها: تبارك الذي وسع سمعه كل شئ، إني لاسمع كلام ~~خولة بنت ثعلبة ويخفي علي بعضه، وهي تشتكي زوجها إلى رسول ms6065 الله صلى الله ~~عليه وسلم، وهي تقول: # يا رسول الله! أكل شبابي ونثرت له بطني، حتى إذا كبر سني وانقطع ولدى ~~ظاهر مني، اللهم إني أشكو إليك! فما برحت حتى نزل جبريل بهذه الآية: (قد ~~سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله) خرجه ابن ماجة في ~~السنن. والذي في البخاري من هذا عن عائشة قالت: الحمد لله الذي وسع سمعه ~~الأصوات، لقد جاءت المجادلة تشكو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا ~~في ناحية البيت ما أسمع ما تقول، فأنزل الله عز وجل: # (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها). وقال الماوردي: هي خولة بنت ~~ثعلبة. # وقيل: بنت خويلد. وليس هذا بمختلف، لان أحدهما أبوها والآخر جدها فنسبت ~~إلى كل واحد منهما. وزوجها أوس بن الصامت أخو عبادة بن الصامت. وقال ~~الثعلبي قال ابن عباس: # هي خولة بنت خويلد الخزرجية، كانت تحت أوس بن الصامت أخو عبادة بن ~~الصامت، وكانت حسنة الجسم، فرآها زوجها ساجدة فنظر عجيزتها فأعجبه أمرها، ~~فلما انصرفت أرادها فأبت فغضب عليها - قال عروة (1): وكان امرأ به لمم (2) ~~فأصابه بعض لممه فقال لها: # أنت علي كظهر أمي. وكان الايلاء والظهار من الطلاق في الجاهلية، فسألت ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال لها: (حرمت عليه) فقالت: والله ما ذكر ~~طلاقا، ثم قالت: أشكو إلى الله فاقتي ووحدتي ووحشتي وفراق زوجي وابن عمي ~~وقد نفضت له بطني، فقال: # (حرمت عليه) فما زالت تراجعه ومراجعها حتى نزلت عليه الآية. وروى الحسن: ~~أنها قالت: يا رسول الله! قد نسخ الله سنن الجاهلية وإن زوجي ظاهر مني، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما أوحى إلي في هذا شئ) فقالت: يا ~~رسول الله، أوحي إليك في كل شئ وطوي عنك هذا؟! فقال: (هو ما قلت لك) فقالت: ~~إلى الله أشكو لا إلى رسوله. # PageV17P270 # فأنزل الله: (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله) ~~الآية. وروى الدارقطني من حديث قتادة أن أنس بن مالك ms6066 حدثه قال: إن أوس بن ~~الصامت ظاهر من امرأته خويلة بنت ثعلبة فشكت ذلك إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقالت: ظاهر حين كبرت سني ورق عظمي. فأنزل الله تعالى آية ~~الظهار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأوس: (أعتق رقبة) قال: مالي ~~بذلك يدان. قال: (فصم شهرين متتابعين) قال: أما إني إذا أخطأني أن آكل في ~~يوم ثلاث مرات يكل بصري. قال: (فأطعم ستين مسكينا) قال: ما أجد إلا أن ~~تعينني منك بعون وصلة. قال: فأعانه رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمسة عشر ~~صاعا حتى جمع الله له [والله غفور رحيم (1)]. (إن الله سميع بصير) قال: ~~فكانوا يرون أن عنده مثلها وذلك لستين مسكينا، وفي الترمذي وسنن ابن ماجة: ~~أن سلمة ابن صخر البياضي ظاهر من امرأته، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~له: (أعتق رقبة) قال: فضربت صفحة عنقي بيدي. فقلت: لا والذي بعثك بالحق ما ~~أصبحت أملك غيرها. # قال: (فصم شهرين) فقلت: يا رسول الله! وهل أصابني ما أصابني إلا في ~~الصيام. # قال: (فأطعم ستين مسكينا) الحديث. وذكر ابن العربي في أحكامه: روي أن ~~خولة بنت دليج ظاهر منها زوجها، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فسألته عن ~~ذلك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (قد حرمت عليه) فقالت: أشكو إلى الله ~~حاجتي. [ثم عادت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حرمت عليه) فقالت: ~~إلى الله أشكو حاجتي إليه (2)] وعائشة تغسل شق رأسه الأيمن، ثم تحولت إلى ~~الشق الآخر وقد نزل عليه الوحي، فذهبت أن تعيد، فقالت عائشة: اسكتي فإنه قد ~~نزل الوحي. فلما نزل القرآن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزوجها: ~~(أعتق رقبة) قال: لا أجد. قال: (صم شهرين متتابعين) قال: إن لم آكل في ~~اليوم ثلاث مرات خفت أن يعشو بصري. قال: (فأطعم ستين مسكينا). قال: فأعني. ~~فأعانه بشئ. قال أبو جعفر النحاس: أهل التفسير على أنها خولة # PageV17P271 # وزوجها أوس بن الصامت، واختلفوا في نسبها، قال بعضهم: هي ms6067 أنصارية وهي بنت ~~ثعلبة، وقال بعضهم: هي بنت دليج، وقيل: هي بنت خويلد، وقال بعضهم: هي بنت ~~الصامت، وقال بعضهم: هي أمة كانت لعبد الله بن أبي، وهي التي أنزل الله ~~فيها (ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا) لأنه كان يكرهها على ~~الزنى. وقيل: هي بنت حكيم. # قال النحاس: وهذا ليس بمتناقض، يجوز أن تنسب مرة إلى أبيها، ومرة إلى ~~أمها، ومرة إلى جدها، ويجوز أن تكون أمة كانت لعبد الله بن أبي فقيل لها ~~أنصارية بالولاء، لأنه كان في عداد الأنصار وإن كان من المنافقين. # الثانية - قرئ (قد سمع الله) بالادغام و (قد سمع الله) بالاظهار. والأصل ~~في السماع إدراك المسموعات، وهو اختيار الشيخ أبي الحسن. وقال ابن فورك: ~~الصحيح أنه إدراك المسموع. قال الحاكم أبو عبد الله في معنى السميع: إنه ~~المدرك للأصوات التي يدركها المخلقون بآذانهم من غير أن يكون له أذن، وذلك ~~راجع إلى أن الأصوات لا تخفى عليه، وإن كان غير موصوف بالحس المركب في ~~الاذن، كالأصم من الناس لما لم تكن له هذه الحاسة لم يكن أهلا لادراك ~~الصوت. والسمع والبصر صفتان كالعلم والقدرة والحياة والإرادة، فهما من صفات ~~الذات لم يزل الخالق سبحانه وتعالى متصفا بهما. وشكى واشتكى بمعنى واحد. ~~وقرئ (تحاورك) أي تراجعك الكلام و (تجادلك) أي تسائلك. # قوله تعالى: الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم ان أمهاتهم الا ~~اللائي ولدنهم وانهم ليقولون منكرا من القول وزورا وان الله لعفو غفور (2) ~~PageV17P272 # فيه ثلاث وعشرون مسألة: # الأولى - قوله تعالى: (الذين يظهرون (1)) قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي ~~وخلف (يظاهرون) بفتح الياء وتشديد الظاء وألف. وقرأ نافع وابن كثير وأبو ~~عمرو ويعقوب (يظاهرون) بحذف الألف وتشديد الهاء والظاء وفتح الياء. وقرأ ~~أبو العالية وعاصم وزر ابن حبيش (يظاهرون) بضم الياء وتخفيف الظاء والف ~~وكسر الهاء. وقد تقدم هذا في (الأحزاب (2)). وفي قراءة أبى (يتظاهرون) وهي ~~معنى قراءة ابن عامر وحمزة. وذكر الظهر كناية عن معنى الركوب، والآدمية ~~إنما يركب بطنها ولكن ms6068 كنى عنه بالظهر، لان ما يركب من غير الآدميات فإنما ~~يركب ظهره، فكنى بالظهر عن الركوب. ويقال: نزل عن امرأته أي طلقها كأنه نزل ~~عن مركوب. ومعنى أنت علي كظهر أمي: أي أنت علي محرمة لا يحل لي ركوبك. # الثانية - حقيقة الظهار تشبيه ظهر بظهر، والموجب للحكم منه تشبيه ظهر ~~محلل بظهر محرم، ولهذا أجمع الفقهاء على أن من قال لزوجته: أنت علي كظهر ~~أمي أنه مظاهر. # وأكثرهم على أنه إن قال لها: أنت علي كظهر ابنتي أو أختي أو غير ذلك من ~~ذوات المحارم أنه مظاهر. وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وغيرهما. واختلف فيه عن ~~الشافعي رضي الله عنه ، فروي عنه نحو قول مالك، لأنه شبه امرأته بظهر محرم ~~عليه مؤبد كالأم. وروى عنه أبو ثور: أن الظهار لا يكون إلا بالام وحدها. ~~وهو مذهب قتادة والشعبي. والأول قول الحسن والنخعي والزهري والأوزاعي ~~والثوري. # الثالثة - أصل الظهار أن يقول الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أمي. وإنما ~~ذكر الله الظهر كناية عن البطن وسترا. فإن قال: أنت علي كأمي ولم يذكر ~~الظهر، أو قال: # أنت علي مثل أمي، فإن أراد الظهار فله نيته، وإن أراد الطلاق كان مطلقا ~~البتة عند مالك، # PageV17P273 # وإن لم تكن له نية في طلاق ولا ظهار كان مظاهرا. ولا ينصرف صريح الظهار ~~بالنية إلى الطلاق، كما لا ينصرف صريح الطلاق وكنايته المعروفة له إلى ~~الظهار، وكناية الظهار خاصة تنصرف بالنية إلى الطلاق البت. # الرابعة - ألفاظ الظهار ضربان: صريح وكناية، فالصريح أنت علي كظهر أمي، ~~وأنت عندي وأنت مني وأنت معي كظهر أمي. وكذلك أنت علي كبطن أمي أو كرأسها ~~أو فرجها أو نحوه، وكذلك فرجك أو رأسك أو ظهرك أو بطنك أو رجلك علي كظهر ~~أمي فهو مظاهر، مثل قوله: يدك أو رجلك أو رأسك أو فرجك طالق تطلق عليه. ~~وقال الشافعي في أحد قوليه: لا يكون ظهارا. وهذا ضعيف منه، لأنه قد وافقنا ~~على أنه يصح إضافة الطلاق إليه خاصة حقيقة خلافا لأبي حنيفة فصح ms6069 إضافة ~~الظهار إليه. ومتى شبهها بأمه أو بإحدى جداته من قبل أبيه أو أمه فهو ظهار ~~بلا خلاف. وإن شبهها بغيرهن من ذوات المحارم التي لا تحل له بحال كالبنت ~~والأخت والعمة والخالة كان مظاهرا عند أكثر الفقهاء، وعند الإمام الشافعي ~~رضي الله عنه على الصحيح من المذهب على ما ذكرنا. # والكناية أن يقول: أنت علي كأمي أو مثل أمي فإنه يعتبر فيه النية. فإن ~~أراد الظهار كان ظهارا، وإن لم يرد الظهار لم يكن مظاهرا عند الشافعي وأبي ~~حنيفة. وقد تقدم مذهب مالك رضي الله عنه في ذلك والدليل عليه أنه أطلق ~~تشبيه امرأته بأمه فكان ظهارا. # أصله إذا ذكر الظهر وهذا قوي فان معنى اللفظ فيه موجود - واللفظ بمعناه - ~~ولم يلزم حكم الظهر للفظه وإنما ألزمه بمعناه وهو التحريم، قاله ابن ~~العربي. # الخامسة - إذا شبه جملة أهله بعضو من أعضاء أمه كان مظاهرا، خلافا لأبي ~~حنيفة في قوله: إنه إن شبهها بعضو يحل له النظر إليه لم يكن مظاهرا. وهذا ~~لا يصح، لان النظر إليه على طريق الاستمتاع لا يحل له، وفيه وقع التشبيه ~~وإياه قصد المظاهر، وقد قال الإمام الشافعي في قول: إنه لا يكون ظهارا إلا ~~في الظهر وحده. وهذا فاسد، لان كل عضو منها محرم، فكان التشبيه به ظهارا ~~كالظهر، ولأن المظاهر إنما يقصد تشبيه المحلل بالمحرم فلزم على المعنى. ~~PageV17P274 # السادسة - إن شبه امرأته بأجنبية فإن ذكر الظهر كان ظهارا حملا على ~~الأول، وإن لم يذكر الظهر فاختلف فيه علماؤنا، فمنهم من قال: يكون ظهارا. ~~ومنهم من قال: # يكون طلاقا. وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يكون شيئا. قال ابن العربي: ~~وهذا فاسد، لأنه شبه محللا من المرأة بمحرم فكان مقيدا بحكمه كالظهر، ~~والأسماء بمعانيها عندنا، وعندهم بألفاظها وهذا نقض للأصل منهم. # قلت: الخلاف في الظهار بالأجنبية قوي عند مالك. وأصحابه منهم من لا يرى ~~الظهار إلا بذوات المحارم خاصة ولا يرى الظهار بغيرهن. ومنهم من لا يجعله ~~شيئا. # ومنهم من يجعله في الأجنبية طلاقا. وهو ms6070 عند مالك إذا قال: كظهر ابني أو ~~غلامي أو كظهر زيد أو كظهر أجنبية ظهار لا يحل له وطؤها في حين يمينه. وقد ~~روي عنه أيضا: # أن الظهار بغير ذوات المحارم ليس بشئ، كما قال الكوفي والشافعي. وقال ~~الأوزاعي: # لو قال لها أنت علي كظهر فلان رجل فهو يمين يكفرها. والله أعلم. # السابعة - إذا قال: أنت علي حرام كظهر أمي كان ظهارا ولم يكن طلاقا، لان ~~قوله: أنت حرام علي يحتمل التحريم بالطلاق فهي مطلقة، ويحتمل التحريم ~~بالظهار فلما صرح به كان تفسيرا لاحد الاحتمالين يقضي به فيه. # الثامنة - الظهار لازم في كل زوجة مدخول بها أو غير مدخول بها على أي ~~الأحوال كانت من زوج يجوز طلاقه. وكذلك عند مالك من يجوز له وطؤها من ~~إمائه، إذا ظاهر منهن لزمه الظهار فيهن. وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يلزم. ~~قال القاضي أبو بكر ابن العربي: وهي مسألة عسيرة جدا علينا، لان مالكا ~~يقول: إذا قال لامته أنت علي حرام لا يلزم. فكيف يبطل فيها صريح التحريم ~~وتصح كنايته. ولكن تدخل الأمة في عموم قوله: (من نسائهم) لأنه أراد من ~~محللاتهم. والمعنى فيه أنه لفظ يتعلق بالبضع دون رفع العقد فصح في الأمة، ~~أصله الحلف بالله تعالى. PageV17P275 # التاسعة - ويلزم الظهار قبل النكاح إذا نكح التي ظاهر منها عند مالك. ولا ~~يلزم عند الشافعي وأبي حنيفة، لقوله تعالى: (من نسائهم) وهذه ليست من ~~نسائه. وقد مضى أصل هذه المسألة في سورة (براءة) عند قوله تعالى: (ومنهم من ~~عاهد الله (1)) الآية. # العاشرة - الذمي لا يلزم ظهاره. وبه قال أبو حنيفة. وقال الشافعي: يصح ~~ظهار الذمي، ودليلنا قوله تعالى: (منكم) يعني من المسلمين. وهذا يقتضي خروج ~~الذمي من الخطاب. فإن قيل: هذا استدلال بدليل الخطاب. قلنا: هو استدلال ~~بالاشتقاق والمعنى، فإن أنكحة الكفار فاسدة مستحقة الفسخ فلا يتعلق بها حكم ~~طلاق ولا ظهار، وذلك كقوله تعالى: (وأشهدوا ذوي عدل (2) منكم) وإذا خلت ~~الأنكحة عن شروط الصحة فهي فاسدة، ولا ظهار في النكاح الفاسد بحال. ms6071 # الحادية عشرة - قوله تعالى: (منكم) يقتضي صحة ظهار العبد خلافا لمن منعه. # وحكاه الثعلبي عن مالك، لأنه من جملة المسلمين وأحكام النكاح في حقه ~~ثابتة وإن تعذر عليه العتق والاطعام فإنه قادر على الصيام. # الثانية عشرة - وقال مالك رضي الله عنه: ليس على النساء تظاهر، وإنما قال ~~الله تعالى: (والذين يظهرون منكم من نسائهم) ولم يقل اللائي يظهرن منكن من ~~أزواجهن، إنما الظهار على الرجال. قال ابن العربي: هكذا روي عن ابن القاسم ~~وسالم ويحيى بن سعيد وربيعة وأبي الزناد. وهو صحيح معنى، لان الحل والعقد ~~[والتحليل والتحريم (3)] في النكاح بيد الرجال ليس بيد المرأة منه شئ وهذا ~~إجماع. قال أبو عمر: ليس على النساء ظهار في قول جمهور العلماء. وقال الحسن ~~بن زياد: هي مظاهرة. وقال الثوري وأبو حنيفة ومحمد: ليس ظهار المرأة من ~~الرجل بشئ قبل النكاح كان أو بعده. وقال الشافعي: # لاظهار للمرأة من الرجل. وقال الأوزاعي إذا قالت المرأة لزوجها، أنت علي ~~كظهر أمي (4) # PageV17P276 # فلانة فهي يمين تكفرها. وكذلك قال إسحاق، قال: لا تكون امرأة متظاهرة من ~~رجل ولكن عليها يمين تكفرها. وقال الزهري: أرى أن تكفر كفارة الظهار، ولا ~~يحول قولها هذا بينها وبين زوجها أن يصيبها، رواه عنه معمر. وابن جريج عن ~~عطاء قال: حرمت ما أحل الله، عليها كفارة يمين. وهو قول أبي يوسف. وقال ~~محمد بن الحسن: لا شئ عليها. # الثالثة عشرة - من به لمم وانتظمت له في بعض الأوقات الكلم إذا ظاهر لزم ~~ظهاره، لما روي في الحديث: أن خولة بنت ثعلبة وكان زوجها أوس بن الصامت ~~وكان به لمم فأصابه بعض لممه فظاهر من امرأته. # الرابعة عشرة - من غضب وظاهر من امرأته أو طلق لم يسقط عنه غضبه حكمه. # وفي بعض طرق هذا الحديث، قال يوسف بن عبد الله بن سلام: حدثتني خولة ~~امرأة أوس بن الصامت، قالت: كان بيني وبينه شئ، فقال: أنت علي كظهر أمي ثم ~~خرج إلى نادي قومه. فقولها: كان بيني وبينه شئ، دليل على منازعة ms6072 أحرجته (1) ~~فظاهر منها. # والغضب لغو لا يرفع حكما ولا يغير شرعا وكذلك السكران. وهي: # الخامسة عشرة - يلزمه حكم الظهار والطلاق في حال سكره إذا عقل قوله ونظم ~~كلامه، لقوله تعالى: (حتى تعلموا ما تقولون) على ما تقدم في (النساء (2)) ~~بيانه. والله أعلم. # السادسة عشرة - ولا يقرب المظاهر امرأته ولا يباشرها ولا يتلذذ منها بشئ ~~حتى يكفر، خلافا للشافعي في أحد قوليه، لان قوله: أنت علي كظهر أمي يقتضي ~~تحريم كل استمتاع بلفظه ومعناه، فإن وطئها قبل أن يكفر، وهي: # السابعة عشرة - أستغفر الله تعالى وأمسك عنها حتى يكفر كفارة واحدة. وقال ~~مجاهد وغيره: عليه كفارتان. روى سعيد عن قتادة، ومطرف عن رجاء بن حياة عن ~~قبيصة ابن ذؤيب عن عمرو بن العاص في المظاهر: إذا وطئ قبل أن يكفر عليه ~~كفارتان. ومعمر عن قتادة قال: قال قبيصة بن ذؤيب: عليه كفارتان. وروى جماعة ~~من الأئمة منهم ابن ماجة # PageV17P277 # والنسائي عن ابن عباس: أن رجلا ظاهر من امرأته فغشيها قبل أن يكفر فأتى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال: (ما حملك على ذلك) فقال: يا ~~رسول الله! رأيت بياض خلخالها في ضوء القمر فلم أملك نفسي أن وقعت عليها. ~~فضحك النبي صلى الله عليه وسلم وأمره ألا يقربها حتى يكفر. وروى ابن ماجة ~~والدار قطني عن سليمان بن يسار عن سلمة ابن صخر أنه ظاهر في زمان النبي صلى ~~الله عليه وسلم، ثم وقع بامرأته قبل أن يكفر، فأتى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فذكر ذلك له فأمره أن يكفر تكفيرا واحدا. # الثامنة عشرة - إذا ظاهر من أربع نسوة في كلمة واحدة، كقوله: أنتن علي ~~كظهر أمي كان مظاهرا من كل واحدة منهن، ولم يجزله وطئ إحداهن وأجزأته كفارة ~~واحدة. وقال الشافعي: تلزمه أربع كفارات. وليس في الآية دليل على شئ من ~~ذلك، لان لفظ الجمع إنما وقع في عامة المؤمنين والمعول على المعنى. وقد روى ~~الدارقطني عن ابن عباس قال: # كان عمر بن الخطاب رضي الله ms6073 عنه يقول: إذا كان تحت الرجل أربع نسوة فظاهر ~~منهن يجزيه كفارة واحدة، فإن ظاهر من واحدة بعد أخرى لزمه في كل واحدة منهن ~~كفارة. # وهذا إجماع. # التاسعة عشرة - فإن قال لأربع نسوة: إن تزوجتكن فأنتن علي كظهر أمي فتزوج ~~إحداهن لم يقربها حتى يكفر، ثم قد سقط عنه اليمين في سائرهن. وقد قيل: لا ~~يطأ البواقي منهن حتى يكفر. والأول هو المذهب. # العشرين: وإن قال لامرأته: أنت علي كظهر أمي وأنت طالق البتة (1)، لزمه ~~الطلاق والظهار معا، ولم يكفر حتى ينكحها بعد زوج آخر ولا يطأها إذا نكحها ~~حتى يكفر، فإن قال لها: أنت طالق البتة وأنت علي كظهر أمي لزمه الطلاق ولم ~~يلزمه الظهار، لان المبتوتة لا يلحقها طلاق. # PageV17P278 # الحادية والعشرون - قال بعض العلماء: لا يصح ظهار غير المدخول بها. وقال ~~المزني: # لا يصح الظهار من المطلقة الرجعية، وهذا ليس بشئ، لان أحكام الزوجية في ~~الموضعين ثابتة، وكما يلحقها الطلاق كذلك يلحقها الظهار قياسا ونظرا. والله ~~أعلم. # الثانية والعشرون - قوله تعالى: (ما هن أمهاتهم) أي ما نساؤهم بأمهاتهم. ~~وقراءة العامة (أمهاتهم) بخفض التاء على لغة أهل الحجاز، كقوله تعالى: (ما ~~هذا بشرا). وقرأ أبو معمر والسلمي وغيرهما (أمهاتهم) بالرفع على لغة تميم. ~~قال الفراء: أهل نجد وبنو تميم يقولون (ما هذا بشر)، و (ما هن أمهاتهم) ~~بالرفع. (ان أمهاتهم الا اللائي ولدنهم) أي ما أمهاتهم إلا الوالدات. وفي ~~المثل: ولدك من دمي عقبيك. وقد تقدم القول في اللائي في (الأحزاب (1)). # الثالثة والعشرون - قوله تعالى: (وانهم ليقولون منكرا من القول وزورا) أي ~~فظيعا من القول لا يعرف في الشرع. والزور الكذب (وان الله لعفو غفور) إذ ~~جعل الكفارة عليهم مخلصة لهم من هذا القول المنكر. # قوله تعالى: والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة ~~من قبل أن يتماسا ذالكم توعظون به والله بما تعملون خبير (3) فمن لم يجد ~~فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فاطعام ستين مسكينا ~~ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله وتلك ms6074 حدود الله وللكافرين عذاب أليم (4) # PageV17P279 # فيه اثنتا عشرة مسألة: # الأولى - قوله تعالى: (والذين يظهرون من نسائهم) هذا ابتداء والخبر ~~(فتحرير رقبة) وحذف عليهم لدلالة الكلام عليه، أي فعليهم تحرير رقبة. وقيل: ~~أي فكفارتهم عتق رقبة. # والمجمع عليه عند العلماء في الظهار قول الرجل لامرأته: أنت علي كظهر ~~أمي. وهو قول المنكر والزور الذي عنى الله بقوله: (وإنهم ليقولون منكرا من ~~القول وزورا) فمن قال هذا القول حرم عليه وطئ امرأته. فمن عاد لما قال ~~لزمته كفارة الظهار، لقوله عز وجل: (والذين يظهرون من نسائهم ثم يعودون لما ~~قالوا فتحرير رقبة) وهذا يدل على أن كفارة الظهار لا تلزم بالقول خاصة حتى ~~ينضم إليها العود، وهذا حرف مشكل اختلف الناس فيه على أقوال سبعة: # الأول - أنه العزم على الوطئ، وهو مشهور قول العراقيين أبي حنيفة ~~وأصحابه. وروي عن مالك: فإن عزم على وطئها كان عودا، وإن لم يعزم لم يكن ~~عودا. الثاني - العزم على الامساك بعد التظاهر منها، قاله مالك. الثالث - ~~العزم عليهما. وهو قول مالك في موطئه، قال مالك في قوله الله عز وجل: ~~(والذين يظهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا) قال: # سمعت أن تفسير ذلك أن يظاهر الرجل من امرأته ثم يجمع على إصابتها ~~وإمساكها، فإن أجمع على ذلك فقد وجبت عليه الكفارة، وإن طلقها ولم يجمع بعد ~~تظاهره منها على إمساكها وإصابتها فلا كفارة عليه. قال مالك: وإن تزوجها ~~بعد ذلك لم يمسها حتى يكفر كفارة التظاهر. القول الرابع - أنه الوطئ نفسه ~~فإن لم يطأ لم يكن عودا، قاله الحسن ومالك أيضا. الخامس - وقال الإمام ~~الشافعي رضي الله عنه: هو أن يمسكها زوجة بعد الظهار مع القدرة على الطلاق، ~~لأنه لما ظاهر قصد التحريم، فإن وصل به الطلاق فقد جرى على خلاف ما ابتدأه ~~من إيقاع التحريم ولا كفارة عليه. وإن أمسك عن الطلاق فقد عاد إلى ما كان ~~عليه فتجب عليه الكفارة. السادس - أن الظهار يوجب تحريما لا يرفعه إلا ~~الكفارة. # ومعنى العود عند القائلين بهذا: ms6075 أنه لا يستبيح وطأها إلا بكفارة يقدمها، ~~قاله أبو حنيفة وأصحابه والليث بن سعد. السابع - هو تكرير الظهار بلفظه. ~~وهذا قول أهل الظاهر النافين للقياس، قالوا: إذا كرر اللفظ بالظهار فهو ~~العود، وإن لم يكرر فليس بعود. ويسند ذلك إلى بكير بن PageV17P280 # الأشج وأبي العالية وأبي حنيفة أيضا، وهو قول الفراء. وقال أبو العالية: ~~وظاهر الآية يشهد له، لأنه قال: (ثم يعودون لما قالوا) أي إلى قول ما ~~قالوا. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله عز وجل: (والذين يظهرون ~~من نسائهم ثم يعودون لما قالوا) هو أن يقول لها أنت علي كظهر أمي. فإذا قال ~~لها ذلك فليست تحل له حتى يكفر كفارة الظهار. قال ابن العربي: فأما القول ~~بأنه العود إلى لفظ الظهار فهو باطل قطعا لا يصح عن بكير، وإنما يشبه أن ~~يكون من جهالة داود وأشياعه. وقد رويت قصص المتظاهرين وليس في ذكر الكفارة ~~عليهم ذكر لعود القول منهم، وأيضا فإن المعنى ينقضه، لان الله تعالى وصفه ~~بأنه منكر من القول وزور، فكيف يقال له إذا أعدت القول المحرم والسبب ~~المحظور وجبت عليك الكفارة، وهذا لا يعقل، ألا ترى أن كل سبب يوجب الكفارة ~~لا تشترط فيه الإعادة من قتل ووطئ في صوم أو غيره. # قلت: قول يشبه أن يكون من جهالة داود وأشياعه حمل منه عليه، وقد قال بقول ~~داود من ذكرناه عنهم، وأما قول الشافعي: بأنه ترك الطلاق مع القدرة عليه ~~فينقضه ثلاثة أمور أمهات: الأول - أنه قال: (ثم) وهذا بظاهره يقتضي ~~التراخي. الثاني - أن قوله تعالى: (ثم يعودون) يقتضي وجود فعل من جهة ومرور ~~الزمان ليس بفعل منه. الثالث - أن الطلاق الرجعي لا ينافي البقاء على الملك ~~فلم يسقط حكم الظهار كالايلاء. فإن قيل: فإذا رآها كالأم لم يمسكها إذ لا ~~يصح إمساك الام بالنكاح. وهذه عمدة أهل ما وراء النهر. # قلنا: إذا عزم على خلاف ما قال ورآها خلاف الام كفر وعاد إلى أهله. ~~وتحقيق هذا القول: أن العزم ms6076 قول نفسي، وهذا رجل قال قولا اقتضى التحليل وهو ~~النكاح، وقال قولا اقتضى التحريم وهو الظهار، ثم عاد لما قال وهو التحليل، ~~ولا يصح أن يكون منه ابتداء عقد، لان العقد باق فلم يبق إلا أنه قول عزم ~~يخالف ما اعتقده وقاله في نفسه من الظهار الذي أخبر عنه بقوله أنت علي كظهر ~~أمي، وإذا كان ذلك كفر وعاد إلى أهله، لقوله: (من قبل أن يتماسا). وهذا ~~تفسير بالغ [في فنه (1)]. # PageV17P281 # الثانية - قال بعض أهل التأويل: الآية فيها تقديم وتأخير، والمعنى ~~(والذين يظهرون من نسائهم ثم يعودون) إلى ما كانوا عليه من الجماع (فتحرير ~~رقبة) لما قالوا، أي فعليهم تحرير رقبة من أجل ما قالوا، فالجار في قوله: ~~(لما قالوا) متعلق بالمحذوف الذي هو خبر الابتداء وهو عليهم، قال الأخفش. ~~وقال الزجاج: المعنى ثم يعودون إلى إرادة الجماع من أجل ما قالوا. وقيل: ~~المعنى الذين كانوا يظهرون من نسائهم في الجاهلية، ثم يعودون لما كانوا ~~قالوه في الجاهلية في الاسلام فكفارة من عاد أن يحرر رقبة. الفراء: # اللام بمعنى عن والمعنى ثم يرجعون عما قالوا ويريدون الوطئ. وقال الأخفش: ~~لما قالوا وإلى ما قالوا واحد، واللام وإلى يتعاقبان، قال: (الحمد لله الذي ~~(1) هدانا لهذا) وقال: # (فاهدوهم إلى صراط (2) الجحيم) وقال: (بأن ربك أوحى (3) لها) وقال: ~~(وأوحي إلى نوح (4)). # الثالثة - قوله تعالى: (فتحرير رقبة) أي فعليه إعتاق رقبة، يقال: حررته ~~أي جعلته حرا. ثم هذه الرقبة يجب أن تكون كاملة سليمة من كل عيب، من كمالها ~~إسلامها عند مالك والشافعي، كالرقبة في كفارة القتل. وعند أبي حنيفة ~~وأصحابه تجزي الكافرة ومن فيها شائبة (5) رق كالمكاتبة وغيرها. # الرابعة - فإن أعتق نصفي عبدين فلا يجزيه عندنا ولا عند أبي حنيفة. وقال ~~الشافعي يجزئ، لان نصف العبدين في معنى العبد الواحد، ولأن الكفارة بالعتق ~~طريقها المال فجاز أن يدخلها التبعيض والتجزئ كالاطعام، ودليلنا قوله ~~تعالى: (فتحرير رقبة) وهذا الاسم عبارة عن شخص واحد، وبعض الرقبة ليس ~~برقبة، وليس ذلك مما يدخله التلفيق، لان العبادة ms6077 المتعلقة بالرقبة لا يقوم ~~النصف من رقبتين مقامها، أصله إذا أشترك رجلان في أضحيتين، ولأنه لو أمر ~~رجلين أن يحجا عنه حجة لم يجز أن يحج عنه واحد منهما نصفها كذلك هذا، ولأنه ~~لو أوصى بأن تشترى رقبة فتعتق عنه لم يجز أن يعتق عنه نصف عبدين، كذلك في ~~مسألتنا وبهذا يبطل دليلهم. والاطعام وغيره لا يتجزى في الكفارة عندنا. # PageV17P282 # الخامسة - قوله تعالى: (من قبل أن يتماسا) أي يجامعها فلا يجوز للمظاهر ~~الوطئ قبل التكفير، فإن جامعها قبل التكفير أثم وعصى ولا يسقط عنه التكفير. ~~وحكي عن مجاهد: أنه إذا وطئ قبل أن يشرع في التكفير لزمته كفارة أخرى. وعن ~~غيره: أن الكفارة الواجبة بالظهار تسقط عنه ولا يلزمه شئ أصلا، لان الله ~~تعالى أوجب الكفارة وأمر بها قبل المسيس، فإذا أخرها حتى مس فقد فات وقتها. ~~والصحيح ثبوت الكفارة، لأنه بوطئه ارتكب إثما فلم يكن ذلك مسقطا للكفارة، ~~ويأتي بها قضاء كما لو أخر الصلاة عن وقتها. # وفي حديث أوس بن الصامت لما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنه وطئ ~~امرأته أمره بالكفارة (1). وهذا نص وسواء كانت كفارة بالعتق أو الصوم أو ~~الاطعام. وقال أبو حنيفة: إن كانت كفارته بالاطعام جاز أن يطأ ثم يطعم، ~~فأما غير الوطئ من القبلة والمباشرة والتلذذ فلا يحرم في قول أكثر العلماء. ~~وقاله الحسن وسفيان، وهو الصحيح من مذهب الشافعي. وقيل: وكل ذلك محرم وكل ~~معاني المسيس، وهو قول مالك وأحد قولي الشافعي. وقد تقدم. # السادسة - قوله تعالى: (ذلكم توعظون به) أي تؤمرون به (والله بما تعملون ~~خبير) من التكفير وغيره. # السابعة - من لم يجد الرقبة ولا ثمنها، أو كان مالكا لها إلا أنه شديد ~~الحاجة إليها لخدمته، أو كان مالكا لثمنها إلا أنه يحتاج إليه لنفقته، أو ~~كان له مسكن ليس له غيره ولا يجد شيئا سواه، فله أن يصوم عند الشافعي. وقال ~~أبو حنيفة: لا يصوم وعليه عتق ولو كان محتاجا إلى ذلك. وقال مالك: إذا كان ~~له دار وخادم ms6078 لزمه العتق فإن عجز عن الرقبة، وهي: # الثامنة - فعليه صوم شهرين متتابعين. فإن أفطر في أثنائهما بغير عذر ~~استأنفهما، وإن أفطر لعذر من سفر أو مرض، فقيل: يبني، قاله ابن المسيب ~~والحسن وعطاء بن أبي رباح وعمر وبن دينار والشعبي. وهو أحد قولي الشافعي ~~وهو الصحيح من مذهبه. وقال مالك: # PageV17P283 # إنه إذا مرض في صيام كفارة الظهار بنى إذا صح. ومذهب أبي حنيفة رضي الله ~~عنه أنه يبتدئ. وهو أحد قولي الشافعي. # التاسعة - إذا ابتدأ الصيام ثم وجد الرقبة أتم الصيام وأجزأه عند مالك ~~والشافعي، لأنه بذلك أمر حين دخل فيه. ويهدم الصوم ويعتق عند أبي حنيفة ~~وأصحابه، قياسا على الصغيرة المعتدة بالشهور ترى الدم قبل انقضائها، فإنها ~~تستأنف الحيض إجماعا من العلماء. # وإذا ابتدأ سفرا في صيامه فأفطر (1)، ابتدأ الصيام عند مالك والشافعي ~~وأبي حنيفة، لقوله: # (متتابعين). ويبني في قول الحسن البصري، لأنه عذر [وقياسا (2) على رمضان، ~~فإن تخللها زمان لا يحل صومه في الكفارة كالعيدين وشهر رمضان انقطع]. # العاشرة - إذا وطئ المتظاهر في خلال الشهرين نهارا، بطل التتابع في قول ~~الشافعي، وليلا فلا يبطل، لأنه ليس محلا للصوم. وقال مالك وأبو حنيفة: يبطل ~~بكل حال ووجب عليه ابتداء الكفارة، لقوله تعالى: (من قبل أن يتماسا) وهذا ~~الشرط عائد إلى جملة الشهرين، وإلى أبعاضهما، فإذا وطئ قبل انقضائهما فليس ~~هو الصيام المأمور به، فلزمه استئنافه، كما لو قال: صل قبل أن تكلم زيدا. ~~فكلم زيدا في الصلاة، أو قال: صل قبل أن تبصر زيدا فأبصره في الصلاة لزمه ~~استئنافها، لان هذه الصلاة ليست هي الصلاة المأمور بها كذلك هذا، والله ~~أعلم. # الحادية عشرة - ومن تطاول مرضه طولا لا يرجى برؤه كان بمنزلة العاجز من ~~كبر، وجاز له العدول عن الصيام إلى الاطعام. ولو كان مرضه مما يرجى برؤه ~~واشتدت حاجته إلى وطئ امرأته كان الاختيار له أن ينتظر البرء حتى يقدر على ~~الصيام. ولو كفر بالاطعام ولم ينتظر القدرة على الصيام أجزأه. # الثانية عشرة - ومن تظاهر وهو معسر ثم ms6079 أيسر لم يجزه الصوم. ومن تظاهر وهو ~~موسر ثم أعسر قبل أن يكفر صام. وإنما ينظر إلى حاله يوم يكفر. ولو جامعها ~~في عدمه # PageV17P284 # وعسره ولم يصم حتى أيسر لزمه العتق. ولو ابتدأ بالصوم ثم أيسر فإن كان ~~مضى من صومه صدر صالح نحو الجمعة وشبهها تمادى. وإن كان اليوم واليومين ~~ونحوهما ترك الصوم وعاد إلى العتق وليس ذلك بواجب عليه. ألا ترى أنه غير ~~واجب على من طرأ الماء عليه وهو قد دخل بالتيمم في الصلاة أن يقطع ويبتدئ ~~الطهارة عند مالك. # الثالثة عشرة - ولو أعتق رقبتين عن كفارتي ظهار أو قتل أو فطر في رمضان ~~وأشرك بينهما في كل واحدة منهما لم يجزه. وهو بمنزلة من أعتق رقبة واحدة عن ~~كفارتين. # وكذلك لو صام عنهما أربعة أشهر حتى يصوم عن كل واحدة منهما شهرين. وقد ~~قيل: # إن ذلك يجزيه. ولو ظاهر من امرأتين ل فأعتق رقبة عن إحداهما بغير عينها ~~لم يجز له وطئ واحدة منهما حتى يكفر كفارة أخرى. ولو عين الكفارة عن ~~إحداهما جاز له أن يطأها قبل أن يكفر الكفارة عن الأخرى. ولو ظاهر من أربع ~~نسوة فأعتق عنهن ثلاث رقاب، وصام شهرين، لم يجزه العتق ولا الصيام، لأنه ~~إنما صام عن كل واحدة خمسة عشر يوما، فإن كفر عنهن بالاطعام جاز أن يطعم ~~عنهن مائتي مسكين، وإن لم يقدر فرق بخلاف العتق والصيام، لان صيام الشهرين ~~لا يفرق والاطعام يفرق. # فصل وفيه ست مسائل: # الأولى - ذكر الله عز وجل الكفارة هنا مرتبة، فلا سبيل إلى الصيام إلا ~~عند العجز عن الرقبة، وكذلك لا سبيل إلى الاطعام إلا عند عدم الاستطاعة على ~~الصيام، فمن لم يطق الصيام وجب عليه إطعام ستين مسكينا لكل مسكين مدان يمد ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # وإن أطعم مدا بمد هشام، وهو مدان إلا ثلثا، أو أطعم مدا ونصفا بمد النبي ~~صلى الله عليه وسلم أجزأه. قال أبو عمر بن عبد البر: وأفضل ذلك مدان بمد ~~النبي صلى الله عليه ms6080 وسلم، لان الله عز وجل لم يقل في كفارة الظهار (من ~~أوسط ما تطعمون (1)) فواجب قصد الشبع. # قال ابن العربي: وقال مالك في رواية ابن القاسم وابن عبد الحكم: مد بمد ~~هشام وهو الشبع ها هنا، لان الله تعالى أطلق الطعام ولم يذكر الوسط. وقال ~~في رواية أشهب: مدان بمد النبي صلى الله عليه وسلم (2): [قيل له: ألم تكن ~~قلت مد هشام؟ قال: بلى، مدان بمد النبي صلى الله عليه وسلم أحب إلي]. وكذلك ~~قال عنه ابن القاسم أيضا. # PageV17P285 # قلت: وهي رواية ابن وهب ومطرف عن مالك: أنه يعطي مدين لكل مسكين بمد ~~النبي صلى الله عليه وسلم. وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه. ومذهب الشافعي ~~وغيره مد واحد لكل مسكين لا يلزمه أكثر من ذلك، لأنه يكفر بالاطعام ولم ~~يلزمه صرف زيادة على المد، أصله كفارة الافطار واليمين. ودليلنا قوله ~~تعالى: (فإطعام ستين مسكينا) وإطلاق الاطعام يتناول الشبع، وذلك لا يحصل ~~بالعادة بمد واحد إلا بزيادة عليه. # وكذلك قال أشهب: قلت لمالك أيختلف الشبع عندنا وعندكم؟ قال نعم! الشبع ~~عندنا مد بمد النبي صلى الله عليه وسلم والشبع عندكم أكثر، لان النبي صلى ~~الله عليه وسلم دعا لنا بالبركة دونكم، فأنتم تأكلون أكثر مما نأكل نحن. ~~وقال أبو الحسن القابسي: إنما أخذ أهل المدينة بمد هشام في كفارة الظهار ~~تغليظا على المتظاهرين الذين شهد الله عليهم أنهم يقولون منكرا من القول ~~وزورا. قال ابن العربي: وقع الكلام ها هنا في مد هشام كما ترون، ووددت أن ~~يهشم الزمان ذكره، ويمحو من الكتب رسمه، فإن المدينة التي نزل الوحي بها ~~واستقر الرسول بها ووقع عندهم الظهار، وقيل لهم فيه: (فإطعام ستين مسكينا) ~~فهموه وعرفوا المراد به وأنه الشبع، وقدره معروف عندهم متقرر لديهم، وقد ~~ورد ذلك الشبع في الاخبار كثيرا، واستمرت الحال على ذلك أيام الخلفاء ~~الراشدين المهديين حتى نفخ الشيطان في أذن هشام، فرأى أن مد النبي صلى الله ~~عليه وسلم لا يشبعه، ولا مثله من حواشيه ونظرائه، فسول له ms6081 أن يتخذ مدا يكون ~~فيه شبعه، فجعله رطلين وحمل الناس عليه، فإذا ابتل عاد نحو الثلاثة ~~الأرطال، فغير السنة وأذهب محل البركة. قال النبي صلى الله عليه وسلم حين ~~دعا ربه لأهل المدينة بأن تبقى لهم البركة في مدهم وصاعهم، مثل ما بارك ~~لإبراهيم بمكة، فكانت البركة تجري بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم في مده، ~~فسعى الشيطان في تغيير هذه السنة وإذهاب هذه البركة، فلم يستجب له في ذلك ~~إلا هشام، فكان من حق العلماء أن يلغوا (1) ذكره ويمحوا رسمه إذا لم يغيروا ~~أمره، وأما أن يحيلوا على ذكره في الاحكام، ويجعلوه تفسيرا لما ذكر الله ~~ورسوله بعد أن كان مفسرا عند الصحابة الذين نزل عليهم فخطب جسيم، ولذلك ~~كانت رواية أشهب في ذكر مدين بمد النبي صلى الله عليه وسلم في كفارة الظهار ~~أحب إلينا من # PageV17P286 # الرواية بأنها بمد هشام. ألا ترى كيف نبه مالك على هذا العلم بقوله ~~لأشهب: الشبع عندنا بمد النبي صلى الله عليه وسلم، والشبع عندكم أكثر لان ~~النبي صلى الله عليه وسلم دعا لنا بالبركة. # وبهذا أقول، فإن العبادة إذا أديت بالسنة، فإن كانت بالبدن كانت أسرع إلى ~~القبول، وإن كانت بالمال كان قليلها أثقل في الميزان، وأبرك في يد الآخذ، ~~وأطيب في شدقه، وأقل آفة في بطنه، وأكثر إقامة لصلبه (1). والله أعلم (2). # الثانية - ولا يجزئ عند مالك والشافعي أن يطعم أقل من ستين مسكينا. # وقال أبو حنيفة وأصحابه: إن أطعم مسكينا واحدا كل يوم نصف صاع حتى يكمل ~~العدد أجزأه. # الثالثة - قال القاضي أبو بكر بن العربي: من غريب الامر أن أبا حنيفة قال ~~إن الحجر على الحر باطل. وأحتج بقوله تعالى: (فتحرير رقبة) ولم يفرق بين ~~الرشيد والسفيه، وهذا فقه ضعيف لا يناسب قدره، فإن هذه الآية عامة، وقد كان ~~القضاء بالحجر في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاشيا والنظر يقتضيه، ~~ومن كان عليه حجر لصغر أو لولاية وبلغ سفيها قد نهي عن دفع المال إليه، ~~فكيف ينفذ فعله ms6082 فيه والخاص يقضي على العام. # الرابعة - وحكم الظهار عند بعض العلماء ناسخ لما كانوا عليه من كون ~~الظهار طلاقا، وقد روي معنى ذلك عن ابن عباس وأبي قلابة وغيرهما. # الخامسة - قوله تعالى: (ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله) أي ذلك الذي وصفنا من ~~التغليظ في الكفارة (لتؤمنوا) أي لتصدقوا أن الله أمر به. وقد أستدل بعض ~~العلماء على أن هذه الكفارة إيمان بالله سبحانه وتعالى، لما ذكرها وأوجبها ~~قال: (ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله) أي ذلك لتكونوا مطيعين لله تعالى واقفين ~~عند حدوده لا تتعدوها، فسمى التكفير لأنه طاعة ومراعاة للحد إيمانا، فثبت ~~أن كل ما أشبهه فهو إيمان. فإن قيل: معنى قوله: (ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله) ~~أي لئلا تعودوا للظهار الذي هو منكر من القول وزور. # PageV17P287 # قيل له: قد يجوز أن يكون هذا مقصودا والأول مقصودا، فيكون المعنى ذلك ~~لئلا تعودوا للقول المنكر والزور، بل تدعونهما طاعة لله سبحانه وتعالى إذ ~~كان قد حرمهما، ولتجتنبوا المظاهر منها إلى أن تكفروا، إذ كان الله منع من ~~مسيسها، وتكفروا إذ كان الله تعالى أمر بالكفارة وألزم إخراجها منكم، ~~فتكونوا بهذا كله مؤمنين بالله ورسوله، لأنها حدود تحفظونها، وطاعات ~~تؤدونها والطاعة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم إيمان. وبالله التوفيق. # السادسة - قوله تعالى: (وتلك حدود الله) أي بين معصيته وطاعته، فمعصيته ~~الظهار، وطاعته الكفارة. (وللكافرين عذاب أليم) أي لمن لم يصدق بأحكام الله ~~تعالى عذاب جهنم. # قوله تعالى: ان الذين يحادون الله ورسوله كبتوا كما كبت الذين من قبلهم ~~وقد أنزلنا آيات بينات وللكافرين عاب مهين (5) يوم يبعثهم الله جميعا ~~فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه والله على كل شئ شهيد (6) قوله تعالى: ~~(ان الذين يحادون الله ورسوله) لما ذكر المؤمنين الواقفين عند حدوده ذكر ~~المحادين المخالفين لها. والمحادة المعاداة والمخالفة في الحدود، وهو مثل ~~قوله تعالى: # (ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله (1)). وقيل: (يحادون الله) أي أولياء الله ~~كما في الخبر: # (من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة). وقال الزجاج: المحادة أن تكون ~~في حد ms6083 يخالف حد صاحبك. وأصلها الممانعة، ومنه الحديد، ومنه الحداد للبواب. ~~(كبتوا) قال أبو عبيدة والأخفش: أهلكوا. وقال قتادة: أخزوا كما أخزي الذين ~~من قبلهم. وقال ابن زيد: # عذبوا. وقال السدي: لعنوا. وقال الفراء: غيظوا يوم الخندق. وقيل: يوم ~~بدر. # والمراد المشركون. وقيل: المنافقون. (كما كبت الذين من قبلهم). وقيل: ~~(كبتوا) # PageV17P288 # أي سيكبتون، وهو بشارة من الله تعالى للمؤمنين بالنصر، وأخرج الكلام بلفظ ~~الماضي تقريبا للمخبر عنه. وقيل: هي بلغة مذحج (1). (وقد أنزلنا آيات ~~بينات) فيمن حاد الله ورسوله من الذين من قبلهم فيما فعلنا بهم. (وللكافرين ~~عذاب مهين). # قوله تعالى: (يوم) نصب ب (عذاب مهين) أو بفعل مضمر تقديره واذكر تعظيما ~~لليوم. (يبعثهم الله جميعا) أي الرجال والنساء يبعثهم من قبورهم في حالة ~~واحدة (فينبئهم) أي يخبرهم (بما عملوا) في الدنيا (أحصاه الله) عليهم في ~~صحائف أعمالهم (ونسوه) هم حتى ذكرهم به في صحائفهم ليكون أبلغ في الحجة ~~عليهم. (والله على كل شئ شهيد) مطلع وناظر لا يخفى عليه شئ. # قوله تعالى: ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما يكون من ~~نجوى ثلاثة الا هو رابعهم ولا خمسة الا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر ~~الا هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة ان الله بكل شئ ~~عليم (7) قوله تعالى: (ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض) ~~فلا يخفى عليه سر ولا علانية. (ما يكون من نجوى) قراءه العامة بالياء، لأجل ~~الحائل بينهما. وقرأ أبو جعفر بن القعقاع والأعرج وأبو حياة وعيسى (ما ~~تكون) بالتاء لتأنيث الفعل. # والنجوى: السرار، وهو مصدر والمصدر قد يوصف به، يقال: قوم نجوى أي ذوو ~~نجوى، ومنه قوله تعالى: (وإذ هم نجوى (2)). وقوله تعالى: (ثلاثة) خفض ~~بإضافة (نجوى) إليها. قال الفراء: (ثلاثة) نعت للنجوى فانخفضت وإن شئت أضفت ~~(نجوى) إليها. # ولو نصب على إضمار فعل جاز، وهي قراءة ابن أبي عبلة (ثلاثة) و (خمسة) ~~بالنصب على الحال بإضمار يتناجون، لان ms6084 نجوى يدل عليه، قاله الزمخشري. ويجوز ~~رفع (ثلاثة) على البدل من موضع (نجوى). ثم قيل: كل سرار نجوى. وقيل: النجوى ~~ما يكون من # PageV17P289 # خلوة ثلاثة يسرون شيئا ويتناجون به. والسرار ما كان بين اثنين. (الا هو ~~رابعهم) يعلم ويسمع نجواهم، يدل عليه افتتاح الآية بالعلم ثم ختمها بالعلم. ~~وقيل: النجوى من النجوة وهي ما ارتفع من الأرض، فالمتناجيان يتناجيان ~~ويخلوان بسرهما كخلو المرتفع من الأرض عما يتصل به، والمعنى: أن سمع الله ~~محيط بكل كلام، وقد سمع الله مجادلة المرأة التي ظاهر منها زوجها. (ولا ~~أدنى من ذلك ولا أكثر) قرأ سلام ويعقوب وأبو العالية ونصر وعيسى بالرفع على ~~موضع (من نجوى) قبل دخول (من) لان تقديره ما يكون نجوى، و (ثلاثة) يجوز أن ~~يكون مرفوعا على محل (لا) مع (أدنى) كقولك: لا حول ولا قوة إلا بالله بفتح ~~الحول ورفع القوة. ويجوز أن يكونا مرفوعين على الابتداء، كقولك لا حول ولا ~~قوة إلا بالله. وقد مضى في (البقرة (1)) بيان هذا مستوفى. وقرأ الزهري ~~وعكرمة (أكبر) بالباء. # والعامة بالثاء وفتح الراء على اللفظ وموضعها جر. وقال الفراء في قوله: ~~(ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم) قال: المعنى ~~غير مصمود والعدد غير مقصود لأنه تعالى إنما قصد وهو أعلم أنه مع كل عدد قل ~~أو كثر، يعلم ما يقولون سرا وجهرا ولا تخفى عليه خافية، فمن أجل ذلك اكتفى ~~بذكر بعض العدد دون بعض. وقيل: معنى ذلك أن الله معهم بعلمه حيث كانوا من ~~غير زوال ولا انتقال. ونزل ذلك في قوم من المنافقين كانوا فعلوا شيئا سرا ~~فأعلم الله أنه لا يخفي عليه ذلك، قاله ابن عباس. وقال قتادة ومجاهد: # نزلت في اليهود. (ثم ينبئهم) يخبرهم (بما عملوا) من حسن وسئ (يوم القيامة ~~ان الله بكل شئ عليم). # قوله تعالى: ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه ~~ويتناجون بالاثم والعدوان ومعصية الرسول وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك ms6085 به ~~الله ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول حسبهم جهنم يصلونها فبئس ~~المصير (8) # PageV17P290 # فيه ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى) قيل: إن هذا في ~~اليهود والمنافقين حسب ما قدمناه. وقيل: في المسلمين. قال ابن عباس: نزلت ~~في اليهود والمنافقين كانوا يتناجون فيما بينهم، وينظرون للمؤمنين ~~ويتغامزون بأعينهم، فيقول المؤمنون: لعلهم بلغهم عن إخواننا وقرابتنا من ~~المهاجرين والأنصار قتل أو مصيبة أو هزيمة، ويسؤهم ذلك فكثرت شكواهم إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فنهاهم عن النجوى فلم ينتهوا فنزلت. وقال مقاتل: ~~كان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين اليهود موادعة، فإذا مر بهم رجل من ~~المؤمنين تناجوا بينهم حتى يظن المؤمن شرا، فيعرج عن طريقه، فنهاهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فلم ينتهوا فنزلت. وقال عبد الرحمن بن زيد بن ~~أسلم: كان الرجل يأتي النبي صلى الله عليه وسلم فيسأله الحاجة ويناجيه ~~والأرض يومئذ حرب، فيتوهمون أنه يناجيه في حرب أو بلية أو أمر مهم فيفزعون ~~لذلك فنزلت. # الثانية - روى أبو سعيد الخدري قال: كنا ذات ليلة نتحدث إذ خرج علينا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (ما هذه النجوى ألم تنهوا عن النجوى) ~~فقلنا: تبنا إلى الله يا رسول الله، إنا كنا في ذكر المسيخ - يعني الدجال - ~~فرقا (1) منه. فقال: (ألا أخبركم بما هو أخوف عندي منه) قلنا: بلى يا رسول ~~الله، قال: (الشرك الخفي أن يقوم الرجل يعمل لمكان رجل) ذكره الماوردي. ~~وقرأ حمزة وخلف ورويس عن يعقوب (وينتجون) في وزن يفتعلون وهي قراءة عبد ~~الله وأصحابه. وقرأ الباقون (ويتناجون) في وزن يتفاعلون، وأختاره أبو عبيد ~~وأبو حاتم، لقوله تعالى: (إذا تناجيتم) و (تناجوا). النحاس: وحكى سيبويه أن ~~تفاعلوا وافتعلوا يأتيان بمعنى واحد، نحو تخاصموا واختصموا، وتقاتلوا ~~واقتتلوا فعلى هذا (يتناجون) و (ينتجون) واحد. ومعنى (بالاثم والعدوان) أي ~~الكذب والظلم. # (ومعصية الرسول) أي مخالفته. وقرأ الضحاك ومجاهد وحميد (ومعصيات الرسول) ~~بالجمع. # PageV17P291 # الثالثة - قوله تعالى: (وإذا جاءوك حيوك بما ms6086 لم يحيك به الله) لا خلاف ~~بين النقلة أن المراد بها اليهود، كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم ~~فيقولون: السام عليك. يريدون بذلك السلام ظاهرا وهم يعنون الموت باطنا، ~~فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: (عليكم) في رواية، وفي رواية أخرى ~~(وعليكم). قال ابن العربي: وهي مشكلة. وكانوا يقولون: لو كان محمد نبيا لما ~~أمهلنا الله بسبه والاستخفاف به، وجهلوا أن الباري تعالى حليم لا يعاجل من ~~سبه، فكيف من سب نبيه. وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا أحد ~~أصبر على الأذى من الله يدعون له الصاحبة والولد وهو يعافيهم ويرزقهم) ~~فأنزل الله تعالى هذا كشفا لسرائرهم، وفضحا لبواطنهم، معجزة لرسوله صلى ~~الله عليه وسلم. وقد ثبت عن قتادة عن أنس أن يهوديا أتى على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وعلى أصحابه فقال: السام عليكم. فرد عليه النبي صلى الله ~~عليه وسلم وقال: (أتدرون ما قال هذا) قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: (قال ~~كذا ردوه علي) فردوه، قال: (قلت السام عليكم) قال: نعم. فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم عند ذلك: (إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا عليك ما قلت) ~~فأنزل الله تعالى: (وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله). قلت: خرجه ~~الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح. وثبت عن عائشة أنها قالت: # جاء أناس من اليهود إلى النبي صلى ا لله عليه وسلم فقالوا: السام عليك يا ~~أبا القاسم. فقلت: # السام عليكم وفعل الله بكم وفعل. فقال عليه السلام: (مه يا عائشة فإن ~~الله لا يحب الفحش ولا التفحش) فقلت: يا رسول الله ألست ترى ما يقولون؟! ~~فقال: (ألست ترين أرد عليهم ما يقولون أقول وعليكم) فنزلت هذه الآية (بما ~~لم يحيك به الله) أي إن الله سلم عليك وهم يقولون السام عليك، والسام ~~الموت. خرجه البخاري ومسلم بمعناه. وفي الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي ~~الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا سلم عليكم أهل الكتاب ~~فقولوا ms6087 وعليكم) كذا الرواية (وعليكم) بالواو تكلم عليها العلماء، لان الواو ~~العاطفة يقتضي التشريك فيلزم منه أن يدخل معهم فيما دعوا به علينا من ~~الموت، أو من PageV17P292 # سامه ديننا وهو الملال. يقال: سئم يسأم سامه وسآما. فقال بعضهم: الواو ~~زائدة كما زيدت في قول الشاعر: # * فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى * أي لما أجزنا انتحى فزاد الواو. وقال ~~بعضهم: هي للاستئناف، كأنه قال: والسام عليكم. # وقال بعضهم: هي على بابها من العطف ولا يضرنا ذلك، لأنا نجاب عليهم ولا ~~يجابون علينا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. روى الزبير أنه سمع جابر ~~بن عبد الله يقول: سلم ناس من يهود على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فقالوا: السام عليك يا أبا القاسم، فقال: # (وعليكم) فقالت عائشة وغضبت: ألم تسمع ما قالوا؟ قال: (بلى قد سمعت فرددت ~~عليهم وإنا نجاب عليهم ولا يجابون علينا) خرجه مسلم. ورواية الواو أحسن ~~معنى، وإثباتها أصح رواية وأشهر. # وقد اختلف في رد السلام على أهل الذمة هل هو واجب كالرد على المسلمين، ~~وإليه ذهب ابن عباس والشعبي وقتادة، للامر بذلك. وذهب مالك فيما روى عنه ~~أشهب وابن وهب إلى أن ذلك ليس بواجب فإن رددت فقل عليك. وقد اختار ابن طاوس ~~أن يقول في الرد عليهم: علاك السلام أي أرتفع عنك. واختار بعض أصحابنا: ~~السلام بكسر السين يعني الحجارة. وما قاله مالك أولى أتباعا للسنة، والله ~~أعلم. وروى مسروق عن عائشة قالت: أتى النبي صلى الله عليه وسلم ناس من ~~اليهود، فقالوا: السام عليك يا أبا القاسم، قال: (وعليكم) قالت عائشة: قلت ~~بل عليكم السام والذام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا عائشة لا ~~تكوني فاحشة) فقالت: ما سمعت ما قالوا! فقال: (أو ليس قد رددت عليهم الذي ~~قالوا قلت وعليكم). وفي رواية قال: ففطنت بهم عائشة فسبتهم، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: (مه يا عائشة فإن الله لا يحب الفحش والتفحش) وزاد ~~فأنزل الله تبارك وتعالى: (وإذا جاءوك حيوك بما ms6088 لم يحيك به الله) إلى آخر ~~الآية. # الذام بتخفيف الميم هو العيب، وفي المثل (لا تعدم الحسناء ذاما) أي عيبا، ~~ويهمز ولا يهمز، PageV17P293 # يقال: ذأمه يذأمه، مثل ذأب يذأب، والمفعول مذءوم مهموزا، ومنه (مذؤوما ~~مدحورا (1)) ويقال: ذامه يذومه مخففا كرامة يرومه. # قوله تعالى: (ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول) قالوا: لو ~~كان محمد نبيا لعذبنا الله بما نقول فهلا يعذبنا الله. وقيل: قالوا إنه يرد ~~علينا ويقول وعليكم السام والسام الموت، فلو كان نبيا لاستجيب له فينا ~~ومتنا. وهذا موضع تعجب منهم، فإنهم كانوا أهل كتاب، وكانوا يعلمون أن ~~الأنبياء قد يغضبون فلا يعاجل من يغضبهم بالعذاب. (حسبهم جهنم) أي كافيهم ~~جهنم عقابا غدا (فبئس المصير) أي المرجع. # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالاثم ~~والعدوان ومعصية الرسول وتناجوا بالبر والتقوى واتقوا الله الذي إليه ~~تحشرون (9) قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم) نهى المؤمنين أن ~~يتناجوا فيما بينهم كفعل المنافقين واليهود فقال: (يا أيها الذين آمنوا إذا ~~تناجيتم) أي تساررتم. (فلا تتناجوا) هذه قراءة العامة. وقرأ يحيى بن وثاب ~~وعاصم ورويس عن يعقوب (فلا تنتجوا) من الانتجاء (بالاثم والعدوان ومعصية ~~الرسول وتناجوا بالبر) أي بالطاعة (والتقوى) بالعفاف عما نهى الله عنه. ~~وقيل: الخطاب للمنافقين، أي يا أيها الذين آمنوا بزعمهم. وقيل: أي يا أيها ~~الذين آمنوا بموسى. (واتقوا الله الذي إليه تحشرون) أي تجمعون في الآخرة. # قوله تعالى: انما النجوى من الشيطان ليحزن الذين ء امنوا وليس بضارهم ~~شيئا الا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون (10) # PageV17P294 # فيه مسألتان: # الأولى - قوله تعالى: (انما النجوى من الشيطان) أي من تزيين الشياطين ~~(ليحزن الذين آمنوا) إذ توهموا أن المسلمين أصيبوا في السرايا، أو إذا ~~أجروا (1) اجتماعهم على مكايدة المسلمين، وربما كانوا يناجون النبي صلى ~~الله عليه وسلم فيظن المسلمون أنهم ينتقصونهم عند النبي صلى الله عليه وسلم ~~(وليس بضارهم) أي التناجي (شيئا الا بإذن الله) أي بمشيئته وقيل: بعلمه. ~~وعن ابن عباس: بأمره. (وعلى الله ms6089 فليتوكل المؤمنون) أي يكلون أمرهم إليه، ~~ويفوضون جميع شؤونهم إلى عونه، ويستعيذون به من الشيطان ومن كل شر، فهو ~~الذي سلط الشيطان بالوساوس ابتلاء للعبد وامتحانا ولو شاء لصرفه عنه. # الثانية - في الصحيحين عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~(إذا كان ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الواحد). وعن عبد الله بن مسعود قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون ~~الآخر حتى تختلطوا بالناس من أجل أن يحزنه) فبين في هذا الحديث غاية المنع ~~وهي أن يجد الثالث من يتحدث معه كما فعل ابن عمر، ذلك أنه كان يتحدث مع رجل ~~فجاء آخر يريد أن يناجيه فلم يناجه حتى دعا رابعا، فقال له وللأول: تأخرا ~~وناجى الرجل الطالب للمناجاة. خرجه الموطأ. وفيه أيضا التنبيه على التعليل ~~بقوله: (من أجل أن يحزنه) أي يقع في نفسه ما يحزن لأجله. وذلك بأن يقدر في ~~نفسه أن الحديث عنه بما يكره، أو أنه لم يروه أهلا ليشركوه في حديثهم، إلى ~~غير ذلك من ألقيات الشيطان وأحاديث النفس. وحصل ذلك كله من بقائه وحده، ~~فإذا كان معه غيره أمن ذلك، وعلى هذا يستوي في ذلك كل الاعداد، فلا يتناجى ~~أربعة دون واحد ولا عشرة ولا ألف مثلا، لوجود ذلك المعنى في حقه، بل وجوده ~~في العدد الكثير أمكن وأوقع، فيكون بالمنع أولى. وإنما خص الثلاثة بالذكر، ~~لأنه أول عدد يتأتى ذلك المعنى فيه. وظاهر الحديث يعم جميع الأزمان ~~والأحوال، وإليه ذهب ابن عمر ومالك والجمهور. وسواء أكان التناجي في مندوب ~~أو مباح أو واجب فإن الحزن يقع به. وقد ذهب بعض الناس إلى أن ذلك كان # PageV17P295 # في أول الاسلام، لان ذلك كان في حال المنافقين فيتناجى المنافقون دون ~~المؤمنين، فلما فشا الاسلام سقط ذلك. وقال بعضهم: ذلك خاص بالسفر في ~~المواضع التي لا يأمن الرجل فيها صاحبه، فأما في الحضر وبين العمارة فلا، ~~فإنه يجد من يعينه، بخلاف السفر فإنه مظنة الاغتيال ms6090 وعدم المغيث (1). والله ~~أعلم. # قوله تعالى: يا أيها الذين ء امنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس ~~فافسحوا يفسح الله لكم وإذا قيل انشزوا فانشزوا يرفع الله الذين آمنوا منكم ~~والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير (11) فيه سبع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجلس ~~(2)) لما بين أن اليهود يحيونه بما لم يحيه به الله وذمهم على ذلك وصل به ~~الامر بتحسين الأدب في مجالسة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى لا يضيقوا ~~عليه المجلس، وأمر المسلمين بالتعاطف والتآلف حتى يفسح بعضهم لبعض، حتى ~~يتمكنوا من الاستماع من رسول الله صلى الله عليه وسلم والنظر إليه. قال ~~قتادة ومجاهد: كانوا يتنافسون في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم، فأمروا أن ~~يفسح بعضهم لبعض. وقاله الضحاك. وقال ابن عباس: المراد بذلك مجالس القتال ~~إذا اصطفوا للحرب. قال الحسن ويزيد بن أبي حبيب: كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم إذا قاتل المشركين تشاح أصحابه على الصف الأول (3) فلا يوسع بعضهم ~~لبعض، رغبة في القتال والشهادة فنزلت. فيكون كقوله: (مقاعد للقتال (4)). ~~وقال مقاتل: كان النبي صلى الله عليه وسلم في الصفة، وكان في المكان ضيق ~~يوم الجمعة، وكان النبي صلى الله عليه # PageV17P296 # وسلم يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار، فجاء أناس من أهل بدر فيهم ~~ثابت بن قيس ابن شماس وقد سبقوا في المجلس، فقاموا حيال النبي صلى الله ~~عليه وسلم على أرجلهم ينتظرون أن يوسع لهم فلم يفسحوا لهم، فشق ذلك على ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لمن حوله من [غير (1)] أهل بدر: (قم يا ~~فلان وأنت يا فلان) بعدد القائمين من أهل بدر، فشق ذلك على من أقيم، وعرف ~~النبي صلى الله عليه وسلم الكراهية في وجوههم، فغمز المنافقون وتكلموا بأن ~~قالوا: ما أنصف هؤلاء وقد أحبوا القرب من نبيهم فسبقوا إلى المكان، فأنزل ~~الله عز وجل هذه الآية. (تفسحوا) أي توسعوا. وفسح فلان لأخيه في مجلسه يفسح ~~فسحا أي ms6091 وسع له، ومنه قولهم: بلد فسيح ولك في كذا فسحة، وفسح يفسح مثل منع ~~يمنع، أي وسع في المجلس، وفسح يفسح فساحة مثل كرم يكرم [كرامة (2)] أي صار ~~واسعا، ومنه مكان فسيح. # الثانية - قرأ السلمي وزر بن حبيش وعاصم (في المجالس). وقرأ قتادة وداود ~~ابن أبي هند والحسن باختلاف عنه (إذا قيل لكم تفاسحوا) الباقون (تفسحوا في ~~المجلس) فمن جمع فلان قوله: (تفسحوا في المجالس) ينبئ أن لكل واحد مجلسا. ~~وكذلك إن أريد به الحرب. وكذلك يجوز أن يراد مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ~~وجمع لان لكل جالس مجلسا. وكذلك يجوز إن أريد بالمجلس المفرد مجلس النبي ~~صلى الله عليه وسلم، ويجوز أن يراد به الجمع على مذهب الجنس، كقولهم: كثر ~~الدينار والدرهم. # قلت: الصحيح في الآية أنها عامة في كل مجلس اجتمع المسلمون فيه للخير ~~والاجر، سواء كان مجلس حرب أو ذكر أو مجلس يوم الجمعة، فإن كل واحد أحق ~~بمكانه الذي سبق إليه [قال صلى الله عليه وسلم: (من سبق إلى ما لم يسبق ~~إليه فهو أحق (3) به)] ولكن يوسع لأخيه ما لم يتأذ فيخرجه الضيق عن موضعه. ~~روى البخاري ومسلم عن ابن عمر عن # PageV17P297 # النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس ~~فيه). وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن يقام الرجل من مجلسه ~~ويجلس فيه آخر، ولكن تفسحوا وتوسعوا. وكان ابن عمر يكره أن يقوم الرجل من ~~مجلسه ثم يجلس مكانه. لفظ البخاري. # الثالثة - إذا قعد واحد من الناس في موضع من المسجد لا يجوز لغيره أن ~~يقيمه حتى يقعد مكانه، لما روى مسلم عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: (لا يقيمن أحدكم أخاه يوم الجمعة ثم يخالف إلى مقعده ~~فيقعد فيه ولكن يقول افسحوا). # فرع - القاعد في المكان إذا قام حتى يقعد غيره موضعه نظر، فإن كان الموضع ~~الذي قام إليه مثل الأول في سماع كلام الامام لم يكره ms6092 له ذلك، وإن كان أبعد ~~من الامام كره له ذلك، لان فيه تفويت حظه. # الرابعة - إذا أمر إنسان إنسانا أن يبكر إلى الجامع فيأخذ له مكانا يقعد ~~فيه لا يكره، فإذا جاء الآمر يقوم من الموضع، لما روي: أن ابن سيرين كان ~~يرسل غلامه إلى مجلس له في يوم الجمعة فيجلس له فيه، فإذا جاء قام له منه. # فرع - وعلى هذا من أرسل بساطا أو سجادة فتبسط له في موضع من المسجد (1). # الخامسة - روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: (إذا قام أحدكم - وفي حديث أبي عوانة من قام من مجلسه - ثم رجع ~~إليه فهو أحق به) قال علماؤنا: هذا يدل على صحة القول بوجوب اختصاص الجالس ~~بموضعه إلى أن يقوم منه، لأنه إذا كان أولى به بعد قيامه فقبله أولى به ~~وأحرى. وقد قيل: إن ذلك على الندب، لأنه موضع غير متملك لاحد لا قبل الجلوس ~~ولا بعده. وهذا فيه نظر، وهو أن يقال: سلمنا أنه غير متملك لكنه يختص به ~~إلى أن يفرغ غرضه منه، فصار كأنه يملك منفعته، إذ قد منع غيره من يزاحمه ~~عليه. والله أعلم. # PageV17P298 # السادسة - قوله تعالى: (يفسح الله لكم) أي في قبوركم. وقيل: في قلوبكم. # وقيل: يوسع عليكم في الدنيا والآخرة. (وإذا قيل انشزوا فانشزوا) قرأ نافع ~~وابن عامر وعاصم بضم الشين فيهما. وكسر الباقون، وهما لغتان مثل (يعكفون ~~(1)) و (يعرشون (1)) والمعنى انهضوا إلى الصلاة والجهاد وعمل الخير، قال ~~أكثر المفسرين. وقال مجاهد والضحاك: # إذ نودي للصلاة فقوموا إليها. وذلك أن رجالا تثاقلوا عن الصلاة فنزلت. ~~وقال الحسن ومجاهد أيضا: أي انهضوا إلى الحرب. وقال ابن زيد: هذا في بيت ~~النبي صلى الله عليه وسلم، كان كل رجل منهم يحب أن يكون آخر عهده بالنبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال الله تعالى: (وإذا قيل أنشزوا) عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم (فانشزوا) فإن له حوائج فلا تمكثوا. وقال قتادة: المعنى أجيبوا ~~إذا دعيتم إلى أمر ms6093 بمعروف. وهذا هو الصحيح، لأنه يعم. والنشز الارتفاع، ~~مأخوذ من نشز الأرض وهو ارتفاعها، يقال نشز ينشز وينشز إذا انتحى من موضعه، ~~أي ارتفع منه. وامرأة ناشز منتحية عن زوجها. وأصل هذا من النشز، والنشز هو ~~ما ارتفع من الأرض وتنحى، ذكره النحاس. # السابعة - قوله تعالى: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم ~~درجات) أي في الثواب في الآخرة وفي الكرامة في الدنيا، فيرفع المؤمن على من ~~ليس بمؤمن والعالم على من ليس بعالم. وقال ابن مسعود: مدح الله العلماء في ~~هذه الآية. والمعنى أنه يرفع الله الذين أوتوا العلم (2) على الذين آمنوا ~~ولم يؤتوا العلم (درجات) أي درجات في دينهم إذا فعلوا ما أمروا به. وقيل: ~~كان أهل الغنى يكرهون أن يزاحمهم من يلبس الصوف فيستبقون إلى مجلس النبي ~~صلى الله عليه وسلم فالخطاب لهم. ورأى عليه الصلاة والسلام رجلا من ~~الأغنياء يقبض ثوبه نفورا من بعض الفقراء أراد أن يجلس إليه فقال: (يا فلان ~~خشيت أن يتعدى غناك إليه أو فقره إليك) وبين في هذه الآية أن الرفعة عند ~~الله تعالى بالعلم والايمان لا بالسبق إلى صدور المجالس. وقيل: أراد بالذين ~~أوتوا العلم الذين قرأوا القرآن. وقال يحيى بن يحيى عن مالك: (يرفع الله ~~الذين آمنوا منكم) الصحابة (والذين أوتوا العلم درجات) يرفع الله بها ~~العالم والطالب للحق. # PageV17P299 # قلت: والعموم أوقع في المسألة وأولى بمعنى الآية، فيرفع المؤمن (1) ~~بإيمانه أولا ثم بعلمه ثانيا. وفي الصحيح أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~كان يقدم عبد الله بن عباس على الصحابة، فكلموه في ذلك فدعاهم ودعاه، ~~وسألهم عن تفسير (إذا جاء نصر الله والفتح (2)) فسكتوا، فقال ابن عباس: هو ~~أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه الله إياه. فقال عمر: ما أعلم منها ~~إلا ما تعلم. وفي البخاري عن عبد الله ابن عباس قال: قدم عيينة ابن حصن بن ~~حذيفة بن بدر فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس بن حصن، وكان من النفر الذين ~~يدنيهم عمر، ms6094 وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته كهولا كانوا أو شبانا. ~~الحديث وقد مضى في آخر (الأعراف (3)). وفي صحيح مسلم أن نافع بن عبد الحرث ~~لقي عمر بعسفان وكان عمر يستعمله على مكة فقال: من استعملته على أهل ~~الوادي؟ فقال: ابن أبزى. # فقال: ومن ابن أبزى؟ قال: مولى من موالينا. قال: فاستخلفت عليهم مولى! ~~قال: إنه قارئ لكتاب الله وإنه عالم بالفرائض. قال عمر: أما إن نبيكم صلى ~~الله عليه وسلم قد قال: # (إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين) وقد مضى أول الكتاب ~~(4). ومضى القول في فضل العلم والعلماء في غير موضع من هذا الكتاب (5) ~~[والحمد لله (6)]. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (بين العالم ~~والعابد مائة درجة بين كل درجتين حضر الجواد المضمر سبعين سنة). وعنه صلى ~~الله عليه وسلم: (فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر ~~الكواكب). وعنه عليه الصلاة والسلام: (يشفع يوم القيامة ثلاثة الأنبياء ثم ~~العلماء ثم الشهداء) فأعظم بمنزلة هي واسطة بين النبوة والشهادة بشهادة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن ابن عباس: خير سليمان [عليه السلام] بين ~~العلم والمال والملك فاختار العلم فأعطي المال والملك معه. # PageV17P300 # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي ~~نجواكم صدقة ذلك خير لكم وأطهر فان لم تجدوا فان الله غفور رحيم (12) فيه ~~ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول) (ناجيتم) ~~ساررتم. # قال ابن عباس: نزلت بسبب أن المسلمين كانوا يكثرون المسائل على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حتى شقوا عليه، فأراد الله عز وجل أن يخفف عن نبيه صلى ~~الله عليه وسلم، فلما قال ذلك كف كثير من الناس. ثم وسع الله عليهم بالآية ~~التي بعدها. وقال الحسن: نزلت بسبب أن قوما من المسلمين كانوا يستخلون ~~النبي صلى الله عليه وسلم ويناجونه، فظن بهم قوم من المسلمين أنهم ~~ينتقصونهم في النجوى، فشق عليهم ذلك فأمرهم الله تعالى بالصدقة عند ms6095 النجوى ~~ليقطعهم عن استخلائه. وقال زيد بن أسلم: نزلت بسبب أن المنافقين واليهود ~~كانوا يناجون النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون: إنه أذن يسمع كل ما قيل ~~له، وكان لا يمنع أحدا مناجاته. فكان ذلك يشق على المسلمين، لان الشيطان ~~كان يلقي في أنفسهم أنهم ناجوه بأن جموعا اجتمعت لقتاله. قال: فأنزل الله ~~تبارك وتعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالاثم ~~والعدوان ومعصية الرسول) الآية، فلم ينتهوا فأنزل الله هذه الآية، فانتهى ~~أهل الباطل عن النجوى، لأنهم لم يقدموا بين يدي نجواهم صدقة، وشق ذلك على ~~أهل الايمان وامتنعوا من النجوى، لضعف مقدرة كثير منهم عن الصدقة فخفف الله ~~عنهم بما بعد الآية. # الثانية - قال ابن العربي: وفي هذا الخبر عن زيد ما يدل على أن الاحكام ~~لا تترتب بحسب المصالح، فإن الله تعالى قال: (ذلك خير لكم وأطهر) ثم نسخه ~~مع كونه خيرا وأطهر. PageV17P301 # وهذا رد على المعتزلة عظيم في التزام المصالح، لكن راوي الحديث عن زيد ~~ابنه عبد الرحمن وقد ضعفه العلماء. والامر في قوله تعالى: (ذلك خير لكم ~~وأطهر) نص متواتر في الرد على المعتزلة. والله أعلم. # الثالثة - روى الترمذي عن علي بن علقمة الأنماري عن علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه قال: لما نزلت (يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين ~~يدي نجواكم صدقة) [سألته (1)] قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: (ما ترى ~~دينارا) قلت لا يطيقونه. قال: (فنصف دينار) قلت: لا يطيقونه. قال: (فكم) ~~قلت: شعيرة. قال: (إنك لزهيد) قال فنزلت: (أأشفقتم أن تقدموا بين يدي ~~نجواكم صدقات) الآية. قال: فبي (2) خفف الله عن هذه الأمة. قال أبو عيسى: ~~هذا حديث حسن غريب إنما نعرفه من هذا الوجه، ومعنى قوله: شعيرة يعني وزن ~~شعيرة من ذهب. قال ابن العربي: وهذا يدل على مسألتين حسنتين أصوليتين: # الأولى - نسخ العبادة قبل فعلها. والثانية - النظر في المقدرات بالقياس، ~~خلافا لأبي حنيفة. # قلت: الظاهر أن النسخ إنما وقع بعد فعل الصدقة. وقد ms6096 روي عن مجاهد: أن أول ~~من تصدق في ذلك علي بن أبي طالب رضي الله عنه وناجى النبي صلى الله عليه ~~وسلم. روي أنه تصدق بخاتم. وذكر القشيري وغيره عن علي بن أبن طالب أنه قال: ~~(في كتاب الله آية ما عمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي، وهي: (يا ~~أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة) كان لي ~~دينار فبعته، فكنت إذا ناجيت الرسول تصدقت بدرهم حتى نفد، فنسخت بالآية ~~الأخرى (أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات). وكذلك قال ابن عباس: ~~نسخها الله بالآية التي بعدها. وقال ابن عمر: لقد كانت لعلي رضي الله عنه ~~ثلاثة لو كانت لي واحدة منهن كانت أحب إلي من حمر النعم: تزويجه فاطمة، ~~وإعطاؤه الراية يوم خيبر، وآية النجوى. (ذلك خير لكم) أي من إمساكها ~~(وأطهر) لقلوبكم من المعاصي (فإن لم تجدوا) يعني الفقراء (فإن الله غفور ~~رحيم). # PageV17P302 # قوله تعالى: أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا وتاب ~~الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله ورسوله والله خبير ~~بما تعملون (13) فيه مسألتان: # الأولى - قوله تعالى: (أأشفقتم) استفهام معناه التقرير. قال ابن عباس: # (أأشفقتم) أي أبخلتم بالصدقة، وقيل: خفتم، والاشفاق الخوف من المكروه. أي ~~خفتم وبخلتم بالصدقة وشق عليكم (أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات). قال ~~مقاتل بن حيان: # إنما كان ذلك عشر ليال ثم نسخ. وقال الكلبي: ما كان ذلك إلا ليلة واحدة. ~~وقال ابن عباس: ما بقي إلا ساعة من النهار حتى نسخ. وكذا قال قتادة. والله ~~أعلم. # الثالثة - قوله تعالى: (فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم) أي نسخ الله ذلك ~~الحكم. # وهذا خطاب لمن وجد ما يتصدق به (فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) فنسخت ~~فرضية الزكاة هذه الصدقة. وهذا يدل على جواز النسخ قبل الفعل، وما روي عن ~~علي رضي الله عنه ضعيف، لان الله تعالى قال: (فإذ لم تفعلوا) وهذا يدل على ~~أن أحدا لم يتصدق بشئ. # والله أعلم. (أطيعوا ms6097 الله) في فرائضه (ورسوله) في سننه (والله خبير بما ~~تعملون). # قوله تعالى: ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم ما هم منكم ولا ~~منهم ويحلفون على الكذب وهم يعلمون (14) أعد الله لهم عذابا شديدا انهم ساء ~~ما كانوا يعملون (15) اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله فلهم عذاب ~~مهين (16) PageV17P303 # قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم) قال قتادة: هم ~~المنافقون تولوا اليهود (ما هم منكم ولا منهم) يقول: ليس المنافقون من ~~اليهود ولا من المسلمين بل هم مذبذبون بين ذلك، وكانوا يحملون أخبار ~~المسلمين إليهم. قال السدي ومقاتل: نزلت في عبد الله بن أبي وعبد الله بن ~~نبتل المنافقين، كان أحدهما يجالس النبي صلى الله عليه وسلم ثم يرفع حديثه ~~إلى اليهود، فبينا النبي صلى الله عليه وسلم في حجرة من حجراته إذ قال: ~~(يدخل عليكم الآن رجل قلبه قلب جبار وينظر بعيني شيطان) فدخل عبد الله بن ~~نبتل - وكان أزرق أسمر قصيرا خفيف اللحية - فقال عليه الصلاة والسلام: ~~(علام تشتمني أنت وأصحابك) فحلف بالله ما فعل ذلك. فقال له النبي صلى الله ~~عليه وسلم: (فعلت) فانطلق فجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما سبوه، فنزلت هذه ~~الآية. وقال معناه ابن عباس. روى عكرمة عنه، قال: # كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا في ظل شجرة قد كاد الظل يتقلص عنه إذ ~~قال: (يجيئكم الساعة رجل أزرق ينظر إليكم نظر شيطان) فنحن على ذلك إذ أقبل ~~رجل أزرق، فدعا به النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (علام تشتمني أنت ~~وأصحابك) قال: دعني أجيئك بهم. # فمر فجاء بهم فحلفوا جميعا أنه ما كان من ذلك شئ، فأنزل الله عز وجل: ~~(يوم يبعثهم الله جميعا) إلى قوله: (هم الخاسرون) واليهود مذكورون في ~~القرآن ب (وغضب الله عليهم). # (أعد الله لهم) أي لهؤلاء المنافقين (عذابا شديدا) في جهنم وهو الدرك ~~الأسفل. (أنهم ساء ما كانوا يعملون) أي بئس الأعمال أعمالهم (اتخذوا ~~أيمانهم جنة) يستجنون بها من القتل. وقرأ الحسن ms6098 وأبو العالية (إيمانهم) ~~بكسر الهمزة هنا وفي (المنافقون (1)). أي إقرارهم اتخذوه جنة، فآمنت ~~ألسنتهم من خوف القتل، وكفرت قلوبهم (فلهم عذاب مهين) في الدنيا بالقتل وفى ~~الآخرة بالنار. والصد المنع (عن سبيل الله) أي عن الاسلام. وقيل: # في قتلهم بالكفر لما أظهروه من النفاق. وقيل: أي بإلقاء الأراجيف وتثبيط ~~المسلمين عن الجهاد وتخويفهم. # PageV17P304 # قوله تعالى: لن تغنى عنهم أموالهم ولا أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا ~~أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (17) يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له ~~كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شئ ألا انهم هم الكاذبون (18) استحوذ ~~عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا ان حزب الشيطان هم ~~الخاسرون (19) قوله تعالى: (لن تغنى عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله ~~شيئا) أي من عذابه شيئا. # وقال مقاتل: قال المنافقون إن محمدا يزعم أنه ينصر يوم القيامة، لقد ~~شقينا إذا! فوالله لننصرن يوم القيامة بأنفسنا وأولادنا وأموالنا إن كانت ~~قيامة. فنزلت (1): (يوم يبعثهم الله جميعا) أي لهم عذاب مهين يوم يبعثهم ~~(فيحلفون له كما يحلفون لكم) اليوم. وهذا أمر عجيب وهو مغالطتهم باليمين ~~غدا، وقد صارت المعارف ضرورية. وقال ابن عباس: هو قولهم (والله ربنا ما كنا ~~مشركين (2)). (ويحسبون أنهم على شئ) بإنكارهم وحلفهم. قال ابن زيد: # ظنوا أنهم ينفعهم في الآخرة. وقيل: (ويحسبون) في الدنيا (أنهم على شئ) ~~لأنهم في الآخرة يعلمون الحق باضطرار. والأول أظهر. وعن ابن عباس قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: # (ينادي مناد يوم القيامة أين خصماء الله فتقوم القدرية مسودة وجوههم ~~مزرقة أعينهم مائل شدقهم يسيل لعابهم فيقولون والله ما عبدنا من دونك شمسا ~~ولا قمرا ولا صنما ولا وثنا، ولا اتخذنا من دونك إلها). قال ابن عباس: ~~صدقوا والله! أتاهم الشرك من حيث لا يعلمون، ثم تلا (ويحسبون أنهم على شئ ~~ألا إنهم هم الكاذبون) هم والله القدرية. ثلاثا. # قوله تعالى: (استحوذ عليهم الشيطان) أي غلب واستعلى، أي بوسوسته في ~~الدنيا. # وقيل: قوي عليهم. وقال المفضل: أحاط بهم. ويحتمل رابعا ms6099 أي جمعهم وضمهم. ~~يقال: # أحوذ الشئ أي جمعه وضم بعضه إلى بعض، وإذا جمعهم فقد غلبهم وقوي عليهم ~~وأحاط بهم. # PageV17P305 # (فأنساهم ذكر الله) أي أوامره في العمل بطاعته. وقيل: زواجره في النهي عن ~~معصيته. # والنسيان قد يكون بمعنى الغفلة، ويكون بمعنى الترك، والوجهان محتملان ~~هنا. (أولئك حزب الشيطان) طائفته ورهطه (ألا ان حزب الشيطان هم الخاسرون) ~~في بيعهم، لأنهم باعوا الجنة بجهنم، وباعوا الهدى بالضلالة. # قوله تعالى: ان الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين (20) كتب الله ~~لأغلبن أنا ورسلي ان الله قوى عزيز (21) قوله تعالى: (ان الذين يحادون الله ~~ورسوله) تقدم أول السورة. (أولئك في الأذلين) أي من جملة الأذلاء لا أذل ~~منهم (كتب الله لا غلبن) أي قضى الله ذلك. # وقيل: كتب في اللوح المحفوظ، عن قتادة. الفراء: كتب بمعنى قال. (أنا) ~~توكيد (ورسلي) من بعث منهم بالحرب فإنه غالب (1) بالحرب، ومن بعث منهم ~~بالحجة فإنه غالب (1) بالحجة. قال مقاتل قال المؤمنون: لئن فتح الله لنا ~~مكة والطائف وخيبر وما حولهن رجونا أن يظهرنا الله على. فارس والروم، فقال ~~عبد الله بن أبي ابن سلول: أتظنون الروم وفارس مثل القرى التي غلبتم ~~عليها؟! والله إنهم لأكثر عددا، وأشد بطشا من أن تظنوا فيهم ذلك، فنزلت: ~~(لأغلبن أنا ورسلي). نظيره: (ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم ~~المنصورون. وإن جندنا لهم الغالبون (2)). # قوله تعالى: لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ~~ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في ~~قلوبهم الايمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا ان حزب الله هم المفلحون ~~(22) # PageV17P306 # فيه مسألتان: # الأولى - قوله تعالى: (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون) أي ~~يحبون ويوالون (من حاد الله ورسوله) تقدم (1) (ولو كانوا آباءهم) قال ~~السدي: نزلت في [عبد الله بن (2)] عبد الله بن أبي، جلس إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فشرب النبي ms6100 صلى الله عليه وسلم ماء، فقال له: بالله يا رسول الله ~~ما أبقيت من شرابك فضلة أسقيها أبي، لعل الله يطهر بها قلبه؟ فأفضل له ~~فأتاه بها، فقال له عبد الله: ما هذا؟ فقال: # هي فضلة من شراب النبي صلى الله عليه وسلم جئتك بها تشربها لعل الله يطهر ~~قلبك بها. # فقال له أبوه: فهلا جئتني ببول أمك فإنه أطهر منها. فغضب وجاء إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم، وقال: يا رسول الله! أما أذنت لي في قتل أبي؟ فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # (بل ترفق به وتحسن إليه). وقال ابن جريج: حدثت أن أبا قحافة سب النبي صلى ~~الله عليه وسلم فصكه أبو بكر ابنه صكة فسقط منها على وجهه، ثم أتى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقال: (أو فعلته، لا تعد إليه) فقال: ~~والذي بعثك بالحق نبيا لو كان السيف مني قريبا لقتلته. وقال ابن مسعود: ~~نزلت في أبي عبيدة بن الجراح، قتل أباه عبد الله بن الجراح يوم أحد وقيل: ~~يوم بدر. وكان الجراح يتصدى لأبي عبيدة وأبو عبيدة يحيد عنه، فلما أكثر قصد ~~إليه أبو عبيدة فقتله، فأنزل الله حين قتل أباه: (لا تجد قوما يؤمنون بالله ~~واليوم الآخر) الآية. قال الواقدي: كذلك يقول أهل الشام. ولقد سألت رجالا ~~من بني الحرث بن فهر فقالوا: توفي أبوه من قبل الاسلام. (أو أبناءهم) يعني ~~أبا بكر دعى ابنه عبد الله إلى البراز يوم بدر، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: (متعنا بنفسك يا أبا بكر أما تعلم أنك عندي بمنزلة السمع والبصر). ~~(أو إخوانهم) يعني مصعب بن عمير # PageV17P307 # قتل أخاه عبيد بن عمير يوم بدر. (أو عشيرتهم) يعني عمر بن الخطاب قتل ~~خاله العاص ابن هشام بن المغيرة يوم بدر، وعليا وحمزة قتلا عتبة وشيبة ~~والوليد يوم بدر. وقيل: إن الآية نزلت في حاطب بن أبي بلتعة، لما كتب إلى ~~أهل مكة بمسير النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح، على ما يأتي ms6101 بيانه أول ~~سورة (الممتحنة) إن شاء الله تعالى. بين أن الايمان يفسد بموالاة الكفار ~~وإن كانوا أقارب. # الثانية - استدل مالك رحمه الله من هذه الآية على معاداة القدرية وترك ~~مجالستهم. # قال أشهب عن مالك: لا تجالس القدرية وعادهم في الله، لقوله تعالى: (لا ~~تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله). # قلت: وفي معنى أهل القدر جميع أهل الظلم والعدوان. وعن الثوري أنه قال: ~~كانوا يرون أنها نزلت في من كان يصحب السلطان. وعن عبد العزيز بن أبي داود ~~أنه لقي المنصور في الطواف فلما عرفه هرب منه وتلاها. وعن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه كان يقول: # (اللهم لا تجعل لفاجر عندي نعمة فإني وجدت فيما أوحيت (لا تجد قوما ~~يؤمنون بالله واليوم الآخر - إلى قوله - أولئك كتب في قلوبهم الايمان) أي ~~خلق في قلوبهم التصديق، يعني من لم يوال من حاد الله. وقيل: كتب أثبت، قاله ~~الربيع بن أنس. وقيل: جعل، كقوله تعالى: (فاكتبنا مع الشاهدين (1)) أي ~~اجعلنا. وقوله: (فسأكتبها للذين يتقون (2)) وقيل: (كتب) أي جمع، ومنه ~~الكتيبة، أي لم يكونوا ممن يقول نؤمن ببعض ونكفر ببعض. # وقراءة العامة بفتح الكاف من (كتب) ونصب النون من (الايمان) بمعنى كتب ~~الله وهو الأجود، لقوله تعالى: (وأيدهم بروح منه) وقرأ أبو العالية وزر بن ~~حبيش والمفضل عن عاصم (كتب) على ما لم يسم فاعله (الايمان) برفع النون. ~~وقرأ زربن حبيش (وعشيراتهم) بألف وكسر التاء على الجمع، ورواها الأعمش عن ~~أبي بكر عن عاصم. وقيل: كتب في قلوبهم) أي على قلوبهم، كما في قوله (في ~~جذوع (3) النخل) وخص القلوب بالذكر لأنها موضع الايمان. (وأيدهم) قواهم ~~ونصرهم بروح منه، قال الحسن: وبنصر منه. وقال # PageV17P308 # الربيع بن أنس: بالقرآن وحججه. وقال ابن جريج: بنور وإيمان وبرهان وهدى. ~~وقيل: # برحمة من الله. وقال بعضهم: أيدهم بجبريل عليه السلام. (ويدخلهم جنات ~~تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم) أي قبل أعمالهم (ورضوا ~~عنه) فرحوا بما أعطاهم (أولئك حزب هم المفلحون) ms6102 قال سعيد بن أبي سعيد ~~الجرجاني عن بعض مشايخه، قال داود عليه السلام: إلهي! من حزبك وحول عرشك؟ ~~فأوحى الله إليه: # (يا داود الغاضة أبصارهم، النقية قلوبهم، السليمة أكفهم، أولئك حزبي وحول ~~عرشي). # ختمت والحمد لله سورة (المجادلة). # 18 ربيع الثاني سنة 1385 15 أغسطس سنة 1965 محققه أحمد عبد العليم ~~البردوني تم بعون الله تعالى الجزء السابع عشر من تفسير القرطبي. # يتلوه إن شاء الله تعالى الجزء الثامن عشر، وأوله: # " سورة الحشر " PageV17P309 # الجامع لاحكام القرآن لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي الجزء ~~الثامن عشر أعاد طبعه دار احياء التراث العربي بيروت - لبنان 1405 ه‍ 1985 ~~م بسم الله الرحمن الرحيم سورة الحشر مدنية في قول الجميع، وهي أربع وعشرون ~~آية روى ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من قرأ سورة الحشر ~~لم يبق شئ من الجنة والنار والعرش والكرسي والسماوات والأرض والهوام والريح ~~والسحاب والطير والدواب والشجر والجبال والشمس والقمر والملائكة إلا صلوا ~~عليه واستغفروا له. فإن مات من يومه أو ليلته مات شهيدا). خرجه الثعلبي. ~~وخرج الثعالبي عن يزيد الرقاشي عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: (من قرأ آخر سورة (1) الحشر " لو أنزلنا هذا القرآن على جبل " [الحشر: ~~21] - إلى آخرها - فمات من ليلته مات شهيدا). وروى الترمذي عن معقل بن يسار ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قال حين يصبح ثلاث مرات أعوذ ~~بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم وقرأ ثلاث آيات من آخر سورة الحشر ~~وكل الله به (2) سبعين ألف ملك يصلون عليه حتى يمسي وإن مات في يومه مات ~~شهيدا ومن قرأها حين يمسي فكذلك). قال: حديث حسن غريب. # قوله تعالى: سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم 1 ~~تقدم. (3) قوله تعالى: هو الذي اخرج الذين كفروا من أهل الكتب من ديرهم ~~لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم ما نعتهم # PageV18P001 # حصونهم من الله فأتهم الله من حيث ms6103 لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب ~~يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار 2 قوله ~~تعالى: (هو الذي اخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر) فيه ~~ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ~~ديارهم) قال سعيد بن جبير: قلت لابن عباس: سورة الحشر؟ قال: قل سورة ~~النضير، وهم رهط من اليهود من ذرية هارون عليه السلام، نزلوا المدينة في ~~فتن بني إسرائيل انتظارا لمحمد صلى الله عليه وسلم، وكان من أمرهم ما نص ~~الله عليه. # الثانية - قوله تعالى: (لأول الحشر) الحشر الجمع، وهو على أربعة أوجه: ~~حشران في الدنيا وحشران في الآخرة، أما الذي في الدنيا فقوله تعالى: (هو ~~الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر) قال الزهري: ~~كانوا من سبط (1) لم يصبهم جلاء، وكان الله عز وجل قد كتب عليهم الجلاء، ~~فلولا ذلك لعذبهم في الدنيا (2) وكان أول حشر حشروا في الدنيا إلى الشام. ~~قال ابن عباس وعكرمة: من شك أن المحشر في الشام فليقرأ هذه الآية، وأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: (اخرجوا) قالوا إلى أين؟ قال: (إلى أرض ~~المحشر). قال قتادة: هذا أول المحشر. قال ابن عباس: هم أول من حشر من أهل ~~الكتاب وأخرج من دياره. وقيل: إنهم أخرجوا إلى خيبر، وأن معنى " لأول الحشر ~~" إخراجهم من حصونهم إلى خيبر، وآخره إخراج عمر رضي الله عنه إياهم من خيبر ~~إلى نجد وأذرعات. وقيل تيماء وأريحاء، وذلك بكفرهم ونقض عهدهم. وأما الحشر ~~الثاني: # PageV18P002 # فحشرهم قرب القيامة. قال قتادة: تأتي نار تحشر الناس من المشرق إلى ~~المغرب، تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا، وتأكل منهم من تخلف. ~~وهذا ثابت في الصحيح، وقد ذكرناه في (كتاب التذكرة). ونحوه روى ابن وهب عن ~~مالك قال: قلت لمالك هو جلاؤهم من ديارهم؟ فقال لي: الحشر يوم القيامة حشر ~~اليهود. قال: وأجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود إلى خيبر حين ms6104 ~~سئلوا عن المال فكتموه، فاستحلهم بذلك. # قال ابن العربي: للحشر أول ووسط وآخر، فالأول إجلاء بني النضير، والأوسط ~~إجلاء خيبر، والآخر حشر يوم القيامة. وعن الحسن: هم بنو قريظة. وخالفه بقية ~~المفسرين وقالوا: # بنو قريظة ما حشروا ولكنهم قتلوا. حكاه الثعلبي. # الثالثة - قال الكيا الطبري: ومصالحة أهل الحرب على الجلاء من ديارهم من ~~غير شئ لا يجوز الآن، وإنما كان ذلك في أول الاسلام ثم نسخ. والآن فلا بد ~~من قتالهم أو سبيهم أو ضرب الجزية عليهم. # قوله تعالى: (ما ظننتم ان يخرجوا) يريد لعظم أمر اليهود ومنعتهم وقوتهم ~~في صدور المسلمين، واجتماع كلمتهم. (1) (وظنوا انهم مانعتهم حصونهم) قيل: ~~هي الوطيح والنطاة والسلالم والكتيبة. (من الله) أي من أمره. وكانوا أهل ~~حلقة - أي سلاح - كثير - وحصون منيعة، فلم يمنعهم شئ منها. (فأتاهم الله) ~~أي أمره وعذابه. # (من حيث لم يحتسبوا) أي لم يظنوا. وقيل: من حيث لم يعلموا. وقيل: " من ~~حيث لم يحتسبوا " بقتل كعب بن الأشرف، قاله ابن جريج والسدي وأبو صالح. # قوله تعالى: (وقذف في قلوبهم الرعب) بقتل سيدهم كعب بن الأشرف، وكان الذي ~~قتله هو محمد بن مسلمة وأبو نائلة سلكان بن سلامة بن وقش - وكان أخا كعب ~~ابن الأشرف من الرضاعة - وعباد بن بشر بن وقش، والحارث بن أوس بن معاذ، ~~وأبو عبس بن جبر. وخبره مشهور في السيرة. وفي الصحيح أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # (نصرت بالرعب بين يدي مسيرة شهر) فكيف لا ينصر به مسيرة ميل من المدينة ~~إلى محلة بني النضير. وهذه خصيصي لمحمد صلى الله عليه وسلم دون غيره. # PageV18P003 # قوله تعالى: (يخربون بيوتهم) قراءة العامة بالتخفيف من أخرب، أي يهدمون. # وقرأ السلمي والحسن ونصر بن عاصم وأبو العالية وقتادة وأبو عمرو " يخربون ~~" بالتشديد من التخريب. قال أبو عمرو: إنما اخترت التشديد لان الاخراب ترك ~~الشئ خرابا بغير ساكن، وبنو النضير لم يتركوها خرابا وإنما خربوها بالهدم، ~~يؤيده قوله تعالى: " بأيديهم وأيدي المؤمنين ". وقال آخرون: التخريب ~~والاخراب بمعنى واحد، والتشديد بمعنى ms6105 التكثير. وحكى سيبويه: أن معنى فعلت ~~وأفعلت يتعاقبان، نحو أخربته (1) وخربته وأفرحته وفرحته. # واختار أبو عبيد وأبو حاتم الأولى. قال قتادة والضحاك: كان المؤمنون ~~يخربون من خارج ليدخلوا، واليهود يخربون من داخل ليبنسوا به ما خرب من ~~حصنهم. فروي أنهم صالحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ألا يكونوا عليه ~~ولا له، فلما ظهر يوم بدر قالوا: # هو النبي الذي نعت (2) في التوراة، فلا ترد له راية. فلما هزم المسلمون ~~يوم أحد ارتابوا ونكثوا، فخرج كعب بن الأشرف في أربعين راكبا إلى مكة، ~~فحالفوا عليه قريشا عند الكعبة، فأمر عليه السلام محمد بن مسلمة الأنصاري ~~فقتل كعبا غيلة ثم صبحهم بالكتائب، فقال لهم: اخرجوا من المدينة. فقالوا: ~~الموت أحب إلينا من ذلك، فتنادوا بالحرب. وقيل: # استمهلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة أيام ليتجهزوا للخروج، فدس ~~إليهم عبد الله ابن أبي المنافق وأصحابه لا تخرجوا من الحصن، فإن قاتلوكم ~~فنحن معكم لا نخذلكم، ولئن أخرجتم لنخرجن معكم. فدربوا على الأزقة وحصنوها ~~إحدى وعشرين ليلة، فلما قذف الله في قلوبهم الرعب وأيسوا من نصر المنافقين ~~طلبوا الصلح، فأبى عليهم إلا الجلاء، على ما يأتي بيانه. وقال الزهري وابن ~~زيد وعروة بن الزبير: لما صالحهم النبي صلى الله عليه وسلم على أن لهم ما ~~أقلت الإبل، كانوا يستحسنون الخشبة والعمود (3) فيهدمون بيوتهم ويحملون ذلك ~~على إبلهم ويخرب المؤمنون باقيها. وعن ابن زيد أيضا: كانوا يخربونها لئلا ~~يسكنها المسلمون بعدهم. وقال ابن عباس: كانوا كلما ظهر المسلمون على دار من ~~دورهم هدموها ليتسع موضع القتال، وهم ينقبون دورهم من أدبارها إلى التي ~~بعدها ليتحصنوا فيها، ويرموا # PageV18P004 # بالتي أخرجوا منها المسلمين. وقيل: ليسدوا بها أزقتهم. وقال عكرمة " ~~بأيديهم " في إخراب دواخلها وما فيها لئلا يأخذه المسلمون. وب‍ " أيدي ~~المؤمنين " في إخراب (1) ظاهرها ليصلوا بذلك إليهم. قال عكرمة: كانت ~~منازلهم مزخرفة فحسدوا المسلمين أن يسكنوها " فخربوها من داخل وخربها ~~المسلمون من خارج. وقيل: " يخربون بيوتهم " بنقض المواعدة " وأيدي المؤمنين ~~" بالمقاتلة، قاله الزهري أيضا. ms6106 وقال أبو عمرو بن العلاء " بأيديهم " في ~~تركهم لها. وب‍ " أيدي المؤمنين " في إجلائهم عنها. قال ابن العربي التناول ~~للافساد إذا كان باليد كان حقيقة، وإذا كان بنقض العهد كان مجازا، إلا أن ~~قول الزهري في المجاز أمثل من قول أبي عمرو بن العلاء. # قوله تعالى: (فاعتبروا يا أولي الأبصار) أي اتعظوا يا أصحاب العقول ~~والألباب. # وقيل: يا من عاين ذلك ببصره، فهو جمع للبصر. ومن جملة الاعتبار هنا أنهم ~~اعتصموا بالحصون من الله فأنزلهم الله منها. ومن وجوهه: أنه سلط عليهم من ~~كان ينصرهم. ومن وجوهه أيضا: أنهم هدموا أموالهم بأيديهم. ومن لم يعتبر ~~بغيره اعتبر في نفسه. وفي الأمثال الصحيحة: " السعيد من وعظ بغيره ". # قوله تعالى: ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في ~~الآخرة عذاب النار (3) ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله ~~شديد العقاب (4) قوله تعالى: (ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء) أي لولا أنه ~~قضى أنه سيجليهم عن دارهم وأنهم يبقون مدة فيؤمن بعضهم ويولد لهم من يؤمن. ~~(لعذبهم في الدنيا) أي بالقتل والسبي كما فعل ببني قريظة. والجلاء مفارقة ~~الوطن يقال: جلا بنفسه جلاء، وأجلاه غيره إجلاء. والفرق بين الجلاء ~~والاخراج وإن كان معناهما في الابعاد واحدا من وجهين: أحدهما - أن الجلاء ~~ما كان مع الأهل والولد، والاخراج قد يكون مع بقاء # PageV18P005 # الأهل والولد. الثاني - أن الجلاء لا يكون إلا لجماعة، والاخراج يكون ~~لواحد ولجماعة، قاله الماوردي. # قوله تعالى: (ذلك) أي ذلك الجلاء (بأنهم شاقوا الله) أي عادوه وخالفوا ~~أمره. # (ومن يشاق الله) قرأ طلحة بن مصرف ومحمد بن السميقع " ومن يشاقق الله " ~~بإظهار التضعيف كالتي في " الأنفال " (1)، وأدغم الباقون. # قوله تعالى: ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله ~~وليخزي الفاسقين فيه خمس مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (ما قطعتم من لينة) " ما " في محل نصب ب‍ " قطعتم ~~"، كأنه قال: أي شئ قطعتم. وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزل على ~~حصون بني ms6107 النضير - وهي البويرة - حين نقضوا العهد بمعونة قريش عليه يوم ~~أحد، أمر بقطع نخيلهم وإحراقها. واختلفوا في عدد ذلك، فقال قتادة والضحاك: ~~إنهم قطعوا من نخيلهم وأحرقوا ست نخلات. وقال محمد بن إسحاق: إنهم قطعوا ~~نخلة وأحرقوا نخلة. وكان ذلك عن إقرار رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ~~بأمره، إما لاضعافهم بها و (2) إما لسعة المكان بقطعها. # فشق ذلك عليهم فقالوا - وهم يهود أهل الكتاب -: يا محمد، ألست تزعم أنك ~~نبي تريد الصلاح، أفمن الصلاح قطع الخل وحرق الشجر؟ وهل وجدت فيما أنزل ~~الله عليك إباحة الفساد في الأرض؟ فشق ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم. ~~ووجد المؤمنون (3) في أنفسهم حتى اختلفوا، فقال بعضهم: لا تقطعوا مما أفاء ~~الله علينا. وقال بعضهم: # أقطعوا لنغيظهم بذلك. فنزلت الآية بتصديق من نهى عن القطع وتحليل من قطع ~~من الاثم، وأخبر أن قطعه وتركه بإذن الله. وقال شاعرهم سماك اليهودي في ~~ذلك: # PageV18P006 # ألسنا ورثنا الكتاب الحكيم * على عهد موسى ولم نصدف وأنتم رعاء لشاء عجاف ~~* بسهل تهامة والأخيف ترون الرعاية مجدا لكم * لدى كل دهر لكم مجحف فيا ~~أيها الشاهدون انتهوا * عن الظلم والمنطق المؤنف لعل الليالي وصرف الدهور * ~~يدلن من العادل المنصف بقتل النضير وإجلائها (1) * وعقر النخيل ولم تقطف ~~فأجابه حسان بن ثابت: # تفاقد (2) معشر نصروا قريشا * وليس لهم ببلدتهم نصير همو أوتوا الكتاب ~~فضيعوه * وهم عمي عن التوراة بور كفرتم بالقران وقد أبيتم (3) * بتصديق ~~الذي قال النذير وهان على سراة بني لوي * حريق بالبويرة مستطير فأجابه أبو ~~سفيان بن الحارث بن عبد المطلب: # أدام الله ذلك من صنيع * وحرق في نواحيها (4) السعير ستعلم أينا منها ~~بنزه * ونعلم أي أرضينا تصير فلو كان النخيل بها ركابا * لقالوا لا مقام ~~لكم فسيروا الثانية - كان خروج النبي صلى الله عليه وسلم إليهم في ربيع ~~الأول أول السنة الرابعة من الهجرة، وتحصنوا منه في الحصون، وأمر بقطع ~~النخل وإحراقها، وحينئذ نزل تحريم الخمر. ودس عبد الله بن أبي بن سلول ومن ~~معه من ms6108 المنافقين إلى بني النضير: إنا معكم، وإن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن ~~أخرجتم خرجنا معكم، فاغتروا بذلك. فلما جاءت الحقيقة خذلوهم وأسلموهم ~~وألقوا بأيديهم، وسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكف عن # PageV18P007 # دمائهم ويجليهم، على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا السلاح، ~~فاحتملوا كذلك إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام. وكان ممن سار منهم إلى ~~خيبر أكابرهم، كحيي بن أخطب، وسلام بن أبي الحقيق، وكنانة بن الربيع. فدانت ~~لهم خيبر. # الثالثة: ثبت في صحيح مسلم وغيره عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قطع نخل بني النضير وحرق. ولها يقول حسان: # وهان على سراة بني لوي * حريق بالبويرة مستطير وفي ذلك نزلت: " ما قطعتم ~~من لينة " الآية. # واختلف الناس في تخريب دار العدو وتحريقها وقطع ثمارها على قولين: الأول ~~- أن ذلك جائز، قال في المدونة. الثاني - إن علم المسلمون أن ذلك لهم لم ~~يفعلوا، وإن يئسوا فعلوا، قاله مالك في الواضحة. وعليه يناظر أصحاب ~~الشافعي. ابن العربي: والصحيح الأول. وقد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أن نخل بني النضير له، ولكنه قطع وحرق ليكون ذلك نكاية لهم ووهنا فيهم حتى ~~يخرجوا عنها. وإتلاف بعض المال لصلاح باقيه مصلحة جائزة شرعا، مقصودة عقلا. # الرابعة - قال الماوردي: إن في هذه الآية دليلا على أن كل مجتهد مصيب. ~~وقاله الكيا الطبري قال: وإن كان الاجتهاد يبعد في مثله مع وجود النبي صلى ~~الله عليه وسلم بين أظهرهم، ولا شك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأي ~~ذلك وسكت، فتلقوا الحكم من تقريره فقط. قال ابن العربي: وهذا باطل، لان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كان معهم، ولا اجتهاد مع حضور رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وإنما يدل على اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم فيما لم ~~ينزل عليه، أخذا بعموم الأذية للكفار، ودخولا في الاذن للكل بما يقضي عليهم ~~بالاجتياح والبوار، وذلك قوله تعالى: " وليجزي الفاسقين ". # الخامسة: اختلف في اللينة ما ms6109 هي، على أقوال عشرة: الأول - النخل كله إلا ~~العجوة، قاله الزهري ومالك وسعيد بن جبير وعكرمة والخليل. وعن ابن عباس ~~ومجاهد PageV18P008 # والحسن: أنها النخل كله، ولم يستثنوا عجوة ولا غيرها. وعن ابن عباس أيضا: ~~أنها لون من النخل. وعن الثوري: أنها كرام النخل. وعن أبي عبيدة: أنها جميع ~~ألوان التمر سوى العجوة والبرني (1). وقال جعفر بن محمد: إنها العجوة خاصة. ~~وذكر أن العتيق والعجوة كانتا مع نوح عليه السلام في السفينة. والعتيق: ~~الفحل. وكانت العجوة أصل الإناث كلها فلذلك شق على اليهود قطعها، حكاه ~~الماوردي. وقيل: هي ضرب من النخل يقال لتمره: اللون، تمره أجود التمر، وهو ~~شديد الصفرة، يرى نواه من خارجه ويغيب فيه الضرس، النخلة منها أحب إليهم من ~~وصيف (2). وقيل: هي النخلة القريبة من الأرض. # وأنشد الأخفش. # قد شجاني الحمام حين تغنى * بفراق الأحباب من فوق لينه وقيل: إن اللينة ~~الفسيلة، لأنها ألين من النخلة. ومنه قول الشاعر: # غرسوا لينها بمجرى معين * ثم حفوا النخيل بالآجام (3) وقيل: إن اللينة ~~الأشجار كلها للينها بالحياة، قال ذو الرمة: # طراق الخوافي واقع فوق لينة * ندى ليله في ريشه يترقرق والقول العاشر - ~~أنها الدقل، قاله الأصمعي. قال: وأهل المدينة يقولون لا تنتفخ الموائد حتى ~~توجد الألوان، يعنون الدقل. قال ابن العربي: والصحيح ما قاله الزهري ومالك ~~لوجهين: أحدهما - أنهما أعرف ببلدهما وأشجارهما. الثاني - أن الاشتقاق ~~يعضده، وأهل اللغة يصححونه، فإن اللينة وزنها لونة، واعتلت على أصولهم فالت ~~إلى لينة فهي لون، فإذا دخلت الهاء كسر أولها، كبرك الصدر (بفتح الباء) ~~وبركه (بكسرها) لأجل الهاء. وقيل لينة أصلها لونة فقلبت الواو ياء لانكسار ~~ما قبلها. وجمع اللينة لين. # وقيل: ليان، قال امرؤ القيس يصف عنق فرسه: # وسالفة كسحوق الليا * ن أضرم فيها الغوي السعر # PageV18P009 # وقال الأخفش: إنما سميت لينة اشتقاقا من اللون لا من اللين. المهدوي: ~~واختلف في اشتقاقها، فقيل: هي من اللون وأصلها لونة. وقيل أصلها لينة من ~~لان يلين. وقرأ عبد الله " ما قطعتم من لينة ولا تركتم قوماء على ms6110 أصولها " ~~أي قائمة على سوقها. وقرأ الأعمش " ما قطعتم من لينة أو تركتموها قوما على ~~أصولها " المعنى لم تقطعوها. وقرئ " قوماء على أصلها ". وفيه وجهان: أحدهما ~~- أنه جمع أصل، كرهن ورهن. والثاني - اكتفي فيه بالضمة عن الواو. وقرئ " ~~قائما على أصوله " ذهابا إلى لفظ " ما ". " فبإذن الله " أي بأمره " وليخزي ~~الفاسقين " أي ليذل اليهود الكفار به وبنبيه وكتبه. # قوله تعالى: وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ~~ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله على كل شئ قدير 6 ما أفاء الله ~~على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمسكين وابن ~~السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما ~~نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب 7 قوله تعالى: (وما ~~أفاء الله على رسوله منهم) هذه الآية والتي بعدها إلى قوله " شديد العقاب " ~~(1) فيه عشر مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " وما أفاء الله " يعني ما رده الله تعالى " على ~~رسوله " من أموال بني النضير. " فما أوجفتم عليه " أوضعتم عليه. والايجاف: ~~الايضاع في السير وهو الاسراع، يقال: وجف الفرس إذا أسرع، وأوجفته أنا أي ~~حركته وأتعبته، ومنه قول تميم بن مقبل: # مذاويد بالبيض الحديث صقالها * عن الركب أحيانا إذا الركب أوجفوا والركاب ~~الإبل، واحدها راحلة. يقول: لم تقطعوا إليها شقة ولا لقيتم بها حربا # PageV18P010 # ولا مشقة، وإنما كانت من المدينة على ميلين، قاله الفراء. فمشوا إليها ~~مشيا ولم يركبوا خيلا ولا إبلا، إلا النبي صلى الله عليه وسلم فإنه ركب ~~جملا وقيل حمارا مخطوما بليف، فافتتحها صلحا وأجلاهم وأخذ أموالهم. فسأل ~~المسلمون النبي صلى الله عليه وسلم أن يقسم لهم فنزلت: " وما أفاء الله على ~~رسوله منهم فما أوجفتم عليه " الآية. فجعل أموال بني النضير للنبي صلى الله ~~عليه وسلم خاصة يضعها حيث شاء، فقسمها النبي صلى الله عليه وسلم بين ~~المهاجرين. # قال الواقدي: ورواه ابن وهب عن مالك، ولم يعط الأنصار منها شيئا إلا ms6111 ~~ثلاثة نفر محتاجين، منهم أبو دجانة سماك بن خرشة، وسهل بن حنيف، والحارث بن ~~الصمة. # وقيل: إنما أعطى رجلين، سهلا وأبا دجانة. ويقال: أعطى سعد بن معاذ سيف ~~ابن أبي الحقيق، وكان سيفا له ذكر عندهم. ولم يسلم من بني النضير إلا ~~رجلان: سفيان ابن عمير، وسعد بن وهب، أسلما على أموالهما فأحرزاها. وفي ~~صحيح مسلم عن عمر قال: # كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف عليه ~~المسلمون بخيل ولا ركاب، وكانت للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة، فكان ينفق ~~على أهله نفقة سنة، وما بقي يجعله في الكراع (1) والسلاح عدة في سبيل الله ~~تعالى. وقال العباس لعمر - رضي الله عنهما -: اقض بيني وبين هذا الكاذب ~~الآثم الغادر الخائن - يعني عليا رضي الله عنه - فيما أفاء الله على رسوله ~~من أموال بني النضير. فقال عمر: أتعلمان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~(لا نورث ما تركناه صدقة) قالا نعم. قال عمر: إن الله عز وجل كان خص رسوله ~~صلى الله عليه وسلم بخاصة ولم يخصص بها أحدا غيره. قال: " ما أفاء الله على ~~رسوله من أهل القرى فلله وللرسول " (ما أدري هل قرأ الآية التي قبلها أم ~~لا) فقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم بينكم أموال بني النضير، فوالله ما ~~استأثرها عليكم ولا أخذها دونكم حتى بقي هذا المال، فكان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يأخذ منه نفقة سنة، ثم يجعل ما بقي أسوة المال... الحديث ~~بطوله، خرجه مسلم. # وقيل: لما ترك بنو النضير ديارهم وأموالهم طلب المسلمون أن يكون لهم فيها ~~حظ كالغنائم، فبين الله تعالى أنها فئ وكان قد جرى ثم بعض القتال، لأنهم ~~حوصروا أياما وقاتلوا وقتلوا، # PageV18P011 # ثم صالحوا على الجلاء. ولم يكن قتال على التحقيق، بل جرى مبادئ القتال ~~وجرى الحصار، وخص الله تلك الأموال برسوله صلى الله عليه وسلم. وقال مجاهد: ~~اعلمهم الله تعالى وذكرهم أنه إنما نصر رسول صلى الله عليه وسلم ونصرهم ~~بغير كراع ولا ms6112 عدة. (ولكن الله يسلط رسله على من يشاء) أي من أعدائه. وفي ~~هذا بيان أن تلك الأموال كانت خاصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم دون ~~أصحابه. # الثانية - قوله تعالى: (ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى) قال ابن ~~عباس: # هي قريظة والنضير، وهما بالمدينة وفدك، وهي على ثلاثة أيام من المدينة ~~وخيبر. وقرى عرينة وينبع جعلها الله لرسوله. وبين أن في ذلك المال الذي خصه ~~بالرسول عليه السلام سهمانا لغير الرسول نظرا منه لعباده. وقد تكلم العلماء ~~في هذه الآية والتي قبلها، هل معناهما واحد أو مختلف، والآية التي في ~~الأنفال، فقال قوم من العلماء: إن قوله تعالى: # " ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى " منسوخ بما في سورة الأنفال من ~~كون الخمس لمن سمي له، والأخماس الأربعة لمن قاتل. وكان في أول الاسلام ~~تقسم الغنيمة على هذه الأصناف ولا يكون لمن قاتل عليها شئ. وهذا قول يزيد ~~بن رومان وقتادة وغيرهما. # ونحوه عن مالك. وقال قوم: إنما غنم بصلح من غير إيجاف خيل ولا ركاب، ~~فيكون لمن سمى الله تعالى فيه فيئا والأولى للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة، ~~إذا أخذ منه حاجته كان الباقي في مصالح المسلمين. وقال معمر: الأولى: للنبي ~~صلى الله عليه وسلم. والثانية: هي الجزية والخراج للأصناف المذكورة فيه. ~~والثالثة: الغنيمة في سورة الأنفال للغانمين. وقال قوم منهم الشافعي: إن ~~معنى الآيتين واحد، أي ما حصل من أموال الكفار بغير قتال قسم على خمسة ~~أسهم، أربعة منها للنبي صلى الله عليه وسلم. وكان الخمس الباقي على خمسة ~~أسهم: سهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا وسهم لذوي القربى - وهم بنو ~~هاشم وبنو المطلب - لأنهم منعوا الصدقة فجعل لهم حق في الفئ. وسهم لليتامى. ~~وسهم للمساكين. وسهم لابن السبيل، وأما بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فالذي كان من الفئ لرسول الله صلى الله عليه وسلم يصرف عند الشافعي ~~في قول إلى المجاهدين المترصدين للقتال في الثغور، لأنهم القائمون ~~PageV18P012 # مقام ms6113 الرسول عليه الصلاة والسلام. وفي قول آخر له: يصرف إلى مصالح ~~المسلمين من سد الثغور وحفر الأنهار وبناء القناطر، يقدم الأهم فالأهم، ~~وهذا في أربعة أخماس الفئ. # فأما السهم الذي كان له من خمس الفئ والغنيمة فهو لمصالح المسلمين بعد ~~موته صلى الله عليه وسلم بلا خلاف، كما قال عليه الصلاة والسلام: (ليس لي ~~من غنائمكم إلا الخمس والخمس مردود فيكم). وقد مضى القول فيه في سورة " ~~الأنفال " (1). وكذلك ما خلفه من المال غير موروث، بل هو صدقة يصرف عنه إلى ~~مصالح المسلمين، كما قال عليه السلام: # (إنا لا نورث ما تركناه صدقة). وقيل: كان مال الفئ لنبيه صلى الله عليه ~~وسلم، لقوله تعالى: " ما أفاء الله رسوله " فأضافه إليه، غير أنه كان لا ~~يتأثل (2) مالا، إنما كان يأخذ بقدر حاجة عياله ويصرف الباقي في مصالح ~~المسلمين. قال القاضي أبو بكر بن العربي: لا إشكال أنها ثلاثة معان في ثلاث ~~آيا ت، أما الآية الأولى فهي قوله: " هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل ~~الكتاب من ديارهم لأول الحشر " [الحشر: 2] ثم قال تعالى: " وما أفاء الله ~~على رسوله منهم " يعني من أهل الكتاب معطوفا عليهم. # (فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب) يريد كما بينا، فلا حق لكم فيه، ولذلك ~~قال عمر: إنها كانت خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني بني النضير ~~وما كان مثلها. فهذه آية واحدة ومعنى متحد. الآية الثانية: قوله تعالى: " ~~ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول " وهذا كلام مبتدأ غير ~~الأول لمستحق غير الأول. وسمى الآية الثالثة آية الغنيمة، ولا شك في أنه ~~معنى آخر باستحقاق ثان لمستحق آخر، بيد أن الآية الأولى والثانية، اشتركتا ~~في أن كل واحدة منهما تضمنت شيئا أفاءه الله على رسوله، واقتضت الآية ~~الأولى أنه حاصل بغير قتال، واقتضت آية الأنفال أنه حاصل بقتال، وعريت ~~الآية الثالثة وهي قوله تعالى: # " ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى " عن ذكر حصوله بقتال أو بغير ~~قتال، ms6114 فنشأ الخلاف من هاهنا، فمن طائفة قالت: هي ملحقة بالأولى، وهو مال ~~الصلح كله ونحوه. # PageV18P013 # ومن طائفة قالت: هي ملحقة بالثانية وهي آية الأنفال. والذين قالوا أنها ~~ملحقة بآية الأنفال اختلفوا، هل هي منسوخة - كما تقدم - أو محكمة؟ وإلحاقها ~~بشهادة الله بالتي قبلها (1) أولى، لان فيه تجديد فائدة ومعنى. ومعلوم أن ~~حمل الحرف من الآية فضلا عن الآية على فائدة متجددة أولى من حمله على فائدة ~~معادة. وروى ابن وهب عن مالك في قوله تعالى: # " فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب " بني النضير (2)، لم يكن فيها خمس ~~ولم يوجف عليها بخيل ولا ركاب. كانت صافية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فقسمها بين المهاجرين وثلاثة من الأنصار، حسب ما تقدم. وقوله " ما أفاء ~~الله على رسوله من أهل القرى " هي قريظة، وكانت قريظة والخندق في يوم واحد. ~~قال ابن العربي: قول مالك إن الآية الثانية في بني قريظة، إشارة إلى أن ~~معناها يعود إلى آية الأنفال، ويلحقها النسخ. وهذا أقوى (3) من القول ~~بالأحكام. ونحن لا نختار إلا ما قسمنا وبينا أن الآية الثانية لها معنى ~~مجدد حسب ما دللنا عليه. والله أعلم. # قلت - ما اختاره حسن. وقد قيل إن سورة " الحشر " نزلت بعد الأنفال، فمن ~~المحال أن ينسخ المتقدم المتأخر. وقال ابن أبي نجيح: المال ثلاثة: مغنم، أو ~~فئ، أو صدقة، وليس منه درهم إلا وقد بين الله موضعه. وهذا أشبه. # الثالثة - الأموال التي للأئمة والولاة فيها مدخل ثلاثة أضرب: ما أخذ من ~~المسلمين على طريق التطهير لهم، كالصدقات والزكوات. والثاني - الغنائم، وهو ~~ما يحصل في أيدي المسلمين من أموال الكافرين بالحرب والقهر والغلبة. ~~والثالث: الفئ، وهو ما رجع للمسلمين من أموال الكفار عفوا صفوا من غير قتال ~~ولا إيجاف، كالصلح والجزية والخراج والعشور المأخوذة من تجار الكفار. ومثله ~~أن يهرب المشركون ويتركوا أموالهم، أو يموت أحد منهم في دار الاسلام ولا ~~وارث له. فأما الصدقة فمصرفها الفقراء والمساكين والعاملين عليها، حسب ما ~~ذكره الله تعالى، وقد مضى في ms6115 " براءة " (4). وأما الغنائم فكانت # PageV18P014 # في صدر الاسلام للنبي صلى الله عليه وسلم يصنع فيها ما شاء، كما قال في ~~سورة " الأنفال ": # " قل الأنفال لله والرسول " [الأنفال: 1]، ثم نسخ بقوله تعالى: " واعلموا ~~أنما غنمتم من شئ " [الأنفال: 41] الآية. # وقد مضى في الأنفال بيانه (1). فأما الفئ فقسمته وقسمة الخمس سواء. ~~والامر عند مالك فيهما إلى الامام، فإن رأى حبسهما لنوازل تنزل بالمسلمين ~~فعل، وإن رأى قسمتهما أو قسمة أحدهما قسمه كله بين الناس، وسوى فيه بين ~~عربيهم ومولاهم. ويبدأ بالفقراء من رجال ونساء حتى يغنوا، ويعطوا ذوو ~~القربى من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفئ سهمهم على ما يراه الامام، ~~وليس له حد معلوم. واختلف في إعطاء الغني منهم، فأكثر الناس على إعطائه ~~لأنه حق لهم. وقال مالك: لا يعطي منه غير فقرائهم، لأنه جعل لهم عوضا من ~~الصدقة. وقال الشافعي: أيما حصل من أموال الكفار من غير قتال كان يقسم في ~~عهد النبي صلى الله عليه وسلم على خمسة وعشرين سهما: عشرون للنبي صلى الله ~~عليه وسلم يفعل فيها ما يشاء. والخمس يقسم على ما يقسم عليه خمس الغنيمة. ~~قال أبو جعفر أحمد ابن الداودي: وهذا قول ما سبقه به أحد علمناه، بل كان ~~ذلك خالصا له، كما ثبت في الصحيح عن عمر مبينا للآية. ولو كان هذا لكان ~~قوله: " خالصة لك من دون المؤمنين " (2) [الأحزاب: 50] يدل على أنه يجوز ~~الموهبة لغيره، وأن قوله: " خالصة يوم القيامة " (3) [الأعراف: 32] يجوز أن ~~يشركهم فيها غيرهم. وقد مضى قول الشافعي مستوعبا في ذلك والحمد لله. ومذهب ~~الشافعي رضي الله عنه: # أن سبيل خمس الفئ سبيل خمس الغنيمة، وأن أربعة أخماسه كانت للنبي صلى ~~الله عليه وسلم، وهي بعده لمصالح المسلمين. وله قول آخر: أنها بعده ~~للمرصدين أنفسهم للقتال بعده خاصة، كما تقدم. # الرابعة - قال علماؤنا: ويقسم كل مال في البلد الذي جبي فيه، ولا ينقل عن ~~ذلك البلد الذي جبي فيه حتى يغنوا، ثم ينقل إلى الأقرب من غيرهم، إلا أن ~~ينزل ms6116 بغير البلد الذي جبي فيه فاقة شديدة، فينتقل ذلك إلى أهل الفاقة حيث ~~كانوا، كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه في أعوام الرمادة، وكانت خمسة ~~أعوام أو ستة. وقد قيل عامين. وقيل: # PageV18P015 # عام فيه اشتد الطاعون مع الجوع. وإن لم يكن ما وصفنا ورأى الامام إيقاف ~~الفئ أوقفه لنوائب المسلمين، ويعطى منه المنفوس ويبدأ بمن أبوه فقير. والفئ ~~حلال للأغنياء. # ويسوى بين الناس فيه إلا أنه يؤثر أهل الحاجة والفاقة. والتفضيل فيه إنما ~~يكون على قدر الحاجة. ويعطي منه الغرماء ما يؤدون به ديونهم. ويعطي منه ~~الجائزة والصلة إن كان ذلك أهلا، ويرزق القضاء والحكام ومن فيه منفعة ~~للمسلمين. وأولاهم بتوفر الحظ منهم أعظمهم للمسلمين نفعا. ومن أخذ من الفئ ~~شيئا في الديوان كان عليه أن يغزو إذا غزي. # الخامسة - قوله تعالى: " كي لا يكون دولة " قراءة العامة " يكون " ~~بالياء. " دولة " بالنصب، أي كي لا يكون الفئ دولة وقرأ أبو جعفر والأعرج ~~وهشام - عن ابن عامر - وأبو حياة " تكون " بتاء " دولة " بالرفع، أي كي لا ~~تقع دولة. فكان تامة. و " دولة " رفع على اسم كان ولا خبر له. ويجوز أن ~~تكون ناقصة وخبرها " بين الأغنياء منكم ". # وإذا كانت تامة فقوله: " بين الأغنياء منكم " متعلق ب‍ " دولة " على معنى ~~تداول بين الأغنياء منكم. ويجوز أن يكون " بين الأغنياء منكم " وصفا ل‍ " ~~دولة ". وقراءة العامة " دولة " بضم الدال. وقرأها السلمي وأبو حياة ~~بالنصب. قال عيسى بن عمر ويونس والأصمعي: هما لغتان بمعنى واحد. وقال أبو ~~عمرو بن العلاء: الدولة (بالفتح) الظفر في الحرب وغيره، وهي المصدر. وبالضم ~~اسم الشئ الذي يتداول من الأموال. وكذا قال أبو عبيدة: الدولة اسم الشئ ~~الذي يتداول. والدولة الفعل. ومعنى الآية: فعلنا ذلك في هذا الفئ، كي لا ~~تقسمه الرؤساء والأغنياء والأقوياء بينهم دون الفقراء والضعفاء، لان أهل ~~الجاهلية كانوا إذا غنموا أخذ الرئيس ربعها لنفسه، وهو المرباع. ثم يصطفي ~~منها أيضا بعد المرباع ما شاء، وفيها قال الشاعر هم: # * لك المرباع منها والصفايا (1) * # PageV18P016 # يقول: ms6117 كي لا يعمل فيه كما كان يعمل في الجاهلية. فجعل الله هذا لرسوله ~~صلى الله عليه وسلم، يقسمه في المواضع التي أمر بها ليس فيها خمس، فإذا جاء ~~خمس وقع بين المسلمين جميعا. # السادسة - قوله تعالى: " وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا " ~~أي ما أعطاكم من مال الغنيمة فخذوه، وما نهاكم عنه من الاخذ والغلول (1) ~~فانتهوا، قاله الحسن وغيره. السدي: ما أعطاكم من مال الفئ فأقبلوه، وما ~~منعكم منه فلا تطلبوه. وقال ابن جريج: ما آتاكم من طاعتي فافعلوه، وما ~~نهاكم عنه من معصيتي فاجتنبوه. الماوردي: # وقيل إنه محمول على العموم في جميع أوامره ونواهيه، لا يأمر إلا بصلاح ~~ولا ينهى إلا عن فساد. # قلت: هذا هو معنى القول الذي قبله. فهي ثلاثة أقوال. # السابعة - قال المهدوي: قوله تعالى: " وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم ~~عنه فانتهوا " هذا يوجب أن كل ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم أمر من ~~الله تعالى. والآية وإن كانت في الغنائم فجميع أوامره صلى الله عليه وسلم ~~ونواهيه دخل فيها. وقال الحكم بن عمير - وكانت له صحبة - قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: (إن هذا القرآن صعب مستصعب عسير على من تركه يسير على من ~~اتبعه وطلبه. وحديثي صعب مستصعب وهو الحكم فمن استمسك بحديثي وحفظه نجا مع ~~القرآن. ومن تهاون بالقرآن وحديثي خسر الدنيا والآخرة. وأمرتم أن تأخذوا ~~بقولي وتكتنفوا أمري وتتبعوا سنتي فمن رضي بقولي فقد رضي بالقرآن ومن ~~استهزأ بقولي فقد استهزأ بالقرآن قال الله تعالى: " وما آتاكم الرسول فخذوه ~~وما نهاكم عنه فانتهوا "). # الثامنة - قال عبد الرحمن بن زيد: لقي ابن مسعود رجلا محرما وعليه ثيابه ~~فقال له: # انزع عنك هذا. فقال الرجل: أتقرأ علي بهذا آية من كتاب الله تعالى؟ قال: ~~نعم، " وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ". وقال عبد الله بن ~~محمد بن هارون الفريابي: سمعت الشافعي رضي الله عنه يقول: سلوني عما شئتم ~~أخبركم من كتاب الله تعالى وسنة نبيكم صلى الله ms6118 عليه وسلم، قال فقلت له ما ~~تقول - أصلحك الله - في المحرم يقتل الزنبور؟ قال فقال: # PageV18P017 # بسم الله الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: " وما آتاكم الرسول فخذوه وما ~~نهاكم عنه فانتهوا ". # وحدثنا سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن عمير عن ربعي بن حراش عن حذيفة بن ~~اليمان قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر ~~وعمر). حدثنا سفيان ابن عيينة عن مسعر بن كدام عن قيس بن مسلم عن طارق بن ~~شهاب عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه أمر بقتل الزنبور. قال ~~علماؤنا: وهذا جواب في نهاية الحسن، أفتى بجواز قتل الزنبور في الاحرام، ~~وبين أنه يقتدي فيه بعمر، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالاقتداء به، ~~وأن الله سبحانه أمر بقبول ما يقوله النبي صلى الله عليه وسلم، فجواز قتله ~~مستنبط من الكتاب والسنة. وقد مضى هذا المعنى من قول عكرمة حين سئل عن ~~أمهات الأولاد فقال: هن أحرار في سورة " النساء " عند قوله تعالى: " أطيعوا ~~الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم " (1) [النساء: 59]. وفي صحيح مسلم ~~وغيره عن علقمة عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لعن ~~الله الواشمات والمستوشمات والمتنمصات (2) والمتفلجات للحسن المغيرات خلق ~~الله) فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب، فجاءت فقالت: # بلغني أنك لعنت كيت وكيت! فقال: ومالي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهو في كتاب الله! فقالت: لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدت فيه ~~ما تقول. فقال: # لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه! أما قرأت " وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم ~~عنه فانتهوا "! # قالت: بلى. قال: فإنه قد نهى عنه.. الحديث. وقد مضى القول فيه في " ~~النساء " (1) مستوفي. # التاسعة - قوله تعالى: (وما آتاكم الرسول فخذوه) وإن جاء بلفظ الايتاء ~~وهو المناولة فإن معناه الامر، بدليل قوله تعالى: " وما نهاكم عنه فانتهوا ~~" فقابله بالنهي، ولا يقابل النهي إلا بالامر، والدليل على فهم ذلك ما ms6119 ~~ذكرناه قبل مع قوله عليه الصلاة السلام: (إذا # PageV18P018 # أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شئ فاجتنبوه). وقال ~~الكلبي: إنها نزلت في رؤساء المسلمين، قالوا فيما ظهر عليه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من أموال، المشركين: # يا رسول الله، خذ صفيك والربع، ودعنا والباقي، فهكذا كنا نفعل في ~~الجاهلية. وأنشدوه: # لك المرباع منها والصفايا * وحكمك والنشيطة والفضول فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية. # العاشرة - قوله تعالى: (واتقوا الله) أي عذاب الله، إنه شديد لمن عصاه. ~~وقيل: # اتقوا الله في أوامره ونواهيه فلا تضيعوها. (إن الله شديد العقاب) لمن ~~خالف ما أمره به. # قوله تعالى: للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديرهم وأموالهم يبتغون ~~فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون 8 أي الفئ ~~والغنائم " للفقراء المهاجرين ". وقيل: " كي لا يكون دولة بين الأغنياء " ~~ولكن يكون " للفقراء ". وقيل: هو بيان لقوله: " ولذي القربى واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل " فلما ذكروا بأصنافهم قيل المال لهؤلاء، لأنهم ~~فقراء ومهاجرون وقد أخرجوا من ديارهم، فهم أحق الناس به. وقيل: " ولكن الله ~~يسلط رسله على من يشاء " للفقراء المهاجرين لكيلا يكون المال دولة للأغنياء ~~من بني الدنيا. وقيل: والله شديد العقاب للمهاجرين، أي شديد العقاب للكفار ~~بسبب الفقراء المهاجرين ومن أجلهم. ودخل في هؤلاء الفقراء المتقدم ذكرهم في ~~قوله تعالى: " ولذي القربى واليتامى ". وقيل: هو عطف على ما مضى، ولم يأت ~~بواو العطف كقولك: هذا المال لزيد لبكر لفلان لفلان. # والمهاجرون هنا: من هاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم حبا فيه ونصرة له. ~~قال قتادة: هؤلاء المهاجرون الذين تركوا الديار والأموال والأهلين والأوطان ~~حبا لله ولرسوله، حتى إن الرجل منهم كان يعصب الحجر على بطنه ليقيم به صلبه ~~من الجوع، وكان الرجل يتخذ الحفيرة في الشتاء PageV18P019 # ماله دثار غيرها. وقال عبد الرحمن بن أبزى وسعيد بن جبير: كان ناس من ~~المهاجرين لأحدهم العبد والزوجة والدار والناقة يحج عليها ويغزو فنسبهم ~~الله إلى الفقر وجعل لهم سهما في الزكاة. ومعنى " أخرجوا من ms6120 ديارهم " أي ~~أخرجهم كفار مكة، أي أحوجوهم إلى الخروج، وكانوا مائة رجل. (يبتغون) ~~يطلبون. (فضلا من الله) أي غنيمة في الدنيا (ورضوانا) في الآخرة، أي مرضاة ~~ربهم. (وينصرون الله ورسوله) في الجهاد في سبيل الله. (أولئك هم الصادقون) ~~في فعلهم ذلك. وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب بالجابية (1) فقال: ~~من أراد أن يسأل عن القرآن فليأت أبي بن كعب، ومن أراد أن يسأل عن الفرائض ~~فليأت زيد بن ثابت، ومن أراد أن يسأل عن الفقه فليأت معاذ بن جبل، ومن أراد ~~أن يسأل عن المال فليأتني، فإن الله تعالى جعلني له خازنا وقاسما. ألا وإني ~~باد بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم فمعطيهن، ثم المهاجرين الأولين، أنا ~~وأصحابي أخرجنا من مكة من ديارنا وأموالنا. # قوله تعالى: والذين تبوؤا الدار والأيمن من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ~~ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ~~ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون 9 فيه إحدى عشرة مسألة: # الأولى - قوله تعالى: (والذين تبوءوا الدار والايمان من قبلهم) لا خلاف ~~أن الذين تبوءوا الدار هم الأنصار الذين استوطنوا المدينة قبل المهاجرين ~~إليها. " والايمان " نصب بفعل غير تبوأ، لان التبوء إنما يكون في الأماكن. ~~و " من قبلهم " " من " صلة تبوأ والمعنى: والذين تبوءوا الدار من قبل ~~المهاجرين واعتقدوا الايمان وأخلصوه، لان الايمان # PageV18P020 # ليس بمكان يتبوأ، كقوله تعالى: " فأجمعوا أمركم وشركاءكم " (1) [يونس: ~~71] أي وادعوا شركاءكم، ذكره أبو علي والزمخشري وغيرهما. ويكون من باب ~~قوله: علفتها تبنا وماء باردا. ويجوز حمله على حذف المضاف كأنه قال: تبوءوا ~~الدار ومواضع الايمان. ويجوز حمله على ما دل عليه تبوأ، كأنه قال: لزموا ~~الدار ولزموا الايمان فلم يفارقوهما. ويجوز أن يكون تبوأ الايمان على طريق ~~المثل، كما تقول: تبوأ من بني فلان الصميم. والتبوء: التمكن والاستقرار. ~~وليس يريد أن الأنصار آمنوا قبل المهاجرين، بل أراد آمنوا قبل هجرة النبي ~~صلى الله عليه وسلم إليهم. # الثانية - واختلف أيضا هل هذه الآية ms6121 مقطوعة مما قبلها أو معطوفة، فتأول ~~قوم أنها معطوفة على قوله: " " للفقراء المهاجرين " وأن الآيات التي في ~~الحشر كلها معطوفة بعضها على بعض. ولو تأملوا ذلك وأنصفوا لوجدوه على خلاف ~~ما ذهبوا إليه، لان الله تعالى يقول: " هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل ~~الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا " إلى قوله " الفاسقين " ~~[الحشر: 2 - 5] فأخبر عن بني النضير وبني قينقاع. ثم قال: # " وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن ~~الله يسلط رسله على من يشاء " فأخبر أن ذلك للرسول صلى الله عليه وسلم، ~~لأنه لم يوجف عليه حين خلوه. # وما تقدم فيهم من القتال وقطع شجرهم فقد كانوا رجعوا عنه وانقطع ذلك ~~الامر. ثم قال: # " ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى ~~واليتامى والمساكين وابن السبيل " وهذا كلام غير معطوف على الأول. وكذا " ~~والذين تبوءوا الدار والايمان " ابتداء كلام في مدح الأنصار والثناء عليهم، ~~فإنهم سلموا ذلك الفئ للمهاجرين، وكأنه قال، الفئ للفقراء المهاجرين، ~~والأنصار يحبون لهم لم يحسدوهم على ما صفا لهم من الفئ. وكذا " والذين ~~جاءوا من بعدهم " [الحشر: 10] ابتداء كلام، والخبر " يقولون ربنا اغفر لنا ~~" [الحشر: 10]. وقال إسماعيل ابن إسحاق: إن قوله " والذين تبوءوا الدار " " ~~والذين جاءوا معطوف على ما قبل، وأنهم # PageV18P021 # شركاء في الفئ، أي هذا المال للمهاجرين والذين تبوءوا الدار. وقال مالك ~~بن أوس: # قرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذه الآية " إنما الصدقات للفقراء " ~~[التوبة: 60] فقال: هذه لهؤلاء. # ثم قرأ " واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه " فقال: هذه لهؤلاء. ثم ~~قرأ " ما أفاء الله على رسوله - حتى بلغ - للفقراء المهاجرين "، " والذين ~~تبوءوا الدار والايمان "، " والذين جاءوا من بعدهم " ثم قال: لئن عشت ~~ليأتين الراعي وهو بسرو حمير (1) نصيبه منها لم يعرق فيها جبينه. وقيل: إنه ~~دعا المهاجرين والأنصار واستشارهم فيما فتح الله عليه من ذلك، وقال لهم: ~~تثبتوا الامر وتدبروه ثم أغدوا علي. ففكر في ms6122 ليلته فتبين له أن هذه الآيات ~~في ذلك أنزلت. فلما غدوا عليه قال: قد مررت البارحة بالآيات التي في سورة " ~~الحشر " وتلا " ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى - إلى قوله - للفقراء ~~المهاجرين " فلما بلغ قوله: " أولئك هم الصادقون " [الحجرات: 15] قال: ما ~~هي لهؤلاء فقط. وتلا قوله: " والذين جاءوا من بعدهم - إلى قوله - رؤوف رحيم ~~" [الحشر: 10] ثم قال: ما بقي أحد من أهل الاسلام إلا وقد دخل في ذلك. ~~والله أعلم. # الثالثة - روى مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر قال: لولا من يأتي من ~~آخر الناس ما فتحت قرية إلا قسمتها كما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~خيبر. وفي الروايات المستفيضة من الطرق الكثيرة: أن عمر أبقى سواد (2) ~~العراق ومصر وما ظهر عليه من الغنائم، لتكون من أعطيات المقاتلة وأرزاق ~~الحشوة والذراري، وأن الزبير وبلالا وغير واحد من الصحابة أرادوه على قسم ~~ما فتح عليهم، فكره ذلك منهم واختلف فيما فعل من ذلك، فقيل: # إنه استطاب أنفس أهل الجيش، فمن رضي له بترك حظه بغير ثمن ليبقيه ~~للمسلمين قلة. ومن أبى أعطاه ثمن حظه. فمن قال: إنما أبقى الأرض بعد ~~استطابة أنفس القوم جعل فعله كفعل النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه قسم ~~خيبر، لان اشتراءه إياها وترك من ترك عن طيب نفسه بمنزلة قسمها. وقيل: إنه ~~أبقاها بغير شئ أعطاه أهل الجيوش. وقيل: إنه # PageV18P022 # تأول في ذلك قول الله سبحانه وتعالى: " للفقراء المهاجرين - إلى قوله - ~~ربنا إنك رؤوف رحيم " على ما تقدم. والله أعلم. (1) الرابعة - واختلف ~~العلماء في قسمة العقار، فقال مالك: للامام أن يوقفها لمصالح المسلمين. ~~وقال أبو حنيفة: الامام مخير بين أن يقسمها أو يجعلها وقفا لمصالح ~~المسلمين. # وقال الشافعي: ليس للامام حبسها عنهم بغير رضاهم، بل يقسمها عليهم كسائر ~~الأموال. # فمن طاب نفسا عن حقه للامام أن يجعله وقفا عليهم فله. ومن لم تطب نفسه ~~فهو أحق بمال. وعمر رضي الله عنه استطاب نفوس الغانمين واشتراها منهم. # قلت: وعلى هذا ms6123 يكون (2) قوله: " والذين جاءوا من بعدهم " [الحشر: 10] ~~مقطوعا مما قبله، وانهم ندبوا بالدعاء للأولين والثناء عليهم. # الخامسة - قال ابن وهب: سمعت مالكا يذكر فضل المدينة على غيرها من الآفاق ~~فقال: إن المدينة تبوءت بالايمان والهجرة، وإن غيرها من القرى افتتحت ~~بالسيف، ثم قرأ " والذين تبوءوا الدار والايمان من قبلهم يحبون من هاجر ~~إليهم " الآية. وقد مضى الكلام في هذا، وفي فضل الصلاة في المسجدين: المسجد ~~الحرام ومسجد المدينة، فلا معنى للإعادة. # السادسة - قوله تعالى: (ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا) يعني لا ~~يحسدون المهاجرين على ما خصوا به من مال الفئ وغيره، كذلك قال الناس. وفيه ~~تقدير حذف مضافين، المعنى مس حاجة من فقد ما أوتوا. وكل ما يجد الانسان في ~~صدره مما يحتاج إلى إزالته فهو حاجة. وكان المهاجرون في دور الأنصار، فلما ~~غنم عليه الصلاة والسلام أموال بني النضير، دعا الأنصار وشكرهم فيما صنعوا ~~مع المهاجرين في إنزالهم إياهم في منازلهم، وإشراكهم في أموالهم. ثم قال: ~~(إن أحببتم قسمت ما أفاء الله علي من بني النضير بينكم وبينهم، وكان ~~المهاجرون على ما هم عليه من السكنى في مساكنكم وأموالكم وإن أحببتم ~~أعطيتهم وخرجوا من دوركم). فقال سعد بن عبادة وسعد بن معاذ: بل نقسمه بين ~~المهاجرين، ويكونون في دورنا كما كانوا. ونادت الأنصار: رضينا وسلمنا يا ~~رسول الله، فقال رسول الله # PageV18P023 # صلى الله عليه وسلم: (اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار). وأعطى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم المهاجرين ولم يعط الأنصار شيئا إلا الثلاثة الذين ~~ذكرناهم (1). ويحتمل أن يريد به " ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا " ~~إذا كان قليلا بل يقنعون به ويرضون عنه. # وقد كانوا على هذه الحالة حين حياة النبي صلى الله عليه وسلم دنيا، ثم ~~كانوا عليه بعد موته صلى الله عليه وسلم بحكم الدنيا. وقد أنذرهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم وقال: (سترون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض). # السابعة - قوله تعالى: (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) في ~~الترمذي ms6124 عن أبي هريرة: أن رجلا بات به ضيف فلم يكن عنده إلا قوته وقوت ~~صبيانه، فقال لامرأته: نومي الصبية وأطفئي السراج وقربي للضيف ما عندك، ~~فنزلت هذه الآية " ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة " قال: هذا حديث ~~حسن صحيح. خرجه مسلم أيضا. وخرج عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال: إني مجهود. فأرسل إلى بعض نسائه فقالت: والذي ~~بعثك بالحق ما عندي إلا ماء. # ثم أرسل إلى الأخرى فقالت مثل ذلك، حتى قلن كلهن مثل ذلك: لا والذي بعثك ~~بالحق ما عندي إلا ماء. فقال: من يضيف هذا الليلة رحمه الله؟ فقام رجل من ~~الأنصار فقال: أنا يا رسول الله. فانطلق به إلى رحله فقال لامرأته: هل عندك ~~شئ؟ قالت: لا، إلا قوت صبياني. قال: فعلليهم (2) بشئ فإذا دخل ضيفنا فأطفئي ~~السراج وأريه أنا نأكل، فإذا أهوى ليأكل فقومي إلى السراج حتى تطفئيه. قال: ~~فقعدوا وأكل الضيف. فلما أصبح غدا على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (قد ~~عجب (3) الله - عز وجل - من صنيعكما بضيفكما الليلة). وفي رواية عن أبي ~~هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليضيفه فلم يكن عنده ~~ما يضيفه. فقال: (ألا رجل يضيف هذا رحمه الله)؟ فقام رجل من الأنصار يقال ~~له أبو طلحة. فانطلق به إلى رحله...، وساق الحديث بنحو الذي قبله، وذكر فيه ~~نزول الآية. وذكر المهدوي عن أبي هريرة أن هذا نزل في ثابت بن قيس ورجل # PageV18P024 # من الأنصار - نزل به ثابت - يقال له أبو المتوكل، فلم يكن عند أبي ~~المتوكل إلا قوته وقوت صبيانه، فقال لامرأته: أطفئي السراج ونومي الصبية، ~~وقدم ما كان عنده إلى ضيفه. # وكذا ذكر النحاس قال: قال أبو هريرة: نزل برجل من الأنصار - يقال له أبو ~~المتوكل - ثابت بن قيس ضيفا، ولم يكن عنده إلا قوته وقوت صبيانه، فقال ~~لامرأته: أطفئي السراج ونومي الصبية، فنزلت " ويؤثرون على أنفسهم ولو كان ~~بهم خصاصة - إلى قوله - فأولئك هم ms6125 المفلحون ". وقيل: إن فاعل ذلك أبو طلحة. ~~وذكر القشيري أبو نصر عبد الرحيم ابن عبد الكريم: وقال ابن عمر: أهدي لرجل ~~من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رأس شاة فقال: إن أخي فلانا وعياله ~~أحوج إلى هذا منا، فبعثه إليهم، فلم يزل يبعث به واحد إلى آخر حتى تداولها ~~سبعة أبيات، حتى رجعت إلى أولئك، فنزلت " ويؤثرون على أنفسهم ". # ذكره الثعلبي عن أنس قال: أهدي لرجل من الصحابة رأس شاة وكان مجهودا فوجه ~~به إلى جار له، فتداولته سبعة أنفس في سبعة أبيات، ثم عاد إلى الأول، ~~فنزلت: " ويؤثرون على أنفسهم " الآية. وقال ابن عباس قال النبي للأنصار يوم ~~بني النضير: # (إن شئتم قسمت للمهاجرين من دياركم وأموالكم وشاركتموهم في هذه الغنيمة ~~وإن شئتم كانت لكم دياركم وأموالكم ولم نقسم لكم من الغنيمة شيئا) فقالت ~~الأنصار: بل نقسم لإخواننا من ديارنا وأموالنا ونؤثرهم بالغنيمة، فنزلت " ~~ويؤثرون على أنفسهم " الآية. والأول أصح. وفي الصحيحين عن أنس: أن الرجل ~~كان يجعل للنبي صلى الله عليه وسلم النخلات من أرضه حتى فتحت عليه قريظة ~~والنضير، فجعل بعد ذلك يرد عليه ما كان أعطاه. لفظ مسلم. وقال الزهري عن ~~أنس بن مالك: لما قدم المهاجرون من مكة المدينة قدموا وليس بأيديهم شئ، ~~وكان الأنصار أهل الأرض والعقار، فقاسمهم الأنصار على أن أعطوهم أنصاف ثمار ~~أموالهم كل عام ويكفونهم العمل والمؤونة، وكانت أم أنس بن مالك تدعي أم ~~سليم، وكانت أم عبد الله بن أبي طلحة، كان أخا لانس لامه، وكانت أعطت أم ~~أنس رسول الله صلى الله عليه وسلم عذاقا (1) لها، فأعطاها رسول الله صلى # PageV18P025 # الله عليه وسلم أم أيمن مولاته، ثم أسامة بن زيد. قال ابن شهاب: فأخبرني ~~أنس بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فرغ من قتال أهل خيبر ~~وانصرف إلى المدينة، رد المهاجرون إلى الأنصار منائحهم التي كانوا منحوهم ~~من ثمارهم. قال: فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أمي عذاقها، وأعطى ~~رسول الله ms6126 صلى الله عليه وسلم أم أيمن مكانهن من حائطه. خرجه مسلم أيضا. # الثامنة - الايثار: هو تقديم الغير على النفس وحظوظها الدنياوية، ورغبة ~~في الحظوظ الدينية. وذلك ينشأ عن قوة اليقين، وتوكيد المحبة، والصبر على ~~المشقة. يقال: آثرته بكذا، أي خصصته به وفضلته. ومفعول الايثار محذوف، أي ~~يؤثرونهم على أنفسهم بأموالهم ومنازلهم، لا عن غنى بل مع احتياجهم إليها، ~~حسب ما تقدم بيانه. وفي موطأ مالك: # " أنه بلغه عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، أن مسكينا سألها وهي ~~صائمة وليس في بيتها إلا رغيف فقالت لمولاة لها: أعطيه إياه، فقالت: ليس لك ~~ما تفطرين عليه؟ # فقالت: أعطيه إياه. قالت: ففعلت. قالت: فلما أمسينا أهدى لنا أهل بيت أو ~~إنسان ما كان يهدي لنا: شاة وكفنها (1). فدعتني عائشة فقالت: كلي من هذا، ~~فهذا خير من قرصك. قال علماؤنا: هذا من المال الرابح، والفعل الزاكي عند ~~الله تعالى يعجل منه ما يشاء ولا ينقص ذلك مما يدخر عنه. ومن ترك شيئا لله ~~لم يجد فقده. وعائشة رضي الله عنها في فعلها هذا من الذين أثنى الله عليهم ~~بأنهم يؤثرون على أنفسهم مع ما هم فيه من الخصاصة، وأن من فعل ذلك فقد وقى ~~شح نفسه وأفلح فلاحا لا خسارة بعده. ومعنى (شاة وكفنها) فإن العرب - أو بعض ~~العرب أو بعض وجوههم - كان هذا من طعامهم، يأتون إلى الشاة أو الخروف إذا ~~سلخوه غطوه كله بعجين البر وكفنوه به ثم علقوه في التنور، فلا يخرج من ودكه ~~شئ إلا في ذلك الكفن، وذلك من طيب الطعام عندهم. وروى النسائي عن نافع # PageV18P026 # أن ابن عمر اشتكى واشتهى عنبا، فاشترى له عنقود بدرهم، فجاء مسكين فسأل، ~~فقال: # اعطوه إياه، فخالف إنسان فاشتراه بدرهم، ثم جاء به إلى ابن عمر، فجاء ~~المسكين فسأل، فقال: أعطوه إياه، ثم خالف إنسان فاشتراه بدرهم، ثم جاء به ~~إليه، فأراد السائل أن يرجع فمنع. ولو علم ابن عمر أنه ذلك العنقود ما ~~ذاقه، لان ما خرج لله لا يعود ms6127 فيه. وذكر ابن المبارك قال: أخبرنا محمد بن ~~مطرف قال: حدثنا أبو حازم عن عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع عن مالك الدار: ~~أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أخذ أربعمائة دينار، فجعلها في صرة ثم قال ~~للغلام: اذهب بها إلى أبي عبيدة بن الجراح، ثم تلكأ ساعة في البيت حتى تنظر ~~ماذا يصنع بها. فذهب بها الغلام إليه فقال: يقول لك أمير المؤمنين: اجعل ~~هذه في بعض حاجتك، فقال: وصله الله ورحمه، ثم قال: تعالي يا جارية، اذهبي ~~بهذه السبعة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان، حتى أنفذها. فرجع الغلام إلى ~~عمر، فأخبره فوجده قد أعد مثلها لمعاذ بن جبل، وقال: اذهب بهذا إلى معاذ بن ~~جبل، وتلكأ في البيت ساعة حتى تنظر ماذا يصنع، فذهب بها إليه فقال: يقول لك ~~أمير المؤمنين: اجعل هذه في بعض حاجتك، فقال: رحمه الله ووصله، وقال: يا ~~جارية، اذهبي إلى بيت فلان بكذا وبيت فلان بكذا، فاطلعت امرأة معاذ فقالت: ~~ونحن! والله مساكين فأعطنا. ولم يبق في الخرقة إلا ديناران قد جاء بهما ~~إليها. فرجع الغلام إلى عمر فأخبره فسر بذلك عمر وقال: إنهم إخوة! بعضهم من ~~بعض. ونحوه عن عائشة رضي الله عنها في إعطاء معاوية إياها، وكان عشرة آلاف ~~وكان المنكدر دخل عليها (1). فإن قيل: وردت أخبار صحيحة في النهي عن التصدق ~~بجميع ما يملكه المرء، قيل له: إنما كره ذلك في حق من لا يوثق منه الصبر ~~على الفقر، وخاف أن يتعرض للمسألة إذا فقد ما ينفقه. فأما الأنصار الذين ~~أثنى الله عليهم بالايثار على أنفسهم، فلم يكونوا بهذه الصفة، بل كانوا كما ~~قال الله تعالى: " والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس " (2) [البقرة: ~~177]. وكان الايثار فيهم أفضل من الامساك. والامساك لمن لا يصبر # PageV18P027 # ويتعرض للمسألة أولى من الايثار. وروي أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم بمثل البيضة من الذهب فقال: هذه صدقة، فرماه بها وقال: (يأتي ~~أحدكم بجميع ما يملكه فيتصدق به ثم يقعد يتكفف ms6128 الناس). والله أعلم. # التاسعة: - والايثار بالنفس فوق الايثار بالمال وإن عاد إلى النفس. ومن ~~الأمثال السائرة: # * والجود بالنفس أقصى غاية الجود (1) * ومن عبارات الصوفية الرشيقة في حد ~~المحبة: أنها الايثار، ألا ترى أن امرأة العزيز لما تناهت في حبها ليوسف ~~عليه السلام، آثرته على نفسها فقالت: أنا راودته عن نفسه. # وأفضل الجود بالنفس الجوة على حماية رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففي ~~الصحيح أن أبا طلحة ترس على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد، وكان النبي ~~صلى الله عليه وسلم يتطلع ليرى القوم. فيقول له أبو طلحة: لا تشرف يا رسول ~~الله! لا يصيبونك! نحري دون نحرك ووقى بيده رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فشلت. وقال حذيفة العدوي: انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عم لي - ومعي شئ من ~~الماء - وأنا أقول: إن كان به رمق سقيته، فإذا أنا به، فقلت له: أسقيك، ~~فأشار برأسه أن نعم فإذا أنا برجل يقول: # آه! آه! فأشار إلي ابن عمي أن انطلق إليه، فإذا هو هشام بن العاص فقلت: ~~أسقيك؟ # فأشار أن نعم. فسمع آخر يقول: آه! آه! فأشار هشام أن انطلق إليه فجئته ~~فإذا هو قد مات. فرجعت إلى هشام فإذا هو قد مات. فرجعت إلى ابن عمي فإذا هو ~~قد مات. # وقال أبو يزيد البسطامي: ما غلبني أحد ما غلبني شاب من أهل بلخ! قدم ~~علينا حاجا فقال لي: يا أبا يزيد، ما حد الزهد عندكم؟ فقلت: إن وجدنا ~~أكلنا. وإن فقدنا صبرنا. # PageV18P028 # فقال: هكذا كلاب بلخ عندنا. فقلت: وما حد الزهد عندكم؟ قال: إن فقدنا ~~شكرنا، وإن وجدنا آثرنا. وسئل ذو النون المصري: ما حد الزاهد المنشرح صدره؟ ~~قال ثلاث: # تفريق المجموع، وترك طلب المفقود، والايثار عند القوت. وحكي عن أبي الحسن ~~الأنطاكي: # أنه اجتمع عنده نيف وثلاثون رجلا بقرية من قرى الري، ومعهم أرغفة معدودة ~~لا تشبع جميعهم، فكسروا الرغفان وأطفئوا السراج وجلسوا للطعام، فلما رفع ~~فإذا الطعام بحاله لم يأكل منه أحد شيئا، إيثارا لصاحبه على ms6129 نفسه. # العاشرة: قوله تعالى (1): " ولو كان بهم خصاصة " الخصاصة: الحاجة التي ~~تختل بها الحال. وأصلها من الاختصاص وهو انفراد بالامر. فالخصاصة الانفراد ~~بالحاجة، أي ولو كان بهم فاقة وحاجة. ومنه قول الشاعر: # أما الربيع إذا تكون خصاصة * عاش السقيم به وأثرى المقتر الحادية عشرة - ~~قوله تعالى: (ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون) الشح والبخل سواء، يقال: ~~رجل شحيح بين الشح والشح والشحاحة. قال عمرو بن كلثوم: # ترى اللحز الشحيح إذا أمرت * عليه لماله فيها مهينا (2) وجعل بعض أهل ~~اللغة الشح أشد من البخل. وفي الصحاح: الشح البخل مع حرص، تقول: شححت ~~(بالكسر) تشح. وشححت أيضا تشح وتشح. ورجل شحيح، وقوم شحاح وأشحة. والمراد ~~بالآية: الشح بالزكاة وما ليس بفرض من صلة ذوي الأرحام والضيافة، وما شا كل ~~ذلك. فليس بشحيح ولا بخيل من أنفق في ذلك وإن أمسك عن نفسه. # ومن وسع على نفسه ولم ينفق فيما ذكرناه من الزكوات والطاعات فلم يوق شح ~~نفسه. وروى الأسود عن ابن مسعود أن رجلا أتاه فقال له: إني أخاف أن أكون قد ~~هلكت؟ قال: # PageV18P029 # وما ذاك؟ قال: سمعت الله عز وجل يقول: " ومن يوق شح نفسه فأولئك هم ~~المفلحون " وأنا رجل شحيح لا أكاد أن أخرج من يدي شيئا. فقال ابن مسعود: ~~ليس ذلك بالشح الذي ذكره الله تعالى في القرآن، إنما الشح الذي ذكره الله ~~تعالى في القرآن أن تأكل مال أخيك ظلما، ولكن ذلك البخل، وبئس الشئ البخل. ~~ففرق رضي الله عنه بين الشح والبخل. وقال طاوس: البخل أن يبخل الانسان بما ~~في يده، والشح أن يشح بما في أيدي الناس، يحب أن يكون له ما في أيديهم ~~بالحل والحرام، لا يقنع. ابن جبير: الشح منع الزكاة وادخار الحرام. ابن ~~عيينة: الشح الظلم. الليث: ترك الفرائض وانتهاك المحارم. # ابن عباس: من اتبع هواه ولم يقبل الايمان فذلك الشحيح. ابن زيد: من لم ~~يأخذ شيئا لشئ نهاه الله عنه، ولم يدعه الشح على أن يمنع شيئا من شئ أمره ~~الله ms6130 به، فقد وقاه الله شح نفسه. وقال أنس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~(برئ من الشح من أدى الزكاة وقرى الضيف وأعطى في النائبة). وعنه أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان يدعو (اللهم إني أعوذ بك من شح نفسي وإسرافها ~~ووساوسها). وقال أبو الهياج الأسدي: # رأيت رجلا في الطواف يدعو: اللهم قني شح نفسي. لا يزيد على ذلك شيئا، ~~فقلت له؟ # فقال: إذا وقيت شح نفسي لم أسرق ولم أزن ولم أفعل. فإذا الرجل عبد الرحمن ~~ابن عوف. # قلت: يدل على هذا قول صلى الله عليه وسلم: (اتقوا الظلم فان الظلم ظلمات ~~يوم القيامة واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا ~~دماءهم واستحلوا محارمهم). وقد بيناه في آخر " آل عمران " (1). وقال كسرى ~~لأصحابه: أي شئ أضر بابن آدم؟ قالوا: الفقر. فقال كسرى: الشح أضر من الفقر، ~~لان الفقير إذا وجد شبع، والشحيح إذا وجد لم يشبع أبدا. # PageV18P030 # قوله تعالى: والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين ~~سبقونا بالأيمن ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم 10 ~~فيه أربع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (والذين جاءوا من بعدهم) يعني التابعين ومن دخل في ~~الاسلام إلى يوم القيامة. قال ابن أبي ليلى: الناس ثلاثة منازل: المهاجرون، ~~والذين تبوءوا الدار والايمان، والذين جاءوا من بعدهم. فاجهد ألا تخرج من ~~هذه المنازل. وقال بعضهم: كن شمسا، فإن لم تستطع فكن قمرا، فإن لم تستطع ~~فكن كوكبا مضيئا، فإن لم تستطع فكن كوكبا صغيرا، ومن جهة النور لا تنقطع. ~~ومعنى هذا: كن مهاجريا. فإن قلت: # لا أجد، فكن أنصاريا. فإن لم تجد فاعمل كأعمالهم، فإن لم تستطع فأحبهم ~~واستغفر لهم كما أمرك الله. وروى مصعب بن سعد قال: الناس على ثلاثة منازل، ~~فمضت منزلتان وبقيت منزلة، فأحسن ما أنتم عليه أن تكونوا بهذه المنزلة التي ~~بقيت. وعن جعفر بن محمد ابن علي عن أبيه عن جده علي بن الحسين رضي الله ~~عنه، ms6131 أنه جاءه رجل فقال له: يا بن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما ~~تقول في عثمان؟ فقال له: يا أخي أنت من قوم قال الله فيهم: # " للفقراء المهاجرين " الآية. قال لا! قال: فوالله لئن لم تكن من أهل ~~الآية (1) فأنت من قوم قال الله فيهم: " والذين تبوءوا الدار والايمان " ~~الآية. قال لا قال: فوالله لئن لم تكن من أهل الآية الثالثة لتخرجن من ~~الاسلام وهي قوله تعالى: " والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ~~ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان " الآية. وقد قيل: إن محمد ابن علي بن ~~الحسين، رضي الله عنهم، روى عن أبيه: أن نفرا من أهل العراق جاءوا إليه، ~~فسبوا أبا بكر وعمر - رضي الله عنهما - ثم عثمان - رضي الله عنه - فأكثروا، ~~فقال لهم: أمن المهاجرين الأولين أنتم؟ قالوا لا. فقال: أفمن الذين تبوءوا ~~الدار والايمان من # PageV18P031 # قبلهم؟ فقالوا لا. فقال: قد تبرأتم من هذين الفريقين! أنا أشهد أنكم لستم ~~من الذين قال الله عز وجل: " والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ~~ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا ~~إنك رؤوف رحيم " قوموا، فعل الله بكم وفعل!! ذكره النحاس. # الثانية - هذه الآية دليل على وجوب محبة الصحابة، لأنه جعل لمن بعدهم حظا ~~في الفئ ما أقاموا على محبتهم وموالاتهم والاستغفار لهم، وأن من سبهم أو ~~واحدا منهم أو اعتقد فيه شرا إنه لا حق له في الفئ، روي ذلك عن مالك وغيره. ~~قال مالك: من كان يبغض أحدا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، أو كان في ~~قلبه عليهم غل، فليس له حق في فئ المسلمين، ثم قرأ " والذين جاءوا من بعدهم ~~" الآية. # الثالثة - هذه الآية تدل على أن الصحيح من أقوال العلماء قسمة المنقول، ~~وإبقاء العقار والأرض شملا (1) بين المسلمين أجمعين، كما فعل عمر رضي الله ~~عنه، إلا أن يجتهد الوالي فينفذ أمرا فيمضي عمله فيه لاختلاف الناس عليه ~~وأن هذه الآية قاضية بذلك، لان الله تعالى ms6132 أخبر عن الفئ وجعله لثلاث طوائف: ~~المهاجرين والأنصار - وهم معلمون - " والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا ~~اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان ". فهي عامة في جميع التابعين ~~والآتين بعدهم إلى يوم الدين. وفي الحديث الصحيح: أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم خرج إلى المقبرة فقال: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله ~~بكم لاحقون وددت أن رأيت (2) إخواننا) قالوا: يا رسول الله، ألسنا بإخوانك؟ ~~فقال: (بل أنتم أصحابي وإخواننا الذين لم يأتوا بعد وأنا فرطهم على الحوض). ~~فبين صلى الله عليه وسلم أن إخوانهم كل من يأتي بعدهم، لا كما قال السدي ~~والكلبي: إنهم الذين هاجروا بعد ذلك. وعن الحسن أيضا " والذين جاءوا من ~~بعدهم " من قصد إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعد انقطاع ~~الهجرة. # PageV18P032 # الرابعة - قوله تعالى: (يقولون) نصب في موضع الحال، أي قائلين. (ربنا ~~اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان) فيه وجهان: أحدهما - أمروا أن ~~يستغفروا لمن سبق هذه الأمة من مؤمني أهل الكتاب. قالت عائشة رضي الله عنها ~~فأمروا أن يستغفروا لهم فسبوهم. الثاني: أمروا أن يستغفروا للسابقين ~~الأولين من المهاجرين والأنصار. قال ابن عباس: أمر الله تعالى بالاستغفار ~~لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وهو يعلم أنهم سيفتنون. وقالت عائشة: ~~أمرتم بالاستغفار لأصحاب محمد فسببتموهم، سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم ~~يقول: (لا تذهب هذه الأمة حتى يلعن آخرها أولها) وقال ابن عمر: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا رأيتم الذين يسبون أصحابي فقولوا لعن ~~الله أشركم). وقال العوام بن حوشب: أدركت صدر هذه الأمة يقولون: اذكروا ~~محاسن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تألف عليهم القلوب، ولا ~~تذكروا ما شجر بينهم فتجسروا الناس عليهم. وقال الشعبي: تفاضلت اليهود ~~والنصارى على الرافضة بخصلة، سئلت اليهود: من خير أهل ملتكم؟ فقالوا: أصحاب ~~موسى. وسئلت النصارى: من خير أهل ملتكم؟ فقالوا: أصحاب عيسى. وسئلت الرافضة ~~من شر أهل ملتكم؟ فقالوا: أصحاب محمد، أمروا بالاستغفار لهم فسبوهم، فالسيف ~~عليهم ms6133 مسلول إلى يوم القيامة، لا تقوم لهم راية، ولا تثبت لهم قدم، ولا ~~تجتمع لهم كلمة كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله بسفك دمائهم وإدحاض ~~حجتهم. أعاذنا الله وإياكم من الأهواء المضلة. " ولا تجعل في قلوبنا غلا ~~للذين آمنوا " أي حقدا وحسدا (ربنا إنك رؤوف رحيم) قوله تعالى: ألم تر إلى ~~الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتب لئن أخرجتم لنخرجن ~~معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون ~~11 PageV18P033 # تعجب (1) من اغترار اليهود بما وعدهم المنافقون من النصر مع علمهم بأنهم ~~لا يعتقدون دينا ولا كتابا. ومن جملة المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول، ~~وعبد الله بن نبتل، ورفاعة بن زيد. # وقيل: رافعة بن تابوت، وأوس بن قيظي، كانوا من الأنصار ولكنهم نافقوا، ~~وقالوا ليهود قريظة والنضير: (لئن أخرجتم لنخرجن معكم). وقيل: هو من قول ~~بني النضير لقريظة. وقوله: (ولا نطيع فيكم أحدا أبدا) يعنون محمدا صلى الله ~~عليه وسلم، لا نطيعه في قتالكم. وفي هذا دليل على صحة نبوة محمد صلى الله ~~عليه وسلم من جهة علم الغيب، لأنهم أخرجوا فلم يخرجوا، وقوتلوا فلم ~~ينصروهم، كما قال الله تعالى: (والله يشهد إنهم لكاذبون) أي في قولهم ~~وفعلهم. # قوله تعالى: لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن ~~نصروهم ليولن الأدبر هم لا ينصرون 12 قوله تعالى: " لئن أخرجوا لا يخرجون ~~معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الادبار " أي منهزمين. " ~~ثم لا ينصرون " قيل: معنى " لا ينصرونهم " طائعين. # " ولئن نصروهم " مكرهين " ليولن الادبار ". وقيل: معنى " لا ينصرونهم " ~~لا يدومون على نصرهم. هذا على أن الضميرين متفقان. وقيل: إنهما مختلفان، ~~والمعنى لئن أخرج اليهود لا يخرج معهم المنافقون، ولئن قوتلوا لا ينصرونهم. ~~" ولئن نصروهم " أي ولئن نصر اليهود المنافقين " ليولن الادبار ". وقيل: " ~~لئن أخرجوا لا يخرجون معهم " أي علم الله منهم أنهم لا يخرجون إن أخرجوا. " ~~ولئن قوتلوا لا ينصرونهم " أي علم الله منهم ذلك. # ثم قال: " ليولن ms6134 الادبار " فأخبر عما قد أخبر أنه لا يكون كيف كان يكون ~~لو كان؟ وهو كقوله تعالى: " ولو ردوا لعادوا لما نهوا (2) عنه " [الانعام: ~~28]. وقيل: معنى " ولئن نصروهم " أي ولئن شئنا أن ينصروهم زينا ذلك لهم. " ~~ليولن الادبار ". # PageV18P034 # قوله تعالى: لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون ~~13 قوله تعالى: (لأنتم) يا معشر المسلمين (أشد رهبة) أي خوفا وخشية (في ~~صدورهم من الله) يعني صدور بني النضير. وقيل: في صدور المنافقين. ويحتمل أن ~~يرجع إلى الفريقين، أي يخافون منكم أكثر مما يخافون من ربهم ذلك الخوف. # (ذلك بأنهم قوم لا يفقهون) أي لا يفقهون قدر عظمة الله وقدرته. # قوله تعالى: لا يقتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر بأسهم ~~بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون 14 قوله ~~تعالى: (لا يقاتلونكم جميعا) يعني اليهود (إلا في قرى محصنة) أي بالحيطان ~~والدور، يظنون أنها تمنعهم منكم. (أو من وراء جدر) أي من خلف حيطان يستترون ~~بها لجبنهم ورهبتهم. وقراءة العامة " جدر " على الجمع، وهو اختيار أبي ~~عبيدة وأبي حاتم، لأنها نظير قوله تعالى: " في قرى محصنة " وذلك جمع. وقرأ ~~ابن عباس ومجاهد وابن كثير وابن محيصن وأبو عمرو " جدار " على التوحيد، لان ~~التوحيد يؤدي عن الجمع. وروي عن بعض المكيين " جدر " (بفتح الجيم وإسكان ~~الدال)، وهي لغة في الجدار. ويجوز أن يكون معناه من وراء نخيلهم وشجرهم، ~~يقال: أجدر النخل إذا طلعت رؤوسه في أول الربيع. # والجدر: نبت واحدته جدرة. وقرئ " جدر " (بضم الجيم وإسكان الدال) جمع ~~الجدار. # ويجوز أن تكون الألف في الواحد كألف كتاب، وفي الجمع كألف ظراف. ومثله ~~ناقة هجان ونوق هجان، لأنك تقول في التثنية: هجانان، فصار لفظ الواحد ~~والجمع مشتبهين في اللفظ مختلفين في المعنى، قاله ابن جني. PageV18P035 # قوله تعالى: (بأسهم بينهم شديد) يعني عداوة بعضهم لبعض. وقال مجاهد: # " بأسهم بينهم شديد " أي بالكلام والوعيد لنفعلن كذا. وقال السدي: المراد ~~اختلاف قلوبهم حتى لا يتفقوا ms6135 على أمر واحد. وقيل: " بأسهم بينهم شديد " أي ~~إذا لم يلقوا عدوا نسبوا أنفسهم إلى الشدة والبأس، ولكن إذا لقوا العدو ~~انهزموا. " تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى " يعني اليهود والمنافقين، قاله ~~مجاهد. وعنه أيضا يعني المنافقين. الثوري: هم المشركون وأهل الكتاب. وقال ~~قتادة: " تحسبهم جميعا " أي مجتمعين على أمر ورأي. " وقلوبهم شتى " متفرقة. ~~فأهل الباطل مختلفة آراؤهم، مختلفة شهادتهم، مختلفة أهواؤهم وهم مجتمعون في ~~عداوة أهل الحق. وعن مجاهد أيضا: أراد أن دين المنافقين مخالف لدين اليهود، ~~وهذا ليقوي أنفس المؤمنين عليهم. وقال الشاعر: # إلى الله أشكو نية شقت العصا * هي اليوم شتى وهي أمس جمع وفي قراءة ابن ~~مسعود " وقلوبهم أشت " يعني أشد تشتيتا، أي أشد اختلافا. (ذلك بأنهم قوم لا ~~يعقلون) أي ذلك التشتيت والكفر بأنهم لا عقل لهم يعقلون به أمر الله. # قوله تعالى: كمثل الذين من قبلهم قريبا ذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم ~~15 قال ابن عباس: يعني به قينقاع، أمكن الله منهم قبل بني النضير. وقال ~~قتادة: يعني بني النضير، أمكن الله منهم قبل قريظة. مجاهد: يعني كفار قريش ~~يوم بدر. وقيل: هو عام في كل من انتقم منه على كفره قبل بني الضير من نوح ~~إلى محمد صلى الله عليه وسلم. # ومعنى " وبال " جزاء كفرهم. ومن قال: هم بنو قريظة، جعل " وبال أمرهم " ~~نزولهم على حكم سعد بن معاذ، فحكم فيهم بقتل المقاتلة وسبي الذرية. وهو قول ~~الضحاك. ومن قال المراد بنو النضير قال: " وبال أمرهم " الجلاء والنفي. ~~وكان بين النضير وقريظة سنتان. وكانت وقعة بدر قبل غزوة بني النضير بستة ~~أشهر، فلذلك قال: " قريبا " وقد قال قوم: غزوة بني النضير بعد وقعة أحد. " ~~ولهم عذاب أليم " (1) في الآخرة. # PageV18P036 # قوله تعالى: كمثل الشيطان إذ قال للانسان أكفر فلما كفر قال إني برئ منك ~~إني أخاف الله رب العلمين 16 فكان عقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وذلك ~~جزاء الظالمين 17 قوله تعالى: (كمثل الشيطان إذ قال للانسان أكفر) هذا ضرب ~~مثل للمنافقين واليهود في ms6136 تخاذلهم وعدم الوفاء في نصرتهم. وحذف حرف العطف، ~~ولم يقل: وكمثل الشيطان، لان حذف حرف العطف كثير كما تقول: أنت عاقل أنت ~~كريم أنت عالم. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن الانسان الذي قال ~~له الشيطان أكفر، راهب تركت عنده امرأة أصابها لمم ليدعو لها، فزين له ~~الشيطان فوطئها فحملت، ثم قتلها خوفا أن يفتضح، فدل الشيطان قومها على ~~موضعها، فجاءوا فاستنزلوا الراهب ليقتلوه، فجاء الشيطان فوعده أنه إن سجد ~~له أنجاه منهم، فسجد له فتبرأ منه فأسلمه. ذكره القاضي إسماعيل وعلي بن ~~المديني عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عروة بن عامر عن عبيد بن ~~رفاعة الزرقي عن النبي صلى الله عليه وسلم. وذكر خبره مطولا ابن عباس ووهب ~~بن منبه. ولفظهما مختلف. # قال ابن عباس في قوله تعالى: " كمثل الشيطان ": كان راهب في الفترة يقال ~~له: برصيصا، قد تعبد في صومعته سبعين سنة، لم يعص الله فيها طرفة عين، حتى ~~أعيا إبليس، فجمع إبليس مردة الشياطين فقال: ألا أجد منكم من يكفيني أمر ~~برصيصا؟ فقال الأبيض، وهو صاحب الأنبياء، وهو الذي قصد النبي صلى الله عليه ~~وسلم في صورة جبريل ليوسوس إليه على وجه الوحي، فجاء جبريل فدخل بينهما، ثم ~~دفعه بيده حتى وقع بأقصى الهند فذلك قوله تعالى: " ذي قوة عند ذي العرش ~~مكين " (1) [التكوير: 20] فقال: أنا أكفيكه، فانطلق فتزيا بزي الرهبان، ~~وحلق وسط رأسه حتى أتى صومعة برصيصا فناداه فلم يجبه، وكان لا ينفتل من ~~صلاته إلا في كل عشرة أيام يوما، ولا يفطر إلا في كل عشره أيام، وكان يواصل ~~العشرة # PageV18P037 # الأيام والعشرين والأكثر، فلما رأى الأبيض أنه لا يجيبه أقبل على العبادة ~~في أصل صومعته، فلما انفتل برصيصا من صلاته، رأى الأبيض قائما يصلي في هيئة ~~حسنة من هيئة الرهبان، فندم حين لم يجبه، فقال: ما حاجتك؟ فقال: أن أكون ~~معك، فأتأدب بأدبك، وأقتبس من عملك، ونجتمع على العبادة، فقال: إني في شغل ~~عنك، ثم أقبل على صلاته، ms6137 وأقبل الأبيض أيضا على الصلاة، فلما رأى برصيصا ~~شدة اجتهاده وعبادته قال له: ما حاجتك؟ # فقال: أن تأذن لي فأرتفع إليك. فأذن له فأقام الأبيض معه حولا لا يفطر ~~إلا في كل أربعين يوما يوما واحدا، ولا ينفتل من صلاته إلا في كل أربعين ~~يوما، وربما مد إلى الثمانين، فلما رأى برصيصا اجتهاده تقاصرت إليه نفسه. ~~ثم قال الأبيض: عندي دعوات يشفي الله بها السقيم والمبتلي والمجنون، فعلمه ~~إياها. ثم جاء إلى إبليس فقال: قد والله أهلكت الرجل. ثم تعرض لرجل فخنقه، ~~ثم قال لأهله - وقد تصور في صورة الآدميين -: إن بصاحبكم جنونا أفأطبه؟ ~~قالوا نعم. فقال: لا أقوى على جنيته، ولكن اذهبوا به إلى برصيصا، فإن عنده ~~اسم الله الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب، فجاءوه فدعا بتلك ~~الدعوات، فذهب عنه الشيطان. ثم جعل الأبيض يفعل بالناس ذلك ويرشدهم إلى ~~برصيصا فيعافون. فانطلق إلى جارية من بنات الملوك بين ثلاثة إخوة، وكان ~~أبوهم ملكا فمات واستخلف أخاه، وكان عمها ملكا في بني إسرائيل فعذبها ~~وخنقها. ثم جاء إليهم في صورة رجل متطبب ليعالجها فقال: إن شيطانها مارد لا ~~يطاق، ولكن اذهبوا بها إلى برصيصا فدعوها عنده، فإذا جاء شيطانها دعا لها ~~فبرئت، فقالوا: لا يجيبنا إلى هذا، قال: فابنوا صومعة في جانب صومعته ثم ~~ضعوها فيها، وقولوا: # هي أمانة عندك فأحتسب فيها. فسألوه ذلك فأبى، فبنوا صومعة ووضعوا فيها ~~الجارية، فلما انفتل من صلاته عاين الجارية وما بها من الجمال فأسقط في ~~يده، فجاءها الشيطان فخنقها فانفتل من صلاته ودعا لها فذهب عنها الشيطان، ~~ثم أقبل على صلاته فجاءها الشيطان فخنقها. # وكان يكشف عنها ويتعرض بها لبرصيصا، ثم جاءه الشيطان فقال: ويحك! واقعها، ~~فما تجد PageV18P038 # مثلها ثم تتوب بعد ذلك. فلم يزل به حتى واقعها فحملت وظهر حملها. فقال له ~~الشيطان: # ويحك! قد افتضحت. فهل لك أن تقتلها ثم تتوب فلا تفتضح، فإن جاءوك وسألوك ~~فقل جاءها شيطانها فذهب بها. فقتلها برصيصا ودفنها ليلا، فأخذ ms6138 الشيطان طرف ~~ثوبها حتى بقي خارجا من التراب، ورجع برصيصا إلى صلاته. ثم جاء الشيطان إلى ~~إخوتها في المنام فقال: إن برصيصا فعل بأختكم كذا وكذا، وقتلها ودفنها في ~~جبل كذا وكذا، فاستعظموا ذلك وقالوا لبرصيصا: ما فعلت أختنا؟ فقال: ذهب بها ~~شيطانها، فصدقوه وانصرفوا. # ثم جاءهم الشيطان في المنام وقال: إنها مدفونة في موضع كذا وكذا، وإن طرف ~~ردائها خارج من التراب، فانطلقوا فوجدوها، فهدموا صومعته وأنزلوه وخنقوه، ~~وحملوه إلى الملك فأقر على نفسه فأمر بقتله. فلما صلب قال الشيطان: ~~أتعرفني؟ قال لا والله قال: أنا صاحبك الذي علمتك الدعوات، أما اتقيت الله ~~أما استحيت وأنت أعبد بني إسرائيل ثم لم يكفك صنيعك حتى فضحت نفسك، وأقررت ~~عليها وفضحت أشباهك من الناس فان مت على هذه الحالة لم يفلح أحد من نظرائك ~~بعدك. فقال: كيف أصنع؟ قال: تطيعني في خصلة واحدة وأنجيك منهم وآخذ ~~بأعينهم. قال: وما ذاك؟ قال تسجد لي سجدة واحدة، فقال: أنا أفعل، فسجد له ~~من دون الله. فقال: يا برصيصا، هذا أردت منك، كان عاقبة أمرك أن كفرت بربك، ~~إني برئ منك، إني أخاف الله رب العالمين. وقال وهب ابن منبه: إن عابدا كان ~~في بني إسرائيل، وكان من أعبد أهل زمانه، وكان في زمانه ثلاثة إخوة لهم ~~أخت، وكانت بكرا، ليست لهم أخت غيرها، فخرج البعث على ثلاثتهم، فلم يدروا ~~عند من يخلفون أختهم، ولا عند من يأمنون عليها، ولا عند من يضعونها. قال ~~فاجتمع رأيهم على أن يخلفوها عند عابد بني إسرائيل، وكان ثقة في أنفسهم، ~~فأتوه فسألوه أن يخلفوها عنده، فتكون في كنفه وجواره إلى أن يقفلوا من ~~غزاتهم، فأبى ذلك عليهم وتعوذ بالله منهم ومن أختهم. قال فلم يزالوا به حتى ~~أطمعهم (1) فقال: أنزلوها في بيت حذاء صومعتي، فأنزلوها في ذلك البيت ثم ~~انطلقوا وتركوها، فمكثت في جوار ذلك العابد زمانا، ينزل إليها الطعام من # PageV18P039 # صومعته، فيضعه عند باب الصومعة، ثم يغلق بابه ويصعد في صومعته، ثم يأمرها ~~فتخرج من بيتها ms6139 فتأخذ ما وضع لها من الطعام. قال: فتلطف له الشيطان فلم يزل ~~يرغبه في الخير، ويعظم عليه خروج الجارية من بيتها نهارا، ويخوفه أن يراها ~~أحد فيعلقها. قال: فلبث بذلك زمانا، ثم جاءه إبليس فرغبه في الخير والاجر، ~~وقال له: لو كنت تمشي إليها بطعامها حتى تضعه في بيتها كان أعظم لاجرك، ~~قال: فلم يزل به حتى مشى إليها بطعامها فوضعه في بيتها قال: فلبثت بذلك ~~زمانا ثم جاءه إبليس فرغبه في الخير وحضه عليه، وقال: لو كنت تكلمها ~~وتحدثها فتأنس بحديثك، فإنها قد استوحشت وحشة شديدة. قال: فلم يزل به حتى ~~حدثها زمانا يطلع عليها من فوق صومعته. قال: ثم أتاه إبليس بعد ذلك فقال: ~~لو كنت تنزل إليها فتقعد على باب صومعتك وتحدثها وتقعد على باب بيتها ~~فتحدثك كان أنس لها. # فلم يزل به حتى أنزله وأجلسه على باب صومعته يحدثها، وتخرج الجارية من ~~بيتها، فلبثا زمانا يتحدثان، ثم جاءه إبليس فرغبه في الخير والثواب فيما ~~يصنع بها، وقال: لو خرجت من باب صومعتك فجلست قريبا من باب بيتها كان آنس ~~لها. فلم يزل به حتى فعل. قال: فلبثا زمانا، ثم جاءه إبليس فرغبه في الخير ~~وفيما له من حسن الثواب فيما يصنع بها، وقال له: لو دنوت من باب بيتها ~~فحدثتها ولم تخرج من بيتها، ففعل. فكان ينزل من صومعته فيقعد على باب بيتها ~~فيحدثها. فلبثا بذلك حينا ثم جاءه إبليس فقال: لو دخلت البيت معها تحدثها ~~ولم تتركها تبرز وجهها لاحد كان أحسن بك. فلم يزل به حتى دخل البيت، فجعل ~~يحدثها نهاره كله، فإذا أمسى صعد في صومعته. قال: ثم أتاه إبليس بعد ذلك، ~~فلم يزل يزينها له حتى ضرب العابد على فخذها وقبلها. فلم يزل به إبليس ~~يحسنها في عينه ويسول له حتى وقع عليها فأحبلها، فولدت له غلاما، فجاءه ~~إبليس فقال له: أرأيت أن جاء إخوة هذه الجارية وقد ولدت منك! كيف تصنع! لا ~~آمن عليك أن تفتضح أو يفضحوك! فاعمد إلى ابنها ms6140 فاذبحه وادفنه، فإنها ستكتم ~~عليك مخافة إخوتها أن يطلعوا على ما صنعت بها، ففعل. فقال له: أتراها تكتم ~~إخوتها ما صنعت بها وقتلت ابنها! خذها فاذبحها وادفنها مع ابنها. فلم يزل ~~به حتى ذبحها PageV18P040 # وألقاها في الحفيرة مع ابنها، وأطبق عليها صخرة عظيمة، وسوى عليها ~~التراب، وصعد في صومعته يتعبد فيها، فمكث بذلك ما شاء الله أن يمكث، حتى ~~قفل إخوتها من الغزو، فجاءوه فسألوه عنها فنعاها لهم وترحم عليها، وبكى لهم ~~وقال: كانت خير أمة، وهذا قبرها فانظروا إليه. فأتى إخوتها القبر فبكوا على ~~قبرها وترحموا عليها، وأقاموا على قبرها أياما ثم انصرفوا إلى أهاليهم. ~~فلما جن عليهم الليل وأخذوا مضاجعهم، أتاهم الشيطان في صورة رجل مسافر، ~~فبدأ بأكبرهم فسأله عن أختهم، فأخبره بقول العابد وموتها وترحمه عليها، ~~وكيف أراهم موضع قبرها، فكذبه الشيطان وقال: لم يصدقكم أمر أختكم، إنه قد ~~أحبل أختكم وولدت منه غلاما فذبحه وذبحها معه فزعا منكم، وألقاها في حفيرة ~~احتفرها خلف الباب الذي كانت فيه عن يمين من دخله. فانطلقوا فأدخلوا البيت ~~الذي كانت فيه عن يمين من دخله فإنكم ستجدونهما هنالك جميعا كما أخبرتكم. ~~قال: وأتى الأوسط في منامه وقال له مثل ذلك. ثم أتى أصغرهم فقال له مثل ~~ذلك. فلما استيقظ القوم استيقظوا متعجبين لما رأى كل واحد منهم. فأقبل ~~بعضهم على بعض، يقول كل واحد منهم: لقد رأيت عجبا، فأخبر بعضهم بعضا بما ~~رأى. قال أكبرهم: هذا حلم ليس بشئ، فامضوا بنا ودعوا هذا. قال أصغرهم: لا ~~أمضي حتى أتي ذلك المكان فأنظر فيه. قال: فانطلقوا جميعا حتى دخلوا البيت ~~الذي كانت فيه أختهم، ففتحوا الباب وبحثوا الموضع الذي وصف لهم في منامهم، ~~فوجدوا أختهم وابنها مذبوحين في الحفيرة كما قيل لهم، فسألوا العابد فصدق ~~قول إبليس فيما صنع بهما. فاستعدوا (1) عليه ملكهم، فأنزل من صومعته فقدموه ~~ليصلب، فلما أوقفوه على الخشبة أتاه الشيطان فقال له: قد علمت أني صاحبك ~~الذي فتنتك في المرأة حتى أحبلتها وذبحتها وذبحت ابنها، فإن أنت ms6141 أطعتني ~~اليوم وكفرت بالله الذي خلقك خلصتك مما أنت فيه. قال: فكفر العابد بالله، ~~فلما كفر خلى عنه الشيطان بينه وبين أصحابه فصلبوه. قال: ففيه نزلت هذه ~~الآية: " كمثل الشيطان إذ قال للانسان أكفر فلما كفر قال إني برئ منك إني ~~أخاف الله رب العالمين - إلى قوله - جزاء الظالمين. # PageV18P041 # قال ابن عباس: فضرب الله هذا مثلا للمنافقين مع اليهود. وذلك أن الله ~~تعالى أمر نبيه عليه السلام أن يجلي بنى النضير من المدينة، فدس إليهم ~~المنافقون ألا تخرجوا من دياركم، فإن قاتلوكم كنا معكم، وإن أخرجوكم كنا ~~معكم، فحاربوا النبي صلى الله عليه وسلم فخذلهم المنافقون، وتبرؤوا منهم ~~كما تبرأ الشيطان من برصيصا العابد. فكان الرهبان بعد ذلك لا يمشون إلا ~~بالتقية (1) والكتمان. وطمع أهل الفسوق والفجور في الأحبار فرموهم بالبهتان ~~والقبيح، حتى كان أم جريج الراهب، وبرأه الله فانبسطت بعده الرهبان وظهروا ~~للناس. وقيل: المعنى مثل المنافقين في غدرهم (2) لبني النضير كمثل إبليس إذ ~~قال لكفار قريش: " لا غالب لكم اليوم من الناس وإني (3) جار لكم " ~~[الأنفال: 48] الآية. وقال مجاهد المراد بالانسان ها هنا جميع الناس في ~~غرور الشيطان إياهم. ومعنى قول تعالى: " إذ قال للانسان أكفر " أي أغواه ~~حتى قال: # إني كافر. وليس قول الشيطان: " إني أخاف الله رب العالمين " حقيقة، إنما ~~هو على وجه التبرؤ من الانسان، فهو تأكيد لقوله تعالى: " إني برئ منك " ~~وفتح الياء من " إني " نافع وابن كثير وأبو عمرو. وأسكن الباقون. (فكان ~~عاقبتهما) أي عاقبة الشيطان وذلك الانسان (أنهما في النار خالدين فيها) نصب ~~على الحال. والتثنية ظاهرة فيمن جعل الآية مخصوصة في الراهب والشيطان. ومن ~~جعلها في الجنس فالمعنى: وكان عاقبة الفريقين أو الصنفين. ونصب " عاقبتهما ~~" على أنه خبر كان. والاسم " أنهما في النار " وقرأ الحسن " فكان عاقبتهما ~~" بالرفع على الضد من ذلك. وقرأ الأعمش " خالدان فيها " بالرفع وذلك خلاف ~~المرسوم. ورفعه على أنه خبر " أن " والظرف ملغي. # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا التقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد ~~واتقوا ms6142 الله إن الله خبير بما تعملون 18 # PageV18P042 # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله) في أوامره ونواهيه، وأداء ~~فرائضه واجتناب معاصيه. (ولتنظر نفس ما قدمت لغد) يعني يوم القيامة. والعرب ~~تكني عن المستقبل بالغد. وقيل: ذكر الغد تنبيها على أن الساعة قريبة، كما ~~قال الشاعر: # * وإن غدا للناظرين قريب (1) * وقال الحسن وقتادة: قرب الساعة حتى جعلها ~~كغد. ولا شك أن كل آت قريب، والموت لا محالة آت. ومعنى " ما قدمت " يعني من ~~خير أو شر. (واتقوا الله) أعاد هذا تكريرا، كقولك: أعجل أعجل، ارم ارم. ~~وقيل التقوى الأولى التوبة فيما مضى من الذنوب، والثانية اتقاء المعاصي في ~~المستقبل. (إن الله خبير بما تعملون) قال سعيد بن جبير: أي بما يكون منكم. ~~والله أعلم. # قوله تعالى: ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم ~~الفاسقون 19 قوله تعالى: (ولا تكونوا كالذين نسوا الله) أي تركوا أمره ~~فأنساهم أنفسهم) أن يعلموا لها خيرا، قاله ابن حبان. وقيل: نسوا حق الله ~~فأنساهم حق أنفسهم، قاله سفيان. وقيل: " نسوا الله " بترك شكره وتعظيمه. " ~~فأنساهم أنفسهم " بالعذاب أن يذكر بعضهم بعضا، حكاه ابن عيسى. وقال سهل بن ~~عبد الله: " نسوا الله " عند الذنوب " فأنساهم أنفسهم " عند التوبة. ونسب ~~تعالى الفعل إلى نفسه في " أنساهم " إذ كان ذلك بسبب أمره ونهيه الذي ~~تركوه. وقيل: معناه وجدهم تاركين أمره ونهيه، كقولك: # أحمدت الرجل إذا وجدته محمودا. وقيل: " نسوا الله " في الرخاء (فأنساهم ~~أنفسهم " في الشدائد. (أولئك هم الفاسقون) قال ابن جبير: العاصون. وقال ابن ~~زيد: الكاذبون. # وأصل الفسق الخروج، أي الذين خرجوا عن طاعة الله. # PageV18P043 # قوله تعالى: لا يستوى أصحاب النار وأصحب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون ~~20 قوله تعالى: (لا يستوى أصحاب النار وأصحاب الجنة) أي في الفضل والرتبة ~~(أصحاب الجنة هم الفائزون) أي المقربون المكرمون. وقيل: الناجون من النار. ~~وقد مضى الكلام في معنى هذه الآية في " المائدة " عند قوله تعالى: " قل لا ~~يستوي الخبيث والطيب " (1). [المائدة: 100] وفي سورة " السجدة " عند قوله ~~تعالى: ms6143 " أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون " (2) [السجدة: 18]. # وفي سورة " ص " " أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في ~~الأرض أم نجعل المتقين (3) كالفجار " [ص: 28] فلا معنى للإعادة، والحمد ~~لله. (4) قوله تعالى: لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خشعا متصدعا من ~~خشية الله وتلك الأمثل نضربها للناس لعلهم يتفكرون 21 قوله تعالى: (لو ~~أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا) حث على تأمل مواعظ القرآن وبين ~~أنه لا عذر في ترك التدبر، فإنه لو خوطب بهذا القرآن الجبال مع تركيب العقل ~~فيها لانقادت لمواعظه، ولرأيتها على صلابتها ورزانتها خاشعة متصدعة، أي ~~متشققة من خشية الله. والخاشع: الذليل. والمتصدع: المتشقق. وقيل: " خاشعا " ~~لله بما كلفه من طاعته. " متصدعا " من خيشة الله أن يعصيه فيعاقبه. وقيل: ~~هو على وجه المثل للكفار. # قوله تعالى: (وتلك الأمثال نضربها للناس) أي إنه لو أنزل هذا القرآن على ~~جبل لخشع لوعده وتصدع لوعيده وأنتم أيها المقهورون بإعجازه لا ترغبون في ~~وعده، ولا ترهبون من # PageV18P044 # وعيده وقيل: الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، أي لو أنزلنا هذا القرآن ~~يا محمد على جبل لما ثبت، وتصدع من نزوله عليه، وقد أنزلناه عليك وثبتناك ~~له، فيكون ذلك امتنانا عليه أن ثبته لما لا تثبت له الجبال. وقيل: إنه خطاب ~~للأمة، وأن الله تعالى لو أنذر بهذا القرآن الجبال لتصدعت من خشية الله. ~~والانسان أقل قوة وأكثر ثباتا، فهو يقوم بحقه إن أطاع، ويقدر على رده إن ~~عصى، لأنه موعود بالثواب، ومزجور بالعقاب. # قوله تعالى: هو الله الذي لا إله إلا هو علم الغيب والشهدة هو الرحمن ~~الرحيم 22 قوله تعالى: (هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة) ~~قال ابن عباس: # عالم السر والعلانية. وقيل: ما كان وما يكون. وقال سهل. عالم بالآخرة ~~والدنيا. وقيل: # " الغيب " ما لم يعلم العباد ولا عاينوه. " والشهادة " ما علموا وشاهدوا. ~~(هو الرحمن الرحيم) تقدم (1). # قوله تعالى: هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدس السلم المؤمن ~~المهيمن العزيز ms6144 الجبار المتكبر سبحن الله عما يشركون 23 قوله تعالى: (هو ~~الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس) أي المنزه عن كل نقص، والطاهر عن كل ~~عيب. والقدس (بالتحريك): السطل بلغة أهل الحجاز، لأنه يتطهر به. ومنه ~~القادوس لواحد الأواني التي يستخرج بها الماء من البئر بالسانية (2). وكان ~~سيبويه يقول: قدوس وسبوح، بفتح أولهما. وحكى أبو حاتم عن يعقوب أنه سمع عند ~~الكسائي أعرابيا فصيحا يكني أبا الدينار يقرأ " القدوس " بفتح القاف. قال ~~ثعلب: كل اسم على # PageV18P045 # فعول فهو مفتوح الأول، مثل سفود (1) وكلوب وتنور وسمور وشبوط، إلا السبوح ~~والقدوس فإن الضم فيهما أكثر، وقد يفتحان. وكذلك الذروح (2) (بالضم) وقد ~~يفتح. (السلام) أي ذو السلامة من النقائص. وقال ابن العربي: اتفق العلماء ~~رحمة الله عليهم على أن معنى قولنا في الله " السلام ": النسبة، تقديره ذو ~~السلامة. ثم اختلفوا في ترجمة النسبة على ثلاثة أقوال: الأول: معناه الذي ~~سلم من كل عيب وبرئ من كل نقص. الثاني: معناه ذو السلام، أي المسلم على ~~عباده في الجنة، كما قال: " سلام قولا من رب رحيم " [يس: 58]. الثالث: # أن معناه الذي سلم الخلق من ظلمه. # قلت: وهذا قول الخطابي، وعليه والذي قبله يكون صفة فعل. وعلى أنه البرئ ~~من العيوب والنقائص يكون صفة ذات. وقيل: السلام معناه المسلم لعباده. ~~المؤمن) أي المصدق لرسله بإظهار معجزاته عليهم ومصدق المؤمنين ما وعدهم به ~~من الثواب ومصدق الكافرين ما أوعدهم من العقاب. وقيل: المؤمن الذي يؤمن ~~أولياءه من عذابه ويؤمن عباده من ظلمه، يقال: آمنه من الأمان الذي هو ضد ~~الخوف، كما قال تعالى: # " وآمنهم من خوف " (3) [قريش: 4] فهو مؤمن، قال النابغة: # والمؤمن العائذات الطير يمسحها * ركبان مكة بين الغيل والسند (4) وقال ~~مجاهد: المؤمن الذي وحد نفسه بقول: " شهد الله أنه لا إله إلا هو " (5) [آل ~~عمران: 18]. وقال ابن عباس: إذا كان يوم القيامة أخرج أهل التوحيد من ~~النار. وأول من يخرج من وافق اسمه اسم نبي، حتى إذا لم يبق فيها من يوافق ~~اسمه اسم نبي ms6145 قال الله تعالى لباقيهم: أنتم # PageV18P046 # المسلمون وأنا السلام، وأنتم المؤمنون وأنا المؤمن، فيخرجهم من النار ~~ببركة هذين الاسمين. # (المهيمن العزيز) تقدم الكلام في المهيمن في " المائدة " (1) وفى " ~~العزيز " في غير موضع (2)، (الجبار) قال ابن عباس: هو العظيم. وجبروت الله ~~عظمته. وهو على هذا القول صفة ذات، من قولهم: نخلة جبارة. قال امرؤ القيس: # سوامق جبار أثيث فروعه * وعالين قنوانا من البسر أحمرا (3) يعني النخلة ~~التي فاتت اليد. فكان هذا الاسم يدل على عظمة الله وتقديسه عن أن تناله ~~النقائص وصفات الحدث. وقيل: هو من الجبر وهو الاصلاح، يقال: جبرت العظم ~~فجبر، إذا أصلحته بعد الكسر، فهو فعال من جبر إذا أصلح الكسير وأغنى ~~الفقير. # وقال الفراء: هو من أجبره على الامر أي قهره. قال: ولم أسمع فعالا من ~~أفعل إلا في جبار ودراك من أدرك. وقيل: الجبار الذي لا تطاق سطوته. ~~(المتكبر) الذي تكبر بربوبيته فلا شئ مثله. وقيل: المتكبر عن كل سوء ~~المتعظم عما لا يليق به من صفات الحدث والذم. وأصل الكبر والكبرياء ~~الامتناع وقلة الانقياد. وقال حميد بن ثور: # عفت مئل ما يعفو الفصيل فأصبحت * بها كبرياء الصعب وهي ذلول والكبرياء في ~~صفات الله مدح، وفي صفات المخلوقين ذم. وفي الصحيح عن أبي هريرة أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى أنه قال: # (الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني في واحد منهما قصمته ثم قذفته ~~في النار). # وقيل: المتكبر معناه العالي. وقيل: معناه الكبير لأنه أجل من أن يتكلف ~~كبرا. وقد يقال: تظلم بمعنى ظلم، وتشتم بمعنى شتم، واستقر بمعنى قر. كذلك ~~المتكبر بمعنى الكبير. وليس كما يوصف به المخلوق إذا وصف بتفعل إذا نسب إلى ~~ما لم يكن منه. ثم نزه نفسه فقال: # (سبحان الله) أي تنزيها لجلالته وعظمته " عما يشركون ". # PageV18P047 # قوله تعالى: هو الله الخلق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما ~~في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم 24 قوله تعالى: (هو الله الخالق ~~البارئ المصور) " الخالق ms6146 " هنا المقدر. و " البارئ " المنشئ المخترع. و " ~~المصور " مصور الصور ومركبها على هيئات مختلفه. فالتصوير مرتب على الخلق ~~والبراية (1) وتابع لهما. ومعنى التصوير التخطيط والتشكيل. وخلق الله ~~الانسان في أرحام الأمهات ثلاث خلق: جعله علقة، ثم مضغة، ثم جعله صورة وهو ~~التشكيل الذي يكون به صورة وهيئة يعرف بها ويتميز عن غيره بسمتها. فتبارك ~~الله أحسن الخالقين. # وقال النابغة: # الخالق البارئ المصور في ال‍ * أرحام ماء حتى يصير دما وقد جعل بعض الناس ~~الخلق بمعنى التصوير، وليس كذلك، وإنما التصوير آخرا والتقدير أولا ~~والبراية بينهما. ومنه قول الحق: " وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير " (2) ~~[المائدة: 110]. # وقال زهير: # ولأنت تفري ما خلقت وبعض * القوم يخلق ثم لا يفري يقول: تقدم ما تقدر ثم ~~تفريه، أي تمضيه على وفق تقديرك، وغيرك يقدر ما لا يتم له ولا يقع فيه ~~مراده، إما لقصوره في تصور تقديره أو لعجزه عن تمام مراده. وقد أتينا على ~~هذا كله في " الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى " والحمد لله. وعن ~~حاطب ابن أبي بلتعة أنه قرأ " البارئ المصور " بفتح الواو ونصب الراء، أي ~~الذي يبرأ المصور، أي يميز ما يصوره بتفاوت الهيئات. ذكره الزمخشري. (له ~~الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم) تقدم ~~الكلام فيه (3). وعن أبي هريرة قال: # سألت خليلي أبا القاسم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اسم الله الأعظم ~~فقال: (يا أبا هريرة، # PageV18P048 # عليك بآخر سورة الحشر فأكثر قراءتها) فأعدت عليه فأعاد علي، فأعدت عليه ~~فأعاد علي. وقال جابر بن زيد: إن اسم الله الأعظم هو الله لمكان هذه الآية ~~وعن أنس بن مالك: # أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من قرأ سورة الحشر غفر الله له ما ~~تقدم من ذنبه وما تأخر). وعن أبي أمامة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~(من قرأ خواتيم سورة الحشر في ليل أو نهار فقبضه الله في تلك الليلة أو ذلك ~~اليوم فقد أوجب الله له الجنة). # سورة ms6147 الممتحنة مدنية في قول الجميع، وهي ثلاث عشرة آية الممتحنة (بكسر ~~الحاء) أي المختبرة، أضيف الفعل إليها مجازا، كما سميت سورة " براءة " ~~المبعثرة والفاضحة، لما كشفت من عيوب المنافقين. ومن قال في هذه السورة: ~~الممتحنة (بفتح الحاء) فإنه أضافها إلى المرأة التي نزلت فيها، وهي أم ~~كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، قال الله تعالى: " فامتحنوهن الله أعلم ~~بإيمانهن " [الممتحنة: 10] الآية (1). وهي امرأة عبد الرحمن بن عوف، ولدت ~~له إبراهيم بن عبد الرحمن. # بسم الله الرحمن الرحيم يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوى وعدوكم ~~أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول ~~وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهدا في سبيلي وابتغاء مرضاتي ~~تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ~~ضل سواء السبيل 1 # PageV18P049 # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء) عدى ~~اتخذ إلى مفعولين وهما " عدوكم أولياء ". والعدو فعول من عدا، كعفو من عفا. ~~ولكونه على زنة المصدر أوقع على الجماعة إيقاعه على الواحد. وفى هذه الآية ~~سبع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوى وعدوكم) روى ~~الأئمة - واللفظ لمسلم - عن علي رضي الله عنه قال: بعثنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أنا والزبير والمقداد فقال: (ائتوا روضة خاخ (1) فإن بها ~~ظعينة (2) معها كتاب فخذوه منها) فانطلقنا تعادى (3) بنا خيلنا، فإذا نحن ~~بالمرأة، فقلنا: أخرجي الكتاب، فقالت: ما معي كتاب. فقلنا: # لتخرجن الكتاب أو لتلقين الثياب، فأخرجته من عقاصها. فأتينا به رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة... إلى ناس من المشركين ~~من أهل مكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # (يا حاطب ما هذا؟ قال لا تعجل علي يا رسول الله، إني كنت امرأ ملصقا في ~~قريش قال سفيان: كان حليفا لهم، ولم يكن من أنفسها وكان ممن كان معك ms6148 من ~~المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم ~~أن اتخذ فيهم يدا يحمون بها قرابتي، ولم أفعله كفرا ولا ارتدادا عن ديني، ~~ولا رضا بالكفر بعد الاسلام. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (صدق). فقال ~~عمر: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق. # فقال: (إنه قد شهد بدرا وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ~~ما شئتم فقد غفرت لكم) فأنزل الله عز وجل: " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا ~~عدوي وعدوكم أولياء ". # قيل: اسم المرأة سارة من موالي قريش. وكان في الكتاب: " أما بعد، فإن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه إليكم بجيش كالليل يسير كالسيل، ~~وأقسم بالله لو لم يسر إليكم إلا وحده لأظفره الله بكم، وأنجز له موعده ~~فيكم، فإن الله وليه وناصره. ذكره بعض المفسرين. # PageV18P050 # وذكر القشيري والثعلبي: أن حاطب بن أبي بلتعة كان رجلا من أهل اليمن، ~~وكان له حلف بمكة في بني أسد بن عبد العزى رهط الزبير بن العوام. وقيل: كان ~~حليفا للزبير بن العوام، فقدمت من مكة سارة مولاة أبي عمرو بن صيفي بن هشام ~~بن عبد مناف إلى المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتجهز لفتح مكة. ~~وقيل: كان هذا في زمن الحديبية، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~(أمهاجرة جئت يا سارة). فقالت لا. قال: (أمسلمة جئت) قالت لا. قال: (فما ~~جاء بك) قالت: كنتم الأهل والموالي والأصل والعشيرة، وقد ذهب الموالي - ~~تعني قتلوا يوم بدر - وقد احتجت حاجة شديدة فقدمت عليكم لتعطوني وتكسوني، ~~فقال عليه الصلاة والسلام: (فأين أنت عن شباب أهل مكة) وكانت مغنية، قالت: ~~ما طلب مني شئ بعد وقعة بدر. فحث رسول الله صلى الله عليه وسلم بني عبد ~~المطلب وبني المطلب على إعطائها، فكسوها وأعطوها وحملوها فخرجت إلى مكة، ~~وأتاها حاطب فقال: أعطيك عشرة دنانير وبردا على أن تبلغي هذا الكتاب إلى ~~أهل مكة. وكتب في الكتاب: أن رسول الله ms6149 صلى الله عليه وسلم يريدكم فخذوا ~~حذركم. فخرجت سارة، ونزل جبريل فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فبعث ~~عليا والزبير وأبا مرثد الغنوي. # وفي رواية: عليا والزبير والمقداد. وفي رواية: أرسل عليا وعمار بن ياسر. ~~وفي رواية: عليا وعمار ا وعمر والزبير وطلحة والمقداد وأبا مرثد - وكانوا ~~كلهم فرسانا - وقال لهم: (انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة ومعها ~~كتاب من حاطب إلى المشركين فخذوه منها وخلوا سبيلها فان لم تدفعه لكم ~~فأضربوا عنقها) فأدركوها في ذلك المكان، فقالوا لها: أين الكتاب؟ فحلفت ما ~~معها كتاب، ففتشوا أمتعتها فلم يجدوا معها كتابا، فهموا بالرجوع فقال علي: ~~والله ما كذبنا ولا كذبنا! وسل سيفه وقال: أخرجي الكتاب وإلا والله لأجردنك ~~ولأضربن عنقك، فلما رأت الجد أخرجته من ذؤابتها - وفي رواية من حجزتها (1) ~~- فخلوا سبيلها ورجحوا بالكتاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأرسل ~~إلى حاطب فقال: # PageV18P051 # (هل تعرف الكتاب؟) قال نعم. وذكر الحديث بنحو ما تقدم. وروي أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أمن جميع الناس يوم الفتح إلا أربعة هي أحدهم. # الثانية - السورة أصل في النهي عن مولاة الكفار. وقد مضى ذلك في غير موضع ~~(1). # من ذلك قوله تعالى: " لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ~~" [آل عمران 28]. " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم " [آل ~~عمران: 118]. " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء " ~~[المائدة: 51]. ومثله كثير. وذكر أن حاطبا لما سمع " يا أيها الذين آمنوا " ~~غشي عليه من الفرح بخطاب الايمان. # الثالثة - قوله تعالى: (تلقون إليهم بالمودة) يعني بالظاهر، لان قلب حاطب ~~كان سليما، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: (أما صاحبكم فقد ~~صدق) وهذا نص في سلامة فؤاده وخلوص اعتقاده. والباء في " بالمودة " زائدة، ~~كما تقول: قرأت السورة وقرأت بالسورة، ورميت إليه ما في نفسي وبما في نفسي. ~~ويجوز أن تكون ثابتة على أن مفعول " تلقون " محذوف، معناه تلقون إليهم ~~أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم ms6150 بسبب المودة التي بينكم وبينهم. وكذلك ~~" تسرون إليهم بالمودة " أي بسبب المودة. # وقال الفراء: " تلقون إليهم بالمودة " من صلة " أولياء " ودخول الباء في ~~المودة وخروجها سواء. ويجوز أن تتعلق ب " لا تتخذوا " حالا من ضميره. وب‍ " ~~أولياء " صفة له، ويجوز أن تكون استئنافا. ومعنى " تلقون إليهم بالمودة " ~~تخبرونهم بسرائر المسلمين وتنصحون لهم، وقاله الزجاج. # الرابعة: من كثر تطلعه على عورات المسلمين وينبه عليهم ويعرف عدوهم ~~بأخبارهم لم يكن بذلك كافرا إذا كان فعله لغرض دنيوي واعتقاده على ذلك ~~سليم، كما فعل حاطب حين قصد بذلك اتخاذ اليد ولم ينو الردة عن الدين. # PageV18P052 # الخامسة - إذا قلنا لا يكون بذلك كافرا فهل يقتل بذلك حدا أم لا؟ اختلف ~~الناس فيه، فقال مالك وابن القاسم وأشهب: يجتهد في ذلك الامام. وقال عبد ~~الملك: # إذا كانت عادته تلك قتل، لأنه جاسوس، وقد قال مالك بقتل الجاسوس - وهو ~~صحيح لاضراره بالمسلمين وسعيه بالفساد في الأرض. ولعل ابن الماجشون إنما ~~اتخذ التكرار في هذا لان حاطبا أخذ في أول فعله. والله أعلم. # السادسة - فإن كان الجاسوس كافرا فقال الأوزاعي: يكون نقضا لعهده وقال ~~أصبغ: الجاسوس الربي يقتل، والجاسوس المسلم والذمي يعاقبان إلا إن تظاهرا ~~على الاسلام فيقتلان. وقد روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أتى بعين للمشركين اسمه فرات بن حيان، فأمر به أن يقتل، ~~فصاح: يا معشر الأنصار، أقتل وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول ~~الله! فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم فخلى سبيله. ثم قال: (إن منكم من ~~أكله إلى إيمانه منهم فرات بن حيان). وقوله: " وقد كفروا " حال، إما من " ~~لا تتخذوا " وإما من " تلقون " أي لا تتولوهم أو توادوهم، وهذه حالهم. وقرأ ~~الجحدري " لما جاءكم " أي كفروا لأجل ما جاءكم من الحق. # السابعة - قوله تعالى: " يخرجون الرسول " استئناف كلام كالتفسير لكفرهم ~~وعتوهم، أوحال من " كفروا ". " وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم " تعليل ل‍ " ~~يخرجون " المعنى يخرجون الرسول ويخرجونكم من ms6151 مكة لان تؤمنوا بالله أي لأجل ~~إيمانكم بالله. قال ابن عباس: وكان حاطب ممن أخرج مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير لا تتخذوا عدوي وعدوكم ~~أولياء إن كنتم خرجتم مجاهدين في سبيلي. # وقيل: في الكلام حذف، والمعنى إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء ~~مرضاتي، فلا تلقوا إليهم بالمودة. وقيل: " إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي ~~وابتغاء مرضاتي " شرط وجوابه مقدم. والمعنى إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي ~~فلا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء. ونصب " جهادا " و " ابتغاء " لأنه مفعول ~~له. وقوله: تسرون إليهم بالمودة " بدل من PageV18P053 # " تلقون " ومبين عنه. والافعال تبدل من الافعال، كما قال تعالى: " ومن ~~يفعل ذلك يلق أثاما. يضاعف له العذاب (1) " [الفرقان: 68 - 69]. وأنشد ~~سيبويه: # متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا * تجد حطبا جزلا ونارا تأججا وقيل: هو على ~~تقدير أنتم تسرون إليهم بالمودة، فيكون استئنافا. وهذا كله معاتبة لحاطب. ~~وهو يدل على فضله وكرامته ونصيحته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وصدق ~~إيمانه، فإن المعاتبة لا تكون إلا من محب لحبيبه (2). كما قال: # أعاتب ذا المودة من صديق * إذا ما رابني منه اجتناب إذا ذهب العتاب فليس ~~ود * ويبقى الود ما بقي العتاب ومعنى " بالمودة " أي بالنصيحة في الكتاب ~~إليهم. والباء زائدة كما ذكرنا، أو ثابتة غير زائدة. # قوله تعالى: (وأنا أعلم بما أخفيتم) أضمرتم " وما أعلنتم " أظهرتم. ~~والباء في " بما " زائدة، يقال: علمت كذا وعلمت بكذا. وقيل: وأنا اعلم من ~~كل أحد بما تخفون وما تعلنون، فحذف من كل أحد. كما يقال فلان اعلم وأفضل من ~~غيره. وقال ابن عباس: وأنا اعلم بما أخفيتم في صدوركم، وما أظهرتم بألسنتكم ~~من الاقرار والتوحيد. # (ومن يفعله منكم) أي من يسر إليهم ويكاتبهم منكم (فقد ضل سواء السبيل) أي ~~أخطأ قصد الطريق. # قوله تعالى: إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم ~~بالسوء وودوا لو تكفرون 2 قوله تعالى: (إن يثقفوكم) يلقوكم ويصادفوكم، ومنه ~~المثاقفة، أي طلب مصادفة الغرة في المسايفة ms6152 وشبهها. وقيل: " يثقفوكم " ~~يظفروا بكم ويتمكنوا منكم (يكونوا لكم # PageV18P054 # أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء) أي أيديهم بالضرب والقتل، ~~وألسنتهم بالشتم. (وودوا لو تكفرون) بمحمد، فلا تناصحوهم فإنهم لا ~~يناصحونكم. # قوله تعالى: لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيمة يفصل بينكم والله ~~بما تعملون بصير 3 قوله تعالى: (لن تنفعكم أرحامكم) لما اعتذر حاطب بأن له ~~أولادا وأرحاما فيما بينهم، بين الرب عز وجل أن الأهل والأولاد لا ينفعون ~~شيئا يوم القيامة إن عصي من أجل ذلك. (يفصل بينكم) فيدخل المؤمنين الجنة ~~ويدخل الكافرين النار. وفي " يفصل " قراءات سبع: قرأ عاصم " يفصل " بفتح ~~الياء وكسر الصاد مخففا. وقرأ حمزة والكسائي مشددا إلا أنه على ما لم يسم ~~فاعله. وقرأ طلحة والنخعي بالنون وكسر الصاد مشددة. وروي عن علقمة كذلك ~~بالنون مخففة. وقرأ قتادة وأبو حياة " يفصل " بضم الياء وكسر الصاد مخففة ~~من أفصل. وقرأ الباقون " يفصل " بياء مضمومة وتخفيف الفاء وفتح الصاد على ~~الفعل المجهول، واختاره أبو عبيد. فمن خفف فلقوله: " وهو خير الفاصلين " ~~(1) [الانعام: 57] وقوله: # " إن يوم الفصل " (2) [الدخان: 40]. ومن شدد فلان ذلك أبين في الفعل ~~الكثير المكرر المتردد. ومن أتى به على ما لم يسم فاعله فلان الفاعل معروف. ~~ومن أتى به مسمى الفاعل رد الضمير إلى الله تعالى. ومن قرأ بالنون فعلى ~~التعظيم. (والله بما تعملون بصير). # قوله تعالى: قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا ~~لقومهم إنا برءاء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا ~~وبينكم العدوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله # PageV18P055 # وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شئ ربنا ~~عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير 4 ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا ~~واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم 5 قوله تعالى: (قد كانت لكم أسوة ~~حسنة في إبراهيم) لما نهى عز وجل عن مولاة الكفار ذكر قصة إبراهيم عليه ~~السلام، وأن من سيرته التبرؤ من الكفار، أي فاقتدوا به وأتموا، ms6153 إلا في ~~استغفاره لأبيه. والأسوة والأسوة ما يتأسى به، مثل القدوة والقدوة. ويقال: # هو إسوتك، أي مثلك وأنت مثله. وقرأ عاصم " أسوة " بضم الهمزة لغتان. ~~(والذين معه) يعني أصحاب إبراهيم من المؤمنين. وقال ابن زيد: هم الأنبياء ~~(إذ قالوا لقومهم) الكفار (إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله) أي ~~الأصنام. وبرءاء جمع برئ، مثل شريك وشركاء، وظريف وظرفاء. وقراءة العامة ~~على وزن فعلاء. وقرأ عيسى بن عمر وابن أبي إسحاق " براء " بكسر الباء على ~~وزن فعال، مثل قصير وقصار، وطويل وطوال، وظريف وظراف. ويجوز ترك الهمزة حتى ~~تقول: برا، وتنون. وقرئ " براء " على الوصف بالمصدر. وقرئ " براء " على ~~إبدال الضم من الكسر، كرخال ورباب (1). والآية نص في الامر بالاقتداء ~~بإبراهيم عليه السلام في فعله. وذلك يصحح أن شرع من قبلنا شرع لنا فيما ~~أخبر الله ورسوله. (كفرنا بكم) أي بما آمنتم به من الأوثان. وقيل: أي ~~بأفعالكم وكذبناها وأنكرنا أن تكونوا على حق. (وبدا بيننا وبينكم العداوة ~~والبغضاء أبدا) أي هذا دأبنا معكم ما دمتم على كفركم (حتى تؤمنوا بالله ~~وحده) فحينئذ تنقلب المعاداة موالاة (إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك) ~~فلا تتأسوا به في الاستغفار فتستغفرون للمشركين، فإنه كان عن # PageV18P056 # موعدة منه له قاله قتادة ومجاهد وغيرهما. وقيل: معنى الاستثناء أن ~~إبراهيم هجر قومه وباعدهم إلا في الاستغفار لأبيه، ثم بين عذره في سورة " ~~التوبة " (1). # وفى هذا دلالة على تفضيل نبينا عليه الصلاة والسلام على سائر الأنبياء، ~~لأنا حين أمرنا بالاقتداء به أمرنا أمرا مطلقا في قوله تعالى: " وما آتاكم ~~الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا (2) " [الحشر: 7] وحين أمرنا بالاقتداء ~~بإبراهيم عليه السلام استثنى بعض أفعاله. وقيل: هو استثناء منقطع، أي لكن ~~قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك، إنما جرى لأنه ظن أنه أسلم، فلما بان له ~~أنه لم يسلم تبرأ منه. وعلى هذا يجوز الاستغفار لمن يظن أنه أسلم، وأنتم لم ~~تجدوا مثل هذا الظن، فلم توالوهم. (وما أملك لك من الله من شئ) هذا من قول ~~إبراهيم ms6154 عليه السلام لأبيه، أي ما أدفع عنك من عذاب الله شيئا إن أشركت به. ~~(ربنا عليك توكلنا) هذا من دعاء إبراهيم عليه السلام وأصحابه. وقيل: علم ~~المؤمنين أن يقولوا هذا. أي تبرءوا من الكفار وتوكلوا على الله وقولوا: " ~~ربنا عليك توكلنا " أي اعتمدنا (وإليك أنبنا) أي رجعنا (وإليك المصير) لك ~~الرجوع في الآخرة (ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا) أي لا تظهر عدونا ~~علينا فيظنوا أنهم على حق فيفتتنوا بذلك. وقيل: لا تسلطهم علينا فيفتنونا ~~ويعذبونا. (واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم). # قوله تعالى: لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر ~~ومن يتول فإن الله هو الغنى الحميد 6 عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين ~~عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم 7 قوله تعالى: (لقد كان لكم ~~فيهم) أي في إبراهيم ومن معه من الأنبياء والأولياء. # (أسوة حسنة) أي في التبرؤ من الكفار. وقيل: كرر للتأكيد. وقيل: نزل ~~الثاني بعد # PageV18P057 # الأول بمدة، وما أكثر المكررات في القرآن على هذا الوجه. (ومن يتول) أي ~~عن الاسلام وقبول هذه المواعظ (فإن الله هو الغنى) أي لم يتعبدهم لحاجته ~~إليهم. (الحميد) في نفسه وصفاته. ولما نزلت عادى المسلمون أقرباءهم من ~~المشركين فعلم الله شدة وجد المسلمين في ذلك فنزلت: (عسى الله أن يجعل ~~بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة) وهذا بأن يسلم الكافر. وقد أسلم قوم ~~منهم بعد فتح مكة وخالطهم المسلمون، كأبي سفيان ابن حرب، والحارث بن هشام، ~~وسهيل بن عمرو، وحكيم بن حزام. وقيل: المودة تزويج النبي صلى الله عليه ~~وسلم أم حبيبة بنت أبي سفيان، فلانت عند ذلك (1) عريكة أبي سفيان، واسترخت ~~شكيمته في العداوة. قال ابن عباس: كانت المودة بعد الفتح تزويج النبي صلى ~~الله عليه وسلم أم حبيبة بنت أبي سفيان، وكانت تحت عبد الله بن جحش، وكانت ~~هي وزوجها من مهاجرة الحبشة. فأما زوجها فتنصر وسألها أن تتابعه على دينه ~~فأبت وصبرت على دينها، ومات زوجها على النصرانية. ms6155 فبعث النبي صلى الله عليه ~~وسلم إلى النجاشي فخطبها، فقال النجاشي لأصحابه: من أولاكم بها؟ قالوا: ~~خالد بن سعيد بن العاص. # قال فزوجها من نبيكم. ففعل، وأمهرها النجاشي من عنده أربعمائة دينار. ~~وقيل: خطبها النبي صلى الله عليه وسلم إلى عثمان بن عفان، فلما زوجه إياها ~~بعث إلى النجاشي فيها، فساق عنه المهر وبعث بها إليه. فقال أبو سفيان وهو ~~مشرك لما بلغه تزويج النبي صلى الله عليه وسلم ابنته: ذلك الفحل لا يقدع ~~أنفه. " يقدع " بالدال غير المعجمة، يقال: هذا فحل لا يقدع أنفه، أي لا ~~يضرب أنفه. وذلك إذا كان كريما. # قوله تعالى: لا ينهكم الله عن الذين لم يقتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من ~~دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين 8 # PageV18P058 # قوله تعالى: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين) فيه ثلاث ~~مسائل: # الأولى - هذه الآية رخصة من الله تعالى في صلة الذين لم يعادوا المؤمنين ~~ولم يقاتلوهم. # قال ابن زيد: كان هذا في أول الاسلام عند الموادعة وترك الامر بالقتال ثم ~~نسخ. قال قتادة: نسختها " فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم " (1) [التوبة: ~~5]. وقيل: كان هذا الحكم لعلة وهو الصلح، فلما زال الصلح بفتح مكة نسخ ~~الحكم وبقي الرسم يتلى. وقيل: هي مخصوصة في حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم ~~ومن بينه وبينه عهد لم ينقضه، قاله الحسن. الكلبي: هم خزاعة وبنو الحارث بن ~~عبد مناف. وقاله أبو صالح، وقال: هم خزاعة. وقال مجاهد: # هي مخصوصة في الذين آمنوا ولم يهاجروا. وقيل: يعني به النساء والصبيان ~~لأنهم ممن لا يقاتل، فأذن الله في برهم. حكاه بعض المفسرين. وقال أكثر أهل ~~التأويل: هي محكمة. واحتجوا بأن أسماء بنت أبي بكر سألت النبي صلى الله ~~عليه وسلم: هل تصل أمها حين قدمت عليها مشركة؟ قال: (نعم) خرجه البخاري ~~ومسلم. وقيل: إن الآية فيها نزلت. روى عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه: ~~أن أبا بكر الصديق طلق امرأته قتيلة في الجاهلية، وهي أم أسماء بنت ms6156 أبي ~~بكر، فقدمت عليهم في المدة التي كانت فيها المهادنة بين رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وبين كفار قريش، فأهدت، إلى أسماء بنت أبي بكر الصديق قرطا ~~وأشياء، فكرهت أن تقبل منها حتى أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ~~ذلك له، فأنزل الله تعالى: " لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ~~". ذكر هذا الخبر الماوردي وغيره، وخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده. # الثانية - قوله تعالى: (أن تبروهم) " أن " في موضع خفض على البدل من " ~~الذين "، أي لا ينهاكم الله عن أن تبروا الذين لم يقاتلوكم. وهم خزاعة، ~~صالحوا النبي صلى الله عليه وسلم على ألا يقاتلوه ولا يعينوا عليه أحدا، ~~فأمر ببرهم والوفاء لهم إلى أجلهم، حكاه الفراء. (وتقسطوا إليهم) أي تعطوهم ~~قسطا من أموالكم على وجه الصلة. وليس يريد به من العدل، فإن العدل واجب ~~فيمن قاتل وفيمن لم يقاتل، قاله ابن العربي. # PageV18P059 # الثالثة - قال القاضي أبو بكر في كتاب الأحكام له: " استدل به بعض من ~~تعقد عليه الخناصر على وجوب نفقة الابن المسلم على أبيه الكافر. وهذه وهلة ~~(1) عظيمة، إذ الاذن في الشئ أو ترك النهى عنه لا يدل على وجوبه، وإنما ~~يعطيك الإباحة خاصة. وقد بينا أن إسماعيل بن إسحاق القاضي دخل عليه ذمي ~~فأكرمه، فأخذ عليه الحاضرون في ذلك، فتلا هذه الآية عليهم ". # قوله تعالى: إنما ينهكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من ~~دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون 9 ~~قوله تعالى: (إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين) أي جاهدوكم على ~~الدين (وأخرجوكم من دياركم) وهم عتاة أهل مكة. (وظاهروا) أي عاونوا على ~~إخراجكم وهم مشركو أهل مكة (أن تولوهم) " أن " في موضع جر على البدل على ما ~~تقدم في " أن تبروهم ". (ومن يتولهم) أي يتخذهم أولياء وأنصارا وأحبابا ~~(فأولئك هم الظالمون). # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن ~~الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى ms6157 الكفار لا هن حل ~~لهم ولا هم يحلون لهن وآتوهم ما أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا ~~آتيتموهن أجورهن ولا تمسكوا بعصم الكوافر وسئلوا ما أنفقتم وليسئلوا ما ~~أنفقوا ذلكم حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم 10 # PageV18P060 # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن) ~~فيه ست عشرة مسألة: # الأولى - قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات) لما أمر ~~المسلمين بترك مولاة المشركين اقتضى ذلك مهاجرة المسلمين عن بلاد الشرك إلى ~~بلاد الاسلام، وكان التناكح من أوكد أسباب الموالاة، فبين أحكام مهاجرة ~~النساء. قال ابن عباس: جرى الصلح مع مشركي قريش عام الحديبية، على أن من ~~أتاه من أهل مكة رده إليهم، فجاءت سعيدة (1) بنت الحارث الأسلمية بعد ~~الفراغ من الكتاب، والنبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية بعد، فأقبل زوجها ~~وكان كافرا - وهو صيفي بن الراهب. وقيل: مسافر المخزومي - فقال: # يا محمد، أردد علي امرأتي فإنك شرطت ذلك! وهذه طينة الكتاب لم تجف بعد، ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقيل: جاءت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، ~~فجاء أهلها يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يردها. وقيل: هربت من ~~زوجها عمرو بن العاص ومعها أخواها عمارة والوليد، فرد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أخويها وحبسها، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم، ردها علينا ~~للشرط، فقال صلى الله عليه وسلم: (كان الشرط في الرجال لا في النساء) فأنزل ~~الله تعالى هذه الآية. وعن عروة قال: كان مما اشترط سهيل بن عمرو على النبي ~~صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية: ألا يأتيك منا أحد وإن كان على دينك إلا ~~رددته إلينا، حتى أنزل الله تعالى في المؤمنات ما أنزل، يومئ إلى أن الشرط ~~في رد النساء نسخ بذلك. # وقيل إن التي جاءت أميمة بنت بشر، كانت عند ثابت بن الشمراخ ففرت منه وهو ~~يومئذ كافر، فتزوجها سهل بن حنيف فولدت له عبد الله، قاله زيد بن حبيب. كذا ~~قال الماوردي: أميمة ms6158 بنت بشر كانت عند ثابت بن الشمراخ. وقال المهدوي: وروى ~~ابن وهب عن خالد أن هذه الآية نزلت في أميمة بنت بشر من بني عمرو بن عوف. ~~وهي امرأة حسان بن الدحداح، وتزوجها بعد هجرتها سهل بن حنيف. وقال مقاتل: ~~إنها سعيدة (1) زوجة صيفي بن الراهب مشرك من أهل مكة. والأكثر من أهل العلم ~~أنها أم كلثوم بنت عقبة. # PageV18P061 # الثانية - واختلف أهل العلم هل دخل النساء في عقد المهادنة لفظا أو ~~عموما، فقالت طائفة منهم: قد كان شرط ردهن في عقد المهادنة لفظا صريحا فنسخ ~~الله ردهن من العقد ومنع منه، وبقاه في الرجال على ما كان. وهذا يدل على أن ~~للنبي صلى الله عليه وسلم أن يجتهد رأيه (1) في الاحكام، ولكن لا يقره الله ~~على خطأ. وقالت طائفة من أهل العلم: لم يشترط ردهن في العقد لفظا، وإنما ~~أطلق العقد في رد من أسلم، فكان ظاهر العموم اشتماله عليهن مع الرجال. فبين ~~الله تعالى خروجهن عن عمومه. وفرق بينهن وبين الرجال لامرين: أحدهما: أنهن ~~ذوات فروج يحرمن عليهم. الثاني - أنهن أرق قلوبا وأسرع تقلبا منهم. فأما ~~المقيمة منهن على شركها فمردودة عليهم. # الثالثة - قوله تعالى: (فامتحنوهن) قيل: إنه كان من أرادت منهن إضرار ~~زوجها فقالت: سأهاجر إلى محمد صلى الله عليه وسلم، فلذلك أمر صلى الله عليه ~~وسلم بامتحانهن. # واختلف فيما كان يمتحنهن به على ثلاثة أقوال: # الأول: قال ابن عباس: كانت المحنة أن تستحلف بالله أنها ما خرجت من بغض ~~زوجها، ولا رغبة من أرض إلى أرض، ولا التماس دنيا، ولا عشقا لرجل منا، بل ~~حبا لله ولرسوله. فإذا حلفت بالله الذي لا إله إلا هو على ذلك، أعطى النبي ~~صلى الله عليه وسلم زوجها مهرها وما أنفق عليها ولم يردها، فذلك قوله ~~تعالى: " فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم ~~يحلون لهن ". # الثاني - أن المحنة كانت أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول ~~الله، قاله ابن عباس أيضا. ms6159 # الثالث - بما بينه في السورة بعد من قوله تعالى: " يا أيها النبي إذا ~~جاءك المؤمنات " [الممتحنة: 12] قالت عائشة رضي الله عنها: ما كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يمتحن إلا بالآية التي قال الله: " إذا جاءك ~~المؤمنات يبايعنك " [الممتحنة: 12] رواه معمر عن الزهري عن عائشة. خرجه ~~الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح. # PageV18P062 # الرابعة - أكثر العلماء على أن هذا ناسخ لما كان عليه الصلاة والسلام ~~عاهد عليه قريشا، من أنه يرد إليهم من جاءه منهم مسلما، فنسخ من ذلك ~~النساء. وهذا مذهب من يرى نسخ السنة بالقرآن. وقال بعض العلماء: كله منسوخ ~~في الرجال والنساء، ولا يجوز أن يهادن الامام العدو على أن يرد إليهم من ~~جاءه مسلما، لان إقامة المسلم بأرض الشرك لا تجوز. وهذا مذهب الكوفيين. ~~وعقد الصلح على ذلك جائز عند مالك. وقد احتج الكوفيون لما ذهبوا إليه من ~~ذلك بحديث إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن خالد بن الوليد، أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه إلى قوم من خثعم فاعتصموا بالسجود ~~فقتلهم، فوداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بنصف الدية، وقال " أنا برئ ~~من كل مسلم أقام مع مشرك في دار الحرب لا تراءى نارهما (1) قالوا: فهذا ~~ناسخ لرد المسلمين إلى المشركين، إذ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ~~برئ ممن أقام معهم في دار الحرب. # ومذهب مالك والشافعي أن هذا الحكم غير منسوخ. قال الشافعي: وليس لاحد هذا ~~العقد إلا الخليفة أو رجل يأمره، لأنه يلي الأموال كلها. فمن عقد غير ~~الخليفة هذا العقد فهو مردود. # الخامسة - قوله تعالى: (الله أعلم بإيمانهن) أي هذا الامتحان لكم، والله ~~أعلم بإيمانهن، لأنه متولي السرائر. (فإن علمتموهن مؤمنات) أي بما يظهر من ~~الايمان. # وقيل: إن علمتموهن مؤمنات قبل الامتحان (فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل ~~لهم ولا هم يحلون لهن) أي لم يحل الله مؤمنة لكافر، ولا نكاح مؤمن لمشركة. # وهذا أدل دليل على أن الذي أوجب فرقة ms6160 المسلمة من زوجها إسلامها لا ~~هجرتها. # وقال أبو حنيفة: الذي فرق بينهما هو اختلاف الدارين. وإليه إشارة في مذهب ~~مالك # PageV18P063 # بل عبارة. والصحيح الأول، لان الله تعالى قال: " لا هن حل لهم ولا هم ~~يحلون لهن " فبين أن العلة عدم الحل بالاسلام وليس باختلاف الدار. والله ~~أعلم. وقال أبو عمر: # لا فرق بين الدارين لا في الكتاب ولا في السنة ولا في القياس، وإنما ~~المراعاة في ذلك الدينان، فباختلافهما يقع الحكم وباجتماعهما، لا بالدار. ~~والله المستعان. # السادسة - قوله تعالى: (وآتوهم ما أنفقوا) أمر الله تعالى إذا أمسكت ~~المرأة المسلمة أن يرد على زوجها ما أنفق وذلك من الوفاء بالعهد، لأنه لما ~~منع من أهله بحرمة الاسلام، أمر برد المال إليه حتى لا يقع عليهم خسران من ~~الوجهين: الزوجة والمال. # السابعة - ولا غرم إلا إذا طالب الزوج الكافر، فإذا حضر وطالب منعناها ~~وغرمنا. فإن كانت ماتت قبل حضور الزوج لم نغرم المهر إذ لم يتحقق المنع. ~~وإن كان المسمى خمرا أو خنزيرا لم نغرم شيئا، لأنه لا قيمة له. وللشافعي في ~~هذه الآية قولان: # أحدهما: أن هذا منسوخ. قال الشافعي: وإذا جاءتنا المرأة الحرة من أهل ~~الهدنة مسلمة مهاجرة من دار الحرب إلى الامام في دار السلام أو في دار ~~الحرب، فمن طلبها من ولي سوى زوجها منع منها بلا عوض. وإذا طلبها زوجها ~~لنفسه أو غيره بوكالته ففيه قولان: أحدهما - يعطي العوض، والقول ما قال ~~الله عز وجل،. وفيه قول آخر: # أنه لا يعطى الزوج المشرك الذي جاءت زوجته مسلمة العوض. فإن شرط (1) ~~الامام رد النساء كان الشرط ورسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يرد النساء ~~كان شرط من شرط رد النساء منسوخا وليس عليه عوض، لان الشرط المنسوخ باطل ~~ولا عوض الباطل. # PageV18P064 # الثامنة - أمر الله تعالى برد مثل ما أنفقوا إلى الأزواج، وأن المخاطب ~~بهذا الامام ينفذ مما بين يديه من بيت المال الذي لا يتعين له مصرف. وقال ~~مقاتل: يرد المهر الذي يتزوجها من المسلمين، فإن لم ms6161 يتزوجها من المسلمين ~~أحد فليس لزوجها الكافر شئ. # وقال قتادة: الحكم في رد الصداق إنما هو في نساء أهل العهد، فأما من لا ~~عهد بينه وبين المسلمين فلا يرد إليهم الصداق. والامر كما قاله. (1) ~~التاسعة - قوله تعالى: (ولا جناح عليكم أن تنكحوهن) يعني إذا أسلمن وانقضت ~~عدتهن لما ثبت من تحريم نكاح المشركة والمعتدة. فإن أسلمت قبل الدخول (2) ~~ثبت النكاح في الحال ولها التزوج. # العاشرة - قوله تعالى: (إذا آتيتموهن أجورهن) أباح نكاحها بشرط المهر، ~~(3) لان الاسلام فرق بينها وبين زوجها الكافر. # الحادية عشرة - قوله تعالى: (ولا تمسكوا بعصم الكوافر) قراءة العامة ~~بالتخفيف من الامساك. وهو اختيار أبي عبيد لقوله تعالى: " فأمسكوهن بمعروف ~~" [البقرة: 231]. وقرأ الحسن وأبو العالية وأبو عمرو " ولا تمسكوا " مشددة ~~من التمسك. يقال: مسك يمسك تمسكا، بمعنى أمسك يمسك. وقرئ " ولا تمسكوا " ~~بنصب التاء، أي لا تتمسكوا والعصم جمع العصمة، وهو ما اعتصم به. والمراد ~~بالعصمة هنا النكاح. يقول: من كانت له امرأة كافرة بمكة فلا يعتد بها، ~~فليست له امرأة، فقد انقطعت عصمتها لاختلاف الدارين. وعن النخعي: هي ~~المسلمة تلحق بدار الحرب فتكفر، وكان الكفار يتزوجون المسلمات والمسلمون ~~يتزوجون المشركات، ثم نسخ ذلك (4) في هذه الآية. فطلق عمر بن الخطاب حينئذ ~~امرأتين له بمكة مشركتين: قريبة بنت أبي أمية فتزوجها معاوية بن أبي سفيان ~~وهما على شركهما بمكة. وأم كلثوم بنت عمرو الخزاعية أم عبد الله بن ~~المغيرة، فتزوجها أبو جهم بن حذافة وهما على شركهما. فلما ولي عمر قال أبو ~~سفيان لمعاوية: طلق قريبة لئلا يرى عمر سلبه في بيتك، فأبي معاوية من ذلك. ~~وكانت عند طلحة بن عبيد الله أروى # PageV18P065 # بنت ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ففرق الاسلام بينهما، ثم تزوجها في ~~الاسلام خالد بن سعيد بن العاص، وكانت ممن فر إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~من نساء الكفار، فحبسها وزوجها خالدا. وزوج النبي صلى الله عليه وسلم زينب ~~ابنته - وكانت كافرة - من أبي العاص بن الربيع، ثم أسلمت وأسلم زوجها ~~بعدها. ذكر ms6162 عبد الرزاق عن ابن جريج عن رجل عن ابن شهاب قال: أسلمت زينب بنت ~~النبي صلى الله عليه وسلم وهاجرت بعد النبي صلى الله عليه وسلم في الهجرة ~~الأولى، وزوجها أبو العاص بن الربيع عبد العزى مشرك بمكة. الحديث. وفيه: ~~أنه أسلم بعدها. وكذلك قال الشعبي. قال الشعبي: # وكانت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة أبي العاص بن الربيع، ~~فأسلمت ثم لحقت بالنبي صلى الله عليه وسلم، ثم أتى زوجها المدينة فأمنته ~~فأسلم فردها عليه النبي صلى الله عليه وسلم. وقال أبو داود عن عكرمة عن ابن ~~عباس: بالنكاح الأول، ولم يحدث شيئا. قال محمد بن عمر في حديثه: بعد ست ~~سنين. وقال الحسن بن علي: # بعد سنتين. قال أبو عمر: فإن صح هذا فلا يخلو من وجهين: إما أنها لم تحض ~~حتى أسلم زوجها، وإما أن الامر فيها منسوخ بقول الله عز وجل: " وبعولتهن ~~أحق بردهن في ذلك " [البقرة: 228] يعني في عدتهن. وهذا ما لا خلاف فيه بين ~~العلماء أنه عني به العدة. وقال ابن شهاب الزهري رحمه الله في قصة زينب ~~هذه: كان قبل أن تنزل الفرائض. وقال قتادة: كان هذا قبل أن تنزل سورة " ~~براءة " بقطع العهود بينهم وبين المشركين. والله أعلم. # الثانية عشرة - قوله تعالى: (بعصم الكوافر) المراد بالكوافر هنا عبدة ~~الأوثان من لا يجوز ابتداء نكاحها، فهي خاصة بالكوافر من غير أهل الكتاب. ~~وقيل: هي عامة ، نسخ منها نساء أهل الكتاب. ولو كان إلى ظاهر الآية لم تحل ~~كافرة بوجه. وعلى القول الأول إذا أسلم وثني أو مجوسي ولم تسلم امرأته فرق ~~بينهما. وهذا قول بعض أهل العلم. # ومنهم من قال: ينتظر بها تمام العدة. فمن قال يفرق بينهما في الوقت ولا ~~ينتظر تمام العدة إذا عرض عليها الاسلام ولم تسلم - مالك بن أنس. وهو قول ~~الحسن وطاوس ومجاهد وعطاء PageV18P066 # وعكرمة وقتادة والحكم، واحتجوا بقوله تعالى: " ولا تمسكوا بعصم الكوافر ~~". وقال الزهري: ينتظر بها العدة. وهو قول الشافعي وأحمد. واحتجوا بأن أبا ms6163 ~~سفيان بن حرب أسلم قبل هند بنت عتبة امرأته، وكان إسلامه بمر الظهران (1) ~~ثم رجع إلى مكة وهند بها كافرة مقيمة على كفرها، فأخذت بلحيته وقالت: ~~اقتلوا الشيخ الضال. ثم أسلمت بعده بأيام، فاستقرا على نكاحهما لان عدتها ~~لم تكن انقضت. قالوا: ومثله حكيم بن حزام أسلم قبل امرأته، ثم أسلمت بعده ~~فكانا على نكاحهما. قال الشافعي: ولا حجة لمن احتج بقوله تعالى: # " ولا تمسكوا بعصم الكوافر " لان نساء المسلمين محرمات على الكفار، كما ~~أن المسلمين لا تحل لهم الكوافر والوثنيات ولا المجوسيات بقول الله عز وجل: ~~" ولا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن " ثم بينت السنة أن مراد الله من قوله ~~هذا أنه لا يحل بعضهم لبعض إلا أن يسلم الباقي منهما في العدة. وأما ~~الكوفيون وهم سفيان وأبو حنيفة وأصحابه فإنهم قالوا في الكافرين الذميين: ~~إذا أسلمت المرأة عرض على الزوج الاسلام، فإن أسلم وإلا فرق بينهما. قالوا: # ولو كانا حربيين فهي امرأته حتى تحيض ثلاث حيض إذا كانا جميعا في دار ~~الحرب أو في دار الاسلام. وإن كان أحدهما في دار الاسلام والآخر في دار ~~الحرب انقطعت العصمة بينهما فراعوا الدار، وليس بشئ. وقد تقدم. # الثالثة عشرة - هذا الاختلاف إنما هو في المدخول بها، فإن كانت غير مدخول ~~بها فلا نعلم اختلافا في انقطاع العصمة بينهما، إذ لا عدة عليها. كذا يقول ~~مالك في المرأة ترتد زوجها مسلم: انقطعت العصمة بينهما. وحجته " ولا تمسكوا ~~بعصم الكوافر " وهو قول الحسن البصري والحسن بن صالح بن حي. ومذهب الشافعي ~~وأحمد أنه ينتظر بها تمام العدة. # الرابعة عشرة - فإن كان الزوجان نصرانيين فأسلمت الزوجة ففيها أيضا ~~اختلاف. # ومذهب مالك وأحمد والشافعي الوقوف إلى تمام العدة. وهو قول مجاهد. وكذا ~~الوثني تسلم زوجته، إنه إن أسلم في عدتها فهو أحق بها، كما كان صفوان بن ~~أمية وعكرمة بن أبي جهل # PageV18P067 # أحق بزوجتيهما لما أسلما في عدتيهما، على حديث ابن شهاب. ذكره مالك في ~~الموطأ. # قال ابن شهاب: كان بين إسلام ms6164 صفوان وبين إسلام زوجته نحو من شهر. قال ابن ~~شهاب: # ولم يبلغنا أن امرأة هاجرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوجها كافر ~~مقيم بدار الحرب إلا فرقت هجرتها بينه وبينها، إلا أن يقدم زوجها مهاجرا ~~قبل أن تنقضي عدتها. ومن العلماء من قال: ينفسخ النكاح بينهما. قال يزيد بن ~~علقمة: أسلم جدي ولم تسلم جدتي ففرق عمر بينهما رضي الله عنه، وهو قول ~~طاوس. وجماعة غيره منهم عطاء والحسن وعكرمة قالوا: # لا سبيل عليها إلا بخطبة. # الخامسة عشرة - قوله تعالى: (واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا) قال ~~المفسرون: # كان من ذهب من المسلمات مرتدات إلى الكفار من أهل العهد يقال للكفار: ~~هاتوا مهرها. ويقال للمسلمين إذا جاء أحد من الكافرات مسلمة مهاجرة: ردوا ~~إلى الكفار مهرها. # وكان ذلك نصفا وعدلا بين الحالتين. وكان هذا حكم الله مخصوصا بذلك الزمان ~~في تلك النازلة خاصة بإجماع الأمة، قال ابن العربي. # السادسة عشرة - قوله تعالى: (ذلكم حكم الله) أي ما ذكر في هذه الآية، ~~(يحكم بينكم والله عليم حكيم) تقدم في غير موضع (1). # قوله تعالى: وإن فاتكم شئ من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فأتوا الذين ~~ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون 11 فيه ثلاث ~~مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (وإن فاتكم شئ من أزواجكم) في الخبر: أن المسلمين ~~قالوا: رضينا بما حكم الله، وكتبوا إلى المشركين فامتنعوا فنزلت: " وإن ~~فاتكم شئ من # PageV18P068 # أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا ". ~~وروى الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: حكم الله عز وجل بينكم ~~فقال جل ثناؤه: # " واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا " فكتب إليهم المسلمون: قد حكم ~~الله عز وجل بيننا بأنه إن جاءتكم امرأة منا أن توجهوا إلينا بصداقها، وإن ~~جاءتنا امرأة منكم وجهنا إليكم بصداقها. فكتبوا إليهم: أما نحن فلا نعلم ~~لكم عندنا شيئا، فإن كان لنا عندكم شئ فوجهوا به، فأنزل الله عز وجل: " وإن ~~فاتكم شئ من أزواجكم ms6165 إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما ~~أنفقوا ". وقال ابن عباس في قوله تعالى: " ذلكم حكم الله يحكم بينكم " أي ~~بين المسلمين والكفار من أهل العهد من أهل مكة يرد بعضهم إلى بعض. # قال الزهري: ولولا العهد لأمسك النساء ولم يرد إليهم صداقا. وقال قتادة ~~ومجاهد: إنما أمروا أن يعطوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا من الفئ ~~والغنيمة. وقالا: هي فيمن بيننا وبينه عهد وليس بيننا وبينه عهد. وقالا: ~~ومعنى " فعاقبتم " فاقتصصتم. # " فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا " يعني الصدقات. فهي عامة في ~~جميع الكفار. # وقال قتادة أيضا: وإن فاتكم شئ من أزواجكم إلى الكفار الذين (1) بينكم ~~وبينهم عهد، فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا. ثم نسخ هذا في سورة " ~~براءة ". وقال الزهري: # انقطع هذا عام الفتح. وقال سفيان الثوري: لا يعمل به اليوم. وقال قوم: هو ~~ثابت الحكم الآن أيضا. حكاه القشيري. # الثانية - قوله تعالى: (فعاقبتم) قراءة العامة " فعاقبتم " وقرأ علقمة ~~والنخعي وحميد والأعرج " فعقبتم " مشددة. وقرأ مجاهد " فأعقبتم " وقال: ~~صنعتم كما صنعوا بكم. # وقرأ الزهري " فعقبتم " خفيفة بغير ألف. وقرأ مسروق وشقيق بن سلمة " ~~فعقبتم " بكسر القاف خفيفة. وقال: غنمتم. وكلها لغات بمعنى واحد. يقال: ~~عاقب وعقب وعقب وأعقب وتعقب واعتقب وتعاقب إذا غنم. وقال القتبي " فعاقبتم ~~" فغزوتم معاقبين غزوا بعد غزو. وقال ابن بحر: أي فعاقبتم المرتدة بالقتل ~~فلزوجها مهرها من غنائم المسلمين. # PageV18P069 # الثالثة - قوله تعالى: (فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا) قال ابن ~~عباس: # يقول إن لحقت امرأة مؤمنة بكفار أهل مكة، وليس بينكم وبينهم عهد ولها زوج ~~مسلم قبلكم فغنمتم، فأعطوا هذا الزوج المسلم مهره من الغنيمة قبل أن تخمس. ~~وقال الزهري: # يعطي من مال الفئ. وعنه يعطى من صداق من لحق بنا. وقيل: أي إن امتنعوا من ~~أن يغرموا مهر هذه المرأة التي ذهبت إليهم، فانبذوا العهد إليهم حتى إذا ~~ظفرتم فخذوا ذلك منهم. # قال الأعمش: هي منسوخة. وقال عطاء: بل حكمها ثابت. وقد تقدم جميع هذا. # القشيري: ms6166 والآية نزلت في أم الحكم بنت أبي سفيان، ارتدت وتركت زوجها عياض ~~ابن غنم القرشي، ولم ترتد امرأة من قريش غيرها، ثم عادت إلى الاسلام. وحكى ~~الثعلبي عن ابن عباس: هن ست نسوة رجعن عن الاسلام ولحقن بالمشركين من نساء ~~المؤمنين المهاجرين: أم الحكم بنت أبي سفيان كانت تحت عياض بن أبي شداد ~~الفهري (1). وفاطمة بنت أبي أمية بن المغيرة أخت أم سلمة، وكانت تحت عمر بن ~~الخطاب، فلما هاجر عمر أبت وارتدت. وبروع بنت عقبة، كانت تحت شماس بن ~~عثمان. وعبدة بنت عبد العزى، كانت تحت هشام بن العاص. وأم كلثوم بنت جرول ~~تحت عمر بن الخطاب. وشهبة بنت غيلان. فأعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~مهور نسائهم من الغنيمة. (واتقوا الله) احذروا أن تتعدوا ما أمرتم به. # قوله تعالى: يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن ~~بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان ~~يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله ~~إن الله غفور رحيم 12 فيها ثماني مسائل # PageV18P070 # الأولى - قوله تعالى: (يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك (1)) لما ~~فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة جاء نساء أهل مكة يبايعنه، فأمر أن ~~يأخذ عليهن ألا يشركن. وفي صحيح مسلم عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه ~~وسلم قالت: # كان المؤمنات إذا هاجرن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يمتحن بقول ~~الله تعالى: " يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على ألا يشركن ~~بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين " إلى آخر الآية. قالت عائشة: فمن أقر بهذا ~~من المؤمنات فقد أقر بالمحنة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقررن ~~بذلك من قولهن قال لهن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # (انطلقن فقد بايعتكن) ولا والله ما مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يد امرأة قط، غير أنه بايعهن بالكلام. قالت عائشة: والله ما أخذ رسول الله ~~صلى الله ms6167 عليه وسلم على النساء قط إلا بما أمره الله عز وجل، وما مست كف ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كف امرأة قط، وكان يقول لهن إذا أخذ عليهن ~~(قد بايعتكن كلاما). وروي أنه عليه الصلاة والسلام بايع النساء وبين يديه ~~وأيديهن ثوب، وكان يشترط عليهن. وقيل: لما فرغ من بيعة الرجال جلس على ~~الصفا ومعه عمر أسفل منه، فجعل يشترط على النساء البيعة وعمر يصافحهن. # وروي أنه كلف امرأة وقفت على الصفا فبايعتهن. ابن العربي: وذلك ضعيف، ~~وإنما ينبغي التعويل على ما في الصحيح. وقالت أم عطية: لما قدم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم المدينة جمع نساء الأنصار في بيت، ثم أرسل إلينا عمر بن ~~الخطاب، فقام على الباب فسلم فرددن عليه السلام، فقال: أنا رسول رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إليكن، ألا تشركن بالله شيئا. فقلن نعم. فمد يده من ~~خارج البيت ومددنا أيدينا من داخل البيت، ثم قال: اللهم اشهد. وروى عمرو بن ~~شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا بايع النساء دعا ~~بقدح من ماء، فغمس يده فيه ثم أمر النساء فغمسن أيديهن فيه. # الثانية: روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال: (على ألا يشركن بالله ~~شيئا) قالت هند بنت عتبة وهي منتقبة خوفا من النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~يعرفها لما صنعته بحمزة يوم أحد: والله إنك لتأخذ علينا أمرا ما رأيتك ~~أخذته على الرجال وكان بايع الرجال # PageV18P071 # يومئذ على الاسلام والجهاد فقط - فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ولا ~~يسرفن) فقالت هند: إن أبا سفيان رجل شحيح وإني أصيب من ماله قوتنا. فقال ~~أبو سفيان: هو لك حلال. فضحك النبي صلى الله عليه وسلم وعرفها وقال: (أنت ~~هند)؟ فقالت: عفا الله عما سلف. ثم قال: (ولا يزنين) فقالت هند: أو تزني ~~الحرة! ثم قال: (ولا يقتلن أولادهن) أي لا يئدن الموؤودات ولا يسقطن ~~الأجنة. فقالت هند: ربينا هم صغارا وقتلتهم كبارا يوم بدر، ms6168 فأنتم وهم أبصر. ~~وروى مقاتل أنها قالت: ربيناهم صغارا وقتلتموهم كبارا، وأنتم وهم اعلم. ~~فضحك عمر بن الخطاب حتى استلقى. وكان حنظلة بن أبي سفيان وهو بكرها قتل يوم ~~بدر. ثم قال: " ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في ~~معروف " قيل: معنى " بين أيديهن " ألسنتهن بالنميمة. ومعنى بين " أرجلهن " ~~فروجهن. وقيل: ما كان بين أيديهن من قبلة أو جسة، وبين أرجلهن الجماع وقيل: ~~المعنى لا يلحقن برجالهن ولدا من غيرهم. وهذا قول الجمهور. وكانت المرأة ~~تلتقط ولدا فتلحقه بزوجها وتقول: هذا ولدي منك. فكان هذا من البهتان ~~والافتراء. وقيل: ما بين يديها ورجليها كناية عن الولد، لان بطنها الذي ~~تحمل فيه الولد بين يديها، وفرجها الذي تلد منه بين رجليها. وهذا عام في ~~الاتيان بولد وإلحاقه بالزوج وإن سبق النهي عن الزنى. وروي أن هندا لما ~~سمعت ذلك قالت: والله إن البهتان لأمر قبيح، ما تأمر إلا بالأرشد ومكارم ~~الأخلاق !. ثم قال: " ولا يعصينك في معروف " قال قتادة: لا ينحن. ولا تخلو ~~امرأة منهن إلا بذي محرم. وقال سعيد بن المسيب، ومحمد بن السائب وزيد بن ~~أسلم: هو إلا يخمشن وجها. ولا يشققن جيبا، ولا يدعون ويلا ولا ينشرن شعرا ~~ولا يحدثن الرجال إلا ذا محرم. # وروت أم عطية عن النبي صلى الله عليه وسلم أن ذلك في النوح. وهو قول ابن ~~عباس. # وروى شهر بن حوشب عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم " ولا يعصينك ~~في معروف " فقال: (هو النوح). وقال مصعب بن نوج: أدركت عجوزا ممن بايع ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فحدثتني عنه عليه الصلاة والسلام في قول: " ولا ~~يعصينك في معروف " فقال: PageV18P072 # (النوح). وفي صحيح مسلم عن أم عطية لما نزلت هذه الآية: " يبايعنك على ~~إلا يشركن بالله شيئا - إلى قوله - ولا يعصينك في معروف " قال: (كان منه ~~النياحة) قالت: # فقلت يا رسول الله، إلا آل فلان فإنهم كانوا أسعدوني في الجاهلية، فلا بد ~~لي من أن أسعدهم. # فقال، رسول الله ms6169 صلى الله عليه وسلم: (إلا آل فلان). وعنها قالت: أخذ ~~علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع البيعة إلا ننوح، فما وفت منا امرأة ~~إلا خمس: أم سليم، وأم العلاء، وابنة أبي سبرة امرأة معاذ أو ابنة أبي ~~سبرة، وامرأة معاذ. وقيل: إن المعروف ها هنا الطاعة لله ولرسوله، قاله ~~ميمون بن مهران. وقال بكر بن عبد الله المزني: لا يعصينك في كل أمر فيه ~~رشدهن الكلبي: هو عام في كل معروف أمر الله عز وجل ورسوله به. فروي أن هندا ~~قالت عند ذلك: ما جلسنا في مجلسا هذا وفي أنفسا أن نعصيك في شئ. # الثالثة: ذكر الله عز وجل ورسوله عليه الصلاة والسلام في صفة البيعة ~~خصالا شتى، صرح فيهن بأركان النهي في الدين ولم يذكر أركان الامر. وهي ستة ~~أيضا: الشهادة، والصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والاغتسال من الجنابة. ~~وذلك لان النهي دائم في كل الأزمان وكل الأحوال، فكان التنبيه على اشتراط ~~الدائم آكد. وقيل: إن هذه المناهي كان في النساء كثير من يرتكبها ولا ~~يحجزهن عنها شرف النسب، فخصت بالذكر لهذا. ونحو منه قوله عليه الصلاة ~~والسلام لوفد عبد القيس: (وأنهاكم عن الدباء والحنتم والنقير والمزفت) (1) ~~فنبههم على ترك المعصية في شرب الخمر دون سائر المعاصي، لأنها كانت شهوتهم ~~وعادتهم، وإذا ترك المرء شهوته من المعاصي هان عليه ترك سائرها مما لا شهوة ~~له فيها. # PageV18P073 # الرابعة: لما قال النبي صلى الله عليه وسلم في البيعة: (ولا يسرقن) قالت ~~هند: # يا رسول الله إن أبا سفيان رجل مسيك فهل علي حرج أن آخذ ما يكفيني وولدي؟ ~~قال (لا إلا بالمعروف) فخشيت هند أن تقتصر على ما يعطيها فتضيع أو تأخذ ~~أكثر من ذلك فتكون سارقة ناكثة للبيعة المذكورة فقال لها النبي صلى الله ~~عليه وسلم (لا) ألا حرج عليك فيما أخذت بالمعروف، يعني من غير استطالة إلى ~~أكثر من الحاجة. قال ابن العربي وهذا إنما هو فيما لا يخزنه عنها في حجابه ~~ولا يضبط عليه بقفل فإنه إذا ms6170 هتكته الزوجة وأخذت منه كانت سارقة تعصى به ~~وتقطع يدها الخامسة: قال عبادة بن الصامت: أخذ علينا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كما أخذ على النساء: (إلا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا ~~تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا يعضه بعضكم بعضا ولا تعصوا في معروف أمركم ~~به). معنى " يعضه " يسحر. والعضه: السحر. # ولهذا قال ابن بحر وغيره في قوله تعالى: " ولا يأتين ببهتان " إنه السحر. ~~وقال الضحاك: # هذا نهى عن البهتان، أي لا يعضهن رجلا ولا امرأة " ببهتان " أي بسحر. ~~والله أعلم. # " يفترينه بين أيديهن وأرجلهن " والجمهور على أن معنى " ببهتان " بولد ~~يفترينه بين أيديهن " ما أخذته لقيطا. " وأرجلهن " ما ولدته من زنى. وقد ~~تقدم. # السادسة - قوله تعالى: " ولا يعصينك في معروف " في البخاري عن ابن عباس ~~في قوله تعالى: " ولا يعصينك في معروف " قال: إنما هو شرط شرطه الله ~~للنساء. واختلف في معناه على ما ذكرنا. والصحيح أنه عام في جميع ما يأمر به ~~النبي صلى الله عليه وسلم وينهى عنه، فيدخل فيه النوح وتخريق الثياب وجز ~~الشعر والخلوة بغير محرم إلى غير ذلك. وهذه كلها كبائر ومن أفعال الجاهلية. ~~وفي صحيح مسلم عن أبي مالك الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أربع ~~في أمتي من أمر الجاهلية) فذكر منها النياحة. وروى يحيى بن أبي كثير عن أبي ~~سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هذه النوائح ~~يجعلن يوم القيامة صفين صفا عن اليمين وصفا عن اليسار ينبحن كما تنبح ~~الكلاب في يوم PageV18P074 # كان مقداره خمسين ألف سنة ثم يؤمر بهن إلى النار). وعنه قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: (لا تصلي الملائكة على نائحة ولا مرنة (1)) وروي ~~عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سمع نائحة فأتاها فضربها بالدرة حتى وقع ~~خمارها عن رأسها. فقيل: يا أمير المؤمنين، المرأة المرأة! قد وقع خمارها. ~~فقال: إنها لا حرمة لها. أسند جميعه الثعلبي رحمه الله. أما تخصيص قوله: " ~~في ms6171 معروف " مع قوة قوله: " ولا يعصينك " ففيه قولان: # أحدهما - أنه تفسير للمعنى على التأكيد، كما قال تعالى: " قال رب احكم ~~(2) بالحق " [الأنبياء: 112] لأنه لو قال احكم لكفى. الثاني - إنما شرط ~~المعروف في بيعة النبي صلى الله عليه وسلم حتى يكون تنبيها على أن غيره ~~أولى بذلك وألزم له وأنفى للاشكال. # السابعة - روى البخاري عن عبادة بن الصامت قال: كنا عند النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال: (أتبايعوني على إلا تشركوا بالله شيئا ولا تزنوا ولا ~~تسرقوا) قرأ آية النساء. # وأكثر لفظ سفيان قرأ في الآية (فمن وفى منكم فأجر ه على الله ومن أصاب من ~~ذلك شيئا فعوقب فهو كفارة له ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله فهو إلى الله ~~إن شاء عذبه وإن شاء غفر له منها). وفي الصحيحين عن ابن عباس قال: شهدت ~~الصلاة يوم الفطر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان، ~~فكلهم يصليها قبل الخطبة ثم يخطب، فنزل نبي الله صلى الله عليه وسلم فكأني ~~انظر إليه حين يجلس الرجال بيده، ثم أقبل يشقهم حتى أتى النساء مع بلال ~~فقال: (يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على ألا يشركن بالله شيئا ~~ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين ~~أيديهن وأرجلهن " - حتى فرغ من الآية كلها، ثم قال حين فرغ -: أنتن على ~~ذلك)؟ فقالت: # امرأة واحدة لم يجبه غيرها: نعم يا رسول الله، لا يدري الحسن (3) من هي. ~~قال: (فتصدقن) وبسط بلال ثوبه فجعلن يلقين الفتخ (4) والخواتيم في ثوب ~~بلال. لفظ البخاري. # PageV18P075 # الثامنة - قال المهدوي: أجمع المسلمون على أنه ليس للامام أن يشترط عليهن ~~هذا، والامر بذلك ندب لا إلزام. وقال بعض أهل النظر: إذا احتيج إلى المحنة ~~من أجل تباعد الدار كان على إمام المسلمين إقامة المحنة. # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم قد يئسوا ~~من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور 13 قوله تعالى: (يا أيها الذين ms6172 ~~آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم) يعني اليهود. وذلك أن ناسا من فقراء ~~المسلمين كانوا يخبرون اليهود بأخبار المؤمنين ويواصلونهم فيصيبون بذلك من ~~ثمارهم فنهوا عن ذلك. (قد يئسوا من الآخرة) يعني اليهود قاله ابن زيد. ~~وقيل: # هم المنافقون. وقال الحسن: هم اليهود والنصارى. قال ابن مسعود: معناه ~~أنهم تركوا العمل للآخرة وآثروا الدنيا. وقيل: المعنى يئسوا من ثواب ~~الآخرة، قاله مجاهد. ومعنى (كما يئس الكفار) أي الاحياء من الكفار. (من ~~أصحاب القبور) أن يرجعوا إليهم، قاله الحسن وقتادة. قال ابن عرفة: وهم ~~الذين قالوا: " وما يهلكنا إلا الدهر (1) " [الجاثية 24]. وقال مجاهد: # المعنى كما يئس الكفار الذين في القبور أن يرجعوا إلى الدنيا. وقيل: إن ~~الله تعالى ختم السورة بما بدأها من ترك موالاة الكفار، وهي خطاب لحاطب بن ~~أبي بلتعة وغيره. قال ابن عباس: # " يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا " أي لا توالوهم ولا تناصحوهم، رجع ~~تعالى بطوله وفضله على حاطب بن أبي بلتعة. يريد أن كفار قريش قد يئسوا من ~~خير الآخرة كما يئس الكفار المقبورون من حظ يكون لهم في الآخرة من رحمة ~~الله تعالى. وقال القاسم بن أبي بزة في قوله تعالى " قد يئسوا من الآخرة ~~كما يئس الكفار من أصحاب القبور " قال: من مات من الكفار يئس من الخير. ~~والله أعلم. # PageV18P076 # سورة الصف مدنية في قول الجميع، فيما ذكر الماوردي. وقيل: إنها مكية، ~~ذكره النحاس عن ابن عباس. وهي أربع عشرة آية. # بسم الله الرحمن الرحيم سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز ~~الحكيم 1 تقدم (1). # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون 2 كبر مقتا عند ~~الله أن تقولوا ما لا تفعلون 3 فيه خمس مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون) روى ~~الدارمي أبو محمد في مسنده أخبرنا محمد بن كثير عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي ~~كثير عن أبي سلمة عن عبد الله بن سلام قال: قعدنا نفر ms6173 من أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فتذاكرنا فقلنا: # لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله تعالى لعملناه، فأنزل الله تعالى: " سبح ~~لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم " يا أيها الذين آمنوا ~~لم تقولون ما لا تفعلون " حتى ختمها. # قال عبد الله: فقرأها علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ختمها. قال ~~أبو سلمة: فقرأها علينا ابن سلام. قال يحيى: فقرأها علينا أبو سلمة وقرأها ~~علينا يحيى وقرأها علينا الأوزاعي وقرأها علينا (2) محمد. وقال ابن عباس ~~قال عبد الله بن رواحة: لو علمنا أحب الأعمال إلى الله # PageV18P077 # لعملناه، فلما نزل الجهاد كرهوه. وقال الكلبي: قال المؤمنون يا رسول ~~الله، لو نعلم أحب الأعمال إلى الله لسارعنا إليها، فنزلت " هل أدلكم على ~~تجارة تنجيكم من عذاب أليم (1) " [الصف: 10] فمكثوا زمانا يقولون: لو نعلم ~~ما هي لاشتريناها بالأموال والأنفس والأهلين، فدلهم الله تعالى عليها بقول: ~~" تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم " [الصف: ~~11] الآية. # فابتلوا يوم أحد ففروا، فنزلت تعيرهم بترك الوفاء. وقال محمد بن كعب: لما ~~أخبر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بثواب شهداء بدر قالت الصحابة: ~~اللهم أشهد! لئن لقينا قتالا لنفرغن فيه وسعنا، ففروا يوم أحد فعيرهم الله ~~بذلك. وقال قتادة والضحاك: نزلت في قوم كانوا يقولون نحن جاهدنا وأبلينا ~~ولم يفعلوا. وقال صهيب: كان رجل قد آذى المسلمين يوم بدر وأنكاهم فقتلته. ~~فقال رجل يا نبي الله، إني قتلت فلانا، ففرح النبي صلى الله عليه وسلم ~~بذلك. فقال عمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف: يا صهيب، أما أخبرت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أنك قتلت فلانا! فإن فلانا انتحل قتله، فأخبره ~~فقال: (أكذلك يا أبا يحيى)؟ # قال نعم، والله يا رسول الله، فنزلت الآية في المنتحل. وقال ابن زيد: ~~نزلت في المنافقين، كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه: إن ~~خرجتم وقاتلتم خرجنا معكم وقاتلنا، فلما خرجوا نكصوا عنهم وتخلفوا. # الثانية - هذه الآية توجب على ms6174 كل من ألزم نفسه عملا فيه طاعة أن يفي بها. ~~وفي صحيح مسلم عن أبي (2) موسى أنه بعث إلى قراء أهل البصرة فدخل عليه ~~ثلاثمائة رجل قد قرأوا القرآن، فقال: أنتم خيار أهل البصرة وقراؤهم، فاتلوه ~~ولا يطولن عليكم الأمد فتقسو قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم. وإنا كنا ~~نقرأ سورة كنا نشبهها في الطول والشدة ب " براءة " فأنسيتها، غير أني قد ~~حفظت منها " لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديا ثالثا ولا يملا ~~جوف ابن آدم إلا التراب ". وكنا نقرأ سورة كنا نشبهها بإحدى المسبحات ~~فأنسيتها، غير أني # PageV18P078 # حفظت منها: " يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون " فتكتب شهادة ~~في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة. قال ابن العربي: وهذا كله ثابت في ~~الدين. أما قوله تعالى: # " يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون " فثابت في الدين لفظا ~~ومعنى في هذه السورة. # وأما قول: " شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة " فمعنى ثابت في ~~الدين، فإن من التزم شيئا لزمه شرعا. والملتزم على قسمين: أحدهما: النذر، ~~وهو على قسمين، نذر تقرب مبتدأ كقول: لله علي صلاة وصوم وصدقة، ونحوه من ~~القرب. فهذا يلزم الوفاء به إجماعا. # ونذر مباح وهو ما علق بشرط رغبة، كقوله: إن قدم غائبي فعلي صدقة، أو علق ~~بشرط رهبة، كقوله: إن كفاني الله شر كذا فعلي صدقة. فاختلف العلماء فيه، ~~فقال مالك وأبو حنيفة، يلزمه الوفاء به. وقال الشافعي في أحد أقواله: إنه ~~لا يلزمه الوفاء به. وعموم الآية حجة لنا، لأنها بمطلقها تتناول ذم من قال ~~ما لا يفعله على أي وجه كان من مطلق أو مقيد بشرط. وقد قال أصحابه: إن ~~النذر إنما يكون بما القصد منه القربة مما هو من جنس القربة. وهذا وإن كان ~~من جنس القربة لكنه لم يقصد به القربة، وإنما قصد منع نفسه عن فعل أو ~~الاقدام على فعل. قلنا: القرب الشرعية مشقات وكلف وإن كانت قربات. # وهذا تكلف التزام هذه القربة ms6175 بمشقة لجلب نفع أو دفع ضر، فلم يخرج عن سنن ~~التكليف ولا زال عن قصد التقرب. قال ابن العربي: فإن كان المقول منه وعدا ~~فلا يخلو أن يكون منوطا بسبب كقوله: إن تزوجت أعنتك بدينار، أو ابتعت حاجة ~~كذا أعطيتك كذا (1). فهذا لازم إجماعا من الفقهاء. وإن كان وعدا مجردا فقيل ~~يلزم بتعلقه (2). وتعلقوا بسبب الآية، فإنه روي أنهم كانوا يقولون: لو نعلم ~~أي الأعمال أفضل أو أحب إلى الله لعملناه، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وهو ~~حديث لا بأس به. وقد روي عن مجاهد أن عبد الله بن رواحة لما سمعها قال: لا ~~أزال حبيسا في سبيل الله حتى أقتل. والصحيح عندي: أن الوعد يجب الوفاء به ~~على كل حال إلا لعذر. # PageV18P079 # قلت: قال مالك: فأما العدة مثل أن يسأل الرجل الرجل أن يهب له الهبة ~~فيقول له نعم ثم يبدو له ألا يفعل فما أرى ذلك يلزمه. وقال ابن القاسم: إذا ~~وعد الغرماء فقال: # أشهدكم أني قد وهبت له من أن يؤدي (1) إليكم، فإن هذا يلزمه. وأما أن ~~يقول نعم أنا أفعل، ثم يبدو له، فلا أرى عليه ذلك. # قلت: أي لا يقضي عليه بذلك، فأما في مكارم الأخلاق وحسن المروءة فنعم. ~~وقد أثنى الله تعالى على من صدق وعده ووفى بنذره فقال: " والموفون بعهدهم ~~إذا عاهدوا (2) " [البقرة: 177]، وقال تعالى: " واذكر في الكتاب إسماعيل ~~إنه كان صادق الوعد " [مريم: 54] وقد تقدم بيانه (3). # الثالثة - قال النخعي: ثلاث آيات منعتني أن أقص على الناس " أتأمرون ~~الناس بالبر وتنسون أنفسكم " (4) [البقرة: 44]، " وما أريد أن أخالفكم إلى ~~ما أنهاكم عنه " (5) [هود: 88]، " يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا ~~تفعلون ". وخرج أبو نعيم الحافظ من حديث مالك بن دينار عن ثمامة أن أنس بن ~~مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتيت ليلة أسري بي على قوم ~~تقرض شفاههم بمقاريض من نار كلما قرضت وفت (6) قلت: (من هؤلاء يا جبريل)؟ # قال: (هؤلاء خطباء أمتك الذين يقولون ولا يفعلون ويقرؤون كتاب ms6176 الله ولا ~~يعملون). وعن بعض السلف أنه قيل له: حدثنا، فسكت. ثم قيل له: حدثنا. فقال: ~~أترونني (7) أن أقول ما لا أفعل فاستعجل مقت الله!. # الرابعة - قوله تعالى: (لم تقولون ما لا تفعلون) استفهام على جهة الانكار ~~والتوبيخ، على أن يقول الانسان عن نفسه من الخير ما لا يفعله. أما في ~~الماضي فيكون كذبا، وأما في المستقبل فيكون خلفا، وكلاهما مذموم. وتأول ~~سفيان بن عيينة قوله تعالى: # " لم تقولون ما لا تفعلون " أي لم تقولون ما ليس الامر فيه إليكم، فلا ~~تدرون هل تفعلون أو لا تفعلون. فعلى هذا يكون الكلام محمولا على ظاهره في ~~إنكار القول. # PageV18P080 # الخامسة - قوله تعالى: (كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) قد ~~يحتج به في وجوب الوفاء في اللجاج والغضب على أحد قولي الشافعي. و " أن " ~~وقع بالابتداء وما قبلها الخبر، وكأنه قال: قولكم ما لا تفعلون مذموم، ~~ويجوز أن يكون خبر ابتداء محذوف. الكسائي: " أن " في موضع رفع، لان " كبر " ~~فعل بمنزلة بئس رجلا أخوك. # و " مقتا " نصب بالتمييز، المعنى كبر قولهم ما لا يفعلون مقتا. وقيل: هو ~~حال. والمقت والمقاتة مصدران، يقال: رجل مقيت وممقوت إذا لم يحبه الناس. # قوله تعالى: إن الله يحب الذين يقتلون في سبيله صفا كأنهم بنين مرصوص 4 ~~فيه ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا) أي يصفون ~~صفا: والمفعول مضمر، أي يصفون أنفسهم صفا. (كأنهم بنيان مرصوص) قال الفراء: # مرصوص بالرصاص. وقال المبرد: هو من رصصت البناء إذا لاءمت بينه وقاربت ~~حتى يصير كقطعة واحدة. وقيل: هو من الرصيص وهو انضمام الأسنان بعضها إلى ~~بعض. # والتراص التلاصق، ومنه وتراصوا في الصف. ومعنى الآية: يحب من يثبت في ~~الجهاد في سبيل الله ويلزم مكانه كثبوت البناء. وقال سعيد بن جبير: هذا ~~تعليم من الله تعالى للمؤمنين كيف يكونون عند قتال عدوهم. # الثانية - وقد استدل بعض أهل التأويل بهذا على أن قتال الراجل أفضل من ~~قتال الفارس، لان الفرسان لا ms6177 يصطفون على هذه الصفة. المهدوي: وذلك غير ~~مستقيم، لما جاء في فضل الفارس في الاجر والغنيمة. ولا يخرج الفرسان من ~~معنى الآية، لان معناه الثبات. # الثالثة - لا يجوز الخروج عن الصف إلا لحاجة تعرض للانسان، أو في رسالة ~~يرسلها الامام، أو في منفعة تظهر في المقام، كفرصة تنتهز ولا خلاف فيها. ~~وفي الخروج عن PageV18P081 # الصف للمبارزة خلاف على قولين أحدهما: أنه لا بأس بذلك إرهابا للعدو، ~~وطلبا للشهادة وتحريضا على القتال. وقال أصحابنا: لا يبرز أحد طالبا لذلك، ~~لان فيه رياء وخروجا إلى ما نهى الله عنه من لقاء العدو. وإنما تكون ~~المبارزة إذا طلبها الكافر، كما كانت في حروب النبي صلى الله عليه وسلم يوم ~~بدر وفي غزوة خيبر، وعليه درج السلف. وقد مضى القول مستوفى في هذا في " ~~البقرة " عند قوله تعالى: " ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة (1) " [البقرة: ~~195]. # قوله تعالى: وإذ قال موسى لقومه يقوم لم تؤذونني وقد تعلمون أنى رسول ~~الله إليكم فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدى القوم الفسقين 5 ~~قوله تعالى: (وإذ قال موسى لقومه) لما ذكر أمر الجهاد بين أن موسى وعيسى ~~أمرا بالتوحيد وجاهدا في سبيل الله، وحل العقاب بمن خالفهما، أي واذكر ~~لقومك يا محمد هذه القصة. # قوله تعالى: (يا قوم لم تؤذونني) وذلك حين رموه بالأدرة، حسب ما تقدم في ~~آخر سورة " الأحزاب " (2). ومن الأذى ما ذكر في قصة قارون: إنه دس إلى ~~امرأة تدعي على موسى الفجور (3). ومن الأذى قولهم: " اجعل لنا إلها كما لهم ~~(4) آلهة " [الأعراف: 138]. وقولهم: " فاذهب أنت وربك فقاتلا " (5) ~~[المائدة: 24]. وقولهم: إنك قتلت هارون. وقد تقدم (6) هذا. (وقد تعلمون أنى ~~رسول الله إليكم) والرسول يحترم ويعظم. ودخلت " قد " على " تعلمون " ~~للتأكيد، كأنه قال: # وتعلمون علما يقينا لا شبهة لكم فيه. (فلما زاغوا) أي مالوا عن الحق ~~(أزاغ الله قلوبهم) أي أمالها عن الهدى. وقيل: " فلما زاغوا " عن الطاعة " ~~أزاغ الله قلوبهم " عن الهداية. # PageV18P082 # وقيل: " فلما زاغوا " عن الايمان " أزاغ الله قلوبهم " عن الثواب. وقيل: ~~أي ms6178 لما تركوا ما أمروا به من احترام الرسول عليه السلام وطاعة الرب، خلق ~~الله الضلالة في قلوبهم عقوبة لهم على فعلهم. # قوله تعالى: وإذ قال عيسى ابن مريم يبنى إسرائيل إني رسول الله إليكم ~~مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما ~~جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين 6 قوله تعالى: (وإذ قال عيسى بن مريم) ~~أي واذكر لهم هذه القصة أيضا. وقال: # " يا بني إسرائيل " ولم يقل " يا قوم " كما قال موسى، لأنه لا نسب له ~~فيهم فيكونون قومه. # (إني رسول الله إليكم) أي بالإنجيل. (مصدقا لما بين يدي من التوراة) لان ~~في التوراة صفتي، وأني لم آتكم بشئ يخالف التوراة فتنفروا عني. (ومبشرا ~~برسول) مصدقا. # " ومبشرا " نصب على الحال، والعامل فيها معنى الارسال. و " إليكم " صلة ~~الرسول. # (يأتي من بعدي اسمه أحمد) قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو " من بعدي " بفتح ~~الياء. # وهي قراءة السلمي وزر بن حبيش وأبي بكر عن عاصم. واختاره أبو حاتم لأنه ~~اسم، مثل الكاف من بعدك، والتاء من قمت. الباقون بالاسكان. وقرئ " من بعدي ~~اسمه أحمد " بحذف الياء من اللفظ. و " أحمد " اسم نبينا صلى الله عليه ~~وسلم. وهو اسم علم منقول من صفة لا من فعل، فتلك الصفة أفعل التي يراد بها ~~التفضيل. فمعنى " أحمد " أي أحمد الحامدين لربه. والأنبياء صلوات الله ~~عليهم كلهم حامدون الله، ونبينا أحمد أكثرهم حمدا. # وأما محمد فمنقول من صفة أيضا، وهي في معنى محمود، ولكن فيه معنى ~~المبالغة والتكرار. # فالمحمد هو الذي حمد مرة بعد مرة. كما أن المكرم من الكرم مرة بعد مرة. ~~وكذلك الممدح ونحو ذلك. فاسم محمد مطابق لمعناه، والله سبحانه سماه قبل أن ~~يسمي به نفسه. فهذا علم PageV18P083 # من أعلام نبوته، إذ كان اسمه صادقا عليه، فهو محمود في الدنيا لما هدى ~~إليه ونفع به من العلم والحكمة. وهو محمود في الآخرة بالشفاعة. فقد تكرر ~~معنى الحمد كما يقتضي اللفظ. # ثم إنه لم يكن محمدا حتى ms6179 كان أحمد، حمد ربه فنبأه وشرفه، فلذلك تقدم اسم ~~أحمد على الاسم الذي هو محمد فذكره عيسى عليه السلام فقال: " اسمه أحمد ". ~~وذكره موسى عليه السلام حين قال له ربه: تلك أمة أحمد، فقال: اللهم اجعلني ~~من أمة أحمد. فبأحمد ذكره قبل أن يذكره بمحمد، لان حمده لربه كان قبل حمد ~~الناس له. فلما وجد وبعث كان محمدا بالفعل. وكذلك في الشفاعة يحمد ربه ~~بالمحامد التي يفتحها عليه، فيكون أحمد الناس لربه ثم يشفع فيحمد على ~~شفاعته. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اسمي في التوراة أحيد لأني ~~أحيد أمتي عن النار واسمي في الزبور الماحي محا الله بي عبدة الأوثان واسمي ~~في الإنجيل أحمد واسمي في القرآن محمد لأني محمود في أهل السماء والأرض). ~~وفي الصحيح (لي خمسة أسماء أنا محمد وأحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي ~~الكفر وأنا الحاشر الذي تحشر الناس على قدمي وأنا العاقب). وقد تقدم (1). ~~(فلما جاءهم بالبينات) قيل عيسى. وقيل: # محمد صلى الله عليهما وسلم. (قالوا هذا سحر مبين) قرأ الكسائي وحمزة " ~~ساحر " نعتا للرجل وروي أنها قراءة ابن مسعود. الباقون " سحر " نعتا لما ~~جاء به الرسول. # قوله تعالى: ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الأسلم ~~والله لا يهدى القوم الظالمين قوله تعالى: (ومن أظلم) أي لا أحد أظلم (ممن ~~افترى على الله الكذب) تقدم في غير موضع (2). (وهو يدعى إلى الاسلام) هذا ~~تعجب ممن كفر بعيسى ومحمد بعد المعجزات التي ظهرت لهما. وقرأ طلحة بن مصرف ~~" وهو يدعي " بفتح الياء والدال وشدها وكسر العين، أي ينتسب. ويدعي وينتسب ~~سواء. (والله لا يهدى القوم الظالمين أي من كان في حكمه أنه يختم له ~~بالضلالة. # PageV18P084 # قوله تعالى: يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره وله كره ~~الكافرون 8 قوله تعالى: (يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم) الاطفاء هو ~~الاخماد، يستعملان في النار، ويستعملان فيما يجري مجراها من الضياء ~~والظهور. ويفترق الاطفاء والاخماد من وجه، وهو أن الاطفاء يستعمل ms6180 في القليل ~~والكثير، والاخماد إنما يستعمل في الكثير دون القليل، فيقال: أطفأت السراج، ~~ولا يقال أخمدت السراج. وفي " نور الله " هنا خمسة أقاويل: أحدها: أنه ~~القرآن، يريدون إبطاله وتكذيبه بالقول، قاله ابن عباس وابن زيد. والثاني: ~~إنه الاسلام، يريدون دفعه بالكلام، قاله السدي الثالث - أنه محمد صلى الله ~~عليه وسلم، يريدون هلاكه بالأراجيف، قاله الضحاك. الرابع: حجج الله ~~ودلائله، يريدون إبطالها بإنكارهم وتكذيبهم، قاله ابن بحر. الخامس: أنه مثل ~~مضروب، أي من أراد إطفاء نور الشمس بفيه فوجده مستحيلا ممتنعا فكذلك من ~~أراد إبطال الحق، حكاه ابن عيسى. وسبب نزول هذه الآية ما حكاه عطاء عن ابن ~~عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم أبطأ عليه الوحي أربعين يوما، فقال كعب ~~بن الأشرف: يا معشر اليهود، أبشروا! فقد أطفأ الله نور محمد فيما كان ينزل ~~عليه، وما كان ليتم أمره، فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية واتصل الوحي بعدها، حكى جميعه الماوردي رحمه الله. (والله ~~متم نوره) أي بإظهاره في الآفاق. وقرأ (1) ابن كثير وحمزة والكسائي وحفص عن ~~عاصم " والله متم نوره " بالإضافة على نية الانفصال، كقوله تعالى: # " كل نفس ذائقة الموت " [آل عمران: 185] وشبهه، حسب ما تقدم بيانه في " ~~آل عمران (2) ". الباقون " متم نوره " لأنه فيما يستقبل، فعمل. (ولو كره ~~الكافرون) من سائر الأصناف. # PageV18P085 # قوله تعالى: هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ~~ولو كره المشركون 9 قوله تعالى: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى) أي محمدا ~~بالحق والرشاد. (ليظهره على الدين كله) أي بالحجج. ومن الظهور الغلبة باليد ~~في القتال، وليس المراد بالظهور ألا يبقى دين آخر من الأديان، بل المراد ~~يكون أهل الاسلام عالين غالبين. ومن الاظهار ألا يبقى دين سوى الاسلام في ~~آخر الزمان. قال مجاهد: وذلك إذا نزل عيسى لم يكن في الأرض دين إلا دين ~~الاسلام. وقال أبو هريرة: " ليظهره على الدين كله " بخروج عيسى. وحينئذ لا ~~يبقى كافر إلا أسلم. وفي صحيح مسلم عن ms6181 أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: (لينزلن ابن مريم حكما عادلا فليكسرن الصليب وليقتلن ~~الخنزير وليضعن الجزية ولتتركن القلاص (1) فلا يسعى عليها ولتذهبن الشحناء ~~والتباغض والتحاسد وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد). وقيل: " ليظهره " أي ~~ليطلع محمدا صلى الله عليه وسلم على سائر الأديان، حتى يكون عالما بها ~~عارفا بوجوه بطلانها، وبما حرفوا وغيروا منها. " على الدين " أي الأديان، ~~لان الدين مصدر يعبر به عن جمع. # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم ~~10 تؤمنون بالله ورسوله وتجهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير ~~لكم إن كنتم تعلمون 11 يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنت تجرى من تحتها الأنهر ~~ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم 12 وأخرى تحبونها نصر من الله ~~وفتح قريب وبشر المؤمنين 13 # PageV18P086 # فيه خمس مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة) قال ~~مقاتل: نزلت في عثمان بن مظعون، وذلك أنه قال لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: لو أذنت لي فطلقت خولة، وترهبت واختصيت وحرمت اللحم، ولا أنام بليل ~~أبدا، ولا أفطر بنهار أبدا! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن من ~~سنتي النكاح ولا رهبانية في الاسلام إنما رهبانية أمتي الجهاد في سبيل الله ~~وخصاء أمتي الصوم ولا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم. ومن سنتي أنام وأقوم ~~وأفطر وأصوم فمن رغب عن سنتي فليس منى). فقال عثمان: والله لوددت يا نبي ~~الله أي التجارات أحب إلى الله فأتجر فيها، فنزلت. وقيل: " أدلكم " أي ~~سأدلكم. # والتجارة الجهاد، قال الله تعالى: " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم " [التوبة: 111] الآية. (1) وهذا خطاب لجميع المؤمنين. وقيل: لأهل ~~الكتاب. # الثانية - قوله تعالى: (تنجيكم) أي تخلصكم (من عذاب أليم) أي مؤلم. # وقد تقدم (2). وقراءة العامة " تنجيكم " بإسكان النون من الانجاء. وقرأ ~~الحسن وابن عامر أبو حياة " تنجيكم " مشددا من التنجية. ثم بين التجارة وهي ~~المسألة: # الثالثة - فقال: (تؤمنون بالله ورسوله ms6182 وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم ~~وأنفسكم) ذكر الأموال أولا لأنها التي يبدأ بها في الانفاق. (ذلكم) أي هذا ~~الفعل (خير لكم) من أموالكم وأنفسكم (إن كنتم تعلمون). و " تؤمنون " عند ~~المبرد والزجاج في معنى آمنوا، ولذلك جاء " يغفر لكم " مجزوما على أنه جواب ~~الامر. وفي قراءة عبد الله " آمنوا بالله " وقال الفراء " يغفر لكم " جواب ~~الاستفهام، وهذا إنما يصح على الحمل على المعنى، وذلك أن يكون " تؤمنون ~~بالله، وتجاهدون " عطف بيان على قوله: " هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب ~~أليم " كأن التجارة لم يدر ما هي، فبينت بالايمان والجهاد، فهي هما في ~~المعنى. فكأنه قال: هل تؤمنون بالله وتجاهدون يغفر لكم. الزمخشري: وجه قول ~~الفراء أن متعلق الدلالة # PageV18P087 # هو التجارة والتجارة مفسرة بالايمان والجهاد. كأنه قيل: هل تتجرون ~~بالايمان والجهاد يغفر لكم. قال المهدوي: فإن لم تقدر هذا التقدير لم تصح ~~المسألة، لان التقدير يصير إن دللتم يغفر لكم، والغفران إنما نعت بالقبول ~~والايمان لا بالدلالة. قال الزجاج: ليس إذا دلهم على ما ينفعهم يغفر لهم، ~~إنما يغفر لهم إذا آمنوا وجاهدوا. وقرأ زيد بن علي " تؤمنوا "، و " تجاهدوا ~~" على إضمار لام الامر، كقوله: # محمد تفد نفسك كل نفس * إذا ما خفت من شئ تبالا (1) أراد لتفد. وأدغم ~~بعضهم فقال: " يغفر لكم " والأحسن ترك الادغام، لان الراء حرف متكرر قوي ~~فلا يحسن إدغامه في اللام، لان الأقوى لا يدغم في الأضعف. # الرابعة - قوله تعالى: (ومساكن طيبة) خرج أبو الحسين الآجري عن الحسن ~~قال: # سألت عمران بن الحصين وأبا هريرة عن تفسير هذه الآية " ومساكن طيبة " ~~فقالا: على الخبير سقطت، سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها فقال: ~~(قصر من لؤلؤة في الجنة فيه سبعون دارا من ياقوتة حمراء في كل دار سبعون ~~بيتا من زبر جدة خضراء في كل بيت سبعون سريرا على كل سرير سبعون فراشا من ~~كل لون على كل فراش سبعون امرأة من الحور العين في كل بيت سبعون مائدة على ~~كل مائدة سبعون لونا ms6183 من الطعام في كل بيت سبعون وصيفا ووصيفة فيعطي الله ~~تبارك وتعالى المؤمن من القوة في غداة واحدة ما يأتي على ذلك كله). " في ~~جنات عدن " أي إقامة. (ذلك الفوز العظيم) أي السعادة الدائمة الكبيرة. وأصل ~~الفوز الظفر بالمطلوب. # الخامسة - قوله تعالى: (وأخرى تحبونها) قال الفراء والأخفش: " أخرى " ~~معطوفة على " تجارة " فهي في محل خفض. وقيل: محلها رفع أي ولكم خصلة أخرى ~~وتجارة أخرى تحبونها (نصر من الله) أي هو نصر من الله، ف‍ " نصر " على هذا ~~تفسير # PageV18P088 # " وأخرى ". وقيل: رفع على البدل من " أخرى " أي ولكم نصر من الله. (وفتح ~~قريب) أي غنيمة في عاجل الدنيا، وقيل فتح مكة. وقال ابن عباس: يريد فتح ~~فارس والروم. # (وبشر المؤمنين) برضا الله عنهم. # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم ~~للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فأمنت طائفة من ~~بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظهرين 14 ~~أكد أمر الجهاد، أي كونوا حواري نبيكم ليظهركم الله على من خالفكم كما أظهر ~~حواري عيسى على من خالفهم. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع " أنصارا لله " ~~بالتنوين. قالوا: # لان معناه أثبتوا وكونوا أعوانا لله بالسيف على أعدائه وقرأ الباقون من ~~أهل البصرة والكوفة والشام " أنصار الله " بلا تنوين، وحذفوا لام الإضافة ~~من اسم الله تعالى. واختاره أبو عبيدة لقوله: " نحن أنصار الله " ولم ينون، ~~ومعناه كونوا أنصارا لدين الله. ثم قيل: # في الكلام إضمار، أي قل لهم يا محمد كونوا أنصار الله. وقيل: هو ابتداء ~~خطاب من الله، أي كونوا أنصارا كما فعل أصحاب عيسى فكانوا بحمد الله أنصارا ~~وكانوا حواريين. والحواريون خواص الرسل. قال معمر: كان ذلك بحمد الله، أي ~~نصروه وهم سبعون رجلا، وهم الذين بايعوه ليلة العقبة. وقيل: هم من قريش. ~~وسماهم قتادة: أبا بكر وعمر وعلي وطلحة والزبير وسعد بن مالك وأبا عبيدة - ~~واسمه عامر - وعثمان بن مظعون وحمزة بن عبد المطلب، ولم يذكر ms6184 سعيدا فيهم، ~~وذكر جعفر بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين. (كما قال عيسى بن مريم ~~للحواريين) وهم أصفياؤه اثنا عشر رجلا، وقد مضت أسماؤهم في " آل عمران " ~~(1)، وهم أول من آمن به من بني إسرائيل، قاله ابن عباس. وقال مقاتل: # PageV18P089 # قال الله لعيسى إذا دخلت القرية فأت النهر الذي عليه القصارون (1) ~~فاسألهم النصرة، فأتاهم عيسى وقال: من أنصاري إلى الله؟ قالوا: نحن ننصرك. ~~فصدقوه ونصروه. ومعنى من أنصاري إلى الله أي من أنصاري مع الله، كما تقول: ~~الذود إلى الذود إبل، أي مع الذود. وقيل: أي من أنصاري فيما يقرب إلى الله. ~~" وقد مضى هذا في آل عمران (1) " (فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة) ~~والطائفتان في زمن عيسى افترقوا بعد رفعه إلى السماء، على ما تقدم في " آل ~~عمران " بيانه. " فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم الذين كفروا بعيسى. " ~~فأصبحوا ظاهرين " أي غالبين. قال ابن عباس: أيد الله الذين آمنوا في زمن ~~عيسى بإظهار محمد على دين الكفار. وقال مجاهد: أيدوا في زمانهم على من كفر ~~بعيسى. وقيل أيدنا الآن المسلمين على الفرقتين الضالتين، من قال كان الله ~~فارتفع، ومن قال كان ابن الله فرفعه الله إليه، لان عيسى بن مريم لم يقاتل ~~أحدا ولم يكن في دين أصحابه بعده قتال. وقال زيد بن علي وقتادة: " فأصبحوا ~~ظاهرين " غالبين بالحجة والبرهان، لأنهم قالوا فيما روي: ألستم تعلمون أن ~~عيسى كان ينام والله لا ينام، وأن عيسى كان يأكل والله تعالى لا يأكل!. ~~وقيل: نزلت هذه الآية في رسل عيسى عليه الصلاة والسلام. قال ابن إسحاق: ~~وكان الذي بعثهم عيسى من الحواريين والاتباع فطرس وبولس إلى رومية، ~~واندراييس ومتى إلى الأرض التي يأكل أهلها الناس. وتوماس إلى أرض بابل من ~~أرض المشرق. وفيلبس إلى قرطاجنة وهي أفريقية. ويحنس إلى دقسوس قرية أهل ~~الكهف. # ويعقوبس إلى أورشليم وهي بيت المقدس،. وابن تلما إلى العرابية وهي أرض ~~الحجاز. # وسيمن إلى أرض البربر. ويهودا وبردس إلى الإسكندرية وما حولها (2). ~~فأيدهم الله بالحجة. # " فأصبحوا ms6185 ظاهرين " أي عالين، من قولك: ظهرت على الحائط أي علوت عليه. # والله سبحانه وتعالى اعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (3) # PageV18P090 # سورة الجمعة مدنية في قول الجميع، وهي إحدى عشرة آية. وفي صحيح مسلم عن ~~أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (خير يوم طلعت عليه الشمس ~~يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة وفيه أخرج منها ولا تقوم الساعة ~~إلا في يوم الجمعة). وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نحن ~~الآخرون الأولون (1) يوم القيامة ونحن أول من يدخل الجنة (2) بيد أنهم ~~أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم فاختلفوا فهدانا الله لما اختلفوا ~~فيه من الحق فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه هدانا الله له - قال - يوم الجمعة ~~فاليوم لنا وغدا لليهود وبعد غد للنصارى). # بسم الله الرحمن الرحيم يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض الملك ~~القدوس العزيز الحكيم 1 تقدم الكلام فيه. وقرأ أبو العالية ونصر بن عاصم " ~~الملك القدوس العزيز الحكيم " كلها رفعا، أي هو الملك. قوله تعالى: هو الذي ~~بعث في الأمين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب ~~والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين 2 قوله تعالى: (هو الذي بعث في ~~الأميين رسولا منهم) قال ابن عباس: الأميون العرب كلهم، من كتب منهم ومن لم ~~يكتب، لأنهم لم يكونوا أهل كتاب. وقيل: الأميون # PageV18P091 # الذين لا يكتبون. وكذلك كانت قريش. وروى منصور عن إبراهيم قال: الأمي ~~الذي يقرأ ولا يكتب. وقد مضى في " البقرة " (1). (رسولا منهم) يعني محمدا ~~صلى الله عليه وسلم. # وما من حي من العرب إلا ولرسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم قرابة وقد ~~ولدوه. قال ابن إسحاق: إلا حي تغلب، فإن الله تعالى طهر نبيه صلى الله عليه ~~وسلم منهم لنصرانيتهم فلم يجعل لهم عليه ولادة. وكان أميا لم يقرأ من كتاب ~~ولم يتعلم صلى الله عليه وسلم. قال الماوردي: فإن قيل ما وجه الامتنان فإن ~~بعث نبيا أميا؟ فالجواب عنه من ثلاثة ms6186 أوجه: # أحدها: لموافقته ما تقدمت به بشارة الأنبياء. الثاني: لمشاكلة حال ~~لأحوالهم، فيكون أقرب إلى موافقتهم. الثالث: لينتفي عنه سوء الظن في تعليمه ~~ما دعى إليه من الكتب التي قرأها والحكم التي تلاها. # قلت: وهذا كله دليل معجزته وصدق نبوته. # قوله تعالى: (يتلو عليهم آياته) يعني القرآن (ويزكيهم) أي يجعلهم أزكياء ~~القلوب بالايمان، قاله ابن عباس. وقيل: يطهرهم من دنس الكفر والذنوب، قاله ~~ابن جريج ومقاتل. وقال السدي: يأخذ زكاة أموالهم (ويعلمهم الكتاب) يعني ~~القرآن (والحكمة) السنة، قاله الحسن. وقال ابن عباس: " الكتاب " الخط ~~بالقلم، لان الخط فشا في العرب بالشرع لما أمروا بتقييده بالخط. وقال مالك ~~بن أنس: " الحكمة " الفقه في الدين. وقد مضى القول في هذا في " البقرة ". ~~(1) (وإن كانوا من قبل) أي من قبله وقبل أن يرسل إليهم. # (لفي ضلال مبين) أي في ذهاب عن الحق. # قوله تعالى: وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم 3 قوله تعالى: ~~(وآخرين منهم) هو عطف على " الأميين " أي بعث في الأميين وبعث في آخرين ~~منهم. ويجوز أن يكون منصوبا بالعطف على الهاء والميم في " يعلمهم ويزكيهم ~~"، # PageV18P092 # أي يعلمهم ويعلم آخرين من المؤمنين، لان التعليم إذا تناسق إلى آخر ~~الزمان كان كله مسندا إلى أوله فكأنه هو الذي تولى كل ما وجد منه. (لما ~~يلحقوا بهم) أي لم يكونوا في زمانهم وسيجيئون بعدهم. قال ابن عمرو سعيد بن ~~جبير: هم العجم. وفي صحيح البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: كنا جلوسا عند ~~النبي صلى الله عليه وسلم إذ نزلت عليه سورة " الجمعة " فلما قرأ " وآخرين ~~منهم لما يلحقوا بهم " قال رجل: من هؤلاء يا رسول الله؟ فلم يراجعه النبي ~~صلى الله عليه وسلم حتى سأله مرة أو مرتين أو ثلاثا. قال وفينا سلمان ~~الفارسي. # قال: فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على سلمان ثم قال: (لو كان ~~الايمان عند الثريا لناله رجال من هؤلاء). في رواية (لو كان الدين عند ~~الثريا لذهب به رجل من فارس - أو قال - من ms6187 أبناء فارس حتى يتناوله لفظ ~~مسلم. وقال عكرمة: هم التابعون. مجاهد: هم الناس كلهم، يعني من بعد العرب ~~الذين بعث فيهم محمد صلى الله عليه وسلم. وقاله ابن زيد ومقاتل ابن حيان. ~~قالا: هم من دخل في الاسلام بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة. # وروى سهل بن سعد الساعدي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن في أصلاب ~~أمتي رجالا ونساء يدخلون الجنة بغير حساب - ثم تلا - " وآخرين منهم لما ~~يلحقوا بهم ". والقول الأول أثبت. وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: (رأيتني أسقي غنما سودا ثم اتبعتها غنما عفرا أولها يا أبا بكر) فقال: ~~يا رسول الله، أما السود فالعرب، وأما الغفر فالعجم تتبعك بعد العرب. فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: (كذا أولها الملك) يعني جبريل عليه السلام. رواه ~~ابن أبي ليلى عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهو علي ابن أبي ~~طالب رضي الله عنه. # قوله تعالى: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم 4 قال ابن ~~عباس: حيث ألحق العجم بقريش. وقيل: يعنى الاسلام، فضل الله يؤتيه من يشاء، ~~قاله الكلبي. وقيل: يعنى الوحي والنبوة، قاله مقاتل. وقول رابع: إنه المال ~~PageV18P093 # ينفق في الطاعة، وهو معنى قول أبي صالح. وقد روى مسلم عن أبي صالح عن أبي ~~هريرة أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ذهب ~~أهل الدثور بالدرجات العلا والنعيم المقيم. فقال: (وما ذاك)؟ قالوا: يصلون ~~كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون ولا نتصدق ويعتقون ولا نعتق. فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # (أفلا أعلمكم شيئا تدركون به من سبقكم وتسبقون به من بعدكم ولا يكون أحد ~~أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم) قالوا: بلى يا رسول الله، قال: (تسبحون ~~وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين مرة). قال أبو صالح: فرجع فقراء ~~المهاجرين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: سمع إخواننا أهل ~~الأموال ms6188 بما فعلنا ففعلوا مثله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ذلك ~~فضل الله يؤتيه من يشاء). وقول خامس: أنه انقياد الناس إلى تصديق النبي صلى ~~الله عليه وسلم ودخولهم في دينه ونصرته. والله أعلم. # قوله تعالى: مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل ~~أسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدى القوم الظالمين ~~5 ضرب مثلا لليهود لما تركوا العمل بالتوراة ولم يؤمنوا بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم. # " حملوا التوراة " أي كلفوا العمل بها، عن ابن عباس. وقال الجرجاني: هو ~~من الحمالة بمعنى الكفالة، أي ضمنوا أحكام التوراة. (كمثل الحمار يحمل ~~أسفارا) هي جمع سفر، وهو الكتاب الكبير، لأنه يسفر عن المعنى إذا قرئ. قال ~~ميمون بن مهران: الحمار لا يدري أسفر على ظهره أم زبيل، (1) فهكذا اليهود. ~~وفي هذا تنبيه من الله تعالى لمن حمل الكتاب أن يتعلم معانيه ويعلم ما فيه، ~~لئلا يلحقه من الذم ما لحق هؤلاء. وقال الشاعر: (2) # PageV18P094 # زوامل للأسفار لا علم عندهم * وبجيدها إلا كعلم الأباعر لعمرك ما يدري ~~البعير إذا غدا * بأوساقه أو راح ما في الغرائر (2) وقال يحيى بن يمان: ~~يكتب أحدهم الحديث ولا يتفهم ولا يتدبر، فإذا سئل أحدهم عن مسألة جلس كأنه ~~مكاتب. وقال الشاعر: # إن الرواة على جهل بما حملوا * مثل الجمال عليها يحمل الودع لا الودع ~~ينفعه حمل الجمال له * ولا الجمال بحمل الودع تنتفع وقال منذر بن سعيد ~~البلوطي رحمه الله فأحسن: # انعق بما شئت تجد أنصارا * ووزم أسفارا تجد حمارا يحمل ما وضعت من أسفار ~~* يحمله كمثل الحمار يحمل أسفارا له وما درى * إن كان ما فيها صوابا وخطا ~~(3) إن سئلوا قالوا كذا روينا * ما إن كذبنا ولا اعتدينا كبيرهم يصغر عند ~~الحفل * لأنه قلد (4) أهل الجهل " ثم لم يحملوها " أي لم يعملوا بها. شبههم ~~- والتوراة في أيديهم وهم لا يعملون بها - بالحمار يحمل كتبا وليس له إلا ~~ثقل الحمل من غير فائدة. و " يحمل " في موضع نصب على الحال، ms6189 أي حاملا. ~~ويجوز أن يكون في موضع جر على الوصف، لان الحمار كاللئيم. قال: # ولقد أمر على اللئيم يسبني (5) * (بئس مثل القوم) المثل الذي ضربناه لهم، ~~فحذف المضاف. (والله لا يهدى القوم الظالمين) أي من سبق في علمه أنه يكون ~~كافرا. # PageV18P095 # قوله تعالى: قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون ~~الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين 6 ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم ~~والله عليم بالظالمين 7 لما ادعت اليهود الفضيلة وقالوا: " نحن أبناء الله ~~وأحباؤه " [المائدة: 18] قال الله تعالى: " إن زعمتم أنكم أولياء لله من ~~دون الناس " فللأولياء عند الله الكرامة. (فتمنوا الموت إن كنتم صادقين) ~~لتصيروا إلى ما يصير إليه أولياء الله (ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم) ~~أي أسلفوه من تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم، فلو تمنوه لماتوا، فكان في ~~ذلك بطلان قولهم وما ادعوه من الولاية. # وفي حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما نزلت هذه الآية: (والذي ~~نفس محمد بيده لو تمنوا الموت ما بقي على ظهرها يهودي إلا مات). وفى هذا ~~إخبار عن الغيب، ومعجزة للنبي صلى الله عليه وسلم. وقد مضى معنى هذه الآية ~~في " البقرة " في قوله تعالى -: " قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله ~~خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين (1) " [البقرة: 94]. # قوله تعالى: قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم ~~الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون 8 قال الزجاج: لا يقال: إن زيدا ~~فمنطلق، وها هنا قال: " فإنه ملاقيكم " (2) لما في معنى " الذي " من الشرط ~~والجزاء، أي إن فررتم منه فإنه ملاقيكم، ويكون مبالغة في الدلالة على أنه ~~لا ينفع الفرار منه. قال زهير: # ومن هاب أسباب المنايا ينلنه * ولو رام أسباب السماء بسلم قلت: ويجوز أن ~~يتم الكلام عند قوله قوله: " الذي تفرون منه " ثم يبتدئ " فإنه ملاقيكم ". ~~وقال طرقة: # PageV18P096 # وكفى بالموت فاعلم واعظا * لمن الموت عليه قد قدر فاذكر الموت وحاذر ذكره ms6190 ~~* إن في الموت لذي اللب عبر كل شئ سوف يلقى حتفه * في مقام أو على ظهر سفر ~~والمنايا حوله ترصده * ليس ينجيه من الموت الحذر قوله تعالى: يا أيها الذين ~~آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم ~~خير لكم إن كنتم تعلمون 9 فيه ثلاث عشرة مسألة: # الأولى - قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم ~~الجمعة) قرأ عبد الله بن الزبير والأعمش وغيرهما " الجمعة " بإسكان الميم ~~على التخفيف. وهما لغتان. # وجمعهما جمع وجمعات. قال الفراء: يقال الجمعة (بسكون الميم) والجمعة (بضم ~~الميم) والجمعة (بفتح الميم) فيكون صفة اليوم، أي تجمع الناس. كما يقال: ~~ضحكة للذي يضحك. # وقال ابن عباس: نزل القرآن بالتثقيل والتفخيم فاقرؤوها جمعة، يعني بضم ~~الميم. وقال الفراء وأبو عبيد: والتخفيف أقيس وأحسن، نحو غرفة وغرف، وطرفة ~~وطرف، وحجرة وحجر. # وفتح الميم لغة بني عقيل. وقيل: إنها لغة النبي صلى الله عليه وسلم. وعن ~~سلمان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما سميت جمعة لان الله جمع فيها ~~خلق آدم). وقيل: لان الله تعالى فرغ فيها من خلق كل شئ فاجتمعت فيها ~~المخلوقات. وقيل: لتجتمع الجماعات فيها. # وقيل: لاجتماع الناس فيها للصلاة. و " من " بمعنى " في "، أي في يوم، ~~كقوله تعالى: # " أروني ماذا خلقوا من الأرض (1) " [فاطر: 40] أي في الأرض. # الثانية: قال أبو سلمة: أول من قال: " أما بعد " كعب بن لوي، وكان أول من ~~سمى الجمعة جمعة. وكان يقال ليوم الجمعة: العروبة. وقيل: أول من سماها جمعة ~~الأنصار. # PageV18P097 # قال ابن سيرين: جمع أهل المدينة من قبل أن يقدم النبي صلى الله عليه وسلم ~~المدينة، وقبل أن تنزل الجمعة، وهم الذين سموها الجمعة، وذلك أنهم قالوا: ~~إن لليهود يوما يجتمعون فيه، في كل سبعة أيام يوم وهو السبت. وللنصارى يوم ~~مثل ذلك وهو الأحد فتعالوا فلنجتمع حتى نجعل يوما لنا نذكر الله ونصلي فيه ~~- ونستذكر - أو كما قالوا - فقالوا: يوم السبت لليهود، ويوم الأحد للنصارى، ~~فاجعلوه ms6191 يوم العروبة. فاجتمعوا إلى أسعد بن زرارة (أبو أمامة رضي الله عنه) ~~فصلى بهم يومئذ ركعتين وذكرهم، فسموه يوم الجمعة حين اجتمعوا. فذبح لهم ~~أسعد شاة فتعشوا وتغدوا منها لقلتهم. فهذه أول جمعه في الاسلام. # قلت: وروي أنهم كانوا اثني عشر رجلا على ما يأتي. وجاء في هذه الرواية: ~~أن الذي جمع بهم وصلى أسعد بن زرارة، وكذا في حديث عبد الرحمن بن كعب بن ~~مالك عن أبيه كعب على ما يأتي. وقال البيهقي: وروينا عن موسى بن عقبة عن ~~ابن شهاب الزهري أن مصعب ابن عمير كان أول من جمع الجمعة بالمدينة للمسلمين ~~قبل أن يقدمها رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال البيهقي: يحتمل أن يكون ~~مصعب جمع بهم بمعونة أسعد بن زرارة فأضافه كعب إليه. والله أعلم. # وأما أول جمعة جمعها النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه، فقال أهل السير ~~والتواريخ: # قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجرا حتى نزل بقباء، على بني عمرو بن ~~عوف يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول حين اشتد الضحى. ~~ومن تلك السنة يعد التاريخ. فأقام بقباء إلى يوم الخميس وأسس مسجدهم. ثم ~~خرج يوم الجمعة إلى المدينة، فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف في بطن واد ~~لهم قد اتخذ القوم في ذلك الموضع مسجدا، فجمع بهم وخطب. وهي أول خطبة خطبها ~~بالمدينة، وقال فيها: (الحمد لله. أحمده وأستعينه وأستغفره وأستهديه، وأومن ~~به ولا أكفره، وأعادي من يكفر به. واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك ~~له وأشهد أن محمدا عبده ورسول، أرسله بالهدى ودين الحق، والنور والموعظة ~~والحكمة على فترة من الرسل، وقلة من العلم، وضلالة من الناس، وانقطاع ~~PageV18P098 # من الزمان، ودنو من الساعة، وقرب من الاجل. من يطع الله ورسوله فقد رشد. ~~ومن يعص الله ورسول فقد غوى وفرط وضل ضلالا بعيدا. أوصيكم بتقوى الله، فإنه ~~خير ما أوصى به المسلم المسلم أن يحضه على الآخرة، وأن يأمره بتقوى الله. ~~واحذروا ما ms6192 حذركم الله من نفسه، فإن تقوى الله لمن عمل به على وجل ومخافة ~~من ربه عون صدق على ما تبغون من أمر (1) الآخرة. ومن يصلح الذي بينه وبين ~~ربه من أمره في السر والعلانية، لا ينوي به إلا وجه الله يكن له ذكرا في ~~عاجل أمره، وذخرا فيما بعد الموت، حين يفتقر المرء إلى ما قدم. وما كان مما ~~سوى ذلك يود لو أن بينه وبينه أمدا بعيدا. # " ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد (2) " [آل عمران: 30]. وهو الذي ~~صدق قول، وأنجز وعده، لا خلف لذلك، فإنه يقول تعالى: " ما يبدل القول لدي ~~وما أنا بظلام للعبيد " (3) [ق: 29]. فاتقوا الله في عاجل أمركم وآجله في ~~السر والعلانية، فإنه " ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا " (4) ~~[الطلاق: 5]. ومن يتق الله فقد فاز فوزا عظيما. وإن تقوى الله توقي مقته ~~وتوقي عقوبته وتوقي سخطه. وإن تقوى الله تبيض الوجوه، وترضي الرب، وترفع ~~الدرجة. فخذوا بحظكم ولا تفرطوا في جنب الله، فقد علمكم كتابه، ونهج لكم ~~سبيله، ليعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين. فأحسنوا كما أحسن الله إليكم، ~~وعادوا أعداءه، وجاهدوا في الله حق جهاده، هو اجتباكم وسماكم المسلمين ~~ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة. ولا حول ولا قوة إلا بالله. ~~فأكثروا ذكر الله تعالى، واعملوا لما بعد الموت، فإنه من يصلح ما بينه وبين ~~الله يكفه الله ما بينه وبين الناس. ذلك بأن الله يقضي على الناس ولا يقضون ~~عليه، ويملك من الناس ولا يملكون منه. الله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا ~~بالله العلي العظيم). # وأول جمعة جمعت بعدها جمعة بقرية يقال لها: " جواثي " من قرى البحرين. ~~وقيل: # إن أول من سماها الجمعة كعب بن لؤي بن غالب لاجتماع قريش فيه إلى كعب، ~~كما تقدم. # والله أعلم. # PageV18P099 # الثالثة: خاطب الله المؤمنين بالجمعة دون الكافرين تشريفا لهم وتكريما ~~فقال: # " يا أيها الذين آمنوا " ثم خصه بالنداء، وإن كان قد دخل في عموم قوله ~~تعالى: " وإذا ناديتم إلى الصلاة ms6193 (1) " [المائدة: 58] ليدل على وجوبه ~~وتأكيد فرضه. وقال بعض العلماء: كون الصلاة الجمعة ها هنا معلوم بالاجماع ~~لا من نفس اللفظ قال ابن العربي: وعندي أنه معلوم من نفس اللفظ بنكتة وهي ~~قول: " من يوم الجمعة " وذلك يفيده، لان النداء الذي يختص بذلك اليوم هو ~~نداء تلك الصلاة. فأما غيرها فهو عام في سائر الأيام. ولو لم يكن المراد به ~~نداء الجمعة لما كان لتخصيصه بها وإضافته إليها معنى ولا فائدة. # الرابعة: فقد تقدم حكم الاذان في سورة " المائدة " مستوفي. (2) وقد كان ~~الاذان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في سائر الصلوات، يؤذن ~~واحد إذا جلس النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر. وكذلك كان يفعل أبو بكر ~~وعمر وعلي بالكوفة. ثم زاد عثمان على المنبر أذانا ثالثا (3) على داره التي ~~تسمى " الزوراء (4) " حين كثر الناس بالمدينة. فإذا سمعوا أقبلوا، حتى إذا ~~جلس عثمان على المنبر أذن مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يخطب عثمان. ~~خرجه ابن ماجة في سننه من حديث محمد بن إسحاق عن الزهري عن السائب بن يزيد ~~قال: ما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مؤذن واحد، إذا خرج أذن ~~وإذا نزل أقام. وأبو بكر وعمر كذلك. فلما كان عثمان وكثر الناس زاد النداء ~~الثالث على دار في السوق يقال لها " الزوراء "، فإذا خرج أذن وإذا نزل ~~أقام. خرجه البخاري من طرق بمعناه. وفي بعضها: أن الاذان الثاني يوم الجمعة ~~أمر به عثمان بن عفان حين كثر أهل المسجد، وكان التأذين يوم الجمعة حين ~~يجلس الامام. وقال الماوردي: فأما الاذان الأول فمحدث، فعله عثمان بن عفان ~~ليتأهب الناس لحضور الخطبة عند اتساع المدينة وكثرة أهلها. وقد كان عمر رضي ~~الله عنه أمر أن # PageV18P100 # يؤذن في السوق قبل المسجد ليقوم الناس عن بيوعهم، فإذا اجتمعوا أذن في ~~المسجد، فجعله عثمان رضي الله عنه أذانين في المسجد. قال ابن العربي. وفي ~~الحديث الصحيح: أن الاذان كان على عهد رسول الله صلى الله عليه ms6194 وسلم واحدا، ~~فلما كان زمن عثمان زاد الاذان الثالث على الزوراء، وسماه في الحديث ثالثا ~~لأنه أضافه إلى الإقامة، كما قال عليه الصلاة والسلام: # (بين كل أذانين صلاة لمن شاء) يعني الأذان والإقامة. ويتوهم الناس أنه ~~أذان أصلي فجعلوا المؤذنين ثلاثة فكان وهما، ثم جمعوهم في وقت واحد فكان ~~وهما على وهم. ورأيتهم يؤذنون بمدينة السلام بعد أذان المنار بين يدي ~~الامام تحت المنبر في جماعة.، كما كانوا يفعلون عندنا في الدول الماضية. ~~وكل ذلك محدث. # الخامسة - قوله تعالى (فاسعوا إلى ذكر الله) اختلف في معنى السعي ها هنا ~~على ثلاثة أقوال: أولها: القصد. قال الحسن: والله ما هو بسعي على الاقدام ~~ولكنه سعي بالقلوب والنية. الثاني: أنه العمل، كقوله تعالى: " ومن أراد ~~الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن " (1) [الاسراء: 19]، وقوله: " إن سعيكم ~~لشتى " (2) [الليل: 4]، وقوله: " وأن ليس للانسان إلا ما سعى " (3) [النجم: ~~39]. # وهذا قول الجمهور. وقال زهير: # * سعى بعدهم قوم لكي يدركوهم (4) * وقال أيضا: # سعى ساعيا غيظ بن مرة بعد ما * تبزل ما بين العشيرة بالدم (5) أي فاعملوا ~~على المضي إلى ذكر الله، واشتغلوا بأسبابه من الغسل والتطهير والتوجه إليه. # الثالث: أن المراد به السعي على الاقدام. وذلك فضل وليس بشرط. ففي ~~البخاري: أن # PageV18P101 # أبا عبس بن جبر - واسمه عبد الرحمن وكان من كبار الصحابة - مشى إلى ~~الجمعة راجلا وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من أغبرت ~~قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار). ويحتمل ظاهره رابعا: وهو الجري ~~والاشتداد قال ابن العربي: # وهو الذي أنكره الصحابة الأعلمون والفقهاء الأقدمون. وقرأها عمر: " ~~فامضوا إلى ذكر الله " فرارا عن طريق الجري والاشتداد الذي يدل على الظاهر. ~~وقرأ ابن مسعود كذلك وقال: # لو قرأت " فاسعوا " لسعيت حتى يسقط ردائي. وقرأ ابن شهاب: " فامضوا إلى ~~ذكر الله سالكا تلك السبيل ". وهو كله تفسير منهم، لا قراءة قرآن منزل. ~~وجائز قراءة القرآن بالتفسير في معرض التفسير. قال أبو بكر الأنباري: وقد ~~احتج من خالف المصحف بقراءة عمر وابن مسعود، ms6195 وأن خرشة بن الحر قال: رآني ~~عمر رضي الله عنه ومعي قطعة فيها " فاسعوا إلى ذكر الله " فقال لي عمر: من ~~أقرأك هذا؟ قلت أبي. فقال: إن أبيا أقرؤنا للمنسوخ. # ثم قرأ عمر " فامضوا إلى ذكر الله ". حدثنا إدريس قال حدثنا خلف قال ~~حدثنا هشيم عن المغيرة عن إبراهيم عن خرشة، فذكره. وحدثنا محمد بن يحيى ~~أخبرنا محمد وهو ابن سعدان قال حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن سالم عن ~~أبيه قال: ما سمعت عمر يقرأ قط إلا " فامضوا إلى ذكر الله ". وأخبرنا إدريس ~~قال حدثنا خلف قال حدثنا هشيم عن المغيرة عن إبراهيم أن عبد الله بن مسعود ~~قرأ " فامضوا إلى ذكر الله " وقال: لو كانت " فاسعوا " لسعيت حتى يسقط ~~ردائي. قال أبو بكر: فاحتج عليه بأن الأمة أجمعت على " فاسعوا " برواية ذلك ~~عن الله رب العالمين ورسوله صلى الله عليه وسلم. فأما عبد الله بن مسعود ~~فما صح عنه " فامضوا " لان السند غير متصل، إذ إبراهيم النخعي لم يسمع عن ~~عبد الله بن مسعود شيئا، وإنما ورد " فأمضوا " عن عمر رضي الله عنه. فإذا ~~انفرد أحد بما يخالف الآية والجماعة كان ذلك نسيانا منه. والعرب مجمعة على ~~أن السعي يأتي بمعنى المضي، غير أنه لا يخلو من الجد والانكماش. قال زهير: # سعى ساعيا غيظ بمرة بعد ما * تبزل ما بين العشيرة بالدم PageV18P102 # أراد بالسعي المضي بجد وانكماش، ولم يقصد للعدو والاسراع في الخطو. وقال ~~الفراء وأبو عبيدة: معنى السعي في الآية المضي. واحتج الفراء بقولهم: هو ~~يسعى في البلاد يطلب فضل الله، معناه هو يمضي بجد واجتهاد. واحتج أبو عبيدة ~~بقول الشاعر: # أسعى على جل بني مالك * كل امرئ في شأنه ساعي فهل يحتمل السعي في هذا ~~البيت إلا مذهب المضي بالانكماش، ومحال أن يخفى هذا المعنى على ابن مسعود ~~على فصاحته وإتقان عربيته. # قلت: ومما يدل على أنه ليس المراد ها هنا العدو قوله عليه الصلاة ~~والسلام: (إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون ولكن ائتوها وعليكم ms6196 السكينة). ~~قال الحسن: أما والله ما هو بالسعي على الاقدام، ولقد نهوا أن يأتوا الصلاة ~~إلا وعليهم السكينة والوقار، ولكن بالقلوب والنية والخشوع. وقال قتادة: ~~السعي أن تسعى بقلبك وعملك. وهذا حسن، فإنه جمع الأقوال الثلاثة. وقد جاء ~~في الاغتسال للجمعة والتطيب والتزين باللباس أحاديث مذكورة في كتب الحديث. # السادسة: قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا " خطاب للمكلفين بإجماع. ~~ويخرج منه المرضى والزمني والمسافرون والعبيد والنساء بالدليل، والعميان ~~والشيخ الذي لا يمشي إلا بقائد عند أبي حنيفة. روى أبو الزبير عن جابر أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة يوم الجمعة إلا مريض أو ~~مسافر أو امرأة أو صبي أو مملوك فمن استغنى بلهو أو تجارة استغنى الله عنه ~~والله غني حميد) خرجه الدارقطني وقال علماؤنا رحمهم الله: ولا يتخلف أحد عن ~~الجمعة ممن عليه إتيانها إلا بعذر لا يمكنه منه الاتيان إليها، مثل المرض ~~الحابس، أو خوف الزيادة في المرض، أو خوف جور السلطان عليه في مال أو بدن ~~دون القضاء عليه بحق. والمطر الوابل مع الوحل عذر إن لم ينقطع. # ولو يره مالك عذرا له، حكاه المهدوي. ولو تخلف عنها متخلف على ولي حميم ~~له قد حضرته الوفاة، ولم يكن عنده من يقوم بأمره رجا أن يكون في سعة. وقد ~~فعل ذلك ابن عمر. PageV18P103 # ومن تخلف عنها لغير عذر فصلى قبل الامام أعاد، ولا يجزيه أن يصلي قبله. ~~وهو في تخلفه عنها مع إمكانه لذلك عاص لله بفعله. # السابعة: قوله تعالى: " إذا نودي للصلاة " يختص بوجوب الجمعة على (1) ~~القريب الذي يسمع النداء، فأما البعيد الدار الذي لا يسمع النداء فلا يدخل ~~تحت الخطاب. واختلف فيمن يأتي الجمعة من الداني والقاصي، فقال ابن عمر وأبو ~~هريرة وأنس: تجب الجمعة على من في المصر على ستة أميال. وقال ربيعة: أربعة ~~أميال. وقال مالك والليث: ثلاثة أميال. # وقال الشافعي: اعتبار سماع الاذان أن يكون المؤذن صيتا، (2) والأصوات ~~هادئة، والريح ساكنة وموقف المؤذن ms6197 عند سور البلد. وفي الصحيح عن عائشة: أن ~~الناس كانوا ينتابون (3) الجمعة من منازلهم ومن العوالي فيأتون في الغبار ~~(4) ويصيبهم الغبار فتخرج منهم الريح، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~(لو اغتسلتم ليومكم هذا) قال علماؤنا: والصوت إذا كان منيعا والناس في هدوء ~~وسكون فأقصى سماع الصوت ثلاثة أميال. والعوالي من المدينة أقربها على ثلاثة ~~أميال. وقال أحمد بن حنبل وإسحاق: تجب الجمعة على من سمع النداء. وروى ~~الدارقطني من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # (إنما الجمعة على من سمع النداء). وقال أبو حنيفة وأصحابه تجب على من في ~~المصر، سمع النداء أو لم يسمعه، ولا تجب على من هو خارج المصر وإن سمع ~~النداء. حتى سئل: وهل تجب الجمعة على أهل زبارة - بينها وبين الكوفة مجرى ~~نهر -؟ فقال لا. وروي عن ربيعه أيضا: أنها تجب على من إذا سمع النداء وخرج ~~من بيته ماشيا أدرك الصلاة. وقد روي عن الزهري: أنها تجب عليه إذا سمع ~~الاذان. # الثامنة: قوله تعالى: " إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر ~~الله " دليل على أن الجمعة لا تجب إلا بالنداء، والنداء لا يكون إلا بدخول ~~الوقت، بدليل قوله # PageV18P104 # عليه الصلاة والسلام: (إذا حضرت الصلاة فأذنا ثم أقيما وليؤمكما أكبركما) ~~قاله لمالك ابن الحويرث وصاحبه. وفي البخاري عن أنس بن مالك أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس. وقد روي عن أبي الصديق ~~وأحمد بن حنبل أنها تصلي قبل الزوال. # وتمسك أحمد في ذلك بحديث سلمة بن الأكوع: كنا نصلي مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم ثم ننصرف وليس للحيطان ظل. وبحديث ابن عمر: ما كنا نقيل ولا ~~نتغدى إلا بعد الجمعة. # ومثله عن سهل. خرجه مسلم. وحديث سلمة محمول على التبكير. رواه هشام بن ~~عبد الملك عن يعلي بن الحارث عن إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه. وروى وكيع ~~عن يعلي عن إياس عن ms6198 أبيه قال: كنا نجمع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إذا زالت الشمس ثم نرجع نتتبع الفئ. وهذا مذهب الجمهور من الخلف والسلف، ~~وقياسا على صلاة الظهر. وحديث ابن عمر وسهل، دليل على أنهم كانوا يبكرون ~~إلى الجمعة تبكيرا كثيرا عند الغداة أو قبلها، فلا يتناولون ذلك إلا بعد ~~انقضاء الصلاة. وقد رأى مالك أن التبكير بالجمعة إنما يكون قرب الزوال ~~بيسير. # وتأول قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من راح في الساعة الأولى فكأنما ~~قرب بدنة...) الحديث بكماله إنه كان في ساعة واحدة. وحمله سائر العلماء على ~~ساعات النهار الزمانية الاثنتي عشرة ساعة المستوية أو المختلفة بحسب زيادة ~~النهار ونقصانه. ابن العربي: وهو أصح، لحديث ابن عمر رضي الله عنهما: ما ~~كانوا يقيلون ولا يتغدون إلا بعد الجمعة لكثرة البكور إليها. # التاسعة: فرض الله تعالى الجمعة على كل مسلم، ردا على من يقول: إنها فرض ~~على الكفاية، ونقل عن بعض الشافعية. ونقل عن مالك من لم يحقق: أنها سنة. ~~وجمهور الأمة والأئمة أنها فرض على الأعيان، لقول الله تعالى: " إذا نودي ~~للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ". وثبت عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن ~~الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين). وهذا حجة واضحة في وجوب الجمعة ~~وفرضيتها. وفي سنن ابن ماجة عن أبي الجعد الضمري - وكانت له صحبة - قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من ترك الجمعة ثلاث مرات تهاونا بها ~~PageV18P105 # طبع الله على قلبه). إسناده صحيح. وحديث جابر بن عبد الله قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: (من ترك الجمعة ثلاثا من غير ضرورة طبع الله على ~~قلبه). ابن العربي: وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الرواح إلى ~~الجمعة واجب على كل مسلم). # العاشرة: أوجب الله السعي إلى الجمعة مطلقا من غير شرط. وثبت شرط الوضوء ~~بالقرآن والسنة في جميع الصلوات، لقوله عز وجل: " إذا قمتم ms6199 إلى الصلاة ~~فاغسلوا وجوهكم " [المائدة: 6] الآية. (1) وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~(لا يقبل الله صلاة بغير طهور). وأغربت طائفة فقالت: إن غسل الجمعة فرض. ~~ابن العربي: وهذا باطل، لما روى النسائي وأبو داود في سننهما أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت. ومن اغتسل فالغسل ~~أفضل). وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # (من توضأ يوم الجمعة (2) فأحسن الوضوء ثم راح إلى الجمعة فاستمع وأنصت ~~غفر الله له ما بين الجمعة إلى الجمعة وزيادة ثلاثة أيام. ومن مس الحصى (3) ~~فقد لغا (4) وهذا نص. وفي الموطأ: # أن رجلا دخل يوم الجمعة وعمر بن الخطاب يخطب... - الحديث (5) إلى أن قال: ~~- ما زدت على أن توضأت، فقال عمر: والوضوء أيضا؟ وقد علمت أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كان يأمر بالغسل. فأمر (6) عمر بالغسل ولم يأمره بالرجوع، ~~فدل على أنه محمول على الاستحباب. # فلم يمكن وقد تلبس بالفرض - وهو الحضور والانصات للخطبة - أن يرجع عنه ~~إلى السنة، وذلك بمحضر فحول الصحابة وكبار المهاجرين حوالي عمر، وفي مسجد ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # PageV18P106 # الحادية عشرة - لا تسقط الجمعة لكونها في يوم عيد، خلافا لأحمد بن حنبل ~~فإنه قال: إذا اجتمع عيد وجمعة سقط فرض الجمعة، لتقدم العيد عليها واشتغال ~~الناس به عنها. # وتعلق في ذلك بما روي أن عثمان أذن في يوم عيد لأهل العوالي (1) أن ~~يتخلفوا عن الجمعة. # وقول الواحد من الصحابة ليس بحجة إذا خولف فيه ولم يجمع معه عليه. والامر ~~بالسعي متوجه يوم العيد كتوجهه في سائر الأيام. وفي صحيح مسلم عن النعمان ~~بن بشير قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في العيدين وفي ~~الجمعة: ب " سبح اسم ربك الاعلى " [الاعلى. 1] و " هل أتاك حديث الغاشية " ~~[الغاشية: 1] قال: وإذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد يقرأ بهما أيضا في ~~الصلاتين. أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة. # الثانية عشرة - قوله تعالى: (إلى ذكر ms6200 الله) أي الصلاة. وقيل الخطبة ~~والمواعظ، قاله سعيد بن جبير. ابن العربي: والصحيح أنه واجب في الجميع، ~~وأوله الخطبة. وبه قال علماؤنا، إلا عبد الملك بن الماجشون فإنه رآها سنة. ~~والدليل على وجوبها أنها تحرم البيع ولولا وجوبها ما حرمته، لان المستحب لا ~~يحرم المباح. وإذا قلنا: إن المراد بالذكر الصلاة فالخطبة من الصلاة. ~~والعبد يكون ذاكرا لله بفعله كما يكون مسبحا لله بفعله. الزمخشري: # فإن قلت: كيف يفسر ذكر الله بالخطبة وفيها غير ذلك! قلت: ما كان من ذكر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم والثناء عليه وعلى خلفائه الراشدين وأتقياء ~~المؤمنين والموعظة والتذكير فهو في حكم ذكر الله. فأما ما عدا ذلك من ذكر ~~الظلمة وألقابهم والثناء عليهم والدعاء لهم، وهم أحقاء بعكس ذلك، فهو من ~~ذكر الشيطان، وهو من ذكر الله على مراحل. # الثالثة عشرة - قوله تعالى: (وذروا البيع) منع الله عز وجل منه عند صلاة ~~الجمعة، وحرمه في وقتها على من كان مخاطبا بفرضها. والبيع لا يخلو عن شراء ~~فاكتفى بذكر أحدهما، كقوله تعالى: " سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم ~~" (2) [النحل 81]. وخص البيع لأنه أكثر ما يشتغل به أصحاب الأسواق. ومن لا ~~يجب عليه حضور الجمعة فلا ينهى عن البيع والشراء. # PageV18P107 # وفي وقت التحريم قولان: إنه من بعد الزوال إلى الفراغ منها، قاله الضحاك ~~والحسن وعطاء. الثاني - من وقت أذان الخطبة إلى وقت الصلاة، قاله الشافعي. ~~ومذهب مالك أن يترك البيع إذا نودي للصلاة، ويفسخ عنده ما وقع من ذلك من ~~البيع في ذلك الوقت. ولا يفسخ العتق والنكاح والطلاق وغيره، إذ ليس من عادة ~~الناس الاشتغال به كاشتغالهم بالبيع. قالوا: وكذلك الشركة والهبة والصدقة ~~نادر لا يفسخ. ابن العربي: # والصحيح فسخ الجميع، لان البيع إنما منع منه للاشتغال به. فكل أمر يشغل ~~عن الجمعة من العقود كلها فهو حرام شرعا مفسوخ ردعا. المهدوي. ورأى بعض ~~العلماء البيع في الوقت المذكور جائزا، وتأول النهي عنه ندبا، واستدل بقوله ~~تعالى: " ذلكم خير لكم ". # قلت: - وهذا مذهب الشافعي، ms6201 فإن البيع ينعقد عنده ولا يفسخ. وقال الزمخشري ~~في تفسيره: إن عامة العلماء على أن ذلك لا يؤدي فساد البيع. قالوا: لان ~~البيع لم يحرم لعينه، ولكن لما فيه من الذهول عن الواجب، فهو كالصلاة في ~~الأرض المغصوبة والثوب المغصوب، والوضوء بماء مغصوب. وعن بعض الناس أنه ~~فاسد. # قلت: والصحيح فساده وفسخه، لقوله عليه الصلاة والسلام: (كل عمل ليس عليه ~~أمرنا فهو رد). أي مردود. والله أعلم. # قوله تعالى: فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله ~~واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون 10 قوله تعالى: (فإذا قضيت الصلاة ~~فانتشروا في الأرض) هذا أمر إباحة، كقوله تعالى: # " وإذا حللتم فاصطادوا " (1) [المائدة: 2]. يقول: إذا فرغتم من الصلاة ~~فانتشروا في الأرض للتجارة والتصرف في حوائجكم. (وابتغوا من فضل الله) أي ~~من رزقه. وكان عراك بن مالك إذا صلى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد ~~فقال: اللهم إني أجبت دعوتك، وصليت # PageV18P108 # فريضتك، وانتشرت كما أمرتني، فارزقني من فضلك وأنت خير الرازقين. وقال ~~جعفر ابن محمد في قوله تعالى: " وابتغوا من فضل الله " إنه العمل في يوم ~~السبب. وعن الحسن ابن سعيد بن المسيب: طلب العلم. وقيل: صلاة التطوع. وعن ~~ابن عباس: لم يؤمروا بطلب شئ من الدنيا، إنما هو عيادة المرضى وحضور ~~الجنائز وزيارة الأخ في الله تعالى. # قوله تعالى: (واذكروا الله كثيرا) أي بالطاعة واللسان، وبالشكر على ما به ~~أنعم عليكم من التوفيق لأداء الفرائض. (لعلكم تفلحون) كي تفلحوا. قال سعيد ~~بن جبير: # الذكر طاعة الله تعالى، فمن أطاع الله فقد ذكره ومن لم يطعه فليس بذاكر ~~وإن كان كثير التسبيح. وقد مضى هذا مرفوعا في " البقرة ". (1) قوله تعالى: ~~وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير من ~~اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين 11 فيه سبع عشرة مسألة: # الأولى - قوله تعالى: (وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها) في صحيح ~~مسلم عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب ms6202 قائما يوم ~~الجمعة، فجاءت عير (2) من الشام فانفتل (2) الناس إليها حتى لم يبق إلا ~~اثنا عشر رجلا - في رواية أنا فيهم - فأنزلت هذه الآية التي في الجمعة " ~~وإذا رأوا تجارة أو لهو انفضوا إليها وتركوك قائما ". في رواية: # فيهم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما. وقد ذكر الكلبي وغيره: أن الذي قدم ~~بها دحية بن خليفة الكلبي من الشام عند مجاعة وغلاء سعر، وكان معه جميع ما ~~يحتاج الناس من بر ودقيق وغيره، فنزل عند أحجار الزيت، (3) وضرب بالطبل ~~ليؤذن الناس بقدومه، فخرج الناس إلا اثني عشر رجلا. وقيل: أحد عشر رجلا. ~~قال الكلبي: وكانوا في خطبة الجمعة فانفضوا إليها، وبقى مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ثمانية رجال، حكاه الثعلبي عن ابن عباس، وذكر # PageV18P109 # الدارقطني من حديث جابر بن عبد الله قال: بينما رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يخطبنا يوم الجمعة إذ أقبلت عير تحمل الطعام حتى نزلت بالبقيع، (1) ~~فالتفتوا إليها وانفضوا إلها وتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس معه ~~إلا أربعون رجلا أنا فيهم. قال: وأنزل الله عز وجل على النبي صلى الله عليه ~~وسلم " وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما). قال ~~الدارقطني: لم يقل في هذا الاسناد " إلا أربعين رجلا " غير علي بن عاصم عن ~~حصين، وخالفه أصحاب حصين فقالوا: لم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا ~~اثنا عشر رجلا. # وروي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (والذي نفسي بيده لو خرجوا جميعا ~~لأضرم الله عليهم الوادي نارا)، ذكره الزمخشري. وروي في حديث مرسل أسماء ~~الاثني عشر رجلا، رواه أسد بن عمرو والد أسد بن موسى بن أسد. وفيه: أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لم يبق معه إلا أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وطلحة ~~والزبير وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن ابن عوف وأبو عبيدة بن الجراح، ~~وسعيد بن زيد وبلال، وعبد الله بن مسعود في إحدى الروايتين. وفي الرواية ~~الأخرى عمار بن ياسر. # قلت: لم ms6203 يذكر جابرا، وقد ذكر مسلم أنه كان فيهم، والدار قطني أيضا. ~~فيكونون ثلاثة عشر. وإن كان عبد الله بن مسعود فيهم فهم أربعة عشر. وقد ذكر ~~أبو داود في مراسيله السبب الذي ترخصوا لأنفسهم في ترك سماع الخطبة، وقد ~~كانوا خليقا بفضلهم ألا يفعلوا، فقال: حدثنا محمود بن خالد قال حدثنا ~~الوليد قال أخبرني أبو معاذ بكر بن معروف أنه سمع مقاتل بن حيان قال: كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الجمعة قبل الخطبة مثل العيدين، حتى كان ~~يوم جمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب، وقد صلى الجمعة، فدخل، رجل فقال: ~~إن دحية بن خليفة الكلبي قدم بتجارة، (2) وكان دحية إذا قدم تلقاه أهله ~~بالدفاف، فخرج الناس فلم يظنوا إلا أنه ليس في ترك الخطبة شئ، فأنزل الله ~~عز وجل: " وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها ". فقدم النبي صلى الله ~~عليه وسلم الخطبة يوم الجمعة وأخر الصلاة. # وكان لا يخرج أحد لرعاف أو أحداث بعد النهي حتى يستأذن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، يشير إليه # PageV18P110 # بأصبعه التي تلي الابهام، فيأذن له النبي صلى الله عليه وسلم ثم يشير ~~إليه بيده. فكان من المنافقين من ثقل عليه الخطبة والجلوس في المسجد، وكان ~~إذا استأذن رجل من المسلمين قام المنافق إلى جنبه مستترا به حتى يخرج، ~~فأنزل الله تعالى: " قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا (1) " [النور: ~~63] الآية. قال السهيلي: وهذا الخبر وإن لم ينقل من وجه ثابت فالظن الجميل ~~بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يوجب أن يكون صحيحا. وقال قتادة: وبلغنا ~~أنهم فعلوه ثلاث مرات، كل مرة عير تقدم من الشام، وكل ذلك يوافق يوم ~~الجمعة. وقيل: إن خروجهم لقدوم دحية الكلبي بتجارته ونظرهم إلى العير تمر، ~~لهو لا فائدة فيه، إلا أنه كان مما لا إثم فيه لو وقع على غير ذلك الوجه، ~~ولكنه لما اتصل به الاعراض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والانفضاض عن ~~حضرته، غلظ وكبر ونزل فيه من القرآن وتهجينه ms6204 باسم اللهو ما نزل. # وجاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (كل ما يلهو به الرجل ~~باطل إلا رميه بقوسه). الحديث. وقد مضى في سورة (الأنفال " (2) فلله الحمد. ~~وقال جابر بن عبد الله: # كانت الجواري إذا نكحن يمررن (3) بالمزامير والطبل فانفضوا إليها، فنزلت ~~وإنما رد الكنابة إلى التجارة لأنها أهم. وقرأ طلحة بن مصرف " وإذا رأوا ~~التجار واللهو انفضوا إليها ". # وقيل: المعنى وإذا رأوا تجارة انفضوا إليها، أو لهوا انفضوا إليه فحذف ~~لدلالته. كما قال: # نحن بما عندنا وأنت بما * عندك راض والرأي مختلف وقيل: الأجود في العربية ~~أن يجعل الراجع في الذكر للآخر من الاسمين. # الثانية - واختلف العلماء في العدد الذي تنعقد به الجمعة على أقوال، فقال ~~الحسن: # تنعقد الجمعة باثنين. وقال الليث وأبو يوسف، تنعقد بثلاثة. وقال سفيان ~~الثوري وأبو حنيفة: بأربعة. وقال ربيعة: باثني عشر رجلا. وذكر النجاد أبو ~~بكر أحمد بن سليمان (4) قال: حدثنا أبو خالد يزيد بن الهيثم بن طهمان ~~الدقاق، حدثنا صبح بن دينار قال حدثنا # PageV18P111 # المعافي بن عمران حدثنا معقل بن عبيد الله عن الزهري بسنده إلى مصعب بن ~~عمير: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه إلى المدينة، وأنه نزل في دار سعد ~~بن معاذ، فجمع بهم وهم اثنا عشر رجلا ذبح لهم يومئذ شاة. وقال الشافعي: ~~بأربعين رجلا. وقال أبو إسحاق الشيرازي في (كتاب التنبيه على مذهب الإمام ~~الشافعي): كل قرية فيها أربعون رجلا بالغين عقلاء أحرارا مقيمين، لا يظعنون ~~عنها صيفا ولا شتاء إلا ظعن حاجة، وأن يكونوا حاضرين من أول الخطبة إلى أن ~~تقام الجمعة وجبت عليهم الجمعة. ومال أحمد وإسحاق إلى هذا القول ولم يشترطا ~~هذه الشروط. وقال مالك: إذا كانت قرية فيها سوق ومسجد فعليهم الجمعة من غير ~~اعتبار عدد. وكتب عمر بن عبد العزيز: # أي قرية اجتمع فيها ثلاثون بيتا فعليهم الجمعة وقال أبو حنيفة: لا تجب ~~الجمعة على أهل السواد والقرى، لا يجوز لهم إقامتها فيها. واشترط في وجوب ~~الجمعة وانعقادها: المصر ms6205 الجامع والسلطان القاهر والسوق القائمة والنهر ~~الجاري. واحتج بحديث علي: لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع ورفقة تعينهم. ~~(1) وهذا يرده حديث ابن عباس، قال: إن أول جمعة جمعت بعد جمعة في مسجد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بقرية من قرى البحرين يقال لها جواثي. وحجة الإمام ~~الشافعي في الأربعين حديث جابر المذكور الذي خرجه الدارقطني. وفي سنن ابن ~~ماجة والدارقطني أيضا ودلائل النبوة للبيهقي عن عبد الرحمن ابن كعب بن مالك ~~قال: كنت قائد أبي حين ذهب بصره، فإذا خرجت به إلى الجمعة فسمع الاذان، صلى ~~على أبي أمامة واستغفر له - قال - فمكث كذلك حينا لا يسمع الاذان بالجمعة ~~إلا فعل ذلك، فقلت له: يا أبة، استغفارك لأبي أمامة كلما سمعت أذان الجمعة، ~~ما هو؟ قال: أي بني، هو أول من جمع بالمدينة في هزم (2) من حرة بني بياضة ~~يقال له نقيع الخضمات، قال قلت: كم أنتم يومئذ؟ قال أربعون رجلا. وقال جابر ~~بن عبد الله: # PageV18P112 # مضت السنة أن في كل ثلاثة إماما، وفي كل أربعين فما فوق ذلك جمعة وأضحى ~~وفطرا، وذلك أنهم جماعة. خرجه الدارقطني. وروى أبو بكر أحمد بن سليمان ~~النجاد: قرئ على عبد الملك ابن محمد الرقاشي وأنا أسمع حدثني رجاء بن سلمة ~~قال حدثنا أبي قال حدثنا روح بن غطيف الثقفي قال حدثني الزهري عن أبي سلمة ~~قال: قلت لأبي هريرة على كم تجب الجمعة من رجل؟ # قال: لما بلغ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسين رجلا جمع بهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. قرئ على عبد الملك بن محمد وأنا أسمع قال ~~حدثنا رجاء بن سلمة قال حدثنا عباد ابن عباد المهلبي عن جعفر بن الزبير عن ~~القاسم عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تجب الجمعة ~~على خمسين رجلا ولا تجب على من دون ذلك). قال ابن المنذر: وكتب عمر بن عبد ~~العزيز: أيما قرية اجتمع فيها خمسون رجلا فليصلوا الجمعة. وروى الزهري ms6206 عن ~~أم عبد الله الدوسية قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (الجمعة واجبة ~~على كل قرية وإن لم يكن فيها إلا أربعة). يعني بالقرى: المدائن. لا يصح هذا ~~عن الزهري. في رواية (الجمعة واجبة على أهل كل قرية وإن لم يكونوا إلا ~~ثلاثة رابعهم إمامهم). الزهري (1) لا يصح سماعه من الدوسية. والحكم (2) هذا ~~(1) متروك. # الثالثة - وتصح الجمعة بغير إذن الإمام وحضوره. وقال أبو حنيفة: من شرطها ~~الامام أو خليفته. ودليلنا أن الوليد بن عقبة والي الكوفة أبطأ يوما فصلى ~~ابن مسعود بالناس من غير إذنه. وروي أن عليا صلى الجمعة يوم حصر عثمان ولم ~~ينقل أنه استأذنه. وروي أن سعيد بن العاصي والي المدينة لما خرج من المدينة ~~صلى أبو موسى بالناس الجمعة من غير استئذان. وقال مالك: إن لله فرائض في ~~أرضه لا يضيعها، وليها وال أو لم يلها. # الرابعة - قال علماؤنا: من شرط أدائها المسجد المسقف. قال ابن العربي: # ولا اعلم وجهه. # PageV18P113 # قلت: وجهه قوله تعالى: " وطهر بيتي للطائفين " (1) [الحج: 26]، وقوله: " ~~في بيوت أذن الله أن ترفع " (1) [النور: 36 وحقيقة البيت أن يكون ذا حيطان ~~وسقف. هذا العرف، والله أعلم. # الخامسة - قوله تعالى: (وتركوك قائما) شرط في قيام الخطيب على المنبر إذا ~~خطب. قال علقمة: سئل عبد الله أكان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب قائما أو ~~قاعدا؟ # فقال: أما تقرأ " وتركوك قائما ". وفي صحيح مسلم عن كعب بن عجرة أنه دخل ~~المسجد وعبد الرحمن بن أم الحكم يخطب قاعدا فقال: انظروا إلى هذا الخبيث، ~~يخطب قاعدا وقال الله تعالى: " وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها ~~وتركوك قائما ". وخرج عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخطب ~~قائما ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب، فمن نبأك أنه كان يخطب جالسا فقد كذب، فقد ~~والله صليت معه أكثر من ألفي صلاة. وعلى هذا جمهور الفقهاء وأئمة العلماء. ~~وقال أبو حنيفة: ليس القيام بشرط فيها. ويروى أن أول من خطب قاعدا معاوية. ~~وخطب عثمان قائما ms6207 حتى رق فخطب قاعدا. وقيل: إن معاوية إنما خطب قاعدا لسنه. ~~وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب قائما ثم يقعد ثم يقوم ولا يتكلم في ~~قعدته. رواه جابر بن سمرة. ورواه ابن عمر في كتاب البخاري. # السادسة: والخطبة شرط في انعقاد الجمعة لا تصح إلا بها، وهو قول جمهور ~~العلماء. وقال الحسن: هي مستحبة. وكذا فال ابن الماجشون: إنها سنة وليست ~~بفرض. # وقال سعيد بن جبير: هي بمنزلة الركعتين من صلاة الظهر، فإذا تركها وصلى ~~الجمعة فقد ترك الركعتين من صلاة الظهر. والدليل على وجوبها قوله تعالى: " ~~وتركوك قائما ". وهذا ذم، والواجب هو الذي يذم تاركه شرعا، ثم إن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لم يصلها إلا بخطبة. # السابعة: ويخطب متوكئا على قوس أو عصا. وفي سنن ابن ماجة قال حدثنا هشام ~~بن عمار حدثنا عبد الرحمن بن سعد بن عمار بن سعد قال حدثني أبي عن أبيه عن ~~جده # PageV18P114 # أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خطب في الحرب خطب على قوس، وإذا ~~خطب في الجمعة خطب على عصا. # الثامنة: ويسلم إذا صعد المنبر على الناس عند الشافعي وغيره. ولم يره ~~مالك. # وقد روى ابن ماجة من حديث جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان إذا صعد المنبر سلم. # التاسعة: فإن خطب على غير طهارة الخطبة كلها أو بعضها أساء عند مالك، ولا ~~إعادة عليه إذا صلى طاهرا. وللشافعي قولان في إيجاب الطهارة، فشرطها في ~~الجديد ولم يشترطها في القديم. وهو قول أبي حنيفة. # العاشرة: وأقل ما يجزي في الخطبة أن يحمد الله ويصلي على نبيه صلى الله ~~عليه وسلم، ويوصي بتقوى الله ويقرأ آية من القران. ويجب في الثانية أربع ~~كالأولى، إلا أن الواجب بدلا من قراءة الآية في الأولى الدعاء، قال أكثر ~~الفقهاء. وقال أبو حنيفة: لو اقتصر على التحميد أو التسبيح أو التكبير ~~أجزأه. وعن عثمان رضي الله عنه أنه صعد المنبر فقال: الحمد لله، وارتج عليه ~~فقال: ms6208 إن أبا بكر وعمر كانا يعدان لهذا المقام مقالا، وإنكم إلى إمام فعال ~~أحوج منكم إلى إمام قوال، وستأتيكم الخطب، ثم نزل فصلى. وكان ذلك بحضرة ~~الصحابة فلم ينكر عليه أحد. وقال أبو يوسف ومحمد: الواجب ما تناوله اسم ~~خطبة. وهو قول الشافعي. قال أبو عمر بن عبد البر: وهو أصح ما قيل في ذلك. # الحادية عشرة: في صحيح مسلم عن يعلى بن أمية أنه سمع النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقرأ على المنبر " ونادوا يا مالك " (1) [الزخرف: 77]. وفيه عن عمرة ~~بنت عبد الرحمن عن أخت لعمرة قالت: # ما أخذت " ق والقرآن المجيد " [ق: 1] إلا من في رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يوم الجمعة وهو يقرأ بها على المنبر في كل جمعة. وقد مضى في أول (2) " ~~ق ". وفي مراسيل أبي داود عن الزهري قال: كان صدر خطبة النبي صلى الله عليه ~~وسلم (الحمد لله. نحمده ونستعينه ونستغفره، # PageV18P115 # ونعوذ به من شرور أنفسنا. من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. # ونشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيرا ~~ونذيرا بين يدي الساعة. من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى. ~~نسأل الله ربنا أن يجعلنا ممن يطيعه ويطيع رسوله، ويتبع رضوانه ويجتنب ~~سخطه، فإنما نحن به وله). وعنه قال: بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنه كان يقول إذا خطب: (كل ما هو آت قريب، و (1) لا بعد لما هو آت. لا يعجل ~~الله لعجلة أحد، (2) ولا يخف لأمر الناس. ما شاء الله لا ما شاء الناس. ~~يريد الله أمرا ويريد الناس أمرا، ما شاء الله كان ولو كره الناس. ولا مبعد ~~لما قرب الله، ولا مقرب لما بعد الله. لا يكون شئ إلا بإذن الله عز وجل. ~~وقال جابر: كان النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة يخطب فيقول بعد أن ~~يحمد الله ويصلي على أنبيائه: (أيها الناس إن لكم معالم فانتهوا إلى ~~معالمكم، وإن لكم ms6209 نهاية فانتهوا إلى نهايتكم. إن العبد المؤمن بين مخافتين ~~بين أجل قد مضى لا يدري ما الله قاض فيه، وبين أجل قد بقي لا يدري ما الله ~~صانع فيه. فليأخذ العبد من نفسه لنفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشبيبة قبل ~~الكبر، ومن الحياة قبل الممات. والذي نفسي بيده ما بعد الموت من مستعتب، ~~وما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار. أقول قولي هذا واستغفر الله لي ~~ولكم). وقد تقدم ما خطب به عليه الصلاة والسلام أول جمعة عند قدومه ~~المدينة. # الثانية عشرة: السكوت للخطبة واجب على من سمعها وجوب سنة. والسنة أن يسكت ~~لها من يسمع ومن لم يسمع، وهما إن شاء الله في الاجر سواء. ومن تكلم حينئذ ~~لغا، ولا تفسد صلاته بذلك. وفي الصحيح عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # (إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والامام يخطب فقد لغوت). الزمخشري: وإذا ~~قال المنصت لصاحبه صه، فقد لغا، أفلا يكون الخطيب الغالي في ذلك لاغيا؟ ~~نعوذ بالله من غربة الاسلام ونكد الأيام. # PageV18P116 # الثالثة عشرة: ويستقبل الناس الامام إذا صعد المنبر، لما رواه أبو داود ~~مرسلا عن أبان بن عبد الله قال: كنت مع عدي بن ثابت يوم الجمعة، فلما خرج ~~الامام - أو قال صعد المنبر - استقبله وقال: هكذا أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يفعلون برسول الله صلى الله عليه وسلم. خرجه ابن ماجة عن عدي بن ~~ثابت عن أبيه، فزاد في الاسناد: عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إذا قام على المنبر استقبله أصحابه بوجوههم. # قال ابن ماجة: أرجو أن يكون متصلا. # قلت: وخرج أبو نعيم الحافظ قال حدثنا محمد بن معمر قال حدثنا عبد الله بن ~~محمد ابن ناجية قال حدثنا عباد بن يعقوب قال حدثنا محمد بن الفضل الخراساني ~~عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم إذا استوى على المنبر استقبلناه بوجوهنا. تفرد به محمد ms6210 بن الفضل بن ~~عطية عن منصور. # الرابعة عشرة: ولا يركع من دخل المسجد والامام يخطب، عند مالك رحمه الله. ~~وهو قول ابن شهاب رحمه الله وغيره. وفي الموطأ عنه: فخروج الامام يقطع ~~الصلاة، وكلامه يقطع الكلام. وهذا مرسل. وفي صحيح مسلم من حديث جابر عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم (إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والامام يخطب فليركع ~~ركعتين وليتجوز (1) فيهما). وهذا نص في الركوع. وبه يقول الشافعي وغيره. # الخامسة عشرة:...... (2) ابن عون عن ابن سيرين قال: كانوا يكرهون النوم ~~والامام يخطب ويقولون فيه قولا شديدا. قال ابن عون: ثم لقيني بعد ذلك فقال: ~~تدري ما يقولون؟ # قال: يقولون مثلهم كمثل سرية أخفقوا، ثم قال: هل تدري ما أخفقوا؟ لم تغنم ~~شيئا. # وعن سمرة بن جندب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا نعس أحدكم ~~فليتحول إلى مقعد صاحبه وليتحول صاحبه إلى مقعده). # PageV18P117 # السادسة عشرة: نذكر فيها من فضل الجمعة وفرضيتها ما لم نذكره. روى الأئمة ~~عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر يوم الجمعة ~~فقال: (فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله عز وجل شيئا إلا ~~أعطاه إياه) وأشار بيده يقللها. (1) وفي صحيح مسلم من حديث أبي موسى قال: ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # (هي ما بين أن يجلس الامام إلى أن تقضى الصلاة). وروي من حديث أنس أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أبطأ علينا ذات يوم، فلما خرج قلنا: احتبست! قال: ~~(ذلك أن جبريل أتاني بكهيئة المرآة البيضاء فيها نكتة سوداء فقلت ما هذه يا ~~جبريل قال هذه الجمعة فيها خير لك ولأمتك وقد أرادها اليهود والنصارى ~~فأخطئوها وهداكم الله لها قلت يا جبريل ما هذه النكتة السوداء قال هذه ~~الساعة التي في يوم الجمعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها خيرا إلا ~~أعطاه إياه أو ادخر له مثله يوم القيامة أو صرف عنه من السوء مثله وإنه خير ~~الأيام عند الله ms6211 وإن أهل الجنة يسمونه يوم المزيد). وذكر الحديث. وذكر ابن ~~المبارك ويحيى ابن سلام قالا: حدثنا المسعودي عن المنهال بن عمرو عن أبي ~~عبيده بن عبد الله بن عتبة عن ابن مسعود قال: تسارعوا إلى الجمعة فإن الله ~~تبارك وتعالى يبرز لأهل الجنة كل يوم جمعة في كثيب (2) من كافور أبيض، ~~فيكونون منه في القرب - قال ابن المبارك - على قدر تسارعهم إلى الجمعة في ~~الدنيا. وقال يحيى بن سلام: كمسارعتهم إلى الجمعة في الدنيا. وزاد فيحدث ~~لهم من الكرامة شيئا لم يكونوا رأوه قبل ذلك. قال يحيى: وسمعت غير المسعودي ~~يزيد فيه: وهو قوله تعالى: " ولدينا مزيد " (3) [ق: 35]. # قلت: قوله " في كثيب " يريد أهل الجنة. أي وهم على كثيب، كما روى الحسن ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أهل الجنة ينظرون إلى ربهم في ~~كل جمعة على كثيب من كافور لا يرى طرفاه وفيه نهر جار حافتاه المسك عليه ~~جوار يقرأن القرآن بأحسن # PageV18P118 # أصوات سمعها الأولون والآخرون فإذا انصرفوا إلى منازلهم أخذ كل رجل بيد ~~ما شاء منهن ثم يمرون على قناطر من لؤلؤ إلى منازلهم فلولا أن الله يهديهم ~~إلى منازلهم ما اهتدوا إليها لما يحدث الله لهم في كل جمعة) ذكره يحيى بن ~~سلام. وعن أنس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ليلة أسري بي رأيت تحت ~~العرش سبعين مدينة كل مدينة مثل مدائنكم (1) هذه سبعين مرة مملوءة من ~~الملائكة يسبحون الله ويقدسونه ويقولون في تسبيحهم اللهم اغفر لمن شهد ~~الجمعة اللهم اغفر لمن اغتسل يوم الجمعة) ذكره الثعلبي. وخرج القاضي الشريف ~~أبو الحسن علي بن عبد الله بن إبراهيم الهاشمي العيسوي من ولد عيسى بن علي ~~بن عبد الله بن عباس رضي الله عنه بإسناد صحيح عن أبي موسى الأشعري أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: # (إن الله عز وجل يبعث الأيام يوم القيامة على هيئتها ويبعث الجمعة زهراء ~~منيرة أهلها يحفون بها كالعروس تهدى إلى كريمها تضئ لهم يمشون في ms6212 ضوئها، ~~ألوانهم كالثلج بياضا، وريحهم يسطع كالمسك، يخوضون في جبال الكافور، ينظر ~~إليهم الثقلان ما يطرقون تعجبا يدخلون الجنة لا يخالطهم أحد إلا المؤذنون ~~المحتسبون). (2) وفي سنن ابن ماجة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: قال (الجمعة إلى الجمعة كفارة ما بينهما ما لم تغش الكبائر) خرجه ~~مسلم بمعناه. وعن أوس بن أوس الثقفي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: (من غسل يوم الجمعة واغتسل وبكر وابتكر ومشى ولم يركب ودنا من ~~الامام فاستمع ولم يلغ كان له بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها). وعن ~~جابر بن عبد الله قال: # خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أيها الناس توبوا إلى الله ~~قبل أن تموتوا. # وبادروا بالاعمال الصالحة قبل أن تشغلوا. وصلوا الذي بينكم وبين ربكم ~~بكثرة ذكركم له وكثرة الصدقة في السر والعلانية ترزقوا وتنصروا وتؤجروا. ~~واعلموا أن الله قد فرض عليكم الجمعة في مقامي هذا في شهري هذا في عامي هذا ~~إلى يوم القيامة فمن تركها في حياتي أو بعد مماتي وله إمام عادل أو جائر ~~استخفافا بها أو جحودا لها فلا جمع الله شمله ولا بارك له # PageV18P119 # في أمره. ألا ولا صلاة له ولا زكاة له ولا حج له. ألا ولا صوم له ولا بر ~~له حتى يتوب فمن تاب تاب الله عليه. ألا لا تؤمن امرأة رجلا ولا يؤم أعرابي ~~مهاجرا ولا يؤم فاجر مؤمنا إلا أن يقهره سلطان يخاف سيفه أو سوطه). وقال ~~ميمون بن أبي شيبة: أردت الجمعة مع الحجاج فتهيأت للذهاب، ثم قلت: أين أذهب ~~أصلي خلف هذا الفاجر؟ فقلت مرة: # أذهب، ومرة لا أذهب، ثم أجمع رأيي على الذهاب، فناداني مناد من جانب ~~البيت " يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر ~~الله وذروا البيع " [الجمعة: 9]. # السابعة عشرة - قوله تعالى: (قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة) ~~فيه وجهان: أحدهما: ما عند الله من ثواب ms6213 صلاتكم خير من لذة لهوكم وفائدة ~~تجارتكم. # الثاني: ما عند الله من رزقكم الذي قسمه لكم خير مما أصبتموه من لهوكم ~~وتجارتكم. # وقرأ أبو رجاء العطاردي: " قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة ~~للذين آمنوا ". # (والله خير الرازقين) أي خير من رزق وأعطى، فمنه فاطلبوا، واستعينوا ~~بطاعته على نيل ما عنده من خيري الدنيا والآخرة. # سورة المنافقون مدنية في قول الجميع، وهي إحدى عشرة آية بسم الله الرحمن ~~الرحيم إذا جاءك المنفقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله ~~والله يشهد إن المنفقين لكاذبون 1 قوله تعالى: (إذا جاءك المنافقون قالوا ~~نشهد إنك لرسول الله) روى البخاري عن زيد بن أرقم قال: كنت مع عمي فسمعت ~~عبد الله بن أبي بن سلول يقول: " لا تنفقوا علي من عند رسول الله حتى ~~ينفضوا ". وقال: " لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز PageV18P120 # منها الأذل " فذكرت ذلك لعمي فذكر عمي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عبد الله بن أبي وأصحابه فحلفوا ما ~~قالوا، فصدقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذبني. فأصابني هم لم يصبني ~~مثله، فجلست في بيتي فأنزل الله عز وجل: " إذا جاءك المنافقون - إلى قوله - ~~هم الذين يقولون لا تنفقوا علي من عند رسول الله - إلى قوله - ليخرجن الأعز ~~منها الأذل " فأرسل إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: (إن الله قد ~~صدقك) خرجه الترمذي قال: هذا حديث حسن صحيح. # وفي الترمذي عن زيد بن أرقم قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وكان معنا أناس من الاعراب فكنا نبد الماء، وكان الاعراب يسبقونا إليه ~~فيسبق الأعرابي أصحابه فيملأ الحوض ويجعل حوله حجارة، ويجعل النطع (1) عليه ~~حتى تجئ أصحابه. قال: # فأتى رجل من الأنصار أعرابيا فأرخى زمام ناقته لتشرب فأبى أن يدعه، ~~فانتزع حجرا (2) فغاض الماء، فرفع الأعرابي خشبة فضرب بها رأس الأنصاري ~~فشجه، فأتى عبد الله بن أبي رأس المنافقين فأخبره - وكان من ms6214 أصحابه - فغضب ~~عبد الله بن أبي ثم قال: # لا تنفقوا علي من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله - يعني الاعراب - ~~وكانوا يحضرون رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الطعام، فقال عبد الله: ~~إذا انفضوا من عند محمد فأتوا محمدا بالطعام، فليأكل هو ومن عنده. ثم قال ~~لأصحابه: لئن رجعتم إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. قال زيد: وأنا ~~ردف (3) عمي فسمعت عبد الله بن أبي فأخبرت عمي، فانطلق فأخبر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فحلف وجحد. قال: ~~فصدقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذبني. قال: # فجاء عمي إلي فقال: ما أردت إلى أن مقتك رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وكذبك والمنافقون. (4) قال: فوقع علي من جرأتهم ما لم يقع (5) على أحد. ~~قال: فبينما أنا أسير مع رسول # PageV18P121 # الله صلى الله عليه وسلم في سفر قد خفقت برأسي من الهم إذ أتاني رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فعرك أذني وضحك في وجهي، فما كان يسرني أن لي بها ~~الخلد في الدنيا. ثم إن أبا بكر لحقني فقال: ما قال لك رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قلت: ما قال شيئا إلا أنه عرك أذني وضحك في وجهي، فقال أبشر! ثم ~~لحقني عمر فقلت له مثل قولي لأبي بكر. فلما أصبحنا قرأ رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم سورة المنافقين. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وسئل حذيفة بن ~~اليمان عن المنافق، فقال: الذي يصف الاسلام ولا يعمل به. # وهو اليوم شر منهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنهم كانوا ~~يكتمونه وهم اليوم يظهرونه. وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: (آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن ~~خان). وعن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أربع من كن ~~فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كان فيه ms6215 خصلة من النفاق حتى ~~يدعها: إذا ائتمن خان وإذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر). أخبر ~~عليه السلام أن من جمع هذه الخصال كان منافقا، وخبره صدق. وروي عن الحسن ~~أنه ذكر له هذا الحديث فقال: إن بني يعقوب حدثوا فكذبوا ووعدوا فأخلفوا ~~وأتمنوا فخانوا. إنما هذا القول من النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل ~~الانذار للمسلمين، والتحذير لهم أن يعتادوا هذه الخصال، شفقا أن تقضي بهم ~~إلى النفاق. وليس المعنى: أن من بدرت منه هذه الخصال من غير اختيار واعتياد ~~أنه منافق. وقد مضى في سورة " براءة " القول في هذا مستوفي والحمد لله. (1) ~~وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (المؤمن إذا حدث صدق وإذا وعد أنجز وإذا ~~ائتمن وفى). والمعنى: المؤمن الكامل إذا حدث صدق. والله أعلم. # قوله تعالى: (قالوا نشهد إنك لرسول الله) قيل: معنى " نشهد " نحلف. فعبر ~~عن الحلف بالشهادة، لان كل واحد من الحلف والشهادة إثبات لأمر مغيب (2) ~~ومنه قول قيس بن ذريح. # وأشهد عند الله أني أحبها * فهذا لها عندي فما عندها ليا # PageV18P122 # ويحتمل أن يكون ذلك محمولا على ظاهره أنهم يشهدون أن محمدا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم اعترافا بالايمان ونفيا للنفاق عن أنفسهم، وهو الأشبه. ~~(والله يعلم إنك لرسوله) كما قالوه بألسنتهم. (والله يشهد إن المنافقين ~~لكاذبون) أي فيما أظهروا من شهادتهم وحلفهم بألسنتهم. # وقال الفراء: " والله يشهد إن المنافقين لكاذبون " بضمائرهم، فالتكذيب ~~راجع إلى الضمائر. # وهذا يدل على أن الايمان تصديق القلب، وعلى أن الكلام الحقيقي كلام ~~القلب. ومن قال شيئا واعتقد خلافه فهو كاذب. وقد مضى هذا المعنى في أول " ~~البقرة " مستوفي (1) وقيل: # أكذبهم الله في أيمانهم وهو قوله تعالى: " يحلفون بالله إنهم لمنكم وما ~~هم منكم " (2) [التوبة: 56]. # قوله تعالى: اتخذوا أيمنهم جنة فصدوا عن سبيل الله إنهم ساء ما كانوا ~~يعملون 2 فيه ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (اتخذوا أيمانهم جنة) أي سترة. وليس يرجع إلى قوله ~~" نشهد إنك لرسول الله " وإنما يرجع إلى سبب ms6216 الآية التي نزلت عليه، حسب ما ~~ذكره البخاري والترمذي عن ابن أبي أنه حلف ما قال وقد قال. وقال الضحاك: ~~يعني حلفهم بالله " إنهم لمنكم " وقيل: يعني بأيمانهم ما أخبر الرب عنهم في ~~سورة " براءة " إذ قال: # " يحلفون بالله ما قالوا " (2) [التوبة: 74]. # الثانية - من قال أقسم بالله أو أشهد بالله أو أعزم بالله أو أحلف بالله، ~~أو أقسمت بالله أو أشهدت بالله أو أعزمت بالله أو أحلفت بالله، فقال في ذلك ~~كله " بالله " فلا خلاف أنها يمين. وكذلك عند مالك وأصحابه إن قال: أقسم أو ~~أشهد أو أعزم أو أحلف، ولم يقل " بالله "، إذا أراد " بالله ". وإن لم يرد ~~" بالله " فليس بيمين. وحكاه الكيا عن الشافعي، قال الشافعي: إذا قال أشهد ~~بالله ونوى اليمين كان يمينا. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لو قال # PageV18P123 # أشهد بالله لقد كان كذا كان يمينا، ولو قال أشهد لقد كان كذا دون النية ~~كان يمينا لهذه الآية، لان الله تعالى ذكر منهم الشهادة ثم قال: " اتخذوا ~~أيمانهم جنة ". وعند الشافعي لا يكون ذلك يمينا وإن نوى اليمين، لان قوله ~~تعالى: " اتخذوا أيمانهم جنة " ليس يرجع إلى قوله: # " قالوا نشهد " وإنما يرجع إلى ما في " براءة " من قوله تعالى: " يحلفون ~~بالله ما قالوا " [التوبة: 74]. # الثالثة - قوله تعالى: (فصدوا عن سبيل الله) أي أعرضوا، وهو من الصدود. # أو صرفوا المؤمنين عن إقامة حكم الله عليهم من القتل والسبي وأخذ ~~الأموال، فهو من الصد، أو منعوا الناس عن الجهاد بأن يتخلفوا ويقتدي بهم ~~غيرهم. وقيل: فصدوا اليهود والمشركين عن الدخول في الاسلام، بأن يقولوا ها ~~نحن كافرون بهم، ولو كان محمد حقا لعرف هذا منا، ولجعلنا نكالا. فبين الله ~~أن حالهم لا يخفي عليه، ولكن حكمه أن من أظهر الايمان أجرى عليه في الظاهر ~~حكم الايمان. (إنهم ساء ما كانوا يعملون) أي بئست أعمالهم الخبيئة - من ~~نفاقهم وأيمانهم الكاذبة وصدهم عن سبيل الله - أعمالا. # قوله تعالى: ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون 3 ~~هذا ms6217 إعلام من الله تعالى بأن المنافق كافر. أي أقروا باللسان ثم كفروا ~~بالقلب. # وقيل: نزلت الآية في قوم آمنوا ثم ارتدوا (فطبع على قلوبهم) أي ختم عليها ~~بالكفر (فهم لا يفقهون) الايمان ولا الخير. وقرأ زيد بن علي " فطبع الله ~~على قلوبهم ". # قوله تعالى: وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب ~~مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قتلهم الله أنى يؤفكون 4 قوله ~~تعالى: (وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم) أي هيئاتهم ومناظرهم. (وإن يقولوا تسمع ~~لقولهم) يعني عبد الله بن أبي. قال ابن عباس: كان عبد الله بن أبي وسيما ~~PageV18P124 # جسيما صحيحا صبيحا ذلق اللسان، فإذا قال سمع النبي صلى الله عليه وسلم ~~مقالته. وصفه الله بتمام الصورة وحسن الإبانة. وقال الكلبي: المراد ابن أبي ~~وجد بن قيس ومعتب ابن قشير، كانت لهم أجسام ومنظر وفصاحة. وفي صحيح مسلم: ~~وقوله " كأنهم خشب مسندة " قال: كانوا رجالا أجمل شئ كأنهم خشب مسندة، ~~شبههم بخشب مسندة إلى الحائط لا يسمعون ولا يعقلون، أشباح بلا أرواح وأجسام ~~بلا أحلام. وقيل: شبههم بالخشب التي قد تأكلت فهي مسندة بغيرها لا يعلم ما ~~في بطنها. وقرأ قنبل وأبو عمرو والكسائي " خشب " بإسكان الشين. وهي قراءة ~~البراء بن عازب واختيار أبي عبيد، لان واحدتها خشبة. كما تقول: بدنة وبدن، ~~وليس في اللغة فعلة يجمع على فعل. ويلزم من ثقلها أن تقول: البدن، فتقرأ " ~~والبدن ". وذكر اليزيدي أنه جماع الخشباء، كقوله عز وجل: # " وحدائق غلبا " واحدتها حديقة غلباء. وقرأ الباقون بالتثقيل وهي رواية ~~البزي عن ابن كثير وعياش عن أبي عمرو، وأكثر الروايات عن عاصم. واختاره أبو ~~حاتم، كأنه جمع خشاب وخشب، نحو ثمرة وثمار ثمر. وإن شئت جمعت خشبة على خشبة ~~كما قالوا: بدنة وبدن وبدن. وقد روي عن ابن المسيب فتح الخاء والشين في " ~~خشب ". قال سيبويه: خشبة وخشب، مثل بدنة وبدن، قال: ومثله بغير هاء أسد ~~وأسد ووثن ووثن وتقرأ خشب وهو جمع الجمع، خشبة وخشاب وخشب، مثل ثمرة وثمار ms6218 ~~وثمر. والاسناد الإمالة، تقول: # أسندت الشئ أي أملته. و " مسندة " للتكثير، أي استندوا إلى الايمان بحقن ~~دمائهم. # قوله تعالى: (يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو) أي كل أهل صيحة عليهم هم ~~العدو. ف‍ " هم العدو " في موضع المفعول الثاني على أن الكلام لا ضمير فيه. ~~يصفهم بالجبن والخور. قال مقاتل والسدي: أي إذا نادى مناد في العسكر أن ~~انفلتت دابة أو أنشدت ضالة ظنوا أنهم المرادون، لما في قلوبهم من الرعب. ~~كما قال الشاعر وهو الأخطل: # ما زلت تحسب كل شئ بعدهم * خيلا تكر عليهم ورجالا PageV18P125 # وقيل: " يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو " كلام ضميره فيه لا يفتقر إلى ما ~~بعد، وتقديره: يحسبون كل صيحة عليهم أنهم قد فطن بهم وعلم بنفاقهم، لان ~~للريبة خوفا. # ثم استأنف الله خطاب نبيه صلى الله عليه وسلم فقال: " هم العدو " وهذا ~~معنى قول الضحاك وقيل: يحسبون كل صيحة يسمعونها في المسجد أنها عليهم، وأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر فيها بقتلهم، فهم أبدا وجلون من أن ينزل ~~الله فيهم أمرا يبيح به دماءهم، ويهتك به أستارهم. وفي هذا المعنى قول ~~الشاعر: # فلو أنها عصفورة لحسبتها * مسومة تدعو عبيدا وأزنما بطن من بني، يربوع. ~~ثم وصفهم الله بقوله: " هم العدو فاحذرهم " حكاه عبد الرحمن ابن أبي حاتم. ~~وفي قوله تعالى: " فاحذرهم " وجهان: أحدهما: فاحذر أن تثق بقولهم أو تميل ~~إلى كلامهم. الثاني - فاحذر مما يلتهم لأعدائك وتخذيلهم لأصحابك. (قاتلهم ~~الله) أي لعنهم الله قاله ابن عباس وأبو مالك. وهي كلمة ذم وتوبيخ. وقد ~~تقول العرب: # قاتله الله ما أشعره! فيضعونه موضع التعجب. وقيل: معنى " قاتلهم الله " ~~أي أحلهم محل من قاتله عدو قاهر، لان الله تعالى قاهر لكل معاند. حكاه ابن ~~عيسى. (إني يؤفكون) أي يكذبون، قاله ابن عباس. قتادة: معناه يعدلون عن ~~الحق. الحسن: معناه يصرفون عن الرشد. وقيل: معناه كيف تضل عقولهم عن هذا مع ~~وضوح الدلائل، وهو من الإفك وهو الصرف. و " أن " بمعنى كيف، وقد تقدم. (1) ~~قوله تعالى: ms6219 وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رؤوسهم ورأيتهم ~~يصدون وهم مستكبرون 5 قوله تعالى: (وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول ~~الله) لما نزل القرآن بصفتهم مشى إليهم عشائرهم وقالوا: افتضحتم بالنفاق ~~فتوبوا إلى رسول الله من النفاق، واطلبوا أن يستغفر لكم. فلووا رؤوسهم، أي ~~حركوها استهزاء وإباء، قاله ابن عباس. وعنه أنه كان # PageV18P126 # لعبد الله بن أبي موقف في كل سبب يحض على طاعة الله وطاعة رسوله، فقيل ~~له: وما ينفعك ذلك ورسول الله صلى الله عليه وسلم غضبان: فأته يستغفر لك، ~~فأبى وقال: لا أذهب إليه. وسبب نزول هذه الآيات أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم غزا بني المصطلق على ماء يقال له " المريسيع " من ناحية " قديد " إلى ~~الساحل، فأزدحم أجير لعمر يقال له: " جهجاه " مع حليف لعبد الله بن أبي ~~يقال له: " سنان " على ماء " بالمشلل "، فصرخ جهجاه بالمهاجرين، وصرخ سنان ~~بالأنصار، فلطم جهجاه سنانا فقال عبد الله بن أبي: أو قد فعلوها! والله ما ~~مثلنا ومثلهم إلا كما قال الأول: سمن كلبك يأكلك، أما والله لئن رجعنا إلى ~~المدينة ليخرجن الأعز - يعني أبيا - الأذل، يعني محمدا صلى الله عليه وسلم. ~~ثم قال لقومه: كفوا طعامكم عن هذا الرجل، ولا تنفقوا على من عنده حتى ~~ينفضوا ويتركوه. فقال زيد بن أرقم - وهو من رهط عبد الله - أنت والله ~~الذليل المنتقص في قومك، ومحمد صلى الله عليه وسلم في عز من الرحمن ومودة ~~من المسلمين، والله لا أحبك بعد كلامك هذا أبدا. فقال عبد الله: اسكت إنما ~~كنت ألعب. فأخبر زيد النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: فأقسم بالله ما فعل ~~ولا قال، فعذره النبي صلى الله عليه وسلم. قال زيد: فوجدت في نفسي ولا مني ~~الناس، فنزلت سورة المنافقين في تصديق زيد وتكذيب عبد الله. فقيل لعبد ~~الله: قد نزلت فيك آيات شديدة فاذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ليستغفر لك، فألوى برأسه، فنزلت الآيات. خرجه البخاري ومسلم والترمذي ~~بمعناه. وقد تقدم ms6220 أول السورة. وقيل: " يستغفر لكم " يستتبكم من النفاق، لان ~~التوبة استغفار. (ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون) أي يعرضون عن الرسول متكبرين ~~عن الايمان. وقرأ نافع " لووا " بالتخفيف. وشدد الباقون، واختاره أبو عبيد ~~وقال: هو فعل لجماعة. النحاس: وغلط في هذا، لأنه نزل في عبد الله بن أبي ~~لما قيل له: # تعال يستغفر لك رسول الله صلى الله عليه وسلم حرك رأسه استهزاء. فإن قيل: ~~كيف أخبر عنه بفعل الجماعة؟ قيل له: العرب تفعل هذا إذا كنت عن الانسان. ~~أنشد سيبويه لحسان: # ظننتم بأن يخفي الذي قد صنعتم * وفينا رسول عنده الوحي واضعه وإنما خاطب ~~حسان ابن الأبيرق في شئ سرقه بمكة. وقصته مشهورة. PageV18P127 # وقد يجوز أن يخبر عنه وعمن فعل فعله. وقيل: قال ابن أبي لما لوى رأسه: # أمرتموني أن أؤمن فقد آمنت، وأن أعطي زكاة مالي فقد أعطيت، فما بقى إلا ~~أن أسجد لمحمد!. # قوله تعالى: سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم ~~إن الله لا يهدى القوم الفسقين 6 قوله تعالى: (سواء عليهم أستغفرت لهم أم ~~لم تستغفر لهم) يعنى كل ذلك سواء، لا ينفع استغفارك شيئا، لان الله لا يغفر ~~لهم. نظيره: " سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون " (1) [البقر ~~6]، " سواء علينا أو عظت أم لم تكن من الواعظين " (2) [الشعراء: 136]. وقد ~~تقدم. (إن الله لا يهدى القوم الفاسقين) أي من سبق في علم الله أنه يموت ~~فاسقا. # قوله تعالى: هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ~~ولله خزائن السماوات والأرض ولكن المنفقين لا يفقهون 7 ذكرنا سبب النزول ~~فيما تقدم. وابن أبي قال: لا تنفقوا علي من عند محمد حتى ينفضوا، حتى ~~يتفرقوا عنه. فاعلمهم الله سبحانه أن خزائن السماوات والأرض له، ينفق كيف ~~يشاء. # قال رجل لحاتم الأصم: من أين تأكل فقال: " ولله خزائن السماوات والأرض ". ~~وقال الجنيد: خزائن السماوات الغيوب، وخزائن الأرض القلوب، فهو علام الغيوب ~~ومقلب القلوب. وكان الشبلي يقول: " ولله خزائن السماوات والأرض ms6221 " فأين ~~تذهبون. # (ولكن المنافقين لا يفقهون) أنه إذا أراد أمرا يسره. # PageV18P128 # قوله تعالى: يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله ~~العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنفقين لا يعلمون 8 القائل ابن أبي كما ~~تقدم. وقيل: إنه لما قال: " ليخرجن الأعز منها الأذل " ورجع إلى المدينة لم ~~يلبث إلا أياما يسيرة حتى مات، فاستغفر له رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وألبسه قميصه، فنزلت هذه الآية: " لن يغفر الله لهم ". وقد مضى بيانه هذا ~~كله في سورة " براءة " مستوفى. وروي أن عبد الله بن عبد الله بن أبي بن ~~سلول قال لأبيه: والذي لا إله إلا هو لا تدخل المدينة حتى تقول: إن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم هو الأعز وأنا الأذل، فقاله. توهموا أن العزة ~~بكثرة الأموال والاتباع، فبين الله أن العزة والمنعة والقوة لله. # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر ~~الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون 9 حذر المؤمنين أخلاق المنافقين، أي ~~لا تشتغلوا بأموالكم كما فعل المنافقون إذ قالوا - للشح بأموالهم -: لا ~~تنفقوا على من عند رسول الله. " عن ذكر الله " أي عن الحج والزكاة. وقيل: # عن قراءة القرآن. وقيل: عن إدامة الذكر. وقيل: عن الصلوات الخمس، قاله ~~الضحاك. # وقال الحسن: جميع الفرائض، كأنه قال عن طاعة الله. وقيل: هو خطاب ~~للمنافقين، أي آمنتم بالقول فآمنوا بالقلب. " ومن يفعل ذلك " أي من يشتغل ~~بالمال والولد عن طاعة ربه " فأولئك هم الخاسرون ". # قوله تعالى: وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب ~~لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين 10 ولن يؤخر الله نفسا ~~إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون 11 # PageV18P129 # فيه أربع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت) ~~يدل على وجوب تعجيل أداء الزكاة، ولا يجوز تأخيرها أصلا. وكذلك سائر ~~العبادات إذا تعين وقتها الثانية - قوله تعالى: (فيقول رب لولا أخرتني إلى ~~أجل ms6222 قريب فأصدق وأكن من الصالحين) سأل الرجعة إلى الدنيا ليعمل صالحا. وروى ~~الترمذي عن الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس قال: من كان له مال يبلغه حج بيت ~~ربه أو تجب عليه فيه زكاة فلم يفعل، سأل الرجعة عند الموت. فقال رجل: يا بن ~~عباس، اتق الله، إنما سأل الرجعة الكفار. فقال: سأتلو عليك بذلك قرانا: " ~~يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ~~ذلك فأولئك هم الخاسرون. وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت ~~فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين إلى قوله والله ~~خبير بما تعملون " قال: فما يوجب الزكاة؟ قال: إذا بلغ المال (1) مائتين ~~فصاعدا. قال: فما يوجب الحج؟ قال: الزاد والراحلة. # " قلت ": ذكره الحليمي أبو عبد الله الحسين بن الحسن في كتاب (منهاج ~~الدين) مرفوعا فقال: وقال ابن عباس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من ~~كان عنده مال يبلغه الحج... الحديث، فذكره. وقد تقدم في " آل عمران " (2) ~~لفظه. # الثالثة - قال ابن العربي: " أخذ ابن عباس بعموم الآية في إنفاق الواجب ~~خاصة دون النفل، فأما تفسيره بالزكاة فصحيح كله عموما وتقديرا بالمائتين. ~~وأما القول في الحج ففيه إشكال، لأنا إن قلنا: إن الحج على التراخي ففي ~~المعصية في الموت قبل الحج خلاف بين العلماء، فلا تخرج الآية عليه. وإن ~~قلنا: إن الحج على الفور فالآية في العموم صحيح، لان من وجب عليه الحج فلم ~~يؤده لقي من الله ما يود أنه رجع ليأتي بما ترك من العبادات. وأما تقدير ~~الامر بالزاد والراحلة ففي ذلك خلاف مشهور بين العلماء. وليس لكلام ابن ~~عباس # PageV18P130 # فيه مدخل، لأجل أن الرجعة والوعيد لا يدخل في المسائل المجتهد فيها ولا ~~المختلف عليها، وإنما يدخل في المتفق عليه. والصحيح تناوله للواجب من ~~الانفاق كيف تصرف بالاجماع أو بنص القرآن، لأجل أن ما عدا ذلك لا يتطرق ~~إليه تحقيق الوعيد. # الرابعة - قوله تعالى: " لولا " أي هلا، فيكون استفهاما. وقيل: " لا ms6223 " ~~صلة، فيكون الكلام بمعنى التمني. " فأصدق " نصب على جواب التمني بالفاء. " ~~وأكون " عطف على " فأصدق " وهي قراءة أبى عمرو وابن محيصن ومجاهد. وقرأ ~~الباقون " وأكن " بالجزم عطفا على موضع الفاء، لان قوله: " فأصدق " لو لم ~~تكن الفاء لكان مجزوما، أي أصدق. # ومثله: " من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم " (1) [الأعراف: 186] فيمن ~~جزم. قال ابن عباس: هذه الآية أشد على أهل التوحيد، لأنه لا يتمنى الرجوع ~~في الدنيا أو التأخير فيها أحد له عند الله خير في الآخرة. # قلت: إلا الشهيد فإنه يتمنى الرجوع حتى يقتل، لما يرى من الكرامة. (والله ~~خبير بما تعملون) من خير وشر. وقراءة العامة بالتاء على الخطاب. وقرأ أبو ~~بكر عن عاصم والسلمي بالياء، على الخبر عمن مات وقال هذه المقالة. " تمت ~~السورة بحمد الله وعونه (2) " سورة التغابن مدنية في قول الأكثرين. وقال ~~الضحاك: مكية. وقال الكلبي: هي مكية ومدنية. # وهي ثماني عشرة آية. وعن ابن عباس أن " سورة التغابن " نزلت بمكة، إلا ~~آيات من آخرها نزلت بالمدينة في عوف بن مالك الأشجعي، شكا إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم جفاء أهله وولده، فأنزل الله عز وجل: " يا أيها الذين ~~آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم " [التغابن: 14] إلى آخر ~~السورة. وعن عبد الله بن عمر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من ~~مولود يولد إلا وفي تشابيك رأسه مكتوب خمس آيات من فاتحة " سورة التغابن ". # PageV18P131 # بسم الله الرحمن الرحيم يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض له الملك ~~وله الحمد وهو على كل شئ قدير 1 تقدم في غير موضع. # قوله تعالى: هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن والله بما تعملون بصير ~~2 قال ابن عباس: إن الله خلق بني آدم مؤمنا وكافرا، ويعيدهم في يوم القيامة ~~مؤمنا وكافرا. # وروى أبو سعيد الخدري قال: خطبنا النبي صلى الله عليه وسلم عشية فذكر ~~شيئا مما يكون فقال: (يولد الناس على طبقات شتى. يولد الرجل مؤمنا ويعيش ~~مؤمنا ويموت مؤمنا. ويولد ms6224 الرجل كافرا ويعيش كافرا ويموت كافرا. ويولد ~~الرجل مؤمنا ويعيش مؤمنا ويموت كافرا. # ويولد الرجل كافرا ويعيش كافرا ويموت مؤمنا). وقال ابن مسعود: قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: # (خلق الله فرعون في بطن أمه كافرا وخلق يحيى بن زكريا في بطن أمه مؤمنا). ~~وفي الصحيح من حديث ابن مسعود: (وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما ~~يكون بينه وبينها إلا ذراع أو باع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار ~~فيدخلها. وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع ~~أو باع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها). خرجه البخاري ~~والترمذي وليس فيه ذكر الباع. وفي صحيح مسلم عن سهل ابن سعد الساعدي أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما ~~يبدو للناس وهو من أهل النار. وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو ~~للناس وهو من أهل الجنة). قال علماؤنا: والمعنى تعلق العلم الأزلي بكل ~~معلوم، فيجري ما علم وأراد وحكم. فقد يريد إيمان شخص على عموم الأحوال، وقد ~~يريده إلى وقت معلوم. وكذلك PageV18P132 # الكفر. وقيل في الكلام محذوف: فمنكم مؤمن ومنكم كافر ومنكم فاسق، فحذف ~~لما في الكلام من الدلالة عليه، قاله الحسن وقال غيره: لا حذف فيه، لان ~~المقصود ذكر الطرفين. وقال جماعة من أهل العلم: إن الله خلق الخلق ثم كفروا ~~وآمنوا. قالوا: وتمام الكلام " هو الذي خلقكم ". ثم وصفهم فقال: " فمنكم ~~كافر ومنكم مؤمن " كقوله تعالى: " والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي ~~على بطنه " (1) [النور: 45] الآية. قالوا: فالله خلقهم، والمشي فعلهم. # واختاره الحسين بن الفضل قال: لو خلقهم مؤمنين وكافرين لما وصفهم بفعلهم ~~في قوله " فمنكم كافر ومنكم مؤمن ". واحتجوا بقوله عليه الصلاة والسلام: ~~(كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه) الحديث. وقد ~~مضى في " الروم " مستوفى (2). قال الضحاك: فمنكم كافر في السر مؤمن في ~~العلانية كالمنافق، ومنكم مؤمن في السر كافر في العلانية ms6225 كعمار وذويه. وقال ~~عطاء بن أبي رباح: فمنكم كافر بالله مؤمن بالكواكب، ومنكم مؤمن بالله كافر ~~بالكواكب، يعني في شأن الأنواء. وقال الزجاج - وهو أحسن الأقوال، والذي ~~عليه الأئمة والجمهور من الأمة -: إن الله خلق الكافر، وكفره فعل له وكسب، ~~مع أن الله خالق الكفر. وخلق المؤمن، وإيمانه فعل له وكسب، مع أن الله خالق ~~الايمان. # والكافر يكفر ويختار الكفر بعد خلق الله إياه، لان الله تعالى قدر ذلك ~~عليه وعلمه منه. # ولا يجوز أن يوجد من كل واحد منهما غير الذي قدر عليه وعلمه منه، لان ~~وجود خلاف المقدور عجز، ووجود خلاف المعلوم جعل، ولا يليقان بالله تعالى. ~~وفي هذا سلامة من الجبر والقدر، كما قال الشاعر: # يا ناظرا في الدين ما الامر * لا قدر صح ولا جبر وقال سيلان: قدم أعرابي ~~البصرة فقيل له: ما تقول في القدر؟ فقال: أمر تغالت فيه الظنون، واختلف فيه ~~المختلفون، فالواجب أن نرد ما أشكل علينا من حكمه إلى ما سبق من علمه. # PageV18P133 # قوله تعالى: خلق السماوات والأرض بالحق وصوركم فأحسن صوركم وإليه المصير ~~3 قوله تعالى: (خلق السماوات والأرض بالحق) تقدم (1) في غير موضع، أي خلقها ~~حقا يقينا لا ريب فيه. وقيل: الباء بمعنى اللام أي خلقها للحق وهو أن يجزي ~~الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى. (وصوركم فأحسن صوركم) ~~يعني آدم عليه السلام، خلقه بيده كرامة، له، قاله مقاتل. الثاني: جميع ~~الخلائق. وقد مضى معنى التصوير، وأنه التخطيط والتشكيل (2). فإن قيل: كيف ~~أحسن صورهم؟ قيل له: جعلهم أحسن الحيوان كله وأبهاه صورة بدليل أن الانسان ~~لا يتمنى أن تكون صورته على خلاف ما يرى من سائر الصور. ومن حسن صورته أنه ~~خلق منتصبا غير منكب، كما قال عز وجل: # " لقد خلقنا الانسان في أحسن تقويم " (3) [التين: 4] على ما يأتي بيانه ~~إن شاء الله تعالى. (وإليه المصير) أي المرجع، فيجازي كلا بعمله. # قوله تعالى: يعلم ما في السماوات والأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون والله ~~عليم بذات الصدور 4 ms6226 تقدم في غير موضع. فهو عالم الغيب والشهادة، لا يخفى ~~عليه شئ قوله تعالى: ألم يأتكم نبأ الذين كفروا من قبل فذاقوا وبال أمرهم ~~ولهم عذاب أليم 5 الخطاب لقريش أي ألم يأتكم خبر كفار الأمم الماضية. ~~(فذاقوا وبال أمرهم) أي عوقبوا. (ولهم) في الآخرة (عذاب أليم) أي موجع. وقد ~~تقدم (4) # PageV18P134 # قوله تعالى: ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا ~~فكفروا وتولوا واستغنى الله والله غنى حميد 6 قوله تعالى: (ذلك) أي هذا ~~العذاب لهم بكفرهم بالرسل تأتيهم (بالبينات) أي بالدلائل الواضحة. (فقالوا ~~أبشر يهدوننا) أنكروا أن يكون الرسول من البشر. وارتفع " أبشر " على ~~الابتداء. وقيل: بإضمار فعل، والجمع على معنى بشر، ولهذا قال: " يهدوننا " ~~ولم يقل يهدينا. وقد يأتي الواحد بمعنى الجمع فيكون اسما للجنس، وواحده ~~إنسان لا واحد له من لفظه. وقد يأتي الجمع بمعنى الواحد، نحو قوله تعالى: " ~~ما هذا بشرا " [يوسف: 31]. (فكفروا) أي بهذا القول، إذ قالوه استصغارا ولم ~~يعلموا أن الله يبعث من يشاء إلى عباده. وقيل: # كفروا بالرسل وتولوا عن البرهان وأعرضوا عن الايمان والموعظة. (واستغنى ~~الله) أي بسلطانه عن طاعة عباده، قاله مقاتل. وقيل: استغنى الله بما أظهره ~~لهم من البرهان وأوضحه لهم من البيان، عن زيادة تدعو إلى الرشد وتقود إلى ~~الهداية. # قوله تعالى: زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربى لتبعثن ثم لتنبؤن ~~بما عملتم وذلك على الله يسير 7 قوله تعالى: (زعم الذين كفروا أن لن ~~يبعثوا) أي ظنوا. الزعم هو القول بالظن. # وقال شريح: لكل شئ كنية وكنية الكذب زعموا. قيل: نزلت في العاص بن وائل ~~السهمي مع خباب حسب ما تقدم بيانه في آخر سورة " مريم " (1)، ثم عمت كل ~~كافر. # (قل) يا محمد (بلى وربى لتبعثن) أي لتخرجن من قبوركم أحياء. (ثم لتنبؤن) ~~لتخبرن. (بما عملتم) أي بأعمالكم. (وذلك على الله يسير) إذا لإعادة أسهل من ~~الابتداء. # قوله تعالى: فأمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا والله بما تعملون ~~خبير 8 # PageV18P135 # قوله تعالى: (فآمنوا بالله ms6227 ورسوله) أمرهم بالايمان بعد أن عرفهم قيام ~~الساعة. # (والنور الذي أنزلنا) وهو القرآن، وهو نور يهتدي به من ظلمة الضلال. ~~(والله بما تعملون خبير). # قوله تعالى: يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن ومن يؤمن بالله ويعمل ~~صالحا يكفر عنه سيئاته ويدخله جنت تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ~~ذلك الفوز العظيم 9 فيه ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (يوم يجمعكم ليوم الجمع) العامل في " يوم " " ~~لتنبؤن " أو " خبير " لما فيه من معنى الوعد، كأنه قال: والله يعاقبكم يوم ~~يجمعكم. أو بإضمار أذكر. # والغبن: النقص. يقال: غبنه غبنا إذا أخذ الشئ منه بدون قيمته. وقراءة ~~العامة " يجمعكم " بالياء، لقوله تعالى: " والله بما تعلمون خبير " فأخبر. ~~ولذكر اسم الله أولا. وقرأ نصر وابن أبي إسحاق والجحدري ويعقوب وسلام " ~~نجمعكم " بالنون، اعتبارا بقوله: " والنور الذي أنزلنا ". ويوم الجمع يوم ~~يجمع الله الأولين والآخرين والانس والجن وأهل السماء وأهل الأرض. وقيل: هو ~~يوم يجمع الله بين كل عبد وعمله. وقيل: لأنه يجمع فيه بين الظالم والمظلوم. ~~وقيل: لأنه يجمع فيه بين كل نبي وأمته. وقيل: لأنه يجمع فيه بين ثواب أهل ~~الطاعات وعقاب أهل المعاصي. (ذلك يوم التغابن) أي يوم القيامة. قال: # وما أرتجي بالعيش في دار فرقة * ألا إنما الراحات يوم التغابن وسمى يوم ~~القيامة يوم التغابن، لأنه غبن فيه أهل الجنة أهل النار. أي أن أهل الجنة ~~أخذوا الجنة، وأخذ أهل النار النار على طريق المبادلة، فوقع الغبن لأجل ~~مبادلتهم الخير بالشر، والجيد بالردئ، والنعيم بالعذاب. يقال: غبنت فلانا ~~إذا بايعته أو شاريته فكان النقص عليه والغلبة لك. وكذا أهل الجنة وأهل ~~النار، على ما يأتي بيانه. ويقال: غبنت PageV18P136 # الثوب وخبنته إذا طال عن مقدارك فخطت منه شيئا، فهو نقصان أيضا. ~~والمغابن: ما انثنى من الخلق نحو الإبطين والفخذين. قال المفسرون: فالمغبون ~~من غبن أهله ومنازله في الجنة ويظهر يومئذ غبن كل كافر بترك الايمان، وغبن ~~كل مؤمن بتقصيره في الاحسان وتضييعه الأيام. قال الزجاج: ويغبن من ارتفعت ~~منزلته في ms6228 الجنة من كان دون منزلته. # الثانية - فإن قيل: فأي معاملة وقعت بينهما حتى يقع الغبن فيها. قيل له: ~~هو تمثيل الغبن في الشراء والبيع، كما قال تعالى: " أولئك الذين اشتروا ~~الضلالة بالهدى " (1) [البقرة: 16]. ولما ذكر أن الكفار اشتروا الضلالة ~~بالهدى وما ربحوا في تجارتهم بل خسروا، وذكر أيضا أنهم غبنوا، وذلك أن أهل ~~الجنة اشتروا الآخرة بترك الدنيا، واشترى أهل النار الدنيا بترك الآخرة. ~~وهذا نوع مبادلة اتساعا ومجازا. وقد فرق الله سبحانه وتعالى الخلق فريقين: ~~فريقا للجنة وفريقا للنار. ومنازل الكل موضوعة في الجنة والنار. فقد يسبق ~~الخذلان على العبد - كما بيناه في هذه السورة وغيرها - فيكون من أهل النار، ~~فيحصل الموفق على منزل المخذول ومنزل الموفق في النار للمخذول، فكأنه وقع ~~التبادل فحصل التغابن. والأمثال موضوعة للبيان في حكم اللغة والقرآن. وذلك ~~كله مجموع من نشر الآثار وقد جاءت مفرقة في هذا الكتاب. وقد يخبر عن هذا ~~التبادل بالوراثة كما بيناه في " قد أفلح المؤمنون " (2) [المؤمنون: 1] ~~والله أعلم. وقد يقع التغابن في غير ذلك اليوم على ما يأتي بيانه بعد، ~~ولكنه أراد التغابن الذي لا جبران لنهايته. وقال الحسن وقتادة: بلغنا أن ~~التغابن في ثلاثة أصناف: رجل علم علما فعلمه وضيعه هو ولم يعمل به فشقي به، ~~وعمل به من تعلمه منه فنجا به. ورجل اكتسب مالا من وجوه يسأل عنها وشح ~~عليه، وفرط في طاعة ربه بسببه، ولم يعمل فيه خيرا، وتركه لوارث لا حساب ~~عليه فيه، فعمل ذلك الوارث فيه بطاعة ربه. ورجل كان له عبد فعمل العبد ~~بطاعة ربه فسعد، وعمل السيد بمعصية وبه فشقي. وروي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: # (إن الله تعالى يقيم الرجل والمرأة يوم القيامة بين يديه فيقول الله ~~تعالى لهما قولا فما أنتما بقائلين فيقول الرجل يا رب أوجبت نفقتها علي ~~فتعسفتها من حلال وحرام وهؤلاء الخصوم # PageV18P137 # يطلبون ذلك ولم يبق لي ما أوفي به فتقول المرأة يا رب وما عسى أن أقول ~~اكتسبه حراما وأكلته حلالا ms6229 وعصاك في مرضاتي ولم أرض له بذلك فبعدا له وسحقا ~~فيقول الله تعالى قد صدقت فيؤمر به إلى النار ويؤمر بها إلى الجنة فتطلع ~~عليه من طبقات الجنة وتقول له غبناك غبناك سعدنا بما شقيت أنت به) فذلك يوم ~~التغابن. # الثالثة - قال ابن العربي: استدل علماؤنا بقوله تعالى: " ذلك يوم التغابن ~~" على أنه لا يجوز الغبن في المعاملة الدنيوية، لان الله تعالى خصص التغابن ~~بيوم القيامة فقال: # " ذلك يوم التغابن " وهذا الاختصاص يفيد أنه لا غبن في الدنيا، فكل من ~~اطلع على غبن في مبيع فإنه مردود إذا زاد على الثلث. واختاره البغداديون ~~واحتجوا عليه (1) بوجوه: منها قوله صلى الله عليه وسلم لحبان بن منقذ: " ~~إذا بايعت فقل لا خلابة (2) ولك الخيار ثلاثا ". # وهذا فيه نظر طويل بيناه في مسائل الخلاف. نكتته أن الغبن في الدنيا ~~ممنوع بإجماع في حكم الدين، إذ هو من باب الخداع المحرم شرعا في كل ملة، ~~لكن اليسير منه لا يمكن الاحتراز عنه لاحد، فمضى في البيوع (3)، إذ لو ~~حكمنا برده ما نفذ بيع أبدا، لأنه لا يخلو منه، حتى إذا كان كثيرا أمكن ~~الاحتراز منه فوجب الرد به. والفرق بين القليل والكثير أصل في الشريعة ~~معلوم، فقدر علماؤنا الثلث لهذا الحد، إذ رأوه في الوصية وغيرها. ويكون ~~معنى الآية على هذا: ذلك يوم التغابن الجائز مطلقا من غير تفصيل. أو ذلك ~~يوم التغابن الذي لا يستدرك أبدا، لان تغابن الدنيا يستدرك بوجهين: إما برد ~~في بعض الأحوال، وإما بربح في بيع آخر وسلعة أخرى. فأما من خسر الجنة فلا ~~درك له أبدا. وقد قال بعض علماء الصوفية: إن الله كتب الغبن على الخلق ~~أجمعين، فلا يلقى أحد ربه إلا مغبونا، لأنه لا يمكنه الاستيفاء للعمل حتى ~~يحصل له استيفاء الثواب. وفي الأثر قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يلقى ~~الله أحد إلا نادما إن كان مسيئا إن لم يحسن، وإن كان محسنا إن لم يزدد). # PageV18P138 # قوله تعالى: (ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا نكفر ms6230 عنه سيئاته وندخله جنات) ~~قرأ نافع وابن عامر بالنون فيهما، والباقون بالياء. # قوله تعالى: والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار خالدين فيها ~~وبئس المصير 10 قوله تعالى: (والذين كفروا وكذبوا بآياتنا) يعني القرآن ~~(أولئك أصحاب النار خالدين فيها وبئس المصير) لما ذكر ما للمؤمنين ذكر ما ~~للكافرين كما تقدم في غير موضع. # قوله تعالى: ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه ~~والله بكل شئ عليم 11 قوله تعالى: (ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله) أي ~~بإرادته وقضائه. وقال الفراء: # يريد إلا بأمر الله. وقيل: إلا بعلم الله. وقيل: سبب نزولها أن الكفار ~~قالوا: لو كان ما عليه المسلمون حقا لصانهم الله عن المصائب في الدنيا، ~~فبين الله تعالى أن ما أصاب من مصيبة في نفس أو مال أو قول أو فعل، يقتضي ~~هما أو يوجب عقابا عاجلا أو آجلا فبعلم الله وقضائه. # قوله تعالى: (ومن يؤمن بالله) أي يصدق ويعلم أنه لا يصيبه مصيبة إلا بإذن ~~الله. # (يهد قلبه) للصبر والرضا. وقيل: يثبته على الايمان. وقال أبو عثمان ~~الجيزي: من صح إيمانه يهد الله قلبه لاتباع السنة. وقيل: " ومن يؤمن بالله ~~يهد قلبه " عند المصيبة فيقول: # " إنا لله وإنا إليه راجعون " [البقرة: 156]، قاله ابن جبير. وقال ابن ~~عباس: هو أن يجعل الله في قلبه اليقين ليعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، ~~وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه. وقال الكلبي: هو إذا أبتلي صبر، وإذا أنعم ~~عليه شكر، وإذا ظلم غفر. وقيل: يهد قلبه إلى نيل الثواب في الجنة. # وقراءة العامة " يهد " بفتح الياء وكسر الدال، لذكر اسم الله أولا. وقرأ ~~السلمي وقتادة " يهد قلبه " بضم الياء وفتح الدال على الفعل المجهول ورفع ~~الباء، لأنه اسم فعل لم يسم فاعله. PageV18P139 # وقرأ طلحة بن مصرف والأعرج " نهد " بنون على التعظيم " قلبه " بالنصب. ~~وقرأ عكرمة " يهدأ قلبه " بهمزة ساكنة ورفع الباء، أي يسكن ويطمئن. وقرأ ~~مثله مالك بن دينار، إلا أنه لين الهمزة. (والله بكل ms6231 شئ عليم) لا يخفى عليه ~~تسليم من انقاد وسلم لامره، ولا كراهة من كرهه. # قوله تعالى: وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن توليتم فإنما على رسولنا ~~البلغ المبين 12 الله لا إله إلا هو وعلى الله فليتوكل المؤمنون 13 أي ~~هونوا على أنفسكم المصائب، واشتغلوا بطاعة الله، واعملوا بكتابه، وأطيعوا ~~الرسول في العمل بسنته، فإن توليتم عن الطاعة فليس على الرسول إلا التبليغ. ~~(الله لا إله إلا هو) أي لا معبود سواه، ولا خالق غيره، فعليه توكلوا. # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم ~~فاحذروهم وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم 14 فيه خمس مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا ~~لكم فاحذروهم) قال ابن عباس: نزلت هذه الآية بالمدينة في عوف بن مالك ~~الأشجعي، شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم جفاء أهله وولده، فنزلت. ذكره ~~النحاس. وحكاه الطبري عن عطاء بن يسار قال: نزلت سورة " التغابن " كلها ~~بمكة إلا هؤلاء الآيات: " يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا ~~لكم " نزلت في عوف بن مالك الأشجعي كان ذا أهل وولد، وكان إذا أراد الغزو ~~بكوا إليه ورققوه فقالوا: إلى من تدعنا؟ فيرق فيقيم، فنزلت: " يا أيها ~~الذين آمنوا PageV18P140 # إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم " الآية كلها بالمدينة في عوف بن مالك ~~الأشجعي. وبقية الآيات إلى آخر السورة بالمدينة. وروى الترمذي عن ابن عباس ~~- وسأله رجل عن هذه الآية " يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم ~~عدوا لكم فاحذروهم " - قال: هؤلاء رجال أسلموا من أهل مكة وأرادوا أن يأتوا ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم أن يأتوا النبي ~~صلى الله عليه وسلم، فلما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم رأوا الناس قد ~~فقهوا في الدين هموا أن يعاقبوهم، فأنزل الله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا ~~إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم " الآية. هذا حديث حسن صحيح. # الثانية - قال القاضي أبو ms6232 بكر بن العربي: هذا يبين وجه العداوة، فإن ~~العدو لم يكن عدوا لذاته وإنما كان عدوا بفعله. فإذا فعل الزوج والولد فعل ~~العدو كان عدوا، ولا فعل أقبح من الحيلولة بين العبد وبين الطاعة. وفي صحيح ~~البخاري من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الشيطان ~~قعد لابن آدم في طريق الايمان فقال له أتؤمن وتذر دينك ودين آبائك فخالفه ~~فآمن ثم قعد له على طريق الهجرة فقال له أتهاجر وتترك مالك وأهلك فخالفه ~~فهاجر ثم قعد له على طريق الجهاد فقال له أتجاهد فتقتل نفسك فتنكح نساؤك ~~ويقسم مالك فخالفه فجاهد فقتل، فحق على الله أن يدخله الجنة). وقعود ~~الشيطان يكون بوجهين: أحدهما: يكون بالوسوسة. والثاني - بأن يحمل على ما ~~يريد من ذلك الزوج والولد والصاحب، قال الله تعالى: " وقيضنا لهم قرناء ~~فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم " (1) [فصلت: 25]. وفي حكمة عيسى عليه ~~السلام: من اتخذ أهلا ومالا وولدا كان للدنيا عبدا. # وفي صحيح الحديث بيان أدنى من ذلك في حال العبد، قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # (تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم تعس (2) عبد الخميصة تعس عبد القطيفة ~~تعس وانتكس # PageV18P141 # وإذا شيك فلا انتقش). ولا دناءة أعظم من عبادة الدينار والدرهم، ولا همة ~~أخس من همة ترتفع بثوب جديد. # الثالثة - كما أن الرجل يكون له ولده وزوجه عدوا كذلك المرأة يكون لها ~~زوجها وولدها عدوا بهذا المعنى بعينه. وعموم قوله: " من أزواجكم " يدخل فيه ~~الذكر والأنثى لدخولهما في كل آية. والله أعلم. # الرابعة - قوله تعالى: (فاحذروهم) معناه على أنفسكم. والحذر على النفس ~~يكون بوجهين: إما لضرر في البدن، وإما لضرر في الدين. وضرر البدن يتعلق ~~بالدنيا، وضرر الدين يتعلق بالآخرة. فحذر الله سبحانه العبد من ذلك وأنذره ~~به. # الخامسة - قوله تعالى: (وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم) ~~روى الطبري عن عكرمة في قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم ~~وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم " قال: كان الرجل يريد أن ms6233 يأتي النبي صلى الله ~~عليه وسلم فيقول له أهله: أين تذهب وتدعنا؟ قال: فإذا أسلم وفقه قال: ~~لأرجعن إلى الذين كانوا ينهون عن هذا الامر، فلا فعلن ولأفعلن، قال: فأنزل ~~الله عز وجل: " وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم ". وقال ~~مجاهد في قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا ~~لكم فاحذروهم " قال: ما عادوهم في الدنيا ولكن حملتهم مودتهم على أن أخذوا ~~لهم الحرام فأعطوه إياهم. والآية عامة في كل معصية يرتكبها الانسان بسبب ~~الأهل والولد. # وخصوص السبب لا يمنع عموم (1) الحكم. # قوله تعالى: إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم 15 قوله ~~تعالى: (إنما أموالكم وأولادكم فتنة) أي بلاء واختبار يحملكم على كسب ~~المحرم ومنع حق الله تعالى فلا تطيعوهم في معصية الله. وفي الحديث (يؤتى ~~برجل يوم القيامة # PageV18P142 # فيقال أكل عياله حسناته). وعن بعض السلف: العيال سوس الطاعات. وقال ~~القتيبي: # " فتنة " أي إغرام، يقال: فتن الرجل بالمرأة أي شغف بها وقيل: " فتنة " ~~محنة. ومنه قول الشاعر: # لقد فتن الناس في دينهم * وخلى ابن عفان شرا طويلا وقال ابن مسعود: لا ~~يقولن أحدكم اللهم اعصمني من الفتنة، فإنه ليس أحد منكم يرجع إلى مال وأهل ~~وولد إلا وهو مشتمل على فتنة، ولكن ليقل: اللهم إني أعوذ بك من مضلات ~~الفتن. وقال الحسن في قوله تعالى: " إن من أزواجكم ": أدخل " من " للتبعيض، ~~لان كلهم ليسوا بأعداء. ولم يذكر " من " في قوله تعالى: " إنما أموالكم ~~وأولادكم فتنة " لأنهما لا يخلوان من الفتنة واشتغال القلب بهما. روى ~~الترمذي وغيره عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: رأيت النبي صلى الله عليه ~~وسلم يخطب، فجاء الحسن والحسين عليهما السلام - وعليهما قميصان أحمران، ~~يمشيان ويعثران، فنزل صلى الله عليه وسلم فحملهما بين يديه، ثم قال: (صدق ~~الله عز وجل إنما أموالكم وأولادكم فتنة. نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ~~ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما) ثم أخذ في خطبته. (والله عنده ~~أجر عظيم) يعني الجنة، فهي ms6234 الغاية، ولا أجر أعظم منها في قول المفسرين. وفي ~~الصحيحين واللفظ للبخاري - عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: (إن الله يقول لأهل الجنة يأهل الجنة فيقولون لبيك ربنا وسعديك ~~فيقول هل رضيتم فيقولون وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من ~~خلقك فيقول ألا أعطيكم أفضل من ذلك قالوا يا رب وأي شئ أفضل من ذلك فيقول ~~أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا). # وقد تقدم ولا شك في أن الرضا غاية الآمال. وأنشد الصوفية في تحقيق ذلك: # امتحن الله به خلقه * فالنار والجنة في قبضته فهجره أعظم من ناره * ووصله ~~أطيب من جنته PageV18P143 # قوله تعالى: فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيرا ~~لأنفسكم ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون 16 إن تقرضوا الله قرضا حسنا ~~يضعفه لكم ويغفر لكم والله شكور حليم 17 قوله تعالى: (فاتقوا الله ما ~~استطعتم واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيرا لأنفسكم) فيه خمس مسائل: # الأولى - ذهب جماعة من أهل التأويل إلى أن هذه الآية ناسخة لقوله تعالى: ~~" اتقوا الله حق تقاته (1) " [آل عمران: 102] منهم قتادة والربيع بن أنس ~~والسدي وابن زيد. ذكر الطبري: وحدثني يونس بن عبد الاعلى قال أخبرنا ابن ~~وهب قال: قال ابن زيد في قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق ~~تقاته " [آل عمران: 102] قال: جاء أمر شديد، قالوا: ومن يعرف قدر هذا أو ~~يبلغه؟ # فلما عرف الله أنه قد اشتد ذلك عليهم نسخها عنهم وجاء بهذه الآية الأخرى ~~فقال: " فاتقوا الله ما استطعتم ". وقيل: هي محكمة لا نسخ فيها. وقال ابن ~~عباس: قوله تعالى: " اتقوا الله حق تقاته " [آل عمران: 102] إنها لم تنسخ، ~~ولكن حق تقاته أن يجاهد لله حق جهاده، ولا يأخذهم في الله لومة لائم، ~~ويقوموا لله بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم. وقد تقدم. (1) ~~الثانية - فإن قيل: فإذا كانت هذه الآية محكمة غير منسوخة فما وجه قوله في ~~سورة التغابن: " فاتقوا الله ما استطعتم " وكيف ms6235 يجوز اجتماع الامر باتقاء ~~الله حق تقاته والامر باتقائه ما استطعنا. والامر باتقائه حق تقاته إيجاب ~~القرآن بغير خصوص ولا وصل بشرط، والامر باتقائه ما استطعنا أمر باتقائه ~~موصولا بشرط. قيل له: قوله: " فاتقوا الله ما استطعتم " بمعزل مما دل عليه ~~قوله تعالى: " اتقوا الله حق تقاته " [آل عمران: 102] وإنما عنى بقوله: # " فاتقوا الله ما استطعتم " فاتقوا الله أيها الناس وراقبوه فيما جعل ~~فتنة لكم من أموالكم # PageV18P144 # وأولادكم أن تغلبكم فتنتهم، وتصدكم عن الواجب لله عليكم من الهجرة من أرض ~~الكفر إلى أرض الاسلام، فتتركوا الهجرة ما استطعتم، بمعنى وأنتم للهجرة ~~مستطيعين. وذلك أن الله جل ثناؤه قد كان عذر من لم يقدر على الهجرة بتركها ~~بقوله تعالى: " إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم " إلى قوله " فأولئك ~~عسى الله أن يعفو عنهم " (1) [النساء: 97 - 99]. فأخبر أنه قد عفا عمن لا ~~يستطيع حيلة ولا يهتدي سبيلا بالإقامة في دار الشرك، فكذلك معنى قوله: " ~~فاتقوا الله ما استطعتم " في الهجرة من دار الشرك إلى دار الاسلام أن ~~تتركوها بفتنة أموالكم وأولادكم. # ومما يدل على صحة هذا أن قوله: " فاتقوا الله ما استطعتم " عقيب قوله: " ~~يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم ". # ولا خلاف بين السلف من أهل العلم بتأويل القرآن أن هذه الآيات نزلت بسبب ~~قوم كفار تأخروا عن الهجرة من دار الشرك إلى دار الاسلام بتثبيط أولادهم ~~إياهم عن ذلك، حسب ما تقدم. وهذا كله اختيار الطبري. وقيل: " فاتقوا الله ~~ما استطعتم " فيما تطوع به من نافلة أو صدقة، فإنه لما نزل قوله تعالى: " ~~اتقوا الله حق تقاته " [آل عمران: 102] اشتد على القوم فقاموا حتى ورمت ~~عراقيبهم وتقرحت جباههم، فأنزل الله تعالى تخفيفا عنهم: " فاتقوا الله ما ~~استطعتم " فنسخت الأولى، قاله ابن جبير. قال الماوردي: ويحتمل إن لم يثبت ~~هذا النقل أن المكره على المعصية غير مؤاخذ بها، لأنه لا يستطيع اتقاءها. # الثالثة - قوله تعالى: (واسمعوا وأطيعوا) أي اسمعوا ما توعظون به وأطيعوا ~~فيما تؤمرون به وتنهون ms6236 عنه. وقال مقاتل: " اسمعوا " أي اصغوا إلى ما ينزل ~~عليكم من كتاب الله، وهو الأصل في السماع. " وأطيعوا " لرسوله فيما أمركم ~~أو نهاكم. وقال قتادة: عليهما بويع النبي صلى الله عليه وسلم على السمع ~~والطاعة. وقيل: " واسمعوا " أي اقبلوا ما تسمعون، وعبر عنه بالسماع لأنه ~~فائدته. # PageV18P145 # قلت: وقد تغلغل في هذه الآية الحجاج حين تلاها وقصرها على عبد الملك بن ~~مروان فقال: # " فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا " هي لعبد الملك بن مروان أمين ~~الله وخليفته، ليس فيها مثنوية، والله لو أمرت رجلا أن يخرج من باب المسجد ~~فخرج من غيره لحل لي دمه. # وكذب في تأويلها بل هي للنبي صلى الله عليه وسلم أولا ثم لأولي الامر من ~~بعده. دليله " وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم " (1) ~~[النساء: 59]. # الرابعة - قوله تعالى: (وأنفقوا) قيل: هو الزكاة، قاله ابن عباس. وقيل: ~~هو النفقة في النفل. وقال الضحاك: هو النفقة في الجهاد. وقال الحسن: هو ~~نفقة الرجل لنفسه. قال ابن العربي: وإنما أوقع قائل هذا قوله: " لأنفسكم " ~~وخفي عليه أن نفقة النفل والفرض في الصدقة هي نفقة الرجل على نفسه، قال ~~الله تعالى: " إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها " (2) [الاسراء: ~~7]. وكل ما يفعله الرجل من خير فإنما هو لنفسه. والصحيح أنها عامة. وروي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال له رجل: عندي دينار؟ قال: (أنفقه على ~~نفسك) قال: عندي آخر؟ قال: (أنفقه على عيالك) قال: عندي آخر؟ قال: (أنفقه ~~على ولدك) قال: عندي آخر؟ قال: (تصدق به) فبدأ بالنفس والأهل والولد وجعل ~~الصدقة بعد ذلك. وهو الأصل في الشرع. # الخامسة - قوله تعالى: (خيرا لأنفسكم) " خيرا " نصب بفعل مضمر عند ~~سيبويه، دل عليه " وأنفقوا " كأنه قال: إيتوا في الانفاق خيرا لأنفسكم، أو ~~قدموا خيرا لأنفسكم من أموالكم. وهو عند الكسائي والفراء نعت لمصدر محذوف، ~~أي أنفقوا إنفاقا خيرا لأنفسكم. وهو عند أبي عبيدة خبر كان مضمرة، أي يكن ~~خيرا لكم. ومن جعل الخير المال فهو منصوب ب‍ " أنفقوا ". # قوله تعالى: ms6237 (ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون) تقدم الكلام فيه (3). ~~وكذا (إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم) تقدم الكلام فيه أيضا في " ~~البقرة " (4) وسورة # PageV18P146 # " الحديد ". (ويغفر لكم والله شكور حليم) تقدم معنى الشكر في " البقرة " ~~(1). والحليم: # الذي لا يعجل. # قوله تعالى: علم الغيب والشهدة العزيز الحكيم 18 قوله تعالى (عالم الغيب ~~والشهادة) أي ما غاب وحضر. وهو (العزيز) أي الغالب القاهر. فهو من صفات ~~الافعال، ومنه قوله عز وجل: " تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم " (2) ~~[الجاثية: 2]. أي من الله القاهر المحكم خالق الأشياء. وقال الخطابي: وقد ~~يكون بمعنى نفاسة القدر، يقال منه: عز يعز (بكسر العين) فيتناول معنى ~~العزيز على هذا أنه لا يعادله شئ وأنه لا مثل له. والله أعلم. (الحكيم) في ~~تدبير خلقه. وقال ابن الأنباري: " الحكيم " هو المحكم لخلق الأشياء، صرف عن ~~مفعل إلى فعيل، ومنه قوله عز وجل: " الر تلك آيات الكتاب الحكيم " (3) ~~[يونس: 1] معناه المحكم، فصرف عن مفعل إلى فعيل. والله أعلم. # سورة الطلاق مدنية في قول الجميع. وهي إحدى عشرة آية، أو اثنتا عشرة آية ~~بسم الله الرحمن الرحيم يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن ~~وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن ~~يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا ~~تدرى لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا 1 # PageV18P147 # فيه أربع عشرة مسألة: الأولى - قوله تعالى: (يا أيها النبي إذا طلقتم ~~النساء (1)) الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، خوطب بلفظ الجماعة تعظيما ~~وتفخيما. وفي سنن ابن ماجة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلق حفصة رضي الله عنها ثم راجعها. # وروى قتادة عن أنس قال: طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصة رضي الله ~~عنها فأتت أهلها، فأنزل الله تعالى عليه: " يا أيها النبي إذا طلقتم النساء ~~فطلقوهن لعدتهن ". وقيل له: راجعها فإنها قوامة صوامة، وهي من ms6238 أزواجك في ~~الجنة. ذكره الماوردي والقشيري والثعلبي. زاد القشيري: ونزل في خروجها إلى ~~أهلها قوله تعالى: " لا تخرجوهن، من بيوتهن ". وقال الكلبي: سبب نزول هذه ~~الآية غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم على حفصة، لما أسر إليها حديثا ~~فأظهرته لعائشة فطلقها تطليقة، فنزلت الآية. وقال السدي: # نزلت في عبد الله بن عمر، طلق امرأته حائضا تطليقة واحدة فأمره رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بأن يراجعها ثم يمسكها حتى تطهر وتحيض ثم تطهر، فإذا ~~أراد أن يطلقها فليطلقها حين تطهر من قبل أن يجامعها. فتلك العدة التي أمر ~~الله تعالى أن يطلق لها النساء. # وقد قيل: إن رجالا فعلوا مثل ما فعل عبد الله بن عمر، منهم عبد الله بن ~~عمرو بن العاص، وعمرو بن سعيد بن العاص، وعتبة بن غزوان، فنزلت الآية فيهم. ~~قال ابن العربي: وهذا كله وإن لم يكن صحيحا فالقول الأول أمثل. والأصح فيه ~~أنه بيان لشرع مبتدأ. وقد قيل: # إنه خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته. وغاير بين اللفظين من ~~حاضر وغائب وذلك لغة فصيحة، كما قال: " حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم ~~بريح طيبة " (2) [يونس: 22]. تقديره: يا أيها النبي قل لهم إذا طلقتم ~~النساء فطلقوهن لعدتهن. وهذا هو قولهم،: إن الخطاب له وحده والمعنى له ~~وللمؤمنين. وإذا أراد الله بالخطاب المؤمنين لاطفه بقوله: " يا أيها النبي ~~". # فإذا كان الخطاب باللفظ والمعنى جميعا له قال: " يا أيها الرسول ". # PageV18P148 # قلت: ويدل على صحة هذا القول نزول العدة في أسماء بنت يزيد بن السكن ~~الأنصارية. # ففي كتاب أبي داود عنها أنها طلقت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولم ~~يكن للمطلقة عدة، فأنزل الله تعالى حين طلقت أسماء بالعدة للطلاق، فكانت ~~أول من أنزل فيها العدة للطلاق. # وقيل: المراد به نداء النبي صلى الله عليه وسلم تعظيما، ثم ابتدأ فقال: " ~~إذا طلقتم النساء "، كقوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر ~~والميسر والأنصاب والأزلام " [المائدة: 90] الآية. (1) فذكر المؤمنين على ~~معنى تقديمهم وتكريمهم، ms6239 ثم افتتح فقال: " إنما الخمر والميسر والأنصاب ~~والأزلام " الآية. # الثانية - روى الثعلبي من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # (إن من أبغض الحلال إلى الله تعالى الطلاق). وعن علي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # (تزوجوا ولا تطلقوا فإن الطلاق يهتز منه العرش). وعن أبي موسى قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تطلقوا النساء إلا من ريبة فإن الله عز ~~وجل لا يحب الذواقين ولا الذواقات). وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم (ما حلف بالطلاق ولا استحلف به إلا منافق). أسند جميعه الثعلبي ~~رحمه الله في كتابه. وروى الدارقطني قال: # حدثنا أبو العباس محمد بن موسى بن علي الدولابي ويعقوب بن إبراهيم قالا ~~حدثنا الحسن ابن عرفة قال حدثنا إسماعيل بن عياش عن حميد بن مالك اللخمي عن ~~مكحول عن معاذ بن جبل قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا معاذ ~~ما خلق الله شيئا على وجه الأرض أحب إليه من العتاق ولا خلق الله شيئا على ~~وجه الأرض (2) أبغض من الطلاق. فإذا قال الرجل لمملوكه أنت حر إن شاء الله ~~فهو حر ولا استثناء له. وإذا قال الرجل لامرأته أنت طالق إن شاء الله (2) ~~فله استثناؤه ولا طلاق عليه). حدثنا محمد بن موسى بن علي قال: # حدثنا حميد بن الربيع قال حدثنا يزيد بن هارون حدثنا إسماعيل بن عياش ~~بإسناده نحوه. # قال حميد: قال لي يزيد بن هارون: وأي حديث لو كان حميد بن مالك معروفا؟ ~~قلت: # PageV18P149 # هو جدي. قال يزيد: سررتني سررتني! الآن صار حديثا. حدثنا عثمان بن أحمد ~~الدقاق قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن سنين حدثنا عمر بن إبراهيم بن خالد ~~حدثنا حميد بن مالك اللخمي حدثنا مكحول عن مالك بن يخامر عن معاذ بن جبل ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما أحل الله شيئا أبغض إليه من ~~الطلاق فمن طلق واستثنى فله ثنياه). # قال ابن المنذر: ms6240 اختلفوا في الاستثناء في الطلاق والعتق، فقالت طائفة: ~~ذلك جائز. وروينا هذا القول عن طاوس. وبه قال حماد الكوفي والشافعي وأبو ~~ثور وأصحاب الرأي. ولا يجوز الاستثناء في الطلاق في قول مالك والأوزاعي. ~~وهذا قول قتادة في الطلاق خاصة. قال ابن المنذر: وبالقول الأول أقول. # الثالثة - روى الدارقطني من حديث عبد الرزاق أخبرني عمي وهب بن نافع قال ~~سمعت عكرمة يحدث عن ابن عباس يقول: الطلاق على أربعة وجوه: وجهان حلالان ~~ووجهان حرامان، فأما الحلال فأن يطلقها طاهرا عن غير جماع وأن يطلقها حاملا ~~مستبينا حملها. # وأما الحرام فأن يطلقها وهي حائض، أو يطلقها حين يجامعها، لا تدري اشتمل ~~الرحم على ولد أم لا. # الرابعة - قوله تعالى: (فطلقوهن لعدتهن) في كتاب أبي داود عن أسماء بنت ~~يزيد ابن السكن الأنصارية أنها طلقت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم ~~يكن للمطلقة عدة، فأنزل الله سبحانه حين طلقت أسماء بالعدة للطلاق، فكانت ~~أول من أنزل فيها العدة للطلاق. وقد تقدم. # الخامسة: قوله تعالى: " لعدتهن " يقتضي أنهن اللاتي دخل بهن من الأزواج، ~~لان غير المدخول بهن خرجن بقوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم ~~المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها " ~~(1) [الأحزاب: 49]. # السادسة: من طلق في طهر لم يجامع فيه نفذ طلاقه وأصاب السنة. وإن طلقها ~~حائضا نفذ طلاقه وأخطأ السنة. وقال سعيد بن المسيب في آخري: (2) لا يقع ~~الطلاق في الحيض # PageV18P150 # لأنه خلاف السنة. وإليه ذهبت الشيعة. وفي الصحيحين - واللفظ للدار قطني - ~~عن عبد الله بن عمر قال: طلقت امرأتي وهي حائض فذكر ذلك عمر لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فتغيظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (ليراجعها ثم ~~ليمسكها حتى تحيض حيضة مستقبلة سوى حيضتها التي طلقها فيها فإن بدا له أن ~~يطلقها فليطلقها طاهرا من حيضتها قبل أن يمسها فذلك الطلاق للعدة كما أمر ~~الله). وكان عبد الله بن عمر طلقها تطليقة، فحسبت من طلاقها وراجعها عبد ~~الله بن ms6241 عمر كما أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم. في رواية عن ابن عمر ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (هي واحدة). وهذا نص. وهو يرد على ~~الشيعة قولهم. # السابعة: عن عبد الله بن مسعود قال: طلاق السنة أن يطلقها في كل طهر ~~تطليقة، فإذا كان آخر ذلك فتلك العدة التي أمر الله تعالى بها. رواه ~~الدارقطني عن الأعمش عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله. قال علماؤنا: ~~طلاق السنة ما جمع شروطا سبعة: # وهو أن يطلقها واحدة، وهي ممن تحيض، طاهرا، لم يمسها في ذلك الطهر، ولا ~~تقدمه طلاق في حيض، ولا تبعه طلاق في طهر يتلوه، وخلا عن العوض. وهذه ~~الشروط السبعة من حديث ابن عمر المتقدم. وقال الشافعي: طلاق السنة أن ~~يطلقها في كل طهر خاصة، ولو طلقها ثلاثا في طهر لم يكن بدعة. وقال أبو ~~حنيفة: طلاق السنة أن يطلقها في كل طهر طلقة. وقال الشعبي: يجوز أن يطلقها ~~في طهر جامعها فيه. فعلماؤنا قالوا: يطلقها واحدة في طهر لم يمس فيه، ولا ~~تبعه طلاق في عدة، ولا يكون الطهر تاليا لحيض وقع فيه الطلاق، لقول النبي ~~صلى الله عليه وسلم: (مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ~~ثم إن شاء أمسك وإن شاء طلق. فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها ~~النساء). وتعلق الإمام الشافعي بظاهر قوله تعالى: " فطلقوهن لعدتهن " وهذا ~~عام في كل طلاق كان واحدة أو اثنتين أو أكثر. # وإنما راعى الله سبحانه الزمان في هذه الآية ولم يعتبر العدد. وكذلك حديث ~~ابن عمر لان النبي صلى الله عليه وسلم علمه الوقت لا العدد. قال ابن ~~العربي: " وهذه غفلة عن الحديث PageV18P151 # الصحيح، فإنه قال: (مره فليراجعها) وهذا يدفع الثلاث. وفي الحديث أنه ~~قال: أرأيت لو طلقها ثلاثا؟ قال حرمت عليك وبانت منك بمعصية. وقال أبو ~~حنيفة: ظاهر الآية يدل على أن الطلاق الثلاث والواحدة سواء. وهو مذهب ~~الشافعي لولا قوله بعد ذلك: # " لا تدري لعل ms6242 الله يحدث بعد ذلك أمرا ". وهذا يبطل دخول الثلاث تحت ~~الآية. # وكذلك قال أكثر العلماء، وهو بديع لهم. وأما مالك فلم يخف عليه إطلاق ~~الآية كما قالوا، ولكن الحديث فسرها كما قلنا. وأما قول الشعبي: إنه يجوز ~~طلاق في طهر جامعها فيه، فيرده حديث ابن عمر بنصه ومعناه. أما نصه فقد ~~قدمناه، وأما معناه فلانه إذا منع من طلاق الحائض لعدم الاعتداد به، فالطهر ~~المجامع فيه أولى بالمنع، لأنه يسقط الاعتداد به مخافة شغل الرحم وبالحيض ~~التالي له. # قلت: وقد احتج الشافعي في طلاق الثلاث بكلمة واحدة بما رواه الدارقطني عن ~~سلمة ابن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه أن عبد الرحمن بن عوف طلق امرأته ~~تماضر بنت الأصبغ الكلبية وهي أم أبي سلمة ثلاث تطليقات في كلمة واحدة، فلم ~~يبلغنا أن أحدا من أصحابه عاب ذلك. قال: وحدثنا سلمة بن أبي سلمة عن أبيه ~~أن حفص بن المغيرة طلق امرأته فاطمة بنت قيس على عهد رسول اله صلى الله ~~عليه وسلم ثلاث تطليقات في كلمة، فأبانها منه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ولم يبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم عاب ذلك عليه. واحتج أيضا ~~بحديث عويمر العجلاني لما لا عن قال: يا رسول الله، هي طالق ثلاث. فلم ينكر ~~عليه النبي صلى الله عليه وسلم. وقد انفصل علماؤنا عن هذا أحسن انفصال. # بيانه في غير هذا الموضع. وقد ذكرناه في كتاب (المقتبس من شرح موطأ مالك ~~بن أنس). # وعن سعيد بن المسيب وجماعة من التابعين أن من خالف السنة في الطلاق ~~فأوقعه في حيض أو ثلاث لم يقع، وشبهوه بمن وكل بطلاق السنة (1) فخالف. # الثامنة: قال الجرجاني: اللام في قوله تعالى: " لعدتهن " بمعنى في، كقوله ~~تعالى: " هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر " ~~(2) [الحشر: 2]. # PageV18P152 # أي في أول الحشر. فقوله: " لعدتهن " أي في عدتهن، أي في الزمان الذي يصلح ~~لعدتهن. # وحصل الاجماع على أن الطلاق في الحيض ممنوع وفي الطهر مأذون فيه. ms6243 ففيه ~~دليل على أن القرء هو الطهر. وقد مضى القول فيه في " البقرة " (1) فإن قيل: ~~معنى " فطلقوهن لعدتهن " أي في قبل (2) عدتهن، أو لقبل عدتهن. وهي قراءة ~~النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال ابن عمر في صحيح مسلم وغيره. فقبل العدة ~~آخر الطهر حتى يكون القرء الحيض (3)، قيل له: # هذا هو الدليل الواضح لمالك ومن قال بقوله، على أن الأقراء هي الأطهار. ~~ولو كان كما قال الحنفي ومن تبعه لوجب أن يقال: إن من طلق في أول الطهر لا ~~يكون مطلقا لقبل الحيض، لان الحيض لم يقبل بعد. وأيضا إقبال الحيض يكون ~~بدخول الحيض، وبانقضاء الطهر لا يتحقق إقبال الحيض. ولو كان إقبال الشئ ~~إدبار ضده لكان الصائم مفطرا قبل مغيب الشمس، إذ الليل يكون مقبلا في إدبار ~~النهار قبل انقضاء النهار. ثم إذا طلق في آخر الطهر فبقية الطهر قرء، ولأن ~~بعض القرء يسمى قرءا لقوله تعالى: " الحج أشهر معلومات " [البقرة: 197] ~~يعني شوالا وذا القعدة وبعض ذي الحجة، لقوله تعالى: " فمن تعجل في يومين ~~فلا إثم عليه " [البقرة: 203] وهو ينفر في بعض اليوم الثاني. وقد مضى هذا ~~كله في " البقرة " مستوفى (4). # التاسعة - قوله تعالى: (وأحصوا العدة) يعني في المدخول بها، لان غير ~~المدخول بها لا عدة عليها، وله أن يراجعها فيما دون الثلاث قبل انقضاء ~~العدة، ويكون بعدها كأحد الخطاب. ولا تحل له في الثلاث إلا بعد زوج. # العاشرة - قوله تعالى: " وأحصوا العدة " معناه احفظوها، أي احفظوا الوقت ~~الذي وقع فيه الطلاق، حتى إذا انفصل المشروط منه وهو الثلاثة قروء في قوله ~~تعالى: # " والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء " (4) [البقرة: 228] حلت للأزواج. ~~وهذا يدل على أن العدة هي الأطهار وليست بالحيض. ويؤكده ويفسره قراءة النبي ~~صلى الله عليه وسلم " لقبل عدتهن " وقبل الشئ بعضه لغة وحقيقة، بخلاف ~~استقباله فإنه يكون غيره. # PageV18P153 # الحادية عشرة: من المخاطب بأمر الاحصاء؟ وفيه ثلاث أقوال: أحدها - أنهم ~~الأزواج. الثاني - أنهم الزوجات. الثالث - أنهم المسلمون. ابن العربي: " ~~والصحيح أن المخاطب بهذا اللفظ الأزواج، لان الضمائر ms6244 كلها من " طلقتم " و " ~~أحصوا " و " لا تخرجوهن " على نظام واحد يرجع إلى الأزواج، ولكن الزوجات ~~داخلة فيه بالالحاق بالزوج، لان الزوج يحصي ليراجع، وينفق أو يقطع، وليسكن ~~أو يخرج وليلحق نسبه أو يقطع. وهذه كلها أمور مشتركة بينه وبين المرأة، ~~وتنفرد المرأة دونه بغير ذلك. # وكذلك الحاكم يفتقر إلى الاحصاء للعدة للفتوى عليها، وفصل الخصومة عند ~~المنازعة فيها. # وهذه فوائد الاحصاء المأمور به ". # الثانية عشرة - قوله تعالى: (واتقوا الله ربكم) أي لا تعصوه. (لا تخرجوهن ~~من بيوتهن) أي ليس للزوج أن يخرجها من مسكن النكاح ما دامت في العدة، يجوز ~~لها الخروج أيضا لحق الزوج إلا لضرورة ظاهرة، فإن خرجت أثمت ولا تنقطع ~~العدة. والرجعية والمبتوتة في هذا سواء. وهذا لصيانة ماء الرجل. وهذا معنى ~~إضافة البيوت إليهن، كقوله تعالى: " واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله ~~والحكمة " (1) [الأحزاب: 34]، وقوله تعالى: " وقرن في بيوتكن " (1) ~~[الأحزاب: 33] فهو إضافة إسكان وليس إضافة تمليك. وقوله: " لا تخرجوهن " ~~يقتضي أن يكون حقا في الأزواج. ويقتضي قوله: " ولا يخرجن " أنه حق على ~~الزوجات. # وفي صحيح الحديث عن جابر بن عبد الله قال: طلقت خالتي فأرادت أن تجد (2) ~~نخلها فزجرها رجل أن تخرج، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (بلى فجدي ~~نخلك فإنك عسى أن تصدقي أو تفعلي معروفا). خرجه مسلم. ففي هذا الحديث دليل ~~لمالك والشافعي وابن حنبل والليث على قولهم: إن المعتدة تخرج بالنهار في ~~حوائجها، وإنما تلزم منزلها بالليل. # وسواء عند مالك كانت رجعية أو بائنة. وقال الشافعي في الرجعية: لا تخرج ~~ليلا ولا نهارا، وإنما تخرج نهارا المبتوتة. وقال أبو حنيفة: ذلك في ~~المتوفي عنها زوجها، وأما المطلقة # PageV18P154 # فلا تخرج لا ليلا ولا نهارا. والحديث يرد عليه. وفي الصحيحين أن أبا حفص ~~(1) بن عمرو خرج مع علي بن أبي طالب إلى اليمن، فأرسل إلى امرأته فاطمة بنت ~~قيس بتطليقة كانت بقيت من طلاقها، وأمر لها الحارث بن هشام وعياش بن أبي ~~ربيعة بنفقة فقالا لها: والله مالك من نفقة ms6245 إلا أن تكوني حاملا. فأتت النبي ~~صلى الله عليه وسلم فذكرت له قولهما. # فقال: (لا نفقة لك)، فاستأذنته في الانتقال فأذن لها، فقالت: أين يا رسول ~~الله؟ # فقال: (إلى ابن أم مكتوم)، وكان أعمى تضع ثيابها عنده ولا يراها. فلما ~~مضت عدتها أنكحها النبي صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد. فأرسل إليها ~~مروان قبيصة بن ذؤيب يسألها عن الحديث، فحدثته. فقال مروان: لم نسمع هذا ~~الحديث إلا من امرأة، سنأخذ بالعصمة التي وجدنا الناس عليها. فقالت فاطمة ~~حين بلغها قول مروان: فبيني وبينكم القرآن، قال الله عز وجل: " لا تخرجوهن ~~من بيوتهن " الآية، قالت: هذا لمن كانت له رجعة، فأي أمر يحدث بعد الثلاث؟ ~~فكيف تقولون: لا نفقة لها إذا لم تكن حاملا، فعلام تحبسونها؟ لفظ مسلم. ~~فبين أن الآية في تحريم الاخراج والخروج إنما هو في الرجعية. # وكذلك استدلت فاطمة بأن الآية التي تليها إنما تضمنت النهي عن خروج ~~المطلقة الرجعية، لأنها بصدد أن يحدث لمطلقها رأي في ارتجاعها ما دامت في ~~عدتها، فكأنها تحت تصرف الزوج في كل وقت. وأما البائن فليس له شئ من ذلك، ~~فيجوز لها أن تخرج إذا دعتها إلى ذلك حاجة، أو خافت عورة منزلها، كما أباح ~~لها النبي صلى الله عليه وسلم ذلك. # وفي مسلم - قالت فاطمة يا رسول الله، زوجي طلقني ثلاثا وأخاف أن يقتحم ~~علي. قال: # فأمرها فتحولت وفي البخاري عن عائشة أنها كانت في مكان وحش فخيف على ~~ناحيتها، فلذلك أرخص النبي صلى الله عليه وسلم لها. وهذا كله يرد على ~~الكوفي قوله. وفي حديث فاطمة: أن زوجها أرسل إليها بتطليقة كانت بقيت من ~~طلاقها، فهو حجة لمالك وحجة على الشافعي. وهو أصح من حديث سلمة بن أبي سلمة ~~عن أبيه أن حفص بن المغيرة طلق امرأته ثلاث تطليقات في كلمة، على ما تقدم. # PageV18P155 # الثالثة عشرة - قوله تعالى: (إلا أن يأتين بفاحشة مبينة) قال ابن عباس ~~وابن عمر والحسن والشعبي ومجاهد: هو الزنى، فتخرج ويقام عليها الحد. وعن ~~ابن ms6246 عباس أيضا والشافعي: أنه البذاء على أحمائها، فيحل لهم إخراجها. وروي ~~عن سعيد بن المسيب أنه قال في فاطمة: تلك امرأة استطالت على أحمائها ~~بلسانها فأمرها عليه السلام أن تنتقل. وفي كتاب أبي داود قال سعيد: تلك ~~امرأة فتنت (1) الناس، إنها كانت لسنة فوضعت على يدي ابن أم مكتوم الأعمى. ~~قال عكرمة: في مصحف أبي " إلا أن يفحشن عليكم ". ويقوي هذا أن محمد بن ~~إبراهيم بن الحارث روي أن عائشة قالت لفاطمة بنت قيس: اتقي الله فإنك ~~تعلمين لم أخرجت؟ وعن ابن عباس أيضا: الفاحشة كل معصية كالزنى والسرقة ~~والبذاء على الأهل. وهو اختيار الطبري. وعن ابن عمر أيضا والسدي: الفاحشة ~~خروجها من بيتها في العدة. وتقدير الآية: إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ~~بخروجهن من بيوتهن بغير حق، أي لو خرجت كانت عاصية. وقال قتادة: الفاحشة ~~النشوز، وذلك أن يطلقها على النشوز فتتحول عن بيته. قال ابن العربي: أما من ~~قال إنه الخروج للزنى، فلا وجه له، لان ذلك الخروج هو خروج القتل والاعدام: ~~وليس ذلك بمستثنى في حلال ولا حرام. وأما من قال: إنه البذاء، فهو مفسر في ~~حديث فاطمة بنت قيس. وأما من قال: إنه كل معصية، فوهم لان الغيبة ونحوها من ~~المعاصي لا تبيح الاخراج ولا الخروج. وأما من قال: إنه الخروج بغير حق، فهو ~~صحيح. وتقدير الكلام: لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن شرعا إلا أن يخرجن ~~تعديا. # الرابعة عشرة - قوله تعالى: (وتلك حدود الله) أي هذه الأحكام التي بينها ~~أحكام الله على العباد، وقد منع التجاوز عنها، فمن تجاوز فقد ظلم نفسه ~~وأوردها مورد الهلاك. # (لا تدرى لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا) الامر الذي يحدثه الله أن يقلب ~~قلبه من بغضها إلى محبتها، ومن الرغبة عنها إلى الرغبة فيها، ومن عزيمة ~~الطلاق إلى الندم عليه، فيراجعها. # وقال جميع المفسرين: أراد بالامر هنا الرغبة في الرجعة. ومعنى القول: ~~التحريض على # PageV18P156 # طلاق الواحدة والنهي عن الثلاث، فإنه إذا طلق ثلاثا أضر بنفسه عند الندم ~~على الفراق ms6247 والرغبة في الارتجاع، فلا يجد عند الرجعة سبيلا. وقال مقاتل: " ~~بعد ذلك " أي بعد طلقة أو طلقتين " أمرا " أي المراجعة من غير خلاف. # قوله تعالى: فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ~~ذوي عدل منكم وأقيموا الشهدة لله ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم ~~الآخر ومن يتق الله يجعل له مخرجا 2 ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على ~~الله فهو حسبه إن الله بلغ أمره قد جعل الله لكل شئ قدرا 3 قوله تعالى: ~~(فإذا بلغن أجلهن) أي قاربن انقضاء العدة، كقوله تعالى: " وإذا طلقتم ~~النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن " (1) [البقرة: 231] أي قربن من انقضاء الأجل. ~~(فأمسكوهن بمعروف) يعني المراجعة بالمعروف، أي بالرغبة من غير قصد المضارة ~~في الرجعة تطويلا لعدتها. كما تقدم في " البقرة ". (1) (أو فارقوهن بمعروف) ~~أي اتركوهن حتى تنقضي عدتهن فيملكن أنفسهن. # وفي قوله تعالى: " فإذا بلغن أجلهن " ما يوجب أن يكون القول قول المرأة ~~في انقضاء العدة إذا ادعت ذلك، على ما بيناه في سورة " البقرة " عند قوله ~~تعالى: " ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن " [البقرة: 228] ~~الآية. (1) قوله تعالى: (وأشهدوا ذوي عدل منكم) فيه ست مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " وأشهدوا " أمر بالاشهاد (2) على الطلاق. وقيل: ~~على الرجعة. # والظاهر رجوعه إلى الرجعة لا إلى الطلاق. فإن راجع من غير إشهاد ففي صحة ~~الرجعة قولان للفقهاء. وقيل: المعنى وأشهدوا عند الرجعة والفرقة جميعا. ~~وهذا الاشهاد مندوب إليه عند # PageV18P157 # أبي حنيفة، كقوله تعالى: " وأشهدوا إذا تبايعتم " (1) [البقرة: 282]. ~~وعند الشافعي واجب في الرجعة، مندوب إليه في الفرقة. وفائدة الاشهاد ألا ~~يقع بينهما التجاحد، وألا يتهم في إمساكها، ولئلا يموت أحدهما فيدعي الباقي ~~ثبوت الزوجية (2) ليرث. # الثانية - الاشهاد عند أكثر العلماء على الرجعة ندب. وإذا جامع أو قبل أو ~~باشر يريد بذلك الرجعة، وتكلم بالرجعة يريد به الرجعة فهو مراجع عند مالك، ~~وإن لم يرد بذلك الرجعة فليس بمراجع. وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا قبل أو ~~باشر أو لامس بشهوة فهو رجعة. ms6248 وقالوا: والنظر إلى الفرج رجعة. وقال الشافعي ~~وأبو ثور: إذا تكلم بالرجعة فهو رجعة. وقد قيل: وطؤه مراجعة على كل حال، ~~نواها أو لم ينوها. وروي ذلك عن طائفة من أصحاب مالك. وإليه ذهب الليث. ~~وكان ما لك يقول: إذا وطئ ولم ينو الرجعة فهو وطئ فاسد، ولا يعود لوطئها ~~حتى يستبرئها من مائه الفاسد، وله الرجعة في بقية العدة الأولى، وليس له ~~رجعة في هذا الاستبراء. # الثالثة - أوجب الاشهاد في الرجعة أحمد بن حنبل في أحد قوليه، والشافعي ~~كذلك لظاهر الامر. وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد والشافعي في القول الآخر: إن ~~الرجعة لا تفتقر إلى القبول، فلم تفتقر إلى الاشهاد كسائر الحقوق، وخصوصا ~~حل الظهار بالكفارة. قال ابن العربي: وركب أصحاب الشافعي على وجوب الاشهاد ~~في الرجعة أنه لا يصح أن يقول: # كنت راجعت أمس وأنا أشهد اليوم على الاقرار بالرجعة، ومن شرط الرجعة ~~الاشهاد فلا تصح دونه. وهذا فاسد مبني على أن الاشهاد في الرجعة تعبد. ونحن ~~لا نسلم فيها ولا في النكاح بأن نقول: إنه موضع للتوثق، وذلك موجود في ~~الاقرار كما هو موجود في الانشاء. # الرابعة: من ادعى بعد انقضاء العدة أنه راجع امرأته في العدة، فإن صدقته ~~جاز وإن أنكرت حلفت، فإن أقام بينة أنه ارتجعها في العدة ولم تعلم بذلك لم ~~يضره جهلها بذلك، # PageV18P158 # وكانت زوجته، وإن كانت قد تزوجت ولم يدخل بها ثم أقام الأول البينة على ~~رجعتها فعن مالك في ذلك روايتان: إحداهما - أن الأول أحق بها. والأخرى - أن ~~الثاني أحق بها. فإن كان الثاني قد دخل بها فلا سبيل للأول إليها. # الخامسة - قوله تعالى: " ذوي عدل منكم قال الحسن: من المسلمين. وعن ~~قتادة: من أحراركم. وذلك يوجب اختصاص الشهادة على الرجعة بالذكور دون ~~الإناث، لان " ذوي " مذكر. ولذلك قال علماؤنا: لا مدخل للنساء فيما عدا ~~الأموال. وقد مضى ذلك في سورة " البقرة ". (1) السادسة - قوله تعالى: ~~(وأقيموا الشهادة لله) أي تقربا إلى الله في إقامة الشهادة على وجهها، إذا ~~مست الحاجة إليها ms6249 من غير تبديل ولا تغيير. وقد مضى في سورة " البقرة معناه ~~عند قوله تعالى: " وأقوم للشهادة " (2) [البقرة: 282]. # قوله تعالى: (ذلكم يوعظ به) أي يرضى به. (من كان يؤمن بالله واليوم ~~الآخر) فأما غير المؤمن فلا ينتفع بهذه المواعظ. # قوله تعالى: (ومن يتق الله يجعل له مخرجا) عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه سئل عمن طلق ثلاثا أو ألفا هل له من مخرج؟ فتلاها. وقال ابن عباس ~~والشعبي والضحاك: # هذا في الطلاق خاصة، أي من طلق كما أمره الله يكن له مخرج في الرجعة في ~~العدة، وأن يكون كأحد الخطاب بعد العدة وعن ابن عباس أيضا " يجعل له مخرجا ~~" ينجيه من كل كرب في الدنيا والآخرة. وقيل: المخرج هو أن يقنعه الله بما ~~رزقه، قاله علي بن صالح. وقال الكلبي: " ومن يتق الله " بالصبر عند ~~المصيبة. " يجعل له مخرجا " من النار إلى الجنة. # وقال الحسن: مخرجا مما نهى الله عنه. وقال أبو العالية: مخرجا من كل شدة. ~~الربيع ابن خيثم: " يجعل له مخرجا " من كل شئ ضاق على الناس. الحسين بن ~~الفضل: # " ومن يتق الله " في أداء الفرائض، " يجعل له مخرجا " من العقوبة. ~~(ويرزقه) الثواب # PageV18P159 # (من حيث لا يحتسب) أي يبارك له فيما آتاه. وقال سهل بن عبد الله: " ومن ~~يتق الله " في أتباع السنة " يجعل له مخرجا " من عقوبة أهل البدع، ويرزقه ~~الجنة من حيث لا يحتسب. # وقيل: " ومن يتق الله " في الرزق بقطع العلائق يجعل له مخرجا بالكفاية. ~~وقال عمر بن عثمان الصدفي: " ومن يتق الله " فيقف عند حدوده ويجتنب معاصيه ~~يخرجه من الحرام إلى الحلال، ومن الضيق إلى السعة، ومن النار إلى الجنة. " ~~ويرزقه من حيث لا يحتسب " من حيث لا يرجو. وقال ابن عيينة: هو البركة في ~~الرزق. وقال أبو سعيد الخدري: ومن يبرأ من حوله وقوته بالرجوع إلى الله ~~يجعل له مخرجا مما كلفه بالمعونة له. وتأول ابن مسعود ومسروق الآية على ~~العموم. وقال أبو ذر: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إني لاعلم آية ms6250 لو أخذ ~~بها الناس لكفتهم - ثم تلا - " ومن يتق الله يجعل له مخرجا. ويرزقه من حيث ~~لا يحتسب "). فما زال يكررها ويعيدها. وقال ابن عباس: قرأ النبي صلى الله ~~عليه وسلم " ومن يتق الله يجعل له مخرجا. ويرزقه من حيث لا يحتسب " قال: ~~(مخرجا من شبهات الدنيا ومن غمرات الموت ومن شدائد يوم القيامة). وقال أكثر ~~المفسرين فيما ذكر الثعلبي: # إنها نزلت في عوف بن مالك الأشجعي. روي الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ~~قال: # جاء عوف بن مالك الأشجعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول ~~الله، إن ابني أسره العدو وجزعت الام. وعن جابر بن عبد الله: نزلت في عوف ~~بن مالك الأشجعي أسر المشركون أبنا له يسمى سالما، فأتى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وشكا إليه الفاقة وقال: إن العدو أسر ابني وجزعت الام، فما ~~تأمرني؟ فقال عليه السلام: (أتق الله واصبر وآمرك وإياها أن تستكثرا من قول ~~لا حول ولا قوة إلا بالله). فعاد إلى بيته وقال لا مرأته: إن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أمرني وإياك أن نستكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله. ~~فقالت: نعم ما أمرنا به. فجعلا يقولان، فغفل العدو عن ابنه، فساق غنمهم ~~وجاء بها إلى أبيه، وهي أربعة آلاف شاة. فنزلت الآية، وجعل النبي صلى الله ~~عليه وسلم تلك الأغنام له. في رواية: أنه جاء وقد أصاب إبلا من العدو وكان ~~فقيرا. قال PageV18P160 # الكلبي: أصاب خمسين بعيرا. وفي رواية: فأفلت ابنه من الأسر وركب ناقة ~~للقوم، ومر في طريقه بسرح لهم فاستاقه وقال مقاتل: أصاب غنما ومتاعا فسأل ~~النبي صلى الله عليه وسلم: أيحل لي أن آكل مما أتى به ابني؟ قال: (نعم). ~~ونزلت: " ومن يتق الله يجعل له مخرجا. ويرزقه من حيث لا يحتسب ". فروي ~~الحسن عن عمران بن الحصين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من ~~انقطع إلى الله كفاه الله كل مئونة ورزقه من حيث لا يحتسب. ومن ms6251 انقطع إلى ~~الدنيا وكله الله إليها). وقال الزجاج: أي إذا اتقى وآثر الحلال والتصبر ~~على أهله، فتح الله عليه إن كان ذا ضيقة ورزقه من حيث لا يحتسب. وعن ابن ~~عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أكثر الاستغفار جعل الله له من ~~كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا ورزقه من حيث لا يحتسب). # قوله تعالى: (ومن يتوكل على الله فهو حسبه) أي من فوض إليه أمره كفاه ما ~~أهمه. وقيل: أي من اتقى الله وجانب المعاصي وتوكل عليه، فله فيما يعطيه في ~~الآخرة من ثوابه كفاية. ولم يرد الدنيا، لان المتوكل قد يصاب في الدنيا وقد ~~يقتل. (إن الله بالغ أمره) قال مسروق: (1) أي قاض (2) أمره فيمن توكل عليه ~~وفيمن لم يتوكل عليه، إلا أن من توكل عليه فيكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا. ~~وقراءة العامة " بالغ " منونا. # " أمره " نصبا. وقرأ عاصم " بالغ أمره " بالإضافة وحذف التنوين استخفافا ~~وقرأ المفضل " بالغا أمره " على أن قوله: " قد جعل الله " خبر " إن " و " ~~بالغا " حال. # وقرأ داود بن أبي هند " بالغ أمره " بالتنوين ورفع الراء. قال الفراء: أي ~~أمره بالغ. # وقيل: " أمره " مرتفع " ب‍ " بالغ " والمفعول محذوف، والتقدير: بالغ أمره ~~ما أراد. # (قد جعل الله لكل شئ قدرا) أي لكل شئ من الشدة والرخاء أجلا ينتهي إليه. ~~وقيل تقديرا. وقال السدي: هو قدر الحيض في الاجل والعدة. وقال عبد الله بن ~~رافع: # لما نزل قوله تعالى: " ومن يتوكل على الله فهو حسبه " قال أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم: فنحن إذا توكلنا عليه نرسل ما كان لنا ولا نحفظه، ~~فنزلت: " إن الله بالغ أمره # PageV18P161 # فيكم وعليكم. وقال الربيع بن خيثم: إن الله تعالى قضى على نفسه أن من ~~توكل عليه كفاه ومن آمن به هداه، ومن أقرضه جازاه، ومن وثق به نجاه، ومن ~~دعاه أجاب له. وتصديق ذلك في كتاب الله: " ومن يؤمن بالله يهد (1) قلبه " ~~[التغابن: 11]. " ومن يتوكل على الله (1) فهو حسبه " [الطلاق: 3]. # " إن تقرضوا الله قرضا ms6252 حسنا يضاعفه لكم " (1) [التغابن: 17]. " ومن يعتصم ~~بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم " (2) [آل عمران: 101]. # " وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان " (3) ~~[البقرة: 186]. # قوله تعالى: واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة ~~أشهر واللائي لم يحضن وأولت الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ومن يتق الله يجعل ~~له من أمره يسرا 4 ذلك أمر الله أنزله إليكم ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ~~ويعظم له أجرا 5 قوله تعالى: (واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم ~~فعدتهن ثلاثة أشهر) فيه سبع مسائل: # الأولى: قوله تعالى: " واللائي يئسن من المحيض من نسائكم " لما بين أمر ~~الطلاق والرجعة في التي تحيض، وكانوا قد عرفوا عدة ذوات الأقراء، عرفهم في ~~هذه السورة عدة التي لا ترى الدم وقال أبو عثمان عمر بن سالم: لما نزلت عدة ~~النساء في سورة " البقرة " في المطلقة والمتوفى عنها زوجها قال أبي بن كعب: ~~يا رسول الله، إن ناسا يقولون قد بقي من النساء من لم يذكر فيهن شئ: الصغار ~~وذوات الحمل، فنزلت: " واللائي يئسن " الآية. وقال مقاتل: لما ذكر قوله ~~تعالى: " والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء " [البقرة: 228] (4) قال ~~خلاد بن النعمان: يا رسول الله، فما عدة التي لم تحض، وعدة التي انقطع ~~حيضها، وعدة # PageV18P162 # الحبلى؟ فنزلت: " واللائي يئسن من المحيض من نسائكم " يعنى قعدن عن ~~المحيض. وقيل: # إن معاذ بن جبل سأل عن عدة الكبيرة التي يئست، فنزلت الآية. والله أعلم. ~~وقال مجاهد: # الآية واردة في المستحاضة لا تدري دم حيض هو أو دم علة. # الثانية - قوله تعالى: " إن ارتبتم " أي شككتم، وقيل تيقنتم. وهو من ~~الأضداد، يكون شكا ويقينا كالظن. واختيار الطبري أن يكون المعنى: إن شككتم ~~فلم تدروا ما الحكم فيهن. وقال الزجاج: إن ارتبتم في حيضها وقد انقطع عنها ~~الحيض وكانت ممن يحيض مثلها. # القشيري: وفي هذا نظر، لأنا إذا شككنا هل بلغت سن اليأس لم نقل عدتها ~~ثلاثة أشهر. # والمعتبر في سن اليأس في قول، أقصى عادة ms6253 امرأة في العالم، وفي قول: غالب ~~نساء عشيرة المرأة. # وقال مجاهد: قوله " إن ارتبتم " للمخاطبين، يعني إن لم تعلموا كم عدة ~~اليائسة والتي لم تحض فالعدة هذه. وقيل: المعنى إن ارتبتم أن الدم الذي ~~يظهر منها من أجل كبر أو من الحيض المعهود أو من الاستحاضة فالعدة ثلاثة ~~أشهر. وقال عكرمة وقتادة: من الريبة المرأة المستحاضة التي لا يستقيم لها ~~الحيض، تحيض في أول الشهر مرارا وفي الأشهر مرة. وقيل: # إنه متصل بأول السورة. والمعنى: لا تخرجوهن من بيوتهن إن ارتبتم في ~~انقضاء العدة. # وهو أصح ما قيل فيه. # الثالثة - المرتابة في عدتها لا تنكح حتى تستبرئ نفسها من ريبتها ولا ~~تخرج من العدة إلا بارتفاع الريبة. وقد قيل في المرتابة التي ترفعها حيضتها ~~وهي لا تدري ما ترفعها: إنها تنتظر سنة من يوم طلقها زوجها، منها تسعة أشهر ~~استبراء، وثلاثة عدة. فإن طلقها فحاضت حيضة أو حيضتين ثم أرتفع عنها بغير ~~يأس منها انتظرت تسعة أشهر، ثم ثلاثة من يوم طهرت من حيضتها ثم حلت ~~للأزواج. وهذا قاله الشافعي بالعراق. فعلى قياس هذا القول تقيم الحرة ~~المتوفى عنها زوجها المستبرأة بعد التسعة أشهر أربعة أشهر وعشرا، والأمة ~~شهرين وخمس ليال بعد التسعة الأشهر. وروي عن الشافعي أيضا أن أقراءها على ~~ما كانت حتى تبلغ سن اليائسات. وهو قول النخعي والثوري وغيرهما، وحكاه أبو ~~عبيد عن أهل العراق. فإن كانت المرأة شابة وهي: PageV18P163 # المسألة الرابعة - استؤني بها هل هي حامل أم لا، فإن استبان حملها فإن ~~أجلها وضعه. # وإن لم يستبن فقال مالك: عدة التي أرتفع حيضها وهي شابة سنة. وبه قال ~~أحمد وإسحاق ورووه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وغيره. وأهل العراق يرون ~~أن عدتها ثلاث حيض بعد ما كانت حاضت مرة واحدة في عمرها، وإن مكثت عشرين ~~سنة، إلا أن تبلغ من الكبر مبلغا تيأس فيه من الحيض فتكون عدتها بعد الإياس ~~ثلاثة أشهر. قال الثعلبي: وهذا الأصح من مذهب الشافعي وعليه جمهور العلماء. ~~وروي ذلك ms6254 عن ابن مسعود وأصحابه. قال الكيا. # وهو الحق، لان الله تعالى جعل عدة الآيسة ثلاثة أشهر، والمرتابة ليست ~~آيسة. # الخامسة - وأما من تأخر حيضها لمرض، فقال مالك وابن القاسم وعبد الله بن ~~أصبغ: # تعتد تسعة أشهر ثم ثلاثة. وقال أشهب: هي كالمرضع بعد الفطام بالحيض أو ~~بالسنة. # وقد طلق حبان بن منقذ. امرأته وهي ترضع، فمكثت سنة لا تحيض لأجل الرضاع، ~~ثم مرض حبان فخاف أن ترثه فخاصمها إلى عثمان وعنده علي وزيد، فقالا: نرى أن ~~ترثه، لأنها ليست من القواعد ولا من الصغار، فمات حبان فورثته واعتدت عدة ~~الوفاة. # السادسة - ولو تأخر الحيض لغير مرض ولا رضاع فإنها تنتظر سنة لا حيض ~~فيها، تسعة أشهر ثم ثلاثة، على ما ذكرناه. فتحل ما لم ترتب بحمل، فإن ~~ارتابت بحمل أقامت أربعة أعوام، أو خمسة، أو سبعة، على اختلاف الروايات عن ~~علمائنا. ومشهورها خمسة أعوام، فإن تجاوزتها حلت. وقال أشهب: لا تحل أبدا ~~حتى تنقطع عنها الريبة. قال ابن العربي: # وهو الصحيح، لأنه إذا جاز أن يبقى الولد في بطنها خمسة أعوام جاز أن يبقى ~~عشرة وأكثر من ذلك. وقد روي عن مالك مثله. # السابعة - وأما التي جهل حيضها بالاستحاضة ففيها ثلاثة أقوال: قال ابن ~~المسيب: # تعتد سنة. وهو قول الليث. قال الليث: عدة المطلقة وعدة المتوفى عنها ~~زوجها إذا كانت مستحاضة سنة. وهو مشهور قول علمائنا، سواء علمت دم حيضها من ~~دم استحاضتها، PageV18P164 # وميزت ذلك أو لم تميزه، عدتها في ذلك كله عند مالك في تحصيل مذهبه سنة، ~~منها تسعة أشهر استبراء وثلاثة عدة. وقال الشافعي في أحد أقواله: عدتها ~~ثلاثة أشهر. وهو قول جماعة من التابعين والمتأخرين من القرويين. ابن ~~العربي: وهو الصحيح عندي. وقال أبو عمر: المستحاضة إذا كان دمها ينفصل ~~فعلمت إقبال حيضتها أو إدبارها أعتدت ثلاثة قروء. وهذا أصح في النظر، وأثبت ~~في القياس والأثر. # قوله تعالى: (واللائي لم يحضن) - يعني الصغيرة - فعدتهن ثلاثة أشهر، ~~فأضمر الخبر. وإنما كانت عدتها بالأشهر لعدم الأقراء فيها عادة، والاحكام ms6255 ~~إنما أجراها الله تعالى على العادات، فهي تعتد بالأشهر. فإذا رأت الدم في ~~زمن احتماله عند النساء انتقلت إلى الدم لوجود الأصل، وإذا وجد الأصل لم ~~يبق للبدل حكم، كما أن المسنة إذا اعتدت بالدم ثم أرتفع عادت إلى الأشهر. ~~وهذا إجماع. # قوله تعالى: (وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن) فيه مسألتان: # الأولى: قوله تعالى: " وأولات الأحمال أجلهن " وضع الحمل، وإن كان ظاهرا ~~في المطلقة لأنه عليها عطف وإليها رجع عقب الكلام، فإنه في المتوفى عنها ~~زوجها كذلك، لعموم الآية وحديث سبعة. وقد مضى في " البقرة " القول فيه ~~مستوفى. (1) الثانية - إذا وضعت المرأة ما وضعت من علقة أو مضغة حلت. وقال ~~الشافعي وأبو حنيفة: لا تحل إلا بما يكون ولدا. وقد مضى القول فيه في سورة ~~" البقرة " (1) وسورة " الرعد " (2) والحمد لله. # قوله تعالى: (ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا) قال الضحاك: أي من يتقه ~~في طلاق السنة يجعل له من أمره يسرا في الرجعة. مقاتل: ومن يتق الله في ~~اجتناب معاصيه يجعل له من أمره يسرا في توفيقه للطاعة. (ذلك أمر الله) أي ~~الذي ذكر من الاحكام # PageV18P165 # أمر الله أنزله إليكم وبينه لكم. (ومن يتق الله) أي يعمل بطاعته. (يكفر ~~عنه سيئاته) من الصلاة إلى الصلاة، ومن الجمعة إلى الجمعة. (ويعظم له أجرا) ~~أي في الآخرة. # قوله تعالى: أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن ~~وإن كن أولت حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن فإن أرضعن لكم فأتوهن أجورهن ~~وأتمروا بينكم بمعروف وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى 6 فيه أربع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم) قال أشهب عن مالك: ~~يخرج عنها إذا طلقها ويتركها في المنزل، لقوله تعالى: " أسكنوهن ". فلو كان ~~معها ما قال أسكنوهن. وقال ابن نافع: قال مالك في قول الله تعالى: " ~~أسكنوهن من حيث سكنتم " يعني المطلقات اللاتي بن من أزواجهن فلا رجعة لهم ~~عليهن وليست حاملا، فلها السكنى ولا نفقة لها ولا كسوة، لأنها بائن منه، ms6256 لا ~~يتوارثان ولا رجعة له عليها وإن كانت حاملا فلها النفقة والكسوة والمسكن ~~حتى تنقضي عدتها. فأما من لم تبن منهن فإنهن نساؤهم يتوارثون، ولا يخرجن ~~إلا أن يأذن لهن أزواجهن ما كن في عدتهن، ولم يؤمروا بالسكنى لهن لان ذلك ~~لازم لأزواجهن مع نفقتهن وكسوتهن، حوامل كن أو غير حوامل. وإنما أمر الله ~~بالسكنى للائي بن من أزواجهن مع نفقتهن، قال الله تعالى: " وإن كن أولات ~~حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن " فجعل عز وجل للحوامل اللائي قد بن من ~~أزواجهن السكنى والنفقة. قال ابن العربي: وبسط ذلك وتحقيقه أن الله سبحانه ~~لما ذكر السكنى أطلقها لكل مطلقة، فلما ذكر النفقة قيدها بالحمل، فدل على ~~أن المطلقة البائن لا نفقة لها. وهي مسألة عظيمة قد مهدنا سبلها قرآنا وسنة ~~ومعنى في مسائل الخلاف. وهذا مأخذها من القرآن. PageV18P166 # قلت: اختلف العلماء في المطلقة ثلاثا على ثلاثة أقوال فمذهب مالك ~~والشافعي: أن لها السكنى ولا نفقة لها. ومذهب أبي حنيفة وأصحابه: أن لها ~~السكنى والنفقة. ومذهب أحمد وإسحاق وأبي ثور: أن لا نفقة لها ولا سكنى، على ~~حديث فاطمة بنت قيس، قالت: # دخلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعي أخو زوجي فقلت: إن زوجي ~~طلقني وإن هذا يزعم أن ليس لي سكنى ولا نفقة؟ قال: (بل لك السكنى ولك ~~النفقة). قال: # إن زوجها طلقها ثلاثا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما السكنى ~~والنفقة على من له عليها الرجعة). فلما قدمت الكوفة طلبني الأسود بن يزيد ~~ليسألني عن ذلك، وإن أصحاب عبد الله يقولون: إن لها السكنى والنفقة. خرجه ~~الدارقطني. ولفظ مسلم عنها: أنه طلقها زوجها في عهد النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وكان أنفق عليها نفقة دون، فلما رأت ذلك قالت: والله لأعلمن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فإن كان لي نفقة أخذت الذي يصلحني وإن لم تكن لي ~~نفقة لم آخذ شيئا. قالت: فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: # (لا نفقة لك ms6257 ولا سكنى). وذكر الدارقطني عن الأسود قال: قال عمر لما بلغه ~~قول فاطمة بنت قيس: لا نجيز في المسلمين قول امرأة. وكان يجعل للمطلقة ~~ثلاثا السكنى والنفقة. # وعن الشعبي قال: لقيني الأسود بن يزيد فقال. يا شعبي، أتق الله وأرجع عن ~~حديث فاطمة بنت قيس، فإن عمر كان يجعل لها السكنى والنفقة. قلت: لا أرجع عن ~~شئ حدثتني به (1) فاطمة بنت قيس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # قلت: ما أحسن هذا. وقد قال قتادة وابن أبي ليلى: لا سكنى إلا للرجعية، ~~لقوله تعالى: " لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا " [الطلاق: 1]، وقوله ~~تعالى: " اسكنوهن " راجع إلى ما قبله، وهي المطلقة الرجعية. والله أعلم. ~~ولأن السكنى تابعة للنفقة وجارية مجراها، فلما لم تجب للمبتوتة نفقة لم يجب ~~لها سكنى. وحجة أبي حنيفة أن للمبتوتة النفقة قوله تعالى: # " ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن " وترك النفقة من أكبر الاضرار. وفي إنكار ~~عمر على فاطمة # PageV18P167 # قولها ما يبين هذا، ولأنها معتدة تستحق السكنى عن طلاق فكانت لها النفقة ~~كالرجعية، ولأنها محبوسة عليه لحقه فاستحقت النفقة كالزوجة. ودليل مالك ~~قوله تعالى: " وإن كن أولات حمل " الآية. على ما تقدم بيانه. وقد قيل: إن ~~الله تعالى ذكر المطلقة الرجعية وأحكامها أول الآية إلى قوله: " ذوي عدل ~~منكم " [الطلاق: 2] ثم ذكر بعد ذلك حكما يعم المطلقات كلهن من تعديد الأشهر ~~وغير ذلك. وهو عام في كل مطلقة، فرجع ما بعد ذلك من الاحكام إلى كل مطلقة. # الثانية - قوله تعالى: " من وجدكم " أي من سعتكم، يقال وجدت في المال أجد ~~وجدا ووجدا ووجدا وجدة. والوجد (1): الغنى والمقدرة. وقراءة العامة بضم ~~الواو. # وقرأ الأعرج والزهري بفتحها، ويعقوب بكسرها. وكلها لغات فيها. # الثالثة - قوله تعالى: (ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن) قال مجاهد: في ~~المسكن. # مقاتل: في النفقة، وهو قول أبي حنيفة. وعن أبي الضحى: هو أن يطلقها فإذا ~~بقي يومان من عدتها راجعها ثم طلقها. # الرابعة - قوله تعالى: (وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن) ~~لا خلاف ms6258 بين العلماء في وجوب النفقة والسكنى للحامل المطلقة ثلاثا أو أقل ~~منهن حتى تضع حملها. فأما الحامل المتوفى عنها زوجها فقال علي وابن عمر ~~وابن مسعود وشريح والنخعي والشعبي وحماد وابن أبي ليلى وسفيان والضحاك: ~~ينفق عليها من جميع المال حتى تضع. # وقال ابن عباس وابن الزبير وجابر بن عبد الله ومالك والشافعي وأبو حنيفة ~~وأصحابهم: (2) لا ينفق عليها إلا من نصيبها. وقد مضى في " البقرة " بيانه. ~~(3) قوله تعالى: " فإن أرضعن لكم " فيه أربع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (فإن أرضعن لكم) - يعني المطلقات - أولادكم منهن ~~فعلى الآباء أن يعطوهن أجرة إرضاعهن. وللرجل أن يستأجر امرأته للرضاع كما ~~يستأجر أجنبية # PageV18P168 # ولا يجوز عند أبي حنيفة وأصحابه الاستئجار إذا كان الولد منهن ما لم يبن. ~~ويجوز عند الشافعي. # وتقدم القول في الرضاع في " البقرة " و " النساء " مستوفى (1) ولله ~~الحمد. # الثانية - قوله تعالى: (وأتمروا بينكم بمعروف) هو خطاب للأزواج والزوجات، ~~أي وليقبل بعضكم من بعض ما أمره به من المعروف الجميل. والجميل منها إرضاع ~~الولد من غير أجرة. والجميل منه توفير الأجرة عليها للارضاع. وقيل: ائتمروا ~~في رضاع الولد فيما بينكم بمعروف حتى لا يلحق الولد إضرار. وقيل: هو الكسوة ~~والدثار. وقيل: معناه لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده. # الثالثة - قوله تعالى: (وإن تعاسرتم) أي في أجرة الرضاع فأبى الزوج أن ~~يعطي الام رضاعها وأبت الام أن ترضعه فليس له إكراهها، وليستأجر مرضعة غير ~~أمه. وقيل: # معناه وإن تضايقتم وتشاكستم فليسترضع لولده غيرها، وهو خبر في معنى ~~الامر. وقال الضحاك: إن أبت الام أن ترضع استأجر لولده أخرى، فإن لم يقبل ~~أجبرت أمه على الرضاع بالاجر. وقد اختلف العلماء فيمن يجب عليه رضاع الولد ~~على ثلاثة أقوال: قال علماؤنا: # رضاع الولد على الزوجة ما دامت الزوجية، إلا لشرفها وموضعها فعلى الأب ~~رضاعه يومئذ في ماله. الثاني - قال أبو حنيفة: لا يجب على الام بحال. ~~الثالث - يجب عليها في كل حال. # الرابعة - فإن طلقها فلا يلزمها رضاعه إلا أن يكون غير قابل ms6259 ثدي غيرها ~~فيلزمها حينئذ الارضاع. فإن اختلفا في الاجر فإن دعت إلى أجر مثلها وامتنع ~~الأب إلا تبرعا فالأم أولى بأجر المثل إذا لم يجد الأب متبرعا. وإن دعا ~~الأب إلى أجر المثل وامتنعت الام لتطلب شططا فالأب أولى به. فإن أعسر الأب ~~بأجرتها أخذت جبرا برضاع ولدها. # PageV18P169 # قوله تعالى: لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه ~~الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتها سيجعل الله بعد عسر يسرا 7 فيه أربع ~~مسائل: # الأولى: قوله تعالى: " لينفق " أي لينفق الزوج على زوجته وعلى ولده ~~الصغير على قدر وسعه حتى يوسع عليهما إذا كان موسعا عليه. ومن كان فقيرا ~~فعلى قدر ذلك. فتقدر النفقة بحسب الحالة من المنفق والحاجة من المنفق عليه ~~بالاجتهاد على مجرى حياة العادة، فينظر المفتي إلى قدر حاجة المنفق، عليه ~~ثم ينظر إلى حالة المنفق، فإن احتملت الحالة أمضاها عليه، فإن اقتصرت حالته ~~على حاجة المنفق عليه ردها إلى قدر احتماله. وقال الإمام الشافعي رضي الله ~~عنه وأصحابه: النفقة مقدرة محددة، ولا اجتهاد لحاكم ولا لمفت فيها. ~~وتقديرها هو بحال الزوج وحده من يسره وعسره، ولا يعتبر بحالها وكفايتها. ~~قالوا: فيجب لابنة الخليفة ما يجب لابنة الحارس. فإن كان الزوج موسرا لزمه ~~مدان، وإن كان متوسطا فمد ونصف، وإن كان معسرا فمد. واستدلوا بقوله تعالى: ~~" لينفق ذو سعة من سعته " الآية. # فجعل الاعتبار بالزوج في اليسر والعسر دونها، ولأن الاعتبار بكفايتها لا ~~سبيل إلى علمه للحاكم ولا لغيره، فيؤدي إلى الخصومة، لان الزوج يدعي أنها ~~تلتمس فوق كفايتها، وهي تزعم أن الذي تطلب تطلبه قدر كفايتها، فجعلناها ~~مقدرة قطعا للخصومة. والأصل في هذا عندهم قوله تعالى: " لينفق ذو سعة من ~~سعته " - كما ذكرنا - وقوله: " على الموسع قدره وعلى المقتر قدره " ~~[البقرة: 236]. والجواب أن هذه الآية لا تعطي أكثر من فرق بين نفقة الغني ~~والفقير، وإنها تختلف بعسر الزوج ويسره. وهذا مسلم. فأما إنه لا اعتبار ~~بحال الزوجة على وجهه فليس فيه، ms6260 وقد قال الله تعالى: " وعلى المولود له ~~رزقهن وكسوتهن بالمعروف " [البقرة: 233] (1) وذلك يقتضي تعلق المعروف في ~~حقهما، لأنه لم يخص في ذلك واحدا منهما. وليس من # PageV18P170 # المعروف أن يكون كفاية الغنية مثل نفقة الفقيرة، وقد قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لهند: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف). فأحالها على الكفاية ~~حين علم السعة من حال أبي سفيان الواجب عليه بطلبها، ولم يقل لها لا اعتبار ~~بكفايتك وأن الواجب لك شئ مقدر، بل ردها إلى ما يعلمه من قدر كفايتها ولم ~~يعلقه بمقدار معلوم. ثم ما ذكروه من التحديد يحتاج إلى توقيف، والآية لا ~~تقتضيه. # الثانية - روي أن عمر رضي الله عنه فرض للمنفوس مائة درهم، وفرض له عثمان ~~خمسين درهما. ابن العربي: " وأحتمل أن يكون هذا الاختلاف بحسب اختلاف ~~السنين أو بحسب حال القدر في التسعير لثمن القوت والملبس، وقد روي محمد بن ~~هلال المزني قال: # حدثني أبي وجدتي أنها كانت ترد على عثمان ففقدها فقال لأهله: ما لي لا ~~أرى فلانة؟ # فقالت امرأته: يا أمير المؤمنين، ولدت الليلة، فبعث إليها بخمسين درهما ~~وشقيقة سنبلانية. (1) ثم قال: هذا عطاء ابنك وهذه كسوته، فإذا مرت له سنة ~~رفعناه إلى مائة. وقد أتي علي رضي الله عنه بمنبوذ (2) ففرض له مائة. قال ~~ابن العربي: (هذا الفرض قبل الفطام مما اختلف فيه العلماء، فمنهم من رآه ~~مستحبا لأنه داخل في حكم الآية، ومنهم من رآه واجبا لما تجدد من حاجته وعرض ~~من مؤنته، وبه أقول. ولكن يختلف قدره بحاله عند الولادة وبحاله عند الفطام. ~~وقد روي سفيان بن وهب أن عمر أخذ المد بيد والقسط بيد فقال: إني فرضت لكل ~~نفس مسلمة في كل شهر مدي حنطة وقسطي خل وقسطي زيت. زاد غيره: # وقال إنا قد أجرينا (3) لكم أعطياتكم وأرزاقكم في كل شهر، فمن انتقصها ~~فعل الله به كذا وكذا، فدعا عليه. قال أبو الدرداء: كم سنة راشدة مهدية قد ~~سنها عمر رضي الله عنه في أمة محمد صلى الله عليه وسلم! ms6261 والمد والقسط كيلان ~~شاميان في الطعام والإدام، وقد درسا بعرف أخر. # PageV18P171 # فأما المد فدرس إلى الكيلجة. وأما القسط فدرس إلى الكيل، ولكن التقدير ~~فيه عندنا ربعان في الطعام وثمنان في الادام. وأما الكسوة فبقدر العادة ~~قميص وسراويل وجبة في الشتاء وكساء وإزار وحصير. وهذا الأصل، ويتزيد بحسب ~~الأحوال والعادة ". # الثالثة - هذه الآية أصل في وجوب النفقة للولد على الوالد دون الام، ~~خلافا لمحمد بن المواز يقول: إنها على الأبوين على قدر الميراث. ابن ~~العربي: ولعل محمدا أراد أنها على الام عند عدم الأب. وفي البخاري عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم (تقول لك المرأة أنفق علي وإلا فطلقني ويقول لك العبد ~~أنفق على واستعملني ويقول لك ولدك أنفق علي إلى من تكلني) فقد تعاضد القرآن ~~والسنة وتواردا في شرعة واحدة. # الرابعة - قوله تعالى: " لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها " أي لا يكلف ~~الفقير مثل ما يكلف الغني. " سيجعل الله بعد عسر يسرا " أي بعد الضيق غنى، ~~وبعد الشدة سعة. # قوله تعالى: وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حسابا شديدا ~~وعذبناها عذابا نكرا 8 فذاقت وبال أمرها وكان عقبة أمرها خسرا 9 أعد الله ~~لهم عذابا شديدا فاتقوا الله يا أولي الألباب الذين آمنوا قد أنزل الله ~~إليكم ذكرا 10 رسولا يتلوا عليكم آيات الله مبينات ليخرج الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور ومن يؤمن بالله ويعمل صلحا يدخله جنت ~~تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا قد أحسن الله له رزقا 11 ~~PageV18P172 # قوله تعالى: (وكأين من قرية) لما ذكر الاحكام ذكر وحذر مخالفة الامر، ~~وذكر عتو قوم وحلول العذاب بهم. وقد مضى القول في " كأين " في " آل عمران " ~~(1) والحمد لله. (عتت عن أمر ربها) أي عصت، يعني القرية والمراد أهلها. ~~(فحاسبناها حسابا شديدا) أي جازيناها بالعذاب في الدنيا (وعذبناها عذابا ~~نكرا) في الآخرة. # وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، فعذبناها عذابا نكرا في الدنيا بالجوع ~~والقحط والسيف والخسف والمسخ وسائر المصائب، وحاسبناها في الآخرة حسابا ms6262 ~~شديدا. والنكر: المنكر. # وقرئ مخففا ومثقلا، وقد مضى في سور " الكهف ". (2) (فذاقت وبال أمرها) أي ~~عاقبة كفرها (وكان عاقبة أمرها خسرا) أي هلاكا في الدنيا بما ذكرنا، ~~والآخرة بجهنم. # وجئ بلفظ الماضي كقوله تعالى: " ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار " (3) ~~[الأعراف: 44] ونحو ذلك، لان المنتظر من وعد الله ووعيده ملقى في الحقيقة، ~~وما هو كائن فكأن قد. (أعد الله لهم عذابا شديدا) بين ذلك الخسر وأنه عذاب ~~جهنم في الآخرة. (فاتقوا الله يا أولى الألباب) أي العقول. (الذين آمنوا) ~~بدل من " أولي الألباب " أو نعت لهم، أي يا أولي الألباب الذين آمنتم بالله ~~اتقوا الله الذي أنزل عليكم القرآن، أي خافوه واعملوا بطاعته وانتهوا عن ~~معاصيه. وقد تقدم. (رسولا) قال الزجاج: إنزال الذكر دليل على إضمار أرسل، ~~أي أنزل إليكم قرآنا وأرسل رسولا. وقيل: إن المعنى قد أنزل الله إليكم صاحب ~~ذكر رسولا، " رسولا " نعت للذكر على تقدير حذف المضاف. وقيل: إن رسولا ~~معمول للذكر لأنه مصدر، والتقدير: قد أنزل الله إليكم أن ذكر رسولا. ويكون ~~ذكره الرسول قوله: " محمد رسول الله " [الفتح: 29]. ويجوز أن يكون " رسولا ~~" بدل من ذكر، على أن يكون " رسولا " بمعنى رسالة، أو على أن يكون على بابه ~~ويكون محمولا على المعنى، كأنه قال: قد أظهر الله لكم ذكرا رسولا، فيكون من ~~باب بدل الشئ من الشئ وهو هو. ويجوز أن ينتصب " رسولا " على الاغراء كأنه ~~قال: اتبعوا رسولا. وقيل: الذكر هنا الشرف، نحو قوله تعالى: # PageV18P173 # " لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم " (1) [الأنبياء: 10]، وقوله تعالى: ~~" وإنه لذكر لك ولقومك " [الزخرف: 44] (2)، ثم بين هذا الشرف، فقال: " ~~رسولا ". والأكثر على أن المراد بالرسول هنا محمد صلى الله عليه وسلم. # وقال الكلبي: هو جبريل، فيكونان جميعا منزلين. (يتلو عليكم آيات الله) ~~نعت لرسول. # و " آيات الله " القرآن. (مبينات) قراءة العامة بفتح الياء، أي بينها ~~الله. وقرأ ابن عامر وحفص وحمزة والكسائي بكسرها، أي يبين لكم ما تحتاجون ~~إليه من الاحكام. والأولى قراءة ابن عباس واختيار أبي عبيد وأبي حاتم، ~~لقوله ms6263 تعالى: " قد بينا لكم الآيات " [الحديد: 17]. # (ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات) أي من سبق له ذلك في علم الله. (من ~~الظلمات) أي من الكفر. (إلى النور) الهدى والايمان. قال ابن عباس: نزلت في ~~مؤمني أهل الكتاب. وأضاف الاخراج إلى الرسول لان الايمان يحصل منه بطاعته. # قوله تعالى: (ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا ندخله جنات تجرى من تحتها ~~الأنهار). # قرأ نافع وابن عامر بالنون، والباقون بالياء. (قد أحسن الله له رزقا) أي ~~وسع الله له في الجنات. # قوله تعالى: الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الامر بينهن ~~لتعلموا أن الله على كل شئ قدير وأن الله قد أحاط بكل شئ علما 12 قوله ~~تعالى: (الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن) دل على كمال قدرته وأنه ~~يقدر على البعث والمحاسبة. ولا خلاف في السماوات أنها سبع بعضها فوق بعض، ~~دل على ذلك حديث الاسراء (3) وغيره. ثم قال: " ومن الأرض مثلهن " يعنى ~~سبعا. وأختلف فيهن على قولين: أحدهما - وهو قول الجمهور - أنها سبع أرضين ~~طباقا بعضها فوق بعض، # PageV18P174 # بين كل أرض وأرض مسافة كما بين السماء والسماء، وفي كل أرض سكان من خلق ~~الله. # وقال الضحاك: " ومن الأرض مثلهن " أي سبعا من الأرضين، ولكنها مطبقة ~~بعضها على بعض من غير فتوق بخلاف السماوات. والأول أصح، لان الاخبار دالة ~~عليه في الترمذي والنسائي وغيرهما. وقد مضى ذلك مبينا في " البقرة ". (1) ~~وقد خرج أبو نعيم قال: حدثنا محمد ابن علي بن حبيش قال: حدثنا إسماعيل بن ~~إسحاق السراج، (ح) (2) وحدثنا أبو محمد (3) بن حبان قال: حدثنا عبد الله بن ~~محمد بن ناجية قال: حدثنا سويد بن سعيد قال حدثنا حفص ابن ميسرة عن موسى بن ~~عقبة عن عطاء بن أبي مروان عن أبيه أن كعبا حلف له بالذي فلق البحر لموسى ~~أن صهيبا حدثه أن محمدا صلى الله عليه وسلم لم ير قرية يريد دخولها إلا قال ~~حين يراها: (اللهم رب السماوات السبع وما أظللن ورب الأرضين السبع وما ~~أقللن ms6264 ورب الشياطين وما أضللن ورب الرياح وما أذرين إنا نسألك خير هذه ~~القرية وخير أهلها ونعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها). قال أبو نعيم: ~~هذا حديث ثابت من حديث موسى ابن عقبة تفرد به عن عطاء. روي عنه ابن أبي ~~الزناد وغيره. وفي صحيح مسلم عن سعيد ابن زيد قال: سمعت النبي صلى الله ~~عليه وسلم يقول: (من أخذ شبرا من الأرض ظلما فأنه يطوقه يوم القيامة من سبع ~~أرضين) ومثله حديث عائشة، وأبين منهما حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: (لا يأخذ أحد شبرا من الأرض بغير حقه إلا طوقه الله ~~إلى سبع أرضين يوم القيامة). قال الماوردي: وعلى أنها سبع أرضين بعضها فوق ~~بعض تختص دعوة أهل الاسلام بأهل الأرض العليا، ولا تلزم من في (4) غيرها من ~~الأرضين وإن كان فيها من يعقل من خلق مميز. وفي مشاهدتهم السماء واستمدادهم ~~الضوء منها قولان: # أحدهما - أنهم يشاهدون السماء من كل جانب من أرضهم ويستمدون الضياء منها. # وهذا قول من جعل الأرض مبسوطة. والقول الثاني - أنهم لا يشاهدون السماء، # PageV18P175 # وأن الله تعالى خلق لهم ضياء يستمدونه. وهذا قول من جعل الأرض كالكرة. ~~وفي الآية قول ثالث حكاه الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنها سبع أرضين ~~منبسطة، ليس: بعضها فوق بعض، تفرق بينها البحار وتظل جميعهم السماء. فعلى ~~هذا إن لم يكن لاحد من أهل الأرض وصول إلى أرض أخرى اختصت دعوة الاسلام ~~بأهل هذه الأرض، وإن كان لقوم منهم وصول إلى أرض أخرى أحتمل أن تلزمهم دعوة ~~الاسلام عند إمكان الوصول إليهم، لان فصل البحار إذا أمكن سلوكها لا يمنع ~~من لزوم ما عم حكمه، وأحتمل ألا تلزمهم دعوة الاسلام لأنها لو لزمتهم لكان ~~النص بها واردا، ولكان صلى الله عليه وسلم بها مأمورا. والله أعلم ما ~~استأثر بعلمه، وصواب ما أشتبه على خلقه. ثم قال: (يتنزل الامر بينهن) قال ~~مجاهد: يتنزل الامر من السماوات السبع إلى الأرضين السبع. وقال ms6265 الحسن: بين ~~كل سماءين أرض وأمر. والامر هنا الوحي، في قول مقاتل وغيره. وعليه فيكون ~~قوله: " بينهن " إشارة إلى بين هذه الأرض العليا التي، هي أدناها وبين ~~السماء السابعة التي هي أعلاها. وقيل: الامر القضاء والقدر. وهو قول ~~الأكثرين. فعلى هذا يكون المراد بقوله تعالى: " بينهن " إشارة إلى ما بين ~~الأرض السفلى التي هي أقصاها وبين السماء السابعة التي هي أعلاها. وقيل: " ~~يتنزل الامر بينهن " بحياة بعض وموت بعض وغنى قوم وفقر قوم. وقيل: هو ما ~~يدبر فيهن من عجيب تدبيره، فينزل المطر ويخرج النبات ويأتي بالليل والنهار، ~~والصيف والشتاء، ويخلق الحيوانات على اختلاف أنواعها وهيئاتها، فينقلهم من ~~حال إلى حال. قال ابن كيسان: وهذا على مجال اللغة واتساعها، كما يقال ~~للموت: أمر الله، وللريح والسحاب ونحوها. (لتعلموا أن الله على كل شئ قدير) ~~يعني أن من قدر على هذا الملك العظيم فهو على ما بينهما من خلقه أقدر، ومن ~~العفو والانتقام أمكن، وإن استوى كل ذلك، في مقدوره ومكنته. (1) (وأن الله ~~قد أحاط بكل شئ علما) فلا يخرج شئ عن علمه وقدرته. ونصب " علما " على ~~المصدر المؤكد، لان " أحاط " بمعنى علم. # وقيل: بمعنى وأن الله أحاط إحاطة علما. (ختمت السورة بحمد الله وعونه ~~(2). # PageV18P176 # سورة التحريم مدنية في قول الجميع، وهي اثنتا عشرة آية. وتسمى سورة " ~~النبي ". # بسم الله الرحمن الرحيم يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغى ~~مرضات أزوجك والله غفور رحيم 1 قوله تعالى: (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل ~~الله لك) فيه خمس مسائل: # الأولى: قوله تعالى: " يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك " ثبت في ~~صحيح مسلم عن عائشة رضي لله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمكث عند ~~زينب بنت جحش فيشرب عندها عسلا، قالت فتواطأت أنا وحفصة أن أيتنا ما دخل ~~عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلتقل: إني أجد منك ريح مغافير! (1) ~~أكلت مغافيرا؟ فدخل على إحداهما فقالت له ذلك. فقال: (بل شربت عسلا ms6266 عند ~~زينب بنت جحش ولن أعود له). فنزل: " لم تحرم ما أحل الله لك - إلى قوله - ~~إن تتوبا: (لعائشة وحفصة)، " وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا " ~~[التحريم 30] لقوله: (بل شربت عسلا). وعنها أيضا قالت: كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يحب الحلواء والعسل، فكان إذا صلي العصر دار على نسائه ~~فيدنو منهن، فدخل على حفصة فاحتبس عندها أكثر مما كان يحتبس، فسألت عن ذلك ~~فقيل لي: # أهدت لها امرأة من قومها عكة من عسل، فسقت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~منه شربة. # فقلت: أما والله لنحتالن له، فذكرت ذلك لسودة وقلت: إذا دخل عليك فإنه ~~سيدنو منك فقولي له: يا رسول الله، أكلت مغافير؟ فإنه سيقول لك لا. فقولي ~~له: ما هذه الريح؟ - وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشتد عليه أن يوجد ~~منه الريح - فإنه # PageV18P177 # سيقول لك سقتني حفصة شربة عسل. فقولي له: جرست نحله العرفط. وسأقول ذلك ~~له، وقوليه أنت يا صفية. فلما دخل على سودة - قالت: تقول سودة والله الذي ~~لا إله إلا هو لقد كدت أن أبادئه بالذي قلت لي، وإنه لعلى الباب، فرقا (1) ~~منك. فلما دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: يا رسول الله، أكلت ~~مغافير؟ قال: (لا) قالت: فما هذه الريح؟ # قال: (سقتني حفصة شربة عسل) قالت: جرست نحله العرفط. فلما دخل علي قلت له ~~مثل ذلك. ثم دخل على صفية فقالت بمثل ذلك. فلما دخل على حفصة قالت: # يا رسول الله، ألا أسقيك منه. قال (لا حاجة لي به) قالت: تقول سودة سبحان ~~الله! # والله لقد حرمناه. (2) قالت: قلت لها اسكتي. ففي هذه الرواية أن التي شرب ~~عندها العسل حفصة. وفي الأولى زينب. وروي ابن أبي مليكة عن ابن عباس أنه ~~شربه عند سودة. # وقد قيل: إنما هي أم سلمة، رواه أسباط عن السدي. وقاله عطاء بن أبي مسلم. # ابن العربي: وهذا كله جهل أو تصور بغير علم. فقال باقي نسائه حسدا وغيرة ~~لمن شرب ذلك عندها: ms6267 إنا لنجد منك ريح المغافير. والمغافير: بقلة أو صمغة ~~متغيرة الرائحة، فيها حلاوة. # واحدها مغفور، وجرست: أكلت. والعرفط: نبت له ريح كريح الخمر. وكان عليه ~~السلام يعجبه أن يوجد منه الريح الطيبة أو يجدها، ويكره الريح الخبيثة ~~لمناجاة الملك. فهذا قول. # وقول آخر - أنه أراد بذلك المرأة التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه ~~وسلم فلم يقبلها لأجل أزواجه، قاله ابن عباس وعكرمة. والمرأة أم شريك. وقول ~~ثالث - إن التي حرم مارية القبطية، وكان قد أهداها له المقوقس ملك ~~الإسكندرية. قال ابن إسحاق: هي من كورة أنصنا (3) من بلد يقال له حفن ~~فواقعها في بيت حفصة. روي الدارقطني عن ابن عباس عن عمر قال دخل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بأم ولده مارية في بيت حفصة، فوجدته حفصة معها - وكانت ~~حفصة غابت إلى بيت أبيها - فقالت له: تدخلها بيتي! # PageV18P178 # ما صنعت بي هذا من بين نسائك إلا من هواني عليك. فقال لها: (لا تذكري هذا ~~لعائشة فهي علي حرام إن قربتها) قالت حفصة: وكيف تحرم عليك وهي جاريتك؟ ~~فحلف لها ألا يقربها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تذكريه لاحد). ~~فذكرته لعائشة، فآلى لا يدخل على نسائه شهرا، فاعتزلهن تسعا وعشرين ليلة، ~~فأنزل الله عز وجل " لم تحرم ما أحل الله لك " الآية. # الثانية - أصح هذه الأقوال أولها. وأضعفها أوسطها. قال ابن العربي: # " أما ضعفه في السند فلعدم عدالة رواته، وأما ضعفه في معناه فلان رد ~~النبي صلى الله عليه وسلم للموهوبة ليس تحريما لها، لان من رد ما وهب له لم ~~يحرم عليه، إنما حقيقة التحريم بعد التحليل. وأما من روي أنه حرم مارية ~~القبطية فهو أمثل في السند وأقرب إلى المعنى، لكنه لم يدون في الصحيح. وروي ~~مرسلا. وقد روي ابن وهب عن مالك عن زيد بن أسلم قال: حرم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أم إبراهيم فقال: # (أنت علي حرام والله لا آتينك). فأنزل الله عز وجل في ذلك: " يا أيها ~~النبي لم تحرم ms6268 ما أحل الله لك " وروي مثله ابن القاسم عنه. وروي أشهب عن ~~مالك قال: راجعت عمر امرأة من الأنصار في شئ فاقشعر من ذلك وقال: ما كان ~~النساء هكذا! قالت: بلى، وقد كان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يراجعنه. ~~فأخذ ثوبه فخرج إلى حفصة فقال لها: أتراجعين رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ~~قالت: نعم، ولو أعلم أنك تكره ما فعلت. فلما بلغ عمر أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم هجر نساءه قال: رغم أنف حفصة. وإنما الصحيح أنه كان في العسل ~~وأنه شربه عند زينب، وتظاهرت عليه عائشة وحفصة فيه، فجرى ما جرى فحلف ألا ~~يشربه وأسر ذلك. ونزلت الآية في الجميع. # الثالثة - قوله تعالى: " لم تحرم " إن كان النبي صلى الله عليه وسلم حرم ~~ولم يحلف فليس ذلك بيمين عندنا. ولا يحرم قول الرجل: " هذا علي حرام " شيئا ~~حاشا الزوجة. # وقال أبو حنيفة: إذا أطلق حمل على المأكول والمشروب دون الملبوس، وكانت ~~يمينا توجب PageV18P179 # الكفارة. وقال زفر: هو يمين في الكل حتى في الحركة والكون. وعول المخالف ~~على أن النبي صلى الله عليه وسلم حرم العسل فلزمته الكفارة. وقد قال الله ~~تعالى: " قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم " [التحريم: 2] فسماه يمينا. ~~ودليلنا قول الله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل ~~الله لكم ولا تعتدوا " [المائدة: 87]، (1) وقوله تعالى: " قل أرأيتم ما ~~أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله ~~تفترون " (2) [يونس: 59]. فذم الله المحرم للحلال ولم يوجب عليه كفارة. قال ~~الزجاج: ليس لأحد أن يحرم ما أحل الله. ولم يجعل لنبيه صلى الله عليه وسلم ~~أن يحرم إلا ما حرم الله عليه. فمن قال لزوجته أو أمته: أنت علي حرام، ولم ~~ينو طلاقا ولا ظهارا فهذا اللفظ يوجب كفارة اليمين. ولو خاطب بهذا اللفظ ~~جمعا من الزوجات والإماء فعليه كفارة واحدة. ولو حرم على نفسه طعاما أو ~~شيئا آخر لم يلزمه بذلك كفارة عند الشافعي ms6269 ومالك. وتجب بذلك كفارة عند ابن ~~مسعود والثوري وأبي حنيفة. # الرابعة - وأختلف العلماء في الرجل يقول لزوجته: " أنت علي حرام " على ~~ثمانية عشر قولا: # أحدها - لا شئ عليه. وبه قال الشعبي ومسروق وربيعة وأبو سلمة وأصبغ. وهو ~~عندهم كتحريم الماء والطعام، قال الله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا لا ~~تحرموا طيبات ما أحل الله لكم " [المائدة: 87] والزوجة من الطيبات ومما أحل ~~الله. وقال تعالى: " ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام ~~" (3) [النحل: 116]. وما لم يحرمه الله فليس لأحد أن يحرمه، ولا أن يصير ~~بتحريمه حراما. ولم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لما أحله ~~الله هو علي حرام. وإنما امتنع من مارية ليمين تقدمت منه وهو قوله: (والله ~~لا أقربها بعد اليوم) فقيل له: لم تحرم ما أحل الله لك، أي لم تمتنع منه ~~بسبب اليمين. يعني أقدم عليه وكفر. # PageV18P180 # ثانيها - أنها يمين يكفرها، قاله أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعبد ~~الله بن مسعود وابن عباس وعائشة - رضي الله عنهم - والأوزاعي، وهو مقتضى ~~الآية قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: إذا حرم الرجل عليه امرأته فإنما هي ~~يمين يكفرها. وقال ابن عباس: # لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة، يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان حرم جاريته فقال الله تعالى: " لم تحرم ما أحل الله لك - إلى قوله ~~تعالى - قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم " فكفر عن يمينه وصير الحرام يمينا. ~~خرجه الدارقطني. # وثالثها - أنها تجب فيها كفارة وليست بيمين، قاله ابن مسعود وابن عباس ~~أيضا في إحدى روايتيه، والشافعي في أحد قوليه، وفي هذا القول نظر. والآية ~~ترده على ما يأتي. # ورابعها - هي ظهار، ففيها كفارة الظهار، قاله عثمان وأحمد بن حنبل ~~وإسحاق. # وخامسها - أنه إن نوى الظهار وهو ينوي أنها محرمة كتحريم ظهر أمه كان ~~ظهارا. # وإن نوى تحريم عينها عليه بغير طلاق تحريما مطلقا وجبت كفارة يمين. وإن ~~لم ينو شيئا فعليه كفارة يمين، قاله ms6270 الشافعي. # وسادسها - أنها طلقة رجعية، قاله عمر بن الخطاب والزهري وعبد العزيز بن ~~أبي سلمة وابن الماجشون. # وسابعها - أنها طلقة بائنة، قاله حماد بن أبي سليمان وزيد بن ثابت. ورواه ~~ابن خويز منداد عن مالك. # وثامنها - أنها ثلاث تطليقات، قاله علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت أيضا ~~وأبو هريرة. # وتاسعها - هي في المدخول بها ثلاث، وينوي في غير المدخول بها، قاله الحسن ~~وعلي ابن زيد والحكم. وهو مشهور مذهب مالك. # وعاشرها - هي ثلاث، ولا ينوي بحال ولا في محل وإن لم يدخل، (1) قاله عبد ~~الملك في المبسوط، وبه قال ابن أبي ليلى. # PageV18P181 # وحادي عشرها - هي في التي لم يدخل بها واحدة، وفي التي دخل بها ثلاث، ~~قاله أبو مصعب ومحمد بن عبد الحكم. (1) وثاني عشرها - أنه إن نوى الطلاق أو ~~الظهار كان ما نوى. فإن نوى الطلاق فواحدة بائنة إلا أن ينوي ثلاثا. فإن ~~نوى ثنتين فواحدة. فإن لم ينو شيئا كانت يمينا وكان الرجل موليا من امرأته، ~~قاله أبو حنيفة وأصحابه. وبمثله قال زفر، إلا أنه قال: إذا نوى اثنتين ~~ألزمناه. # وثالث عشرها - أنه لا تنفعه نية الظهار وإنما يكون طلاقا، قاله ابن ~~القاسم. # ورابع عشرها - قال يحيى بن عمر: يكون طلاقا، فإن ارتجعها لم يجز له وطؤها ~~حتى يكفر كفارة الظهار. # وخامس عشرها - إن نوى الطلاق فما أراد من أعداده. وإن نوى واحدة فهي ~~رجعية. وهو قول الشافعي رضي الله عنه. وروي مثله عن أبي بكر وعمر وغيرهم من ~~الصحابة والتابعين. # وسادس عشرها - إن نوى ثلاثا فثلاثا، وإن واحدة فواحدة. وإن نوى يمينا فهي ~~يمين. وإن لم ينو شيئا فلا شئ عليه. وهو قول سفيان. وبمثله قال الأوزاعي ~~وأبو ثور، إلا أنهما قالا: إن لم ينو شيئا فهي واحدة. # وسابع عشرها - له نيته ولا يكون أقل من واحدة، قاله ابن شهاب. وإن لم ينو ~~شيئا لم يكن شئ، قاله ابن العربي. ورأيت لسعيد بن جبير وهو: # الثامن عشر - أن عليه عتق رقبة وإن لم يجعلها ظهارا. ولست ms6271 أعلم لها وجها ~~ولا يبعد (2) في المقالات عندي. # قلت: قد ذكره الدارقطني في سننه عن ابن عباس فقال: حدثنا الحسين بن ~~إسماعيل قال حدثنا محمد بن منصور قال حدثنا روح قال: حدثنا سفيان الثوري عن ~~سالم الأفطس # PageV18P182 # عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه أتاه رجل فقال: إني جعلت امرأتي علي ~~حراما. فقال: # كذبت! ليست عليك بحرام، ثم تلا " يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك " ~~عليك أغلظ الكفارات: عتق رقبة. وقد قال جماعة من أهل التفسير: إنه لما نزلت ~~هذه الآية كفر عن يمينه بعتق رقبة، وعاد إلى مارية صلى الله عليه وسلم، ~~قاله زيد بن أسلم وغيره. # الخامسة - قال علماؤنا: سبب الاختلاف في هذا الباب أنه ليس في كتاب الله ~~ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم نص ولا ظاهر صحيح يعتمد عليه في ~~هذه المسألة، فتجاذبها العلماء لذلك. فمن تمسك بالبراءة الأصلية فقال: لا ~~حكم، فلا يلزم بها شئ. وأما من قال إنها يمين، فقال: سماها الله يمينا. ~~وأما من قال: تجب فيها كفارة وليست بيمين، فبناه على أحد أمرين: أحدهما - ~~أنه ظن أن الله تعالى أوجب الكفارة فيها وإن (1) لم تكن يمينا. # والثاني - أن معنى اليمين عنده التحريم، فوقعت الكفارة على المعنى. وأما ~~من قال: إنها طلقة رجعية، فإنه حمل اللفظ على أقل وجوهه، والرجعية محرمة ~~الوطئ كذلك، فيحمل اللفظ عليه. وهذا يلزم مالكا، لقوله: إن الرجعية محرمة ~~الوطئ. وكذلك وجه من قال: إنها ثلاث، فحمله على أكبر معناه وهو الطلاق ~~الثلاث. وأما من قال: إنه ظهار، فلانه أقل درجات التحريم، فإنه تحريم لا ~~يرفع النكاح. وأما من قال: إنه طلقة بائنة، فعول على أن الطلاق الرجعي لا ~~يحرم المطلقة، وأن الطلاق البائن يحرمها. وأما قول يحيى بن عمر فإنه احتاط ~~بأن جعله طلاقا، فلما ارتجعها احتاط بأن يلزمه الكفارة. ابن العربي: " وهذا ~~لا يصح، لأنه جمع بين المتضادين، فإنه لا يجتمع ظهار وطلاق في معنى لفظ ~~واحد، فلا وجه للاحتياط ms6272 فيما لا يصح اجتماعه في الدليل. وأما من قال: إنه ~~ينوى في التي لم يدخل بها، فلان الواحدة تبينها وتحرمها شرعا إجماعا. وكذلك ~~قال من لم يحكم باعتبار نيته: إن الواحدة تكفي قبل الدخول في التحريم ~~بالاجماع، فيكفي أخذا بالأقل المتفق عليه. وأما من قال: إنه ثلاث فيهما، ~~فلانه أخذ بالحكم الأعظم، فإنه لو صرح بالثلاث لنفذت في التي لم يدخل بها # PageV18P183 # نفوذها في التي دخل بها. ومن الواجب أن يكون المعنى مثله وهو التحريم ". ~~والله أعلم. # وهذا كله في الزوجة. وأما في الأمة فلا يلزم فيها شئ من ذلك، إلا أن ينوي ~~به العتق عند مالك. وذهب عامة العلماء إلى أن عليه كفارة يمين. ابن العربي. ~~والصحيح أنها طلقة واحدة، لأنه لو ذكر الطلاق لكان أقله وهو الواحدة إلا أن ~~يعدده. كذلك إذا ذكر التحريم يكون أقله إلا أن يقيده بالأكثر، مثل أن يقول ~~أنت علي حرام إلا بعد زوج، فهذا نص على المراد. # قلت: أكثر المفسرين على أن الآية نزلت في حفصة لما خلا النبي صلى الله ~~عليه وسلم في بيتها بجاريته، ذكره الثعلبي. وعلى هذا فكأنه قال: لا يحرم ~~عليك ما حرمته على نفسك ولكن عليك كفارة يمين، وإن كان في تحريم العسل ~~والجارية أيضا. فكأنه قال: لم يحرم عليك ما حرمته، ولكن ضممت إلى التحريم ~~يمينا فكفر عن اليمين. وهذا صحيح، فإن النبي صلى الله عليه وسلم حرم ثم ~~حلف، كما ذكره الدارقطني. وذكر البخاري معناه في قصة العسل عن عبيد ابن ~~عمير عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرب عند زينب بنت ~~جحش عسلا ويمكث عندها، فتواطأت أنا وحفصة على أيتنا دخل عليها فلتقل: أكلت ~~مغافير؟ إني لأجد منك ريح مغافير! قال: (لا ولكن شربت عسلا ولن أعود له وقد ~~حلفت لا تخبري بذلك أحدا). يبتغي مرضات أزواجه. فيعني بقوله: (ولن أعود له ~~على جهة التحريم. وبقوله: (حلفت) أي بالله، بدليل أن الله تعالى أنزل عليه ~~عند ذلك معاتبته على ذلك، ms6273 وحوالته على كفارة اليمين بقوله تعالى: " يا أيها ~~النبي لم تحرم ما أحل الله لك " يعني العسل المحرم بقوله: (لن أعود له). " ~~تبتغي مرضات أزواجك " أي تفعل ذلك طلبا لرضاهن. " والله غفور رحيم " غفور ~~لما أوجب المعاتبة، رحيم برفع المؤاخذة. وقد قيل: # إن ذلك كان ذنبا من الصغائر. والصحيح أنه معاتبة على ترك الأولى، وأنه لم ~~تكن له صغيرة ولا كبيرة. PageV18P184 # قوله تعالى: قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم وهو العليم ~~الحكيم 2 فيه ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم) تحليل اليمين ~~كفارتها. # أي إذا أحببتم استباحة المحلوف عليه، وهو قوله تعالى في سورة " المائدة ~~": " فكفارته إطعام عشرة مساكين " (1) [المائدة: 89]. ويتحصل من هذا أن من ~~حرم شيئا من المأكول والمشروب لم يحرم عليه عندنا، لان الكفارة لليمين لا ~~للتحريم على ما بيناه. وأبو حنيفة يراه يمينا في كل شئ، ويعتبر الانتفاع ~~المقصود فيما يحرمه، فإذا حرم طعاما فقد حلف على أكله، أو أمة فعلى وطئها، ~~أو زوجة فعلى الايلاء منها إذا لم يكن له نية، وإن نوى الظهار فظهار، وإن ~~نوى الطلاق فطلاق بائن. وكذلك إن نوى ثنتين أو ثلاثا. وإن قال: نويت الكذب ~~دين فيما بينه وبين الله تعالى. ولا يدين في القضاء بإبطال الايلاء. وإن ~~قال: كل حلال عليه حرام، فعلى الطعام والشراب إذا لم ينو، وإلا فعلى ما ~~نوى. ولا يراه الشافعي يمينا ولكن سببا في الكفارة في النساء (2) وحدهن. ~~وإن نوى الطلاق فهو رجعي عنده، على ما تقدم بيانه. # فإن حلف إلا يأكله حنث ويبر بالكفارة. # الثانية - فإن حرم أمته أو زوجته فكفارة يمين، كما في صحيح مسلم عن ابن ~~عباس قال: إذا حرم للرجل عليه امرأته، فهي يمين يكفرها. وقال: لقد كان لكم ~~في رسول الله أسوة حسنة. # الثالثة - قيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم كفر عن يمينه. وعن الحسن: # لم يكفر، لان النبي صلى الله عليه وسلم قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما ~~تأخر، ms6274 وكفارة اليمين في هذه السورة إنما أمر بها الأمة. والأول أصح، وأن ~~المراد بذلك النبي صلى الله عليه وسلم. # PageV18P185 # ثم إن الأمة تقتدي به في ذلك. وقد قدمنا عن زيد بن أسلم أنه عليه السلام ~~كفر بعتق رقبة. # وعن مقاتل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعتق رقبة في تحريم مارية. ~~والله أعلم. وقيل: # أي قد فرض الله لكم تحليل ملك اليمين، فبين في قوله تعالى: " ما كان على ~~النبي من حرج فيما فرض الله (1) له " [الأحزاب: 38] أي فيما شرعه له في ~~النساء المحللات. أي حلل لكم ملك الايمان، فلم تحرم مارية على نفسك مع ~~تحليل الله إياها لك. وقيل: تحلة اليمين الاستثناء، أي فرض الله لكم ~~الاستثناء المخرج عن اليمين. ثم عند قوم يجوز الاستثناء من الايمان متى شاء ~~وإن تحلل مدة. وعند المعظم لا يجوز إلا متصلا، فكأنه قال: استثن بعد هذا ~~فيما تحلف عليه. # وتحلة اليمين تحليلها بالكفارة، والأصل تحللة، فأدغمت. وتفعلة من مصادر ~~فعل، كالتسمية والتوصية. فالتحلة تحليل اليمين. فكأن اليمين عقد والكفارة ~~حل. وقيل: التحلة الكفارة، أي إنها تحل للحالف ما حرم على نفسه، أي إذا كفر ~~صار كمن لم يحلف. (والله مولاكم) وليكم وناصركم بإزالة الحظر فيما تحرمونه ~~على أنفسكم، وبالترخيص لكم في تحليل أيمانكم بالكفارة، وبالثواب على ما ~~تخرجونه في الكفارة. # قوله تعالى: وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا فلما نبأت به وأظهره ~~الله عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال ~~نبأني العليم الخبير 3 قوله تعالى: (وإذا أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا) ~~أي واذكر إذ أسر النبي إلى حفصة حديثا " يعني تحريم مارية على نفسه ~~واستكتامه إياها ذلك. وقال الكلبي: # أسر إليها أن أباك وأبا عائشة يكونان خليفتي على أمتي من بعدي، وقاله ابن ~~عباس. # قال: أسر أمر الخلافة بعده إلى حفصة فذكرته حفصة. روي الدارقطني في سننه ~~عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله تعالى: " وإذ أسر النبي ms6275 إلى بعض # PageV18P186 # أزواجه حديثا " قال: اطلعت حفصة على النبي صلى الله عليه وسلم مع أم ~~إبراهيم فقال: # (لا تخبري عائشة) وقال لها (إن أباك وأباها سيملكان أو سيليان بعدي فلا ~~تخبري عائشة) قال: فانطلقت حفصة فأخبرت عائشة فأظهره الله عليه، فعرف بعضه ~~وأعرض عن بعض. # قال أعرض عن قوله: (إن أباك وأباها يكونان بعدي). كره رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن ينشر ذلك في الناس. (فلما نبأت به) أي أخبرت به عائشة لمصافاة ~~كانت بينهما، وكانتا متظاهرتين على نساء النبي صلى الله عليه وسلم. (وأظهره ~~الله عليه) أي أطلعه الله على أنها قد نبأت به. وقرأ طلحة بن مصرف " فلما ~~أنبأت " وهما لغتان: أنبأ ونبأ. ومعنى " عرف بعضه وأعرض عن بعض " عرف حفصة ~~بعض ما أوحي إليه من أنها أخبرت عائشة بما نهاها عن أن تخبرها، وأعرض عن ~~بعض تكرما، قاله السدي. وقال الحسن: # ما استقصى كريم قط، قال الله تعالى " عرف بعضه وأعرض عن بعض ". وقال ~~مقاتل: # يعني أخبرها ببعض ما قالت لعائشة، وهو حديث أم ولده ولم يخبرها ببعض وهو ~~قول حفصة لعائشة: إن أبا بكر وعمر سيملكان بعده. وقراءة العامة " عرف " ~~مشددا، ومعناه ما ذكرناه. وأختاره أبو عبيد وأبو حاتم، يدل عليه قوله ~~تعالى: " وأعرض عن بعض " أي لم يعرفها إياه. ولو كانت مخففة لقال في ضده ~~وأنكر بعضا. وقرأ علي وطلحة بن مصرف وأبو عبد الرحمن السلمي والحسن وقتادة ~~والكلبي والكسائي والأعمش عن أبي بكر " عرف " مخففة. قال عطاء: كان أبو عبد ~~الرحمن السلمي إذا قرأ عليه الرجل " عرف " مشددة حصبه بالحجارة. قال ~~الفراء: وتأويل قوله عز وجل: " عرف بعضه " بالتخفيف، أي غضب فيه وجازى ~~عليه، وهو كقولك لمن أساء إليك: لا عرفن لك ما فعلت، أي لأجازينك عليه. # وجازاها النبي صلى الله عليه وسلم بأن طلقها طلقة واحدة. فقال عمر: لو ~~كان في آل الخطاب خير لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم طلقك. فأمره ~~جبريل بمراجعتها وشفع فيها. # وأعتزل النبي صلى الله ms6276 عليه وسلم نساءه شهرا، وقعد في مشربة مارية أم ~~إبراهيم حتى نزلت آية التحريم على ما تقدم. وقيل: هم بطلاقها حتى قال له ~~جبريل: (لا تطلقها فإنها صوامة PageV18P187 # قوامة وإنها من نسائك في الجنة) فلم يطلقها. (فلما نبأها به) أي أخبر ~~حفصة بما أظهره الله عليه. (قالت من أنبأك هذا) يا رسول الله عني. فظنت أن ~~عائشة أخبرته، فقال عليه السلام: (نبأني العليم الخبير) أي الذي لا يخفى ~~عليه شئ. و " هذا " سد مسد مفعولي " أنبأ ". و " نبأ " الأول تعدى إلى ~~مفعول، و " نبأ " الثاني تعدى إلى مفعول واحد، لان نبأ وأنبأ إذا لم يدخلا ~~على المبتدأ والخبر جاز أن يكتفى فيهما بمفعول واحد وبمفعولين، فإذا دخلا ~~على الابتداء والخبر تعدى كل واحد منهما إلى ثلاثة مفعولين. ولم يجز ~~الاقتصار على الاثنين دون الثالث، لان الثالث هو خبر المبتدأ في الأصل فلا ~~يقتصر دونه، كما لا يقتصر على المبتدأ دون الخبر. # قوله تعالى: إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظهرا عليه فإن الله ~~هو موله وجبريل وصلح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير 4 قوله تعالى: (إن ~~تتوبا إلى الله) يعني حفصة وعائشة، حثهما على التوبة على ما كان منهما من ~~الميل إلى خلاف محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم. (فقد صغت قلوبكما) أي ~~زاغت ومالت عن الحق. وهو أنهما أحبتا ما كره النبي صلى الله عليه وسلم من ~~اجتناب جاريته واجتناب العسل، وكان عليه السلام يحب العسل والنساء. قال ابن ~~زيد: مالت قلوبهما بأن سرهما أن يحتبس عن أم ولده، فسرهما ما كرهه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. # وقيل: فقد مالت قلوبكما إلى التوبة. وقال: " فقد صغت قلوبكما " ولم يقل: ~~فقد صغى قلبا كما، ومن شأن العرب إذا ذكروا الشيئين، من اثنين جمعوهما، ~~لأنه لا يشكل. وقد مضى هذا المعنى في " المائدة " في قوله تعالى: " فاقطعوا ~~أيديهما " (1) [المائدة: 38]. وقيل: كلما ثبتت الإضافة فيه مع التثنية فلفظ ~~الجمع أليق به، لأنه أمكن وأخف. وليس قوله: " فقد صغت ms6277 # PageV18P188 # قلوبكما " جزاء للشرط، لان هذا الصغو كان سابقا، فجواب الشرط محذوف للعلم ~~به. أي إن تتوبا كان خيرا لكما، إذ قد صغت قلوبكما. # قوله تعالى: (وإن تظاهرا عليه) أي تتظاهرا وتتعاونا على النبي صلى الله ~~عليه وسلم بالمعصية والايذاء. وفي صحيح مسلم عن ابن عباس قال: مكثت سنة ~~وأنا أريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن آية فما أستطيع أن أسأله هيبة له، حتى ~~خرج حاجا فخرجت معه، فلما رجع فكنا ببعض الطريق عدل إلى الأراك (1) لحاجة ~~له، فوقفت حتى فرغ، ثم سرت معه فقلت: يا أمير المؤمنين، من اللتان تظاهرتا ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أزواجه؟ فقال: تلك حفصة وعائشة. قال ~~فقلت له: والله إن كنت لأريد أن سألك عن هذا منذ سنة فما أستطيع هيبة لك. ~~قال: فلا تفعل، ما ظننت أن عندي من علم فسلني عنه، فإن كنت أعلمه أخبرتك... ~~وذكر الحديث. (فإن الله هو مولاه) أي وليه وناصره، فلا يضره ذلك التظاهر ~~منهما. (وجبريل وصالح المؤمنين) قال عكرمة وسعيد بن جبير: أبو بكر وعمر، ~~لأنهما أبوا عائشة وحفصة، وقد كانا عونا له عليهما. وقيل: صالح المؤمنين ~~علي رضي الله عنه. وقيل: خيار المؤمنين. وصالح: اسم جنس كقوله تعالى: # " والعصر. إن الانسان لفي خسر " [العصر: 2]، قاله الطبري. وقيل: " صالح ~~المؤمنين " هم الأنبياء، قاله العلاء بن زيادة وقتادة وسفيان. وقال ابن ~~زيد: هم الملائكة. السدي: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: " صالح ~~المؤمنين " ليس لفظ الواحد وإنما هو صالحو المؤمنين: فأضاف الصالحين إلى ~~المؤمنين، وكتب بغير واو على اللفظ لان لفظ الواحد والجمع واحد فيه. كما ~~جاءت أشياء في المصحف متنوع فيها حكم اللفظ دون وضع الخط. وفي صحيح مسلم عن ~~ابن عباس قال: حدثني عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لما اعتزل نبي الله ~~صلى الله عليه وسلم نساءه قال دخلت المسجد فإذا الناس ينكتون (2) بالحصى ~~ويقولون: # طلق رسول الله صلى الله عليه (3) وسلم نساءه - وذلك قبل أن يؤمرن بالحجاب ~~- فقال ms6278 عمر: # PageV18P189 # فقلت لأعلمن ذلك اليوم، قال فدخلت على عائشة فقلت: يا بنة أبي بكر، أقد ~~بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم! فقالت: مالي ومالك يا ~~بن الخطاب! عليك بعيبتك! (1) قال فدخلت على حفصة بنت عمر فقلت لها: يا ~~حفصة، أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم! والله لقد ~~علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحبك، ولولا أنا لطلقك رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. فبكت أشد البكاء، فقلت لها: أين رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم؟ قالت: هو في خزانته في المشربة. فدخلت فإذا أنا برباح غلام رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قاعدا على أسكفة (2) المشربة مدل رجليه على نقير ~~من خشب، وهو جذع يرقى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وينحدر. # فناديت: يا رباح، استأذن لي عندك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنظر ~~رباح إلى الغرفة ثم نظر إلي فلم يقل شيئا. ثم قلت: يا رباح، استأذن لي عندك ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنظر رباح إلى الغرفة ثم نظر إلي فلم ~~يقل شيئا. ثم رفعت صوتي فقلت: يا رباح، استأذن لي عندك على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فإني أظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ظن أني جئت من ~~أجل حفصة، والله لئن أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بضرب عنقها لأضربن ~~عنقها، ورفعت صوتي فأومأ إلي أن أرقه، فدخلت على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهو مضطجع على حصير، فجلست فأدنى عليه إزاره وليس عليه غيره، وإذا ~~الحصير قد أثر في جنبه، فنظرت ببصري في خزانة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع، ومثلها قرظا في ناحية الغرفة، وإذا أفيق ~~(3) معلق - قال - فابتدرت عيناي. قال: (ما يبكيك يا بن الخطاب)؟ قلت يا نبي ~~الله، ومالي لا أبكى وهذا الحصير قد أثر في جنبك، وهذه خزانتك لا أرى ms6279 فيها ~~إلا ما أرى! وذاك قيصر وكسرى في الثمار والأنهار وأنت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # PageV18P190 # وصفوته، وهذه خزانتك! فقال: (يا بن الخطاب ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ~~ولهم الدنيا) قلت: بلى. قال: ودخلت عليه حين دخلت وأنا أرى في وجهه الغضب، ~~فقلت: # يا رسول الله، ما يشق عليك من شأن النساء، فإن كنت طلقتهن فإن الله معك ~~وملائكته وجبريل وميكائيل، وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك. وقلما تكلمت - ~~وأحمد الله - بكلام إلا رجوت أن يكون الله عز وجل يصدق قولي الذي أقول (1) ~~ونزلت هذه الآية، آية التخيير: # " عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن " [التحريم: 5]. " وإن ~~تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ~~ظهير ". وكانت عائشة بنت أبي بكر وحفصة تظاهران على سائر نساء رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. فقلت: يا رسول الله، أطلقتهن؟ قال: (لا). قلت: يا رسول ~~الله، إني دخلت المسجد والمسلمون ينكتون بالحصى يقولون: طلق رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم نساءه أفأنزل فأخبرهم أنك لم تطلقهن؟ # قال: (نعم إن شئت). فلم أزل أحدثه حتى تحسر الغضب عن وجهه، وحتى كشر (2) ~~فضحك، وكان من أحسن الناس ثغرا. ثم نزل نبي الله صلى الله عليه وسلم ونزلت، ~~فنزلت أتشبث بالجذع، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنما يمشي على ~~الأرض ما يمسه بيده. فقلت: # يا رسول الله، إنما كنت في الغرفة تسعا وعشرين. قال: (إن الشهر يكون تسعا ~~وعشرين) فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي: لم يطلق رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم نساءه. # ونزلت هذه الآية: " وإذا جاءهم أمر من الامن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه ~~إلى الرسول وإلى أولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه (3) منهم " ~~[النساء: 83]. فكنت أنا استنبطت ذلك الامر، وأنزل الله آية التخيير. # قوله تعالى: " وجبريل " فيه لغات تقدمت في سورة " البقرة ". (4) ويجوز أن ~~يكون معطوفا على " مولاه " والمعنى: الله وليه وجبريل وليه، فلا يوقف على " ~~مولاه " ويوقف على " جبريل " ويكون ms6280 " وصالح المؤمنين " مبتدأ " والملائكة " ~~معطوفا عليه. و " ظهير " خبرا، # PageV18P191 # وهو بمعنى الجمع. وصالح المؤمنين أبو بكر، قاله المسيب بن شريك. وقال ~~سعيد بن جبير: # عمر. وقال عكرمة: أبو بكر وعمر. وروي شقيق عن عبد الله عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم في قول الله تعالى: " فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين " ~~قال: إن صالح المؤمنين أبو بكر وعمر. وقيل: هو علي. عن أسماء بنت عميس ~~قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (" وصالح المؤمنين " علي بن ~~أبي طالب). وقيل غير هذا مما تقدم القول فيه. ويجوز أن يكون " وجبريل " ~~مبتدأ وما بعده معطوفا عليه. والخبر " ظهير " وهو بمعنى الجمع أيضا. فيوقف ~~على هذا على " مولاه ". ويجوز أن يكون " جبريل وصالح المؤمنين " معطوفا على ~~" مولاه " فيوقف على " المؤمنين " ويكون " والملائكة بعد ذلك ظهير " ابتداء ~~وخبرا. ومعنى " ظهير " أعوان. وهو بمعنى ظهراء، كقوله تعالى: # " وحسن أولئك، رفيقا " (1) [النساء: 69]. وقال أبو علي: قد جاء فعيل ~~للكثرة كقوله تعالى: " ولا يسأل حميم حميما. يبصرونهم " (2) [المعارج: 10 - ~~1 1]. وقيل: كان التظاهر منهما في التحكم على النبي صلي اله عليه وسلم في ~~النفقة، ولهذا آلى منهن شهرا واعتزلهن. وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله ~~قال: # دخل أبو بكر يستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد الناس جلوسا ~~ببابه لم يؤذن لاحد منهم، قال: فأذن لأبي بكر فدخل، ثم أقبل عمر فاستأذن ~~فأذن له، فوجد النبي صلى الله عليه وسلم جالسا حوله نساؤه واجما ساكتا - ~~قال - فقال لأقولن شيئا أضحك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول ~~الله، لو رأيت بنت خارجة سألتني النفقة فقمت إليها فوجأت عنقها، فضحك رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وقال: (هن حولي كما ترى يسألنني النفقة). فقام أبو ~~بكر إلى عائشة يجأ عنقها، وقام عمر إلى حفصة يجأ عنقها، كلاهما يقول: # تسألن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ليس عنده! فقلن: والله لا نسأل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا أبدا ms6281 ليس عنده. ثم اعتزلهن شهرا أو تسعا ~~وعشرين. ثم نزلت عليه هذه الآية: " يا أيها النبي قل لأزواجك " حتى بلغ " ~~للمحسنات منكن أجرا عظيما " [الأحزاب: 28 - 29] الحديث. # وقد ذكراه في سورة (3) " الأحزاب ". # PageV18P192 # قوله تعالى: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزوجا خيرا منكن مسلمت مؤمنات ~~قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكارا 5 قوله تعالى: (عسى ربه إن ~~طلقكن) قد تقدم في الصحيح أن هذه الآية نزلت على لسان عمر رضي الله عنه. ~~(1) ثم قيل: كل " عسى " في القرآن واجب إلا هذا. وقيل: # هو واجب ولكن الله عز وجل علقه بشرط وهو التطليق ولم يطلقهن. (أن يبدله ~~أزواجا خيرا منكن) لأنكن لو كنتن خيرا منهن ما طلقكن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال معناه السدي. وقيل: هذا وعد من الله تعالى لرسوله صلى الله ~~عليه وسلم، لو طلقهن في الدنيا أن يزوجه في الدنيا نساء خيرا منهن. وقرئ " ~~أن يبدله " بالتشديد والتخفيف. والتبديل والابدال بمعنى، كالتنزيل ~~والانزال. والله كان عالما بأنه كان لا يطلقهن، ولكن أخبر عن قدرته، على ~~أنه إن طلقهن أبدله خيرا منهن تخويفا لهن. وهو كقوله تعالى: " وإن تتولوا ~~يستبدل قوما غيركم " (2) [محمد: 38]. وهو إخبار عن القدرة وتخويف لهم، لا ~~أن في الوجود من هو خير من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. # قوله تعالى: (مسلمات) يعني مخلصات، قاله سعيد بن جبير. وقيل: معناه ~~مسلمات لأمر الله تعالى وأمر رسوله. (مؤمنات) مصدقات بما أمرن به ونهين ~~عنه. # (قانتات) مطيعات. والقنوت: الطاعة. وقد تقدم. (3) (تائبات) أي من ذنوبهن، ~~قاله السدي. وقيل: راجعات إلى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم تاركات ~~لمحاب أنفسهن. # (عابدات) أي كثيرات العبادة لله تعالى. وقال ابن عباس: كل عبادة في ~~القرآن فهو التوحيد. (سائحات) صائبات، قاله ابن عباس والحسن وابن جبير. ~~وقال زيد بن أسلم وابنه عبد الرحمن ويمان: مهاجرات. قال زيد: وليس في أمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم # PageV18P193 # سياحة إلا الهجرة. والسياحة الجولان في الأرض. وقال الفراء والقتبي ~~وغيرهما: # سمي ms6282 الصائم سائحا لان السائح لا زاد معه، وإنما يأكل من حيث يجد الطعام. ~~وقيل: # ذاهبات في طاعة الله عز وجل، من ساح الماء إذا ذهب. وقد مضى في سورة " ~~براءة " (1) والحمد لله. (ثيبات وأبكارا) أي منهن ثيب ومنهن بكر. وقيل: ~~إنما سميت الثيب ثيبا لأنها راجعة إلى زوجها إن أقام معها، أو إلى غيره إن ~~فارقها. وقيل: لأنها ثابت إلى بيت أبويها. وهذا أصح، لأنه ليس كل ثيب تعود ~~إلى زوج. وأما البكر فهي العذراء، سميت بكرا لأنها على أول حالتها التي ~~خلقت بها. وقال الكلبي: أراد بالثيب مثل آسية امرأة فرعون، وبالبكر مثل ~~مريم ابنة عمران. # قلت: وهذا إنما يمشي على قول من قال: إن التبديل وعد من الله لنبيه لو ~~طلقهن في الدنيا زوجه في الآخرة خيرا منهن. والله أعلم. # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس ~~والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ~~6 فيه مسألة واحدة - وهي الامر بوقاية الانسان نفسه وأهله النار. قال ~~الضحاك: # معناه قوا أنفسكم، وأهلوكم فليقوا أنفسهم نارا. وروي علي بن أبي طلحة عن ~~ابن عباس: # قوا أنفسكم وأمروا أهليكم بالذكر والدعاء حتى يقيهم الله بكم. وقال علي ~~رضي الله عنه وقتادة ومجاهد: قوا أنفسكم بأفعالكم وقوا أهليكم بوصيتكم. ابن ~~العربي: وهو الصحيح، والفقه الذي يعطيه العطف الذي يقتضي التشريك بين ~~المعطوف والمعطوف عليه في معنى الفعل، كقوله: # * علفتها تبنا وماء باردا (2) * # PageV18P194 # وكقوله: # ورأيت زوجك في الوغى * متقلدا سيفا ورمحا فعلى الرجل أن يصلح نفسه ~~بالطاعة، ويصلح أهله إصلاح الراعي للرعية. ففي صحيح الحديث أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته فالامام الذي على ~~الناس راع وهو مسؤول عنهم والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عنهم). وعن ~~هذا عبر الحسن في هذه الآية بقوله: يأمرهم وينهاهم. وقال بعض العلماء لما ~~قال: " قوا أنفسكم " دخل فيه الأولاد، لان الولد بعض منه. كما دخل في قوله ms6283 ~~تعالى: " ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم " (1) [النور: 61] فلم يفردوا ~~بالذكر إفراد سائر القرابات. فيعلمه الحلال والحرام، ويجنبه المعاصي ~~والآثام، إلى غير ذلك من الاحكام. وقال عليه السلام: (حق الولد على الوالد ~~أن يحسن اسمه ويعلمه الكتابة ويزوجه إذا بلغ). وقال عليه السلام: (ما نحل ~~والد ولدا أفضل من أدب حسن). وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم (مروا أبناءكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا ~~بينهم في المضاجع). # خرجه جماعة من أهل الحديث. وهذا لفظ أبي داود. وخرج أيضا عن سمرة بن جندب ~~قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين ~~فإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها). وكذلك يخبر أهله بوقت الصلاة ووجوب ~~الصيام ووجوب الفطر إذا وجب، مستندا في ذلك إلى رؤية الهلال. وقد روى مسلم ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أوتر يقول: (قومي فأوتري يا عائشة). ~~وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # (رحم الله امرأ قام من الليل فصلى فأيقظ أهله فإن لم تقم رش وجهها ~~بالماء. رحم الله امرأة قامت من الليل تصلى وأيقظت زوجها فإذا لم يقم رشت ~~على وجهه من الماء). ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: (أيقظوا صواحب الحجر). ~~ويدخل هذا في عموم قوله تعالى: " وتعاونوا على البر والتقوى " (2) ~~[المائدة: 2]. وذكر القشيري أن عمر رضي الله عنه قال لما نزلت هذه الآية: ~~يا رسول # PageV18P195 # الله، نقي أنفسنا، فكيف لنا بأهلينا؟. فقال: (تنهونهم عما نهاكم الله ~~وتأمرونهم بما أمر الله). # وقال مقاتل: ذلك حق عليه في نفسه وولده وأهله وعبيده وإمائه. قال الكيا: ~~فعلينا تعليم أولادنا وأهلينا الدين والخير، وما لا يستغنى عنه من الأدب. ~~وهو قوله تعالى: " وأمر أهلك بالصلاة واصطبر (1) عليها " [طه: 132]. ونحو ~~قوله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم: " وأنذر عشيرتك (2) الأقربين ". ~~[الشعراء: 214]. وفي الحديث: " مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع ". (وقودها ~~الناس والحجارة) تقدم في سورة " البقرة " القول فيه (3). (عليها ملائكة ms6284 ~~غلاظ شداد) يعني الملائكة الزبانية غلاظ القلوب لا يرحمون إذا استرحموا، ~~خلقوا من الغضب، وحبب إليهم عذاب الخلق كما حبب لبني آدم أكل الطعام ~~والشراب. " شداد " أي شداد الأبدان. وقيل: غلاظ الأقوال شداد الافعال. وقيل ~~غلاظ في أخذهم أهل النار شداد عليهم. يقال: فلان شديد على فلان، أي قوي ~~عليه يعذبه بأنواع العذاب. وقيل: أراد بالغلاظ ضخامة أجسامهم، وبالشدة ~~القوة. قال ابن عباس: ما بين منكبي الواحد منهم مسيرة سنة، وقوة الواحد ~~منهم أن يضرب بالمقمع فيدفع بتلك الضربة سبعين ألف إنسان في قعر جهنم. وذكر ~~ابن وهب قال: # وحدثنا عبد الرحمن بن زيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في خزنة ~~جهنم: (ما بين منكبي أحدهم كما بين المشرق والمغرب). # قوله تعالى: (لا يعصون الله ما أمرهم) أي لا يخالفونه في أمره من زيادة ~~أو نقصان. # (ويفعلون ما يؤمرون) أي في وقته، فلا يؤخرونه ولا يقدمونه. وقيل أي لذتهم ~~في امتثال أمر الله، كما أن سرور أهل الجنة في الكون في الجنة، ذكره بعض ~~المعتزلة. وعندهم أنه يستحيل التكليف غدا. ولا يخفى معتقد أهل الحق في أن ~~الله يكلف العبد اليوم وغدا، ولا ينكر التكليف في حق الملائكة. ولله أن ~~يفعل ما يشاء. # PageV18P196 # قوله تعالى: يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم ~~تعملون 7 قوله تعالى: (يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم) فإن عذركم لا ~~ينفع. وهذا النهي لتحقيق اليأس. (إنما تجزون ما كنتم تعملون) في الدنيا. ~~ونظيره: " فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ولا هم يستعتبون " [الروم: ~~57]. وقد تقدم. (1) قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة ~~نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنت تجرى من تحتها الأنهر يوم ~~لا يخزى الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم ~~يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شئ قدير 8 قوله تعالى: ~~(يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا) فيه مسألتان: ms6285 # الأولى - قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله " أمر ~~بالتوبة وهي فرض على الأعيان في كل الأحوال وكل الأزمان. وقد تقدم بيانها ~~والقول فيها في " النساء " وغيرها. (2) " توبة نصوحا " اختلفت عبارة ~~العلماء وأرباب القلوب في التوبة النصوح على ثلاثة وعشرين قولا، فقيل: هي ~~التي لا عودة بعدها كمالا يعود اللبن إلى الضرع، وروي عن عمر وابن مسعود ~~وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل رضي الله عنهم. ورفعه معاذ إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم. وقال قتادة: النصوح الصادقة الناصحة. وقيل الخالصة، يقال: نصح ~~أي أخلص له القول. وقال الحسن: النصوح أن يبغض الذنب الذي أحبه ويستغفر منه ~~إذا ذكره. وقيل: هي التي لا يثق بقبولها ويكون على وجل منها. وقيل: هي التي ~~لا يحتاج # PageV18P197 # معها إلى توبة. وقال الكلبي: التوبة النصوح الندم بالقلب، والاستغفار ~~باللسان، والاقلاع عن الذنب، والاطمئنان على أنه لا يعود.. وقال سعيد بن ~~جبير: هي التوبة المقبولة، ولا تقبل ما لم يكن فيها ثلاثة شروط: خوف ألا ~~تقبل، ورجاء أن تقبل، وإدمان الطاعات. وقال سعيد بن المسيب: توبة تنصحون ~~بها أنفسكم. وقال القرظي: يجمعها أربعة أشياء: الاستغفار باللسان، وإقلاع ~~بالأبدان، وإضمار ترك العود بالجنان، ومهاجرة سئ الخلان. وقال سفيان ~~الثوري: علامة التوبة النصوح أربعة: القلة والعلة والذلة والغربة. وقال ~~الفضيل بن عياض: هو أن يكون الذنب بين عينيه، فلا يزال كأنه ينظر إليه. ~~ونحوه عن ابن السماك: أن تنصب الذنب الذي أقللت فيه الحياء من الله أمام ~~عينك وتستعد لمنتظرك. وقال أبو بكر الوراق: هو أن تضيق عليك الأرض بما ~~رحبت، وتضيق عليك نفسك، كالثلاثة الذين خلفوا. (1) وقال أبو بكر الواسطي: ~~هي توبة لا لفقد عوض، لان من أذنب في الدنيا لرفاهية نفسه ثم تاب طلبا ~~لرفاهيتها في الآخرة، فتوبته على حفظ نفسه لا لله. وقال أبو بكر الدقاق ~~المصري: التوبة النصوح هي رد المظالم، واستحلال الخصوم، وإدمان الطاعات. ~~وقال رويم: هو أن تكون لله وجها بلا قفا، كما كنت له عند المعصية قفا بلا ms6286 ~~وجه. وقال ذو النون: علامة التوبة النصوح ثلاث: قلة الكلام، وقلة الطعام، ~~وقلة المنام. وقال شقيق: هو أن يكثر صاحبها لنفسه الملامة، ولا ينفك من ~~الندامة، لينجو من آفاتها بالسلامة. وقال سري السقطي: لا تصلح التوبة ~~النصوح إلا بنصيحة النفس والمؤمنين، لان من صحب توبته أحب أن يكون الناس ~~مثله. # وقال الجنيد: التوبة النصوح هو أن ينسى الذنب فلا يذكره أبدا، لان من صحت ~~توبته صار محبا لله، ومن أحب الله نسي ما دون الله. وقال ذو الاذنين: (2) ~~هو أن يكون # PageV18P198 # لصاحبها دمع مسفوح، وقلب عن المعاصي جموح. وقال فتح الموصلي: علامتها ~~ثلاث: مخالفة الهوى، وكثرة البكاء، ومكابدة الجوع والظمأ. وقال سهل بن عبد ~~الله التستري: هي التوبة لأهل السنة والجماعة، لان المبتدع لا توبة له، ~~بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: (حجب الله على كل صاحب بدعة أن يتوب). وعن ~~حذيفة: بحسب الرجل من الشر أن يتوب من الذنب ثم يعود فيه. وأصل التوبة ~~النصوح من الخلوص، يقال: # هذا عسل ناصح إذا خلص من الشمع. وقيل: هي مأخوذة من النصاحة وهي الخياطة. # وفي أخذها منها وجهان: أحدهما - لأنها توبة قد أحكمت طاعته وأوثقتها كما ~~يحكم الخياط الثوب بخياطته ويوثقه. والثاني - لأنها قد جمعت بينه وبين ~~أولياء الله وألصقته بهم، كما يجمع الخياط الثوب ويلصق بعضه ببعض. وقراءة ~~العامة " نصوحا " بفتح النون، على نعت التوبة، مثل امرأة صبور، أي توبة ~~بالغة في النصح. وقرأ الحسن وخارجة وأبو بكر عن عاصم بالضم، وتأويله على ~~هذه القراءة: توبة نصح لأنفسكم. وقيل: يجوز أن يكون " نصوحا "، جمع نصح، ~~وإن يكون مصدرا، يقال: نصح نصاحة ونصوحا. وقد يتفق فعالة وفعول في المصادر، ~~نحو الذهاب والذهوب. وقال المبرد: أراد توبة ذات نصح، يقال: نصحت نصحا ~~ونصاحة ونصوحا. # الثانية - في الأشياء التي يتاب منها وكيف التوبة منها. قال العلماء: ~~الذنب الذي تكون منه التوبة لا يخلو، إما أن يكون حقا لله أو للآدميين. فإن ~~كان حقا لله كترك صلاة فإن التوبة لا تصح منه حتى ينضم ms6287 إلى الندم قضاء ما ~~فات منها. وهكذا إن كان ترك صوم أو تفريطا في الزكاة. وإن كان ذلك قتل نفس ~~بغير حق فأن يمكن من القصاص إن كان عليه وكان مطلوبا به. وإن كان قذفا يوجب ~~الحد فيبذل ظهره للجلد إن كان مطلوبا به. # فإن عفي عنه كفاه الندم والعزم على ترك العود بالاخلاص. وكذلك إن عفي عنه ~~في القتل بمال فعليه أن يؤديه إن كان واجدا له، قال الله تعالى: " فمن عفي ~~له من أخيه شئ فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان " (1) [البقرة: 178]. وإن ~~كان ذلك حدا من حدود الله كائنا ما كان فإنه # PageV18P199 # إذا تاب إلى الله تعالى بالندم الصحيح سقط عنه. وقد نص الله تعالى على ~~سقوط الحد عن المحاربين إذا تابوا قبل القدرة عليهم. وفي ذلك دليل على أنها ~~لا تسقط عنهم إذا تابوا بعد القدرة عليهم، حسب ما تقدم بيانه (1). وكذلك ~~الشراب والسراق والزناة إذا أصلحوا وتابوا وعرف ذلك منهم، ثم رفعوا إلى ~~الامام فلا ينبغي له أن يحدهم. وإن رفعوا إليه فقالوا: تبنا، لم يتركوا، ~~وهم في هذه الحالة كالمحاربين إذا غلبوا. هذا مذهب الشافعي. # فإن كان الذنب من مظالم العباد فلا تصح التوبة منه إلا برده إلى صاحبه ~~والخروج عنه - عينا كان أو غيره - إن كان قادرا عليه، فإن لم يكن قادرا ~~فالعزم أن يؤديه إذا قدر في أعجل وقت وأسرعه. وإن كان أضر بواحد من ~~المسلمين وذلك الواحد لا يشعر به أو لا يدري من أين أتى، فإنه يزيل ذلك ~~الضرر عنه، ثم يسأله أن يعفو عنه ويستغفر له، فإذا عفا عنه فقد سقط الذنب ~~عنه. وإن أرسل من يسأل ذلك له، فعفا ذلك المظلوم عن ظالمه - عرفه بعينه أو ~~لم يعرفه - فذلك صحيح. وإن أساء رجل إلى رجل بأن فزعه بغير حق، أو غمه أو ~~لطمه، أو صفعه بغير حق، أو ضربه بسوط فألمه، ثم جاءه مستعفيا نادما على ما ~~كان منه، عازما على ألا يعود، فلم يزل يتذلل له حتى طابت ms6288 نفسه فعفا عنه، ~~سقط عنه ذلك الذنب. وهكذا إن كان شانه بشتم لا حد فيه. # قوله تعالى: (عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم) " عسى " من الله واجبة. # وهو معنى قوله عليه السلام: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له). و " أن " ~~في موضع رفع اسم عسى. (2) قوله تعالى: (ويدخلكم) معطوف على " يكفر ". وقرأ ~~أبن أبي عبلة " ويدخلكم " مجزوما عطفا على محل عسى أن يكفر. كأنه قيل: ~~توبوا يوجب تكفير سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار. (يوم لا ~~يخزى الله النبي) العامل في " يوم ": " يدخلكم " أو فعل مضمر. ومعنى " يخزي ~~" هنا يعذب، أي لا يعذبه ولا يعذب الذين آمنوا معه. # PageV18P200 # (نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم) تقدم في سورة " الحديد " (1). (يقولون ~~ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شئ قدير) قال ابن عباس ومجاهد ~~وغيرهما: هذا دعاء المؤمنين حين أطفأ الله نور المنافقين، حسب ما تقدم ~~بيانه في سورة " الحديد ". (2) قوله تعالى: يا أيها النبي جهد الكفار ~~والمنفقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير 9 قوله تعالى: (يا أيها ~~النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم) فيه مسألة واحدة - وهو التشديد ~~في دين الله. فأمره أن يجاهد الكفار بالسيف والمواعظ الحسنة والدعاء إلى ~~الله. # والمنافقين بالغلظة وإقامة الحجة، وأن يعرفهم أحوالهم في الآخرة، وأنهم ~~لا نور لهم يجوزون به الصراط مع المؤمنين. وقال الحسن: أي جاهدهم بإقامة ~~الحدود عليهم، فإنهم كانوا يرتكبون موجبات الحدود. وكانت الحدود تقام ~~عليهم. (ومأواهم جهنم) يرجع إلى الصنفين. # (وبئس المصير) أي المرجع. # قوله تعالى: ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت ~~عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا ~~النار مع الداخلين 10 ضرب الله تعالى هذا المثل تنبيها على أنه لا يغني أحد ~~في الآخرة عن قريب ولا نسيب إذا فرق بينهما الدين. وكان اسم امرأة نوح ~~والهة، واسم امرأة لوط والعة، قاله مقاتل. # وقال الضحاك عن عائشة رضي الله عنها: إن جبريل نزل على ms6289 النبي صلى الله ~~عليه وسلم فأخبره أن اسم امرأة نوح واغلة واسم امرأة لوط والهة. (فخانتاهم) ~~قال عكرمة # PageV18P201 # والضحاك. بالكفر. وقال سليمان بن رقية (1) عن ابن عباس: كانت امرأة نوح ~~تقول للناس إنه مجنون. وكانت امرأة لوط تخبر بأضيافه. وعنه: ما بغت امرأة ~~نبي قط. وهذا إجماع من المفسرين فيما ذكر القشيري. إنما كانت خيانتهما في ~~الدين وكانتا مشركتين. # وقيل: كانتا منافقتين. وقيل: خيانتهما النميمة إذا أوحى الله إليهما شيئا ~~أفشتاه إلى المشركين، قاله الضحاك. وقيل: كانت امرأة لوط إذا نزل به ضيف ~~دخنت لتعلم قومها أنه قد نزل به ضيف، لما كانوا عليه من إتيان الرجال. (فلم ~~يغنيا عنهما من الله شيئا) أي لم يدفع نوح ولوط مع كرامتهما على الله تعالى ~~عن زوجتيهما - لما عصتا - شيئا من عذاب الله، تنبيها بذلك على أن العذاب ~~يدفع بالطاعة لا بالوسيلة. ويقال: إن كفار مكة استهزءوا وقالوا: إن محمدا ~~صلى الله عليه وسلم يشفع لنا، فبين الله تعالى أن شفاعته لا تنفع كفار مكة ~~وإن كانوا أقرباء، كما لا تنفع شفاعة نوح لامرأته وشفاعة لوط لامرأته، مع ~~قربهما لهما لكفرهما. وقيل لهما: " ادخلا النار مع الداخلين " في الآخرة، ~~كما يقال لكفار مكة وغيرهم. ثم قيل: يجوز أن تكون " امرأة نوح " بدلا من ~~قوله: " مثلا " على تقدير حذف المضاف، أي ضرب الله مثلا مثل امرأة نوح. ~~ويجوز أن يكونا مفعولين. # قوله تعالى: وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت رب ابن لي ~~عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين 11 قوله ~~تعالى: (وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون) واسمها آسية بنت مزاحم. ~~قال يحيى بن سلام: قوله " ضرب الله مثلا للذين كفروا " مثل ضربه الله يحذر ~~به عائشة وحفصة في المخالفة حين تظاهرتا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~ثم ضرب لهما مثلا بامرأة فرعون ومريم ابنة عمران، ترغيبا في التمسك بالطاعة ~~والثبات على الدين. # PageV18P202 # وقيل: هذا حث للمؤمنين على الصبر في الشدة، ms6290 أي لا تكونوا في الصبر عند ~~الشدة أضعف من امرأة فرعون حين صبرت على أذى فرعون. وكانت آسية آمنت بموسى. ~~وقيل: # هي عمة موسى آمنت به. قال أبو العالية: اطلع فرعون على إيمان امرأته فخرج ~~على الملا فقال لهم: ما تعلمون من آسية بنت مزاحم؟ فأثنوا عليها. فقال لهم: ~~إنها تعبد ربا غيري. فقالوا له: أقتلها. فأوتد لها أوتادا وشد يديها ~~ورجليها فقالت: (رب ابن لي عندك بيتا في الجنة) ووافق ذلك حضور فرعون، ~~فضحكت حين رأت بيتها في الجنة. فقال فرعون: # ألا تعجبون من جنونها! إنا نعذبها وهي تضحك، فقبض روحها. وقال سلمان ~~الفارسي فيما روى عنه عثمان النهدي: كانت تعذب بالشمس، فإذا أذاها حر الشمس ~~أظلتها الملائكة بأجنحتها. وقيل: سمر يديها ورجليها في الشمس ووضع على ~~ظهرها رحى، فأطلعها الله. حتى رأت مكانها في الجنة. وقيل: لما قالت: " رب ~~ابن لي عندك بيتا في الجنة " أريت بيتها في الجنة يبنى. وقيل: إنه من درة، ~~عن الحسن. ولما قالت: (ونجني) نجاها الله أكرم نجاة فرفعها إلى الجنة، فهي ~~تأكل وتشرب وتتنعم. ومعنى (من فرعون وعمله تعني بالعمل الكفر. وقيل: من ~~عمله من عذابه وظلمه وشماتته. وقال ابن عباس: # الجماع. (ونجني من القوم الظالمين) قال الكلبي: أهل مصر. مقاتل: القبط. ~~قال الحسن وابن كيسان: نجاها الله أكرم نجاة، ورفعها إلى الجنة، فهي فيها ~~تأكل وتشرب. # قوله تعالى: ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا ~~وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين 12 قوله تعالى: (ومريم ابنة ~~عمران) أي واذكر مريم. وقيل: هو معطوف على امرأة فرعون. والمعنى: وضرب الله ~~مثلا لمريم ابنة عمران وصبرها على أذى اليهود. (التي أحصنت فرجها) أي عن ~~الفواحش. وقال المفسرون: إنه أراد بالفرج هنا الجيب لأنه قال: # " فنفخنا فيه من روحنا " وجبريل عليه السلام إنما نفخ في جيبها ولم ينفخ ~~في فرجها. وهي PageV18P203 # في قراءة أبي " فنفخنا في جيبها من روحنا ". وكل خرق في الثوب يسمى جيبا، ~~ومنه قوله تعالى: " وما لها ms6291 من فروج " (1) [ق: 6]. ويحتمل أن تكون أحصنت ~~فرجها ونفخ الروح في جيبها. # ومعنى " فنفخنا " أرسلنا جبريل فنفخ في جيبها " من روحنا " أي روحا من ~~أرواحنا وهي روح عيسى. وقد مضى في آخر سورة " النساء " بيانه مستوفى (2) ~~والحمد لله. (وصدقت بكلمات ربها) قراءة العامة " وصدقت " بالتشديد. وقرأ ~~حميد والأموي " وصدقت " بالتخفيف. " بكلمات ربها " قول جبريل لها: " إنما ~~أنا رسول ربك " [مريم: 19] الآية. (3) وقال مقاتل: # يعني بالكلمات عيسى وأنه نبي وعيسى كلمة الله. وقد تقدم. (4) وقرأ الحسن ~~وأبو العالية " بكلمة ربها وكتابه " وقرأ أبو عمرو وحفص عن عاصم " وكتبه " ~~جمعا. وعن أبي رجاء " وكتبه " مخفف التاء. والباقون " بكتابه " على ~~التوحيد. والكتاب يراد به الجنس، فيكون في معنى كل كتاب أنزل الله تعالى. ~~(وكانت من القانتين) أي من المطيعين. وقيل: من المصلين بين المغرب والعشاء. ~~وإنما لم يقل من القانتات، لأنه أراد وكانت من القوم القانتين. ويجوز أن ~~يرجع هذا إلى أهل بيتها، فإنهم كانوا مطيعين لله. وعن معاذ بن جبل رضي الله ~~عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لخديجة وهي تجود بنفسها: " أتكرهين ما ~~قد نزل بك ولقد جعل الله في الكره خيرا فإذا قدمت على ضراتك (5) فاقرئيهن ~~مني السلام مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم وكليمة (6) - أو قال حكيمة (7) ~~- بنت عمران أخت موسى بن عمران). فقالت: بالرفاء والبنين يا رسول الله. ~~وروى قتادة عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (حسبك من نساء ~~العالمين أربع مريم ابنة عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد وآسية ~~امرأة فرعون بنت مزاحم). وقد مضى في (آل عمران) الكلام في هذا مستوفى ~~والحمد لله. # PageV18P204 # سورة الملك مكية في قول الجميع. وتسمى الواقية والمنجية. وهي ثلاثون آية ~~روى الترمذي عن ابن عباس قال: ضرب رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم خباءه على قبر وهو لا يحسب أنه قبر، فإذا قبر إنسان يقرأ سورة " الملك ~~" حتى ختمها، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ضربت ~~خبائي ms6292 على قبر وأنا لا أحسب أنه قبر، فإذا قبر إنسان يقرأ سورة " الملك " ~~حتى ختمها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هي المانعة هي المنجية ~~تنجيه من عذاب القبر). قال: حديث حسن غريب. وعنه قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: (وددت أن " تبارك الذي بيده الملك " في قلب كل مؤمن) ذكره ~~الثعلبي. وعن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن سورة من ~~كتاب الله ما هي إلا ثلاثون آية شفعت لرجل حتى أخرجته من النار يوم القيامة ~~وأدخلته الجنة وهي سورة " تبارك "). خرجه الترمذي بمعناه، وقال فيه: # حديث حسن. وقال ابن مسعود: إذا وضع الميت في قبره فيؤتى من قبل رجليه، ~~فيقال: # ليس لكم عليه سبيل، فإنه كان يقوم بسورة " الملك " على قدميه. ثم يؤتى من ~~قبل رأسه، فيقول لسانه: ليس لكم عليه سبيل، إنه كان يقرأ بي سورة " الملك " ~~ثم قال: # هي المانعة من عذاب الله، وهي في التوراة سورة " الملك " من قرأها في ~~ليلة فقد أكثر وأطيب. وروي أن من قرأها كل ليلة لم يضره الفتان. # بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: تبرك الذي بيده الملك وهو على كل شئ ~~قدير 1 " تبارك " تفاعل من البركة وقد تقدم. (1) وقال الحسن: تقدس. وقيل ~~دام. فهو الدائم الذي لا أول لوجوده ولا آخر لدوامه. (الذي بيده الملك) أي ~~ملك السماوات # PageV18P205 # والأرض في الدنيا والآخرة. وقال ابن عباس: بيده الملك يعز من يشاء ويذل ~~من يشاء ويحيي ويميت، ويغني ويفقر، ويعطي ويمنع. وقال محمد بن إسحاق: له ~~ملك النبوة التي أعز بها من اتبعه وذل بها من خالفه. (وهو على كل شئ قدير) ~~من إنعام وانتقام. # قوله تعالى: الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز ~~الغفور 2 فيه مسألتان: # الأولى - قوله تعالى: (الذي خلق الموت والحياة) قيل: المعنى خلقكم للموت ~~والحياة، يعني للموت في الدنيا والحياة في الآخرة وقدم الموت على الحياة، ~~لان الموت إلى القهر أقرب، كما قدم البنات على البنين ms6293 فقال: " يهب لمن يشاء ~~(1) إناثا " [الشورى: 49]. وقيل: قدمه لأنه أقدم، لان الأشياء في الابتداء ~~كانت في حكم الموت كالنطفة والتراب ونحوه. وقال قتادة: كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: (إن الله تعالى أذل بني آدم بالموت وجعل الدنيا دار ~~حياة ثم دار موت وجعل الآخرة دار جزاء ثم دار بقاء). وعن أبي الدرداء أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لولا ثلاث ما طأطأ ابن آدم رأسه الفقر ~~والمرض والموت وإنه مع ذلك لو ثاب). # المسألة الثانية: " الموت والحياة " قدم الموت على الحياة، لان أقوى ~~الناس داعيا إلى العمل من نصب موته بين عينيه، فقدم لأنه فيما يرجع إلى ~~الغرض المسوق له الآية أهم (2) قال العلماء: الموت ليس بعدم محض ولا فناء ~~صرف، وإنما هو انقطاع تعلق الروح بالبدن ومفارقته، وحيلولة بينهما، وتبدل ~~حال وانتقال من دار إلى دار. والحياة عكس ذلك. # وحكي عن ابن عباس والكلبي ومقاتل: أن الموت والحياة جسمان، فجعل الموت في ~~هيئة كبش لا يمر بشئ ولا يجد ريحه إلا مات، وخلق الحياة على صورة فرس أنثى ~~بلقاء - وهي التي كان جبريل والأنبياء عليهم السلام يركبونها - خطوتها مد ~~البصر، فوق الحمار ودون البغل، # PageV18P206 # لا تمر بشئ يجد ريحها إلا حيي، ولا تطأ على شئ إلا حيي. وهي التي أخذ ~~السامري من أثرها فألقاه على العجل فحيي. (1) حكاه الثعلبي والقشيري عن ابن ~~عباس. والماوردي معناه عن مقاتل والكلبي. # قلت: وفي التنزيل " قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل (2) بكم "، [السجدة: ~~11]، " ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة " (3) [الأنفال: 50] ثم " ~~توفته رسلنا " (4) [الانعام: 61]، ثم قال: " الله يتوفى الأنفس حين موتها " ~~(5) [الزمر: 42]. # فالوسائط ملائكة مكرمون صلوات الله عليهم. وهو سبحانه المميت على ا ~~لحقيقة، وإنما يمثل الموت بالكبش في الآخرة ويذبح على الصراط، حسب ما ورد ~~به الخبر الصحيح. وما ذكر عن ابن عباس يحتاج إلى خبر صحيح يقطع العذر. ~~والله أعلم. وعن مقاتل أيضا: خلق الموت، يعني النطفة والعلقة والمضغة، وخلق ~~الحياة، يعني خلق إنسانا ونفخ فيه ms6294 الروح فصار إنسانا. # قلت: وهذا قول حسن، يدل عليه قوله تعالى " ليبلوكم أيكم أحسن عملا " ~~وتقدم الكلام فيه في سورة " الكهف ". (6) وقال السدي في قوله تعالى: " الذي ~~خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا " أي أكثر كم للموت ذكرا وأحسن ~~استعدادا، ومنه أشد خوفا وحذرا. # وقال ابن عمر: تلا النبي صلى الله عليه وسلم " تبارك الذي بيده الملك - ~~حتى بلغ - أيكم أحسن عملا " فقال: (أورع عن محارم الله وأسرع في طاعة ~~الله). وقيل: معنى " ليبلوكم " ليعاملكم معا ملة المختبر، أي ليبلو العبد ~~بموت من يعز عليه ليبين صبره، وبالحياة ليبين شكره. # وقيل: خلق الله الموت للبعث والجزاء، وخلق الحياة للابتلاء. فاللام في " ~~ليبلوكم " تتعلق بخلق الحياة لا بخلق الموت، ذكره الزجاج. وقال الفراء ~~والزجاج أيضا: لم تقع البلوى على " أي " لان فيما بين البلوى و " أي " ~~إضمار فعل، كما تقول: بلوتكم لأنظر أيكم أطوع. # ومثله قوله تعالى: " سلهم أيهم بذلك زعيم " (7) [القلم: 40] أي سلهم ثم ~~انظر أيهم. ف‍ " أيكم " رفع بالابتداء و " أحسن " خبره. والمعنى: ليبلوكم ~~فيعلم أو فينظر أيكم أحسن عملا. # (وهو العزيز) في انتقامه ممن عصاه. (الغفور) لمن تاب. # PageV18P207 # قوله تعالى: الذي خلق سبع سماوات طباقا ما ترى في فخلق الرحمن من تفوت ~~فارجع البصر هل ترى من فطور 3 قوله تعالى: (الذي خلق سبع سماوات طباقا) أي ~~بعضها فوق بعض. والملتزق منها أطرافها، كذا روي عن ابن عباس. و " طباقا " ~~نعت ل‍ " سبع " فهو وصف بالمصدر. # وقيل: مصدر بمعنى المطابقة، أي خلق سبع سماوات وطبقها تطبيقا أو مطابقة. ~~أو على طوبقت طباقا. وقال سيبويه: نصب " طباقا " لأنه مفعول ثان. # قلت: فيكون " خلق " بمعنى جعل وصير. وطباق جمع طبق، مثل جمل وجمال. وقيل: # جمع طبقة. وقال أبان بن تغلب: سمعت بعض الاعراب يذم رجلا فقال: شره طباق، ~~وخيره غير باق. ويجوز في غير القرآن سبع سماوات طباق، بالخفض على النعت ~~لسماوات. ونظيره " وسبع سنبلات خضر " (1) [يوسف: 46]. (ما ترى في خلق ~~الرحمن من تفاوت) قراءة حمزة والكسائي " من تفوت ms6295 " بغير ألف مشددة. وهي ~~قراءة ابن مسعود وأصحابه. الباقون " من تفاوت " بألف. وهما لغتان مثل ~~التعاهد والتعهد، والتحمل والتحامل، والتظهر والتظاهر، وتصاغر وتصغر، ~~وتضاعف وتضعف، وتباعد وتبعد، كله بمعنى. وأختار أبو عبيد " من تفوت " واحتج ~~بحديث عبد الرحمن بن أبي بكر: " أمثلي يتفوت عليه في بناته "! (2) النحاس: ~~وهذا أمر مردود على أبي عبيد، لان يتفوت يفتات: بهم " وتفاوت " في الآية ~~أشبه. كما يقال تباين يقال: تفاوت الامر إذا تباين وتباعد أي فات بعضها ~~بعضا. ألا ترى أن قبله قوله تعالى: " الذي خلق سبع سماوات طباقا ". ~~والمعنى: ما ترى في خلق الرحمن من اعوجاج ولا تناقض ولا تباين - بل هي ~~مستقيمة مستوية دالة على خالقها - وإن اختلفت صوره وصفاته. وقيل: المراد ~~بذلك السماوات خاصة، أي ما ترى في خلق السماوات من عيب. وأصله من الفوت، ~~وهو أن يفوت شئ شيئا فيقع الخلل لقلة استوائها، # PageV18P208 # يدل عليه قول ابن عباس رضي الله عنه: من تفرق. وقال أبو عبيدة: يقال: ~~تفوت الشئ أي فات. ثم أمر بأن ينظروا في خلقه ليعتبروا به فيتفكروا في ~~قدرته: فقال: (فارجع البصر هل ترى من فطور) أي أردد طرفك إلى السماء. ~~ويقال: قلب البصر في السماء. ويقال: # اجهد بالنظر إلى السماء. والمعنى متقارب. وإنما قال: " فأرجع بالفاء وليس ~~قبله فعل مذكور، لأنه قال: " ما ترى ". والمعنى أنظر ثم أرجع البصر هل ترى ~~من فطور، قاله قتادة. والفطور: الشقوق، عن مجاهد والضحاك. وقال قتادة: من ~~خلل. السدي: # من خروق. ابن عباس: من وهن. وأصله من التفطر والانفطار وهو الانشقاق. # قال الشاعر: # بنى لكم بلا عمد سماء * وزينها فما فيها فطور وقال آخر: # شققت القلب ثم ذررت فيه * هواك فليم فالتأم الفطور تغلغل حيث لم يبلغ ~~شراب * ولا سكر ولم يبلغ سرور قوله تعالى: ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك ~~البصر خاسئا وهو حسير 4 قوله تعالى: (ثم ارجع البصر كرتين) " كرتين " في ~~موضع المصدر، لان معناه رجعتين، أي مرة بعد أخرى. وإنما أمر بالنظر مرتين ~~لان الانسان إذا ms6296 نظر في الشئ مرة لا يرى عيبه ما لم ينظر إليه مرة أخرى. ~~فأخبر تعالى أنه وإن نظر في السماء مرتين لا يرى فيها عيبا بل يتحير بالنظر ~~إليها، فذلك قوله تعالى: " ينقلب إليك البصر خاسئا " أي خاشعا صاغرا ~~متباعدا عن أن يرى شيئا من ذلك. يقال: خسأت الكلب أي أبعدته وطردته. وخسأ ~~الكلب بنفسه، يتعدى ولا يتعدى. وانخسأ الكلب أيضا. وخسأ بصره خسأ وخسوءا أي ~~سدر، (1) ومنه قوله تعالى: " ينقلب إليك البصر خاسئا ". وقال ابن عباس: # PageV18P209 # الخاسئ الذي لم ير ما يهوى. (وهو حسير) أي قد بلغ الغاية في الاعياء. فهو ~~بمعنى فاعل، من الحسور الذي هو الاعياء. ويجوز أن يكون مفعولا من حسره بعد ~~الشئ، وهو معنى قول ابن عباس. ومنه قول الشاعر: # من مد طرفا إلى ما فوق غايته * ارتد خسان منه الطرف قد حسرا يقال: قد حسر ~~بصره يحسر حسورا، أي كل وانقطع نظره من طول مدى وما أشبه ذلك، فهو حسير ~~ومحسور أيضا. قال: # نظرت إليها بالمحصب من منى * فعاد إلي الطرف وهو حسير وقال آخر يصف ناقة: # * فشطرها نظر العينين محسور (1) * نصب " شطرها " على الظرف، أي نحوها. ~~وقال آخر: # والخيل شعث ما تزال جيادها * حسرى تغادر بالطريق سخالها وقيل: إنه ~~النادم. ومنه قول الشاعر: # ما أنا اليوم على شئ خلا * يا بنة القين تولى بحسر المراد ب‍ " كرتين " ~~ها هنا التكثير. والدليل على ذلك: " ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير " ~~وذلك دليل على كثرة النظر. # قوله تعالى: (ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين ~~وأعتدنا لهم عذاب السعير 5 وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس المصير 6 ~~قوله تعالى: (ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح) جمع مصباح وهو السراج. ~~وتسمى الكواكب مصابيح لاضاءتها. (وجعلناها رجوما) أي جعلنا شهبها، فحذف ~~المضاف. # PageV18P210 # دليله " إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب " (1) [الصافات: 10]. وعلى ~~هذا فالمصابيح لا تزول ولا يرجم بها. وقيل: إن الضمير راجع إلى المصابيح ~~على أن الرجم من أنفس الكواكب، ولا يسقط الكوكب نفسه إنما ms6297 ينفصل منه شئ ~~يرجم به من غير أن ينقص ضوءه ولا صورته. # قاله أبو علي جوابا لمن قال: كيف تكون زينة وهي رجوم لا تبقى. قال ~~المهدوي: وهذا على أن يكون الاستراق من موضع الكواكب. والتقدير الأول على ~~أن يكون الاستراق من الهوى الذي هو دون موضع الكواكب. القشيري: وأمثل من ~~قول أبي علي أن نقول: # هي زينة قبل أن يرجم بها الشياطين. والرجوم جمع رجم، وهو مصدر سمي به ما ~~يرجم به. # قال قتادة: خلق الله تعالى النجوم لثلاث: زينة للسماء، ورجوما للشياطين، ~~وعلامات يهتدى بها في البر والبحر والأوقات. فمن تأول فيها غير ذلك فقد ~~تكلف ما لا علم له به، وتعدى وظلم. وقال محمد بن كعب: والله ما لاحد من أهل ~~الأرض في السماء نجم، ولكنهم يتخذون الكهانة سبيلا (2) ويتخذون النجوم علة. ~~(وأعتدنا لهم عذاب السعير) أي أعتدنا للشياطين أشد الحريق، يقال: سعرت ~~النار فهي مسعورة وسعير، مثل مقتولة وقتيل. # (وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس المصير). # قوله تعالى: إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا وهي تفور 7 قوله تعالى: (إذا ~~ألقوا فيها) يعني الكفار. (سمعوا لها شهيقا) أي صوتا. # قال ابن عباس: الشهيق لجهنم عند إلقاء الكفار فيها، تشهق إليهم شهقة ~~البغلة للشعير، ثم تزفر زفرة لا يبقى أحد إلا خاف. وقيل: الشهيق من الكفار ~~عند إلقائهم في النار قاله عطاء. والشهيق في الصدر، والزفير في الحلق. وقد ~~مضى في سورة " هود ". (3) (وهي تفور) أي تغلي، ومنه قول حسان: # تركتم قدركم لا شئ فيها * وقدر القوم حامية تفور # PageV18P211 # قال مجاهد: تفور بهم كما يفور الحب القليل في الماء الكثير. وقال ابن ~~عباس: تغلي بهم على المرجل، وهذا من شدة لهب النار من شدة الغضب، كما تقول ~~فلان يفور غيظا. # قوله تعالى: تكاد تميز من الغيظ كلما ألقى فيها فوج سألهم خزنتها ألم ~~يأتكم نذير (8) قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شئ إن ~~أنتم إلا في ضلل كبير (9) وقالوا لو كنا نسمع ms6298 أو نعقل ما كنا في أصحاب ~~السعير (10) فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير (11) قوله تعالى: (تكاد ~~تميز من الغيظ) يعني تتقطع وينفصل بعضها من بعض، قاله سعيد ابن جبير. وقال ~~ابن عباس والضحاك وابن زيد: تتفرق. " من الغيظ " من شدة الغيظ على أعداء ~~الله تعالى. وقيل: " من الغيظ " من الغليان. وأصل " تميز " تتميز. (كلما ~~ألقى فيها فوج) أي جماعة من الكفار. (سألهم خزنتها) على جهة التوبيخ ~~والتقريع (ألم يأتكم نذير) أي رسول في الدنيا ينذركم هذا اليوم حتى تحذروا. ~~(قالوا بلى قد جاءنا نذير) أنذرنا وخوفنا. (فكذبنا وقلنا ما نزل الله من ~~شئ) أي على ألسنتكم. (إن أنتم) يا معشر الرسل. # (إلا في ضلال كبير) اعترفوا بتكذيب الرسل، ثم اعترفوا بجهلهم فقالوا وهم ~~في النار: (لو كنا نسمع) من النذر - يعنى الرسل - ما جاءوا به (أو نقعل) ~~عنهم. قال ابن عباس: لو كنا نسمع الهدى أو نعقله، أو لو كنا نسمع سماع من ~~يعي ويفكر، أو نعقل عقل من يميز وينظر. # ودل هذا على أن الكافر لم يعط من العقل شيئا. وقد مضى في " الطور " (1) ~~بيانه والحمد لله. # (ما كنا في أصحاب السعير) يعني ما كنا من أهل النار. وعن أبي سعيد الخدري ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لقد ندم الفاجر يوم القيامة ~~قالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا # PageV18P212 # في أصحاب السعير فقال الله تعالى فاعترفوا بذنبهم " أي بتكذيبهم الرسل. ~~والذنب ها هنا بمعنى الجمع، لان فيه معنى الفعل. يقال: خرج عطاء الناس أي ~~أعطيتهم. (فسحقا لأصحاب السعير) أي فبعدا لهم من رحمة الله. وقال سعيد بن ~~جبير وأبو صالح: هو واد في جهنم يقال له السحق. وقرأ الكسائي وأبو جعفر " ~~فسحقا " بضم الحاء، ورويت عن علي. الباقون بإسكانها، وهما لغتان مثل السحت ~~والرعب. الزجاج: وهو منصوب على المصدر، أي أسحقهم الله سحقا، أي باعدهم ~~بعدا. قال أمرؤ القيس: # يجول بأطراف البلاد مغربا * وتسحقه ريح الصبا كل مسحق وقال أبو علي: ~~القياس إسحاقا، فجاء المصدر ms6299 على الحذف، كما قيل: # * وإن أهلك فذلك كان قدري * أي تقديري. وقيل: إن قوله تعالى: " إن أنتم ~~إلا في ضلال كبير " من قول خزنة جهنم لأهلها. # قوله تعالى: إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير 12 قوله ~~تعالى: (إن الذين يخشون ربهم بالغيب) نظيره: " من خشي الرحمن بالغيب " [ق: ~~33] وقد مضى الكلام (1) فيه. أي يخافون الله ويخافون عذابه الذي هو بالغيب، ~~وهو عذاب يوم القيامة. (لهم مغفرة) لذنوبهم (وأجر كبير) وهو الجنة. # قوله تعالى: وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور 13 ألا يعلم ~~من خلق وهو اللطيف الخبير 14 قوله تعالى: (وأسروا قولكم أو اجهروا به) ~~اللفظ لفظ الامر والمراد به الخبر، يعني إن أخفيتم كلامكم في أمر محمد صلى ~~الله عليه وسلم أو جهرتم به ف‍ " إنه عليم بذات الصدور " # PageV18P213 # يعني بما في القلوب من الخير والشر. ابن عباس: نزلت في المشركين كانوا ~~ينالون من النبي صلى الله عليه وسلم فيخبره جبريل عليه السلام، فقال بعضهم ~~لبعض: أسروا قولكم كي لا يسمع رب محمد، فنزلت: " وأسروا قولكم أو اجهروا به ~~". يعني: أسروا قولكم في أمر محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل في سائر ~~الأقوال. أو اجهروا به، أعلنوه. (إنه عليم بذات الصدور) ذات الصدور ما ~~فيها، كما يسمى ولد المرأة وهو جنين " ذا بطنها ". ثم قال: # (ألا يعلم من خلق) يعني ألا يعلم السر من خلق السر. يقول أنا خلقت السر ~~في القلب أفلا أكون عالما بما في قلوب العباد. وقال أهل المعاني: إن شئت ~~جعلت " من " اسما للخالق جل وعز، ويكون المعنى: ألا يعلم الخالق خلقه. وإن ~~شئت جعلته اسما للمخلوق، والمعنى: ألا يعلم الله من خلق. ولا بد أن يكون ~~الخالق عالما بما خلقه وما يخلقه. قال ابن المسيب: بينما رجل واقف بالليل ~~في شجر كثير وقد عصفت الريح فوقع في نفس الرجل: # أترى الله يعلم ما يسقط من هذا الورق؟ فنودي من جانب الغيضة (1) بصوت ~~عظيم: ألا يعلم من خلق وهو ms6300 اللطيف الخبير. وقال الأستاذ أبو إسحاق ~~الأسفرايني: من أسماء صفات الذات ما هو للعلم، منها " العليم " ومعناه ~~تعميم جميع المعلومات. ومنها " الخبير " ويختص بأن يعلم ما يكون قبل أن ~~يكون. ومنها " الحكيم " ويختص بأن يعلم دقائق الأوصاف. # ومنها " الشهيد " ويختص بأن يعلم الغائب والحاضر ومعناه ألا يغيب عنه شئ. ~~ومنها " الحافظ " ويختص بأنه لا ينسى. ومنها " المحصي " ويختص بأنه لا ~~تشغله الكثرة عن العلم، مثل ضوء النور واشتداد الريح وتساقط الأوراق، فيعلم ~~عند ذلك أجزاء الحركات في كل ورقة. وكيف لا يعلم وهو الذي يخلق! وقد قال: " ~~ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ". # قوله تعالى: هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من ~~رزقه وإليه النشور 15 قوله تعالى: (هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا) أي سهلة ~~تستقرون عليها. والذلول المنقاد الذي يذل لك والمصدر الذل وهو اللين ~~والانقياد. أي لم يجعل الأرض بحيث يمتنع # PageV18P214 # المشي فيها بالحزونة والغلظة. وقيل: أي ثبتها بالجبال لئلا تزول بأهلها، ~~ولو كانت تتكفأ متمائلة لما كانت منقادة لنا. وقيل: أشار إلى التمكن من ~~الزرع والغرس وشق العيون والأنهار وحفر الآبار. (فامشوا في مناكبها) هو أمر ~~إباحة، وفيه إظهار الامتنان. وقيل: هو خبر بلفظ الامر، أي لكي تمشوا في ~~أطرافها ونواحيها وآكامها وجبالها. وقال ابن عباس وقتادة وبشير بن كعب: " ~~في مناكبها " في جبالها. وروي أن بشير بن كعب كانت له سرية فقال لها: إن ~~أخبرتني ما مناكب الأرض فأنت حرة؟ فقالت: مناكبها جبالها. فصارت حرة، فأراد ~~أن يتزوجها فسأل أبا الدرداء فقال: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك. مجاهد: # في أطرافها. وعنه أيضا: في طرقها وفجاجها. وقاله السدي والحسن. وقال ~~الكلبي: # في جوانبها. ومنكبا الرجل: جانباه. وأصل المنكب الجانب، ومنه منكب الرجل. ~~والريح النكباء. وتنكب فلان عن فلان. يقول: امشوا حيث أردتم فقد جعلتها لكم ~~ذلولا لا تمتنع. # وحكى قتادة عن أبي الجلد: أن الأرض أربعة وعشرون ألف فرسخ، فللسودان اثنا ~~عشر ألفا، وللروم ثمانية آلاف، وللفرس ثلاثة آلاف، ms6301 وللعرب ألف. (وكلوا من ~~رزقه) أي مما أحله لكم، قاله الحسن. وقيل: مما أتيته لكم. (وإليه النشور) ~~المرجع. وقيل: # معناه أن الذي خلق السماء لا تفاوت فيها، والأرض ذلولا قادر على أن ~~ينشركم. # قوله تعالى: أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور 16 قال ~~ابن عباس: أأمنتم عذاب من في السماء إن عصيتموه. وقيل: تقديره أأمنتم من في ~~السماء قدرته وسلطانه وعرشه ومملكته. وخص السماء وإن عم ملكه تنبيها على أن ~~الاله الذي تنفذ قدرته في السماء لا من يعظمونه في الأرض. وقيل: هو إشارة ~~إلى الملائكة. # وقيل: إلى جبريل وهو الملك الموكل بالعذاب. (1) # PageV18P215 # قلت: ويحتمل أن يكون المعنى: أأمنتم خالق من في السماء أن يخسف بكم الأرض ~~كما خسفها بقارون. (فإذا هي تمور) أي تذهب وتجئ. والمور: الاضطراب بالذهاب ~~والمجئ. قال الشاعر: # رمين فأقصدن القلوب ولن ترى * دما مائرا إلا جرى في الحيازم جمع حيزوم ~~وهو وسط الصدر. وإذا خسف بإنسان دارت به الأرض فهو المور. وقال المحققون: ~~أمنتم من فوق السماء، كقوله: " فسيحوا في الأرض " (1) [التوبة: 2] أي فوقها ~~لا بالمماسة والتحيز لكن بالقهر والتدبير. وقيل: معناه أمنتم من على ~~السماء، كقوله تعالى: " ولأصلبنكم في جذوع النخل " (2) [طه: 71] أي عليها. ~~ومعناه أنه مديرها ومالكها، كما يقال: فلان على العراق والحجاز، أي وإليها ~~وأميرها. والاخبار في هذا الباب كثيرة صحيحة منتشرة، مشيرة إلى العلو، لا ~~يدفعها إلا ملحد أو جاهل معاند. والمراد بها توقيره وتنزيهه عن السفل ~~والتحت. ووصفه بالعلو والعظمة لا بالأماكن والجهات والحدود لأنها صفات ~~الأجسام. وإنما ترفع الأيدي بالدعاء إلى السماء لان السماء مهبط الوحي، ~~ومنزل القطر، ومحل القدس، ومعدن المطهرين من الملائكة، وإليها ترفع أعمال ~~العباد، وفوقها عرشه وجنته، كما جعل الله الكعبة قبلة للدعاء والصلاة، ~~ولأنه خلق الأمكنة وهو غير محتاج إليها، وكان في أزله قبل خلق المكان ~~والزمان. ولا مكان له ولا زمان. وهو الآن على ما عليه كان. وقرأ قنبل عن ~~ابن كثير " النشور وامنتم " بقلب الهمزة الأولى واوا ms6302 وتخفيف الثانية. وقرأ ~~الكوفيون والبصريون وأهل الشام سوى أبي عمرو وهشام بالتخفيف في الهمزتين، ~~وخفف الباقون. # وقد تقدم جميعه. # قوله تعالى: أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف ~~نذير 17 # PageV18P216 # قوله تعالى: (أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا) أي حجارة من ~~السماء كما أرسلها على قوم لوط وأصحاب الفيل. وقيل: ريح فيها حجارة وحصباء. ~~وقيل: # سحاب فيه حجارة. (فستعلمون كيف نذير) أي إنذاري. وقيل: النذير بمعنى ~~المنذر. # يعني محمدا صلى الله عليه وسلم فستعلمون صدقه وعاقبة تكذيبكم. # قوله تعالى: ولقد كذب الذين من قبلهم فكيف كان نكير 18 قوله تعالى: (ولقد ~~كذب الذين من قبلهم) يعني كفار الأمم، كقوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وأصحاب ~~مدين وأصحاب الرس وقوم فرعون. (فكيف كان نكير) أي إنكاري وقد تقدم. (1) ~~وأثبت ورش الياء في " نذيري، ونكيري " في الوصل. وأثبتها يعقوب في الحالين. ~~وحذف الباقون اتباعا للمصحف. # قوله تعالى: أو لم يروا إلى الطير فوقهم صفت ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن ~~إنه بكل شئ بصير 19 قوله تعالى: " أو لم يروا إلى الطير فوقهم صافات " أي ~~كما ذلل الأرض للآدمي ذلل الهواء للطيور. و " صافات " أي باسطات أجنحتهن في ~~الجو عند طيرانها، لأنهن إذا بسطنها صففن قوائمها صفا. " ويقبضن " أي يضربن ~~بها جنوبهن. قال أبو جعفر النحاس: # يقال للطائر إذا بسط جناحيه: صاف، وإذا ضمهما فأصابا جنبه: قابض، لأنه ~~يقبضهما. # قال أبو خراش: # يبادر جنح الليل فهو موائل (2) * يحث الجناح بالتبسط والقبض # PageV18P217 # وقيل: ويقبض أجنحتهن بعد بسطها إذا وقفن من الطيران. وهو معطوف على " ~~صافات " عطف المضارع على أسم الفاعل، كما عطف أسم الفاعل على المضارع في ~~قول الشاعر: # بات يعشيها بعضب باتر * يقصد في أسوقها وجائر (1) " ما يمسكهن " أي ما ~~يمسك الطير في الجو وهي تطير إلا الله عز وجل. " إنه بكل شئ بصير ". # قوله تعالى: أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن إن الكافرون ~~إلا في غرور (20) قوله تعالى: (أمن هذا الذي ms6303 هو جند لكم) قال ابن عباس: حزب ~~ومنعة لكم. # (ينصركم من دون الرحمن) فيدفع عنكم ما أراد بكم إن عصيتموه. ولفظ الجند ~~يوحد، ولهذا قال: " هذا الذي هو جند لكم " وهو استفهام إنكار، أي لا جند ~~لكم يدفع عنكم عذاب الله " من دون الرحمن " أي من سوى الرحمن. (إن الكافرون ~~إلا في غرور) من الشياطين، تغرهم بأن لا عذاب ولا حساب. # قوله تعالى: أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه بل لجوا في عتو ونفور (21) ~~قوله تعالى: (أمن هذا الذي يرزقكم) أي يعطيكم منافع الدنيا. وقيل المطر من ~~آلهتكم. (إن أمسك) يعني الله تعالى رزقه. (بل لجوا) أي تمادوا وأصروا. (في ~~عتو) طغيان (ونفور) عن الحق. # PageV18P218 # قوله تعالى: أفمن يمشى مكبا على وجهه أهدى أمن يمشى سويا على صرط مستقيم ~~22 قوله تعالى: (أفمن يمشى مكبا على وجهه) ضرب الله مثلا للمؤمن والكافر ~~(1) " مكبا " أي منكسا رأسه لا ينظر أمامه ولا يمينه ولا شماله، فهو لا ~~يأمن من العثور والانكباب على وجهه. كمن يمشي سويا معتدلا ناظرا ما بين ~~يديه وعن يمينه وعن شماله. قال ابن عباس: # هذا في الدنيا، ويجوز أن يريد به الأعمى الذي لا يهتدي إلى الطريق ~~فيعتسف، (2) فلا يزال ينكب على وجهه. وأنه ليس كالرجل السوي الصحيح البصير ~~الماشي في الطريق المهتدى له. وقال قتادة: هو الكافر أكب على معاصي الله في ~~الدنيا فحشره الله يوم القيامة على وجهه. وقال ابن عباس والكلبي: عنى بالذي ~~يمشى مكبا على وجهه أبا جهل، وبالذي يمشي سويا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. وقيل أبو بكر. وقيل حمزة. وقيل عمار بن ياسر، قاله عكرمة. وقيل: هو ~~عام في الكافر والمؤمن، أي أن الكافر لا يدري أعلى حق هو أم على باطل. أي ~~أهذا الكافر أهدى أو المسلم الذي يمشي سويا معتدلا يبصر للطريق وهو " على ~~صراط مستقيم " وهو الاسلام. ويقال: أكب الرجل على وجهه، فيما لا يتعدى ~~بالألف. فإذا تعدى قيل: كبه الله لوجهه، بغير ألف. # قوله تعالى: قول ms6304 هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصر والأفئدة قليلا ~~ما تشكرون 23 قوله تعالى: (قل هو الذي أنشأكم) أمر نبيه أن يعرفهم قبح ~~شركهم مع اعترافهم بأن الله خلقهم. (وجعل لكم السمع والابصار والأفئدة) ~~يعني القلوب (قليلا ما تشكرون) أي لا تشكرون هذه النعم، ولا توحدون الله ~~تعالى. تقول: قلما أفعل كذا، أي لا أفعله. # قوله تعالى: قل هو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون 24 ويقولون متى هذا ~~الوعد إن كنتم صادقين 25 # PageV18P219 # قوله تعالى: (قل هو الذي ذرأكم في الأرض) أي خلقكم في الأرض، قاله ابن ~~عباس. وقيل: نشركم فيها وفرقكم على ظهرها، قاله ابن شجرة. (وإليه تحشرون) ~~حتى يجازي كلا بعمله. (ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين) أي متى يوم ~~القيامة! # ومتى هذا العذاب الذي تعدوننا به وهذا استهزاء منهم. وقد تقدم. (1) قوله ~~تعالى: قل إنما العلم عند الله وإنما أنا نذير مبين 26 قوله تعالى: (قل ~~إنما العلم عند الله) أي قل لهم يا محمد علم وقت قيام الساعة عند الله فلا ~~يعلمه غيره. نظيره: " قل إنما علمها عند ربي " [الأعراف: 187] الآية. (2) ~~(وإنما أنا نذير مبين) أي مخوف و معلم لكم. # قوله تعالى: فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا وقيل هذا الذي كنتم به ~~تدعون 27 قوله تعالى: (فلما رأوه زلفة) مصدر بمعنى مزدلفا أي قريبا، قاله ~~مجاهد. # الحسن عيانا. وأكثر المفسرين على أن المعنى: فلما رأوه يعني العذاب، وهو ~~عذاب الآخرة. # وقال مجاهد: يعني عذاب بدر. وقيل: أي رأوا ما وعدوا من الحشر قريبا منهم. ~~ودل عليه " تحشرون ". وقال ابن عباس: لما رأوا عملهم السيئ قريبا. (سيئت ~~وجوه الذين كفروا) أي فعل بها السوء. وقال الزجاج: تبين فيها السوء أي ~~ساءهم ذلك العذاب وظهر على وجوههم سمة تدل على كفرهم، كقوله تعالى: " يوم ~~تبيض وجوه وتسود وجوه " (3) [آل عمران: 106]. # وقرأ نافع وابن محيصن وابن عامر والكسائي " سئت " بإشمام الضم. وكسر ~~الباقون بغير إشمام طلبا للخفة. ومن ضم لاحظ الأصل. (وقيل هذا الذي كنتم ms6305 به ~~تدعون) قال الفراء: " تدعون " تفتعلون من الدعاء وهو قول أكثر العلماء أي ~~تتمنون وتسألون. # PageV18P220 # وقال ابن عباس: تكذبون، وتأويله: هذا الذي كنتم من أجله تدعون الأباطيل ~~والأحاديث، قاله الزجاج. وقراءة العامة " تدعون " بالتشديد، وتأويله ما ~~ذكرناه. وقرأ قتادة وابن أبي إسحاق والضحاك ويعقوب " تدعون " مخففة. قال ~~قتادة: هو قولهم " ربنا عجل لنا قطنا (1) " [ص: 16]. وقال الضحاك: هو قولهم ~~" اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء " (2) ~~[الأنفال: 32] الآية. وقال أبو العباس: " تدعون " تستعجلون، يقال: # دعوت بكذا إذا طلبته، وادعيت افتعلت منه. النحاس: " تدعون وتدعون " بمعنى ~~واحد، كما يقال: قدر وأقتدر، وعدى واعتدى، إلا أن في " أفتعل " معنى شئ بعد ~~شئ، و " فعل " يقع على القليل والكثير. # قوله تعالى: قل أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي أو رحمنا فمن يجير ~~الكافرين من عذاب أليم 28 قوله تعالى: " قل أرأيتم إن أهلكني الله " أي (3) ~~قل لهم يا محمد - يريد مشركي مكة، وكانوا يتمنون موت محمد صلى الله عليه ~~وسلم، كما قال تعالى: " أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون " (4) [الطور: ~~30] - أرأيتم إن متنا أو رحمنا فأخرت آجالنا فمن يجيركم من عذاب الله، فلا ~~حاجة بكم إلى التربص بنا ولا إلى استعجال قيام الساعة. وأسكن الياء في " ~~أهلكني " ابن محيصن والمسيبي وشيبة والأعمش وحمزة. وفتحها الباقون. وكلهم ~~فتح الياء في " ومن معي " إلا أهل الكوفة فإنهم سكنوها. وفتحها حفص ~~كالجماعة. # قوله تعالى: قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا فستعلمون من هو في ضلل ~~مبين 29 قوله تعالى: " قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا فستعلمون " قرأ ~~الكسائي بالياء على الخبر، ورواه عن علي. الباقون بالتاء على الخطاب. وهو ~~تهديد لهم. ويقال: لم أخر مفعول # PageV18P221 # " آمنا " وقدم مفعول " توكلنا " فيقال: لوقوع " آمنا " تعريضا بالكافرين ~~حين ورد عقيب ذكرهم. كأنه قيل: آمنا ولم نكفر كما كفرتم. ثم قال " وعليه ~~توكلنا " خصوصا لم نتكل على ما أنتم متكلون عليه من رجالكم وأموالكم، قاله ~~الزمخشري. # قوله تعالى: قل أرأيتم إن ms6306 أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين 30 قوله ~~تعالى: (قل أرأيتم) يا معشر قريش (إن أصبح مأواكم غورا) أي غائرا ذاهبا في ~~الأرض لا تناله الدلاء. وكان ماؤهم من بئرين: بئر زمزم وبئر ميمون. (فمن ~~يأتيكم بماء معين) أي جار، قاله قتادة والضحاك. فلا بد لهم من أن يقولوا لا ~~يأتينا به إلا الله، فقل لهم لم تشركون به من لا يقدر على أن يأتيكم. يقال: ~~غار الماء يغور غورا، أي نضب. # والغور: الغائر، وصف بالمصدر للمبالغة، كما تقول: رجل عدل ورضا. وقد مضى ~~في سورة " الكهف " (1) ومضى القول في المعنى في سورة " المؤمنون " (2) ~~والحمد لله. وعن ابن عباس: # " بماء معين " أي ظاهر تراه العيون، فهو مفعول. وقيل: هو من معن الماء أي ~~كثر، فهو على هذا فعيل. وعن ابن عباس أيضا: أن المعنى فمن يأتيكم بماء عذب. ~~والله أعلم. (3) تفسير سورة " ن القلم " مكية في قول الحسن وعكرمة وعطاء ~~وجابر. وقال ابن عباس وقتادة: من أولها إلى قوله تعالى: " سنسمه على ~~الخرطوم " [القلم: 16] (4) مكي. ومن بعد ذلك إلى قوله تعالى: " أكبر لو ~~كانوا يعلمون " (5) [القلم: 33] مدني. ومن بعد ذلك إلى قوله: " يكتبون " ~~(6) [القلم: 47] مكي. ومن بعد ذلك إلى قوله تعالى: " من الصالحين " (7) ~~[القلم: 50] مدني، وما بقي مكي. قاله الماوردي # PageV18P222 # بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ن والقلم وما يسطرون 1 ما أنت بنعمة ~~ربك بمجنون 2 وإن لك لاجرا غير ممنون 3 قوله تعالى: " ن والقلم " أدغم ~~النون الثانية في هجائها في الواو أبو بكر والمفضل وهبيرة وورش وابن محيصن ~~وابن عامر والكسائي ويعقوب. والباقون بالاظهار. وقرأ عيسى ابن عمر بفتحها، ~~كأنه أضمر فعلا. وقرأ ابن عباس ونصر وابن أبي إسحاق بكسرها على إضمار حرف، ~~القسم. وقرأ هارون ومحمد بن السميقع بضمها على البناء. واختلف في تأويله، ~~فروى معاوية بن قرة عن أبيه يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~(ن لوح من نور). # وروى ثابت البناني أن " ن " الدواة. وقاله الحسن وقتادة. وروى الوليد بن ms6307 ~~مسلم قال: # حدثنا مالك بن أنس عن سمي مولى أبي بكر عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة ~~قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (أول ما خلق الله القلم ثم ~~خلق النون وهي الدواة وذلك قول تعالى: " ن والقلم " ثم قال له اكتب قال: ~~وما أكتب قال: ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة من عمل أو أجل أو رزق أو ~~أثر فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة - قال - ثم ختم فم القلم فلم ~~ينطق ولا ينطق إلى يوم القيامة. ثم خلق العقل فقال الجبار ما خلقت خلقا ~~أعجب إلي منك وعزتي وجلالي لأكملنك فيمن أحببت ولأنقصنك فيمن أبغضت) قال: ~~ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أكمل الناس عقلا أطوعهم لله وأعملهم ~~بطاعته). # وعن مجاهد قال: " ن " الحوت الذي تحت الأرض السابعة. قال: " والقلم " ~~الذي كتب به الذكر. وكذا قال مقاتل ومرة الهمداني وعطاء الخراساني والسدي ~~والكلبي: إن النون هو الحوت الذي عليه الأرضون. وروى أبو ظبيان عن ابن عباس ~~قال: أول ما خلق الله القلم فجرى بما هو كائن، ثم رفع بخار الماء فخلق منه ~~السماء، ثم خلق النون فبسط الأرض PageV18P223 # على ظهره، فمادت الأرض فأثبتت بالجبال، وإن الجبال لتفخر على الأرض. ثم ~~قرأ ابن عباس " ن والقلم الآية. وقال الكلبي ومقاتل: اسمه البهموت. (1) قال ~~الراجز: # مالي أراكم كلكم سكوتا * والله ربي خلق البهموتا وقال أبو اليقظان ~~والواقدي: ليوثا. وقال كعب: لوثوثا. وقال: بلهموثا. (2) وقال كعب: # إن إبليس تغلغل إلى الحوت الذي على ظهره الأرضون فوسوس في قلبه، وقال: ~~أتدري ما على ظهرك يا لوثوثا من الدواب والشجر والأرضين وغيرها، لو لفظتهم ~~ألقيتهم عن ظهرك أجمع، فهم ليوثا أن يفعل ذلك، فبعث الله إليه دابة فدخلت ~~منخره ووصلت إلى دماغه، فضج الحوت إلى الله عز وجل منها فأذن الله لها ~~فخرجت. قال كعب: فوالله إنه لينظر إليها وتنظر إليه إن هم بشئ من ذلك عادت ~~كما كانت. وقال الضحاك عن ابن ms6308 عباس: إن " ن " آخر حروف من حروف الرحمن. ~~قال: الر، وحم، ون، الرحمن تعالى متقطعة. # وقال ابن زيد هو قسم أقسم تعالى به. وقال ابن كيسان: هو فاتحة السورة. # وقيل: أسم السورة. وقال عطاء وأبو العالية: هو افتتاح اسمه نصير ونور ~~وناصر. # وقال محمد بن كعب: أقسم الله تعالى بنصره للمؤمنين، وهو حق. بيانه قوله ~~تعالى: " وكان حقا علينا نصر المؤمنين " (3) [الروم: 47] وقال جعفر الصادق: ~~هو نهر من أنهار الجنة يقال له نون. # وقيل: هو المعروف من حروف المعجم، لأنه لو كان غير ذلك لكان معربا، وهو ~~اختيار القشيري أبو نصر عبد الرحيم في تفسيره. قال: لان " ن " حرف لم يعرب، ~~فلو كان كلمة تامة أعرب كما أعرب القلم، فهو إذا حرف هجاء كما في سائر ~~مفاتيح السور. وعلى هذا قيل: هو أسم السورة، أي هذه السورة " ن ". ثم قال: ~~" والقلم " أقسم بالقلم لما فيه من البيان # PageV18P224 # كاللسان، وهو واقع على كل قلم مما يكتب به من في السماء ومن في الأرض، ~~ومنه قول أبي الفتح البستي: # إذا أقسم الابطال يوما بسيفهم * وعدوه مما يكسب المجد والكرم كفى قلم ~~الكتاب عزا ورفعة * مدى الدهر أن الله أقسم بالقلم وللشعراء في تفضيل القلم ~~على السيف أبيات كثيرة، ما ذكرناه أعلاها. وقال ابن عباس: # هذا قسم بالقلم الذي خلقه الله، فأمره فجرى بكتابة جميع ما هو كائن إلى ~~يوم القيامة. قال: # وهو قلم من نور طوله كما بين السماء والأرض. ويقال. خلق الله القلم ثم ~~نظر إليه فانشق نصفين، فقال: اجر، فقال: يا رب بم أجري؟ قال بما هو كائن ~~إلى يوم القيامة، فجرى على اللوح المحفوظ. وقال الوليد بن عبادة بن الصامت: ~~أوصاني أبي عند موته فقال: يا بني، اتق الله، وأعلم أنك لن تتقي ولن تبلغ ~~العلم حتى تؤمن بالله وحده، والقدر خيره وشره، سمعت النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقول: (إن أول ما خلق الله القلم فقال له أكتب فقال يا رب وما أكتب ~~فقال أكتب القدر فجرى القلم ms6309 في تلك الساعة بما كان وما هو كائن إلى الأبد) ~~وقال ابن عباس: أول ما خلق الله القلم فأمره أن يكتب ما هو كائن، فكتب فيما ~~كتب " تبت يدا أبي لهب " [المسد: 1]. وقال قتادة: القلم نعمة من الله تعالى ~~على عباده. قال غيره: فخلق الله القلم الأول فكتب ما يكون في الذكر ووضعه ~~عنده فوق عرشه، ثم خلق القلم الثاني ليكتب به في الأرض، على ما يأتي بيانه ~~في سورة " اقرأ باسم ربك " (1) [العلق: 1]. # قوله تعالى: (وما يسطرون) أي وما يكتبون. يريد الملائكة يكتبون أعمال بني ~~آدم، قاله ابن عباس: وقيل: وما يكتبون أي الناس ويتفاهمون به. وقال ابن ~~عباس: ومعنى " وما يسطرون " وما يعلمون. و " ما " موصولة أو مصدرية، أي ~~ومسطوراتهم أو وسطرهم، ويراد به كل من يسطر أو الحفظة، على الخلاف. (ما أنت ~~بنعمة ربك بمجنون) هذا جواب القسم وهو نفي، وكان المشركون يقولون للنبي صلى ~~الله عليه وسلم إنه مجنون، به شيطان. # PageV18P225 # وهو قولهم: " يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون (1) " [الحجر: 6] ~~فأنزل الله تعالى ردا عليهم وتكذيبا لقولهم " ما أنت بنعمة ربك بمجنون " أي ~~برحمة ربك. والنعمة ها هنا الرحمة. ويحتمل ثانيا - أن النعمة ها هنا قسم، ~~وتقديره: ما أنت ونعمة ربك بمجنون، لان الواو والباء من حروف القسم. وقيل ~~هو كما تقول: ما أنت بمجنون، والحمد لله. وقيل: معناه ما أنت بمجنون، ~~والنعمة لربك، كقولهم: سبحانك اللهم وبحمدك، أي والحمد لله. ومنه قول لبيد: # وأفردت في الدنيا بفقد عشيرتي * وفارقني جار بأربد نافع أي وهو أربد. (2) ~~وقال النابغة: # لم يحرموا حسن الغذاء وأمهم * طفحت عليك بناتق مذكار أي هو ناتق. والباء ~~في " بنعمة ربك " متعلقة " بمجنون " منفيا، كما يتعلق بغافل مثبتا. # كما في قولك: أنت بنعمة ربك غافل. ومحله النصب على الحال، كأنه قال: ما ~~أنت بمجنون منعما عليك بذلك. (وإن لك لاجرا) أي ثوابا على ما تحملت من ~~أثقال النبوة. (غير ممنون) أي غير مقطوع ولا منقوص، يقال: مننت الحبل إذا ~~قطعته. وحبل ms6310 منين إذا كان غير متين. # قال الشاعر: # * غبسا كواسب لا يمن طعامها (3) * أي لا يقطع. وقال مجاهد: " غير ممنون " ~~محسوب. الحسن: " غير ممنون " غير مكدر بالمن. الضحاك: أجرا بغير عمل. وقيل: ~~غير مقدر وهو التفضل، لان الجزاء مقدر والتفضل غير مقدر، ذكره الماوردي، ~~وهو معنى قول مجاهد. # PageV18P226 # قوله تعالى: وإنك لعلى خلق عظيم 4 فيه مسألتان: # الأولى: قوله تعالى: " وإنك لعلى خلق عظيم " قال ابن عباس ومجاهد على ~~خلق، على دين عظيم من الأديان، ليس دين أحب إلى الله تعالى ولا أرضى عنده ~~منه. وفي صحيح مسلم عن عائشة: أن خلقه كان القرآن. وقال علي رضي الله عنه ~~وعطية: هو أدب القرآن. # وقيل: هو رفقه بأمته وإكرامه إياهم. وقال قتادة: هو ما كان يأتمر به من ~~أمر الله وينتهي عنه مما نهى الله عنه. وقيل: أي إنك على طبع كريم. ~~الماوردي: وهو الظاهر. # وحقيقة الخلق في اللغة: هو ما يأخذ به الانسان نفسه من الأدب يسمى خلقا، ~~لأنه يصير كالخلقة فيه. وأما ما طبع عليه من الأدب فهو الخيم (بالكسر): ~~السجية والطبيعة، لا واحد له من لفظه. وخيم: اسم جبل. فيكون الخلق الطبع ~~المتكلف. والخيم الطبع الغريزي. # وقد أوضح الأعشى ذلك في شعره فقال: # وإذا ذو الفضول ضن على المولى * وعادت لخيمها الأخلاق أي رجعت الأخلاق ~~إلى طبائعها. # قلت: ما ذكرته عن عائشة في صحيح مسلم أصح الأقوال. وسئلت أيضا عن خلقه ~~عليه السلام، فقرأت " قد أفلح المؤمنون " (1) [المؤمنون: 1] إلى عشر آيات، ~~وقالت: ما كان أحد أحسن خلقا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما دعاه أحد ~~من الصحابة ولا من أهل بيته إلا قال لبيك، ولذلك قال الله تعالى " وإنك ~~لعلى خلق عظيم ". ولم يذكر خلق محمود إلا وكان للنبي صلى الله عليه وسلم ~~منه الحظ الأوفر. وقال الجنيد: سمي خلقه عظيما لأنه لم تكن له همة سوى الله ~~تعالى. وقيل سمي خلقه عظيما لاجتماع مكارم الأخلاق فيه، يدل عليه قوله عليه ~~السلام: (إن الله بعثني لأتمم مكارم ms6311 الأخلاق). وقيل: لأنه أمتثل تأديب الله ~~تعالى إياه بقوله تعالى: " خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين " (2) ~~[الأعراف: 199]. وقد روي عنه عليه السلام # PageV18P227 # أنه قال: (أدبني ربي تأديبا حسنا إذ قال: " خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض ~~عن الجاهلين " [الأعراف: 199] فلما قبلت ذلك منه قال: " إنك لعلى خلق عظيم ~~". # الثانية - روى الترمذي عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~(أتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن). قال ~~حديث حسن صحيح. # وعن أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما شئ أثقل في ميزان ~~المؤمن يوم القيامة من خلق حسن وإن الله تعالى ليبغض الفاحش البذئ). قال: ~~حديث حسن صحيح. # وعنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من شئ يوضع في ~~الميزان أثقل من حسن الخلق وإن صاحب حسن الخلق ليبلغ به درجة صاحب الصلاة ~~والصوم). قال: # حديث غريب من هذا الوجه. وعن أبي هريرة قال: سئل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ فقال: (تقوى الله وحسن الخلق). وسئل عن ~~أكثر ما يدخل الناس النار؟ فقال: (الفم والفرج) قال: هذا حديث صحيح غريب. ~~وعن عبد الله ابن المبارك أنه وصف حسن الخلق فقال: هو بسط الوجه، وبذل ~~المعروف، وكف الأذى. # وعن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن من أحبكم إلي ~~وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحسنكم أخلاقا - قال - وإن أبغضكم إلي ~~وأبعدكم مني مجلسا يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون). قالوا: ~~يا رسول الله، قد علمنا الثرثارون (1) والمتشدقون، فما المتفيهقون؟ قال: ~~(المتكبرون). قال: وفي الباب عن أبي هريرة وهذا حديث حسن غريب من هذا ~~الوجه. (2) قوله تعالى: فستبصر ويبصرون 5 بأيكم المفتون 6 إن ربك هو أعلم ~~بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين 7 # PageV18P228 # قوله تعالى: (فستبصر ويبصرون) قال ابن عباس: معناه فستعلم ويعلمون يوم ~~القيامة. وقيل: فسترى ويرون يوم القيامة حين يتبين الحق والباطل. (بأيكم ~~المفتون) الباء ms6312 زائدة، أي فستبصر ويبصرون أيكم المفتون. أي الذي فتن ~~بالجنون، كقوله تعالى: # " تنبت بالدهن " (1) [المؤمنون: 20] و " يشرب بها عباد الله " (2) ~~[الانسان: 6]. وهذا قول قتادة وأبي عبيد والأخفش. # وقال الراجز: # نحن بنو جعدة أصحاب الفلج * نضرب بالسيف ونرجو بالفرج (3) وقيل: الباء ~~ليست بزائدة، والمعنى: " بأيكم المفتون " أي الفتنة. وهو مصدر على وزن ~~المفعول، ويكون معناه الفتون، كما قالوا: ما لفلان مجلود ولا معقول، أي عقل ~~ولا جلادة. وقاله الحسن والضحاك وابن عباس. وقال الراعي: # حتى إذا لم يتركوا لعظامه * لحما ولا لفؤاده معقولا أي عقلا. وقيل في ~~الكلام تقدير حذف مضاف، والمعنى: بأيكم فتنة المفتون. وقال الفراء: الباء ~~بمعنى في، أي فستبصر ويبصرون في أي الفريقين المجنون، أبا لفرقة التي أنت ~~فيها من المؤمنين أم بالفرقة الأخرى. والمفتون: المجنون الذي فتنه الشيطان. ~~وقيل: # المفتون المعذب. من قول العرب: فتنت الذهب بالنار إذا حميته. ومنه قوله ~~تعالى: # " يوم هم على النار يفتنون " (4) [الذاريات: 13] أي يعذبون. # ومعظم السورة نزلت في الوليد بن المغيرة وأبي جهل. وقيل: المفتون هو ~~الشيطان، لأنه مفتون في دينه. وكانوا يقولون: إن به شيطانا، وعنوا بالمجنون ~~هذا، فقال الله تعالى: # فسيعلمون غدا بأيهم المجنون، أي الشيطان الذي يحصل من مسه الجنون واختلاط ~~العقل. # PageV18P229 # (إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله) أي إن الله هو العالم بمن حاد عن دينه. ~~(وهو أعلم بالمهتدين) أي الذين هم على الهدى فيجازي كلا غدا بعمله. # قوله تعالى: فلا تطع المكذبين 8 نهاه عن (1) ممايلة المشركين، وكانوا ~~يدعونه إلى أن يكف عنهم ليكفوا عنه، فبين الله تعالى أن مما يلتهم كفر. ~~وقال تعالى: " ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا " (2) ~~[الاسراء: 74]. وقيل: أي فلا تطع المكذبين فيما دعوك إليه من دينهم الخبيث. ~~نزلت في مشركي قريش حين دعوه إلى دين آبائه. # قوله تعالى: ودوا لو تدهن فيدهنون 9 قال ابن عباس وعطية والضحاك والسدي: ~~ودوا لو تكفر فيتمادون على كفرهم. وعن ابن عباس أيضا: ودوا لو ترخص لهم ~~فيرخصون لك. وقال ms6313 الفراء والكلبي: لو تلين فيلينون لك. والادهان: التليين ~~لمن لا ينبغي له التليين، قاله الفراء. وقال مجاهد: المعنى ودوا لو ركنت ~~إليهم وتركت الحق فيمالئونك. وقال الربيع بن أنس: ودوا لو تكذب فيكذبون. # وقال قتادة: ودوا لو تذهب عن هذا الامر فيذهبون معك. الحسن: ودوا لو ~~تصانعهم في دينك فيصانعونك في دينهم. وعنه أيضا: ودوا لو ترفض بعض أمرك ~~فيرفضون بعض أمرهم. زيد بن أسلم: لو تنافق وترائي فينافقون ويراؤون. وقيل: ~~ودوا لو تضعف فيضعفون، قاله أبو جعفر. وقيل: ودوا لو تداهن في دينك ~~فيداهنون في أديانهم، قاله القتبي. وعنه: طلبوا منه أن يعبد ألهتهم مدة ~~ويعبدوا إلهه مدة. فهذه اثنا عشر قولا. # ابن العربي: ذكر المفسرون فيها نحو عشرة أقوال كلها دعاوى على اللغة ~~والمعنى. أمثلها قولهم: ودوا لو تكذب فيكذبون، ودوا لو تكفر فيكفرون. # PageV18P230 # قلت: كلها إن شاء الله تعالى صحيحة على مقتضى اللغة والمعنى، فإن ~~الادهان: اللين والمصانعة. وقيل: مجاملة العدو ممايلته. وقيل: المقاربة في ~~الكلام والتليين في القول. # قال الشاعر: # لبعض الغشم أحزم في أمور * تنوبك من مداهنة العدة وقال المفضل: النفاق ~~وترك المناصحة. فهي على هذا الوجه مذمومة، وعلى الوجه الأول غير مذمومة، ~~وكل شئ منها لم يكن. قال المبرد: يقال أدهن في دينه وداهن في أمره، أي خان ~~فيه وأظهر خلاف ما يضمر. وقال قوم: داهنت بمعنى واريت، وأدهنت بمعنى غششت، ~~قاله الجوهري. وقال: " فيدهنون " فساقه على العطف، ولو جاء به جواب النهي ~~لقال فيدهنوا. وإنما أراد: إن تمنوا لو فعلت فيفعلون مثل فعلك، عطفا لا ~~جزاء عليه ولا مكافأة، وإنما هو تمثيل وتنظير. # قوله تعالى: ولا تطع كل حلاف مهين 10 هماز مشاء بنميم 11 مناع للخير معتد ~~أثيم 12 عتل بعد ذلك زنيم 13 يعني الأخنس بن شريق، في قول الشعبي والسدي ~~وابن إسحاق. وقيل: الأسود ابن عبد يغوث، أو عبد الرحمن بن الأسود، قاله ~~مجاهد. وقيل: الوليد بن المغيرة، عرض على النبي صلى الله عليه وسلم مالا ~~وحلف أن يعطيه إن ms6314 رجع عن دينه، قاله مقاتل. وقال ابن عباس: هو أبو جهل بن ~~هشام. والحلاف: الكثير الحلف. والمهين: الضعيف القلب، عن مجاهد. ابن عباس: ~~الكذاب. والكذاب مهين. وقيل: المكثار في الشر، قاله الحسن وقتادة. وقال ~~الكلبي: المهين الفاجر العاجز. وقيل: معناه الحقير عند الله. # وقال ابن شجرة: إنه الذليل. الرماني: المهين الوضيع لاكثاره من القبيح. ~~وهو فعيل من المهانة بمعنى القلة. وهي هنا القلة في الرأي والتمييز. أو هو ~~فعيل بمعنى مفعل، والمعنى مهان. # (هماز) قال ابن زيد: الهماز الذي يهمز الناس بيده ويضربهم. واللماز ~~باللسان. وقال PageV18P231 # الحسن: هو الذي يهمز ناحية في المجلس، كقول تعالى: " همزة ". [الهمزة: ~~1]. وقيل: الهماز الذي يذكر الناس في وجوههم. واللماز الذي يذكرهم في ~~مغيبهم، قاله أبو العالية وعطاء ابن أبي رباح والحسن أيضا. وقال مقاتل ضد ~~هذا الكلام: إن الهمزة الذي يغتاب بالغيبة. # واللمزة الذي يغتاب في الوجه. وقال مرة: هما سواء. وهو القتات الطعان ~~للمرء إذا غاب. # ونحوه عن ابن عباس وقتادة. قال الشاعر: # تدلي بود إذا لاقيتني كذبا * وإن أغب فأنت الهامز اللمزة (مشاء بنميم) أي ~~يمشي بالنميمة بين الناس ليفسد بينهم. يقال: نم ينم نما ونميما ونميمة، أي ~~يمشي ويسعى بالفساد. وفي صحيح مسلم عن حذيفة أنه بلغه أن رجلا ينم الحديث، ~~فقال حذيفة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يدخل الجنة ~~نمام). # وقال الشاعر: # ومولى كبيت النمل لا خير عنده * لمولاه إلا سعيه بنميم قال الفراء: هما ~~لغتان. وقيل: النميم جمع نميمة. (مناع للخير) أي للمال أن ينفق في وجوهه. ~~وقال ابن عباس: يمنع عن الاسلام ولده وعشيرته. وقال الحسن: يقول لهم من دخل ~~منكم في دين محمد لا أنفعه بشئ أبدا. (معتد) أي على الناس في الظلم، متجاوز ~~للحد، صاحب باطل. (أثيم) أي ذي إثم، ومعناه أثوم، (1) فهو فعيل بمعنى فعول. # (عتل بعد ذلك زنيم) العتل الجافي الشديد في كفره. وقال الكلبي والفراء: ~~هو الشديد الخصومة بالباطل. وقيل: إنه الذي يعتل الناس فيجرهم إلى حبس أو ~~عذاب. ms6315 مأخوذ من العتل وهو الجر، ومنه قوله تعالى: " خذوه فاعتلوه " (2) ~~[الدخان: 47]. وفي الصحاح: وعتلت الرجل أعتله وأعتله إذا جذبته جذبا عنيفا. ~~ورجل معتل (بالكسر). وقال يصف (3) فرسا: # * نفرعه فرعا ولسنا نعتله * قال ابن السكيت: عتله وعتنه، باللام والنون ~~جميعا. والعتل الغليظ الجافي. والعتل أيضا: # PageV18P232 # الرمح الغليظ. ورجل عتل (بالكسر) بين العتل، أي سريع إلى الشر. ويقال: لا ~~أنعتل معك، أي لا أبرح مكاني. وقال عبيد بن عمير: العتل الأكول الشروب ~~القوي الشديد يوضع في الميزان فلا يزن شعيرة، يدفع الملك من أولئك في جهنم ~~بالدفعة الواحدة سبعين ألفا. # وقال علي بن أبي طالب والحسن: العتل الفاحش السيئ الخلق. وقال معمر: هو ~~الفاحش اللئيم. قال الشاعر: # بعتل من الرجال زنيم * غير ذي نجدة وغير كريم وفي صحيح مسلم عن حارثة بن ~~وهب سمع النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ألا أخبركم بأهل الجنة - قالوا بلى ~~قال - كل ضعيف متضعف (1) لو أقسم على الله لأبره. ألا أخبركم بأهل النار - ~~قالوا بلى قال - كل عتل جواظ مستكبر). في رواية عنه (كل جواظ زنيم متكبر). # الجواظ: قيل هو الجموع المنوع. وقيل الكثير اللحم المختال في مشيته. وذكر ~~الماوردي عن شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم، ورواه ابن مسعود أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: # (لا يدخل الجنة جواظ ولا جعظري ولا العتل الزنيم). فقال رجل: ما الجواظ ~~وما الجعظري وما العتل الزنيم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الجواظ ~~الذي جمع ومنع. والجعظري الغليظ. والعتل الزنيم الشديد الخلق الرحيب الجوف ~~المصحح الأكول الشروب الواجد للطعام الظلوم للناس). وذكره الثعلبي عن شداد ~~بن أوس: (لا يدخل الجنة جواظ ولا جعظري ولا عتل زنيم) سمعتهن من النبي صلى ~~الله عليه وسلم قلت: وما الجواظ؟ قال: # الجماع المناع. قلت: وما الجعظري؟ قال: الفظ الغليظ. قلت: وما العتل ~~الزنيم؟ # قال: الرحيب الجوف الوثير الخلق الأكول الشروب الغشوم الظلوم. # قلت: فهذا التفسير من النبي صلى الله عليه وسلم في العتل قد أربى على ~~أقوال المفسرين. ms6316 # ووقع في كتاب أبي داود في تفسير الجواظ أنه الفظ الغليظ. ذكره من حديث ~~حارثة بن وهب # PageV18P233 # الخزاعي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يدخل الجنة الجواظ ~~ولا الجعظري) قال: والجواظ الفظ الغليظ. ففيه تفسيران مرفوعان حسب ما ~~ذكرناه أولا. وقد قيل: # إنه الجافي القلب وعن زيد بن أسلم في قوله تعالى: " عتل بعد ذلك زنيم " ~~قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (تبكي السماء من رجل أصح الله جسمه ~~ورحب جوفه وأعطاه من الدنيا بعضا فكان للناس ظلوما فذلك العتل الزنيم. ~~وتبكي السماء من الشيخ الزاني ما تكاد الأرض تقله). والزنيم الملصق بالقوم ~~الدعي، عن ابن عباس وغيره. قال الشاعر: # زنيم تداعاه الرجال زيادة * كما زيد في عرض الأديم الأكارع وعن ابن عباس ~~أيضا: أنه رجل من قريش كانت له زنمة كزنمة الشاة. وروى عنه ابن جبير. # أنه الذي يعرف بالشر كما تعرف الشاة بزنمتها. وقال عكرمة: هو اللئيم الذي ~~يعرف بلؤمه كما تعرف الشاة بزنمتها. وقيل: إنه الذي يعرف بالابنة. وهو مروي ~~عن ابن عباس أيضا. # وعنه أنه الظلوم. فهذه ستة أقوال. وقال مجاهد: زنيم كانت له ستة أصابع في ~~يده، في كل إبهام له إصبع زائدة. وعنه أيضا وسعيد بن المسيب وعكرمة: هو ولد ~~الزنى الملحق في النسب بالقوم. وكان الوليد (1) دعيا في قريش ليس من سنخهم، ~~(2) ادعاه أبوه بعد ثماني عشرة سنة من مولده. قال الشاعر: # زنيم ليس يعرف من أبوه * بغي الام ذو حسب لئيم وقال حسان: # وأنت زنيم نيط في آل هاشم * كما نيط خلف الراكب القدح الفرد قلت: وهذا هو ~~القول الأول بعينه. وعن علي رضي الله تعالى عنه أنه الذي لا أصل له، ~~والمعنى واحد. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يدخل الجنة ولد ~~زنى ولا ولده ولا ولد ولده). وقال عبد الله بن عمر: إن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: (إن أولاد الزنى يحشرون يوم القيامة في صورة القردة والخنازير). ~~وقالت ميمونة: سمعت النبي ms6317 # PageV18P234 # صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تزال أمتي بخير ما لم يفش فيهم ولد الزنى ~~فإذا فشا فيهم ولد الزنى أو شك أن يعمهم الله بعقاب). وقال عكرمة: إذا كثر ~~ولد الزنى قحط المطر. # قلت: أما الحديث الأول والثاني فما أظن لهما سندا يصح، وأما حديث ميمونة ~~وما قاله عكرمة ففي صحيح مسلم عن زينب بنت جحش زوج النبي صلى الله عليه ~~وسلم قالت: خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوما فزعا محمرا وجهه يقول: (لا ~~إله إلا الله. ويل للعرب من شر قد اقترب. فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج ~~مثل هذه) وحلق بإصبعيه الابهام والتي تليها. قالت فقلت: يا رسول الله، ~~أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: (نعم إذا كثر الخبث) خرجه البخاري. وكثرة الخبث ~~ظهور الزنى وأولاد الزنى، كذا فسره العلماء. وقول عكرمة " قحط المطر " ~~تبيين لما يكون به الهلاك. وهذا يحتاج إلى توقيف، وهو أعلم من أين قاله. # ومعظم المفسرين على أن هذا نزل في الوليد بن المغيرة، وكان يطعم أهل منى ~~حيسا (1) ثلاثة أيام، وينادي ألا لا يوقدن أحد تحت برمة، ألا لا يدخنن أحد ~~بكراع، ألا ومن أراد الحيس فليأت الوليد بن المغيرة. وكان ينفق في الحجة ~~الواحدة عشرين ألفا وأكثر. ولا يعطي المسكين درهما واحدا فقيل: " مناع ~~للخير ". وفيه نزل: " وويل للمشركين. الذين لا يؤتون الزكاة " (2) [فصلت: 6 ~~- 7]. # وقال محمد بن إسحاق: نزلت في الأخنس بن شريق، لأنه حليف ملحق في بني ~~زهرة، فلذلك سمي زنيما. وقال ابن عباس: في هذه الآية نعت، فلم يعرف حتى قتل ~~فعرف، وكان له زنمة في عنقه معلقة يعرف بها. وقال مرة الهمداني: إنما ادعاه ~~أبوه بعد ثماني عشرة سنة. # قوله تعالى: أن كان ذا مال وبنين 14 إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير ~~الأولين 15 # PageV18P235 # قوله تعالى: (أن كان ذا مال وبنين) قرأ أبو جعفر وابن عامر وأبو حياة ~~والمغيرة والأعرج " آن كان " بهمزة واحدة ممدودة على الاستفهام. وقرأ ~~المفضل وأبو بكر وحمزة " أأن كان " بهمزتين محققتين. وقرأ ms6318 الباقون بهمزة ~~واحدة على الخبر، فمن قرأ بهمزة مطولة أو بهمزتين محققتين فهو استفهام ~~والمراد به التوبيخ، ويحسن له أن يقف على " زنيم "، ويبتدئ " أن كان " على ~~معنى ألان كان ذا مال وبنين تطيعه. ويجوز أن يكون التقدير: # ألان كان ذا مال وبنين يقول إذا تتلى عليه آياتنا: أساطير الأولين!! ~~ويجوز أن يكون التقدير: ألان كان ذا مال وبنين يكفر ويستكبر. ودل عليه ما ~~تقدم من الكلام فصار كالمذكور بعد الاستفهام. ومن قرأ " أن كان " بغير ~~استفهام فهو مفعول من أجله والعامل فيه فعل مضمر، والتقدير: يكفر لان كان ~~ذا مال وبنين. ودل على هذا الفعل: " إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير ~~الأولين " ولا يعمل في " أن ": " تتلى " ولا " قال " لان ما بعد " إذا " لا ~~يعمل فيما قبلها، لان " إذا " تضاف إلى الجمل التي بعدها، ولا يعمل المضاف ~~إليه فيما قبل المضاف. و " قال " جواب الجزاء ولا يعمل فيما قبل الجزاء، ~~إذا حكم العامل أن يكون قبل المعمول فيه، وحكم الجواب أن يكون بعد الشرط ~~فيصير مقدما مؤخرا في حال. # ويجوز أن يكون المعنى لا تطعه لان كان ذا يسار وعدد. قال ابن الأنباري: ~~ومن قرأ بلا استفهام لم يحسن أن يقف على " زنيم " لان المعنى لان كان وبأن ~~كان، ف " أن " متعلقة بما قبلها. قال غيره: يجوز أن يتعلق بقوله: " مشاء ~~بنميم " والتقدير يمشي بنميم لان كان ذا مال وبنين. # وأجاز أبو علي أن يتعلق ب " عتل ". وأساطير الأولين: أباطيلهم وترهاتهم ~~وخرافاتهم. (1) وقد تقدم. (2) قوله تعالى: سنسمه على الخرطوم 16 فيه ~~مسألتان: # الأولى - قوله تعالى: " سنسمه " قال ابن عباس: معنى " سنسمه " سنخطمه ~~بالسيف. قال: وقد خطم الذي نزلت فيه يوم بدر بالسيف، فلم يزل مخطوما إلى أن ~~مات. # PageV18P236 # وقال قتادة: سنسمه يوم القيامة على أنفه سمة يعرف بها، يقال: وسمته وسما ~~وسمة إذا أثرت فيه بسمة وكي. وقد قال تعالى: " يوم تبيض وجوه وتسود وجوه " ~~(1) [آل عمران: 106] فهذه علامة ظاهرة. # وقال تعالى: " ونحشر المجرمين يومئذ (2) زرقا " [طه: 102] وهذه علامة ms6319 ~~أخرى ظاهرة. فأفادت هذه الآية علامة ثالثة وهي الوسم على الانف بالنار، ~~وهذا كقوله تعالى: " يعرف المجرمون بسيماهم " (3) [الرحمن: 41] قاله الكلبي ~~وغيره. وقال أبو العالية ومجاهد: " سنسمه على الخرطوم " أي على أنفه، ونسود ~~وجهه في الآخرة فيعرف بسواد وجهه. والخرطوم: الانف من الانسان. # ومن السباع: موضع الشفة. وخراطيم القوم: ساداتهم. قال الفراء: وإن كان ~~الخرطوم قد خص بالسمة فإنه في معنى الوجه، لان بعض الشئ يعبر به عن الكل. ~~وقال الطبري: # نبين أمره تبيانا واضحا حتى يعرفوه فلا يخفى عليهم كما لا تخفى السمة على ~~الخراطيم. وقيل: # المعنى سنلحق به عارا وسبة حتى يكون كمن وسم على أنفه. قال القتبي: تقول ~~العرب للرجل يسب سبة سوء قبيحة باقية: قد وسم ميسم سوء، أي الصق به عار لا ~~يفارقه، كما أن السمة لا يمحى أثرها. قال جرير: # لما وضعت على الفرزدق ميسمي * وعلى البعيث (4) جدعت أنف الأخطل أراد به ~~الهجاء. قال: وهذا كله نزل في الوليد بن المغيرة. ولا نعلم أن الله تعالى ~~بلغ من ذكر عيوب أحد ما بلغه منه، فألحقه به عارا لا يفارقه في الدنيا ~~والآخرة، كالوسم على الخرطوم. # وقيل: هو ما ابتلاه الله به في الدنيا في نفسه وماله وأهله من سوء وذل ~~وصغار، قاله ابن بحر. واستشهد بقول الأعشى: # فدعها وما يغنيك وأعمد لغيرها * بشعرك واعلب (5) أنف من أنت واسم # PageV18P237 # وقال النضر بن شميل: المعنى سنحده على شرب الخمر، والخرطوم: الخمر، وجمعه ~~خراطيم، قال الشاعر: # تظل يومك في لهو وفي طرب * وأنت بالليل شراب الخراطيم قال الراجز: (1) * ~~صهباء خرطوما عقارا قرقفا (2) * وقال آخر: # أبا حاضر من يزن يعرف زناؤه * ومن يشرب الخرطوم يصبح مسكرا الثانية - قال ~~ابن العربي: " كان الوسم في الوجه لذي المعصية قديما عند الناس، حتى أنه ~~روي - كما تقدم - أن اليهود لما أهملوا رجم الزاني اعتاضوا منه بالضرب ~~وتحميم (3) الوجه، وهذا وضع باطل. ومن الوسم الصحيح في الوجه: ما رأى ~~العلماء من تسويد وجه شاهد الزور، علامة على قبح المعصية وتشديدا لمن ~~يتعاطاها ms6320 لغيره ممن يرجى تجنبه بما يرجى من عقوبة شاهد الزور وشهرته (4)، ~~فقد كان عزيزا بقول الحق وقد صار مهينا بالمعصية. وأعظم الإهانة إهانة ~~الوجه. وكذلك كانت الاستهانة به في طاعة الله سببا (5) لخيرة الأبد ~~والتحريم له على النار، فإن الله تعالى قد حرم على النار أن تأكل من ابن ~~آدم أثر السجود، حسب ما ثبت في الصحيح. # قوله تعالى: إنا بلونهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين ~~17 ولا يستثنون 18 فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون 19 # PageV18P238 # فيه ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " إنا بلوناهم " يريد أهل مكة. والابتلاء الاختبار. ~~والمعنى أعطيناهم أموالا ليشكروا لا ليبطروا، فلما بطروا وعادوا محمدا صلى ~~الله عليه وسلم ابتليناهم بالجوع والقحط كما بلونا أهل الجنة المعروف خبرها ~~عندهم. وذلك أنها كانت بأرض اليمن بالقرب منهم على فراسخ من صنعاء - ويقال ~~بفرسخين - وكانت لرجل يؤدي حق الله تعالى منها، فلما مات صارت إلى ولده، ~~فمنعوا الناس خيرها وبخلوا بحق الله فيها، فأهلكها الله من حيث لم يمكنهم ~~دفع ما حل بها. قال الكلبي: كان بينهم وبين صنعاء فرسخان، ابتلاهم الله بأن ~~أحرق جنتهم. وقيل: هي جنة بضوران، وضوران على فرسخ من صنعاء، وكان أصحاب ~~هذه الجنة بعد رفع عيسى عليه السلام بيسير - وكانوا بخلاء - فكانوا يجدون ~~التمر ليلا من أجل المساكين، وكانوا أرادوا حصاد زرعها وقالوا: لا يدخلها ~~اليوم عليكم مسكين، فغدوا عليها فإذا هي قد اقتلعت من أصلها فأصبحت ~~كالصريم، أي كالليل. ويقال أيضا للنهار صريم. # فإن كان أراد الليل فلاسوداد موضعها. وكأنهم وجدوا موضعها حمأة. وإن كان ~~أراد بالصريم النهار فلذهاب الشجر والزرع ونقاء الأرض منه. وكان الطائف ~~الذي طاف عليها جبريل عليه السلام فاقتلعها. فيقال: إنه طاف بها حول البيت ~~ثم وضعها حيث مدينة الطائف اليوم، ولذلك سميت الطائف. وليس في أرض الحجاز ~~بلدة فيها الشجر والأعناب والماء غيرها. وقال البكري في المعجم: سميت ~~الطائف لان رجلا من الصدف (1) يقال له الدمون، بنى حائطا وقال: قد بنيت لكم ms6321 ~~طائفا حول بلدكم، فسميت الطائف. والله أعلم. # الثانية - قال بعض العلماء: على من حصد زرعا أو جد ثمرة أن يواسى منها من ~~حضره، وذلك معنى قوله: " وآتوا حقه يوم حصاده " [الانعام: 141] وأنه (2) ~~غير الزكاة على ما تقدم في " الانعام " بيانه (3). وقال بعضهم: وعليه ترك ~~ما أخطأه الحصادون. وكان بعض العباد يتحرون أقواتهم # PageV18P239 # من هذا. وروي أنه نهي عن الحصاد بالليل. فقيل: إنه لما ينقطع عن المساكين ~~في ذلك من الرفق. وتأول من قال هذا الآية التي في سورة " ن والقلم ". وقيل: ~~إنما نهي عن ذلك خشية الحيات وهو أم الأرض. # قلت: الأول أصح، والثاني حسن. وإنما قلنا الأول أصح لان العقوبة كانت ~~بسبب، ما أرادوه من منع المساكين كما ذكر الله تعالى. روى أسباط عن السدي ~~قال: كان قوم باليمن وكان أبوهم رجلا صالحا، وكان إذا بلغ ثماره أتاه ~~المساكين فلم يمنعهم من دخولها وأن يأكلوا منها ويتزودوا، فلما مات قال ~~بنوه بعضهم لبعض: علام نعطي أموالنا هؤلاء المساكين! تعالوا فلندلج ~~فنصرمنها قبل أن يعلم المساكين، ولم يستثنوا، فانطلقوا وبعضهم يقول لبعض ~~خفتا: (1) لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين، فذلك قوله تعالى: " إذ أقسموا " ~~يعني حلفوا فيما بينهم " ليصر منها مصبحين " يعني لنجذنها وقت الصبح قبل أن ~~تخرج المساكين، ولا يستثنون، يعني لم يقولوا إن شاء الله. وقال ابن عباس: ~~كانت تلك الجنة دون صنعاء بفرسخين، غرسها رجل من أهل الصلاح وكان له ثلاثة ~~بنين، وكان للمساكين كل ما تعداه المنجل فلم يجذه من الكرم، فإذا طرح على ~~البساط فكل شئ سقط عن البساط فهو أيضا للمساكين، فإذا حصدوا زرعهم فكل شئ ~~تعداه المنجل فهو للمساكين، فإذا درسوا كان لهم كل شئ انتثر، فكان أبوهم ~~يتصدق منها على المساكين، وكان يعيش في ذلك في حياة أبيهم اليتامى والأرامل ~~والمساكين، فلما مات أبوهم فعلوا ما ذكر الله عنهم. فقالوا: قل المال وكثر ~~العيال، فتحالفوا بينهم ليغدون غدوة قبل خروج الناس ثم ليصر منها ولا تعرف ~~المساكين. # وهو قوله: " إذ أقسموا " أي حلفوا ms6322 " ليصر منها " ليقطعن ثمر نخيلهم إذا ~~أصبحوا بسدفة (2) من الليل لئلا ينتبه المساكين لهم. والصرم القطع. يقال: ~~صرم العذق عن النخلة. وأصرم النخل أي حان وقت صرامه. مثل أركب المهر وأحصد ~~الزرع، أي حان ركوبه وحصاده. # (ولا يستثنون) أي ولم يقولوا إن شاء الله. " فتنادوا مصبحين " ينادى ~~بعضهم بعضا. # PageV18P240 # " أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين " عازمين على الصرام والجداد. قال ~~قتادة: # حاصدين زرعكم. وقال الكلبي: ما كان في جنتهم من زرع ولا نخيل. وقال ~~مجاهد: كان حرثهم عنبا ولم يقولوا إن شاء الله. وقال أبو صالح: كان ~~استثناؤهم قولهم سبحان الله ربنا وقيل: معنى " ولا يستثنون " أي لا يستثنون ~~حق المساكين، قاله عكرمة. فجاؤوها ليلا فرأوا الجنة مسودة قد طاف عليها ~~طائف من ربك وهم نائمون. قيل: الطائف جبريل عليه السلام، على ما تقدم ذكره. ~~وقال ابن عباس: أمر من ربك. وقال قتادة: عذاب من ربك. ابن جريج: عنق من نار ~~خرج من وادي جهنم. والطائف لا يكون إلا بالليل، قاله الفراء. # الثالثة - قلت: في هذه الآية دليل على أن العزم مما يؤاخذ به الانسان، ~~لأنهم عزموا على أن يفعلوا فعوقبوا قبل فعلهم. ونظير هذه الآية قوله تعالى: ~~" ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم " (1) [الحج: 25]. وفي الصحيح ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل ~~والمقتول في النار) قيل: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: # (إنه كان حريصا على قتل صاحبه). وقد مضى مبينا في سورة " آل عمران " عند ~~قوله تعالى: " ولم يصروا على ما فعلوا " (2) [آل عمران: 135]. # قوله تعالى: فأصبحت كالصريم 20 فتنادوا مصبحين 21 أن اغدوا على حرثكم إن ~~كنتم صارمين 22 قوله تعالى: (فأصبحت كالصريم) أي كالليل المظلم عن ابن عباس ~~والفراء وغيرهما. # قال الشاعر: # تطاول ليلك الجون البهيم * فما ينجاب عن صبح بهيم (3) # PageV18P241 # أي احترقت فصارت كالليل الأسود. وعن ابن عباس أيضا: كالرماد الأسود. قال: # الصريم الرماد الأسود بلغة خزيمة. الثوري: كالزرع المحصود فالصريم بمعنى ms6323 ~~المصروم أي المقطوع ما فيه. وقال الحسن: صرم عنها الخير أي قطع، فالصريم ~~مفعول أيضا. # وقال المؤرج: أي كالرملة انصرمت من معظم الرمل. يقال: صريمة وصرائم، ~~فالرملة لا تنبت شيئا ينتفع به. وقال الأخفش: أي كالصبح انصرم من الليل. ~~وقال المبرد: # أي كالنهار، فلا شئ فيها. قال شمر: الصريم الليل والصريم النهار، أي ~~ينصرم هذا عن ذاك وذاك عن هذا. وقيل: سمي الليل صريما لأنه يقطع بظلمته عن ~~التصرف، ولهذا يكون فعيل بمعنى فاعل. قال القشيري: وفي هذا نظر، لان النهار ~~يسمى صريما ولا يقطع عن تصرف. # قوله تعالى: فانطلقوا وهم يتخافتون 23 أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين ~~24 وغدوا على حرد قدرين 25 قوله تعالى: (فانطلقوا وهم يتخافتون) أي ~~يتسارون، أي يخفون كلامهم ويسرونه لئلا يعلم بهم أحد، قاله عطاء وقتادة. ~~وهو من خفت يخفت إذا سكن ولم يبين. كما قال دريد بن الصمة: # وإني لم أهلك سلالا ولم أمت * خفاتا وكلا ظنه بي عودي وقيل: يخفون أنفسهم ~~من الناس حتى لا يروهم. وكان أبوهم يخبر الفقراء والمساكين فيحضروا وقت ~~الحصاد والصرام. (وغدوا على حرد قادرين) أي على قصد وقدرة في أنفسهم ويظنون ~~أنهم تمكنوا من مرادهم. قال معناه ابن عباس وغيره. والحرد القصد. حرد يحرد ~~(بالكسر) حردا قصد. تقول: حردت حردك، أي قصدت قصدك. ومنه قول الراجز: # أقبل سيل جاء من عند الله * يحرد حرد الجنة المغلة أنشده النحاس: # قد جاء سيل جاء من أمر الله * يحرد حرد الجنة المغله PageV18P242 # قال المبرد: المغلة ذات الغلة. وقال غيره: المغلة التي يجري الماء في ~~غللها (1) أي في أصولها. # ومنه تغللت بالغالية. ومنه تغليت، أبدل من اللام ياء. ومن قال تغلفت ~~فمعناه عنده جعلتها غلافا. وقال قتادة ومجاهد: " على حرد " أي على جد. ~~الحسن: على حاجة وفاقة. وقال أبو عبيدة والقتيبي: على حرد على منع، من ~~قولهم حاردت الإبل حرادا أي قلت ألبانها. # والحرود من النوق القليلة الدر. وحاردت السنة قل مطرها وخيرها. وقال ~~السدي وسفيان: # " على حرد " على غضب. ms6324 والحرد الغضب. قال أبو نصر أحمد بن حاتم صاحب ~~الأصمعي: # وهو مخفف، وأنشد شعرا: # إذا جياد الخيل جاءت تردي * مملوءة من غضب وحرد وقال ابن السكيت: وقد ~~يحرك تقول منه: حرد (بالكسر) حردا، فهو حارد وحردان. ومنه قيل: أسد حارد، ~~وليوث حوارد. وقيل: " على حرد " على انفراد. # يقال: حرد يحرد حرودا، أي تنحى عن قومه ونزل منفردا ولم يخالطهم. وقال ~~أبو زيد: # رجل حريد من قوم حرداء. وقد حرد يحرد حرودا، إذا ترك قومه وتحول عنهم. ~~وكوكب حريد، أي معتزل عن الكواكب. قال الأصمعي: رجل حريد، أي فريد وحيد. ~~قال والمنحرد المنفرد في لغة هذيل. وأنشد لأبي ذؤيب: # * كأنه كوكب في الجو منحرد * ورواه أبو عمرو بالجيم، وفسره: منفرد. قال: ~~وهو سهيل. وقال الأزهري: # حرد اسم قريتهم. السدي: اسم جنتهم، وفيه لغتان: حرد وحرد. وقرأ العامة ~~بالاسكان. # وقرأ أبو العالية وابن السميقع بالفتح، وهما لغتان. ومعنى " قادرين " قد ~~قدروا أمرهم وبنوا عليه، قاله الفراء. وقال قتادة: قادرين على جنتهم عند ~~أنفسهم وقال الشعبي: # " قادرين " يعني على المساكين. وقيل: معناه من الوجود، أي منعوا وهم ~~واجدون. # PageV18P243 # قوله تعالى: فلما رأوها قالوا إنا لضالون 26 بل نحن محرومون 27 قوله ~~تعالى: (فلما رأوها قالوا إنا لضالون) أي لما رأوها محترقة لا شئ فيها قد ~~صارت كالليل الأسود ينظرون إليها كالرماد، أنكروها وشكوا فيها. وقال بعضهم ~~لبعض: # " إنا لضالون " أي ضللنا الطريق إلى جنتنا، قاله قتادة. وقيل: أي إنا ~~لضالون عن الصواب في غدونا وعلى نية منع المساكين، فلذلك عوقبنا. (بل نحن ~~محرومون) أي حرمنا جنتنا بما صنعنا. روى أسباط عن ابن مسعود قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: (إياكم والمعاصي إن العبد ليذنب الذنب فيحرم به ~~رزقا كان هئ له - ثم تلا - " فطاف عليها طائف من ربك " [القلم: 19]) ~~الآيتين. # قوله تعالى: قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون 28 قالوا سبحن ربنا إنا ~~كنا ظالمين 29 فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون 30 قولوا يا ويلنا إنا كنا ~~طاغين 31 عسى ms6325 ربنا أن يبدلنا خيرا منها إنا إلى ربنا راغبون 32 قوله تعالى: ~~(قال أوسطهم) أي أمثلهم وأعدلهم وأعقلهم. (ألم أقل لكم لولا تسبحون) أي هلا ~~تستثنون. وكان استثناؤهم تسبيحا، قال مجاهد وغيره. وهذا يدل على أن هذا ~~الأوسط كان أمرهم بالاستثناء فلم يطيعوه. قال أبو صالح: كان استثناؤهم ~~سبحان الله. # فقال لهم: هلا تسبحون الله، أي تقولون سبحان الله وتشكرونه على ما ~~أعطاكم. قال النحاس: # أصل التسبيح التنزيه لله عز وجل، فجعل مجاهد التسبيح في موضع إن شاء ~~الله، لان المعنى تنزيه الله عز وجل أن يكون شئ إلا بمشيئته. وقيل: هلا ~~تستغفرونه من فعلكم وتتوبون إليه من خبث نيتكم، فإن أوسطهم قال لهم حين ~~عزموا على ذلك وذكرهم انتقامه من المجرمين (قالوا سبحان ربنا) اعترفوا ~~بالمعصية ونزهوا الله عن أن يكون ظالما فيما فعل. قال ابن عباس في قولهم: " ~~سبحان ربنا " أي نستغفر الله من ذنبنا. (إنا كنا ظالمين) لأنفسنا ~~PageV18P244 # في منعنا المساكين. (فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون) أي يلوم هذا هذا في ~~القسم ومنع المساكين، ويقول: بل أنت أشرت علينا بهذا. (قالوا يا ويلنا إنا ~~كنا طاغين) أي عاصين بمنع حق الفقراء وترك الاستثناء. وقال ابن كيسان: ~~طغينا نعم الله فلم نشكرها كما شكرها آباؤنا من قبل. (عسى ربنا أن يبدلنا ~~خيرا منها) تعاقدوا وقالوا: إن أبدلنا الله خيرا منها لنصنعن كما صنعت ~~آباؤنا، فدعوا الله وتضرعوا فأبدلهم الله من ليلتهم ما هو خير منها، وأمر ~~جبريل أن يقتلع تلك الجنة المحترقة فيجعلها بزغر (1) من أرض الشام، ويأخذ ~~من الشام جنة فيجعلها مكانها. وقال ابن مسعود: إن القوم أخلصوا وعرف الله ~~منهم صدقهم فأبدلهم جنة يقال لها الحيوان، فيها عنب يحمل البغل منها عنقودا ~~واحدا. وقال اليماني أبو خالد: # دخلت تلك الجنة فرأيت كل عنقود منها كالرجل الأسود القائم. وقال الحسن: ~~قول أهل الجنة (إنا إلى ربنا راغبون) لا أدري إيمانا كان ذلك منهم، أو على ~~حد ما يكون من المشركين إذا أصابتهم الشدة، فيوقف في كونهم مؤمنين. ms6326 وسئل ~~قتادة عن أصحاب الجنة: # أهم من أهل الجنة أم من أهل النار؟ فقال: لقد كلفتني تعبا. والمعظم ~~يقولون: إنهم تابوا وأخلصوا، حكاه القشيري. وقراءة العامة " يبدلنا " ~~بالتخفيف. وقرأ أهل المدينة وأبو عمرو بالتشديد، وهما لغتان. وقيل: التبديل ~~تغيير الشئ أو تغيير حاله وعين الشئ قائم. # والابدال رفع الشئ ووضع آخر مكانه. وقد مضى في سورة " النساء " القول في ~~هذا. (2) قوله تعالى: كذلك العذاب ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون 33 ~~قوله تعالى: (كذلك العذاب) أي عذاب الدنيا وهلاك الأموال، عن ابن زيد. # وقيل: إن هذا وعظ لأهل مكة بالرجوع إلى الله لما ابتلاهم بالجدب لدعاء ~~النبي صلى الله عليه وسلم، أي كفعلنا بهم نفعل بمن تعدى حدودنا في الدنيا ~~(ولعذاب الآخرة أكبر # PageV18P245 # لو كانوا يعلمون) وقال ابن عباس: هذا مثل لأهل مكة حين خرجوا إلى بدر ~~وحلفوا ليقتلن محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وليرجعن (1) إلى مكة حتى ~~يطوفوا بالبيت ويشربوا الخمر، وتضرب القينات على رؤوسهم، فأخلف الله ظنهم ~~وأسروا وقتلوا وانهزموا كأهل هذه الحنة لما خرجوا عازمين على الصرام ~~فخابوا. ثم قيل: إن الحق الذي منعه أهل الجنة المساكين يحتمل أنه كان واجبا ~~عليهم، ويحتمل أنه كان تطوعا، والأول أظهر، والله أعلم. وقيل: # السورة مكية، فبعد حمل الآية على ما أصاب أهل مكة من القحط، وعلى قتال ~~بدر. # قوله تعالى: إن للمتقين عند ربهم جنت النعيم 34 أفنجعل المسلمين ~~كالمجرمين 35 ما لكم كيف تحكمون 36 أم لكم كتب فيه تدرسون 37 إن لكم فيه ~~لما تخيرون 38 أم لكم أيمن علينا بلغة إلى يوم القيمة إن لكم لما تحكمون 39 ~~قوله تعالى: (إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم) تقدم القول فيه، أي إن ~~للمتقين في الآخرة جنات ليس فيها إلا التنعم الخالص، لا يشوبه ما ينغصه كما ~~يشوب جنات الدنيا. # وكان صناديد قريش يرون وفور حظهم من الدنيا وقلة حظوظ المسلمين منها، ~~فإذا سمعوا بحديث الآخرة وما وعد الله المؤمنين قالوا: إن صح أنا نبعث كما ~~يزعم ms6327 محمد ومن معه لم يكن حالنا وحالهم إلا مثل ما هي في الدنيا، وإلا لم ~~يزيدوا علينا ولم يفضلونا، وأقصى أمرهم أن يساوونا. فقال: (أفنجعل المسلمين ~~كالمجرمين) أي كالكفار. وقال ابن عباس وغيره: # قالت كفار مكة: إنا نعطى في الآخرة خيرا مما تعطون، فنزلت " أفنجعل ~~المسلمين كالمجرمين ". # ثم ونجهم فقال: (مالكم كيف تحكمون) هذا الحكم الأعوج، كأن أمر الجزاء ~~مفوض إليكم حتى تحكموا فيه بما شئتم أن لكم من الخير ما للمسلمين. (أم لكم ~~كتاب فيه تدرسون) أي لكم كتاب تجدون فيه المطيع كالعاصي. (إن لكم فيه لما ~~تخيرون) تختارون وتشتهون. # والمعنى: أن لكم (بالفتح) ولكنه كسر لدخول اللام، تقول علمت أنك عاقل ~~(بالفتح)، وعلمت # PageV18P246 # إنك لعاقل (بالكسر). فالعامل في " إن لكم فيه لما تخيرون " " تدرسون " في ~~المعنى. # ومنعت اللام من فتح " إن ". وقيل: تم الكلام عند قوله: " تدرسون " ثم ~~ابتدأ فقال: # " إن لكم فيه لما تخيرون " أي إن لكم في هذا الكتاب إذا ما تخيرون، أي ~~ليس لكم ذلك. # والكناية في " فيه " الأولى والثانية راجعة إلى الكتاب. ثم زاد في ~~التوبيخ فقال: (أم لكم أيمان) أي عهود ومواثيق. (علينا بالغة) مؤكدة. ~~والبالغة المؤكدة بالله تعالى. أي أم لكم عهود على الله تعالى استوثقتم بها ~~في أن يدخلكم الجنة. (إن لكم لما تحكمون) كسرت " إن " لدخول اللام في ~~الخبر. وهي من صلة " أيمان "، والموضع النصب ولكن كسرت لأجل اللام، تقول: ~~حلفت إن لك لكذا. وقيل: تم الكلام عند قوله: " إلى يوم القيامة " ثم قال: " ~~إن لكم لما تحكمون " إذا، أي ليس الامر كذلك. وقرأ ابن هرمز " أين لكم فيه ~~لما تخيرون " أين لكم لما تحكمون "، بالاستفهام فيهما جميعا. وقرأ الحسن ~~البصري " بالغة " بالنصب على الحال، إما من الضمير في " لكم " لأنه خبر عن ~~" أيمان " ففيه ضمير منه. وإما من الضمير في " علينا " إن قدرت " علينا " ~~وصفا للايمان لا متعلقا بنفس الايمان، لان فيه ضميرا منه، كما يكون إذا كان ~~خبرا عنه. ويجوز أن يكون حالا من " أيمان " وإن كانت نكرة، ms6328 كما أجازوا نصب ~~" حقا " على الحال من " متاع " في قوله تعالى: " متاع بالمعروف حقا على ~~المتقين " (1) [البقرة: 241]. وقرأ العامة " بالغة " بالرفع نعت ل‍ " أيمان ~~". # قوله تعالى: سلهم أيهم بذلك زعيم 40 أم لهم شركاء فليأتوا بشركائهم إن ~~كانوا صادقين 41 قوله تعالى: (سلهم أيهم بذلك زعيم) أي سل يا محمد هؤلاء ~~المتقولين علي: أيهم كفيل بما تقدم ذكره. وهو أن لهم من الخير (2) ما ~~للمسلمين. والزعيم: الكفيل والضمين، قاله ابن عباس وقتادة. وقال ابن كيسان: ~~الزعيم هنا القائم بالحجة والدعوى. وقال الحسن: # PageV18P247 # الزعيم الرسول. (أم لهم شركاء) أي ألهم والميم صلة. " شركاء " أي شهداء. ~~(فليأتوا بشركائهم) يشهدون على ما زعموا. (إن كانوا صادقين) دعواهم. وقيل: ~~أي فليأتوا بشركائهم إن أمكنهم، فهو أمر معناه التعجيز. # قوله تعالى: يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون 42 خشعة ~~أبصرهم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سلمون 43 قوله تعالى: ~~(يوم يكشف عن ساق) يجوز أن يكون العامل في " يوم " " فليأتوا " أي فليأتوا ~~بشركائهم يوم يكشف عن ساق ليشفع الشركاء لهم. ويجوز أن ينتصب بإضمار فعل، ~~أي أذكر يوم يكشف عن ساق، فيوقف على " صادقين " ولا يوقف عليه على التقدير ~~الأول. وقرئ " يوم نكشف " بالنون. " وقرأ " ابن عباس " يوم تكشف عن ساق " ~~بتاء مسمى الفاعل، أي تكشف الشدة أو القيامة. عن ساقها، كقولهم: شمرت الحرب ~~عن ساقها. قال الشاعر: # فتى الحرب إن عضت به الحرب عضها * وإن شمرت عن ساقها الحرب شمرا (1) وقال ~~الراجز: # قد كشفت عن ساقها فشدوا * وجدت الحرب بكم فجدوا وقال آخر: # عجبت من نفسي ومن إشفاقها * ومن طراد الطير عن أرزاقها في سنة قد كشفت عن ~~ساقها * حمراء تبري اللحم عن عراقها (2) وقال آخر: # كشفت لهم عن ساقها * وبدا من الشر الصراح # PageV18P248 # وعن ابن عباس أيضا والحسن وأبي العالية " تكشف " بتاء غير مسمى الفاعل. ~~وهذه القراءة راجعة إلى معنى " يكشف " وكأنه قال: يوم تكشف القيامة عن شدة. ~~وقرئ " يوم تكشف " بالتاء المضمومة وكسر الشين، من أكشف ms6329 إذا دخل في الكشف. # ومنه: أكشف الرجل فهو مكشف، إذا انقلبت شفته العليا. وذكر ابن المبارك ~~قال: # أخبرنا أسامة بن زيد عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى: " يوم يكشف عن ~~ساق " قال: عن كرب وشدة. أخبرنا ابن جريج عن مجاهد قال: شدة الامر وجده. ~~وقال مجاهد: # قال ابن عباس هي أشد ساعة في يوم القيامة. وقال أبو عبيدة: إذا اشتد ~~الحرب والامر قيل: كشف الامر عن ساقه. والأصل فيه أن من وقع في شئ يحتاج ~~فيه إلى الجد شمر عن ساقه، فاستعير الساق والكشف عنها في موضع الشدة. وقيل: ~~ساق الشئ أصله الذي به قوامه، كساق الشجرة وساق الانسان. أي يوم يكشف عن ~~أصل الامر فتظهر حقائق الأمور وأصلها. وقيل: يكشف عن ساق جهنم. وقيل: عن ~~ساق العرش. وقيل: # يريد وقت اقتراب الاجل وضعف البدن، أي يكشف المريض عن ساقه ليبصر ضعفه، ~~ويدعوه المؤذن إلى الصلاة فلا يمكنه أن يقوم ويخرج. فأما ما روي أن الله ~~يكشف عن ساقه فإنه عز وجل يتعالى عن الأعضاء والتبعيض وأن يكشف ويتغطى. ~~ومعناه أن يكشف عن العظيم من أمره. وقيل: يكشف عن نوره عز وجل. وروى أبو ~~موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: " عن ساق " قال: (يكشف عن ~~نور عظيم يخرون له سجدا). # وقال أبو الليث السمرقندي في تفسيره: حدثنا الخليل بن أحمد قال حدثنا ابن ~~منيع قال حدثنا هدبة قال حدثنا حماد بن سلمة عن عدي بن زيد عن عمارة القرشي ~~عن أبي بردة عن أبي موسى قال حدثني أبي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: (إذا كان يوم القيامة مثل لكل قوم ما كانوا يعبدون في الدنيا ~~فيذهب كل قوم إلى ما كانوا يعبدون ويبقى أهل التوحد فيقال لهم ما تنتظرون ~~وقد ذهب الناس فيقولون إن لنا ربا كنا نعبده في الدنيا ولم نره - قال - ~~وتعرفونه إذا رأيتموه فيقولون نعم فيقال فكيف تعرفونه ولم تروه قالوا إنه ~~لا شبيه له PageV18P249 # فيكشف لهم ms6330 الحجاب فينظرون إلى الله تعالى فيخرون له سجدا وتبقى أقوام ~~ظهورهم مثل صياصي (1) البقر فينظرون إلى الله تعالى فيريدون السجود فلا ~~يستطيعون فذلك قوله تعالى: # " يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون " فيقول الله تعالى ~~عباد ي ارفعوا رءوسكم فقد جعلت بدل كل رجل منكم رجلا من اليهود والنصارى في ~~النار). # قال أبو بردة: فحدثت بهذا الحديث عمر بن عبد العزيز فقال: الله الذي لا ~~إله إلا هو لقد حدثك أبوك بهذا الحديث؟ فحلف له ثلاثة أيمان، فقال عمر: ما ~~سمعت في أهل التوحيد حديثا هو أحب إلي من هذا. وقال قيس بن السكن: حدث عبد ~~الله بن مسعود عند عمر بن الخطاب فقال: إذا كان يوم القيامة قام الناس لرب ~~العالمين أربعين عاما شاخصة أبصارهم إلى السماء، حفاة عراة يلجمهم العرق، ~~فلا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم أربعين عاما، ثم ينادي مناد: أيها الناس، ~~أليس عدلا من ربكم الذي خلقكم وصوركم وأماتكم وأحياكم ثم عبد تم غيره أن ~~يولي كل قوم ما تولوا؟ قالوا: نعم. قال: فيرفع لكل قوم ما كانوا يعبدون من ~~دون الله فيتبعونها حتى تقذفهم في النار، فيبقى المسلمون والمنافقون فيقال ~~لهم: ألا تذهبون قد ذهب الناس؟ فيقولون حتى يأتينا ربنا، فيقال لهم: أو ~~تعرفونه؟ فيقولون: # إن اعترف (2) لنا عرفناه. قال فعند ذلك يكشف عن ساق ويتجلي لهم فيخر من ~~كان يعبده مخلصا ساجدا، ويبقى المنافقون لا يستطيعون كأن في ظهورهم ~~السفافيد (3)، فيذهب بهم إلى النار، ويدخل هؤلاء الجنة، فذلك قوله تعالى: " ~~ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون ". # (خاشعة أبصارهم) أي ذليلة متواضعة، ونصبها على الحال. (ترهقهم ذلة) وذلك ~~أن المؤمنين يرفعون رؤوسهم ووجوههم أشد بياضا من الثلج. وتسود وجوه ~~المنافقين والكافرين حتى ترجع أشد سوادا من القار. # قلت: معنى حديث أبي موسى وابن مسعود ثابت في صحيح مسلم من حديث أبي سعيد ~~الخدري وغيره. # PageV18P250 # قوله تعالى: (وقد كانوا يدعون إلى السجود) أي في الدنيا. (وهم سالمون) ~~معافون أصحاء. قال إبراهيم التيمي: أي يدعون بالاذان ms6331 والإقامة فيأبونه. ~~وقال سعيد ابن جبير: كانوا يسمعون حي على الفلاح فلا يجيبون. وقال كعب ~~الأحبار: والله ما نزلت هذه الآية إلا في الذين يتخلفون عن الجماعات. وقيل: ~~أي بالتكليف الموجه عليهم في الشرع، والمعنى متقارب. وقد مضى في سورة " ~~البقرة " الكلام في وجوب صلاة الجماعة. (1) وكان الربيع بن خيثم قد فلج ~~وكان يهادى (2) بين الرجلين إلى المسجد، فقيل: # يا أبا يزيد، لو صليت في بيتك لكانت لك رخصة. فقال: من سمع حي على الفلاح ~~فليجب ولو حبوا. وقيل لسعيد بن المسيب: إن طارقا يريد قتلك فتغيب. فقال: ~~أبحيث لا يقدر الله علي؟ فقيل له: اجلس في بيتك. فقال: أسمع حي على الفلاح، ~~فلا أجيب! # قوله تعالى: فذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون 44 ~~وأملى لهم إن كيدي متين 45 قوله تعالى: (فذرني) أي دعني. (ومن يكذب) " من " ~~مفعول معه أو معطوف على ضمير المتكلم. (بهذا الحديث) يعني القرآن، قاله ~~السدي. وقيل: يوم القيامة. وهذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم، أي فأنا ~~أجازيهم وأنتقم منهم. ثم قال (سنستدرجهم من حيث لا يعلمون) معناه سنأخذهم ~~على غفلة وهم لا يعرفون، فعذبوا يوم بدر. وقال سفيان الثوري: نسبغ عليهم ~~النعم وننسيهم الشكر. وقال الحسن: كم مستدرج بالاحسان إليه، وكم مفتون ~~بالثناء عليه، وكم مغرور بالستر عليه. وقال أبو روق: أي كلما أحدثوا خطيئة ~~جددنا لهم نعمة وأنسيناهم الاستغفار. وقال ابن عباس: سنمكر بهم. وقيل: هو ~~أن نأخذهم قليلا ولا نباغتهم. وفي حديث (أن رجلا من بني إسرائيل قال يا رب ~~كم أعصيك # PageV18P251 # وأنت لا تعاقبني - قال - فأوحى الله إلى نبي زمانهم أن قل له كم من عقوبة ~~لي عليك وأنت لا تشعر. إن جمود عينيك وقساوة قلبك استدراج مني وعقوبة لو ~~عقلت). # والاستدراج: ترك المعاجلة. وأصله النقل من حال إلى حال كالتدرج. ومنه قيل ~~درجة، وهي منزلة بعد منزلة. واستدرج فلان فلانا، أي استخرج ما عنده قليلا. ~~ويقال: درجه إلى كذا واستدرجه بمعنى، أي أدناه منه على ms6332 التدريج فتدرج هو. ~~(وأملى لهم) أي أمهلهم وأطيل لهم المدة. والملاوة: (1) المدة من الدهر. ~~وأملى الله له أي أطال له. والملوان: الليل والنهار. وقيل: " وأملي لهم " ~~أي لا أعاجلهم بالموت، والمعنى واحد. وقد مضى في " الأعراف " بيان هذا. (2) ~~(إن كيدي متين) أي إن عذابي لقوي شديد فلا يفوتني أحد. # قوله تعالى: أم تسئلهم أجرا فهم من مغرم مثقلون 46 عاد الكلام إلى ما ~~تقدم من قوله تعالى: " أم لهم شركاء " [القلم: 41]. أي أم تلتمس منهم ثوابا ~~على ما تدعوهم إليه من الايمان بالله؟ فهم من غرامة ذلك مثقلون لما يشق ~~عليهم من بذل المال، أي ليس عليهم كلفة، بل يستولون بمتابعتك على خزائن ~~الأرض ويصلون إلى جنات النعيم. # قوله تعالى: أم عندهم الغيب فهم يكتبون 47 قوله تعالى: (أم عندهم الغيب) ~~أي علم ما غاب عنهم. (فهم يكتبون) وقيل: # أينزل عليهم الوحي بهذا الذي يقولون. وعن ابن عباس: الغيب هنا اللوح ~~المحفوظ فهم يكتبون مما فيه يخاصمونك به، ويكتبون أنهم أفضل منكم، وأنهم لا ~~يعاقبون. وقيل: # " يكتبون " يحكمون لأنفسهم بما يريدون. # قوله تعالى: فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم 48 # PageV18P252 # قوله تعالى: (فاصبر لحكم ربك) أي لقضاء ربك. والحكم هنا القضاء. وقيل: # فأصبر على ما حكم به عليك ربك من تبليغ الرسالة. وقال ابن بحر: فأصبر ~~لنصر ربك. قال قتادة: أي لا تعجل ولا تغاضب فلا بد من نصرك. وقيل: إنه ~~منسوخ بآية السيف. # (ولا تكن كصاحب الحوت) يعني يونس عليه السلام. أي لا تكن مثله في الغضب ~~والضجر والعجلة. وقال قتادة: إن الله تعالى يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم ~~ويأمره بالصبر ولا يعجل كما عجل صاحب الحوت، وقد مضى خبره في سورة " يونس، ~~(1) والأنبياء، (2) والصافات " (3) والفرق بين إضافة ذي وصاحب في سورة " ~~يونس " فلا معنى للإعادة. (إذ نادى) أي حين دعا في بطن الحوت فقال: " لا ~~إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين [الأنبياء: 87]. # (وهو مكظوم) أي مملوء غما. وقيل: كربا. الأول ms6333 قول ابن عباس ومجاهد. ~~والثاني قول عطاء وأبي مالك. قال الماوردي: والفرق بينهما أن الغم في ~~القلب، والكرب في الأنفاس. وقيل: مكظوم محبوس. والكظم الحبس، ومنه قولهم: ~~فلان كظم غيظه، أي حبس غضبه، قاله ابن بحر. وقيل: إنه المأخوذ بكظمه وهو ~~مجرى النفس، قاله المبرد. # وقد مضى هذا وغيره في " يوسف ". (4) قوله تعالى: لولا أن تدركه نعمة من ~~ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم 49 فاجتباه ربه فجعله من الصالحين 50 قوله ~~تعالى: (لولا أن تداركه نعمة من ربه) قراءة العامة " تداركه ". وقرأ ابن ~~هرمز والحسن " تداركه " بتشديد الدال، وهو مضارع أدغمت التاء منه في الدال ~~وهو على تقدير حكاية الحال، كأنه قال: لولا أن كان يقال فيه تتداركه نعمة. ~~ابن عباس وابن مسعود: " تداركته " وهو خلاف المرسوم. و " تداركه " فعل ماض ~~مذكر حمل على معنى # PageV18P253 # النعمة، لان تأنيث النعمة غير حقيقي. و " تداركته " على لفظها. واختلف في ~~معنى النعمة هنا، فقيل النبوة، قاله الضحاك. وقيل عباد ته التي سلفت، قاله ~~ابن جبير. وقيل: # نداؤه " لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين " [الأنبياء: 87]، ~~قاله ابن زيد. وقيل: نعمة الله عليه إخراجه من بطن الحوت، قاله ابن بحر. ~~وقيل: أي رحمة من ربه، فرحمه وتاب عليه. (لنبذ بالعراء وهو مذموم) أي لنبذ ~~مذموما ولكنه نبذ سقيما غير مذموم. ومعنى " مذموم " في قول ابن عباس: مليم. ~~قال بكر بن عبد الله: مذنب. وقيل: " مذموم " مبعد من كل، خير. والعراء: ~~الأرض الواسعة الفضاء التي ليس فيها جبل ولا شجر يستر. وقيل: # ولولا فضل الله عليه لبقي في بطن الحوت إلى يوم القيامة، ثم نبذ بعراء ~~القيامة مذموما. # يدل عليه قوله تعالى: " فلولا أنه كان من المسبحين. للبث في بطنه إلى يوم ~~يبعثون " (1) [الصافات: 143 - 144]. # (فاجتباه ربه) أي اصطفاه وأختاره. " فجعله من الصالحين " قال ابن عباس: ~~رد الله إليه الوحي، وشفعه في نفسه وفي قومه، وقبل توبته، وجعله من ~~الصالحين بأن أرسله إلى مائة ألف أو يزيدون. # قوله تعالى: وإن يكاد الذين كفروا ms6334 ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ~~ويقولون إنه لمجنون 51 " قوله تعالى: (وإن يكاد الذين كفروا) " إن " هي ~~المخففة من الثقيلة. " ليزلقونك " أي يعتانونك. (بأبصارهم) أخبر بشدة ~~عداوتهم النبي صلى الله عليه وسلم، وأرادوا أن يصيبوه بالعين فنظر إليه قوم ~~من قريش وقالوا: ما رأينا مثله ولا مثل حججه. وقيل: # كانت العين في بني أسد، حتى إن البقرة السمينة أو الناقة السمينة تمر ~~بأحدهم فيعاينها ثم يقول: يا جارية، خذي المكتل (2) والدرهم فأتينا بلحم ~~هذه الناقة، فما تبرح حتى تقع للموت # PageV18P254 # فتنحر. وقال الكلبي: كان رجل من العرب يمكث لا يأكل شيئا يومين أو ثلاثة، ~~ثم يرفع جانب الخباء فتمر به الإبل أو الغنم فيقول: لم أر كاليوم إبلا ولا ~~غنما أحسن من هذه! فما تذهب إلا قليلا حتى تسقط منها طائفة هالكة. فسأل ~~الكفار هذا الرجل أن يصيب لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالعين فأجابهم، ~~فلما مر النبي صلى الله عليه وسلم أنشد: # قد كان قومك يحسبونك سيدا * وإخال أنك سيد معيون فعصم الله نبيه صلى الله ~~عليه وسلم ونزلت: " وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك ". وذكر نحوه الماوردي. ~~وأن العرب كانت إذا أراد أحدهم أن يصيب أحدا - يعني في نفسه وماله - تجوع ~~ثلاثة أيام، ثم يتعرض لنفسه وماله فيقول: تالله ما رأيت أقوى منه ولا أشجع ~~ولا أكثر منه ولا أحسن، فيصيبه بعينه فيهلك هو وماله، فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية. قال القشيري: # وفي هذا نظر، لان الإصابة بالعين إنما تكون مع الاستحسان والاعجاب لا مع ~~الكراهية والبغض، ولهذا قال: (ويقولون إنه لمجنون) أي ينسبونك إلى الجنون ~~إذا رأوك تقرأ القرآن. # قلت: أقوال المفسرين واللغويين تدل على ما ذكرنا، وأن مرادهم بالنظر إليه ~~قتله. ولا يمنع كراهة الشئ من أن يصاب بالعين عداوة حتى يهلك. وقرأ ابن ~~عباس وابن مسعود والأعمش وأبو وائل ومجاهد " ليزلقونك " أي ليهلكونك. وهذه ~~قراءة على التفسير، من زهقت نفسه وأزهقها. وقرأ أهل المدينة " ليزلقونك " ~~بفتح الياء. وضمها الباقون، وهما لغتان بمعنى، يقال: زلقه يزلقه ms6335 وأزلقه ~~يزلقه إزلاقا إذا نحاه وأبعده. وزلق رأسه يزلقه زلقا إذا حلقه. وكذلك أزلقه ~~وزلقه تزليقا. ورجل زلق وزملق - مثال هدبد - وزمالق وزملق - بتشديد الميم - ~~وهو الذي ينزل قبل أن يجامع، حكاه الجوهري وغيره. # فمعنى الكلمة إذا التنحية والإزالة، وذلك لا يكون في حق النبي صلى الله ~~عليه وسلم إلا بهلاكه وموته. قال الهروي: أراد ليعتانونك بعيونهم فيزيلونك ~~عن مقامك الذي أقامك الله فيه عداوة لك. وقال ابن عباس: ينفذونك بأبصارهم، ~~يقال: زلق السهم وزهق إذا نفذ، PageV18P255 # وهو قول مجاهد. أي ينفذونك من شدة نظرهم. وقال الكلبي: يصرعونك. وعنه ~~أيضا والسدي وسعيد بن جبير: يصرفونك عما أنت عليه من تبليغ الرسالة. وقال ~~العوفي يرمونك. # وقال المؤرج: يزيلونك. وقال النضر بن شميل والأخفش: يفتنونك. وقال عبد ~~العزيز ابن يحيى: ينظرون إليك نظرا شزرا بتحديق شديد. وقال ابن زيد: ~~ليمسونك. وقال جعفر الصادق: ليأكلونك. وقال الحسن وابن كيسان: ليقتلونك. ~~وهذا كما يقال: صرعني بطرفه، وقتلني بعينه. قال الشاعر: # ترميك مزلقة العيون بطرفها * وتكل عنك نصال نبل الرامي وقال آخر: # يتقارضون إذا التقوا في مجلس * نظرا يزل (1) مواطئ الاقدام وقيل: المعنى ~~أنهم ينظرون إليك بالعداوة حتى كادوا يسقطونك. وهذا كله راجع إلى ما ذكرنا، ~~وأن المعنى الجامع: يصيبونك بالعين. والله أعلم. # قوله تعالى: وما هو إلا ذكر للعلمين 52 أي وما القرآن إلا ذكر للعالمين. ~~وقيل: أي وما محمد إلا ذكر للعالمين يتذكرون به. # وقيل: معناه شرف، أي القرآن. كما قال تعالى: " وإنه لذكر لك ولقومك " (2) ~~[الزخرف: 44] والنبي صلى الله عليه وسلم شرف للعالمين أيضا. شرفوا باتباعه ~~والايمان به صلى الله عليه وسلم. # سورة الحاقة مكية في قول الجميع. وهي إحدى وخمسون آية روى أبو الزاهرية ~~عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قرأ إحدى عشرة ~~آية من سورة الحاقة أجير من فتنة الدجال. ومن قرأها كانت له نورا يوم ~~القيامة من فوق رأسه إلى قدمه). # PageV18P256 # بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: الحاقة 1 ما الحاقة 2 وما ms6336 أدرك ما ~~الحاقة 3 قوله تعالى: (الحاقة. ما الحاقة) يريد القيامة، سميت بذلك لان ~~الأمور تحق فيها قاله الطبري. كأنه جعلها من باب " ليل نائم ". وقيل: سميت ~~حاقة لأنها تكون من غير شك. وقيل: سميت بذلك لأنها أحقت لأقوام الجنة، ~~وأحقت لأقوام النار. وقيل: # سميت بذلك لان فيها يصير كل إنسان حقيقا بجزاء عمله. وقال الأزهري: يقال ~~حاققته فحققته أحقه، أي غالبته فغلبته. فالقيامة حاقة لأنها تحق كل محاق في ~~دين الله بالباطل، أي كل مخاصم. وفي الصحاح: وحاقه أي خاصمه وادعى كل واحد ~~منهما الحق، فإذا غلبه قيل حقه. ويقال للرجل إذا خاصم في صغار الأشياء: إنه ~~لنزق الحقاق. ويقال: ماله فيه حق ولا حقاق، أي خصومة. والتحاق التخاصم. ~~والاحتقاق: الاختصام. والحاقة والحقة والحق ثلاث لغات بمعنى. وقال الكسائي ~~والمورج: الحاقة يوم الحق. وتقول العرب: لما عرف الحقة مني هرب. والحاقة ~~الأولى رفع بالابتداء، والخبر المبتدأ الثاني وخبره وهو " ما الحاقة " لان ~~معناها ما هي. واللفظ استفهام، معناه التعظيم والتفخيم لشأنها، كما تقول: ~~زيد ما زيد! على التعظيم لشأنه. (وما أدراك ما الحاقه) استفهام أيضا، أي أي ~~شئ أعلمك ما ذلك اليوم. والنبي صلى الله عليه وسلم كان عالما بالقيامة ولكن ~~بالصفة فقيل تفخيما لشأنها: وما أدراك ما هي، كأنك لست تعلمها إذ لم ~~تعاينها. وقال يحيى بن سلام: # بلغني أن كل شئ في القرآن " وما أدراك " فقد أدراه إياه وعلمه. وكل شئ ~~قال: # " وما يدريك " فهو مما لم يعلمه. وقال سفيان بن عيينة: كل شئ قال فيه: " ~~وما أدراك " فإنه أخبر به، وكل شئ قال فيه: " وما يدريك " فإنه لم يخبر به. # قوله تعالى: كذبت ثمود وعاد بالقارعة 4 ذكر من كذب بالقيامة. والقارعة ~~القيامة، سميت بذلك لأنها تقرع الناس بأهوالها. # يقال: أصابتهم قوارع الدهر، أي أهواله وشدائده. ونعوذ بالله من قوارع ~~فلان ولواذعه PageV18P257 # وقوارص لسانه، جمع قارصة وهي الكلمة المؤذية. وقوارع القرآن: الآيات التي ~~يقرؤها الانسان إذا فزع من الجن أو الانس، نحو آية الكرسي، كأنها تقرع ms6337 ~~الشيطان. وقيل: # القارعة مأخوذة من القرعة في رفع قوم وحط آخرين، قاله المبرد. وقيل: عنى ~~بالقارعة العذاب الذي نزل بهم في الدنيا، وكان نبيهم يخوفهم بذلك فيكذبونه. ~~وثمود قوم صالح، وكانت منازلهم بالحجر فيما بين الشام والحجاز. قال محمد بن ~~إسحاق: وهو وادي القرى، وكانوا عربا. وأما عاد فقوم هود، وكانت منازلهم ~~بالأحقاف. والأحقاف: الرمل بين عمان إلى حضرموت واليمن كله، وكانوا عربا ~~ذوي خلق وبسطة، ذكره محمد بن إسحاق. # وقد تقدم. (1) قوله تعالى: فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية 5 فيه إضمار، أي ~~بالفعلة الطاغية. وقال قتادة: أي بالصيحة الطاغية، أي المجاوزة للحد، أي ~~لحد الصيحات من الهول. كما قال: " إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا ~~كهشيم المحتظر " (2) [القمر: 31]. والطغيان: مجاوزة الحد، ومنه: " إنا لما ~~طغى الماء " [الحاقة: 11] أي جاوز الحد. وقال الكلبي: بالطاغية بالصاعقة. ~~وقال مجاهد: بالذنوب. وقال الحسن: بالطغيان، فهي مصدر كالكاذبة والعاقبة ~~والعافية. أي أهلكوا بطغيانهم وكفرهم. وقيل: إن الطاغية عاقر الناقة، قاله ~~ابن زيد. أي أهلكوا بما أقدم عليه طاغيتهم من عقر الناقة، وكان واحدا، ~~وإنما هلك الجميع لأنهم رضوا بفعله ومالئوه. وقيل له طاغية كما يقال: فلان ~~راوية الشعر، وداهية وعلامة ونسابة. # قوله تعالى: وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية 6 سخرها عليهم سبع ليال ~~وثمانية أيام حسوما فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية 7 # PageV18P258 # قوله تعالى: " وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر " أي باردة تحرق ببردها كإحراق ~~النار، مأخوذ من الصر وهو البرد، قاله الضحاك. وقيل: إنها الشديدة الصوت. ~~وقال مجاهد: # الشديدة السموم. " عاتية " أي عتت على خزانها فلم تطعهم، ولم يطيقوها من ~~شدة هبوبها، غضبت لغضب الله. وقيل: عتت على عاد فقهرتهم. روى سفيان الثوري ~~عن موسى ابن المسيب عن شهر بن حوشب عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # (ما أرسل الله من نسمة (1) من ريح إلا بمكيال ولا قطرة من ماء إلا بمكيال ~~إلا يوم عاد ويوم نوح فإن الماء يوم نوح طغى على الخزان فلم يكن ms6338 لهم عليه ~~سبيل - ثم قرأ - إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية " والريح لما كان ~~يوم عاد عتت على الخزان فلم يكن لهم عليها سبيل - ثم قرأ - " بريح صرصر ~~عاتية "). (سخرها عليهم) أي أرسلها وسلطها عليهم. # والتسخير: استعمال الشئ بالاقتدار. (سبع ليال وثمانية أيام حسوما) أي ~~متتابعة لا تفتر ولا تنقطع، عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما. قال الفراء: ~~الحسوم التباع، من حسم الداء إذا كوي صاحبه، لأنه يكوى بالمكواة ثم يتابع ~~ذلك عليه. قال عبد العزيز بن زرارة الكلابي: # ففرق بين بينهم (2) زمان * تتابع فيه أعوام حسوم وقال المبرد: هو من قولك ~~حسمت الشئ إذا قطعته وفصلته عن غيره. وقيل: الحسم الاستئصال. ويقال للسيف ~~حسام، لأنه يحسم العدو عما يريده من بلوغ عداوته. وقال الشاعر: # حسام إذا قمت معتضدا به * كفى العود منه البدء ليس بمعضد (3) والمعنى ~~أنها حسمتهم، أي قطعتهم وأذهبتهم. فهي القاطعة بعذاب الاستئصال. قال ابن ~~زيد: حسمتهم فلم تبق منهم أحدا. وعنه أنها حسمت الليالي والأيام حتى ~~استوعبتها. # PageV18P259 # لأنها بدأت طلوع الشمس من أول يوم وانقطعت غروب الشمس من آخر يوم. وقال ~~الليث: الحسوم الشؤم. ويقال: هذه ليالي الحسوم، أي تحسم الخير عن أهلها، ~~وقاله في الصحاح. وقال عكرمة والربيع بن أنس: مشائيم، دليله قوله تعالى: " ~~في أيام نحسات " (1) [فصلت: 16]. # عطية العوفي: " حسوما " أي حسمت الخير عن أهلها. وأختلف في أولها، فقيل: ~~غداة يوم الأحد، قاله السدي. وقيل: غداة يوم الجمعة، قاله الربيع بن أنس. ~~وقيل: غداة يوم الأربعاء، قاله يحيى بن سلام ووهب بن منبه. قال وهب: وهذه ~~الأيام هي التي تسميها العرب أيام العجوز، ذات برد وريح شديدة، وكان أولها ~~يوم الأربعاء وآخرها يوم الأربعاء، ونسبت إلى العجوز لان عجوزا من عاد دخلت ~~سربا فتبعتها الريح فقتلتها في اليوم الثامن. وقيل: # سميت أيام العجوز لأنها وقعت في عجز الشتاء. وهي في آذار من أشهر ~~السريانيين. ولها أسام مشهورة، وفيها يقول الشاعر وهو ابن أحمر: (2) كسع ~~(3) الشتاء بسبعة غبر * أيام شهلتنا (4) من الشهر فإذا انقضت ms6339 أيامها ومضت ~~(5) * صن وصنبر مع الوبر وبآمر وأخيه مؤتمر * ومعلل وبمطفئ الجمر ذهب ~~الشتاء موليا عجلا (6) * وأتتك واقدة من النجر (7) و " حسوما " نصب على ~~الحال. وقيل على المصدر. قال الزجاج: أي تحسمهم حسوما أي تفنيهم، وهو مصدر ~~مؤكد. ويجوز أن يكون مفعولا له، أي سخرها عليهم هذه المدة للاستئصال، أي ~~لقطعهم واستئصالهم. ويجوز أن يكون جمع حاسم. وقرأ السدي " حسوما " بالفتح، ~~حالا من الريح، أي سخرها عليهم مستأصلة. # PageV18P260 # قوله تعالى: (فترى القوم فيها) أي في تلك الليالي والأيام. (صرعى) جمع ~~صريع، يعني موتى. وقيل: " فيها " أي في الريح. (كأنهم أعجاز) أي أصول. (نخل ~~خاويه) أي بالية، قاله أبو الطفيل. وقيل: خالية الأجواف لا شئ فيها. والنخل ~~يذكر ويؤنث. # وقد قال تعالى في موضع آخر: " كأنهم أعجاز نخل منقعر " (1) [القمر: 20] ~~فيحتمل أنهم شبهوا بالنخل التي صرعت من أصلها، وهو إخبار عن عظم أجسامهم. ~~ويحتمل أن يكون المراد به الأصول دون الجذوع، أي إن الريح قد قطعتهم حتى ~~صاروا كأصول النخل خاوية أي الريح كانت تدخل أجوافهم فتصرعهم كالنخلة ~~الخاوية الجوف. وقال ابن شجرة: كانت الريح تدخل في أفواههم فتخرج ما في ~~أجوافهم من الحشو من أدبارهم، فصاروا كالنخل الخاوية. وقال يحيى بن سلام، ~~إنما قال " خاوية " لان أبدانهم خوت من أرواحهم مثل النخل الخاوية. ويحتمل ~~أن يكون المعنى كأنهم أعجاز نخل خاوية عن أصولها من البقاع، كما قال تعالى: ~~" فتلك بيوتهم خاوية " (2) [النمل: 52] أي خربة لا سكان فيها. ويحتمل ~~الخاوية بمعنى البالية كما ذكرنا، لأنها إذا بليت خلت أجوافها. فشبهوا بعد ~~أن هلكوا بالنخل الخاوية. # قوله تعالى: فهل ترى لهم من باقيه 8 أي من فرقة باقية أو نفس باقية. ~~وقيل: من بقية. وقيل: من بقاء. فاعلة بمعنى المصدر، نحو العاقبة والعافية. ~~ويجوز أن يكون اسما، أي هل تجد لهم أحدا باقيا. وقال ابن جريج: كانوا سبع ~~ليال وثمانية أيام أحياء في عذاب الله من الريح، فلما أمسوا في اليوم ~~الثامن ماتوا، فاحتملتهم الريح فألقتهم في البحر فذلك قوله عز وجل: ms6340 " فهل ~~ترى لهم من باقية "، وقوله عز وجل: " فأصبحوا " لا يرى إلا مساكنهم " (3) ~~[الأحقاف: 25]. # قوله تعالى: وجاء فرعون ومن قبله والمؤتفكات بالخاطئة قوله تعالى: (وجاء ~~فرعون ومن قبله) قرأ أبو عمرو والكسائي " ومن قبله " بكسر القاف وفتح ~~الباء، أي ومن معه وتبعه من جنوده. واختاره أبو عبيد وأبو حاتم اعتبارا # PageV18P261 # بقراءة عبد الله وأبي " ومن معه ". وقرأ أبو موسى الأشعري " ومن تلقاءه ~~". الباقون " قبله " بفتح القاف وسكون الباء، أي ومن تقدمه من القرون ~~الخالية والأمم الماضية. # (والمؤتفكات) أي أهل قرى لوط. وقراءة العامة بالألف. وقرأ الحسن والجحدري ~~" والمؤتفكة " على التوحيد. قال قتادة: إنما سميت قرى قوم لوط " مؤتفكات " ~~لأنها ائتفكت بهم، أي انقلبت. وذكر الطبري عن محمد بن كعب القرظي قال: خمس ~~قريات: # صبعة وصعرة وعمرة ودوما وسدوم، وهي القرية (1) العظمى. (بالخاطئة) أي ~~بالفعلة الخاطئة وهي المعصية والكفر. وقال مجاهد: بالخطايا التي كانوا ~~يفعلونها. وقال الجرجاني: # أي بالخطأ العظيم، فالخاطئة مصدر. # قوله تعالى: فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية 10 قوله تعالى: (فعصوا ~~رسول ربهم) قال الكلبي: هو موسى. وقيل: هو لوط لأنه أقرب وقيل: عنى موسى ~~ولوطا عليهما السلام، كما قال تعالى " فقولا إنا رسول رب العالمين " (2) ~~[الشعراء: 16]. وقيل: " رسول " بمعنى رسالة. وقد يعبر عن الرسالة بالرسول، ~~قال الشاعر: (3) لقد كذب الواشون ما بحت عندهم * بسر ولا أرسلتهم برسول ~~(فأخذهم أخذة رابية) أي عالية زائدة على الأخذات وعلى عذاب الأمم. ومنه ~~الربا إذا أخذ في الذهب والفضة أكثر مما أعطى. يقال: ربا الشئ يربو أي زاد ~~وتضاعف. وقال مجاهد: شديدة. كأنه أراد زائدة في الشدة. # قوله تعالى: إنا لما طغا الماء حملناكم في الجارية 11 لنجعلها لكم تذكرة ~~وتعيها أذن وعية 12 # PageV18P262 # قوله تعالى: (إنا لما طغى الماء) أي أرتفع وعلا. وقال علي رضي الله عنه: ~~طغى على خزانه من الملائكة غضبا لربه فلم يقدروا على حبسه. قال قتادة: زاد ~~على كل شئ خمسة عشر ذراعا. وقال ابن عباس: طغى الماء زمن نوح على خزانه ~~فكثر عليهم فلم يدروا ms6341 كم خرج. وليس من الماء قطرة تنزل قبله ولا بعده إلا ~~بكيل معلوم غير ذلك اليوم. وقد مضى هذا مرفوعا أول السورة. والمقصود من قصص ~~هذه الأمم وذكر ما حل بهم من العذاب: # زجر هذه الأمة عن الاقتداء بهم في معصية الرسول. ثم من عليهم بأن جعلهم ~~ذرية من نجا من الغرق بقوله: " حملناكم " أي حملنا آباءكم وأنتم في ~~أصلابهم. (في الجارية) أي في السفن الجارية. والمحمول في الجارية نوح ~~وأولاده، وكل من على وجه الأرض من نسل أولئك. # (لنجعلها لكم تذكرة) يعني سفينة نوح عليه الصلاة والسلام. جعلها الله ~~تذكرة وعظة لهذه الأمة حتى أدركها أوائلهم، في قول قتادة. قال ابن جريج: ~~كانت ألواحها على الجودي. # والمعنى: أبقيت لكم تلك الخشبات حتى تذكروا ما حل بقوم نوح، وإنجاء الله ~~آباءكم، وكم من سفينة هلكت وصارت ترابا ولم يبق منها شئ. وقيل: لنجعل تلك ~~الفعلة من إغراق قوم نوح وإنجاء من آمن معه موعظة لكم، ولهذا قال الله ~~تعالى: (وتعيها أذن واعية) أي تحفظها وتسمعها أذن حافظة لما جاء من عند ~~الله. والسفينة لا توصف بهذا. قال الزجاج: # ويقال وعيت كذا أي حفظته في نفسي، أعيه وعيا. ووعيت العلم، ووعيت ما قلت، ~~كله بمعنى. وأوعيت المتاع في الوعاء. قال الزجاج: يقال لكل ما حفظته في غير ~~نفسك: # " أوعيته " بالألف، ولما حفظته في نفسك " وعيته " بغير ألف. وقرأ طلحة ~~وحميد والأعرج " وتعيها " بإسكان العين، تشبيها بقوله: " أرنا " (1) ~~[البقرة: 128]. وأختلف فيها عن عاصم وابن كثير. الباقون بكسر العين، ونظير ~~قوله تعالى: " وتعيها أذن واعية "، " إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب " (2) ~~[ق: 37]. وقال قتادة: الاذن الواعية أذن عقلت عن الله تعالى، وانتفعت بما ~~سمعت من # PageV18P263 # كتاب الله عز وجل. وروى مكحول أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عند نزول ~~هذه الآية: # (سألت ربي أن يجعلها أذن علي). قال مكحول: فكان علي رضي الله عنه يقول ما ~~سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا قط فنسيته إلا وحفظته. ذكره ms6342 ~~الماوردي. وعن الحسن نحوه ذكره الثعلبي قال: لما نزلت " وتعيها أذن واعية " ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: # (سألت ربي أن يجعلها أذنك يا علي) قال علي: فوالله ما نسيت شيئا بعد، وما ~~كان لي أن أنسى. وقال أبو برزة الأسلمي قال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي: ~~(يا علي إن الله أمرني أن أدنيك ولا أقصيك وأن أعلمك وأن تعي وحق على الله ~~أن تعي). # قوله تعالى: فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة 13 قال ابن عباس: هي النفخة ~~الأولى لقيام الساعة، فلم يبق أحد إلا مات. وجاز تذكير " نفخ " لان تأنيث ~~النفخة غير حقيقي. وقيل: إن هذه النفخة هي الأخيرة. وقال: " نفخة واحدة " ~~أي لا تثنى. قال الأخفش: ووقع الفعل على النفخة إذ لم يكن قبلها اسم مرفوع ~~فقيل: نفخة. ويجوز " نفخة " نصبا على المصدر. وبها قرأ أبو السمال. أو ~~يقال: أقتصر على الاخبار عن الفعل كما تقول: ضرب ضربا. وقال الزجاج: " في ~~الصور " يقوم مقام ما لم يسم فاعله. # قوله تعالى: وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة 14 قوله تعالى: (وحملت ~~الأرض والجبال) قراءة العامة بتخفيف الميم، أي رفعت من أماكنها. (فدكتا) أي ~~فتتا وكسرتا. (دكة واحدة) لا يجوز في " دكة " إلا النصب لارتفاع الضمير في ~~" دكتا ". وقال الفراء: لم يقل فدككن لأنه جعل الجبال كلها كالجملة ~~الواحدة، والأرض كالجملة الواحدة. ومثله: " أن السماوات والأرض كانتا رتقا ~~" (1) [الأنبياء: 30] ولم يقل كن. وهذا الدك كالزلزلة، كما قال تعالى: " ~~إذا زلزلت الأرض زلزالها " [الزلزلة: 1]. وقيل: " دكتا " # PageV18P264 # أي بسطتا بسطة واحدة، ومنه اندك سنام البعير إذا انفرش في ظهره. وقد مضى ~~في سورة " الأعراف " (1) القول فيه. وقرأ عبد الحميد عن ابن عامر " وحملت ~~الأرض والجبال " بالتشديد على إسناد الفعل إلى المفعول الثاني. كأنه في ~~الأصل وحملت قدرتنا أو ملكا من ملائكتنا الأرض والجبال، ثم أسند الفعل إلى ~~المفعول الثاني فبني له. ولو جئ بالمفعول الأول لأسند الفعل إليه، فكأنه ~~قال: وحملت قدرتنا الأرض. وقد يجوز بناؤه للثاني على وجه القلب ms6343 فيقال: حملت ~~الأرض الملك، كقولك: ألبس زيد الجبة، وألبست الجبة زيدا. # قوله تعالى: فيومئذ وقعت الواقعة 15 وانشقت السماء فهي يومئذ واهية 16 ~~والملك على أرجائها ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية 17 قوله تعالى: ~~(فيومئذ وقعت الواقعة) أي قامت القيامة. (وانشقت السماء) أي انصدعت وتفطرت. ~~وقيل: تنشق لنزول ما فيها من الملائكة، دليله قوله تعالى: " ويوم تشقق ~~السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا " [الفرقان: 25] وقد تقدم. (2) (فهي ~~يومئذ واهبة) أي ضعيفة. # يقال: وهي البناء يهي وهيا فهو واه إذا ضعف جدا. ويقال: كلام واه، أي ~~ضعيف. # فقيل: إنها تصير بعد صلابتها بمنزلة الصوف في الوهي ويكون ذلك لنزول ~~الملائكة كما ذكرنا. وقيل: لهول يوم القيامة. وقيل: " واهية " أي متخرقة، ~~قاله ابن شجرة. # مأخوذ من قولهم: وهي السقاء إذا تخرق. ومن أمثالهم: # خل سبيل من وهي سقاؤه * ومن هريق بالفلاة ماؤه أي من كان ضعيف العقل لا ~~يحفظ نفسه. (والملك) يعني الملائكة، اسم للجنس. # (على أرجائها) أي على أطرافها حين تنشق، لان السماء مكانهم، عن ابن عباس. ~~الماوردي: # ولعله قول مجاهد وقتادة. وحكاه الثعلبي عن الضحاك، قال: على أطرافها مما ~~لم ينشق منها. # PageV18P265 # يريد أن السماء مكان الملائكة فإذا انشقت صاروا في أطرافها. وقال سعيد بن ~~جبير: المعنى والملك على حافات الدنيا، أي ينزلون إلى الأرض ويحرسون ~~أطرافها. وقيل: إذا صارت السماء قطعا تقف الملائكة على تلك القطع التي ليست ~~متشققة في أنفسها. وقيل: إن الناس إذا رأوا جهنم هالتهم، فيندوا كما تند ~~الإبل، فلا يأتون قطرا من أقطار الأرض إلا رأوا ملائكة فيرجعون من حيث ~~جاءوا. وقيل: " على أرجائها " ينتظرون ما يؤمرون به في أهل النار من السوق ~~إليها، وفي أهل الجنة من التحية والكرامة. وهذا كله راجع إلى معنى قول ابن ~~جبير. ويدل عليه: " ونزل الملائكة تنزيلا " [الفرقان: 25] وقوله تعالى: " ~~يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض " (1) ~~[الرحمن: 33] على ما بيناه هناك. والأرجاء النواحي والأقطار بلغة هذيل، ~~واحدها رجا مقصور، وتثنيته رجوان، مثل عصا ms6344 وعصوان. # قال الشاعر: # فلا يرمى بي الرجوان أني * أقل القوم من يغني مكاني ويقال ذلك لحرف البئر ~~والقبر. # قوله تعالى: (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية) قال ابن عباس: ثمانية ~~صفوف من الملائكة لا يعلم عددهم إلا الله. وقال ابن زيد: هم ثمانية أملاك. ~~وعن الحسن: الله أعلم كم هم، ثمانية أم ثمانية آلاف. وعن النبي صلى الله ~~عليه وسلم (أن حملة العرش اليوم أربعة فإذا كان يوم القيامة أيدهم الله ~~تعالى بأربعة آخرين فكانوا ثمانية). # ذكره الثعلبي. وخرجه الماوردي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # (يحمله اليوم أربعة وهم يوم القيامة ثمانية). وقال العباس بن عبد الملك: ~~هم ثمانية أملاك على صورة الأوعال. (2) ورواه عن النبي صلى الله عليه وسلم. ~~وفي الحديث (إن لكل ملك منهم أربعة أوجه وجه رجل ووجه أسد ووجه ثور ووجه ~~نسر وكل وجه منها يسأل الله الرزق لذلك الجنس). ولما أنشد بين يدي النبي ~~صلى الله عليه وسلم قول أمية بن أبي الصلت: # PageV18P266 # رجل وثور تحت رجل يمينه * والنسر للأخرى وليث مرصد والشمس تطلع (1) كل ~~آخر ليلة * حمراء يصبح (2) لونها يتورد ليست (3) بطالعة لهم في رسلها * إلا ~~معذبة وإلا تجلد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (صدق). وفي الخبر (أن فوق ~~السماء السابعة ثمانية أو عال بين أظلافهن وركبهن مثل ما بين سماء إلى سماء ~~وفوق ظهورهن العرش). ذكره القشيري وخرجه الترمذي من حديث العباس بن عبد ~~المطلب. وقد مضى في سورة " البقرة " بكماله. (4) وذكر نحوه الثعلبي ولفظه. ~~وفي حديث مرفوع (أن حملة العرش ثمانية أملاك على صورة الأوعال ما بين ~~أظلافها إلى ركبها مسيرة سبعين عاما للطائر المسرع). وفي تفسير الكلبي: ~~ثمانية أجزاء من تسعة أجزاء من الملائكة. وعنه: ثمانية أجزاء من عشرة أجزاء ~~من الملائكة. ثم ذكر عدة الملائكة بما يطول ذكره. حكى الأول عنه الثعلبي ~~والثاني القشيري. وقال الماوردي عن ابن عباس: ثمانية أجزاء من تسعة وهم ~~الكروبيون. (5) والمعنى ينزل بالعرش. ثم إضافة العرش إلى الله ms6345 تعالى كإضافة ~~البيت، وليس البيت للسكنى، فكذلك العرش. ومعنى: " فوقهم " أي فوق رؤوسهم. ~~قال السدي: العرش تحمله الملائكة الحملة فوقهم ولا يحمل حملة العرش إلا ~~الله. وقيل: " فوقهم " أي إن حملة العرش فوق الملائكة الذين في السماء على ~~أرجائها. وقيل: " فوقهم " أي فوق أهل القيامة. # قوله تعالى: يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية 18 قوله تعالى: (يومئذ ~~تعرضون) أي، على الله، دليله: " وعرضوا على ربك صفا " وليس ذلك عرضا يعلم ~~به ما لم يكن عالما به، بل معناه الحساب وتقرير الأعمال عليهم للمجازاة. ~~وروى الحسن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يعرض # PageV18P267 # الناس يوم القيامة ثلاث عرضات فأما عرضتان فجدال ومعاذير وأما الثالثة ~~فعند ذلك تطير الصحف في الأيدي فآخذ بيمينه وآخذ بشماله). خرجه الترمذي ~~قال: ولا يصح من قبل أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة. (لا تخفى منكم خافية) ~~أي هو عالم بكل شئ من أعمالكم. ف " خافية " على هذا بمعنى خفية، كانوا ~~يخفونها من أعمالهم، قاله ابن شجرة. # وقيل: لا يخفى عليه إنسان، أي لا يبقى إنسان لا يحاسب. وقال عبد الله بن ~~عمرو ابن العاص: لا يخفى المؤمن من الكافر ولا البر من الفاجر. وقيل: لا ~~تستتر منكم عورة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يحشر الناس حفاة ~~عراة). وقرأ الكوفيون إلا عاصما " لا يخفى " بالياء، لان تأنيث الخافية غير ~~حقيقي، نحو قوله تعالى: " وأخذ الذين ظلموا الصيحة " (1) [هود: 67] واختاره ~~أبو عبيد، لأنه قد حال بين الفعل وبين الاسم المؤنث الجار والمجرور. ~~الباقون بالتاء. # واختاره أبو حاتم لتأنيث الخافية. # قوله تعالى: فأما من أوتى كتبه بيمينه فيقول هاؤم اقرؤا كتابيه 19 إني ~~ظننت أنى ملق حسابيه 20 فهو في عيشة راضية 21 في جنة عالية 22 قطوفها دانية ~~23 كلوا واشربوا هنيا بما أسلفتم في الأيام الخالية 24 وأما من أوتى كتبه ~~بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه 25 ولم أدر ما حسابيه 26 يا ليتها ~~كانت القاضية 27 ms6346 ما أغنى عنى ماليه 28 هلك عنى سلطانيه 29 خذوه فغلوه 30 ثم ~~الجحيم صلوه 31 ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه 32 إنه كان لا يؤمن ~~بالله العظيم 33 ولا يحض على طعام المسكين 34 # PageV18P268 # قوله تعالى: (فأما من أوتى كتابه بيمينه) إعطاء الكتاب باليمين دليل على ~~النجاة. # وقال ابن عباس: أول من يعطى كتابه بيمينه من هذه الأمة عمر بن الخطاب، ~~وله شعاع كشعاع الشمس. قيل له: فأين أبو بكر؟ فقال هيهات هيهات! زفته ~~الملائكة إلى الجنة. ذكره الثعلبي. وقد ذكرناه مرفوعا من حديث زيد بن ثابت ~~بلفظه ومعناه في كتاب " التذكرة ". والحمد لله. " فيقول هاؤم اقرؤا كتابيه ~~" أي يقول ذلك ثقة بالاسلام وسرورا بنجاته، لان اليمين عند العرب من دلائل ~~الفرح، والشمال من دلائل الغم. قال الشاعر: (1) أبيني أفي يمنى يديك جعلتني ~~* فأفرح أم صيرتني في شمالك ومعنى: " هاؤم " تعالوا، قاله ابن زيد. وقال ~~مقاتل: هلم. وقيل: أي خذوا، ومنه الخبر في الربا (إلا هاء وهاء) أي يقول كل ~~واحد لصاحبه: خذ. قال ابن السكيت والكسائي: العرب تقول هاء يا رجل اقرأ، ~~وللاثنين هاؤما يا رجلان، وهاؤم يا رجال، وللمرأة هاء (بكسر الهمزة) وهاؤما ~~وهاؤمن. والأصل ها كم فأبدلت الهمزة من الكاف، قاله القتيبي. (2) وقيل: إن ~~" هاؤم " كلمة وضعت لإجابة الداعي عند النشاط والفرح. روي أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ناداه أعرابي بصوت عال فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم " ~~هاؤم " يطول صوته. " وكتابيه " منصوب ب " هاؤم " عند الكوفيين. وعند ~~البصريين ب‍ " اقرؤا " لأنه أقرب العاملين. والأصل " كتابي " فأدخلت الهاء ~~لتبين فتحة الياء، وكان الهاء للوقف، وكذلك في أخواته: " حسابيه "، وماليه، ~~وسلطانيه وفي القارعة " ما هيه ". وقراءة العامة بالهاء فيهن في الوقف ~~والوصل معا، لأنهن وقعن في المصحف بالهاء فلا تترك. وأختار أبو عبيد أن ~~يتعمد الوقف عليها ليوافق اللغة في إلحاق الهاء في السكت ويوافق الخط. وقرأ ~~ابن محيصن ومجاهد وحميد ويعقوب بحذف الهاء في الوصل وإثباتها في الوقف فيهن ~~جمع. # ووافقهم حمزة ms6347 في " ماليه وسلطانيه "، و " ما هيه " في القارعة. وجملة هذه ~~الحروف سبعة. وأختار أبو حاتم قراءة يعقوب ومن معه اتباعا للغة. ومن قرأهن ~~في الوصل بالهاء # PageV18P269 # فهو على نية الوقف. (إني ظننت) أي أيقنت وعلمت، عن ابن عباس وغيره. وقيل: # أي إني ظننت أن يؤاخذني الله بسيئاتي عذبني (1) فقد تفضل علي بعفوه ولم ~~يؤاخذني بها. قال الضحاك: كل ظن في القرآن من المؤمن فهو يقين. ومن الكافر ~~فهو شك. وقال مجاهد: # ظن الآخرة يقين، وظن الدنيا شك. وقال الحسن في هذه الآية: إن المؤمن أحسن ~~الظن بربه فأحسن العمل وإن المنافق أساء الظن بربه فأساء العمل. (أنى ملاق ~~حسابيه) أي في الآخرة ولم أنكر البعث، يعني أنه ما نجا إلا بخوفه من يوم ~~الحساب، لأنه تيقن أن الله يحاسبه فعمل للآخرة. (فهو في عيشة راضية) أي في ~~عيش يرضاه لا مكروه فيه. # وقال أبو عبيدة والفراء: " راضية " أي مرضية، كقولك: ماء دافق، أي مدفوق. # وقيل: ذات رضا، أي يرضى بها صاحبها. مثل لابن وتامر، أي صاحب اللبن ~~والتمر. # وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم (أنهم يعيشون فلا يموتون أبدا ~~ويصحون فلا يمرضون أبدا وينعمون فلا يرون بؤسا أبدا ويشبون فلا يهرمون ~~أبدا). (في جنة عاليه) أي عظيمة في النفوس. (قطوفها دانية) أي قريبة ~~التناول، يتناولها القائم والقاعد والمضطجع على ما يأتي بيانه في سورة " ~~الانسان ". (2) والقطوف جمع قطف (بكسر القاف) وهو ما يقطف من الثمار. ~~والقطف (بالفتح المصدر. والقطاف (بالفتح والكسر) وقت القطف. # (كلوا واشربوا) أي يقال لهم ذلك. (هنيئا) لا تكدير فيه ولا تنغيص. (بما ~~أسلفتم) قدمتم من الأعمال الصالحة. (في الأيام الخالية) أي في الدنيا. ~~وقال: " كلوا " بعد قوله: " فهو في عيشة راضية " لقوله: " فأما من أوتي " و ~~" من " يتضمن معنى الجمع. # وذكر الضحاك أن هذه الآية نزلت في أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد ~~المخزومي، وقاله مقاتل. والآية التي تليها في أخيه الأسود بن عبد الأسد، في ~~قول ابن عباس والضحاك أيضا، قاله الثعلبي. ms6348 ويكون هذا الرجل وأخوه سبب نزول ~~هذه الآيات. ويعم المعنى جميع أهل الشقاوة وأهل السعادة، يدل عليه قوله ~~تعالى: " كلوا وأشربوا ". وقد قيل: # PageV18P270 # إن المراد بذلك كل من كان متبوعا في الخير والشر. فإذا كان الرجل رأسا في ~~الخير، يدعو إليه ويأمر به ويكثر تبعه عليه، دعي باسمه واسم أبيه فيتقدم ~~حتى إذا دنا أخرج له كتاب أبيض بخط أبيض، في باطنه السيئات وفي ظاهره ~~الحسنات فيبدأ بالسيئات فيقرأها فيشفق ويصفر وجهه ويتغير لونه فإذا بلغ آخر ~~الكتاب وجد فيه " هذه سيئاتك وقد غفرت لك " فيفرح عند ذلك فرحا شديدا، ثم ~~يقلب كتابه فيقرأ حسناته فلا يزداد إلا فرحا، حتى إذا بلغ آخر الكتاب وجد ~~فيه " هذه حسناتك قد ضوعفت لك " فيبيض وجهه ويؤتى بتاج فيوضع على رأسه، ~~ويكسى حلتين، ويحلى كل مفصل منه ويطول ستين ذراعا وهي قامة آدم عليه ~~السلام، ويقال له: انطلق إلى أصحابك فأخبرهم وبشرهم أن لكل إنسان منهم مثل ~~هذا. فإذا أدبر قال: هاؤم اقرؤا كتابيه إني ظننت أني ملاق حسابيه. # قال الله تعالى: " فهو في عيشة راضية " أي مرضية قد رضيها " في جنة عالية ~~" في السماء " قطوفها " ثمارها وعناقيدها. " دانية " أدنيت منهم. فيقول ~~لأصحابه: هل تعرفوني؟ # فيقولون: قد غمرتك كرامة، من أنت؟ فيقول: أنا فلان بن فلان أبشر كل رجل ~~منكم بمثل هذا. " كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية " أي ~~قدمتم في أيام الدنيا. # وإذا كان الرجل رأسا في الشر، يدعو إليه ويأمر به فيكثر تبعه عليه، نودي ~~باسمه واسم أبيه فيتقدم إلى حسابه، فيخرج له كتاب أسود بخط أسود في باطنه ~~الحسنات وفي ظاهره السيئات، فيبدأ بالحسنات فيقرأها ويظن أنه سينجو، فإذا ~~بلغ آخر الكتاب وجد فيه " هذه حسناتك وقد ردت عليك " فيسود وجهه ويعلوه ~~الحزن ويقنط من الخير، ثم يقلب كتابه فيقرأ سيئاته فلا يزداد إلا حزنا، ولا ~~يزداد وجهه إلا سوادا، فإذا بلغ آخر الكتاب وجد فيه " هذه سيئاتك وقد ضوعفت ~~عليك " أي يضاعف عليه العذاب. ليس المعنى أنه ms6349 يزاد عليه ما لم يعمل - قال - ~~فيعظم للنار وتزرق عيناه ويسود وجهه، ويكسى سرابيل القطران ويقال له: انطلق ~~إلى أصحابك وأخبرهم أن لكل إنسان منهم مثل هذا، فينطلق وهو يقول: " يا ~~ليتني لم أوت كتابيه. ولم أدر ما حسابيه. يا ليتها كانت القاضية " يتمنى ~~الموت. PageV18P271 # " هلك عنى سلطانيه " تفسير ابن عباس: هلكت عنى حجتي. وهو قول مجاهد ~~وعكرمة والسدي والضحاك. وقال ابن زيد: يعني سلطانيه في الدنيا الذي هو ~~الملك. وكان هذا الرجل مطاعا في أصحابه، قال الله تعالى (خذوه فغلوه) قيل: ~~يبتدره مائة ألف ملك ثم تجمع يده إلى عنقه وهو قوله عز وجل: " فغلوه " أي ~~شدوه بالاغلال (ثم الجحيم صلوه) أي اجعلوه يصلى الجحيم (ثم في سلسلة ذرعها ~~سبعون ذراعا) الله أعلم بأي ذراع، قاله الحسن. وقال ابن عباس: سبعون ذراعا ~~بذراع الملك. وقال نوف: كل ذراع سبعون باعا، وكل باع أبعد ما بينك وبين ~~مكة. وكان في رحبة الكوفة. وقال مقاتل: لو أن حلقة منها وضعت على ذروة جبل ~~لذاب كما يذوب الرصاص. وقال كعب: إن حلقة من السلسلة التي قال الله تعالى ~~ذرعها سبعون ذراعا - أن حلقة منها - مثل جميع حديد الدنيا. (فاسلكوه) قال ~~سفيان: # بلغنا أنها تدخل في دبره حتى تخرج من فيه. وقاله مقاتل. والمعنى ثم ~~أسلكوا فيه سلسلة. # وقيل: تدخل عنقه فيها ثم يجربها. وجاء في الخبر: أنها تدخل من دبره وتخرج ~~من منخريه. وفي خبر آخر: تدخل من فيه وتخرج من دبره، فينادي أصحابه هل ~~تعرفوني؟ # فيقولون لا، ولكن قد نرى ما بك من الخزي فمن أنت؟ فينادي أصحابه أنا فلان ~~بن فلان، لكل إنسان منكم مثل هذا. # قلت: وهذا التفسير أصح ما قيل في هذه الآية، يدل عليه قوله تعالى: " يوم ~~ندعو كل أناس بإمامهم " (1) [الاسراء: 71]. وفي الباب حديث أبي هريرة ~~بمعناه خرجه الترمذي. وقد ذكرناه في سورة " سبحان " (1) فتأمله هناك. (إنه ~~كان لا يؤمن بالله العظيم. ولا يحض على طعام المسكين) أي على الاطعام، كما ~~يوضع العطاء موضع الاعطاء. قال ms6350 الشاعر: # أكفرا بعد رد الموت عني * وبعد عطائك المائة الرتاعا (2) # PageV18P272 # أراد بعد إعطائك. فبين أنه عذب على ترك الاطعام وعلى الامر بالبخل، كما ~~عذب بسبب الكفر. والحض: التحريض والحث. وأصل " طعام " أن يكون منصوبا ~~بالمصدر المقدر. والطعام عبارة عن العين، وأضيف للمسكين للملابسة التي ~~بينهما. ومن أعمل الطعام كما يعمل الاطعام فموضع المسكين نصب. والتقدير على ~~إطعام المطعم المسكين، فحذف الفاعل وأضيف المصدر إلى المفعول. # قوله تعالى: فليس له اليوم ههنا حميم 35 ولا طعام إلا من غسلين 36 لا ~~يأكله إلا الخاطئون 37 قوله تعالى: (فليس له اليوم ها هنا حميم) خبر " ليس ~~" قوله: " له " ولا يكون الخبر قوله: " ها هنا " لان المعنى يصير: ليس ها ~~هنا طعام إلا من غسلين، ولا يصح ذلك، لان ثم طعاما غيره. و " ها هنا " ~~متعلق بما في " له " من معنى الفعل. والحميم ها هنا القريب. أي ليس له قريب ~~يرق له ويدفع عنه. وهو مأخوذ من الحميم وهو الماء الحار، كأنه الصديق الذي ~~يرق ويحترق قلبه له. والغسلين فعلين من الغسل، فكأنه ينغسل من أبدانهم، وهو ~~صديد أهل النار السائل من جروحهم وفروجهم، عن ابن عباس. وقال الضحاك ~~والربيع بن أنس: هو شجر يأكله أهل النار. والغسل (بالكسر): ما يغسل به ~~الرأس من خطمي وغيره. الأخفش: ومنه الغسلين، وهو ما انغسل من لحوم أهل ~~النار ودمائهم. وزيد فيه الياء والنون كما زيد في عفرين. وقال قتادة: هو شر ~~الطعام وأبشعه. ابن زيد: لا يعلم ما هو ولا الزقوم. وقال في موضع آخر: " ~~ليس لهم طعام إلا من ضريع " (1) [الغاشية: 6] يجوز أن يكون الضريع من ~~الغسلين. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى فليس له اليوم ها هنا حميم ~~إلا من غسلين، ويكون الماء الحار. " ولا طعام " أي وليس لهم طعام ينتفعون ~~به. # (لا يأكله إلا الخاطئون) أي المذنبون. وقال ابن عباس: يعني المشركين. ~~وقرئ # PageV18P273 # " الخاطيون " بإبدال الهمزة ياء، و " الخاطون " بطرحها. وعن ابن عباس: ما ~~الخاطون! # كلنا نخطو. وروى أبو الأسود الدؤلي: ما ms6351 الخاطون؟ إنما هو الخاطئون. ما ~~الصابون! # إنما هو الصابئون. ويجوز أن يراد الذي يتخطون الحق إلى الباطل ويتعدون ~~حدود الله عز وجل. # قوله تعالى: فلا أقسم بما تبصرون 38 وما لا تبصرون 39 إنه لقول رسول كريم ~~40 قوله تعالى: (فلا أقسم بما تبصرون. وما لا تبصرون) المعنى أقسم بالأشياء ~~كلها ما ترون منها وما لا ترون. و " لا " صلة. وقيل: هو رد لكلام سبق، أي ~~ليس الامر كما يقوله المشركون. وقال مقاتل: سبب ذلك أن الوليد بن المغيرة ~~قال: إن محمدا ساحر. وقال أبو جهل: شاعر. وقال عقبة: كاهن، فقال الله عز ~~وجل: " فلا أقسم " أي أقسم. # وقيل: " لا " ها هنا نفي للقسم، أي لا يحتاج في هذا إلى قسم لوضوح الحق ~~في ذلك، وعلى هذا فجوابه كجواب القسم. (إنه) يعني القرآن (لقول رسول كريم) ~~يريد جبريل، قاله الحسن والكلبي ومقاتل. دليله: " إنه لقول رسول كريم. ذي ~~قوة عند ذي العرش " (1) [التكوير: 19 - 20]. # وقال الكلبي أيضا والقتبي: الرسول ها هنا محمد صلى الله عليه وسلم، ~~لقوله: " وما هو بقول شاعر " وليس القرآن قول الرسول صلى الله عليه وسلم، ~~إنما هو من قول الله عز وجل ونسب القول إلى الرسول لأنه تاليه ومبلغه ~~والعامل به، كقولنا: هذا قول مالك. # قوله تعالى: وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون 41 ولا بقول كاهن قليلا ما ~~تذكرون 42 # PageV18P274 # قوله تعالى: (وما هو بقول شاعر) لأنه مباين لصنوف الشعر كلها. (ولا بقول ~~كاهن) لأنه ورد بسب الشياطين وشتمهم فلا ينزلون شيئا على من يسبهم. و " ما ~~" زائدة في قوله: " قليلا ما تؤمنون "، " قليلا ما تذكرون "، والمعنى: ~~قليلا تؤمنون وقليلا تذكرون. # وذلك القليل من إيمانهم هو أنهم إذا سئلوا من خلقهم قالوا: الله. ولا ~~يجوز أن تكون " ما " مع الفعل مصدرا وتنصب " قليلا " بما بعد " ما "، لما ~~فيه من تقديم الصلة على الموصول، لان ما عمل فيه المصدر من صلة المصدر. ~~وقرأ ابن محيصن وابن كثير وابن عامر ويعقوب " ما يؤمنون "، و " يذكرون " ~~بالياء. ms6352 الباقون بالتاء لان الخطاب قبله وبعده. أما قبله فقوله: " تبصرون " ~~وأما بعده: " فما منكم " الآية. # قوله تعالى: تنزيل من رب العلمين 43 قوله تعالى: (تنزيل) أي هو تنزيل. ~~(من رب العالمين) وهو عطف على قوله: # " إنه لقول رسول كريم " [الحاقة: 40]، أي إنه لقوله رسول كريم، وهو تنزيل ~~من رب العالمين. # قوله تعالى: ولو تقول علينا بعض الأقاويل 44 لاخذنا منه باليمين 45 ثم ~~لقطعنا منه الوتين 46 قوله تعالى: (ولو تقول علينا بعض الأقاويل) " تقول " ~~أي تكلف وأتى بقول من قبل نفسه. وقرئ " ولو تقول " على البناء للمفعول. ~~(لاخذنا منه باليمين) أي بالقوة والقدرة، أي لأخذناه بالقوة. و " من " صلة ~~زائدة. وعبر عن القوة والقدرة باليمين لان قوة كل شئ في ميامنه، قاله ~~القتبي. وهو معنى قول ابن عباس ومجاهد. ومنه قول الشماخ: # إذ ما راية رفعت لمجد * تلقاها عرابة باليمين أي بالقوة. عرابة أسم رجل ~~(1) من الأنصار من الأوس. وقال آخر: # PageV18P275 # ولما رأيت الشمس أشرق نورها * تناولت منها حاجتي بيميني وقال السدي ~~والحكم: " باليمين " بالحق. قال: # * تلقاها عرابة باليمين * أي بالاستحقاق. وقال الحسن: لقطعنا يده اليمين. ~~وقيل: المعنى لقبضنا بيمينه عن التصرف، قاله نفطويه. وقال أبو جعفر الطبري: ~~إن هذا الكلام خرج مخرج الاذلال على عادة الناس في الاخذ بيد من يعاقب. كما ~~يقول السلطان لمن يريد هوانه: خذوا يديه. # أي لامرنا بالأخذ بيده وبالغنا في عقابه. (ثم لقطعنا منه الوتين) يعني ~~نياط القلب، أي لأهلكناه. وهو عرق يتعلق به القلب إذا أنقطع مات صاحبه، ~~قاله ابن عباس وأكثر الناس. قال: # إذا بلغتني وحملت رحلي * عرابة فاشرقي (1) بدم الوتين وقال مجاهد: هو حبل ~~القلب الذي في الظهر وهو النخاع، فإذا انقطع بطلت القوى ومات صاحبه. ~~والموتون الذي قطع وتينه. وقال محمد بن كعب: إنه القلب ومراقه وما يليه. # قال الكلبي: إنه عرق بين العلباء والحلقوم. والعلباء: عصب العنق. وهما ~~علباوان بينهما ينبت العرق. وقال عكرمة: إن الوتين إذا قطع لا إن جاع عرف، ~~ولا إن شبع عرف. # قوله تعالى: ms6353 فما منكم من أحد عنه حاجزين 47 وإنه لتذكرة للمتقين 48 قوله ~~تعالى: (فما منكم من أحد عنه حاجزين) " ما " نفي و " أحد " في معنى الجمع، ~~فلذلك نعته بالجمع، أي فما منكم قوم يحجزون عنه كقوله تعالى: " لا نفرق بين ~~أحد من رسله " (2) [البقرة: 285] هذا جمع، لان " بين " لا تقع إلا على ~~اثنين فما زاد. قال النبي صلى الله عليه وسلم: # (لم تحل الغنائم لاحد سود الرؤوس قبلكم). لفظه واحد ومعناه الجمع. و " من ~~" زائدة. # PageV18P276 # والحجز: المنع. و " حاجزين " يجوز أن يكون صفة لاحد على المعنى كما ~~ذكرنا، فيكون في موضع جر. والخبر " منكم ". ويجوز أن يكون منصوبا على أنه ~~خبر و " منكم " ملغى، ويكون متعلقا ب‍ " حاجزين ". ولا يمنع الفصل به من ~~انتصاب الخبر في هذا، كما لم يمتنع الفصل به في " إن فيك زيدا راغب ". # قوله تعالى: (وإنه) يعني القرآن (لتذكرة للمتقين) أي للخائفين الذين ~~يخشون الله. # ونظيره: " فيه هدى للمتقين " [البقرة: 2] على ما بيناه أول سورة (1) ~~البقرة. وقيل: المراد محمد صلى الله عليه وسلم، أي هو تذكرة ورحمة ونجاة. # قوله تعالى: وإنا لنعلم أن منكم مكذبين 49 وإنه لحسرة على الكافرين 50 ~~وإنه لحق اليقين 51 فسبح باسم ربك العظيم 52 قوله تعالى: (وإنا لنعلم أن ~~منكم مكذبين) قال الربيع: بالقرآن. (وإنه لحسرة) يعني التكذيب. والحسرة: ~~الندامة. وقيل: أي وإن القرآن لحسرة على الكافرين يوم القيامة إذا رأوا ~~ثواب من آمن به. وقيل: هي حسرتهم في الدنيا حين لم يقدروا على معارضته عند ~~تحديهم أن يأتوا بسورة مثله. (وإنه لحق اليقين) يعني أن القرآن العظيم ~~تنزيل من الله عزو جل، فهو لحق اليقين. وقيل: أي حقا يقينا ليكونن ذلك حسرة ~~عليهم يوم القيامة. # فعلى هذا " وإنه لحسرة " أي لتحسر، فهو مصدر بمعنى التحسر، فيجوز تذكيره. ~~وقال ابن عباس: إنما هو كقولك: لعين اليقين ومحض اليقين. ولو كان اليقين ~~نعتا لم يجز أن يضاف إليه، كما لا تقول: هذا رجل الظريف. وقيل: أضافه إلى ~~نفسه لاختلاف اللفظين. (فسبح ms6354 باسم ربك العظيم) أي فصل لربك، قاله ابن عباس. ~~وقيل: أي نزه الله عن السوء والنقائص. # PageV18P277 # سورة المعارج وهي مكية باتفاق. وهي أربع وأربعون آية بسم الله الرحمن ~~الرحيم قوله تعالى: سأل سائل بعذاب واقع 1 للكافرين ليس له دافع 2 من الله ~~ذي المعارج 3 تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة 4 ~~قوله تعالى: (سأل سائل بعذاب واقع) قرأ نافع وابن عامر " سال سايل " بغير ~~همزة. الباقون بالهمز. فمن همز فهو من السؤال. والباء يجوز أن تكون زائدة، ~~ويجوز أن تكون بمعنى عن. والسؤال بمعنى الدعاء، أي دعا داع بعذاب، عن ابن ~~عباس وغيره. # يقال: دعا على فلان بالويل، ودعا عليه بالعذاب. ويقال: دعوت زيدا، أي ~~التمست إحضاره. أي التمس ملتمس عذابا للكافرين، وهو واقع بهم لا محالة يوم ~~القيامة. وعلى هذا فالباء زائدة، كقوله تعالى: " تنبت بالدهن " (1) ~~[المؤمنون: 20]، وقوله. " وهزي إليك بجذع النخلة " (2) [مريم: 25] فهي ~~تأكيد. أي سأل سائل عذابا واقعا. (للكافرين) أي على الكافرين. وهو النضر ~~ابن الحارث حيث قال: " اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة ~~من السماء أو ائتنا بعذاب أليم " (3) [الأنفال: 32] فنزل سؤاله، وقتل يوم ~~بدر صبرا (4) هو وعقبة بن أبي معيط، لم يقتل صبرا غيرهما، قاله ابن عباس ~~ومجاهد. وقيل: إن السائل هنا هو الحارث بن النعمان الفهري. وذلك أنه لما ~~بلغه قول النبي صلى الله عليه وسلم في علي رضي الله عنه: (من كنت مولاه ~~فعلي مولاه) ركب ناقته فجاء حتى أناخ راحلته بالأبطح ثم قال: يا محمد، ~~أمرتنا عن الله أن نشهد أن لا إله # PageV18P278 # إلا الله وأنك رسول الله فقبلناه منك، وأن نصلي خمسا فقبلناه منك، ونزكي ~~أموالنا فقبلناه منك، وأن نصوم شهر رمضان في كل عام فقبلناه منك، وأن نحج ~~فقبلناه منك، ثم لم ترض بهذا حتى فضلت ابن عمك علينا! أفهذا شئ منك أم من ~~الله؟! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (والله الذي لا إله إلا هو ما ms6355 هو ~~إلا من الله) فولى الحارث وهو يقول: اللهم إن كان ما يقول محمد حقا فأمطر ~~علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم. فوالله ما وصل إلى ناقته حتى ~~رماه الله بحجر فوقع على دماغه فخرج من دبره فقتله، فنزلت: " سأل سائل ~~بعذاب واقع " الآية. وقيل: # إن السائل هنا أبو جهل وهو القائل لذلك، قاله الربيع. وقيل: إنه قول ~~جماعة من كفار قريش. # وقيل: هو نوح عليه السلام سأل العذاب على الكافرين. وقيل: هو رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أي دعا عليه السلام بالعقاب وطلب أن يوقعه الله ~~بالكفار، وهو واقع بهم لا محالة. وامتد الكلام إلى قوله تعالى: " فاصبر ~~صبرا جميلا " [المعارج: 5] أي لا تستعجل فإنه قريب. وإذا كانت الباء بمعنى ~~عن - وهو قول قتادة - فكأن سائلا سأل عن العذاب بمن يقع أو متى يقع. قال ~~الله تعالى: # " فاسأل به خبيرا " (1) [الفرقان: 59] أي سل عنه. وقال علقمة: # فإن تسألوني بالنساء فإنني * بصير بأدواء النساء طبيب أي عن النساء. ~~ويقال: خرجنا نسأل عن فلان وبفلان. فالمعنى سألوا بمن يقع العذاب ولمن يكون ~~فقال الله: " للكافرين ". قال أبو علي وغيره: وإذا كان من السؤال فأصله أن ~~يتعدى إلى مفعولين ويجوز الاقتصار على أحدهما. وإذا اقتصر على أحدهما جاز ~~أن يتعدى إليه بحرف جر، فيكون التقدير سأل سائل النبي صلى الله عليه وسلم ~~أو المسلمين بعذاب أو عن عذاب. ومن قرأ بغير همز فله وجهان: أحدهما: أنه ~~لغة في السؤال وهي لغة قريش، تقول العرب: سال يسال، مثل نال ينال وخاف ~~يخاف. والثاني أن يكون من السيلان، ويؤيده قراءة ابن عباس " سال سيل ". قال ~~عبد الرحمن بن زيد: سال واد من أودية جهنم يقال له: # PageV18P279 # سائل، وهو قول زيد بن ثابت. قال الثعلبي: والأول أحسن، كقول الأعشى (1) ~~في تخفيف الهمزة: # سالتاني الطلاق إذ رأتاني * قل مالي قد جئتماني بنكر وفي الصحاح: قال ~~الأخفش: يقال خرجنا نسأل عن فلان وبفلان. وقد تخفف همزته فيقال: # سال يسال. وقال: # ومرهق سال إمتاعا بأصدته ms6356 * لم يستعن وحوامي الموت تغشاه (2) المرهق: الذي ~~أدرك ليقتل. والأصدة بالضم: قميص صغير يلبس تحت الثوب. المهدوي: # من قرأ " سال " جاز أن يكون خفف الهمزة بإبدالها ألفا، وهو البدل على غير ~~قياس. # وجاز أن تكون الألف منقلبة عن واو على لغة من قال: سلت أسال، كخفت أخاف. # النحاس: حكى سيبويه سلت أسال، مثل خفت أخاف، بمعنى سألت. وأنشد: # سالت هذيل رسول الله فاحشة * ضلت هذيل بما سالت ولم تصب (3) ويقال: هما ~~يتساولان. المهدوي: وجاز أن تكون مبدلة من ياء، من سال يسيل. ويكون سايل ~~واديا في جهنم، فهمزة سايل على القول الأول أصلية، وعلى الثاني بدل من واو، ~~وعلى الثالث بدل من ياء. القشيري: وسائل مهموز، لأنه إن كان من سأل بالهمز ~~فهو مهموز، وإن كان من غير الهمز كان مهموزا أيضا، نحو قائل وخائف، لان ~~العين اعتل في الفعل واعتل في اسم الفاعل أيضا. ولم يكن الاعتلال بالحذف ~~لخوف الالتباس، فكان بالقلب إلى الهمزة، ولك تخفيف الهمزة حتى تكون بين ~~بين. " واقع " أي يقع بالكفار بين # PageV18P280 # أنه من الله ذي المعارج. وقال الحسن أنزل الله تعالى: " سأل سائل بعذاب ~~واقع " فقال لمن هو؟ # فقال للكافرين، فاللام في الكافرين متعلقة ب‍ " واقع ". وقال الفراء: ~~التقدير بعذاب للكافرين واقع، فالواقع من نعت العذاب واللام دخلت للعذاب لا ~~للواقع، أي هذا العذاب للكافرين في الآخرة لا يدفعه عنهم أحد. وقيل إن ~~اللام بمعنى على، والمعنى: واقع على الكافرين. وروي أنها في قراءة أبي ~~كذلك. وقيل: بمعنى عن، أي ليس له دافع عن الكافرين من الله. أي ذلك العذاب ~~من الله ذي المعارج أي ذي العلو والدرجات الفواضل والنعم، قاله ابن عباس ~~وقتادة فالمعارج مراتب إنعامه على الخلق وقيل ذي العظمة والعلاء وقال ~~مجاهد: هي معارج السماء. وقيل: هي معارج الملائكة، لان الملائكة تعرج إلى ~~السماء فوصف نفسه بذلك. # وقيل: المعارج الغرف، أي إنه ذو الغرف، أي جعل لأوليائه في الجنة غرفا. ~~وقرأ عبد الله " ذي المعاريج " بالياء. يقال: معرج ومعراج ومعارج ومعاريج، ms6357 ~~مثل مفتاح ومفاتيح. # والمعارج الدرجات، ومنه: " ومعارج عليها يظهرون " (1) [الزخرف: 33]. ~~(تعرج الملائكة والروح) أي تصعد في المعارج التي جعلها الله لهم. وقرأ ابن ~~مسعود وأصحابه والسلمي والكسائي " يعرج " بالياء على إرادة الجمع، ولقوله: ~~ذكروا الملائكة ولا تؤنثوهم. وقرأ الباقون بالتاء على إرادة الجماعة. " ~~والروح " جبريل عليه السلام، قاله ابن عباس. دليله قوله تعالى: " نزل به ~~الروح الأمين " (2) [الشعراء: 193]. وقيل: هو ملك آخر عظيم الخلقة. وقال ~~أبو صالح: إنه خلق من خلق الله كهيئة الناس وليس بالناس. قال قبيصة بن ~~ذؤيب: إنه روح الميت حين يقبض. # " إليه " أي إلى المكان الذي هو محلهم وهو في السماء، لأنها محل بره ~~وكرامته. وقيل: هو كقول إبراهيم " إني ذاهب إلى ربي " (3) [الصافات: 99]. ~~أي إلى الموضع الذي أمرني به. وقيل: # " إليه " أي إلى عرشه. (في يوم كان مقداره خمسين ألف سنه) قال وهب ~~والكلبي ومحمد ابن إسحاق: أي عروج الملائكة إلى المكان الذي هو محلهم في ~~وقت كان مقداره على غيرهم # PageV18P281 # لو صعد خمسين ألف سنة. وقال وهب أيضا: ما بين أسفل الأرض إلى العرش مسيرة ~~خمسين ألف سنة. وهو قول مجاهد. وجمع بين هذه الآية وبين قوله: " في يوم كان ~~مقداره ألف سنة " في سورة السجدة، (1) فقال: " في يوم كان مقداره خمسين ألف ~~سنة " من منتهى أمره من أسفل الأرضين إلى منتهى أمره من فوق السماوات خمسون ~~ألف سنة. وقوله تعالى في (آلم تنزيل): " في يوم كان مقداره ألف سنة " ~~[السجدة: 5] يعني بذلك نزول الامر من سماء الدنيا إلى الأرض، ومن الأرض إلى ~~السماء في يوم واحد فذلك مقدار ألف سنة لان ما بين السماء إلى الأرض مسيرة ~~خمسمائة عام. وعن مجاهد أيضا والحكم وعكرمة: هو مدة عمر الدنيا من أول ما ~~خلقت إلى آخر ما بقي خمسون ألف سنة. لا يدري أحدكم مضى ولا كم بقي إلا الله ~~عز وجل. وقيل: المراد يوم القيامة، أي مقدار الحكم فيه لو تولاه مخلوق ~~خمسون ألف سنة، قاله عكرمة أيضا والكلبي ومحمد بن كعب. يقول سبحانه ms6358 وتعالى ~~وأنا أفرغ منه في ساعة. # وقال الحسن: هو يوم القيامة، ولكن يوم القيامة لا نفاد له فالمراد ذكر ~~موقفهم للحساب فهو في خمسين ألف سنة من سني الدنيا، ثم حينئذ يستقر أهل ~~الدارين في الدارين. وقال يمان: هو يوم القيامة، فيه خمسون موطنا كل موطن ~~ألف سنة. وقال ابن عباس: هو يوم القيامة، جعله الله على الكافرين مقدار ~~خمسين ألف سنة، ثم يدخلون النار للاستقرار. # قلت: وهذا القول أحسن ما قيل في الآية إن شاء الله، بدليل ما رواه قاسم ~~بن أصبغ من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ". فقلت: ما أطول هذا! فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده إنه ليخفف عن المؤمن حتى يكون أخف عليه ~~من صلاة المكتوبة يصليها في الدنيا). # واستدل النحاس على صحة هذا القول بما رواه سهيل عن أبيه عن أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما من رجل لم يؤد زكاة ماله إلا جعل ~~شجاعا (2) من نار تكوى به جبهته وظهره وجنباه في يوم كان مقداره خمسين ألف ~~سنة حتى يقضي الله بين الناس). # PageV18P282 # قال: فهذا يدل على أنه يوم القيامة. وقال إبراهيم التيمي: ما قدر ذلك ~~اليوم على المؤمن إلا قدر ما بين الظهر والعصر. وروي هذا المعنى مرفوعا من ~~حديث معاذ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يحاسبكم الله تعالى ~~بمقدار ما بين الصلاتين ولذلك سمى نفسه سريع الحساب وأسرع الحاسبين). ذكره ~~الماوردي. وقيل: بل يكون الفراغ لنصف يوم، كقوله تعالى: " أصحاب الجنة ~~يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا " (1) [الفرقان: 24]. وهذا على قدر فهم ~~الخلائق، وإلا فلا يشغله شأن عن شأن. وكما يرزقهم في ساعة كذا يحاسبهم في ~~لحظة، قال الله تعالى: " ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة " (2) [لقمان: ~~28]. وعن ابن عباس أيضا أنه سئل عن هذه الآية وعن قوله تعالى: " في يوم كان ~~مقداره ألف سنة " [السجدة: 5] فقال: ms6359 أيام سماها الله عز وجل هو أعلم بها ~~كيف تكون، وأكره أن أقول فيها ما لا أعلم. وقيل: معنى ذكر خمسين ألف سنة ~~تمثيل، وهو تعريف طول مدة القيامة في الموقف، وما يلقى الناس فيه من ~~الشدائد. والعرب تصف أيام الشدة بالطول، وأيام الفرح بالقصر، قال الشاعر: # ويوم كظل الرمح قصر طوله * دم الزق عنا واصطفاق المزاهر (3) وقيل: في ~~الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: سأل سائل بعذاب واقع للكافرين ليس له من ~~الله دافع، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة تعرج الملائكة والروح إليه. ~~وهذا القول هو معنى ما اخترناه، والموفق الإله. # قوله تعالى: فاصبر صبرا جميلا 5 إنهم يرونه بعيدا 6 ونراه قريبا 7 # PageV18P283 # قوله تعالى: (فاصبر صبرا جميلا) أي على أذى قومك. والصبر الجميل: هو الذي ~~لا جزع فيه ولا شكوى لغير الله. وقيل: هو أن يكون صاحب المصيبة في القوم لا ~~يدرى من هو. # والمعنى متقارب. وقال ابن زيد: هي منسوخة بآية السيف. (إنهم يرونه بعيدا) ~~يريد أهل مكة يرون العذاب بالنار بعيدا، أي غير كائن. (ونراه قريبا) لان ما ~~هو آت فهو قريب. وقال الأعمش: يرون البعث بعيدا لأنهم لا يؤمنون كأنهم ~~يستبعدونه على جهة الإحالة. كما تقول لمن تناظره: هذا بعيد لا يكون! وقيل: ~~أي يرون هذا اليوم بعيدا " ونراه " أي نعلمه، لان الرؤية إنما تتعلق ~~بالموجود. وهو كقولك: الشافعي يرى في هذه المسألة كذا وكذا. # قوله تعالى: يوم تكون السماء كالمهل 8 وتكون الجبال كالعهن 9 ولا يسئل ~~حميم حميما 10 قوله تعالى: (يوم تكون السماء كالمهل) العامل في " يوم " " ~~واقع "، تقديره يقع بهم العذاب يوم. وقيل: " نراه " أو " يبصرونهم " أو ~~يكون بدلا من قريب. والمهل: # دردي الزيت وعكره، في قول ابن عباس وغيره. وقال ابن مسعود: ما أذيب من ~~الرصاص والنحاس والفضة. وقال مجاهد: " كالمهل " كقيح من دم وصديد. وقد مضى ~~في سورة " الدخان "، و " الكهف " القول (1) فيه. (وتكون الجبال كالعهن) أي ~~كالصوف المصبوغ. # ولا يقال للصوف عهن إلا أن يكون مصبوغا. وقال ms6360 الحسن: " وتكون الجبال ~~كالعهن " وهو الصوف الأحمر، وهو أضعف الصوف. ومنه قول زهير: # كأن فتات العهن في كل منزل * نزلن به حب الفنا لم يحطم (2) # PageV18P284 # الفتات القطع. والعهن الصوف الأحمر، واحده عهنة. وقيل: العهن الصوف ذو ~~الألوان، فشبه الجبال به في تلونها ألوانا. والمعنى: أنها تلين بعد الشدة، ~~وتتفرق بعد الاجتماع. وقيل: أول ما تتغير الجبال تصير رملا (1) مهيلا، ثم ~~عهنا منفوشا، ثم هباء منبثا. # (ولا يسأل حميم حميما) أي عن شأنه لشغل كل إنسان بنفسه، قاله قتادة. كما ~~قال تعالى: # " لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه " (2) [عبس: 37]. وقيل: لا يسأل حميم عن ~~حميم، فحذف الجار ووصل الفعل. وقراءة العامة " يسأل " بفتح الياء. وقرأ ~~شيبة والبزي عن عاصم " ولا يسأل بالضم على ما لم يسم فاعله، أي لا يسأل ~~حميم عن حميمه ولا ذو قرابة عن قرابته، بل كل إنسان يسأل عن عمله. نظيره: " ~~كل نفس بما كسبت (2) رهينة " [المدثر: 38]. # قوله تعالى: يبصرونهم يود المجرم لو يفتدى من عذاب يومئذ ببنيه 11 ~~وصاحبته وأخيه 12 وفصيلته التي تؤيه 13 ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه 14 ~~قوله تعالى: (يبصرونهم) أي يرونهم. وليس في القيامة مخلوق إلا وهو نصب عين ~~صاحبه من الجن والإنس. فيبصر الرجل أباه وأخاه وقرابته وعشيرته ولا يسأله ~~ولا يكلمه، لاشتغالهم بأنفسهم. وقال ابن عباس: يتعارفون ساعة ثم لا ~~يتعارفون بعد تلك الساعة. # وفي بعض الاخبار: أن أهل القيامة يفرون من المعارف مخافة المظالم. وقال ~~ابن عباس أيضا: # " يبصر ونهم " يبصر بعضهم بعضا فيتعارفون ثم يفر بعضهم من بعض. فالضمير ~~في " يبصرونهم " على هذا للكفار، والميم للأقرباء. وقال مجاهد: المعنى يبصر ~~الله المؤمنين الكفار في يوم القيامة، فالضمير في يبصرونهم " للمؤمنين، ~~والهاء والميم للكفار. ابن زيد: المعنى يبصر الله # PageV18P285 # الكفار في النار الذين أضلوهم في الدنيا، فالضمير في " يبصرونهم " ~~للتابعين، والهاء والميم للمتبوعين. وقيل: إنه يبصر المظلوم ظالمه والمقتول ~~قاتله. وقيل: " يبصرونهم " يرجع إلى الملائكة، أي يعرفون أحوال الناس ~~فيسوقون كل فريق إلى ما يليق بهم. وتم ms6361 الكلام عند قوله: " يبصرونهم ". ثم ~~قال: (يود المجرم) أي يتمنى الكافر. (لو يفتدى من عذاب يومئذ) يعني من عذاب ~~جهنم بأعز من كان عليه في الدنيا من أقاربه فلا يقدر. # ثم ذكرهم فقال: (ببنيه. وصاحبته) زوجته. (وأخيه. وفصيلته) أي عشيرته. # (التي تؤويه) تنصره، قاله مجاهد وابن زيد. وقال مالك: أمه التي تربيه. ~~حكاه الماوردي ورواه عنه أشهب. وقال أبو عبيدة: الفصيلة دون القبيلة. وقال ~~ثعلب: هم آباؤه الأدنون. # وقال المبرد: الفصيلة القطعة من أعضاء الجسد، وهي دون القبيلة. وسميت ~~عترة الرجل فصيلته تشبيها بالبعض منه. وقد مضى في سورة " الحجرات " القول ~~في القبيلة وغيرها. (1) وهنا مسألة، وهي: إذا حبس على فصيلته أو أوصى لها ~~فمن أدعى العموم حمله على العشيرة، ومن أدعى الخصوص حمله على الآباء، ~~الأدنى فالأدنى. والأول أكثر في النطق. والله أعلم. # ومعنى: " تؤويه " تضمه وتؤمنه من خوف إن كان به. (ومن في الأرض جميعا) أي ~~ويود لو فدي بهم لافتدى (ثم ينجيه) أي يخلصه ذلك الفداء. فلا بد من هذا ~~الاضمار، كقوله: # " وإنه لفسق " (2) أي وإن أكله لفسق. وقيل: " يود المجرم " يقتضي جوابا ~~بالفاء، كقوله: " ودوا لو تدهن فيدهنون " (3) [القلم: 9]. والجواب في هذه ~~الآية " ثم ينجيه " لأنها من حروف العطف، أي يود المجرم لو يفتدى فينجيه ~~الافتداء. # قوله تعالى: كلا إنها لظى 15 نزاعة للشوى 16 تدعوا من أدبر وتولى 17 وجمع ~~فأوعى 18 # PageV18P286 # قوله تعالى: (كلا) تقدم القول في " كلا " وأنها تكون بمعنى حقا، وبمعنى ~~(1) لا. وهي هنا تحتمل الامرين، فإذا كانت بمعنى حقا كان تمام الكلام " ~~ينجيه ". وإذا كانت بمعنى لا كان تمام الكلام عليها، أي ليس ينجيه من عذاب ~~الله الافتداء ثم قال: (إنها لظى) أي هي جهنم، أي تتلظى نيرانها، كقوله ~~تعالى: " فأنذرتكم نارا (2) تلظى " [الليل: 14] واشتقاق لظى من التلظي. ~~والتظاء النار التهابها، وتلظيها تلهبها. وقيل: كان أصلها " لظظ " أي ما ~~دامت لدوام عذابها، فقلبت إحدى الظائين ألفا فبقيت لظى. وقيل: هي الدركة ~~الثانية من طبقات جهنم. وهي اسم مؤنث معرفة فلا ينصرف. ms6362 (نزاعة للشوى) قرأ ~~أبو جعفر وشيبة ونافع وعاصم في رواية أبي بكر عنه والأعمش وأبو عمرو وحمزة ~~والكسائي " نزاعة " بالرفع. وروى أبو عمرو عن عاصم " نزاعة " بالنصب. فمن ~~رفع فله خمسة أوجه: أحدها أن تجعل " لظى " خبر " إن " وترفع " نزاعة " ~~بإضمار هي، فمن هذا الوجه يحسن الوقف على " لظى ". والوجه الثاني أن تكون " ~~لظى " و " نزاعة " خبران لان. كما تقول إنه خلق مخاصم. والوجه الثالث أن ~~تكون " نزاعة " بدلا من " لظى " و " لظى " خبر " إن ". والوجه الرابع أن ~~تكون " لظى " بدلا من أسم " إن " و " نزاعة " خبر " إن ". # والوجه الخامس أن يكون الضمير في إنها للقصة و " لظى " مبتدأ و " نزاعة " ~~خبر الابتداء والجملة خبر " إن " والمعنى: أن القصة والخبر لظى نزاعة للشوى ~~ومن نصب " نزاعة " حسن له أن يقف على " لظى " وينصب " نزاعة " على القطع من ~~" لظى " إذ كانت نكرة متصلة بمعرفة. ويجوز نصبها على الحال المؤكدة، كما ~~قال: " وهو الحق مصدقا " (3) [البقرة: 91]. ويجوز أن تنصب على معنى أنها ~~تتلظى نزاعة، أي في حال نزعها للشوى. والعامل فيها ما دل عليه الكلام من ~~معنى التلظي. ويجوز أن يكون حالا، على أنه حال للمكذبين بخبرها. ويجوز ~~نصبها # PageV18P287 # على القطع، كما تقول: مررت بزيد العاقل الفاضل. فهذه خمسة أوجه للنصب ~~أيضا. # والشوى. جمع شواة وهي جلدة الرأس. قال الأعشى: # قالت قتيلة ماله * قد جللت شيبا شواته وقال آخر: # لأصبحت هدتك الحوادث هدة * لها فشواة الرأس باد قتيرها القتير: الشيب. ~~وفي الصحاح: " والشوى: جمع شواة وهي جلدة الرأس ". والشوى: # اليدان والرجلان والرأس من الآدميين، وكل ما ليس مقتلا. يقال: رماه ~~فأشواه إذا لم يصب المقتل. قال الهذلي: # فإن من القول التي لا شوى لها * إذا زل عن ظهر اللسان انفلاتها يقول: إن ~~من القول كلمة لا تشوي ولكن تقتل. قال الأعشى: # قالت قتيلة ماله * قد جللت شيبا شواته قال أبو عبيد: أنشدها أبو الخطاب ~~الأخفش أبا عمرو بن العلاء فقال له: " صحفت! إنما هو سراته، أي نواحيه (1) ~~فسكت أبو الخطاب ثم قال ms6363 لنا: بل هو صحف، إنما هو شواته ". # وشوى الفرس: قوائمه، لأنه يقال: عبل (2) الشوى، ولا يكون هذا للرأس، ~~لأنهم وصفوا الخيل بإسالة الخدين وعتق الوجه وهو رقته. والشوى: رذال المال. ~~والشوى: هو الشئ الهين اليسير. وقال ثابت البناني والحسن: " نزاعة للشوى " ~~أي لمكارم وجهه. أبو العالية: # لمحاسن وجهه. قتادة: لمكارم خلقته وأطرافه. وقال الضحاك: تفري اللحم ~~والجلد عن العظم حتى لا تترك منه شيئا. وقال الكسائي: هي المفاصل. وقال بعض ~~الأئمة: هي القوائم والجلود. قال أمرؤ القيس: # سليم الشظى عبل الشوى شنج النساء * له حجبات مشرفات على الفال (3) # PageV18P288 # وقال أبو صالح: أطراف اليدين والرجلين. قال الشاعر: # إذا نظرت عرفت الفخر منها * وعينيها ولم تعرف شواها يعني أطرافها. وقال ~~الحسن أيضا: الشوى الهام. (تدعو من أدبر وتولى) أي تدعو لظى من أدبر في ~~الدنيا عن طاعة الله وتولى عن الايمان. ودعاؤها أن تقول: إلي يا مشرك، إلي ~~يا كافر. # وقال ابن عباس: تدعو الكافرين والمنافقين بأسمائهم بلسان فصيح: إلي يا ~~كافر، إلي يا منافق، ثم تلتقطهم كما يلتقط الطير الحب. وقال ثعلب: " تدعو " ~~أي تهلك. تقول العرب: دعاك الله، أي أهلكك الله. وقال الخليل: إنه ليس ~~كالدعاء " تعالوا " ولكن دعوتها إياهم تمكنها من تعذيبهم. وقيل: الداعي ~~خزنة جهنم، أضيف دعاؤهم إليها. وقيل هو ضرب مثل، أي إن مصير من أدبر وتولى ~~إليها، فكأنها الداعية لهم. ومثله قول الشاعر: # ولقد هبطنا الواديين فواديا * يدعو الأنيس به العضيض (1) الأبكم العضيض ~~الأبكم: الذباب. وهو لا يدعو وإنما طنينه نبه عليه فدعا إليه. # قلت: القول الأول هو الحقيقة، حسب ما تقدم بيانه بآي القرآن والأخبار ~~الصحيحة. # القشيري: ودعاء لظى بخلق الحياة فيها حين تدعو، وخوارق العادة غدا كثيرة. ~~(وجمع فأوعى) أي جمع المال فجعله في وعائه ومنع منه حق الله تعالى، فكان ~~جموعا منوعا. قال الحكم: # كان عبد الله بن عكيم لا يربط كيسه ويقول سمعت الله يقول: " وجمع فأوعى ~~". # قوله تعالى: إن الانسان خلق هلوعا 19 إذا مسه الشر جزوعا 20 وإذا مسه ~~الخير ms6364 منوعا 21 قوله تعالى: (إن الانسان خلق هلوعا) يعني الكافر، عن ~~الضحاك. والهلع في اللغة: # أشد الحرص وأسوأ الجزع وأفحشه. وكذلك قال قتادة ومجاهد وغيرهما. وقد هلع ~~(بالكسر) يهلع فهو هلع وهلوع، على التكثير. والمعنى أنه لا يصبر على خير ~~ولا شر حتى يفعل فيهما # PageV18P289 # ما لا ينبغي. عكرمة: هو الضجور. الضحاك: هو الذي لا يشبع. والمنوع: هو ~~الذي إذا أصاب المال منع منه حق الله تعالى. وقال ابن كيسان: خلق الله ~~الانسان يحب ما يسره ويرضيه، ويهرب مما يكرهه ويسخط، ثم تعبده الله بإنفاق ~~ما يحب والصبر على ما يكره. # وقال أبو عبيدة: الهلوع هو الذي إذا مسه الخير لم يشكر، وإذا مسه الضر لم ~~يصبر، قاله ثعلب. وقال ثعلب أيضا: قد فسر الله الهلوع، وهو الذي إذا ناله ~~الشر أظهر شدة الجزع، وإذا ناله الخير بخل به ومنعه الناس. وقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: (شر ما أعطي العبد شح هالع وجبن خالع). والعرب تقول: ناقة ~~هلواعة وهلواع، إذا كانت سريعة السير خفيفة. قال: (1) صكاء ذعلبة إذا ~~استدبرتها * حرج إذا استقبلتها هلواع الذعلب والذعلبة الناقة السريعة. و " ~~جزوعا " و " منوعا " نعتان لهلوع. على أن ينوي بهما التقديم قبل " إذا ". ~~وقيل: هو خبر كان مضمرة. # قوله تعالى: إلا المصلين 22 الذين هم على صلاتهم دائمون 23 والذين في ~~أموالهم حق معلوم 24 للسائل والمحروم 25 والذين يصدقون بيوم الدين 26 ~~والذين هم من عذاب ربهم مشفقون 27 إن عذاب ربهم غير مأمون 28 والذين هم ~~لفروجهم حافظون 29 إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمنهم فإنهم غير ملومين 30 ~~فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون 31 والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون ~~32 والذين هم بشهاداتهم قائمون 33 والذين هم على صلاتهم يحافظون 34 أولئك ~~في جنت مكرمون 35 # PageV18P290 # قوله تعالى: (إلا المصلين) دل على أن ما قبله في الكفار، فالانسان اسم ~~جنس بدليل الاستثناء الذي يعقبه كقوله تعالى: " إن الانسان لفي خسر. إلا ~~الذين آمنوا " [العصر: 2 - 3]. قال ms6365 النخعي: المراد بالمصلين الذين يؤدون ~~الصلاة المكتوبة. ابن مسعود: الذين يصلونها لوقتها، فأما تركها فكفر. وقيل: ~~هم الصحابة. وقيل: هم المؤمنون عامة، فإنهم يغلبون فرط الجزع بثقتهم بربهم ~~ويقينهم (الذين هم على صلاتهم دائمون) أي على مواقيتها. وقال عقبة ابن ~~عامر: هم الذين إذا صلوا لم يلتفتوا يمينا ولا شمالا. والدائم الساكن، ~~ومنه: نهي عن البول في الماء الدائم، أي الساكن. وقال ابن جريج والحسن: هم ~~الذين يكثرون فعل التطوع منها. (والذين في أموالهم حق معلوم) يريد الزكاة ~~المفروضة، قاله قتادة وابن سيرين. # وقال مجاهد: سوى الزكاة. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: صلة رحم وحمل ~~كل. (1) والأول أصح، لأنه وصف الحق بأنه معلوم، وسوى الزكاة ليس بمعلوم، ~~إنما هو على قدر الحاجة، وذلك يقل ويكثر. " للسائل والمحروم " تقدم في " ~~الذاريات " (2). (والذين يصدقون بيوم الدين) أي بيوم الجزاء وهو يوم ~~القيامة. وقد مضى في سورة " الفاتحة " القول فيه. (والذين هم من عذاب ربهم ~~مشفقون) أي خائفون. (إن عذاب ربهم غير مأمون) قال ابن عباس: لمن أشرك أو ~~كذب أنبياءه. وقيل: لا يأمنه أحد، بل الواجب على كل أحد أن يخافه ويشفق منه ~~(والذين هم لفروجهم حافظون. إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ~~ملومين. فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون) تقدم القول فيه في سورة " ~~قد أفلح المؤمنون ". (4) (والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون) تقدم أيضا. ~~(والذين هم بشهاداتهم قائمون) على من كانت عليه (5) من قريب أو بعيد، ~~يقومون بها عند # PageV18P291 # الحاكم ولا يكتمونها ولا يغيرونها. وقد مضى القول في الشهادة وأحكامها في ~~سورة " البقرة ". (1) وقال ابن عباس: " بشهاداتهم " أن الله واحد لا شريك ~~له وأن محمدا عبده ورسوله. وقرئ " لأمانتهم على التوحيد. وهي قراءة ابن ~~كثير وابن محيصن. فالأمانة اسم جنس، فيدخل فيها أمانات الدين، فإن الشرائع ~~أمانات ائتمن الله عليها عباده. ويدخل فيها أمانات الناس من الودائع، وقد ~~مضى هذا كله مستوفى في سورة " النساء " (2). وقرأ عباس الدوري عن أبي عمرو ~~ويعقوب " بشهاداتهم " جمعا. ms6366 الباقون " بشهادتهم " على التوحيد، لأنها تؤدي ~~عن الجمع. # والمصدر قد يفرد وإن أضيف إلى جمع، كقوله تعالى: " إن أنكر الأصوات لصوت ~~الحمير ". (3) [لقمان: 19] وقال الفراء: ويدل على أنها " بشهادتهم " توحيدا ~~قوله تعالى: " وأقيموا الشهادة لله " [الطلاق: 2]. # (والذين هم على صلاتهم يحافظون) قال قتادة: على وضوئها وركوعها وسجودها. ~~وقال ابن جريج: التطوع. وقد مضى في سورة " المؤمنون " (4). فالدوام خلاف ~~المحافظة. فدوامهم عليها أن يحافظوا على أدائها لا يخلون بها ولا يشتغلون ~~عنها بشئ من الشواغل، ومحافظتهم عليها أن يراعوا إسباغ الوضوء لها ~~ومواقيتها، ويقيموا أركانها، ويكملوها بسننها وآدابها، ويحفظوها من الاحباط ~~باقتراب المأثم. فالدوام يرجع إلى نفس الصلوات والمحافظة إلى أحوالها. ~~(أولئك في جنات مكرمون) أي أكرمهم الله فيها بأنواع الكرامات. # قوله تعالى: فمال الذين كفروا قبلك مهطعين 36 عن اليمين وعن الشمال عزين ~~37 أيطمع كل امرى منهم أن يدخل جنة نعيم 38 كلا إنا خلقناهم مما يعلمون 39 ~~قوله تعالى: (فمال الذين كفروا قبلك مهطعين) قال الأخفش: مسرعين. قال: # بمكة أهلها ولقد أراهم * إليه مهطعين إلى السماع # PageV18P292 # والمعنى: ما بالهم يسرعون إليك ويجلسون حواليك ولا يعملون بما تأمرهم. ~~وقيل: أي ما بالهم مسرعين في التكذيب لك. وقيل: أي ما بال الذين كفروا ~~يسرعون إلى السماع منك ليعيبوك ويستهزؤا بك. وقال عطية: مهطعين: معرضين. ~~الكلبي: ناظرين إليك تعجبا. وقال قتادة: عامدين. والمعنى متقارب، أي ما ~~بالهم مسرعين عليك، ما دين أعناقهم، مدمني النظر إليك. وذلك من نظر العدو. ~~وهو منصوب على الحال. نزلت في جمع من المنافقين المستهزئين، كانوا يحضرونه ~~- عليه السلام - ولا يؤمنون به. و " قبلك " أي نحوك. # (عن اليمين وعن الشمال عزين) أي عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم وشماله ~~حلقا حلقا وجماعات. والعزين: جماعات في تفرقة، قاله أبو عبيدة. ومنه حديث ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه خرج على أصحابه فرآهم حلقا فقال: (مالي أراكم ~~عزين ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها - قالوا: وكيف تصف الملائكة عند ~~ربها؟ قال -: يتمون الصفوف الأول ويتراصون في الصف) ms6367 خرجه مسلم وغيره. وقال ~~الشاعر: # ترانا عنده والليل داج * على أبوابه حلقا عزينا أي متفرقين. وقال الراعي: # أخليفة الرحمن إن عشيرتي * أمسى سراتهم إليك عزينا أي متفرقين. وقال آخر: # كأن الجماجم من وقعها * خناطيل (1) يهوين شتى عزينا أي متفرقين. وقال ~~آخر: # فلما أن أتين على أضاخ * ضرحن حصاه أشتاتا عزينا (2) وقال الكميت: # ونحن وجندل باغ تركنا * كتائب جندل شتى عزينا # PageV18P293 # وقال عنترة: # وقرن قد تركت لذي ولي * عليه الطير كالعصب العزين وواحد عزين عزة، جمع ~~بالواو والنون ليكون ذلك عوضا مما حذف منها. وأصلها عزهة، فاعتلت كما اعتلت ~~سنة فيمن جعل أصلها سنهة. وقيل: أصلها عزوة، من عزاه يعزوه إذا أضافه إلى ~~غيره. فكل واحد من الجماعات مضافة إلى الأخرى، والمحذوف منها الواو. # وفي الصحاح: " والعزة الفرقة من الناس، والهاء عوض من الياء، والجمع عزى ~~- على فعل - وعزون وعزون أيضا بالضم، ولم يقولوا عزات كما قالوا ثبات ". ~~قال الأصمعي: يقال في الدار عزون، أي أصناف من الناس. و " عن اليمين وعن ~~الشمال " متعلق ب‍ " مهطعين " ويجوز أن يتعلق ب " عزين " على حد قولك: ~~أخذته عن زيد. (أيطمع كل امرى منهم أن يدخل جنة نعيم) قال المفسرون: كان ~~المشركون يجتمعون حول النبي صلى الله عليه وسلم ويستمعون كلامه فيكذبونه ~~ويكذبون عليه، ويستهزئون بأصحابه ويقولون: لئن دخل هؤلاء الجنة لندخلنها ~~قبلهم، ولئن أعطوا منها شيئا لنعطين أكثر منه، فنزلت: " أيطمع " الآية. # وقيل: كان المستهزئون خمسة أرهط. وقرأ الحسن طلحة بن مصرف والأعرج " أن ~~يدخل " بفتح الياء وضم الخاء مسمى الفاعل. ورواه المفضل عن عاصم. الباقون " ~~أن يدخل " على الفعل المجهول. (كلا) لا يدخلونها. ثم ابتدأ فقال: " إنا ~~خلقناهم مما يعلمون " أي إنهم يعلمون أنهم مخلوقون من نطفة ثم من علقة ثم ~~من مضغة، كما خلق سائر جنسهم. فليس لهم فضل يستوجبون به الجنة، وإنما ~~تستوجب بالايمان والعمل الصالح ورحمة الله تعالى. وقيل: كانوا يستهزئون ~~بفقراء المسلمين ويتكبرون عليهم. فقال: # " إنا خلقناهم مما يعلمون " من القذر، فلا يليق بهم هذا التكبر. وقال ~~قتادة ms6368 في هذه الآية: # إنما خلقت يا بن آدم من قذر فاتق الله. وروي أن مطرف بن عبد الله بن ~~الشخير رأى المهلب ابن أبي صفرة يتبختر في مطرف (1) خز وجبة خز فقال له: يا ~~عبد الله، ما هذه المشية التي يبغضها # PageV18P294 # الله؟! فقال له: أتعرفني؟ قال نعم، أو لك نطفة مذرة، (1) وآخرك جيفة ~~قذرة، وأنت فيما بين ذلك (2) تحمل العذرة. فمضى المهلب وترك مشيته. نظم ~~الكلام محمود الوراق فقال: # عجبت من معجب بصورته * وكان في الأصل نطفة مذره وهو غدا بعد حسن صورته * ~~يصير في اللحد جيفة قذره وهو على تيهه ونخوته * ما بين ثوبيه يحمل العذرة ~~وقال آخر: # هل في ابن آدم غير الرأس مكرمة * وهو بخمس من الأوساخ مضروب أنف يسيل ~~وأذن ريحها سهك (3) * والعين مرمصة والثغر ملهوب يا بن التراب ومأكول ~~التراب غدا * قصر فإنك مأكول ومشروب وقيل: معناه من أجل ما يعلمون، وهو ~~الأمر والنهي والثواب والعقاب. كقول الشاعر وهو الأعشى: # أأزمعت من آل ليلى ابتكارا * وشطت على ذي هوى أن تزارا أي من أجل ليلى. # قوله تعالى: فلا أقسم برب المشرق والمغرب إنا لقادرون 40 على أن نبدل ~~خيرا منهم وما نحن بمسبوقين 41 قوله تعالى: (فلا أقسم) أي أقسم. و " لا " ~~صلة. (برب المشارق والمغارب) هي مشارق الشمس ومغاربها. وقد مضى الكلام ~~فيها. وقرأ أبو حياة وابن محيصن وحميد " برب المشرق والمغرب " على التوحيد. ~~(إنا لقادرون. على أن نبدل خيرا منهم) يقول: نقدر على إهلاكهم والذهاب بهم ~~والمجئ بخير منهم في الفضل والطوع والمال. # (وما نحن بمسبوقين) أي لا يفوتنا شئ ولا يعجزنا أمر نريده. # PageV18P295 # قوله تعالى: فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلقوا يومهم الذي يوعدون 42 أي ~~اتركهم يخوضوا في باطلهم ويلعبوا في دنياهم، على جهة الوعيد. واشتغل أنت ~~بما أمرت به ولا يعظمن عليك شركهم، فإن لهم يوما يلقون فيه ما وعدوا. وقرأ ~~ابن محيصن ومجاهد وحميد " حتى يلقوا يومهم الذي يوعدون ". وهذه الآية ~~منسوخة بآية السيف. # قوله تعالى: يوم يخرجون من الأجداث ms6369 سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون 43 " يوم ~~" بدل من " يومهم " الذي قبله، وقراءة العامة " يخرجون " بفتح الياء وضم ~~الراء على أنه مسمى الفاعل. وقرأ السلمي والمغيرة والأعشى عن عاصم " يخرجون ~~" بضم الياء وفتح الراء على الفعل المجهول. والأجداث: القبور، واحدها جدث. ~~وقد مضى في سورة " يس ". (1) " سراعا " حين يسمعون الصيحة الآخرة إلى إجابة ~~الداعي، وهو نصب على الحال " كأنهم إلى نصب يوفضون " قراءة العامة بفتح ~~النون وجزم الصاد. وقرأ ابن عامر وحفص بضم النون والصاد. وقرأ عمرو بن ~~ميمون وأبو رجاء وغيرهما بضم النون وإسكان الصاد. # والنصب والنصب لغتان مثل الضعف، والضعف. الجوهري: والنصب ما نصب فعبد من ~~دون الله، وكذلك النصب بالضم، وقد يحرك. قال الأعشى: # وذا النصب المنصوب لا تنسكنه * لعافية والله ربك فاعبدا أراد " فأعبدن " ~~فوقف بالألف، كما تقول: رأيت زيدا. والجمع الأنصاب. وقوله: # " وذا النصب " بمعنى إياك وذا النصب. والنصب الشر والبلاء، ومنه قوله ~~تعالى: " أني مسني الشيطان بنصب وعذاب " (1) [ص: 41]. وقال الأخفش والفراء: ~~النصب جمع النصب مثل رهن ورهن، والانصاب جمع نصب، فهو جمع الجمع. وقيل: ~~النصب والانصاب واحد. وقيل: # PageV18P296 # النصب جمع نصاب، هو حجر أو صنم يذبح عليه، ومنه قوله تعالى: " وما ذبح ~~على النصب " (1) [المائدة: 3]. # وقد قيل: نصب ونصب ونصب بمعنى واحد، كما قيل عمر وعمر وعمر. ذكره النحاس. # قال ابن عباس: " إلى نصب " إلى غاية، وهي التي تنصب إليها بصرك. وقال ~~الكلبي: إلى شئ منصوب، علم أو راية. وقال الحسن: كانوا يبتدرون إذا طلعت ~~الشمس إلى نصبهم التي كانوا يعبدونها من دون الله لا يلوي أولهم على آخرهم. ~~(يوفضون) يسرعون والايفاض الاسراع. قال الشاعر: # فوارس ذبيان تحت الحديد * كالجن يوفضن من عبقر عبقر: موضع تزعم العرب أنه ~~من أرض الجن. قال لبيد: # * كهول وشبان كجنة عبقر (2) * وقال الليث: وفضت الإبل تفض وفضا، وأوفضها ~~صاحبها. فالايفاض متعد، والذي في الآية لازم. يقال: وفض وأوفض واستوفض ~~بمعنى أسرع. # قوله تعالى: خشعة أبصارهم ترهقهم ذلة ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون 44 ~~قوله تعالى: (خاشعة أبصارهم) ms6370 أي ذليلة خاضعة، لا يرفعونها لما يتوقعونه من ~~عذاب الله. (ترهقهم ذلة) أي يغشاهم الهوان. قال قتادة: هو سواد الوجوه. ~~والرهق: الغشيان، ومنه غلام مراهق إذا غشي الاحتلام. رهقه (بالكسر) يرهقه ~~رهقا أي غشيه، ومنه قوله تعالى: " ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة " (3) ~~[يونس: 26]. (ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون) أي يوعدونه في الدنيا أن لهم ~~فيه العذاب. وأخرج الخبر بلفظ الماضي لان ما وعد الله به يكون ولا محالة. # PageV18P297 # سورة نوح مكية، وهي ثمان وعشرون آية بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ~~إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم 1 قد ~~مضى القول في " الأعراف " (1) أن نوحا عليه السلام أول رسول أرسل. ورواه ~~قتادة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أول رسول أرسل نوح ~~وأرسل إلى جميع أهل الأرض). فلذلك لما كفروا أغرق الله أهل الأرض جميعا. ~~وهو نوح بن لامك ابن متوشلخ بن أخنوخ وهو إدريس بن يرد بن مهلايل بن أنوش ~~بن قينان بن شيث بن آدم عليه السلام. قال وهب: كلهم مؤمنون. أرسل إلى قومه ~~وهو ابن خمسين سنة. وقال ابن عباس: ابن أربعين سنة. وقال عبد الله بن شداد: ~~بعث وهو ابن ثلاثمائة وخمسين سنة. # وقد مضى في سورة " العنكبوت " (2) القول فيه. والحمد لله. (أن أنذر قومك) ~~أي بأن أنذر قومك، فموضع " أن " نصب بإسقاط الخافض. وقيل: موضعها جر لقوة ~~خدمتها مع " أن ". # ويجوز " أن " بمعنى المفسرة فلا يكون لها موضع من الاعراب، لان في ~~الارسال معنى الامر، فلا حاجة إلى إضمار الباء. وقراءة عبد الله " انذر ~~قومك " بغير " أن " بمعنى قلنا له أنذر قومك. وقد تقدم معنى الانذار في أول ~~" البقرة ". (3) (من قبل أن يأتيهم عذاب أليم) قال ابن عباس: يعنى عذاب ~~النار في الآخرة. وقال الكلبي: هو ما نزل عليهم من الطوفان. # وقيل: أي أنذرهم العذاب الأليم على الجملة إن لم يؤمنوا. فكان يدعو قومه ~~وينذرهم فلا يرى # PageV18P298 # منهم مجيبا، وكانوا يضربونه حتى ms6371 يغشى عليه فيقول (رب أغفر لقومي فإنهم لا ~~يعلمون). # وقد مضى هذا مستوفى في سورة " العنكبوت " (1) والحمد لله. # قوله تعالى: قال يقوم إني لكم نذير مبين 2 أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون ~~3 يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو ~~كنتم تعلمون 4 قوله تعالى: (قال يا قوم إني لكم نذير) أي مخوف. (مبين) أي ~~مظهر لكم بلسانكم الذي تعرفونه. (أن اعبدوا الله واتقوه) و " أن " المفسرة ~~على ما تقدم في " أن أنذر ". # " اعبدوا " أي وحدوا. واتقوا: خافوا. (وأطيعون) أي فيما آمركم به، فإني ~~رسول الله إليكم. (يغفر لكم من ذنوبكم) جزم " يغفر " بجواب الامر. و " من " ~~صلة زائدة. # ومعنى الكلام يغفر لكم ذنوبكم، قاله السدي. وقيل: لا يصح كونها زائدة، ~~لان " من " لا تزاد في الواجب، وإنما هي هنا للتبعيض، وهو بعض الذنوب، وهو ~~ما لا يتعلق بحقوق المخلوقين. وقيل: هي لبيان الجنس. وفيه بعد، إذ لم يتقدم ~~جنس يليق به. وقال زيد ابن أسلم: المعنى يخرجكم من ذنوبكم. ابن شجرة: ~~المعنى يغفر لكم من ذنوبكم ما استغفرتموه منها (ويؤخركم إلى أجل مسمى) قال ~~ابن عباس: أي ينسئ في أعماركم. ومعناه أن الله تعالى كان قضى قبل خلقهم ~~أنهم إن آمنوا بارك في أعمارهم، وإن لم يؤمنوا عوجلوا بالعذاب. # وقال مقاتل: يؤخركم إلى منتهى آجالكم في عافية، فلا يعاقبكم بالقحط ~~وغيره. فالمعنى على هذا يؤخركم من العقوبات والشدائد إلى آجالكم. وقال: ~~الزجاج أي يؤخركم عن العذاب فتموتوا غير موتة المستأصلين بالعذاب. وعلى هذا ~~قيل: " أجل مسمى " عندكم تعرفونه، لا يميتكم غرقا ولا حرقا ولا قتلا، ذكره ~~الفراء. وعلى القول الأول " أجل مسمى " عند الله. (إن أجل الله إذا جاء لا ~~يؤخر) أي إذا جاء الموت لا يؤخر بعذاب كان أو بغير عذاب. وأضاف الاجل # PageV18P299 # إليه سبحانه لأنه الذي أثبته. وقد يضاف إلى القوم، كقوله تعالى: " فإذا ~~جاء أجلهم " [النحل: 61] لأنه مضروب لهم. و " لو " بمعنى " إن " أي إن كنتم ~~تعلمون. ms6372 وقال الحسن: معناه لو كنتم تعلمون لعلمتم أن أجل الله إذا جاءكم لم ~~يؤخر. # قوله تعالى: قال رب أنى دعوت قومي ليلا ونهارا 5 فلم يزدهم دعائي إلا ~~فرارا 6 قوله تعالى: (قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا) أي سرا وجهرا. ~~وقيل: # أي واصلت الدعاء. (فلم يزدهم دعائي إلا فرارا) أي تباعدا من الايمان. ~~وقراءة العامة بفتح الياء من " دعائي " وأسكنها الكوفيون ويعقوب والدوري عن ~~أبي عمرو. # قوله تعالى: وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم ~~واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا 7 قوله تعالى: (وإني كلما ~~دعوتهم) أي إلى سبب المغفرة، وهي الايمان بك والطاعة لك. (جعلوا أصابعهم في ~~آذانهم) لئلا يسمعوا دعائي (واستغشوا ثيابهم) أي غطوا بها وجوههم لئلا ~~يروه. وقال ابن عباس: جعلوا ثيابهم على رؤوسهم لئلا يسمعوا كلامه. # فاستغشاء الثياب إذا زيادة في سد الآذان حتى لا يسمعوا، أو لتنكيرهم ~~أنفسهم حتى يسكت، أو ليعرفوه إعراضهم عنه. وقيل: هو كناية عن العداوة. ~~يقال: لبس لي فلان ثياب العداوة. # (وأصروا) أي على الكفر فلم يتوبوا. (واستكبروا) عن قبول الحق، لأنهم ~~قالوا: # " أنؤمن لك واتبعك الأرذلون " (1) [الشعراء: 111]. (استكبارا) تفخيم. # قوله تعالى: ثم إني دعوتهم جهارا 8 ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا 9 # PageV18P300 # قوله تعالى: (ثم إني دعوتهم جهارا) أي مظهرا لهم الدعوة. وهو منصوب ب " ~~دعوتهم " نصب المصدر، لان الدعاء أحد نوعيه الجهار، فنصب به نصب القرفصاء ~~بقعد، لكونها أحد أنواع القعود، أو لأنه أراد ب‍ " دعوتهم " جاهرتهم. ويجوز ~~أن يكون صفة لمصدر دعا، أي دعاء جهارا، أي مجاهرا به. ويكون مصدرا في موضع ~~الحال، أي دعوتهم مجاهرا لهم بالدعوة. (ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم ~~إسرارا) أي لم أبق مجهودا. وقال مجاهد: معنى أعلنت: صحت، " وأسررت لهم ~~إسرارا ". بالدعاء عن بعضهم من بعض. # وقيل: " أسررت لهم " أتيتهم في منازلهم. وكل هذا من نوح عليه السلام ~~مبالغة في الدعاء لهم، وتلطف في الاستدعاء. وفتح الياء من " إني أعلنت لهم ~~" الحرميون وأبو عمرو. # وأسكن الباقون. ms6373 # قوله تعالى: فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا 10 يرسل السماء عليكم ~~مدرارا 11 ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنت ويجعل لكم أنهرا 12 فيه ثلاث ~~مسائل الأولى - قوله تعالى: (فقلت استغفروا ربكم) أي سلوه المغفرة من ~~ذنوبكم السالفة بإخلاص الايمان. (إنه كان غفارا) وهذا منه ترغيب في التوبة. ~~وقد روى حذيفة ابن اليمان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الاستغفار ~~ممحاة للذنوب). # وقال الفضيل: يقول العبد أستغفر الله، وتفسيرها أقلني. # الثانية - قوله تعالى: (يرسل السماء عليكم مدرارا) أي يرسل ماء السماء، ~~ففيه إضمار. وقيل: السماء المطر، أي يرسل المطر. قال الشاعر: (1) إذا سقط ~~السماء بأرض قوم * رعيناه وإن كانوا غضابا # PageV18P301 # و " مدرارا " ذا غيث كثير. وجزم " يرسل " جوابا للامر. وقال مقاتل: لما ~~كذبوا نوحا زمانا طويلا حبس الله عنهم المطر، وأعقم أرحام نسائهم أربعين ~~سنة، فهلكت مواشيهم وزروعهم، فصاروا إلى نوح عليه السلام واستغاثوا به. ~~فقال " استغفروا ربكم إنه كان غفارا " أي لم يزل كذلك لمن أناب إليه. ثم ~~قال ترغيبا في الايمان: " يرسل السماء عليكم مدرارا. ويمددكم بأموال وبنين ~~ويجعل لهم جنات ويجعل لكم أنهارا ". قال قتادة: # علم نبي الله صلى الله عليه وسلم أنهم أهل حرص على الدنيا فقال: (هلموا ~~إلى طاعة الله فإن في طاعة الله درك الدنيا والآخرة). # الثالثة - في هذه الآية والتي في " هود " (1) دليل على أن الاستغفار ~~يستنزل به الرزق والأمطار. # قال الشعبي: خرج عمر يستسقي فلم يزد على الاستغفار حتى رجع، فأمطروا ~~فقالوا: ما رأيناك استسقيت؟ فقال: لقد طلبت المطر بمجاديح (2) السماء التي ~~يستنزل بها المطر، ثم قرأ: " استغفروا ربكم إنه كان غفارا. يرسل السماء ~~عليكم مدرارا ". وقال الأوزاعي: خرج الناس يستسقون، فقام فيهم بلال بن سعد ~~فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: اللهم إنا سمعناك تقول: # " ما على المحسنين من سبيل " (3) التوبة: 91] وقد أقررنا بالإساءة، فهل ~~تكون مغفرتك إلا لمثلنا؟! اللهم اغفر لنا وارحمنا واسقنا! فرفع يديه ورفعوا ~~أيديهم فسقوا. وقال ابن صبيح: شكا رجل إلى الحسن الجدوبة فقال ms6374 له: استغفر ~~الله. وشكا آخر إليه الفقر فقال له: استغفر الله. # وقال له آخر. ادع الله أن يرزقني ولدا، فقال له: استغفر الله. وشكا إليه ~~آخر جفاف بستانه، فقال له: استغفر الله. فقلنا له في ذلك؟ فقال: ما قلت من ~~عندي شيئا، إن الله تعالى يقول في سورة " نوح ": " استغفروا ربكم إنه كان ~~غفارا. يرسل السماء عليكم مدرارا. # PageV18P302 # ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا " وقد مضى في سورة ~~" آل عمران " (1) كيفية الاستغفار، وإن ذلك يكون عن إخلاص وإقلاع من ~~الذنوب. # وهو الأصل في الإجابة. # قوله تعالى: مالكم لا ترجون لله وقارا 13 وقد خلقكم أطوارا 14 قيل: ~~الرجاء هنا بمعنى الخوف، أي مالكم لا تخافون لله عظمة وقدرة على أحدكم ~~بالعقوبة. أي أي عذر لكم في ترك الخوف من الله. وقال سعيد بن جبير وأبو ~~العالية وعطاء ابن أبي رباح: ما لكم لا ترجون لله ثوابا ولا تخافون له ~~عقابا. وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: مالكم لا تخشون لله عقابا وترجون ~~منه ثوابا. وقال الوالبي والعوفي عنه: # ما لكم لا تعلمون لله عظمة. وقال ابن عباس أيضا ومجاهد: مالكم لا ترون ~~لله عظمة. # وعن مجاهد والضحاك: ما لكم لا تبالون لله عظمة. قال قطرب: هذه لغة ~~حجازية. # وهذيل وخزاعة ومضر يقولون: لم أرج: لم أبال. والوقار: العظمة. والتوقير: ~~التعظيم. # وقال قتادة: ما لكم لا ترجون لله عاقبة، كأن المعنى ما لكم لا ترجون لله ~~عاقبة الايمان. # وقال ابن كيسان: ما لكم لا ترجون في عبادة الله وطاعته أن يثيبكم على ~~توقيركم خيرا. وقال ابن زيد: مالكم لا تؤدون لله طاعة. وقال الحسن: مالكم ~~لا تعرفون لله حقا ولا تشكرون له نعمة. وقيل: مالكم لا توحدون الله، لان من ~~عظمه فقد وحده. وقيل: إن الوقار الثبات لله عز وجل، ومنه قوله تعالى: " ~~وقرن في بيوتكن " (2) [الأحزاب: 33] أي اثبتن. ومعناه ما لكم لا تثبتون ~~وحدانية الله تعالى وأنه إلهكم لا إله لكم سواه، قاله ابن بحر. ثم ms6375 دلهم على ~~ذلك فقال: # (وقد خلقكم أطوارا) أي جعل لكم في أنفسكم آية تدل على توحيده. قال ابن ~~عباس: # " أطوارا " يعني نطفة ثم علقة ثم مضغة، أي طورا بعد طور إلى تمام الخلق، ~~كما ذكر في سورة " المؤمنون ". (3) والطور في اللغة: المرة، أي من فعل هذا ~~وقدر عليه فهو أحق أن تعظموه. وقيل: " أطوارا " صبيانا، ثم شبابا، ثم شيوخا ~~وضعفاء، ثم أقوياء. # PageV18P303 # وقيل: أطوارا أي أنواعا: صحيحا وسقيما، وبصيرا وضريرا، وغنيا وفقيرا. ~~وقيل: # إن " أطوارا " اختلافهم في الأخلاق والافعال. # قوله تعالى: ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا 15 وجعل القمر فيهن ~~نورا وجعل الشمس سراجا 16 قوله تعالى: (ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات ~~طباقا) ذكر لهم دليلا آخر، أي ألم تعلموا أن الذي قدر على هذا، فهو الذي ~~يجب أن يعبد! ومعنى " طباقا " بعضها فوق بعض، كل سماء مطبقة على الأخرى ~~كالقباب، قاله ابن عباس والسدي. وقال الحسن: # خلق الله سبع سماوات طباقا على سبع أرضين، بين كل أرض وأرض، وسماء وسماء ~~خلق وأمر. وقوله: " ألم تروا " على جهة الاخبار لا المعانية، كما تقول: ألم ~~ترني كيف صنعت بفلان كذا. و " طباقا " نصب على أنه مصدر، أي مطابقة طباقا. ~~أو حال بمعنى ذات طباق، فحذف ذات وأقام طباقا مقامه. (وجعل القمر فيهن ~~نورا) أي في سماء الدنيا، كما يقال: أتاني بنو تميم وأتيت بني تميم والمراد ~~بعضهم، قاله الأخفش. قال ابن كيسان: # إذا كان في إحداهن فهو فيهن. وقال قطرب: " فيهن " بمعنى معهن، وقاله ~~الكلبي. # أي خلق الشمس والقمر مع خلق السماوات والأرض. وقال جلة أهل اللغة في قول ~~امرئ القيس: # وهل ينعمن من كان آخر (1) عهده * ثلاثين شهرا في ثلاثة أحوال " في " ~~بمعنى مع. النحاس: وسألت أبا الحسن بن كيسان عن هذه الآية فقال: جواب ~~النحويين أنه إذا جعله في إحداهن فقد جعله فيهن، كما تقول: أعطني الثياب ~~المعلمة وإن كنت إنما أعلمت أحدها. وجواب آخر: أنه يروى أن وجه القمر إلى ~~السماء، وإذا كان ms6376 إلى داخلها فهو متصل بالسموات، ومعنى " نورا " أي لأهل ~~الأرض، قاله السدي. # PageV18P304 # وقال عطاء: نورا لأهل السماء والأرض. وقال ابن عباس وابن عمر: وجهه يضئ ~~لأهل الأرض وظهره يضئ لأهل السماء. (وجعل الشمس سراجا) يعني مصباحا لأهل ~~الأرض ليتوصلوا إلى التصرف لمعايشهم. وفي إضاءتها لأهل السماء القولان ~~الأولان، حكاه الماوردي. # وحكى القشيري عن ابن عباس أن الشمس وجهها في السماوات وقفاها في الأرض. ~~وقيل: # على العكس. وقيل لعبد الله بن عمر: ما بال الشمس تقلينا أحيانا وتبرد ~~علينا أحيانا؟ فقال: # إنها في الصيف في السماء الرابعة، وفي الشتاء في السماء السابعة عند عرش ~~الرحمن، ولو كانت في السماء الدنيا لما قام لها شئ. # قوله تعالى: والله أنبتكم من الأرض نباتا 17 ثم يعيدكم فيها ويخرجكم ~~إخراجا 18 يعني آدم عليه السلام خلقه من أديم الأرض كلها، قاله ابن جريج. ~~وقد مضى في سورة " الانعام (1) والبقرة " بيان ذلك. وقال خالد بن معدان: ~~خلق الانسان من طين، فإنما تلين القلوب في الشتاء. و " نباتا " مصدر على ~~غير المصدر، لان مصدره أنبت إنباتا، فجعل الاسم الذي هو النبات في موضع ~~المصدر. وقد مضى بيانه في سورة " آل عمران " (2) وغيرها. # وقيل: هو مصدر محمول على المعنى، لان معنى: " أنبتكم " جعلكم تنبتون ~~نباتا، قاله الخليل والزجاج. وقيل: أي أنبت لكم من الأرض النبات. ف " نباتا ~~" على هذا نصب على المصدر الصريح. والأول أظهر. وقال ابن جريج: (3) أنبتهم ~~في الأرض بالكبر بعد الصغر وبالطول بعد القصر. (ثم يعيدكم فيها) أي عند ~~موتكم بالدفن. (ويخرجكم إخراجا) بالنشور للبعث يوم القيامة. # قوله تعالى: والله جعل لكم الأرض بساطا 19 لتسلكوا منها سبلا فجاجا 20 # PageV18P305 # قوله تعالى: (والله جعل لكم الأرض بساطا) أي مبسوطة. (لتسلكوا منها سبلا ~~فجاجا) السبل: الطرق. والفجاج جمع فج، وهو الطريق الواسعة، قاله الفراء. ~~وقيل: # الفج المسلك بين الجبلين. وقد مضى في سورة " الأنبياء (1) والحج ". # قوله تعالى: قال نوح رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا ~~خسارا 21 شكاهم إلى الله تعالى، ms6377 وأنهم عصوه ولم يتبعوه فيما أمرهم به من ~~الايمان. وقال أهل التفسير: # لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما داعيا لهم وهم على كفرهم وعصيانهم. قال ~~ابن عباس: # رجا نوح عليه السلام الأبناء بعد الآباء، فيأتي بهم الولد بعد الولد حتى ~~بلغوا سبع قرون، ثم دعا عليهم بعد الإياس منهم، وعاش بعد الطوفان ستين عاما ~~حتى كثر الناس وفشوا. # قال الحسن: كان قوم نوح يزرعون في الشهر مرتين، حكاه الماوردي. " واتبعوا ~~من لم يزده ماله وولده إلا خسارا " يعني كبراءهم وأغنياءهم الذين لم يزدهم ~~كفرهم وأموالهم وأولادهم إلا ضلالا في الدنيا وهلاكا في الآخرة. وقرأ أهل ~~المدنية والشام وعاصم " وولده " بفتح الواو واللام. الباقون " ولده " بضم ~~الواو وسكون اللام وهي لغة في الولد. ويجوز أن يكون جمعا للولد، كالفلك ~~فإنه واحد وجمع. وقد تقدم. (2) قوله تعالى: ومكروا مكرا كبارا 22 أي كبيرا ~~عظيما. يقال: كبير وكبار وكبار، مثل عجيب وعجاب وعجاب بمعنى، ومثله طويل ~~وطوال وطوال. يقال: رجل حسن وحسان، وجميل وجمال، وقراء للقارئ، ووضاء ~~للوضئ. وأنشد ابن السكيت: # بيضاء تصطاد القلوب (3) وتستبي * بالحسن قلب المسلم القراء # PageV18P306 # وقال آخر: # والمرء يلحقه بفتيان الندى * خلق الكريم وليس بالوضاء وقال المبرد: " ~~كبارا " (بالتشديد) للمبالغة. وقرأ ابن محيصن وحميد ومجاهد " كبارا ~~بالتخفيف. وأختلف في مكرهم ما هو؟ فقيل: تحريشهم سفلتهم على قتل نوح. وقيل: # هو تعزيرهم الناس بما أوتوا من الدنيا والولد، حتى قالت الضعفة: لولا ~~أنهم على الحق لما أوتوا هذه النعم. وقال الكلبي: هو ما جعلوه لله من ~~الصاحبة والولد. وقيل: # مكرهم كفرهم. وقال مقاتل: هو قول كبرائهم لاتباعهم: " لا تذرن آلهتكم ولا ~~تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا ". # قوله تعالى: وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ~~ويعوق ونسرا 23 وقد أضلوا كثيرا ولا تزد الضالمين إلا ضلالا 24 قال ابن ~~عباس وغيره: هي أصنام وصور، كان قوم نوح يعبدونها ثم عبدتها العرب. # وهذا قول الجمهور. وقيل: إنها للعرب لم يعبدها غيرهم. وكانت أكبر ms6378 أصنامهم ~~وأعظمها عندهم، فلذلك خصوها بالذكر بعد قوله تعالى: " لا تذرن آلهتكم ". ~~ويكون معنى الكلام كما قال قوم نوح لاتباعهم: " لا تذرن آلهتكم " قالت ~~العرب لأولادهم وقومهم: لا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا، ثم ~~عاد بالذكر بعد ذلك إلى قوم نوح عليه السلام. وعلى القول الأول، الكلام كله ~~منسوق في قوم نوح. وقال عروة بن الزبير وغيره: اشتكى آدم عليه السلام وعنده ~~بنوه: ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسر. وكان ود أكبرهم وأبرهم به. # قال محمد بن كعب: كان لآدم عليه السلام خمس بنين: ود وسواع ويغوث ويعوق ~~ونسر، وكانوا عبادا فمات واحد منهم فحزنوا عليه، فقال الشيطان: أنا أصور ~~لكم مثله إذا نظرتم إليه ذكرتموه. قالوا: أفعل. فصوره في المسجد من صفر ~~ورصاص. ثم مات آخر، PageV18P307 # فصوره حتى ماتوا كلهم فصورهم. وتنقصت الأشياء كما تتنقص اليوم إلى أن ~~تركوا عبادة الله تعالى بعد حين. فقال لهم الشيطان: مالكم لا تعبدون شيئا؟ ~~قالوا: وما نعبد؟ قال: # آلهتكم وآلهة آبائكم، ألا ترون في مصلاكم. فعبدوها من دون الله، حتى بعث ~~الله نوحا فقالوا: # " لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا " الآية. وقال محمد بن كعب أيضا ~~ومحمد بن قيس: # بل كانوا قوما صالحين بين آدم ونوح، وكان لهم تبع يقتدون بهم، فلما ماتوا ~~زين لهم إبليس أن يصوروا صورهم ليتذكروا بها اجتهادهم، وليتسلوا بالنظر ~~إليها، فصورهم. فلما ماتوا هم وجاء آخرون قالوا: ليت شعرنا! هذه الصور ما ~~كان آباؤنا يصنعون بها؟ فجاءهم الشيطان فقال: كان آباؤكم يعبدونها فترحمهم ~~وتسقيهم المطر. فعبدوها فابتدئ عبادة الأوثان من ذلك الوقت. # قلت: وبهذا المعنى فسر ما جاء في صحيح مسلم من حديث عائشة: أن أم حبيبة ~~وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها (1) بالحبشة تسمى مارية، فيها تصاوير لرسول ~~(2) الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن ~~أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك ~~الصور أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة). ms6379 وذكر الثعلبي عن ابن عباس ~~قال: هذه الأصنام أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان ~~إلى قومهم أن أنصبوا في مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا وسموها ~~بأسمائهم تذكروهم بها، ففعلوا، فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك ونسخ العلم عبدت ~~من دون الله. وذكر أيضا عن ابن عباس: أن نوحا عليه السلام، كان يحرس جسد ~~آدم عليه السلام على جبل بالهند، فيمنع الكافرين أن يطوفوا بقبره، فقال لهم ~~الشيطان: إن هؤلاء يفخرون عليكم ويزعمون أنهم بنو آدم دونكم، وإنما هو جسد، ~~وأنا أصور لكم مثله تطوفون به، فصور لهم هذه الأصنام الخمسة وحملهم على ~~عبادتها. فلما كان أيام الطوفان دفنها الطين والتراب والماء، فلم تزل ~~مدفونة حتى أخرجها الشيطان لمشركي العرب. قال الماوردي: فأما ود # PageV18P308 # فهو أول صنم معبود، سمي ودا لودهم له، وكان بعد قوم نوح لكلب بدومة ~~الجندل، في قول ابن عباس وعطاء ومقاتل. وفيه يقول شاعرهم: # حياك ود فإنا لا يحل لنا * لهو النساء وإن الدين قد عزما وأما سواع فكان ~~لهذيل بساحل البحر، في قولهم. # وأما يغوث فكان لغطيف من مراد بالجوف من سبأ، في قول قتادة. وقال ~~المهدوي. # لمراد ثم لغطفان. الثعلبي: وأخذت أعلى وأنعم - وهما من طئ - وأهل جرش من ~~مذحج يغوث فذهبوا به إلى مراد فعبدوه زمانا. ثم إن بني ناجية أرادوا نزعه ~~من أعلى (1) وأنعم، ففروا به إلى الحصين أخي ببني الحارث بن كعب من خزاعة. ~~وقال أبو عثمان النهدي: رأيت يغوث وكان من رصاص، وكانوا يحملونه على جمل ~~أحرد (2)، ويسيرون معه ولا يهيجونه حتى يكون هو الذي يبرك، فإذا برك نزلوا ~~وقالوا: قد رضي لكم المنزل، فيضربون عليه بناء ينزلون حوله. # وأما يعوق فكان لهمدان ببلخع، (3) في قول عكرمة وقتادة وعطاء. ذكره ~~الماوردي. # وقال الثعلبي: وأما يعوق فكان لكهلان من سبأ، ثم توارثه بنوه، الأكبر ~~فالأكبر (1) حتى صار إلى همدان. وفيه يقول مالك بن نمط الهمداني: # يريش الله في الدنيا ويبري * ولا يبري يعوق ولا يريش وأما نسر ms6380 فكان لذي ~~الكلاع من حمير، في قول قتادة، ونحوه عن مقاتل. وقال الواقدي: # كان ود على صورة رجل، وسواع على صورة امرأة، ويغوث على صورة أسد، ويعوق ~~على صورة فرس، ونسر على صورة نسر من الطير، فالله أعلم. وقرأ نافع " ولا ~~تذرن ودا " بضم الواو. وفتحها الباقون. قال الليث: ود (بفتح الواو) صنم كان ~~لقوم نوح. # PageV18P309 # وود (بالضم) صنم لقريش، وبه سمي عمرو بن ود. وفي الصحاح: والود (بالفتح) ~~الوتد في لغة أهل نجد، كأنهم سكنوا التاء وأدغموها في الدال. والود في قول ~~امرئ القيس: # تظهر الود إذا ما أشجذت * وتواريه إذا ما تعتكر (1) قال ابن دريد: هو اسم ~~جبل: وود صنم كان لقوم نوح عليه السلام ثم صار لكلب وكان بدومة الجندل، ~~ومنه سموه عبد ود وقال: " لا تذرن آلهتكم " ثم قال: " ولا تذرون ودا ولا ~~سواعا " الآية. خصها بالذكر، لقوله تعالى: " وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ~~ومنك ومن (2) نوح " [الأحزاب: 7]. (وقد أضلوا كثيرا) هذا من قول نوح، أي ~~أضل كبراؤهم كثيرا من أتباعهم، فهو عطف على قوله: " ومكروا مكرا كبارا ". ~~وقيل: إن الأصنام " أضلوا كثيرا " أي ضل بسببها كثير، نظيره قول إبراهيم: " ~~رب إنهن أضللن كثيرا من (3) الناس " [إبراهيم: 36] فأجرى عليهم وصف ما ~~يعقل، لاعتقاد الكفار فيهم ذلك. (ولا تزد الظالمين إلا ظلالا) أي عذابا، ~~قاله ابن بحر. وأستشهد بقوله تعالى: " إن المجرمين في ضلال (4) وسعر " ~~[القمر: 47]. وقيل إلا خسرانا. # وقيل إلا فتنة بالمال والولد. وهو محتمل. # قوله تعالى: مما خطيئتهم أغرقوا فأدخلوا نارا فلم يجدوا لهم من دون الله ~~أنصارا 25 قوله تعالى: (مما خطاياهم (5) أغرقوا) " ما " صلة مؤكدة، والمعنى ~~من خطاياهم وقال الفراء: المعنى من أجل خطاياهم، فأدت " ما " هذا المعنى. ~~قال: و " ما " تدل على المجازاة. وقراءة أبي عمرو " خطاياهم " على جمع ~~التكسير، الواحدة خطية. وكان # PageV18P310 # الأصل في الجمع خطائي على فعائل، فلما اجتمعت الهمزتان قلبت الثانية ياء، ~~لان قبلها كسرة ثم استثقلت والجمع ثقيل، وهو معتل مع ذلك، فقلبت الياء ألفا ~~ثم قلبت الهمزة ms6381 الأولى ياء لخفائها بين الألفين. الباقون " خطيئاتهم " على ~~جمع السلامة. قال أبو عمرو: # قوم كفروا ألف سنة فلم يكن لهم إلا خطيات، يريد أن الخطايا أكثر من ~~الخطيات. # وقال قوم: خطايا وخطيات واحد، جمعان مستعملان في الكثرة والقلة، واستدلوا ~~بقوله تعالى: " ما نفدت كلمات (1) الله " [لقمان: 27] وقال الشاعر: (2) لنا ~~الجفنات الغر يلمعن بالضحى * وأسيافنا يقطرن من نجدة دما وقرئ " خطيئاتهم " ~~(3) و " خطياتهم " بقلب الهمزة ياء وإدغامها. وعن الجحدري وعمرو ابن عبيد ~~والأعمش وأبي حياة وأشهب العقيلي " خطيئتهم " على التوحيد، والمراد الشرك. # (فأدخلوا نارا) أي بعد إغراقهم. قال القشيري: وهذا يدل على عذاب القبر. ~~ومنكروه يقولون: صاروا مستحقين دخول النار، أو عرض عليهم أماكنهم من النار، ~~كما قال تعالى: # " النار يعرضون عليها غدوا وعشيا " (4) [غافر: 46]. وقيل: أشاروا إلى ما ~~في الخبر من قوله: (البحر نار في نار). وروى أبو روق عن الضحاك في قوله ~~تعالى: " أغرقوا فأدخلوا نارا " قال: يعني عذبوا بالنار في الدنيا مع الغرق ~~في الدنيا في حالة واحدة، كانوا يغرقون في جانب ويحترقون في الماء من جانب. ~~ذكره الثعلبي قال: أنشدنا أبو القاسم الحبيبي قال أنشدنا أبو سعيد أحمد بن ~~محمد بن رميح قال أنشدني أبو بكر بن الأنباري: # الخلق مجتمع طورا ومفترق * والحادثات فنون ذات أطوار لا تعجبن لاضداد إن ~~اجتمعت * فالله يجمع بين الماء والنار (فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا) ~~أي من يدفع عنهم العذاب. # PageV18P311 # قوله تعالى: وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا 26 إنك إن ~~تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا 27 فيه أربع مسائل: # الأولى: دعا عليهم حين يئس من أتباعهم إياه. وقال قتادة: دعا عليهم بعد ~~أن أوحى الله إليه: " أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن " (1) [هود: 36] ~~فأجاب الله دعوته وأغرق أمته، وهذا كقول النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم ~~منزل الكتاب سريع الحساب (2) وهازم الأحزاب أهزمهم وزلزلهم). وقيل: سبب ~~دعائه أن رجلا من قومه حمل ولدا صغيرا على كتفه فمر بنوح ms6382 فقال: (احذر هذا ~~فإنه يضلك). فقال: يا أبت أنزلني، فأنزله فرماه فشجه، فحينئذ غضب ودعا ~~عليهم. وقال محمد بن كعب ومقاتل والربيع وعطية وابن زيد: إنما قال هذا ~~حينما أخرج الله كل مؤمن من أصلابهم وأرحام نسائهم. وأعقم أرحام النساء ~~وأصلاب الرجال قبل العذاب بسبعين سنة. وقيل: بأربعين. قال قتادة: ولم يكن ~~فيهم صبي وقت العذاب. وقال الحسن وأبو العالية: لو أهلك الله أطفالهم معهم ~~كان عذابا من الله لهم وعدلا فيهم، ولكن الله أهلك أطفالهم وذريتهم بغير ~~عذاب، ثم أهلكهم بالعذاب، بدليل قوله تعالى: " وقوم نوح لما كذبوا الرسل ~~أغرقناهم " (3) [الفرقان: 37]. # الثانية - قال ابن العربي: " دعا نوح على الكافرين أجمعين، ودعا النبي ~~صلى الله عليه وسلم على من تحزب على المؤمنين وألب عليهم. وكان هذا أصلا في ~~الدعاء على الكافرين في الجملة، فأما كافر معين لم تعلم خاتمته فلا يدعى ~~عليه، لان مآله عندنا مجهول، وربما كان عند الله معلوم الخاتمة بالسعادة. ~~وإنما خص النبي صلى الله عليه وسلم بالدعاء عتبة وشيبة وأصحابهما، لعلمه ~~بمالهم وما كشف له من الغطاء عن حالهم. والله أعلم ". # قلت: قد مضت هذه المسألة مجودة في سورة " البقرة " (4) والحمد لله. # PageV18P312 # الثالثة: قال ابن العربي: " إن قيل لم جعل نوح دعوته على قومه سببا ~~لتوقفه عن طلب الشفاعة للخلق من الله في الآخرة؟ قلنا قال الناس في ذلك ~~وجهان: أحدهما - أن تلك الدعوة نشأت عن غضب وقسوة، والشفاعة تكون عن رضا ~~ورقة، فخاف أن يعاتب ويقال: دعوت على الكفار بالأمس وتشفع لهم اليوم. ~~الثاني - أنه دعا غضبا بغير نص ولا إذن صريح في ذلك، فخاف الدرك (1) فيه ~~يوم القيامة، كما قال موسى عليه السلام: # (إني قتلت نفسا لم أومر بقتلها). قال: وبهذا أقول ". # قلت: وإن كان لم يؤمر بالدعاء نصا فقد قيل له: " أنه لن يؤمن من قومك إلا ~~من قد آمن " [هود: 36]. فأعلم عواقبهم فدعا عليهم بالهلاك، كما دعا نبينا ~~صلى الله عليه وسلم على شيبة وعتبة ونظرائهم فقال: (اللهم عليك بهم) لما ~~أعلم ms6383 عواقبهم، وعلى هذا يكون فيه معنى الامر بالدعاء. والله أعلم. # الرابعة - قوله تعالى: (ديارا. إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا ~~فاجرا كفارا) أي من يسكن الديار، قاله السدي. وأصله ديوار على فيعال من دار ~~يدور، فقلبت الواو ياء وأدغمت إحداهما في الأخرى. مثل القيام، أصله قيوام. ~~ولو كان فعالا لكان دوارا. وقال القتبي: أصله من الدار، أي نازل بالدار. ~~يقال: ما بالدار ديار، أي أحد. # وقيل: الديار صاحب الدار. # قوله تعالى: رب اغفر لي ولولدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات ~~ولا تزد الظالمين إلا تبارا 28 قوله تعالى: (رب اغفر لي ولوالدي) دعا لنفسه ~~ولوالديه وكانا مؤمنين. وهما: لمك (2) بن متوشلخ وشمخى بنت أنوش، ذكره ~~القشيري والثعلبي. وحكى الماوردي في أسم أمه منجل. # PageV18P313 # وقال سعيد بن جبير: أراد بوالديه أباه وجده. وقرأ سعيد بن جبير " لوالدي ~~" بكسر الدال على الواحد. قال الكلبي: كان بينه وبين آدم عشرة آباء كلهم ~~مؤمنون. وقال ابن عباس: # لم يكفر لنوح والد فيما بينه وبين آدم عليهما السلام. (ولمن دخل بيتي ~~مؤمنا) أي مسجدي ومصلاي مصليا مصدقا بالله. وكان إنما يدخل بيوت الأنبياء ~~من آمن منهم فجعل المسجد سببا للدعاء بالغفرة. وقد قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: (الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلي فيه ما لم يحدث ~~فيه تقول اللهم أغفر له اللهم أرحمه) الحديث. وقد تقدم. وهذا قول ابن عباس: ~~" بيتي " مسجدي، حكاه الثعلبي وقاله الضحاك. وعن ابن عباس أيضا: أي ولمن ~~دخل ديني، فالبيت بمعنى الدين، حكاه القشيري وقاله جويبر. # وعن ابن عباس أيضا: يعني صديقي الداخل إلى منزلي، حكاه الماوردي. وقيل: ~~أراد داري. وقيل سفينتي. (وللمؤمنين والمؤمنات) عامة إلى يوم القيامة، قاله ~~الضحاك. # وقال الكلبي: من أمة محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: من قومه، والأول ~~أظهر. (ولا تزد الظالمين) أي الكافرين. (إلا تبارا) إلا هلاكا، فهي عامة في ~~كل كافر ومشرك. # وقيل: أراد مشركي قومه. والتبار: الهلاك. وقيل: الخسران، حكاهما السدي. ~~ومنه قوله ms6384 تعالى: " إن هؤلاء متبر ما هم فيه " (2) [الأعراف: 139]. وقيل: ~~التبار الدمار، والمعنى واحد. والله أعلم بذلك. وهو الموفق للصواب. # تم بعون الله الجزء الثامن عشر من تفسير القرطبي، يتلوه إن شاء الله ~~تعالى الجزء التاسع عشر، وأوله: # " سورة (الجن). # بعون الله وجميل توفيقه، قد تم طبع الجزء الثامن عشر من " تفسير القرطبي ~~" بمطبعة دار الكتب والوثائق القومية في شهر صفر سنة 1386 ه‍ (مايو سنة ~~1966) محمد حمدي جنيدي رئيس المطبعة # PageV18P314 # الجامع لاحكام القرآن لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي الجزء ~~التاسع عشر أعاد طبعه دار احياء التراث العربي بيروت - لبنان 1405 ه‍ 1985 ~~م بسم الله الرحمن الرحيم سورة الجن مكية في قول الجميع. وهي ثمان وعشرون ~~آية قوله تعالى: قل أوحى إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا ~~عجبا (1) يهدى إلى الرشد فأمنا به ولن نشرك بربنا أحدا (2) وإنه تعالى جد ~~ربنا ما أتخذ صاحبة ولا ولدا (3) فيه خمس مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " قل أوحى إلي " أي قل يا محمد لأمتك: أوحى الله ~~إلي على لسان جبريل " أنه استمع " إلي " نفر من الجن " وما كان عليه السلام ~~عالما به قبل أن أوحى إليه. هكذا قال ابن عباس وغيره على ما يأتي. وقرأ ابن ~~أبي عبلة " أحي " (1) على الأصل، يقال: أوحى إليه ووحى، فقلبت الواو همزة، ~~ومنه قوله تعالى: " وإذا الرسل أقتت " [المرسلات: 11] وهو من القلب المطلق ~~جوازه في كل واو مضمومة. وقد أطلقه المازني في المكسورة أيضا كإشاح (2) ~~وإسادة و " إعاء أخيه " ونحوه. # الثانية - واختلف هل رآهم النبي صلى الله عليه وسلم أم لا؟ فظاهر القرآن ~~يدل على أنه لم يرهم، لقوله تعالى: " استمع "، وقوله تعالى: " وإذ صرفنا ~~إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن " [الأحقاف: 29]. وفي صحيح مسلم والترمذي ~~(3) عن ابن عباس قال: ما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV19P001 # على الجن وما رآهم، انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم في طائفة من ~~أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين ms6385 وبين خبر السماء، وأرسلت ~~عليهم الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم، فقالوا: ما لكم؟ قالوا: حيل بيننا ~~وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب! قالوا: ما ذاك إلا من شئ حدث، ~~فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فانظروا ما هذا الذي حال بيننا وبين خبر ~~السماء؟ فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها، فمر النفر الذين أخذوا نحو ~~تهامة وهو بنخلة (1) عامدين إلى سوق عكاظ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، ~~فلما سمعوا القرآن استمعوا له وقالوا: هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء. ~~فرجعوا إلى قومهم فقالوا: يا قومنا " إنا سمعنا قرآنا عجبا (2). يهدي إلى ~~الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا " فأنزل الله عز وجل على نبيه محمد صلى ~~الله عليه وسلم: " قل أوحى إلي أنه استمع نفر من الجن ". رواه الترمذي عن ~~ابن عباس قال: قول الجن لقومهم " لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه ~~لبدا " قال: لما رأوه يصلى وأصحابه يصلون بصلاته فيسجدون بسجوده قال (3): ~~تعجبوا من طواعية أصحابه له، قالوا لقومهم: " لما قام عبد الله يدعوه كادوا ~~يكونون عليه لبدا " [الجن: 19]. قال: هذا حديث حسن صحيح، ففي هذا الحديث ~~دليل على أنه عليه السلام لم ير الجن ولكنهم حضروه، وسمعوا قراءته. وفيه ~~دليل على أن الجن كانوا مع الشياطين حين تجسسوا الخبر بسبب الشياطين لما ~~رموا بالشهب. وكان المرميون بالشهب من الجن أيضا. وقيل لهم شياطين كما قال: ~~" شياطين الإنس والجن " [الانعام: 112] فإن الشيطان كل متمرد وخارج عن طاعة ~~الله. وفي الترمذي عن ابن عباس قال: كان الجن يصعدون إلى السماء يستمعون ~~إلى الوحي فإذا سمعوا الكلمة زادوا فيها تسعا، فأما الكلمة فتكون حقا، وأما ~~ما زادوا فيها (4)، فيكون باطلا. فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~منعوا مقاعدهم، فذكروا ذلك لإبليس ولم تكن النجوم يرمى بها قبل ذلك، فقال ~~لهم إبليس: ما هذا الامر (5) إلا من (6) أمر قد حدث في الأرض! # PageV19P002 # فبعث جنوده فوجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما يصلي بين جبلين - ~~أراه قال بمكة - فأتوه فأخبروه ms6386 فقال: هذا الحدث (1) الذي حدث في الأرض. ~~قال: هذا حديث حسن صحيح. فدل هذا الحديث على أن الجن رموا كما رميت ~~الشياطين. وفي رواية السدي: أنهم لما رموا أتوا إبليس فأخبروه بما كان من ~~أمرهم فقال: إيتوني من كل أرض بقبضة من تراب أشمها فأتوه فشم فقال: صاحبكم ~~بمكة. فبعث نفرا من الجن، قيل: كانوا سبعة. وقيل: تسعة منهم زوبعة. وروى ~~عاصم عن زر قال: قدم رهط زوبعة وأصحابه على النبي صلى الله عليه وسلم. وقال ~~الثمالي: أنهم من بني الشيصبان وهم أكثر الجن عددا وأقواهم شوكة وهم عامة ~~جنود إبليس. وروى أيضا عاصم عن زر: أنهم كانوا سبعة نفر، ثلاثة من أهل حران ~~وأربعة من أهل نصيبين. وحكى جويبر عن الضحاك: أنهم كانوا تسعة من أهل ~~نصيبين (قرية باليمن غير التي بالعراق) (2). وقيل: إن الجن الذين أتوا مكة ~~جن نصيبين، والذين أتوه بنخلة جن نينوى. وقد مضى بيان هذا في سورة ~~(الأحقاف) (3). قال عكرمة: والسورة التي كان يقرؤها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " اقرأ باسم ربك " [العلق: 1] وقد مضى في سورة " الأحقاف " ~~التعريف باسم النفر من الجن، فلا معنى لإعادة ذلك. # وقيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم رأى الجن ليلة الجن وهو أثبت، روى ~~عامر الشعبي قال: سألت علقمة هل كان ابن مسعود شهد مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ليلة الجن؟ فقال علقمة: أنا سألت ابن مسعود فقلت: هل شهد أحد ~~منكم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن؟ قال: لا، ولكنا كنا مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة ففقدناه، فالتمسناه في الأودية ~~والشعاب، فقلنا استطير (4) أو اغتيل، قال: # فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما أصبح إذا هو يجئ من قبل حراء، فقلنا: ~~يا رسول الله! # فقدناك وطلبناك فلم نجدك، فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فقال: [أتاني داعي ~~الجن فذهبت معه # PageV19P003 # فقرأت عليهم القرآن] فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، وسألوه ~~الزاد وكانوا من جن الجزيرة، فقال: (لكم ms6387 كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في ~~أيديكم أوفر ما يكون لحما، وكل بعرة علف لدوابكم - فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: فلا تستنجوا بهما، فإنهما طعام إخوانكم الجن) قال ابن العربي: ~~وابن مسعود أعرف من ابن عباس، لأنه شاهده وابن عباس سمعه وليس الخبر ~~كالمعاينة. وقد قيل: إن الجن أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم دفعتين: ~~إحداهما بمكة وهي التي ذكرها ابن مسعود، والثانية بنخلة وهي التي ذكرها ابن ~~عباس. قال البيهقي: # الذي حكاه عبد الله بن عباس إنما هو في أول ما سمعت الجن قراءة النبي صلى ~~الله عليه وسلم وعلمت بحاله، وفي ذلك الوقت لم يقرأ عليهم ولم يرهم كما ~~حكاه، ثم أتاه داعي الجن مرة أخرى فذهب معه وقرأ عليهم القرآن كما حكاه عبد ~~الله بن مسعود قال البيهقي: والأحاديث الصحاح تدل على أن ابن مسعود لم يكن ~~مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن، وإنما سار معه حين انطلق به وبغيره ~~يريه آثار الجن وآثار نيرانهم. قال: وقد روى من غير وجه أنه كان معه ~~ليلتئذ، وقد مضى هذا المعنى في سورة " الأحقاف " والحمد لله. روي عن ابن ~~مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أمرت أن أتلو القرآن على الجن ~~فمن يذهب معي؟ " فسكتوا، ثم قال الثانية، ثم قال الثالثة، ثم قال عبد الله ~~بن مسعود: أنا أذهب معك يا رسول الله، فانطلق حتى جاء الحجون عند شعب أبي ~~دب (1) فخط علي خطا فقال: (لا تجاوزه) ثم مضى إلى الحجون فانحدر عليه أمثال ~~الحجل يحدرون (2) الحجارة بأقدامهم، يمشون يقرعون في دفوفهم كما تقرع ~~النسوة في دفوفها، حتى غشوه فلا أراه، فقمت فأومى إلي بيده أن أجلس، فتلا ~~القرآن فلم يزل صوته يرتفع، ولصقوا بالأرض حتى ما أراهم، فلما انفتل إلي ~~قال: " أردت أن تأتيني "؟ قلت: نعم يا رسول الله. قال: " ما كان ذلك لك، ~~هؤلاء الجن أتوا يستمعون القرآن، ثم ولوا إلى قومهم منذرين فسألوني الزاد ~~فزودتهم العظم والبعر ms6388 فلا يستطيبن أحدكم بعظم ولا بعر ". # PageV19P004 # قال عكرمة: وكانوا اثنى عشر ألفا من جزيرة الموصل. وفي رواية: انطلق بي ~~عليه السلام حتى إذا جئنا المسجد الذي عند حائط عوف خط لي خطا، فأتاه نفر ~~منهم فقال أصحابنا كأنهم رجال الزط (1) وكأن وجوههم المكاكي (2)، فقالوا: ~~ما أنت؟ قال: " أنا نبي الله " قالوا: فمن يشهد لك على ذلك؟ قال: " هذه ~~الشجرة " فقال: " يا شجرة " فجاءت تجر عروقها، لها قعاقع حتى انتصبت بين ~~يديه، فقال: [على ماذا تشهدين] قالت: أشهد أنك رسول الله. # فرجعت كما جاءت تجر بعروقها الحجارة، لها قعاقع حتى عادت كما كانت. ثم ~~روى أنه عليه السلام لما فرغ وضع رأسه على حجر ابن مسعود فرقد ثم استيقظ ~~فقال: [هل من وضوء] قال: لا، إلا أن معي إداوة فيها نبيذ. فقال: [هل هو إلا ~~تمر وماء] فتوضأ منه. # قد الثالثة - قد مضى الكلام في الماء في سورة " الحجر " (3) وما يستنجى ~~به في سورة " براءة " (4) فلا معنى للإعادة. # الرابعة - واختلف أهل العلم، في أصل الجن، فروى إسماعيل عن الحسن البصري: # أن الجن ولد إبليس، والانس ولد آدم، ومن هؤلاء وهؤلاء مؤمنون وكافرون، ~~وهم شركاء في الثواب والعقاب. فمن كان من هؤلاء وهؤلاء مؤمنا فهو ولي الله، ~~ومن كان من هؤلاء وهؤلاء كافرا فهو شيطان. # وروى الضحاك عن ابن عباس: أن الجن هم ولد الجان وليسوا بشياطين، وهم ~~يؤمنون، ومنهم المؤمن ومنهم الكافر، والشياطين هم ولد إبليس لا يموتون إلا ~~مع إبليس. # واختلفوا في دخول مؤمني الجن الجنة، على حسب الاختلاف في أصلهم. فمن زعم ~~أنهم من الجان لا من ذرية إبليس قال: يدخلون الجنة بإيمانهم. ومن قال: إنهم ~~من ذرية إبليس فلهم فيه قولان: أحدهما - وهو قول الحسن يدخلونها. الثاني - ~~وهو رواية مجاهد # PageV19P005 # لا يدخلونها وإن صرفوا عن النار. حكاه الماوردي. وقد مضى في سورة " ~~الرحمن " (1) عند قوله تعالى: " لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان " [الرحمن: ~~56] بيان أنهم يدخلونها. # الخامسة - قال البيهقي في روايته: وسألوه الزاد وكانوا من جن الجزيرة ~~فقال: ms6389 [لكم كل عظم] دليل على أنهم يأكلون ويطعمون. وقد أنكر جماعة من كفرة ~~الأطباء والفلاسفة الجن، وقالوا: إنهم بسائط، ولا يصح طعامهم، اجتراء على ~~الله وافتراء، والقرآن والسنة ترد عليهم، وليس في المخلوقات بسيط مركب ~~مزدوج، إنما الواحد الواحد (2) سبحانه، وغيره مركب وليس بواحد كيفما تصرف ~~حاله. وليس يمتنع أن يراهم النبي صلى الله عليه وسلم في صورهم كما يرى ~~الملائكة. وأكثر ما يتصورون لنا في صور الحيات، ففي الموطأ: أن رجلا حديث ~~عهد بعرس استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنصاف النهار أن يرجع إلى ~~أهله... الحديث، وفيه: فإذا حية عظيمة منطوية على الفراش، فأهوى إليها ~~بالرمح فانتظمها. وذكر الحديث. # وفي الصحيح أنه عليه السلام قال: " إن لهذه البيوت عوامر، فإذا رأيتم ~~منها شيئا فحرجوا عليها ثلاثا، فإن ذهب وإلا فاقتلوه فإنه كافر ". وقال: " ~~اذهبوا فادفنوا صاحبكم " (3) وقد مضى هذا المعنى في سورة " البقرة " (4) ~~وبيان التحريج عليهن. وقد ذهب قوم إلى أن ذلك مخصوص بالمدينة، لقوله في ~~الصحيح: " إن بالمدينة جنا قد أسلموا ". وهذا لفظ مختص بها فيختص بحكمها. ~~قلنا: هذا يدل على أن غيرها من البيوت مثلها، لأنه (5) لم يعلل بحرمة ~~المدينة، فيكون ذلك الحكم مخصوصا بها، وإنما علل بالاسلام، وذلك عام في ~~غيرها، ألا ترى قوله في الحديث مخبرا عن الجن الذي لقي: [وكانوا من جن ~~الجزيرة]، وهذا بين يعضده قوله: [ونهى عن عوامر البيوت] وهذا عام. وقد مضى ~~في سورة (البقرة) القول في هذا فلا معنى للإعادة. # PageV19P006 # قوله تعالى: " فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا " أي في فصاحة كلامه. وقيل: ~~عجبا في بلاغة مواعظه. وقيل: عجبا في عظم بركته. وقيل: قرآنا عزيزا لا يوجد ~~مثله. وقيل: # يعنون عظيما. " يهدي إلى الرشد " أي إلى مراشد الأمور. وقيل: إلى معرفة ~~الله تعالى، و " يهدي " في موضع الصفة أي هاديا. " فآمنا به " أي فاهتدينا ~~به وصدقنا أنه من عند الله " ولن نشرك بربنا أحدا " أي لا نرجع إلى إبليس ~~ولا نطيعه، لأنه الذي كان بعثهم ليأتوه بالخبر، ثم رمى ms6390 الجن بالشهب. وقيل ~~لا نتخذ مع الله إلها آخر، لأنه المتفرد بالربوبية. # وفي هذا تعجيب المؤمنين بذهاب مشركي قريش عما أدركته الجن بتدبرها ~~القرآن. وقوله تعالى: " استمع نفر من الجن " أي استمعوا إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فعلموا أن ما يقرؤه كلام الله. ولم يذكر المستمع إليه لدلالة ~~الحال عليه. والنفر الرهط، قال الخليل: ما بين ثلاثة إلى عشرة. وقرأ عيسى ~~الثقفي " يهدي إلى الرشد " بفتح الراء والشين. # قوله تعالى: " وأنه تعالى جد ربنا " كان علقمة ويحيى والأعمش وحمزة ~~والكسائي وابن عامر وخلف وحفص والسلمي ينصبون " أن " في جميع السورة في ~~اثنى عشر موضعا، وهو (1): " أنه تعالى جد ربنا "، " وأنه كان يقول "، " ~~وأنا ظننا "، " وأنه كان رجال "، " وأنهم ظنوا "، " وأنا لمسنا السماء "، " ~~وأنا كنا نقعد "، " وأنا لا ندري "، " وأنا منا الصالحون "، " وأنا ظننا أن ~~لن نعجز الله في الأرض "، " وأنا لما سمعنا الهدى "، " وأنا منا المسلمون " ~~عطفا على قوله: " أنه استمع نفر "، " وأنه استمع " لا يجوز فيه إلا الفتح، ~~لأنها في موضع اسم فاعل " أوحى " فما بعده معطوف عليه. وقيل: هو محمول على ~~الهاء في " آمنا به "، أي وب‍ " - أنه تعالى جد ربنا " وجاز ذلك وهو مضمر ~~مجرور لكثرة حرف الجار مع " أن ". وقيل: # المعنى أي وصدقنا أنه جد ربنا. وقرأ الباقون كلها بالكسر وهو الصواب، ~~واختاره أبو عبيدة وأبو حاتم عطفا على قوله: " فقالوا إنا سمعنا " لأنه كله ~~(2) من كلام الجن. وأما أبو جعفر # PageV19P007 # وشيبة فإنهما فتحا ثلاثة مواضع، وهي قوله تعالى: " وأنه تعالى جد ربنا "، ~~" وأنه كان يقول "، " وأنه كان رجال "، قالا: لأنه من الوحي، وكسرا ما بقي، ~~لأنه من كلام الجن. # وأما قوله تعالى: " وأنه لما قام عبد الله " [الجن: 19]. فكلهم فتحوا إلا ~~نافعا وشيبة وزر بن حبيش وأبا بكر والمفضل عن عاصم، فإنهم كسروا لا غير. ~~ولا خلاف في فتح همزة " أنه استمع نفر من الجن "، " وأن لو استقاموا " " ~~وأن المساجد لله "، " وأن قد أبلغوا ". وكذلك لا خلاف في كسر ما بعد القول، ~~نحو قوله ms6391 تعالى: " فقالوا إنا سمعنا " و " قال (1) إنما ادعوا ربي " [الجن: ~~20] و " قل إن أدري " [الجن: 25]. و " قل إني لا أملك " [الجن: 21]. وكذلك ~~لا خلاف في كسر ما كان بعد فاء الجزاء، نحو قوله تعالى: " فإن له نار جهنم ~~" [الجن: 23] و " فإنه يسلك من بين يديه " [الجن: 27]. لأنه موضع ابتداء. # قوله تعالى: " وأنه تعالى جد ربنا " (2) الجد في اللغة: العظمة والجلال، ~~ومنه قول أنس: # كان الرجل إذا حفظ البقرة وآل عمران جد في عيوننا، أي عظم وجل. فمعنى: " ~~جد ربنا " أي عظمته وجلاله، قاله عكرمة ومجاهد وقتادة. وعن مجاهد أيضا: ~~ذكره. وقال أنس بن مالك والحسن وعكرمة أيضا: غناه. ومنه قيل للحظ جد، ورجل ~~مجدود أي محظوظ، وفي الحديث: # [ولا ينفع ذا الجد منك الجد] قال أبو عبيدة والخليل: أي ذا الغنى، منك ~~الغنى، إنما تنفعه الطاعة. وقال ابن عباس: قدرته. الضحاك: فعله. وقال ~~القرظي والضحاك أيضا: # آلاؤه ونعمه على خلقه. وقال أبو عبيدة والأخفش: ملكه وسلطانه. وقال ~~السدي: # أمره. وقال سعيد بن جبير: " وأنه تعالى جد ربنا " أي تعالى ربنا. وقيل: ~~إنهم عنوا بذلك الجد الذي هو أب الأب، ويكون هذا من قول الجن. وقال محمد بن ~~علي بن الحسين وابنه جعفر الصادق والربيع: ليس لله تعالى جد، وإنما قالته ~~الجن للجهالة، فلم يؤاخذوا به. # وقال القشيري: ويجوز إطلاق لفظ الجد في حق الله تعالى، إذ لو لم يجز لما ~~ذكر في القرآن، غير أنه لفظ موهم، فتجنبه أولى. وقراءة عكرمة " جد " بكسر ~~الجيم: على ضد الهزل. وكذلك # PageV19P008 # قرأ أبو حياة ومحمد بن السميقع. ويروى عن ابن السميقع أيضا وأبي الأشهب " ~~جدا ربنا "، وهو الجدوى والمنفعة. وقرأ عكرمة أيضا " جد " بالتنوين " ربنا ~~" بالرفع على أنه مرفوع، ب‍ " - تعالى "، و " جدا " منصوب على التمييز. وعن ~~عكرمة أيضا " جد " بالتنوين والرفع " ربنا " بالرفع على تقدير: تعالى جد جد ~~ربنا، فجد الثاني بدل من الأول وحذف وأقيم المضاف إليه مقامه. ومعنى الآية: ~~وأنه تعالى جلال ربنا أن يتخذ صاحبة وولدا للاستئناس بهما والحاجة ms6392 إليهما، ~~والرب يتعالى عن الأنداد والنظراء. # قوله تعالى: وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا (4) وأنا ظننا أن لن ~~تقول الإنس والجن على الله كذبا (5) وأنه كان رجال من الانس يعوذون برجال ~~من الجن فزادوهم رهقا (6) وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا (7) ~~قوله تعالى: (وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا) الهاء في " أنه " للامر ~~أو الحديث، وفي " كان " اسمها، وما بعدها الخبر. ويجوز أن تكون " كان " ~~زائدة. # والسفيه هنا إبليس في قول مجاهد وابن جريج وقتادة. ورواه أبو بردة بن (1) ~~أبي موسى عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: المشركون من الجن: ~~قال قتادة: عصاه سفيه الجن كما عصاه سفيه الانس. والشطط والاشتطاط: الغلو ~~في الكفر. وقال أبو مالك: # هو الجور. الكلبي: هو الكذب. وأصله البعد فيعبر به عن الجور لبعده عن ~~العدل، وعن الكذب لبعده عن الصدق، قال الشاعر: # بأية حال حكموا فيك فاشتطوا * وما ذاك إلا حيث يممك (2) الوخط قوله ~~تعالى: (وأنا ظننا) أي حسبنا " أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا "، ~~فلذلك صدقناهم في أن لله صاحبة وولدا، حتى سمعنا القرآن وتبينا به الحق. ~~وقرأ يعقوب # PageV19P009 # والجحدري وابن أبي إسحاق " أن لن تقول " (1). وقيل: انقطع الاخبار عن ~~الجن ها هنا فقال الله تعالى: " وأنه كان رجال من الانس " فمن فتح وجعله من ~~قول الجن ردها إلى قوله: # " أنه استمع " [الجن: 1]، ومن كسر جعلها مبتدأ من قول الله تعالى. ~~والمراد به ما كانوا يفعلونه من قول الرجل إذا نزل بواد: أعوذ بسيد هذا ~~الوادي من شر سفهاء قومه، فيبيت في جواره حتى يصبح، قاله الحسن وابن زيد ~~وغيرهما. قال مقاتل: كان أول من تعوذ بالجن قوم من أهل اليمن، ثم من بني ~~حنيفة، ثم فشا ذلك في العرب، فلما جاء الاسلام عاذوا بالله وتركوهم. وقال ~~كردم بن أبي السائب: خرجت مع أبي إلى المدينة أول ما ذكر النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فآوانا المبيت إلى راعي غنم، فلما انتصف الليل جاء ms6393 الذئب فحمل ~~حملا من الغنم، فقال الراعي: يا عامر الوادي، [أنا] (2) جارك. فنادى مناد ~~يا سرحان أرسله، فأتى الحمل يشتد (3). وأنزل الله تعالى على رسوله بمكة: " ~~وأنه كان رجال من الانس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا " أي زاد الجن ~~الانس " رهقا " أي خطيئة وإثما، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة. والرهق: ~~الاثم في كلام العرب وغشيان المحارم، ورجل رهق إذا كان كذلك، ومنه قوله ~~تعالى: " وترهقهم ذلة " [يونس: 27] وقال الأعشى: # لا شئ ينفعني من دون رؤيتها * هل يشتفي وامق (4) ما لم يصب رهقا يعني ~~إثما. وأضيفت الزيادة إلى الجن إذ كانوا سببا لها. وقال مجاهد أيضا: " ~~فزادوهم " أي إن الانس زادوا الجن طغيانا بهذا التعوذ، حتى قالت الجن: سدنا ~~الإنس والجن. وقال قتادة أيضا وأبو العالية والربيع وابن زيد: ازداد الانس ~~بهذا فرقا وخوفا من الجن. وقال سعيد ابن جبير: كفرا. ولا خفاء أن الاستعاذة ~~بالجن دون الاستعاذة بالله كفر وشرك. وقيل: # لا يطلق لفظ الرجال على الجن، فالمعنى: وأنه كان رجال من الانس يعوذون من ~~شر الجن # PageV19P010 # برجال من الانس، وكان الرجل من الانس يقول مثلا: أعوذ بحذيفة بن بدر من ~~جن هذا الوادي. قال القشيري: وفي هذا تحكم إذ لا يبعد إطلاق لفظ الرجال على ~~الجن. # قوله تعالى: (وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا) هذا من قول ~~الله تعالى للانس أي وأن الجن ظنوا أن لن يبعث الله الخلق كما ظننتم. ~~الكلبي: المعنى: ظنت الجن كما ظنت الانس أن لن يبعث الله رسولا إلى خلقه ~~(1) يقيم به الحجة عليهم. وكل هذا توكيد للحجة على قريش، أي إذا آمن هؤلاء ~~الجن بمحمد، فأنتم أحق بذلك. # قوله تعالى: وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا (8) وأنا ~~كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا (9) وأنا لا ~~ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا (10) قوله تعالى: " وأنا ~~لمسنا السماء " هذا من قول الجن، أي طلبنا خبرها كما جرت عادتنا ms6394 " فوجدناها ~~" قد " ملئت حرسا شديدا " أي حفظة، يعني الملائكة. والحرس: جمع حارس " ~~وشهبا " جمع شهاب، وهو انقضاض الكواكب المحرقة لهم عن استراق السمع. وقد ~~مضى القول فيه في سورة " الحجر " (2) " والصافات " (3). و " وجد " يجوز أن ~~يقدر متعديا إلى مفعولين، فالأول الهاء والألف، و " ملئت " في موضع المفعول ~~الثاني. ويجوز أن يتعدى إلى مفعول واحد ويكون " ملئت " في موضع الحال على ~~إضمار قد. و " حرسا " نصب على المفعول الثاني ب‍ " - ملئت ". و " شديدا " ~~من نعت الحرس، أي ملئت ملائكة شدادا. # PageV19P011 # ووحد الشديد على لفظ الحرس، وهو كما يقال: السلف الصالح بمعنى الصالحين، ~~وجمع السلف أسلاف (1) وجمع الحرس أحراس، قال: (2) (تجاوزت أحراسا وأهوال ~~معشر) ويجوز أن يكون " حرسا " مصدرا على معنى حرست حراسة شديدة. # قوله تعالى: (وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له ~~شهابا رصدا) " منها " أي من السماء، و " مقاعد ": مواضع يقعد في مثلها ~~لاستماع الاخبار من السماء، يعني أن مردة الجن كانوا يفعلون ذلك ليستمعوا ~~من الملائكة أخبار السماء حتى يلقوها إلى الكهنة على ما تقدم بيانه، فحرسها ~~الله تعالى حين بعث رسوله بالشهب المحرقة، فقالت الجن حينئذ: " فمن يستمع ~~الآن يجد له شهابا رصدا " يعني بالشهاب: الكوكب المحرق، وقد تقدم بيان ذلك. ~~ويقال: لم يكن انقضاض الكواكب إلا بعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم وهو ~~آية من آياته. واختلف السلف هل كانت الشياطين تقذف قبل المبعث، أو كان ذلك ~~أمرا حدث لمبعث النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال الكلبي وقال (3) قوم: لم ~~تكن تحرس السماء في الفترة بين عيسى ومحمد صلوات الله عليهما وسلامه: ~~خمسمائة عام، وإنما كان من أجل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما بعث ~~محمد صلى الله عليه وسلم منعوا من السماوات كلها، وحرست بالملائكة والشهب. # قلت: ورواه عطية العوفي عن ابن عباس، ذكره البيهقي. وقال عبد الله بن ~~عمر: # لما كان اليوم الذي نبئ رسول الله صلى الله عليه وسلم منعت الشياطين، ~~ورموا بالشهب. # وقال عبد الملك بن سابور: ms6395 لم تكن السماء تحرس في الفترة بين عيسى ومحمد ~~عليهما الصلاة والسلام، فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم حرست السماء، ~~ورميت الشياطين بالشهب، # PageV19P012 # ومنعت عن الدنو من السماء. وقال نافع بن جبير: كانت الشياطين في الفترة ~~تسمع فلا ترمى، فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رميت بالشهب. ونحوه ~~عن أبي بن كعب قال: لم يرم بنجم منذ رفع عيسى حتى نبئ رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فرمى بها. وقيل: # كان ذلك قبل المبعث، وإنما زادت بمبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إنذارا بحاله، وهو معنى قوله تعالى: " ملئت " أي زيد في حرسها، وقال أوس بن ~~حجر وهو جاهلي: # فانقض كالدري يتبعه * نقع يثور تخاله طنبا وهذا قول الأكثرين. وقد أنكر ~~الجاحظ هذا البيت وقال: كل شعر روي فيه فهو مصنوع، وأن الرمي لم يكن قبل ~~المبعث. والقول بالرمي أصح، لقوله تعالى: " فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا ~~". وهذا إخبار عن الجن، أنه (1) زيد في حرس السماء حتى امتلأت منها ومنهم، ~~ولما روى عن ابن عباس قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم جالس في نفر من ~~أصحابه إذ رمى بنجم، فقال: [ما كنتم تقولون في مثل هذا في الجاهلية]؟ ~~قالوا: كنا نقول يموت عظيم أو يولد عظيم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~[إنها لا ترمى لموت أحد ولا لحياته، ولكن ربنا سبحانه وتعالى إذا قضى أمرا ~~في السماء سبح حملة العرش ثم سبح أهل كل سماء، حتى ينتهي التسبيح إلى هذه ~~السماء ويستخبر أهل السماء حملة العرش ماذا قال ربكم فيخبرونهم ويخبر أهل ~~كل سماء حتى ينتهي الخبر إلى هذه، فتتخطف الجن فيرمون فما جاءوا به فهو حق ~~ولكنهم يزيدون فيه]. وهذا يدل على أن الرجم كان قبل المبعث. وروى الزهري ~~نحوه عن علي بن الحسين عن علي بن أبي طالب عن ابن عباس. وفي آخره قيل ~~للزهري: أكان يرمى في الجاهلية؟ قال: نعم. قلت: أفرأيت قوله سبحانه: " وأنا ~~كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن ms6396 يستمع الآن يجد له شهابا رصدا " قال: غلظت ~~وشدد أمرها حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم. ونحوه قال القتبي. قال ابن ~~قتيبة: كان ولكن اشتدت الحراسة بعد المبعث، وكانوا من قبل يسترقون ويرمون ~~في بعض الأحوال، فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم منعت من ذلك أصلا. وقد ~~تقدم بيان هذا في سورة " الصافات " (2) # PageV19P013 # عند قوله: " ويقذفون من كل جانب. دحورا ولهم عذاب واصب " [الصافات: 8 - ~~9] قال الحافظ: فلو قال قائل: كيف تتعرض الجن لاحراق نفسها بسبب استماع ~~خبر، بعد أن صار ذلك معلوما لهم؟ # فالجواب: أن الله تعالى ينسيهم ذلك حتى تعظم المحنة، كما ينسى إبليس في ~~كل وقت أنه لا يسلم، وأن الله تعالى قال له: " وإن عليك اللعنة إلى يوم ~~الدين " [الحجر: 35] ولولا هذا لما تحقق التكليف. والرصد: قيل من الملائكة، ~~أي ورصدا من الملائكة. والرصد: الحافظ للشئ والجمع أرصاد، وفي غير هذا ~~الموضع يجوز أن يكون جمعا كالحرس، والواحد: راصد. # وقيل: الرصد هو الشهاب، أي شهابا قد أرصد له، ليرجم به، فهو فعل بمعنى ~~مفعول كالخبط والنفض. # قوله تعالى: " وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض " أي هذا الحرس الذي ~~حرست بهم السماء " أم أراد بهم ربهم رشدا " أي خيرا. قال ابن زيد. قال ~~إبليس لا ندري: هل أراد الله بهذا المنع أن ينزل على أهل الأرض عذابا أو ~~يرسل إليهم رسولا. وقيل: هو من قول الجن فيما بينهم قبل أن يسمعوا قراءة ~~النبي صلى الله عليه وسلم. أي لا ندري أشر أريد بمن في الأرض بإرسال محمد ~~إليهم، فإنهم يكذبونه ويهلكون بتكذيبه كما هلك من كذب من الأمم، أم أراد أن ~~يؤمنوا فيهتدوا، فالشر والرشد على هذا الكفر والايمان، وعلى هذا كان عندهم ~~علم بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم، ولما سمعوا قراءته علموا أنهم منعوا ~~من السماء حراسة للوحي. وقيل: # لا، بل هذا قول قالوه لقومهم بعد أن انصرفوا إليهم منذرين، أي لما آمنوا ~~أشفقوا ألا يؤمن كثير من أهل الأرض فقالوا: ms6397 إنا لا ندري أيكفر أهل الأرض ~~بما آمنا به أم (1) يؤمنون؟ # قوله تعالى: وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا (11) وأنا ~~ظننا أن لن نعجز الله في الأرض ولن نعجزه هربا (12) # PageV19P014 # قوله تعالى: " وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك " هذا من قول الجن، أي قال ~~بعضهم لبعض لما دعوا أصحابهم إلى الايمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، وإنا ~~كنا قبل استماع القرآن منا الصالحون ومنا الكافرون. وقيل: " ومنا دون ذلك " ~~أي ومن دون الصالحين في الصلاح، وهو أشبه من حمله على الايمان والشرك. (كنا ~~طرائق قددا) أي فرقا شتى، قاله السدي. الضحاك: أديانا مختلفة. قتادة: أهواء ~~متباينة، ومنه قول الشاعر: # القابض الباسط الهادي بطاعته * في فتنة الناس إذ أهواؤهم قدد والمعنى: أي ~~لم يكن كل الجن كفارا بل كانوا مختلفين: منهم كفار، ومنهم مؤمنون صلحاء، ~~ومنهم مؤمنون غير صلحاء. وقال المسيب: كنا مسلمين ويهود ونصارى ومجوس. وقال ~~السدي في قوله تعالى: " طرائق قددا " قال: في الجن مثلكم قدرية، ومرجئة، ~~وخوارج، ورافضة، وشيعة، وسنية. وقال قوم: أي وإنا بعد استماع القرآن ~~مختلفون: منا المؤمنون ومنا الكافرون. # أي ومنا الصالحون ومنا مؤمنون لم يتناهوا في الصلاح. والأول أحسن، لأنه ~~كان في الجن من آمن بموسى وعيسى، وقد أخبر الله عنهم أنهم قالوا: " إنا ~~سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه " [الأحقاف: 30] وهذا يدل ~~على إيمان قوم منهم بالتوراة، وكان هذا مبالغة منهم في دعاء من دعوهم إلى ~~الايمان. وأيضا لا فائدة في قولهم: نحن الآن منقسمون إلى مؤمن وإلى كافر. # والطرائق: جمع الطريقة وهي مذهب الرجل، أي كنا فرقا مختلفة. ويقال: القوم ~~طرائق أي على مذاهب شتى. والقدد: نحو من الطرائق وهو توكيد لها، واحدها: ~~قدة. يقال: لكل طريق قدة، وأصلها من قد السيور، وهو قطعها، قال لبيد يرثى ~~أخاه أربد (1): # لم تبلغ العين كل نهمتها * ليلة تمسي الجياد كالقدد (1) # PageV19P015 # وقال آخر (1): # ولقد قلت وزيد حاسر * يوم ولت خيل عمرو قددا والقد بالكسر: سير يقد من ~~جلد ms6398 غير مدبوغ، ويقال: ماله قد ولا قحف، فالقد: # إناء من جلد، والقحف: من خشب. # قوله تعالى: " وأنا ظننا أن لن نعجز الله في الأرض " الظن هنا بمعنى ~~العلم واليقين، وهو خلاف الظن في قوله تعالى: " وأنا ظننا أن لن تقول " ~~[الجن: 5]، " وأنهم ظنوا " [الجن: 7] أي علمنا بالاستدلال والتفكر في آيات ~~الله، أنا في قبضته وسلطانه، لن نفوته بهرب ولا غيره. و " هربا " مصدر في ~~موضع الحال أي هاربين. # قوله تعالى: وأنا لما سمعنا الهدى آمنا به فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ~~ولا رهقا (13) وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا ~~(14) وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا (15) قوله تعالى: " وأنا لما سمعنا ~~الهدى " يعني القرآن " آمنا به " وبالله، وصدقنا محمدا صلى الله عليه وسلم ~~على رسالته. وكان صلى الله عليه وسلم مبعوثا إلى الإنس والجن. قال الحسن: # بعث الله محمدا صلى عليه وسلم إلى الإنس والجن، ولم يبعث الله تعالى قط ~~رسولا من الجن، ولا من أهل البادية، ولا من النساء، وذلك قوله تعالى: " وما ~~أرسلنا من قبلك إلا رجالا يوحى إليهم من أهل القرى " [يوسف: 109] وقد تقدم ~~هذا المعنى (2). وفي الصحيح: " وبعثت إلى الأحمر والأسود " أي الإنس والجن. ~~(فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا) قال ابن عباس: لا يخاف # PageV19P016 # أن ينقص من حسناته ولا أن يزاد في سيئاته، لان البخس النقصان، والرهق: ~~العدوان وغشيان المحارم، قال الأعشى: # لا شئ ينفعني من دون رؤيتها * هل يشتفي وامق ما لم يصب رهقا الوامق: ~~المحب، وقد ومقه يمقه بالكسر أي أحبه، فهو وامق. وهذا قول حكاه الله تعالى ~~عن الجن، لقوة إيمانهم وصحة إسلامهم. وقراءة العامة " فلا يخاف " رفعا على ~~تقدير فإنه لا يخاف. وقرأ الأعمش ويحيى (1) وإبراهيم " فلا يخف " جزما على ~~جواب الشرط وإلغاء الفاء. # قوله تعالى: (وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون) أي وأنا بعد استماع ~~القرآن مختلفون، فمنا من أسلم ومنا من كفر. والقاسط: الجائر، لأنه عادل عن ~~الحق، والمقسط: العادل، لأنه عادل إلى الحق، [يقال:] ms6399 قسط: أي جار، وأقسط: ~~إذا عدل، قال الشاعر: # قوم هم قتلوا ابن هند عنوة * عمرا وهم قسطوا على النعمان (فمن أسلم ~~فأولئك تحروا رشدا) أي قصدوا طريق الحق وتوخوه ومنه تحرى القبلة (وأما ~~القاسطون) أي الجائرون عن طريق الحق والايمان (فكانوا لجهنم حطبا) أي ~~وقودا. # وقوله: " فكانوا " أي في علم الله تعالى. # قوله تعالى: وألو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا (16) لنفتنهم ~~فيه ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا صعدا (17) قوله تعالى: " وأن لو ~~استقاموا على الطريقة " هذا من قول الله تعالى. أي لو آمن هؤلاء الكفار ~~لوسعنا عليهم في الدنيا وبسطنا لهم في الرزق. وهذا محمول على الوحي، أي ~~أوحى إلي أن لو استقاموا. ذكر ابن بحر: كل ما في هذه السورة من " إن " ~~المكسورة المثقلة فهي حكاية لقول الجن الذين استمعوا القرآن، فرجعوا إلى ~~قومهم منذرين، وكل ما فيها من # PageV19P017 # أن المفتوحة المخففة فهي وحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال ابن ~~الأنباري: # ومن كسر الحروف وفتح " وأن لو استقاموا " أضمر يمينا تاما، تأويلها: ~~والله أن لو استقاموا على الطريقة، كما يقال في الكلام: والله أن قمت لقمت، ~~ووالله لو قمت قمت، قال الشاعر: # أما والله أن لو كنت حرا * وما بالحر أنت ولا العتيق ومن فتح ما قبل ~~المخففة نسقها - أعني الخفيفة - على " أوحى إلي أنه "، " وأن لو استقاموا " ~~أو على " آمنا به " وبأن لو استقاموا (1). ويجوز لمن كسر الحروف كلها إلى " ~~أن " المخففة، أن يعطف المخففة على " أوحى إلي " أو على " آمنا به "، ~~ويستغنى عن إضمار اليمين. وقراءة العامة بكسر الواو من " لو " لالتقاء ~~الساكنين، وقرأ ابن وثاب والأعمش بضم الواو. و " ماء غدقا " أي واسعا ~~كثيرا، وكانوا قد حبس عنهم المطر سبع سنين، يقال: غدقت العين تغدق، فهي ~~غدقة، إذا كثر ماؤها. وقيل: المراد الخلق كلهم أي " لو استقاموا على ~~الطريقة " طريقة الحق والايمان والهدى وكانوا مؤمنين مطيعين " لأسقيناهم ~~ماء غدقا " أي كثيرا (لنفتنهم فيه) أي لنختبرهم كيف شكرهم فيه على تلك ms6400 ~~النعم. وقال عمر في هذه الآية: أينما كان الماء كان المال، وأينما كان ~~المال كانت الفتنة. فمعنى " لأسقيناهم " لوسعنا عليهم في الدنيا، وضرب ~~الماء الغدق الكثير لذلك مثلا، لان الخير والرزق كله بالمطر يكون، فأقيم ~~مقامه، كقوله تعالى: " ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات ~~من السماء والأرض " [الأعراف: 96] وقوله تعالى: " ولو أنهم أقاموا التوراة ~~والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم " ~~[المائدة: 66] أي بالمطر. والله أعلم. وقال سعيد بن المسيب وعطاء بن أبي ~~رباح والضحاك وقتادة ومقاتل وعطية وعبيد بن عمير والحسن: كان والله أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين، ففتحت عليهم كنوز كسرى وقيصر ~~والمقوقس والنجاشي، ففتنوا بها، فوثبوا على إمامهم فقتلوه. يعني عثمان بن ~~عفان. وقال الكلبي وغيره: " وأن # PageV19P018 # لو استقاموا على الطريقة " التي هم عليها من الكفر فكانوا كلهم كفارا ~~لوسعنا أرزاقهم مكرا بهم واستدراجا لهم حتى يفتتنوا بها، فنعذبهم بها في ~~الدنيا والآخرة. وهذا قول قاله الربيع ابن أنس وزيد بن أسلم وابنه والكلبي ~~والثمالي ويمان بن رباب وابن كيسان وأبو مجلز، واستدلوا بقوله تعالى: " ~~فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شئ " [الانعام: 44] الآية. # وقوله تعالى: " ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن ~~لبيوتهم سقفا من فضة " [الزخرف: 33] الآية، والأول أشبه، لان الطريقة معرفة ~~بالألف واللام، فالأوجب أن تكون طريقته طريقة الهدى، ولأن الاستقامة لا ~~تكون إلا مع الهدى. وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أخوف ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم ~~من زهرة الدنيا) قالوا: وما زهرة الدنيا؟ قال: (بركات الأرض..) وذكر ~~الحديث. وقال عليه السلام: (فوالله ما الفقر أخشى عليكم، وإنما أخشى عليكم ~~أن تبسط عليكم الدنيا [كما بسطت على من (1) قبلكم] فتنافسوها كما تنافسوها ~~فتهلككم كما أهلكتهم). # قوله تعالى: (ومن يعرض عن ذكر ربه) يعني القرآن، قاله ابن زيد. وفي ~~إعراضه عنه وجهان: أحدهما ms6401 عن القبول، إن قيل إنها في أهل الكفر. الثاني عن ~~العمل، إن قيل إنها في المؤمنين. وقيل: " ومن يعرض عن ذكر ربه " أي لم يشكر ~~نعمه (يسلكه عذابا صعدا) قرأ الكوفيون وعياش عن أبي عمرو " يسلكه " بالياء ~~واختاره أبو عبيد وأبو حاتم، لذكر اسم الله أولا فقال: " ومن يعرض عن ذكر ~~ربه ". الباقون " نسلكه " بالنون. # وروى عن مسلم بن جندب ضم النون وكسر اللام. وكذلك قرأ طلحة والأعرج وهما ~~لغتان، سلكه وأسلكه بمعنى، أي ندخله. " عذابا صعدا " أي شاقا شديدا. قال ~~ابن عباس: # هو جبل، في جهنم. [الخدري: (2)] كلما جعلوا أيديهم عليه ذابت. وعن ابن ~~عباس: أن المعنى مشقة من العذاب. وذلك معلوم في اللغة أن الصعد: المشقة، ~~تقول: تصعدني الامر: إذا شق عليك، ومنه قول عمر: ما تصعدني شئ ما تصعدتني ~~خطبة النكاح، أي ما شق علي. # PageV19P019 # وعذاب صعد أي شديد. والصعد: مصدر صعد، يقال: صعد صعدا وصعودا، فوصف به ~~العذاب، لأنه يتصعد المعذب أي يعلوه ويغلبه فلا يطيقه. وقال أبو عبيدة: # الصعد مصدر، أي عذابا ذا صعد، والمشي في الصعود يشق. والصعود: العقبة ~~الكئود. # وقال عكرمة: هو صخرة ملساء في جهنم يكلف صعودها، فإذا انتهى إلى أعلاها ~~حدر إلى جهنم. وقال الكلبي: يكلف الوليد بن المغيرة أن يصعد جبلا في النار ~~من صخرة ملساء، يجذب من أمامه بسلاسل، ويضرب من خلفه بمقامع حتى يبلغ ~~أعلاها، ولا يبلغ في أربعين سنة. فإذا بلغ أعلاها أحدر إلى أسفلها، ثم يكلف ~~أيضا صعودها، فذلك دأبه أبدا، وهو قوله تعالى: " سأرهقه صعودا " [المدثر: ~~17]. # قوله تعالى: وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا (18) فيه ست مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (وأن المساجد لله) " أن " بالفتح، قيل: هو مردود ~~إلى قوله تعالى: " قل أوحى إلي " [الجن: 1] أي قل أوحى إلي أن المساجد لله. ~~وقال الخليل: أي ولأن المساجد لله. # والمراد البيوت التي تبنيها أهل الملل للعبادة. وقال سعيد بن جبير: قالت ~~الجن كيف لنا أن نأتي المساجد ونشهد معك الصلاة ونحن ناءون عنك؟ فنزلت: ms6402 " ~~وأن المساجد لله " أي بنيت لذكر الله وطاعته. وقال الحسن: أراد بها كل ~~البقاع، لان الأرض كلها مسجد للنبي صلى الله عليه وسلم، يقول: [أينما كنتم ~~فصلوا] [فأينما صليتم فهو مسجد] وفي الصحيح: [وجعلت لي الأرض مسجدا ~~وطهورا]. وقال سعيد بن المسيب وطلق ابن حبيب: أراد بالمساجد الأعضاء التي ~~يسجد عليها العبد، وهي القدمان والركبتان واليدان والوجه، يقول: هذه ~~الأعضاء أنعم الله بها عليك، فلا تسجد لغيره بها، فتجحد نعمة الله. قال ~~عطاء: مساجدك: أعضاؤك التي أمرت أن تسجد عليها لا تذللها لغير خالقها. وفي ~~الصحيح عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أمرت أن أسجد على ~~سبعة أعظم: الجبهة - وأشار بيده إلى أنفه - واليدين والركبتين وأطراف ~~القدمين). وقال العباس قال النبي PageV19P020 # صلى الله عليه وسلم: [إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب] (1). وقيل: ~~المساجد هي الصلوات، أي لان السجود لله. قاله الحسن أيضا. فإن جعلت المساجد ~~المواضع فواحدها مسجد بكسر الجيم، ويقال بالفتح، حكاه الفراء. وإن جعلتها ~~الأعضاء فواحدها مسجد بفتح الجيم. وقيل: هو جمع مسجد وهو السجود، يقال: ~~سجدت سجودا ومسجدا، كما تقول: ضربت في الأرض ضربا ومضربا بالفتح: إذا سرت ~~في ابتغاء الرزق. وقال ابن عباس: المساجد هنا مكة التي هي القبلة وسميت مكة ~~المساجد، لان كل أحد يسجد إليها. والقول الأول أظهر هذه الأقوال إن شاء ~~الله، وهو مروى عن ابن عباس رحمه الله. # الثانية - قوله تعالى: " لله " إضافة تشريف وتكريم، ثم خص بالذكر منها ~~البيت العتيق فقال: " وطهر بيتي " [الحج: 26]. وقال عليه السلام: [لا تعمل ~~المطي إلا إلى ثلاثة مساجد] الحديث خرجه الأئمة. وقد مضى الكلام (2) فيه. ~~وقال عليه السلام: [صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا ~~المسجد الحرام]. قال ابن العربي: وقد روى من طريق لا بأس بها أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: [صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا ~~المسجد الحرام، فإن صلاة فيه خير من مائة صلاة في مسجدي ms6403 هذا] (3) ولو صح ~~هذا لكان نصا. # قلت: هو صحيح بنقل العدل عن العدل حسب ما بيناه في سورة " إبراهيم " (4). # الثالثة - المساجد وإن كانت لله ملكا وتشريفا فإنها قد تنسب إلى غيره ~~تعريفا، فيقال: مسجد فلان. وفي صحيح الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~سابق بين الخيل التي أضمرت من الحفياء (5) وأمدها ثنية الوداع، وسابق بين ~~الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد # PageV19P021 # بني زريق. وتكون هذه الإضافة بحكم المحلية كأنها في قبلتهم، وقد تكون ~~بتحبيسهم، ولا خلاف بين الأمة في تحبيس المساجد والقناطر والمقابر وإن ~~اختلفوا في تحبيس غير ذلك. # الرابعة - مع أن المساجد لله لا يذكر فيها إلا الله فإنه تجوز القسمة ~~فيها للأموال. # ويجوز وضع الصدقات فيها على رسم الاشتراك بين المساكين وكل من جاء أكل. ~~ويجوز حبس الغريم فيها، وربط الأسير والنوم فيها، وسكنى المريض فيها، وفتح ~~الباب للجار (1) إليها، وإنشاد الشعر فيها إذا عرى عن الباطل. وقد مضى هذا ~~كله مبينا في سورة " براءة " (2). # و " النور " (3) وغيرهما. # الخامسة - قوله تعالى: (فلا تدعوا مع الله أحدا) هذا توبيخ للمشركين في ~~دعائهم مع الله غيره في المسجد الحرام. وقال مجاهد: كانت اليهود والنصارى ~~إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم أشركوا بالله، فأمر الله نبيه والمؤمنين أن ~~يخلصوا لله الدعوة إذا دخلوا المساجد كلها. # يقول: فلا تشركوا فيها صنما وغيره (4) مما يعبد. وقيل: المعنى أفردوا ~~المساجد لذكر الله، ولا تتخذوها هزوا ومتجرا ومجلسا، ولا طرقا، ولا تجعلوا ~~لغير الله فيها نصيبا. وفى الصحيح: # [من نشد ضالة في المسجد فقولوا لا ردها الله عليك فإن المساجد لم تبن ~~لهذا] وقد مضى في سورة " النور " ما فيه كفاية من أحكام المساجد والحمد ~~لله. # السادسة - روى الضحاك عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: كان إذا ~~دخل المسجد قدم رجله اليمنى. وقال: [" وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله ~~أحدا " اللهم أنا عبدك وزائرك وعلى كل مزور حق وأنت خير مزور فأسألك برحمتك ~~أن تفك رقبتي من النار] فإذا خرج ms6404 من المسجد قدم رجله اليسرى، وقال: [اللهم ~~صب علي الخير صبا ولا تنزع عني صالح ما أعطيتني أبدا ولا تجعل معيشتي كدا، ~~واجعل لي في الأرض جدا] (5) أي غنى. # PageV19P022 # قوله تعالى: وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا (19) قل ~~إنما ادعوا ربي ولا أشرك به أحدا (20) قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا ~~(21) قوله تعالى: (وأنه لما قام عبد الله يدعوه) يجوز الفتح، أي أوحى الله ~~إليه أنه. # ويجوز الكسر على الاستئناف. و " عبد الله " هنا محمد صلى الله عليه وسلم ~~حين كان يصلي ببطن (1) نخلة ويقرأ القرآن، حسب ما تقدم أول السورة. " يدعوه ~~" أي يعبده. وقال ابن جريج: " يدعوه " أي قام إليهم داعيا إلى الله تعالى. ~~(كادوا يكونون عليه لبدا) قال الزبير بن العوام: هم الجن حين استمعوا ~~القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم. أي كاد يركب بعضهم بعضا ازدحاما ~~ويسقطون، حرصا على سماع القرآن. وقيل: كادوا يركبونه حرصا، قاله الضحاك. ~~ابن عباس: رغبة في سماع الذكر. وروى برد عن مكحول: أن الجن بايعوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في هذه الليلة وكانوا سبعين ألفا، وفرغوا من بيعته ~~عند انشقاق الفجر. وعن ابن عباس أيضا: إن هذا من قول الجن لما رجعوا إلى ~~قومهم أخبروهم بما رأوا من طاعة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وائتمامهم ~~به في الركوع والسجود. وقيل: المعنى كاد المشركون يركبون بعضهم بعضا، حردا ~~على النبي صلى الله عليه وسلم. وقال الحسن وقتادة وابن زيد: يعني " لما قام ~~عبد الله " محمد بالدعوة تلبدت الإنس والجن على هذا الامر ليطفئوه، وأبى ~~الله إلا أن ينصره ويتم نوره. واختار الطبري أن يكون المعنى: كادت العرب ~~يجتمعون على النبي صلى الله عليه وسلم، ويتظاهرون على إطفاء النور الذي جاء ~~به. وقال مجاهد: قوله " لبدا " جماعات وهو من تلبد الشئ على الشئ أي تجمع، ~~ومنه اللبد الذي يفرش لتراكم صوفه (2)، وكل شئ ألصقته إلصاقا شديدا # PageV19P023 # فقد لبدته، وجمع اللبدة لبد مثل قربة وقرب. ms6405 ويقال للشعر الذي على ظهر ~~الأسد لبدة وجمعها لبد، قال زهير: # لدى أسد شاكي السلاح مقذف * له لبد أظفاره لم تقلم ويقال للجراد الكثير: ~~لبد. وفيه أربع لغات وقراءات، فتح الباء وكسر اللام، وهي قراءة العامة. وضم ~~اللام وفتح الباء، وهي قراءة مجاهد وابن محيصن وهشام عن أهل الشام، واحدتها ~~لبدة. وبضم اللام والباء، وهي قراءة أبي حياة ومحمد بن السميقع وأبي الأشهب ~~العقيلي والجحدري واحدها لبد مثل سقف وسقف ورهن ورهن. وبضم اللام وشد الباء ~~وفتحها، وهي قراءة الحسن وأبي العالية والأعرج والجحدري أيضا (1) واحدها لا ~~بد، مثل راكع وركع، وساجد وسجد. وقيل: اللبد بضم اللام وفتح الباء الشئ ~~الدائم، ومنه قيل لنسر لقمان لبد لدوامه وبقائه، قال النابغة: # * أخنى عليها الذي أخنى على لبد (2) * القشيري: وقرئ " لبدا " بضم اللام ~~والباء، وهو جمع لبيد، وهو الجولق (3) الصغير. وفي الصحاح: # [وقوله تعالى] " أهلكت مالا لبدا " أي جما (4). ويقال أيضا: الناس لبد أي ~~مجتمعون، واللبد أيضا الذي لا يسافر ولا يبرح [منزله] (5). قال الشاعر (6): # من امرئ ذي سماح لا تزال له * بزلاء يعيا بها الجثامة اللبد ويروى: ~~اللبد. قال أبو عبيد: وهو أشبه. # [والبزلاء: الرأي الجيد. وفلان نهاض ببزلاء: إذا كان ممن يقوم بالأمور ~~العظام، قال الشاعر: # إني إذا شغلت قوما فروجهم * رحب المسالك نهاض ببزلاء] (7) # PageV19P024 # ولبد: آخر نسور لقمان، وهو ينصرف، لأنه ليس بمعدول. وتزعم العرب أن لقمان ~~هو الذي بعثته عاد في وفدها إلى الحرم يستسقي لها، فلما أهلكوا خير لقمان ~~بين بقاء سبع بعرات (1) سمر، من أظب عفر، في جبل وعر، لا يمسها القطر، أو ~~بقاء سبعة أنسر كلما هلك نسر خلف بعده نسر، فاختار النسور، وكان آخر نسوره ~~يسمى لبدا، وقد ذكرته الشعراء، قال النابغة: # أضحت خلاء وأمسى أهلها احتملوا * أخنى عليها الذي أخنى على لبد واللبيد: ~~الجوالق الصغير، يقال: ألبدت القربة جعلتها في لبيد. ولبيد: اسم شاعر من ~~بني عامر. # قوله تعالى: (قال إنما ادعوا ربي) أي قال صلى الله عليه وسلم: " إنما ~~أدعو ربي " " ولا ms6406 أشرك به أحدا " وكذا قرأ أكثر القراء " قال " على الخبر. ~~وقرأ حمزة وعاصم " قل " على الامر. وسبب نزولها أن كفار قريش قالوا له: إنك ~~جئت بأمر عظيم وقد عاديت الناس كلهم فارجع عن هذا فنحن نجيرك، فنزلت قوله ~~تعالى: " قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا " أي لا أقدر أن أدفع عنكم ضرا ~~ولا أسوق لكم خيرا. وقيل: " لا أملك لكم ضرا " أي كفرا " ولا رشدا " أي ~~هدى، أي إنما علي التبليغ. وقيل: الضر: العذاب، والرشد النعيم. وهو الأول ~~بعينه. وقيل: # الضر الموت، والرشد الحياة. # قوله تعالى: قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا (22) ~~إلا بلاغا من الله ورسالاته ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين ~~فيها أبدا (23) حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا ~~(24) قل إن أدرى أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدا (25) # PageV19P025 # قوله تعالى: (قل إني لن يجيرني من الله أحد) أي لا يدفع عذابه عني أحد إن ~~استحفظته، وهذا لأنهم قالوا أترك ما تدعو إليه ونحن نجيرك. وروى أبو ~~الجوزاء عن ابن مسعود قال: انطلقت مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن ~~حتى أتى الحجون فخط علي خطا، ثم تقدم إليهم فازدحموا عليه، فقال سيد لهم ~~يقال له وردان: أنا أزجلهم (1) عنك، فقال: # (إني لن يجيرني من الله أحد) ذكره الماوردي. قال: ويحتمل معنيين أحدهما ~~لن يجيرني مع إجارة الله لي أحد. الثاني لن يجيرني مما قدره الله تعالى علي ~~أحد. (ولن أجد من دونه ملتحدا) أي ملتجأ ألجأ إليه، قال قتادة. وعنه: نصيرا ~~ومولى. السدي: حرزا. الكلبي: # مدخلا في الأرض مثل السرب. وقيل: وليا ولا مولى. وقيل: مذهبا ولا مسلكا. ~~حكاه ابن شجرة، والمعنى واحد، ومنه قول الشاعر: # يا لهف نفسي ولهفي غير مجدية * عني وما من قضاء الله ملتحد (إلا بلاغا من ~~الله ورسالاته) فإن فيه الأمان والنجاة، قال الحسن. وقال قتادة: " إلا ~~بلاغا من الله " فذلك الذي أملكه بتوفيق ms6407 الله، فأما الكفر والايمان فلا ~~أملكهما. فعلى هذا يكون مردودا إلى قوله تعالى: " قل إني لا أملك لكم ضرا ~~ولا رشدا " أي لا أملك لكم إلا أن أبلغكم. وقيل: هو استثناء ومنقطع من ~~قوله: " لا أملك لكم ضرا ولا رشدا " أي إلا أن أبلغكم أي لكن أبلغكم ما ~~أرسلت به، قاله الفراء. وقال الزجاج: هو منصوب على البدل من قوله: " ملتحدا ~~" أي " ولن أجد من دونه ملتحدا " إلا أن أبلغ ما يأتيني من الله ورسالاته، ~~أي ومن رسالاته التي أمرني بتبليغها. أو إلا أن أبلغ عن الله وأعمل ~~برسالته، فآخذ نفسي بما أمر به غيري. وقيل هو مصدر، و " لا " بمعنى لم، و " ~~إن " للشرط. # والمعنى لن أجد من دونه ملتحدا: أي إن لم أبلغ رسالات ربي بلاغا. # قوله تعالى: " ومن يعص الله ورسوله " في التوحيد والعبادة. " فإن له نار ~~جهنم " كسرت إن، لان ما بعد فاء الجزاء موضع ابتداء وقد تقدم. " خالدين ~~فيها " نصب على # PageV19P026 # الحال، وجمع " خالدين " لان المعنى لكل من فعل ذلك، فوحد أولا للفظ " من ~~" ثم جمع للمعنى. وقوله " أبدا " دليل على أن العصيان هنا هو الشرك. وقيل: ~~هو المعاصي غير الشرك، ويكون معنى " خالدين فيها أبدا " إلا أن أعفو أو ~~تلحقهم شفاعة، ولا محالة إذا خرجوا من الدنيا على الايمان يلحقهم العفو. ~~وقد مضى هذا المعنى مبينا في سورة " النساء " (1) وغيرها. # قوله تعالى: " حتى إذا رأوا ما يوعدون " " حتى " هنا مبتدأ، أي " حتى إذا ~~رأوا ما يوعدون " من عذاب الآخرة، أو ما يوعدون من عذاب الدنيا، وهو القتل ~~ببدر " فسيعلمون " حينئذ " من أضعف ناصرا " أهم أم المؤمنون. " وأقل عددا " ~~معطوف. # قوله تعالى: (قل إن أدرى أقريب ما توعدون) يعني قيام الساعة. وقيل: عذاب ~~الدنيا، أي لا أدري ف‍ " - إن " بمعنى " ما " أو " لا "، أي لا يعرف وقت ~~نزول العذاب ووقت قيام الساعة إلا الله، فهو غيب لا أعلم منه إلا ما ~~يعرفنيه الله. و " ما " في قوله: " ما يوعدون ": # يجوز [أن يكون مع الفعل مصدرا، ms6408 ويجوز (2)] أن تكون بمعنى الذي ويقدر حرف ~~العائد. # (أم يجعل له ربي أمدا) أي غاية وأجلا. وقرأ العامة بإسكان الياء من ربي. ~~وقرأ الحرميان وأبو عمرو بالفتح. # قوله تعالى: عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا (26) إلا من ارتضى من ~~رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا (27) فيه مسألتان: # الأولى - قوله تعالى: " عالم الغيب " " عالم " رفعا نعتا لقوله: " ربي ". ~~وقيل: # أي هو " عالم الغيب " والغيب ما غاب عن العباد. وقد تقدم بيانه في أول ~~سورة (البقرة) (3) (فلا يظهر على غيبه أحدا. إلا من ارتضى من رسول " فإنه ~~يظهره على ما يشاء من غيبه، # PageV19P027 # لان الرسل مؤيدون بالمعجزات، ومنها الاخبار عن بعض الغائبات، وفي التنزيل ~~(1): " وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم " [آل عمران: 49]. وقال ~~ابن جبير: " إلا من ارتضى من رسول " هو جبريل عليه السلام. وفيه بعد، ~~والأولى أن يكون المعنى: أي لا يظهر على غيبه إلا من ارتضى أي اصطفى ~~للنبوة، فإنه يطلعه على ما يشاء من غيبه (2): ليكون ذلك دالا على نبوته. # الثانية - قال العلماء رحمة الله عليهم: لما تمدح سبحانه بعلم الغيب ~~واستأثر به دون خلقه، كان فيه دليل على أنه لا يعلم الغيب أحد سواه، ثم ~~استثنى من ارتضاه من الرسل، فأودعهم ما شاء من غيبه بطريق الوحي إليهم، ~~وجعله معجزة لهم ودلالة صادقة على نبوتهم. وليس المنجم ومن ضاهاه ممن يضرب ~~بالحصى وينظر في الكتب ويزجر بالطير ممن ارتضاه من رسول فيطلعه على ما يشاء ~~من غيبه، بل هو كافر بالله مفتر عليه بحدسه وتخمينه وكذبه. قال بعض ~~العلماء: وليت شعري ما يقول المنجم في سفينة ركب فيها ألف إنسان على اختلاف ~~أحوالهم، وتباين رتبهم، فيهم الملك والسوقة، والعالم والجاهل، والغني ~~والفقير، والكبير والصغير، مع اختلاف طوالعهم، وتباين مواليدهم، ودرجات ~~نجومهم، فعمهم حكم الغرق في ساعة واحدة؟ فإن قال المنجم قبحه الله: إنما ~~أغرقهم الطالع الذي ركبوا فيه، فيكون على مقتضى ذلك أن هذا الطالع أبطل ~~أحكام تلك الطوالع كلها على اختلافها عند ms6409 ولادة كل واحد منهم، وما يقتضيه ~~طالعه المخصوص به، فلا فائدة أبدا في عمل المواليد، ولا دلالة فيها على شقي ~~ولا سعيد، ولم يبق إلا معاندة القرآن العظيم. وفيه استحلال دمه على هذا ~~التنجيم، ولقد أحسن الشاعر حيث قال: # حكم المنجم أن طالع مولدي * يقضي علي بميتة الغرق قل للمنجم صبحة الطوفان ~~هل * ولد الجميع بكوكب الغرق وقيل لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه لما أراد لقاء الخوارج: أتلقاهم والقمر في العقرب؟ فقال رضي الله عنه: ~~فأين قمرهم؟ وكان ذلك في آخر الشهر. فانظر إلى هذه # PageV19P028 # الكلمة التي أجاب بها، وما فيها من المبالغة في الرد على من يقول ~~بالتنجيم، والافحام لكل جاهل يحقق أحكام النجوم. وقال له مسافر بن عوف: يا ~~أمير المؤمنين! لا تسر في هذه الساعة وسر في ثلاث ساعات يمضين من النهار. ~~فقال له علي رضي الله عنه: ولم؟ قال: # إنك إن سرت في هذه الساعة أصابك وأصاب أصحابك بلاء وضر شديد، وإن سرت في ~~الساعة التي أمرتك بها ظفرت وظهرت وأصبت ما طلبت. فقال علي رضي الله عنه: # ما كان لمحمد صلى الله عليه وسلم منجم، ولا لنا من بعده (1) - من كلام ~~طويل يحتج فيه بآيات من التنزيل - فمن صدقك في هذا القول لم آمن عليه أن ~~يكون كمن اتخذ من دون الله ندا أو ضدا، اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا ~~خيرك. ثم قال للمتكلم: نكذبك ونخالفك ونسير في الساعة التي تنهانا عنها. ثم ~~أقبل على الناس فقال: يا أيها الناس إياكم وتعلم النجوم إلا ما تهتدون به ~~في ظلمات البر والبحر، وإنما المنجم كالساحر، والساحر كالكافر، والكافر في ~~النار، والله لئن بلغني أنك تنظر في النجوم وتعمل بها لأخلدنك في الحبس ما ~~بقيت وبقيت، ولأحرمنك العطاء ما كان لي سلطان. ثم سافر في الساعة التي نهاه ~~عنها، ولقي القوم فقتلهم وهي وقعة النهروان الثابتة في الصحيح لمسلم. ثم ~~قال: لو سرنا في الساعة التي أمرنا بها وظفرنا وظهرنا ms6410 لقال قائل سار في ~~الساعة التي أمر بها المنجم، ما كان لمحمد صلى الله عليه وسلم منجم ولا لنا ~~من بعده، فتح الله علينا بلاد كسرى وقيصر وسائر البلدان - ثم قال: يا أيها ~~الناس! # توكلوا على الله وثقوا به، فإنه يكفي ممن سواه. (فإنه يسلك من بين يديه ~~ومن خلفه رصدا) يعني ملائكة يحفظونه عن أن يقرب منه شيطان، فيحفظ الوحي من ~~استراق الشياطين والالقاء إلى الكهنة. قال الضحاك: ما بعث الله نبيا إلا ~~ومعه ملائكة يحرسونه من الشياطين عن أن يتشبهوا بصورة الملك، فإذا جاءه ~~شيطان في صورة الملك قالوا: هذا شيطان فاحذره. # وإن جاءه الملك قالوا: هذا رسول ربك. وقال ابن عباس وابن زيد: " رصدا " ~~أي حفظة يحفظون النبي صلى الله عليه وسلم من أمامه وورائه من الجن ~~والشياطين. قال قتادة وسعيد بن المسيب: هم أربعة من الملائكة حفظة. وقال ~~الفراء: المراد جبريل، كان # PageV19P029 # إذا نزل بالرسالة نزلت معه ملائكة يحفظونه من أن تستمع الجن الوحي، ~~فيلقوه إلى كهنتهم، فيسبقوا الرسول. وقال السدي: " رصدا " أي حفظة يحفظون ~~الوحي، فما جاء من عند الله قالوا: إنه من عند الله، وما ألقاه الشيطان ~~قالوا: إنه من الشيطان (1). و " رصدا " نصب على المفعول. وفي الصحاح: ~~والرصد القوم يرصدون كالحرس، يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث ~~وربما قالوا أرصادا. والراصد للشئ الراقب له، يقال: رصده يرصده رصدا ورصدا. ~~والترصد الترقب والمرصد موضع الرصد (2). # قوله تعالى: ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شئ ~~عددا (28) قوله تعالى: " ليعلم " قال قتادة ومقاتل: أي ليعلم محمد أن الرسل ~~قبله قد أبلغوا الرسالة كما بلغ هو الرسالة. وفيه حذف يتعلق به اللام، أي ~~أخبرناه بحفظنا الوحي ليعلم أن الرسل قبله كانوا على مثل حالته من التبليغ ~~بالحق والصدق. وقيل: ليعلم محمد أن قد أبلغ جبريل ومن معه إليه رسالة ربه، ~~قاله ابن جبير. قال: ولم ينزل الوحي إلا ومعه أربعة حفظة من الملائكة عليهم ~~السلام. وقيل: ليعلم الرسل أن الملائكة بلغوا رسالات ms6411 ربهم. # وقيل: ليعلم الرسول أي رسول كان أن الرسل سواه بلغوا. وقيل: أي ليعلم ~~إبليس أن الرسل قد أبلغوا رسالات ربهم سليمة من تخليطه واستراق أصحابه. ~~وقال ابن قتيبة: أي ليعلم الجن أن الرسل قد بلغوا ما نزل عليهم ولم يكونوا ~~هم المبلغين باستراق السمع عليهم. # وقال مجاهد: ليعلم من كذب الرسل أن المرسلين قد بلغوا رسالات ربهم. ~~وقراءة الجماعة " ليعلم " بفتح الياء وتأويله ما ذكرناه. وقرأ ابن عباس ~~ومجاهد وحميد ويعقوب بضم الياء أي ليعلم الناس أن الرسل قد أبلغوا. وقال ~~الزجاج: أي ليعلم الله أن رسله قد أبلغوا رسالاته بفتح الياء، كقوله تعالى: ~~" ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين " [آل عمران: 142] # PageV19P030 # المعنى: ليعلم الله ذلك علم مشاهدة كما علمه غيبا. (وأحاط بما لديهم) أي ~~أحاط علمه بما عندهم، أي بما عند الرسل وما عند الملائكة. وقال ابن جبير: ~~المعنى: ليعلم الرسل أن ربهم قد أحاط علمه بما لديهم، فيبلغوا رسالاته. ~~(وأحصى كل شئ عددا) أي أحاط بعدد كل شئ وعرفه وعلمه فلم يخف عليه منه شئ. و ~~" عددا " نصب على الحال، أي أحصى كل شئ في حال العدد، وإن شئت على المصدر، ~~أي أحصى وعد كل شئ عددا، فيكون مصدر الفعل المحذوف. فهو سبحانه المحصي ~~المحيط العالم الحافظ لكل شئ وقد بينا جميعه في الكتاب الأسنى، في شرح ~~أسماء الله الحسنى. والحمد (1) لله وحده. # سورة المزمل وهي سبع وعشرون آية مكية كلها في قول الحسن وعكرمة وعطاء ~~وجابر. # وقال ابن عباس وقتادة: إلا آيتين منها: " واصبر على ما يقولون " [المزمل: ~~10] والتي تليها، ذكره الماوردي. وقال الثعلبي: قوله تعالى: " إن ربك يعلم ~~أنك تقوم أدنى " [المزمل: 20] إلى آخر السورة، فإنه نزل بالمدينة. # بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: يا أيها المزمل (1) قم الليل إلا ~~قليلا (2) نصفه أو أنقص منه قليلا (3) أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا (4) ~~فيه ثمان مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (يا أيها المزمل) قال الأخفش سعيد: " المزمل " أصله ~~المتزمل، فأدغمت التاء في الزاي وكذلك " المدثر ms6412 ". وقرأ أبي بن كعب على ~~الأصل " المتزمل " # PageV19P031 # و " المتدثر ". وسعيد: " المزمل " (1). وفي أصل " المزمل " قولان: أحدهما ~~أنه المحتمل، يقال: زمل الشئ إذا حمله، ومنه الزاملة، لأنها تحمل القماش ~~(2). الثاني أن المزمل هو المتلفف، يقال: تزمل وتدثر بثوبه إذا تغطي. وزمل ~~غيره إذا غطاه، وكل شئ لفف فقد زمل ودثر، قال أمرؤ القيس: # * كبير أناس في بجاد مزمل (3) * الثانية - قوله تعالى: " يا أيها المزمل ~~" هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، وفيه ثلاثة أقوال: الأول قول عكرمة: ~~" يا أيها المزمل " بالنبوة والملتزم للرسالة. وعنه أيضا: يا أيها الذي زمل ~~هذا الامر أي حمله ثم فتر، وكان يقرأ: " يا أيها المزمل " بتخفيف الزاي ~~وفتح الميم وتشديدها على حذف المفعول، وكذلك " المدثر " والمعنى المزمل ~~نفسه والمدثر نفسه، أو الذي زمله غيره. الثاني: " يا أيها المزمل " ~~بالقرآن، قاله ابن عباس. الثالث المزمل بثيابه، قاله قتادة وغيره. قال ~~النخعي: كان متزملا بقطيفة. عائشة: بمرط طوله أربعة عشر ذراعا، نصفه علي ~~وأنا نائمة، ونصفه على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، والله ما كان ~~خزا ولا قزا ولا مرعزاء (4) ولا إبريسما ولا صوفا، كان سداه شعرا، ولحمته ~~وبرا، ذكره الثعلبي. # قلت: وهذا القول من عائشة يدل على أن السورة مدنية، فإن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لم يبن بها إلا في المدينة. وما ذكر من أنها مكية لا يصح. والله ~~أعلم. وقال الضحاك: # تزمل بثيابه لمنامه. وقيل: بلغه من المشركين سوء قول فيه، فاشتد عليه ~~فتزمل في ثيابه وتدثر، فنزلت: " يا أيها المزمل " [المزمل: 1] و " يا أيها ~~المدثر " [المدثر: 1]. وقيل: كان هذا في ابتداء ما أوحى إليه، فإنه لما سمع ~~قول الملك ونظر إليه أخذته الرعدة فأتى أهله فقال: (زملوني دثروني) روي ~~معناه عن ابن عباس. وقالت الحكماء: إنما خاطبه بالمزمل والمدثر في أول ~~الامر، لأنه لم يكن بعد ادثر شيئا من تبليغ الرسالة. قال ابن العربي: ~~واختلف في تأويل: " يا أيها # PageV19P032 # المزمل " فمنهم من حمله على حقيقته، قيل له: يا من تلفف في ثيابه ms6413 أو في ~~قطيفته قم، قاله إبراهيم وقتادة. ومنهم من حمله على المجاز، كأنه قيل له: ~~يا من تزمل بالنبوة، قاله عكرمة. # وإنما يسوغ هذا التفسير لو كانت الميم مفتوحة مشددة بصيغة المفعول الذي ~~لم يسم فاعله، وأما وهو بلفظ الفاعل فهو باطل. # قلت: وقد بينا أنها على حذف المفعول: وقد قرئ بها، فهي صحيحة المعنى. ~~قال: # وأما من قال إنه زمل القرآن فهو صحيح في المجاز، لكنه قد قدمنا أنه لا ~~يحتاج إليه. # الثالثة - قال السهيلي: ليس المزمل باسم من أسماء النبي صلى الله عليه ~~وسلم، ولم يعرف به كما ذهب إليه بعض الناس وعدوه في أسمائه عليه السلام، ~~وإنما المزمل اسم مشتق من حالته التي كان عليها حين الخطاب، وكذلك المدثر. ~~وفي خطابه بهذا الاسم فائدتان: إحداهما الملاطفة، فإن العرب إذا قصدت ~~ملاطفة المخاطب وترك المعاتبة سموه باسم مشتق من حالته التي هو عليها، كقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم لعلي حين غاضب فاطمة رضي الله عنهما، فأتاه وهو ~~نائم وقد لصق بجنبه التراب فقال له: (قم يا أبا تراب) إشعارا له أنه غير ~~عاتب عليه، وملاطفة له. وكذلك قوله عليه السلام لحذيفة: (قم يا نومان) وكان ~~نائما ملاطفة له، وإشعارا لترك العتب والتأنيب (1). فقول الله تعالى لمحمد ~~صلى الله عليه وسلم: " يا أيها المزمل قم " فيه تأنيس وملاطفة، ليستشعر أنه ~~غير عاتب عليه. والفائدة الثانية - التنبيه لكل متزمل راقد ليله ليتنبه إلى ~~قيام الليل وذكر الله تعالى فيه، لان الاسم المشتق من الفعل يشترك فيه مع ~~المخاطب كل من عمل ذلك العمل واتصف بتلك الصفة. # الرابعة - قوله تعالى: (قم الليل) قراءة العامة بكسر الميم لالتقاء ~~الساكنين. # وقرأ أبو السمال بضم الميم اتباعا لضمة القاف. وحكى الفتح لخفته. قال ~~عثمان بن جني: # الغرض بهذه الحركة التبليغ بها هربا من التقاء الساكنين، فبأي حركة تحركت ~~فقد وقع الغرض. وهو من الافعال القاصرة غير المتعدية إلى مفعول، فأما ظرف ~~الزمان والمكان فسائغ # PageV19P033 # فيه، إلا أن ظرف المكان لا يتعدى إليه إلا ms6414 بواسطة، لا تقول: قمت الدار ~~حتى تقول قمت وسط الدار وخارج الدار. وقد قيل: إن " قم " هنا معناه صل، عبر ~~به عنه واستعير له حتى صار عرفا بكثرة الاستعمال. # الخامسة - " الليل " حد الليل: من غروب الشمس إلى طلوع الفجر. وقد تقدم ~~بيانه في سورة " البقرة " (1) واختلف: هل كان قيامه فرضا وحتما، أو كان ~~ندبا وحضا؟ # والدلائل تقوي أن قيامه كان حتما وفرضا، وذلك أن الندب والحض لا يقع على ~~بعض الليل دون بعض، لان قيامه ليس مخصوصا به وقتا دون وقت. وأيضا فقد جاء ~~التوقيت بذلك عن عائشة وغيرها على ما يأتي. واختلف أيضا: هل كان فرضا على ~~النبي صلى الله عليه وسلم وحده، أو عليه وعلى من كان قبله من الأنبياء، أو ~~عليه وعلى أمته؟ ثلاثة أقوال: الأول قول سعيد بن جبير لتوجه الخطاب إليه ~~خاصة. الثاني قول ابن عباس، قال: كان قيام الليل فريضة على النبي صلى الله ~~عليه وسلم وعلى الأنبياء قبله. الثالث قول عائشة وابن عباس أيضا وهو ~~الصحيح، كما في صحيح مسلم عن زرارة بن أوفى أن سعد بن هشام بن عامر أراد أن ~~يغزو في سبيل الله... الحديث، وفيه: فقلت لعائشة: أنبئيني عن قيام رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت: ألست تقرأ: " يا أيها المزمل " قلت: بلى! ~~قالت فإن الله عز وجل افترض قيام الليل في أول هذه السورة، فقام صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه حولا، وأمسك الله عز وجل خاتمتها اثنى عشر شهرا في ~~السماء، حتى أنزل الله عز وجل في آخر هذه السورة التخفيف، فصار قيام الليل ~~تطوعا بعد فريضة. وذكر الحديث. وذكر وكيع ويعلى قالا: حدثنا مسعر عن سماك ~~الحنفي قال: سمعت ابن عباس يقول لما أنزل أول " يا أيها المزمل " [المزمل: ~~1] كانوا يقومون نحوا من قيامهم في شهر رمضان حتى نزل آخرها، وكان بين ~~أولها وآخرها نحو من سنة. # وقال سعيد بن جبير: مكث النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عشر سنين ~~يقومون الليل، فنزل بعد عشر سنين: " إن ms6415 ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي ~~الليل " [المزمل: 20] فخفف الله عنهم. # PageV19P034 # السادسة - قوله تعالى: (إلا قليلا) استثناء من الليل، أي صل الليل كله ~~إلا يسيرا منه، لان قيام جميعه على الدوام غير ممكن، فاستثنى منه القليل ~~لراحة الجسد. والقليل من الشئ ما دون النصف، فحكي عن وهب بن منبه أنه قال: ~~القليل ما دون المعشار والسدس. # وقال الكلبي ومقاتل: الثلث. ثم قال تعالى: (نصفه أو أنقص منه قليلا) فكان ~~ذلك تخفيفا إذ لم يكن زمان القيام محدودا، فقام الناس حتى ورمت أقدامهم، ثم ~~نسخ ذلك بقوله تعالى: " علم أن لن تحصوه " [المزمل: 20]. وقال الأخفش: " ~~نصفه " أي أو نصفه، يقال: أعطه درهما درهمين ثلاثة: يريد: أو درهمين أو ~~ثلاثة. وقال الزجاج: " نصفه " بدل من الليل و " إلا قليلا " استثناء من ~~النصف. والضمير في " منه " و " عليه " للنصف. المعنى: # قم نصف الليل أو انقص من النصف قليلا إلى الثلث أو زد عليه قليلا إلى ~~الثلثين، فكأنه قال: قم ثلثي الليل أو نصفه أو ثلثه. وقيل: إن " نصفه " بدل ~~من قوله: " قليلا " وكان مخيرا بين ثلاث: بين قيام النصف بتمامه، وبين ~~الناقص منه، وبين قيام الزائد عليه، كأن تقدير الكلام: قم الليل إلا نصفه، ~~أو أقل من نصفه، أو أكثر من نصفه. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: (ينزل الله عز وجل إلى سماء الدنيا كل ليلة حين ~~يمضي ثلث الليل الأول، فيقول أنا الملك أنا الملك من ذا الذي يدعوني ~~فأستجيب له من ذا الذي يسألني فأعطيه من ذا الذي يستغفرني فأغفر له، فلا ~~يزال كذلك حتى يضئ الفجر). ونحوه عن أبي هريرة وأبي سعيد جميعا وهو يدل على ~~ترغيب قيام ثلثي الليل. # وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا ~~مضى شطر الليل - أو ثلثاه - ينزل الله...) الحديث. رواه من طريقين عن أبي ~~هريرة هكذا على الشك. # وقد جاء في كتاب النسائي عن أبي هريرة ms6416 وأبي سعيد رضي الله عنهما قالا: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله عز وجل يمهل حتى يمضي شطر ~~الليل الأول، ثم يأمر مناديا يقول: هل من داع يستجاب له؟ هل من مستغفر يغفر ~~له؟ هل من سائل يعطى؟) صححه أبو محمد عبد الحق، فبين هذا الحديث مع صحته ~~معنى النزول، وأن ذلك يكون عند نصف الليل. # وخرج ابن ماجة من حديث ابن شهاب، عن أبي سلمة وأبي عبد الله الأغر، عن ~~أبي هريرة: PageV19P035 # أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ينزل ربنا تبارك وتعالى حين يبقى ~~ثلث الليل الآخر كل ليلة فيقول من يسألني فأعطيه؟ من يدعوني فأستجيب له؟ من ~~يستغفرني فأغفر له؟ حتى يطلع الفجر). فكانوا يستحبون صلاة آخر الليل على ~~أوله. قال علماؤنا: وبهذا الترتيب انتظم الحديث والقرآن، فإنهما يبصران من ~~مشكاة واحدة. وفي الموطأ وغيره من حديث ابن عباس: # بت عند خالتي ميمونة حتى إذا انتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل، ~~استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام إلى شن معلق فتوضأ وضوءا خفيفا. ~~وذكر الحديث. # السابعة - اختلف العلماء في الناسخ للامر بقيام الليل، فعن ابن عباس ~~وعائشة أن الناسخ للامر بقيام الليل قوله تعالى: " إن ربك يعلم أنك تقوم ~~أدنى من ثلثي الليل " [المزمل: 20] إلى آخر السورة. وقيل قوله تعالى: " علم ~~أن لن تحصوه " [المزمل: 20]. وعن ابن عباس أيضا: # هو منسوخ بقوله تعالى: " علم أن سيكون منكم مرضى " [المزمل: 20]. وعن ~~عائشة أيضا والشافعي ومقاتل وابن كيسان: هو منسوخ بالصلوات الخمس. وقيل ~~الناسخ لذلك قوله تعالى: # " فاقرءوا ما تيسر منه " [المزمل: 20]. قال أبو عبد الرحمن السلمي: لما ~~نزلت: " يا أيها المزمل " قاموا حتى ورمت أقدامهم وسوقهم، ثم نزل قوله ~~تعالى: " فاقرءوا ما تيسر منه " [المزمل: 20]. قال بعض العلماء: # وهو فرض نسخ به فرض، كان على النبي صلى الله عليه وسلم خاصة لفضله، كما ~~قال تعالى: # " ومن الليل فتهجد به نافلة لك " [الاسراء: 79]. # قلت: القول الأول يعم جميع هذه الأقوال، وقد ms6417 قال تعالى: " وأقيموا الصلاة ~~" [المزمل: 20] فدخل فيها قول من قال إن الناسخ الصلوات الخمس. وقد ذهب ~~الحسن وابن سيرين إلى أن صلاة الليل فريضة على كل مسلم ولو على قدر حلب ~~شاة. وعن الحسن أيضا أنه قال في هذه الآية: الحمد لله تطوع بعد الفريضة. ~~وهو الصحيح إن شاء الله تعالى، لما جاء في قيامه من الترغيب والفضل في ~~القرآن والسنة. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كنت أجعل للنبي صلى الله ~~عليه وسلم حصيرا يصلي عليه من الليل، فتسامع الناس به، فلما رأى جماعتهم ~~كره ذلك، وخشي أن يكتب عليهم قيام الليل، فدخل البيت كالمغضب، فجعلوا ~~PageV19P036 # يتنحنحون ويتفلون فخرج إليهم فقال: (أيها الناس اكلفوا (1) من الأعمال ما ~~تطيقون، فإن الله لا يمل من الثواب، حتى تملوا من العمل، وإن خير العمل ~~أدومه وإن قل). فنزلت: " يا أيها المزمل " فكتب عليهم، فأنزل بمنزلة ~~الفريضة، حتى إن كان أحدهم ليربط الحبل فيتعلق به، فمكثوا ثمانية أشهر، ~~فرحمهم الله وأنزل: " إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل " [المزمل: ~~20] فردهم الله إلى الفريضة، ووضع عنهم قيام الليل إلا ما تطوعوا به. # قلت: حديث عائشة هذا ذكره الثعلبي، ومعناه ثابت في الصحيح إلى قوله: (وإن ~~قل) وباقيه يدل على أن قوله تعالى: " يا أيها المزمل " نزل بالمدينة وأنهم ~~مكثوا ثمانية أشهر يقومون. وقد تقدم عنها في صحيح مسلم: حولا. وحكى ~~الماوردي عنها قولا ثالثا وهو ستة عشر شهرا، لم يذكر غيره عنها. وذكر عن ~~ابن عباس أنه كان بين أول المزمل وآخرها سنة، قال: فأما رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقد كان فرضا عليه. وفي نسخة عنه قولان: # أحدهما: أنه كان فرضه عليه إلى أن قبضه الله تعالى. الثاني: أنه نسخ عنه ~~كما نسخ عن أمته. وفي مدة فرضه إلى أن نسخ قولان: أحدهما: المدة المفروضة ~~على أمته في القولين الماضيين، يريد قول ابن عباس حولا، وقول عائشة ستة عشر ~~شهرا. الثاني: أنها عشر سنين إلى أن خفف عنه بالنسخ زيادة ms6418 في التكليف، ~~ليميزه بفعل الرسالة، قاله ابن جبير. # قلت: هذا خلاف ما ذكره الثعلبي عن سعيد بن جبير حسب ما تقدم فتأمله. ~~وسيأتي لهذه المسألة زيادة بيان في آخر السورة إن شاء الله تعالى. # الثامنة - قوله تعالى: (ورتل القرآن ترتيلا) أي لا تعجل (2) بقراءة ~~القرآن بل أقرأه في مهل وبيان مع تدبر المعاني. وقال الضحاك: أقرأه حرفا ~~حرفا. وقال مجاهد: أحب الناس في القراءة إلى الله أعقلهم عنه. والترتيل ~~التنضيد والتنسيق وحسن النظام، ومنه ثغر رتل ورتل، بكسر العين وفتحها: إذا ~~كان حسن التنضيد. وتقدم بيانه في مقدمة الكتاب (3). # وروى الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم مر برجل يقرأ آية ويبكي، فقال: ~~(ألم تسمعوا # PageV19P037 # إلى قول الله عز وجل: " ورتل القرآن ترتيلا " هذا الترتيل). وسمع علقمة ~~رجلا يقرأ قراءة حسنة فقال: لقد رتل القرآن، فداه أبي وأمي، وقال أبو بكر ~~بن طاهر: تدبر في لطائف خطابه، وطالب نفسك بالقيام بأحكامه، وقلبك بفهم ~~معانيه، وسرك بالاقبال عليه. وروى عبد الله بن عمرو قال: قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: (يؤتى بقارئ القرآن يوم القيامة، فيوقف في أول درج الجنة ~~ويقال له أقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلك عند آخر آية ~~تقرؤها) خرجه أبو داود وقد تقدم في أول الكتاب (1). وروى أنس أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان يمد صوته بالقراءة مدا. # قوله تعالى: إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا (5) قوله تعالى: (إنا سنلقي عليك ~~قولا ثقيلا) هو متصل بما فرض من قيام الليل، أي سنلقي عليك بافتراض صلاة ~~الليل قولا ثقيلا يثقل حمله، لان الليل للمنام، فمن أمر بقيام أكثره لم ~~يتهيأ له ذلك إلا بحمل شديد على النفس ومجاهدة للشيطان، فهو أمر يثقل على ~~العبد. وقيل: إنا سنوحي إليك القرآن، وهو قول ثقيل يثقل العمل بشرائعه. قال ~~قتادة: ثقيل والله فرائضه وحدوده. # مجاهد: حلاله وحرامه. الحسن: العمل به. أبو العالية: ثقيلا بالوعد ~~والوعيد والحلال والحرام. محمد بن كعب: ثقيلا على المنافقين. وقيل: على ~~الكفار، لما ms6419 فيه من الاحتجاج عليهم، والبيان لضلالتهم وسب آلهتهم، والكشف ~~عما حرفه أهل الكتاب. السدي: ثقيل بمعنى كريم، مأخوذ من قولهم: فلان ثقيل ~~علي، أي يكرم علي. الفراء: " ثقيلا " رزينا ليس بالخفيف السفساف لأنه كلام ~~ربنا. وقال الحسين بن الفضل: ثقيلا لا يحمله إلا قلب مؤيد بالتوفيق، ونفس ~~مزينة بالتوحيد. وقال ابن زيد: هو والله ثقيل مبارك، كما ثقل في الدنيا ~~يثقل في الميزان يوم القيامة. وقيل: " ثقيلا " أي ثابتا كثبوت الثقيل في ~~محله، ويكون معناه أنه ثابت الاعجاز، لا يزول إعجازه أبدا. وقيل: هو القرآن ~~نفسه، كما جاء في الخبر: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أوحى إليه ~~وهو على ناقته وضعت جرانها # PageV19P038 # - يعني صدرها - على الأرض، فما تستطيع أن تتحرك حتى يسرى (1) عنه. وفي ~~الموطأ وغيره أنه عليه السلام سئل: كيف يأتيك الوحي؟ فقال: (أحيانا يأتيني ~~مثل صلصلة الجرس، وهو أشده علي، فيفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحيانا يتمثل ~~لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول). # قالت عائشة رضي الله عنها: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد ~~البرد، فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا. قال ابن العربي: وهذا أولى، لأنه ~~الحقيقة، وقد جاء " وما جعل عليكم في الدين من حرج " [الحج: 78]. وقال عليه ~~السلام: " بعثت بالحنيفية السمحة ". # وقيل: القول في هذه السورة: هو قول لا إله إلا الله، إذ في الخبر: خفيفة ~~على اللسان ثقيلة في الميزان، ذكره القشيري. # قوله تعالى: إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا (6) إن لك في النهار ~~سبحا طويلا (7) فيه خمس مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (إن ناشئة الليل) قال العلماء: ناشئة الليل أي ~~أوقاته وساعاته، لان أوقاته تنشأ أولا فأولا، يقال: نشأ الشئ ينشأ: إذا ~~ابتدأ وأقبل شيئا بعد شئ، فهو ناشئ وأنشأه الله فنشأ، ومنه نشأت السحابة ~~إذا بدأت وأنشأها الله، فناشئة: فاعلة من نشأت تنشأ فهي ناشئة، ومنه قوله ~~تعالى: " أو من ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين " [الزخرف: 18] ~~والمراد إن ساعات الليل الناشئة، ms6420 فاكتفى بالوصف عن الاسم، فالتأنيث للفظ ~~ساعة، لان كل ساعة تحدث. وقيل: الناشئة مصدر بمعنى [قيام الليل] (2) ~~كالخاطئة والكاذبة، أي إن نشأة الليل هي أشد وطئا. وقيل: إن ناشئة الليل ~~قيام الليل. قال ابن مسعود: الحبشة يقولون: نشأ أي قام، فلعله أراد أن ~~الكلمة عربية (3)، ولكنها شائعة في كلام الحبشة، غالبة عليهم، وإلا فليس في ~~القرآن ما ليس في لغة العرب. وقد تقدم بيان هذا في مقدمة الكتاب مستوفى. # PageV19P039 # الثانية - بين تعالى في هذه الآية فضل صلاة الليل على صلاة النهار، وأن ~~الاستكثار من صلاة الليل بالقراءة فيها ما أمكن، أعظم للاجر، وأجلب للثواب. # واختلف العلماء في المراد بناشئة الليل، فقال ابن عمر وأنس بن مالك: هو ~~ما بين المغرب والعشاء، تمسكا بأن لفظ نشأ يعطي الابتداء، فكان بالأولية ~~أحق، ومنه قول الشاعر: # ولولا أن يقال صبا نصيب * لقلت بنفسي النشأ الصغار وكان علي بن الحسين ~~يصلي بين المغرب والعشاء ويقول: هذا ناشئة الليل. وقال عطاء وعكرمة: # إنه بدء الليل. وقال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: هي الليل كله، لأنه ينشأ ~~بعد النهار، وهو الذي اختاره مالك بن أنس. قال ابن العربي: وهو الذي يعطيه ~~اللفظ وتقتضيه اللغة. وقالت عائشة وابن عباس أيضا ومجاهد: إنما الناشئة ~~القيام بالليل بعد النوم. ومن قام أول الليل قبل النوم فما قام ناشئة. فقال ~~يمان وابن كيسان: هو القيام من آخر الليل. وقال ابن عباس: كانت صلاتهم أول ~~الليل. وذلك أن الانسان إذا نام لا يدري متى يستيقظ. وفي الصحاح: وناشئة ~~الليل أول ساعاته. وقال القتبي: إنه ساعات الليل، لأنها تنشأ ساعة بعد ~~ساعة. وعن الحسن ومجاهد: هي ما بعد العشاء الآخرة إلى الصبح. وعن الحسن ~~أيضا: ما كان بعد العشاء فهو ناشئة. ويقال: ما ينشأ في الليل من الطاعات، ~~حكاه الجوهري. # الثانية - قوله تعالى: (هي أشد وطئا) قرأ أبو العالية وأبو عمرو وابن أبي ~~إسحاق ومجاهد وحميد وابن محيصن وابن عامر والمغيرة وأبو حياة " وطاء " بكسر ~~الواو وفتح الطاء والمد، واختاره أبو عبيد. الباقون ms6421 " وطئا " بفتح الواو ~~وسكون الطاء مقصورة، واختاره أبو حاتم، من قولك: اشتدت على القوم وطأة ~~سلطانهم. أي ثقل عليهم ما حملهم من المؤن، ومنه قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: (اللهم اشدد وطأتك على مضر) فالمعنى أنها أثقل على المصلي من ساعات ~~النهار. وذلك أن الليل وقت منام وتودع وإجمام، فمن شغله بالعبادة فقد تحمل ~~المشقة العظيمة. ومن مد فهو مصدر واطأت وطاء ومواطأة أي وافقته. ابن زيد ~~واطأته على الامر مواطأة: إذا وافقته من الوفاق، وفلان يواطئ اسمه اسمي، ~~وتواطئوا عليه أي توافقوا، فالمعنى أشد موافقة بين القلب والبصر والسمع ~~واللسان، لانقطاع الأصوات PageV19P040 # والحركات، قاله مجاهد وابن أبي مليكة وغيرهما. وقال ابن عباس بمعناه، أي ~~يواطئ السمع القلب، قال الله تعالى: " ليواطئوا عدة ما حرم الله " [التوبة: ~~37] أي ليوافقوا. وقيل: المعنى أشد مهادا للتصرف في التفكر والتدبر. ~~والوطاء خلاف الغطاء. وقيل: " أشد وطئا " بسكون الطاء وفتح الواو أي أشد ~~ثباتا من النهار، فإن الليل يخلو فيه الانسان بما يعمله، فيكون ذلك أثبت ~~للعمل وأتقى (1) لما يلهى ويشغل القلب. والوطئ الثبات، تقول: وطئت الأرض ~~بقدمي. وقال الأخفش: أشد قياما. الفراء: أثبت قراءة وقياما. وعنه: " أشد ~~وطئا " أي أثبت للعمل وأدوم لمن أراد الاستكثار من العبادة، والليل وقت ~~فراغ عن اشتغال المعاش فعبادته تدوم ولا تنقطع. وقال الكلبي: " أشد وطئا " ~~أي أشد نشاطا للمصلي، لأنه في زمان راحته. وقال عبادة: " أشد وطأ " أي ~~نشاطا للمصلي وأخف، وأثبت للقراءة. # الرابعة - قوله تعالى: (وأقوم قيلا) أي القراءة بالليل أقوم منها ~~بالنهار، أي أشد استقامة واستمرارا على الصواب، لان الأصوات هادئة، والدنيا ~~ساكنة، فلا يضطرب على المصلي ما يقرؤه. قال قتادة ومجاهد: أي أصوب للقراءة ~~وأثبت للقول، لأنه زمان التفهم. # وقال أبو علي: " أقوم قيلا " أي أشد استقامة لفراغ البال بالليل. وقيل: ~~أي أعجل إجابة للدعاء. حكاه ابن شجرة. وقال عكرمة: عبادة الليل أتم نشاطا، ~~وأتم إخلاصا، وأكثر بركة. # وعن زيد ابن أسلم: أجدر أن يتفقه في القرآن. وعن الأعمش قال: قرأ أنس بن ms6422 ~~مالك " إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأصوب قيلا " فقيل له: " وأقوم قيلا " ~~فقال: أقوم وأصوب وأهيأ: سواء. قال أبو بكر الأنباري: وقد ترامى ببعض هؤلاء ~~الزائغين إلى أن قال: من قرأ بحرف يوافق معنى حرف من القرآن فهو مصيب، إذا ~~لم يخالف معنى ولم يأت بغير ما أراد الله وقصد له، واحتجوا بقول أنس هذا. ~~وهو قول لا يعرج عليه ولا يلتفت إلى قائله، لأنه لو قرأ بألفاظ تخالف ألفاظ ~~القرآن إذا قاربت معانيها واشتملت على عامتها، لجاز أن يقرأ في موضع " ~~الحمد لله رب العالمين " [الفاتحة: 2]: الشكر للباري ملك المخلوقين، ويتسع ~~الامر في هذا حتى يبطل لفظ جميع القرآن، ويكون التالي له مفتريا على الله ~~عز وجل، كاذبا على رسوله صلى # PageV19P041 # الله عليه وسلم ولا حجة لهم في قول ابن مسعود: نزل القرآن على سبعة أحرف، ~~إنما هو كقول أحدكم: هلم وتعال وأقبل، لان هذا الحديث يوجب أن القراءات ~~المأثورة المنقولة بالأسانيد الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا ~~اختلفت ألفاظها، واتفقت معانيها، كان ذلك فيها بمنزلة الخلاف في هلم، ~~وتعال، وأقبل، فأما ما لم يقرأ به النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ~~وتابعوهم رضي الله عنهم، فإنه من أورد حرفا منه في القرآن بهت ومال وخرج من ~~مذهب الصواب. # قال أبو بكر: والحديث الذي جعلوه قاعدتهم في هذه الضلالة حديث لا يصح عن ~~أحد من أهل العلم، لأنه مبني على رواية الأعمش عن أنس، فهو مقطوع ليس بمتصل ~~فيؤخذ به، من قبل أن الأعمش رأى أنسا ولم يسمع منه. # الخامسة - قوله تعالى (1): (إن لك في النهار سبحا طويلا) قراءة العامة ~~بالحاء غير معجمة، أي تصرفا في حوائجك، وإقبالا وإدبارا وذهابا ومجيئا. ~~والسبح: الجري والدوران، ومنه السابح في الماء، لتقلبه بيديه ورجليه. وفرس ~~سابح: شديد الجري، قال امرؤ القيس: # مسح إذا ما السابحات على الونى * أثرن الغبار بالكديد المركل (2) وقيل: ~~السبح الفراغ، أي إن لك فراغا للحاجات بالنهار. # وقيل: " إن لك في النهار سبحا " أي نوما، والتسبح ms6423 التمدد، ذكره الخليل. ~~وعن ابن عباس وعطاء: (سبحا طويلا) يعني فراغا طويلا لنومك وراحتك، فاجعل ~~ناشئة الليل لعبادتك، وقال الزجاج: إن فاتك في الليل شئ فلك في النهار فراغ ~~الاستدراك. # وقرا يحيى بن يعمر وأبو وائل " سبخا " بالخاء المعجمة. قال المهدوي: ~~ومعناه النوم روى ذلك عن القارئين بهذه القراءة. وقيل: معناه الخفة والسعة ~~والاستراحة، ومنه قول # PageV19P042 # النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة وقد دعت على سارق ردائها: (لا تسبخي ~~[عنه] (1) بدعائك عليه). أي لا تخففي عنه إثمه، قال الشاعر: # فسخ عليك الهم واعلم بأنه * إذا قدر الرحمن شيئا فكائن الأصمعي: يقال سبخ ~~الله عنك الحمى أي خففها. وسبخ الحر (2): فتر وخف. والتسبيخ النوم الشديد. ~~والتسبيخ أيضا توسيع القطن والكتان والصوف وتنفيشها، يقال للمرأة: # سبخي قطنك. والسبيخ من القطن ما يسبخ بعد الندف، أي يلف لتغزله المرأة، ~~والقطعة منه سبيخة، وكذلك من الصوف والوبر. ويقال لقطع القطن سبائخ، قال ~~الأخطل يصف القناص والكلاب: # فأرسلوهن يذرين التراب كما * يذري سبائخ قطن ندف أوتار وقال ثعلب: السبخ ~~بالخاء التردد والاضطراب، والسبخ أيضا السكون، ومنه قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم: (الحمى من فيح جهنم، فسبخوها بالماء) أي سكنوها. وقال أبو عمرو: ~~السبخ: النوم والفراغ. # قلت: فعلى هذا يكون من الأضداد وتكون بمعنى السبح، بالحاء غير المعجمة. # قوله تعالى: واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا (8) فيه ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (واذكر اسم ربك) أي ادعه بأسمائه الحسنى، ليحصل لك ~~مع الصلاة محمود العاقبة. وقيل: أي اقصد بعملك وجه ربك، وقال سهل: اقرأ ~~باسم الله الرحمن الرحيم في ابتداء صلاتك توصلك بركة قراءتها إلى ربك، ~~وتقطعك عما سواه (3). # وقيل: أذكر اسم ربك في وعده ووعيده، لتوفر على طاعته وتعدل عن معصيته. ~~وقال الكلبي: # صل لربك أي بالنهار. # PageV19P043 # قلت: وهذا حسن فإنه لما ذكر الليل ذكر النهار، إذ هو قسيمه، وقد قال الله ~~تعالى: # " وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر " [الفرقان: 62] على ~~ما تقدم (1). # الثانية - قوله تعالى: (وتبتل إليه تبتيلا) التبتل: ms6424 الانقطاع إلى عبادة ~~الله عز وجل، أي انقطع بعبادتك إليه، ولا تشرك به غيره. يقال: بتلت الشئ أي ~~قطعته، ومنه قولهم. # طلقها بتة بتلة، وهذه صدقة بتة بتلة، أي بائنة منقطعة عن صاحبها،، أي قطع ~~ملكه عنها بالكلية، ومنه مريم البتول لانقطاعها إلى الله تعالى، ويقال ~~للراهب متبتل، لانقطاعه عن الناس، وانفراده بالعبادة، قال: # تضئ الظلام بالعشاء كأنها * منارة ممسى راهب متبتل (2) وفي الحديث النهي ~~عن التبتل، وهو الانقطاع عن الناس والجماعات. وقيل: إن أصله عند العرب ~~التفرد، قاله ابن عرفة. والأول أقوى لما ذكرنا. ويقال: كيف قال: تبتيلا، ~~ولم يقل تبتلا؟ قيل له: لان معنى تبتل بتل نفسه، فجئ به على معناه مراعاة ~~لحق الفواصل. # الثالثة - قد مضى في (المائدة) (3) في تفسير قوله تعالى: " يا أيها الذين ~~آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم " [المائدة: 87] كراهة لمن تبتل ~~وانقطع وسلك سبيل الرهبانية بما فيه كفاية. قال ابن العربي: وأما اليوم وقد ~~مرجت عهود الناس، وخفت أماناتهم، واستولى الحرام على الحطام (4)، فالعزلة ~~خير من الخلطة، والعز به أفضل من التأهل، ولكن معنى الآية: انقطع عن ~~الأوثان والأصنام وعن عبادة غير الله، وكذلك قال مجاهد: # معناه: أخلص له العبادة، ولم يرد التبتل، فصار التبتل مأمورا به في ~~القرآن، منهيا عنه في السنة، ومتعلق الامر غير متعلق النهي، فلا يتناقضان، ~~وإنما بعث ليبين للناس ما نزل إليهم، فالتبتل المأمور به: الانقطاع إلى ~~الله بإخلاص العبادة، كما قال تعالى: " وما أمروا إلا ليعبدوا # PageV19P044 # الله مخلصين له الدين " (1) [البينة: 5] والتبتل المنهي عنه: هو سلوك ~~مسلك النصارى في ترك النكاح والترهب في الصوامع، لكن عند فساد الزمان يكون ~~خير مال المسلم غنما يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من ~~الفتن. # قوله تعالى: رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا (9) واصبر على ~~ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا (10) وذرني والمكذبين أولى النعمة ومهلهم ~~قليلا (11) قوله تعالى: (رب المشرق والمغرب) قرأ أهل الحرمين وابن محيصن ~~ومجاهد وأبو عمرو وأبن أبي إسحاق وحفص " رب ms6425 " بالرفع على الابتداء والخبر " ~~لا إله إلا هو ". # وقيل: على إضمار " هو ". الباقون " رب " بالخفض على نعت الرب تعالى في ~~قوله تعالى: # " وأذكر اسم ربك " " رب المشرق " ومن علم أنه رب المشارق والمغارب انقطع ~~بعمله وأمله إليه. (فاتخذه وكيلا) أي قائما بأمورك. وقيل: كفيلا بما وعدك. # قوله تعالى: (واصبر على ما يقولون) أي من الأذى والسب والاستهزاء، ولا ~~تجزع من قولهم، ولا تمتنع من دعائهم. (واهجرهم هجرا جميلا) أي لا تتعرض ~~لهم، ولا تشتغل بمكافأتهم، فإن في ذلك ترك الدعاء إلى الله. وكان هذا قبل ~~الامر بالقتال، ثم أمر بعد بقتالهم وقتلهم، فنسخت آية القتال ما كان قبلها ~~من الترك، قاله قتادة وغيره. وقال أبو الدرداء: # إنا لنكشر في وجوه [أقوام] (2) ونضحك إليهم وإن قلوبنا لتقليهم أو ~~لتلعنهم. # قوله تعالى: (وذرني والمكذبين) أي أرض بي لعقابهم. نزلت في صناديد قريش ~~ورؤساء مكة من المستهزئين. وقال مقاتل: نزلت في المطعمين (3) يوم بدر وهم ~~عشرة. وقد تقدم ذكرهم في " الأنفال " (4). وقال يحيى بن سلام: إنهم بنو ~~المغيرة. وقال سعيد بن جبير أخبرت أنهم اثنا عشر رجلا. (أولى النعمة) أي ~~أولى الغنى والترفه واللذة في الدنيا # PageV19P045 # (ومهلهم قليلا) يعني إلى مدة آجالهم. قالت عائشة رضي الله عنها: لما نزلت ~~هذه الآية لم يكن إلا يسيرا حتى وقعت وقعة بدر. وقيل: " ومهلهم قليلا " ~~يعني إلى مدة الدنيا. # قوله تعالى: إن لدينا أنكالا وجحيما (12) وطعاما ذا غصة وعذابا أليما ~~(13) يوم ترجف الأرض والجبال وكانت الجبال كثيبا مهيلا (14) قوله تعالى: ~~(إن لدينا أنكالا وجحيما) الأنكال: القيود. عن الحسن ومجاهد وغيرهما. # واحدها نكل، وهو ما منع (1) الانسان من الحركة. وقيل: سمى نكلا، لأنه ~~ينكل به. قال الشعبي: # أترون أن الله تعالى جعل الأنكال في أرجل أهل النار خشية أن يهربوا؟ لا ~~والله! ولكنهم إذا أرادوا أن يرتفعوا استفلت بهم. وقال الكلبي: الأنكال: ~~الأغلال، والأول أعرف في اللغة، ومنه قول الخنساء: # دعاك فقطعت أنكاله * وقد كن (2) قبلك لا تقطع وقيل: إنه أنواع العذاب ~~الشديد، قاله مقاتل. وقد جاء ms6426 أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله ~~يحب النكل على النكل) بالتحريك، قاله الجوهري. قيل: وما النكل؟ # قال: (الرجل القوي المجرب، على الفرس القوي المجرب) ذكره الماوردي. قال: ~~ومن ذلك سمى القيد نكلا لقوته، وكذلك الغل، وكل عذاب قوي فاشتد، والجحيم ~~النار المؤججة. # (وطعاما ذا غصة) أي غير سائغ، يأخذ بالحلق، لا هو نازل ولا هو خارج، وهو ~~الغسلين والزقوم والضريع، قاله ابن عباس. وعنه أيضا: انه شوك يدخل الحلق، ~~فلا ينزل ولا يخرج. # وقال الزجاج: أي طعامهم الضريع، كما قال: " ليس لهم طعام إلا من ضريع " ~~[الغاشية: 6] وهو شوك كالعوسج. وقال مجاهد: هو الزقوم، كما قال: " إن شجرة ~~الزقوم طعام الأثيم " [الدخان: 43 - 44]. والمعنى واحد. # وقال حمران بن أعين: قرأ النبي صلى الله عليه وسلم (إن لدينا أنكالا ~~وجحيما. وطعاما ذا غصة) # PageV19P046 # فصعق. وقال خليد بن حسان: أمسى الحسن عندنا صائما، فأتيته بطعام فعرضت له ~~هذه الآية " إن لدينا أنكالا وجحيما. وطعاما " فقال: أرفع طعامك. فلما كانت ~~الثانية أتيته بطعام فعرضت له هذه الآية، فقال: ارفعوه. ومثله في الثالثة، ~~فانطلق ابنه إلى ثابت البناني ويزيد الضبي ويحيى البكاء فحدثهم، فجاءوه فلم ~~يزالوا به حتى شرب شربة من سويق. # والغصة: الشجا، وهو ما ينشب في الحلق من عظم أو غيره. وجمعها غصص. والغصص ~~بالفتح مصدر قولك: غصصت يا رجل تغص، فأنت غاص بالطعام وغصان، وأغصصته أنا، ~~والمنزل غاص بالقوم أي ممتلئ بهم. # قوله تعالى: (يوم ترجف الأرض والجبال) أي تتحرك وتضطرب بمن عليها. # وانتصب " يوم " على الظرف أي ينكل بهم ويعذبون " يوم ترجف الأرض ". وقيل: # بنزع الخافض، يعني هذه العقوبة في يوم ترجف الأرض والجبال. وقيل: العامل ~~" ذرني " أي وذرني والمكذبين يوم ترجف الأرض والجبال. (وكانت الجبال كثيبا ~~مهيلا) أي وتكون. # والكثيب الرمل المجتمع - قال حسان: # عرفت ديار زينب بالكثيب * كخط الوحي في الورق (1) القشيب والمهيل: الذي ~~يمر تحت الأرجل. قال الضحاك والكلبي: المهيل: هو الذي إذا وطئته بالقدم زل ~~من تحتها، وإذا أخذت أسفله انهال. وقال ابن ms6427 عباس: " مهيلا " أي رملا سائلا ~~متناثرا وأصله مهيول وهو مفعول من قولك: هلت عليه التراب أهيله هيلا: إذا ~~صببته. # يقال: مهيل ومهيول، ومكيل ومكيول، ومدين ومديون، ومعين ومعيون، قال ~~الشاعر: (2) قد كان قومك يحسبونك سيدا * وإدخال أنك سيد معيون وفي حديث ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنهم شكوا إليه الجدوبة، فقال: (أتكيلون أم ~~تهيلون) قالوا: نهيل. قال: (كيلوا طعامكم يبارك لكم فيه). وأهلت الدقيق لغة ~~في هلت فهو # PageV19P047 # مهال ومهيل. وإنما حذفت الواو، لان الياء تثقل فيها الضمة، فحذفت فسكنت ~~هي والواو فحذفت الواو لالتقاء الساكنين قوله تعالى: إنا أرسلنا إليكم ~~رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا (15) فعصى فرعون الرسول ~~فأخذناه أخذا وبيلا (16) فكيف تتقون إن كفرتم يوما يجعل الولدان شيبا (17) ~~السماء منفطر به كان وعده مفعولا (18) إن هذه تذكرة فمن شاء أتخذ إلى ربه ~~سبيلا (19) قوله تعالى: (إنا أرسلنا إليكم رسولا) يريد النبي صلى الله عليه ~~وسلم أرسله إلى قريش (كما أرسلنا إلى فرعون رسولا) وهو موسى (فعصى فرعون ~~الرسول) أي كذب به ولم يؤمن. قال مقاتل: ذكر موسى وفرعون، لان أهل مكة ~~ازدروا محمدا صلى الله عليه وسلم واستخفوا به، لأنه ولد فيهم، كما أن فرعون ~~ازدرى موسى، لأنه رباه ونشأ فيما بينهم، كما قال تعالى: " ألم نربك فينا ~~وليدا " [الشعراء: 18]. قال المهدوي: ودخلت الألف واللام في الرسول لتقدم ~~ذكره، ولذلك اختير في أول الكتب سلام عليكم، وفي آخرها السلام عليكم. ~~(وبيلا) أي ثقيلا شديدا. وضرب وبيل وعذاب وبيل: أي شديد، قاله ابن عباس ~~ومجاهد. ومنه مطر وابل أي شديد، قاله الأخفش. وقال الزجاج: أي ثقيلا غليظا. ~~ومنه قيل للمطر وابل. وقيل: مهلكا [والمعنى عاقبناه عقوبة (1) غليظة] قال: # أكلت بنيك أكل الضب حتى * وجدت مرارة الكلأ الوبيل واستوبل فلان كذا: أي ~~لم يحمد عاقبته. وماء وبيل: أي وخيم غير مرئ، وكلا مستوبل وطعام وبيل ~~ومستوبل: إذا لم يمرئ ولم يستمرأ، قال زهير: # PageV19P048 # فقضوا منايا بينهم ثم أصدروا * إلى كلا مستوبل متوخم وقالت الخنساء: # لقد أكلت بجيلة ms6428 يوم لاقت * فوارس مالك أكلا وبيلا والوبيل أيضا: العصا ~~الضخمة، قال: # لو أصبح في يمنى يدي زمامها (1) * وفي كفي الأخرى وبيل تحاذره وكذلك ~~الموبل بكسر الباء، والموبلة أيضا: الحزمة من الحطب، وكذلك الوبيل، قال ~~طرفة: # * عقيلة شيخ كالوبيل يلندد (2) * قوله تعالى: (فكيف تتقون إن كفرتم يوما ~~يجعل الولدان شيبا) هو توبيخ وتقريع، أي كيف تتقون العذاب إن كفرتم. وفيه ~~تقديم وتأخير، أي كيف تتقون يوما يجعل الولدان شيبا إن كفرتم. وكذا قراءة ~~عبد الله وعطية. قال الحسن: أي بأي صلاة تتقون العذاب؟ بأي صوم تتقون ~~العذاب؟ وفيه إضمار، أي كيف تتقون عذاب يوم. # وقال قتادة: والله ما يتقى من كفر بالله ذلك اليوم بشئ. و " يوما " مفعول ~~ب‍ " - تتقون " على هذه القراءة وليس بظرف، وإن قدر الكفر بمعنى الجحود كان ~~اليوم مفعول (كفرتم). # وقال بعض المفسرين: وقف التمام على قوله: (كفرتم) والابتداء (يوما) يذهب ~~إلى أن اليوم مفعول " يجعل " والفعل لله عز وجل، وكأنه قال: يجعل الله ~~الولدان شيبا في يوم. قال ابن الأنباري، وهذا لا يصلح، لان اليوم هو الذي ~~يفعل هذا من شدة هوله. المهدوي: # والضمير في " يجعل " يجوز أن يكون لله عز وجل، ويجوز أن يكون لليوم، وإذا ~~كان لليوم صلح أن يكون صفة له، ولا يصلح ذلك إذا كان الضمير لله عز وجل إلا ~~مع تقدير حذف، كأنه قال: يوما يجعل الله الولدان فيه شيبا. ابن الأنباري: ~~ومنهم من نصب اليوم # PageV19P049 # ب‍ " - كفرتم " وهذا قبيح، لان اليوم إذا علق ب‍ " - كفرتم " أحتاج إلى ~~صفة، أي كفرتم بيوم. فإن احتج محتج بأن الصفة قد تحذف وينصب ما بعدها، ~~احتججنا عليه بقراءة عبد الله " فكيف تتقون يوما ". # قلت: هذه القراءة ليست متواترة، وإنما جاءت على وجه التفسير. وإذا كان ~~الكفر بمعنى الجحود ف‍ " - يوما " مفعول صريح من غير صفة ولا حذفها، أي ~~فكيف تتقون الله وتخشونه إن جحدتم يوم القيامة والجزاء. وقرأ أبو السمال ~~قعنب " فكيف تتقون " بكسر النون على الإضافة. و " الولدان " الصبيان. وقال ~~السدي: هم أولاد ms6429 الزنا. وقيل: أولاد المشركين. # والعموم أصح، أي يشيب فيه الصغير من غير كبر. وذلك حين يقال: (يا آدم قم ~~فابعث بعث النار). على ما تقدم في أول سورة " الحج " (1). قال القشيري: ثم ~~إن أهل الجنة يغير الله أحوالهم وأوصافهم على ما يريد. وقيل: هذا ضرب مثل ~~لشدة ذلك اليوم وهو مجاز، لان يوم القيامة لا يكون فيه ولدان ولكن معناه أن ~~هيبة ذلك اليوم بحال لو كان فيه هناك صبي لشاب رأسه من الهيبة. ويقال: هذا ~~وقت الفزع، وقيل أن ينفخ في الصور نفخة الصعق، فالله أعلم. الزمخشري: وقد ~~مر بي في بعض الكتب أن رجلا أمسى فاحم الشعر كحنك الغراب، فأصبح وهو أبيض ~~الرأس واللحية كالثغامة (2)، فقال: أريت القيامة والجنة والنار في المنام، ~~ورأيت الناس يقادون في السلاسل إلى النار، فمن هول ذلك أصبحت كما ترون. # ويجوز أن يوصف اليوم بالطول، وأن الأطفال يبلغون فيه أوان الشيخوخة ~~والشيب. # قوله تعالى: (السماء منفطر به) أي متشققة لشدته. ومعنى " به " أي فيه، أي ~~في ذلك اليوم لهوله. هذا أحسن ما قيل فيه. ويقال: مثقلة به إثقالا يؤدي إلى ~~انفطارها لعظمته عليها وخشيتها من وقوعه، كقوله تعالى: " ثقلت في السماوات ~~والأرض " [الأعراف: 187]. # وقيل: " به " أي له، أي لذلك اليوم، يقال: فعلت كذا بحرمتك ولحرمتك، ~~والباء واللام # PageV19P050 # وفي: متقاربة في مثل هذا الموضع، قال الله تعالى: " ونضع الموازين القسط ~~ليوم القيامة " [الأنبياء: 47] أي في يوم القيامة. وقيل: " به " أي بالامر ~~أي السماء منفطر بما يجعل الولدان شيبا. # وقيل: منفطر بالله، أي بأمره، وقال أبو عمرو بن العلاء: لم يقل منفطرة، ~~لان مجازها (1) السقف، تقول: هذا سماء البيت، قال الشاعر: # فلو رفع السماء إليه قوما * لحقنا بالسماء وبالسحاب وفي التنزيل: " ~~وجعلنا السماء سقفا محفوظا " [الأنبياء: 32]. وقال الفراء: السماء يذكر ~~ويؤنث. وقال أبو علي: هو من باب الجراد المنتشر، والشجر الأخضر، و " أعجاز ~~نخل منقعر " [القمر: 20]. وقال أبو علي أيضا: أي السماء ذات انفطار، ~~كقولهم: امرأة مرضع، أي ذات إرضاع، فجرى على طريق النسب. " كان ms6430 وعده " أي ~~بالقيامة والحساب والجزاء " مفعولا " كائنا لا شك فيه ولا خلف. وقال مقاتل: ~~كان وعده بأن يظهر دينه على الدين كله. # قوله تعالى: (إن هذه تذكرة) يريد هذه السورة أو الآيات عظة. وقيل: آيات ~~القرآن، إذ هو كالسورة الواحدة. (فمن شاء اتخذ إلى ربه) أي من أراد أن يؤمن ~~ويتخذ بذلك إلى ربه (سبيلا) أي طريقا إلى رضاه ورحمته فليرغب، فقد أمكن له، ~~لأنه أظهر له الحجج والدلائل. ثم قيل: نسخت بآية السيف، وكذلك قوله تعالى: ~~" فمن شاء ذكره " [المدثر: 55] قال الثعلبي: والأشبه أنه غير منسوخ. # قوله تعالى: إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة ~~من الذين معك والله يقدر الليل والنهار علم ألن تحصوه فتاب عليكم فاقرءوا ~~ما تيسر من القرآن علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون ~~من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرءوا ما تيسر # PageV19P051 # منه وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأقرضوا الله قرضا حسنا وما تقدموا ~~لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا واستغفروا الله إن الله ~~غفور رحيم (20) فيه ثلاث عشرة مسألة: # الأولى - قوله تعالى: " إن ربك يعلم أنك تقوم " هذه الآية تفسير لقوله ~~تعالى: # " قم الليل إلا قليلا. نصفه أو انقص منه قليلا. أو زد عليه " [المزمل: 2 ~~- 4] كما تقدم، وهي الناسخة لفرضية قيام الليل كما تقدم. " تقوم " معناه ~~تصلي و " أدنى " أي أقل. وقرأ ابن السميقع وأبو حياة وهشام عن أهل الشام " ~~ثلثي " بإسكان اللام. " ونصفه وثلثه " بالخفض قراءة العامة عطفا على " ثلثي ~~"، المعنى: تقوم أدنى من ثلثي الليل ومن نصفه وثلثه. واختاره أبو عبيد وأبو ~~حاتم، كقوله تعالى: " علم أن لن تحصوه " فكيف يقومون نصفه أو ثلثه وهم لا ~~يحصونه. وقرأ ابن كثير والكوفيون " ونصفه وثلثه " بالنصب عطفا على " أدنى " ~~التقدير: تقوم أدنى من ثلثي الليل وتقوم نصفه وثلثه. قال الفراء: وهو أشبه ~~بالصواب، لأنه قال أقل من الثلثين، ثم ذكر نفس القلة لا أقل من القلة. ~~القشيري: وعلى ms6431 هذه القراءة يحتمل أنهم كانوا يصيبون الثلث والنصف، لخفة ~~القيام عليهم بذلك القدر، وكانوا يزيدون، وفي الزيادة إصابة المقصود، فأما ~~الثلثان فكان يثقل عليهم قيامه فلا يصيبونه، وينقصون منه. ويحتمل أنهم ~~أمروا بقيام نصف الليل، ورخص لهم في الزيادة والنقصان، فكانوا ينتهون في ~~الزيادة إلى قريب من الثلثين، وفي النصف إلى الثلث. ويحتمل أنهم قدر لهم ~~النصف وأنقص إلى الثلث، والزيادة إلى الثلثين، وكان فيهم من يفي بذلك، ~~وفيهم من يترك ذلك إلى أن نسخ عنهم. وقال قوم: إنما أفترض الله عليهم ~~الربع، وكانوا ينقصون من الربع. # وهذا القول تحكم. PageV19P052 # الثانية - قوله تعالى: (والله يقدر الليل والنهار) أي يعلم مقادير الليل ~~والنهار على حقائقها، وأنتم تعلمون بالتحري والاجتهاد الذي يقع فيه الخطأ. ~~(علم أن لن تحصوه) أي لن تطيقوا معرفة حقائق ذلك والقيام به. وقيل: أي لن ~~تطيقوا قيام الليل. والأول أصح، فإن قيام الليل ما فرض كله قط. قال مقاتل ~~(1) وغيره: لما نزلت: " قم الليل إلا قليلا. نصفه أو انقص منه قليلا. أو زد ~~عليه " [المزمل: 2 - 4] شق ذلك عليهم، وكان الرجل لا يدري متى نصف الليل من ~~ثلثه، فيقوم حتى يصبح مخافة أن يخطئ، فانتفخت أقدامهم، وانتقعت ألوانهم، ~~فرحمهم الله وخفف عنهم، فقال تعالى: " علم أن لن تحصوه " و " أن " مخففة من ~~الثقيلة، أي علم أنكم لن تحصوه، لأنكم إن زدتم ثقل عليكم، واحتجتم إلى ~~تكليف ما ليس فرضا، وإن نقصتم شق ذلك عليكم. # الثالثة - قوله تعالى: (فتاب عليكم) أي فعاد عليكم بالعفو، وهذا يدل على ~~أنه كان فيهم في ترك بعض ما أمر به. وقيل: أي فتاب عليكم من فرض القيام إذ ~~عجزتم. وأصل التوبة الرجوع كما تقدم، فالمعنى رجع لكم من تثقيل إلى تخفيف، ~~ومن عسر إلى يسر. # وإنما أمروا بحفظ الأوقات على طريق التحري، فخفف عنهم ذلك التحري. وقيل: ~~معنى (والله يقدر الليل والنهار) يخلقهما مقدرين كقوله تعالى: (وخلق كل شئ ~~فقدره تقديرا). # ابن العربي: تقدير الخلقة لا يتعلق به حكم وإنما يربط الله به ms6432 ما يشاء من ~~وظائف التكليف. # الرابعة - قوله تعالى: (فاقرءوا ما تيسر من القرآن) فيه قولان: أحدهما أن ~~المراد نفس القراءة، أي فاقرءوا فيما تصلونه بالليل ما خف عليكم. قال ~~السدي: مائة آية. # الحسن: من قرأ مائة آية في ليلة لم يحاجه القرآن. وقال كعب: من قرأ في ~~ليلة مائة آية كتب من القانتين. وقال سعيد: خمسون آية. # قلت: قول كعب أصح، لقوله عليه السلام: (من قام بعشر آيات لم يكتب من ~~الغافلين، ومن قام بمائة آية كتب من القانتين، ومن قام بألف آية كتب من ~~المقنطرين) (2) خرجه أبو داود # PageV19P053 # الطيالسي في مسنده من حديث عبد الله بن عمرو. وقد ذكرناه في مقدمة الكتاب ~~(1) والحمد لله. # القول الثاني: " فاقرءوا ما تيسر منه " أي فصلوا ما تيسر عليكم، والصلاة ~~تسمى قرآنا، كقوله تعالى: " وقرآن الفجر " أي صلاة الفجر. ابن العربي: وهو ~~الأصح، لأنه عن الصلاة أخبر، وإليها يرجع القول. # قلت: الأول أصح حملا للخطاب على ظاهر اللفظ، والقول الثاني مجاز، فإنه من ~~تسمية الشئ ببعض ما هو من أعماله. # الخامسة - قال بعض العلماء: قوله تعالى: " فاقرءوا ما تيسر منه " نسخ ~~قيام الليل ونصفه، والنقصان من النصف والزيادة عليه. ثم احتمل قول الله عز ~~وجل: # " فاقرءوا ما تيسر منه " معنيين أحدهما أن يكون فرضا ثانيا، لأنه أزيل به ~~فرض غيره. # والآخر أن يكون فرضا منسوخا أزيل بغيره كما أزيل به غيره، وذلك لقوله ~~تعالى: # " ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا " ~~[الاسراء: 79] فاحتمل قوله تعالى: # " ومن الليل فتهجد به نافلة لك " [الاسراء: 79] أي يتهجد بغير الذي فرض ~~عليه مما تيسر منه. قال الشافعي: فكان الواجب طلب الاستدلال بالسنة على أحد ~~المعنيين، فوجدنا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم تدل على أن لا واجب من ~~الصلاة إلا الخمس. # السادسة - قال القشيري أبو نصر: والمشهور أن نسخ قيام الليل كان في حق ~~الأمة، وبقيت الفريضة في حق النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: نسخ التقدير ~~بمقدار، وبقي أصل الوجوب، ms6433 كقوله تعالى: " فما استيسر من الهدي " [البقرة: ~~196] فالهدي لا بد منه، كذلك لم يكن بد من صلاة الليل، ولكن فوض قدره إلى ~~اختيار المصلي، وعلى هذا فقد قال قوم: # فرض قيام الليل بالقليل باق، وهو مذهب الحسن. وقال قوم: نسخ بالكلية، فلا ~~تجب صلاة الليل أصلا، وهو مذهب الشافعي. ولعل الفريضة التي بقيت في حق ~~النبي صلى الله عليه وسلم هي هذا، وهو قيامه، ومقداره مفوض إلى خيرته. وإذا ~~ثبت أن القيام ليس فرضا # PageV19P054 # فقوله تعالى: " فاقرءوا ما تيسر منه " معناه اقرؤوا إن تيسر عليكم ذلك، ~~وصلوا إن شئتم. # وصار قوم إلى أن النسخ بالكلية تقرر في حق النبي صلى الله عليه وسلم ~~أيضا، فما كانت صلاة الليل واجبة عليه. وقوله: " نافلة لك " [الاسراء: 79] ~~محمول على حقيقة النفل. ومن قال: نسخ المقدار وبقي أصل وجوب قيام الليل ثم ~~نسخ، فهذا النسخ الثاني وقع ببيان مواقيت الصلاة، كقوله تعالى: " أقم ~~الصلاة لدلوك الشمس " [الاسراء: 78]، وقوله: " فسبحان الله حين تمسون وحين ~~تصبحون " [الروم: 17]، ما في الخبر من أن الزيادة على الصلوات الخمس تطوع. ~~وقيل: وقع النسخ بقوله تعالى: " ومن الليل فتهجد به نافلة لك " [الاسراء: ~~79] والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وللأمة، كما أن فرضية الصلاة وإن ~~خوطب بها النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: # " يا أيها المزمل. قم الليل " [المزمل: 1 - 2] كانت عامة له ولغيره. وقد ~~قيل: إن فريضة الله امتدت إلى ما بعد الهجرة، ونسخت بالمدينة، لقوله تعالى: ~~" علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله ~~وآخرون يقاتلون في سبيل الله "، وإنما فرض القتال بالمدينة، فعلى هذا بيان ~~المواقيت جرى بمكة، فقيام الليل نسخ بقوله تعالى: # " ومن الليل فتهجد به نافلة لك " [الاسراء: 79]. وقال ابن عباس: لما قدم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم نسخ قول الله تعالى: " إن ربك يعلم أنك تقوم ~~" وجوب صلاة الليل. # السابعة - قوله تعالى: (علم أن سيكون منكم مرضى) الآية، بين سبحانه علة ~~تخفيف قيام الليل، فإن الخلق ms6434 منهم المريض، ويشق عليهم قيام الليل، ويشق ~~عليهم أن تفوتهم الصلاة، والمسافر في التجارات قد لا يطيق قيام الليل، ~~والمجاهد كذلك، فخفف الله عن الكل لأجل هؤلاء. و " أن " في " أن سيكون " ~~مخففة من الثقيلة، أي علم أنه سيكون. # الثامنة - سوى الله تعالى في هذه الآية بين درجة المجاهدين والمكتسبين ~~المال الحلال للنفقة على نفسه وعياله، والاحسان والافضال، فكان هذا دليلا ~~على أن كسب المال بمنزلة الجهاد، لأنه جمعه مع الجهاد في سبيل الله. وروى ~~إبراهيم عن علقمة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من جالب يجلب ~~طعاما من بلد إلى بلد فيبيعه بسعر يومه إلا كانت PageV19P055 # منزلته عند الله منزلة الشهداء) ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله " ~~وقال ابن مسعود: أيما رجل جلب شيئا إلى مدينة من مدائن المسلمين صابرا ~~محتسبا، فباعه بسعر يومه كان له عند الله منزلة الشهداء. وقرأ " وآخرون ~~يضربون في الأرض " الآية. وقال ابن عمر: ما خلق الله موتة أموتها بعد الموت ~~في سبيل الله أحب إلي من الموت بين شعبتي رحلي، ابتغى من فضل الله ضاربا في ~~الأرض. وقال طاوس: الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله. وعن ~~بعض السلف أنه كان بواسط، فجهز سفينة حنطة إلى البصرة، وكتب إلى وكيله: بع ~~الطعام يوم تدخل البصرة، ولا تؤخره إلى غد، فوافق سعة في السعر، فقال ~~التجار للوكيل: إن أخرته جمعة ربحت فيه أضعافه، فأخره جمعة فربح فيه ~~أمثاله، فكتب إلى صاحبه بذلك، فكتب إليه صاحب الطعام: يا هذا! إنا كنا ~~قنعنا بربح يسير مع سلامة ديننا، وقد جنيت علينا جناية، فإذا أتاك كتابي ~~هذا فخذ المال وتصدق به على فقراء البصرة، وليتني أنجو من الاحتكار كفافا ~~لا علي ولا لي. ويروى أن غلاما من أهل مكة كان ملازما للمسجد، فافتقده ابن ~~عمر، فمشى إلى بيته، فقالت أمه: هو على طعام له يبيعه، فلقيه فقال له: ms6435 يا ~~بني! ما لك وللطعام؟ فهلا إبلا، فهلا بقرا، فهلا غنما! إن صاحب الطعام يحب ~~المحل، وصاحب الماشية يحب الغيث. # التاسعة - قوله تعالى: (فاقرءوا ما تيسر منه) أي صلوا ما أمكن، فأوجب ~~الله من صلاة الليل ما تيسر، ثم نسخ ذلك بإيجاب الصلوات الخمس على ما تقدم. ~~قال ابن العربي وقد قال قوم: إن فرض قيام الليل سن في ركعتين من هذه الآية، ~~قاله البخاري وغيره، وعقد بابا ذكر فيه حديث (يعقد الشيطان على قافية (1) ~~رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب على كل عقدة مكانها: عليك ليل طويل ~~فارقد. فإن استيقظ فذكر الله أنحلت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة، فإن صلى ~~أنحلت عقده كلها، فأصبح نشيطا طيب النفس، وإلا أصبح خبيث # PageV19P056 # النفس كسلان) وذكر حديث سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم الرؤيا ~~قال: # (أما الذي يثلغ (1) رأسه بالحجر فإنه يأخذ القرآن فيرفضه (2)، وينام عن ~~الصلاة المكتوبة). وحديث عبد الله بن مسعود قال: ذكر عند النبي صلى الله ~~عليه وسلم رجل ينام الليل كله فقال: # (ذلك رجل بال الشيطان في أذنيه) فقال ابن العربي: فهذه أحاديث مقتضية حمل ~~مطلق الصلاة على المكتوبة، فيحمل المطلق على المقيد لاحتماله له، وتسقط ~~الدعوى ممن عينه لقيام الليل. وفي الصحيح واللفظ للبخاري: قال عبد الله بن ~~عمرو: وقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا عبد الله لا تكن مثل ~~فلان، كان يقوم الليل فترك قيام الليل) ولو كان فرضا ما أقره النبي صلى ~~الله عليه وسلم عليه، ولا أخبر بمثل هذا الخبر عنه، بل كان يذمه غاية الذم، ~~وفي الصحيح عن عبد الله بن عمر قال: كان الرجل في حياة النبي صلى الله عليه ~~وسلم إذا رأى رؤيا قصها على النبي صلى الله عليه وسلم، وكنت غلاما شابا ~~عزبا، وكنت أنام في المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأيت في ~~النوم كأن ملكين أخذاني فذهبا بي إلى النار، فإذا هي مطوية كطي البئر، وإذا ~~لها ms6436 قرنان، وإذا فيها ناس قد عرفتهم، فجعلت أقول: # أعوذ بالله من النار. قال: ولقينا ملك آخر، فقال لي: لم ترع (3). فقصصتها ~~على حفصة، فقصتها حفصة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (نعم الرجل ~~عبد الله لو كان يصلي من الليل) فكان بعد لا ينام من الليل إلا قليلا، فلو ~~كان ترك القيام معصية لما قال له الملك: لم ترع. والله أعلم. # العاشرة - إذا ثبت أن قيام الليل ليس بفرض، وأن قوله: " فاقرءوا ما تيسر ~~من القرآن "، " فاقرءوا ما تيسر منه " محمول على ظاهره من القراءة في ~~الصلاة فاختلف العلماء في قدر ما يلزمه أن يقرأ به في الصلاة، فقال مالك ~~والشافعي: فاتحة الكتاب لا يجزئ العدول عنها، ولا الاقتصار على بعضها، ~~وقدره أبو حنيفة بآية واحدة، من أي القرآن كانت. وعنه ثلاث # PageV19P057 # آيات، لأنها أقل سورة. ذكر القول الأول الماوردي والثاني ابن العربي. ~~والصحيح ما ذهب إليه مالك والشافعي، على ما بيناه في سورة " الفاتحة " (1) ~~أول الكتاب والحمد لله. وقيل: # إن المراد به قراءة القرآن في غير الصلاة، قال الماوردي: فعلى هذا يكون ~~مطلق هذا الامر محمولا على الوجوب، أو على الاستحباب دون الوجوب. وهذا قول ~~الأكثرين، لأنه لو وجب عليه أن يقرأ لوجب عليه أن يحفظه. الثاني أنه محمول ~~على الوجوب، ليقف بقراءته على إعجازه، وما فيه من دلائل التوحيد وبعث ~~الرسل، ولا يلزمه إذا قرأه وعرف إعجازه ودلائل التوحيد منه أن يحفظه، لان ~~حفظ القرآن من القرب المستحبة دون الواجبة. وفي قدر ما تضمنه هذا الامر من ~~القراءة خمسة أقوال: أحدها جميع القرآن، لان الله تعالى يسره على عباده، ~~قاله الضحاك. الثاني ثلث القرآن، حكاة جويبر. الثالث مائتا آية، قاله ~~السدي. # الرابع مائة آية، قاله ابن عباس. الخامس ثلاث آيات كأقصر سورة، قاله أبو ~~خالد الكناني. # الحادية عشرة - قوله تعالى: (وأقيموا الصلاة) يعني المفروضة وهي الخمس ~~لوقتها. # (وآتوا الزكاة) الواجبة في أموالكم، قاله عكرمة وقتادة. وقال الحارث ~~العكلي: صدقة الفطر لان زكاة الأموال وجبت بعد ذلك. ms6437 وقيل: صدقة التطوع. ~~وقيل: كل أفعال الخير. وقال ابن عباس: طاعة الله والاخلاص له. # الثانية عشرة - قوله تعالى: (وأقرضوا الله قرضا حسنا) القرض الحسن ما قصد ~~به وجه الله تعالى خالصا من المال الطيب. وقد مضى في سورة " الحديد " (2) ~~بيانه. وقال زيد ابن أسلم: القرض الحسن النفقة على الأهل. وقال عمر بن ~~الخطاب: هو النفقة في سبيل الله. # الثالثة عشرة - قوله (3) تعالى: (وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند ~~الله) (البقرة) (4). وروي عن عمر بن الخطاب أنه اتخذ حيسا - يعني تمرا بلبن ~~- فجاءه مسكين فأخذه ودفعه إليه. فقال بعضهم: ما يدري هذا المسكين ما هذا؟ ~~فقال عمر: لكن رب المسكين يدري # PageV19P058 # ما هو. وكأنه تأول: " وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا ~~" أي مما تركتم وخلفتم، ومن الشح والتقصير. (وأعظم أجرا) قال أبو هريرة: ~~الجنة، ويحتمل أن يكون أعظم أجرا، لاعطائه بالحسنة عشرا. ونصب " خيرا وأعظم ~~" على المفعول الثاني ل‍ " - تجدوه " و " هو ": فصل عند البصريين، وعماد في ~~قول الكوفيين، لا محل له من الاعراب. و " أجرا " تمييز. (واستغفروا الله) ~~أي سلوه المغفرة لذنوبكم (إن الله غفور) لما كان قبل التوبة (رحيم) لكم ~~بعدها، قاله سعيد بن جبير. ختمت السورة (1). # سورة المدثر مكية في قول الجميع. وهي ست وخمسون آية بسم الله الرحمن ~~الرحيم قوله تعالى: يا أيها المدثر (1) قم فأنذر (2) وربك فكبر (3) وثيابك ~~فطهر (4) فيه ست مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (يا أيها المدثر) أي يا ذا الذي قد تدثر بثيابه، أي ~~تغشى بها ونام، وأصله المتدثر فأدغمت التاء في الدال لتجانسهما. وقرأ أبي " ~~المتدثر " على الأصل. # وقال مقاتل: معظم هذه السورة في الوليد بن المغيرة. وفي صحيح مسلم عن ~~جابر بن عبد الله وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحدث - ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحدث عن فترة الوحي - قال في ~~حديثه: (فبينما أنا أمشي سمعت صوتا من السماء فرفعت رأسي، فإذا الملك الذي ~~جاءني بحراء جالسا على ms6438 كرسي بين السماء والأرض). # PageV19P059 # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فجئثت (1) منه فرقا، فرجعت فقلت ~~زملوني زملوني، فدثروني، فأنزل الله تعالى: " يا أيها المدثر. قم فأنذر. ~~وربك فكبر. وثيابك فطهر. والرجز فاهجر ") في رواية - قبل أن تفرض الصلاة - ~~وهي الأوثان قال: (ثم تتابع الوحي). # خرجه الترمذي أيضا وقال: حديث حسن صحيح. قال مسلم: وحدثنا زهير بن حرب، ~~قال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: حدثنا الأوزاعي قال: سمعت يحيى يقول: سألت ~~أبا سلمة: أي القرآن أنزل قبل؟ قال: " يا أيها المدثر " فقلت: أو " أقرأ ". ~~فقال: # سألت جابر بن عبد الله أي القرآن أنزل قبل؟ قال: " يا أيها المدثر " ~~فقلت: أو " أقرأ " فقال جابر: أحدثكم ما حدثنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، قال: (جاورت بحراء شهرا، فلما قضيت جواري نزلت فاستبطنت بطن الوادي، ~~فنوديت فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني وعن شمالي فلم أرا أحدا، ثم نوديت ~~فنظرت فلم أر أحدا، ثم نوديت فرفعت رأسي فإذا هو على العرش في الهواء - ~~يعني جبريل صلى الله عليه وسلم - فأخذتني رجفة شديدة، فأتيت خديجة فقلت ~~دثروني، فدثروني فصبوا علي ماء، فأنزل الله عز وجل: " يا أيها المدثر. قم ~~فأنذر. وربك فكبر وثيابك فطهر ") خرجه البخاري وقال فيه: (فأتيت خديجة فقلت ~~دثروني وصبوا علي ماء باردا، فدثروني وصبوا علي ماء باردا فنزلت: " يا أيها ~~المدثر. قم فأنذر. وربك فكبر. وثيابك فطهر. والرجز فاهجر. ولا تمنن تستكثر ~~"). ابن العربي: وقد قال بعض المفسرين إنه جرى على النبي صلى الله عليه ~~وسلم من عقبة [بن ربيعة] (2) أمر، فرجع إلى منزله مغموما، فقلق واضطجع، ~~فنزلت: " يا أيها المدثر " وهذا باطل. وقال القشيري أبو نصر: وقيل بلغه قول ~~كفار مكة أنت ساحر، فوجد من ذلك غما وحم، فتدثر بثيابه، فقال الله تعالى: " ~~قم فانذر " أي لا تفكر في قولهم، وبلغهم الرسالة. # وقيل: اجتمع أبو لهب وأبو سفيان والوليد بن المغيرة والنضر بن الحرث ~~وأمية بن خلف والعاص بن وائل ومطعم بن عدي وقالوا: قد اجتمعت وفود العرب في ms6439 ~~أيام الحج، وهم يتساءلون عن أمر محمد، وقد اختلفتم في الاخبار عنه، فمن ~~قائل يقول مجنون، # PageV19P060 # وآخر يقول كاهن، وآخر يقول شاعر، وتعلم العرب أن هذا كله لا يجتمع في رجل ~~واحد، فسموا محمدا باسم واحد يجتمعون عليه، وتسميه العرب به، فقام منهم رجل ~~فقال: شاعر، فقال الوليد: سمعت كلام ابن الأبرص، وأمية بن أبي الصلت، وما ~~يشبه كلام محمد كلام واحد منهما، فقالوا: كاهن. فقال: الكاهن يصدق ويكذب ~~وما كذب محمد قط، فقام آخر فقال: مجنون، فقال الوليد: المجنون يخنق الناس ~~وما خنق محمد قط. وانصرف الوليد إلى بيته، فقالوا: صبأ الوليد بن المغيرة، ~~فدخل عليه أبو جهل وقال: مالك يا أبا عبد شمس! # هذه قريش تجمع لك شيئا يعطونكه، زعموا أنك قد احتجت وصبأت. فقال الوليد: ~~ما لي إلى ذلك حاجة، ولكني فكرت في محمد، فقلت: ما يكون من الساحر؟ فقيل: ~~يفرق بين الأب وابنه، وبين الأخ وأخيه، وبين المرأة وزوجها، فقلت: إنه ~~ساحر. شاع هذا في الناس وصاحوا يقولون: إن محمدا ساحر. ورجع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلى بيته محزونا فتدثر بقطيفة، ونزلت: " يا أيها المدثر ". ~~وقال عكرمة: معنى " يا أيها المدثر " أي المدثر بالنبوة وأثقالها. ابن ~~العربي: وهذا مجاز بعيد، لأنه لم يكن تنبأ بعد. وعلى أنها أول القرآن لم ~~يكن تمكن منها بعد أن كانت ثاني ما نزل. # الثانية - قوله تعالى: " يا أيها المدثر ": ملاطفة في الخطاب من الكريم ~~إلى الحبيب إذ ناداه بحاله، وعبر عنه بصفته، ولم يقل يا محمد ويا فلان، ~~ليستشعر اللين والملاطفة من ربه كما تقدم في سورة " المزمل ". ومثله قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم لعلي إذ نام في المسجد: # (قم أبا تراب) وكان خرج مغاضبا لفاطمة رضي الله عنها فسقط رداؤه وأصابه ~~ترابه، خرجه مسلم. ومثله قوله عليه الصلاة والسلام لحذيفة ليلة الخندق: (قم ~~يا نومان) وقد تقدم. # الثالثة - قوله تعالى: (قم فأنذر) أي خوف أهل مكة وحذرهم العذاب إن لم ~~يسلموا. وقيل: الانذار هنا إعلامهم بنبوته، ms6440 لأنه مقدمة الرسالة. وقيل: هو ~~دعاؤهم إلى التوحيد، لأنه المقصود بها. وقال الفراء: قم فصل وأمر بالصلاة. # الرابعة - قوله تعالى: (وربك فكبر) أي سيدك ومالكك ومصلح أمرك فعظم، وصفه ~~بأنه أكبر من أن يكون له صاحبة أو ولد. وفي حديث أنهم قالوا: بم تفتتح ~~الصلاة؟ PageV19P061 # فنزلت: " وربك فكبر " أي وصفه بأنه أكبر. قال ابن العربي: وهذا القول وإن ~~كان يقتضي بعمومه تكبير الصلاة، فإنه مراد به التكبير (1) والتقديس ~~والتنزيه، لخلع الأنداد والأصنام دونه، ولا تتخذ وليا غيره، ولا تعبد سواه، ~~ولا ترى لغيره فعلا إلا له، ولا نعمة إلا منه. # وقد روى أن أبا سفيان قال يوم أحد: اعل هبل، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # [قولوا الله أعلى وأجل] وقد صار هذا اللفظ بعرف الشرع في تكبير العبادات ~~كلها أذانا وصلاة وذكرا بقوله: " الله أكبر " وحمل عليه لفظ النبي صلى الله ~~عليه وسلم الوارد على الاطلاق في موارد، منها قوله: [تحريمها التكبير، ~~وتحليلها التسليم] والشرع يقتضي بعرفه ما يقتضي بعمومه، ومن موارده أوقات ~~الاهلال بالذبائح لله تخليصا له من الشرك، وإعلانا (2) باسمه في النسك، ~~وإفرادا لما شرع منه لامره بالسفك. # قلت: قد تقدم في أول سورة " البقرة " (3) أن هذا اللفظ " الله أكبر " هو ~~المتعبد به في الصلاة، المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم. وفي التفسير: ~~أنه لما نزل قوله تعالى: # " وربك فكبر " قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: [الله أكبر] فكبرت ~~خديجة، وعلمت أنه الوحي من الله تعالى، ذكره القشيري. # الخامسة - الفاء في قوله تعالى: " وربك فكبر " دخلت على معنى جواب الجزاء ~~كما دخلت في (فأنذر) أي قم فأنذر وقم فكبر ربك، قاله الزجاج. وقال ابن جني: ~~هو كقولك زيدا فاضرب، أي زيدا اضرب، فالفاء زائدة. # السادسة - قوله تعالى: (وثيابك فطهر) فيه ثمانية أقوال: أحدهما أن المراد ~~بالثياب العمل. الثاني القلب. الثالث النفس. الرابع الجسم. الخامس الأهل. ~~السادس الخلق. السابع الدين. الثامن الثياب الملبوسات على الظاهر. فمن ذهب ~~إلى القول الأول # PageV19P062 # قال: تأويل الآية وعملك فأصلح، ms6441 قال مجاهد وابن زيد. وروى منصور عن أبي ~~رزين قال: يقول وعملك فأصلح، قال: وإذا كان الرجل خبيث العمل قالوا إن ~~فلانا خبيث الثياب، وإذا كان حسن العمل قالوا إن فلانا طاهر الثياب، ونحوه ~~عن السدي. ومنه قول الشاعر: # لا هم إن عامر بن جهم * أو ذم حجا في ثياب دسم (1) ومنه ما روي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: [يحشر المرء (2) في ثوبيه اللذين مات عليهما] ~~يعني عمله الصالح والطالح، ذكره الماوردي. ومن ذهب إلى القول الثاني قال: # إن تأويل الآية وقلبك فطهر، قاله ابن عباس وسعيد بن جبير، دليله قول امرئ ~~القيس: # * فسلي ثيابي من ثيابك تنسل (3) * أي قلبي من قلبك. قال الماوردي: ولهم ~~في تأويل الآية وجهان: أحدهما - معناه وقلبك فطهر من الاثم والمعاصي، قاله ~~ابن عباس وقتادة. الثاني - وقلبك فطهر من الغدر، أي لا تغدر فتكون دنس ~~الثياب. وهذا مروى عن ابن عباس، واستشهد بقول غيلان بن سلمة الثقفي: # فإني بحمد الله لا ثوب فاجر * لبست ولا من غدرة أتقنع ومن ذهب إلى القول ~~الثالث قال: تأويل الآية ونفسك فطهر، أي من الذنوب. # والعرب تكني عن النفس بالثياب، قاله ابن عباس. ومنه قول عنترة: # فشككت بالرمح الطويل ثيابه * ليس الكريم على القنا بمحرم وقال امرؤ ~~القيس: # * فسلي ثيابي من ثيابك تنسل * # PageV19P063 # وقال (1): # ثياب بني عوف طهارى نقية * وأوجههم بيض المسافر غران أي أنفس بني عوف. ~~ومن ذهب إلى القول الرابع قال: تأويل الآية وجسمك فطهر، أي عن المعاصي ~~الظاهرة. ومما جاء عن العرب في الكناية عن الجسم بالثياب قول ليلى، وذكرت ~~إبلا: # رموها بأثياب خفاف فلا ترى * لها شبها إلا النعام المنفرا أي ركبوها ~~فرموها بأنفسهم. ومن ذهب إلى القول الخامس قال: تأويل الآية وأهلك فطهرهم ~~من الخطايا بالوعظ والتأديب، والعرب تسمى الأهل ثوبا ولباسا وإزارا، قال ~~الله تعالى: " هن لباس لكم وأنتم لباس لهن " [البقرة: 187]. الماوردي: ولهم ~~في تأويل الآية وجهان: # أحدهما - معناه ونساءك فطهر، باختيار المؤمنات العفائف. الثاني - ~~الاستمتاع بهن في القبل ms6442 دون الدبر، في الطهر لا في الحيض. حكاه ابن بحر. ~~ومن ذهب إلى القول السادس قال: تأويل الآية وخلقك فحسن. قاله الحسن ~~والقرظي، لان خلق الانسان مشتمل على أحواله اشتمال ثيابه على نفسه. وقال ~~الشاعر: # ويحيى لا يلام بسوء خلق * ويحيى طاهر الأثواب حر أي حسن الأخلاق. ومن ذهب ~~إلى القول السابع قال: تأويل الآية ودينك فطهر. # وفي الصحيحين عنه عليه السلام قال: (ورأيت الناس وعليهم ثياب، منها ما ~~يبلغ الثدي، ومنها ما دون ذلك، ورأيت عمر بن الخطاب وعليه إزار يجره). ~~قالوا: يا رسول الله فما أولت ذلك؟ قال: الدين. وروى ابن وهب عن مالك أنه ~~قال: ما يعجبني أن أقرأ القرآن إلا في الصلاة والمساجد لا في الطريق، قال ~~الله تعالى: " وثيابك فطهر " يريد مالك أنه كنى عن الثياب بالدين. وقد روى ~~عبد الله بن نافع عن أبي بكر بن عبد العزيز بن عبد الله # PageV19P064 # ابن عمر بن الخطاب عن مالك بن أنس في قوله تعالى: " وثيابك فطهر " أي لا ~~تلبسها على غدرة، ومنه قول أبي كبشة (1): # ثياب بني عوف طهارى نقية * وأوجههم بيض المسافر غران يعني بطهارة ثيابهم: ~~سلامتهم من الدناءات، ويعني بغرة وجوههم تنزيهم عن المحرمات، أو جمالهم في ~~الخلقة أو كليهما، قاله ابن العربي. وقال سفيان بن عيينة: لا تلبس ثيابك ~~على كذب ولا جور ولا غدر ولا إثم، قاله عكرمة. ومنه قول الشاعر: # * أو ذم حجا في ثياب دسم * أي قد دنسها بالمعاصي. وقال النابغة: # رقاق النعال طيب حجزاتهم * يحيون بالريحان يوم السباسب (2) ومن ذهب إلى ~~القول الثامن قال: إن المراد بها الثياب الملبوسات، فلهم في تأويله أربعة ~~أوجه: أحدهما - معناه وثيابك فأنق، ومنه قول امرئ القيس: # * ثياب بني عوف طهارى نقية * الثاني - وثيابك فشمر وقصر، فإن تقصير ~~الثياب أبعد من النجاسة، فإذا انجرت على الأرض لم يؤمن أن يصيبها ما ~~ينجسها، قاله الزجاج وطاوس. الثالث - " وثيابك فطهر " من النجاسة بالماء، ~~قاله محمد بن سيرين وابن زيد والفقهاء. الرابع - لا تلبس ثيابك إلا من ms6443 كسب ~~حلال لتكون مطهرة من الحرام. وعن ابن عباس: لا تكن ثيابك التي تلبس من مكسب ~~غير طاهر. ابن العربي وذكر بعض ما ذكرناه: ليس بممتنع أن تحمل الآية على ~~عموم المراد فيها بالحقيقة والمجاز، وإذا حملناها على الثياب المعلومة ~~الطاهرة فهي تتناول معنيين: أحدهما - تقصير الأذيال، لأنها إذا أرسلت ~~تدنست، ولهذا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لغلام من الأنصار وقد رأى ~~ذيله مسترخيا: ارفع إزارك فإنه أتقى وأنقى وأبقى. # PageV19P065 # وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إزرة المؤمن (1) إلى أنصاف ساقيه، ~~لا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين، وما كان أسفل من ذلك ففي النار " فقد ~~جعل النبي صلى الله عليه وسلم الغاية في لباس الإزار الكعب وتوعد ما تحته ~~بالنار، فما بال رجال يرسلون أذيالهم، ويطيلون ثيابهم، ثم يتكلفون رفعها ~~بأيديهم، وهذه حالة الكبر، وقائدة العجب، [وأشد ما في الامر أنهم يعصون ~~وينجسون ويلحقون أنفسهم] (2) بمن لم يجعل الله معه غيره ولا ألحق به سواه. # قال النبي صلى الله عليه وسلم: [لا ينظر الله إلى من جر ثوبه خيلاء] ولفظ ~~الصحيح: # " من جر إزاره خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة ". قال أبو بكر: يا ~~رسول الله! إن أحد شقي إزاري يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه؟ قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: (لست ممن يصنعه خيلاء) فعم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بالنهي، واستثنى الصديق، فأراد الأدنياء إلحاق أنفسهم بالرفعاء (3)، ~~وليس ذلك لهم. والمعنى الثاني - غسلها من النجاسة وهو ظاهر منها، صحيح ~~فيها. المهدوي: وبه استدل بعض العلماء على وجوب طهارة الثوب، قال ابن سيرين ~~وابن زيد: لا تصل إلا في ثوب طاهر. واحتج بها الشافعي على وجوب طهارة ~~الثوب. وليست عند مالك وأهل المدينة بفرض، وكذلك طهارة البدن، ويدل على ذلك ~~الاجماع على جواز الصلاة بالاستجمار من غير غسل. وقد مضى هذا القول في سورة ~~" براءة " (4) مستوفى. # قوله تعالى: الرجز فاهجر (5) قوله تعالى: (والرجز فاهجر) قال مجاهد ~~وعكرمة: يعني الأوثان، دليله قوله ms6444 تعالى: # " فاجتنبوا الرجس من الأوثان " [الحج: 30]. قال ابن عباس وابن زيد. وعن ~~ابن عباس أيضا: # والمأثم فاهجر، أي فاترك. وكذا روى مغيرة عن إبراهيم النخعي قال: الرجز ~~الاثم. وقال قتادة: الرجز: إساف ونائلة، صنمان كانا عند البيت. وقيل: الرجز ~~العذاب، على تقدير حذف # PageV19P066 # المضاف، المعنى: وعمل الرجز فاهجر، أو العمل المؤدي إلى العذاب. وأصل ~~الرجز العذاب، قال الله تعالى: " لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك " [الأعراف: ~~134]. وقال تعالى: " فأرسلنا عليهم رجزا من السماء " [الأعراف: 162]. فسميت ~~الأوثان رجزا، لأنها تؤدي إلى العذاب. وقراءة العامة " الرجز " بكسر الراء. ~~وقرأ الحسن وعكرمة ومجاهد وابن محيصن وحفص عن عاصم " والرجز " بضم الراء ~~وهما لغتان مثل الذكر والذكر. وقال أبو العالية والربيع والكسائي: الرجز ~~بالضم: الصنم، وبالكسر: النجاسة والمعصية. وقال الكسائي أيضا: بالضم: ~~الوثن، وبالكسر: العذاب. # وقال السدي: الرجز ينصب الراء: الوعيد (1). # قوله تعالى: ولا تمنن تستكثر (6) فيه ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " ولا تمنن تستكثر " فيه أحد عشر (2) تأويلا، الأول ~~- لا تمنن على ربك بما تتحمله من أثقال النبوة، كالذي يستكثر ما يتحمله ~~بسبب الغير. الثاني - لا تعط عطية تلتمس بها أفضل منها، قاله ابن عباس ~~وعكرمة وقتادة. قال الضحاك: هذا حرمه الله على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، لأنه مأمور بأشرف الآداب وأجل الأخلاق، وأباحه لامته، وقاله مجاهد. ~~الثالث - عن مجاهد أيضا: لا تضعف (3) أن تستكثر من الخير، من قولك حبل منين ~~إذا كان ضعيفا، ودليله قراءة ابن مسعود " ولا تمنن تستكثر من الخير ". # الرابع - عن مجاهد أيضا والربيع: لا تعظم عملك في عينك أن تستكثر من ~~الخير، فإنه مما أنعم الله عليك. قال ابن كيسان: لا تستكثر عملك فتراه من ~~نفسك، إنما عملك منة من الله عليك، إذ جعل الله لك سبيلا إلى عبادته. ~~الخامس - قال الحسن: لا تمنن على الله بعملك فتستكثره. السادس - لا تمنن ~~بالنبوة والقرآن على الناس فتأخذ منهم أجرا تستكثر به. # السابع - قال القرظي: لا تعط مالك مصانعة. الثامن - قال زيد بن أسلم: إذا # PageV19P067 # أعطيت عطية فأعطها ms6445 لربك. التاسع - لا تقل دعوت فلم يستجب لي. العاشر - لا ~~تعمل طاعة وتطلب ثوابها، ولكن اصبر حتى يكون الله هو الذي يثيبك عليها. ~~الحادي عشر - لا تفعل الخير لترائي به الناس. # الثانية - هذه الأقوال وإن كانت مرادة فأظهرها قول ابن عباس: لا تعط ~~لتأخذ أكثر مما أعطيت من المال، يقال: مننت فلانا كذا أي أعطيته. ويقال ~~للعطية المنة، فكأنه أمر بأن تكون عطاياه لله، لا لارتقاب ثواب من الخلق ~~عليها، لأنه عليه السلام ما كان يجمع الدنيا، ولهذا قال: [ما لي مما أفاء ~~الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود عليكم]. وكان ما يفضل من نفقة عياله ~~مصروفا إلى مصالح المسلمين، ولهذا لم يورث، لأنه كان لا يملك لنفسه الادخار ~~والاقتناء، وقد عصمه الله تعالى عن الرغبة في شئ من الدنيا، ولذلك (1) حرمت ~~عليه الصدقة وأبيحت له الهدية، فكان يقبلها ويثيب عليها. وقال: # [لو دعيت إلى كراع (2) لأجبت ولو أهدي إلى ذراع لقبلت] ابن العربي: وكان ~~يقبلها سنة ولا يستكثرها شرعة، وإذا كان لا يعطي عطية يستكثر بها فالأغنياء ~~أولى بالاجتناب، لأنها باب من أبواب المذلة، وكذلك قول من قال: إن معناها ~~لا تعطي عطية تنتظر ثوابها، فإن الانتظار تعلق بالاطماع، وذلك في حيزه بحكم ~~الامتناع، وقد قال الله تعالى له: # " ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا ~~لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى " [طه: 131]. وذلك جائز لسائر الخلق، لأنه ~~من متاع الدنيا، وطلب الكسب والتكاثر بها. # وأما من قال أراد به العمل أي لا تمنن بعملك على الله فتستكثره فهو صحيح، ~~فإن ابن آدم لو أطاع الله عمره من غير فتور لما بلغ لنعم الله بعض الشكر. # الثالثة - قوله تعالى: " ولا تمنن " قراءة العامة بإظهار التضعيف. وقرأ ~~أبو السمال العدوي وأشهب العقيلي والحسن " ولا تمن " مدغمة مفتوحة. " ~~تستكثر ": قراءة العامة # PageV19P068 # بالرفع وهو في معنى الحال، تقول: جاء زيد يركض أي راكضا، أي لا تعط شيئا ~~مقدرا أن تأخذ بدله ما هو أكثر منه. وقرأ الحسن ms6446 بالجزم على جواب النهي وهو ~~ردئ، لأنه ليس بجواب. ويجوز أن يكون بدلا من " تمنن " كأنه قال: لا تستكثر. ~~وأنكره أبو حاتم وقال: لان المن ليس بالاستكثار فيبدل منه. ويحتمل أن يكون ~~سكن تخفيفا كعضد. # أو أن يعتبر حال الوقف. وقرأ الأعمش ويحيى " تستكثر " بالنصب، توهم لام ~~كي، كأنه قال: ولا تمنن لتستكثر. وقيل: هو بإضمار " أن " كقوله: (1) (ألا ~~أيهذا الزاجري أحضر الوغى) ويؤيده قراءة ابن مسعود " ولا تمنن أن تستكثر ". ~~قال الكسائي: فإذا حذف " أن " رفع وكان المعنى واحدا. وقد يكون المن بمعنى ~~التعداد على المنعم عليه بالنعم، فيرجع إلى القول [الثاني] (2)، ويعضده ~~قوله تعالى: " لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى " [البقرة: 264] وقد يكون ~~مرادا في هذه الآية. والله أعلم. # قوله تعالى: ولربك فاصبر (7) قوله تعالى: (ولربك فاصبر) أي ولسيدك ومالكك ~~فاصبر على أداء فرائضه وعبادته. # وقال مجاهد: على ما أوذيت (3). وقال ابن زيد: حملت أمرا عظيما، محاربة ~~العرب والعجم، فاصبر عليه لله. وقيل: فاصبر تحت موارد القضاء لأجل الله ~~تعالى. وقيل: فاصبر على البلوى، لأنه يمتحن أولياءه وأصفياءه. وقيل: على ~~أوامره ونواهيه. وقيل: على فراق الأهل والأوطان. # قوله تعالى: فإذا نقر في الناقور (8) فذلك يومئذ يوم عسير (9) على ~~الكافرين غير يسير (10) # PageV19P069 # قوله تعالى: (فإذا نقر في الناقور) إذا نفخ في الصور. والناقور: فاعول من ~~النقر، كأنه الذي من شأنه أن ينقر فيه للتصويت، والنقر في كلام العرب: ~~الصوت، ومنه قول امرئ القيس. # أخفضه بالنقر لما علوته * ويرفع طرفا غير خاف غضيض وهم يقولون: نقر باسم ~~الرجل إذ دعاه مختصا له بدعائه. وقال مجاهد وغيره: هو كهيئة البوق، ويعني ~~به النفخة الثانية. وقيل: الأولى، لأنها أول الشدة الهائلة العامة. # وقد مضى الكلام في هذا مستوفى في " النمل " (1) و " الانعام " (2) وفي ~~كتاب " التذكرة "، والحمد لله. # وعن أبي حبان قال: أمنا زرارة بن أوفى فلما بلغ " فإذا نقر في الناقور " ~~خر ميتا. # (فذلك يومئذ يوم عسير) أي فذلك اليوم يوم شديد (على الكافرين) أي على من ~~كفر بالله وبأنبيائه صلى الله عليهم ms6447 (غير يسير) أي غير سهل ولا هين، وذلك ~~أن عقدهم لا تنحل إلا إلى عقدة أشد منها، بخلاف المؤمنين الموحدين المذنبين ~~فإنها تنحل إلى ما هو أخف منها حتى يدخلوا الجنة برحمة الله تعالى. و ~~(يومئذ) نصب على تقدير فذلك يوم عسير يومئذ. # وقيل: جر بتقدير حرف جر مجازه: فذلك في يومئذ. وقيل: يجوز أن يكون رفعا ~~إلا أنه بنى على الفتح لإضافته إلى غير متمكن. # قوله تعالى: ذرني ومن خلقت وحيدا (11) وجعلت له مالا ممدودا (12) وبنين ~~شهودا (13) ومهدت له تمهيدا (14) ثم يطمع أن أزيد (15) كلا إنه كان لآياتنا ~~عنيدا (16) سأرهقه صعودا (17) قوله تعالى: (ذرني ومن خلقت وحيدا) (ذرني) أي ~~دعني، وهي كلمة وعيد وتهديد. " ومن خلقت " أي دعني والذي خلقته وحيدا، ف‍ " ~~- وحيدا " على هذا حال من ضمير المفعول المحذوف، أي خلقته وحده، لا مال له ~~ولا ولد، ثم أعطيته بعد ذلك ما أعطيته. # PageV19P070 # والمفسرون على أنه الوليد بن المغيرة المخزومي، وإن كان الناس خلقوا مثل ~~خلقه. وإنما خص بالذكر لاختصاصه بكفر النعمة وإيذاء الرسول عليه السلام، ~~وكان يسمى الوحيد في قومه. # قال ابن عباس: كان الوليد يقول: أنا الوحيد بن الوحيد، ليس لي في العرب ~~نظير، ولا لأبي المغيرة نظير، وكان يسمى الوحيد، فقال الله تعالى: " ذرني ~~ومن خلقت " بزعمه " وحيدا " لا أن الله تعالى صدقه بأنه وحيد. وقال قوم: إن ~~قوله تعالى: " وحيدا " يرجع إلى الرب تعالى على معنين: أحدهما: ذرني وحدي ~~معه فأنا أجزيك في الانتقام منه عن كل منتقم. والثاني: أني انفردت (1) ~~بخلقه ولم يشركني فيه أحد، فأنا أهلكه ولا أحتاج إلى ناصر في إهلاكه، ف‍ " ~~- وحيدا " على هذا حال من ضمير الفاعل، وهو التاء في " خلقت " والأول قول ~~مجاهد، أي خلقته وحيدا في بطن أمه لا مال له ولا ولد، فأنعمت عليه فكفر، ~~فقوله: " وحيدا " على هذا يرجع إلى الوليد، أي لم يكن له (2) شئ فملكته. ~~وقيل: أراد بذلك ليدله على أنه يبعث وحيدا كما خلق وحيدا. وقيل: الوحيد ~~الذي لا يعرف (3) أبوه، وكان ms6448 الوليد معروفا بأنه دعي، كما ذكرنا في قوله ~~تعالى: " عتل بعد ذلك زنيم " [القلم: 13] وهو في صفة الوليد أيضا. # قوله تعالى: (وجعلت له مالا ممدودا) أي خولته وأعطيته مالا ممدودا، وهو ~~ما كان للوليد بين مكة والطائف من الإبل والحجور (4) والنعم والجنان ~~والعبيد والجواري، كذا كان ابن عباس يقول: وقال مجاهد: غلة ألف دينار، قاله ~~سعيد بن جبير وابن عباس أيضا. # وقال قتادة: ستة آلاف دينار. # وقال سفيان الثوري وقتادة: أربعة آلاف دينار. الثوري أيضا: ألف ألف ~~دينار. مقاتل: كان له بستان لا ينقطع خيره شتاء ولا صيفا. وقال عمر رضي ~~الله عنه: " وجعلت له مالا ممدودا " غلة شهر بشهر. النعمان بن سالم: أرضا ~~يزرع فيها. القشيري: والأظهر أنه إشارة إلى ما لا ينقطع رزقه، بل يتوالى ~~كالزرع والضرع والتجارة. # PageV19P071 # قوله تعالى: (وبنين شهودا) أي حضورا لا يغيبون عنه في تصرف. قال مجاهد ~~وقتادة: كانوا عشرة. وقيل: اثنا عشر، قاله السدي والضحاك. قال الضحاك: سبعة ~~ولدوا بمكة وخمسة ولدوا بالطائف. وقال سعيد بن جبير: كانوا ثلاثة عشر ولدا. ~~مقاتل: # كانوا سبعة كلهم رجال، أسلم منهم ثلاثة: خالد وهشام والوليد بن الوليد. ~~قال: فما زال الوليد بعد نزول هذه الآية في نقصان من ماله وولده حتى هلك. ~~وقيل: شهودا، أي إذا ذكر ذكروا معه، قاله ابن عباس. وقيل: شهودا، أي قد ~~صاروا مثله في شهود ما كان يشهده، والقيام بما كان يباشره. والأول قول ~~السدي، أي حاضرين مكة لا يظعنون عنه في تجارة ولا يغيبون. # قوله تعالى: (ومهدت له تمهيدا) أي بسطت له في العيش بسطا، حتى أقام ~~ببلدته مطمئنا مترفها يرجع إلى رأيه. والتمهيد عند العرب: التوطئة ~~والتهيئة، ومنه مهد الصبي. وقال ابن عباس: " ومهدت له تمهيدا " أي وسعت له ~~ما بين اليمن والشام وقاله مجاهد. # وعن مجاهد أيضا في " ومهدت له تمهيدا " أنه المال بعضه فوق بعض كما يمهد ~~الفراش. # قوله تعالى: (ثم يطمع أن أزيد) أي ثم إن الوليد يطمع بعد هذا كله أن ~~أزيده في المال والولد. ms6449 (كلا) أي ليس يكون ذلك مع كفره بالنعم. وقال الحسن ~~وغيره: أي ثم يطمع أن أدخله الجنة، وكان الوليد يقول: إن كان محمد صادقا ~~فما خلقت الجنة إلا لي، فقال الله تعالى ردا عليه وتكذيبا له: " كلا " أي ~~لست أزيده، فلم يزل يرى النقصان في ماله وولده حتى هلك. و " ثم " في قوله ~~تعالى: " ثم يطمع " ليست بثم التي للنسق ولكنها تعجيب، وهي كقوله تعالى: " ~~وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون) [الانعام: 1] وذلك كما ~~تقول: أعطيتك ثم أنت تجفوني، كالمتعجب من ذلك. وقيل يطمع أن أترك ذلك في ~~عقبه، وذلك أنه كان يقول: إن محمدا مبتور، أي أبتر وينقطع ذكره بموته. وكان ~~يظن أن ما رزق لا ينقطع بموته. وقيل: أي ثم يطمع أن أنصره على كفره. و " ~~كلا " قطع للرجاء عما كان يطمع فيه من الزيادة، فيكون متصلا بالكلام الأول. ~~وقيل: " كلا " بمعنى حقا ويكون ابتداء " إنه " يعني الوليد " كان لآياتنا ~~عنيدا " أي معاندا للنبي صلى الله PageV19P072 # عليه وسلم وما جاء به، يقال: عاند فهو عنيد مثل جالس فهو جليس، قاله ~~مجاهد. # وعند يعند بالكسر أي خالف ورد الحق وهو يعرفه فهو عنيد وعاند. والعاند: ~~البعير الذي يحور عن الطريق ويعدل عن القصد والجمع عند مثل راكع وركع، ~~وأنشد أبو عبيدة قول الحارثي: # إذا ركبت فاجعلاني وسطا (1) * إني كبير لا أطيق العندا وقال أبو صالح: " ~~عنيدا " معناه مباعدا، قال الشاعر: # أرانا على حال تفرق بيننا * نوى غربة (2) إن الفراق عنود قتادة: جاحدا. ~~مقاتل: معرضا. ابن عباس: جحودا. وقيل: إنه المجاهر بعدوانه. # وعن مجاهد أيضا قال: مجانبا للحق معاندا له معرضا عنه. والمعنى كله ~~متقارب. والعرب تقول: عند الرجل إذا عتا وجاوز قدره. والعنود من الإبل: ~~الذي لا يخالط الإبل، إنما هو في ناحية. ورجل عنود إذا كان يحل وحده لا ~~يخالط الناس. والعنيد من التجبر. وعرق عاند: إذا لم يرقأ دمه، كل هذا قياس ~~واحد وقد مضى في سورة " إبراهيم " (3). وجمع العنيد عند، مثل رغيف ورغف. # قوله ms6450 تعالى: " سأرهقه " أي سأكلفه. وكان ابن عباس يقول: سألجئه، والارهاق ~~في كلام العرب: أن يحمل الانسان على الشئ. " صعودا " (الصعود: جبل من نار ~~يتصعد فيه سبعين خريفا ثم يهوي كذلك فيه أبدا) رواه أبو سعيد الخدري عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، خرجه الترمذي وقال فيه حديث غريب. وروى عطية عن ~~أبي سعيد قال: صخرة في جهنم إذا وضعوا عليها أيديهم ذابت فإذا رفعوها عادت، ~~قال: فيبلغ أعلاها في أربعين سنة يجذب من أمامه بسلاسل ويضرب من خلفه ~~بمقامع، حتى إذا بلغ أعلاها رمى به إلى أسفلها، فذلك دأبه أبدا. وقد مضى ~~هذا المعنى في سورة " قل أوحى " (4) [الجن: 1] وفي التفسير: أنه صخرة ملساء # PageV19P073 # يكلف صعودها فإذا صار في أعلاها حدر في جهنم، فيقوم يهوي ألف عام من قبل ~~أن يبلغ قرار جهنم، يحترق في كل يوم سبعين مرة ثم يعاد خلقا جديدا. وقال ~~ابن عباس: المعنى سأكلفه مشقة من العذاب لا راحة له فيه. ونحوه عن الحسن ~~وقتادة. وقيل: إنه تصاعد نفسه للنزع وإن لم يتعقبه موت، ليعذب من داخل جسده ~~كما يعذب من خارجه. # قوله تعالى: إنه فكر وقدر (18) فقتل كيف قدر (19) ثم قتل كيف قدر (20) ثم ~~نظر (21) ثم عبس وبسر (22) ثم أدبر واستكبر (23) فقال إن هذا إلا سحر يؤثر ~~(24) إن هذا إلا قول البشر (25) قوله تعالى: (إنه فكر وقدر) يعني الوليد ~~فكر في شأن النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن و " قدر " أي هيأ الكلام في ~~نفسه، والعرب تقول: قدرت الشئ إذا هيأته، وذلك أنه لما نزل: " حم. تنزيل ~~الكتاب من الله العزيز العليم " [غافر: 1] إلى قوله: " إليه المصير " سمعه ~~الوليد يقرؤها فقال: والله لقد سمعت منه كلاما ما هو من كلام الانس ولا من ~~كلام الجن، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله ~~لمغدق، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه، وما يقول هذا بشر. فقالت قريش: صبا ~~الوليد لتصبون قريش كلها. وكان يقال للوليد ريحانة قريش، فقال أبو جهل: أنا ~~أكفيكموه. فمضى إليه ms6451 حزينا؟ فقال له: مالي أراك حزينا. فقال له: ومالي لا ~~أحزن وهذه قريش يجمعون لك نفقة يعينونك بها على كبر سنك ويزعمون أنك زينت ~~كلام محمد، وتدخل على ابن أبي كبشة وابن أبي قحافة لتنال من فضل طعامهما، ~~فغضب الوليد وتكبر، وقال: أنا أحتاج إلى كسر محمد وصاحبه، فأنتم تعرفون قدر ~~مالي، واللات والعزى ما بي حاجة إلى ذلك، وإنما أنتم تزعمون أن محمدا ~~مجنون، فهل رأيتموه قط يخنق؟ قالوا: لا والله، قال: وتزعمون أنه شاعر، فهل ~~رأيتموه نطق بشعر قط؟ قالوا: لا والله. قال: فتزعمون أنه كذاب فهل جربتم ~~عليه كذبا قط؟ قالوا: لا والله. PageV19P074 # قال: فتزعمون أنه كاهن فهل رأيتموه تكهن قط، ولقد رأينا للكهنة أسجاعا ~~وتخالجا فهل (1) رأيتموه كذلك؟ قالوا: لا والله. وكان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يسمى الصادق الأمين من كثرة صدقه. فقالت قريش للوليد: فما هو؟ ففكر في ~~نفسه، ثم نظر، ثم عبس، فقال: # ما هو إلا ساحر! أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله وولده ومواليه؟! فذلك ~~قوله تعالى: # " إنه فكر " أي في أمر محمد والقرآن " وقدر " في نفسه ماذا يمكنه أن يقول ~~فيهما. " فقتل " أي لعن. وكان بعض أهل التأويل يقول: معناها فقهر وغلب، وكل ~~مذلل مقتل، قال الشاعر (2) وما ذرفت عيناك إلا لتقدحي * بسهميك في أعشار ~~قلب مقتل وقال الزهري: عذب، وهو من باب الدعاء. " كيف قدر " قال ناس: " كيف ~~" تعجيب، كما يقال للرجل تتعجب من صنيعه: كيف فعلت هذا؟ وذلك كقوله: " انظر ~~كيف ضربوا لك الأمثال " [الاسراء: 48]. " ثم قتل " أي لعن لعنا بعد لعن. ~~وقيل: فقتل بضرب من العقوبة، ثم قتل بضرب آخر من العقوبة " كيف قدر " أي ~~على أي حال قدر. (ثم نظر) بأي شئ يرد الحق ويدفعه. (ثم عبس) أي قطب بين ~~عينيه في وجوه المؤمنين، وذلك أنه لما حمل قريشا على ما حملهم عليه من ~~القول في محمد صلى الله عليه وسلم بأنه ساحر، مر على جماعة من المسلمين، ~~فدعوه إلى الاسلام، فعبس في وجوههم.. قيل: عبس وبسر ms6452 على النبي صلى الله ~~عليه وسلم حين دعاه. والعبس مخففا (3) مصدر عبس يعبس عبسا وعبوسا: إذا قطب. ~~والعبس ما يتعلق بأذناب الإبل من أبعارها وأبوالها قال أبو النجم: # كأن في أذنابهن الشول * من عبس الصيف قرون الأيل (وبسر) أي كلح وجهه ~~وتغير لونه، قاله قتادة والسدي، ومنه قول بشر بن أبي خازم: # صبحنا تميما غداة الجفار (4) * بشهباء ملمومة باسره # PageV19P075 # وقال آخر (1): # وقد رابني منها صدود رأيته * وإعراضها عن حاجتي وبسورها وقيل: إن ظهور ~~العبوس في الوجه بعد المحاورة، وظهور البسور في الوجه قبل المحاورة. # وقال قوم: " بسر " وقف لا يتقدم ولا يتأخر. قالوا: وكذلك يقول أهل اليمن ~~إذا وقف المركب، فلم يجئ ولم يذهب: قد بسر المركب، وأبسر أي وقف وقد ~~أبسرنا. والعرب تقول: وجه باسر بين البسور: إذا تغير واسود. " ثم أدبر " أي ~~ولى وأعرض ذاهبا إلى أهله. " واستكبر " أي تعظم عن أن يؤمن. وقيل: أدبر عن ~~الايمان واستكبر حين دعي إليه. " فقال إن هذا " أي ما هذا الذي أتى به محمد ~~صلى الله عليه وسلم " إلا سحر يؤثر " أي يأثره عن غيره. # والسحر: الخديعة. وقد تقدم بيانه في سورة (البقرة) (2). وقال قوم: السحر: ~~إظهار الباطل في صورة الحق. والاثرة: مصدر قولك: أثرت الحديث آثره إذا ~~ذكرته عن غيرك، ومنه قيل: حديث مأثور: أي ينقله خلف عن سلف، قال أمرؤ ~~القيس: # ولو عن نثا غيره جاءني * وجرح اللسان كجرح اليد لقلت من القول ما لا يزال ~~* يؤثر عني يد المسند يريد: آخر الدهر، وقال الأعشى: # إن الذي فيه تماريتما (4) * بين للسامع والآثر ويروى: بين. (إن هذا إلا ~~قول البشر) أي ما هذا إلا كلام المخلوقين، يختدع به القلوب كما تختدع ~~بالسحر، قال السدي: يعنون أنه من قول سيار (5) عبد لبني الحضرمي، كان يجالس ~~النبي # PageV19P076 # صلى الله عليه وسلم، فنسبوه إلى أنه تعلم منه ذلك. وقيل: أراد أنه تلقنه ~~من أهل بابل. وقيل: # عن مسيلمة. وقيل: عن عدي الحضرمي الكاهن. وقيل: إنما تلقنه ممن ادعى ~~النبوة قبله، فنسج على منوالهم. ms6453 قال أبو سعيد الضرير: إن هذا إلا أمر سحر ~~يؤثر، أي يورث. # قوله تعالى: سأصليه سقر (26) وما أدراك ما سقر (27) لا تبقى ولا تذر (28) ~~لواحة للبشر (29) قوله تعالى: (سأصليه سقر) أي سأدخله سقر كي يصلى حرها. ~~وإنما سميت سقر من سقرته الشمس: إذا أذابته ولوحته، وأحرقت جلدة وجهه. ولا ~~ينصرف للتعريف والتأنيث. # قال ابن عباس: هي الطبق السادس من جهنم. وروى أبو هريرة أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: [سأل موسى ربه فقال: أي رب، أي عبادك أفقر؟ قال صاحب ~~سقر] ذكره الثعلبي: # (وما أدراك ما سقر) هذه مبالغة في وصفها، أي وما أعلمك أي شئ هي؟ وهي ~~كلمة تعظيم ثم فسر حالها فقال: " لا تبقى ولا تذر " أي لا تترك لهم عظما ~~ولا لحما ولا دما إلا أحرقته. # وكرر اللفظ تأكيدا. وقيل: لا تبقى منهم شيئا ثم يعادون خلقا جديدا، فلا ~~تذر أن تعاود إحراقهم هكذا أبدا. وقال مجاهد: لا تبقى من فيها حيا ولا تذره ~~ميتا، تحرقهم كلما جددوا. # وقال السدي: لا تبقى لهم لحما ولا تذر لهم عظما (لواحة للبشر) أي مغيرة ~~من لاحه إذا غيره. # وقراءة العامة " لواحة " بالرفع نعت ل‍ " - سقر. في قوله تعالى: " وما ~~أدراك ما سقر ". # وقرأ عطية العوفي ونصر بن عاصم وعيسى بن عمر " لواحة " بالنصب على ~~الاختصاص، للتهويل. وقال أبو رزين: تلفح وجوههم لفحة تدعها أشد سوادا من ~~الليل، وقاله مجاهد. # والعرب تقول: لاحه البرد والحر والسقم والحزن: إذا غيره، ومنه قول ~~الشاعر: # تقول ما لأحك يا مسافر * يا بنة عمي لاحني الهواجر (2) # PageV19P077 # وقال آخر: # وتعجب هند أن رأتني شاحبا * تقول لشئ لوحته السمائم (1) وقال رؤبة بن ~~العجاج: # لوح منه بعد بدن وسنق * تلويحك الضامر يطوى للسبق (2) وقيل: إن اللوح شدة ~~العطش، يقال: لاحة العطش ولوحه أي غيره. والمعنى أنها معطشة للبشر أي ~~لأهلها، قاله الأخفش، وأنشد: # سقتني على لوح من الماء شربة * سقاها بها الله الرهام الغواديا يعني ~~باللوح شدة العطش، والتاح أي عطش، والرهام جمع رهمة بالكسر ms6454 وهي المطرة ~~الضعيفة وأرهمت السحابة أتت بالرهام. # وقال ابن عباس: " لواحة " أي تلوح للبشر من مسيرة خمسمائة عام. الحسن ~~وابن كيسان: تلوح لهم جهنم حتى يروها عيانا. نظيره: " وبرزت الجحيم للغاوين ~~" [الشعراء: 91] وفي البشر وجهان: أحدهما - أنه الانس من أهل النار، قاله ~~الأخفش والأكثرون. # الثاني - أنه جمع بشرة، وهي جلدة الانسان الظاهرة، قاله مجاهد وقتادة، ~~وجمع البشر أبشار، وهذا على التفسير الأول، وأما على تفسير ابن عباس فلا ~~يستقيم فيه إلا الناس لا الجلود، لأنه من لاح الشئ يلوح، إذا لمع. # قوله تعالى: عليها تسعة عشر (30) وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما ~~جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين ~~آمنوا إيمانا ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في ~~قلوبهم مرض # PageV19P078 # والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا كذلك يضل الله من يشاء ويهدى من يشاء ~~وما يعلم جنود ربك إلا هو وما هي إلا ذكرى للبشر (31) قوله تعالى: (عليها ~~تسعة عشر) أي على سقر تسعة عشر من الملائكة يلقون فيها أهلها. # ثم قيل: على جملة النار تسعة عشر من الملائكة هم خزنتها، مالك وثمانية ~~عشر ملكا. # ويحتمل أن تكون التسعة عشر نقيبا، ويحتمل أن يكون تسعة عشر ملكا ~~بأعيانهم. # وعلى هذا أكثر المفسرين. الثعلبي: ولا ينكر هذا، فإذا كان ملك واحد يقبض ~~أرواح جميع الخلائق كان أحرى أن يكون تسعة عشر على عذاب بعض الخلائق. وقال ~~ابن جريج: # نعت النبي صلى الله عليه وسلم خزنة جهنم فقال: [فكأن أعينهم البرق، وكأن ~~أفواههم الصياصي، يجرون أشعارهم، لأحدهم من القوة مثل قوة الثقلين، يسوق ~~أحدهم الأمة وعلى رقبته جبل، فيرميهم في النار، ويرمى فوقهم الجبل]. # قلت: وذكر ابن المبارك قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن الأزرق بن قيس، عن ~~رجل من بني تميم قال: كنا عند أبي العوام، فقرأ هذه الآية: " وما أدراك ما ~~سقر. لا تبقى ولا تذر. # لواحة للبشر. عليها تسعة عشر " فقال ما تسعة عشر؟ تسعة عشر ألف ملك، أو ~~تسعة عشر ms6455 ملكا؟ قال: قلت: لا بل تسعة عشر ملكا. فقال: وأنى تعلم ذلك؟ فقلت: ~~لقول الله عز وجل: " وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا " قال: صدقت هم ~~تسعة عشر ملكا، بيد كل ملك منهم مرزبة (1) لها شعبتان، فيضرب الضربة فيهوى ~~بها في النار سبعين ألفا. # وعن عمرو بن دينار: كل واحد منهم يدفع بالدفعة الواحدة في جهنم أكثر من ~~ربيعة ومضر. # خرج الترمذي عن جابر بن عبد الله. قال: قال ناس من اليهود لأناس من أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم: هل يعلم نبيكم عدد خزنة جهنم؟ قالوا: لا ندري ~~حتى نسأل نبينا. فجاء رجل # PageV19P079 # إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد غلب أصحابك اليوم، فقال: ~~(وماذا (1) غلبوا)؟ قال: # سألهم يهود: هل يعلم نبيكم عدد خزنة جهنم؟ قال: (فماذا قالوا) قال: قالوا ~~لا ندري حتى نسأل نبينا. قال: (أفغلب قوم سئلوا عما لا يعلمون، فقالوا لا ~~نعلم حتى نسأل نبينا؟ لكنهم قد سألوا نبيهم فقالوا أرنا الله جهرة، علي ~~بأعداء الله! إني سائلهم عن تربة الجنة وهي الدرمك). فلما جاءوا قالوا: يا ~~أبا القاسم كم عدد خزنة جهنم؟ قال: (هكذا وهكذا) في مرة عشرة وفي مرة تسعة. ~~قالوا: نعم. قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: (ما تربة الجنة) قال: ~~فسكتوا هنيهة ثم قالوا: أخبزة يا أبا القاسم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: (الخبز من الدرمك). # قال أبو عيسى: هذا حديث غريب، إنما نعرفه من هذا الوجه من حديث مجالد عن ~~الشعبي عن جابر. وذكر ابن وهب قال: حدثنا عبد الرحمن بن زيد، قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في خزنة جهنم: [ما بين منكبي أحدهم كما بين المشرق ~~والمغرب]. وقال ابن عباس: # ما بين منكبي الواحد منهم مسيرة سنة، وقوة الواحد منهم أن يضرب بالمقمع ~~فيدفع بتلك الضربة سبعين ألف إنسان في قعر جهنم. # قلت: والصحيح إن شاء الله أن هؤلاء التسعة عشر، هم الرؤساء والنقباء، ~~وأما جملتهم فالعبارة تعجز عنها، كما قال ms6456 الله تعالى: " وما يعلم جنود ربك ~~إلا هو " وقد ثبت في الصحيح عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: (يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ~~ألف ملك يجرونها). وقال ابن عباس وقتادة والضحاك: # لما نزل: " عليها تسعة عشر " قال أبو جهل لقريش: ثكلتكم أمهاتكم! أسمع ~~ابن أبي كبشة يخبركم أن خزنة جهنم تسعة عشر، وأنتم الدهم - أي العدد - ~~والشجعان، فيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا بواحد منهم! قال السدي: فقال أبو ~~الأسود (2) بن كلدة الجمحي: لا يهولنكم التسعة عشر، أنا أدفع بمنكبي الأيمن ~~عشرة من الملائكة، وبمنكبي الأيسر التسعة، ثم تمرون # PageV19P080 # إلى الجنة، يقولها مستهزئا. في رواية: أن الحرث بن كلدة قال أنا أكفيكم ~~سبعة عشر، واكفوني أنتم اثنين. وقيل: إن أبا جهل قال أفيعجز كل مائة منكم ~~أن يبطشوا بواحد منهم، ثم تخرجون من النار؟ فنزل قوله تعالى: " وما جعلنا ~~أصحاب النار إلا ملائكة " أي لم نجعلهم رجالا فتتعاطون مغالبتهم. وقيل: ~~جعلهم ملائكة لأنهم خلاف جنس المعذبين من الجن والإنس، فلا يأخذهم ما يأخذ ~~المجانس من الرأفة والرقة، ولا يستروحون إليهم، ولأنهم أقوم خلق الله بحق ~~الله وبالغضب له، فتؤمن هوادتهم، ولأنهم أشد خلق الله بأسا وأقواهم بطشا. ~~(وما جعلنا عدتهم إلا فتنة) أي بلية. وروي عن ابن عباس من غير وجه قال: # ضلالة للذين كفروا، يريد أبا جهل وذويه. وقيل: إلا عذابا، كما قال تعالى: ~~" يوم هم على النار يفتنون. ذوقوا فتنتكم " [الذاريات: 14]. أي جعلنا ذلك ~~سبب كفرهم وسبب العذاب. # وفي " تسعة عشر " سبع قراءات (1): قراءة العامة " تسعة عشر ". وقرأ أبو ~~جعفر بن القعقاع وطلحة بن سليمان " تسعة عشر " بإسكان العين. وعن ابن عباس ~~" تسعة عشر " بضم الهاء. # وعن أنس بن مالك " تسعة وعشر " وعنه أيضا " تسعة وعشر ". وعنه أيضا " ~~تسعة أعشر " ذكرها المهدوي وقال: من قرأ " تسعة عشر " أسكن العين لتوالي ~~الحركات. # ومن قرأ " تسعة وعشر " جاء به على الأصل قبل التركيب، وعطف عشرا على ~~تسعة، ms6457 وحذف التنوين لكثرة الاستعمال، وأسكن الراء من عشر على نية السكوت ~~عليها. ومن قرأ " تسعة عشر " فكأنه من التداخل، كأنه أراد العطف وترك ~~التركيب، فرفع هاء التأنيث، ثم راجع البناء وأسكن. وأما " تسعة أعشر ": ~~فغير معروف، وقد أنكرها أبو حاتم. # وكذلك " تسعة وعشر " لأنها محمولة على " تسعة أعشر " والواو بدل من ~~الهمزة، وليس لذلك وجه عند النحويين. الزمخشري: وقرئ: " تسعة أعشر " جمع ~~عشير، مثل يمين وأيمن. # PageV19P081 # قوله تعالى: (ليستيقن الذين أوتوا الكتاب) أي ليوفن الذين أعطوا التوراة ~~والإنجيل أن عدة خزنة جهنم موافقة لما عندهم، قاله ابن عباس وقتادة والضحاك ~~ومجاهد وغيرهم. # ثم يحتمل أنه يريد الذين آمنوا منهم كعبد الله بن سلام. ويحتمل أنه يريد ~~الكل. # (ويزداد الذين آمنوا إيمانا) بذلك، لأنهم كلما صدقوا بما في كتاب الله ~~آمنوا، ثم ازدادوا إيمانا لتصديقهم بعدد خزنة جهنم. " ولا يرتاب " أي ولا ~~يشك " الذين أوتوا الكتاب " أي أعطوا الكتاب " والمؤمنون " أي المصدقون من ~~أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في أن عدة خزنة جهنم تسعة عشر. (وليقول ~~الذين في قلبوهم مرض) أي في صدورهم شك ونفاق من منافقي أهل المدينة، الذين ~~ينجمون في مستقبل الزمان بعد الهجرة ولم يكن بمكة نفاق وإنما نجم بالمدينة. ~~وقيل: المعنى، أي وليقول المنافقون الذين ينجمون في مستقبل الزمان بعد ~~الهجرة. " والكافرون " أي اليهود والنصارى (ماذا أراد الله بهذا مثلا) يعني ~~بعدد خزنة جهنم. وقال الحسين بن الفضل: السورة مكية ولم يكن بمكة نفاق، ~~فالمرض في هذه الآية الخلاف و " الكافرون " أي مشركو العرب. وعلى القول ~~الأول أكثر المفسرين. # ويجوز أن يراد بالمرض: الشك والارتياب، لان أهل مكة كان أكثرهم شاكين، ~~وبعضهم قاطعين بالكذب وقوله تعالى إخبارا عنهم: " ماذا أراد الله " أي ما ~~أراد " بهذا " العدد الذي ذكره حديثا، أي ما هذا من الحديث. قال الليث: ~~المثل الحديث، ومنه: " مثل الجنة التي وعد المتقون " أي حديثها والخبر عنها ~~" كذلك " أي كإضلال الله أبا جهل وأصحابه المنكرين لخزنة جهنم " يضل الله " ~~أي يخزي ويعمي " من يشاء ويهدي ms6458 " أي ويرشد " من يشاء " كإرشاد أصحاب محمد ~~صلى الله عليه وسلم. وقيل: " كذلك يضل الله " عن الجنة " من يشاء ويهدي " ~~إليها " من يشاء ". (وما يعلم جنود ربك إلا هو) أي وما يدري عدد ملائكة ربك ~~الذين خلقهم لتعذيب أهل النار " إلا هو " أي إلا الله جل ثناؤه. وهذا جواب ~~لأبي جهل حين قال: أما لمحمد من الجنود إلا تسعة عشر! وعن ابن عباس: أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان يقسم غنائم حنين، فأتاه جبريل فجلس عنده، ~~فأتى ملك فقال: إن ربك يأمرك PageV19P082 # بكذا وكذا، فخشي النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون شيطانا، فقال: (يا ~~جبريل أتعرفه)؟ # فقال: هو ملك وما كل ملائكة ربك أعرف. وقال الأوزاعي: قال موسى: " يا رب ~~من في السماء؟ قال ملائكتي. قال كم عدتهم يا رب؟ قال: اثنى (1) عشر سبطا. ~~قال: كم عدة كل سبط؟ قال: عدد التراب " ذكرهما الثعلبي. وفي الترمذي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # (أطت (2) السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع ~~جبهته لله ساجدا). # قوله تعالى: (وما هي إلا ذكرى للبشر) يعني الدلائل والحجج والقرآن. وقيل: # " وما هي " أي وما هذه النار التي هي سقر " إلا ذكرى " أي عظة " للبشر " ~~أي للخلق. # وقيل: نار الدنيا تذكرة لنار الآخرة. قاله الزجاج. وقيل: أي ما هذه العدة ~~" إلا ذكرى للبشر " أي ليتذكروا ويعلموا كمال قدرة الله تعالى، وأنه لا ~~يحتاج إلى أعوان وأنصار، فالكناية على هذا في قوله تعالى: " وما هي " ترجع ~~إلى الجنود، لأنه أقرب مذكور. # قوله تعالى: كلا والقمر (32) ولليل إذ أدبر (33) والصبح إذا أسفر (34) ~~إنها لإحدى الكبر (35) نذيرا للبشر (36) لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر ~~(37) كل نفس بما كسبت رهينة (38) إلا أصحاب اليمين (39) في جنات يتساءلون ~~(40) عن المجرمين (41) ما سلككم في سقر (42) قالوا لم نك من المصلين (43) ~~ولم نك نطعم المسكين (44) وكنا نخوض مع الخائضين (45) وكنا نكذب بيوم الدين ~~(46) حتى أتانا اليقين (47) فما تنفعهم شفاعة الشافعين (48) # PageV19P083 # قوله تعالى: (كلا والقمر) قال ms6459 الفراء: " كلا " صلة للقسم، التقدير أي ~~والقمر. # وقيل: المعنى حقا والقمر، فلا يوقف على هذين التقديرين على " كلا " وأجاز ~~الطبري الوقف عليها، وجعلها ردا للذين زعموا أنهم يقاومون خزنة جهنم، أي ~~ليس الامر كما يقول من زعم أنه يقاوم خزنة النار. ثم أقسم على ذلك عز وجل ~~بالقمر وبما بعده، فقال: " والليل إذا أدبر " أي ولى وكذلك " دبر ". وقرأ ~~نافع وحمزة وحفص " إذ أدبر " الباقون " إذا " بألف و " دبر " بغير ألف وهما ~~لغتان بمعنى، يقال: دبر وأدبر، وكذلك قبل الليل وأقبل. وقد قالوا: أمس ~~الدابر والمدبر، قال صخر بن عمرو بن الشريد السلمي: # ولقد قتلناكم ثناء وموحدا * وتركت مرة مثل أمس الدابر ويروي المدبر. وهذا ~~قول الفراء والأخفش. وقال بعض أهل اللغة: دبر الليل: إذا مضى، وأدبر: أخذ ~~في الادبار. وقال مجاهد: سألت ابن عباس عن قوله تعالى: " والليل إذا دبر " ~~فسكت حتى إذا دبر قال: يا مجاهد، هذا حين دبر الليل. وقرأ محمد بن السميقع ~~" والليل إذا أدبر " بألفين، وكذلك في مصحف عبد الله وأبي بألفين. وقال ~~قطرب من قرأ " دبر " فيعني أقبل، من قول العرب دبر فلان: إذا جاء من خلفي. ~~قال أبو عمرو: وهي لغة قريش. # وقال ابن عباس في رواية عنه: الصواب: " أدبر "، إنما يدبر ظهر البعير. ~~واختار أبو عبيد: # " إذا أدبر " قال: لأنها أكثر موافقة للحروف التي تليه، ألا تراه يقول: " ~~والصبح إذا أسفر "، فكيف يكون أحدهما " إذ " والآخر " إذا " وليس في القرآن ~~قسم تعقبه " إذ " وإنما يتعقبه " إذا ". # ومعنى " أسفر ": ضاء. وقراءة العامة " أسفر " بالألف. وقرأ ابن السميقع: ~~" سفر ". # وهما لغتان. يقال: سفر وجه فلان وأسفر: إذا أضاء. وفي الحديث: (أسفروا ~~بالفجر، فإنه أعظم للاجر) أي صلوا صلاة الصبح مسفرين، ويقال: طولوها إلى ~~الاسفار، والاسفار: الإنارة. # وأسفر وجهه حسنا أي أشرق، وسفرت المرأة كشفت عن وجهها فهي سافر. ويجوز أن ~~يكون [من] سفر الظلام أي كنسه، كما يسفر البيت، أي يكنس، ومنه السفير: لما ~~سقط من ورق الشجر وتحات، يقال: إنما سمي سفيرا لان ms6460 الريح تسفره أي تكنسه. ~~والمسفرة: المكنسة. PageV19P084 # قوله تعالى: (إنها لإحدى الكبر) جواب القسم، أي إن هذه النار " لإحدى ~~الكبر " أي لإحدى الدواهي. وفي تفسير مقاتل " الكبر ": اسم من أسماء النار. ~~وروي عن ابن عباس " إنها " أي إن تكذيبهم بمحمد صلى الله عليه وسلم " لإحدى ~~الكبر " أي لكبيرة من الكبائر. # وقيل: أي إن قيام الساعة لإحدى الكبر. والكبر: هي العظائم من العقوبات، ~~قال الراجز: # يا بن المعلى نزلت إحدى الكبر * داهية الدهر وصماء الغير وواحدة (الكبر)، ~~كبرى مثل الصغرى والصغر، والعظمى والعظم. وقرأ العامة (لإحدى) وهو اسم بني ~~ابتداء للتأنيث، وليس مبنيا على المذكر، نحو عقبى وأخرى، وألفه ألف قطع، لا ~~تذهب في الوصل. وروى جرير بن حازم عن ابن كثير " إنها لحدي الكبر " بحذف ~~الهمزة. (نذيرا للبشر) يريد النار، أي أن هذه النار الموصوفة " نذيرا للبشر ~~" فهو نصب على الحال من المضمر في " إنها " قاله الزجاج. وذكر، لان معناه ~~معنى العذاب، أو أراد ذات إنذار على معنى النسب، كقولهم: امرأة طالق وطاهر. ~~وقال الخليل: النذير: # مصدر كالنكير، ولذلك يوصف به المؤنث. وقال الحسن: والله ما أنذر الخلائق ~~بشئ أدهى منها. وقيل: المراد بالنذير محمد صلى الله عليه وسلم، أي قم نذيرا ~~للبشر، أي مخوفا لهم ف‍ " - نذيرا " حال من " قم " في أول السورة حين قال: ~~" قم فأنذر " [المدثر: 2] قال أبو علي الفارسي وابن زيد، وروي عن ابن عباس ~~وأنكره الفراء. ابن الأنباري: وقال بعض المفسرين معناه " يا أيها المدثر قم ~~نذيرا للبشر ". وهذا قبيح، لان الكلام قد طال فيما بينهما. وقيل: # هو من صفة الله تعالى. روى أبو معاوية الضرير: حدثنا إسماعيل بن سميع عن ~~أبي رزين " نذيرا للبشر " قال: يقول الله عز وجل: أنا لكم منها نذير ~~فاتقوها. و (نذيرا) على هذا نصب على الحال، أي " وما جعلنا أصحاب النار إلا ~~ملائكة " منذرا بذلك البشر. وقيل: # هو حال من " هو " في قوله تعالى: " وما يعلم جنود ربك إلا هو ". وقيل: هو ~~في موضع المصدر، كأنه قال: إنذار للبشر. قال ms6461 الفراء: يجوز أن يكون النذير ~~بمعنى الانذار، أي أنذر إنذارا فهو كقوله تعالى: " فكيف كان نذير " أي ~~إنذاري، فعلى هذا يكون راجعا إلى PageV19P085 # أول السورة، أي (قم فأنذر) أي إنذارا. وقيل: هو منصوب بإضمار فعل. وقرأ ~~ابن أبي عبلة " نذير " بالرفع على إضمار هو. وقيل: أي إن القرآن نذير ~~للبشر، لما تضمنه من الوعد والوعيد. # قوله تعالى: (لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر) اللام متعلقة ب‍ " - نذيرا ~~"، أي نذيرا لمن شاء منكم أن يتقدم إلى الخير والطاعة، أو يتأخر إلى الشر ~~والمعصية، نظيره: " ولقد علمنا المستقدمين منكم " [الحجر: 24] أي في الخير ~~" ولقد علمنا المستأخرين " [الحجر: 24] عنه. قال الحسن: هذا وعيد وتهديد ~~وإن خرج مخرج الخبر، كقوله تعالى: " فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر " ~~[الكهف: 29]. وقال بعض أهل التأويل: معناه لمن شاء الله أن يتقدم أو يتأخر، ~~فالمشيئة متصلة بالله جل ثناؤه، والتقديم الايمان، والتأخير الكفر. وكان ~~ابن عباس يقول: هذا تهديد وإعلام أن من تقدم إلى الطاعة والايمان بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم جوزي بثواب لا ينقطع، ومن تأخر عن الطاعة وكذب محمدا صلى ~~الله عليه وسلم عوقب عقابا لا ينقطع. وقال السدي: " لمن شاء منكم أن يتقدم ~~" إلى النار المتقدم ذكرها، " أو يتأخر " عنها إلى الجنة. # قوله تعالى: (كل نفس بما كسبت رهينة) أي مرتهنة بكسبها، مأخوذة بعملها، ~~إما خلصها وإما أوبقها. وليست " رهينة " تأنيث رهين في قوله تعالى: " كل ~~امرئ بما كسب رهين " [الطور: 21] لتأنيث النفس، لأنه لو قصدت الصفة لقيل ~~رهين، لان فعيلا بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث. وإنما هو اسم بمعنى ~~الرهن كالشتيمة بمعنى الشتم، كأنه قيل: كل نفس بما كسبت رهين، ومنه بيت ~~الحماسة: # أبعد الذي بالنعف نعف كويكب * رهينة رمس ذي تراب وجندل (1) كأنه قال رهن ~~رمس. والمعنى: كل نفس رهن بكسبها عند الله غير مفكوك (إلا أصحاب اليمين) ~~فإنهم لا يرتهنون بذنوبهم. واختلف في تعيينهم، فقال ابن عباس: الملائكة. # PageV19P086 # علي بن أبي طالب: أولاد المسلمين لم يكتسبوا فيرتهنوا بكسبهم. الضحاك: ~~الذين ms6462 سبقت لهم من الله الحسنى، ونحوه عن ابن جريج، قال: كل نفس بعملها ~~محاسبة " إلا أصحاب اليمين " وهم أهل الجنة، فإنهم لا يحاسبون. وكذا قال ~~مقاتل أيضا: هم أصحاب الجنة الذين كانوا عن يمين آدم يوم الميثاق حين قال ~~الله لهم: هؤلاء في الجنة ولا أبالي. وقال الحسن وابن كيسان: هم المسلمون ~~المخلصون ليسوا بمرتهنين، لأنهم أدوا ما كان عليهم. وعن أبي ظبيان عن ابن ~~عباس قال: هم المسلمون. وقيل: إلا أصحاب الحق وأهل الايمان. وقيل: # هم الذين يعطون كتبهم بأيمانهم. وقال أبو جعفر الباقر: نحن وشيعتنا أصحاب ~~اليمين، وكل من أبغضنا أهل البيت فهم المرتهنون. وقال الحكم: هم الذين ~~اختارهم الله لخدمته، فلم يدخلوا في الرهن، لأنهم خدام الله وصفوته وكسبهم ~~لم يضرهم. وقال القاسم: كل نفس مأخوذة بكسبها من خير أو شر، إلا من اعتمد ~~على الفضل والرحمة، دون الكسب والخدمة، فكل من اعتمد على الكسب فهو مرهون، ~~وكل من اعتمد على الفضل فهو غير مأخوذ به. # " في جنات " أي في بساتين " يتساءلون " أي يسألون (عن المجرمين) أي ~~المشركين " ما سلككم " أي أدخلكم " في سقر " كما تقول: سلكت الخيط في كذا ~~أي أدخلته فيه. # قال الكلبي: فيسأل الرجل من أهل الجنة الرجل من أهل النار باسمه، فيقول ~~له: يا فلان. # وفي قراءة عبد الله بن الزبير " يا فلان ما سلكك في سقر "؟ وعنه قال: قرأ ~~عمر بن الخطاب " يا فلان ما سلككم في سقر " وهي قراءة على التفسير، لا أنها ~~قرآن كما زعم من طعن في القرآن، قاله أبو بكر بن الأنباري. وقيل: إن ~~المؤمنين يسألون الملائكة عن أقربائهم، فتسأل الملائكة المشركين فيقولون ~~لهم: " ما سلككم في سقر ". قال الفراء: في هذا ما يقوي أن أصحاب اليمين ~~الولدان، لأنهم لا يعرفون الذنوب. " قالوا " يعني أهل النار " لم نك من ~~المصلين " أي المؤمنين الذين يصلون. (ولم نك نطعم المسكين) أي لم نك نتصدق. ~~(وكنا نخوض مع الخائضين) أي كنا نخالط أهل الباطل في باطلهم. وقال ابن زيد: ~~نخوض مع ms6463 الخائضين في أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وهو قولهم - لعنهم الله ~~- كاهن، مجنون، شاعر، ساحر. PageV19P087 # وقال السدي: أي وكنا نكذب مع المكذبين. وقال قتادة: كلما غوى غاو غوينا ~~معه. # وقيل معناه: وكنا أتباعا ولم نكن متبوعين. (وكنا نكذب بيوم الدين) أي لم ~~نك نصدق بيوم القيامة، يوم الجزاء والحكم. قوله تعالى: (حتى أتانا اليقين) ~~أي جاءنا ونزل بنا الموت، ومنه قوله تعالى: " واعبد ربك حتى يأتيك اليقين " ~~(1) [الحجر: 99]. # قوله تعالى: (فما تنفعهم شفاعة الشافعين) هذا دليل على صحة الشفاعة ~~للمذنبين، وذلك أن قوما من أهل التوحيد عذبوا بذنوبهم، ثم شفع فيهم، فرحمهم ~~الله بتوحيدهم والشفاعة، فأخرجوا من النار، وليس للكفار شفيع يشفع فيهم. ~~وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: # يشفع نبيكم صلى الله عليه وسلم رابع أربعة: جبريل، ثم إبراهيم، ثم موسى ~~أو عيسى (2)، ثم نبيكم صلى الله عليه وسلم، ثم الملائكة، ثم النبيون، ثم ~~الصديقون، ثم الشهداء، ويبقى قوم في جهنم، فيقال لهم: " ما سلككم في سقر ~~قالوا لم نك من المصلين. ولم نك نطعم المسكين " إلى قوله: # " فما تنفعهم شفاعة الشافعين " قال عبد الله بن مسعود: فهؤلاء هم الذين ~~يبقون في جهنم، وقد ذكرنا إسناده في كتاب (التذكرة). # قوله تعالى: فما لهم عن التذكرة معرضين (49) كأنهم حمر مستنفرة (50) فرت ~~من قسورة (51) بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة (52) كلا بل لا ~~يخافون الآخرة (53) قوله تعالى: (فما لهم عن التذكرة معرضين) أي فما لأهل ~~مكة أعرضوا وولوا عما جئتم به. وفي تفسير مقاتل: الاعراض عن القرآن من ~~وجهين: أحدهما الجحود والانكار، والوجه الآخر ترك العمل بما فيه. و " ~~معرضين " نصب على الحال من الهاء والميم في " لهم " وفي اللام معنى الفعل، ~~فانتصاب الحال على معنى الفعل. " كأنهم " أي كأن هؤلاء الكفار في فرارهم من ~~محمد صلى الله عليه وسلم " حمر مستنفرة " قال ابن عباس: أراد الحمر ~~الوحشية. # PageV19P088 # وقرأ نافع وابن عامر بفتح الفاء، أي منفرة مذعورة، واختاره أبو عبيد وأبو ~~حاتم. الباقون بالكسر، أي ms6464 نافرة. يقال. نفرت واستنفرت بمعنى، مثل عجبت ~~واستعجبت، وسخرت واستسخرت، وأنشد الفراء: # أمسك حمارك إنه مستنفر * في إثر أحمرة عمدن لغرب (1) قوله تعالى (2): " ~~فرت " أي نفرت وهربت " من قسورة " أي من رماة يرمونها. # وقال بعض أهل اللغة: إن القسورة الرامي، وجمعه القسورة. وكذا قال سعيد بن ~~جبير وعكرمة ومجاهد وقتادة والضحاك وابن كيسان: القسورة: هم الرماة ~~والصيادون، ورواه عطاء عن ابن عباس وأبو [ظبيان] (3) عن أبي موسى الأشعري. ~~وقيل: إنه الأسد، قاله أبو هريرة وابن عباس أيضا. ابن عرفة: من القسر بمعنى ~~القهر أي، إنه يقهر السباع، والحمر الوحشية تهرب من السباع. وروى أبو جمرة ~~عن ابن عباس قال: ما أعلم القسورة الأسد في لغة أحد من العرب، ولكنها عصب ~~الرجال، قال: فالقسورة جمع الرجال، وأنشد: # يا بنت كوني خيرة لخيره * أخوالها الجن وأهل القسورة وعنه: ركز الناس أي ~~حسهم وأصواتهم. وعنه أيضا: " فرت من قسورة " أي من حبال الصيادين. وعنه ~~أيضا: القسورة بلسان العرب: الأسد، وبلسان الحبشة: الرماة، وبلسان فارس: # شير، وبلسان النبط: أريا. وقال ابن الأعرابي: القسورة: أول الليل، أي فرت ~~من ظلمة الليل. وقاله عكرمة أيضا. وقيل: هو أول سواد الليل، ولا يقال لآخر ~~سواد الليل قسورة. # وقال زيد بن أسلم: من رجال أقوياء، وكل شديد عند العرب فهو قسورة وقسور. # وقال لبيد بن ربيعة: # إذا ما هتفنا هتفة في ندينا * أتانا الرجال العائدون القساور # PageV19P089 # قوله تعالى: (بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة) أي يعطى كتبا ~~مفتوحة، وذلك أن أبا جهل وجماعة من قريش قالوا: يا محمد! ايتنا بكتب من رب ~~العالمين مكتوب فيها: إني قد أرسلت إليكم محمدا، صلى الله عليه وسلم. ~~نظيره: " ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه " [الاسراء: 93]. وقال ~~ابن عباس: كانوا يقولون إن كان محمد صادقا فليصبح عند كل رجل منا صحيفة ~~فيها براءته وأمنه من النار. قال مطر الوراق: أرادوا أن يعطوا بغير عمل. ~~وقال الكلبي: قال المشركون: بلغنا أن الرجل من بني إسرائيل كان يصبح عند ms6465 ~~رأسه مكتوبا ذنبه وكفارته، فأتنا بمثل ذلك. وقال مجاهد: أرادوا أن ينزل على ~~كل واحد منهم كتاب فيه من الله عز وجل: إلى فلان بن فلان. وقيل: المعنى أن ~~يذكر بذكر جميل، فجعلت الصحف موضع الذكر مجازا. وقالوا: إذا كانت ذنوب ~~الانسان تكتب عليه فما بالنا لا نرى ذلك؟ " كلا " أي ليس يكون ذلك. وقيل: ~~حقا. والأول أجود، لأنه رد لقولهم. " بل لا يخافون الآخرة " أي لا أعطيهم ~~ما يتمنون لأنهم لا يخافون الآخرة، اغترارا بالدنيا. وقرأ سعيد بن جبير " ~~صحفا منشرة " بسكون الحاء والنون، فأما تسكين الحاء فتخفيف، وأما النون ~~فشاذ. إنما يقال: نشرت الثوب وشبهه ولا يقال أنشرت. ويجوز أن يكون شبه ~~الصحيفة بالميت كأنها ميتة بطيها، فإذا نشرت حييت، فجاء على أنشر الله ~~الميت، كما شبه إحياء الميت بنشر الثوب، فقيل فيه نشر الله الميت، فهي لغة ~~فيه. # قوله تعالى: كلا إنه تذكرة (54) فمن شاء ذكره (55) وما يذكرون إلا أن ~~يشاء الله هو أهل التقوى وأهل المغفرة (56) قوله تعالى: (كلا إنه تذكرة) أي ~~حقا إن القرآن عظة. (فمن شاء ذكره) أي أتعظ به. " وما يذكرون " أي وما ~~يتعظون " إلا أن يشاء الله " أي ليس يقدرون على الاتعاظ والتذكر إلا بمشيئة ~~الله ذلك لهم. وقراءة العامة " يذكرون " بالياء واختاره أبو عبيد، لقوله ~~تعالى: " كلا بل لا يخافون الآخرة ". وقرأ نافع ويعقوب بالتاء، واختاره أبو ~~حاتم، لأنه أعم واتفقوا على تخفيفها. (هو أهل التقوى وأهل المغفرة) في ~~الترمذي وسنن ابن ماجة عن PageV19P090 # أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في هذه الآية: " هو ~~أهل التقوى وأهل المغفرة " قال: [قال الله تبارك وتعالى أنا أهل أن أتقى ~~فمن اتقاني فلم يجعل معي إلها فأنا أهل أن أغفر له] لفظ الترمذي، وقال فيه: ~~حديث حسن غريب. وفي بعض التفسير: هو أهل المغفرة لمن تاب إليه من الذنوب ~~الكبار، وأهل المغفرة أيضا للذنوب الصغار، باجتناب الذنوب الكبار. وقال ~~محمد بن نصر: أنا أهل أن يتقيني عبدي، فإن ms6466 لم يفعل كنت أهلا أن أغفر له ~~[وأرحمه، وأنا الغفور الرحيم] (1). # سورة القيامة مكية، وهي تسع وثلاثون آية بسم الله الرحمن الرحيم قوله ~~تعالى: لا أقسم بيوم القيامة (1) ولا أقسم بالنفس اللوامة (2) أيحسب ~~الانسان ألن نجمع عظامه (3) بلى قادرين على أن نسوي بنانه (4) بل يريد ~~الانسان ليفجر أمامه (5) يسئل أيان يوم القيامة (6) قوله تعالى: (لا أقسم ~~بيوم القيامة) قيل: إن " لا " صلة، وجاز وقوعها في أول السورة، لان القرآن ~~متصل بعضه ببعض، فهو في حكم كلام واحد، ولهذا قد يذكر الشئ في سورة ويجئ ~~جوابه في سورة أخرى، كقوله تعالى: " وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر ~~إنك لمجنون " (2) [الحجر: 6]. وجوابه في سورة أخرى: " ما أنت بنعمة ربك ~~بمجنون " (3) [القلم: 2]. ومعنى الكلام: # أقسم بيوم القيامة، قاله ابن عباس وابن جبير وأبو عبيدة، ومثله قول ~~الشاعر: # تذكرت ليلى فاعترتني صبابة * فكاد صميم القلب لا يتقطع # PageV19P091 # وحكى أبو الليث السمرقندي: أجمع المفسرون أن معنى " لا أقسم ": أقسم. ~~واختلفوا في تفسير: " لا " قال بعضهم: " لا " زيادة في الكلام للزينة، ~~ويجري في كلام العرب زيادة (لا) كما قال في آية أخرى: " قال ما منعك أن لا ~~تسجد " [ص: 75]. يعني أن تسجد، وقال بعضهم: " لا ": رد لكلامهم حيث أنكروا ~~البعث، فقال: ليس الامر كما زعمتم. # قلت: وهذا قول الفراء، قال الفراء: وكثير من النحويين يقولون " لا " صلة، ~~ولا يجوز أن يبدأ بجحد ثم يجعل صلة، لان هذا لو كان كذلك لم يعرف خبر فيه ~~جحد من خبر لا جحد فيه، ولكن القرآن جاء بالرد على الذين أنكروا البعث ~~والجنة والنار، فجاء الأقسام بالرد عليهم [في كثير من الكلام المبتدأ منه ~~وغير المبتدأ] (1) وذلك كقولهم لا والله لا أفعل ف‍ " - لا " رد لكلام قد ~~مضى، وذلك كقولك: لا والله إن القيامة لحق، كأنك أكذبت قوما أنكروه. # وأنشد غير الفراء لامرئ القيس: # فلا وأبيك ابنة العامري * لا يدعي القوم أني أفر وقال غوية بن سلمى: # ألا نادت أمامة باحتمال * لتحزنني فلا بك ما أبالي وفائدتها توكيد القسم ms6467 ~~في الرد. قال الفراء: وكان من لا يعرف هذه الجهة يقرأ " لأقسم " بغير ألف، ~~كأنها لام تأكيد دخلت على أقسم، وهو صواب، لان العرب تقول: لأقسم بالله وهي ~~قراءة الحسن وابن كثير والزهري وابن هرمز " بيوم القيامة " أي بيوم يقوم ~~الناس فيه لربهم، ولله عز وجل أن يقسم بما شاء. (ولا أقسم بالنفس اللوامة) ~~لا خلاف في هذا بين القراء، وهو أنه أقسم سبحانه بيوم القيامة تعظيما لشأنه ~~[ولم يقسم بالنفس] (2). وعلى قراءة ابن كثير أقسم بالأولى ولم يقسم ~~بالثانية. وقيل: " ولا أقسم بالنفس اللوامة " رد آخر وابتداء قسم بالنفس ~~اللوامة. قال الثعلبي: والصحيح أنه أقسم بهما جميعا. ومعنى: " بالنفس ~~اللوامة " أي بنفس المؤمن الذي لا تراه إلا يلوم نفسه، يقول: ما أردت بكذا؟ ~~فلا تراه # PageV19P092 # إلا وهو يعاتب نفسه، قاله ابن عباس ومجاهد والحسن وغيرهم. قال الحسن: هي ~~والله نفس المؤمن، ما يرى المؤمن إلا يلوم نفسه: ما أردت بكلامي؟ ما أردت ~~بأكلي؟ ما أردت بحديث نفسي؟ والفاجر لا يحاسب نفسه. وقال مجاهد: هي التي ~~تلوم على ما فات وتندم، فتلوم نفسها على الشر لم فعلته، وعلى الخير لم لا ~~تستكثر منه. وقيل: إنها ذات اللوم. وقيل: # إنها تلوم نفسها بما تلوم عليه غيرها، فعلى هذه الوجوه تكون اللوامة ~~بمعنى اللائمة، وهو صفة مدح، وعلى هذا يجئ القسم بها سائغا حسنا. وفي بعض ~~التفسير: إنه آدم عليه السلام لم يزل لائما لنفسه على معصيته التي أخرج بها ~~من الجنة. وقيل: اللوامة بمعنى الملومة المذمومة - عن ابن عباس أيضا - فهي ~~صفة ذم وهو قول من نفى أن يكون قسما، إذ ليس للعاصي خطر يقسم به، فهي كثيرة ~~اللوم. وقال مقاتل: هي نفس الكافر يلوم نفسه، ويتحسر في الآخرة على ما فرط ~~في جنب الله. وقال الفراء: ليس من نفس محسنة أو مسيئة إلا وهي تلوم نفسها، ~~فالمحسن يلوم نفسه أن لو كان ازداد إحسانا، والمسئ يلوم نفسه ألا يكون ~~ارعوى عن إساءته. # قوله تعالى: (أيحسب الانسان أن لن نجمع عظامه) ms6468 فنعيدها خلقا جديدا بعد أن ~~صارت رفاتا. قال الزجاج: أقسم بيوم القيامة وبالنفس اللوامة: ليجمعن العظام ~~للبعث، فهذا جواب القسم. وقال النحاس: جواب القسم محذوف أي لتبعثن، ودل ~~عليه قوله تعالى: " أيحسب الانسان أن لن نجمع عظامه " للاحياء والبعث. ~~والانسان هنا الكافر المكذب للبعث. الآية نزلت في عدي بن ربيعة قال للنبي ~~صلى الله عليه وسلم: حدثني عن يوم القيامة متى تكون، وكيف أمرها وحالها؟ ~~فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال: # لو عاينت ذلك اليوم لم أصدقك يا محمد ولم أؤمن به، أو يجمع الله العظام؟! ~~ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (اللهم اكفني جاري السوء عدي بن ~~ربيعة، والأخنس بن شريق). # وقيل: نزلت في عدو الله أبي جهل حين أنكر البعث بعد الموت. وذكر العظام ~~والمراد نفسه كلها، لان العظام قالب الخلق. " بلى " وقف حسن ثم تبتدئ " ~~قادرين ". قال سيبويه: # على معنى نجمعها قادرين، ف‍ " - قادرين " حال من الفاعل المضمر في الفعل ~~المحذوف على ما ذكرناه PageV19P093 # من التقدير. وقيل: المعنى بل نقدر قادرين. قال الفراء: " قادرين " نصب ~~على الخروج من " نجمع " أي نقدر ونقوى " قادرين " على أكثر من ذلك. وقال ~~أيضا: يصلح نصبه على التكرير أي " بلى " فليحسبنا قادرين. وقيل: المضمر ~~(كنا) أي كنا قادرين في الابتداء، وقد اعترف به المشركون. وقرأ ابن أبي ~~عبلة وابن السميقع " بلى قادرون " بتأويل نحن قادرون. (على أن نسوي بنانه) ~~البنان عند العرب: الأصابع، واحدها بنانة، قال النابغة: # بمخضب رخص كأن بنانه * عنم يكاد من اللطافة يعقد (1) وقال عنترة: # وأن الموت طوع يدي إذا ما * وصلت بنانها بالهندواني فنبه بالبنان على ~~بقية الأعضاء. وأيضا فإنها أصغر العظام، فخصها بالذكر لذلك. قال القتبي ~~والزجاج: وزعموا أن الله لا يبعث الموتى ولا يقدر على جمع العظام، فقال ~~الله تعالى: بلى قادرين على أن نعيد السلاميات على صغرها، ونؤلف بينها حتى ~~تستوي، ومن قدر على هذا فهو على جمع الكبار أقدر. وقال ابن عباس وعامة ~~المفسرين: المعنى " على أن نسوي بنانه " أي ms6469 نجعل أصابع يديه ورجليه شيئا ~~واحدا كخف البعير، أو كحافر الحمار، أو كظلف الخنزير، ولا يمكنه أن يعمل به ~~شيئا، ولكنا فرقنا أصابعه حتى يأخذ بها ما شاء. وكان الحسن يقول: جعل لك ~~أصابع فأنت تبسطهن، وتقبضهن بهن، ولو شاء الله لجمعهن فلم تتق الأرض إلا ~~بكفيك. وقيل: أي نقدر أن نعيد الانسان في هيئة البهائم، فكيف في صورته التي ~~كان عليها، وهو كقوله تعالى: " وما نحن بمسبوقين. على أن نبدل أمثالكم ~~وننشئكم فيما لا تعلمون " [الواقعة: 60 - 61]. # قلت: والتأويل الأول أشبه بمساق الآية. والله أعلم. # قوله تعالى: (بل يريد الانسان ليفجر أمامه) قال ابن عباس: يعني الكافر ~~يكذب بما أمامه من البعث والحساب. وقاله عبد الرحمن بن زيد، ودليله: " يسأل ~~أيان يوم القيامة " # PageV19P094 # أي يسأل متى يكون! على وجه الانكار والتكذيب. فهو لا يقنع بما هو فيه من ~~التكذيب، ولكن يأثم لما بين يديه. ومما يدل على أن الفجور التكذيب ما ذكره ~~القتبي وغيره: أن أعرابيا قصد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وشكا إليه نقب ~~إبله (1) ودبرها، وسأله أن يحمله على غيرها فلم يحمله، فقال الأعرابي: # أقسم بالله أبو حفص عمر * ما مسها من نقب ولا دبر * فاغفر له اللهم إن ~~كان فجر * يعني إن كان كذبني فيما ذكرت. وعن ابن عباس أيضا: يعجل المعصية ~~ويسوف التوبة. # وفي بعض الحديث قال: يقول سوف أتوب ولا يتوب، فهو قد أخلف فكذب. وهذا قول ~~مجاهد والحسن وعكرمة والسدي وسعيد بن جبير، يقول: سوف أتوب، سوف أتوب، حتى ~~يأتيه الموت على أشر أحواله. وقال الضحاك: هو الامل يقول سوف أعيش وأصيب من ~~الدنيا ولا يذكر الموت. وقيل: أي يعزم على المعصية أبدا وإن كان لا يعيش ~~إلا مدة قليلة. فالهاء على هذه الأقوال للانسان. وقيل: الهاء ليوم القيامة. ~~والمعنى بل يريد الانسان ليكفر بالحق بين يدي يوم القيامة. والفجور أصله ~~الميل عن الحق. (يسأل أيان يوم القيامة) أي متى يوم القيامة. # قوله تعالى: فإذا برق البصر (7) وخسف القمر (8) وجمع الشمس والقمر ms6470 (9) ~~يقول الانسان يومئذ أين المفر (10) كلا لا وزر (11) إلى ربك يومئذ المستقر ~~(12) ينبأ الانسان يومئذ بما قدم وأخر (13) قوله تعالى: (فإذا برق البصر) ~~قرأ نافع وأبان عن عاصم " برق " بفتح الراء، معناه: لمع بصره من شدة شخوصه، ~~فتراه لا يطرف. قال مجاهد وغيره: هذا عند الموت. وقال الحسن: # PageV19P095 # هذا يوم القيامة. وقال فيه معنى الجواب عما سأل عنه الانسان كأنه يوم ~~القيامة " إذا برق البصر. وخسف القمر " والباقون بالكسر " برق " ومعناه: ~~تحير فلم يطرف، قاله أبو عمرو والزجاج وغيرهما. قال ذو الرمة: # ولو أن لقمان الحكيم تعرضت * لعينيه مي سافرا كاد يبرق الفراء والخليل: " ~~برق " بالكسر: فزع وبهت وتحير (1). والعرب تقول للانسان المتحير المبهوت: ~~قد برق فهو برق، وأنشد الفراء: # فنفسك فانع ولا تنعني * وداو الكلوم ولا تبرق (2) أي لا تفزع من كثرة ~~الكلوم التي بك. وقيل: برق يبرق بالفتح: شق عينيه وفتحهما. # قاله أبو عبيدة، وأنشد قول الكلابي: # لما أتاني ابن عمير راغبا * أعطيته عيسا صهابا فبرق (3) أي فتح عينيه. ~~وقيل: إن كسر الراء وفتحها لغتان بمعنى. # قوله تعالى: (وخسف القمر) أي ذهب ضوءه. والخسوف في الدنيا إلى انجلاء، ~~بخلاف الآخرة، فإنه لا يعود ضوءه. ويحتمل أن يكون بمعنى غاب، ومنه قوله ~~تعالى: # " فخسفنا به وبداره الأرض " [القصص: 81]. وقرأ ابن أبي إسحاق وعيسى ~~والأعرج: " وخسف القمر " بضم الخاء وكسر السين يدل عليه " وجمع الشمس ~~والقمر ". وقال أبو حاتم محمد بن إدريس: # إذا ذهب بعضه فهو الكسوف، وإذا ذهب كله فهو الخسوف (وجمع الشمس والقمر) ~~أي جمع بينهما في ذهاب ضوئهما، فلا ضوء للشمس كما لا ضوء للقمر بعد خسوفه، ~~قاله الفراء والزجاج. قال الفراء: ولم يقل جمعت، لان المعنى جمع بينهما. ~~وقال أبو عبيدة: هو على تغليب المذكر. وقال الكسائي: هو محمول على المعنى، ~~كأنه قال الضوءان. المبرد: التأنيث # PageV19P096 # غير حقيقي. وقال ابن عباس وابن مسعود: جمع بينهما أي قرن بينهما في ~~طلوعهما من المغرب أسودين مكورين مظلمين مقرنين كأنهما ثوران عقيران. وقد ~~مضى الحديث بهذا المعنى في آخر ms6471 سورة " الانعام " (1). وفي قراءة عبد الله " ~~وجمع بين الشمس والقمر " وقال عطاء ابن يسار: يجمع بينهما يوم القيامة ثم ~~يقذفان في البحر، فيكونان نار الله الكبرى. وقال علي وابن عباس: يجعلان في ~~[نور] (2) الحجب. وقد يجمعان في نار جهنم، لأنهما قد عبدا من دون الله ولا ~~تكون النار عذابا لهما لأنهما جماد، وإنما يفعل ذلك بهما زيادة في تبكيت ~~الكافرين وحسرتهم. وفي مسند أبي داود الطيالسي، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن ~~مالك يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: (إن الشمس والقمر ثوران عقيران في النار) وقيل: هذا الجمع أنهما ~~يجتمعان ولا يفترقان، ويقربان من الناس، فيلحقهم العرق لشدة الحر، فكأن ~~المعنى يجمع حرهما عليهم. وقيل: يجمع الشمس والقمر، فلا يكون ثم تعاقب ليل ~~ولا نهار. # قوله تعالى: (يقول الانسان يومئذ أين المفر)؟ أي يقول ابن آدم، ويقال: # أبو جهل، أي أين المهرب؟ قال الشاعر: # أين المفر والكباش تنتطح * وأي كبش حاد عنها يفتضح الماوردي: ويحتمل ~~وجهين: أحدهما " أين المفر " من الله استحياء منه. الثاني " أين المفر " من ~~جهنم حذرا منها. ويحتمل هذا القول من الانسان وجهين: أحدهما - أن يكون من ~~الكافر خاصة في عرضة القيامة دون المؤمن، لثقة المؤمن ببشرى ربه. الثاني - ~~أن يكون من قول المؤمن والكافر عند قيام الساعة لهول ما شاهدوا منها. ~~وقراءة العامة " المفر " بفتح الفاء واختاره أبو عبيدة وأبو حاتم، لأنه ~~مصدر. وقرأ ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة بكسر الفاء مع فتح الميم، قال ~~الكسائي: هما لغتان مثل مدب ومدب، ومصح ومصح. # وعن الزهري بكسر الميم وفتح الفاء. المهدوي: من فتح الميم والفاء من " ~~المفر " فهو مصدر # PageV19P097 # بمعنى الفرار، ومن فتح الميم وكسر الفاء فهو الموضع الذي يفر إليه. ومن ~~كسر الميم وفتح الفاء فهو الانسان الجيد الفرار، فالمعنى أين الانسان الجيد ~~الفرار ولن ينجو مع ذلك. # قلت: ومنه قول امرئ القيس: # * مكر مفر مقبل مدبر معا (1) * يريد أنه حسن الكر والفر جيده. (كلا) أي ms6472 ~~لا مفر ف‍ " - كلا " رد وهو من قول الله تعالى، ثم فسر هذا الرد فقال: " لا ~~وزر " أي لا ملجأ من النار. وكان ابن مسعود يقول: لا حصن. # وكان الحسن يقول: لا جبل. وابن عباس يقول: لا ملجأ. وابن جبير: لا محيص ~~ولا منعة. # المعنى في ذلك كله واحد. والوزر في اللغة: ما يلجأ إليه من حصن أو جبل أو ~~غيرهما، قال الشاعر: # لعمري ما للفتى من وزر * من الموت يدركه والكبر قال السدي: كانوا في ~~الدنيا إذا فزعوا تحصنوا في الجبال، فقال الله لهم: لا وزر يعصمكم يومئذ ~~مني، قال طرفة: # ولقد تعلم بكر أننا * فاضلو الرأي وفي الروع وزر أي ملجأ للخائف. ويروى: ~~وقر. (إلى ربك يومئذ المستقر) أي المنتهى قاله قتادة. # نظيره: (وأن إلى ربك المنتهى). وقال ابن مسعود إلى ربك المصير والمرجع. ~~قيل: # أي المستقر في الآخرة حيث يقره الله تعالى، إذ هو الحاكم بينهم. وقيل: إن ~~" كلا " من قول الانسان لنفسه إذا علم أنه ليس له مفر قال لنفسه: " كلا لا ~~وزر. إلى ربك يومئذ المستقر ". # قوله تعالى: " ينبأ الانسان " أي يخبر ابن آدم برا كان أو فاجرا " بما ~~قدم وأخر ": # أي بما أسلف من عمل سئ أو صالح، أو أخر من سنة سيئة أو صالحة يعمل بها ~~بعده، قاله ابن عباس وابن مسعود. وروى منصور عن مجاهد قال: ينبأ بأول عمله ~~وآخره. وقاله النخعي. وقال ابن عباس أيضا: أي بما قدم من المعصية، وأخر من ~~الطاعة. وهو قول قتادة. # PageV19P098 # وقال ابن زيد: " بما قدم " من أمواله لنفسه " وأخر ": خلف للورثة. وقال ~~الضحاك: # ينبأ بما قدم من فرض، وأخر من فرض. قال القشيري: وهذا الانباء يكون في ~~القيامة عند وزن الأعمال. ويجوز أن يكون عند الموت. # قلت: والأول أظهر، لما خرجه ابن ماجة في سننه من حديث الزهري، حدثني أبو ~~عبد الله الأغر عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن ~~مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علما علمه ms6473 ونشره، وولدا صالحا ~~تركه، أو مصحفا ورثه أو مسجدا بناه، أو بيتا لابن السبيل بناه، أو نهرا ~~أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه من بعد موته) وخرجه ~~أبو نعيم الحافظ بمعناه من حديث قتادة عن أنس بن مالك قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سبع يجري أجرهن للعبد بعد موته وهو ~~في قبره: من علم علما أو أجرى نهرا أو حفر بئرا أو غرس نخلا أو بنى مسجدا ~~أو ورث مصحفا أو ترك ولدا يستغفر له بعد موته) فقوله: (بعد موته وهو في ~~قبره) نص على أن ذلك لا يكون عند الموت، وإنما يخبر بجميع ذلك عند وزن ~~عمله، وإن كان يبشر بذلك في قبره. ودل على هذا أيضا قوله الحق: " وليحملن ~~أثقالهم وأثقالا مع (1) أثقالهم " [العنكبوت: 13] وقوله تعالى: " ومن أوزار ~~الذين يضلونهم بغير (2) علم " [النحل: 25] وهذا لا يكون إلا في الآخرة بعد ~~وزن الأعمال. والله أعلم. # وفي الصحيح: (من سن في الاسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها ~~بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شئ، ومن سن في الاسلام سنة سيئة كان عليه ~~وزرها ووزر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شئ). # قوله تعالى: بل الانسان على نفسه بصيرة (14) ولو ألقى معاذيره (15) قوله ~~تعالى: (بل الانسان على نفسه بصيرة) قال الأخفش: جعله هو البصيرة، كما تقول ~~للرجل أنت حجة على نفسك. وقال ابن عباس: " بصيرة " أي شاهد، وهو شهود ~~جوارحه # PageV19P099 # عليه: يداه بما بطش بهما، ورجلاه بما مشى عليهما، وعيناه بما أبصر بهما. ~~والبصيرة: # الشاهد. وأنشد الفراء: # كأن على ذي العقل عينا بصيرة * بمقعده أو منظر هو ناظره يحاذر حتى يحسب ~~الناس كلهم * من الخوف لا تخفى عليهم سرائره ودليل هذا التأويل من التنزيل ~~قوله تعالى: " يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون " ~~(1) [النور: 24]. وجاء تأنيث البصيرة لان المراد بالانسان ها هنا الجوارح، ~~لأنها شاهدة على نفس الانسان، فكأنه قال: بل الجوارح على ms6474 نفس الانسان ~~بصيرة، قال معناه القتبي وغيره. وناس يقولون: هذه الهاء في قوله: " بصيرة " ~~هي التي يسميها أهل الاعراب هاء المبالغة، كالهاء في قولهم: داهية وعلامة ~~وراوية. وهو قول أبي عبيد. وقيل المراد بالبصيرة الكاتبان اللذان يكتبان ما ~~يكون منه من خير أو شر، يدل عليه قوله تعالى: " ولو ألقى معاذيره " فيمن ~~جعل المعاذير الستور. وهو قول السدي والضحاك. وقال بعض أهل التفسير: # المعنى بل على الانسان من نفسه بصيرة، أي شاهد فحذف حرف الجر. ويجوز أن ~~يكون " بصيرة " نعتا لاسم مؤنث فيكون تقديره: بل الانسان على نفسه عين ~~بصيرة، وأنشد الفراء: # * كأن على ذي العقل عينا بصيرة * وقال الحسن في قوله تعالى: " بل الانسان ~~على نفسه بصيرة " يعني بصير بعيوب غيره، جاهل بعيوب نفسه. (ولو ألقى ~~معاذيره) أي ولو أرخى ستوره. والستر بلغة أهل اليمن: # معذار، قاله الضحاك وقال الشاعر: # ولكنها ضنت بمنزل ساعة * علينا وأطت فوقها بالمعاذر قال الزجاج: المعاذر: ~~الستور، والواحد معذار، أي وإن أرخى ستره، يريد أن يخفى عمله، فنفسه شاهدة ~~عليه. وقيل: أي ولو أعتذر فقال لم أفعل شيئا، لكان عليه من نفسه من يشهد ~~عليه من جوارحه، فهو وإن اعتذر وجادل عن نفسه، فعليه شاهد يكذب # PageV19P100 # عذره، قاله مجاهد وقتادة وسعيد بن جبير وعبد الرحمن بن زيد وأبو العالية ~~وعطاء والفراء والسدي أيضا ومقاتل. قال مقاتل: أي لو أدلى بعذر أو حجة لم ~~ينفعه ذلك. نظيره قوله تعالى: " يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم " [غافر: 52] ~~وقوله: " ولا يؤذن لهم فيعتذرون " [المرسلات: 36] فالمعاذير على هذا: مأخوذ ~~من العذر، قال الشاعر: # وإياك والامر الذي إن توسعت * موارده ضاقت عليك المصادر فما حسن أن يعذر ~~المرء نفسه * وليس له من سائر الناس عاذر واعتذر رجل إلى إبراهيم النخعي ~~فقال له: قد عذرتك غير معتذر، إن المعاذير يشوبها الكذب. وقال ابن عباس: " ~~ولو ألقى معاذيره " أي لو تجرد من ثيابه. حكاه الماوردي. # قلت: والأظهر أنه الادلاء بالحجة والاعتذار من الذنب، ومنه قول النابغة: # ها إن ذي عذرة إلا تكن ms6475 نفعت * فإن صاحبها مشارك النكد والدليل على هذا ~~قوله تعالى في الكفار " والله ربنا ما كنا (1) مشركين " [الانعام: 23] ~~وقوله تعالى في المنافقين: " يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون ~~لكم " (2) [المجادلة: 18]. وفي الصحيح أنه يقول: (يا رب آمنت بك وبكتابك ~~وبرسولك، وصليت وصمت وتصدقت، ويثني بخير ما استطاع) الحديث. وقد تقدم في " ~~حم السجدة " (3) وغيرها. والمعاذير والمعاذر: جمع معذرة، ويقال: عذرته فيما ~~صنع أعذره عذرا وعذرا، والاسم المعذرة والعذري، قال الشاعر: (4) * إني حددت ~~ولا عذرى لمحدود * # PageV19P101 # وكذلك العذرة وهي مثل الركبة والجلسة، قال النابغة: # ها إن تا عذرة إلا تكن نفعت * فإن صاحبها قد تاه في البلد (1) وتضمنت هذه ~~الآية خمس مسائل: # الأولى - قال القاضي أبو بكر بن العربي قوله تعالى: " بل الانسان على ~~نفسه بصيرة. ولو ألقى معاذيره ": فيها دليل على قبول إقرار المرء على نفسه، ~~لأنها بشهادة منه عليها، قال الله سبحانه وتعالى: " يوم تشهد عليهم ألسنتهم ~~وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون " [النور: 24] ولا خلاف فيه، لأنه إخبار ~~على وجه تنتفي التهمة عنه، لان العاقل لا يكذب على نفسه، وهي المسألة: # وقد قال سبحانه في كتابه الكريم: " وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما ~~آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال ~~أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من ~~الشاهدين " (2) [آل عمران: 81] ثم قال تعالى: " وآخرون اعترفوا بذنوبهم ~~خلطوا عملا صالحا وآخر (3) سيئا " [التوبة: 102] وهو في الآثار كثير، قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: (اغد يا أنيس على امرأة هذا، فإن اعترفت ~~فارجمها). فأما إقرار الغير على الغير بوارث أو دين فقال مالك: الامر ~~المجتمع عليه عندنا في الرجل يهلك وله بنون، فيقول أحدهم: إن أبي قد أقر أن ~~فلانا ابنه، أن ذلك النسب لا يثبت بشهادة إنسان واحد، ولا يجوز إقرار الذي ~~أقر إلا على نفسه في حصته من مال أبيه، يعطى الذي شهد له قدر الدين (4) ~~الذي يصيبه من المال الذي في يده. قال مالك: ms6476 وتفسير ذلك أن يهلك الرجل ~~ويترك ابنين ويترك ستمائة دينار، ثم يشهد أحدهما بأن أباه الهالك أقر أن ~~فلانا ابنه، فيكون على الذي شهد للذي استحق مائة دينار، وذلك نصف ميراث ~~المستلحق لو لحق، وإن أقر له الآخر أخذ المائة الأخرى فاستكمل حقه وثبت ~~نسبه. وهو أيضا بمنزلة المرأة تقر بالدين على أبيها أو على زوجها # PageV19P102 # وينكر ذلك الورثة، فعليها أن تدفع إلى الذي أقرت له قدر الذي يصيبها من ~~ذلك الدين لو ثبت على الورثة كلهم، إن كانت امرأة فورثت الثمن دفعت إلى ~~الغريم ثمن دينه، وإن كانت ابنة ورثت النصف دفعت إلى الغريم نصف دينه، على ~~حساب هذا يدفع إليه من أقر له من النساء. # الثالثة - لا يصح الاقرار إلا من مكلف، لكن بشرط ألا يكون محجورا عليه، ~~لان الحجر يسقط قوله إن كان لحق نفسه، فإن كان لحق غيره كالمريض كان منه ~~ساقط، ومنه جائز. وبيانه في مسائل الفقه. وللعبد حالتان في الاقرار: ~~إحداهما في ابتدائه، ولا خلاف فيه على الوجه المتقدم. والثانية في انتهائه، ~~وذلك مثل إبهام الاقرار، وله صور كثيرة وأمهاتها ست: الصورة الأولى - أن ~~يقول له عندي شئ، قال الشافعي: # لو فسره بتمرة أو كسرة قبل منه. والذي تقتضيه أصولنا أنه لا يقبل إلا ~~فيما له قدر، فإذا فسره به قبل منه وحلف عليه. الصورة الثانية - أن يفسر ~~هذا بخمر أو خنزير أو ما لا يكون مالا في الشريعة: لم يقبل باتفاق ولو ~~ساعده عليه المقر له. الصورة الثالثة - أن يفسره بمختلف فيه مثل جلد الميتة ~~أو سرقين أو كلب، [فإن الحاكم يحكم عليه في ذلك بما يراه من رد وإمضاء] (1) ~~فإن رده لم يحكم عليه حاكم آخر غيره بشئ، لان الحكم قد نفذ بإبطاله، وقال ~~بعض أصحاب الشافعي: يلزم الخمر والخنزير، وهو قول باطل. وقال أبو حنيفة: ~~إذا قال له علي شئ لم يقبل تفسيره إلا بمكيل أو موزون، لأنه لا يثبت في ~~الذمة بنفسه إلا هما. وهذا ضعيف، فإن غيرهما يثبت في ms6477 الذمة إذا وجب ذلك ~~إجماعا. الصورة الرابعة - إذا قال له: # عندي مال قبل تفسيره بما لا يكون مالا في العادة كالدرهم والدرهمين، ما ~~لم يجئ من قرينة الحال ما يحكم عليه بأكثر منه. الصورة الخامسة - أن يقول ~~له: عندي مال كثير أو عظيم، فقال الشافعي: يقبل في الحبة. وقال أبو حنيفة: ~~لا يقبل إلا في نصاب الزكاة. وقال علماؤنا في ذلك أقوالا مختلفة، منها نصاب ~~السرقة والزكاة والدية وأقله عندي نصاب السرقة، # PageV19P103 # لأنه لا يبان عضو المسلم إلا في مال عظيم. وبه قال أكثر الحنفية. ومن ~~يعجب فيتعجب لقول الليث بن سعد: إنه لا يقبل في أقل من اثنين وسبعين درهما. ~~فقيل له: ومن أين تقول ذلك؟ قال: لان الله تعالى قال: " لقد نصركم الله في ~~مواطن كثيرة ويوم حنين " (1) [التوبة: 25] وغزواته وسراياه كانت اثنتين ~~وسبعين. وهذا لا يصح، لأنه أخرج حنينا منها، وكان حقه أن يقول يقبل في أحد ~~وسبعين، وقد قال الله تعالى: " اذكروا الله ذكرا كثيرا " [الأحزاب: 41]، ~~وقال: " لا خير في كثير من نجواهم " [النساء: 114]، وقال: " وألعنهم لعنا ~~كبيرا " [الأحزاب: 68]. الصورة السادسة - إذا قال له: عندي عشرة أو مائة أو ~~ألف، فإنه يفسرها بما شاء ويقبل منه، فإن قال ألف درهم أو مائة وعبد أو ~~مائة وخمسون درهما فإنه يفسر المبهم ويقبل منه. وبه قال الشافعي: وقال أبو ~~حنيفة: # إن عطف على العدد المبهم مكيلا أو موزونا كان تفسيرا، كقوله: مائة وخمسون ~~درهما، لان الدرهم تفسير للخمسين، والخمسين تفسير للمائة. وقال ابن خيران ~~الإصطخري من أصحاب الشافعي: # الدرهم لا يكون تفسيرا في المائة والخمسين إلا للخمسين خاصة ويفسر هو ~~المائة بما شاء. # المسألة الرابعة - قوله تعالى: " ولو ألقى معاذيره " ومعناه لو اعتذر بعد ~~الاقرار لم يقبل منه. وقد اختلف العلماء فيمن رجع بعد ما أقر في الحدود ~~التي هي خالص حق الله، فقال أكثرهم منهم الشافعي وأبو حنيفة: يقبل رجوعه ~~بعد الاقرار. وقال به مالك في أحد قوليه، وقال في القول الآخر: لا يقبل إلا ~~أن يذكر ms6478 لرجوعه وجها صحيحا. والصحيح جواز الرجوع مطلقا، لما روى الأئمة ~~منهم البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم رد المقر بالزنى مرارا ~~أربعا كل مرة يعرض عنه، ولما شهد على نفسه أربع مرات دعاه النبي صلى الله ~~عليه وسلم وقال: (أبك جنون) قال: لا. قال: (أحصنت) قال: نعم. وفي حديث ~~البخاري: # (لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت). وفي النسائي وأبي داود: حتى قال له في ~~الخامسة (أجامعتها) (2) قال: نعم. قال: (حتى غاب ذلك منك في ذلك منها) قال: ~~نعم. قال: # (كما يغيب المرود في المكحلة والرشاء في البئر). قال: نعم. ثم قال: (هل ~~تدري ما الزنى) قال: نعم، أتيت منها حراما مثل ما يأتي الرجل من أهله ~~حلالا. قال: (فما تريد مني)؟ # PageV19P104 # قال: أريد أن تطهرني. قال: فأمر به فرجم. قال الترمذي وأبو داود: فلما ~~وجد مس الحجارة فر يشتد (1)، فضربه رجل بلحى جمل، وضربه الناس حتى مات. ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # (هلا تركتموه) وقال أبو داود والنسائي: ليتثبت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فأما لترك حد فلا. وهذا كله طريق للرجوع وتصريح بقبوله. وفي قوله ~~عليه السلام: # (لعلك قبلت أو غمزت) إشارة إلى قول مالك: إنه يقبل رجوعه إذا ذكر وجها. # الخامسة - وهذا في الحر المالك لأمر نفسه، فأما العبد فإن إقراره لا يخلو ~~من أحد قسمين: إما أن يقر على بدنه، أو على ما في يده وذمته، فإن أقر على ~~ما في بدنه فيما فيه عقوبة من القتل فما دونه نفذ ذلك عليه. وقال محمد بن ~~الحسن: لا يقبل ذلك منه، لان بدنه مستغرق لحق السيد، وفي إقراره إتلاف حقوق ~~السيد في بدنه، ودليلنا قوله صلى الله عليه وسلم: # (من أصاب من هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر الله، فإن من يبدلنا صفحته ~~نقم عليه الحد). # المعنى: أن محل العقوبة أصل الخلقة، وهي [الدمية] (2) في الآدمية، ولا حق ~~للسيد فيها، وإنما حقه في الوصف والتبع، وهي المالية الطارئة عليه، ألا ترى ~~أنه لو أقر بمال ms6479 لم يقبل، حتى قال أبو حنيفة: إنه لو قال سرقت هذه السلعة ~~أنه لم تقطع يده ويأخذها المقر له. وقال علماؤنا: # السلعة للسيد ويتبع العبد بقيمتها إذا عتق، لان مال العبد للسيد إجماعا، ~~فلا يقبل قوله فيه ولا إقراره عليه، لا سيما وأبو حنيفة يقول: إن العبد لا ~~ملك له ولا يصح أن يملك ولا يملك، ونحن وإن قلنا إنه يصح تملكه. ولكن جميع ~~ما في يده لسيده بإجماع على القولين. والله أعلم. # قوله تعالى: لا تحرك به لسانك لتعجل به (16) إن علينا جمعه وقرآنه (17) ~~فإذا قرأناه فأتبع قرآنه (18) ثم إن علينا بيانه (19) كلا بل تحبون العاجلة ~~(20) وتذرون الآخرة (21) # PageV19P105 # قوله تعالى: (لا تحرك به لسانك لتعجل به) في الترمذي: عن سعيد بن جبير عن ~~ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه القرآن يحرك ~~به لسانه، يريد أن يحفظه، فأنزل الله تبارك وتعالى: " لا تحرك به لسانك ~~لتعجل به " قال: فكان يحرك به شفتيه. وحرك سفيان شفتيه. قال أبو عيسى: هذا ~~حديث حسن صحيح. ولفظ مسلم عن ابن جبير عن ابن عباس قال: كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم يعالج من التنزيل شدة، كان يحرك شفتيه، فقال لي ابن عباس: أنا ~~أحركهما كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحركهما، فقال سعيد: أنا ~~أحركهما كما كان ابن عباس يحركهما، فحرك شفتيه، فأنزل الله عز وجل: " لا ~~تحرك به لسانك لتعجل به. إن علينا جمعه وقرآنه " قال جمعه في صدرك ثم تقرؤه ~~" فإذا قرأناه فاتبع قرآنه " قال فاستمع له وأنصت. ثم إن علينا أن نقرأه، ~~قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إذا أتاه جبريل عليهما ~~السلام استمع، وإذا انطلق جبريل عليه السلام قرأه النبي صلى الله عليه وسلم ~~كما أقرأه، خرجه البخاري أيضا. ونظير هذه الآية قوله تعالى: # " ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه " [طه: 114] (1) وقد تقدم. ~~وقال عامر الشعبي: إنما كان يعجل بذكره إذا نزل عليه من ms6480 حبه له، وحلاوته في ~~لسانه، فنهى عن ذلك حتى يجتمع، لان بعضه مرتبط ببعض، وقيل: كان عليه السلام ~~إذا نزل عليه الوحي حرك لسانه مع الوحي مخافة أن ينساه، فنزلت " ولا تعجل ~~بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه " [طه: 114] ونزل: " سنقرئك فلا تنسى " ~~[الاعلى: 6] ونزل: " لا تحرك به لسانك " قاله ابن عباس: " وقرآنه " أي ~~وقراءته عليك. والقراءة والقرآن في قول الفراء مصدران. وقال قتادة: " فاتبع ~~قرآنه " أي فاتبع شرائعه وأحكامه. وقوله: (ثم إن علينا بيانه) أي تفسير ما ~~فيه من الحدود والحلال والحرام، قاله قتادة. وقيل: ثم إن علينا بيان ما فيه ~~من الوعد والوعيد وتحقيقهما. # وقيل: أي إن علينا أن نبينه بلسانك. قوله تعالى: " كلا " قال ابن عباس: ~~أي إن # PageV19P106 # أبا جهل لا يؤمن بتفسير القرآن وبيانه. وقيل: أي (كلا) لا يصلون ولا ~~يزكون يريد كفار مكة. " بل تحبون " أي بل تحبون يا كفار أهل مكة " العاجلة ~~" أي الدار الدنيا والحياة فيها " وتذرون " أي تدعون " الآخرة " والعمل ~~لها. وفي بعض التفسير قال: الآخرة الجنة. # وقرأ أهل المدينة والكوفيون " بل تحبون " " وتذرون " بالتاء فيهما على ~~الخطاب واختاره أبو عبيد، قال: ولولا الكراهة لخلاف هؤلاء القراء لقرأتها ~~بالياء، لذكر الانسان قبل ذلك. # الباقون بالياء على الخبر، وهو اختيار أبي حاتم، فمن قرأ بالياء فردا على ~~قوله تعالى: " ينبأ الانسان " [القيامة: 13] وهو بمعنى الناس. ومن قرأ ~~بالتاء فعلى أنه واجههم بالتقريع، لان ذلك أبلغ في المقصود، نظيره: " إن ~~هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا " (1) [الانسان: 27]. # قوله تعالى: وجوه يومئذ ناضرة (22) إلى ربها ناظرة (23) ووجوه يومئذ ~~باسرة (24) تظن أن يفعل بها فاقرة (25) قوله تعالى: (وجوه يومئذ ناضرة. إلى ~~ربها ناظرة) الأول من النضرة التي هي الحسن والنعمة. والثاني من النظر أي ~~وجوه المؤمنين مشرقة حسنة ناعمة، يقال: نضرهم الله ينضرهم نضرة ونضارة وهو ~~الاشراق والعيش والغنى، ومنه الحديث (نضر (2) الله امرأ سمع مقالتي ~~فوعاها). " إلى ربها " إلى خالقها ومالكها (ناظرة) أي تنظر إلى ربها على ~~هذا جمهور العلماء. وفي الباب حديث ms6481 صهيب خرجه مسلم وقد مضى في (يونس) عند ~~قوله تعالى: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) (3). وكان ابن عمر يقول: أكرم ~~أهل الجنة على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية، ثم تلا هذه الآية: " وجوه ~~يومئذ ناضرة. إلى ربها ناظرة " وروى يزيد النحوي عن عكرمة قال: تنظر إلى ~~ربها نظرا. وكان الحسن يقول: نضرت وجوههم ونظروا إلى ربهم. # PageV19P107 # وقيل: إن النظر هنا انتظار ما لهم عند الله من الثواب. وروي عن ابن عمر ~~ومجاهد. # وقال عكرمة: تنتظر أمر ربها. حكاه الماوردي عن ابن عمر وعكرمة أيضا. وليس ~~معروفا إلا عن مجاهد وحده. واحتجوا بقوله تعالى: " لا تدركه الابصار وهو ~~يدرك الابصار " [الانعام: 103] وهذا القول ضعيف جدا، خارج عن مقتضى ظاهر ~~الآية والاخبار. وفي الترمذي عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: (إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جنانه وأزواجه وخدمه وسرره ~~مسيرة ألف سنة وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية) ثم قرأ رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " وجوه يومئذ ناضرة. إلى ربها ناظرة " قال هذا ~~حديث غريب. # وقد روى عن ابن عمرو ولم يرفعه. وفي صحيح مسلم عن أبي بكر بن عبد الله بن ~~قيس عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (جنتان من فضة آنيتهما وما ~~فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ~~ربهم عز وجل إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن). وروى جرير بن عبد ~~الله قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم جلوسا، فنظر إلى القمر ~~ليلة البدر فقال: (إنكم سترون ربكم عيانا كما ترون هذا القمر، لا تضامون في ~~رؤيته، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ~~فافعلوا). ثم قرأ " وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب " متفق عليه. ~~وخرجه أيضا أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح. وخرج أبو داود عن أبي ~~رزين العقيلي قال: قلت يا رسول ms6482 الله أكلنا يرى ربه؟ قال ابن معاذ: مخليا به ~~يوم القيامة؟ قال: (نعم يا أبا رزين) قال: وما آية ذلك في خلقه؟ قال: (يا ~~أبا رزين أليس كلكم يرى القمر) قال ابن معاذ: ليلة البدر مخليا به. قلنا: ~~بلى. قال: (فالله أعظم) [قال ابن معاذ قال] (1): # (فإنما هو خلق من خلق الله - يعني القمر - فالله أجل وأعظم). وفي كتاب ~~النسائي عن صهيب قال: (فيكشف الحجاب فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم الله ~~شيئا أحب إليهم من النظر، ولا أقر لأعينهم) وفي التفسير لأبي إسحاق الثعلبي ~~عن الزبير عن جابر قال: # PageV19P108 # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [يتجلى ربنا عز وجل حتى ينظروا إلى ~~وجهه، فيخرون له سجدا، فيقول ارفعوا رءوسكم فليس هذا بيوم عبادة] قال ~~الثعلبي: وقول مجاهد إنها بمعنى تنتظر الثواب من ربها ولا يراه شئ من خلقه، ~~فتأويل مدخول، لان العرب إذا أرادت بالنظر الانتظار قالوا نظرته، كما قال ~~تعالى: " هل ينظرون إلا الساعة " [الزخرف: 66]، " هل ينظرون إلا تأويله " ~~[الأعراف: 53]، و " ما ينظرون إلا صيحة واحدة " [يس: 49] وإذا أرادت به ~~التفكر والتدبر قالوا: # نظرت فيه، فأما إذا كان النظر مقرونا بذكر إلى، وذكر الوجه فلا يكون إلا ~~بمعنى الرؤية والعيان. # وقال الأزهري: إن قول مجاهد تنتظر ثواب ربها خطأ، لأنه لا يقال نظر إلى ~~كذا بمعنى الانتظار، وإن قول القائل: نظرت إلى فلان ليس إلا رؤية عين، كذلك ~~تقوله العرب، لأنهم يقولون نظرت إليه: إذا أرادوا نظر العين، فإذا أرادوا ~~الانتظار قالوا نظرته، قال: # فإنكما إن تنظراني ساعة * من الدهر تنفعني لدى أم جندب لما أراد الانتظار ~~قال تنظراني، ولم يقل تنظران إلي، وإذا أرادوا نظر العين قالوا: نظرت إليه، ~~قال: # نظرت إليها والنجوم كأنها * مصابيح رهبان تشب لقفال (1) وقال آخر: # نظرت إليها بالمحصب من منى * ولي نظر (2) لولا التحرج عارم وقال آخر: # إني إليك لما وعدت لناظر * نظر الفقير إلى الغني الموسر أي إني أنظر إليك ~~بذل، لان نظر الذل والخضوع أرق لقلب المسؤول، فأما ما استدلوا ms6483 به من قوله ~~تعالى: " لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار " [الانعام: 103] فإنما ذلك # PageV19P109 # في الدنيا. وقد مضى القول فيه (1) في موضعه مستوفى. وقال عطية العوفي: ~~ينظرون إلى الله لا تحيط أبصارهم به من عظمته، ونظره يحيط بها، يدل عليه: " ~~لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار " [الانعام: 103] قال القشيري أبو نصر: ~~وقيل: " إلى " واحد الآلاء: أي نعمه منتظرة وهذا أيضا باطل، لان واحد ~~الآلاء يكتب بالألف لا بالياء، ثم الآلاء: نعمه الدفع (2)، وهم في الجنة لا ~~ينتظرون دفع نقمه عنهم، والمنتظر للشئ متنغص العيش، فلا يوصف أهل الجنة ~~بذلك. وقيل: أضاف النظر إلى الوجه، وهو كقوله تعالى: " تجري من تحتها ~~الأنهار " [المائدة: 119] والماء يجري في النهر لا النهر. ثم قد يذكر الوجه ~~بمعنى العين، قال الله تعالى: " فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا " [يوسف: 93] ~~أي على عينيه. ثم لا يبعد قلب العادة غدا، حتى يخلق الرؤية والنظر في ~~الوجه، وهو كقوله تعالى: " أفمن يمشي مكبا على وجهه " [الملك: 22]، فقيل: ~~يا رسول الله! كيف يمشون في النار على وجوههم؟ قال: [الذي أمشاهم على ~~أقدامهم قادر أن يمشيهم على وجوههم]. # (ووجوه يومئذ باسرة) أي وجوه الكفار يوم القيامة كالحة كاسفة عابسة. وفي ~~الصحاح: # وبسر الفحل الناقة وابتسرها: إذا ضربها من غير ضبعة (3). وبسر الرجل وجهه ~~بسورا أي كلح، يقال: عبس وبسر. وقال السدي: " باسرة " أي متغيرة والمعنى ~~واحد. (تظن أن يفعل بها فاقرة) أي توقن وتعلم، والفاقرة: الداهية والامر ~~العظيم، يقال: فقرته الفاقرة: أي كسرت فقار ظهره. قال معناه مجاهد وغيره. ~~وقال قتادة: الفاقرة الشر. السدي: الهلاك. # ابن عباس وابن زيد: دخول النار. والمعنى متقارب وأصلها الوسم على أنف ~~البعير بحديدة أو نار حتى يخلص إلى العظم، قاله الأصمعي. يقال: فقرت أنف ~~البعير: إذا حززته بحديدة ثم جعلت على موضع الحز الجرير (4) وعليه وتر ~~ملوي، لتذلله بذلك وتروضه، ومنه قولهم: # قد عمل به الفاقرة. وقال النابغة: # أبى لي قبر لا يزال مقابلي * وضربة فأس فوق رأسي فاقره أي كاسرة. # PageV19P110 # قوله تعالى: كلا إذا ms6484 بلغت التراقي (26) وقيل من راق (27) وظن أنه الفراق ~~(28) والتفت الساق بالساق (29) إلى ربك يومئذ المساق (30) قوله تعالى: (كلا ~~إذا بلغت التراق) " كلا " ردع وزجر، أي بعيد أن يؤمن الكافر بيوم القيامة، ~~ثم استأنف فقال: " إذا بلغت التراقي " أي بلغت النفس أو الروح التراقي، ~~فأخبر عما لم يجر له ذكر، لعلم المخاطب به، كقوله تعالى: " حتى توارت ~~بالحجاب " [ص: 32] وقوله تعالى: # " فلولا إذا بلغت الحلقوم " [الواقعة: 83] وقد تقدم (1). وقيل: " كلا " ~~معناه حقا، أي حقا أن المساق إلى الله " إذا بلغت التراقي " أي إذا ارتقت ~~النفس إلى التراقي. وكان ابن عباس يقول: إذا بلغت نفس الكافر التراقي. ~~والتراقي جمع ترقوة وهي العظام المكتنفة لنقرة النحر، وهو مقدم الحلق من ~~أعلى الصدر، موضع الحشرجة، قال دريد بن الصمة (2). # ورب عظيمة دافعت عنهم * وقد بلغت نفوسهم التراقي وقد يكنى عن الاشفاء على ~~الموت ببلوغ النفس التراقي، والمقصود تذكيرهم شدة الحال عند نزول الموت. # قوله تعالى: (وقيل من راق) اختلف فيه، فقيل: هو من الرقية، عن ابن عباس ~~وعكرمة وغيرهما. روي سماك عن عكرمة قال: من راق يرقي: أي يشفي. وروى ميمون ~~بن مهران عن ابن عباس: أي هل من طبيب يشفيه، وقاله أبو قلابة وقتادة، وقال ~~الشاعر: # هل للفتى من بنات الدهر من واق * أم هل له من حمام الموت من راق # PageV19P111 # وكان هذا على وجه الاستبعاد واليأس، أي من يقدر أن يرقي من الموت. وعن ~~ابن عباس أيضا وأبي الجوزاء أنه من رقي يرقى: إذا صعد، والمعنى: من يرقى ~~بروحه إلى السماء؟ # أملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب؟ وقيل: إن ملك الموت يقول من راق؟ أي من ~~يرقى بهذه النفس، وذلك أن نفس الكافر تكره الملائكة قربها، فيقول ملك ~~الموت: يا فلان اصعد بها. وأظهر عاصم وقوم النون في قوله تعالى: " من راق " ~~واللام في قوله: " بل ران " لئلا يشبه مراق وهو بائع المرقة، وبران في ~~تثنية البر. والصحيح ترك الاظهار، وكسرة القاف في " من راق "، وفتحة النون ~~في " بل ران " تكفى في زوال ms6485 اللبس. وأمثل مما ذكر: قصد الوقف على " من " و ~~" بل "، فأظهرهما، قاله القشيري. # قوله تعالى: " وظن " أي أيقن الانسان " أنه الفراق " أي فراق الدنيا ~~والأهل والمال والولد، وذلك حين عاين الملائكة. قال الشاعر: # فراق ليس يشبهه فراق * قد انقطع الرجاء عن التلاق (والتفت الساق بالساق) ~~أي فاتصلت الشدة بالشدة، شدة آخر الدنيا بشدة أول الآخرة، قاله ابن عباس ~~والحسن وغيرهما. وقال الشعبي وغيره: المعنى التفت ساقا الانسان عند الموت ~~من شدة الكرب. وقال قتادة: أما رأيته إذا أشرف على الموت يضرب إحدى رجليه ~~على الأخرى. # وقال سعيد بن المسيب والحسن أيضا: هما ساقا الانسان إذا التفتا في الكفن. ~~وقال زيد ابن أسلم: التفت ساق الكفن بساق الميت. وقال الحسن أيضا: ماتت ~~رجلاه ويبست ساقاه فلم تحملاه، ولقد كان عليهما جوالا. قال النحاس: القول ~~الأول أحسنها. وروى علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس: " والتفت الساق بالساق " ~~قال: آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة، فتلتقي الشدة بالشدة إلا من ~~رحمه الله، أي شدة كرب الموت بشدة هول المطلع، والدليل على هذا قوله تعالى: ~~" إلى ربك يومئذ المساق " وقال. مجاهد: # بلاء ببلاء. يقول: تتابعت عليه الشدائد. وقال الضحاك وابن زيد: اجتمع ~~عليه أمران شديدان: الناس يجهزون جسده، والملائكة يجهزون روحه، والعرب لا ~~تذكر الساق إلا في المحن PageV19P112 # والشدائد العظام، ومنه قولهم: قامت الدنيا على ساق، وقامت الحرب على ساق. # قال الشاعر: # * وقامت الحرب بنا على ساق (1) * وقد مضى هذا المعنى في آخر سورة " ن (2) ~~والقلم ". وقال قوم: الكافر تعذب روحه عند خروج نفسه، فهذه الساق الأولى، ~~ثم يكون بعدهما ساق البعث وشدائده " إلى ربك " أي إلى خالقك " يومئذ " أي ~~يوم القيامة " المساق " أي المرجع. وفي بعض التفاسير قال: # يسوقه ملكه الذي كان يحفظ عليه السيئات. والمساق: المصدر من ساق يسوق، ~~كالمقال من قال يقول. # قوله تعالى: فلا صدق ولا صلى (31) ولكن كذب وتولى (32) ثم ذهب إلى أهله ~~يتمطى (33) أولى لك فأولى (34) ثم أولى لك فأولى (35) قوله تعالى: (فلا صدق ~~ولا ms6486 صلى) أي لم يصدق أبو جهل ولم يصل. وقيل: يرجع هذا إلى الانسان في أول ~~السورة، وهو اسم جنس. والأول قول ابن عباس. أي لم يصدق بالرسالة " ولا صلى ~~" ودعا لربه، وصلى على رسوله. وقال قتادة: فلا صدق بكتاب الله، ولا صلى ~~لله. وقيل: ولا صدق بمال له، ذخرا له عند الله، ولا صلى الصلوات التي أمره ~~الله بها. وقيل: فلا آمن بقلبه ولا عمل ببدنه. قال الكسائي: " لا " بمعنى ~~لم ولكنه يقرن بغيره، تقول العرب: لا عبد الله خارج ولا فلان، ولا تقول: ~~مررت برجل لا محسن حتى يقال ولا مجمل، وقوله تعالى: " فلا اقتحم العقبة " ~~[البلد: 11] ليس من هذا القبيل، لان معناه أفلا أقتحم، أي فهلا اقتحم، فحذف ~~ألف الاستفهام. وقال الأخفش: # " فلا صدق " أي لم يصدق، كقوله: " فلا اقتحم " أي لم يقتحم، ولم يشترط أن ~~يعقبه # PageV19P113 # بشئ آخر، والعرب تقول: لا ذهب، أي لم يذهب، فحرف النفي ينفى الماضي كما ~~ينفي المستقبل، ومنه قول زهير: # * فلا هو أبداها ولم يتقدم (1) * قوله تعالى: (ولكن كذب وتولى) أي كذب ~~بالقرآن وتولى عن الايمان (ثم ذهب إلى أهله يتمطى) أي يتبختر، افتخارا ~~بذلك، قاله مجاهد وغيره. مجاهد: المراد به أبو جهل. # وقيل: " يتمطى " من المطا وهو الظهر، والمعنى يلوي مطاه. وقيل: أصله ~~يتمطط، وهو التمدد من التكسل والتثاقل، فهو يتثاقل عن الداعي إلى الحق، ~~فأبدل من الطاء ياء كراهة التضعيف، والتمطي يدل على قلة الاكتراث، وهو ~~التمدد، كأنه يمد ظهره ويلويه من التبختر. والمطيطة الماء الخاثر في أسفل ~~الحوض، لأنه يتمطى أي يتمدد، وفي الخبر: (إذا مشت أمتي المطيطاء (2) ~~وخدمتهم فارس والروم كان بأسهم بينهم ". والمطيطاء: التبختر ومد اليدين في ~~المشي. # قوله تعالى: (أولى لك فأولى. ثم أولى لك فأولى): تهديد بعد تهديد، ووعيد ~~بعد وعيد، أي فهو وعيد أربعة لأربعة، كما روى أنها نزلت في أبي جهل الجاهل ~~بربه فقال: " فلا صدق ولا صلى. ولكن كذب وتولى " أي لا صدق رسول الله، ولا ~~وقف بين يدي فصلى، ولكن كذب ms6487 رسولي، وتولى عن التصلية بين يدي. فترك التصديق ~~خصلة، والتكذيب خصلة، وترك الصلاة خصلة، والتولي عن الله تعالى خصلة، فجاء ~~الوعيد أربعة مقابلة لترك الخصال الأربعة. والله أعلم. لا يقال: فإن قوله: ~~" ثم ذهب إلى أهله يتمطى " خصلة خامسة، فإنا نقول: تلك كانت عادته قبل ~~التكذيب والتولي، فأخبر عنها. وذلك بين في قول قتادة على ما نذكره. وقيل: ~~إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من المسجد ذات يوم، (3) فاستقبله أبو ~~جهل على باب المسجد، مما يلي باب بني مخزوم، فأخذ رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # PageV19P114 # بيده، فهزه مرة أو مرتين ثم قال: (أولى لك فأولى) فقال له أبو جهل: ~~أتهددني؟ # فوالله إني لأعز أهل الوادي وأكرمه. ونزل على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كما قال لأبي جهل. وهي كلمة وعيد. قال الشاعر: # فأولى ثم أولى ثم أولى * وهل للدر يحلب من مرد قال قتادة: أقبل أبو جهل ~~بن هشام يتبختر، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بيده فقال: # [أولى لك فأولى، ثم أولى لك فأولى]. فقال: ما تستطيع أنت ولا ربك لي ~~شيئا، إني لأعز من بين جبليها. فلما كان يوم بدر أشرف على المسلمين فقال: ~~لا يعبد الله بعد هذا اليوم أبدا. # فضرب الله عنقه، وقتله شر قتلة. وقيل: معناه: الويل لك، ومنه قول ~~الخنساء: # هممت بنفسي كل الهموم * فأولى لنفسي أولى لها سأحمل نفسي على آلة (1) * ~~فإما عليها وإما لها الآلة: الحالة، والآلة: السرير أيضا الذي يحمل عليه ~~الميت، وعلى هذا التأويل قيل: # هو من المقلوب، كأنه قيل: أويل، ثم أخر الحرف المعتل، والمعنى: الويل لك ~~حيا، والويل لك ميتا، والويل لك يوم البعث، والويل لك يوم تدخل النار، وهذا ~~التكرير كما قال (2): # * لك الويلات إنك مرجلي * أي لك الويل، ثم الويل، ثم الويل، وضعف هذا ~~القول. وقيل: معناه الذم لك، أولى من تركه، إلا أنه كثير في الكلام فحذف. ~~وقيل: المعنى أنت أولى وأجدر بهذا العذاب. # وقال أبو العباس أحمد بن يحيى: قال ms6488 الأصمعي " أولى " في كلام العرب معناه ~~مقاربة الهلاك، كأنه يقول: قد وليت الهلاك، قد دانيت الهلاك، وأصله من ~~الولي، وهو القرب، # PageV19P115 # قال الله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار " ~~[التوبة: 123] أي يقربون منكم، وأنشد الأصمعي: # * وأولى أن يكون له الولاء * أي قارب أن يكون له، وأنشد أيضا: # * أولى لمن هاجت له أن يكمدا * أي قد دنا صاحبها [من] (1) الكمد. وكان ~~أبو العباس ثعلب يستحسن قول الأصمعي ويقول: ليس أحد يفسر كتفسير الأصمعي. ~~النحاس: العرب تقول أولى لك: كدت تهلك ثم أفلت، وكأن تقديره: أولى لك وأولى ~~بك الهلكة. المهدوي قال: ولا تكون أولى (أفعل منك)، وتكون خبر مبتدأ محذوف، ~~كأنه قال: الوعيد أولى له من غيره، لان أبا زيد (2) قد حكى: أولاة الآن: # إذا أو عدوا. فدخول علامة التأنيث دليل على أنه ليس كذلك. و " لك " خبر ~~عن " أولى ". # ولم ينصرف " أولى " لأنه صار علما للوعيد، فصار كرجل اسمه أحمد. وقيل: ~~التكرير فيه على معنى ألزم لك على عملك السئ الأول، ثم على الثاني، ~~والثالث، والرابع، كما تقدم. # قوله تعالى: أيحسب الانسان أن يترك سدى (36) ألم يك نطفة من منى يمنى ~~(37) ثم كان علقة فخلق فسوى (38) فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى (39) أليس ~~ذلك بقادر على أن يحيى الموتى (40) قوله تعالى: (أيحسب الانسان) أي يظن ابن ~~آدم " أن يترك سدى " أي أن يخلى مهملا، فلا يؤمر ولا ينهى، قاله ابن زيد ~~ومجاهد، ومنه إبل سدى: ترعى بلا راع. وقيل: # أيحسب أن يترك في قبره كذلك أبدا لا يبعث. وقال الشاعر: # فأقسم بالله جهد اليمين * ما ترك الله شيئا سدى # PageV19P116 # قوله تعالى: (ألم يك نطفة من منى يمنى) أي من قطرة ماء تمنى في الرحم، أي ~~تراق فيه، ولذلك سميت (مني) لإراقة الدماء. وقد تقدم (1). والنطفة: الماء ~~القليل، يقال: نطف الماء: إذا قطر. أي ألم يك ماء قليلا في صلب الرجل ~~وترائب المرأة. وقرأ حفص " من مني يمنى " بالياء، وهي قراءة ابن محيصن ~~ومجاهد ويعقوب وعياش عن أبي ms6489 عمرو، واختاره أبو عبيد لأجل المني. الباقون ~~بالتاء لأجل النطفة، واختاره أبو حاتم. " ثم كان علقة " أي دما بعد النطفة، ~~أي قد رتبه تعالى بهذا كله على خسة قدره. ثم قال: " فخلق " أي فقدر " فسوى ~~" أي فسواه تسوية، وعدله تعديلا، بجعل الروح فيه " فجعل منه " أي من ~~الانسان. وقيل: من المني. " الزوجين الذكر والأنثى " أي الرجل والمرأة. وقد ~~احتج بهذا من رأى إسقاط الخنثى. وقد مضى في سورة " الشورى " (2) أن هذه ~~الآية وقرينتها إنما خرجتا مخرج الغالب. وقد مضى في أول سورة " النساء " ~~(3) أيضا القول فيه، وذكرنا في آية المواريث حكمه، فلا معنى لإعادته " أليس ~~ذلك بقادر " أي أليس الذي قدر على خلق هذه النسمة (4) من قطرة من ماء " ~~بقادر على أن يحيي الموتى " أي على أن يعيد هذه الأجسام كهيئتها للبعث بعد ~~البلى. وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا قرأها قال: ~~[سبحانك اللهم، بلى] وقال ابن عباس. من قرأ " سبح اسم ربك الاعلى " ~~[الاعلى: 1] إماما كان أو غيره فليقل: " سبحان ربي الاعلى " ومن قرأ " لا ~~أقسم بيوم القيامة " [القيامة: 1] إلى آخرها إماما كان أو غيره فليقل: " ~~سبحانك اللهم بلى " (5) ذكره الثعلبي من حديث أبي إسحاق السبيعي عن سعيد ~~ابن جبير عن ابن عباس. ختمت السورة والحمد (6) لله. # PageV19P117 # سورة الانسان وهي إحدى وثلاثون آية مكية في قول ابن عباس ومقاتل والكلبي. ~~وقال الجمهور: مدنية. وقيل: فيها مكي، من قوله تعالى: " إنا نحن نزلنا عليك ~~القرآن تنزيلا " (1) [الانسان: 23] إلى آخر السورة، وما تقدمه مدني. # وذكر ابن وهب قال: وحدثنا ابن زيد قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ليقرأ " هل أتى على الانسان حين من الدهر " وقد أنزلت عليه وعنده رجل أسود ~~كان يسأل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له عمر بن الخطاب: لا تثقل على ~~النبي صلى الله عليه وسلم، قال: # (دعه يا بن الخطاب) قال: فنزلت عليه هذه السورة وهو عنده، فلما قرأها ~~عليه وبلغ صفة الجنان زفر زفرة فخرجت نفسه. فقال ms6490 رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: (أخرج نفس صاحبكم - أو أخيكم - الشوق إلى الجنة) وروي عن ابن عمر ~~بخلاف هذا اللفظ، وسيأتي. # وقال القشيري: إن هذه السورة نزلت في علي بن طالب رضي الله عنه. والمقصود ~~من السورة عام. وهكذا القول في كل ما يقال إنه نزل بسبب كذا وكذا. # بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: هل أتى على الانسان حين من الدهر لم ~~يكن شيئا مذكورا (1) إنا خلقنا الانسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا ~~بصيرا (2) إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا (3) قوله تعالى: (هل أتى ~~على الانسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا) " هل ": # بمعنى (2) قد، قاله الكسائي والفراء وأبو عبيدة. وقد حكى عن سيبويه " هل ~~" بمعنى قد. # PageV19P118 # قال الفراء: هل تكون جحدا، وتكون خبرا، فهذا من الخبر، لأنك تقول: هل ~~أعطيتك؟ تقرره بأنك أعطيته. والجحد أن تقول: هل يقدر أحد على مثل هذا؟ ~~وقيل: هي بمنزلة الاستفهام، والمعنى: أتى. والانسان هنا آدم عليه السلام، ~~قاله قتادة والثوري وعكرمة والسدي. وروى عن ابن عباس. " حين من الدهر " قال ~~ابن عباس في رواية أبي صالح: أربعون سنة مرت به، قبل أن ينفخ فيه الروح، ~~وهو ملقى بين مكة والطائف. وعن ابن عباس أيضا في رواية الضحاك أنه خلق من ~~طين، فأقام أربعين سنة، ثم من حمإ مسنون أربعين سنة، ثم من صلصال أربعين ~~سنة، فتم خلقه بعد مائة وعشرين سنة. وزاد ابن مسعود فقال: أقام وهو من تراب ~~أربعين سنة، فتم خلقه بعد مائة وستين سنة، ثم نفخ فيه الروح. وقيل: الحين ~~المذكور ها هنا: لا يعرف مقداره، عن ابن عباس أيضا، حكاه الماوردي. " لم ~~يكن شيئا مذكورا " قال الضحاك عن ابن عباس: لا في السماء ولا في الأرض. ~~وقيل: أي كان جسدا مصورا ترابا وطينا، لا يذكر ولا يعرف، ولا يدرى ما اسمه ~~ولا ما يراد به، ثم نفخ فيه الروح، فصار مذكورا، قال الفراء وقطرب وثعلب. ~~وقال يحيى بن سلام: لم يكن شيئا مذكورا في ms6491 الخلق وإن كان عند الله شيئا ~~مذكورا. وقيل: ليس هذا الذكر بمعنى الاخبار، فإن إخبار الرب عن الكائنات ~~قديم، بل هذا الذكر بمعنى الخطر والشرف والقدر، تقول: # فلان مذكور أي له شرف وقدر. وقد قال تعالى: " وإنه لذكر لك ولقومك " ~~[الزخرف: 44]. أي قد أتى على الانسان حين لم يكن له قدر عند الخليقة. ثم ~~لما عرف الله الملائكة أنه جعل آدم خليفة، وحمله الأمانة التي عجز عنها ~~السماوات والأرض والجبال، ظهر فضله على الكل، فصار مذكورا. قال القشيري: ~~وعلى الجملة ما كان مذكورا للخلق، وإن كان مذكورا لله. وحكى محمد بن الجهم ~~عن الفراء: " لم يكن شيئا " قال: كان شيئا ولم يكن مذكورا. وقال قوم: # النفي يرجع إلى الشئ، أي قد مضى مدد من الدهر وآدم لم يكن شيئا يذكر في ~~الخليقة، لأنه آخر ما خلقه من أصناف الخليقة، والمعدوم ليس بشئ حتى يأتي ~~عليه حين. والمعنى: # قد مضت عليه أزمنة وما كان آدم شيئا ولا مخلوقا ولا مذكورا لاحد من ~~الخليقة. وهذا معنى قول قتادة ومقاتل: قال قتادة: إنما خلق الانسان حديثا ~~ما نعلم من خليقة الله جل ثناؤه خليقة PageV19P119 # كانت بعد الانسان. وقال مقاتل: في الكلام تقديم وتأخير، وتقديره: هل أتى ~~حين من الدهر لم يكن الانسان شيئا مذكورا، لأنه خلقه بعد خلق الحيوان كله، ~~ولم يخلق بعده حيوانا. # وقد قيل: " الانسان " في قوله تعالى " هل أتى على الانسان حين " عني به ~~الجنس من ذرية آدم، وأن الحين تسعة أشهر، مدة حمل الانسان في بطن أمه " لم ~~يكن شيئا مذكورا ": # إذ كان علقة ومضغة، لأنه في هذه الحالة جماد لا خطر له. وقال أبو بكر رضي ~~الله عنه لما قرأ هذه الآية: ليتها تمت فلا نبتلى. أي ليت المدة التي أتت ~~على آدم لم تكن شيئا مذكورا تمت على ذلك، فلا يلد ولا يبتلى أولاده. وسمع ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلا يقرأ " هل أتى على الانسان حين من الدهر ~~لم يكن شيئا مذكورا " فقال ليتها تمت. ms6492 # قوله تعالى: " إنا خلقنا الانسان " أي ابن آدم من غير خلاف " من نطفة " ~~أي من ماء يقطر وهو المني، وكل ماء قليل في وعاء فهو نطفة، كقول عبد الله ~~بن رواحة يعاتب نفسه: # مالي أراك تكرهين الجنة * هل أنت إلا نطفة في شنه (1) وجمعها: نطف ونطاف. ~~(أمشاج): أخلاط. واحدها: مشج ومشيج، مثل خدن وخدين، قال: رؤبة: # يطرحن كل معجل نشاج * لم يكس جلدا في دم أمشاج ويقال: مشجت هذا بهذا أي ~~خلطته، فهو ممشوج ومشيج، مثل مخلوط وخليط. وقال المبرد: واحد الأمشاج: ~~مشيج، يقال: مشج يمشج: إذا خلط، وهو هنا اختلاط النطفة بالدم، قال الشماخ: # طوت أحشاء مرتجة لوقت * على مشج سلالته مهين وقال الفراء: أمشاج: أخلاط ~~ماء الرجل وماء المرأة، والدم والعلقة. ويقال للشئ من هذا إذا خلط: مشيج ~~كقولك خليط، وممشوج كقولك مخلوط. وروى عن ابن عباس رضي الله عنه # PageV19P120 # قال: الأمشاج: الحمرة في البياض، والبياض في الحمرة. وهذا قول يختاره ~~كثير من أهل اللغة، قال الهذلي (1): # كأن الريش والفوقين منه * خلاف النصل سيط به مشيج وعن (2) ابن عباس أيضا ~~قال: يختلط ماء الرجل وهو أبيض غليظ بماء المرأة وهو أصفر رقيق فيخلق منهما ~~الولد، فما كان من عصب وعظم وقوة فهو من ماء الرجل، وما كان من لحم ودم ~~وشعر فهو من ماء المرأة. وقد روى هذا مرفوعا، ذكره البزار. وروى عن ابن ~~مسعود: # أمشاجها عروق المضغة. وعنه: ماء الرجل وماء المرأة وهما لونان. وقال ~~مجاهد: نطفة الرجل بيضاء وحمراء ونطفة المرأة خضراء وصفراء. وقال ابن عباس: ~~خلق من ألوان، خلق من تراب، ثم من ماء الفرج والرحم، وهي نطفة ثم علقة ثم ~~مضغة ثم عظم ثم لحم. ونحوه قال قتادة: هي أطوار الخلق: طور وطور علقة وطور ~~مضغة عظام ثم يكسو العظام لحما، كما قال في سورة " المؤمنون " " ولقد خلقنا ~~الانسان من سلالة من طين " [المؤمنون: 12] الآية. وقال ابن السكيت: # الأمشاج الأخلاط، لأنها ممتزجة من أنواع فخلق الانسان منها ذا طبائع ~~مختلفة. وقال أهل المعاني: الأمشاج ms6493 ما جمع وهو في معنى الواحد، لأنه نعت ~~للنطفة، كما يقال: برمة أعشار وثوب أخلاق. وروي عن أبي أيوب الأنصاري: قال ~~جاء حبر من اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أخبرني عن ماء الرجل ~~وماء المرأة؟ فقال: [ماء الرجل أبيض غليظ وماء المرأة أصفر رقيق فإذا علا ~~ماء المرأة آنثت وإذا علا ماء الرجل أذكرت] فقال الحبر: أشهد أن لا إله إلا ~~الله وأنك رسول الله. وقد مضى هذا القول مستوفى في سورة " البقرة ". # (نبتليه) أي نختبره. وقيل: نقدر فيه الابتلاء وهو الاختبار. وفيما يختبر ~~به وجهان: أحدهما - # PageV19P121 # نختبره بالخير والشر، قال الكلبي. الثاني - نختبر شكره في السراء وصبره ~~في الضراء، قاله الحسن. # وقيل: " نبتليه " نكلفه. وفيه أيضا وجهان: أحدهما - بالعمل بعد الخلق، ~~قاله مقاتل. # الثاني - بالدين ليكون مأمورا بالطاعة ومنهيا عن المعاصي. وروى عن ابن ~~عباس: " نبتليه ": # نصرفه خلقا بعد خلق، لنبتليه بالخير والشر. وحكى محمد بن الجهم عن الفراء ~~قال: المعنى والله أعلم (فجعلناه سميعا بصيرا) لنبتليه، وهي مقدمة معناها ~~التأخير. # قلت: لان الابتلاء لا يقع إلا بعد تمام الخلقة. وقيل: " جعلناه سميعا ~~بصيرا ": يعني جعلنا له سمعا يسمع به الهدى، وبصرا يبصر به الهدى. # قوله تعالى: (إنا هديناه السبيل) أي بينا له وعرفناه طريق الهدى والضلال، ~~والخير والشر ببعث الرسل، فآمن أو كفر، كقوله تعالى: " وهديناه النجدين " ~~[البلد: 10]. وقال مجاهد: أي بينا له السبيل إلى الشقاء والسعادة. وقال ~~الضحاك وأبو صالح والسدي: # السبيل هنا خروجه من الرحم. وقيل: منافعه ومضاره التي يهتدي إليها بطبعه ~~وكمال عقله. # (إما شاكرا وإما كفورا) أي أيهما فعل فقد بينا له. قال الكوفيون: " إن " ~~ها هنا تكون جزاء و " ما " زائدة أي بينا له الطريق إن شكر أو كفر. واختاره ~~الفراء ولم يجزه البصريون، إذ لا تدخل " إن " للجزاء على الأسماء إلا أن ~~يضمر بعدها فعل. وقيل: # أي هديناه الرشد، أي بينا له سبيل التوحيد بنصب الأدلة عليه، ثم إن خلقنا ~~له الهداية اهتدى وآمن، وإن خذلناه كفر. وهو كما ms6494 تقول: قد نصحت لك، إن شئت ~~فاقبل، وإن شئت فاترك، أي فإن شئت، فتحذف الفاء. وكذا " إما شاكرا " والله ~~أعلم. ويقال: هديته السبيل وللسبيل وإلى السبيل. وقد تقدم في " الفاتحة " ~~(1) وغيرها. وجمع بين الشاكر والكفور، ولم يجمع بين الشكور والكفور مع ~~اجتماعهما في معنى المبالغة، نفيا للمبالغة في الشكر وإثباتا لها في الكفر، ~~لان شكر الله تعالى لا يؤدى، فانتفت عنه المبالغة، ولم تنتف عن الكفر ~~المبالغة، فقل شكره، لكثرة النعم عليه (2) وكثرة كفره وإن قل مع الاحسان ~~إليه. حكاه الماوردي. # PageV19P122 # قوله تعالى: إنا أعتدنا للكافرين سلاسلا وأغلالا وسعيرا (4) قوله تعالى: ~~(إنا أعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالا وسعيرا) بين حال الفريقين، وأنه تعبد ~~العقلاء وكلفهم ومكنهم مما أمرهم، فمن كفر فله العقاب، ومن وحد وشكر فله ~~الثواب. والسلاسل: القيود في جهنم طول كل سلسلة سبعون ذراعا كما مضى في " ~~الحاقة " (1). # وقرأ نافع والكسائي وأبو بكر عن عاصم وهشام عن ابن عامر " سلاسلا " ~~منونا. الباقون بغير تنوين. ووقف قنبل وابن كثير وحمزة بغير ألف. الباقون ~~بالألف. فأما " قوارير " الأول فنونه نافع وابن كثير والكسائي وأبو بكر عن ~~عاصم، ولم ينون الباقون. ووقف فيه يعقوب وحمزة بغير ألف. والباقون بالألف. ~~وأما " قوارير " الثانية فنونه أيضا نافع والكسائي وأبو بكر، ولم ينون ~~الباقون. فمن نون قرأها بالألف، ومن لم ينون أسقط منها الألف، واختار أبو ~~عبيد التنوين في الثلاثة، والوقف بالألف اتباعا لخط المصحف، قال: # رأيت في مصحف عثمان " سلاسلا " بالألف و " وقواريرا " الأول بالألف، وكان ~~الثاني مكتوبا بالألف فحكت فرأيت أثرها هناك بينا. فمن صرف فله أربع حجج: ~~أحدها - أن الجموع أشبهت الآحاد فجمعت جمع الآحاد، فجعلت في حكم الآحاد ~~فصرفت. الثانية - أن الأخفش حكى عن العرب صرف جميع ما لا ينصرف إلا أفعل ~~منك، وكذا قال الكسائي والفراء: هو على لغة من يجر الأسماء كلها إلا قولهم ~~هو أظرف منك فإنهم لا يجرونه، وأنشد ابن الأنباري في ذلك قول عمرو بن ~~كلثوم: # كأن سيوفنا فينا وفيهم * مخاريق بأيدي لاعبينا وقال لبيد: # وجزور ms6495 أيسار دعوت لحتفها * بمغالق متشابه أجسامها وقال لبيد أيضا: # فضلا وذو كرم يعين على الندى * سمح كسوب رغائب غنامها # PageV19P123 # فصرف مخاريق ومغالق ورغائب، وسبيلها ألا تصرف. والحجة الثالثة - أن يقول ~~نونت قوارير الأول لأنه رأس آية، ورؤوس الآي جاءت بالنون، كقوله عز وجل: " ~~مذكورا ". # " سميعا بصيرا " فنونا الأول ليوقف بين رؤوس الآي، ونونا الثاني على ~~الجوار للأول. والحجة الرابعة - اتباع المصاحف، وذلك أنهما جميعا في مصاحف ~~مكة والمدينة والكوفة بالألف. # وقد احتج من لم يصرفهن بأن قال: إن كل جمع بعد الألف منه ثلاثة أحرف أو ~~حرفان أو حرف مشدد لم يصرف في معرفة ولا نكرة، فالذي بعد الألف منه ثلاثة ~~أحرف قولك: # قناديل ودنانير ومناديل، والذي بعد الألف منه حرفان قول الله عز وجل: " ~~لهدمت صوامع " [الحج: 40] لان بعد الألف منه حرفين، وكذلك قوله: " ومساجد ~~يذكر فيها اسم الله كثيرا " [الحج: 40]. # والذي بعد الألف منه حرف مشدد شواب ودواب. وقال خلف: سمعت يحيى بن آدم ~~يحدث عن ابن إدريس قال: في المصاحف الأول الحرف الأول بالألف والثاني بغير ~~ألف، فهذا حجة لمذهب حمزة. وقال خلف: رأيت في مصحف ينسب إلى قراءة ابن ~~مسعود الأول بالألف والثاني بغير ألف. وأما أفعل منك فلا يقول أحد من العرب ~~في شعره ولا في غيره هو أفعل منك منونا، لان من تقوم مقام الإضافة فلا يجمع ~~بين تنوين وإضافة في حرف، لأنهما دليلان من دلائل الأسماء ولا يجمع بين ~~دليلين، قاله الفراء وغيره. # قوله تعالى: " وأغلالا " جمع غل تغل بها أيديهم إلى أعناقهم. وعن جبير بن ~~نفير عن أبي الدرداء كان يقول: ارفعوا هذه الأيدي إلى الله جل ثناؤه قبل أن ~~تغل بالاغلال. # قال الحسن: إن الأغلال لم تجعل في أعناق أهل النار، لأنهم أعجزوا الرب ~~سبحانه ولكن إذلالا. " وسعيرا " تقدم القول فيه. # قوله تعالى: إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا (5) عينا يشرب ~~بها عباد الله يفجرونها تفجيرا (6) PageV19P124 # قوله تعالى: (إن الأبرار يشربون من كأس) الأبرار: أهل الصدق واحدهم بر، ~~وهو ms6496 من امتثل أمر الله تعالى. وقيل: البر الموحد والأبرار جمع بار مثل شاهد ~~وأشهاد، وقيل: # هو جمع بر مثل نهر وأنهار، وفي الصحاح: وجمع البر الأبرار، وجمع البار ~~البررة، وفلان يبر خالقه ويتبرره أي يطيعه، والام برة بولدها. وروى ابن عمر ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [إنما سماهم الله جل ثناؤه الأبرار ~~لأنهم بروا الآباء والأبناء، كما أن لوالدك عليك حقا كذلك لولدك عليك حقا]. ~~وقال الحسن: البر الذي لا يؤذي الذر. وقال قتادة: الأبرار الذين يؤدون حق ~~الله ويوفون بالنذر. وفي الحديث: [الأبرار الذين لا يؤذون أحدا]. # " يشربون من كأس " أي من إناء فيه الشراب. قال ابن عباس: يريد الخمر. ~~والكأس في اللغة الاناء فيه الشراب: وإذا لم يكن فيه شراب لم يسم كأسا. قال ~~عمرو بن كلثوم: # صبنت (1) الكأس عنا أم عمرو * وكان الكأس مجراها اليمينا وقال الأصمعي: ~~يقال صبنت عنا الهدية أو ما كان من معروف تصبن صبنا: بمعنى كففت، قاله ~~الجوهري. " كان مزاجها " أي شوبها (2) وخلطها، قال حسان: # كأن (3) سبيئة من بيت رأس * يكون مزاجها عسل وماء ومنه مزاج البدن وهو ما ~~يمازجه من الصفراء والسوداء والحرارة والبرودة. " كافورا " قال ابن عباس: ~~هو اسم عين ماء في الجنة، يقال له عين الكافور. أي يمازجه ماء هذه العين ~~التي تسمى كافورا. وقال سعيد عن قتادة: تمزج لهم بالكافور وتختم بالمسك. ~~وقاله مجاهد. # وقال عكرمة: مزاجها طعمها. وقيل: إنما الكافور في ريحها لا في طعمها. ~~وقيل: أراد كالكافور في بياضه وطيب رائحته وبرده، لان الكافور لا يشرب، ~~كقوله تعالى: " حتى إذا جعله نارا " [الكهف: 96] أي كنار. وقال ابن كيسان: ~~طيب بالمسك والكافور والزنجبيل. وقال # PageV19P125 # مقاتل: ليس بكافور الدنيا. ولكن سمى الله ما عنده بما عندكم حتى تهتدي ~~لها القلوب. وقوله: # " كان مزاجها " " كان " زائدة أي من كأس مزاجها كافور. (عينا يشرب بها ~~عباد الله) قال الفراء: إن الكافور اسم لعين ماء في الجنة، ف‍ " - عينا " ~~بدل من كافور على هذا. وقيل: # بدل من كأس على ms6497 الموضع. وقيل: هي حال من المضمر في " مزاجها ". وقيل: ~~(نصب على المدح، كما يذكر الرجل فتقول: العاقل اللبيب، أي ذكرتم العاقل ~~اللبيب فهو نصب بإضمار أعني. وقيل يشربون عينا. وقال الزجاج المعنى من عين. ~~ويقال: كافور وقافور. # والكافور أيضا: وعاء طلع النخل وكذلك الكفرى، قاله الأصمعي. # وأما قول الراعي: # تكسو المفارق واللبات ذا أرج * من قصب معتلف الكافور دراج فإن الظبي الذي ~~يكون منه المسك إنما يرعى سنبل الطيب فجعله كافورا. " يشرب بها " قال ~~الفراء: يشرب بها ويشربها سواء في المعنى، وكأن يشرب بها يروى بها وينقع، ~~وأنشد: # شربن بماء البحر ثم ترفعت * متى لجج خضر لهن نئيج (1) قال: ومثله فلان ~~يتكلم بكلام حسن، ويتكلم كلاما حسنا. وقيل: المعنى يشربها والباء زائدة. ~~وقيل: الباء بدل " من " تقديره يشرب منها، قاله القتبي. (يفجرونها تفجيرا) ~~فيقال: إن الرجل منهم ليمشي في بيوتاته ويصعد إلى قصوره، وبيده قضيب يشير ~~به إلى الماء فيجرى معه حيثما دار في منازله على مستوى الأرض في غير أخدود، ~~ويتبعه حيثما صعد إلى أعلى قصوره، وذلك قوله تعالى: " عينا يشرب بها عباد ~~الله يفجرونها تفجيرا " أي يشققونها شقا كما يفجر الرجل النهر ها هنا وها ~~هنا إلى حيث يريد. وعن ابن أبي نجيح عن مجاهد " يفجرونها تفجيرا " يقودونها ~~حيث شاءوا وتتبعهم حيثما مالوا مالت معهم. وروى # PageV19P126 # أبو مقاتل عن أبي صالح عن سعد عن أبي سهل (1) عن الحسن قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: (أربع عيون في الجنة عينان تجريان من تحت العرش ~~إحداهما التي ذكر الله " يفجرونها تفجيرا " [والأخرى الزنجبيل] (2) ~~والاخريان نضاختان من فوق العرش إحداهما التي ذكر الله [عينا فيها تسمى] ~~(3) " سلسبيلا " والأخرى التسنيم) ذكره الترمذي الحكيم في " نوادر الأصول ~~". وقال: فالتسنيم للمقربين خاصة شربا لهم، والكافور للأبرار شربا لهم، ~~يمزج للأبرار من التسنيم شرابهم، وأما الزنجبيل والسلسبيل فللأبرار منها ~~مزاج هكذا ذكره في التنزيل وسكت عن ذكر ذلك لمن هي شرب، فما كان للأبرار ~~مزاج فهو للمقربين صرف، وما كان للأبرار صرف فهو ms6498 لسائر أهل الجنة مزاج. ~~والأبرار هم الصادقون، والمقربون: هم الصديقون. # قوله تعالى: يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا (7) ويطعمون ~~الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا (8) إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد ~~منكم جزاء ولا شكورا (9) قوله تعالى: (يوفون بالنذر) أي لا يخلفون إذا ~~نذروا. وقال معمر عن قتادة: # بما فرض الله عليهم من الصلاة والزكاة والصوم والحج والعمرة وغيره من ~~الواجبات. وقال مجاهد وعكرمة: يوفون إذا نذروا في حق الله جل ثناؤه. وقال ~~الفراء والجرجاني: # وفي الكلام إضمار، أي كانوا يوفون بالنذر في الدنيا. والعرب قد تزيد مرة ~~" كان " وتحذف أخرى. والنذر: حقيقته ما أوجبه المكلف على نفسه من شئ يفعله. ~~وإن شئت قلت في حده: النذر: هو إيجاب المكلف على نفسه من الطاعات ما لو لم ~~يوجبه لم يلزمه. # وقال الكلبي: " يوفون بالنذر " أي يتممون العهود والمعنى واحد، وقد قال ~~الله تعالى: # PageV19P127 # " ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم " [الحج: 29] أي أعمال نسكهم التي ~~ألزموها أنفسهم بإحرامهم بالحج. # وهذا يقوي قول قتادة. وأن النذر يندرج فيه ما التزمه المرء بإيمانه من ~~امتثال أمر الله، قاله القشيري. وروى أشهب عن مالك أنه قال: " يوفون بالنذر ~~" هو نذر العتق والصيام والصلاة. وروى عنه أبو بكر بن عبد العزيز قال مالك. ~~" يوفون بالنذر " قال: النذر: # هو اليمين. # قوله تعالى: " ويخافون " أي يحذرون " يوما " أي يوم القيامة. " كان شره ~~مستطيرا " أي عاليا داهيا فاشيا (1) وهو في اللغة ممتدا، والعرب تقول: ~~استطار الصدع في القارورة والزجاجة واستطال: إذا امتد، قال الأعشى: # وبانت وقد أسأرت (2) في الفؤاد * صدعا على نأيها مستطيرا ويقال: استطار ~~الحريق: إذا انتشر. واستطار الفجر إذا انتشر الضوء. # وقال حسان: # وهان على سراة بني لؤي * حريق بالبويرة مستطير (3) وكان قتادة يقول: ~~استطار والله شر ذلك اليوم حتى ملا السماوات والأرض. وقال مقاتل: كان شره ~~فاشيا في السماوات فانشقت، وتناثرت الكواكب، وفزعت الملائكة، وفي الأرض ~~نسفت الجبال وغارت المياه. # قوله تعالى: (ويطعمون الطعام على حبه) قال ابن عباس ومجاهد: على قلته ~~وحبهم إياه وشهوتهم ms6499 له. وقال الداراني: على حب الله. وقال الفضيل بن عياض: ~~على حب إطعام الطعام. وكان الربيع بن خيثم إذا جاءه السائل قال: أطعموه ~~سكرا فإن الربيع يحب السكر. " مسكينا " أي ذا مسكنة. وروى أبو صالح عن ابن ~~عباس قال: هو الطواف يسألك مالك " ويتيما " أي من يتامى المسلمين. وروى ~~منصور عن الحسن: أن # PageV19P128 # يتيما كان يحضر طعام ابن عمر، فدعا ذات يوم بطعامه، وطلب اليتيم فلم ~~يجده، وجاءه بعد ما فرغ ابن عمر من طعامه فلم يجد الطعام، فدعا له بسويق ~~وعسل، فقال: دونك هذا، فوالله ما غبنت، قال الحسن وابن عمر: والله ما غبن. ~~" وأسيرا " أي الذي يؤسر فيحبس. فروى أبو صالح عن ابن عباس قال: الأسير من ~~أهل الشرك يكون في أيديهم. # وقاله قتادة. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: الأسير هو المحبوس. وكذا ~~قال سعيد ابن جبير وعطاء: هو المسلم يحبس بحق. وعن سعيد بن جبير مثل قول ~~قتادة وابن عباس. # قال قتادة: لقد أمر الله بالأسرى أن يحسن إليهم، وأن أسراهم يومئذ لأهل ~~الشرك، وأخوك المسلم أحق أن تطعمه. وقال عكرمة: الأسير العبد. وقال أبو ~~حمزة الثمالي: # الأسير المرأة، يدل عليه قوله عليه السلام: [استوصوا بالنساء خيرا فإنهن ~~عوان عندكم] أي أسيرات. وقال أبو سعيد الخدري: قرأ رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم " ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا " فقال: (المسكين ~~الفقير، واليتيم الذي لا أب له، والأسير المملوك والمسجون) ذكره الثعلبي. ~~وقيل: نسخ إطعام المسكين آية الصدقات، وإطعام الأسير [آية] السيف، قاله ~~سعيد بن جبير. وقال غيره: بل هو ثابت الحكم، وإطعام اليتيم والمسكين على ~~التطوع، وإطعام الأسير لحفظ نفسه إلا أن يتخير فيه الامام. # الماوردي: ويحتمل أن يريد بالأسير الناقص العقل، لأنه في أسر خبله ~~وجنونه، وأسر المشرك انتقام يقف على رأي الامام، وهذا بر وإحسان. وعن عطاء ~~قال: الأسير من أهل القبلة وغيرهم. # قلت: وكأن هذا القول عام يجمع جميع الأقوال، ويكون إطعام الأسير المشرك ~~قربة إلى الله تعالى، غير أنه ms6500 من صدقة التطوع، فأما المفروضة فلا. والله ~~أعلم. ومضى القول في المسكين واليتيم والأسير واشتقاق ذلك من اللغة في " ~~البقرة " (1) مستوفى والحمد لله. # PageV19P129 # قوله تعالى: (إنما نطعمكم لوجه الله) أي يقولون بألسنتهم للمسكين واليتيم ~~والأسير " إنما نطعمكم " في الله جل ثناؤه فزعا من عذابه وطمعا في ثوابه. " ~~لا نريد منكم جزاء " أي مكافأة. " ولا شكورا " أي ولا أن تثنوا علينا بذلك، ~~قال ابن عباس: كذلك كانت نياتهم في الدنيا حين أطعموا. وعن سالم عن مجاهد ~~قال: أما إنهم ما تكلموا به ولكن علمه الله جل ثناؤه منهم فأثنى به عليهم، ~~ليرغب في ذلك راغب. وقاله سعيد بن جبير حكاه عنه القشيري. وقيل: إن هذه ~~الآية نزلت في مطعم بن ورقاء الأنصاري نذر نذرا فوفى به. # وقيل: نزلت فيمن تكفل بأسرى بدر وهم سبعة من المهاجرين: أبو بكر وعمر ~~وعلي والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد وأبو عبيدة رضي الله عنهم، ذكره ~~الماوردي. وقال مقاتل: # نزلت في رجل من الأنصار أطعم في يوم واحد مسكينا ويتيما وأسيرا. وقال أبو ~~حمزة الثمالي: بلغني أن رجلا قال يا رسول الله أطعمني فإني والله مجهود، ~~فقال: [والذي نفسي بيده ما عندي ما أطعمك ولكن اطلب] فأتى رجلا من الأنصار ~~وهو يتعشى مع امرأته فسأله، وأخبره بقول النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت ~~المرأة: أطعمه واسقه. ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم يتيم فقال: يا رسول ~~الله! أطعمني فإني مجهود. فقال: [ما عندي ما أطعمك ولكن اطلب] فاستطعم ذلك ~~الأنصاري فقالت المرأة: أطعمه واسقه، فأطعمه. # ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم أسير فقال: يا رسول الله! أطعمني فإني ~~مجهود. فقال: # [والله ما معي ما أطعمك ولكن اطلب] فجاء الأنصاري فطلب، فقالت المرأة: ~~أطعمه واسقه. فنزلت: " ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا " ذكره ~~الثعلبي. وقال أهل التفسير: نزلت في علي وفاطمة رضي الله عنهما وجارية لهما ~~اسمها فضة. # قلت: والصحيح أنها نزلت في جميع الأبرار، ومن فعل فعلا حسنا، فهي عامة. ~~وقد ذكر ms6501 النقاش والثعلبي والقشيري وغير واحد من المفسرين في قصة علي وفاطمة ~~وجاريتهما حديثا لا يصح ولا يثبت، رواه ليث عن مجاهد عن ابن عباس في قوله ~~عز وجل: " يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا. ويطعمون الطعام على ~~حبه مسكينا ويتيما وأسيرا " قال: PageV19P130 # مرض الحسن والحسين فعادهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعادهما عامة ~~العرب، فقالوا: # يا أبا الحسن - ورواه جابر الجعفي عن قنبر مولى علي قال: مرض الحسن ~~والحسين حتى عادهما أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر رضي ~~الله عنه: يا أبا الحسن - رجع الحديث إلى حديث ليث بن أبي سليم - لو نذرت ~~عن ولديك شيئا، وكل نذر ليس له وفاء فليس بشئ. فقال رضي الله عنه: إن برأ ~~ولداي صمت لله ثلاثة أيام شكرا. وقالت جارية لهم نوبية: إن برأ سيداي صمت ~~لله ثلاثة أيام شكرا. وقالت فاطمة مثل ذلك. # وفي حديث الجعفي فقال الحسن والحسين: علينا مثل ذلك فألبس الغلامان ~~العافية، وليس عند آل محمد قليل ولا كثير، فانطلق علي إلى شمعون بن حاريا ~~الخيبري، وكان يهوديا، فاستقرض منه ثلاثة أصوع من شعير، فجاء به، فوضعه ~~ناحية البيت، فقامت فاطمة إلى صاع فطحنته واختبزته، وصلى علي مع النبي صلى ~~الله عليه وسلم، ثم أتى المنزل فوضع الطعام بين يديه. # وفي حديث الجعفي: فقامت الجارية إلى صاع من شعير فخبزت منه خمسة أقراص، ~~لكل واحد منهم قرص، فلما مضى صيامهم الأول وضع بين أيديهم الخبز والملح ~~الجريش، إذ أتاهم مسكين، فوقف بالباب وقال: السلام عليكم أهل بيت محمد - في ~~حديث الجعفي - أنا مسكين من مساكين أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وأنا ~~والله جائع، أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنة. فسمعه علي رضي الله عنه، ~~فأنشأ (1) يقول: # فاطم ذات الفضل اليقين * يا بنت خير الناس أجمعين أما ترين البائس ~~المسكين * قد قام بالباب له حنين يشكو إلى الله ويستكين * يشكو إلينا جائع ~~حزين كل امرئ بكسبه رهين * وفاعل الخيرات يستبين # PageV19P131 # موعدنا جنة عليين ms6502 * حرمها الله على الضنين وللبخيل موقف مهين * تهوى به ~~النار إلى سجين شرابه الحميم والغسلين * من يفعل الخير يقم سمين * ويدخل ~~الجنة أي حين * فأنشأت فاطمة رضي الله عنها تقول: # أمرك عندي يا ابن عم طاعة * ما بي من لؤم ولأوضاعه غديت في الخبز له ~~صناعه * أطعمه ولا أبالي الساعة أرجو إذا أشبعت ذا المجاعة * أن ألحق ~~الأخيار والجماعة * وأدخل الجنة لي شفاعه * فأطعموه الطعام، ومكثوا يومهم ~~وليلتهم لم يذوقوا شيئا إلا الماء القراح، فلما أن كان في اليوم الثاني ~~قامت إلى صاع فطحنته واختبزته، وصلى علي مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ~~أتى المنزل فوضع الطعام بين أيديهم، فوقف بالباب يتيم فقال: السلام عليكم ~~أهل بيت محمد، يتيم من أولاد المهاجرين أستشهد والدي يوم العقبة (1). ~~أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنة. # فسمعه علي فأنشأ يقول: # فاطم بنت السيد الكريم * بنت نبي ليس بالزنيم لقد أتى الله بذي اليتيم * ~~من يرحم اليوم يكن رحيم ويدخل الجنة أي سليم * قد حرم الخلد على اللئيم ألا ~~يجوز الصراط المستقيم * يزل في النار إلى الجحيم * شرابه الصديد والحميم * ~~فأنشأت فاطمة رضي الله عنها تقول: # أطعمه اليوم ولا أبالي * وأوثر الله على عيالي أمسوا جياعا وهم أشبالي * ~~أصغرهم يقتل في القتال # PageV19P132 # بكر بلا يقتل باغتيال * يا ويل للقاتل مع وبال تهوي به النار إلى سفال * ~~وفي يديه الغل والاغلال * كبولة زادت على الأكبال * فأطعموه الطعام ومكثوا ~~يومين وليلتين لم يذوقوا شيئا إلا الماء القراح، فلما كانت في اليوم الثالث ~~قامت إلى الصاع الباقي فطحنته واختبزته، وصلى علي مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم، ثم أتى المنزل، فوضع الطعام بين أيديهم، إذ أتاهم أسير فوقف بالباب ~~فقال: # السلام عليكم أهل بيت محمد، تأسروننا وتشدوننا ولا تطعموننا! أطعموني ~~فإني أسير محمد. # فسمعه علي فأنشأ يقول: # فاطم يا بنت النبي أحمد * بنت نبي سيد مسود وسماه الله فهو محمد * قد ~~زانه الله بحسن أغيد هذا أسير للنبي المهتد * مثقل في غله مقيد يشكو إلينا ~~الجوع قد ms6503 تمدد * من يطعم اليوم يجده في غد عند العلي الواحد الموحد * ما ~~يزرع الزارع سوف يحصد * أعطيه لا لا تجعليه أقعد * فأنشأت فاطمة رضي الله ~~تعالى عنها تقول: # لم يبق مما جاء غير صاع * قد ذهبت كفي مع الذراع ابناي والله هما جياع * ~~يا رب لا تتركهما ضياع أبوهما للخير ذو اصطناع * يصطنع المعروف بابتداع عبل ~~الذراعين شديد الباع * وما على رأسي من قناع * إلا قناعا نسجه أنساع (1) * ~~فأعطوه الطعام ومكثوا ثلاثة أيام ولياليها لم يذوقوا شيئا إلا الماء ~~القراح، فلما أن كان في اليوم الرابع، وقد قضى الله النذر أخذ بيده اليمنى ~~الحسن، وبيده اليسرى الحسين، وأقبل نحو # PageV19P133 # رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يرتعشون كالفراخ من شدة الجوع، فلما ~~أبصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [يا أبا الحسن ما أشد ما يسوءني ~~ما أرى بكم انطلق بنا إلى ابنتي فاطمة] فانطلقوا إليها وهي في محرابها، وقد ~~لصق بطنها بظهرها، وغارت عيناها من شدة الجوع، فلما رآها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وعرف المجاعة في وجهها بكى وقال: [وا غوثاه يا الله، أهل ~~بيت محمد يموتون جوعا] فهبط جبريل عليه السلام وقال: السلام عليك، ربك ~~يقرئك السلام يا محمد، خذه هنيئا في أهل بيتك. قال: (وما آخذ يا جبريل) ~~فأقرأه " هل أتى على الانسان حين من الدهر " إلى قوله: " ويطعمون الطعام ~~على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا. إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ~~ولا شكورا " قال الترمذي الحكيم أبو عبد الله في نوادر الأصول: فهذا حديث ~~مزوق مزيف، قد تطرف فيه صاحبه حتى تشبه على المستمعين، فالجاهل بهذا الحديث ~~يعض شفتيه تلهفا ألا يكون بهذه الصفة، ولا يعلم أن صاحب هذا الفعل مذموم، ~~وقد قال الله تعالى في تنزيله: " ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو " [البقرة: ~~219] وهو الفضل الذي يفضل عن نفسك وعيالك، وجرت الاخبار عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم متواترة بأن [خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى]. [وابدأ بنفسك ~~ثم بمن ms6504 تعول] وافترض الله على الأزواج نفقة أهاليهم وأولادهم. وقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # [كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت] أفيحسب عاقل أن عليا جهل هذا الامر ~~حتى أجهد صبيانا صغارا من أبناء خمس أو ست على جوع ثلاثة أيام ولياليهن؟ ~~حتى تضوروا من الجوع، وغارت العيون منهم، لخلاء أجوافهم، حتى أبكى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ما بهم من الجهد. # هب أنه آثر على نفسه هذا السائل، فهل كان يجوز له أن يحمل أهله على ذلك؟! ~~وهب أن أهله سمحت بذلك لعلي فهل جاز له أن يحمل أطفاله على جوع ثلاثة أيام ~~بلياليهن؟! ما يروج مثل هذا إلا على حمقى جهال، أبى الله لقلوب متنبهة أن ~~تظن بعلي مثل هذا. وليت شعري من حفظ هذه الأبيات كل ليلة عن علي وفاطمة، ~~وإجابة كل واحد منهما صاحبه، حتى أداه إلى هؤلاء الرواة؟ فهذا وأشباهه من ~~أحاديث أهل السجون فيما أرى. بلغني أن قوما PageV19P134 # يخلدون في السجون فيبقون بلا حيلة، فيكتبون أحاديث في السمر وأشباهه، ~~ومثل هذه الأحاديث مفتعلة، فإذا صارت إلى الجهابذة رموا بها وزيفوها، وما ~~من شئ إلا له آفة ومكيدة، وآفة الدين وكيده أكثر. # قوله تعالى: إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا (10) فوقاهم الله شر ~~ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا (11) قوله تعالى: (إنا نخاف من ربنا يوما ~~عبوسا قمطريرا) " عبوسا " من صفة اليوم، أي يوما تعبس فيه الوجوه من هوله ~~وشدته، فالمعنى نخاف يوما ذا عبوس. وقال ابن عباس يعبس الكافر يومئذ حتى ~~يسيل منه عرق كالقطران. وعن ابن عباس: العبوس: الضيق، والقمطرير: الطويل، ~~قال الشاعر: # * شديدا عبوسا قمطريرا * وقيل: القمطرير الشديد، تقول العرب: يوم قمطرير ~~وقماطر وعصيب بمعنى، وأنشد الفراء: # بني عمنا هل تذكرون بلاءنا * عليكم إذا ما كان يوم قماطر بضم القاف. ~~واقمطر إذا اشتد. وقال الأخفش: القمطرير: أشد ما يكون من الأيام وأطوله في ~~البلاء، قال الشاعر: # ففروا إذا ما الحرب ثار غبارها * ولج بها اليوم العبوس القماطر وقال ~~الكسائي: يقال ms6505 اقمطر اليوم وازمهر اقمطرارا وازمهرارا، وهو القمطرير ~~والزمهرير، ويوم مقمطر إذا كان صعبا شديدا، قال الهذلي (1): # بنو الحرب أرضعنا لهم مقمطرة * ومن يلق منا ذلك اليوم يهرب # PageV19P135 # وقال مجاهد: إن العبوس بالشفتين، والقمطرير بالجبهة والحاجبين، فجعلها من ~~صفات الوجه المتغير من شدائد ذلك اليوم، وأنشد ابن الأعرابي: # يغدو على الصيد يعود منكسر * ويقمطر ساعة ويكفهر وقال أبو عبيدة: يقال ~~رجل قمطرير أي متقبض ما بين العينين. وقال الزجاج: يقال اقمطرت الناقة: إذا ~~رفعت ذنبها وجمعت قطريها، وزمت بأنفها، فاشتقه من القطر، وجعل الميم مزيدة. ~~قال أسد بن ناعصة: # واصطليت الحروب في كل يوم * باسل الشر قمطرير الصباح قوله تعالى: " ~~فوفاهم الله " أي دفع عنهم " شر ذلك اليوم " أي بأسه وشدته وعذابه " ولقاهم ~~" أي أتاهم وأعطاهم حين لقوه أي رأوه " نضرة " أي حسنا " وسرورا " أي ~~حبورا. # قال الحسن ومجاهد: " نضرة " في وجوههم " وسرورا " في قلوبهم. وفي النضرة ~~ثلاثة أوجه: # أحدها أنها البياض والنقاء، قاله الضحاك. الثاني الحسن والبهاء، قاله ابن ~~جبير. الثالث أنها أثر النعمة، قاله ابن زيد. # قوله تعالى: وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا (12) متكئين فيها على الأرائك ~~لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا (13) ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها ~~تذليلا (14) قوله تعالى: (وجزاهم بما صبروا) على الفقر. وقال القرظي: على ~~الصوم. وقال عطاء: على الجوع ثلاثة أيام وهي أيام النذر. وقيل: بصبرهم على ~~طاعة الله، وصبرهم على معصية الله ومحارمه. و " ما ": مصدرية، وهذا على أن ~~الآية نزلت في جميع الأبرار ومن فعل فعلا حسنا. وروى ابن عمر أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم سئل عن الصبر فقال: (الصبر أربعة: أولها الصبر عند ~~الصدمة الأولى، والصبر على أداء الفرائض، والصبر على اجتناب محارم الله، ~~والصبر على المصائب). (جنة وحريرا) أي أدخلهم الجنة وألبسهم الحرير. أي ~~يسمى # PageV19P136 # بحرير الدنيا وكذلك الذي في الآخرة [وفيه] ما شاء الله عز وجل من الفضل. ~~وقد تقدم (1): # أن من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، وإنما ألبسه من ألبسه في ~~الجنة عوضا ms6506 عن حبسهم أنفسهم في الدنيا عن الملابس التي حرم الله فيها. # قوله تعالى: (متكئين فيها) أي في الجنة، ونصب " متكئين " على الحال من ~~الهاء والميم في " جزاهم " والعامل فيها جزى ولا يعمل فيها " صبروا "، لان ~~الصبر إنما كان في الدنيا والاتكاء في الآخرة. وقال الفراء. وإن شئت جعلت " ~~متكئين " تابعا، كأنه قال جزاهم جنة " متكئين فيها ". (على الأرائك) السرر ~~في الحجال وقد تقدم (2). وجاءت عن العرب أسماء تحتوي على صفات: أحدها ~~الأريكة لا تكون إلا في حجلة على سرير، ومنها السجل، وهو الدلو الممتلئ ~~ماء، فإذا صفرت لم تسم سجلا، وكذلك الذنوب لا تسمى ذنوبا حتى تملأ، والكأس ~~لا تسمى كأسا حتى تترع من الخمر. وكذلك الطبق الذي تهدى عليه الهدية مهدى، ~~فإذا كان فارغا قيل طبق أو خوان، قال ذو الرمة: # خدود جفت في السير حتى كأنما * يباشرن بالمعزاء مس الأرائك (3) أي الفرش ~~على السرر. (لا يرون فيها شمسا) أي لا يرون في الجنة شدة حر كحر الشمس " ~~ولا زمهريرا " أي ولا بردا مفرطا، قال الأعشى: # منعمة طفلة كالمهاة * لم تر شمسا ولا زمهريرا (4) وعن أبي صالح عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اشتكت النار ~~إلى ربها عز وجل قالت: يا رب أكل بعضي بعضا، فجعل لها نفسين نفسا في الشتاء ~~ونفسا في الصيف، فشدة ما تجدون من البرد من زمهريرها، وشدة ما تجدون من ~~الحر في الصيف # PageV19P137 # من سمومها). وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن هواء الجنة سجسج: ~~لا حر ولا برد) والسجسج: الظل الممتد كما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس. وقال ~~مرة الهمداني: الزمهرير البرد القاطع. وقال مقاتل بن حيان: هو شئ مثل رؤوس ~~الأبر ينزل من السماء في غاية البرد. وقال ابن مسعود: هو لون من العذاب، ~~وهو البرد الشديد، حتى إن أهل النار إذا ألقوا فيه سألوا الله أن يعذبهم ~~بالنار ألف سنة أهون عليهم من عذاب الزمهرير يوما واحدا. # قال أبو النجم: # * أو ms6507 كنت ريحا كنت زمهريرا * وقال ثعلب: الزمهرير: القمر بلغة طيئ، قال ~~شاعرهم: # وليلة ظلامها قد اعتكر * قطعتها والزمهرير ما زهر ويروى: ما ظهر، أي لم ~~يطلع القمر. فالمعنى لا يرون فيها شمسا كشمس الدنيا ولا قمرا كقمر الدنيا، ~~أي إنهم في ضياء مستديم، لا ليل فيه ولا نهار، لان ضوء النهار بالشمس، وضوء ~~الليل بالقمر. وقد مضى هذا المعنى مجودا في سورة " مريم " (1) عند قوله ~~تعالى: # " ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا " [مريم: 62]. وقال ابن عباس: بينما أهل ~~الجنة في الجنة إذ رأوا نورا ظنوه شمسا قد أشرقت بذلك النور الجنة، ~~فيقولون: قال ربنا: " لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا " فما هذا النور؟ ~~فيقول لهم رضوان: ليست هذه شمس ولا قمر، ولكن هذه فاطمة وعلي ضحكا، فأشرقت ~~الجنان من نور ضحكهما، وفيهما أنزل الله تعالى: " هل أتى على الانسان " ~~وأنشد: # أنا مولى لفتى * أنزل فيه هل أتى ذاك علي المرتضى * وابن عم المصطفى قوله ~~تعالى: (ودانية عليهم ظلالها) أي ظل الأشجار في الجنة قريبة من الأبرار، ~~فهي مظلة عليهم زيادة في نعيمهم وإن كان لا شمس ولا قمر ثم، كما أن أمشاطهم ~~الذهب والفضة، # PageV19P138 # وإن كان لا وسخ ولا شعث ثم. ويقال: إن ارتفاع الأشجار في الجنة مقدار ~~مائة عام، فإذا اشتهى ولي الله ثمرتها دانت حتى يتناولها. وانتصبت " دانية ~~" على الحال عطفا على " متكئين " كما تقول: في الدار عبد الله متكئا ومرسلة ~~عليه الحجال. وقيل: انتصبت نعتا للجنة، أي وجزاهم جنة دانية، فهي صفة ~~لموصوف محذوف. وقيل: على موضع " لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا " ويرون ~~دانية، وقيل: على المدح أي دنت دانية. قاله الفراء. " ظلالها " الظلال ~~مرفوعة بدانية، ولو قرئ برفع دانية على أن تكون الظلال مبتدأ ودانية الخبر ~~لجاز، وتكون الجملة في موضع الحال من الهاء والميم في " وجزاهم " وقد قرئ ~~بذلك. وفي قراءة عبد الله " ودانيا عليهم " لتقدم الفعل. وفي حرف أبي " ~~ودان " رفع على الاستئناف " وذللت " أي سخرت لهم " قطوفها " أي ثمارها " ~~تذليلا " أي تسخيرا، فيتناولها ms6508 القائم والقاعد والمضطجع، لا يرد أيديهم ~~عنها بعد ولا شوك، قاله قتادة. وقال مجاهد: # إن قام أحدا ارتفعت له، وإن جلس تدلت عليه، وإن اضطجع دنت منه فأكل منها. ~~وعنه أيضا: أرض الجنة من ورق، وترابها الزعفران، وطيبها مسك أذفر، وأصول ~~شجرها ذهب وورق، وأفنانها اللؤلؤ والزبرجد والياقوت، والثمر تحت ذلك كله، ~~فمن أكل منها قائما لم تؤذه، ومن أكل منها قاعدا لم تؤذه، ومن أكل منها ~~مضطجعا لم تؤذه. وقال ابن عباس: إذا هم أن يتناول من ثمارها تدلت إليه حتى ~~يتناول منها ما يريد، وتذليل القطوف تسهيل التناول. والقطوف: الثمار، ~~الواحد قطف بكسر القاف، سمي به لأنه يقطف، كما سمي الجنى لأنه يجنى. " ~~تدليلا " تأكيد لما وصف به من الذل، كقوله: " ونزلناه تنزيلا " [الاسراء: ~~106] " وكلم الله موسى تكليما " [النساء: 164]. الماوردي: ويحتمل أن يكون ~~تذليل قطوفها أن تبرز لهم من أكمامها، وتخلص لهم من نواها. # قلت: وفي هذا بعد، فقد روى ابن المبارك، قال: أخبرنا سفيان عن حماد عن ~~سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: نخل الجنة: جذوعها زمرد أخضر، وكربها ذهب ~~أحمر، وسعفها كسوة لأهل الجنة، منها مقطعاتهم وحللهم، وثمرها أمثال القلال ~~والدلاء، أشد PageV19P139 # بياضا من اللبن، وأحلى من العسل، وألين من الزبد ليس فيه عجم. قال أبو ~~جعفر النحاس: # ويقال المذلل الذي قد ذلله الماء أي أرواه. ويقال المذلل الذي يفيئه أدنى ~~ريح لنعمته، ويقال المذلل المسوى، لان أهل الحجاز يقولون: ذلل نخلك أي سوه، ~~ويقال المذلل القريب المتناول، من قولهم: حائط ذليل أي قصير. قال أبو جعفر ~~(1): وهذه الأقوال التي حكيناها ذكرها أهل العلم باللغة وقالوها في قول ~~امرئ القيس: # * وساق كأنبوب السقي المذلل (2) * قوله تعالى: ويطاف عليهم بآنية من فضة ~~وأكواب كانت قواريرا (15) قواريرا من فضة قدروها تقديرا (16) ويسقون فيها ~~كأسا كان مزاجها زنجبيلا (17) عينا فيها تسمى سلسبيلا (18) قوله تعالى: " ~~ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب " أي يدور على هؤلاء الأبرار الخدم إذا ~~أرادوا الشراب " بآنية من فضة " قال ابن عباس: ليس في الدنيا ms6509 شئ مما في ~~الجنة إلا الأسماء، أي ما في الجنة أشرف وأعلى وأنقى. ثم لم تنف الأواني ~~الذهبية بل المعنى يسقون في أواني الفضة، وقد يسقون في أواني الذهب. وقد ~~قال تعالى: " يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب " [الزخرف: 71]. وقيل: نبه ~~بذكر الفضة على الذهب، كقوله: " سرابيل تقيكم الحر " [النحل: 81] أي ~~والبرد، فنبه بذكر أحدهما على الثاني. والأكواب: الكيزان العظام التي لا ~~آذان لها ولا عرى، الواحد منها كوب، وقال عدي: # متكئا تقرع (3) أبوابه * يسعى عليه العبد بالكوب وقد مضى في " الزخرف " ~~(4). (كانت قوارير. قوارير من فضة) أي في صفاء القوارير وبياض الفضة، ~~فصفاؤها صفاء الزجاج وهي من فضة. وقيل: أرض الجنة # PageV19P140 # من فضة، والأواني تتخذ من تربة الأرض التي هي منها. ذكره ابن عباس وقال: ~~ليس في الجنة شئ إلا قد أعطيتم في الدنيا شبهه، إلا القوارير من فضة. وقال: ~~لو أخذت فضة من فضة الدنيا فضربتها حتى تجعلها مثل جناح الذباب لم تر من ~~ورائها الماء، ولكن قوارير الجنة مثل الفضة (1) في صفاء القوارير. (قدروها ~~تقديرا) قراءة العامة بفتح القاف والدال، أي قدرها لهم السقاة الذين يطوفون ~~بها عليهم. # قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: أتوا بها على قدر ريهم، بغير زيادة ولا ~~نقصان. الكلبي: وذلك ألذ وأشهى، والمعنى: قدرتها الملائكة التي تطوف عليهم. ~~وعن ابن عباس أيضا: قدروها على ملء الكف لا تزيد ولا تنقص، حتى لا تؤذيهم ~~بثقل أو بإفراط صغر. وقيل: إن الشاربين قدروا لها مقادير في أنفسهم على ما ~~اشتهوا وقدروا. وقرأ عبيد بن عمير والشعبي وابن سيرين " قدروها " بضم القاف ~~وكسر الدال، أي جعلت لهم على قدر إرادتهم. وذكر هذه القراءة المهدوي عن علي ~~وابن عباس رضي الله عنهما، وقال: ومن قرأ " قدروها " فهو راجع إلى معنى ~~القراءة الأخرى، وكأن الأصل قدروا عليها فحذف الجر، والمعنى قدرت عليهم، ~~وأنشد سيبويه: (2) آليت حب العراق الدهر آكله * والحب يأكله في القرية ~~السوس وذهب إلى أن المعنى على حب العراق. وقيل: هذا التقدير هو أن الاقداح ~~تطير ms6510 فتغترف بمقدار شهوة الشارب، وذلك قوله تعالى: " قدروها تقديرا " أي لا ~~يفضل عن الري لا ينقص منه، فقد ألهمت الاقداح معرفة مقدار ري المشتهى حتى ~~تغترف بذلك المقدار. # ذكر هذا القول الترمذي الحكيم في " نوادر الأصول ". # قوله تعالى: (ويسقون فيها كأسا) وهي الخمر في الاناء. " كان مزاجها ~~زنجبيلا " " كان " صلة، أي مزاجها زنجبيل، أو كان في حكم الله زنجبيلا. ~~وكانت العرب تستلذ من # PageV19P141 # الشراب ما يمزج بالزنجبيل لطيب رائحته، لأنه يحذو اللسان، ويهضم المأكول، ~~فرغبوا في نعيم الآخرة بما اعتقدوه نهاية النعمة والطيب. وقال المسيب بن ~~علس يصف ثغر المرأة: # وكأن طعم الزنجبيل به * إذ ذقته وسلافة الخمر ويروى. الكرم. وقال آخر ~~(1): # كأن جنيا من الزنجبيل * بات بفيها وأريا مشورا ونحوه قول الأعشى: # كأن القرنفل والزنجبيل * باتا بفيها وأريا مشورا وقال مجاهد: الزنجبيل ~~اسم للعين التي منها مزاج شراب الأبرار. وكذا قال قتادة: والزنجبيل اسم ~~العين التي يشرب بها المقربون صرفا وتمزج لسائر أهل الجنة. وقيل: هي عين في ~~الجنة يوجد فيها طعم الزنجبيل. وقيل: إن فيه معنى الشراب الممزوج ~~بالزنجبيل. والمعنى كأن فيها زنجبيلا. " عينا " بدل من كأس. ويجوز أن ينتصب ~~بإضمار فعل أي يسقون عينا. ويجوز نصبه بإسقاط الخافض أي من عين على ما تقدم ~~في قوله تعالى: " عينا يشرب بها عباد الله " [الانسان: 6]. " فيها " أي في ~~الجنة " تسمى سلسبيلا " السلسبيل الشراب اللذيذ، وهو فعلليل من السلالة، ~~تقول العرب: هذا شراب سلس وسلسال وسلسل وسلسبيل بمعنى، أي طيب الطعم لذيذه. ~~وفي الصحاح: وتسلسل الماء في الحلق جرى، وسلسلته أنا صببته فيه، وماء سلسل ~~وسلسال: سهل الدخول في الحلق لعذوبته وصفائه، والسلاسل بالضم مثله. وقال ~~الزجاج: السلسبيل في اللغة: اسم لما كان في غاية السلاسة، فكأن العين سميت ~~بصفتها. وعن مجاهد قال: سلسبيلا: حديدة الجرية تسيل في حلوقهم انسلالا. ~~ونحوه عن ابن عباس: إنها الحديدة الجري. ذكره الماوردي، ومنه قول حسان بن ~~ثابت رضي الله عنه: # PageV19P142 # يسقون من ورد البريص عليهم * بردى يصفق بالرحيق السلسل (1) وقال أبو ~~العالية ومقاتل: ms6511 إنما سميت سلسبيلا، لأنها تسيل عليهم في الطرق وفي ~~منازلهم، تنبع من أصل العرش من جنة عدن إلى أهل الجنة. وقال قتادة: سلسة ~~منقاد ماؤها حيث شاءوا. ونحوه عن عكرمة. وقال القفال: أي تلك عين شريفة فسل ~~سبيلا إليها. وروى هذا عن علي رضي الله عنه. وقوله: " تسمى " أي إنها ~~مذكورة عند الملائكة وعند الأبرار وأهل الجنة بهذا الاسم. وصرف سلسبيل، ~~لأنه رأس آية، كقوله تعالى: " الظنونا " [الأحزاب: 10] و " السبيلا " ~~[الأحزاب: 67]. # قوله تعالى: ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا ~~(19) وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا (20) عاليهم ثياب سندس خضر ~~وإستبرق وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شرابا طهورا (21) إن هذا كان لكم ~~جزاء وكان سعيكم مشكورا (22) قوله تعالى: (ويطوف عليهم ولدان مخلدون) بين ~~من الذي يطوف عليهم بالآنية، أي ويخدمهم ولدان مخلدون، فإنهم أخف في ~~الخدمة. ثم قال: " مخلدون " أي باقون على ما هم عليه من الشباب والغضاضة ~~والحسن، لا يهرمون ولا يتغيرون، ويكونون على سن واحدة على مر الأزمنة. ~~وقيل: مخلدون لا يموتون. وقيل: مسورون مقرطون، أي محلون والتخليد التحلية. ~~وقد تقدم (2) هذا. (إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا) أي ظننتهم من حسنهم ~~وكثرتهم وصفاء ألوانهم: لؤلؤا مفرقا في عرصة المجلس، واللؤلؤ إذا نثر على ~~بساط (3) كان أحسن منه منظوما. وعن المأمون أنه ليلة زفت إليه بوران بنت ~~الحسن بن سهل، وهو # PageV19P143 # على بساط منسوج من ذهب، وقد نثرت عليه نساء دار الخليفة اللؤلؤ، فنظر ~~إليه منثورا على ذلك البساط فاستحسن المنظر وقال: لله در أبي نواس كأنه ~~أبصر هذا حيث يقول: # كأن صغري وكبرى من فقاقعها * حصباء در على أرض من الذهب وقيل: إنما شبههم ~~بالمنثور، لأنهم سراع في الخدمة، بخلاف الحور العين إذ شبههن باللؤلؤ ~~المكنون المخزون، لأنهن لا يمتهن بالخدمة. # قوله تعالى: (وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا) " ثم ": ظرف مكان أي ~~هناك في الجنة، والعامل في " ثم " معنى " رأيت " أي وإذا رأيت ببصرك " ثم ~~". وقال الفراء: # في الكلام " ما " مضمرة، أي ms6512 وإذا رأيت ما ثم، كقوله تعالى: " لقد تقطع ~~بينكم " [الانعام: 94] أي ما بينكم. وقال الزجاج: " ما " موصولة ب‍ " - ثم ~~" على ما ذكره الفراء، ولا يجوز إسقاط الموصول وترك الصلة، ولكن " رأيت " ~~يتعدى في المعنى إلى " ثم " والمعنى: إذا رأيت ببصرك " ثم " ويعني ب‍ " - ~~ثم " الجنة، وقد ذكر الفراء هذا أيضا. والنعيم: سائر ما يتنعم به. # والملك الكبير: استئذان الملائكة عليهم، قاله السدي وغيره. قال الكلبي: ~~هو أن يأتي الرسول من عند الله بكرامة من الكسوة والطعام والشراب والتحف ~~إلى ولي الله وهو في منزله، فيستأذن عليه، فذلك الملك العظيم. وقاله مقاتل ~~بن سليمان. وقيل: # الملك الكبير: هو أن يكون لأحدهم سبعون حاجبا، حاجبا دون حاجب، فبينما ~~ولي الله فيما هو فيه من اللذة والسرور إذ يستأذن عليه ملك من عند الله، قد ~~أرسله الله بكتاب وهدية وتحفة من رب العالمين لم يرها ذلك الولي في الجنة ~~قط، فيقول للحاجب الخارج: استأذن على ولي الله فإن معي كتابا وهدية من رب ~~العالمين. فيقول هذا الحاجب للحاجب الذي يليه: # هذا رسول من رب العالمين، معه كتاب وهدية يستأذن على ولي الله، فيستأذن ~~كذلك حتى يبلغ إلى الحاجب الذي يلي ولي الله فيقول له: يا ولي الله! هذا ~~رسول من رب العالمين يستأذن عليك، معه كتاب وتحفة من رب العالمين أفيؤذن ~~له؟ فيقول: نعم! فأذنوا له. # فيقول ذلك الحاجب الذي يليه: نعم فأذنوا له (1). فيقول الذي يليه للآخر ~~كذلك حتى يبلغ # PageV19P144 # الحاجب الآخر. فيقول له: نعم أيها الملك، قد أذن لك، فيدخل فيسلم عليه ~~ويقول: السلام يقرئك السلام، وهذه تحفة، وهذا كتاب من رب العالمين إليك. ~~فإذا هو مكتوب عليه: # من الحي الذي لا يموت، إلى الحي الذي يموت. فيفتحه فإذا فيه: سلام على ~~عبدي ووليي ورحمتي وبركاتي، يا وليي أما آن لك أن تشتاق إلى رؤية ربك؟ ~~فيستخفه الشوق فيركب البراق فيطير به البراق شوقا إلى زيادة علام الغيوب، ~~فيعطيه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. ms6513 وقال سفيان ~~الثوري: بلغنا أن الملك الكبير تسليم الملائكة عليهم، دليله قوله تعالى: " ~~والملائكة يدخلون عليهم من كل باب. سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار " ~~[الرعد: 23 - 24]. وقيل: الملك الكبير كون التيجان على رؤوسهم كما تكون على ~~رأس ملك من الملوك. # وقال الترمذي الحكيم: يعني ملك التكوين، فإذا أرادوا شيئا قالوا له كن. ~~وقال أبو بكر الوراق: # ملك لا يتعقبه هلك. وفي الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الملك ~~الكبير هو [أن] (1) أدناهم منزلة ينظر في ملكه مسيرة ألفي عام، يرى أقصاه ~~كما يرى أدناه) قال: [وإن أفضلهم منزلة من ينظر في وجه ربه تعالى كل يوم ~~مرتين] سبحان المنعم (2). # قوله تعالى: (عاليهم ثياب سندس خضر واستبرق) قرأ نافع وحمزة وابن محيصن " ~~عاليهم " ساكنة الياء، واختاره أبو عبيد اعتبارا بقراءة ابن مسعود وابن ~~وثاب وغيرهما " عاليتهم " وبتفسير ابن عباس: أما رأيت الرجل عليه ثياب ~~يعلوها أفضل منها. الفراء: # وهو مرفوع بالابتداء وخبره " ثياب سندس " واسم الفاعل يراد به الجمع. ~~ويجوز في قول الأخفش أن يكون (3) إفراده على أنه اسم فاعل متقدم و " ثياب " ~~مرتفعة به وسدت مسد الخبر، والإضافة فيه في تقدير الانفصال لأنه لم يخص، ~~وابتدئ به لأنه أختص بالإضافة. وقرأ الباقون " عاليهم " بالنصب. وقال ~~الفراء: هو كقولك فوقهم، والعرب تقول: قومك داخل الدار فينصبون داخل على ~~الظرف، لأنه محل. وأنكر الزجاج هذا وقال: هو مما لا نعرفه في الظروف، ولو ~~كان ظرفا لم يجز إسكان الياء. ولكنه بالنصب على الحال من شيئين: أحدهما ~~الهاء والميم في قوله: # PageV19P145 # " يطوف عليهم " أي على الأبرار " ولدان " عاليا الأبرار ثياب سندس، أي ~~يطوف عليهم في هذه الحال، والثاني: أن يكون حالا من الولدان، أي " إذا ~~رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا " في حال علو الثياب أبدانهم. وقال أبو علي: ~~العامل في الحال إما " لقاهم نضرة وسرورا " وإما " جزاهم بما صبروا " قال: ~~ويجوز أن يكون ظرفا فصرف. المهدوي: ويجوز أن يكون اسم فاعل ظرفا، كقولك هو ~~ناحية من الدار، وعلى أن عاليا ms6514 لما كان بمعنى فوق أجرى مجراه فجعل ظرفا. ~~وقرأ ابن محيصن وابن كثير وأبو بكر عن عاصم " خضر " بالجر على نعت السندس " ~~وإستبرق " بالرفع نسقا على الثياب، ومعناه عاليهم [ثياب] (1) سندس وإستبرق. # وقرأ ابن عامر وأبو عمرو ويعقوب " خضر " رفعا نعتا للثياب " وإستبرق " ~~بالخفض نعتا للسندس، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم لجودة معناه، لان الخضر ~~أحسن ما كانت نعتا للثياب فهي مرفوعة، وأحسن ما عطف الاستبرق على السندس ~~عطف جنس على جنس، والمعنى: عاليهم ثياب خضر من سندس وإستبرق، أي من هذين ~~النوعين. وقرأ نافع وحفص كلاهما بالرفع ويكون " خضر " نعتا للثياب، لأنهما ~~جميعا بلفظ الجمع " وإستبرق " عطفا على الثياب. وقرأ الأعمش وابن وثاب ~~وحمزة والكسائي كلاهما بالخفض ويكون قوله: " خضر " نعتا للسندس، والسندس ~~اسم جنس، وأجاز الأخفش وصف اسم الجنس بالجمع على استقباح له، وتقول: أهلك ~~الناس الدينار الصفر والدرهم البيض، ولكنه مستبعد في الكلام. والمعنى على ~~هذه القراءة: عاليهم ثياب سندس خضر وثياب استبرق. وكلهم صرف الاستبرق إلا ~~ابن محيصن، فإنه فتحه ولم يصرفه فقرأ " وإستبرق " نصبا في موضع الجر، على ~~منع الصرف، لأنه أعجمي، وهو غلط، لأنه نكرة يدخله حرف التعريف، تقول ~~الاستبرق إلا أن يزعم [ابن محيصن] (2) أنه قد يجعل علما لهذا الضرب من ~~الثياب. وقرئ " واستبرق " بوصل الهمزة والفتح على أنه سمى باستفعل من ~~البريق، وليس بصحيح أيضا، لأنه معرب مشهور تعريبه، وأن أصله استبرك (3) ~~والسندس: ما رق من الديباج. والاستبرق: ما غلظ منه. وقد تقدم (4). # PageV19P146 # قوله تعالى: " وحلوا " عطف على " ويطوف ". " أساور من فضة " وفي سورة ~~فاطر " يحلون فيها من أساور من ذهب " وفي سورة الحج " يحلون فيها من أساور ~~من ذهب ولؤلؤا " [الحج: 23]، فقيل: حلي الرجل الفضة وحلي المرأة الذهب. ~~وقيل: تارة يلبسون الذهب وتارة يلبسون الفضة. وقيل: يجمع في يد أحدهم ~~سواران من ذهب وسواران من فضة وسواران من لؤلؤ، ليجتمع لهم محاسن الجنة، ~~قاله سعيد بن المسيب. وقيل: أي لكل قوم ما تميل إليه نفوسهم. (وسقاهم ربهم ~~شرابا طهورا) قال علي ms6515 رضي الله عنه في قوله تعالى: # " وسقاهم ربهم شرابا طهورا " قال: إذا توجه أهل الجنة إلى الجنة مروا ~~بشجرة يخرج من تحت ساقها عينان، فيشربون من إحداهما، فتجري عليهم بنضرة ~~النعيم، فلا تتغير أبشارهم، ولا تتشعث أشعارهم أبدا، ثم يشربون من الأخرى، ~~فيخرج ما في بطونهم من الأذى، ثم تستقبلهم خزنة الجنة فيقولون لهم: " سلام ~~عليكم طبتم فادخلوها خالدين " [الزمر: 73]. وقال النخعي وأبو قلابة: هو إذا ~~شربوه بعد أكلهم طهرهم، وصار ما أكلوه وما شربوه رشح مسك، وضمرت بطونهم. ~~وقال مقاتل: هو من عين ماء على باب الجنة، تنبع من ساق شجرة، من شرب منها ~~نزع الله ما كان في قلبه من غل وغش وحسد، وما كان في جوفه من أذى وقذر. # وهذا معنى ما روى عن علي، إلا أنه في قول مقاتل عين واحدة وعليه فيكون ~~فعولا للمبالغة، ولا يكون فيه حجة للحنفي أنه بمعنى الطاهر. وقد مضى بيانه ~~في سورة " الفرقان " (1) والحمد لله. وقال طيب الجمال: صليت خلف سهل بن عبد ~~الله العتمة فقرأ " وسقاهم ربهم شرابا طهورا " وجعل يحرك شفتيه وفمه، كأنه ~~يمص شيئا، فلما فرغ قيل له: أتشرب أم تقرأ؟ فقال: # والله لو لم أجد لذته عند قراءته كلذته عند شربه ما قرأته. # قوله تعالى: (إن هذا كان لكم جزاء) أي يقال لهم: إنما هذا جزاء لكم أي ~~ثواب. # " وكان سعيكم " أي عملكم " مشكورا " أي من قبل الله، وشكره للعبد قبول ~~طاعته، وثناؤه عليه، وإثابته إياه. وروى سعيد عن قتادة قال: غفر لهم الذنب ~~وشكر لهم الحسنى. وقال # PageV19P147 # مجاهد: " مشكورا " أي مقبولا والمعنى متقارب، فإنه سبحانه إذا قبل العمل ~~شكره، فإذا شكره أثاب عليه بالجزيل، إذ هو سبحانه ذو الفضل العظيم. روي عن ~~ابن عمر: أن رجلا حبشيا قال: يا رسول الله! فضلتم علينا بالصور والألوان ~~والنبوة، أفرأيت إن آمنت بما آمنت به، وعملت بما عملت، أكائن أنا معك في ~~الجنة؟ قال: [نعم والذي نفسي بيده إنه ليرى بياض الأسود في الجنة وضياؤه من ~~مسيرة ألف ms6516 عام] ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: # [من قال لا إله إلا الله كان له بها عند الله عهد، ومن قال سبحان الله ~~والحمد لله كان له بها عند الله مائة ألف حسنة وأربعة وعشرون ألف حسنة]، ~~فقال الرجل: كيف نهلك بعدها (1) يا رسول الله؟ فقال: [إن الرجل ليأتي يوم ~~القيامة بالعمل لو وضعه على جبل لأثقله. فتجئ النعمة من نعم الله فتكاد أن ~~تستنفد ذلك كله إلا أن يلطف (2) الله برحمته]. قال: ثم نزلت " هل أتى على ~~الانسان حين من الدهر " إلى قوله: " وملكا كبيرا " قال الحبشي: # يا رسول الله! وإن عيني لترى ما ترى، عيناك في الجنة؟ فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # (نعم) فبكى الحبشي حتى فاضت نفسه. وقال ابن عمر: فلقد رأيت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يدليه في حفرته ويقول: " إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم ~~مشكورا " قلنا: # يا رسول الله وما هو؟ قال: [والذي نفسي بيده لقد أوقفه الله ثم قال أي ~~عبدي لأبيضن وجهك ولأبوئنك من الجنة حيث شئت، فنعم أجر العاملين]. # قوله تعالى: إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا (23) فاصبر لحكم ربك ولا ~~تطع منهم أثما أو كفورا (24) واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا (25) ومن الليل ~~فاسجد له وسبحه ليلا طويلا (26) قوله تعالى: (إنا نحن نزلنا عليك القرآن ~~تنزيلا) ما افتريته ولا جئت به من عندك، ولا من تلقاء نفسك، كما يدعيه ~~المشركون. ووجه اتصال هذه الآية بنا قبل أنه سبحانه لما ذكر أصناف الوعد ~~والوعيد، بين أن هذا الكتاب يتضمن ما بالناس حاجة إليه، فليس بسحر # PageV19P148 # ولا كهانة، ولا شعر، وأنه حق. وقال ابن عباس: أنزل القرآن متفرقا: آية ~~بعد آية، ولم ينزل جملة واحدة، فلذلك قال " نزلنا " وقد مضى القول في هذا ~~مبينا (1) والحمد لله. # قوله تعالى: (فاصبر لحكم ربك) أي لقضاء ربك. وروى الضحاك عن ابن عباس ~~قال: اصبر على أذى المشركين، هكذا قضيت. ثم نسخ بآية القتال. وقيل: أي اصبر ~~لما حكم به عليك من الطاعات، ms6517 أو انتظر حكم الله إذ وعدك أنه ينصرك عليهم، ~~ولا تستعجل فإنه كائن لا محالة. " ولا تطع منهم آثما " أي ذا إثم " أو ~~كفورا " أي لا تطع الكفار. # فروى معمر عن قتادة قال: قال أبو جهل: إن رأيت محمدا يصلي لأطأن على ~~عنقه. فأنزل الله عز وجل: " ولا تطع منهم آثما أو كفورا ". ويقال: نزلت في ~~عتبة بن ربيعة والوليد ابن المغيرة، وكانا أتيا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يعرضان عليه الأموال والتزويج، على أن يترك ذكر النبوة، ففيهما نزلت: ~~" ولا تطع منهم آثما أو كفورا ". قال مقاتل: الذي عرض التزويج عتبة بن ~~ربيعة، قال: إن بناتي من أجمل نساء قريش، فأنا أزوجك ابنتي من غير مهر ~~وأرجع عن هذا الامر. وقال الوليد: إن كنت صنعت ما صنعت لأجل المال، فأنا ~~أعطيك من المال حتى ترضى وارجع عن هذا الامر، فنزلت. ثم قيل: " أو " في ~~قوله تعالى: # " آثما أو كفورا " أوكد من الواو، لان الواو إذا قلت: لا تطع زيدا وعمرا ~~فأطاع أحدهما كان غير عاص، لأنه أمره ألا يطيع الاثنين، فإذا قال: " لا تطع ~~منهم آثما أو كفورا " ف‍ " - أو " قد دلت على أن كل واحد منهما أهل أن ~~يعصى، كما أنك إذا قلت: لا تخالف الحسن أو ابن سيرين، أو اتبع الحسن أو ابن ~~سيرين فقد قلت: هذان أهل أن يتبعا وكل واحد منهما أهل لان يتبع، قاله ~~الزجاج. وقال الفراء: " أو " هنا بمنزلة " لا " كأنه قال: # ولا كفورا، قال الشاعر: # لا وجد ثكلى كما وجدت ولا * وجد عجول أضلها ربع (2) أو وجد شيخ أضل ناقته ~~* يوم توافي الحجيج فاندفعوا # PageV19P149 # أراد ولا وجد شيخ. وقيل: الآثم المنافق، والكفور الكافر الذي يظهر الكفر، ~~أي لا تطع منهم آثما ولا كفورا. وهو قريب من قول الفراء. # قوله تعالى: (واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا) أي صل لربك أول النهار وآخره، ~~ففي أوله صلاة الصبح وفي آخره صلاة الظهر والعصر (ومن الليل فاسجد له) يعني ~~صلاة المغرب والعشاء الآخرة (وسبحه ليلا ms6518 طويلا) يعني التطوع في الليل، قاله ~~ابن حبيب. # وقال ابن عباس وسفيان: كل تسبيح في القرآن فهو صلاة. وقيل: هو الذكر ~~المطلق سواء كان في الصلاة أو في غيرها. وقال ابن زيد وغيره: إن قوله: " ~~وسبحه ليلا طويلا " منسوخ بالصلوات الخمس وقيل: هو ندب. وقيل: هو مخصوص ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم. وقد تقدم القول في مثله في سورة " المزمل " (1) ~~وقول ابن حبيب حسن. وجمع الأصيل: الأصائل والأصل كقولك سفائن وسفن قال: # * ولا بأحسن منها إذا دنا الأصل * وقال (2) في الأصائل وهو جمع الجمع: # لعمري لأنت البيت أكرم أهله * وأقعد في أفيائه بالأصائل وقد مضى هذا في ~~آخر (الأعراف) (3) مستوفى. ودخلت (من) على الظرف للتبعيض كما دخلت على ~~المفعول في قوله تعالى: (يغفر لكم من ذنوبكم). # قوله تعالى: إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا (27) نحن ~~خلقناهم وشددنا أسرهم وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا (28) قوله تعالى: (إن ~~هؤلاء يحبون العاجلة): توبيخ وتقريع، والمراد أهل مكة. # والعجلة الدنيا " ويذرون " أي ويدعون " وراءهم " أي بين أيديهم " يوما ~~ثقيلا " # PageV19P150 # أي عسيرا شديدا كما قال: " ثقلت في السماوات والأرض " [الأعراف: 187]. أي ~~يتركون الايمان بيوم القيامة. وقيل: " وراءهم " أي خلفهم، أي ويذرون الآخرة ~~خلف ظهورهم، فلا يعملون لها. وقيل: " نزلت في اليهود فيما كتموه من صفة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وصحة نبوته. # وحبهم العاجلة: أخذهم الرشا على ما كتموه. وقيل: أراد المنافقين، ~~لاستبطانهم الكفر وطلب الدنيا. والآية تعم. واليوم الثقيل يوم القيامة. ~~وإنما سمي ثقيلا لشدائده وأهواله. # وقيل: للقضاء فيه بين عباده. # قوله تعالى: " نحن خلقناهم " أي من طين. " وشددنا أسرهم " أي خلقهم، قاله ~~ابن عباس ومجاهد وقتادة ومقاتل وغيرهم. والأسر الخلق، قال أبو عبيد: يقال ~~فرس شديد الأسر أي الخلق. ويقال أسره الله جل ثناؤه إذا شدد خلقه، قال ~~لبيد: # ساهم الوجه شديد أسره * مشرف الحارك محبوك الكتد (1) وقال الأخطل: # من كل مجتنب شديد أسره * سلس القياد تخاله مختالا (2) وقال أبو هريرة ~~والحسن والربيع: شددنا مفاصلهم وأوصالهم بعضها إلى بعض بالعروق والعصب. ms6519 ~~وقال مجاهد في تفسير الأسر: هو الشرج، أي إذا خرج الغائط والبول تقبض ~~الموضع. وقال ابن زيد القوة. وقال ابن أحمر يصف فرسا: # يمشي بأوظفة شداد أسرها * صم السنابك لا تقي بالجدجد (3) واشتقاقه من ~~الأسئار وهو القد الذي يشد به الأقتاب، يقال: أسرت القتب أسرا أي شددته ~~وربطته، ويقال: ما أحسن أسر قتبه أي شده وربطه، ومنه قولهم: خذه # PageV19P151 # بأسره إذا أرادوا أن يقولوا هو لك كله، كأنهم أرادوا تعكيمه (1) وشده لم ~~يفتح ولم ينقص منه شئ. ومنه الأسير، لأنه كان يكتف بالإسار. والكلام خرج ~~مخرج الامتنان عليهم بالنعم حين قابلوها بالمعصية. أي سويت خلقك وأحكمته ~~بالقوي ثم أنت تكفر بي. (وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا) قال ابن عباس: ~~يقول لو نشاء لأهلكناهم وجئنا بأطوع لله منهم. وعنه أيضا: لغيرنا محاسنهم ~~إلى أسمج الصور وأقبحها. كذلك روى الضحاك عنه. # والأول رواه عنه أبو صالح. # قوله تعالى: إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا (29) وما تشاءون ~~إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما (30) يدخل من يشاء في رحمته ~~والظالمين أعد لهم عذابا أليما (31) قوله تعالى: " إن هذه " أي السورة " ~~تذكرة " أي موعظة " فمن شاء أتخذ إلى ربه سبيلا " أي طريقا موصلا إلى طاعته ~~وطلب مرضاته. وقيل: " سبيلا " أي وسيلة. وقيل وجهة وطريقا إلى الجنة (2). ~~والمعنى واحد. " وما تشاءون " أي الطاعة والاستقامة واتخاذ السبيل إلى الله ~~" إلا أن يشاء الله " فأخبر أن الامر إليه سبحانه ليس إليهم، وأنه لا تنفذ ~~مشيئة أحد ولا تتقدم، إلا أن تتقدم مشيئته. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو " وما ~~يشاءون " بالياء على معنى الخبر عنهم. والباقون بالتاء على معنى المخاطبة ~~لله سبحانه. وقيل: إن الآية الأولى منسوخة بالثانية. والأشبه أنه ليس بنسخ، ~~بل هو تبيين أن ذلك لا يكون إلا بمشيئته. قال الفراء: # " وما تشاءون إلا أن يشاء الله " جواب لقوله: " فمن شاء اتخذ إلى ربه ~~سبيلا " ثم أخبرهم أن الامر ليس إليهم فقال: " وما تشاءون " ذلك السبيل " ~~إلا أن يشاء الله " لكم. ms6520 # " إن الله كان عليما " بأعمالكم " حكيما " في أمره ونهيه لكم. وقد مضى في ~~غير موضع. # PageV19P152 # " يدخل من يشاء في رحمته " أي يدخله الجنة راحما له " والظالمين " أي ~~ويعذب الظالمين فنصبه بإضمار يعذب. قال الزجاج: نصب الظالمين لان قبله ~~منصوب، أي يدخل من يشاء في رحمته ويعذب الظالمين أي المشركين ويكون " أعد ~~لهم " تفسيرا لهذا المضمر، كما قال الشاعر: # أصبحت لا أحمل السلاح ولا * أملك رأس البعير إن نفرا والذئب أخشاه إن ~~مررت به * وحدي وأخشى الرياح والمطرا أي أخشى الذئب أخشاه. قال الزجاج: ~~والاختيار النصب وإن جاز الرفع، تقول: أعطيت زيدا وعمرا أعددت له برا، ~~فيختار النصب، أي وبررت عمرا أو أبر عمرا. وقوله في " حم عسق ": # " يدخل من يشاء في رحمته والظالمون " [الشورى: 8] ارتفع لأنه لم يذكر ~~بعده فعل يقع عليه فينصب في المعنى، فلم يجز العطف على المنصوب قبله فارتفع ~~بالابتداء. وها هنا قوله: " أعد لهم عذابا " يدل على ويعذب، فجاز النصب. ~~وقرأ أبان بن عثمان " والظالمون " رفعا بالابتداء والخبر " أعد لهم ". " ~~عذابا أليما " أي مؤلما موجعا. وقد تقدم هذا في سورة " البقرة " (1) وغيرها ~~والحمد لله. ختمت السورة. # سورة المرسلات مكية في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر. وقال ابن عباس ~~وقتادة إلا آية منها، وهي قوله تعالى: " وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون " ~~[المرسلات: 48] مدنية. وقال ابن مسعود: نزلت " والمرسلات عرفا " على النبي ~~صلى الله عليه وسلم ليلة الجن ونحن معه نسير، حتى أوينا إلى غار بمنى ~~فنزلت، فبينا نحن نتلقاها منه، وإن فاه لرطب بها إذ وثبت حية، فوثبنا عليها ~~لنقتلها فذهبت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (وقيتم شرها كما وقيت ~~شركم). وعن كريب مولى ابن عباس قال: قرأت سورة " والمرسلات عرفا " فسمعتني ~~أم الفضل امرأة العباس، فبكت وقالت: والله يا بني لقد أذكرتني بقراءتك هذه ~~السورة إنها لآخر ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بها في صلاة ~~المغرب. والله أعلم. وهي خمسون آية. # PageV19P153 # بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: والمرسلات عرفا (1) فالعاصفات ms6521 عصفا ~~(2) والناشرات نشرا (3) فالفارقات فرقا (4) فالملقيات ذكرا (5) عذرا أو ~~نذرا (6) إنما توعدون لواقع (7) فإذا النجوم طمست (8) وإذا السماء فرجت (9) ~~وإذا الجبال نسفت (10) وإذا الرسل أقتت (11) لأي يوم أجلت (12) ليوم الفصل ~~(13) وما أدراك ما يوم الفصل (14) ويل يومئذ للمكذبين (15) قوله تعالى: " ~~والمرسلات عرفا " جمهور المفسرين على أن المرسلات الرياح. وروى مسروق عن ~~عبد الله قال: هي الملائكة أرسلت بالمعروف من أمر الله تعالى ونهيه والخبر ~~والوحي. وهو قول أبي هريرة ومقاتل وأبي صالح والكلبي. وقيل: هم الأنبياء ~~أرسلوا بلا إله إلا الله، قاله ابن عباس. وقال أبو صالح: إنهم الرسل ترسل ~~بما يعرفون به من المعجزات. وعن ابن عباس وابن مسعود: إنها الرياح، كما قال ~~تعالى: " وأرسلنا الرياح " [الحجر: 22]. # وقال: " وهو الذي يرسل الرياح " [الأعراف: 57]. ومعنى " عرفا " يتبع ~~بعضها بعضا كعرف الفرس، تقول العرب: الناس إلى فلان عرف واحد: إذا توجهوا ~~إليه فأكثروا. وهو نصب على الحال من " والمرسلات " أي والرياح التي أرسلت ~~متتابعة. ويجوز أن تكون مصدرا أي تباعا. ويجوز أن يكون النصب على تقدير حرف ~~الجر، كأنه قال: والمرسلات بالعرف، والمراد الملائكة أو الملائكة والرسل. ~~وقيل: يحتمل أن يكون المراد بالمرسلات السحاب، لما فيها من نعمة ونقمة، ~~عارفة بما أرسلت فيه ومن أرسلت إليه. وقيل: إنها الزواجر والمواعظ. و " ~~عرفا " على هذا التأويل متتابعات كعرف الفرس، قاله ابن مسعود. # وقيل: جاريات، قاله الحسن، يعني في القلوب. وقيل: معروفات في العقول. ~~PageV19P154 # (فالعاصفات عصفا) الرياح بغير اختلاف، قاله المهدوي. وعن ابن مسعود: # هي الرياح العواصف تأتي بالعصف، وهو ورق الزرع وحطامه، كما قال تعالى: " ~~فيرسل عليكم (1) قاصفا " [الاسراء: 69]. وقيل: العاصفات الملائكة الموكلون ~~بالرياح يعصفون بها. وقيل: الملائكة تعصف بروح الكافر، يقال: عصف بالشئ أي ~~أباده وأهلكه، وناقة عصوف أي تعصف براكبها، فتمضى كأنها ريح في السرعة، ~~وعصفت الحرب بالقوم أي ذهبت بهم. وقيل: # يحتمل أنها الآيات المهلكة كالزلازل والخسوف. (والناشرات نشرا) الملائكة ~~الموكلون بالسحب ينشرونها. وقال ابن مسعود ومجاهد: هي الرياح يرسلها الله ~~تعالى نشرا بين يدي رحمته، أي تنشر السحاب ms6522 للغيث. وروى ذلك عن أبي صالح. ~~وعنه أيضا: الأمطار، لأنها تنشر النبات، فالنشر بمعنى الاحياء، يقال: نشر ~~الله الميت وأنشره أي أحياه. وروى عنه السدي: أنها الملائكة تنشر كتب الله ~~عز وجل. وروى الضحاك عن ابن عباس قال: يريد ما ينشر من الكتب وأعمال بني ~~آدم. الضحاك: إنها الصحف تنشر على الله بأعمال العباد. وقال الربيع: إنه ~~البعث للقيامة تنشر فيه الأرواح. قال: " والناشرات " بالواو، لأنه استئناف ~~قسم آخر. (فالفارقات فرقا) الملائكة تنزل بالفرق بين الحق والباطل، قاله ~~ابن عباس ومجاهد والضحاك وأبو صالح. وروى الضحاك عن ابن عباس قال: ما تفرق ~~الملائكة من الأقوات والأرزاق والآجال. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: ~~الفارقات الرياح تفرق بين السحاب وتبدده. وعن سعيد عن قتادة قال: " ~~الفارقات فرقا " الفرقان، فرق الله فيه بين الحق والباطل والحرام والحلال. ~~وقاله الحسن وابن كيسان. # وقيل: يعني الرسل فرقوا بين ما أمر الله به ونهى عنه أي بينوا ذلك. وقيل: ~~السحابات الماطرة تشبيها بالناقة الفارق وهي الحامل التي تخرج وتند في ~~الأرض حين تضع، ونوق # PageV19P155 # فوارق وفرق. [وربما] (1) شبهوا السحابة التي تنفرد من السحاب بهذه ~~الناقة، قال ذو الرمة: # أو مزنة فارق يجلو غواربها * تبوج البرق والظلماء علجوم (2) (فالملقيات ~~ذكرا) الملائكة بإجماع، أي تلقي كتب الله عز وجل إلى الأنبياء عليهم ~~السلام، قاله المهدوي. وقيل: هو جبريل وسمي باسم الجمع، لأنه كان ينزل بها. ~~وقيل: المراد الرسل يلقون إلى أممهم ما أنزل الله عليهم، قاله قطرب. وقرأ ~~ابن عباس " فالملقيات " بالتشديد مع فتح القاف، وهو كقوله تعالى: " وإنك ~~لتلقى القرآن " [النمل: 6] (عذرا أو نذرا): # أي تلقى الوحي إعذارا من الله أو إنذارا إلى خلقه من عذابه، قاله الفراء. ~~وروى عن أبي صالح قال: يعني الرسل يعذرون وينذرون. وروى سعيد عن قتادة " ~~عذرا " قال: # عذرا لله جل ثناؤه إلى خلقه، ونذرا للمؤمنين ينتفعون به ويأخذون به. وروى ~~الضحاك عن ابن عباس. " عذرا " أي ما يلقيه الله جل ثناؤه من معاذير أوليائه ~~وهي التوبة " أو نذرا " ينذر ms6523 أعداءه. وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص " ~~أو نذرا " بإسكان الذال وجميع السبعة على إسكان ذال " عذرا " سوى ما رواه ~~الجعفي والأعشى عن أبي بكر عن عاصم أنه ضم الذال. وروى ذلك عن ابن عباس ~~والحسن وغيرهما. وقرأ إبراهيم التيمي وقتادة " عذرا ونذرا " بالواو العاطفة ~~ولم يجعلا بينهما ألفا. وهما منصوبان على الفاعل له أي للاعذار أو للانذار. ~~وقيل: على المفعول به، قيل: على البدل من " ذكرا " أي فالملقيات عذرا أو ~~نذرا. وقال أبو علي: يجوز أن يكون العذر والنذر بالتثقيل على جمع عاذر ~~وناذر، كقوله تعالى: " هذا نذير من النذر الأولى " [النجم: 56] فيكون نصبا ~~على الحال من الالقاء، أي يلقون الذكر في حال العذر والانذار. أو يكون ~~مفعولا ل‍ " - ذكرا " أي " فالملقيات " أي تذكر " عذرا أو نذرا ". وقال ~~المبرد: هما بالتثقيل جمع والواحد عذير ونذير. (إنما توعدون لواقع) هذا ~~جواب ما تقدم من القسم، أي ما توعدون من أمر القيامة لواقع بكم ونازل ~~عليكم. # PageV19P156 # ثم بين وقت وقوعه فقال: " فإذا النجوم طمست " أي ذهب ضوءها ومحي نورها ~~كطمس الكتاب، يقال: طمس الشئ إذا درس وطمس فهو مطموس، والريح تطمس الآثار ~~فتكون الريح طامسة والأثر طامسا بمعنى مطموس. (وإذا السماء فرجت) أي فتحت ~~وشقت، ومنه قوله تعالى: " وفتحت السماء فكانت أبوابا " [النبأ: 19]. وروى ~~الضحاك عن ابن عباس قال: # فرجت للطي. (وإذا الجبال نسفت) أي ذهب بها كلها بسرعة، يقال: نسفت الشئ ~~وأنسفته: إذا أخذته كله بسرعة. وكان ابن عباس والكلبي يقول: سويت بالأرض، ~~والعرب تقول: فرس نسوف إذا كان يؤخر الحزام بمرفقيه، قال بشر: # * نسوف للحزام بمرفقيها * ونسفت الناقة الكلأ: إذا رعته. وقال المبرد: ~~نسفت قلعت من موضعها، يقول الرجل للرجل يقتلع رجليه من الأرض: أنسفت رجلاه. ~~وقيل: النسف تفريق الاجزاء حتى تذروها للرياح. ومنه نسف الطعام، لأنه يحرك ~~حتى يذهب الريح بعض ما فيه من التبن. (وإذا الرسل أقتت) أي جمعت لوقتها ~~ليوم القيامة، والوقت الاجل الذي يكون عنده الشئ المؤخر إليه، فالمعنى: جعل ~~لها وقت وأجل للفصل والقضاء ms6524 بينهم وبين الأمم، كما قال تعالى: " يوم يجمع ~~الله الرسل " [المائدة: 109]. وقيل: هذا في الدنيا أي جمعت الرسل لميقاتها ~~الذي ضرب لها في إنزال العذاب بمن كذبهم بأن الكفار ممهلون. وإنما تزول ~~الشكوك يوم القيامة. والأول أحسن، لان التوقيت معناه شئ يقع يوم القيامة، ~~كالطمس ونسف الجبال وتشقيق السماء ولا يليق به التأقيت قبل يوم القيامة. ~~قال أبو علي: أي جعل يوم الدين والفصل لها وقتا. وقيل: أقتت وعدت وأجلت. ~~وقيل: " أقتت " أي أرسلت لأوقات معلومة على ما علمه الله وأراد. والهمزة ~~(1) في " أقتت " بدل من الواو، قاله الفراء والزجاج. قال الفراء: وكل واو ~~ضمت وكانت ضمتها لازمة جاز أن يبدل منها همزة، تقول: صلى القوم إحدانا تريد ~~وحدانا، ويقولون هذه وجوه حسان و [أجوه] (2). وهذا # PageV19P157 # لان ضمة الواو ثقيلة. ولم يجز البدل في قوله: " ولا تنسوا الفضل بينكم " ~~[البقرة: 237] لان الضمة غير لازمة. وقرأ أبو عمرو وحميد والحسن ونصر. وعن ~~عاصم ومجاهد " وقتت " بالواو وتشديد القاف على الأصل. وقال أبو عمرو: وإنما ~~يقرأ " أقتت " من قال في وجوه أجوه. # وقرأ أبو جعفر وشيبة والأعرج " وقتت " بالواو وتخفيف القاف. وهو فعلت من ~~الوقت ومنه " كتابا موقوتا ". وعن الحسن أيضا: " ووقتت " بواوين، وهو فوعلت ~~من الوقت أيضا مثل عوهدت. ولو قلبت الواو في هاتين القراءتين ألفا لجاز. ~~وقرأ يحيى وأيوب وخالد بن إلياس وسلام " أقتت " بالهمزة والتخفيف، لأنها ~~مكتوبة في المصحف بالألف. # (لأي يوم أجلت)؟ أي أخرت، وهذا تعظيم لذلك اليوم فهو استفهام على ~~التعظيم. أي " ليوم الفصل " أجلت. وروى سعيد عن قتادة قال: يفصل فيه بين ~~الناس بأعمالهم إلى الجنة أو إلى النار. وفي الحديث: [إذا حشر الناس يوم ~~القيامة قاموا أربعين عاما على رؤوسهم الشمس شاخصة أبصارهم إلى السماء ~~ينتظرون الفصل]. (وما أدراك ما يوم الفصل) أتبع التعظيم تعظيما، أي وما ~~أعلمك ما يوم الفصل؟ (ويل يومئذ للمكذبين) أي عذاب وخزي لمن كذب بالله ~~وبرسله وكتبه وبيوم الفصل فهو وعيد. وكرره في هذه السورة عند كل آية لمن ~~كذب، ms6525 لأنه قسمه بينهم على قدر تكذيبهم، فإن لكل مكذب بشئ عذابا سوى تكذيبه ~~بشئ آخر، ورب شئ كذب به هو أعظم جرما من تكذيبه بغيره، لأنه أقبح في ~~تكذيبه، وأعظم في الرد على الله، فإنما يقسم له من الويل على قدر ذلك، وعلى ~~قدر وفاقه وهو قوله: # " جزاء وفاقا ". [النبأ: 26]. وروى عن النعمان بن بشير قال: ويل: واد في ~~جهنم فيه ألوان العذاب. # وقاله ابن عباس وغيره. قال ابن عباس: إذا خبت جهنم أخذ من جمره فألقى ~~عليها فيأكل بعضها بعضا. وروي أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~[عرضت علي جهنم فلم أر فيها واديا أعظم من الويل] وروى أنه مجمع ما يسيل من ~~قيح أهل النار وصديدهم، وإنما يسيل الشئ فيما سفل من الأرض وانفطر، وقد علم ~~العباد في الدنيا أن شر المواضع في الدنيا ما استنقع فيها مياه الأدناس ~~والأقذار والغسالات من الجيف وماء الحمامات، فذكر أن ذلك PageV19P158 # الوادي. مستنقع صديد أهل الكفر والشرك، ليعلم ذوو العقول أنه لا شئ أقذر ~~منه قذارة، ولا أنتن منه نتنا، ولا أشد منه مرارة، ولا أشد سوادا منه، ثم ~~وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم بما تضمن من العذاب، وأنه أعظم واد في ~~جهنم، فذكره الله تعالى في وعيده في هذه السورة. # قوله تعالى: ألم نهلك الأولين (16) ثم نتبعهم الآخرين (17) كذلك نفعل ~~بالمجرمين (18) ويل يومئذ للمكذبين (19) قوله تعالى: (ألم نهلك الأولين) ~~أخبر عن إهلاك الكفار من الأمم الماضين من لدن آدم إلى محمد صلى الله عليه ~~وسلم. (ثم نتبعهم الآخرين) أي نلحق الآخرين بالأولين. # (كذلك نفعل بالمجرمين) أي مثل ما فعلناه بمن تقدم نفعل بمشركي قريش إما ~~بالسيف، وإما بالهلاك. وقرأ العامة " ثم نتبعهم " بالرفع على الاستئناف، ~~وقرأ الأعرج " نتبعهم " بالجزم عطفا على " نهلك الأولين " كما تقول: ألم ~~تزرني ثم أكرمك. والمراد أنه أهلك قوما بعد قوم على اختلاف أوقات المرسلين. ~~ثم استأنف بقوله: " كذلك نفعل بالمجرمين " يريد من يهلك فيما بعد. ويجوز أن ~~يكون الاسكان تخفيفا ms6526 من " نتبعهم " لتوالي الحركات. # وروى عنه الاسكان للتخفيف. وفي قراءة ابن مسعود " ثم سنتبعهم " والكاف من ~~" كذلك " في موضع نصب، أي مثل ذلك الهلاك نفعله بكل مشرك. ثم قيل: معناه ~~التهويل لهلاكهم في الدنيا اعتبارا. وقيل: هو إخبار بعذابهم في الآخرة. # قوله تعالى: ألم نخلقكم من ماء مهين (20) فجعلناه في قرار مكين (21) إلى ~~قدر معلوم (22) فقدرنا فنعم القادرون (23) ويل يومئذ للمكذبين (24) قوله ~~تعالى: (ألم نخلقكم من ماء مهين) أي ضعيف حقير وهو النطفة وقد تقدم. وهذه ~~الآية أصل لمن قال: إن خلق الجنين إنما هو من ماء الرجل وحده. وقد مضى ~~القول (1) فيه. # PageV19P159 # (فجعلناه في قرار مكين) أي في مكان حريز وهو الرحم. (إلى قدر معلوم) قال ~~مجاهد: # إلى أن نصوره. وقيل: إلى وقت الولادة. " فقدرنا " وقرأ نافع والكسائي " ~~فقدرنا " بالتشديد. وخفف الباقون، وهما لغتان بمعنى. # قاله الكسائي والفراء والقتبي. قال القتبي: # قدرنا بمعنى قدرنا مشددة: كما تقول: قدرت كذا وقدرته، ومنه قول النبي صلى ~~الله عليه سلم في الهلال: [إذا غم عليكم فاقدروا له] أي قدروا له المسير ~~والمنازل. وقال محمد بن الجهم عن الفراء: " فقدرنا " قال: وذكر تشديدها عن ~~علي رضي الله عنه، تخفيفها: قال: # ولا يبعد أن يكون المعنى في التشديد والتخفيف واحدا، لان العرب تقول: قدر ~~عليه الموت وقدر: قال الله تعالى: " نحن قدرنا بينكم الموت " [الواقعة: 60] ~~قرئ بالتخفيف، والتشديد، وقدر عليه رزقه وقدر. قال: واحتج الذين خففوا ~~فقالوا، لو كانت كذلك لكانت فنعم المقدرون. قال الفراء: # وتجمع العرب بين اللغتين، قال الله تعالى: " فمهل الكافرين أمهلهم رويدا ~~" [الطارق: 17] قال الأعشى: # وأنكرتني وما كان الذي نكرت * من الحوادث إلا الشيب والصلعا وروي عن ~~عكرمة " فقدرنا " مخففة من القدرة، وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم والكسائي ~~لقوله: " فنعم القادرون " ومن شدد فهو من التقدير، أي فقدرنا الشقي والسعيد ~~فنعم المقدرون. # رواه ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: المعنى قدرنا قصيرا ~~أو طويلا. ونحوه عن ابن عباس: قدرنا ملكنا. المهدوي: وهذا التفسير أشبه ~~بقراءة التخفيف. ms6527 # قلت: هو صحيح فإن عكرمة هو الذي قرأ " فقدرنا " مخففا قال: معناه فملكنا ~~فنعم المالكون، فأفادت الكلمتان معنيين متغايرين، أي قدرنا وقت الولادة ~~وأحوال النطفة في التنقيل من حالة إلى حالة حتى صارت بشرا سويا، أو الشقي ~~والسعيد، أو الطويل والقصير، كله على قراءة التشديد. وقيل: هما بمعنى كما ~~ذكرنا. # قوله تعالى: ألم نجعل الأرض كفاتا (25) أحياء وأمواتا (26) وجعلنا فيها ~~رواسي شامخات وأسقيناكم ماء فراتا (27) ويل يومئذ للمكذبين (28) ~~PageV19P160 # فيه مسألتان: # الأولى - قوله تعالى: (ألم نجعل الأرض كفاتا) أي ضامة تضم الاحياء على ~~ظهورها والأموات في بطنها. وهذا يدل على وجوب مواراة الميت ودفنه، ودفن ~~شعره وسائر ما يزيله عنه. وقوله عليه السلام: [قصوا أظافركم وادفنوا ~~قلاماتكم] وقد مضى في (البقرة) (1) بيانه. يقال: كفت الشئ أكفته: إذا جمعته ~~وضممته، والكفت: الضم والجمع، وأنشد سيبويه: # كرام حين تنكفت الأفاعي * إلى أجحارهن من الصقيع وقال أبو عبيد: " كفاتا ~~" أوعية. ويقال للنحي: كفت وكفيت، لأنه يحوي اللبن ويضمه قال: # فأنت اليوم فوق الأرض حيا * وأنت غدا تضمك في كفات وخرج الشعبي في جنازة ~~فنظر إلى الجبان فقال: هذه كفات الأموات، ثم نظر إلى البيوت فقال: هذه كفات ~~الاحياء. # و [الثانية] (2) - روى عن ربيعة في النباش قال تقطع يده فقيل له: لم قلت ~~ذلك؟ قال: # إن الله عز وجل يقول: " ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتا " فالأرض ~~حرز. وقد مضى هذا في سورة " المائدة " (3). وكانوا يسمون بقيع الغرقد كفتة، ~~لأنه مقبرة تضم الموتى، فالأرض تضم الاحياء إلى منازلهم والأموات في ~~قبورهم. وأيضا استقرار الناس على وجه الأرض، ثم اضطجاعهم عليها، انضمام ~~منهم إليها. وقيل: هي كفات للاحياء يعني دفن ما يخرج من الانسان من الفضلات ~~في الأرض، إذ لا ضم في كون الناس عليها، والضم يشير إلى الاحتفاف من جميع ~~الوجوه. وقال الأخفش وأبو عبيدة ومجاهد في أحد قوليه: الاحياء والأموات ~~ترجع إلى الأرض، أي الأرض منقسمة إلى حي وهو الذي ينبت، وإلى ميت # PageV19P161 # وهو الذي لا ينبت. وقال الفراء: انتصب، " أحياء وأمواتا " بوقوع الكفات ms6528 ~~عليه، أي ألم نجعل الأرض كفات أحياء وأموات. فإذا نونت نصبت، كقوله تعالى: ~~" أو إطعام في يوم ذي مسغبة. يتيما " [البلد: 14 - 15]. وقيل: نصب على ~~الحال من الأرض، أي منها كذا ومنها كذا. وقال الأخفش: " كفاتا " جمع كافتة ~~والأرض يراد بها الجمع فنعتت بالجمع. وقال الخليل: التكفيت: تقليب الشئ ~~ظهرا لبطن أو بطنا لظهر. ويقال: انكفت القوم إلى منازلهم أي انقلبوا. فمعنى ~~الكفات أنهم يتصرفون على ظهرها وينقلبون إليها ويدفنون فيها. " وجعلنا فيها ~~" أي في الأرض " رواسي شامخات " يعني الجبال، والرواسي الثوابت، والشامخات ~~الطوال، ومنه يقال: شمخ بأنفه إذا رفعه كبرا. قال: (وأسقيناكم ماء فراتا) ~~أي وجعلنا لكم سقيا. والفرات: الماء العذب يشرب ويسقى منه الزرع. أي خلقنا ~~الجبال وأنزلنا الماء الفرات. وهذه الأمور أعجب من البعث. وفي بعض الحديث ~~قال أبو هريرة: في الأرض من الجنة الفرات والدجلة ونهر الأردن. وفي صحيح ~~مسلم: سيحان وجيحان والنيل والفرات كل من أنهار الجنة. # قوله تعالى: انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون (29) انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث ~~شعب (30) لا ظليل ولا يغنى من اللهب (31) أنها ترمى بشرر كالقصر (32) كأنه ~~جمالت صفر (33) ويل يومئذ للمكذبين (34) قوله تعالى: (انطلقوا إلى ما كنتم ~~به تكذبون) أي يقال للكفار سيروا " إلى ما كنتم به تكذبون " من العذاب يعني ~~النار، فقد شاهدتموها عيانا. " انطلقوا إلى ظل " أي دخان " ذي ثلاث شعب " ~~يعني الدخان الذي يرتفع ثم يتشعب إلى ثلاث شعب. وكذلك شأن الدخان العظيم ~~إذا ارتفع تشعب. ثم وصف الظل فقال: (لا ظليل) أي ليس كالظل الذي يقي حر ~~الشمس (ولا يغنى من اللهب) أي لا يدفع من لهب جهنم شيئا. واللهب ~~PageV19P162 # ما يعلو على النار إذ اضطرمت من أحمر وأصفر وأخضر. وقيل: إن الشعب الثلاث ~~هي الضريع والزقوم والغسلين، قاله الضحاك. وقيل: اللهب ثم الشرر ثم الدخان، ~~لأنها ثلاثة أحوال، هي غاية أوصاف النار إذا اضطرمت واشتدت. وقيل: عنق يخرج ~~من النار فيتشعب ثلاث شعب. فأما النور فيقف على رؤوس المؤمنين، وأما الدخان ~~فيقف على رؤوس ms6529 المنافقين، وأما اللهب الصافي فيقف على رؤوس الكافرين. وقيل: ~~هو السرادق، وهو لسان من نار يحيط بهم، ثم يتشعب منه ثلاث شعب، فتظللهم حتى ~~يفرغ من حسابهم إلى النار. وقيل: هو الظل من يحموم، كما قال تعالى: " في ~~سموم وحميم. وظل من يحموم. لا بارد ولا كريم " [الواقعة: 42 - 44] على ما ~~تقدم (1). # وفي الحديث: (إن الشمس تدنو من رؤوس الخلائق وليس عليهم يومئذ لباس ولا ~~لهم أكفان فتلحقهم (2) الشمس وتأخذ بأنفاسهم ومد ذلك اليوم، ثم ينجي الله ~~برحمته من يشاء إلى ظل من ظله فهنالك يقولون: " فمن الله علينا ووقانا عذاب ~~السموم " [الطور: 27] ويقال للمكذبين: # " انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون " من عذاب الله وعقابه " انطلقوا إلى ظل ~~ذي ثلاث شعب ". فيكون أولياء الله جل ثناؤه في ظل عرشه أو حيث شاء من الظل، ~~إلى أن يفرغ من الحساب ثم يؤمر بكل فريق إلى مستقره من الجنة والنار. ثم ~~وصف النار فقال: " إنها ترمي بشرر كالقصر " الشرر: واحدته شررة. والشرار: ~~واحدته شرارة، وهو ما تطاير من النار في كل جهة، وأصله من شررت الثوب إذا ~~بسطته للشمس ليجف. والقصر البناء العالي. # وقراءة العامة " كالقصر " بإسكان الصاد: أي الحصون والمدائن في العظم وهو ~~واحد القصور. # قاله ابن عباس وابن مسعود. وهو في معنى الجمع على طريق الجنس. وقيل: ~~القصر جمع قصرة ساكنة الصاد، مثل جمرة، وجمر وتمرة وتمر. والقصرة: الواحدة ~~من جزل الحطب الغليظ. # وفي البخاري عن ابن عباس أيضا: " ترمى بشرر كالقصر " قال كنا نرفع الخشب ~~بقصر ثلاثة أذرع (3) أو أقل، فترفعه للشتاء، فنسميه القصر، وقال سعيد بن ~~جبير والضحاك: هي # PageV19P163 # أصول الشجر والنخل العظام إذا وقع وقطع. وقيل: أعناقه. وقرأ ابن عباس ~~ومجاهد وحميد والسلمي " كالقصر " بفتح الصاد، أراد أعناق النخل. والقصرة ~~العنق، جمعها قصر وقصرات. وقال قتادة: أعناق الإبل. قرأ سعيد بن جبير بكسر ~~القاف وفتح الصاد، وهي أيضا جمع قصرة مثل بدرة وبدر وقصعة وقصع وحلقة وحلق، ~~لحلق الحديد. وقال أبو حاتم: ولعله لغة، كما قالوا حاجة ms6530 وحوج. وقيل: القصر: ~~الجبل، فشبه الشرر بالقصر في مقاديره، ثم شبهه في لونه بالجمالات الصفر، ~~وهي الإبل السود، والعرب تسمى السود من الإبل صفرا، قال (1) الشاعر: # تلك خيلي منه وتلك ركابي * هن صفر أولادها كالزبيب أي هن سود. وإنما سميت ~~السود من الإبل صفرا لأنه يشوب سوادها شئ من صفرة، كما قيل لبيض الظباء: ~~الادم، لان بياضها تعلوه كدرة: والشرر إذا تطاير وسقط وفيه بقية من لون ~~النار أشبه شئ بالإبل السود، لما يشوبها من صفرة. وفي شعر عمران ابن حطان ~~الخارجي: # دعتهم بأعلى صوتها ورمتهم * بمثل الجمال الصفر نزاعة الشوى وضعف الترمذي ~~(2) هذا القول فقال: وهذا القول محال في اللغة، أن يكون شئ يشوبه شئ قليل، ~~فنسب كله إلى ذلك الشائب، فالعجب لمن قد قال هذا، وقد قال الله تعالى: # " جمالات صفر " فلا نعلم شيئا من هذا في اللغة. ووجهه عندنا أن النار ~~خلقت من النور فهي نار مضيئة، فلما خلق الله جهنم وهي موضع النار، حشا ذلك ~~الموضع بتلك النار، وبعث إليها سلطانه وغضبه، فاسودت من سلطانه وازدادت ~~حدة، وصارت أشد سوادا من النار ومن كل شئ سوادا، فإذا كان يوم القيامة وجئ ~~بجهنم في الموقف رمت بشررها على أهل الموقف، غضبا لغضب الله، والشرر هو ~~أسود، لأنه من نار سوداء، فإذا رمت النار بشررها فإنها ترمي الأعداء به، ~~فهن سود من سواد النار، لا يصل ذلك إلى الموحدين، لأنهم # PageV19P164 # في سرادق الرحمة قد أحاط بهم في الموقف، وهو الغمام الذي يأتي فيه الرب ~~تبارك وتعالى، ولكن يعاينون ذلك الرمي، فإذا عاينوه نزع الله ذلك السلطان ~~والغضب عنه في رأي العين منهم حتى يروها صفراء، ليعلم الموحدون أنهم في ~~رحمة الله لا في سلطانه وغضبه. وكان ابن عباس يقول: الجمالات الصفر: حبال ~~السفن يجمع بعضها إلى بعض حتى تكون كأوساط الرجال. # ذكره البخاري. وكان يقرؤها " جمالات " بضم الجيم، وكذلك قرأ مجاهد وحميد ~~" جمالات " بضم الجيم، وهي الحبال الغلاظ، وهي قلوس السفينة أي حبالها. ~~وواحد القلوس: قلس. وعن ابن ms6531 عباس أيضا على أنها قطع النحاس. والمعروف في ~~الحبل الغليظ جمل بتشديد الميم كما تقدم في " الأعراف " (1) " وجمالات " ~~بضم الجيم: جمع جمالة بكسر الجيم موحدا، كأنه جمع جمل، نحو حجر وحجارة، ~~وذكر وذكارة. وقرأ يعقوب وابن أبي إسحاق وعيسى والجحدري " جمالة " بضم ~~الجيم موحدا وهي الشئ العظيم المجموع بعضه إلى بعض. وقرأ حفص وحمزة ~~والكسائي " جمالة " وبقية السبعة " جمالات " قال الفراء: يجوز أن تكون ~~الجمالات جمع جمال كما يقال: رجل ورجال ورجالات. وقيل: شبهها بالجمالات ~~لسرعة سيرها. وقيل: لمتابعة بعضها بعضا. والقصر: # واحد القصور. وقصر الظلام: اختلاطه ويقال: أتيته قصرا أي عشيا، فهو ~~مشترك، قال: (2) كأنهم قصرا مصابيح راهب * بموزن روى بالسليط ذبالها مسألة: ~~في هذه الآية دليل على جواز ادخار الحطب والفحم وإن لم يكن من القوت، فإنه ~~من مصالح المرء ومغاني مفاقره. وذلك مما يقتضي النظر أن يكتسبه في غير وقت ~~حاجته، ليكون أرخص وحالة وجوده أمكن، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يدخر القوت في وقت عموم وجوده من كسبه وماله، وكل شئ محمول عليه. وقد بين ~~ابن عباس هذا بقوله: كنا نعمد إلى الخشبة فنقطعها ثلاثة أذرع وفوق ذلك ~~ودونه وندخره للشتاء وكنا نسميه القصر. وهذا أصح ما قيل في ذلك والله أعلم. # PageV19P165 # قوله تعالى: هذا يوم لا ينطقون (35) ولا يؤذن لهم فيعتذرون (36) ويل ~~يومئذ للمكذبين (37) قوله تعالى: (هذا يوم لا ينطقون) أي لا يتكلمون (ولا ~~يؤذن لهم فيعتذرون) أي إن يوم القيامة له مواطن ومواقيت فهذا من المواقيت ~~التي لا يتكلمون فيها ولا يؤذن لهم في الاعتذار والتنصل. وعن عكرمة عن ابن ~~عباس قال: سأله ابن الأزرق عن قوله تعالى: " هذا يوم لا ينطقون " و " فلا ~~تسمع إلا همسا " [طه: 108] وقد قال تعالى: " وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ~~" [الصافات: 27] فقال له: إن الله عز وجل يقول: " وإن يوما عند ربك كألف ~~سنة مما تعدون " [الحج: 47] فإن لكل مقدار من هذه الأيام لونا من هذه ~~الألوان. وقيل: لا ينطقون بحجة نافعة، ومن نطق بما لا ms6532 ينفع ولا يفيد فكأنه ~~ما نطق. قال الحسن: لا ينطقون بحجة وإن كانوا ينطقون. وقيل: إن هذا وقت ~~جوابهم " اخسئوا فيها ولا تكلمون " [المؤمنون: 108] وقد تقدم. # وقال أبو عثمان: أسكتتهم رؤية الهيبة وحياء الذنوب. وقال الجنيد: أي عذر ~~لمن أعر ض عن منعمه وجحده وكفر أياديه ونعمه؟ و " يوم " بالرفع قراءة ~~العامة على الابتداء والخبر، أي تقول الملائكة: " هذا يوم لا ينطقون " ~~ويجوز أن يكون قوله: " انطلقوا " [المرسلات: 29] من قول الملائكة، ثم يقول ~~الله لأوليائه: هذا يوم لا ينطق الكفار. ومعنى اليوم الساعة والوقت. # وروى يحيى بن سلطان. عن أبي بكر عن عاصم " هذا يوم لا ينطقون " بالنصب، ~~ورويت عن ابن هرمز وغيره، فجاز أن يكون مبنيا لإضافته إلى الفعل وموضعه ~~رفع. وهذا مذهب الكوفيين. وجاز أن يكون في موضع نصب على أن تكون الإشارة ~~إلى غير اليوم. وهذا مذهب البصريين، لأنه إنما بني عندهم إذا أضيف إلى ~~مبني، والفعل ها هنا معرب. وقال الفراء في قوله تعالى: " ولا يؤذن لهم ~~فيعتذرون " الفاء نسق أي عطف على " يؤذن " وأجيز ذلك، لان أواخر الكلام ~~بالنون. ولو قال: فيعتذروا لم يوافق الآيات. وقد قال: # PageV19P166 # " لا يقضى عليهم فيموتوا " [فاطر: 36] بالنصب وكله صواب، ومثله: " من ذا ~~الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه " [البقرة: 245] بالنصب والرفع. # قوله تعالى: هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين (38) فإن كان لكم كيد فكيدون ~~(39) ويل يومئذ للمكذبين (40) قوله تعالى: " هذا يوم الفصل " أي ويقال لهم ~~هذا اليوم الذي يفصل فيه بين الخلائق، فيتبين المحق من المبطل. " جمعناكم ~~والأولين " قال ابن عباس: جمع الذين كذبوا محمدا والذين كذبوا النبيين من ~~قبله. رواه عنه الضحاك. (فإن كان لكم كيد) أي حيلة في الخلاص من الهلاك " ~~فكيدوني " أي فاحتالوا لأنفسكم وقاووني ولن تجدوا ذلك. وقيل: # أي " فإن كان لكم كيد " أي قدرتم على حرب " فكيدوني " أي حاربوني. كذا ~~روى الضحاك عن ابن عباس. قال: يريد كنتم في الدنيا تحاربون محمدا صلى الله ~~عليه وسلم وتحاربونني فاليوم حاربوني. وقيل: أي إنكم كنتم في الدنيا ms6533 تعملون ~~بالمعاصي وقد عجزتم الآن عنها وعن الدفع عن أنفسكم. وقيل: إنه من قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم، فيكون كقول هود: " فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون " [هود: ~~55]. # قوله تعالى: إن المتقين في ظلال وعيون (41) وفواكه مما يشتهون (24) كلوا ~~واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون (43) إنا كذلك نجزى المحسنين (44) ويل يومئذ ~~للمكذبين (45) قوله تعالى: (إن المتقين في ظلال وعيون) أخبر بما يصير إليه ~~المتقون غدا، والمراد بالظلال ظلال الأشجار وظلال القصور مكان الظل في ~~الشعب الثلاث. وفي سورة يس " هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكئون " (1) ~~[يس: 56]. (وفواكه مما يشتهون) أي يتمنون. وقراءة العامة " ظلال ". وقرأ ~~الأعرج والزهري وطلحة " ظلل " جمع ظلة يعني # PageV19P167 # في الجنة. " كلوا واشربوا " أي يقال لهم غدا هذا بدل ما يقال للمشركين " ~~فإن كان لكم كيد فكيدون ". ف‍ " كلوا وأشربوا " في موضع الحال من ضمير " ~~المتقين " في الظرف الذي هو " في ظلال " أي هم مستقرون " في ظلال " مقولا ~~لهم ذلك. (إنا كذلك نجزي المحسنين) أي نثيب الذين أحسنوا في تصديقهم بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم وأعمالهم في الدنيا. # قوله تعالى: كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون (46) ويل يومئذ للمكذبين ~~(47) قوله تعالى: (كلوا وتمتعوا قليلا) هذا مردود إلى ما تقدم قبل المتقين، ~~وهو وعيد وتهديد وهو حال من " المكذبين " أي الويل ثابت لهم في حال ما يقال ~~لهم: " كلوا وتمتعوا قليلا ". (إنكم مجرمون) أي كافرون. وقيل: مكتسبون فعلا ~~يضركم في الآخرة، من الشرك والمعاصي. # قوله تعالى: وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون (48) ويل يومئذ للمكذبين (49) ~~فبأي حديث بعده يؤمنون (50) قوله تعالى: (وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون) ~~أي إذا قيل لهؤلاء المشركين: " اركعوا " أي صلوا " لا يركعون " أي لا ~~يصلون، قاله مجاهد. وقال مقاتل: نزلت في ثقيف، امتنعوا من الصلاة فنزل ذلك ~~فيهم. قال مقاتل: قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: (أسلموا) وأمرهم ~~بالصلاة فقالوا: لا ننحني فإنها مسبة علينا، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: [لا خير في دين ليس فيه ركوع ولا سجود]. يذكر أن مالكا ms6534 رحمه الله دخل ~~المسجد بعد صلاة العصر، وهو ممن لا يرى الركوع بعد العصر، فجلس ولم يركع، ~~فقال له صبي: يا شيخ قم فاركع. فقام فركع ولم يحاجه بما يراه مذهبا، فقيل ~~له في ذلك، فقال: خشيت أن أكون من الذين " إذا قيل لهم اركعوا لا يركعون ". ~~وقال ابن عباس: إنما يقال لهم هذا في الآخرة حين يدعون إلى السجود فلا ~~يستطيعون. قتادة: هذا في الدنيا. ابن العربي: هذه الآية PageV19P168 # حجة على وجوب الركوع وإنزاله ركنا في الصلاة وقد أنعقد الاجماع عليه، وظن ~~قوم أن هذا إنما يكون في القيامة وليست بدار تكليف فيتوجه فيها أمر يكون ~~عليه ويل وعقاب، وإنما يدعون إلى السجود كشفا لحال الناس في الدنيا، فمن ~~كان لله يسجد يمكن (1) من السجود، ومن كان يسجد رثاء لغيره صار ظهره طبقا ~~واحدا. وقيل: أي إذا قيل لهم اخضعوا للحق لا يخضعون، فهو عام في الصلاة ~~وغيرها وإنما ذكر الصلاة، لأنها أصل الشرائع بعد التوحيد. وقيل: الامر ~~بالايمان لأنها لا تصح من غير إيمان. # قوله تعالى: (فبأي حديث بعده يؤمنون) أي إن لم يصدقوا بالقرآن الذي هو ~~المعجز والدلالة على صدق الرسول عليه السلام، فبأي شئ يصدقون! وكرر: " ويل ~~يومئذ للمكذبين " لمعنى تكرير التخويف والوعيد. وقيل: ليس بتكرار، لأنه ~~أراد بكل قول منه غير الذي أراد بالآخر، كأنه ذكر شيئا فقال: ويل لمن يكذب ~~بهذا، ثم ذكر شيئا آخر فقال: ويل لمن يكذب بهذا، ثم ذكر شيئا آخر فقال: ويل ~~لمن يكذب بهذا. ثم كذلك إلى آخرها. # ختمت السورة ولله الحمد. # سورة (عم) مكية وتسمى سورة (النبأ) وهي أربعون أو إحدى وأربعون آية بسم ~~الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: عم يتساءلون (1) عن النبأ العظيم (2) الذي ~~هم فيه مختلفون (3) كلا سيعلمون (4) ثم كلا سيعلمون (5) قوله تعالى: (عم ~~يتساءلون)؟ " عم " لفظ استفهام، ولذلك سقطت منها ألف " ما "، ليتميز الخبر ~~عن الاستفهام. وكذلك (فيم، ومم) إذا استفهمت. والمعنى عن أي شئ # PageV19P169 # يسأل بعضهم بعضا. وقال الزجاج: أصل " عم " عن ما فأدغمت ms6535 النون في الميم، ~~لأنها تشاركها في الغنة. والضمير في " يتساءلون " لقريش. وروى أبو صالح عن ~~ابن عباس قال: كانت قريش تجلس لما نزل القرآن فتتحدث فيما بينها فمنهم ~~المصدق ومنهم المكذب به فنزلت " عم يتساءلون "؟ وقيل: " عم " بمعنى: فيم ~~يتشدد المشركون ويختصمون. # قوله تعالى: (عن النبأ العظيم) أي يتساءلون " عن النبأ العظيم " فعن ليس ~~تتعلق ب‍ " - يتساءلون " الذي في التلاوة، لأنه كان يلزم دخول حرف ~~الاستفهام فيكون " عن النبأ العظيم " كقولك: كم مالك أثلاثون أم أربعون؟ ~~فوجب لما ذكرناه من امتناع تعلقه ب‍ " - يتساءلون " الذي في التلاوة، وإنما ~~يتعلق بيتساءلون آخر مضمر. وحسن ذلك لتقدم يتساءلون، قاله المهدوي. وذكر ~~بعض أهل العلم أن الاستفهام في قوله: " عن " مكرر إلا أنه مضمر، كأنه قال ~~عم يتساءلون أعن النبأ العظيم؟ فعلى هذا يكون متصلا بالآية الأولى. و " ~~النبأ العظيم " أي الخبر الكبير. (الذي هم فيه مختلفون) أي يخالف فيه بعضهم ~~بعضا، فيصدق واحد ويكذب آخر، فروى أبو صالح عن ابن عباس قال: هو القرآن، ~~دليله قوله: " قل هو نبأ عظيم. أنتم عنه معرضون " فالقرآن نبأ وخبر وقصص، ~~وهو نبأ عظيم الشأن. وروى سعيد عن قتادة قال: هو البعث بعد الموت صار الناس ~~فيه رجلين: مصدق ومكذب. وقيل: # أمر النبي صلى الله عليه وسلم. وروي الضحاك عن ابن عباس قال: وذلك أن ~~اليهود سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن أشياء كثيرة، فأخبره الله جل ~~ثناؤه باختلافهم، ثم هددهم فقال: # " كلا سيعلمون " أي سيعلمون عاقبة القرآن، أو سيعلمون البعث: أحق هو أم ~~باطل. # و " كلا " رد عليهم في إنكارهم البعث أو تكذيبهم القرآن، فيوقف عليها. ~~ويجوز أن يكون بمعنى حقا أو " ألا " فيبدأ بها. والأظهر أن سؤالهم إنما كان ~~عن البعث، قال بعض علمائنا: والذي يدل عليه قوله عز وجل: " إن يوم الفصل ~~كان ميقاتا " [النبأ: 17] يدل على أنهم كانوا يتساءلون عن البعث. (ثم كلا ~~سيعلمون) أي حقا ليعلمن (1) صدق ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من ~~القرآن ومما ذكره لهم ms6536 من البعث بعد الموت. وقال الضحاك: " كلا # PageV19P170 # سيعلمون " يعني الكافرين عاقبة تكذيبهم. " ثم كلا سيعلمون " يعني ~~المؤمنين عاقبة تصديقهم. # وقيل: بالعكس أيضا. وقال الحسن: هو وعيد بعد وعيد. وقراءة العامة فيهما ~~بالياء على الخبر، لقوله تعالى: " يتساءلون " وقوله: " هم فيه مختلفون ". ~~وقرأ الحسن وأبو العالية ومالك بن دينار بالتاء فيهما. # قوله تعالى: ألم نجعل الأرض مهادا (6) والجبال أوتادا (7) وخلقناكم ~~أزواجا (8) وجعلنا نومكم سباتا (9) وجعلنا الليل لباسا (10) وجعلنا النهار ~~معاشا (11) وبنينا فوقكم سبعا شدادا (12) وجعلنا سراجا وهاجا (13) وأنزلنا ~~من المعصرات ماء ثجاجا (14) لنخرج به حبا ونباتا (15) وجنات ألفافا (16) ~~قوله تعالى: (ألم نجعل الأرض مهادا): دلهم على قدرته على البعث، أي قدرتنا ~~على إيجاد هذه الأمور أعظم من قدرتنا على الإعادة. والمهاد: الوطاء ~~والفراش. وقد قال تعالى: " الذي جعل لكم الأرض فراشا " [البقرة: 22] وقرئ " ~~مهدا ". ومعناه أنها لهم كالمهد للصبي وهو ما يمهد له فينوم عليه (والجبال ~~أوتادا) أي لتسكن ولا تتكفأ ولا تميل بأهلها. (وخلقناكم أزواجا) أي أصنافا: ~~ذكرا وأنثى. وقيل: ألوانا. وقيل: يدخل في هذا كل زوج من قبيح وحسن، وطويل ~~وقصير، لتختلف الأحوال فيقع الاعتبار، فيشكر الفاضل ويصبر المفضول. (وجعلنا ~~نومكم) " جعلنا " معناه صيرنا، ولذلك تعدت إلى مفعولين. " سباتا " المفعول ~~الثاني، أي راحة لأبدانكم، ومنه يوم السبت أي يوم الراحة، أي قيل لبني ~~إسرائيل: استريحوا في هذا اليوم، فلا تعملوا فيه شيئا. وأنكر ابن الأنباري ~~هذا وقال: لا يقال للراحة سبات. # وقيل: أصله التمدد، يقال: سبتت المرأة شعرها: إذا حلته وأرسلته، فالسبات ~~كالمد، ورجل مسبوت الخلق: أي ممدود. وإذا أراد الرجل أن يستريح تمدد، فسميت ~~الراحة سبتا. PageV19P171 # وقيل: أصله القطع، يقال: سبت شعره سبتا: حلقه وكأنه إذا نام انقطع عن ~~الناس وعن الاشتغال، فالسبات يشبه الموت، إلا أنه لم تفارقه الروح. ويقال: ~~سير سبت: أي سهل لين، قال الشاعر: (1) ومطوية الأقراب أما نهارها * فسبت ~~وأما ليلها فذميل (وجعلنا الليل لباسا) أي تلبسكم ظلمته وتغشاكم، قاله ~~الطبري. وقال ابن جبير والسدي: # أي سكنا لكم. (وجعلنا النهار معاشا) فيه إضمار، أي ms6537 وقت معاش، أي متصرفا ~~لطلب المعاش وهو كل ما يعاش به من المطعم والمشرب وغير ذلك ف‍ " - معاشا " ~~على هذا اسم زمان، ليكون الثاني هو الأول. ويجوز أن يكون مصدرا بمعنى العيش ~~على تقدير حذف المضاف. (وبنينا فوقكم سبعا شدادا) أي سبع سماوات محكمات، أي ~~محكمة الخلق وثيقة البنيان. (وجعلنا سراجا وهاجا) أي وقادا وهي الشمس. وجعل ~~هنا بمعنى خلق، لأنها تعدت لمفعول واحد والوهاج الذي له وهج، يقال: وهج يهج ~~وهجا ووهجا ووهجانا. ويقال للجوهر إذا تلألأ توهج. وقال ابن عباس: وهاجا ~~منيرا متلألئا. (وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا) قال مجاهد وقتادة: ~~والمعصرات الرياح. وقاله ابن عباس: كأنها تعصر السحاب. وعن ابن عباس أيضا: ~~أنها السحاب. وقال سفيان والربيع وأبو العالية والضحاك: أي السحائب التي ~~تنعصر بالماء ولما تمطر بعد، كالمرأة المعصر التي قددنا حيضها ولم تحض، قال ~~أبو النجم: # [تمشي الهوينى مائلا خمارها * قد أعصرت أوقد دنا إعصارها] (2) [وقال ~~آخر]: # فكان مجني دون من كنت أتقي * ثلاث شخوص كاعبان ومعصر (1) # PageV19P172 # وقال (1) آخر: # وذي أشر كالأقحوان يزينه * ذهاب الصبا والمعصرات الروائح فالرياح تسمى ~~معصرات، يقال: أعصرت الريح تعصر إعصارا: إذا أثارت العجاج، وهي الاعصار، ~~والسحب أيضا تسمى المعصرات لأنها تمطر. وقال قتادة أيضا: المعصرات السماء، ~~النحاس: هذه الأقوال صحاح، يقال للرياح التي تأتي بالمطر معصرات، والرياح ~~تلقح السحاب، فيكون المطر، والمطر ينزل من الريح على هذا. ويجوز أن تكون ~~الأقوال واحدة، ويكون المعنى وأنزلنا من ذوات الرياح المعصرات " ماء ثجاجا ~~" وأصح الأقوال أن المعصرات، السحاب. كذا المعروف أن الغيث منها، ولو كان ~~(بالمعصرات) لكان الريح أولى. وفي الصحاح: والمعصرات السحائب تعتصر بالمطر. ~~وأعصر القوم أي أمطروا، ومنه قرأ بعضهم " وفيه يعصرون " والمعصر: # الجارية أول ما أدركت وحاضت، يقال: قد أعصرت كأنها دخلت عصر شبابها أو ~~بلغته، قال الراجز (2): # جارية بسفوان دارها * تمشي الهوينى ساقطا خمارها * قد أعصرت أو قد دنا ~~إعصارها * والجمع: معاصر، ويقال: هي التي قاربت الحيض، لان الاعصار في ~~الجارية كالمراهقة في الغلام. سمعته من أبي الغوث ms6538 الأعرابي. قال غيره: ~~والمعصر السحابة التي حان لها أن تمطر، يقال أجن الزرع فهو مجن: أي صار إلى ~~أن يجن، وكذلك السحاب إذا صار إلى أن يمطر فقد أعصر. وقال المبرد: يقال ~~سحاب معصر أي ممسك للماء، ويعتصر منه شئ بعد شئ، ومنه العصر بالتحريك ~~للملجأ الذي يلجأ إليه، والعصرة بالضم أيضا الملجأ. وقد مضى هذا المعنى في ~~سورة " يوسف " (3) والحمد لله. وقال أبو زبيد (4): # PageV19P173 # صاديا يستغيث غير مغاث * ولقد كان عصرة المنجود ومنه المعصر للجارية التي ~~قد قربت من البلوغ يقال لها معصر، لأنها تحبس في البيت، فيكون البيت لها ~~عصرا. وفي قراءة ابن عباس وعكرمة " وأنزلنا بالمعصرات ". والذي في المصاحف ~~" من المعصرات " قال أبي بن كعب والحسن وابن جبير وزيد بن أسلم ومقاتل بن ~~حيان: # " من المعصرات " أي من السماوات. " ماء ثجاجا " صبابا متتابعا، عن ابن ~~عباس ومجاهد وغيرهما. يقال: ثججت دمه فأنا أثجه ثجا، وقد ثج الدم يثج ~~ثجوجا، وكذلك الماء، فهو لازم ومتعد. والثجاج في الآية المنصب. وقال ~~الزجاج: أي الصباب، وهو متعد كأنه يثج: # نفسه أي يصب. وقال عبيد بن الأبرص (1): # فثج أعلاه ثم ارتج أسفله * وضاق ذرعا بحمل الماء منصاح وفي حديث النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الحج المبرور فقال: [العج والثج] فالعج: # رفع الصوت بالتلبية، والثج: إراقة الدماء وذبح الهدايا. وقال ابن زيد: ~~ثجاجا كثيرا. # والمعنى واحد. # قوله تعالى: " لنخرج به " أي بذلك الماء " حبا " كالحنطة والشعير وغير ~~ذلك " ونباتا " من الأب، وهو ما تأكله الدواب من الحشيش. " وجنات " أي ~~بساتين " ألفاقا " أي ملتفة بعضها ببعض لتشعب أغصانها، ولا واحد له ~~كالأوزاع والأخياف. وقيل: واحد الألفاف لف بالكسر ولف بالضم. ذكره الكسائي، ~~قال: # جنة لف وعيش مغدق * وندامى كلهم بيض زهر وعنه أيضا وأبي عبيدة: لفيف ~~كشريف وأشراف. وقيل: هو جمع الجمع. حكاه الكسائي. # يقال: جنة لفاء ونبت لف والجمع لف بضم اللام مثل حمر، ثم يجمع اللف ~~ألفافا. الزمخشري: # ولو قيل جمع ملتفة بتقدير حذف الزوائد لكان وجيها. ويقال: ms6539 شجرة لفاء وشجر ~~لف وامرأة # PageV19P174 # لفاء: أي غليظة الساق مجتمعة اللحم. وقيل: التقدير: ونخرج به جنات ~~ألفافا، فحذف لدلالة الكلام عليه. ثم هذا الالتفاف والانضمام معناه أن ~~الأشجار في البساتين تكون متقاربة (1)، فالأغصان من كل شجرة متقاربة ~~لقوتها. # قوله تعالى: إن يوم الفصل كان ميقاتا (17) يوم ينفخ في الصور فتأتون ~~أفواجا (18) وفتحت السماء فكانت أبوابا (19) وسيرت الجبال فكانت سرابا (20) ~~قوله تعالى: (إن يوم الفصل كان ميقاتا) أي وقتا ومجمعا وميعادا للأولين ~~والآخرين، لما وعد الله من الجزاء والثواب. وسمي يوم الفصل لان الله تعالى ~~يفصل فيه بين خلقه. # قوله تعالى: " يوم ينفخ في الصور " أي للبعث " فتأتون " أي إلى موضع ~~العرض. # " أفواجا " أي أمما، كل أمة مع إمامهم. وقيل: زمرا وجماعات. الواحد: فوج. ~~ونصب يوما بدلا من اليوم الأول. وروي من حديث معاذ بن جبل قلت: يا رسول ~~الله! أرأيت قول الله تعالى: " يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا " فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: (يا معاذ [بن جبل] (2) لقد سألت عن أمر عظيم) ثم ~~أرسل عينيه باكيا، ثم قال: (يحشر عشرة أصناف من أمتي أشتاتا قد ميزهم الله ~~تعالى من جماعات المسلمين، وبدل صورهم، فمنهم على صورة القردة وبعضهم على ~~صورة الخنازير وبعضهم منكسون: أرجلهم أعلاهم، ووجوههم يسحبون عليها، وبعضهم ~~عمي يترددون، وبعضهم صم بكم لا يعقلون، وبعضهم يمضغون ألسنتهم، فهي مدلاة ~~على صدورهم، يسيل القيح من أفواههم لعابا، يتقذرهم أهل الجمع، وبعضهم مقطعة ~~أيديهم وأرجلهم، وبعضهم مصلبون على جذوع من النار، وبعضهم أشد نتنا من ~~الجيف، وبعضهم ملبسون جلابيب سابغة من القطران لاصقة بجلودهم، فأما الذين ~~على صورة القردة فالقتات من الناس - يعني النمام - وأما الذين على صورة ~~الخنازير، فأهل # PageV19P175 # السحت والحرام والمكس. وأما المنكسون رؤوسهم ووجوههم، فأكلة الربا، ~~والعمي: من يجور في الحكم، والصم البكم: الذين يعجبون بأعمالهم. والذين ~~يمضغون ألسنتهم: فالعلماء والقصاص الذين يخالف قولهم فعلهم. والمقطعة ~~أيديهم وأرجلهم: فالذين يؤذون الجيران. # والمصلبون على جذوع النار: فالسعاة بالناس إلى السلطان والذين هم أشد ~~نتنا من الجيف ms6540 فالذين يتمتعون بالشهوات واللذات، ويمنعون حق الله من (1) ~~أموالهم. والذين يلبسون الجلابيب: فأهل الكبر والفخر والخيلاء). # قوله تعالى: (وفتحت السماء فكانت أبوابا) أي لنزول الملائكة، كما قال ~~تعالى: # " ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا " [الفرقان: 25]. وقيل: ~~تقطعت، فكانت قطعا كالأبواب فانتصاب الأبواب على هذا التأويل بحذف الكاف. ~~وقيل: التقدير فكانت ذات أبواب، لأنها تصير كلها أبوابا. وقيل: أبوابها ~~طرقها. وقيل: تنحل وتتناثر، حتى تصير فيها أبواب. # وقيل: إن لكل عبد بابين في السماء: بابا لعمله، وبابا لرزقه، فإذا قامت ~~القيامة انفتحت الأبواب. وفي حديث الاسراء: (ثم عرج بنا إلى السماء فاستفتح ~~جبريل، فقيل: من أنت قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث ~~إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا). (وسيرت الجبال فكانت سرابا) أي لا شئ ~~كما أن السراب كذلك: يظنه الرائي ماء وليس بماء. وقيل: " سيرت " نسفت من ~~أصولها. وقيل: أزيلت عن مواضعها. # قوله تعالى: إن جهنم كانت مرصادا (21) للطاغين مآبا (22) لابثين فيها ~~أحقابا (23) لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا (24) إلا حميما وغساقا (25) ~~جزاء وفاقا (26) إنهم كانوا لا يرجون حسابا (27) وكذبوا بآياتنا كذابا (28) ~~وكل شئ أحصيناه كتابا (29) فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا (30) # PageV19P176 # قوله تعالى: (إن جهنم كانت مرصادا): مفعال من الرصد والرصد: كل شئ كان ~~أمامك. قال الحسن: إن على النار رصدا، لا يدخل أحد الجنة حتى يجتاز عليه، ~~فمن جاء بجواز جاز، ومن لم يجئ بجواز حبس. وعن سفيان رضي الله عنه قال: ~~عليها ثلاث قناطر. وقيل " مرصادا " ذات أرصاد على النسب، أي ترصد من يمر ~~بها. وقال مقاتل: محبسا. وقيل: # طريقا وممرا، فلا سبيل إلى الجنة حتى يقطع جهنم. وفي الصحاح: والمرصاد: ~~الطريق. وذكر القشيري: أن المرصاد المكان الذي يرصد فيه الواحد العدو، نحو ~~المضمار: الموضع الذي تضمر فيه الخيل. أي هي معدة لهم، فالمرصاد بمعنى ~~المحل، فالملائكة يرصدون الكفار حتى ينزلوا بجهنم. وذكر الماوردي عن أبي ~~سنان (1) أنها بمعنى راصدة، تجازيهم بأفعالهم. # وفي الصحاح: الراصد الشئ: الراقب له، تقول: رصده يرصده رصدا ms6541 ورصدا، ~~والترصد: # الترقب. والمرصد: موضع الرصد. الأصمعي: رصدته أرصده: ترقبته، وأرصدته: # أعددت له. والكسائي: مثله. # قلت: فجهنم معدة مترصدة، متفعل من الرصد وهو الترقب، أي هي متطلعة لمن ~~يأتي. # والمرصاد مفعال من أبنية المبالغة كالمعطار والمغيار، فكأنه يكثر من جهنم ~~انتظار الكفار. # (للطاغين مآبا) بدل من قوله: " مرصادا " والمآب: المرجع، أي مرجعا يرجعون ~~إليها، يقال: آب يئوب أوبة: إذا رجع. وقال قتادة: مأوى ومنزلا. والمراد ~~بالطاغين من طغى في دينه بالكفر، أو في دنياه بالظلم. # قوله تعالى: (لابثين فيها أحقابا) أي ماكثين في النار ما دامت الأحقاب، ~~وهي لا تنقطع، فكلما مضى حقب جاء حقب. والحقب بضمتين: الدهر والأحقاب ~~الدهور. # والحقبة بالكسر: السنة، والجمع حقب، قال متمم بن نويرة التميمي: # وكنا كندماني جذيمة حقبة * من الدهر حتى قيل لن يتصدعا فلما تفرقنا كأني ~~ومالكا * لطول اجتماع لم نبت ليلة معا # PageV19P177 # والحقب بالضم والسكون: ثمانون سنة. وقيل: أكثر من ذلك وأقل، على ما يأتي، ~~والجمع: أحقاب. # والمعنى في الآية، [لابثين] (1) فيها أحقاب الآخرة التي لا نهاية لها، ~~فحذف الآخرة لدلالة الكلام عليه، إذ في الكلام ذكر الآخرة وهو كما يقال ~~أيام الآخرة، أي أيام بعد أيام إلى غير نهاية، وإنما كان يدل على التوقيت ~~لو قال خمسة أحقاب أو عشرة أحقاب. ونحوه وذكر الأحقاب لان الحقب كان أبعد ~~شئ عندهم، فتكلم بما تذهب إليه أوهامهم ويعرفونها، وهي كناية عن التأبيد، ~~أي يمكثون فيها أبدا. وقيل: ذكر الأحقاب دون الأيام، لان الأحقاب أهول في ~~القلوب، وأدل على الخلود. والمعنى متقارب، وهذا الخلود في حق المشركين. ~~ويمكن حمل الآية على العصاة الذين يخرجون من النار بعد أحقاب. وقيل: ~~الأحقاب وقت لشربهم الحميم والغساق، فإذا انقضت فيكون لهم نوع آخر من ~~العقاب، ولهذا قال: " لابثين فيها أحقابا. # لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا. إلا حميما وغساقا ". و " لابثين " اسم ~~فاعل من لبث، ويقويه أن المصدر منه اللبث بالاسكان، كالشرب. وقرأ حمزة ~~والكسائي " لبثين " بغير ألف وهو اختيار أبي حاتم وأبي عبيد، وهما لغتان، ~~يقال: ms6542 رجل لابث ولبث، مثل طمع وطامع، وفره وفاره. ويقال: هو لبث بمكان كذا: ~~أي قد صار اللبث شأنه، فشبه بما هو خلقة في الانسان نحو حذر وفرق، لان باب ~~فعل إنما هو لما يكون خلقة في الشئ في الأغلب، وليس كذلك أسم الفاعل من ~~لابث. والحقب: ثمانون سنة في قول ابن عمر وابن محيصن وأبي هريرة، والسنة ~~ثلاثمائة يوم وستون يوما، واليوم ألف سنة من أيام الدنيا، قاله ابن عباس. ~~وروي ابن عمر هذا مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وقال أبو هريرة: ~~والسنة ثلاثمائة يوم وستون يوما كل يوم مثل أيام الدنيا. وعن ابن عمر أيضا: ~~الحقب: أربعون سنة. # السدي: سبعون سنة. وقيل: إنه ألف شهر. رواه أبو أمامة مرفوعا. بشير بن ~~كعب: # ثلاثمائة سنة. الحسن: الأحقاب لا يدري أحدكم هي، ولكن ذكروا أنها مائة ~~حقب، والحقب الواحد منها سبعون ألف سنة، اليوم منها كألف سنة مما تعدون. ~~وعن أبي أمامة أيضا، # PageV19P178 # عن النبي صلى الله عليه وسلم: [إن الحقب الواحد ثلاثون ألف سنة] ذكره ~~المهدوي. # والأول الماوردي. وقال قطرب: هو الدهر الطويل غير المحدود. وقال عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: [والله لا يخرج من ~~النار من دخلها حتى يكون فيها أحقابا، الحقب بضع وثمانون سنة، والسنة ~~ثلاثمائة وستون يوما، كل يوم ألف سنة مما تعدون، فلا يتكلن أحدكم على أنه ~~يخرج من النار]. ذكره الثعلبي. القرظي: الأحقاب: # ثلاثة وأربعون، حقبا كل حقب سبعون خريفا، كل خريف سبعمائة سنة، كل سنة ~~ثلاثمائة وستون يوما، كل يوم ألف سنة. # قلت: هذه أقوال متعارضة، والتحديد في الآية للخلود، يحتاج إلى توقيف يقطع ~~العذر، وليس ذلك بثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم. وإنما المعنى - والله ~~أعلم - ما ذكرناه أولا، أي لابثين فيها أزمانا ودهورا، كلما مضى زمن يعقبه ~~زمن، ودهر يعقبه دهر، هكذا أبد الآبدين من غير انقطاع. وقال ابن كيسان: ~~معنى " لابثين فيها أحقابا " لا غاية لها انتهاء، فكأنه قال أبدا. وقال ms6543 ابن ~~زيد ومقاتل: إنها منسوخة بقوله تعالى: " فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا " ~~يعني أن العدد قد انقطع، والخلود قد حصل. # قلت: وهذا بعيد، لأنه خبر، وقد قال تعالى: " ولا يدخلون الجنة حتى يلج ~~الجمل في سم الخياط " [الأعراف: 40] على ما تقدم (1). هذا في حق الكفار، ~~فأما العصاة الموحدون فصحيح ويكون النسخ بمعنى التخصيص. والله أعلم. وقيل: ~~المعنى " لابثين فيها أحقابا " أي في الأرض، إذ قد تقدم ذكرها ويكون الضمير ~~في " لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا " لجهنم. وقيل: # واحد الأحقاب حقب وحقبة، قال: # فإن تنأ عنها حقبة لا تلاقها * فأنت بما أحدثته بالمجرب وقال الكميت: (1) ~~* مر لها بعد حقبة حقب * # PageV19P179 # قوله تعالى: " لا يذوقون فيها " أي في الأحقاب " بردا ولا شرابا " البرد: ~~النوم في قول أبي عبيدة وغيره، قال الشاعر (1): # ولو شئت حرمت النساء سواكم * وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا وقاله مجاهد ~~والسدي والكسائي والفضل بن خالد وأبو معاذ النحوي، وأنشدوا قول الكندي: # بردت مراشفها علي فصدني * عنها وعن تقبيلها البرد يعني النوم. والعرب ~~تقول: منع البرد البرد، يعني: أذهب البرد النوم. # قلت: وقد جاء الحديث أنه عليه الصلاة والسلام سئل هل في الجنة نوم. فقال: # [لا، النوم أخو الموت، والجنة لا موت فيها] فكذلك النار، وقد قال تعالى: ~~" لا يقضى عليهم فيموتوا " [فاطر: 36] وقال ابن عباس: البرد: برد الشراب. ~~وعنه أيضا: البرد النوم: والشراب الماء. وقال الزجاج: أي لا يذوقون فيها ~~برد ريح، ولا ظل، ولا نوم. فجعل البرد برد كل شئ له راحة، وهذا برد ينفعهم، ~~فأما الزمهرير فهو برد يتأذون به، فلا ينفعهم، فلهم منه من العذاب ما الله ~~أعلم به. وقال الحسن وعطاء وابن زيد: بردا: أي روحا وراحة، قال الشاعر: (2) ~~فلا الظل من برد الضحى تستطيعه * ولا الفئ أوقات (3) العشي تذوق " لا ~~يذوقون فيها بردا ولا شرابا " جملة في موضع الحال من الطاغين، أو نعت ~~للأحقاب، فالأحقاب ظرف زمان، والعامل فيه " لابثين " أو " لبثين " على ~~تعدية فعل. (إلا حميما وغساقا) استثناء منقطع في ms6544 قول من جعل البرد النوم، ~~ومن جعله من البرودة كان بدلا منه. # والحميم: الماء الحار، قاله أبو عبيدة. وقال ابن زيد: الحميم: دموع ~~أعينهم، تجمع في حياض ثم يسقونه. قال النحاس: أصل الحميم: الماء الحار، ~~ومنه اشتق الحمام، ومنه الحمى، ومنه " وظل من # PageV19P180 # يحموم ": إنما يراد به النهاية في الحر. والغساق: صديد أهل النار وقيحهم. ~~وقيل الزمهرير. # وقرأ حمزة والكسائي بتشديد السين، وقد مضى في " ص " (1) القول فيه. (جزاء ~~وفاقا) أي موافقا لاعمالهم. عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما، فالوفاق بمعنى ~~الموافقة كالقتال بمعنى المقاتلة. و " جزاء " نصب على المصدر، أي جازيناهم ~~جزاء وافق أعمالهم، قاله الفراء والأخفش. وقال الفراء أيضا: هو جمع الوفق، ~~والوفق واللفق واحد. وقال مقاتل. وافق العذاب الذنب، فلا ذنب أعظم من ~~الشرك، ولا عذاب أعظم من النار. وقال الحسن وعكرمة: # كانت أعمالهم سيئة، فأتاهم الله بما يسوءهم. " إنهم كانوا لا يرجون " أي ~~لا يخافون " حسابا " أي محاسبة على أعمالهم. وقيل: معناه لا يرجون ثواب ~~حساب. الزجاج: أي إنهم كانوا لا يؤمنون بالبعث فيرجون حسابهم. (وكذبوا ~~بآياتنا كذابا) أي بما جاءت به الأنبياء. # وقيل: بما أنزلنا من الكتب. وقراءة العامة " كذابا " بتشديد الذال، وكسر ~~الكاف، على كذب، أي كذبوا تكذيبا كبيرا. قال الفراء: هي لغة يمانية فسيحة، ~~يقولون: كذبت [به] (2) كذابا، وخرقت القميص خراقا، وكل فعل في وزن (فعل) ~~فمصدره فعال مشدد في لغتهم، وأنشد بعض الكلابيين: # لقد طال ما ثبطتني عن صحابتي * وعن حوج قضاؤها من شفائتا وقرأ علي رضي ~~الله عنه " كذابا " بالتخفيف وهو مصدر أيضا. وقال أبو علي: التخفيف ~~والتشديد جميعا: مصدر المكاذبة، كقول الأعشى: # فصدقتها وكذبتها (3) * والمرء ينفعه كذابه أبو الفتح: جاءا جميعا مصدر ~~كذب وكذب جميعا. الزمخشري: " كذابا " بالتخفيف مصدر كذب، بدليل قوله: # فصدقتها وكذبتها * والمرء ينفعه كذابه # PageV19P181 # وهو مثل قوله: " أنبتكم من الأرض نباتا " [نوح: 17] يعني وكذبوا بآياتنا ~~أفكذبوا كذابا. أو تنصبه ب‍ " - كذبوا " لأنه بتضمن معنى كذبوا، لان كل ~~مكذب بالحق كاذب، لأنهم إذا كانوا عند المسلمين كاذبين، وكان المسلمون ms6545 ~~عندهم كاذبين، فبينهم مكاذبة. وقرأ ابن عمر " كذابا " بضم الكاف والتشديد، ~~جمع كاذب، قاله أبو حاتم. ونصبه على الحال الزمخشري. # وقد يكون الكذاب: بمعنى الواحد البليغ في الكذب، يقال: رجل كذاب، كقولك ~~حسان وبخال، فيجعله صفة لمصدر " كذبوا " أي تكذيبا كذابا مفرطا كذبه. وفي ~~الصحاح: # وقوله تعالى: " وكذبوا بآياتنا كذابا " وهو أحد مصادر المشدد، لان مصدره ~~قد يجئ على (تفعيل) مثل التكليم وعلى (فعال) كذاب وعلى (تفعلة) مثل توصية، ~~وعلى (مفعل)، " ومزقناهم كل ممزق ". (وكل شئ أحصيناه كتابا) " كل " نصب ~~بإضمار فعل يدل عليه " أحصيناه " أي وأحصينا كل شئ أحصيناه. وقرأ أبو ~~السمال " وكل شئ " بالرفع على الابتداء. " كتابا " نصب على المصدر، لان ~~معنى أحصينا: كتبنا، أي كتبناه كتابا. ثم قيل: أراد به العلم، فإن ما كتب ~~كان أبعد من النسيان. وقيل: أي كتبناه في اللوح المحفوظ لتعرفه الملائكة. ~~وقيل: # أراد ما كتب على العباد من أعمالهم. فهذه كتابة صدرت عن الملائكة ~~الموكلين بالعباد بأمر الله تعالى إياهم بالكتابة، دليله قوله تعالى: " وإن ~~عليكم لحافظين. كراما كاتبين " [الانفطار: 10 - 11]. # (فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا) قال أبو برزة: سألت النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن أشد آية في القرآن؟ فقال: قوله تعالى: " فذوقوا فلن نزيدكم إلا ~~عذابا " أي " كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها " [النساء: 56] و " ~~كلما خبت زدناهم سعيرا " [الاسراء: 97]. # قوله تعالى: إن للمتقين مفازا (31) حدائق وأعنابا (32) وكواعب أترابا ~~(33) وكأسا دهاقا (34) لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا (35) جزاء من ربك ~~عطاء حسابا (36) PageV19P182 # قوله تعالى: (إن للمتقين مفازا) ذكر جزاء من اتقى مخالفة أمر الله " ~~مفازا " موضع فوز ونجاة وخلاص مما فيه أهل النار. ولذلك قيل للفلاة إذا قل ~~ماؤها: مفازة، تفاؤلا بالخلاص منها. (حدائق وأعنابا) هذا تفسير الفوز. ~~وقيل: " إن للمتقين مفازا " إن للمتقين حدائق، جمع حديقة، وهي البستان ~~المحوط عليه، يقال أحدق به: أي أحاط. والأعناب: # جمع عنب، أي كروم أعناب، فحذف. (وكواعب أترابا) كواعب: جمع كاعب وهي ~~الناهد، يقال: كعبت الجارية تكعب كعوبا، وكعبت تكعب تكعيبا، ونهدت تنهد ms6546 ~~نهودا. وقال الضحاك: ككواعب العذارى، ومنه قول قيس بن عاصم: # وكم من حصان قد حوينا كريمة * ومن كاعب لم تدر ما البؤس معصر والأتراب: ~~الاقران في السن. وقد مضى في سورة " الواقعة " (1) الواحد: ترب. (وكأسا ~~دهاقا) قال الحسن وقتادة وابن زيد وابن عباس: مترعة مملوءة، يقال: أدهقت ~~الكأس: أي ملأتها، وكأس دهاق أي ممتلئة، قال: # ألا فاسقني صرفا سقاني الساقي * من مائها بكأسك الدهاق وقال خداش بن ~~زهير: # أتانا عامر يبغي قرانا * فأترعنا له كأسا دهاقا وقال سعيد بن جبير وعكرمة ~~ومجاهد وابن عباس أيضا: متتابعة، يتبع بعضها بعضا، ومنه ادهقت الحجارة ~~أدهاقا، وهو شدة تلازبها ودخول بعضها في بعض، فالمتتابع كالمتداخل. # وعن عكرمة أيضا وزيد بن أسلم: صافية، قال الشاعر: # لأنت إلى الفؤاد أحب قربا * من الصادي إلى كأس دهاق وهو جمع دهق (2)، وهو ~~خشبتان [يغمز] (3) بهما [الساق]. والمراد بالكأس الخمر، فالتقدير: خمرا ذات ~~دهاق، أي عصرت وصفيت، قاله القشيري. وفي الصحاح: وأدهقت الماء: أي أفرغته # PageV19P183 # إفراغا شديدا: قال أبو عمرو: والدهق - بالتحريك: ضرب من العذاب. وهو ~~بالفارسية أشكنجه. المبرد: والمدهوق: المعذب بجميع العذاب الذي لا فرجة ~~فيه. ابن الأعرابي: # دهقت الشئ كسرته وقطعته، وكذلك دهدقته: وأنشد لحجر بن خالد: # ندهدق بضع اللحم للباع والندى * وبعضهم تغلي بذم مناقعه (1) ودهمقته ~~بزيادة الميم: مثله. وقال الأصمعي: الدهمقة: لين الطعام وطيبه ورقته، وكذلك ~~كل شئ لين، ومنه حديث عمر: لو شئت أن يدهمق لي لفعلت، ولكن الله عاب قوما ~~فقال: # " أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها " [الأحقاف: 20]. # " لا يسمعون فيها " أي في الجنة " لغوا ولا كذابا " اللغو: الباطل، وهو ~~ما يلغى من الكلام ويطرح، ومنه الحديث: [إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة ~~والامام يخطب فقد لغوت] وذلك أن أهل الجنة إذا شربوا لم تتغير عقولهم، ولم ~~يتكلموا بلغو، بخلاف أهل الدنيا. " ولا كذابا ": تقدم، أي لا يكذب بعضهم ~~بعضا، ولا يسمعون كذبا. # وقرأ الكسائي " كذابا " بالتخفيف من كذبت كذابا أي لا يتكاذبون في الجنة. ~~وقيل: # هما مصدران للتكذيب، وإنما خففها ms6547 ها هنا لأنها ليست مقيدة بفعل يصير ~~مصدرا له، وشدد قوله: " وكذبوا بآياتنا كذابا " لان كذبوا يقيد المصدر ~~بالكذاب. " جزاء من ربك " نصب على المصدر. لان المعنى جزاهم بما تقدم ذكره، ~~جزاءه وكذلك " عطاء " لان معنى أعطاهم وجزاهم واحد. أي أعطاهم عطاء. " ~~حسابا " أي كثيرا، قاله قتادة، يقال: # أحسبت فلانا: أي كثرت له العطاء حتى قاله حسبي. قال (2): # ونقفي وليد الحي إن كان جائعا * ونحسبه إن كان ليس بجائع # PageV19P184 # وقال القتبي: ونرى أصل هذا أن يعطيه حتى يقول حسبي. وقال الزجاج: " حسابا ~~" أي ما يكفيهم. وقاله الأخفش. يقال: أحسبني كذا: أي كفاني. وقال الكلبي: # حاسبهم فأعطاهم بالحسنة عشرا. مجاهد: حسابا لما عملوا، فالحساب بمعنى ~~العد. أي بقدر ما وجب له في وعد الرب، فإنه وعد للحسنة عشرا، ووعد لقوم ~~بسبعمائة ضعف، وقد وعد لقوم جزاء لا نهاية له ولا مقدار، كما قال تعالى: " ~~إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب " [الزمر: 10]. # وقرأ أبو هاشم " عطاء حسابا " بفتح الحاء، وتشديد السين، على وزن فعال أي ~~كفافا، قال الأصمعي: تقول العرب: حسبت الرجل بالتشديد: إذا أكرمته، وأنشد ~~قول الشاعر: # * إذا أتاه ضيفه يحسبه * وقرأ ابن عباس. " حسانا " (1) بالنون. # قوله تعالى: رب السماوات والأرض وما بينهما الرحمن لا يملكون منه خطابا ~~(37) يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال ~~صوابا (38) ذلك اليوم الحق فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبا (39) إنا أنذرناكم ~~عذابا قريبا يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا ~~(40) قوله تعالى: (رب السماوات والأرض وما بينهما الرحمن) قرأ ابن مسعود ~~ونافع وأبو عمرو وابن كثير وزيد عن يعقوب، والمفضل عن عاصم: " رب " بالرفع ~~على الاستئناف، " الرحمن " خبره. أو بمعنى: هو رب السماوات، ويكون " الرحمن ~~" مبتدأ ثانيا. وقرأ ابن عامر ويعقوب وابن محيصن كلاهما بالخفض، نعتا ~~لقوله: " جزاء من ربك " أي جزاء من ربك رب السماوات الرحمن. وقرأ ابن عباس ~~وعاصم وحمزة والكسائي: " رب السماوات " # PageV19P185 # خفضا على النعت، " الرحمن " (1) رفعا على الابتداء، أي هو ms6548 الرحمن. ~~واختاره أبو عبيد وقال: # هذا أعدلها، خفض " رب " لقربه من قوله: " من ربك " فيكون نعتا له، ورفع " ~~الرحمن " لبعده منه، على الاستئناف، وخبره " لا يملكون منه خطابا " أي لا ~~يملكون أن يسألوه إلا فيما أذن لهم فيه. وقال الكسائي: " لا يملكون منه ~~خطابا " بالشفاعة إلا بإذنه. وقيل: # الخطاب: الكلام، أي لا يملكون أن يخاطبوا الرب سبحانه إلا بإذنه، دليله: ~~" لا تكلم نفس إلا بإذنه " [هود: 105]. وقيل: أراد الكفار " لا يملكون منه ~~خطابا "، فأما المؤمنون فيشفعون. # قلت: بعد أن يؤذن لهم، لقوله تعالى: " من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه " ~~وقوله تعالى: " يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا " ~~[طه: 109]. # قوله تعالى: (يوم تقوم الروح والملائكة صفا) " يوم " نصب على الظرف، أي ~~يوم لا يملكون منه خطابا يوم يقوم الروح. واختلف في الروح على أقوال ~~ثمانية: الأول - أنه ملك من الملائكة. قال ابن عباس: ما خلق الله مخلوقا ~~بعد العرش أعظم منه، فإذا كان يوم القيامة قام هو وحده صفا وقامت الملائكة ~~كلهم صفا، فيكون عظم خلقه مثل صفوفهم. ونحو منه عن ابن مسعود، قال: الروح ~~ملك أعظم من السماوات السبع، ومن الأرضين السبع، ومن الجبال. وهو حيال ~~السماء الرابعة (2)، يسبح الله كل يوم اثنتي عشرة ألف تسبيحة، يخلق الله من ~~كل تسبيحة ملكا، فيجئ يوم القيامة وحده صفا، وسائر الملائكة صفا. الثاني - ~~أنه جبريل عليه السلام. قاله الشعبي والضحاك وسعيد بن جبير. وعن ابن عباس: ~~إن عن يمين العرش نهرا من نور، مثل السماوات السبع، والأرضين السبع، ~~والبحار السبع، يدخل جبريل كل يوم فيه سحرا فيغتسل، فيزداد نورا على نوره، ~~وجمالا على جماله، وعظما على عظمه، ثم ينتفض فيخلق الله من كل قطرة # PageV19P186 # تقع من ريشه سبعين ألف ملك، يدخل منهم كل يوم سبعون ألفا البيت المعمور، ~~والكعبة سبعون ألفا لا يعودون إليهما إلى يوم القيامة. وقال وهب: إن جبريل ~~عليه السلام واقف بين يدي الله تعالى ترعد فرائصه، يخلق الله تعالى من كل ms6549 ~~رعدة مائة ألف ملك، فالملائكة صفوف بين يدي الله تعالى منكسة رؤوسهم، فإذا ~~أذن الله لهم في الكلام قالوا: لا إله إلا أنت، وهو قوله تعالى: " يوم يقوم ~~الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن " في الكلام " وقال ~~صوابا " يعني قول: " لا إله إلا أنت ". والثالث - روى ابن عباس عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: [الروح في هذه الآية جند من جنود الله تعالى، ~~ليسوا ملائكة، لهم رؤوس وأيد وأرجل، يأكلون الطعام]. ثم قرأ " يوم يقوم ~~الروح والملائكة صفا " فإن هؤلاء جند، وهؤلاء جند. وهذا قول أبي صالح ~~ومجاهد. وعلى هذا هم خلق على صورة بني آدم، كالناس وليسوا بناس. الرابع - ~~أنهم أشراف الملائكة، قاله مقاتل بن حيان. # الخامس - أنهم حفظة على الملائكة، قاله ابن أبي نجيح. السادس: أنهم بنو ~~آدم، قاله الحسن وقتادة. فالمعنى ذوو الروح. وقال العوفي والقرظي: هذا مما ~~كان يكتمه ابن عباس، قال: الروح: خلق من خلق الله على صور بني آدم، وما نزل ~~ملك من السماء إلا ومعه واحد من الروح. السابع: أرواح بني آدم تقوم صفا، ~~فتقوم الملائكة صفا، وذلك بين النفختين، قبل أن ترد إلى الأجساد، قاله ~~عطية. الثامن - أنه القرآن، قاله زيد ابن أسلم، وقرأ " وكذلك أوحينا إليك ~~روحا من أمرنا ". و " صفا ": مصدر أي يقومون صفوفا. والمصدر ينبئ عن الواحد ~~والجمع، كالعدل والصوم. ويقال ليوم العيد: يوم الصف. # وقال في موضع آخر: " وجاء ربك والملك صفا صفا " [الفجر: 22] هذا يدل على ~~الصفوف، وهذا حين العرض والحساب. قال معناه القتبي وغيره. وقيل: يقوم الروح ~~صفا، والملائكة صفا، فهم صفان. وقيل: يقوم الكل صفا واحدا. " لا يتكلمون " ~~أي لا يشفعون " إلا من أذن له الرحمن " في الشفاعة " وقال صوابا " يعني ~~حقا، قاله الضحاك ومجاهد. وقال أبو صالح: # لا إله إلا الله. وروى الضحاك عن ابن عباس قال: يشفعون لمن قال لا إله ~~إلا الله. PageV19P187 # وأصل الصواب. السداد من القول والفعل، وهو من أصاب يصيب إصابة، كالجواب ~~من أجاب ms6550 يجيب إجابة. وقيل: " لا يتكلمون " يعني الملائكة والروح الذين ~~قاموا صفا، لا يتكلمون هيبة وإجلالا " إلا من أذن له الرحمن " في الشفاعة ~~وهم قد قالوا صوابا، وأنهم يوحدون الله تعالى ويسبحونه. وقال الحسن: إن ~~الروح يقول يوم القيامة: لا يدخل أحد الجنة إلا بالرحمة، ولا النار إلا ~~بالعمل. وهو معنى قوله تعالى: " وقال صوابا ". # قوله تعالى: " ذلك اليوم الحق " أي الكائن الواقع " فمن شاء اتخذ إلى ربه ~~مآبا " أي مرجعا بالعمل الصالح، كأنه إذا عمل خيرا رده إلى الله عز وجل، ~~وإذا عمل شرا عده منه. وينظر إلى هذا المعنى قوله عليه السلام: [والخير كله ~~بيديك، والشر ليس إليك]. # وقال قتادة: " مآبا ": سبيلا. # قوله تعالى: (إنا أنذرناكم عذابا قريبا): يخاطب كفار قريش ومشركي العرب، ~~لأنهم قالوا: لا نبعث. والعذاب عذاب الآخرة، وكل ما هو آت فهو قريب، وقد ~~قال تعالى: # " كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها " [النازعات: 46] قال ~~معناه الكلبي وغيره. وقال قتادة: # عقوبة الدنيا، لأنها أقرب العذابين. قال مقاتل: هي قتل قريش ببدر. ~~والأظهر أنه عذاب الآخرة، وهو الموت والقيامة، لان من مات فقد قامت قيامته، ~~فإن كان من أهل الجنة رأى مقعده من الجنة، وإن كان من أهل النار رأى الخزي ~~والهوان، ولهذا قال تعالى: " يوم ينظر المرء ما قدمت يداه " [بين وقت ذلك ~~العذاب، أي أنذرناكم عذابا قريبا في ذلك اليوم، وهو يوم ينظر المرء ما قدمت ~~يداه، أي يراه] (1) وقيل: ينظر إلى ما قدمت فحذف إلى. والمرء ها هنا المؤمن ~~في قول الحسن، أي يجد لنفسه عملا، فأما الكافر فلا يجد لنفسه عملا، فيتمنى ~~أن يكون ترابا. ولما قال: " ويقول الكافر " علم أنه أراد بالمرء المؤمن. ~~وقيل: المرء ها هنا: أبي خلف وعقبة بن أبي معيط. (ويقول الكافر) أبو جهل. ~~وقيل: هو عام في كل أحد وإنسان يرى في ذلك اليوم جزاء ما كسب. وقال مقاتل: ~~نزلت قوله: " يوم ينظر المرء ما قدمت يداه " في أبي سلمة بن عبد الأسد ~~المخزومي: " ويقول الكافر ms6551 يا ليتني كنت # PageV19P188 # ترابا ": في أخيه الأسود بن عبد الأسد. وقال الثعلبي: سمعت أبا القاسم بن ~~حبيب يقول: # الكافر: ها هنا إبليس وذلك أنه عاب آدم بأنه خلق من تراب، وافتخر بأنه ~~خلق من نار، فإذا عاين يوم القيامة ما فيه آدم وبنوه من الثواب والراحة، ~~والرحمة، ورأى ما هو فيه من الشدة والعذاب، تمنى أنه يكون بمكان آدم، ف‍ " ~~يقول: يا ليتني كنت ترابا " قال: ورأيته في بعض التفاسير للقشيري أبي نصر. ~~وقيل: أي يقول إبليس يا ليتني خلقت من التراب ولم أقل أنا خير من آدم. وعن ~~ابن عمر: إذا كان يوم القيامة مدت الأرض مد الأديم، وحشر الدواب والبهائم ~~والوحوش، ثم يوضع القصاص بين البهائم، حتى يقتص للشاة الجماء من الشاة ~~القرناء بنطحتها، فإذا فرغ من القصاص بينها قيل لها: كوني ترابا، فعند ذلك ~~يقول الكافر: # " يا ليتني كنت ترابا ". ونحوه عن أبي هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص ~~رضي الله عنهم. # وقد ذكرناه في كتاب " التذكرة، بأحوال الموتى وأمور الآخرة "، مجودا ~~والحمد لله. ذكر أبو جعفر النحاس: حدثنا أحمد بن محمد بن نافع، قال حدثنا ~~سلمة بن شبيب، قال حدثنا عبد الرازق، قال حدثنا معمر، قال أخبرني جعفر بن ~~برقان الجزري، عن يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة، قال: إن الله تعالى يحشر ~~الخلق كلهم من دابة وطائر وإنسان، ثم يقال للبهائم والطير كوني ترابا، فعند ~~ذلك " يقول الكافر: يا ليتني كنت ترابا ". وقال قوم: " يا ليتني كنت ترابا ~~": أي لم أبعث، كما قال: " يا ليتني لم أوت كتابيه ". وقال أبو الزناد: إذا ~~قضي بين الناس، وأمر بأهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار، قيل ~~لسائر الأمم ولمؤمني الجن: عودوا ترابا، فيعودون ترابا، فعند ذلك يقول ~~الكافر حين يراهم " يا ليتني كنت ترابا ". وقال ليث بن أبي سليم: # مؤمنو الجن يعودون ترابا. وقال عمر بن عبد العزيز والزهري والكلبي ~~ومجاهد: مؤمنو الجنة حول الجنة في ربض ورحاب وليسوا فيها. وهذا أصح، وقد ~~مضى في ms6552 سورة " الرحمن " (1) بيان هذا، وأنهم مكلفون: يثابون ويعاقبون، فهم ~~كبني آدم، والله أعلم بالصواب. # PageV19P189 # سورة النازعات مكية بإجماع. وهي خمس أو ست وأربعون آية بسم الله الرحمن ~~الرحيم قوله تعالى: والنازعات غرقا (1) والناشطات نشطا (2) والسابحات سبحا ~~(3) فالسابقات سبقا (4) فالمدبرات أمرا (5) يوم ترجف الراجفة (6) تتبعها ~~الرادفة (7) قلوب يومئذ واجفة (8) أبصارها خاشعة (9) يقولون أإنا لمردودون ~~في الحافرة (10) أإذا كنا عظاما نخرة (11) قالوا تلك إذا كرة خاسرة (12) ~~فإنما هي زجرة واحدة (13) فإذا هم بالساهرة (14) قوله تعالى (والنازعات ~~غرقا): أقسم سبحانه بهذه الأشياء التي ذكرها، على أن القيامة حق. و " ~~النازعات ": الملائكة التي تنزع أرواح الكفار، قاله علي رضي الله عنه، وكذا ~~قال ابن مسعود وابن عباس ومسروق ومجاهد: هي الملائكة تنزع نفوس بين آدم. ~~قال ابن مسعود: # يريد أنفس الكفار ينزعها ملك الموت من أجسادهم، من تحت كل شعرة، ومن تحت ~~الأظافير وأصول القدمين نزعا كالسفود ينزع من الصوف الرطب، يغرقها، أي ~~يرجعها في أجسادهم، ثم ينزعها فهذا عمله بالكفار. وقاله ابن عباس. وقال ~~سعيد بن جبير: # نزعت أرواحهم، ثم غرقت، ثم حرقت، ثم قذف بها في النار. وقيل: يرى الكافر ~~نفسه في وقت النزع كأنها تغرق. وقال السدي: و " النازعات " هي النفوس حين ~~تغرق في الصدور. # مجاهد: هي الموت ينزع النفوس. الحسن وقتادة: هي النجوم تنزع من أفق إلى ~~أفق، أي تذهب، من قولهم: نزع إليه أي ذهب، أو من قولهم: نزعت الخيل أي جرت. ~~" غرقا " PageV19P190 # أي إنها تغرق وتغيب وتطلع من أفق إلى أفق آخر. وقاله أبو عبيدة وابن ~~كيسان والأخفش. # وقيل: النازعات القسي تنزع بالسهام، قاله عطاء وعكرمة. و " غرقا " بمعنى ~~إغراقا، وإغراق النازع في القوس أن يبلغ غاية المد، حتى ينتهي إلى النصل. ~~يقال: أغرق في القوس أي استوفى مدها، وذلك بأن تنتهي إلى العقب الذي عند ~~النصل الملفوف عليه. والاستغراق الاستيعاب. ويقال لقشرة البيضة الداخلة: " ~~غرقئ ". وقيل: هم الغزاة الرماة. # قلت: هو والذي قبله سواء، لأنه إذا أقسم بالقسي فالمراد النازعون بها ~~تعظيما لها، وهو مثل قوله تعالى: ms6553 " والعاديات ضبحا " [العاديات: 1] والله ~~أعلم. وأراد بالاغراق: المبالغة في النزع وهو سائر في جميع وجوه تأويلها. ~~وقيل: هي الوحش تنزع (1) من الكلأ وتنفر. حكاه يحيى ابن سلام. ومعنى " غرقا ~~" أي إبعادا في النزع. # قوله تعالى: (والناشطات نشطا) قال ابن عباس: يعني الملائكة تنشط نفس ~~المؤمن فتقبضها كما ينشط العقال من يد البعير: إذا حل عنه. وحكى هذا القول ~~الفراء ثم قال: # والذي سمعت من العرب أن يقولوا أنشطت وكأنما أنشط من عقال. وربطها نشطها ~~والرابط الناشط، وإذا ربطت الحبل في يد البعير فقد نشطته، فأنت ناشط، وإذا ~~حللته فقد أنشطته وأنت منشط. وعن ابن عباس أيضا: هي أنفس المؤمنين عند ~~الموت تنشط للخروج، وذلك أنه ما من مؤمن [يحضره الموت] (2) إلا وتعرض عليه ~~الجنة قبل أن يموت، فيرى فيها ما أعد الله له من أزواجه وأهله من الحور ~~العين، فهم يدعونه إليها، فنفسه إليهم نشطه أن تخرج فتأتيهم. وعنه أيضا ~~قال: يعني أنفس الكفار والمنافقين تنشط كما ينشط العقب، الذي يعقب به ~~السهم. والعقب بالتحريك: العصب الذي تعمل منه الأوتار، الواحدة عقبة، تقول ~~منه: # عقب السهم والقدح والقوس عقبا: إذا لوى شيئا منه عليه. والنشط: الجذب ~~بسرعة، ومنه الأنشوطة: عقدة يسهل انحلالها إذا جذبت مثل عقدة التكة. وقال ~~أبو زيد: نشطت # PageV19P191 # الحبل أنشطه نشطا: عقدته بأنشوطة، وأنشطته أي حللته، وأنشطت الحبل أي ~~مددته حتى ينحل. وقال الفراء: أنشط العقال أي حل، ونشط: أي ربط الحبل في ~~يديه. وقال الليث: # أنشطته بأنشوطة وأنشوطتين أي أوثقته، وأنشطت العقال: أي مددت أنشوطته ~~فانحلت. # قال: ويقال نشط بمعنى أنشط، لغتان بمعنى، وعليه يصح قول ابن عباس المذكور ~~أولا. # وعنه أيضا: الناشطات الملائكة لنشاطها، تذهب وتجئ بأمر الله حيثما كان. ~~وعنه أيضا وعن علي رضي الله عنهما: هي الملائكة تنشط أرواح الكفار، ما بين ~~الجلد والأظفار، حتى تخرجها من أجوافهم نشطا بالكرب والغم، كما تنشط الصوف ~~من سفود الحديد، وهي من النشط بمعنى الجذب، يقال: نشطت الدلو أنشطها ~~بالكسر، وأنشطها بالضم: أي نزعتها. # قال الأصمعي: ms6554 بئر أنشاط: أي قريبة القعر، تخرج الدلو منها بجذبة واحدة. ~~وبئر نشوط، قال: وهي التي لا يخرج منها الدلو حتى تنشط كثيرا. وقال مجاهد: ~~هو الموت ينشط نفس الانسان. السدي: هي النفوس حين تنشط من القدمين. وقيل: ~~النازعات: أيدي الغزاة أو أنفسهم، تنزع القسي بإغراق السهام، وهي التي تنشط ~~الاوهاق (1). عكرمة وعطاء: هي الاوهاق تنشط السهام. وعن عطاء أيضا وقتادة ~~والحسن والأخفش: هي النجوم تنشط من أفق إلى أفق: أي تذهب. وكذا في الصحاح. ~~" والناشطات نشطا " يمني النجوم من برج إلى برج، كالثور الناشط من بلد إلى ~~بلد. والهموم تنشط بصاحبها، قال هميان بن قحافة: # أمست همومي تنشط المناشطا * الشام بي طورا وطورا واسطا أبو عبيدة وعطاء ~~أيضا: الناشطات: هي الوحش حين تنشط من بلد إلى بلد، كما أن الهموم تنشط ~~الانسان من بلد إلى بلد، وأنشد قول هميان: # * أمست همومي... * البيت وقيل: " والنازعات " للكافرين " والناشطات " ~~للمؤمنين، فالملائكة يجذبون روح المؤمن برفق، والنزع جذب بشدة، والنشط جذب ~~برفق. وقيل: هما جميعا للكفار والآيتان بعدهما للمؤمنين عند فراق الدنيا. # PageV19P192 # قوله تعالى: (والسابحات سبحا) قال علي رضي الله عنه: هي الملائكة تسبح ~~بأرواح المؤمنين. الكلبي: هي الملائكة تقبض أرواح المؤمنين، كالذي يسبح في ~~الماء، فأحيانا ينغمس وأحيانا يرتفع، يسلونها سلا رفيقا بسهولة، ثم يدعونها ~~حتى تستريح. وقال مجاهد وأبو صالح: هي الملائكة ينزلون من السماء مسرعين ~~لأمر الله، كما يقال للفرس الجواد سابح: # إذا أسرع في جريه. وعن مجاهد أيضا: الملائكة تسبح في نزولها وصعودها. ~~وعنه أيضا: # السابحات: الموت يسبح في أنفس بني آدم. وقيل: هي الخيل الغزاة، قال ~~عنترة: # والخيل تعلم حين تسبح * في حياض الموت سبحا وقال امرؤ القيس: # مسح إذا ما السابحات على الونى * أثرن غبارا بالكديد المركل (1) قتادة ~~والحسن: هي النجوم تسبح في أفلاكها، وكذا الشمس والقمر، قال الله تعالى: # " كل في فلك يسبحون ". عطاء: هي السفن تسبح في الماء. ابن عباس: السابحات ~~أرواح المؤمنين تسبح شوقا إلى لقاء الله ورحمته حين تخرج. # قوله تعالى: (فالسابقات سبقا) قال ms6555 علي رضي الله عنه: هي الملائكة تسبق ~~الشياطين بالوحي إلى الأنبياء عليهم السلام. وقاله مسروق ومجاهد. وعن مجاهد ~~أيضا وأبي روق: هي الملائكة سبقت ابن آدم بالخير والعمل الصالح. وقيل: تسبق ~~بني آدم إلى العمل الصالح فتكتبه. وعن مجاهد أيضا: الموت يسبق الانسان. ~~مقاتل: هي الملائكة تسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنة. ابن مسعود: هي أنفس ~~المؤمنين تسبق إلى الملائكة الذين يقبضونها وقد عاينت السرور، شوقا إلى ~~لقاء الله تعالى ورحمته. ونحو عن الربيع، قال: # هي النفوس تسبق بالخروج عند الموت. وقال قتادة والحسن ومعمر: هي النجوم ~~يسبق بعضها بعضا في السير. عطاء: هي الخيل التي تسبق إلى الجهاد. وقيل: ~~يحتمل أن تكون # PageV19P193 # السابقات ما تسبق من الأرواح قبل الأجساد إلى جنة أو نار، قاله الماوردي. ~~وقال الجرجاني: ذكر " فالسابقات " بالفاء لأنها مشتقة من التي قبلها، أي ~~واللائي يسبحن فيسبقن، تقول: قام فذهب، فهذا يوجب أن يكون القيام سببا ~~للذهاب، ولو قلت: # قام وذهب، لم يكن القيام سببا للذهاب. # قوله تعالى: (فالمدبرات أمرا) قال القشيري: أجمعوا على أن المراد ~~الملائكة. # وقال الماوردي: فيه قولان: أحدهما الملائكة، قاله الجمهور. والقول الثاني ~~هي الكواكب السبعة. حكاه خالد بن معدان عن معاذ بن جبل. وفي تدبيرها الامر ~~وجهان: أحدهما تدبير طلوعها وأفولها. الثاني تدبيرها ما قضاه الله تعالى ~~فيها من تقلب الأحوال. وحكى هذا القول أيضا القشيري في تفسيره، وأن الله ~~تعالى علق كثيرا من تدبير أم العالم بحركات النجوم، فأضيف التدبير إليها ~~وإن كان من الله، كما يسمى الشئ باسم ما يجاوره. وعلى أن المراد بالمدبرات ~~الملائكة، فتدبيرها نزولها بالحلال والحرام وتفصيله، قاله ابن عباس وقتادة ~~وغيرهما. وهو إلى الله جل ثناؤه، ولكن لما نزلت الملائكة به سميت بذلك، كما ~~قال عز وجل: " نزل به الروح الأمين " [الشعراء: 193]. وكما قال تعالى: " ~~فإنه نزله على قلبك " [البقرة: 97]. يعني جبريل نزله على قلب محمد صلى الله ~~عليه وسلم، والله عز وجل هو الذي أنزله. وروى عطاء عن ابن عباس: " ~~فالمدبرات أمرا ": الملائكة وكلت بتدبير أحوال ms6556 الأرض في الرياح والأمطار ~~وغير ذلك. قال عبد الرحمن بن ساباط: تدبير أمر الدنيا إلى أربعة، جبريل ~~وميكائيل وملك الموت واسمه عزرائيل وإسرافيل، فأما جبريل فموكل بالرياح ~~والجنود، وأما ميكائيل فموكل بالقطر والنبات، وأما ملك الموت فموكل بقبض ~~الأنفس في البر والبحر، وأما إسرافيل فهو ينزل بالامر عليهم، وليس من ~~الملائكة أقرب من إسرافيل، وبينه وبين العرش مسيرة خمسمائة عام. وقيل: أي ~~وكلوا بأمور عرفهم الله بها. ومن أول السورة إلى هنا قسم أقسم الله به، ~~ولله أن يقسم بما شاء من خلقه، وليس لنا ذلك إلا به عز وجل. وجواب القسم ~~مضمر، كأنه قال: والنازعات وكذا وكذا لتبعثن ولتحاسبن. أضمر لمعرفة ~~السامعين PageV19P194 # بالمعنى، قاله الفراء. ويدل عليه قول تعالى: " أئذا كنا عظاما نخرة " ~~ألست ترى أنه كالجواب لقولهم: " أئذا كنا عظاما نخرة " نبعث؟ فاكتفى بقوله: ~~" أئذا كنا عظاما نخرة "؟ # وقال قوم: وقع القسم على قوله: " إن في ذلك لعبرة لمن يخشى " [النازعات: ~~26] وهذا اختيار الترمذي ابن علي. أي فيما قصصت من ذكر يوم القيامة وذكر ~~موسى وفرعون " لعبرة لمن يخشى " ولكن وقع القسم على ما في السورة مذكورا ~~ظاهرا بارزا أحرى وأقمن من أن يؤتي بشئ ليس بمذكور فيما قال ابن الأنباري: ~~وهذا قبيح، لان الكلام قد طال فيما بينهما. وقيل: جواب القسم هل أتاك حديث ~~موسى " لان المعنى قد أتاك. وقيل: الجواب " يوم ترجف الراجفة " على تقدير ~~ليوم ترجف، فحذف اللام. وقيل: فيه تقديم وتأخير، وتقديره يوم ترجف الراجفة ~~وتتبعها الرادفة والنازعات غرقا. وقال السجستاني: يجوز أن يكون هذا من ~~التقديم والتأخير، كأنه قال: # فإذا هم بالساهرة والنازعات. ابن الأنباري: وهذا خطأ، لان الفاء لا يفتح ~~بها الكلام، والأول الوجه. وقيل: إنما وقع القسم على أن قلوب أهل النار ~~تجف، وأبصارهم تخشع، فانتصاب " يوم ترجف الراجفة " على هذا المعنى، ولكن لم ~~يقع عليه. قال الزجاج: أي قلوب واجفة يوم ترجف، وقيل: انتصب بإضمار أذكر. و ~~" ترجف " أي تضطرب. # والراجفة: أي المضطربة كذا قال عبد الرحمن بن زيد، قال: ms6557 هي الأرض، ~~والرادفة الساعة. # مجاهد: الراجفة الزلزلة (تتبعها الرادفة) الصيحة. وعنه أيضا وابن عباس ~~والحسن وقتادة: هما الصيحتان. أي النفختان. أما الأولى فتميت كل شئ بإذن ~~الله تعالى، وأما الثانية فتحيي كل شئ بإذن الله تعالى. وجاء في الحديث عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # (بينهما أربعون سنة) وقال مجاهد أيضا: الرادفة حين تنشق السماء وتحمل ~~الأرض والجبال فتدك دكة واحدة، وذلك بعد الزلزلة. وقيل: الراجفة تحرك ~~الأرض، والرادفة زلزلة أخرى تفني الأرضين ". فالله أعلم. وقد مضى في آخر " ~~النمل " (1) ما فيه كفاية في النفخ في الصور. # وأصل الرجفة الحركة، قال الله تعالى: " يوم ترجف الأرض " وليست الرجفة ~~هاهنا من # PageV19P195 # الحركة فقط، بل من قولهم: رجف الرعد يرجف رجفا ورجيفا: أي أظهر الصوت ~~والحركة، ومنه سميت الأراجيف، لاضطراب الأصوات بها، وإفاضة الناس فيها، ~~قال: # أبالأراجيف يا ابن اللوم توعدني * وفي الأراجيف خلت اللؤم والخورا (1) ~~وعن أبي بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ذهب ربع الليل قام ~~ثم قال: # [يا أيها الناس أذكروا الله، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما ~~فيه]. (قلوب يومئذ واجفة) أي خائفة وجلة، قاله ابن عباس وعليه عامة ~~المفسرين. وقال السدي: زائلة عن أماكنها. نظيره " إذ القلوب لدى الحناجر " ~~[غافر: 18]. وقال المؤرخ: قلقة مستوفزة، مرتكضة (2) غير ساكنة. وقال ~~المبرد: مضطربة. والمعنى متقارب، والمراد قلوب الكفار، يقال وجف القلب يجف ~~وجيفا إذا خفق، كما يقال: وجب يجب وجيبا، ومنه وجيف الفرس والناقة في ~~العدو، والايجاف حمل الدابة على السير السريع، قال: # بدلن بعد جرة صريفا * وبعد طول النفس الوجيفا و " قلوب " رفع بالابتداء و ~~" واجفة " صفتها. و " أبصارها خاشعة " خبرها، مثل قوله " ولعبد مؤمن خير من ~~مشرك " [البقرة: 221]. ومعنى " خاشعة " منكسرة ذليلة من هول ما ترى. نظيره: # " خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة " [القلم: 43]. والمعنى أبصار أصحابها، فحذف ~~المضاف. (يقولون أئنا لمردودون في الحافرة) أي يقول هؤلاء المكذبون ~~المنكرون للبعث، إذا قيل لهم إنكم تبعثون، قالوا منكرين متعجبين: أنرد بعد ~~موتنا إلى أول ms6558 الامر، فنعود أحياء كما كنا قبل الموت؟ وهو كقولهم: " أئنا ~~لمبعوثون خلقا جديدا " يقال: رجع فلان في حافرته، وعلى حافرته، أي رجع من ~~حيث جاء، قاله قتادة. وأنشد ابن الأعرابي: # PageV19P196 # أحافرة على صلع وشيب * معاذ الله من سفه وعار يقول: أأرجع إلى ما كنت ~~عليه في شبابي من الغزل والصبا بعد أن شبت وصلعت! # ويقال: رجع على حافرته: أي الطريق الذي جاء منه. وقولهم في المثل: النقد ~~عند الحافرة. قال يعقوب: أي عند أول كلمة. ويقال: التقى القوم فاقتتلوا عند ~~الحافرة. # أي عند أول ما التقوا. وقيل: الحافرة العاجلة، أي أئنا لمردودون إلى ~~الدنيا فنصبر أحياء كما كنا؟ قال الشاعر: # آليت لا أنساكم فاعلموا * حتى يرد الناس في الحافرة وقيل: الحافرة: الأرض ~~التي تحفر فيها قبورهم، فهي بمعنى المحفورة، كقوله تعالى: " ماء دافق " و " ~~عيشة راضية ". والمعنى أئنا لمردودون في قبورنا أحياء. قاله مجاهد والخليل ~~والفراء. وقيل: سميت الأرض الحافرة، لأنها مستقر الحوافر، كما سميت القدم ~~أرضا، لأنها على الأرض. والمعنى أئنا لراجعون بعد الموت إلى الأرض فنمشي ~~على أقدامنا. وقال ابن زيد: الحافرة: النار، وقرأ " تلك إذا كرة خاسرة ". ~~وقال مقاتل وزيد بن أسلم: هي أسم من أسماء النار. وقال ابن عباس: الحافرة ~~في كلام العرب: الدنيا. وقرأ أبو حياة: # " الحفرة " بغير ألف، مقصور من الحافر. وقيل: الحفرة: الأرض المنتنة ~~بأجساد موتاها، من قولهم: حفرت أسنانه، إذا ركبها الوسخ من ظاهرها وباطنها. ~~يقال: في أسنانه حفر، وقد حفرت تحفر حفرا، مثل كسر يكسر كسرا إذا فسدت ~~أصولها. وبنو أسد يقولون: # في أسنانه حفر بالتحريك. وقد حفرت مثال تعب تعبا، وهي أردا اللغتين قاله ~~في الصحاح. # (أئذا كنا عظاما نخرة) أي بالية متفتتة. يقال: نخر العظم بالكسر: أي بلي ~~وتفتت، يقال: # عظام نخرة. وكذا قرأ الجمهور من أهل المدينة ومكة والشام والبصرة، ~~وأختاره أبو عبيد، لان الآثار التي تذكر فيها العظام، نظرنا فيها فرأينا ~~نخرة لا ناخرة. وقرأ أبو عمرو وابنه عبد الله وابن عباس وابن مسعود وابن ~~الزبير وحمزة ms6559 والكسائي وأبو بكر " ناخرة " بألف، وأختاره الفراء والطبري ~~وأبو معاذ النحوي، لو فاق رؤوس الآي. وفي الصحاح: والناخر من العظام ~~PageV19P197 # التي تدخل الريح فيه ثم تخرج منه ولها نخير. ويقال: ما بها ناخر، أي ما ~~بها أحد. حكاه يعقوب عن الباهلي. وقال أبو عمرو بن العلاء: الناخرة التي لم ~~تنخر بعد، أي لم تبل ولا بد أن تنخر. وقيل: الناخر المجوفة. وقيل: هما ~~لغتان بمعنى، كذلك تقول العرب: نخر الشئ فهو نخر وناخر، كقولهم: طمع فهو ~~طمع وطامع، وحذر وحاذر، وبخل وباخل، رفره وفاره، قال الشاعر: # يظل بها الشيخ الذي كان بادنا * يدب على عوج له نخرات عوج: يعني قوائم. ~~وفي بعض التفسير: ناخرة بالألف: بالية، ونخرة: تنخر فيها الريح أي تمر ~~فيها، على عكس الأول، قال (1): # * من بعد ما صرت عظاما ناخره * وقال بعضهم: الناخرة: التي أكلت أطرافها ~~وبقيت أوساطها. والنخرة: التي فسدت كلها. # قال مجاهد: نخرة أي مرفوتة، كما قال تعالى: " عظاما ورفاتا " ونخرة الريح ~~بالضم: شدة هبوبها. والنخرة أيضا والنخرة مثال الهمزة: مقدم أنف الفرس ~~والحمار والخنزير، يقال: # هشم نخرته: أي أنفه. (قالوا تلك إذا كرة خاسرة) أي رجعة خائبة، كاذبة ~~باطلة، أي ليست كائبه، قاله الحسن وغيره. الربيع بن أنس: " خاسرة " على من ~~كذب بها. وقيل: # أي هي كرة خسران. والمعنى أهلها خاسرون، كما يقال: تجارة رابحة أي يربح ~~صاحبها. # ولا شئ أخسر من كرة تقتضي المصير إلى النار. وقال قتادة ومحمد بن كعب: أي ~~لئن رجعنا أحياء بعد الموت لنحشرن بالنار، وإنما قالوا هذا لأنهم أوعدوا ~~بالنار. والكر: الرجوع، يقال: كره، وكر بنفسه، يتعدى ولا يتعدى. والكرة: ~~المرة، والجمع الكرات. (فإنما هي زجرة واحدة) ذكر جل ثناؤه سهولة البعث ~~عليه فقال: " فإنما هي زجرة واحدة ". وروى الضحاك عن ابن عباس قال: نفخة ~~واحدة " فإذا هم " أي الخلائق أجمعون " بالساهرة " أي على وجه الأرض، بعد ~~ما كانوا في بطنها. قال الفراء: سميت بهذا الاسم، لان فيها نوم # PageV19P198 # الحيوان وسهرهم. والعرب تسمى الفلاة ووجه الأرض ساهرة، بمعنى ms6560 ذات سهو، ~~لأنه يسهر فيها خوفا منها، فوصفها بصفة ما فيها، واستدل ابن عباس والمفسرون ~~بقول أمية ابن أبي الصلت: # وفيها لحم ساهرة وبحر * وما فاهوا به لهم مقيم وقال آخر يوم ذي قار ~~لفرسه: # أقدم محاج إنها الأساورة * ولا يهولنك رجل (1) نادرة فإنما قصرك ترب ~~الساهره * ثم تعود بعدها في الحافره * من بعد ما صرت عظاما ناخره * وفي ~~الصحاح. ويقال: الساهور: ظل الساهرة، وهي وجه الأرض. ومنه قوله تعالى: # " فإذا هم بالساهرة "، قال أبو كبير الهذلي: # يرتدن ساهرة كان جميمها * وعميمها أسداف ليل مظلم (2) ويقال: الساهور: ~~كالغلاف (3) للقمر يدخل فيه إذا كسف، وأنشدوا قول أمية بن أبي الصلت (4): # * قمر وساهور يسل ويغمد * وأنشدوا لآخر في وصف امرأة: # كأنها عرق سام عند ضاربه * أو شقة خرجت من جوف ساهور يريد شقة القمر. ~~وقيل: الساهرة: هي الأرض البيضاء. وروى الضحاك عن ابن عباس قال: أرض من فضة ~~لم يعص الله جل ثناؤه عليها قط خلقها حينئذ. وقيل: أرض جددها # PageV19P199 # الله يوم القيامة. وقيل: الساهرة أسم الأرض السابعة يأتي بها الله تعالى ~~فيحاسب عليها الخلائق، وذلك حين تبدل الأرض غير الأرض. وقال الثوري: ~~الساهرة: أرض الشام. # وهب بن منبه: جبل بيت المقدس. عثمان بن أبي العاتكة: إنه اسم مكان من ~~الأرض بعينه، بالشام، وهو الصقع الذي بين جبل أريحاء وجبل حسان (1) يمده ~~الله كيف يشاء. قتادة: # هي جهنم أي فإذا هؤلاء الكفار في جهنم. وإنما قيل لها ساهرة، لأنهم لا ~~ينامون عليها حينئذ. وقيل: الساهرة: بمعنى الصحراء على شفير جهنم، أي ~~يوقفون بأرض القيامة، فيدوم السهر حينئذ. ويقال: الساهرة: الأرض البيضاء ~~المستوية سميت بذلك، لان السراب يجري فيها من قولهم عين ساهرة: جارية ~~الماء، وفي ضدها: نائمة، قال الأشعث بن قيس: # وساهرة يضحى السراب مجللا * لأقطارها قد جئتها متلثما أو لان سالكها لا ~~ينام خوف الهلكة. # قوله تعالى: هل أتاك حديث موسى (15) إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى (16) ~~اذهب إلى فرعون إنه طغى (17) فقل هل لك إلى أن تزكى (18) وأهديك إلى ربك ms6561 ~~فتخشى (19) فأراه الآية الكبرى (20) فكذب وعصى (21) ثم أدبر يسعى (22) فحشر ~~فنادى (23) فقال أنا ربكم الاعلى (24) فأخذه الله نكال الآخرة والأولى (25) ~~إن في ذلك لعبرة لمن يخشى (26) قوله تعالى: (هل أتاك حديث موسى. إذا ناداه ~~ربه بالوادي المقدس طوى) أي قد جاءك وبلغك " حديث موسى " وهذا تسلية للنبي ~~صلى الله عليه وسلم. أي إن فرعون # PageV19P200 # كان أقوى من كفار عصرك، ثم أخذناه، وكذلك هؤلاء. وقيل: " هل " بمعنى " ما ~~" أي ما أتاك، ولكن أخبرت به، فإن فيه عبرة لمن يخشى. وقد مضى من خبر موسى ~~وفرعون في غير موضع ما فيه كفاية (1). وفي " طوى " ثلاث قراءات: قرأ ابن ~~محيصن وابن عامر والكوفيون " طوى " منونا واختاره أبو عبيد لخفة الاسم. ~~الباقون بغير تنوين، لأنه معدول مثل عمر وقثم، قال الفراء: طوى: واد بين ~~المدينة ومصر. قال: وهو معدول عن طاو، كما عدل عمر عن عامر. وقرأ الحسن ~~وعكرمة " طوى " بكسر الطاء، وروى عن أبي عمرو، على معنى المقدس مرة بعد ~~مرة، قاله الزجاج، وأنشد: # أعاذل إن اللوم في غير كنهه * علي طوى من غيك المتردد (2) أي هو لوم مكرر ~~علي. وقيل: ضم الطاء وكسرها لغتان، وقد مضى في " طه " (3) القول فيه. " ~~اذهب إلى فرعون " أي ناداه ربه، فحذف، لان النداء قول، فكأنه، قال له ربه " ~~أذهب إلى فرعون ". " إنه طغى " أي جاوز القدر في العصيان. وروى عن الحسن ~~قال: كان فرعون علجا من همدان. وعن مجاهد قال: كان من أهل إصطخر. # وعن الحسن أيضا قال: من أهل أصبهان، يقال له ذو ظفر، طول أربعة أشبار. # (فقل هل لك إلى أن تزكى) أي تسلم فتطهر من الذنوب. وروى الضحاك عن ابن ~~عباس قال: هل لك أن تشهد أن لا إله إلا الله. (وأهديك إلى ربك) أي وأرشدك ~~إلى طاعة ربك (فتخشى) أي تخافه وتتقيه. وقرأ نافع وبن كثير " تزكى " بتشديد ~~الزاي، على إدغام التاء في الزاي لان أصلها تتزكى. الباقون: " تزكى " ~~بتخفيف الزاي على معنى طرح التاء. وقال أبو عمرو: " تزكى " بالتشديد (4) ~~[تتصدق ب‍] ms6562 - الصدقة، و " تزكي " يكون زكيا مؤمنا. وإنما دعا فرعون ليكون ~~زكيا مؤمنا. قال: فلهذا اخترنا التخفيف. وقال صخر بن جويرية: # PageV19P201 # لما بعث الله موسى إلى فرعون قال له: " أذهب إلى فرعون " إلى قوله " ~~وأهديك إلى ربك فتخشى " ولن يفعل، فقال: يا رب، وكيف أذهب إليه وقد علمت ~~أنه لا يفعل؟ # فأوحى الله إليه أن امض إلى ما أمرتك به، فإن في السماء أثنى عشر ألف ملك ~~يطلبون علم القدر، فلم يبلغوه ولا يدركوه. (فأراه الآية الكبرى) أي العلامة ~~العظمى وهي المعجزة. # وقيل: العصا. وقيل: اليد البيضاء تبرق كالشمس. وروى الضحاك عن ابن عباس: # الآية الكبرى قال العصا. الحسن: يده وعصاه. وقيل: فلق البحر. وقيل: ~~الآية: # إشارة إلى جميع آياته ومعجزاته. " فكذب " أي كذب نبي الله موسى " وعصى " ~~أي عصى ربه عز وجل. (ثم أدبر يسعى) أي ولى مدبرا معرضا عن الايمان " يسعى " ~~أي يعمل بالفساد في الأرض. وقيل: يعمل في نكاية موسى. وقيل: " أدبر يسعى " ~~هاربا من الحية. " فحشر " أي جمع أصحابه ليمنعوه منها. وقيل: جمع جنوده ~~للقتال والمحاربة، والسحرة للمعارضة. وقيل: حشر الناس للحضور. " فنادى " أي ~~قال لهم بصوت عال (أنا ربكم الاعلى) أي لا رب لكم فوقي. ويروى: إن إبليس ~~تصور لفرعون في صورة الانس بمصر في الحمام، فأنكره فرعون، فقال له إبليس: ~~ويحك! أما تعرفني؟ قال: لا. قال: # وكيف وأنت خلقتني؟ ألست القائل أنا ربكم الاعلى. ذكره الثعلبي في كتاب ~~العرائس. # وقال عطاء: كان صنع لهم أصناما صغارا وأمرهم بعبادتها، فقال أنا رب ~~أصنامكم. وقيل: # أراد القادة والسادة، هو ربهم، وأولئك هم أرباب السفلة. وقيل: في الكلام ~~تقديم وتأخير فنادى فحشر لان النداء يكون قبل الحشر. (فأخذه الله نكال ~~الآخرة والأولى) أي نكال قوله: " ما علمت لكم من إله غيري " [القصص: 38] ~~وقوله بعد: " أنا ربكم الاعلى " [النازعات: 24] قاله ابن عباس ومجاهد ~~وعكرمة. وكان بين الكلمتين أربعون سنة، قاله ابن عباس. والمعنى: أمهله في ~~الأولى، ثم أخذه في الآخرة، فعذبه بكلمتيه. وقيل: نكال الأولى: هو أن ~~أغرقه، ونكال ms6563 الآخرة: العذاب في الآخرة. وقاله قتادة وغيره. وقال مجاهد: هو ~~عذاب أول عمره وآخره. # وقيل: الآخرة قوله " أنا ربكم الاعلى " والأولى تكذيبه لموسى. عن قتادة ~~أيضا. PageV19P202 # و " نكال " منصوب على المصدر المؤكد في قول الزجاج، لان معنى أخذه الله: ~~نكل الله به، فأخرج [نكال] (1) مكان مصدر من معناه، لا من لفظه. وقيل: نصب ~~بنزع حرف الصفة، أي فأخذه الله بنكال الآخرة، فلما نزع الخافض نصب. وقال ~~الفراء: أي أخذه الله أخذا نكالا، أي للنكال. والنكال: اسم لما جعل نكالا ~~للغير أي عقوبة له حتى يعتبر به. يقال: # نكل فلان بفلان: إذا أثخنه عقوبة. والكلمة من الامتناع، ومنه النكول عن ~~اليمين، والنكل القيد. وقد مضى في سورة " المزمل " (2) والحمد لله. " إن في ~~ذلك لعبرة " أي اعتبارا وعظة. # " لمن يخشى " أي يخاف الله عز وجل. # قوله تعالى: أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها (27) رفع سمكها فسواها (28) ~~وأغطش ليلها وأخرج ضحاها (29) والأرض بعد ذلك دحاها (30) أخرج منها ماءها ~~ومرعاها (31) والجبال أرساها (32) متاعا لكم ولأنعامكم (33) قوله تعالى: " ~~أأنتم أشد خلقا ": يريد أهل مكة، أي أخلقكم بعد الموت أشد في تقديركم " أم ~~السماء " فمن قدر على السماء قدر على الإعادة، كقوله تعالى: " لخلق ~~السماوات والأرض أكبر من خلق الناس " [غافر: 57] وقول تعالى: " أو ليس الذي ~~خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم " [يس: 81]، فمعنى الكلام ~~التقريع والتوبيخ. ثم وصف السماء فقال: " بناها " أي رفعها فوقكم كالبناء. ~~" رفع سمكها " أي أعلى سقفها في الهواء، يقال: سمكت الشئ أي رفعته في ~~الهواء، وسمك الشئ سموكا: أرتفع. وقال الفراء: كل شئ حمل شيئا من البناء ~~وغيره فهو سمك. وبناء مسموك وسنام سامك تامك أي عال، والمسموكات (3): ~~السماوات. # ويقال: اسمك في الديم، أي اصعد في الدرجة. # PageV19P203 # قوله تعالى: " فسواها " أي خلقها خلقا مستويا، لا تفاوت فيه، ولا شقوق، ~~ولا فطور. # (وأغطش ليلها) أي جعله مظلما، غطش الليل وأغطشه الله، كقولك: ظلم [الليل] ~~(1) وأظلمه الله. ويقال أيضا: أغطش الليل بنفسه. وأغطشه الله كما يقال: ~~أظلم الليل، وأظلمه الله. والغطش ms6564 والغبش: الظلمة. ورجل أغطش: أي أعمى، أو ~~شبيه به، وقد غطش، والمرأة غطشاء، ويقال: ليلة غطشاء، وليل أغطش وفلاة غطشى ~~لا يهتدى لها، قال الأعشى: # ويهماء بالليل غطشى الفلاة * يؤنسني صوت فيادها (2) وقال الأعشى أيضا: # عقرت لهم موهنا ناقتي * وغامرهم مدلهم غطش يعني بغامرهم ليلهم، لأنه ~~غمرهم بسواده. وأضاف الليل إلى السماء لان الليل يكون بغروب الشمس، والشمس ~~مضاف إلى السماء، ويقال: نجوم الليل، لان ظهورها بالليل. (وأخرج ضحاها) أي ~~أبرز نهارها وضوءها وشمسها. وأضاف الضحا إلى السماء كما أضاف إليها الليل، ~~لان فيها سبب الظلام والضياء وهو غروب الشمس وطلوعها. (والأرض بعد ذلك ~~دحاها) أي بسطها. وهذا يشير إلى كون الأرض بعد السماء. وقد مضى القول فيه ~~في أول " البقرة " (3) عند قوله تعالى: " هو الذي خلق لكم ما في الأرض ~~جميعا، ثم استوى إلى السماء " [البقرة: 29] مستوفى. والعرب تقول: دحوت الشئ ~~أدحوه دحوا: إذا بسطته. ويقال لعش النعامة أدحي، لأنه مبسوط على وجه الأرض. ~~وقال أمية بن أبي الصلت: # وبث الخلق فيها إذ دحاها * فهم قطانها حتى التنادي (4) وأنشد المبرد: # دحاها فلما رآها استوت * على الماء أرسى عليها الجبالا # PageV19P204 # وقيل: دحاها سواها، ومنه قول زيد بن عمرو: # وأسلمت وجهي لمن أسلمت * له الأرض تحمل صخرا ثقالا دحاها فلما استوت شدها ~~* بأيد وأرسى عليها الجبالا وعن ابن عباس: خلق الله الكعبة ووضعها على ~~الماء على أربعة أركان، قبل أن يخلق الدنيا بألف عام، ثم دحيت الأرض من تحت ~~البيت. وذكر بعض أهل العلم أن " بعد " في موضع " مع " كأنه قال: والأرض مع ~~ذلك دحاها، كما قال تعالى: " عتل بعد ذلك زنيم " [القلم: 13]. # ومنه قولهم: أنت أحمق وأنت بعد هذا سئ الخلق، قال الشاعر: # فقلت لها عني إليك فإنني * حرام وإني بعد ذاك لبيب أي مع ذلك لبيب. وقيل: ~~بعد: بمعنى قبل، كقوله تعالى: " ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر " ~~[الأنبياء: 105] أي من قبل الفرقان، قال أبو خراش الهذلي: # حمدت إلهي بعد عروة إذ نجا * خراش وبعض الشر أهون من ms6565 بعض وزعموا أن خراشا ~~نجا قبل عروة. وقيل: " دحاها ": حرثها وشقها. قاله ابن زيد. وقيل: # دحاها مهدها للأقوات. والمعنى متقارب. وقراءة العامة " والأرض " بالنصب، ~~أي دحا الأرض. وقرأ الحسن وعمرو بن ميمون " والأرض " بالرفع، على الابتداء، ~~لرجوع الهاء. # ويقال: دحا يدحو دحوا ودحى يدحى دحيا، كقولهم: طغى يطغى ويطغو، وطغى ~~يطغى، ومحا يمحو ويمحى، ولحى العود يلحى ويلحو، فمن قال: يدحو قال دحوت ومن ~~قال يدحى قال دحيت. " أخرج منها " أي أخرج من الأرض " ماءها " أي العيون ~~المتفجرة بالماء. # " ومرعاها " أي النبات الذي يرعى. وقال القتبي: دل بشيئين على جميع ما ~~أخرجه من الأرض قوتا ومتاعا للأنام من العشب والشجر والحب والتمر والعصف ~~والحطب واللباس والنار والملح، لان النار من العيدان والملح من الماء. ~~(والجبال أرساها) قراءة العامة " والجبال " بالنصب، أي وأرسى الجبال " ~~أرساها " يعني: أثبتها فيها أوتادا لها. وقرأ PageV19P205 # الحسن وعمرو بن ميمون وعمرو بن عبيد ونصر بن عاصم " والجبال " بالرفع على ~~الابتداء. # ويقال: هلا أدخل حرف العطف على " أخرج " فيقال: إنه حال بإضمار قد، كقوله ~~تعالى: # " حصرت صدورهم " [النساء: 90]. " متاعا لكم " أي منفعة لكم. " ولأنعامكم ~~" من الإبل والبقر والغنم. # و " متاعا " نصب على المصدر من غير اللفظ، لان معنى " أخرج منها ماءها ~~ومرعاها " أمتع بذلك. وقيل: نصب بإسقاط حرف الصفة تقديره لتتمتعوا به ~~متاعا. # قوله تعالى: فإذا جاءت الطامة الكبرى (34) يوم يتذكر الانسان ما سعى (35) ~~وبرزت الجحيم لمن يرى (36) قوله تعالى: (فإذا جاءت الطامة الكبرى) أي ~~الداهية العظمى، وهي النفخة الثانية، التي يكون معها البعث، قاله ابن عباس ~~في رواية الضحاك عنه، وهو قول الحسن. وعن ابن عباس أيضا والضحاك: أنها ~~القيامة، سميت بذلك لأنها تطم على كل شئ، فتعم ما سواها لعظم هولها، أي ~~تقلبه. وفي أمثالهم: # * جرى الوادي فطم على القرى (1) * المبرد: الطامة عند العرب الداهية التي ~~لا تستطاع، وإنما أخذت فيما أحسب من قولهم: # طم الفرس طميما إذا استفرغ جهده في الجري، وطم الماء إذا ملا النهر كله. ~~غيره: هي مأخوذة من طم السيل الركية ms6566 (2) أي دفنها، والطم: الدفن والعلو. ~~وقال القاسم بن الوليد الهمداني: # الطامة الكبري حين يساق أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار. وهو ~~معنى قول مجاهد: # وقال سفيان: هي الساعة التي يسلم فيها أهل النار إلى الزبانية. أي ~~الداهية التي طمت وعظمت، قال: # إن بعض الحب يعمي ويصم * وكذاك البغض أدهى وأطم # PageV19P206 # (يوم يتذكر الانسان ما سعى) أي ما عمل من خير أو شر. " وبرزت الجحيم " أي ~~ظهرت. # " لمن يرى " قال ابن عباس: يكشف عنها فيراها تتلظى كل ذي بصر. وقيل: ~~المراد الكافر لأنه الذي يرى النار بما فيها من أصناف العذاب. وقيل: يراها ~~المؤمن ليعرف قدر النعمة ويصلي الكافر بالنار. وجواب " فإذا جاءت الطامة " ~~محذوف أي إذا جاءت الطامة دخل أهل النار النار وأهل الجنة الجنة. وقرأ مالك ~~بن دينار: " وبرزت الجحيم ". عكرمة: # وغيره: " لمن ترى " بالتاء، أي لمن تراه الجحيم، أو لمن تراه أنت يا ~~محمد. والخطاب له عليه السلام، والمراد به الناس. # قوله تعالى: فأما من طغى (37) وآثر الحياة الدنيا (38) فإن الجحيم هي ~~المأوى (39) وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى (40) فإن الجنة هي ~~المأوى (41) قوله تعالى: (فأما من طغى. وآثر الحياة الدنيا) أي تجاوز الحد ~~في العصيان. قيل: # نزلت في النضر وابنه الحارث، وهي عامة في كل كافر آثر الحياة الدنيا على ~~الآخرة. وروى عن يحيى بن أبي كثير قال: من أتخذ من طعام واحد ثلاثة ألوان ~~فقد طغى. وروى جويبر عن الضحاك قال: قال حذيفة: أخوف ما أخاف على هذه الأمة ~~أن يؤثروا ما يرون على ما يعلمون (1). ويروى أنه وجد في الكتب: إن الله جل ~~ثناؤه قال " لا يؤثر عبد لي دنياه على آخرته، إلا بثثت عليه همومه وضيعته ~~(2)، ثم لا أبالي في أيها هلك ". (فإن الجحيم هي المأوى) أي مأواه. والألف ~~واللام بدل من الهاء. (وأما من خاف مقام ربه) أي حذر مقامه بين يدي ربه. ~~وقال الربيع: مقامه يوم الحساب. وكان قتادة يقول: إن لله عز وجل مقاما قد ~~خافه ms6567 المؤمنون. وقال مجاهد: هو خوفه في الدنيا من الله عز وجل عند مواقعة ~~الذنب # PageV19P207 # فيقلع. نظيره: " ولمن خاف مقام ربه جنتان " [الرحمن: 46]. (ونهى النفس عن ~~الهوى) أي زجرها عن المعاصي والمحارم. وقال سهل: ترك الهوى مفتاح الجنة، ~~لقوله عز وجل: " وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى " قال عبد الله ~~بن مسعود: أنتم في زمان يقود الحق الهوى، وسيأتي زمان يقود الهوى الحق ~~فنعوذ بالله من ذلك الزمان. (فإن الجنة هي المأوى) أي المنزل. والآيتان ~~نزلتا في مصعب بن عمير وأخيه عامر بن عمير، فروى الضحاك عن ابن عباس قال: ~~أما من طغى فهو أخ لمصعب بن عمير أسر يوم بدر، فأخذته الأنصار فقالوا: من ~~أنت؟ قال: أنا أخو مصعب بن عمير، فلم يشدوه في الوثاق، وأكرموه وبيتوه ~~عندهم، فلما أصبحوا حدثوا مصعب بن عمير حديثه، فقال: ما هو لي بأخ، شدوا ~~أسيركم، فإن أمه أكثر أهل البطحاء حليا ومالا. فأوثقوه حتى بعثت أمه في ~~فدائه. " وأما من خاف مقام ربه " فمصعب بن عمير، وقى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بنفسه يوم أحد حين تفرق الناس عنه، حتى نفذت المشاقص في جوفه. ~~وهي السهام، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم متشحطا في دمه قال: ~~[عند الله أحتسبك] وقال لأصحابه: [لقد رأيته وعليه بردان ما تعرف قيمتهما ~~وإن شراك نعليه من ذهب]. وقيل: إن مصعب ابن عمير قتل أخاه عامرا يوم بدر. ~~وعن ابن عباس أيضا قال: نزلت هذه الآية في رجلين: # أبي جهل بن هشام المخزومي ومصعب بن عمير العبدري. وقال السدي: نزلت هذه ~~الآية " وأما من خاف مقام ربه " في أبي بكر الصديق رضي الله عنه. وذلك أن ~~أبا بكر كان له غلام يأتيه بطعام، وكان يسأله من أين أتيت بهذا، فأتاه يوما ~~بطعام فلم يسأل وأكله، فقال له غلامه: لم لا تسألني اليوم؟ فقال: نسيت، فمن ~~أين لك هذا الطعام. فقال: # تكهنت لقوم في الجاهلية فأعطونيه. فتقايأه من ساعته وقال: يا رب ما ms6568 بقي ~~في العروق فأنت حبسته فنزلت: " وأما من خاف مقام ربه ". وقال الكلبي: نزلت ~~في من هم بمعصية وقدر عليها في خلوة ثم تركها من خوف الله. ونحوه عن ابن ~~عباس. يعني من خاف عند المعصية مقامه بين يدي الله، فانتهى عنها. والله ~~أعلم. PageV19P208 # قوله تعالى: يسئلونك عن الساعة أيان مرساها (42) فيم أنت من ذكراها (43) ~~إلى ربك منتهاها (44) إنما أنت منذر من يخشاها (45) كأنهم يوم يرونها لم ~~يلبثوا إلا عشية أو ضحاها (46) قوله تعالى: (يسألونك عن الساعة أيان ~~مرساها) قال ابن عباس: سأل مشركو مكة رسول الله صلى الله عليه وسلم متى ~~تكون الساعة استهزاء، فأنزل الله عز وجل الآية. وقال عروة بن الزبير في ~~قوله تعالى: " فيم أنت من ذكراها "؟ لم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يسأل ~~عن الساعة، حتى نزلت هذه الآية " إلى ربك منتهاها ". ومعنى " مرساها " أي ~~قيامها. # قال الفراء: رسوها قيامها (1) كرسو السفينة. وقال أبو عبيدة: أي منتهاها، ~~ومرسي السفينة حيث، تنتهي. وهو قول ابن عباس. الربيع بن أنس: متى زمانها. ~~والمعنى متقارب. # وقد مضى في " الأعراف " (2) بيان ذلك. وعن الحسن أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: # [لا تقوم الساعة إلا بغضبة يغضبها ربك]. (فيم أنت من ذكراها) أي في أي شئ ~~أن يا محمد من ذكر القيامة والسؤال عنها؟ وليس لك السؤال عنها. وهذا معنى ~~ما رواه الزهري عن عروة بن الزبير قال: لم يزل النبي صلى الله عليه وسلم ~~يسأل عن الساعة حتى نزلت: " فيم أنت من ذكراها؟ إلى ربك منتهاها " أي منتهى ~~علمها، فكأنه عليه السلام لما أكثروا عليه سأل الله أن يعرفه ذلك، فقيل له: ~~لا تسأل، فلست في شئ من ذلك. # ويجوز أن يكون إنكارا على المشركين في مسألتهم له، أي فيم أنت من ذلك حتى ~~يسألوك بيانه، ولست ممن يعلمه. روي معناه عن ابن عباس. والذكرى بمعنى ~~الذكر. (إلى ربك منتهاها) أي منتهى علمها، فلا يوجد عند غيره علم الساعة، ~~وهو كقوله تعالى: " قل إنما علمها عند ms6569 ربي " [الأعراف: 187] وقوله تعالى: " ~~إن الله عنده علم الساعة " [لقمان: 34]. (إنما أنت منذر من يخشاها): # PageV19P209 # أي مخوف، وخص الانذار بمن يخشى، لأنهم المنتفعون به، وإن كان منذرا لكل ~~مكلف، وهو كقوله تعالى: " إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب " ~~[يس: 11]. وقراءة العامة " منذر " بالإضافة غير منون، طلب التخفيف، وإلا ~~فأصله التنوين، لأنه للمستقبل وإنما لا ينون في الماضي. قال الفراء: يجوز ~~التنوين وتركه، كقوله تعالى: " بالغ أمره " [الطلاق: 3]، و " بالغ أمره " و ~~" موهن كيد الكافرين " [الأنفال: 18] و " موهن كيد الكافرين " والتنوين هو ~~الأصل، وبه قرأ أبو جعفر وشيبة والأعرج وابن محيصن وحميد وعياش عن أبي عمرو ~~" منذر " منونا، وتكون في موضع نصب، والمعنى نصب، إنما ينتفع بإنذارك من ~~يخشى الساعة. وقال أبو علي: يجوز أن تكون الإضافة للماضي، نحو ضارب زيد ~~أمس، لأنه قد فعل الانذار، الآية رد على من قال: أحوال الآخرة غير محسوسة، ~~وإنما هي راحة الروح أو تألمها من غير حس. " كأنهم يوم يرونها " يعني ~~الكفار يرون الساعة " لم يلبثوا " أي في دنياهم، " إلا عشية " أي قدر عشية ~~" أو ضحاها " أي أو قدر الضحا الذي يلي تلك العشية، والمراد تقليل مدة ~~الدنيا، كما قال تعالى: " لم يلبثوا إلا ساعة من نهار " [الأحقاف: 35]. ~~وروى الضحاك عن ابن عباس: # كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا يوما واحدا. وقيل: " لم يلبثوا " في ~~قبورهم " إلا عشية أو ضحاها "، وذلك أنهم استقصروا مدة لبثهم في القبور لما ~~عاينوا من الهول. وقال الفراء: # يقول القائل: وهل للعشية ضحا؟ وإنما الضحا لصدر النهار، ولكن أضيف الضحا ~~إلى العشية، وهو اليوم الذي يكون فيه على عادة العرب، يقولون: آتيك الغداة ~~أو عشيتها، وآتيك العشية أو غداتها، فتكون العشية في معنى آخر النهار، ~~والغداة في معنى أول النهار، قال: # وأنشدني بعض بني عقيل: # نحن صبحنا عامرا في دارها * جردا تعادي طرفي نهارها * عشية الهلال أو ~~سرارها * أراد: عشية الهلال، أو سرار العشية، فهو أشد من آتيك الغداة أو ~~عشيها. PageV19P210 # سورة عبس مكية في قول الجميع ms6570 وهي إحدى وأربعون آية بسم الله الرحمن ~~الرحيم قوله تعالى: عبس وتولى (1) أن جاءه الأعمى (2) وما يدريك لعله يزكى ~~(3) أو يذكر فتنفعه الذكرى (4) فيه ست مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " عبس " أي كلح بوجهه، يقال: عبس وبسر. وقد تقدم. # " وتولى " أي أعرض بوجهه " أن جاءه " " أن " في موضع نصب لأنه مفعول له، ~~المعنى لان جاءه الأعمى، أي الذي لا يبصر بعينيه. فروى أهل التفسير أجمع أن ~~قوما من أشراف قريش كانوا عند النبي صلى الله عليه وسلم وقد طمع في ~~إسلامهم، فأقبل عبد الله بن أم مكتوم، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أن يقطع عبد الله عليه كلامه، فأعرض عنه، ففيه نزلت هذه الآية. قال مالك: ~~إن هشام بن عروة حدثه عن عروة، أنه قال: نزلت " عبس وتولى " في ابن أم ~~مكتوم، جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فجعل يقول: يا محمد استدنني (1)، ~~وعند النبي صلى الله عليه وسلم رجل من عظماء المشركين، فجعل النبي صلى الله ~~عليه وسلم يعرض عنه ويقبل على الآخر، ويقول: [يا فلان، هل ترى بما أقول ~~بأسا]؟ فيقول: [لا والدمى ما أرى بما تقول بأسا] (3)، فأنزل الله: " عبس ~~وتولى ". وفي الترمذي مسندا قال: حدثنا سعيد ابن يحيى بن سعيد الأموي، ~~حدثني أبي، قال هذا ما عرضنا على هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، قالت: ~~نزلت " عبس وتولى " في ابن أم مكتوم الأعمى، أتى رسول الله صلى الله عليه # PageV19P211 # وسلم فجعل، يقول: يا رسول الله أرشدني، وعند رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم رجل من عظماء المشركين، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض عنه، ~~ويقبل على الآخر، ويقول: [أترى بما أقول بأسا] فيقول: لا، ففي هذا نزلت، ~~قال: هذا حديث غريب. # الثانية - الآية عتاب من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم في إعراضه وتوليه ~~عن عبد الله ابن أم مكتوم. ويقال: عمرو بن أم مكتوم، واسم أم مكتوم عاتكة ~~بنت عامر بن مخزوم، وعمرو هذا: هو ابن قيس بن زائدة بن ms6571 الأصم، وهو ابن خال ~~خديجة رضي الله عنها. وكان قد تشاغل عنه برجل من عظماء المشركين، يقال كان ~~الوليد بن المغيرة. ابن العربي: قاله المالكية من علمائنا، وهو يكني أبا ~~عبد شمس. وقال قتادة: هو أمية بن خلص وعنه: # أبي بن خلف. وقال مجاهد: كانوا ثلاثة عتبة وشيبة أبنا ربيعة وأبي بن خلف. ~~وقال عطاء عتبة بن ربيعة. سفيان الثوري: كان النبي صلى الله عليه وسلم مع ~~عمه العباس. الزمخشري: # كان عنده صناديد قريش: عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو جهل بن هشام، والعباس ~~بن عبد المطلب، وأمية بن خلف، والوليد بن المغيرة يدعوهم إلى الاسلام، رجاء ~~أن يسلم بإسلامهم غيرهم. قال ابن العربي: أما قول علمائنا إنه الوليد بن ~~المغيرة فقد قال آخرون إنه أمية بن خلف والعباس وهذا كله باطل وجهل من ~~المفسرين الذين لم يتحققوا الدين، ذلك أن أمية بن خلف والوليد كانا بمكة ~~وابن أم مكتوم كان بالمدينة، ما حضر معهما ولا حضرا معه، وكان موتهما ~~كافرين، أحدهما قبل الهجرة، والآخر ببدر، ولم يقصد قط أمية المدينة، ولا ~~حضر عنده مفردا، ولا مع أحد. # الثالثة - أقبل ابن أم مكتوم والنبي صلى الله عليه وسلم مشتغل بمن حضره ~~من وجوه قريش يدعوهم إلى الله تعالى، وقد قوي طمعه في إسلامهم وكان في ~~إسلامهم إسلام من وراءهم من قومهم، فجاء ابن أم مكتوم وهو أعمى فقال: يا ~~رسول الله علمني مما علمك الله، وجعل يناديه ويكثر النداء، ولا يدري أنه ~~مشتغل بغيره، حتى ظهرت الكراهة في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لقطعة ~~كلامه، وقال في نفسه: يقول هؤلاء: إنما أتباعه العميان والسفلة PageV19P212 # والعبيد، فعبس وأعرض عنه، فنزلت الآية. قال الثوري: فكان النبي صلى الله ~~عليه وسلم بعد ذلك إذا رأى ابن أم مكتوم يبسط له رداءه وبقول: [مرحبا بمن ~~عاتبني فيه ربي]. # ويقول: [هل من حاجه]؟ وأستخلفه على المدينة مرتين في غزوتين غزاهما. قال ~~أنس: # فرأيته يوم القادسية راكبا وعليه درع ومعه راية سوداء. # الرابعة - قال علماؤنا: ms6572 ما فعله ابن أم مكتوم كان من سوء الأدب لو كان ~~عالما بأن النبي صلى الله عليه وسلم مشغول بغيره، وأنه يرجو إسلامهم، ولكن ~~الله تبارك وتعالى عاتبه حتى لا تنكسر قلوب أهل الصفة، أو ليعلم أن المؤمن ~~الفقير خير من الغني، وكان النظر إلى المؤمن أولى وإن كان فقيرا أصلح وأولى ~~من الامر الآخر، وهو الاقبال على الأغنياء طمعا في إيمانهم، وإن كان ذلك ~~أيضا نوعا من المصلحة، وعلى هذا يخرج قوله تعالى: " ما كان لنبي أن يكون له ~~أسرى " [الأنفال: 67] الآية على ما تقدم (1). وقيل: إنما قصد النبي صلى ~~الله عليه وسلم تأليف الرجل، ثقة بما كان في قلب ابن أم مكتوم من الايمان، ~~كما قال: [إني لأصل الرجل وغيره أحب إلي منه، مخافة أن يكبه الله في النار ~~على وجهه]. # الخامسة - قال ابن زيد: إنما عبس النبي صلى الله عليه وسلم لابن أم مكتوم ~~وأعرض عنه، لأنه أشار إلى الذي كان يقوده أن يكفه، فدفعه ابن أم مكتوم، ~~وأبى إلا أن يكلم النبي صلى الله عليه وسلم حتى يعلمه، فكان في هذا نوع ~~جفاء منه. ومع هذا أنزل الله في حقه على نبيه صلى الله عليه وسلم: " عبس ~~وتولى " بلفظ الاخبار عن الغائب، تعظيما (2) له ولم يقل: عبست وتوليت. ثم ~~أقبل عليه بمواجهة الخطاب تأنيسا له فقال: " وما يدريك " أي يعلمك " لعله " ~~يعني ابن أم مكتوم " يزكى " بما استدعى منك تعليمه إياه من القرآن والدين، ~~بأن يزداد طهارة في دينه، وزوال ظلمة الجهل عنه. وقيل: الضمير في " لعله " ~~للكافر يعني إنك إذا طمعت في أن يتزكى بالاسلام أو يذكر، فتقربه الذكرى إلى ~~قبول الحق # PageV19P213 # وما يدريك أن ما طمعت فيه كائن. وقرأ الحسن " آأن (1) جاءه الأعمى " ~~بالمد على الاستفهام ف‍ " - أن " متعلقة بفعل محذوف دل عليه " عبس وتولى " ~~التقدير: آأن جاءه أعرض عنه وتولى؟ # فيوقف على هذه القراءة على " وتولى "، ولا يوقف عليه على قراءة الخبر، ~~وهي قراءة العامة. # السادسة - نظير هذه الآية في العتاب قوله تعالى ms6573 في سورة الأنعام: " ولا ~~تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي " [الانعام: 52] وكذلك قوله في سورة ~~الكهف: " ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا " [الكهف: 28] وما ~~كان مثله، والله أعلم. " أو يذكر " يتعظ بما تقول " فتنفعه الذكرى " أي ~~العظة. وقراءة العامة " فتنفعه " بضم العين، عطفا على " يزكى ". وقرأ عاصم ~~وابن أبي إسحاق وعيسى " فتنفعه " نصبا. وهي قراءة السلمي وزر بن حبيش، على ~~جواب لعل، لأنه غير موجب، كقوله تعالى: " لعلي أبلغ الأسباب " [غافر: 36] ~~ثم قال: " فاطلع " [الصافات: 55]. # قوله تعالى: أما من استغنى (5) فأنت له تصدى (6) وما عليك ألا يزكى (7) ~~وأما من جاءك يسعى (8) وهو يخشى (9) فأنت عنه تلهى (10) قوله تعالى: (أما ~~من استغنى) أي كان ذا ثروة وغنى (فأنت له تصدى) أي تعرض له، وتصغي لكلامه. ~~والتصدي: الاصغاء، قال الراعي: # تصدى لوضاح كأن جبينه * سراج الدجي يحنى إليه الأساور (2) وأصله تتصدد من ~~الصد، وهو ما استقبلك، وصار قبالتك، يقال: داري صدد داره أي قبالتها، نصب ~~على الظرف. وقيل: من الصدي وهو العطش. أي تتعرض له كما يتعرض العطشان ~~للماء، والمصاداة: المعارضة. وقراءة العامة " تصدى " بالتخفيف، على طرح ~~التاء # PageV19P214 # الثانية تخفيفا. وقرأ نافع وابن محيصن بالتشديد على الادغام. (وما عليك ~~ألا يزكى) أي لا يهتدي هذا الكافر ولا يؤمن، إنما أنت رسول، ما عليك إلا ~~البلاغ. # قوله تعالى: (وأما من جاءك يسعى) يطلب العلم لله (وهو يخشى) أي يخاف ~~الله. # (فأنت عنه تلهى) أي تعرض عنه بوجهك وتشغل بغيره. وأصله تتلهى، يقال: لهيت ~~عن الشئ ألهى: أي تشاغلت عنه. والتلهي: التغافل. ولهيت عنه وتليت: بمعنى. # قوله تعالى: كلا إنها تذكرة (11) فمن شاء ذكره (12) في صحف مكرمة (13) ~~مرفوعة مطهرة (14) بأيدي سفرة (15) كرام بررة (16) قوله تعالى: (كلا إنها ~~تذكرة) " كلا " كلمة ردع وزجر، أي ما الامر كما تفعل مع الفريقين، أي لا ~~تفعل بعدها مثلها: من إقبالك على الغني، وإعراضك عن المؤمن الفقير. # والذي جرى من النبي صلى الله عليه وسلم كان ترك الأولى كما تقدم، ولو حمل ~~على صغيرة لم يبعد، قاله ms6574 القشيري. والوقف على " كلا " على هذا الوجه: جائز. ~~ويجوز أن تقف على " تلهى " ثم تبتدئ " كلا " على معنى حقا. " إنها " أي ~~السورة أو آيات القرآن " تذكرة " أي موعظة وتبصرة للخلق (فمن شاء ذكره) أي ~~اتعظ بالقرآن. قال الجرجاني: " إنها " أي القرآن، والقرآن مذكر إلا أنه لما ~~جعل القرآن تذكرة، أخرجه على لفظ التذكرة، ولو ذكره لجاز، كما قال تعالى في ~~موضع آخر: " كلا إنه تذكرة ". ويدل على أنه أراد القرآن قوله: # " فمن شاء ذكره " أي كان حافظا له غير ناس، وذكر الضمير، لان التذكرة في ~~معنى الذكر والوعظ. وروى الضحاك عن ابن عباس في قول تعالى: " فمن شاء ذكره ~~" قال من شاء الله تبارك وتعالى ألهمه. ثم أخبر عن جلالته فقال: " في صحف " ~~جمع صحيفة " مكرمة " أي عند الله، قاله السدي. الطبري: " مكرمة " في الدين ~~لما فيها من العلم والحكم. وقيل: # " مكرمة " لأنها نزل بها كرام الحفظة، أو لأنها نازلة من اللوح المحفوظ. ~~وقيل: " مكرمة " PageV19P215 # لأنها نزلت من كريم، لان كرامة الكتاب من كرامة صاحبه. وقيل: المراد كتب ~~الأنبياء، دليله: " إن هذا لفي الصحف الأولى. صحف إبراهيم وموسى " [الاعلى: ~~18 - 19]. " مرفوعة " رفيعة القدر عند الله. وقيل: مرفوعة عنده تبارك ~~وتعالى. وقيل: مرفوعة في السماء السابعة، قاله يحيى بن سلام. الطبري: ~~مرفوعة الذكر والقدر. وقيل: مرفوعة عن الشبه والتناقض. # " مطهرة " قال الحسن: من كل دنس. وقيل: مصانة (1) عن أن ينالها الكفار. ~~وهو معنى قول السدي. وعن الحسن أيضا: مطهرة من أن تنزل على المشركين. وقيل: ~~أي القرآن أثبت للملائكة في صحف يقرؤونها فهي مكرمة مرفوعة مطهرة. (بأيدي ~~سفرة) أي الملائكة الذين جعلهم الله سفراء بينه وبين رسله، فهم بررة لم ~~يتدنسوا بمعصية. وروى أبو صالح عن ابن عباس قال: هي مطهرة تجعل التطهير لمن ~~حملها " بأيدي سفرة " قال: # كتبة. وقاله مجاهد أيضا. وهم الملائكة الكرام الكاتبون لأعمال العباد في ~~الاسفار، التي هي الكتب، واحدهم: سافر، كقولك: كاتب وكتبة. ويقال: سفرت أي ~~كتبت، والكتاب: هو السفر، وجمعه أسفار. قال الزجاج: وإنما قيل ms6575 للكتاب سفر، ~~بكسر السين، وللكاتب سافر، لان معناه أنه يبين الشئ ويوضحه. يقال: أسفر ~~الصبح: إذا أضاء، وسفرت المرأة: إذا كشفت النقاب عن وجهها. قال: ومنه سفرت ~~بين القوم أسفر سفارة: أصلحت بينهم. وقاله الفراء، وأنشد: # فما أدع السفارة بين قومي * ولا أمشي بغش إن مشيت والسفير: الرسول ~~والمصلح بين القوم والجمع: سفراء، مثل فقيه وفقهاء. ويقال للوراقين سفراء، ~~بلغة العبرانية. وقال قتادة: السفرة هنا: هم القراء، لأنهم يقرءون الاسفار. ~~وعنه أيضا كقول ابن عباس. وقال وهب بن منبه: " بأيدي سفرة. كرام بررة " هم ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. قال ابن العربي: لقد كان أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم سفرة، كراما بررة، ولكن ليسوا بمرادين بهذه الآية، ولا ~~قاربوا المرادين بها، بل هي لفظة مخصوصة بالملائكة عند الاطلاق، ولا ~~يشاركهم فيها سواهم، ولا يدخل معهم في متناولها غيرهم. وروي # PageV19P216 # في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~" [مثل] (1) الذي يقرأ القرآن وهو حافظ له، مع السفرة الكرام البررة، ومثل ~~الذي يقرؤه وهو يتعاهده، وهو عليه شديد، فله أجران " متفق عليه، واللفظ ~~للبخاري. " كرام " أي كرام على ربهم، قاله الكلبي. # الحسن: كرام عن المعاصي، فهم يرفعون أنفسهم عنها. وروى الضحاك عن ابن ~~عباس في " كرام " قال: يتكرمون أن يكونوا مع ابن آدم إذا خلا بزوجته، أو ~~تبرز لغائطه. وقيل: # أي يؤثرون منافع غيرهم على منافع أنفسهم. " بررة " جمع بار مثل كافر ~~وكفرة، وساحر وسحرة، وفاجر وفجرة، يقال: بر وبار إذا كان أهلا للصدق، ومنه ~~بر فلان في يمينه: أي صدق، وفلان يبر خالقه ويتبرره: أي يطيعه، فمعنى " ~~بررة " مطيعون لله، صادقون لله في أعمالهم. وقد مضى في سورة " الواقعة " ~~قولة تعالى: " إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون. لا يمسه إلا المطهرون " (2) ~~[الواقعة: 77 - 79] أنهم الكرام البررة في هذه السورة. # قوله تعالى: قتل الانسان ما أكفره (17) من أي شئ خلقه (18) من نطفة خلقه ~~فقدره (19) ثم السبيل يسره (20) ثم أماته فأقبره (21) ثم إذا ms6576 شاء أنشره ~~(22) كلا لما يقض ما أمره (23) قوله تعالى: (قتل الانسان ما أكفره)؟ " قتل ~~" أي لعن. وقيل: عذب. # والانسان الكافر. روى الأعمش عن مجاهد قال: ما كان في القرآن " قتل ~~الانسان " فإنما عني به الكافر. وروى الضحاك عن ابن عباس قال: نزلت في عتبة ~~بن أبي لهب، وكان قد آمن، فلما نزلت " والنجم " ارتد، وقال: أمنت بالقرآن ~~كله إلا النجم، فأنزل الله جل ثناؤه فيه " قتل الانسان " أي لعن عتبة حيث ~~كفر بالقرآن، ودعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV19P217 # فقال: [اللهم سلط عليه كلبك أسد الغاضرة] (1) فخرج من فوره بتجارة إلى ~~الشام، فلما انتهى إلى الغاضرة تذكر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل ~~لمن معه ألف دينار إن هو أصبح حيا، فجعلوه في وسط الرفقة، وجعلوا المتاع ~~حوله، فبينما هم على ذلك أقبل الأسد، فلما دنا من الرحال وثب، فإذا هو فوقه ~~فمزقه، وقد كان أبوه ندبه وبكى وقال: ما قال محمد شيئا قط إلا كان. وروى ~~أبو صالح عن ابن عباس " ما أكفره ": أي شئ أكفره؟ # وقيل: " ما " تعجب، وعادة العرب إذا تعجبوا من شئ قالوا: قاتله الله ما ~~أحسنه! # وأخزاه الله ما أظلمه، والمعنى: اعجبوا من كفر الانسان لجميع ما ذكرنا ~~بعد هذا. وقيل: # ما أكفره بالله ونعمه مع معرفته بكثرة إحسانه إليه على التعجب أيضا، قال ~~ابن جريج: # أي ما أشد كفره! وقيل: " ما " استفهام أي أي شئ دعاه إلى الكفر، فهو ~~استفهام توبيخ. و " ما " تحتمل التعجب، وتحتمل معنى أي، فتكون استفهاما. ~~(من أي شئ خلقه) أي من أي شئ خلق الله هذا الكافر فيتكبر؟ أي أعجبوا لخلقه. ~~" من نطفة " أي من ماء يسير مهين جماد " خلقه " فلم يغلط في نفسه؟! قال ~~الحسن: كيف يتكبر من خرج من سبيل البول مرتين. " فقدره " في بطن أمه. كذا ~~روى الضحاك عن ابن عباس: # أي قدر يديه ورجليه وعينيه وسائر آرابه، وحسنا ودميما، وقصيرا وطويلا، ~~وشقيا وسعيدا. # وقيل: " فقدره " أي فسواه كما قال: " أكفرت بالذي خلقك ms6577 من تراب ثم من ~~نطفة ثم سواك رجلا ". وقال: " الذي خلقك فسواك ". وقيل: " فقدره " أطوارا ~~أي من حال إلى حال، نطفة ثم علقة، إلى أن تم خلقه. (ثم السبيل يسره) قال ~~ابن عباس في رواية عطاء وقتادة والسدي ومقاتل: يسره للخروج من بطن أمه. ~~مجاهد: يسره لطريق الخير والشر، أي بين له ذلك. دليله: " إنا هديناه السبيل ~~" و " هديناه النجدين ". وقاله الحسن وعطاء وابن عباس أيضا في رواية أبي ~~صالح عنه. وعن مجاهد أيضا قال: سبيل # PageV19P218 # الشقاء والسعادة. ابن زيد: سبيل الاسلام. وقال أبو بكر بن طاهر: يسر على ~~كل أحد ما خلقه له وقدره عليه، دليله قوله عليه السلام: [اعملوا فكل ميسر ~~لما خلق له]. # (ثم أماته فأقبره) أي جعل له قبرا يواري فيه إكراما، ولم يجعله مما يلقي ~~على وجه الأرض تأكله الطير والعوافي (1)، قاله الفراء. وقال أبو عبيدة: " ~~أقبره ": جعل له قبرا، وأمر أن يقبر. قال أبو عبيدة: ولما قتل عمر بن هبيرة ~~صالح بن عبد الرحمن، قالت بنو تميم ودخلوا عليه: أقبرنا صالحا، فقال: ~~دونكموه. وقال: " أقبره " ولم يقل قبره، لان القابر هو الدافن بيده، قال ~~الأعشى: # لو أسندت ميتا إلى نحرها * عاش ولم ينقل إلى قابر يقال: قبرت الميت: إذا ~~دفنته، وأقبره الله: أي صيره بحيث يقبر، وجعل له قبرا، تقول العرب: # بترت ذنب البعير، وأبتره الله، وعضبت قرن الثور، وأعضبه الله، وطردت ~~فلانا، والله أطرده، أي صيره طريدا. (ثم إذا شاء أنشره) أي أحياه بعد موته. ~~وقراءة العامة " أنشره " بالألف. وروى أبو حياة عن نافع وشعيب بن أبي حمزة ~~" شاء نشره " بغير ألف، لغتان فصيحتان بمعنى، يقال: أنشر الله الميت ونشره، ~~قال الأعشى: # حتى يقول الناس مما رأوا * يا عجبا للميت الناشر قوله تعالى: (كلا لما ~~يقض ما أمره) قال مجاهد وقتادة: " لما يقض ": # لا يقضى أحد ما أمر به. وكان ابن عباس يقول: " لما يقض ما امره " لم يف ~~بالميثاق الذي أخذ عليه في صلب آدم. ثم قيل: " كلا " ردع وزجر، أي ليس ms6578 ~~الامر: كما يقول الكافر، فإن الكافر إذا أخبر بالنشور قال: " ولئن رجعت إلى ~~ربي إن لي عنده للحسنى " [فصلت: 50] ربما يقول قد قضيت ما أمرت به. فقال: ~~كلا لم يقض شيئا بل هو كافر بي وبرسولي. # وقال الحسن: أي حقا لم يقض: أي لم يعمل بما أمر به. و " ما " في قوله: " ~~لما " عماد للكلام، كقول تعالى: " فبما رحمة من الله " [آل عمران: 159] ~~وقوله: " عما قليل ليصبحن نادمين " [المؤمنون: 40]. # PageV19P219 # وقال الإمام ابن فورك: أي: كلا لما يقض الله لهذا الكافر ما أمره به من ~~الايمان، بل أمره بما لم يقض له. ابن الأنباري: الوقف على " كلا " قبيح، ~~والوقف على " أمره " و " نشره " جيد، ف‍ " - كلا " على هذا بمعنى حقا. # قوله تعالى: فلينظر الانسان إلى طعامه (24) أنا صببنا الماء صبا (25) ثم ~~شققنا الأرض شقا (26) فأنبتنا فيها حبا (27) وعنبا وقضبا (28) وزيتونا ~~ونخلا (29) وحدائق غلبا (30) وفاكهة وأبا (31) متاعا لكم ولأنعامكم (32) ~~قوله تعالى: (فلينظر الانسان إلى طعامه) لما ذكر جل ثناؤه ابتداء خلق ~~الانسان ذكر ما يسر من رزقه، أي فلينظر كيف خلق الله طعامه. وهذا النظر نظر ~~القلب بالفكر، أي ليتدبر كيف خلق الله طعامه الذي هو قوام حياته، وكيف هيأ ~~له أسباب المعاش، ليستعد بها للمعاد. وروى عن الحسن ومجاهد قالا: " فلينظر ~~الانسان إلى طعامه " أي إلى مدخله ومخرجه. وروى ابن أبي خيثمة عن الضحاك بن ~~سفيان الكلابي قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: [يا ضحاك ما طعامك] ~~قلت: يا رسول الله! اللحم واللبن، قال: # [ثم يصير إلى ماذا] قلت إلى ما قد علمته، قال: [فإن الله ضرب ما يخرج من ~~ابن آدم مثلا للدنيا]. وقال أبي بن كعب: قال النبي صلى الله عليه وسلم: [إن ~~مطعم ابن آدم جعل مثلا للدنيا وإن قزحه (1) وملحه فانظر إلى ما يصير]. وقال ~~أبو الوليد: سألت ابن عمر عن الرجل يدخل الخلاء فينظر ما يخرج منه، قال: ~~يأتيه الملك فيقول انظر ما بخلت به إلى ما صار؟ # PageV19P220 # قوله تعالى: (أنا صببنا الماء صبا) ms6579 قراءة العامة " إناء " بالكسر، على ~~الاستئناف، وقرأ الكوفيون ورويس عن يعقوب " أنا " بفتح الهمزة، ف‍ " - أنا ~~" في موضع خفض على الترجمة عن الطعام، فهو بدل منه، كأنه قال: " فلينظر ~~الانسان إلى طعامه " إلى " أنا صببنا " فلا يحسن الوقف على " طعامه " من ~~هذه القراءة. وكذلك إن رفعت " أنا " بإضمار هو أنا صببنا، لأنها في حال ~~رفعها مترجمة عن الطعام. وقيل: المعنى: لأنا صببنا الماء، فأخرجنا به ~~الطعام، أي كذلك كان. وقرأ الحسين (1) بن علي " أني " ممال، بمعنى كيف؟ فمن ~~أخذ بهذه القراءة قال: الوقف على " طعامه " تام. ويقال: معنى " أنى " أين، ~~إلا أن فيها كناية عن الوجوه، وتأويلها: من أي وجه صببنا الماء، قال ~~الكميت: # أنى ومن أين آبك (2) الطرب * من حيث لا صبوة ولا ريب " صببنا الماء صبا ~~": يعني الغيث والأمطار. (ثم شققنا الأرض شقا): أي بالنبات (فأنبتنا فيها ~~حبا) أي قمحا وشعيرا (3) وسلتا وسائر ما يحصد ويدخر (وعنبا وقضبا) وهو ألقت ~~والعلف، عن الحسن: سمى بذلك لأنه يقضب أي يقطع بعد ظهوره مرة بعد مرة. # قال القتبي وثعلب: وأهل مكة يسمون ألقت القضب. وقال ابن عباس: هو الرطب ~~لأنه يقضب من النخل: ولأنه ذكر العنب قبله. وعنه أيضا: أنه الفصفصة وهو ~~ألقت الرطب. وقال الخليل: القضب الفصفصة الرطبة. وقيل: بالسين، فإذا يبست ~~فهو قت. # قال: والقضب: اسم يقع على ما يقضب من أغصان الشجرة، ليتخذ منها سهام أو ~~قسي. # ويقال: قضبا، يعني جميع ما يقضب، مثل ألقت والكراث وسائر البقول التي ~~تقطع فينبت أصلها. وفي الصحاح: والقضبة والقضب الرطبة، وهي الإسفست ~~بالفارسية، والموضع الذي ينبت فيه مقضبة. " وزيتونا " وهي شجرة الزيتون " ~~ونخلا " يعني النخيل " وحدائق " أي # PageV19P221 # بساتين واحدها حديقة. قال الكلبي: وكل شئ أحيط عليه من نخيل أو شجر فهو ~~حديقة، وما لم يحط عليه فليس بحديقة. " غلبا " عظاما شجرها، يقال: شجرة ~~غلباء، ويقال للأسد: # الأغلب، لأنه مصمت العنق، لا يلتفت إلا جميعا، قال العجاج: # ما زلت يوم البين ألوي صلبي * والرأس حتى صرت مثل الأغلب ورجل أغلب بين ms6580 ~~الغلب إذا كان غليظ الرقبة. والأصل في الوصف بالغلب: الرقاب فاستعير، قال ~~قال عمرو بن معدي كرب: # يمشي بها غلب الرقاب كأنهم * بزل كسين من الكحيل جلالا (1) وحديقة غلباء: ~~ملتفة وحدائق غلب. واغلولب العشب: بلغ والتف البعض بالبعض. # قال ابن عباس: الغلب: جمع أغلب وغلباء وهي الغلاظ. وعنه أيضا الطوال. ~~قتادة وابن زيد: # الغلب: النخل الكرام. وعن ابن زيد أيضا وعكرمة: عظام الأوساط والجذوع. ~~مجاهد: # ملتفة. " وفاكهة " أي ما تأكله الناس من ثمار الأشجار كالتين والخوخ ~~وغيرهما " وأبا " هو ما تأكله البهائم من العشب، قال ابن عباس والحسن: ~~الأب: كل ما أنبتت الأرض، مما لا يأكله الناس، ما يأكله الآدميون هو ~~الحصيد، ومنه قول الشاعر في مدح النبي صلى الله عليه وسلم: # له دعوة ميمونة ريحها الصبا * بها ينبت الله الحصيدة والابا وقيل: إنما ~~سمي أبا، لأنه يؤب أي يؤم وينتجع. والأب والام: أخوان، قال: # جذمنا قيس ونجد دارنا * ولنا الأب به والمكرع (2) وقال الضحاك: والأب: كل ~~شئ ينبت على وجه الأرض. وكذا قال أبو رزين: هو النبات. يدل عليه قول ابن ~~عباس قال: الأب: ما تنبت الأرض مما يأكل الناس والانعام. # * * # PageV19P222 # وعن ابن عباس أيضا وابن أبي طلحة: الأب: الثمار الرطبة. وقال الضحاك: هو ~~التين خاصة. وهو محكي عن ابن عباس أيضا، قال الشاعر: # فما لهم مرتع للسوام (1) * والأب عندهم يقدر الكلبي: هو كل نبات سوى ~~الفاكهة. وقيل: الفاكهة: رطب الثمار، والأب يابسها. # وقال إبراهيم التيمي: سئل أبو بكر الصديق رضي الله عنه عن تفسير الفاكهة ~~والأب فقال: أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت: في كتاب الله ما لا ~~أعلم. وقال أنس: # سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه قرأ هذه الآية ثم قال: كل هذا قد ~~عرفناه، فما الأب؟ # ثم رفع عصا كانت بيده وقال: هذا لعمر الله التكلف، وما عليك يا بن أم عمر ~~ألا تدري ما الأب؟ ثم قال: اتبعوا ما بين لكم من هذا الكتاب، وما لا فدعوه. ~~وروى عن النبي صلى الله ms6581 عليه وسلم أنه قال: [خلقتم من سبع، ورزقتم من سبع، ~~فاسجدوا لله على سبع]. وإنما أراد بقوله: [خلقتم من سبع] يعني " من نطفة، ~~ثم من علقة، ثم من مضغة " [الحج: 5] الآية، والرزق من سبع، وهو قوله تعالى: ~~" فأنبتنا فيها حبا وعنبا " إلى قوله: " وفاكهة " ثم قال: " وأبا " وهو يدل ~~على أنه ليس برزق لابن آدم، وأنه مما تختص به البهائم. والله أعلم. " متاعا ~~لكم " نصب على المصدر المؤكد، لان إنبات هذه الأشياء إمتاع لجميع ~~الحيوانات. وهذا ضرب مثل ضربه الله تعالى لبعث الموتى من قبورهم، كنبات ~~الزرع بعد دثوره، كما تقدم بيانه في غير موضع. ويتضمن امتنانا عليهم بما ~~أنعم به، وقد مضى في غير موضع أيضا. # قوله تعالى: فإذا جاءت الصاخة (33) يوم يفر المرء من أخيه (34) وأمه ~~وأبيه (35) وصاحبته وبنيه (36) لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه (37) وجوه ~~يومئذ مسفرة (38) ضاحكة مستبشرة (39) ووجوه يومئذ عليها غبرة (40) ترهقها ~~قترة (41) أولئك هم الكفرة الفجرة (42) # PageV19P223 # قوله تعالى: (فإذا جاءت الصاخة) لما ذكر أمر المعاش ذكر أمر المعاد، ~~ليتزودوا له بالاعمال الصالحة، وبالانفاق مما أمتن به عليهم. والصاخة: ~~الصيحة التي تكون عنها القيامة، وهي النفخة الثانية، تصخ الاسماع: أي تصمها ~~فلا تسمع إلا ما يدعى به للاحياء. وذكر ناس من المفسرين قالوا: تصيخ لها ~~الاسماع، من قولك: أصاخ إلى كذا: أي استمع إليه، ومنه الحديث: [ما من دابة ~~إلا وهي مصيخة يوم الجمعة شفقا من الساعة إلا الجن والإنس]. # وقال الشاعر: # يصيخ للنبأة أسماعه * إصاخة المنشد للمنشد قال بعض العلماء: وهذا يؤخذ ~~على جهة التسليم للقدماء، فأما اللغة فمقتضاها القول الأول، قال الخليل: ~~الصاخة: صيحة تصخ الآذان (صخا)؟ أي تصمها بشدة وقعتها. وأصل الكلمة في ~~اللغة: الصك الشديد. وقيل: هي مأخوذة من صخه بالحجر: إذا صكه قال الراجز: # يا جارتي هل لك أن تجالدي * جلادة كالصك بالجلامد ومن هذا الباب قول ~~العرب: صختهم الصاخة وباتتهم البائتة، وهي الداهية. الطبري: # وأحسبه من صخ فلان فلانا: إذا أصماه. قال ابن العربي (1): الصاخة التي ~~تورث الصمم، وإنها ms6582 لمسمعة، وهذا من بديع الفصاحة، حتى لقد قال بعض حديثي ~~الأسنان حديثي الأزمان: # * أصم بك، الناعي وإن كان أسمعا * وقال آخر: # أضمني سرهم أيام فرقتهم * فهل سمعتم بسر يورث الصمما لعمر الله إن صيحة ~~القيامة لمسمعة تصم عن الدنيا، وتسمع أمور الآخرة. # قوله تعالى: (يوم يفر المرء من أخيه) أي يهرب، أي تجئ الصاخة في هذا ~~اليوم الذي يهرب فيه من أخيه، أي من موالاة أخيه ومكالمته، لأنه لا يتفرغ ~~لذلك، لاشتغاله بنفسه، كما قال بعده: " لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه " أي ~~يشغله عن غيره. # وقيل: إنما يفر حذرا من مطالبتهم إياه، لما بينهم من التبعات. وقيل: لئلا ~~يروا ما هو # PageV19P224 # فيه من الشدة. وقيل: لعلمه أنهم لا ينفعونه ولا يغنون عنه شيئا، كما قال: ~~" يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا " [الدخان: 41]. وقال عبد الله بن طاهر ~~الأبهري: يفر منهم لما تبين له من عجزهم وقلة حيلتهم، إلى من يملك كشف تلك ~~الكروب والهموم عنه، ولو ظهر له ذلك في الدنيا لما اعتمد شيئا سوى ربه ~~تعالى. (وصاحبته) أي زوجته. (وبنيه) أي أولاده. # وذكر الضحاك عن ابن عباس قال: يفر قابيل من أخيه هابيل، ويفر النبي صلى ~~الله عليه وسلم من أمه، وإبراهيم عليه السلام من أبيه، ونوح عليه السلام من ~~ابنه، ولوط من امرأته، وآدم من سوأة بنيه. وقال الحسن: أول من يفر يوم ~~القيامة من، أبيه: إبراهيم، وأول من يفر من ابنه نوح، وأول من يفر من ~~امرأته لوط. قال: فيرون أن هذه الآية نزلت فيهم وهذا فرار التبرؤ. (لكل ~~امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه). في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: ~~سمعت رسول صلى الله عليه وسلم يقول: [يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة ~~غرلا] قلت، يا رسول الله! الرجال والنساء جميعا ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال: # [يا عائشة، الامر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض]. خرجه الترمذي عن ابن ~~عباس: # أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [يحشرون حفاة عراة غرلا] ms6583 فقالت امرأة: ~~أينظر بعضنا، أو يرى بعضنا عورة بعض؟ قال: [يا فلانة] " لكل امرئ منهم ~~يومئذ شأن يغنيه ". # قال: حديث حسن صحيح. وقراءة العامة بالغين المعجمة، أي حال يشغله عن ~~الأقرباء. # وقرأ ابن محيصن وحميد " يعنيه " بفتح الياء، وعين غير معجمة، أي يعنيه ~~أمره. وقال القتبي: يعنيه: يصرفه ويصده عن قرابته، ومنه يقال: أعن عني ~~وجهك: أي أصرفه وأعن عن السفيه، قال خفاف: # سيعنيك حرب بني مالك * عن الفحش والجهل في المحفل قوله تعالى: (وجوه ~~يومئذ مسفرة): أي مشرقة مضيئة، قد علمت مالها من الفوز والنعيم، وهي وجوه ~~المؤمنين. " ضاحكة " أي مسرورة فرحة. " مستبشرة ": أي بما PageV19P225 # آتاها الله من الكرامة. وقال عطاء الخراساني: " مسفرة " من طول ما اغبرت ~~في سبيل الله جل ثناؤه. ذكره أبو نعيم. الضحاك: من آثار الوضوء. ابن عباس: ~~من قيام الليل، لما روى في الحديث: [من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه ~~بالنهار] يقال: أسفر الصبح إذا أضاء. (ووجوه يومئذ عليها غبرة) أي غبار ~~ودخان " ترهقها " أي تغشاها " قترة " أي كسوف وسواد. كذا قال ابن عباس. ~~وعنه أيضا: ذلة وشدة. والقتر في كلام العرب: # الغبار، جمع القترة، عن أبي عبيد، وأنشد الفرزدق: # متوج برداء الملك يتبعه * موج ترى فوقه الرايات والقترا وفي الخبر: إن ~~البهائم إذا صارت ترابا يوم القيامة حول ذلك التراب في وجوه الكفار. # وقال زيد بن أسلم، القترة: ما ارتفعت إلى السماء، والغبرة: ما انحطت إلى ~~الأرض، والغبار والغبرة: واحد. " أولئك هم الكفرة " جمع كافر " الفجرة " ~~جمع فاجر، وهو الكاذب المفترى على الله تعالى. وقيل: الفاسق، [يقال]: فجر ~~فجورا: أي فسق، وفجر: # أي كذب. وأصله: الميل، والفاجر: المائل. وقد مضى بيانه والكلام فيه. # والحمد لله وحده. # سورة التكوير مكية في قول الجميع. وهي تسع وعشرون آية وفي الترمذي: عن ~~ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من سره أن ينظر إلي يوم ~~القيامة [كأنه رأى عين] فليقرأ إذا الشمس كورت، وإذا السماء انفطرت، وإذا ~~السماء انشقت). قال: هذا حديث حسن [غريب] ms6584 (1). # PageV19P226 # بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: إذا الشمس كورت (1) وإذا النجوم ~~انكدرت (2) وإذا الجبال سيرت (3) وإذا العشار عطلت (4) وإذا الوحوش حشرت ~~(5) وإذا البحار سجرت (6) وإذا النفوس زوجت (7) وإذا الموؤودة سئلت (8) بأي ~~ذنب قتلت (9) وإذا الصحف نشرت (10) وإذا السماء كشطت (11) وإذا الجحيم سعرت ~~(12) وإذا الجنة أزلفت (13) علمت نفس ما أحضرت (14) قوله تعالى: (إذا الشمس ~~كورت) قال ابن عباس: تكويرها: إدخالها في العرش. # والحسن: ذهاب ضوئها. وقاله قتادة ومجاهد: وروى عن ابن عباس أيضا. سعيد بن ~~جبير: عورت. أبو عبيدة: كورت مثل تكوير العمامة، تلف فتمحى. وقال الربيع بن ~~خيثم: # " كورت " رمى بها، ومنه: كورته فتكور، أي سقط. # قلت: وأصل التكوير: الجمع، مأخوذ من كار العمامة على رأسه يكورها أي ~~لاثها وجمعها فهي تكور ويمحى ضوءها، ثم يرمى بها في البحر. والله أعلم. وعن ~~أبي صالح: كورت: # نكست. (وإذا النجوم انكدرت) أي تهافتت وتناثرت. وقال أبو عبيدة: أنصبت ~~كما تنصب العقاب إذا انكسرت. قال العجاج يصف صقرا (1): # أبصر خربان فضاء فانكدر * تقضي البازي إذا البازي كسر # PageV19P227 # وروى أبو صالح عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا ~~يبقى في السماء يومئذ نجم إلا سقط في الأرض، حتى يفزع أهل الأرض السابعة ~~مما لقيت وأصاب العليا)، يعني الأرض. وروى الضحاك عن ابن عباس قال: تساقطت، ~~وذلك أنها قناديل معلقة بين السماء والأرض بسلاسل من نور، وتلك السلاسل ~~بأيدي ملائكة من نور، فإذا جاءت النفخة الأولى مات من في الأرض ومن في ~~السماوات، فتناثرت تلك الكواكب وتساقطت السلاسل من أيدي الملائكة، لأنه مات ~~من كان يمسكها. ويحتمل أن يكون انكدارها طمس آثارها. وسميت النجوم نجوما ~~لظهورها في السماء بضوئها. وعن ابن عباس أيضا: انكدرت تغيرت فلم يبق لها ~~ضوء لزوالها (1) عن أماكنها. والمعنى متقارب. (وإذا الجبال سيرت) يعني قلعت ~~من الأرض، وسيرت في الهواء، وهو مثل قوله تعالى: " ويوم نسير الجبال وترى ~~الأرض بارزة " [الكهف: 47]. وقيل: سيرها تحولها عن منزلة الحجارة، فتكون ~~كثيبا مهيلا أي رملا سائلا وتكون كالعهن، وتكون ms6585 هباء منثورا، وتكون سرابا، ~~مثل السراب الذي ليس بشئ. وعادت الأرض قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا ~~أمتا. وقد تقدم (2) في غير موضع والحمد لله. (وإذا العشار عطلت) أي النوق ~~الحوامل التي في بطونها أولادها، الواحدة عشراء أو التي أتى عليها في الحمل ~~عشرة أشهر، ثم لا يزال ذلك اسمها حتى تضع، وبعدما تضع أيضا. # ومن عادة العرب أن يسموا الشئ باسمه المتقدم وإن كان قد جاوز ذلك، يقول ~~الرجل لفرسه وقد قرح: هاتوا مهري وقربوا مهري، يسميه بمتقدم اسمه، قال ~~عنترة: # لا تذكري مهري وما أطمعته * فيكون جلدك مثل جلد الأجرب وقال أيضا: # * وحملت مهري وسطها فمضاها (3) * وإنما خص العشار بالذكر، لأنها أعز ما ~~تكون على العرب، وليس يعطلها أهلها إلا حال القيامة. # وهذا على وجه المثل، لان في القيامة لا تكون ناقة عشراء، ولكن أراد به ~~المثل، أن هول # PageV19P228 # يوم القيامة بحال لو كان للرجل ناقة عشراء لعطلها واشتغل بنفسه. وقيل: ~~إنهم إذا قاموا من قبورهم، وشاهد بعضهم بعضا، ورأوا الوحوش والدواب محشورة، ~~وفيها عشارهم التي كانت أنفس أموالهم، لم يعبئوا بها، ولم يهمهم أمرها. ~~وخوطبت العرب بأمر العشار، لان مالها وعيشها أكثره من الإبل. وروى الضحاك ~~عن ابن عباس: عطلت: عطلها أهلها، لاشتغالهم بأنفسهم. وقال الأعشى: # هو الواهب المائة المصطفاة * إما مخاضا وإما عشارا وقال آخر: # ترى المرء مهجورا إذا قل ماله * وبيت الغني يهدي له ويزار وما ينفع ~~الزوار مال مزورهم * إذا سرحت شول (1) له وعشار يقال: ناقة عشراء، وناقتان ~~عشراوان، ونوق عشار وعشراوات، يبدلون من همزة التأنيث واوا. # وقد عشرت الناقة تعشيرا: أي صارت عشراء. وقيل: العشار: السحاب يعطل مما ~~يكون فيه وهو الماء فلا يمطر، والعرب تشبه السحاب بالحامل. وقيل: الديار ~~تعطل فلا تسكن. # وقيل: الأرض التي يعشر زرعها تعطل فلا تزرع. والأول أشهر، وعليه من الناس ~~الأكثر. # (وإذا الوحوش حشرت) أي جمعت والحشر: الجمع. عن الحسن وقتادة وغيرهما. ~~وقال ابن عباس: حشرها: موتها. رواه عنه عكرمة. وحشر كل شئ: الموت غير الجن ms6586 ~~والإنس، فإنهما يوافيان يوم القيامة. وعن ابن عباس أيضا قال: يحشر كل شئ ~~حتى الذباب. # قال ابن عباس: تحشر الوحوش غدا: أي تجمع حتى يقتص لبعضها من بعض، فيقتص ~~للجماء من القرناء، ثم يقال لها كوني ترابا فتموت. وهذا أصح مما رواه عنه ~~عكرمة، وقد بيناه في كتاب " التذكرة " مستوفى، ومضى في سورة " الانعام " ~~(2) بعضه. أي إن الوحوش إذا كانت هذه حالها فكيف ببني آدم. وقيل: عني بهذا ~~أنها مع نفرتها اليوم من الناس وتنددها # PageV19P229 # في الصحاري، تنضم غدا إلى الناس من أهوال ذلك اليوم. قال معناه أبي بن ~~كعب. # (وإذا البحار سجرت) أي ملئت من الماء، والعرب تقول: سجرت الحوض أسجره ~~سجرا: إذا ملأته، وهو مسجور والمسجور والساجر في اللغة: الملآن. وروى ~~الربيع بن خيثم: # سجرت: فاضت وملئت. وقاله الكلبي ومقاتل والحسن والضحاك. قال ابن أبي ~~زمنين: # سجرت: حقيقته ملئت، فيفيض بعضها إلى بعض فتصير شيئا واحدا. وهو معنى قول ~~الحسن. # وقيل: أرسل عذبها على مالحها ومالحها على عذبها، حتى امتلأت. عن الضحاك ~~ومجاهد: # أي فجرت فصارت بحرا واحدا. القشيري: وذلك بأن يرفع الله الحاجز الذي ذكره ~~في قوله تعالى: " بينهما برزخ لا يبغيان " [الرحمن: 20]، فإذا رفع ذلك ~~البرزخ تفجرت مياه البحار، فعمت الأرض كلها، وصارت البحار بحرا واحدا. ~~وقيل: صارت بحرا واحدا من الحميم لأهل النار. وعن الحسن أيضا وقتادة وابن ~~حيان: تيبس فلا يبقى من مائها قطرة. القشيري: # وهو من سجرت التنور أسجره سجرا: إذا أحميته وإذا سلط عليه الايقاد نشف ما ~~فيه من الرطوبة وتسير الجبال حينئذ وتصير البحار والأرض كلها بساطا واحدا، ~~بأن يملا مكان البحار بتراب الجبال. وقال النحاس: وقد تكون الأقوال متفقة، ~~يكون تيبس من الماء بعد أن يفيض، بعضها إلى بعض، فتقلب نارا. # قلت: ثم تسير الجبال حينئذ، كما ذكر القشيري، والله أعلم. وقال ابن زيد ~~وشمر وعطية وسفيان ووهب وأبي وعلي بن أبي طالب وابن عباس في رواية الضحاك ~~عنه: أوقدت فصارت نارا. قال ابن عباس: يكور الله الشمس والقمر والنجوم ms6587 في ~~البحر، ثم يبعث الله عليها ريحا دبورا، فتنفخه حتى يصير نارا. وكذا في بعض ~~الحديث: (يأمر الله جل ثناؤه الشمس والقمر والنجوم فينتثرون في البحر، ثم ~~يبعث الله جل ثناؤه الدبور فيسجرها نارا، فتلك نار الله الكبرى، التي يعذب ~~بها الكفار). قال القشيري: قيل في تفسير قول ابن عباس " سجرت " أوقدت، ~~يحتمل أن تكون جهنم في قعور من البحار، فهي الآن غير مسجورة لقوام الدنيا، ~~فإذا أنقضت الدنيا سجرت، فصارت كلها نارا يدخلها الله أهلها. ويحتمل أن ~~تكون تحت البحر نار، ثم يوقد الله البحر كله فيصير نارا. وفي الخبر: البحر ~~نار في نار. PageV19P230 # وقال معاوية بن سعيد: بحر الروم وسط الأرض، أسفله آبار مطبقة بنحاس يسجر ~~نارا يوم القيامة. وقيل: تكون الشمس في البحر، فيكون البحر نارا بحر الشمس. ~~ثم جميع ما في هذه الآيات يجوز أن يكون في الدنيا قبل يوم القيامة ويكون من ~~أشراطها، ويجوز أن يكون يوم القيامة، وما بعد هذه الآيات فيكون في يوم ~~القيامة. # قلت: روي عن عبد الله بن عمرو: لا يتوضأ بماء البحر لأنه طبق جهنم. وقال ~~أبي بن كعب: ست آيات من قبل يوم القيامة: بينما الناس في أسواقهم ذهب ضوء ~~الشمس وبدت النجوم فتحيروا ودهشوا، فبينما هم كذلك ينظرون إذ تناثرت النجوم ~~وتساقطت، فبينما هم كذلك إذ وقعت الجبال على وجه الأرض، فتحركت واضطربت ~~واحترقت، فصارت هباء منثورا، ففزعت الانس إلى الجن والجن إلى الانس، ~~واختلطت الدواب والوحوش والهوام والطير، وماج بعضها في بعض، فذلك قوله ~~تعالى: " وإذا الوحوش حشرت " ثم قالت الجن للانس: نحن نأتيكم بالخبر، ~~فانطلقوا إلى البحار فإذا هي نار تأجج، فبينما هم كذلك تصدعت الأرض صدعة ~~واحدة إلى الأرض السابعة السفلى، وإلى السماء السابعة العليا، فبينما هم ~~كذلك إذ جاءتهم ريح فأماتتهم. وقيل: معنى " سجرت ": # هو حمرة مائها، حتى تصير كالدم، مأخوذ من قولهم: عين سجراء: أي حمراء. ~~وقرأ ابن كثير " سجرت " وأبو عمرو أيضا، إخبارا عن حالها مرة واحدة. وقرأ ~~الباقون بالتشديد إخبارا عن ms6588 حالها في تكرير ذلك منها مرة بعد أخرى. # قوله تعالى: (وإذا النفوس زوجت) قال النعمان بن بشير: قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم " وإذا النفوس زوجت " قال: (يقرن كل رجل مع كل قوم كانوا يعملون ~~كعمله). # وقال عمر بن الخطاب: يقرن الفاجر مع الفاجر، ويقرن الصالح مع الصالح. ~~وقال ابن عباس: # ذلك حين يكون الناس أزواجا ثلاثة، السابقون زوج - يعني صنفا - وأصحاب ~~اليمين زوج، وأصحاب الشمال زوج. وعنه أيضا قال: زوجت نفوس المؤمنين بالحور ~~العين، وقرن الكافر # PageV19P231 # بالشياطين، وكذلك المنافقون. وعنه أيضا: قرن كل شكل بشكله من أهل الجنة ~~وأهل النار، فيضم المبرز في الطاعة إلى مثله، والمتوسط إلى مثله، وأهل ~~المعصية إلى مثله، فالتزويج أن يقرن الشئ بمثله، والمعنى: وإذا النفوس قرنت ~~إلى أشكالها في الجنة والنار. وقيل: # يضم كل رجل إلى من كان يلزمه من ملك وسلطان، كما قال تعالى: " احشروا ~~الذين ظلموا وأزواجهم " [الصافات: 22]. وقال عبد الرحمن بن زيد: جعلوا ~~أزواجا على أشباه أعمالهم ليس بتزويج، أصحاب اليمين زوج، وأصحاب الشمال ~~زوج، والسابقون زوج، وقد قال جل ثناؤه: # " احشروا الذين ظلموا وأزواجهم " [الصافات: 22] أي أشكالهم. وقال عكرمة: ~~" وإذا النفوس زوجت " قرنت الأرواح بالأجساد، أي ردت إليها. وقال الحسن: ~~ألحق كل امرئ بشيعته: اليهود باليهود، والنصارى بالنصارى، والمجوس بالمجوس، ~~وكل من كان يعبد شيئا من دون الله يلحق بعضهم ببعض، والمنافقون بالمنافقين، ~~والمؤمنون بالمؤمنين. وقيل: يقرن الغاوي بمن أغواه من شيطان أو إنسان، على ~~جهة البغض والعداوة، ويقرن المطيع بمن دعاه إلى الطاعة من الأنبياء ~~والمؤمنين. وقيل: قرنت النفوس بأعمالها، فصارت لاختصاصها به كالتزويج. # قوله تعالى: (وإذا الموؤودة سئلت. بأي ذنب قتلت) الموؤودة المقتولة، وهي ~~الجارية تدفن وهي حية، سميت بذلك لما يطرح عليها من التراب، فيوءودها أي ~~يثقلها حتى تموت، ومنه قوله تعالى: " ولا يؤوده حفظهما " [البقرة: 255] أي ~~لا يثقله، وقال متمم بن نويرة: # وموؤودة مقبورة في مفازة * بآمتها موسودة لم تمهد (1) وكانوا يدفنون ~~بناتهم أحياء لخصلتين: إحداهما كانوا يقولون إن الملائكة بنات الله، ~~فألحقوا البنات به. ms6589 الثانية إما مخافة الحاجة والاملاق، وإما خوفا من السبي ~~والاسترقاق. وقد مضى # PageV19P232 # في سورة " النحل " (1) هذا المعنى، عند قوله تعالى: " أم يدسه في التراب ~~" [النحل: 59] مستوفى. وقد كان ذوو الشرف منهم يمتنعون من هذا ويمنعون منه، ~~حتى افتخر به الفرزدق، فقال: # ومنا (2) الذي منع الوائدات * فأحيا الوئيد فلم يوأد يعني جده صعصعة كان ~~يشتريهن من آبائهن. فجاء الاسلام وقد أحيا سبعين موءودة. وقال ابن عباس: ~~كانت المرأة في الجاهلية إذا حملت حفرت حفرة، وتمخضت على رأسها، فإن ولدت ~~جارية رمت بها في الحفرة، وردت التراب عليها، وإن ولدت غلاما حبسته، ومنه ~~قول الراجز: # سميتها إذ ولدت تموت * والقبر صهر ضامن زميت الزميت الوقور، والزميت مثال ~~الفسيق أوقر من الزميت، وفلان أزمت الناس أي أوقرهم، وما أشد تزمته، عن ~~الفراء. وقال قتادة: كانت الجاهلية يقتل أحدهم ابنته، ويغذو كلبه، فعاتبهم ~~الله على ذلك، وتوعدهم بقوله: " وإذا الموؤودة سئلت " قال عمر في قوله ~~تعالى: " وإذا الموؤودة سئلت " قال: جاء قيس بن عاصم إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال: يا رسول الله! # إني وأدت ثمان بنات كن لي في الجاهلية، قال: (فأعتق عن كل واحدة منهن ~~رقبة) قال: # يا رسول الله إني صاحب إبل، قال: (فأهد عن كل واحدة منهن بدنه إن شئت). ~~وقوله تعالى: " سئلت " سؤال الموؤودة سؤال توبيخ لقاتلها، كما يقال للطفل ~~إذا ضرب: لم ضربت؟ # وما ذنبك؟ قال الحسن: أراد الله أن يوبخ قاتلها، لأنها قتلت بغير ذنب. ~~وقال ابن أسلم: # بأي ذنب ضربت، وكانوا يضربونها. وذكر بعض أهل العلم في قوله تعالى: " ~~سئلت " قال: # طلبت، كأنه يريد كما يطلب بدم القتيل. قال: وهو كقوله: " وكان عهد الله ~~مسؤولا " [الأحزاب: 15] أي مطلوبا. فكأنها طلبت منهم، فقيل أين أولادكم؟ ~~وقرأ الضحاك وأبو الضحا عن جابر بن زيد وأبي صالح " وإذا الموؤودة سألت " ~~فتتعلق الجارية بأبيها، فتقول: بأي ذنب # PageV19P233 # قتلتني؟! فلا يكون له عذر، قاله ابن عباس وكان يقرأ " وإذا الموؤودة سألت ~~" وكذلك هو في مصحف أبي. وروى عكرمة عن ابن ms6590 عباس عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: (إن المرأة التي تقتل ولدها تأتي يوم القيامة متعلقا ولدها ~~بثدييها، ملطخا بدمائه، فيقول يا رب، هذه أمي، وهذه قتلتني). والقول الأول ~~عليه الجمهور، وهو مثل قوله تعالى لعيسى: " أأنت قلت للناس "، على جهة ~~التوبيخ والتبكيت لهم، فكذلك سؤال الموؤودة توبيخ لوائدها، وهو أبلغ من ~~سؤالها عن قتلها، لان هذا مما لا يصح إلا بذنب، فبأي ذنب كان ذلك، فإذا ظهر ~~أنه لا ذنب لها، كان أعظم في البلية وظهور الحجة على قاتلها. والله أعلم. ~~وقرئ " قتلت " بالتشديد، وفيه دليل بين على أن أطفال المشركين لا يعذبون، ~~وعلى أن التعذيب لا يستحق إلا بذنب. # قوله تعالى: (وإذا الصحف نشرت) أي فتحت بعد أن كانت مطوية، والمراد صحف ~~الأعمال التي كتبت الملائكة فيها ما فعل أهلها من خير وشر، تطوى بالموت، ~~وتنشر في يوم القيامة، فيقف كل إنسان على صحيفته، فيعلم ما فيها، فيقول: " ~~مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها " [الكهف: 49]. وروى ~~مرثد بن وداعة قال: إذا كان يوم القيامة تطايرت الصحف من تحت العرش، فتقع ~~صحيفة المؤمن في يده " في جنة عالية " [الحاقة: 22] إلى قوله: " الأيام ~~الخالية " [الحاقة: 24] وتقع صحيفة الكافر في يده " في سموم وحميم " إلى ~~قوله: ولا كريم " [الواقعة: 42 - 44]. وروى عن أم سلمة رضي الله عنها أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة) ~~فقلت: يا رسول الله فكيف بالنساء؟ قال: (شغل الناس يا أم سلمة). قلت: # وما شغلهم؟ قال: (نشر الصحف فيها مثاقيل الذر ومثاقيل الخردل). وقد مضى ~~في سورة " سبحان " (1) قول أبي الثوار العدوي: هما نشرتان وطية، أما ما ~~حييت يا بن آدم فصحيفتك المنشورة فأمل فيها ما شئت، فإذا مت طويت، حتى إذا ~~بعثت نشرت " اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا " [الاسراء: 14]. وقال ~~مقاتل: إذا مات المرء طويت صحيفة عمله، فإذا كان يوم القيامة نشرت. وعن عمر ~~رضي الله عنه أنه كان إذا قرأها قال: ms6591 إليك يساق # PageV19P234 # الامر يا بن آدم. وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وأبو عمرو " نشرت " مخففة، ~~على نشرت مرة واحدة، لقيام الحجة. الباقون بالتشديد، على تكرار النشر، ~~للمبالغة في تقريع العاصي، وتبشير المطيع. وقيل: لتكرار ذلك من الانسان ~~والملائكة الشهداء عليه. # قوله تعالى: (وإذا السماء كشطت): الكشط: قلع عن شدة التزاق، فالسماء تكشط ~~كما يكشط الجلد عن الكبش وغيره والقشط: لغة فيه. وفي قراءة عبد الله " وإذا ~~السماء قشطت " وكشطت البعير كشطا: نزعت جلده ولا يقال سلخته، لان العرب لا ~~تقول في البعير إلا كشطته أو جلدته، وانكشط: أي ذهب، فالسماء تنزع من ~~مكانها كما ينزع الغطاء عن الشئ. وقيل: تطوى كما قال تعالى: " يوم نطوي ~~السماء كطي السجل للكتاب " [الأنبياء: 104] فكأن المعنى: قلعت فطويت. والله ~~أعلم. # قوله تعالى: (وإذا الجحيم سعرت) أي أوقدت فأضرمت للكفار وزيد في إحمائها. # يقال: سعرت النار وأسعرتها. وقراءة العامة بالتخفيف من السعير. وقرأ نافع ~~وابن ذكوان ورويس بالتشديد لأنها أوقدت مدة بعد مرة. قال قتادة: سعرها غضب ~~الله وخطايا بني آدم. وفي الترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: (أوقد على النار ألف سنة حتى احمرت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ~~ابيضت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة " وروى موقوفا. # قوله تعالى: (وإذا الجنة أزلفت) أي دنت وقربت من المتقين. قال الحسن: # إنهم يقربون منها، لا أنها تزول عن موضعها. وكان عبد الرحمن بن زيد يقول: ~~زينت: (1) أزلفت؟ والزلفى في كلام العرب: القربة قال الله تعالى: " وأزلفت ~~الجنة للمتقين " [الشعراء: 90]، وتزلف فلان تقرب. # قوله تعالى: (علمت نفس ما أحضرت) يعني ما عملت من خير وشر. وهذا جواب " ~~إذا الشمس كورت " وما بعدها. قال عمر رضي الله عنه لهذا أجرى الحديث. وروى # PageV19P235 # عن ابن عباس وعمر رضي الله عنهما أنهما قرأها، فلما بلغا " علمت نفس ما ~~أحضرت " قالا لهذا أجريت القصة، فالمعنى على هذا إذا الشمس كورت وكانت هذه ~~الأشياء، علمت نفس ما أحضرت من عملها. وفي ms6592 الصحيحين عن عدي بن حاتم قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما منكم من أحد إلا وسيكلمه الله ما بينه ~~وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدمه [وينظر (1) أشأم منه فلا ~~يرى إلا ما قدم] بين يديه، فتستقبله النار، فمن استطاع منكم أن يتقي النار ~~ولو بشق تمرة فليفعل) وقال الحسن: " إذ الشمس كورت " قسم وقع على قوله: " ~~علمت نفس ما أحضرت " كما يقال: إذا نفر زيد نفر عمرو. والقول الأول أصح. ~~وقال ابن زيد عن ابن عباس في قوله تعالى: " إذا الشمس كورت " إلى قوله: # " وإذا الجنة أزلفت " أثنتا عشرة خصلة: ستة في الدنيا، وستة في الآخرة، ~~وقد بينا الستة الأولى بقول أبي بن كعب. # قوله تعالى: فلا أقسم بالخنس () الجوار الكنس (16) والليل إذا عسعس (17) ~~والصبح إذا تنفس (18) إنه لقول رسول كريم (19) ذي قوة عند ذي العرش مكين ~~(20) مطاع ثم أمين (21) وما صاحبكم بمجنون (22) قوله تعالى: (فلا أقسم) أي ~~أقسم، و " لا " زائدة، كما تقدم. (بالخنس الجواري الكنس) هي الكواكب الخمسة ~~الدراري: زحل والمشتري وعطارد والمريخ والزهرة، فيما ذكر أهل التفسير. ~~والله أعلم. وهو مروي عن علي كرم الله وجهه. وفي تخصيصها بالذكر من بين ~~سائر النجوم وجهان: أحدهما: لأنها تستقبل الشمس، قاله بكر بن عبد الله ~~المزني. # الثاني: لأنها تقطع المجرة، قاله ابن عباس. وقال الحسن وقتادة: هي النجوم ~~التي تخنس # PageV19P236 # بالنهار وإذا غربت، وقاله علي رضي الله عنه، قال: هي النجوم تخنس ~~بالنهار، وتظهر بالليل، وتكنس في وقت غروبها أي تتأخر عن البصر لخفائها، ~~فلا ترى. وفي الصحاح: # و " الخنس ": الكواكب كلها. لأنها تخنس في المغيب، أو لأنها تخنس نهارا. ~~ويقال: # الكواكب السيارة منها دون الثابتة. وقال الفراء في قوله تعالى: " فلا ~~أقسم بالخنس. # الجواري الكنس ": إنها النجوم الخمسة، زحل والمشتري والمريخ والزهرة ~~وعطارد، لأنها تخنس في مجراها، وتكنس، أي تستتر كما تكنس الظباء في المغار، ~~وهو الكناس. ويقال: # سميت خنسا لتأخرها، لأنها الكواكب المتحيرة التي ترجع وتستقيم، يقال: خنس ~~عنه يخنس ms6593 بالضم خنوسا: تأخر، وأخنسه غيره: إذا خلفه ومضى عنه. والخنس تأخر ~~الانف عن الوجه مع ارتفاع قليل في الأرنبة، والرجل أخنس، والمرأة خنساء، ~~والبقر كلها خنس. # وقد روى عن عبد الله بن مسعود في قوله تعالى: " فلا أقسم بالخنس " هي بقر ~~الوحش. # روى هشيم عن زكريا عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل قال: قال لي ~~عبد الله ابن مسعود: إنكم قوم عرب فما الخنس؟ قلت: هي بقر الوحش، قال: وأنا ~~أرى ذلك. وقاله إبراهيم وجابر بن عبد الله. وروي عن ابن عباس: إنما أقسم ~~الله ببقر الوحش. # وروى عنه عكرمة قال: " الخنس ": البقر و " الكنس ": هي الظباء، فهي خنس ~~إذا رأين الانسان خنسن وانقبضن وتأخرن ودخلن كناسهن. القشيري: وقيل على هذا ~~" الخنس " من الخنس في الانف، وهو تأخر الأرنبة وقصر القصبة، وأنوف البقر ~~والظباء خنس. والأصح الحمل على النجوم، لذكر الليل والصبح بعد هذا، فذكر ~~النجوم أليق بذلك. # قلت: لله أن يقسم بما شاء من مخلوقاته من حيوان وجماد، وإن لم يعلم وجه ~~الحكمة في ذلك. وقد جاء عن ابن مسعود وجابر بن عبد الله وهما صحابيان ~~والنخعي أنها بقر الوحش. وعن ابن عباس وسعيد بن جبير أنها الظباء. وعن ~~الحجاج بن منذر قال: سألت جابر بن زيد عن الجواري الكنس، فقال: الظباء ~~والبقر، فلا يبعد أن يكون المراد PageV19P237 # النجوم. وقد قيل: إنها الملائكة، حكاه الماوردي. والكنس الغيب، مأخوذة من ~~الكناس، وهو كناس الوحش الذي يختفي فيه. قال أوس بن حجر: # ألم تر أن الله أنزل مزنه * وغفر الظباء في الكناس تقمع (1) وقال طرفة: # كأن كناسي ضالة يكنفانها * وأطر قسي تحت صلب مؤيد (2) وقيل: الكنوس أن ~~تأوي إلى مكانسها، وهي المواضع التي تأوي إليها الوحوش والظباء. # قال الأعشى: # فلما أتينا الحي أتلع أنس * كما أتلعت تحت المكانس ربرب يقال: تلع. ~~النهار ارتفع وأتلعت الظبية من كناسها: أي سمت بجيدها. وقال امرؤ القيس: # تعشى قليلا ثم أنحى ظلوفه * يثير التراب عن مبيت ومكنس والكنس: جمع كانس ~~وكانسة، وكذا ms6594 الخنس جمع خانس وخانسة. والجواري: جمع جارية من جرى يجري. ~~(والليل إذا عسعس) قال الفراء: أجمع المفسرون على أن معنى عسعس أدبر، حكاه ~~الجوهري. وقال بعض أصحابنا: إنه دنا من أوله وأظلم وكذلك السحاب إذا دنا من ~~الأرض. المهدوي: " والليل إذا عسعس " أدبر بظلامه، عن ابن عباس ومجاهد ~~وغيرهما. وروى عنهما أيضا وعن الحسن وغيره: أقبل بظلامه. زيد بن أسلم: " ~~عسعس " ذهب. الفراء: العرب تقول عسعس وسعسع إذا لم يبق منه إلا اليسير. ~~الخليل وغيره: # عسعس الليل إذا أقبل أو أدبر. المبرد: هو من الأضداد، والمعنيان يرجعان ~~إلى شئ واحد، وهو ابتداء الظلام في أوله، وإدباره في آخره، وقال علقمة بن ~~قرط: # حتى إذا الصبح لها تنفسا * وانجاب عنها ليلها وعسعسا # PageV19P238 # وقال روبة: # يا هند ما أسرع ما تسعسعا * من بعد ما كان فتى سرعرعا (1) وهذه حجة ~~الفراء. وقال امرؤ (2) القيس: # عسعس حتى لو يشاء ادنا * كان لنا من ناره مقبس فهذا يدل على الدنو. وقال ~~الحسن ومجاهد: عسعس: أظلم، قال الشاعر: # حتى إذا ما ليلهن عسعسا * ركبن من حد الظلام حندسا الماوردي: وأصل العس ~~الامتلاء، ومنه قيل للقدح الكبير عس لامتلائه بما فيه، فأطلق على إقبال ~~الليل لابتداء امتلائه، وأطلق على إدباره لانتهاء امتلائه على ظلامه، ~~لاستكمال امتلائه به. وأما قول امرئ القيس: # * ألما على الربع القديم بعسعسا (3) * فموضع بالبادية. وعسعس أيضا اسم ~~رجل، قال الرجز: # * وعسعس نعم الفتى تبياه * أي تعتمده. ويقال للذئب العسعس والعسعاس ~~والعساس، لأنه يعس بالليل ويطلب. # ويقال للقنافذ العساعس لكثرة ترددها بالليل. قال أبو عمرو: والتعسعس ~~الشم، وأنشد: # * كمنخر الذنب إذا تعسعسا * والتعسعس أيضا: طلب الصيد [بالليل]. (4) # PageV19P239 # قوله تعالى: (والصبح إذا تنفس) أي أمتد حتى يصير نهارا واضحا، يقال ~~للنهار إذا زاد: تنفس. وكذلك الموج إذا نضح الماء. ومعنى التنفس: خروج ~~النسيم من الجوف. # وقيل: " إذا تنفس " أي انشق وانفلق، ومنه تنفست القوس (1) أي تصدعت. (إنه ~~لقول رسول كريم) هذا جواب القسم. والرسول الكريم جبريل، قاله الحسن وقتادة ~~والضحاك. والمعنى " إنه لقول رسول " عن ms6595 الله " كريم " على الله. وأضاف ~~الكلام إلى جبريل عليه السلام، ثم عداه عنه بقوله " تنزيل من رب العالمين " ~~[الواقعة: 80] ليعلم أهل التحقيق في التصديق، أن الكلام لله عز وجل. وقيل: ~~هو محمد عليه الصلاة والسلام (ذي قوة) من جعله جبريل فقوته ظاهرة فروى ~~الضحاك عن ابن عباس قال: من قوته قلعه مدائن قوم لوط بقوادم جناحه. (عن ذي ~~العرش) أي عند الله جل ثناؤه (مكين) أي ذي منزلة ومكانة، فروي عن أبي صالح ~~قال: يدخل سبعين سرادقا بغير إذن. (مطاع ثم): # أي في السماوات، قال ابن عباس: من طاعة الملائكة جبريل، أنه لما أسري ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم قال جبريل عليه السلام لرضوان خازن الجنان: ~~افتح له، ففتح، فدخل ورأى ما فيها، وقال لمالك خازن النار: أفتح له جهنم ~~حتى ينظر إليها، فأطاعه وفتح له. (أمين) أي مؤتمن على الوحي الذي يجئ به. ~~ومن قال: إن المراد محمد صلى الله عليه وسلم فالمعنى " ذي قوة " على تبليغ ~~الرسالة " مطاع " أي يطيعه من أطاع الله عز وجل. (وما بصاحبكم بمجنون) يعني ~~محمدا صلى الله عليه وسلم ليس بمجنون حتى يتهم في قوله. وهو من جواب القسم. ~~وقيل: أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يرى جبريل في الصورة التي يكون بها ~~عند ربه جل وعز فقال: ما ذاك إلي، فإذن له الرب جل ثناؤه، فأتاه وقد سد ~~الأفق، فلما نظر إليه النبي صلى الله عليه وسلم خر مغشيا عليه، فقال ~~المشركون: إنه مجنون، فنزلت: " إنه لقول رسول كريم " " وما صاحبكم بمجنون " ~~وإنما رأى جبريل على صورته فهابه، وورد عليه ما لم تحتمل بنيته، فخر مغشيا ~~عليه. # PageV19P240 # قوله تعالى: ولقد رآه بالأفق المبين (23) وما هو على الغيب بضنين (24) ~~وما هو بقول شيطان رجيم (25) فأين تذهبون (26) إن هو إلا ذكر للعالمين (27) ~~لمن شاء منكم أن يستقيم (28) وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين (29) ~~قوله تعالى: (ولقد رآه بالأفق المبين) أي رأى جبريل في صورته، له ستمائة ~~جناح. # " بالأفق المبين " أي ms6596 بمطلع الشمس من قبل المشرق، لان هذا الأفق إذا كان ~~منه تطلع الشمس فهو مبين. أي من جهته ترى الأشياء. وقيل: الأفق المبين: ~~أقطار السماء ونواحيها، قال الشاعر: # أخذنا بآفاق السماء عليكم * لنا قمراها والنجوم الطوالع الماوردي: فعلى ~~هذا، فيه ثلاثة أقاويل أحدها: أنه رآه في أفق السماء الشرقي، قاله سفيان. ~~الثاني: في أفق السماء الغربي، حكاه ابن شجرة. الثالث: أنه رآه نحو أجياد، ~~وهو مشرق مكة، قاله مجاهد. وحكى الثعلبي عن ابن عباس، قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم لجبريل: " إني أحب أن أراك في صورتك التي تكون فيها في السماء " ~~قال: لن تقدر على ذلك. قال: " بلى " قال: فأين تشاء أن أتخيل لك؟ قال: " ~~بالأبطح " قال: لا يسعني. # قال: " فبمنى " قال: لا يسعني. قال: " فبعرفات " قال: ذلك بالحري أن ~~يسعني. # قواعده فخرج النبي صلى الله عليه وسلم للوقت، فإذا هو قد أقبل بخشخشة ~~وكلكلة من جبال عرفات، قد ملا ما بين المشرق والمغرب، ورأسه في السماء ~~ورجلاه في الأرض، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم خر مغشيا عليه، فتحول ~~جبريل في صورته، وضمه إلى صدره. # وقال: يا محمد لا تخف، فكيف لو رأيت إسرافيل ورأسه من تحت العرش ورجلاه ~~في تخوم الأرض السابعة، وإن العرش على كاهله، وإنه ليتضاءل أحيانا من خشية ~~الله، حتى يصير مثل الوصع (1) - يعني العصفور - حتى ما يحمل عرش ربك إلا ~~عظمته. وقيل: إن محمدا # PageV19P241 # عليه السلام رأى ربه عز وجل بالأفق المبين. وهو معنى قول ابن مسعود. وقد ~~مضى القول في هذا في " والنجم " (1) مستوفى، فتأمله هناك. وفي " المبين " ~~قولان: أحدهما أنه صفة الأفق، قاله الربيع. الثاني أنه صفة لمن رآه، قاله ~~مجاهد. (وما هو على الغيب بضنين): # بالظاء، قراءة ابن كثير وأبي عمرو والكسائي، أي بمتهم، والظنة التهمة، ~~قال الشاعر: # أما وكتاب الله لا عن سناءة * هجرت ولكن الظنين ظنين وأختاره أبو عبيد، ~~لأنهم لم يبخلوه ولكن كذبوه، ولأن الأكثر من كلام العرب: ما هو بكذا، ولا ~~يقولون: ما هو على ms6597 كذا، إنما يقولون: ما أنت على هذا بمتهم. وقرأ الباقون " ~~بضنين " بالضاد: أي ببخيل من ضننت بالشئ أضن ضنا [فهو] ضنين. فروى ابن أبي ~~نجيح عن مجاهد قال: لا يضن عليكم بما يعلم، بل يعلم الخلق كلام الله ~~وأحكامه. # وقال الشاعر: # أجود بمكنون الحديث وإنني * بسرك عمن سألني لضنين والغيب: القرآن وخبر ~~السماء. ثم هذا صفة محمد عليه السلام. وقيل: صفة جبريل عليه السلام. وقيل: ~~بظنين: بضعيف. حكاه الفراء والمبرد، يقال: رجل ظنين: # أي ضعيف. وبئر ظنون: إذا كانت قليلة الماء، قال الأعشى: # ما جعل الجد (2) الظنون الذي * جنب صوب اللجب الماطر مثل الفراتي إذا ما ~~طما * يقذف بالبوصي والماهر والظنون: الدين الذي لا يدري أيقضيه آخذه أم ~~لا؟ ومنه حديث علي عليه السلام في الرجل يكون له الدين الظنون، قال: يزكيه ~~لما مضى إذا قبضه إن كان صادقا. والظنون: الرجل السئ الخلق، فهو لفظ مشترك. ~~(وما هو) يعني القرآن (بقول شيطان رجيم) أي مرجوم ملعون، كما قالت قريش. ~~قال عطاء: يريد بالشيطان الأبيض الذي كان # PageV19P242 # يأتي النبي صلى الله عليه وسلم في صورة جبريل يريد أن يفتنه. (فأين ~~تذهبون) قال قتادة: فإلى أين تعدلون عن هذا القول وعن طاعته. كذا روى معمر ~~عن قتادة، أي أين تذهبون عن كتابي وطاعتي. وقال الزجاج: فأي طريقة تسلكون ~~أبين من هذه الطريقة التي بينت لكم. ويقال: أين تذهب؟ وإلى أين تذهب؟ وحكى ~~الفراء عن العرب: ذهبت الشام وخرجت العراق وانطلقت السوق: أي إليها. قال: ~~سمعناه في هذه الأحرف الثلاثة، وأنشدني بعض بني عقيل: # تصيح بنا حنيفة إذ رأتنا * وأي الأرض تذهب بالصياح يريد إلى أي أرض تذهب، ~~فحذف إلى. وقال الجنيد: معنى الآية مقرون بآية أخرى، وهي قوله تعالى: " وإن ~~من شئ إلا عندنا خزائنه " [الحجر: 21] المعنى: أي طريق تسلكون أبين من ~~الطريق الذي بينه الله لكم. وهذا معنى قول الزجاج. (إن هو) يعني القرآن ~~(إلا ذكر للعالمين) أي موعظة وزجر. و " إن " بمعنى " ما ". وقيل: ما محمد ~~إلا ذكر. (لمن شاء ms6598 منكم أن يستقيم) أي يتبع الحق ويقيم عليه. وقال أبو ~~هريرة وسليمان بن موسى: لما نزلت " لمن شاء منكم أن يستقيم " قال أبو جهل: ~~الامر إلينا، إن شئنا استقمنا، وإن شئنا لم نستقم - وهذا هو القدر، وهو رأس ~~القدرية - فنزلت: " وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين "، فبين بهذا ~~أنه لا يعمل العبد خيرا إلا بتوفيق الله، ولا شرا إلا بخذلانه. وقال الحسن: ~~والله ما شاءت العرب الاسلام حتى شاءه الله لها. وقال وهب بن منبه: قرأت في ~~سبعة (1) وثمانين كتابا مما أنزل الله على الأنبياء: من جعل إلى نفسه شيئا ~~من المشيئة فقد كفر. وفي التنزيل: " ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم ~~الموتى وحشرنا عليهم كل شئ قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله " ~~[الانعام: 111]. وقال تعالى: " وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله " ~~[يونس: 100]. وقال تعالى: " إنك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء " ~~[القصص: 56] والآي في هذا كثير، وكذلك الاخبار، وأن الله سبحانه هدى ~~بالاسلام، وأضل بالكفر، كما تقدم في غير موضع. ختمت السورة والحمد لله. # PageV19P243 # سورة الانفطار مكية عند الجميع وهي تسع عشرة آية بسم الله الرحمن الرحيم ~~قوله تعالى: إذا السماء انفطرت (1) وإذا الكواكب انتثرت (2) وإذا البحار ~~فجرت (3) وإذا القبور بعثرت (4) علمت نفس ما قدمت وأخرت (5) قوله تعالى: ~~(إذا السماء انفطرت) أي تشققت بأمر الله، لنزول الملائكة، كقوله: # " ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا " [الفرقان: 25]. وقيل: ~~تفطرت لهيبة الله تعالى. # والفطر: الشق، يقال: فطرته فانفطر، ومنه فطر ناب البعير: طلع، فهو بعير ~~فاطر، وتفطر الشئ: شقق، وسيف فطار أي فيه شقوق، قال عنترة: # وسيفي كالعقيقة وهو كمعي * سلاحي لا أفل ولا فطارا (1) وقد تقدم في غير ~~موضع (2). (وإذا الكواكب انتثرت) أي تساقطت، نثرت الشئ أنثره نثرا، فانتثر، ~~والاسم النثار. والنثار بالضم: ما تناثر من الشئ، ودر منثر، شدد للكثرة. ~~(وإذا البحار فجرت) أي فجر بعضها في بعض، فصارت بحرا واحدا، على ما تقدم. ~~قال الحسن: # فجرت: ذهب ماؤها ويبست، ms6599 وذلك أنها أولا راكدة مجتمعة، فإذا فجرت تفرقت، ~~فذهب ماؤها. وهذه الأشياء بين يدي الساعة، على ما تقدم في " إذا الشمس كورت ~~" [التكوير: 1]. (إذا القبور بعثرت) أي قلبت وأخرج ما فيها من أهلها أحياء، ~~يقال: بعثرت المتاع: قلبته ظهرا لبطن، وبعثرت الحوض وبحثرته: إذا هدمته ~~وجعلت أسفله أعلاه. وقال قوم منهم الفراء: # " بعثرت ": أخرجت ما في بطنها من الذهب والفضة. وذلك من أشراط الساعة: أن ~~تخرج الأرض # PageV19P244 # ذهبها وفضتها. " علمت نفس ما قدمت وأخرت " مثل: " ينبأ الانسان يومئذ بما ~~قدم وأخر " [القيامة: 13]. وتقدم. وهذا جواب " إذا السماء انفطرت " لأنه ~~قسم في قول الحسن وقع على قوله تعالى: " علمت نفس " يقول: إذا بدت هذه ~~الأمور من أشراط الساعة ختمت الأعمال فعلمت كل نفس ما كسبت، فإنها لا ~~ينفعها عمل بعد ذلك. وقيل: أي إذا كانت هذه الأشياء قامت القيامة، فحوسبت ~~كل نفس بما عملت، وأوتيت كتابها بيمينها أو بشمالها، فتذكرت عند قراءته ~~جميع أعمالها. وقيل: هو خبر، وليس بقسم، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: يا أيها الانسان ما غرك بربك الكريم (6) الذي خلقك فسواك ~~فعدلك (7) في أي صورة ما شاء ركبك (8) كلا بل تكذبون بالدين (9) قوله ~~تعالى: يا أيها الانسان) خاطب بهذا منكري البعث. وقال ابن عباس: الانسان ~~هنا: الوليد بن المغيرة. وقال عكرمة: أبي بن خلف. وقيل: نزلت في أبي الأشد ~~بن كلدة الجمحي. عن ابن عباس أيضا: (ما غرك بربك الكريم) أي ما الذي غرك ~~حتى كفرت؟ # " بربك الكريم " أي المتجاوز عنك. قال قتادة: غرة شيطانه المسلط عليه. ~~الحسن: # غره شيطانه الخبيث. وقيل: حمقه وجهله. رواه الحسن عن عمر رضي الله عنه. ~~وروى غالب الحنفي قال: لما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم " يا أيها ~~الانسان ما غرك بربك الكريم " [الانفطار: 6] قال: " غره الجهل " وقال صالح ~~بن مسمار: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ " يا أيها الانسان ما ~~غرك بربك الكريم "؟ فقال: " غره جهله ". وقال عمر رضي الله عنه: كما قال ~~الله ms6600 تعالى " إنه كان ظلوما جهولا " [الأحزاب: 72]. وقيل: غره عفو الله، إذ ~~لم يعاقبه في أول مرة. قال إبراهيم بن الأشعث: قيل: للفضيل بن عياض: لو ~~أقامك الله تعالى PageV19P245 # يوم القيامة بين يديه، فقال لك: " ما غرك بربك الكريم "؟ [الانفطار: 6] ~~ماذا كنت تقول؟ قال: # كنت أقول غرني ستورك المرخاة، لان الكريم هو الستار. نظمه ابن السماك ~~فقال: # يا كاتم الذنب أما تستحي * والله في الخلوة ثانيكا غرك من ربك إمهاله * ~~وستره طول مساويكا وقال ذو النون المصري: كم من مغرور تحت الستر وهو لا ~~يشعر. # وأنشد أبو بكر بن طاهر الأبهري: # يامن غلا في العجب والتيه * وغره طول تماديه أملى لك الله فبارزته * ولم ~~تخف غب معاصيه وروى عن علي رضي الله عنه أنه صاح بغلام له مرات فلم يلبه ~~فنظر فإذا هو بالباب، فقال: # مالك لم تجبني؟ فقال. لثقتي بحلمك، وأمني من عقوبتك. فاستحسن جوابه ~~فأعتقه. وناس يقولون: ما غرك: ما خدعك وسول لك، حتى أضعت ما وجب عليك؟ وقال ~~ابن مسعود: # ما منكم من أحد إلا وسيخلو الله به يوم القيامة، فيقول له: يا ابن آدم ~~ماذا غرك بي؟ يا ابن آدم ماذا عملت فيما علمت؟ يا ابن آدم ماذا أجبت ~~المرسلين؟ (الذي خلقك) أي قدر خلقك من نطفة (فسواك) في بطن أمك، وجعل لك ~~يدين ورجلين وعينين وسائر أعضائك (فعدلك) أي جعلك معتدلا سوى الخلق، كما ~~يقال: هذا شئ معدل. وهذه قراءة العامة وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم، قال ~~الفراء: وأبو عبيد: يدل عليه قوله تعالى: " لقد خلقنا الانسان في أحسن ~~تقويم " [التين: 4]. وقرأ الكوفيون: عاصم وحمزة والكسائي: " فعدلك " مخففا ~~أي: أمالك وصرفك إلى أي صورة شاء، إما حسنا وإما قبيحا، وإما طويلا وإما ~~قصيرا. وقال [موسى بن علي ابن أبي رباح اللخمي عن أبيه عن جده] (1) قال: ~~قال لي النبي صلى الله عليه وسلم " إن النطفة # PageV19P246 # إذا استقرت في الرحم أحضرها الله كل نسب بينها وبين آدم ". أما قرأت هذه ~~الآية (في اي صورة ما شاء ms6601 ركبك): (فيما بينك وبين آدم)، [وقال عكرمة وأبو ~~صالح: " في أي صورة ما شاء ركبك "]: إن شاء في صورة إنسان، وإن شاء في صورة ~~حمار، وإن شاء في صورة قرد، وإن شاء في صورة خنزير. وقال مكحول: إن شاء ~~ذكرا، وإن شاء أنثى. # قال مجاهد: " في أي صورة " أي في أي شبه من أب أو أم أو عم أو خال أو ~~غيرهم. # و " في " متعلقة ب‍ " - كبك "، ولا تتعلق ب‍ " - عدلك "، على قراءة من ~~خفف، لأنك تقول عدلت إلى كذا، ولا تقول عدلت في كذا، ولذلك منع الفراء ~~التخفيف، لأنه قدر " في " متعلقة ب‍ " - عدلك "، و " ما " يجوز أن تكون صلة ~~مؤكدة، أي في أي صورة شاء ركبك. # ويجوز أن تكون شرطية أي إن شاء ركبك في غير صورة الانسان من صورة قرد أو ~~حمار أو خنزير، ف‍ " - ما " بمعنى الشرط والجزاء، أي في صورة ما شاء يركبك ~~ركبك. # قوله تعالى: (كلا بل تكذبون بالدين) يجوز أن تكون " كلا " بمعنى حقا و " ~~ألا " فيبتدأ بها. ويجوز أن تكون بمعنى " لا "، على أن يكون المعنى ليس ~~الامر كما تقولون من أنكم في عبادتكم غير الله محقون. يدل على ذلك قوله ~~تعالى: " ما غرك بربك الكريم " [الانفطار: 6] وكذلك يقول الفراء: يصير ~~المعنى: ليس كما غررت به. وقيل: أي ليس الامر كما تقولون، من أنه لا بعث. ~~وقيل: هو بمعنى الردع والزجر. أي لا تغتروا بحلم الله وكرمه، فتتركوا ~~التفكر في آياته. # ابن الأنباري: الوقف الجيد على " الدين "، وعلى " ركبك "، والوقف على " ~~كلا " قبيح. # " بل تكذبون " يا أهل مكة " بالدين " أي بالحساب، و " بل " لنفي شئ تقدم ~~وتحقيق غيره. وإنكارهم للبعث كان معلوما، وإن لم يجر له ذكر في هذه السورة. # قوله تعالى: وإن عليكم لحافظين (10) كراما كاتبين (11) يعلمون ما تفعلون ~~(12) قوله تعالى: (وإن عليكم لحافظين) أي رقباء من الملائكة (كراما) أي ~~علي، كقوله: " كرام بررة " [عبس: 16]. وهنا ثلاث مسائل: PageV19P247 # الأولى - روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (أكرموا الكرام الكاتبين ~~الذين ms6602 لا يفارقونكم إلا عند حدى حالتين: الخراءة (1) أو الجماع، فإذا اغتسل ~~أحدكم فليستتر بجرم [حائط] (2) أو بغيره، أو ليستره أخوه). وروي عن علي رضي ~~الله عنه قال: (لا يزال الملك موليا عن العبد ما دام بادي العورة) وروي (إن ~~العبد إذا دخل الحمام بغير مئزر لعنه ملكاه). # الثانية - وأختلف الناس في الكفار هل عليهم حفظة أم لا؟ فقال بعضهم: لا، ~~لان أمرهم ظاهر، وعملهم واحد، قال الله تعالى: " يعرف المجرمون بسيماهم " ~~[الرحمن: 41]. وقيل: # بل عليهم حفظة، لقوله تعالى: " كلا بل تكذبون بالدين. وإن عليكم لحافظين. ~~كراما كاتبين. يعلمون ما تفعلون " [الانفطار: 9 - 12]. وقال: " وأما من ~~أوتي كتابه بشماله " [الحاقة: 25] وقال: # " وأما من أوتي كتابه وراء ظهره " [الانشقاق: 10]، فأخبر أن الكفار يكون ~~لهم كتاب، ويكون عليهم حفظة. # فإن قيل: الذي على يمينه أي شئ يكتب ولا حسنة له؟ قيل له: الذي يكتب عن ~~شماله يكون بإذن صاحبه، ويكون شاهدا على ذلك وإن لم يكتب. والله أعلم. # الثالثة - سئل سفيان: كيف تعلم الملائكة أن العبد قد هم بحسنة أو سيئة؟ ~~قال: # إذا هم العبد بحسنة وجدوا منه ريح المسك، وإذا هم بسيئة وجدوا منه ريح ~~النتن. وقد مضى في " ق " (3) عند قوله: " ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب ~~عتيد " [ق: 18] زيادة بيان لمعنى هذه الآية. وقد كره العلماء الكلام عند ~~الغائط والجماع، لمفارقة الملك العبد عند ذلك. وقد مضى في آخر " آل عمران " ~~(4) القول في هذا. وعن الحسن: يعلمون لا يخفى عليهم شئ من أعمالكم. وقيل: ~~يعلمون ما ظهر منكم دون ما حدثتم به أنفسكم. والله أعلم. # PageV19P248 # قوله تعالى: إن الأبرار لفي نعيم (13) وإن الفجار لفي جحيم (14) يصلونها ~~يوم الدين (15) وما هم عنها بغائبين (16) وما أدراك ما يوم الدين (17) ثم ~~ما أدراك ما يوم الدين (18) يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والامر يومئذ لله ~~(19) قوله تعالى: (إن الأبرار لفي نعيم. وإن الفجار لفي جحيم) تقسيم مثل ~~قوله: # " فريق في الجنة وفريق في السعير " [الشورى: 7] وقال: " يومئذ يصدعون. ~~فاما الذين آمنوا " [الروم: ms6603 43] الآيتين. # (يصلونها) أي يصيبهم لهبها وحرها (يوم الدين) أي يوم الجزاء والحساب، ~~وكرر ذكره تعظيما لشأنه، نحو قوله تعالى: " القارعة ما القارعة؟ وما أدراك ~~ما القارعة " [القارعة: 1 - 3] وقال ابن عباس فيما روى عنه: كل شئ من ~~القرآن من قوله: " وما أدراك "؟ فقد أدراه. وكل شئ من قوله " وما يدريك " ~~فقد طوي عنه. (يوم لا تملك نفس) قرأ ابن كثير وأبو عمرو " يوم " بالرفع على ~~البدل من " يوم الدين " أو ردا على اليوم الأول، فيكون صفة ونعتا ل‍ " - ~~يوم الدين ". ويجوز أن يرفع بإضمار هو. الباقون بالنصب على أنه في موضع رفع ~~إلا أنه، نصب، لأنه مضاف غير متمكن، كما تقول: أعجبني يوم يقوم زيد. وأنشد ~~المبرد: # من أي يومي من الموت أفر * أيوم لم يقدر أم يوم قدر فاليومان الثانيان ~~مخفوضان بالإضافة، عن الترجمة عن اليومين الأولين، إلا أنهما نصبا في ~~اللفظ، لأنهما أضيفا إلى غير محض. وهذا اختيار الفراء والزجاج. وقال قوم: ~~اليوم الثاني منصوب على المحل، كأنه قال في يوم لا تملك نفس لنفس شيئا. ~~وقيل: بمعنى: إن هذه الأشياء تكون يوم، أو على معنى يدانون يوم، لان الدين ~~يدل عليه، أو بإضمار أذكر. # (والامر يومئذ لله) لا ينازعه فيه أحد، كما قال: " لمن الملك اليوم؟ لله ~~الواحد القهار. # اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم " [غافر: 16 - 17]. تمت السورة ~~والحمد لله. PageV19P249 # سورة المطففين مكية في قول ابن مسعود والضحاك ومقاتل. ومدنية في قول ~~الحسن وعكرمة. وهي ست وثلاثون آية قال مقاتل: وهي أول سورة نزلت بالمدينة. ~~وقال ابن عباس وقتادة: مدنية إلا ثمان آيات من قوله: " إن الذين أجرموا " ~~إلى آخرها، مكي. وقال الكلبي وجابر بن زيد: # نزلت بين مكة والمدينة. # بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ويل للمطففين (1) الذين إذا اكتالوا ~~على الناس يستوفون (2) وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون (3) فيه أربع مسائل: # الأولى - روى النسائي عن ابن عباس قال: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم ~~المدينة كانوا من أخبث الناس كيلا، فأنزل ms6604 الله تعالى: " ويل للمطففين " ~~فأحسنوا الكيل بعد ذلك. # قال الفراء: فهم من أوفى الناس كيلا إلى يومهم هذا. وعن ابن عباس أيضا ~~قال: هي: أول سورة نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعة نزل ~~المدينة، وكان هذا فيهم، كانوا إذا اشتروا استوفوا بكيل راجح، فإذا باعوا ~~بخسوا المكيال والميزان، فلما نزلت هذه السورة انتهوا، فهم أوفى الناس كيلا ~~إلى يومهم هذا. وقال قوم: نزلت في رجل يعرف بأبي جهينة، واسمه عمرو، كان له ~~صاعان يأخذ بأحدهما، ويعطي بالآخر، قال أبو هريرة رضي الله عنه. # الثانية - قوله تعالى: " ويل " أي شدة عذاب في الآخرة. وقال ابن عباس: # إنه واد في جهنم يسيل فيه صديد أهل النار، فهو قوله تعالى: " ويل ~~للمطففين " أي الذين ينقصون مكاييلهم وموازينهم. وروى عن ابن عمر قال: ~~المطفف: الرجل يستأجر المكيال PageV19P250 # وهو يعلم أنه يحيف في كيله فوزره عليه. وقال آخرون: التطفيف في الكيل ~~والوزن والوضوء والصلاة والحديث. وفي الموطأ قال مالك: ويقال لكل شئ وفاء ~~وتطفيف. وروى عن سالم ابن أبي الجعد قال: الصلاة بمكيال، فمن أوفى له ومن ~~طفف فقد علمتم ما قال الله عز وجل في ذلك: " ويل للمطففين ". # الثالثة - قال أهل اللغة: المطفف مأخوذ من الطفيف، وهو القليل، والمطفف ~~هو المقل حق صاحبه بنقصانه عن الحق، في كيل أو وزن. وقال الزجاج: إنما قيل ~~للفاعل من هذا مطفف، لأنه لا يكاد يسرق من المكيال والميزان إلا الشئ ~~الطفيف الخفيف، وإنما أخذ من طف الشئ وهو جانبه. وطفاف المكوك وطفافه ~~بالكسر والفتح: ما ملا أصباره، وكذلك طف المكوك وطففه، وفي الحديث: (كلكم ~~بنو آدم طف الصاع لم تملئوه). # وهو أن يقرب أن يمتلئ فلا يفعل، والمعنى بعضكم من بعض قريب، فليس لأحد ~~على أحد فضل إلا بالتقوى. والطفاف والطفافة بالضم: ما فوق المكيال. وإناء ~~طفاف: إذا بلغ المل ء طفافه، تقول منه: أطففت. والتطفيف: نقص المكيال وهو ~~ألا تملأه إلى أصباره، أي جوانبه، يقال: أدهقت الكأس إلى أصبارها أي إلى ~~رأسها. وقول ms6605 ابن عمر حين ذكر النبي صلى الله عليه وسلم سبق الخيل: كنت ~~فارسا يومئذ فسبقت الناس حتى طفف بي الفرس مسجد بني زريق، حتى كاد يساوي ~~المسجد. يعني: وثب بي. # الرابعة - المطفف: هو الذي يخسر في الكيل والوزن، ولا يوفى حسب ما بيناه، ~~وروى ابن القاسم عن مالك: أنه قرأ " ويل للمطففين " فقال: لا تطفف ولا تخلب ~~(1)، ولكن أرسل وصب عليه صبا، حتى إذا استوفى (2) أرسل يدك ولا تمسك. وقال ~~عبد الملك بن الماجشون: # نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مسح الطفاف، وقال: إن البركة في ~~رأسه. قال: # وبلغني أن كيل فرعون كان مسحا بالحديد. # PageV19P251 # قوله تعالى: (الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون) قال الفراء: أي من ~~الناس يقال: اكتلت منك: أي استوفيت منك ويقال اكتلت ما عليك: أي أخذت ما ~~عليك. # وقال الزجاج: أي إذا اكتالوا من الناس استوفوا عليهم الكيل، والمعنى: ~~الذين إذا استوفوا أخذوا الزيادة، وإذا أوفوا أو وزنوا لغيرهم نقصوا، فلا ~~يرضون للناس ما يرضون لأنفسهم. # الطبري: " على " بمعنى عند. # قوله تعالى: (وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون) فيه مسألتان: # الأولى - قوله تعالى: " وإذا كالوهم أو وزنوهم ": أي كالوا لهم أو وزنوا ~~لهم فحذفت اللام، فتعدى الفعل فنصب، ومثله نصحتك ونصحت لك، وأمرتك به ~~وأمرتكه، قاله الأخفش والفراء. قال الفراء: وسمعت أعرابية تقول إذا صدر ~~الناس أتينا التاجر فيكيلنا المد والمدين إلى الموسم المقبل. وهو من كلام ~~أهل الحجاز ومن جاورهم من قيس. قال الزجاج: لا يجوز الوقف على " كالوا " و ~~" وزنوا "؟ حتى تصل به " هم " قال: ومن الناس من يجعلها توكيدا، ويجيز ~~الوقف على " كالوا " و " وزنوا " والأول الاختيار، لأنها حرف واحد. هو قول ~~الكسائي. قال أبو عبيد: وكان عيسى بن عمر يجعلها حرفين، ويقف على " كالوا " ~~و " وزنوا " ويبتدئ " هم يجسرون " قال: وأحسب قراءة حمزة كذلك أيضا. قال ~~أبو عبيد: والاختيار أن يكونا كلمة واحدة من جهتين: إحداهما: الخط، وذلك ~~أنهم كتبوهما بغير ألف، ولو كانتا مقطوعتين لكانتا " كالوا " و " وزنوا " ~~بالألف، والأخرى: ms6606 أنه يقال: كلتك ووزنتك بمعنى كلت لك، ووزنت لك، وهو كلام ~~عربي، كما يقال: # صدتك وصدت لك، وكسبتك وكسبت لك، وكذلك شكرتك ونصحتك ونحو ذلك. قوله: # " يخسرون ": أي ينقصون، والعرب تقول: أخسرت الميزان وخسرته. و (هم) في ~~موضع نصب، على قراءة العامة، راجع إلى الناس، تقديره (وإذا كالوا) الناس ~~(أو وزنوهم يخسرون) وفيه وجهان: أحدهما أن يراد كالوا لهم أو وزنوا لهم، ~~فحذف الجار، وأوصل الفعل، كما قال: # ولقد جنيتك أكمؤا وعساقلا * ولقد نهيتك عن بنات الأوبر PageV19P252 # أراد: جنيت لك، والوجه الآخر: أن يكون على حذف المضاف، وإقامة المضاف ~~إليه مقامه، والمضاف هو المكيل والموزون. وعن ابن عباس رضي الله عنه: إنكم ~~معاشر الأعاجم وليتم أمرين بهما هلك من كان قبلكم: المكيال والميزان. وخص ~~الأعاجم، لأنهم كانوا يجمعون الكيل والوزن جميعا، وكانا مفرقين في الحرمين، ~~كان أهل مكة يزنون، وأهل المدينة يكيلون. وعلى القراءة الثانية " هم " في ~~موضع رفع بالابتداء، أي وإذا كالوا للناس أو وزنوا لهم فهم يخسرون. ولا ~~يصح، لأنه تكون الأولى ملغاة، ليس لها خبر، وإنما كانت تستقيم لو كان ~~بعدها: وإذا كالوا هم ينقصون، أو وزنوا هم يخسرون. # الثانية - قال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم: (خمس بخمس: ما نقض ~~قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوهم، ولا حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا ~~فيهم الفقر، وما ظهرت الفاحشة فيهم إلا ظهر فيهم الطاعون، وما طففوا الكيل ~~إلا منعوا النبات، وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حبس الله عنهم ~~المطر) خرجه أبو بكر البزار بمعناه، ومالك بن أنس أيضا من حديث ابن عمر. ~~وقد ذكرناه في كتاب التذكرة. وقال مالك بن دينار: دخلت على جار لي قد نزل ~~به الموت، فجعل يقول: جبلين من نار! جبلين من نار! فقلت: ما تقول؟ أتهجر؟ ~~(1) قال: يا أبا يحيى، كان لي مكيالان، أكيل بأحدهما، وأكتال بالآخر فقمت ~~فجعلت أضرب أحدهما بالآخر حتى كسرتها فقال: يا أبا يحيى، كلما ضربت أحدهما ~~بالآخر ازداد عظما، فمات من وجعه. ms6607 وقال عكرمة: أشهد على كل كيال أو وزان ~~أنه في النار. قيل له: فإن ابنك كيال أو وزان. فقال: أشهد أنه في النار. ~~قال الأصمعي: وسمعت أعرابية تقول: لا تلتمس المروءة ممن مروءته في رؤوس ~~المكاييل، ولا ألسنة الموازين. وروى ذلك عن علي رضي الله عنه، وقال عبد ~~خير: مر علي رضي الله عنه على رجل وهو يزن الزعفران وقد أرجح، فأكفأ ~~الميزان، ثم قال: أقم الوزن بالقسط، ثم أرجح بعد ذلك ما شئت. كأنه أمره ~~بالتسوية أولا ليعتادها، ويفضل الواجب من النفل. وقال نافع: كان ابن عمر ~~يمر بالبائع فيقول: أتق الله وأوف الكيل # PageV19P253 # والوزن بالقسط، فإن المطففين يوم القيامة يوقفون حتى إن العرق ليلجمهم ~~إلى أنصاف آذانهم. وقد روى أن أبا هريرة قدم المدينة وقد خرج النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلى خيبر واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة، فقال أبو ~~هريرة: فوجدناه في صلاة الصبح فقرأ في الركعة الأولى " كهيعص " وقرأ في ~~الركعة الثانية " ويل للمطففين " قال أبو هريرة: # فأقول في صلاتي: ويل لأبي فلان، كان له مكيالان إذا اكتال اكتال بالوافي، ~~وإذا كال كال بالناقص. # قوله تعالى: ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون (4) ليوم عظيم (5) يوم يقوم ~~الناس لرب العالمين (6) قوله تعالى: (ألا يظن أولئك) إنكار وتعجيب عظيم من ~~حالهم، في الاجتراء على التطفيف، كأنهم لا يخطرون التطفيف ببالهم، ولا ~~يخمنون تخمينا (إنهم مبعوثون) فمسؤولون عما يفعلون. والظن هنا بمعنى ~~اليقين، أي ألا يوقن أولئك، ولو أيقنوا ما نقصوا في الكيل والوزن. وقيل: ~~الظن بمعنى التردد، أي إن كانوا لا يستيقنون بالبعت، فهلا ظنوه، حتى ~~يتدبروا ويبحثوا عنه، ويأخذوا بالأحوط (ليوم عظيم) شأنه وهو يوم القيامة. # قوله تعالى: (يوم يقوم الناس لرب العالمين) فيه أربع مسائل: # الأولى: العامل في " يوم " فعل مضمر، دل عليه " مبعوثون ". والمعنى ~~يبعثون " يوم يقوم الناس لرب العالمين ". ويجوز أن يكون بدلا من يوم في " ~~ليوم عظيم "، وهو مبني. وقيل: هو في موضع خفض، لأنه أضيف إلى غير متمكن. ~~وقيل: هو منصوب على ms6608 الظرف أي في يوم، ويقال: أقم إلى يوم يخرج فلان، فتنصب ~~يوم، فإن أضافوا إلى الاسم فحينئذ يخفضون ويقولون: أقم إلى يوم خروج فلان. ~~وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، التقدير: إنهم مبعوثون يوم يقوم الناس لرب ~~العالمين ليوم عظيم. PageV19P254 # الثانية - وعن عبد الملك بن مروان: أن أعرابيا قال له: قد سمعت ما قال ~~الله تعالى في المطففين، أراد بذلك أن المطففين قد توجه عليهم هذا الوعيد ~~العظيم الذي سمعت به، فما ظنك بنفسك وأنت تأخذ أموال المسلمين بلا كيل ولا ~~وزن. وفي هذا الانكار والتعجيب وكلمة الظن، ووصف اليوم بالعظيم، وقيام ~~الناس فيه لله خاضعين، ووصف ذاته برب العالمين، بيان بليغ لعظم الذنب، ~~وتفاقم الاثم في التطفيف، وفيما كان في مثل حاله من الحيف، وترك القيام ~~بالقسط، والعمل على التسوية والعدل، في كل أخذ وإعطاء، بل في كل قول وعمل. # الثالثة - قرأ ابن عمر: " ويل للمطففين " حتى بلغ " يوم يقوم الناس لرب ~~العالمين " فبكى حتى سقط، وامتنع من قراءة ما بعده، ثم قال: سمعت النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقول (يوم يقوم الناس لرب العالمين، في يوم كان مقداره ~~خمسين ألف سنة، فمنهم من يبلغ العرق كعبيه، ومنهم من يبلغ ركبتيه، ومنهم من ~~يبلغ حقويه، ومنهم من يبلغ صدره، ومنهم من يبلغ أذنيه، حتى إن أحدهم ليغيب ~~في رشحه كما يغيب الضفدع) (1). وروى ناس عن ابن عباس قال: يقومون مقدار ~~ثلاثمائة سنة. قال: ويهون على المؤمنين قدر صلاتهم الفريضة. # وروى عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يقومون ألف ~~عام في الظلة). # وروى مالك عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يوم ~~يقوم الناس لرب العالمين حتى إن أحدهم ليقوم في رشحه إلى أنصاف أذنيه). ~~وعنه أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم: (يقوم مائة سنة). وقال أبو هريرة ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم لبشير الغفاري: (كيف أنت صانع في يوم يقوم ~~الناس فيه مقدار ثلاثمائة سنة لرب العالمين، ms6609 لا يأتيهم فيه خبر، ولا يؤمر ~~فيه بأمر) قال بشير: المستعان الله. # قلت: قد ذكرناه مرفوعا من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # (إنه ليخفف عن المؤمن، حتى يكون أخف عليه من صلاة المكتوبة يصليها في ~~الدنيا) في " سأل سائل " (2) [المعارج: 1]. وعن ابن عباس: يهون على ~~المؤمنين قدر صلاتهم الفريضة. وقيل: # PageV19P255 # إن ذلك المقام على المؤمن كزوال الشمس، والدليل على هذا من الكتاب قوله ~~الحق: " ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون " [يونس: 62] ثم ~~وصفهم فقال: " الذين آمنوا وكانوا يتقون " [يونس: 63] جعلنا الله منهم ~~بفضله وكرمه وجوده. ومنه أمين. وقيل: المراد بالناس جبريل عليه السلام يقوم ~~لرب العالمين، قاله ابن جبير وفيه بعد، لما ذكرنا من الاخبار في ذلك، وهي ~~صحيحة ثابتة، وحسبك بما في صحيح مسلم والبخاري والترمذي من حديث ابن عمر عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم " يوم يقوم الناس لرب الله العالمين " قال: (يقوم ~~أحدهم في رشحه إلى نصف أذنيه). # ثم قيل: هذا القيام يوم يقومون من قبورهم. وقيل: في الآخرة بحقوق عباده ~~في الدنيا. # وقال يزيد الرشك: يقومون بين يديه للقضاء. # الرابعة - القيام لله رب العالمين سبحانه حقير بالإضافة إلى عظمته وحقه، ~~فأما قيام الناس بعضهم لبعض فاختلف فيه الناس، فمنهم من أجازه، ومنهم من ~~منعه. وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قام إلى جعفر بن أبي طالب ~~واعتنقه، وقام طلحة لكعب بن مالك يوم تيب عليه. وقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم للأنصار حين طلع عليه سعد بن معاذ: # (قوموا إلى سيدكم). وقال أيضا: (من سره أن يتمثل له الناس قياما فليتبوأ ~~مقعده من النار). # وذلك يرجع إلى حال الرجل ونيته، فإن أنتظر ذلك وأعتقده لنفسه، فهو ممنوع، ~~وإن كان على طريق البشاشة والوصلة فإنه جائز، وخاصة عند الأسباب، كالقدوم ~~من السفر ونحوه. # وقد مضى في آخر سورة " يوسف " (1) شئ من هذا. # قوله تعالى: كلا إن كتاب الفجار لفي سجين (7) وما أدراك ما سجين (8) كتاب ~~مرقوم ms6610 (9) ويل يومئذ للمكذبين (10) الذين يكذبون بيوم الدين (11) وما يكذب ~~به إلا كل معتد أثيم (12) إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين (13) # PageV19P256 # قوله تعالى: (كلا إن كتاب الفجار لفي سجين) قال قوم من أهل العلم ~~بالعربية: # " كلا " ردع وتنبيه، أي ليس الامر على ما هم عليه من تطفيف الكيل ~~والميزان، أو تكذيب بالآخرة، فليرتدعوا عن ذلك. فهي كلمة ردع وزجر، ثم ~~استأنف فقال: " إن كتاب الفجار ". # وقال الحسن: " كلا " بمعنى حقا. وروى ناس عن ابن عباس " كلا " قال: # ألا تصدقون، فعلى هذا: الوقف " لرب العالمين. وفي تفسير مقاتل: إن أعمال ~~الفجار. # وروى ناس عن ابن عباس قال: إن أرواح الفجار وأعمالهم " لفي سجين ". # وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: سجين صخرة تحت الأرض السابعة، تقلب ~~فيجعل كتاب الفجار تحتها. ونحوه عن ابن عباس وقتادة وسعيد بن جبير ومقاتل ~~وكعب، قال كعب: تحتها أرواح الكفار تحت خد إبليس. وعن كعب أيضا قال: سجين ~~صخرة سوداء تحت الأرض السابعة، مكتوب فيها اسم كل شيطان، تلقى أنفس الكفار ~~عندها. # وقال سعيد بن جبير: سجين تحت خد إبليس. يحيى بن سلام: حجر أسود تحت ~~الأرض، يكتب فيه أرواح الكفار. وقال عطاء الخراساني: هي الأرض السابعة ~~السفلى، وفيها إبليس وذريته. وعن ابن عباس قال: إن الكافر يحضره الموت، ~~وتحضره رسل الله، فلا يستطيعون لبغض الله له وبغضهم إياه، أن يؤخروه ولا ~~يعجلوه حتى تجئ ساعته، فإذا جاءت ساعته قبضوا نفسه، ورفعوه إلى ملائكة ~~العذاب، فأروه ما شاء الله أن يروه من الشر، ثم هبطوا به إلى الأرض ~~السابعة، وهي سجين، وهي آخر سلطان إبليس، فأثبتوا فيها كتابه. وعن كعب ~~الأحبار في هذه الآية قال: إن روح الفاجر إذا قبضت يصعد بها إلى السماء، ~~فتأبى السماء أن تقبلها، ثم يهبط بها إلى الأرض، فتأبى الأرض أن تقبلها، ~~فتدخل في سبع أرضين، حتى ينتهى بها إلى سجين، وهو خد إبليس. فيخرج لها من ~~سجين من تحت خد إبليس رق، فيرقم فيوضع تحت خد إبليس. وقال الحسن: سجين ms6611 في ~~الأرض السابعة. وقيل: هو ضرب مثل وإشارة إلى أن الله تعالى يرد أعمالهم ~~التي ظنوا أنها تنفعهم. قال مجاهد: المعنى عملهم تحت الأرض السابعة لا يصعد ~~منها شئ. وقال: PageV19P257 # سجين صخرة في الأرض السابعة. وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: (سجين جب في جهنم وهو مفتوح) وقال في الفلق: (إنه جب مغطى). وقال أنس: ~~هي دركة في الأرض السفلى. وقال أنس قال النبي صلى الله عليه وسلم: سجين ~~أسفل الأرض السابعة). # وقال عكرمة: (سجين: خسار وضلال، كقولهم لمن سقط قدره: قد زلق بالحضيض. # وقال أبو عبيدة والأخفش والزجاج: " لفي سجين " لفي حبس وضيق شديد، فعيل ~~من السجن، كما يقول: فسيق وشريب، قال ابن مقبل: # ورفقة يضربون البيض ضاحية * ضربا تواصت به الابطال سجينا (1) والمعنى: ~~كتابهم في حبس، جعل ذلك دليلا على خساسة منزلتهم، أو لأنه يحل من الاعراض ~~عنه والابعاد له محل الزجر والهوان. وقيل: أصله سجيل، فأبدلت اللام نونا. ~~وقد تقدم ذلك. وقال زيد بن أسلم: سجين في الأرض السافلة، وسجيل في السماء ~~الدنيا. القشيري: # سجين: موضع في السافلين، يدفن فيه كتاب هؤلاء، فلا يظهر بل يكون في ذلك ~~الموضع كالمسجون. وهذا دليل على خبث أعمالهم، وتحقير الله إياها، ولهذا قال ~~في كتاب الأبرار: # " يشهده المقربون ". " وما أدراك ما سجين " أي ليس ذلك مما كنت تعلمه يا ~~محمد أنت ولا قومك. ثم فسره له فقال: (كتاب مرقوم) أي مكتوب كالرقم في ~~الثوب، لا ينسى ولا يمحى. وقال قتادة: مرقوم أي مكتوب، رقم لهم بشر: لا ~~يزاد فيهم أحد ولا ينقص منهم أحد. وقال الضحاك: مرقوم: مختوم، بلغة حمير، ~~وأصل الرقم: الكتابة، قال: # سأرقم في الماء القراح (3) إليكم * على بعدكم إن كان للماء راقم وليس في ~~قوله: (وما أدراك ما سجين؟) ما يدل على أن لفظ سجين ليس عربيا كما لا يدل ~~في قوله: (القارعة ما القارعة. وما أدراك ما القارعة) بل هو تعظيم لأمر ~~سجين. وقد مضى في مقدمة الكتاب - والحمد لله - أنه ليس ms6612 في القرآن غير عربي. ~~(ويل يومئذ للمكذبين) # PageV19P258 # أي شدة وعذاب يوم القيامة للمكذبين. ثم بين تعالى أمرهم فقال: " الذين ~~يكذبون بيوم الدين " أي بيوم الحساب والجزاء والفصل بين العباد. (وما يكذب ~~به إلا كل معتد أثيم) أي فاجر جائز عن الحق، معتد على الخلق في معاملته ~~إياهم وعلى نفسه، وهو أثيم في ترك أمر الله. وقيل هذا في الوليد بن المغيرة ~~وأبي جهل ونظرائهما لقوله تعالى: (إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير ~~الأولين) وقراءة العامة " تتلى " بتاءين، وقراءة أبي حياة وأبي سماك وأشهب ~~العقيلي والسلمي: " إذا يتلى " بالياء. وأساطير الأولين: أحاديثهم ~~وأباطيلهم التي كتبوها وزخرفوها. وأحدها أسطورة وإسطارة، وقد تقدم. # قوله تعالى: كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون (14) كلا إنهم عن ~~ربهم يومئذ لمحجوبون (15) ثم إنهم لصالوا الجحيم (16) ثم يقال هذا الذي ~~كنتم به تكذبون (17) قوله تعالى: (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون): ~~" كلا ": ردع وزجر، أي ليس هو أساطير الأولين. وقال الحسن: معناها حقا " ~~ران على قلوبهم ". وقيل: في الترمذي: # عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن العبد إذا أخطأ ~~خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإذا هو نزع واستغفر الله وتاب، صقل قلبه، ~~فإن عاد زيد فيها، حتى تعلو على قلبه)، وهو (الران) الذي ذكر الله في ~~كتابه: " كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون "). # قال: هذا حديث حسن صحيح. وكذا قال المفسرون: هو الذنب على الذنب حتى يسود ~~القلب. # قال مجاهد: هو الرجل يذنب الذنب، فيحيط الذنب بقلبه، ثم يذنب الذنب فيحيط ~~الذنب بقلبه، حتى تغشى الذنوب قلبه. قال مجاهد: هي مثل الآية التي في سورة ~~البقرة: " بلى من كسب سيئة " [البقرة: 81] الآية. ونحوه عن الفراء، قال: ~~يقول كثرت المعاصي منهم والذنوب، فأحاطت بقلوبهم، فذلك الرين عليها. وروي ~~عن مجاهد أيضا قال: القلب مثل الكهف ورفع كفه، فإذا أذنب العبد الذنب ~~انقبض، وضم إصبعه، فإذا أذنب الذنب انقبض، وضم # PageV19P259 # أخرى، حتى ضم أصابعه كلها، حتى يطبع على ms6613 قلبه. قال: وكانوا يرون أن ذلك ~~هو الرين، ثم قرأ: " كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ". ومثله عن ~~حذيقة رضي الله عنه سواء. وقال بكر بن عبد الله: إن العبد إذا أذنب صار في ~~قلبه كوخزة الإبرة، ثم صار إذا أذنب ثانيا صار كذلك، ثم إذا كثرت الذنوب ~~صار القلب كالمنخل، أو كالغربال، لا يعي خيرا، ولا يثبت فيه صلاح. وقد بينا ~~في " البقرة " (1) القول في هذا المعنى بالاخبار الثابتة عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فلا معنى لإعادتها. وقد روى عبد الغني بن سعيد عن موسى ابن ~~عبد الرحمن عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس، وعن موسى عن مقاتل عن الضحاك ~~عن ابن عباس شيئا الله أعلم بصحته، قال: هو الران الذي يكون على الفخذين ~~والساق والقدم، وهو الذي يلبس في الحرب. قال: وقال آخرون: الران: الخاطر ~~الذي يخطر بقلب الرجل. وهذا مما لا يضمن عهدة صحته. فالله أعلم. فأما عامة ~~أهل التفسير فعلى ما قد مضى ذكره قبل هذا. وكذلك أهل اللغة عليه، يقال: ران ~~على قلبه ذنبه يرين رينا وريونا أي غلب. قال أبو عبيدة في قوله: " كلا بل ~~ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون " أي غلب، وقال أبو عبيد: كل ما غلبك ~~[وعلاك] (2) فقد ران بك، ورانك، وران عليك، وقال الشاعر: # وكم ران من ذنب على قلب فاجر * فتاب من الذنب الذي ران وانجلى ورانت ~~الخمر على عقله: أي غلبته، وران عليه النعاس: إذا غطاه، ومنه قول عمر في ~~الأسيفع - أسيفع جهينة -: فأصبح قد رين به (3). أي غلبته الديون، وكان ~~يدان، ومنه قول أبي زبيد يصف رجلا شرب حتى غلبه الشراب سكرا، فقال: # ثم لما رآه رانت به الخمر * وأن لا ترينه باتقاء (4) فقول: رانت به ~~الخمر، أي غلبت على عقله وقلبه. وقال الأموي: قد أران القوم فهم مرينون: # إذا هلكت مواشيهم وهزلت. وهذا من الامر الذي أتاهم مما يغلبهم، فلا ~~يستطيعون احتماله. # قال أبو زيد يقال: قد رين بالرجل رينا: ms6614 إذا وقع فيما لا يستطيع الخروج ~~منه، ولا قبل له # PageV19P260 # وقال. أبو معاذ النحوي: الرين: أن يسود القلب من الذنوب، والطبع أن يطبع ~~على القلب، وهذا أشد من الرين، والاقفال أشد من الطبع. الزجاج: الرين: هو ~~كالصدأ يغشى القلب كالغيم الرقيق، ومثله الغين، يقال: غين على قلبه: غطى. ~~والغين: شجر ملتف، الواحدة غيناء، أي خضراء، كثيره الورق، ملتفة الأغصان. ~~وقد تقدم قول الفراء أنه إحاطة الذنب بالقلوب. وذكر الثعلبي عن ابن عباس: " ~~ران على قلوبهم ": أي غطى عليها. # وهذا هو الصحيح عنه إن شاء الله. وقرأ حمزة والكسائي والأعمش وأبو بكر ~~والمفضل " ران " بالإمالة، لان فاء الفعل الراء، وعينه الألف منقلبة من ~~ياء، فحسنت الإمالة لذلك. # ومن فتح فعلى الأصل، لان باب فاء الفعل في (فعل) الفتح، مثل كال وباع ~~ونحوه. واختاره أبو عبيد وأبو حاتم ووقف حفص " بل " ثم يبتدئ " ران " وقفا ~~يبين اللام، لا للسكت. # قوله تعالى: (كلا إنهم) أي حقا " إنهم " يعني الكفار (عن ربهم يومئذ) أي ~~يوم القيامة (لمحجوبون). وقيل: " كلا " ردع وزجر، أي ليس كما يقولون، بل " ~~إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ". قال الزجاج: في هذه الآية دليل على أن الله ~~عز وجل يرى في القيامة، ولولا ذلك ما كان في هذه الآية فائدة، ولا خست ~~منزله الكفار بأنهم يحجبون. وقال جل ثناؤه: " وجوه يومئذ ناضرة، إلى ربها ~~ناظرة " [القيامة: 22 - 23] فأعلم الله جل ثناؤه أن المؤمنين ينظرون إليه، ~~وأعلم أن الكفار محجوبون عنه، وقال مالك بن أنس في هذه الآية: لما حجب ~~أعداءه فلم يروه تجلى لأوليائه حتى رأوه. وقال الشافعي: لما حجب قوما ~~بالسخط، دل على أن قوما يرونه بالرضا. ثم قال: أما والله لو لم يوقن محمد ~~بن إدريس أنه يرى ربه في المعاد لما عبده في الدنيا. وقال الحسين بن الفضل: ~~لما حجبهم في الدنيا عن نور توحيده حجبهم في الآخرة عن رؤيته. وقال مجاهد ~~في قوله تعالى: " لمحجوبون ": أي عن كرامته ورحمته ممنوعون. وقال قتادة: هو ~~أن الله لا ينظر ms6615 إليهم برحمته، ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم. # وعلى الأول الجمهور، وأنهم محجوبون عن رؤيته فلا يرونه. (ثم إنهم لصالو ~~الجحيم) أي # PageV19P261 # ملازموها، ومحترفون فيها غير خارجين منها، " كلما نضجت جلودهم بدلناهم ~~جلودا غيرها [النساء: 56] " و " كلما خبت زدناهم سعيرا " [الاسراء: 97]. ~~ويقال: الجحيم الباب الرابع من النار. (ثم يقال) لهم أي تقول لهم خزنة جهنم ~~(هذا الذي كنتم به تكذبون) رسل الله في الدنيا. # قوله تعالى: كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين (18) وما أدراك ما عليون (19) ~~كتاب مرقوم (20) يشهده المقربون (21) قوله تعالى: (كلا إن كتاب الأبرار لفي ~~عليين) " كلا " بمعنى حقا، والوقف على " تكذبون ". وقيل أي ليس الامر كما ~~يقولون ولا كما ظنوا بل كتابهم في سجين، وكتاب المؤمنين في عليين. وقال ~~مقاتل: كلا، أي لا يؤمنون بالعذاب الذي يصلونه. ثم أستأنف فقال: " إن كتاب ~~الأبرار " مرفوع في عليين على قدر مرتبتهم. قال ابن عباس: أي في الجنة. ~~وعنه أيضا قال: أعمالهم في كتاب الله في السماء. وقال الضحاك ومجاهد ~~وقتادة: # يعني السماء السابعة فيها أرواح المؤمنين. وروى ابن الأجلح عن الضحاك ~~قال: هي سدرة المنتهى، ينتهي إليها كل شئ من أمر الله لا يعدوها، فيقولون: ~~رب! عبدك فلان، وهو أعلم به منهم، فيأتيه كتاب من الله عز وجل مختوم بأمانه ~~من العذاب. فذلك قوله تعالى: # " كلا إن كتاب الأبرار ". وعن كعب الأحبار قال: إن روح المؤمن إذا قبضت ~~صعد بها إلى السماء، وفتحت لها أبواب السماء، وتلقتها الملائكة بالبشرى، ثم ~~يخرجون معها حتى ينتهوا إلى العرش، فيخرج لهم من تحت العرش، رق فيرقم ويختم ~~فيه النجاة من الحساب يوم القيامة ويشهده المقربون. وقال قتادة أيضا: " في ~~عليين " هي فوق السماء السابعة عند قائمة العرش اليمنى. وقال البراء بن ~~عازب قال النبي صلى الله عليه وسلم: عليون في السماء السابعة تحت العرش). ~~وعن ابن عباس أيضا: هو لوح من زبرجدة خضراء معلق بالعرش، أعمالهم مكتوبة ~~فيه. وقال الفراء: عليون ارتفاع بعد ارتفاع. وقيل: عليون أعلى الأمكنة. ~~وقيل: معناه علو في علو ms6616 مضاعف، كأنه لا غاية له، ولذلك جمع بالواو والنون. # وهو معنى قول الطبري. قال الفراء: هو اسم موضوع على صفة الجمع، ولا واحد ~~له من PageV19P262 # لفظة، كقولك: عشرون وثلاثون، والعرب إذا جمعت جمعا ولم يكن له بناء من ~~واحده ولا تثنية، قالوا في المذكر والمؤنث بالنون. وهي معنى قول الطبري. ~~وقال الزجاج: إعراب هذا الاسم كإعراب الجمع، كما تقول: هذه قنسرون، ورأيت ~~قنسرين. وقال يونس النحوي وأحدها: علي وعلية. وقال أبو الفتح: عليين: جمع ~~على، وهو فعيل من العلو. وكان سبيله أن يقول علية كما قالوا للغرفة علية، ~~لأنها من العلو، فلما حذف التاء من علية عوضوا منها الجمع بالواو والنون، ~~كما قالوا في أرضين. وقيل: إن عليين صفة للملائكة، فإنهم الملأ الأعلى ، ~~كما يقال: فلان في بني فلان، أي هو في جملتهم وعندهم. والذي في الخبر من ~~حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن أهل عليين لينظرون ~~إلى الجنة من كذا، فإذا أشرف رجل من أهل عليين أشرقت الجنة لضياء وجهه، ~~فيقولون: ما هذا النور؟ # فيقال أشرف رجل من أهل عليين الأبرار أهل الطاعة والصدق). وفي خبر آخر: ~~(إن أهل الجنة ليرون أهل عليين كما يرى الكوكب الدري في أفق السماء) يدل ~~على أن عليين اسم الموضع المرتفع. وروى ناس عن ابن عباس في قوله " عليين " ~~قال: أخبر أن أعمالهم وأرواحهم في السماء الرابعة. ثم قال: (وما أدراك ما ~~عليون) أي ما الذي أعلمك يا محمد أي شئ عليون؟ على جهة التفخيم والتعظيم له ~~في المنزلة الرفيعة. ثم فسره له فقال: " كتاب مرقوم يشهده المقربون ". ~~وقيل: إن (كتاب مرقوم) ليس تفسيرا لعليين، بل تم الكلام عند قوله " عليون " ~~ثم ابتدأ وقال: " كتاب مرقوم " أي كتاب الأبرار كتاب مرقوم ولهذا عكس الرقم ~~في كتاب الفجار، قاله القشيري. وروي: أن الملائكة تصعد بعمل العبد، ~~فيستقبلونه (1) فإذا انتهوا به إلى ما شاء الله من سلطانه أوحى إليهم: إنكم ~~الحفظة على عبدي، وأنا الرقيب على ما في قلبه، ms6617 وإنه أخلص لي عمله، فاجعلوه ~~في عليين، فقد غفرت له، وإنها لتصعد بعمل العبد، فيتركونه فإذا انتهوا به ~~إلى ما شاء الله أوحى إليهم: أنتم الحفظة على عبدي وأنا الرقيب على ما في ~~قلبه، وإنه لم يخلص لي عمله، فاجعلوه في سجين. # PageV19P263 # قوله تعالى: (يشهده المقربون) أي يشهد عمل الأبرار مقربو كل سماء من ~~الملائكة. # وقال وهب وابن إسحاق: المقربون هنا إسرافيل عليه السلام، فإذا عمل المؤمن ~~عمل البر، صعدت الملائكة بالصحيفة وله نور يتلألأ في السماوات كنور الشمس ~~في الأرض، حتى ينتهي بها إلى إسرافيل، فيختم عليها ويكتب فهو قوله: " يشهده ~~المقربون " أي يشهد كتابتهم. # قوله تعالى: إن الأبرار لفي نعيم (22) على الأرائك ينظرون (23) تعرف في ~~وجوههم نضرة النعيم (24) يسقون من رحيق مختوم (25) ختامه مسك وفي ذلك ~~فليتنافس المتنافسون (26) ومزاجه من تسنيم (27) عينا يشرب بها المقربون ~~(28) قوله تعالى: (إن الأبرار) أي أهل الصدق والطاعة. (لفي نعيم) أي نعمة، ~~والنعمة بالفتح: التنعيم، يقال: نعمه الله وناعمه فتنعم وامرأة منعمة ~~ومناعمة بمعنى. أي إن الأبرار في الجنات يتنعمون. (على الأرائك) وهي الأسرة ~~في الحجال (ينظرون) أي إلى ما أعد الله لهم من الكرامات، قاله عكرمة وابن ~~عباس ومجاهد. وقال مقاتل: ينظرون إلى أهل النار. وعن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: (ينظرون إلى أعدائهم في النار) ذكره المهدوي. # وقيل: على أرائك أفضاله ينظرون إلى وجهه وجلاله. # قوله تعالى: (تعرف في وجوههم نضرة النعيم) أي بهجته وغضارته ونوره، يقال: # نضر النبات: إذا أزهر ونور. وقراءة العامة " تعرف " بفتح التاء وكسر ~~الراء " نضرة " نصبا، أي تعرف يا محمد. وقرأ أبو جعفر بن القعقاع ويعقوب ~~وشيبة وابن أبي إسحاق: # " تعرف " بضم التاء وفتح الراء على الفعل المجهول " نضرة " رفعا. (يسقون ~~من رحيق) أي من شراب لا غش فيه. قاله الأخفش والزجاج. وقيل، الرحيق الخمر ~~الصافية. # وفي الصحاح: الرحيق صفوة الخمر. والمعنى واحد. الخليل: أقصى (1) الخمر ~~وأجودها. وقال مقاتل وغيره: هي الخمر العتيقة البيضاء الصافية من الغش ~~النيرة، قال حسان: # PageV19P264 # يسقون من ورد البريص عليهم * بردي ms6618 يصفق بالرحيق السلسل (1) وقال آخر (2): # أم لا سبيل إلى الشباب وذكره * أشهى إلي من الرحيق السلسل (مختوم ختامه ~~مسك) قال مجاهد: يختم به آخر جرعة. وقيل: المعنى إذا شربوا هذا الرحيق ففنى ~~ما في الكأس، انختم ذلك بخاتم المسك. وكان ابن مسعود يقول: يجدون عاقبتها ~~طعم المسك. ونحوه عن سعيد بن جبير وإبراهيم النخعي قالا: ختامه آخر طعمه. ~~وهو حسن، لان سبيل الأشربة أن يكون الكدر في آخرها، فوصف شراب أهل الجنة ~~بأن رائحة آخره رائحة المسك. وعن مسروق عن عبد الله قال: المختوم الممزوج. ~~وقيل: مختوم أي ختمت ومنعت عن أن يمسها ماس إلى أن يفك ختامها الأبرار. ~~وقرأ علي وعلقمة وشقيق والضحاك وطاوس والكسائي " خاتمه " بفتح الخاء والتاء ~~وألف بينهما. قاله علقمة: # أما رأيت المرأة تقول للعطار: أجعل خاتمه مسكا، تريد آخره. والخاتم ~~والختام متقاربان في المعنى، إلا أن الخاتم الاسم، والختام المصدر، قاله ~~الفراء. وفي الصحاح: والختام: الطين الذي يختم به. وكذا قال مجاهد وابن ~~زيد: ختم إناؤه بالمسك بدلا من الطين. حكاه المهدوي. وقال الفرزدق: # * وبت أفض أغلاق الختام (3) * وقال الأعشى: # * وأبرزها وعليها ختم (4) * أي عليها طينة مختومة، مثل نفض بمعنى منفوض، ~~وقبض بمعنى مقبوض. وذكر ابن المبارك وابن وهب، واللفظ لابن وهب، عن عبد ~~الله بن مسعود في قوله تعالى: " ختامه مسك ": # خلطه، ليس بخاتم يختم، ألا ترى إلى قول المرأة من نسائكم: إن خلطه من ~~الطيب كذا وكذا. # PageV19P265 # إنما خلطه مسك، قال: شراب أبيض مثل الفضة يختمون به آخر أشربتهم، لو أن ~~رجلا من أهل الدنيا أدخل فيه يده ثم أخرجها، لم يبق ذو روح إلا وجد ريح ~~طيبها. وروى أبي بن كعب قال: قيل يا رسول الله ما الرحيق المختوم؟ قال: ~~(غدران الخمر). وقيل: # مختوم في الآنية، وهو غير الذي يجري في الأنهار. فالله أعلم. (وفط ذلك) ~~أي وفي الذي وصفناه من أمر الجنة (فليتنافس المتنافسون) أي فليرغب الراغبون ~~يقال: نفست عليه الشئ أنفسه نفاسة: أي ضننت به، ولم أحب أن يصير إليه. ms6619 ~~وقيل: الفاء بمعنى إلى، أي وإلى ذلك فليتبادر المتبادرون في العمل، نظيره: ~~" لمثل هذا فليعمل العاملون ". (ومزاجه) أي ومزاج ذلك الرحيق (من تسنيم) ~~وهو شراب ينصب عليهم من علو، وهو أشرف شراب في الجنة. وأصل التسنيم في ~~اللغة: الارتفاع فهي عين ماء تجري من علو إلى أسفل، ومنه سنام البعير لعلوه ~~من بدنه، وكذلك تسنيم القبور. وروي عن عبد الله قال: تسنيم عين في الجنة ~~يشرب بها المقربون صرفا، ويمزج منها كأس أصحاب اليمين فتطيب. وقال ابن عباس ~~في قوله عز وجل: " ومزاجه من تسنيم " قال: هذا مما قال الله تعالى: " فلا ~~تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين " [السجدة: 17]. وقيل: التسنيم عين تجري ~~في الهواء بقدرة الله تعالى، فتنصب في أواني أهل الجنة على قدر مائها، فإذا ~~امتلأت أمسك الماء، فلا تقع منه قطرة على الأرض، ولا يحتاجون إلى الاستقاء، ~~قاله قتادة، ابن زيد: بلغنا أنها عين تجري من تحت العرش. # وكذا في مراسيل الحسن. وقد ذكرناه في سورة " الانسان " (1). (عينا يشرب ~~بها المقربون) أي يشرب منها أهل جنة عدن، وهم أفاضل أهل الجنة، صرفا، وهي ~~لغيرهم مزاج. و " عينا " نصب على المدح. وقال الزجاج: نصب على الحال من ~~تسنيم، وتسنيم معرفة، ليس يعرف له اشتقاق، وإن جعلته مصدرا مشتقا من السنام ~~ف‍ " - عينا " نصب، لأنه مفعول به، كقوله تعالى: " أو إطعام في يوم ذي ~~مسغبة. يتيما " [البلد: 14 - 15] وهذا قول الفراء إنه منصوب بتسنيم. وعند ~~الأخفش ب‍ " - يسقون " أي يسقون عينا أو من عين. وعند المبرد بإضمار أعني ~~على المدح. # PageV19P266 # قوله تعالى: إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون (29) وإذا مروا ~~بهم يتغامزون (30) وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين (31) وإذا رأوهم ~~قالوا إن هؤلاء لضالون (32) وما أرسلوا عليهم حافظين (33) فاليوم الذين ~~آمنوا من الكفار يضحكون (34) على الأرائك ينظرون (35) هل ثوب الكفار ما ~~كانوا يفعلون (36) قوله تعالى: (إن الذين أجرموا) وصف أرواح الكفار في ~~الدنيا مع المؤمنين باستهزائهم بهم والمراد رؤساء قريش من أهل الشرك. روى ~~ناس ms6620 عن ابن عباس قال: # هو الوليد بن المغيرة، وعقبة بن أبي معيط، والعاص بن وائل، والأسود بن ~~عبد يغوث، والعاص ابن هشام، وأبو جهل، والنضر بن الحارث، وأولئك (كانوا من ~~الذين آمنوا) من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم مثل عمار، وخباب وصهيب ~~وبلال (يضحكون) على وجه السخرية. # (وإذا مروا بهم) عند إتيانهم رسول الله صلى الله عليه وسلم (يتغامزون): ~~يغمز بعضهم بعضا، ويشيرون بأعينهم. وقيل: أي يعيرونهم بالاسلام ويعيبونهم ~~به يقال: غمزت الشئ بيدي، قال: # وكنت إذا غمزت قناة قوم * كسرت كعوبها أو تستقيما وقالت عائشة: كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم إذا سجد غمزني، فقبضت رجلي. الحديث، وقد مضى في " ~~النساء " (1). وغمزته بعيني. وقيل: الغمز: بمعنى العيب، يقال غمزه: أي ~~عابه، وما في فلان غمزة أي عيب. وقال مقاتل: نزلت في علي بن أبي طالب جاء ~~في نفر من المسلمين إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلمزهم المنافقون، وضحكوا ~~عليهم وتغامزوا. (وإذا انقلبوا) أي انصرفوا إلى أهلهم وأصحابهم وذويهم ~~(انقلبوا فكهين) أي معجبين منهم. # وقيل: معجبون بما هم عليه من الكفر، متفكهون بذكر المؤمنين. وقرأ ابن ~~القعقاع وحفص والأعرج والسلمي: " فكهين " بغير ألف. الباقون بألف. قال ~~الفراء: هما لغتان مثل # PageV19P267 # طمع وطامع وحذر وحاذر، وقد تقدم في سورة " الدخان " (1) والحمد لله. ~~وقيل: الفكه: الأشر البطر والفاكه: الناعم المتنعم. (وإذا رأوهم) أي إذا ~~رأى هؤلاء الكفار أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم (قالوا إن هؤلاء لضالون) ~~في اتباعهم محمدا صلى الله عليه وسلم (وما أرسلوا عليهم حافظين) لاعمالهم، ~~موكلين بأحوالهم، رقباء عليهم). (فاليوم) يعني هذا اليوم الذي هو يوم ~~القيامة (الذين آمنوا) بمحمد صلى الله عليه وسلم (من الكفار يضحكون) كما ~~ضحك الكفار منهم في الدنيا. نظيره في آخر سورة " المؤمنين " (2) وقد تقدم. ~~وذكر ابن المبارك: # أخبرنا محمد بن بشار عن قتادة في قوله تعالى: " فاليوم الذين آمنوا من ~~الكفار يضحكون " قال: ذكر لنا أن كعبا كان يقول إن بين الجنة والنار كوى، ~~فإذا أراد المؤمن أن ينظر إلى ms6621 عدو كان له في الدنيا اطلع من بعض الكوى، قال ~~الله تعالى في آية أخرى: " فاطلع فرآه في سواء الجحيم " [الصافات: 55] قال: ~~ذكر لنا أنه أطلع فرأى جماجم القوم تغلي. وذكر ابن المبارك أيضا: أخبرنا ~~الكلبي عن أبي صالح في قوله تعالى: " الله يستهزئ بهم " [البقرة: 15] قال: ~~يقال لأهل النار وهم في النار: اخرجوا، فتفتح لهم أبواب النار، فإذا رأوها ~~قد فتحت أقبلوا إليها يريدون الخروج، والمؤمنون ينظرون إليهم على الأرائك، ~~فإذا انتهوا إلى أبوابها غلقت دونهم، فذلك قوله " الله يستهزئ بهم " ~~[البقرة: 15] ويضحك منهم المؤمنون حين غلقت دونهم فذلك قوله تعالى: # " فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون ". (على الأرائك ينظرون. هل ثوب ~~الكفار ما كانوا يفعلون) وقد مضى هذا في أول سورة " البقرة " (3). ومعنى " ~~هل ثوب " أي هل جوزي بسخريتهم في الدنيا بالمؤمنين إذا فعل بهم ذلك. وقيل: ~~إنه متعلق ب‍ " - ينظرون " أي ينظرون: هل جوزي الكفار؟ فيكون معنى هل ~~[التقرير] وموضعها نصبا ب‍ " - ينظرون ". # وقيل: استئناف لا موضع له من الاعراب. وقيل: هو إضمار على القول، ~~والمعنى، يقول بعض المؤمنين لبعض: " هل ثوب الكفار " أي أثيب وجوزي. وهو من ~~ثاب يثوب أي رجع، فالثواب ما يرجع على العبد في مقابلة عمله، ويستعمل في ~~الخير والشر. # ختمت السورة والله أعلم. # PageV19P268 # سورة الانشقاق مكية في قول الجميع وهي خمس وعشرون آية بسم الله الرحمن ~~الرحيم قوله تعالى: إذا السماء انشقت (1) وأذنت لربها وحقت (2) وإذا الأرض ~~مدت (3) وألقت ما فيها وتخلت (4) وأذنت لربها وحقت (5) قوله تعالى: (وإذا ~~السماء انشقت) أي انصدعت، وتفطرت بالغمام، والغمام مثل السحاب الأبيض. وكذا ~~روى أبو صالح عن ابن عباس. وروى عن علي عليه السلام قال: تشق من المجرة. ~~وقال: المجرة باب السماء. وهذا من أشراط الساعة وعلاماتها. # (وأذنت لربها وحقت) أي سمعت، وحق لها أن تسمع. روى معناه عن ابن عباس ~~ومجاهد وغيرهما، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: " ما أذن الله لشئ كأذنه ~~لنبي يتغنى بالقرآن " أي ما استمع الله لشئ قال الشاعر: # صم إذا ms6622 سمعوا خيرا ذكرت به * وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا أي سمعوا. وقال ~~قعنب ابن أم صاحب: # إن يأذنوا ريبة طاروا بها فرحا * وما هم أذنوا من صالح دفنوا وقيل: ~~المعنى وحقق الله عليها الاستماع لامره بالانشقاق. وقال الضحاك: حقت: ~~أطاعت، وحق لها أن تطيع ربها، لأنه خلقها، يقال: فلان محقوق بكذا. وطاعة ~~السماء: بمعنى أنها لا تمتنع مما أراد الله بها، ولا يبعد خلق الحياة فيها ~~حتى تطيع وتجيب. وقال قتادة: حق لها أن تفعل ذلك، ومنه قول كثير: # فإن تكن العتبى فأهلا ومرحبا * وحقت لها العتبى لدينا وقلت PageV19P269 # قوله تعالى: (وإذا الأرض مدت) أي بسطت ودكت جبالها. قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: (تمد مد الأديم) لان الأديم إذا مد زال كل انثناء فيه وامتد ~~واستوى. قال ابن عباس وابن مسعود: ويزاد وسعتها كذا وكذا، لوقوف الخلائق ~~عليها للحساب حتى لا يكون لاحد من البشر إلا موضع قدمه، لكثرة الخلائق ~~فيها. وقد مضى في سورة " إبراهيم " (1) أن الأرض تبدل بأرض أخرى وهي ~~الساهرة في قول ابن عباس على ما تقدم عنه (2). # (وألقت ما فيها وتخلت) أي أخرجت أمواتها، وتخلت عنهم. وقال ابن جبير: ~~ألقت ما في بطنها من الموتى، وتخلت ممن على ظهرها من الاحياء. وقيل: ألقت ~~ما في بطنها من كنوزها ومعادنها، وتخلت منها. أي خلا جوفها، فليس في بطنها ~~شئ، وذلك يؤذن بعظم الامر، كما تلقى الحامل ما في بطنها عند الشدة. وقيل: ~~تخلت مما على ظهرها من جبالها وبحارها. # وقيل: ألقت ما استودعت، وتخلت مما استحفظت، لان الله تعالى استودعها ~~عباده أحياء وأمواتا، واستحفظها بلاده مزارعة وأقواتا. (وأذنت لربها) أي في ~~إلقاء موتاها (وحقت) أي وحق لها أن تسمع أمره. وأختلف في جواب " إذا " فقال ~~الفراء: " أذنت ". # والواو زائدة، وكذلك " وألقت ". ابن الأنباري: قال بعض المفسرين: جواب " ~~إذا السماء انشقت " " أذنت "، وزعم أن الواو مقحمة وهذا غلط، لان العرب لا ~~تقحم الواو إلا مع " حتى - إذا " كقوله تعالى: " حتى إذا جاءوها وفتحت ~~أبوابها " [الزمر: 71] ومع " لما ms6623 " كقوله تعالى: " فلما أسلما وتله للجبين. ~~وناديناه " [الصافات: 103 - 104] معناه " ناديناه " والواو لا تقحم مع غير ~~هذين. # وقيل: الجواب فاء مضمرة كأنه قال: " إذا السماء انشقت " فيا أيها الانسان ~~إنك كادح. # وقيل: جوابها ما دل عليه " فملاقيه " أي إذا السماء انشقت لاقى الانسان ~~كدحه. وقيل: فيه تقديم وتأخير، أي " يا أيها الانسان إنك كادح إلى ربك كدحا ~~فملاقيه " " إذا السماء انشقت ". # قاله المبرد. وعنه أيضا: الجواب " فأما من أوتي كتابه بيمينه " وهو قول ~~الكسائي، أي إذا السماء انشقت فمن أوتي كتابه بيمينه فحكمه كذا. قال أبو ~~جعفر النحاس: وهذا أصح # PageV19P270 # ما قيل فيه وأحسنه. قيل: هو بمعنى أذكر " إذا السماء انشقت ". وقيل: ~~الجواب محذوف لعلم المخاطبين به، أي إذا كانت هذه الأشياء علم المكذبون ~~بالبعث ضلالتهم وخسرانهم. وقيل: تقدم منهم سؤال عن وقت القيامة، فقيل لهم: ~~إذا ظهرت أشراطها كانت القيامة، فرأيتم عاقبة تكذيبكم بها. والقرآن كالآية ~~الواحدة في دلالة البعض على البعض. # وعن الحسن: إن قوله " إذا السماء انشقت " قسم. والجمهور على خلاف قوله من ~~أنه خبر وليس بقسم. # قوله تعالى: يا أيها الانسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه (6) فأما من ~~أوتى كتابه بيمنه (7) فسوف يحاسب حسابا يسيرا (8) وينقلب إلى أهله مسرورا ~~(9) قوله تعالى: (يا أيها الانسان إنك كادح إلى ربك كدحا) المراد بالانسان ~~الجنس أي يا ابن آدم. وكذا روى سعيد عن قتادة: يا ابن آدم، إن كدحك لضعيف، ~~فمن استطاع أن يكون كدحه في طاعة الله فليفعل ولا قوة إلا بالله. وقيل: هو ~~معين، قال مقاتل: يعني الأسود بن عبد الأسد. ويقال: يعني أبي بن خلف. ~~ويقال: يعني جميع الكفار، أيها الكافر إنك كادح. والكدح في كلام العرب: ~~العمل والكسب، قال ابن مقبل: # وما الدهر إلا تارتان فمنهما * أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح وقال آخر: # ومضت بشاشة كل عيش صالح * وبقيت أكدح للحياة وأنصب أي أعمل. وروى الضحاك ~~عن ابن عباس: " إنك كادح " أي راجع " إلى ربك كدحا أي رجوعا لا محالة ~~(فملاقيه) أي ملاق ربك. ms6624 وقيل: ملاق عملك. القتبي " إنك كادح " أي عامل ناصب ~~في معيشتك إلى لقاء ربك. والملاقاة بمعنى اللقاء أن تلقى ربك بعملك. # وقيل أي تلاقي كتاب عملك، لان العمل قد انقضى ولهذا قال: (فأما من أوتى ~~كتابه بيمينه). PageV19P271 # قوله تعالى: " فأما من أوتي كتابه بيمينه " وهو المؤمن (فسوف يحاسب حسابا ~~يسيرا) لا مناقشة فيه. كذا روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث ~~عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من حوسب يوم القيامة عذب) ~~قالت: فقلت يا رسول الله أليس قد قال الله " فأما من أوتي كتابه بيمينه ~~فسوف يحاسب حسابا يسيرا " فقال: " ليس ذاك الحساب، إنما ذلك العرض، من نوقش ~~الحساب يوم القيامة عذب) أخرجه البخاري ومسلم والترمذي. وقال حديث حسن ~~صحيح. (وينقلب إلى أهله مسرورا) أزواجه في الجنة من الحور العين " مسرورا " ~~أي مغتبطا قرير العين. ويقال إنها نزلت في أبي سلمة ابن عبد الأسد، هو أول ~~من هاجر من مكة إلى المدينة. وقيل: إلى أهله الذين كانوا له في الدنيا، ~~ليخبرهم بخلاصه وسلامته. والأول قول قتادة. أي إلى أهله الذين قد أعدهم ~~الله له في الجنة. # قوله تعالى: وأما من أوتى كتابه وراء ظهره (10) فسوف يدعوا ثبورا (11) ~~ويصلى سعيرا (12) إنه كان في أهله مسرورا (13) إنه ظن أن لن يحور (14) بلى ~~إن ربه كان به بصيرا (15) قوله تعالى: (واما من أوتى كتابه وراء ظهره) نزلت ~~في الأسود بن عبد الأسد أخي أبي سلمة قاله ابن عباس. ثم هي عامة في كل مؤمن ~~وكافر. قال ابن عباس: يمد يده اليمنى ليأخذ كتابه فيجذبه ملك، فيخلع يمينه، ~~فيأخذ كتابه بشماله من وراء ظهره. وقال قتادة ومقاتل: يفك ألواح صدره ~~وعظامه ثم تدخل يده وتخرج من ظهره، فيأخذ كتابه كذلك. # (فسوف يدعو ثبورا) أي بالهلاك فيقول: يا ويلاه، يا ثبوراه. (ويصلى سعيرا) ~~أي ويدخل النار حتى يصلى بحرها. وقرأ الحرميان وابن عامر والكسائي " ويصلى ~~" بضم الياء وفتح الصاد، وتشديد اللام، كقوله تعالى: " ثم الجحيم صلوه " ~~[الحاقة: 31] وقوله: ms6625 " وتصلية جحيم " [الواقعة: 94]. # الباقون " ويصلى " بفتح الياء مخففا، فعل لازم غير متعد، لقوله: " إلا من ~~هو صال الجحيم " [الصافات: 163] وقوله: " يصلى النار الكبرى " [الاعلى: 12] ~~وقوله: " ثم إنهم لصالوا الجحيم " [المطففين: 16]. وقراءة ثالثة رواها أبان ~~PageV19P272 # عن عاصم وخارجة عن نافع وإسماعيل المكي عن ابن كثير " ويصلى " بضم الياء ~~وإسكان الصاد وفتح اللام مخففا، كما قرئ " وسيصلون " بضم الياء، وكذلك في " ~~الغاشية " قد قرئ أيضا: " تصلى نارا " وهما لغتان صلى وأصلي، كقوله: " نزل. ~~وأنزل ". (إنه كان في أهله) أي في الدنيا (مسرورا) قال ابن زيد: وصف الله ~~أهل الجنة بالمخافة والحزن والبكاء والشفقة في الدنيا فأعقبهم به النعيم ~~والسرور في الآخرة، وقرأ قول الله تعالى: # " إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم ". ~~قال: ووصف أهل النار بالسرور في الدنيا والضحك فيها والتفكه. فقال: " إنه ~~كان في أهله مسرورا " (إنه ظن أن لن يحور) أي لن يرجع حيا مبعوثا فيحاسب، ~~ثم يثاب أو يعاقب. يقال: حار يحور إذا رجع، قال لبيد: # وما المرء إلا كالشهاب وضوئه * يحور رمادا بعد إذا هو ساطع وقال عكرمة ~~وداود بن أبي هند، يحور كلمة بالحبشية، ومعناها يرجع. ويجوز أن تتفق ~~الكلمتان فإنهما كلمة اشتقاق، ومنه الخبز الحوارى، لأنه يرجع إلى البياض. ~~وقال ابن عباس: ما كنت أدري: ما يحور؟ حتى سمعت أعرابية تدعو بنية لها: ~~حوري، أي ارجعي إلي، فالحور في كلام العرب الرجوع، ومنه قوله عليه السلام: ~~" اللهم إني أعوذ بك من الحور بعد الكور " يعني: من الرجوع إلى النقصان بعد ~~الزيادة، وكذلك الحور بالضم. وفي المثل " حور في محارة " (1) أي نقصان في ~~نقصان. يضرب للرجل إذا كان أمره يدبر، قال الشاعر (2): # واستعجلوا عن خفيف المضغ فازدردوا * والذم يبقى وزاد القوم في حور والحور ~~أيضا: الاسم من قولك: طحنت الطاحنة فما أحارت شيئا، أي ما ردت شيئا من ~~الدقيق. والحور أيضا الهلكة، قال الراجز: (3) * في بئر لا حور سرى ولا شعر ~~* # PageV19P273 # قال أبو عبيدة: أي بئر حور، و " لا " زائدة. وروى ms6626 " بعد الكون " (1) ~~ومعناه من انتشار الامر بعد تمامه. وسئل معمر عن الحور بعد الكون، فقال: هو ~~الكنتي. فقال له عبد الرزاق: وما الكنتي؟ فقال: الرجل يكون صالحا ثم يتحول ~~رجل سوء. قال أبو عمرو: يقال للرجل إذا شاخ: كنتي، كأنه نسب إلى قوله: كنت ~~في شبابي كذا. قال: # فأصبحت كنتيا وأصبحت عاجنا * وشر خصال المرء كنت وعاجن عجن الرجل: إذا ~~نهض معتمدا على الأرض من الكبر. وقال ابن الأعرابي: الكنتي: هو الذي يقول: ~~كنت شابا، وكنت شجاعا، والكاني هو الذي يقول: كان لي مال وكنت أهب، وكان لي ~~خيل وكنت أركب. # قوله تعالى: (بلى) أي ليس الامر كما ظن، بل يحور إلينا ويرجع. (إن ربه ~~كان به بصيرا) قبل أن يخلقه، عالما بأن مرجعه إليه. وقيل: بلى ليحورن ~~وليرجعن. ثم استأنف فقال: " إن ربه كان به بصيرا " من يوم خلقه إلى أن ~~بعثه. وقيل: عالما بما سبق له من الشقاء والسعادة. # قوله تعالى: فلا أقسم بالشفق (16) والليل وما وسق (17) والقمر إذا اتسق ~~(18) لتركبن طبقا عن طبق (19) فما لهم لا يؤمنون (20) وإذا قرئ عليهم ~~القرآن لا يسجدون (21) قوله تعالى: (فلا أقسم) أي فأقسم و " لا " صلة. ~~(بالشفق) أي بالحمرة التي تكون عند مغيب الشمس حتى تأتي صلاة العشاء ~~الآخرة. قال أشهب وعبد الله بن الحكم ويحيى بن يحيى وغيرهم، كثير عددهم عن ~~مالك: الشفق الحمرة التي في المغرب، فإذا ذهبت الحمرة فقد خرجت من وقت ~~المغرب ووجبت صلاة العشاء. وروى ابن وهب قال: أخبرني غير واحد عن علي بن ~~أبي طالب ومعاذ بن جبل وعبادة بن الصامت وشداد بن أوس # PageV19P274 # وأبي هريرة: أن الشفق الحمرة، وبه قال مالك بن أنس. وذكر غير ابن وهب من ~~الصحابة: # عمر وابن عمر وابن مسعود وابن عباس وأنسا وأبا قتادة وجابر بن عبد الله ~~وابن الزبير، ومن التابعين: سعيد بن جبير، وابن المسيب وطاوس، وعبد الله بن ~~دينار، والزهري، وقال به من الفقهاء الأوزاعي ومالك والشافعي وأبو يوسف ~~وأبو ثور وأبو عبيدة وأحمد وإسحاق وقيل: ms6627 # هو البياض، روى ذلك عن ابن عباس وأبي هريرة أيضا وعمر بن عبد العزيز ~~والأوزاعي وأبي حنيفة في إحدى الروايتين عنه. وروى أسد بن عمرو أنه رجع ~~عنه. وروى عن ابن عمر أيضا أنه البياض والاختيار الأول، لان أكثر الصحابة ~~والتابعين والفقهاء عليه، ولأن شواهد كلام العرب والاشتقاق والسنة تشهد له. ~~قال الفراء: سمعت بعض العرب يقول لثوب عليه مصبوغ: كأنه الشفق وكان أحمر، ~~فهذا شاهد للحمرة، وقال الشاعر: # * وأحمر اللون كمحمر الشفق * وقال آخر: # قم يا غلام أعني غير مرتبك * على الزمان بكأس حشوها شفق ويقال للمغرة ~~الشفق. وفي الصحاح: الشفق بقية ضوء الشمس وحمرتها في أول الليل إلى قريب من ~~العتمة. قال الخليل: الشفق: الحمرة، من غروب الشمس إلى وقت العشاء الآخرة، ~~إذا ذهب قيل: غاب الشفق. ثم قيل: أصل الكلمة من رقة الشئ، يقال: شئ شفق أي ~~لا تماسك له لرقته. وأشفق عليه. أي رق قلبه عليه، والشفقة: الاسم من ~~الاشفاق، وهو رقة القلب، وكذلك الشفق، قال الشاعر (1): # تهوى حياتي وأهوى موتها شفقا * والموت أكرم نزال على الحرم فالشفق: بقية ~~ضوء الشمس وحمرتها فكأن تلك الرقة عن ضوء الشمس. وزعم الحكماء أن البياض لا ~~يغيب أصلا. وقال الخليل: صعدت منارة الإسكندرية فرمقت البياض، فرأيته يتردد ~~من أفق إلى أفق ولم أره يغيب. وقال ابن أبي أويس: رأيته يتمادى إلى طلوع ~~الفجر # PageV19P275 # قال علماؤنا: فلما لم يتحدد وقته سقط اعتباره. وفي سنن أبي داود عن ~~النعمان بن بشير قال: # أنا أعلمكم بوقت صلاة العشاء الآخرة، كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يصليها لسقوط القمر الثالثة. وهذا تحديد، ثم الحكم معلق بأول الاسم. لا ~~يقال: فينقض عليكم بالفجر الأول، فإنا نقول الفجر الأول لا يتعلق به حكم من ~~صلاة ولا إمساك، لان النبي صلى الله عليه وسلم بين الفجر بقوله وفعله فقال: ~~" وليس الفجر أن تقول هكذا - فرفع يده إلى فوق - ولكن الفجر أن تقول هكذا ~~وبسطها " وقد مضى بيانه في آية الصيام من سورة " البقرة " (1)، فلا معنى ~~للإعادة. ms6628 وقال مجاهد: الشفق: النهار كله ألا تراه قال " والليل وما وسق ". ~~وقال عكرمة: ما بقى من النهار. والشفق أيضا: الردئ من الأشياء، يقال: عطاء ~~مشفق أي مقلل قال الكميت: # ملك أغر من الملوك تحلبت * للسائلين يداه غير مشفق قوله تعالى: (والليل ~~وما وسق) أي جمع وضم ولف، وأصله من سورة السلطان وغضبه فلولا أنه خرج إلى ~~العباد من باب الرحمة ما تمالك العباد لمجيئه ولكن خرج من باب الرحمة فمزح ~~بها، فسكن الخلق إليه ثم ابذعروا؟ والتفوا وانقبضوا، ورجع كل إلى مأواه ~~فسكن فيه من هوله وحشا، وهو قوله تعالى: " ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار ~~لتسكنوا فيه " [القصص: 73] أي بالليل " ولتبتغوا من فضله " [القصص: 73] أي ~~بالنهار على ما تقدم. فالليل يجمع ويضم ما كان منتشرا بالنهار في تصرفه. ~~هذا معنى قول ابن عباس ومجاهد ومقاتل وغيرهم، قال ضابئ ابن الحارث البرجمي: # فإني وإياكم وشوقا إليكم * كقابض ماء لم تسقه أنامله يقول: ليس في يده من ~~ذلك شئ كما أنه ليس في يد القابض على الماء شئ، فإذا جلل الليل الجبال ~~والأشجار والبحار والأرض فاجتمعت له، فقد وسقها. والوسق: ضمك الشئ # PageV19P276 # بعضه إلى بعض، تقول: وسقته أسقه وسقا. ومنه قيل للطعام الكثير المجتمع: ~~وسق، وهو ستون صاعا. وطعام موسق: أي مجموع، وإبل مستوسقة أي مجتمعة، قال ~~الراجز (1): # إن لنا قلائصا حقائقا * مستوسقات لو يجدن سائقا وقال عكرمة: " وما وسق " ~~أي وما ساق من شئ إلى حيث يأوى، فالوسق بمعنى الطرد، ومنه قيل للطريدة من ~~الإبل والغنم والحمر: وسيقة، قال الشاعر (2): # * كما قاف آثار الوسيقة قائف * وعن ابن عباس: " وما وسق " أي وما جن ~~وستر. وعنه أيضا: وما حمل، وكل شئ حملته فقد وسقته، والعرب تقول: لا أفعله ~~ما وسقت عيني الماء، أي حملته. ووسقت الناقة تسق وسقا: أي حملت وأغلقت ~~رحمها على الماء، فهي ناقة واسق، ونوق وساق مثل نائم ونيام، وصاحب وصحاب، ~~قال بشر بن أبي خازم: # ألظ بهن يحدوهن حتى * تبينت الحيال من الوساق ومواسيق أيضا. وأوسقت ~~البعير: ms6629 حملته حمله، وأوسقت النخلة: كثر حملها. وقال يمان والضحاك ومقاتل ~~بن سليمان: حمل من الظلمة. قال مقاتل: أو حمل من الكواكب. القشيري: # ومعنى حمل: ضم وجمع، والليل يجلل بظلمته كل شئ فإذا جللها فقد وسقها. ~~ويكون هذا القسم قسما بجميع المخلوقات، لاشتمال الليل عليها، كقوله تعالى: ~~" فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون " [الحاقة: 38 - 39]. وقال ابن جبير: ~~" وما وسق " أي وما عمل فيه، يعني التهجد والاستغفار بالاسحار، قال الشاعر: # ويوما ترانا صالحين وتارة * تقوم بنا كالواسق المتلبب أي كالعامل. # PageV19P277 # قوله تعالى: (والقمر إذا اتسق) أي تم وأجتمع واستوى. قال الحسن: اتسق: # أي امتلأ واجتمع. ابن عباس: استوى. قتادة: استدار. الفراء: اتساقه: ~~امتلاؤه واستواؤه ليالي البدر، وهو افتعال من الوسق الذي هو الجمع، يقال: ~~وسقته فاتسق، كما يقال: # وصلته فاتصل، ويقال: أمر فلان متسق: أي مجتمع على الصلاح منتظم. ويقال: ~~اتسق الشئ: إذا تتابع: (لتركبن طبقا عن طبق) قرأ أبو عمر وابن مسعود وابن ~~عباس وأبو العالية ومسروق وأبو وائل ومجاهد والنخعي والشعبي وابن كثير ~~وحمزة والكسائي " لتركبن " بفتح الباء خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم، أي ~~لتركبن يا محمد حالا بعد حال، قاله ابن عباس. # الشعبي: لتركبن يا محمد سماء بعد سماء، ودرجة بعد درجة، ورتبه بعد رتبة، ~~في القربة من الله تعالى. ابن مسعود: لتركبن السماء حالا بعد حال، يعني ~~حالاتها التي وصفها الله تعالى بها من الانشقاق والطي وكونها مرة كالمهل ~~ومرة كالدهان. وعن إبراهيم عن عبد الاعلى: " طبقا عن طبق " قال: السماء ~~تقلب حالا بعد حال. قال: تكون وردة كالدهان، وتكون كالمهل، وقيل: أي لتركبن ~~أيها الانسان حالا بعد حال، من كونك نطفة ثم علقه ثم مضغة ثم حيا وميتا ~~وغنيا وفقيرا. فالخطاب للانسان المذكور في قوله: " يا أيها الانسان إنك ~~كادح " هو اسم للجنس، ومعناه الناس. وقرأ الباقون " لتركبن " بضم الباء، ~~خطابا للناس، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم، قال: لان المعنى بالناس أشبه منه ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم، لما ذكر قبل هذه الآية فمن ms6630 أوتى كتابه بيمينه ~~ومن أوتى كتابه بشماله. أي لتركبن حالا بعد حال من شدائد القيامة، أو ~~لتركبن سنة من كان قبلكم في التكذيب واختلاق على الأنبياء. # قلت: وكله مراد، وقد جاءت بذلك أحاديث (1)، فروى أبو نعيم الحافظ عن جعفر ~~بن محمد بن علي عن جابر رضي الله عنه، قال سمعت رسول صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # (إن ابن آدم لفي غفلة عما خلقه الله عز وجل، إن الله لا إله غيره إذا ~~أراد خلقه قال للملك اكتب رزقه وأثره وأجله، واكتب شقيا أو سعيدا، ثم يرتفع ~~ذلك الملك، ويبعث الله ملكا # PageV19P278 # آخر فيحفظه حتى يدرك، ثم يبعث الله ملكين يكتبان حسناته وسيئاته، فإذا ~~جاءه الموت ارتفع ذانك الملكان، ثم جاءه ملك الموت عليه السلام فيقبض روحه، ~~فإذا أدخل حفرته رد الروح في جسده، ثم يرتفع ملك الموت، ثم جاءه ملكا، ~~القبر فامتحناه، تم يرتفعان، فإذا قامت الساعة انحط عليه ملك الحسنات وملك ~~السيئات، فأنشطا كتابا معقودا في عنقه، ثم حضرا معه، واحد سائق والآخر ~~شهيد) ثم قال الله عز وجل " لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك، ~~فبصرك اليوم حديد " [ق: 22] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لتركبن طبقا عن طبق " قال: (حالا بعد حال) ثم قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # (إن قدامكم أمرا عظيما فاستعينوا بالله العظيم) فقد اشتمل هذا الحديث على ~~أحوال تعتري الانسان، من حين يخلق إلى حين يبعث، وكله شدة بعد شدة، حياة ثم ~~موت، ثم بعث ثم جزاء، وفي كل حال من هذه شدائد. وقال صلى الله عليه وسلم: ~~(لتركبن (1) سنن من قبلكم شبرا بشبرا، وذراعا بذارع، حتى لو دخلوا جحر ضب ~~لدخلتموه) قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ خرجه البخاري: ~~وأما أقوال المفسرين، فقال عكرمة: حالا بعد حال، فطيما بعد رضيع، وشيخا بعد ~~شباب، قال الشاعر: # كذلك المرء إن ينسأ له أجل * يركب على طبق من بعده طبق وعن مكحول: كل ~~عشرين عاما تجدون أمرا لم تكونوا عليه: ms6631 وقال الحسن: أمرا بعد أمر، رخاء بعد ~~شدة، وشدة بعد رخاء، وغنى بعد فقر، وفقرا بعد غني، وصحة بعد سقم، وسقما بعد ~~صحة: سعيد بن جبير: منزلة بعد منزلة، قوم كانوا في الدنيا متضعين فارتفعوا ~~في الآخرة، وقوم كانوا في الدنيا مرتفعين فاتضعوا في الآخرة: وقيل: منزلة ~~عن منزلة، وطبقا عن طبق (2)، وذلك، أن من كان على صلاح دعاه إلى صلاح فوقه، ~~ومن كان على فساد دعاه إلى فساد فوقه، لان كل شئ يجري إلى شكله: ابن زيد: ~~ولتصيرن من طبق الدنيا إلى طبق الآخرة: وقال ابن عباس: الشدائد والأهوال: ~~الموت، ثم البعث، ثم العرض، # PageV19P279 # والعرب تقول لمن وقع في أمر شديد: وقع في بنات طبق، وإحدى بنات طبق، ومنه ~~قيل للداهية الشديدة: أم طبق، وإحدى بنات طبق: وأصلها من الحيات، إذ يقال ~~للحية أم طبق لتحويها: والطبق في اللغة: الحال كما وصفنا، قال الأقرع بن ~~حابس التميمي: # إني امرؤ قد حلبت الدهر أشطره * وساقني طبق منه إلى طبق وهذا أدل دليل ~~على حدوث العالم، وإثبات الصانع، قالت الحكماء: من كان اليوم على حالة، ~~وغدا على حالة أخرى فليعلم أن تدييره إلى سواه: وقيل لأبي بكر الوراق: ما ~~الدليل على أن لهذا العالم صانعا؟ فقال: تحويل الحالات، وعجز القوة، وضعف ~~الأركان، وقهر النية: # ونسخ العزيمة: ويقال: أتانا طبق من الناس وطبق من الجراد: أي جماعة: وقول ~~العباس في مدح النبي صلى الله عليه وسلم: # تنقل من صالب إلى رحم * إذا مضى عالم بدا طبق أي قرن من الناس. يكون طباق ~~الأرض أي ملأها. والطبق أيضا: عظم رقيق يفصل بين الفقارين. ويقال: مضى طبق ~~من الليل، وطبق من النهار: أي معظم منه. والطبق: واحد الاطباق، فهو مشترك. ~~وقرئ " لتركبن " بكسر الباء، على خطاب النفس و " ليركبن " بالياء على ~~ليركبن الانسان. و " عن طبق " في محل نصب على أنه صفة ل‍ " - طبقا " أي ~~طبقا مجاوزا لطبق. أو حال من الضمير في " لتركبن " أي لتركبن طبقا مجاوزين ~~لطبق، أو مجاوزا أو مجاوزة على ms6632 حسب القراءة. # قوله تعالى: (فما لهم لا يؤمنون) يعني أي شئ يمنعهم من الايمان بعد ما ~~وضحت لهم الآيات وقامت الدلالات. وهذا استفهام إنكار. وقيل: تعجب أي اعجبوا ~~منهم في ترك الايمان مع هذه الآيات. # قوله تعالى: (وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون) أي لا يصلون. وفي الصحيح: # إن أبا هريرة قرأ " إذا السماء انشقت " فسجد فيها، فلما انصرف أخبرهم أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد فيها. وقد قال مالك: إنها ليست من عزائم ~~السجود، لان [المعنى] (1) # PageV19P280 # لا يذعنون ولا يطيعون في العمل بواجباته. ابن العربي: والصحيح أنها منه، ~~وهي رواية المدنيين عنه، وقد اعتضد فيها القرآن والسنة. قال ابن العربي: ~~لما أممت بالناس تركت قراءتها، لأني إن سجدت أنكروه، وإن تركتها كان تقصيرا ~~مني، فاجتنبتها إلا إذا صليت وحدي. وهذا تحقيق وعد الصادق بأن يكون المعروف ~~منكرا، والمنكر معروفا، وقد قال صلى الله عليه وسلم لعائشة: (لولا حدثان ~~قومك بالكفر لهدمت البيت، ولرددته على قواعد إبراهيم). ولقد كان شيخنا أبو ~~بكر الفهري يرفع يديه عند الركوع، وعند الرفع منه، وهو مذهب مالك والشافعي ~~ويفعله الشيعة، فحضر عندي يوما في محرس ابن الشواء بالثغر - موضع تدريسي - ~~عند صلاة الظهر، ودخل المسجد من المحرس المذكور، فتقدم إلى الصف وأنا في ~~مؤخره قاعدا على طاقات البحر، أتنسم الريح من شدة الحر، ومعي في صف واحد ~~أبو ثمنة رئيس البحر وقائده، مع نفر من أصحابه ينتظر الصلاة، ويتطلع على ~~مراكب تخت الميناء، فلما رفع الشيخ يديه في الركوع وفي رفع الرأس منه قال ~~أبو ثمنة وأصحابه: ألا ترون إلى هذا المشرقي كيف دخل مسجدنا؟ فقوموا إليه ~~فاقتلوه وارموا به إلى البحر، فلا يراكم أحد. # فطار قلبي من بين جوانحي وقلت: سبحان الله هذا الطرطوشي فقيه الوقت. ~~فقالوا لي: # ولم يرفع يديه؟ فقلت: كذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل، وهذا مذهب ~~مالك، في رواية أهل المدينة عنه. وجعلت أسكنهم وأسكتهم حتى فرغ من صلاته، ~~وقمت معه إلى المسكن من المحرس، ms6633 ورأى تغير وجهي، فأنكره، وسألني فأعلمته، ~~فضحك وقال: ومن أين لي أن أقتل على سنة؟ فقلت له: ولا يحل لك هذا، فإنك بين ~~قوم إن قمت بها قاموا عليك وربما ذهب دمك. فقال: دع هذا الكلام، وخذ في ~~غيره. # قوله تعالى: بل الذين كفروا يكذبون (22) والله أعلم بما يوعون (23) ~~فبشرهم بعذاب أليم (24) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون ~~(25) PageV19P281 # قوله تعالى: (بل الذين كفروا يكذبون) محمدا صلى الله عليه وسلم وما جاء ~~به. # وقال مقاتل: نزلت في بني عمرو بن عمير وكانوا أربعة، فأسلم اثنان منهم. ~~وقيل: هي في جميع الكفار. (والله أعلم بما يوعون) أي بما يضمرونه في أنفسهم ~~من التكذيب. كذا روى الضحاك عن ابن عباس. وقال مجاهد: يكتمون من أفعالهم. ~~ابن زيد: يجمعون من الأعمال الصالحة والسيئة، مأخوذ من الوعاء الذي يجمع ما ~~فيه، يقال: أوعيت الزاد والمتاع: إذا جعلته في الوعاء، قال الشاعر: # الخير أبقى وإن طال الزمان به * والشر أخبث ما أوعيت من زاد ووعاه أي ~~حفظه، تقول: وعيت الحديث أعيه وعيا، وأذن واعية. وقد تقدم (1). (فبشرهم ~~بعذاب اليم) أي موجع في جهنم على تكذيبهم. أي اجعل ذلك بمنزلة البشارة. ~~(إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات) استثناء منقطع، كأنه قال: لكن الذين ~~صدقوا بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وعملوا الصالحات، أي ~~أدوا الفرائض المفروضة عليهم " لهم أجر " أي ثواب " غير ممنون " أي غير ~~منقوص ولا مقطوع، يقال: مننت الحبل: إذا قطعته. # وقد تقدم (2). وسأل نافع بن الأزرق ابن عباس عن قوله: (لهم اجر غير ~~ممنون) فقال: # غير مقطوع. فقال: هل تعرف ذلك العرب؟ قال: نعم قد عرفه أخو يشكر حيث يقول ~~(3): # فترى خلفهن من سرعة الرجع * منينا كأنه أهباء قال المبرد: المنين: ~~الغبار، لأنها تقطعه وراءها. وكل ضعيف منين وممنون. وقيل: # " غير ممنون " لا يمن عليهم به. وذكر ناس من أهل العلم أن قوله: " إلا ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات " ليس استثناء، وإنما هو بمعنى الواو، كأنه ~~قال: والذين آمنوا. ms6634 وقد مضى في " البقرة " (4) القول فيه والحمد لله. تمت ~~سورة الانشقاق. # PageV19P282 # سورة البروج مكية باتفاق. وهي ثنتان وعشرون آية بسم الله الرحمن الرحيم ~~قوله تعالى: والسماء ذات البروج (1) قسم أقسم الله به عز وجل. وفي " البروج ~~" أقوال أربعة: أحدها - ذات النجوم، قاله الحسن وقتادة ومجاهد والضحاك. ~~الثاني - القصور، قاله ابن عباس وعكرمة ومجاهد أيضا. قال عكرمة: هي قصور في ~~السماء. مجاهد: البروج فيها الحرس. الثالث - ذات الخلق الحسن، قال المنهال ~~بن عمرو. الرابع: ذات المنازل، قاله أبو عبيدة ويحيى ابن سلام. وهي أثنا ~~عشر برجا، وهي منازل الكواكب والشمس والقمر. يسير القمر في كل برج منها ~~يومين وثلت يوم، فذلك ثمانية وعشرون يوما، ثم يستسر (1) ليلتين، وتسير ~~الشمس في كل برج منها شهرا. وهي: الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، ~~والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس والجدي، والدلو، والحوت. ~~والبروج في كلام العرب: القصور، قال الله تعالى، " ولو كنتم في بروج مشيدة ~~" [النساء: 78]. وقد تقدم (2). # قوله تعالى: واليوم الموعود (2) وشاهد ومشهود (3) قوله تعالى: (اليوم ~~الموعود) أي الموعود به. وهو قسم آخر، وهو يوم القيامة، من غير اختلاف بين ~~أهل التأويل. قال ابن عباس: وعد أهل السماء وأهل الأرض أن يجتمعوا فيه. ~~(وشاهد ومشهود) اختلف فيهما، فقال علي وابن عباس وابن عمر وأبو هريرة رضي ~~الله عنهم: الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة. وهو قول الحسن. # PageV19P283 # ورواه أبو هريرة مرفوعا قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اليوم ~~الموعود يوم القيامة واليوم المشهود يوم عرفة والشاهد يوم الجمعة...) خرجه ~~أبو عيسى الترمذي في جامعه، وقال: هذا حديث [حسن] (1) غريب، لا نعرفه إلا ~~من حديث موسى بن عبيدة، وموسى ابن عبيدة يضعف في الحديث، ضعفه يحيى بن سعيد ~~وغيره. وقد روى شعبة وسفيان الثوري وغير واحد من الأئمة عنه. قال القشيري ~~فيوم الجمعة يشهد على كل عامل بما عمل فيه. # قلت: وكذلك سائر الأيام والليالي، فكل يوم شاهد، وكذا كل ليلة، ودليله ما ~~رواه أبو نعيم الحافظ عن معاوية بن قرة عن معقل بن ms6635 يسار عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # (ليس من يوم يأتي على العبد إلا ينادي فيه: يا ابن آدم، أنا خلق جديد، ~~وأنا فيما تعمل عليك شهيد، فاعمل في خيرا أشهد لك به غد، فإني لو قد مضيت ~~لم ترني أبدا، ويقول الليل مثل ذلك). # حديث غريب من حديث معاوية، تفرد به عنه زيد العمى (2)، ولا أعلمه مرفوعا ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا بهذا الاسناد. وحكى القشيري عن ابن عمر ~~وابن الزبير أن الشاهد يوم الأضحى. وقال سعيد بن المسيب: الشاهد: التروية، ~~والمشهود: يوم عرفة. وروى إسرائيل عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي رضي الله ~~عنه: الشاهد يوم عرفة، والمشهود يوم النحر. وقاله النخعي. وعن علي أيضا: ~~المشهود يوم عرفة. وقال ابن عباس والحسين ابن علي رضي الله عنهما: المشهود ~~يوم القيامة، لقول تعالى: " ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود " (3) ~~[هود: 103]. # PageV19P284 # قلت: وعلى هذا اختلفت أقوال العلماء في الشاهد، فقيل: الله تعالى، عن ابن ~~عباس والحسن وسعيد بن جبير، بيانه: " وكفى بالله شهيدا " (1) [النساء: 79]، ~~" قل أي شئ أكبر شهادة؟ قل الله شهيد (2) بيني وبينكم " [الانعام: 19]. ~~وقيل: محمد صلى الله عليه وسلم، عن ابن عباس أيضا والحسين ابن علي، وقرأ ~~ابن عباس " فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا " (1) ~~[النساء: 41]، وقرأ الحسين " يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا (2) ومبشرا ~~ونذيرا " [الأحزاب: 45]. # قلت: وأقرأ أنا " ويكون الرسول عليكم شهيدا ". وقيل: الأنبياء يشهدون على ~~أممهم، لقوله تعالى: " فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد " (1) [النساء: 41]. ~~وقيل: أدم. وقيل: # عيسى بن مريم، لقوله: " وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم " (4) [المائدة: ~~117]. والمشهود: أمته. وعن ابن عباس أيضا ومحمد بن كعب: الشاهد الانسان، ~~دليله: " كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا " [الاسراء: 14]. مقاتل: أعضاؤه، ~~بيانه: " يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون " (5) ~~[النور: 24]. الحسين بن الفضل: الشاهد هذه الأمة، والمشهود سائر الأمم، ~~بيانه: # " وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس " [البقرة: 143]. ~~وقيل: الشاهد: الحفظة، ms6636 والمشهود: بنو آدم. وقيل: الليالي والأيام. وقد ~~بيناه. # قلت: وقد يشهد المال على صاحبه، والأرض بما عمل عليها، ففي صحيح مسلم عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم: (إن هذا المال خضر حلو، ونعم صاحب المسلم هو لمن ~~أعطى منه المسكين واليتيم وابن السبيل - أو كما قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم - وإنه من يأخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع ويكون عليه ~~شهيدا يوم القيامة). وفي الترمذي عن أبي هريرة قال: قرأ رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم هذه الآية: " يومئذ تحدث أخبارها " [الزلزلة: 4] قال: # (أتدرون ما أخبارها)؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: (فإن أخبارها أن ~~تشهد على # PageV19P285 # كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها، تقول عمل يوم كذا كذا كذا وكذا. قال: ~~فهذه أخبارها). # قال حديث حسن غريب صحيح. وقيل: الشاهد الخلق، شهدوا لله عز وجل ~~بالوحدانية. # والمشهود له بالتوحيد هو الله تعالى. وقيل: المشهود يوم الجمعة، كما روى ~~أبو الدرداء قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة ~~فإنه يوم مشهود تشهده الملائكة...) وذكر الحديث. خرجه ابن ماجة وغيره. # قلت: فعلى هذا يوم عرفة مشهود، لان الملائكة تشهده، وتنزل فيه بالرحمة ~~(1). وكذا يوم النحر إن شاء الله. وقال أبو بكر العطار: الشاهد الحجر ~~الأسود، يشهد لمن لمسه بصدق وإخلاص ويقين. والمشهود الحاج. وقيل: الشاهد ~~الأنبياء، والمشهود محمد صلى الله عليه وسلم، بيانه: " وإذ أخذ الله ميثاق ~~النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة - إلى قوله تعالى: " وأنا معكم من ~~الشاهدين " [آل عمران: 81]. # قوله تعالى: قتل أصحاب الأخدود (4) النار ذات الوقود (5) إذ هم عليها ~~قعود (6) وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود (7) قوله تعالى: (قتل أصحاب ~~الأخدود) أي لعن. قال ابن عباس: كل شئ في القرآن " قتل " فهو لعن. وهذا ~~جواب القسم - في قول الفراء - واللام فيه مضمرة، كقوله: " والشمس وضحاها " ~~[الشمس: 1] ثم قال " قد أفلح من زكاها " [الشمس: 9]: أي لقد أفلح. # وقيل: فيه تقديم وتأخير، أي قتل أصحاب الأخدود والسماء ذات ms6637 البروج، قاله ~~أبو حاتم السجستاني. ابن الأنباري: وهذا غلط لأنه لا يجوز لقائل أن يقول: ~~والله قام زيد على معنى قام زيد والله. وقال قوم: جواب القسم " إن بطش ربك ~~لشديد " وهذا قبيح، لان الكلام قد طال بينهما. وقيل: " إن الذين فتنوا ". ~~وقيل: جواب القسم محذوف، أي والسماء ذات البروج لتبعثن. وهذا اختيار ابن ~~الأنباري. والأخدود: الشق العظيم # PageV19P286 # المستطيل في الأرض كالخندق، وجمعه أخاديد. ومنه الخد لمجاري الدموع، ~~والمخدة، لان الخد يوضع عليها. ويقال: تخدد وجه الرجل: إذا صارت فيه أخاديد ~~من جراح. # قال طرفة: # ووجه كأن الشمس حلت رداءها * عليه نقي اللون لم يتخدد (النار ذات الوقود) ~~" النار " بدل من " الأخدود " بدل الاشتمال. و " الوقود " بفتح الواو قراءة ~~العامة وهو الحطب. وقرأ قتادة وأبو رجاء ونصر بن عاصم (بضم الواو) على ~~المصدر، أي ذات الاتقاد والالتهاب. وقيل: ذات الوقود بأبدان الناس. وقرأ ~~أشهب العقيلي وأبو السمال العدوي وابن السميقع " النار ذات " بالرفع فيهما، ~~أي أحرقتهم النار ذات الوقود. (إذ هم عليها قعود) أي الذين خددوا الأخاديد ~~وقعدوا عليها يلقون فيها المؤمنين، وكانوا بنجران في الفترة بين عيسى ومحمد ~~صلى الله عليهما وسلم. وقد اختلفت الرواة في حديثهم. والمعنى متقارب. ففي ~~صحيح مسلم عن صهيب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كان ملك فيمن كان ~~قبلكم، وكان له ساحر، فلما كبر قال للملك: إني قد كبرت فابعث إلى غلاما ~~أعلمه السحر، فبعث إليه غلاما يعلمه، فكان في طريقه إذا سلك، راهب، فقعد ~~إليه وسمع كلامه، فأعجبه، فكان إذا أتى الساحر م بالراهب وقعد إليه، فإذا ~~أتى الساحر ضربه، فشكا ذلك إلى الراهب، فقال: إذا خشيت الساحر فقل: حبسني ~~أهلي. وإذا خشيت أهلك فقل: حبسني الساحر. فبينما هو كذلك إذ أتى على دابة ~~عظيمة قد حبست الناس، فقال: اليوم أعلم الساحر أفضل أم الراهب أفضل؟ فأخذ ~~حجرا فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه ~~الدابة، حتى يمضي الناس، فرماها فقتلها ومضى الناس. فأتى ms6638 الراهب فأخبره ~~فقال له الراهب: أي بني، أنت اليوم أفضل مني، قد بلغ من أمرك ما أرى، وإنك ~~ستبتلي، فإن أبتليت فلا تدل علي. وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص، ويداوي ~~الناس من سائر الأدواء. فسمع جليس للملك كان قد عمى، فأتاه بهدايا كثيرة ~~فقال: ما ها هنا لك أجمع إن أنت شفيتني. فقال: إني لا أشفى أحدا، إنما ~~PageV19P287 # يشفي الله، فإن أنت آمنت بالله دعوت الله فشفاك؟ فآمن بالله فشفاه الله. ~~فأتى الملك فجلس إليه كما كان يجلس، فقال له الملك: من رد عليك بصرك؟ قال ~~ربي. قال: ولك رب غيري؟ قال: ربي وربك الله. فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل ~~على الغلام، فجئ بالغلام فقال له الملك: أي بني! أقد بلغ من سحرك ما تبرئ ~~الأكمه والأبرص، وتفعل وتفعل؟! قال: أنا لا أشفى أحدا، إنما يشفى الله. ~~فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب، فجئ بالراهب، فقيل له: أرجع عن ~~دينك. فأبى فدعا بالمنشار، فوضع المنشار في مفرق رأسه فشقه حتى وقع شقاه. ~~ثم جئ بجليس الملك فقيل له: ارجع عن دينك، فأبي فوضع المنشار في مفرق رأسه، ~~فشقه به حتى وقع شقاه. ثم جئ بالغلام فقيل له: أرجع عن دينك، فأبي فدفعه ~~إلى نفر من أصحابه فقال: اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا، فاصعدوا به الجبل، ~~فإذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه، فذهبوا به فصعدوا به الجبل ~~فقال: # اللهم اكفنيهم بما شئت، فرجف بهم الجبل، فسقطوا. وجاء يمشي إلى الملك، ~~فقال له الملك: # ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم الله. فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال: اذهبوا ~~به فاحملوه في قرقور، فتوسطوا به البحر، فإن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه، ~~فذهبوا به فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فانكفأت بهم السفينة، فغرقوا. وجاء ~~يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم الله. فقال ~~للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به. قال: # وما هو؟ قال: تجمع الناس في صعيد واحد، وتصلبني على ms6639 جذع، ثم خذ سهما من ~~كنانتي، ثم ضع السهم في كبد القوس، ثم قل: باسم الله رب الغلام، ثم ارمني، ~~فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني. فجمع الناس في صعيد واحد، وصلبه على جذع، ثم أخذ ~~سهما من كنانته، ثم وضع السهم في كبد القوس ثم قال: باسم الله رب الغلام، ~~ثم رماه فوقع السهم في صدغه، فوضع يده في صدغه، في موضع السهم، فمات، فقال ~~الناس: آمنا برب الغلام! آمنا برب الغلام! آمنا برب # PageV19P288 # الغلام! فأتى الملك فقيل له: أرأيت ما كنت، تحذر؟ قد والله نزل بك حذرك، ~~قد آمن الناس، فأمر بالأخدود في أفواه السكك، فحدت، وأضرم النيران، وقال: ~~من لم يرجع عن دينه فاحموه فيها - أو قيل له أقتحم - ففعلوا، حتى جاءت ~~امرأة ومعها صبي لها، فتقاعست أن تقع فيها، فقال، لها الغلام: (يا أمة ~~اصبري فإنك على الحق). خرجه الترمذي بمعناه. وفيه: # (وكان على طريق، الغلام راهب في صومعة) قال معمر: أحسب أن أصحاب الصوامع ~~كانوا يومئذ مسلمين. وفيه: (أن الدابة التي حبست الناس كانت أسدا، وأن ~~الغلام دفن - قال - فيذكر أنه أخرج في زمن عمر بن الخطاب وإصبعه على صدغه ~~كما وضعها حين قتل). وقال: # حديث حسن غريب. ورواه الضحاك عن ابن عباس قال: كان ملك بنجران، وفي رعيته ~~رجل له فتى، فبعثه إلى ساحر يعلمه السحر، وكان طريق الفتى على راهب يقرأ ~~الإنجيل، فكان يعجبه ما يسمعه من الراهب، فدخل في دين الراهب، فأقبل يوما ~~فإذا حية عظيمة قطعت على الناس طريقهم، فأخذ حجرا فقال باسم الله رب ~~السماوات والأرض وما بينهما، فقتلها. وذكر نحو ما تقدم. وأن الملك لما رماه ~~بالسهم وقتله قال أهل مملكة الملك: # لا إله إلا إله (1) عبد الله بن ثامر، وكان اسم الغلام، فغضب الملك، وأمر ~~فخدت أخاديد، وجمع فيها حطب ونار، وعرض أهل مملكته عليها، فمن رجع عن ~~التوحيد تركه، ومن ثبت على دينه قذفه في النار. وجئ بامرأة مرضع فقيل لها ~~ارجعي عن دينك وإلا قذفناك وولدك - قال ms6640 - فأشفقت وهمت بالرجوع، فقال لها ~~الصبي المرضع: يا أمي، اثبتي على ما أنت عليه، فإنما هي غميضة، فألقوها ~~وابنها. وروى أبو صالح عن ابن عباس أن النار ارتفعت من الأخدود فصارت فوق ~~الملك وأصحابه أربعين ذراعا فأحرقتهم. وقال الضحاك: هم قوم من النصارى ~~كانوا باليمن قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربعين سنة، أخذهم ~~يوسف ابن شراحيل بن تبع الحميري، وكانوا نيفا وثمانين رجلا، وحفر لهم ~~أخدودا وأحرقهم فيه. # حكاه الماوردي، وحكى الثعلبي عنه أن أصحاب الأخدود من بني إسرائيل، أخذوا ~~رجالا # PageV19P289 # ونساء، فخدوا لهم الأخاديد، ثم أوقدوا فيها النار، ثم أقيم المؤمنون ~~عليها. وقيل لهم: تكفرون أو تقذفون في النار؟ ويزعمون أنه دانيال وأصحابه، ~~وقاله عطية العوفي. وروي نحو هذا عن ابن عباس. وقال علي رضي الله عنه: إن ~~ملكا سكر فوقع على أخته، فأراد أن يجعل ذلك شرعا في رعيته فلم يقبلوا، ~~فأشارت إليه أن يخطب بأن الله - عز وجل - أحل نكاح الأخوات، فلم يسمع منه. ~~فأشارت إليه أن يخد لهم الأخدود، ويلقي فيه كل من عصاه. ففعل. قال: # وبقاياهم ينكحون الأخوات وهم المجوس، وكانوا أهل كتاب. وروي عن علي أيضا ~~أن أصحاب الأخدود كان سببهم أن نبيا بعثه الله تعالى إلى الحبشة، فاتبعه ~~ناس، فخد لهم قومهم أخدودا، فمن اتبع النبي رمي فيها، فجئ بامرأة لها بني ~~رضيع فجزعت، فقال لها: يا أماه، أمضي ولا تجزعي. وقال أيوب عن عكرمة قال: " ~~قتل أصحاب الأخدود " قال: كانوا من قومك من السجستان. وقال الكلبي: هم ~~نصارى نجران، أخذوا بها قوما مؤمنين، فخدوا لهم سبعة أخاديد، طول كل أخدود ~~أربعون ذراعا، وعرضه أثنا عشر ذراعا. ثم طرح فيه النفط (1) والحطب، ثم ~~عرضوهم عليها، فمن أبى قذفوه فيها. وقيل: قوم من النصارى كانوا ~~بالقسطنطينية زمان قسطنطين. وقال مقاتل: أصحاب الأخدود ثلاثة، واحد بنجران، ~~والآخر بالشام، والآخر بفارس. أما الذي بالشام فأنطنيانوس الرومي، وأما ~~الذي بفارس فبختنصر، والذي بأرض العرب يوسف بن ذي نواس. فلم ينزل الله في ~~الذي بفارس ms6641 والشام قرآنا، وأنزل قرآنا في الذي كان بنجران. وذلك أن رجلين ~~مسلمين كان أحدهما بتهامة، والآخر بنجران، آجر أحدهما نفسه، فجعل يعمل ~~ويقرأ الإنجيل، فرأت ابنة المستأجر النور في قراءة الإنجيل، فأخبرت أباها ~~فأسلم. وبلغوا سبعة وثمانين بين رجل وامرأة، بعد ما رفع عيسى، فخد لهم يوسف ~~بن ذي نواس بن تبع الحميري أخدودا، وأوقد فيه النار، وعرضهم على الكفر، فمن ~~أبي أن يكفر قذفه في النار، وقال: من رجع عن دين عيسى لم يقذف. # وإن امرأة معها ولدها صغير لم يتكلم، فرجعت، فقال لها ابنها: يا أماه، ~~إني أرى أمامك # PageV19P290 # نارا لا تطفأ، فقذفا جميعا أنفسهما في النار، فجعلها الله وابنها في ~~الجنة. فقذف في يوم واحد سبعة وسبعون إنسانا. وقال ابن إسحاق عن وهب بن ~~منبه: كان رجل من بقايا أهل دين عيسى بن مريم عليه السلام، يقال له قيميون ~~(1)، وكان رجلا صالحا مجتهدا زاهدا في الدنيا مجاب الدعوة، وكان سائحا في ~~القرى، لا يعرف بقرية إلا مضى عنها، وكان بناء يعمل الطين. قال محمد بن كعب ~~القرظي، وكان أهل نجران أهل شرك يعبدون الأصنام، وكان في قرية من قراها ~~قريبا من نجران ساحر يعلم غلمان أهل نجران السحر، فلما نزل بها قيميون، بنى ~~بها خيمة بين نجران وبين تلك القرية التي بها الساحر، فجعل أهل نجران ~~يبعثون غلمانهم إلى ذلك الساحر يعلمهم السحر، فبعث إليه الثامر عبد الله بن ~~الثامر، فكان مع غلمان أهل نجران، وكان عبد الله إذا مر بصاحب الخيمة أعجبه ~~ما يرى من أمر صلاته وعبادته، فجعل يجلس إليه ويسمع منه، حتى أسلم، فوحد ~~الله وعبده، وجعل يسأله عن اسم الله الأعظم، وكان الراهب يعلمه، فكتمه إياه ~~وقال: يا ابن أخي، إنك لن تحمله، أخشى ضعفك عنه، وكان أبو الثامر لا يظن ~~إلا أن ابنه يختلف إلى الساحر كما يختلف الغلمان. فلما رأى عبد الله أن ~~الراهب قد بخل عليه بتعليم اسم الله الأعظم، عمد إلى قداح (2) فجمعها، ثم ~~لم يبق لله تعالى اسما ms6642 يعلمه إلا كتبه في قدح، لكل اسم قدح، حتى إذا أحصاها ~~أوقد لها نارا، ثم جعل يقذفها فيها قدحا قدحا، حتى إذا مر بالاسم الأعظم ~~قذف فيها بقدحه، فوثب القدح حتى خرج منها لم يضره شئ، فأخذه ثم قام إلى ~~صاحبه، فأخبره أنه قد علم اسم الله الأعظم الذي كتمه إياه، فقال: وما هو؟ # قال: كذا وكذا. قال: وكيف علمته؟ فأخبره بما صنع. فقال له: يا ابن أخي، ~~قد أصبته، فأمسك على نفسك، وما أظن أن تفعل. فجعل عبد الله بن الثامر إذا ~~دخل نجران لم يلق أحدا به ضر إلا قال: يا عبد الله، أتوحد الله وتدخل في ~~ديني، فأدعو الله لك فيعافيك مما أنت فيه من البلاء؟ فيقول: نعم، فيوحد ~~الله ويسلم، فيدعوا الله له فيشفى، حتى لم يبق أحد بنجران به ضر إلا أتاه ~~فاتبعه على دينه ودعا له فعوفي، حتى رفع شأنه إلى ملكهم، فدعاه فقال له: # PageV19P291 # أفسدت علي أهل قريتي، وخالفت ديني ودين آبائي، فلأمثلن بك. قال: لا تقدر ~~على ذلك، فجعل يرسل به إلى الجبل الطويل، فيطرح عن رأسه، فيقع على الأرض ~~ليس به بأس. وجعل يبعث به إلى مياه نجران، بحار لا يلقى فيها شئ إلا هلك، ~~فيلقي فيها فيخرج ليس به بأس، فلما غلبه قال له عبد الله بن الثامر: والله ~~لا تقدر على قتلي حتى توحد الله وتؤمن بما آمنت به، فإنك إن فعلت ذلك سلطت ~~علي وقتلتني. فوحد الله ذلك الملك وشهد شهادته، ثم ضربه بعصا فشجه شجة ~~صغيرة ليست بكبيرة، فقتله، وهلك الملك مكانه، واجتمع أهب نجران على دين عبد ~~الله بن الثامر، وكان على ما جاء به عيسى بن مريم من الإنجيل وحكمه. ثم ~~أصابهم ما أصاب أهل دينهم من الاحداث، فمن ذلك كان أصل النصرانية بنجران. ~~فسار إليهم ذو نواس اليهودي بجنوده من حمير، فدعاهم إلى اليهودية، وخيرهم ~~بين ذلك أو القتل، فاختاروا القتل، فخد لهم الأخدود، فحرق بالنار وقتل ~~بالسيف، ومثل بهم حتى قتل منهم عشرين ms6643 ألفا. # وقال وهب بن منبه: اثنى عشر ألفا. وقال الكلبي: كان أصحاب الأخدود سبعين ~~(1) ألفا. # قال وهب: ثم لما غلب أرياط على اليمن خرج ذو نواس هاربا، فاقتحم البحر ~~بفرسه فغرق. # قال ابن إسحاق: وذو نواس هذا اسمه زرعة بن تبان (2) أسعد الحميري، وكان ~~أيضا يسمى يوسف، وكان له غدائر من شعر تنوس، أي تضطرب، فسمى ذا نواس، وكان ~~فعل هذا بأهل نجران، فأفلت منهم رجل اسمه دوس ذو ثعلبان، فساق الحبشة ~~لينتصر بهم، فملكوا اليمن وهلك ذو نواس في البحر، ألقى نفسه فيه، وفيه يقول ~~عمرو بن معدي كرب: # أتوعدني كأنك ذو رعين * بأنعم عيشة أو ذو نواس وكائن كان قبلك من نعيم * ~~وملك ثابت في الناس رأس قديم عهده من عهد عاد * عظيم قاهر الجبروت قاس أزال ~~الدهر ملكهم فأضحى * ينقل من أناس في أناس # PageV19P292 # وذو رعين: ملك من ملوك حمير. ورعين حصن له وهو من ولد الحرث بن عمرو بن ~~حمير ابن سبأ. # مسألة - قال علماؤنا: أعلم الله عز وجل المؤمنين من هذه الأمة في هذه ~~الآية، ما كان يلقاه من وحد قبلهم من الشدائد، يؤنسهم بذلك. وذكر لهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم قصة الغلام ليصبروا على ما يلاقون من الأذى والآلام، ~~والمشقات التي كانوا عليها، ليتأسوا بمثل هذا الغلام، في صبره وتصلبه في ~~الحق وتمسكه به، وبذله نفسه في حق إظهار دعوته، ودخول الناس في الدين مع ~~صغر سنه وعظم صبره. وكذلك الراهب صبر على التمسك بالحق حتى نشر بالمنشار. ~~وكذلك كثير من الناس لما آمنوا بالله تعالى ورسخ الايمان في قلوبهم، صبروا ~~على الطرح في النار ولم يرجعوا في دينهم. ابن العربي: وهذا منسوخ عندنا، ~~حسب ما تقدم بيانه في سورة " النحل " (1). # قلت: ليس بمنسوخ عندنا، وأن الصبر على ذلك لمن قويت نفسه وصلب دينه أولى، ~~قال الله تعالى مخبرا عن لقمان: " يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن ~~المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور " (2) [لقمان: 17]: وروى ~~أبو سعيد ms6644 الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن من أعظم الجهاد كلمة ~~عدل عند سلطان جائر): خرجه الترمذي وقال: حديث حسن غريب، وروى ابن سنجر ~~(محمد بن سنجر) عن أميمة مولاة النبي صلى الله عليه وسلم قالت: كنت أوضئ ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فأتاه رجل، قال: أوصني فقال: (لا تشرك بالله ~~شيئا وأن قطعت أو حرقت بالنار..) الحديث: قال علماؤنا: ولقد امتحن كثير من ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالقتل والصلب والتعذيب الشديد، فصبروا ولم ~~يلتفتوا إلى شئ من ذلك ويكفيك قصة عاصم وخبيب وأصحابهما وما لقوا من الحروب ~~والمحن والقتل والأسر والحرق، وغير ذلك، وقد مضى في " النحل " أن هذا إجماع ~~ممن قوي في ذلك، فتأمله هناك (3). # PageV19P293 # قوله تعالى: " قتل أصحاب الأخدود " دعاء على هؤلاء الكفار بالابعاد من ~~رحمة الله تعالى: وقيل: معناه الاخبار عن قتل أولئك المؤمنين، أي إنهم ~~قتلوا بالنار فصبروا: # وقيل: هو إخبار عن أولئك الظالمين، فإنه روى أن الله قبض أرواح الذين ~~ألقوا في الأخدود قبل أن يصلوا إلى النار، وخرجت نار من الأخدود فأحرقت ~~الذين هم عليها قعود: وقيل: # إن المؤمنين نجوا، وأحرقت النار الذين قعدوا، ذكره النحاس، ومعنى " عليها ~~" أي عندها وعلى بمعنى عند، وقيل: " عليها " على ما يدنو منها من حافات ~~الأخدود، كما قال: # * وبات على النار الندى والمحلق (1) * العامل في " إذ ": " قتل "، أي ~~لعنوا في ذلك الوقت. (وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود) أي حضور: يعني ~~الكفار، كانوا يعرضون الكفر على المؤمنين، فمن أبي ألقوه في النار وفي ذلك ~~وصفهم بالقسوة (2) ثم بالجد في ذلك: وقيل: " على " بمعنى مع، أي وهم: مع ما ~~يفعلون بالمؤمنين شهود. # قوله تعالى: وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد (8) الذي ~~له ملك السماوات والأرض والله على كل شئ شهيد (9) قوله تعالى: (وما نقموا ~~منهم) وقرأ أبو حياة " نقموا " بالكسر، والفصيح هو الفتح، وقد مضى في " ~~براءة " القول فيه (3): أي ما نقم الملك وأصحابه من الذين حرقهم: # (إلا أن يؤمنوا) أي ms6645 إلا أن يصدقوا: (بالله العزيز) أي الغالب المنيع. ~~(الحميد) # PageV19P294 # أي المحمود في كل حال. (الذي له ملك السماوات والأرض) لا شريك له فيهما ~~ولا نديد (والله على كل شئ شهيد) أي عالم بأعمال خلقه لا تخفي عليه خافية. # قوله تعالى: إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب ~~جهنم ولهم عذاب الحريق (10) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجرى ~~من تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير (11) قوله تعالى: (إن الذين فتنوا ~~المؤمنين والمؤمنات) أي حرقوهم بالنار. والعرب تقول: فتن فلان الدرهم ~~والدينار إذا أدخله الكور لينظر جودته. ودينار مفتون. ويسمى الصائغ الفتان، ~~وكذلك الشيطان، وورق فتين، أي فضة محترقة. ويقال (1) للحرة فتين، أي كأنها ~~أحرقت حجارتها بالنار، وذلك لسوادها. (ثم لم يتوبوا) أي من قبيح صنيعهم مع ~~ما أظهره الله لهذا الملك الجبار الظالم وقومه من الآيات والبينات على يد ~~الغلام. (فلهم عذاب جهنم) لكفرهم. (ولهم عذاب الحريق) في الدنيا لاحراقهم ~~المؤمنين بالنار. وقد تقدم عن ابن عباس. وقيل: " ولهم عذاب الحريق " أي ~~ولهم في الآخرة عذاب زائد على عذاب كفرهم بما أحرقوا المؤمنين. وقيل: لهم ~~عذاب، وعذاب جهنم الحريق. والحريق: # اسم من أسماء جهنم، كالسعير. والنار دركات وأنواع ولها أسماء. وكأنهم (2) ~~يعذبون بالزمهرير في جهنم، ثم يعذبون بعذاب الحريق. فالأول عذاب ببردها، ~~والثاني عذاب بحرها. (إن الذين آمنوا) أي هؤلاء الذين كانوا آمنوا بالله، ~~أي صدقوا به وبرسله. # (وعملوا الصالحات لهم جنات) أي بساتين. (تجرى من تحتها الأنهار) من ماء ~~غير آسن، ومن لبن لم يتغير طعمه، ومن خمر لذة للشاربين، وأنهار من عسل ~~مصفى. (ذلك الفوز الكبير) أي العظيم، الذي لا فوز يشبهه (3). # PageV19P295 # قوله تعالى: إن بطش ربك لشديد (12) إنه هو يبدئ ويعيد (13) وهو الغفور ~~الودود (14) ذو العرش المجيد (15) فعال لما يريد (16) قوله تعالى: (إن بطش ~~ربك لشديد) أي أخذه الجبابرة والظلمة، كقوله جل ثناؤه: " وكذلك أخذ ربك إذا ~~أخذ القرى وهي ظالمة، إن أخذه أليم شديد " [هود: 102]. وقد تقدم (1). قال ~~المبرد: " إن بطش ربك " جواب ms6646 القسم. المعنى: والسماء ذات البروج إن بطش ~~ربك، وما بينهما معترض مؤكد للقسم. وكذلك قال الترمذي الحكيم في نوادر ~~الأصول: # إن القسم واقع عما ذكر صفته بالشدة. (إنه يبدئ ويعيد) يعني الخلق - عن ~~أكثر العلماء - يخلقهم ابتداء، ثم يعيدهم عند البعث، وروى عكرمة قال: عجب ~~الكفار من إحياء الله جل ثناؤه الأموات، وقال ابن عباس: يبدئ لهم عذاب ~~الحريق في الدنيا، ثم يعيده عليهم في الآخرة. وهذا اختيار الطبري. (وهو ~~الغفور) أي الستور لذنوب عباده المؤمنين لا يفضحهم بها. (الودود) أي المحب ~~لأوليائه. وروى الضحاك عن ابن عباس قال: كما يود أحدكم أخاه بالبشرى ~~والمحبة. وعنه أيضا " الودود " أي المتودد إلى أوليائه بالمغفرة، وقال ~~مجاهد الواد لأوليائه، فعول بمعنى فاعل. وقال ابن زيد: الرحيم، وحكى المبرد ~~عن إسماعيل بن إسحاق القاضي أن الودود هو الذي لا ولد له، وأنشد قول ~~الشاعر: # وأركب في الروع عريانة * ذلول الجناح لقاحا ودودا أي لا ولد لها تحن ~~إليه، ويكون معنى الآية: إنه يغفر لعباده وليس له ولد يغفر لهم من أجله، ~~ليكون بالمغفرة متفضلا من غير جزاء. وقيل: الودود بمعنى المودود، كركوب ~~وحلوب، أي يوده عباده الصالحون ويحبونه. (ذو العرش المجيد) قرأ الكوفيون ~~إلا عاصما " المجيد " بالخفض، نعتا للعرش. وقيل: ل‍ " - ربك "، أي إن بطش ~~ربك المجيد لشديد، # PageV19P296 # ولم يمتنع الفصل، لأنه جار مجرى الصفة في التشديد. الباقون بالرفع نعتا ~~ل‍ " - ذو " وهو الله تعالى. واختاره أبو عبيد وأبو حاتم، لان المجد هو ~~النهاية في الكرم والفضل، والله سبحانه المنعوت بذلك، وإن كان قد وصف عرشه ~~بالكريم في آخر " المؤمنون (1). تقول العرب: # في كل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار (2)، أي تناهيا فيه، حتى يقتبس ~~منهما. ومعنى ذو العرش: # أي ذو الملك والسلطان، كما يقال: فلان على سرير ملكه، وإن لم يكن على ~~سرير. ويقال: # ثل عرشه: أي ذهب سلطانه. وقد مضى بيان هذا في " الأعراف " (3) وخاصة في " ~~كتاب الأسنى، في شرح أسماء الله الحسني ". (فعال لما يريد) أي لا يمتنع ~~عليه شئ يريده. ms6647 # الزمخشري: " فعال " خبر ابتداء محذوف. وإنما قيل: " فعال " لان ما يريد ~~ويفعل في غاية الكثرة. وقال الفراء: هو رفع على التكرير والاستئناف، لأنه ~~نكرة محضة. وقال الطبري: رفع " فعال " وهي نكرة محضة على وجه الاتباع ~~لاعراب " الغفور الودود ". # وعن أبي السفر (4) قال: دخل ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على ~~أبي بكر رضي الله عنه يعودونه فقالوا: ألا نأتيك بطبيب؟ قال: قد رآني! ~~قالوا: فما قال لك؟ قال: # قال: إني فعال لما أريد. # قوله تعالى: هل أتاك حديث الجنود (17) فرعون وثمود (18) بل الذين كفروا ~~في تكذيب (19) قوله تعالى: (هل أتاك حديث الجنود) أي قد أتاك يا محمد خبر ~~الجموع الكافرة المكذبة لأنبيائهم، يؤنسه بذلك ويسليه. ثم بينهم فقال. ~~(فرعون وثمود) وهما في موضع جر على البدل من " الجنود ". المعنى: إنك قد ~~عرفت ما فعل الله بهم حين كذبوا أنبياءه ورسله. (بل الذين كفروا) أي من ~~هؤلاء الذين لا يؤمنون بك. (في تكذيب) # PageV19P297 # لك، كدأب من قبلهم. وإنما خص فرعون وثمود، لان ثمود في بلاد العرب وقصتهم ~~عندهم مشهورة وإن كانوا من المتقدمين. وأمر فرعون كان مشهورا عند أهل ~~الكتاب وغيرهم، وكان من المتأخرين في الهلاك، فدل بهما على أمثالهما في ~~الهلاك. والله أعلم. # قوله تعالى: والله من ورائهم محيط (20) بل هو قرآن مجيد (21) في لوح ~~محفوظ (22) قوله تعالى: (والله من ورائهم محيط) أي يقدر على أن ينزل بهم ما ~~أنزل بفرعون. # والمحاط به كالمحصور. وقيل: أي والله عالم بهم فهو يجازيهم. (بل هو قرآن ~~مجيد) أي متناه في الشرف والكرم والبركة، وهو بيان ما بالناس الحاجة إليه ~~من أحكام الدين والدنيا، لا كما زعم المشركون. وقيل " مجيد ": أي غير ~~مخلوق. (في لوح محفوظ) أي مكتوب في لوح. وهو محفوظ عند الله تعالى من وصول ~~الشياطين إليه. وقيل: هو أم الكتاب، ومنه انتسخ القرآن والكتب. وروى الضحاك ~~عن ابن عباس قال: " اللوح من ياقوتة حمراء، أعلاه معقود بالعرش وأسفله في ~~حجر ملك يقال له ماطريون (1)، كتابه نور، وقلمه نور، ms6648 ينظر الله عز وجل فيه ~~كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة، ليس منها نظرة إلا وهو يفعل ما يشاء، يرفع ~~وضيعا، ويضع رفيعا "، ويغني فقيرا، ويفقر غنيا، يحيي ويميت، ويفعل ما يشاء، ~~لا إله إلا هو ". وقال أنس بن مالك ومجاهد: إن اللوح المحفوظ الذي ذكره ~~الله تعالى في جبهة إسرافيل. وقال مقاتل: اللوح المحفوظ عن يمين العرش. ~~وقيل: اللوح المحفوظ الذي فيه أصناف الخلق والخليقة، وبيان أمورهم، وذكر ~~آجالهم وأرزاقهم وأعمالهم والأقضية النافذة فيهم ومآل عواقب أمورهم، وهو أم ~~الكتاب. وقال ابن عباس: أول شئ كتبه الله تعالى في اللوح المحفوظ " إني أنا ~~الله لا إله إلا أنا، محمد رسولي، من استسلم لقضائي، وصبر على بلائي، وشكر ~~نعمائي، كتبته صديقا وبعثته مع الصديقين، ومن لم يستسلم لقضائي # PageV19P298 # ولم يصبر على بلائي، ولم يشكر نعمائي، فليتخذ إلها سواي ". وكتب الحجاج ~~إلى محمد ابن الحنفية رضي الله عنه يتوعده، فكتب إليه ابن الحنفية: " بلغني ~~أن لله تعالى في كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة في اللوح المحفوظ، يعز ويذل، ~~ويبتلي ويفرح، ويفعل ما يريد، فلعل نظرة منها تشغلك بنفسك، فتشتغل بها ولا ~~تتفرغ ". وقال بعض المفسرين: اللوح شئ يلوح للملائكة فيقرؤونه. وقرأ ابن ~~السميقع وأبو حياة " قرآن مجيد " على الإضافة، أي قرآن رب مجيد. وقرأ نافع ~~" في لوح محفوظ " بالرفع نعتا للقرآن، أي بل هو قرآن مجيد محفوظ في لوح. ~~الباقون (بالجر) نعتا للوح. والقراء متفقون على فتح اللام من " لوح " إلا ~~ما روى عن يحيى بن يعمر، فإنه قرآن " لوح " بضم اللام، أي إنه يلوح، وهو ذو ~~نور وعلو وشرف. قال الزمخشري: واللوح الهواء، يعني اللوح فوق السماء ~~السابعة الذي فيه اللوح. وفي الصحاح: لاح الشئ يلوح لوحا أي لمح. ولاحه ~~السفر: غيره. ولاح لوحا ولواحا: عطش، والتاج مثله. واللوح: الكتف، وكل عظم ~~عريض. واللوح: الذي يكتب فيه. واللوح (بالضم): الهواء بين السماء والأرض. ~~والحمد لله. # تم بعون الله تعالى الجزء التاسع عشر من تفسير القرطبي يتلوه إن شاء الله ~~تعالى الجزء ms6649 العشرون وأوله: # " سورة (الطارق) " PageV19P299 # الجامع لاحكام القرآن لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي الجزء ~~العشرون أعاد طبعه دار احياء التراث العربي بيروت - لبنان 1405 ه‍ 1985 م ~~بسم الله الرحمن الرحيم سورة " الطارق " مكية، وهي سبع عشرة آية (قوله ~~تعالى: والسماء والطارق (1) وما أدراك ما الطارق (2) النجم الثاقب (3) قوله ~~تعالى (والسماء والطارق) قسمان: " السماء " قسم، و " الطارق " قسم. # والطارق: النجم. وقد بينه الله تعالى بقوله: " وما أدراك ما الطارق. ~~النجم الثاقب ". # واختلف فيه، فقيل: هو زحل: الكوكب الذي في السماء السابعة، ذكره محمد بن ~~الحسن (1) في تفسيره، وذكر له أخبارا، الله أعلم بصحتها. وقال ابن زيد: إنه ~~الثريا. وعنه أيضا أنه زحل، وقاله الفراء. ابن عباس: هو الجدي. وعنه أيضا ~~وعن علي بن أبي طالب - رضي الله عنهما - والفراء: " النجم الثاقب ": نجم في ~~السماء السابعة، لا يسكنها غيره من النجوم، فإذا أخذت النجوم أمكنتها من ~~السماء، هبط فكان معها. ثم يرجع إلى مكانه من السماء السابعة، وهو زحل، فهو ~~طارق حين ينزل، وطارق حين يصعد. وحكى الفراء: ثقب الطائر: # إذا ارتفع وعلا. وروى أبو صالح عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قاعدا مع أبي طالب، فانحط نجم، فامتلأت الأرض نورا، ففزع أبو ~~طالب، وقال: أي شئ هذا؟ # فقال: " هذا نجم رمي به، وهو آية من آيات الله " فعجب أبو طالب، ونزل: " ~~والسماء والطارق ". # وروي عن ابن عباس أيضا " والسماء والطارق " [قال: السماء (2)] وما يطرق ~~فيها. وعن # PageV20P001 # ابن عباس وعطاء: " الثاقب ": الذي ترمى به الشياطين. قتادة: هو عام في ~~سائر النجوم، لان طلوعها بليل، وكل من أتاك ليلا فهو طارق. قال: # ومثلك حبلي قد طرقت ومرضعا * فألهيتها عن ذي تمائم مغيل (1) وقال: # ألم ترياني كلما جئت طارقا * وجدت بها طيبا وإن لم تطيب فالطارق: النجم، ~~اسم جنس، سمي بذلك لأنه يطرق ليلا، ومنه الحديث: [نهى النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن يطرق المسافر أهله ليلا، كي تستحد المغيبة، وتمتشط الشعثة] (2). ~~والعرب تسمى كل قاصد ms6650 في الليل طارقا. يقال: طرق فلان إذا جاء بليل. وقد طرق ~~يطرق طروقا، فهو طارق. ولابن الرومي: (3) يا راقد الليل مسرورا بأوله * إن ~~الحوادث قد يطرقن أسحارا لا تفرحن بليل طاب أوله * فرب آخر ليل أجج النارا ~~وفي الصحاح: والطارق: النجم الذي يقال له كوكب الصبح. ومنه قول هند: (4) ~~نحن بنات طارق * نمشي على النمارق أي إن أبانا في الشرف كالنجم المضئ. ~~الماوردي: وأصل الطرق: الدق، ومنه سميت المطرقة، فسمى قاصد الليل طارقا، ~~لاحتياجه في الوصول إلى الدق. وقال قوم: إنه قد يكون نهارا. والعرب تقول، ~~أتيتك اليوم طرقتين: أي مرتين. ومنه قوله صلى الله عليه # PageV20P002 # وسلم: [أعوذ بك من شر طوارق الليل والنهار، إلا طارقا يطرق بخير يا ~~رحمن]. وقال جرير في الطروق: # طرقتك صائدة القلوب وليس ذا * حين الزيارة فارجعي بسلام ثم بين فقال: ~~(وما أدراك ما الطارق. النجم الثاقب) والثاقب: المضئ. ومنه " شهاب ثاقب " ~~(1). يقال ثقب يثقب ثقوبا وثقابة: إذا أضاء. وثقوبه: ضوءه. والعرب تقول: # أثقب نارك، أي أضئها. قال: # أذاع به في الناس حتى كأنه * بعلياء نار أوقدت بثقوب الثقوب: ما تشعل به ~~النار من دقاق العيدان. وقال مجاهد: الثاقب: المتوهج. القشيري: # والمعظم على أن الطارق والثاقب اسم جنس أريد به العموم (2)، كما ذكرنا عن ~~مجاهد. (وما أدراك ما الطارق) تفخيما لشأن هذا المقسم به. وقال سفيان: كل ~~ما في القرآن " وما أدراك "؟ # فقد أخبره به. وكل شئ قال فيه " وما يدريك ": لم يخبره به. # قال قتادة: حفظة يحفظون عليك رزقك وعملك وأجلك. وعنه أيضا قال: قرينه ~~يحفظ عليه عمله: من خير أو شر. وهذا هو جواب القسم. وقيل: الجواب " إنه على ~~رجعه لقادر " في قول الترمذي: محمد بن علي. و " إن ": مخففة من الثقيلة، و ~~" ما ": مؤكدة، أي إن كل نفس لعليها حافظ. وقيل: المعنى إن كل نفس إلا ~~عليها حافظ: يحفظها من الآفات، حتى يسلمها إلى القدر. قال الفراء: الحافظ ~~من الله، يحفظها حتى يسلمها إلى المقادير، وقاله الكلبي. وقال أبو أمامة: ~~قال النبي ms6651 صلى الله عليه وسلم: [وكل بالمؤمن مائة وستون ملكا يذبون عنه ما ~~لم يقدر عليه. من ذلك البصر، سبعة أملاك يذبون عنه، كما يذب عن قصعة العسل ~~الذباب. ولو وكل العبد إلى نفسه طرفة عين لاختطفته الشياطين]. وقراءة ابن ~~عامر وعاصم وحمزة " لما " بتشديد الميم، أي ما كل نفس إلا عليها حافظ، وهي ~~لغة # PageV20P003 # هذيل: يقول قائلهم: نشدتك لما قمت. الباقون بالتخفيف، على أنها زائدة ~~مؤكدة، كما ذكرنا. ونظير هذه الآية قوله تعالى: " له معقبات من بين يديه ~~ومن خلفه يحفظونه من أمر الله " (1) [الرعد: 11]، على ما تقدم. وقيل: ~~الحافظ هو الله سبحانه، فلو لا حفظه لها لم تبق. وقيل: # الحافظ عليه عقله يرشده إلى مصالحه، ويكفه عن مضاره. # قلت: العقل وغيره وسائط، والحافظ في الحقيقة هو الله عز وجل، قال الله عز ~~وجل: # " فالله خير حافظا " (2) [يوسف: 65]، وقال: " قل من يكلؤكم بالليل ~~والنهار من الرحمن " (3) [الأنبياء: 52]. وما كان مثله. # قوله تعالى: فلينظر الانسان مم خلق (5) خلق من ماء دافق (6) يخرج من بين ~~الصلب والترائب (7) إنه على رجعه لقادر (8) قوله تعالى: (فلينظر الانسان) ~~أي أبن أدم " مم خلق " وجه الاتصال بما قبله توصية الانسان بالنظر في أول ~~أمره وسنته الأولى، حتى يعلم أن من أنشأه قادر على إعادته وجزائه، فيعمل ~~ليوم الإعادة والجزاء، ولا يملي على حافظه إلا ما يسره في عاقبة أمره. و " ~~مم خلق "؟ # استفهام، أي من أي شئ خلق؟ ثم قال: (خلق) وهو جواب الاستفهام " من ماء ~~دافق " أي من المني. والدفق: صب الماء، دفقت الماء أدفقه دفقا: صببته، فهو ~~ماء دافق، أي مدفوق، كما قالوا: سر كاتم: أي مكتوم، لأنه من قولك: دفق ~~الماء، على ما لم يسم فاعله. ولا يقال: دفق الماء (4). ويقال: دفق الله ~~روحه: إذا دعي عليه بالموت. # قال الفراء والأخفش: " من ماء دافق " أي مصبوب في الرحم، الزجاج: من ماء ~~ذي اندفاق. # يقال: دارع وفارس ونابل، أي ذو فرس، ودرع، ونبل. وهذا مذهب سيبويه. ~~فالدافق هو المندفق بشدة قوته. وأراد ماءين: ماء ms6652 الرجل وماء المرأة، لان ~~الانسان مخلوق منهما، لكن جعلهما ماء واحدا لامتزاجهما. وعن عكرمة عن ابن ~~عباس: " دافق " لزج. (يخرج) # PageV20P004 # أي هذا الماء (من بين الصلب) أي الظهر. وفيه لغات أربع: (1) صلب، وصلب - ~~وقرئ بهما - وصلب (بفتح اللام)، وصالب (على وزن قالب)، ومنه قول العباس: ~~(2) * تنقل من صالب إلى رحم * (والترائب): أي الصدر، الواحدة: تريبة، وهي ~~موضع القلادة من الصدر. قال: # مهفهفة بيضاء غير مفاضة * ترائبها مصقولة كالسجنجل (3) والصلب من الرجل، ~~والترائب من المرأة. قال ابن عباس: الترائب: موضع القلادة. وعنه: # ما بين ثدييها، وقال عكرمة. وروي عنه: يعني ترائب المرأة: اليدين ~~والرجلين والعينين، وبه قال الضحاك. وقال سعيد بن جبير: هو الجيد. مجاهد: ~~هو ما بين المنكبين والصدر وعنه: # الصدر. وعنه: التراقي. وعن ابن جبير عن ابن عباس: الترائب: أربع أضلاع من ~~هذا الجانب. وحكى الزجاج: أن الترائب أربع أضلاع من يمنة الصدر، وأربع ~~أضلاع من يسرة الصدر. وقال معمر بن أبي حبيبة المدني: الترائب عصارة القلب، ~~ومنها يكون الولد. # والمشهور من كلام العرب: أنها عظام الصدر والنحر (4). وقال دريد بن ~~الصمة: # فإن تدبروا نأخذكم في ظهوركم * وإن تقبلوا نأخذكم في الترائب وقال آخر: # وبدت كأن ترائبا من نحرها * جمر الغضى في ساعد تتوقد وقال آخر: # والزعفران على ترائبها * شرق به اللبات والنحر (5) # PageV20P005 # وعن عكرمة: الترائب: الصدر، ثم أنشد: # * نظام در على ترائبها وقال ذو الرمة: # * ضرجن البرود عن ترائب حرة (1) أي شققن. ويروي " ضرحن " بالحاء، أي ~~ألقين. وفي الصحاح: والتربية: واحدة الترائب، وهي عظام الصدر، ما بين ~~الترقوة والثندوة. # قال الشاعر: # * أشرف ثدياها على التريب * (2) وقال المثقب العبدي: # ومن ذهب يسن (3) على تريب * كلون العاج ليس بذي غضون (4) [عن غير ~~الجوهري: الثندوة للرجل: بمنزلة الثدي للمرأة. وقال الأصمعي: مغرز الثدي. ~~وقال ابن السكيت: هي اللحم الذي حول الثدي، إذا ضممت أولها همزت، وإذا فتحت ~~لم تهمز] (5). # وفي التفسير: يخلق من ماء الرجل الذي يخرج من صلبه العظم والعصب. ومن ماء ~~المرأة الذي يخرج من ترائبها اللحم والدم، وقاله ms6653 الأعمش. وقد تقدم مرفوعا ~~في أول سورة [آل عمران]. (6) والحمد لله - وفي (الحجرات) " إنا خلقناكم من ~~ذكر وأنثى " [الحجرات: 31] وقد تقدم (7). وقيل: إن ماء الرجل ينزل من ~~الدماغ، ثم يجتمع في الأنثيين. وهذا لا يعارض قوله: " من بين الصلب "، لأنه # PageV20P006 # إن نزل من الدماغ، فإنما يمر بين الصلب والترائب. وقال قتادة: المعنى ~~ويخرج من صلب الرجل وترائب المرأة. وحكى الفراء أن مثل هذا يأتي عن العرب، ~~وعليه فيكون معنى من بين الصلب: من الصلب. وقال الحسن: المعنى: يخرج من صلب ~~الرجل وترائب الرجل، ومن صلب المرأة وترائب المرأة. ثم إنا نعلم أن النطفة ~~من جميع أجزاء البدن، ولذلك يشبه الرجل والديه كثيرا (1). وهذه الحكمة في ~~غسل جميع الجسد من خروج المني. وأيضا المكثر من الجماع يجد وجعا في ظهره ~~وصلبه، وليس ذلك إلا لخلو صلبه عما كان محتبسا من الماء. وروى إسماعيل عن ~~أهل مكة " يخرج من بين الصلب " بضم اللام. ورويت عن عيسى الثقفي. # حكاه المهدوي وقال: من جعل المني يخرج من بين صلب الرجل وترائبه، فالضمير ~~في " يخرج " للماء. ومن جعله من بين صلب الرجل وترائب المرأة، فالضمير ~~للانسان. وقرئ " الصلب "، بفتح الصاد واللام. وفيه أربع لغات (2): صلب وصلب ~~وصلب وصالب. قال العجاج: # * في صلب مثل العنان المؤدم * وفي مدح النبي صلى الله عليه وسلم: # * تنقل من صالب إلى رحم * (3) الأبيات مشهورة معروفة. " إنه " أي إن الله ~~جل ثناؤه " على رجعه " أي على رد الماء في الإحليل، " لقادر " كذا قال ~~مجاهد والضحاك. وعنهما أيضا أن المعنى: إنه على رد الماء في الصلب، وقال ~~عكرمة. وعن الضحاك أيضا أن المعنى: إنه على رد الانسان ماء كما كان لقادر. ~~وعنه أيضا أن المعنى: إنه على رد الانسان من الكبر إلى الشباب، ومن الشباب ~~إلى الكبر، لقادر. # وكذا في المهدوي. وفي الماوردي والثعلبي: إلى الصبا، ومن الصبا إلى ~~النطفة. وقال ابن زيد: # إنه على حبس ذلك الماء حتى لا يخرج، لقادر. وقال ابن عباس وقتادة والحسن ~~وعكرمة أيضا: # إنه على رد ms6654 الانسان بعد الموت لقادر. وهو اختيار الطبري. الثعلبي: وهو ~~الأقوى، لقوله تعالى: " يوم تبلى السرائر " [الطارق: 9] قال الماوردي: ~~ويحتمل أنه على أن يعيده إلى الدنيا بعد بعثه في الآخرة، لان الكفار يسألون ~~الله تعالى فيها الرجعة. # PageV20P007 # قوله تعالى: يوم تبلى السرائر (9) فيه مسألتان: # الأولى: العامل في " يوم " - في قول من جعل المعنى إنه على بعث الانسان - ~~قوله " لقادر "، ولا يعمل فيه " رجعه " لما فيه من التفرقة بين الصلة ~~والموصول بخبر " إن ". # وعلى الأقوال الاخر التي في " إنه على رجعه لقادر "، يكون العامل في " ~~يوم " فعل مضمر، ولا يعمل فيه " لقادر "، لان المراد في الدنيا. و " تبلى " ~~أي تمتحن وتختبر، وقال أبو الغول الطهوي: (1) ولا تبلى بسالتهم وإن هم * ~~صلوا بالحرب حينا بعد حين ويروى " تبلى بسالتهم ". فمن رواه " تبلى " - بضم ~~التاء - جعله من الاختبار، وتكون البسالة على هذه الرواية الكراهة، كأنه ~~قال: لا يعرف لهم فيها كراهة. و " تبلى " تعرف. # قال الراجز: # قد كنت قبل اليوم تزدريني * فاليوم أبلوك وتبتليني أي أعرفك وتعرفني. ومن ~~رواه " تبلى " - بفتح التاء - فالمعنى: أنهم لا يضعفون عن الحرب وإن تكررت ~~عليهم زمانا بعد زمان. وذلك أن الأمور الشداد إذا تكررت على الانسان هدته ~~وأضعفته. وقيل: " تبلى السرائر ": أي تخرج مخبآتها وتظهر، وهو كل ما كان ~~استسره الانسان من خير أو شر، وأضمره من إيمان أو كفر، كما قال الأحوص: # (2) سيبقى لها في مضمر القلب والحشا * سريرة ود يوم تبلى السرائر # PageV20P008 # الثانية: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ائتمن الله تعالى ~~خلقه على أربع: # على الصلاة، والصوم، والزكاة، والغسل، وهي السرائر التي يختبرها الله عز ~~وجل يوم القيامة). # ذكره المهدوي. وقال ابن عمر قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ثلاث من حافظ ~~عليها فهو ولي الله حقا، ومن اختانهن فهو عدو الله حقا: الصلاة، والصوم، ~~والغسل من الجنابة) ذكره الثعلبي. وذكر الماوردي عن زيد ابن أسلم: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: (الأمانة ثلاث: # الصلاة والصوم، والجنابة. استأمن الله عز وجل ms6655 ابن أدم على الصلاة، فإن ~~شاء قال صليت ولم يصل. استأمن الله عز وجل ابن آدم على الصوم، فإن شاء قال ~~صمت ولم يصم. استأمن الله عز وجل ابن آدم على الجنابة، فإن شاء قال اغتسلت ~~ولم يغتسل، اقرؤوا إن شئتم " يوم تبلى السرائر ")، وذكره الثعلبي عن عطاء. ~~وقال مالك في رواية أشهب عنه، وسألته عن قوله تعالى: # " يوم تبلى السرائر ": أبلغك أن الوضوء من السرائر؟ قال: قد بلغني ذلك ~~فيما يقول الناس، فأما حديث أحدث (1) به فلا. والصلاة من السرائر، والصيام ~~من السرائر، إن شاء قال صليت ولم يصل. ومن السرائر ما في القلوب، يجزي الله ~~به العباد. قال ابن العربي: قال ابن مسعود يغفر للشهيد إلا الأمانة، ~~والوضوء من الأمانة، والصلاة والزكاة من الأمانة، والوديعة من الأمانة، ~~وأشد ذلك الوديعة، تمثل له على هيئتها يوم أخذها، فيرمى بها في قعر جهنم، ~~فيقال له: أخرجها، فيتبعها فيجعلها في عنقه، فإذا رجا أن يخرج بها زلت منه، ~~فيتبعها، فهو كذلك دهر الداهرين. وقال أبي بن كعب: من الأمانة أن ائتمنت ~~المرأة على فرجها. # قال أشهب: قال لي سفيان: في الحيضة والحمل، إن قالت لم أحض وأنا حامل ~~صدقت، ما لم تأت بما يعرف فيه أنها كاذبة. وفي الحديث: [غسل الجنابة من ~~الأمانة]. وقال ابن عمر: يبدي الله يوم القيامة كل سر خفي، فيكون زينا في ~~الوجوه، وشينا في الوجوه. # والله عالم بكل شئ، ولكن يظهر علامات الملائكة والمؤمنين. # PageV20P009 # قوله تعالى: فما له من قوة ولا ناصر (10) قوله تعالى: (فما له) أي ~~للانسان " من قوة " أي منعة تمنعه. " ولا ناصر " ينصره مما نزل به. وعن ~~عكرمة " فما له من قوة ولا ناصر " قال: هؤلاء الملوك ما لهم يوم القيامة من ~~قوة ولا ناصر. وقال سفيان: القوة: العشيرة. والناصر: الحليف. وقيل: # " فما له من قوة " في بدنه. " ولا ناصر " من غيره يمتنع به من الله. وهو ~~معنى قول قتادة. # قوله تعالى: والسماء ذات الرجع (11) والأرض ذات الصدع (12) إنه لقول فصل ~~(13) وما هو ms6656 بالهزل (14) إنهم يكيدون كيدا (15) وأكيد كيدا (16) قوله ~~تعالى: (والسماء ذات الرجع) أي ذات المطر. ترجع كل سنة بمطر بعد مطر. # كذا قاله عامة المفسرين. وقال أهل اللغة: الرجع: المطر، وأنشدوا للمتنخل ~~يصف سيفا شبهه بالماء: # أبيض كالرجع رسوب إذا * ما ثاخ في محتفل يختلي [ثاخت قدمه في الوحل تثوخ ~~وتثيخ: خاضت وغابت فيه، قاله الجوهري (1)]. # قال الخليل: الرجع: المطر نفسه، والرجع أيضا: نبات الربيع. وقيل: " ذات ~~الرجع ". # أي ذات النفع. وقد يسمى المطر أيضا أوبا، كما يسمى رجعا، قال: # رباء شماء لا يأوي لقلتها * إلا السحاب وإلا الأوب والسبل (2) # PageV20P010 # وقال عبد الرحمن بن زيد: الشمس والقمر والنجوم يرجعن في السماء، تطلع من ~~ناحية وتغيب في أخرى. وقيل: ذات الملائكة، لرجوعهم إليها بأعمال العباد. ~~وهذا قسم. # (والأرض ذات الصدع) قسم آخر، أي تتصدع عن النبات والشجر والثمار ~~والأنهار، نظيره " ثم شققنا الأرض شقا " (1) [عبس: 26]... الآية. والصدع: ~~بمعنى الشق، لأنه يصدع الأرض، فتنصدع به. وكأنه قال: والأرض ذات النبات، ~~لان النبات صادع للأرض. وقال مجاهد: # والأرض ذات الطرق التي تصدعها المشاة. وقيل: ذات الحرث، لأنه يصدعها. ~~وقيل: # ذات الأموات: لانصداعها عنهم للنشور. (إنه لقول فصل) على هذا وقع القسم. # أي إن القرآن يفصل بين الحق والباطل. وقد تقدم في مقدمة الكتاب (2) ما ~~رواه الحارث عن علي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: [كتاب فيه خبر ما قبلكم وحكم ما بعدكم، هو الفصل، ليس بالهزل، من ~~تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله]. وقيل: المراد ~~بالقول الفصل: ما تقدم من الوعيد في هذه السورة، من قوله تعالى: " إنه على ~~رجعه لقادر. يوم تبلى السرائر ". (وما هو بالهزل) أي ليس القرآن بالباطل ~~واللعب. والهزل: ضد الجد، وقد هزل يهزل. قال الكميت. # * يجد بنا في كل يوم ونهزل (3) * " إنهم " أي إن أعداء الله " يكيدون ~~كيدا " أي يمكرون بمحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه مكرا. (وأكيد كيدا) أي ~~أجازيهم جزاء كيدهم. وقيل: هو ما أوقع ms6657 الله بهم يوم بدر من القتل والأسر. ~~وقيل: كيد الله: استدراجهم من حيث لا يعلمون. وقد مضى هذا المعنى في أول " ~~البقرة "، عند قوله تعالى: " الله يستهزئ بهم " [البقرة: 15]. مستوفي (4). # PageV20P011 # قوله تعالى: فمهل الكافرين أمهلهم رويدا (17) قوله تعالى: " فمهل ~~الكافرين " أي أخرهم، ولا تسأل الله تعجيل إهلاكهم، وارض بما يدبره (1) في ~~أمورهم. ثم نسخت بآية السيف " فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم " [التوبة: 5] ~~(2). # " أمهلهم " تأكيد. ومهل وأمهل: بمعنى، مثل نزل وأنزل. وأمهله: أنظره، ~~ومهله تمهيلا، والاسم: المهلة. والاستمهال: الاستنظار. وتمهل في أمره أي ~~اتأد. واتمهل اتمهلالا: # أي اعتدل وانتصب. والاتمهلال أيضا: سكون وفتور. ويقال: مهلا يا فلان، أي ~~رفقا وسكونا. " رويدا " أي قريبا، عن ابن عباس. قتادة: قليلا. والتقدير: ~~أمهلهم إمهالا قليلا. والرويد في كلام العرب: تصغير رود. وكذا قاله أبو ~~عبيد. وأنشد: # * كأنها ثمل يمشي على رود (3) * أي على مهل. وتفسير " رويدا ": مهلا، ~~وتفسير (رويدك): أمهل، لان الكاف إنما تدخله إذا كان بمعنى أفعل دون غيره، ~~وإنما حركت الدال لالتقاء الساكنين، فنصب نصب المصادر، وهو مصغر مأمور به، ~~لأنه تصغير الترخيم من إرواد، وهو مصدر أرود يرود. وله أربعة أوجه: اسم ~~للفعل، وصفة، وحال، ومصدر، فالاسم نحو قولك: رويد عمرا، أي أرود عمرا، ~~بمعنى أمهله. والصفة نحو قولك: ساروا سيرا رويدا. والحال نحو قولك: سار ~~القوم رويدا، لما اتصل بالمعرفة صار حالا لها. والمصدر نحو قولك: رويد عمرو ~~بالإضافة، كقوله تعالى: " فضرب الرقاب " (4) [محمد: 4]. قال جميعه الجوهري. ~~والذي في الآية من هذه الوجوه أن يكون نعتا للمصدر، أي إمهالا رويدا. ويجوز ~~أن يكون للحال، أي أمهلهم غير مستعجل لهم العذاب. ختمت السورة. # PageV20P012 # سورة " الاعلى " مكية في قول الجمهور. وقال الضحاك: مدنية. وهي تسع عشرة ~~آية. # بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: سبح اسم ربك الاعلى (1) يستحب للقارئ ~~إذا قرأ " سبح اسم ربك الاعلى " أن يقول عقبه: سبحان ربي الاعلى، قاله ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وقاله جماعة من الصحابة والتابعين، على ما يأتي. ~~وروى جعفر ابن محمد عن أبيه عن جده ms6658 قال: إن لله تعالى ملكا يقال له ~~حزقيائيل، له ثمانية عشر ألف جناح، ما بين الجناح إلى الجناح مسيرة خمسمائة ~~عام، فخطر له خاطر: هل تقدر أن تبصر العرش جميعه؟ فزاده الله أجنحة مثلها، ~~فكان له ستة وثلاثون ألف جناح، ما بين الجناح إلى الجناح خمسمائة عام. ثم ~~أوحى الله إليه: أيها الملك، أن طر، فطار مقدار عشرين ألف سنة، فلم يبلغ ~~رأس قائمة من قوائم العرش. ثم ضاعف الله له في الأجنحة والقوة، وأمره أن ~~يطير، فطار مقدار ثلاثين ألف سنة أخرى، فلم يصل أيضا، فأوحى الله إليه: ~~أيها الملك، لو طرت إلى نفخ الصور مع أجنحتك وقوتك لم تبلغ ساق عرشي. فقال ~~الملك: سبحان ربي الاعلى، فأنزل الله تعالى: " سبح اسم ربك الاعلى ". فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # اجعلوها في سجودكم). ذكره الثعلبي في (كتاب العرائس) له. وقال ابن عباس ~~والسدي: # معنى " سبح اسم ربك الاعلى " أي عظم ربك الاعلى. والاسم صلة، قصد بها ~~تعظيم المسمى، كما قال لبيد: # * إلى الحول ثم اسم السلام عليكما (1) * # PageV20P013 # وقيل: نزه ربك عن السوء، وعما يقول فيه الملحدون. وذكر الطبري أن المعنى ~~نزه اسم ربك عن أن تسمى به أحدا سواه. وقيل: نزه تسمية ربك وذكرك إياه، أن ~~تذكره إلا وأنت خاشع معظم، ولذكره محترم. وجعلوا الاسم بمعنى التسمية، ~~والأولى أن يكون الاسم هو المسمى. روى نافع عن ابن عمر قال: لا تقل على اسم ~~الله، فإن اسم الله هو الاعلى. # وروى أبو صالح عن ابن عباس: صل بأمر ربك الاعلى. قال: وهو أن تقول سبحان ~~ربك الاعلى. وروي عن علي رضي الله عنه، وابن عباس وابن عمر وابن الزبير ~~وأبي موسى وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم: أنهم كانوا إذا افتتحوا قراءة ~~هذه السورة قالوا: # سبحان ربي الاعلى، امتثالا لامره في ابتدائها. فيختار الاقتداء بهم في ~~قراءتهم، لا أن سبحان ربي الاعلى من القرآن، كما قاله بعض أهل الزيغ. وقيل: ~~إنها في قراءة أبي: # " سبحان ربي الاعلى ". وكان ابن ms6659 عمر يقرؤها كذلك. وفي الحديث: كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأها قال: [سبحان ربي الاعلى]. قال أبو بكر ~~الأنباري: حدثني محمد بن شهريار، قال: حدثنا حسين بن الأسود، قال: حدثنا ~~عبد الرحمن بن أبي حماد قال: حدثنا عيسى ابن عمر، عن أبيه، قال: قرأ علي بن ~~أبي طالب عليه السلام في الصلاة " سبح اسم ربك الاعلى "، ثم قال: سبحان ربي ~~الاعلى، فلما انقضت الصلاة قيل له: يا أمير المؤمنين، أتزيد هذا في القرآن؟ ~~قال: ما هو؟ قالوا: سبحان ربي الاعلى. قال: لا، إنما أمرنا بشئ فقلته، وعن ~~عقبة بن عامر الجهني قال: لما نزلت " سبح اسم ربك الاعلى " قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: (اجعلوها في سجودكم). وهذا كله يدل على أن الاسم هو ~~المسمى، لأنهم لم يقولوا: # سبحان اسم ربك الاعلى. وقيل: إن أول من قال [سبحان ربي الاعلى] ميكائيل ~~عليه السلام. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل: (يا جبريل أخبرني بثواب من قال: ~~سبحان ربي الاعلى في صلاته أو في غير صلاته). فقال: (يا محمد، ما من مؤمن ~~ولا مؤمنة يقولها في سجوده أو في غير سجوده، إلا كانت له في ميزانه أثقل من ~~العرش والكرسي وجبال الدنيا، ويقول الله تعالى: # صدق عبدي، أنا فوق كل شئ، وليس فوقي شئ، اشهدوا يا ملائكتي أني قد غفرت ~~له، PageV20P014 # وأدخلته الجنة فإذا مات زاره ميكائيل كل يوم، فإذا كان يوم القيامة حمله ~~على جناحه، فأوقفه بين يدي الله تعالى، فيقول: يا رب شفعني فيه، فيقول قد ~~شفعتك فيه، فاذهب به إلى الجنة). # وقال الحسن: " سبح اسم ربك الاعلى " أي صل لربك الاعلى. وقيل: أي صل ~~بأسماء الله، لا كما يصلي المشركون بالمكاء والتصدية (1). وقيل: ارفع صوتك ~~بذكر ربك. قال جرير: # قبح الاله وجوه تغلب كلما * سبح الحجيج وكبروا تكبيرا قوله تعالى: الذي ~~خلق فسوى (2) والذي قدر فهدى (3) والذي أخرج المرعى (4) فجعله غثاء أحوى ~~(5) قوله تعالى: (الذي خلق فسوى) قد تقدم معنى التسوية في " الانفطار " ~~وغيرها ms6660 (2). # أي سوى ما خلق، فلم يكن في خلقه تثبيج (3). وقال الزجاج: أي عدل قامته. ~~وعن ابن عباس: # حسن ما خلق. وقال الضحاك: خلق آدم فسوى خلقه. وقيل: خلق في أصلاب الآباء، ~~وسوى في أرحام الأمهات. وقيل: خلق الأجساد، فسوى الافهام. وقيل: أي خلق ~~الانسان وهيأه للتكليف. (الذي قدر فهدى) قرأ علي رضي الله عنه السلمي ~~والكسائي " قدر " مخففة الدال، وشدد الباقون. وهما بمعنى واحد. أي قدر ووفق ~~لكل شكل شكله. # " فهدى " أي أرشد. قال مجاهد: قدر الشقاوة والسعادة، وهدى للرشد ~~والضلالة. وعنه قال: هدى الانسان للسعادة والشقاوة، وهدى الانعام لمراعيها. ~~وقيل: قدر أقواتهم وأرزاقهم، وهداهم لمعاشهم إن كانوا إنسا، ولمراعيهم إن ~~كانوا وحشا. وروي عن ابن عباس والسدي ومقاتل والكلبي في قوله " فهدى " ~~قالوا: عرف خلقه كيف يأتي الذكر الأنثى، كما قال في (طه): " أعطى كل شئ ~~خلقه ثم هدى " (4) [طه: 50] أي الذكر للأنثى. وقال عطاء: # جعل لكل دابة ما يصلحها، وهداها له. وقيل: خلق المنافع في الأشياء، وهدى ~~الانسان لوجه # PageV20P015 # استخراجها منها. وقيل " قدر فهدى ": قدر لكل حيوان ما يصلحه، فهداه إليه، ~~وعرفه وجه الانتفاع به. يحكى أن الأفعى إذا أتت عليها ألف سنة عميت، وقد ~~ألهمها الله أن مسح العين بورق الرازيانج (1) الغض يرد إليها بصرها، فربما ~~كانت في برية بينها وبين الريف مسيرة أيام، فتطوي تلك المسافة على طولها ~~وعلى عماها، حتى تهجم في بعض البساتين على شجرة الرازيانج لا تخطئها، فتحك ~~بها عينيها وترجع باصرة بإذن الله تعالى. وهدايات الانسان إلى ما لا يحد من ~~مصالحه، وما لا يحصر من حوائجه، في أغذيته وأدويته، وفي أبواب دنياه ودينه، ~~وإلهامات البهائم والطيور وهوام الأرض باب واسع، وشوط بطين (2)، لا يحيط به ~~وصف واصف، فسبحان ربي الاعلى. وقال السدي: قدر مدة الجنين في الرحم تسعة ~~أشهر، وأقل وأكثر، ثم هداه للخروج من الرحم. وقال الفراء: أي قدر، فهدى ~~وأضل، فاكتفى بذكر أحدهما، كقوله تعالى: " سرابيل تقيكم الحر " (3) [النحل: ~~81]. ويحتمل أن يكون بمعنى دعا إلى الايمان، كقوله تعالى: " وإنك ms6661 لتهدي إلى ~~صراط " (4) [الشورى: 52]. أي لتدعو، وقد دعا الكل إلى الايمان. وقيل: # " فهدى " أي دلهم بأفعاله على توحيده، وكونه عالما قادرا. ولا خلاف أن من ~~شدد الدال من " قدر " أنه من التقدير، كقوله تعالى: " وخلق كل شئ فقدره ~~تقديرا " (5) [الفرقان: 2]. ومن خفف فيحتمل أن يكون من التقدير فيكونان ~~بمعنى. ويحتمل أن يكون من القدر والملك، أي ملك الأشياء، وهدى من يشاء. # قلت: وسمعت بعض أشياخي يقول: الذي خلق فسوى وقدر فهدى. هو تفسير العلو ~~الذي يليق بجلال الله سبحانه على جميع مخلوقاته. # قوله تعالى: (والذي أخرج المرعى) أي النبات والكلأ الأخضر. قال الشاعر: ~~(6) وقد ينبت المرعى على دمن الثرى * وتبقى حزازات النفوس كما هيا # PageV20P016 # (فجعله غثاء أحوى) الغثاء: ما يقذف به السيل على جوانب الوادي من الحشيش ~~والنبات والقماش (1). وكذلك الغثاء (بالتشديد). والجمع: الاغثاء، قتادة: ~~الغثاء: الشئ اليابس. # ويقال للبقل والحشيش إذا تحطم ويبس: غثاء وهشيم. وكذلك للذي يكون حول ~~الماء من القماش غثاء، كما قال: # كأن طمية (2) المجيمر غدوة * من السيل والاغثاء (3) فلكة مغزل وحكى أهل ~~اللغة: غثا الوادي وجفا (4). وكذلك الماء: إذا علاه من الزبد والقماش ما لا ~~ينتفع به. والأحوى: الأسود، أي أن النبات يضرب إلى الحوة من شدة الخضرة ~~كالأسود. # والحوة: السواد، قال الأعشى: (5) لمياء في شفتيها حوة لعس * وفي اللثات ~~وفي أنيابها شنب وفي الصحاح: والحوة: سمرة الشفة. يقال: رجل أحوى، وامرأة ~~حواء، وقد حويت. # وبعير أحوى إذا خالط خضرته سواد وصفرة. وتصغير أحوى أحيو، في لغة من قال ~~أسيود. ثم قيل: يجوز أن يكون " أحوى " حالا من " المرعى "، ويكون المعنى: ~~كأنه من خضرته يضرب إلى السواد، والتقدير: أخرج المرعى أحوى، فجعله غثاء ~~يقال: قد حوي النبت، حكاه الكسائي، وقال: # PageV20P017 # وغيث من الوسمى حو تلاعه * تبطنته بشيظم صلتان (1) ويجوز أن يكون " أحوى ~~" صفة ل‍ " غثاء ". والمعنى: أنه صار كذلك بعد خضرته. # وقال أبو عبيدة: فجعله أسود من احتراقه وقدمه، والرطب إذا يبس أسود. وقال ~~عبد الرحمن زيد: أخرج المرعى أخضر، ثم لما يبس أسود من ms6662 احتراقه، فصار غثاء ~~تذهب به الرياح والسيول. وهو مثل ضربه الله تعالى للكفار، لذهاب الدنيا بعد ~~نضارتها. # قوله تعالى: سنقرئك فلا تنسى (6) إلا ما شاء الله إنه يعلم الجهر وما ~~يخفى (7) ونيسرك لليسرى (8) قوله تعالى " سنقرئك " أي القرآن يا محمد ~~فنعلمكه " فلا تنسى " أي فتحفظ، رواه ابن وهب عن مالك. وهذه بشرى من الله ~~تعالى، بشره بأن أعطاه آية بينة، وهي أن يقرأ عليه جبريل ما يقرأ عليه من ~~الوحي، وهو أمي لا يكتب ولا يقرأ، فيحفظه ولا ينساه. # وعن ابن أبي نجيح عن مجاهد، قال: كان يتذكر مخافة أن ينسى، فقيل: كفيتكه. ~~قال مجاهد والكلبي: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه جبريل ~~بالوحي، لم يفرغ جبريل من آخر الآية، حتى يتكلم للنبي صلى الله عليه وسلم ~~بأولها، مخافة أن ينساها، فنزلت: " سنقرئك فلا تنسى " بعد ذلك شيئا، فقد ~~كفيتكه. ووجه الاستثناء على هذا، ما قاله الفراء: إلا ما شاء الله، وهو لم ~~يشأ أن تنسى شيئا، كقوله تعالى: " خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ~~ما شاء (2) ربك " [هود: 108]. ولا يشاء. ويقال في الكلام: لأعطينك كل ما ~~سألت إلا ما شئت، وإلا أن أشاء أن أمنعك، والنية على ألا يمنعه شيئا. فعلى ~~هذا مجاري الايمان، يستثنى فيها ونية الحالف التمام. وفي رواية أبي صالح عن ~~ابن عباس: فلم ينس بعد نزول هذه الآية حتى مات، " إلا ما شاء الله ". وعن ~~سعيد عن قتادة، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينسى شيئا، " إلا # PageV20P018 # ما شاء الله ". وعلى هذه الأقوال قيل: إلا ما شاء الله أن ينسى، ولكنه لم ~~ينسى شيئا منه بعد نزول هذه الآية. وقيل: إلا ما شاء الله أن ينسى، ثم يذكر ~~بعد ذلك، فإذا قد نسي، ولكنه يتذكر ولا ينسى نسيانا كليا. وقد روي أنه أسقط ~~آية في قراءته في الصلاة، فحسب أبي أنها نسخت، فسأله فقال: [إني نسيتها]. ~~وقيل: هو من النسيان، أي إلا ما شاء الله أن ينسيك. ثم ms6663 قيل: هذا بمعنى ~~النسخ، أي إلا ما شاء الله أن ينسخه. والاستثناء نوع من النسخ. وقيل. ~~النسيان بمعنى الترك، أي يعصمك من أن تترك العمل به، إلا ما شاء الله أن ~~تتركه لنسخه إياه. فهذا في نسخ العمل، والأول في نسخ القراءة. قال ~~الفرغاني: كان يغشى مجلس الجنيد أهل البسط من العلوم، وكان يغشاه ابن كيسان ~~النحوي، وكان رجلا جليلا، فقال يوما: ما تقول يا أبا القاسم في قول الله ~~تعالى: " سنقرئك فلا تنسى "؟ # فأجابه مسرعا - كأنه تقدم له السؤال قبل ذلك بأوقات: لا تنسى العمل به. # فقال ابن كيسان: لا يفضض الله فاك! مثلك من يصدر عن رأيه. وقوله " فلا ": # للنفي لا للنهي. وقيل: للنهي، وإنما أثبتت الياء (1) لان رؤوس الآي على ~~ذلك. والمعنى: # لا تغفل عن قراءته وتكراره فتنساه، إلا ما شاء الله أن ينسيكه برفع ~~تلاوته للمصلحة. والأول هو المختار، لان الاستثناء من النهي لا يكاد يكون ~~إلا مؤقتا معلوما. وأيضا فإن الياء مثبتة في جميع المصاحف، وعليها القراء. ~~وقيل: معناه إلا ما شاء الله أن يؤخر إنزاله. وقيل: # المعنى فجعله غثاء أحوى إلا ما شاء الله أن يناله بنو آدم والبهائم، فإنه ~~لا يصير كذلك. # قوله تعالى: (إنه يعلم الجهر) أي الاعلان من القول والعمل. " وما يخفى " ~~من السر. وعن ابن عباس: ما في قلبك ونفسك. وقال محمد بن حاتم: يعلم إعلان ~~الصدقة وإخفاءها. # وقيل: الجهر ما حفظته من القرآن في صدرك. " وما يخفى " هو ما نسخ من ~~صدرك. # " ونيسرك ": معطوف على " سنقرئك " وقوله: " إنه يعلم الجهر وما يخفى " ~~اعتراش. ومعنى " لليسرى " أي للطريقة اليسرى، وهي عمل الخير. قال ابن عباس: ~~نيسرك لان تعمل خيرا. ابن مسعود: " لليسرى " أي للجنة. وقيل: نوفقك للشريعة ~~اليسرى، وهي الحنيفية السمحة السهلة، قال معناه الضحاك. وقيل: أي نهون عليك ~~الوحي حتى تحفظه وتعمل به. # PageV20P019 # قوله تعالى: فذكر إن نفعت الذكرى (9) قوله تعالى: " فذكر " أي فعظ قومك ~~يا محمد بالقرآن. " إن نفعت الذكرى " أي الموعظة. وروى يونس عن الحسن قال: ~~تذكرة ms6664 للمؤمن، وحجة على الكافر. وكان ابن عباس يقول: تنفع أوليائي، ولا ~~تنفع أعدائي. وقال الجرجاني: التذكير واجب وإن لم ينفع. # والمعنى: فذكر إن نفعت الذكرى، أو لم تنفع، فحذف، كما قال: " سرابيل ~~تقيكم الحر " (1) [النحل: 81]. # وقيل: إنه مخصوص بأقوام بأعيانهم. وقيل: إن " إن " بمعنى ما، أي فذكر ما ~~نفعت الذكرى، فتكون " إن " بمعنى ما، لا بمعنى الشرط، لان الذكرى نافعة بكل ~~حال، قاله ابن شجرة. وذكر بعض أهل العربية: أن " إن " بمعنى إذ، أي إذ ~~نفعت، كقوله تعالى: # " وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين " (2) [آل عمران: 139] أي إذ كنتم، فلم ~~يخبر بعلوهم إلا بعد إيمانهم. وقيل: # بمعنى قد. # قوله تعالى: سيذكر من يخشى (10) أي من يتق الله ويخافه. فروى أبو صالح عن ~~ابن عباس قال: نزلت في ابن أم مكتوم. # الماوردي: وقد يذكر من يرجوه، إلا أن تذكرة الخاشي أبلغ من تذكرة الراجي، ~~فلذلك علقها بالخشية دون الرجاء، وإن تعلقت بالخشية والرجاء. وقيل: أي عمم ~~أنت التذكير والوعظ، وإن كان الوعظ إنما ينفع من يخشى، ولكن يحصل لك ثواب ~~الدعاء، حكاه القشيري. # قوله تعالى: ويتجنبها الأشقى (11) الذي يصلى النار الكبرى (12) ثم لا ~~يموت فيها ولا يحيى (13) قوله تعالى: (ويتجنبها) أي ويتجنب الذكرى ويبعد ~~عنها. (الأشقى) أي الشقي في علم الله. وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة ~~وعتبة بن ربيعة. (الذي يصلى النار الكبرى) # PageV20P020 # أي العظمى، وهي السفلى من أطباق النار، قاله الفراء. وعن الحسن: الكبرى ~~نار جهنم، والصغرى نار الدنيا، وقاله يحيى بن سلام. (ثم لا يموت فيها ولا ~~يحيى) أي لا يموت فيستريح من العذاب، ولا يحيا حياة تنفعه، كما قال الشاعر: # ألا ما لنفس تموت فينقضي * عناها ولا تحيا حياة لها طعم وقد مضى في " ~~النساء " (1) وغيرها حديث أبي سعيد الخدري، وأن الموحدين من المؤمنين إذا ~~دخلوا جهنم - وهي النار الصغرى على قول الفراء - احترقوا فيها وماتوا، إلى ~~أن يشفع فيهم. خرجه مسلم. وقيل: أهل الشقاء متفاوتون في شقائهم، هذا الوعيد ~~للأشقى، وإن كان ثم شقي لا يبلغ هذه ms6665 المرتبة. # قوله تعالى: قد أفلح من تزكى (14) وذكر اسم ربه فصلى (15) فيه ثلاث ~~مسائل: # الأولى - قوله تعالى: " قد أفلح " أي قد صادف البقاء في الجنة، أي من ~~تطهر من الشرك بإيمان، قاله ابن عباس وعطاء وعكرمة. وقال الحسن والربيع: من ~~كان عمله زاكيا ناميا. # وقال معمر عن قتادة: " تزكى " قال بعمل صالح. وعنه وعن عطاء وأبي ~~العالية: نزلت في صدقة الفطر. وعن ابن سيرين " قد أفلح من تزكى. وذكر اسم ~~ربه فصلى " قال: # خرج فصلى بعد ما أدى. وقال عكرمة: كان الرجل يقول أقدم زكاتي بين يدي ~~صلاتي. # فقال سفيان: قال الله تعالى: " قد أفلح من تزكى. وذكر اسم ربه فصلى ". ~~وروي عن أبي سعيد الخدري وابن عمر: أن ذلك في صدقة الفطر، وصلاة العيد. ~~وكذلك قال أبو العالية، وقال: إن أهل المدينة لا يرون صدقة أفضل منها، ومن ~~سقاية الماء. وروى كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم في قوله تعالى: " قد أفلح من تزكى " قال: # [أخرج زكاة الفطر]، " وذكر اسم ربه فصلى " قال: [صلاة العيد]. وقال ابن ~~عباس والضحاك: " وذكر اسم ربه " في طريق المصلى " فصلى " صلاة العيد. وقيل: ~~المراد # PageV20P021 # بالآية زكاة الأموال كلها، قاله أبو الأحوص وعطاء. وروى ابن جريج قال: ~~قلت لعطاء: # " قد أفلح من تزكى " للفطر؟ قال: هي للصدقات كلها. وقيل: هي زكاة ~~الأعمال، لا زكاة الأموال، أي تطهر في أعماله من الرياء والتقصير، لان ~~الأكثر أن يقال في المال: # زكى، لا تزكى. وروى جابر بن عبد الله قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~[" قد أفلح من تزكى " أي من شهد أن لا إله إلا الله، وخلع الأنداد، وشهد ~~أني رسول الله]. وعن ابن عباس " تزكى " قال: لا إله إلا الله. وروى عنه ~~عطاء قال: نزلت في عثمان بن عفان رضي الله عنه. # قال: كان بالمدينة منافق كانت له نخلة بالمدينة، مائلة في دار رجل من ~~الأنصار، إذا هبت الرياح أسقطت البسر والرطب إلى دار الأنصاري، فيأكل ms6666 هو ~~وعياله، فخاصمه المنافق، فشكا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل ~~إلى المنافق وهو لا يعلم نفاقه، فقال: # [إن أخاك الأنصاري ذكر أن بسرك ورطبك يقع إلى منزله، فيأكل هو وعياله، ~~فهل لك أن أعطيك نخلة في الجنة بدلها]؟ فقال: أبيع عاجلا بآجل! لا أفعل. ~~فذكروا أن عثمان بن عفان أعطاه حائطا من نخل بدل نخلته، ففيه نزلت " قد ~~أفلح من تزكى ". ونزلت في المنافق " ويتجنبها الأشقى ". وذكر الضحاك أنها ~~نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه. # الثانية - قد ذكرنا القول في زكاة الفطر في السورة " البقرة " (1) ~~مستوفى. وقد تقدم أن هذه السورة مكية، في قول الجمهور، ولم يكن بمكة عيد ~~ولا زكاة فطر. القشيري: # ولا يبعد أن يكون أثنى على من يمتثل أمره في صدقة الفطر وصلاة العيد، ~~فيما يأمر به في المستقبل. # الثالثة - قوله تعالى: (وذكر اسم ربه فصلى) أي ذكر ربه. وروى عطاء عن ابن ~~عباس قال: يريد ذكر معاده وموقفه بين يدي الله جل ثناؤه، فعبده وصلى له. ~~وقيل: # ذكر اسم ربه بالتكبير في أول الصلاة، لأنها لا تنعقد إلا بذكره، وهو ~~قوله: الله أكبر: # وبه يحتج على وجوب تكبيرة الافتتاح، وعلى أنها ليست من الصلاة، لان ~~الصلاة معطوفة عليها. # وفيه حجة لمن قال: إن الافتتاح جائز بكل اسم من أسماء الله عز وجل. وهذه ~~مسألة خلافية # PageV20P022 # بين الفقهاء. وقد مضى القول في هذا في أول سورة " البقرة " (1). وقيل: هي ~~تكبيرات العيد. # قال الضحاك: " وذكر اسم ربه " في طريق المصلى " فصلى "، أي صلاة العيد. ~~وقيل: # " وذكر اسم ربه " وهو أن يذكره بقلبه عند صلاته، فيخاف عقابه، ويرجو ~~ثوابه، ليكون استيفاؤه لها، وخشوعه فيها، بحسب خوفه ورجائه. وقيل: هو أن ~~يفتتح أول كل سورة ببسم الله الرحمن الرحيم. " فصلى " أي فصلى وذكر. ولا ~~فرق بين أن تقول: أكرمتني فزرتني، وبين أن تقول: زرتني فأكرمتني. قال ابن ~~عباس: هذا في الصلاة المفروضة، وهي الصلوات الخمس. وقيل: الدعاء، أي دعاء ~~الله بحوائج الدنيا والآخرة. وقيل: ms6667 صلاة العيد، قاله أبو سعيد الخدري وابن ~~عمر وغيرهما. وقد تقدم. وقيل: هو أن يتطوع بصلاة بعد زكاته، قاله أبو ~~الأحوص، وهو مقتضى قول عطاء. وروي عن عبد الله قال: من أقام الصلاة ولم يؤت ~~الزكاة فلا صلاة له. # قوله تعالى: بل تؤثرون الحياة الدنيا (16) قراءة العامة " بل تؤثرون " ~~بالتاء، تصديقه قراءة أبي " بل أنتم تؤثرون ". # وقرأ أبو عمرو ونصر بن عاصم " بل يؤثرون " بالياء على الغيبة، تقديره: بل ~~يؤثرون الأشقون الحياة الدنيا. وعلى الأول فيكون تأويلها بل تؤثرون أيها ~~المسلمون الاستكثار من الدنيا، للاستكثار من الثواب. وعن ابن مسعود أنه قرأ ~~هذه الآية، فقال: أتدرون لم آثرنا الحياة الدنيا على الآخرة؟ لان الدنيا ~~حضرت وعجلت لنا طيباتها وطعامها وشرابها، ولذاتها وبهجتها، والآخرة غيبت ~~عنا، فأخذنا العاجل، وتركنا الآجل. وروى ثابت عن أنس قال: كنا مع أبي موسى ~~في مسير، والناس يتكلمون ويذكرون الدنيا. قال أبو موسى: يا أنس، إن هؤلاء ~~يكاد أحدهم يفري الأديم بلسانه فريا، فتعال فلنذكر ربنا ساعة. ثم قال: يا ~~أنس، ما ثبر (2) الناس ما بطأ بهم؟ قلت الدنيا والشيطان # PageV20P023 # والشهوات. قال: لا، ولكن عجلت الدنيا، وغيبت الآخرة، أما والله لو ~~عاينوها ما عدلوا ولا ميلوا (1). # قوله تعالى: والآخرة خير وأبقى (17) أي والدار الآخرة، أي الجنة. " خير " ~~أي أفضل. " وأبقى " أي أدوم من الدنيا. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: [ما الدنيا في الآخرة إلا كما يضع أحدكم ~~أصبعه في اليم، فلينظر بم يرجع] صحيح. وقد تقدم (2). وقال مالك بن دينار: ~~لو كانت الدنيا من ذهب يفنى، والآخرة من خزف يبقى، لكان الواجب أن يؤثر خزف ~~يبقى، على ذهب يفنى. قال: فكيف والآخرة من ذهب يبقى، والدنيا من خزف يفنى. # قوله تعالى: إن هذا لفي الصحف الأولى (18) صحف إبراهيم وموسى (19) قوله ~~تعالى: (إن هذا لفي الصحف الأولى) قال قتادة وابن زيد: يريد قوله " والآخرة ~~خير وأبقى ". وقالا: تتابعت كتب الله جل ثناؤه - كما تسمعون - أن الآخرة ~~خير وأبقى من الدنيا. وقال الحسن: " إن هذا لفي الصحف ms6668 الأولى " قال: كتب ~~الله جل ثناؤه كلها. الكلبي: " إن هذا لفي الصحف الأولى " من قوله: " قد ~~أفلح " إلى آخر السورة، لحديث أبي ذر على ما يأتي. وروى عكرمة عن ابن عباس: ~~" إن هذا لفي الصحف الأولى " قال: هذه السورة. وقال والضحاك: إن هذا القرآن ~~لفي الصحف الأولى، أي الكتب الأولى. (صحف إبراهيم وموسى) يعني الكتب ~~المنزلة عليهما. ولم يرد أن هذه الألفاظ بعينها في تلك الصحف، وإنما هو على ~~المعنى، أي إن معنى هذا الكلام وارد في تلك الصحف. وروى الآجري من حديث أبي ~~ذر قال: قلت يا رسول الله، فما # PageV20P024 # كانت صحف إبراهيم؟ قال: كانت أمثالا كلها: أيها الملك المتسلط المبتلى ~~المغرور، إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض، ولكن بعثتك لترد عني ~~دعوة المظلوم. فإني لا أردها ولو كانت من فم كافر. وكان فيها أمثال: وعلى ~~العاقل أن يكون له [ثلاث (1)] ساعات: # ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، يفكر فيها في صنع (2) الله ~~عز وجل إليه، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب. وعلى العاقل ألا ~~يكون ظاعنا إلا في ثلاث: تزود لمعاد، ومرمة لمعاش، ولذة في غير محرم. وعلى ~~العاقل أن يكون بصيرا بزمانه، مقبلا على شأنه، حافظا للسانه. ومن عد كلامه ~~من عمله قل كلامه إلا فيما يعينه ". قال: قلت يا رسول الله، فما كانت صحف ~~موسى؟ قال: " كانت عبرا كلها: عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح! # وعجبت لمن أيقن بالقدر كيف ينصب. وعجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها ~~كيف يطمئن إليها! وعجبت لمن أيقن بالحساب غدا ثم هو لا يعمل!. قال: قلت يا ~~رسول الله، فهل في أيدينا شئ مما كان في يديه إبراهيم وموسى، مما أنزل الله ~~عليك؟ قال: نعم اقرأ يا أبا ذر " قد أفلح من تزكى. وذكر اسم ربه فصلى. بل ~~تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى. # إن هذا لفي الصحف الأولى. صحف إبراهيم وموسى ". وذكر الحديث. # سورة " الغاشية " وهي مكية في قول الجميع، وهي ست وعشرون آية بسم ms6669 الله ~~الرحمن الرحيم قوله تعالى: هل أتاك حديث الغاشية (1) " هل " بمعنى قد، ~~كقوله: " هل أتى على الانسان " [الانسان: 1] (3)، قاله قطرب. أي قد جاءك يا ~~محمد حديث الغاشية، أي القيامة التي تغشى الخلائق بأهوالها وأفزاعها، قاله ~~أكثر المفسرين. # وقال سعيد بن جبير ومحمد بن كعب: " الغاشية ": النار تغشى وجوه الكفار، ~~ورواه أبو صالح # PageV20P025 # عن ابن عباس، ودليله قوله تعالى: " وتغشى وجوههم النار " (1) [إبراهيم: ~~50]. وقيل: تغشى الخلق. # وقيل: المراد النفخة الثانية للبعث، لأنها تغشى الخلائق. وقيل: " الغاشية ~~" أهل النار يغشونها، ويقتحمون فيها. وقيل: معنى " هل أتاك " أي هذا لم يكن ~~من علمك، ولا من علم قومك. قال ابن عباس: لم يكن أتاه قبل ذلك على هذا ~~التفصيل المذكور ها هنا. وقيل: # إنها خرجت مخرج الاستفهام لرسوله، ومعناه إن لم يكن أتاك حديث الغاشية ~~فقد أتاك، وهو معنى قول الكلبي. # قوله تعالى: وجوه يومئذ خاشعة (2) عاملة ناصبة (3) قال ابن عباس: لم يكن ~~أتاه حديثهم، فأخبره عنهم، فقال: " وجوه يومئذ " أي يوم القيامة. " خاشعة " ~~قال سفيان: أي ذليلة بالعذاب. وكل متضائل ساكن خاشع. يقال: # خشع في صلاته: إذا تذلل ونكس رأسه. وخشع الصوت: خفي، قال الله تعالى: # " وخشعت الأصوات للرحمن " [طه: 108] (2). والمراد بالوجوه أصحاب الوجوه. ~~وقال قتادة وابن زيد: # " خاشعة " أي في النار. والمراد وجوه الكفار كلهم، قاله يحيى بن سلام. ~~وقيل: أراد وجوه اليهود والنصارى، قاله ابن عباس. ثم قال (عاملة ناصبة) ~~فهذا في الدنيا، لان الآخرة ليست دار عمل. فالمعنى: وجوه عاملة ناصبة في ~~الدنيا " خاشعة " في الآخرة. # قال أهل اللغة: يقال للرجل إذا دأب في سيره: قد عمل يعمل عملا. ويقال ~~للسحاب إذا دام برقه: قد عمل يعمل عملا. وذا سحاب عمل. قال الهذلي: (3) حتى ~~شآها كليل موهنا عمل * باتت طرابا وبات الليل لم ينم # PageV20P026 # " ناصبة " أي تعبة. يقال: نصب (بالكسر) ينصب نصبا: إذا تعب، ونصبا أيضا، ~~وأنصبه غيره. فروى الضحاك عن ابن عباس قال: هم الذين أنصبوا أنفسهم في ~~الدنيا على معصية الله عز وجل، وعلى الكفر، مثل عبدة الأوثان، ms6670 وكفار أهل ~~الكتاب مثل الرهبان وغيرهم، لا يقبل الله جل ثناؤه منهم إلا ما كان خالصا ~~له. وقال سعيد عن قتادة: " عاملة ناصبة " قال: تكبرت في الدنيا عن طاعة ~~الله عز وجل، فأعملها الله وأنصبها في النار، بجر السلاسل الثقال، وحمل ~~الأغلال، والوقوف حفاة عراة في العرصات، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة. ~~قال الحسن وسعيد بن جبير: لم تعمل لله في الدنيا، ولم تنصب له، فأعملها ~~وأنصبها في جهنم. وقال الكلبي: يجرون على وجوههم في النار. وعنه وعن غيره: ~~يكلفون ارتقاء جبل من حديد في جهنم، فينصبون فيها أشد ما يكون من النصب، ~~بمعالجة السلاسل والاغلال والخوض في النار، كما تخوض الإبل في الوحل، ~~وارتقائها في صعود من نار، وهبوطها في حدور منها، إلى غير ذلك من عذابها. ~~وقاله ابن عباس. وقرأ ابن محيصن وعيسى وحميد، ورواها عبيد عن شبل. عن ابن ~~كثير " ناصبة " بالنصب على الحال. وقيل: # على الذم. الباقون (بالرفع) على الصفة أو على إضمار مبتدأ، فيوقف على " ~~خاشعة ". ومن جعل المعنى في الآخرة، جاز أن يكون خبرا بعد خبر عن " وجوه "، ~~فلا يوقف على " خاشعة ". # وقيل: " عاملة ناصبة " أي عاملة في الدنيا ناصبة في الآخرة. وعلى هذا ~~يحتمل وجوه يومئذ عاملة في الدنيا، ناصبة في الآخرة، خاشعة. قال عكرمة ~~والسدي: عملت في الدنيا بالمعاصي. # وقال سعيد بن جبير وزيد بن أسلم: هم الرهبان أصحاب الصوامع، وقاله ابن ~~عباس. وقد تقدم في رواية الضحاك عنه. وروى عن الحسن قال: لما قدم عمر بن ~~الخطاب - رضي الله عنه - الشام أتاه راهب شيخ كبير متقهل (1)، عليه سواد، ~~فلما رآه عمر بكى. فقال له: # يا أمير المؤمنين، ما يبكيك؟ قال: هذا المسكين طلب أمرا فلم يصبه، ورجا ~~رجاء فأخطأه، - وقرأ قول الله عز وجل - " وجوه يومئذ خاشعة. عاملة ناصبة ". ~~قال الكسائي: # PageV20P027 # التقهل: رثاثة الهيئة، ورجل متقهل: يابس الجلد سئ الحال، مثل المتقحل. ~~وقال أبو عمرو: التقهل: شكوى الحاجة. وأنشد: # * لعوا (1) إذا لاقيته تقهلا * والقهل: كفران الاحسان. وقد قهل يقهل ms6671 ~~قهلا: إذا أثنى ثناء قبيحا. وأقهل الرجل تكلف ما يعيبه ودنس نفسه. وانقهل ~~ضعف وسقط، قاله الجوهري. وعن علي رضي الله عنه أنهم أهل حروراء، يعني ~~الخوارج الذين ذكرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: # [تحقرون صلاتكم (2) مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وأعمالكم مع أعمالهم، ~~يمرقون من الدين كما تمرق السهم من الرمية...] الحديث. # قوله تعالى: تصلى نارا حامية (4) أي يصيبها صلاؤها وحرها. " حامية " ~~شديدة الحر، أي قد أوقدت وأحميت المدة الطويلة. ومنه حمي النهار (بالكسر)، ~~وحمي التنور حميا فيهما، أي اشتد حره. وحكى الكسائي: اشتد حمي الشمس ~~وحموها: بمعنى. وقرأ أبو عمرو وأبو بكر ويعقوب " تصلى " بضم التاء. الباقون ~~بفتحها. وقرئ " تصلى " بالتشديد. وقد تقدم القول فيها في " إذا السماء ~~انشقت " (3) [الانشقاق: 1]. الماوردي: فإن قيل فما معنى وصفها بالحمي، وهي ~~لا تكون إلا حامية، وهو أقل أحوالها، فما وجه المبالغة بهذه الصفة الناقصة؟ ~~قيل: قد اختلف في المراد بالحامية ها هنا على أربعة أوجه: أحدها - أن ~~المراد بذلك أنها دائمة الحمي، وليست كنار الدنيا التي ينقطع حميها ~~بانطفائها. الثاني - أن المراد بالحامية أنها حمى من ارتكاب المحظورات، ~~وانتهاك المحارم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: [إن لكل ملك حمى، وإن ~~حمى الله محارمه. ومن # PageV20P028 # يرتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه]. الثالث: أنها تحمي نفسها عن أن تطاق ~~ملامستها، أو ترام مماستها، كما يحمي الأسد عرينه، ومثله قول النابغة: # تعدو الذئاب على من لا كلاب له * وتتقي صولة المستأسد الحامي الرابع - ~~أنها حامية حمى غيظ وغضب، مبالغة في شدة الانتقام. ولم يرد حمى جرم وذات، ~~كما يقال: قد حمى فلان: إذا اغتاظ وغضب عند إرادة الانتقام. وقد بين الله ~~تعالى بقوله هذا المعنى فقال: " تكاد تميز من الغيظ " (1) [الملك: 8]. # قوله تعالى: تسقى من عين آنية (5) الآني: الذي قد انتهى حره، من الايناء ~~(2)، بمعنى التأخير. ومنه (آنيت وآذيت) (3). # وآناه يؤنيه إيناء، أي أحره وحبسه وأبطأه. ومنه " يطوفون بينها وبين حميم ~~آن " (4) [الرحمن: 44]. # وفي التفاسير " من عين آنية " أي ms6672 تناهى حرها، فلو وقعت نقطة منها على ~~جبال الدنيا لذابت. # وقال الحسن: " آنية " أي حرها أدرك، أوقدت عليها جهنم منذ خلقت، فدفعوا ~~إليها وردا عطاشا. وعن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: بلغت أناها، وحان شربها. # قوله تعالى: ليس لهم طعام إلا من ضريع (6) قوله تعالى: " ليس لهم " أي ~~لأهل النار. " طعام إلا من ضريع " لما ذكر شرابهم ذكر طعامهم. قال عكرمة ~~ومجاهد: الضريع: نبت ذو شوك لاصق بالأرض، تسميه قريش الشبرق إذا كان رطبا، ~~فإذا يبس فهو الضريع، لا تقربه دابة ولا بهيمة ولا ترعاه، وهو سم قاتل، وهو ~~أخبث الطعام وأشنعه، على هذا عامة المفسرين. إلا أن الضحاك روى عن ابن عباس ~~قال: هو شئ يرمى به البحر، يسمى الضريع، من أقوات الانعام # PageV20P029 # لا الناس، فإذا وقعت فيه الإبل لم تشبع، وهلكت هزلا. والصحيح ما قاله ~~الجمهور: أنه نبت. قال أبو ذؤيب: (1) رعى الشبرق الريان حتى إذا ذوي * وعاد ~~ضريعا بأن منه (2) النحائص وقال الهذلي (3) وذكر إبلا وسوء مرعاها: # وحبسن في هزم الضريع فكلها * حدباء دامية اليدين حرود (4) وقال الخليل: ~~الضريع: نبات أخضر منتن الريح، يرمي به البحر. وقال الوالبي عن ابن عباس: # هو شجر من نار، ولو كانت في الدنيا لأحرقت الأرض وما عليها. وقال سعيد بن ~~جبير: هو الحجارة، وقاله عكرمة. والأظهر أنه شجر ذو شوك حسب ما هو في ~~الدنيا. وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الضريع: شئ يكون ~~في النار، يشبه الشوك، أشد مرارة من الصبر، وأنتن من الجيفة، وأحر من ~~النار، سماه الله ضريعا). وقال خالد بن زياد: سمعت المتوكل بن حمدان يسأل ~~عن هذه الآية " ليس لهم طعام إلا من ضريع " قال: بلغني أن الضريع شجرة من ~~نار جهنم، حملها القيح والدم، أشد مرارة من الصبر، فذلك طعامهم. # وقال الحسن: هو بعض ما أخفاه الله من العذاب. وقال ابن كيسان: هو طعام ~~يضرعون عنده ويذلون، ويتضرعون منه إلى الله تعالى، طلبا للخلاص منه، فسمي ~~بذلك، لان آكله يضرع ms6673 في أن يعفى منه، لكراهته وخشونته. قال أبو جعفر ~~النحاس: قد يكون مشتقا من الضارع، وهو الذليل، أي ذو ضراعة، أي من شربه ~~ذليل تلحقه ضراعة. وعن الحسن أيضا: هو الزقوم. وقيل: هو واد في جهنم. فالله ~~أعلم. وقد قال الله تعالى في موضع # PageV20P030 # آخر: " فليس له اليوم هاهنا حمم. ولا طعام إلا من غسلين " (1) [الحاقة: ~~35 - 36]. وقال هنا: " إلا من ضريع " وهو غير الغسلين. ووجه الجمع أن النار ~~دركات، فمنهم من طعامه الزقوم، ومنهم من طعامه الغسلين، ومنهم من طعامه ~~الضريع، ومنهم من شرابه الحميم، ومنهم من شرابه الصديد. قال الكلبي: الضريع ~~في درجة ليس فيها غيره، والزقوم في درجة أخرى. ويجوز أن تحمل الآيتان على ~~حالتين كما قال: " يطوفون بينها وبين حميم آن " (2) [الرحمن: 44]. القتبي: ~~ويجوز أن يكون الضريع وشجرة الزقوم نبتين من النار، أو من جوهر لا تأكله ~~النار. وكذلك سلاسل النار وأغلالها وعقاربها وحياتها، ولو كانت على ما نعلم ~~ما بقيت على النار. قال: # وإنما دلنا الله على الغائب عنده، بالحاضر عندنا، فالأسماء متفقة ~~الدلالة، والمعاني مختلفة. # وكذلك ما في الجنة من شجرها وفرشها. القشيري: وأمثل من قول القتبي أن ~~نقول: إن الذي يبقى الكافرين في النار ليدوم عليهم العذاب، يبقي النبات ~~وشجرة الزقوم في النار، ليعذب بها الكفار. وزعم بعضهم أن الضريع بعينه لا ~~ينبت في النار، ولا أنهم يأكلونه. فالضريع من أقوات الانعام، لا من أقوات ~~الناس. وإذا وقعت الإبل فيه لم تشبع، وهلكت هزلا، فأراد أن هؤلاء يقتاتون ~~بما لا يشبعهم، وضرب الضريع له مثلا، أنهم يعذبون بالجوع كما يعذب من قوته ~~الضريع. قال الترمذي الحكيم: وهذا نظر سقيم من أهله وتأويل دنئ، كأنه يدل ~~على أنهم تحيروا في قدرة الله تعالى، وأن الذي أنبت في هذا التراب هذا ~~الضريع قادر على أن ينبته في حريق النار، جعل لنا في الدنيا من الشجر ~~الأخضر نارا، فلا النار تحرق الشجر، ولا رطوبة الماء في الشجر تطفئ النار، ~~فقال تعالى: " الذي جعل لكم من الشجر ms6674 الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون " ~~(3) [يس: 80]. وكما قيل حين نزلت " ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم " (4) ~~[الاسراء: 97]: قالوا يا رسول الله، كيف يمشون على وجوههم؟ فقال: [الذي # PageV20P031 # أمشاهم على أرجلهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم]. فلا يتحير في مثل هذا ~~إلا ضعيف القلب. أو ليس قد أخبرنا أنه " كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا ~~(1) غيرها " [النساء: 56]، وقال: # " سرابيلهم من قطران " (2) [إبراهيم: 50]، وقال: " إن لدينا أنكالا " (3) ~~[المزمل: 12] أي قيودا. " وجحيما وطعاما ذا غصة " قيل: ذا شوك. فإنما يتلون ~~عليهم العذاب بهذه الأشياء. # قوله تعالى: لا يسمن ولا يغنى من جوع (7) يعني الضريع لا يسمن آكله. وكيف ~~يسمن من يأكل الشوك! قال المفسرون: # لما نزلت هذه الآية قال المشركون: إن إبلنا لتسمن بالضريع، فنزلت: " لا ~~يسمن ولا يغنى من جوع ". وكذبوا، فإن الإبل إنما ترعاه رطبا، فإذا يبس لم ~~تأكله. وقيل اشتبه عليهم أمره فظنوه كغيره من النبت النافع، لان المضارعة ~~المشابهة. فوجدوه لا يسمن (4) ولا يغني من جوع. # قوله تعالى: وجوه يومئذ ناعمة (8) لسعيها راضية (9) في جنة عالية (10) ~~قوله تعالى: (وجوه يومئذ ناعمة) أي ذات نعمة. وهي وجوه المؤمنين، نعمت بما ~~عاينت من عاقبة أمرها وعملها الصالح. " لسعيها " أي لعملها الذي عملته في ~~الدنيا. # " راضية " في الآخرة حين أعطيت الجنة بعملها. ومجازه: لثواب سعيها راضية. ~~وفيها واو مضمرة. المعنى: ووجوه يومئذ، للفصل بينها وبين الوجوه المتقدمة. ~~والوجوه عبارة عن الأنفس. (في جنة عالية) أي مرتفعة، لأنها فوق السماوات ~~حسب ما تقدم. # وقيل: عالية القدر، لان فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين. وهم فيها ~~خالدون. # PageV20P032 # قوله تعالى: لا تسمع فيها لاغية (11) أي كلاما ساقطا غير مرضي. وقال: " ~~لاغية "، واللغو واللغا واللاغية: بمعنى واحد. قال: # * عن اللغا ورفث التكلم (1) * وقال الفراء والأخفش أي لا تسمع فيها كلمة ~~لغو. وفي المراد بها ستة أوجه: أحدها: يعني كذبا وبهتانا وكفرا بالله عز ~~وجل، قاله ابن عباس. الثاني: لا باطل ولا إثم، قاله قتادة. # الثالث: أنه الشتم، قاله مجاهد. الرابع: المعصية، قاله الحسن. الخامس: لا ~~يسمع ms6675 فيها حالف يحلف بكذب، قاله الفراء. وقال الكلبي: لا يسمع في الجنة ~~حالف بيمين برة ولا فاجرة. السادس: لا يسمع في كلامهم كلمة بلغو، لان أهل ~~الجنة لا يتكلمون إلا بالحكمة وحمد الله على ما رزقهم من النعيم الدائم، ~~قاله الفراء أيضا. وهو أحسنها لأنه يعم ما ذكر. # وقرأ أبو عمرو وابن كثير " لا يسمع " بياء غير مسمى الفاعل. وكذلك نافع، ~~إلا أنه بالتاء المضمومة، لان اللاغية اسم مؤنث فأنث الفعل لتأنيثه. ومن ~~قرأ بالياء فلانه حال بين الاسم والفعل الجار والمجرور. وقرأ الباقون ~~بالتاء مفتوحة " لاغية " نصا على إسناد ذلك للوجوه، أي لا تسمع الوجوه فيها ~~لاغية. # قوله تعالى: فيها عين جارية (12) فيها سرر مرفوعة (13) وأكواب موضوعة ~~(14) ونمارق مصفوفة (15) وزرابي مبثوثة (16) قوله تعالى: (فيها عين جارية) ~~أي بماء مندفق، وأنواع الأشربة اللذيذة على وجه الأرض من غير أخدود. وقد ~~تقدم في سورة " الانسان " أن فيها عيونا (2). ف‍ " - عين ": بمعنى عيون. ~~والله أعلم. (فيها سرر مرفوعة) أي عالية. وروي أنه كان ارتفاعها قدر ما بين # PageV20P033 # السماء والأرض، ليرى ولي الله ملكه حوله. (وأكواب موضوعة) أي أباريق ~~وأوان. # والإبريق: هو ماله عروة وخرطوم. والكوب: إناء ليس له عروة ولا خرطوم. وقد ~~تقدم هذا في سورة " الزخرف " (1) وغيرها. " ونمارق " أي وسائد، الواحدة ~~نمرقة. # " مصفوفة " أي واحدة إلى جنب الأخرى. قال الشاعر: # وإنا لنجري الكاس بين شروبنا * وبين أبي قابوس فوق النمارق وقال آخر: # كهول وشبان حسان وجوههم * على سرر مصفوفة ونمارق وفي الصحاح: النمرق ~~والنمرقة: وسادة صغيرة. وكذلك النمرقة (بالكسر) لغة حكاها يعقوب. وربما ~~سموا الطنفسة التي فوق الرحل نمرقة، عن أبي عبيد. (وزرابي مبثوثة): # قال أبو عبيدة: الزرابي: البسط. وقال ابن عباس: الزرابي: الطنافس التي ~~لها خمل رقيق، واحدتها: زربية، وقال الكلبي والفراء. والمبثوثة: المبسوطة، ~~قال قتادة. وقيل: # بعضها فوق بعض، قاله عكرمة. وقيل كثيرة، قاله الفراء. وقيل: متفرقة في ~~المجالس، قاله القتبي. # قلت: هذا أصوب، فهي كثيرة متفرقة. ومنه " وبث فيها من كل دابة " (2) ~~[البقرة: 164]. # وقال أبو بكر الأنباري: وحدثنا ms6676 أحمد بن الحسين، قال حدثنا حسين بن عرفة، ~~قال حدثنا عمار بن محمد، قال: صليت خلف منصور بن المعتمر، فقرأ: " هل أتاك ~~حديث الغاشية "، وقرأ فيها: " وزرابي مبثوثة ": متكئين فيها ناعمين. # قوله تعالى: أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت (17) قال المفسرون: لما ذكر ~~الله عز وجل أمر أهل الدارين، تعجب الكفار من ذلك، فكذبوا وأنكروا، فذكرهم ~~الله صنعته وقدرته، وأنه قادر على كل شئ، كما خلق الحيوانات والسماء ~~والأرض. ثم ذكر الإبل أولا، لأنها كثيرة في العرب، ولم يروا الفيلة، فنبههم ~~جل # PageV20P034 # ثناؤه على عظيم من خلقه، قد ذلله للصغير، يقوده وينيخه وينهضه ويحمل عليه ~~الثقيل من الحمل وهو بارك، فينهض بثقيل حمله، وليس ذلك في شئ من الحيوان ~~غيره. فأراهم عظيما من خلقه، مسخرا لصغير من خلقه، يدلهم بذلك على توحيده ~~وعظيم قدرته. وعن بعض الحكماء: أنه حدث عن البعير وبديع خلقه، وقد نشأ في ~~بلاد لا إبل فيها، ففكر ثم قال: يوشك أن تكون طوال الأعناق. وحين أراد بها ~~أن تكون سفائن البر، صبرها على احتمال العطش، حتى إن إظماءها ليرتفع إلى ~~العشر فصاعدا، وجعلها ترعى كل شئ نابت في البراري والمفاوز، مما لا يرعاه ~~سائر البهائم. وقيل: لما ذكر السرر المرفوعة قالوا: كيف نصعدها؟ # فأنزل الله هذه الآية، وبين أن الإبل تبرك حتى يحمل عليها ثم تقوم، فكذلك ~~تلك السرر تتطامن ثم ترتفع. قال معناه قتادة ومقاتل وغيرهما. وقيل: الإبل ~~هنا القطع العظيمة من السحاب، قاله المبرد. قال الثعلبي: وقيل في الإبل ~~هنا: السحاب، ولم أجد لذلك أصلا في كتب الأئمة. # قلت: قد ذكر الأصمعي أبو سعيد عبد الملك بن قريب، قال أبو عمرو: من قرأها ~~" أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت " بالتخفيف: عنى به البعير، لأنه من ذوات ~~الأربع، يبرك فتحمل عليه الحمولة، وغيره من ذوات الأربع لا يحمل عليه إلا ~~وهو قائم. ومن قرأها بالتثقيل فقال: " الإبل " (1)، عني بها السحاب التي ~~تحمل الماء والمطر. وقال الماوردي: وفي الإبل وجهان: أحدهما: وهو أظهرهما ~~وأشهرهما: أنها الإبل ms6677 من النعم. الثاني: أنها السحاب. # فإن كان المراد بها السحاب، فلما فيها من الآيات الدالة على قدرته، ~~والمنافع العامة لجميع خلقه. # وإن كان المراد بها الإبل من النعم، فلان الإبل أجمع للمنافع من سائر ~~الحيوان، لان ضروبه أربعة: حلوبة، وركوبة، وأكولة، وحمولة. والإبل تجمع هذه ~~الخلال الأربع، فكانت النعمة بها أعم، وظهور القدرة فيها أتم. وقال الحسن: ~~إنما خصها الله بالذكر لأنها تأكل النوى وألقت، وتخرج اللبن. وسئل الحسن ~~أيضا عنها وقالوا: الفيل أعظم في الأعجوبة: # فقال: العرب بعيدة العهد بالفيل، ثم هو خنزير لا يؤكل لحمه، ولا يركب ~~ظهره، ولا يحلب # PageV20P035 # دره. وكان شريح يقول: اخرجوا بنا إلى الكناسة (1) حتى ننظر إلى الإبل كيف ~~خلقت. # والإبل: لا واحد لها من لفظها، وهي مؤنثة، لان أسماء الجموع التي لا واحد ~~لها من لفظا، إذا كانت لغير الآدميين، فالتأنيث لها لازم، وإذا صغرتها ~~دخلتها الهاء، فقلت: أبيلة وغنيمة، ونحو ذلك. وربما قالوا للإبل: إبل، ~~بسكون الباء للتخفيف، والجمع: آبال. # قوله تعالى: وإلى السماء كيف رفعت (18) وإلى الجبال كيف نصبت (19) وإلى ~~الأرض كيف سطحت (20) قوله تعالى: (وإلى السماء كيف رفعت) أي رفعت عن الأرض ~~بلا عمد. وقيل: # رفعت، فلا ينالها شئ. (وإلى الجبال كيف نصبت) أي كيف نصبت على الأرض، ~~بحيث لا تزول، وذلك أن الأرض لما دحيت مادت، فأرساها بالجبال. كما قال: " ~~وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم " (2) [الأنبياء: 31]. (وإلى الأرض كيف ~~سطحت) أي بسطت ومدت. # وقال أنس: صليت خلف علي رضي الله عنه، فقرأ " كيف خلقت " و " رفعت " و " ~~نصبت " و " سطحت "، بضم التاءات، أضاف الضمير إلى الله تعالى. وبه كان يقرأ ~~محمد بن السميقع وأبو العالية، والمفعول محذوف، والمعنى خلقتها. وكذلك ~~سائرها. وقرأ الحسن وأبو حياة وأبو رجاء: " سطحت " بتشديد الطاء وإسكان ~~التاء. وكذلك قرأ الجماعة، إلا أنهم خففوا الطاء. وقدم الإبل في الذكر، ولو ~~قدم غيرها لجاز. قال القشيري: وليس هذا مما يطلب فيه نوع حكمة. وقد قيل: هو ~~أقرب إلى الناس في حق العرب، لكثرتها عندهم، ms6678 وهم من أعرف الناس بها. وأيضا: ~~مرافق الإبل أكثر من مرافق الحيوانات الاخر، فهي مأكولة، ولبنها مشروب، ~~وتصلح للحمل والركوب، وقطع المسافات البعيدة عليها، والصبر على العطش، وقلة ~~العلف، وكثرة الحمل، وهي معظم أموال العرب. وكانوا يسيرون على الإبل ~~منفردين مستوحشين عن الناس، ومن هذا حاله تفكر فيما يحضره، فقد ينظر # PageV20P036 # في مركوبه، ثم يمد بصره إلى السماء ثم إلى الأرض. فأمروا بالنظر في هذه ~~الأشياء، فإنها أدل دليل على الصانع المختار القادر. # قوله تعالى: فذكر إنما أنت مذكر (21) لست عليهم بمصيطر (22) إلا من تولى ~~وكفر (23) فيعذبه العذاب الأكبر (24) إن إلينا إيابهم (25) ثم إن علينا ~~حسابهم (26) قوله تعالى: " فذكر " أي فعظهم يا محمد وخوفهم. " إنما أنت ~~مذكر " أي واعظ. # (لست عليهم بمصيطر) أي بمسلط عليهم فتقتلهم. ثم نسختها آية السيف. وقرأ ~~هارون الأعور " بمسيطر " (بفتح الطاء)، و " المصيطرون " (1) [الطور: 37]. ~~وهي لغة تميم. وفي الصحاح: # " المسيطر والمصيطر: المسلط على الشئ، ليشرف عليه، ويتعهد أحواله،. ويكتب ~~عمله، وأصله من السطر، لان (2) من معنى السطر ألا يتجاوز، فالكتاب مسطر، ~~والذي يفعله مسطر ومسيطر، يقال: سيطرت علينا، وقال تعالى: " لست عليهم ~~بمسيطر ". وسطره أي صرعه. # (إلا من تولى وكفر) استثناء منقطع، أي لكن من تولى عن الوعظ والتذكير. ~~(فيعذبه الله العذاب الأكبر) وهي جهنم الدائم عذابها. وإنما قال: " الأكبر ~~" لأنهم عذبوا في الدنيا بالجوع والقحط والأسر والقتل. ودليل هذا التأويل ~~قراءة ابن مسعود: " إلا من تولى وكفر فإنه يعذبه الله ". وقيل: هو استثناء ~~متصل. والمعنى: لست بمسلط إلا على من تولى وكفر، فأنت مسلط عليه بالجهاد، ~~والله يعذبه بعد ذلك العذاب الأكبر، فلا نسخ في الآية على هذا التقدير. ~~وروي أن عليا أتى برجل ارتد، فاستتابه ثلاثة أيام، فلم يعاود الاسلام، فضرب ~~عنقه، وقرأ " إلا من تولى وكفر ". وقرا ابن عباس وقتادة " ألا " على ~~الاستفتاح والتنبيه، كقول امرئ القيس: # * ألا رب يوم لك منهن صالح (3) * # PageV20P037 # و " من " على هذا: للشرط. والجواب " فيعذبه الله " والمبتدأ بعد الفاء ~~مضمر، والتقدير: فهو يعذبه الله، لأنه لو أريد ms6679 الجواب بالفعل الذي بعد ~~الفاء لكان: إلا من تولى وكفر يعذبه الله. (إن إلينا إيابهم) أي رجوعهم بعد ~~الموت. يقال: آب يئوب، أي رجع. قال عبيد: # * وكل ذي غيبة يئوب * وغائب الموت لا يئوب * وقرأ أبو جعفر " إيابهم " ~~بالتشديد. قال أبو حاتم: لا يجوز التشديد، ولو جاز لجاز مثله في الصيام ~~والقيام. وقيل: هما لغتان بمعنى. الزمخشري: وقرأ أبو جعفر المدني " إيابهم ~~" بالتشديد، ووجهه أن يكون فيعالا: مصدر أيب، قيل من الإياب. أو أن يكون ~~أصله إوابا فعالا من أوب، ثم قيل: إيوابا كديوان في دوان. ثم فعل ما فعل ~~بأصل سيد ونحوه. # سورة " الفجر " مكية، وهي ثلاثون آية (1) بسم الله الرحمن الرحيم قوله ~~تعالى: والفجر (1) وليال عشر (2) قوله تعالى: (والفجر) أقسم بالفجر. " ~~وليال عشر. والشفع والوتر. والليل إذا يسر " أقسام خمسة. واختلف في " الفجر ~~"، فقال قوم: الفجر هنا: انفجار الظلمة عن النهار من كل يوم، قاله علي وابن ~~الزبير وابن عباس رضي الله عنهم. وعن ابن عباس أيضا أنه النهار كله، وعبر ~~عنه بالفجر لأنه أوله. وقال ابن محيصن عن عطية عن ابن عباس (2): # يعني الفجر يوم المحرم. ومثله قال قتادة. قال: هو فجر أول يوم من المحرم، ~~منه تنفجر السنة. # PageV20P038 # وعنه أيضا: صلاة الصبح. وروى ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: " والفجر ~~": # يريد صبيحة يوم النحر، لان الله تعالى جل ثناؤه جعل لكل يوم ليلة قبله، ~~إلا يوم النحر لم يجعل له ليلة قبله ولا ليلة بعده، لان يوم عرفة له ~~ليلتان: ليلة قبله وليلة بعده، فمن أدرك الموقف ليلة بعد عرفة، فقد أدرك ~~الحج إلى طلوع الفجر، فجر يوم النحر. وهذا قول مجاهد. وقال عكرمة: " والفجر ~~" قال: انشقاق الفجر من يوم جمع (1). وعن محمد بن كعب القرظي: " والفجر " ~~آخر أيام العشر، إذا دفعت من جمع. وقال الضحاك: فجر ذي الحجة، لان الله ~~تعالى قرن الأيام به فقال: " وليال عشر " أي ليال عشر من ذي الحجة. وكذا ~~قال مجاهد والسدي والكلبي في قوله: " وليال عشر " هو ms6680 عشر ذي الحجة، وقال ~~ابن عباس. # وقال مسروق هي العشر التي ذكرها الله في قصة موسى عليه السلام " ~~وأتممناها بعشر " (2) [الأعراف: 142]، وهي أفضل أيام السنة. وروى أبو ~~الزبير عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " والفجر. وليال عشر " - قال: [عشر الأضحى] فهي ليال عشر على هذا القول، ~~لان ليلة يوم النحر داخلة فيه، إذ قد خصها الله بأن جعلها موقفا لمن لم ~~يدرك الوقوف يوم عرفة. وإنما نكرت ولم تعرف لفضيلتها على غيرها (3)، فلو ~~عرفت لم تستقبل بمعنى الفضيلة الذي في التنكير، فنكرت من بين ما أقسم به، ~~للفضيلة التي ليست لغيرها. والله أعلم. وعن ابن عباس أيضا: هي العشر ~~الأواخر من رمضان، وقاله الضحاك. وقال ابن عباس أيضا ويمان والطبري: هي ~~العشر الأول من المحرم، التي عاشرها يوم عاشوراء. وعن ابن عباس " وليال عشر ~~" (4) (بالإضافة) يريد: وليالي أيام عشر (5). # قوله تعالى: والشفع والوتر (3) الشفع: الاثنان، والوتر: الفرد. وأختلف في ~~ذلك، فروي مرفوعا عن عمران بن الحصين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~الشفع والوتر: الصلاة، منها شفع، ومنها وتر). # PageV20P039 # وقال جابر بن عبد الله: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (" والفجر وليال ~~عشر " - قال: هو الصبح، وعشر النحر، والوتر يوم عرفة، والشفع: يوم النحر). ~~وهو قول ابن عباس وعكرمة. # واختاره النحاس، وقال: حديث أبي الزبير عن جابر هو الذي صح عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وهو أصح إسنادا من حديث عمران بن حصين. فيوم عرفة وتر، ~~لأنه تاسعها، ويوم النحر شفع لأنه عاشرها. وعن أبي أيوب قال: سئل النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن قوله تعالى: # " والشفع والوتر " فقال: (الشفع: يوم عرفة ويوم النحر، والوتر ليلة يوم ~~النحر). وقال مجاهد وابن عباس أيضا: الشفع خلقه، قال الله تعالى: " ~~وخلقناكم أزواجا " (1) [النبأ: 8] والوتر هو الله عز وجل. فقيل لمجاهد: ~~أترويه عن أحد؟ قال: نعم، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم. ونحوه قال محمد بن سيرين ومسروق وأبو صالح وقتادة، قالوا: ms6681 # الشفع: الخلق، قال الله تعالى: " ومن كل شئ خلقنا زوجين " (2) [الذاريات: ~~49]: الكفر والايمان.، والشقاوة والسعادة، والهدى والضلال، والنور والظلمة، ~~والليل والنهار، والحر والبرد، والشمس والقمر، والصيف والشتاء، والسماء ~~والأرض، والجن والانس. والوتر: هو الله عز وجل، قال جل ثناؤه: " قل هو الله ~~أحد. الله الصمد " [الاخلاص: 2]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: # [إن لله تسعة وتسعين اسما، والله وتر يحب الوتر]. وعن ابن عباس أيضا: ~~الشفع: صلاة الصبح " والوتر: صلاة المغرب. وقال الربيع بن أنس وأبو ~~العالية: هي صلاة المغرب، الشفع فيها ركعتان، والوتر الثالثة. وقال ابن ~~الزبير: الشفع: يوما منى: الحادي عشر، والثاني عشر. والثالث عشر الوتر، قال ~~الله تعالى: " فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه: # ومن تأخر فلا إثم عليه " (3). وقال الضحاك: الشفع: عشر ذي الحجة، والوتر: ~~أيام منى الثلاثة. # وهو قول عطاء. وقيل: إن الشفع والوتر: آدم وحواء، لان آدم كان فردا فشفع ~~بزوجته حواء، فصار شفعا بعد وتر. رواه ابن أبي نجيح، وحكاه القشيري عن ابن ~~عباس. وفي رواية: # الشفع: آدم وحواء، والوتر هو الله تعالى. وقيل: الشفع والوتر: الخلق، ~~لأنهم شفع ووتر، # PageV20P040 # فكأنه أقسم بالخلق. وقد يقسم الله تعالى بأسمائه وصفاته لعلمه، ويقسم ~~بأفعاله لقدرته، كما قال تعالى: " وما خلق الذكر والأنثى " (1) [الليل: 3]. ~~ويقسم بمفعولاته، لعجائب صنعه، كما قال: # " والشمس وضحاها "، " والسماء وما بناها " [الشمس: 5]، " والسماء والطارق ~~" [الطارق: 1]. وقيل: الشفع: # درجات الجنة، وهي ثمان. والوتر، دركات النار، لأنها سبعة. وهذا قول ~~الحسين بن الفضل، كأنه أقسم بالجنة والنار. وقيل: الشفع: الصفا والمروة، ~~والوتر: الكعبة. وقال مقاتل بن حيان: الشفع: الأيام والليالي، والوتر: ~~اليوم الذي لا ليلة بعده، وهو يوم القيامة. وقال سفيان بن عيينة: الوتر: هو ~~الله، وهو الشفع أيضا، لقوله تعالى: " ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ~~" (2) [المجادلة: 7]. وقال أبو بكر الوراق: الشفع: تضاد أوصاف المخلوقين: ~~العز والذل، والقدرة والعجز، والقوة والضعف، والعلم والجهل، والحياة ~~والموت، والبصر والعمى، والسمع والصمم، والكلام والخرس. والوتر: انفراد ~~صفات الله تعالى: عز بلا ذل، وقدرة ms6682 بلا عجز، وقوة بلا ضعف، وعلم بلا جهل، ~~وحياة بلا موت، وبصر بلا عمى، وكلام بلا خرس، وسمع بلا صمم، وما وازاها. ~~وقال الحسن: المراد بالشفع والوتر: العدد كله، لان العدد لا يخلو عنهما، ~~وهو إقسام بالحساب. وقيل: الشفع: مسجدي مكة والمدينة، وهما الحرمان. ~~والوتر: مسجد بيت المقدس. وقيل: الشفع: القرن بين الحج والعمرة، أو التمتع ~~بالعمرة إلى الحج. والوتر: الافراد فيه. وقيل: الشفع: الحيوان، لأنه ذكر ~~وأنثى. والوتر: الجماد. # وقيل: الشفع: ما ينمي، والوتر: ما لا ينمي. وقيل غير هذا. وقرأ ابن مسعود ~~وأصحابه والكسائي وحمزة وخلف " والوتر " بكسر الواو. والباقون [بفتح ~~الواو]، وهما لغتان بمعنى واحد. # وفي الصحاح: الوتر (بالكسر): الفرد، والوتر [بفتح الواو]: (3) الذحل. هذه ~~لغة أهل العالية. # فأما لغة أهل الحجاز فبالضد منهم. فأما تميم فبالكسر فيهما. # PageV20P041 # قوله تعالى: والليل إذا يسر (4) هل في ذلك قسم لذي حجر (5) قوله تعالى: ~~(والليل إذا يسرى) وهذا قسم خامس. وبعد ما أقسم بالليالي العشر على الخصوص، ~~أقسم بالليل على العموم. ومعنى " يسري " أي يسرى فيه، كما يقال: ليل نائم، ~~ونهار صائم. قال: # لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى * ونمت وما ليل المطي (1) بنائم ومنه ~~قوله تعالى: " بل مكر الليل والنهار " (2) [سبأ: 33]. وهذا قول أكثر أهل ~~المعاني، وهو قول القتبي والأخفش. وقال أكثر المفسرين: معنى " يسري ": سار ~~فذهب. وقال قتادة وأبو العالية: # جاء وأقبل. وروي عن إبراهيم: " والليل إذا يسر " قال: إذا استوى. وقال ~~عكرمة والكلبي ومجاهد ومحمد بن كعب في قوله: " والليل ": هي ليلة المزدلفة ~~خاصة، لاختصاصها باجتماع الناس فيها لطاعة الله. وقيل: ليلة القدر، لسراية ~~الرحمة فيها، واختصاصها بزيادة الثواب فيها. وقيل: إنه أراد عموم الليل ~~كله. # قلت: وهو الأظهر، كما تقدم. والله أعلم. وقرأ ابن كثير وابن محيصن ويعقوب ~~" يسري " بإثبات الياء في الحالين، على الأصل، لأنها ليست بمجزومة، فثبتت ~~فيها الياء. وقرأ نافع وأبو عمرو بإثباتها في الوصل، وبحذفها في الوقف، ~~وروي عن الكسائي. قال أبو عبيد: # كان الكسائي يقول مرة بإثبات الياء في الوصل، ms6683 وبحذفها في الوقف، اتباعا ~~للمصحف. # ثم رجع إلى حذف الياء في الحالين جميعا، لأنه رأس آية، وهي قراءة أهل ~~الشام والكوفة، واختيار أبي عبيد، اتباعا للخط، لأنها وقعت في المصحف بغير ~~ياء. قال الخليل: تسقط الياء منها اتفاقا لرؤوس الآي. قال الفراء: قد تحذف ~~العرب الياء، وتكتفي بكسر ما قبلها. # وأنشد بعضهم: # كفاك كف ما تليق درهما * جودا وأخرى تعط بالسيف الدما (3) # PageV20P042 # يقال: فلان ما يليق درهما من جوده، أي ما يمسكه، ولا يلصق به. وقال ~~المؤرج: سألت الأخفش عن العلة في إسقاط الياء من " يسر " فقال: لا أجيبك ~~حتى تبيت على باب داري سنة، فبت على باب داره سنة، فقال: الليل لا يسري ~~وإنما يسرى فيه، فهو مصروف، وكل ما صرفته عن جهته بخسته من إعرابه، ألا ترى ~~إلى قوله تعالى: " وما كانت أمك بغيا " (1) [مريم: 28]، ولم يقل بغية، لأنه ~~صرفها عن باغية. الزمخشري: وياء " يسري " تحذف في الدرج، اكتفاء عنها ~~بالكسرة، وأما في الوقف فتحذف مع الكسرة. وهذه الأسماء كلها مجرورة بالقسم، ~~والجواب محذوف، وهو ليعذبن، يدل عليه قوله تعالى: " ألم تر كيف فعل ربك - ~~إلى قوله تعالى - فصب عليهم ربك سوط عذاب " [الفجر: 6 - 13]. وقال ابن ~~الأنباري هو " إن ربك لبالمرصاد " [الفجر: 14]. وقال مقاتل: " هل " هنا في ~~موضع إن، تقديره: إن في ذلك قسما لذي حجر. ف‍ " هل " على هذا، في موضع جواب ~~القسم. وقيل: هي على بابها من الاستفهام الذي معناه التقرير، كقولك: ألم ~~أنعم عليك، إذا كنت قد أنعمت. وقيل: # المراد بذلك التأكيد لما أقسم به وأقسم عليه. والمعنى ": بل في ذلك مقنع ~~لذي حجر. # والجواب على هذا: " إن ربك لبالمرصاد " [الفجر: 14]. أو مضمر محذوف. ~~ومعنى (لذي حجر) أي لذي لب وعقل. قال الشاعر: # وكيف يرجى أن تتوب وإنما * يرجى من الفتيان من كان ذا حجر كذا قال عامة ~~المفسرين، إلا أن أبا مالك قال: " لذي حجر ": لذي ستر من الناس. وقال ~~الحسن: لذي حلم. قال الفراء: الكل يرجع إلى معنى واحد: لذي حجر، ولذي ms6684 عقل، ~~ولذي حلم، ولذي ستر، الكل بمعنى العقل. وأصل الحجر: المنع. يقال لمن ملك ~~نفسه ومنعها: إنه لذو حجر، ومنه سمي الحجر، لامتناعه بصلابته: ومنه حجر ~~الحاكم على فلان، أي منعه وضبطه عن التصرف، ولذلك سميت الحجرة حجرة، ~~لامتناع ما فيها بها. وقال الفراء: # العرب تقول: إنه لذو حجر: إذا كان قاهرا لنفسه، ضابطا لها، كأنه أخذ من ~~حجرت على الرجل. # PageV20P043 # قوله تعالى: ألم تر كيف فعل ربك بعاد (6) إرم ذات العماد (7) قوله تعالى: ~~(ألم تر كيف فعل ربك) أي مالكك وخالقك. " بعاد. إرم " قراءة العامة " بعادر ~~" منونا. وقرأ الحسن وأبو العالية " بعاد إرم " مضافا. فمن لم يضف جعل " ~~إرم " اسمه، ولم يصرفه، لأنه جعل عادا اسم أبيهم، وإرم اسم القبيلة، وجعله ~~بدلا منه، أو عطف بيان. ومن قرأه بالإضافة ولم يصرفه جعله اسم أمهم، أو اسم ~~بلدتهم. وتقديره: # بعاد أهل إرم. كقوله: " واسأل القرية " [يوسف: 82] ولم تنصرف - قبيلة ~~كانت أو أرضا - للتعريف والتأنيث. وقراءة العامة " إرم " بكسر الهمزة. وعن ~~الحسن أيضا " بعاد إرم " مفتوحتين، وقرئ " بعاد إرم " بسكون الراء، على ~~التخفيف، كما قرئ " بورقكم ". وقرئ " بعاد إرم ذات العماد " بإضافة " إرم " ~~- إلى - " ذات العماد ". والإرم: العلم. أي بعاد أهل ذات العلم. وقرئ " ~~بعاد إرم ذات العماد " أي جعل الله ذات العماد رميما. وقرأ مجاهد والضحاك ~~وقتادة " أرم " بفتح الهمزة. قال مجاهد: من قرأ بفتح الهمزة شبههم بالآرام، ~~التي هي الاعلام، واحدها: أرم. وفي الكلام تقديم وتأخير، أي والفجر وكذا ~~وكذا إن ربك لبالمرصاد ألم تر. أي ألم ينته علمك إلى ما فعل ربك بعاد. وهذه ~~الرؤية رؤية القلب، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد عام. وكان ~~أمر عاد وثمود عندهم مشهورا، إذ كانوا في بلاد العرب، وحجر ثمود موجود ~~اليوم. وأمر فرعون كانوا يسمعونه من جيرانهم من أهل الكتاب، واستفاضت به ~~الاخبار، وبلاد فرعون متصلة بأرض العرب. وقد تقدم هذا المعنى في سورة " ~~البروج " (1) وغيرها " بعاد " أي بقوم عاد. فروى شهر بن حوشب عن أبي هريرة ~~قال: # إن ms6685 كان الرجل من قوم عاد ليتخذ المصراع من حجارة، ولو اجتمع عليه خمسمائة ~~من هذه الأمة لم يستطيعوا أن يقلوه، وإن كان أحدهم ليدخل قدمه في الأرض ~~فتدخل فيها. و " إرم ": # قيل هو سام بن نوح، قاله ابن إسحاق. وروى عطاء عن ابن عباس - وحكى عن ابن ~~إسحاق # PageV20P044 # أيضا - قال: عاد بن إرم. فإرم على هذا أبو عاد، وعاد بن إرم بن عوص بن ~~سام بن نوح. # وعلى القول الأول: هو اسم جد عاد. قال ابن إسحاق: كان سام بن نوح له ~~أولاد، منهم إرم بن سام، وأرفخشذ بن سام. فمن ولد إرم بن سام العمالقة ~~والفراعنة والجبابرة والملوك الطغاة والعصاة. وقال مجاهد: " إرم " أمة من ~~الأمم. وعنه أيضا: أن معنى إرم: القديمة، ورواه ابن أبي نجيح. وعن مجاهد ~~أيضا أن معناها القوية (1). وقال قتادة: هي قبيلة من عاد. وقيل: # هما عادان. فالأولى هي إرم، قال الله عز وجل: " وأنه أهلك عادا الأولى " ~~(2) [النجم: 50]. فقيل لعقب عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح: عاد، كما ~~يقال لبني هاشم: هاشم. ثم قيل للأولين منهم: عاد الأولى، وإرم: تسمية لهم ~~باسم جدهم. ولمن بعدهم: عاد الأخيرة. قال ابن الرقيات: # مجدا تليدا بناه أولهم * أدرك عادا وقبله إرما وقال معمر: " إرم ": إليه ~~مجمع عاد وثمود. وكان يقال: عاد إرم، وعاد ثمود. وكانت القبائل تنتسب إلى ~~إرم. " ذات العماد، التي لم يخلق مثلها في البلاد " قال ابن عباس في رواية ~~عطاء: كان الرجل منهم طوله خمسمائة ذراع، والقصير منهم طوله ثلاثمائة ذراع ~~بذراع نفسه. # وروي عن ابن عباس أيضا أن طول الرجل منهم كان سبعين ذراعا. ابن العربي: ~~وهو باطل، لان في الصحيح: " إن الله خلق آدم طوله ستون ذراعا في الهواء، ~~فلم يزل الخلق ينقص إلى الآن]. وزعم قتادة: أن طول الرجل منهم اثنا عشر ~~ذراعا. قال أبو عبيدة: " ذات العماد " ذات الطول. يقال: رجل معمد إذا كان ~~طويلا. ونحوه عن ابن عباس ومجاهد. # وعن قتادة أيضا: كانوا عمادا لقومهم، يقال: ms6686 فلان عميد القوم وعمودهم: أي ~~سيدهم. # وعنه أيضا: قيل لهم ذلك، لأنهم كانوا ينتقلون بأبياتهم للانتجاع، وكانوا ~~أهل خيام وأعمدة، ينتجعون الغيوث، ويطلبون الكلأ، ثم يرجعون إلى منازلهم. ~~وقيل: " ذات العماد " أي ذات الأبنية المرفوعة على العمد. وكانوا ينصبون ~~الأعمدة، فيبنون عليها القصور. قال ابن زيد: # PageV20P045 # " ذات العماد " يعني إحكام البنيان بالعمد. وفي الصحاح: والعماد: الأبنية ~~الرفيعة، تذكر وتؤنث. قال عمرو بن كلثوم: # ونحن إذا عماد الحي خرت * على الأحفاض نمنع من يلينا والواحدة عمادة. ~~وفلان طويل العماد: إذا كان منزله معلما لزائره. والأحفاض: # جمع حفض (بالتحريك) وهو متاع البيت إذا هيئ ليحمل، أي خرت على المتاع. ~~ويروى، عن " الأحفاض " أي خرت عن الإبل التي تحمل خرثي (1) البيت. وقال ~~الضحاك: " ذات العماد " ذات القوة والشدة، مأخوذ من قوة الأعمدة، دليله ~~قوله تعالى: " وقالوا من أشد منا قوة " (2) [فصلت: 15]. وروى عوف عن خالد ~~الربعي " إرم ذات العماد " قال: هي دمشق. # وهو قول عكرمة وسعيد المقبري. رواه ابن وهب وأشهب عن مالك. وقال محمد بن ~~كعب القرظي: هي الإسكندرية. # قوله تعالى: التي لم يخلق مثلها في البلاد (8) لضمير في " مثلها " يرجع ~~إلى القبيلة. أي لم يخلق مثل القبيلة في البلاد: قوة وشدة، وعظم أجساد، ~~وطول قامة، عن الحسن وغيره. وفي حرف عبد الله " التي لم يخلق مثلهم في ~~البلاد ". وقيل: يرجع للمدينة. والأول أظهر، وعليه الأكثر، حسب ما ذكرناه. ~~ومن جعل " إرم " مدينة قدر حذفا، المعنى: كيف فعل ربك بمدينة عاد إرم، أو ~~بعد صاحبه إرم. # وإرم على هذا: مؤنثة معرفة. واختار ابن العربي أنها دمشق، لأنه ليس في ~~البلاد مثلها. # ثم أخذ ينعتها بكثرة مياهها وخيراتها. ثم قال: وإن في الإسكندرية لعجائب، ~~لو لم يكن إلا المنارة، فإنها مبنية الظاهر والباطن على العمد، ولكن لها ~~أمثال، فأما دمشق فلا مثل لها. # وقد روى معن عن مالك أن كتابا وجد بالإسكندرية، فلم يدر ما هو؟ فإذا فيه: ~~" أنا شداد ابن عاد، الذي رفع العماد، بنيتها حين لا شيب ولا موت. قال ~~مالك: ms6687 إن كان لتمر بهم # PageV20P046 # مائة سنة لا يرون فيها جنازة. وذكر عن ثور بن زيد (1) أنه قال: أنا شداد ~~بن عاد، وأنا رفعت العماد، وأنا الذي شددت بذراعي بطن الواد، وأنا الذي ~~كنزت كنزا على سبعة أذرع، لا يخرجه إلا أمة محمد صلى الله عليه وسلم. وروي ~~أنه كان لعاد ابنان: # شداد وشديد، فملكا وقهرا، ثم مات شديد، وخلص الامر لشداد فملك الدنيا، ~~ودانت له ملوكها، فسمع بذكر الجنة، فقال: أبني مثلها. فبنى إرم في بعض ~~صحاري عدن، في ثلاثمائة سنة، وكان عمره تسعمائة سنة. وهي مدينة عظيمة، ~~قصورها من الذهب والفضة، وأساطينها (2) من الزبرجد والياقوت، وفيها أصناف ~~الأشجار والأنهار المطردة (3). ولما تم بناؤها سار إليها بأهل مملكته، فلما ~~كان منها على مسيرة يوم وليلة، بعث الله عليهم صيحة من السماء فهلكوا. وعن ~~عبد الله بن قلابة: أنه خرج في طلب إبل له، فوقع عليها، فحمل ما قدر عليه ~~مما ثم، وبلغ خبره معاوية فاستحضره، فقص عليه، فبعث إلى كعب (4) فسأله، ~~فقال: هي إرم ذات العماد، وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك، أحمر أشقر ~~قصير، على حاجبه خال، وعلى عقبه خال، يخرج في طلب إبل له، ثم التفت فأبصر ~~ابن قلابة، وقال: هذا والله ذلك الرجل. وقيل: أي لم يخلق مثل أبنية عاد ~~المعروفة بالعمد. # فالكناية للعماد. والعماد على هذا: جمع عمد. وقيل: الأرم: الهلاك، يقال: ~~أرم بنو فلان: # أي هلكوا (5)، وقاله ابن عباس. وقرأ الضحاك: " أرم (6) ذات العماد "، أي ~~أهلكهم، فجعلهم رميما (7). # قوله تعالى: وثمود الذين جابوا الصخر بالواد (9) ثمود: هم قوم صالح. و " ~~جابوا ": قطعوا. ومنه: فلان يجوب البلاد، أي يقطعها. # وإنما سمي جيب القميص لأنه جيب، أي قطع. قال الشاعر وكان قد نزل على ابن ~~الزبير بمكة، فكتب له بستين وسقا يأخذها بالكوفة. فقال: # PageV20P047 # راحت رواحا قلوصي وهي حامد * آل الزبير ولم تعدل بهم أحدا راحت بستين ~~وسقا في حقيبتها * ما حملت حملها الأدنى ولا السددا ما إن رأيت قلوصا قبلها ~~حملت * ستين وسقا ولا جابت به ms6688 بلدا أي قطعت. قال المفسرون: أول من نحت ~~الجبال والصور والرخام: ثمود. فبنوا من المدائن ألفا وسبعمائة مدينة كلها ~~من الحجارة. ومن الدور والمنازل ألفي ألف وسبعمائة ألف، كلها من الحجارة. ~~وقد قال تعالى: " وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين " (1) [الحجر: 82]. ~~وكانوا لقوتهم يخرجون الصخور، وينقبون الجبال، ويجعلونها بيوتا لأنفسهم. " ~~بالوادي " أي بوادي القرى، قاله محمد بن إسحاق. وروى أبو الأشهب عن أبي ~~نضرة قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة تبوك على واد ثمود، ~~وهو على فرس أشقر، فقال: [أسرعوا السير، فإنكم في واد ملعون]. وقيل: الوادي ~~بين جبال، وكانوا ينقبون في تلك الجبال بيوتا ودورا وأحواضا. وكل منفرج بين ~~جبال أو تلال يكون مسلكا للسيل ومنفذا فهو واد. # قوله تعالى: وفرعون ذي الأوتاد (10) أي الجنود والعساكر والجموع والجيوش ~~التي تشد ملكه، قاله ابن عباس. وقيل: كان يعذب الناس بالأوتاد، ويشدهم بها ~~إلى أن يموتوا، تجبرا منه وعتوا. وهكذا فعل بامرأته آسية وماشطة ابنته، حسب ~~ما تقدم في آخر سورة " التحريم " (2). وقال عبد الرحمن بن زيد: # كانت له صخرة ترفع بالبكرات، ثم يؤخذ الانسان فتوتد له أوتاد الحديد، ثم ~~يرسل تلك الصخرة عليه فتشدخه. وقد مضى في سورة " ص " (3) من ذكر أوتاده ما ~~فيه كفاية. والحمد لله. # قوله تعالى: الذين طغوا في البلاد (11) فأكثروا فيها الفساد (12) فصب ~~عليهم ربك سوط عذاب (13) # PageV20P048 # قوله تعالى: (الذين طغوا في البلاد) يعني عادا وثمودا وفرعون " طغوا " أي ~~تمردوا وعتوا وتجاوزوا القدر في الظلم والعدوان. (فأكثروا فيها الفساد) أي ~~الجور والأذى. # و " الذين طغوا " أحسن الوجوه فيه أن يكون في محل النصب على الذم. ويجوز ~~أن يكون مرفوعا على: هم الذين طغوا، أو مجرورا على وصف المذكورين: عاد، ~~وثمود، وفرعون. # (فصب عليهم سوط عذاب) أي أفرغ عليهم وألقى، يقال: صب على فلان خلعة، أي ~~ألقاها عليه. وقال النابغة: # فصب (2) عليه الله أحسن صنعه * وكان له بين البرية ناصرا (سوط عذاب) أي ~~نصيب عذاب. ويقال: شدته، لان السوط كان عندهم نهاية ما ms6689 يعذب به. قال ~~الشاعر: # ألم تر أن الله أظهر دينه * وصب على الكفار سوط عذاب وقال الفراء: وهي ~~كلمة تقولها العرب لكل نوع من أنواع العذاب. وأصل ذلك أن السوط هو عذابهم ~~الذي يعذبون به، فجرى لكل عذاب، إذ كان فيه عندهم غاية العذاب. وقيل. # معناه عذاب يخالط اللحم والدم، من قولهم: ساطه يسوطه سوطا أي خلطه، فهو ~~سائط. # فالسوط: خلط الشئ بعضه ببعض، ومنه سمي المسواط. وساطه (3) أي خلطه، فهو ~~سائط، وأكثر ذلك يقال: سوط فلان أموره. قال: # فسطها ذميم الرأي غير موفق * فلست على تسويطها بمعان قال أبو زيد: يقال ~~أموالهم سويطة بينهم، أي مختلطة. حكاه عنه يعقوب. وقال الزجاج: أي جعل ~~سوطهم الذي ضربهم به العذاب. يقال: ساط دابته يسوطها، أي ضربها # PageV20P049 # بسوطه. وعن عمرو بن عبيد: كان الحسن إذا أتى على هذه الآية قال: إن عند ~~الله أسواطا كثيرة، فأخذهم بسوط منها. وقال قتادة: كل شئ عذب الله تعالى به ~~فهو سوط عذاب. # قوله تعالى: إن ربك لبالمرصاد (14) أي يرصد عمل كل إنسان حتى يجازيه به، ~~قاله الحسن وعكرمة. وقيل: أي على طريق العباد لا يفوته أحد. والمرصد ~~والمرصاد: الطريق. وقد مضى في سورة " براءة " (1) والحمد لله. فروى الضحاك ~~عن ابن عباس قال: إن على جهنم سبع قناطر، يسأل الانسان عند أول قنطرة عن ~~الايمان، فإن جاء به تاما جاز إلى القنطرة الثانية، ثم يسأل عن الصلاة، فإن ~~جاء بها جاز إلى الثالثة، ثم يسأل عن الزكاة، فإن جاء بها جاز إلى الرابعة. ~~ثم يسأل عن صيام شهر رمضان، فإن جاء به جاز إلى الخامسة. ثم يسأل عن الحج ~~والعمرة، فإن جاء بهما جاز إلى السادسة. ثم يسأل عن صلة الرحم، فإن جاء بها ~~جاز إلى السابعة. ثم يسأل عن المظالم، وينادي مناد: ألا من كانت له مظلمة ~~فليأت، فيقتص للناس منه، يقتص له من الناس، فذلك قوله عز وجل: " إن ربك ~~لبالمرصاد ". وقال الثوري: " لبالمرصاد " يعني جهنم، عليها ثلاث قناطر: ~~قنطرة فيها الرحم، وقنطرة فيها ms6690 الأمانة، وقنطرة فيها الرب تبارك وتعالى. # قلت: أي حكمته وإرادته وأمره. والله أعلم. وعن ابن عباس، أيضا " ~~لبالمرصاد " أي يسمع ويرى. # قلت: هذا قول حسن، " يسمع " أقوالهم ونجواهم، و " يرى " أي يعلم أعمالهم ~~وأسرارهم، فيجازي كلا بعمله. وعن بعض العرب أنه قيل له: أين ربك؟ فقال: ~~بالمرصاد. # وعن عمرو بن عبيد أنه قرأ هذه السورة عند المنصور حتى بلغ هذه الآية، ~~فقال: " إن ربك لبالمرصاد " يا أبا جعفر! قال الزمخشري: عرض له في هذا ~~النداء، بأنه بعض من # PageV20P050 # توعد بذلك من الجبابرة، فلله دره. أي أسد فراس كان بين يديه؟ (1) يدق ~~الظلمة بإنكاره، ويقمع (2) أهل الأهواء والبدع باحتجاجه! # قوله تعالى: فأما الانسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي ~~أكرمن (15) وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن (16) قوله ~~تعالى: (فأما الانسان) يعني الكافر. قال ابن عباس: يريد عتبة بن ربيعة وأبا ~~حذيفة بن المغيرة. وقيل: أمية بن خلف. وقيل: أبي بن خلف. (إذا ما ابتلاه ~~ربه) أي امتحنه واختبره بالنعمة. و " ما ": زائدة صلة. (فأكرمه) بالمال. ~~(ونعمه) بما أوسع عليه. (فيقول ربي أكرمني) فيفرح بذلك ولا يحمده. (وأما ~~إذا ما ابتلاه) أي امتحنه بالفقر واختبره. (فقدر) أي ضيق (عليه رزقه) على ~~مقدار البلغة. (فيقول ربي أهانن) أي أولاني هوانا. وهذه صفة الكافر الذي لا ~~يؤمن بالبعث: وإنما الكرامة عنده والهوان بكثرة الحظ في الدنيا وقلته. فأما ~~المؤمن فالكرامة عنده أن يكرمه الله بطاعته وتوفيقه، المؤدي إلى حظ الآخرة، ~~وإن وسع عليه في الدنيا حمده وشكره. # قلت: الآيتان صفة كل كافر. وكثير من المسلمين يظن أن ما أعطاه الله ~~لكرامته وفضيلته عند الله، وربما يقول بجهله: لو لم أستحق هذا لم يعطينه ~~الله. وكذا إن قتر عليه يظن أن ذلك لهوانه على الله. وقراءة العامة " فقدر ~~" مخففة الدال. وقرأ ابن عامر مشددا، وهما لغتان. والاختيار التخفيف، ~~لقوله: " ومن قدر عليه رزقه " (2) [الطلاق: 7]. قال أبو عمرو: " قدر " أي ~~قتر. و " قدر " مشددا: هو أن يعطيه ما يكفيه، ولو ms6691 فعل به ذلك ما قال " ربي ~~أهانن ". # وقرأ أهل الحرمين وأبو عمرو " ربي " بفتح الياء في الموضعين. وأسكن ~~الباقون. وأثبت البزي # PageV20P051 # وابن محيصن ويعقوب الياء من " أكرمن "، و " أهانن " في الحالين، لأنها ~~اسم فلا تحذف. # وأثبتها المدنيون في الوصل دون الوقف اتباعا للمصحف. وخير أبو عمرو في ~~إثباتها في الوصل أو حذفها، لأنها رأس آية، وحذفها في الوقف لخط المصحف. ~~الباقون بحذفها، لأنها وقعت في الموضعين بغير ياء، والسنة ألا يخالف خط ~~المصحف، لأنه إجماع الصحابة. # قوله تعالى: كلا بل لا تكرمون اليتيم (17) ولا تحاضون على طعام المسكين ~~(18) وتأكلون التراث أكلا لما (19) وتحبون المال حبا جما (20) قوله تعالى: ~~(كلا) رد، أي ليس الامر كما يظن، فليس الغنى لفضله، ولا الفقر لهوانه، ~~وإنما الفقر والغنى من تقديري وقضائي. وقال الفراء: " كلا " في هذا الموضع ~~بمعنى لم يكن ينبغي للعبد أن يكون هكذا، ولكن يحمد الله عز وجل على الغنى ~~والفقر. وفي الحديث: # (يقول الله عز وجل: كلا إني لا أكرم من أكرمت بكثرة الدنيا، ولا أهين من ~~أهنت بقلتها، إنما أكرم من أكرمت بطاعتي، وأهين من أهنت بمعصيتي). # قوله تعالى: (بل لا تكرمون اليتيم) إخبار عن ما كانوا يصنعونه من منع ~~اليتيم الميراث، وأكل ماله إسرافا وبدارا أن يكبروا. وقرأ أبو عمرو ويعقوب ~~" يكرمون "، و " يحضون " و " يأكلون "، و " يحبون " بالياء، لأنه تقدم ذكر ~~الانسان، والمراد به الجنس، فعبر عنه بلفظ الجمع. الباقون بالتاء في ~~الأربعة، على الخطاب والمواجهة، كأنه قال لهم ذلك تقريعا وتوبيخا. # وترك إكرام اليتيم بدفعه عن حقه، وأكل ماله كما ذكرنا. قال مقاتل: نزلت ~~في قدامة بن مظعون وكان يتيما في حجر أمية بن خلف. (ولا تحضون على طعام ~~المسكين) أي لا يأمرون أهليهم بإطعام مسكين يجيئهم. وقرأ الكوفيون " ولا ~~تحاضون " بفتح التاء والحاء والألف. # أي يحض بعضهم بعضا. وأصله تتحاضون، فحذف إحدى التاءين لدلالة الكلام ~~عليها. وهو اختيار أبي عبيد. وروي عن إبراهيم والشيزري عن الكسائي والسلمي ~~" تحاضون " بضم PageV20P052 # التاء، وهو تفاعلون من الحض، وهو الحث. ms6692 (وتأكلون التراث) أي ميراث ~~اليتامى. وأصله الوراث من ورثت، فأبدلوا الواو تاء، كما قالوا في تجاه ~~وتخمة وتكأة وتؤدة ونحو ذلك. وقد تقدم. (أكلا لما) أي شديدا، قاله السدي. ~~قيل " لما ": جمعا، من قولهم: لممت الطعام لما إذا أكلته جمعا، قاله الحسن ~~وأبو عبيدة. وأصل اللم في كلام العرب: الجمع، يقال: لممت الشئ ألمه لما: ~~إذا جمعته، ومنه يقال: لم الله شعثه، أي جمع ما تفرق من أموره. # قال النابغة: # ولست بمستبق أخا لا تلمه * على شعث أي الرجال المهذب ومنه قولهم: إن دارك ~~لمومة، أي تلم الناس وتربهم وتجمعهم. وقال المرناق (1) الطائي يمدح علقمة ~~ابن سيف: # لأحبني حب الصبي ولمني (2) * لم الهدي إلى الكريم الماجد وقال الليث: ~~اللم الجمع الشديد، ومنه حجر ملموم، وكتيبة ملمومة. فالآكل يلم الثريد، ~~فيجمعه لقما ثم يأكله. وقال مجاهد: يسفه سفا: وقال الحسن: يأكل نصيبه ونصيب ~~غيره. قال الحطيئة: # إذا كان لما يتبع الذم ربه * فلا قدس الرحمن تلك الطواحنا يعني أنهم ~~يجمعون في أكلهم بين نصيبهم ونصيب غيرهم. وقال ابن زيد: هو أنه إذا أكل ~~ماله ألم بمال غيره فأكله، ولا يفكر: أكل من خبيث أو طيب. قال: وكان أهل ~~الشرك لا يورثون النساء ولا الصبيان، بل يأكلون ميراثهم مع ميراثهم، ~~وتراثهم مع تراثهم. وقيل: # يأكلون ما جمعه الميت من الظلم وهو عالم بذلك، فيلم في الاكل بين حرامه ~~وحلاله. ويجوز # PageV20P053 # أن يذم الوارث الذي ظفر بالمال سهلا مهلا، من غير أن يعرق فيه جبينه، ~~فيسرف في إنفاقه، ويأكله أكلا واسعا، جامعا بين المشتهيات من الأطعمة ~~والأشربة والفواكه، كما يفعل الوراث البطالون. (وتحبون المال حبا جما) أي ~~كثيرا، حلاله وحرامه. والجم الكثير. # يقال: جم الشئ يجم جموما، فهو جم وجام. ومنه جم الماء في الحوض: إذا ~~اجتمع وكثر. # وقال الشاعر: (1) إن تغفر اللهم تغفر جما * وأي عبد لك لا ألما والجمة: ~~المكان الذي يجتمع فيه ماؤه. والجموم: البئر الكثيرة الماء. والجموم ~~(بالضم): # المصدر، يقال: جم الماء يجم جموما: إذا كثر في البئر واجتمع، ms6693 بعد ما ~~استقي ما فيها. # قوله تعالى: كلا إذا دكت الأرض دكا دكا (21) قوله تعالى: " كلا " أي ما ~~هكذا ينبغي أن يكون الامر. فهو رد لانكبابهم على الدنيا، وجمعهم لها، فإن ~~من فعل ذلك يندم يوم تدك الأرض، ينفع الندم. والدك: # الكسر والدق، وقد تقدم (2). أي زلزلت الأرض، وحركت تحريكا بعد تحريك. ~~وقال الزجاج: # أي زلزلت فدك بعضها بعضا. وقال المبرد: أي ألصقت وذهب ارتفاعها. يقال ~~ناقة: # دكاء، أي لا سنام لها، والجمع دك. وقد مضى في سورة " الأعراف " و " ~~الحاقة " القول في هذا. ويقولون: دك الشئ أي هدم. قال: # * هل غير غار (3) دك غارا فانهدم * " دكا دكا " أي مرة بعد مرة، زلزلت ~~فكسر بعضها بعضا، فتكسر كل شئ على ظهرها. # وقيل: دكت جبالها وأنشازها حتى استوت. وقيل: دكت أي استوت في الانفراش، ~~فذهب دورها وقصورها وجبالها وسائر أبنيتها. ومنه سمي الدكان، لاستوائه في ~~الانفراش. # والدك: حط المرتفع من الأرض بالبسط، وهو معنى قول ابن مسعود وابن عباس: ~~تمد الأرض مد الأديم. # PageV20P054 # قوله تعالى: وجاء ربك والملك صفا صفا (22) وجئ يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر ~~الانسان وأنى له الذكرى (23) قوله تعالى: (وجاء ربك) أي أمره وقضاؤه، قاله ~~الحسن. وهو من باب حذف المضاف. وقيل: أي جاءهم الرب بالآيات العظيمة، وهو ~~كقوله تعالى: " إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام " (1) [البقرة: 210]، ~~أي بظلل. وقيل: جعل مجئ الآيات مجيئا له، تفخيما لشأن تلك الآيات. ومنه ~~قوله تعالى في الحديث: (يا بن آدم، مرضت فلم تعدني، واستسقيتك فلم تسقني، ~~واستطعمتك فلم تطعمني). وقيل: " وجاء ربك " أي زالت الشبه ذلك اليوم، وصارت ~~المعارف ضرورية، كما تزول الشبه والشك عند مجئ الشئ الذي كان يشك فيه. قال ~~أهل الإشارة: ظهرت قدرته واستولت (2)، والله جل ثناؤه لا يوصف بالتحول من ~~مكان إلى مكان، وأنى له التحول والانتقال، ولا مكان له ولا أوان، ولا يجري ~~عليه وقت ولا زمان، لان في جريان الوقت على الشئ فوت الأوقات، ومن فاته شئ ~~فهو عاجز. # قوله تعالى: (والملك) أي الملائكة. ms6694 (صفا صفا) أي صفوفا. (وجئ يومئذ ~~بجهنم): # قال ابن مسعود ومقاتل: تقاد جهنم بسبعين ألف زمام، كل زمام بيد سبعين ألف ~~ملك، لها تغيظ وزفير، حتى تنصب عن يسار العرش. وفي صحيح، مسلم عن عبد الله ~~بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [يؤتى بجهنم يومئذ، لها ~~سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها]. وقال أبو سعيد الخدري: ~~لما نزلت " وجئ يومئذ بجهنم " تغير لون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعرف ~~في وجهه. حتى اشتد على أصحابه، ثم قال: [أقرأني جبريل " كلا إذا دكت الأرض ~~دكا دك - الآية - وجئ يومئذ بجهنم]. # قال علي رضي الله عنه: قلت يا رسول الله، كيف يجاء بها؟ قال: (تؤتى بها ~~تقاد بسبعين ألف زمام، يقود بكل زمام سبعون ألف ملك، فتشرد شردة لو تركت ~~لأحرقت أهل الجمع # PageV20P055 # ثم تعرض لي جهنم فتقول: ما لي ولك يا محمد، إن الله قد حرم لحمك علي) فلا ~~يبقى أحد إلا قال نفسي نفسي! إلا محمد صلى الله عليه وسلم فإنه يقول: رب ~~أمتي! رب أمتي! # قوله تعالى: (يومئذ يتذكر الانسان) أي يتعظ ويتوب. وهو الكافر، أو من ~~همته معظم (1) الدنيا. (وأنى له الذكرى) أي ومن أين له الاتعاظ والتوبة وقد ~~فرط فيها في الدنيا. # ويقال: أي ومن أين له منفعة الذكرى. فلا بد من تقدير حذف المضاف، وإلا ~~فبين " يومئذ يتذكر " وبين " وأنى له الذكرى " تناف، قاله الزمخشري. # قوله تعالى: يقول يا ليتني قدمت لحياتي (24) أي في حياتي. فاللام بمعنى ~~في. وقيل: أي قدمت عملا صالحا لحياتي، أي لحياة لا موت فيها. وقيل: حياة ~~أهل النار ليست هنيئة، فكأنهم لا حياة لهم، فالمعنى: يا ليتني قدمت من ~~الخير لنجاتي من النار، فأكون فيمن له حياة هنيئة. # قوله تعالى: فيومئذ لا يعذب عذابه أحد (25) ولا يوثق وثاقه أحد (26) قوله ~~تعالى: (يومئذ لا يعذب عذابه أحد) أي لا يعذب كعذاب الله أحد، ولا يوثق ~~كوثاقه أحد. والكناية ترجع إلى الله تعالى. وهو ms6695 قول ابن عباس والحسن. وقرأ ~~الكسائي " لا يعذب " " ولا يوثق " بفتح الذال والثاء، أي لا يعذب أحد في ~~الدنيا كعذاب الله الكافر يومئذ، ولا يوثق كما يوثق الكافر. والمراد إبليس، ~~لان الدليل قام على أنه أشد الناس عذابا، لأجل إجرامه، فأطلق الكلام لأجل ~~ما صحبه من التفسير. وقيل: إنه أمية ابن خلف، حكاه الفراء. يعني أنه لا ~~يعذب كعذاب هذا الكافر المعين أحد، ولا يوثق بالسلاسل والاغلال كوثاقه أحد، ~~لتناهيه في كفره وعناده. وقيل: أي لا يعذب مكانه # PageV20P056 # أحد، فلا يؤخذ منه فداء. والعذاب بمعنى التعذيب، والوثاق بمعنى الايثاق. ~~ومنه قول الشاعر: # * وبعد عطائك المائة الرتاعا (1) * وقيل: لا يعذب أحد ليس بكافر عذاب ~~الكافر. واختار أبو عبيد وأبو حاتم فتح الذال والثاء. وتكون الهاء ضمير ~~الكافر، لان ذلك معروف: أنه لا يعذب أحد كعذاب الله. وقد روى أبو قلابة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ بفتح الذال والثاء. وروي أن أبا عمرو رجع ~~إلى قراءة النبي صلى الله عليه وسلم. وقال أبو علي: يجوز أن يكون الضمير ~~للكافر على قراءه الجماعة، أي لا يعذب أحد أحدا مثل تعذيب هذا الكافر، ~~فتكون الهاء للكافر. # والمراد ب‍ " - أحد " الملائكة الذين يتولون تعذيب أهل النار. # قوله تعالى: يا أيها النفس المطمئنة (27) ارجعي إلى ربك راضية مرضية (28) ~~فأدخلي في عبادي (29) وادخلي جنتي (30) قوله تعالى: (يا أيتها النفس ~~المطمئنة) لما ذكر حال من كانت همته الدنيا فاتهم الله في إغنائه، وإفقاره، ~~ذكر حال من اطمأنت نفسه إلى الله تعالى. فسلم لامره، واتكل عليه. وقيل: # هو من قول الملائكة لأولياء الله عز وجل. والنفس المطمئنة: الساكنة ~~الموقنة، أيقنت أن الله ربها، فأخبتت لذلك، قاله مجاهد وغيره. وقال ابن ~~عباس: أي المطمئنة بثواب الله. وعنه المؤمنة. وقال الحسن: المؤمنة الموقنة. ~~وعن مجاهد أيضا: الراضية بقضاء الله، التي علمت أن ما أخطأها لم يكن ~~ليصيبها، وأن ما أصابها لم يكن ليخطئها. وقال مقاتل: # الآمنة من عذاب الله. وفي حرف أبي بن كعب " يا أيتها النفس الآمنة ms6696 ~~المطمئنة ". وقيل: # التي عملت على يقين بما وعد الله في كتابه. وقال ابن كيسان: المطمئنة ~~هنا: المخلصة. # PageV20P057 # وقال ابن عطاء: العارفة التي لا تصبر عنه طرفة عين. وقيل: المطمئنة بذكر ~~الله تعالى بيانه " الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله " (1) [الرعد: ~~38]. وقيل: المطمئنة بالايمان، المصدقة بالبعث والثواب. وقال ابن زيد: ~~المطمئنة لأنها بشرت بالجنة عند الموت، وعند البعث، ويوم الجمع. وروى عبد ~~الله بن بريدة عن أبيه قال: يعني نفس حمزة. والصحيح أنها عامة في كل نفس ~~مؤمن مخلص طائع. قال الحسن البصري: إن الله تعالى إذا أراد أن يقبض روح ~~عبده المؤمن، اطمأنت النفس إلى الله تعالى، واطمأن الله إليها. وقال عمرو ~~بن العاص: # إذا توفي المؤمن أرسل الله إليه ملكين، وأرسل معهما تحفة من الجنة، ~~فيقولان لها: " اخرجي أيتها النفس المطمئنة راضية مرضية، ومرضيا عنك، اخرجي ~~إلى روح وريحان، ورب راض غير غضبان، فتخرج كأطيب ريح المسك وجد أحد من أنفه ~~على ظهر الأرض. وذكر الحديث. # وقال سعيد بن زايد: قرأ رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم " يا أيتها ~~النفس المطمئنة "، فقال أبو بكر: ما أحسن هذا يا رسول الله! فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: [إن الملك سيقولها لك يا أبا بكر]. وقال سعيد بن جبير: مات ~~ابن عباس بالطائف، فجاء طائر لم ير على خلقته طائر قط، فدخل نعشه، ثم لم ير ~~خارجا منه، فلما دفن تليت هذه الآية على شفير القبر - لا يدري من تلاها -: ~~" يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية ". # وروى الضحاك أنها نزلت في عثمان بن عفان رضي الله عنه حين وقف بئر رومة ~~(2). وقيل: نزلت في بيب بن عدي الذي صلبه أهل مكة، وجعلوا وجهه إلى ~~المدينة، فحول الله وجهه نحو القبلة. والله أعلم. # معنى (إلى ربك) أي إلى صاحبك وجسدك، قاله ابن عباس وعكرمة وعطاء. واختاره ~~الطبري، ودليله قراءة ابن عباس " فادخلي في عبدي " على التوحيد، فيأمر الله ~~تعالى الأرواح غدا أن ترجع إلى الأجساد. وقرأ ابن مسعود ms6697 " في جسد عبدي ". ~~وقال الحسن: # ارجعي إلى ثواب ربك وكرامته. وقال أبو صالح: المعنى: ارجعي إلى الله. ~~وهذا عند الموت. # PageV20P058 # (فأدخلي في عبادي) أي في أجساد عبادي، دليله قراءة ابن عباس وابن مسعود. ~~قال ابن عباس: هذا يوم القيامة، وقاله الضحاك. والجمهور على أن الجنة هي ~~دار الخلود التي هي مسكن الأبرار، ودار الصالحين والأخيار. ومعنى " في ~~عبادي " أي في الصالحين من عبادي، كما قال: " لندخلنهم في الصالحين " (1) ~~[العنكبوت: 9]. وقال الأخفش: " في عبادي " أي في حزبي، والمعنى واحد. أي ~~انتظمي في سلكهم. (وادخلي جنتي) معهم. # سورة " البلد " مكية باتفاق. وهي عشرون آية بسم الله الرحمن الرحيم قوله ~~تعالى: لا أقسم بهذا البلد (1) يجوز أن تكون " لا " زائدة، كما تقدم في " ~~لا أقسم بيوم القيامة " [القيامة: 1]، قاله الأخفش. # أي أقسم، لأنه قال: " بهذا البلد " وقد أقسم به في قوله: " وهذا البلد ~~الأمين " [التين: 3] فكيف يجحد القسم به وقد أقسم به. قال الشاعر: # تذكرت ليلى فاعترتني صبابة * وكاد صميم القلب لا يتقطع أي يتقطع، ودخل ~~حرف " لا " صلة، ومنه قوله تعالى: " ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك " (3) ~~[الأعراف: 12] بدليل قوله تعالى في [ص]: " ما منعك أن تسجد " (4). [ص: 75]. ~~وقرأ الحسن والأعمش وابن كثير " لأقسم " من غير ألف بعد اللام إثباتا. ~~وأجاز الأخفش أيضا أن تكون بمعنى " ألا ". # وقيل: ليست بنفي القسم، وإنما هو كقول العرب: لا والله لا فعلت كذا، ولا ~~والله ما كان # PageV20P059 # كذا، ولا والله لأفعلن كذا. وقيل: هي نفي صحيح، والمعنى: لا أقسم بهذا ~~البلد إذا لم تكن فيه، بعد خروجك منه. حكاه مكي. ورواه ابن أبي نجيح عن ~~مجاهد قال: " لا " رد عليهم. وهذا اختيار ابن العربي، لأنه قال: وأما من ~~قال إنها رد، فهو قول ليس له رد، لأنه يصح به المعنى، ويتمكن اللفظ ~~والمراد. فهو رد لكلام من أنكر البعث ثم ابتدأ القسم. # وقال القشيري: قوله " لا " رد لما توهم الانسان المذكور في هذه السورة، ~~المغرور بالدنيا. # أي ليس الامر كما يحسبه، من أنه لن يقدر ms6698 عليه أحد، ثم ابتدأ القسم. و " ~~البلد ": هي مكة، أجمعوا عليه. أي أقسم بالبلد الحرام الذي أنت فيه، ~~لكرامتك علي وحبي لك. وقال الواسطي أي نحلف لك بهذا البلد الذي شرفته ~~بمكانك فيه حيا، وبركتك ميتا، يعني المدينة. والأول أصح، لان السورة نزلت ~~بمكة باتفاق. # قوله تعالى: وأنت حل بهذا البلد (2) يعني في المستقبل، مثل قوله تعالى: " ~~إنك ميت وإنهم ميتون " (1). ومثله واسع (2) في كلام العرب. تقول لمن تعده ~~الاكرام والحباء: أنت مكرم محبو. وهو في كلام الله واسع، لان الأحوال ~~المستقبلة عنده كالحاضرة المشاهدة، وكفاك دليلا قاطعا على أنه للاستقبال، ~~وأن تفسيره بالحال محال: أن السورة باتفاق مكية قبل الفتح. فروى منصور عن ~~مجاهد: # " وأنت حل " قال: ما صنعت فيه من شئ فأنت في حل. وكذا قال ابن عباس: أحل ~~له يوم دخل مكة أن يقتل من شاء، فقتل ابن خطل (3) ومقيس بن صبابة وغيرهما. ~~ولم يحل لاحد من الناس أن يقتل بها أحدا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~وروى السدي قال: أنت في حل ممن قاتلك أن تقتله. وروى أبو صالح عن ابن عباس ~~قال: أحلت له ساعة من نهار، ثم أطبقت وحرمت إلى يوم القيامة، وذلك يوم فتح ~~مكة. وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: [إن الله حرم مكة يوم خلق ~~السماوات والأرض، فهي حرام إلى أن تقوم الساعة، فلم # PageV20P060 # تحل لاحد قبلي، ولا تحل لاحد بعدي، ولم تحل لي إلا ساعة من نهار] الحديث. ~~وقد تقدم في سورة " المائدة " ابن زيد: لم يكن بها أحد حلالا غير النبي صلى ~~الله عليه وسلم. وقيل: # وأنت مقيم فيه وهو محلك. وقيل: وأنت فيه محسن، وأنا عنك فيه راض. وذكر ~~أهل اللغة أنه يقال: رجل حل وحلال ومحل، ورجل حرام ومحل، ورجل حرام ومحرم. ~~وقال قتادة: أنت حل به: لست بآثم. وقيل: هو ثناء على النبي صلى الله عليه ~~وسلم، أي إنك غير مرتكب في هذا البلد ما يحرم عليك ارتكابه، معرفة منك بحق ms6699 ~~هذا البيت، لا كالمشركين الذين يرتكبون الكفر بالله فيه. أي أقسم بهذا ~~البيت المعظم الذي قد عرفت حرمته، فأنت مقيم فيه معظم له، غير مرتكب فيه ما ~~يحرم عليك. وقال شرحبيل بن سعد: " وأنت حل بهذا البلد " أي حلال، أي هم ~~يحرمون مكة أن يقتلوا بها صيدا أو يعضدوا (1) بها شجرة، ثم هم مع هذا ~~يستحلون إخراجك وقتلك. # قوله تعالى: ووالد وما ولد (3) قال مجاهد وقتادة والضحاك والحسن وأبو ~~صالح: " ووالد " آدم: عليه السلام. # " وما ولد " أي وما نسل من ولده. أقسم بهم لأنهم أعجب ما خلق الله تعالى ~~على وجه الأرض، لما فيهم من التبيان والنطق والتدبير، وفيهم الأنبياء ~~والدعاة إلى الله تعالى. وقيل: # هو إقسام بآدم والصالحين من ذريته، وأما (2) غير الصالحين فكأنهم بهائم. ~~وقيل: الوالد إبراهيم. وما ولد: ذريته، قاله أبو عمران الجوني. ثم يحتمل ~~أنه يريد جميع ذريته. # ويحتمل أنه يريد المسلمين من ذريته. قال الفراء: وصلحت " ما " للناس، ~~كقوله: # " ما طاب لكم " [النساء: 3] وكقوله: " وما خلق الذكر والأنثى " [الليل: ~~3] وهو الخالق للذكر والأنثى، وقيل: " ما " مع ما بعدها في موضع المصدر، أي ~~ووالد وولادته، كقوله تعالى: " والسماء وما بناها ". وقال عكرمة وسعيد بن ~~جبير: " ووالد " يعني الذي يولد له، " وما ولد " # PageV20P061 # يعني العاقر الذي لا يولد له، وقاله ابن عباس. و " ما " على هذا نفي. وهو ~~بعيد، ولا يصح إلا بإضمار الموصول، أي ووالد والذي ما ولد، وذلك لا يجوز ~~عند البصريين. وقيل: # هو عموم في كل والد وكل مولود، قاله عطية العوفي. وروي معناه عن ابن عباس ~~أيضا. # وهو اختبار الطبري. قال الماوردي: ويحتمل أن الوالد النبي صلى الله عليه ~~وسلم، لتقدم ذكره، وما ولد أمته: لقوله عليه السلام: [إنما أنا لكم بمنزلة ~~الوالد أعلمكم]. فأقسم به وبأمته بعد أن أقسم ببلده، مبالغة في تشريفه عليه ~~السلام. # قوله تعالى: لقد خلقنا الانسان في كبد (4) إلى هنا انتهى القسم، وهذا ~~جوابه. ولله أن يقسم بما يشاء من مخلوقاته لتعظيمها، كما تقدم. والانسان ~~هنا ابن آدم. ms6700 " في كبد " أي في شدة وعناء من مكابدة الدنيا. وأصل الكبد ~~الشدة. ومنه تكبد اللبن: غلظ وخثر واشتد. ومنه الكبد، لأنه دم تغلظ واشتد. # ويقال: كابدت هذا الامر: قاسيت شدته: قال لبيد: # يا عين هلا بكيت أربد إذ * قمنا وقام الخصوم في كبد قال ابن عباس والحسن: ~~" في كبد " أي في شدة ونصب. وعن ابن عباس أيضا: # في شدة من حمله وولادته ورضاعه ونبت أسنانه، وغير ذلك من أحواله. وروى ~~عكرمة عنه قال: منتصبا في بطن أمه. والكبد: الاستواء والاستقامة. فهذا ~~امتنان عليه في الخلقة. # ولم يخلق الله جل ثناؤه دابة في بطن أمها إلا منكبة على وجهها إلا ابن ~~آدم، فأنه منتصب انتصابا، وهو قول النخعي ومجاهد وغيرهما. ابن كيسان: ~~منتصبا رأسه في بطن أمه، فإذا أذن الله أن يخرج من بطن أمه قلب رأسه إلى ~~رجلي أمه. وقال الحسن: يكابد مصائب الدنيا وشدائد الآخرة. وعنه أيضا: يكابد ~~الشكر على السراء ويكابد الصبر على الضراء، لأنه لا يخلو من أحدهما. ورواه ~~ابن عمر. وقال يمان: لم يخلق الله خلقا يكابد ما يكابد ابن آدم، وهو مع ذلك ~~أضعف الخلق. قال علماؤنا: أول ما يكابد قطع سرته، ثم إذا PageV20P062 # قمط قماطا، وشد رباطا، يكابد الضيق والتعب، ثم يكابد الارتضاع، ولو فاته ~~لضاع، ثم يكابد نبت أسنانه، وتحرك لسانه، ثم يكابد الفطام، الذي هو أشد من ~~اللطام، ثم يكابد الختان، والأوجاع والأحزان، ثم يكابد المعلم وصولته، ~~والمؤدب وسياسته، والأستاذ وهيبته، ثم يكابد شغل التزويج والتعجيل فيه (1)، ~~ثم يكابد شغل الأولاد، والخدم والأجناد، ثم يكابد شغل الدور، وبناء القصور، ~~ثم الكبر والهرم، وضعف الركبة والقدم، في مصائب يكثر تعدادها، ونوائب يطول ~~إيرادها، من صداع الرأس، ووجع الأضراس، ورمد العين، وغم الدين، ووجع السن، ~~وألم الاذن. ويكابد محنا في المال والنفس، مثل الضرب والحبس، ولا يمضي عليه ~~يوم إلا يقاسي فيه شدة، ولا يكابد إلا مشقة، ثم الموت بعد ذلك كله، ثم ~~مسألة الملك، وضغطة القبر وظلمته، ثم البعث والعرض على الله، إلى ms6701 أن يستقر ~~به القرار، إما في الجنة وإما في النار، قال الله تعالى: " لقد خلقنا ~~الانسان في كبد "، فلو كان الامر إليه لما اختار هذه الشدائد. ودل هذا على ~~أن له خالقا دبره، وقضى عليه بهذه الأحوال، فليمتثل أمره. وقال ابن زيد: ~~الانسان هنا آدم. وقوله: " في كبد " أي في وسط السماء. وقال الكلبي: إن هذا ~~نزل في رجل من بني جمح، كان يقال له أبو الأشدين (2)، وكان يأخذ الأديم ~~العكاظي فيجعله تحت قدميه، فيقول: من أزالني عنه فله كذا. فيجذبه عشرة حتى ~~يتمزق ولا تزول قدماه، وكان من أعداء النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه نزل " ~~أيحسب أن لن يقدر عليه أحد " [البلد: 5] يعني: لقوته. وروي عن ابن عباس. " ~~في كبد " أي شديدا، يعني شديد الخلق، وكان من أشد رجال قريش. وكذلك ركانة ~~ابن هشام بن عبد المطلب، وكان مثلا في البأس والشدة. وقيل: " في كبد " أي ~~جرئ القلب، غليظ الكبد، مع ضعف خلقته، ومهانة مادته. ابن عطاء: في ظلمة ~~وجهل. الترمذي: مضيعا ما يعنيه، مشتغلا بما لا يعنيه. # PageV20P063 # قوله تعالى: أيحسب أن لن يقدر عليه أحد (5) يقول أهلكت مالا لبدا (6) ~~أيحسب أن لم يره أحد (7) ألم نجعل له عيني (8) ولسانا وشفتين (9) قوله ~~تعالى: (أيحسب أن لن يقدر عليه أحد) أي أيظن ابن آدم أن لن يعاقبه الله عز ~~وجل. (يقول أهلكت) أي أنفقت. (مالا لبدا) أي كثيرا مجتمعا. " أيحسب " أي ~~أيظن. (أن لم يره) أي أن لم يعاينه " أحد " بل علم الله عز وجل ذلك منه، ~~فكان كاذبا في قوله: أهلكت ولم يكن أنفقه. وروى أبو هريرة قال: يوقف العبد، ~~فيقال ماذا عملت في المال الذي رزقتك؟ فيقول: أنفقته وزكيته. فيقال: كأنك ~~إنما فعلت ذلك ليقال سخي، فقد قيل ذلك. ثم يؤمر به إلى النار. وعن سعيد عن ~~قتادة: إنك مسؤول عن مالك من أين جمعت؟ # وكيف أنفقت؟ وعن ابن عباس قال: كان أبو الأشدين يقول: أنفقت في عداوة ~~محمد مالا كثيرا وهو في ذلك كاذب. وقال مقاتل: ms6702 نزلت في الحارث بن عامر بن ~~نوفل، أذنب فاستفتى النبي صلى الله عليه وسلم، فأمره أن يكفر. فقال: لقد ~~ذهب مالي في الكفارات والنفقات، منذ دخلت في دين محمد. وهذا القول منه ~~يحتمل أن يكون استطالة بما أنفق، فيكون طغيانا منه، أو أسفا عليه، فيكون ~~ندما منه. وقرأ أبو جعفر " مالا لبدا " بتشديد الباء مفتوحة، على جمع لا ~~بد، مثل راكع وركع، وساجد وسجد، وشاهد وشهد، ونحوه. وقرأ مجاهد وحميد بضم ~~الباء واللام مخففا، جمع لبود. الباقون بضم اللام وكسرها وفتح الباء مخففا، ~~جمع لبدة ولبدة، وهو ما تلبد، يريد الكثرة. # وقد مضى في سورة " الجن " القول فيه. (1) وروي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه كان يقرأ " أيحسب " بضم السين في الموضعين. وقال الحسن: يقول ~~أتلفت مالا كثيرا، فمن يحاسبني به، دعني أحسبه. ألم يعلم أن الله قادر على ~~محاسبته، وأن الله عز وجل يرى صنيعه. ثم عدد عليه نعمه فقال: " ألم نجعل له ~~عينين " يبصر بهما. " ولسانا " ينطق به. " وشفتين " يستر بهما # PageV20P064 # ثغره. والمعنى: نحن فعلنا ذلك، ونحن نقدر على أن نبعثه ونحصي عليه ما ~~عمله. وقال أبو حازم: # قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله تعالى قال: يا بن آدم، إن نازعك ~~لسانك فيما حرمت عليك، فقد أعنتك عليه بطبقين، فأطبق، وإن نازعك بصرك فيما ~~حرمت عليك، فقد أعنتك عليه بطبقين، فأطبق، وإن نازعك فرجك إلى ما حرمت ~~عليك، فقد أعنتك عليه بطبقين، فأطبق). والشفة: أصلها شفهة، حذفت منها ~~الهاء، وتصغيرها: شفيهة، والجمع: شفاه. ويقال: # شفهات وشفوات، والهاء أقيس، والواو أعم، تشبيها بالسنوات. وقال الأزهري: ~~يقال هذه شفة في الوصل وشفه، بالتاء والهاء. وقال قتادة: نعم الله ظاهرة، ~~يقررك بها حتى تشكر. # قوله تعالى: وهديناه النجدين (10) يعني الطريقين: طريق الخير وطريق الشر. ~~أي بيناهما له بما أرسلناه من الرسل. والنجد. # الطريق في ارتفاع. وهذا قول ابن عباس وابن مسعود وغيرهما. وروى قتادة ~~قال: ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: (يا أيها الناس، ms6703 إنما ~~هما النجدان: نجد الخير، ونجد الشر، فلم نجعل نجد الشر أحب إليك من نجد ~~الخير). وروي عن عكرمة قال: النجدان: # الثديان. وهو قول سعيد بن المسيب والضحاك، وروي عن ابن عباس وعلي رضي ~~الله عنهما، لأنهما كالطريقين لحياة الولد ورزقه. فالنجد: العلو، وجمعه ~~نجود، ومنه سميت " نجد "، لارتفاعها عن انخفاض تهامة. فالنجدان: الطريقان ~~العاليان. قال امرؤ القيس: # فريقان منهم (1) جازع بطن نخلة * وآخر منهم قاطع نجد كبكب قوله تعالى: ~~فلا اقتحم العقبة (11) أي فهلا أنفق ماله الذي يزعم أنه أنفقه في عداوة ~~محمد، هلا أنفقه لاقتحام العقبة فيأمن! # والاقتحام: الرمي بالنفس في شئ من غير روية، يقال منه: قحم في الامر ~~قحوما: أي رمى # PageV20P065 # بنفسه فيه من غير روية. وقحم الفرس فارسه تقحيما على وجهه: إذا رماه. ~~وتقحيم النفس في الشئ: إدخالها فيه من غير روية. والقحمة (بالضم) المهلكة، ~~والسنة الشديدة. يقال: # أصابت الاعراب القحمة: إذا أصابهم قحط، فدخلوا الريف. والقحم: صعاب ~~الطريق. # وقال الفراء والزجاج: وذكر " لا " مرة واحدة، والعرب لا تكاد تفرد " لا " ~~مع الفعل الماضي في مثل هذا الموضع، حتى يعيدوها في كلام آخر، كقوله تعالى: ~~" فلا صدق ولا صلى " (1) [القيامة: 31] " ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ". ~~وإنما أفردوها لدلالة آخر الكلام على معناه، فيجوز أن يكون قوله: " ثم كان ~~من الذين آمنوا " [البلد: 17] قائما مقام التكرير، كأنه قال: فلا اقتحم ~~العقبة ولا آمن. وقيل: هو جار مجرى الدعاء، كقوله: لا نجا ولا سلم. (وما ~~أدراك ما العقبة)؟ # فقال سفيان بن عيينة: كل شئ قال فيه " وما أدراك "؟ فإنه أخبر به، وكل شئ ~~قال فيه " وما يدريك "؟ فإنه لم يخبر به. وقال: معنى " فلا اقتحم العقبة " ~~أي فلم يقتحم العقبة، كقول زهير: # وكان طوى كشحا على مستكنة * فلا هو أبداها ولم يتقدم (2) أي فلم يبدها ~~ولم يتقدم. وكذا قال المبرد وأبو علي: " لا ": بمعنى لم. وذكره البخاري عن ~~مجاهد. أي فلم يقتحم العقبة في الدنيا، فلا يحتاج إلى التكرير. ثم فسر ~~العقبة وركوبها فقال: # " فك رقبة ms6704 " وكذا وكذا، فبين وجوها من القرب المالية. وقال ابن زيد ~~وجماعة من المفسرين: معنى الكلام الاستفهام الذي معناه الانكار، تقديره: ~~أفلا اقتحم العقبة، أو هلا اقتحم العقبة. يقول: هلا أنفق ماله في فك ~~الرقاب، وإطعام السغبان، ليجاوز به العقبة، فيكون خيرا له من إنفاقه في ~~عداوة محمد صلى الله عليه وسلم. ثم قيل: اقتحام العقبة ها هنا ضرب مثل، أي ~~هل تحمل عظام الأمور في إنفاق ماله في طاعة ربه، والايمان به. وهذا إنما ~~يليق بقول من حمل " فلا اقتحم العقبة " على الدعاء، أي فلا نجا ولا سلم من ~~لم ينفق ماله في كذا وكذا. وقيل: شبه عظم الذنوب وثقلها وشدتها بعقبة، فإذا ~~أعتق رقبة وعمل صالحا، كان مثله كمثل من اقتحم العقبة، وهي الذنوب التي ~~تضره وتؤذيه وتثقله. قال # PageV20P066 # ابن عمر: هذه العقبة جبل في جهنم. وعن أبي رجاء قال: بلغنا أن العقبة ~~مصعدها سبعة آلاف سنة، ومهبطها سبعة آلاف سنة. وقال الحسن وقتادة: هي عقبة ~~شديدة في النار دون الجسر، فاقتحموها بطاعة الله. وقال مجاهد والضحاك ~~والكلبي: هي الصراط يضرب على جهنم كحد السيف، مسيرة ثلاثة آلاف سنة، سهلا ~~وصعودا وهبوطا. واقتحامه على المؤمن كما بين صلاة العصر إلى العشاء. وقيل: ~~اقتحامه عليه قدر ما يصلي صلاة المكتوبة. وروي عن أبي الدرداء أنه قال: إن ~~وراءنا عقبة، أنجى الناس منها أخفهم حملا. وقيل: النار نفسها هي العقبة. ~~فروى أبو رجاء عن الحسن قال: بلغنا أنه ما من مسلم يعتق رقبة إلا كانت ~~فداءه من النار. وعن عبد الله بن عمر قال: من أعتق رقبة أعتق الله عز وجل ~~بكل عضو منها عضوا منه. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، قال: [من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضوا من أعضائه من ~~النار، حتى فرجه بفرجه]. وفي الترمذي عن أبي أمامة وغيره من أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: [أيما امرئ مسلم أعتق امرأ مسلما، كان فكاكه من ~~النار، يجزي ms6705 كل عضو منه عضوا منه، وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة، ~~كانت فكاكها من النار، يجزي كل عضو منها عضوا منها]. قال: هذا حديث حسن ~~صحيح غريب. وقيل: العقبة خلاصه من هول العرض. وقال قتادة وكعب: هي نار دون ~~الجسر. وقال الحسن: هي والله عقبة شديدة: # مجاهدة الانسان نفسه وهواه وعدوه الشيطان. وأنشد بعضهم: # إني بليت بأربع يرمينني * بالنبل قد نصبوا علي شراكا إبليس والدنيا ونفسي ~~والهوى * من أين أرجو بينهن فكاكا يا رب ساعدني بعفو إنني * أصبحت لا أرجو ~~لهن سواكا قوله تعالى: وما أدراك ما العقبة (12) فيه حذف، أي وما أدراك ما ~~اقتحام العقبة. وهذا تعظيم لالتزام أمر الدين، والخطاب للنبي صلى الله عليه ~~وسلم، ليعلمه اقتحام العقبة. قال القشيري: وحمل العقبة على PageV20P067 # عقبه جهنم بعيد، إذ أحد في الدنيا لم يقتحم عقبة جهنم، إلا أن يحمل على ~~أن المراد فهلا صير نفسه بحيث يمكنه اقتحام عقبة جهنم غدا. واختار البخاري ~~قول مجاهد: إنه لم يقتحم العقبة في الدنيا. قال ابن العربي: " وإنما اختار ~~ذلك لأجل أنه قال بعد ذلك في الآية الثانية: # " وما أدراك ما العقبة "؟ ثم قال في الآية الثالثة: " فك رقبة "، وفي ~~الآية الرابعة " أو إطعام في يوم ذي مسغبة "، ثم قال في الآية الخامسة: " ~~يتيما ذا مقربة "، ثم قال في الآية السادسة: # " أو مسكينا ذا متربة "، فهذه الأعمال إنما تكون في الدنيا. المعنى: فلم ~~يأت في الدنيا بما يسهل عليه سلوك العقبة في الآخرة. # قوله تعالى: فك رقبة (13) فيه ثلاث مسائل: # الأولى: قوله تعالى: " فك رقبة " فكها: خلاصها من الأسر. وقيل: من الرق. # وفي الحديث: [وفك الرقبة أن تعين في ثمنها]. من حديث البراء، وقد تقدم في ~~سورة " براءة (1) ". # والفك: هو حل القيد، والرق قيد. وسمي المرقوق رقبة، لأنه بالرق كالأسير ~~المربوط في رقبته. وسمي عنقها فكا كفك الأسير من الأسر. قال حسان: # كم من أسير فككناه بلا ثمن * وجز ناصية كنا مواليها وروى عقبة بن عامر ~~الجهني أن رسول الله صلى الله عليه ms6706 وسلم قال: [من أعتق رقبة مؤمنة كانت ~~فداءه من النار] قال الماوردي: ويحتمل ثانيا أنه أراد فك رقبته وخلاص نفسه، ~~باجتناب المعاصي، وفعل الطاعات، ولا يمتنع الخبر من هذا التأويل، وهو أشبه ~~بالصواب. # الثانية: قوله تعالى: " رقبة " قال أصبغ: الرقبة الكافرة ذات الثمن أفضل ~~في العتق من الرقبة المؤمنة القليلة الثمن، لقول النبي صلى الله عليه وسلم ~~وقد سئل أي الرقاب أفضل؟ قال: [أغلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها]. ابن ~~العربي: والمراد في هذا الحديث: من # PageV20P068 # المسلمين)، بدليل قوله عليه السلام: [من أعتق امرأ مسلما] و [من أعتق ~~رقبة مؤمنة]. # وما ذكره أصبغ وهلة (1)، وإنما نظر إلى تنقيص المال، والنظر إلى تجريد ~~المعتق للعبادة، وتفريغه للتوحيد، أولى ". # الثالثة - العتق والصدقة من أفضل الأعمال. وعن أبي حنيفة: أن العتق أفضل ~~من الصدقة. وعند صاحبيه الصدقة أفضل. والآية أدل على قول أبي حنيفة، لتقديم ~~العتق على الصدقة. وعن الشعبي في رجل عنده فضل نفقة: أيضعه في ذي قرابة أو ~~يعتق رقبة؟ # قال: الرقبة أفضل، لان النبي صلى الله عليه وسلم قال: [من فك رقبة فك ~~الله بكل عضو منها عضوا من النار]. # قوله تعالى: أو إطعام في يوم ذي مسغبة (14) يتيما ذا مقربة (15) أو ~~مسكينا ذا متربة (16) قوله تعالى: (أو إطعام في يوم ذي مسغبة) أي مجاعة. ~~والسغب: الجوع. # والساغب الجائع. وقرأ الحسن " أو إطعام في يوم ذا مسغبة " بالألف في " ذا ~~" - وأنشد أبو عبيدة: # فلو كنت جارا (2) يا بن قيس بن عاصم * لما بت شبعانا وجارك ساغبا وإطعام ~~الطعام فضيلة، وهو مع السغب الذي هو الجوع أفضل. وقال النخعي في قوله ~~تعالى: " أو إطعام في يوم ذي مسغبة " قال: في يوم عزيز فيه الطعام. وروي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: [من موجبات الرحمة إطعام المسلم ~~السغبان]. (يتيما ذا مقربة) أي قرابة. يقال: فلان ذو قرابتي وذو مقربتي. ~~يعلمك أن الصدقة على القرابة أفضل منها على غير القرابة، كما أن الصدقة على ~~اليتيم الذي لا كافل له أفضل من الصدقة ms6707 على اليتيم الذي يجد من يكفله. وأهل ~~اللغة يقولون: سمي يتيما لضعفه. يقال: يتم الرجل يتما: إذا ضعف. # PageV20P069 # وذكروا أن اليتيم في الناس من قبل الأب. وفي البهائم من قبل الأمهات. وقد ~~مضى في سورة " البقرة " مستوفى (1)، وقال بعض أهل اللغة: اليتيم الذي يموت ~~أبواه. وقال قيس بن الملوح: # إلى الله أشكو فقد ليلى كما شكا * إلى الله فقد الوالدين يتيم قوله ~~تعالى: (أو مسكينا ذا متربة) أي لا شئ له، حتى كأنه قد لصق بالتراب من ~~الفقر، ليس له مأوى إلا التراب. قال ابن عباس: هو المطروح على الطريق، الذي ~~لا بيت له. مجاهد: هو الذي لا يقيه من التراب لباس ولا غيره. وقال قتادة: ~~إنه ذو العيال. # عكرمة: المديون. أبو سنان: ذو الزمانة. ابن جبير: الذي ليس له أحد. وروى ~~عكرمة عن ابن عباس: ذو المتربة البعيد التربة، يعني الغريب البعيد عن وطنه. ~~وقال أبو حامد الخارزنجي: المتربة هنا: من التريب، وهي شدة الحال. يقال ~~ترب: إذا افتقر. قال الهذلي: # وكنا إذا ما الضيف حل بأرضنا * سفكنا دماء البدن في تربة الحال وقرأ ابن ~~كثير وأبو عمرو والكسائي: " فك " بفتح الكاف، على الفعل الماضي. " رقبة " ~~نصبا لكونها مفعولا " أو أطعم " بفتح الهمزة نصب الميم، من غير ألف، على ~~الفعل الماضي أيضا، لقوله: " ثم كان من الذين آمنوا " فهذا أشكل ب‍ " فك ~~وأطعم ". وقرأ الباقون: " فك " رفعا، على أنه مصدر فككت. " رقبة " خفض ~~بالإضافة. " أو إطعام " بكسر الهمزة وألف ورفع الميم وتنوينها على المصدر ~~أيضا. وأختاره أبو عبيد وأبو حاتم، لأنه تفسير لقوله تعالى: # " وما أدراك ما العقبة "؟ ثم أخبره فقال: " فك رقبة أو إطعام ". المعنى: ~~اقتحام العقبة: فك رقبة أو إطعام. ومن قرأ بالنصب فهو محمول على المعنى، أي ~~ولا فك رقبة، ولا أطعم في يوم ذا مسغبة، فكيف يجاوز العقبة. وقرأ الحسن ~~وأبو رجاء: " ذا مسغبة " بالنصب على أنه مفعول " إطعام " أي يطعمون ذا ~~مسغبة و " يتيما " بدل منه. الباقون " ذي مسغبة " فهو صفة ل‍ " - يوم ". ~~ويجوز ms6708 أن يكون قراءة النصب صفة لموضع الجار والمجرور لان قوله: " في يوم " ~~ظرف منصوب الموضع، فيكون وصفا له على المعنى دون اللفظ. # PageV20P070 # قوله تعالى: ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة (17) ~~أولئك أصحاب الميمنة (18) و. الذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشئمة (19) ~~عليهم نار مؤصدة (20) قوله تعالى: (ثم كان من الذين آمنوا) يعني: أنه لا ~~يقتحم العقبة من فك رقبة، أو أطعم في يوم ذا مسغبة، حتى يكون من الذين ~~آمنوا، أي صدقوا، فإن شرط قبول الطاعات الايمان بالله. # فالايمان بالله بعد الانفاق لا ينفع، بل يجب أن تكون الطاعة مصحوبة ~~بالايمان، قال الله تعالى في المنافقين: " وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم ~~إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله " (1) [التوبة: 54]. وقالت عائشة: # يا رسول الله، إن ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم الطعام، ~~ويفك العاني، ويعتق الرقاب، ويحمل على إبله لله، فعل ينفعه ذلك شيئا؟ قال: ~~[لا، إنه لم يقل يوما رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين]. وقيل: " ثم كان من ~~الذين آمنوا " أي فعل هذه الأشياء وهو مؤمن، ثم بقي على إيمانه حتى الوفاة، ~~نظيره قوله تعالى: " وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى " (2) ~~[طه: 82]. وقيل: المعنى ثم كان من الذين يؤمنون بأن هذا نافع لهم عند الله ~~تعالى. وقيل: # أتى بهذه القرب لوجه الله، ثم أمن بمحمد صلى الله عليه وسلم. وقد قال ~~حكيم بن حزام بعدما أسلم، يا رسول الله، إنا كنا نتحنث (3) بأعمال في ~~الجاهلية، فهل لنا منها شئ؟ فقال عليه السلام: [أسلمت على ما أسلفت من ~~الخير]. وقيل: إن " ثم " بمعنى الواو، أي وكان هذا المعتق الرقبة، والمطعم ~~في المسغبة، من الذين آمنوا. (وتواصوا) أي أوصى بعضهم بعضا. (بالصبر) على ~~طاعة الله، وعن معاصيه، وعلى ما أصابهم من البلاء والمصائب. # (وتواصوا بالمرحمة) بالرحمة على الخلق، فإنهم إذا فعلوا ذلك رحموا اليتيم ~~والمسكين. # (أولئك أصحاب الميمنة) أي الذين يؤتون كتبهم بأيمانهم، قال محمد بن كعب ~~القرظي وغيره. وقال يحيى بن سلام: لأنهم ms6709 ميامين على أنفسهم. ابن زيد: لأنهم ~~أخذوا من شق آدم الأيمن. وقيل: لان منزلتهم عن اليمين، قاله ميمون بن ~~مهران. (والذين كفروا # PageV20P071 # بآياتنا) أي بالقرآن. (هم أصحاب المشأمة) أي يأخذون كتبهم بشمائلهم، قاله ~~محمد بن كعب. # يحيى بن سلام: لأنهم مشائيم على أنفسهم. ابن زيد: لأنهم أخذوا من شق آدم ~~الأيسر. # ميمون: لان منزلتهم عن اليسار. # قلت: ويجمع هذه الأقوال أن يقال: إن أصحاب الميمنة أصحاب الجنة، وأصحاب ا ~~لمشأمة أصحاب النار، قال الله تعالى: " وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين، في ~~سدر مخضود "، وقال: " وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال. في سموم وحميم " ~~[الواقعة: 41 - 42]. وما كان مثله. ومعنى " مؤصدة " أي مطبقة مغلقة. قال: # تحن إلى أجبال مكة ناقتي * ومن دونها أبواب صنعاء مؤصده وقيل: مبهمة، لا ~~يدري ما داخلها. وأهل اللغة يقولون: أوصدت الباب وآصدته، أي أغلقته. فمن ~~قال أوصدت، فالاسم الوصاد، ومن قال آصدته، فالاسم الاصاد. # وقرأ أبو عمرو وحفص وحمزة ويعقوب والشيزري عن الكسائي " مؤصدة " بالهمز ~~هنا، وفي " الهمزة ". الباقون بلا همز. وهما لغتان. وعن أبي بكر بن عياش ~~(2) قال: لنا إمام يهمز " مؤصدة " فأشتهي أن أسد أذني إذا سمعته. # سورة " الشمس " مكية باتفاق، وهي خمس عشرة آية بسم الله الرحمن الرحيم ~~قوله تعالى: والشمس وضحاها (1) قال مجاهد: " وضحاها " أي ضوئها وإشراقها. ~~وهو قسم ثان. وأضاف الضحى إلى الشمس، لأنه إنما يكون بارتفاع الشمس. وقال ~~قتادة: بهاؤها. السدي: حرها. وروى الضحاك عن ابن عباس: " وضحاها " قال: جعل ~~فيها الضوء وجعلها حارة. وقال اليزيدي: # هو انبساطها. وقيل: ما ظهر بها من كل مخلوق، فيكون القسم بها وبمخلوقات ~~الأرض # PageV20P072 # كلها. حكاه الماوردي والضحا: مؤنثة. يقال: ارتفعت الضحا، وهي فوق الضحو ~~(1). # وقد تذكر. فمن أنث ذهب إلى أنها جمع ضحوة. ومن ذكر ذهب إلى أنه اسم على ~~فعل، صرد ونغر (2). وهو ظرف غير متمكن مثل سحر. تقول: لقيته ضحا وضحا، إذا ~~أردت به ضحا يومك لم تنونه. وقال الفراء: الضحا هو النهار، كقول قتادة. ~~والمعروف عند العرب أن الضحا: إذا طلعت ms6710 الشمس وبعيد ذلك قليلا فإذا زاد فهو ~~الضحاء بالمد. ومن قال: # الضحا: النهار كله، فذلك لدوام نور الشمس، ومن قال: إنه نور الشمس أو ~~حرها، فنور الشمس لا يكون إلا مع حر الشمس. وقد استدل من قال: إن الضحى حر ~~الشمس بقوله تعالى: " ولا تضحى " [طه: 119] أي لا يؤذيك الحر. وقال المبرد: ~~أصل الضحا من الضح، وهو نور الشمس، والألف مقلوبة من الحاء الثانية. تقول: ~~" ضحوة وضحوات، وضحوات وضحا، فالواو من (ضحوة) مقلوبة عن الحاء الثانية، ~~والألف في (ضحا) مقلوبة عن الواو. وقال أبو الهيثم: الضح: نقيض الظل، وهو ~~نور الشمس على وجه الأرض، وأصله الضحا، فاستثقلوا الياء مع سكون الحاء، ~~فقلبوها ألفا. # قوله تعالى: والقمر إذا تلاها (2) أي تبعها: وذلك إذا سقطت رئ الهلال. ~~يقال: تلوت فلانا: إذا تبعته. قال قتادة: # إنما ذلك ليلة الهلال، إذا سقطت الشمس رئ (3) الهلال. وقال ابن زيد: إذا ~~غربت الشمس في النصف الأول من الشهر، تلاها القمر بالطلوع، وفي آخر الشهر ~~يتلوها بالغروب. الفراء: # " تلاها ": أخذ منها، يذهب إلى أن القمر يأخذ من ضوء الشمس. وقال قوم: " ~~والقمر إذا تلاها " حين استوى واستدار، فكان مثلها في الضياء والنور، وقاله ~~الزجاج. # PageV20P073 # قوله تعالى: والنهار إذا جلاها (3) أي كشفها. فقال قوم: جلى الظلمة، وإن ~~لم يجر لها ذكر، كما تقول: أضحت باردة، تريد أضحت غداتنا باردة. وهذا قول ~~الفراء والكلبي وغيرهما وقال قوم: الضمير في " جلاها " للشمس، والمعنى: أنه ~~يبين بضوئه جرمها. ومنه قول قيس بن الخطيم: # تجلت لنا كالشمس تحت غمامة * بدا حاجب منها وضنت بحاجب وقيل: جلى ما في ~~الأرض من حيوانها حتى ظهر، لاستتاره ليلا وانتشاره نهارا. وقيل: جلى ~~الدنيا. وقيل: جلى الأرض، وإن لم يجر لها ذكر، ومثله قوله تعالى: " حتى ~~توارت بالحجاب " (1) [ص: 32] على ما تقدم آنفا. # قوله تعالى: والليل إذا يغشاها (4) أي يغشى الشمس، فيذهب بضوئها عند ~~سقوطها، قال مجاهد وغيره. وقيل: يغشى الدنيا بالظلم، فتظلم الآفاق. ~~فالكناية ترجع إلى غير مذكور. # قوله تعالى: والسماء وما بناها (5) أي وبنيانها. ms6711 فما مصدرية، كما قال: " ~~بما غفر لي ربي " (2) [يس: 27] أي بغفران ربي، قاله قتادة، واختاره المبرد. ~~وقيل: المعنى ومن بناها، قاله الحسن ومجاهد، وهو اختيار الطبري. أي ومن ~~خلقها ورفعها، وهو الله تعالى. وحكي عن أهل الحجاز: سبحان ما سبحت له، أي ~~سبحان من سبحت له. # قوله تعالى: والأرض وما طحاها (6) أي وطحوها. وقيل: ومن طحاها، على ما ~~ذكرناه آنفا. أي بسطها، كذا قال عامة المفسرين، مثل دحاها. قال الحسن ~~ومجاهد وغيرهما: طحاها ودحاها: واحد، أي بسطها # PageV20P074 # من كل جانب. والطحو: البسط، طحا يطحو طحوا، وطحى يطحي طحيا، وطحيت: # اضطجعت، عن أبي عمرو. وعن ابن عباس: طحاها: قسمها. وقيل: خلقها، قال ~~الشاعر: # وما تدري جذيمة من طحاها * ولا من ساكن العرش الرفيع الماوردي: ويحتمل ~~أنه ما خرج منها من نبات وعيون وكنوز، لأنه حياة لما خلق عليها. # ويقال في بعض أيمان العرب: لا، والقمر الطاحي، أي المشرف المشرق المرتفع. ~~قال أبو عمرو: طحا الرجل: إذا ذهب في الأرض. يقال: ما أدري أين طحا! ويقال: ~~طحا به قلبه: إذا ذهب به في كل شئ. قال علقمة: # طحا بك قلب في الحسان طروب * بعيد الشباب عصر حان مشيب قوله تعالى: ونفس ~~وما سواها (7) قيل: المعنى وتسويتها. " فما ": بمعنى المصدر. وقيل: المعنى ~~ومن سواها، وهو الله عز وجل. وفي النفس قولان: أحدهما آدم. الثاني: كل نفس ~~منفوسة. وسوى: بمعنى هيأ. # وقال مجاهد: سواها: سوى خلقها وعدل. وهذه الأسماء كلها مجرورة على القسم. ~~أقسم جل ثناؤه بخلقه لما فيه من عجائب الصنعة الدالة عليه. # قوله تعالى: فألهمها فجورها وتقواها (8) قوله تعالى: " فألهمها " أي ~~عرفها، كذا روى ابن أبي نجيح عن مجاهد. أي عرفها طريق الفجور والتقوى، وقال ~~ابن عباس. وعن مجاهد أيضا: عرفها الطاعة والمعصية. وعن محمد بن كعب قال: ~~إذا أراد الله عز وجل بعبده خيرا، ألهمه الخير فعمل به، وإذا أراد به ~~السوء، ألهمه الشر فعمل به. وقال الفراء: " فألهمها " قال: عرفها طريق ~~الخير وطريق الشر، كما قال: " وهديناه النجدين " (1) [البلد: 10]. وروى ms6712 ~~الضحاك عن ابن عباس قال: ألهم المؤمن المتقي تقواه، وألهم الفاجر فجوره. ~~وعن سعيد عن قتادة قال: بين لها فجورها وتقواها. والمعنى # PageV20P075 # متقارب. وروي عن أبي هريرة قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم " ~~فألهمها فجورها وتقواها " قال: [اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من ~~زكاها، أنت وليها ومولاها]. # ورواه جويبر عن الضحاك عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ~~قرأ هذه الآية " فألهمها فجورها وتقواها " رفع صوته بها، وقال: [اللهم آت ~~نفسي تقواها، أنت وليها ومولاها، وأنت خير من زكاها]. وفي صحيح مسلم، عن ~~أبي الأسود الدؤلي قال: قال لي عمران ابن حصين: أرأيت ما يعمل الناس اليوم، ~~ويكدحون فيه، أشئ قضي ومضى عليهم من قدر سبق، أو فيما يستقبلون (1) مما ~~أتاهم به نبيهم، وثبتت الحجة عليهم؟ فقلت: بل شئ قضي عليهم، ومضى عليهم. ~~قال فقال: أفلا يكون ظلما؟ قال: ففزعت من ذلك فزعا شديدا، وقلت: # كل شئ خلق الله وملك يده، فلا يسأل عما يفعل وهم يسألون. فقال لي: يرحمك ~~الله! # إني لم أرد بما سألتك إلا لأحزر (2) عقلك، إن رجلين من مزينة أتيا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقالا: يا رسول الله، أرأيت ما يعمل الناس اليوم ~~ويكدحون فيه: أشئ قضي عليهم ومضى فيهم من قدر قد سبق، أو فيما يستقبلون به ~~مما أتاهم به نبيهم. وثبتت الحجة عليهم؟ فقال: # (لا بل شئ قضي عليهم ومضى فيهم. وتصديق ذلك في كتاب الله عز وجل: " ونفس ~~وما سواها. # فألهمها فجورها وتقواها "). والفجور والتقوى: مصدران في موضع المفعول به. # قوله تعالى: قد أفلح من زكاها (9) وقد خاب من دساها (10) قوله تعالى: " ~~قد أفلح من زكاها " هذا جواب القسم، بمعنى: لقد أفلح. قال الزجاج: # اللام حذفت، لان الكلام طال، فصار طوله عوضا منها. وقيل: الجواب محذوف، ~~أي والشمس وكذا وكذا لتبعثن. الزمخشري: تقديره ليدمدمن الله عليهم، أي على ~~أهل مكة، لتكذيبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما دمدم على ثمود، لأنهم ~~كذبوا ms6713 صالحا. وأما " قد أفلح من زكاها " فكلام تابع لأوله، لقوله: " ~~فألهمها فجورها وتقواها " على سبيل الاستطراد، وليس من جواب القسم # PageV20P076 # في شئ. وقيل: هو على التقديم والتأخير بغير حذف، والمعنى: قد أفلح من ~~زكاها، وقد خاب من دساها، والشمس وضحاها. " أفلح " فاز. " من زكاها " أي من ~~زكى الله نفسه بالطاعة. # (وقد خاب من دساها) أي خسرت نفس دسها الله عز وجل بالمعصية. وقال ابن ~~عباس: # خابت نفس أضلها وأغواها. وقيل: أفلح من زكى نفسه بطاعة الله، وصالح ~~الأعمال، وخاب من دس نفسه في المعاصي، قال قتادة وغيره. وأصل الزكاة: النمو ~~والزيادة، ومنه زكا الزرع: # إذا كثر ريعه، ومنه تزكية القاضي للشاهد، لأنه يرفعه بالتعديل، وذكر ~~الجميل. وقد تقدم هذا المعنى في أول سورة " البقرة " (1) مستوفى. فمصطنع ~~المعروف والمبادر إلى أعمال البر، شهر نفسه ورفعها. # وكانت أجواد العرب تنزل الربا وارتفاع الأرض، ليشتهر مكانها للمعتفين ~~(2)، وتوقد النار في الليل للطارقين. وكانت اللئام تنزل الأولاج والأطراف ~~والاهضام (3)، ليخفى مكانها عن الطالبين. # فأولئك علوا أنفسهم وزكوها، وهؤلاء أخفوا أنفسهم ودسوها. وكذا الفاجر ~~أبدا خفي المكان، زمر (4) المروءة غامض الشخص، ناكس الرأس بركوب المعاصي. ~~وقيل: دساها: أغواها. قال: # وأنت الذي دسيت عمرا فأصبحت * حلائله منه أرامل ضيعا (5) قال أهل اللغة: ~~والأصل: دسسها، من التدسيس، وهو إخفاء الشئ في الشئ، فأبدلت سينه ياء، كما ~~يقال: قصيت أظفاري، وأصله قصصت أظفاري. ومثله قولهم في تقضض: تقضي. # وقال ابن الأعرابي: " وقد خاب من دساها " أي دس نفسه في جملة الصالحين ~~وليس منهم. # قوله تعالى: كذبت ثمود بطغواها (11) إذ انبعث أشقاها (12) فقال لهم رسول ~~الله ناقة الله وسقيها (13) فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها ~~(14) # PageV20P077 # قوله تعالى: (كذبت ثمود بطغواها) أي بطغيانها، وهو خروجها عن الحد في ~~العصيان، قاله مجاهد وقتادة وغيرهما. وعن ابن عباس " بطغواها " أي بعذابها ~~الذي وعدت به. قال: # وكان اسم العذاب الذي جاءها الطغوي، لأنه طغى عليهم. وقال محمد بن كعب: " ~~بطغواها " بأجمعها. وقيل: هو مصدر، وخرج على هذا المخرج، لأنه أشكل برؤوس ~~الآي. ms6714 وقيل: # الأصل بطغياها، إلا أن " فعلى " إذا كانت من ذوات الياء أبدلت في الاسم ~~واوا، ليفصل بين الاسم والوصف. وقراءة العامة بفتح الطاء. وقرأ الحسن ~~والجحدري وحماد بن سلمة (بضم الطاء) على أنه مصدر، كالرجعي والحسني وشبههما ~~في المصادر. وقيل: هما لغتان. # (إذا انبعث) أي نهض. (أشقاها) لعقر الناقة. واسمه قدار بن سالف. وقد مضى ~~في " الأعراف " بيان هذا، وهل كان واحدا أو جماعة. وفي البخاري عن عبد الله ~~ابن زمعة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يخطب، وذكر الناقة والذي عقرها، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذ انبعث أشقاها، انبعث لها رجل عزيز ~~عارم (2) منيع في رهطه مثل أبي زمعة) وذكر الحديث. خرجه مسلم أيضا. وروى ~~الضحاك عن علي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: [أتدري من أشقى ~~الأولين] قلت: الله ورسوله أعلم. قال: (عاقر الناقة - قال - أتدري من أشقى ~~الآخرين) قلت: الله ورسوله أعلم. قال: [قاتلك] (فقال لهم رسول الله) يعني ~~صالحا. (ناقة الله) " ناقة " منصوب على التحذير، كقولك: # الأسد الأسد، والصبي الصبي، والحذار الحذار. أي احذروا ناقة الله، أي ~~عقرها. وقيل: # ذروا ناقة الله كما قال: " هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض ~~الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم (3) عذاب أليم ". [الأعراف: 73]. (وسقياها) ~~أي ذروها وشربها. وقد مضى في سورة " الشعراء " (4) بيانه والحمد لله. وأيضا ~~في سورة " اقتربت الساعة " (5) [القمر: 1]. فإنهم لما اقترحوا الناقة، ~~وأخرجها لهم من الصخرة، جعل لهم شرب يوم من بئرهم، ولها شرب يوم مكان ذلك، ~~فشق ذلك عليهم. # PageV20P078 # (فكذبوه) أي كذبوا صالحا عليه السلام في قوله لهم: [إنكم تعذبون إن ~~عقرتموها]. # (فعقروها) أي عقرها الأشقى. وأضيف إلى الكل لأنهم رضوا بفعله. وقال ~~قتادة: ذكر لنا أنه لم يعقرها حتى تابعه صغيرهم وكبيرهم، ذكرهم وأنثاهم. ~~وقال الفراء: عقرها اثنان: # والعرب تقول: هذان أفضل الناس، وهذان خير الناس، وهذه المرأة أشقى القوم، ~~فلهذا لم يقل: أشقياها. # قوله تعالى: (فدمدم عليهم ربهم بذنبهم) أي أهلكهم وأطبق عليهم العذاب ~~بذنبهم الذي ms6715 هو الكفر والتكذيب والعقر. وروى الضحاك عن ابن عباس قال: دمدم ~~عليهم قال: دمر عليهم ربهم بذنبهم، أي بجرمهم. وقال الفراء: دمدم أي أرجف. ~~وحقيقة الدمدمة تضعيف العذاب وترديده. ويقال: دممت على الشئ: أي أطبقت ~~عليه، ودمم عليه القبر: أطبقه. وناقة مدمومة: ألبسها الشحم. فإذا كررت ~~الاطباق قلت: دمدمت. والدمدمة: إهلاك باستئصال، قاله المؤرج. وفي الصحاح: ~~ودمدمت الشئ: إذا ألزقته بالأرض وطحطحته. ودمدم الله عليهم: # أي أهلكهم. القشيري: وقيل دمدمت على الميت التراب: أي سويت عليه. فقوله: ~~" فدمدم عليهم " أي أهلكهم، فجعلهم تحت التراب. (فسواها) أي سوى عليهم ~~الأرض. وعلى الأول (فسواها) أي فسوى الدمدمة والاهلاك عليهم وذلك أن الصيحة ~~أهلكتهم، فأتت على صغيرهم وكبيرهم. وقال ابن الأنباري: دمدم أي غضب. ~~والدمدمة: الكلام الذي يزعج الرجل. وقال بعض اللغويين: الدمدمة: الإدامة، ~~تقول العرب: ناقة مدمدمة أي سمينة. # وقيل: (فسواها " أي فسوى الأمة في إنزال العذاب بهم، صغيرهم وكبيرهم، ~~وضيعهم وشريفهم، وذكرهم وأنثاهم. وقرأ ابن الزبير " فدمدم " وهما، لغتان، ~~كما يقال: امتقع لونه وانتقع. # قوله تعالى: ولا يخاف عقباها (15) أي فعل الله ذلك بهم غير خائف أن تلحقه ~~تبعة الدمدمة من أحد، قاله ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد. والهاء في " ~~عقباها " ترجع إلى الفعلة، كقوله: (من اغتسل يوم PageV20P079 # الجمعة فبها ونعمت) أي بالفعلة والخصلة. قال السدي والضحاك والكلبي: ترجع ~~إلى العاقر، أي لم يخف الذي عقرها عقبى ما صنع. وقال ابن عباس أيضا. وفي ~~الكلام تقديم وتأخير، مجازه: إذ انبعث أشقاها ولا يخاف عقباها. وقيل: لا ~~يخاف رسول الله صالح عاقبة إهلاك قومه، ولا يخشى ضررا يعود عليه من عذابهم، ~~لأنه قد أنذرهم، ونجاه الله تعالى حين أهلكهم. # وقرأ نافع وابن عامر " فلا " بالفاء، وهو الأجود، لأنه يرجع إلى المعنى ~~الأول، أي فلا يخاف الله عاقبة إهلاكهم. والباقون بالواو، وهي أشبه بالمعنى ~~الثاني، أي ولا يخاف الكافر عاقبة ما صنع. وروى ابن وهب وابن القاسم عن ~~مالك قالا: أخرج إلينا مالك مصحفا لجده، وزعم أنه كتبه في أيام عثمان بن ~~عفان ms6716 حين كتب المصاحف، وفيه: " ولا يخاف " بالواو. وكذا هي في مصاحف أهل ~~مكة والعراقيين بالواو، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم، اتباعا لمصحفهم. # سورة " والليل " مكية. وقيل: مدنية. وهي إحدى وعشرون آية بإجماع بسم الله ~~الرحمن الرحيم قوله تعالى: والليل إذا يغشى (1) والنهار إذا تجلى (2) وما ~~خلق الذكر والأنثى (3) إن سعيكم لشتى (4) قوله تعالى: (والليل إذا يغشى) أي ~~يغطي. ولم يذكر معه مفعولا للعلم به. وقيل: # يغشى النهار. وقيل: الأرض. وقيل الخلائق. وقيل: يغشى كل شئ بظلمته. وروى ~~سعيد عن قتادة قال: أول ما خلق الله النور والظلمة، ثم ميز بينهما، فجعل ~~الظلمة ليلا أسود مظلما، والنور نهارا مضيئا مبصرا. (والنهار إذا تجلى) أي ~~إذا انكشف ووضح وظهر، وبان بضوئه عن ظلمة الليل. (وما خلق الذكر والأنثى) ~~قال الحسن: معناه والذي خلق PageV20P080 # الذكر والأنثى، فيكون قد أقسم بنفسه عز وجل. وقيل: معناه وخلق الذكر ~~والأنثى، (فما): مصدرية على ما تقدم. وأهل مكة يقولون للرعد: سبحان ما سبحت ~~له! (فما) على هذا بمعنى (من)، وهو قول أبي عبيدة وغيره. وقد تقدم. وقيل: ~~المعنى وما خلق من الذكر والأنثى، فتكون " من " مضمرة، ويكون القسم منه ~~بأهل طاعته، من أنبيائه وأوليائه، ويكون قسمه بهم تكرمة لهم وتشريفا. وقال ~~أبو عبيدة: " وما خلق " أي من خلق. # وكذا قوله: " والسماء وما بناها " [الشمس: 5]، " ونفس وما سواها " ~~[الشمس: 7]، " ما " في هذه المواضع بمعنى من. # وروي ابن مسعود أنه كان يقرأ " والنهار إذا تجلى. والذكر والأنثى " ويسقط ~~" وما خلق ". # وفي صحيح مسلم عن علقمة قال: قدمنا الشام، فأتانا أبو الدرداء، فقال: ~~فيكم أحد يقرأ علي قراءة عبد الله؟ فقلت: نعم، أنا. قال: فكيف سمعت عبد ~~الله يقرأ هذه الآية " والليل إذا يغشى "؟ قال: سمعته يقرأ " والليل إذا ~~يغشى. والذكر والأنثى " قال: وأنا والله هكذا سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقرؤها، ولكن هؤلاء يريدون أن أقرأ " وما خلق " فلا أتابعهم (1). قال ~~أبو بكر الأنباري: وحدثنا محمد بن يحيى المروزي قال حدثنا محمد قال حدثنا ~~أبو أحمد الزبيري ms6717 قال: حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد ~~عن عبد الله قال: أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم " إني أنا الرازق ذو ~~القوة المتين "، قال أبو بكر: كل من هذين الحديثين مردود، بخلاف الاجماع ~~له، وأن حمزة وعاصما يرويان عن عبد الله بن مسعود ما عليه جماعة المسلمين، ~~والبناء على سندين يوافقان الاجماع أولى من الاخذ بواحد يخالفه الاجماع ~~والأمة، وما يبني على رواية واحد إذا حاذاه رواية جماعة تخالفه، أخذ برواية ~~الجماعة، وأبطل نقل الواحد، لما يجوز عليه من النسيان والاغفال. # ولو صح الحديث عن أبي الدرداء وكان إسناده مقبولا معروفا، ثم كان أبو بكر ~~وعمر وعثمان وعلي # PageV20P081 # وسائر الصحابة رضي الله عنهم يخالفونه، لكان الحكم العمل بما روته ~~الجماعة، ورفض ما يحكيه الواحد المنفرد، الذي يسرع إليه من النسيان ما لا ~~يسرع إلى الجماعة، وجميع أهل الملة. # وفي المراد بالذكر والأنثى قولان: أحدهما: آدم وحواء، قاله ابن عباس ~~والحسن والكلبي. الثاني: يعني جميع الذكور والإناث من بني آدم والبهائم، ~~لان الله تعالى خلق جميعهم من ذكر وأنثى من نوعهم. وقيل: كل ذكر وأنثى من ~~الآدميين دون البهائم لاختصاصهم بولاية الله وطاعته. (إن سعيكم لشتى) هذا ~~جواب القسم. والمعنى: إن عملكم لمختلف. # وقال عكرمة وسائر المفسرين: السعي: العمل، فساع في فكاك نفسه، وساع في ~~عطبها، يدل عليه قوله عليه السلام: (الناس غاديان: فمبتاع نفسه فمعتقها، ~~وبائع نفسه فموبقها) (1). وشتى: # واحده شتيت، مثل مريض ومرضى. وإنما قيل للمختلف شتى لتباعد ما بين بعضه ~~وبعضه. # أي إن عملكم لمتباعد بعضه من بعض، لان بعضه ضلالة وبعضه هدى. أي فمنكم ~~مؤمن وبر، وكافر وفاجر، ومطيع وعاص. وقيل: " لشتى " أي لمختلف الجزاء، ~~فمنكم مثاب بالجنة، ومعاقب بالنار. وقيل: أي لمختلف الأخلاق، فمنكم راحم ~~وقاس، وحليم وطائش، وجواد وبخيل، وشبه ذلك. # قوله تعالى: فأما من أعطى واتقى (5) وصدق بالحسنى (6) فسنيسره لليسرى (7) ~~وأما من بخل واستغنى (8) وكذب بالحسنى (9) فسنيسره للعسرى (10) فيه أربع ~~مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (فأما من أعطى واتقى) قال ms6718 ابن مسعود: يعني أبا بكر ~~رضي الله عنه، وقاله عامة المفسرين. فروى عن عامر بن عبد الله بن الزبير ~~قال: # كان أبو بكر يعتق على الاسلام عجائز ونساء، قال: فقال له أبوه قحافة: أي ~~بني! لو أنك # PageV20P082 # أعتقت رجالا جلدا يمنعونك ويقومون معك؟ فقال: يا أبت إنما أريد ما أريد ~~(1). وعن ابن عباس في قوله تعالى: " فأما من أعطى " أي بذل. " واتقى " أي ~~محارم الله التي نهى عنها. # " وصدق بالحسنى " أي بالخلف من الله تعالى على عطائه. " فسنيسره لليسرى " ~~وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من ~~يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقا ~~خلفا، ويقول الآخر اللهم أعط ممسكا تلفا). وروى من حديث أبي الدرداء: أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما من يوم غربت شمسه إلا بعث بجنبتها ~~ملكان يناديان يسمعهما خلق الله كلهم إلا الثقلين: اللهم أعط منفقا خلفا، ~~وأعط ممسكا تلفا) فأنزل الله تعالى في ذلك في القرآن " فأما من أعطى "... ~~الآيات. # وقال أهل التفسير: " فأما من أعطى " المعسرين. وقال قتادة: أعطى حق الله ~~تعالى الذي عليه. وقال الحسن: أعطى الصدق من قلبه. (وصدق بالحسنى) أي بلا ~~إله إلا الله، قاله الضحاك والسلمي وابن عباس أيضا. وقال مجاهد: بالجنة، ~~دليله قوله تعالى: " للذين أحسنوا الحسنى وزيادة " (2)... [يونس: 26] ~~الآية. وقال قتادة: بموعود الله الذي وعده أن يثيبه. زيد بن أسلم: # بالصلاة والزكاة والصوم. الحسن: بالخلف من عطائه، وهو اختيار الطبري. ~~وتقدم عن ابن عباس، وكله متقارب المعنى، إذ كله يرجع إلى الثواب الذي هو ~~الجنة. # الثانية - قوله تعالى: (فسنيسره لليسرى) أي نرشده لأسباب الخير والصلاح، ~~حتى يسهل عليه فعلها. وقال زيد بن أسلم: " لليسرى " للجنة. وفي الصحيحين ~~والترمذي عن علي رضي الله عنه قال: كنا في جنازة بالبقيع، فأتى النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فجلس وجلسنا معه، ومعه عود ينكت به في الأرض، فرفع رأسه ~~إلى السماء فقال: [ما من نفس منفوسة ms6719 إلا [قد] كتب مدخلها] فقال القوم: يا ~~رسول الله، أفلا نتكل على كتابنا؟ فمن كان من أهل السعادة فإنه يعمل ~~للسعادة، ومن كان من أهل الشقاء فإنه يعمل للشقاء. قال: [بل # PageV20P083 # اعملوا فكل ميسر، أما من كان من أهل السعادة فإنه ييسر لعمل السعادة، ~~وأما من كان من أهل الشقاء فإنه ييسر لعمل الشقاء - ثم قرأ - " فأما من ~~أعطى وأتقى وصدق بالحسنى، فسنيسره لليسرى، وأما من بخل واستغنى، وكذب ~~بالحسنى، فسنيسره للعسرى "] لفظ الترمذي. # وقال فيه: حديث حسن صحيح. وسأل غلامان شابان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقالا: # العمل فيه جفت به الأقلام وجرت به المقادير؟ أم في شئ يستأنف؟ فقال عليه ~~السلام: # [بل فيما جفت به الأقلام، وجرت به المقادير] قالا: ففيم العمل؟ قال: ~~[أعملوا، فكل ميسر لعمل الذي خلق له] قالا: فالآن نجد ونعمل. # الثالثة - قوله تعالى: (وأما من بخل واستغنى) أي ضن بما عنده، فلم يبذل ~~خيرا. # وقد تقدم بيانه وثمرته في الدنيا في سورة " آل عمران " (1). وفي الآخرة ~~مآله النار، كما في هذه الآية. # روى الضحاك عن ابن عباس " فسنيسره للعسرى " قال: سوف أحول بينه وبين ~~الايمان بالله وبرسوله. وعنه عن ابن عباس قال: نزلت في أمية بن خلف وروى ~~عكرمة عن ابن عباس: # " وأما من بخل واستغنى " يقول: بخل بماله، واستغنى عن ربه. (وكذب ~~بالحسنى) أي بالخلف. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد: " وكذب بالحسنى " قال: ~~بالجنة. وبإسناد عنه آخر قال " بالحسنى " أي بلا إله إلا الله. " فسنيسره " ~~أي نسهل طريقه... " للعسرى " أي للشر. وعن ابن مسعود: للنار. وقيل: أي ~~فسنعسر عليه أسباب الخير والصلاح حتى يصعب عليه فعلها. وقد تقدم أن الملك ~~ينادي صباحا ومساء: [اللهم أعط منفقا خلفا، وأعط ممسكا تلفا]. رواه أبو ~~الدرداء. # مسألة: قال العلماء: ثبت بهذه الآية وبقوله: " ومما رزقناهم ينفقون " (2) ~~[البقرة: 3]، وقوله: # " الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية " (3) [البقرة: 274] ~~إلى غير ذلك من الآيات - أن الجود من مكارم الأخلاق، والبخل من أرذلها. ~~وليس الجواد الذي يعطي في ms6720 غير موضع العطاء، ولا البخيل الذي يمنع في موضع ~~المنع، لكن الجواد الذي يعطي في موضع العطاء، والبخيل # PageV20P084 # الذي يمنع في موضع العطاء، فكل من استفاد بما يعطي أجرا وحمدا فهو ~~الجواد. وكل من استحق بالمنع ذما أو عقابا فهو البخيل. ومن لم يستفد ~~بالعطاء أجرا ولا حمدا، وإنما استوجب به ذما فليس بجواد، وإنما هو مسوف ~~مذموم، وهو من المبذرين الذين جعلهم الله إخوان الشياطين، وأوجب الحجر ~~عليهم. ومن لم يستوجب بالمنع عقابا ولا ذما، واستوجب به حمدا، فهو من أهل ~~الرشد، الذين يستحقون القيام على أموال غيرهم، بحسن تدبيرهم وسداد رأيهم. # الرابعة - قال الفراء: يقول القائل: كيف قال: " فسنيسره للعسرى "؟ وهل في ~~العسرى تيسير؟ فيقال في الجواب: هذا في إجازته بمنزلة قوله عز وجل: " ~~فبشرهم بعذاب أليم " (1) [آل عمران: 21]، والبشارة في الأصل على المفرح ~~والسار، فإذا جمع في كلامين هذا خير وهذا شر، جاءت البشارة فيهما. وكذلك ~~التيسير في الأصل على المفرح، فإذا جمع في كلامين هذا خير وهذا شر، جاء ~~التيسير فيهما جميعا. قال الفراء: وقوله تعالى: " فسنيسره ": سنهيئه. ~~والعرب تقول: قد يسرت الغنم: إذا ولدت أو تهيأت للولادة. قال: # هما سيدانا يزعمان وإنما * يسوداننا أن يسرت غنماهما (2) قوله تعالى: وما ~~يغنى عنه ماله إذا تردى (11) إن علينا للهدى (12) وإن لنا للآخرة والأولى ~~(13) قوله تعالى: (وما يغنى عنه ماله إذا تردى) أي مات. يقال: ردي الرجل ~~يردي ردي: # إذا هلك. قال: * صرفت الهوى عنهن من خشية الردى * وقال أبو صالح وزيد بن ~~أسلم: " إذا تردى ": سقط في جهنم، ومنه المتردية. ويقال: ردي في البئر ~~وتردى: إذا سقط في بئر، أو تهور من جبل. يقال: ما أدرى أين ردى؟ أي أين ~~ذهب. # و " ما ": يحتمل أن تكون جحدا، أي ولا يغني عنه ماله شيئا، ويحتمل أن ~~تكون استفهاما # PageV20P085 # معناه التوبيخ، أي أي شئ يغني عنه إذا هلك ووقع في جهنم! أي إن علينا أن ~~نبين طريق الهدى من طريق الضلالة. فالهدى: بمعنى بيان الاحكام، قاله ~~الزجاج. # أي على ms6721 الله البيان، بيان حلاله وحرامه، وطاعته ومعصيته، قاله قتادة. ~~وقال الفراء: من سلك الهدى فعلى الله سبيله، لقوله: " وعلى الله قصد السبيل ~~" (1) [النحل: 9] يقول: من أراد الله فهو على السبيل القاصد. وقيل: معناه ~~إن علينا للهدى والاضلال، فترك الاضلال، كقوله: " بيدك الخير " (2) [آل ~~عمران: 26]، و " بيده ملكوت كل شئ " (3) [يس: 83]. وكما قال: " سرابيل ~~تقيكم الحر " (4) [النحل: 81] وهي تقي البرد، عن الفراء أيضا. وقيل: أي إن ~~علينا ثواب هداه الذي هديناه. (وإن لنا للآخرة والأولى) " للآخرة " الجنة. ~~" والأولى " الدنيا. وكذا روى عطاء عن ابن عباس. أي الدنيا والآخرة لله ~~تعالى. وروى أبو صالح عن ابن عباس قال: ثواب الدنيا والآخرة، وهو كقوله ~~تعالى: # " من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة " (5) [النساء: ~~134] فمن طلبهما من غير مالكهما فقد أخطأ الطريق. # قوله تعالى: فأنذرتكم نارا تلظى (14) لا يصلاها إلا الأشقى (15) الذي كذب ~~وتولى (16) قوله تعالى: (فأنذرتكم) أي حذرتكم وخوفتكم. (نارا تلظى) أي تلهب ~~وتتوقد. # وأصله تتلظى. وهي قراءة عبيد بن عمير، ويحيى بن يعمر، وطلحة بن مصرف. (لا ~~يصلاها) أي لا يجد صلاها وهو حرها. (إلا الأشقى) أي الشقي. " الذي كذب " ~~بنبي الله محمدا صلى الله عليه وسلم. " وتولى " أي أعرض عن الايمان. وروى ~~مكحول عن أبي هريرة قال: كل يدخل الجنة إلا من أباها. قال: يا أبا هريرة، ~~ومن يأبى أن يدخل الجنة؟ # قال: الذي كذب وتولى. وقال مالك: صلى بنا عمر بن عبد العزيز المغرب، فقرأ ~~" والليل # PageV20P086 # إذا يغشى " فلما بلغ " فأنذرتكم نارا تلظى " وقع عليه البكاء، فلم يقدر ~~يتعداها من البكاء، فتركها وقرأ سورة أخرى. وقال: الفراء: " إلا الأشقى " ~~إلا من كان شقيا في علم الله جل ثناؤه. وروى الضحاك عن ابن عباس قال: " لا ~~يصلاها إلا الأشقى " أمية بن خلف ونظراؤه الذين كذبوا محمدا صلى الله عليه ~~وسلم. وقال قتادة: كذب بكتاب الله، وتولى عن طاعة الله. وقال الفراء: لم ~~يكن كذب برد ظاهر، ولكنه قصر عما أمر به من الطاعة، فجعل تكذيبا، كما تقول: ~~لقي ms6722 فلان العدو فكذب: إذا نكل ورجع عن اتباعه. قال: وسمعت أبا ثروان يقول: # إن بني نمير ليس لجدهم (1) مكذوبة. يقول: إذا لقوا صدقوا القتال، ولم ~~يرجعوا. وكذلك قوله جل ثناؤه: " ليس لوقعتها كاذبة " (2) [الواقعة: 2] ~~يقول: هي حق. وسمعت سلم بن الحسن يقول: # سمعت أبا إسحاق الزجاج يقول: هذه الآية التي من أجلها قال أهل الارجاء ~~(3) بالارجاء، فزعموا أنه لا يدخل النار إلا كافر، لقوله جل ثناؤه: " لا ~~يصلاها إلا الأشقى. الذي كذب وتولى " وليس الامر كما ظنوا. هذه نار موصوفة ~~بعينها، لا يصلى هذه النار إلا الذي كذب وتولى. # ولأهل النار منازل، فمنها أن المنافقين في الدرك الأسفل من النار، والله ~~سبحانه كل ما وعد عليه بجنس من العذاب فجائز أن يعذب به. وقال جل ثناؤه: " ~~إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " (4) [النساء: 48]، ~~فلو كان كل من لم يشرك لم يعذب، لم يكن في قوله: # " ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " فائدة، وكان " ويغفر ما دون ذلك " كلاما ~~لا معنى له. # الزمخشري: الآية واردة في الموازنة بين حالتي عظيم من المشركين وعظيم من ~~المؤمنين، فأريد أن يبالغ في صفتيهما المتناقضتين فقيل: الأشقى، وجعل مختصا ~~بالصلى، كأن النار لم تخلق # PageV20P087 # إلا له وقيل: الأتقى، وجعل مختصا بالجنة، كأن الجنة لم تخلق إلا له وقيل: ~~هما أبو جهل أو أمية بن خلف. وأبو بكر رضي الله عنه. # قوله تعالى: وسيجنبها الأتقى (17) الذي يؤتى ماله يتزكى (18) قوله تعالى: ~~(سيجنبها) أي يكون بعيدا منها. (الأتقى) أي المتقي الخائف. # قال ابن عباس: هو أبو بكر رضي الله عنه، يزحزح عن دخول النار. ثم وصف ~~الأتقى فقال: " الذي يؤتي ماله يتزكى " أي يطلب أن يكون عند الله زاكيا، ~~ولا يطلب بذلك رياء ولا سمعة، بل يتصدق به مبتغيا به وجه الله تعالى. وقال ~~بعض أهل المعاني: أراد بقوله " الأتقى " و " الأشقى " أي التقي والشقي، ~~كقول طرفة: # تمنى رجال أن أموت وإن أمت * فتلك سبيل لست فيها بأوحد أي واحد ms6723 ووحيد، ~~وتوضع (أفعل) موضع فعيل، نحو قولهم: الله أكبر بمعنى كبير، " وهو أهون عليه ~~" (1) [الروم: 27] بمعنى هين. # قوله تعالى: وما لاحد عنده من نعمة تجزى (19) إلا ابتغاء وجه ربه الاعلى ~~(20) ولسوف يرضى (21) قوله تعالى: (وما لاحد عنده من نعمة تجزى) أي ليس ~~يتصدق ليجازي على نعمة، إنما يبتغي وجه ربه الاعلى، أي المتعالي " ولسوف ~~يرضى " أي بالجزاء. فروى عطاء والضحاك عن ابن عباس قال: عذب المشركون ~~بلالا، وبلال يقول أحد أحد، فمر به النبي صلى الله عليه وسلم فقال: [أحد - ~~يعني الله تعالى - ينجيك] ثم قال لأبي بكر: [يا أبا بكر إن بلالا يعذب في ~~الله] فعرف أبو بكر الذي يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانصرف إلى ~~منزله، فأخذ رطلا من ذهب، ومضى به إلى أمية بن خلف، فقال له: أتبيعني ~~بلالا؟ قال: نعم، فاشتراه فأعتقه. فقال المشركون: ما أعتقه أبو بكر إلا ليد ~~كانت له عنده، فنزلت " وما لاحد عنده " أي عند أبي بكر " من نعمة "، أي من ~~يد ومنة، " تجزى " بل # PageV20P088 # " ابتغاء " بما فعل " وجه ربه الاعلى ". وقيل: اشترى أبو بكر من أمية ~~وأبي بن خلف بلالا، ببردة وعشر أواق، فأعتقه لله، فنزلت: " إن سعيكم لشتى " ~~[الليل: 4]. وقال سعيد بن المسيب: بلغني أن أمية بن خلف قال لأبي بكر حين ~~قال له أبو بكر: أتبيعنيه؟ فقال: نعم، أبيعه بنسطاس، وكان نسطاس عبدا لأبي ~~بكر، صاحب عشرة آلاف دينار وغلمان وجوار ومواش، وكان مشركا، فحمله أبو بكر ~~على الاسلام، على أن يكون له ماله، فأبى، فباعه أبو بكر به. فقال المشركون: ~~ما فعل أبو بكر ببلال هذا إلا ليد كانت لبلال عنده، فنزلت " وما لاحد عنده ~~من نعمة تجزى. إلا ابتغاء " أي لكن ابتغاء، فهو استثناء منقطع، فلذلك نصبت. ~~كقولك: # ما في الدار أحد إلا حمارا. ويجوز الرفع. وقرأ يحيى بن وثاب " إلا ابتغاء ~~وجه ربه " بالرفع، على لغة من يقول: يجوز الرفع في المستثنى. وأنشد في ~~اللغتين قول بشر بن أبي خازم: # أضحت خلاء قفارا لا ms6724 أنيس بها * إلا الجآذر والظلمان تختلف (1) وقول ~~القائل: # وبلدة ليس بها أنيس * إلا اليعاقير وإلا العيس (2) وفي التنزيل: " ما ~~فعلوه إلا قليل منهم " (3) [النساء: 66] وقد تقدم. (وجه ربه الاعلى) أي ~~مرضاته وما يقرب منه. و " الاعلى " من نعت الرب الذي استحق صفات العلو. ~~ويجوز أن يكون " ابتغاء وجه ربه " مفعولا له على المعنى، لان معنى الكلام: ~~لا يؤتي ماله إلا ابتغاء وجه ربه، لا لمكافأة نعمته. (ولسوف يرضى) أي سوف ~~يعطيه في الجنة ما يرضي، وذلك أنه يعطيه أضعاف ما أنفق. وروى أبو حيان ~~التيمي عن أبيه عن علي رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: [رحم الله أبا بكر! زوجني ابنته، وحملني إلى دار الهجرة، وأعتق بلالا ~~من ماله]. # ولما اشتراه أبو بكر قال له بلال: هل اشتريتني لعملك أو لعمل الله؟ قال: ~~بل لعمل الله # PageV20P089 # قال: فذرني وعمل الله، فأعتقه. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: ~~أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا (يعني بلالا رضي الله عنه). وقال عطاء - وروى عن ~~ابن عباس -: إن السورة نزلت في أبي الدحداح، في النخلة التي اشتراها بحائط ~~له، فيما ذكر الثعلبي عن عطاء. وقال القشيري عن ابن عباس: بأربعين نخلة، ~~ولم يسم الرجل. قال عطاء: كان لرجل من الأنصار نخلة، يسقط من بلحها في دار ~~جار له، فيتناول صبيانه، فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم. [تبيعها بنخلة في الجنة]؟ فأبى، فخرج فلقيه أبو ~~الدحداح فقال: هل لك أن تبيعنيها ب‍ " حسنى ": حائط له. فقال: هي لك. فأتى ~~أبو الدحداح إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: يا رسول الله، اشترها مني ~~بنخلة في الجنة. قال: [نعم، والذي نفسي بيده] فقال: هي لك يا رسول الله، ~~فدعا النبي صلى الله عليه وسلم جار الأنصاري، فقال: [خذها] فنزلت " والليل ~~إذا يغشى " [الليل: 1] إلى آخر السورة في بستان أبي الدحداح وصاحب النخلة. ~~" فأما من أعطى واتقى " يعني أبا الدحداح. " وصدق بالحسنى ms6725 " أي بالثواب. " ~~فسنيسره لليسرى ": يعني الجنة. " وأما من بخل واستغنى " يعني الأنصاري. # " وكذب بالحسنى " أي بالثواب. " فسنيسره للعسرى "، يعني جهنم. " وما يغني ~~عنه ماله إذا تردى " أي مات. إلى قوله: " لا يصلاها إلا الأشقى " يعني بذلك ~~الخزرجي، وكان منافقا، فمات على نفاقه. " وسيجنبها الأتقى " يعني أبا ~~الدحداح. " الذي يؤتي ماله يتزكى " في ثمن تلك النخلة. " ما لاحد عنده من ~~نعمة تجزى " يكافئه عليها، يعني أبا الدحداح. # " ولسوف يرضى " إذا أدخله الله الجنة. والأكثر أن السورة نزلت في أبي بكر ~~رضي الله عنه. وروى ذلك عن ابن مسعود وابن عباس وعبد الله بن الزبير ~~وغيرهم. وقد ذكرنا خبرا آخر لأبي الدحداح في سورة " البقرة "، عند قوله: " ~~من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا " (1) [البقرة: 245]. والله تعالى أعلم. # PageV20P090 # سورة " الضحى " مكية باتفاق. وهي إحدى عشرة آية بسم الله الرحمن الرحيم ~~قوله تعالى: والضحى (1) والليل إذا سجى (2) ما ودعك ربك وما قلى (3) قوله ~~تعالى: (والضحى. والليل إذا سجى) قد تقدم القول في " الضحى " (1)، والمراد ~~به النهار، لقوله: " والليل إذا سجى " فقابله بالليل. وفي سورة (الأعراف) " ~~أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون. أو أمن أهل القرى أن ~~يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون " (2) [الأعراف: 97 - 98] أي نهارا. وقال ~~قتادة ومقاتل وجعفر الصادق: أقسم بالضحى الذي كلم الله فيه موسى، وبليلة ~~المعراج. وقيل: هي الساعة التي خر فيها السحرة سجدا. بيانه قوله تعالى: " ~~وأن يحشر الناس ضحى " (3) [طه: 59]. وقال أهل المعاني فيه وفي أمثاله: فيه ~~إضمار، مجازه ورب الضحى. # و " سجا " معناه: سكن، قاله قتادة ومجاهد وابن زيد وعكرمة. يقال: ليلة ~~ساجية أي ساكنة. ويقال للعين إذا سكن طرفها: ساجية. يقال: سجا الليل يسجو ~~سجوا: (4) إذا سكن. والبحر إذا سجا: سكن. قال الأعشى: # فما ذنبنا (5) أن جاش بحر ابن عمكم * وبحرك ساج ما يواري الدعامصا وقال ~~الراجز: # يا حبذا القمراء والليل الساج * وطرق مثل ملاء النساج # PageV20P091 # وقال جرير: # ولقد رمينك يوم رحن بأعين * ينظرن من خلل الستور سواجي وقال الضحاك: " ~~سجا " غطى كل ms6726 شئ. قال الأصمعي: سجو الليل: تغطيته النهار، مثلما يسجى الرجل ~~بالثوب. وقال الحسن: غشى بظلامه، وقاله ابن عباس. وعنه: إذا ذهب. # وعنه أيضا: إذا أظلم. وقال سعيد بن جبير: أقبل، وروي عن قتادة أيضا. وروى ~~ابن أبي نجيح عن مجاهد: " سجا " استوى. والقول الأول أشهر في اللغة: " سجا ~~" سكن، أي سكن الناس فيه. كما يقال: نهار صائم، وليل قائم. وقيل: سكونه ~~استقرار ظلامه واستواؤه. # ويقال: " والضحى. والليل إذا سجا ": يعني عباده الذين يعبدونه في وقت ~~الضحى، وعباده الذين يعبدونه بالليل إذا أظلم. ويقال: " الضحى ": يعني نور ~~الجنة إذا تنور. # " والليل إذا سجا ": يعني ظلمة الليل إذا أظلم. ويقال: " والضحى ": يعني ~~النور الذي في قلوب العارفين كهيئة النهار. " والليل إذا سجا ": يعني ~~السواد الذي في قلوب الكافرين كهيئة الليل، فأقسم الله عز وجل بهذه ~~الأشياء. (ما ودعك ربك) هذا جواب القسم. # وكان جبريل عليه السلام أبطأ على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال ~~المشركون: قلاه الله وودعه، فنزلت الآية. وقال ابن جريج: احتبس عنه الوحي ~~اثني عشر يوما. وقال ابن عباس: خمسة عشر يوما. وقيل: خمسة وعشرين يوما. ~~وقال مقاتل: أربعين يوما. فقال المشركون: # إن محمدا ودعه ربه وقلاه، ولو كان أمره من الله لتابع عليه، كما كان يفعل ~~بمن كان قبله من الأنبياء. وفي البخاري عن جندب بن سفيان قال: اشتكى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فلم يقم ليلتين أو ثلاثا، فجاءت امرأة (1) فقالت: ~~يا محمد، إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك، لم أره قربك منذ ليلتين أو ~~ثلاث، فأنزل الله عز وجل " والضحى. والليل إذا سجى. ما ودعك ربك وما قلى ". ~~وفي الترمذي عن جندب البجلي قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في غار ~~فدميت إصبعه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: [هل أنت إلا إصبع دميت، # PageV20P092 # وفي سبيل الله ما لقيت]! قال: وأبطأ عليه جبريل فقال المشركون: قد ودع ~~محمد، فأنزل الله تبارك وتعالى: " ما ودعك ربك وما قلى ". هذا حديث حسن ~~صحيح. لم ms6727 يذكر الترمذي: " فلم يقم ليلتين أو ثلاثا " أسقطه الترمذي. وذكره ~~البخاري، وهو أصح ما قيل في ذلك. والله أعلم. وقد ذكره الثعلبي أيضا عن ~~جندب بن سفيان البجلي، قال: # رمي النبي صلى الله عليه وسلم في إصبعه بحجر، فدميت، فقال: [هل أنت إلا ~~إصبع دميت، وفي سبيل الله ما لقيت] فمكث ليلتين أو ثلاثا لا يقوم الليل. ~~فقالت له أم جميل امرأة أبي لهب: ما أرى شيطانك إلا قد تركك، لم أره قربك ~~منذ ليلتين أو ثلاث، فنزلت " والضحى ". وروى عن أبي عمران الجوني، قال: ~~أبطأ جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم حتى شق عليه، فجاء وهو واضع جبهته ~~على الكعبة يدعو، فنكت بين كتفيه، وأنزل عليه: " ما ودعك ربك وما قلى ". ~~وقالت خولة - وكانت تخدم النبي صلى الله عليه وسلم -: إن جروا دخل البيت، ~~فدخل تحت السرير فمات، فمكث نبي الله صلى الله عليه وسلم أياما لا ينزل ~~عليه الوحي. # فقال: [يا خولة، ما حدث في بيتي؟ ما لجبريل لا يأتيني] قالت خولة فقلت: ~~لو هيأت البيت وكنسته، فأهويت بالمكنسة تحت السرير، فإذا جرو ميت، فأخذته ~~فألقيته خلف الجدار، فجاء نبي الله ترعد لحياه - وكان إذا نزل عليه الوحي ~~استقبلته الرعدة - فقال: [يا خولة دثريني] فأنزل الله هذه السورة. ولما نزل ~~جبريل سأله النبي صلى الله عليه وسلم عن التأخر فقال: [أما علمت أنا لا ~~ندخل بيتا فيه كلب ولا صورة]. وقيل: لما سألته اليهود عن الروح وذي القرنين ~~وأصحاب الكهف قال: [سأخبركم غدا]. ولم يقل إن شاء الله. فاحتبس عنه الوحي، ~~إلى أن نزل جبريل عليه بقوله: " ولا تقولن لشئ إني فاعل ذلك غدا إلا أن ~~يشاء الله " (1) [الكهف: 23] فأخبره بما سئل عنه. وفي هذه القصة نزلت " ما ~~ودعك ربك وما قلى ". وقيل: إن المسلمين قالوا: يا رسول الله، مالك لا ينزل ~~عليك الوحي؟ فقال: [وكيف ينزل علي وأنتم لا تنقون رواجبكم - وفي رواية ~~براجمكم (2) - ولا تقصون أظفاركم ولا تأخذون من شواربكم]. فنزل # PageV20P093 # جبريل بهذه السورة، فقال ms6728 النبي صلى الله عليه وسلم: [ما جئت حتى اشتقت ~~إليك] فقال جبريل: [أنا كنت أشد إليك شوقا، ولكني عبد مأمور] ثم أنزل عليه ~~" وما نتنزل إلا بأمر ربك " (1) [مريم: 64]. " ودعك " بالتشديد: قراءة ~~العامة، من التوديع، وذلك كتوديع المفارق. # وروى عن ابن عباس وابن الزبير أنهما قرءاه " ودعك " بالتخفيف، ومعناه: ~~تركك. قال: # وثم ودعنا آل عمرو وعامر * فرائس أطراف المثقفة (2) السمر واستعماله ~~قليل. يقال: هو يدع كذا، أي يتركه. قال المبرد محمد بن يزيد: لا يكادون ~~يقولون ودع ولا وذر، لضعف الواو إذا قدمت، واستغنوا عنها بترك. # قوله تعالى: (وما قلى) أي ما أبغضك ربك منذ أحبك. وترك الكاف، لأنه رأس ~~آية. والقلى: البغض، فإن فتحت القاف مددت، تقول: قلاه يقليه قلى وقلاء. كما ~~تقول: # قريت الضيف أقريه قرى وقراء. ويقلاه: لغة طئ. وأنشد ثعلب: # * أيام (3) أم الغمر لانقلاها * أي لا نبغضها. ونقلي أي نبغض. وقال: (4) ~~أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة * لدينا ولا مقلية إن تقلت وقال امرؤ القيس: # * ولست بمقلي الخلال ولا قال (5) وتأويل الآية: ما ودعك ربك وما قلاك. ~~فترك الكاف لأنه رأس آية، كما قال عز وجل: # " والذاكرين الله كثيرا والذاكرات " (6) [الأحزاب: 35] أي والذاكرات ~~الله. # PageV20P094 # قوله تعالى: وللآخرة خير لك من الأولى (4) ولسوف يعطيك ربك فترضى (5) روى ~~سلمة عن ابن إسحاق قال: " وللآخرة خير لك من الأولى " أي ما عندي في مرجعك ~~إلى يا محمد، خير لك مما عجلت لك من الكرامة في الدنيا. وقال ابن عباس: أرى ~~النبي صلى الله عليه وسلم ما يفتح الله على أمته بعده، فسر بذلك، فنزل ~~جبريل بقوله: " وللآخرة خير لك من الأولى ولسوف يعطيك ربك فترضى ". قال ابن ~~إسحاق: الفلج في الدنيا، والثواب في الآخرة. وقيل: الحوض والشفاعة. وعن ابن ~~عباس: ألف قصر من لؤلؤ أبيض ترابه المسك. رفعه الأوزاعي، قال: حدثني ~~إسماعيل بن عبيد الله، عن علي بن عبد الله ابن عباس، عن أبيه قال: أرى ~~النبي صلى الله عليه وسلم ما هو مفتوح على أمته، فسر بذلك، فأنزل ms6729 الله عز ~~وجل " والضحى - إلى قوله تعالى - ولسوف يعطيك ربك فترضى "، فأعطاه الله جل ~~ثناؤه ألف قصر في الجنة، ترابها المسك، في كل قصر ما ينبغي له من الأزواج ~~والخدم. وعنه قال: رضي محمد ألا يدخل أحد من أهل بيته النار. وقال السدي. ~~وقيل: هي الشفاعة في جميع المؤمنين. وعن علي رضي الله عنه قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # (يشفعني الله في أمتي حتى يقول الله سبحانه لي: رضيت يا محمد؟ فأقول يا ~~رب رضيت). وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم تلا قول الله تعالى في إبراهيم: # " فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم " (1) [إبراهيم: 36] وقول ~~عيسى: " إن تعذبهم فإنهم عبادك " (2) [المائدة: 118]، فرفع يديه وقال: ~~(اللهم أمتي أمتي) وبكى. فقال الله تعالى لجبريل: (اذهب إلى محمد، وربك ~~أعلم، فسله ما يبكيك) فأتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم، فسأل فأخبره. # فقال الله تعالى لجبريل: [اذهب إلى محمد، فقل له: إن الله يقول لك: إنا ~~سنرضيك في أمتك # PageV20P095 # ولا نسوءك] (1). وقال علي رضي الله عنه لأهل العراق: إنكم تقولون إن أرجى ~~آية في كتاب الله تعالى: " قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا ~~من رحمة الله " (2) [الزمر: 53] قالوا: # إنا نقول ذلك. قال: ولكنا أهل البيت نقول: إن أرجى آية في كتاب الله قوله ~~تعالى: # " ولسوف يعطيك ربك فترضى ". وفي الحديث: لما نزلت هذه الآية قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: [إذا والله لا أرضى وواحد من أمتي في النار]. # قوله تعالى: ألم يجدك يتيما فأوى (6) عدد سبحانه مننه على نبيه محمد صلى ~~الله عليه وسلم فقال: " ألم يجدك يتيما " لا أب لك، قد مات أبوك. " فآوى " ~~أي جعل لك مأوى تأوي إليه عند عمك أبي طالب، فكفلك. وقيل لجعفر بن محمد ~~الصادق: لم أوتم النبي صلى الله عليه وسلم من أبويه؟ فقال: لئلا يكون ~~لمخلوق عليه حق. وعن مجاهد: هو من قول العرب: درة ms6730 يتيمة، إذا لم يكن لها ~~مثل. فمجاز الآية: ألم يجدك واحدا في شرفك لا نظير لك، فآواك الله بأصحاب ~~يحفظونك ويحوطونك. # قوله تعالى: ووجدك ضالا فهدى (7) أي غافلا عما يراد بك من أمر النبوة، ~~فهداك: أي أرشدك. والضلال هنا بمعنى الغفلة، كقوله جل ثناؤه: " لا يضل ربي ~~ولا ينسى " (3) [طه: 52] أي لا يغفل. وقال في حق نبيه: " وإن كنت من قبله ~~لمن الغافلين " (4) [يوسف: 3]. وقال قوم: " ضالا " لم تكن تدري القرآن ~~والشرائع، فهداك الله إلى القرآن، وشرائع الاسلام، عن الضحاك وشهر بن حوشب ~~وغيرهما. وهو معنى # PageV20P096 # قوله تعالى: " ما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان "، على ما بينا في سورة ~~" الشورى " (1). # وقال قوم: " ووجدك ضالا " أي في قوم ضلال، فهداهم الله بك. هذا قول ~~الكلبي والفراء. وعن السدي نحوه، أي ووجد قومك في ضلال، فهداك إلى إرشادهم. ~~وقيل: # " ووجدك ضالا " عن الهجرة، فهداك إليها. وقيل: " ضالا " أي ناسيا شأن ~~الاستثناء حين سئلت عن أصحاب الكهف وذي القرنين والروح - فأذكرك، كما قال ~~تعالى: " أن تضل إحداهما " (2) [البقرة: 282]. وقيل: ووجدك طالبا للقبلة ~~فهداك إليها، بيانه: " قد نرى تقلب وجهك في السماء (3)... " [البقرة: 144] ~~الآية. ويكون الضلال بمعنى الطلب، لان الضال طالب. وقيل: ووجدك متحيرا عن ~~بيان ما نزل عليك، فهداك إليه، فيكون الضلال بمعنى التحير، لان الضال ~~متحير. # وقيل: ووجدك ضائعا في قومك، فهداك إليه، ويكون الضلال بمعنى الضياع. ~~وقيل: # ووجدك محبا للهداية، فهداك إليها، ويكون الضلال بمعنى المحبة. ومنه قوله ~~تعالى: " قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم " (4) [يوسف: 95] أي في محبتك. ~~قال الشاعر: # هذا الضلال أشاب مني المفرقا * والعارضين ولم أكن متحققا (5) عجبا لعزة ~~في اختيار قطيعتي * بعد الضلال فحبلها قد أخلقا وقيل: " ضالا " في شعاب ~~مكة، فهداك وردك إلى جدك عبد المطلب. قال ابن عباس: # ضل النبي صلى الله عليه وسلم وهو صغير في شعاب مكة، فرآه أبو جهل منصرفا ~~عن أغنامه، فرده إلى جده عبد المطلب، فمن الله عليه بذلك، حين رده إلى جده ~~على يدي عدوه. وقال سعيد بن ms6731 جبير: خرج النبي صلى الله عليه وسلم مع عمه أبي ~~طالب في سفر، فأخذ إبليس بزمام الناقة في ليلة ظلماء، فعدل بها عن الطريق، ~~فجاء جبريل عليه السلام، فنفخ إبليس نفخة وقع منها إلى أرض الهند، ورده إلى ~~القافلة، فمن الله عليه بذلك. وقال كعب: إن حليمة لما قضت حق الرضاع، جاءت ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم لترده على عبد المطلب، # PageV20P097 # فسمعت عند باب مكة: هنيئا لك يا بطحاء مكة، اليوم يرد إليك النور والدين ~~والبهاء والجمال. قالت: فوضعته لأصلح ثيابي، فسمعت هدة شديدة، فالتفت فلم ~~أره، فقلت: # معشر الناس، أين الصبي؟ فقال: لم نر شيئا، فصحت: وا محمداه! فإذا شيخ فان ~~يتوكأ على عصاه، فقال: اذهبي إلى الصنم الأعظم، فإن شاء أن يرده عليك فعل. ~~ثم طاف الشيخ بالصنم، وقبل رأسه وقال: يا رب، لم تزل منتك على قريش، وهذه ~~السعدية تزعم أن ابنها قد ضل، فرده إن شئت. فانكب (هبل) على وجهه، وتساقطت ~~الأصنام، وقالت: إليك عنا أيها الشيخ، فهلا كنا على يدي محمد. فألقى الشيخ ~~عصاه، وارتعد وقال: إن لابنك ربا لا يضيعه، فاطلبيه على مهل. فانحشرت قريش ~~إلى عبد المطلب، وطلبوه في جميع مكة، فلم يجدوه. فطاف عبد المطلب بالكعبة ~~سبعا، وتضرع إلى الله أن يرده، وقال: # يا رب رد ولدي محمدا * اردده ربي واتخذ عندي يدا يا رب إن محمد لم يوجدا ~~* فشمل قومي كلهم تبددا فسمعوا مناديا ينادي من السماء: معاشر الناس لا ~~تضجوا، فإن لمحمد ربا لا يخذله ولا يضيعه، وإن محمدا بوادي تهامة، عند شجرة ~~السمر. فسار عبد المطلب هو وورقة بن نوفل، فإذا النبي صلى الله عليه وسلم ~~قائم تحت شجرة، يلعب بالأغصان وبالورق. وقيل: " ووجدك ضالا " ليلة المعراج، ~~حين انصرف عنك جبريل وأنت لا تعرف الطريق، فهداك إلى ساق العرش. # وقال أبو بكر الوراق وغيره: " ووجدك ضالا ": تحب أبا طالب، فهداك إلى ~~محبة ربك. وقال بسام بن عبد الله: " ووجدك ضالا " بنفسك لا تدري من أنت، ~~فعرفك بنفسك وحالك. ms6732 وقال الجنيدي: ووجدك متحيرا في بيان الكتاب، فعلمك ~~البيان، بيانه: " لتبين للناس ما نزل إليهم " (1) [النحل: 44]... # الآية. " لتبين لهم الذي اختلفوا فيه " (2) [النحل: 64]. وقال بعض ~~المتكلمين: إذا وجدت العرب شجرة منفردة في فلاة من الأرض، لا شجر معها، ~~سموها ضالة، فيهتدي بها إلى الطريق، فقال الله تعالى # PageV20P098 # لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: " ووجدك ضالا " أي لا أحد على دينك، وأنت ~~وحيد ليس معك أحد، فهديت بك الخلق إلي. # قلت: هذه الأقوال كلها حسان، ثم منها ما هو معنوي، ومنها ما هو حسي. ~~والقول الأخير أعجب إلي، لأنه يجمع الأقوال المعنوية. وقال قوم: إنه كان ~~على جملة ما كان القوم عليه، لا يظهر لهم خلافا على ظاهر الحال، فأما الشرك ~~فلا يظن به، بل كان على مراسم القوم في الظاهر أربعين سنة. وقال الكلبي ~~والسدي: هذا على ظاهره، أي وجدك كافرا والقوم كفار فهداك (1). وقد مضى هذا ~~القول والرد عليه في سورة " الشورى " (2). وقيل: وجدك مغمورا بأهل الشرك، ~~فميزك عنهم. يقال: ضل الماء في اللبن، ومنه " أئذا ضللنا في الأرض " (3) ~~[السجدة: 10] أي لحقنا بالتراب عند الدفن، حتى كأنا لا نتميز من جملته. وفي ~~قراءة الحسن " ووجدك ضال فهدى " أي وجدك الضال فاهتدى بك، وهذه قراءة على ~~التفسير. وقيل: " ووجدك ضالا " لا يهتدي إليك قومك، ولا يعرفون قدرك، فهدى ~~المسلمين إليك، حتى آمنوا بك. # قوله تعالى: ووجدك عائلا فأغنى (8) أي فقيرا لا مال لك. " فأغنى " أي ~~فأغناك بخديجة رضي الله عنها، يقال: عال الرجل يعيل عيلة: إذا افتقر. وقال ~~أحيحة بن الجلاح: # فما يدري الفقير متى غناه * وما يدري الغني متى يعيل أي يفتقر. وقال ~~مقاتل: فرضاك بما أعطاك من الرزق. وقال الكلبي: قنعك بالرزق. # وقال ابن عطاء: ووجدك فقير النفس، فأغنى قلبك. وقال الأخفش: وجدك ذا ~~عيال، دليله " فأغنى ". ومنه قول جرير: # الله أنزل في الكتاب فريضة * لابن السبيل وللفقير العائل # PageV20P099 # وقيل: وجدك فقيرا من الحجج والبراهين، فأغناك بها. وقيل: أغناك بما فتح ~~لك من الفتوح، وأفاءه عليك من أموال ms6733 الكفار. القشيري: وفي هذا نظر، لان ~~السورة مكية، وإنما فرض الجهاد بالمدينة. # وقراءة العامة " عائلا ". وقرأ ابن السميقع " عيلا " بالتشديد، مثل طيب ~~وهين. # قوله تعالى: فأما اليتيم فلا تقهر (9) وأما السائل فلا تنهر (10) وإما ~~بنعمة ربك فحدث (11) فيه أربع مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (فأما اليتيم فلا تقهر) أي لا تسلط (1) عليه ~~بالظلم، ادفع إليه حقه، واذكر يتمك، قاله الأخفش. وقيل: هما لغتان: بمعنى. ~~وعن مجاهد " فلا تقهر " فلا تحتقر. # وقرأ النخعي والأشهب العقيلي " تكهر " بالكاف، وكذا هو في مصحف ابن ~~مسعود. # فعلى هذا يحتمل أن يكون نهيا عن قهره، بظلمه وأخذ ماله. وخص اليتيم لأنه ~~لا ناصر له غير الله تعالى، فغلظ في أمره، بتغليظ العقوبة على ظالمه. ~~والعرب تعاقب بين الكاف والقاف. # النحاس: وهذا غلط، إنما يقال كهره: إذا اشتد عليه وغلظ. وفي صحيح مسلم من ~~حديث معاوية بن الحكم السلمي، حين تكلم في الصلاة برد السلام، قال: فبأبي ~~هو وأمي! ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه - يعني رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم - فوالله ما كهرني، ولا ضربني، ولا شتمني... الحديث. ~~وقيل: القهر الغلبة. والكهر: الزجر. # الثانية - ودلت الآية على اللطف باليتيم، وبره والاحسان إليه، حتى قال ~~قتادة: # كن لليتيم كالأب الرحيم. وروي عن أبي هريرة أن رجلا شكا إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم قسوة قلبه، فقال: (إن أردت أن يلين، فامسح رأس اليتيم، ~~وأطعم المسكين). وفي الصحيح عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: (أنا وكافل اليتيم له أو لغيره كهاتين). # PageV20P100 # وأشار بالسبابة والوسطى. ومن حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # (إن اليتيم إذا بكى اهتز لبكائه عرش الرحمن فيقول الله تعالى لملائكته: ~~يا ملائكتي، من ذا الذي أبكى هذا اليتيم الذي غيبت أباه في التراب، فتقول ~~الملائكة ربنا أنت أعلم، فيقول الله تعالى لملائكته: يا ملائكتي، اشهدوا أن ~~من أسكته وأرضاه؟ أن أرضيه (1) يوم القيامة). فكان ابن عمر إذا رأى يتيما ~~مسح برأسه، ms6734 وأعطاه شيئا. وعن أنس قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [من ضم يتيما فكان في نفقته، وكفاه ~~مؤونته، كان له حجابا من النار يوم القيامة، ومن مسح برأس يتيم كان له بكل ~~شعرة حسنة]. وقال أكثم ابن صيفي: الأذلاء أربعة: النمام، والكذاب، ~~والمديون، واليتيم. # الثالثة - قوله تعالى: (وأما السائل فلا تنهر) أي لا تزجره، فهو نهى عن ~~إغلاظ القول. ولكن رده ببذل يسير، أو رد جميل، واذكر فقرك، قاله قتادة ~~وغيره. وروي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [لا يمنعن ~~أحدكم السائل، وأن يعطيه إذا سأل، ولو رأى في يده قلبين (2) من ذهب]. وقال ~~إبراهيم بن أدهم: نعم القوم السؤال: يحملون زادنا إلى الآخرة. وقال إبراهيم ~~النخعي: السائل بريد الآخرة، يجئ إلى باب أحدكم فيقول: هل تبعثون إلى ~~أهليكم بشئ. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [ردوا السائل ببذل ~~يسير، أو رد جميل، فإنه يأتيكم من ليس من الانس ولا من الجن، ينظر كيف ~~صنيعكم فيما خولكم الله]. وقيل: المراد بالسائل هنا، الذي يسأل عن الدين، ~~أي فلا تنهره بالغلظة والجفوة، وأجبه برفق ولين، قاله سفيان. قال ابن ~~العربي: وأما السائل عن الدين فجوابه فرض على العالم، على الكفاية، كإعطاء ~~سائل البر سواء. وقد كان أبو الدرداء ينظر إلى أصحاب الحديث، ويبسط رداءه ~~لهم، ويقول: مرحبا بأحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي حديث أبي هارون ~~العبدي، عن أبي سعيد الخدري (3)، قال: كنا إذا أتينا أبا سعيد يقول: مرحبا ~~بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~[إن الناس لكم تبع # PageV20P101 # وإن رجالا يأتونكم من أقطار الأرض يتفقهون، فإذا أتوكم فاستوصوا بهم ~~خيرا]. وفي رواية [يأتيكم رجال من قبل المشرق].. فذكره. و " اليتيم " و " ~~السائل " منصوبان بالفعل الذي بعده، وحق المنصوب أن يكون بعد الفاء، ~~والتقدير: مهما يكن من شئ فلا تقهر اليتيم، ولا تنهر السائل. وروي أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم ms6735 قال: (سألت ربي مسألة وددت أني لم أسألها: قلت يا رب ~~اتخذت إبراهيم خليلا، وكلمت موسى تكليما، وسخرت مع داود الجبال يسبحن، ~~وأعطيت فلانا كذا، فقال عز وجل: ألم أجدك يتيما فآويتك؟ ألم أجدك ضالا ~~فهديتك؟ ألم أجدك عائلا فأغنيتك؟ ألم أشرح لك صدرك؟ ألم أوتك ما لم أوت ~~أحدا قبلك: خواتيم سورة البقرة، ألم أتخذك خليلا، كما اتخذت إبراهيم خليلا؟ ~~قلت بلى يا رب) الرابعة - قوله تعالى: (وأما بنعمة ربك فحدث) أي أنشر ما ~~أنعم الله عليك بالشكر والثناء. والتحدث بنعم الله، والاعتراف بها شكر. ~~وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد " وأما بنعمة ربك " قال بالقرآن. وعنه قال: ~~بالنبوة، أي بلغ ما أرسلت به. والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والحكم ~~عام له ولغيره. وعن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال: إذا أصبت خيرا، أو ~~عملت خيرا، فحدث به الثقة من إخوانك. وعن عمرو بن ميمون قال: إذا لقي الرجل ~~من إخوانه من يثق به، يقول له: رزق الله من الصلاة البارحة كذا وكذا. وكان ~~أبو فراس عبد الله بن غالب إذا أصبح يقول: لقد رزقني الله البارحة كذا، ~~قرأت كذا، وصليت كذا، وذكرت الله كذا، وفعلت كذا. فقلنا له: يا أبا فراس، ~~إن مثلك لا يقول هذا! # قال يقول الله تعالى: " وأما بنعمة ربك فحدث " وتقولون أنتم: لا تحدث ~~بنعمة الله! # ونحوه عن أيوب السختياني وأبي رجاء العطاردي رضي الله عنهم. وقال بكر بن ~~عبد الله المزني قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من أعطى خيرا فلم ير عليه، ~~سمي بغيض الله، معاديا لنعم الله). # وروى الشعبي عن النعمان بن بشير قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: [من ~~لم يشكر القليل، لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس، لم يشكر الله، والتحدث ~~بالنعم شكر، وتركه كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب]. وروى النسائي عن ~~مالك بن نضلة الجشمي قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا، ~~فرآني رث الثياب فقال: [ألك مال؟] قلت: PageV20P102 # نعم، يا ms6736 رسول الله، من كل المال. قال: [إذا آتاك الله مالا فلير أثره ~~عليك]. وروى أبو سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: [إن ~~الله جميل يحب الجمال، ويجب أن يرى أثر نعمته على عبده]. # فصل: يكبر القارئ في رواية البزي عن ابن كثير - وقد رواه مجاهد عن ابن ~~عباس، عن أبي بن كعب، عن النبي صلى الله عليه وسلم: إذا بلغ آخر " والضحى " ~~كبر (1) بين كل سورة تكبيرة، إلى أن يختم القرآن، ولا يصل آخر السورة ~~بتكبيره، بل يفصل بينهما بسكتة. وكأن المعنى في ذلك أن الوحي تأخر عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أياما، فقال ناس من المشركين: # قد ودعه صاحبه وقلاه، فنزلت هذه السورة فقال: [الله أكبر]. قال مجاهد: ~~قرأت على ابن عباس، فأمرني به، وأخبرني به عن أبي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم. ولا يكبر في قراءة الباقين، لأنها ذريعة إلى الزيادة في القرآن. # قلت: القرآن ثبت نقلا متواترا سوره وآياته وحروفه، لا زيادة فيه ولا ~~نقصان، فالتكبير على هذا ليس بقرآن. فإذا كان بسم الله الرحمن الرحيم ~~المكتوب في المصحف بخط المصحف ليس بقرآن، فكيف بالتكبير الذي هو ليس ~~بمكتوب. أما أنه ثبت سنة بنقل الآحاد، فاستحبه ابن كثير، لا أنه أوجبه فخطأ ~~من تركه. ذكر الحاكم أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ في كتاب " ~~المستدرك " له على البخاري ومسلم: حدثنا أبو يحيى محمد بن عبد الله بن محمد ~~بن عبد الله بن يزيد، المقرئ الامام بمكة، في المسجد الحرام، قال: حدثنا ~~أبو عبد الله محمد بن علي بن زيد الصائغ، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن ~~القاسم بن أبي بزة: سمعت عكرمة بن سليمان يقول: قرأت على إسماعيل بن عبد ~~الله بن قسطنطين، فلما بلغت " والضحى " قال لي كبر عند خاتمة كل سورة حتى ~~تختم، فإني قرأت على عبد الله بن كثير فلما بلغت " والضحى " قال: كبر حتى ~~تختم. وأخبره عبد الله بن كثير أنه قرأ على مجاهد، ms6737 وأخبره مجاهد أن ابن ~~عباس أمره بذلك، وأخبره ابن عباس أن أبي بن كعب أمره بذلك، وأخبره أبي بن ~~كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره بذلك. هذا حديث صحيح ولم يخرجاه. # PageV20P103 # سورة " ألم نشرح " مكية في قول الجميع. وهي ثماني آيات بسم الله الرحمن ~~الرحيم قوله تعالى: ألم نشرح لك صدرك (1) شرح الصدر: فتحه، أي ألم نفتح ~~صدرك للاسلام. وروى أبو صالح عن ابن عباس قال: ألم نلين لك قلبك. وروى ~~الضحاك عن ابن عباس قال: قالوا يا رسول الله، أينشرح الصدر؟ قال: [نعم ~~وينفسح]. قالوا: يا رسول الله، وهل لذلك علامة؟ # قال: [نعم التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاعتداد ~~للموت، قبل نزول الموت]. وقد مضى هذا المعنى في " الزمر " (1) عند قوله ~~تعالى: " أفمن شرح الله صدره للاسلام فهو على نور من ربه ". وروي عن الحسن ~~قال: " ألم نشرح لك صدرك " قال: # ملئ حكما وعلما. وفي الصحيح (2) عن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة - رجل ~~من قومه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فبينا أنا عند البيت بين ~~النائم واليقظان إذ سمعت قائلا يقول: # أحد الثلاثة (3) فأتيت بطست من ذهب، فيها ماء زمزم، فشرح صدري إلى كذا ~~وكذا) قال قتادة قلت: ما يعني؟ قال: إلى أسفل بطني، قال: [فاستخرج قلبي، ~~فغسل قلبي بماء زمزم، ثم أعيد مكانه، ثم حشي إيمانا وحكمة]. وفي الحديث ~~قصة. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (جاءني ملكان في صورة طائر، ~~معهما ماء وثلج، فشرح أحدهما صدري، وفتح # PageV20P104 # الآخر بمنقاره فيه فغسله). وفي حديث آخر قال: [جاءني ملك فشق عن قلبي، ~~فاستخرج منه عذرة (1)، وقال: قلبك وكيع، وعيناك بصيرتان، وأذناك سميعتان، ~~أنت محمد رسول الله، لسانك صادق، ونفسك مطمئنة، وخلقك قثم، وأنت قيم]. قال ~~أهل اللغة: قوله [وكيع أي يحفظ ما يوضع فيه. يقال: سقاء وكيع، أي قوي يحفظ ~~ما يوضع فيه. واستوكعت معدته، أي قويت وقوله: [قثم] أي جامع. يقال: رجل ~~قثوم للخير، أي جامع ms6738 له. ومعنى " ألم نشرح " قد شرحنا، الدليل، على ذلك ~~قوله في النسق عليه: " ووضعنا عنك وزرك "، فهذا عطف على التأويل، لا على ~~التنزيل، لأنه لو كان على التنزيل لقال: ونضع عنك وزرك. # فدل هذا على أن معنى " ألم نشرح ": قد شرحنا. و " لم " جحد، وفي ~~الاستفهام طرف من الجحد، وإذا وقع جحد، رجع إلى التحقيق، كقوله تعالى: " ~~أليس الله بأحكم الحاكمين " (2) [التين: 8]. # ومعناه: الله أحكم الحاكمين. وكذا " أليس الله بكاف عبده " (3) [الزمر: ~~36]. ومثله قول جرير يمدح عبد الملك ابن مروان: # ألستم خير من ركب المطايا * وأندى العالمين بطون راح المعنى: أنتم كذا. # قوله تعالى: ووضعنا عنك وزرك (2) الذي أنقض ظهرك (3) قوله تعالى: (ووضعنا ~~عنك وزرك) أي حططنا عنك ذنبك. وقرأ أنس " وحللنا، وحططنا ". وقرأ ابن ~~مسعود: " وحللنا عنك وقرك ". هذه الآية مثل قوله تعالى: " ليغفر لك الله ما ~~تقدم من ذنبك وما تأخر " (4) [الفتح: 2]. قيل: الجميع كان قبل النبوة. ~~والوزر: الذنب، أي وضعنا عنك ما كنت فيه من أمر الجاهلية، لأنه كان صلى ~~الله عليه وسلم في كثير من مذاهب قومه، وإن لم يكن عبد صنما ولا وثنا. قال ~~قتادة والحسن والضحاك: كانت للنبي صلى الله عليه وسلم ذنوب أثقلته، فغفرها ~~الله له " الذي أنقض ظهرك " أي أثقله حتى سمع # PageV20P105 # نقيضه، أي صوته. وأهل اللغة يقولون: أنقض، الحمل ظهر الناقة: إذا سمعت له ~~صريرا من شدة الحمل. وكذلك سمعت نقيض الرحل، أي صريره. قال جميل: # وحتى تداعت بالنقيض حباله * وهمت بواني زوره أن تحطما " بواني زوره ": أي ~~أصول صدره. فالوزر: الحمل الثقيل. قال المحاسبي: يعني ثقل الوزر لو لم يعف ~~الله عنه. (الذي انقض ظهرك) أي أثقله وأوهنه. قال: وإنما وصفت ذنوب ~~الأنبياء بهذا الثقل، مع كونها مغفورة لشدة اهتمامهم بها وندمهم منها ~~وتحسرهم عليها. # وقال السدي: " ووضعنا عنك وزرك " أي وحططنا عنك ثقلك. وهي في قراءة عبد ~~الله ابن مسعود " وحططنا (1) عنك وقرك ". وقيل: أي حططنا عنك ثقل آثام ~~الجاهلية. قال الحسين ابن المفضل: يعني الخطأ والسهو. وقيل: ذنوب ms6739 أمتك، ~~أضافها إليه لاشتغال قلبه بها. # وقال عبد العزيز بن يحيى وأبو عبيدة: خففنا عنك أعباء النبوة والقيام ~~بها، حتى لا تثقل عليك. # وقيل: كان في الابتداء يثقل عليه الوحي، حتى كاد يرمي نفسه من شاهق ~~الجبل، إلى أن جاءه جبريل وأراه نفسه، وأزيل عنه ما كان يخاف من تغير ~~العقل. وقيل: عصمناك عن احتمال الوزر، وحفظناك قبل النبوة في الأربعين من ~~الأدناس، حتى نزل عليك الوحي وأنت مطهر من الأدناس. # قوله تعالى: ورفعنا لك ذكرك (4) قال مجاهد: يعني بالتأذين. وفيه يقول ~~حسان بن ثابت: # أغر عليه للنبوة خاتم * من الله مشهود يلوح ويشهد وضم الاله اسم النبي ~~إلى اسمه * إذا قال في الخمس المؤذن أشهد وروي عن الضحاك عن ابن عباس، قال: ~~يقول له لا ذكرت إلا ذكرت معي في الاذان، والإقامة والتشهد، ويوم الجمعة ~~على المنابر، ويوم الفطر، ويوم الأضحى: وأيام التشريق، # PageV20P106 # ويوم عرفة، وعند الجمار، وعلى الصفا والمروة، وفي خطبة النكاح، وفي مشارق ~~الأرض ومغاربها. ولو أن رجلا عبد الله جل ثناؤه، وصدق بالجنة والنار وكل ~~شئ، ولم يشهد أن محمدا رسول الله، لم ينتفع بشئ وكان كافرا. وقيل: أي ~~أعلينا ذكرك، فذكرناك في الكتب المنزلة على الأنبياء قبلك، وأمرناهم ~~بالبشارة بك، ولا دين إلا ودينك يظهر عليه. وقيل: # رفعنا ذكرك عند الملائكة في السماء، وفي الأرض عند المؤمنين، ونرفع في ~~الآخرة ذكرك بما نعطيك من المقام المحمود، وكرائم الدرجات. # قوله تعالى: فإن مع العسر يسرا (5) إن مع العسر يسرا (6) أي إن مع الضيقة ~~والشدة يسرا، أي سعة وغنى. ثم كرر فقال: " إن مع العسر يسرا "، فقال قوم: ~~هذا التكرير تأكيد للكلام، كما يقال: ارم ارم، أعجل أعجل، قال الله تعالى: # " كلا سوف (1) تعلمون. ثم كلا سوف تعلمون " [التكاثر: 3 - 4]. ونظيره في ~~تكرار الجواب: بلى بلى، لا، لا. # وذلك للاطناب والمبالغة، قاله الفراء. ومنه قول الشاعر: # هممت بنفسي بعض الهموم * فأولى لنفسي أولى لها (1) وقال قوم: إن من عادة ~~العرب إذا ذكروا اسما معرفا ثم كرروه، فهو ms6740 هو. وإذا نكروه ثم كرروه فهو ~~غيره. وهما اثنان، ليكون أقوى للأمل، وأبعث على الصبر، قاله ثعلب. # وقال ابن عباس: يقول الله تعالى خلقت عسرا واحدا، وخلقت يسرين، ولن يغلب ~~عسر يسرين. وجاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه السورة: أنه ~~قال: # [لن يغلب عسر يسرين]. وقال ابن مسعود: (3) والذي نفسي بيده، لو كان العسر ~~في حجر، لطلبه اليسر حتى يدخل عليه، ولن يغلب عسر يسرين. وكتب أبو عبيدة بن ~~الجراح إلى عمر بن الخطاب يذكر له جموعا من الروم، وما يتخوف منهم، فكتب ~~إليه عمر رضي الله عنهما: أما بعد، فإنه مهما ينزل بعبد مؤمن من منزل شدة، ~~يجعل الله بعده فرجا، وإنه لن يغلب عسر يسرين، وإن الله تعالى يقول في ~~كتابه: " يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا # PageV20P107 # واتقوا الله لعلكم تفلحون " (1) [آل عمران: 200]. وقال قوم منهم ~~الجرجاني: هذا قول مدخول، لأنه يجب على هذا التدريج إذا قال الرجل: إن مع ~~الفارس سيفا، إن مع الفارس سيفا، أن يكون الفارس واحدا والسيف اثنان. ~~والصحيح أن يقال: إن الله بعث نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم مقلا مخفا، ~~فعيره المشركون بفقره، حتى قالوا له: نجمع لك مالا، فاغتم وظن أنهم كذبوه ~~لفقره، فعزاه الله، وعدد نعمه عليه، ووعده الغنى بقوله: " فإن مع العسر ~~يسرا " أي لا يحزنك ما عيروك به من الفقر، فإن مع ذلك العسر يسرا عاجلا، أي ~~في الدنيا. فأنجز له ما وعده، فلم يمت حتى فتح عليه الحجاز واليمن، ووسع ~~ذات يده، حتى كان يعطي الرجل المائتين من الإبل، ويهب الهبات السنية، ويعد ~~لأهله قوت سنة. فهذا الفضل كله من أمر الدنيا، وإن كان خاصا بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم، فقد يدخل فيه بعض أمته إن شاء الله تعالى. # ثم ابتدأ فضلا آخرا من الآخرة وفيه تأسية وتعزية له صلى الله عليه وسلم، ~~فقال مبتدئا: " إن مع العسر يسرا " فهو شئ آخر. والدليل على ابتدائه، تعريه ~~من فاء أو واو أو ms6741 غيرها من حروف النسق التي تدل على العطف. فهذا وعد عام ~~لجميع المؤمنين، لا يخرج أحد منه، أي إن مع العسر في الدنيا للمؤمنين يسرا ~~في الآخرة لا محالة. وربما اجتمع يسر الدنيا ويسر الآخرة. # والذي في الخبر: [لن يغلب عسر يسرين] يعني العسر الواحد لن يغلبهما، ~~وإنما يغلب أحدهما إن غلب، وهو يسر الدنيا، فأما يسر الآخرة فكائن لا ~~محالة، ولن يغلبه شئ. أو يقال: # " إن مع العسر " وهو إخراج أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة " ~~يسرا "، وهو دخوله يوم فتح مكة مع عشرة آلاف رجل، مع عز وشرف. # قوله تعالى: فإذا فرغت فانصب (7) وإلى ربك فارغب (8) فيه مسألتان: # الأولى - قوله تعالى: (فإذا فرغت) قال ابن عباس وقتادة: فإذا فرغت من ~~صلاتك " فانصب " أي بالغ في الدعاء وسله حاجتك. وقال ابن مسعود: إذا فرغت ~~من الفرائض # PageV20P108 # فانصب في قيام الليل. وقال الكلبي: إذا فرغت من تبليغ الرسالة " فانصب " ~~أي استغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات. وقال الحسن وقتادة أيضا: إذا فرغت من ~~جهاد عدوك، فانصب لعبادة ربك. وعن مجاهد: " فإذا فرغت " من دنياك، " فانصب ~~" في صلاتك. # ونحوه عن الحسن. وقال الجنيد: إذا فرغت من أمر الخلق، فاجتهد في عبادة ~~الحق. قال ابن العربي: " ومن المبتدعة من قرأ هذه الآية " فانصب " بكسر ~~الصاد، والهمز (1) من أوله، وقالوا: معناه: انصب الامام الذي تستخلفه. وهذا ~~باطل في القراءة، باطل في المعنى، لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يستخلف ~~أحدا. وقرأها بعض: الجهال " فانصب " بتشديد الباء، معناه: إذا فرغت من ~~الجهاد، فجد في الرجوع إلى بلدك.. وهذا باطل أيضا قراءة، لمخالفة الاجماع، ~~لكن معناه صحيح، لقوله صلى الله عليه وسلم: [السفر قطعة من العذاب، يمنع ~~أحدكم نومه وطعامه وشرابه، فإذا قضى أحدكم نهمته، فليعجل الرجوع إلى أهله]. ~~وأشد الناس عذابا وأسوأهم مباء ومآبا، من أخذ معنى صحيحا، فركب عليه من قبل ~~نفسه قراءة أو حديثا، فيكون كاذبا على الله، كاذبا على رسوله، ومن أظلم ممن ~~افترى على الله كذبا ". # قال المهدوي: ms6742 وروي عن أبي جعفر المنصور: أنه قرأ " ألم نشرح لك صدرك " ~~بفتح الحاء، وهو بعيد، وقد يؤول على تقدير النون الخفيفة، ثم أبدلت النون ~~ألفا في الوقف، ثم حمل الوصل على الوقف، ثم حذف الألف. وأنشد عليه: # إضرب عنك الهموم طارقها * ضربك بالسوط قونس الفرس (2) أراد: اضربن. وروى ~~عن أبي السمال " فإذا فرغت " بكسر الراء، وهي لغة فيه. # وقرئ " فرغب " أي فرغب الناس إلى ما عنده. # الثانية - قال ابن العربي: روي عن شريح أنه مر بقوم يلعبون يوم عيد، فقال ~~ما بهذا أمر الشارع. وفيه نظر، فإن الحبش كانوا يلعبون بالدرق والحراب في ~~المسجد يوم # PageV20P109 # العيد، والنبي صلى الله عليه وسلم ينظر. ودخل أبو بكر في بيت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على عائشة رضي الله عنها وعندها جاريتان من جواري ~~الأنصار تغنيان، فقال أبو بكر: أبمزمور الشيطان في بيت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم؟ فقال: [دعهما يا أبا بكر، فإنه يوم عيد]. # وليس يلزم الدءوب على العمل، بل هو مكراه للخلق ". # تفسير سورة " والتين " مكية في قول الأكثر. وقال ابن عباس وقتادة: هي ~~مدنية وهي ثماني آيات. # بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: والتين والزيتون (1) فيه ثلاث مسائل: # الأول - قوله تعالى: (والتين والزيتون) قال ابن عباس والحسن ومجاهد ~~وعكرمة وإبراهيم النخعي وعطاء بن أبي رباح وجابر بن زيد ومقاتل والكلبي: هو ~~تينكم الذي تأكلون، وزيتونكم الذي تعصرون منه الزيت، قال الله تعالى: " ~~وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين " (1) [المؤمنون: 20]. ~~وقال أبو ذر: أهدي للنبي صلى الله عليه وسلم سل تين، فقال: # [كلوا] وأكل منه. ثم قال: [لو قلت إن فاكهة نزلت من الجنة لقلت هذه، لان ~~فاكهة الجنة بلا عجم (2)، فكلوها فإنها تقطع البواسير، وتنفع من النقرس]. ~~وعن معاذ أنه أستاك بقضيب زيتون، وقال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ~~[السواك الزيتون! # من الشجرة المباركة، يطيب الفم، ويذهب بالحفر (3)، وهي سواكي وسواك ~~الأنبياء من قبلي]. # وروي عن ابن عباس أيضا: التين: مسجد نوح ms6743 عليه السلام الذي بني على ~~الجودي، والزيتون: مسجد بيت المقدس. وقال الضحاك: التين: المسجد الحرام، ~~والزيتون المسجد # PageV20P110 # الأقصى. ابن زيد: التين: مسجد دمشق، والزيتون: مسجد بيت المقدس. قتادة: ~~التين: # الجبل الذي عليه دمشق: والزيتون: الجبل الذي عليه بيت المقدس. وقال محمد ~~بن كعب: # التين: مسجد أصحاب الكهف، والزيتون: مسجد إيلياء. وقال كعب الاخبار ~~وقتادة أيضا وعكرمة وابن زيد: التين: دمشق، والزيتون: بيت المقدس. وهذا ~~اختيار الطبري. # وقال الفراء: سمعت رجلا من أهل الشام يقول: التين: جبال ما بين حلوان إلى ~~همذان، والزيتون: جبال الشام. وقيل: هما جبلان بالشام، يقال لهما طور زيتا ~~وطور تينا (بالسريانية) سميا بذلك لأنهما ينبتانهما. وكذا روى أبو مكين عن ~~عكرمة، قال: التين والزيتون: جبلان بالشام. وقال النابغة: # *... أتين التين عن عرض (1) * وهذا اسم موضع. ويجوز أن يكون ذلك على حذف ~~مضاف، أي ومنابت التين والزيتون. # ولكن لا دليل على ذلك من ظاهر التنزيل، ولا من قول من لا يجوز خلافه، ~~قاله النحاس. # الثانية - وأصح هذه الأقوال الأول، لأنه الحقيقة، ولا يعدل عن الحقيقة ~~إلى المجاز إلا بدليل. وإنما أقسم الله بالتين، لأنه كان ستر آدم في الجنة، ~~لقوله تعالى: " يخصفان عليهما من ورق الجنة " (2) [الأعراف: 22] وكان ورق ~~التين. وقيل: أقسم به ليبين وجه المنة العظمى فيه، فإنه جميل المنظر، طيب ~~المخبر، نشر (3) الرائحة، سهل الجني، على قدر المضغة. وقد أحسن القائل فيه: # انظر إلى التين في الغصون ضحى * ممزق الجلد مائل العنق كأنه رب نعمة سلبت ~~* فعاد بعد الجديد في الخلق أصغر ما في النهود أكبره * لكن ينادى عليه في ~~الطرق # PageV20P111 # وقال آخر: # التين يعدل عندي كل فاكهة * إذا انثنى مائلا في غصنه الزاهي مخمش الوجه ~~قد سالت حلاوته * كأنه راكع من خشية الله وأقسم بالزيتون لأنه مثل به ~~إبراهيم في قوله تعالى: " يوقد من شجرة مباركة زيتونة " (1) [النور: 35]. # وهو أكثر أدم أهل الشام والمغرب، يصطبغون (2) به، ويستعملونه في طبيخهم، ~~ويستصبحون به، ويداوي به أدواء الجوف والقروح والجراحات، وفيه منافع كثيرة. ~~وقال عليه السلام: # [كلوا ms6744 الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة]. وقد مضى في سورة " ~~المؤمنون " القول فيه (3). # الثالثة - قال ابن العربي ولامتنان البارئ سبحانه، وتعظيم المنة في ~~التين، وأنه مقتات مدخر [فلذلك] (4) قلنا بوجوب الزكاة فيه. وإنما فر كثير ~~من العلماء من التصريح بوجوب الزكاة فيه، تقية جور الولاة، فإنهم يتحاملون ~~في الأموال الزكاتية، فيأخذونها مغرما، حسب ما أنذر به الصادق صلى الله ~~عليه وسلم. فكره العلماء أن يجعلوا لهم سبيلا إلى مال آخر يتشططون فيه، ~~ولكن ينبغي للمرء أن يخرج عن نعمة ربه، بأداء حقه. وقد قال الشافعي لهذه ~~العلة وغيرها: لا زكاة في الزيتون. والصحيح وجوب الزكاة فيهما. # (5) قوله تعالى: وطور سينين (2) روى ابن أبي نجيح عن مجاهد " وطور " قال: ~~جبل. " سينين " قال: مبارك بالسريانية. # وعن عكرمة عن ابن عباس قال: " طور " جبل، و " سينين، حسن. وقال قتادة: ~~سينين هو المبارك الحسن. وعن عكرمة قال: الجبل الذي نادى الله جل ثناؤه منه ~~موسى عليه السلام. # وقال مقاتل والكلبي: " سينين " كل جبل فيه شجر مثمر، فهو سينين وسيناء، ~~بلغة النبط وعن عمرو بن ميمون قال: صليت مع عمر بن الخطاب العشاء بمكة، ~~فقرأ " والتين والزيتون. # PageV20P112 # وطور سيناء. وهذا البلد الأمين " قال: وهكذا هي في قراءة عبد الله، ورفع ~~صوته تعظيما للبيت. وقرأ في الركعة الثانية: " ألم تر كيف فعل ربك " ~~[الفيل: 1]. و " لايلاف قريش " [قريش: 1] جمع بينهما. ذكره ابن الأنباري. ~~النحاس: وفي قراءة عبد الله " سيناء " (بكسر السين)، وفي حديث عمرو بن ~~ميمون عن عمر (بفتح السين). وقال الأخفش: " طور " جبل. و " سينين " شجر ~~واحدته سينينية. وقال أبو علي: " سينين " فعليل، فكررت اللام التي هي نون ~~فيه، كما كررت في زحليل: للمكان الزلق، وكرديدة: للقطعة من التمر، وخنذيد: ~~للطويل. ولم ينصرف " سينين " كما لم ينصرف سيناء، لأنه جعل اسما لبقعة أو ~~أرض، ولو جعل اسما للمكان أو للمنزل أو اسم مذكر لانصرف، لأنك سميت مذكرا ~~بمذكر. وإنما أقسم بهذا الجبل لأنه بالشام والأرض المقدسة، وقد بارك الله ~~فيهما، كما قال: " إلى المسجد ms6745 الأقصى الذي باركنا حوله " [الاسراء: 1]. # قوله تعالى: وهذا البلد الأمين (3) يعني مكة. سماه أمينا لأنه آمن، كما ~~قال: " أنا جعلنا حرما آمنا " (1) [العنكبوت: 67] فالأمين: بمعنى الآمن، ~~قاله الفراء وغيره. قال الشاعر: # ألم تعلمي يا أسم ويحك أنني * حلفت يمينا لا أخون أمني يعني: آمني. وبهذا ~~احتج من قال: إنه أراد بالتين دمشق، وبالزيتون بيت المقدس. # فأقسم الله بجبل دمشق، لأنه مأوى عيسى عليه السلام، وبجبل بيت المقدس، ~~لأنه مقام الأنبياء عليهم السلام، وبمكة لأنها أثر إبراهيم ودار محمد صلى ~~الله عليه وسلم. # قوله تعالى: لقد خلقنا الانسان في أحسن تقويم (4) ثم رددناه أسفل سافلين ~~(5) فيه مسألتان: # الأولى - قوله تعالى: " لقد خلقنا الانسان " هذا جواب القسم، وأراد ~~بالانسان: # الكافر. قيل: هو الوليد بن المغيرة. وقيل: كلدة بن أسيد. فعلى هذا نزلت ~~في منكري # PageV20P113 # البعث. وقيل: المراد بالانسان آدم وذريته. " في أحسن تقويم " وهو اعتداله ~~واستواء شبابه، كذا قال عامة المفسرين. وهو أحسن ما يكون، لأنه خلق كل شئ ~~منكبا عل وجهه، وخلقه هو مستويا، وله لسان ذلق، ويد وأصابع يقبض بها. وقال ~~أبو بكر بن طاهر: مزينا بالعقل، مؤديا للامر، مهديا بالتمييز، مديد القامة، ~~يتناول مأكوله بيده. ابن العربي: " ليس لله تعالى خلق أحسن من الانسان، فإن ~~الله خلقه حيا عالما، قادرا مريدا متكلما، سميعا بصيرا، مدبرا حكيما. وهذه ~~صفات الرب سبحانه، وعنها عبر بعض العلماء، ووقع البيان بقوله: [إن الله خلق ~~آدم على صورته] يعني على صفاته التي قدمنا ذكرها. وفي رواية [على صورة ~~الرحمن] ومن أين تكون للرحمن صورة متشخصة، فلم يبق إلا أن تكون معاني ". # وقد أخبرنا المبارك بن عبد الجبار الأزدي قال: أخبرنا القاضي أبو القاسم ~~علي بن أبي علي القاضي المحسن عن أبيه قال: كان عيسى بن موسى الهاشمي يحب ~~زوجته حبا شديدا فقال لها يوما: أنت طالق ثلاثا إن لم تكوني أحسن من القمر، ~~فنهضت واحتجبت عنه، وقالت: # طلقتني!. وبات بليلة عظيمة، فلما أصبح غدا إلى دار المنصور، فأخبره ~~الخبر، وأظهر للمنصور جزعا عظيما، فاستحضر ms6746 الفقهاء واستفتاهم. فقال جميع من ~~حضر: قد طلقت، إلا رجلا واحدا من أصحاب أبي حنيفة، فإنه كان ساكتا. فقال له ~~المنصور: ما لك لا تتكلم؟ # فقال له الرجل: بسم الله الرحمن الرحيم: " والتين والزيتون. وطور سينين. ~~وهذا البلد الأمين. # لقد خلقنا الانسان في أحسن تقويم ". يا أمير المؤمنين، فالانسان أحسن ~~الأشياء، ولا شئ أحسن منه. فقال المنصور لعيسى ابن موسى: الامر كما قال ~~الرجل، فأقبل على زوجتك. # وأرسل أبو جعفر المنصور إلى زوجة الرجل: أن أطيعي زوجك ولا تعصيه، فما ~~طلقك. # فهذا يدلك على أن الانسان أحسن خلق الله باطنا وظاهرا، جمال هيئة، وبديع ~~تركيب الرأس بما فيه، والصدر بما جمعه، والبطن بما حواه، والفرج وما طواه، ~~واليدان وما بطشتاه، والرجلان وما احتملتاه. ولذلك قالت الفلاسفة: إنه ~~العالم الأصغر، إذ كل ما في المخلوقات جمع فيه. (1) # PageV20P114 # الثانية - قوله تعالى: (ثم رددناه أسفل سافلين) أي إلى أرذل العمر، وهو ~~الهرم بعد الشباب، والضعف بعد القوة، حتى يصير كالصبي في الحال الأول، قاله ~~الضحاك والكلبي وغيرهما. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد: " ثم رددناه أسفل ~~سافلين " إلى النار، يعني الكافر، وقال أبو العالية. وقيل: لما وصفه الله ~~بتلك الصفات الجليلة التي ركب الانسان عليها، طغى وعلا، حتى قال: " أنا ~~ربكم الاعلى " (1) [النازعات: 24] وحين علم الله هذا من عبده، وقضاؤه صادر ~~من عنده، رده أسفل سافلين، بأن جعله مملوءا قذرا، مشحونا نجاسة، وأخرجها ~~على ظاهره إخراجا منكرا، على وجه الاختيار تارة، وعلى وجه الغلبة أخرى، ~~حتى، إذا شاهد ذلك من أمره، رجع إلى قدره. وقرأ عبد الله " أسفل السافلين ~~". وقال، " أسفل سافلين " على الجمع، لان الانسان في معنى جمع، ولو قال: ~~أسفل سافل جاز، لان لفظ الانسان واحد. وتقول: # هذا أفضل قائم. ولا تقول أفضل قائمين، لأنك تضمر لواحد، فإن كان الواحد ~~غير مضمر له، رجع اسمه بالتوحيد والجمع، كقوله تعالى: " والذي جاء بالصدق ~~وصدق به أولئك هم المتقون " (2) [الزمر: 33]. # وقوله تعالى: " وإنا إذا أذقنا الانسان منا رحمة فرح بها وإن تصبهم سيئة ms6747 ~~" (3) [الشورى: 48]. وقد قيل: # إن معنى " رددناه أسفل سافلين أي رددناه إلي الضلال، كما قال تعالى: " إن ~~الانسان لفي خسر. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات " أي إلا هؤلاء، فلا ~~يردون إلى ذلك. والاستثناء على قول من قال " أسفل سافلين " النار، متصل. ~~ومن قال: إنه الهرم فهو منقطع. # قوله تعالى: إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون (6) ~~قوله تعالى: (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات) فإنه تكتب لهم حسناتهم، ~~وتمحى عنهم سيئاتهم، قاله ابن عباس. قال: وهم الذين أدركهم الكبر لا ~~يؤاخذون بما عملوه في كبرهم. # PageV20P115 # وروى الضحاك عنه قال: إذا كان العبد في شبابه كثير الصلاة كثير الصيام ~~والصدقة، ثم ضعف عما كان يعمل في شبابه، أجرى الله عز وجل له ما كان يعمل ~~في شبابه. وفي حديث قال النبي صلى الله عليه وسلم: [إذا سافر العبد أو مرض ~~كتب الله له مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا]. وقيل: " إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات " فإنه لا يخرف ولا يهرم (1)، ولا يذهب عقل من كان عالما عاملا ~~به. وعن عاصم الأحول عن عكرمة قال: من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر. ~~وروي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # [طوبى لمن طال عمره وحسن عمله]. وروي: إن العبد المؤمن إذا مات أمر الله ~~ملكيه (2) أن يتعبدا على قبره إلى يوم القيامة، ويكتب له ذلك. # قوله تعالى: (فلهم أجر غير ممنون) قال الضحاك: أجر بغير عمل. وقيل مقطوع. # قوله تعالى: فما يكذبك بعد بالدين (7) قيل: الخطاب للكافر، توبيخا ~~وإلزاما للحجة. أي إذا عرفت أيها الانسان أن الله خلقك في أحسن تقويم، وأنه ~~يردك إلى أرذل العمر، وينقلك من حال إلى حال، فما يحملك على أن تكذب بالبعث ~~والجزاء، وقد أخبرك محمد صلى الله عليه وسلم به؟ وقيل: الخطاب للنبي صلى ~~الله عليه وسلم، أي استيقن مع ما جاءك من الله عز وجل، أنه أحكم الحاكمين. ~~روي معناه عن قتادة. وقال قتادة أيضا والفراء: المعنى فمن يكذبك أيها ms6748 ~~الرسول بعد هذا البيان بالدين. واختاره الطبري. كأنه قال: فمن يقدر على ~~ذلك، أي على تكذيبك بالثواب والعقاب، بعد ما ظهر من قدرتنا على خلق الانسان ~~والدين والجزاء. قال الشاعر: # دنا تميما كما كانت أوائلنا * دانت أوائلهم في (3) سالف الزمن # PageV20P116 # قوله تعالى: أليس الله بأحكم الحاكمين (8) أي أتقن الحاكمين صنعا في كل ~~ما خلق. وقيل: " بأحكم الحاكمين " قضاء بالحق، وعدلا بين الخلق. وفيه تقدير ~~لمن اعترف من الكفار بصانع قديم. وألف الاستفهام إذا دخلت عل النفي وفي ~~الكلام معنى التوقيف صار إيجابا، كما قال: # * ألستم خير من ركب المطايا (1) * وقيل: " فما يكذبك بعد بالدين. أليس ~~الله بأحكم الحاكمين ": منسوخة بآية السيف. # وقيل: هي ثابتة، لأنه لا تنافي بينهما. وكان ابن عباس وعلي بن أبي طالب ~~رضي الله عنهما إذا قرأ: " أليس الله بأحكم الحاكمين " قالا: بلى، وأنا على ~~ذلك من الشاهدين، فيختار ذلك. # والله أعلم. ورواه الترمذي عن أبي هريرة قال: من قرأ سورة " والتين ~~والزيتون " فقرأ " أليس الله بأحكم الحاكمين " فليقل: بلى، وأنا على ذلك من ~~الشاهدين. والله أعلم. # سورة " العلق " وهي مكية بإجماع وهي أول ما نزل من القرآن في قول أبي ~~موسى وعائشة رضي الله عنهما. وهي تسع عشرة آية. # بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: أقرأ باسم ربك الذي خلق (1) هذه ~~السورة أول ما نزل من القرآن، في قول معظم المفسرين. نزل بها جبريل على ~~النبي صلى الله عليه وسلم وهو قائم على حراء، فعلمه خمس آيات من هذه ~~السورة. وقيل: إن أول ما نزل " يا أيها المدثر " [المدثر: 1]، قاله جابر بن ~~عبد الله، وقد تقدم (2). وقيل: فاتحة الكتاب أول ما نزل، قاله أبو ميسرة ~~الهمداني. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أول ما نزل من القرآن # PageV20P117 # " قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم " (1) [الانعام: 151] والصحيح الأول. ~~قالت عائشة: أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم الرؤيا الصادقة ~~(2)، فجاءه الملك فقال: " اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الانسان من علق. ~~اقرأ ms6749 وربك الأكرم ". خرجه البخاري. # وفي الصحيحين عنها قالت: أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ~~ثم حبب إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء، يتحنث (3) فيه الليالي ذوات ~~العدد، [قبل أن يرجع إلى أهله] (4) ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود ~~لمثلها، حتى فجئه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك، فقال: [اقرأ]: فقال: ~~(ما أنا بقارئ - قال - فأخذني فغطني (5)، حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني) ~~فقال: [أقرأ] فقلت: " ما أنا بقارئ ". فأخذني فغطني (5) الثالثة حتى بلغ ~~مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: [اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الانسان من علق. ~~اقرأ وربك الأكرم. الذي علم بالقلم. علم الانسان ما لم يعلم] الحديث ~~بكامله. وقال أبو رجاء العطاردي: وكان أبو موسى الأشعري يطوف علينا في هذا ~~المسجد: مسجد البصرة، فيقعدنا حلقا، فيقرئنا القرآن، فكأني أنظر إليه بين ~~ثوبين له أبيضين، وعنه أخذت هذه السورة: " اقرأ باسم ربك الذي خلق ". وكانت ~~أول سورة أنزلها الله على محمد صلى الله عليه وسلم. وروت عائشة رضي الله ~~عنها أنها أول سورة أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بعدها " ن ~~والقلم "، ثم بعدها " يا أيها المدثر " ثم بعدها " والضحى " ذكره الماوردي. ~~وعن الزهري: أول ما نزل سورة: " اقرأ باسم ربك - إلى قوله - ما لم يعلم "، ~~فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعل يعلو شواهق الجبال، فأتاه جبريل ~~فقال له: [إنك نبي الله] فرجع إلى خديجة وقال: [دثروني وصبوا علي ماء ~~باردا] فنزل " يا أيها المدثر " [المدثر: 1]. # PageV20P118 # ومعنى " اقرأ باسم ربك " أي اقرأ ما أنزل إليك من القرآن مفتتحا باسم ~~ربك، وهو أن تذكر التسمية في ابتداء كل سورة. فمحل الباء من " باسم ربك " ~~النصب على الحال. # وقيل: الباء بمعنى على، أي اقرأ على اسم ربك. يقال: فعل كذا باسم الله، ~~وعلى اسم الله. وعلى هذا فالمقروء محذوف، أي اقرأ القرآن، وافتتحه باسم ~~الله. ms6750 وقال قوم: اسم ربك هو القرآن، فهو يقول: " اقرأ باسم ربك " أي اسم ~~ربك، والباء زائدة، كقوله تعالى " تنبت بالدهن " [المؤمنون: 20]، وكما قال: # * سود المحاجر لا يقرأن بالسور (1) * أراد: لا يقرأن السور. وقيل: معنى " ~~اقرأ باسم ربك " أي أذكر اسمه. أمره أن يبتدئ القراءة باسم الله. # قوله تعالى: خلق الانسان من علق (2) قوله تعالى: " خلق الانسان " يعني ~~ابن آدم. (من علق) أي من دم، جمع علقة، والعلقة الدم الجامد، وإذا جرى فهو ~~المسفوح. وقال: " من علق " فذكره بلفظ الجمع، لأنه أراد بالانسان الجمع، ~~وكلهم خلقوا من علق بعد النطفة. والعلقة: قطعة من دم رطب، سميت بذلك لأنها ~~تعلق لرطوبتها بما تمر عليه، فإذا جفت لم تكن علقة. قال الشاعر: # تركناه يخر على يديه * يمج عليهما علق الوتين وخص الانسان بالذكر تشريفا ~~له. وقيل: أراد أن يبين قدر نعمته عليه، بأن خلقه من علقة مهينة، حتى صار ~~بشرا سويا، وعاقلا مميزا. # قوله تعالى: أقرأ وربك الأكرم (3) قوله تعالى: " اقرأ " تأكيد، وتم ~~الكلام، ثم استأنف فقال: " وربك الأكرم " أي الكريم. وقال الكلبي: يعني ~~الحليم عن جهل العباد، فلم يعجل بعقوبتهم. والأول أشبه # PageV20P119 # بالمعنى، لأنه لما ذكر ما تقدم من نعمه، دل بها على كرمه. وقيل: " إقرأ ~~وربك " أي اقرأ يا محمد وربك يعينك ويفهمك، وإن كنت غير القارئ. و " الأكرم ~~" بمعنى المتجاوز عن جهل العباد. # قوله تعالى: الذي علم بالقلم (4) فيه ثلاث مسائل: # الأولى: قوله تعالى: " الذي علم بالقلم " يعني الخط والكتابة، أي علم ~~الانسان الخط بالقلم. وروى سعيد عن قتادة قال: القلم نعمة من الله تعالى ~~عظيمة، لولا ذلك لم يقم دين، ولم يصلح عيش. فدل على كمال كرمه سبحانه، بأنه ~~علم عباده ما لم يعلموا، ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم، ونبه على فضل ~~علم الكتابة، لما فيه من المنافع العظيمة، التي لا يحيط بها إلا هو. وما ~~دونت العلوم، ولا قيدت الحكم، ولا ضبطت أخبار الأولين ومقالاتهم، ولا كتب ~~الله المنزلة إلا بالكتابة، ولولا هي ما استقامت أمور ms6751 الدين والدنيا. وسمي ~~قلما لأنه يقلم، أي يقطع، ومنه تقليم الظفر. وقال بعض الشعراء المحدثين يصف ~~القلم: # فكأنه والحبر يخضب رأسه * شيخ لوصل خريدة يتصنع لم (1) لا ألاحظه بعين ~~جلالة * وبه إلى الله الصحائف ترفع وعن عبد الله بن عمر قال: يا رسول الله، ~~أأكتب ما أسمع منك من الحديث؟ قال: # [نعم فاكتب، فإن الله علم بالقلم]. وروى مجاهد عن أبي عمر قال: خلق الله ~~عز وجل أربعة أشياء بيده، ثم قال لسائر الحيوان: كن فكان: القلم، والعرش، ~~وجنة عدن، وآدم عليه السلام. وفيمن علمه بالقلم ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه ~~آدم عليه السلام، لأنه أول من كتب، قاله كعب الأحبار. الثاني: أنه إدريس، ~~وهو أول من كتب. # قاله الضحاك. الثالث: أنه أدخل كل من كتب بالقلم، لأنه ما علم إلا بتعليم ~~الله سبحانه، وجمع بذلك نعمته عليه في خلقه، وبين نعمته عليه في تعليمه، ~~استكمالا للنعمة عليه. # PageV20P120 # الثانية - صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة، قال: لما ~~خلق الله الخلق كتب في كتابه - فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي تغلب غضبي). ~~وثبت عنه عليه السلام أنه قال: (أول ما خلق الله: القلم، فقال له اكتب، ~~فكتب ما يكون إلى يوم القيامة، فهو عنده في الذكر فوق عرشه). وفي الصحيح من ~~حديث ابن مسعود: [أنه] (1) سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا مر ~~بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة، بعث الله إليها ملكا فصورها، وخلق سمعها ~~وبصرها وجلدها ولحمها وعظمها، ثم يقول، يا رب، أذكر أم أنثى؟ # فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك ثم يقول: يا رب أجله، فيقول ربك ما شاء، ~~ويكتب الملك، ثم يقول يا رب رزقه، ليقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يخرج ~~الملك بالصحيفة في يده، فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص، وقال تعالى: " إن ~~عليكم لحافظين. كراما كاتبين " (2) (الانفطار: 10). # قال علماؤنا: فالأقلام في الأصل ثلاثة: القلم الأول: الذي خلقه الله ~~بيده، وأمره أن يكتب. والقلم الثاني: أقلام الملائكة، جعلها الله ms6752 بأيديهم ~~يكتبون بها المقادير والكوائن والأعمال. والقلم الثالث: أقلام الناس، جعلها ~~الله بأيديهم، يكتبون بها كلامهم، ويصلون بها مأربهم. وفي الكتابة فضائل ~~جمة. والكتابة من جملة البيان، والبيان مما اختص به الآدمي. # الثالثة - قال علماؤنا: كانت العرب أقل الخلق معرفة بالكتاب، وأقل العرب ~~معرفة به المصطفى صلى الله عليه وسلم، صرف عن علمه، ليكون ذلك أثبت ~~لمعجزته، وأقوى في حجته، وقد مضى هذا مبينا في سورة " العنكبوت " (3). وروى ~~حماد بن سلمة عن الزبير بن عبد السلام، عن أيوب بن عبد الله الفهري، عن عبد ~~الله بن مسعود، قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [لا تسكنوا نساءكم الغرف، ولا تعلموهن ~~الكتابة]. # قال علماؤنا: وإنما حذرهم النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، لان في إسكانهن ~~الغرف تطلعا إلى الرجل، وليس في ذلك تحصين لهن ولا تستر. وذلك أنهن لا ~~يملكن أنفسهن حتى يشرفن على الرجل، فتحدث الفتنة والبلاء، فحذرهم أن يجعلوا ~~لهن غرفا ذريعة إلى الفتنة. # PageV20P121 # وهو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ليس للنساء خير لهن من ألا ~~يراهن الرجال، ولا يرين الرجال]. وذلك أنها خلقت من الرجل، فنهمتها في ~~الرجل، والرجل خلقت فيه الشهوة، وجعلت سكنا له، فغير مأمون كل واحد منهما ~~في صاحبه. وكذلك تعليم الكتابة ربما كانت سببا للفتنة، وذلك إذا علمت ~~الكتابة كتبت إلى من تهوى. والكتابة عين من العيون، بها يبصر الشاهد ~~الغائب، والخط هو آثار يده. وفي ذلك تعبير عن الضمير بما لا ينطلق به ~~اللسان، فهو أبلغ من اللسان. فأحب رسوله الله صلى الله عليه وسلم أن ينقطع ~~عنهن أسباب الفتنة، تحصينا لهن، وطهارة لقلوبهن. # قوله تعالى: علم الانسان ما لم يعلم (5) قيل: " الانسان " هنا آدم عليه ~~السلام. علمه أسماء كل شئ، حسب ما جاء به القرآن في قوله تعالى: " وعلم آدم ~~الأسماء كلها " (1). فلم يبق شئ إلا وعلم سبحانه آدم اسمه بكل لغة، وذكره ~~آدم للملائكة كما علمه. وبذلك ظهر فضله، وتبين قدره، وثبتت نبوته، وقامت ~~حجة الله على ms6753 الملائكة وحجته، وامتثلت الملائكة الامر لما رأت من شرف ~~الحال، ورأت من جلال القدرة، وسمعت من عظيم الامر. ثم توارثت ذلك ذريته ~~خلفا بعد سلف، وتناقلوه قوما عن قوم. وقد مضى هذا في سورة " البقرة " (2) ~~مستوفى والحمد لله. وقيل: # " الانسان " هنا الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، دليله قوله تعالى: " ~~وعلمك ما لم تكن تعلم " (3) [النساء: 113]. وعلى هذا فالمراد ب‍ " - علمك " ~~المستقبل (4)، فإن هذا من أوائل ما نزل. وقيل: هو عام لقوله تعالى: " والله ~~أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا " (5) [النحل: 78]. # قوله تعالى: كلا إن الانسان ليطغى (6) أن رآه استغنى (7) قوله تعالى: ~~(كلا إن الانسان ليطغى) إلى آخر السورة. قيل: إنه نزل # PageV20P122 # في أبي جهل. وقيل: نزلت السورة كلها في أبي جهل، نهى النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن الصلاة، فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يصلي في المسجد ~~ويقرأ باسم الرب. # وعلى هذا فليست السورة من أوائل ما نزل. ويجوز أن يكون خمس آيات من أولها ~~أول ما نزلت، ثم نزلت البقية في شأن أبي جهل، وأمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم بضم ذلك إلى أول السورة، لان تأليف السور جرى بأمر من الله. ألا ترى ~~أن قوله تعالى: " واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله " (1) [البقرة: 281] آخر ~~ما نزل، ثم هو مضموم إلى ما نزل قبله بزمان طويل. # و " كلا " بمعنى حقا، إذ ليس قبله شئ. والانسان هنا أبو جهل. والطغيان: ~~مجاوزة الحد في العصيان. " أن رآه " أي لان رأى نفسه استغنى، أي صار ذا مال ~~وثروة. وقال ابن عباس في رواية أبي صالح عنه، قال: لما نزلت هذه الآية وسمع ~~بها المشركون، أتاه أبو جهل فقال: يا محمد تزعم أنه من استغنى طغى، فاجعل ~~لنا جبال مكة ذهبا، لعلنا نأخذ منها، فنطغى فندع ديننا ونتبع دينك. قال ~~فأتاه جبريل عليه السلام فقال: (يا محمد خيرهم في ذلك فإن شاءوا فعلنا بهم ~~ما أرادوه: فإن لم يسلموا فعلنا بهم كما فعلنا بأصحاب المائدة). فعلم رسول ~~الله ms6754 صلى الله عليه وسلم أن القوم لا يقبلون ذلك (2)، فكف عنهم إبقاء ~~عليهم. وقيل: # " أن رآه استغنى " بالعشيرة والأنصار والأعوان. وحذف اللام من قوله " أن ~~رآه " كما يقال: إنكم لتطغون إن رأيتم غناكم. وقال الفراء: لم يقل رأى ~~نفسه، كما قيل قتل نفسه، لان رأى من الافعال التي تريد اسما وخبرا، نحو ~~الظن والحسبان، فلا يقتصر فيه على مفعول واحد. والعرب تطرح النفس من هذا ~~الجنس تقول: رأيتني وحسبتني، ومتى تراك خارجا، ومتى تظنك خارجا. وقرأ مجاهد ~~وحميد وقنبل عن ابن كثير " أن رآه استغنى " بقصر الهمزة. الباقون " رآه " ~~بمدها، وهو الاختيار. # PageV20P123 # قوله تعالى: إن إلى ربك الرجعي (8) أي مرجع من هذا وصفه، فنجازيه. ~~والرجعي والمرجع والرجوع: مصادر، يقال: # رجع إليه رجوعا ومرجعا. ورجعي، على وزن فعلى. # قوله تعالى: أرأيت الذي ينهى (9) عبدا إذا صلى (10) قوله تعالى: (أرأيت ~~الذي ينهى) وهو أبو جهل (عبدا) وهو محمد صلى الله عليه وسلم. فإن أبا جهل ~~قال: إن رأيت محمدا يصلي لأطأن على عنقه، قاله أبو هريرة. فأنزل الله هذه ~~الآيات تعجبا (1) منه. وقيل: في الكلام حذف، والمعنى: أمن هذا الناهي عن ~~الصلاة من العقوبة. # قوله تعالى: أرأيت إن كان على الهدى (11) أو أمر بالتقوى (12) أي أرأيت ~~يا أبا جهل إن كان محمد على هذه الصفة، أليس ناهية عن التقوى والصلاة ~~هالكا؟! # قوله تعالى: أرأيت إن كذب وتولى (13) ألم يعلم بأن الله يرى (14) يعني ~~أبا جهل كذب بكتاب الله عز وجل، وأعرض عن الايمان. وقال الفراء: المعنى " ~~أرأيت الذي ينهى. عبدا إذا صلى " وهو على الهدى، وآمر بالتقوى، والناهي ~~مكذب متول عن الذكر، أي فما أعجب هذا! ثم يقول: ويله! ألم يعلم أبو جهل بأن ~~الله يرى، أي يراه ويعلم فعله، فهو تقرير وتوبيخ. وقيل: كل واحد من " أرأيت ~~" بدل من الأول. و " ألم يعلم بأن الله يرى " الخبر. # قوله تعالى: كلا لئن لم ينته لنسفعا بالناصية (15) ناصية كاذبة خاطئة ~~(16) # PageV20P124 # قوله تعالى: (كلا لئن لم ينته) أي أبو جهل عن أذاك يا محمد. ms6755 " لنسفعا " ~~أي لنأخذن " بالناصية " فلنذلنه. وقيل: لنأخذن بناصيته يوم القيامة وتطوى ~~مع قدميه، ويطرح في النار، كما قال تعالى: " فيؤخذ بالنواصي والاقدام " (1) ~~[الرحمن: 41]. فالآية - وإن كانت في أبي جهل - فهي عظة للناس، وتهديد لمن ~~يمتنع أو يمنع غيره عن الطاعة. وأهل اللغة يقولون: سفعت بالشئ: إذا قبضت ~~عليه وجذبته جذبا شديدا. ويقال: سفع بناصية فرسه. قال: # قوم إذا كثر الصياح رأيتهم * من بين ملجم مهره أو سافع (2) وقيل: هو ~~مأخوذ من سفعته النار والشمس: إذا غيرت وجهه إلى حال تسويد، كما قال: # أثافي سفعا في معرس مرجل * ونؤي كجذم الحوض أثلم خاشع (3) والناصية: شعر ~~مقدم الرأس. وقد يعبر بها عن جملة الانسان، كما يقال: هذه ناصية مباركة، ~~إشارة إلى جميع الانسان. وخص الناصية بالذكر على عادة العرب فيمن أرادوا ~~إذلاله وإهانته أخذوا بناصيته. وقال المبرد: السفع: الجذب بشدة، أي لنجرن ~~بناصيته إلى النار. وقيل: السفع الضرب، أي لنلطمن وجهه. وكله متقارب ~~المعنى. أي يجمع عليه الضرب عند الاخذ، ثم يجر إلى جهنم. ثم قال على البدل: ~~" ناصية كاذبة خاطئة " # PageV20P125 # أي ناصية أبي جهل كاذبة في قولها، خاطئة في فعلها. والخاطئ معاقب مأخوذ. ~~والمخطئ غير مأخوذ (1). ووصف الناصية بالكاذبة الخاطئة، كوصف الوجوه بالنظر ~~في قوله تعالى: # " إلى ربها ناظرة " (2) [القيامة: 23]. وقيل: أي صاحبها كاذب خاطئ، كما ~~يقال: نهاره صائم، وليله قائم، أي هو صائم في نهاره، ثم قائم في ليله. # قوله تعالى: فليدع ناديه (17) سندع الزبانية (18) قوله تعالى: (فليدع ~~ناديه) أي أهل مجلسه وعشيرته، فليستنصر بهم. (سندع الزبانية) أي الملائكة ~~الغلاط الشداد - عن ابن عباس وغيره - واحدهم زبني، قاله الكسائي. # وقال الأخفش: زابن. أبو عبيدة: زبنية. وقيل: زباني. وقيل: هو اسم للجمع، ~~كالأبابيل والعباديد. وقال قتادة: هم الشرط في كلام العرب. وهو مأخوذ من ~~الزبن وهو الدفع، ومنه المزابنة (3) في البيع. وقيل: إنما سموا الزبانية ~~لأنهم يعملون بأرجلهم، كما يعملون بأيديهم، حكاه أبو الليث السمرقندي - ~~رحمه الله - قال: وروي في الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ هذه ~~السورة، ms6756 وبلغ إلى قوله تعالى: " لنسفعا بالناصية " قال أبو جهل: أنا أدعو ~~قومي حتى يمنعوا عني ربك. فقال الله تعالى: " فليدع ناديه، سندع الزبانية ~~". فلما سمع ذكر الزبانية رجع فزعا، فقيل له: خشيت منه! قال لا! # ولكن رأيت عنده فارسا يهددني بالزبانية. فما أدري ما الزبانية، ومال إلي ~~الفارس، فخشيت منه أن يأكلني. وفي الاخبار أن الزبانية رؤوسهم في السماء ~~وأرجلهم في الأرض، فهم يدفعون الكفار في جهنم وقيل: إنهم أعظم الملائكة ~~خلقا، وأشدهم بطشا. والعرب تطلق هذا الاسم على من أشتد بطشه. قال الشاعر: # مطاعيم في القصوى مطاعين في الوغى * زبانية غلب عطام حلومها (4) # PageV20P126 # وعن عكرمة عن ابن عباس: " سندع الزبانية " قال: قال أبو جهل: لئن رأيت ~~محمدا يصلي لأطأن على عنقه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: [لو فعل لاخذته ~~الملائكة عيانا]. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب. وروى عكرمة عن ابن ~~عباس قال: مر أبو جهل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي عند المقام، ~~فقال: ألم أنهك عن هذا يا محمد! فأغلظ له رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فقال أبو جهل: بأي شئ تهددني يا محمد! والله إني لأكثر أهل الوادي هذا ~~ناديا، فأنزل الله عز وجل: " فليدع ناديه. سندع الزبانية ". قال ابن عباس: ~~والله لو دعا ناديه لاخذته زبانية العذاب من ساعته. أخرجه الترمذي بمعناه، ~~وقال: حسن غريب صحيح. والنادي في كلام العرب: المجلس الذي ينتدي فيه القوم، ~~أي يجتمعون، والمراد أهل النادي، كما قال جرير: # * لهم مجلس صهب السبال أذلة (1) * وقال زهير: # * وفيهم مقامات حسان وجوههم (2) * وقال آخر: # * واستب بعدك يا كليب المجلس (3) * وقد ناديت الرجل أناديه إذا جالسته. ~~قال زهير: # وجار البيت والرجل المنادي * أمام الحي عقدهما سواء # PageV20P127 # قوله تعالى: كلا لا تطعه واسجد واقترب (19) (كلا) أي ليس الامر على ما ~~يظنه أبو جهل. (لا تطعه) أي فيما دعاك إليه من ترك الصلاة. (واسجد) أي صل ~~لله (واقترب) أي تقرب إلى الله جل ثناؤه بالطاعة والعبادة. وقيل: المعنى: ~~إذا سجدت ms6757 فاقترب من الله بالدعاء. روى عطاء عن أبي هريرة قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: [أقرب ما يكون العبد من ربه، وأحبه إليه، جبهته في ~~الأرض ساجدا لله]. # قال علماؤنا: وإنما [كان] ذلك لأنها نهاية العبودية والذلة، ولله غاية ~~العزة، وله العزة التي لا مقدار لها، فكلما بعدت من صفته، قربت من جنته، ~~ودنوت من جواره في داره. # وفي الحديث الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [أما الركوع فعظموا ~~فيه الرب. # وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فإنه قمن (1) أن يستجاب لكم]. ولقد أحسن ~~من قال: # وإذا تذللت الرقاب تواضعا * منا إليك فعزها في ذلها وقال زيد بن أسلم: ~~اسجد أنت يا محمد مصليا، واقترب أنت يا أبا جهل من النار. # وقوله تعالى: " واسجد " هذا من السجود. يحتمل أن يكون بمعنى السجود في ~~الصلاة، ويحتمل أن يكون سجود التلاوة في هذه السورة. قال ابن العربي: " ~~والظاهر أنه سجود الصلاة " لقوله تعالى: " أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى - ~~إلى قوله - كلا لا تطعه واسجد واقترب "، لولا ما ثبت في الصحيح من رواية ~~مسلم وغيره من الأئمة عن أبي هريرة أنه قال: سجدت مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في " إذا السماء انشقت " [الانشقاق: 1]، وفي " اقرأ باسم ربك ~~الذي خلق " [العلق: 1] سجدتين، فكان هذا نصا على أن المراد سجود التلاوة. ~~وقد روى ابن وهب، عن حماد ابن زيد، عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش، عن ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: # عزائم السجود أربع: " ألم " و " حم تنزيل من الرحمن الرحيم " و " النجم " ~~و " اقرأ # PageV20P128 # باسم ربك ". وقال ابن العربي: وهذا إن صح يلزم عليه السجود الثاني من ~~سورة " الحج "، وإن كان مقترنا بالركوع، لأنه يكون معناه اركعوا في موضع ~~الركوع، واسجدوا في موضع السجود ". وقد قال ابن نافع ومطرف: وكان مالك يسجد ~~في خاصة نفسه بخاتمة هذه السورة من " اقرأ باسم ربك " وابن وهب يراها من ~~العزائم. # قلت: وقد روينا من حديث مالك ms6758 بن أنس عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن نافع ~~عن ابن عمر قال: لما أنزل الله تعالى " اقرأ باسم ربك الذي خلق " [العلق: ~~1] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ: [اكتبها يا معاذ] فأخذ معاذ ~~اللوح والقلم والنون - وهي الدواة - فكتبها معاذ، فلما بلغ " كلا لا تطعه ~~واسجد واقترب " سجد اللوح، وسجد القلم، وسجدت النون، وهم يقولون: اللهم ~~ارفع به ذكرا، اللهم احطط به وزرا، اللهم اغفر به ذنبا. قال معاذ: # سجدت، وأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسجد. # ختمت السورة. والحمد لله على ما فتح ومنح وأعطى. وله الحمد والمنة. # سورة " القدر " وهي مدنية في قول أكثر المفسرين ذكره الثعلبي. وحكى ~~الماوردي عكسه. # قلت: وهي مدنية في قول الضحاك وأحد قولي ابن عباس. وذكر الواقدي أنها أول ~~سورة نزلت بالمدينة. وهي خمس آيات. # بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: إنا أنزلناه في ليلة القدر (1) قوله ~~تعالى: (أنا أنزلناه) يعنى القرآن، وإن لم يجر له ذكر في هذه السورة، لان ~~المعنى معلوم، والقرآن كله كالسورة الواحدة. وقد قال: " شهر رمضان الذي ~~أنزل فيه القرآن " (1) [البقرة: 185] وقال: " حم. والكتاب المبين. إنا ~~أنزلناه في ليلة مباركة " (2) [الدخان: 1 - 3] يريد: في ليلة القدر. وقال # PageV20P129 # الشعبي: المعنى إنا ابتدأنا إنزاله في ليلة القدر. وقيل: بل نزل به جبريل ~~عليه السلام جملة واحدة في ليلة القدر، من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا، ~~إلى بيت العزة، وأملاه جبريل على السفرة (1)، ثم كان جبريل ينزله على النبي ~~صلى الله عليه وسلم نجوما (2) نجوما. وكان بين أوله وآخره ثلاث وعشرون سنة، ~~قاله ابن عباس، وقد تقدم في سورة " البقرة " (3). وحكى الماوردي عن ابن ~~عباس قال: نزل القرآن في شهر رمضان، وفي ليلة القدر، في ليلة مباركة، جملة ~~واحدة من عند الله، من اللوح المحفوظ إلى السفرة الكرام الكاتبين في السماء ~~الدنيا، فنجمته السفرة الكرام الكاتبون على جبريل عشرين سنة، ونجمه جبريل ~~على النبي صلى الله عليه وسلم عشرين سنة. قال ابن العربي: " وهذا باطل، ليس ms6759 ~~بين جبريل وبين الله واسطة، ولا بين جبريل ومحمد عليهما السلام واسطة ". # قوله تعالى: (في ليلة القدر) قال مجاهد: في ليلة الحكم. (وما أدراك ما ~~ليلة القدر) قال: ليلة الحكم. والمعنى ليلة التقدير، سميت بذلك لان الله ~~تعالى يقدر (4) فيها ما يشاء من أمره، إلى مثلها من السنة القابلة، من أمر ~~الموت والأجل والرزق وغيره. ويسلمه إلى مدبرات الأمور، وهم أربعة من ~~الملائكة: إسرافيل، وميكائيل، وعزرائيل، وجبريل. # عليهم السلام. # وعن ابن عباس قال: يكتب من أم الكتاب ما يكون في السنة من رزق ومطر وحياة ~~وموت، حتى الحاج. قال عكرمة: يكتب حاج بيت الله تعالى في ليلة القدر ~~بأسمائهم وأسماء آبائهم، ما يغادر منهم أحد، ولا يزاد فيهم. وقاله سعيد بن ~~جبير. وقد مضى في أول سورة " الدخان " (5) هذا المعنى. وعن ابن عباس أيضا: ~~أن الله تعالى يقضي الأقضية في ليلة نصف شعبان، ويسلمها إلى أربابها في ~~ليلة القدر. وقيل: إنما سميت بذلك لعظمها وقدرها وشرفها، من قولهم: لفلان ~~قدر، أي شرف ومنزلة. قاله الزهري وغيره. # وقيل: سميت بذلك لان للطاعات فيها قدرا عظيما، وثوابا جزيلا. وقال أبو ~~بكر الوراق: # PageV20P130 # سميت بذلك لان من لم يكن له قدر ولا خطر يصير في هذه الليلة ذا قدر إذا ~~أحياها. وقيل: # سميت بذلك لأنه أنزل فيها كتابا ذا قدر، على رسول ذي قدر، على أمة ذات ~~قدر. وقيل: # لأنه ينزل فيها ملائكة ذوو قدر وخطر. وقيل: لان الله تعالى ينزل فيها ~~الخير والبركة والمغفرة. # وقال سهل: سميت بذلك لان الله تعالى قدر فيها الرحمة على المؤمنين. وقال ~~الخليل: لان الأرض تضيق فيها بالملائكة، كقوله تعالى: " ومن قدر عليه رزقه ~~" (1) [الطلاق: 7] أي ضيق. # قوله تعالى: وما أدراك ما ليلة القدر (2) ليلة القدر خير من ألف شهر (3) ~~قال الفراء: كل ما في القرآن من قوله تعالى: " وما أدراك " فقد أدراه. وما ~~كان من قوله: " وما يدريك " [الأحزاب: 63] فلم يدره. وقاله سفيان، وقد تقدم ~~(2). (ليلة القدر خير من ألف شهر) بين فضلها وعظمها. وفضيلة الزمان ms6760 إنما ~~تكون بكثرة ما يقع فيه من الفضائل. # وفي تلك الليلة يقسم الخير الكثير الذي لا يوجد مثله في ألف شهر. والله ~~أعلم. وقال كثير من المفسرين: أي العمل فيها خير من العمل في ألف شهر ليس ~~فيها ليلة القدر. وقال أبو العالية: ليلة القدر خير من ألف شهر لا تكون فيه ~~ليلة القدر. وقيل: عنى بألف شهر جميع الدهر، لان العرب تذكر الألف في غاية ~~الأشياء، كما قال تعالى: " يود أحدهم لو يعمر ألف سنة " (3) [البقرة: 96] ~~يعني جميع الدهر. وقيل: إن العابد كان فيما مضى لا يسمى عابدا حتى يعبد ~~الله ألف شهر، ثلاثا وثمانين سنة وأربعة أشهر، فجعل الله تعالى لامة محمد ~~صلى الله عليه وسلم عبادة ليلة خيرا من ألف شهر كانوا يعبدونها. وقال أبو ~~بكر الوراق: كان ملك سليمان خمسمائة شهر، وملك ذي القرنين خمسمائة شهر فصار ~~ملكهما ألف شهر، فجعل الله تعالى العمل في هذه الليلة لمن أدركها خيرا من ~~ملكهما. وقال ابن مسعود: إن النبي صلى الله # PageV20P131 # عليه وسلم ذكر رجلا من بني إسرائيل لبس السلاح في سبيل الله ألف شهر، ~~فعجب المسلمون من ذلك، فنزلت " إنا أنزلناه " [الدخان: 3] الآية. " خير من ~~ألف شهر "، التي لبس فيها الرجل سلاحه في سبيل الله. ونحوه عن ابن عباس. ~~وهب بن منبه: إن ذلك الرجل كان مسلما، وإن أمه جعلته نذرا لله، وكان من ~~قرية قوم يعبدون الأصنام، وكان سكن قريبا منها، فجعل يغزوهم وحده، ويقتل ~~ويسبي ويجاهد، وكان لا يلقاهم إلا بلحيي بعير، وكان إذا قاتلهم وقاتلوه ~~وعطش، انفجر له من اللحيين (1) ماء عذب، فيشرب منه، وكان قد أعطى قوة في ~~البطش، لا يوجعه حديد ولا غيره: وكان اسمه شمسون. وقال كعب الأحبار: كان ~~رجلا ملكا في بني إسرائيل، فعل خصلة واحدة، فأوحى الله إلى نبي زمانهم: قل ~~لفلان يتمنى. فقال: يا رب أتمنى أن أجاهد بمالي وولدي ونفسي، فرزقه الله ~~ألف ولد، فكان يجهز الولد بماله في عسكر، ويخرجه مجاهدا في سبيل الله، ~~فيقوم شهرا ms6761 ويقتل ذلك الولد، ثم يجهز آخر في عسكر، فكان كل ولد يقتل في ~~الشهر، والملك مع ذلك قائم الليل، صائم النهار، فقتل الألف (2) ولد في ألف ~~شهر، ثم تقدم فقاتل فقتل. فقال الناس: لا أحد يدرك منزلة هذا الملك، فأنزل ~~الله تعالى: # " ليلة القدر خير من ألف شهر " من شهور ذلك الملك، في القيام والصيام ~~والجهاد بالمال والنفس والأولاد في سبيل الله. وقال علي وعروة: ذكر النبي ~~صلى الله عليه وسلم أربعة من بني إسرائيل، فقال (عبدوا الله ثمانين سنة، لم ~~يعصوه طرفة عين)، فذكر أيوب وزكريا، وحزقيل بن العجوز ويوشع بن نون، فعجب ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك. # فأتاه جبريل فقال: يا محمد عجبت أمتك من عبادة هؤلاء النفر ثمانين سنة لم ~~يعصوا الله طرفة عين، فقد أنزل الله عليك خيرا من ذلك، ثم قرأ: " إنا ~~أنزلناه في ليلة القدر ". فسر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال ~~مالك في الموطأ من رواية ابن القاسم وغيره: سمعت # PageV20P132 # من أثق به يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرى أعمار الأمم قبله، ~~فكأنه تقاصر أعمار أمته ألا يبلغوا من العمل مثل ما بلغ غيرهم في طول ~~العمر، فأعطاه الله تعالى ليلة القدر، وجعلها خيرا من ألف شهر. وفي ~~الترمذي. عن الحسن بن علي رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أرى بني أمية على منبره، فساءه ذلك، فنزلت " إنا أعطيناك الكوثر " [الكوثر: ~~1]، يعني نهرا في الجنة. ونزلت " إنا أنزلناه في ليلة القدر. وما أدراك ما ~~ليلة القدر. ليلة القدر خير من ألف شهر " يملكها بعدك بنو أمية. قال القاسم ~~بن الفضل الحداني: فعددناها، فإذا هي ألف شهر، لا تزيد يوما، ولا تنقص ~~يوما. قال: حديث غريب. # قوله تعالى: تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر (4) قوله ~~تعالى: (تنزل الملائكة) أي تهبط من كل سماء، ومن سدرة المنتهى، ومسكن جبريل ~~على وسطها. فينزلون إلى الأرض ويؤمنون على دعاء الناس، إلى وقت ms6762 طلوع الفجر، ~~فذلك قوله تعالى: " تنزل الملائكة ". (والروح فيها بإذن ربهم) أي جبريل ~~عليه السلام. # وحكى القشيري: أن الروح صنف من الملائكة، جعلوا حفظة على سائرهم، وأن ~~الملائكة لا يرونهم، كما لا نرى نحن الملائكة. وقال مقاتل: هم أشرف ~~الملائكة. وأقربهم من الله تعالى. # وقيل: إنهم جند من جند الله عز وجل من غير الملائكة. رواه مجاهد عن ابن ~~عباس مرفوعا، ذكره الماوردي وحكى القشيري: قيل هم صنف من خلق الله يأكلون ~~الطعام، ولهم أيد وأرجل، وليسوا ملائكة. وقيل: " الروح " خلق عظيم يقوم ~~صفا، والملائكة كلهم صفا. وقيل: " الروح " الرحمة ينزل بها جبريل عليه ~~السلام مع الملائكة في هذه الليلة على أهلها، دليله: " ينزل الملائكة ~~بالروح من أمره على من يشاء من عباده " (1) [النحل: 2]، أي بالرحمة. " فيها ~~" أي في ليلة القدر. " بإذن ربهم " أي بأمره. (من كل أمر): # أمر بكل أمر قدره الله وقضاه في تلك السنة إلى قابل، قاله ابن عباس، ~~كقوله تعالى: # " يحفظونه من أمر الله " (2) [الرعد: 11] أي بأمر الله. وقراءة العامة " ~~تنزل " بفتح التاء، إلا أن البزي # PageV20P133 # شدد التاء. وقرأ طلحة بن مصرف وابن السميقع، بضم التاء على الفعل ~~المجهول. وقرأ علي وابن عباس وعكرمة والكلبي " من كل امرئ ". وروي عن ابن ~~عباس أن معناه: من كل ملك، وتأولها الكلبي على أن جبريل ينزل فيها مع ~~الملائكة، فيسلمون على كل امرئ مسلم. # " فمن " بمعنى على. وعن أنس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إذا ~~كان ليلة القدر نزل جبريل في كبكبة (1) من الملائكة، يصلون ويسلمون على كل ~~عبد قائم أو قاعد يذكر الله تعالى. # قوله تعالى: سلام هي حتى مطلع الفجر (5) قيل: إن تمام الكلام " من كل أمر ~~" ثم قال " سلام ". روي ذلك عن نافع وغيره، أي ليلة القدر سلامة وخير كلها ~~لا شر فيها. " حتى مطلع الفجر " أي إلى طلوع الفجر. قال الضحاك: # لا يقدر الله في تلك الليلة إلا السلامة، وفي سائر الليالي يقضي بالبلايا ~~والسلامة وقيل: # أي هي سلام، أي ذات سلامة من ms6763 أن يؤثر فيها شيطان في مؤمن ومؤمنة. وكذا ~~قال مجاهد: # هي ليلة سالمة، لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوءا ولا أذى. وروي ~~مرفوعا. وقال الشعبي: هو تسليم الملائكة على أهل المساجد، من حين تغيب ~~الشمس إلى أن يطلع الفجر، يمرون على كل مؤمن، ويقولون: السلام عليك أيها ~~المؤمن. وقيل: يعني سلام الملائكة بعضهم على بعض فيها. وقال قتادة: " سلام ~~هي ": خير هي. " حتى مطلع الفجر " أي إلى مطلع الفجر. وقرأ الكسائي وابن ~~محيصن " مطلع " بكسر اللام، الباقون بالفتح. والفتح والكسر: لغتان في ~~المصدر. والفتح الأصل في فعل يفعل، نحو المقتل والمخرج. والكسر على أنه مما ~~شذ عن قياسه، نحو المشرق والمغرب والمنبت والمسكن والمنسك والمحشر والمسقط ~~والمجزر. حكى في ذلك كله الفتح والكسر، على أن يراد به المصدر لا الاسم. # وهنا ثلاث مسائل: # الأولى: في تعيين ليلة القدر، وقد اختلف العلماء في ذلك. والذي عليه ~~المعظم أنها ليلة سبع وعشرين، لحديث زر بن حبيش قال: قلت لأبي بن كعب: إن ~~أخاك عبد الله # PageV20P134 # ابن مسعود يقول: من يقم الحول يصب ليلة القدر. فقال: يغفر الله لأبي عبد ~~الرحمن! # لقد علم أنها في العشر الأواخر من رمضان، وأنها ليلة سبع وعشرين، ولكنه ~~أراد ألا يتكل الناس، ثم حلف لا يستثنى (1): أنها ليلة سبع وعشرين. قال ~~قلت: بأي شئ تقول ذلك يا أبا المنذر؟ قال: بالآية التي أخبرنا بها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، أو بالعلامة أن الشمس تطلع يؤمئذ لا شعاع لها. ~~قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وخرجه مسلم. وقيل: هي في شهر رمضان دون سائر ~~العام، قاله أبو هريرة وغيره. وقيل: هي في ليالي السنة كلها. فمن علق طلاق ~~امرأته أو عتق عبده بليلة القدر، لم يقع العتق والطلاق إلا بعد مضي سنة من ~~يوم حلف. لأنه لا يجوز إيقاع الطلاق بالشك، ولم يثبت اختصاصها بوقت، فلا ~~ينبغي وقوع الطلاق إلا بمضي حول. وكذلك العتق، وما كان مثله من يمين أو ~~غيره. وقال ابن مسعود: # من يقم الحول ms6764 يصبها، فبلغ ذلك ابن عمر، فقال: يرحم الله أبا عبد الرحمن! ~~أما إنه علم أنها في العشر الأواخر من شهر رمضان، ولكنه أراد ألا يتكل ~~الناس. وإلى هذا القول ذهب أبو حنيفة أنها في جميع السنة. وقيل عنه: إنها ~~رفعت - يعني ليلة القدر - وأنها إنما كانت مرة واحدة، والصحيح أنها باقية. ~~وروي عن ابن مسعود أيضا: أنها إذا كانت في يوم من هذه السنة، كانت في العام ~~المقبل في يوم آخر. والجمهور على أنها في كل عام من رمضان. ثم قيل: إنها ~~الليلة الأولى من الشهر، قاله أبو رزين العقيلي. وقال الحسن وابن إسحاق ~~وعبد الله بن الزبير: هي ليلة سبع عشرة من رمضان، وهي الليلة التي كانت ~~صبيحتها وقعة بدر. كأنهم نزعوا بقوله تعالى: " وما أنزلنا على عبدنا يوم ~~الفرقان يوم التقى الجمعان " (2) [الأنفال: 41]، وكان ذلك ليلة سبع عشرة، ~~وقيل هي ليلة التاسع عشر. والصحيح المشهور: أنها في العشر الأواخر من ~~رمضان، وهو قول مالك والشافعي والأوزاعي وأبي ثور وأحمد. ثم قال قوم: هي ~~ليلة الحادي والعشرين. ومال إليه الشافعي رضي الله عنه، لحديث الماء والطين # PageV20P135 # ورواه أبو سعيد الخدري، خرجه مالك (1) وغيره. وقيل ليلة الثالث والعشرين، ~~لما رواه ابن عمر أن رجلا قال: يا رسول الله إني رأيت ليلة القدر في سابعة ~~تبقى. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أرى رؤياكم قد تواطأت على ثلاث ~~وعشرين، فمن أراد أن يقوم من الشهر شيئا فليقم ليلة ثلاث وعشرين). قال ~~معمر: فكان أيوب يغتسل ليلة ثلاث وعشرين ويمس طيبا. # وفي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إني رأيت أني أسجد في ~~صبيحتها في ماء وطين). قال عبد الله بن أنيس: فرأيته في صبيحة ليلة ثلاث ~~وعشرين في الماء والطين، كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: ~~ليلة خمس وعشرين، لحديث أبي سعيد الخدري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: (التمسوها في العشر الأواخر في تاسعة تبقى، في سابعه تبقى، في خامسة ~~تبقى). رواه ms6765 مسلم، قال مالك: يريد بالتاسعة ليلة إحدى وعشرين، والسابعة ~~ليلة ثلاث وعشرين، والخامسة ليلة خمس وعشرين. وقيل: ليلة سبع وعشرين. # وقد مضى دليله، وهو قول علي رضي الله عنه وعائشة ومعاوية وأبي بن كعب. ~~وروى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من كان متحريا ليلة ~~القدر، فليتحرها ليلة سبع وعشرين). وقال أبي بن كعب: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: (ليلة القدر ليلة سبع وعشرين). وقال أبو بكر الوراق: ~~إن الله تعالى قسم ليالي هذا الشهر - شهر رمضان - على كلمات هذه السورة، ~~فلما بلغ السابعة والعشرين أشار إليها فقال: هي وأيضا فإن ليلة القدر كرر ~~ذكرها ثلاث مرات، وهي تسعة أحرف، فتجئ سبعا وعشرين. وقيل: # هي ليلة تسع وعشرين، لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ليلة ~~القدر التاسعة # PageV20P136 # والعشرون - أو السابعة والعشرون - وأن الملائكة في تلك الليلة بعدد الحصى ~~". وقد قيل: إنها في الاشفاع (1). قال الحسن: ارتقبت الشمس ليلة أربع ~~وعشرين عشرين سنة، فرأيتها تطلع بيضاء لا شعاع لها. يعني من كثرة الأنوار ~~في تلك الليلة. وقيل إنها مستورة في جميع السنة، ليجتهد المرء في إحياء ~~جميع الليالي. وقيل: أخفاها في جميع شهر رمضان، ليجتهدوا في العمل والعبادة ~~ليالي شهر رمضان، طمعا في إدراكها، كما أخفى الصلاة الوسطى في الصلوات، ~~واسمه الأعظم في أسمائه الحسنى، وساعة الإجابة في ساعات الجمعة وساعات ~~الليل، وغضبه في المعاصي، ورضاه في الطاعات، وقيام الساعة في الأوقات، ~~والعبد الصالح بين العباد، رحمة منه وحكمة. # الثانية: في علاماتها: منها أن الشمس، تطلع في صبيحتها بيضاء لا شعاع ~~لها. # وقال الحسن قال النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة القدر: (إن من ~~أماراتها: أنها ليلة سمحة بلجة، لا حارة ولا باردة، تطلع الشمس صبيحتها ليس ~~لها شعاع). وقال عبيد بن عمير: كنت ليلة السابع والعشرين في البحر، فأخذت ~~من مائه، فوجدته عذبا سلسا. # الثالثة: في فضائلها. وحسبك بقوله تعالى: " ليلة القدر خير من ألف شهر ". # وقوله تعالى: " تنزل ms6766 الملائكة والروح فيه ". وفي الصحيحين: (من قام ليلة ~~القدر إيمانا واحتسابا غفر الله له ما تقدم من ذنبه) رواه أبو هريرة. وقال ~~ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا كان ليلة القدر، تنزل ~~الملائكة الذين هم سكان سدرة المنتهى، منهم جبريل، ومعهم ألوية ينصب منها ~~لواء على قبري، ولواء على بيت المقدس، ولواء على المسجد الحرام، ولواء على ~~طور سيناء، ولا تدع فيها مؤمنا ولا مؤمنة إلا تسلم عليه، إلا مدمن الخمر، ~~وآكل الخنزير، والمتضمخ بالزعفران): وفي الحديث: (إن الشيطان لا يخرج في ~~هذه الليلة حتى يضئ فجرها، ولا يستطيع أن يصيب فيها أحدا بخبل ولا شئ من ~~الفساد، ولا ينفذ فيها سحر ساحر ". # وقال الشعبي: وليلها كيومها، ويومها كليلها. وقال الفراء، لا يقدر الله ~~في ليلة القدر إلا السعادة والنعم، ويقدر في غيرها البلايا والنقم، وقد ~~تقدم عن الضحاك. ومثله لا يقال # PageV20P137 # من جهة الرأي، فهو مرفوع. والله أعلم. وقال سعيد بن المسيب في الموطأ: ~~[من شهد العشاء من ليلة القدر، فقد أخذ بحظه منها (1)]، ومثله لا يدرك ~~بالرأي. وقد روى عبيد الله ابن عامر بن ربيعة: أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: (من صلى صلاة المغرب والعشاء الآخرة من ليلة القدر في جماعة فقد ~~أخذ بحظه من ليلة القدر) ذكره الثعلبي في تفسيره. # وقالت عائشة رضي الله عنها: قلت: يا رسول الله إن وافقت ليلة القدر فما ~~أقول؟ قال: # (قولي اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني). # تفسير سورة " لم يكن " وهي مكية في قول يحيى بن سلام. ومدنية، في قول ابن ~~عباس والجمهور. وهي تسع آيات (3). # وقد جاء في فضلها حديث لا يصح، رويناه عن محمد بن محمد بن عبد الله ~~الحضرمي قال: قال لي أبو عبد الرحمن بن نمير: اذهب إلى أبي الهيثم الخشاب، ~~فاكتب عنه فإنه قد كتب، فذهب إليه، فقال: حدثنا مالك بن أنس، عن يحيى بن ~~سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله صلى ms6767 الله: ~~(لو يعلم الناس ما في [لم يكن] الذين كفروا من أهل الكتاب،، لعطلوا الأهل ~~والمال، فتعلموها) فقال رجل من خزاعة: وما فيها من الاجر يا رسول الله؟ ~~قال: (لا يقرؤها منافق أبدا، ولا عبد في قلبه شك في الله. والله إن ~~الملائكة المقربين يقرؤونها (4) منذ خلق الله السماوات والأرض ما يفترون من ~~قراءتها. وما من عبد يقرؤها إلا بعث الله إليه ملائكة يحفظونه في دينه ~~ودنياه، ويدعون له بالمغفرة والرحمة). # قال الحضرمي: فجئت إلى أبي عبد الرحمن بن نمير، فألقيت هذا الحديث عليه، ~~فقال: هذا # PageV20P138 # قد كفانا مئونته، فلا تعد إليه. قال ابن العربي: " روى إسحاق بن بشر ~~الكاهلي عن مالك ابن أنس، عن يحيى بن سعيد، عن ابن المسيب: عن أبي الدرداء، ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم: (لو يعلم الناس ما في [لم يكن] الذين كفروا ~~لعطلوا الأهل والمال ولتعلموها) (1). # حديث باطل، وإنما الحديث الصحيح ما روي عن أنس: أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال لأبي بن كعب: (إن الله أمرني أن اقرأ عليك " لم يكن الذين كفروا " ~~قال: وسماني لك!؟ قال " نعم " فبكى). # قلت: خرجه البخاري ومسلم. وفيه من الفقه قراءة العالم على المتعلم. قال ~~بعضهم: # إنما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم على أبي، ليعلم الناس التواضع، لئلا ~~يأنف أحد من التعلم والقراءة على من دونه في المنزلة. وقيل: لان أبيا كان ~~أسرع أخذا لألفاظ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأراد بقراءته عليه، أن ~~يأخذ ألفاظه ويقرأ كما سمع منه، ويعلم غيره. # وفيه فضيلة عظيمة لأبي، إذ أمر الله رسوله أن يقرأ عليه. قال أبو بكر ~~الأنباري: وحدثنا أحمد بن الهيثم بن خالد، قال حدثنا علي بن الجعد، قال ~~حدثنا عكرمة عن عاصم عن زر بن حبيش قال: في قراءة أبي بن كعب: ابن آدم لو ~~أعطي واديا من مال لالتمس ثانيا ولو أعطي واديين من مال لالتمس ثالثا، ولا ~~يملا جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب. قال عكرمة: ms6768 # قرأ علي عاصم " لم يكن " ثلاثين آية، هذا فيها. قال أبو بكر: هذا باطل ~~عند أهل العلم، لان قراءتي ابن كثير وأبي عمرو متصلتان بأبي بن كعب، لا ~~يقرأ فيهما هذا المذكور في " لم يكن " مما هو معروف في حديث رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، على أنه من كلام الرسول عليه السلام، لا يحكيه عن رب ~~العالمين في القرآن. وما رواه اثنان معهما الاجماع: # أثبت مما يحكيه واحد مخالف مذهب الجماعة. # PageV20P139 # بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب ~~والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة (1) رسول من الله يتلوا صحفا مطهرة (2) ~~فيها كتب قيمة (3) قوله تعالى: " لم يكن الذين كفروا " كذا قراءة العامة، ~~وخط المصحف. وقرأ ابن مسعود " لم يكن المشركون وأهل الكتاب منفكين " وهذه ~~قراءة على التفسير. قال ابن العربي: " وهي جائزة في معرض البيان لا في معرض ~~التلاوة، فقد قرأ النبي صلى الله عليه وسلم في رواية الصحيح " فطلقوهن لقبل ~~عدتهن " وهو تفسير، فإن التلاوة: هو ما كان في خط المصحف ". # قوله تعالى: (من أهل الكتاب) يعني اليهود والنصارى. (والمشركين) في موضع ~~جر عطفا على " أهل الكتاب ". قال ابن عباس " أهل الكتاب ": اليهود الذين ~~كانوا بيثرب، وهم قريظة والنضير وبنو قينقاع. والمشركون: الذين كانوا بمكة ~~وحولها، والمدينة والذين حولها، وهم مشركو قريش. (منفكين) أي منتهين عن ~~كفرهم، مائلين عنه. (حتى تأتيهم) أي أتتهم البينة، أي محمد صلى الله عليه ~~وسلم. وقيل: الانتهاء بلوغ الغاية أي لم يكونوا ليبلغوا نهاية أعمارهم ~~فيموتوا، حتى تأتيهم البينة. فالانفكاك على هذا بمعنى الانتهاء. وقيل: # " منفكين " زائلين، أي لم تكن مدتهم لتزول حتى يأتيهم رسول. والعرب تقول: # ما انفككت أفعل كذا: أي ما زلت. وما انفك فلان قائما. أي ما زال قائما. ~~وأصل الفك: الفتح، ومنه فك الكتاب، وفك الخلخال، وفك السالم (1). قال طرفة: # فآليت لا ينفك كشحي بطانة * لعضب رقيق الشفرتين مهند (2) # PageV20P140 # وقال ذو الرمة: # حراجيج ما تنفك إلا مناخة * على الخف أو نرمي بها بلدا قفرا ms6769 (1) يريد: ما ~~تنفك مناخة، فزاد " إلا ". وقيل: " منفكين ": بارحين، أي لم يكونوا ليبرحوا ~~ويفارقوا الدنيا، حتى تأتيهم البينة. وقال ابن كيسان: أي لم يكن أهل الكتاب ~~تاركين صفة محمد صلى الله عليه وسلم في كتابهم، حتى بعث، فلما بعث حسدوه ~~وجحدوه. # وهو كقوله: " فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به " (2) [البقرة: 89]. ولهذا ~~قال: " وما تفرق الذين أوتوا الكتاب " [البينة: 4]... الآية. وعلى هذا ~~فقوله " والمشركين " أي ما كانوا يسيئون القول في محمد صلى الله عليه وسلم، ~~حتى بعث، فإنهم كانوا يسمونه الأمين، حتى أتتهم البينة على لسانه، وبعث ~~إليهم، فحينئذ عادوه. وقال بعض اللغويين: " منفكين " هالكين من قولهم: أنفك ~~صلا (3) المرأة عند الولادة، وهو أن ينفصل، فلا يلتئم فتهلك المعنى: لم ~~يكونوا معذبين ولا هالكين إلا بعد قيام الحجة عليهم، بإرسال الرسل وإنزال ~~الكتب. وقال قوم في المشركين: إنهم من أهل الكتاب، فمن اليهود من قال: عزير ~~ابن الله. ومن النصارى من قال: عيسى هو الله. # ومنهم من قال: هو ابنه. ومنهم من قال: ثالث ثلاثة. وقيل: أهل الكتاب ~~كانوا مؤمنين، ثم كفروا بعد أنبيائهم. والمشركون ولدوا على الفطرة، فكفروا ~~حين بلغوا. فلهذا قال: # " والمشركين ". وقيل: المشركون وصف أهل الكتاب أيضا، لأنهم لم ينتفعوا ~~بكتابهم، وتركوا التوحيد. فالنصارى مثلثة، وعامة اليهود مشبهة، والكل شرك. ~~وهو كقولك: جاءني العقلاء والظرفاء، وأنت تريد أقواما بأعيانهم، تصفهم ~~بالامرين. فالمعنى: من أهل الكتاب المشركين. وقيل: إن الكفر هنا هو الكفر ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم، أي لم يكن الذين كفروا بمحمد من اليهود ~~والنصارى، الذين هم أهل الكتاب، ولم يكن المشركون، الذين هم عبدة # PageV20P141 # الأوثان من العرب وغيرهم - وهم الذين ليس لهم كتاب - منفكين. قال ~~القشيري: # وفيه بعد، لان الظاهر من قوله " حتى تأتيهم البينة. رسول من الله " أن ~~هذا الرسول هو محمد صلى الله عليه وسلم. فيبعد أن يقال: لم يكن الذين كفروا ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم منفكين حتى يأتيهم محمد، إلا أن يقال: أراد: لم ~~يكن الذين كفروا الآن بمحمد - وإن كانوا من ms6770 قبل معظمين له، بمنتهين عن هذا ~~الكفر، إلى أن يبعث الله محمدا إليهم ويبين لهم الآيات، فحينئذ يؤمن قوم. ~~وقرأ الأعمش وإبراهيم " والمشركون " رفعا، عطفا على " الذين ". # والقراءة الأولى أبين، لان الرفع يصير فيه الصنفان كأنهم من غير أهل ~~الكتاب. وفي حرف أبي: " فما كان الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركون ~~منفكين ". وفي مصحف ابن مسعود: " لم يكن المشركون وأهل الكتاب منفكين ". ~~وقد تقدم. (حتى تأتيهم البينة) قيل حتى أتتهم. والبينة: محمد صلى الله عليه ~~وسلم. (رسول من الله) أي بعيث من الله جل ثناؤه. قال الزجاج: " رسول " رفع ~~على البدل من " البينة ". وقال الفراء: # أي هي رسول من الله، أو هو رسول من الله، لان البينة قد تذكر فيقال: ~~بينتي فلان. # وفي حرف أبي وابن مسعود " رسولا " بالنصب على القطع. (يتلو) أي يقرأ. ~~يقال: # تلا يتلو تلاوة. (صحفا) جمع صحيفة، وهي ظرف المكتوب. (مطهرة) قال ابن ~~عباس: # من الزور، والشك، والنفاق، والضلالة. وقال قتادة: من الباطل. وقيل: من ~~الكذب، والشبهات. والكفر، والمعنى واحد. أي يقرأ ما تتضمن الصحف من ~~المكتوب، ويدل عليه أنه كان يتلو عن ظهر قلبه، لا عن كتاب، لأنه كان أميا، ~~لا يكتب ولا يقرأ. و " مطهرة ": # من نعت الصحف، وهو كقوله تعالى: " في صحف مكرمة. مرفوعة مطهرة " (1) ~~[عبس: 13 - 14]، فالمطهرة نعت للصحف في الظاهر، وهي نعت لما في الصحف من ~~القرآن. وقيل: " مطهرة " أي ينبغي ألا يمسها إلا المطهرون، كما قال في سورة ~~" الواقعة " حسب ما تقدم بيانه (2). وقيل: # الصحف المطهرة: هي التي عند الله في أم الكتاب، الذي منه نسخ ما أنزل على ~~الأنبياء # PageV20P142 # من الكتب، كما قال تعالى: " بل هو قرآن مجيد. في لوح محفوظ " (1) ~~[البروج: 21 - 22]. قال الحسن: يعني الصحف المطهرة في السماء. (فيها كتب ~~قيمة) أي مستقيمة مستوية محكمة، من قول العرب: قام يقوم: إذا استوى وصح. ~~وقال بعض أهل العلم: الصحف هي الكتب، فكيف قال في صحف فيها كتب؟ فالجواب: ~~أن الكتب هنا: بمعنى الاحكام، قال الله عز وجل: " كتب ms6771 الله لأغلبن " (2) ~~[المجادلة: 21] بمعنى حكم. وقال صلى الله عليه وسلم: (والله لأقضين بينكما ~~بكتاب الله) ثم قضى بالرجم، وليس ذكر الرجم مسطورا في الكتاب، فالمعنى: ~~لأقضين بينكما بحكم الله تعالى. وقال الشاعر: # وما الولاء بالبلاء (3) فملتم * وما ذاك قال الله إذ هو يكتب وقيل: الكتب ~~القيمة: هي القرآن، فجعله كتبا لأنه يشتمل على أنواع من البيان. # قوله تعالى: وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة ~~(4) قوله تعالى: (وما تفرق الذين أوتوا الكتاب) أي من اليهود والنصارى. خص ~~أهل الكتاب بالتفريق دون غيرهم وإن كانوا مجموعين مع الكافرين، لأنهم مظنون ~~بهم علم فإذا تفرقوا كان غيرهم ممن لا كتاب له أدخل في هذا الوصف. (إلا من ~~بعد ما جاءتهم البينة) أي أتتهم البينة الواضحة. والمعني به محمد صلى الله ~~عليه وسلم، أي القرآن موافقا لما في أيديهم من الكتاب بنعته وصفته. وذلك ~~أنهم كانوا مجتمعين على نبوته، فلما بعث جحدوا نبوته وتفرقوا، فمنهم من ~~كفر: بغيا وحسدا، ومنهم من آمن، كقوله تعالى: # " وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم " (4) [الشورى: 14]. ~~وقيل: " البينة ": البيان الذي في كتبهم أنه نبي مرسل. قال العلماء: من أول ~~السورة إلى قوله " قيمة " [البينة: 5]: حكمها فيمن آمن من أهل الكتاب ~~والمشركين. وقوله: " وما تفرق ": حكمه فيمن لم يؤمن من أهل الكتاب بعد قيام ~~الحجج. # PageV20P143 # قوله تعالى: وما أمروا إلا يعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا ~~الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة (5) فيه ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (وما أمروا) أي وما أمر هؤلاء الكفار في التوراة ~~والإنجيل (إلا ليعبدوا الله) أي ليوحدوه. واللام في " ليعبدوا " بمعنى " أن ~~"، كقوله: " يريد الله ليبين (1) لكم " [النساء: 26] أي أن يبين. و " ~~يريدون ليطفئوا نور الله " (2) [الصف: 8]. و " أمرنا لنسلم لرب العالمين " ~~(3) [الانعام: 71]. # وفي حرف عبد الله: " وما أمروا إلا أن يعبدوا الله ". (مخلصين له الدين) ~~أي العبادة، ومنه قوله تعالى: " قل إني أمرت أن أ عبد الله مخلصا له الدين ~~" (4) [الزمر: 11]. وفي هذا ms6772 دليل على وجوب النية في العبادات فإن الاخلاص ~~من عمل القلب وهو الذي يراد به وجه الله تعالى لا غيره. # الثانية - قوله تعالى: (حنفاء) أي مائلين عن الأديان كلها، إلى دين ~~الاسلام، وكان ابن عباس يقول: حنفاء: على دين إبراهيم عليه السلام. وقيل: ~~الحنيف: من اختتن وحج، قاله سعيد بن جبير. قال أهل اللغة: وأصله أنه تحنف ~~إلى الاسلام، أي مال إليه. # الثالثة - قوله تعالى: (ويقيموا الصلاة) أي بحدودها في أوقاتها. (ويؤتوا ~~الزكاة) أي يعطوها عند محلها. (وذلك دين القيمة) أي ذلك الدين الذي أمروا ~~به دين القيمة، أي الدين المستقيم. وقال الزجاج: أي ذلك دين الملة ~~المستقيمة. و " القيمة ": نعت لموصوف محذوف. أو يقال: دين الأمة القيمة ~~بالحق، أي القائمة بالحق. وفي حرف عبد الله " وذلك الدين القيم ". قال ~~الخليل: " القيمة " جمع القيم، والقيم والقائم: واحد. وقال الفراء: أضاف ~~الدين إلى القيمة وهو نعته، لاختلاف اللفظين. وعنه أيضا: هو من باب إضافة ~~الشئ إلى نفسه، ودخلت الهاء للمدح والمبالغة. وقيل: الهاء راجعة إلى الملة ~~أو الشريعة. وقال محمد بن الأشعث، الطالقاني " القيمة " ها هنا: الكتب التي ~~جرى ذكرها، والدين مضاف إليها. # PageV20P144 # قوله تعالى: إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين ~~فيها أولئك هم شر البرية (6) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير ~~البرية (7) قوله تعالى: (إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين) " ~~المشركين ": معطوف على " الذين "، أو يكون مجرورا معطوفا على " أهل ". (في ~~نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية) قرأ نافع وابن ذكوان بالهمز على ~~الأصل في الموضعين، من قولهم: برأ الله الخلق، وهو البارئ الخالق، وقال: " ~~من قبل أن نبرأها " (1) [الحديد: 22]. الباقون بغير همز، وشد الياء عوضا ~~منه. قال الفراء: إن أخذت البرية من البرى، وهو التراب، فأصله غير الهمز، ~~تقول منه: براه الله يبروه بروا، أي خلقه. قال القشيري: ومن قال البرية من ~~البرى، وهو التراب، قال: لا تدخل الملائكة تحت هذه اللفظة. وقيل: البرية: ~~من بريت القلم، أي قدرته، ms6773 فتدخل فيه الملائكة. ولكنه قول ضعيف، لأنه يجب ~~منه تخطئة من همز. وقوله " شر البرية " أي شر الخليقة. فقيل يحتمل أن يكون ~~على التعميم. وقال قوم: أي هم شر البرية الذين كانوا في عصر النبي صلى الله ~~عليه وسلم، كما قال تعالى: " وأني فضلتكم على العالمين " (2) [البقرة: 47] ~~أي على عالمي زمانكم. ولا يبعد أن يكون في كفار الأمم قبل هذا من هو شر ~~منهم، مثل فرعون وعاقر ناقة صالح. وكذا " خير البرية ": إما على التعميم، ~~أو خير برية عصرهم. وقد استدل بقراءة الهمز من فضل بني آدم على الملائكة، ~~وقد مضى في سورة " البقرة " القول فيه (3). وقال أبو هريرة رضي الله عنه: ~~المؤمن أكرم على الله عز وجل من بعض الملائكة الذين عنده. # PageV20P145 # قوله تعالى: جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ~~أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشى ربه (8) قوله تعالى: (جزاؤهم) أي ~~ثوابهم. (عند ربهم) أي خالقهم ومالكهم. (جنات) أي بساتين. (عدن) أي إقامة. ~~والمفسرون يقولون: " جنات عدن " بطنان الجنة، أي وسطها، تقول: عدن بالمكان ~~يعدن [عدنا وعدونا]: أقام. ومعدن الشئ: # مركزه ومستقره. قال الأعشى: # وإن يستضافوا إلى حكمه * يضافوا إلى راجح قد عدن (تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها أبدا) لا يظعنون ولا يموتون. (رضي الله عنهم أي رضي أعمالهم، ~~كذا قال ابن عباس. (ورضوا عنه) أي رضوا هم بثواب الله عز وجل. # (ذلك) أي الجنة. (لمن خشى ربه) أي خاف ربه، فتناهى عن المعاصي. # سورة " الزلزلة " مدنية في قول ابن عباس وقتادة. ومكية في قول ابن مسعود ~~وعطاء وجابر. # وهي تسع (1) آيات قال العلماء: وهذه السورة فضلها كثير، وتحتوي على عظيم: ~~روى الترمذي عن أنس ابن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من ~~قرأ " إذا زلزلت "، عدلت له بنصف القرآن. ومن قرأ " قل يا أيها الكافرون " ~~[الكافرون: 1] عدلت له بربع القرآن، ومن قرأ " قل هو الله أحد " [الاخلاص: ~~1] عدلت له بثلث القرآن). قال: حديث غريب، وفي الباب ms6774 عن ابن عباس. وروي عن ~~علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قرأ إذا ~~زلزلت أربع مرات، كان كمن قرأ القرآن كله). وروى عبد الله بن عمرو بن العاص ~~قال: لما نزلت " إذا زلزلت " بكى أبو بكر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~[لولا أنكم تخطئون وتذنبون ويغفر الله لكم، لخلق أمة يخطئون ويذنبون ويغفر ~~لهم، إنه هو الغفور الرحيم]. # PageV20P146 # بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: إذا زلزلت الأرض زلزالها (1) أي حركت ~~من أصلها. كذا روى عكرمة عن ابن عباس، وكان يقول: في النفخة الأولى يزلزلها ~~- وقاله مجاهد -، لقوله تعالى: " يوم ترجف الراجفة. تتبعها الرادفة " (1) ~~[النازعات: 6 - 7] ثم تزلزل ثانية، فتخرج موتاها وهي الأثقال. وذكر المصدر ~~للتأكيد، ثم أضيف إلى الأرض، كقولك: لأعطينك عطيتك، أي عطيتي لك. وحسن ذلك ~~لموافقة رؤوس الآي بعدها. # وقراءة العامة بكسر الزاي من الزلزال. وقرأ الجحدري وعيسى بن عمر بفتحها، ~~وهو مصدر أيضا، كالوسواس والقلقال والجرجار (2). وقيل: الكسر المصدر. ~~والفتح الاسم. # قوله تعالى: وأخرجت الأرض أثقالها (2) قال أبو عبيدة والأخفش: إذا كان ~~الميت في بطن الأرض، فهو ثقل لها. وإذا كان فوقها، فهو ثقل عليها. وقال ابن ~~عباس ومجاهد: " أثقالها ": موتاها، تخرجهم في النفخة الثانية، ومنه قيل ~~للجن والانس: الثقلان. وقالت الخنساء: # أبعد ابن عمرو من آل الشر * يد حلت به الأرض أثقالها تقول: لما دفن عمرو ~~صار حلية لأهل القبور، من شرفه وسؤدده. وذكر بعض أهل العلم قال: كانت العرب ~~تقول: إذا كان الرجل سفاكا للدماء: كان ثقلا على ظهر الأرض، فلما مات حطت ~~الأرض عن ظهرها ثقلها. وقيل: " أثقالها " كنوزها، ومنه الحديث: # (تقئ الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان (3) من الذهب والفضة...). # PageV20P147 # قوله تعالى: وقال الانسان مالها (3) قوله تعالى: (وقال الانسان) أي ابن ~~آدم الكافر. فروى الضحاك عن ابن عباس قال: هو الأسود بن عبد الأسد. وقيل: ~~أراد كل إنسان يشاهد ذلك عند قيام الساعة في النفخة الأولى: من مؤمن وكافر. ~~وهذا قول من جعلها في الدنيا من ms6775 أشراط الساعة، لأنهم لا يعلمون جميعا من ~~أشراط الساعة في ابتداء أمرها، حتى يتحققوا عمومها، فلذلك سأل بعضهم بعضا ~~عنها. وعلى قول من قال: إن المراد بالانسان الكفار خاصة، جعلها زلزلة ~~القيامة، لان المؤمن معترف بها، فهو لا يسأل عنها، والكافر جاحد لها، فلذلك ~~يسأل عنها. # ومعنى (مالها) أي مالها زلزلت. وقيل: مالها أخرجت أثقالها، وهي كلمة ~~تعجيب، أي لأي شئ زلزلت. ويجوز أن يحيى الله الموتى بعد وقوع النفخة ~~الأولى، ثم تتحرك الأرض فتخرج الموتى وقد رأوا الزلزلة وانشقاق الأرض عن ~~الموتى أحياء، فيقولون من الهول: مالها. # قوله تعالى: يومئذ تحدث أخبارها (4) بأن ربك أوحى لها (5) يومئذ يصدر ~~الناس أشتاتا ليروا أعمالهم (6) قوله تعالى: (يومئذ تحدث أخبارها) " يومئذ ~~" منصوب بقوله: " إذا زلزلت ". وقيل: # بقوله " تحدث أخبارها "، أي تخبر الأرض بما عمل عليها من خير أو شر ~~يومئذ. ثم قيل: # هو من قول الله تعالى. وقيل: من قول الانسان، أي يقول الانسان مالها تحدث ~~أخبارها، متعجبا. وفي الترمذي عن أبي هريرة قال: قرأ رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم هذه الآية " يومئذ تحدث أخبارها " قال: (أتدرون ما أخبارها - ~~قالوا الله ورسوله أعلم، قال: # فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها، تقول عمل يوم ~~كذا، كذا وكذا. # قال: (فهذه أخبارها). قال: هذا حديث حسن صحيح. قال الماوردي، قوله " ~~يومئذ تحدث أخبارها ": فيه ثلاثة أقاويل: # أحدها - " تحدث أخبارها " بأعمال العباد على ظهرها، قاله أبو هريرة، ~~ورواه مرفوعا. # وهو قول من زعم أنها زلزلة القيامة. PageV20P148 # الثاني - تحدث أخبارها بما أخرجت من أثقالها، قاله يحيى بن سلام. وهو قول ~~من زعم أنها زلزلة أشراط الساعة. # قلت: وفي هذا المعنى حديث رواه ابن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: أنه قال: (إذا كان أجل العبد بأرض أو ثبته الحاجة إليها، حتى إذا بلغ ~~أقصى أثره قبضه الله، فتقول الأرض يوم القيامة: رب هذا ما استودعتني). ~~أخرجه ابن ماجة في سننه. وقد تقدم (1). # الثالث: أنها تحدث بقيام الساعة ms6776 إذا قال الانسان ما لها؟ قاله ابن مسعود. ~~فتخبر أن أمر الدنيا قد انقضى، وأمر الآخرة قد أتى. فيكون ذلك منها جوابا ~~لهم عند سؤالهم، ووعيدا للكافر، وإنذارا للمؤمن. وفي حديثها بأخبارها ثلاثة ~~أقاويل: # أحدها - أن الله تعالى يقلبها حيوانا ناطقا، فتتكلم بذلك. # الثاني - أن الله تعالى يحدث فيها الكلام. # الثالث: أنه يكون منها بيان يقوم مقام الكلام. قال الطبري: تبين أخبارها ~~بالرجة والزلزلة وإخراج الموتى. (بأن ربك أوحى لها) أي إنها تحدث أخبارها ~~بوحي الله " لها "، أي إليها. والعرب تضع لام الصفة موضع " إلى ". قال ~~العجاج يصف الأرض: # وحى لها القرار فاستقرت * وشدها بالراسيات الثبت وهذا قول أبي عبيدة: " ~~أوحى لها " أي إليها. وقيل: " أوحى لها " أي أمرها، قاله مجاهد. وقال ~~السدي: " أوحى لها " أي قال لها. وقال: سخرها. وقيل: المعنى يوم تكون ~~الزلزلة، وإخراج الأرض أثقالها، تحدث الأرض أخبارها، ما كان عليها من ~~الطاعات والمعاصي، وما عمل على ظهرها من خير وشر. وروي ذلك عن الثوري ~~وغيره. (يومئذ يصدر الناس أشتاتا) أي فرقا، جمع شت. قيل: عن موقف الحساب، ~~فريق يأخذ جهة اليمين إلى الجنة، وفريق آخر يأخذ جهة الشمال إلى النار، كما ~~قال تعالى: " يومئذ يتفرقون " (2) [الروم: 14] " يومئذ يصدعون " (3) ~~[الروم: 43]. وقيل: يرجعون عن الحساب بعد فراغهم من الحساب. " أشتاتا " # PageV20P149 # يعني فرقا فرقا. (ليروا أعمالهم) يعني ثواب أعمالهم. وهذا كما روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما من أحد يوم القيامة إلا ويلوم نفسه، ~~فإن كان محسنا فيقول: # لم لا ازددت إحسانا؟ وإن كان غير ذلك يقول: لم لا نزعت عن المعاصي)؟ وهذا ~~عند معاينة الثواب والعقاب. وكان ابن عباس يقول: " أشتاتا " متفرقين على ~~قدر أعمالهم أهل الايمان على حدة، وأهل كل دين على حدة. وقيل: هذا الصدور، ~~إنما هو عند النشور، يصدرون أشتاتا من القبور، فيصار بهم إلى موقف الحساب، ~~ليروا أعمالهم في كتبهم، أو ليروا جزاء أعمالهم، فكأنهم وردوا القبور ~~فدفنوا فيها، ثم صدروا عنها. والوارد: # الجائي. والصادر: المنصرف. " أشتاتا " أي يبعثون من ms6777 أقطار الأرض. وعلى ~~القول الأول فيه تقديم وتأخير، مجازه: تحدث أخبارها، بأن ربك أوحى لها، ~~ليروا أعمالهم. # واعترض قوله " يومئذ يصدر الناس أشتاتا " متفرقين عن موقف الحساب. وقراءة ~~العامة " ليروا " بضم الياء، أي ليريهم الله أعمالهم. وقرأ الحسن والزهري ~~وقتادة والأعرج ونصر ابن عاصم وطلحة بفتحها، وروي ذلك عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم. # قوله تعالى: فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره (7) ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ~~(8) فيه ثلاث مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره) كان ابن عباس يقول: # من يعمل من الكفار مثقال ذرة خيرا يره في الدنيا، ولا يثاب عليه في ~~الآخرة، ومن يعمل مثقال ذرة من شر عوقب عليه في الآخرة، مع عقاب الشرك، ومن ~~يعمل مثقال ذرة من شر من المؤمنين يره في الدنيا، ولا يعاقب عليه في الآخرة ~~إذا مات، ويتجاوز عنه، وإن عمل مثقال ذرة من خير يقبل منه، ويضاعف له في ~~الآخرة. وفي بعض الحديث: (الذرة لا زنة لها) وهذا مثل ضربه الله تعالى: أنه ~~لا يغفل من عمل ابن آدم صغيرة ولا كبيرة. وهو مثل قوله تعالى: PageV20P150 # " إن الله لا يظلم مثقال ذرة " (1) [النساء: 40]. وقد تقدم الكلام هناك ~~في الذر، وأنه لا وزن له. وذكر بعض أهل اللغة أن الذر: أن يضرب الرجل بيده ~~على الأرض، فما علق بها من التراب فهو الدر، وكذا قال ابن عباس: إذا وضعت ~~يدك على الأرض ورفعتها، فكل واحد مما لزق به من التراب ذرة. وقال محمد بن ~~كعب القرظي: فمن يعمل مثقال ذرة من خير من كافر، يرى (2) ثوابه في الدنيا، ~~في نفسه وماله وأهله وولده، حتى يخرج من الدنيا وليس له عند الله خير. # ومن يعمل، مثقال ذرة من شر من مؤمن، يرى (2) عقوبته في الدنيا، في نفسه ~~وماله وولده وأهله، حتى يخرج من الدنيا وليس له عند الله شر. دليله ما رواه ~~العلماء الاثبات من حديث أنس: أن هذه الآية نزلت على النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأبو ms6778 بكر يأكل، فأمسك وقال: # يا رسول الله، وإنا لنرى ما عملنا من خير وشر؟ قال: (ما رأيت مما تكره ~~فهو مثاقيل ذر الشر، ويدخر لكم مثاقيل ذر الخير، حتى تعطوه يوم القيامة). ~~قال أبو إدريس: # إن مصداقه في كتاب الله: " وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم، ويعفو ~~عن كثير " (3) [الشورى: 30]. # وقال مقاتل: نزلت في رجلين، وذلك أنه لما نزل " ويطعمون الطعام على حبه " ~~(4) [الانسان: 8] كان أحدهم يأتيه السائل، فيستقل أن يعطيه التمرة والكسرة ~~والجوزة (5). وكان الآخر يتهاون بالذنب اليسير، كالكذبة والغيبة والنظرة، ~~ويقول: إنما أوعد الله النار على الكبائر، فنزلت ترغبهم في القليل من الخير ~~أن يعطوه، فإنه يوشك أن يكثر، ويحذرهم اليسير من الذنب، فإنه يوشك أن يكثر، ~~وقاله سعيد بن جبير. والاثم الصغير في عين صاحبه يوم القيامة أعظم من ~~الجبال، وجميع محاسنه أقل في عينه من كل شئ. # الثانية - قراءة العامة " يره " بفتح الياء فيهما. وقرأ الجحدري والسلمي ~~وعيسى ابن عمر وأبان عن عاصم: " يره " بضم الياء، أي يريه الله إياه. ~~والأولى الاختيار، لقوله تعالى: # " يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا " (6) [آل عمران: 30] الآية. وسكن ~~الهاء في قوله " يره " # PageV20P151 # في الموضعين هشام. وكذلك رواه الكسائي عن أبي بكر وأبي حياة والمغيرة. ~~واختلس يعقوب والزهري والجحدري وشيبة. وأشبع الباقون. وقيل " يره " أي يرى ~~جزاءه، لان ما عمله قد مضى وعدم فلا يرى. وأنشدوا: # إن من يعتدي ويكسب إثما * وزن مثقال ذرة سيراه ويجازى بفعله الشر شرا * ~~وبفعل الجميل أيضا جزاه هكذا قوله تبارك ربي * في إذا زلزلت وجل ثناه ~~الثالثة - قال ابن مسعود: هذه أحكم آية في القرآن، وصدق. وقد اتفق العلماء ~~على عموم هذه الآية، القائلون بالعموم ومن لم يقل به. وروى كعب الأحبار أنه ~~قال: لقد أنزل الله على محمد آيتين أحصتا ما في التوراة والإنجيل والزبور ~~والصحف: " فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره. ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ". قال ~~الشيخ أبو مدين في قوله تعالى: # " فمن يعمل مثقال ذرة خيرا ms6779 يره " قال: في الحال قبل المآل. وكان النبي ~~صلى الله عليه وسلم يسمى هذه الآية الآية الجامعة الفاذة، كما في الصحيح ~~لما سئل عن الحمر وسكت عن البغال، والجواب فيهما واحد، لان البغل والحمار ~~لا كر فيهما ولا فر، فلما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ما في الخيل من ~~الاجر الدائم، والثواب المستمر، سأل السائل عن الحمر، لأنهم لم يكن عندهم ~~يومئذ بغل، ولا دخل الحجاز منها إلا بغلة النبي صلى الله عليه وسلم " ~~الدلدل "، التي أهداها له المقوقس، فأفتاه في الحمير بعموم الآية، وإن في ~~الحمار مثاقيل ذر كثيرة، قاله ابن العربي. # وفي الموطأ: أن مسكينا استطعم عائشة أم المؤمنين وبين يديها عنب، فقالت ~~لانسان: خذ حبة فأعطه إياها. فجعل ينظر إليها ويعجب، فقال: أتعجب! كم ترى ~~في هذه الحبة من مثقال ذرة. وروي عن سعد بن أبي وقاص: أنه تصدق بتمرتين، ~~فقبض السائل يده، فقال للسائل: ويقبل الله منا مثاقيل الذر، وفي التمرتين ~~مثاقيل ذر كثيرة. وروى المطلب بن حنطب: # أن أعرابيا سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرؤها فقال: يا رسول الله، ~~أمثقال ذرة! # قال: (نعم) فقال الأعرابي: وا سوأتاه! مرارا: ثم قام وهو يقولها، فقال ~~النبي صلى الله PageV20P152 # عليه وسلم: (لقد دخل قلب الأعرابي الايمان). وقال الحسن: قدم صعصعة عم ~~الفرزدق (1) على النبي صلى الله عليه وسلم، فلما سمع " فمن يعمل مثقال ذرة ~~" الآيات، قال: لا أبالي ألا أسمع من القرآن غيرها، حسبي، فقد انتهت ~~الموعظة، ذكره الثعلبي. ولفظ الماوردي: وروى أن صعصعة ابن ناجية جد الفرزدق ~~أتى النبي صلى الله عليه وسلم يستقرئه، فقرأ عليه هذه الآية، فقال صعصعة: ~~حسبي حسبي، إن عملت مثقال ذرة شرا رأيته. وروى معمر عن زيد ابن أسلم: أن ~~رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: علمني مما علمك الله. فدفعه ~~إلى رجل يعلمه، فعلمه " إذا زلزلت - حتى إذا بلغ - فمن يعمل مثقال ذرة خيرا ~~يره. ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره " قال: حسبي. فأخبر النبي صلى ms6780 الله عليه ~~وسلم فقال: (دعوه فإنه قد فقه). # ويحكي أن أعرابيا أخر " خيرا يره " فقيل: قدمت وأخرت. فقال: # خذا بطن هرشى أو قفاها فإنه * كلا جانبي هرشى لهن طريق (2) سورة " ~~والعاديات " وهي مكية في قول ابن مسعود وجابر والحسن وعكرمة وعطاء. ومدنية ~~في قول ابن عباس وأنس ومالك وقتادة. وهي إحدى عشرة اية بسم الله الرحمن ~~الرحيم قوله تعالى: والعاديات ضبحا (1) فالموريات قدحا (2) قوله تعالى: ~~(والعاديات ضبحا) أي الأفراس تعدو. كذا قال عامة المفسرين وأهل اللغة، أي ~~تعدو في سبيل الله فتضبح. قال قتادة: تضبح إذا عدت، أي تحمحم. وقال # PageV20P153 # الفراء: الضبح: صوت أنفاس الخيل إذا عدون. ابن عباس: ليس شئ من الدواب ~~يضبح غير الفرس والكلب والثعلب. وقيل: كانت تكعم (1) لئلا تصهل، فيعلم ~~العدو بهم، فكانت تتنفس في هذه الحال بقوة. قال أبن العربي: أقسم الله ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم فقال: " يس. والقرآن الحكيم " [يس: 1 - 2]، وأقسم ~~بحياته فقال: " لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون (2) "، [الحجر: 72]، وأقسم ~~بخيله وصهيلها وغبارها، وقدح حوافرها النار من الحجر، فقال: # " والعاديات ضبحا "... الآيات الخمس. وقال أهل اللغة (3): # وطعنة ذات رشاش واهيه * طعنتها عند صدور العادية يعني الخيل. وقال آخر: # والعاديات أسابي الدماء بها * كأن أعناقها أنصاب ترجيب (4) يعني الخيل. ~~وقال عنترة: # والخيل تعلم حين تضبح * في حياض الموت ضبحا وقال آخر: # لست بالتبع اليماني إن لم * تضبح الخيل في سواد العراق وقال أهل اللغة: ~~وأصل الضبح والضباح للثعالب، فاستعير للخيل. وهو من قول العرب: # ضبحته النار: إذا غيرت لونه ولم تبالغ فيه. وقال الشاعر: # فلما أن تلهوجنا شواء * به اللهبان مقهورا ضبيحا (5) وانضبح لونه: إذا ~~تغير إلى السواد قليلا. وقال: # * علقتها قبل انضباح لوني * # PageV20P154 # وإنما تضبح هذه الحيوانات إذا تغيرت حالها من فزع وتعب أو طمع. ونصب " ~~ضبحا " على المصدر، أي والعاديات تضبح ضبحا. والضبح (1) أيضا الرماد. وقال ~~البصريون: # " ضبحا " نصب على الحال. وقيل: مصدر في موضع الحال. قال أبو عبيدة: ضبحت ~~الخيل ضبحا مثل ضبعت، وهو السير. وقال أبو عبيدة: الضبح والضبع: ms6781 بمعنى ~~العدو والسير. وكذا قال المبرد: الضبح مد أضباعها في السير. وروي أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية إلى أناس من بني كنانة، فأبطأ عليه ~~خبرها، وكان استعمل عليهم المنذر بن عمرو الأنصاري، وكان أحد النقباء، فقال ~~المنافقون: إنهم قتلوا، فنزلت هذه السورة إخبارا للنبي صلى الله عليه وسلم ~~بسلامتها، وبشارة له بإغارتها على القوم الذين بعث إليهم. وممن قال: إن ~~المراد بالعاديات الخيل، ابن عباس وأنس والحسن ومجاهد. والمراد الخيل التي ~~يغزو عليها المؤمنون. وفي الخبر: (من لم يعرف حرمة فرس الغازي، فيه شعبة من ~~النفاق). # وقول ثان: أنها الإبل، قال مسلم: نازعت فيها عكرمة فقال عكرمة: قال ابن ~~عباس هي الخيل. وقلت: قال علي هي الإبل في الحج، ومولاي أعلم من مولاك. ~~وقال الشعبي: # تمارى (2) علي وابن عباس في " العاديات "، فقال علي: هي الإبل تعدو في ~~الحج. وقال ابن عباس: هي الخيل، ألا تراه يقول " فأثرن به نقعا " ~~[العاديات: 4] فهل تثير إلا بحوافرها! وهل تضبح الإبل! فقال علي: ليس كما ~~قلت، لقد رأيتنا يوم بدر وما معنا إلا فرس أبلق للمقداد، وفرس لمرثد بن أبي ~~مرثد، ثم قال له علي: أتفتي الناس بما لا تعلم! والله إن كانت لأول غزوة في ~~الاسلام وما معنا إلا فرسان: فرس للمقداد، وفرس للزبير، فكيف تكون العاديات ~~ضبحا! # إنما العاديات الإبل من عرفة إلى المزدلفة، ومن المزدلفة إلى عرفة. قال ~~ابن عباس: # فرجعت إلى قول علي، وبه قال ابن مسعود وعبيد بن عمير ومحمد بن كعب ~~والسدي. # ومنه قول صفية بنت عبد المطلب: # فلا والعاديات غداه جمع * بأيديها إذا سطع الغبار # PageV20P155 # يعني الإبل. وسميت العاديات لاشتقاقها من العدو، وهو تباعد الأرجل في ~~سرعة المشي. # وقال آخر: # رأى صاحبي في العاديات نجيبة * وأمثالها في الواضعات القوامس (1) ومن قال ~~هي الإبل فقوله " ضبحا " بمعنى ضبعا، فالحاء عنده مبدلة من العين، لأنه ~~يقال: # ضبعت الإبل وهو أن تمد أعناقها في السير. وقال المبرد: الضبع مد أضباعها ~~في السير. # والضبح أكثر ما يستعمل ms6782 في الخيل. والضبع في الإبل. وقد تبدل الحاء من ~~العين. أبو صالح: # الضبح من الخيل: الحمحمة، ومن الإبل التنفس. وقال عطاء: ليس شئ من الدواب ~~يضبح إلا الفرس والثعلب والكلب، وروي عن ابن عباس. وقد تقدم عن أهل اللغة ~~أن العرب تقول: ضبح الثعلب، وضبح في غير ذلك أيضا. قال توبة: # ولو أن ليلى الأخيلية سلمت * علي ودوني تربة (2) وصفائح لسلمت تسليم ~~البشاشة أو زقا * إليها صدى من جانب القبر ضابح (3) زقا الصدى يزقو زقاء ~~(4): أي صاح. وكل زاق صائح. والزقية: الصيحة. (فالموريات قدحا) قال عكرمة ~~وعطاء والضحاك: هي الخيل حين توري النار بحوافرها، وهي سنابكها، وروي عن ~~ابن عباس. وعنه أيضا: أورت بحوافرها غبارا. وهذا يخالف سائر ما روي عنه في ~~قدح النار، وإنما هذا في الإبل. وروى ابن نجيح عن مجاهد " والعاديات ضبحا. ~~فالموريات قدحا " قال قال ابن عباس: هو في القتال وهو في الحج. ابن مسعود: ~~هي الإبل تطأ الحصى، فتخرج منها النار. وأصل القدح الاستخراج، # PageV20P156 # ومنه قدحت العين: إذا أخرجت منها الماء الفاسد. واقتدحت بالزند. واقتدحت ~~المرق: # غرفته. وركى قدوح: تغترف باليد. والقديح: ما يبقى في أسفل القدر، فيغرف ~~بجهد. # والمقدحة: ما تقدح به النار. والقداحة والقداح: الحجر الذي يوري النار. ~~يقال: ورى الزند (بالفتح) يري وريا: إذا خرجت ناره. وفيه لغة أخرى: ورى ~~الزند (بالكسر) يرى فيهما. # وقد مضى هذا في سورة " الواقعة " (1). و " قدحا " انتصب بما انتصب به " ~~ضبحا ". # وقيل: هذه الآيات في الخيل، ولكن إيراءها: أن تهيج الحرب بين أصحابها ~~وبين عدوهم. # ومنه يقال للحرب إذا التحمت: حمي الوطيس. ومنه قوله تعالى: " كلما أوقدوا ~~نارا للحرب أطفأها الله " (2) [المائدة: 64]. وروي معناه عن ابن عباس أيضا، ~~وقاله قتادة. وعن ابن عباس أيضا، وقاله قتادة. وعن ابن عباس أيضا: أن ~~المراد بالموريات قدحا: مكر الرجال في الحرب، وقاله مجاهد وزيد بن أسلم. ~~والعرب تقول إذا أراد الرجل أن يمكر بصاحبه: # والله لأمكرن بك، ثم لأورين لك. وعن ابن عباس أيضا: هم الذين يغزون ~~فيورون نيرانهم ms6783 بالليل، لحاجتهم وطعامهم. وعنه أيضا: أنها نيران المجاهدين ~~إذا كثرت نارها إرهابا. وكل من قرب من العدو يوقد نيرانا كثيرة ليظنهم ~~العدو كثيرا. فهذا إقسام بذلك. # قال محمد بن كعب: هي النار تجمع. وقيل: هي أفكار الرجال توري نار المكر ~~والخديعة. # وقال عكرمة: هي ألسنة الرجال تورى النار من عظيم ما تتكلم به، ويظهر بها، ~~من إقامة الحجج، وإقامة الدلائل، وإيضاح الحق، وإبطال الباطل. وروى ابن ~~جريح عن بعضهم قال: فالمنجحات أمرا وعملا، كنجاح الزند إذا أورى. # قلت: هذه الأقوال مجاز، ومنه قولهم: فلان يوري زناد الضلالة. والأول: ~~الحقيقة، وأن الخيل من شدة عدوها تقدح النار بحوافرها. قال مقاتل: العرب ~~تسمي تلك النار نار أبي حباحب، وكان أبو حباحب شيخا من مضر في الجاهلية، من ~~أبخل الناس، وكان لا يوقد نارا لخبز ولا غيره حتى تنام العيون، فيوقد نويرة ~~تقد مرة وتخمد أخرى، فإن استيقظ لها أحد # PageV20P157 # أطفأها، كراهية أن ينتفع بها أحد. فشبهت العرب هذه النار بناره، لأنه لا ~~ينتقع بها. # وكذلك إذا وقع السيف على البيضة فاقتدحت نارا، فكذلك يسمونها. قال ~~النابغة: # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم * بهن فلول من قراع الكتائب تقد السلوقي ~~المضاعف نسجه * وتوقد بالصفاح نار الحباحب (1) قوله تعالى: فالمغيرات صبحا ~~(3) الخيل تغير على العدو عند الصبح، عن ابن عباس وأكثر المفسرين. وكانوا ~~إذا أرادوا الغارة سروا ليلا، ويأتون العدو صبحا، لان ذلك وقت غفلة الناس. ~~ومنه قوله تعالى: " فساء صباح المنذرين " (2) [الصافات: 177]. وقيل: لعزهم ~~أغاروا نهارا، و " صبحا " على هذا، أي علانية، تشبيها بظهور الصبح. وقال ~~ابن مسعود وعلي رضي الله عنهما: هي الإبل تدفع بركبانها يوم النحر من منى ~~إلى جمع. والسنة ألا تدفع حتى تصبح، وقاله القرطبي. والإغارة: سرعة السير، ~~ومنه قولهم: أشرق ثبير (3)، كيما نغير. # قوله تعالى: فأثرن به نقعا (4) أي غبارا، يعني الخيل تثير الغبار بشدة ~~العدو في المكان الذي أغارت به. قال عبد الله ابن رواحة: # عدمت بنيتي إن لم تروها * تثير النقع من كنفي كداء (4) والكناية في ms6784 " به ~~" ترجع إلى المكان أو إلى الموضع الذي تقع فيه الإغارة. وإذا علم المعني ~~جاز أن يكنى عما لم يجر له ذكر بالتصريح، كما قال " حتى توارت بالحجاب " ~~(5) [ص: 32]. وقيل: " فأثرن به "، # PageV20P158 # أي بالعدو (نقعا). وقد تقدم ذكر العدو. وقيل: النقع: ما بين مزدلفة إلى ~~منى، قاله محمد ابن كعب القرظي. وقيل: إنه طريق الوادي، ولعله يرجع إلى ~~الغبار المثار من هذا الموضع. # وفي الصحاح: النقع: الغبار، والجمع: نقاع. والنقع: محبس الماء، وكذلك ما ~~اجتمع في البئر منه. وفي الحديث: أنه نهى أن يمنع نقع البئر. والنقع الأرض ~~الحرة الطين يستنقع فيها الماء، والجمع: نقاع وأنقع، مثل بحر وبحار وأبحر. # قلت: وقد يكون النقع رفع الصوت، ومنه حديث عمر حين قيل له: إن النساء قد ~~اجتمعن يبكين على خالد بن الوليد، فقال: وما على نساء بني المغيرة أن يسفكن ~~من دموعهن وهن جلوس على أبي سليمان، ما لم يكن نقع، ولا لقلقة. قال أبو ~~عبيد: يعني بالنقع رفع الصوت، على هذا رأيت قول الأكثرين من أهل العلم، ~~ومنه قول لبيد: # فمتى ينقع صراخ صادق * يحلبوها ذات جرس وزجل ويروى " يحلبوها " أيضا. ~~يقول: متى سمعوا صراخا أحلبوا الحرب، أي جمعوا لها. وقوله " ينقع صراخ ": ~~يعني رفع الصوت. وقال الكسائي: قوله " نقع ولا لقلقة " النقع: # صنعه الطعام، يعني في المأتم. يقال منه: نقعت أنقع نقعا. قال أبو عبيد: ~~ذهب بالنقع إلى النقيعة، وإنما النقيعة عند غيره من العلماء: صنعة الطعام ~~عند القدوم من سفر، لا في المأتم. وقال بعضهم: يريد عمر بالنقع: وضع التراب ~~على الرأس، يذهب إلى أن النقع هو الغبار. ولا أحسب عمر ذهب إلى هذا، ولا ~~خافه منهن، وكيف يبلغ خوفه ذا وهو يكره لهن القيام. فقال: يسفكن من دموعهن ~~وهن جلوس. قال بعضهم: النقع: شق الجيوب، وهو الذي لا أدري ما هو من الحديث ~~ولا أعرفه، وليس النقع عندي في الحديث إلا الصوت الشديد، وأما اللقلقة: ~~فشدة الصوت، ولم أسمع فيه اختلافا. وقرأ أبو حياة " فأثرن " بالتشديد، أي ms6785 ~~أرت آثار ذلك. ومن خفف فهو من أثار: إذا حرك، ومنه " وأثاروا الأرض " (1) ~~[الروم: 9]. # PageV20P159 # قوله تعالى: فوسطن به جمعا (5) " جمعا " مفعول ب‍ " فوسطن "، أي فوسطن ~~بركبانهن العدو، أي الجمع الذي أغاروا عليهم. # وقال ابن مسعود: " فوسطن به جمعا ": يعني مزدلفة، وسميت جمعا لاجتماع ~~الناس. # ويقال: وسطت القوم أسطهم وسطا وسطة، أي صرت وسطهم. وقرأ علي رضي الله عنه ~~" فوسطن " بالتشديد، وهي قراءة قتادة وابن مسعود وأبي رجاء، لغتان بمعنى، ~~يقال: # وسطت القوم (بالتشديد والتخفيف) وتوسطهم: بمعنى واحد. وقيل: معنى ~~التشديد: # جعلها الجمع قسمين. والتخفيف: صرن في وسط الجمع، وهما يرجعان إلى معنى ~~الجمع. # قوله تعالى: إن الانسان لربه لكنود (6) هذا جواب القسم، أي طبع الانسان ~~على كفران النعمة. قال ابن عباس: " لكنود " لكفور جحود لنعم الله. وكذلك ~~قال الحسن. وقال: يذكر المصائب وينسى النعم. أخذه الشاعر فنظمه: # يا أيها الظالم في فعله * والظلم مردود على من ظلم إلى متى أنت وحتى متى ~~* تشكو المصيبات وتنسى النعم! # وروى أبو أمامة الباهلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الكنود، ~~هو الذي يأكل وحده، ويمنع رفده (1)، ويضرب عبده). وروى أبن عباس قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم (ألا أنبئكم بشراركم)؟ قالوا بلى يا رسول ~~الله. قال: (من نزل وحده، ومنع رفده، وجلد عبده). خرجهما الترمذي الحكيم في ~~نوادر الأصول. وقد روي عن ابن عباس أيضا أنه قال: الكنود بلسان كندة ~~وحضرموت: العاصي، وبلسان ربيعة ومضر: الكفور. وبلسان كنانة: البخيل السئ ~~الملكة، وقاله مقاتل: وقال الشاعر: # كنود لنعماء الرجال ومن يكن * كنودا لنعماء الرجال يبعد # PageV20P160 # أي كفور. ثم قيل: هو الذي يكفر باليسير، ولا يشكر الكثير. وقيل: الجاحد ~~للحق. # وقيل: إنما سميت كندة كندة، لأنها جحدت أباها. وقال إبراهيم بن هرمة ~~الشاعر: # دع البخلاء إن شمخوا وصدوا * وذكرى بخل غانية كنود وقيل: الكنود: من كند ~~إذا قطع، كأنه يقطع ما ينبغي أن يواصله من الشكر. ويقال: # كند الحبل: إذا قطعه. قال الأعشى: # أميطي (1) تميطي بصلب الفؤاد * وصول حبال وكنادها فهذا ms6786 يدل على القطع. ~~ويقال: كند يكند كنودا: أي كفر النعمة وجحدها، فهو كنود. # وامرأة كنود أيضا، وكند مثله. قال الأعشى: # أحدث لها تحدث لوصلك إنها * كند لوصل الزائر المعتاد (2) أي كفور ~~للمواصلة. وقال ابن عباس: الانسان هنا الكافر، يقول إنه لكفور، ومنه الأرض ~~الكنود التي لا تنبت شيئا. وقال الضحاك: نزلت في الوليد بن المغيرة. قال ~~المبرد: # الكنود: المانع لما عليه. وأنشد لكثير: (3) أحدث لها تحدث لوصلك إنها * ~~كند لوصل الزائر المعتاد وقال أبو بكر الواسطي: الكنود: الذي ينفق نعم الله ~~في معاصي الله. وقال أبو بكر الوراق: # الكنود: الذي يرى النعمة من نفسه وأعوانه. وقال الترمذي: الذي يرى النعمة ~~ولا يرى المنعم. وقال ذو النون المصري: الهلوع والكنود: هو الذي إذا مسه ~~الشر جزوع وإذا مسه الخير منوع. وقيل: هو الحقود الحسود. وقيل: هو الجهول ~~لقدره. وفي الحكمة: من جهل قدرة: هتك ستره. # PageV20P161 # قلت: هذه الأقوال كلها ترجع إلى معنى الكفران والجحود. وقد فسر النبي صلى ~~الله عليه وسلم معنى الكنود بخصال مذمومة، وأحوال غير محمودة، فإن صح فهو ~~أعلى ما يقال، ولا يبقى لاحد معه مقال. # قوله تعالى: وإنه على ذلك لشهيد (7) أي وإن الله عز وجل ثناؤه على ذلك من ~~ابن آدم لشهيد. كذا روى منصور عن مجاهد، وهو قول أكثر المفسرين، وهو قول ~~ابن عباس. وقال الحسن وقتادة ومحمد ابن كعب: " وإنه " أي وإن الانسان لشاهد ~~على نفسه بما يصنع، وروي عن مجاهد أيضا. # قوله تعالى: وإنه لحب الخير لشديد (8) قوله تعالى: (وإنه) أي الانسان من ~~غير خلاف. (لحب الخير) أي المال، ومنه قوله تعالى: " إن ترك خيرا " (1) ~~[البقرة: 180]. وقال عدي: # ماذا ترجي النفوس من طلب * الخير وحب الحياة كاربها (2) (لشديد) أي لقوي ~~في حبه للمال. وقيل: " لشديد " لبخيل. ويقال للبخيل: شديد ومتشدد. قال ~~طرفة: # أرى الموت يعتام الكرام ويصطفى * عقيلة مال الفاحش المتشدد يقال: اعتامه ~~واعتماه، أي اختاره. والفاحش: البخيل أيضا. ومنه قوله تعالى: # " ويأمركم بالفحشاء " (3) [البقرة: 268] أي البخل. قال ابن زيد: سمى الله ~~المال ms6787 خيرا، وعسى أن يكون شرا وحراما (4)، ولكن الناس يعدونه خيرا، فسماه ~~الله خيرا لذلك. وسمى الجهاد سواء، فقال: # " فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء " (5) [آل عمران: 174] على ~~ما يسميه الناس. قال الفراء: نظم الآية أن يقال: وإنه لشديد الحب للخير، ~~فلما تقدم الحب قال: شديد، وحذف من آخره # PageV20P162 # ذكر الحب، لأنه قد جرى ذكره، ولرؤوس الآي، كقوله تعالى: " في يوم عاصف " ~~(1) [إبراهيم: 18] والعصوف: للريح لا الأيام، فلما جرى ذكر الريح قبل ~~اليوم، طرح من آخره ذكر الريح، كأنه قال: في يوم عاصف الريح. # قوله تعالى: أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور (9) وحصل ما في الصدور (10) ~~إن ربهم بهم يومئذ لخبير (11) قوله تعالى: (أفلا يعلم) أي ابن آدم (إذا ~~بعثر) أي أثير وقلب وبحث، فأخرج ما فيها. قال أبو عبيدة: بعثرت المتاع: ~~جعلت أسفله أعلاه وعن محمد بن كعب قال: # ذلك حين يبعثون. الفراء: سمعت بعض أعراب بني أسد يقرأ: " بحثر " بالحاء ~~مكان العين، وحكاه الماوردي عن ابن مسعود، وهما بمعنى. (وحصل ما في الصدور) ~~أي ميز ما فيها من خير وشر، كذا قال المفسرون. وقال أبن عباس: أبرز. وقرأ ~~عبيد بن عمير وسعيد بن جبير ويحيى بن يعمر ونصر بن عاصم " وحصل " بفتح ~~الحاء وتخفيف الصاد وفتحها، أي ظهر. (إن ربهم بهم يومئذ لخبير) أي عالم لا ~~يخفى عليه منهم خافية. وهو عالم بهم في ذلك اليوم وفي غيره، ولكن المعنى ~~أنه يجازيهم في ذلك اليوم. وقوله: # " إذا بعثر " العامل في " إذا ": " بعثر "، ولا يعمل فيه " يعلم "، إذ لا ~~يراد به العلم من الانسان ذلك الوقت، إنما يراد في الدنيا. ولا يعمل فيه " ~~خبير "، لان ما بعد " إن " لا يعمل فيما قبلها. والعامل في " يومئذ ": " ~~خبير "، وإن فصلت اللام بينهما، لان موضع اللام الابتداء. وإنما دخلت في ~~الخبر لدخول " إن " على المبتدأ. ويروى أن الحجاج قرأ هذه السورة على ~~المنبر يحضهم على الغزو، فجرى على لسانه: " أن ربهم " بفتح الألف، ثم ~~استدركها فقال: " خبير " بغير لام. ولولا ms6788 اللام لكانت مفتوحة، لوقوع العلم ~~عليها. # وقرأ أبو السمال " أن ربهم بهم يومئذ خبير ". والله سبحانه وتعالى أعلم. # PageV20P163 # تفسير سورة " القارعة " وهي مكية بإجماع. وهي عشر آيات (1) بسم الله ~~الرحمن الرحيم قوله تعالى: القارعة (1) ما القارعة (2) وما أدراك ما ~~القارعة (3) قوله تعالى: (القارعة ما القارعة) أي القيامة والساعة، كذا قال ~~عامة المفسرين. # وذلك أنها تقرع الخلائق بأهوالها وأفزاعها. وأهل اللغة يقولون: تقول ~~العرب قرعتهم القارعة، وفقرتهم الفاقرة، إذا وقع بهم أمر فظيع. قال أبن ~~أحمر: # وقارعة من الأيام لولا * سبيلهم لزاحت (2) عنك حينا وقال آخر: # متى تقرع بمروتكم (3) نسؤكم * ولم توقد لنا في القدر نار وقال تعالى: " ~~ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة " (4) [الرعد: 31] وهي ~~الشديدة من شدائد الدهر. # قوله تعالى: (ما القارعة) استفهام، أي أي شئ هي القارعة؟ وكذا (وما أدراك ~~ما القارعة) كلمة استفهام على جهة التعظيم والتفخيم لشأنها، كما قال: " ~~الحاقة. ما الحاقة. # وما أدراك ما الحاقة " [الحاقة: 1] على ما تقدم (5). # PageV20P164 # قوله تعالى: يوم يكون الناس كالفراش المبثوث (4) " يوم " منصوب على ~~الظرف، تقديره: تكون القارعة يوم يكون الناس كالفراش المبثوث. قال قتادة: ~~الفراش الطير الذي يتساقط في النار والسراج. الواحد فراشه، وقاله أبو ~~عبيدة. وقال الفراء: إنه الهمج الطائر، من بعوض وغيره، ومنه الجراد. ويقال: # هو أطيش من فراشة. وقال: # طويش من نفر أطياش * أطيش من طائرة الفراش وقال آخر: # وقد كان أقوام رددت قلوبهم * إليهم وكانوا كالفراش من الجهل وفي صحيح ~~مسلم عن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مثلي ومثلكم كمثل ~~رجل أوقد نارا، فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها، وهو يذبهن عنها، وأنا آخذ ~~بحجزكم عن النار، وأنتم تفلتون من يدي). وفي الباب عن أبي هريرة. والمبثوث ~~المتفرق. وقال في موضع آخر: " كأنهم جراد منتشر " (2) [القمر: 7]. فأول ~~حالهم كالفراش لا وجه له، يتحير في كل وجه، ثم يكونون كالجراد، لان لها ~~وجها تقصده. والمبثوث: المتفرق والمنتشر. وإنما ذكر على اللفظ: كقوله ~~تعالى: " أعجاز نخل منقعر " (3) [القمر: 20] ولو قال المبثوثة [فهو] ms6789 (4) ~~كقوله تعالى: " أعجاز نخل خاوية " (5) [الحاقة: 7]. وقال ابن عباس والفراء: ~~" كالفراش المبثوث " كغوغاء الجراد، يركب بعضها بعضا. كذلك الناس، يجول ~~بعضهم في بعض إذا بعثوا. # قوله تعالى: وتكون الجبال كالعهن المنفوش (5) أي الصوف الذي ينفش باليد، ~~أي تصير هباء وتزول، كما قال جل ثناؤه في موضع آخر: " هباء منبثا " (6) ~~[الواقعة: 6] وأهل اللغة يقولون: العهن الصوف المصبوغ. وقد مضى في سورة " ~~سأل سائل " (7). # PageV20P165 # قوله تعالى: فأما من ثقلت موازينه (6) فهو في عيشة راضية (7) وأما من خفت ~~موازينه (8) فأمه هاوية (9) وما أدراك ما هيه (10) نار حامية (11) قد تقدم ~~القول في الميزان في " الأعراف والكهف والأنبياء ". وأن له كفة ولسانا توزن ~~فيه الصحف المكتوب فيها الحسنات والسيئات. ثم قيل: إنه ميزان واحد بيد ~~جبريل يزن أعمال بني آدم، فعبر عنه بلفظ الجوع. وقيل: موازين، كما قال: # * فلكل حادثة لها ميزان (2) * وقد ذكرناه فيما تقدم (3). وذكرناه أيضا في ~~كتاب " التذكرة " وقيل: إن الموازين الحجج والدلائل، قاله عبد العزيز بن ~~يحيى، واستشهد بقول الشاعر: # قد كنت قل لقائكم ذا مرة * عندي لكل مخاصم ميزانه ومعنى (عيشة راضية) أي ~~عيش مرضي، يرضاه صاحبه. وقيل: " عيشة راضية " أي فاعلة للرضا، وهو اللين ~~والانقياد لأهلها. فالفعل للعيشة لأنها أعطت الرضا من نفسها، وهو اللين ~~والانقياد. فالعيشة كلمة تجمع النعم التي في الجنة، فهي فاعلة للرضا، ~~كالفرش المرفوعة، وارتفاعها مقدار مائة عام، فإذا دنا منها ولي الله اتضعت ~~حتى يستوي عليها، ثم ترتفع كهيئتها، ومثل الشجرة فرعها، كذلك أيضا من ~~الارتفاع، فإذا أشتهي ولي الله ثمرتها تدلت إليه، حتى يتناولها ولي الله ~~قاعدا وقائما، وذلك قوله تعالى: " قطوفها دانية " (4) [الحاقة: 23]. وحيثما ~~مشى أو ينتقل من مكان إلى مكان، جرى معه نهر حيث شاء، علوا وسفلا، وذلك ~~قوله تعالى: # " يفجرونها تفجيرا " (5) [الانسان: 6]. فيروى في الخبر (إنه يشير بقضيبه ~~فيجري من غير أخدود حيث شاء من قصوره وفي مجالسه). فهذه الأشياء كلها عيشة ~~قد أعطت الرضا من نفسها، فهي # PageV20P166 # فاعلة للرضا، وهي انذلت وانقادت بذلا وسماحة. ومعنى (فأمه هاوية) يعني ~~جهنم. ms6790 # وسماها أما، لأنه يأوي إليها كما يأوي إلى أمه، قاله ابن زيد. ومنه قول ~~أمية بن أبي الصلت: # فالأرض معقلنا وكانت أمنا * فيها مقابرنا وفيها نولد وسميت النار هاوية، ~~لأنه يهوي فيها مع بعد قعرها. ويروى أن الهاوية اسم الباب الأسفل من النار. ~~وقال قتادة: معنى " فأمه هاوية " فمصيره إلى النار. عكرمة: لأنه يهوي فيها ~~على أم رأسه. الأخفش: " أمه ": مستقره، والمعنى متقارب. وقال الشاعر: # يا عمر لو نالتك أرماحنا * كنت كمن تهوي به الهاويه والهاوية: المهواة. ~~وتقول: هوت أمه، فهي هاوية، أي ثاكلة، قال كعب بن سعد الغنوي: # هوت أمه (1) ما يبعث الصبح غاديا * وماذا يؤدي الليل حين يئوب والمهوي ~~والمهواة: ما بين الجبلين، ونحو ذلك. وتهاوى القوم في المهواة: إذا سقط ~~بعضهم في إثر بعض. (وما أدراك ما هيه) الأصل " ما هي " فدخلت الهاء للسكت. ~~وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب وأبن محيصن " ما هي نار " بغير هاء في الوصل، ~~ووقفوا بها. وقد مضى في سورة الحاقة (2) بيانه. (نار حامية) أي شديدة ~~الحرارة. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~(ناركم هذه التي يوقد ابن آدم جزء من سبعين جزءا من حر جهنم) قالوا: والله ~~إن كانت لكافية يا رسول الله. قال (فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا، ~~كلها مثل حرها). وروي عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال: إنما ثقل ميزان من ~~ثقل ميزانه، لأنه وضع فيه الحق، وحق لميزان يكون فيه الحق أن يكون ثقيلا. ~~وإنما خف ميزان من خف ميزانه، لأنه وضع فيه الباطل، وحق لميزان يكون فيه ~~الباطل أن يكون خفيفا. وفي الخبر عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: (أن الموتى يسألون الرجل يأتيهم عن رجل مات قبله، فيقول ذلك مات ~~قبلي، أما مر بكم؟ # فيقولون لا والله، فيقول إنا لله وإنا إليه راجعون! ذهب به إلى أمه ~~الهاوية، فبئست الام، وبئست المربية). وقد ذكرناه بكماله في كتاب " التذكرة ~~"، والحمد لله. # PageV20P167 # تفسير سورة " التكاثر " وهي مكية ms6791 في قول جميع المفسرين. وروى البخاري ~~أنها مدنية. وهي ثمان آيات بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ألهاكم ~~التكاثر (1) حتى زرتم المقابر (2) فيه خمس مسائل: # الأولى - قوله تعالى (ألهاكم التكاثر) " ألهاكم " شغلكم. قال: # * فألهيتها عن ذي تمائم مغيل (1) * أي شغلكم المباهاة بكثرة المال والعدد ~~عن طاعة الله، حتى متم ودفنتم في المقابر. وقيل " ألهاكم ": أنساكم. " ~~التكاثر " أي من الأموال والأولاد، قاله ابن عباس والحسن. # وقال قتادة: أي التفاخر بالقبائل والعشائر. وقال الضحاك: أي ألهاكم ~~التشاغل بالمعاش والتجارة. يقال: لهيت عن كذا (بالكسر) ألهى لهيا ولهيانا: ~~إذا سلوت عنه، وتركت ذكره، وأضربت عنه. وألهاه: أي شغله. ولهاه به تلهية أي ~~علله. والتكاثر: المكاثرة. # قال مقاتل وقتادة وغيرهما: نزلت في اليهود حين قالوا: نحن أكثر من بني ~~فلان، وبنو فلان أكثر من بني فلان، ألهاهم ذلك حتى ماتوا ضلالا. وقال ابن ~~زيد: نزلت في فخذ من الأنصار. وقال ابن عباس ومقاتل والكلبي: نزلت في حيين ~~من قريش: بني عبد مناف، وبني سهم، تعادوا وتكاثروا بالسادة والأشراف في ~~الاسلام، فقال كل حي منهم نحن أكثر سيدا، وأعز عزيزا، وأعظم نفرا، وأكثر ~~عائذا، فكثر بنو عبد مناف سهما. # ثم تكاثروا بالأموات، فكثرتهم سهم، فنزلت " ألهاكم التكاثر " بأحيائكم ~~فلم ترضوا # PageV20P168 # " حتى زرتم المقابر " مفتخرين بالأموات. وروى سعيد عن قتادة قال: كانوا ~~يقولون نحن أكثر من بني فلان، ونحن أعد من بني فلان، وهم كل يوم يتساقطون ~~إلى آخرهم، والله ما زالوا كذلك حتى صاروا من أهل القبور كلهم. وعن عمرو بن ~~دينار: حلف أن هذه السورة نزلت في التجار. وعن شيبان عن قتادة قال: نزلت في ~~أهل الكتاب. # قلت: الآية تعم جميع ما ذكر وغيره. وفي صحيح مسلم عن مطرف عن أبيه قال: ~~أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ " ألهاكم التكاثر " قال: (يقول ابن ~~آدم: مالي مالي! وهل لك يا بن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست ~~فأبليت، أو تصدقت فأمضيت [وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس] (1). وروى ~~البخاري عن ms6792 ابن شهاب: أخبرني أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: (لو أن لابن أدم واديا من ذهب، لأحب أن يكون له واديان، ولن يملا فاه ~~إلا التراب، ويتوب الله على من تاب). قال ثابت عن أنس عن أبي: # كنا نرى هذا من القرآن، حتى نزلت " ألهاكم التكاثر ". قال أبن العربي: ~~وهذا نص صحيح مليح،. غاب عن أهل التفسير فجهلوا وجهلوا، والحمد لله على ~~المعرفة. وقال ابن عباس: قرأ النبي صلى الله عليه وسلم " ألهاكم التكاثر " ~~قال: (تكاثر الأموال: جمعها من غير حقها، ومنعها من حقها، وشدها في ~~الأوعية). # الثانية - قوله تعالى (حتى زرتم المقابر) أي حتى أتاكم الموت، فصرتم في ~~المقابر زوارا، ترجعون منها كرجوع الزائر إلى منزله من جنة أو نار. يقال ~~لمن مات: قد زار قبره. # وقيل: أي ألهاكم التكاثر حتى عددتم الأموات، على ما تقدم. وقيل: هذا ~~وعيد. # أي اشتغلتم بمفاخرة الدنيا، حتى تزوروا القبور، فتروا ما ينزل بكم من ~~عذاب الله عز وجل. # الثالثة - قوله تعالى: " المقابر " جمع مقبرة ومقبرة (بفتح الباء وضمها). ~~والقبور: # جمع القبر قال: # PageV20P169 # أرى أهل القصور إذا أميتوا * بنوا فوق المقابر بالصخور أبوا إلا مباهاة ~~وفخرا * على الفقراء حتى في القبور وقد جاء في الشعر (المقبر) قال: # لكل أناس مقبر بفنائهم * فهم ينقصون والقبور تزيد (1) وهو المقبري ~~والمقبري: لأبي سعيد المقبري (2)، وكان يسكن المقابر. وقبرت الميت أقبره ~~وأقبره قبرا، أي دفنته. وأقبرته أي أمرت بأن يقبر. وقد مضى في سورة " عبس " ~~القول فيه (3). # والحمد لله. # الرابعة - لم يأت في التنزيل ذكر المقابر إلا في هذه السورة. وزيارتها من ~~أعظم الدواء للقلب القاسي، لأنها تذكر الموت والآخرة. وذلك يحمل على قصر ~~الامل، والزهد في الدنيا، وترك الرغبة فيها. قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~(كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروا القبور، فإنها تزهد في الدنيا، وتذكر ~~الآخرة) رواه ابن مسعود، أخرجه ابن ماجة. وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: ~~(فإنها تذكر الموت). وفي الترمذي عن بريدة: (فإنها تذكر ms6793 الآخرة). قال: هذا ~~حديث حسن صحيح. وفيه عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن ~~زوارات القبور. قال: وفي الباب عن ابن عباس وحسان بن ثابت. قال أبو عيسى: # وهذا حديث حسن صحيح. وقد رأى بعض أهل العلم أن هذا كان قبل أن يرخص النبي ~~صلى الله عليه وسلم في زيارة القبور، فلما رخص دخل في رخصته الرجال ~~والنساء. وقال بعضهم: إنما كره زيارة القبور للنساء لقلة صبرهن، وكثرة ~~جزعهن. # قلت: زيارة القبور للرجال متفق عليه عند العلماء، مختلف فيه للنساء. أما ~~الشواب فحرام عليهن الخروج، وأما القواعد فمباح لهن ذلك. وجائز لجميعهن. ~~ذلك إذا انفردن بالخروج عن الرجال، ولا يختلف في هذا إن شاء الله. وعلى هذا ~~المعنى يكون قوله: (زوروا القبور) عاما. وأما موضع أو وقت يخشى فيه الفتنة ~~من اجتماع الرجال والنساء، فلا يحل ولا يجوز. # PageV20P170 # فبينا الرجل يحرج ليعتبر، فيقع بصره على امرأة فيفتتن، وبالعكس فيرجع كل ~~واحد من الرجال والنساء مأزورا غير مأجور. والله أعلم. # الخامسة: قال العلماء: ينبغي لمن أراد علاج قلبه وانقياده بسلاسل القهر ~~إلى طاعة ربه، أن يكثر من ذكر هاذم (1) اللذات، ومفرق الجماعات، وموتم ~~البنين والبنات، وبواظب على مشاهدة المحتضرين، وزيارة قبور أموات المسلمين. ~~فهذه ثلاثة أمور، ينبغي لمن قسا قلبه، ولزمه ذنبه، أن يستعين بها على دواء ~~دائه، ويستصرخ بها على فتن الشيطان وأعوانه، فإن انتفع بالاكثار من ذكر ~~الموت، وانجلت به قساوة قلبه فذاك، وإن عظم عليه ران قلبه، واستحكمت فيه ~~دواعي الذنب، فإن مشاهدة المحتضرين، وزيارة قبور أموات المسلمين، تبلغ في ~~دفع ذلك ما لا يبلغه الأول، لان ذكر الموت إخبار للقلب بما إليه المصير، ~~وقائم له مقام التخويف والتحذير. وفي مشاهدة من أحتضر، وزيارة قبر من مات ~~من المسلمين معاينة ومشاهدة، فلذلك كان أبلغ من الأول، قال صلى الله عليه ~~وسلم: (ليس الخبر كالمعاينة) رواه ابن عباس. فأما الاعتبار بحال المحتضرين، ~~فغير ممكن في كل الأوقات، وقد لا يتفق لمن أراد علاج قلبه في ms6794 ساعة من ~~الساعات. وأما زيارة القبور فوجودها أسرع، والانتفاع بها أليق وأجدر. ~~فينبغي لمن عزم على الزيارة، أن يتأدب بآدابها، ويحضر قلبه في إتيانها، ولا ~~يكون حظه منها التطواف على الأجداث فقط، فإن هذه حاله تشاركه فيها بهيمة. ~~ونعوذ بالله من ذلك. بل يقصد بزيارته وجه الله تعالى، وإصلاح فساد قلبه، أو ~~نفع الميت بما يتلو عنده من القرآن والدعاء، ويتجنب المشي على المقابر، ~~والجلوس عليها ويسلم إذا دخل المقابر وإذا وصل إلى قبر ميته الذي يعرفه سلم ~~عليه أيضا، وأتاه من تلقاء وجهه، لأنه في زيارته كمخاطبته حيا، ولو خاطبه ~~حيا لكان الأدب استقباله بوجهه، فكذلك ها هنا. ثم يعتبر بمن صار تحت ~~التراب، وانقطع عن الأهل والأحباب، بعد أن قاد الجيوش والعساكر، ونافس ~~الأصحاب والعشائر، وجمع الأموال والذخائر، فجاءه الموت في وقت لم يحتسبه، ~~وهول لم يرتقبه. فليتأمل الزائر حال من مضي من إخوانه، ودرج من # PageV20P171 # أقرانه الذين بلغوا الآمال، وجمعوا الأموال، كيف انقطعت آمالهم، ولم تغن ~~عنهم أموالهم، ومحا التراب محاسن وجوههم، وافترقت في القبور أجزاؤهم، وترمل ~~من بعدهم نساؤهم، وشمل ذل اليتم أولادهم، واقتسم غيرهم طريفهم وتلادهم. ~~وليتذكر ترددهم (1) في المآرب، وحرصهم على نيل المطالب، وانخداعهم لمواتاة ~~الأسباب، وركونهم إلى الصحة والشباب. # وليعلم أن ميله إلى اللهو واللعب كميلهم، وغفلته عما بين يديه من الموت ~~الفظيع، والهلاك السريع، كغفلتهم، وأنه لا بد صائر إلى مصيرهم، وليحضر ~~بقلبه ذكر من كان مترددا في أغراضه، وكيف تهدمت رجلاه. وكان يتلذذ بالنظر ~~إلى ما خوله وقد سالت عيناه، ويصول ببلاغة نطقه وقد أكل الدود لسانه، ويضحك ~~لمواتاة دهره وقد أبلى التراب أسنانه، وليتحقق أن حاله كحاله، ومآله كمآله. ~~وعند هذا التذكر والاعتبار تزول عنه جميع الأغيار الدنيوية، ويقبل على ~~الأعمال الأخروية، فيزهد في دنياه، ويقبل على طاعة مولاه، ويلين قلبه، ~~وتخشع جوارحه. # قوله تعالى: كلا سوف تعلمون (3) ثم كلا سوف تعلمون (4) (كلا) قال الفراء: ~~أي ليس الامر على ما أنتم عليه من التفاخر والتكاثر والتمام على هذا " كلا ~~سوف ms6795 تعلمون " أي سوف تعلمون عاقبة هذا. (ثم كلا سوف تعلمون): وعيد بعد ~~وعيد، قاله مجاهد. ويحتمل أن يكون تكراره على وجه التأكيد والتغليظ، وهو ~~قول الفراء. وقال ابن عباس: " كلا سوف تعلمون " ما ينزل بكم من العذاب في ~~القبر. " ثم كلا سوف تعلمون " في الآخرة إذا حل بكم العذاب. فالأول في ~~القبر، والثاني في الآخرة، فالتكرار للحالتين. وقيل " كلا سوف تعلمون " عند ~~المعاينة، أن ما دعوتكم إليه حق. " ثم كلا سوف تعلمون ": عند البعث أن ما ~~وعدتكم به صدق. # وروى زر بن حبيش عن علي رضي الله عنه، قاله: كنا نشك في عذاب القبر، حتى ~~نزلت هذه السورة، فأشار إلى أن قوله: " كلا سوف تعلمون " يعني في القبور. ~~وقيل: " كلا سوف # PageV20P172 # تعلمون "، إذا نزل بكم الموت، وجاءتكم رسل لتنزع أرواحكم. " ثم كلا سوف ~~تعلمون ": # إذا دخلتم قبوركم، وجاءكم منكر ونكير، وحاط بكم هول السؤال، وانقطع منكم ~~الجواب. # قلت: فتضمنت السورة القول في عذاب القبر. وقد ذكرنا في كتاب " التذكرة " ~~أن الايمان به واجب، والتصديق به لازم، حسبما أخبر به الصادق، وأن الله ~~تعالى يحيي العبد المكلف في قبره، برد الحياة إليه، ويجعل له من العقل في ~~مثل الوصف الذي عاش عليه، ليعقل ما يسأل عنه، وما يجيب به، ويفهم ما أتاه ~~من ربه، وما أعد له في قبره، من كرامة وهوان. # وهذا هو مذهب أهل السنة، والذي عليه الجماعة من أهل الملة. وقد ذكرناه ~~هناك مستوفي، والحمد لله، وقيل: " كلا سوف تعلمون " عند النشور أنكم ~~مبعوثون " ثم كلا سوف تعلمون " في القيامة أنكم معذبون. وعلى هذا تضمنت ~~أحوال القيامة من بعث وحشر، وسؤال وعرض، إلى غير ذلك من أهوالها وأفزاعها، ~~حسب ما ذكرناه في كتاب " التذكرة، بأحوال الموتى وأمور الآخرة ". وقال ~~الضحاك: " كلا سوف تعلمون " يعني الكفار، " ثم كلا سوف تعلمون ": قال ~~المؤمنون. وكذلك كان يقرؤها، الأولى بالتاء والثانية بالياء. # قوله تعالى: كلا لو تعلمون علم اليقين (5) قوله تعالى: (كلا لو تعلمون ~~علم اليقين) أعاد " كلا " وهو زجر وتنبيه، لأنه ms6796 عقب كل واحد بشئ آخر، كأنه ~~قال: لا تفعلوا، فإنكم تندمون، لا تفعلوا، فإنكم تستوجبون العقاب. وإضافة ~~العلم إلى اليقين، كقوله تعالى: " إن هذا لهو حق اليقين " (1) [الواقعة: ~~95]. وقيل: # اليقين ها هنا: الموت، قاله قتادة. وعنه أيضا: البعث، لأنه إذا جاء زال ~~الشك، أي لو تعلمون علم البعث وجواب " لو " محذوف، أي لو تعلمون اليوم من ~~البعث ما تعلمونه إذا جاءتكم نفخة الصور، وانشقت اللحود عن جثثكم، كيف يكون ~~حشركم؟ لشغلكم ذاك عن التكاثر بالدنيا. وقيل: " كلا لو تعلمون علم اليقين " ~~أي لو (2) قد تطايرت الصحف، فشقي وسعيد. # PageV20P173 # وقيل: إن " كلا " في هذه المواضع الثلاثة بمعنى " ألا " قاله ابن أبي ~~حاتم، وقال الفراء: # هي بمعنى " حقا " وقد تقدم الكلام فيها مستوفى (1). # قوله تعالى: لترون الجحيم (6) ثم لترونها عين اليقين (7) قوله تعالى: ~~(لترون الجحيم) هذا وعيد آخر. وهو على إضمار القسم، أي لترون الجحيم في ~~الآخرة. والخطاب للكفار الذين وجبت لهم النار. وقيل: هو عام، كما قال: # " وإن منكم إلا واردها " (2) [مريم: 71] فهيئ للكفار دار، وللمؤمنين ممر. ~~وفي الصحيح: (فيمر أولهم كالبرق، ثم كالريح، ثم كالطير...) الحديث. وقد مضى ~~في سورة " مريم ". وقرأ الكسائي وابن عامر " لترون " بضم التاء، من أريته ~~الشئ، أي تحشرون إليها فترونها. # وعلى فتح التاء، هي قراءة الجماعة، أي لترون الجحيم بأبصاركم على البعد. ~~(ثم لترونها عين اليقين) أي مشاهدة. وقيل: هو إخبار عن دوام مقامهم في ~~النار، أي هي رؤية دائمة متصلة. والخطاب على هذا للكفار. وقيل: معنى " لو ~~تعلمون علم اليقين " أي لو تعلمون اليوم في الدنيا، علم اليقين فيما ~~أمامكم، مما وصفت: " لترون الجحيم " بعيون قلوبكم، فإن علم اليقين يريك ~~الجحيم بعين فؤادك، وهو أن تتصور لك تارات القيامة، وقطع مسافاتها. # " ثم لترونها عين اليقين ": أي عند المعاينة بعين الرأس، فتراها يقينا، ~~لا تغيب عن عينك. # " ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ": في موقف السؤال والعرض. # قوله تعالى: ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم (8) قوله تعالى: (ثم لتسألن يومئذ ~~عن النعيم) روى مسلم في صحيحه عن ms6797 أبي هريرة، قال: خرج رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ذات يوم أو ليلة، فإذا هو بأبي بكر وعمر، فقال: # (ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة)؟ قالا: الجوع يا رسول الله. قال: ~~(وأنا # PageV20P174 # والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما قوما) فقاما معه، فأتى رجلا من ~~الأنصار، فإذا هو ليس في بيته، فلما رأته المرأة قالت: مرحبا وأهلا. فقال ~~لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أين فلان)؟ قالت: يستعذب لنا من الماء، ~~إذ جاء الأنصاري، فنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه، ثم قال: ~~الحمد لله! ما أحد اليوم أكرم أضافيا مني. قال: فانطلق، فجاءهم بعذق فيه ~~بسر وتمر ورطب، فقال: كلوا من هذه. وأخذ المدية فقال له رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: (إياك والحلوب) فذبح لهم، فأكلوا من الشاة، ومن ذلك العذق، ~~وشربوا، فلما أن شبعوا ورووا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر ~~وعمر: (والذي نفسي بيده لتسألن عن نعيم هذا اليوم، يوم القيامة، أخرجكم من ~~بيوتكم الجوع، ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم). خرجه الترمذي، وقال ~~[فيه]: # (هذا والذي نفسي بيده من النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة: ظل بارد، ~~ورطب طيب، وماء بارد) وكنى الرجل الذي من الأنصار، فقال: أبو الهيثم ابن ~~التيهان. وذكر قصته. # قلت: أسم هذا الرجل الأنصاري مالك بن التيهان، ويكنى أبا الهيثم. وفي هذه ~~القصة يقول عبد الله بن رواحة، يمدح بها أبا الهيثم بن التيهان: # فلم أر كالاسلام عزا لامة * ولا مثل أضياف الأراشي (1) معشرا نبي وصديق ~~وفاروق أمة * وخير بني (2) حواء فرعا وعنصرا فوافوا لميقات وقدر قضية * ~~وكان قضاء الله قدرا (3) مقدرا إلى رجل نجد يباري بجوده * شموس الضحى جودا ~~ومجدا ومفخرا وفارس خلق الله في كل غارة * إذا لبس القوم الحديد المسمرا ~~ففدى وحيا ثم أدنى قراهم * فلم يقرهم إلا سمينا متمرا (4) # PageV20P175 # وقد ذكر أبو نعيم الحافظ، عن أبي عسيب مولى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، قال: # خرج علينا رسول الله صلى ms6798 الله عليه وسلم ليلا، فخرجت إليه، ثم مر بأبي ~~بكر فدعاه، فخرج إليه، ثم مر بعمر فدعاه، فخرج إليه، فانطلق حتى دخل حائطا ~~لبعض الأنصار، فقال لصاحب الحائط: (أطعمنا بسرا) فجاء بعذق، فوضعه فأكلوا، ~~ثم دعا بماء فشرب، فقال: (لتسألن عن هذا يوم القيامة) قال: وأخذ عمر العذق، ~~فضرب به الأرض حتى تناثر البسر نحو وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~يا رسول الله، إنا لمسؤولون عن هذا يوم القيامة؟ قال: (نعم إلا من ثلاث: ~~كسرة يسد بها جوعته، أو ثوب يستر به عورته، أو حجر يأوي فيه من الحر ~~والقر). # واختلف أهل التأويل في النعيم المسؤول عنه على عشرة أقوال: # أحدها: الامن والصحة، قاله ابن مسعود. الثاني - الصحة والفراغ، قاله سعيد ~~بن جبير. # وفي البخاري عنه عليه السلام: (نعمتان (1) مغبون فيهما كثير من الناس: ~~الصحة والفراغ). الثالث - الادراك بحواس السمع والبصر، قاله ابن عباس. وفي ~~التنزيل: " إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان (2) عنه مسؤولا " ~~[الاسراء: 36]. وفي الصحيح عن أبي هريرة وأبي سعيد قالا: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: (يؤتي بالعبد يوم القيامة، فيقول له: ألم أجعل لك سمعا ~~وبصرا، ومالا وولدا...)، الحديث. خرجه الترمذي وقال فيه: حديث حسن صحيح. ~~الرابع - ملاذ المأكول والمشروب قاله جابر بن عبد الله الأنصاري. وحديث أبي ~~هريرة يدل عليه. الخامس - أنه الغداء والعشاء، قاله الحسن. السادس - قول ~~مكحول الشامي -: أنه شبع البطون وبارد الشراب، وظلال المساكن، واعتدال ~~الخلق، ولذة النوم. ورواه زيد بن أسلم عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: (لتسألن يومئذ عن النعيم) يعني عن شبع البطون...). # فذكره. ذكره الماوردي، وقال: وهذا السؤال يعم الكافر والمؤمن، إلا أن ~~سؤال المؤمن # PageV20P176 # تبشير بأن يجمع له بين نعيم الدنيا ونعيم الآخرة. وسؤال الكافر تقريع أن ~~قابل نعيم الدنيا بالكفر والمعصية. وقال قوم: هذا السؤال عن كل نعمة، إنما ~~يكون في حق الكفار، فقد روي أن أبا بكر لما نزلت هذه الآية قال: يا رسول ~~الله، أرأيت ms6799 أكلة أكلتها معك في بيت أبي الهيثم بن التيهان، من خبز شعير ~~ولحم وبسر قد ذنب (1)، وماء عذب، أتخاف علينا أن يكون هذا من النعيم الذي ~~نسأل عنه؟ فقال عليه السلام: (ذلك للكفار، ثم قرأ: " وهل يجازي إلا الكفور ~~" (2) [سبأ: 17]. ذكره القشيري أبو نصر. وقال الحسن: لا يسأل عن النعيم إلا ~~أهل النار. وقال القشيري: والجمع بين الاخبار: أن الكل يسألون، ولكن سؤال ~~الكفار توبيخ، لأنه قد ترك الشكر. وسؤال المؤمن سؤال تشريف، لأنه شكر. وهذا ~~النعيم في كل نعمة. # قلت: هذا القول حسن، لان اللفظ يعم. وقد ذكر الفريابي قال: حدثنا ورقاء ~~عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، في قوله تعالى: " ثم لتسألن يومئذ عن النعيم " ~~قال: كل شئ من لذة الدنيا. وروى أبو الأحوص عن عبد الله عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: (إن الله تعالى ليعدد نعمه على العبد يوم القيامة، حتى ~~يعد عليه: سألتني فلانة أن أزوجكها، فيسميها باسمها، فزوجتكها). وفي ~~الترمذي عن أبي هريرة قال: لما نزلت هذه الآية: # " ثم لتسألن يومئذ عن النعيم " قال الناس: يا رسول الله، عن أي النعيم ~~نسأل؟ فإنما هما الأسودان (3) والعدو حاضر، وسيوفنا على عواتقنا. قال: (إن ~~ذلك سيكون). وعنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أول ما يسأل ~~عنه يوم القيامة - يعني العبد - أن يقال له: ألم نصح لك جسمك، ونرويك من ~~الماء البارد) قال: حديث ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: (إذا كان يوم القيامة دعا الله بعبد من عباده، فيوقفه بين يديه، ~~فيسأله عن جاهه كما يسأله عن ماله). والجاه من نعيم الدنيا لا محالة. وقال ~~مالك رحمه الله: إنه صحة البدن، وطيب النفس. وهو القول السابع. # وقيل: النوم مع الامن والعافية. وقال سفيان بن عيينة: إن ما سد الجوع ~~وستر العورة من خشن الطعام واللباس، لا يسأل عنه المرء يوم القيامة، وإنما ~~يسأل عن النعيم. قال: # والدليل عليه أن الله تعالى أسكن آدم الجنة. فقال ms6800 له: " إن لك ألا تجوع ~~فيها ولا تعرى. # PageV20P177 # وأنك لا تظمأ فيها (1) ولا تضحى " [طه: 118 - 119]. فكانت هذه الأشياء ~~الأربعة - ما يسد به الجوع، وما يدفع به العطش، وما يستكن فيه من الحر، ~~ويستر به عورته - لآدم عليه السلام بالاطلاق، لا حساب عليه فيها، لأنه لابد ~~له منها. # قلت: ونحو هذا ذكره القشيري أبو نصر، قال: إن مما لا يسأل عنه العبد ~~لباسا يواري سوأته، وطعاما يقيم صلبه، ومكانا يكنه من الحر والبرد. # قلت: وهذا منتزع من قوله عليه السلام: (ليس لابن آدم حق في سوى هذه ~~الخصال: # بيت يسكنه، وثوب يواري عورته، وجلف الخبز والماء) خرجه الترمذي. وقال ~~النضر بن شميل: جلف الخبز: ليس معه إدام. وقال محمد بن كعب: النعيم: هو ما ~~أنعم الله علينا بمحمد صلى الله عليه وسلم. وفي التنزيل: " لقد من الله على ~~المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم " (2) [آل عمران: 164]. وقال الحسن ~~أيضا والمفضل: هو تخفيف الشرائع، وتيسير القرآن، قال الله تعالى: " وما جعل ~~عليكم في الدين من حرج " (3) [الحج: 78]، وقال تعالى: " ولقد يسرنا القرآن ~~للذكر فهل من مدكر " (4) [القمر: 17]. # قلت: وكل هذه نعم، فيسأل العبد عنها: هل شكر ذلك أم كفر. والأقوال ~~المتقدمة أظهر. والله أعلم. # تفسير سورة " والعصر " وهي مكية. وقال قتادة مدنية وروى عن ابن عباس. وهي ~~ثلاث آيات. # بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: والعصر (1) فيه مسألتان: # الأولى: قوله تعالى: " والعصر " أي الدهر، قاله ابن عباس وغيره. فالعصر ~~مثل الدهر، ومنه قول الشاعر: # سبيل الهوى وعر وبحر الهوى غمر * ويوم الهوى شهر وشهر الهوى دهر # PageV20P178 # أي عصر أقسم الله به عز وجل، لما فيه من التنبيه بتصرف الأحوال وتبدلها، ~~وما فيها من الدلالة على الصانع. وقيل: العصر: الليل والنهار. قال حميد بن ~~ثور: # ولن يلبث العصران: يوم وليلة * إذا طلبا أن يدركا ما تيمما والعصران ~~أيضا: الغداة والعشي. قال: # وأمطله العصرين حتى يملني * ويرضى بنصف الدين والأنف راغم يقول: إذا ~~جاءني أول النهار وعدته آخره. وقيل: إنه العشي، وهو ms6801 ما بين زوال الشمس ~~وغروبها، قاله الحسن وقتادة. ومنه قول الشاعر: # تروح بنا يا عمرو قد قصر العصر * وفي الروحة الأولى الغنيمة والاجر وعن ~~قتادة أيضا: هو آخر ساعة من ساعات النهار. وقيل: هو قسم بصلاة العصر، وهي ~~الوسطى، لأنها أفضل الصلوات، قاله مقاتل. يقال: أذن للعصر، أي لصلاة العصر. # وصليت العصر، أي صلاة العصر. وفي الخبر الصحيح [الصلاة الوسطى صلاة ~~العصر]. # وقد مضى في سورة " البقرة " (1) بيانه. وقيل: هو قسم بعصر النبي صلى الله ~~عليه وسلم، لفضله بتجديد النبوة فيه. وقيل: معناه ورب العصر. # الثانية - قال مالك: من حلف ألا يكلم رجلا عصرا: لم يكلمه سنة. قال ابن ~~العربي: # " إنما حمل مالك يمين الحالف ألا يكلم امرأ عصرا على السنة، لأنه أكثر ما ~~قيل فيه، وذلك على أصله في تغليظ المعنى في الايمان. وقال الشافعي: يبر ~~بساعة، إلا أن تكون له نية، وبه أقول، إلا أن يكون الحالف عربيا، فيقال له: ~~ما أردت؟ فإذا فسره بما يحتمله قبل منه، إلا أن يكون الأقل، ويجئ على مذهب ~~مالك أن يحمل على ما يفسر. والله أعلم. # قوله تعالى: إن الانسان لفي خسر (2) هذا جواب القسم. والمراد به الكافر، ~~قاله ابن عباس في رواية أبي صالح. وروى الضحاك عنه قال: يريد جماعة من ~~المشركين: الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والأسود # PageV20P179 # ابن عبد المطلب بن أسد بن عبد العزى، والأسود بن عبد يغوث. وقيل: يعني ~~بالانسان جنس الناس. " لفي خسر ": لفي غبن. وقال الأخفش: هلكة. الفراء: ~~عقوبة، ومنه قوله تعالى: " وكان عاقبة أمرها (1) خسرا " [الطلاق: 9]. ابن ~~زيد: لفي شر. وقيل: لفي نقص، المعنى متقارب. وروي عن سلام " والعصر " بكسر ~~الصاد. وقرأ الأعرج وطلحة وعيسى الثقفي " خسر " بضم السين. وروى ذلك هارون ~~عن أبي بكر عن عاصم. والوجه فيهما الاتباع. # ويقال: خسر وخسر، مثل عسر وعسر. وكان علي يقرؤها " والعصر ونوائب الدهر، ~~إن الانسان لفي خسر. وإنه فيه إلى آخر الدهر ". وقال إبراهيم: إن الانسان ~~إذا عمر في الدنيا وهرم، لفي نقص وضعف ms6802 وتراجع، إلا المؤمنين، فإنهم تكتب ~~لهم أجورهم التي كانوا يعملونها في حال شبابهم، نظيره قوله تعالى: " لقد ~~خلقنا الانسان في أحسن تقويم. ثم رددناه أسفل سافلين ". [التين: 4 - 5]. ~~قال: وقراءتنا " والعصر إن الانسان لفي خسر، وإنه في آخر الدهر ". والصحيح ~~ما عليه الأمة والمصاحف. وقد مضى الرد في مقدمة الكتاب على من خالف مصحف ~~عثمان، وأن ذلك ليس بقرآن يتلي، فتأمله هناك (2). # قوله تعالى: إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا ~~بالصبر (8) قوله تعالى: (إلا الذين آمنوا) استثناء من الانسان، إذ هو بمعنى ~~الناس على الصحيح. # قوله تعالى: (وعملوا الصالحات) أي أدوا الفرائض المفترضة عليهم، وهم ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال أبي بن كعب: قرأت على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم " والعصر " ثم قلت: ما تفسيرها يا نبي الله؟ قال: " ~~والعصر " قسم من الله، أقسم ربكم بآخر النهار: # " إن الانسان لفي خسر ": أبو جهل " إلا الذين آمنوا ": أبو بكر، " وعملوا ~~الصالحات " عمر. # " وتواصوا بالحق " عثمان " وتواصلوا بالصبر " علي " رضي الله عنهم ~~أجمعين. وهكذا خطب # PageV20P180 # أبن عباس على المنبر موقوفا عليه. ومعنى (وتواصوا) أي تحابوا، أوصى بعضهم ~~بعضا، وحث بعضهم بعضا. (بالحق) أي بالتوحيد، كذا روى الضحاك عن ابن عباس. ~~قال قتادة: " بالحق " أي القرآن. وقال السدي: الحق هنا هو الله عز وجل. ~~(وتواصوا بالصبر) على طاعة الله عز وجل، والصبر عن معاصيه. وقد تقدم (1). ~~والله أعلم. # تفسير سورة " الهمزة " مكية بإجماع. وهي تسع آيات بسم الله الرحمن الرحيم ~~قوله تعالى: ويل لكل همزة لمزة (1) قد تقدم القول في " الويل " في غير موضع ~~(2)، ومعناه الخزي والعذاب والهلكة. وقيل: # واد في جهنم. " لكل همزة لمزة " قال ابن عباس: هم المشاءون بالنميمة، ~~المفسدون (3) بين الأحبة، الباغون للبراء العيب، فعلى هذا هما بمعنى. وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # [شرار عباد الله تعالى المشاءون بالنميمة، المفسدون بين الأحبة، الباغون ~~للبراء العيب]. # وعن ابن عباس أن الهمزة: القتات، واللمزة: العياب. وقال أبو العالية ~~والحسن ومجاهد وعطاء بن أبي رباح: الهمزة: ms6803 الذي يغتاب ويطعن في وجه الرجل، ~~واللمزة: الذي يغتابه من خلفه إذا غاب، ومنه قول حسان: # همزتك فاختضعت بذل نفس * بقافية تأجج كالشواظ (4) # PageV20P181 # واختار هذا القول النحاس، قال: ومنه قوله تعالى " ومنهم من يلمزك في ~~الصدقات " (1) [التوبة: 58]. # وقال مقاتل ضد هذا الكلام: إن الهمزة: الذي يغتاب بالغيبة، واللمزة: الذي ~~يغتاب في الوجه. وقال قتادة ومجاهد: الهمزة: الطعان في الناس، والهمزة: ~~الطعان في أنسابهم. # وقال ابن زيد الهامز: الذي يهمز الناس بيده ويضربهم، واللمزة: الذي ~~يلمزهم بلسانه ويعيبهم. وقال سفيان الثوري يهمز بلسانه، ويلمز بعينيه. وقال ~~ابن كيسان: الهمزة الذي يؤذي جلساءه بسوء اللفظ، واللمزة: الذي يكسر عينه ~~على جليسه، ويشير بعينه ورأسه وبحاجبيه. وقال مرة: هما سواء، وهو القتات ~~الطعان للمرء إذا غاب. وقال زياد الأعجم: # تدلى بودي إذا لاقيتني كذبا * وإن أغيب فأنت الهامز اللمزه وقال آخر: # إذا لقيتك عن سخط تكاشرني * وإن تغيبت كنت الهامز اللمزه الشحط: العبد. ~~والهمزة: اسم وضع للمبالغة في هذا المعنى، كما يقال: سخرة وضحكة: # للذي يسخر ويضحك بالناس. وقرأ أبو جعفر محمد بن علي والأعرج " همزة لمزة ~~" بسكون الميم فيهما. فإن صح ذلك عنهما، فهي في معنى المفعول، وهو الذي ~~يتعرض للناس حتى يهمزوه ويضحكوا منه، ويحملهم على الاغتياب. وقرأ عبد الله ~~بن مسعود وأبو وائل والنخعي والأعمش: " ويل للهمزة اللمزة ". وأصل الهمز: ~~الكسر، والعض على الشئ بعنف، ومنه همز الحرف. ويقال: همزت رأسه. وهمزت ~~الجوز بكفي كسرته. وقيل لاعرابي: # أتهمزون (الفارة)؟ فقال: إنما تهمزها الهرة. الذي في الصحاح: وقيل ~~لاعرابي أتهمز الفارة؟ # فقال السنور يهمزها. والأول قاله الثعلبي، وهو يدل على أن الهر يسمى ~~الهمزة. قال العجاج: # * ومن همزنا رأسه تهشما * وقيل: أصل الهمز واللمز: الدفع والضرب. لمزه ~~يلمزه لمزا: إذا ضربه ودفعه. # وكذلك همزه: أي دفعه وضربه. قال الراجز: # ومن همزنا عزه تبركعا * على أسته زوبعة أو زوبعا # PageV20P182 # البركعة: القيام على أربع. وبركعه فتبركع، أي صرعه فوقع على أسته، قاله ~~في الصحاح. # والآية نزلت في الأخنس بن شريق، فيما روى الضحاك ms6804 عن ابن عباس. وكان يلمز ~~الناس ويعيبهم: مقبلين ومدبرين. وقال ابن جريج: في الوليد بن المغيرة، وكان ~~يغتاب النبي صلى الله عليه وسلم من ورائه، ويقدح فيه في وجهه. وقيل: نزلت ~~في أبي بن خلف. وقيل: # في جميل ابن عامر الثقفي (1). وقيل: إنها مرسلة على العموم من غير تخصيص، ~~وهو قول الأكثرين. قال مجاهد: ليست بخاصة لاحد، بل لكل من كانت هذه صفته. ~~وقال الفراء: بجوز أن يذكر الشئ العام ويقصد به الخاص، قصد الواحد إذا قال: ~~لا أزورك أبدا. فتقول: من لم يزرني فلست بزائره، يعني ذلك القائل. # قوله تعالى: الذي جمع مالا وعدده (2) أي أعده - زعم - لنوائب الدهر، مثل ~~كرم وأكرم. وقيل: أحصى عدده، قاله السدي. # وقال الضحاك: أي أعد ماله لمن يرثه من أولاده. وقيل: أي فاخر بعدده ~~وكثرته. والمقصود الذم على إمساك المال عن سبيل الطاعة. كما قال: " مناع ~~للخير " (2) [ق: 25]، وقال: " وجمع فأوعى " (3) [المعارج: 18]. # وقراءة الجماعة " جمع " مخفف الميم. وشددها ابن عامر وحمزة والكسائي على ~~التكثير. # وأختاره أبو عبيد، لقوله: " وعدده ". وقرأ الحسن ونصر بن عاصم وأبو ~~العالية " جمع " مخففا، " وعدده " مخففا أيضا، فأظهروا التضعيف، لان أصله ~~عده وهو بعيد، لأنه وقع في المصحف بدالين. وقد جاء مثله في الشعر، لما ~~أبرزوا التضعيف خففوه. قال: # مهلا (4) أمامة قد جريت من خلقي * إني أجود لأقوام وإن ضننوا # PageV20P183 # أراد: ضنوا وبخلوا، فأظهر التضعيف، لكن الشعر موضع ضرورة. قال المهدوي: # من خفف " وعدده " فهو معطوف على المال، أي وجمع عدده فلا يكون فعلا على ~~إظهار التضعيف، لان ذلك لا يستعمل إلا في الشعر. # قوله تعالى: يحسب أن ماله أخلده (3) كلا لينبذن في الحطمة (4) وما أدراك ~~ما الحطمة (5) نار الله الموقدة (6) التي تطلع على الأفئدة (7) قوله تعالى: ~~(يحسب) أي يظن (أن ماله أخلده) أي يبقيه حيا لا يموت، قاله السدي. وقال ~~عكرمة: أي يزيد في عمره. وقيل: أحياه فيما مضى، وهو ماض بمعنى المستقبل. # يقال: هلك والله فلان ودخل النار، أي يدخل. (كلا) رد لما توهمه الكافر، ~~أي لا ms6805 يخلد ولا يبقى له مال. وقد مضى القول في " كلا " مستوفي (1). وقال ~~عمر بن عبد الله مولى غفرة: إذا سمعت الله عز وجل يقول " كلا " فإنه يقول ~~كذبت. (لينبذن) أي ليطرحن وليلقين. وقرأ الحسن ومحمد بن كعب ونصر بن عاصم ~~ومجاهد وحميد وابن محيصن: لينبذان بالتثنية، أي هو وماله. وعن الحسن أيضا " ~~لينبدنه " على معنى لينبذن ماله. وعنه أيضا بالنون " لننبذنه " على إخبار ~~الله تعالى عن نفسه، وأنه ينبذ صاحب المال. وعنه أيضا " لينبذن " بضم ~~الذال، على أن المراد الهمزة واللمزة والمال وجامعه. (في الحطمة) وهي نار ~~الله، سميت بذلك لأنها تكسر كل ما يلقي فيها وتحطمه وتهشمه. قال الراجز: # إنا حطمنا بالقضيب مصعبا * يوم كسرنا أنفه ليغضبا وهي الطبقة السادسة من ~~طبقات جهنم. حكاه الماوردي عن الكلبي. وحكى القشيري عنه: # " الحطمة " الدركة الثانية من درك النار. وقال الضحاك: وهي الدرك الرابع. ~~ابن زيد: # اسم من أسماء جهنم. (وما أدراك ما الحطمة) على التعظيم لشأنها، والتفخيم ~~لأمرها. # PageV20P184 # ثم فسرها ما هي فقال: (نار الله الموقدة) أي التي أوقد عليها ألف عام، ~~وألف عام، وألف عام، فهي غير خامدة، أعدها الله للعصاة. (للتي تطلع على ~~الأفئدة) قال محمد بن كعب: # تأكل النار جميع ما في أجسادهم، حتى إذا بلغت إلى الفؤاد، خلقوا خلقا ~~جديدا، فرجعت تأكلهم. وكذا روى خالد بن أبي عمران عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: (أن النار تأكل أهلها، حتى إذا اطلعت على أفئدتهم انتهت، ثم إذا ~~صدروا تعود، فذلك قوله تعالى: " نار الله الموقدة. التي تطلع على الأفئدة ~~":. وخص الأفئدة لان الألم إذا صار إلى الفؤاد مات صاحبه. أي إنه في حال من ~~يموت وهم لا يموتون، كما قال الله تعالى: " لا يموت فيها ولا يحيا " (1) ~~[طه: 74] فهم إذا أحياء في معنى الأموات. وقيل: معنى " تطلع على الأفئدة " ~~أي تعلم مقدار ما يستحقه كل واحد منهم من العذاب، وذلك بما استبقاه الله ~~تعالى من الامارة الدالة عليه. ويقال: أطلع فلان على كذا: أي علمه. وقد قال ~~الله ms6806 تعالى: " تدعوا من أدبر وتولى " (2) [المعارج: 17]. # وقال تعالى: " إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا " (3) ~~[الفرقان: 12]. فوصفها بهذا، فلا يبعد أن توصف بالعلم. # قوله تعالى: إنها عليهم مؤصدة (8) في عمد ممددة (9) أي مطبقة، قال الحسن ~~والضحاك. وقد تقدم في سورة " البلد " القول (4) فيه. وقيل: # مغلقة، بلغة قريش. يقولون: آصدت الباب إذا أغلقته، قاله مجاهد. ومنه قول ~~عبيد الله ابن قيس الرقيات: # إن في القصر لو دخلنا غزالا * مصفقا موصدا (5) عليه الحجاب (في عمد ~~ممددة) الفاء بمعنى الباء أي مؤصدة بعمد ممددة قاله ابن مسعود وهي في ~~قراءته " بعمد ممددة " وفي حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم (ثم ~~إن الله يبعث إليهم # PageV20P185 # ملائكة بأطباق من نار، ومسامير من نار وعمد من نار، فتطبق عليهم بتلك ~~الاطباق، وتشد عليهم بتلك المسامير وتمد بتلك العمد، فلا يبقى فيها خلل ~~يدخل فيه روح، ولا يخرج منه غم، وينساهم الرحمن على عرشه، ويتشاغل أهل ~~الجنة بنعيمهم، ولا يستغيثون بعدها أبدا، وينقطع الكلام، فيكون كلامهم ~~زفيرا وشهيقا، فذلك قوله تعالى: " إنها عليهم مؤصدة. في عمد ممددة ". # وقال قتادة: " عمد " يعذبون بها. واختاره الطبري. وقال ابن عباس: إن ~~العمد الممددة أغلال في أعناقهم. وقيل: قيود في أرجلهم، قاله أبو صالح. ~~وقال القشيري: والمعظم على أن العمد أوتاد الاطباق التي تطبق على أهل ~~النار. وتشد تلك الاطباق بالأوتاد، حتى يرجع عليهم غمها وحرها، فلا يدخل ~~عليهم روح. وقيل: أبواب النار مطبقة عليهم وهم في عمد، أي في سلاسل وأغلال ~~مطولة، وهي أحكم وأرسخ من القصيرة. وقيل: هم في عمد ممددة، أي في عذابها ~~وآلامها يضربون بها. وقيل: المعنى في دهر ممدود، أي لا انقطاع له. وقرأ ~~حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم " في عمد " بضم العين والميم: جمع عمود. ~~وكذلك " عمد " أيضا. قال الفراء: والعمد والعمد: جمعان صحيحان لعمود، مثل ~~أديم وأدم وأدم، وأفيق وأفق وأفق. أبو عبيدة: عمد: جمع عماد، مثل إهاب. ~~وأختار أبو عبيد " عمد " بفتحتين. وكذلك أبو حاتم، اعتبارا بقوله ms6807 تعالى: " ~~رفع السماوات بغير عمد ترونها " (2) [الرعد: 2]. وأجمعوا على فتحها. قال ~~الجوهري: العمود: عمود البيت، وجمع القلة: أعمدة، وجمع الكثرة عمد، وعمد، ~~وقرئ بهما قوله تعالى: " في عمود ممددة ". وقال أبو عبيدة: العمود، كل ~~مستطيل من خشب أو حديد، وهو أصل للبناء مثل العماد. عمدت الشئ فانعمد، أي ~~أقمته بعماد يعتمد عليه. وأعمدته جعلت تحته عمدا. والله أعلم. # PageV20P186 # تفسير سورة " الفيل " وهي مكية باجماع. وهي خمس آيات بسم الله الرحمن ~~الرحيم قوله تعالى: ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل (1) فيه خمس مسائل: # الأولى: قوله تعالى: " ألم تر " أي ألم تخبر. وقيل ألم تعلم. وقال ابن ~~عباس: # ألم تسمع؟ واللفظ استفهام، والمعنى تقرير. والخطاب للنبي صلى الله عليه ~~وسلم، ولكنه عام، أي ألم تروا ما فعلت بأصحاب الفيل، أي قد رأيتم ذلك، ~~وعرفتم موضع منتي عليكم، فما لكم لا تؤمنون؟ و " كيف " في موضع نصب ب‍ " - ~~فعل ربك " لا ب‍ " - ألم تر كيف " في معنى الاستفهام. # الثانية: قوله تعالى: " بأصحاب الفيل " الفيل معروف، والجمع أفيال: ~~وفيول، وفيلة. قال ابن السكيت: ولا تقل أفيلة. [والأنثى فيلة] (1) وصاحبه ~~(2) فيال. قال سيبويه: # يجوز أن يكون أصل فيل فعلا، فكسر من أجل الياء، كما قالوا: أبيض وبيض. ~~وقال الأخفش: هذا لا يكون في الواحد، إنما يكون في الجمع. ورجل فيل الرأي، ~~أي ضعيف الرأي. والجمع أفيال. ورجل فال، أي ضعيف الرأي، مخطئ الفراسة. وقد ~~فال الرأي يفيل فيولة، وفيل رأيه تفييلا: أي ضعفه، فهو فيل الرأي. # الثالثة: في قصة أصحاب الفيل، وذلك أن (أبرهة) بنى القليس بصنعاء، وهي ~~كنيسة لم ير مثلها في زمانها بشئ من الأرض، وكان نصرانيا، ثم كتب إلى ~~النجاشي: إني قد بنيت لك أيها الملك كنيسة لم يبن مثلها لملك كان قبلك، ~~ولست بمنته حتى أصرف إليها حج العرب # PageV20P187 # فلما تحدثت العرب بكتاب أبرهة ذلك إلى النجاشي، غضب رجل من النسأة (1)، ~~فخرج حتى أتى الكنيسة، فقعد فيها - أي أحدث - ثم خرج فلحق بأرضه، فأخبر ~~بذلك أبرهة، فقال: # من صنع هذا؟ ms6808 فقيل: صنعه رجل من أهل هذا البيت، الذي تحج إليه العرب بمكة، ~~لما سمع قولك: (أصرف إليها حج العرب) غضب، فجاء فقعد فيها. أي أنها ليست ~~لذلك بأهل. # فغضب عند ذلك أبرهة، وحلف ليسيرن إلى البيت حتى يهدمه، وبعث رجلا كان ~~عنده إلى بني كنانة (2) يدعوهم إلى حج تلك الكنيسة، فقتلت بنو كنانة ذلك ~~الرجل، فزاد أبرهة ذلك غضبا وحنقا، ثم أمر الحبشة فتهيأت وتجهزت، ثم سار ~~وخرج معه بالفيل، وسمعت بذلك العرب، فأعظموه وفظعوا به، ورأوا جهاده حقا ~~عليهم، حين سمعوا أنه يريد هدم الكعبة بيت الله الحرام. فخرج إليه رجل من ~~أشراف أهل اليمن وملوكهم، يقال له ذو نفر، فدعا قومه ومن أجابه من سائر ~~العرب إلى حرب أبرهة، وجهاده عن بيت الله الحرام، وما يريد من هدمه ~~وإخرابه، فأجابه من أجابه إلى ذلك، ثم عرض له فقاتله، فهزم ذو نفر وأصحابه، ~~وأخذ له ذو نفر فأتى به أسيرا، فلما أراد قتله قال له ذو نفر: أيها الملك ~~لا تقتلني، فإنه عسى أن يكون بقائي معك خيرا لك من قتلي، فتركه من القتل، ~~وحبسه عنده في وثاق، وكان أبرهة رجلا حليما. # ثم مضى أبرهة على وجهه ذلك، يريد ما خرج له، حتى إذا كان بأرض خثعم عرض ~~له نفيل ابن حبيب الخثعمي في قبيلتي خثعم: شهران وناهس، ومن تبعه من قبائل ~~العرب، فقاتله فهزمه أبرهة، وأخذ له نفيل أسيرا، فأتي به، فلما هم بقتله ~~قال له نفيل: أيها الملك لا تقتلني فإني دليلك بأرض العرب، وهاتان يداي لك ~~على قبيلتي خثعم: شهران وناهس، بالسمع والطاعة، فخلى سبيله. وخرج به معه ~~يدله، حتى إذا مر بالطائف خرج إليه مسعود بن معتب في رجال من ثقيف، فقالوا ~~له: أيها الملك، إنما نحن عبيدك، سامعون لك مطيعون، ليس عندنا لك خلاف، ~~وليس بيتنا هذا البيت الذي تريد - يعنون اللات (3) - إنما تريد البيت الذي ~~بمكة، # PageV20P188 # نحن نبعث معك من يدلك عليه، فتجاوز عنهم. وبعثوا معه أبا رغال، حتى أنزله ~~المغمس (1) فلما أنزله ms6809 به مات أبو رغال هناك، فرجمت قبره العرب، فهو القبر ~~الذي يرجم الناس بالمغمس، وفيه يقول الشاعر: # وارجم قبره في كل عام * كرجم الناس قبر أبي رغال فلما نزل أبرهة بالمغمس، ~~بعث رجلا من الحبشة يقال له الأسود بن مقصود (2) على خيل له، حتى انتهى إلى ~~مكة فساق إليه أموال أهل تهامة من قريش وغيرهم، وأصاب فيها مائتي بعير لعبد ~~المطلب بن هاشم، وهو يومئذ كبير قريش وسيدها، فهمت قريش وكنانة وهذيل ومن ~~كان بذلك الحرم بقتاله، ثم عرفوا أنهم لا طاقة لهم به، فتركوا ذلك. وبعث ~~أبرهة حناطة الحميري إلى مكة، وقال له: سل عن سيد هذا البلد وشريفهم، ثم قل ~~له: إن الملك يقول: # إني لم آت لحربكم، إنما جئت لهدم هذا البيت، فإن لم تعرضوا لي بحرب، فلا ~~حاجة لي بدمائكم، فإن هو لم يرد حربي فأتني به. فلما دخل حناطة مكة، سأل عن ~~سيد قريش وشريفها، فقيل له: عبد المطلب بن هاشم، فجاءه فقال له ما أمره به ~~أبرهة، فقال له عبد المطلب: والله ما نريد حربه، وما لنا بذلك منه طاقة، ~~هذا بيت الله الحرام، وبيت خليله إبراهيم عليه السلام، أو كما قال، فإن ~~يمنعه منه فهو حرمه وبيته، وإن يحل بينه وبينه، فوالله ما عندنا دفع عنه. ~~فقال له حناطة: فانطلق إليه، فإنه قد أمرني أن آتيه بك، فانطلق معه عبد ~~المطلب، ومعه بعض بنيه، حتى أتى العسكر، فسأل عن ذي نفر، وكان صديقا له، ~~حتى دخل عليه وهو في محبسه، فقال له: يا ذا نفر، هل عندك من غناء فيما نزل ~~بنا؟ فقال له ذو نفر، وما غناء رجل أسير بيدي ملك، ينتظر أن يقتله غدوا ~~وعشيا! ما عندي غناء في شئ مما نزل بك، إلا أن أنيسا سائس الفيل صديق لي، ~~فسأرسل إليه، وأوصيه بك، وأعظم عليه حقك، وأسأله أن يستأذن لك على الملك، ~~فتكلمه بما بدا لك، ويشفع لك عنده بخير إن قدر على ذلك، فقال حسبي. فبعث ذو ~~نفر إلى ms6810 أنيس، فقال له: # PageV20P189 # إن عبد المطلب سيد قريش، وصاحب عين مكة، ويطعم الناس بالسهل، والوحوش في ~~رؤوس الجبال، وقد أصاب له الملك مائتي بعير، فاستأذن له عليه، وانفعه عنده ~~بما استطعت، فقال: أفعل. فكلم أنيس أبرهة، فقال له: أيها الملك، هذا سيد ~~قريش ببابك، يستأذن عليك، وهو صاحب عين مكة، يطعم الناس بالسهل، والوحوش في ~~رؤوس الجبال، فأذن له عليك، فيكلمك في حاجته. قال: فأذن له أبرهة. # وكان عبد المطلب أوسم الناس، وأعظمهم وأجملهم، فلما رآه أبرهة أجله، ~~وأعظمه عن أن يجلسه تحته، فنزل أبرهة عن سريره، فجلس على بساطه وأجلسه معه ~~عليه إلى جنبه. ثم قال لترجمانه: قل له: حاجتك؟ فقال له ذلك الترجمان، ~~فقال: حاجتي أن يرد علي الملك مائتي بعير أصابها لي. فلما قال له ذلك، قال ~~أبرهة لترجمانه: قل له لقد كنت أعجبتني حين رأيتك، ثم قد زهدت فيك حين ~~كلمتني، أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك، وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك، ~~قد جئت لهدمه؟ لا تكلمني فيه! قال له عبد المطلب: إني أنا رب الإبل، وإن ~~للبيت ربا سيمنعه. قال: ما كان ليمتنع مني! قال أنت وذاك. فرد عليه إبله. ~~وانصرف عبد المطلب إلى قريش، فأخبرهم الخبر، وأمرهم بالخروج من مكة والتحرز ~~في شعف (1) الجبال والشعاب، تخوفا عليهم معرة (2) الجيش. ثم قام عبد المطلب ~~فأخذ بحلقة باب الكعبة، وقام معه نفر من قريش، يدعون الله ويستنصرونه على ~~أبرهة وجنده، فقال عبد المطلب وهو آخذ بحلقة باب الكعبة: # لا هم إن العبد يمنع * رحله فامنع حلالك (3) لا يغلبن صليبهم * ومحالهم ~~عدوا (4) محالك إن يدخلوا البلد الحرا * م فأمر ما بدا لك # PageV20P190 # يقول: أي: شئ ما بدا لك، لم تكن تفعله بنا. والحلال: جمع حل. والمحال: ~~القوة وقيل: # إن عبد المطلب لما أخذ بحلقة باب الكعبة قال: # يا رب لا أرجو لهم سواكا * يا رب فامنع منهم حماكا إن عدو البيت من ~~عاداكا * إنهم لن يقهروا قواكا وقال عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف ms6811 بن ~~عبد الدار بن قصي: # لا هم أخز الأسود بن مقصود * الاخذ الهجمة فيها التقليد (1) بين حراء ~~وثبير فالبيد * يحبسها وهي أولات التطريد (2) فضمها إلى طماطم سود * قد ~~أجمعوا ألا يكون معبود (3) ويهدموا البيت الحرام المعمود * والمروتين ~~والمشاعر السود (4)] * أخفره (5) يا رب وأنت محمود * قال ابن إسحاق: ثم ~~أرسل عبد المطلب حلقة باب الكعبة، ثم أنطلق هو ومن معه من قريش إلى شعف ~~الجبال، فتحرزوا فيها، ينتظرون ما أبرهة فاعل بمكة إذا دخلها. فلما أصبح ~~أبرهة تهيأ لدخول مكة، وهيأ فيله، وعبأ جيشه، وكان اسم الفيل محمودا، ~~وأبرهة مجمع لهدم البيت، ثم الانصراف إلى اليمن، فلما وجهوا الفيل إلى مكة، ~~أقبل نفيل بن حبيب، حتى قام إلى جنب الفيل، ثم أخذ بأذنه فقال له: ابرك ~~محمود، وارجع راشدا من حيث جئت، فإنك في بلد الله الحرام. ثم أرسل أذنه، ~~فبرك الفيل. وخرج نفيل بن حبيب يشتد، حتى أصعد في الجبل. وضربوا الفيل ~~ليقوم فأبى، فضربوا في رأسه بالطبرزين (6) ليقوم فأبى، فأدخلوا # PageV20P191 # محاجن (1) لهم في مراقه، فبزغوه (2) بها ليقوم، فأبى، فوجهوه راجعا إلى ~~اليمن، فقام يهرول ووجهوه إلى الشام، ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى المشرق، ~~ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى مكة فبرك. # وأرسل الله عليهم طيرا من البحر، أمثال الخطاطيف والبلسان (3)، مع كل ~~طائر منها ثلاثة أحجار: # حجر في منقاره، وحجران في رجليه، أمثال الحمص والعدس، لا تصيب منهم أحدا ~~إلا هلك، وليس كلهم أصابت. وخرجوا هاربين يبتدرون الطريق التي جاءوا منها، ~~ويسألون عن نفيل ابن حبيب، ليدلهم على الطريق إلى اليمن. فقال نفيل بن حبيب ~~حين رأى ما أنزل الله بهم من نقمته: # أين المفر والاله الطالب * والأشرم (4) المغلوب ليس الغالب وقال أيضا: # حمدت الله إذ أبصرت طيرا * وخفت حجارة تلقى علينا فكل القوم يسأل عن نفيل ~~* كأن علي للحبشان دينا فخرجوا يتساقطون بكل طريق، ويهلكون [بكل مهلك] (5) ~~على كل سهل (6)، وأصيب أبرهة في جسده، وخرجوا به معهم يسقط أنملة أنملة ~~(7)، كلما سقطت منه أنملة أتبعتها منه مدة تمث (8) قيحا ms6812 ودما، حتى قدموا به ~~صنعاء وهو مثل فرخ الطائر، فما مات حتى انصدع صدره عن قلبه، فيما يزعمون. # وقال الكلبي ومقاتل بن سليمان - يزيد أحدهما وينقص -: سبب الفيل ما روي ~~أن فتية من قريش خرجوا تجارا إلى أرض النجاشي، فنزلوا على ساحل البحر إلى ~~بيعة للنصارى، تسميها النصارى الهيكل، فأوقدوا نارا لطعامهم وتركوها ~~وارتحلوا، فهبت ريح عاصف على النار فأضرمت البيعة نارا، فاحترقت، فأتى ~~الصريخ إلى النجاشي فأخبره، # PageV20P192 # فاستشاط غضبا. فأتاه أبرهة بن الصباح وحجر بن شرحبيل وأبو يكسوم ~~الكنديون، وضمنوا له إحراق الكعبة وسبي مكة. وكان النجاشي هو الملك، وأبرهة ~~صاحب الجيش، وأبو يكسوم نديم الملك، وقيل وزير، وحجر بن شرحبيل من قواده، ~~وقال مجاهد: أبو يكسوم هو أبرهة ابن الصباح. فساروا ومعهم الفيل. قال ~~الأكثرون: هو فيل واحد. وقال الضحاك: # هي ثمانية فيلة. ونزلوا بذي المجاز، واستاقوا سرح مكة، وفيها إبل عبد ~~المطلب. وأتى الراعي نذيرا، فصعد الصفا، فصاح: وا صباحاه! ثم أخبر الناس ~~بمجئ الجيش والفيل. # فخرج عبد المطلب، وتوجه إلى أبرهة، وسأله في إبله. واختلف في النجاشي، هل ~~كان معهم، فقال قوم كان معهم. وقال الأكثرون: لم يكن معهم. ونظر أهل مكة ~~بالطير قد أقبلت من ناحية البحر، فقال عبد المطلب: إن هذه الطير غريبة ~~بأرضنا، وما هي بنجدية ولا تهامية ولا حجازية " وإنها أشباه اليعاسيب (1). ~~وكان في مناقيرها وأرجلها حجارة، فلما أطلت (2) على القوم ألقتها عليهم، ~~حتى هلكوا. قال عطاء بن أبي رباح: جاءت الطير عشية، فباتت ثم صبحتهم ~~بالغداة فرمتهم. وقال الكلبي: في مناقيرها حصى كحصى الخذف (3)، أمام كل ~~فرقة طائر يقودها، أحمر المنقار، أسود الرأس، طويل العنق. فلما جاءت عسكر ~~القوم وتوافت، أهالت ما في مناقيرها على من تحتها، مكتوب على كل حجر اسم ~~صاحبه المقتول به. وقيل: كان كل حجر مكتوب: # من أطاع الله نجا، ومن عصاه غوى. ثم انصاعت (4) راجعة من حيث جاءت. وقال ~~العوفي: # سألت عنها أبا سعيد الخدري، فقال: حمام مكة منها. وقيل: كان يقع الحجر ~~على بيضة (5) أحدهم ms6813 فيخرقها، ويقع في دماغه، ويخرق الفيل والدابة. ويغيب ~~الحجر في الأرض من شدة وقعه. # وكان أصحاب الفيل ستين ألفا، لم يرجع منهم أحد إلا أميرهم، رجع ومعه ~~شرذمة لطيفة. فلما أخبروا بما رأوا هلكوا. وقال الواقدي: أبرهة جد النجاشي ~~الذي كان في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبرهة هو الأشرم، سمي ~~بذلك لأنه تفاتن (6) مع أرياط، حتى تزاحفا، # PageV20P193 # ثم اتفقا على أن يلتقيا بشخصيهما، فمن غلب فله الامر. فتبارزا - وكان ~~أرياط جسيما عظيما، في يده حربة، وأبرهة قصيرا حادرا (1) حيما ذا دين في ~~النصرانية، ومع أبرهة وزير له يقال له عتودة - فلما دنوا ضرب أرياط بحربته ~~رأس أبرهة، فوقعت على جبينه، فشرمت عينه وأنفه وجبينه وشفته، فلذلك سمي ~~الأشرم. وحمل عتودة على أرياط فقتله. فاجتمعت الحبشة لأبرهة، فغضب النجاشي، ~~وحلف ليجزن ناصية أبرهة، ويطأن بلاده. فجز أبرهة ناصيته " وملا مزودا من ~~تراب أرضه، وبعث بهما إلى النجاشي، وقال: إنما كان عبدك، وأنا عبدك، وأنا ~~أقوم بأمر الحبشة، وقد جززت ناصيتي، وبعثت إليك بتراب أرضي، لتطأه وتبر في ~~يمينك، فرضي عنه النجاشي. ثم بنى أبرهة كنيسة بصنعاء، ليصرف إليها حج ~~العرب، على ما تقدم. # الرابعة: قال مقاتل: كان عام الفيل قبل مولد النبي صلى الله عليه بأربعين ~~سنة. وقال الكلبي وعبيد بن عمير: كان قبل مولد النبي صلى الله عليه وسلم ~~بثلاث وعشرين سنة. والصحيح ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~[ولدت عام الفيل]. وروي عنه أنه قال: [يوم الفيل]. حكاه الماوردي في ~~التفسير له. وقال في كتاب أعلام النبوة: ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول، وكان بعد الفيل بخمسين يوما. ووافق ~~من شهور الروم العشرين من أسباط (2)، في السنة الثانية عشرة من ملك هرمز بن ~~أنوشروان. قال: وحكى أبو جعفر الطبري أن مولد النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~لاثنتين وأربعين سنة من ملك أنوشروان. وقد قيل: إنه عليه السلام حملت به ~~أمه آمنة في يوم ms6814 عاشوراء من المحرم، وولد يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت ~~من شهر رمضان، فكانت مدة حمله ثمانية أشهر كملا ويومين من التاسع. وقيل: ~~إنه ولد يوم عاشوراء من شهر المحرم، حكاه ابن شاهين (3) أبو حفص، في فضائل ~~يوم عاشوراء له. ابن العربي: " قال ابن وهب عن مالك: ولد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عام الفيل، وقال قيس بن مخرمة: # ولدت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل. وقد روى الناس عن ~~مالك أنه قال: # PageV20P194 # من مروءة الرجل ألا يخبر بسنه، لأنه إن كان صغيرا استحقروه وإن كان كبيرا ~~استهرموه. # وهذا قول ضعيف، لان مالكا لا يخبر بسن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ويكتم سنه، وهو من أعظم العلماء قدوة به. فلا بأس بأن يخبر الرجل بسنه كان ~~كبيرا أو صغيرا ". وقال عبد الملك ابن مروان لعتاب بن أسيد: أنت أكبر أم ~~النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: النبي صلى الله عليه وسلم أكبر مني، وأنا ~~أسن منه، ولد النبي صلى الله عليه وسلم عام الفيل، وأنا أدركت سائسه وقائده ~~أعميين مقعدين يستطعمان الناس، وقيل لبعض القضاة: كم سنك؟ قال: # سن عتاب بن أسيد حين ولاه النبي صلى الله عليه وسلم مكة، وكان سنه يومئذ ~~دون العشرين. # الخامسة: قال علماؤنا: كانت قصة الفيل فيما بعد من معجزات النبي صلى الله ~~عليه وسلم وإن كانت قبله وقبل التحدي، لأنها كانت توكيدا لامره، وتمهيدا ~~لشأنه. ولما تلا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه السورة، كان بمكة ~~عدد كثير ممن شهد تلك الوقعة، ولهذا قال: " ألم تر " ولم يكن بمكة أحد إلا ~~وقد رأى قائد الفيل وسائقه أعميين يتكففان الناس. وقالت عائشة رضي الله ~~عنها مع حداثة سنها: لقد رأيت قائد الفيل وسائقه أعميين يستطعمان الناس. ~~وقال أبو صالح: رأيت في بيت أم هانئ بنت أبي طالب نحوا من قفيزين من تلك ~~الحجارة، سودا مخططة بحمرة. # قوله تعالى: ألم يجعل كيدهم في تضليل (2) قوله تعالى: (ألم يجعل كيدهم ms6815 في ~~تضليل) أي في إبطال وتضييع، لأنهم أرادوا أن يكيدوا قريشا بالقتل والسبي، ~~والبيت بالتخريب والهدم. فحكي عن عبد المطلب أنه بعث ابنه عبد الله على فرس ~~له، ينظر ما لقوا من تلك الطير، فإذا القوم مشدخين جميعا، فرجع يركض فرسه، ~~كاشفا عن فخذه، فلما رأى ذلك أبوه قال: إن ابني هذا أفرس العرب. # وما كشف عن فخذه إلا بشيرا أو نذيرا. فلما دنا من ناديهم بحيث يسمعهم ~~الصوت، قالوا: # ما وراءك؟ قال: هلكوا جميعا. فخرج عبد المطلب وأصحابه، فأخذوا أموالهم. ~~وكانت PageV20P195 # أموال بني عبد المطلب منها، وبها تكاملت رياسة عبد المطلب، لأنه احتمل ما ~~شاء من صفراء وبيضاء، ثم خرج أهل مكة بعده ونهبوا. وقيل: إن عبد المطلب حفر ~~حفرتين فملأهما من الذهب والجوهر، ثم قال لأبي مسعود الثقفي - وكان خليلا ~~لعبد المطلب -: اختر أيهما شئت. ثم أصاب الناس من أموالهم حتى ضاقوا ذرعا، ~~فقال عبد المطلب عند ذلك: # أنت منعت الحبش (1) والأفيالا * وقد رعوا بمكة الأجبالا (2) وقد خشينا ~~منهم القتالا * وكل أمر لهم (3) معضالا * شكرا وحمدا لك ذا الجلالا (4) * ~~قال ابن إسحاق: ولما رد الله الحبشة عن مكة عظمت العرب قريشا، وقالوا: [هم] ~~(5) أهل الله، قاتل الله عنهم وكفاهم مئونة عدوهم. وقال عبد الله بن عمرو ~~بن مخزوم، في قصة أصحاب الفيل: # أنت الجليل ربنا لم تدنس * أنت حبست الفيل بالمغمس من بعد ما هم بشر مبلس ~~* حبسته في هيئة المكركس * وما لهم من فرج ومنفس * والمكركس: المنكوس ~~المطروح. # قوله تعالى: وأرسل عليهم طيرا أبابيل (3) قال سعيد بن جبير: كانت طيرا من ~~السماء لم ير قبلها، ولا بعدها مثلها. وروى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس، ~~قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: [إنها طير بين السماء والأرض ~~تعشش وتفرخ]. وعن ابن عباس: كانت لها خراطيم كخراطيم الطير، وأكف كأكف ~~الكلاب. وقال عكرمة: كانت طيرا خضرا، خرجت من البحر، لها رؤوس كرؤوس ~~السباع. ولم تر قبل ذلك ولا بعده. وقالت عائشة رضي الله عنها: # هي أشبه ms6816 شئ بالخطاطيف. وقيل: بل كانت أشباه الوطاويط، حمراء وسوداء. وعن # PageV20P196 # سعيد بن جبير أيضا: هي طير خضر لها مناقير صفر. وقيل: كانت بيضا. وقال ~~محمد ابن كعب: هي طير سود بحرية، في مناقيرها وأظفارها الحجارة. وقيل: إنها ~~العنقاء المغرب (1) التي تضرب بها الأمثال، قال عكرمة: " أبابيل " أي ~~مجتمعة. وقيل: متتابعة، بعضها في إثر بعض، قاله أبن عباس ومجاهد. وقيل ~~مختلفة متفرقة، تجئ من كل ناحية من ها هنا وها هنا، قاله ابن مسعود وابن ~~زيد والأخفش. قال النحاس: وهذه الأقوال متفقة، وحقيقة المعنى: أنها جماعات ~~عظام. يقال: فلان يؤبل على فلان، أي يعظم عليه ويكثر، وهو مشتق من الإبل. ~~واختلف في واحد (أبابيل)، فقال الجوهري: قال الأخفش يقال: جاءت إبلك ~~أبابيل، أي فرقا، وطيرا أبابيل. قال: وهذا يجئ في معنى التكثير، وهو من ~~الجمع الذي لا واحد له. وقال بعضهم: واحده أبول. مثل عجول. وقال بعضهم - ~~وهو المبرد -: إبيل مثل سكين. فال: ولم أجد العرب تعرف له واحدا في غير ~~الصحاح. وقيل في واحده إبال. وقال رؤبة بن العجاج في الجمع: # ولعبت طير بهم أبابيل * فصيروا مثل كعصف مأكول وقال الأعشى: # طريق وجبار (2) رواء أصوله * عليه أبابيل من الطير تنعب وقال آخر: # كادت تهد من الأصوات راحلتي * إذ سالت الأرض بالجرد (3) الأبابيل وقال ~~آخر: # تراهم إلى الداعي سراعا كأنهم * أبابيل طير تحت دجن مسخن (4) # PageV20P197 # قال الفراء: لا واحد له من لفظه. وزعم الرؤاسي - وكان ثقة - أنه سمع في ~~واحدها " إبالة " مشددة. وحكى الفراء " إبالة " مخففا. قال: سمعت بعض العرب ~~يقول: ضغث (1) على إبالة. يريد: خصبا على خصب. قال: ولو قال قائل إيبال كان ~~صوابا، مثل دينار ودنانير. وقال إسحاق بن عبد الله بن الحارث بن نوفل: ~~الأبابيل: # مأخوذ من الإبل المؤبلة، وهي الأقاطيع. # قوله تعالى: ترميهم بحجارة من سجيل (4) في الصحاح: " حجارة من سجيل " ~~قالوا: حجارة من طين، طبخت بنار جهنم، مكتوب فيها أسماء القوم، لقوله ~~تعالى: " لنرسل عليهم حجارة من طين. مسومة " (2) [الذاريات: 33 - 34]. وقال ~~عبد الرحمن ابن أبزى: ms6817 " من سجيل ": من السماء، وهي الحجارة التي نزلت على ~~قوم لوط. وقيل من الجحيم. وهي " سجين " ثم أبدلت اللام نونا، كما قالوا في ~~أصيلان أصيلال. قال أبن مقبل: # * ضربا تواصت به الابطال سجينا (3) * وإنما هو سجيلا. وقال الزجاج: " من ~~سجيل " أي مما كتب عليهم أن يعذبوا به، مشتق من السجل. وقد مضى القول في ~~سجيل في " هود " (4) مستوفى. قال عكرمة: كانت ترميهم بحجارة معها، فإذا ~~أصاب أحدهم حجر منها خرج به الجدري لم ير قبل ذلك اليوم. # وكان الحجر كالحمصة وفوق العدسة. وقال ابن عباس: كان الحجر إذا وقع على ~~أحدهم نفط جلده، فكان ذلك أول الجدري. وقراءة العامة " ترميهم " بالتاء، ~~لتأنيث جماعة الطير. وقرأ الأعرج وطلحة " يرميهم " بالياء، أي يرميهم الله، ~~دليله قوله تعالى: " ولكن الله رمى " (5) [الأنفال: 17] ويجوز أن يكون ~~راجعا إلى الطير، لخلوها من علامات التأنيث، ولأن تأنيثها غير حقيقي. # PageV20P198 # قوله تعالى: فجعلهم كعصف مأكول (5) أي جعل الله أصحاب الفيل كورق الزرع ~~إذا أكلته الدواب، فرمت به من أسفل. # شبه تقطع أوصالهم بتفرق أجزائه. روى معناه عن ابن زيد وغيره. وقد مضى ~~القول في العصف في سورة " الرحمن " (1). ومما يدل على أنه ورق الزرع قول ~~علقمة: # تسقي مذانب قد مالت عصيفتها * حدورها من أتى الماء مطموم (2) وقال رؤبة ~~بن العجاج: # ومسهم ما مس أصحاب الفيل * ترميهم حجارة من سجيل ولعبت طير بهم أبابيل * ~~فصيروا مثل كعصف مأكول العصف: جمع، واحدته عصفة وعصافة، وعصيفة. وأدخل ~~الكاف في " كعصف " للتشبيه مع مثل، نحو قوله تعالى: " ليس كمثله شئ " (3) ~~[الشورى: 11]. ومعنى " مأكول " مأكول حبه. # كما يقال: فلان حسن، أي حسن وجهه. وقال ابن عباس: " فجعلهم كعصف مأكول " ~~أن المراد به قشر البر، يعني الغلاف الذي تكون فيه حبة القمح. ويروى أن ~~الحجر كان يقع على أحدهم فيخرج كل ما في جوفه، فيبقى كقشر الحنطة إذا خرجت ~~منه الحبة. وقال ابن مسعود: لما رمت الطير بالحجارة، بعث الله ريحا فضربت ~~الحجارة فزادتها شدة، فكانت لا تقع على أحد إلا هلك، ولم ms6818 يسلم منهم إلا رجل ~~(4) من كندة، فقال: # فإنك لو رأيت ولم تريه (5) * لدى جنب المغمس ما لقينا # PageV20P199 # خشيت الله إذ قد بث طيرا * وظل سحابة مرت علينا وباتت كلها تدعو بحق * ~~كأن لها على الحبشان دينا ويروى أنها لم تصبهم كلهم، لكنها أصابت من شاء ~~الله منهم. وقد تقدم أن أميرهم رجع وشر ذمة لطيفة معه، فلما أخبروا بما ~~رأوا هلكوا. فالله أعلم. وقال ابن إسحاق: لما رد الله الحبشة عن مكة، عظمت ~~العرب قريشا وقالوا: أهل الله، قاتل عنهم، وكفاهم مئونة عدوهم، فكان ذلك ~~نعمة من الله عليهم. # تفسير سورة " قريش " مكية، في قول الجمهور. ومدنية في قول الضحاك والكلبي ~~وهي أربع آيات بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: لإيلاف قريش (1) قيل: إن ~~هذه السورة متصلة بالتي قبلها في المعنى. يقول: أهلكت أصحاب الفيل لإيلاف ~~قريش، أي لتأتلف، أو لتتفق قريش، أو لكي تأمن قريش فتؤلف رحلتيها. وممن عد ~~السورتين واحدة أبي بن كعب، ولا فصل بينهما في مصحفه. وقال سفيان بن عيينة: # كان لنا إمام لا يفصل بينهما، ويقرؤهما معا. وقال عمرو بن ميمون الأودي: ~~صلينا المغرب خلف عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقرأ في الأولى: " والتين ~~والزيتون " [التين: 1] وفي الثانية " ألم تر كيف " [الفيل: 1] و " لإيلاف ~~قريش " [قريش: 1]. وقال الفراء: هذه السورة متصلة بالسورة الأولى (1)، لأنه ~~ذكر أهل مكة عظيم نعمته عليهم فيما فعل بالحبشة، ثم قال: " لإيلاف قريش " ~~أي فعلنا ذلك بأصحاب الفيل نعمة منا على قريش. وذلك أن قريشا كانت تخرج في ~~تجارتها، فلا يغار عليها ولا تقرب في الجاهلية. يقولون هم أهل بيت الله عز ~~وجل، حتى جاء صاحب الفيل # PageV20P200 # ليهدم الكعبة، ويأخذ حجارتها، فيبني بها بيتا في اليمن يحج الناس إليه، ~~فأهلكهم الله عز وجل، فذكرهم نعمته. أي فجعل الله ذلك لإيلاف قريش، أي ~~ليألفوا الخروج ولا يجترأ عليهم، وهو معنى قول مجاهد وابن عباس في رواية ~~سعيد بن جبير عنه. ذكره النحاس: حدثنا أحمد ابن شعيب قال أخبرني عمرو بن ~~علي ms6819 قال: حدثني عامر بن إبراهيم - وكان ثقة من خيار الناس - قال حدثني خطاب ~~بن جعفر بن أبي المغيرة، قال: حدثني أبي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، في ~~قوله تعالى: " لإيلاف قريش " قال: نعمتي على قريش إيلافهم رحلة الشتاء ~~والصيف. قال: كانوا يشتون بمكة، ويصيفون بالطائف. وعلى هذا القول يجوز ~~الوقف على رؤوس الآي وإن لم يكن الكلام تاما، على ما نبينه أثناء السورة. ~~وقيل: ليست بمتصلة، لان بن السورتين " بسم الله الرحمن الرحيم " وذلك دليل ~~على انقضاء السورة وافتتاح الأخرى، وأن اللام متعلقة بقوله تعالى: " ~~فليعبدوا " أي فليعبدوا هؤلاء رب هذا البيت، لإيلافهم رحلة الشتاء والصيف ~~للامتيار (1). وكذا قال الخليل: ليست متصلة، كأنه قال: ألف الله قريشا ~~إيلافا فليعبدوا رب هذا البيت. وعمل ما بعد الفاء فيما قبلها لأنها زائدة ~~غير عاطفة، كقولك: زيدا فاضرب. وقيل: اللام في قوله تعالى: " لإيلاف قريش " ~~لام التعجب، أي اعجبوا لإيلاف قريش، قاله الكسائي والأخفش. وقيل: # بمعنى إلى. وقرأ ابن عامر: " لائلاف قريش " مهموزا مختلسا بلا ياء. وقرأ ~~أبو جعفر والأعرج " ليلاف " بلا همز طلبا للخفة. الباقون " لإيلاف " بالياء ~~مهموزا مشبعا، من آلفت أولف إيلافا. قال الشاعر: # المنعمين إذا النجوم تغيرت * والظاعنين لرحلة الإيلاف ويقال: ألفته إلفا ~~وإلافا. وقرأ أبو جعفر أيضا: " لألف قريش " وقد جمعهما من قال: # زعمتم أن إخوتكم قريش (2) * لهم إلف وليس لكم إلاف قال الجوهري: وفلان قد ~~ألف هذا الموضع (بالكسر) يألفه إلفا، وآلفه إياه غيره. # ويقال أيضا: آلفت الموضع أولفه إيلافا. وكذلك: آلفت الموضع أولفه مؤالفة ~~وإلافا، # PageV20P201 # فصار صورة أفعل وفاعل في الماضي واحدة. وقرأ عكرمة " ليألف " بفتح اللام ~~على الامر. # وكذلك هو في مصحف ابن مسعود. وفتح لام الامر لغة حكاها ابن مجاهد وغيره. ~~وكان عكرمة يعيب على من يقرأ " لإيلاف ". وقرأ بعض أهل مكة " إلاف قريش " ~~استشهد بقول أبي طالب يوصي أخاه أبا لهب برسول الله صلى الله عليه وسلم: # فلا تتركنه ما حييت لمعظم * وكن رجلا ذا نجدة وعفاف تذود العدا عن عصبة ~~هاشمية ms6820 * إلافهم في الناس خير إلاف وأما قريش فهم بنو النضر بن كنانة بن ~~خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر. فكل من كان من ولد النضر فهو قرشي دون بني ~~كنانة ومن فوقه. وربما قالوا: قريشي، وهو القياس، قال الشاعر: # * بكل قريشي عليه مهابة (1) * فإن أردت بقريش الحي صرفته، وإن أردت به ~~القبيلة لم تصرفه، قال الشاعر: # * وكفى قريش المعضلات وسادها (2) * والتقريش: الاكتساب، وتقرشوا أي ~~تجمعوا. وقد كانوا متفرقين في غير الحرم، فجمعهم قصي بن كلاب في الحرم، حتى ~~اتخذوه مسكنا. قال الشاعر: # أبونا قصي كان يدعي مجمعا * به جمع الله القبائل من فهر وقد قيل: إن ~~فريشا بنو فهر بن مالك بن النضر. فكل من لم يلده فهر فليس بقرشي. # والأول أصح وأثبت. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: [إنا ~~ولد النضر ابن كنانة لا نقفوا (3) أمنا، ولا ننتفي من أبينا]. وقال وائلة ~~بن الأسقع: قال النبي صلى الله # PageV20P202 # عليه وسلم [إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى من بني كنانة ~~قريشا، واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم]. صحيح ثابت، خرجه ~~البخاري ومسلم وغيرهما. واختلف في تسميتهم قريشا على أقوال: أحدهما: ~~لتجمعهم بعد التفرق، والتقرش: التجمع والالتئام. قال أبو جلدة اليشكري: (1) ~~إخوة قرشوا الذنوب علينا * في حديث من دهرهم وقديم الثاني -: لأنهم كانوا ~~تجارا يأكلون من مكاسبهم. والتقرش: التكسب. وقد قرش يقرش قرشا: إذا كسب ~~وجمع. قال الفراء: وبه سميت قريش. الثالث: لأنهم كانوا يفتشون الحاج (2) من ~~ذي الخلة، فيسدون خلته. والقرش: التفتيش. قال الشاعر: # أيها الشامت المقرش عنا * عند عمرو فهل له إبقاء (3) الرابع: ما روي أن ~~معاوية سأل ابن عباس لم سميت قريش قريشا؟ فقال: لدابة في البحر من أقوى ~~دوابه يقال لها القرش، تأكل ولا تؤكل، وتعلو ولا تعلى. وأنشد قول تبع: # وقريش هي التي تسكن البحر * بها سميت قريش قريشا تأكل الرث والسمين ولا ~~تترك * فيها لذي جناحين ريشا هكذا في البلاد حي قريش * يأكلون البلاد أكلا ms6821 ~~كميشا (4) ولهم آخر الزمان نبي * يكثر القتل فيهم والخموشا (5) قوله تعالى: ~~إيلافهم رحلة الشتاء والصيف (2) قرأ مجاهد وحميد " إلفهم " ساكنة اللام ~~بغير ياء. وروي نحوه عن ابن كثير. وكذلك روت أسماء أنها سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقرأ " إلفهم ". وروي عن ابن عباس # PageV20P203 # وغيره. وقرأ أبو جعفر والوليد عن أهل الشام وأبو حياة " إلافهم " مهموزا ~~مختلسا بلا ياء. # وقرأ أبو بكر عن عاصم " إئلافهم " بهمزتين، الأولى مكسورة والثانية ~~ساكنة. والجمع بين الهمزتين في الكلمتين شاذ. الباقون " إيلافهم " بالمد ~~والهمز، وهو الاختيار، وهو بدل من الإيلاف الأول للبيان. وهو مصدر آلف: إذا ~~جعلته يألف. وألف هو إلفا، على ما تقدم ذكره من القراءة، أي وما قد ألفوه ~~من رحلة الشتاء والصيف. روى أبن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى: " ~~إيلافهم رحلة الشتاء والصيف " قال: لا يشق عليهم رحلة شتاء ولا صيف، منة ~~منه على قريش. وقال الهروي وغيره: وكان أصحاب الإيلاف أربعة إخوة: # هاشم، وعبد شمس، والمطلب، ونوفل، بنو عبد مناف. فأما هاشم فإنه كان يؤلف ~~ملك الشام، أي أخذ منه حبلا وعهدا يأمن به في تجارته إلى الشام. وأخوه عبد ~~شمس كان يؤلف إلى الحبشة. والمطلب إلى اليمن. ونوفل إلى فارس. ومعنى يؤلف ~~يجير. فكان هؤلاء الاخوة يسمون المجيرين. فكان تجار قريش يختلفون إلى ~~الأمصار بحبل هؤلاء الاخوة، فلا يتعرض لهم. قال الأزهري: الإيلاف: شبه ~~الإجارة بالخفارة (1)، يقال: آلف يؤلف: إذا أجار الحمائل بالخفارة. ~~والحمائل: جمع حمولة (2). قال: والتأويل: أن قريشا كانوا سكان الحرم، ولم ~~يكن لهم زرع ولا ضرع، وكانوا يميرون في الشتاء والصيف آمنين، والناس ~~يتخطفون من حولهم، فكانوا إذا عرض لهم عارض قالوا: نحن أهل حرم الله، فلا ~~يتعرض الناس لهم. وذكر أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا في تفسيره: حدثنا ~~سعيد بن محمد، عن بكر بن سهل الدمياطي، بإسناده إلى ابن عباس، في قول الله ~~عز وجل: " لإيلاف قريش " إلفهم رحلة الشتاء والصيف. وذلك أن قريشا كانوا ~~إذا أصابت واحدا منهم (3) مخمصة، ms6822 جرى هو وعياله إلى موضع معروف، فضربوا على ~~أنفسهم خباء فماتوا، حتى كان عمرو بن عبد مناف، وكان سيدا # PageV20P204 # في زمانه، وله ابن يقال له أسد، وكان له ترب (1) من بني مخزوم، يحبه ~~ويلعب معه. # فقال له: نحن غدا نعتفد، قال ابن فارس: هذه لفظة في هذا الخبر لا أدري: ~~بالدال هي أم بالراء، فإن كانت بالراء فلعلها من العفر، وهو التراب، وإن ~~كان بالدال، فما أدري معناها (2)، وتأويله على ما أظنه: ذهابهم إلى ذلك ~~الخباء، وموتهم واحدا بعد واحد. قال: # فدخل أسد على أمه يبكي، وذكر ما قاله تربه. قال: فأرسلت أم أسد إلى أولئك ~~بشحم ودقيق، فعاشوا به أياما. ثم إن تربه أتاه أيضا فقال: نحن غدا نعتفد، ~~فدخل أسد على أبيه يبكي، وخبره خبر تربه، فاشتد ذلك على عمرو بن عبد مناف، ~~فقام خطيبا في قريش وكانوا يطيعون أمره، فقال: إنكم أحدثتم حدثا تقلون فيه ~~وتكثر العرب، وتذلون وتعز العرب، وأنتم أهل حرم الله عز وجل، وأشرف ولد ~~آدم، والناس لكم تبع، ويكاد هذا الاعتفاد يأتي عليكم. فقالوا: نحن لك تبع. ~~قال: ابتدئوا بهذا الرجل - يعني أبا ترب أسد - فأغنوه عن الاعتفاد، ففعلوا. ~~ثم إنه نحر البدن، وذبح الكباش والمعز، ثم هشم الثريد، وأطعم الناس، فسمي ~~هاشما. وفيه قال الشاعر: # عمرو الذي (3) هشم الثريد لقومه * ورجال مكة مسنتون (4) عجاف ثم جمع كل ~~بني أب على رحلتين: في الشتاء إلى اليمن، وفي الصيف إلى الشام للتجارات، ~~فما ربح الغني قسمه بينه وبين الفقير، حتى صار فقيرهم كغنيهم، فجاء الاسلام ~~وهم على هذا، فلم يكن في العرب بنو أب أكثر مالا ولا أعز من قريش، وهو قول ~~شاعرهم: # والخالطون فقيرهم بغنيهم * حتى يصير فقيرهم كالكافي فلم يزالوا كذلك حتى ~~بعث الله رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم، فقال: " فليعبدوا رب هذا البيت ~~الذي أطعمهم من جوع " بصنيع هاشم " وآمنهم من خوف " أن تكثر العرب ويقلوا. # PageV20P205 # قوله تعالى: " رحلة الشتاء والصيف " " رحلة " نصب بالمصدر، أي ارتحالهم ~~رحلة، أو بوقوع " إيلافهم ms6823 " عليه، أو على الظرف. ولو جعلتها في محل الرفع، ~~على معنى هما رحلة الشتاء والصيف، لجاز. والأول أولى. والرحلة الارتحال. ~~وكانت إحدى الرحلتين إلى اليمن في الشتاء، لأنها بلاد حامية، والرحلة ~~الأخرى في الصيف إلى الشام، لأنها بلاد باردة. # وعن ابن عباس أيضا قال: كانوا يشتون بمكة لدفئها، ويصيفون بالطائف ~~لهوائها. وهذه من أجل النعم أن يكون للقوم ناحية حر تدفع عنهم برد الشتاء، ~~وناحية برد تدفع عنهم حر الصيف، فذكرهم الله تعالى هذه النعمة. وقال ~~الشاعر: # تشتي بمكة نعمة * ومصيفها بالطائف وهنا أربع مسائل: # الأولى - اختار القاضي أبو بكر بن العربي وغيره من العلماء: أن قوله ~~تعالى: # " لإيلاف " متعلق بما قبله. ولا يجوز أن يكون متعلقا بما بعده، وهو قوله ~~تعالى: # " فليعبدوا رب هذا البيت " قال: وإذا ثبت أنه متعلق بالسورة الأخرى - وقد ~~قطع عنه بكلام مبتدأ، واستئناف بيان وسطر " بسم الله الرحمن الرحيم "، فقد ~~تبين جواز الوقف في القراءة (1) للقراء قبل تمام الكلام، وليست المواقف ~~التي ينتزع (2) بها القراء شرعا عن النبي صلى الله عليه وسلم مرويا، وإنما ~~أرادوا به تعليم الطلبة المعاني، فإذا علموها وقفوا حيث شاءوا. فأما الوقف ~~عند انقطاع النفس فلا خلاف فيه، ولا تعد ما قبله إذا اعتراك ذلك، ولكن ابدأ ~~من حيث وقف بك نفسك. هذا رأيي فيه، ولا دليل على ما قالوه، بحال، ولكني ~~أعتمد الوقف على التمام، كراهية الخروج عنهم. # قلت: ومن الدليل على صحة هذا، قراءة النبي صلى الله عليه وسلم " الحمد ~~لله رب العالمين " ثم يقف. " الرحمن الرحيم " ثم يقف. وقد مضى في مقدمة ~~الكتاب (3). وأجمع المسلمون أن # PageV20P206 # الوقف عند قوله: " كعصف مأكول " [الفيل: 5] ليس بقبيح. وكيف يقال إنه ~~قبيح وهذه السورة تقرأ في الركعة الأولى والتي بعدها في الركعة الثانية، ~~فيتخللها من قطع القراءة أركان؟ وليس أحد من العلماء يكره ذلك، وما كانت ~~العلة فيه إلا أن قوله تعالى: " فجعلهم كعصف مأكول " [الفيل: 5] انتهاء ~~آية. فالقياس على ذلك: ألا يمتنع الوقف عند أعجاز الآيات سواء كان الكلام ~~يتم، ms6824 والغرض ينتهي، أو لا يتم، ولا ينتهي. وأيضا فإن الفواصل حلية وزينة ~~للكلام المنظوم، ولولاها لم يتبين المنظوم من المنثور. ولا خفاء أن الكلام ~~المنظوم أحسن، فثبت بذلك أن الفواصل من محاسن المنظوم، فمن أظهر فواصله ~~بالوقوف عليها فقد أبدى محاسنه، وترك الوقوف يخفي تلك المحاسن، ويشبه ~~المنثور بالمنظوم، وذلك إخلال بحق المقروء. # الثانية - قال مالك: الشتاء نصف السنة، والصيف نصفها، ولم أزل أرى ربيعة ~~ابن أبي عبد الرحمن (1) ومن معه، لا يخلعون عمائمهم حتى تطلع الثريا، وهو ~~يوم التاسع عشر من بشنس، وهو يوم خمسة وعشرين من عدد (2) الروم أو الفرس. ~~وأراد (3) بطلوع الثريا أن يخرج السعاة، ويسير الناس بمواشيهم إلى مياههم، ~~وأن طلوع الثريا أول (4) الصيف ودبر الشتاء. # وهذا مما لا خلاف فيه بين أصحابه عنه. وقال عنه أشهب وحده: إذا سقطت ~~الهقعة (5) نقص الليل، فلما جعل طلوع الثريا أول الصيف، وجب أن يكون له في ~~مطلق السنة ستة أشهر، ثم يستقبل الشتاء من بعد ذهاب الصيف ستة أشهر. وقد ~~سئل محمد بن عبد الحكم عمن حلف ألا يكلم امرأ حتى يدخل الشتاء؟ فقال: لا ~~يكلمه حتى يمضي سبعة عشر من هاتور. ولو قال حتى يدخل الصيف، لم يكلمه حتى ~~يمضي سبعة عشر من بشنس. قال القرظي: أما ذكر هذا عن محمد في بشنس، فهو سهو، ~~إنما هو تسعة عشر من بشنس، لأنك إذ حسبت المنازل # PageV20P207 # على ما هي عليه، من ثلاث عشرة ليلة كل منزلة، علمت أن ما بين تسع عشرة من ~~هاتور لا تنقضي منازله إلا بدخول تسع عشرة من بشنس. والله أعلم. # الثالثة - قال قوم: الزمان أربعة أقسام: شتاء، وربيع، وصيف، وخريف. # وقال قوم: هو شتاء، وصيف، وقيظ، وخريف. والذي قاله مالك أصح، لان الله ~~قسم الزمان قسمين (1) ولم يجعل لهما ثالثا. # الرابعة - لما أمتن الله تعالى على قريش برحلتين، شتاء وصيفا، على ما ~~تقدم، كان فيه دليل على جواز تصرف الرجل في الزمانين بين محلين، يكون ~~حالهما في كل زمان أنعم من الآخر، كالجلوس ms6825 في المجلس البحري في الصيف، وفي ~~القبلي في الشتاء، وفي اتخاذ البادهنجات (2) والخيش للتبريد، واللبد ~~واليانوسة (3) للدفء. # قوله تعالى: فليعبدوا رب هذا البيت (3) أمرهم الله تعالى بعبادته ~~وتوحيده، لأجل إيلافهم رحلتين. ودخلت الفاء لأجل ما في الكلام من معنى ~~الشرط، لان المعنى: إما لا فليعبدوه لإيلافهم، على معنى أن نعم الله تعالى ~~عليهم لا تحصى، فإن لم يعبدوه لسائر نعمه، فليعبدوه لشأن هذه الواحدة، التي ~~هي نعمة ظاهرة. والبيت: الكعبة. وفي تعريف نفسه لهم بأنه رب هذا البيت ~~وجهان: أحدهما لأنه كانت لهم أوثان فميز نفسه عنها. الثاني: لأنهم بالبيت ~~شرفوا على سائر العرب، فذكر لهم ذلك، تذكيرا لنعمته. وقيل: " فليعبدوا رب ~~هذا البيت " أي ليألفوا عبادة رب الكعبة، كما كانوا يألفون الرحلتين. قال ~~عكرمة: كانت قريش قد ألفوا رحلة إلى بصرى # PageV20P208 # ورحلة إلى اليمن، فقيل لهم: " فليعبدوا رب هذا البيت " أي يقيموا بمكة. ~~رحلة (1) الشتاء، إلى اليمن، والصيف: إلى الشام. # قوله تعالى: الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف (4) قوله تعالى: " الذي ~~أطعمهم من جوع " أي بعد جوع. " وآمنهم من خوف " قال ابن عباس: وذلك بدعوة ~~إبراهيم عليه السلام حيث قال: " رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من ~~الثمرات " (2) [البقرة: 126]. وقال ابن زيد: كانت العرب يغير بعضها على ~~بعض، ويسبي بعضها من بعض، فأمنت قريش من ذلك المكان الحرم - وقرأ - " أو لم ~~نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات (3) كل شئ " [القصص: 57]. وقيل: شق ~~عليهم السفر في الشتاء والصيف، فألقى الله في قلوب الحبشة أن يحملوا إليهم ~~طعاما في السفن، فحملوه، فخافت قريش منهم، وظنوا أنهم قدموا لحربهم، فخرجوا ~~إليهم متحرزين، فإذا هم قد جلبوا إليهم الطعام، وأغاثوهم بالأقوات، فكان ~~أهل مكة يخرجون إلى جدة بالإبل والحمر، فيشترون الطعام، على مسيرة ليلتين. ~~وقيل: هذا الاطعام هو أنهم لما كذبوا النبي صلى الله عليه وسلم دعا عليهم، ~~فقال: [اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف] فاشتد القحط، فقالوا: يا محمد ~~ادع الله لنا فإنا مؤمنون. فدعا فأخصبت تبالة وجرش من ms6826 بلاد اليمن، فحملوا ~~الطعام إلى مكة، وأخصب أهلها. وقال الضحاك والربيع وشريك وسفيان: " وآمنهم ~~من خوف " أي من خوف الجذام، لا يصيبهم ببلدهم الجذام. وقال الأعمش: " ~~وآمنهم من خوف " أي من خوف الحبشة مع الفيل. وقال علي رضي الله عنه: وآمنهم ~~من [خوف]: أن تكون الخلافة إلا فيهم. وقيل: أي كفاهم أخذ الإيلاف من ~~الملوك. فالله أعلم، واللفظ يعم. # PageV20P209 # تفسير سورة " الماعون " وهي مكية في قول عطاء وجابر وأحد قولي ابن عباس. ~~ومدنية في قول له آخر وهو قول قتادة وغيره. وهي سبع آيات. # بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: أرأيت الذي يكذب بالدين (1) فذلك ~~الذي يدع اليتيم (2) ولا يحض على طعام المسكين (3) فويل للمصلين (4) الذين ~~هم عن صلاتهم ساهون (5) الذين هم يراءون (6) ويمنعون الماعون (7) فيه ست ~~مسائل: # الأولى - قوله تعالى: (أرأيت الذي يكذب بالدين) أي بالجزاء والحساب في ~~الآخرة، وقد تقدم في " الفاتحة ". و " أرأيت " بإثبات الهمزة الثانية، إذ ~~لا يقال (1) في أرأيت: ريت، ولكن ألف الاستفهام سهلت الهمزة ألفا، ذكره ~~الزجاج. وفي الكلام حذف، والمعنى: # أرأيت الذي يكذب بالدين: أمصيب هو أم مخطئ. واختلف فيمن نزل هذا فيه، ~~فذكر أبو صالح عن ابن عباس قال: نزلت في العاص بن وائل السهمي، وقاله ~~الكلبي ومقاتل. # وروى الضحاك عنه قال: نزلت في رجل من المنافقين. وقال السدي: نزلت في ~~الوليد ابن المغيرة. وقيل في أبي جهل. الضحاك: في عمرو بن عائذ. قال ابن ~~جريج: نزلت في أبي سفيان، وكان ينحر في كل أسبوع جزورا، فطلب منه يتيم ~~شيئا، فقرعه بعصاه، فأنزل الله هذه السورة. و " يدع " أي يدفع، كما قال: " ~~يدعون إلى نار جهنم دعا " (2) [الطور: 13] وقد # PageV20P210 # تقدم. وقال الضحاك عن ابن عباس: " فذلك الذي يدع اليتيم " أي يدفعه عن ~~حقه. # قتادة: يقهره ويظلمه. والمعنى متقارب. وقد تقدم في سورة " النساء " (1) ~~أنهم كانوا لا يورثون النساء ولا الصغار، ويقولون: إنما يحوز المال من يطعن ~~بالسنان، ويضرب بالحسام. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: [من ضم ~~يتيما من ms6827 المسلمين حتى يستغني فقد وجبت له الجنة]. وقد مضى هذا المعنى في ~~غير موضع (2). # الثانية - قوله تعالى: (ولا يحض على طعام المسكين) أي لا يأمر به، من أجل ~~بخله وتكذيبه بالجزاء. وهو مثل قوله تعالى في سورة الحاقة: " ولا يحض على ~~طعام المسكين " (3) [الحاقة: 34] وقد تقدم. وليس الذم عاما حتى يتناول من ~~تركه عجزا، ولكنهم كانوا يبخلون ويعتذرون لأنفسهم، ويقولون: " أنطعم من لو ~~يشاء الله أطعمه " (4) [يس: 47]، فنزلت هذه الآية فيهم، وتوجه الذم إليهم. ~~فيكون معنى الكلام: لا يفعلونه إن قدروا، ولا يحثون عليه إن عسروا. # الثالثة - قوله تعالى: (فويل للمصلين) أي عذاب لهم. وقد تقدم في غير ~~موضع. # (5). (الذين هم عن صلاتهم ساهون)، فروى الضحاك عن ابن عباس قال: هو ~~المصلي الذي إن صلى لم يرج لها ثوابا، وإن تركها لم يخش عليها عقابا. وعنه ~~أيضا: الذين يؤخرونها عن أوقاتها. وكذا روى المغيرة عن إبراهيم، قال: ساهون ~~بإضاعة الوقت. # وعن أبي العالية: لا يصلونها لمواقيتها، ولا يتمون ركوعها ولا سجودها. # قلت: ويدل على هذا قوله تعالى: " فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة " ~~[مريم: 59] حسب ما تقدم بيانه في سورة " مريم " (6) عليها السلام. وروى عن ~~إبراهيم أيضا: أنه الذي إذا سجد قام برأسه هكذا ملتفتا. وقال قطرب: هو ألا ~~يقرأ ولا يذكر الله. وفي قراءة عبد الله " الذين هم عن صلاتهم لاهون ". ~~وقال سعد بن أبي وقاص: قال النبي صلى الله عليه وسلم [في قوله]: # PageV20P211 # " فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون " - قال -: [الذين يؤخرون ~~الصلاة عن وقتها، تهاونا بها]. وعن ابن عباس أيضا: هم المنافقون يتركون ~~الصلاة سرا، يصلونها علانية " وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى " (1) ~~[النساء: 142]... الآية. ويدل على أنها في المنافقين قوله: # " الذين هم يراءون "، وقاله ابن وهب عن مالك. قال ابن عباس: ولو قال في ~~صلاتهم ساهون لكانت في المؤمنين. وقال عطاء: الحمد لله الذي قال " عن ~~صلاتهم " ولم يقل في صلاتهم. قال الزمخشري: فإن قلت: أي فرق بين قوله: " عن ~~صلاتهم "، وبين قولك: في صلاتهم؟ ms6828 قلت: معنى " عن " أنهم ساهون عنها سهو ترك ~~لها، وقلة التفات إليها، وذلك فعل المنافقين، أو الفسقة الشطار (2) من ~~المسلمين. ومعنى " في " أن السهو يعتريهم فيها، بوسوسة شيطان، أو حديث نفس، ~~وذلك لا يكاد يخلو منه مسلم. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقع له ~~السهو في صلاته، فضلا عن غيره، ومن ثم أثبت الفقهاء باب سجود السهو في ~~كتبهم. قال ابن العربي: لان السلامة من السهو محال، وقد سها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في صلاته والصحابة: وكل من لا يسهو في صلاته، فذلك رجل لا ~~يتدبرها، ولا يعقل قراءتها، وإنما همه في أعدادها، وهذا رجل يأكل القشور، ~~ويرمي اللب. وما كان النبي صلى الله عليه وسلم يسهو في صلاته إلا لفكرته في ~~أعظم منها، اللهم إلا أنه قد يسهو في صلاته من يقبل على وسواس الشيطان إذا ~~قال له: أذكر كذا، أذكر كذا، لما لم يكن يذكر، حتى يضل الرجل أن يدري كم ~~صلى. # الرابعة - قوله تعالى: (الذين هم يراءون) أي يرى الناس أنه يصلي طاعة وهو ~~يصلي تقية، كالفاسق، يرى أنه يصلي عبادة وهو يصلي ليقال: إنه يصلي. وحقيقة ~~الرياء طلب ما في الدنيا بالعبادة، وأصله طلب المنزلة في قلوب الناس. ~~وأولها تحسين السمت (3)، وهو من أجزاء النبوة، ويريد بذلك الجاه والثناء. ~~وثانيها: الرياء بالثياب القصار والخشنة، ليأخذ بذلك هيئة # PageV20P212 # الزهد في الدنيا. وثالثها: الرياء بالقول، بإظهار التسخط على أهل الدنيا، ~~وإظهار الوعظ والتأسف على ما يفوت من الخير والطاعة. ورابعها: الرياء ~~بإظهار الصلاة والصدقة، أو بتحسين الصلاة لأجل رؤية الناس، وذلك يطول، وهذا ~~دليله، قاله ابن العربي. # قلت: قد تقدم في سورة " النساء وهود وآخر الكهف " (1) القول في الرياء ~~وأحكامه وحقيقته بما فيه كفاية. والحمد لله. # الخامسة - ولا يكون الرجل مرائيا بإظهار العمل الصالح إن كان فريضة، فمن ~~حق الفرائض الاعلان بها وتشهيرها، لقوله عليه السلام: [ولا غمة (2) في ~~فرائض الله] لأنها أعلام الاسلام، وشعائر الدين، ولأن تاركها يستحق الذم ~~والمقت، فوجب إماطة التهمة ms6829 بالاظهار، وإن كان تطوعا فحقه أن يخفي، لأنه لا ~~يلام تركه ولا تهمة فيه، فإن أظهره قاصدا للاقتداء به كان جميلا. وإنما ~~الرياء أن يقصد بالاظهار أن تراه الأعين، فتثنى عليه بالصلاح. وعن بعضهم ~~أنه رأى رجلا في المسجد قد سجد سجدة الشكر فأطالها، فقال: ما أحسن هذا لو ~~كان في بيتك. # وإنما قال هذا لأنه توسم فيه الرياء والسمعة. وقد مضى هذا المعنى في سورة ~~" البقرة " (3) عند قوله تعالى: " إن تبدو الصدقات " [البقرة: 271]، وفي ~~غير موضع. والحمد لله على ذلك. # السادسة - قوله تعالى: (ويمنعون الماعون) فيه اثنا عشر قولا: الأول - أنه ~~زكاة أموالهم. كذا روى الضحاك عن ابن عباس. وروى عن علي رضي الله عنه مثل ~~ذلك، وقاله مالك. والمراد به المنافق يمنعها. وقد روى أبو بكر (4) بن عبد ~~العزيز عن مالك قال: # بلغني أن قوله الله تعالى: " فويل للمصلين. الذين هم على صلاتهم ساهون. ~~الذين هم يراءون. ويمنعون الماعون " قال: إن المنافق إذا صلى صلى رياء، وإن ~~فاتته لم يندم عليها، " ويمنعون الماعون " الزكاة التي فرض الله عليهم. قال ~~زيد بن أسلم: لو خفيت لهم الصلاة كما خفيت لهم الزكاة ما صلوا. القول ~~الثاني - أن " الماعون " المال، بلسان # PageV20P213 # قريش، قاله ابن شهاب وسعيد بن المسيب. وقول ثالث - أنه اسم جامع لمنافع ~~البيت كالفأس والقدر والنار وما أشبه ذلك، قاله ابن مسعود، وروي عن ابن ~~عباس أيضا. قال الأعشى: # بأجود منه بماعونه * إذا ما سماؤهم لم تغم الرابع - ذكر الزجاج وأبو عبيد ~~والمبرد أن الماعون في الجاهلية كل ما فيه منفعة، حتى الفأس والقدر والدلو ~~والقداحة، وكل ما فيه منفعة من قليل وكثير، وأنشدوا بيت الأعشى. قالوا: ~~والماعون في الاسلام: الطاعة والزكاة، وأنشدوا قول الراعي: # أخليفة الرحمن إنا معشر * حنفاء نسجد بكرة وأصيلا عرب نرى لله من أموالنا ~~* حق الزكاة منزلا تنزيلا قوم على الاسلام لما يمنعوا * ما عونهم ويضيعوا ~~التهليلا (1) يعني الزكاة. الخامس - أنه العارية، روى عن ابن عباس أيضا. ~~السادس - أنه المعروف كله الذي يتعاطاه الناس فيما ms6830 بينهم، قاله محمد بن كعب ~~والكلبي. السابع - أنه الماء والكلأ. الثامن - الماء وحده. قال الفراء: ~~سمعت بعض العرب يقول: # الماعون: الماء، وأنشدني فيه: # * يمج صبيره الماعون صبا * الصبير: السحاب. التاسع - أنه منع الحق، قاله ~~عبد الله بن عمر. العاشر - أنه المستغل من منافع الأموال، مأخوذ من المعن ~~وهو القليل، حكاه الطبري ابن عباس (2). # قال قطرب: أصل الماعون من القلة. والمعن: الشئ القليل، تقول العرب: ماله ~~سعنة (3) ولا معنة، أي شئ قليل. فسمى الله تعالى الزكاة والصدقة ونحوهما من ~~المعروف ماعونا، لأنه قليل من كثير. ومن الناس من قال: الماعون: أصله ~~معونة، والألف عوض من الهاء، حكاه الجوهري. ابن العربي: الماعون: مفعول (4) ~~من أعان يعين، والعون: هو الامداد # PageV20P214 # بالقوة والآلات والأسباب الميسرة للامر. الحادي عشر - أنه الطاعة ~~والانقياد. حكى الأخفش عن أعرابي فصيح: لو قد نزلنا لصنعت بناقتك صنيعا ~~تعطيك الماعون أي تنقاد لك وتطيعك. قال الراجز: # متى تصادفهن (1) في البرين * يخضعن أو يعطين بالماعون (2) وقيل: هو ما لا ~~يحل منعه، كالماء والملح والنار، لان عائشة رضوان الله عليها قالت: قلت يا ~~رسول الله، ما الشئ الذي لا يحل منعه؟ قال: [الماء والنار والملح] قلت: يا ~~رسول الله هذا الماء، فما بال النار والملح؟ فقال: [يا عائشة من أعطى نارا ~~فكأنما تصدق بجميع ما طبخ بتلك النار، ومن أعطى ملحا فكأنما تصدق بجميع ما ~~طيب به ذلك الملح، ومن سقى شربة من الماء حيث يوجد الماء، فكأنما أعتق ستين ~~نسمة. ومن سقى شربة من الماء حيث لا يوجد، فكأنما أحيا نفسا، ومن أحياها ~~فكأنما أحيا الناس جميعا]. ذكره الثعلبي في تفسيره، وخرجه ابن ماجة في ~~سننه. وفي إسناده لين، وهو القول الثاني عشر. الماوردي: ويحتمل أنه المعونة ~~بما خف فعله وقد ثقله الله. والله أعلم. وقيل لعكرمة مولى ابن عباس: من منع ~~شيئا من المتاع كان له الويل؟ فقال: لا، ولكن من جمع ثلاثهن فله الويل، ~~يعني: ترك الصلاة، والرياء، والبخل بالماعون. # قلت: كونها في المنافقين أشبه، وبهم أخلق، لأنهم جمعوا ms6831 الأوصاف الثلاثة: ~~ترك الصلاة، والرياء، والبخل بالمال، قال الله تعالى: " وإذا قاموا إلى ~~الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا " (3) [النساء: ~~142]، وقال: " ولا ينفقون إلا وهم كارهون " (4) [التوبة: 54]. # وهذه أحوالهم ويبعد أن توجد من مسلم محقق، وإن وجد بعضها فيلحقه جزء من ~~التوبيخ، وذلك في منع الماعون إذا تعين، كالصلاة إذا تركها. والله أعلم. ~~إنما يكون منعا قبيحا في المروءة في غير حال الضرورة. والله أعلم. # PageV20P215 # تفسير سورة " الكوثر " وهي مكية في قول ابن عباس والكلبي ومقاتل. ومدنية ~~في قول الحسن وعكرمة ومجاهد وقتادة. وهي ثلاث آيات. # قوله تعالى: إنا أعطيناك الكوثر (1) فيه مسألتان: # الأولى: قوله تعالى: " إنا أعطيناك الكوثر " قراءة العامة. " إنا أعطيناك ~~" بالعين. # وقرأ الحسن وطلحة بن مصرف: " أنطيناك " بالنون، وروته أم سلمة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم، وهي لغة في العطاء، أنطيته: أعطيته. و " الكوثر ": ~~فوعل من الكثرة، مثل النوفل من النفل، والجوهر من الجهر. والعرب تسمى كل شئ ~~كثير في العدد والقدر والخطر كوثرا. # قال سفيان: قيل لعجوز رجع ابنها من السفر: بم آب ابنك؟ قالت بكوثر، أي ~~بمال كثير. والكوثر من الرجال: السيد الكثير الخير. قال الكميت: # وأنت كثير يا بن مروان طيب * وكان أبوك ابن العقائل كوثرا والكوثر: العدد ~~الكثير من الأصحاب والأشياع. والكوثر من الغبار: الكثير. وقد تكوثر [إذا ~~كثر]، قال الشاعر: # * وقد ثار نقع الموت حتى تكوثرا (1) * الثانية - واختلف أهل التأويل في ~~الكوثر الذي أعطيه النبي صلى الله عليه وسلم على ستة عشر قولا: الأول: أنه ~~نهر في الجنة، رواه البخاري عن أنس والترمذي أيضا # PageV20P216 # وقد ذكرناه في كتاب التذكرة. وروى الترمذي أيضا عن أبن عمر قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: (الكوثر: نهر في الجنة، حافتاه من ذهب، ومجراه ~~على الدر والياقوت، تربته أطيب من المسك، وماؤه أحلى من العسل وأبيض من ~~الثلج). هذا حديث حسن صحيح. # الثاني - أنه حوض النبي صلى الله عليه وسلم في الموقف، قاله عطاء. وفي ~~صحيح مسلم عن أنس قال: ms6832 بينما نحن (1) عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ ~~أغفى إغفاءة، ثم رفع رأسه متبسما فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: نزلت ~~على آنفا سورة - فقرأ - بسم الله الرحمن الرحيم: " إنا أعطيناك الكوثر. فصل ~~لربك وأنحر. إن شانئك هو الأبتر " - ثم قال - أتدرون ما الكوثر؟. قلنا الله ~~ورسوله أعلم. قال: " فإنه نهر وعدنيه ربي عز وجل، عليه خير كثير هو حوض ترد ~~عليه أمتي يوم القيامة آنيته عدد النجوم، فيختلج (3) العبد منهم فأقول إنه ~~من أمتي، فيقال إنك لا تدري ما أحدث بعدك ". # والاخبار في حوضه في الموقف كثيرة، ذكرناها في كتاب " التذكرة ". وأن على ~~أركانه الأربعة خلفاء الأربعة، رضوان الله عليهم. وأن من أبغض واحدا منهم ~~لم يسقه الآخر، وذكرنا هناك من يطرد عنه. فمن أراد الوقوف على ذلك تأمله ~~هناك. ثم يجوز أن يسمى ذلك النهر أو الحوض كوثرا، لكثرة الواردة والشاربة ~~من أمة محمد عليه السلام هناك. ويسمى به لما فيه من الخير الكثير والماء ~~الكثير. الثالث: أن الكوثر النبوة والكتاب، قاله عكرمة. الرابع: القرآن، ~~قاله الحسن. الخامس: الاسلام، حكاه المغيرة. السادس - تيسير (3) القرآن ~~وتخفيف الشرائع، قاله الحسين بن الفضل. السابع - هو كثرة الأصحاب والأمة ~~والأشياع، قاله أبو بكر بن عياش ويمان ابن رئاب. الثامن - أنه الايثار، ~~قاله ابن كيسان. التاسع - أنه رفعة الذكر. حكاه الماوردي. العاشر: أنه نور ~~في قلبك دلك علي، وقطعك عما سواي. وعنه: هو الشفاعة، وهو الحادي عشر. وقيل: ~~معجزات الرب هدي بها أهل الإجابة لدعوتك، حكاه # PageV20P217 # الثعلبي، وهو الثاني عشر. الثالث عشر: قال هلال بن يساف: هو لا إله إلا ~~الله محمد رسول الله. وقيل: الفقه في الدين. وقيل: الصلوات الخمس، وهما ~~الرابع عشر والخامس عشر. وقال ابن إسحاق: هو العظيم من الامر، وذكر بيت ~~لبيد: # وصاحب ملحوب فجعنا بفقده * وعند الرداع بيت آخر كوثر أي عظيم (1). # قلت: أصح هذه الأقوال الأول والثاني، لأنه ثابت عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم نص في الكوثر. وسمع أنس قوما يتذاكرون الحوض فقال: ms6833 ما كنت أرى أن أعيش ~~حتى أرى أمثالكم يتمارون في الحوض، لقد تركت عجائز خلفي، ما تصلي امرأة ~~منهن إلا سألت الله أن يسقيها من حوض النبي صلى الله عليه وسلم. وفي حوضه ~~يقول الشاعر: # يا صاحب الحوض من يدانيكا * وأنت حقا حبيب باريكا وجميع ما قيل بعد ذلك ~~في تفسيره قد أعطيه رسول الله صلى الله عليه وسلم زيادة على حوضه، صلى الله ~~عليه وسلم تسليما كثيرا. # قوله تعالى: فصل لربك وانحر (2) فيه خمس مسائل: # الأولى: قوله تعالى: " فصل " أي أقم الصلاة المفروضة عليك، كذا رواه ~~الضحاك عن ابن عباس. وقال قتادة وعطاء وعكرمة: " فصل لربك " صلاة العيد ~~ويوم النحر. " وانحر " نسكك. وقال أنس: كان النبي صلى الله عليه وسلم ينحر ~~ثم يصلي، فأمر أن يصلي ثم ينحر. # وقال سعيد بن جبير أيضا: صل لربك صلاة الصبح المفروضة بجمع (2)، وانحر ~~البدن بمنى، وقال سعيد بن جبير أيضا: نزلت في الحديبية حين حصر النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن البيت، فأمره الله تعالى أن يصلي وينحر البدن وينصرف، ~~ففعل ذلك. قال أبن العربي: أما من # PageV20P218 # قال: إن المراد بقوله تعالى: " فصل ": الصلوات الخمس، فإنها ركن ~~العبادات، وقاعدة الاسلام، وأعظم دعائم الدين. وأما من قال: إنها صلاة ~~الصبح بالمزدلفة، فلأنها مقرونة بالنحر، وهو في ذلك اليوم، ولا صلاة فيه ~~قبل النحر غيرها، فخصها بالذكر من جملة الصلوات لاقترانها بالنحر ". # قلت: وأما من قال إنها صلاه العيد، فذلك بغير مكة، إذ ليس بمكة صلاة عيد ~~بإجماع، فيما حكاه ابن عمر. قال ابن العربي: " فأما مالك فقال: ما سمعت فيه ~~شيئا، والذي يقع في نفسي أن المراد بذلك صلاة يوم النحر، والنحر بعدها ". ~~وقال علي رضي الله عنه ومحمد ابن كعب: المعنى ضع اليمنى على اليسرى حذاء ~~النحر في الصلاة. وروي عن ابن عباس أيضا. وروي عن علي أيضا: أن يرفع يديه ~~في التكبير إلى نحره. وكذا قال جعفر بن علي: # " فصل لربك وانحر " قال: يرفع يديه أول ما يكبر للاحرام إلى النحر. ms6834 وعن ~~علي رضي الله عنه قال: لما نزلت " فصل لربك وانحر " قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم لجبريل: [ما هذه النحيرة التي أمرني الله بها]؟ قال: [ليست ~~بنحيرة، ولكنه يأمرك إذا تحرمت للصلاة، أن ترفع يديك إذا كبرت، وإذا رفعت ~~رأسك من الركوع، وإذا سجدت، فإنها صلاتنا وصلاة الملائكة الذين هم في ~~السماوات السبع، وإن لكل شئ زينة، وإن زينة الصلاة رفع اليدين عند كل ~~تكبيره]. وعن أبي صالح عن ابن عباس قال: استقبل القبلة بنحرك، وقاله الفراء ~~والكلبي وأبو الأحوص. ومنه قول الشاعر: # أبا حكم ما أنت عم مجالد * وسيد أهل الأبطح المتناحر (1) أي المتقابل. ~~قال الفراء: سمعت بعض العرب يقول: منازلنا (2) تتناحر، أي نتقابل، نحر هذا ~~بنحر هذا، أي قبالته. وقال ابن الأعرابي: هو انتصاب الرجل في الصلاة بإزاء ~~المحراب، من قولهم: منازلهم تتناحر، أي تتقابل. وروي عن عطاء قال: أمره أن ~~يستوي بين السجدتين # PageV20P219 # جالسا حتى يبدو نحره. وقال سليمان التيمي: يعنى وارفع يدك بالدعاء إلى ~~نحرك. وقيل: # " فصل " معناه: واعبد. وقال محمد بن كعب القرظي: " إنا أعطيناك الكوثر. ~~فصل لربك وأنحر " يقول: إن ناسا يصلون لغير الله، وينحرون لغير الله، وقد ~~أعطيناك الكوثر، فلا تكن صلاتك ولا نحرك إلا لله. قال ابن العربي: والذي ~~عندي أنه أراد: أعبد ربك، وانحر له، فلا يكن عملك إلا لمن خصك بالكوثر، ~~وبالحري (1) أن يكون جميع العمل يوازي هذه الخصوصية من الكوثر، وهو الخير ~~الكثير، الذي أعطاكه الله، أو النهر الذي طينه مسك، وعدد آنيته نجوم ~~السماء، أما أن يوازي هذا صلاة يوم النحر، وذبح كبش أو بقرة أو بدنة، فذلك ~~يبعد في التقدير والتدبير، وموازنة الثواب للعبادة ". والله أعلم. # الثانية - قد مضى القول في سورة " الصافات " (2) في الأضحية وفضلها، ووقت ~~ذبحها، فلا معنى لإعادة ذلك. وذكرنا أيضا في سورة " الحج " (3) جملة من ~~أحكامها. قال ابن العربي: ومن عجيب الامر: أن الشافعي قال: إن من ضحى قبل ~~الصلاة أجزأه، والله تعالى يقول في كتابه: " فصل لربك وأنحر "، فبدأ ~~بالصلاة قبل ms6835 النحر، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (في البخاري وغيره، ~~عن البراء بن عازب، قال): (أول ما نبدأ به في يومنا هذا: نصلي، ثم نرجع ~~فننحر، من فعل فقد أصاب نسكنا، ومن ذبح قبل، فإنما هو لحم قدمه لأهله، ليس ~~من النسك في شئ). وأصحابه ينكرونه، وحبذا الموافقة). # الثالثة - وأما ما روي عن علي عليه السلام " فصل لربك وانحر " قال: وضع ~~اليمين على الشمال في الصلاة (خرجه الدارقطني)، فقد اختلف علماؤنا في ذلك ~~على ثلاثة أقوال: الأول: لا توضع فريضة ولا نافلة، لان ذلك من باب ~~الاعتماد. ولا يجوز في الفرض، ولا يستحب في النفل. الثاني - لا يفعلها في ~~الفريضة، ويفعلها في النافلة استعانة، لأنه موضع ترخص. الثالث - يفعلها في ~~الفريضة والنافلة. وهو الصحيح، لأنه ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وضع يده اليمنى على اليسرى من حديث وائل # PageV20P220 # ابن حجر وغيره. قال ابن المنذر: وبه قال مالك وأحمد وإسحاق، وحكي ذلك عن ~~الشافعي. # واستحب ذلك أصحاب الرأي. ورأت جماعة إرسال اليد. وممن روينا ذلك عنه ابن ~~المنذر (1) والحسن البصري وإبراهيم النخعي. # قلت: وهو مروي أيضا عن مالك. قال ابن عبد البر: إرسال اليدين، ووضع ~~اليمنى على الشمال، كل ذلك من سنة الصلاة. # الرابعة - واختلفوا في الموضع الذي توضع عليه اليد، فروى عن علي بن أبي ~~طالب: # أنه وضعهما على صدره. وقال سعيد بن جبير وأحمد بن حنبل: فوق السرة. وقال: # لا بأس إن كانت تحت السرة. وقالت طائفة: توضع تحت السرة. وروي ذلك عن علي ~~وأبي هريرة والنخعي وأبي مجلز. وبه قال سفيان الثوري وإسحاق. # الخامسة: وأما رفع اليدين في التكبير عند الافتتاح والركوع والرفع من ~~الركوع والسجود، فاختلف في ذلك، فروى الدارقطني من حديث حميد عن أنس قال: ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع يديه إذا دخل في الصلاة، وإذا ركع، ~~وإذا رفع رأسه من الركوع، وإذا سجد. لم يروه عن حميد مرفوعا إلا عبد الوهاب ~~الثقفي. والصواب: # من فعل أنس. وفي الصحيحين ms6836 من حديث ابن عمر، قال: رأيت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة رفع يديه، حتى تكونا حذو منكبيه، ثم يكبر، ~~وكان يفعل ذلك حين يكبر للركوع، ويفعل ذلك حين يرفع رأسه من الركوع، ويقول ~~سمع الله لمن حمده. # ولا يفعل ذلك حين يرفع رأسه من السجود. قال ابن المنذر: وهذا قول الليث ~~بن سعد، والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور. وحكى ابن وهب عن مالك هذا القول. ~~وبه أقوال، لأنه الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقالت طائفة: ~~يرفع المصلي يديه حين يفتتح الصلاة، ولا يرفع فيما سوى ذلك. هذا قول سفيان ~~الثوري وأصحاب الرأي. # PageV20P221 # قلت: وهو المشهور من مذهب مالك، لحديث ابن مسعود، (خرجه الدارقطني من ~~حديث إسحاق بن أبي إسرائيل)، قال: حدثنا محمد بن جابر عن حماد عن إبراهيم ~~عن علقمة عن عبد الله قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ومع أبي بكر ~~وعمر رضي الله عنهما، فلم يرفعوا أيديهم إلا أولا عند التكبيرة الأولى في ~~افتتاح الصلاة. قال إسحاق: به نأخذ في الصلاة كلها. قال الدارقطني: تفرد به ~~محمد بن جابر (وكان ضعيفا) عن حماد عن إبراهيم. # وغير حماد يرويه عن إبراهيم مرسلا عن عبد الله، من فعله، غير مرفوع إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الصواب. وقد روى يزيد بن أبي زياد عن عبد ~~الرحمن بن أبي ليلى عن البراء: # أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم حين أفتتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذي ~~بهما أذنيه، ثم لم يعد إلى شئ من ذلك حتى فرغ من الصلاة. قال الدارقطني: ~~[وإنما] (1) لقن يزيد في آخر عمره: " ثم لم يعد "، فتلقنه وكان قد اختلط. ~~وفي (مختصر ما ليس في المختصر) عن مالك: لا يرفع اليدين في شئ من الصلاة. ~~قال ابن القاسم: ولم أر مالكا يرفع يديه عند الاحرام، قال: وأحب إلي ترك ~~رفع اليدين عند الاحرام. # قوله تعالى: إن شانئك هو الأبتر (3) أي مبغضك، وهو العاص بن وائل. وكانت ms6837 ~~العرب تسمى من كان له بنون وبنات، ثم مات البنون وبقي البنات: أبتر. فيقال: ~~إن العاص وقف مع النبي صلى الله عليه وسلم يكلمه، فقال له جمع من صناديد ~~قريش: مع من كنت واقفا؟ فقال: مع ذلك الأبتر. وكان قد توفي قبل ذلك عبد ~~الله بن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان من خديجة، فأنزل الله جل شأنه: ~~" إن شانئك هو الأبتر "، أي المقطوع ذكره من خير الدنيا والآخرة. وذكر ~~عكرمة عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية إذا مات ابن الرجل قالوا: بتر ~~فلان. فلما مات إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم خرج أبو جهل إلى ~~أصحابه، فقال: بتر محمد، فأنزل الله جل ثناؤه: # PageV20P222 # " إن شانئك هو الأبتر " يعني بذلك أبا جهل. وقال شمر بن عطية: هو عقبة بن ~~أبي معيط. # وقيل: إن قريشا كانوا يقولون لمن مات ذكور ولده: قد بتر فلان. فلما مات ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم ابنه القاسم: بمكة، وإبراهيم بالمدينة، ~~قالوا: بتر محمد، فليس له من يقوم بأمره من بعده، فنزلت هذه الآية، قاله ~~السدي وأبن زيد. وقيل: إنه جواب لقريش حين قالوا لكعب بن الأشرف لما قدم ~~مكة: نحن أصحاب السقاية والسدانة والحجابة واللواء، وأنت سيد أهل المدينة، ~~فنحن خير أم هذا الصنيبر (1) الأبيتر من قومه؟ قال كعب: بل أنتم خير، فنزلت ~~في كعب: " ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت (2) ~~والطاغوت " [النساء: 51] الآية. ونزلت في قريش: " إن شانئك هو الأبتر "، ~~قاله ابن عباس أيضا وعكرمة. وقيل: إن الله عز وجل لما أوحى إلى رسوله، ودعا ~~قريشا إلى الايمان، قالوا: # انبتر منا محمد، أي خالفنا وأنقطع عنا. فأخبر الله تعالى رسوله صلى الله ~~عليه وسلم أنهم هم المبتورون، قاله أيضا عكرمة وشهر بن حوشب. قال أهل ~~اللغة: الأبتر من الرجال: # الذي لا ولد له، ومن الدواب الذي لا ذنب له. وكل أمر انقطع من الخير ~~أثره، فهو أبتر. # والبتر: القطع. بترت الشئ بترا: قطعته قبل الاتمام. والانبتار: ms6838 الانقطاع. ~~والباتر: # السيف القاطع. والأبتر: المقطوع الذنب. تقول منه: بتر [بالكسر] يبتر ~~بترا. وفي الحديث [ما هذه البتيراء]. وخطب زياد خطبته البتراء، لأنه لم ~~يجمد الله فيها، ولم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم. ابن السكيت: ~~الأبتران: العير والعبد، قال سميا أبترين لقلة خيرهما. وقد أبتره الله: أي ~~صيره أبتر. ويقال: رجل أباتر (بضم الهمزة): الذي يقطع رحمه. قال الشاعر: # لئيم نزت في أنفه خنزوانة * على قطع ذي القربى أحذ أباتر والبترية: فرقة ~~من الزيدية، نسبوا إلى المغيرة بن سعد، ولقبه الأبتر. وأما الصنبور فلفظ ~~مشترك. قيل: هو النخلة تبقى منفردة، ويدق أسفلها ويتقشر، يقال: صنبر أسفل ~~النخلة. # PageV20P223 # وقيل: هو الرجل الفرد الذي لا ولد له ولا أخ. وقيل: هو مثعب (1) الحوض ~~خاصة، حكاه أبو عبيد. وأنشد: # * ما بين صنبور إلى الازاء (2) * والصنبور: قصبة تكون في الإداوة (3) من ~~حديد أو رصاص يشرب منها. حكى جميعه الجوهري رحمه الله. والله سبحانه وتعالى ~~أعلم. # سورة " الكافرون " وهي مكية في قول ابن مسعود والحسن وعكرمة. ومدنية في ~~أحد قولي ابن عباس وقتادة والضحاك. وهي ست آيات. # وفي الترمذي من حديث أنس: أنها تعدل ثلث القرآن. وفي كتاب (الرد لأبي بكر ~~الأنباري): أخبرنا عبد الله بن ناجية قال: حدثنا يوسف قال حدثنا القعنبي ~~وأبو نعيم عن موسى ابن وردان عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: [" قل يا أيها الكافرون " تعدل ربع القرآن]. ورواه موقوفا عن أنس. ~~وخرج الحافظ أبو محمد عبد الغني بن سعيد عن ابن عمر قال: صلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم بأصحابه صلاة الفجر في سفر، فقرأ " قل يا أيها الكافرون ". ~~و " قل هو الله أحد "، ثم قال: [قرأت بكم ثلث القرآن وربعه]. وروى جبير بن ~~مطعم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [أتحب يا جبير إذا خرجت سفرا أن ~~تكون من أمثل أصحابك هيئة وأكثرهم زادا]؟ قلت: نعم. قال: (فاقرأ هذه السور ~~الخمس من أول " قل يا أيها الكافرون " [الكافرون: 1] إلى - قل أعوذ برب ms6839 ~~الناس " [الناس: 1] وافتتح قراءتك ببسم الله الرحمن الرحيم). قال: فوالله ~~لقد كنت غير كثير المال، إذا سافرت أكون أبدهم (4) هيئة، وأقلهم زادا، فمذ ~~قرأتهن صرت من أحسنهم هيئة، وأكثرهم زادا، حتى أرجع من سفري ذلك. # PageV20P224 # وقال فروة بن نوفل الأشجعي: قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: أوصني ~~قال: # (أقرأ عند منامك " قل يا أيها الكافرون " فإنها براءة من الشرك). خرجه ~~أبو بكر الأنباري وغيره. وقال ابن عباس: ليس في القرآن أشد غيظا لإبليس ~~منها، لأنها توحيد وبراءة من الشرك. وقال الأصمعي: كان يقال ل‍ " - قل يا ~~أيها الكافرون "، و " قل هو الله أحد " المقشقشتان، أي أنهما تبرئان من ~~النفاق. وقال أبو عبيدة: كما يقشقش الهناء (1) الجرب فيبرئه. # وقال ابن السكيت: يقال للقرح والجدري إذا يبس وتقرف، وللجرب في الإبل إذا ~~قفل (2): # قد توسف جلده، وتقشر جلده، وتقشقش جلده. # بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: قل يا أيها الكافرون (1) لا أعبد ما ~~تعبدون (2) ولا أنتم عابدون ما أعبد (3) ولا أنا عابد ما عبدتم (4) ولا ~~أنتم عابدون ما أعبد (5) ذكر ابن إسحاق وغيره عن ابن عباس: أن سبب نزولها ~~أن الوليد بن المغيرة، والعاص ابن وائل، والأسود بن عبد المطلب، وأمية بن ~~خلف، لقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد، هلم فلنعبد ما ~~تعبد، وتعبد ما نعبد، ونشترك نحن وأنت في أمرنا كله، فإن كان الذي جئت به ~~خيرا مما بأيدينا، كنا قد شاركناك فيه، وأخذنا بحظنا منه. وإن كان الذي ~~بأيدينا خيرا مما بيدك، كنت قد شركتنا في أمرنا، وأخذت بحظك منه، فأنزل ~~الله عز وجل " قل يا أيها الكافرون ". وقال أبو صالح عن ابن عباس: أنهم ~~قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لو استلمت (3) بعض هذه الآلهة ~~لصدقناك، فنزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم بهذه السورة فيئسوا منه، ~~وآذوه، وآذوا أصحابه. والألف واللام ترجع إلى معنى المعهود # PageV20P225 # وإن كانت للجنس من حيث إنها كانت صفة لأي، لأنها مخاطبة لمن سبق في علم ~~الله ms6840 تعالى أنه سيموت على كفره، فهي من الخصوص الذي جاء بلفظ العموم. ونحوه ~~عن الماوردي: # نزلت جوابا، وعنى بالكافرين قوما معينين. لا جميع الكافرين، لان منهم من ~~آمن، فعبد الله، ومنهم من مات أو قتل على كفره، وهم المخاطبون بهذا القول، ~~وهم المذكورون. # قال أبو بكر بن الأنباري: وقرأ من طعن في القرآن: قل للذين كفروا " لا ~~أعبد ما تعبدون " وزعم أن ذلك هو الصواب، وذلك افتراء على رب العالمين، ~~وتضعيف لمعنى هذه السورة، وإبطال ما قصده الله من أن يذل نبيه للمشركين ~~بخطابه إياهم بهذا الخطاب الزري، وإلزامهم ما يأنف منه كل ذي لب وحجا. وذلك ~~أن الذي يدعيه من اللفظ الباطل، قراءتنا تشتمل عليه في المعنى، وتزيد ~~تأويلا ليس عندهم في باطلهم وتحريفهم. فمعنى قراءتنا: قل للذين كفروا: يا ~~أيها الكافرون، دليل صحة هذا: أن العربي إذا قال لمخاطبة قل لزيد أقبل ~~إلينا، فمعناه قل لزيد يا زيد أقبل إلينا. فقد وقعت قراءتنا على كل ما ~~عندهم، وسقط من باطلهم أحسن لفظ وأبلغ معنى، إذ كان الرسول عليه السلام ~~يعتمدهم في ناديهم، فيقول لهم: # " يا أيها الكافرون ". وهو يعلم أنهم يغضبون من أن ينسبوا إلى الكفر، ~~ويدخلوا في جملة أهله إلا وهو محروس ممنوع من أن تنبسط عليه منهم يد، أو ~~تقع به من جهتهم أذية. فمن لم يقرأ " قل يا أيها الكافرون " كما أنزلها ~~الله، أسقط آية لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وسبيل أهل الاسلام ألا ~~يسارعوا إلى مثلها، ولا يعتمدوا نبيهم باختزال الفضائل عنه، التي منحه الله ~~إياها، وشرفه بها. وأما وجه التكرار فقد قيل إنه للتأكيد في قطع أطماعهم، ~~كما تقول: والله لا أفعل كذا، ثم والله لا أفعله. قال أكثر أهل المعاني: ~~نزل القرآن بلسان العرب، ومن مذاهبهم التكرار إرادة التأكيد والافهام، كما ~~أن من مذاهبهم الاختصار إرادة التخفيف والايجاز، لان خروج الخطيب والمتكلم ~~من شئ إلى شئ أولى من اقتصاره في المقام على شئ واحد، قال الله تعالى: " ~~فبأي آلاء ربكما تكذبان ms6841 " [الرحمن: 13]. " ويل يومئذ للمكذبين " [المطففين: ~~10]. " كلا سيعلمون، ثم كلا سيعلمون " [النبأ: 4 - 5]. و " فإن مع العسر ~~يسرا. إن مع العسر يسرا " [الشرح: 5 - 6]. كل هذا على التأكيد. PageV20P226 # وقد يقول القائل: إرم إرم، أعجل أعجل، ومنه قوله عليه السلام في الحديث ~~الصحيح: # (فلا آذن، ثم لا آذن، إنما فاطمة بضعة مني). خرجه مسلم (1). وقال الشاعر: # هلا سألت جموع كندة * يوم ولوا أين أينا وقال آخر: # يالبكر انشروا لي كليبا * يالبكر أين أين الفرار (2) وقال آخر: # يا علقمة يا علقمة يا علقمة * خير تميم كلها وأكرمه وقال آخر: # يا أقرع بن حابس يا أقرع * إنك إن يصرع أخوك تصرع (3) وقال آخر: # ألا يا اسلمي ثم يا أسلمي ثمت اسلمي * وثلاث تحيات وإن لم تكلم ومثله ~~كثير. وقيل: هذا على مطابقة قولهم: تعبد آلهتنا ونعبد إلهك، ثم تعبد آلهتنا ~~ونعبد إلهك، ثم تعبد آلهتنا ونعبد إلهك، فنجري على هذا أبدا سنة وسنة. ~~فأجيبوا عن كل ما قالوه بضده، أي إن هذا لا يكون أبدا. قال ابن عباس: قالت ~~قريش للنبي صلى الله عليه وسلم: نحن نعطيك من المال ما تكون به أغنى رجل ~~بمكة، ونزوجك من شئت، ونطأ عقبك، أي نمشي خلفك، وتكف عن شتم آلهتنا، فإن لم ~~تفعل فنحن نعرض عليك خصلة واحدة هي لنا ولك صلاح، تعبد آلهتنا اللات والعزى ~~سنة، # PageV20P227 # ونحن نعبد إلهك سنة (1)، فنزلت السورة. فكان التكرار في " لا أعبد ما ~~تعبدون "، لان القوم كرروا عليه مقالهم مرة بعد مرة. والله أعلم. وقيل: ~~إنما كرر بمعنى التغليظ. وقيل: # أي " لا أعبد " الساعة " ما تعبدون. ولا أنتم عابدون " الساعة " ما أعبد ~~". ثم قال: # " ولا أنا عابد " في المستقبل " ما عبدتم. ولا أنتم " في المستقبل " ~~عابدون ما أعبد ". قاله الأخفش والمبرد. وقيل: إنهم كانوا يعبدون الأوثان، ~~فإذا ملوا وثنا، وسئموا العبادة له، رفضوه، ثم أخذوا وثنا غيره بشهوة ~~نفوسهم، فإذا مروا بحجارة تعجبهم ألقوا هذه ورفعوا تلك، فعظموها ونصبوها ~~آلهة يعبدونها، فأمر عليه السلام أن يقول لهم: " لا أعبد ما تعبدون ms6842 " اليوم ~~من هذه الآلهة التي بين أيدكم. ثم قال: (ولا أنتم عابدون ما أعبد) وإنما ~~تعبدون الوثن الذي اتخذتموه، وهو عندكم الآن. " ولا أنا عابد ما عبدتم " أي ~~بالأمس من الآلهة التي رفضتموها، وأقبلتم على هذه. " ولا أنتم عابدون ما ~~أعبد " فإني أعبد إلهي. وقيل: # إن قوله تعالى: " لا أعبد ما تعبدون. ولا أنتم عابدون ما أعبد " في ~~الاستقبال. # وقوله: (ولا أنا عابد ما عبدتم) على نفي العبادة منه لما عبدوا في ~~الماضي. ثم قال: # (ولا أنتم عابدون ما أعبد) على التكرير في اللفظ دون المعنى، من قبل أن ~~التقابل يوجب أن يكون: ولا أنتم عابدون ما عبدت، فعدل عن لفظ عبدت إلى ~~أعبد، إشعارا بأن ما عبد في الماضي هو الذي يعبد في المستقبل، مع أن الماضي ~~والمستقبل قد يقع أحدهما موقع الآخر. وأكثر ما يأتي ذلك في أخبار الله عز ~~وجل. وقال: " ما أعبد "، ولم يقل: من أعبد، ليقابل به " ولا أنا عابد ما ~~عبدتم " وهي أصنام وأوثان، ولا يصلح فيها إلا " ما " دون " من " فحمل الأول ~~على الثاني، ليتقابل الكلام ولا يتنافى. وقد جاءت " ما " لمن يعقل. ومنه ~~قولهم: سبحان ما سخركن لنا. وقيل: إن معنى الآيات وتقديرها: قل يا أيها ~~الكافرون لا أعبد الأصنام التي تعبدونها، ولا أنتم عابدون الله عز وجل الذي ~~أعبده، لاشراككم به، واتخاذكم الأصنام، فإن زعمتم أنكم تعبدونه، فأنتم ~~كاذبون، لأنكم تعبدونه مشركين. فأنا لا أعبد ما عبدتم، أي مثل عبادتكم، ف‍ ~~" - ما " مصدرية. وكذلك # PageV20P228 # " ولا أنتم عابدون ما أعبد " مصدرية أيضا، معناه ولا أنتم عابدون مثل ~~عبادتي، التي هي توحيد. # قوله تعالى: لكم دينكم ولي دين (6) فيه معنى التهديد، وهو كقوله تعالى: " ~~لنا أعمالنا ولكم أعمالكم " (1) [القصص: 55] أي إن رضيتم بدينكم، فقد رضينا ~~بديننا. وكان هذا قبل الامر بالقتال، فنسخ بآية السيف. وقيل: السورة كلها ~~منسوخة. وقيل: ما نسخ منها شئ لأنها خبر. ومعنى " لكم دينكم " أي جزاء ~~دينكم، ولي جزاء ديني. وسمى دينهم دينا، لأنهم اعتقدوه وتولوه. وقيل: ~~المعنى لكم ms6843 جزاؤكم ولي جزائي، لان الدين الجزاء. وفتح الياء من " ولي دين " ~~نافع، والبزي عن ابن كثير باختلاف عنه، وهشام عن ابن عامر، وحفص عن عاصم. ~~وأثبت الياء في " ديني " في الحالين نصر ابن عاصم وسلام ويعقوب، قالوا: ~~لأنها اسم مثل الكاف في دينكم، والتاء في قمت. # الباقون بغير ياء، مثل قوله تعالى: " فهو يهدين " (2) [الشعراء: 78] " ~~فاتقوا الله وأطيعون " (3) [آل عمران: 50] ونحوه، اكتفاء بالكسرة، واتباعا ~~لخط المصحف، فإنه وقع فيه بغير ياء. # تفسير سورة " النصر " وهي مدنية بإجماع. وتسمى سورة (التوديع). وهي ثلاث ~~آيات. # وهي آخر سورة نزلت جميعا قاله ابن عباس في صحيح مسلم. # بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: إذا جاء نصر الله والفتح (1) النصر: ~~العون مأخوذ من قولهم: قد نصر الغيث الأرض: إذا أعان على نباتها، من قحطها. ~~قال الشاعر: (4) # PageV20P229 # إذا انسلخ الشهر الحرام فودعي * بلاد تميم وانصري أرض عامر ويروى: # إذا دخل الشهر الحرام فجاوزي * بلاد تميم وانصري أرض عامر يقال: نصره على ~~عدوه ينصره نصرا، أي أعانه. والاسم النصرة، واستنصره على عدوه: # أي سأله أن ينصره عليه. وتناصروا: نصر بعضهم بعضا. ثم قيل: المراد بهذا ~~النصر نصر الرسول على قريش، الطبري. وقيل: نصره على من قاتله من الكفار، ~~فإن عاقبة النصر كانت له. وأما الفتح فهو فتح مكة، عن الحسن ومجاهد ~~وغيرهما. وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: هو فتح المدائن والقصور. وقيل: فتح ~~سائر البلاد. وقيل: ما فتحه عليه من العلوم. و " إذا " بمعنى قد، أي قد جاء ~~نصر الله، لان نزولها بعد الفتح. ويمكن أن يكون معناه: إذا يجيئك. # قوله تعالى: ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا (2) قوله تعالى: " ~~ورأيت الناس " أي العرب وغيرهم. " يدخلون في دين الله أفواجا " أي جماعات: ~~فوجا بعد فوج. وذلك لما فتحت مكة قالت العرب: أما إذا ظفر محمد بأهل الحرم، ~~وقد كان الله أجارهم من أصحاب الفيل، فليس لكم به يدان (1). فكانوا يسلمون ~~أفواجا: # أمة أمة. قال الضحاك: والأمة: أربعون رجلا. وقال عكرمة ومقاتل: أراد ~~بالناس أهل ms6844 اليمن. وذلك أنه ورد من اليمن سبعمائة إنسان مؤمنين طائعين، ~~بعضهم يؤذنون، وبعضهم يقرءون القرآن، وبعضهم يهللون، فسر النبي صلى الله ~~عليه وسلم لك، وبكى عمر وابن عباس. # وروى عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ: " إذا جاء نصر ~~الله والفتح " وجاء أهل اليمن رقيقة أفئدتهم، لينة طباعهم، سخية قلوبهم، ~~عظيمة خشيتهم، فدخلوا في دين الله أفواجا ". وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # [أتاكم أهل اليمن، هم أضعف قلوبا، وأرق أفئدة الفقه يمان، والحكمة ~~يمانية]. وروى أنه # PageV20P230 # صلى الله عليه وسلم قال: [إني لأجد نفس (1) ربكم من قبل اليمن] وفيه ~~تأويلان: # أحدهما: أنه الفرج، لتتابع إسلامهم أفواجا. والثاني: معناه أن الله تعالى ~~نفس الكرب عن نبيه صلى الله عليه وسلم بأهل اليمن، وهم الأنصار. وروى جابر ~~بن عبد الله قال: # سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: [إن الناس دخلوا في دين الله ~~أفواجا، وسيخرجون منه أفواجا] ذكره الماوردي، ولفظ الثعلبي: وقال أبو عمار ~~حدثني جابر لجابر، قال: # سألني جابر عن حال الناس، فأخبرته عن حال اختلافهم وفرقتهم، فجعل يبكي ~~ويقول: # سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: [إن الناس دخلوا في دين الله ~~أفواجا، وسيخرجون من دين الله أفواجا]. # قوله تعالى: فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا (3) قوله تعالى: (فسبح ~~بحمد ربك واستغفره) أي إذا صليت فأكثر من ذلك. وقيل: # معنى سبح: صل، عن ابن عباس: " بحمد ربك " أي حامدا له على ما آتاك من ~~الظفر والفتح. " وأستغفره " أي سل الله الغفران. وقيل: " فسبح " المراد به: ~~التنزيه، أي نزهه عما لا يجوز عليه مع شكرك له. " واستغفره " أي سل الله ~~الغفران مع مداومة الذكر. # والأول أظهر. روى الأئمة (واللفظ للبخاري) عن عائشة رضي الله عنها قالت: ~~ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة بعد أن نزلت عليه سورة " إذا جاء ~~نصر الله والفتح " إلا يقول: [سبحانك ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي] وعنها ms6845 ~~قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: ~~[سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم أغفر لي]. # يتأول القرآن. وفي غير الصحيح: وقالت أم سلمة: كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم آخر أمره لا يقوم ولا يقعد ولا يجئ ولا يذهب إلا قال: [سبحان الله ~~وبحمده، استغفر الله وأتوب # PageV20P231 # إليه - قال - فإني أمرت بها - ثم قرأ - " إذا جاء نصر الله والفتح " إلى ~~آخرها]. وقال أبو هريرة: اجتهد النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزولها، حتى ~~تورمت قدماه. ونحل جسمه، وقل تبسمه، وكثر بكاؤه. وقال عكرمة: لم يكن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قط أشد اجتهادا في أمور الآخرة ما كان منه عند نزولها. ~~وقال مقاتل: لما نزلت قرأها النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه، ومنهم ~~أبو بكر وعمر وسعد بن أبي وقاص، ففرحوا واستبشروا، وبكى العباس، فقال له ~~النبي صلى الله عليه وسلم: [ما يبكيك يا عم؟] قال: نعيت إليك نفسك. قال: # [إنه لكما تقول]، فعاش بعدها ستين (1) يوما، ما رئي فيها ضاحكا مستبشرا. ~~وقيل: نزلت في منى بعد أيام التشريق، حجة الوداع، فبكى عمر والعباس، فقيل ~~لهما: إن هذا يوم فرح، فقالا: # بل فيه نعي النبي صلى الله عليه وسلم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~[صدقتما، نعيت إلي نفسي]. وفي البخاري وغيره عن ابن عباس قال: كان عمر بن ~~الخطاب يأذن لأهل بدر، ويأذن لي معهم. قال: فوجد (2) بعضهم من ذلك، فقالوا: ~~يأذن لهذا الفتى معنا ومن أبنائنا من هو مثله! فقال لهم عمر: إنه من قد ~~علمتم (3). قال: فأذن لهم ذات يوم، وأذن لي معهم، فسألهم عن هذه السورة " ~~إذا جاء نصر الله والفتح " فقالوا: أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه ~~وسلم إذا فتح عليه أن يستغفره، وأن يتوب إليه. فقال: ما تقول يا بن عباس؟ ~~قلت: # ليس كذلك، ولكن أخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم حضور أجله، فقال: " ~~إذا جاء نصر الله والفتح "، فذلك علامة موتك. " فسبح بحمد ms6846 ربك وأستغفره إنه ~~كان توابا ". فقال عمر رضي الله عنه: تلومونني عليه؟ وفي البخاري فقال عمر: ~~ما أعلم منها إلا ما تقول. ورواه الترمذي، قال: كان عمر يسألني مع أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له عبد الرحمن ابن عوف: أتسأله ولنا بنون ~~مثله؟ فقال له عمر: إنه من حيث نعلم. فسأله عن هذه الآية: # " إذا جاء نصر الله والفتح ". فقلت: إنما هو أجل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، أعلمه إياه، وقرأ السورة إلى آخرها. فقال له عمر: والله ما أعلم منها ~~إلا ما تعلم. قال: هذا # PageV20P232 # حديث حسن صحيح. فإن قيل: فماذا يغفر للنبي صلى الله عليه وسلم حتى يؤمر ~~بالاستغفار؟ # قيل له: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: [رب اغفر لي خطيئتي ~~وجهلي، وإسرافي في أمري كله، وما أنت أعلم به مني. اللهم اغفر لي خطئي ~~وعمدي، وجهلي وهزلي، وكل ذلك عندي. اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما ~~أعلنت وما أسررت، أنت المقدم وأنت المؤخر، إنك على شئ قدير]. فكان صلى الله ~~عليه وسلم يستقصر نفسه لعظم ما أنعم الله به عليه، ويرى قصوره عن القيام ~~بحق ذلك ذنوبا. ويحتمل أن يكون بمعنى: كن متعلقا به، سائلا راغبا، متضرعا ~~على رؤية التقصير في أداء الحقوق، لئلا ينقطع إلى رؤية الأعمال. وقيل: ~~الاستغفار تعبد يجب إتيانه، لا للمغفرة، بل تعبدا. وقيل: ذلك تنبيه لامته، ~~لكيلا يأمنوا ويتركوا الاستغفار. وقيل: " وأستغفره " أي استغفر لأمتك. # (إنه كان توابا): أي على المسبحين والمستغفرين، يتوب عليهم ويرحمهم، ~~ويقبل توبتهم. # وإذا كان عليه السلام وهو معصوم يؤمر بالاستغفار، فما الظن بغيره؟ روى ~~مسلم عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر من قول: [سبحان ~~الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه]. قالت: فقلت يا رسول الله أراك تكثر ~~من قول (سبحان الله وبحمده، استغفر الله وأتوب إليه؟ فقال: (خبرني ربي أني ~~سأرى علامة في أمتي، فإذا رأيتها أكثرت من قول سبحان الله وبحمده، أستغفر ~~الله ms6847 وأتوب إليه، فقد رأيتها: " إذا جاء نصر الله والفتح " - فتح مكة - " ~~ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا. # فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا "). وقال ابن عمر: نزلت هذه السورة ~~بمنى في حجة الوداع، ثم نزلت " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي " ~~(1) [المائدة: 3] فعاش بعدهما النبي صلى الله عليه وسلم ثمانين يوما. ثم ~~نزلت آية الكلالة (2)، فعاش بعدها خمسين يوما. ثم نزل " لقد جاءكم رسول من ~~أنفسكم " (3) [التوبة: 128] فعاش بعدها خمسه وثلاثين يوما. ثم نزل " واتقوا ~~يوما ترجعون فيه (4) إلى الله " فعاش بعدها أحدا وعشرين يوما. وقال مقاتل ~~سبعة أيام. وقيل غير هذا مما تقدم في " البقرة " بيانه (5)، والحمد الله. # PageV20P233 # سورة " تبت " وهي مكية باجماع. وهي خمس آيات قوله تعالى: تبت يدا أبي لهب ~~وتب (1) فيه ثلاث مسائل الأولى: قوله تعالى: " تبت يدا أبي لهب " في ~~الصحيحين وغيرهما (واللفظ لمسلم) عن ابن عباس قال: لما نزلت " وأنذر عشيرتك ~~الأقربين " (1) [الشعراء: 214] ورهطك منهم المخلصين (2) "، خرج رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حتى صعد الصفا، فهتف: يا صباحاه! فقالوا: من هذا الذي ~~يهتف؟ قالوا محمد. فاجتمعوا إليه. فقال: [يا بني فلان، يا بني فلان، يا بني ~~فلان، يا بني عبد مناف، يا بني عبد المطلب!] فاجتمعوا إليه. فقال: [أرأيتكم ~~لو أخبرتكم أن خيلا تخرج بسفح هذا الجبل أكنتم مصدقي]؟ قالوا: ما جربنا ~~عليك كذبا. # قال: [فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد]. فقال أبو لهب: تبا لك!، أما ~~جمعتنا إلا لهذا! ثم قام، فنزلت هذه السورة: " تبت يدا أبي لهب وقد تب " ~~كذا قرأ الأعمش إلى آخر السورة. زاد الحميدي وغيره: فلما سمعت امرأته ما ~~نزل في زوجها وفيها من القرآن، أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس ~~في المسجد عند الكعبة، ومعه أبو بكر رضي الله عنه، وفي يدها فهر (3) من ~~حجارة، فلما وقفت عليه أخذ الله بصرها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فلا ترى إلا أبا بكر. فقالت: يا أبا بكر، إن صاحبك قد ms6848 بلغني أنه يهجوني، ~~والله لو وجدته لضربت بهذا الفهر فاه، والله إني لشاعرة: # مذمما عصينا * وأمره أبينا * ودينه قلينا # PageV20P234 # ثم انصرفت. فقال أبو بكر: يا رسول الله، أما تراها رأتك؟ قال: [ما رأتني، ~~لقد أخذ الله بصرها عني]. وكانت قريش إنما تسمي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مذمما، يسبونه، وكان يقول: [ألا تعجبون لما صرف الله عني من أذى قريش، ~~يسبون ويهجون مذمما وأنا محمد]. وقيل: إن سبب نزولها ما حكاه عبد الرحمن بن ~~زيد أن أبا لهب أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ماذا أعطى إن آمنت بك ~~يا محمد؟ فقال: [كما يعطى المسلمون] قال ما لي عليهم فضل؟!. قال: [وأي شئ ~~تبغي]؟ قال: تبا لهذا من دين، أن أكون أنا وهؤلاء سواء، فأنزل الله تعالى ~~فيه. " تبت يدا أبي لهب وتب ". وقول ثالث حكاه عبد الرحمن بن كيسان قال: ~~كان إذا وفد على النبي صلى الله عليه وسلم وقد انطلق إليهم أبو لهب ~~فيسألونه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقولون له: أنت أعلم به منا. ~~فيقول لهم أبو لهب: إنه كذاب ساحر. فيرجعون عنه ولا يلقونه. فأتى وفد، ففعل ~~معهم مثل ذلك، فقالوا: لا ننصرف حتى نراه، ونسمع كلامه. فقال لهم أبو لهب: ~~إنا لم نزل نعالجه فتبا له وتعسا. فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فاكتأب لذلك، فأنزل الله تعالى " تبت يدا أبي لهب "... السورة. وقيل: إن ~~أبا لهب أراد أن يرمي النبي صلى الله عليه وسلم بحجر، فمنعه الله من ذلك، ~~وأنزل الله تعالى: " تبت يدا أبي لهب وتب " للمنع الذي وقع به. # ومعنى " تبت ": خسرت، قاله قتادة. وقيل: خابت، قال ابن عباس. وقيل ضلت، ~~قاله عطاء. وقيل: هلكت، قاله ابن جبير. وقال يمان بن رئاب: صفرت من كل خبر. # حكى الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء أنه لما قتل عثمان رحمه الله سمع ~~الناس هاتفا يقول: # لقد خلوك وانصرفوا * فما آبوا ولا رجعوا ولم يوفوا بنذرهم * فيا تبا لما ms6849 ~~صنعوا وخص اليدين بالتباب، لان العمل أكثر ما يكون بهما، أي خسرتا وخسر هو. ~~وقيل: # المراد باليدين نفسه. وقد يعبر عن النفس باليد، كما قال الله تعالى: " ~~بما قدمت يداك " (2) [الحج: 10]. # PageV20P235 # أي نفسك. وهذا مهيع (1) كلام العرب، تعبر ببعض الشئ عن كله، تقول: أصابته ~~يد الدهر، ويد الرزايا والمنايا، أي أصابه كل ذلك. قال الشاعر: # لما أكبت يد الرزايا * عليه نادى ألا مجير " وتب " قال الفراء: التب ~~الأول: دعاء والثاني خبر، كما يقال: أهلكه الله وقد هلك. # وفي قراءة عبد الله وأبي " وقد تب " وأبو لهب أسمه عبد العزى، وهو ابن ~~عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم. وامرأته العوراء أم جميل، أخت أبي ~~سفيان بن حرب، وكلاهما، كان شديد العداوة للنبي صلى الله عليه وسلم. قال ~~طارق بن عبد الله المحاربي: # إني بسوق ذي المجاز، إذ أنا بإنسان يقول: [يا أيها الناس، قولوا لا إله ~~إلا الله تفلحوا]، وإذا رجل خلفه يرميه، قد أدمى ساقيه وعرقوبيه ويقول: يا ~~أيها الناس، إنه كذاب فلا تصدقوه. فقلت من هذا؟ فقالوا: محمد، زعم أنه نبي. ~~وهذا عمه أبو لهب يزعم أنه كذاب. # وروى عطاء عن ابن عباس قال: قال أبو لهب: سحركم محمد! إن أحدنا ليأكل ~~الجذعة (2)، ويشرب العس (3) من اللبن فلا يشبع، وإن محمدا قد أشبعكم من فخذ ~~شاة، وأرواكم من عس لبن. # الثانية: قوله تعالى: " أبي لهب " قيل: سمي باللهب لحسنه، وإشراق وجهه. # وقد ظن قوم أن في هذا دليلا على تكنية المشرك، وهو باطل، وإنما كناه الله ~~بأبي لهب - عند العلماء - لمعان أربعة: الأول: أنه كان اسمه عبد العزى، ~~والعزى: صنم، ولم يضف الله في كتابه العبودية إلى صنم. الثاني: أنه كان ~~بكنيته أشهر منه باسمه، فصرح بها. الثالث: أن الاسم أشرف من الكنية، فحطه ~~الله عز وجل عن الأشرف إلى الأنقص، إذا لم يكن بد من الاخبار عنه، ولذلك ~~دعا الله تعالى الأنبياء بأسمائهم، ولم يكن عن أحد منهم. ويدلك على شرف ~~الاسم على الكنية: أن الله ms6850 تعالى يسمى ولا يكنى، وإن كان ذلك لظهوره ~~وبيانه، واستحالة نسبة الكنية إليه، لتقدسه عنها. الرابع - أن # PageV20P236 # الله تعالى أراد أن يحقق نسبته، بأن يدخله النار، فيكون أبا لها، تحقيقا ~~للنسب، وإمضاء للفأل والطيرة التي اختارها لنفسه. وقد قيل: اسمه كنيته. ~~فكان أهله يسمونه (أبا لهب)، لتلهب وجهه وحسنه، فصرفهم الله عن أن يقولوا: ~~أبو النور، وأبو الضياء، الذي هو المشترك بين المحبوب والمكروه، وأجرى على ~~ألسنتهم أن يضيفوه إلى (لهب) الذي هو مخصوص بالمكروه المذموم، وهو النار. ~~ثم حقق ذلك بأن يجعلها مقره. وقرأ مجاهد وحميد وابن كثير وابن محيصن. " أبي ~~لهب " بإسكان الهاء. ولم يختلفوا في " ذات لهب " إنها مفتوحة، لأنهم راعوا ~~فيها رؤوس الآي. # الثالثة: قال ابن عباس: لما خلق الله عز وجل القلم قال له: اكتب ما هو ~~كائن، وكان فيما كتب " تبت يد أبي لهب ". وقال منصور: سئل الحسن عن قوله ~~تعالى: # " تبت يدا أبي لهب ". هل كان في أم الكتاب؟ وهل كان أبو لهب يستطيع ألا ~~يصلى النار؟ # فقال: والله ما كان يستطيع ألا يصلاها، وإنها لفي كتاب الله من قبل أن ~~يخلق أبو لهب وأبواه. ويؤيده قول موسى لآدم: (أنت الذي خلقك الله بيده، ~~ونفخ فيك من روحه، وأسكنك جنته، وأسجد لك ملائكته، خيبت (1) الناس، ~~وأخرجتهم من الجنة. قال آدم: # وأنت موسى الذي اصطفاك بكلامه، وأعطاك التوراة، تلومني على أمر كتبه الله ~~علي قبل أن يخلق الله السماوات والأرض. قال النبي صلى الله عليه وسلم: [فحج ~~آدم موسى (2)]. وقد تقدم (3) هذا. وفي حديث همام عن أبي هريرة أن آدم قال ~~لموسى: (بكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن يخلقني)؟ قال: (بألفي عام) قال: ~~فهل وجدت فيها: " وعصى آدم ربه فغوى " قال: (نعم) قال: (أفتلومني على أمر ~~وكتب الله على أن أفعله من قبل أن أخلق بألفي عام). فحج (4) آدم موسى. وفي ~~حديث طاووس وابن هرمز والأعرج عن أبي هريرة: [بأربعين عاما]. # PageV20P237 # قوله تعالى: ما أغنى عنه ماله وما كسب (2) أي ما دفع عنه ms6851 عذاب الله ما ~~جمع من المال، ولا ما كسب من جاه. وقال مجاهد: من الولد، وولد الرجل من ~~كسبه. وقرأ الأعمش " وما اكتسب " ورواه عن ابن مسعود. # وقال أبو الطفيل: جاء بنو أبي لهب يختصمون عند ابن عباس، فاقتتلوا، فقام ~~ليحجز بينهم، فدفعه بعضهم، فوقع على الفراش، فغضب ابن عباس وقال: أخرجوا ~~عني الكسب الخبيث، يعني ولده. وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: [إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولدي من كسبه]. ~~خرجه أبو داود. وقال ابن عباس: لما أنذر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عشيرته بالنار، قال أبو لهب: إن كان ما يقول ابن أخي حقا فإني أفدي نفسي ~~بمالي وولدي، فنزل: " ما أغني عنه ماله وما كسب ". و " ما " في قوله: " ما ~~أغنى ": يجوز أن تكون نفيا، ويجوز أن تكون استفهاما، أي أي شئ أغنى [عنه]؟ ~~و " ما " الثانية: يجوز أن تكون بمعنى الذي، ويجوز أن تكون مع الفعل مصدرا، ~~أي ما أغنى عنه ماله وكسبه. # قوله تعالى: سيصلى نارا ذات لهب (3) أي ذات اشتعال وتلهب. وقد مضى في ~~سورة " المرسلات " (1) القول فيه. وقراءة العامة: " سيصلى " بفتح الياء. ~~وقرأ أبو رجاء والأعمش: بضم الياء. ورواها محبوب عن إسماعيل عن أبن كثير، ~~وحسين عن أبي بكر عن عاصم، ورويت عن الحسن. وقرأ أشهب العقيلي وأبو سمال ~~العدوي ومحمد بن السميقع " سيصلى " بضم الياء، وفتح الصاد، وتشديد اللام، ~~ومعناها سيصليه الله، من قوله: " وتصلية جحيم " (2) [الواقعة: 94]. ~~والثانية من الاصلاء، أي يصليه الله، من قوله: " فسوف نصليه نارا " (3) ~~[النساء: 30]. والأولى هي الاختيار، لاجماع الناس عليها، وهي من قوله: " ~~إلا من هو صال الجحيم " (4) [الصافات: 163]. # PageV20P238 # قوله تعالى: وامرأته حمالة الحطب (4) قوله تعالى: " وامرأته " أم جميل. ~~وقال ابن العربي: العوراء أم قبيح، وكانت عوراء. " حمالة (1) الحطب " قال ~~ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: كانت تمشي بالنميمة بين الناس، تقول العرب: ~~فلان يحطب على فلان: إذا ورش عليه (2). قال الشاعر: # إن بني الأدرم حمالو الحطب ms6852 * هم الوشاة في الرضا وفي الغضب * عليهم ~~اللعنة تترى والحرب (3) * وقال آخر: # من البيض لم تصطد على ظهر لامة * ولم تمش بين الحي بالحطب الرطب يعني: لم ~~تمش بالنمائم، وجعل الحطب رطبا ليدل على التدخين، الذي هو زيادة في الشر. # وقال أكثم بن صيفي لبنيه: إياكم والنميمة! فإنها نار محرقة، وإن النمام ~~ليعمل في ساعة مالا يعمل الساحر في شهر. أخذه بعض الشعراء فقال: # إن النميمة نار ويك محرقة * ففر عنها وجانب من تعاطاها ولذلك قيل: نار ~~الحقد لا تخبو. وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم: [لا يدخل الجنة نمام]. ~~وقال: [ذو الوجهين لا يكون عند الله وجيها]. وقال عليه الصلاة والسلام: # [من شر الناس ذو الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه، وهؤلاء بوجه]. وقال كعب ~~الأحبار: أصاب بني إسرائيل قحط، فخرج بهم موسى عليه السلام ثلاث مرات ~~يستسقون فلم يسقوا فقال موسى: [إلهي عبادك] فأوحى الله إليه: [إني لا ~~أستجيب لك ولا لمن معك لان فيهم رجلا نماما، قد أصر على النميمة]. فقال ~~موسى: [يا رب من هو حتى نخرجه من بيننا]؟ فقال: [يا موسى أنهاك عن النميمة ~~وأكون نماما] قال: فتابوا بأجمعهم، فسقوا. والنميمة من الكبائر، لا خلاف في ~~ذلك، حتى قال الفضيل بن عياض: # ثلاث تهد العمل الصالح ويفطرون الصائم، وينقضن الوضوء: الغيبة، والنميمة، ~~والكذب. # PageV20P239 # وقال عطاء بن السائب: ذكرت للشعبي قول النبي صلى الله عليه وسلم: [لا ~~يدخل الجنة سافك دم، ولا مشاء بنميمة، ولا تاجر يربي] فقلت: يا أبا عمرو، ~~قرن النمام بالقاتل وآكل الربا؟ فقال: وهل تسفك الدماء، وتنتهب الأموال، ~~وتهيج الأمور العظام، إلا من أجل النميمة. # وقال قتادة وغيره: كانت تعير رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفقر. ثم ~~كانت مع كثرة ما لها تحمل الحطب على ظهرها، لشدة بخلها، فعيرت بالبخل. وقال ~~ابن زيد والضحاك: # كانت تحمل العضاه والشوك، فتطرحه بالليل على طريق النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه، وقاله ابن عباس. قال الربيع: فكان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يطؤه كما ms6853 يطأ الحرير. # وقال مرة الهمداني: كانت أم جميل تأتي كل يوم بإبالة (1) من الحسك (2)، ~~فتطرحها على طريق المسلمين، فبينما هي حاملة ذات يوم حزمة أعيت، فقعدت على ~~حجر لتستريح، فجذبها الملك من خلفها فأهلكها. وقال سعيد بن جبير: حمالة ~~الخطايا والذنوب، من قولهم: فلان يحتطب على ظهره، دليله قوله تعالى: " وهم ~~يحملون أوزارهم على ظهورهم " (3) [الانعام: 31]. وقيل: المعنى حمالة الحطب ~~في النار، وفيه بعد. وقراءة العامة " حمالة " بالرفع، على أن يكون خبرا " ~~وامرأته " مبتدأ. ويكون " في جيدها حبل من مسد " جملة في موضع الحال من ~~المضمر في " حمالة ". # أو خبرا ثانيا. أو يكون " حمالة الحطب " نعتا لامرأته. والخبر " في جيدها ~~حبل من مسد "، فيوقف (على هذا) على " ذات لهب ". ويجوز أن يكون " وامرأته " ~~معطوفة على المضمر في " سيصلى " فلا يوقف على " ذات لهب " ويوقف على " ~~وامرأته " وتكون " حمالة الحطب " خبر ابتداء محذوف. وقرأ عاصم " حمالة ~~الحطب " بالنصب على الذم، كأنها اشتهرت بذلك، فجاءت الصفة للذم لا للتخصيص، ~~كقوله تعالى: " معلونين أينما ثقفوا (4) "، وقرأ أبو قلابة " حاملة الحطب ~~". # PageV20P240 # قوله تعالى: في جيدها حبل من مسد (5) قوله تعالى: " في جيدها " أي عنقها. ~~وقال امرؤ القيس: # وجيد كجيد الريم ليس بفاحش * إذا هي نصته ولا بمعطل (1) " حبل من مسد " ~~أي من ليف، قال النابغة: # مقذوفة بدخيس النحض بازلها * له صريف صريف القعو بالمسد (2) وقال آخر: # يا مسد الخوص تعوذ مني * إن كنت لدنا لينا فإني * ما شئت من أشمط مقسئن ~~(3) * وقد يكون من جلود الإبل، أو من أوبارها، قال الشاعر: # ومسد أمر من أيانق * لسن بأنياب ولا حقائق (4) وجمع الجيد أجياد، والمسد ~~أمساد. أبو عبيدة: هو حبل يكون من صوف. قال الحسن: # هي حبال من شجر تنبت باليمن تسمى المسد، وكانت تفتل. قال الضحاك وغيره: ~~هذا في الدنيا، فكانت تعير النبي صلى الله عليه وسلم بالفقر وهي تحتطب في ~~حبل تجعله في جيدها من ليف، فخنقها الله جل وعز به فأهلكها، وهو في الآخرة ~~حبل من نار. وقال ابن عباس # PageV20P241 # في رواية أبي ms6854 صالح: " في جيدها حبل من مسد " قال: سلسلة ذرعها سبعون ~~ذراعا - وقاله مجاهد وعروة بن الزبير: تدخل من فيها، وتحرج من أسفلها، ~~ويلوى سائرها على عنقها. # وقال قتادة. " حبل من مسد " قال: قلادة من ودع. الودع: خرز بيض تخرج من ~~البحر، تتفاوت في الصغر والكبر. قال الشاعر: # * والحلم حلم صبي يمرث الودعة (1) * والجمع: ودعات. الحسن: إنما كان خرزا ~~في عنقها. سعيد بن المسيب: كانت لها قلادة فاخرة من جوهر، فقالت: واللات ~~والعزى لأنفقنها في عداوة محمد. ويكون ذلك عذابا في جيدها يوم القيامة. ~~وقيل: إن ذلك إشارة إلى الخذلان، يعني أنها مربوطة عن الايمان بما سبق لها ~~من الشقاء، كالمربوط في جيده بحبل من مسد. والمسد: الفتل. يقال: مسد حبلة ~~يمسده مسدا، أي أجاد فتله. قال (2): # * يمسد أعلى لحمه ويأرمه * يقول: إن البقل يقوي ظهر هذا الحمار ويشده. ~~ودابة ممسودة الخلق: إذا كانت شديدة الأسر (3). قال الشاعر: # ومسد أمر من أيانق * صهب عتاق ذات مخ زاهق * لسن بأنياب ولا حقائق (4) * ~~ويروى: # * ولا ضعاف مخهن زاهق * قال الفراء: هو مرفوع والشعر مكفأ (5). يقول: بل ~~مخهن مكتنز، رفعه على الابتداء. قال: # ولا يجوز أن يريد ولا ضعاف زاهق مخهن. كما لا يجوز أن تقول: مررت برجل ~~أبوه قائم، # PageV20P242 # بالخفض. وقال غيره: الزاهق هنا: بمعنى الذاهب كأنه قال: ولا ضعاف مخهن، ~~ثم رد الزاهق على الضعاف. ورجل ممسود: أي مجدول الخلق. وجارية حسنة المسد ~~والعصب والجدل والارم (1)، وهي ممسودة ومعصوبة ومجدولة ومأرومة. والمساد، ~~على فعال: لغة في المساب (2)، وهي نحى السمن، وسقاء العسل. قال جميعه ~~الجوهري. وقد أعترض فقيل: إن كان ذلك حبلها الذي تحتطب به، فكيف يبقى في ~~النار؟ وأجيب عنه بأن الله عز وجل قادر على تجديده كلما احترق. والحكم ~~ببقاء أبي لهب وامرأته في النار مشروط ببقائهما على الكفر إلى الموافاة ~~(3)، فلما ماتا على الكفر صدق الاخبار عنهما. ففيه معجزة للنبي صلى الله ~~عليه وسلم. فامرأته خنقها الله بحبلها، وأبو لهب رماه الله بالعدسة (4) بعد ~~وقعة بدر بسبع ليال، بعد ms6855 أن شجته أم الفضل (5) وذلك أنه لما قدم الحيسمان ~~مكة يخبر خبر بدر، قال له أبو لهب: أخبرني خبر الناس. قال: نعم، والله ما ~~هو إلا أن لقينا القوم، فمنحناهم أكتافنا، يضعون السلاح منا حيث شاءوا، ومع ~~ذلك ما لمست الناس. لقينا رجالا بيضا على خيل بلق، لا والله ما تبقى منا، ~~يقول: ما تبقي شيئا. قال أبو رافع: وكنت غلاما للعباس أنحت الاقداح في صفة ~~زمزم، وعندي أم الفضل جالسة، وقد سرنا ما جاءنا من الخبر، فرفعت طنب ~~الحجرة، فقلت: # تلك والله الملائكة. قال: فرفع أبو لهب يده، فضرب وجهي ضربة منكرة، ~~وثاورته (6)، وكنت رجلا ضعيفا، فاحتملني، فضرب بي الأرض، وبرك على صدري ~~يضربني. وتقدمت أم الفضل إلى عمود من عمد الحجرة، فتأخذه وتقول: استضعفته ~~أن غاب عنه سيده! وتضربه بالعمود على رأسه فتفلقه شجة منكرة. فقام يجر ~~رجليه ذليلا، ورماه الله بالعدسة، فمات، وأقام ثلاثة أيام لم يدفن حتى ~~أنتن، ثم إن ولده غسلوه بالماء، قذفا من بعيد، مخافة عدوى العدسة. وكانت ~~قريش تتقيها كما يتقي الطاعون. ثم احتلموه إلى أعلى مكة، فأسندوه إلى جدار، ~~ثم رضموا (7) عليه الحجارة. # PageV20P243 # سورة " الاخلاص " مكية في قول ابن مسعود والحسن وعطاء وعكرمة وجابر. ~~ومدنية في أحد قولي ابن عباس وقتادة والضحاك والسدي. وهي أربع آيات. # بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: قل هو الله أحد (1) الله الصمد (2) ~~لم يلد ولم يولد (3) ولم يكن له كفوا أحد (4) قوله تعالى: (قل هو الله أحد) ~~أي الواحد الوتر، الذي لا شبيه له، ولا نظير ولا صاحبة، ولا ولد ولا شريك. ~~وأصل " أحد ": وحد، قلبت الواو همزة. # ومنه قول النابغة (1): # * بذي الجليل على مستأنس وحد * وقد تقدم في سورة " البقرة " الفرق بين ~~واحد وأحد، وفي كتاب " الأسنى، في شرح أسماء الله الحسنى " أيضا مستوفى. ~~والحمد لله. و " أحد " مرفوع، على معنى: هو أحد. وقيل: # المعنى: قل: الامر والشأن: الله أحد. وقيل: " أحد " بدل من قوله: " الله ~~". وقرأ جماعة " أحد الله " بلا تنوين، طلبا للخفة، وفرارا ms6856 من التقاء ~~الساكنين، ومنه قول الشاعر: # * ولا ذاكر الله إلا قليلا (2) * # PageV20P244 # (الله الصمد) أي الذي يصمد إليه في الحاجات. كذا روى الضحاك عن ابن عباس، ~~قال: الذي يصمد إليه في الحاجات، كما قال عز وجل: " ثم إذا مسكم الضر فإليه ~~(1) تجأرون " [النحل: 53]. # قال أهل اللغة: الصمد: السيد الذي يصمد إليه في النوازل والحوائج. قال: # ألا بكر الناعي بخير (2) بني أسد * بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد وقال ~~قوم: الصمد: الدائم الباقي، الذي لم يزل ولا يزال. وقيل: تفسيره ما بعده " ~~لم يلد ولم يولد ". قال أبي بن كعب: الصمد: الذي لا يلد ولا يولد، لأنه ليس ~~شئ إلا سيموت، وليس شئ يموت إلا يورث. وقال علي وابن عباس أيضا وأبو وائل ~~شقيق بن سلمة وسفيان: # الصمد: هو السيد الذي قد انتهى سودده في أنواع الشرف والسودد، ومنه قول ~~الشاعر: # علوته بحسام ثم قلت له * خذها حذيف فأنت السيد الصمد وقال أبو هريرة: إنه ~~المستغني عن كل أحد، والمحتاج إليه كل أحد. وقال السدي: إنه: # المقصود في الرغائب، والمستعان به في المصائب. وقال الحسين بن الفضل: ~~إنه: الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. وقال مقاتل: إنه: الكامل الذي لا ~~عيب فيه، ومنه قول الزبرقان: # سيروا جميعا بنصف الليل واعتمدوا * ولا رهينة إلا سيد صمد وقال الحسن ~~وعكرمة والضحاك وابن جبير: الصمد: المصمت الذي لا جوف له (3)، قال الشاعر: # شهاب حروب لا تزال جياده * عوابس يعلكن الشكيم المصمدا (4) قلت: قد أتينا ~~على هذه الأقوال مبينة في الصمد، في (كتاب الأسنى) وأن الصحيح منها. ما شهد ~~له الاشتقاق، وهو القول الأول، ذكره الخطابي. وقد أسقط من هذه السورة من ~~أبعده الله وأخزاه، وجعل النار مقامه ومثواه، وقرأ " الله الواحد الصمد " ~~في الصلاة، والناس يستمعون، فأسقط: " قل هو "، وزعم أنه ليس من القرآن. ~~وغير لفظ " أحد "، وادعى أن هذا # PageV20P245 # هو الصواب، والذي عليه الناس هو الباطل والمحال، فأبطل معنى الآية، لان ~~أهل التفسير قالوا: نزلت الآية جوابا لأهل الشرك لما قالوا لرسول الله صلى ms6857 ~~الله عليه وسلم: صف لنا ربك، أمن ذهب هو أم من نحاس أم من صفر؟ فقال الله ~~عز وجل ردا عليهم: " قل هو والله أحد ". # ففي " هو " دلالة على موضع الرد، ومكان الجواب، فإذا سقط (1) بطل معنى ~~الآية، وصح الافتراء على الله عز وجل، والتكذيب لرسوله صلى الله عليه وسلم. ~~وروى الترمذي عن أبي بن كعب: # أن المشركين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: انسب لنا ربك، فأنزل ~~الله عز وجل: " قل هو الله أحد. الله الصمد ". والصمد: الذي لم يلد ولم ~~يولد، لأنه ليس شئ يولد إلا سيموت، وليس شئ يموت إلا سيورث، وأن الله تعالى ~~لا يموت ولا يورث. " ولم يكن له كفوا أحد " (2): # قال: لم يكن له شبيه ولا عدل، وليس كمثله شئ. وروي عن أبي العالية: إن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ذكر آلهتهم فقالوا: انسب لنا ربك. قال: فأتاه ~~جبريل بهذه السورة " قل هو الله أحد "، فذكر نحوه، ولم يذكر فيه عن أبي بن ~~كعب، وهذا أصح، قاله الترمذي. # قلت: ففي هذا الحديث إثبات لفظ " قل هو الله أحد " وتفسير الصمد، وقد ~~تقدم. # وعن عكرمة نحوه. وقال ابن عباس: " لم يلد " كما ولدت مريم، ولم يولد كما ~~ولد عيس وعزير. وهو رد على النصارى، وعلى من قال: عزير ابن الله. (ولم يكن ~~له كفوا أحد) أي لم يكن له مثلا أحد. وفيه تقدم وتأخير، تقديره: ولم يكن له ~~كفوا أحد، فقدم خبر كان على اسمها، لينساق أواخر الآي على نظم واحد. وقرئ " ~~كفوا " بضم الفاء وسكونها. # وقد تقدم في " البقرة " أن كل اسم على ثلاث أحرف أوله مضموم، فإنه يجوز ~~في عينه الضم والاسكان (3)، إلا قوله تعالى: " وجعلوا له من عباده جزءا " ~~(4) [الزخرف: 15] لعلة تقدمت. وقرأ حفص " كفوا " مضموم الفاء غير مهموز. ~~وكلها لغات فصيحة. # PageV20P246 # القول في الأحاديث الواردة في فضل هذه السورة، وفيه ثلاث مسائل: # الأولى - ثبت في صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري: أن رجلا سمع رجلا يقرأ ~~" قل هو الله أحد ms6858 " يرددها، فلما أصبح جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فذكر ذلك له، وكان الرجل يتقالها (1)، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~[والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن]. وعنه قال قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم لأصحابه: [أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة] فشق ذلك ~~عليهم، وقالوا: أينا يطيق ذلك يا رسول الله؟ فقال: # [الله الواحد (2) الصمد ثلث القرآن] خرجه مسلم من حديث أبي الدرداء ~~بمعناه. وخرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [احشدوا ~~(3) فإني سأقرأ عليكم ثلث القرآن]، فحشد (4) من حشد، ثم خرج نبي الله صلى ~~الله عليه وسلم فقرأ " قل هو الله أحد " ثم دخل فقال بعضنا لبعض: إني أرى ~~هذا خبرا جاءه من السماء، فذاك الذي أدخله. ثم خرج فقال: [إني قلت لكم ~~سأقرأ عليكم ثلث القرآن، ألا إنها تعدل ثلث القرآن] قال بعض العلماء: إنها ~~عدلت ثلث القرآن لأجل هذا الاسم، الذي هو " الصمد "، فإنه لا يوجد في غيرها ~~من السور. وكذلك " أحد ". وقيل: إن القرآن أنزل أثلاثا، ثلثا منه أحكام، ~~وثلثا منه وعد ووعيد، وثلثا منه أسماء وصفات، وقد جمعت " قل هو الله أحد " ~~[أحد] (5) الا ثلاث، وهو الأسماء والصفات. ودل على هذا التأويل ما في صحيح ~~مسلم، من حديث أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: [إن الله عز ~~وجل جزأ القرآن ثلاثة أجزاء، فجعل " قل هو الله أحد " جزءا من أجزاء ~~القرآن]. وهذا نص، وبهذا المعنى سميت سورة الاخلاص، والله أعلم. # الثانية: روى مسلم عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رجلا ~~على سرية، وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم، فيختم ب‍ " - قل هو الله أحد "، ~~فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي صلى # PageV20P247 # الله عليه وسلم فقال: [سلوه لأي شئ يصنع ذلك]؟ فسألوه فقال: لأنها صفة ~~الرحمن، فأنا أحب أن أقرأ بها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [أخبروه ~~أن الله عز وجل يحبه]. وروى الترمذي عن أنس بن مالك ms6859 قال: كان رجل من ~~الأنصار يؤمهم في مسجد قباء، وكان كلما أفتتح سورة يقرؤها لهم في الصلاة ~~فقرأ بها، أفتتح ب‍ " - قل هو الله أحد "، حتى يفرغ منها، ثم يقرأ بسورة ~~أخرى معها، وكان يصنع ذلك في كل ركعة، فكلمه أصحابه، فقالوا: # إنك تقرأ بهذه السورة، ثم لا ترى أنها تجزيك حتى تقرأ بسورة أخرى، فإما ~~أن تقرأ بها، وإما أن تدعوا وتقرأ بسورة أخرى؟ قال: ما أنا بتاركها وإن ~~أحببتم أن أؤمكم بها فعلت، وإن كرهتم تركتكم، وكانوا يرونه أفضلهم، وكرهوا ~~أن يؤمهم غيره، فلما أتاهم النبي صلى الله عليه وسلم أخبروه الخبر، فقال: ~~[يا فلان ما يمنعك مما يأمر به أصحابك؟ وما يحملك أن تقرأ هذه السورة في كل ~~ركعة]؟ فقال: يا رسول الله، إني أحبها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # [إن حبها أدخلك الجنة]. قال: حديث حسن غريب صحيح. قال ابن العربي: " فكان ~~هذا دليلا على أنه يجوز تكرار سورة في كل ركعة. وقد رأيت على باب الأسباط ~~فيما يقرب منه، إماما من جملة الثمانية والعشرين إماما، كان يصلي فيه ~~التراويح في رمضان بالأتراك، فيقرأ في كل ركعة " الحمد لله " و " قل هو ~~الله أحد " حتى يتم التراويح، تخفيفا عليه، ورغبة في فضلها وليس من السنة ~~ختم القرآن في رمضان. # قلت: هذا نص قول مالك، قال مالك: وليس ختم القرآن في المساجد بسنة. # الثالثة: روى الترمذي عن أنس (1) بن مالك قال: أقبلت مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم فسمع رجلا يقرأ " قل هو الله أحد "، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: (وجبت). # قلت: وما وجبت؟ قال: [الجنة]. قال: هذا حديث حسن صحيح (2). قال الترمذي: # PageV20P248 # حدثنا محمد بن مرزوق البصري قال حدثنا حاتم بن ميمون أبو سهل عن ثابت ~~البناني عن أنس ابن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [من قرأ كل يوم ~~مائتي مرة قل هو الله أحد، محي عنه ذنوب خمسين سنة، إلا أن يكون عليه دين]. ~~وبهذا الاسناد عن النبي ms6860 صلى الله عليه وسلم قال (من أراد أن ينام على ~~فراشه، فنام على يمينه، ثم قرأ " قل هو الله أحد " مائة مرة، فإذا كان يوم ~~القيامة يقول الرب: يا عبدي، ادخل على يمينك الجنة). قال: هذا حديث غريب من ~~حديث ثابت عن أنس. وفي مسند أبي محمد الدارمي، عن أنس بن مالك، قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: [من قرأ " قل هو الله أحد " خمسين مرة، غفرت ~~له ذنوب خمسين سنة] قال: وحدثنا عبد الله بن يزيد قال حدثنا حياة قال: ~~أخبرني أبو عقيل: أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: إن نبي الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: [من قرأ " قل هو الله أحد " عشرة مرات بني له قصر في الجنة. ومن ~~قرأها عشرين مرة بني له بها قصران في الجنة. # ومن قرأها ثلاثين مرة بني له بها ثلاثة قصور في الجنة]. فقال عمر بن ~~الخطاب: والله يا رسول الله إذا لنكثرن قصورنا، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: [الله أوسع من ذلك] قال أبو محمد: أبو عقيل زهرة بن معبد، ~~وزعموا أنه كان من الابدال. وذكر أبو نعيم الحافظ من حديث أبي العلاء يزيد ~~بن عبد الله بن الشخير عن أبيه، قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: [من ~~قرأ قل هو الله أحد في مرضه الذي يموت فيه، لم يفتن في قبره. وأمن من ضغطة ~~القبر. وحملته الملائكة يوم القيامة بأكفها، حتى تجيزه من الصراط إلى ~~الجنة]. قال: # هذا حديث غريب من حديث يزيد، تفرد به نصر بن حماد البجلي. وذكر أبو بكر ~~أحمد بن علي ابن ثابت الحافظ عن عيسى بن أبي فاطمة الرازي قال: سمعت مالك ~~بن أنس يقول: إذا نقس بالناقوس اشتد غضب الرحمن، فتنزل الملائكة، فيأخذون ~~بأقطار الأرض، فلا يزالون يقرءون " قل هو الله أحد " حتى يسكن غضبه عز وجل. ~~وخرج من حديث محمد بن خالد الجندي عن مالك عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه ms6861 وسلم: [من دخل يوم الجمعة PageV20P249 # المسجد، فصلى أربع ركعات يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب و " قل هو الله ~~أحد " خمسين مرة فذلك مائتا مرة في أربع ركعات، لم يمت حتى يرى منزله في ~~الجنة أو يرى له]. وقال أبو عمر مولى جرير بن عبد الله البجلي، عن جرير ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # [من قرأ " قل هو الله أحد " حين يدخل منزله، نفت الفقر عن أهل ذلك المنزل ~~وعن الجيران]. # وعن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [من قرأ " قل هو الله أحد ~~" مرة بورك عليه، ومن قرأها مرتين بورك عليه وعلى أهله، ومن قرأها ثلاث ~~مرات بورك عليه وعلى جميع جيرانه، ومن قرأها اثنتي عشرة بنى الله له اثني ~~عشر قصرا في الجنة، وتقول الحفظة انطلقوا بنا ننظر إلى قصر أخينا فإن قرأها ~~مائة مرة كفر الله عنه ذنوب خمسين سنة، ما خلا الدماء والأموال، فإن قرأها ~~أربعمائة مرة كفر الله عنه ذنوب مائة سنة، فإن قرأها ألف مرة لم يمت حتى ~~يرى مكانه في الجنة أو يرى له]. وعن سهل بن سعد الساعدي قال: شكا رجل إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم الفقر وضيق المعيشة، فقال له رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # [إذا دخلت البيت فسلم إن كان فيه أحد، وإن لم يكن فيه أحد فسلم علي، ~~واقرأ " قل هو الله أحد " مرة واحدة] ففعل الرجل فأدر الله عليه الرزق، حتى ~~أفاض عليه جيرانه. وقال أنس: # كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك، فطلعت الشمس بيضاء لها شعاع ~~ونور، لم أرها فيما مضى طلعت قط كذلك، فأتى جبريل، فقال له رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # [يا جبريل، مالي أرى الشمس طلعت بيضاء بشعاع لم أرها طلعت كذلك فيما مضى ~~قط]؟ # فقال: [ذلك لان معاوية بن معاوية الليثي توفي بالمدينة اليوم، فبعث الله ~~سبعين ألف ملك يصلون عليه]. قال [ومم ذلك]؟ قال: [كان يكثر قراءة " قل هو ms6862 ~~الله أحد " آناء الليل وآناء النهار، وفي ممشاه وقيامه وقعوده، فهل لك يا ~~رسول الله أن أقبض لك الأرض. فتصلي عليه]؟ قال [نعم] فصلى عليه ثم رجع. ~~ذكره الثعلبي، والله أعلم. PageV20P250 # تفسير سورة " الفلق " وهي مكية في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر. ومدنية ~~في أحد قولي ابن عباس وقتادة. وهي خمس آيات. # وهذه السورة وسورة " الناس " و " الاخلاص ": تعوذ بهن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حين سحرته اليهود، على ما يأتي. وقيل: إن المعوذتين كان يقال ~~لهما المقشقشتان أي تبرئان من النفاق. وقد تقدم. وزعم ابن مسعود أنهما دعاء ~~تعوذ به، وليستا من القرآن، خالف به الاجماع من الصحابة وأهل البيت. قال ~~ابن قتيبة: لم يكتب عبد الله بن مسعود في مصحفه المعوذتين، لأنه كان يسمع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين - رضي الله عنهما - بهما، ~~فقدر أنهما بمنزلة: أعيذكما بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل ~~عين لامة. قال أبو بكر الأنباري: وهذا مردود على ابن قتيبة، لان المعوذتين ~~من كلام رب العالمين، المعجز لجميع المخلوقين، و " أعيذكما بكلمات الله ~~التامة " من قول البشر بين. # وكلام الخالق الذي هو آية لمحمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، وحجة ~~له باقية على جميع الكافرين، لا يلتبس بكلام الآدميين، على مثل عبد الله بن ~~مسعود الفصيح اللسان، العالم باللغة، العارف بأجناس الكلام، وأفانين القول. ~~وقال بعض الناس: لم يكتب عبد الله المعوذتين لأنه أمن عليهما من النسيان، ~~فأسقطهما وهو يحفظهما، كما أسقط فاتحة الكتاب من مصحفه، وما يشك في حفظه ~~وإتقانه لها. فرد هذا القول على قائله، واحتج عليه بأنه قد كتب: # " إذا جاء نصر الله والفتح "، و " إنا أعطيناك الكوثر "، و " قل هو الله ~~أحد " وهن يجرين مجرى المعوذتين في أنهن غير طوال، والحفظ إليهن أسرع، ~~ونسيانهن مأمون، وكلهن يخالف فاتحة الكتاب، إذ الصلاة لا تتم إلا بقراءتها. ~~وسبيل كل ركعة أن تكون المقدمة فيها قبل ما يقرأ من بعدها، فإسقاط فاتحة ~~الكتاب من ms6863 المصحف، على معنى الثقة ببقاء حفظها، والامن من نسيانها، صحيح، ~~وليس من السور ما يجري في هذا المعنى مجراها، ولا يسلك به طريقها. وقد مضى ~~هذا المعنى في سورة " الفاتحة " (1). والحمد لله. # PageV20P251 # بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: قل أعوذ برب الفلق (1) من شر ما خلق ~~(2) ومن شر غاسق إذا وقب (3) ومن شر النفاثات في العقد (4) ومن شر حاسد إذا ~~حسد (5) فيه تسع مسائل: # الأولى - روى النسائي عن عقبة بن عامر، قال: أتيت النبي صلى الله عليه ~~وسلم وهو راكب، فوضعت يدي على قدمه، فقلت: أقرئني سورة [هود] (1) أقرئني ~~سورة يوسف. # فقال لي: [ولن تقرأ شيئا أبلغ عند الله من " قل أعوذ برب الفلق "]. وعنه ~~قال: بينا أنا أسير مع النبي صلى الله عليه وسلم بين الجحفة والأبواء، إذ ~~غشتنا ريح مظلمة شديدة، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ ب‍ " - ~~أعوذ برب الفلق "، و " أعوذ برب الناس "، ويقول: # [يا عقبة، تعوذ بهما فما تعوذ متعوذ بمثلهما]. قال: وسمعته يقرأ بهما في ~~الصلاة. وروى النسائي عن عبد الله قال: أصابنا طش (2) وظلمة، فانتظرنا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يخرج (3). ثم ذكر كلاما معناه: فخرج رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم [ليصلي بنا] (4)، فقال: # (قل). فقلت: ما أقول؟ قال: (قل هو الله أحد والمعوذتين حين تمسي، وحين ~~تصبح ثلاثا، يكفك كل شئ) وعن عقبة بن عامر الجهني قال: قال لي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: [قل]. قلت: ما أقول؟ قال قل: (قل هو الله أحد. قل أعوذ ~~برب الفلق. قل أعوذ برب الناس - فقرأهن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ~~قال: # لم يتعوذ الناس بمثلهن، أو لا يتعوذ الناس بمثلهن). وفي حديث أبن عباس " ~~قل أعوذ برب # PageV20P252 # الفلق وقل أعوذ برب الناس، هاتين السورتين ". وفي صحيح البخاري ومسلم عن ~~عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى قرأ على نفسه بالمعوذتين ~~وينفث، كلما أشتد وجعه كنت أقرأ عليه، وأمسح عنه بيده، رجاء بركتها. النفث: ~~النفخ ms6864 ليس معه ريق. # الثانية - ثبت في الصحيحين من حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~سحره يهودي من يهود بني زريق، يقال له لبيد بن الأعصم، حتى يخيل إليه أنه ~~كان يفعل الشئ ولا يفعله، فمكث كذلك ما شاء الله أن يمكث - في غير الصحيح: ~~سنة - ثم قال: # (يا عائشة أشعرت أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه. أتاني ملكان، فجلس ~~أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي، فقال [الذي عند رأسي للذي عند رجلي] ~~(1): ما شأن الرجل؟ قال: # مطبوب (2). قال ومن طبه؟ قال لبيد بن الأعصم. قال في ماذا؟ قال في مشط ~~ومشاطة (3) وجف طلعة (4) ذكر، تحت راعوفة (5) في بئر ذي أوران (6) فجاء ~~البئر واستخرجه. انتهى الصحيح. وقال ابن عباس (7): (أما شعرت يا عائشة أن ~~الله تعالى أخبرني بدائي). ثم بعث عليا والزبير وعمار ابن ياسر، فنزحوا ماء ~~تلك البئر كأنه نقاعة الحناء، ثم رفعوا الصخرة وهي الراعوفة - صخرة تترك ~~أسفل البئر يقوم عليها المائح (8)، وأخرجوا الجف، فإذا مشاطة رأس إنسان، ~~وأسنان من مشط، وإذا وتر معقود فيه إحدى عشرة عقدة مغرزة بالإبر، فأنزل ~~الله تعالى هاتين السورتين، وهما إحدى عشرة آية على عدد تلك العقد، وأمر أن ~~يتعوذ بهما، فجعل كلما قرأ آية انحلت عقدة، ووجد النبي صلى الله عليه وسلم ~~خفة، حتى انحلت العقدة الأخيرة، فكأنما أنشط من عقال، وقال: ليس به بأس. ~~وجعل جبريل يرقي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول: [باسم الله # PageV20P253 # أرقيك، من كل شئ يؤذيك، من شر حاسد وعين، والله يشفيك]. فقالوا: يا رسول ~~الله، ألا نقتل الخبيث. فقال: [أما أنا فقد شفاني الله، وأكره أن أثير على ~~الناس شرا]. وذكر القشيري في تفسيره أنه ورد في الصحاح: أن غلاما من اليهود ~~كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم، فدست (1) إليه اليهود، ولم يزالوا به ~~حتى أخذ مشاطة رأس النبي صلى الله عليه وسلم. # والمشاطة (بضم الميم): ما يسقط من الشعر عند المشط. وأخذ عدة من أسنان ~~مشطه، فأعطاها اليهود، فسحروه فيها، وكان ms6865 الذي تولى ذلك لبيد بن الأعصم ~~اليهودي. وذكر نحو ما تقدم عن ابن عباس. # الثالثة - تقدم في البقرة القول في السحر وحقيقته، وما ينشأ عنه من ~~الآلام والمفاسد، وحكم الساحر، فلا معنى لإعادته (2). # الرابعة - قوله تعالى: " القلق " اختلف فيه، فقيل: سجن في جهنم، قاله ابن ~~عباس. وقال أبي بن كعب: بيت في جهنم إذا فتح صاح أهل النار من حره. وقال ~~الحبلي أبو عبد الرحمن (3): هو اسم من أسماء جهنم. وقال الكلبي: واد في ~~جهنم. وقال عبد الله ابن عمر: شجرة في النار. سعيد بن جبير: جب في النار. ~~النحاس: يقال لما اطمأن من الأرض فلق، فعلى هذا يصح هذا القول. وقال جابر ~~بن عبد الله والحسن وسعيد بن جبير أيضا ومجاهد وقتادة والقرظي وابن زيد: ~~الفلق، الصبح. وقاله ابن عباس. تقول العرب: # هو أبين من فلق الصبح وفرق الصبح. وقال الشاعر: # يا ليلة لم أنمها بت مرتفقا (4) * أرعى النجوم إلى أن نور الفلق وقيل: ~~الفلق: الجبال والصخور تنفلق بالمياه، أي تتشقق. وقيل: هو التفليق بين ~~الجبال والصخور، لأنها تتشقق من خوف الله عز وجل. قال زهير: # ما زلت أرمقهم حتى إذا هبطت * أيدي الركاب بهم من راكس فلقا # PageV20P254 # الراكس: بطن الوادي. وكذلك هو في قول النابغة: # * أتاني ودوني راكس فالضواجع (1) * والراكس أيضا: الهادي، وهو الثور وسط ~~البيدر (2)، تدور عليه الثيران في الدياسة. وقيل: # الرحم تنفلق بالحيوان. وقيل: إنه كل ما انفلق عن جميع ما خلق من الحيوان ~~والصبح والحب والنوى، وكل شئ من نبات وغيره، قاله الحسن وغيره. قال الضحاك: ~~الفلق الخلق كله، قال: # وسوس يدعو مخلصا رب الفلق * سرا وقد أون تأوين العقق (3) قلت: هذا القول ~~يشهد له الاشتقاق، فإن الفلق الشق. فلقت الشئ فلقا أي شققته. # والتفليق مثله. يقال: فلقته فانفلق وتفلق. فكل ما انفلق عن شئ من حيوان ~~وصبح وحب ونوى وماء فهو فلق، قال الله تعالى: " فالق الاصباح " (4) ~~[الانعام: 96] قال: " فالق الحب والنوى " (5) [الانعام: 95]. وقال ذو الرمة ~~يصف الثور الوحشي: # حتى إذا ما انجلى (6) عن ms6866 وجهه فلق * هاديه في أخريات الليل منتصب يعني ~~بالفلق هنا: الصبح بعينه. والفلق أيضا: المطمئن من الأرض بين الربوتين، ~~وجمعه: # فلقان، مثل خلق وخلقان، وربما قالوا: كان ذلك بفالق كذا وكذا، يريدون ~~المكان المنحدر # PageV20P255 # بين الربوتين، والفلق أيضا مقطرة (1) السجان. فأما الفلق (بالكسر): ~~فالداهية والامر العجب، تقول منه: أفلق الرجل وافتلق. وشاعر مفلق، وقد جاء ~~بالفلق [أي بالداهية]. والفلق أيضا: القضيب يشق باثنين، فيعمل منه قوسان، ~~يقال لكل واحدة منهما فلق، وقولهم: جاء بعلق فلق، وهي الداهية، لا يجرى ~~[مجرى عمر] (2). يقال منه: أعلقت وأفلقت، أي جئت بعلق فلق. ومر يفتلق في ~~عدوه، أي يأتي بالعجب من شدته. # وقوله تعالى: (من شر ما خلق) قيل: هو إبليس وذريته. وقيل جهنم. وقيل: # هو عام، أي من شر كل ذي شر خلقه الله عز وجل. # الخامسة - قوله تعالى: (ومن شر غاسق إذا وقب) اختلف فيه، فقيل: هو الليل. ~~والغسق: أول ظلمة الليل، يقال منه: غسقا الليل يغسق أي أظلم. قال [ابن] قيس ~~الرقيات: # إن هذا الليل قد غسقا * واشتكيت الهم والارقا وقال آخر: # يا طيف هند لقد أبقيت لي أرقا * إذ جئتنا طارقا والليل قد غسقا هذا قول ~~ابن عباس والضحاك وقتادة والسدي وغيرهم. و " وقب " على هذا التفسير: # أظلم، قاله ابن عباس. والضحاك: دخل. قتادة: ذهب. يمان بن رئاب: سكن. # وقيل: نزل، يقال: وقب العذاب على الكافرين، نزل. قال الشاعر: # وقب العذاب عليهم فكأنهم * لحقتهم نار السموم فاحصدوا وقال الزجاج: قيل ~~الليل غاسق لأنه أبرد من النهار. والغاسق: البارد. والغسق: البرد، ولأن في ~~الليل تخرج السباع من آجامها، والهوام من أماكنها، وينبعث أهل الشر على ~~العيث # PageV20P256 # والفساد. وقيل: الغاسق: الثريا، وذلك أنها إذا سقطت كثرت الأسقام ~~والطواعين، وإذا طلعت ارتفع ذلك، قال عبد الرحمن بن زيد. وقيل: هو الشمس ~~إذا غربت، قاله ابن شهاب. وقيل: هو القمر. قال القتبي: " إذا وقب " القمر: ~~إذا دخل في ساهوره، وهو كالغلاف له، وذلك إذا خسف به. وكل شئ أسود فهو غسق. ~~وقال قتادة: " إذا ms6867 وقب " إذا غاب. وهو أصح، لان في الترمذي عن عائشة: أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى القمر، فقال: [يا عائشة، استعيذي بالله ~~من شر هذا، فإن هذا هو الغاسق إذا وقب]. # قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وقال أحمد بن يحيى ثعلب عن ابن ~~الأعرابي في تأويل هذا الحديث: وذلك أن أهل الريب يتحينون وجبة القمر. ~~وأنشد: # أراحني الله من أشياء أكرهها * منها العجوز ومنها الكلب والقمر هذا يبوح ~~وهذا يستضاء به * وهذه ضمرز قوامة السحر (1) وقيل: الغاسق: الحية إذا لدغت. ~~وكأن الغاسق نابها، لان السم يغسق منه، أي يسيل. ووقب نابها: إذا دخل في ~~اللديغ. وقيل: الغاسق: كل هاجم يضر، كائنا ما كان، من قولهم: غسقت القرحة: ~~إذا جرى صديدها. # السادسة - قوله تعالى: (ومن شر النفاثات في العقد) يعني الساحرات اللائي ~~ينفثن في عقد الخيط حين يرقين عليها. شبه النفخ كما يعمل من يرقي. قال ~~الشاعر: # أعوذ بربي من النافثات * في عضه العاضه المعضه (2) وقال متمم بن نويرة: # نفثت في الخيط شبيه الرقي * من خشية الجنة والحاسد وقال عنترة: # فإن يبرأ فلم أنفث عليه * وإن يفقد فحق له الفقود # PageV20P257 # السابعة - روى النسائي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # [من عقد عقدة ثم نفث فيها، فقد سحر ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق (1) شيئا ~~وكل إليه]. # واختلف في النفث عند الرقي فمنعه قوم، وأجازه آخرون. قال عكرمة: لا ينبغي ~~للراقي أن ينفث، ولا يمسح ولا يعقد. قال إبراهيم: كانوا يكرهون النفث في ~~الرقي. وقال بعضهم: # دخلت على الضحاك وهو وجع، فقلت: ألا أعوذك يا أبا محمد؟ قال: بلى، ولكن ~~لا تنفث، فعوذته بالمعوذتين. وقال ابن جريج قلت لعطاء: القرآن ينفخ به أو ~~ينفث؟ قال: # لا شئ من ذلك ولكن تقرؤه هكذا. ثم قال بعد: انفث إن شئت. وسئل محمد بن ~~سيرين عن الرقية ينفث فيها، فقال: لا أعلم بها بأسا، وإذا اختلفوا فالحاكم ~~بينهم السنة. روت عائشة أن النبي صلى الله عليه ms6868 وسلم كان ينفث في الرقية، ~~رواه الأئمة، وقد ذكرناه أول السورة وفي " سبحان " (2). وعن محمد بن حاطب ~~أن يده احترقت فأتت به أمه النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل ينفث عليها ~~ويتكلم بكلام، زعم أنه لم يحفظه. وقال محمد بن الأشعث: # ذهب بي إلى عائشة رضي الله عنها وفي عيني سوء، فرقتني ونفثت. # وأما ما روي عن عكرمة من قول: لا ينبغي للراقي أن ينفث، فكأنه ذهب فيه ~~إلى أن الله تعالى جعل النفث في العقد مما يستعاذ به، فلا يكون بنفسه عوذة. ~~وليس هذا هكذا، لان النفث في العقد إذا كان مذموما لم يجب أن يكون النفث ~~بلا عقد مذموما. ولأن النفث في العقد إنما أريد به السحر المضر بالأرواح، ~~وهذا النفث لاستصلاح الأبدان، فلا يقاس ما ينفع بما يضر. وأما كراهة عكرمة ~~المسح فخلاف السنة. قال علي رضي الله عنه: # اشتكيت، فدخل على النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أقول: اللهم إن كان أجلي ~~قد حضر فأرحني، وإن كان متأخرا فاشفني وعافني، وإن كان بلاء فصبرني. فقال ~~النبي صلى الله عليه # PageV20P258 # وسلم [كيف قلت]؟ فقلت له: فمسحني بيده، ثم قال: [اللهم أشفه] فما عاد ذلك ~~الوجع بعد. وقرأ عبد الله بن عمرو وعبد الرحمن بن سابط وعيسى بن عمر ورويس ~~عن يعقوب " من شر النافثات " في وزن (فاعلات). ورويت عن عبد الله بن القاسم ~~مولى أبي بكر الصديق رضي الله عنهما. وروي أن نساء سحرن النبي صلى الله ~~عليه وسلم في إحدى عشرة عقدة، فأنزل الله المعوذتين إحدى عشرة آية. قال ابن ~~زيد: كن من اليهود، يعني السواحر المذكورات. وقيل: هن بنات لبيد بن الأعصم. # الثامنة - قوله تعالى: (ومن شر حاسد إذا حسد) قد تقدم في سورة " النساء " ~~معنى الحسد (1)، وأنه تمنى زوال نعمة المحسود وإن لم يصر للحاسد مثلها. ~~والمنافسة هي تمني مثلها وإن لم تزل. فالحسد شر مذموم. والمنافسة مباحة وهي ~~الغبطة. وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [المؤمن يغبط، والمنافق ~~يحسد]. وفي ms6869 الصحيحين: # [لا حسد إلا في اثنتين] يريد لا غبطة. وقد مضى في سورة " النساء " (2) ~~والحمد لله. # قلت: قال العلماء: الحاسد لا يضر إلا إذا ظهر حسده بفعل أو قول، وذلك بأن ~~يحمله الحسد على إيقاع الشر بالمحسود، فيتبع مساوئه، ويطلب عثراته. قال صلى ~~الله عليه وسلم: # [إذا حسدت فلا تبغ...] الحديث. وقد تقدم. والحسد أول ذنب عصي الله به في ~~السماء، وأول ذنب عصي به في الأرض، فحسد إبليس آدم، وحسد قابيل هابيل. ~~والحاسد ممقوت مبغوض مطرود ملعون ولقد أحسن من قال: # قل للحسود إذا تنفس طعنة * يا ظالما وكأنه مظلوم التاسعة - هذه سورة دالة ~~على أن الله سبحانه خالق كل شر، وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يتعوذ من ~~جميع الشرور. فقال: " من شر ما خلق ". وجعل خاتمة ذلك الحسد، # PageV20P259 # تنبيها على عظمه، وكثرة ضرره. والحاسد عدو نعمة الله. قال بعض الحكماء: ~~بارز الحاسد ربه من خمسة أوجه: أحدها - أنه أبغض كل نعمة ظهرت على غيره. ~~وثانيها - أنه ساخط لقسمة ربه، كأنه يقول: لم قسمت هذه القسمة؟ وثالثها - ~~أنه ضاد فعل الله، أي إن فضل الله يؤتيه من يشاء، وهو يبخل بفضل الله. ~~ورابعها - أنه خذل أولياء الله، أو يريد خذلانهم وزوال النعمة عنهم. ~~وخامسها - أنه أعان عدوه إبليس. وقيل: الحاسد لا ينال في المجالس إلا ~~ندامة، ولا ينال عند الملائكة ألا لعنة وبغضاء، ولا ينال في الخلوة إلا ~~جزعا وغما، ولا ينال في الآخرة إلا حزنا واحتراقا، ولا ينال من الله إلا ~~بعدا ومقتا. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثة لا يستجاب ~~دعاؤهم: آكل الحرام، ومكثر الغيبة، ومن كان في قلبه غل أو حسد للمسلمين). ~~والله سبحانه وتعالى أعلم. # سورة " الناس " مثل " الفلق " لأنها إحدى المعوذتين. وروى الترمذي عن ~~عقبة بن عامر الجهني عن النبي صلى الله عليه وسلم: (لقد أنزل الله علي آيات ~~لم ير مثلهن: " قل أعوذ برب الناس " إلى آخر السورة " وقل أعوذ برب الفلق " ~~إلى آخر السورة). قال: # هذا حديث ms6870 حسن صحيح. ورواه مسلم. # بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: قل أعوذ برب الناس (1) ملك الناس (2) ~~إله الناس (3) قوله تعالى: " قل أعوذ برب الناس " أي مالكهم ومصلح أمورهم. ~~وإنما ذكر أنه رب الناس، وإن كان ربا لجميع الخلق لامرين: أحدهما: لان ~~الناس معظمون، فأعلم بذكرهم أنه رب لهم وإن عظموا. الثاني: لأنه أمر ~~بالاستعاذة من شرهم، فأعلم بذكرهم PageV20P260 # أنه هو الذي يعيذ منهم. إنما قال: " ملك الناس إله الناس " لان في الناس ~~ملوكا يذكر أنه ملكهم. وفي الناس من يعبد غيره، فذكر أنه إلههم ومعبودهم، ~~وأنه الذي يجب أن يستعاذ به ويلجأ إليه، دون الملوك والعظماء. # قوله تعالى: من شر الوسواس الخناس (4) يعني: من شر الشيطان. والمعنى: من ~~شر ذي الوسواس، فحذف المضاف، قاله الفراء: وهو (بفتح الواو) بمعنى الاسم، ~~أي الموسوس. و (بكسر الواو) المصدر، يعني الوسوسة. وكذا الزلزال والزلزال. ~~والوسوسة: حديث النفس. يقال: وسوست إليهم نفسه وسوسة ووسوسة (بكسر الواو). ~~ويقال لهمس الصائد والكلاب وأصوات الحلي: # وسواس. قال ذو الرمة: # فبات يشئزه ثاد ويسهره * تذؤب الزيح والوسواس والهضب (1) وقال الأعشى: # تسمع للحلى وسواسا إذا انصرفت * كما استعان بريخ عشرق زجل (2) وقيل: إن ~~الوسواس الخناس ابن لإبليس، جاء به إلى حواء، ووضعه بين يديها وقال: # اكفليه. فجاء آدم [عليه السلام] (3) فقال: ما هذا [يا حواء] (3)! قالت: ~~جاء عدونا بهذا وقال لي: اكفليه. فقال: ألم أقل لك لا تطيعيه في شئ، هو ~~الذي غرنا حتى وقعنا في المعصية؟ # وعمد إلى الولد فقطعه أربعة أرباع، وعلق كل ربع على شجرة، غيظا له، فجاء ~~إبليس فقال: # يا حواء، أين ابني؟ فأخبرته بما صنع به أدم [عليه السلام] فقال: يا خناس، ~~فحيي فأجابه. فجاء به إلى حواء وقال: اكفليه، فجاء آدم [عليه السلام] فحرقه ~~بالنار، ودر رماده في البحر، فجاء إبليس [عليه اللعنة] فقال: يا حواء، أين ~~ابني؟ فأخبرته بفعل آدم إياه، فذهب # PageV20P261 # إلى البحر، فقال: يا خناس، فحيي فأجابه. فجاء به إلى حواء الثالثة، وقال: ~~اكفليه. فنظر، إليه آدم، فذبحه وشواه، وأكلاه ms6871 جميعا. فجاء إبليس فسألها ~~فأخبرته [حواء] (1). فقال: # يا خناس، فحيي فأجابه [فجاء به] من جوف آدم وحواء. فقال إبليس: هذا الذي ~~أردت، وهذا مسكنك في صدر ولد آدم، فهو ملتقم قلب ابن آدم ما دام غافلا ~~يوسوس، فإذا ذكر الله لفظ قلبه وانخنس. ذكر هذا الخبر الترمذي الحكيم في ~~نوادر الأصول بإسناد عن وهب ابن منبه. وما أظنه يصح، والله تعالى أعلم. ~~ووصف بالخناس لأنه كثير الاختفاء، ومنه قوله تعالى: " فلا أقسم بالخنس " ~~(2) [التكوير: 15] يعني النجوم، لاختفائها بعد ظهورها. وقيل: لأنه يخنس إذا ~~ذكر العبد الله، أي يتأخر. وفي الخبر [إن الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، ف ~~إذا غفل وموس، وإذا ذكر الله خنس] أي تأخر وأقصر. وقال قتادة: " الخناس " ~~الشيطان له خرطوم كخرطوم الكلب في صدر الانسان، فإذا غفل الانسان (3) وسوس ~~له، وإذا ذكر العبد ربه خنس. يقال: خنسته فخنس، أي أخرته فتأخر. وأخنسته ~~أيضا. ومنه قول أبي العلاء الحضرمي - أنشد رسول الله صلى الله عليه وسلم: # وإن دحسوا بالشر فاعف تكرما * وإن خنسوا عند (4) الحديث فلا تسل الدحس: ~~الافساد. وعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [إن الشيطان واضع ~~خطمه على قلب ابن آدم، فإذا ذكر الله خنس، وإذا نسي الله التقم قلبه ~~فوسوس]. # وقال ابن عباس: إذا ذكر الله العبد خنس من قلبه فذهب، وإذا غفل التقم ~~قلبه فحدثه ومناه. وقال إبراهيم التيمي: أول ما يبدو الوسواس من قبل ~~الوضوء. وقيل: سمي خناسا لأنه يرجع إذا غفل العبد عن ذكر الله. والخنس: ~~الرجوع. وقال الراجز: # وصاحب يمتعس (5) امتعاسا * يزداد إن حييته (6) خناسا # PageV20P262 # وقد روى ابن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: " الوسواس الخناس " وجهين: # أحدهما - أنه الراجع بالوسوسة عن الهدى. الثاني: أنه الخارج بالوسوسة من ~~اليقين. # قوله تعالى: الذي يوسوس في صدور الناس (5) قال مقاتل: إن الشيطان في صورة ~~خنزير، يجري من ابن آدم مجرى الدم في العروق، سلطه الله على ذلك، فذلك قوله ~~تعالى: " الذي يوسوس في صدور الناس ". وفي الصحيح ms6872 عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: [إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم]. وهذا يصحح ما قاله مقاتل. ~~وروى شهر بن حوشب عن أبي ثعلبة الخشني قال: سألت الله أن يريني الشيطان ~~ومكانه من ابن آدم فرأيته، يداه في يديه، ورجلاه في رجليه، ومشاعبه في ~~جسده، غير أن له خطما كخطم الكلب، فإذا ذكر الله خنس ونكس، وإذا سكت عن ذكر ~~الله أخذ بقلبه. فعلى، ما وصف أبو ثعلبة أنه متشعب في الجسد، أي في كل عضو ~~منه شعبة. وروي عن عبد الرحمن بن الأسود أو غيره من التابعين أنه قال - وقد ~~كبر سنه -: ما أمنت الزنى وما يؤمنني أن يدخل الشيطان ذكره فيوتده! فهذا ~~القول ينبئك أنه متشعب في الجسد، وهذا معنى قول مقاتل. ووسوسته: هو الدعاء ~~لطاعته بكلام خفي، يصل مفهومه إلى القلب من غير سماع صوت. # قوله تعالى: من الجنة والناس (6) أخبر أن الموسوس قد يكون من الناس. قال ~~الحسن: هما شيطانان، أما شيطان الجن فيوسوس في صدور الناس، وأما شيطان ~~الانس فيأتي علانية. وقال قتادة: إن من الجن شياطين، وإن من الانس شياطين، ~~فتعوذ بالله من شياطين الإنس والجن. وروي عن أبي ذر أنه قال لرجل: هل تعوذت ~~بالله من شياطين الانس؟ فقال: أو من الانس شياطين؟ قال: # نعم، لقوله تعالى: " وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين (1) الإنس والجن " ~~[الانعام: 112]... الآية. وذهب قوم إلى أن الناس هنا يراد به الجن. سموا ~~ناسا كما سموا رجالا في قوله: " وأنه كان رجال من # PageV20P263 # الانس يعوذون برجال من الجن " (1) [الجن: 6] - وقوما ونفرا (2). فعلى هذا ~~يكون " والناس " عطفا على " الجنة "، ويكون التكرير لاختلاف اللفظين. وذكر ~~عن بعض العرب أنه قال وهو يحدث: # جاء قوم من الجن فوقفوا. فقيل: من أنتم؟ فقالوا: ناس من الجن. وهو معنى ~~قول الفراء. # وقيل: الوسواس هو الشيطان. وقوله: " من الجنة " بيان أنه من الجن " ~~والناس " معطوف على الوسواس. والمعنى: قل أعوذ برب الناس من شر الوسواس، ~~الذي هو من الجنة، ومن شر الناس. فعلى ms6873 هذا أمر بأن يستعيذ من شر الإنس ~~والجن. والجنة: جمع جني، كما يقال: إنس وإنسي. والهاء لتأنيث الجماعة. ~~وقيل: إن إبليس يوسوس في صدور الجن، كما يوسوس في صدور الناس. فعلى هذا ~~يكون " في صدور الناس " عاما في الجميع. و " من الجنة والناس " بيان لما ~~يوسوس في صدره. وقيل: معنى " من شر الوسواس " أي الوسوسة التي تكون من ~~الجنة والناس، وهو حديث النفس. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: [إن الله عز وجل تجاوز لامتي عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم ~~به]. # رواه أبو هريرة، أخرجه مسلم. فالله تعالى أعلم بالمراد من ذلك. # PageV20P264 # خاتم الطبع بحمد لله وتوفيقه، تمت هذه الطبعة الثانية لتفسير الامام ~~القرطبي، بمطبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، في غرة شهر ذي الحجة ~~من سنة 1386 ه‍ - الموافق 12 من مارس سنة 1967 م، وذلك في عهد الثورة ~~الاشتراكية المباركة، رغبة من رئيسها العظيم السيد جمال عبد الناصر، ورجال ~~حكومته المخلصين لدينهم وعروبتهم، وثقافتهم الاسلامية، في إذاعة الثقافة ~~الدينية العالية والثقافة العربية، في جميع الآفاق العربية والاسلامية. # وقد زادت الدار من عنايتها في هذه الطبعة من تفسير القرطبي، فحرصت على أن ~~تراجع المطبوعة الحديثية على جميع الأصول المخطوطة القديمة، وعلى ما عثر ~~عليه حديثا منها، ولذلك جاءت هذه الطبعة أوفى تدقيقا وتحقيقا، وأكثر ضبطا ~~وتيسيرا، من الطبعات التي سبقتها. # والله تعالى يوفق الدار إلى المزيد من إخراج الأصول المهمة في الدين ~~واللغة والأدب في عهد هذه الثورة المباركة التي يقودها الرئيس المفدى السيد ~~/ جمال عبد الناصر، إنه مجيب الدعاء. # مصطفى السقا الأستاذ بجامعة القاهرة PageV20P265 # بحمد الله وعونه، تم طبع الجزء العشرين وهو الأخير، من كتاب " الجامع ~~لاحكام القرآن لأبي عبد الله محمد بن أحمد بن فرج الأنصاري القرطبي "# ~~PageV20P266 #####ENDNOTES# (1) اسم الحوت. # (2) راجع ج 1 ص 257. # (3) ج 1 ص 313. # (4) ج 1 ص 327. # (5) راجع ج 10 ص 370. # (6) ج 14 ص 320 والوصع: # عصفور صغير. # (7) الأوعال: جمع وعل، وهو التيس الجبلي. # (8) ج 18 ms6874 ص 267. (1) عن الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب (مذهب مالك) لابن ~~فرحون، ونفح الطيب للمقري. (1) المللون: الليل والنهار. # (2) آية 38 سورة الأنعام. # (3) في سنن ابن ماجة: " من الناس ". (1) آية 143 سورة البقرة. # (2) آية 29 سورة ص. # (3) آية 24 سورة القتال. # (4) آية 44 سورة النحل. # (5) آية 11 سورة المجادلة. (1) المنة (بالضم): القوة. # (2) آية 13 سورة القيامة. # (3) آية 5 سورة الانفطار. (1) في نسخة: ويؤجرون عنها إذا أجيبوا. # (2) آية 21 سورة الحشر. (1) ورد هذا الحديث في صحيح الترمذي (ج 2 ص 149 طبع بولاق) مع اختلاف في ~~بعض كلماته . زيادة ونقص. # (2) قوله: يا أعور: لقب الحارث بن عبد اله المذكور ف يسند هذا الحديث (1) جرت العادة بالاقتصار على الرمز في حدثنا وأخبرنا، واستمر الاصطلاح ~~عليه من قديم الأعصار إلى زماننا، واشتهر ذلك بحيث لا يخفى، فيكتبون من ~~حدثنا " ثنا " وهي الثاء والنون والألف، وربما حذفوا الثاء. ويكتبون من ~~أخبرنا " أنا " ولا تحسن زيادة الباء قبل " نا "، وإذا كان للحديث إسنادان ~~أو أكثر كتبوا عند الانتقال من إسناد إلى إسناد " ح " وهي حاء مهملة، ~~والمختار أنها. مأخوذة من التحول، لتحوله من إسناد إلى إسناد، وأنه يقول ~~القارئ إذا انتهى إليها: " ح " ويستمر في قراءة ما بعدها. وقيل: إنها من ~~حال بين الشيئين إذا حجز، لكونها حالت بين الاسنادين وأنه لا يلفظ عند ~~الانتهاء إليها بشئ، بل وليست من الرواية. وقيل: إنها رمز إلى قوله: " ~~الحديث ". # وأن أهل المغرب كلهم يقولون إذا وصلوا إليها: الحديث. ثم هذه الحاء توجد ~~في كتب المتأخرين كثيرا، وهي كثيرة في صحيح مسلم، قليلة في صحيح البخاري. ~~(عن مقدمة النووي على صحيح مسلم). (1) سعيد هذا، هو سعيد بن عبد العزيز بن أبي يحيى التنوخي، أحد رجال سند ~~هذا الحديث. وفي الأصول: # " سعد " وهو تحريف. # (2) هكذا في نسخ الأصل وسنن الدارمي. ولعل الغرض وذوو الأحكام، أو هو جمع ~~حكيم كشريف وأشرف أو حكم كبطل وأبطال. # (3) " كوماوين " تثنية كوماء، أي مشرفة السنام عاليته. # (4) قوله: فيعلم. ضبط بنصب الفعل ورفعه وبتشديد اللام ms6875 من التعلم، ~~وبتخفيفها من العلم (١) الذي في نسخ الأصل: " يجئ صاحب القرآن ~~". والتصويب عن سنن الترمذي. (1) آية 123 سورة طه. # (2) آية 204 سورة الأعراف. # (3) قوله: " وهو أول مسند " الخ. قال صاحب الظنون: " والذي حمل قائل هذا ~~القول تقدم عصره على أعصار من صنف المسانيد، وظن أنه هو الذي صنفه وليس ~~كذلك، فإنه ليس من تصنيف أبي داود، وإنما بعض الحفاظ الخراسانيين جمع فيه ~~ما رواه يوسف بن حبيب خاصة عن أبي داود. ولأبي داود من الأحاديث التي لم ~~تدخل هذا المسند قدره أو أكثر، كما ذكره البقاعي في حاشية الألفية ". وقد ~~توفي الطيالسي سنة 204 ه‍. (1) رأي هنا بمعنى علم، وفي بعض النسخ: " رأيته " بالبناء للمجهول، ومعناه ~~الظن. # (2) آية 41، 42 سورة فصلت (1) الهذ والهذذ: سرعة القطع وسرعة القراءة. # (2) آية 78 سورة الإسراء. # (3) آية 18 سورة القيامة. # (4) هو حسان بن ثابت رضي الله عنه. # (5) الشمط بالتحريك: بياض شعر الرأس يخالطه سواده. وقيل: الشمط في الرجل ~~شيب اللحية. (1) آية 51 سورة العنكبوت. # (2) آية 41 سورة النساء. # (3) هجيراهم: دأبهم وعادتهم. (1) آية 92 سورة الأعراف. (١) قوله: ما أذن.... الخ قال المناوي: يعني ما رضى الله من المسموعات شيئا ~~هو أرضى عنده ولا أحب إليه من قول نبي يتغنى بالقرآن، أي يجهر به ويحسن صوته بالقراءة بخشوع ~~وتحزن، وأراد بالقران ما يقرأ من الكتب المنزلة. # (2) قوله: " اربعوا " أي كفوا وارفقوا. # (3) التفصي: التقلب والخروج. (1) سيذكر المؤلف في باب (ذكر معنى الصورة والآية) الخ: أن الشبهات هي ~~الحروف، ولم أر هذا التعبير لغيره. # (2) آية 9 سورة الحجر. # (3) آية 42 سورة فصلت. (1) آية 4 سورة المزمل. # (2) الزيادة عن سنن الترمذي وأبي داود. # (3) آية 36 سورة النساء. # (4) آية 110 سورة الكهف. (1) المسوك (جمع مسك، بفتح ثم سكون): الجلد. (1) آية 94 سورة الشعراء. (1) آية 79 سورة آل عمران. # (2) آيتا 57، 58 سورة يونس. (1) يجوز أن يكون أمر أبي الأسود بوضع النحو تكرر من عمر ومن علي. (1) آية 4 سورة المدثر. # (2) أورد المؤلف في تفسير سورة المدثر ج 19 ص ms6876 62 هذا البيت برواية أخرى ~~هكذا: # فاني بحمد الله لا ثوب فاجر * لبست ولا من غدرة أتقنع. # (3) كذا في اللسان والكامل للمبرد. وفي الأصول: أكارعه ". # (4) آية 48 سورة الرحمن. # (5) آية 14 سورة النازعات. # (6) كذا في الأصول، ولعل ابن عباس يريد ما تضمنه البيت الذي قاله أمية ~~والذي ذكره ابن الأنباري فيما يلي، وسيأتي للمصنف في تفسير سورة النازعات ج ~~19 ص 197 هذا البيت. # (7) الفند (بالتحريك): ضعف الرأي من الكبر، وقد يستعمل في غير الكبر. (1) آية 85 سورة القصص. # (2) آية 100 سورة النساء. # (3) الزيادة من تفسير قطب الدين الشيرازي. (١) يقال: تلبس بالثوب بمعنى لبسه. # (٢) تنخع كتنخم وزنا ومعنى. # (٣) التور، إناء يشرب فيه. # (٤) في نوادر الأصول: " إعرابه ". وكلاهما مروي عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقد روى أبو هريرة عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " أعربوا القرآن والتمسوا غرائبه " رواه الحاكم ~~والبيهقي. (1) آية 24 سورة الحاقة. (1) الدبار: الهلاك. وفي نوادر الأصول: " فالدمار " بالميم بدل الباء ~~الموحد. (1) قوله: أحد رواته. هو سهيل بن أبي حزم واسمه مهران ويقال: عبد الله. # (2) جاء في لسان العرب مادة بوأ تفسيرا لهذا البيت: " اي نزلت من الكرم ~~في صميم النسب ". # (3) قوله: فيتسور عليه. تسور الحائط. هجم مثل اللص. ويغنى به هنا التهجم ~~والاقدام بغير بصيرة ولا تدبر. (1) اية 59 سورة النساء. # (2) اية 24 سورة طه. (1) هكذا في كل النسخ التي بأيدينا. # (2) آية 59 سورة الإسراء. (1) من قولهم: أبقيت على فلان إذا أشفقت عليه ورحمته. # (2) اسمه عبد الله بن أبي أو في اليشكري كما في تاريخ الطبري في عدة ~~مواضع. # (3) قوله: من تلك الآخاذ. يعني ان فيهم والكبير، والعالم والأعلم. (1) جاء في حاشية بهامش الأصل: انه سمى زيدا العمى لأنه كان ينادى من رآه ~~بياعم. وجاء في تهذيب التهذيب عند الكلام على اسم زيد المذكور: انه زيد بن ~~الحوارى أبو الحوارى العمى، وهو مولى زياد بن أبيه ولقب بذلك لأنه كان إذا ~~سئل عن الشئ يقول: حتى اسأل عمي. # (2) اسمه باذام، وقيل: باذان، بمعجمة ms6877 بين الفين. يروي عن علي وابن عباس ~~ومولاته أم هاني، كما في تهذيب التهذيب. (1) اية 44 سورة النحل. # (2) آية 63 سورة النور. # (3) آية 52 سورة الشورى. # (4) آية 7 سورة الحشر. # (5) آية 36 سورة الأحزاب. (1) الحجلة: مثل القبة. # (2) آية 6 سورة التغابن. # (3) آية 126 سورة النحل. (1) في الأصول: " المسمي في ذكر أسماء... الخ ". (1) الاضاء (كحضاة): غدير صغير وقيل: هو مسيل الماء الغدير وهو موضع قريب ~~من مكة فوق سرف. # وغفار: قبيلة من كنانة. (1) آية 13 سورة الحديد. # (2) آية 20 سورة البقرة. (1) هو محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر بن القاضي أبو بكر الباقلاني. # (2) آية 60 سورة المائدة. # (3) آية 12 سورة يوسف. (1) آية 3 سورة الزخرف. # (2) زيادة عن ابن عطية. # (3) آية 89 سورة الأعراف. # (4) آية 47 سورة النحل. (1) آية 10 سورة ق. # (2) آية 24 سورة مريم. (1) آية 11 سورة الحج. (1) أبو السمال (بفتح السين وتشديد الميم وباللام): هو قعنب بن أبي قعنب ~~العدوى البصري، له اختيار في القراءات شاذ عن العامة. وقد ذكر في الطبعة ~~الأولى في هذا الموضع وفي ص 368 محرفا، والتصويب عن طبقات القراء. (1) اية 9 سورة الحجر. # (2) قوله: لببته بردائه. اي جمعت ثيابه عند صدره ونحره ثم جررته. # (3) ارسل الشئ: اطلقه. (1) قوله: استحر، اي اشتد وكثر. (1) الأكتاف: جمع كتف وهو عظم عريض يكون في أصل كتف الحيوان كانوا يكتبون ~~فيه لقلة القراطيس عندهم. # (2) العسب: جمع عسيب وهو جريد النخل إذا نزع منه خوصه. (1) خزيمة ذو الشهادتين غير أبي خزيمة بالكنية (القسطلاني). (1) في آية 161 راجع ج 4 ص 256 (1) الحلولية: فرقة من المتصوفة تقول: ان الله حال في كل شئ وفي كل جزء منه ~~متحد بن حتى جوزوا ان يطلق على كل شئ انه الله. والحشوية: طائفة من ~~المبتدعة تمسكوا بالظواهر وذهبوا إلى التجسيم وغيره. (1) زيادة عن البخاري. وقوله: ونحن ورثناه. أي أبا زيد. (1) اية 222 من السورة المذكورة. # (2) كذا في الأصول. والذي في التهذيب وغيره: ابن زيد. (1) راجع ج 8 ص 61. (1) آخر سورة " النساء ". (1) هو قيس ms6878 بن الخطيم. وتمام البيت: * وتقرب الأحلام غير قريب * وفي اللسان ~~مادة " سرب ": " قال ابن بري: ابن دريد " سربت " بباء موحدة لقوله: وكنت ~~غير سروب ومن رواه " سريت " بالياء باثنتين فمعناه: كيف سربت ليلا، وأنت لا ~~تسربين نهارا ". (1) في الأصول: " مسلم " والراوي عن حمزة هو سليم بن عيسى الكوفي وهو أخص ~~أصحاب حمزة به (طبقات القراء). (1) هو الراعي. وصدر البيت: * هن الحرائر ربات أخمرة * (2) آية 248 سورة " ~~البقرة ". # (3) قال في اللسان مادة (أيا) جمع الجمع نادر. (1) لم نر هذا التعبير لغير المؤلف، وقد سبق التعبير به في ص 16 من هذا ~~الجزء. # (2) سورة النور آية 55. # (3) سورة هود آية 28. # (4) سورة الحجر آية 22. # (5) كأنه اعتبر هاء الضمير كلمة أخرى في الرسم فقط. # (6) سورة الرحمن آية 64. # (7) سورة الأعراف آية 137. # (8) سورة القصص اية 5. # (9) سورة الفتح آية 26. (1) في الأصول: " والأخرى فرع، لا أنا ندفع... الخ ". والزيادة والتصويب عن ~~ابن عطية. (1) أقراء الشعر: أنواعه وطرقه وبحوره وأنحاؤه. # (2) راجع ج 15 ص 337. # (3) راجع ج 17 ص 1. # (4) راجع ج 15 ص 277. # (5) راجع ج 9 ص 376. # (6) راجع ج 15 ص 300. # (7) راجع ج 9 ص 296. (1) راجع ج 19 ص 70. # (2) راجع ج 18 ص 161. # (3) راجع ج 18 ص 139. # (4) راجع ج 18 ص 157. # (5) راجع ج 8 ص 44. (1) راجع ج 8 ص 121. # (2) راجع ج 12 ص 297. # (3) راجع ج 16 ص 289. # (4) راجع ج 7 ص 369. # (5) راجع ج 14 ص 1. # (6) راجع ج 5 ص 290. (1) آية 7 سورة القصص. # (2) آية 185 سورة آل عمران. (1) آية 40 سورة العنكبوت. # (2) آية 33، 34 سوره الطور. # (3) آية 13 سورة هود. # (4) آية 23 سورة البقرة. # (5) اللحن (بالتحريك): الفطنة واللغة. # (6) اللسن (بالتحريك) الفصاحة. (1) أبو البختري: هو وهب بن وهب بن وهب بن كثير. انتقل من المدينة إلى ~~بغداد في خلافة هارون الرشيد فولاه القضاء بعسكر المهدى (المحلة المعروفة ~~بالرصافة بالجانب الشرقي من بغداد) ثم عزله وولاه القضاء بمدينة الرسول صلى ~~الله عليه وسلم بعد بكار الزبيري وجعل إليه ولاية حربها مع القضاء ثم عزله ~~فقدم بغداد وأقام بها إلى أن توفى سنة مائتين ms6879 (1) راجع ج 10 ص 326. (1) آية 118 سورة المائدة. # (2) بتشديد النون، قراءة نافع. (1) يلاحظ أن الذي في المصحف نونان. (1) راجع ج 2 ص 61. (١) لعله عمرو بن مرة المذكور في سند هذا الحديث (انظر سنن ابن ماجة ج ١ ص ~~١٣٩ وسنن أبي داود ج ١ ص ٧٧ طبع مصر). # (2) في بعض النسخ: " أبي القاسم ". # (3) في بعض النسخ: " المسي ". (1) آية 52 سورة الحج. # (2) آية 98 سورة النحل. (1) قوله: يقال له خنزب. في نهاية ابن الأثير: " قال أبو عمرو: وهو لقب له، ~~والخنزب (بالفتح): # قطعة لحم منتنة ويروى بالكسر والضم ". # (2) الزيادة عن لسان العرب مادة (حجر). (1) هو النابغة الذبياني، كما في لسان العرب مادة (شطن). # (2) الزيادة عن لسان العرب مادة (شطن). # (3) في الأصول: " إذا بطل " والتصويب عن اللسان. # (4) الفائل: عرق في الفخذين يكون في خربة الورك ينحدر في الرجلين. # (5) عكاه في الحديد والوثاق إذا أشده. # (6) راجع ج 1 ص 111 و ج 13 ص 121. (١) نص القصة كما في وفيات الأعيان والرسالة القشيرية: "... وسبب توبته أنه أصاب ~~في الطريق ورقة مكتوبا فيها اسم الله عز وجل وقد وطئتها الأقدام، فأخذها ~~واشترى بدراهم كانت معه غالية فطيب بها الورقة وجعلها في شق حائط، فرأى في ~~النوم كأن قائلا يقول له: يا بشر، طيبت اسمي لأطيبنك في الدنيا والآخرة ~~فلما انتبه من نومه تاب. (1) راجع ج 10 ص 271. (1) ورد هذا الحديث مضطربا في الأصول والتصويب عن سنن الدارقطني وتهذيب ~~التهذيب. وعبد الحميد بن جعفر هذا، يكنى أبا الفضل، ويقال: أبو حفص، وليس ~~من كنيته أبو بكر. وروى عنه أبو بكر الحنفي. راجع تهذيب التهذيب. # (2) راجع 20 ص 216. (1) الجريري (بضم الجيم وفتح الراء وكسر الثانية وسكون ياء بينهما، نسبة ~~إلى جرير بن عباد بن ضبيعة): # وهو سعيد بن أياس الجريري أبو مسعود البصري. (1) كذا في تهذيب التهذيب وفي الأصول: " عمار عن رزيق " وهو خطأ ". (1) التخمير: التغطية. والوكاء: الخيط الذي تشد به الصرة والكيس وغيرهما. ~~أي شدوا رؤوس الأسقية بالوكاء لئلا يدخلها ms6880 حيوان أو يسقط فيها شئ. (1) هو امر القيس. وتمام البيت وشرحه يأتي في ص 211 من هذا الجزء. # (2) رجل مبترك: معتمد على الشئ ملح. ويلحمه: ينزع عنه اللحم. # (3) كان الأصل اسم نقاب حركة الهمزة إلى السين ثم حذفت الهمزة ولما وصلت ~~الباء به سكنت السين تخفيفا. # (4) المخسوس: المرذول. وجذم كل شئ: أصله. # ومالك: جد أعلى للشاعر. (1) قوله، ماء موله. هو بضم الميم وتخفيف اللام، وتشدد وتفتح الواو. (1) قائله جرير، والينبوت: ضرب من الشجر. # (2) انظر شرح القاموس واللسان مادة " رحم ". (1) هو عملس بن عقيل، كما في هامش بعض نسخ الأصل ولسان العرب مادة رحم. # (2) هو عبد الملك ابن أبي سليمان العرزمي، كما في الخلاصة. # (3) نسبة إلى خوزستان بلاد بين فارس والبصرة. (1) آية 110 سورة الإسراء ج 10 ص 342. # (2) آية 45 سورة الزخرف ج 16 ص 95. (1) أي وقال الله هي مقسومة. # (2) راجع ج 7 ص 389 (1) قال ابن حجر في الإصابة: (وهو خطأ فإنه يستلزم أن تكون قصته مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم وهو صغير، وسياق الحديث يأبى ذلك). # (2) راجع ج 2 ص 149 (1) ضبطه ابن خلكان فقال: (بفتح الراء بعد الألف هاء ساكنة ثم واو مفتوحة ~~وبعدها ياء مثناة من تحتها ساكنة وبعدها هاء ساكنة، وقيل فيها أيضا: راهويه ~~بضم الهاء وسكون الواو وفتح الياء). (1) في تفسير الآلوسي وغيره: سورة الصلاة. # (2) أي في الحديث القدسي. (1) الذي في مسند الدارمي عن عبد الملك بن عمير: قال قال رسول الله (في ~~فاتحة الكتاب شفاء من كل داء). (1) وفي بعض الأصول: غريبا (بالغين المعجمة). # (2) كذا في نسخ الأصل. ولو كان جوابا للامر لكان (تشف) مجزوما. (1) راجع ج 15 ص 249 (1) النقيض: الصوت. (1) راجع ج 7 ص 153. (1) إيلياء: اسم مدينة بيت المقدس. (1) أي في الحديث القدسي. (١) قد ترجمه ابن حجر في التهذيب وابن خلكان في الوفيات ولم يذكروا عنه ضعفا في الحديث ~~ولكن ابن سعد في الطبقات قد وصفه بذلك. (1) أي بتأخر وبعد عن الخير. (1) الزيادة عن اللسان مادة (أمن). (1) اللجة: الصوت. (1) هذا ms6881 حمل منهم للحديث على الفاتحة مع آمين في آخرها. # (2) زيادة عن نوادر الأصول. (1) في بعض نسخ الأصل: (في التذكير). (1) هو حسان بن ثابت رضي الله عنه. (1) آية 28 سورة المؤمنون. # (2) آية 39 سورة إبراهيم. # (3) آية 15 سورة النمل. # (4) آية 111 سورة الإسراء. # (5) آية 34 سورة فاطر. # (6) آية 10 سورة يونس. # (7) عقب ذلك ابن عطية في تفسيره قوله: فالحامد من الناس قسمان: الشاكر ~~والمثنى بالصفات. وبه يتضح كلام المؤلف. # (8) آية 79 سورة الإسراء. (1) آية 32 سورة النجم. # (2) راجع ج 5 ص 246 (1) النواعج من الإبل: السراع. # (2) وصف عقابا تتبع ذئبا لتصيده. وهذا البيت نسبه سيبويه في كتابه مرة ~~للنعمان (ج 2 ص 272) وأخرى لامرئ القيس (ج 1 ص 353). ونسبه البغدادي في ~~خزانة الأدب في الشاهد 266 لامرئ القيس أيضا. وقد ورد في ديوانه: * لا ~~كالذي في هواء الجو... * وعلى هذا لا شاهد فيه. # (3) الحياران: موضع غزا أهله المنذر بن ماء السماء. (1) آية 42 سورة يوسف. # (2) في النحاس: (على التكبير). # (3) راجع ج 4 ص 313. # (4) راجع ج 9 ص 368 (5) آية 23 سورة النساء. (1) سورة الشعراء آية 165. # (2) خندف اسم قبيلة من العرب، وذكر العلامة الشنقيطي أن العجاج كان ينشد: ~~العالم، بالهمز والاسكان. # (3) سورة الفرقان آية 1 (1) آية 23 سورة الشعراء. # (2) آية 49 - 50 سورة الحجر. # (3) آية 3 سورة غافر. # (4) هو عمرو بن كلثوم. (1) هو لبيد بن ربيعة العامري. (1) سورة البقرة آية 247. # (2) سورة النمل آية 20، 21. # (3) سفيان هذا، أحد رواة سند هذا الحديث. (1) سورة البقرة آية 247 (2) ثبج البحر: وسطه ومعظمه. (1) سورة غافر آية 16. # (2) سورة المائدة آية 3. # (3) هو أبو الأخزر الحماني كما في اللسان مادة " يوم ". # (4) قوله: " وهو " أي اليمي. # (5) سورة النور آية 25. # (6) سورة الجاثية آية 28. # (7) سورة الصافات آية 53. (1) في اللسان مادة (دين): " قال خويلد بن نوفل الكلابي للحارث بن أبي شمر ~~الغساني وكان قد اغتصبه ابنته: # يا حار أيقن أن ملكك زائل *.... " الخ (2) الحمولة: الإبل التي يحمل ~~عليها. # (3) الجد (بالضم): البئر الجيدة الموضع من الكلأ. والخطاب لعمرو بن هند ~~وقد أغار على إبل معبد ms6882 أخي طرفة. # (4) درأت وضين البعير: إذا بسطته على الأرض ثم أبركته عليه لتشده به. ~~والوضين: بطان منسوج بعضه على بعض يشد به الرحل على البعير. (1) جو (بالجيم) كما في الأصول والديوان. قال البكري في معجمه: " انه موضع ~~في ديار بني أسد " واستشهد ببيت زهير هذا. وفي القاموس وشرحه في مادة الخو ~~- بالخاء المعجمة -: (ويوم خو لبني أسد، قال زهير - وذكر البيت - قال أبو ~~محمد الأسود ومن رواه بالجيم فقد أخطأه وكان هذا اليوم لهم على بني ~~يربوع..) وفدك: موضع بخيبر. # (2) راجع ج 19 ص 145. # (3) راجع ج 8 ص 324. (1) هو حميد الأرقط. والمعنى: سارت هذه الناقة إليك حتى بلغتك. # (2) قائله طرفة بن العبد. والهاء في (سقته) و (لثاته) يعود على الثغر، ~~وكذا المضمر الذي في (أسف). # ومعنى سقته: حسنته وبيضته وأشربته حسنا. و (أسف): ذر عليه. و (فلم تكدم ~~عليه): أي لم تعضض عظما فيؤثر في ثغرها. (عن شرح المعلقات). (1) راجع ج 7 ص 296 (1) راجع ج 15 ص 73 (2) راجع ج 7 ص 137 (3) أي قوله تعالى: (اهدنا وما ~~بعده. # (4) قال أبو حيان في البحر: واستعماله بحذف النون جائز. كذا في اللسان. # (5) أي إفرادا أو جمعا في الرفع والنصب والجر، كما يؤخذ من لسان العرب. (1) في بعض نسخ الأصل: (الأخفش البصري) وهو أبو الحسن سعيد بن مسعدة. # (2) راجع ج 5 ص 271. # (3) راجع ج 4 ص 19. (1) راجع ج 16 ص 265 (2) راجع ج 6 ص 252 (1) راجع ج 7 ص 170 (2) راجع ج 17 ص 174 (3) كذا ورد هذا الشطر في جميع نسخ ~~الأصل وتفسير ابن عطية وأبي حيان والبيت كما في ديوانه واللسان مادة (جنن): # وأنت ابن ليلى خير قومك مشهدا * إذا ما احمأرت بالعبيط العوامل وهو من ~~قصيدة يمدح بها عبد العزيز بن مروان. وعوالي الرماح: أسنتها واحدتها عالية. ~~والعبيط: الدم الطري. واحمر الشئ واحمأر بمعي. (1) راجع ج 3 ص 375 (2) معاوية هذا، هو أحد رواة سند هذا الحديث. (1) الزيادة عن كتاب الاستيعاب (ج 1 ص 235) طبع الهند. # (2) راجع ms6883 ج 3 ص 268، 431 (3) راجع ج 4 ص 2 (1) في نسخة من الأصل: (ولا يجوز أن نتكلم فيها... وتمر كما) الخ. وفي ~~نسخة: (وتقر كما جاءت). # (2) قال صاحب تهذيب التهذيب: (في التقريب الربيع بن خثيم، بضم المعجمة ~~وفتح المثلثة. ولكن في الخلاصة بفتح المعجمة والمثلثة بينهما تحتانية ~~ساكنة. # (3) في نسخة من الأصل: (تجزون به). (1) راجع ج 4 ص 9 (2) راجع ج 15 ص 356 (1) سورة السجدة آية 6. # (2) يأطر: يثنى. # (3) سورة الأنعام آية 83. # (4) سورة البقرة آية 252 (5) سورة الممتحنة آية 10 (6) ثبج البحر: وسطه ~~ومعظمه. (1) سورة المزمل آية 5 (2) آية 68 راجع ص 448 من هذا الجزء. (1) قوله: (وفراء) أي واسعة. و (غرقية): مدبوغة بالغرف، وهو نبت تدبغ به ~~الجلود. والثأى والثأى (بسكون الهمزة وفتحها): خرم خرز الأديم. والمشلشل: ~~الذي يكاد يتصل قطره وسيلانه لتتابعه. # (2) هو كعب بن مالك الأنصاري، كما في اللسان مادة (ريب). (1) أي بعد الهاء من (فيه). # (2) راجع ج 9 ص 285 (3) راجع ج 16 ص 60 (4) راجع ج 13 ص 299 (5) راجع ج ~~16 ص 230 (6) راجع ج 15 ص 73 (7) راجع ص 146 من هذا الجزء. # (8) راجع ج 7 ص 208 (1) هذا البيت ساقط في جميع الأصول، والزيادة من اللسان مادة (هدى) والبحر ~~المحيط في هذا الموضوع. # (2) النصيف: ثوب تتجلل به المرأة فوق ثيابها كلها، سمى نصيفا لأنه نصف ~~بين الناس وبينها فحجز أبصارهم عنها. (1) سورة يوسف آية 17 (2) سورة آل عمران آية 73 (3) سورة يونس آية 83 (1) تحامل في الامر وبه: تكلفه على مشقة وإعياء. # (2) العج: رفع الصوت بالتلبية. # (3) سورة الأعراف آية 7. # (4) سورة الأنبياء آية 49. (1) البهز (بالضم): تتابع النفس من الاعياء. # (2) سورة الجمعة آية 9 (1) سورة الجمعة آية 10. # (2) سورة البقرة آية 200 (1) سورة محمد آية 33 (2) الأسطوانة: العامود. (1) (بحينة): أمه، وهي بنت الحارث بن عبد المطلب. وأبوه مالك بن القشب بن ~~فضلة الأزدي. # (2) سورة التوبة آية 103. (1) سورة الغاشية آية 4. # (2) كذا في جميع الأصول وفي اللسان والتاج مادة (صلا): # (.. قيس بن زهير). # (3) كذا في جميع الأصول. ms6884 وفي اللسان: (عصاه). # (4) سورة الأنفال آية 35. # (5) سورة طه آية 132. # (6) سورة الصافات آية 143. # (7) سورة البقرة آية 30. # (8) سورة الإسراء آية 110. (1) راجع ج 11 ص 263 (2) التهجير: التبكير إلى كل شئ والمبادرة إليه. # (3) حزبه الامر: نابه واشتد عليه، وقيل: ضغطه. # (4) راجع ج 5 ص 204 فما بعد. # (5) راجع ج 6 ص 80 فما بعد. # (6) راجع ج 7 ص 182 فما بعد. (1) راجع ص 117، 164 من هذا الجزء. (١) قوله: لا أم لك. في النهاية ابن ~~الأثير: (هو ذم وسب. أي أنت لقيط لا تعرف لك أم. وقيل: # قد يقع مدحا بمعنى التعجب منه وفيه ~~بعد). # (2) العرايا: نخل كانت توهب ثمارها للمساكين فلا يستطيعون أن ينتظروا بها ~~رخص لهم أن يبيعوها بما شاءوا من التمر. # (3) المزابنة: بيع الرطب على رؤوس النخل بالتمر كيلا، وبيع الزبيب ~~بالكرم. # (4) القراض (بالكسر): إجارة على التجر في مال بجزء من ربحه. (1) في بعض الأصول: (المفتين). (1) أوحى: أسرع. (1) راجع ج 5 ص 351 فما بعد. # (2) راجع ج 9 ص 109 فما بعد. # (3) راجع ج 10 ص 303 فما بعد. # (4) راجع ج 14 ص 14 فما بعد. # (5) راجع ج 19 ص 51 فما بعد. # (6) راجع ج 7 ص 357 فما بعد. # (7) راجع ج 15 ص 183. (1) راجع ج 14 ص 321 فما بعد. # (2) راجع ج 17 ص 55 (3) راجع ج 9 ص 6 فما بعد. # (4) راجع ص 140 فما بعدها من هذا الجزء. # (5) راجع ج 14 ص 284 (6) الزيادة عن اللسان مادة (رزق). # (7) ج 17 ص 228 فما بعد. # (8) راجع ج 10 ص 335 (1) أبو قلابة: أحد رواة سند هذا الحديث. # (2) مثل قوله تعالى: (خذ من أموالهم صدقة) الآية. # ج 8 ص 244 فقد قال ابن العربي إنها ناسخة لآية (والذين يكنزون الذهب ~~والفضة) الآية انظر صفحة 381 من الجزء الأول من تفسيره المطبوع بمصر سنة ~~1331 ه‍. وكذلك روى الجصاص نسخها بها عن عمر بن عبد العزيز. (1) راجع ج 2 ص 29 (2) أخنوخ هو إدريس عليه السلام. (1) هو أبو سدرة ms6885 الأسدي، ويقال: الهجيمي. # (2) الأشابة من الناس: الأخلاط. والأشابة في الكسب: ما خالطه الحرام الذي ~~لا خير فيه والسحت. # (2) راجع ج 10 ص 259 (4) راجع المسألة الحادية والثلاثين ص 149. # (5) راجع المسألة الثانية ص 160 من هذا الجزء. (1) الذي يحرث الأرض. # (2) هو عمرو بن أحمد الباهلي، كما في اللسان مادة (فلح). (1) هو ثعلبة بن صعيرة المازني، يصف الظليم والنعامة ورواحهما إلى بيضهما ~~عند غروب الشمس. والثقل (بالتحريك) هنا: بيض النعام المصون. والرشيد: ~~المنضد بعضه فوق بعض أو إلى جنب بعض. وألقت يمينها في كافر: # أي بدأت في المغيب. اللسان مادة (كفر). # (2) راجع ج 17 ص 255 (1) راجع ج 13 ص 125. # (2) هو أعشى قيس الملقب بالأعشى الأكبر. (1) هو ذو الرمة كما في كتاب سيبويه، والمفصل للزمخشري. # (2) السواد من الناس هم الجمهور الأعظم. (1) راجع ج 10 ص 95 (2) راجع ج 16 ص 288 (3) راجع ج 8 ص 300 (4) راجع ج 15 ~~ص 248 (5) راجع ج 1 ص 462 (6) راجع ج 7 ص 78 (7) راجع ج 6 ص 418 (8) راجع ج ~~19 ص 257 (9) راجع ج 7 ص 81 (10) راجع ج 18 ص 124 (11) راجع ج 6 ص 7 (1) راجع ج 15 ص 250 (2) راجع ج 10 ص 7. 271. (1) راجع ج 7 ص 390 (2) راجع ج 19 ص 257. (١) ساعيه: هو رئيسهم الذي يصدرون عن رأيه ولا يمضون أمرا دونه (النهاية). # (2) ويروي: (مربد) أي اختلط سواده بكدرة. # (3) راجع ج 13 ص 28 (4) راجع ج 20 ص 104 (5) راجع ج 17 ص 23 (6) راجع ج 6 ~~ص 427 (7) راجع ج 10 ص 151 (1) هو علقمة بن عبدة. وصف طريقا بعيدا شاقا على من سلكه. فجيف الحسرى وهو ~~المعيبة من الإبل مستقرة فيه. وقوله: فأما عظامها فبيض، أي أكلت السباع ~~والطير ما عليها من اللحم فتعرت وبدا وضحها. وقوله: وأما جلدها الخ، أي ~~محرم يائس لأنه ملقى بالفلاة لم يدبغ، ويقال: الصليب هنا الودك، أي قد سال ~~ما فيه من رطوبة لاحماء الشمس عليه. # (عن شرح الشواهد للشنتمري). ms6886 # (2) هو المسيب بن زيد مناة الغنوي، كما في كتاب سيبويه. (1) الأشمط: الذي خالطه الشيب. والبرم: الذي لا يدخل مع القوم في الميسر ~~ويأكل معهم من لحمه. # (2) هو الحارث بن خالد المخزومي، كما في اللسان مادة (غشا). # (3) هو عبد الله بن الزبعري، كما في الكامل للمبرد ص 189 طبع أوربا. (1) راجع ج 12 ص 166 (1) راجع ج 11 ص 251 (2) راجع ج 6 ص 260 (1) قاله سويد بن أبي كاهل. يصف ثغر امرأة. # (2) راجع ج 5 ص 422 (1) راجع ج 17 ص 246 (2) راجع ج 8 ص 299 (1) شمردلات: إبل طوال. ونرفع: نستحثها في السير. والوهج: الحر الشديد ~~المؤلم. # (2) قوله: (على بكرة أبيهم) هذه كلمة للعرب يريدون بها الكثرة وتوفير ~~العدد. # (3) بعاث: موضع في نواحي المدينة، كانت به وقائع بين الأوس والخزرج في ~~الجاهلية، وكان الظفر فيه يومئذ للأوس على الخزرج. # (4) راجع هذه القصة في سيرة ابن هشام - ص 356، 579) طبع أوربا. (١) الذي في كتاب الأحكام لابن العربي: (... أن استتابة الزنديق غير ~~واجبة). # (٢) كذا في الأصول وكاتب الاحكام لابن العربي. ولعل صواب العبارة: (إن ~~استتابة الزنديق واجبة). # (٣) راجع ج ١٤ ص ٢٤٥ (٤) سيذكر الامام القرطبي قصته عند تفسير سورة ~~(المنافقون). # (٥) كان متهما بالنفاق، وهو الذي نزل فيه قوله تعالى: (يحلفون بالله ما ~~قالوا) الآية. وستأتي قصته عند تفسير هذه الآية في سورة (براءة) إن شاء ~~الله تعالى. وقد أوردها ابن هشام في سيرته ص ٣٥٥ طبع أوربا، وابن عبد البر ~~في الاستيعاب ~~ج ١ ص ٩٧ طبع الهند. (1) قوله: لكل مغموص. أي مطعون في دينه، منهم بالنفاق. (1) راجع ج 14 ص 34 (2) يقول: إذا قصرت أسيافنا في اللقاء عن الوصول إلى ~~الاقران وصلناها بخطانا مقدمين عليهم حتى تنالهم. # (3) وصف ناقته بالنشاط والسرعة بعد سير النهار كله، فشبهها في انبعاثها ~~مسرعة بناشط قد ذعر من صائد أو سبع. والناشط: الثور يخرج من بلد إلى بلد، ~~فذلك أوحش له وأذعر. (1) في نسخة: (ابن عامر). # (2) رويس (كزبير) محمد بن المتوكل القارئ، راوي يعقوب ms6887 ابن إسحاق. # (3) راجع ج 7 ص 226 (1) توجس: تسمع. الركز: الحس والصوت الخفي. سنابكها: حوافرها. الموم: ~~البرسام وهو الخيل. # وقيل: الموم الجدري الكثير المتراكب. ومعناه: أن الصياد يذهب نفسه إلى ~~السماء ويفغر إليها أبدا لئلا يجد الوحش نفسه فينفر. وشبه بالمبرسم أو ~~المزكوم لان البرسام مفغر والزكام مفغر. (عن اللسان). # (2) راجع ج 16 ص 83 (1) في العبارة غموض. ولعل المعنى المراد: يجوز فتحها كما أجاز سيبويه أما ~~أنك منطلق على معنى حقا أنك منطلق. وأما بمعنى ألا، فإذا فتحت إن بعدهما ~~كانتا بمعنى حقا أنك... وإذا كسرت كانتا أداتي استفتاح. # راجع كتاب سيبويه ج 1 ص 462 طبع بولاق. (1) المحققون هنا هم الذين يكون إيمانهم مقرونا بالاخلاص خالصا عن شوائب ~~النفاق كما قال الآلوسي وغيره. # (2) وصف نساء فيقول: إذا مشين اهتززن في مشيهن وتثنين فكأنهن رماح نصبت ~~فمرت عليها الرياح فاهتزت وتثنت. والنواسم: الخفيفة الهبوب. (1) أي مع كلمة ألا التي بعدها. # (2) الزيادة عن كتاب النقائض. وزياد، هو زياد بن أبيه. والمجن: الترس. (1) راجع ص 90 (2) هو صخر الغي الهلالي. والبيت كما ذكره القالي في أماليه ~~(ج 2 ص 284) طبع دار الكتب المصرية: تهزأ مني أخت آل طيسله * قالت أراه ~~مبلطا لا شئ له (3) الصحاصح (جمع صحصح): الأرض ليس بها شئ ولا شجر ولا قرار ~~للماء. والجاثم: اللازم مكانه لا يبرح. (1) الإهالة: ما أذيب من الالية والشحم. وقيل: الدسم الجامد. # (2) راجع ج 19 ص 266 (1) راجع ج 6 ص 426 وقد ذكر القرطبي هنالك الحديث برواية تختلف في بعض ~~اللفظ، وفيه: ثم تلا (فلما نسوا) الآية بدل نزع (2) راجع ج 7 ص 329 (3) ~~راجع ج 4 ص 287 (4) راجع ج 10 ص 217 (5) راجع ج 17 ص 68 (6) الزيادة عن ~~اللسان مادة (مد). # (7) راجع ج 14 ص 76 (8) راجع ج 4 ص 190 (9) راجع ج 18 ص 263 (10) راجع ج ~~19 ص 199 (1) راجع ج 12 ص 77 (2) قال صاحب تهذيب التهذيب: (في التقريب بفتح ~~التحتانية والميم وبينهما مهملة ساكنة. وفي ms6888 المغني بفتح الميم وضمها). # (3) في بعض الأصول: (وإن ما قبلها مفتوحا) وفي البعض الآخر: (وإن كان ~~قبلها مفتوحا). # (4) ويروي: (اشتريت) كما في ديوان أبي ذؤيب. ويقول: إن كنت تزعمين أنى ~~كنت أجهل في هواي لكم وصبوني إليكم فقد شريت بذلك الجهل والصبا حلما وعقلا، ~~ورجعت عما كنت عليه. (عن شرح الشواهد). (1) راجع ج 13 ص 95 (2) راجع ج 14 ص 91 (3) راجع ص 160 من هذا الجزء. # (4) المعنى: لا ينهى أصحاب الجور مثل طعن جائف، أي نافذ إلى الجوف، يغيب ~~فيه الزيت والفتل. # (عن خزانة الأدب). # (5) يقول رجعنا بفرس كأنه ابن ماء (طير ماء) خفة وحسنا وطول عنق. وهو ~~يجنب: # أي يقاد فلا يركب. (1) فلج (بفتح أوله وسكون ثانيه): موضع بين البصرة وضرية. وقيل هو واد ~~بطريق البصرة إلى مكة، ببطنه منازل للحاج. قائله الأشهب بن رميلة ير؟ ى ~~قوما قتلوا في هذا الموضع (عن اللسان). # (2) راجع ج 15 ص 256 (3) راجع ج 8 ص 201 (4) هو كعب بن سعد الغنوي ير؟ ى ~~أخاه أبا المغوار (عن اللسان). # (5) راجع ج 17 ص 246 (1) راجع ج 5 ص 424 (2) راجع ج 17 ص 245 (3) الجزع (بفتح الجيم وكسرها): # ضرب من الخرز. وقيل: هو الخرز اليماني، وهو الذي فيه بياض وسواد، فشبه به ~~الأعين. (1) راجع ج 14 ص 247 (2) راجع ج 20 ص 239 (3) هو عروة بن الورد. # وصف ما كان من فعل قوم امرأته حين احتالوا عليه وسقوه الخمر حتى أجابهم ~~إلى مفاداتها وكانت سبية عنده (عن شرح الشواهد). # (4) راجع ج 13 ص 304 (1) راجع ج 14 ص 302 (2) البيت من قصيدة لتوبة الخفاجي قالها في ليلى ~~الأخيلية. # (3) هو جرير بن عطية يمدح عمر بن عبد العزيز. # (4) في ديوانه المخطوط: (إذ) بدل (أو). # (5) المغمر والغمر: الجاهل الذي لم يجرب الأمور، كأن الجهل غمره واستولى ~~عليه. وروايا المزن: التي. # تروى بكثرة مائها. (١) في الأصل: (... نارا أو كصيب). والتصويب عن كتاب إعراب القرآن للنحاس. # (2) السمى: # يريد الأمطار. # (3) هو معاوية بن مالك. # (4) القائل ms6889 هو طفيل الغنوي، كما في اللسان مادة (سما) (5) راجع ص 213 من ~~هذا الجزء. (1) زيادة عن الترمذي. (1) البرد (بالتحريك): حب الغمام. # (2) راجع ج 9 ص 295 (1) راجع ج 15 ص 349. # (2) راجع ج 7 ص 279 (3) النعرة (مثال الهمزة): # ذباب ضخم أزرق العين أخضر، له إبرة في طرف ذنبه يلسع بها ذوات الحافر ~~خاصة. واللبان: الصدر، وقيل: # وسطه، وقيل: ما بين الثديين، ويكون للانسان وغيره. وأصعقتها صواهله: أي ~~قتلها صهيله. # (4) راجع ج 15 ص 279. (1) البيت لحاتم الطائي. يقول: إذا جهل علي الكريم احتملت جهله إبقاء عليه ~~وادخارا له، وإن سبني اللئيم أعرضت عن شتمه. (1) كذا في الأصول واللسان مادة (موت).. الذي في ديوانه المخطوط بدار الكتب ~~المصرية برقم 516 أدب. # وزبد البحر له كتيت * تراه والحوت له نئيت كلاهما مغتمس مغتوت * وكلكل ~~الماء له مبيت والليل فوق الماء مستميت * يدفع عنه جوفه المسحوت الكتيت: ~~الهدير. والنئيت والزحير والطحير والأنيت كله الزحير (إخراج الصوت أو النفس ~~عند عمل بأنين أو شدة). # المغتوت: المغموم. والمسحوت: الذي لا يشبع. # (2) وقيل إنها قرية من قرى البلقاء في حدود الشام. وقيل: إنها بمشارف ~~الشام وعلى اثنى عشر ميلا من أذرح. راجع تاج العروس مادة (مأت). # (3) راجع ج 10 ص 409 (4) راجع ج 15 ص 277 (5) راجع ج 18 ص 176 (6) راجع ج ~~9 ص 225. (1) يمصح: يذهب ويدرس. # (2) راجع ج 12 ص 290 (3) قائله تأبط شرا. والبيت بتمامه: # فأبت إلى فهم وما كدت آئبا * وكم مثلها فارقتها وهي تصفر (4) راجع ج 7 ص ~~180 (1) راجع ج 15 ص 67. # (2) ج 12 ص 17. (1) راجع المسألة الثامنة ص 190 من هذا الجزء. (1) صدر البيت: * تبارى عناقا ناجيات أتبعت * تبارى: تعارض، يقال: هما ~~يتباريان في السير، إذا فعل هذا شيئا فعل هذا مثله. والعتاق: الكرام من ~~الإبل البيض. والناجيات: السراع. والوظيف: عظم الساق. وقوله: أتبعت وظيفا ~~وظيفا، أي اتبعت هذه الناقة وظيف رجلها وظيف يدها، ويستحب من الناقة أن ~~تجعل رجلها في موضع يدها إذا سارت. والمسور: الطريق (عن شرح المعلقات). ms6890 # (2) هو زهير بن أبي سلمى يمدح هرم بن سنان. يقول: أنت إذا قدرت أمرا ~~قطعته وأمضيته. وغيرك يقدر ما لا يقطعه، لأنه ليس بماضي العزم وأنت مضاء ~~على ما عزمت عليه. (عن اللسان). # (3) راجع ج 13 ص 335 (1) راجع ج 11 ص 199. (1) راجع ج 6 ص 335. 386. # (2) راجع ج 16 ص 61 و 69 و 71. # (3) هو مغلس بن لقيط الأسدي. وصف شدة أصابه بها رجلان من قومه، فيقول: قد ~~جعلت نفسي تطيب لإصابتهما بمثل الشدة التي أصاباني بها. وضرب الضغمة مثلا ~~ثم وصف الضغمة فقال: يقرع العظم نابها. فجعل لها نابا على السعة. والمعنى: ~~يصل الناب فيها إلى العظم فيقرعه. (عن شرح الشواد للشنتمزي). # (4) هو أبو زبيد الطائي يرثي اللجلاج ابن أخته. يقول: جعل يسير الليل كله ~~مستقيما كاستقامة حبل البئر إلى الماء. ناط: علق. والعادية: البئر القديمة. ~~(عن اللسان). # (5) راجع ج 19 ص 169. # (6) راجع ج 2 ص 194. (1) راجع ج 11 ص 285 (2) راجع ص 216 من هذا الجزء. # (3) راجع ج 7 ص 49 (4) راجع ج 19 ص 218 (5) راجع ص 177. 178 من هذا ~~الجزء. (1) في الأصول: (أباح) بالباء الموحدة، وهو تصحيف. # (2) راجع ج 2 ص 308 (1) السندري: ابن يزيد الكلابي، شاعر كان مع علقمة بن علاثة، وكان لبيد مع ~~عامر بن الطفيل، فدعى لبيد إلى مهاجاته فأبى وقال البيت. والعماعم: ~~الجماعات المتفرقون. ومعنى الشطر الثاني: وأجعل أقواما مجتمعين فرقا. (عن ~~شرح القاموس واللسان). # (2) راجع ج 15 ص 311. (1) راجع ص 65 من هذا الجزء. # (2) راجع ص 69 - 78 من هذا الجزء. (1) أقبرنا، أي ائذن لنا في أن نقبره. وصالح: هو صالح بن عبد الرحمن مولى ~~تميم، كان كاتبا للحجاج، ويرى رأى الخوارج. # (2) راجع ج 7 ص 397 (1) رواية الديوان وهي المشهورة في مصادر الأدب: (فلم أعرض). ويروي: (فما ~~عرضت). # وصدر البيت: # * هذا الثناء فإن تسمع به حسنا * وقوله: أبيت اللعن. تحية كانوا يحيون ~~بها الملوك. والصفد: العطاء، معناه: أبيت أن تأتي من الأمور ما تلعن عليه ~~وتذم. يقول: هذا الثناء الصحيح ms6891 الصادق فمن الحق أن تقبله مني، فلم أمدحك ~~متعرضا لعطائك، لكن امتدحتك إقرارا بفضلك. (عن شرح الديوان). # (2) راجع ص 161 من هذا الجزء. (1) هو العجاج. وصف دواهي شنيعة. يقول: بعد الجهد والمشرف الذي أشرفت عليه. ~~ومعنى تردت: # سقطت هاوية وهلكت. # (2) راجع ج 11 ص 343 (١) الضحضاح في الأصل: مارق من الماء على وجه الأرض ما يبلغ الكعبين، ~~واستعير للنار. # (٢) الزيادة عن هامش بعض نسخ الأصل. # (٣) الزيادة عن كتاب (إعراب القرآن ~~للنحاس). # (4) كذا في الأصول. وفي صحيح مسلم: (عن أبي هريرة). # (5) الوجبة: صوت الشئ يسقط فيسمع له، كالهدة. (1) بمراجعة صحيحي البخاري ومسلم وجدنا أن الرواية لمسلم، وأخرجه البخاري ~~بمعناه. # (2) يلاحظ أن راوي الحديث المتقدم في صحيحي مسلم والبخاري أبو هريرة. # (3) راجع ج 5 ص 309. # (4) راجع ج 15 ص 353. # (5) راجع ج 4 ص 202. (1) راجع ج 9 ص 246 (2) هو مهلهل أخو كليب. # (3) ملكت: أي شددت وقويت. # (4) قال الأصمعي: (قصب البطحاء مياه تجري إلى عيون الركايا (الآبار). ~~يقول: أقامت بين قصب أي ركايا وماء عذب، وكل فرات فهو عذب). (عن اللسان ~~وشرح الديوان). (1) راجع ص 177 من هذا الجزء. # (2) الشرى: مأسدة جانب الفرات يضرب بها المثل. يستبيلها؟: أي يأخذ بولها ~~في يده. (1) راجع ج 12 ص 97 (1) راجع ج 14 ص 190 (1) قال الدميري: (هو وهم). وذكر البعوض بأوصافها. ويدل على أن البعوض غير ~~البق ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم: (لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح ~~بعوضة.. " الحديث. (1) الخصر (بالتحريك): البرد. (1) في نسخة من الأصل: أعرض عن هذا وإلا محوتك من النبوة. # (2) راجع ج 14 ص 91 (3) راجع ص 150 (4) أي بمعنى الخارج من طاعة الله، ~~وهو بهذا المعنى حقيقة شرعية. # (5) غورا، منصوب بفعل محذوف، أي ويسلكن. (راجع كتاب سيبويه ج 1 ص 49 طبع ~~بولاق). (1) راجع ص 162 من هذا الجزء. # (2) راجع ج 4 ص 124 (1) في اللسان وشرح القاموس مادة (وثق): (عقد الميثاق) والبيت لعياض بن درة ~~الطائي. # (2) البهر (بالضم): تتابع النفس من الاعياء. وقيل انقطاعه. (1) راجع ms6892 ص 181 من هذا الجزء. # (2) سليط. أبو قبيلة والقن: الذي ملك هو وأبواه. # (3) راجع ج 6 ص 32 (4) راجع ج 8 ص 31 (1) الذي في صحيح مسلم: (.. قد كان بالبادية). والضبائر: هم الجماعات في ~~تفرقة، واحدتها ضبارة، مثل عمارة وعمائر، وكل مجتمع ضبارة. والحبة ~~(بالكسر): بذور البقل. وقيل هو نبت صغير ينبت في الحشيش، فأما الحبة ~~(بالفتح) فهي الحنطة والشعير ونحوهما. وحميل السيل: هو ما يجئ به السيل من ~~الغثاء. # (2) راجع ج 6 ص 18 (3) راجع ج 11 ص 348 (1) راجع ص 226 من هذا الجزء. # (2) راجع ج 16 ص 160 (1) راجع ج 14 ص 307 (2) راجع ج 13 ص 206 (3) أي دائمة الصب والهطل ~~بالعطاء. # (4) قال النووي: (والنفح والنضح العطاء، ويطلق النضح أيضا على الصب فلعله ~~المراد هنا ويكون أبلغ من النفح). # (5) الايعاء: جعل الشئ في الوعاء، أي لا؟ تجمعي وتشحى بالنفقة فيشح عليك. (1) راجع ج 11 ص 169 (2) عبارة الأصول: (... كان مقبلا على يشاتمني وإلي ~~سواء، على معنى.. الخ) وبها لا يستقيم المعنى. والتصويب عن اللسان وشرح ~~القاموس وتفسير الطبري. (1) هو الأخطل كما في شرح القاموس. # (2) راجع ج 7 ص 219. # (3) راجع ج 15 ص 343. # (4) راجع ج 19 ص 201. # (5) راجع ج 6 ص 384. # (6) دحا الشئ: بسطه. (1) يلاحظ أن المؤلف رحمه الله خرج عما سنه في مقدمته لهذا الكتاب من ~~إضرابه عن هذا القصص وأمثاله مما ملئت به كتب التفسير الأخرى والذي لا ~~يتمشى مع روح الدين الاسلامي، فجل من له العصمة. # (2) راجع ج 18 ص 223. # (3) تكملة عن تفسير الطبري وتاريخه. # (4) الصفاة: العريض من الحجارة الأملس. # (5) راجع ج 10 ص 90. # (6) راجع ج 15 ص 342. (1) راجع ج 11 ص 282 (2) راجع ج 19 ص 202 (1) راجع ج 16 ص 160 (2) راجع ج 18 ص 174 (1) الزيادة من صحيح مسلم. # (2) الرقيع: اسم سماء الدنيا. # (3) زيادة عن صحيح الترمذي. (1) زيادة عن صحيح الترمذي. # (2) في نسخة من الأصل: (متابعا). (1) راجع ج 18 ص 214 (2) راجع ج 6 ص 19 (3) راجع ج 7 ص 1 ms6893 (4) راجع ج 2 ص ~~301 (1) يلاحظ أن رواية البيت: (فإذا) ولا يستقيم الوزن إلا به. # (2) راجع المسألة الثامنة وما بعدها ص 136 من هذا الجزء. # (3) هو عدى بن زيد، كما في اللسان مادة (ألك). ويروي (إنه) بدل: (إنني) (1) راجع ج 7 ص 310 (1) راجع ج 4 ص 2 (2) الأصم: من كبار المعتزلة واسمه أبو بكر. (1) راجع ج 6 ص 131 (1) الزيادة في تفسير العلامي نقلا عن القرطبي. (1) روى (لا يغل) بضم الياء وكسر الغين، أي لا يكون معها في قلبه غش ودغل ~~ونفاق. وروى (لا يغل) بفتح الياء، أي لا يدخله حقد يزيله عن الحق. # (2) في تفسير العلامي: (مبتدع). # (3) الستة: هم الذين نصح عمر - رضي الله عنه - للمسلمين أن يختاروا واحدا ~~منهم لولاية الامر بعده حين طلب إليه أن يعهد عهدا. وهم: علي وعثمان وعبد ~~الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص والزبير بن العوام وطلحة ابن عبيد الله. ~~راجع قصة الشورى في تاريخ ابن الأثير (ج 3 ص 50) طبع أوروبا. (1) بيضة الاسلام: جماعتهم. (1) راجع ج 3 ص 246 (2) الزيادة عن صحيح مسلم (ج 6 ص 17) طبع الآستانة. و ~~(بواحا) أي جهارا، من باح بالشئ يبوح به إذا أعلته. (1) في بعض الأصول: (للغير). (1) المخاليف: الأطراف والنواحي. (1) القائل هو الحطيئة. (1) راجع ج 19 ص 41 (2) راجع ص 203 من هذا الجزء. # (3) راجع ج 15 ص 123 (4) في ديوان جرير: (شبح). وفسر الشبح بأنه رفع ~~الأيدي بالدعاء. # راجع اللسان مادة (شبح) وديوان جرير المخطوط المحفوظ بدار الكتب المصرية ~~رقم 1 أدب ش. # (5) زيادة عن صحيح مسلم (ج 8 ص 86 طبع الآستانة). (1 راجع المسألة الرابعة ص 133 من هذا الجزء. # (2) راجع ج 6 ص 125 (3) راجع ج 18 ص 45 (4) راجع ج 11 ص 175 (5) هو امرؤ ~~القيس. والهاء في (أدركنه) ضمير الثور، والنون ضمير الكلاب. والنسا: عرق في ~~الفخذ. والشبرقة: تقطيع الثوب وغيره. # والمقدس (بكسر الدال وتشديدها): الراهب. وبالفتح: المبارك. يقول: أدركت ~~الكلاب الثور يأخذن بساقه وفخذه: وشبرقت جلده كما ms6894 شبرق ولدان النصارى ثوب ~~الراهب المسبح لله عز وجل إذا نزل من صومعته فقطعوا ثيابه تبركا به. (عن ~~شرح الديوان واللسان). (1) القائل هو معن بن أوس. كان له صديق وكان معن متزوجا بأخته، فاتفق أنه ~~طلقها وتزوج غيرها، فآلى صديقه ألا يكلمه أبدا، فأنشأ معن يستعطف قلبه عليه ~~ويسترقه له. (عن أشعار الحماسة). (1) راجع ج 11 ص 251 (1) في نسخة. (أن تقبض مني أو تسيئني). وفي تاريخ الطبري (ص 87 قسم أول طبع ~~أوربا): # (أن تنقص مني شيئا وتشينني). # (2) راجع ج 15 ص 227 (3) راجع ج 17 ص 160 (1) راجع ج 11 ص 288 (2) راجع ج 10 ص 25 (3) الأخياف: المختلفون في الأخلاق ~~والاشكال. # (4) راجع ج 6 ص 387 و ج 7 ص 168 (1) راجع ج 20 ص 13 (2) أنحى: صرف. وفي الطبري: (ألجأ). # (3) في التقريب بضم المعجمة وفتح المثلثة. وفي الخلاصة (خيثم) بفتح ~~المعجمة والمثلثة بينهما تحتانية ساكنة. (1) في البحر لأبي حيان (بحذف ألف ها وهمزة أولاء وإقرار الواو التي بعد ~~تلك الهمزة). # (2) في قوله تعالى: (ويقتلون النبيين بغير الحق....) راجع ص 431 من هذا ~~الجزء. (1) راجع ج 3 ص 428 (2) في نسخة (النسائي). (1) بهية (بالتصغير): مولاة أبي بكر رضي الله عنه، تروى عن عائشة. وروى ~~عنها أبو عقيل المذكور. # (2) القاسم هذا، هو ابن عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب. وأم ~~القاسم هي أم عبد الله بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ~~فأبو بكر جده الاعلى لامه، وعمر جده الاعلى لأبيه، وابن عمر جده الحقيقي ~~لأبيه. رضي الله عنهم أجمعين. (عن شرح النووي على صحيح مسلم). # (3) الفطس (بالتحريك): انخفاض قصبة الانف وتطامنها وانتشارها. (1) مشققة مخططة. # (2) مجتابى النمار، أي لابسها. يقال: اجتبت القميص والظلام دخلت فيهما. # (3) وهي كل شملة مخططة من مآزر الاعراب، كأنما أخذت من لون النمر. (1) النكب: أن ينكب الحجر ظفرا أو حافرا. والدوابر. أواخر الحوافر. يقول: ~~يقود الخيل في الغزو ويبعد بها حتى تنكب دوابرها، أي تأكلها الأرض وتؤثر ms6895 ~~فيها. # (2) القنب (بكسر القاف وضمها): ضرب من الكتان. # (3) في نسخة من الأصل: (لأجل). (1) في نسخ من الأصل: (عمال الله). # (2) في نسخة: (ورضى الله عنهم... الخ). # (3) راجع ج 6 ص 26 (4) راجع ج 6 ص 429 (5) راجع ج 20 ص 145 (1) راجع ج 7 ص 1 (2) راجع ج 16 ص 309 (3) زيادة عن تفسير الطبري. # (4) راجع ص 278 (1) راجع المسألة الأولى ص 261 (2) راجع المسألة الثانية ص 262 (3) راجع ~~المسألة الأولى ص 279 (4) هو حميد بن ثور يصف نساء. يقول: لما ارتحلن ولوين ~~فضول أزمة جمالهن على معاصمهن أسجدت - طأطأت رؤوسها - لهن. (عن اللسان وشرح ~~القاموس). (1) راجع ج 10 ص 39 (2) راجع ج 16 ص 62 (3) راجع ج 11 ص 282 (1) راجع ج 9 ص 264 (2) القتب. رحل صغير على قدر السنام. (1) في نسخ من الأصل: " للأقدم ". # (2) في نسخ: " معاشر ". (1) راجع ج 15 ص 134 (2) هو أعشى قيس، كما في تفسير الطبري وأبي حيان. # (3) الزيادة من صحيح مسلم. (1) زيادة عن صحيح مسلم. # (2) راجع ج 7 ص 170 (3) هو ابن أحمر كما في اللسان مادة " كون ". (1) في تاريخ ابن الأثير والطبري إنه بلعم بن باعور من ولد لوط، كان في عهد ~~موسى عليه السلام، وهو من أهل كنعان. راجع تاريخ ابن الأثير ج 1 ص 140، ~~وتاريخ الطبري قسم أول ص 508 طبع أوربا. # (2) راجع ج 15 ص 228 (1) زيادة عن تفسير ابن عطية. # (2) السكان (بالضم): ذنب السفينة التي به تعدل. (1) في بعض الأصول: " لا دخول ثواب ". # (2) راجع ج 9 ص 57 (1) قائله عمر بن أبي ربيعة. و " زهر " جمع زهراء، وهي البيضاء المشرقة. ~~والتهادي: المشي الرويد الساكن. # والنعاج: بقر الوحش. " تعسفن ": ركبن. (1) راجع ص 240 من هذا الجزء. # (2) الضلع كعنب وجذع. # (3) راجع ج 7 ص 337 (1) الزيادة عن صحيح مسلم. # (2) راجع ج 5 ص 65 (3) راجع ص 239 من هذا الجزء. # (4) راجع ج 17 ص 68. # (5) راجع ج 19 ص 182 (6) راجع ج 17 ص 206 (7) راجع ج 10 ص 34 (1) القائل هو ms6896 امرؤ القيس، كما في تفسير أبي حيان والطبري. (١) أي من غير تلك الشجرة. # (٢) في الأصول: (مجلس النظر يقول). والتصويب والزيادة عن كتاب البحر لأبي ~~حيان. وقد عقب عليه بقوله: (وفي هذه الحكاية عن ابن العربي من التخطيط ما ~~يتعجب من حاكيها، وهو قوله: سمعت الشاشي في مجلس النضر بن شميل، وبين النضر ~~والشاشي من السنين مئون إلا إن كان ثم مكان معروف بمجلس النضر بن شميل ~~فيمكن). # والشاشي هنا هو محمد بن أحمد بن الحسين بن عمر المعروف بأبي بكر الشاشي ~~ولد بميافارقين سنة ٤٢٩ ه‍ وتوفى سنة ٥٠٧ ه‍ (راجع طبقات الشافعية ج ٤ ص ~~٥٧). # أما النصر بن شميل فقد توفى سنة ثلاث وقيل أربع ومائتين (راجع بغية ~~الوعاة ووفيات الأعيان). # وولد أبو بكر بن العربي سنة ٤٦٨ وتوفى سنة ٥٤٣ ه‍ (راجع طبقات المفسرين). (1) في نسخة: (شعبة) وكلاهما يروى عن قتادة. # (2) الزيادة من ابن العربي. (1) راجع ج 11 ص 251 وص 253 (١) هو محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر بن القاسم أبو بكر الباقلاني. # (٢) هو إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الأستاذ أبو إسحاق الأسفرايني. وفي ~~الأصول: (عند الأستاذ أبي بكر) وهو تحريف. (راجع الكلام في عصمة الأنبياء في شرح المواقف). (1) الأواري (واحدها آرى) حبل تشد به الدابة في محسبها. واللأى: المشقة ~~والجهد. والنؤى: حفرة حول البيت لئلا يصل إليه الماء. والجلد (بالتحريك): ~~الأرض الصلبة. راجع خزانة الأدب في إعرابه. # (2) الإشاحة: الحذر والخوف لمن حاول أن يدفع الموت. قال صاحب اللسان: ~~(يعني حفرة القبر يرد ترابها عليه بعد دفن الميت فيها). (1) عجز بيت لابن مقبل وهو بتمامه: # عاد الأذلة في دار وكان بها * هرت الشقاشق ظلامون للجزر (2) الوطب (بفتح ~~فسكون): الزق الذي يكون فيه السمن واللبن. # (3) ظلمت سقائي: سقيتهم إياه قبل أن يروب. والعكد (بضم العين وفتحها وفتح ~~الكاف جمع العكدة والعكدة): أصل اللسان. # (4) راجع ج 14 ص 62 (5) راجع المسألة السادسة ص 303 من هذا الجزء. # (6) آية 182 سورة الأعراف. و 44 ms6897 سورة القلم. (1) الجرمي (بفتح الجيم وسكون الراء): صالح بن إسحاق أبو عمر مولى جرم، ~~لغوي مشهور. (عن بغية الوعاة). # (2) راجع ج 4 ص 243 (1) الخف (بالكسر): الخفيف. والصهوة: موضع اللبد من ظهر الفرس. ويلوى بها: ~~يذهب بها من شدة عدوه. والعنيف: الذي لا يحسن الركوب، وليس له رفق بركوب ~~الخيل. والمثقل: الثقيل. # (2) الكميت: لون ليس بأشقر ولا أدهم. والحال: موضع اللبد من ظهر الفرس. ~~والصفواء (جمع صفاة): # الصخرة الملساء. والمتنزل: الذي ينزل عليها فيزلق عنها. # (3) سخنت عينه: نقيض قرت. # (4) راجع ج 11 ص 257 (1) راجع ج 7 ص 181. # (2) أي انقضوا عهده وذمامه. # (3) في التقريب: (بفتح أولها وتشديد الراء المهملة مع المد). وفي أسد ~~الغابة: (بفتح السين وإمالة الراء المشددة، وآخره ياء ساكنة). (1) كذا في جميع نسخ الأصل. وفي غيرها من التفاسير: (عن عبد الله بن ~~مسعود). ويبدوا أن الأصل: # (عن أبي عبيدة عن أبيه عبد الله) الخ. # (2) الضمير للحديث، أي لم يبق هذا الحديث الخ. (1) ذو الطفيتين: حية لها خطان أسودان كالطفيتين أي الخوصتين. # (2) الزيادة عن سنن أبي داود. # (3) جنان (بتشديد النون الأولى، جمع جان): ضرب من الحيات الدقيق الخفيف ~~يضرب إلى الصفرة ليس بسام، وهو كثير في بيوت الناس. # (4) راجع ج 16 ص 210 (5) راجع ج 19 ص 1 فما بعد. # (6) في هامش نسخة من الأصل: (التحريج هو أن يقول لها: أنت في حرج - أي في ~~ضيق - إن عدت إلينا فلا تلومينا أن نضيق عليك بالتتبع والطرد والقتل). ~~وكذلك هو في نهاية ابن الأثير واللسان. (1) الزيادة عن صحيح مسلم. # (2) في صحيح مسلم: (لصاحبكم). # (3) العوامر: الحيات التي تكون في البيوت، واحدها عامر وعامرة. (1) الوزغة (بالتحريك): هي التي يقال لها سام أبرص. (1) راجع ج 6 ص 303 (2) في اللسان والقاموس ومعجم البلدان ومروج الذهب: ~~(راهون). (1) الأبلة (بضم أوله وثانيه وتشديد اللام وفتحها): البلد المعروف قرب ~~البصرة من جانبها البحري. # (2) بيسان: بلدة بمرو وبالشام وموضع باليمامة. # (3) سجستان (بكسر أوله وثانيه وقد يفتح أوله): # اسم مدينة من مدن خراسان. (عن شرح القاموس). # (4) العربد ms6898 (بكسر العين وسكون الراء وفتح الباء وكسرها وتشديد الدال): ~~حية تنفخ ولا يؤذي. # (5) راجع ج 11 ص 160 (6) راجع ج 13 ص 241 (7) راجع ج 10 ص 420 (8) راجع ج ~~18 ص 125 (١) ص ٣٢٧ (2) راجع ج 15 ص 328 (3) كأبي الرماد: أي عظيم ~~الرماد. (1) راجع ج 19 ص 116 (2) راجع ج 15 ص 272 (3) راجع ج 12 ص 130 (4) راجع ج 9 ~~ص 360 (5) راجع ج 14 ص 14 (1) راجع ج 7 ص 181 (2) راجع ج 13 ص 261 (3) راجع ج 11 ص 333 (4) راجع ص 67 ~~من هذا الجزء. (1) راجع ج 18 ص 109. # (2) هو عمرو بن أحمر الباهلي. # (3) الذي في شرح شواهد سيبويه: (ومن أجل الطوي). والطوي: البئر المطوية ~~بالحجارة. قال الشنتمري: (وصف في البيت رجلا كانت بينه وبينه مشاجرة في بئر ~~فذكر أنه رماه بأمر يكرهه ورمى أباه بمثله على برأتهما منه من أجل المشاجرة ~~التي كانت بينهما). # (4) راجع ج 8 ص 193. # (5) راجع ج 3 ص 91. (1) راجع ج 8 ص 277 (2) راجع ج 16 ص 26 (3) راجع ج 7 ص 96 (1) البيت للشماخ. وصف حمار وحش هائجا فيقول: إذا طلب وسيقته - وهي أنثاه ~~التي يضمها - صوت بها وكأن صوته لما فيه من الزجل والحنين ومن حسن الترجيع ~~والتطريب صوت حاد بإبل يتغنى ويطربها أو صوت مزمار. والزجل: صوت فيه حنين ~~وترنم. (عن شرح الشواهد). # (2) راجع ج 10 ص 205 (1) أشلاهم: أغراهم. # (2) لهث الكلب: إذا أخرج لسانه من التعب أو العطش. # (3) راجع ج 7 ص 323 (4) راجع المسألة الثالثة ص 186 من هذا الجزء. # (5) (هوي): يريد هواي أي ماتوا قبلي وكنت أحب أن أموت قبلهم. (وأعنقوا ~~لهواهم) جعلهم كأنهم هووا الذهاب إلى المنية لسرعتهم إليها وهم لم يهووها. ~~(فتخرموا) أي أخذوا واحدا واحدا. (1) راجع ج 10 ص 109 (1) راجع ج 8 ص 148 (1) راجع ج 16 ص 93 (2) راجع ج 9 ص 367 (1) راجع ج 2 ص 171 (2) راجع ص 437 من هذا الجزء (3) راجع ج ms6899 6 ص 112 (4) ~~راجع ج 4 ص 304 (1) في نسخة من الأصل. (... لان النقل منه أعظم). (1) في نسخة: (معروف بحمل العلم). (1) راجع ج 19 ص 247 (2) جهد المقل: أي قدر ما يحتمله حال القليل المال. (1) الزيادة عن مسند الدارمي. # (2) بذلا: أي راجيا بذلك وعطاءك. (١) الصفد (بالتحريك): العطاء. # (٢) راجع ج ٦ ص ٢٢٠ (٣) راجع ص ١٦١ وما بعدها. # (٤) العبارة هاهنا غير واضحة. والذي في البحر لأبي حيان: (وقال سهل: ~~(وإياي فارهبون) موضع اليقين بمعرفته ~~(وإياي فاتقون) موضع العلم السابق وموضع المكر والاستدراج). # (5) راجع ج 7 ص 329 وص 254. # (6) راجع ج 6 ص 394. (1) راجع ج 11 ص 320 (2) القنوة (بكسر الأول وضمه): الكسبة. # (3) الزيادة عن اللسان. (١) في تاج العروس: (والبطالة بالكسر والضم لغتان في البطالة بالفتح بمعنى ~~الشجاعة. الكسر نقله الليث والضم حكاه بعض ونقله صاحب المصباح). # (2) راجع ج 2 ص 26 (3) ص 365. (1) راجع ص 164 - 177 من هذا الجزء. # (2) في نسخة: (أو الأنفال) وكذا في تفسير ابن عطية. # (3) راجع ج 8 ص 244. (1) الوسق (بالفتح): ستون صاعا وهو ثلاثمائة وعشرون رطلا عند أهل الحجاز. # (2) الذود من الإبل: # ما بين الثنتين إلى التسع. وقيل: ما بين الثلاث إلى العشر. واللفظة مؤنثة ~~ولا واحد لها من لفظها. # (3) العثري (بفتح المهملة والثاء المثلثة المخففة وكسر الراء وتشديد ~~الياء). قال ابن الأثير: (هو من النخيل الذي يشرب بعروقه من ماء المطر ~~يجتمع في حفيرة. وقيل: هو العذى (الزرع الذي لا يسقى إلا من ماء المطر ~~لبعده من المياه وقيل فيه غير ذلك). # وقيل: هو ما يسقى سيحا والأول أشهر). # (4) النضح (بفتح النون وسكون المعجمة بعدها مهملة): ما سقى من الآبار. # (5) راجع ج 7 ص 99. # (6) راجع ج 8 ص 244. # (7) راجع ج 20 ص 21. (1) زيادة يقتضيها السياق. (الاشخاص: الرفع والتصويب: الخفض. # (3) هصر ظهره: إي ثناه إلى الأرض. # (4) راجع ج 12 ص 98 (1) كذا في بعض نسخ الأصل وتفسير العلامي نقلا عن القرطبي. وفي نسخة: (أبو ~~حنيفة). # (2) قوله: (ولا نكفت): أي لا نضمها ونجمعها. يريد جمع الثوب ms6900 باليدين عند ~~الركوع والسجود. (1) همام هذا أحد رجال سند هذا الحديث. (1) راجع ج 11 ص 121. # (2) الفذ: المنفرد. (1) الزيادة عن صحيح مسلم. (1) معناه: يمسكه رجلان من جانبيه بعضديه يعتمد عليهما. # (2) النهز: الدفع. أي لا يقيمه من موضعه وهو بمعنى قوله بعده: " لا يريد ~~إلا الصلاة ". (1) بتشديد الراء مجرورة صفة لماء، ويجوز فتحها أي موضع مرورهم. # (2) يقر (بقاف مفتوحة) من القرار. وفي رواية (يقرا) بألف مقصورة أي يجمع، ~~أو بهمزة من القراءة. وفي رواية (يغري) أي يلصق. # (3) تلوم: تنتظر. # (4) في الأصول: (ألا تغطوا...) بحذف النون ولا مقتضى له. (1) الزيادة عن صحيح مسلم. (1) في نسخة: " ابن أبي أيمن ". (1) راجع ج 2 ص 107 (1) راجع ج 5 ص 204 (2) الهيشة (مثل الهوشة): الاختلاط والمنازعة وارتفاع ~~الأصوات. # (3) راجع ج 10 ص 20 (1) عقبة الشيطان: قال ابن الأثير: (هو أن يضع أليتيه على عقبيه بين ~~السجدتين وهو الذي يجعله بعض الناس الاقعاء. وقيل: هو أن يترك عقبيه غير ~~مغسولين في الوضوء). (1) الزيادة عن صحيح مسلم. (1) في نسخة: (تواترت). (1) الزيادة عن مسلم. # (2) راجع ج 3 ص 213 (3) راجع ج 4 ص 311 (4) راجع ج 5 ص 351 (5) راجع ج 11 ~~ص 85 (1) كذا في مسند الإمام أحمد بن حنبل (ج 3 ص 120) وتفسير الفخر الرازي (ج 1 ~~ص 496). # وفي الأصول: (من أمتك). # (2) سيأتي معنى (القصب). (1) الزيادة من صحيح مسلم. (1) راجع ج 18 ص 77 (2) راجع ج 9 ص 89 (3) كذا في الأصول. والصحيح أن ~~الأبيات للجماز، وهو ابن أخت سلم بن عمرو الخاسر. يراجع الأغاني (ج 4 ص 76) ~~طبع دار الكتب المصرية. # (4) كذا في الأغاني. وفي الأصول: (يسعى له). (1) في نسخة: (عليه). # (2) كذا في البحر المحيط لأبي حيان. وفي الأصول: (بكوا) بالواو. # وفي تفسير الشوكاني: (إن يكونوا). # (3) كذا في الأصول واللسان مادة (برر). وفي شرح القاموس: # * يكون مكان البر مني ودونه * (4) راجع ج 8 ص 199 (5) راجع ج 6 ص 426 (6) ~~راجع ج 3 ص 208 (7) راجع ج 15 ص 260 (1) هو السموءل. # (2) في اللسان: (حد الظبات). ms6901 # (3) هو أوس بن حجر يحرض عمرو بن هند على بني حنيفة وهم قتلة أبيه المنذر ~~بن ماء السماء. أي حملوا دمه إلى أبياتهم. (عن اللسان). (1) في بعض نسخ الأصل: (في الآلة المبنية). # (2) راجع ج 2 ص 191. # (3) راجع ج 15 ص 241 (4) حزبه: أي نزل به مهم أو أصابه غم. (1) راجع ج 7 ص 150. # (2) راجع ج 3 ص 302. # (3) راجع ج 16 ص 44. (1) راجع ج 8 ص 123 - 127 (2) راجع ج 18 ص 109 (3) راجع ج 8 ص 193 (4) هو ~~حسان بن ثابت. (1) راجع ج 12 ص 126 (2) هو ضابئ البرجمي كما في اللسان مادة (قير) والكامل ~~للمبرد (ج 1 ص 181 طبع أوربا. # (3) هو الأضبط بن قريع السعدي عن اللسان مادة (مسا). # (4) الذي في نهاية ابن الأثير مادة (خشع): (كانت الكعبة خشعة على الماء ~~فدحيت منها الأرض). (1) راجع ج 12 ص 102 (2) راجع ج 15 ص 248 (3) رجع ج 18 ص 270 (4) راجع ج 11 ~~ص 3 (1) راجع ص 330 من هذا الجزء. (1) راجع ص 161 من هذا الجزء. # (2) سليم وعامر: قبيلتان من قيس عيلان (1) راجع صحيح مسلم باب تحريم الظلم (ج 2 ص 283) طبع بولاق. # (2) يلاحظ أن جميع نسخ الأصل التي بأيدينا لم تذكر المسألة الأولى ~~والثانية في هذه الآية. (1) راجع ج 5 ص 396 (2) راجع ج 19 ص 86 (3) راجع ج 11 ص 281 (4) راجع ج 14 ~~ص 295 (5) راجع ج 5 ص 245 (6) راجع ج 11 ص 153 (1) راجع ص 326 (2) راجع ج 18 ص 89 (3) هو الراعي يخاطب خيلا (عن اللسان). (1) راجع ج 18 ص 263 (1) راجع ج 15 ص 319 (2) راجع ج 9 ص 46 (3) الزيادة عن صحيح مسلم. # (4) قوله: يعني فلانا. وروى " ألا إن آل أبي فلان ". قال النووي: (هذه ~~الكناية هي من بعض الرواة خشى أن يسميه فيترتب عليه مفسدة وفتنة... قال ~~القاضي عياض: قيل إن المكنى عنه هاهنا هو الحكم بن أبي العاص ". # والحكم هذا من النفر الذين كانوا يؤذون رسول الله صلى ms6902 الله عليه وسلم في ~~بيته. راجع سيرة ابن هشام (ج 1 ص 276) طبع أوربا. (1) الحلال (بالكسر): القوم المقيمون المتجاورون. يريد بهم سكان الحرم. (1) يريد أنها مستأنفة. وعبارة البحر لأبي حيان: (يحتمل أن تكون هذه الجملة ~~مستأنفة وهي حكاية حال ماضية ويحتمل أن تكون في موضع الحال أي سائميكم). # (2) راجع ج 13 ص 76. (1) قائله زهير (2) راج ج 19 ص 153 (3) راجع ج 8 ص 20 (4) راجع ج 10 ص 339 (1) السلال (كغراب): قرحة تحدث في الرئة أو زكام ونوازل أو سعال طويل ~~وتلزمها حمى هادئة. # (عن القاموس). # (2) صدر البيت: * فأصبحوا في الماء والخنادق * (3) المراد به قيس بن ~~مسعود الشيباني. وصدر البيت: * أطورين في عام غزاة ورحلة * (1) راجع ج 13 ص 105. (1) أي كنى موسى البحر. # (2) راجع ج 8 ص 377 و ج 12 ص 105. (1) راجع ج 7 ص 35. (1) في نسخة: (فلم يعد أن سمع الله...) الخ. (1) راجع ج 7 ص 273 (2) الأدرة (بالضم): نفخة في الخصية. # (3) راجع ج 14 ص 250 (4) راجع ج 6 ص 130 (1) راجع ج 9 ص 356 (2) راجع ج 12 ص 297 (1) كذا في بعض نسخ الأصل وفي بعضها: (سا) بالسين المهملة. وفي القاموس ~~وشرحه: (... وسا الشجر كذا في سائر النسخ وقال ابن الجواليقي: هو بالشين ~~المعجمة). # (2) كذا في الأصول واسم الجلالة زائد ولا يبعد أن يكون الأصل: عبد الله ~~وهو معنى إسرائيل. راجع ص 331 من هذا الجزء. # (3) راجع ج 11 ص 236. (1) راجع ج 2 ص 329 (2) راجع ج 7 ص 274 وص 284 (3) راجع ج 11 ص 235 (1) هو ذو الرمة. # (2) راجع ص 309 (3) راجع ص 227 من هذا الجزء. (1) راجع ص 133 من هذا الجزء. # (2) راجع ج 14 ص 276 (1) راجع ص 261 ص 343 (2) الرواية المشهورة في البيت: (فقددت الأديم) وهو ~~لعدي بن زيد. والقد: القطع. والأديم: الجلد. والراهشان: عرفان في باطن ~~الذراع. # (3) هو الحطيئة. (1) راجع ج 7 ص 142 (2) راجع ص 160 من هذا الجزء. (1) استحز: اشتد وكثر. # (2) الدو (بفتح الدال وتشديد الواو): ms6903 الصحراء. وأراد بأمثال السفين رواحل ~~محملة تقطع الصحراء قطع السفن البحر. # (3) المستحقب: المتكسب. والواغل: الذي يدخل على القوم في طعامهم وشرابهم ~~من غير أن يدعوه. يقول هذا حين قتل أبوه ونذر ألا يشرب الخمر حتى يثأر به ~~فلما أدرك ثأره حلت له بزعمه فلا يأثم بشربها إذ وفى بنذره فيها. (1) راجع ص 103 فما بعدها وص 325 (2) راجع ج 7 ص 294 (1) راجع ج 7 ص 54 وص 278 (2) راجع ص 219 من هذا الجزء. (1) السحرة (بضم أوله): السحر. وقيل: أعلى السحر. وقيل: هو من ثلث الليل ~~الآخر إلى طلوع الفجر. # (2) الطلى (بضم ففتح): الأعناق. # (3) راجع ج 3 ص 230 (١) راجع ج ٦ ص ١٢٨ (٢) الفحص: كل موضع يسكن. وفي حديث كعب: (إن الله بارك ~~في الشام وخص بالتقديس من فحص الأردن إلى رفح...) وفحصه ما بسط منه وكشف من ~~نواحيه. (عن القاموس والنهاية). # (3) الترنجبين: طل يقع من السماء وهو ندى شبيه بالعسل جامد متحبب (عن ~~مفردات ابن البيطار). (1) راجع ج 10 ص 136 (2) هو خالد بن زهير. # (3) هو مؤرج بن عمر السدوسي ويكنى أبا فيد. كان من أصحاب الخليل بن أحمد ~~مات سنة خمس وتسعين ومائة. # (4) عين السلوان: # عين نضاخة يتبرك بها ويستشفى منها بالبيت المقدس. (عن معجم ياقوت). # (5) البيت لرؤبة. (1) الدفلي (كذكري): شجر مر أخضر حسن المنظر يكون في الأودية. # (2) الشكاعي (كحباري وقد تفتح) من دق النبات وهي دقيقة العيدان صغيرة ~~خضراء والناس يتداوون بها. # (3) في الأصول: # (سلوة) وهو تحريف. (1) هو حميد الأرقط. وصف فرسا بضمور البطن ثم نفى أن تكون ضمره من هزال ~~فقال: (بقرا سمين). # واللاحق الضامر. (عن شرح الشواهد). (١) هو القلاخ بن جناب. وقيل: هو ابن مقبل. (عن اللسان) (٢) راجع ص ٣٤٥. # (٣) في الأصول: (قال النحاس جاء الحديث...) والتصويب عن إعراب القرآن للنحاس. و (الحديث) مبتدأ وخبره ~~(تفسير). # (٤) هو أبو النجم. (عن إعراب القرآن ~~للنحاس). (1) في الأصل: (ولحديث ابن مسعود). والتصويب عن النحاس. # (2) الزيادة عن صحيح مسلم. (1) في الأصل: (أبو عبيدة) والتصويب عن ms6904 اللسان وصحاح الجوهري. # (2) في بعض الأصول: (نهشا) بالشين المعجمة. والنهش: أن يتناول المرء الشئ ~~بفمه لبعضه فيؤثر فيه ولا يجرحه. والنهس: القبض على اللحم ونتره أي جذبه. (1) راجع ج 19 ص 65 (2) يراجع ص 245 من هذا الجزء. # (3) هو لبيد (كما في اللسان). (1) لم يذكر المصنف شيئا عن الاستسقاء في سورة (هود) وإنما هو مذكور في ~~سورة (نوح) ج 18 ص 302 (2) هو ذو الرمة. وصدر البيت: * فجاءت بنسج العنكبوت ~~كأنه * (3) عصويها: عرقوتي الدلو وهما الخشبتان اللتان يعترضان على الدلو ~~كالصليب. والسابري: الدقيق من الثياب. # والمشبرق: المخرق. (1) راجع ج 11 ص 186. (1) كذا في بعض نسخ الأصل. وعين الركبة (براء مضمومة وباء موحدة): نقرة في ~~مقدمها عند الساق ولكل ركبة عينان على التشبيه بنقرة العين الحاسة. وفي ~~البعض الآخر: (عين الركية) (براء مفتوحة وياء مثناة من تحت) وهي مفجر ماء ~~البئر ومنبعها. # (2) الذي في القاموس أن الياء تحرك وتسكن في العين بهذا المعنى. (1) التور (بالتاء المثناة): إناء من صفرا وحجارة يشرب منه أو يتوضأ. (1) العكر (بكسر أوله وسكون ثانيه): الأصل. وقيل: العادة والديدن. والعكر ~~(بالتحريك): دردي كل شئ. # (2) راجع ج 6 ص 293. (1) في ديوان الهذليين واللسان مادة (طعم): (قد تعلمينه). # (2) المزلج: من معانيه البخيل. # والملزق بالقوم وليس منهم. وكلاهما محتمل. # (3) أي يشبع الانسان إذا شرب ماءها كما يشبع من الطعام. # (4) كذا في نسخ الأصل. ووجرة (بفتح فسكون): موضع بين مكة والبصرة. والذي ~~في كتب اللغة ومعاجم البلدان: # نعاما بخطمة صعر الخدر * دلا تطعم الماء إلا صياما وقبله: فأما بنو عامر ~~بالنسار * غداة لقونا فكانوا نعاما وهو لبشر بن أبي خازم. وخطمة (بفتح ~~فسكون): موضع أعلى المدينة. وفي اللسان بعد البيت: (يقول: # هي صائمة منه لا تطعمه قال: وذلك لان النعام لا ترد الماء ولا تطعمه). (1) الكلام الموضوع بين المربعين نقله المؤلف من معاجم اللغة سهوا على أنه ~~من مادة (قثأ) بالقاف والواقع أنه من مادة (فثأ) بالفاء. (1) المغافير: قيل: هو صمغ يسيل من شجر العرفط رائحته ليست بطيبة. # (2) في الأغاني (ج ms6905 21 ص 211) طبع أوربا: (عن زراعة فول). وقيل البيت: # ولقد نظرت إلى الشموس ودونها * حرج من الرحمن غير قليل وعلى هذا فالقافية ~~لامية. # (3) في بعض الأصول: (وقال رئيسهم). الربى. (ومثله الربيئة): # العين والطليعة الذي ينظر للقوم لئلا يدهمهم عدو ولا يكون إلا على جبل أو ~~شرف ينظر منه. (1) في الأصول: (بقدر). والتصويب عن سنن أبي داود. يعنى بالبدر الطبق شبه ~~بالبدر لاستدارته. (1) البيت ليزيد بن مفرغ. # (2) في بعض نسخ الأصل: (بملح). (1) كذا في نسخ الأصل. والذي في كتب الشواذ: (أدنا بالهمز وهي قراءة زهير ~~الفرقبي). (1) راجع ج 6 ص 263. # (2) راجع ج 10 ص 136. # (3) راجع ص 319. # (4) البيت لجرير. والعلب: أقداح من جلود يحلب فيها اللبن ويشرب. يقول هي ~~حضرية رقيقة العيش لا تلبس لبس الاعراب ولا تتغذى غذاءهم. (شرح الشواهد). (1) في تفسير ابن كثير: (.... القبالات يعني الجزية). # (2) هو جابر بن جبير التغلبي (عن شرح الشواهد). # (3) البيت من معلقة عمرو بن كلثوم التغلبي ولا شاهد فيه إذ الرواية فيه: ~~(فآبوا... وأبنا) ومادة (آب) غير مادة (باء) وإن كان معنى المادتين واحدا. # (4) راجع ص 149. (1) ج 14 ص 210 وص 223 (2) هو أوس بن حجر (كما في اللسان). (1) هو النمر بن تولب. يصف ناقة عرض عليها الماء فعافته. # (2) في نسخ الأصل: (الصبح) بالباء. والتصويب عن كتاب سيبويه. والفصح. فطر ~~النصارى وهو عيد لهم. # (3) البيت لأبي الأخرز الحمائي يصف ناقتين طأطأتا رؤوسهما من الاعياء. ~~فشبه رأس الناقة برأس النصرانية إذا طأطأته في صلاتها. (عن شرح القاموس ~~واللسان). (1) راجع ج 6 ص 76. # (2) راجع ج 8 ص 110. (1) راجع ص 329 من هذا الجزء. (1) راجع ج 7 ص 313 (2) راجع ص 68 من هذا الجزء. (1) زيادة عن تفسير ابن عطية. # (2) راجع ج 2 ص 41 (3) راجع ج 15 ص 270 (1) راجع ص 227 من هذا الجزء. (1) راجع ص 248 (2) راجع ص 432 (3) الذي في نسخة النسائي: # (لو سمعك كان له أربعة أعين) مع تأنيث العدد أيضا. (1) راجع ج 10 ص 335 (2) الوهق (بالتحريك وتسكن الهاء): الحبل في طرفيه ms6906 ~~أنشوطة تطرح في عنق الدابة أو الانسان حتى تؤخذ. والأنشوطة عقدة يسهل ~~انحلالها كعقدة التكة عند جذبها. راجع ج 7 ص 306 (3) راجع ج 7 ص 307 (١) في الأصول: (ممسوخهم). والتصويب عن أحكام القرآن لابن العربي. (1) راجع ج 18 ص (2) راجع ج 12 ص 153 (3) هذه الكلمة موجودة في بعض نسخ ~~الأصل، ومعاجم اللغة لا تؤيده. والذي بها إنما هو بالكسر لا غير. # (4) القائل رياح المؤملي. وقيله: # * يا رب أشقاني بنو مؤمل * وبعده: * بصخرة أو عرض جيش جحفل * (عن شرح ~~القاموس). (1) راجع المسألة العاشرة ص 385 من هذا الجزء. (1) راجع ج 9 ص 33 (2) راجع ج 10 ص 346 (3) راجع ج 6 ص 54 (1) في لسان العرب: فأما بقر وباقر وبقير وبيقور وباقور وباقورة فأسماء ~~للجميع. # (2) سيتكلم المؤلف رحمه الله على القسامة وحكمها عند قوله تعالى: (فقلنا ~~اضربوه ببعضها) راجع ص 457 من هذا الجزء. # (3) راجع ص 207. (1) راجع ج 16 ص 69 (1) راجع ص 423 (2) في الصحاح للجوهري: (محافل) بالفاء وفيه رواية أخرى ~~رواها ابن الأعرابي هي: * محامل بيض وقوم فرض * يريد أنهم ثقال كالمحامل. ~~راجع اللسان مادة (فرض). # (3) رواية اللسان: (لعمري لقد) وذكر أنه لعلقمة بن عوف، وقد عنى بقرة ~~هرمة. (1) في الأصول: (تهز) بالزاي. والتصويب عن شرح الديوان. ومعنى (تهز الناس) ~~أي تصيرهم يهزونها، أي يكرهونها. ولقحت: اشتدت. ومضرة: ملحة. وضروس: عضوض ~~سيئة الخلق. وعصل: كالحة معوجة. (1) القائل هو الأعشى كما في اللسان. (1) كل صوت لمفصل وأصبع فهو نقيض. (1) في نسخة من الأصل: (لولا) وروى الحديث من طرق بلفظ: (لو لم يستثنوا). (1) قوله (نبات الهواجر) يعني الرجل الذي إذا اشتد عليه الحر هال التراب ~~ليصل إلى ثراه. والعسر: # صاحب الإبل التي ترد خمسا. # (2) في نهاية ابن الأثير: (فإن فيه). # (3) راجع ص 449. (1) راجع ج 3 ص 377 فما بعدها. (1) راجع ص 222 من هذا الجزء. (1) راجع ج 5 ص 55 فما بعدها. (1) في نسخة: (الحكم بن عتيبة). (1) هذه الكلمة ساقطة في بعض النسخ. # (2) كذا ورد هذا الحديث في ms6907 بعض نسخ الأصل وصحيح مسلم. # قال ابن الملك: إنما ذكر اليمين فقط لأنها هي الحجة في الدعوى آخرا وإلا ~~فعلى المدعى إقامة البينة أولا. (1) يتشحط في دمه: إي يتخبط فيه ويضطرب ويتمرغ. (1) راجع ج 7 ص 35 (2) راجع ص 226 من هذا الجزء (1) القساء (بالفتح والمد): مصدر مثل القسوة والقساوة. # (2) راجع 15 ص 130 (3) راجع البيت في خزانة الأدب في الشاهد 895. # (4) راجع ج 14 ص 298 (1) راجع ص 419 من هذا الجزء. # (2) الوظيف: مستدق الذراع والساق. وقيل: ما فوق الرسغ إلى الساق. (1) نسب هذا البيت في كتاب الطبقات الكبرى لابن سعد في ترجمة الزبير بن ~~العوام وفي كتاب سيبويه إلى جرير. # ويلاحظ أن زيد الخيل توفى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أو في ~~آخر خلافة عمر رضي الله عنه. فوفاته إذا قبل وفاة الزبير. وقد وصف مقتل ~~الزبير بن العوام حين أنصرف يوم الجمل وقتل في الطريق غيلة. يقول: لما وافى ~~خبره المدينة (مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم) تواضعت هي وجبالها ~~وخشعت حزنا له. (1) ثبير: جبل معروف عند مكة. # (2) راجع ج 14 ص 253 (3) راجع ج 18 ص 44 (4) راجع ج 10 ص 267 (5) راجع ج ~~20 ص 150. (1) راجع ج 8 ص 75. # (2) الشبور (على وزن التنور): البوق. # (3) راجع ج 7 ص 280. # (4) راجع ج 11 ص 172. (1) راجع ج 13 ص 281. # (2) يراجع ج 1 ص 206 طبعة ثانية (1) يراجع ج 1 ص 206 طبعة ثانية. # (2) راجع ج 7 ص 251. # (3) راجع ص 26 من هذا الجزء. # (4) راجع ج 7 ص 386. # (5) راجع ج 15 ص 254 (1) راجع ج 6 ص 9. # (2) المثنوية: الاستثناء في اليمين. # (3) هو ذو الرمة، كما في ديوانه. # (4) الأثافي (جمع أثفية، بضم الهمزة وكسرها وسكون الثاء وتشديد الياء): ~~الحج الذي توضع عليه القدر. # والرسوم: بقايا الأبنية. والبلاقع (جمع بلقع): الخراب. (1) راجع ج 12 ص 79. # (2) نسب شارح القاموس هذا البيت لسويد بن عامر المصطلقي. (١) راجع ج ٦ ص ١٢٠. # (٢) راجع ص ١٠ من هذا الجزء. # (٣) راجع ج ١١ ص ms6908 ١٥٣. # (٤) راجع ص ١١ من هذا الجزء. # (٥) قال أبو حيان في البحر المحيط بعد أن ذكر الأقوال التي وردت في معنى ~~الويل: " لو صح في التفسير الويل شئ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لوجب ~~المصير إليه، وقد تكلمت العرب في نظمها ونثرها بلفظ الويل قبل أن يجئ القرآن ولم تطلقه على شئ من هذا التفاسير، ~~وإنما مدلوله ما فسره به أهل اللغة ". (1) كذا في نسخ الأصل، وكتاب البح لأبي حيان. # (2) راجع ج 10 ص 418 (1) راجع ص 399 من هذا الجزء. # (2) راجع ج 9 ص 60. # (3) راجع ج 18 ص 259. (1) راجع ج 4 ص 51. # (2) راجع ج 1 ص 396 طبعة ثانية. (1) راجع ج 7 ص 316. # (2) راجع ج 13 ص 245. # (3) راجع ج 15 ص 357 (4) راجع ج 1 ص 304. # (5) راجع ج 9 ص 367. # (6) راجع ج 1 ص 246، 330. (1) راجع ج 15 ص 276 (2) البيت لطرفة بن العبد في معلقته. # (3) راجع ج 14 ص 65 (4) راجع ج 10 ص 238 (1) راجع ج 16 ص 245. # (2) راجع ج 5 ص 8. # (3) مالك: أحد رواة سند هذا الحديث. # (4) لأنه ربيب دينار. # (5) في تهذيب التهذيب: " بكسر أوله وتشديد المهملة آخره نون " وهو ابن ~~كاهن ويقال ابن كاهل، كان أبوه كاهنا في الجاهلية ". # (6) الرحبي (بفتح الراء والحاء المهملين وباء موحدة): منسوب إلى رحبة بن ~~زرعة. # (7) يبن: يتزوجن. (1) كذا في صحيح مسلم. والذي في نسخ الأصل: " لا يفتر من صلاة... الخ ". # (2) راجع ج 11 ص 199. # (3) في بعض نسخ الأصل: " فكيف في غيرهما ". # (4) راجع ج 5 ص 251. (1) في بعض نسخ الأصل: " عبد الرحمن ". # (2) يراجع ج 1 ص 164، 343 طبعة ثانية. # (3) الشنشنة (بالكسر): الطبيعة والخليقة والسجية. قال الأصمعي: وهذا بيت ~~رجز تمثل به لابن أخزم الطائي، وهو: إن بنى زملوني بالدم * شنشنة أعرفها من ~~أخزم * من يلق آساد الرجال يكلم * قال ابن بري: كان أخزم عاقا لأبيه فمات ~~وترك بنين وعقوا جدهم وضربوه وأموه، فقال ذلك. (عن اللسان). (1) راجع ج 1 ص 436. # (2) راجع ص 13 من هذا الجزء. # (3) راجع ج 1 ms6909 ص 275 طبعة ثانية. (1) راجع ج 7 ص 9. (1) كذا في بعض نسخ الأصل. وفى البعض الاخر: "... أستاه قوم... الخ ". وقد ~~وردت رواية البيت في تفسير الشوكاني هكذا: * تظاهرتم من كل أوب ووجهة... ~~الخ * (2) راجع ج 18 ص 189. # (3) راجع ج 13 ص 61. # (4) راجع ج 18 ص 191 (1) القتب (بكسر فسكون وبالتحريك أيضا): رحل صغير على قدر سنام البعير. # (2) الحمار: من معانيه أنه خشبة في مقدم الرحل تقبض؟ المرأة. وقيل: العود ~~الذي يحمل عليه الأقتاب. # والأسرات: النساء اللواتي يؤكدون الرحال بالقد ويوثقنها. # (3) راجع ج 19 ص 149 (1) هو امرؤ القيس، كما في اللسان وشرح الديوان. # (2) أنميت الصيد فنمى يمنى، وذلك أن ترميه فتصيبه ويذهب عنك فيموت بعد ما ~~يغيب. # (3) يراجع ج 1 ص 261 طبعة ثانية. (1) راجع ج 8 ص 52. # (2) راجع ج 1 ص 466. # (3) راجع ج 1 ص 210 طبعة ثانية. # (4) راجع ج 12 ص 125. (1) راجع ج 4 ص 93، ج 6 ص 362. # (2) راجع ج 16 ص 54 (3) راجع ج 1 ص 277 طبعة ثانية. # (4) الطنب (بضم الطاء وسكون النون وضمها): حبل الخباء والسرادق وغيرهما. (1) راجع ج 10 ص 218. # (2) راجع ج 15 ص 339. (1) الذي في نهاية ابن الأثير واللسان مادة فتح: " أي يستنصر بهم ". # (2) راجع ج 6 ص 217. # (3) يلاحظ أن راوي هذا الحديث هو سعد بن أبي وقاص، ففي سنن النسائي (ج 1 ~~ص 65 طبع المطبعة الميمنية) باب الاستبصار بالضعيف: أخبرنا محمد بن ~~إدريس... عن مصعب بن سعد عن أبيه أنه ظن... " الخ. # (4) الذي في سنن النسائي: " إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها ". (1) في ب: " فعاذت " بالذال المعجمة. (1) راجع ج 10 ص 14. # (2) راجع ج 6 ص 418. # (3) راجع ج 1 ص 430. # (4) راجع ج 1 ص 149 طبعة ثانية. (١) راجع ج ٥ ص ٨٧ - ويأتي أيضا في المائدة والنور، راجع ج ٦ ص ١٥٩، ج ١٢ ص ~~١٥٩ (٢) راجع ج ١١ ص ٣٤. # (٣) البيت لعتي بن مالك العقيلي. (عن اللسان). # (٤) الذي في النهاية واللسان مادة ~~(روى): " إني كنت، الخ، وفيهما: هكذا يروى مبيتا على الفتح، ms6910 أي من خلف حجاب ~~". (1) راجع ج 6 ص 254 (2) راجع ج 10 ص 335. (1) راجع ج 1 ص 436 وما بعدها، طبعة ثانية. (1) راجع ج 11 ص 243. # (2) راجع ص 27 من هذا الجزء. (1) راجع ج 6 ص 120. # (2) في بعض نسخ الأصل: " مقاعدهم ". (1) البيت لأمري القيس. والنشوات (جمع نشوة): السكر. (1) راجع ج 7 ص 398. # (2) راجع ج 16 ص 115. (1) يراجع ج 1 ص 160، 162، 238 طبعة ثانية. # (2) راجع ج 17 ص 185. (1) البيت لكعب بن مالك، كما في شرح القاموس. (1) راجع ج 1 ص 68 طبعة ثانية. # (2) هو جرير، كما في ديوانه. # (3) راجع ج 8 ص 79 (1) كذا في نسخ الأصل وتفسير الطبري وأسباب النزول للواحدي. وفى سيرة ابن ~~هشام (ص 379 طبع أوربا): " أبو صلوبا الفطيوني ". # (2) راجع ج 6 ص 214. # (3) راجع ج 8 ص 346. # (4) راجع ج 10 ص 420. # (5) راجع ج 8 ص 351. (1) في 1 ب، ح: " الصيت " بالتاء المثناة، وفى ج: " الصيب " بالباء. ~~والتصويب عن سيرة ابن هشام ص 352 طبع أوربا. # (2) ج 8 ص 30. # (3) ج 9 ص 91. # (4) البيت للفرزدق، يخاطب تميم بن زيد القيني وكان على السند. (عن ~~النقائض ص 381) طبع أوربا. (1) في الصفحة السابقة. (1) اختلفت الأصول في رسم هذه الكلمة، والذي في القاموس: " النيرنج " قال ~~شارح القاموس: " هكذا في سائر النسخ، والمنقول عن نص كلام الليث: " النيرج ~~" بإسقاط النون الثانية. وكذا ورد في اللسان. وهو أحد كالسحر وليس به، إنما ~~هو تشبيه وتلبيس ". # (2) الكوم (بالضم): جمع كوماه، وهي الناقة العظيمة السنام. والهجان من ~~الإبل: البيض الكرام. (1) راجع ج 12 ص 79 (2) راجع ج 1 ص 90 طبعة ثانية. # (3) راجع ج 7 ص 384. (1) هو أمرؤ القيس، كما في ديوانه واللسان. # (2) موضعين: مسرعين. لأمر غيب: يريد الموت. # وأنه قد غيب عنا وقته، ونحن؟ عنه بالطعام والشراب. # (3) ذئب مجلح: جرئ. (1) راجع ج 11 ص 222. # (2) راجع ج 7 ص 259. (1) يراجع ج 1 ص 69 وما بعدها طبعة ثانية. (1) راجع ج 15 ص 336 (2) النشرة (بالضم): ضرب من الرقية والعلاج، يعالج به ~~من كان يظن أن به ms6911 مسا من الجن، لأنه ينشر بها عنه ما خامره من الداء، أي ~~يكشف ويزال. # (4 - 2) (1) راجع ج 11 ص 322 (2) راجع ج 20 ص 257. (1) راجع ج 5 ص 72. # (2) راجع ج 19 ص 77. # (3) راجع ج 17 ص 185. # (4) راجع ج 4 ص 109. # (5) في بعض نسخ الأصل: " ناهيد " بالدال المهملة بدل اللام. (1) العشار: الذي يقبض عشر الأموال. # (2) راجع ج 18 ص 196 (3) راجع ج 11 ص 281، 278. # (4) كذا في أ، ب، ج. وفى ح، ز: " عوده ". وكتب على هامش الأزهرية: " ~~لعله: # تقديره ". وقد تكون هذه الكلمة محرفة عن " غوره " وغور كل شئ: عمقه ~~وبعده. (1) راجع ج 10 ص 293. # (2) في البيت شاهد آخر، وهو تقديم " ها " التي للتنبيه على " ذا " وقد ~~حال بينهما بقوله: " لعمر الله " والمعنى تعلمن الله هذا ما أقسم به. وفى ~~الديوان: " فاقصد بذرعك ". (1) راجع ج 16 ص 217. (١) راجع ج ١٢ ص ١٧٥. # (٢) الذرائع (جمع الذريعة) وهي لغة: الوسيلة والسبب إلى الشئ. (1) راجع ج 7 ص 61 وص 304. # (2) راجع ج 1 ص 304. # (3) زيادة عن صحيح البخاري. # (4) ورد هذا في صحيح مسلم - كتاب البيوع - ببعض اختلاف في ألفاظه. (1) كذا في أ. وفى ب: " جريرة ". وفى ج " جريرة ". وفى ح " جريزة ". ولم ~~نوفق إلى وجه لصواب فيها. (1) القائل هو امرؤ القيس، كما في ديوانه. # (2) هو عمرو بن كلثوم. (1) يراجع ص 34 من هذا الجزء. # (2) راجع ج 10 ص 176. (1) راجع ج 16 ص 175. # (2) راجع ج 12 ص 79. (1) راجع ج 14 ص 113. (١) راجع ج ١٠ ص ١٢٧. # (٢) ص ٣٠٨ من هذا الجزء. # (٣) ج ٦ ص ٤٢٣. # (٤) وهو أن الله تعالى نسخ وقوف الواحد للعشرة في الجهاد بثبوته لاثنين. # (٥) ص ٢٧٥ من هذا الجزء. # (5 - 2) (1) راجع ج 18 ص 63. # (2) ج 8 ص 259. # (3) يريد قوله تعالى: " متاعا إلى الحول... " فإنه قد نسخ حكمها وبقيت ~~تلاوتها. راجع ج 3 ص 226. # (4) ج 10 ص 210. # (5) ج 15 ص 107. (1) كذا في نسخة أ والذي في ب، ج، ح، ز: " في أم الكتاب ". # (2) في ح: " فلا تكن نسخا ". (1) راجع ج ms6912 8 ص 199. # (2) سيأتي الكلام عليها في ص 127 من هذا الجزء. # (3) العقبة (بضم فسكون) من معانيها: الإبل يرعاها الرجل ويسقها، أي أنا ~~أسوق عقبى وأحسن رعيها. (1) راجع ج 13 ص 244. (1) راجع ص 34 من هذا الجزء. (1) راجع ج 4 ص 267. # (2) ج 6 ص 419. # (3) ج 5 ص 251. # (4) ج 19 ص 264. # (5) ج 16 ص 62. # (6) ج 8 ص 109. # (7) ج 8 ص 72. (1) فدكية: منسوبة إلى فدك (بالتحريك) قرية بالحجاز بينها وبين المدينة ~~يومان. # (2) سلول: # أم عبد الله بن أبي. # (3) العجاج: الغبار. # (4) خمر أنفه: غطاه. # (5) زيادة عن صحيحي البخاري ومسلم يقتضيها السياق. والرحل: المنزل. # (6) البحيرة (تصغير البحرة): مدينة الرسول عليه السلام، وقد جاء في رواية ~~مكيرا. (1) راجع ج 4 ص 303. # (2) أي ظهر وجهه. # (3) يراجع ج 1 ص 164 ويا بعدها، 224، 343 وما بعدها، طبعة ثانية. # (4) بقيع الغرقد: مقبرة أهل المدينة. (1) يراجع ص 35 من هذا الجزء. (1) راجع المسألة الثانية ص 5 من هذا الجزء. # (2) راجع ج 1 ص 329 طبعة ثانية. (1) الآراب (جمع إرب بكسر فسكون): الأعضاء، والمراد بالسبعة: الجبهة ~~واليدان والركبتان والقدمان. # (2) اضطربت الأصول في رسم هذا الاسم، ففي أ، ح، ز، " بطوس " بالباء ~~الموحدة التحتانية. وفى ب: # " تطرس " بالتاء المثناة من فوق، وفى ح‍: " نطوس " بالنون. (1) الصرورة: التي لم تحج قط. # (2) راجع ج 8 ص 254 وص 104. # (3) ج 12 ص 265. (1) راجع ج 14 ص 228. (1) راجع ج 4 ص 322. (1) في ب، ج: " لا حجر ". (1) راجع ص 159، 168 من هذا الجزء. # (2) راجع ج 19 ص 128. # (3) راجع ج 20 ص 88. (1) راجع ج 17 ص 165. # (2) راجع ج 11 ص 243. # (3) راجع ج 7 ص 296. # (4) راجع ج 18 ص 170. (1) راجع ج 11 ص 158 فما بعدها وص 281. # (2) راجع ج 1 ص 276 طبعة ثانية. (1) راجع ج 3 ص 213. (1) يريد: قيام رمضان. # (2) مسرودتان: درعان مخروزتان. والصنع: الحاذق بالعمل. (1) راجع ج 15 ص 345. # (2) راجع ج 10 ص 214، 236. # (3) راجع ج 13 ص 280. # (4) راجع ج 8 ص 157. # (5) راجع ج 9 ص 356. # (6) راجع ج 4 ص 93. # (7) راجع ج 15 ص 334. # (8) راجع ج 8 ص ms6913 22. # (9) راجع ج 8 ص 95. (1) راجع ج 14 ص 19. # (2) في أ: " من جهة التكوين ". (١) كذا في الأصول. وقال البغدادي صاحب خزانة الأدب: " نسبه ابن الشجري في ~~أماليه للأشهب، والصحيح أنه من قصيدة لجرير، لا خلاف بين الرواة أنها له، ~~وهي جواب عن قصيدة تقدمت لفرزدق على قافيها ". وقضية عقر الإبل مشهورة في ~~التواريخ. والنيب (بكسر النون وسكون الياء جمع ناب): الناقة المسنة. ~~وضوطرى: قيل: الرجل الضخم اللئيم الذي لا غناء عنده. وقيل: الحمقى. والكمى: ~~الشجاع. والمقنع: الذي على رأسه البيضة ~~والمغفر. # راجع خزانة الأدب في الشاهد الرابع والستين بعد المائة. وكتاب المغنى في ~~" لولا " والنقائض ص 833 طبع أوربا، وذيل أمالي القالي. (1) راجع ج 1 ص 66 طبعة ثانية. # (2) راجع ج 1 ص 180 طبعة ثانية. # (3) راجع ج 1 ص 184، 238 طبعة ثانية. (1) راجع ج 20 ص 229. # (2) راجع ج 9 ص 326. (1) تمامه: * ولا أريد تبع القرين * (1) راجع ج 7 ص 22. (1) راجع ج 8 ص 269. # (2) راجع ج 14 ص 185. # (3) راجع ج 12 ص 102 (4) راجع ج 18 ص 291. # (5) راجع ج 17 ص 113. (1) في ج: " مطرف ". # (2) سيأتي الكلام على البراجم في المسألة العاشرة. # (3) سيذكر المؤلف معنى الاستحداد عند المسألة التاسعة. (1) في ج: " ذكره عبد الرزاق ". # (2) قال النووي: " رواة مسلم متفقون على تخفيف (القدوم)، ووقع في روايات ~~البخاري الخلاف في تشديده وتخفيفه، قالوا: وآلة النجار يقال لها: قدوم ~~بالتخفيف لاغير، وأما القدوم مكان بالشام ففيه التخفيف والتشديد. # فمن رواه بالتشديد أراد القرية، ورواية التخفيف تحتمل القرية والآلة، ~~والأكثرون على التخفيف وعلى إرادة الآلة ". # (3) في أ، ح: " ابن شريح ". (1) " لا تنهكي " أي لا تبالغي في استقصاء الختان. # (2) في اللسان: " قال الزجاج: يروى أن الرس ديار لطائفة من ثمود، قال ~~ويروى أن الرس قرية باليمامة يقال لها فلج، ويروى أنهم كذبوا نبيهم ورسوه ~~في بئر، أي دسوه فيها حتى مات، ويروى أن الرس بئر، وكل بئر عند العرب رس ". # (3) في الأصول: " زياد " والتصويب عن تهذيب التهذيب. (1) اطلى: يعنى بالنورة وهي حجر يتخذ منه طلاء لإزالة ms6914 الشعر من بواطن ~~الجسد. (1) اضطربت الأصول في رسم هذه الكلمة، والتصويب عن " نوادر الأصول " وسينقل ~~المؤلف رحمه الله كلام الترمذي عن هذا الحديث. # (2) الرفع: الوسخ الذي بين الأنملة والظفر. (1) زيادة عن كتاب " نوادر الأصول ". # (2) راجع ج 17 ص 11. (1) إحفاء الشوارب: قص ما طال منها. وإعفاء اللحى: توفيرها. # (2) المفرق: وسط الرأس. # (3) العقيصة: الشعر المعقوص، وهو نحو من المضفور. # (4) الوفرة: الشعر المجتمع على الرأس. (1) الثغامة: نبت أبيض الثمر والزهر، يشبه بياض الشيب به. # (2) راجع ج 5 ص 212. # (3) راجع ج 8 ص 262 (4) راجع ج 9 ص 64. (1) راجع ج 10 ص 413. (1) راجع ج 15 ص 34. # (2) راجع ج 4 ص 295. # (3) في ب، ج: " ولا يفتون عليها ". # (4) آنفا: الان. وفعلت الشئ آنفا. أي في أول وقت يقرب منى. # (5) راجع ج 1 ص 264 طبعة ثانية. (١) في ب، ج: " والحسن ". # (٢) الذي في الأصول: " عقبة بن مسلم " وهو تحريف. ويوم الحرة ذكره ابن ~~الأثير في النهاية فقال: " وهو يوم مشهور ~~في الاسلام أيام يزيد بن معاوية لما انتهب المدينة عسكره من أهل الشام ~~الذين ندبهم لقتال أهل المدينة من الصحابة والتابعين، وأمر عليهم مسلم بن ~~عقبة المري في ذي الحجة سنة ثلاث وستين، وعقيبها هلك يزيد. والحرة هذه: أرض ~~بظاهر المدينة بها حجارة سود كثيرة وكانت الوقعة بها ". # ويراجع تاريخ الطبري وابن الأثير والنجوم الزاهرة في حوادث سنة ثلاث ~~وستين. (1) الذي في اللسان وشرح القاموس مادة " ثوب " أن البيت لأبي طالب. (1) راجع ج 6 ص 325. (1) راجع ج 14 ص 227. # (2) راجع ج 12 ص 109، 110. # (3) راجع ج 18 ص 193. # (4) في نسخ الأصل: " وجوهها ". والتصويب عن الديوان. # (5) في ب، ج، ز: " نفذ ". (1) زيادة يقتضيها السياق، وقد اعتمدنا في زيادتها على ما ورد في المسألة ~~السادسة ص 116 من هذا الجزء. # (2) هذا الاسم ساقط من ب، ج، ز. (1) راجع ج 8 ص 259. # (2) هو العجاج، يصف ثورا. وصدر البيت: * فهن يعكفن به إذا حجا. * (3) ~~الفنزجة والفنزج (بفتح فسكون): رقص العجم إذا أخذ بعضهم يد بعض وهم يرقصون. # (4) راجع ج 1 ص ms6915 291، 344 طبعة ثانية. # (5) راجع ج 12 ص 264. (1) راجع ص 160 من هذا الجزء. (1) راجع 9 ص 368 فما بعدها. (1) لا يعضد: لا يقطع. # (2) الخلى (مقصور): النبات الرطب الرقيق ما دام رطبا، واختلاؤه: قطعه. # (3) الإذخر (بكسر الهمزة والخاء): حشيشة طيبة الرائحة يسقف بها البيوت ~~فوق الخشب، ويحرق بدل الخشب والفحم. والقين: الحداد. (1) راجع المسألة الثانية والعشرين ج 1 ص 177. # (2) راجع المسألة الرابعة ج 1 ص 229. # (3) راجع المسألة الأولى ج 1 ص 162 طبعة ثانية. (1) راجع ج 10 ص 236. # (2) راجع ج 9 ص 48. (1) الربض (بضم الراء، وبسكون الباء وضمها): الأساس. وبفتحهما: ما حول ~~المدينة. # (2) في أ، ج، ز: " ويجوز أن يكون ". (1) السكينة (بفتح فكسر): ريح خجوج، أي سريعة الحر؟. # (2) في ج: " ابن علي موضع الأساس ". وأبو قبيس: اسم الجبل المشرف على ~~مكة. # (3) هكذا في جميع النسخ التي بأيدينا. (1) النمرة: كل شملة مخططة من مآزر العرب. # (2) الاخشان: الحبلان المطيفان بمكة، وهما: # أبو قبيس، والأحمر. # (3) الجدر: (بفتح الجيم وإسكان الدال): حجر الكعبة (بكسر الحاء). # (4) الزيادة عن صحيح مسلم. (1) الزيادة عن صحيح مسلم. # (2) كذا في نسخ الأصل. ولعل تذكير الضمير على بمعنى البيت. (1) قوله: إنا لسنا... الخ، قال النووي: " يريد بذلك سبه وعيب فعله، يقال: ~~لطخته أي رميته بأمر قبيح ". # (2) كان في صحيح مسلم. وفى نسخ الأصل: " تمامه ". # (3) القباطي (جمع القبطية القاف): ثياب كتاب بيض رقاق تعمل بمصر، وهي ~~منسوبة إلى القبط على غير قياس. # (4) القفد (بفتح فسكون): صفع الرأس ببسط الكف من قبل القفا. (1) راجع ص 36 من هذا الجزء. # (2) راجع ج 4 ص 43. # (3) راجع ج 17 ص 48. # (4) اضطربت الأصول في ذكر كلام السهيلي، وقد ذكر الطبري في تاريخه خبر ~~أولاد إسماعيل (ص 351 قسم أول)، وابن الأثير (ج 1 ص 88) وابن هشام في سيرته ~~(ص 4) طبع أوربا، فيراجع. (1) راجع ج 10 ص 197. # (2) راجع ج 16 ص 74. # (3) راجع ج 11 ص 338. # (4) راجع ج 9 ص 201. # (5) القائل هو الأعشى، كما في اللسان. # (6) قال أبو حيان في البحر: # " وقوله: ينفصل... الخ. يعنى أنه قد استعمل في ms6916 اللسان العربي متعديا إلى ~~اثنين ومعه همزة النقل كما استعمل متعديا إلى اثنين بغير الهمزة. # (7) زيادة عن ابن عطية. # (8) ويروى " لعلى "، ولأن بمعنى لعل. (1) في أ، ب، ز: " أبى نصرة ". وفى ج، ح: " أبى بصرة ". والتصويب عن طبقات ~~الفراء وتهذيب التهذيب. # (2) ثبير: جبل بين مكة ومنى وهو على يمين الذاهب إلى مكة. (1) جمع (بفتح فسكون): المزدلفة. (1) يراجع ج 1 ص 30 طبعة ثانية. # (2) يراجع ج 1 ص 325 طبعة ثانية. (1) الوضر: الوسخ. # (2) يراجع ج 1 ص 343 طبعة ثانية. # (3) راجع ج 14 ص 361. # (4) راجع ج 15 ص 174. # (5) راجع ج 16 ص 8. # (6) راجع المسألة الثالثة ج 1 ص 287 طبعة ثانية. (1) أي في قوله تعالى: " ولا تعزموا عقدة النكاح " راجع ج 3 ص 192. (1) راجع ج 17 ص 40. # (2) راجع ج 12 ص 101. # (3) راجع ج 10 ص 198. # (4) في أ: " لتشابهها... ". (1) السرب (بالتحريك): الحفير، وبيت تحت الأرض. # (2) راجع 7 ص 24. # (3) في ج: " فرقا ". # (4) راجع ج 4 ص 43. # (5) راجع ج 16 ص 348. (1) راجع ج 9 ص 368. # (2) راجع ج 15 ص 99. # (3) كذا وردت هذه الأسماء في نسخ الأصل. والذي في كتاب الرسل والملوك ~~لابن جرير الطبري قسم أول ص 345 طبع أوربا: " يقسان، وزمران، ومديان، ~~ويسبق، وسوح، وبسر ". وفى تاريخ ابن الأثير ج 1 ص 87 طبع أوربا: " نفشان، ~~ومران، ومديان، ومدن، ونشق، وسرح ". # (4) راجع ج 9 ص 130. (1) في أ، ب، ز: " بل إن ". # (2) الحجل (بالتحريك): طائر على قدر الحمام كالقطا، أحمر المنقار ~~والرجلين، ويسمى دجاج البر. ويسمى الذكر منه يعقوب وجمعه يعاقب ويعاقيب. # (3) راجع ج 9 ص 357. (1) الشاهد فيه " أخوكم " فإنه جمع بالواو والنون وحذفت النون للإضافة ليصح ~~الاخبار به عن ضمير الجمع. # وتمام البيت: * فقد سلمت من الإحن الصدور * وصف نساء سبين فوفد عليهن من ~~قومهن من يفاديهن فبكين إليهم وفديناهم بآبائهن سرورا بوفودهم عليهن. (عن ~~شرح الشواهد). # (2) راجع خزانة الأدب في الشاهد الثامن والعشرين بعد الثلثمائة. (1) راجع ج 7 ص 157. (1) راجع ج 7 ص 367. (1) كذا في ج وتفسير ابن كثير في هذا الموضع. ms6917 وفى سائر الأصول: " أبو مجيد ~~" بالميم. (1) هذه الحملة من تمام القول الأول وليست قولا آخر كما يتبادر من السياق. # (2) راجع ج 16 ص 8 (3) هو حميد الأرقط، وصف قوما استؤصلوا فشبههم بالعصف ~~الذي أكل حبه. والعصف التبن. (عن شرح الشواهد). # (4) في ج: " عن التببين ". وفى ب، ز: " عن التدين ". # (5) راجع ج 16 ص 13. # (6) راجع ج 13 ص 351. (١) في أ: "... يقتل... ويفجر... " بالياء. # (٢) زيادة من إعراب القرآن للنحاس. # (3) الدراعة والمدرع: جبة مشوقة المقدم. (1) ثمامة الحنفي هو ثمامة بن أثال المتقدم. # (2) الحائط: البستان من النخل إذا كان عليه جدار. # (3) كذا في الأصول، ولعل صوابه: " والحظوة عنده ". (1) راجع ج 10 ص 35. # (2) هذا القول بأن " أم " منقطعة. (1) يراجع ج 1 ص 205 طبعة ثانية. # (2) قباء (بالضم): قرية على ميلين من المدينة على يسار لقاصد إلى مكة بها ~~أثر بنيان كثير، وهناك مسجد التقوى. (عن معجم ياقوت). # (3) رواية البخاري كما في صحيحه: " وإنه صلى - أو صلاها - صلاة العصر... ~~". (1) في كتاب الاستيعاب والقاموس: " نولة " بالنون، وقال صاحب القاموس: " أو ~~هي كجهينة ". # وقد ذكرت في كتاب الإصابة مصغرة في حرفي التاء والنون، وهي بالنون رواية ~~إسحاق بن إدريس عن جعفر بن محمود، وبالتاء رواية إبراهيم بن حمزة، قال صاحب ~~الإصابة: " وهي أوثق ". # (2) هذه الكلمة ساقطة من أ - والنعم - بفتحتين -: واحد الانعام، الإبل ~~والشاء أو الإبل خاصة، يذكر ويؤنث. # (3) يراجع ج 1 ص 108 طبعة ثانية. (1) في الأصول: " وقال ". (1) العبارة هنا غبر واضحة. والذي في تفسير الطبري (ج 2 ص 21 طبع بولاق): ~~"... قال الربيع: إن يهوديا خاصم أبا العالية فقال: إن موسى عليه السلام ~~كان يصلى إلى صخرة بيت المقدس، فقال أبو العالية: كان يصلى عند الصخرة إلى ~~البيت الحرام، قال قال: فبيني وبينك مسجد صالح فإنه نحته من الجبل، قال أبو ~~العالية: قد صليت فيه وقبلته إلى البيت الحرام، قال الربيع: وأخبرني أبو ~~العالية أنه مر على مسجد ذي القرنين وقبلته إلى الكعبة ". # (2) عند قوله تعالى: " ما ننسخ من آية أو ننسها " ص 61 من ms6918 هذا الجزء. (1) القراض (بكسر القاف) عند المالكية هو ما يسمى بالمضاربة عند الحنفية، ~~وهو إعطاء المقارص (بكسر الراء وهو رب المال) المقارض (بفتح الراء وهو ~~العامل) مالا ليتجر به على أن يكون له جزء معلوم من الربح. (1) راجع ج 6 ص 61. # (2) ج 1 ص 147. # (3) ج 18 ص 244. (١) في اللسان والنهاية: "... خير هذه ~~الأمة النمط الأوسط، يلحق بهم التالي، ويرجع إليهم الغالي " والنمط: # جماعة من الناس أمرهم واحد. وقيل: هو الطريقة. (1) الحنة (بكسر الحاء): العداوة، وهي لغة قليلة في الإحنة. (1) راجع ج 3 ص 383. # (2) راجع ج 4 ص 170. # (3) راجع ج 20 ص 44. # (4) أضاف المرض إليه سبحانه وتعالى والمراد العبد تشريفا للعبد وتقريبا ~~له. وفى الحديث: " قال يا رب وكيف أعودك وأنت رب العالمين قال أما علمت أن ~~عبدي فلانا مرض فلم تعده أما علمت أنك وعدته لوجدتني عنده... ". راجع صحيح ~~مسلم " فضل عيادة المريض ". (1) راجع ج 4 ص 218. # (2) راجع ج 16 ص 253. # (3) راجع ج 17 ص 308. # (4) راجع ص 148 من هذا الجزء. (١) التكملة عن إعراب القرآن للنحاس. # (2) هو أبو زنباع الجذامي، (عن اللسان). (1) كذا في كتاب الأحكام لابن العربي. وفى الأصول: " ما لا يوصل إليه ". (1) راجع ج 1 ص 466. # (2) ف ب: " بأن الله تعالى يعلم أعمال... ". # (3) راجع ج 14 ص 45. (1) راجع ج 94 من هذا الجزء. # (2) راجع ص 95 من هذا الجزء. (1) راجع ج 13 ص 163. # (2) راجع ج 11 ص 280. # (3) في أ: " به ". (١) الزيادة عن صحيح مسلم وسنن النسائي. # (٢) الزيادة عن أحكام القرآن لابن العربي. # (3) الفيح: سطوع الحر وفورائه. (1) الزيادة من صحيح الترمذي. # (2) انتاب: قصد. # (3) كذا في صحيح الترمذي. وفى الأصول: " تأخير الصلاة ". (1) في نسخ الأصل: " كان معنى ". والتصويب عن تفسير ابن عطية. (1) هو الفرزدق، وأراد مروان بن الحكم. (عن شرح الشواهد). # (2) راجع ج 20 ص 116. (1) نص العبارة في البحر المحيط لأبي حيان: " وقيل: تتعلق اللام بفعل مؤخر، ~~التقدير: ولاتم نعمتي عليكم عرفتكم قبلتي ". # (2) يراجع ج 1 ص 160 طبعة ثانية. (1) راجع ج 9 ص 343. # (2) راجع ج 7 ms6919 ص 367. (39 راجع ج 10 ص 57 (1) راجع ج 14 ص 197. # (2) الذي في معاجم اللغة أن الفصيح الثاني. # (3) تراجع المسألة الثالثة وما بعدها ج 1 ص 397 طبعة ثانية. # (4) يراجع ج 1 ص 183. # (5) يراجع ج 1 ص 371 طبعة ثانية. (1) راجع ج 4 ص 268. # (2) تراجع المسألة الثالثة عشرة ج 1 ص 387 طبعة ثانية. (1) راجع ج 1 ص 371. # (2) هكذا في جميع النسخ التي بأيدينا. # (3) راجع ج 15 ص 215. (1) قال النوى في شرحه على صحيح مسلم: " قال القاضي: هو بضم الياء وفتح ~~الهاء على ما لم يسم فاعله، وضبطه غيره بفتح الياء وضم الهاء، أي يغمه، ~~وكلاهما صحيح ". (1) مناة: اسم ضم في جهة البحر مما يلي قديدا بالمشلل (وهو جبل يهبط منه ~~إلى قديد من ناحية البحر) على سبعة أميال من المدينة. وكانت الأزد وغسان ~~يهلون له ويحجون إليه، وكان أول من نصبه عمرو بن لحى الخزاعي. # (راجع معجم ياقوت في اسم مناة). # (2) زيادة عن الترمذي. (1) كذا في الأصول وصحيح البخاري وتفسير الطبري. والذي في صحيح الترمذي: " ~~أنس بن سيرين... ". # وهو مولى أنس بن مالك وممن روى عنه. (1) هو الأخيل، كما في اللسان. # (2) في اللسان: " قال ابن سيده: كذا أنشده أبو على، وأنشده ابن دريد في ~~الجمهرة: " كأن متنى " قال: وهو الصحيح، لقوله بعده: من طول إشرافي على ~~العلوي. والنفي: # تطاير الماء عن الرشاء عند الاستقاء. ونفى المطر: ما تنقيه وترشه. قال ~~صاحب اللسان: " وفسره ثعلب فقال: # شبه الماء وقد وقع على متن المستقى بذرق الطائر على المصفى ". # (3) المشقر: حضن بالبحرين عظيم لعبد القيس يلي حصنا لهم آخر يقال له ~~الصفا قبل مدينة هجر. ويروى " بصفا المشرق " قال أبو عبيدة: المشرق سوق ~~الطائف. # وقال الأصمعي: المشرق المصلى. (عن شرح الديوان ومعجم ياقوت). (1) هو المخبل السعدي كما سيجئ. # (2) الحلول: الاحياء المجتمعة، وهو جمع حال. والمزعفر: الملون بالزعفران، ~~وسادات العرب تصبغ عما ثمها بالزعفران. # (3) هو عبد الرحمن بن حسان يهجو مسكينا الدارمي. # (عن اللسان). # (4) هو عذار بن درة الطائي، كما في اللسان. وتمام ms6920 البيت: # * فاست الطبيب قذاها كالمغاريد * (5) المأمومة: الشجة التي بلغت أم ~~الرأس، وهي الجلدة التي تجمع الدماغ. وفى اللسان: " وفسر ابن دريد هذا ~~الشعر فقال: وصف هذا الشاعر طبيبا يداوى شجة بعيدة القعر فهو بجزع من ~~هولها، فالقذى يتساقط من استه كالمغاريد ". والمغاريد: جمع مغرود وهو صمغ ~~معروف. # (6) هو العجاج يمدح عمر بن عبيد الله القرشي. عن اللسان. # (7) ضمير: جمع قوائمه ليثب. (1) القفندر: القبيح المنظر. # (2) الذي في صحيح الترمذي: " وقرأ ". (1) شدا: أي عدوا. # (2) العتبية: كتاب في مذهب الامام مالك، نسبت إلى مؤلفها فقيه الأندلسي ~~محمد بن أحمد بن عبد العزيز العتبى القرطبي المتوفى سنة 254 ه‍. (1) راجع ج 9 ص 368. # (2) المحجن: عصا معوجة الرأس يتناول بها الراكب ما سقط له. # (3) الزيادة عن سنن ابن ماجة. (1) الذي في صحيح البخاري وسنن ابن ماجة: " لولا آيتان ". # (2) تراجع المسألة الثانية ج 1 ص 335 طبعة ثانية. (1) أبو عبد الله: كنية البخاري رضي الله عنه. # (2) يراجع ص 25 من هذا الجزء. (1) راجع ج 9 ص 122. # (2) راجع ج 15 ص 350. # (3) راجع ج 7 ص 344. # (4) راجع ج 5 ص 91. (1) تراجع المسألة الخامسة وما بعدها ج 1 ص 325 طبعة ثانية. (١) راجع ج ١٣ ص ٣٣٩. # (٢) نعمان: هو ابن عمرو بن رفاعة، شهد العقبة وبدرا والمشاهد بعدها، وكان ~~كثير المزاح، يضحك النبي صلى الله عليه وسلم من مزاحه. (عن أسد الغابة). # (٣) قال ابن الأثير في النهاية: " أي لا ~~يوبخها ولا يقرعها بالزنا بعد الضرب. وقيل: أراد لا يقنع في عقوبتها ~~بالتثريب بل يضربها الحد ". (1) راجع ص 25 من هذا الجزء. # (2) راجع ج 13 ص 339. (1) قال الجوهري في الصحاح: " وذكر قوم أن الليل ولد الكروان، وأن النهار ~~ولد الحبارى، وقد جاء ذلك في بعض الاشعار ". # (2) زيادة عن اللسان. (1) المصر: الحاجز بين الشيئين. (1) هو قيس بن الخطيم، يصف طعنة. # (2) راجع ص 273 من هذا الجزء. # (3) راجع ج 15 ص 34. # (4) راجع ج 8 ص 324. # (5) الجؤجؤ: الصدر. وقيل: عظامه. (1) العدوة: شاطئ الوادي. (1) المائد: الذي يركب البحر فتغثى نفسه حتى يدار به ويكاد ms6921 يغشى عليه. # (2) أرتج البحر: إذا هاج. # وقيل: إذا كثر ماؤه فعم كل شئ. # (3) راجع ج 6 ص 420. # (4) راجع ج 12 ص 112. # (5) راجع ج 20 ص 165. (1) راجع ج 9 ص 6. # (2) كذا ورد في سنن أبي داود. والذي في الأصول: " الريح من روح الله. قال ~~سلمة: فروح الله عز وجل تأتى... " الخ وسلمة هذا أحد من روى عنهم أبو داود ~~هذا الحديث. # (3) أي يوم الأحزاب. وسيأتي معنى " الصبا والدبور ". (1) راجع ج 14 ص 143. # (2) راجع ج 10 ص 15. # (3) راجع ج 13 ص 39. # (4) راجع ج 14 ص 44. (1) الحرة: أرض ذات أحجار سود. والشرجة: طريق الماء ومسيله. # (2) الزيادة عن صحيح مسلم. # (3) راجع ج 14 ص 326. # (4) راجع ج 7 ص 229. (1) راجع ج 16 ص 205. # (2) راجع ج 10 ص 152. # (3) راجع ج 18 ص 217. (1) راجع ج 8 ص 386. # (2) ج 7 ص 330. # (3) ج 17 ص 40. # (4) ج 12 ص 109. (1) تراجع المسألة السادسة ج 1 ص 230 طبعة ثانية. (1) راجع ج 4 ص 59. (1) راجع ج 6 ص 411، 408. (1) راجع ج 7 ص 206. (1) راجع ج 7 ص 115، 300. # (2) يقول: مرة تخطو فتكف عن العدو، ومرة تعدو عدوا يشبه المطر. عن شرح ~~الديوان. (1) تراجع المسألة العاشرة ج 1 ص 90 طبعة ثانية. # (2) راجع ج 3 ص 328. # (3) راجع ج 6 ص 292. # (4) راجع ج 13 ص 261. # (5) راجع ج 14 ص 323. # (6) راجع ج 18 ص 220. (1) الريم: الظبي الأبيض الخالص البياض. # (2) قال أبو إسحاق النحوي: " أثبت ما روينا عن أهل اللغة في البحيرة أنها ~~الناقة كانت إذا نتجت خمسة أبطن فكان آخرها ذكرا بحروا أذنها أي شقوه، ~~واعفوا ظهرها من الركوب والحمل والذبح، ولا تحلا، (تطرد) عن ماء ترده، ولا ~~تمنع من مرعى، وإذا لقيها المعنى المنقطع به لم يركبها ". # (3) كان الرجل في الجاهلية إذا قدم من سفر بعيد، أو برئ من علة، أو نحبة ~~دابة من مشقة أو حرب قال: # ناقتي سائبة، أي تسيب فلا ينتفع بظهرها ولا تحلا عن ماء، ولا تمنع من كلا ~~ولا تركب. (عن اللسان). (1) قال المفسرون: الوصيلة كانت في الشاة خاصة، كانت الشاة ms6922 إذا ولدت أنثى ~~فهي لهم، وإذا ولدت ذكرا جعلوه لآلهتهم، فإذا ولدت ذكرا وأنثى قالوا: وصلت ~~أخاها، فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم. وفيها معان أخر. # (يراجع اللسان مادة " وصل "). وتقدم معنى " البحيرة والسائبة " ص 210. (١) راجع ج ١٠ ص ١٠٨ وج‍ ١١ ص ٢٧٢. # (٢) راجع ج ١٦ ص ٧٤. # (٣) ص ١٩٠ من هذا الجزء. (1) راجع ج 14 ص 249. # (2) راجع ج 16 ص 74 فما بعدها. # (3) راجع ج 9 ص 191. (1) في الأصول: " وأبى عبد الله " والتصويب عن القاموس وشرحه، وهو عبد الله ~~بن سعيد بن كلاب التميمي البصري، وهو رأس الطائفة الكلابية من أهل السنة. # (2) راجع ج 12 ص 94، ج 13 ص 350. (1) راجع ج 1 ص 214 طبعة ثانية. # (2) هذه الجملة من كلام الراوي، والضمير للنبي صلى الله عليه وسلم. و " ~~الرجل " بالرفع مبتدأ، مذكور على الحكاية من لفظ الرسول عليه السلام. ويجوز ~~أن ينصب على أنه مفعول " ذكر ". # (3) الزيادة عن صحيح مسلم. # (4) تراجع المسألة الثالثة وما بعدها ج 1 ص 397 طبعة ثانية. (1) اضطربت جميع نسخ الأصل في ذكر هذه المسائل، فبعضها أسقط الثانية، وأخرى ~~" الحادية والعشرين ". # أخرى " الرابعة والعشرين ". # (2) راجع ج 7 ص 115. # (3) راجع ج 11 ص 223. # (4) راجع ج 15 ص 254. (1) راجع ج 9 ص 352. # (2) راجع ج 7 ص 116. # (3) العنبر: سمكة كبيرة بحرية تتخذ من جلدها الأتراس، ويقال للترس: عنبر، ~~وسمى هذا الحوت بالعنبر لوجوده في جوفه. (عن القسطلاني واللسان). # (4) راجع ج 6 ص 318. (1) راجع ج 7 ص 268. # (2) في قوله تعالى: " إنما حرم عليكم الميتة... " آية 115 ولم يذكر ~~المؤلف فيها شيئا، بل أحال على ما هنا، راجع ج 10 ص 195. (1) راجع ج 6 ص 50. # (2) راجع ج 13 ص 39 فما بعدها. # (3) راجع ج 10 ص 195. (1) جمل الشحم وأجمله: أذابه واستخرج دهنه. # (2) في بعض الأصول والنسخة الأزهرية: # " ولا مخالف له في الصحابة ". (1) راجع ج 7 ص 115. (1) راجع ج 7 ص 123. # (2) الغضروف والغرضوف: كل عظم لين رخص في أي موضع كان. (1) راجع ج 6 ص 320 (1) راجع ج 6 ص 76. (1) الحريسة: الشاة ms6923 تسرق ليلا. وفى الحديث (لا قطع في حريسة الجبل) أي ليس ~~فيما حرس بالجبل قطع، لأنه ليس بحرز. # (2) مصرورة: مربوطة الضروع، وكان عادة العرب أنهم إذا أرسلوا الحلويات ~~إلى المراعى ربطوا ضروعها. # (3) كذا في سنن ابن ماجة، أي بركتهم وخيرهم. وفى الأصول " قيمهم ". (1) إذا كان للحديث إسنادان أو أكثر كتبوا عند الانتقال من إسناد إلى ~~إسناد: " ح " وهي مأخوذة من التحول... الخ. راجع كتب المصطلح. # (2) الحائط: البستان من النخيل وغيره إذا كان عليه جدار. (1) يريد بالثاني أحد فرضي المخمصة الذي تقدم في المسألة " الثانية ~~والعشرين " وهو غير الدائمة. # (2) تضلع: أمثلا شعبا أوربا. (1) الحرة (بفتح الحاء والراء المشددة): أرض بظاهر المدينة بها حجارة سود. (1) أبو نعيم: كنية الفضل بن دكين. (1) المرتك (كمقعد): ضرب من الأدوية. (1) راجع ج 12 ص 254. # (2) راجع ج 5 ص 156. (١) الزيادة عن كتاب " أحكام القرآن " للكيا ~~الهراسى. (1) يلاحظ أن نسخ الأصل اضطربت في عد هذه المسائل. # (2) راجع ج 7 ص 40. # (3) راجع ج 1 ص 334، ص 9 من هذا الجزء. (١) راجع ج ٥ ص ٥٣. # (٢) اختلف في أنه حديث أو غير حديث. راجع كشف الخفاء ج ٢ ص ١٤٠. # (3) راجع ج 12 ص 153. # (4) راجع ج 1 ص 198. # (5) راجع ج 4 ص 119. (1) يراجع ج 1 ص 210 طبعة ثانية. # (2) راجع ج 19 ص 215. # (3) راجع ج 11 ص 108. (1) راجع ص 143 من هذا الجزء. (1) راجع ج 16 ص 173. # (2) راجع ج 14 ص 10. # (3) راجع ج 18 ص 42. # (4) راجع ج 9 ص 246. # (5) راجع ص 31 من هذا الجزء. # (6) الخلالة: (بفتح الخاء وكسرها وضمها، جمع الخلة): الصداقة. وأبو مرحب: ~~كنية الظل، ويقال: # هو كنية عرقوب. يقول: خلة هذه المرأة ووصالها لا يثبت كما لا تثبت خلة ~~أبى مرحب، فلا ينبغي أن نستأنس إليها ويعتد بها. (عن اللسان وشرح الشواهد). (1) راجع ج 4 ص 263. # (2) راجع ج 18 ص 222. # (3) راجع ج 6 ص 13. # (4) راجع كتاب سيبويه وتوجيه الاعراب فيه (ج 1 ص 104، 246، 249) طبع ~~بولاق. (١) راجع ج ١٤ ص ٢٤٧. # (٢) المهيع: الطريق الواسع البين. # (٣) هذا القول ms6924 من أخبث ما وضع الوضاعون على عثمان رضي الله عنه، وقد أنكر ~~العلماء صحة نسبته إليه. على أن عثمان لم يستقل بجمع المصحف بل شاركه؟؟ ~~الصحابة في جمعه وكتابته ولم ينشروه بين المسلمين حتى قابلوه على الصحف ~~التي جمع القرآن فيها على عهد أبى بكر رضي ~~الله عنه، فلم يتداوله المسلمون إلا وهو بإجماع الصحابة موافق تمام ~~الموافقة للعرضة الأخيرة التي عرض فيها النبي صلى الله عليه وسلم القرآن على جبريل عليه السلام. وهل يظن ظان أن ~~عثمان رضي الله عنه وهو ثالث الخلفاء الراشدين يرى في المصحف لحنا يخالف ما ~~أنزل الله ويتركه ويقول: ستقيمه العرب بألسنتها! # وكيف يفعل أن يقول ذلك في حضرة الصحابة ولا يقفون في وجهه ويردون عليه ~~قوله وهم أنصار الدين وحماته. وممن أنكر نسبة هذا القول إلى عثمان المصنف ~~والزمخشري وأبو حيان والآلوسي في سورة " النساء " عند قوله تعالى: # " والمقيمين الصلاة " آية ١٦٢، راجع ج ٦ ص ١٣. # (٤) راجع ج ٦ ص ٢٤٦. # (٥) كذا في كتاب " إعراب القرآن " للنحاس، ~~وما يدل عليه سياق الكلام في البحر المحيط لأبي حيان في سورة " النساء ". ~~وفى الأصول: " والمقيمين... والمؤتين ". (1) راجع ج 8 ص 167. # (2) آنفا: أي الان. # (16 - 2) (1) راجع ج 19 ص 126. # (2) راجع ج 5 ص 399. (1) راجع ج 4 ص 290. # (2) في ب: " وقت الجدب ". (1) الزيادة عن صحيح البخاري. (1) الذحل (بفتح فسكون): قيل هو العداوة والحقد، وقيل: الثأر وطلب المكافأة ~~بجناية جنيت عليه من قتل أو جرح، ونحو ذلك. (1) راجع ج 6 ص 191. # (2) في ب، ج، ز: " مع الحر ". (1) راجع ج 5 ص 314. (1) راجع ج 10 ص 254. # (2) ما بين المربعين ساقط من ب، ج، ز. # (3) قران (بضم القاف وتشديد الراء) بن تمام الأسدي، توفى سنة إحدى ~~وثمانين ومائة. (١) صبر الانسان وغيره على القتل: أن يحبس ويرمى حتى يموت. وفى أ، ج: " أو ~~يضربه ". # (٢) أثبتنا كلام ابن العربي هنا كما ورد في كتابه " أحكام القرآن "، وقد ورد في الأصول بنقص وتحريف من ~~النساخ. # (3) زيادة عن ابن العربي. (1) أي مرسلة ms6925 مطلقة. # (2) زيادة عن ابن العربي. # (3) الحرورية: طائفة من الخوارج نسبوا إلى حروراء (موضع قريب من الكوفة) ~~لان أول مجتمعهم وتحكيمهم فيها. (1) ما بين المربعين ساقط من ب، ج، ز. # (2) أبو شريح الخزاعي: هو أبو شريح الكعبي، واختلف في اسمه، والمشهور أنه ~~خويلد بن عمرو بن صخر، أسلم يوم الفتح. # (3) راجع ج 5 ص 156. (1) الربيع (بضم الراء وفتح الموحدة وتشديد المثناة المكسورة بعدها عين ~~مهملة) وهي عمة أنس بن مالك. (1) راجع ج 7 ص 344. # (2) ما بين المربعين في ح، وساقط من سائر النسخ. # (3) ج 6 ص 208. (1) يلاحط أن المؤلف رحمه الله لم يذكر التأويل الثالث والرابع. # (2) راجع ج 3 ص 127. # (3) راجع ج 16 ص 225. # (4) زيادة يقتضيها السياق. # (5) أعفى: من عفا الشئ إذا كثر وزاد، وهذا دعاء عليه، أي لا كثر ماله ولا ~~استغنى. (1) يراجع ج 1 ص 226 وما بعدها، طبعة ثانية. # (2) ما بين المربعين ساقط في ب، ج، ز. # (3) راجع ج 5 ص 73. # (4) راجع ج 6 ص 348. (1) راجع ج 20 ص 86. # (2) راجع ص 244 من هذا الجزء. # (3) الصوت مذكر، وإنما أنثه ها هنا لأنه أراد به الضوضاء والجلبة، على ~~معنى الصيحة. (عن اللسان). (1) عوان (جمع عانة): وهي الأسيرة. يقول: إنما هن عندكم بمنزلة الأسرى. (1) راجع ج 3 ص 339. # (2) راجع ج 20 ص 162. (1) يراجع 65 من هذا الجزء. # (2) خثيم: بضم أوله وفتح المثلة، كذا في التقريب. وفى الخلاصة بفتح ~~المعجمة والمثلثة بينهما تحتانية ساكنة. # (3) راجع ج 8 ص 58. (1) في ب، ج: " عن عمر ". والمعروف أن سيدنا عمر مات مدينا. # (2) رياح (ككتاب): قبيلة. # (3) أشفى على الشئ: أشرف. (1) راجع ج 6 ص 212. (1) راجع ج 3 ص 359. # (2) راجع ج 5 ص 48. # (3) البرهرهة: الرقيقة الجلد، أو هي الملساء المترجمة. الرؤدة والرؤدة: ~~الشابة الحسنة، السريعة الشباب مع حسن غذا، والرخصة: اللينة الخلق. ~~والخرعوبة: القضيب الغض اللدن. والبانة: يريد شجر ألبان. (1) في الصحيح المنير واللسان: " جو ". # (2) هو عامر الخصفي. (1) راجع ج 15 ص 330. # (2) في الأصول هنا وفيما سيأتي " الاذاية ". (1) في سنن النسائي: " حيف " بالحاء والياء. # (2) كذا في ms6926 النسائي. وفى الأصول: " عن الحسن عن سمرة عن عمران ". (1) الزيادة عن سنن النسائي. # (2) راجع ج 11 ص 97. # (3) الآري: حبل تشد به الدابة في محبسها، ويسمى الأخية. (1) هو أمرؤ القيس، كما في اللسان والمعلقات، وتمام البيت: * بأمراس كان ~~على صم جندل * (2) قبله: * شر الدلاء الولغة الملازمة * (3) في الأصول: " ~~فدع ذا " والتصويب عن الديوان واللسان. # (4) تقدم الكلام على هذا البيت ج 1 ص 423 طبعة ثانية، فليراجع. (1) الوثيقة في الامر: إحكامه والاخذ بالثقة. # (2) راجع ص 314 من هذا الجزء. # (3) يراجع ج 1 ص 226 طبعة ثانية. (1) الوجاء: أن ترض أنثيا الفحل رضا شديدا يذهب شهوة الجماع، وينزل في قطعة ~~منزلة الخصي. أراد أن الصوم يقطع النكاح كما يقطعه الوجاء. (1) عسفان (بضم العين وسكون السين المهملتين): قرية بينها وبين مكة ثمانية ~~وأربعون ميلا. (1) مثل يضرب للرجل الذي يكثر الكلام ولا يعمل، وللذي بعد ولا يفعل. # (2) قال الزرقاني في شرح الموطأ: معنى " سقطت " نسخت، قال: وليس بين ~~اللوحين " متتابعات " أي ليس في المصحف كلمة " متتابعات ". وقال الدارقطني: ~~إن كلمة " سقطت " انفرد بها عروة. (1) أي يتابعه. # (2) عبارة الموطأ: " يصوم قضاء رمضان متتابعا من أفطره من مرض أو سفر ". # (3) قال النووي: هو مرفوع على أنه فاعل لفعل مقدر، أي يمنعني الشغل. (1) راجع ص 288 من هذا الجزء. (1) راجع ج 7 ص 156، 157. # (2) راجع ج 17 ص 114. (1) ما بين المربعين في ج. وسائط من سائر نسخ الأصل. # (2) مطبعة: مملوءة. (1) راجع ج 12 ص 171. (1) راجع ص 274 من هذا الجزء. # (2) هي الصلاة التي سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم في وقت الضحى. (1) الذي في ابن خلكان: " غيمان - بغين معجمة وياء تحتها نقطتان - ويقال ~~عثمان - بعين مهملة وثاء مثلثة -، ابن جثيل - بجيم وثاء مثلثة وياء ساكتة ~~تحتها نقطتان. وقال ابن سعد: هو خثيل بخاء معجمة ". # وقد ورد هذا النسب في الأصول محرفا. (1) راجع ج 10 ص 108 (١) كذا في أ، ب، ج، ز، و " لعا " بالتنوين: كلمة يدعى بها للعاثر، معناها ~~الارتفاع والإقالة من العثرة، فإذا أريد الدعاء عليه ms6927 قيل: لا لعا. وفى ح: " ~~لا يقال بها ". وفى أحكام القرآن لابن ~~العربي: " لا يقالها ". (١) الزيادة عن " أحكام القرآن " لابن ~~العربي. # (2) أغمات: ناحية في بلاد البربر من أرض المغرب قرب مراكش. # (3) أشبيلية: مدينة كبيرة عظيمة بالأندلس. # (4) سهيل: كوكب. (1) راجع ج 16 ص 125. # (2) راجع ج 20 ص 129. # (3) يراجع ج 1 ص 60. # (4) السفرة: الملائكة. (1) راجع ج 20 ص 134. # (2) راجع ج 10 ص 305. # (3) يراجع ج 1 ص 160 طبعة ثانية. (1) يراجع ج 1 ص 387 طبعة ثانية. # (2) الكديد (بفتح الكاف وكسر الدال): موضع بينه وبين المدينة سبع مراحل ~~أو نحوها، وبينه وبين مكة نحو مرحلتين. # (3) عسفان: قرية بها مزارع ونخيل على مرحلتين من مكة، وقديد (بضم القاف): ~~اسم موضع قرب مكة. (1) تراجع المسألة الأولى وما بعدها ص 276 من هذا الجزء. # (2) راجع ج 12 ص 100. (1) راجع ج 19 ص 295. # (2) راجع ج 5 ص 148. (1) أبو وائل: كنية شقيق السابق ذكره. (1) أهل الرجل الهلال: رآه. # (2) زيادة عن سنن الدارقطني. (1) راجع ج 6 ص 61. # (2) راجع ج 20 ص 12. # (3) راجع ج 7 ص 23. # (20 - 2) (١) في نسخ الأصل وكتاب سيبويه وإعراب القرآن للنحاس: " غير " بالراء. والتصويب عن ~~اللسان مادة " شجج ". # (٢) كذا في كتاب سيبويه وإعراب القرآن ~~للنحاس واللسان. وساره يريد " سائره " فخفف بحذف الهمزة، ومثله هار وأصله ~~هائر، وشاك وأصله شائك. وفى الأصول " شاده " بالشين المعجمة والدال وهو ~~تصحيف. وبهذا يعلم أن تفسير المؤلف وقع لكلمة مصحفة. # والآي (جمع آية) وهي علامات الديار. والرواكد: الأثافي. والهباء هنا: ~~الغبار. وأراد بالمشجج وتدا من أوتاد الخيام، وتشجيجه ضرب رأسه ليثبت. ~~وسواء قذاله: وسطه. ويروى: سواد قذاله، وسواد كل شئ شخصه. # وأراد بالقذال أعلاه، وهو أيضا جماع مؤخر الرأس من الانسان. والمعزاء: ~~أرض صلبة ذات حصى. (راجع شرح الشواهد للشنتمري). (1) راجع ج 20 ص 22 وص 218. # (2) في بعض الأصول: " كتابهم ". (1) يراجع ج 1 ص 227، 397 طبعة ثانية. # (2) راجع ص 314 من هذا الجزء. # (3) راجع ج 15 ص 326. (1) راجع ج 15 ص 326. # (2) راجع ج 1 ص 238. # (3) راجع ج ms6928 8 ص 306. # (4) راجع ج 15 ص 299. # (5) راجع ج 7 ص 223. # (6) راجع ج 6 ص 423. (1) راجع ج 16 ص 183. # (2) يستحسر: ينقطع عن الدعاء ويمله. (1) زيادة عن الموطأ يقتضيها السياق. (1) العريف: الذي يلي أمور طائفة من الناس ويتعرف أمورهم ويبلغها للأمير. ~~والشرطي (كتركي وكجهني): # هم أعوان الحاكم. والعشار: من يتولى أخذ أعشار الأموال. (1) بكسر الراء وقد تفتح، ومعناه: إذا كان لنكاح صحيح. # (2) الذي في مسند أبى داود: " إذا صام فنام... ". (1) راجع ج 5 ص 102. # (2) ج 1 ص 206. # (3) ج 8 ص 129. # (4) ج 12 ص 322. # (5) ج 14 ص 198. # (6) ج 8 ص 302. # (7) مزءودة: فزعة. # (8) ج 16 ص 193. (1) راجع ج 19 ص 51. # (2) راجع ج 5 ص 327. # (3) راجع ج 8 ص 277. (١) يستطير: أي ينتشر ضوءه ويعترض في الأفق بخلاف المستطيل، والاستطارة هذه ~~تكون بعد غيبوبة ذلك المستطيل. # (٢) حماد هذا هو حماد بن زيد أحد رجال سند هذا الحديث. # (٣) قال ابن الأثير في النهاية: " العرب ~~تجعل القول عبارة عن جميع الأفعال وتطلقه على غير الكلام واللسان، فتقول: ~~قال بيده، أي أخذ. # وقال برجله، أي مشى. وقال بثوبه، أي رفعه، وكل ذلك على المجاز والاتساع " ~~فمعنى يقول هنا: يظهر. (1) السرحان (بكسر فسكون): الذئب، وقيل: الأسد، وجمعه سراح وسراحين. # (2) في بعض النسخ (عثمان). # (3) التكملة عن سنن الدارقطني يقتضيها السياق. # (4) تراجع المسألة الثانية ص 192 من هذا الجزء. (1) القفا العريض يستدل به على قلة فطنة الرحل. # (2) السدفة (بضم السين وفتحها وسكون الدال): # في لغة نجد ظلمة الليل، وفى لغة غيرهم الضوء. وهو من الأضداد. (1) قائل هذا البيت هو حميد الأرقط، كما في الصحاح. وذكاء (بالضم): اسم ~~الشمس، ويقال للصبح: # ابن ذكاء لأنه من ضوئها. والكفر (بالفتح): ظلمة الليل وسواده. (1) زيادة عن كتاب " المنتقى " يقتضيها السياق. (1) هو ابن عروة، أحد رجال سند هذا الحديث. # (2) زيادة عن الموطأ. (1) كذا في صحيح مسلم بالصاد المهملة، بمعنى الفاضل. وفى سنن أبي داود ~~بالضاد المعجمة. (1) تقدم صدر هذا البيت وقائله ومعناه في هامش ص 114 من هذا الجزء. (1) إيلياء (بكسر أوله واللام): اسم مدينة بيت ms6929 المقدس. (1) راجع ج 5 ص 152. # (2) راجع ص 19 من هذا الجزء. # (3) راجع ج 5 ص 150. (1) راجع ج 15 ص 367. # (2) راجع ج 16 ص 25. # (3) راجع ج 1 ص 340. (1) المحاق (بتثليث الميم): أن ستسر القمر ليلتين فلا يرى غدوة ولا عشية. (1) راجع ج 10 ص 227. # (2) راجع ج 8 ص 309. (1) الزيادة عن الموطأ. # (2) راجع ج 19 ص 138. # (3) راجع ج 4 ص 142. # (4) راجع ج 8 ص 136. (1) كذا في ج. وفى سائر الأصول والفخر الرازي: " خيثم ". وفى البحر لابن ~~حيان: " خثعم ". # (2) في نسخ الأصل: " قفار " بالراء، والتصويب عن اللسان. والقفاف: ~~الأماكن الغلاظ الصلبة. (1) راجع ج 8 ص 136. # (2) راجع ج 1 ص 161، 182، 227 طبعة ثانية. (1) أبو إسرائيل هذا: رجل من الأنصار من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ~~اختلف في اسمه. راجع الاستيعاب والإصابة وأسد الغابة في " باب الكنى ". # (2) راجع ج 12 ص 147. # (3) راجع ج 6 ص 116. # (4) راجع ج 19 ص 44. # (5) راجع ج 20 ص 37. # (6) راجع ج 12 ص 67. (١) راجع ج ٨ ص ٧٢ وص ١٣٢. # (٢) هو يزيد بن أبي سفيان بن حرب، أسلم يوم فتح مكة، وعقد له أبو بكر رضي ~~الله عنه سنة ١٣ ه‍ مع أمراء الجيوش إلى الشام، وكان أول الامراء الذين ~~خرجوا إليها، وشيعه أبو بكر راجلا، وقال له: "... وإني موصيك بعشر: لا ~~تقتلن امرأة ولا صبيا ولا كبيرا هرما ولا تقطعن شجرا مثمرا ولا تخربن عامرا ~~ولا تعقرن شاة ولا بعيرا إلا لمأكلة ولا تحرقن نحلا ولا تغرقنه ولا تغلل ~~ولا تغبن ". راجع موطأ مالك باب الجهاد، ~~وطبقات ابن سعد وتاريخ الطبري. (1) لاتهاج: أي لا تزعج ولا تنفر. # (2) هكذا في الأصول. # (3) رباح، بباء موحدة. وقيل: بالياء المثناة من تحت. راجع تهذيب التهذيب ~~في حرف الراء. (1) في أ، ب، ز: " أهل المدينة ". # (2) راجع ج 8 ص 297. # (3) في بعض نسخ الأصل: "... بالباطل... " بالنون. (1) راجع ج 8 ص 30. # (2) راجع ج 3 ص 49. # (3) راجع ج 8 ص 72. (1) المغفر ومثله والغفارة (كلها بالكسر): زرد ينسخ من الدروع على قدر ~~الرأس يلبس تحت القلنسوة. # (2) المدرع والدراعة: ms6930 ضرب من الثياب التي تلبس. وقيل: جبة مشقوقة المقدم. # (3) الشطار: جمع شاطر، وهو الذي أعيا أهله ومؤدبه خبثا. (1) وردت عبارة ابن العربي في كتابه ببعض اختلاف عما في الأصول. # (2) راجع ج 16 ص 315. # فما بعدها. # (3) راجع ج 7 ص 401. (1) راجع ج 8 ص 109. # (2) راجع ج 16 ص 40. # (3) راجع ص 290 من هذا الجزء. # (4) ما بين المربعين ساقط من ب. (1) قوله: " إذ خفى " أي ظهر. وهذا اللفظ من الأضداد، يقال: خفيف الشئ: ~~كتمته. وخفيته: # أظهرته. راجع ج 11 ص 182. # (2) راجع ج 5 ص 255. (1) راجع ج 10 ص 200. # (2) الافكل (على وزن أفعل): الرعدة. أي ارتعدت من شدة الغيرة. (1) هم قوم من عربية قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلموا ~~واستوخموا المدينة وسقمت أجسامهم واصفرت ألوانهم وعظمت بطونهم، فبعث بهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إبل الصدقة وأمرهم أن يشربوا من ألبانها ~~وأبوالها حتى صحوا فقتلوا رعاتها واستاقوا الإبل، فبعث نبي الله في طلبهم ~~فأتى بهم قطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم. راجع كتب السنة في هذا الحديث. (1) الوقار (كسحاب): لقب زكريا بن يحيى بن إبراهيم الفقيه المصري، أخذ عن ~~ابن القاسم وابن وهب. (1) راجع ج 3 ص 146 وج‍ 18 ص 156. # (2) اللي: المطل. والواجد: القادر على قضاء دينه. # (3) راجع ج 8 ص 136. (1) مه: زجر ونهى، فإن وصلت نؤنت، قلت: مه مه، وكذلك صمه. (1) المشقص (كمنبر): نصل عريض أو منهم فيه نصل، يرمى به الوحش. (1) راجع ج 20 ص 124. # (2) راجع ج 16 ص 30. # (3) في نسخ الأصل: " بما كسبت ". # راجع ج 12 ص 16. # (4) عبارة عبد المطلب كما أوردها ابن هشام في سيرته عند الكلام على حفر ~~زمزم: # " والله إن إلقاءنا بأيدينا هكذا للموت لا نضرب في الأرض ونبتغي لأنفسنا ~~لعجز... " الخ. # (5) راجع ج 3 ص 20. (1) هو البراء بن مالك، أخو أنس بن مالك، كما في تاريخ الطبري. # (2) الحجفة (بتقديم الحاء على الجيم والتحريك): ترس يتخذ من الجلود. # (3) أفرد يوم أحد، أي حين انهزم الناس وخلص إليه العدو. # (4) رهقه (بكسر ثانية): غشيه ms6931 ولحقه. # (5) زيادة عن صحيح مسلم. # (6) أي لم ترشدهم ونسددهم. # (7) راجع ج 8 ص 267. (1) راجع ج 14 ص 68. (1) كذا في الدارقطني. وفى الأصول: " كهيئة يوم ". # (2) في شرح الموطأ للزرقاني: "... على عبد الله بن عامر " وعبد الله بن ~~عامر هذا ابن خال عثمان وكان واليا له على البصرة. (1) ذو الحليفة (مصر حلفة): قرية خربة بينها وبين مكة مائتا ميل. # (2) الجحفة (بضم الجيم وسكون المهملة): قرية خربة بينها وبين مكة خمس ~~مراحل، ويقرب منها القرية المعروفة برابغ - براء وموحدة وغين معجمة - فيصح ~~الاحرام منها. # (3) قرن: (بفتح فسكون): جبل مشرف على عرفات، وهو على مرحلتين من مكة. # (4) يلملم (بفتح التحية واللام وسكون الميم وفتح اللام): مكان على ~~مرحلتين من مكة. # (5) ذات عرق: قرية مرحلتين من مكة. (1) الصبي (بضم الصاد المهملة وفتح الباء الموحدة وتشديد الياء). # (2) في نسخ الأصل: " محمد " والتصويب عن سنن الدارقطني. (1) راجع ج 4 ص 142. # (2) قال أبو حيان في البحر: ينبغي أن يحمل هذا كله على التفسير لأنه ~~مخالف لسواد المصحف الذي أجمع عليه المسلمون. (1) هراق الماء وأهرقه وأهراقه: صبه. وأصله: أراقه. (1) راجع ج 3 ص 339. # (2) البردى (بفتح الموحدة وسكون الراء): نبات يعمل منه الحصر. # وبضمها وسكون الراء: ضرب من أجود التمر. (1) محله: أي الموضع والوقت الذي يحل فيهما نحره، وهو يوم النحر بمنى. # (2) إشعار الهدى: هو أن يشق أحد جنبي السنام حتى يسيل الدم، ويجعل ذلك ~~علامة له يعرف بها أنه هدى. # وتقليده: أن يجعل في عنقه شعار يعلم به أنه هدى. (1) أي أثقلى المرض. # (2) أي أدركت الحج ولم تحللي حتى فرغت منه. (1) الصرورة (بالصاد المهملة): الذي لم يحج قط. ويطلق أيضا على من لم ~~يتزوج، وأصله من الصر:؟؟ (1) الزيادة عن كتاب " المنتقى " للباجى يقتضيها السياق. # (2) راجع ج 5 ص 143. (1) راجع ج 16 ص 283. # (2) راجع ج 12 ص 57؟. (1) الفرق (بالتحريك): مكيال يسع سنة عشر رطلا، وهي اثنا عشر مدا، أو ثلاثة ~~عند أهل الحجاز. وقيل: # خمسة أقساط: والقسط: نصف صاع. والفرق (بالسكون): مائة وعشرون رطلا. عن ~~نهاية ابن الأثير. (1) في ب، ms6932 ز: " مدان مدان بمد... ". (1) راجع ج 6 ص 314. # (2) هو حسين بن علي. # (3) السقيا: منزل بين مكة والمدينة، قيل هي على يومين من المدينة. # (4) زيادة عن الموطأ. (1) راجع ص 127 من هذا الجزء. (1) زيادة عن صحيح مسلم. # (2) راجع ج 9 ص 373. (1) العقيق: موضع بينه وبين المدينة أربعة أميال. # (2) راجع ج 16 ص 98. # (3) عبارة مسلم: " جميعا ". (1) الحلال: الخارج من الاحرام. # (2) يوم النفر (بفتح النون وتسكين الفاء وفتحها): اليوم الذي ينفر (ينزل) ~~الناس فيه من منى. (1) كذا في الأصل. وفى المنتقى للباجى بحث طويل في هذه المسألة، فارجع ~~إليه. # (2) يوم التروية: يوم قبل يوم عرفة، وهو الثامن من ذي الحجة، سمى به لان ~~الحجاج يرتوون فيه من الماء، (1) الضمير في " كانوا " يعود إلى الجاهلية. # (2) قوله: " ويجعلون المحرم صفرا ". المراد الاخبار عن النسئ الذي كانوا ~~يفعلونه وكانوا يسمون المحرم صفرا ويحلونه، وينسئون المحرم، أي يؤخرون ~~تحريمه إلى ما بعد صفر لئلا يتوالى عليهم ثلاثة أشهر محرمة تضيق عليهم ~~أمورهم من الغارة وغيرها والدبر: الجرح الذي يحصل في ظهر الإبل من اصطكاك ~~الأقتاب، فإنها كانت تدبر بالسير عليها للحج. وعفا الأثر: أي درس وامحى، ~~والمراد أثر الإبل وغيرهما في سيرها، عفا أثرها لطول مرور الأيام. وقال ~~الخطابي: المراد أثر الدبر. وهذه الألفاظ تقرأ كلها ساكنة الاخر ويوقف ~~عليها، لان مرادهم السجع. عن شرح النووي لصحيح مسلم. # (3) أي صبح رابعة من ذي الحجة. # (4) قوله: " أي الحل " أي هل هو الحل العام لكل ما حرم بالاحرام حتى ~~بالجماع، أو حل خاص. (1) قوله: مرتين. أي قاله مرتين. (1) الزيادة عن الموطأ. (١) كذا في أحكام القرآن لابن العربي. وفى ~~نسخ الأصل: " بدل ". # (2) عبارة ابن العربي: "... ولا ظاهر أنه أراد البلاد، وإنما المراد في ~~الأغلب والأظهر فيه أنه الحج ". (1) في الأصول: " من أهل ". # (2) قوله " إلى أمصاركم ": تفسير من ابن عباس للرجوع. (1) راجع ج 10 ص 217. # (2) لفظة " دم " ساقطة من ب، ج، ز. (1) الطيلسان: كساء مدور أخضر، لحمته أو سداه من صوف يلبسه الخواص من ~~العلماء والمشايخ، وهو من لباس العجم. ms6933 # (2) كذا في نسخ الأصل. ووجهه: أن اسم كان ضمير الشأن، وجملة " الاثنان ~~وما... " الخ في محل نصب خبر كان. (1) فرضة القوس (بضم أوله وسكون ثانية): الحز يقع عليه الوتر. وفرضة النهر: ~~مشرب الماء منه. # وفرضة الجبل: ما انحدر من وسطه وجانبه. (1) الليس: المرأة اللينة الملبس؟. # (2) راجع ج 3 ص 112. # (3) راجع ج 17 ص 225. (1) راجع ج 7 ص 115. # (2) راجع ج 16 ص 328. # (3) هذا على أحد قولين للنحويين، والثاني أن " لا " عاملة في الاسم النصب ~~وما بعدها خبر. (1) البيت لانس العباس السلمي. راجع الكلام عليه في شرح الشواهد الكبرى ~~للعيني. (1) الآلة: الحالة، والشدة. # (2) هي المزدلفة. # (3) راجع ج 8 ص 132. (1) جرب (بضمتين): جمع جراب وهو الوعاء. # (2) الهلكة (بالتحريك): الهلاك. (1) راجع ج 18 ص 108. # (2) الذي في البخاري: " كان ذو المجاز وعكاظ متجر الناس في الجاهلية، ~~فلما جاء الاسلام كأنهم كرهوا ذلك حتى نزلت... الخ ". وعكاظ: نخل في واد ~~بينه وبين الطائف ليلة، وبينه وبين مكة ثلاث ليال. وذو المجاز: خلف عرفة. ~~ومجنة: بمر الظهران، قرب جبل يقال له الأصغر، وهو بأسفل مكة على قدر بريد ~~منها. وهذه أسواق للعرب. وكان أهل الجاهلية يصبحون بعكاظ يوم هلال ذي ~~القعدة، ثم يذهبون منه إلى مجنة بعد مضى عشرين يوما من ذي القعدة، فإذا ~~رأوا هلال ذي الحجة ذهبوا من مجنة إلى ذي المجاز، فلبثوا به ثمان ليال، ثم ~~يذهبون إلى عرفة. ولم تزل هذه الأسواق قائمة في الاسلام إلى أن كان أول ما ~~ترك منها سوق عكاظ في زمن الخوارج سنة تسع وعشرين ومائة، لما خرج الحروري ~~بمكة مع أبي حمزة المختار بن عوف خاف الناس أن ينتهبوا فتركت إلى الان، ثم ~~ترك ذو المجاز ومجنة بعد ذلك، واستغنوا بالأسواق بمكة وبمنى وبعرفة. (عن ~~شرح القسطلاني). # (3) فوله: " في مواسم الحج " قراءة ابن عباس، كما نبه عليه المؤلف في ~~مقدمة الكتاب ص 83، وقال أبو حيان في البحر: " وقراء ابن مسعود وابن عباس ~~وابن الزبير " فضلا من ربكم في مواسم الحج " وجعل هذا تفسيرا، لأنه مخالف ~~لسواد المصحف ms6934 الذي أجمعت عليه الأمة. (1) لعله يريد بالفقراء الصوفية. # (2) كذا في نسخ الأصل. ومقتضى الظاهر تذكير الضمير لعوده إلى الحج، ولعله ~~يريد بالتأنيث هنا: الحج بمعنى العبادة. # (3) يلاحظ أن الأصول اضطربت في العدد هنا. # (4) الفياض: الكثير العطاء. المعنفون: الطالبون ما عنده. يقال: عفاه ~~واعتفاه إذا أتاه يطلب معروفة. # ما تغب فواضله: أي عطاياه دائمة لا تنقطع. (1) جاء في اللسان مادة سبسب: " وحكى اللحياني بلد سبسب، وبلد سباسب، كأنهم ~~جعلوا كل جزء منه سبسبا، ثم جمعوه على هذا ". والسبسب: القفر والمفازة. ~~وقيل: الأرض المستوية العبيدة. # (2) كل هذا يحتاج إلى التثبت. # (3) راجع ص 127 من هذا الجزء. # (4) راجع ج 16 ص 231. # (5) الفروث: جمع فرث، وهو السرجين (الزبل) ما دام في الكرش. # (6) البيت لعنترة، وتمامه: * ترسو إذا نفس الجبان تطلع * (7) صدر البيت: ~~* إذا خاف شيئا وقرته طبيعة * (1) في ز وبعض كتب الحديث ونهاية ابن الأثير بالحاء المهملة المفتوحة وسكون ~~الموحدة. قال الترمذي في سننه: " قوله: من حبل " إذا كان من رمل يقال له ~~حبل، وإذا كان من حجارة يقال له جبل ". وقال ابن الأثير في تفسير هذا ~~الحديث: " الحبل: المستطيل من الرمل، وقيل: الضخم منه، وجمعه حبال. وقيل: ~~الحبال في الرمل كالجبال في غير الرمل ". وقال الخطابي: الحبال ما دون ~~الجبال في الارتفاع. # (2) قال صاحب التعليق المغنى على سنن الدارقطني: " وقوله: وقضى تفثه. ~~قيل: المراد به أنه أتى بما عليه من المناسك، والمشهور أن التفث ما يصنعه ~~المحرم عند حله من تقصير شعر أو حلقه وحلق العانة ونتف الإبط وغيره من خصال ~~الفطرة، ويدخل في ضمن ذلك نحر البدن، وقضاء جميع المناسك، لأنه لا يقضى ~~النفث إلا بعد ذلك، وأصل النفث الوسخ والقذر. قاله الشوكاني ". (1) الصخرات: هي صخرات مفترشات في أسفل جبل الرحمة، وهو الجبل الذي بوسط ~~أرض عرفات. # (2) قال ابن الأثير: " وجعل حبل المشاة بين يديه، أي طريقهم الذي يسلكونه ~~في الرمل. وقيل: # أراد صفهم ومجتمعهم في مشيهم تشبيها بحبل الرمل. # (3) راجع ج 12 ص 56. # (4) العنق (محركة): سير سريع فسيح واسع الإبل والدابة. ms6935 والفجوة: الموضع ~~المتسع بين شيئين. (1) الايضاع: سير مثل الخبب (ضرب من العدو)، يقال: وضع البعير يضع وصنعا، ~~وأوضعه راكبه إيضاعا إذا حمله على سرعة السير. # (2) زيادة عن الموطأ. # (3) قوله " يزع الملائكة ": يرتبهم ويستويهم ويصفهم للحرب، فكأنه يكفهم ~~عن التفرق والانتشار. (1) في نسخة ب: " الحسين ". والذي يروى عن عبد الرزاق بن هشام الحميري - ~~أحد رجال هذا السند - هو الحسن بن علي الخلال أبو على، وقيل أبو محمد. (1) ما بين المربعين ساقط من ج. (1) الجوزجاني (بجيم وواو وزاي معجمة ثم جيم أخرى): هذه النسبة إلى المدينة ~~بخراسان مما يلي بلخ، وهو أبو سليمان، صاحب الإمام محمد بن الحسن بن فرقد، ~~أخذ الفقه عنه وروى كتبه. # (2) قوله: ولم يحلوا. هو من الحل بمعنى الفك، أو من الحلول بمعنى النزول، ~~أي لم يفكوا ما على الجمال، أو ما نزلوا تمام النزول الذي يريده المسافر ~~البالغ منزلة. (1) عبارة الأصل. " فلا أدرى، وليبدأ... الخ " والتصويب عن كتاب " المنتقى ~~" للباجي. # (2) الزيادة عن الدارقطني. (1) يلاحظ أن الأصول اضطربت في عدد هذه المسائل. (1) البيت لعاتكة بنت زيد. والرواية فيه:... عقوبة المعتمد. راجع الكلام ~~عليه في الشاهد 868. # (2) قطين الله: أي سكان حرمه، والقطين جمع قاطن كالقطان. # (3) راجع ج 4 ص 279. (1) راجع ج 11 ص 251. # (2) الغلس (محركة): ظلمة آخر الليل. (1) في ب، ج: " النحاس " وهو خطأ. # (2) ثبير (بفتح المثلثة وكسر الموحدة وسكون التحية): # جبل عظيم بالمزدلفة على يسار الذاهب منا إلى منى. هذا هو المراد، وللعرب ~~جبال أخر اسم كل منها ثبير. (عن زهر الربى للسيوطي). # (3) هشام هو أحد رواة سند هذا الحديث. # (4) في ج،: " الترمذي ". # (5) الخذف (بالخاء المعجمة المفتوحة والذال المعجمة الساكنة): رميك حصاة ~~أو نواة تأخذها بين الابهام والسبابة وترمى بها. والمراد الحصا الصغار. (1) أي صباح المزدلفة. # (2) من الكف بمعنى الاسراع. # (3) راجع ج 12 ص 51. (1) راجع ج 18 ص 108. # (2) الجفنة: أعظم ما يكون من القصاع. (1) الدندنة: أن يتكلم الرجل الكلام تسمع نغمته ولا يفهم، وهو أرفع من ~~الهينمة قليلا. # (2) في حاشية السندي على سنن ابن ماجة: " وفى بعض النسخ ms6936 حولهما بالتثنية، ~~فعلى الأول معناه حول مقالتك، أي كلامنا قريب من كلامك. وعلى الثاني معناه ~~حول الجنة والنار، أي كلامنا أيضا لطلب الجنة والتعوذ من النار ". # (3) الهجير والهجيري: الدأب والعادة والديدن. (1) راجع ج 7 ص 87. # (2) هكذا أورده الجوهري في الصحاح، وهي رواية الأصول. وفى اللسان: # " وصواب إنشاده: يا جمل أسقيت " أي أسقيت بلا حساب ولا هنداز. # (3) في الأصول: " الرياسة ". # والتصويب عن الصحاح واللسان. والرواية (بالكسر): القيام على الشئ بإصلاحه ~~وتربية. والخلابة (بالكسر): # أن تخلب المرأة قلب الرجل بألطف القول وأعذبه. (1) راجع ج 14 ص 78. # (2) راجع ج 17 ص 289. (١) آية ٣٧ سورة سبأ. # (٢) في من: " وقال الثوري ". # (٣) كذا في الأصول وتفسير ابن عطية، وقال في المصباح مادة " عشر ": " والعامة تذكر ~~العشرة على أنه جمع الأيام فيقولون العشر الأول والعشر الأخير وهو خطأ فإنه ~~تغيير المسموع ". (1) جمع (بفتح فسكون): علم للمزدلفة. # (2) آية 28 سورة الحج. (1) في ح: " وإن أجمعوا وكانت فيه سنة أجزأه ". (1) زيادة عن سنن أبي داود. (1) راجع ج 2 ص 421. (1) زيادة عن الموطأ. # (2) الذي في الموطأ والاستذكار لابن عبد البر: " أن أبا البداح بن عاصم ~~بن عدي أخبره عن أبيه ". # (3) هو محمد بن عبد الله بن عيسى بن أبي زمنين المري من أهل البيرة، وهي ~~بلدة بالأندلس. (عن التكملة لكتاب الصلة). (1) في شرح الباجي: " موقوفا متصلا ". (1) المدر (بالتحريك): قطع الطين اليابس. وقيل: الطين العلك الذي لا رمل ~~فيه. # (2) الخذف (بفتح الخاء وسكون الذال): رميك بحصاة أو نواة تأخذها بين ~~سبابتيك وترمى بها، أو تجعل مخذفة من خشب ترمى بها بين الابهام والسبابة. ~~والمراد بحصى الخذف، الحصى المائل إلى الصغر. (1) في الأصول: " النفر " والتصويب عن الياجي. (1) آية 42 سورة يونس. (1) آية 10، 11 سورة ن. # (2) آية 1 سورة الهمزة.. # (3) آية 208 سورة البقرة. # (4) في من، ح: " لأسلطن عليهم ". # (5) آية 1 سورة المنافقون. (1) الكدس (بضم الكاف وفتحها وسكون الدال): العرمة من الطعام والتمر ~~والدراهم. (1) آية 51 سورة يس. # (2) آية 96 سورة الأنبياء (3) صدر البيت: * وإن كنت قد ساءتك منى خليقة * ~~يقول: إن ms6937 كان في خلقي ما لا ترضينه فسلي ثيابي من ثيابك، أي انصرفي وأخرجي ~~أمري من أمرك (عن شرح الديوان). (1) في ح: " أنت تأمرني! ". # (2) آية 23 سورة ص. # (3) آية 2 سورة ص. # (4) الرب (بضم الراء): الطلاء الخائر. والكحيل (مصغرا): النفط أو القطران ~~تطلى به الإبل. والمعقد (بفتح القاف): الذي أوقد تحته حتى انعقد وغلظ. وحش: ~~اتقد. والقمقم (بالضم): ضرب من الأواني. (1) آية 21 سورة آل عمران. # (2) هذا عجز بيت لمعدى كرب، صدره: * وخيل قد دلفت لها بخيل * (3) هو صهيب ~~بن سنان بن مالك الرومي، سبته الروم [وهو صغير] فجلب إلى مكة فاشتراه عبد ~~الله بن جدعان. # وقيل: بل هرب من الروم فقدم مكة وحالف بن جدعان. وكان صهيب من السابقين ~~الأولين، شهد بدرا والمشاهد كلها. توفى بالمدينة سنة ثمان وثلاثين. (من ~~النجوم الزاهرة). # (4) انتثل ما في كنانته: أي استخرج ما فيها من السهام. والكنانة: جعبة ~~السهام، تتخذ من جلود لا خشب غيها، أو من خشب لا جلود فيها. (1) في ح " المتقى ". # (2) راجع المسألة الثانية ج 2 ص 363 (3) آية 20 سورة يوسف. # (4) آية 111 سورة التوبة. (1) الحجفة (بالتحريك وبتقديم الحاء على الجيم): الترس إذا كان من جلود ليس ~~فيه خشب ولا عقب. # (انظر اللسان مادة حجف). (1) زيادة عن صحيح مسلم. (1) راجع المسألة الثالثة ج 2 ص 208 (2) تراجع المسألة الرابعة ج 2 ص 209 (1) في من " الاسلام ". # (2) البيت للجعدي. ومعنى أظهر: صار في وقت الظهيرة. وصف سيره في الهاجرة ~~إذا استكن الوحش من حر الشمس واحتدامها ولحق بكنسه. # (3) القلال (بالكسر جمع قلة بالضم): الجرة، وقيل، هو إناء للعرب كالجرة. # (4) آية 158 سورة الأنعام. # (5) آية 22 سورة الفجر. # (6) آية 2 سورة الحشر. (1) آية 26 سورة النحل. # (2) آية 47 سورة الأنبياء. # (3) تراجع المسألة الأولى ج 1 ص 405. # (4) آية 53 سورة الشورى. # (5) آية 48، 105 سورة المائدة. # (6) آية 94 سورة التوبة. # (7) آية 62 سورة الأنعام. # (8) آية 36 سورة الكهف. (1) آية 40 سورة ن. # (2) آية 82 سورة يوسف. # (3) آية 32 سورة النساء. # (4) المقرف: النذل اللئيم الأب. ms6938 (1) في من " فالجحود ". # (2) عقبة الراكب (بضم فسكون): الموضع يركب منه. # (3) في هامش ب " في الصحاح: والعقبة أيضا شئ من المرق يرده مستعير القدر ~~إذا ردها ". (1) خباب (بفتح الخاء وتشديد الباء): بن الإرث، شهد بدرا، وكان فينا في ~~الجاهلية ومن المهاجرين الأولين. # (2) راجع ج 11 ص 145 (1) آية 32 سورة الزخرف. # (2) آية 110 سورة المؤمنون. # (3) آية 26 سورة النبأ. # (4) آية 3 سورة الطلاق. (1) آية 96، 100، 152 سورة النساء. (1) راجع ج 7 ص 232. # (2) آية 29 سورة الجاثية. # (3) راجع ج 2 ص 28. # (4) في ب، من: " الشنعة ". (1) في ز، ج: " وما اختلفوا فيه " وفى تفسير الطبري: " فيما... ". # (2) آية 10 سورة الأحزاب. (1) آية 142 سورة آل عمران. # (2) كذا في الأصول، وفى ابن عطية: تقديره أحسبتم. # (3) في بعض نسخ الأصل: " وحكى البصريون ". # (4) آية 1، 2، 3 سورة العنكبوت. (1) وتمام البيت * كأن أباها نهشل أو مجاشع * هجا كليب بن يربوع رهط جرير، ~~وجعلهم من الضعة بحيث لا يسابون مثله لشرفه. ونهشل ومجاشع: رهط الفرزدق، ~~وهما ابنا دارم (عن شرح الشواهد). (1) آية 56 سورة الأعراف. # (2) هو امرؤ القيس، كما في ديوانه. (1) تراجع المسألة الخامسة وما بعدها ج 2 ص 14. # (2) آية 38 سورة الروم. (1) تراجع المسألة الثانية ج 2 ص 244. # (2) هو عمر بن أبي ربيعة. # (3) آية 39 سورة الحج. # (4) راجع ج 6 ص 136. (1) آية 5 سورة التحريم. (1) راجع ص 36 من هذا الجزء. (1) زيادة عن سيرة ابن هشام وتاريخ الطبري. راجع سرية عبد الله بن جحش. (1) آية 41 سورة الأنفال. # (2) أي النبي صلى الله عليه وسلم كما في تفسير الطبري. (1) آية 36 سورة التوبة. # (2) هو أبو عامر الأشعري، ابن عم أبى موسى الأشعري. # (3) أوطاس: واد في ديار هوازن، وفيه كانت وقعة حنين. راجع طبقات ابن سعد ~~وسيرة ابن هشام في غزوة حنين. # (4) في بغض النسخ: " يستحيونهم ". # (5) عقل القتيل: أعطى ورئته ديته بعد قتله. (1) كذا في تفسير الفخر الرازي وكثير من كتب التفسير، وفى الأصول: " إلا أن ~~يغزى أو يغزو ". وفى الطبري: # " إلا أن يغزى أو يغزو حتى إذا حضر ذلك أقام حتى ms6939 ينسلخ ". # (2) البيت لعبدة بن الطبيب، رثى فيه قيس بن عاصم المنقري، وكان سيد أهل ~~الوبر من تميم. (عن كتاب سيبويه ج 1 ص 77 طبع بولاق). (1) الوميض: لمع البرق. قوله: كلمع اليدين. أراد كحركة اليدين وتقليبهما. ~~والحبى: ما ارتفع من السحاب. # وقيل: هو الذي يعترض اعتراض الجبل قيل أن يطبق السماء. والمكلل من ~~السحاب: الملمع بالبرق. ويقال: # هو الذي حوله قطع من السحاب. # (2) الثلاثة السرد: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم. والسرد التتابع. ~~والواحد الفرد: رجب، وصار فردا لأنه يأتي بعده شعبان وشهر رمضان وشوال. # (3) راجع ج 6 ص 39 (1) آية 5 سورة التوبة. # (2) في ا " ابتداء وخبر.. ". (1) زيادة عن صحيح مسلم. # (2) راجع ج 1 ص 198 (1) آية 65 سورة الزمر. # (2) آية 30 سورة الأحزاب. (1) يريد أن المسلمين وأهل السرية لما فرج الله عنهم ما كانوا فيه من أمر ~~قتل ابن الحضرمي في الشهر الحرام بإنزال قوله تعالى: " يسألونك عن الشهر ~~الحرام " الآية، ظنوا أنه إنما نفى عنهم الاثم فقط ولا أجر لهم فطمعوا فيه ~~فقالوا: يا رسول الله، أنطمع أن تكون لنا غزوة نعطى فيها أجر المجاهدين؟ ~~وفى رواية: أن لم يكونوا أصابوا وزرا فلا أجر لهم؟ فأنزل الله تعالى قوله: ~~" إن الذين أمنوا والذين هاجروا " الآية، فوضعهم الله في ذلك على أعظم ~~رجاء. # (2) آية 13 سورة نوح. # (3) خالفها (بالخاء المعجمة): خلفها إلى عسلها وهي غائبة فقد سرحت ترعى. ~~يروى: # " حالفها - عواسل " بالحاء المهملة، أي لازمها. والنوب: النحل، وهو جمع ~~نائب، لأنها ترعى ثم تنوب إلى موضعها. (1) راجع ص 37 من هذا الجزء. # (2) العقبان (جمع عقاب): الرايات. وقوله: " بوجه الأرض " أي لا يمر بشئ ~~إلا جعله جهة واحدة، فيكون وجهه مع وجهه حيث يذهب. وقوله: " يستاق الشجر " ~~أي يمر بالرمث (مرعى من مراعى الإبل) والعرفج وسائر الشجر فيستاقه معه، ~~يذهب به من كثرته. وفى ب " العقيان " بالياء، وقال: " العقيان الخالص من ~~الذهب ويقال هو ما ينبت نباتا وليس مما يحصل من الحجارة " وكذا في ج. (1) أي قليله. # (2) راجع ج 6 ms6940 ص 285 وما بعدها، وج‍ 10 ص 128 وما بعدها. # (3) الكعاب: فصوص النرد. (1) راجع ج 8 ص 337 وما بعدها. # (2) تيأسوا (من يئس) بمعنى علم. وزهدم (كجعفر): # اسم فرس. # (3) قوله: " مثنى الأيادي " هو أن يعيد معروفه مرتين أو ثلاثا. # (4) الشتوة (واحد جمعه شتاء) والعرب تجعل الشتاء مجاعة، لان الناس ~~يلتزمون فيه البيوت ولا يخرجون للانتجاع. وأبداء (جمع بدء): خير عظيم في ~~الجزور. وقيل: هو خير نصيب فيها. (1) المزابنة: بيع الرطب في رؤوس النخل بالتمر. وعند مالك: كل جزاف لا يعلم ~~كيله ولا عدده ولا وزنه بيع بمسمى من مكيل وموزون ومعدود، أو بيع معلوم ~~بمجهول من جنسه، أو بيع مجهول بمجهول من جنسه. # (2) الغرر: بيع السمك في الماء والطير في الهواء. وقيل: ما كان له ظاهر ~~يغر المشترى وباطن مجهول. # وقال الأزهري: ويدخل في بيع الغرر البيوع المجهولة التي يحيط بكنهها ~~المتبايعان حتى تكون معلومة. (1) يرم (بفتح الياء وكسر الراء من رام يريم): أي فلم يبرح. (1) العكنة: ما انطوى وتثنى من لحم البطن سمنا. # (2) بالرفع، إما على إهمال " أن " وإما على أنها مخففة من الثقيلة. # (3) البهم (بضم ففتح جمع البهمة): الفارس الذي لا يدرى من أين يؤتى له من ~~شدة بأسه. # (4) زيادة عن كتاب " الاستيعاب ". # (5) بهرجتني: أي أهدرتني بإسقاط الحد عنى. (1) النهنهة: الكف والمنع. # (2) هو المنخل اليشكري. (1) يجيلها: هو من أجال يجيل إجالة إذا حركها، أي يضع يده في الخريطة ~~ويحركها مرتين أو ثلاثا. # (2) الإفاضة بالقداح: الضرب بها وإجالتها عند القمار. # (3) سيذكر المؤلف رحمه الله تعالى معنى الربابة. # (4) البرم (بفتحتين): الذي يدخل مع القوم في الميسر. والقشع: بيت من جلد. (1) يفيض: يدفع، ومنه الإفاضة. وصدعت الشئ: أظهرته وبينته. # (2) هو علقمة بن عبدة، كما في ديوانه. # (3) ربتني أي ملكتني أرباب من الملوك فضعت حتى صرت إليك. والربوب (جمع ~~رب): # المالك. # (3) هو عمر بن قميثة، كما في تاج العروس واللسان، مادة " غلق ". # (5) المقرومة: # الموسومة بالعلامات. والمغالق قداح الميسر. وقيل: المغالق من نعوت قداح ~~الميسر التي يكون لها الفوز، وليست المغالق من أسمائها، ms6941 وهي التي تغلق ~~الخطر فتوجبه للمقامر الفائز، كما يغلق الرهن لمستحقه. (عن اللسان). # (6) كذا في الأصول. والعفاة: الأضياف وطلاب المعروف. والذي في اللسان ~~وتاج العروس: " العيال ". # (7) في الأصول: " جرير " والتصويب عن ديوان الأخطل. والبيت من قصيدة يهجو ~~بها جريرا مطلعها: # * كذبتك عينك أم رأيت بواسط * راجع ديوانه ص 41 طبع بيروت. # (8) كذا في الأصول. والذي في كتاب " الميسر والقداح " لابن قتيبة ~~والمفضليات أنه للمرقش الأكبر، وهو من قصيدة له، مطلعها: * ألا بان جيراني ~~ولست بعائف * راجع المفضليات ص 474 طبع أوربا. (1) آية 33 سورة الأعراف. (1) قال ابن الأثير: " والظهر قد يزاد في مثل هذا إشباعا للكلام وتمكينا، ~~كأن صدقته مستندة إلى ظهر قوى من المال ". (1) آية 152 سورة الأنعام. # (2) آية 10 سورة النساء. (1) بتعقب: أي مع تعقب، وهو أنه ينظر في أمر المشترى يرفعه إلى السوق ~~لمعرفة ثمنه (2) راجع ج 5 ص 34 وما بعدها. (1) في ا، ج: " تشبه ". (1) راجع ج 12 ص 168 (2) في ج: " وسفيان هو الثوري بن سعيد، وعبد الرحمن هو ~~الأوزاعي بن عمرو ". (1) آية 105 سورة البقرة. # (2) آية 1 سورة البينة. # (3) آية 5 سورة المائدة. # (4) آية 199 سورة آل عمران. # (5) آية 113 سورة آل عمران. # (6) آية 29 سورة التوبة. (١) عبارة ابن العربي في " أحكام القرآن " ~~له: " احتج أبو حنيفة ". # (2) زيادة عن ابن العربي. # (3) آية 24 سورة الفرقان. (1) الزيادة من الاستذكار لابن عبد البر. (1) آية 232 سورة البقرة. # (2) العضل: المنع. # (3) آية 25 سورة النساء. # (4) آية 32 سورة النور. # (5) راجع ج 12 ص 239 وما بعدها. # (6) راجع ج 13 ص 271 (7) آية 34 سورة النساء. (1) في ا: " المرأة ". # (2) آية 234 سورة البقرة. # (3) قال مالك: هم قوم من القبط يقدمون من مصر إلى المدينة. # (4) السعاية: البغى. # (5) في الأصول: " الاسلامية " والتصويب عن شرح الخرشي وحاشية العدوى. (1) آية 71 سورة التوبة. " بين " ساقطة من ا. (1) والأقعد: يقال: فلان أقعد مع فلان: أي أقرب منه إلى جده الأكبر. وفى ج: ~~" الأقرب ". (1) القعدد (بضم القاف وسكون العين وضم الدال المهملة وفتحها): القريب ms6942 من ~~الجد الأكبر. وقيل: هو أملك القرابة في النسب. (1) آية 30، 44 سورة ص. (1) جمع الضمير، لان المراد بالمرأة الجنس. (هامش مسلم) وفى ا، ح " ولم ~~يجامعوها ". # (2) وجد عليهما: غضب. ومضارعه بضم الجيم وكسرها. # (3) الاستثفار: أن تشد المرأة فرجها بخرقة عريضة، أو قطنة تحتشى بها ثق ~~طرفيها في شئ فتشده على وضعها فيمنع سيلان الدم. # (4) في ب: " ومر أزمان ". (١) كذا في الأصول وأحكام القرآن لابن ~~العربي. # (2) راجع ج 9 ص 180 (1) الحرورية: طائفة من الخوارج نسبوا إلى " حروراء " وهو موضع قريب من ~~الكوفة، وهم الذين قاتلهم على رضي الله عنه، وكان عندهم من التشديد في ~~الدين ما هو معروف، فلما رأت عائشة هذه المرأة تشدد في أمر الحيض شبهتها ~~بالحرورية. وقيل: أرادت أنها خالفت السنة وخرجت عن الجماعة. (1) في ب: " فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ". # (2) آية 264 سورة البقرة. # (3) آية 48 سورة الأحزاب. (1) راجع ج 5 ص 372. # (2) في ا: " جل أهل الفقه... ". (1) " شأنك ": منصوب بإضمار فعل، ويجوز رفعه على الابتداء، والخبر محذوف ~~تقديره مباح أو جائز (ابن الأثير). (1) الآية في الأصول: " حتى يتطهرن " وهو تحريف. راجع ابن العربي ج 1: 70 ~~طبع السعادة. # (2) آية 6 سورة النساء. # (3) آية 230 سورة البقرة. # (4) آية 108 سورة التوبة. (1) آية 228 سورة البقرة. # (2) آية 256 سورة البقرة. # (3) آية 40 سورة فاطر. # (4) آية 9 سورة الجمعة. (1) آية 82 سورة الأعراف. # (2) راجع ج 14 ص 347. # (3) مجبية: أي منكبة على وجهها، تشبيها بهيئة السجود. # (4) أخذت عليه: أي أمسكت المصحف وهو يقرأ عن ظهر قلب. (1) بحذف المجرور. راجع شرح البخاري في تفسير الآية، ففيه كلام عن هذا ~~الحذف. # (2) شرح الرجل جاريته: إذا وطئها نائمة على قفاها. # (3) شرح أمرهما (من باب رضى): عظم وتفاقم ولجوا فيه. # (4) الذي في صحيح الترمذي: " حسن غريب ". # (5) تقدم معنى " التجبية " ص 91 من هذا الجزء. (1) آية 165 سورة الشعراء. # (2) النجو: ما يخرج من البطن من ريح وغائط. (1) في ب: " النبت ". # (2) التحميض: أن يأتي الرجل المرأة في غير مأتاها الذي يكون موضع الولد. ms6943 (1) آية 110 سورة البقرة. # (2) الافراط (جمع فرط): هم الأولاد الذين ماتوا قبل أن يبلغوا الحلم. # (3) راجع ج 11 ص 135. # (4) الغرل (بضم فسكون جمع الاغرل): وهو الأقلف الذي لم يختن. (1) راجع ج 6 ص 285. # (2) راجع ج 18 ص 231. # (3) راجع ج 12 ص 207. (1) في الصحاح: " أو عرضة لذلك ". # (2) عجز بيت لحسان بن ثابت رضي الله عنه، وصدره: # * وقال الله قد أعددت جندا * (1) هو العجاج، كما في ديوانه. # (2) هو الفرزدق، كما في النقائض ص 344 طبع أوربا. (1) راجع ج 6 ص 265 (1) راجع ج 10 ص 186. # (2) راجع ج 8 ص 228 وما بعدها. # (3) اليمين المصبورة هي التي ألزم بها الحالف وحبس عليها، وكانت لازمة ~~لصاحبها من جهة الحكم، وقيل لها: # " مصبورة " وإن كان صاحبها في الحقيقة هو المصبور، لأنه إنما صبر من ~~أجلها، أي حبس، فوصفت بالصبر وأضيفت إلى اليمين مجازا. (ابن الأثير). (1) هذا صدر بيت ثمامة: * بمقسمة تمور بها الدماء * (2) راجع ج 6 ص 266. # (3) في نسخ ب: هذا لغو. # (4) راجع ج 12 ص 207 (1) راجع ج 6 ص 269 (1) في ب: " كان تسعة عشر رجلا... ". # (2) في ب: الحاكم. (1) المغل (بفتح الميم وسكون الغين وفتحها): أن ترضع المرأة ولدها وهي ~~حامل. (1) راجع ج 5 ص 168. # (2) في ب: وتفقد. # (3) راجع ج 16 ص 319. (1) في ب: إذا أشهد على فيئه بقلبه. # (2) في ز: لم يتيسر. # (3) في ب: مسيرة. (1) راجع ج 6 ص 267. # (2) في ب: احتج. # (3) في ب: ولا عزيمة طلاق. # (4) في ب: العزم. # (5) جارته: زوجته، وبيني من البينونة وعجز البيت: كذاك أمور الناس غاد ~~وطارقه. (1) في ب: أولى. (1) راجع ج 14 ص 202 (2) راجع ج 18 ص 162 (3) راجع ص 160 من هذا الجزء. (1) في ب وح‍: انقضاء. # (2) هو مالك بن الحارث الهذلي (عن اللسان). # (3) العقر: اسم موضع. وشليل: جد جرير بن عبد الله البجلي. # (4) في الديوان: مورثة مالا وفى المجد رفعة. (1) في اللسان: لم تحمل في رحمها ولدا قط. (1) في ز: وهذا مطرد بين. # (2) في ج: تمادى أمر الحامل. # (3) هو أبو كبير الهذلي (عن ms6944 اللسان). # (4) راجع ج 18 ص 150 (1) راجع ج 18 ص 162 (1) راجع ج 18 ص 259. # (2) راجع ص 186 من هذا الجزء. (1) راجع ج 15 ص 116 (1) راجع ج 12 ص 231. # (2) راجع ج 18 ص 157 (1) في ز: قبل أن يطأ وقبل أن يقبل. # (2) في ز: وعلى قول مالك، وفى ح‍: في قول مالك، وقال الشافعي وإسحاق الخ. (1) التشرف: التطلع إلى الشئ والنظر إليه. (1) في ز: تنقيص العدد جعل له خاصة. # (2) استنظفت الشئ: إذا أخذته كله. (1) اللبق بالفتح: اللباقة والحذق. # (2) في ح‍: اللائق. # (3) يريد استعمال الخلال وهو من السنة، وهو إخراج ما بين الأسنان من فضول ~~الطعام. # (4) راجع ج 10 ص 87 (5) في ز: مائه. (1) في ب: وبالانفاق. (1) في بعض الأصول: " الترمذي " والتصويب عن كتاب " الاستذكار " لأبي عمر ~~بن عيد البر. # (2) في ح: صلة. (1) في ب: مذهب مقاتل. (1) زيادة عن سنن الدارقطني. (1) في الدارقطني: ابن عبد يزيد بن ركانة. الخ. # (2) في ح،: فسقط الاحتجاج بغيره. (1) في ب: فرض. # (2) راجع ج 18 ص 147 (1) في ز: على ما يراد به بعده. # (2) راجع ج 14 ص 204. # (3) راجع ج 18 ص 157 (1) راجع ص 156 من هذا الجزاء. (1) في ب: من الناس. # (2) في ح وب: حبا. (1) راجع ج 5 ص 98 وص 24 (2) في الأصول: " بعضها ". والتصويب عن سنن أبي ~~داود. والنغض (بضم النون وفتحها وسكون الغين): # أعلى الكتف، وقيل: هو العظم الرقيق الذي على طرفه. # (3) في الأصول: " مع ما بيدها " والتصويب عن سنن أبي داود. (1) الزيادة في ب. (1) في ب. (1) في ز: وأما المفتدية فالتي. (1) في ز: وذلك. # (2) راجع ج 2 ص 337. (1) راجع ج 5 ص 112. # (2) في ز، وب: هذا. # (3) في ب: أتبعها. (1) في ب وز: لزمنا مذهب سعيد. (1) في ب: عمرو، تصحيحا في الهامش. (1) راجع ج 5 ص 20. # (2) الزيادة من ب وز. # (3) في بعض الأصول: "... وسفيان والثوري، بواو العطف ". (1) الزيادة من ز. (1) تراجع المسألة الخامسة والثلاثون ج 2 ص 337 (1) في ب: فرقة. # (2) راجع ج 3 ص 371. # (3) راجع ج 12 ص 239 ms6945 (1) الزيادة في: ح. # (2) في أكثر الأصول: هزأ وما أثبتناه في ب، وز. (1) راجع ج 8 ص 197 (1) في الأصول: " أبى الدحداح " وهو تحريف. # (2) ليس في ز، وب: أو سنان. (1) في ب، وز وه‍: في حق الزوجة. # (2) في ب: ذات محل. أي ذات مكانة. # (3) في ب، وه‍: يعنى. (1) في ب: يقطع. # (2) في ب، وز وه‍: إنما يجوز. # (3) يؤيد هذا ما رواه ابن ماجة عنه عليه الصلاة والسلام " لا رضاع إلا ما ~~فتق الأمعاء ". (1) راجع ج 5 ص 109. # (2) راجع ج 8 ص 346. # (3) في ب: الوالد على الولد، والذي هو مثبت هو ما في سائر الأصول والبحر ~~والاحكام لابن العربي. # (4) راجع ج 18 ص 168 (١) راجع ج ١٨ ص ١٧٢ (٢) بئر أبى عنبة، بئر بالمدينة عندها عرض رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أصحابه حين سار إلى بدر. النهاية. (1) الاثغار: سقوط سن الصبي وثباتها. وفى ح‍: حتى " يميز ". # (2) كذا في الأصول، ولعله مآله إليهم. (1) في ب: عبيد الله. (1) في ب وه‍: وحكى. (1) راجع ج 19 ص 250. (1) كذا في الأصول، وفى ابن عطيه: فيدخل في الخطاب بسلمتم الخ، بهذا يستقيم ~~المعنى. # (2) في ج وابن عطيه: يستغنى عن الصنعة. (1) راجع ج 12 ص 95. # (2) راجع ج 18 ص 162 (3) في ه‍: برهة من الزمان. # (4) راجع ج 5 ص 351 (1) في ه‍: أن ابن عباس. # (2) قال ابن الأثير: ويروى " تعالت " أي ارتفعت وطهرت، ويجوز أن يكون من ~~قولهم: تعلى الرجل من علته إذا برأ أي خرجت منن نفاسها وسلمت. مسلم ج 4 ص ~~201 (1) في الأصول: " وهب " والتصويب على شرح الموطأ وتهذيب التهذيب. (1) في ب: أخبرنا. # (2) في ب. # (3) في ب وه‍: أخبرنا. # (4) في ه‍ وب: أخبرنا. (1) في ه‍. # (2) العصب (بفتح العين وسكون الصاد المهملتين): من برود اليمن يعصب ~~غزلها، أي يربط ثم يصبغ ثم ينسج مصبوغا فيخرج موشيا لبقاء ما عصب منه أبيض ~~ولم ينصبغ: وإنما يعصب السدى دون اللحمة. # (3) النبذة: الشئ اليسير. القسط والأظفار: نوعان من البخور. نبذة منصوب ~~على الاستثناء تقدم عليه الظرف (شرح ms6946 مسلم). (1) في ه‍: يومه أو ليله. (1) تسلبي: البسي ثياب الحداد السود، وهي السلاب (ككتاب). (١) في ز: انقضت. # (٢) الزيادة عن الباجي. # (٣) هذه عبارة ابن العربي كما وردت في أحكام القرآن. وقد وردت مضطربة في الأصول. (1) راجع ج 18 ص 166. # (2) في ب وه‍: زوجاته. (1) راجع ج 12 ص 6 فما بعد. # (2) البيت لأوس بن غلفاء الهجيمي يصف فرسا. والصريحي: # نسبة إلى الصريح وهو فحل من خيل العرب معروف. (عن اللسان). (1) يشير إلى ما مضى عن ابن عباس من أن المرأة إذا طعنت في الحيضة الثالثة ~~بانت وانقطعت رجعت الزوج، وهذا قول إسحاق المتقدم وهو ضعيف راجع ص 117 س 16 ~~من هذا الجزء. (1) نفقت الأيم: إذا كثر خطابها ورغب فيها. (1) الكثب بضم ففتح: جمع كثبة، وهي كل قليل جمعته من طعام أو لبن أو غير ~~ذلك. والعس (بضم العين): # القدح الضخم. يريد أن الرجل يجئ بعلة الخطبة وهو يريد القرى. قال ابن ~~الأعرابي: يقال للرجل إذا جاء يطلب القرى بعلة الخطبة: إنه ليخطب كثبة. (عن ~~اللسان). # (2) في ج: السر. (1) في ب وه‍: طمحانها. # (2) في ب: يتعرض. (1) راجع ج 5 ص 311 وص 123 وص 373 (1) المخفقة: الدرة. # (2) زيادة عن الموطأ. (1) راجع ج 14 ص 202. # (2) راجع ج 5 ص 129 (1) بروع بفتح أوله وهو الصحيح عند اللغويين وخطأوا الكسر، والكسر عند ~~المحدثين ورووه سماعا. راجع التاج مادة برع. # (2) في ب وه‍: الخبر (3) في ب وه‍. (1) دفط (بالدال المهملة والفاء.. وقيل بالذال المعجمة والقاف) وهي بمعنى ~~سفد. # (2) راجع ج 7 ص 162. # (3) راجع ج 15 ص 130 (1) راجع ج 19 ص 146. # (2) راجع ج 6 ص 199 (3) راجع ج 7 ص 124. # (4) راجع ج 1 ص 161 (1) في ج وه‍: " بجلبابها ". والساج: الطيلسان الضخم الغليظ. وقيل هو ~~الطيلسان المقور ينسج كذلك. (1) راجع ج 9 ص 304. # (2) راجع ج 7 ص 36 (1) آية 49، راجع ج 14 ص 202 (1) تراه: هلاكه. # (2) الشوار: متاع البيت. # (3) راجع ج 6 ص 102 (1) كذا في الدارقطني ونسخ الأصل إلا ه‍ ففيها: بنى نضير. ms6947 وفى التاج أن بنى ~~نصر بطن من هوازن. # (2) راجع ج 19 ص 205. (1) في ج وب وح‍: بالعقد. (1) في ج: الشبه، وفى هامشها: التشبيه وفى ب: على التشبيه بالألف. وفى ه‍: ~~على النسبة، وفى الكشاف: # " وقرأ الحسن (أو يعفو الذي) بسكون الواو، وإسكان الواو والياء في موضع ~~النصب تشبيه لهما بالألف لأنهما أختاها " (2) في ب وج‍: استقصاؤكم. (1) تراجع المسألة الأولى ج 2 ص 153. # (2) راجع ج 14 ص 126 (3) راجع ج 17 ص 185. # (4) نفهه: أتعبه حتى أنقطع. (1) في ب وه‍: بأحاديث واردة. (1) أي قال مالك في الموطأ إنه بلغه عنهما. # (2) التعليق: رواية الحديث من غير سند. # (3) راجع ج 4 ص 199. # (4) قال النووي: " تضامون " بتشديد الميم وتخفيفها، فمن شددها فتح التاء، ~~ومن خففها ضم التاء، ومعنى المشدد أنكم لا تتضامون وتتلطفون في التوصل إلى ~~رؤيته، ومعنى المخفف أنه لا يلحقكم ضيم، وهو المشقة والتعب. وفى ه‍: لا ~~تضارون. # (5) راجع ج 11 ص 260 (1) في ب وز: " ما لهم ملا الله... " وفى ابن عطية والبحر: " شغلونا عن ~~الصلاة الوسطى صلاة العصر " وفى ابن عطية: " ملا الله قبورهم وبيوتهم... " ~~وفى البحر: " ملا الله أجوافهم... ". (1) راجع ج 15 ص 238. # (2) راجع المسألة الخامسة ج 2 ص 86 (3) رعل وذكوان: قبيلتان من سليم، ~~وإنما دعا عليهم لقتلهم القراء. (1) ذو اليدين اسمه الخرباق، وقد كان يصلى خلف النبي صلى الله عليه وسلم ~~فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من اثنتين - وكانت رباعية - فقال له ~~ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟... الخ. # (2) من ب وه‍. (1) الخرقي (بكسر الخاء المعجمة وفتح الراء): أبو القاسم عمر بن الحسين شيخ ~~الحنابلة. (1) السرعان (بفتح السين والراء ويحوز تسكين الراء): أوائل الناس الذين ~~يتسابقون إلى الشئ ويقبلون عليه بسرعة. # (2) في ب وه‍: البراء بن عازب وليس بشئ. والصواب ما أثبتنا عن الجصاص ج 1 ~~ص 446 وفى كل الأصول: حديث البراء. وهو خطأ. (1) في ح‍: " أن يقوم بجنبه ". (1) قهد بالقاف وفى آخره دال. (1) في ب. (1) جحش شقه: أي انخدش جلده. # (2) كذا ms6948 في أكثر الأصول وفى بعضها: ثويبه. بالمثلثة. # والصواب ما في شرح البخاري لابن حجر: بريرة ونوبه، بضم النون وسكون الواو ~~ثم موحدة، ضبطه ابن مأكولا الخ. # فليراجع ج 8 ص 108 طبع بولاق ففيه الخلاف والجمع. أما ثويبه مرضعته عليه ~~السلام فلم يقل أحد بها ولا حد بها ولا هي أسلمت على المشهور. (1) في ب: فينزلون. (1) راجع ج 5 ص 351 (1) في ز: وقال الطبري. # (2) راجع ج 4 ص 310 (1) راجع ج 8 ص 72. # (2) راجع ج 5 ص 75. # (3) كذا في صحيح البخاري. والذي في الأصول: "... فلم تكتبها؟ قال: تدعها ~~يا بن أخي... الخ " قوله " أو تدعها " أي تتركها في المصحف، والشك من ~~الراوي، وكأن ابن الزبير ظن أن الذي ينسخ حكمه لا يكتب. # (4) في ه‍: يوما. (1) كذا في الأصول. والذي في البخاري: " واجبا " أي أمرا واجبا. # (2) في الأصول: "... ومن بعدهم من المخالفين فيما علمت ". (1) راجع ج 20 ص 69. # (2) في ه‍: تزوجهن. # (3) في ه‍. (1) راجع ج 14 ص 170 وص 202. # (2) راجع ص 200 من هذا الجزء. (1) داوردان (بفتح الواو وسكون الراء وآخره نون): من نواحي شرقي واسط ~~بينهما فرسخ. (معجم ياقوت). # وفى ابن عطية: ذاوردان. بذال معجمة. (١) في ابن عطية وز: رصف وباقي الأصول: وصف. # (٢) في ز: الثانية " وهم ألوف " ثم جعل المسائل سبعا، وقد نص عليها ستا ~~كما في غيرها من النسخ. # (٣) زيادة عن كتاب أحكام القرآن لابن ~~العربي. # (4) زيادة عن الطبري. # (5) الدسم: الدنس وهو الودك والوساخة. (1) من ز. # (2) ورد الحديث في البخاري في كتاب الطب بلفظ الطاعون وفى كتاب الحيل ~~بالوجع. # (3) سرغ: قرية بوادي تبوك من طريق الشام وهي على ثلاث عشرة مرحلة من ~~المدينة. (1) من ه‍. # (2) من ز، وفى الأصول الأخرى: الهلكات. # (3) العدوة (بضم العين وكسرها وسكون الدال) شاطئ الوادي وحافته. # (4) في البخاري: خصيبة. قال ابن حجر: بوزن عظيمة. # (5) من ه‍: وفيها: ينجوا. # (6) في ه‍ وز وج‍: من. (1) في ج وح‍: أن دخوله. # (2) الغدة: طاعون الإبل، وقلما تسلم منه. # (3) المراق: # ما سفل من البطن فما تحته من ms6949 المواضع التي ترق جلودها، واحدها مرق. وقال ~~الجوهري: لا واحد لها. (1) عمواس (روى بكسر أوله وسكون ثانيه، وروى بفتح أوله وثانيه وآخره سين ~~مهملة): كورة من فلسطين بالقرب من بيت المقدس، ومنها كان ابتداء الطاعون في ~~أيام عمر رضي الله عنه، ثم فشا في أرض الشام فمات منه خلق كثير لا يحصون من ~~الصحابة رضي الله عنهم ومن غيرهم، وذلك في سنة 18 للهجرة. # (2) السيالة (بفتح أوله وتخفيف ثانيه): موضع بقرب المدينة، وهي أول مرحلة ~~لأهل المدينة إذا أرادوا مكة. وقيل: هي بين ملل والروحاء في طريق مكة إلى ~~المدينة (عن شرح القاموس). (١) سفوان (بالتحريك): ماء على قدر مرحلة من باب المربد بالبصرة (معجم ~~ياقوت). # (٢) سكر (وزان زفر): موضع بشرقية الصعيد بينه وبين مصر يومان، كان عبد ~~العزيز بن مروان يخرج إليه كثيرا. (عن ياقوت). وقد ورد في الأصول: " سكن " ~~بالنون وهو تحريف. # (٣) أوه: كلمة يقولها الرجل عند الشكاية والتوجع وهي ساكنة الواو مكسورة ~~الهاء، وربما قلبوا الواو ألفا فقالوا: " أوه من كذا "، وربما شددوا الواو ~~وكسروها وسكنوا الهاء فقالوا: " أوه "، وبعضهم يفتح الواو مع التشديد ~~فيقول: " أوه ". # (عن النهاية). # (4) راجع ج 9 ص 274 (1) جيش العسرة: في غزوة تبوك، كان في عسرة وشدة من الحر وجدب البلاد، أمر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بالجهاز وحض الأغنياء على النفقة في ~~سبيل الله، فأنفق عثمان رضي الله عنه في ذلك نفقة عظيمة. # ابن هشام: حدثني من أثق به أن عثمان. أنفق ألف دينار غير الإبل والزاد ~~وما يتعلق بذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " اللهم أرض عن عثمان فإني ~~عنه راض ". # (2) في ج وه‍ وز: " أبو عامر يحيى أبن أحمد بن ربيع الأشعري ". # (3) في جميع الأصول: عن الأعرج، وليس بصحيح لان حميد الأعرج الكوفي هو ~~الراوي عن ابن الحارث وعن خلف ابن خليفة. (1) في ه‍: ازدياد. (1) العذق (بفتح فسكون): النخلة. وبكسر فسكون: العرجون بما فيه من ~~الشماريخ. ورداح ثقيلة. # (2) الفياح (بالتشديد والتخفيف): الواسع. # (3) راجع ج 4 ص ms6950 294 (4) في ابن العربي: أغاثت. # (5) في ابن العربي. (1) الزيادة من ز، وفى ه‍ لقالوا إقراضا. # (2) راجع ج 8 ص 266. # (3) راجع ص 302 من هذا الجزء. (1) في التاج: سليمان بن أذنان (مثنى أذن) وعلقمة: هو ابن قيس النخعي ~~الكوفي، والحديث كما في السنن. # (2) الحديث مصحح من ابن ماجة وفى الأصول خلاف له. (1) راجع ج 5 ص 195 (1) كذا في ج وز وح‍. وفى ه‍: نال. وفى ا: بان. والذي في الطبري وابن عطية: ~~" بالى ". (1) يقال: رجل كع وكاع إذا جبن عن القتال، وقيل: هو الذي لا يمضى في عزم ~~ولا حزم وهو الناكص على عقبيه. (1) القرن (بالتحريك): الجعبة من جلود تكون مشقوقة ثم تخرز. # (2) نش: صوت. # (3) في ه‍ وج‍: فيما يزعمون. (1) الراقود: الدن الكبير، أو هو دن طويل الأسفل، والجمع الرواقيد معرب. # (2) تراجع المسألة الرابعة وما بعدها ج 1 ص 264. # (3) هو العباس بن مرداس، كما في الحماسة وغيرها. # (4) في اللسان في مادة مزر: " مزير ". والمزير. الشديد القلب القوى ~~النافد، والهصور: الشديد الذي يفترس ويكسر. # (5) الطرير: ذو الرواء والمنظر. في ه‍: فما يغنى بجثته. (1) الاصطلام: الاستئصال والإبادة. # (2) في ز، وابن عطية: " الناسور " بالنون. # (3) كذا في الأصول، وفى الطبري: الثورين. # (4) في ح‍ وا وج‍ بالشين المعجمة والميم والسين المهملة. والذي في ه‍ ~~والبحر بالمعجمتين بينهما ميم وفى معجم أسماء النبات " شمساد " ص 34 (1) راجع ج 8 ص 148. # (2) الزيادة من ز. # (3) هفافة: سريعة المرور في هبوبها. # (4) ريح خجوج: شديدة المرور في غير استواء. # (5) الشطن: الحبل، وجمعه أشطان. # (6) المربد (بكسر فسكون ففتح): الموضع الذي ييبس فيه التمر. # (7) رضاض الشئ (بضم الراء): فتاته. (1) في ز وابن عطية: والمن. # (2) من ه‍ وج‍ وز. # (3) كذا في ج وه‍ وابن عطية وفى ه‍: قفير، وهو الزبيل. # (4) الزيادة من ز، وابن عطية. # (5) راجع المسألة الثانية والثالثة ج 1 ص 381 (6) من ج وه‍. (1) راجع ج 1 ص 239. # (2) من ج وه‍ وز. # (3) راجع ج 5 ص 258 (1) هو النابغة الذبياني، يقول هذا لعيينة بن حصن الفزاري، وكان قد دعاه ~~وقومه إلى ms6951 مقاطعة بنى أسد ونقض حلفهم فأبى عليهم وتوعده بهم، وأراد بالفجور ~~نقض الحلف. (عن شرح الشواهد). # (2) المهيع: الطريق الواضح الواسع البين. (1) في ه‍ وج‍ وز. (1) كذا في ه‍ وج‍ وفى ز: أطراف. # (2) الهيم: الإبل التي يصيبها داء فلا تروى من الماء، واحدها أهيم، ~~والأنثى هيماء. (1) راجع ج 4 ص 322. # (2) راجع ج 6 ص 127. # (3) راجع ج 10 ص 202 (4) راجع ج 12 ص 72. # (5) راجع ج 8 ص 23 (1) كذا في ه‍ وج‍ وز، وفى ا: الأفسح. # (2) راجع ج 4 ص 228 فما بعد وص 190 فما بعد. # (3) في د: ويستنجز، وفى ا، ه‍، و: ليستنجز، وما أثبتناه في ز. (1) كذا في الأصول، والذي في البحر وغيره: إيشا. # (2) كع: جبن وضعف. (1) في ه‍ وز: عينيه، وفى ا: " وفقأ عينه ". # (2) راجع ج 7 ص 363 (1) كذا في ج، وليس في بقية الأصول: تقسيم، وفيها بدل الثانية مسألة. # (2) ج 5 ص 123 (1) في ه‍ وج‍. # (2) في ه‍: ما أمطرهم. (1) راجع ج 18 ص 253. # (2) في ه‍: النص. (1) راجع ج 10 ص 278. # (2) راجع ج 11 ص 272. # (3) راجع ج 16 ص 260 (4) راجع ج 9 ص 340. # (5) راجع ج 14 ص 300 (6) يقال: تفسخ البعير تحت الحمل الثقيل إذا لم ~~يطقه. (١) راجع ج ٦ ص ١٧. # (٢) راجع ج ١٧ ص ٢٦٢ وص ٢٣٩. # (٣) راجع ج ١١ ص ٢٩٥ (٤) راجع ج ١٣ ص ١٦٣ (٥) راجع ج ١٤ ص ١٢٦ (٦) راجع ج ~~١٦ ص ٢٩٢ وص ٢٨٨ وص ٢٧٤ (٧) الرعب: الخوف والفزع. كان أعداء النبي صلى الله ~~عليه وسلم قد أوقع الله تعالى في قلوبهم الخوف، فإذا كان بينه وبينهم مسيرة ~~شهر هابوه وفزعوا منه. (عن النهاية). (1) ج 2 ص 24. # (2) البيت للنجاشي، وصف أنه اصطحب ذئبا في فلاة مضلة لا ماء فيها، وزعم ~~أن الذئب رد عليه فقال: لست بآت ما دعوتني إليه من الصحبة ولا أستطيعه ~~لأنني وحشي وأنت إنسي ولكن أسقني إن كأن ماؤك فاضلا عن ربك (عن شرح الشواهد ~~للشنتمري). (1) راجع ج 18 ص 130. # (2) هو النابغة الجعدي، كما ms6952 في اللسان. # (3) الفرسن (بكسر الفاء والسين وسكون الراء): عظم قليل اللحم، وهو خف ~~البعير، كالحافر للدابة. # (4) سية القوس: ما عطف من طرفيها. # (5) راجع ج 5 ص 399 (1) راجع ج 9 ص 366. # (2) راجع ج 17 ص 66. # (3) يقول هذا لبني الحارث بن كعب ومنهم النجاشي وكان يهاجيه فجعلهم أهل ~~نهم وحرص على الطعام لا أهل غارة وقتال. والعادية: المستطيلة. ويروى غادية ~~(بالغين المعجمة) وهي التي تغدو للغارة، وعادية أعم لأنها تكون بالغداة ~~وغيرها. (عن شرح الشواهد للشنتمري). (1) في ه‍: فاجتمعوا إلى إبليس. (1) الضمير في " كانوا " راجع إلى الصحابة. قال القسطلاني: " وكان الأصل أن ~~يقول " كنا " لكنه على طريق الالتفات، وقيل هو مدرج من كلام بعض رواته ". (1) في الأصول: "... أعطيته قلوب الشاكرين " والتصويب عن كتاب " السر ~~القدسي في تفسير آية الكرسي ". # (2) في ه‍: اجتبيته. في الأصول: " لا بديل له " والتصويب عن اللسان. # (2) في ج: الخلق. # (3) هذا البيت في وصف ظبي، وقيل هذا البيت: # لولا الحياء وأن رأسي قد عسا * فيه المشيب لزرت أم القاسم وكأنها وسط ~~النساء أعارها * عينيه أحور من جآذر جاسم (4) رنق النوم في عينيه: خالطها. (1) الذي في كتب اللغة أن الفعل من باب " فرح ". # (2) في ابن عطية: تستمسك. وفى ه‍، چ‍، ز: تمسك. # (3) راجع ج 11 ص 381. # (4) المحبنطىء: اللازق بالأرض، وفى الحديث " إن السقط يظلل محبنطئا على ~~باب الجنة " قال ابن الأثير: # المحبنطيء. (بالهمز وتركه): المتغضب المستبطىء للشيء. وقيل: هو الممتنع ~~امتناع يظل محبنطئا على باب الجنة " قال ابن الأثير: # المحبنطىء (بالهمز وتركه): المتغضب المستبطيء للشيء، وقيل: هو الممتنع ~~امتناع طلبة لا امتناع إباء. (1) في ه‍. # (2) قال النووي: هو بتنوين " دحض " ودال مفتوحة والحاء ساكنة، و " مزلة " ~~بفتح الميم وفى الزاي لغتان الفتح والكسر، والدحض، والمزلة بمعنى واحد وهو ~~الموضع الذي تزل فيه الاقدام ولا تستقر. # (3) الحسكة (بالتحريك): واحدة الحسك وهو نبات له ثمرة خشنة تعلق بأصواف ~~الغنم يعمل من الحديد على مثاله، وهو آلات العسكر يلقى حوله لتنشب في رجل ~~من يدوسها من الخيل والناس الطارقين له. والسعدان منبته ms6953 سهول الأرض وهو من ~~أطيب مراعى الإبل ما دام رطبا. # (4) الركاب: الإبل التي يسار عليها، ولا واحد لها م لفظها. # (5) مخدوش مرسل أي مجروح مطلق من القيد. # (6) مكدوس أي مدفوع في جهنم. قال ابن الأثير: وتكدس الانسان إذا دفع من ~~ورائه فسقط. ويروى بالشين المعجمة من الكدش وهو السوق الشديد، والطرد ~~والجرح أيضا. (1) راجع ج 5 ص 194 (2) الحمم (بضم الحاء وفتح الميم الأولى المخففة): ~~الفحم، الواحدة حممة كحطمة. # (3) في ه‍ وب وج‍. (1) راجع ج 10 ص 309 (2) في ه‍: لا يتغير. # (3) في ه‍ وب وج‍: حيث لا يعلمه العالمون. (1) ليس في ج وب وه‍ عن ابن مسعود. # (2) كذا في ب وهامش ه‍. وفى: ه‍ وا وج‍ وح‍: # المرجل. والأطيط للرحل لا للرجل كما في اللغة. # (3) كذا في ج وب، وأذراه: رمى به وأطاره. (1) راجع ج 13 ص 248 (2) الأسفنط ضرب من الأشربة: فارسي معرب. # (3) راجع ج 10 ص 180 (1) في ه‍ وج‍ وب. # (2) راجع ج 8 ص 240 (1) راجع ج 5 ص 266 (2) راجع ج 8 ص 109 (3) في ب وج‍ وا: وإن كانوا صغارا ~~لم يجبروا. (1) راجع ج 5 ص 263 و 280 (2) في ج: الاسلام. # (3) النبه (بفتح النون والباء) كل شئ سقط من إنسان فنسيه ولم يهتد إليه. ~~شبه الغزال وهو نائم بدملج فضة قد طرح ونسي. وفى الديوان: عذارى. (1) راجع ج 16 ص 234 (2) في ه‍ وب وج‍ وابن عطيه: فكأن هذا القول. # (3) الزيادة في ج. # (4) أي التعجيب. # (5) نمروذ بضم النون وبالذال المعجمة. شهاب. (1) كذا في الأصول جميعا، والصحيح ما في الطبري: فبعثها الله عليهم فأكلت ~~لحومهم وشربت دماءهم. # (2) في البحر: " ملك الأرض مؤمنان سليمان وذو القرنين وكافران نمروذ ~~وبختنصر ". # (3) أي سواد العراق، وفى ه‍: السودان. # (4) ابن أوس أبو تمام. # (5) من ه‍ وب. (1) الميرة: جلب الطعام، قاله ابن سيده. # (2) الحوارى (بضم الحاء وتشديد الواو وفتح الراء): الدقيق الأبيض، وهو ~~لباب الدقيق وأجوده وأخلصه. # (3) السهلة (بكسر السين): رمل خشن ليس بالدقاق الناعم. والسهلة (بفتح ~~السين) نقيض الحزنة، ms6954 وهو ما غلظ من الأرض. # (4) راجع ج 11 ص 303 (١) راجع ج ٢ ص ٧٤ (٢) راجع ج ٨ ص ٣٦١. # (٣) راجع ج ٩ ص ٢٧. # (٤) المباهلة الملاعنة. ومعنى المباهلة أن يجتمع القوم إذا اختلفوا في ~~شئ فيقولوا لعنة الله على الظالم منا. راجع ج 4 ص 103، وص 108 (5) في ب: ~~ظهر. # (6) في ه‍ وب: سائغ. (1) راجع ج 7 ص 336 (2) كذا في ج وا وه‍ وفى ب وج‍: حميدا. مرة، وجميعا، ~~أخرى. # وفى التاج: جميعا. # (3) في السمين: إثبات الألف وصلا ووقفا لغة تميم. # (4) في ابن عطية: أنا شيخ. وحميد هو ابن مجدل. (1) في ج وه‍ وب: كحرق. أي انقطعت حارقته وهي عصبة أو عرق في الرجل. # (2) راجع ج 1 ص 409 (1) راجع ج 11 ص 16 (2) الزيادة من ب وج‍ وا وه‍. # (3) الركوة: إناء صغير من جلد يشرب فيه الماء، ودلو صغيرة. # (4) في ب: استندياد. # (5) من ه‍. (1) راجع ج 10 ص 133 (2) راجع ج 13 ص 216 (3) كذا في كل الأصول، والصواب ~~قال، إذ هذه آية. راجع ج 12 ص 73 (1) زيادة عن ابن عطية. # (2) راجع ج 11 ص 282 (3) في ه‍: ويحددها. # (4) في ه‍: من البلد. (1) الحروف المهموسة عشرة أحرف يجمعها قولك " حثه شخص فسكت " قال ابن جنى: ~~فأما حروف الهمس فإن الصوت الذي يخرج معها نفس وليس من صوت الصدر إنما يخرج ~~منسلا وليس كنفخ الزاي والظاء. # (2) راجع ج 10 ص 374 (3) عبارة البحر: وقرأ حمزة والكسائي بحذف الهاء في ~~الوصل على أنها هاء السكت وقرأ باقي السبعة باثبات الهاء في الوصل والوقف. ~~في ب وه‍ وج‍: الاخوان، وصوابه الأخوين. (1) هو سويد بن الصامت (عن اللسان). # (2) نخلة رجبية (كعمرية وتشدد الجيم، وكلاهما نسب نادر) وترجيبها أن تضم ~~أعذاقها (عراجينها) إلى سعفاتها ثم تشد بالخوص لئلا ينفضها الريح. وقيل: هو ~~أن يوضع الشوك حوالي الاعذاق لئلا يصل إليها آكل فلا تسرق، وذلك إذا كانت ~~غريبة طريفة. # (3) المرايا (واحدتها عرية): النخلة يعريها صاحبها رجلا محتاجا. # (4) في الأصول: " المواحل " والتصويب عن ms6955 كتب اللغة. # وقبل هذا البيت: # أدين وما ديني عليكم بمغرم * ولكن على الشم الجلاد القراوح والجوائح: ~~السنون الشداد التي تجيح المال. # (5) من ه‍. # (6) راجع ج. 1 ص 21 (1) راجع 7 ص 263 (1) راجع ج 19 ص 215 (2) راجع ج 17 ص 296 (1) في الأصول وابن عطية: النابغة المعروف المشهور ما أثبتناه وصدره: * ~~الحمد لله إذ لم يأتني أجلى * (2) راجع ج 1 ص 153 (3) في ج، ب، ه‍. (1) البيتان للأعشى، وعجز الأول: وهل تطيق وداعا أيها الرجل. والثاني عجزه: ~~وعادك ما عاد السليم المسهدا. # (2) الهجمة (بفتح فسكون): القطعة الضخمة من الإبل، وقيل: هي ما بين ~~الثلاثين والمائة. ورجل أبل (ككتف): حذق مصلحة الإبل. (1) في ج وه‍: إلى نفسه. (1) راجع ج 10 ص 28 (1) في ج وه‍ وب. # (2) في ب وج‍: فتذهب فكرة. بصيغة الجمع. # (3) في ج: تستجيب. # (4) كذا في ه‍ وب وج‍ وهو الصواب كما في التهذيب والاستيعاب، وفى ج وا: ~~زيد. # (5) في ه‍: اختار. (1) الذي في الديوان: ليستدرجنك القول حتى تهره * وتعلم أنى عنك لست تمجرم ~~(2) الزيادة من ه‍ وب وج‍ وابن عطية. # (3) من ه‍ وب وج‍. # (4) راجع ج 7 ص 278 (5) في ب: ففيه. (1) راجع ص 237 من هذا الجزء وج‍ 15 ص 240. (1) حميل السيل: ما يحمل من الغثاء والطين. # (2) في ه‍. # (3) راجع ج 18 ص 211 (1) السعلاة: أخبث الغيلان. فإذا كانت المرأة قبيحة الوجه سيئة الخلق شبهت ~~بالسعلاة. # (2) الذي في كتب اللغة (مادة ن وت): " عمر بن يربوع ". # (3) عن ج وب، وابن ماجة، وفيه في الهند: وأبي هريرة. # (4) في ابن ماجة: " في وجه " (5) عن ب وه‍ وج‍. (1) عبارة ابن عطية كما في تفسيره: "... وذلك أن المنفق في سبيل الله إنما ~~يكون على أحد ثلاثة أوجه: # إما أن يريد وجه الله تعالى ويرجو ثوابه فهذا لا يرجو من المنفق عليه ~~شيئا، ولا ينظر من أحواله في حال سوى أن يراعى استحقاقه. # " إما أن يريد من المنفق عليه جزاء بوجه من الوجوه فهذا لم يرد وجه الله، ~~بل نظر إلى ms6956 هذه الحال من المنفق عليه. # وهذا هو الذي متى أخلف ظنه من بإنفاقه وآذى. # وإما أن ينفق مضطرا دافع غرم إما لمانة للمنفق عليه أو قرينة أخرى من ~~اعتناء معتن ونحوه، فهذا قد نظر في حال ليست لوجه الله، وهذا هو الذي متى ~~توبع وجرح بوجه من وجوه الجرح آذى. فالمن والأذى يكشفان ممن ظهرا منه أنه ~~إنما كان على ما ذكرناه من المقاصد، وأنه لم يخلص لوجه الله تعالى. فلهذا ~~كان المن والأذى مبطلين للصدقة من حيث بين كل واحد منهما أنها لم تكن صدقة ~~". # (2) راجع ج 19 ص 128 (1) راجع ج 19 ص 66 (١) هو أبو حسن محمد بن محمد، فرد البصرة وصدر أدبائها. (عن يتيمة الدهر ج ~~٢ ص ١١٦). (1) في ه‍: عفوا. # (2) في ج: الصدقة. # (3) في ب: " أفضل ". (1) في ه‍: أولى. (1) راجع المسألة الثانية ج 2 ص 179 (2) الورل (بالتحريك): دابة على خلقة ~~الضب إلا أنها أعظم منه تكون في الرمال والصحارى، والعرب تستخبث الورل ~~وتستقذره فلا تأكله. # (3) راجع ج 19 ص 47 (4) الجله: أشد من الجرح وهو ذهاب الشعر من مقدم ~~الجبين. (1) راجع ج 18 ص 305. # (2) راجع ج 19 ص 42 (1) راجع ج 18 ص 262 (١) هو أعشى ميمون: الذي في ديوانه والطبري واللسان والتاج في (حزن): مسبل ~~هطل. # (٢) راجع ج ٩ ص ٣٥٨. # (٣) المشفوه: القليل، وأصله الماء الذي كثرت عليه الشفاه حتى قل. وقيل: # أراد فإن كان مكثورا عليه، أي كثرت أكلته. النهاية. # (4) في الأصول: " فليطعمه منه... " والتصويب عن صحيح مسلم. # (5) الزيادة من أبن عطية لازمة. # (6) راجع ج 14 ص 285 (1) الفلو: بضم الفاء وفتحها مع ضم اللام، وبكسرها مع سكون (اللام): المهر ~~الصغير، وقيل: هو العظيم من أولاد ذات الحافر. (1) المعصر: التي هي عرضة للحمل من النساء. (1) الفيح: سطوح الحر وفورانه (1) القنو: العذق وهو عنقود النخلة: الشماريخ مثمرة. والحشف: التمر يجف قبل ~~النضج فيكون رديئا وليس له لحم. # (2) في ج وب: يكفي. (1) راجع ج 7 ص 47. # (2) العجماء: البهيمة، وجبار: هدر. والمعدن: ms6957 المكان من الأرض يخرج منه شئ ~~من الجواهر والأجساد كالذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص والكبريت ~~وغيرها، من عدن بالمكان إذا أقام به. ومعنى الحديث أن تنقلت البهيمة فتصيب ~~من انفلاتها إنسانا أو شيئا فجرحها هدر، وكذلك البئر العادية يسقط فيها ~~إنسان فيهلك فدمه هدر، والمعدن إذا انهار على من يحفره فقتله فدمه هدر. ~~راجع معاجم اللغة وكتب السنة. # (3) الندرة (بفتح فسكون): القطعة من الذهب والفضة توجد في المعدن. # (4) في ه‍: دفين. (1) هي تصغير ذهب، وأدخل الهاء فيها لان الذهب يؤنث، والمؤنث الثلاثي إذا ~~صغر ألحق في تصغيره الهاء نحو شمسية. وقيل: على نية القطعة منها فصغرها على ~~لفظها. # (2) القبلية (بالتحريك): منسوبة إلى قبل موضع من ساحل البحر على خمسة ~~أيام من المدينة. والفرع (بضم فسكون): قرية من نواحي الربذة عن يسار السقيا ~~بينها وبين المدينة ثمانية برد على طريق مكة، وقيل أربع ليال، بها منبر ~~ونخل ومياه كثيرة. (1) الجلس (بفتح فسكون): كل مرتفع من الأرض. والغور: ما انخفض منها. # (2) القدس (بضم القاف وسكون الدال): جبل معروف. وقيل: هو الموضع المرتفع ~~الذي يصلح للزراعة. # (3) راجع ج 10 ص 85 (4) راجع ج 11 ص 315 (5) راجع ج 5 ص 231 (6) الجعرور ~~(بضم الجيم وسكون العين وراء مكررة): ضرب ردئ من التمر يحمل رطبا صغارا لا ~~خير فيه. # وحبيق (بضم الحاء المهملة وفتح الباء): نوع ردئ من التمر منسوب إلى ابن ~~حبيق وهو اسم رجل. # (7) السحل (بضم السين وفتح الحاء مشددة): الرطب الذي لم يتم إدراكه ~~وقوته. (1) في ب وج‍. (1) راجع المسألة العاشرة ج 1 ص 90 (2) في ب. (1) اللمة (بفتح اللام): الهمة والخطرة تقع في القلب. أراد إلمام الملك أو ~~الشيطان به والقرب منه، فما كان من خطوات الخير فهو من الملك، وما كان من ~~خطرات الشر فهو من الشيطان. (عن نهاية ابن الأثير). # (2) كذا في الأصول. والذي في سنن الترمذي: "... حسن غريب ". # (3) راجع ج 14 ص 307 (4) راجع المسألة الخامسة ج 2 ص 84 (1) راجع المسألة الثالثة ج 1 ص 416 ms6958 (1) راجع ج 10 ص 323 (2) راجع ج 5 ص 281 (3) راجع المسألة الرابعة عشرة ج 2 ~~ص 412 (4) الزيادة في ب. # (5) وتوضح والمقراة: موضعان، وهما عطف على " حومل " في البيت قبلة. (1) راجع ج 19 ص 125 (2) عبارة مسلم كما في صحيحه "... فإن خير صلاة المرء ~~في بيته إلا الصلاة المكتوبة ". (1) الزيادة عن ابن العربي. # (2) في ب: الناس. (1) كذا في النحاس، والذي في نسخ الأصل: ولا يأتيه. # (2) ويروى: قدمي. بالافراد راجع ج 4 خزانه ص 101 (3) في الأصول: الأعمش، ~~والصواب ما أثبتناه من البحر وابن عطيه وغيرهما. (1) في ه‍: دعا به. # (2) في ج وه‍ وب وى: متصلا. دليل على سقوط: ليس، أو غير متصل كباقي ~~النسخ. # (3) في ج. (1) في ابن عطية: متصور للمسلمين اليوم مع الخ. # (2) راجع ج 19 ص 125 (3) راجع ج 18 ص 58 (4) راجع ج 8 ص 167 (1) راجع ج 13 ص 21 (2) راجع ج 20 ص 150 (3) كما في السمين والبحر. # وفى الأصول كلها: مفعول به. وليس بشئ. # (4) رواية البخاري: في فم امرأتك. (1) كذا في ج. راجع الطبري. وباقي الأصول: فقلتهم. # (2) الزنار (بضم الزاي وتشديد النون): # ما يشده الذمي على وسطه. # (3) راجع ج 16 ص 251. # (4) في ج: زين. (1) راجع ج 16 ص 292. # (2) هذا عجز بيت لبشار بن برد وصدره كما في ديوانه واللسان: # * الحر يلحى والعصا للعبد * (3) قفقفا الطائر: جناحاه. (1) بقيع الغرقد: مقبرة مشهورة بالمدينة. # (2) الحديث كما في الطبعة الهندية. وفى الأصول: فقد ألحف. # (3) اللقحة (بفتح اللام وكسرها): الناقة ذات لبن القريبة العهد بالنتاج. # (4) في ب: وزيت. # (5) في الأصول: " الصاحب ". (1) راجع ج 8 ص 167. # (2) اجتاب فلان ثوبا إذا لبسه. والنمار (بكسر النون جمع نمرة) وهي كل ~~شملة مخططة من مآزر الاعراب، كأنها أخذت من لون النمر لما فيها من السواد ~~والبياض. أراد أنه جاء قوم لابسي أزر مخططة من صوف (عن نهاية ابن الأثير). # (3) هو من بنى فراس بن مالك بن كنانة (عن الاستيعاب). (1) المزعة (بضم الميم وإسكان الزاي) القطعة. قال القاضي عياض: قيل معناه ~~يأتي يوم ms6959 القيامة ذليلا ساقطا لاوجه له عند الله. وقيل: هو على ظاهره، ~~فيحشر ووجهه عظم لا لحم عليه، عقوبة له وعلامة له بذنبه حين طلب وسأل ~~بوجهه. # (2) في أحكام ابن العربي: رأيت عليه ثيابا جددا فقيل لي كساه إياها فلان ~~لاخذ الثناء بها. (1) الزيادة عن كتاب الطبقات. (١) كذا في كل الأصول، وقوله: ثمان وثلاثون مسألة، تضمن الآيات الخمس. # (2) يريد الإمالة. # (3) راجع ج 6 ص 182. وص 236 (4) راجع ج 4 ص 115 (5) في ح‍ وه‍ وج‍: ~~النقود. (1) أي مكيال بمكيال. والمدى (بضم الميم وسكون الدال وبالياء) قال ابن ~~الأعرابي: هو مكيال ضخم لأهل الشام وأهل مصر، والجمع أمداء. وقال ابني برى: ~~المدى مكيال لأهل الشام يقال له الجريب يسع خمسة وأربعين رطلا. وهو غير ~~المد (بالميم المضمومة والياء المشددة). قال الجوهري: المد مكيال وهو رطل ~~وثلث عند أهل الحجاز والشافعي، ورطلان عند أهل العراق وأبي حنيفة. # (2) السلت: ضرب من الشعير ليس له قشر. (1) هو حماد بن زيد أحد رجال هذا الحديث. # (2) قال ابن الأثير: " هو أن يقول كل واحد من البيعين " ها " فيعطيه ما ~~في يده، يعنى مقايضة في المجلس. # وقيل معناه هاك وهات، أي خذ وأعط. قال الخطابي: " أصحاب الحديث رنه " ها ~~وها " ساكنة الألف، والصواب مدها وفتحها، لان أصلها هاك، أي خذ فحذفت الكاف ~~وعوضت منها المدة والهمزة، يقال للواحد هاء وللاثنين هاؤما وللجمع هاؤم. ~~وغير الخطابي يجيز فيها السكون على حذف العوض وتنزله منزلة " ها " التي ~~للتنبيه. وفيها لغات أخرى ". (1) راجع ج 14 ص 36 (1) في ابن عطية: تجارة الربا. الأولق: شبه الجنون. (١) المهيوم: المصاب بداء الهيام، وهو داء يصيب الإبل من ماء تشربه مستنقعا ~~فتهيم في الأرض لا ترعى. # وقيل: هو داء يصيبها فتعطش فلا تروى: وقيل: داء من شدة العطش. # (٢) راجع ج ١٥ ص ٣١٨ (٣) كذا في الأصول وابن عطية ولم يبدلها وجه اللهم ~~إلا ما ورد: إن الشيطان يريد ابن آدم بكل ريدة، أي بكل مطلب ومراد، والريدة ~~اسم من الإرادة. النهاية. (1) راجع ج ms6960 20 ص 178. # (2) الحبل (بالتحريك) مصدر سمى به المحمول كما سمى بالحمل، وإنما دخلت ~~عليه التاء للاشعار بمعنى الأنوثة فيه، فالحبل الأول يراد به ما في بطون ~~النوق من الحمل، والثاني حبل ما في بطون النوق، وإنما نهي عنه لمعنيين: ~~أحدهما أنه غرر، وبيع شئ لم يخلق بعد، وهو أن يبيع ما سوف يحمله الجنين ~~الذي في بطن الناقة على تقدير أن تكون أنثى، فهو بيع نتاج الناتج. وقيل ~~أراد بحبل الحبلة أن يبيعه إلى أجل ينتج فيه الحمل الذي في بطن الناقة، فهو ~~أجل مجهول ولا يصح (عن نهاية ابن الأثير). # (3) راجع ج 8 ص 71 (1) راجع ص 376 من هذا الجزء. # (2) راجع ج 13 ص 72 فما بعد. # (3) راجع ج 5 ص 23 وص 99. # (4) قوله فقد قال، يعنى مالكا كما يأتي قوله: فقد اختلفت الرواية عنه ~~الخ. (1) البرنى (بفتح الموحدة وسكون الراء في آخره ياء مشددة): ضرب من التمر ~~أحمر بصفرة كثير اللحاء (وهو ما كسا النواة) عذب الحلاوة. # (2) تراجع هامشه 3 ص 236 من هذا الجزء. (1) الحديث أثبتناه كما في صحيح مسلم طبع الآستانة ص 50 ج 5. وفى ب وه‍ ~~وج‍: يوشك أن يواقعه. # (2) كذا في ه‍ وا وفى ح‍ وب وج‍: حريره، والذي يبدو أن المعنى: دراهم ~~بدراهم معها شئ قد يكون فيه تفاضل، ولعل الأصل: بينهما جديدة. أي بينهما ~~تفاضل لما بين الجديد والقديم منها من الفرق. # (3) في ا على الهامش: في إسناده أبو عبد الرحمن الخراساني اسمه إسحاق بن ~~أسيد نزيل مصر لا يحتج به، فيه أيضا عطاء الخراساني، وفيه: فقال لهم لم ~~يذكره الشيخ رضي الله عنه ليس بمشهور. (1) في ه‍ وب وح‍: لحصول. # (2) كذا في ابن عطية وه‍ وب وج‍، وفى ح‍ وا: أمره إلى الله في أن ~~يثيبه... أو يعذبه على المعصية في الربا. (1) كذا في ج، وفى سائر الأصول: في صحيح الحديث. (1) أي إثارة نفسه. # (2) البهرج: الشئ المباح. # (3) ثقفه: أخذه أو ظفر به أو صادفه. (1) في ج وه‍ وب: أشد. # (2) في ms6961 الاستيعاب أن حنظلة الغسيل قتل يوم أحد شهيدا قتله أبو سفيان. # كلن قد ألم بأهله في حين خروجه إلى أحد ثم هجم عليه من الخروج في النفير ~~ما أنساه الغسل وأعجله عنه، فلما قتل شهيدا أخبر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بأن الملائكة غسلته. # (3) أي أجرة الحجامة، وأطلق عليه الثمن تجوزا. # (4) اعتمدنا الحديث كما في صحيح البخاري راجع العسقلاني ج 10 ص 220. (1) راجع ج 5 ص 405، 385 (1) في ا: بالهبة فلا يتعرض له، فلا معنى له، وإنما لا يتعرض له لان ~~الاسلام يجب ما قبله. وفى ج: بالنهب. # (2) راجع ج 6 ص 12. # (3) راجع ج 9 ص 86 و 87 (1) كذا في ج، ه‍. وهو الصواب كما في سنن أبو داود، وفى ا، ب، ج: أبو رجاء. # (2) كذا في ا: وهو ما نهي عنه، والذي في ب، ج، ح‍، ه‍: يزرعها أو يزرعها. ~~أي أمكن غيره من زرعها وهذا في معنى الحديث " من كانت له فليزرعها أو ~~ليمنحها أخاه ". (1) المزابنة: كل شئ من الجزاف الذي لا يعلم كيله ولا وزنه ولا عدده يتبع ~~بشئ مسمى من الكيل أو الوزن أو العدد. وذلك أن يقول الرجل للرجل يكون له ~~الطعام المصير الذي لا يعلم كيله من الحنطة أو التمر أو ما أشبه ذلك من ~~الأطعمة. أو يكون للرجل السلعة من الخبط أو النوى أو القضب أو العصفر أو ~~الكرسف أو الكتان أو ما أشبه ذلك من السلع لا يعلم كيل شئ من ذلك ولا وزنه ~~ولا عدده، فيقول الرجل لرب تلك السلعة: كل سلعتك هذه أومر من يكيلها أو زن ~~من ذلك بوزن أو أعدد منها ما كان يعد فما نقص عن كيل كذا وكذا صاعا، لتسمية ~~يسميها. أو وزن كذا وكذا رطلا أو عدد كذا وكذا فما ينقص من ذلك فعلى غرمه ~~حتى أوفيك تلك التسمية، وما زاد على تلك التسمية فهو لي أضمن ما نقص من ~~ذلك، على أن يكون لي ما زاد. وليس ذلك بيعا ولكنه المخاطرة، والغرر ms6962 والقمار ~~يدخل هذا. # وقيل: المزابنة اسم لبيع التمر بالتمر كيلا، ورطب كل جنس بيابسه، ومجهول ~~منه بمعلوم (عن الموطأ). # (2) المحاقلة: بيع الزرع قبل بدو صلاحه. وقيل: بيع الزرع في سنبله ~~بالحنطة. وقيل: المزارعة على نصيب معلوم بالثلث أو الربع أو أقل من ذلك أو ~~أكثر. وقيل اكتراء الأرض بالحنطة. # (3) في ج: سفرك. (١) القراض (بكسر القاف) عند المالكية هو ما يسمى بالمضاربة عند الحنفية، ~~وهو إعطاء المقارض (بكسر الراء وهو رب المال) المقارض (بفتح الراء وهو ~~العامل) مالا ليتجر به على أن يكون له جزء معلوم من الربح. # (٢) راجع ج ١٩ ص ٥٤. # (٣) الثنيا: هي أن يستثنى في عقد البيع شئ مجهول فيفسده. وقيل: # هو أن يباع شئ جزافا، فلا يجوز أن يستثنى منه شئ قل أو كثر. وتكون " ~~الثنايا " في المزارعة أن يستثنى بعد النصف أو الثلث كيل معلوم. (عن النهاية). (1) في ج: أوصيك. # (2) في ج وب: جاراه، ناصاه. # (3) في ب: أبو عل. (1) في الأصول إلا نسخة: ب: " عن ابن السلماني " وهو تحريف. راجع تهذيب ~~التهذيب. (1) راجع ج 5 ص 255 (1) البيت لمقاس العائذي، واسمه مسهر بن النعمان. أراد: وقع يوم أو حضر يوم ~~ونحو ذلك مما يقتصر فيه على الفاعل. وأراد باليوم يوما من أيام الحرب، وصفه ~~بالشدة فجعله كالليل تبدو فيه الكواكب، ونسبه إلى الشهبة إما لكثرة السلاح ~~الصقيل فيه، وإما لكثرة النجوم. وذهل بن شيبان من بنى بكر بن وائل، وكان ~~مقاس نازلا فيهم، وأصله من قريش من عائذة وهم حي منهم. (عن شرح الشواهد ~~للشنتمري). # (2) عن ب. (1) راجع ج 13 ص 196 (2) ج 10 ص 27 (3) ج 17 ص 194 (4) ج 19 ص 108 (5) ج 15 ~~ص 303 (6) قراءة نافع الادغام. # (7) قوله: " قال الله قال الله " قال النووي: " الأول بهمزة ممدودة على ~~الاستفهام، والثاني بلا مد، والهاء فيهما مكسورة. قال القاضي: # ورويناه بفتحهما معا وأكثر أهل العربية لا يجزون الكسر ". # (8) الطويل: صفة للحديث. (١) زيادة في ه‍ وج‍ وب وط. # (٢) راجع صحيح مسلم ج ٢ ms6963 ص ٣٩٤ طبعة بولاق. # (3) راجع ج 8 ص 301. # (4) راجع ج 20 ص 229 (1) راجع ج 20 ص 37. # (2) راجع ج 7 ص 6. # (3) راجع ج 10 ص 404 (1) كذا في الطبري والأصول، إلا في ج: فسعيد بن جبير. # (2) ج 6 ص 419. # (3) راجع ج 10 ص 25 (1) كذا في ه‍ وج‍، الذي في ا وح‍: العين. (1) راجع ج 2 ص 341. # (2) النبيط (بفتح النون وكسر الموحدة وآخره طاء مهملة) أهل الزراعة. # وقيل: قوم ينزلون البطائح، وسموا به لاهتدائهم إلى استخراج المياه من ~~الينابيع لكثرة معالجتهم الفلاحة. وقيل: # نصارى الشام الذين عمروها. (عن القسطلاني). (1) العوفي: لقب عطية بن سعد. (1) ثقاف: فطنة وذكاء. # (2) راجع ج 8 ص 354. # (3) في ه‍ وج‍ وا وط: " موادة ". (1) اضطربت الأصول في رسم هذه الكلمة، ففي ب: " والتخوط " وفى ح‍، ه‍، ج: " ~~والمسخوط " وفى ا، " والمسخوط " وفى ط: المسحود. وأيضا اضطرب رسمها في ~~تفسير ابن عطية، ففي التيمورية: " والمستحوط " وفى ز " والمسخوطة " ولعل ~~صوابها " والمتحوط ". # (2) وردت هذه الجملة في الأصول وتفسير ابن عطية لأبي حيان هكذا: " أما أن ~~المنتصبين لكسبها لا يجوز... الخ " وهي بهذه الصورة غير واضحة. (1) غسى الليل أظلم. في ج وه‍: عشى يعشى، وفى ا وج‍: عسى يعسى. والتصويب من ~~اللسان. # (2) راجع ج 13 ص 3. # (3) راجع ص 118 من هذا الجزء. (1) الخلابة: المخادعة. وقوله عليه السلام: " هاوها " تقدم الكلام عليه في ~~ص 350 من هذا الجزء. # (2) حبان بالفتح. # (3) شجة آمة ومأمومة: بلغت أم الرأس. # (4) سفع فلان فلانا: لطمه وضربه. (1) في لسان العرب: " من قاله بالضم فمعناه فاخدع. ومن قال بالكسر فمعناه ~~فانتش قليلا شيئا يسيرا بعد شئ، كأنه أخذ من مخلب الجارحة. قال ابن الأثير: ~~معناه إذا أعياك الامر مغالبة فاطلبه مخادعة ". (1) كذا في ه‍ وج‍، والفطرة: الطبيعة والجبلة. وفى ج وا: الفطنة. # (2) كذا في ه‍ وج‍، في ح‍ وا: لعته. # (3) راجع ج 5 ص 28 (1) في ح‍ وا: الصبي. والصواب ما أثبتناه من ه‍ وج‍. # (2) راجع ج 5 ص 39 وص 83 (1) في ه‍: أصحابهم. # (2) راجع ج 18 ms6964 ص 157. # (3) في ط: اليمين. # (4) في ح وه‍ و ج: قسما ثالثا. # (5) في ط و ج وه‍: علمه. (1) في ه: الزبير. # (2) في ج وه‍ وط. # (3) على قراءة نافع، راجع ج 5 ص 124 (1) راجع ج 7 ص 115. # (2) راجع ج 5 ص 151. # (3) في ط وه‍: من يتابعها. # (4) في ه‍ وط: بدلالة. # (5) المارزي: أبو عبد الله محمد بن علي بن عمر بن محمد التميمي الفقيه ~~المالكي، توفى سنة ست وثلاثين وخمسمائة والمازري بفتح الميم وبعدها ألف ثم ~~زاي مفتوحة وقد كسرت أيضا ثم راء، هذه النسبة إلى " مازر " وهي بليدة ~~بجزيرة صقلية. (عن أبن خلكان). (1) في ه‍: يقلن. # (2) راجع ج 18 ص 157 (1) راجع ج 5 ص 412. # (2) راجع ج 8 ض 232. # (3) كذا في ط. وفى باقي الأصول: # فلا خلاف في قوله. # (4) راجع ح 9 ص 173 فما بعد وص 245 (1) راجع ص 14 من هذا الجزء. # (2) راجع ج 18 ص 124. # (3) راجع ج 6 ص 302 (4) كذا في ط و ج. # (5) في ج: رجل. (1) في ب: وعطية فلا يجب الخ. # (2) في ب: الحكم. # (3) في ط وب: قاله أبن عطية. # (4) في ه‍: الحقوق. # (5) في ط: العذر. (1) في ج: تعين المسلمين. # (2) راجع ج 8 ص 178. # (3) راجع ج 18 ص 159 (4) راجع ج 16 ص 122 (1) هذه رواية مسلم. # (2) في ب و ج وه‍ وط: بأثر طرق. # (3) في وج‍ واللسان. (1) كذا في ج وه‍، وفى ب وأو ح‍ وط: التحصين. # (2) راجع ج 9 ص 244 (3) راجع ج 16 ص 181 فما بعد. # (4) قراءة نافع. # (5) من ب. (1) الداء: ما دلس فيه من عيب يخفى أو علة باطنة لا ترى. والشك من الراوي ~~كما في الاستيعاب. وفيه: # " بيع المسلم لمسلم ". كما في ه‍ و ج وب وأ، وفى ح: " بيع المسلم للمسلم ~~". # (2) كذا في ط وه‍ و ح وب وابن عطية. وفى أ و ح: والوثائق. (1) راجع ج 5 ص 104 وص 80 وص 314 وص 327. # (2) الربذة (بالتحريك): من قرى المدينة على ثلاثة أميال قريبة من ذات عرق ~~على ms6965 طريق الحجاز إذا رحلت من فيد تريد مكة، وبهذا الموضع قبر أبي ذر ~~الغفاري رضي الله عنه، وكان قد خرج إليها مغاضبا لعثمان بن عفان رضي الله ~~عنه فأقام بها إلى أن مات سنة 23 ه‍ (عن معجم البلدان لياقوت). # (3) من الدارقطني. (1) كذا في الدارقطني، وفى الأصول جميعا: العشى. # (2) الثاني قول ابن عباس والثالث قول مجاهد والضحاك. # (3) في ج وب وط: خرج. (1) راجع ج 7 ص 396. # (2) اعتمدنا أربع لما في ه‍ وا و ج عند تمام الحادية والعشرين قوله: # تعرضت هنا ثلاث مسائل تتمة أربع وعشرين. # (3) كذا في الأصول وابن عطية. والأديان: الطاعات، وعدم أداء الحقوق فسوق ~~عن أمر الله. ولعله: الأبدان، راجع تفسير قوله تعالى: " فسوق بكم ". (1) في ب: الجمهور من العلماء، وفى ج: جمهور العلماء. (1) في ج: نشر ونشر وبه قرأ نافع " نشرا بين يدي رحمته " أو بشر وبشر: لان ~~السين غير منقوطة. # وفى ا: نسر بالنون ومهملة، وفى ه‍: بسرا بالباء. والله أعلم. (1) هو مهرة بن حيدان أبو ا قبيلة وهم حي عظيم. وصدر البيت: * يطوى ابن ~~سلمى بها من راكب بعدا * (1) الزيادة في ج (2) راجع ج 6 ص 31. # (3) راجع ج 10 ص 296. # (4) كذا في ه‍، وفى غيرها: يده. (1) في ه‍: المتاع. # (2) كذا في الأصول، ينبغي: نصف أرض. (١) كذا في كل الأصول، والصواب كما في الدارقطني: عن الزهري عن سعيد بن ~~المسيب. وستأتي قريبا. # (٢) غلق الرهن: من فعل الجاهلية أن الراهن إذا لم يؤد ما عليه في الوقت ~~المعين ملك المرتهن الرهن فأبطله الاسلام. (عن النهاية). # (3) الزيادة من ج وح‍ وه‍ وط. هذه رواية غير المتقدمة للدارقطني. # (4) في ه‍ وج‍ وح‍ وط: الرهن. (1) في ه‍: تابعا. # (2) في ج: " ومنافع المرهون معلومة ". # (3) في ج: ينفك. # (4) في ط: ابن عمروس والتصحيح من التمهيد. (1) من ط. (1) راجع ج 5 ص 27. # (2) الزيادة من ج وط. راجع ج 1 ص 188. # (3) من ط. (1) في ط: المال. # (2) راجع ج 6 ص 285. # (3) راجع ج 5 ص 270 (1) هو أبو عهد الله الحارث بن أسد ms6966 الزاهد المحاسبي، وسمى المحاسبي لكثرة ~~محاسبته لنفسه. (عن أنساب السمعاني). # (2) أراد كعب الأحبار بدليل قوله له: يا بن اليهودية، وهذا غير صحيح على ~~ما يأتي في ص 418 ومما تمسك به بعض الملاحدة الاباحيين. # (3) اللحى: عظم الحنك وهو الذي عليه الأسنان. (1) أي إلا من صرف المال على الناس في وجوه البر والصدقة. قال أبن الأثير: ~~" العرب تجعل القول عبارة عن جميع الأفعال وتطلقه على الكلام واللسان، ~~فتقول: قال بيده أي أخذ، قال برجله أي مشى، وقال بثوبه أي رفعه. وكل ذلك ~~على المجاز والاتساع ". # (2) من ج. # (3) في ج: كلامهم. # (4) راجع ج 5 ص 27 (5) هو أبن مالك أحد الثلاثة الذين خلفوا راجع ج 8 ص ~~286. فيه: إن من توبة الله على الخ. (1) كذا في ى وب وا، وفى ج وح‍: يغر. # (2) الحضر بضم فسكون) والاحضار: ارتفاع الفرس في عدوه. # (3) راجع ج 9 ص 223. # (4) راجع 13 ث 267 (5) الرجل (بكسر فسكون): القطعة العظيمة من الجراد. # (6) من ب وج‍ وه‍. (1) في ج، وب، وا. وفى غيرها: لم يسر سير. وهو خطأ. # (2) راجع ج 6 ص 156 (1) الزيادة عن ج وب وط. # (2) الزيادة من صحيح مسلم. # (3) هذا الجزء من الآية موجود في الأصول دون صحيح مسلم. (1) قراءة نافع كما يأتي. # (2) راجع ص 99 من هذا الجزء. # (3) هذه الزيادة من ج وه‍ وا. # (4) في ب وه‍ وج‍ وط وابن عطية: وتأتي الآية. وله وجه. في ب وط: ويبنوا وفى عطية: يمسوا. # (2) ارجع ج 8 ص 44 (3) كذا في ابن عطية. وفى ب وج‍ وه‍: وابنوا. # (4) الزيادة من صحيح مسلم. # (5) راجع ج 4 ص 57 (1) راجع ص 237 من هذا الجزء. (١) هذه الزيادة لا توجد في الأصول إلا في نسخة ب يوجد جزء منها، وفى نخ ط ~~توج كلها وعليها اعتمدناها وهي كما يرى شاذة في مضمونها أول الكلام إذ ~~المجمع عليه سلفا وخلفا أن القرآن نزل به ~~الروح الأمين جميعا على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم " نزل به الروح ~~الأمين على قلبك ms6967 " وهذا هو المتواتر وكون هذه الآية تلقاها تبينا صلوات ~~الله عليه ليلة المعراج يجانب ما تواتر، ويكون أشد مجافاة إذا علمت أن ~~الاسراء كان في الخامسة بعد البعث، وقيل: # بسنة قبل الهجرة والبقرة مدنية بالاجماع. وقد وردت أحاديث في صحيح مسلم، ~~ومسندي أحمد وابن مردويه تؤيد ما ذكره القرطبي بيد أن التواتر يجعل تلك ~~الروايات على ضرب من التأويل متى صحت سندا ومتنا. مصححه. (١) من صحيح مسلم. # (٢) في الأصول بعد قوله: " ما اكتسبت " قال: نعم. وليست في صحيح مسلم. # (٣) ص ٤٢١ (1) ج 18 ص 204 (2) راجع ص 30 من هذا الجزء. # (3) راجع ج 9 ص 310 (4) راجع ج 4 ص 313 (1) راجع ج 18 ص 276. # (2) في ط: قائلين. # (3) كذا في ابن عطية وهي عبارة. وفى الأصول: لم. (1) الرب (بالضم): دبس التمر إذا طبخ. # (2) راجع ج 20 ص 234. # (3) راجع ج 7 ص 156 (1) راجع ج 20 ص 12. # (2) العاقلة أولا لقبيلة، وثانيا المرأة. (1) كذا في جميع الأصول، إلا ط كما في شعراء النصرانية: غرفوا. # (2) راجع ج 4 ص 421. # (3) راجع ج 12 ص 99 (1) الغلمة: (بضم الغين المعجمة): هيجان شهوة النكاح وغلم يعلم من باب تعب ~~أشتد شبقه. (١) في القاموس وشرحه (مادة رأس): " وبنو رؤاس (بالضم): حي من عامر بن ~~صعصعة، قال الأزهري: وكان أبو عمر الزاهد يقول في أبى جعفر الرؤاسي أحد ~~القراء والمحدثين أنه الرواسي، بفتح الراء وبالواو من غير همز، منسوب إلى ~~رواس قبيلة من سليم، وكان ينكر أن يقول الرؤاسي بالهمزة كما يقوله المحدثون ~~وغيرهم. قلت: ويعني بأبي جعفر هذا محمد بن سادة الرواسي، ذكر ثعلب أنه أول ~~من وضع نحو الكوفيين، وله تصانيف ". # (٢) التكملة عن إعراب القرآن للنحاس. # (3) زيادة يقتضيها السياق. # (4) راجع ج 1 ص 154 (1) هو جابر بن يزيد بن الحارث الجعفي. توفى سنة 128 ه‍. قال ابن سعد: كان ~~يدلس وكان ضعيفا جدا في رأيه وروايته. وقال العجلي: كان ضعيفا يغلو في ~~التشيع. وقال أبو بدر: كان جابر يهيج به مرة في السنة ms6968 مرة فيهذي ويخلط في ~~الكلام. فلعل ما حكى عنه كان في ذلك الوقت. وقال الأشجعي مبينا ما وقع فيه ~~بأنه ما كان من تغير عقله. # (عن تهذيب التهذيب). # (2) الجريري: بضم الجيم وفتح الراء الأولى وكسر الثانية وسكون ياء ~~بينهما، وهو سعيد بن إياس، ينسب إلى جرير بن عباد. (عن تهذيب التهذيب). # (3) أبو السليل (بفتح المهملة وكسر اللام) هو ضريب (بالتصغير) بن نقير، ~~ويقال نفير، ويقال نفيل. (عن تهذيب التهذيب) (1) الشرق: الضوء. وسكون الراء فيه أشهر من فتحها. # (2) في الأصول: " فرقان " بالفاء. # والتصويب عن صحيح مسلم. والفرق: القطعة. والحزق والحزيقة: الجماعة من كل ~~شئ. # (3) هو معاوية بن سلام أحد رجال سند هذا الحديث. # (4) راجع ج 2 ص 190. # (5) كذا في نسخة: ج وهو الصحيح، وكشف الخلفاء ج، 1 ص 424. وفى الأصول ~~الأخرى: إن المؤمن. (١) السيد والعاقب هما من رؤسائهم وأصحاب مراتبهم، والعاقب يتلو السيد. # (٢) الثمال (بالكسر). # الملجأ والغياث والمطعم في الشدة. # (٣) الحبرات (بكسر الحاء وفتح الباء جمع حيرة): ضرب من الثياب اليمانية. # (٤) في الأصول: الابتهال، والصواب ما أثبت، باهل القوم بعضهم بعضا ~~وتباهلوا وتبهلوا: تلاعنوا. # والمباهلة: أن يجتمع القوم إذا ~~اختلفوا في شئ فيقولوا: لعنة الله على الظالم منا. # (5) راجع سيرة ابن هشام ص 401 طبع أوربا (1) هي لهجة طائية، يقولون في مثل جارية جاراة، وناصية ناصاة وكاسية كاساة. # (2) التولج: كناس الظبي أو الوحش الذي يلج فيه. # (3) راجع ج 11 ص 295 (1) في بعض كتب اللغة: إنجيل لفظ يوناني. # (2) الزيادة من نسخة: ب. # (3) ابن فورك (بضم القاء وسكون الواو وفتح الراء) هو أبو بكر بن محمد بن ~~الحسن بن فورك، المتكلم الأصولي الأديب النحوي الواعظ الأصبهاني، توفى سنة ~~ست وأربعمائة. (عن ابن خلكان) (1) راجع ج 12 ص 6 فما بعد وص 109 فما بعد. # (2) الزيادة من نسخة: ب. # (3) راجع ج 2 ص 201. # (4) الغضاريف: جمع غضروف (بضم الغين) وهو كل عظم وخص يؤكل، وهو مارن ~~الانف، ونغض الكتف؟ (العظم الرقيق على طرفها)، ورؤوس الأضلاع، ورهابة الصدر ~~(عظيم في الصدر مشرف على البطن)، ms6969 وداخل قوف الاذن. # (5) الزيادة في: ج. # (6) راجع ج 16 ص 340. (١) راجع الحديث في صحيح مسلم ج ١ ص ٩٩ طبع بولاق. # (2) راجع ج 16 ص 48 فما بعد. # (3) راجع ج 150 ص 46. # (4) زيادة لابد منها. (1) راجع هذا الجزء ص 166 (1) راجع ج 9 ص 2. # (2) راجع ج 15 ص 148. # (3) راجع ج 1 ص 451. # (4) راجع ج 7 ص 130 فما بعد. # (5) راجع ج 10 ص 248 (1) راجع ج 20 ص 246. # (2) راجع ج 11 ص 123. # (3) راجع ج 15 ص 267. # (4) راجع ج 5 ص 245. # (5) هي سورة الطلاق. ومراده منها " وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن " ~~آية 4. # (6) راجع ج 5 ص 116 و 124. # (7) في نسخة: ب، الامر. (1) راجع ج 6 ص 80. # (2) الحديث في البخاري في كتاب التفسير (سورة السجدة). وبين ما في ~~البخاري وما في الأصول اختلاف في بعض الكلمات. # (3) هو نافع ابن الأزرق الذي صار بعد ذلك رأس الأزارقة من الخوارج ~~(القسطلاني). # (4) راجع ج 12 ص 151. # (5) راجع ج 15 ص 81. # (6) راجع ج 5 ص 198. # (7) راجع ج 6 ص 401. # (8) راجع ج 19 ص 201 فما بعد. # (9) راجع ج 15 ص 342. # (10 - 11 - 12 - سورة النساء 13) عبارة البخاري (سمى نفسه). (1) أي إذا أردت به سحر ليلتك. فإن نكرته صرفته. # (2) راجع ج 18 ص 82. # (3) راجع الهامشة 2 ج 2 ص 251 (1) القرامطة: فرقة من الزنادقة الملاحدة أتباع الفلاسفة من الفرس الذين ~~يعتقدون نبوة زرادشت ومزدك ومانى، وكانوا يبيحون المحترمات. (راجع عقد ~~الجمان للعبيى؟ في حوادث سن 278). # (2) صبيغ (وزان أمير) بن شريك بن المنذر بن قطن بن قشع بن عسل (بكسر ~~العين) بن عمرو بن يربوع التميمي، وقد ينسب إلى جده الاعلى فيقال: صبيغ بن ~~عمل. راجع القاموس وشرحه مادة " صبغ وعسل ". # (3) الزيادة من نسخ: ب، ز، د. (1) راجع ج 7 ص 217. (1) الزيادة من نسخة: ج. (1) في الأصول: " أرسلت فيها رجلا " والتصويب عن اللسان وشرح القاموس. ~~والقطم: الغضبان، وفحل قطم وقطم وقطيم: صؤول. والقطم أيضا: المشتهى اللحم ~~وغيره. واللكالك (بضم اللام الأولى وكسر الثانية): الجمل الضخم ms6970 المرمى ~~باللحم. قال أبو على الفارسي: " يقصر إذا مشى لانخفاض بطنه وضخمه وتقاربه ~~من الأرض، فإذا برك رأيته طويلا لارتفاع سنامه، فهو باركا أطول منه قائما ~~". # (اللسان مادة لكك). # (2) راجع ج 13 ص 225 (3) راجع ج 7 ص 335. # (4) راجع ج 13 ص 322. # (5) في الأصول: " والراسخون معا للنسق ". (1) راجع ج 6 ص 21 (1) راجع ج 10 ص 108. # (2) كذا وردت هذه الكلمة في أكثر الأصول، وفى بعضها وردت بهذا الوميم؟ من ~~غير إعجام، ومعناها: الجماعة. (1) راجع ج 5 ص 270. # (2) راجع ج 16 ص 82. # (3) هو أحد رجال سند هذا الحديث. # (4) يعنى قولهم إن العباد هم الخالقون لأفعالهم. (1) راجع ج 1 ص 159. # (2) السلمي (بضم السين) هو أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين الصوفي الأزدي. # (عن تذكرة الحفاظ وأنساب السمعاني). (1) كذا في الأصول. والذي في لسان العرب وغيره من معجمات اللغة أنه القرق ~~(بفتح القاف وكسر الراء) والقرق (بفتح القاف والراء) والقرق (بكسر القاف ~~وسكون الراء). والقاع القرق: الطيب الذي لا حجارة فيه. # (2) راجع ج 1 ص 235 (١) زيادة عن إعراب القرآن للنحاس. # (2) أم الحويرث: هي " هر " أم الحارث بن حصين ابن ضمضم الكلابي، وكان ~~امرؤ القيس يشبب بها في أشعاره. وأم الرباب من كلب أيضا. ومأسل: موضع. # يقول: لقيت من وقوفك على هذه الديار وتذكرك أهلها كما لقيت من أم الحويرث ~~وجارتها. (عن شرح المعلقات). # (3) راجع ج 15 ص 318. # (4) راجع ج 8 ص 29. (1) الأغمار: جمع غمر (بضم) وهو الجاهل الغر الذي لم يجرب الأمور. (1) البرهرهة: الرقيقة الجلد، أو هي الملمساء المترجرجة. والرؤدة والرءودة: ~~الشابة الحسنة الشريعة الشباب مع حسن غذا.. والرخصة: اللينة الخلق. ~~والخرعوبة: القضيب الغضى اللدن. والبانة: واحد شجر ألبان، والمنفطر: # المتشقق. يقال قد انفطر العود إذا انشق وأخرج ورقه. (عن شرح الديوان). # (2) راجع ج 2 ص 257، وص 268. # (3) الذي في نسخ: ا وب وج‍: قلعته، والمثبت ما في المعاجم. # (4) الذي في تفسير النيسابوري: " تروتهم بتاء الخطاب أبو جعفر ونافع وسهل ~~ويعقوب الباقون بالياء ". (1) راجع ج 8 ص 324. # (2) راجع ج 16 ص 35. # (3) راجع ms6971 ج 8 ص 22 (1) في ص 190 فما بعد من هذا الجزء. (1) راجع ج 10 ص 353. # (2) هذه عبارة الصحاح الذي يعتمد عليه المؤلف كثيرا. وفى الأصول: " ~~الشهوان للشئ ". # (3) الحزن (بفتح فسكون): المكان الغليظ الخشن. والربوة (بالضم والفتح): ~~ما ارتفع من الأرض والسهوة: الأرض اللينة التربة. (1) الزيادة في د:. # (2) ترب الرجل: افتقر، آي لصق بالتراب، وأترب إذا استغنى. وهذه الكلمة ~~جارية على ألسنة العرب، لا يريدون بها الدعاء على المخاطب، وإنما يريدون ~~الحث والتحريض. # (3) خرماء: مقطوعة بعض الانف ومثقوبة الاذن. # (4) راجع ج 9 ص 45. (1) أي أن الأبناء يجعلون آباءهم يجبنون خوفا من الموت فيصيب أبناءهم اليتم ~~وآلامه، ويجعلونهم يبخلون فلا يتفقون فيما ينبغي أن ينفق فيه إيثارا لهم ~~بالمال ويجعلونهم يحزنون عليهم إن أصابهم مرض ونحوه. # (2) راجع ج 5 ص 99. # (3) القرمد الاجر والحجارة. (1) الثمالي (بضم المثلثة وتخفيف الميم ولام): نسبة إلى ثمالة بطن من الأزد (1) هذا رأى المؤلف، وقد ذكره شارخ القاموس (في مادة ذهب). والمشهور أن ~~الذهب يذكر ويؤنث كما في معجمات اللغة. # (2) في الأصول: والذي في معجمات اللغة أن الذهب يجمع على أذهاب وذهوب ~~وذهبان (بكسر أوله) كبرق وبرقان وذهبان (بضم أوله) كحمل وحملان. فلعل ما في ~~الأصول محرف عن " ذهبان ". # (3) راجع ج 8 ص 35. (1) الهجين الذي ولدته برذونة من حصان عربي. # (2) الأقرح: ما في جبهته قرحة، وهي بياض يسير في وجه الفرس دون الغرة. ~~والأرثم، أبيض الانف والشفة العليا. والمحجل: أن تكون قوائمه الأربع بيضا ~~يبلغ منها ثلث الوظيف (مستدق الذراع والساق أو ما فوق الرسغ إلى الساق) أو ~~نصفه أو ثلثيه بعد أن يتجاوز الأرساغ ولا يبلغ الركبتين والعرقوبين. وطلق ~~اليمين: لا تحجيل فيها. # والكميت: ما لونه بين السواد والحمرة. والشية: كل لون يخالف معظم لون ~~الفرس وغيره. # (3) زيادة عن سنن الترمذي. # (4) زيادة عن مسند الدارمي. # (5) في مسند الدارمي والأصول: " محجل ". # (6) راجع ج 8 ص 36 وج‍ 10 ص 73 (1) في حاشية السندي على سنن ابن ماجة واللسان (مادة سوم) عند الكلام عن ~~هذا الحديث: " السوم: # أن ms6972 يساوم بسلعته " ونهى عن ذلك في ذلك لأنه وقت يذكر الله فيه فلا يشتغل ~~بغيره. ويحتمل أن المراد بالسوم الرعى، لأنها إذا رعت الرعى قبل شروق الشمس ~~وهو عليه ند أصابها منه داء قتلها، وذلك معروف عند أهل المال من العرب ". # (2) راجع ج 10 ص 82. # (3) كذا في ديوانه. ورواية الأغاني (ج 8 ص 319 طبع دار الكتب المصرية): " ~~كابن البزيعة... ". # والذي في الأصول: " ظل ابن زرعة... ". ويعني بابن بزعة: شداد بن المنذر ~~أخا حصين الذهلي. وقوله " كآخر مثله " يعنى حوشب بن رؤيم. # (4) أولى لك: ويل لك، فهي كلمة تقال في مقام التهديد والوعيد. وقال ~~الأصمعي: معناه قاربه ما يهلكه، أي نزل به. # (5) المورج (كمحدث): أبو فيد عمرو بن الحارث السدوسي النحوي البصري، أحد ~~أئمة اللغة. والأدب (١) النواضح من الإبل التي يستقى عليها، واحدها ناصح. والخطاب للأنصار: وقد ~~قعدوا عن تلقيه لما حج، وأراد معاوية بذكر نواضجهم تقريعا لهم وتعريضا، ~~لأنهم كانوا أهل زرع وحرث وسقى، بما أسكته، فهم يريدون بقولهم " هزلناها ~~يوم بدر " التعريض بقتل أشياخه يوم بدر. (النهاية). # (2) السكة (بكسر السين وتشديد الكاف المفتوحة): الحديدة التي تحرث بها ~~الأرض. (1) اللغة الفصحى " من الاخلاد ". # (2) يقال: تمعدد الغلام إذا شب وغلظ. وقيل: أراد تشبهوا بعيش معد بن ~~عدنان وكانوا أهل غلظ وقشف، أي كونوا مثلهم ودعوا التنعم وزي العجم. # (3) في مسند الإمام أحمد بن حنبل: " وألقوا الركب " جمع ركاب: هي الرواحل ~~من الإبل، أو جمع ركوب وهي كل ما يركب من دابة. # (4) الرساتيق: السواد والقرى واحدها رستاق، وفى ز: البساتين. (1) الجلف (بكسر فسكون): الخبز وحده لا أدم معه، وقيل: هو الخبر الغليظ ~~اليابس. # (2) راجع هامشة 1 ص 29 من هذا الجزء. # (3) راجع ج 1 ص 238 فما بعد. (1) راجع المسألة الثانية ج 2 ص 433. # (2) راجع ج 1 ص 178، 179، 233، 371، وراجع المسألة الخامسة ج 3 ص 213. # (3) راجع ج 9 ص 262. (1) راجع ج 17 ص 37. # (2) في نسخ الأصول: المستغفرين، عدا: ح، فمنها التصويب. # (3) في ا: يقوم. (1) في نسخة: ز. (1) في ا: الأعظم. # (2) راجع ms6973 ج 11 ص 25. (1) الزيادة في نسخ ب، ز، ج. # (2) بضم الخاء، وقيل بفتحها. # (3) المعضل: ما سقط من إسناده اثنان فصاعدا. # (4) في أ. (1) في ح: يقول. # (2) في ح: للحنيفية. # (3) راجع ج 10 ص 114. (1) راجع هذا الحديث في صحيحي البخاري ومسلم في كتاب الايمان الجزء الأول. # (2) هو عبد القيس بن أقصى بن دعمي، أبو قبيلة، كانوا ينزلون البحرين وكان ~~قدومهم عام الفتح وعلى رأسهم عبد الله بن عوف الأشجع. (راجع كتاب الطبقات ~~الكبير ج أ قسم ثان ص 54 طبع أوربا، وشرح القسطلاني ج 1 ص 193 طبع بولاق). # (3) في ب، وز، وأ، ود. # (4) في أ، ود: الكتاب. (1) راجع ج 2 ص 75. # (2) راجع ج 17 ص 165. (1) في ز: يأمرونهم. (1) راجع ج 7 ص 397. # (2) راجع ج 8 ص 199 وص 202. # (3) راجع ج 12 ص 72 (4) راجع ج 1 ص 364. # (5) ج 18 ص 81. (١) راجع ج ١ ص ٢٦٥. # (٢) الغرر: الخطر. المصباح. # (3) راجع ج 14 ص 68. (1) راجع ج 16 ص 319. # (2) في ذ: القاتل. # (3) بياض في أكثر الأصول. الزيادة من دوب: يعنى: لو فرضنا أن دفع الجاني ~~أدى موته فأخذ فيه بالقود فلا عليه لأنه ناج عند الله. والله أعلم. # (4) راجع ج 6 ص 253. # (5) راجع ج 1 ص 238 وج‍ 3 ص 48. (1) راجع ج 12 ص 293 فيما بعد. # (2) في الأصول: عداوة بين المدعى والمدعى عليه، والتصويب من ز. (1) راجع ج 6 ص 212. # (2) راجع ج 6 ص 120. # (3) راجع ج 2 ص 10. # (4) في د: اجترمهم. (١) في ب ود: اعتبارا به بينة. # (٢) هكذا نسخ الأصل ومعاني القرآن للفراء، ~~وفى اللسان: لأهم الكبار، بتخفيف الميم. # (٣) في اللسان: يا أللهما، وما في الأصول ومعاني القرآن ج 1 ص 203 والخزانة ج 1 ص 358 هو ما ~~أثبتناه. (1) القائل هو الفرزدق. وصف شاعرين من قومه نزع في الشعر إليها. وأراد ~~بالنابح العاوي من هجاه، وجعل الهجاء كالمراجمة لجعله المهاجي كالكلب ~~النابح، والرجام المراجمة. كذا عن شرح الشواهد. والرجام الحجارة. # (2) راجع ج 15 ص 265. # (3) في الأصول، والزجاج بالواو وليس بشئ. ms6974 لان الزجاج هو إبراهيم بن السرى ~~بن سهل أبو إسحاق الزجاج. (1) في ز: تؤتي الايمان. # (2) البيت للأسود بن يعفر النهشلي. يقول: إن هذا الدهر يذهب ببهجة ~~الانسان وشبابه، ويتعلل في فعله ذلك تعلل المتجنى على غيره (عن شرح ~~الشواهد). # (3) راجع ج 15 ص 174. # (4) من ب ود. # (5) الجلي: الامر العظيم الذي يدعى له ذوو الرأي. والخنا: الفساد والفحش ~~في المنطق. والذليل: المقصور، وهو ضد العزيز وأجماع. جمع جمع، وهو ظهر الكف ~~إذا جمعت أصابعك. وضممتها. والملهد: المضروب، وهو المدفع. (عن شرح ~~المعلقات). # (6) راجع ج 10 ص 160. # (7) الرس: البئر المطوية بالحجارة (1) في ز: صهيبا وبلالا. # (2) في ز: صنعناكم الدنيا، وفى د: إنما منعناكم. # (3). في د، ب: يستعاران. (1) راجع ص 178 من هذا الجز. # (2) راجع ج 8 ص 246. # (3) في ز: أن يداهنهم. # (4) في ب وز: ولا يجب التلفظ. # (5) راجع ج 10 ص 180. (1) راجع ج 6 ص 376. (1) راجع ج 9 ص 382. # (2) في د: لو كان. # (3) راجع ج 7 ص 77. # (4) الزيادة من د وفي ب: أي غضب. (1) هذا عجز بيت لعنترة في معلقته وصدر: * ولقد نزلت فلا تظني غيره *. # (2) في ب ود: إرادتها. (1) راجع ج 11. ص 160. # (2) كذا في الأصول، راجع البحر ج 3 ص 431، في الشواذ ص 20: يحببكم بفتح ~~الياء. # (3) راجع ج 5 ص 258. (1) البيت لسوادة بن عدي. وقيل: لأمية بن أبي الصلت. (عن شرح الشواهد). # (2) راجع ج 2 ص 133. # (3) راجع ج 1 ص 279. # (4) راجع ج 7 ص 232. # (5) راجع ج 1 ص 381. # (6) راجع ج 3 ص 247. (1) في الأصول: " ولا تنس " والتصويب من تفسير ابن عطية، والبيت لأراكة بن ~~عبد الله الثقفي في رثاء النبي صلى الله عليه وسلم. أي أحبه على وعباس وأبو ~~بكر، ويريد جميع المؤمنين (ابن عطية) والذين يروى: أجنه: # أي ستره في التراب. # (2) العداد: اهتياج وجع اللديغ، وذلك إذا تمت له سنة مذ يوم لدغ هاج به ~~الألم. وقيل: عداد السليم أن تعد له سبعة أيام فإن مضت رجوا له البرء، وما ~~لم تمض قيل: هو في عداده. # (3) في ب ود: حازت. ms6975 # (4) راجع ج 11 ص 350. (1) في هذا نظر لان الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا كما ورد في ~~الخبز، أكثرهم من ذريته عليه السلام. # (2) راجع ج 2 ص 107. # (3) راجع ج 8 ص 199. (1) هو " دير حنة " بالحيرة من بناء نوح (راجع مسالك الابصار ج 1 ص 312 ~~طبعة دار الكتب المصرية). # (2) الأكيراح (بالضم ثم الفتح وياء ساكنة وراء وألف وحاء): مواضع تخرج ~~إليها النصارى في أعيادهم. # (عن القاموس). وفى مسالك الابصار: (أنها قباب صغار يسكنها رهبان يقال ~~الواحد منها الكرح). # (3) هي سبيعة بنت الحارث الأسلمية، كانت زوجة لسعد بن خولة فمات عنها ~~بمكة فقال لها أبو السنابل حبة: # إن أحلك أربعة أشهر وعشر، وقد كانت وضعت بعد وفاة زوجها بليال، قيل خمس ~~وعشرون ليلة، وقيل أقل من ذلك، فلما قال لها أبو السنابل ذلك أتت إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال لها: (قد حللت فانكحي من شئت). # روى عنها فقهاء أهل المدينة وفقهاء أهل الكوفة من التابعين حديثها هذا. ~~وذكر ابن سعد أن أبا السنابل بن بعكك قد كان فيمن خطبها. وذكر ابن البرقي ~~أنه تزوجها وأولدها ابنه سينابل. (راجع الاستيعاب وتهذيب التهذيب وابن ~~سعد). # (4) وفى المشتبه للذهبي: بالخاء المعجمة ونون. # (5) الذي في المشتبه: " زوجة محمد ". # (6) راجع ج 3 ص 330. (1) في ب: ما ولدته. # (2) في ب ود: غلاما. (1) الذفريان: ما بين يمين العنق ويساره، وتباعد الحبل منه، أي تباعد حبل ~~العنق من القرط لأنها طويلة العنق ليست بوقصاء، ومعلقة، أي مكان تعليقه. # (2) الزيادة من ب ود. (1) في ب: له، وفى ز: من وجود مالها. # (2) زيادة من صحيح مسلم. # (3) كذا في ب ود بالفاء. # (4) راجع ج 10 ص 28. (1) الحضب (بفتح الحاء وكسرها وسكون الضاد). # (2) الزيادة في نسخ: ج، ب، د. # (3) راجع ج 13 ص 24. (1) راجع ج 11 ص 84. # (2) في الأصول: " قال عدى بن زيد " والتصويب عن الأغاني ولسان العرب وشرح ~~القاموس. وهذا البيت من قصيدة لوضاح اليمن أولها: # يا بنة الواحد جودي فما * إن تصرميني فيما أو لما وفى د: لم ms6976 أدن. # مراجع ترجمته في الأغاني ج 6 ص 209 - 240 طبع دار الكتب المصرية (1) راجع ج 11 ص 77. # (2) راجع المسألة التاسعة عشرة ج 2 ص 107. # (3) في ب: ومنه قوله. # (4) راجع ج 9 ص 327. (1) الوجاء: أن ترض عروق أنثيا الفحل رضا يذهب شهوة النكاح وهو شبيه ~~بالخصاء. أراد أن الصوم يقطع شهوة النكاح كما يقطعها الوجاء. # (2) كذا في ب، ود. # (3) راجع ج 13 ص 112 وص 82. # (4) راجع ج 11 ص 81. (١) زيادة عن إعراب القرآن للنحاس. # (2) راجع ج 16 ص 73. # (3) راجع ج 7 ص 39. # (4) راجع ج 9 ص 312. # (5) راجع ج 10 ص 67. # (6) راجع ص 279 من هذا الجزء. (١) كذا في الأصل وإعراب القرآن للنحاس، ~~والذي في البحر وغرائب القرآن للنيسابوري ~~وابن عطية: # وقرأ ابن عامر وحمزة " إن الله " بكسر الهمزة، وقرأ الباقون بفتح الهمزة. # (٢) راجع ج ١٥ ص ٢٤٣ وص ١١ وص ١١٢. وفى أكثر الأصول: " عبادي " بالياء ~~وهو رسم ورش في مصاحب المغرب. # (٣) راجع ج ٩ ص ٦٩. # (٤) راجع ج ١٠ ص ٣٥. # (٥) كذا في الأصول والبغوي. والذي في البحر وابن عطية: " وفى قراءة عبد ~~الله بن مسعود يبشرك بضم الياء وتخفيف الشين المكسورة من أبشر، وهكذا قرأ ~~في كل القرآن ". # (6) هو عطية بن زيد، وقال ابن بري هو لعبد القيس بن خفاف البرجمي. (عن ~~اللسان). # (7) قال أب عبيد: يقال للانسان إذا نظر إلى شئ فأعجبه واشتهاه فتناوله ~~وأسرع نحوه وفرح به: بهش إليه. # (8) جراد عاظله وعظلى: لا تبرح. في اللسان: " أراد أن يقول: يا أم عامر ~~فلم يستقيم له البيت فقال يا أم عمرو، وأم عامر كنية الضج: ومن كلامهم ~~للضبع: أبشري بجراد عظل، وكم رجال قتلى ". (1) الحويدرة تصغير الحادرة بر هو لقب غلب عليه، واسمه قطبة بن محصن بن ~~جرول. ويعني حسان بن ثابت رضي الله عنه قصيدته التي مطلعها: # بكرت سمية غدونا فتمتعي * وغدت غدو مفارق لم يربع. # (راجع المفضليات ص 48 طبع أوروبا وكتاب الأغاني ج 3 ص 270 طبع دار الكتب ~~المصرية). (1) سوار: معربد وثاب. ms6977 وقد روى " سآر " بوزن سعار، أي أنه لا يسئر في ~~الاناء سؤرا بل يشتفه كله. # (2) راجع ج 10 ص 224. # (3) القماقم من الرجال: السيد الكثير الخير الواسع الفضل. والقماقم العدد ~~الكثير. # (4) البيت لعنترة العبسي في معلقته. والخوافي: أواخر ريش الجناح مما يلي ~~الظهر. # (5) كذا في د. قلت: هذا هو اللائق بالعصمة النبوية. # (6) البيت لأبي طالب بن عبد المطلب. مدح رجلا بالكرم فيقول: يضرب بسيفه ~~سوق السمان من الإبل للأضياف إذا عدموا الزاد ولم يظفروا بجواد لشدة الزمان ~~وكلبه، وكانوا إذا أرادوا نحر الناقة ضربوا ساقها بالسيف فخرت ثم تحروها. ~~(عن شرح الشواهد). (1) القذاة: ما يقع في العين والماء والشراب من تراب أو تبن أو وسخ أو غير ~~ذلك. # (2) من د. (1) راجع ج 11 ص 84. # (2) في د: من الديانة. # (3) وفى البحر وابن عطية " لا صمت يوم ". ورواية أبى داود " ولا صمات يوم ~~إلى الليل " راجع الحديث في اللسان مادة صمت. (1) في د: بآية، وتلك الآية. # (2) راجع ج 1 ص 331. # (3) راجع ج 8 ص 32. # (4) راجع ج 2 ص 133. (1) راجع ج 11 ص 9. # (2) راجع ج 18 ص 203. (1) راجع ج 6 ص 250. # (2) راجع ج 18 ص 203. # (3) راجع ج 11 ص 91. # (4) راجع ج 2 ص 86 وج‍ 2 ص 213. (1) راجع ج 2 ص 344. # (2) راجع المسألة الخامسة وما بعدها ج 1 ص 344. # (3) راجع ج 6 ص 363. # (4) راجع ج 10 ص 133. (1) في نسخة: د، لهم. # (2) راجع ج 6 ص 60. (١) كذا في نسخ الأصل، وهو لفظ البخاري عن النعمان في " كتاب المظالم ". ~~وروايته. في " كتاب الشهادات ": "... مثل المدهن في حدود الله والواقع فيها ~~مثل... ". والمدهن الذي يرائى. # (٢) راجع ج ٧ ص ٣٩٢. # (٣) راجع ج ١٦ ص ٨٦. # (٤) تشاح الخصمان: أراد كل أن يكون هو الغالب. # (٥) زيادة عن أحكام القرآن لابن العربي. (١) راجع ج ٣ ص ١٦٤. # (٢) كذا في بعض النسخ والمصباح، وفى ~~اللسان: الطلس: المحو، والطلس كتاب قد محى ولم ينعم محوه، ثم قال: والأطلس ~~الثوب الخلق. وفى ز: الدرهم الأملس لا نقش عليه. # (3) الظاهر أن هنا سقطا كأن الأصل: ms6978 يقال مسحها إذا جامعها. (1) زور: جمع زوراء وهي المائلة. والوهن الضعف، والرقق: ضعف العظام. # (2) في ز: التطهر في ب ود: التطهير. # (3) في ز، د: مسيخا - بالمعجمة - وأنه ممسوخ إحدى العينين. (١) قوله: مهرودتين، أي في شقتين أو حلتين. وقيل: الثوب المهرود الذي يصبغ ~~بالورس ثم بالزعفران. # (٢) الجمان (بضم الجيم وتخفيف الميم): حبات من الفضة تصنع على هيئة ~~اللؤلؤ الكبار. # (٣) لد (بضم اللام وتشديد الدال): قرية في فلسطين قريبة من بيت المقدس. # (٤) راجع صحيح مسلم ج ٢ ص ٣٧٦ طبع بولاق. # (5) راجع القرطبي ج 14 ص 44. # (6) راجع ج 11 ص 102. # (7) الزيادة عن البحر لأبي حيان. (١) راجع صحيح مسلم ج ٢ ص ٢٧٦ طبع بولاق راجع ~~ج 19. # (2) راجع ج 19 ص 284. (1) يبدو هنا سقط في كل الأصول، فقوله: واحدا بعدوا حد من قصة أصحاب ~~الأخدود لا صلة له بما قبله. راجع ج 19 ص 286. # (2) الزيادة في نخ: ب. ود. أي في سورة مريم " ولم أك بغيا ". # (3) راجع ج 11 ص 91. # (4) الردن (بالضم) أصل أصل الكم. (1) راجع ج 1 ص 87. (١) هذا الحديث لا يصح لان السورتين من القرآن ولا يجوز أن يكون من شئ من القرآن من الكتب السابقة. (1) في د: ما روى. # (2) هو طرفة بن العبد، خاطب به عمرو بن هند الملك، وكنيته أبو منذر حين ~~أمر بقتله. # (3) في د: آياته. (1) راجع ج 11 ص 162. # (2) راجع ج 4 ص 235. # (3) راجع ج 5 ص 10. # (4) راجع ج 9 ص 78. # (5) الحب بالضم: الخابية. (1) في ز: لصفاء. # (2) في ز: بقتله. (1) راجع ج 1 ص 201. # (2) راجع ج 5 ص 421. # (3) في اللسان: حسن خدالة الساقين أي امتلاؤها واستدارتها. # (4) راجع ج 11 ص 260. (1) راجع ج 7 ص 5. # (2) المدرعة (بالكسر): الدراعة وهي ثوب من كتان؟. (1) الروزنة: الكوة. # (2) راجع ج 18 ص 90. # (3) القلاص (بالكسر): جمع قلوص وهي الناقة الشابة. # (4) فج الروحاء: طريق بين مكة والمدينة، كان طريق رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى بدر وإلى مكة عام الفتح وعام الحج. (عن معجم ياقوت). (١) كذا في ms6979 بعض الأصول وكتاب إعراب القرآن ~~للنحاس. وفى ز: وجعل. (1) راجع ج 13 ص 28. (1) راجع 7 ص 130. (1) راجع ج 7 ص 32 وج‍ 16 ص 77 فما بعد. # (2) زيادة عن صحيح مسلم. (1) زيادة عن صحيح مسلم. # (2) الأريسيين: الأكارون والفلاحون والخدم، والخول، كل ذلك وارد في معنى ~~هذه الكلمة. # (3) هو أبو السمان العدوى. # (4) راجع ج 11 ص 236. # (5) راجع ج 8 ص 119. (1) راجع ج 1 ص 293. # (2) راجع ج 9 ص 265. # (3) الزيادة من نسخ: ز، ب. # (4) إيراد هذه الجملة هنا غير واضح المناسبة. # (5) في الأصول: فيها والمثبت في: د. (1) راجع ج 1 ص 284، ج 2 ص 20. # (2) راجع ج 10 ص 200. (1) الأورق: الذي لونه بين السواد والغبرة. # (2) راجع ج 2 ص 139. # (3) راجع ج 2 ص 134. # (4) راجع ج 17 ص 185. (1) راجع ج 2 ص 70. # (2) الآتي. كل سبع يأتي من حيث لا تعلم. # (3) ف ج: يقطعون. # (4) في ز: من الآيات البينات التي الخ. (1) راجع ج 1 ص 340. # (2) في ج: معنى تلك. # (3) البيت للبيد. والجمانة: حبة تحمل من الفضة كالذرة، والذي في اللسان ~~والتاج: وتضئ في وجه الظلام. (1) راجع ج 18 ص 236. # (2) في الأصول: إحداهما موضع الأخرى. # (3) راجع ج 6 ص 28. # (4) هو زياد الأعجم. (1) في د: فيقولون. # (2) من ب، د. # (3) متبل: مسقم، وخبل: ملتو على أهله لا يرون فيه سرورا. (1) هذا نهى، وفى ح‍، ود: فلا تنكرون. على الخبر. (1) الأرطاة: واحدة الأرطر، وهو شجر من شجر الرمل. والحقف) (بالكسر): ما ~~أعوج من الرمل. # (2) من د. (١) راجع ج ٣ ص ٣٧١. # (٢) نخ: ب. # (٣) جنبة الوادي (بفتح النون): جانب وناحية. والجنبة (بسكون النون): ~~الناحية، يقال: نزل فلان جنبة أي ناحية. # (٤) راجع ج ١ ص ١٨٨، وصحيح مسلم ج ١ ص ٥١ طبع بولاق. (1) الأراك شجر من الحمض يستاك بقضبائه، الواحدة أراكه. # (2) ج 2 ص 234. # (3) في د: بين الأمة. # (4) راجع المسألة الثالثة ج 2 ص 338. # (5) راجع ج 12 ص 182. (1) ج 5 ص 239 وص 243 من هذا الجزء. # (2) في ديوانه: " تعليلين ". # (3) راجع ج 11 ص 107. # (4) راجع ج 12 ص 197 ms6980 (1) في د: جميع، وفى ز: تفسير. # (2) في: زوا: في الحق. (1) راجع ج 9 ص 105. # (2) الزيادة من د، ب. (1) راجع ج 10 ص 194. # (2) كذا في ب، ود. وفى السمين: التقدر والله لأي شئ أتيتكم من كذا وكذا ~~لتؤمن به. # (3) راجع ج 10 ص 325. (1) راجع 1 ص 244. (1) راجع ج 15 ص 336. # (2) راجع ج 10 ص 111. # (3) راجع ج 9 ص 301. (1) راجع ج 16 ص 123. # (2) راجع ج 13 ص 361. # (3) شمست الدابة: شردت وجمحت ومنعت ظهرها. (1) راجع ج 2 ص 133. # (2) راجع ج 8 ص 77. (1) راجع ج 2 ص 188. # (2) راجع ج 16 ص 25. # (3) راجع ج 5 ص 90. (1) أي ما لم تبلغ حلقومه، فيكون بمنزلة الشئ يتغرغر به المريض، راجع ج 5 ص ~~92. # (2) راجع ج 6 ص 316. (1) بئر حاء: مال وموضع كان لأبي طلحة بالمدينة. # (2) من د، وز. # (3) في د: أبن أبى نجيح. (1) جلولاء: قرية قرب خانقين - بالعراق - على سبعة فراسخ منها كانت ~~للمسلمين بها وقعة على الفرس. # (2) في ب: في قتال سعد. # (3) في: ا، وب، وز تدركون. # (4) راجع ج 2 ص 243. (1) الفتوة: يعبر بها عن مكارم الأخلاق. # (2) راجع ج 19 ص 125. # (3) النساء (بالفتح مقصور): عرق يخرج من الورك فيستبطن الفخذ. # (4) كذا في ب ود. # (5) برأ من المرض (بالفتح) لغة أهل الحجاز. وسائر العرب يقولون: برئت ~~(بالكسر). # (6) في ب ود: به. (1) في ز وا: رغاء، والتصحيح من ب، ود وح‍ وه‍ و ج. # (2) في ب ود، وفى الأصول الأخرى: # غمز الملك فخذه. # (3) في د: أحدهم. # (4) تسور: هجم. # (5) راجع ج 18 ص 177. (1) راجع ج 6 ص 12. # (2) راجع ج 7 ص 127. # (3) زيادة عن سنن ابن ماجة. # (4) الإهالة (بالكسر): الشحم المذاب، أو كل ما اؤتدم به من الادهان. (1) المهاجر (بفتح الجيم): موضع المهاجرة. # (2) راجع ج 2 ص 120. # (3) زيادة عن سنن النسائي. (1) النهز: الدفع. # (2) الوقص: الكسر والدق. # (3) الزيادة في د. (1) راجع ج 7 ص 400. # (2) في د: أن الحاج يتبع، والصواب ما أثبتناه من ز، وب. # (3) في ز: على ما يراد منها ترمى. # (4) راجع ج 2 ص 112. (1) قوله: لها متاع، أي لهذه ms6981 الناقة التي يستقى عليها. والقتب (بالكسر): ~~جميع أداة السانية من أعلاقها وحبالها. والسانية: ما يسقى عليه الزرع ~~والحيوان من بعير وغيره. والغرب: الدلو العظيمة. # (2) راجع ج 1 ص 185. # (3) البيت لجرير، والذي في الديوان: في طرفها حور. # (4) في دوز وه‍. هذا من قول سعيد ابن جبير كما في تفسير ابن كثير وفيه ~~توجيه ج 3 ص 191. # (5) ج 20 ص 187. # (6) ج 2 ص 407. # (7) في دوز: فاضطره، وفى الأصول الأخرى: فاضطروه، والتصحيح من ابن ~~العربي. (1) ابن حطل (بالتحريك) هو عبد الله بن خطل. رجل من بنى تيم بن غالب، وإنما ~~أمر بقتله لأنه كان مسلما فبعثه صلى الله عليه وسلم مصدقا وبعث معه رجلا من ~~الأنصار وكان معه مولى يخدمه مسلما فنزل منزلا وأمر المولى أن يذبح له تيسا ~~فيصنع له طعاما فنام، فاستيقظ ولم يصنع له شيئا فعدا عليه فقتله ثم ارتد. ~~راجع الطبري وابن هشام. # (2) من دوز. # (3) راجع ج 13 ص 363. # (4) راجع ج 6 ص 325. # (5) في د: فهو آمن. (1) في د: ما بين خائفه والراجي. # (2) راجع ج 16 ص 289. # (3) راجع ج 12 ص 291 (4) في د وب وز وه‍. وفى أ: بأوك. # (5) في دوب: فرضيته. # (6) في ب ود. # (7) في د. (١) في أ: ابن حبان، والتصويب من د وز وب. # (٢) التبرر: الطاعة، وفى أ: نجيعها: # طلب الكلأ. في د: تحنفها. # (٣) الخمس جمع الأحمس، وهم قريش ومن ولدت ~~قريش وكنانة وجديلة قيس، سموا حمسا لأنهم محمسوا في دينهم، أي تشددوا. # (4) راجع ج 2 ص 345. (١) راجع ج ١٢ ص ٣٧. # (٢) والصحيح أن سورة الحج مدنية بدليل آية الجهاد، سيأتي في ج 12 من هذا التفسير. (1) حرج (من باب علم): أثم. # (2) في دوب. # (3) الهرف: شبه الهذيان من الاعجاب بالشئ. في دوب: لا يهرف، بالبناء ~~للمجهول. (1) راجع ج 18 ص 97. # (2) راجع ج 3 ص 398. (1) هو أحد رجال سند حديث ابن عمر. # (2) الشعث: متلبد الشعر. والتفل: الذي قد ترك استعمال الطيب. # (3) في ب: " ابن عبدوس ". # (4) المعضوب: الزمن الذي لا حراك به. (1) كذا في جميع الأصل ولعل ms6982 المراد الولد ينتفع بأجر عمله. فليتأمل. وفى ~~البحر لأبي حبان: "... بأكله حتى... ". # (2) راجع ج 12 ص 37. (1) راجع ج 2 ص 195. # (2) المائد: الذي يركب البحر فنعثى نفسه من نتن ماء البحر حتى يدار به ~~ويكاد يغشى عليه. # (3) الناض: الدراهم والدنانير. (1) راجع ج 17 ص 114. # (2) في ب: عمر بن حفص. # (3) في د. (1) كذا في ب وج‍ ود. وهو الخيواني الهمداني، وفى ح‍ وا وز، عبد الله بن ~~جبير ولا يصح لان عبد خير هو الذي يروى عن علي كما في ابن سعد ج 6 ص 154. # (2) راجع ج 18 ص 129. (١) راج ج ١٩ ص ٢٤٨. # (٢) راجع ج ١١ ص ٢٤٦. # (٣) في ح‍ وا: لا يقدرون بألا يعوجوا عن مكانه. # (٤) لعنا: لغة في لعل. # (٥) العرصة: كل بقعة بين الدرر ليس فيها ~~بناء. # وعرصة الدار: وسطها. # (6) التحنيف: احديداب في وظيفي الفرس أيضا. (1) في د وب: وأن فيه. (١) كذا في ب وز وح‍. أي التعجب والانكار ~~كما في الكشاف. # (2) الخيزرانة: السكان، وهو ذنب السفينة. والابن: الفترة والاعياء، ~~والنجد (بالتحريك): العرق من عمل أو كرب أو غيره. (1) هو أوس بن حجر. وفى الديوان: فأشرط فيه رأسه... وألقى بأسبات... # (2) من د. وفى ج: عصمه. # (3) في ز، وح‍: النحاس، عن مرة عن يحيى عن عبد الله. # (4) راجع ج 18 ص 144. # (5) في ز: هذا ضرب أصوب. # (6) في د. (1) في د: قاله. # (2) راجع ج 2 ص 134. # (3) حبل العاتق وصل ما بين العاتق والمنكب. # (4) حديث عروة بن مضر ص: أتيتك من جبلي طئ. # (5) في الأصول: " لبيد ". والتصويب عن اللسان وشرح القاموس مادة " حبل ". (1) في ج: حبال، والتصويب من د، واللسان وغيره. # (2) الهجري: بهاء وجيم مفتوحتين، نسبة إلى هجر. وهو إبراهيم بن مسلم ~~العبدي. (عن تهذيب التهذيب). # (3) الزيادة في ب. (4) ود: # فإن كتاب الله. # (5) الزيادة في د. # (6) في د: سبب لاستخراج. # (7) في د: متواصلون. (1) الكلب (بالتحريك): داء يعرض للانسان من عض الكلب الكلب فيصبه شبه ~~الجنون، فلا يعض أحدا إلا كلب، وتعرض له أعراض رديئة، ويمتنع من شرب الماء ~~حتى يموت عطشاء. # (2) راجع ms6983 ج 8 ص 74 وص 80. (1) لم نعثر في المظان لذكر بعض من الفرق الآتية. # (2) الأباضية يقولون: من دان لله بما بلغ إليه من الاسلام وعم به، فهو ~~ناج ما لم يهدم ركنا من الدين أو برتطم في التخطية، وليسوا حرورية. # (3) في ج وأ: " الكروية " براء وواو وفى ز: الكدرية. # (4) في الأصول: لأنهم. # (5) كذا في الأصل في الأصول: كلها وليس في غير القدرية معتزلة. # (6) الزيادة في: ز. # (7) في ب ودو و: الزبوندية. # (8) في د وب ور: المتبرية. (1) في أ: ليس بكافر. # (2) في ب، و، د: " الزيارقة ". # (3) في ب، د، و: " العيرية ". # (4) في د: الشاكية. # (5) في ب، و، ز " البيهسية " وفى د: " البيسمية؟ ". # (6) كذا في الأصول، وفيه سقط واضح لعله: قالوا لله بصر. # (7) في ب: جعلوا. (1) في د: اللاعنية. # (2) كذا في، وفى الأصول الأخرى المضطربة. # (3) كذا في د، وفى غيرها من الأصول: من شاء فليفعل ومن شاء لم يفعل. # (4) في ب، ه‍، د، و، وفي ز، ح‍، أ: # الفكرية، وفى ج: النكرية. وفى د: أسقط. وفى سائر الأصول سقط. (1) في ج وز: " الحشية " بالحاء المهملة، وفى ب الخشبية. وفى ا: " الحيشية ~~" بالياء المثناة من تحت والشين. وفى د: الحسبية. # (2) في ب وه‍ ود وز: " المعبة " بالعين. # (3) راجع: ج 7 ص 141 (4) سقط من النسخ: " وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم ~~". # (5) راجع ج 18 ص 222. # (6) راجع ج 8 ص 264. # (7) السجلة: الدلو الضخمة المملوءة ماء. والمراد هنا البئر. (1) راجع ص 46. # (2) راجع ج 12 ص 72. # (3) في ه‍: الغافلين. # (4) في ب، د، ه‍ وفيها: أبي عوف. # (5) في ب، د، ه‍: لا يعتد. (1) راجع ج 15 ص 46. # (2) هذه عبارة ابن الأثير، أي إذا وصف نفسه بصفة تحققه بها عرفناه في ب: ~~إذا عرفناه، وفى ه‍: إذا عرفناه. وفى د: إذا رأيناه عرفناه. (1) كذا في دوب وهو في ز: أبو بكر محمد. # (2) في ه‍ ود: هؤلاء قوم. # (3) في صحيح الترمذي: " على درج مسجد دمشق "، في د وه‍: على برج دمشق. (1) الفرط (بفتحتين): الذي يتقدم الواردين ليصلح لهم الحياض. ms6984 # (2) أبو حازم هو سلمة بن دينار، أحد رجال سند هذا الحديث. (1) في د وب وه‍: يقول. # (2) في د وه‍ وب: مع. # (3) الزيادة من نسخ: د. (1) راجع ج 2 ص 154. # (2) الزيادة في دوب. # (3) البيت النابغة الذبياني. أمة بالضم. # والكسر: ذرامة: ذردين واستقامة، والأمة: النعمة. # (4) هذا عجز بيت الفرزدق. وصدره: # * فكيف إذا رأيت ديار قوم *. (1) راجع ج 11 ص 101. # (2) راجع ج 2 ص 249، وص 394 (3) الزيادة من ه‍ ود وب، في د وب: من كل من ~~يأتي. (1) في د وب وه‍. (1) في د وب: الكتاب. # (2) راجع ص 46 من هذا الجزء. # (3) الاصطلام: الاستئصال. (1) راجع ج 1 ص 43. (1) راجع ج 1 ص 150 وص 430. # (2) راجع ج 1 ص 431. # (3) الزيادة في د. # (4) سعية: بالسين والعين المهملتين وياء باثنتين. # (5) في الاستيعاب في ترجمة أسيد هذا: " رواء يونس ابن بكير عن ابن إسحاق ~~(أسيد) بفتح الهمزة وكسر السين، وكذلك قال الواقدي. وفى رواية إبراهيم ابن ~~سعد عن ابن إسحاق (أسيد) بالضم. والفتح عندهم أصح ". # (6) في د وب: نتجوا فيه. (1) في الأصول: * عصيت إليها القلب إني لأمرها * والتصويب عن ديوان أبى ~~ذؤيب. يقول: عصاني القلب وذهب إليها فأنا اتبع ما يأمرني به. # (2) راجع ج 7 ص 356. # (3) راجع ج 13 ص 64. # (4) راجع ج 17 ص 121. # (5) انخذل: انفرد. (1) في ب: مبادرين. # (2) في ب ود وه‍: مهلك ريح. (1) راجع ج 3 ص 319. # (2) الصر في هذا الحديث: البرد. # (3) في ب وه‍ ود: عائدته. # (4) ف‍ ه‍: خلصاني، عيبتي: خاصتي وموضع سرى. # (5) في د: فكم من قرين، وفى ه‍: فإن القرين. (1) في ب ود وه‍: روى أبو أمامة. # (2) في أ: الربا. # (3) في ب ود وه‍: إذا اتخذ الخ. # (4) الحديث كما في النسخ الأميرية، وسائر الأصول: بالخير، بدل المعروف، ~~وفى ج: تحثه عليه. (1) في ب ود وه‍: يعنى. # (2) راجع ج 11 ص 322. # (3) الذي في ديوانه: # * إلا يدا ليست لها عضد * (4) الوب: التهبؤ للحملة في الحرب. # (5) راجع ج 3 ص 66. (1) في ه‍ ود: يشحى. وفى اللسان شحا يشحوفاه فتحه، وشحا يشحاه. # (2) راجع ج 16 ص ms6985 334. (1) راجع ج 2 ص 29. # (2) في ب وه‍ وج‍: المنكر. # (3) في ب ود وه‍: كعض اليد على اليد. # (4) البيت للفرزدق. وفى النقائض: " وعض زمان " بالضاد وهذه الكلمة في هذا ~~المعنى تقال بالضاد وبالظاء كما في القاموس. والمسحت: المستأصل. والمجلف: ~~الذي بقيت منه بقية، ويروى: المجرف. # (5) الأباضية بريئون من ذلك، وتفسير كلام الله ينزه عن مثل هذا التقول. # (6) في ب وه‍ ود: في أهل البدع من الناس. (1) في و: يجوز. # (2) في ه‍: ونتمى، وفى ابن عطية ونبني، وفى الأغاني: وزمزم من أرومتنا. # (3) راجع ج 13 ص 21. # (4) في دوب وه‍ بالمؤمنين. # (5) قراءة نافع. (1) كذا في د، وفى ب وا: قراآت قرأ، وفى زوجة: قرأ. # (2) في د ر ه‍: يضور والتصحيح من البحر قال: بفك الادغام وهي لغة أهل ~~الحجاز. # (3) الزيادة من ب ودرهم. # (4) هو حسان بن ثابت رضي الله عنه. وتمامه: # * والشر بالشر عند الله سيان * (5) هذا عجز بيت لجرير بن عبد الله. ~~وصدره: # * يا أقرع بن حابس يا أقرع * (1) في ب وه‍ وح‍ وز: صاحب لواء المشركين. ما أثبتناه من د. (1) كذا في د وز وب. # (2) كذا في دوب وه‍ وج‍. # (3) من دوب وه‍. # (4) البيضة: الخوذة، وهي زود ينسخ على قدر الرأس يلبس تحت القلنسوة، وفى ~~ب ود وه‍، هشمت البيضة رأسه. # (5) في ب ود وه‍: الثبت. # (6) في د وه‍ وب، وجني النبي. (1) في ب ود وه‍: رمى. # (2) زيادة عن مغازي الواقدي. # (3) في د: تشبت، وفى ه‍: نشبت. # (2) كذا في د، وفى ب وه‍ وح‍: فسقط منها. (1) أرادت شيبة بن ربيعة أبا هند. وقد رخم هنا في غير النداء لضرورة الشعر. # (2) في د: مخضبا. # (3) القليب (بفتح أوله وكسر ثانيه): البئر العادية القديمة التي لا يعلم ~~لها رب ولا حافر تكون في البراري، يذكر ويؤنث. (1) المجلعب: المصروع إما ميتا وإما صرعا شديدا. # (2) الحيزوم: وسط الصدر وما يضم عليه الحزام. # واللدن: الرمح. # (3) الهبول من النساء: الثكول. # (4) في ب ود: غيرك وفى ه‍: غيره. # (5) راجع ج 8 ص 51. # (6) راجع ج 7 ص 377. (7) السرية: طائفة من ms6986 الجيش يبلغ أقصاها أربعمائة ~~سموا بذلك لأنهم تكون من خلاصة العسكر وخيارهم، من الشئ السري: النفيس. (1) راجع ج 7 ص 370 فما بعد. # (2) في ب، ود: أنبنى؟؟. (1) الذي في كتاب الطبقات لابن سعد: " وكانت سراياه التي بعث بها سبعا ~~وأربعين سرية ". # (2) الغابة: موضع قرب المدينة من ناحية الشام. # (3) ودان (بفتح الواو وشد المهملة): قرية جامعة من أمهات القرى من عمل ~~الفرع. وقيل: واد في الطريق يقطعه المصعدون من حجاج المدينة. (عن شرح ~~المواهب). # (4) الموادعة: المصالحة. # (5) بواط (بفتح الموحدة وقد تضم وتخفيف الواو وآخره طاء مهملة): # جبل من جبال جهينة بقرب ينبع على أربعة برد من المدينة. # (6) رضوى (بفتح الراء وسكون المعجمة مقصور): جبل بالمدينة، وهو على مسيرة ~~يوم من ينبع وعلى سبع مراحل من المدينة. (1) ملك (بالكسر ثم السكون والكاف): واد بمكة. # (2) الصور جماعة النخل الصغار، لا واحد له من لفظه. الدقعاء: التراب. (1) الشعب (بالكسر): الطريق في الجبل. # (2) راجع ج 7 ص 370. # (3) أبو زميل (بالتصغير) هو سماك بن الوليد. (تهذيب التهذيب). # (4) حيزوم: اسم فرس من خيل الملائكة. # (5) زيادة عن صحيح مسلم، واخضر بأسود؟. # (6) ج 8 ص 48. # (7) متح: جذب الدلو من البئر مستقيما، والماتح: المستقى. (1) في د: قدميه. وسنبك الدابة طرف حافرها. # (2) في د وه‍ وب: والثواب للذين يقاتلون... # (3) في ه‍ ود: إلا يوم بدر. # (4) راجع ج 7 ص 370. # (5) الردء: العون والناصر. (1) في ج وأ: فأمدهم. والمثبت هو ما في باقي الأصول وهو التحقيق قال ~~الآلوسي: ولم يمدوا بها بناء على تعليق الامداد بها بمجموع الأمور الثلاثة ~~الخ. # (2) في ب وه‍: يوم أحد. # (3) راجع ج 15 ص 60. # (4) راجع ج 14 ص 247. # (5) راجع ج 1 ص 209. (1) راجع ج 9 ص 33. # (2) العهن: الصوف المصبوغ ألوانا. (1) من د وفي ه‍: الإشارة، والشارة: الهيئة. # (2) الاعتجار بالعمامة: هو أن يلفها على رأسه ويرد طرفها على وجه ولا ~~يعمل منها شيئا تحت ذقنه، وفى ب: معتما. # (3) ج 10 ص 154. # (4) كذا في د وه‍ وب. وفى أ وح‍: النحاس. (1) راجع ج 15 ص 345. # (2) في ب: أي صرفه. # (3) أجشمت: ms6987 كلفت على مشقة. (1) راجع ج 18 ص 312. # (2) في نسخة: ه‍ وب ود، وفى غيرها: الامر. (1) الخنوع: الخضوع والذل. # (2) الحقد (بفتح فسكون): الاسراع في العمل والخدمة. # (3) الرواية بكسر الحاء أي من نزل به عذابك ألحقه بالكفار. وقيل: هو ~~بمعنى لا حق، لغة في لحق. # ويروى بفتح الحاء على المفعول، أي إن عذابك يلحق بالكفاء ويصابون به. (عن ~~ابن الأثير). (1) في ه‍. # (2) راجع ج 3 ص 256. # (3) في د وه‍ وفي ب: وبضر. (1) في ه‍. # (2) راجع ج 1 ص 227. # (3) في ه‍: سائغ. # (4) راجع ج 2 ص 165. # (5) راجع ج 14 ص 78. (1) بغام الناقة: صوت لا تفصح به. والعناق (بالفتح): الأنثى من المعز. ~~وويب، بمعنى ويل. والبيت لذي الخرق الطهوي يخاطب ذئبا تبعه في طريقه. (عن ~~اللسان). # (2) راجع ج 17 ص 254. # (3) في ه‍: من حديد. # (4) نزعت بما في التوراة. جئت بما يشبهها. (1) راجع ج 17 ص 179. # (2) الكفة (بالكسر): ما يصاد به الظباء، يجعل كالطوق. # (3) في د وه‍: ولكنه يراد. # (4) في د وب وه‍: لمقدوراته. (1) في د، وز: الغنى. # (2) الجرة (بالكسر): ما يخرجه البعير من بطنه ليمضغه ثم يبلعه. # (3) في ب وه‍ ود: ذي الأباطح. # (4) ليزل (بضم فسكون): جمع بازل، وهي البعير الذي كملت قوته ودخل في ~~التاسعة وفطر نابه. (1) راجع ج 9 ص 247 وج‍ 10 ص 116 وج‍ 18 ص 252. # (2) في د: جاز. # (3) في ه‍: عمن ظلمهم وأساء إليهم. # (4) راجع ج 16 ص 35. (1) الصرعة (بضم الصاد وفتح الراء): المبالغ في الصراع الذي لا يغلب، فنقله ~~إلى الذي يغلب نفسه عند الغضب ويقهرها. (1) راجع ج 1 ص 415. # (2) في ابن عطية: بهم. # (3) في ب ود وه‍: ثم. # (4) راجع ج 5 ص 380. (1) في ب ود وه‍: ثم. # (2) كذا في ابن عطية، وهي الرواية. # (3) راجع ص 38. (1) راجع ج 1 ص 446 وج‍ 3 ص 156. # (2) العلامة (بالضم): بقية جرى الفرس، والمحصدات: السباط المفتولة. # (3) الشواكل: الطرق المنشعبة عن الطريق الأعظم. # (4) الختر: شبيه بالغدر والخديعة. وقيل: هو أسوأ الغدر وأقبحه، و " ختار ~~" للبالغة (5) في ب ود. (1) هم كعب بن مالك، وهلال ms6988 بن أمية، ومرارة بن الربيعة. تخلفوا عن الخروج ~~مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فلما رجع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال لأصحابه (لا تكلمن أحدا من هؤلاء الثلاثة) إلى أن نزل ~~فيهم قوله تعالى: " وعلى الثلاثة الذين خلفوا... " راجع ج 8 ص 281، وسيرة ~~ابن هشام ص 893 طبع أوربا. # (2) في ه‍: عبدي. والثابت هو ما في مسلم. (1) في ب ود وه‍: انضاف. # (2) راجع ج 10 ص 32، وج‍ 17 ص 21. # (3) في أ وح‍: أخبر. # (4) راجع ج 13 ص 77. (1) راجع ج 3 ص 362. # (2) راجع ج 5 ص 90 وج‍ 11 ص 231، وج‍ 231 وج‍ 13 ص 238. (1) في أ وح‍ وطن عليه ضميره، وعلى ما أثبت يقدر العمول. # (2) راجع ج 12 ص 34. # (3) راجع ج 18 ص 241. # (4) زيادة عن سنن الترمذي. # (5) المعمول محذوف في كل الأصول، وتقديره في قوله القاضي السابق. # (6) في ه‍. (1) في ح‍ وأ: بات. # (2) راجع ج 11 ص 223. # (3) في الأصول: " قفر وقفر " وهو تحريف. (1) راجع ص 265 من هذا الجزء. # (2) راجع ج 2 ص 156. # (3) في ب، د، آه‍: أحضرت. # (4) راجع ج 8 ص 266. # (5) راجع ج 18 ص 86. (1) الذي في شرح القسطلاني على صحيح البخاري: " وأنس بن النضر، وهو عم أنس ~~بن مالك كما ذكره أبو نعيم وابن عبد البر وغيرهما. ولأبي ذر " النضر بن أنس ~~" وهو خطأ، والصواب الأول ". # (2) راجع ج 8 ص 156. # (3) في ب ود وه‍: روى على. # (4) في ه‍ ود: أدال. (1) في ب ود وه‍. (1) راجع ج 14 ص 158. # (2) راجع ج 6 ص 419. # (3) في ب ود وه‍. (1) في ب وه‍. # (2) هذا عجز بيت للأعشى، وصدره: # * إليك أبيت اللعن كان كلالها * والذي في الديوان: الماجد الفرع. كذا في ~~ب ود وه‍. وفرع كل شئ: أعلاه. # (3) راجع ج 1 ص 133. # (4) في د، واللسان: ثنى ولم يعرف هذا في اللغة. والأصول بنى. # (5) راجع ج 2 ص 176 (6) السنح (بضم أوله وسكون النون وقد تضم): موضع ~~بعوالي المدينة، وهي منازل بنى الحارث بن الخزرج، بينهما وبين منزل ms6989 النبي ~~صلى الله عليه وسلم ميل. (1) راجع ص 297 من هذا الجزء، وج‍ 11 ص 287. # (2) راجع ج 15 ص 254. (1) في ج وب ود: نائيا. # (2) يريد به أبا بكر رضي الله عنه. # (3) في ه‍: استوسقت. (1) أرسالا: أفواجا وفرقا متقطعة بعضهم يتلو بعضا، واحدهم رسل، بفتح الراء ~~والسين. # (2) زيادة عن ابن ماجة. (1) راجع ج 8 ص 26. # (2) في ه‍ ود: ولا يتضرر بالمعصية. (1) راجع ج 7 ص 202 و ج 13 ص 327 وج‍ 9 ص 327. # (2) راجع ج 7 ص 202. # (3) راجع ج 11 ص 205 فما بعد. # (4) راجع ج 10 ص 235. # (5) في د وج‍: بهذا. (١) قراءة نافع. # (٢) في ا وح‍: فلغت. # (٣) القلب في ذلك على لغة من يقلب حرف العلة الساكن المفتوح ما قبله ~~ألفا، وهي لغة بلحارث بن كعب وخثعم وزبيد وقبائل من اليمن، كما ذكره ~~الواحدي في وسيطه في تفسير قوله تعالى: " إن هذان لساحران ". # (٤) يردى: يمشى الرديان (بالتحريك) وهو ضرب من المشي فيه تبختر. والمقنع: الذي تقنع بالسلاح، كالبيضة والمغفر. # (5) في البحر: المعاسر. (1) كذا في الأصول المهاة: البقرة الوحشية. والرامح: الثور الوحشي، لان ~~قرنه بمنزلة الرمح فهو رامح: والمعنى لا يقيم مع الانس في مكان. الذي في ~~ديوانه: " بلاد الورى ليست له ببلاد ". (1) الواهنة: القصيرى وهي أسفل الأضلاع. # (2) كذا في د واللسان، وفى ه‍ وأ وح‍: ضربنا. (1) راجع ج 18 ص 3. # (2) في د وج‍ وه‍: الكافرين. # (3) في د: الشديد. # (4) راجع ج 7 ص 288 و 256 وج‍ 13 ص 97. (1) راجع ج 11 ص 196. # (2) في الأصول: أهان: والذي أثبتناه هو ما في الديوان وكتب اللغة. (1) زيادة عن صحيح البخاري. والذي فيه: " لا تبرحوا إن رأيتمونا ". # (2) أي يسرعن المشي. # (3) في ج وه‍ ود. # (4) أي أظهر دينك، أو رد علوا، أو ليرتفع أمرك ويعز دينك فقد غلبت. # (5) العزى: اسم صنم لقريش. (1) في د: نقله محمد بن كعب. # (2) في اللسان: الخضرة. (1) راجع ج 6 ص 417. # (2) راجع ج 15 ص 99. # (3) راجع ج 8 ص 281. # (4) الحووس: شدة الاختلاط ومداركة الضرب. أي بالغوا النكاية فيهم، في ms6990 ه‍ ~~ود: جاسوا. # (5) أي نحوهم عنها وأزالوهم. # (6) في د: مفلولة. (1) الايجاف: سرعة السير. # (2) راجع ج 1 ص 397. (1) أخل بالمكان ويمركزه: غاب عنه وتركه. والخلة: الطريق. # (2) كذا في الأصول. والذي في الدر المنثور، والمستدرك للحاكم: "... ألغاب ~~" بالباء بدل الراء. # (3) المهراس: ماء بجبل أحد. # (4) السعدان: سعد بن معاذ وسعد بن عبادة. # (5) التكفؤ: التمايل إلى قدام كما تتكفا السفينة في جريها. # (6) في د وه‍ وج‍: وجه رسوله. (1) هو أعشى قيس. # (2) الذي في ديوان الأعشى وسيرة ابن هشام ص 255 طبع أوربا: " أين يمت ". ~~والبيت من قصيدة يمدح بها النبي صلى الله عليه وسلم، ومطلعها: # ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا * وعادك ما عاد السليم المسهدا (1) راجع ج 7 ص 169. # (2) راجع ج 17 ص 266. # (3) في ز وه‍ ود: أنزل عليهم للأمنة نعاسا، وفى ج: أنزل عليكم الامنة. (1) أي حزنة الامر حتى إذا به. # (2) راجع ج 15 ص 273. (1) راجع ج 7 ص 43. (1) في ب وه‍ ود: فخاصم، وفى ج: فحاج. (1) قال: أشار، والعرب تجعل القول عبارة عن جميع الأفعال وتطلقه على غير ~~الكلام واللسان، فتقول: قال بيده أي أخذ، وقال برجله أي مشى، وقال بثوبه أي ~~رفعه، وكل ذلك على الاتساع والمجاز (عن نهاية ابن الأثير). # (2) أي اليسرى. # (3) في رواية (بها) أي بالأجوبة التي أجبتك التي أجبتك بها حتى يزول عنك ~~ما كنت تعتقده من عيب عثمان. (عن القسطلاني) في ب وه‍ ود: بهذه. (1) في اللسان مادة " غزا " أنه جمع غاز مثل حاج وحجيج وقاطن وقطين وناد ~~وندى وناج ونجى. # (2) هو زياد الأعجم. وقيل: هو الصلتان العبدي، وتمامه كما في اللسان: # * والباكرين وللمجد الرامح * (1) راجع ج 12 ص 124. # (2) راجع ج 6 ص 112. # (3) راجع 15 ص 151 (4) الكظة: البطنة. (1) كذا في الأصول بالقاف والياء المثناة، ولعله مصحف عن " القبض " بالقاف ~~والباء الموحدة وهو السوق السريع، وإنما سمى السوق السريع قبضا لان ~~البسائق؟ للإبل يقبضها أي يجمعها إذا أراد سوقها، فإذا انتشرت تعذر عليه ~~سوقها: أو القبض بمهملة: العدو الشديد. # (2) كذا في الأصول بالمعجمة، ولعله " حرد " بالحاء المهملة، ms6991 والحرد في ~~البعير أن تنقطع عصبة ذراعة فتسترخي يده فلا يزال يخفق بها أبدا. # (3) الصمد: المكان الغيظ المرتفع من الأرض لا يبلغ أن يكون جبلا. # (4) يأذن: يستمع. والماذي: العسل الأبيض والمشار: المجتنبى؟؟. # (5) راجع ج 16 ص 36. (1) هذا حديث رواه الطبري في أوسطه والقضاعي عن أنس وحسنه السيوطي وفى كشف ~~الخفا: في سنده؟ # ضعيف جدا. (1) وقيل البيت: إذا كنت في حاجة مرسلا * فأرسل حكيما ولا توصه وبعده: ونص ~~الحديث إلى أهله * فإن الوثيقة في نصه إذا المرء أضمر خوف الاله * تبين ذلك ~~في شخصه (2) في ب وج‍: ما بحضرتهم. (1) هو سعد بن ناشب المازني (عن الكامل للبرد وخزانة الأدب للبغدادي). # (2) يقول: أعرف وجه الحزم، فإن عزمت فأمضيت الرأي فأنا حازم، وإن تركت ~~الصواب وأنا أراه وضيعت العزم لم ينفعني حزمي. # (عن الكامل للبرد). # (3) راجع ج 7 ص 384. # (4) اللامة: الدرع، وقيل: السلاح. # ولامة الحرب: أداتها. وقد يترك الهمز تخفيفا. (1) الآطام (جمع أطم بضمتين): الأبنية المرتفعة كالحصون. وقيل: حصون مبنية ~~بالحجارة. # (2) راجع ص 189 من هذا الجزء. # (3) راجع ج 11 ص 201 و 221. # (4) راجع ج 9 ص 62. (1) الربوب: القطيع من بقر الوحش والظباء وغير ذلك. الخميلة: الأرض السهلة ~~اللينة ذات الشجر. # البرير:؟؟؟ الأراك. # (2) هذا عجز بيت للأعشى وصدره: # * كل وضاح كريم جده *. (1) راجع ج 11 ص 105. # (2) زيادة عن الصحاح واللسان. # (3) زيادة عن كتب اللغة. # (4) كذا في الأصول واللسان، وفى الصحاح للجوهري " جمرة " بالجيم المعجمة ~~والراء. # (5) أي بفتح الياء. (1) أي بضم الغين. # (2) البيت للحويدرة، كما في اللسان. # (3) في ب ود: الساج. (1) حمحمة الفرس: صوته دون الصهيل، والثغاء: صياح الغثم. # (2) الرقاع (بالكسر جمع رقعة بالضم) وهي التي تكتب. وأراد بها ما عليها ~~من الحقوق المكتوبة. وخفوقها: حركتها. # (3) الصامت: # الذهب والفضة، خلاف الناطق وهو الحيوان. # (4) في سنن أبي داود: " عن عبد الله بن عمرو "، وكذا في مسند الإمام أحمد ~~بن حنبل. # (5) في سنن أبي داود " كن أنت تجئ به ". # (6) راجع ج 6 ص 413. (1) مدعم: عبد أسود أهداه رفاعة بن زيد لرسول الله صلى الله عليه وسلم ms6992 عام ~~خيبر. # (2) الخياط هاهنا الخيط. والمخيط بالكسر: الأبرة. # (3) في ه‍ ود وج‍ وب: الطعام، وكلها: أرض العدو، إلا ب: # أرض الغزو. # (4) أنحاء: جمع نحى بالكسر وهو زق السمن. وقيل مطلقا. (1) في ه‍ وج‍ وب: لم يحرق رحل الذي أخذ الشملة. # (2) صاحب الخرزات: رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم (لم يسمه ~~أبو داود في سننه) توفى يوم خيبر، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال: " صلوا على صاحبكم " فتغيرت وجوه الناس لذلك، فقال (إن صاحبكم ~~غل في سبيل الله " ففتشنا متاعه فوجدنا خرزا من خرز يهود لا يساوى درهمين ~~(عن سنن أبي داود). (1) في نهاية ابن الأثير: " قال الحربي غلط الراوي في لفظ الرواية، إنما هو ~~وشطر ماله شطرين، أي يجعل ماله شطرين، ويتخير عليه المصدق فيأخذ الصدقة من ~~خير النصفين عقوبة لمنعه الزكاة فأما ما لا تلزمه فلا ". وعزمة حق من حقوقه ~~وواجب من واجباته. (1) ابن اللتبية (بضم فسكون) هو عبد الله بن اللتبية الصحابي، واللتبية ~~أمة. ويروى بفتح اللام والمثناة. # (2) هذه الزيادة في صلب: ج وه‍ ود، وابن السرح هو أحمد بن عمرو الأموي ~~أبو الطاهر المصري. # (3) اليعار (بضم الياء): صوت الغنم والمعزى. يعرف بفتح العين تيعر بالكسر ~~والفتح يعارا بالضم. # (4) العفرة (بضم فسكون): بياض ليس بالناصح الشديد، ولكن كلون عفر الأرض ~~وهو وجهها. (1) والحديث بالسند والمتن في ابن كثير. # (2) في د وه‍ وب: يسار. هو أبو عبد الله المروزي الخرساني، وابن بشار هو ~~ابن عثمان بن داود بن كيسان العبدي البصري. # (3) راجع ج 3 ص 375. (1) في ه‍ وج‍ ود. # (2) الضحضاح: مارق من الماء على وجه الأرض ولا يبلغ الكعبين، فاستعارة ~~للنار. # (3) راجع ج 5 ص 124. # (4) هذه قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفاطمة وابن عباس رضي الله ~~عنهما. (1) راجع ج 18 ص 91. # (2) في ب وه‍ ود: المصري. # (3) راجع ج 8 ص 301. # (4) راجع ج 2 ص 130. # (5) راجع ج 2 ص 427. (1) كذا في د وب وج‍ وه‍، وفى ا: حصنا حصينا. (1) في ز: فقلت ms6993 له. # (2) الزيادة من ابن عطية. # (3) الزيادة من ب ود وج‍. # (4) هو قزمان بن الحارث العبسي المنافق الذي قال فيه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: (إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر). (1) الظهر: الركاب التي تحمل الأثقال في السفر، لحملها إياها على ظهورها. # (2) قناة: واد بالمدينة، وهي أحد أوديتها الثلاثة، عليه حرث ومال. قال ~~المدائني: وقناة يأتي من الطائف ويصيب في الأرحضية وقرقرة الكدر، ثم يأتي ~~بئر معونة، ثم يمر على طرف القدوم في أصل قبور الشهداء بأحد. # (عن معجم البلدان). # (3) قيلة: أم الأوس والخزرج، هي قيلة بنت كاهل بن عذرة، قضاعية. ويقال: ~~بنت جفنة، غسانية. # (عن شرح القاموس). # (4) راجع ج 6 ص 419. # (5) في ب: لأهل. (1) حافظ الأندلس ابن يزيد القرطبي. # (2) كقاحا (بكسر الكاف) أي مواجهة ليس بينهما حجاب ولا رسول. # (3) زيادة عن سنن الترمذي وابن ماجة. (1) كذا في أ وح‍. وفى د: يقتضى هذا القول، وفى ب وج‍ وه‍: يقضى بصحة الخ. # (2) راجع سيرة ابن هشام ص 64 طبع أوربا. (1) راجع ج 6 ص 145. (1) كذا في د وج‍ وه‍ وب. وفى أ وح‍: روى. (1) في ج: " بابن حجة ". (1) هو همام بن يحيى، أحد رجال سند هذا الحديث. # (2) الغرل (بضم فسكون): جمع الاغرل، وهو الأقلف. # (3) في ط وه‍ وب: ما بهما؟. # (4) في ج: أمامة. والصحيح ما أثبت كما في التمهيد. (1) قال في شرح الجامع: بلفظ التثنية. # (2) المائد: الذي تدور رأسه من ريح البحر، واضطراب السفينة بالأمواج. # (3) تشحط المقتول في دمه تخبط في واضطراب وتمرغ. # (4) الضياع: (بفتح أوله): العيال. (1) كذا في ب وز وه‍ وج‍. وفى ط: البشارة. (1) في حاشية السندي على سنن ابن ماجة: " قوله ست خصال المذكورات سبع إلا ~~أن يجعل الإجارة والامن من الفزع واحدة ". # (2) دفعة: قال الدميري: ضبطناه في جامع الترمذي بضم الدال، وكذلك قال أهل ~~اللغة: # الدفعة بالضم ما دفع من إناء أو سقاء فانصب بمرة، وكذلك الدفعة من المطر ~~وغيره مثل الدفقة بالقاف. وأما الدفعة بالفتح فهي المرة الواحدة فلا يصلح ~~ههنا ". (1) كذا في الأصول. ms6994 والذي في النحاس والعبارة له: بدلا. # (2) هذا عجز بيت لكعب بن سعد الغنوي يرثي أخاه أبا المغوار، وصدره: # * وداع دعا يا من يجيب إلى الندى * (3) في ج وه‍ وط: يرجعوا. (1) عيبة الرجل: موضع سره. # (2) الجرد: خيل قصيرة شعر الجلد. أبابيل: فرقا. # (3) ردت الخيل رديا ورديانا: رجمت الأرض بحوافرها في سيرها وعدوها. ~~والتنابلة: القصار، واحدهم تنبال. والأميل: الذي يميل على السرج ولا يستوى ~~عليه. وقيل: هو الكسل الذي لا يحسن الركوب والفروسية. # والمعازيل: القوم ليس معهم سلاح، واحدهم معزال. # (4) في الروض الأنف: " تغطمطت البطحاء، لفظ مستعار عن الغطمطة، وهو صوت ~~غليان القدر. قوله (الخيل) وفى ه‍ وابن هشام ط أوربا: الجيل. والأول فيه ~~سناد. ولعله: الخيل جمع أخيل فلا سناد. # (5) الوخش: رذال الناس. والقنابل: الطائفة من الناس ومن الخيل، وفى ج وز ~~والسيرة ط مصر مع الروض: # تنابلة. وفى ط وى وه‍: تناتلة: تنتل الرجل إذا الرجل إذا تقذر بعد ~~التنظف. (1) صمم في السير وغيره: مضى. # (2) راجع ج 5 ص 250. (1) بقيته " فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم نذر فيها خبرا " مسلم ج ~~1 ص 116. # (2) في ز: يتركب. (1) الاقط: شئ يتخذ من اللبن المخبض ويترك حتى يمصل. # (2) راجع ج 10 ص 246. (1) يفال مفازة خوقاء (بالقاف لا بالفاء) أي واسعة الجوف أو لا ماء بها، ~~كما يقال ناقة خوفاء (بالقاف كذلك) أي جرباء (انظر اللسان مادة خوق) وليس ~~فيه ولا في كتاب آخر من كتب اللغة هذان المعنيان في مادة " خوف " بالفاء. # (2) كذا في الأصول. وفى اللسان: والخافة: خريطة. # (3) الكير: كير الحداد، وهو زق أو جلد غليظ ذو خافات، وهو المعروف الان ~~بالمنفاخ. وأما الكور فهو المبنى من الطين. # (4) عن ج ود. (1) الأطيط: صوت الأقتاب، وأطيط الإبل: أصواتها وحنينها. أي إن كثرة ما في ~~السماء من الملائكة قد أثقلها حتى أطت. وهذا مثل وإيذان بكثرة الملائكة وإن ~~لم يكن ثم أطيط، وإنما هو كلام تقريب أريد به تقرير عظمة الله عز وجل (عن ~~ابن الأثير). # (2) الصعدات: الطرق، وهي جمع صعد، كطرق وطرقات. ms6995 وقيل: # جمع صعدة، كظلمة وهي فناء باب الدار، وممر الناس بين يديه. # (3) جأر القوم جؤارا: رفعوا أصواتهم بالدعاء متضرعين. # (4) تعضد: تقطع بالمعضد، والمعضد، والمعضاد مثل المنجل يقطع به الشجر. # (5) راجع ج 11 ص 346. # (6) الأصول كلها: بضم الياء والزاي. والصواب ما أثبتناه. راجع ص 346 ج ~~11. (1) عن ط. # (2) راجع ج 14 ص 324. # (3) راجع ج 10 ص 353. (1) قال الجوهري: كأنه جمع أحظ. قال ابن بري: وقوله " أحاظ على غير قياس " ~~وهم منه، بل أحاظ جمع أحظ، وأصله أحظظ فقلبت الظاء الثانية ياء فصارت أحظ، ~~ثم جمعت على أحاظ. (عن اللسان). # (2) راجع ج 1 ص 210. (1) راجع ص 322 من هذا الجزء. (1) وز وه‍ وج‍. # (2) راجع ج 7 ص 400. # (3) راجع ج 18 ص 218. (1) في ط وج‍ وه‍: أيهم. # (2) راجع ج 7 ص 1 فما بعد. # (3) في ط وج‍. (1) الشجاع (بالضم): الحية الذكر، أو الذي يقوم على ذنبه ويواثب الراجل ~~والفارس. # (2) الأقرع: هو الذي تمرط جلد رأسه، لكثرة سمه وطول عمره. # (3) الزبيبتان: النكتتان السوداوان فوق عينيه، وهو أوحش ما يكون من ~~الحيات وأخبثه. وقيل: هما زيدتان في شدقي الحية. # (4) اللهزمتان: شدقاه. وقيل:: هما عظمان ناتئان في اللحيين تحت الاذنين. # (5) هذه رواية البخاري عن أبي هريرة ولفظه. أما ما خرجه النسائي فبلفظ ~~آخر عن ابن مسعود. راجع صحيح البخاري وسنن النسائي في باب الزكاة. # (6) تلظت الحية: أخرجت لسانها كتلمظ الاكل. (1) زيادة يقتضيها المقام. # (2) راجع ج 10 ص 229. # (3) لما هاجر بنو جحش من مكة إلى المدينة تركوا دورهم هجرة مغلقة، ليس ~~فيها ساكن، فباعها أبو سفيان من عمرو بن علقمة. فقال عبد الله لأبي سفيان ~~هذه الا بيان بعد فتح مكة. # (راجع سيرة ابن هشام ص 339 طبع أوربا). # (4) أي أي عيب أقبح منه. (1) في ج: هلاك الدنيا والأخرى والدين. # (2) في الأصول: الميراث. والصواب ما ذكر. # (3) راجع ج 11 ص 105. (1) راجع ج 2 ص 237. # (2) راجع ج 12 ص 339. (1) راجع ج 1 ص 431. # (2) راجع ج 13 ص 247. (1) في ه‍ وط: نسيكة. # (2) العسيب: سعف النخل الذي جرد عنه خوصه، ms6996 وهي الجريدة. # (3) في ط وب: في الحرفين. (1) كذا في الأصول والتقسيم ثمانية إلا ج فسبعة وعليها الاعتماد. # (2) مات عبطة: أي شابا صحيحا. # (3) الوكف: العيب: والبيت لعمرو بن امرئ القيس، ويقال لقيس بن الخطيم. ~~(عن اللسان). (1) قوله معطى رأسه، أي ذلول، وناج: سريع. والصهبة: أن يضرب بياضه إلى ~~الحمرة. والمتعيس والاعيس: الأبيض، وهو أفضل ألوان الإبل. والمعنى: سل ~~همومك اللازمة لفراق من تهوى ونأيه عنك بكل بعير ترتحله للسفر. # (2) وصف بعيرا بعظم الجوف، فإذا شد رحله عليه اغتال أحبله (جمع حبل) ~~واستوفاها لعظم جوفه. والاغتيال: الذهاب بالشئ. والمبين: البين الطويل. ~~وزبن: زاحم ودفع. والعرندس: الشديد. # ويروى: متين عنقه. (عن شرح الشواهد للشنتمري). # (3) الزيادة من ج وط ود وه‍. (1) كذا في كل الأصول. # (2) النمرة (بفتح فكسر): شملة فيما خطوط بيض وسود، أو بردة من صوف تلبسها ~~الاعراب. (1) الإذخر (بكسر الهمزة): حشيشة طيبة الرائحة، يسقف بها البيوت فوق الخشب. # (2) قوله: # سحولية، يروى بفتح السين وضمهما، فالفتح منسوب إلى السحول، وهو الاقصار ~~لأنه يسلحها أي يغسلها، أو إلى سحول وهي قرية باليمن. وأما الضم فهو جمع ~~سحل، وهو الثوب الأبيض النقي: ولا يكون إلا من قطن. والكرسف كعصفر: # القطن. # (3) راجع ج 7 ص 110. # (4) المهلة (مثلثة الميم): القيح والصديد الذي يذوب فيسيل من الجسد. # (5) المربد كمنبر: موضع قرب المدينة. (1) راجع ج 8 ص 218. # (2) راجع ج 6 ص 141. # (3) راجع ج 10 ص 378. (1) في ج: العبر. (1) في ج وه‍ وز. # (2) راجع سيرة ابن هشام ص 548 طبع أوربا. (1) يريد المدينة. # (2) في ج وه‍ وزوى: سدها وصلاحها. من السداد. # (3) راجع ج 3 ص 110. # (4) في ج: أمره. وفى ز: بعثه. (1) راجع ج 10 ص 108 وج‍ 11 ص 272. # (2) كذا في ج ود وه‍ وز وب، وفى أ وح‍: # لأنه غيب. # (3) الذي في الطبري أنها قراءة عبد الله، وسيأتي. # (4) راجع ج 2 ص 40. # (5) راجع ج 1 ص 334. # (6) راجع ج 2 ص 27. (1) هو مروان بن الحكم بن العاصي، وكان يومئذ أميرا على المدينة من قبل ~~معاوية. (عن شرح القسطلاني). (1) في ط ms6997 وز: سنة. وهي الرواية المشهورة. (1) الغلاب: المغالبة. أي أن المذكى يغالب مجاريه فيغلبه لقوته. # (2) كذا في الأصول. وهو اختصار من كعب بن زهير الخ. # (3) راجع ج 1 ص 224. (1) راجع ج 2 ص 191. # (2) راجع ص 2 من هذا الجزء. (1) راجع ج 17 ص 8. # (2) راجع ج 19 ص 245. # (3) راجع ج 14 ص 197. # (4) راجع ج 2 ص 171. # (5) راجع ج 10 ص 395. # (6) راجع ج 8 ص 317. # (7) راجع ج 5 ص 373. (1) أبو عبد الرحمن: كنية النسائي. # (2) الحفري (بفتح المهملة والفاء) نسبة إلى موضع بالكوفة واسمه عمر بن ~~سعد بن عبيد. # (3) في ى: المذهب. وذلك في الهامش تصحيحا. # (4) في ه‍. (1) في ا وج‍ وب وه‍ وى وط: بعبادة أخرى وهي الفكر. # (2) كذا في ه‍ وب ود وج‍ وى. وفى أ وح‍: نبه، وفى ز: ثبت. (1) راجع ج 15 ص 332. (1) الشن: القربة. # (2) مسجد الاقدام: مسجد كان بجهة مصر العتيقة قريبا من سقاية ابن طولون. # راجع المقريزي ج 2 ص 445 طبع بولاق. (1) راج ج 1 ص 276. # (2) راجع ج 2 ص 433. # (3) راجع ج 18 ص 197. # (4) في الديوان: بعد. (1) راجع ج 19 ص 6. # (2) من ه‍ وج‍ وط. # (3) راجع ج 17 ص 290. # (4) راجع ج 20 ص 140. # (5) راجع ج 7 ص 208. # (6) راجع ج 9 ص 245. (1) على قراءة نافع راجع ج 11 ص 351. # (2) هو عامر بن الطفيل، كما في اللسان. # (3) في ه‍ وى: أختبي. # (4) كذا في جميع الأصول، والذي في اللسان: وإني إن، وفى التاج: # وإني وإن. # (5) حزبه الامر: إذا نزل به مهم أو أصابه غم. (1) راجع ج 8 ص 202. # (2) في ز وه‍ ود وج‍: جزاء. (1) راجع ج 15 ص 286. # (2) راجع ص 286 من هذا الجزء. # (3) راجع ج 7 ص 329 وص 237. # (4) راجع ج 12 ص 130. # (5) راجع ج 16 ص 138. # (6) راجع ج 2 ص 215. # (7) راجع ج 13 ص 314. # (8) راجع ج 10 ص 193 وص 166. # (9) راجع ج 14 ص 321. (1) في ج وأ: كثير. # (2) النزل. بضم فسكون وبالتحريك. # (3) من ج وه‍ وى ود. وفي ب وأ: من حديث. (1) راجع ج 13 ص 297. # (2) راجع ج ms6998 2 ص 81. # (3) راجع ج 2 ص 174. (1) راجع ج 8 ص 36. # (2) من ب وج‍ وه‍ وط. # (3) في ب: المسلمين. # (4) في ب: هكذا. # (5) الصرعة بضم ففتح المبالغ في الصراع الذي لا يغلب. (1) في الأصول: لا يبرح. والتصويب من اللسان. # (2) كذا في ز وب وج‍ ود وه‍ وى وط وابن عطية وفى ا وح‍ ود أود. # (3) الفتان: الشيطان. ويروى بفتح الفاء وضمها. فمن رواه بالفتح فهو واحد، ~~لأنه يفتن الناس عن الدين. ومن رواه بالضم فهو جمع فاتن، أي يعاون أحدهما ~~الاخر على الذين يضلون الناس عن الحق ويفتنونهم. (١) هذه رواية مسلم كما في كتاب الوصية. وكذا في ز وط وى وج‍ وه‍. وفى ~~رواية: (ابن آدم) والحديث رواه الترمذي وأبو داود وأبو داود والنسائي بلفظ: ~~" إلا من ثلاث صدقة) الحديث، والبخاري في الأدب المفرد (1) رواية ابن ماجة. # (2) في ج. # (3) جرت عادة المحدثين أنه إذا كان للحديث إسنادان أو أكثر، كتبوا عند ~~الانتقال من إسناد إلى إسناد " ح " وهي حاء مهملة مفردة. والمختار أنها ~~مأخوذة من التحول لتحوله من إسناد إلى إسناد، وأنه يقول القارئ إذا انتهى ~~إليها: " ح " ويستمر في قراءة ما بعدها. وقيل: إنها من حال بين الشيئين إذا ~~حجز، لكونها حالت بين الاسنادين، وأنه لا يلفظ عند الانتهاء إليها بشئ، ~~وليست من الرواية. وقيل: إنها رمز إلى قوله: الحديث. # وأن أهل المغرب كلهم يقولون إذا وصلوا إليها: الحديث. ثم هذه الحاء توجد ~~في كتب المتأخرين كثيرا وهي كثيرة في صحيح مسلم قليلة في صحيح البخاري. ~~(راجع مقدمة النوري على صحيح مسلم). # (4) في ج: يتوجه. (1) راجع ج 1 ص 162، 182، 227. (1) راجع ص 255 من هذا الجزء. # (2) في ه‍: قال، وسائر الأصول: قاله. # (3) راجع ج 1 ص 235 و ج 2 ص 207 (4) في دوط وى وب: سبع، والمسائل ست، ~~ويبدوا ان الثالثة في قوله: # وقرا إبراهيم النخعي الخ فتكون سبعا (5) راجع ج 1 ص 136 و 161 و 226 و ~~310 و ج 2 ص 196 (1) من ب و ج وز ms6999 و ط ود. # (2) راجع ج. 2 ص 33 (3) راجع ج 2 ص 196. # (4) القصيري: أسفل الأضلاع. وقيل: الضلع التي تلي الشاكلة بين الجنب ~~والبطن. # (5) راجع ج 1 ص 301 (6) في د وى وب: تحذف. # (7) راجع ج 6 ص 47. # (8) لعل هذا أول المسألة الثالثة على نسخ سبع مسائل. (1) من ب وج‍ ود وط. # (2) راجع ج 13 ص 317. # (3) المهوى والمهواة: ما بين الجبلين ونحو ذلك. والنفنف: الهواء. وقيل: ~~الهواء بين الشيئين، وكل شئ بينه وبين الأرض مهوى فهو نفنف. # وفى النحاس: (وما بينها والكعب غوط نفانف) والغوط (بفتح الغين: المتسع من ~~الأرض مع طمأنينة). # (4) في ب وط وز. (المهذبة). # (5) وهذه قراءة حمزة. راجع ج 9 ص 357. # (6) في ط: عاص لله. (7) في ب و ج وز: كنت. (1) الرواية في صحيح مسلم كتاب الزكاة (تصدق رجل من ديناره من درهمه من ~~ثوبه من صاع بره من صاع تمرة). وليس فيها تكرار. وهي الرواية ذاتها والسند. # (2) في ب وط: قرأتها. # (3) في تهذيب التهذيب: (أبو العشراء الدارمي عن أبيه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم: (لو طعنت في فخذها لأجزأك) الحديث في الذكاة. # (4) في ج: الأرحام. # (5) في ب وج‍ وط ود وى. (1) كذا في الأصول. الأولى: فحذفت. بالبناء المجهول تأدبا. # (2) آبك: مثل ويلك. والنأيبه: الدعاء، يقال: أمت؟ بالإبل إذا صحت بهاء ~~والمصدر: الشديد الصدر. # والجأب: العليظ. والحشور: الخفيف. والجلة: المسان، وأحدها جليل. والشاهد ~~في عطف (المصدر) على المضمر المجرور دون إعادة الجار. # (3) في ج وب وز: أمر غيبة. # (4) راجع ج 10 ص 12 (5) من ز وج‍ وه‍ وى. (1) هذا عجز بيت لعقيبة الأسدي، وصدره: * معاوي اننا بشر فأسجح * أراد ~~معاوية بن أبي سفيان. شكا إليه جور عماله. واسجح: سهل وأرفق. # (2) من ز. # (3) من ابن العربي. (1) في ج وز وط: وكان شريك القاضي يعتقهم. # (2) راجع ج 10 ص 236. # (3) في ب: من. # (4) في ب وج‍ ود وط وى. (1) وهي: الفذ، التوأم، الرقيب، الحلس، النافز، المسبل، المعلى. راجع ج 2 ص ~~58 (2) راجع ج 7 ص 260 (3) الحديث (لا يتم ms7000 بعد احتلام). # (4) راجع ج 2 ص 14 (5) في ب وج‍ وط وى. # (6) الحوب: الاثم. (1) راجع أحكام الجصاص ج 1 ص 489، و ج 2 ص 49 في اختلاف العبارة. # (2) من ب وى وط. وفى غيرها: أشده. # (3) في أ وه‍: يصلح. # (4) من ب وط وى وز. (1) في ب وج‍ وى وط وه: خارج. # (2) راجع ج 3 ص 62 (3) راجع ج 18 ص 89 (4) البيت لسلمة بن الحرشب يصف ~~الحيل، يريد خيلا ربطت بأفنيتهم. والعنن: كنف سترت بها الخيل من الربح ~~والبرد، والأواصر: الأواخي والأواري واحدتها آصرة، وهو حبل يدفن في الأرض ~~ويبرز منه كالعروة تشد عليه الداية. (عن اللسان مادتي أصر وأخا). (1) محجر (كمعظم ومحدث): اسم موضع، وفى الديوان: في أجوافنا. (1) راجع ج 3 ص 62. # (2) راجع ج 19 ص 15 (3) راجع ج 20 ص 74 (4) راجع ج 12 ص 291 (5) راجع ج ~~13 ص 98 (1) هذا عجز بيت، وصدره: * يحملن أترجة نضخ العبير بها * (2) كذا في وط وى. (1) راجع ج 3 ص 72. # (2) زيادة من احكام القران لابن العربي. (1) اقعد: أقرب إلى الحد الأكبر. # (2) القعدد (بضم القاف وفتح الدال وضمها) أملك القرابة في النسب. # (3) في أ: قال. (١) حرد يحرد بالكسر حردا: قصد. # (٢) راجع ج ١٤ ص ٣١٩. # (٣) من ب وج‍ وط وز. # (٤) تبغى الناس: تطالبهم. # (٥) الذي في معاني القرآن للفراء: # وأن الغلام المستهام بذكره * قلنا به من بين مثنى وموحد بأربعة منكم واخر ~~خامس * وساد مع الاظلام في رمح معبد كذا في شرح السبيل. (1) في ه‍: بهذه. # (2) راجع ج 14 ص 212 (1) في ا: جهله الآخرون لان. الخ. # (2) في ج: أو ستة أو خمسة. # (3) كذا في ط وج‍ وب وز وه‍ وى. وفى ا: معتدة. ولعله أحق. # (4) في ط وب وج‍ وى: علماء المسلمين. (١) في ب وط: نعم الرجل. # (٢) من ب وط وه‍ وز. # (٣) هو كعب بن سوار الأزدي. # راجع أسد الغابة. # (٤) الحجل: جمع حجلة بفتحتين، وهي بيت يزين للعروس بالثياب والأسرة ~~والستور. # (٥) السبع الطول من سور القرآن وهي البقرة ~~وآل عمران ms7001 والنساء والمائدة والانعام والأعراف واختلفوا في السابعة فنهم من ~~قال براءة والأنفال عدهما سورة واحدة، ومنهم من جعلها سورة يونس. والطول ~~جمع الطولى. # وفى ب وج‍ وز وه‍: النمل بدل النحل. (1) البيت للشماخ، يمدح عرابة الأوسي. وقبله: # رأيت عرابة الأوسي يسمو * إلى الخيرات منقطع القرين (1) في اللسان مادة عول: انا تبعنا... الخ. # (2) في ج: يخيس. وفي ابن عطية رواية: # بميزان قسط لا يخيس شعيرة * ووازن صدق وزنه غير عائل (3) البيت للحطيئة. ~~وفيه شاهد آخر، وهو تذكير الثلاثة والنفس مؤنثة لحملها على معنى الشخص ~~وثلاث ذود: # أنوق كان يقوم بها على عياله ففضلت له، في ب وى وط د: نحن ثلاثة. وهي ~~رواية الأغاني ج 2 ص 173 (4) راجع ج 8 ص 106 (5) البيت لأحيحة بن الجلاح ~~وبعده: # وما تدرى إذا أزمعت أمرا * بأي الأرض يدركك المقيل (6) في ديوانها: # وما كان أدنى ولكنه * سيكفي العشيرة ما عالها (7) في ب وه‍: صبري. (1) في ط: إذا. # (2) في ب وى ط وز: حييت. # (3) الزيادة في ط وج‍ وب، وابن عطية، والبحر. (1) في ب: الشافعي. في ا: الحسن. # (2) في ط وج‍. # (3) من ج وط. # (4) من النحاس. # (5) في ج وب وط: في العشيرة. (١) سقطت جملة: أهل العلم. من ب وز ج وه‍ وط وى. # (٢) راجع ص ١٤١ من هذا الجزء. # (٣) ص ٩٨ من هذا الجزء. # (4) أو ح‍: حسن. (1) في ج وب وز وط: لم يجئ. # (2) بريرة: مولاة عائشة رضي الله عنها كانت لعتبة بن أبي لهب. # وقيل: لبعض بنى هلال، فكاتبوها ثم باعوها فاشترتها عائشة، وجاء الحديث في ~~شأنها بأن الولاء لمن أعتق. # (3) كذا في الأصول. وكان ينبغي: ويبطل ما التزمه، وقد يريد بالزيجة ~~الهيئة التي حصل عليها العقد. # (4) هي صفية بنت حيى بن أخطب، سباها رسول الله صلى الله عليه وسلم. (1) هذا عجز بيت للمخبل السعدي، وصدر: * أتهجر ليلى بالفراق حبيبها * (2) ~~راجع ج 17 ص 125 (3) في ط: أرجى. # (4) راجع ج 18 ص 97 (5) في ز: منصوبان. # (6) كذا في أ وب وج‍ وه‍، ms7002 وفى ى: يطيب للأنفس. وفى ز: لطيب. (1) كذا في ى. وفى أخرى الأصول: دراهم. ولا يتسق مع ما بعد. (1) سقط من ط. # (2) راجع ج 2 ص 257 وما بعدها. # (3) راجع ج 1 ص 205 (4) في ز: يدفعه. (1) راجع مادة سفع في القاموس والتاج. # (2) في ط: تبذيره. # (3) راجع ج 12 ص 318 (4) راجع ج 1 ص 400 (1) راجع ج 3 ص 385 (2) من ز. # (3) من ز. (1) راجع ص 82 من هذا الجزء. # (2) من ب‍ وج‍ وه‍ وى وط. (1) في العسقلاني على البخاري: أي من حاصلة إشارة إلى أنه من استنباطه مما ~~فهم من الحديث المرفوع مع الواقع. ويروى: من كيسى. ج 9 ص 440 (2) في ز: وفى ~~حديث أبي هريرة. (1) راجع ج 3 ص 371 (2) راجع 12 ص 239 (3) في ج: فحسن. # (4) في ب: ولو. # (5) راجع ج 3 ص 160 و 161 (6) في ط وج‍ وب وز: إذا ملكتم رشدكم وعرفتم ~~تصرفكم. (1) راجع المسألة الثالثة عشرة ج 1 ص 387 (2) الواو بمنى أو. # (3) في ى: ينفقه. # (4) راجع ج 12 ص 308 (1) أي عرضه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليعرف حاله. # (2) في ج وز وا: عدم. # (3) في ج وب وط: على ما روى. # (4) المواسي جمع موسى، أي نبت شعر عانته وهو الذي يجرى عليه الموسى، وهذا ~~عند بني إسرائيل كالمسلمين وكالختان. # (5) مئزره كناية عن العورة أي اسودت بالشعر والعرب تسمى اللون الأسود ~~أخضر. # (6) كان حكمه فيهم أن تقتل رجالهم وتسبى نساؤهم وذريتهم. وقد قال له صلى ~~الله عليه وسلم: (لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات). راجع ترجمته ~~في الاستيعاب. # (7) في ز وى. (1) في ط وج‍ وب وز: لا يتعلق. # (2) في ط: اختارها. # (3) راجع ج 13 ص 280 (4) تمام البيت: كأن رحلي وقد زال النهار بنا * يوم ~~الجليل على مستأنس وحد الوحد: المنفرد. (١) حبان: بفتح الحاء، وقد ذكر في ج ٣ ص ٣٨٦ وفيه: وفي عقله. وهي رواية ~~أخرى. # (٢) كذا في جميع الأصول. وهي رواية، ففي النهاية: أي ms7003 في رأيه ونظره في مصالح نفسه. (١) كذا في الأصول. وفى أحكام القرآن لابن ~~العربي: (قلنا هذا ضعيف، لأنه إذا كان جدا ولم يكن ذا جد فماذا ينفعه جد ~~النسب وجد البخت فائت). (1) في ا و ح وز: إلى. (1) راجع ج 3 ص 376 (2) في ج: في تجارة أو بضاعة. # (3) من ج. # (4) راجع ج 3 ص 65 (5) راجع ج 4 ص 231 (6) البيت لجرير يمدح بنى أمية، ~~وهنيدة: اسم لكل مائة من الإبل. (1) راجع ج 7 ص 110 (2) راجع ج 12 ص 243 (3) متأثل: جامع، يقال: مال مؤثل ~~أي مجموع ذو أصل. (1) هنأ الإبل: طلاها بالهناء، وهو ضرب من القران. # (2) لا ط الحوض: طلاه بالطين وأصلحه. # (3) راجع ص 149 من هذا الجزء. (1) الناض: الدرهم والدينار عند أهل الحجاز ويسمى ناضا إذا تحول نقدا بعد ~~أن كان متاعا. # (2) في ب وط وز: يقوت. ولا معنى له. وفى اللغة: أقات على الشئ: اقتدر ~~عليه. # (3) في ب: يأخذ. # (4) زيادة عن أحكام القران للكيا الطبري. (1) في ج: السن. # (2) هذه الزيادة لا توجد الا في أ وح‍. (1) في ب وى وط وه‍: إذا أدعى أنه دفع إلى الخ. # (2) في ب: فيما يضبطه. # (3) راجع ج 3 ص 62 (4) متأثل: جامع. # (5) ملتحدا: منصرفا. (1) كذا في ز. وهو الموضع الذي تداس فيه الحبوب، ويجمع فيه الطعام. وفى ح ~~وى وا: بذ، لعله من قولهم: تمربذ: متفرق. وفى د وج‍ وو وب وه‍ وط: بد. وليس ~~بظاهر المعنى (1) راجع ج 10 ص 58 (2) الرضخ هنا: العطاء القليل. (1) في ج: درهم سبعماية ألف. # (2) في ى: بين أنها. # (3) الرضخ: العطية القليلة. (1) سقط من ب وج‍ وز وط وى وه‍. # (2) راجع ج 12 ص 302 (3) راجع ج 16 ص 340 (4) راجع ج 9 ص 235 (5) كذا في ~~ب ود وز وط وه‍ وى. والرواية يشبه أن تكون من حديث معاذ في الصحيحين وليس ~~فيها تذكير الضمير. والله أعلم. وفي ا وج‍ وح‍: بينها. (1) البيت قيل لحسان. وقيل لأبي طالب. وتبالا: سوء العاقبة ms7004 وأصله: وبال ~~أبدلت الواو تاء. الخزانة ج 3 ش 680 (2) في ب وه‍ وط: أبا بسر، وكلاهما ~~وارد كما في التهذيب. والقصة في تفسير هذه الآية في الطبري بأوضح. # (3) في ى: أخلفه. (1) في ط: مفلسين. (1) من ج. # (2) في ى: قول الطيب. # (3) في ط وى وز: أي لا تنهروه ولا تستخفوا به. # (4) راجع ج 9 ص 188 (5) راجع ج 19 ص 75 (1) راجع ج 18 ص 272 (2) القرص: شدة البرد، والمقرود: الذي أصيب أطرافه ~~بشدة البرد حتى لا يستطيع عملا. # (3) راجع ج 20 ص 86 (4) في ج: المستعر. # (5) راجع ص 245 من هذا الجزء. # (6) الضبائر: الجماعات في تفرقة. # (7) الحبة (بالكسر): واحدة الحبو وهو بزر ما لا يقتات كبزر الرياحين. # (8) حميل السيل: ما يحمل من الغثاء والطين. # (9) في ب وج‍ وه‍ وط وزوى. (1) كذا في الدارقطني. # (2) في كشف الخفا: فلا يجدان، وفى ى لا يوجد. (1) من ز. (1) في ب: تنبيها. # (2) في ب: روى. # (3) من ب وج‍ وى وط وز. # (4) في ابن العربي: (وقعت)، وفي ى: طامة. (١) في ى: حلف له. # (٢) في ز: لا تعتبر. # (٣) هذا ما عليه الجمهور، وبعض يرى أن المسلم يرث الكافر وبه قضى معاذ ~~ومعاوية حتى قال بعض: ما أحسن ما قضى به معاوية ترث أهل الكتاب ولا يرثونا ~~كما تنكح منهم ولا ينكحون منا. راجع فتح الباري ج ١٢ ص ٤٣ ط بولاق. # (4) في ب وى: فيهم. # وفي غيرهما: فيه. # (5) راجع ج 11 ص 78 (6) راجع ج 1 ص 456 (١) ص ١٦٥ من هذا الجزء. # (2) من ى، وباقي الأصول: يحجبهن. # (3) في ب وج‍: لابنتين (4) أي واحدة فصاعدا. (1) كذا في ب وج‍ وز، وفي ط وى: دنيا أو بعدا. # (2) في أو ح‍: منهم. # (3) راجع ج 7 ص 182 (1) في ب ود وز وط وى: فوق ابنتين، للبنتين. # (2) راجع ج 6 ص 28 (3) في ى: للابنتين. # (4) راجع ج 7 ص 378 (5) الذي في سيرة ابن هشام ج 2 ص 852 ط أوربا: وارفع ~~عن العظام واخفض ms7005 عن الدماغ فانى كذلك كنت أضرب الرجال. (1) هكذا ضبطه في أسد الغابة وهامش التهذيب، وفي ج وى وط: هذيل بالذال ولا ~~يثبت. (1) استهل الصبي: رفع صوته بالبكاء عند الولادة. # (2) في ب: أهل العلم. # (3) في د وى: نورثه. (1) في ط: علامته. # (2) راجع ج 1 ص 302 (3) من ج. # (4) هكذا في جميع الأصول، والمتبادر أن البيت معطوف على سابق. (1) راجع ج 15 ص 192 (2) راجع ج 20 ص 129. (1) في ى: يدل. # (2) راجع ج 12 ص 99 (3) راجع ج 7 ص 182 (1) قوله: لا والله. أي ليس القول في هذه المسألة الذي ينبغي في هذه ~~الواقعة كما تقول. # (2) قوله: ليس هو يوحى. أي ليس الذي جرى بيني وبينك فيه نص من القران حتى ~~تحرم مخالفته والزيادة فيه أو النقصان عنه. وقوله: انما هو شئ تراه. أي ~~تقوله برأيك وأنا أقول برأيي. (عن شرح سنن الدارقطني). # (3) القتب (بكسر القاف وسكون التاء وبتحريكهما): الأمعاء. (1) في ب وى: سدسها. (1) هذا البيت من رجزا لخطام المجاشعي، وهو شاعر اسلامي. والمهمه.: القفر ~~المخوف. والقذف (بفتحتين وبضمتين): البعيد من الأرض. وفى ج: (فدفدين) وهي ~~رواية. والفدفد: الأرض المستوية. والمرت (بفتح الميم وسكون الراء بعدها ~~مثناة فوقية): الأرض التي لا ماء فيها ولا نبات. والظهر: ما ارتفع من ~~الأرض. # (2) في رواية أبى بكر. # (3) كذا في الترمذي وفى ب وى وز وط، وفي غيرها: تقرءون. ولا يصح. (1) راجع ج 10 ص 418 (2) كذا في الأصول الاد: يثبتها، وز: ثبتها. (1) الحديث: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله الا من ثلاث صدقة جارية أو علم ~~ينتفع به أو ولد صالح يدعو له). # (2) راجع ج 17 ص 66 (3) في ب: عنه. (1) الأيهقان: الجرجير البري. والذرق: بقلة وحشيشة كالقث الرطب. في اللسان: ~~قال مرة: الذرق نبات مثل الكرات الجبلي الدقاق له في رأسه قماعل صغار فيها ~~حب أغبر حلو يؤكل رطبا تحبه الرعاء ويأتون بها أهليهم وله نصال صغار لها ~~قشرة سوداء تقشر عن بياض صادقة الحلاوة كثيرة الماء يأكلها الناس. قال ~~المصحح: يسمى في ms7006 المغرب أجيز يظهر في الخصب. # (2) ومض البرق: لمع. وكلمع اليدين: كإشارة اليدين. والحبى: السحاب ~~المعترض. # والمكلل: الذي في جوانبه البرق مثل الا كليل. # (3) من ج وب وى، وفى ا و ح وط: ينسبون. (1) أراد أن أبا أغضب له إذا ظلم. وموالي الكلالة وهم الاخوة والأعمام وبنو ~~الأعمام وسائر القرابات لا يغضبون للمرء غضب الأب. # (2) الوجى: الحفى. # (3) في د وى وط وز، وفى ج وه‍ أيضا. (1) راجع ج 6 ص 28 (2) راجع ج 1 ص 371 (3) راجع ص 410 من هذا الجزء. (1) عالت الفريضة: ارتفعت وزادت سهامها على أصل حسابها الموجب عن عدد ~~وارثيها. # (2) من قولهم: هب أن أبانا كان حمارا، كما سيجئ. (1) راجع ص 165 من هذا الجزء. # (2) راجع ج 8 ص 55 (3) راجع ج 12 ص 195 (4) في أو ج: ولد. وفى ى وط وز: ~~ميراث الملاعنة. # (5) راجع ج 3 ص 49 (6) راجع ج 2 ص 257 (7) في ط: والكوفيون. (1) في ج: على. # (2) راجع ج 2 ص 271 (3) البضة: البيضاء الرخصة. والمتجرد: جسدها المتجرد ~~من ثيابها. والبيت: # رحيب قطاب الجيب منها رفيقة * بحبس الندامى بضة المتجرد (4) في ب وط وج‍: ~~عليما في أمر الميراث حليما. # (5) لم تقف على هذا في القراءات الشواذ فلا عبرة به. (1) صدره: * ألا لا أرى على الحوادث باقيا * (1) هذا صدر بيت للعجاج، وعجزه: إذا علتها نفس تردت. # (2) راجع ج 3 ص 389 (3) راجع ج 12 ص 171 (4) من أبى داود كما في ابن ~~العربي. (١) اللوث: هو أن يشهد شاهد واحد على اقرار المقتول قبل أن يموت: أن فلانا ~~قتلني، أو يشهد شاهدان على عداوة بينهما أو تهديد منه له، أو نحو ذلك. (النهاية). # (2) في ج: ولا يكون ذمية، وفى ط وى وز: ذمة. والمراد المعاهدون. وفي ~~البحر: ولا يكونوا. # (3) راجع ج 6 ص 349 فما بعد. # (4) راجع ج 12 ص 182 فما بعد. # (5) كذا في ابن عطية، والعبارة له. # وفي الأصول: عزمات. (1) كذا في ابن العربي. والأصول: كان محدودا. كلاهما ممدود. # (3) راجع ج 2 ms7007 ص 321 (3) في ج: التعزير. (1) راجع ج 13 ص 285 (2) في ز: اللذا بحذف النون اللذان بفتح النون. كذا. # (3) راجع ج 12 ص 195 (4) في ج وط وى: بلفظ. (1) الغامدية بالمعجمة: نسبة إلى غامد من جهينة. (1) العسيف (بالسين المهملة والفاء): الأجير. # (2) هو عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر، يروى عن نافع مولى ابن ~~عمر. # (3) راجع ج 8 ص 12 (4) راجع ج 2 ص 61 (5) فدك (بالتحريك): قرية بالحجاز ~~بينها وبين المدينة يومان، وقيل ثلاثة. (عن معجم البلدان). (1) كذا في الأصول. وشغب (بفتح فسكون): منهل بين مصر والشام. (عن القاموس). # (2) في الأصول بني إسرائيل. والتصحيح من ابن العربي: وفيه أجمع رأى خيار ~~بنى إسماعيل. # (3) الحجال: جمع حجلة بالتحريك، والمراد البيت، أي جردوهن من ثياب الخروج ~~يلزمن البيوت. # (4) كذا في الأصول. وهذه رواية البخاري، وفى هامش ب: نسخة: البخاري. وهو ~~الصواب. (1) راجع ج 12 ص 238 (2) راجع ج 16 ص 25 فما بعد. (1) راجع ج 8 ص 250 (2) راجع ج 11 ص 231 (3) راجع ج 6 ص 395 (4) راجع ج 4 ص ~~130 (5) راجع ج 6 ص 174 ففيها الخلاف في المسألة. # (6) راجع ج 18 ص 197 فما بعد. (1) راجع ج 6 ص 436 (2) راجع ج 16 ص 257 و ج 6 ص 414 و ج 17 ص 254 (3) ~~السوق: النزع، كأن روحه تساق لتخرج من بدنه. # (4) يقال: غلق الرهن إذا لم يقدر على افتكاكه. يريد: بادر بالتوبة قبل ~~ضياع الفرصة. (1) هذا عجز بيت لمالك بن الريب المازني. وصدره: # * يقولون لا تبعدوهم يدفنونني * (2) كذا في أ وب وج‍ وز وج‍ وط وى. وفى ~~د: السوق. والشرق بفتح الراء: من شرق الميت بريقة إذا غض به. # (3) راجع ج 1 ص 198 (1) راجع ج 3 ص 159 (1) راجع ج 3 ص 125. # (2) راجع ص 23 من هذا الجزء. (1) راجع ج 3 ص 127 (2) الأدمة: الخلطة. # (3) الغالية: نوع من الطيب مركب من مسك وعنبر وعود ودهن. # (4) من ج، ط، ز، ه‍ (1) من ms7008 ز. # (2) في ج، ه‍، ط، ى: مطبخها. (1) في ابن ماجة: ولا أصدقت امرأة من بناته الخ. (1) في ج وى: مولدا لأبي عبيد. وليس في ابن ماجة ذلك ويبدو أن لفظ أبى عبيد ~~مقحم من سرح أبى عبيد الفظة كما في التاج فليراجع في: عرق. # (2) مفحص القطاة: موضعها الذي تجثم فيه وتبيض. (1) الحرة: أرض ذات حجارة نخرة سود. # (2) راجع ج 4 ص 30 (3) الأزمل: الصوت. (1) راجع ج 3 ص 136 (2) العيبة: زبيل من أدم ينقل فيه الزرع المحصود إلى ~~الجرين. # وما يجعل فيه الثياب. # (3) راجع ج 3 ص 205 (1) من ج وى وط وز وه‍. (1) راجع ج 16 ص 154 (2) راجع ص 311 من هذا الجزء. (1) الضيزن: الذي يزاحم أباه في امرأته. # (2) في ج: من بين رضاع. (1) الربائب: واحدتها ربيبة، وربيبة الرجل: بنت امرأته من غيره. # (2) خلاس (بكسر الخاء المعجمة وتخفيف اللام). ابن عمرو الهجري. # (3) زيادة عن الموطأ. (1) أكل ورزام: رجلان وخويربان أي خاربان، وهما أكل ورزام. # (2) في ى: أخرجه مسلم. # (3) راجع ج 1 ص 112 (4) كذا في الأصول. في اللسان والسمين: والياس أبى. ~~والبيت لقصي. # وخندف أصل قريش. (1) يقال: هو ابن عمى دنية ودنيا، منون وغير منون، ودنيا بضم وقصر إذا كان ~~ابن عمه لحا، أي لاصق النسب. # (2) راجع ج 18 ص 162. # (3) في ج: خشية. (1) راجع ج 3 ص 161 (2) في ج وط: فيما. # (3) هي سهلة بنت سهيل، امرأة أبى حذيفة بن عتبة. تبنى (سالما) مولى أبى ~~حذيقة، فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، كنا نرى ~~سالما ولدا، وكان يدخل على وأنا فضل (أي في ثوب واحد وبعض جسدها منكشف) ~~وليس لنا الا بيت واحد. # فقال لها الرسول صلوات الله عليه: (أرضعيه... الخ). راجع الموطأ. # (4) راجع ج 3 ص 160. (1) الشمط: بياض شعر الرأس يخالط سواده. وقيل: اللحية. # (2) الإملاجة: المرة من الارضاع. يعنى أن المصة والمصتان لا يحرمان ما ~~يحرمه الرضاع الكامل. (1) الزيادة عن البحر لأبي حيان. # (2) من د. (1) في ج: فقهاء. # (2) قوله: يدخل بامرأته. كذا ms7009 في كل الأصول. الظاهر أنه عقد ولم يدخل. (1) جريح أحد عباد بني إسرائيل اتهموه بالزنى فبرأه الله بكلام ابن الزنى ~~أنه ابن الراعي الذي زنى بأمه. راجع ج 2 من تاريخ ابن كثير ص 134 فما بعد. # (2) راجع ج 13 ص 59 (1) في ب: بابن امرأة. # (2) راجع ج 14 ص 188 (3) في ب: يطوها. (1) من ب وج‍ وط وه‍. # (2) من ط. # (3) عن كتاب الاستذكار لأبي عمر. (1) في ب وج‍ وه‍ وط وز: الزوجة. (1) كذا في الأصول، والواو بمعنى أو كما تقدم. (1) راجع ج 11 ص 320 (2) تزن: تتهم. غرني: جائعة. والمراد أنها لا تغتاب ~~غيرها. # (3) في كتب اللغة أنه مثلث الحاء. # (4) راجع ج 6 ص 75 (5) راجع ج 12 ص 209 (١) الفتك: أن يأتي الرجل صاحبه وهو غار غافل فيشد عليه فيقتله. النهاية. # (2) صدره في الديوان: * عميرة ودع ان تجهزت غاديا * وسيأتي في ج 15 ص 52: ~~عن أبي بكر: هريرة ودع. # (3) أو طاس: واد بديار هوازن. # (4) من ب ود وط وز. # (5) من ب وى. (1) كذا في د. # (2) كذا في ب. (1) كذا في اوى وح‍ وز. وفى ب وج‍ ود وط: الترمذي عن مجاهد الخ وكلاهما ~~يجانب الصواب إذ مجاهد يروى عن عبد الله لاعن إبراهيم وليست في الترمذي في ~~الآية رواية مجاهد. في الطبري وابن كثير: الأعمش عن إبراهيم عن عبد الله. ~~وفى الطبري أيضا: حماد عن إبراهيم عن عبد الله. (1) راجع ج 18 ص 10 (1) لا يصح هذا عنهم لأنه رد للمنصوص وهو كفر، ان عنى الأباضية على عادته ~~في ادماجهم في الخوارج وهم برءاء. فالقاعدة عندهم سلفا وخلفا: كل امرأتين ~~لو كانت إحداهما ذكرا لا تحل له الأخرى يحرم الجمع بينهما في العصمة. كما ~~في (كتاب النبل وشرحه)، والحديث الأصل في هذا صحيح وأصل عندهم والله يقول: ~~(فتبينوا). # راجع الجصاص ج 2 ص 134 ففيه خلاف هذا. (1) في ط: عندهم. (1) في ب: يعم. # (2) كذا في الأصول الا ط: الزفاف. والدفاف صاحب الدف وجمع الدف الدفوف. ~~في الحديث ms7010 (فصل ما بين الحلال والحرام الصوت والدف). # (3) في ج: للآية. وفى الأصول الأخرى: فتكون الآية على هذا الوجه عموم! (1) من ج. # (2) كذا في الأصول. وفى البحر: أو الكل. وهو الظاهر. # (3) هكذا متن الحديث في كل الأصول. وهو عند أحمد وأبى داود وابن ماجة ~~والترمذي وابن حبان والدار قطني والشافعي، ونصه عند الترمذي (أيما امرأة ~~نكحت بغير اذن وليها فنكاحها باطل - ثلاثا - فان دخل بها فلها المهر بما ~~استحل من فرجها...) الحديث. وراجع الدارقطني وتعليقه ط الهند. (1) راجع ج 12 ص 105 (1) المتبادر أنه عمرو بن ميمون عن الحسن البصري. # (2) العزبة (بضم عين مهملة وزاي معجمة) التجرد عن النساء. ويحتمل أن يكون ~~بغين معجمة وراء مهملة أي الفراق عن الأوطان لما فيه من فراق الأهل (عن ابن ~~ماجة). (1) في ب وج‍ ود: (يعزر). (1) راجع ج 13 ص 271 فمن بعد. (1) الإضافة في سورة المفضل بمعنى من. (1) في ب ود وط وز وى: المناكح. وهو جمع كمقعد ومقاعد. وفى ج وأ وج‍. ~~النكاح. (1) العكلى: بالضم والسكون نسبة إلى عكل بطن من تميم. (1) في ج وط وى: في الأحرار. # (2) في ج وط: من الفقهاء في الأمصار. # (3) راجع ج 3 ص 69 (1) الهجين: الذي أبوه عربي وأمه غير محصنة، المبرد: ولد العربي، من غير ~~العربية. # (2) هو: ابن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب. (1) راجع ج 10 ص 146 (1) راجع ج 7 ص 133 وص 200 (1) في ج وط وز: المدبرة. # (2) من ب وط. # (3) في ب وج‍ وط: ويقال. (1) راجع ج 14 ص 173 (2) في ب وط: الأمة، نعمتها: فعقوبتها. # (3) في ج: ولذلك ذكر. # (4) في ب: تعين. # (5) أي حصة ونصيبا. # (6) راجع ج 12 ص 171. # (7) من ب وج‍ وط. # (8) لا يثرب: لا يونجها ولا يقرعها بالزنى بعد الضرب. (1) في ب ود: النذالة. # (2) عبارة سعيد بن جبير كما في تفسير الطبري: (ما ازلحف ناكح الأمة عن ~~الزنى الا قليلا). أي ما تنحى وما تباعد. # (3) راجع ج 6 ص 420 و ج 7 ص 19 (4) راجع ج ms7011 16 ص 13 (5) راجع ج 18 ص 85 ~~(6) راجع ج 8 ص 121. # (7) هو كثير عزة. (1) البيت لقيس بن عبادة، وبعده: # وألا يقولوا غاب قيس وهذه * سراويل عادى نمته ثمود قال ابن سيده: بلغنا ~~أن قيسا طاول روميا بين يدي معاوية أو غيره من الامراء فتجرد قيس من ~~سراويله وألقاها إلى الرومي ففضلت عنه، فقال هذين البيتين يعتذر من القاء ~~سراويله في المشهد المجموع. (عن اللسان مادة (سرل)). # (2) في ج: إذ فعلتم ذلك أعاقبكم. وفى ى: لا أكافيكم. (1) في ط وى: وفى معناه قيل: ثم بياض في ى. ولم يأت بمقول القول، ولعله ~~أراد أن يقول: (وخلق الانسان) الآية جملة حالية. # (2) في البحر: وأنا أعشق. # (3) أي الا أن أعان على القيام. (1) راجع ج 2 ص 338 (2) من ب وط وج‍ ود. # (3) كذا في ى وفي غيرها: منسوخ. (1) راجع ج 3 ص 356 وص 371 (2) راجع ج 18 ص 86 (3) راجع ج 14 ص 345 (4) ~~راجع ج 8 ص 266 (5) نسب صاحب اللسان هذه العبارة إلى أعرابي. راجع مادة ~~(قلت). والقلت بالتحريك الهلاك. # (6) بياض بالأصول. وفى الطبري: (ففي هذه الآية إبانة من الله تعالى ذكره ~~عن تكذيب قول المتصوفة المنكرين طلب الأقوات بالتجارات والصناعات والله ~~تعالى يقول: (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل الا أن ~~تكون تجارة عن تراض منكم) اكتسابا أحل ذلك لها. راجع الطبري في تفسير الآية ~~وسيأتي في ص 156 (1) راجع ج 12 ص 311 (2) في ط وج‍: بيع. (1) الحاضر: المقيم في المدن والقرى. والبادى: القيم بالبادية. والمنهي عنه ~~أن يأتي البدوي البلدة ومعه قوت يبغي التسارع إلى بيعة رخيصا، فيقول له ~~الحضري: اتركه عندي لأغالي في بيعه. فهذا الصنيع محرم لما فيه من الاضرار ~~بالغير. والبيع إذا جرى مع المغالاة منعقد. وسل ابن عباس عن معنى الحديث ~~فقال: لا يكون له سمسارا. # (عن ابن الأثير). # (2) في ط وى وب: تفضيل. # (3) راجع ج 3 ص 357 (1) أبو الوضى. (بفتح الواو وكسر المعجمة المخففة مهموز): عباد بن ms7012 نسيب. ~~(عن التهذيب). (1) راجع ج 6 ص 31 (2) راجع ص 408 من هذا الجزء. # (3) راجع ج 4 ص 166 (4) كذا في كل الأصول. (1) راجع ج 12 ص 264 (1) راجع المسألة الثالثة عشرة ج 1 ص 309 (2) هذا عجز بيت لعدى بن زيد، ~~وصدره: # * فقددت الأديم لراهشيه * (3) راجع ج 9 ص 249. (1) في ط: أو غضبه أو لعنته. (1) كذا في الأصول. وتحقيقه: أن يسب أبوي رجل. كما في الحديث والبحر. # (2) راجع ج 7 ص 296 وص 254 (3) راجع ج 9 ص 251 (4) راجع ج 10 ص 36. # (5) راجع ج 15 ص 353 (1) من ب وج‍ وط ود. # (2) راجع ص 245 من هذا الجزء وص 379 و 195 (3) راجع ج 6 ص 6 (1) راجع ص 426 من هذا الجزء. # (2) راجع ج 14 ص 185 (3) كذا ورد بالرفع في جميع نسخ الأصل وصحيح ~~الترمذي. # (4) في الترمذي: قالت كذا وكذا. (1) الأكلة (بالضم): اللقمة. وتعادني: تراجعني ويعاودني ألم سمها في أوقات ~~معلومة. والأبهر: عرق مستبطن في الصلب والقلب متصل به، فإذا نقطع لم تكن ~~معه حياة. وحديث الشاة المسمومة وأكله صلى الله عليه وسلم منها مذكور في ~~غزوة خيبر، فليراجع. # (2) من ج. # (3) راجع ص 250 من هذا الجزء. # (4) راجع ج 13 ص 316 (1) (عاقدت) قراءة نافع كما هو رسم الأصول، وستأتي قراءة غيره. (1) راجع ج 8 ص 58 (2) الرفد (بكسر الراء): العطاء والصلة. # (3) قوله: هدمي هدمك، أي نحن شئ واحد في النصرة، تغضبون لنا ونغضب لكم. # (4) في و وج‍ وز: كمثل ويقال. وفى ط: كمثل المولى الأسفل. (1) راجع ج 16 ص 234 (2) كذا في ابن عطية والبحر والأصول الا: د. فابن كيسة ~~وهو على ابن يزيد بن كيسة. ولعله الصواب كما في طبقات القراء والتاج. # (3) راجع ج 19 ص 250 (1) هو سعد بن الربيع بن عمرو بن أبي زهير بن مالك بن امرئ القيس الخزرجي ~~عقبى يدرى وكان أحد فقهاء. # الأنصار وكان له زوجتان. (عن أسد الغاية). # (2) راجع ج 11 ص 250 (1) في ب وج‍ وز وط: ms7013 جميلة بنت عبد الله بن أبي. قال في أسد الغابة: وقيل ~~كانت ابنة عبد الله وهو وهم. # (2) راجع ج 3 ص 124 (3) راجع ج 3 ص 371 (1) وفى الشواذ لابن خلويه هي قراءة طلحة بن مصرف. # (2) تسديده في ج وب وز ود. من السداد. # (3) كذا في الأصول جميعها، وهو ما ذهب إليه الزجاج كما في الآلوسي. وفى ~~النحاس: في أمورهن. # (4) يريد أو دين بها. البحر. # (5) راجع ج 17 ص 299 (1) القتب (محركة) للبعير كالا كاف - برذعة - لغيره. ومعناه الحث لهن على ~~مطاوعة أزواجهن، وأنه لا يسعهن الامتناع في الحال فكيف في غيرها. # (2) في ج وز وى: فيتقرر. # (3) كذا في الأصول. (1) في ا وح‍ وز: والأجانب. (1) واحدة العواني: الأسيرات. أي انما هن عندكم بمنزلة الاسرى. # (2) كذا في الأصول: يصح أن تكون الباء سببية. (1) من ج. # (2) راجع ج 1 ص 464 وج‍ 2 ص 143 (1) راجع ج 14 ص 301 (2) في ص 11 من هذا الجزء. # (3) في ط: والفقه. # (4) كذا في الأصول فالضمير للحاكم، أو الولي. # (5) زيادة من البحر لازمة. (1) الفئام: الجماعة. # (2) في ط وج‍ وى: تكون. (1) كذا في ابن العربي. وفى الأصول: لما عندهم. (1) في د: ما الذي ما أشبه الظاهر. # (2) من ج وط، ز، د. يريدون ما حكم إلا فيه لاغير. (1) راجع ج 11 ص 64 (2) راجع ج 15 ص 232 (3) راجع ج 20 ص 144 (1) راجع ج 11 ص 69 (1) راجع ج 8 ص 353 (2) راجع ج 2 ص 146 (3) راجع ج 10 ص 236 (1) راجع ج 14 ص 63 (2) راجع ج 2 ص 14 (3) البيت لعلقمة بن عبدة يخاطب به ~~الحارث بن جبلة يمدحه، وكان قد أسر أخاه شأسا. وأراد بالنائل اطلاق أخيه ~~شأسا من سجنه فأطلقه ومن أسر معه من بنى تميم. (عن اللسان). # (4) كذا في ز، وديوان الأعشى ط أو ربا ص 49، وفى تفسير الطبري: # * فكان حريث في عطائي جاهدا * وفى باقي الأصول: عن عطائي حامدا. (1) الصقب: الملاصقة والقرب، والمراد به الشفعة. (1) بواثقه: أي غوائله وشروره، ms7014 واحدها باثقة، وهي الداهية. # (2) راجع ج 14 ص 245 (3) هذا صدر بيت للأعشى، وعجزه: # * كذاك أمور الناس غاد وطارقة * (4) القتار (بضم القاف): ريح القدر ~~والشواء ونحوهما. (1) الكراع من البقر والغنم: بمنزلة الوظيف من الخيل والإبل والحمر، وهو ~~مستدق الساق العاري من اللحم، يذكر ويؤنث، والجمع أكرع ثم أكارع. (1) كذا في الأصول: قال. إلى. ضمنه معنى ذهب. # (2) راجع الموطأ باب (القضاء في المرافق). # (3) في الأصول: (يسمى المطلب) والتصويب عن شرح الموطأ. (1) الغيضة (بالفتح): الأجمة ومجتمع الشجر في مغيض ماء. # (2) في الطبري (كلا) وسقطت من الأصول وابن عطية. # (3) الربذة (بالتحريك). من قرى المدينة على ثلاثة أميال، بها مدفن أبي ذر ~~الغفاري رضي الله عنه. (1) ضغثان: خرمتان من حطب فاستعار هما للنار، يعنى أنهما قد اشتعلتا وصارتا ~~نارا. # (2) راجع ج 9 ص 176، 188، 222 (3) القهرمان (بفتح القاف وتضم) كالخازن ~~والوكيل، والحافظ. # لما تحت يده والقائم بأمور الرجل، بلغة الفرس. # (4) الحديث في مسلم: (ضرب غلاما له - فان كفارته). (1) أي الذي يسئ صحبة المماليك. (١) في ط: المدح. # (٢) كأنه عدل بجميع الناس. # (٣) أي فيعطف عليه قوله تعالى: (والذين ينفقون أمالهم رئاء الناس) كما في ~~اعراب القرآن للنحاس. (1) راجع ج 4 ص 290 (2) الصنفة (بكسر الصاد وسكون النون): طائفة من ~~القبيلة. وقيل: طائفة من كل شئ. (1) راجع ج 8 ص 161 (2) في ب وج‍ وز وط: فان القرين. وفى د وط: وأبصر ~~قرينه. # وهي رواية. وروى هذا البيت لطرفة. (1) راجع ج 8 ص 346 (2) راجع ج 11 ص 293 (3) في كتب اللغة أكثر من أربع، ~~منها مع المذكور: لدن ولدن. (1) الخليل بن أحمد لعله الأصبهاني. # (2) من ز وط وى. وفى غيرها: ابن كامل. # (3) بنو ظفر (محركة) بطن في الأنصار، وبطن في بنى سليم. # (4) في ابن كثير: (هذا شهدت على من أنا بين ظهرانيهم فكيف بمن لم أرهم). (1) راجع ج 20 ص 142 ولم يأت بشئ. # (2) هذه الزيادة من ج ود وى. (1) راجع ج 19 ص 183 (2) راجع ج 2 ص 153 (3) راجع ج 6 ص 401 (1) راجع ms7015 ج 3 ص 51 (2) من ج. # (3) راجع ج 6 ص 275 (4) كذا في ج، وفي ط وز وى: الا انما. (1) الحاقن: المجتمع بوله كثيرا. # (2) في ج وط وى: العشاء. وهو رواية. راجع كشف الخفاء. # ج 1 ص 87. ففيه بسط. # (3) راجع ج 12 ص 102 (4) في ج: تقربوا، تلبسوا، تنوا. (1) راجع ج 12 ص 68 (2) راجع ج 10 ص 8 (3) في الأصول: سكرت السد سددته، وفى ~~ابن عطية: سكرت الماء سددته. (1) راجع ج 3 ص 55 فما بعدها. # (2) راجع ج 6 ص 287 (3) من ج وط وى. (1) عندنا ساقط في ط. # (2) في ط وى: السكران. # (3) في ز: يجنب. في ى: يجتنب. # (4) راجع ص 183 من هذا الجزء. # (5) في ى: المجانبة. وهو المتبادر. (1) أبو عبد الله: كنية البخاري. # (2) قوله: (وذلك الاخر) أي ذلك الوجه الاخر، أو الحديث الاخر الدال على ~~عدم الغسل. # (3) جهدها: دفعها وحفزها. وقيل: الجهد من أسماء النكاح. (1) من ج وط وى. وفى ز، وأ و ح. عبر. # (2) العيرانة من الإبل: الناجية في نشاط والسرح: السريعة المشي. وشملة: ~~خفيفة سريعة مشمرة. الهزف: الجافي من الظلمان. أو: الطويل الريش. # والخاضب: الظليم إذا أكل الربيع فاحمرت ساقاه وقوادمه. (1) في هامش أبى داود ط الهند: فيهم. إليهم بعد. # (2) الخوخة (بفتح الخاء): الباب الصغير بين البيتين أو الدارين. # (3) من ج وط وى. (1) راجع ج 17 ص 223 (1) مهيم: كلمة يمانية يستفهم بها، معناها: ما وراءك وما شأنك، وما هذا ~~الذي أرى بك، ونحو هذا من الكلام. # (2) الوجه: الضرب بالسكين ونحوه. # (3) من ج. (1) الزيادة من ط وج‍ وى. # (2) من ى. # (3) ابن داسة: هو أبو بكر محمد بن بكر البصري الداسي راوي سنن أبي داود. (1) العرك: الدلك. (1) في ج: ثلاث مرات. # (2) في ا وج‍ وح‍ و و: وبيانه ألا يدلك، وفى ط وز: وبيانه الا بدال. # (3) اللمعة: الموضع لا يصيبه الماء في الوضوء أو الغسل. # (4) من ج. (1) راجع ج 20 ص 144 (2) من ج وط. (1) المكوك (كننوز): مكيال معروف لأهل العراق، والجمع مكاكيك ومكاكي، وأراد ~~به ms7016 المد. وقيل: # الصاع. والأول أشبه لأنه جاء في حديث آخر مفسرا بالمد. # (2) الاسراف عندهم من مكروهات الوضوء كما هو مدون. # (3) المريسع (مصغر مرسوع): بئر أو ماء لخزاعة على يوم من الفرع، واليه ~~تضاف غزوة بنى المصطلق. # (4) الصلصل (بضم أو له ويفتح): موضع على بعد سبعة أميال من المدينة. (عن ~~معجم البلدان). (1) الا بواء بفتح الهمزة: منزل بين مكة والمدينة قريب من الحجفة من جهة ~~الشمال على مرحلة. # (2) في ز وط: بينت الروايات أمر الخ. # (3) الضمير أولا للقلادة، وثانيا للعقد. (1) قديد: موضع بين مكة والمدينة، أو ماء. # (2) في ج. راجع ج 6 ص 80 (3) راجع ج 12 ص 99 (1) زيادة عن ابن العربي. # (2) في ج: الصحيح من مذهب الشافعي كمذهبنا، قال. # (3) من ج. و. (1) العي (بالكسر): الجهل. # (2) من ج وط. # (3) في ج: الفقهاء. (1) بئر جمل: موضع بقرب المدينة. (1) الذي في مسلم: (... من نحو بئر جمل) كرواية البخاري. # (2) في ط وز: للمقاربة. (1) الزيادة عن سنن الدارقطني. # (2) السه: الاست، وأصله الستة بالتحريك فحذفت عين الفعل، ويروى (الست) ~~بحذف لام الفعل. (1) الزيادة عن البخاري. # (2) في ج: فيما يقال. (1) من ج. (1) راجع ج 6 ص 392 (2) في ج وط: أشدها بالمعجمة. (1) من ز، ط، ح، ج. # (2) في ا وح‍: حيث. (1) في ج وط وز. (1) في ج: أو الرحل. (1) الغلوة (بفتح فسكون بعدها واو مفتوحة): قدر رمية بسهم، ويقال: هي قدر ~~ثلاثمائة ذراع إلى أربعمائة. # (2) في ج وز وط: ان وجد الماء فلم يعد أعاد أبدا. (1) كذا في ج وط وز. وفى غيرها: يجد. # (2) راجع ج 13 ص 39 (1) في ج: فلو. # (2) القائل هو عامر بن مالك ملاعب الأسنة، يعنى به ضرار بن عمرو الضبي. # (3) الشزر (بمعجمة وزاي ساكنة): النظر عن اليمين والشمال، وليس بمستقيم ~~الطريقة. وقيل: هو النظر بمؤخر العين كالمعرض المتغضب. # (4) كذا في الأصول. وفى اللسان: (المروءة). # (5) الزحاليق؟: جمع زحلوقة، وهي آثار تزلج الصبيان من فوق إلى أسفل. # (6) من ج وط. # (7) كذا في الأصول وهي رواية. والمشهور كما في ديوانه وشرح الشواهد ~~لسيبويه: (تنورتها): ms7017 أي نظرت إلى نارها من أذرعات. و (أذرعات) بلد في أطراف ~~الشام، يجاور أرض البلقاء وعمان، ينسب إليه الخمر. ويثرب: مدينة الرسول صلى ~~الله عليه وسلم وآله. (1) ضارج: اسم موضع في بلاد بنى عبس. والعرمض: الطحلب. وقيل: الخضرة على ~~الماء، والطحلب: # الذي يكون كأنه نسخ العنكبوت. وطامي: مرتفع. # (2) هكذا ورد البيت في جميع نسخ الأصل. # ولعل الرواية: انى كذاك إذا ما ساءني بلد * يممت وجه بعيري غيره بلدا (3) ~~المهمة: المفازة البعيدة. والشزن (بالتحريك): الغليظ من الأرض. # (4) البيت لرؤبة. وقد أراد بالسنخ النسخ (بالخاء المعجمة) فأبدل من الخاء ~~حاء لمكان الشح، وبعضهم يرويه بالخاء، وجمع بينها وبين الحاء لأنهما جميعا ~~حرفا حلق. والسنخ (بكسر السين): الأصل من كل شئ. (عن السان). (1) راجع ج 2 ص 325 (2) ج 6 ص 106 (3) الزيادة عن ابن العربي. # (4) في ج: (كحكم). (1) زيادة عن أبي داود، لان عبد الله بن نافع هو راوي الحديث. # (2) الزيادة عن الدارقطني. (1) راجع ج 16 ص 254 (1) راجع ج 10 ص 355 وص 406 (2) الصعيد: التراب. والدبابة يعنى الخمر. ~~والخرطوم: # الخمر وصفوتها. يقول: ولد الظبية لا يرفع رأسه، وكأنه رجل سكران من ثقل ~~نومه في وقت الضحى. # (3) الصعدات: الطرق. # (4) في ج وز وط: الفقهاء. # (5) راجع ج 7 ص 312 (1) راجع ج 17 ص 185. # (2) راجع ج 2 ص 36 (3) في ط: فيما. # (4) الوقار (كسحاب): لقب زكريا بن يحيى بن إبراهيم المصري الفقيه. (1) الجمد (بالتحرك): الماء الجامد. # (2) السحالة: برادة الذهب الخ. # (3) الصفر (بالضم): الذي تعمل منه الأواني. (1) راجع ج 6 ص 106 (1) راجع ج 6 ص 159 (2) كذا في الأصول. وفى ابن عطية: (الداودي). (1) في ج، ط: فلم يعاقب. (1) في ج، ط. # (2) في ج، ط: سمعا. # (3) راجع ج 1 ص 210 (4) راجع ج 14 ص 20 (1) تيئم (بكسر التاء): وهي لغة لبعض العرب، وذلك أنهم يكسرون حرف المضارعة ~~في نحو تعلم وتعلم، فلما كسروا التاء. انقلبت الهمزة ياء. والميم (بوزن ~~المجلس): الثغر. # (2) راجع ج 15 ص 137 (3) في ديوان ذي الرمة: (غالب) و ms7018 (يثنى). وهملان ~~العين فيضانها بالدمع. ويذري: يصيب. # (4) راجع ج 2 ص 57 (1) راجع ج 19 ص 152 (2) راجع ج 8 ص 373 (3) راجع ج 15 ص 48 (1) في ج. # (2) راجع ج 15 ص 267 (3) راجع ص 158 من هذا الجزء. (1) من ج وط (2) راجع ج 13 ص 77 (3) في ز: التنزيه. # (4) راجع ج 17 ص 105 (5) في ج: أهلها. (1) راجع ص 399 من هذا الجزء. # (2) في ج: هو. (1) راجع ج 10 ص 103 (2) راجع ج 15 ص 243 (3) قطن بن قبيصة الخ - التهذيب. # (4) في سنن أبي داود: (قال عوف: العيافة زجر الطير، والطرق الخط يخط في ~~الأرض). والذي في اللسان: (الطرق الضرب بالحصى: وقيل: هو الخط في الرمل. ~~والطيرة: بوزن العنبة وقد تسكن الياء، وهو ما يتشاءم به من الفأل الردئ. ~~والعيافة: زجر الطير والتفاؤل بأسمائها وأصواتها وممرها وهو من عادة العرب ~~كثيرا). (1) من ز وط. # (2) كربت القيد إذا ضيقته على المقيد. والمعنى: لا تعرضن لشتمنا فانا ~~قادرون على تقييد هذا العير ومنعه من التصرف. (اللسان). # (3) راجع ج 10 ص 301 (4) في ج: اذن. (1) راجع ج 15 ص 357 (2) في ج: اللذين. (1) راجع المسألة الثانية ص 53 من هذا الجزء. # (2) في ج وط وز: لضاجا. ولم نقف عليه. (1) راجع ج 10 ص 333 (2) في ج: المراد. # (3) راجع ج 9 ص 382، 385 (4) في ا و ح: صحيحا. # (5) من ج وط. (1) الخلف (بسكون اللام): الأردياء الأخساء. والمجانة: الا يبالي الانسان ~~بما صنع وما قيل له. # ويروى: يتحدثون مخانة وملاذة. والمخانة مصدر من الخيانة والميم زائدة. ~~ويشغب: يميل عن الطريق والقصد. # (2) في ج وط وز: من أهلها. (1) تقدم الحديث (القتل في سبيل الله يكفر كل شئ الا الدين) راجع ص 272 ج 4 ~~فما بعد. (1) راجع ج 3 ص 406 فما بعدها.. (1) في ج وط وز: إذا حكم أفتى. # (2) راجع ج 3 ص 332 (3) راجع ج 11 ص 201 (4) راجع ج 15 ص 140 (1) راجع ج 18 ص 10 فما بعدها. # (2) تقدم في ms7019 ص 149. # (3) عمر بن الحكم بن ثوبان أبو حفص المدني. (١) راجع ج ٤ ص ٢٢. # (٢) في نهاية ابن الأثير ولسان العرب: (ما لي أنازع القرآن). # وينازعني: يجاذبني في القراءة، ذلك أن بعض المأمومين جهر خلفه فنازعه ~~قراءته فشغله، فنهاه عن الجهر بالقراءة في الصلاة خلفه. # (3) الراووق: المصفاة. # (4) الزيادة في ج. (1) راجع ج 16 ص 192 (2) راجع ج 3 ص 160 (3) قوله: (متكئا على أريكته): # جالسا على سريره المزين، وهذا بيان لحماقته وسوء أديه كما هو دأب ~~المتنعمين المغرورين بالمال. وقال الخطابي: # أراد به أصحاب الترفه والدعة الذين لزموا البيوت ولم يطلبوا بالاسفار ~~الحديث من أهله فيرده حيث لا يوافق هواه (عن ابن ماجة). # (4) راجع ج 12 ص 322 (1) برد (بفتح الموحدة والراء): أي مات. # (2) راجع ج 18 ص 305 (3) راجع ج 4 ص 69 (4) راجع ج 8 ص 217. (1) راجع ج 8 ص 252 فما بعدها. # (2) هو مسجد بقباء، وهي قرية على بعد ميلين من المدينة على يسار القاصد ~~إلى مكة، وهذا المسجد يتطوع العوام بهدمه. (معجم البلدان). # (3) الأزدي الكوفي أرسل عن علي. (1) الجدر: وهو ما رفع حول المزرعة كالجدار. (1) عبارة ابن العربي: وكل من لم يرض بحكم الحاكم بعده فهو عاص آثم (2) ~~راجع ج 7 ص 344 فما بعدها. (1) مهزور ومذينب: واديان بالمدينة يسيلان بماء المطر خاصة. # (2) الزيادة عن كتاب (التمهيد) لأبي عمر بن عبد البر. (1) شراج: بشين معجمة مكسورة آخره جيم جمع شرجة بفتح فسكون، وهي مسايل ~~الماء بالحرة (بفتح فتشديد) وهي أرض ذات حجارة سود. # (2) في ج وط: هذا ما لم يكن. (1) راجع ج 1 ص 146. # (2) البحة (بالضم): غلظ في الصوت وخشونة. # (3) من ج. (1) راجع ج 7 ص 208 و ج 10 ص 33 (2) راجع ج 1 ص 233. و ج 2 ص 173. # و ج 4 ص 268. # (3) راجع ج 12 ص 11 (4) راجع ج 16 ص 45 ينظر: يقابل، تقول العرب: دور آل ~~فلان تنظر إلى دور آل فلان، أي هي بإزائها ومقابلة لها. (1) من ج وط وز، أي الدرجة ms7020 التي هي المعية مع اللين الخ بدليل قوله: ~~نالوهما. وفى ان ح و و: لا ينالوا الفضل. ولا يصح. # (2) في ج وط وز. # (3) راجع ج 4 ص 189 (1) راجع ج 8 ص 159 (2) راجع ج 10 ص 271 (3) العصب (جمع عصبة): # الجماعات. # (4) من النحاس. (1) راجع ج 7 ص 380 وص 40 فما بعد ج 8. # (2) راجع ج 8 ص 140 فما بعد، وص 266 فما بعد، وص 293 فما بعد. (1) في ج: جيشكم. # (2) راجع ج 8 ص 164 (3) قرأ نافع بالياء وهي ما في الأصول. (١) في ج وز. # (٢) في ج وط: القرآن. # (3) في مسلم: جهادا. ايمانا. تصديقا. # قال النووي: مفعول له. # (4) في ج: رسولي. (1) هدب التمرة تهديبا واهتدبها: جناها. الظاهر أن منهم مصعب الخ من الراوي ~~كما في أسد الغابة. (1) راجع ج 2 ص 21. (1) راجع ج 8 ص 26 (1) راجع ج 1 ص 161 (1) القيلولة: النوم في الظهيرة. وقيل: الاستراحة نصف النهار إذا اشتد الحر ~~وان لم يكن مع ذلك نوم. # (2) راجع ج 4 ص 462 (3) الشيد (بالكسر): كل ما طلى به الحائط من جص أو ~~بلاط. (1) في ج: المبنية. # (2) راجع ج 12 ص 74 (3) راجع ج 19 ص 281 (4) راجع ج 13 ص 65 (5) راجع ج ~~10 ص 9 (6) راجع ج 4 ص 226 (7) في ج وز وط: الحليم. (1) راجع ج 14 ص 178. # (2) في ج وط وز: قدره. أي القمر. كقوله تعالى: قدرناه منازل. (1) راجع ج 18 ص 7 14 فما بعدها. # (2) راجع ج 20 ص 178 (3) راجع ج 13 ص 93 (4) راجع ج 7 ص 27 (5) في اللسان ~~مادة (رفأ): # * رفوني وقالوا يا خويلد لا ترع * ورفوت الرجل: سكنته، يقول: سكنوني. ~~وقال ابن هانئ: يريد رفئوني فألقى الهمزة، قال: والهمزة لا تلقى الا في ~~الشعر، وقد ألقاها في هذا البيت، ومعناه: أنى فزعت فطار قلبي فضموا بعضي ~~إلى بعض. (1) في ج، ط، ز: وكأنهم. # (2) من ج، ط، ز. # (3) راجع ج 4 ص 237 فما بعد. # (4) راجع ج 7 ms7021 ص 150 - 151. (1) راجع ج 11 ص 287 (2) راجع ج 9 ص 294 (3) في ا، ح: أبو الحسين، وفى ج، ~~ط، ز: أبو الحسن شبيب. والذي في البحر: (أبو الحسن شيب). (1) هو الأسود بن يعفر، كما في اللسان مادة (نكر). # (2) هو الأسود بن عامر الطائي، يعاتب رجلا كما في الطبري ج 5 ص 174 طبع ~~بولاق، في البحر: وتبيبت قولي. قاتلك الخ. # (3) راجع ص 379 من هذا الجزء. # (4) راجع ديوان الهذليين ج 2 ص 190 طبع دار الكتب. (1) راجع ج 8 ص 204. # (2) راجع ج 16 ص 245. # (3) في ط و ج: للقرآن. # (4) كذا في الأصول، والإضافة للبيان وفى ابن عطية:... وظهر فيه التناقض ~~والتنافي. # (5) في ج: الرصف. هو الكلام الثابت المحكم. (1) وصف ناقته بالنشاط والسرعة بعد سير النهار كله، فشبهها في انبعاثها ~~مسرعة بناشط قد ذعر من صائد أو سبع. # والناشط: الثور يخرج من بلد إلى بلد، فذلك أوحش له وأذعر. (عن شرح ~~الشواهد). # (2) راجع ج 1 ص 1: 2. (1) في ج وط وز: كأن المعنى. # (2) أي حتى أموت. والسالفة: صفحة العنق، وكنى بانفرادها عن الموت، لأنها ~~لا تنفرد عما يليها الا به. # (3) راجع ج 4 ص 277. # (4) كذا في الأصول. وفى البحر: أمره تعالى بحث المؤمنين على القتال ~~وتحريك هممهم إلى الشهادة. (1) راجع ج 13 ص 111. # (2) التنوفة: القفر من الأرض. # (3) كذا في ز، واللسان مادة عسا، وفى الأصول الأخرى: (خزائن الأموال). # (4) هذا صدر بيت، وعجزه: # * بصخرة أو عرض جيش جحفل * (5) راجع ج 14 ص 160. # (6) راجع ج 16 ص 280. # (7) الداخر: الذليل المهين. (1) كذا في الأصول والذي في كتب اللغة: وناقة شافع الخ وشاة شفوع وشافع ~~شفعها ولدها. # (2) كذا في الأصول، والحديث (من دعا لأخيه بظهر الغيب قال الملك الموكل ~~به آمين ولك بمثل) رواية مسلم، وفي رواية: (استجيب له). # (3) وفى البحر: مستعار من كفل البعير وهو كساء. الخ. (1) راجع ج 17 ص 266. # (2) هو السموءل بن عادياء، والبيت بتمامه: # إلى الفضل أم على إذا حو * سبت انى على الحساب مقيت (1) البيت لعمرو بن معدى كرب، وقبله: ms7022 # وكل مفاضة بيضاء زعف * وكل معاود الغارات جلد (2) هو زهير بن جناب ~~الكلبي. (1) راجع ج 14 ص 36. # (2) راجع ج 17 ص 292. # (3) الولائد: الا ماء. # والا ضريج: الخز الأحمر، وقيل: هو الخز الأصفر. والمشاجب (جمع مشجب بكسر ~~الميم): عيدان يضم رموسها ويفرج بين قوائمها وتوضع عليها الثياب. (1) راجع ج 9 ص 70. (1) قال النووي: (هذه الرواية ظاهرة في أن الضمير في صورته عائد إلى آدم، ~~وأن المراد أنه خلق في أول نشأته على صورته التي كان عليها في الأرض وتوفى ~~عليها). (1) راجع ج 15 ص 228 (2) راجع ج 20 ص 168 (1) المتجالة: الهرمة المسنة. # (2) في ز: قيل. # (3) السلق (بكسر السين): نبت له ورق طوال وأصل ذاهب في الأرض وورقه رخص ~~يطبخ. (1) سقط من ج: ان صح، وثبت في ط. وفى أو ز وى: وان. وسقط: صح. (1) راجع ج 11 ص 110. # (2) ويعضد هذا قوله صلى الله عليه وسلم (السلام تحية لملتنا وأمان ~~لذمتنا). رواه القضاعي عن أنس. (1) راجع ج 19 ص 252. # (2) راجع ج 18 ص 296، (1) في ج، ط، ى: والترمذي. # (2) راجع ج 4 ص 239 فيما بعد. # (3) اجتويت البلد: إذا كرهت المقام فيها وان كنت في نعمة. (1) كذا في ط وز: وفيها: فالركس الخ. # (2) وفى اللسان: الركوسية قوم لهم دين. الخ. # (3) البيدر (بوزن حمير): الموضع الذي يداس فيه الطعام. # (4) راجع ج 1 ص 149 (1) راجع ج 8 ص 55 وص 282. # (2) راجع ج 8 ص 282. (1) راجع ج 8 ص 55 (2) راجع ج 8 ص 71 فما بعدها. # (3) جرام (جمع جارم) وهو الذي يصرم التمر ويجذه. # (4) كذا في الأصول وابن عطية. والذي في البحر والدر المصون والكشاف ~~والآلوسي: (جاءوكم بغير أو). (1) كذا في الأصول ومحمد بن يزيد هو المبرد، كما في البحر وابن عطية ~~وغيرهما. ولا يبعد أن يكون ابن يزيد هو العجلي الكوفي إذ هو أسبق من المبرد ~~بكثير. # (2) في ط وز: من أن. # (3) راجع ج 16 ص 253. # (4) راجع ج 4 ص 219. # (5) في ج وط: ان لم. (1) كذا في الأصول. ولعل صحة العبارة: عهدهم ms7023 الذي. وفى ج: الذين عاهدوكم. ~~الا أن يكون على لغة البدل من الواو. # (2) راجع ج 14 ص 223. # (3) من ج وز وط. (1) راجع ج 13 ص 219. # (2) راجع ج 6 ص 9. # (3) أصيلان: مصغرا أصلان جمع الأصيل وهو ما بعد العصر إلى المغرب. # (4) الأواري، جمع آرى، وهو حيل تشد به الدابة في محبسها. اللأى: الشدة. ~~والنؤى: حفرة تجعل حول البيت والخيمة لئلا يصل إليها الماء. والمظلومة: ~~الأرض التي حفر فيها حوض لم تستحق ذلك، يعنى أرضا مروا بها في برية فتحوضوا ~~حوضا سقوا فيه إبلهم وليست بموضع تحويض. والجلد: الأرض التي يصعب حفرها. # (5) البيت لأبي خراش الهذلي. وسقام: واد بالحجاز. الغرف (بالتحريك ~~وبالفتح والسكون): شجر يدبغ به. # (6) اليعافير: الظباء، واحدها يعفور. والعيس: بقر الوحش لبياضها، والعيس ~~البياض وأصله في الإبل فاستعاره للبقر. # (7) المرحل: ضرب من برود اليمن، سمى مرحلا لان عليه تصاوير رحل. # في ز، ج، ط: برد مرجل وليس بصحيح. (1) يقال فيه: الحارث بن زيد، كما يقال: ابن أنيسة راجع ترجمته في كتاب ~~(الإصابة). # (2) الحنة والا حنة: الحقد. في ط: لحقد. (1) راجع ج 6 ص 191. # (2) راجع ج 2 ص 246. # (3) راجع ج 17 ص 272. (1) الديوان يطلق على سجل الجندية والعطية وكل مجلس مجتمع فيه لا قامة ~~المصالح والنظر فيها: قال الجصاص في أحكامه: ويجعل ذلك في أعطياتهم إذا ~~كانوا من أهل الديوان، راجع ج 2 ص 225 من الاحكام. ففيه توضيح. وسيأتي ص ~~321 أنهم أهل الناحية الذين هم يد. (1) حويصة ومحيصة (بضم ففتح ثم ياء مشددة مكسورة، ومخففة ساكنة والأشهر ~~التشديد). # (2) في ج وط وى. # (3) في ط: الاخبار. # (4) في ط. (1) في شرح الموطأ للباجي: (قال محمد بن عيسى الأعشى في المزنية: بنت مخاض ~~وهي التي تتبع أمها وقد حملت أمها وقد حملت أمها. # وبنت اللبون وهي التي تتبع أمها أيضا وهي ترضع. والحقة وهي التي تستحق ~~الحمل. وأما الجذعة من الإبل فهي ما كان من فوق أربعة وعشرين شهرا). # (2) كذا في الأصل، والراوي خشف كما هو في الدارقطني، فعبد الله مقحم، كما ms7024 ~~يأتي. # (3) من ط وى. (1) في ج: عن الذي الخ. # (2) الزيادة عن الدارقطني. # (3) من ط وى. (1) أي الدارقطني. # (2) من ط وى. # (3) من ط وى و ج. (1) في ج: والحديث مرفوع الخ. (1) الغرة: العبد نفسه أو الأمة، وسيأتي الكلام فيها في المسألة التاسعة. (١) الفرائض: جمع فريضة، وهو البعير ~~المأخوذ في الزكاة، سمى فريضة لأنه فرض واجب على رب المال، اتسع فيه حتى ~~سمى البعير فريضة في غير الزكاة. # (2) في سنن أبي داود: (فقال أحد الرجلين). # (3) زيادة عن كتب الحديث لا يستقيم الكلام بدونها. ويطل: يهدر دمه. # (4) قال الخطابي: # لم يعبه بمجرد السجع بل بما تضمنه سجعه من الباطل. # (5) كذا في الأصول. # (6) راجع ج 7 ص 156 (1) كذا في الأصول وابن عطية. والمتبادر: أبو نجيح وهو عصمة بن عروة البصري ~~روى عن أبي عمرو وعاصم. # وأما نبيح فلم نقف عليه في القراء، وفى التهذيب: نبيح - مصغرا - بن عبد ~~الله العنزي أبو عمرو الكوفي، وفى التاج: تابعي. فهذا لم تذكر عنه قراءة. ~~والله أعلم. (1) في ج، ط: يتقوون بها. # (2) ج 8 ص 55. # (3) في ج، ط: دار. # (4) الحرقات (بضم الحاء وفتح الراء وضمها): موضع ببلاد جهينة. (1) راجع ج 8 ص 61 (2) راجع ج 6 ص 191 (3) راجع ج 2 ص 246 فما بعد. (1) الزيادة عن الدارقطني. # (2) من ج، ز. # (3) في ج: ثقل (1) راجع ج 2 ص 314 (2) راجع ج 19 ص 50 (1) في ط: المحدد. # (2) زيادة عن ابن عطية. # (3) الأهب (ضمشين جمع الإهاب): الجلد. (1) العمية (بكسر العين والميم وتشديد الياء) أي في حال يعمى أمره ولا ~~يتبين قاتله ولا حال قتله. # (2) الرميا: بكسر وتشديد وقصر، بوزن الهجيري من الرمي، مصدر يراد به ~~المبالغة. # (3) في ج: العمى. # (4) كذا في ج، ط: أي وقعوا في حرج. وفى ى: تخارج. # (5) قال أبو داود في صحيحه: (قال أبو عبيد وغير واحد: إذا دخلت الناقة في ~~السنة الرابعة فهو حق والأنثى حقه، لأنه يستحق أن يحمل عليه ويركب، فإذا ~~دخل في الخامسة فهو جذع وجذعة، فإذا دخل في السادسة ms7025 وألقى ثنيته فهو ثنى، ~~فإذا دخل في السابعة فهو رباع ورباعية، فإذا دخل في الثامنة وألقى السن ~~الذي بعد الرباعية فهو سد يس وسدس، فإذا دخل في التاسعة فطرنا به وطلع فهو ~~بازل، فإذا دخل في العاشرة فهو مخلف، ثم ليس له اسم ولكن يقال: بازل عام ~~وبازل عامين، ومخلف عام ومخلف عامين إلى ما زاد. وقال النضر بن تحميل: ابنة ~~مخاض لسنة وابنة لبون لسنتين، وحقة لثلاث وجذعة لا ربع والثنى لخمس ورباع ~~لست وسديس لسبع وبازل لثمان. (1) راجع ج 2 ص 252. (1) في ز: أله توبة؟. # (2) نازلت ربى: راجعته وسألته مرة بعد أخرى. # (3) راجع ج 13 ص 75. (1) كذا في ج والطبري والعسقلاني. وفى ا، ط، ز، ى وابن عطية: صبابة. وفى ~~القاموس وشرحه: # حبابة. بالحاء. # (2) فارع: حصن بالمدينة. (1) راجع ج 9 ص 108 (2) راجع ج 16 ص 25 و ج 8 ص 250 (3) الحديث أثبتناه كما ~~في صحيح مسلم. # (4) من ج، ط، ى، ز. (1) راجع ج 11 ص 64، وص 229، وص 287 (2) راجع ج 20 ص 184 (3) هذا عجز بيت. ~~وصدره: * ألا لا أرى على الحوادث باقيا * (4) راجع ج 1 ص 241 (1) من ج، ط، ز. (1) من ج وط وز. # (2) في ج: قال. (1) هذا عجز بيت وصدره: * واستغن ما أغناك ربك بالغنى * في ط وزوى: فتحمل ~~بالمهملة وهي رواية. # (2) من ى. # (3) راجع ج 10 ص 99 (4) في ا و ج دعوته. # (5) من ابن عطية. # (6) من ابن عطية و ج وط وز وى. وفى ا و ح: الصفح. فهو تصحيف. (1) في ج وط وى: انتظر. # (2) في ابن العربي: لا إله إلا الله محمد رسول الله. # (3) في ا و ح: # تكلف. تكلف الشئ: تجشمه على مشقة وعلى خلاف عادته. # (4) من ج. # (5) أي الحديث. (1) راجع ج 8 ص 45 (2) من الأصول. # (3) في ج: ولولا الايمان الذي ظهر لم يعب. (1) راجع ج 1 ص 193. # (2) راجع ج 1 ص 198. (1) الكتف: عظم عريض يكون في أصل كتف الحيوان من الناس والدواب كانوا ~~يكتبون فيه لقلة القراطيس ms7026 عندهم. # (2) راجع ج 4 ص 215. وراجع ج 8 ص 292. (1) في نسخ الأصل اختلاف في هذه العبارة والذي أثبتناه هو ما في ابن عطية، ~~وهو الواضح. # (2) الصائفة: الغزوة في الصيف. (1) الحضر (كقفل): ارتفاع الفرس في عدوه. (1) أي ألزموا باخراج جيش لقتال أهل الشام في خلافة عبد الله بن الزبير على ~~مكة (عن شرح القسطلاني). # (2) كذا في كل الأصول. والذي في البخاري على العسقلاني: يكثرون سواد ~~المشركين على رسول الله. (1) راجع ج 14 ص 92 (2) الأولى: فحذفت، وأضيف. تأدبا مع الله سبحانه. # (3) راجع ج 6 ص 314. # (4) في تهذيب التهذيب حرف اللام: (الأخوات الأربع مؤمنات). # وفى ط: الأخوات المؤمنات. (1) في ابن عطية: المتزحزح عما يكره. (1) التنعيم: موضع قرب مكة في الحل، يعرف بمسجد عائشة. منه يحرم بالعمرة ~~المعتمر. # (2) كذا في ابن عطية والأصول الا ج ف: جابر. ولعل ابن جابر هو عبد الرحمن ~~بن جابر بن عتيك الا نصارى أو أخوه محمد. (1) كذا في الأصول. والذي في ابن العربي: (حيث كان أسلم في دار الحرب وجب ~~عليه الخروج إلى دار الاسلام). # (2) راجع ج 7 ص 12 (3) راجع ج 13 ص 339، وص 265 (4) راجع ج 15 ص 97 (5) ~~راجع ج 3 ص 230 (6) راجع ج 14 ص 9. # (7) الزيادة عن ابن العربي. (1) راجع ج 2 ص 413 (2) أرصده يرقبه. والمدرجة (بفتح الميم والراء): ~~الطريق. # (3) رببت الامر: أصلحته ومتنته. (1) في ج وط: الحديث. # (2) راجع ص 135 من هذا الجزء. # (3) نص الحديث (صدقة تصدق الله بها عليكم...) الحديث كما في الصحاح ~~والطبري والجصاص، وغيرها. # وسيأتي. وفى الأصول: (تلك صدقة...) وفى ج: (تصدق الله بها على عباده). (1) أحد رواة سند هذا الحديث. # (2) في ج، ز: يقع به الفرق. # (3) في ط: شرعا فيه. # (4) رئم (بكسر أوله وهمز ثانيه وسكونه وقيل بالياء من غير همز): واد ~~بالمدينة. (1) كذا في كل الأصول. # (2) من ج وط. (1) راجع ج 2 ص 277 (2) هذا حديث رواه أحمد والبيهقي بلفظ (ان الله يحب أن ~~تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه). # (3) راجع ج 6 ص ms7027 37 (4) في ج وط: وقيل سبعة. (1) في ج وط وز: أضعاف. # (2) جمع: عزم. # (3) يريد قوله صلى الله عليه وسلم: # (أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب). # (4) في ج وط. # (5) راجع ج 9 ص 59 (1) في ز. # (2) قيل: ستة أشهر. # (3) الذي ثبت أن عثمان رضي الله عنه أتم بمنى لأنه تزوج بمكة ومنى من ~~أحوازها فقد قال حين أنكر عليه الصحابة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول (من تزوج من بلد فهو من أهلها) وأنا متزوج من أهل مكة. # راجع الجصاص ج 2 ص 254 (4) في ز وط: غليه. (1) من ط وى. # (2) راجع ج 14 ص 121 (3) راجع ج 9 ص 73 (4) في ج، ز، ط. # (5) في ج وط وى: قالت. # (6) زيادة عن سنن النسائي. (1) ذو قرد (بفتح القاف والراء والدال المهملة): موضع على نحو يوم من ~~المدينة. # (2) في ج، ز، ط، ى: يوم حارب حيصة. وفى البخاري: غزوة محارب خصفة من ~~ثعلبة. كذا في ابن عطية: # وهي غزوة ذات الرقاع، وبنى ثعلبة، وبنى أنمار، ومحارب واضافتها تمييز لو ~~جود محارب أخر. # (3) ضجنان (بالتحريك أو بسكون الجيم): جبل بتهامة: وقيل: جبيل على بريد ~~من مكة. الواقدي: بين ضجنان ومكة خمسة وعشرون ميلا. # (4) عسفان (بضم أوله وسكون ثانيه): منهلة بالطريق بين الحجفة ومكة. أو ~~قرية جامعة بها منبر ونخيل ومزارع على ستة وثلاثين ميلا من مكة، وهي حد ~~تهامة. (معجم البلدان). # (5) في ج وط وى. (1) كذا في بعض الأصول، وهو الصواب. كما في ابن عطية قال: ويصلى ركعة واحدة ~~حيث توجه إلى تكبير تين إلى تكبيرة. في ج وط: تكبيره. والتصويب من ى. # (2) راجع ج 3 ص 223 (3) من ج، ط، ز. # (4) من ز. # (5) كذا في الأصول. ولعله: قالوه. # (6) من ج، ط، ى. (1) في ج وط: (قصمتين). (1) راجع ج 3 ص 223 (2) راجع ج 8 ص 244 (3) راجع ج 12 ص 322 (4) من ج وط ~~وز. (1) راجع ج 7 ص 12. # (2) كذا في ج. والذي في ا و ح وط وز وى: ms7028 وصلى غيره خلف غيره. # (3) وجاء (مثلث الواو) أي مقابلتهم وحذاءهم. (1) في ى: فصل راكبا أو قائما تومئ ايماء. # (2) راجع ج 3 ص 123. # (3) من ى. (1) من ج، ط، ز. # (2) ليلة الهرير كأمير من ليالي (صفين). # (3) الخيف (بفتح الخاء): مصدر من مصادر (خاف) يقال: خاف يخاف خوفا و خيفة ~~ومخافة وخيفة (بالكسر). # (4) راجع ج 3 ص 223 (1) بلد بالأهواز منها عبد الله بن سهل الزاهد. # (2) بطحان: واد بالمدينة. (1) قرية قريبة من المدينة. # (2) في ز: على وجهه. (1) راجع ج 2 ص 431 (2) راجع ج 6 ص 243 (1) راجع ج 8 ص 23. # (2) راجع ج 3 ص 223. # (3) راجع ج 4 ص 216 (4) زيادة لازمة. (1) راجع ج 4 ص 217 (2) من ج. # (3) راجع ج 18 ص 303 (4) راجع ج 16 ص 160 (5) المشربة (بفتح الراء ~~وضمها). # (6) في ج وى وط. وفى ا و ح وز: يشكوه. (1) من ج وى وط. (1) كذا في ز. وفى ج وى وط: استزلالهم. (1) راجع ج 14 ص 113 (2) راجع ج 8 ص 382 (3) مجدول الخلق: لطيف القصب محكم ~~الفتل: # (4) كذا في ج، ط. وفى ا و ح، ز وى: الجناية. (1) راجع 9 ص 290 (2) راجع ج 17 ص 289 (3) في ط وز وى: حشك. وفى ج، جيبك. (1) راجع ج 4 ص 38. # (2) كذا في ا و ج، ز، ط، ى. وفى ج: خلفته. (1) كذا في ا وفي ج وز وط وى: ما لم يتعمد خاصة. وفى ح: ما لم تتعمد. # (2) من ج. راجع ج 1 ص 402 (3) راجع ج 13 ص 330. # (4) البهت الدهش والتحير من فظاعة ما رمى به من كذب. # (5) راجع ج 3 ص 286. # (6) في ج: بهوت. (1) من ج. # (2) البيت لأوس بن حجر. ويروى لعبيد. والعقوة: الساحة وما حول الدار ~~والمحلة. والقرواح: # البارز الذي ليس يستره من السماء شئ. في ى حاشية: الناقة الطويلة وكذلك ~~النخلة الطويلة، يقال لها قرواح. # (3) راجع ج 10 ص 272. (1) في كل الأصول: جوائزه. (1) السراح: التعجيل. # (2) راجع ج 3 ص 311 (3) من ج، ط، ى، ز. # (4) راجع ms7029 ج 17 ص 294 فما بعد. (1) راجع ج 1 ص 160 (1) في ج: وأتى مع كل منهم شيطان يتزايا الخ. وفى ط: شيطانة تتزايا. وفى ز: ~~(شيطانة تغر) أي السدنة الخ. # (2) من ج وط. # (3) راجع ج 19 ص 155 (4) راجع ج 8 ص 119 (5) راجع ج 1 ص 90 (1) راجع ج 2 ص 25 (2) من ط. # (3) من ج وط (4) راجع ج 2 ص 188 (5) عمار البيوت: سكانها من الجن. وفى ~~ابن عطية: المفروض معناه في هذا الموضع: المنحاز، من الفرض وهو الحز في ~~العود وغيره. (١) هذا عجز بيت، وصدره * حتى إذا ماهوت كف الغلام لها * (٢) في ا و ح: ~~التفسير. وهو تصحيف وصوابه ما أثبتناه من ج وط وابن عطية، والزيادة منها ~~أيضا. # (٣) اجتالتهم: استخفتهم فجالوا معهم في الضلال. # (٤) نتجت الناقة (من باب ضرب): إذا ولدتها ووليت نتاجها. وفى النهاية: هل تنتج إبلك. أي تولدها وتلي ~~نتاجها. (1) صرم: (جمع صريم)، وهو المقطوع الاذن. وفى ج وط وز: حرم. # (2) أي تأمل سلامتهما من آفة تكون بهما، وآفة العين عورها، وآفة الاذن ~~قطعها. أو من الشرفة و هي خيار المال. أي أمرنا أن نتخيرها. # (3) كذا في الأصول. في ابن العربي: (تعليق الحال بالدين). # (4) عن ابن العربي. # (5) في ا و ح: انقطع عن الأنثى. وفى ط و ج وز: انقطع أصله. # والمثبت من ابن العربي. (1) في ج، ط، ز: هو مما خلق الله. # (2) صبر الانسان وغيره على القتل: هو أن يحبس ثم يرمى بشئ حتى يموت. # (3) كذا في كل الأصول بالدال المهملة، ولعله أبو عبد الله محمد بن عبد ~~الله المعذل بالمعجمة. # (4) كذا في الأصول وكثير من الكتب. وصحته الرواية كما في البيهق (تناكحوا ~~تكثروا فانى أباهي بكم الأمم يوم القيامة) راجع كشف الخفا ج 1 ص 318 (5) ~~راجع ج 16 ص 292 (1) في ج: اتق الله. # (2) في ج: ما يشبهه. # (3) من ج. # (4) الزيادة عن صحيح مسلم. # (5) راجع ج 18 ص 18 (6) النئور: دخان الشحم. # (7) كذا في ابن العربي و ج، ط، ms7030 وهو مثلث الراء. (1) في ج: الشباب. # (2) من ج وط. (1) هكذا في الأصول. وفى صحيح مسلم: (برأسها). # (2) مريسا (بضم العين وفتح الراء وتشديد الياء المكسورة) تصغير عروس ~~والعريس يقع على المرأة والرجل عند الزواج. وتمرق: اتتثر وتساقط. # (3) في ج: وصل الشعر. # (4) من ج، ط. (1) من ج، ط. # (2) راجع ج 7 ص 314 (3) كذا في الأصول. وحقه الافراد. ولعل الضمير يعود ~~لطاوس وابن العربي. (1) من ج، ط. # (2) قراءة نافع. راجع ج 14 ص 288 (1) يروى بالياء والباء (التقريب). # (2) فجئه الامر وفجأه (بالكسر والفتح): هجم عليه من غير أن يشعر به. # (3) من ج وط. # (4) من ج. # (5) هو ابن سليمان الكلابي، عن إسماعيل بن أبي خالد، التهذيب. (1) أبو زهير هو معاذ بن رباح الثقفي كذا في أسد الغابة، وفى التهذيب: أبو ~~زهرة. # (2) للأواء: الشدة والمحنة. # (3) عبارة الترمذي: وقد روى هذا الحديث من غير هذا الوجه. # (4) راجع ج 3 ص 420 (5) راجع ج 15 ص 322. (1) من ج وط وز. # (2) راجع ج 2 ص 139 (1) من ج. (1) من ط. # (2) راجع ج 3 ص 6 وص 51. # (3) راجع ج 11 ص 245. # (4) راجع ص 12 وما بعد ها من هذا الجزء. (1) من ج. # (2) كذا في بعض الأصول، وهي قراءة نافع. (1) في ج: نوبتي. # (2) من ط و ج. # (3) من ج. (1) في ج: أن تؤثر الزوج أو على أن تؤثر الخ. راجع ج 2 ص 271 (1) راجع ج 18 ص 144 (2) الزيادة عن ابن عطية. # (3) من ج 4 ص 292 (1) راجع ج 4 ص 292 (2) راجع ج 14 ص 214 (3) في ا وز وط: في تعليق. (1) العشنق: الطويل الممتد القامة، أرادت أن له منظرا بلا مخبر. # (2) راجع ج 12 ص 241 (3) راجع ج 1 ص 161 (1) من ج. # (2) راجع ج 16 ص 258 (3) في ج: محدث. (1) راجع ج 6 ص 8 (2) راجع ج 9 ص 15 (3) من ج وط. # (4) راجع ج 18 ص 194 (1) غبارة ابن العربي: (... الوالد والأخ لأخيه... الخ). # (2) من ج. (1) من ج وط. # (2) راجع ج 3 ص 389 ms7031 وما بعدها. # (3) راجع ج 8 ص 232 (1) من ج، ط. # (2) في ج: إذا اختصم. # (3) الضلع: الميل. # (4) من ج، ط. # (5) راجع ص 71 من هذا الجزء. # (6) راجع ج 15 ص 188 (1) من ج، ط، ز. # (2) من ج، ط والنحاس. # (3) في ج: فتستوي. (1) الزيادة عن صحيح مسلم وط. # (2) من ج وط. # (3) راجع ج 3 ص 47 (4) بفك الادغام قراءة نافع. راجع ج 3 ص 40 (5) راجع ج ~~1 ص 198، 238 (1) راجع ج 7 ص 12 (1) في ج: موضع. # (2) من ج وط. # (3) راجع ص 194 من هذا الجزء. # (4) راجع ج 6 ص 431 (1) راجع ج 17 ص 305 (2) من ى وط و ج. # (3) كذا في ج وفي ا وط وى وابن عطية يثيع، وفي التهذيب: يسيع - بالتصغير ~~- ابن معدان الخ ويقال فيه: أسيع، وفى القاموس وشرحه: (أثيع) كزبير أو ~~(يثيع) يقلب الهمزياء. # (4) من ج وط. (1) من ج وى. # (2) راجع ج 16 ص 30 (3) في ج: بين. (1) من ط وى. # (2) زيادة عن ابن العربي. # (3) في ط: ثبتت. والسبيل تذكر وتؤنث وتأنيثها أفصح. (1) كذا في ج وط وى وز. وفي ا و ح: يد. # (2) راجع ج 1 ص 195 (3) في ج: مجازاته. # (4) راجع ج 17 ص 245 ففيه بحث. # (5) في ج وط وى: أنصبهم. # (6) راج ج 3 ص 312 (1) راجع ج 12 ص 10 (2) من ج وط وى. وفى أو ح وز: الحسن. # (3) راجع ج 1 ص 170، وص 103 - 4 ج 12. (1) راجع ص 180 فما بعد من هذا الجزء وص 212 ج 20. # (2) في الأصول: الممتر. والتصحيح من ابن عطية وفى الراغب: الذبذبة حكاية ~~صوت الحركة للشئ المعلق ثم استعير لكل اضطراب وحركة. # (3) العائرة: المترددة بين قطيعين لا تدرى أيهما تتبع. (1) راجع ج 4 ص 178. # (2) راجع ص 344 من هذا الجزء. # (3) من ج وز وى. # (4) راجع ج 6 ص 398 (5) راجع ج 15 ص 318 (1) في ج: التسوية. # (2) في ج: ومسلم. # (3) كذا في الأصول. وفى البحر: لم يحكم عليهم بأنهم المؤمنون الخ. تنفيرا ~~مما كانوا عليه ms7032 من عظم كفر النفاق. # (4) راجع ج 17 ص 26 وص 125 و ج 20 ص 126 (1) راجع ج 7 ص 398 (2) راجع ج 13 ص 84 (3) راجع ج 16 ص 268 (4) راجع ج 14 ~~ص 259 (5) راجع ج 8 ص 324 (6) راجع ج 1 ص 397 (7) البروق: ما يكسو الأرض من ~~أول خضرة النبات. وقيل: هو نبت معروف. (1) كذا في الأصول: نهى، والظاهر ثبوت الواو: خبر. # (2) في و، ا: حل بيني. (1) راجع ج 9 ص 64. # (2) راجع ج 2 ص 360. # (3) في ج وز: دعا. # (4) أي السارق. # (5) في ى: المعنى. # (6) اللي: المطل. الواجد: القادر على أداء دينه. # (7) من ج وز وك. (1) في ز: تسلط. # (2) الصنو: المثل. (1) راجع ج 4 ص 207. # (2) من ز. # (3) راجع ج 16 ص 38. (١) راجع ج ٢ ص ٩٢ (٢) في ك: ولو قال. أي في غير القرآن. (1) راجع ج 1 ص 403. # (2) من ز. # (3) راجع ج 1 ص 396 (4) راجع ج 11 ص 23. # (5) من ز. (1) راجع ج 1 ص 410: ص 436 (2) راجع ج 1 ص 439 (3) أي فيما قرأ به ورش. # (4) في ز: يدفعه. # (5) راجع ج 4 ص 248 (1) راجع ج 1 ص 246. # (2) من ك. # (3) راجع ح 15 ص 339. # (4) راجع ح 2 ص 25. # (5) في ج: ر د. # (6) راجع ج 1 ص 185. # (7) راجع ج 5 ص 243 وص 381. # (8) من ز. (1) راجع ج 4 ص 88 (2) راجع ج 4 ص 100 (1) اليعافير: أولاد الظباء واحدها يعفور. والعيس بقر الوحش لبياضها والعيس ~~البياض وأصله في الإبل استعاره للبقر. # (2) راجع ج 4 ص 99 وما بعدها (3) في ج، ز، ك: نطوس بن أستينانوس. (1) أي قرب قيام الساعة. (1) راجع ج 7 ص 124 (2) راجع ج 4 ص 134 وما بعدها. # (3) راجع ص 75 من هذا الجزء. (1) يلاحظ هذا على شهرته، مع ما صح أنه صلى الله عليه وسلم أمر بتفريق سبعة ~~دنانير كانت له عند عائشة رضي الله عنها وهو في حال الاحتضار. راجع نهاية ~~الإرب ج 18 ص 380 (2) راجع ج 4 ص 16 ms7033 وما بعدها. (1) قوله: (الظاعنين ولما يظعنوا أحدا) أي يخافون من عدوهم لقلتهم وذلهم ~~فيظعنون، ولا يخاف منهم عدوهم فيظعن عن دارهم خوفا منهم. وقوله: (لمن دار ~~نخليها) أي إذا ظعنوا عن دار لم يعرفوا من يحلها بعدهم لخوفهم من جميع ~~القبائل. والبيتان لابن خياط. # (2) البيتان لخزنق بنت عفان من بني قيس، وصفت قومها بالظهور على العدو، ~~ونحر الجزر للأضياف والملازمة للحرب: والعفة عن الفواحش. # (3) في الأصول: محمد بن يزيد. # (4) راجع ج 11 ص 215. # (5) راجع ج 246 من هذا الجزء. # (6) في الطبري (بابن أختي). (1) من ك. # (2) في ج وز. # (3) أخنوخ: (بفتح الهمزة) وحكى صاحب تاج العروس عن شيخه (بالضم). # (4) لمك: بفتحتين. وقيل: (بفتح فسكون). (روح المعاني). أين هذا مع قوله ~~تعالى: # إن الله اصطفى آدم. وما روى أن شيث بن آدم أنزل عليه خمسون صحيفة. مصححه. # (5) متوشلخ (بضم الميم وفتح التاء الفوقية والواو وسكون الشين المعجمة ~~وقيل: بفتح الميم وضم المثناة الفوقية المشددة وسكون الواو ولام مفتوحة ~~وخاء معجمة (روح المعاني). (١) يوبب: (بمثناة تحتية وواو موحدتين) بوزن جعفر. (روح المعاني). # (٢) في ز: ثم خضرون. # (٣) في ز: ثم إلياس ثم بشير الخ. ولا يعرف في الأنبياء بشير. # (٤) ذكروا من أنبياء العرب حنظلة ابن صفوان رسول إلى أصحاب الرس. وخالد ~~بن سنان العبسي. # (٥) راجع ج ٢ ص ٣٦. # (٦) راجع ج ١٤ ص ١٢٦ (٧) راجع ج ٤ ص ٦٢ (٨) الزيادة عن (إعراب القرآن) للنحاس. (1) راجع ج 11 ص 330. # (2) البيتان للربيع بن ضبع الفزاري، وهو أحد المعمرين، وصف فيهما انتهاء ~~شبيبته وذهاب قوته. (1) راجع ج 10 ص 230. # (2) راجع ج 11 ص 264. # (3) في ك: مائة. # (4) هذه الرواية نسبها (البحر) و (روح المعاني) إلى كعب الأحبار. (1) من ك. # (2) من ز. # (3) في ك: صفاته. (1) اللدات (جمع لدة كعدة): الترب، وهو الذي ولد معك وتربى. # (2) الاطراء: مجاوزة الحد في المدح والكذب فيه. (1) في ج: ذكره. # (2) من ك. # (3) راجع ج 4 ص 88 (4) راجع ج 18 ص 3 2 (5) راجع ج 14 ص 76 (6) في البحر: ~~ألقاها إلى مريم أوجد ms7034 هذا الحادث في مريم وحصله فيها. # (7) راجع ج 2 ص 110 (1) بروحك: بنفخك. (واقتته لها قيتة): يأمره بالرفق والنفخ القليل في ~~النار. وأن يطعمها حطبا قليلا قليلا. # (2) راجع ج 16 ص 160 (3) راجع ج 17 ص 308، ص 232 (4) راجع ج 10 ص 322 (5) ~~من ك. (1) في ج وز مفتونون. # (2) كذا في الأصول: والذي في كتاب (الملل والنحل) الملكانية أصحاب ملكا ~~الذي ظهر ببلاد الروم واستولى عليها. في (صبح الأعشى) الملكانية هم اتباع ~~ملكان الذي ظهر ببلاد الروم، فهو ملكا أو ملكان. وسيأتي ذكر الملكانية ص ~~118 (1) راجع ص 116 من هذا الجزء. # (2) البيت لعمر بن أبي ربيعة، و (سرحتا مالك): موضع بعينه: والسرحتان ~~شجرتان شهر الموضع بهما، والربا: جمع ربوة وهي المشرف من الأرض. # (3) في السمين: لان تقدير إن تؤمنوا يكن الايمان خيرا لكم. # (4) في ك تنزيه. # (5) من ز. (1) من ز. # (2) في مختصر الشواذ لابن خالويه: إن يكون بكسر الهمزة ورفع يكون. الحسن ~~وقتادة وأبو وافد يجعل إن بمعنى ما. # (3) راجع ج 9 ص 27. # (4) راجع ج 1 ص 289. (1) في ج: من نكف. # (2) في ج وز. # (3) راجع ج 4 ص 156 (1) من ك. # (2) راجع ج 3 ص 375. # (3) راجع ج 5 ص 76 وما بعدها. # (4) من ج وز وك. # (5) راجع ج 15 ص 34 (١) من ك. # (٢) الزيادة عن (إعراب القرآن) للنحاس. # (3) راجع ج 9 ص 245. (1) راجع ج 1 ص 229. (1) راجع ج 8 ص 266 (2) راجع ج 17 ص 112 (3) هو طفيل الغنوي وقلاص النجم: # هي العشرون نجما التي ساقها الدبران في خطبة الثريا كما تزعم العرب. # (4) كذا في الأصول وفي حاشية الجمل عن القرطبي: عقدت الغل. # (5) العناج: خيط أو سير يشد في أسفل الدلو ثم يشد في عروتها: والكرب ~~الحبل الذي يشد على الدلو بعد المنين، وهو الحبل الأول: فإذا انقطع المنين ~~بقى الكرب. وقيل: غير هذا. وهذه أمثال ضربها الحطيئة لايفائهم بالعهد. # (6) راجع ج 4 ص 304 (7) في ز: ويعم أمة محمد صلى الله عليه وسلم. # وفي حاشية الجمل عن ms7035 القرطبي: وهم من أمة محمد. الخ. قلت: يعني أمة غير ~~الإجابة. مصححه. (1) من ج وز. # (2) في الروض الأنف: لو دعيت إليه. (1) في مفردات الراغب: أن تسمية الإبل بذلك لأنها عندهم أعظم نعمة. ولا ~~يقال لها أنعام حتى يكون في جملتها الإبل. # (2) راجع ج 10 ص 68. وص 152. # (3) راجع ج 7 ص 111. (1) رواية مسلم والنسائي: (كل ذي ناب من السباع فأكله حرام). # (2) راجع ج 18 ص 17. # (3) راجع ج 10 ص 36. (1) الزيادة عن ابن عطية. # (2) هو المضرب بن كعب بن زهير. # (3) راجع ج 9 ص 334. (1) البيت كما رواه اللسان وفي أ و ج وز: نقاتلهم - بهم نتقرب. # (2) راجع ج 12 ص 56. (١) السراية: هي من قول الفقهاء. سرى الجرح إلى النفس أي دام ألمه حتى حدث ~~منه الموت. كما يستفاد من المصباح. (1) سرد: متتابعة. # (2) راجع ج 8 ص 71. # (3) راجع ج 2 ص 365. # (4) راجع ص 312 من هذا الجزء. (1) لحاء الشجر: قشره. (1) في التهذيب: (ابن بنت أبي لبيبة). # (2) راجع ج 20 ص 165. (1) راجع ج 8 ص 71 وص 103. # (2) أي لحاء شجر الحرم. (1) في ز: الكندي وفي أسباب النزول للواحدي: نزلت في الخطيم واسمه شريح بن ~~ضبيع الكندي. # (2) السرح: المال السائم. # (3) رجل حطم وحطمة: إذا كان قليل الرحمة للماشية يهشم بعضها ببعض. # (4) الوضم: كل شئ يوضع عليه اللحم من خشب أو حصير يوقى به من الأرض. # (5) الزلم: (بفتح الزاي وضمها) القدح، والجمع الأزلام وهي السهام التي ~~كان أهل الجاهلية يستقسمون بها. # (6) خدلج الساقين: عظيمهما. # (7) خفاق القدم: عريض صدر القدمين. # (8) القضية: قضاء العمرة التي أحصر عنها. # (9) في ج وز: الكعبة. # (10) راجع ج 8 ص 136. (1) راجع ج 8 ص 71. # (2) راجع ج 18 ص 108. # (3) راجع ج 3 ص 90. # (4) هو أبو أسماء بن الضريبة ويقال: هو عطية بن عفيف. وطعنت (بفتح التاء) ~~لأنه يخاطب كرزا العقيلي ويرثيه وقبل البيت: يا كرز إنك قد قتلت بفارس * ~~بطل إذا هاب الكماة وجببوا وكان كرز قد طعن أبا عيينة وهو حصن بن حذيفة بن ~~بدر الفزاري. (اللسان). (1) راجع ج 2 ص 356 ms7036 وما بعدها. # (2) هو أبو خراش الهذلي يذكر عقابا شبه فرسه بها والناهض فرخ العقاب ~~والنبق أرفع موضع في الجبل. # (3) الودك: دسم اللحم. # (4) عكل (بالضم): أبو قبيلة فيهم غباوة اسمه عوف بن عبد مناة حضنته أمة ~~تدعى عكل فلقب بها. (القاموس). # (5) راجع ج 10 ص 120. (1) في ز: فيعلمهم ويفتيهم. وفيها: كاليد الواحدة تتكافؤ دماءهم الخ. # (2) تفسير (للإثم) كما في (ابن عطية). (1) كذا في الأصول وهي سبع وعشرون. # (2) راجع ج 2 ص 216 وما بعدها. # (3) الشغارة: هي الناقة ترفع قوائمها لتضرب. الفطر: الحلب بالسبابة ~~والوسطى ويستعين بطرف الابهام. # وخلفا الضرع المقدمان: هما القادمان وجمعه القوادم. والابكار تحلب فطرا ~~لأنه لا يستمكن أن يحلبها ضبا لقصر الخلف لأنها صغار. # (4) المعراض: سهم يرمى به بلا ريش وأكثر ما يصيب بعرض عوده دون حده. # (5) خزق السهم: نفذ في الرمية والمعنى: نفذ وأسال الدم لأنه ربما قتال ~~بعرضه ولا يجوز. (1) في ا: ثم انتثر. والقصب: المعي، والجمع أقصاب. (1) من ج وز وك. # (2) الأسل هنا: الرماح والنبل. # (3) من ك. (1) قرح الفرس قروحا: إذا انتهت أسنانه، وإنما تنتهي في خمس سنين. # (2) المعنى: جرى للسان القرح من الخيل أن تغالب الجري غلابا. # (3) هو زهير. (1) من ج وز وك. # (2) السلع: الشق في الجبل. # (3) المروة: حجر أبيض براق يجعل منه كالسكين. # (4) في ج وك وز: شعبة. # (5) أرن: أعجل، قال النووي: أرن (بفتح الهمزة وكسر الراء وإسكان النون) ~~وروى (باسكان الراء وكسر النون) وروى أرني (باسكان الراء وزيادة ياء). وقال ~~الخطابي: # أرن على وزن أعجل وهو بمعناه، وهو من النشاط والخفة، أي أعجل ذبحها لئلا ~~تموت حتفا. (1) الشظاظ: خشيبة محددة الطرف تدخل في عروتي الجوالقين لتجمع بينهما عند ~~حملهما على البعير. # (2) في ك: ابن أبي ثور. # (3) في ج وك وز: حازها. # (4) اللبة: اللهزمة التي فوق الصدر وفيها تنحر الإبل. (1) الأوابد (جمع آبدة): وهي التي قد توحشت ونفرت من الإنسي. # (2) في ز: رواه أبو داود. لكن في التهذيب: قال أبو داود سمعه منى أحمد بن ~~حنبل. (1) كذا في الأصول. لعل أصل العبارة: لوند. ms7037 الخ. # (2) أجهزت على الجريح: إذا أسرعت قتله وقد تممت عليه. (1) راجع ج 12 ص 65. # (2) في ك وز: لان الذبح عليها غير جائز. # (3) وذا النصب بمعنى إياك وذا النصب. (اللسان). # (4) في ا و ج: لعاقبة، وفي الديوان: بعاقبة. (1) تقدم الكلام عليه في غير موضع، راجع قداح الميسر في ج 3 ص 58. # (2) البيت بتمامه: حتى إذا حسر الظلام وأسفرت * بكرت تزل عن الثرى ~~(أزلامها) (3) راجع ج 14 ص 82. # (4) كان العرب إذا شكوا في نسب أحدهم ذهبوا به إلى هبل وبمائة درهم ~~وجزور، فأعطوها صاحب القداح الذي يضرب بها، ثم قربوا صاحبهم الذي يريدون به ~~ما يريدون، ثم قالوا: يا إلهنا هذا فلان بن فلان قد أردنا به كذا وكذا ~~فأخرج الحق فيه، ثم يقولون لصاحب القداح: اضرب، فإن خرج عليه (منكم) كان ~~منهم وسيطا، وإن خرج (من غيركم) كان حليفا، وإن خرج (ملصق) كان على منزلته ~~فيهم لا نسب له ولا حلف. (سيرة ابن هشام). (1) في ك: لمتحرف. # (2) كعاب (جمع كعب): وهو فص كفص النرد. (1) الباغي: الذي يطلب الشئ الضال. # (2) راجع ج 1 ص 244 وما بعدها. (1) من ج وك وز. العضباء: اسم ناقة النبي صلى الله عليه وسلم. # (2) في ز: كادت. وهي لغة تهامة. (1) من ك. # (2) راجع ج 7 ص 153. # (3) راجع ج 14 ص 332. (1) من ك. # (2) في ك: أقررتم. # (3) في كل الأصول: إلى آخر الآية. والصواب ما في البحر لأبي حيان: إلى ~~آخر الأبد لا ينسخ منه شئ. (1) غرثى: جوعي. # (2) العكن والاعكان: الاطواء في البطن من السمن. # (3) نفج ثدي المرأة قميصها إذا رفعه. # (4) راجع ج 2 ص 224 وما بعدها وص 231. # (5) كان قد أفطر الناس في رمضان ثم ظهرت الشمس فقال: نقيضه ما تجانفنا.. ~~الخ. (1) الرجز لأبي النجم العجلي، وأم الخيار امرأته. # (2) هكذا في الأصول، والمذكور تسع عشرة مسألة. (1) راجع ج 7 ص 115. # (2) أشليت الكلب على الصيد دعوته فأرسلته، وقيل: أغريته. # (3) الجبار: الهدر. الميسم: اسم لاثر الوسم وهو الكي والمعنى: أن من ~~أهجوه يبقى هجوي له ظاهرا ولا يستطيع رفعه. والشطر ms7038 الأول في الأصول (ذات جد ~~منضج ميسمها)، والتصويب عن (الصبح المنير في شعر أبي بصير). # (4) راجع ج 7 ص 5. # (5) راجع ج 16 ص 165. (1) راجع ج 7 ص 75. # (2) مولعها بالصيد. # (3) البيت للنابغة. تخلجه تنتزعه (1) في ك: إذا أرسل. # (2) يغرى. # (3) من ج وك. (1) روى أن خياطا دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى طعام فقدم إليه إهالة ~~سنخة وخبز شعير. الإهالة: الدسم ما كان، والسنخة المتغيرة الريح. # (2) راجع ص 299 من هذا الجزء. (1) راجع ج 7 ص 99. # (2) راجع ج 3 ص 332. # (3) راجع ج 18 ص 299 وص 86. # (4) المرية: هي مصغر المرأة، والأصل المريئة. (1) البيت لزيادة الأعجم. وعمار اسم شخص، وروى في (اللسان): اتينا أبا ~~عمرو... الخ. # (2) من ج وك وز. # (3) راجع ج 7 ص 75. (1) راجع ج 11 ص 293. (1) راجع ج 7 ص 74. # (2) ولعل الصواب: جرجس. (١) ج ٧ ص ٧٥ و (٢) كلمة عبرية، في الخرشي على (مختصر خليل) (الطريقة): هي أن توجد الذبيحة فاسدة الرئة أي ~~ملتصقة بظهر الحيوان، وإنما كانت الطريقة عندهم محرمة لان ذلك علامة على ~~أنها لا تعيش من ذلك فلا تعمل فيها الذكاة عندهم بمنزلة منفوذة المقاتل ~~عندنا. # (3) ج 7 ص 124. (1) الإنفحة (بكسر الهمزة وفتح الفاء): كرش الحمل أو الجدي ما لم يأكل فإذا ~~أكل فهو كرش، يستخرج منه شئ لونه أصفر يوضع على اللبن فيتجبن. # (2) راجع ص 216 من هذا الجزء. # (3) الحق والحقة (بالضم): وعاء من خشب أو عاج. # (4) راجع ج 13 ص 44. (1) راجع ج 3 ص 69 وما بعدها. # (2) راجع ج 5 ص 120. (1) في نسخة ز ما نصه: [وجد في ورقة بخط المصنف من ههنا إلى آخر الصفحة: ~~قوله تعالى (ومن يكفر بالايمان فقد حبط عمله). العلماء أي أجر عمله وثوابه ~~لان الكفر وإن وقع والعياذ بالله منه وأحبط ما تقدم من إيمانه ينقلب الوجود ~~منه معدوما من أصله وإنما يحبط أجره ويبطل ثوابه وفي إجماع المسلمين على ~~إثبات الردة ما دل على ثبوت الايمان قبله فبان بهذا أن الكفر إذا طرأ على ~~الايمان قطعه من ms7039 حيث وجد إلى أن مضى. حبط أجره لا أن عينه تحبط فيصير كأن ~~لم يكن وينقلب الموجود منه حقيقة معدودا وهذا واضح والله أعلم] (2) راجع ج ~~5 ص 214. # (3) الدارمي (بكسر الراء): نسبه إلى دارم، بطن من تميم. (1) كذا في الأصول. والغسيل هو حنظلة رضي الله عنه نفر حين سمع الهائعة وهو ~~جنب فاستشهد فغسلته الملائكة. # (2) الصهباء: موقع قرب خيبر. # (3) في أسد الغابة: الحصيب بضم المهملة وفتح الصاد. (1) من ج وك وز. # (2) راجع ج 10 ص 174. (1) هذه الزيادة من ك وز. # (2) راجع ج 5 ص 209 وما بعدها. (1) عذر الغلام: نبت شعر عذاره. # (2) راجع ج 5 ص 212 وما بعدها. (1) راجع ج 10 ص 321. # (2) راجع ج 20 ص 144. # (3) من ج وى وز. (1) راجع ج 2 ص 327. # (2) هذا مثل معناه: القليل يضم إلى القليل فيصير كثيرا. والذود القطيع من ~~الإبل الثلاث إلى التسع: وقيل: ما بين الثلاث إلى العشر، وقيل: من ثلاث إلى ~~خمس عشرة، وقيل غير ذلك. # (3) راجع ج 5 ص 10. (1) الغر (جمع الأغر) من الغرة، بياض الوجه: يريد بياض وجوههم بنور الوضوء ~~يوم القيامة. # (2) راجع ج 5 ص 238 وما بعدها. (1) البيت لخفاف بن ندبة السلمي، وصف فيه شفتي المرأة، فشبههما بنواحي ريش ~~الحمامة في الرقة واللطافة . الاستدارة، وأراد لثاتها تضرب إلى السمرة ~~كأنها مسحت بالإثمد وعصف الإثمد ما سحق منه. # (2) البيت للأخطل يهجو جريرا، والقنافذ جمع قنفذ وهو حيوان معروف يضرب به ~~المثل في سرى الليل. # والهداج المرتعش في مشيه والمعنى: أن رهط جرير كالقنافذ لمشيهم في الليل ~~للسرقة والفجور. (1) في ا: القصة. # (2) من ك. (1) راجع ج 14 ص 7. # (2) راجع ج 9 ص 321. (1) كالروايتين في الخبر، يعمل بهما إذا لم يتناقضا. ابن العربي. # (2) من ك و ج. # (3) من ج وز و ك. (1) من ك. (1) من ك. # (2) قراءة ابن كثير. راجع ج 17 ص 168. # (3) راجع ج 19 ص 296. # (4) صدر البيت: * كان أبانا في أفانين دقه * والبجاد الكساء المخطط، ~~والمزمل المدثر في الثياب. # والمعنى أن ما ألبسه الخبل من المطر، وأحاط ms7040 به إلى رأسه كشيخ في كساء ~~مخطط. # (5) السوافي جمع سافية وهي الريح الشديدة التي تسفى التراب أي تطيره، ~~والمور التراب. # (6) كذا في ج وز وك. وهي رواية أحمد. (1) رجز مشهور لم يعرف قائله وعجز البيت (حتى شتت همالة عيناها) وبعضهم ~~أورد لها صدرا وجعل المذكور هكذا: لما حططت الرجل عنها واردا * علفتها تبنا ~~وماء باردا (2) كذا بالأصول، وروى في (خزانة الأدب) و (كتاب سيبويه): * يا ~~ليت زوجك قد غدا... الخ (3) البيت للبيد ورواه (اللسان) في باب (جله) و ~~(طفل) هكذا: # فعلا فروع الأيهقان وأطفلت * بالجلهتين ظباؤها ونعامها (1) التور إناء يشرب فيه، أو طست أو قدح أو مثل القدر من صفر أو حجارة. # (2) الذي في صحيح البخاري: ثم غسل يديه إلى المرفقين مرتين. # (3) الزيادة عن ابن عطية. (1) هو حديث (قيلة) بنت مخرمة العنبرية، هاجرت إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم مع حريث بن حسان تريد الصحبة. راجع (الإصابة في تمييز الصحابة). (بضم ~~المهملة والموحدة. (1) في ج وز: أثبتت. (1) في ز: علمائنا. (1) ذكر الدميري ضربا من النقود يقال لها البغلية، قال: إن رأس البغل ضربها ~~لعمر بن الخطاب بسكة كسروية. # (2) السباطة الموضع الذي يرمى فيه التراب وما يكنس من المنازل، وإضافتها ~~إلى القوم إضافة تخصيص لا ملك، لأنها كانت مواتا مباحة. (1) الزيادة عن أبي داود. # (2) في ج وز وك: أنكره. (1) التصويب عن (كتاب) أبي داود. وفي الأصل (ابن مسعود). # (2) كان اسمه (عبد شر) فغيره النبي صلى الله عليه وسلم (الإصابة). (1) راجع ج 5 ص 204. (1) راجع ج 5 ص 212. (1) راجع ج 13 ص 79. # (2) راجع ج 5 ص 223، ص 228 وما بعدها. # (3) راجع ج 3 ص 225 ففيها نقيض هذا. # (4) كذا في الأصول. ولعله قول مهجور لأبي حنيفة، وإلا فإنه لا يقول بعدم ~~القضاء، بل قال: يؤخر الصلاة فقط، والراجح من مذهبه قول صاحبيه من أن فاقد ~~الطهورين يصلى صلاة صورية ويعيد متى قدر. (١) في ك: قاله أبو عمر. # (٢) راجع ج ٥ ص ٢٣٦، ص ٢٣٨ فما بعدها. # (٣) الطهور (بالضم) التطهير و (بالفتح) الماء كالوضوء ms7041 والوضوء. وقال ~~سيبويه: الطهور (بالفتح) يطلق على الماء والمصدر معا، وعلى هذا يجوز أن ~~يكون الحديث بفتح الطاء وضمها. (النهاية) ~~لابن الأثير. (1) علامة. # (2) في ا و ج: ابن عمر. وهو خطا الناسخ. # (3) هو شك من الراوي، وكذا قوله: " مع الماء أو مع آثر قطر الماء ". ~~النووي. (1) الحديث أخرجه مالك في (الموطأ). # (2) راجع ج 12 ص 99. # (3) راجع ج 7 ص 313. (1) راجع ج 16 ص 267، وص 274. في ك و ج وه‍: بيعة الشجرة. # (2) أزرنا أي نساءنا وأهلنا كنى عنهن بالأرز. وقيل: أراد أنفسنا. راجع ~~(سيرة ابن هشام) ج 1 ص 293 طبع أوربا. # (3) راجع ج 5 ص 410. (1) كذا في كل الأصول، ويبدو فيه سقط. والمراد بالقصة - والله أعلم - ما ~~حدث لزينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم راجع الروض الأنف ج 2 ص 82. # (2) راجع ص 44 من هذا الجزء. # (3) راجع ج 14 ص 103. # (4) هو عبد العزيز الكلابي. (1) اخترط السيف سله من غمده. # (2) راجع ج 5 ص 372. # (3) أي لم يعاقب الأعرابي استئلافا للكفار. # (4) في ج وه‍ وك: وحكى. (1) كان ذلك في غزوة بدر قيل: هو ابن عمرو الأنصاري أرسله النبي صلى الله ~~عليه وسلم لتقصي أنباء عير أبي سفيان. # (2) راجع ج 18 ص 53. # (3) قال أبو حيان في (البحر): ذكر محمد بن حبيب في (المحبر) أسماء هؤلاء ~~النقباء الذين اختارهم موسى في هذه القصة، بألفاظ لا تنضبط حروفها ولا ~~شكلها، وذكرها غيره مخالفة في أكثرها لما ذكره ابن حبيب لا تنضبط أيضا. وفي ~~هامش الطبري: وقع تحريف واختلاف بين كتب التاريخ في أسماء الأسباط والنقباء ~~منهم فلتحرر. # (4) راجع سيرة ابن هشام ج 1 ص 297 طبع أوربا. (1) راجع ج 18 ص 305. # (2) راجع ج 4 ص 69. (1) البيت لأبي زيد الطائي. والصواهل (جمع الصاهلة) مصدر على فاعلة بمعنى ~~الصهيل وهو الصوت. # (2) المساحي (جمع مسحاة): وهي المجرفة من الحديد. (1) هو الكلابي يخاطب قرينا أخا عمير الحنفي وكان له عنده دم. # وقبله: # أقرين إنك لو رأيت فوارسي * نعما يبتن إلى جوانب صلقع (اللسان). # (2) من ج وك. ms7042 # (3) راجع ج 8 ص 31. (1) كذا بالأصول والذي في (اللسان). # إذا قلت أسلو غارت العين بالبكا * غراء ومدتها مدامع حفل (1) راجع ص 27 من هذا الجزء. (1) راجع ج 4 ص 43. # (2) راجع ص 21 وما بعدها من هذا الجزء. # (3) الهماهم: بمعنى الهموم. # (4) قلص (جمع قلوص): وهي الفتية من الإبل. # (5) حول (جمع حائل): وهي التي حمل عليها فلم تلقح، وقيل هي الناقة التي ~~تحمل سنة أو سنتين أو سنوات. (1) على المشهور. وفي الأصول: ألف سنة وتسعماية. (1) راجع ج 15 ص 13. # (2) راجع هامش ص 16 من هذا الجزء. # (3) وزيادة (من) في الفاعل للمبالغة في نفى المجئ. (روح المعاني). (1) هي إخراج المياه العذبة من الحجر بالتفجير. (1) قال الآلوسي: هذه الأخبار عندي كأخبار (عوج بن عوق) وهي حديث خرافة. (1) عوج بن عناق: هكذا في الأصول. والذي ذكر في القاموس مادة (عوق) (وعوق ~~كنوح والد عوج الطويل ومن قال: عوج بن عنق فقد أخطأ) وقال في شرحه: (هذا ~~الذي خطأه هو المشهور على الألسنة قال شيخنا: # وزعم قوم من حفاظ التواريخ أن عنق هي أم عوج وعوق أبوه فلا خطأ ولا غلط، ~~وفي شعر عرقلة الدمشقي المذكور في بدائع البدائة المتوفى سنة 567 (أعور ~~الرجال يمشي: خلف عوج بن عناق) وهو ثقة عارف. (عن القاموس وشرحه). # (2) في ج وه‍ وك وز: ثلاثة آلاف وعشرون ألفا. الخ. (1) أي صار لهم جسرا يعبرون عليه. كل ما ذكره المؤلف في هذا المقام من ~~الإسرائيليات التي لا يعول عليها. (1) من ج. # (2) راجع ج 16 ص 126. (1) هو العجاج. يصف أرضا مجهولة ليس بها علامات يهتدي بها، وأتاويه أفاعيل ~~من تيه. والسقاط كل من سقط عليه، وهم الذين لا يصبرون ولا يجدون الواحد ~~ساقط: وصدر البيت: # * وبسطه بسعة البساط * والبساط المكان الواسع من الأرض. # وقيل هذا البيت: وبلدة بعيدة النياط * مجهولة تغتال خطو الخاطى (2) في ج، ~~سنون. # (3) في ج: كبيرة. (1) كقدره أو كصورته من ذهب كان غله وأخفاه. # (2) راجع ج 4 ص 254 وما بعدها. # (3) لفظ البخاري (فذنا من القرية) ولعل ما هنا ms7043 على حذف المفعول أي قرب ~~جيوشه وجموعه لها. النووي. # (4) أي امنعها من السير زمانا حتى يتيسر لي الفتح نهارا. (1) من ج. (1) القلنسوة: ما يلبس على الرأس. # (2) من ج. (1) هو امرؤ القيس، وصدر البيت: (وقوفا بها صحبي على مطيهم). (1) في ج وى: ثمانين. # (2) في ج وى: حوراء. (1) را ج ج 5 ص 2. # (2) راجع ج 2 ص 62 فما بعدها. # (3) في ى: نزل بها. # (4) لأحب: واضح. # (5) من ك وه‍ و ج وزوى. # (6) في ك: علي. (1) من ج وى وز ك. # (2) حديث أبي ذر: راجع أحكام الجصاص ج 1 ص 402 ط الآستانة. ففيه الحديث ~~بتمامه. (1) في ج وى: فرط لي. # (2) راجع ج 13 ص 330. # (3) راجع ج 10 ص 90. # (4) راجع عن 29 من هذا الجزء. # (5) راجع ج 13 ص 93. # (6) من ج وى وك وز وه‍. (1) راجع ج 1 ص 430. # (2) هو جابر بن جبير التغلبي. # (3) هكذا روى في كتاب سيبويه، وساقه شاهدا على جزم (يبؤ) في جواب ~~الاستفهام وقال في شواهده: # التقدير انته عنا لا يبؤ الدم بالدم - أي - إن انتهت عنا ولم تقتل منا لم ~~يقتل واحد بآخر. وروى في (اللسان) بغير هذا. # (4) من ج، و، ز، ه‍. # (5) في ك: وطاوعت، وفي ز، و، ه‍: وطاعت. (1) مجاهد ساقط من ج، ز، و. # (2) في ك: بابن آدم. # (3) كذا في الأصول. # (4) من ك. (1) في ج، ز، و، ه‍: بالعبرانية وهو خطأ. # (2) قال الآلوسي: ذكر بعض علماء العربية أن في ذلك الشعر لحنا، أو إقواء، ~~أو ارتكاب ضرورة، والأولى عدم نسبته إلى يعرب أيضا لما فيه من الركاكة ~~الظاهرة. وقال أبو حيان في البحر: ويروى بنصب (بشاشة) من غير تنوين على ~~التمييز ورفع (الوجه المليح) وليس بلحن. (1) راجع ج 1 ص 306، وهذا هو اللائق بالعصمة النبوية. # (2) طعمه: أكله. # (3) في ك، ز: عن محمد. (1) أروح: أنتن. # (2) الوقذ: الضرب الشديد. # (3) من ج وك وه‍. راجع ج 15 ص 355 (4) من ج. # (5) من ك. (1) البحوث (بضم الباء) جمع بحث، وقال ابن الأثير: رأيت في (الفائق) سورة ~~(البحوث) بفتح (الباء) ms7044 فإن صحت فهي فعول من أبنية المبالغة، ويكون من باب ~~إضافة الموصوف إلى الصفة. # (2) كذا في ابن عطية، والذي في الأصول: كنت فيهم مباحث. # (3) راجع ج 19 ص 215 (4) من الرياء وكأنه عليه الصلاة والسلام أعرض عن ~~كلامه تنبيها على أنه خطأ، ثم بين في وقت آخر أن الامر على خلاف ما زعم. # (هامش ابن ماجة). # (5) الزيادة عن (ابن ماجة). (1) يلحد كيمنع، أو من ألحد. # (2) الزيادة عن (ابن ماجة). (1) قال في البحر: نسبه ابن عطية لخوات بن جبير وكذا في اللسان. والبيت في ~~ديوان زهير. # وفي ج، ز، ك، ه‍،: ذات بينهم. # (2) أحكأ العقدة: شدها وأحكمها. والمعنى: فضلكم الله على من ائتزر فشد ~~صلبه بإزار، أي فوق الناس أجمعين. # (3) في الأصول: الآجال وهو جمع. (1) أي لم يزد على ذلك من العذاب، كما في الطبري. # (2) راجع ج 3 ص 283. (١) من ك. # (٢) عكل (بضم العين المهملة وسكون الكاف): قبيلة مشهورة. # (٣) أي أصابهم الجوى وهو المرض وداء الجوف إذا تطاول، وذلك إذا لم ~~يوافقهم هواؤها واستوخموها. (النهاية) ~~لابن الأثير. # (4) سمر عين فلان: سملها (فقأها). # (5) الحرة (بفتح الحاء وتشديد الراء): أرض خارج المدينة ذات حجارة سود. # (6) حسم العرق: قطعه ثم كواه لئلا يسيل دمه. # (7) القافة (جمع (قائف) وهو الذي يتبع الأثر. # (8) كدمه: عضه بأدنى فمه. # (9) في ووا: وقد أشرفنا. (1) في مصنف أبي داود: تاب، بدل: أخذ. # (2) راجع ج 7 ص 401. # (3) من ج. # (4) من ك وهو الصواب، وفي ه‍ و ج وا وز ول: لم يجز. (1) من ج وك وه‍. # (2) راجع ج 2 ص 354 (3) راجع ج 3 ص 240. (1) نأرت نائرة في الناس: هاجت هائجة. # (2) الذحل: الثأر. # (3) في ك: لم يقطع وصلبه. (1) في ج وك: أسعد. # (2) من ك. (١) هو حديث الذي قتل تسعا وتسعين نفسا. وناء بمعنى نهض، ويحتمل أنه بمعنى ~~بعد (النهاية لابن الأثير). # (2) من ك. # (3) من ك. وفي ج، هه، ز: الراجح. # (4) هو الاخيل. # (5) جاء في (اللسان) مادة نفى أن الصحيح (كأن متنى) لان بعده (من طول ~~إشرافي على الطوى). ومتنا ms7045 الظهر مكتنفا الصلب عن يمين وشمال من عصب ولحم. ~~والصفى (بضم الصاد وكسرها) جمع صفا مقصور، وصفا جمع صفاة وهي الحجر؟ الصلد ~~الضخم الذي لا ينبت شيئا. وفسر بأنه شبه الماء وقد وقع على ظهر المستقى ~~بذرق الطائر على الصفي. (1) اليفع بمعنى اليفاع. (1) دفف على الجريح أجهز عليه. (1) راجع ج 19 ص 50. # (2) الزيادة عن ابن عطية. (1) راجع ج 5 ص 385. # (2) كذا في الأصل وفي تفسير ابن عطية. والذي في البحر: # (وهذا الوعيد كغيره مقيد بالمشيئة، وله تعالى أن يغفر هذا الذنب ولكن في ~~الوعيد خوف على المتوعد عليه نفاذ الوعيد) وهو أوضح. # (3) راجع ج 8 ص 383. (1) كذا في كل الأصول، غير أنها ست وعشرون سقط المسألة الثالثة عشرة ما ~~عدا: ل. سقط منها المسألة السادسة والعشرون. (1) هو رجل من أهل اليمن أقطع اليد والرجل سرق عقدا لأسماء بنت عميس زوج ~~أبي بكر الصديق رضي الله عنه فقطع يده اليسرى. # (2) الحجفة بالتحريك: الترس، وقيل: هي من الجلود خاصة كالدرقة. (1) حديث عائشة صحيح عند الأباضية مرفوع كما في مسند الربيع. وحديث المجن ~~أيضا فيه عن أبي سعيد الخدري الآتي بأربعة دراهم إلا أن العمل بحديث عائشة. # (2) من ع. # (3) مفحص القطاة حيث تفرخ فيه من الأرض. (1) الثمر المعلق: الثمر في الأشجار. وحريسة الجبل: ما يحرس بالجبل. ~~والجرين: البيدر موضع يداس فيه البر وقد يكون للتمر والعنب. # (2) الخبنة: الحجزة في السراويل، والوعاء يحمل فيه الشئ أيضا وما يحمل ~~تحت الإبط. (1) راجع ج 2 ص 354. # (2) الخميصة: ثوب خزا وصوف معلم، وقيل: لا تسمى خميصة إلا أن تكون سوداء ~~معلمة. # (3) من ع و ج. (1) في ج وه‍ وز وك: كل واحد. # (2) راجع ج 19 ص 158 (3) من ك و ج وع. # (4) البيت هنا القبر. والوصيف الخادم غلاما كان أو جارية. والمعنى، أن ~~الموت يكثر حتى يشترى موضع قبر بعبد. (1) الجائز من البيت الخشبة التي تحمل خشب البيت، والجمع أجوزة وجوزان ~~وجوائز. # (2) سقط (مالك) من ج وه‍ وك وع. # (3) من ك. (1) المحترس الذي يسرق حريسة الجبل. # (2) من ms7046 ع. # (3) من ج. # (4) الخليفة عمر ابن الخطاب - رضي الله عنه - والسارق كان غلاما لعبد ~~الله بن عمرو الحضرمي سرق مرآة لامرأته ثمنها ستون درهما. # (5) من ك. (1) النش: (بفتح النون وتشديد الشين) عشرون درهما ويطلق على النصف من كل شئ ~~فالمراد البيع ولو بنصف القيمة. (1) المغفر (بكسر الميم): زرد ينسج على قدر الرأس يلبس تحت القلنسوة. # (2) من ع. # (3) كل الأصول لم تذكر الثالثة عشرة، إلا ك، ثم سقط منها التاسعة عشرة. (1) في ك. # (2) الطرار: هو الذي يشق كم الرجل ويسل ما فيه، من الطر وهو القطع والشق. (1) البختية: الأنثى من الجمال البخت وهي جمال طوال الأعناق واللفظة معربة. # (2) في التهذيب: وأسد الغابة (في السفر). # (3) من ج وع. # (4) كذا في الأصول. وفي التهذيب: # وأسد الغابة: قتل عبد الرحمن وقثم ابني عبيد الله بن العباس. # (5) العقب: مؤخر المقدم. (1) من ك، ه‍، ز. # (2) من ك، ه‍، ز. # (3) هو مصعب بن ثابت. (النسائي). # (4) من ع. (1) في ك، ع: الجزار. # (2) في ج، ز، ك، ه‍: إلا أن يمنع منه إجماع. # (3) من ع. # (4) في ج، ع: البيان. # (5) زاد ابن العربي (من غير تحقيق لكلامهم). (1) راجع ج 18 ص 188. # (2) راجع ج 5 ص 73. # (3) من ج. # (4) كذا في الأصول إلا ا، فيعود قول مالك إلى أربعة. (1) في ك: الفهمية. # (2) راجع ج 12 ص 159. # (3) في ك و ج: الباقية. (1) كان ذلك يوم حصارهم، فسألوه ما الامر؟ وعلام ننزل من الحكم؟ فأشار إلى ~~حلقه بمعنى أنه الذبح (1) في ج وع وك: باليهود. # (2) حممه محميما: طلى وجهه بالفحم. (1) القف: علم لواد من أودية المدينة عليه مال لأهلها. # (2) المدراس هو البيت الذي يدرسون فيه، ومفعال غريب في المكان. (اللسان). ~~ومدراس أيضا صاحب دراسة كتبهم. # (3) ألظ به النشدة: ألح في سؤاله وألزمه إياها. (1) من ج وه‍ وع. # (2) من ع وك. # (3) من ك وع. # (4) من ج وك وه‍ وع. # (5) من ع وك. (1) من ع. # (2) من ك، ع. # (3) راجع ص 88، ص 349 من هذا الجزء، (4) في ع: في رجم. # (5) في ك وع: منفذا لأحكامها. (1) راجع ج ms7047 12 ص 306. # (2) راجع ج 14 ص 245. # (3) راجع ج 17 ص 64 وص 75. # (4) راجع ج 18 ص 53. (1) راجع ج 11 ص 211. # (2) في ج وز: وقد تقدم في البقرة. (1) ويروى: (إلا مسحت) ومن رواه كذلك جعل (معنى لم يدع) لم يتقار. (اللسان) ~~مادة سحت. # (2) المجلف: الذي بقيت منه بقية. # (3) هو ما يعطي على الكهانة. # (3) في ج، ك، ع، ز: الاستعجال في المعصية. (1) من ج وك وه‍ وع. (1) من ع. # (2) راجع ص 37 من هذا الجزء. # (3) راجع ج 8 ص 72. (1) راجع ج 8 ص 109. (1) راجع ج 5 ص 410. # (2) الوسق: ستون صاعا. (1) من ع وك. (١) راجع ج ٤ ص ١٢٢. # (٢) في القاموس: ج أحبار وحبور. # (٣) راجع ج ٩ ص ٢٤٥. # (٤) في ج وع وك: حبرة. في المصباح: ~~الحبر بفتحتين صفرة أخ. # (5) راجع ج 1 ص 334. (1) قال في البحر: يعني أن كفر المسلم ليس مثل كفر الكافر. قلت: هو كفر ~~النعمة عند الأباضية. (1) راجع ج 2 ص 244، 246. (1) راجع ج 2 ص 244. # (2) في ع: أن النفس بالنفس بينهم. # (3) راجع ص 148 من هذا الجزء. (1) في البحر: بتخفيف أن. الخ، ثم قال: يحتمل أن وجهين أحدهما أن تكون ~~مصدرية. الخ. # (2) أي وبيان حكم جديد في المسلمين. كما في (روح المعاني). # (3) كذا في الأصول وصوابه: # إلا مع الرضا. كما في البحر. # (4) من ع وك. (1) كذا في الأصول إلا ع: دية غير الأعور. وهو الوجه. # (2) العمش (محركة) ضعف البصر مع سيلان الدمع في أكثر الأوقات. # (3) الخفش (محركة): ضعف في البصر خلقة وضيق في العين أو فساد في الجفون ~~بلا وجع، أو أن يبصر بالليل دون النهار وفي يوم غيم دون صحو. () سقط أبو هاشم من ك وع، وهو الرماني من أقران الثوري. وفي ج: ابن هاشم. # (2) أي استؤصل قطعه. (1) العثم، الجبر على غير استواء. # (2) الموضحة: هي التي بلغت العظم فأوضحت عنه. وقيل: هي التي تقشر الجلدة ~~التي بين اللحم والعظم أو تشقها حتى تبدو وضح العظم. (1) الرباعية (كثمانية): والسن التي بين الثنية والناب. (1) من ع. # (2) أثغر الغلام: سقطت أسنانه الرواضع. ms7048 (1) في ع وك: لها. # (2) في ع: فيها. (1) في ع. ذهبت. # (2) راجع ج 2 ص 244 فما بعدها. # (3) الزيادة عن صحيح مسلم. # (4) من ج وع وك. (1) هي قصته المشهورة مع سيدنا موسى عليهما السلام وستأتي في سورة (الكهف) ~~إن شاء الله. ج 11 ص 16 فما بعد. # (2) من ع. # (3) راجع ج 2 ص 354. # (4) راجع ج 10 ص 200 (1) وضح العظم بياضه. # (2) من ع. (1) في ع: عندنا. # (2) من ج وك وه‍ وع، ز. # (3) يغن أي يخرج صوته من خياشيمه. وفي ك، ع: يجن. وسقط من ج. أو يضرب ~~الخ. # (4) في ع: الدية كاملة. (1) من ع وك. # (2) من ع. # (3) في ج. ك. ه‍: فلا قصاص. # (4) في ك: للخوف فيها. (1) من ع وك. # (2) في ع: لأجل التعدي. # (3) في ع: أصبت. # (4) الدرة (بالكسر): # التي يضرب بها. # (5) اللد: أن يؤخذ بلسان الصبي؟؟؟؟؟؟ إلى أحد شقيه ويوجر في الآخر الدواء ~~في الصدف بين اللسان وبين الشدق. وحديث اللد أنه لد - صلى الله عليه وسلم - ~~في مرضه فلما أفاق قال: " لا يبقى في البيت أحد إلا لد " فعل ذلك عقوبة لهم ~~لأنهم لدوه بغير إذنه. # (6) من ك وع. يريد أن ما دون ثلث الدية عقلها فيه كعقل الرجل، حتى إذا ~~بلغت في عقل ما جنى عليها ثلث الدية كان عقلها نصف عقل الرجل. وقوله: # (إصبعها كإصبعه... الخ) يريد أن عقل هذه كلها دون الثلث فلذلك ساوت فيه ~~الرجل (الموطأ). # (7) من ج وك وه‍ وع. # (8) في ع وك: أليتيه. (1) من ع وك. (1) من ع. وفي ك و ج: أمر. # (2) من ج. (1) راجع ج 1 ص 109. # (2) من ع. # (3) كذا في الأصول ولم يذكر المصنف الثانية ولعلها قوله تعالى: (لكل ~~جعلنا) الآية. (1) راجع ج 2 ص 24. # (2) (ما رواه) ممدود مفتوح الراء أي عذب؟؟؟؟ (1) في ع: الطبري. وهو الكيا الطبري. # (2) راجع ج 2 ص 280. (1) راجع 3 ص 40. # (2) راجع ج 7 ص 404 وص 351 ج 2. # (3) راجع ج 18 ص 56. # (4) راجع ج 8 ص 370. # (5) هو لبيد، وصدره: (تراك أمكنة إذا لم أرضها). وفي ms7049 اللسان: # (أو يتعلق) ابن سيده: (وليس هذا عندي على ما ذهب إليه أهل اللغة من أن ~~البعض في معنى الكل، هذا نقض، ولا دليل في هذا البيت لأنه إنما عنى ببعض ~~النفوس نفسه). # (6) راجع ج 16 ص 107. (1) ذكر النسائي من حديث النعمان بن بشير: أن أباه بشير بن سعد جاء بابنه ~~النعمان فقال: يا رسول الله إني نحلت ابني هذا غلاما كان لي، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: (أكل بنيك نحلت) قال: لا. قال: " فارجعه " قلت: ~~هذا في جميع الأصول وهو كما يرى دليل للأولين كما سيأتي. (1) يعتصر: يرتجع. (1) الإردب مكيال معروف لأهل مصر، وفي الحديث " منعت العراق درهمها وقفيزها ~~ومنعت مصر إردبها وعدتم من حيث بدأتم ". (اللسان). # (2) من ك وع. # (3) راجع ج 4 ص 188. # (4) من ع. (1) راجع ج 9 ص 107. # (2) راجع ج 4 ص 57 و 178. # (3) راجع ج 1 ص 197. (1) يروى هكذا في الأصول. وفي اللسان وشرح الشواهد لسيبويه: (يا ليت زوجك ~~قد غدا). # (2) تمام البيت: (أحب إلى من لبس الشفوف). (١) من ع وك. # (٢) في ج وك وع: انهتك سترهم. # (٣) جواثا مهموز: اسم حصن بالبحرين. وفي الحديث " أول جمعة جمعت بعد ~~المدينة بجواثا. (النهاية). # (4) في ج وك وز وع: فقتلهم. (1) في ك وع: وقت نزول الآية، وهم أحياء. الخ. # (2) راجع ج 16 ص 292. # (3) راجع ج 4 ص 59 وما بعدها. (1) من ع. كذا في التهذيب. # (2) من ز، وفي ج وا ول: به. # (3) راجع ج 14 ص 36. (1) راجع ج 1 ص 179. # (2) من ج وك وع. # (3) أضوى: أي استضعف وأضام، من الشئ الضاوي. (الطبري). وفي ع: وكيف أخزى. (1) في ه‍ ع: الأعداء. # (2) راجع ج 1 ص 446. # (3) في ج: أفصح. (1) راجع ج 1 ص 206. # (2) راجع ج 4 ص 178. # (3) من ج وع. # (4) راجع ج 15 ص 359. (1) في ز: بقيت. # (2) من ع. (1) من ع. # (2) في ع: اجتزى. # (3) في ج، ك، ع، ز، على الفرض. # (4) من ج، ع. # (5) من ك. # (6) هو: أبو محذورة سمرة بن معير: مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم، ms7050 وكان ~~أحسن الناس أذانا وأنداهم صوتا. (1) الجذم (بكسر الجيم وسكون الذال): الأصل، أراد بقية حائط أو قطعة من ~~حائط. وفي ع: حرم. (1) كذا في الأصول. # (2) الزيادة عن موطأ مالك. # (3) من ع. (1) كذا في ك وز و ج وع. وفي ا، ل: أذان. # (2) بالأصل، (عبد الله بن الحرث الصدائي) وهو خطأ والتصويب عن كتب ~~المصطلح والترمذي في سند هذا الحديث. (1) التطريب مد الصوت وتحسينه. # (2) في ع وه‍: جماعة العلماء. # (3) الظاهر حديث ابن عمر لأنه صح عنه: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما ~~يقول " الحديث في مسلم والترمذي والنسائي وأبي داود وأحمد. (1) قيل: هو لليلى الأخيلية: ويروى للشمردل بن شريك اليربوعي، وهو عجز بيت ~~وصدره: (يشبهون ملوكا في تجلتهم، - ويروى - يشبهون سيوفا في صرائمهم). ~~والنضى ما بين الرأس والكاهل من العنق. واللمة (بالكسر): # الشعر المجاوز شحمة الأذن، فإذا بلغت المنكبين فهي جمة. قال في (اللسان): ~~والصحيح (والأمم) جمع أمة وهي القامة لان الكهول لا تمدح بطول اللمم إنما ~~تمدح به النساء والاحداث. # (2) رواية اللسان: وطول أنضية. # (3) في ع وك: القاسم بن محمد. (1) متنكبون: اسم فاعل من تنكب عنه أي عدل عنه، أي معرضون متجنبون. وفي ج: ~~متنكرون. # (2) من ج وك وز وع. # (3) في ج وك وع: بين. (1) راجع ج 19 ص 292. # (2) هو: أبو جندب الهزلي. والمضوفة: الامر يشق منه ويخاف. # (3) راجع ج 12 ص 95. (1) راجع ج 3 ص 281 وما بعدها. # (2) الندس (بفتح فضم أو فتح فكسر): الفهم الكيس. # (3) هو الذبياني، ووجرة: موضع بين مكة والبصرة، قال الأصمعي: هي أربعون ~~ميلا ليس فيها منزل، فهي مرت للوحش. والوشى في ألوان البهائم بياض في سواد ~~في بياض - طاوي: ضامر. المصير: المصران. # والصيقل: شحاذ السيوف وجلاؤها. والفرد والفرد (بفتح الراء وضمها): أي هو ~~منقطع القرين لا مثيل له في جودته. # (4) قال ابن عطية: وهذه القراءة تتخرج على أنه أراد و (عبدا) منونا ثم ~~حذف للالتقاء كما قال: (ولا ذاكر الله). (1) راجع هامش ج 4 ص 1 في ضبط (الرؤاسي). # (2) في ابن عطية والشواذ قراءة ms7051 ابن بريدة (بفتح الدال) و (ضم الدال) ~~قراءة العقيلي ولعله يقرأ كالعقيلي في رواية أخرى عنه. # (3) قال ابن عطية: # (بضم العين وفتح الباء والدال وكسر التاء) اسم مفرد يراد به الجمع كحطم ~~ولبد. # (4) من ج وك وع وز. # (5) راجع ج 16 ص 348. (1) راجع ج 1 ص 365 وما بعدها. # (2) راجع ج 4 ص 47. # (3) تمعر وجهه: تغير. (1) من ع. # (2) راجع ج 3 ص 237، 204. # (3) راجع ج 10 ص 249. # (4) راجع ج 15 ص 212، 158، 55، 228. # (5) راجع ج 4 ص 112. (1) كذا في الأصول إلا في ج، ز: تحملا. ولا وجه للتثنية هنا. # (2) من ز. # (3) من ع. # (4) راجع ج 16 ص 289. # (5) راجع ج 20 ص 234. # (6) العائرة بين الغنمين: # أي المترددة بين قطيعين، لا تدرى أيهما تتبع. # (7) راجع ج 14 ص 73. # (8) تلك عبارة الأصول، أو صوابها ما في الجصاص: إن التثنية للمبالغة في ~~صفة النعمة كقولك الخ. راجع ج 2 ص 448. (1) " الليل والنهار " قال النووي: هو بنصب الليل والنهار ورفعهما، النصب ~~على الظرف، والرفع على الفاعل. # قال في هامش مسلم: لكن على تقدير النصب ماذا يكون الفاعل في (لا يغيضها) ~~لم يذكره، ولو كانت الرواية (لا يغيضها سح الليل والنهار) بالإضافة لبان ~~الفاعل كما في رواية زهير بن حرب " لا يغيضها شئ ". # (2) الفيض: ضبطوه (بالفاء والياء) ومعناه الاحسان، و (بالقاف والباء) ~~ومعناه الموت. # (3) راجع ج 3 ص 237. # (4) كذا في البحر وفي الشواذ لابن خالويه: بسطتان. بضم السين. # (5) راجع ج 18 ص 35. (1) راجع ج 1 ص 437 وما بعدها. # (2) راجع ج 18 ص 159. # (3) راجع ج 19 ص 16. # (4) راجع ج 7 ص 253. # (5) راجع ج 9 ص 342. (1) كذا في ج وك وع. # (2) راجع ج 8 ص 42. # (3) من ع. (1) اخترط سيفه: استله. # (2) راجع ص 111 من هذا الجزء. و ج 5 ص 372. # (3) العضاه: شجر عظيم له شوك، وقيل: أعظم الشجر. # (4) صلتا: أي مجردا من غمده. وفي ك: صلت. # (5) شام السيف. أي غمده ورده في غمده، يقال: شام السيف إذا سله وإذا ~~أغمده، فهو من الأضداد. # والمراد هنا أغمده. (1) من ك وع و ms7052 ج. # (2) خشخشة سلاح: أي صوت سلاح صدم بعضه بعضا. # (3) الغطيط: هو صوت النائم المرتفع. # (4) راجع ج 9 ص 367. # (5) راجع ص 327 من هذا الجزء. (1) راجع ج 20 ص 122. # (2) راجع ج 4 ص 284 وما بعدها. (1) في ع: فجرى على جهة واحدة، ألا ترى أن جاز رفع الصابئين الخ. # (2) البيت لبشر بن أبي حازم. والبغاة: جمع باغ وهو الساعي بالفساد. ~~والشقاق: الخلاف. # (3) قيار: قيل اسم جمل ضابئ، وقيل: اسم فرسه. يقول: من كان بالمدينة بيته ~~ومنزله، فلست منها ولا لي بها منزل. (1) راجع ج 1 ص 246 وما بعدها. # (2) من ج وع وك وه‍. (1) البيت لامرئ القيس ويروى في ديوانه (ألا يحسن اللهو). وبسباسة امرأة من ~~بني أسد. # (2) في ج وع: في أنه. # (3) البيت للفرزدق يهجو عمرو بن عفراء. ودياف قرية بالشام، وقيل: # بالجزيرة، وأهلها نبط الشام. والسليط: الزيت. # (4) راجع ج 11 ص 268. (1) راجع ج 4 ص 88 وما بعدها. # (2) في ع: ثالث اثنين بالتنوين. # (3) كذا في الأصول وتقدم أنهم الملكائية. (1) راجع ص 23 وما بعدها من هذا الجزء. # (2) من ج، ك، ع، ه‍. # (3) راجع ج 2 ص 190. # (4) في ع: يأكل الطعام. الخ. (1) راجع ج 4 ص 82 وما بعدها (2) من ع وك. (1) ولد رشدة (بكسر الراء وقد تفتح): أي ولد نكاح. # (2) راجع ص 21 من هذا الجزء. # (3) راجع ج 2 ص 24 وما بعدها. (1) من ع. (1) في ج، ك، ه‍، ع: في المجلس. # (2) في ع. تطل. # (3) راجع ج 13 ص 296. # (4) عن (البحر) (وروح المعاني). # (5) بحيراء الراهب: كأمير ممدودا وفي رواية بالألف المقصورة. # (6) الأصول محرفة في ذكر الأسماء وصوبت عن (البحر) و (روح المعاني). في ~~ج، ك، ع: تمام: نشيم بدل أبرهة وقثم. (1) الرجز لرؤية بن العجاج يصف نساء عفيفات لا يتتبعن النمائم. # (2) كذا في الأصول وهو موافق لما في (القاموس) وبها يظهر قوله بعد: (أبدل ~~من إحدى السينين واو)، وفي (اللسان): قساقسة على مثال مهالبة. ويؤخذ من شرح ~~(القاموس) أن فيه الجمعين. # (3) كذا في الأصول، وفي ابن كثير: جاثمة بن ms7053 رئاب. # (4) كذا في كل الأصول: ولعل الصواب: # متيوس. وهو متى. لان أنا جيلهم المعتمدة أربعة لكل من لوقا ومرقص ويوحنا ~~ومتى إنجيل. (1) الصرورة: الذي لم يأت النساء كأنه أصر على تركهن وفي الحديث " لا صرورة ~~في الاسلام " وهو التبتل. # (2) المحمل (كمرجل) علاقة السيف. (1) راجع ج 15 ص 248. # (2) راجع ج 7 ص 365. # (3) راجع ج 2 ص 153. # (4) راجع ج 11 ص 349. (1) في ع: لا تبقى. المزاح. # (2) وقح الحافر صلب. # (3) الودك: الدسم. (1) من ك وه‍ وع. # (2) في ج وع وك: أنتم القائلون. # (3) الغدوة المرة من الغدو، وهو سير أول النهار، نقيض الرواح. (1) في ج وك: الفضل. (1) في ل: وتقتحموا. # (2) من ج وك وع. # (3) راجع ج 18 ص 177. # (4) راجع ج 7 ص 189. # (5) من ج وك وع. (1) راجع ج 1 ص 177 في (الرزق) وص 432 (في الاعتداء) من الجزء نفسه. # (2) راجع ج 3 ص 99 وما بعدها. # (3) عجز البيت: بمقسمة تمور بها الدماء. (1) في ج، ك، ع. # (2) البيت للحطيئة يمدح قوما عقدوا لجارهم عهدا فوفوا به ولم يخفروه. وقد ~~تقدم شرحه بهامش ص 32 من هذا الجزء. # (3) راجع ج 16 ص 277. # (4) راجع ج 11 ص 113. # (5) راجع ج 15 ص 359. # (6) كذا في الأصول إلا ز، ففيه: في قوله عاقدتم... الخ. (1) راجع ج 10 ص 61. # (2) راجع ج 8 ص 116. (1) راجع ج 3 ص 96. # (2) اليمين الصبر التي ألزم بها وأكره عليها. والصبر الاكراه، يقال: صبر ~~الحاكم فلانا على يمين صبرا أي أكرهه. # (3) راجع ج 4 ص 119. (1) راجع ج 5 ص 103. (1) راجع ج 13 ص 75. (1) الزيادة عن ابن العربي. # (2) في ع: النية فإن حضرته نية. الخ. # (3) نسبة إلى المراغة، وهي بلدة مشهورة من بلاد أذربيجان. # (4) مدينة السلام بغداد وقيل: سميت بذلك لان دجلة يقال لها وادى السلام ~~وقيل: سماها المنصور بذلك تفاؤلا بالسلامة. وتسمى أيضا بدار السلام على ~~التشبيه بالجنة. (معجم البلدان). # (5) القماش: متاع البيت. # (6) الكرى: المستأجر. # (7) الفامي هاهنا الخباز. # (8) السفرة: طعام يتخذه المسافر. # (9) راجع ج 15 ص 212. (1) راجع ص 396 من هذا الجزء. # (2) راجع ج 19 ص ms7054 125. # (3) راجع ج 2 ص 153 وما بعدها. (1) من ع. # (2) هذه الزيادة غير موجودة في ابن ماجة في هذا الحديث. (1) خبز قفار: غير مأدوم مأخوذ من البلد الذي لا شئ فيه. # (2) الكامخ: نوع من الادم، معرب. # (3) في ع وك: يطعمهم. (1) هو أبو الطمحان القيني: يقول: رب من هو أهل للود قد تعرضت له، وبذلت له ~~في ذلك طاقتي من نائل. في التاج: بذلي ونائلي. وفي اللسان: في الحمد جهدي ~~ونائلي. # (2) التبان (بالضم والتشديد): # سراويل صغير مقدار شبر، يستر العورة المغلظة. # (3) في ج: يتردى به، وفي ع: يوتزر به. (1) أي ثوبان لكل مسكين. # (2) الزيادة عن ابن العربي. # (3) راجع ج 4 ص 65 (1) (في أهله) أي في قطيعتهم كالحلف على ألا يكلمهم وذكر الأهل في هذا ~~المقام للمبالغة. راجع شرح الحديث في هامش ص مسلم ط الآستانة ج 5 ص 88. (1) راجع ج 3 ص 96. # (2) من ج وه‍ وع وك. # (3) الزيادة عن ابن العربي. (1) راجع ج 2 ص 322، وما بعدها. (1) ظاهره أنه البر شرعا فلا حاجة معه إلى كفارة أخرى لكن الأحاديث ~~المشهورة تدل على وجوب الكفارة، فالحديث إن صح يحمل على إنه بمنزلة البر في ~~كونه مطلوبا شرعا. (هامش ابن ماجة). (1) راجع ج 1 ص 226 وما بعدها في (لعل) وص 397 وما بعدها في (الشكر). # (2) نفى: بقية. (1) راجع ج 3 ص 51 - 52. # (2) راجع ج 8 ص 335. # (3) راجع ج 5 ص 191. (1) الزيادة عن (صحيح مسلم). # (2) فزره: شقه. (1) راجع ج 7 ص 115. # (2) عدل: مثل ونظير. # (3) السرب: حفيرة تحت الأرض. (1) في ج وع وك. وفي ا: طريق. # (2) راجع ج 12 ص 53. # (3) الرواية: القربة التي فيها الخمر سماها مرة براوية ومرة بمزادة وهما ~~بمعنى. وربما قالوا مزاد بغير (هاء) كما وقع في بعض النسخ. # (4) في ج وع وك: إنسانا. (1) في ب: المزادتين، ما فيهما. # (2) أي بممارسة آدمي وعمله. (1) في ج وع وك: مقام. # (2) كذا في ج وع وى وا وه‍ ووفي ك: هذه الرواية تدل. الخ. # ولعل أصل العبارة: حديث مهدي الراوية... الخ. (1) قباء قرية على ms7055 بعد ميلين من المدينة. # (2) راجع ج 2 ص 148 وما بعدها. # (3) راجع ج ص 51 وما بعدها. # (4) راجع ص 57 وما بعدها من هذا الجزء. # (5) في ج وك: بيننا. # (6) في ج وع: الرجل. # (7) راجع ج 5 ص 200. (1) أي النبي صلى الله عليه وسلم. # (2) الفضيخ: شراب يتخذ من البسر المفضوخ وحده من غير أن تمسه النار، ~~والمفضوخ هو المشدوخ. # (3) راجع ج 2 ص 157. (1) من ب و ج وك. (1) من ك. # (2) راجع ج 10 ص 127. (1) وجرة: موضع بين مكة والبصرة، يقول الشاعر: هي صائمة منه لا تطعمه، وروى ~~في اللسان (لا تطعم الماء) وقال: وذلك لان النعام لا ترد الماء ولا تطعمه. ~~وقبله: # فأما بنو عامر بالنار * غداة لقونا فكانوا نعاما (2) راجع ج 3 ص 252. # (3) راجع ج 7 ص 195. # (4) في ع: أعمارهم. # (5) لعل قول ابن جرير هو الرابع. (1) عمر: عاش زمانا طويلا. # (2) الختن (بالتحريك): الصهر، أو كل ما كان من قبل المرأة كالأب والأخ. # (3) من ع. (1) البرقاني (بفتح الموحدة وسكون الراء): هذه النسبة إلى قرية كانت بنواحي ~~خوارزم وخربت، وصارت مزرعة. (الأنساب) للسمعاني. # (2) تنطع في الكلام: تعمق وغالى. # (3) وجع: مريض. # (4) الدقرارة (واحدة الدقارير): وهي الأباطيل وعادات السوء، أراد أن عادة ~~السوء التي هي عادة قومك، وهي العدول عن الحق والعميل بالباطل قد نزعتك ~~وعرضت لك فعملت بها، وكان أسلم عبدا بجاويا. (١) السقيا (بالضم): موضع بين المدينة ووادي الصفراء. # (٢) الشجو: الهم والحزن. # (3) من ع. (1) أي معظمه. # (2) راجع ص 65 فما بعد من هذا الجزء. (1) الجبح (بجيم مثلثة وموحدة ساكنة): خلية العسل ويجمع على (أجبح وجبوح ~~وجباح). (1) كذا بالأصل، واسمه في (التهذيب) وغيره: كعب بن عمرو... الخ. (1) من ك. # (2) الحمة: السم أو الإبرة تضرب بها العقرب والزنبور ونحو ذلك. # (3) السقاء: القربة. (1) الظهر: الإبل الذاتي يحمل عليها ويركب. # (2) من ك. # (3) الحلم - بالتحريك - يجمع (الحلمة) وهي الصغيرة من القردان. وقيل: # الضخم منها. (1) أي سكن ولم يتحرك. # (2) لابتا المدينة هما حرتان يكتنفانها. # (3) الخلي: النبات الرقيق ما دام رطبا، ويختلى: يقطع. (1) عير جبل بناحية المدينة، أما ثور ms7056 فيرى بعض أهل الحديث أن ذكره هنا وهم ~~من الراوي، وإنما هو جبل بمكة، والصحيح (من عير إلى أحد) وهي رواية قليلة. ~~وقدر بعض: حرم المدينة مقدار ما بين عير وثور. # وفي (النووي) قال القاضي: أكثر الرواة في كتاب البخاري ذكروا عيرا وأما ~~ثور فمنهم من كنى عنه بكذا، ومنهم من ترك مكانه بياضا لأنهم اعتقدوا ذكر ~~ثور هنا خطأ. # (2) لا يقبل منه صرف ولا عدل: # الصرف التوبة والعدل الفدية. وقيل: الصرف النافلة والعدل الفريضة. وقيل: ~~غير ذلك. (1) راجع ج 7 ص 78. # (2) راجع ج 16 ص 7. # (3) من ب، ى وسقطت الجملة مع الآية من ج، ك، ه‍، ع، ز، وفي أ، و، ل: ليس ~~هو كشئ. # (4) من ك. # (5) من ع، ك. في ج، أ: مخوفا. (1) الدبسي: نوع من الفواخت. (1) العناق: الأنثى من أولاد المعز. # (2) اليربوع: دويبة فوق الفأر. # (3) في كل الأصول: سخلة. # والسخل ولد الضأن والمعز. أما ولد حمار الوحش فهو الجحش والهنبر والدوبل ~~والقلو واللكع. # (4) كذا في ب، ج، ع. (1) في ى: الاغراض. بمعجمة. وباقي الأصول بمهملة. # (2) الثنية: كل عقبة مسلوكة في الجبل. (1) الحذف: الرمي. # (2) كان الموالي قد سألوا قبل ابن عمر - رضي الله عنه - صحابها فأمر لكل ~~واحد منهم بكفارة، ثم سألوا ابن عمر، وأخبروه بفتيا الذي أفناهم، فقال: ~~إنكم لمعزز بكم... الخ. (1) يتخارج بمعنى يخرج كل واحد منهم نصيبه من ثمنه. # (2) من ع. # (3) الزيادة عن ابن العربي. (1) الإبل قيل: هو (مثلث الهمزة) والوجه الكسر، وهو الذكر من الأوعال. # (2) في ع وك وى: فعليه بدله من الطعام ثلاثين مسكينا. (1) راجع ج 16 ص 151. # (2) راجع ج 10 ص 193. # (3) الشعر لطرفه، وصدر البيت: * فمرت كهاة ذات خيف جلالة * (4) اليلندد: ~~الشديد الخصومة. # (5) كذا في ه‍، ع: وفي ج، ى: للنهي. (1) راجع ج 1 ص 388. # (2) الزيادة عن (الدارقطني) في رواية ابن عباس. # (3) من ع. # (4) الجري: ضرب من السمك في ظهره طول وفي فمه سعة وليس له عظم إلا عظم ~~اللحيين والسلسلة. # (5) في ج: ابن زيد. (1) حسر ونضب وجزر بمعنى. # (2) كذا في الأصول ms7057 عدا: ل. فقد سقط منها. (1) القرش: دابة مفترسة من دواب البحر الملح. والدلفين بالضم دابة بحرية ~~تنجي الغريق، والعامة تقول: الدرفيل. (1) هذه النسبة إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم كان أصله منها ونزل ~~على البصرة. (الأنساب). # (2) من ى. # (3) من ع. (1) في ج، ك، ب وع: مع. # (2) راجع ج 1 ص 271. # (3) في ك: يزجرهم. # (4) في الأصول: الأمور. والتصويب من ابن العربي. # (5) راجع ج 13 ص 363. (1) كذا في الأصول وصوابه: الأربعة. # (2) من ب و ج وك وه‍ وع. # (3) في ب و ج وك وه‍ وز: سنه. # (4) راجع ج 8 ص 132 فما بعدها. # (5) في ب و ج وك وه‍ وز: أو شرعا. # أي يسر إلهاما أو شرعا. الخ. # (6) راجع ج 12 ص 297. # (7) راجع ج 1 ص 263 فما بعدها. (1) في ج: نافع حميد جميل. الخ. (١) راجع ج ٧ ص ٢٣١. # (٢) راجع ج ١٥ ص ١٩١. # (٣) راجع ج ١٦ ص ١٦٥. # (٤) في ب و ج وك وه‍ وع: حرمة. # (٥) الرواية (لعرق) بالتنوين، وهو على حذف مضاف أي لذي عرق ظالم، فجعل ~~العرق نفسه ظالما والحق لصاحبه، أو يكون الظالم من صفة صاحب العرق. وإن روى ~~(عرق) بالإضافة فيكون الظالم صاحب العرق والحق للعرق وهو أحد عروق الشجرة. ~~(غاية النهاية). (1) هو زكريا بن يحيى المصري. # (2) عم: أي تامة. في طولها والتفافها، واحدتها عميمة وأصلها عمم فسكن ~~وأدغم. # (3) رباع (جمع ربع): وهو المنزل. # (4) البراح: (بالفتح): المتسع من الأرض لا زرع فيه ولا شجر. # (5) في ك: أبو الجهم. (1) من ج وب وه‍ وع. # (2) من ب و ج وه‍ وع. # (3) الدعابة: المزاح. # (4) راجع ج 4 ص 137. (1) بحذف همزة الاستفهام في هذه الرواية كما في الدارقطني. # (2) في ك: جماعة. (١) أي لا يجب إلا ببيان، قال ابن العربي قوله تعالى: (وإن تسألوا عنها حين ~~ينزل القرآن تبد لكم) يشهد لكونها من باب ~~التكليف الذي لا يبينه إلا نزول القرآن وجعل ~~نزول القرآن سببا لوجوب الجواب. # (2) راجع ج 16 ص 330. # (3) من ع. # (4) وجد في ى سند عن الشيخة ms7058 شهدة بنت أبي نصر الدينوري لحادثة تركناه ~~لوروده في ج 10 ص 5. (1) راجع ج 3 ص 40 وص 80. # (2) من ك. # (3) العي: الجهل. # (4) راجع ج 12 ص 108. (1) راجع ج 18 ص 162. # (2) في ك: وقد فرضا. # (3) راجع ج 10. (1) راجع ج 11 ص 278. # (2) راجع ج 16 ص 61. (١) قال ابن عطية: أرى أن البحيرة تصلح وتسمن ويغزر لبنها فتشبه الغزيرات ~~بالبحر. # (٢) كذا في ج وا وك. ولعله أبو بكر محمد بن عزيز - كزبير - السجستاني ~~صاحب غريب القرآن وصحح بأنه عزير بزاء وراء ~~مهملة، كما في ى وب وز، والتاج مادة عزز وفيه عزا هذا التعريف لابن عرفة عن ~~الأزهري. # (3) كذا في الأصول. والاذن مؤنثة. # (4) نمت الناقة سمنت. (1) القصب: المعي. # (2) الوفرة - شعر الرأس إذا وصل شحمة الأذن. # (3) في ك: الأصنام. (1) مآب (بهمزة مفتوحة بعدها ألف): مدينة في طرف الشام من نواحي البلقاء. ~~(معجم ياقوت). # (2) راجع ج 7 ص 95. # (3) راجع ج 8 ص 354. (1) أي اجعلها وقفا: وأبح ثمرتها لمن وقفتها عليه. # (2) في ك: الآخرين. (1) الربع: محلة القوم ومنزلهم. # (2) في ك: عند جماعة من.. الخ. # (3) في ج: للحبس. (1) من ك. # (2) في الأصول: التيمي. والصواب ما أثبت. (1) راجع ج 2 ص 210 وما بعدها. # (2) كذا في الأصول. والمتبادر أن هذا إغراء، أي خذه. # (3) المانح: هو الذي ينزل إلى قرار البئر إذا قل ماؤها فيملأ الدلو. ~~وتمامه: # * إني رأيت الناس يحمدونكا * (1) في ك: ابن راهويه. وهو ابن إبراهيم. # (2) الزيادة عن الترمذي. (1) راجع ج 19 ص 85. # (2) راجع ج 7 ص 157. # (3) في ب، ع، ه‍: حلس بالمهملة: وهو بساط في البيت، وحلس بيته إذا لم ~~يبرح مكانه. (1) في ج، ك: حكم. # (2) في ك: من أهل العلم. (1) ثلجت النفس بالشئ ثلجا اشتقت به واطمأنت إليه، وقيل: عرفته وسرت به. # 2) من ع. # (3) الجام إناء من فضة، وجام مخوص أي عليه صفائح الذهب مثل خوص النخل. (1) يقطع: يعظم. # (2) في ع: موشا بالذهب. # (3) أراد بمعان. # (4) راجع ج 4 ص 40. # (5) راجع ج 6 ص 19. # (6) راجع ج 9 ص 172. (1) هذا صدر بيت لرجل من بني عامر، ms7059 وتمامه: * قليل سواي الطعن النهال ~~نوافله * وسلم عامر قبيلتان من قيس عيلان. # (2) راجع ج 14 ص 302. # (3) راجع ج 11 ص 24. # (4) في ك: لميت. # (5) راجع ج 10 ص 174. # (6) راجع ج 18 ص 148. # (7) راجع ج 17 ص 178. (1) ينبغي بناء الفعل للمجهول. # (2) راجع ج 14 ص 121. # (3) كذا في الأصول. # وابن قيس هو أبو موسى. ولعل الصواب عبد الله بن مسعود كما يستفاد من ~~أحكام الجصاص. # (4) كذا في ب، ج، ع، ك، ه‍، ز وفي ا: الشهادة. (1) المتبادر أن العبارة: إن الآية نزلت في حادثة ولا مؤمن الخ. # (2) راجع ج 3 ص 395، وص 157 ج 18. # (3) في ك: عن الشنآن. (1) من ع. # (2) توى المال: ذهب فلم يرج. # (3) في ع وك: به. # (4) الحميل: الكفيل. # (5) في ك: لم يمكن. (1) في ع: كانا كافرين. # (2) من ى. (1) راجع ج 8 ص 351 (2) راجع ج 11 ص 296 (3) هو أبو يحيى زياد الأعرج مولى ~~الأنصار. # (4) من الأصول. وفي ابن العربي: ويأثر أصحابه ذلك عن ابن عباس. # (5) وفي ب و ج وع وى وه‍: يستحلف. # (6) في ب وع وه‍ وى: أو المصحف. (1) يجم: يكثر فيه الماء. (1) دقوقاء (بفتح أوله وضم ثانيه وبعد الواو قاف أخرى وألف ممدودة وتقصر): ~~مدينة بين إربل وبغداد معروفة، لها ذكر في الاخبار والفتوح، كما بها وقعة ~~للخوارج. (معجم البلدان). # (2) كذا في الأصول. # ويبدو أن فيه سقطا فليتأمل. # (3) في ب و ج وك وى وع وه‍. # (4) راجع ج 9 ص 310 (١) من ك. # (٢) راجع ج ٥ ص ٥٠ ففيها: (فإنه ليس بينه) وهو الشاهد. والأصول جميعا: # (بينها) فلا شاهد. # (٣) وهو تحصيل المنافع على كتاب الدرر ~~اللوامع. في قراءة نافع. (1) راجع ج 10 ص 378 (2) ناقة ذات لوث أي قوة، وكذا عفرناة، والمعنى أنها ~~لا تعثر لقوتها، فلو عثرت لقلت تعست. وقوله: (بذات لوث) متعلق ب‍ (- كلفت) ~~في بيت قبله وهو: # كلفت مجهولها نفسي وشايعني * همى عليها إذا ما آلها لمعا (اللسان) (3) ~~قراءة نافع بالبناء للمفعول، وهي قراءة الجمهور. (1) راجع ج 12 ص 255. # (2) راجع ج 2 ص ms7060 41 (3) نفث الجرح الدم إذا أظهره، والبيت لصخر الغى. ~~(اللسان). # (4) قال ابن عطية: على تثنية أول، والنصب على تقدير الأولين فالأولين في ~~الرتبة. (1) راجع ج 12 ص 182 (2) راجع ج 1 ص 245 (1) في ك: يرهبون. # (2) في ب و ج وه‍ وع وى: عن. # (3) أي يجتذبون ويقتطعون. # (4) من ك. # (5) من ك وع. والذي في السمين وروح المعاني: أبو بكر وحمزة. (1) الرجز لرجل من بني الحرماز، يمدح به أحد بني المنذر بن الجارود العبدي ~~و (حكم) هذا أحد ولاة البصرة لهشام بن عبد الملك. وسمى جده الجارود لأنه ~~أغار على قوم فاكتسح أموالهم فشبه بالسيل الذي يجرد ما مر به. وتمامه: # سرادق المجد عليك ممدود. (شواهد سيبويه). # (2) الطوال: هو محمد بن أحمد بن عبد الله الطوال النحوي من أهل الكوفة ~~أحد أصحاب الكسائي قال ثعلب: وكان حاذقا بإلقاء العربية. توفى سنة 243. ~~(بغية الوعاة). # (3) في ك: أخذ بعدد. # (4) راجع ج 2 ص 24. (1) راجع ص 22 من هذا الجزء. # (2) راجع ج 2 ص 44. # (3) راجع ج 4 ص 90 وص 97. وما بعدها. # (4) راجع ج 10 ص 133. # (5) راجع ج 11 ص 250 (6) راجع ج 20 ص 149. # (7) أي الأرض، وصدر البيت: # * بإذنه الأرض وما تعتت * (1) راجع ج 18 ص 89. # (2) ذات أنواط: شجرة بعينها كانت تعبد في الجاهلية قال ابن الأثير: # كان المشركون ينوطون بها سلاحهم أي يعلقونه بها، ويعكفون حولها. # (3) راجع ج 7 ص 273. (1) راجع ج 3 ص 297. # (2) في ع: وقوعه لكل. الخ. # (3) في ه‍: هم هم كانوا. # (4) من ب و ج وك وع. (1) راجع ج 9 ص 246. # (2) في ع: فننال. # (3) من ك. # (4) كذا في ك وفي البحر: أعوانا لك وفي ب و ج وى: لدعوانا. وفي ع: لندعو. ~~وفي ه‍: لدعائنا. (1) في ى: تحرف. # (2) راجع ج 10 ص 90. # (3) راجع ج 18 ص 270 (4) راجع ج 20 ص 4. (1) في البحر: يجمع الناس لأنهم. الخ. وفي ب وع وه‍ وى: مجمع. # (2) هو رذاذ الكلبي - كما في اللسان - وصدر البيت: * ظلت تجوب بها ~~البلدان ناجية * (3) صوبت هذه القراءة ms7061 عن البحر وغيره من كتب التفسير قال ~~صاحب البحر: وقرأ زيد بن ثابت وابن محيصن والجحدري (لأولانا وأخرانا) أنثوا ~~على معنى الأمة والجماعة. والذي بالأصول: ج وك وب وى وز وه‍: # (لأولينا وآخرينا). # (4) من ك وع. (1) الزيادة عن (روح المعاني) وغيره من كتب التفسير. # (2) أحوات (جمع حوت): وهو نوع من السمك المعروف. # (3) من ع. (1) الزيادة عن الدر المنثور. # (2) في الدر المنثور في رواية: (أما آن لكم أن تعتبروا بما ترون وتنتهوا ~~عن تنقير المسائل)... الخ. وفي تفسير ابن عطية (ألم ينهكم الله عن هذه ~~السؤالات). # (3) في ع وه‍ وب: إلاه إسرائيل. # (4) تبص: تلمع. وفي ب، ج، ك، ى: تبصبص. (1) مثلة: عقوبة. # (2) جشأ وتجشأ: أخرج صوتا من فمه عند الشبع. # (3) تمارى: شك. # (4) من ك، ى، ج، ب. # (5) كبا (بالكسر والقصر) كالى. (1) نكسه: قلبه وجعل أسفله أعلاه. (1) من ع. # (2) الذي في الأصل: (محمد بن المثنى أبو موسى الزمن) وهو (محمد بن بشار) ~~كما في الترمذي وكما سيأتي. # (3) امتهن الشئ: استعمله للمهنة. # (4) الاصباغ (جمع صبغ) وهو ما يؤتدم به من كل مائع كالخل وفي التنزيل: ~~(وصبغ للآكلين). # (5) أي النبي عليه الصلاة والسلام. # رواه أحمد والترمذي والحاكم. # (6) النهس أخذ اللحم بأطراف الأسنان ونتفه وفي ى و ج وز: انهشوا (نهشا) ~~بالمعجمة وهي الرواية معناها أخذ اللحم بجميع الأسنان. (1) في حاشية الجمل عن القرطبي: والمائدة ما مد وبسط من الثياب والمناديل. ~~الخ. # (2) عن ك. (1) راجع ج 14 ص 314. # (2) راجع ج 7 ص 209. (1) راجع ج 15 ص 151. (1) راجع ج 15 ص 260. # (2) راجع ج 7 ص 5. # (3) راجع ج 4 ص 99 (4) من ك. # (5) في الأصول: الرقبة. والمثبت هو اللغة. # (6) الزيادة عن صحيح مسلم. # (7) غرل (جمع أغرل) أي غير مختونين والمراد - والله أعلم - إنهم يحشرون ~~كما خلقوا لا شئ معهم ولا ينقص منهم شئ بل يتم لهم كل ما نقص منهم. (هامش ~~مسلم). # (8) من ك وه‍ وب وع. # (9) أي يقرأ بآية يرددها في صلاته حتى أصبح. (1) من: ك. # (2) راجع ج 9 ص 368. # (3) من ع. (1) البيت للنابغة والشاهد في ms7062 إضافة (حين) إلى الفعل وبنائها معه على ~~الفتح. # (2) راجع ج 1 ص 376. (1) من ب و ج وك. (١) زجل: صوت رفيع عال. # (٢) في ج وب وى: أبي سهيل، وفي غيرهما: ابن سهيل. # والصحيح ما أثبتناه عن التهذيب. # (٣) في ح الجمل عن القرطبي: ثم خر ساجدا. # (٤) من ع. # (٥) نجائب القرآن ونواجيه: أفاضل سوره. ~~(النهاية). (١) راجع ج ١٠ ص ٣٤٤ (٢) المرزبة (بالتخفيف) ويقال لها: الأرزبة (بالهمزة ~~والتشديد). # المطرقة الكبيرة التي تكون للحداد. (النهاية). # (3) راجع ج 7 ص 96. # (4) في ع: أمثل. # (5) في ب و ج وع وى: وستري ذلك مبينا. # (6) من ك. (1) راجع ج 1 ص 131 وما بعدها. # (2) الأود: العوج. (1) من ج. # (2) راجع ج 1 ص 255 - 256 وما بعدها. (1) راجع ج 7 ص 78. # (2) راجع ج 12 ص 11. # (3) تمام البيت: # * فإن زمانكم زمن خميص * يقول الشاعر: كلوا في بعض بطنكم حتى تعتادوا ذلك ~~فإن الزمان ذو مخمصة وجدب. # (4) ورد البيت في ج 1 ص 228 (والأربع اثنين) والصواب ما هنا. (1) راجع ج 1 ص 228. # (2) راجع ج 2 ص 202 وما بعدها. # (3) من ع. (١) راجع ج ١١ ص ٢١٠. # (٢) راجع ج ١٢ ص ١٠٨. # (٣) راجع ج ١ ص ٢٧٩. # (٤) دجناء (بالمد والقصر). ويروى بالحاء المهملة وهي مضبوطة في (اللسان) ~~و (النهاية) بفتح الدال. # وقال صاحب القاموس: (وهي بالضم والكسر). # (5) الجؤجؤ: الصدر. # (6) في ع: نبي. # (7) راجع ج 10 ص 286. # (8) الطوال (بالضم): المفرط الطول. # (9) النخلة السحوق الطويلة. (1) (في التهذيب): هو مصغر وفي القاموس: هو كأمير. # (2) في ع وى: أشبهها. # (3) في ع: المشركين. # (4) راجع ج 17 ص 92. (1) في ك: وهذا أحسن. الخ. # (2) من ك. # (3) من ع. # (4) في ع: يأتي. (1) في ع: خيركم. وهي رواية في البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي. # (2) في ك: الصحابة. (1) راجع ج 8 ص 324. # (2) هو معود الحكماء - معاوية بن مالك - وفي ك: نزل السماء. # وهي رواية: وهذا صدر بيت له، وتمامه * رعيناه إن كانوا غضابا * وسمى معود ~~الحكماء لقوله في هذه القصيدة: # أعود مثلها الحكماء بعدي * إذا ما الحق في الحدثان نابا ms7063 (3) راجع ج 16 ص ~~98. (1) في ب وع وى:: لا في قرطاس. # (2) في ع: وبالغوا في كفرهم. # (3) راجع ج 10 ص 327. (1) في ب و ع و ي: لا في قرطاس (2) في ع: يلبسون عليهم مثل هذا. # (3) راجع ج 14 ص 357. (1) في ك. # (2) راجع ج 9 ص 186. (1) في ع: من أغنيائنا، فأخبرهم سبحانه. الخ. (1) راجع ج 17 ص 55. # (2) الولي: الوثن. # (3) من ك. (1) هو المخبل السعدي يهجو الزبرقان وقومه وجذاع الرجل قومه. # (2) راجع ص 242 من هذا الجزء. (١) هو ذو الرمة والوعساء رملة لينة وجلاجل (بفتح الجيم) وفي كتاب سيبويه ~~(بضمها) موضع بعينه. # والنقا الكثيب من الرمل. # (٢) راجع ج ١٠ ص ٣٤٢. # (٣) راجع ج ١١ ص ٢٠٥. # (٤) أي في غير القرآن. # (5) راجع ج 7 ص 129. # (6) راجع ج 2 ص 162 وما بعدها. (1) في ك: لا ايضاح. # (2) في ه‍ وب و ج وع: الدعاوي. # (3) راجع ج 5 ص 198. (1) في الأصول (فيقول) والتصويب عن تفسير الفخر والآلوسي. # (2) (أي فل) قال النووي: # (بضم الفاء وسكون اللام) ومعناه يا فلان وهو ترخيم على خلاف القياس وقيل: ~~ليس ترخيما بل هي لغة بمعنى فلان لأنه لا يقال إلا بسكون اللام ولو كان ~~ترخيما لفتحوها أو ضموها. و (تربع) أي تأخذ ربع الغنيمة يريد ألم أجعلك ~~رئيسا مطاعا لان الملك كان يأخذ ربع الغنيمة في الجاهلية دون أصحابه. وقيل: ~~إن معناه تركتك مستريحا لا تحتاج إلى كلفة وطلب. # (3) الزيادة عن صحيح مسلم. (1) من ب و ج وك وع. # (2) راجع ج 3 ص 347. # (3) من ك. (1) الزيادة عن ابن عطية أبو حيان: وحد الضمير في (يستمع) حملا على لفظ ~~(من) وجمعه في (على قلوبهم) حملا على معناها. # (2) يعني جعبة السهام وقبيلة من مضر وبها سميت أرض الكنانة. # (3) في ج: يفقهوه. (1) كذا في ا وب وه‍ وك. وفي زوع: أنياب وأنابيب. وكلاهما جمع وجمع الجمع ~~فليتأمل. # (2) العثكول: العذق وقيل: الشمراخ وهو ما عليه البسر من عيدان الكباسة. # (3) العباديد والعبابيد بلا واحد من لفظهما: الفرق من الناس والخيل ~~الذاهبون في كل وجه والآكام والطرق ms7064 البعيدة. (1) في الواحدي وغيره: مبينا. # (2) من ج وك وع وز وه‍. # (3) راجع ج 16 ص 220. # (4) راجع ج 13 ص 299. (1) في ك وى: أبو عبيدة. # (2) من ج وك وب وز وه‍. # (3) الناقة ذات السرعة والنشاط. # والناقة الصلبة. راجع ج 5 ص 206. # (4) في ب و ج وك وز وه‍: وارحم. # (5) السيد العظيم. (1) من ب و ج وع وى. # (2) الإهالة الشحم المذاب ومتن الإهالة ظهرها إذا سكبت في الاناء، فشبه ~~سكون جهنم قبل أن يصير فيها الكفار بذلك. (اللسان). # (3) أي بالرفع في كلها كما في ابن عطية. (1) في ك. # (2) كذا في الأصول والذي في البحر: وقرأ أبي (فلا نكذب بآيات ربنا أبدا). (1) أبو روق: (فتح الراء وسكون الواو وبعدها قاف) هو عطية بن الحرث ~~الهمذاني الكوفي ذكره بن سعد في الطبقة الخامسة وقال: هو صاحب التفسير. ~~(التهذيب). # (2) راجع ج 15 ص 264. # (3) راجع ج 10 ص 199. (1) في ب وك وه‍ وع: الرب. (1) البيت لزهير بن أبي سلمى والشاهد فيه قوله: (لايا بلاى) ونصب على ~~المصدر الموضوع في موضع الحال والتقدير حملنا وليدنا مبطئين ملتئين. وصف ~~فرسا بالنشاط وشدة الخلق فيقول: إذا حملنا الغلام عليه ليصيد امتنع لنشاطه ~~فلم نحمله إلا بعد إبطاء وجهد واللأى الابطاء المحبوك الشديد الخلق والظماء ~~هنا القليلة اللحم - وهو المحمود منها - وأصل الظمأ العطش. (شواهد سيبويه). # (2) من ب، ج، ك، ع. # (3) شطر بيت من معلقة امرئ القيس وصدره: * ويوم عقرت للعذارى مطيتي * (1) في الأصول: والدنيا بالآخرة. # (2) راجع ج 1 ص 210. (1) فيه إقواء. # (2) في هامش ب: عابه الناس. # (3) راجع ج 17 ص 255. # (4) في ك: تجارة. (1) كذا في الأصول. وهو المعنى المراد. وفي ط الأول: تمتع. # (2) الزف (بالكسر): صغير الريش، وخص بعضهم به ريش النعام، وورد في أدب ~~الدنيا والدين (وزن ذر). # (3) كذا في الأصول. بل الدنيا جزاء الكافر لقوله عليه الصلاة والسلام " ~~الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ". # (4) يزجى الأيام يدافعها. (1) راجع ج 13 ص 320، ص 361. (1) راجع ج 9 ص 327 (2) راجع ج 15 ص 322 وص 139 (3) راجع ج 17 ص ms7065 306 (4) ~~راجع ج 1 ص 178. # (5) في ك: " بناؤه ". # (6) في ك: " لأنه ". (1) هو الفرزدق يفتخر في شعره بكرم أبيه غالب وعقره مائة ناقة في معاقرة ~~سحيم بن وثيل الرياحي في موضع يقال له (صوأر) على مسيرة يوم من الكوفة ~~ولذلك يقول جرير أيضا: # وقد سرني ألا تعد مجاشع * من المجد إلا عقر نيب بصوأر وبنو ضوطري تقال ~~للقوم إذا كانوا لا يغنون غناء. (1) في ب وع: الرصف. وهو نظم الشئ بعضه إلى بعض. # (2) راجع ج 2 ص 196. # (3) راجع ج 10 ص 151، ص 229. (1) راجع ج 10 ص 164، ص 108. # (2) راجع ج 18 ص 17. # (3) راجع ص 61 من هذا الجزء. (1) لتؤدن (بفتح الدال المشددة) وفي بعض النسخ بضمها فالحقوق بالرفع على ~~الأول والنصب على الثاني. # (2) الجلحاء: التي لا قرن لها. # (3) راجع ج 19 ص 227 وص 186. # (4) برقان (بالكسر والضم). (القاموس). (1) راجع ج 1 ص 214. (1) راجع ج 11 ص 251. (1) راجع ج 11 ص 278. # (2) راجع ج 12 ص 127. # (3) راجع ج 3 ص 320. # (4) راجع ج 2 ص 215. # (5) راجع ص 263 وما بعدها من هذا الجزء. # (6) راجع ج 7 ص 195. (1) راجع ج 3 ص 417 وما بعدها. # (2) من ب، ج، ك، ع. # (3) راجع ج 15 ص 326. # (4) في ج، ع، ى: أغراهم. (1) راجع ج 7 ص 329. # (2) في ج: في ذلك. (1) المكرس: الذي صار فيه الكرس والكرس (بالكسر): أبوال الإبل وأبعارها ~~يتلبد بعضها على بعض في الدار والدمن. وأبلس: سكت غما. # (2) دبريا: يروي (بفتح الباء وسكونها) وهو منسوب إلى الدبر آخر الشئ وفتح ~~الباء من تغيرات النسب. (ابن الأثير). # (3) راجع ج 1 ص 185. (1) راجع ج 5 ص 241. # (2) راجع ج 8 ص 193. # (3) راجع ج 1 ص 189. # (4) من ع. (1) راجع ج 16 ص 222. # (2) راجع ج 14 ص 62. # (3) راجع ج 7 ص 253. (1) من ب و ج وع. # (2) راجع ج 1 ص 289 وص 184. # (3) راجع ج 7 ص 171. # (4) راجع ج 11 ص 309. # (5) من ب، ج، ك، ع. (1) راجع ج 11 ص 281. # (2) راجع ج 14 ص 295. # (3) راجع ج 3 ص 273. # (4) من ج، ب، ك. # (5) في ms7066 ب وع وك و ج وه‍: حسان. (1) راجع ج 17 ص 164. # (2) راجع ج 9 ص 310. # (3) من ع. (1) راجع ج 10 ص 390 (2) العنقزي: ضبط (القاموس). (لب اللباب) بفتح القاف. ~~وقال في التهذيب: هو بكسرها. # (3) في ج، ك، ى، ع. ويقال: أبو سعد. # (4) في ك: كفالة. (1) راجع ج 15 ص 276. # (2) راجع ج 1 ص 309. # (3) في ج، ك، ى، ع، ه‍: # أبويه. # (4) راجع ج 15؟ ص 276. (1) من ج، وع، ك، وه وى. # (2) من ك وى. (1) راجع ج 5 ص 92. (1) راجع ج 10 ص 159. # (2) راجع ج 7 ص 282. # (3) راجع ج 4 ص 154. (1) من ى، ك. # (2) من ك. # (3) راجع ج 14 ص 313. # (4) راجع ج 5 ص 50. # (5) الوجين: شط الوادي. (1) راجع ج 10 ص 327. # (2) راجع ج 7 ص 398. # (3) راجع ج 9 ص 119. # (4) قال الفخر الرازي (يقض) بغير ياء لأنها سقطت لالتقاء الساكنين كما ~~كتبوا (ستدع الزبانية) (فما تغن النذر). (1) راجع ج 13 ص 225. (1) راجع ج 4 ص 288. # (2) راجع ج 19 ص 26. # (3) من ك. # (4) في ك: من رسول. # (5) النوء: سقوط نجم من المنازل في المغرب مع الفجر وطلوع آخر من المشرق ~~يقابله من ساعته، وكانت العرب تضيف الأمطار والرياح والحر والبرد إلى ~~الساقط منها. # (6) أي في الحديث القدسي. # (7) راجع ج 17 ص 228 فما بعد. (1) راجع ج 15 ص 29 (2) في اوز: يستروا. # (3) من ج وك وز. # (4) زيادة عن صحيح مسلم. # (5) السراب: الذي يكون نصف النهار لاطئا بالأرض لاصقا بها كأنه ماء جار. ~~والآل: الذي يكون بالضحى كالماء بين السماء والأرض يرفع الشخوص ويزهاها. # (6) التصحيح من ز. (1) القر: ترديدك الكلام في أذن المخاطب حتى يفهمه. # (2) الزيادة عن صحيح مسلم. # (3) هو أحد رجال سند هذا الحديث. # (4) من ك. # (5) راجع ج 14 ص 278 فما بعد. (1) في ز، ل: توفيت الشئ. # (2) هو منظور الوبرى. # (3) راجع ج 6 ص 66. (1) راجع ج 19 ص 245. # (2) راجع ج 17 ص 8. # (3) من ز. # (4) من ز، ع. # (5) في ك: سفيها. (1) راجع ج 2 ص 137. # (2) راجع ج 6 ص 416. # (3) راجع ج 14 ص 92. # (4) راجع ج 15 ms7067 ص 260. # (5) راجع ج 16 ص 172. # (6) راجع ج 18 ص 206. # (7) راجع ج 2 ص 435. (1) قراءة نافع. # (2) من ك. (1) راجع ج 19 ص 250. # (2) في ك: أهوائهم. (1) زوى: جمع. # (2) أي مجتمعهم وموضع سلطانهم ومستقر دعوتهم. (1) راجع ج 13 ص 323. # (2) راجع ج 9 ص 86. # (3) من ك. (١) في ك: أشق. # (٢) من ك وز. # (٣) من ك. # (٤) التقية والتقاة بمعنى واحده. # يريد أنهم يتقون بعضهم بعضا ويظهرون الصلح والاتفاق، وباطنهم بخلاف ذلك. # (5) من، ع، ز. (1) في ابن عطية: قرأ ابن عامر وحده. الخ وفي ك: قرأ ابن عياش وابن عامر ~~وابن عمر. # (2) الشاهد في ينسيك بالشد مع عدم النون الشديدة إلا أنه بدون إما. # (3) والبيت بتمامه كما في اللنسان: ومثلك بيضاء العوارض طفلة * لعوب تنسى ~~إذا قمت سربالى ورواية اللسان " تناساني " بدل " تنسيني ". (1) الزيادة من ابن العربي. # (2) راجع ج 15 ص 276. (1) راجع ج 5 ص 417. # (2) راجع ج 8 ص 71. # (3) راجع ج 6 ص 413 فما بعده. (1) هكذا الشطر في الأصول ولعل الأصل: إذا سألت عن الخ. # (2) كذا في ك. والذي في اللسان وشرح القاموس: السجفيه. والذي في الجواهري ~~وفي ا وب وج‍ وز: السحيفه بالحاء المهملة بدل الجحيم. # (3) من ج، ع، ك، ز. # (4) الأفاقة (ككناسة): موضع في أرض الحزن قرب الكوفة. أو هو ماء لبني ~~يربوع، ويوم الأفاقة من أيام العرب. # (5) راجع ج 3 ص 283 وص 273 وج‍ 4 ص 109. # (6) راجع ج 1 ص 378 وص 380. # (7) راجع ج 12 ص 25. (1) راجع ج 17 ص 175. # (2) راجع ج 10 ص 2. # (3) هو الأعشى ميمون. # (4) في ك: رجونا. (1) سيأتي في ص 263 من هذا الجزء. # (2) لم نجد هذا المصدر في كتب اللغة. وفي تفسير الفخر الرازي: "... وزاد ~~الفراء حيرانا وحيرونة. # (3) من ك. # (4) العيوب: الطويل. (1) من ع وز وك. (1) في ك. وفى شواذ ابن خالويه: فيكون بالنصب. الحسن. وفي الأصول الأخرى: # فنكون بالنون. وهو خطأ. # (2) راجع ج 2 ص 89. # (3) أصغى: أمال. # (4) الليت (بكسر اللام): صفحة العنق. # (5) أي يطينه ويصلحه. # (6) راجع ج 15 ص 177. # (7) راجع ج 13 ص 239. (1) نقل المؤلف هنا ms7068 ما في الصحاح، وقد حذف منه ما جعل المراد غير واضح. ~~وعبارة: "... وقرأ الحسن (يوم ينفخ في الصور) والصور بكسر الصاد لغة في ~~الصور جمع صورة. ينشد هذا البيت على هذه اللغة يصف الجواري: # أشبهن من بقر الخلصاء أعينها * وهن أحسن من صيرانها صورا والصيران جمع ~~صوار وهو القطيع من البقر. والصوار أيضا وعاء المسك، وقد جمعهما الشاعر ~~بقوله: # إذا لاح الصور ذكرت ليلى * وأذكرها إذا نفح الصوار والصيار لغة فيه ". # (2) من ج وك وع. راجع ج 18 ص 203. # (3) هذا صدر بيت للحارث ابن نهيك، وتمامه كما في كتاب سيبويه: * ومخبط ~~مما تطيح الطوائح * وصف أنه كان مقيما لحجة المظلوم ناصرا له. والمختبط: ~~الطالب المعروف. وتطيح: تذهب وتهلك. # (4) من ج وك. (1) في ج وك بالمعجمة، وفى ع بالمهملة. وفى جمل: ضبطه بعضهم بالحاء المهملة ~~وبعضهم بالخاء المعجمة. # (2) من ج وك وع. # (3) الهم (بكسر الهاء): الشيخ الفاني. وفي ك: الهرم، وكذا قال الفراء. # (4) لعل هذا هو الصحيح كما في لغة الفينيقيين إزربعل: سادن الصنم بعل. (1) من ك. # (2) أبو السمال قعنب بن أبي قعنب العدوى البصري. # كذا في طبقات القاء والتاج. # له قرءات شاذة عن العامة وفي الميزان: أبو السماك معتب بن هلال العدوى ~~البصري له حروف شاذة لا يعتمد على نقله ولا يوئق به. وفي ب وج‍: ابن ~~السماك. # (3) من ك وج‍ وع. (1) راجع ج 13 ص 339. # (2) السرب (بالتحريك): حفير أو بيت تحت الأرض. # (3) من ك. # (4) في ك: ومن رب نمرود. # (5) في ج وز: كتاب حسن نظيف مما يفترى. # (6) راجع ج 3 ص 283. (1) هو دريد بن الصمة، وقيل: هو لخفاف بن ندبة (عن اللسان). # (2) الرمث (بالكسر): # مرعى من مراعى الإبل، واسم واد لبني أسد. والأرطي (جمع أرطاة): شجر ينبت ~~بالرمل. (1) راجع ج 9 ص 367. # (2) راجع ج 15 ص 91. # (3) راجع ج 10 ص 97. # (4) في ك: آفلا. # (5) راجع ج 12 ص 255. # (6) راجع ج 11 ص 287. # (7) هو أبو خراش. رفوته سكته من الرعب. (1) هو عمر بن أبي ربيعة. # (2) راجع ج 13 ص 308. # (3) راجع ج ms7069 16 ص 151. # (4) راجع ص 250 من هذا الجزء. # (5) راجع ج 1 ص 146. (1) الشاهد فيه قوله: " ذا غربه " أي شخصا ذا غربة. # (2) من ك. # (3) هذا صدر بيت، وعجزه كما في اللسان مادة أنن: * جميعا قد تذريت ~~السناما * (1) البيت لعمرو بن معد يكرب، وصف شعره وأن الشيب قد شمله. والثغام: نبت له ~~نور أبيض يشبه به الشيب ويعل: يطيب شيئا بعد شئ والعلل: الشرب بعد الشرب. # (2) من ك. # (3) راجع ج 2 ص 84. (1) راجع ج 4 ص 233. # (2) من ب وج‍ وك. # (3) راجع ج 14 ص 62. # (4) من ك. # (5) في ك: إنا نخاف. # (6) راجع ج 9 ص 235. (1) راجع ج 15 ص 298. # (2) من ك وب وع. # (3) راجع ج 2 ص 137. (1) في ك: ابن العمة. # (2) راجع ج 4 ص 104. # (3) راجع ج 5 ص 54 وص 15 ج 6 (4) راجع ج 8 ص 1. (1) البيت لابن ميادة. # (2) البيت لذي الخرق الطهوي: كما في شرح القاموس. الفقه (كالهمزة) ~~والنافقاء: حجر الضب واليربوع. وقيل موضوع يرققه اليربوع من حجره فإذا أتى ~~من قبل القاصعاء. (وهو حجره) ضرب النافقاء برأسه فخرج والشيخة: رملة بيضاء ~~ببلاد أسد حنظلة. يروى: حجره. وفى الأصول: # ذو الشيخة. # (3) من ك. # (4) من ع ول. # (5) أي من ذرية نوح. # (6) من ع. # (7) راجع ص 243 من هذا الجزء. (1) هذا عجز بيت للأعشى وصدره كما في الديوان: # * نفى الذم عن آل المحلق جفنة * الجفنة: القصة. والفهق: الامتلاء. # (2) راجع ج 1 ص 146 وج‍ 2 ص 132 - 133. # (3) راجع ج 3 ص 46. (1) من ك و ز. # (2) الربيع: بضم الراء وفتح الموحدة وتشديد التحتية المكسورة بعدها عين ~~مهملة. # أما أم الربيع فهي بفتح الراء وكسر الموحدة وتخفيف الياء. راجع شرح ~~النوري على صحيح مسلم باب إثبات القصاص في الأسنان وما في معناها فقيه كلام ~~طويل عن هذه القصة. # (3) في ك وز. فما زالوا. # (4) راجع ج 6 ص 191. (1) راجع ج 6 ص 209. (1) في ك ج: الضيف. بمعجمه وكلاهما أثبته الرواة. # (2) من ك. (1) من ك. # (2) من ك، ز. # (3) راجع ج 4 ص 138. (1) في كشف الخفاء " استفت ms7070 قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك " قال: رواه أحمد ~~والطبراني وأبو يعلى وأبو نعيم عن وابصة مرفوعا. # (2) راجع ج 10 ص 18 فما بعد. (1) راجع ج 12 ص 108. # (2) أي يضمر في نفسه غير ما يظهره فإذا كف لسانه وأومأ بعينه فقد خان. (1) قال ابن الأثير في (الكامل):... وأما سبب هذه الغزوة فإن المسلمين لما ~~أصابوا من أهل إفريقية وقتلوهم وسبوهم خرج قسطنطين بن هرقل في جمع له لم ~~تجمع الروم مثله مذ كان الإسلام، فخرجوا في خمسمائة مركب أو ستمائة وخرج ~~المسلمون... الخ. وانما سميت غزوة الصواري لكثرة صواري المراكب واجتماعها. ~~راجع ج 3 ص 9 طبع أوربا. والطبري قسم أول ص 2865 طبع أوربا. # (2) في ك: والصافات. # (3) من ك وز. # (4) في ك: غمزة. # (5) راجع ج 8 ص 28. (1) في ك: الأعمش. ولعل هذا سهو من الناسخ. (1) الغرل (جمع الأغرل) وهو الأقلف الذي لم يختن. والبهم (جمع بهيم) وهو في ~~الأصل الذي لا يخالط لونه لون سواه. يعنى ليس فيهم شئ من العاهات والأعراض ~~التي تكون في الدنيا كالعمى والمور والعرج، وغير ذلك. # (2) في ك، ع، ب: النعم. # (3) راجع 15 ص 339. # (4) راجع ج 11 ص 24. (1) كزبرج وجعفر. # (2) راجع ج 4 ص 56. # (3) في ك: النسم. (1) راجع ج 10 ص 408. # (2) في ك: من كمال قدرته. # (3) راجع ج 15 ص 64. # (4) راجع ج 18 ص 210. # (5) في ك: بذلك. # (6) راجع ج 6 ص 387. (1) راجع ج 1 ص 321. # (2) الهاء في أرنيها للسحابة والثمر من السحاب الذي فيه آثار كآثار ~~النمر. وقيل: صغار متدان بعضها من بعض. وواحدتها نمرة ومطرة: بمعنى ماطره. ~~أي إذا رأيت دليل الشئ علمت ما يتبعه. يضرب لأمر يتيقن وقوعه إذا لاحت ~~مخايله وتباشيره. (عن فرائد اللآل ج 1 ص 252 طبع بيروت). # (4) الخضر: المادة الخضراء في النبات وهي مادة الحياة. وهي من أسرار قدرة ~~الباري سبحانه. (1) الست (بوزن القفل): ضرب من الشعير أبيض لا قشر له. # (2) الأثاكل: جمع الإثكال والأثكول (لغة في العثكال والعثكول) وهو العذق ~~الذي تكون فيه الشماريخ. # وهذا عجز بيت. وصدره ms7071 كما في الانسان: * قد أبصرت سعدى بها كتائلى * ~~والسكتائل جمع كسيلة وهي النخلة الطويلة. # (3) راجع ج 10 ص 159. (1) راجع ج 17 ص 202. # (2) البيت لجرير، يخاطب الفرزدق فيفخر عليه بسادات قيس لأنهم أخواله، ~~وبنو بدر من فزارة وفيهم شرف قيس عيلان، وبنو سيار من فزارة من ذبيان من ~~قيس. # (عن شرح الشواهد للشنتمري). # (3) راجع ج 20 ص 34. (1) في ك: الأعرج. # (2) في شواذ ابن خالويه: " يا نعمة " ابن محيص. # (3) من ج وه‍ وز وك. (1) من ب وج‍ وك وز ر ل. # (2) في ز: أسقط بعض الجوائح. (1) كذا في ا وج‍ وك وز وع. وفى ب: العسكر. # (2) من ك. # (3) راجع ج 6 ص 123. # (4) راجع ج 19 ص 69. # (5) في ب وج‍ وز وك: الجمهور. (1) في ب وج‍ وز وك: الحيات. # (2) في ج ك: من فعلهم. # (3) اسم الفاعل يعمل عمل فعله إن كان صلة لأل مطلقا فإن لم يكن صلة لأل ~~عمل بشرطين عند البصريين: أن يكون بمعنى الحال أو الاستقبال. وأجاز الكسائي ~~عمله إذا كان للماضي. (1) راجع ص 296 من هذا الجزء. # (2) راجع ج 16 ص 205. # (3) راجع ج 19 ص 105. # (4) راجع ج 8 ص 330. (1) راجع ج 16 ص 7 وص 52. # (2) أبو عائشة: كنية الامام مسروق. # (3) راجع ج 19 ص 239. # (4) راجع ج 17 ص 92. # (5) من ك. # (6) راجع ج 6 ص 242. # (7) راجع ج 13 ص 225. (١) راجع ج ١٧ ص ٩٢. # (٢) كذا في كل الأصول، وهو منصوب على الاختصاص. # (3) من ع. # (4) راجع ص 278 من هذا الجزء. (1) راجع ج 16 ص 16. # (2) الذي في كتب اللغة: " راحوا... الخ " وأن هذا البيت للأسعر الجعفي. ~~يقول: إنهم تركوا دم أبيهم وجعلوه خلفهم أي لم يثأروا به وأنا طلب ثاري. ~~والعتد (بفتح التا وكسرها): # الفرس التام الخلق السريع الوثبة معد للجري ليس فيه اضطراب ولا رخاوة. ~~والوآى (بفتح الواو والمد): الفرس السريع المقتدر الخلق. (1) من ك. # (2) في ك: فيلحقون. # (3) راجع ج 13 ص 3. (1) راجع ج 13 ص 3. # (2) راجع ج 10 ص 95. # (3) هذا عجز بيت وصدره كما في المغى (حرف اللام): * فإن ms7072 يكن الموت أفناهم ~~* (4) راجع ج 15 ص 195. # (5) راجع ج 8 ص 216. (1) راجع ج 13 ص 110. # (2) راجع ج 18 ص 125. (1) راجع ج 10 ص 172. # (2) راجع ج 15 ص 123. # (3) راجع ج 8 ص 215. # (4) من ك‍. (1) في ك: بين الله. # (2) في ك، ز: ألزمناه كفارتين. # (3) في ك: فحمل. # (4) من ز. (1) راجع ج 19 ص 211. # (2) الصحيح أنه حاتم طي. كما في الصحاح للجوهري، وديوانه. # ويروى: لعلني: فلا شاهد. (1) في ه‍ نخ ب‍، وز ما نصه: ذريني أطوف في البلاد لأنني الخ. # (2) راجع ج 11 ص 340. # (3) راجع ص 165، وص 390 من هذا الجزء. # (4) راجع ج 20 ص 26. (1) راجع ج 1 ص 209. # (2) راجع ج 10 ص 327. # (3) راجع ج 9 ص 172. (١) ص ٧٤ من هذا الجزء. # (2) راجع ج 10 ص 159. # (3) من ك، ع، ج. والذي يعرف أن البيت لأحد أدباء البصرة رأى من النساء ~~فأجبه حالهن فقال: إن النساء شياطين. البيت فأجابته إحداهن: إن النساء ~~رياحين. البيت. # (4) من ب. # (5) يلاحظ أن الفعل في " وذر الذين " وذرهم أمر، ولا يتجه بهما قول ~~المؤلف. فلعل في الكلام سهوا، والعصمة لله. # (6) " ودعك " بالتخفيف قراءة رويت عن النبي صلى الله عليه وسلم. غير ~~سبعية. (1) من ا، ب، ز، ك وفى اللسان: مكرمة. # (2) راجع ج 18 ص 188. # (3) من ب، ز، ك. # (4) الكور (بالضم): رحل الناقة بأداته وهو كالسرج وآلته للفرس قال ابن ~~سيده: وكثير من الناس يفتح الكاف وهو خطأ وجانحة: مائلة لاصقة. والغرز: سير ~~كالركاب توضيح فيه الرجل عند الركاب. صف ناقته بالفطانة وسرعة الحركة. (1) في ع: العفيف. وفي ا وب وج‍ وك وز: الضعيف. (1) من ك. # (2) البيت لقيس بن الخطيم. والقصد (بكسر القاف وفتح الصاد جمع قصدة): ~~القطعة مما يكسر والمران: نبات الرماح. أو الرماح الصلبة اللدنة. والتذرع: ~~تقدير الشئ بذراع اليد والخرصان: # القضبان من الجريد. والشواطب (جمع الشاطبة) وهي المرأة التي تقشر العسيب ~~ثم تلقيه إلى المنقية فأخذ كل ما عليه بسكينها حتى تتركه رقيقا ثم تلقيه ~~المنقيه إلى الشاطبة ثانيه فتشطبه على ذراعها وتترعه. وقوله: " فينا ms7073 كأنه ~~عبارة الأصول. والذي في اللسان " تلقى كأنه " وفى ديوانه: تهوى كأنها ". (1) راجع ج 17 ص 33. # (2) في الأصول: فخالفت وخولا بالواو بدل الذال. # والتصويب عن تفسير الطبري. والخذل: جمع خذول. # (3) في ب وج‍ ك وز وى: القوم. # (4) راجع ج 10 ص 200. # (5) في ك: قتادة. (1) راجع ج 2 ص 224. # (2) راجع ج 9 ص 2. # (3) راجع ج 6 ص 47. # (4) قراءة نافع. (1) راجع ج 6 ص 293. # (2) من ك. # (3) أي خاصم المؤمنين المشركين. (1) راجع ج 2 ص 216. # (2) من ك. # (3) في ك: ناسيا. (1) من ب وج‍ وك وع وى. (1) راجع ج 1 ص 244. # (2) من ك. # (3) في ك: يعطلها. (1) راجع ج 6 ص 254 وص 301. # (2) من ع. # (3) من ج وك وى وع وز. # وفي ا وب: العرب. # (4) راجع ج 17 ص 242 وص 245. # (5) راجع ج 6 ص 306. (1) راجع ج 16 ص 7. # (2) في الأصول العلماء والنصوب من الطبري عن مجاهد. (1) راجع ج 19 ص 88. # (2) قراءة. # (3) في اللسان: نبتها صغير لم يطل. (1) راجع ج 4 ص 43. # (2) في ك: عين. # (3) الأولى أن يكون حرجا: المتزايد في الضيق فيكون أخص من الأول. # (4) الشجر الملتف. (1) أراد بالرحالة الخشب الذي يحمل عليه في مرضه. وأراد بالأكفان ثيابه ~~التي عليه، لأنه قدر أنها ثيابه التي يدفن فيها. وخفقها ضرب الريح لها. ~~وأراد بجابر جابر بن حنى التغلبي وكان معه في بلاد الروم، فلما اشتدت علته ~~صنع له من الخشب شيئا كالقر يحمل فيه، والقر: مركب من مراكب الرجال بين ~~الرحل والسرج. (عن اللسان مادة حرج). # (2) وصف نعامة يتبعها رئالها وهو يبسط جناحيه ويجعلها تحته. # (3) تفوق شرابه: شربه شيئا بعد شئ. (1) من ج، ز، ك. (1) نحشرهم بالنون قراءة نافع كما في الأصول. # (2) في ك: بزعيم. # (3) راجع ج 19 ص 8. # (4) راجع ج 9 ص 99. (1) من ك. # (2) راجع ج 5 ص 385. # (3) في ك.: سوءا. # (4) راجع ج 16 ص 30. # (5) من ك. (1) راجع ج 16 ص 210. # (2) في ك: قال مقاتل: وهو معنى الخ. # (3) راجع ج 17 ص 161. (1) راجع ج 19 ص 14. # (2) من ك. # (3) راجع ج 7 ص 157. # (4) راجع ج ms7074 6 ص 377. # (5) راجع ج 16 ص 196. (1) راجع ج 5 ص 409. # (2) راجع ج 16 ص 257. (1) راجع ج 8 ص 216. # (2) راجع ج 10 ص 364. # (3) في ك: إضمار. # (4) من ك. (1) كذا في كل الأصول، والمعروف أن الوأد الخفي هو العزل كما صح في الحديث. # (2) راجع ج 15 ص 372. (١) راجع ج ١٢ ص ٢٦٤. # (٢) راجع ج ١٩ ص ٢٨٤. # (٣) في ك: لأنه لا يفصل بين المضاف والمضاف إليه. # (٤) في ك، ز: القرآن. # (5) ذكر الأخفش هذا البيت ولم يعزه إلى أحد. # والزج ها هنا الطعن، والمزجة بكسر الميم: رمح قصير كالمزاريق. والقلوص ~~بفتح القاف: الفتيه من النوق يخير أنه زج امرأته كما زج أبو مزادة القلوص. ~~وأبو كنيه رجل. راجل شرح الشواهد الكبرى للعيني في باب الإضافة. (1) البيت لأبي حية النميري. والشاهد فيه إضافة الكف إلى اليهود مع الفصل ~~بالظرف. وصف رسوم الدار فشبها بالكتاب في دفتها والاستدلال بها، وخص اليهود ~~لأنهم أهل كتاب. وجعل كتابته بعضها متقارب وبعضها مفترق متباين لاقتضاء ~~آثار الديار تلك الصفة والحال. (عن شرح الشواهد). # (2) البيت لذي الرمة. والشاهد فيه إضافة الأصوات إلى أواخر الميس مع فصله ~~بالمجرور ضرورة. والميس: # شجر تعمل منه الرحال. والايغال: سرعة السير. يقول: كأن أصوات أواخر الميس ~~من شده سير الإبل بنا واضطراب رحالها عليها أصوات الفراريج عن شرح الشواهد. # (3) البيت لعمر بن قميثه. والشاهد فيه إضافة الدر إلى من مع جواز الفصل ~~بالظرف ضرورة إذا لم يمكنه إضافة الدار إليه. وصف امرأة نظرت إلى ساتيدما ~~وهو جبل بعينه بعيد من ديارها، فذكرت به بلادها فاستعبرت شوقا إليها (عن ~~شرح الشواهد للشنتمري). # (4) من ك. (1) في ك: فيهم. # (2) راجع ج 13 ص 58. # (3) راجع ج 20 ص 42. (1) البحيرة: الناقة التي نتجت خمسه أبطن وكان آخرها ذكرا بحروا أذنها (أي ~~شقوها) وأعفوا ظهرها من الركوب والحمل والذبح ولا تجلى (تطرد) عن ماء ترده ~~ولا تمنع من مرعى وإذا لقيها المعيى المنقطع به لم يركبها. # والوصيلة الناقة التي وصلت بين عشرة أبطن ومن الشاه التي وصلت سبعة أبطن، ~~عناقين، فإن ms7075 ولدت في السابعة عنافا وجديا قيل: وصلت أخاها فلا يشرب لبن ~~الأم إلا الرجال دون النساء. # والحامي: الفحل من الإبل يضرب الضراب المعدود، قبل عشرة أبطن فإذا بلغ ~~ذلك قالوا: هذا حام. أي حمى ظهره فيترك، فلا ينفع منه بشئ ولا يمنع من ماء ~~ولا مرعى. راجع ج 6 ص 335. فما بعدها. # (2) من ك. # (3) راجع ج 9 ص 133. (1) من ك. # (2) من ك وع. (1) من ب. # (2) في ك: أي شئ. # (3) في ب: فكنت. (1) كذا في ا وك وج‍. لعل الأصل: مسموكات. في البحر: عرشت الكرم إذا جعلت ~~له دعائم وسمكا ينعطف عليه القضبان. (2) راجع ج 2 ص 36. # (3) كذا في الأصول والمتبادر أن العبارة: # أو أنه أنشأها الخ فيكون هذا جوابا ثان كما يستفاد من العبارة الآتية ~~والخامس. # (4) راجع ج 18 ص 109. (1) راجع ج 18 ص 108. # (2) وذلك قوله تعالى: وفي أموالهم حق للسائل والمحروم فإنها مكية. (1) من ك، ز. # (2) في ع: وإذا عزمت على كليه فأخرج لهم زكاته. # (3) راجع ج 8 ص 144. # (4) راجع ج 1 ص 343. # (5) النضح: سقى الزرع وغيره بالسانية وهي الناقة يستقي عليها. # (6) في ك: الشعف: هو قشر الغاف. # (7) الذريرة: قصب يجاء به من الهند كقصب النشاب أحمر يتداوى به. # (8) يعنى الحبوب الستة أي والذرة والسلت فإنه لا خلاف بينهم في زكاتها. (1) الدستجة: الحزمة. تعليق الحكم بالوسق لا يتسق مع هذه الروية لتخصيصها ~~ولكن مع رواية البخاري " ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة فتأمل. # (2) من ك. # (3) الفرسك: الخوخ أو ضرب منه أجرد أحمر أو ما ينفلق عن نواة. # (4) في ك: محتملاتها. # (5) راجع ج 6 ص 242. (1) راجع ج 6 ص 61. # (2) المقائى. (جمع مقثأة بفتح الثاء وضمها): موضع القثاء. # (3) كذا في ج وك وز: وفي أو ب: أينعت. # (4) من ك. (1) الجلوز: البندق. # (2) الإجاص: شجر معروف واحدته إجاصة. ثمره حلو لذيذ. # (3) في ك: والأولى ما قاله بمصر. # (4) في ك: والفقهاء جميعا. (1) راجع ج 12 ص 114. # (2) ستأتي معاني الخرص في المسألة التاسعة. # (3) في ك وزوى: وكان. (1) في ك: تتمر. أي صار تمرا بتيبيسه. # (2) الحائط ms7076 البستان. # (3) من ك. # (5) في ك: ابن الزبير. (1) في ك، النسائي. # (2) العرايا (واحدة عرية) وهي النخلة يعريها صاحبها رجلا محتاجا. ~~والإعراء أن يجعل له ثمرة عامها. (١) راجع ج ٣ ص ٣٢٠. # (٢) في المصباح: الرطل بالبغدادي اثنا ~~عشر أوقية والأوقية أستار وثلثا أستار والأستار أربعة مثاقيل ونصف مثقال ~~والمثقال درهم وثلاثة أسباع درهم والدرهم ستة دوانق والدوانق ثمان حبات ~~وخمسا حبة. وعلى هذا فالرطل تسعون مثقالا. وهي مائة درهم وثمانية وعشرون ~~درهما وأربعة أسباع درهم. # (3) من ب وز وك. (1) القطنية (بضم القاف وكسرها): ما كان سوى الحنطة والشعير والزبيب ~~والتمر. في التذهيب: القطنية اسم جامع للحبوب التي تطبخ مثل العدس والباقلا ~~واللوبيا والحمص... الخ. # (2) من ك. وفى أو ب: نخيلها. (1) البعل: هو ما ينبت من النخيل في أرض يقرب ماءها، فرسخت عروقها في الماء ~~واستغنت عن ماء السماء والأنهار. ويروى: أو كان عثريا. وهو البعلى. # (2) السواني: جمع سانية وهي الناقة التي يستقى عليها. # (3) لم نجد في النسائي هذه الزيادة والله أعلم. # (4) راجع ج 3 ص 321. # (5) بقيته: حتى تبلغ خمسة أوسق الحديث. (1) بظاهر المدينة المنورة في عهد يزيد بن معاوية. # (2) في اللسان: بنو اللكيعة. معطوف على فاعل جاءت. في س ر ف. وفي ل ك ع ~~بنى. # (3) في ك: ما يصرف. (1) أي ما كان عفوا قد فضل عن غنى. وقيل: أرادما فضل عن العيال. والظهر قد ~~يزاد في مثل هذا إشباعا للكلام وتمكينا كأن صدقته مستندة إلى ظهر قوى من ~~المال من ابن الأثير. # (2) من ك. # (3) راجع ج 10 ص 68. # (4) راجع ج 6 ص 33. (1) الحمحم (بكسر الحاء ويقال بلخاء): نبات تعلف حبه الإبل. # (2) مش الناقة يمشها مشا: حلبها. (1) في ك: لشفع أو وتر. (1) كذا في الأصول. والذي في شواذ ابن خالويه: من المعزى أبى وهو الصواب ~~كما في البحر. وروح المعاني. وقراءة أبى: من المعزى اثنين. فيما يتبادر. ~~وقوله: وهي قراءة الأكثر راجع إلى الإسكان في المعز. (1) في ك: فيكون. # (2) من ك، ع. # (3) الموقوذة: الشاة المضروبة حتى تموت ولم تذك. والمتردية: التي تقع ms7077 من ~~جبل، أو تطبح في بئر، أو تسقط من موضع مشرف فتموت. (1) من ع. # (2) أي تحريمه. # (3) راجع ج 5 ص 124. # (4) راجع ج 3 ص 391. # (5) من ك. # (6) راجع ج 6 ص 47. (1) في ك: فيما. # (2) من ك. # (3) حديث أبي ثعلبه: أنه روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أكل ~~كل ذي ناب من السباع حرام ". (1) في ج وى وك وب: لقول. # (2) في ك: بل نقول ثبت الخ. (1) من ك‍. (1) في ك: الدبى. ولعل قول المؤلف: ما دب ودرج يدل على هذا لكن البيت ~~الربا. كما في باقي الأصول واللسان والتاج وفيهما: غريبا بأرض. # (2) الوبر (بالتسكين): دويبة على قدر السنور غبراء أو بيضاء من دواب ~~الصحراء حسنه العينين شديده الحياء تكون بالغور. # (3) الورل: دابة على خلقه النصب إلا أنه أعظم منه، يكون في الرمال ~~والصحارى. # (4) العظاية: دويبة كسام أبرض. (1) في التذهيب: ابن التلب. (1) دمن الأرض (من باب نصر): أصلحها بالسرجين. وهو السماد. وفى ب وك: تدنس. (1) راجع ج 10 ص 73 فما بعد. # (2) راجع ص 268 فما بعد من هذا الجزء. # (3) قال النووي: معنى استنفجنا: أئرنا ونفرنا. ومر الظهران (بفتح الميم ~~والظله): موضع قريب من مكة. # (4) فلغبوا: أي أعيوا وعجزوا عن أخذها. (1) راجع ج 2 ص 216. ما بعدها. # (2) في ج. وفي ز: يتلوه. # (3) راجع ج 1 ص 432. (1) في الأصول: ".. أظافر وأظافره، مثل ضاربه وضوارب.. ". فقوله: مثل ضاربة ~~وضوارب خطأ من النساخ. (1) كذا في ز. ولعل المراد الطرائق. وفي ك: سقاشق. وفي ى: شفاشق. # (2) من ك. (1) النزو: الوئب. (1) من ك. (1) راجع ج 16 ص 73. # (2) راجع ص 60 و 66. من هذا الجزء. # (3) راجع ج 10 ص 81. # (4) من ك. # (5) راجع ج 14 ص 151. (1) من ب وك. # (2) راجع ج 14 ص 170. (1) راجع ج 6 ص 342. # (2) راجع ج 4 ص 304. # (3) قال في التقريب: (الربيع بن خيثم) بضم المعجمة وفتح المثلثة، ولكن في ~~الخلاصة: بفتح المعجمة والمثلثة بينها تحتانية ساكنة. تهذيب. # (4) تقدم عن كعب أيضا أول السورة أن أول الأنعام مفتتح التوراة. (1) كذا في ز وك وى ms7078 وفي ب الأنعام. # (2) في ك: من الوأد. # (3) من ع. # (4) من ك. # (5) في ك: ولا بإذنها. (1) راجع ص 74 وص 243. من هذا الجزء. # (2) راجع ج 18 ص 289. # (3) راجع ج 20 ص 178. # (4) راجع ج 8 ص 71. # (5) أي فادفعوا الآخر بالقتل إذا لم يمكن دفعه بدونه. # (6) راجع ج 6 ص 147. # (7) من ك. # (8) راجع ج 16 ص 315. (١) كنه الأمر: حقيقته. وقيل: وقته وقدره. وقيل: غايته، يعنى من قتله في ~~غير وقته أو غاية أمره الذي يجوز فيه قتله (عن النهاية). # (2) في ب و ج وك: إحصانه. # (3) في ك: منه. # (4) في ج: تدبيره. (1) راجع ج 5 ص 33. # (2) الاهتبال: اغتنام الفرضة وابتغاءها وتكسبها: أي الاشتغال بشأن اليتيم ~~أولى. # (3) في ك: المذهب وفى ز: الذهب. يريد بدار الضرب: بغداد. والمعدن.: معدن ~~الشريعة ومنجمها المدينة المنورة. # (4) رجل منجد (بالدال والذال): جرب الأمور وعرفها وأحكمها. ومداورة ~~الشؤون: مداولة الأمور ومعالجتها. # (5) اللبان (بفتح اللام): الصدر. وفي ع: " البنان " وهي رواية. # والعظلم (بكسر العين واللام وسكون الظاء): صبغ أحمر وقيل: هو الوسمة د، ~~شجر له ورق يختضب به. (1) من ك‍. # (2) السحوق: المرأة الطويلة. # (3) الختر: الغدر. وفى ك: غدر. # (4) رواه الطبراني حديثا عن ابن عباس. # (5) من ك. (1) راجع ج 5 ص 410. # (2) راجع ج 19 ص 19. # (3) من ب ج ز ك. # (4) راجع ج 9 ص 259. (1) الجواد (بتشديد الدال): الطرق، واحدها جادة، وهي سواء الطريق. وقيل: ~~معظمه وقيل: وسطه. # (2) عرف الراغب البدعة بقوله: البدعة في المذهب إيراد قوله لم يستن ~~قائلها وفاعلها فيه بصاحب الشريعة وأماثلها المتقدمة وأصولها المتقنة. # (3) العتيق: القديم الأول. # (4) راجع ص 149. من هذا الجزء. (1) البيضاء. يريد صلى الله عليه وسلم الملة والحجة الواضحة التي لا تقبل ~~الشبه أصلا. # (2) الأنف (ككتف): المأنوف وهو الذي عقر الخشاش أنفه، فهو لا يمتنع على ~~قائده للوجع الذي به. # وقيل: الأنف الذلول. # (3) من ك وز. # (4) في ك: بين. # (5) في ك وع: ناولوهم. (1) كذا في ب وفي ج وك: الخدمة. # (2) عن ك وسنن الدارمي. # (3) كذا في الأصول. والذي في سنن الدارمي. المطبوعة والمخطوطة:... " ما ~~أسرع هلكتكم. ms7079 هؤلاء صحابه نبيكم صلى الله عليه وسلم متوافرون وهذه ثيابه لم ~~تبل وآنيته لم تكسر والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد أو ~~مفتتحي باب.. ". الخ في نخ ط دمشق: أو مفتتحو. على هامش المطبوع: " أو ~~مفتتح " بغير ياء. راجع ج 1 ص 68 ط الشام. (1) ليس من أصول أهل السنة تكفير أهل القبلة بخطأ في التأويل. فليتأمل. # (2) راجع ج 4 ص 159. (1) راجع ص 12 من هذا الجزء. # (2) راجع ج 5 ص 417. # (3) في ك: مجالسه. # (4) كذا في ك. وفي ب و ج وز وى: قيل لهم. قالوا. (1) من ب وج‍ وك. (1) راجع ج 6 ص 428. # (2) راجع ج 9 ص 245. # (3) راجع ج 2 ص 31. (١) راجع ج ٢٠ ص ٥٥. # (٢) راجع ج ١٦ ص ٧. # (٣) من ك. # (٤) سفيان: أحد رجال سند هذا الحديث. # (٥) إن أراد الإباضية كزعمه فإن الرجم عندهم حكم ثابت إلى يوم القيامة ~~لكن من السنة كما صح في مسند الربيع عن أبي الشعثاء جابر بن زيد، لا من القرآن. ولم يزالوا يرجمون في أمامتهم، ولا ~~أنكروا طلوع الشمس من مغربها ولا خروج الدجال. # (6) كذا في الأصول إلا في ك: يقول. والذي في الدر المنثور "... خطبنا عمر ~~فقال. # (7) امتحشوا: احترقوا. # والمحش: احترق الجلد وظهور العظم. ويروى: " امتحشوا على ما لم يسم فاعله. (1) في ى ز: يخرج. وفى ب: فلا يحار إليها. # (2) في ز: يجاب. وفى ب ك: يحار. # (3) من ز ك. # (4) راجع ج 19 ص 94 وص 225. # (5) في ز: على ما. (1) في ك: توعه. # (2) كذا في ا ول. وفى ب وج‍ وك وى: متفق. وفى ز: متفق عليه. # (3) راجع ج 13 ص 234. # (4) راجع ج 11 ص 55. (1) راجع ج 3 ص 283. # (2) في ك: إيمانه ولا توبته ولا عمل. # (3) من ك. # (4) في ك: ابن مسعود. # (5) راجع ج 9 ص 131. # (6) وصف مقتل الزبير بن العوام صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ~~انصراف يوم الجمل وقتل في الطريق غيله. # (7) البيت لذي الرمة. وصف نساء، فيقول: إذا مشين اهتززن في ms7080 مشيهن وتثنين ~~فكأنهن رماح نصب فمرت عليها الرياح فاهتزت وتثنت. (1) راجع ج 3 ص 359. # (2) البيت لحاتم وهو في ديوانه واللسان: أمنوي قد ضال التجنب والهجر * ~~وقد عذرتني في طلابكم العذر. # (3) من ك. # (4) راجع ج 20 ص 143. # (5) راجع ج 6 ص 5. (1) البيت للنابغة الذبياني. يقول هذا لعيينة بن حصن الفزاري. وكان قد دعاه ~~وقومه إلى مقاطعة بنى أسد ونقض حلفهم فأبى عليه وتوعده بهم. وأراد بالفجور ~~نقض الحلف (عن شرح الشواهد). # (2) في ز: البلاغ. (1) في ك: بعض أصحابه. # (2) راجع ج 19 ص 179. # (3) راجع ج 3 ص 240 و 305. (1) من ك‍. # (2) في ك: والكسائي. لكن في البحر وقرأ باقي السبعة: قيما كسپد. # (3) راجع ج 1 ص 168. # (4) من ك. (1) هذا صدر بيت لأبي ذؤيب. وعجزه كما في ج 1 ص 328. # * فتخرموا ولكل جنب مصرع * (1) في ك وى استفتح. # (2) في ك وز وب: استفتح. (1) راجع ج 14 ص 126. # (2) الحديث في كشف الخفا: " كنت أول البنين " الحديث وفيه مبحث قيم. ج 2 ~~ص 129. (1) الجلب (بالتحريك): ما جلب القوم من غنم وغيره. # (2) محله بالكوفة يشبه أن تكون سوقا. # (3) في ج: في صحته ثبوت. # (4) في ك: للشارين. (1) راجع ج 20 ص 105. # (2) راجع ج 6 ص 413 وص 342. # (3) في قولهم: وسادة. # (4) من ز. # (5) راجع ص 391 من هذا الجزء. # (6) راجع ج 9 ص 291. # (7) طل دمه: ذهب هدرا. # (8) في ك: المرء. (1) كذا في الأصول أي استقرار وفى سنن أبي داود: بين. # (2) راجع ج 13 ص 330. وص 12. # (3) راجع ج 10 ص 96. # (4) في ك: المظلين. (1) راجع ج 10 ص 150. # (2) راجع ج 18 ص 283. # (3) في ز: لمواقعة. # (4) من ك. (١) راجع ص ٣٠٤. فما بعد. # (٢) راجع ج ١ ص ١٥٤. # (٣) كذا في الأصول. والذي في صحيح مسلم: إذا يثلغوا رأسي. راجع صحيح ~~مسلم. كتاب الجنة، باب الصفات التي يصرف بها أهل الجنة وأهل النار. والثلغ: ~~الشدخ. وقيل: هو ضربك الشئ الرطب بالشئ اليابس حتى ينشدخ. وفى النهاية: إذن يثغلوا رأسي كما تثلغ الخبزة. (1) راجع ج 10 ص 353 وص 63. # (2) راجع ج 13 ص 89. # (3) كذا ms7081 في الأصول. # وفى السمين: إنها حال من الضمير في أنزل. وقال: هذا سهو. # (4) راجع ج 18 ص 17. (1) راجع ج 10 ص 235 وص 174. # (2) راجع ج 17 ص 103. (1) راجع ج 17 ص 125. # (2) راجع ج 8 ص 313. # (3) راجع ج 13 ص 219. (1) راجع ج 2 ص 237. # (2) راجع ج 14 ص 9 وص 129. # (3) راجع ج 20 ص 37. # (4) راجع ج 13 ص 315. # (5) عبارة الطبري: " ينطق لهم كتاب عملهم عليهم بأعمالهم. (1) في ز: الإمامية. # (2) يريد مناجاة الله تعالى للعبد يوم القيامة. (1) راجع ج 11 ص 66 وص 293. # (2) راجع ج 13 ص 118 وص 122. (1) راجع ج 1 ص 226، 251. (1) راجع ص 313 من هذا الجزء. # (2) راجع ج 12 ص 108. # (3) راجع ج د ص 1. # (4) راجع ج 6 ص 388. # (5) راجع ج 18 ص 48. # (6) راجع ج 1 ص 29. (1) راجع ج 15 ص 228 وص 227. (1) راجع ج 15 ص 243. (1) من ع. # (2) موضع قرب الشام بين المغيثة وتبوك. # (3) راجع الموطأ: " باب ما جاء في الطاعون ". (1) في ع: المشكل. # (2) في ع: وغرور. وفى ب: نغز. وهو الإغراء. # (3) راجع ج 10 ص 257. # (4) في ب: الساري بالياء. # (5) راجع ج 1 ص 327. (1) راجع ج 1 ص 295. # (2) راجع ج 15 ص 228. # (3) راجع ج 11 ص 125. # (4) هذا عجز بيت للرقش، وصدره كما في اللسان مادة غوى: * فمن يلق خيرا ~~يحمد الناس أمره * (1) من ج. # (2) راجع ج 11 ص 255. # (3) راجع ج 9 ص 28. # (4) البيت لساعدة بن جؤية. يريد في الطريق. وصف في البيت رمحا لين الهز ~~فشبه اضطرابه في نفسه أو في حال هزه بعسلان الثعلب في سيره. والعسل العسلان ~~(بالتحريك): سير سريع في اضطراب. واللدن: الناعم اللين. (عن شرح الشواهد). (1) في ج: لأضلنهم. # (2) راجع ج 5 ص 389. # (3) راجع ج 15 ص 73. # (4) في ج: مما قبلها. # (5) لا حاجة لهذا القيد: فإن الهمز كاف للفرق بيته وبين الذم. (1) راجع ج 1 ص 298. وص 204. # (2) في ج: بالشيطة. (1) العشرق كزبرج: شجر قدر ذراع له حب صغار إذا جف صوت بمر الريح. # (2) راجع ج 20 ص 261. # (3) راجع ج 13 ص 252. # (4) من ج وك وى. ms7082 # (5) النور بفتح النون: الزهر. # (6) تهافت: تساقط. # (7) راجع ج 9 ص 25. # (8) راجع ج 6 ص 26. # (9) راجع ج 1 ص 289. # (10) من ب وع وز. (1) راجع ج 11 ص 254. # (2) السلوى: العسل. وشار العسل: اجتناه وأخذه من موضعه. (1) الغر: الذي لا يفطن للشر. والخلب (بكسر الخاء وفتحها): ضد الغر، وهو ~~الخدع المفسد. الرواية الثابتة عن أبي هريرة: والمنافق خب لثيم بدل الفاجر. # (2) راجع ج 1 ص 304. # (3) كذا في الأصول. والمتبادر أنه يريد المصدر على لغة ضرب ضربا لأن طفق ~~كفرح. (١) في ك: يسأل. # (٢) في ع وز وك: الثالثة قوله تعالى: " وناداهما " الآية. # (٣) من ع. # (٤) راجع ج ١ ص ٣٢٤. وص ٣١٩. # (٥) أي في مثل هذا التركيب في غير القرآن. (1) من ع. # (2) في وز: وابن عطية. # (3) أي أجرى دابته. # (4) أي أقوى وأحسن سندا من حديث جرهد. (1) راجع ج 14 ص 241. # (2) في ب: عن أبيه. وقد روى عن أبيه وأمه. (1) كذا في الأصول. ولعل الصواب: التي. # (2) راجع ج 15 ص 234. # (3) من ك. # (4) في ك: أبو عبد الرحمن. (1) راجع ج 20 ص 263. (1) راجع ج 3 ص 329. وص 269. # (2) أي تعرض بغتة. # (3) في قوله تعالى: " قال رب اغفر لي وهب لي... " ج 15 ص 204. (1) راجع ص 42 من هذا الجزء. # (2) من البحر. # (3) البيتان للربيع بن ضبع الفزاري. وصف فيهما انتهاء شبيبته وذهاب قوته. # (4) أي في مثل هذا التركيب في غير كلام الله. (1) الثوب الذي يطاف به. على وزن تفعال بالفتح وبالكسر. # (2) الحمس سموا بهذا لأنهم تحمسوا في دينهم أي تشددوا والخامسة الشجاعة. # (3) في صحيح مسلم: يبلغون عرفات. # (4) من ع. (1) الإزار: ما يؤتزر به في النصف الأسفل. والرداء للنصف الأعلى. # (2) القباء (بالفتح): # ثوب يلبس فوق الثياب. وقيل: يلبس فوق القميص ويتنطق عليه. # (3) التبان (بضم المثناة وتشديد الموحدة) سراويل صغير مقدار شبر يستر ~~العورة المغلظة فقط. # (4) المخيلة: الكبر. (1) في ع: نتن للمنحة. قال الجوهري: الأنفحة هي الكرش. # (2) في ع: المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء. هكذا في الرواية ~~المشهورة وليس بحديث بل هو من كلام الحارث بن كلدة طبيب العرب راجع كشف ms7083 ~~الخلفاء ج 2 ص 214. ففيه قيم في هذا الحديث. (1) البيت لأعشى باهلة يرثى أخاه المنتشر بن وهب الباهلي. # ورواية اللسان: يكفيه حزة فلذ... والمعنى واحد. والغمر (بضم الأول وفتح ~~الثاني): القرح الصغير. # (2) في ع: ابنة. تشبعها (3) الجفرة: الصغيرة من ولد المعزى إذا بلغ أربعة ~~أشهر. # (4) الذي في ديوانه: * وإنك مهما تعط... الخ. # (5) من ع. # (6) الثلط: الرقيق من الروث. # (7) يريد شهوة الأذن. # (8) في ع: استتعاما. (1) راجع ج 9 ص 64. # (2) التجشؤ: تنفس المعدة عند الامتلاء في ى وع وز: ثريد بر. (1) في ج: تنشره. (1) ثوب ممشق. ممشوق: مصبوغ بالمشق، وهو صبغ أحمر. # (2) سيراء بسين مهملة مكسورة ثم ياء مثناة مفتوحة ثم ألف ممدودة: نوع من ~~البرود فيه خطوط صفر، أو يخالطه. حرير. وضبطوا الحلة هنا بالتنوين، على أن ~~سيراء صفة. وبغير تنوين على الإضافة. وهما وجهان مشهوران. (3) في ج وع وك ~~وه: بشار. # (4) القوهي: ضرب من الثياب بيض فارسي منسوبة إلى قهستان. (1) في ج وك: نعمة. وفى الحديث إن الله يحب أن يرى أثر نعمه على عبده رواء ~~الترمذي. (1) راجع ج 16 ص 199. # (2) الجرادق: جمع جردقة، وهي الرغيف. (1) أي أن له عادة ينزع إليها كعادة الخمر. أي عادة طلابة لأكله وتسمى ~~القرم وهي شدة شهوة اللحم. # (2) راجع ج 6 ص 260. (1) الصراع: إنا يشرب فيه. ومستعار: متداول. أي نتعاوره بأيدينا تشنمه. # (2) يريد به البيت الأول. (1) في ك: يميت. (1) راجع ج 14 ص 249. (1) راجع ج 15 ص 219. (1) راجع ج 18 ص 170. (1) راجع ج 19 ص 141. # (2) راجع ج 15 ص 284. # (3) من ع. # (4) راجع ج 5 ص 271. (1) راجع ج 6 ص 27. # (2) في ك: فينظرون. (1) راجع ص 313 من هذا الجزء. # (2) كذا في الأصول. وتقدم في ج 4 ص 74 أنها قراءة حمزة والكسائي فيكون ~~الصواب: الكوفيان. وفى الشواذ قراءة ابن مسعود. # (3) راجع ج 4 ص 154. (1) راجع ج 17 ص 245. # (2) كذا في أو ج وك. وفى ز: ابن أبي زيد. والظاهر: ابن زيد. راجع ج 12 ص ~~264. # (3) الصؤابة: بيضة القملة. (1) في ع: الزناة. # (2) راجع ج 19 ص ms7084 8. (١) الذي في المصباح: قالوا ولم يجئ ~~بالكسر إلا تبيان وتلقاء والتنضال. قلت: في هذه الصيغة خلاف. # (2) راجع ج 18 ص 197. # (3) فعل ماض مبنى للمجهول كما في أبى حيان. (1) في ك: أي الأعمال. (1) أي أثنى عليه أو قبل عمله ذلك، أو أظهر ما جازاه به عند ملائكته. (عن ~~شرح القسطلائي). # (2) رواية البخاري وأحمد وابن ماجة " في كل ذات كبد حراء أجر ". # (3) خشاش الأرض (مثلثة الخاء): هوامها وحشراتها. (1) راجع ص 142 من هذا الجزء. # (2) كذا في الأصول ولعله بعد قول قتادة الآتي. (1) هو امرؤ القيس. (1) راجع ج 17 ص 22. فما بعد. (1) راجع ج 11 ص 169. # (2) راجع ج 13 ص 207. # (3) راجع ج 9 ص 264. # (4) العواء: خمسة كواكب على خط معقف. وقال ابن سيده. العواء منزل من ~~منازل القمر، يمد ويقصر والألف في آخره للتأنيث. (1) راجع ج 9 ص 280. # (2) راجع ج 17 ص 121. # (3) راجع ج 15 ص 9. # (4) راجع ج 10 ص 159. # (5) راجع ج 4 ص 51. (1) راجع ج 15 ص 60 وص 139. # (2) راجع ج 14 ص 19 وص 965. 188. # (3) راجع ج 10 ص 83 وص 53. # (4) راجع ج 11 ص 345 وص 266. # (5) في ج: القديم. # (6) راجع ج 20 ص 37. (1) راجع ج 9 ص 33 وص 93. # (2) راجع ج 4 ص 218. # (3) راجع ج 1 ص 136. # (4) راجع ج 11 ص 76. (1) راجع ج 3 ص 332. # (2) راجع ج 1 ص 127. # (3) أي أرفقوا بها ولا تبالغوا في الجهد. # (4) هو خالد بن الوليد، بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى بنى جذيمة ~~داعيا إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا فجعل خالد يقتل منهم ويأسر. ~~فنقم النبي صلى الله عليه وسلم على خالد استعجاله في شأنهم وترك التثبت في ~~أمرهم. راجع كتاب المغازي في صحيح البخاري. (1) تقدم في ج 3 ص 255. أن أهل بدر كأصحاب طالوت وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر. ~~وهذا هو المشهور. # فليراجع. # (2) الزيادة عن سنن ابن ماجة. # (3) من ج. # (4) في ع: ولم ترد صفة. # (5) راجع ج 4 ص 305. (1) ما بين المربعات هكذا ورد في نسخ الأصل ولعله زيادة من الناسخ. # (2) في ms7085 ع: مقفاه. # (3) راجع ج 2 ص 308. # (4) عورت عيون المياه: إذا دفنها وسددتها. # (5) في ز: تقدير. (1) القليب (بفتح القاف): البئر العادية القديمة التي لا يعلم لها رب ولا ~~حافر، تكون في البراري. # (2) راجع ج 9 ص 84. # (3) راجع ج 10 ص 34. # (4) راجع ج 11 ص 336. # (5) هذا يخالف ما ورد عنه عليه الصلاة والسلام لو وزن خوف المؤمن ورجاءه ~~بميزان تريص ما زاد أحدهما على الآخر، وفى رواية " لاعتدلا ". وورد عن ~~حذيفة رضي الله عنه حين احتضر: اللهم إنك أمرتنا أن نعدل بين الخوف والرجاء ~~والآن الرجاء فيك أمثل. # (6) راجع ج 3 ص 347. (1) البيت لعامر بن جوين الطائي. وصف أرضا مخصبة لكثرة ما نزل بها من ~~الغيث. والودق: المطر. # والمزنة: السحابة (عن شرح الشواهد). # (2) راجع ج 14 ص 248. (1) راجع ج 2 ص 197. # (2) راجع ج 14 ص 43. (1) هذا عجز بيت لابن الرقاع. وصدره: عرف الديار توهما فاعتادها * (2) ~~الأدحى (بضم الهمزة وكسرها: مبيض النعام في الرمل، لأن النعام تبيض فيه ~~وليس للنعام عش. # (3) في الأصول: # " بعد ". والتصويب عن اللسان وديوان ذي الرمة. أراد بالبدة الأولى ما يقع ~~على الأرض من صدرها. وبالثانية الفلاة التي أناخ ناقته فيها. والبغام: صوت ~~الناقة وأصله للظبي فاستعاره للناقة. # (4) راجع ج 19 ص 122. (1) المرماة (بكسر الميم وفتحها): ظلف الشاه. وقيل: ما بين ظلفها. # (2) البيت للخنساء. وصدره: ترقع ما رتعت حتى إذا أدركت. الخزانة ج 1 ص ~~207. (1) راجع ج 4 ص 62. (1) راجع ج 15 ص 115. (1) البيت لأبي قيس بن الأسلت. السحوق: ما طال من الدوم. وفى الخزانة: في ~~غصون. وأوقاله ثماره. # خ ج 2 ص 45. # (2) راجع ج 3 ص 243. # (3) راجع ج 8 ص 226. (1) راجع ج 2 ص 194. (1) راجع ج 17 ص 118. # (2) هو ذو الرمة. بصف نسوة. (1) راجع ج 1 ص 181. # (2) راجع ص 271 من هذا الجزء. # (3) راجع ج 13 ص 233. # (4) راجع ج 9 ص 192. # (5) راجع ج 6 ص 425. (1) الشمط، (بفتح الميم): شيب اللحية. وقيل: بياض شعر الرأس يخالط سواده. # (2) راجع ج 9 ص 59. # (3) راجع ج 10 ص 45 فما بعد. # (4) راجع ms7086 ج 13 ص 127. (1) كذا في ك وفي ج: اختار جواز البناء. وفى ب وى: أجاز جواز. # (2) راجع ص 195 من هذ الجزء. (1) الجلف بالكسر: الخبز وحده لا أدم معه. وقيل: الخبز الغليظ اليابس. # (2) راجع ج 4 ص 330. # (3) راجع ج 1 ص 421. (1) في ج وك: كسر. # (2) عارم: أي خبيث شرير. # (3) في ج: أهله. # (4) راجع ج 13 ص 334. وص 215. # (5) كذا في الأصول. # (6) انتظم الصيد: إذا طعنه أو رماه حتى ينفذه. # (7) راجع ج 17 ص 140. (1) في ب: تقطت. # (2) من ج وز وك وى. # (3) راجع ج 9 ص 59. # (4) راجع ج 19 ص 188. # (5) العين بكسر أوله: البقر واحدها أعين وعيناه. والآرام. # الظباء والأطلاء: أولادها، الواحد طلا. وخلفة: فوج بعد فوج. وقيل: ~~محتلفة، هذه مقبلة وهذه مدبرة، وهذه صاعدة وهذه نازلة. (عن شرح المعلقات). (1) من ب وج‍ ك وى وز. # (2) راجع ج 10 ص 253 وص 42 وج‍ 9 ص 81. (1) كذا في ب وج‍ وك. وفى ز: فأخرجوا بهم. # (2) في ز: يرون. # (3) في ج وز: فالعمل. (1) في ب وج‍ وزوك: الروايات. # (2) في ج: غير. # (3) كذا في الأصول والعبارة غير واضحة. (1) راجع ج 11 ص 287. # (2) راجع ج 4 ص 226. # (3) راجع ج 13 ص 132. # (4) من ب و ج وز وك. (1) راجع ج 9 ص 84. فما بعد. (١) في شرح القاموس: تصغير شعب أو أشعب: كما قالوا في تصغير أسود سويد. # (٢) في ع: # ثويب. # (٣) وردت هذه الأسماء مضطربة في نسخ الأصل وفى المصادر التي بين أيدينا. ~~ولم نوفق لضبطها. # (٤) ليس رسول من الله أعمى وإنما شعيب الرجل الصالح صاحب موسى هو فيما ~~قيل أعمى وبينهما ثلاثمائة سنة إذ عصمة الأنبياء تنافى ما ينفر من الصفات. مصححة. # (5) راجع ج 9 ص 84. # (6) من ع. (1) في ب وج‍ وك: الطرق. # (2) راجع ج 6 ص 147 فما بعد. # (3) الأولى: روعي لقيل. (1) راجع ج 9 ص 84. # (2) من ز. (1) راجع ج 4 ص 189. # (2) الأيكة: الشجر الكثير الملتف. # (3) من ب وج‍ وك. # (4) قال الفراء: فتح بمعنى حكم بلغة أهل عمان: الطبري. # (5) الظلة: سحانة فيها نار أمطرتهم ms7087 بها. وقيل: سموم. راجع ج 13 ص 135. (1) التكملة عن ديوان حاتم. # (2) من ب وج‍ وك. # (3) راجع ج 2 ص 243. (1) راجع ج 1 ص 49. # (2) راجع ج 18 ص 301. # (3) راجع ج 9 ص 50. # (4) راجع ج 6 ص 214. # (5) راجع 19 ص 146. (1) راجع ج 2 ص 39. # (2) زيادة عن كتب اللغة. # (3) في ب: تلعابة. (1) في ج: نوح وعاد ولوط وشعيب. # (2) راجع ج 6 ص 410. # (3) في ب وج‍ وك: المعجزات. # (4) راجع ص 65 من هذا الجزء. (1) كذا في ع. وفى بقية الأصول: نمود. # (2) قراءة نافع. # (3) في ع: يشغلهم. # (4) راجع ج 4 ص 232. (١) راجع ج ١٣ ص ١٥٦. # (٢) كذا في الأصول وإعراب القرآن للنحاس. ~~ويلاحظ أنها قراءة أهل الكوفة. (1) هذا صدر بيت وتمامه: أو النزول فإنا معشر نزل. في ب: فقلت تلك. # (2) راجع ج 2 ص 43. (1) هو من باب فرح وكرم. (1) في زوك: أن كان ليعبد. # (2) راجع ج 8 ص 199. (1) راجع ج 19 ص 198. # (2) راجع ج 14 ص 288. # (3) راجع ج 8 ص 337. # (4) من ب وج‍ وز وك. # (5) راجع ج 11 ص 232. يلاحظ أن الآية في السامري. (1) في ب و ج وز وك: حدد. بالمهملة. (1) السرار والسرر (بفتح السين وكسرها فيهما): الليلة التي يستسر فيها ~~القمر آخر الشهر. # (2) في ع: أنشدوا. # (3) يريد به هاشم بن عبد مناف أبا عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه ~~وسلم وكان يسمى عمرا. # (4) راجع ج 5 ص 282. (1) هذا مثل يضرب للرجل يسئ الرجل فيقال له: إنه سوف يحسن إليك. وأصل ذلك ~~أن رجلا مرت به ظباء بارحة فقيل له سوف تسنح لك فقال: من لي... الخ. # (2) من ع. # (3) الدابة الموقرة: التي أصابتها الوقرة وهي صدع في الساق. # (4) مكناتها بكسر الكاف وقد تفتح: أي بيضها. وهي في الأصل بيض الضباب. ~~وقيل على أمكنتها ومساكنها. قال شمر: والصحيح في قوله على مكناتها أنها جمع ~~المكنة والملكة: التمكن. وقال الزمخشري: # ويروى: مكناتها جمع مكن ومكن جمع مكان. (1) الواق بكسر القاف: الصرد وهو طائر أبقع ضخم الرأس يكون في الشجر نصفه ~~أبيض ونصفه أسود. # والحاتم: الغراب ms7088 الأسود. # (2) تحلم: إذا ادعى الرؤيا كاذبا. # (3) كذا في مسند أبى داود وبعض نسخ الأصل. قال ابن الأثير: " هكذا جاء في ~~الحديث مقطوعا ولم يذكر المستثنى. أي إلا وقد يعتريه التطير، وتسبق إلى ~~قلبه الكراهة، فحذف اختصار واعتمادا على فهم السامع... وقوله: " ولكن الله ~~يذهبه بالتوكل " معناه أنه إذا خطر له عارض التطير فتوكل على الله وسلم ~~إليه ولم يعمل بذلك الخاطر غفره الله له ولم يؤاخذه به ". وفى ب: # ".. وما منا إلا من تطير.. " الخ. # (4) راجع ج 6 ص 59. (1) راجع ج 2 ص 200. (1) التراقي: جمع الترقوة، وهي عظم وصل بين ثغرة النحر والعاتق من ~~الجانبين. (2) النثرة: شبه العطسة. (1) من ب وج‍ وك. والتهذيب. (2) الجعلان (بكسر الجيم جمع جعل كصرد) وهو ~~دابة سوداء من دواب الأرض. # (3) عاصمة مصر يومئذ. # (4) الضفدع: بفتح الضاد والدال وبكسرهما وسكون الفاء. (5) من ج وك. # (6) السكينة: ريح خجوج، أي سريعة الممر. # (7) من ع. (1) من ب وج‍ وك وى. # (2) في ع: تسمعون. # (3) كذا في جميع نسخ الأصل، وظاهر أنها مصدرية. (1) راجع ج 13 ص 247. (1) ينوطون بها سلاحهم، أي يعلقونه. # (2) القذه ريش الهم. قال ابن الأثير: يضرب مثلا للشيئين يستويان ولا ~~يتفاوتان. (3) راجع ج 8 ص 97. (1) راجع ج 1 ص 381. # (2) من ع. (1) من ع. # (2) راجع ج 17 ص 23. # (3) راجع ص 218 من هذا الجزء. (1) فصل: خرج. # (2) أي لم يبق فيه موضعا للاعتذار حيث أمهله طول هذه المدة ولم يعتذر. # (3) راجع ج 10 ص 231. # (4) راجع ج 14 ص 351. # (5) في ب: وإنذار بعد إنذار. # (6) راجع ج 16 ص 194. # (7) كذا في ج وك وهو الصواب. وفى ا وب وز وى يشكرهما. (1) راجع ج 20 ص 54. # (2) في ب وج‍: قرءة. # (3) الذي في مفردات الراغب: أرض دكاء مسواة. (1) راجع ج 54 من هذا الجزء. # (2) راجع ج 19 ص 105. (1) راجع ج 14 ص 71. # (2) راجع ج 1 ص 403. # (3) راجع ج 9 ص 342. (1) من ب، ع. # (2) الوقر (بكسر الواو): الحمل الثقيل. وعم بعضهم به الثقيل والخفيف وما ~~بينهما. # (3) من ع. وهو الصواب. والذي في ب ى ا ms7089 ك: اللمع. وليست بشئ. بدليل الآية ~~الشاهد. # (4) راجع ج 19 ص 269. # (5) راجع ج 16 ص 206. # (6) راجع ج 13 ص 184. (1) راجع ج 1 ص 437. # (2) راجع ج 15 ص 270، ص 243. # (3) في ج وك: الذين. # (4) راجع ص 272. من هذا الجزء. # (5) راجع ج 13 ص 247. (1) راجع ج 18 ص 82. # (2) راجع ج 10 ص 358. (1) أي تشتهى الفحل. # (2) راجع ج 11 ص 238. (1) راجع ص 273 من هذا الجزء. # (2) راجع ج 11 ص 232 وص 294 من هذا الجزء. # (3) في ب وى: متهافت. # (4) في ز: اتخاذهم. (1) راجع ج 12 ص 15. # (2) راجع ج 10 ص 409. # (3) راجع ج 13 ص 25. # (4) في ب وى: ابتلوا. (1) الفيئة (بفتح الفاء وكسرها): الحالة من الرجوع عن الشئ الذي يكون قد ~~لابسه الإنسان وباشره. # (2) راجع ج 6 ص 122. # (3) في ج: به. # (4) في ب: عملكم. (1) من ب. (1) راجع ج 11 ص 236. # (2) راجع ج 4 ص 47. # (3) راجع ج 15 ص 243. # (4) راجع ج 15 ص 276 ففيه خلاف هذا. (1) راجع ج 1 ص 207. # (2) راجع ج 3 ص 431. (1) راجع ج 1 ص 401. # (2) في ك: وشربه. ولعل أصل العبارة: إشربه وظهر. الخ. راجع ج 2 ص 31. (1) راجع ج 9 ص 198. (1) البيت للفرزدق، كما في شواهد سيبويه. في ديوانه: وخيرا. # (2) اختل: افتقر. # (3) راجع ج 6 ص 28. # (4) في ك: حسدا. (1) في ع: ما تقضى. # (2) ع: يتردون. # (3) راجع ج 1 ص 403. # (4) الراح: جمع راحة، وهي الكف. # (5) راجع ج 6 ص 377. # (6) راجع ج 13 ص 110. # (7) راجع ج 11 ص 12. (1) راجع ج 11 ص 232. # (2) راجع ج 1 ص 423. (1) في ج: أخرني حتى تجعلني منهم. # (2) راجع ص 302 من هذا الجزء. # (3) السيباني في التقريب: بفتح المهملة وسكون التحتانية بعدها موحدة، ~~وسيبان بطن من حمير. التهذيب. # (4) في ج وز وك وى: قال كان أبو عمرو البكالي إذا افتتح. الخ وأبو عمرو ~~كنية نوف ولعله يحدث عن نفسه. (1) من ج وز وى. # (2) من ك. # (3) من ا وب وج‍ وح‍ وز وى. وابن عزيز أو عزير من علماء المالكية. وفى ل: ~~ابن جرير. وفى ك: ابن العربي. # (4) راجع ms7090 ج 13 ص 351. (1) راجع ج 14 ص 199. # (2) في ع، ه‍: سخاب. بمهملة لغة في صخاب. # (3) من ب وج‍ وك وى. # (4) طابة: طيبة وهي المدينة المنورة. # (5) كذا في كل الأصول. والكناسة: القمامة ومكانها. والصلاة لا تجوز على ~~المزبلة. فتأمل. # (6) في ج. كصفهم. # (7) راجع ج 18 ص 81. (1) راجع ج 2 ص 207. # (2) من ع. (1) راجع ج 3 ص 430 وج‍ 1 ص 185 و 181. # (2) راجع ج 9 ص 377. # (3) راجع ج 16 ص 45. # (4) راجع ج 6 ص 114. # (5) من ج وك. (1) راجع ص 329 من هذا لجزء. تأمل هذا مع كون الآية مدينة بالإجماع. (1) راجع ج 6 ص 112. # (2) راجع ج 2 ص 140. (1) راجع ج 1 ص 409. # (2) راجع ج 9 ص 245. # (3) في ج وك وع وه‍: استبشارا به أي بقدومه. # (4) زعمت اليهود أن الله عز وجل أوحى إلى إسرائيل أن ولدك بكرى من الولد. # راجع ج 6 ص 120. (1) حاضرة البحر فيه معنى التعظيم. قال أبو حيان في البحر: يحتمل أن يريد ~~معنى الحاضرة عل جهة التعظيم لها أي هي الحاضرة في قرى البحر الخ. # (2) أي طوائف يقال: جاء القوم عنقا عنقا، أي قطيعا قطيعا. (1) الوهق (بالتحريك وتسكن الهاء): الحبل في طرفيه أنشوطة يطرح في عنق ~~الدابة والإنسان حتى تؤخذ. # والأنشوطة: عقدة يسهل انحلالها، إذا أخذ بأحد طرفيها انفتحت كعقدة التكة. # (2) في ب وج‍ وع وى: ويقال. # (3) من ب وج‍ وك وى. (1) راجع ج 1 ص 439 فما بعد. # (2) راجع ج 4 ص 46 وج‍ 6 ص 253. # (3) راجع ج 5 ص 417 فما بعد. (1) راجع ج 8 ص 199. # (2) في ج: وقيل فيها قولان. # (3) نصر بن عاصم الليثي البصري. (1) راجع ج 1 ص 443. # (2) في ع: تسبب. # (3) قال أبو حيان في البحر: أجرى مجرى فعل القسم ولذلك أجيب بما يجاب به ~~القسم. وكذا قال الزمخشري. # (4) راجع ج 1 ص 384. (1) كذا وردت هذه الأبيات في الأصول. والذي في اللسان " مادة خضف ". # إنا وجدنا خلفا بئس خلفا بئس الخلف * عبد إذا ما ناء بالحمل خضف أغلق عنا ~~بابه ثم حلف * لا ms7091 يدخل البواب إلا من عرف (2) الردم: الضراط. (1) راجع ج 6 ص 7 فما بعدها. # (2) كذا في الأصول، والعبارة كما في البحر: أصله تدارسوا، أي فأدغم. (1) راجع ج 2 ص 41. # (2) راجع ج 4 ص 304. # (3) راجع ج 1 ص 436. (1) راجع ج 15 ص 344. (1) في ك: مسلم بن يسار يعرف. لعله الصواب. # (2) الزيادة عن صحيح الترمذي. # (3) من ج. (1) من ك. # (2) من ع. # (3) في ى: وحكيم فيهم كما أراد. # (4) من ج. (1) راجع ج 20 ص 37. # (2) في ى " الطرلوسى " بالسين المهملة. # (3) راجع ج 14 ص 24 فما بعد. # (4) راجع ج 4 ص 69 فما بعد. # (5) راجع ج 11 ص 120. (1) راجع ج 2 ص 11. # (2) في ع: عن مجاهد. (١) في ع وزوى: بلعم. وفى ز: ويقال: بلعم. وفى ى: ويقال: باعر. # (٢) من ع. # (٣) قوله: أوتى النبوة. فليتأمل كيف يؤتى النبوة ثم يضل فإنه مناف لعصمة الأنبياء صلوات الله وسلامه ~~عليهم. # (4) التيه: موضع بين مصر والعقبة. (1) من ج وك وه‍ وى. # (2) راجع ج 8 ص 252 فما بعد. (1) الغرقد: هو بقيع الغرقد، مقابر بالمدينة. والذي في ديوانه " بالفدفد " ~~وهو الموضع الذي فيه غلظ وارتفاع. الوحي: الكتاب، وإنما جعله في حجر المسيل ~~لأنه أصلب. عن شرح الديوان. # (2) راجع ص 341 من هذا الجزء. # (3) من ز. (1) الإشلاء: الإغراء. # (2) من ع، ى. # (3) في ع: وصار ذا أدب وعلم. # (4) راجع ج 6 ص 65 وص 183. # (5) في ع: غرض. (1) راجع ج 1 ص 214. (1) من ج وك. (1) راجع المسألة الثانية ج 1 ص 281. (١) راجع ج ١١ ص ١٨٥. # (٢) راجع ج ١٤ ص ٢٦٤. # (٣) راجع ج ٢ ص ٣٠٨. # (٤) راجع ص ٢٢٣ من هذا الجزء. # (٥) برجان (بفتح الياء وتشديد الراء): هو عبد السلام ابن عبد الرحمن بن ~~أبي الرحال محمد بن عبد الرحمن أبو الحكم اللخمي الإفريقي ثم الأشبيلي ~~الصوفي المفسر. مات بمراكش سنة ٥٣٦ (عن طبقات المفسرين). (1) راجع ج 19 ص 69. # (2) راجع ج 10 ص 2. (1) راجع ج 6 ص 425. # (2) راجع ج 10 ص 4. # (3) راجع ج 1 ص 185. # (4) راجع ص 23 من هذا الجزء. # (5) راجع ج ms7092 8 ص 386. # (6) راجع ج 17 ص 5. (1) راجع ج 20 ص 34. # (2) راجع ج 17 ص 40. # (3) راجع ج 16 ص 241. (1) في ى: آخذ (2) راجع ج 20 ص 113. # (3) راجع ج 17 ص 40. # (4) راجع ج 6 ص 387. # (5) راجع ج 12 ص 108. # (6) من ز. وفى ى: فرحا. # (7) في ع: إن شمر. # (7) من ع (1) الزيادة عن ابن العربي. والأوضار: الأوساخ. # (2) الرجيع: العذرة والروث. # (3) الحش بالتثليث: النخل المجتمع، ويكنى به عن بيت الخلاء، لما كان من ~~عادتهم التغوط في البساتين. # في ع: بعلم. وفى ى: بحصر. # (4) من ع. # (5) راجع ج 1 ص 209. (1) راجع ج 14 ص 376. # (2) في ع: وقعها. # (3) في ز: غم. (1) عجز بيت للأسود بن يعفر: والبيت: ألا هل لهذا الدهر من متعلل * عن ~~الناس مهما. الخ. (1) من ج. وفى ب: إن أنا إلا نذير وبشير. (1) في الأصول فتسمية. (1) من ه‍ وى. # (2) في ج وا ول وز: بشر. # (3) في قوله صلى الله عليه وسلم: " الشهادة سبع سوى القتل في سبيل الله: ~~المطعون شهيد والغريق شهيد وصاحب ذات الجنب شهيد والمبطلون شهيد وصاحب ~~الحريق شهيد والذي يموت تحت الهدم شهيد والمرأة تموت يجمع شهيدة " أي تموت ~~وفى بطنها ولد. رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن حيان والحكم. (1) راجع ج 4 ص 220. # (2) الصوت: الجرس، مذكر. وإنما أنثه هنا لأنه أراد به الضوضاء والجلبة، ~~على معنى الصيحة أو الاستغاثة. # (3) راجع ج 14 ص 144. # (4) في ج: مقاربة. (1) راجع ج 11 ص 286 وج‍ 15 ص 32. # (2) راجع ج 13 ص 169. (1) من ج. (1) راجع ج 18 ص 218. # (2) في شرح النوري على صحيح مسلم: " هذه الكناية بقوله: يعنى فلانا، هي ~~من بعض الرواة خشى أن يسميه فيترتب عليه مفسدة وفتنة، إما في حق نفسه، وإما ~~في حقه وحق غيره فكنى عنه... قال القاضي عياض رضي الله عنه قيل: إن المكنى ~~عنه ها هنا هو الحكم بن أبي العاص والله أعلم ". (1) في ك، ع، ه‍: وفى ا، ز: الغنى. (1) أي لا يتجاوز حكمه. # (2) التوريش: التحريش، يقال: ورش بين القوم وأرش. (1) راجع ج ms7093 12 ص 148. # (2) راجع ج 20 ص 261. # (3) راجع ج 9 ص 264. (1) راجع ج 10 ص 38 وص 28 فما بعدها. # (2) راجع ج 3 ص 428.، فما بعد. (1) راجع ج 18 ص 238 فما بعد. # (2) اللة الخطرة بالقلب. (1) راجع ج 9 ص 255 فما بعد. # (2) الشنشة (بكسر الشين): العادة والطبيعة. قال الأصمعي: # وهذا بيت رجز تمثل به لأبي أخزم الطائي وهو: * إن بنى زملوني بالدم * ~~شنشة أعرفها من أخزم * من يلق آساد الرجل يكلم * قال ابن بري: وكان أخزم ~~عاقا لأبيه، فمات وترك بنين عقوا جدهم وضربوه وأدموه، فقال ذلك، أي إنهم ~~أشبهوا أباهم في العقوق. # (3) قوله: حباك الله وبياك، أي ملك واعتمدك بالتحية. وبياك: معناه وبوأك ~~منزلا، إلا أنها لما جاءت مع حياك تركت همزتها وقلبت واوها ياء... وآداك: ~~فواك وأعانك. # (4) الانبساط: ترك الاحتشام. # (5) اللواذ: الاستتار. (1) في الأصول: مده. # (2) راجع ج 4 ص 160. # (3) راجع ج 1 ص 207. # (4) راجع ج 2 ص 91. (1) راجع ص 57 من هذا الجزء. # (2) راجع ج 15 ص 355. (1) راجع ج 16 ص 210. (1) راجع ج 18 ص 97 فما بعد. # (2) راجع ص 223 من هذا الجزء. # (3) راجع ج 10 ص 342 فما بعد. (1) راجع ج 10 ص 63. (1) من ابن عربي. # (2) من ك. # (3) من ك وع وفى ه‍: بعد الصبح. وهو خطأ ناسخ. (١) في ك وه‍: عدونا. # (٢) في ك: " عمر " (٣) القاص (بتشديد الصاد المهملة): الذي يقرأ القصص ~~والأخبار والمواعظ، لكونه ليس قاصدا لتلاوة القرآن. وفى ع: القصاص. (1) راجع ص 395. من هذا الجزء. (1) القبض بالتحريك بمعنى المقبوض، وهو ما جمع من الغنيمة قبل أن تقسم. # (2) القائل هو ليد، كما اللسان (مادة النقل). (1) الموجفون: الممحصلون بخيل وركاب. والإيجاف: سرعة السير. (1) التضرية: الإغراء. (1) في ز وك: ترك. # (2) راجع ج 1 ص 161. (1) راجع ج 10 ص 34. # (2) راجع ج 12 ص 58 فما بعد. # (3) راجع ج 9 ص 314 فما بعد. (1) راجع ج 15 ص 248. # (2) الطغام والطغامة: أرذال الناس وأوغادهم. # (3) راجع ج 6 ص 258. # (4) أي أكثروا عليه. أحفى في السؤال وألحف بمعنى ألح. # (5) أرحم الرجل ms7094 إرماما: إذا سكت فهو مرم. # (6) زيادة عن صحيح مسلم. # (7) زفن " من باب ضرب ": رقص، وأصله الدفع الشديد والضرب بالرجل: كما ~~يفعل الراقص. (1) راجع ج 4 ص 280 و 189. # (2) راجع ج 1 ص 164. (1) راجع ج 19 ص 183. # (2) راجع ج 16 ص 133. # (3) راجع ج 8 ص 121. فما بعده. (1) في ج: دين الله. # (2) راجع ج 11 ص 277. # (3) صارت الواو ياء لكسرة ما قبلها. # (4) الذي في صحيح مسلم: "... تسعة عشر.. ". والمشهور: ثلاثمائة وثلاثة ~~عشر كما يأتي. (1) راجع ج 19 ص 193. # (2) من ك، ه، ج. # (3) راجع ج 4 ص 190 وص 198. # (4) هي قراءة نافع. (1) راجع ج 4 ص 241. # (2) راجع ج 15 ص 9. # (3) راجع ج 17 ص 118. # (4) راجع ج 8 ص 332. # (5) في ك، ى: والماوردي. # (6) وجست: وقع في نفوسهم الفزع. (1) الظهر: الإبل التي يحمل عليها وتركب. # (2) السبخة (محركة): أرض ذات ملح ونز. والمراد بها هنا الأرض التي تسوخ ~~فيها الأرجل. # (3) لا يلوى: لا يقف ولا ينظر. (1) في ج: من دونها. (1) عور عيون المياه: إذا دفنها وسدها. # (2) القلب: جمع قليب، وهي البئر العادية القديمة التي لا يعلم لها رب ولا ~~حافر تكون في البراري. # (3) الوحي: الكتابة. والقشيب: الجديد. # (4) الجون: السحاب. والوسمى: المطر الذي يأتي في الربيع. # (5) اليباب: الخراب. # (6) الكئيب: الحزين. # (7) الخاظي: الكثير اللحم، والمراد الضخم العظيم، أو ذو الشرف والمجد. (1) الغطارف: جمع الغطريف، وهو السيد الشريف السخي. ولصليب: الشديد المتين. # (2) الجبوب: وجه الأرض. # (3) كباكب: جمع كبكبة وهي الجماعة الكثيرة. والقليب: البئر. (1) من ج، ك، ه‍. (1) راجع ج 4 ص 190، ص 232. # (2) ندر: سقط. # (3) حيزوم: أم فرس من خيل الملائكة. # (4) راجع ج 5 ص 63. (1) بن بالمكان: أقام. # (2) راجع ج 2 ص 143. (1) في ب، ج، ه‍، ك: مؤمنة. # (2) في ج، ه‍: أمام. (1) راجع ج 8 ص 96. (1) العمرى (بضم العين وفتح الميم) وهو عبد الله بن عمر العزيز بن عبد الله ~~بن عمر بن الخطاب، كان من أزهد أهل زمانه. مات سنة 184 ه‍ (عن أنساب ~~السمعاني). (1) خاص: جال، أي جالوا جولة يطلبون الفرار. (1) راجع ج 1 ص 430. # (2) في ه‍: مفاخر. ms7095 # (3) في ى: من خلق لهم. # (4) أي رمى في وجه العدو بالحصى. (1) سرف: موضع قريب من التنعيم وبه تروج رسول الله أم المؤمنين ميمونة ~~الهلالية وبه توفيت ودفنت رضي الله عنها. (1) هذه القراءة عاصم رواية حفص. قال في البحر: وقرأ باقي السبعة والحسن ~~وأبو رجاء والأعمش وابن محيصن من أوهن وأضافه حفص. # (2) راجع ج 5 ص 280. # (3) من ه‍ وج‍ وب. # (4) من ج. # (5) راجع ج 8 ص 50. (1) في ب وج‍ وه‍: لأجل. # (2) في ى: في الآية. # (3) راجع ج 8 ص 193 فما بعد. (1) راجع ج 16 ص 217. # (2) هو كعب بن سعد الغنوي يرئى أخاه أيا المغوار. # (3) أصل هذا المثل على ما ذكر الزبير بن بكار أنه كان لسهل بن عمر بن ~~مضعوف فقال له إنسان: أين أمك (بفتح الهمزة وتشديد الميم المضمومة) أي أين ~~قصدك، فظن أنه يقول له: أين أمك، (بضم الهمزة والميم) فقال: ذهبت تشترى ~~دقيقا. فقال أبوه: أساء سمعا... الخ. (عن اللسان). (1) راجع ج 4 ص 268. # (2) راجع ج 1 ص 108. # (3) أي أفعالهم إذ هي مخلوقة له سبحانه والاكتساب للعبد. # (4) راجع ج 1 ص 187. (1) راجع ج 17 ص 22. # (2) من ج. (1) استهموا: افترعوا. # (2) عبث: معناه اضطرب بجسمه. وقيل: حرك أطرافه كمن يأخذ شيئا أو يدفعه. (1) المستبصر: هو المستبين للأمر، القاصد لذلك عمدا. والمجبور: المكره. # (2) راجع ج 7 ص 155 فما بعد. وج‍ 10 ص 230 وج‍ 17 ص 113 (3) راجع ج 19 ص ~~82 فما بعد. # (4) راجع ج 3 ص 424 فما بعد. # (5) كذا في ب وج‍ وه‍ وك وى. وفى ز: سكتوا. # (6) عبارة ابن العربي: " فانتظم الذنب بالعقوبة ". # (7) راجع ج 13 ص 169 فما بعد. (1) في ج وك وه‍ وى: بقوته. # (2) راجع ج 1 ص 397. # (3) راجع ج 8 ص 242. (1) عريانا. # (2) من ج. # (3) راجع ج 15 ص 301 فما بعد. # (4) راجع ج 5 ص 255. (1) راجع ج 18 ص 157 فما بعد. (1) راجع ج 6 ص 404. # (2) راجع ص 273 من هذا الجزء. (1) راجع ج 18 ص 278. # (2) الحليل: الزوج. ويروى: وخليل بالخاء المعجمة. ms7096 الفريصة: # الموضع الذي يرعد من الدابة والإنسان إذا خاف. والأعلم: المشقوق الشفة ~~العليا. # (3) من ج وه‍ وك وز وى. وفى ب: نحو. # (4) من ب وج‍ وه‍ وز ك وى. (1) في القاموس وشرحه: " والإطنابة امرأة من بنى كنانة بن القيس بن جسر بن ~~قضاعة، وعمرو ابنها شاعر مشهور، واسم أبيه زيد مناة ". (1) راجع ج 2 ص 353. (1) يلاحظ أن المسائل خمس وعشرون مسألة. # (2) في ز: قدمناه. # (3) الايجاف: سرعة السير، أي لم يعدوا في تحصيله خيلا ولا إبلا، بل حصل ~~بلا قتال. والركاب: الإبل التي يسافر عليها، لا واحد لها من لفظها. (1) راجع ج 5 ص 71. (1) راجع ج 18 ص 31. (1) تذفيف الجريح: الاجهاز عليه. (1) في ز: المكفوف. # (2) أي أثقل بالجراح. # (3) أي نتغدى. # (4) الطلق (بالتحريك): قيد من جلود. والحقب: الحبل المشدود على حقو ~~البعير أو من حقيبته وهي الزيادة التي تجعل في مؤخر القتب، والوعاء الذي ~~يجعل الرجل فيه زاده. (عن ابن الأثير). # (5) أي حالة ضعف وهزال في الإبل. # (6) أي خرج مسرعا. # (7) الأورق من الإبل: الذي في لونه بياض إلى سواد. # (8) ندر: سقط. (1) أي رجل من المدد الذين جاء وا يمدون جيش مؤتة ويساعدونهم. (1) في ب، ز: أسراى. # (2) الزارة: قرية بالبحرين. (1) الهميان: الذي تجعل فيه النفقة. وشداد السراويل. # (2) الشارف: الناقة المسنة. # (3) في شرح المواهب أن غزوة بني سليم هي غزوة البحران. (1) هو الحسن بن محمد بن علي المعروف بابن الحنفية. # (2) أي قوله تعالى: (فأن لله خمسه) راجع الحديث في كتاب قسم الفئ في سنن ~~النسائي. (1) راجع ج 3 ص 26. # (2) يقال: ألمع ولمع، إذا أشار بثوبه أو بيده. # (3) هو محمية بن جزء، رجل من بني أسد. (1) راجع ج 13 ص 143. (1) النتنى: جمع نتن، كزمني وزمن. # (2) أي الصحيفة التي كتبتها قريش في ألا يبايعوا الهاشمية ولا المطلبية ~~ولا يناكحوهم. وهو مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، مات كافرا في صفر قبل ~~وقعة بدر بنحو سبعة أشهر. (عن شرح القسطلاني). # (3) صبر الانسان وغيره على القتل: حبسه ورماه حتى يموت. # (4) موضع قرب بدر. # (5) ذو الفقار: اسم ms7097 سيف النبي عليه السلام وسمى به لأنه كانت فيه حفر ~~صغار حسان ويقال للحفرة فقرة. # (6) البيت لعبد الله بن عنمة الضبي يخاطب بسطام بن قيس. والنشيطة: # ما أصاب الرئيس في الطريق قبل أن يصير إلى مجتمع الحي. والفضول: ما فضل ~~من القسمة مما لا تصح قسمته على عدد الغزاة كالبعير والفرس ونحوهما (عن ~~اللسان). (١) الخرثي (بالضم): أثاث البيت أو أردأ المتاع والغنائم. # (٢) الحديث أورده مسلم في كتاب ~~الزهد. # قال النووي: بضم الفاء وسكون اللام ومعناه يا فلان وهو ترخيم على خلاف ~~القياس. وقيل هي لغة بمعنى فلان وقال صاحب المرقاة بسكون اللام وتفتح وتضم. # (3) الكراع (بالضم): الخيل. # (4) الذي في صحيح مسلم: (... فكان ينفق على أهله نفقة سنة...) الخ. # (5) في ز: ليس في الآية. # (6) في ك: ما يدل. (1) الذي في نسخة الدارقطني: (عن ابن نمير). (1) الرهيص: الذي أصابته الرهصة وهي وقرة - صدع - تصيب باطن حافر الفرس ~~توهنه. # (2) الحشوة (بضم الحاء وكسرها) رذالة الناس. (1) راجع ج 19 ص 54. # (2) أحسه: أزيل التراب عنه بالمحسة. # (3) في ز: حصته. # (4) الرضخ: العطاء ليس بالكثير. # (5) هو نجدة بن عامر الحنفي كان من رؤساء الخوارج. # (6) يحذين: يعطين الحذوة (بكسر الحاء وضمها) وهي العطية. (1) في ب: وهو مؤمن يجوز. الخ. (1) من ج، ز، ك. # (2) الوبر: دويبة على قدر السنور غبراء أو بيضاء حسنة العينين شديدة ~~الحياء. # والضال: شجر السدر من شجر الشوك، وفي ب تدلى علينا من قدوم ضال. # (3) أدرب القوم: إذا دخلوا أرض العدو. # (4) راجع ج 16 ص 278. (1) في ب: فبعد لذلك في أهل بدر. # (2) المتبادر أن المسألة السادسة والعشرين هي هذه الآية لأنها من تمام ~~الكلام. (1) في ج: لتخلفتم. (1) أي هم قليل، يشبعهم لحم ناقة. # (2) راجع ج 4 ص 25. # (3) راجع ج 3 ص 256. (1) راجع ج 4 ص 80. # (2) في ب و ج وك وز والبحر: الضراب والسيوف. # (3) اختلفت الأصول في هذه الجملة، ففي ج: (.. إذا كان ألغاطا..) وفي ب وك ~~وابن عطية: (.. إذا كان ألفاظا فأما..) وفي ز ول: العائط واحدا. وكلها ذات ~~معان. # (4) في تفسير ابن ms7098 عطية (تيمن) والظاهر أنه يريد أن المرابطين آثروا ~~التبرك بطرح التلثم عملا بما ورد عن ابن عباس على الصيانة به. # (5) القافية مرفوعة، واسم (إن) هاهنا ضمير الشأن. وقوله (لكل خافقة سكون) ~~خبرها. وفي ج وه‍: عاصفة. وهي رواية. ومن هذه القصيدة: # ولا تغفل عن الاحسان فيها * فما تدرى السكون متى يكون (1) الصبا (بالفتح): الريح الشرقية. والدبور: الغربية. # (2) القيان: جمع قينة، وهي الأمة مغنية كانت أو غير مغنية. والمعازف: ~~الملاهي. # (3) من ج وك وى. (1) مجنبة الجيش: هي التي تكون في الميمنة والميسرة وهما مجنبتان والنون ~~مكسورة. وقيل: هي الكتيبة التي تأخذ إحدى ناحيتي الطريق. (1) يزع الملائكة: أي يرتبهم ويسويهم ويصفهم للحرب. # (2) هو مؤرج بن عمرو السدوسي يكنى أبا فيد مات سنة 195 ه‍. # (3) الأسل: الرماح والنبل. # (4) كذا في الأصول ما عدا نخ ز فيها: وليس التقدم هاهنا الخ ولعل الصواب: ~~وليس النكوص. # (5) راجع ج 1 ص 162. (1) الشراك: سير النعل. # (2) في اللسان: أي لها حاجز يمنع من إغراق. أي فيها لين وشدة. (1) راجع ج 4 ص 22. # (2) راجع ج 13 ص 363. (1) راجع ج 7 ص 388. # (2) القعن (بالتحريك): قصر في الانف فاحش. وقعين: حي مشتق منه، وهما ~~قعينان: قعين في بني أسد وقعين في قيس عيلان. والأنابيب: جمع أنبوبة وهي ~~كعب القصبة والرمح. (1) من ج، ك، ز، ى. # (2) التكملة عن تفسير ابن عطية. (1) راجع ج 18 ص 303. # (2) زيادة عن سنن الترمذي وأبي داود. (1) راجع ج 15 ص 83. # (2) في كشف الخفا: مثلت الخاء والفتح أشهر والدال ساكنة فيهن قالوا: # أفصحها الفتح مع سكون الدال وهي لغة النبي صلى الله عليه وسلم. # (3) العدو اليوم لا يعتد بعهد ولا ذمة ففاجأته من ضروب الفن الحربي. (١) راجع ج ١٣ ص ٣٢٣. # (٢) زيادة عن إعراب القرآن للنحاس يقتضيها ~~السياق. (1) من ج وك وز. وهو جمع معونة. وفي ا وب: تعاون. (1) الأوتار: جمع وتر (بالكسر) وهو الدم. والمعنى: لا تطلبوا عليها الأوتار ~~والذحول التي وترتم بها في الجاهلية. # وقيل: جمع وتر القوس فإنهم كانوا يعلقونها بأعناق الدواب لدفع العين. وهو ms7099 ~~من شعار الجاهلية، فكره ذلك. # (2) كميت (بالتصغير): هو الذي لونه بين السواد والحمرة يستوى فيه المذكر ~~والمؤنث. والأغر: هو الذي في وجهه بياض. والمحجل: هو الذي في قوائمه بياض. # (3) الأرثم: الذي أنفه أبيض وشفته العليا. # (4) الأقرح: هو ما كان في جبهته قرحة وهي بياض يسير في وجه الفرس دون ~~الغرة. # (5) أي مطلقها ليس فيها تحجيل. # (6) أوزار الحرب: أثقالها من آلة حرب وسلاح وغره. # (7) راجع ج 20 ص 153. # (8) راجع ج 2 ص 36. # (9) في ج وز وه‍: عن مالك. (١) الاعتاد، آلات الحرب من السلاح والدواب وغيرها. راجع الحديث وشرحه في ~~صحيح مسلم، كتاب الزكاة (٢) هو كتاب التعريف والاعلام فيما أبهم في القرآن من الأسماء الاعلام. وهو كتاب مخطوط ~~محفوظ بدار الكتب تحت رقم 232 و 439 تفسير. # (3) من ج، ه‍، ز، ك. # (4) من ج، ه‍، ز. (1) الحشوة (بالضم والكسر): الأمعاء. # (2) العيس: الإبل البيض. والمراسيل: سهلة السير، وهي التي تعطيك ما عندها ~~عفوا. وجنح: مائلة صدورها إلى الأرض. وقيل: مائلة في سيرها من النشاط. # (3) في الأصول: (وقال عنترة) والتوصيب عن كتاب البحر لأبي حيان وديوان ~~النابغة. # (4) راجع ج 3 ص 22. # (5) راجع ص 72 وص 136 من هذا الجزء. (1) راجع ج 16 ص 255. # (2) من ك وز وى وه‍. # (3) الضمري: هو مخشى بن عمرو الضمري، من بني ضمرة بن بكر. وكان هذا في ~~غزوة الأبواء. وأكيدر: هو أكيدر بن عبد الملك: رجل من كندة. # ودومة: هي دومة الجندل مدينة قريبة من دمشق. (1) في الأصول: (... بن نوفل) والتصويب عن كتب السيرة. # (2) المراوضة: المداراة والمخاتلة. # (3) من ز. (١) يريد الأوس والخزرج، قبيلتي الأنصار. وقيلة اسم أم لهم قديمة، وهي قيلة ~~بنت كاهل. # (٢) من ج وك وه‍. # (٣) اضطربت عبارة الأصول هنا. والذي في إعراب القرآن للنحاس: # (يا أيها النبي حسبك الله). ابتداء وخبر، أي كافيك الله. ويقال: أحسبه ~~إذا كفاه. (ومن اتبعك) في موضع نصب معطوف على الكاف في التأويل، أي يكفيك ~~الله عز وجل ويكفي من اتبعك كما قال: # إذا كانت الهيجاء وانشقت العصا * فحسبك والضحاك ms7100 سيف مهند ويجوز أن (من ~~اتبعك) في موضع رفع، وللنحويين فيه ثلاثة أقوال: قال أبو جعفر: سمعت علي بن ~~سليمان يقول: يكون عطفا على اسم الله عز وجل، أي حسبك الله ومن اتبعك. قال: ~~ومثله قول النبي عليه السلام: # (يكفينيه الله عز وجل وأبناء قيلة). # والقول الثاني - أن يكون التقدير: ومن اتبعك من المؤمنين كذلك، على ~~الابتداء والخبر، كما قال الفرزدق: # وعض زمان يا بن مروان لم يدع * من المال إلا مسحتا أو مجلف والقول الثالث ~~أحسنها - أنه يكون على إضمار، بمعنى وحسبك من اتبعك. وهكذا الحديث على ~~إضمار. وتركنا القول الأول لأنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى ~~أن يقال: ما شاء الله وشئت. والثاني - فالشاعر مضطر، إذ كانت القصيدة ~~مرفوعة. وإن كان فيه غير هذا. (1) راجع ج 9 ص 249 فما بعد. # (2) من ب و ج وز وه‍ وك. (1) هكذا في نسخ الأصل، والذي في ابن العربي: (وعلله بأنكم.. الخ). # (2) راجع ج ص 21. (1) الاثخان في الشئ: المبالغة فيه والاكثار منه، والمراد به هنا: المبالغة ~~في قتل الكفار. # (2) راجع ج 4 ص 193. (1) راجع ج 9 ص 368. # (2) راجع ج 6 ص 377. # (3) راجع ج 18 ص 312. # (4) راجع ج 8 ص 374. (1) راجع ج 16 ص 226. # (2) راجع ج 4 ص 193. (1) كذا في ج، ك، ه‍. وفي ا، ب: تعنيته. وفي ى: تعييب. (1) المشهور أن هذا كان في الأمم السالفة فليتأمل. (1) النوب: ما كان منك مسيرة يوم وليلة، وقيل: على ثلاثة أيام. وقيل: ما ~~كان على فرسخين أو ثلاثة. (1) من ج وه‍. والجمل عن القرطبي. (1) يأجج (كيسمع وينصر ويضرب): موضع بمكة. # (2) انطلق بها في استخفاء. (1) الثؤرة (بالضم): الثأر. (1) راجع ج 3 ص 49. # (2) راجع ج 5 ص 80. (1) زيادة عن ابن العربي (1) بقعة بين مكة والمدينة وتسمى وادى الصفراء. (1) الضنء (بالكسر): الأصل. (1) في ب و ج وك وز وه‍: (الرواسي). والذي في صحيح الترمذي: (الفارسي). قال ~~الترمذي تعقيبا عليه: # (... حسن صحيح، لا نعرفه إلا من حديث عوف عن يزيد الفارسي عن ابن ms7101 عباس. ~~ويزيد الفارسي قد روى عن ابن عباس غير حديث. ويقال: هو يزيد بن هرمز، ويزيد ~~الرقاشي هو يزيد بن أبان الرقاشي ولم يدرك ابن عباس، إنما روى عن أنس بن ~~مالك وكلاهما من البصرة. ويزيد الفارسي أقدم من يزيد الرقاشي). (1) السبع الطول: سبع سور وهي سورة البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، ~~والانعام، والأعراف فهذه ست سور متواليات. واختلفوا في السابعة فمنهم من ~~قال: السابعة الأنفال وبراءة وعدهما سورة واحدة. # ومنهم من جعل السابعة سورة يونس. # (2) أي بعد الهجرة. # (3) في الجمل عن القرطبي: بسخطه. (1) في هامش تاريخ الطبري طبع أوربا قسم 1 ص 1619: (رزين). # (2) بيت القوم والعدو أوقع بهم ليلا. # (3) راجع تاريخ الطبري وسيرة ابن هشام في فتح مكة. # (4) في الأصول: (الحطيم). والتصويب عن سيرة ابن هشام وتاريخ الطبري ومعجم ~~ياقوت وكتب الصحابة في ترجمة (عمرو بن سالم الخزاعي). والوتير: اسم ماء ~~بأسفل مكة لخزاعة. (1) في ابن هشام: (في المدة). # (2) المقنب: الجماعة من الفوارس. # (3) السمهري: الرمح. وسافلة القناة: أعظمها وأقصرها كعوبا. والهندي: ~~الرماح. (1) دربوا: اعتادوا. وخفية: موضع كثير الأسد. والغلب: الغلاظ الرقاب. ~~والضواري: اللواتي قد ضرين بأكل لحوم الناس الواحد ضار. # (2) المعاقل: الحصون. والاغفار: أولاد الأروية (الوعل) واحدها غفر. # (3) علي: هو علي بن بكر بن وائل. ويقال: هو على أخو عبد مناة بن خزيمة من ~~أمه. وقالوا: هو علي بن مسعود بن مازن. # (4) خوت: إذا لم يكن لها مطر. والمقاري: جمع مقرى الذي يقرى الضيف. (1) الصحل: حدة الصوت مع بحح. # (2) راجع ج 136 ص؟؟؟ (1) صفين (بكسرتين وتشديد الفاء): موضع بقرب الرقة على شاطئ الفرات. كان ~~فيه وقعة بين علي رضي الله عنه ومعاوية في سنة 37 ه‍. # ويوم الجمل كان فيه وقعة بين علي وعائشة أم المؤمنين رضي الله عنهما، قتل ~~فيه عدة من الصحابة وغيرهم. # وكان في سنة 36 ه‍. # يوم بعاث (بضم أوله والعين المهملة، وحكاه بعضهم بالغين المعجمة): موضع ~~من المدينة على ليلتين. كانت به وقائع بين الأوس والخزرج في الجاهلية. # (2) القران (بالكسر): الجمع بين الحج والعمرة. ms7102 والافراد: هو أن يحرم ~~بالحج وحده. (1) راجع ج 1 ص 24. # (2) خاس عهده وبعهده: نقضه. # (3) في ج وك وز: عهد كم. (1) في اللسان والبحر المحيط: (أهللت مثله). # (2) راجع ج 15 ص 26. # (3) راجع ج 2 ص 348. # (4) راجع ص 109 فما بعد من هذا الجزء. # (5) في ب و ج وز وك وه‍: للكتابين. (1) راجع ج 2 ص 351. # (2) راجع ج 16 ص 225. # (3) في الأصول: (النابغة) والتصويب عن اللسان. (1) القائل هو ساعدة بن جؤية: وتمامه كما في اللسان وكتاب سيبويه: # لدن بهز الكف بعسل متنه * فيه كما عسل......... (1) في ب: من وقت الصلاة. # (2) راجع ج 3 ص 365. # (3) راجع ج 2 ص 187. (1) في ج وك وه‍ وى: والحمد لله. # (2) كذا في الأصول وتفسير ابن عطية. إلا ب، ففيها: # محكمة مثبتة. ولا وجود لهذه الكلمة في قول الحسن في المراجع. (1) البيت للنمر بن تولب. وصف أن امرأته لامته على إتلاف ماله جزعا من ~~الفقر، فقال لها: لا تجزعي من إهلاكي لنفيس المال، فإني كفيل بإخلافه بعد ~~التلف، وإذا هلكت فاجزعي فلا خلف لك مني. (عن شرح الشواهد). # (2) راجع ج 2 ص 1. (1) كذا في الأصول والبحر. والذي في شواهد سيبويه وجمهرة أشعار العرب: ~~(وقليب) قال الشنتمري: # (وأراد بالقليب القبر وأصله البئر. كأنه حذر من وباء الأمصار وهي القرى ~~فخرج إلى البادية فرأى قبرا فعلم أن الموت لا ينجى منه فقال هذا منكرا على ~~من حذره من الإقامة بالقرى). # (2) راجع ج 11 ص 62. (1) راجع ج 5 ص 8. # (2) السامعتان: الأذنان. والمراد بالشاة هنا: الثور الوحشي وحومل: اسم ~~رملة. شبة أذنيها بأذني ثور وحشي لتحد يدهما وصدق سمعهما، وأذن الوحشي أصدق ~~من عينيه وجعله (مفردا) لأنه أشد لسمعه وارتياعه. (عن شرح الديوان). # (3) السقب: ولد الناقة. والرأل: ولد النعام. (1) الحميريات: إبل منسوبة إلى حمير، وهي قبيلة من اليمن. الذمام: القليلة ~~الماء. والركايا: جمع ركية، وهي البئر. أنكزتها - بزاي - يقال: نكزت الركية ~~قل ماؤها. والمواتح: جمع ماتح، وهو الذي يسقى من البئر. # وصف إبلا غارت عيونها من الكلال. # (2) في الأصول: (ما لا يرضى) ms7103 وهو تحريف. (١) راجع صحيح مسلم (كتاب الفضائل). # (2) في ب: سقيفة. (1) في ب: فاستخف. # (2) في ى: لأنا. (1) في ج: في حقك. # (2) راجع ج 7 ص 401. # (3) في ب و ج: وك أن يكون المراد بقاتلوا... أن من أقدم... الخ. (1) قال الزمخشري في كشافه: (فإن قلت كيف لفظ أئمة؟ قلت: همزة بعدها همزة ~~بين بين، أي بين مخرج الهمزة والياء، وتحقيق الهمزتين قراءة مشهورة وإن لم ~~تكن مقبولة عند البصريين. وأما التصريح بالياء فليس بقراءة، ولا يجوز أن ~~تكون قراءة، ومن صرح بها فهو لاحن محرف). # وعقب على هذا أبو حيان في البحر بقوله: (وذلك دأبه في تلحين المقرئين ~~وكيف يكون ذلك لحنا وقد قرأ به رأس البصريين النحاة أبو عمرو بن العلاء ~~وقارئ مكة ابن كثير وقارئ مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم نافع). # وقال الآلوسي في روح المعاني: (... وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو (أئمة) ~~بهمزتين ثانيتهما بين بين أي بين مخرج الهمزة والياء والألف بينهما. ~~والكوفيون وابن ذكوان عن ابن عامر بتحقيقهما من غير إدخال ألف وهشام كذلك ~~إلا أنه أدخل بينهما الألف. هذا هو المشهور عن القراء السبعة...). # (2) في ج وز: استغاثه. # (3) بقره شقه وفتحه. # (4) الاعلاق: نفائس الأموال. # (5) قال القسطلاني: (لذهاب شهوته وفساد معدته بسبب عقوبة الله له في ~~الدنيا، فلا يفرق بين الأشياء). (1) الذناب (بكسر الذال): عقب كل شئ ومؤخره. والاجب: الجمل المقطوع السنام. ~~والبيتان للنابغة الذبياني. وصف مرض النعمان بن المنذر وأنه أن هلك صار ~~الناس بعده في أسوأ حال وأضيق عيش وتمسكوا منه مثل ذنب بعير أجب. وفي البيت ~~شاهد آخر. راجع خزانة الأدب للبغدادي في الشاهد السادس والخمسين بعد ~~السبعمائة وشواهد سيبويه ج 1 ص 100 طبع بولاق. # (2) بنو كعب في خزاعة وهم قوم عمرو. # (3) راجع ج 16 ص 24 فما بعد. (1) راجع ج 4 ص 220 وص 178. # (2) مكانها في الأدغال. (1) في ج وك: يسأل وفي ب وى: تسأله. # (2) في ك: الأولياء. (1) كذا في جميع الأصول. # (2) في نسخ الأصل: (ابن أبي وجزة) إلا ى: ms7104 وجزة. وهو تحريف. (1) سلائق: الحملان المشوية ويروى بالصاد. # (2) راجع ج 16 ص 199. (1) راجع ج 13 ص 21 فما بعد. (1) راجع ج 6 ص 216. (1) البيت للعجير السلولي. # (2) البيت لهشام أخي ذي الرمة. (عن كتاب سيبويه). # (3) راجع ج 4 ص 59. (1) راجع ج 5 ص 308، 350. (1) أرطاس: واد في ديار هوازن، فيه كانت وقعة حنين. # (2) أي لم يلتفت ولم يعطف. (1) في الأصول: (منهم) والتصويب عن المواهب اللدنية. # (2) في ا، ج، ح، ل، ه‍، ز. # قال ابن عباس: والصواب ما أثبتناه من ك، ب، ى. # (3) أي أصحاب الشجرة المسماة بالسمرة، وهي الشجرة التي كانت عندها بيعة ~~الرضوان عام الحديبية. # (4) في ب و ج: أو ترابا. (1) راجع ج 7 ص 363. # (2) راجع ج 5 ص 121. (1) راجع المسألة الموفية العشرين ص 18 من هذا الجزء. # (2) البيت لحسان بن ثابت. # (3) راجع ج 4 ص 253 فما بعد (4) الكفة (بالكسر): حبالة الصائد. والحابل: ~~الذي ينصب الحبالة. (1) أخفاء: جمع خفيف كطبيب وأطباء. وأراد بهم المتعجلين. والحسر: جمع حاسر ~~كساجد وسجد. # وهو من لا درع له ولا مغفر. أي ليس عليهم سلاح. والرشق (بالكسر): اسم ~~للسهام التي ترميها الجماعة دفعة واحدة. # والرجل (بالكسر): القطعة. وقوله (احمر البأس) أي اشتد الحرب. (راجع شرح ~~النووي على صحيح مسلم كتاب المغازي). (1) الجعرانة: موضع على سبعة أميال من مكة إلى الطائف. (1) الحائط: البستان. (1) راجع ج 14 ص 328. # (2) مخاليف جمع مخلاف، وهي قرى اليمن. # (3) راجع ج 12 ص 264. (1) راجع ج 10 ص 204. # (2) تبالة: بلد باليمن خصبة. وجرش كزفر من مخاليف اليمن. # (3) الودك: هو دسم اللحم ودهنه الذي يستخرج منه. # (4) هو أحيحة كما في اللسان. (1) الخمص والمخمصة: الجوع. والبطنة: امتلاء البطن من الطعام. أي تغدو بكرة ~~وهي جياع وتروح عشية وهي ممتلئة الأجواف. # (2) زيادة عن ابن العربي. # (3) راجع ج 11 ص 263. # (4) راجع ص 104 من هذا الجزء. # (5) راجع ج 2 ص 216. (1) راجع ج 11 ص 320. (1) راجع ج 3 ص 17. # (2) راجع ج 1 ص 112، 113. # (3) راجع ج 16 ص 82. # (4) أصفق القوم على أمر واحد: أجمعوا عليه. (1) راجع ص 72 من ms7105 هذا الجزء. # (2) لقوله عليه الصلاة والسلام: " سنوا بهم سنة أهل الكتاب ". (1) كذا في ب، ج، ه‍، ى. وفي ك: التين. (1) نض المال: صار عينا بعد أن كان متاعا. # (2) في ج: ما يتبينون. # (3) اللدد: الخصومة الشديدة. (1) الأنباط: فلاحو العجم. (١) الجريب من الأرض: قال بعضهم عشرة آلاف ذراع. راجع المصباح ففيه الخلاف. والقفيز: مكيال، وهو ~~ثمانية مكاكيك. # (2) راجع ج 20 ص 244. # (3) رجل مدعس (بالسين والصاد): طعان. (1) راجع ج 4 ص 279. (1) راجع ج 2 ص 7. # (2) راجع ج 6 ص 419. # (3) راجع ج 18 ص 264. # (4) راجع ج 4 ص 265 فما بعد. # (5) راجع ج 10 ص 353. # (6) راجع ج 16 ص 268 وص 74. # (7) راجع ج 16 ص 74. # (8) في ج: النحاة. (1) في الأصول (جناد) بالنون، وهو تحريف. والجماد: الناقة التي لا لبن بها. # (2) من ج وك وه‍ وى. (1) راجع ج 11 ص 55 فما بعد. # (2) راجع ج 4 ص 88. # (3) راجع ج 6 ص 21. (1) الرثيث: البالي، والبز: نوع من الثياب (2) المقل ثمر شجر الدوم ينضج ~~ويؤكل (3) راجع ج 18 ص 109. # (4) راجع ج 4 ص 249. # (5) في ج وز: من؟. (1) الربذة: موضع قريب من المدينة. # (2) راجع ج 1 ص 342 فما بعد. (1) راجع ج 4 ص 290. (1) الفنية: ما يقتنيه المرء لنفسه لا للتجارة. # (2) ما بين الخطين موجود في نسخ الأصل غير موجود في سنن أبي داود. والذي ~~في كتاب الدر المنثور للسيوطي: (... وإنما فرض المواريث من أموال تبقى ~~بعدكم). (1) راجع ج 1 ص 371. # (2) راجع ج 18 ص 109. # (3) البيت لقيس بن الخطيم. # (4) هو ابن أحمر واسمه عمرو وصف في البيت رجلا كان بينه وبينه مشاجرة في ~~بئر - وهو الطوى - فذكر أنه رماه بأمر يكرهه ورمى أباه بمثله على برأتهما ~~منه من أجل المشاجرة التي كانت بينهما. (عن شرح الشواهد). (1) الرضف: الحجارة المحماة. # (2) النغض (بالضم والفتح): أعلى الكتف وقيل: هو العظم الرقيق الذي على ~~طرفه. (1) طوى كشحه عنه: إذا أعرض عنه. # (2) جمعه وقبضه. # (3) القائل هو الأعشى كما في ديوانه. # (4) وفيه: يغض الطرف دوني. (1) الفرق: الطريق في شعر الرأس. (1) يلاحظ أن في ms7106 الأصول سبع مسائل وهو خطأ. # (2) راجع ج 14 ص 82. (1) منصل الأسنة: مخرجها من أماكنها. كانوا إذا دخل رجب نزعوا أسنة الرماح ~~ونصال السهام إبطالا للقتال فيه، وقطعا لأسباب الفتن لحرمته. (1) راجع ج 2 ص 404 فما بعد. # (2) راجع ج 3 ص 43. (1) راجع ج 14 ص 173 فما بعد. (1) راجع ص 199 من هذا الجزء. # (2) الأثر: الاجل، وسمى به لأنه يتبع العمر، وأصله من أثر مشيه في الأرض ~~فإن من مات لا تبقى له حركة فلا يبقى لاقدامه في الأرض أثر. (عن شرح ~~القسطلاني). (1) في نسخ الأصل: (جرير) وهو تحريف. # (2) في اللسان لعمير بن قيس بن جذل الطعان. (1) راجع ج 13 ص 64. # (2) راجع ج 15 ص 58. # (3) راجع ج 17 ص 137 فما بعد. # (4) راجع ج 14 ص 324 فما بعد. (1) راجع ج 10 ص 721. # (2) راجع ج 7 ص 204. # (3) راجع ج 1 ص 455. # (4) راجع ج 13 ص 214. # (5) راجع ج 8 ص 326. # (6) ساف الشئ يسوفه ويسافه سوفا وساوفه واستافه كله شمه. والخصر: البارد ~~من كل شئ. (1) قوله: (ودعا الناس إليها) قال ابن إسحاق:.. وكان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قلما يخرج في غزوة إلا كنى عنها وأخبر أنه يريد غير الوجه الذي ~~يصمد له، إلا ما كان من غزوة تبوك فإنه بينها للناس لبعد الشقة وشدة ~~الزمان.. الخ. # (2) راجع ج 16 ص 194. # (3) هو يعلى بن مسلم بن قيس الشكري، كما في اللسان. وقيل أنه الأحول ~~الكندي. # (4) حمنان: مكة. (1) راجع ص 290 من هذا الجزء. # (2) راجع ج 1 ص 198. (1) راجع ج 18 ص 305. (1) راجع ج 3 ص 369. # (2) يريحها: يردها. (1) من ه‍. # (2) الخريت: الدليل الحاذق والماهر بطرق المفاوز. # (3) في ج وك وه‍ وز: # وانطلق. # (4) الساحل: موضع بعينه ولم يرد به ساحل البحر. # (5) في ج: الكفر. (1) راجع ج 18 ص 289. # (2) الخرق (بالضم): الحمق وضعف الرأي. # (3) راجع ج 9 ص 62. # (4) راجع ج 11 ص 221 فما بعد. # (5) راجع ج 13 ص 341 فما بعد (١) راجع ج ٦ ص ٢٤٢. # (٢) من ب و ج وزوك وى. # (٣) من ب ms7107 وك وى. واضطربت الأصول في هذا الاسم. والذي في أحكام القرآن لابن العربي المطبوع: (أبو الفضائل بن المعدل) وفي المخطوطة منه (أبو ~~الفضائل المعدل). # (4) راجع ج 13 ص 100 فما بعد. # (5) من ج وه‍. # (6) موضع بالبحرين. (1) راجع ج 16 ص 297. # (2) في ج: أهل السنة. وفي ز: التفسير. # (3) من ه‍. # (4) الثمام: نبت معروف في البادية. # (5) في ه‍: وألهم. # (6) المغامرة: المخاصمة. # راجع الحديث بطوله في صحيح البخاري في باب مناقب أبي بكر رضي الله عنه. (1) راجع ج 20 ص 147. (١) كذا في جميع الأصول. ويلاحظ ان المؤلف رحمه الله عرض لآية النساء وهي ~~قوله تعالى: (انفروا ثبات أو انفروا جميعا) راجع ج ٥ ص ٢٧٣. وثبات: جمع ~~ثبة، وهي الجماعة من الناس. # (٢) راجع ج ١٢ ص ٣١١ فما بعد. # (٣) ص ٢٢٥ وص 293 من هذا الجزء. (1) راجع ج 4 ص 234 فما بعد. (1) ب و ج وى: يرغمهم وفي ز وك: يردعهم. (1) الوجار (بكسر وفتح) حجر الضبع وغيره. # (2) راجع ج 11 ص 131 فما بعد. (1) مرماتين (بكسر الميم) وقد تفتح. تثنية مرماة، وهي ظلف الشاة، أو ما بين ~~ظلفها من اللحم. # (2) راجع ج 4 ص 153. # (3) الفرق بالتحريك: الخوف والجزع. # (4) من ج. (1) راجع ج 12 ص 320 فما بعد. (1) راجع ج 6 ص 28. # (2) من ج وز ى. (1) هو دريد بن الصمة، كما في اللسان. # (2) الذي في كتب اللغة أنه يقال: وضع البعير وضعا وموضوعا. أما الموضوع ~~فهو من مصادر قولهم: وضع الرجل نفسه وضعا وضوعا وضعة (بفتح الضاد وكسرها) ~~إذا أذلها. # (3) راجع ج 6 ص 182. # (4) الثنية: الطريقة في الجبل كالنقب، وقيل: الطريق العالي فيه. ~~والواداع، واد بمكة وثنية الوداع منسوبة إليه. (1) أي أبدلها واوا لضمه اللام قبلها فينطق باللام كأنها متصلة بواو ~~الجماعة. # (2) اللعس: سواد اللثة والشفة. وقيل: اللعس واللعسة: سواد يعلو شفة ~~المرأة البيضاء وقيل: هو سواد في حمرة. (1) أي أي عيب أقبح منه. قال ابن الأثير: (والصواب أدوأ بالهمز وموضوعه أول ~~الباب، ولكن هكذا يروى إلا أن يجعل ms7108 من باب دوى يدوى دوا فهو دو إذا هلك ~~بمرض باطن). (1) راجع ج 7 ص 203. # (2) راجع ج 12 ص 21. (1) هو كثير عزة، كما في كتاب الأمالي لأبي على القالي. # (2) راجع ج 10 ص 235. (1) التحنث: التعبد. # (2) الضحضاح في الأصل: مارق من الماء على وجه الأرض ما يبلغ الكعبين. ~~فاستعاره للنار. (1) راجع ج 19 ص 82 فما بعد. # (2) راجع ج 14 ص (3) من ب و ج وه‍ وى. # (4) من ك و ج. # (5) راجع ج 5 ص 422. # (6) لعل صوابه: حديث الاعرابي. (1) راجع ج 18 ص 120. # (2) هذه عبارة الجوهري في صحاحه. والذي في اللسان والقاموس أنه يقال لجأ ~~لجأ مثل منع منعا. ولجئ لجأ مثل فرح فرحا. (1) كذا في الصحاح للجوهري (التميمي). والصواب أنه (التيمي). لأنه من تيم ~~بن عبد مناة بن أدين طابخة. # ومات عمر بن لجأ بالأهواز وكان يهاجي جريرا. (عن الشعر والشعراء). # (2) هذا صدر بيت لامية ابن أبي الصلت. وعجزه: * بالخير صبحنا ربي ومسانا ~~* (3) هذا عجز بيت لحميد بن ثور. وصدره: * وما هي إلا في إزار وعلقة * وصف ~~امرأة كانت صغيرة السن كانت تلبس العلقة وهي من لباس الجواري، وهي ثوب قصير ~~بلا كمين تلبسه الصبية تلعب فيه ويقال له الاتب والبقيرة، وكانت تلبسه وقت ~~إغارة ابن همام على هذا الحي. وخثعم قبيلة من اليمن. # (عن شرح الشواهد). (1) البيت لامرئ القيس. والاحضار: العدو. # (2) الروز: الامتحان والتقدير. (1) راجع ج 9 ص 6. (1) راجع ج 3 ص 332. (1) السبد: الوبر. وقيل الشعر. والعرب تقول: ما له سبد ولا لبد أي ماله ذو ~~وبر ولا صوف متلبد ويكنى بهما عن الإبل والغنم. # (2) راجع ج 11 ص 33 فما بعده. # (3) الفقرة (بالكسر) الفقرة والفقارة (بفتحهما): ما انتضد من عظام الصلب ~~من لدن الكاهل إلى العجب. # (4) راجع ج 3 ص 339. # (5) البيت للبيد. ولبد: اسم آخر نسور لقمان بن عاد سماه بذلك لأنه لبد ~~فبقى لا يذهب ولا يموت. والقوادم: أربع أو عشر ريشات في مقدم الجناح، ~~الواحدة قادمة. (1) راجع ج 12 ص 25. # (2) راجع ج 5 ص 27 فما ms7109 بعد. # (3) من ج وز وك. # (4) أي مستكبرة عاتية. (1) كذا في كل الأصول هو محمد بن القاسم بن شعبان إليه انتهت رئاسة ~~المالكية بمصر توفى عام 355. # وفي ج: ابن سفيان. وهو خطأ. (1) المرة (بالكسر): القوة والشدة. والسوى: الصحيح الأعضاء. (1) الكراع (بالضم): اسم يجمع الخيل. وقيل: هو اسم يجمع الخيل والسلاح. # (2) راجع ج 20 ص 99. # (3) الرضف: الحجارة المحماة على النار. (1) من ى. # (2) زيادة عن سنن الدارقطني والترمذي. (1) أي لا يتركه مع من يؤذيه بل يحميه. # (2) في ب و ج وى وز: الزكوات. # (3) من ه‍. # (4) الزيادة عن صحيح البخاري. # (5) في البخاري: (فإنها تقبل من الحقة ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له ~~أو عشرين درهما). # (6) راجع ص 244 من هذا الجزء. (1) الناض من المال: هو الدرهم والدينار، وإنما يسمى ناضا إذا تحول نقدا ~~بعد أن كان متاعا. # (2) في ب وى: إلى. # (3) اختلف في ضبطه فقيل بضم اللام وسكون التاء، وحكى فتحها. # وقيل: بفتح اللام والمثناة واسمه عبد الله وكان من بني تولب حي من الأزد. ~~وقيل: اللتبية أمه. (1) في ابن العربي: (عيالي). (1) الأجرع: المكان الواسع الذي فيه حزونة وخشونة. # (2) العبيد (مصغر): اسمع فرس العباس ابن مرداس. # (3) ذو تدرأ (بضم التاء): أي ذو هجوم لا يتوقى ولا يهاب ففيه قوة على دفع ~~أعدائه. (1) الأفائل: صغار الإبل. # (2) في ب: فأعطى. # (3) من ج وز وك وى. وفي أسد الغابة: # ابن ربيعة بن يربوع. # (4) المغموز: المتهم. # (5) من ج وز. (1) كذا في الأصول. وصوابه عمر. # (2) في ب و ج وك وز وى. # (3) بدأ بمعنى ابتدأ. # ويروى: بدا بمعنى ظهر. والروايتان صحيحتان والغربة تكون بمعنى كون الشئ ~~في غير وطنه. وبمعنى منقطع النظير. (١) أي القمي. # (٢) الذي في أحكام القرآن للكيا: (وذكر ~~وجوها بينة في منع ذلك منها أنه العتق..) الخ. # (3) أي جئت بالخطبة قصيرة وبالمسألة واسعة كثيرة. (١) الحملة (بالفتح): ما يتحمله الانسان عن غيره من دية أو غرامة مثل أن ~~تقع حرب بين فريقين تسفك فيها الدماء فيدخل بينهم رجل يتحمل ديات القتلى ~~ليصلح ذات البين. والتحمل: أن يحملها ms7110 عنهم على نفسه. (عن النهاية لابن الأثير). # (2) أي حتى يقوموا على رؤوس الاشهاد قائلين: إن فلانا أصابته فاقة الخ. # (3) كذا رواية مسلم، أي اعتقده سحتا أو يؤكل سحتا. وفي غير مسلم بالرفع. # (4) المدقع: الشديد، يفضى بصاحبه إلى الدقعاء، وهي التراب. وقيل: هو سوء ~~احتمال الفقر. # (5) المفظع: الشديد الشنيع. # (6) هو أن يتحمل دية فيسعى فيها حتى يؤديها إلى أولياء المقتول، فإن لم ~~يؤدها قتل المتحمل عنه فيوجعه قتله. (1) الضياع (بالفتح): العيال وأصله مصدر ضاع يضيع ضياعا فسمى العيال ~~بالمصدر كما تقول من مات وترك فقرا، أي فقراء. # (2) بالمهملة كما في التاج: أبو محمد الخزاعي صحابي. # (3) الزيادة عن صحيح البخاري. (1) زيادة عن صحيح مسلم. # (2) اجتاب القميص: لبسه. والنمار (بكسر النون): كل شملة مخططة من مآزر ~~الاعراب، كأنها أخذت من لون النمر لما فيها من السواد والبياض. # (3) تمعر: تغير. # (4) راجع ج 5 ص 1 فما بعد. # (5) راجع ج 18 ص 42 فما بعد. (1) أي فضة مموهة بذهب في إشراقه. والرواية: مدهنة. بمهملة ونون. # (2) كذا في الأصول وصحيح مسلم. ورواية البخاري: (شك إسحاق في ذلك أن ~~الأبرص) بغير لفظ (إلا). # (3) أي صاحبا الإبل والبقر. # (4) الحبال: جمع حبل. والمراد الأسباب التي يقطعها في طلب الرزق. (1) من ج وز. (1) في ب وه‍: يجب. # (2) راجع ج 7 ص 292. # (3) راجع ج 13 ص 230. # (4) راجع ج 2 ص 36. # (5) من ج. (1) راجع ج 5 ص 288. # (2) من ه‍. # (3) راجع ج 6 ص 264. (1) البيتان لابن مقبل. والشاهد فيهما كسر (إن) الثانية. والأسدام: المياه ~~المتغيرة لقلة الوارد، واحد ها سدم. وتخدى: تسرع. والطلامح المعيبة لطول ~~السفر. ومعنى (ملت ركابي مناخها): توالي سفرها وإناخها فيه وارتحالها. ~~والجامح: الماضي على وجهه. أي لا يكسرني طول السفر ولكني أمضى قدما لما ~~أرجوه من الحظ في أمري. (عن شرح الشواهد). # (2) راجع ج 13 ص 154 فما بعد. # (3) راجع ج 18 ص 37. (1) راجع ج 16 ص 251 فما بعد. (1) راجع ج 1 ص 444 (1) من ج وك وه‍. # (2) هذا عجز بيت وصدره: * إلى الحول ثم اسم السلام ms7111 عليكما * (3) هو ابن ~~أحمر الباهلي كما في اللسان مادة (عذر). (1) من ب و ج. # (2) راجع ج 1 ص 244. (1) راجع ج 2 ص 25 (2) في ب و ج: في ترك الامر بالمعروف والنهي عن المنكر. (1) راجع ج 1 ص 212. # (2) النجيع: الدم. وقيل دم الجوف خاصة. # (3) المجدح: خشبة في رأسها خشبتان معترضتان. # (4) من ج وك ه‍. # (5) راجع ج 3 ص 46. # (6) راجع ج 1 ص 248. (1) من ج وك وه‍. # (2) راجع ج 17 ص 118 فما بعد في آية 53 سورة النجم. # (3) راجع ج 12 ص 127 آية 51 سورة المؤمنون. # (4) راجع ج 2 ص 215 و ج 12 ص 127. # (5) من ب و ج وك وه‍. (1) من ج وك وه‍. # (2) راجع ج 6 ص 242 وما بعدها. # (3) راجع ج 4 ص 47 (4) راجع ج 1 ص 164. (1) راجع ج 1 ص 239. # (2) اكفهر الرجل: إذا عبس. (1) أي لا يوبخها ولا يقرعها بالزنى بعد الضرب. وقيل: أراد لا يقنع في ~~عقوبتها بالتثريب بل يضربها الحد فإن زنى الإماء لم يكن عند العرب مكروها ~~ولا منكرا فأمرهم بحد الإماء كما أمرهم بحد الحرائر. (نهاية ابن الأثير). # (2) راجع ج 4 ص 248. # (3) روى البخاري ومسلم هذا الحديث في " باب مناقب عمر رضي الله عنه " ~~قالا: استأذن عمر بن الخطاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده نسوة ~~من قريش بكلمته يستكثرنه عالية أصواتهم على صوته فلما استأذن عمر قمن ~~فبادرن الحجاب فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل عمر ورسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يضحك فقال عمر: أضحك الله سنك يا رسول الله. فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: " عجبت من هؤلاء اللاتي كن عندي فلما سمعن صوتك ابتدرن ~~الحجاب " فقال عمر: أنت أحق أن يهبن يا رسول الله. ثم قال عمر: # يا عدوات أنفسهم أتهبنني ولا تهبن رسول الله صلى الله عليه وسلم! فقلن: ~~نعم! أنت أفظ وأغلظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " إيها يا بن ms7112 الخطاب والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان ~~سالكا فجا إلا سلك فجا غير فجك ". # (4) راجع ج 13 ص 134. # (5) راجع ج 10 ص 236. (1) راجع ج 18 ص 124. # (2) من ب و ج وك. (1) راجع ج 1 ص 380. (1) في ع: منه وفي ه‍: لله حقه. # (2) كذا في ب و ج وع وك وفي ا: زيد كلاهما روى عن القاسم. # (3) في ع: ما هذه إلا جزية - ما هذه إلا أخت الجزية. وفي ج: أخية الجزية. # (4) في ج وع: مجلسين. (1) يلاحظ أن الذي سيذكره المؤلف في أول سورة الممتحنة إنما هو حاطب بن أبي ~~بلتعة لا ثعلبة بن حاطب. (1) راجع ج 4 ص 290. (1) راجع ج 1 ص 178، 198. # (2) في ع: يبكيان - تبكيان - يبكيان. # (3) من ع. (1) راجع ج 13 ص. # (2) الصحيح أنهم ليسوا أنبياء لان عملهم مناف للعصمة. (1) الصبرة (بالضم): ما جمع من الطعام بلا كيل ولا وزن بعضه فوق بعض. # (2) معناه: نحمل الحمل على ظهورنا بالأجرة وتتصدق من تلك الأجرة أو تتصدق ~~بها كلها. # (3) راجع ج 7 ص 62 (4) راجع ج 3 ص 29. (1) الصعدات: هي الطرق وهي جمع صعد وصعد جمع صعيد كطريق وطرق وطرقات. وقيل: ~~هي لجمع صعدة كظلمة وهي فناء باب الدار وممر الناس بين يديه. # (2) قال الترمذي: ويروي من غير هذا الوجه أن أبا ذر قال: # لوددت أني كنت شجرة تعضد. # (3) من ج وع وك وه‍. # (4) راجع ج 16 ص 270 فما بعد. (1) راجع ج 2 ص 113. # (2) راجع ص 272 من هذا الجزء. (1) راجع ج 18 ص 268 فما بعد. # (2) راجع ج 18 ص 128. (1) في نسخ الأصل: (فنظر). # (2) راجع ج 19 ص 257. # (3) في ع: فصلينا. (1) انتدب: أسرع. # (2) راجع ج 5 ص 136. (1) راجع ج 17 ص 186. # (2) راجع ج 1 ص 182، 239. # (3) راجع ج 15 ص 36 فما بعد. (1) من ك وه‍ وى. (1) راجع ج 3 ص 424 فما بعد. # (2) راجع ج 12 ص 311 فما بعد. # (3) في ه‍ وك وى: بعدكم. # (4) راجع ج 4 ص 221. # (5) يقال: حفر الطريق إذا أثر فيها بمشيه عليها. # (6) أي يمشى ms7113 بينهما معتمدا عليهما من ضعفه وتمايله. (1) في ه‍: عليه. (1) لم يذكر المؤلف غير خمسة. والذي في القاموس (مادة قرن): (وعبد الله ~~وعبد الرحمن وعقيل ومعقل والنعمان وسويد وسنان أولاد مقرن كمحدث صحابيون). # (2) الذود من الإبل: ما بين الثلاث إلى العشر وهي مؤنثة لا واحد لها من ~~لفظها والكثير أذواد. (1) أي بيض الأسنمة فإن (الغر) جمع الأغر وهو الأبيض. والذرى: جمع ذروة ~~وذروة كل شئ أعلاه. # (2) في ج وك: منسوق. # (3) السلق: شدة الصوت. # (4) راجع ج 9 ص 144. (1) راجع ج 9 ص 39. (1) راجع ج 3 ص 396. # (2) راجع ج 5 ص 410 فما بعد. (١) البيت لعبد المؤمن بن عبد القدوس. والمكن: بيض الضبة والجرادة ونحوها. # (٢) الجذيل تصغير الجذل وهو أصل الشجرة. والمحكك: الذي تتحكك به الإبل ~~الجربي وهو عود يتصب في مبارك الإبل لذلك. # والعذيق: تصغير العذق وهو النخلة. والمرجب: الذي جعل له رجبة وهي دعامة ~~تبنى حولها من الحجارة. # وهو من قول الحباب بن المنذر بن الجموح الأنصاري يوم السقيفة عند بيعة أبي بكر رضي الله عنه ~~يريد أنه قد جربته الأمور وله رأى وعلم يشتفى بهما كما تشفى الإبل الجربي ~~باحتكاكها بالجذل. (1) راجع ج 13 ص (2) راجع ج 3 ص 108. # (3) راجع ج 11 ص 99. (1) راجع ج 14 ص (1) من ج. # (2) من ب و ج وك وى. # (3) في ب و ج وى: مشيختنا. (1) في ب و ج وك وى: الصحابة. (1) في ع: بعض العلماء. # (2) كذا في ى. وفي ب و ج وك وا وه‍: والخلاف. ولا يبدو له معنى. # (3) من ع. # (4) راجع ج 18 ص 92 وص 31. # (5) راجع ج 8 ص 56. (1) هو عبيد الله بن عبد الله بن عتبة. # (2) هو أبو بكر بن عبد الرحمن. كما في ج. # (3) أم الدرداء الصغرى الدمشقية. # (4) في التقريب: (السميط بفتح المهملة، ويقال بالضم). (1) في الميزان: ربيعة بن أبي الحلال. # (2) راجع ج 4 ص 170. # (3) راجع ج 2 ص 152. # (4) رواية أحمد: (وددت أني لقيت إخواني..) ويروى: (رأيت..). # (5) في ع: بجاه. (1) في ج: ومثله. # (2) الثنة: مؤخر الرسغ وهي ms7114 شعرات مدلاة مشرفات من خلف. # (3) راجع ج 13 ص (4) من باب نصر وكرم. # (5) راجع ص 35 وص 164 من هذا الجزء. (1) الشمط: بياض شعر الرأس يخالط سواده. (1) من ع. # (2) من ج وك وه‍. (1) راجع ج 6 ص 80. # (2) راجع ج 2 ص 272. # (3) راجع ج 10 ص 302 فما بعد. # (4) راجع ج 10 ص 174 فما بعد. # (5) راجع ج 5 ص 363 فما بعد. # (6) من ه‍. # (7) راجع ج 14 ص. # (8) راجع ج 18 ص 147. # (9) من ج وه‍. (1) المخرف (بالفتح): القطعة الصغيرة من النخل ست أو سبع يشتريها الرجل ~~للخرفة (للجنى). وقيل: هي جماعة النخل ما بلغت. # (2) تأثل مالا: اكتسبه واتخذه وثمره. # (3) راجع ج 10 ص 73 - وص 135 فما بعد. # (4) راجع ج 7 ص 98 وما بعدها. # (5) راجع ج 3 ص 321 وما بعدها. (1) ابن لبون: ولد الناقة إذا استكمل السنة الثانية. ودخل في الثالثة. ~~والحق (بالكسر): الذي استكمل ثلاث سنين ودخل في الرابعة. (1) التبيع، ولد البقرة في أول سنة. والمسن. ما أوفى سنتين ودخل في ~~الثالثة. # (2) زيادة عن صحيحي الدارقطني والترمذي. # (3) المعافر: برود باليمن منسوبة إلى معافر وهي قبيلة باليمن. # (4) راجع ج 15 ص 165. (1) راجع ج 12 ص 322. (1) راجع ج 9 ص 84 فما بعد. # (2) في ب وه‍: فثبتت. وما أثبتناه من ا و ج وع وى. (1) الفلو: ولد الفرس. # (2) من ج وه‍. (1) من ع وه‍. # (2) راجع ج 7 ص 320. (1) كذا في ب و ج وك. وفي ه‍: (بني عامرة). والذي في الطبري: (بنى عامر). (1) في ب و ج: غشوا. وفي ه‍: عشوا. وفي ع: نشوا. # (2) من ع. # (3) الموضع الذي مجثم؟ فيه وتبيض. (1) في ع: عنه. # (2) الأندر: البيدر وهو الموضع الذي يداس فيه الطعام أي الحبوب. (1) قنسرين (بكسر أوله فتح ثانيه وتشديده ويكسر): كورة بالشام. # (2) سمى غسيل الملائكة لأنه استشهد يوم أحد وغسلته الملائكة وذلك أنه كان ~~قد ألم بأهله في حين خروجه إلى أحد ثم هجم عليه من الخروج في النفير ما ~~أنساه الغسل وأعجله عنه فلما قتل شهيدا أخبر ms7115 رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بأن الملائكة غسلته. (عن الاستيعاب). (1) في ج: مزبلة وفي ى: كناسة مزبلة. (1) راجع ج 1 ص 161. # (2) الممارة: المجادلة. # (3) من ج وه‍. وفي ع: قال هو. (1) راجع ج 12 ص 264 فما بعد. # (2) هذا البيت مطلع قصيدة لزهير بن أبي سلمى مدح بها هرم بن سنان. والقنة ~~(بالضم): أعلى الجبل وأراد بها هنا ما أشرف من الأرض. والحجر (بكسر الحاء): ~~منازل ثمود بناحية الشام عند وادي القرى. وأقوين: # خلون وأقفرن. والحجج: السنون. (راجع هذا البيت والكلام عليه في الشاهد ~~الرابع والسبعين بعد السبعمائة من خزانة الأدب للبغدادي). (1) راجع ج 13 ص (2) كذا في الأصول. (1) راجع ج 10 ص 216. (1) رواه أحمد وابن ماجة والحاكم. وفي الأصول: في البول. وهو خطأ الناسخ. # (2) راجع ج 11 ص 171 فما بعد. # (3) دراهم ضربها رأس البغل لسيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه. # (4) زيادة عن ابن العربي. # (5) المسربة (بفتح الراء وضمها): مجرى الحدث من الدبر يريد أعلى الحلقة. # (6) من ج وع وك وه‍. (1) راجع هذا البيت وشرحه في الأغاني ج 4 ص 344 طبع دار الكتب. في ع: ~~بالبهاليل. # (2) هو العجاج. # وصف ثورا يرتعى في ضروب من الشجر والعلقى والمكور: ضربان من الشجر. ومعنى ~~يستن: يرتعى وسن الماشية رعيها. (عن شرح الشواهد). # (3) راجع ج 4 ص 164. # (4) من ج وه‍. (1) راجع ج 17 ص 164 فما بعد. # (2) راجع ج 10 ص 413. # (3) راجع ج 20 ص 166. (1) راجع ج 18 ص 275 فما بعد. # (2) الوتين: عرق يسقى الكبد. الراغب. والوتين عرق في القلب. قاموس. # (3) راجع ج 1 ص 287. (1) راجع ج 1 ص 21. # (2) من ب و ج وز وع وك وه‍ وى. () من ع. (1) راجع ج 5 ص 333 فما بعد. # (2) راجع ج 1 ص 238. # (3) راجع ج 18 ص 192. (1) راجع ج 15 ص 331 فما بعد. (1) راجع ج 15 ص 289. # (2) من ج وه‍ وز. # (3) راجع ج 18 ص 193. # (4) من ج. (1) راجع ج 15 ص 384 - 382. # (2) راجع ج 10 ص 382. # (3) من ب و ج وع ms7116 وك وه‍ وز. (1) راجع ج 13 ص. # (2) راجع ج 9 ص 43. (1) راجع ج 13 ص (2) راجع ج 4 ص 226. # (3) راجع ج 14 ص (4) من ع. # (5) راجع ج 11 ص 110 فما بعد. (1) معلم كل شئ: مظنته. # (2) وجيب القلب: خفقانه واضطرابه. (1) راجع ج 10 ص 232. # (2) راجع ج 1 ص 149، 186. # (3) راجع ج 1 ص 249، 261. و ج 2 ص 69. # (4) في ج وع وه‍: على غير وعد. وفي ك وى: من غير وعد. (1) في ع: يا ليتني كنت شهدتها وكان الخ. # (2) راجع ص 154 وص 1 من هذا الجزء. (1) الإهالة: الشحم. # (2) الفرث: السرجين (الزبل) ما دام في الكرش. # (3) الناضح: # البعير يستقى عليه ثم استعمل في كل بعير وإن لم يحمل الماء. # (4) زيادة عن صحيح مسلم. # (5) من ه‍. # (6) النطع: بساد من الأديم. # (7) ربضة العنز (بضم الراء وتكسر): جثتها إذا بركت. (1) من ج وع وه‍. # (2) قراءة نافع بالتاء. (1) في ب: وذلك. # (2) يريد (أصروا). # (3) في ع: ابن جرير. (1) راجع صحيح مسلم كتاب التوبة. # (2) في ج وع وك وه‍: عدوهم. (1) أي أميل. # (2) أي مطعونا عليه في دينه متهما بالنفاق. # (3) هذا كناية عن كونه معجبا بنفسه ذا زهو وتكبر (4) المبيض (بكسر ~~الياء): لابس البياض. والسراب: ما يظهر في الهواجر في البراري كأنه الماء. ~~ويزول أي يتحرك. (1) أي فصاحة وقوة كلام بحيث أخرج من عهدة ما ينسب إلي بما يقبل ولا يرد. # (2) تجد: تغضب. # (3) أي وثبوا على. (1) أي أوقدته بالصحيفة. # (2) قال الواقدي: هذا الرسول هو خزيمة بن ثابت. (1) أي أشرف على جبل سلع. قال الواقدي: هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه. (1) راجع ج 5 ص 405. # (2) راجع ج 6 ص 12. # (3) راجع ج 2 ص 237. # (4) راجع ج 14 ص. (1) راجع ج 18 ص 19. # (2) من ع. وهو الصواب. وفي ب وك وه‍: الصفات. # وهو خطأ. # (3) في ع: سمعناه. (1) راجع ج 14 ص. (1) راجع ج 6 ص 64. # (2) في ب وع وك وه‍: بالعطية. هما لغتان. # (3) في ديوانه ومعجم البلدان لياقوت: (ببرقة الوداء) والوداء: واد أعلاه ~~لبني العدوية والتيم وأسفله لبني كليب وضبة. # (4) المرج: ms7117 # مرعى الدواب. # (5) أدرب القوم: دخلوا أرض العدو. # (6) سقط بعض من ب وع وك وه‍. (1) راجع ج 10 ص 108. # (2) راجع ص 198 من هذا الجزء. # (3) في الأصول: # (ويقضون به على وجوب العمل) الخ. والتصويب عن ابن العربي. # (4) راجع ج 17 ص 315، 322. (1) يقال: مالي بفلان يدان، أي طاقة. # (2) عبد القدوس روى عن أبي سعيد كما في الميزان. # (3) كذا في الأصول: جميعا. # (4) في ه‍: يصح. # (5) كذا في ع. وفي ب وه‍ وك: سواهم. (1) في ب: السنة (2) راجع ج 10 ص 236 فما بعد. # (3) راجع ج 4 ص 40. (1) راجع ج 14 ص. # (2) راجع ص 109 من هذا الجزء. (1) راجع ج 4 ص 280 (2) راجع ج 1 ص 65. # (3) الذي في البخاري: (كتب عمر بن العزيز إلى عدى بن عدي..) الخ فراجعه ~~في كتاب الايمان. (1) راجع ج 1 ص 197. (1) ارتبك في الامر إذا وقع فيه ونشب ولم يتخلص. # (2) راجع ج 7 ص 388. # (3) راجع ج 16 ص 245. # (4) راجع ج 4 ص 282. # (5) راجع ج 9 ص 29. (1) راجع ج 3 ص 350. (1) راجع ج 3 ص 66. # (2) راجع ج 1 ص 103. و ج 2 ص 153، 158 (1) راجع ج 14 ص آية 23. (1) راجع ص 382 وص 345 من هذا الجزء. # (2) كذا في نسخ الأصل وتفسير ابن عطية. # (3) أجزيك بالخير خيرات وإن كان منك شر كان منى مثله ولا أريد الشر إلا ~~أن تشاء. (عن شرح الشواهد). (1) راجع ج 9 ص 2. # (2) راجع ج 1 ص 157 وما بعدها. # (3) راجع ج 3 ص 30. (1) راجع ج 1 ص 184 وص 238. # (2) راجع ج 10 ص 312. # (3) في ديوانه وتفسير الطبري (العادي). # (4) أي متقدمكم إليه. (1) راجع ج 11 ص 345. # (2) راجع ج 14 ص (3) راجع ج 2 ص 43. (1) راجع ج 7 ص 218. # (2) راجع ج 3 ص 273. # (3) راجع ص 321 من هذا الجزء. (1) راجع ج 18 ص 109. # (2) راجع ج 2 ص 341 وما بعدها. # (3) راجع ج 15 ص 29. # (4) المحاق (مثلثة): آخر الشهر إذا امحق فلم ير. (1) راجع ج 2 ص 191. # (2) البيت لأبي ذؤيب. وقوله: (وخالفها) بالخاء المعجمة: # جاء إلى عسلها ms7118 وهي غائبة ترعى. ويروى (وحالفها) بالمهملة أي لازمها. ~~والنوب: النحل: لأنها ترعى ثم تنوب إلى موضعها. ويروى: (عوامل) بدل (عواسل) ~~وهي التي تعمل العسل والشمع. (عن شرح ديوان أبي ذؤيب). (1) راجع ج 19 ص 303. # (2) في ب: يرزقهم. # (3) راجع ج 16 ص 238. (1) راجع ج 15 ص 43. # (2) راجع ج 5 ص 297. (1) راجع ج 15 ص 140. (1) بواط (بضم أوله): جبل من جبال جهينة بناحية رضوى (جبل بالمدينة عند ~~ينبع) غزاه النبي صلى الله عليه وسلم في شهر ربيع الأول في السنة الثانية ~~من الهجرة يريد قريشا. (1) أي يتعاقبونه في الركوب واحد بعد واحد. والعقبة: النوبة. # (2) تلدن: تلكأ وتوقف ولم ينبعث. # (3) من ع وه‍. # (4) راجع ج 1 ص 209. # (5) ج 7 ص 398. (1) في ع: الضراء. # (2) البيت لزيد بن عمر بن نفيل فراجعه في خزانة الأدب في الشاهد الثامن ~~والسبعين بعد الأربعمائة. (1) راجع ج 7 ص 158. (1) أي أن الأصل: (أدريتكم). # (2) راجع ج 11 ص 215 فما بعد. (1) راجع ج 18 ص 186 فما بعد. # (2) راجع ج 9 ص 322 فما بعد. # (3) في ب وع وه‍: ما لا يشفع ولا ينصر. # (4) راجع ج 3 ص 30. (1) راجع ج 10 ص 230. (1) راجع ج 2 ص 194. (1) راجع ج 19 ص 141 فما بعد. # (2) راجع ج 2 ص 297 وص 195. # (3) راجع ج 13 ص 223. # (4) راجع ج 7 ص 341. (1) قراءة الجمهور الضم والفتح قراءة حفص وبعض. # (2) حرف: كذا في الأصول أي ميل قليل أو تغيير قليل. (1) راجع ج 10 ص 412. (1) السبت: البرهة من الدهر. وداحس: اسم الفرس. # (2) راجع ج 18 ص 45. (1) هذه الآية والجملة قبلها ليست في ب وك وه‍ وى. (1) راجع ج 15 ص 127 فما بعد. (1) من ع وه‍ وى. # (2) راجع ج 19 ص 111، وص 221 فما بعد. (1) راجع ج 11 ص 345. # (2) راجع ج 1 ص 327 فما بعد. # (3) راجع ج 15 ص 357. # (4) من ع. # (5) راجع ج 4 ص 166. # (6) راجع ج 2 ص 272 فما بعد. (1) راجع ج 9 ص 83 فما بعد. (1) راجع ج 6 ص 259. # (2) راجع ج 13 ms7119 ص 322. (1) راجع ج 12 ص 91 (2) في ب وع وه‍ وى: بالعبادة. # (3) من ب وع وه‍ وى. # (4) راجع ج 20 ص 96 (5) راجع ج 16 ص 54 (6) تخلع في الشراب: انهمك فيه ~~ولازمه ليلا ونهارا. (1) في ب وع وه‍ وى: الطبل. # (2) هكذا في ع وى وه‍. وفي ب: الأرز: لم نجد في كتب الشطرنج ولا المعاجم ~~ما يكشف الغمة. # (3) من ع. (1) راجع ج 6 ص 291. (1) راجع ج 1 ص 160 (2) هو طرفة، كما في اللسان. # (3) راجع ج 6 ص 7. (1) راجع ج 1 ص 221. # (2) راجع ج 1 ص 146. (1) راجع ج 4 ص 255. # (2) راجع ص 293 من هذ الجزء. # (3) في ع: لرصفه. (1) راجع ج 14 ص (2) كذا في ع وه‍ وك وا. # (3) راجع ج 1 ص 69. (1) راجع ج 16 ص 189 فما بعد. # (2) في ع: في الجار والمجرور. (1) راجع ج 14 ص. (1) راجع ج 10 ص 374. (1) راجع ج 18 ص 284. # (2) راجع ج 14 ص. # (3) راجع ج 7 ص 204. # (4) راجع ج 14 ص. # (5) راجع ج 12 ص 151. # (6) راجع ج 15 ص 73. (1) راجع ج 5 ص 197. # (2) راجع ج 2 ص 153. # (3) راجع ج 10 ص 230 فما بعد. (1) راجع ج 4 ص 131. # (2) راجع ج 12 ص 153. # (3) في ع وه‍: سدم. (1) في ع: حكمه. (1) راجع ج 13 ص 313. # (2) راجع ج 9 ص 10. # (3) راجع ج 15 ص 234. # (4) راجع چ 15 ص 234. (1) راجع ج 17 ص 260. # (2) راجع ج 6 ص 335. # (3) راجع ج 7 ص 89. (1) راجع ج 13 ص 283. # (2) راجع ج 17 ص 289. # (3) في اللسان: من ذي الأبارق. # (4) راجع ج 5 ص 195. (1) راجع ج 13 ص 160 فما بعد. # (2) راجع ج 3 ص 168. # (3) راجع ج 1 ص 409. # (4) راجع ج 6 ص 20 فما بعد. # (5) راجع ج 7 ص 1 فما بعد. # (6) راجع ج 11 ص 345. (1) ذوي العود والعقل يذوي ذيا وذويا كلاهما ذبل فهو ذاو وهو ألا يصيبه ريه ~~أو يضربه الحر فيذبل ويضعف. # (2) أي إذا اجتمعت فيه تريد الخروج كما يستنقع الماء في قراره وأراد ~~بالنفس الروح. # (ابن ms7120 الأثير). # (3) راجع ج 10 ص 100 فما بعد. (1) راجع ص 93 من هذا الجزء. # (2) راجع ج 1 ص 237 فما بعد. # (3) راجع ج 15 ص 357. # (4) هذه النسبة إلى جوزق (كجعفر) بلدة بنيسابور. # (5) راجع ج 18 ص 129. # (6) راجع ج 15 ص 140. (1) راجع ج 7 ص 71. (1) راجع ج 2 ص 85. # (2) راجع ج 11 ص 155. # (3) في ع وك: لا يشبه شئ. (1) في ع وك وه‍: الأئمة. (1) راجع ج 11 ص 211 فما بعدها. (1) تكموا: غطوا بالغم. # (2) النحى (بالكسر): زق للسمن. # (3) راجع ج 10 ص 38. (1) راجع ج 1 ص 184. (1) راجع ج 2 ص 30، و ج 7 ص 267. (1) البيت للصمة القشيري. والاصغاء الميل. والليت (بالكسر). صفحة العنق. ~~والأخدع: عرق في صفحة العنق. # (2) في ع: أي عدل. # (3) راجع ج 7 ص 257 فما بعد. (1) في ع: وربما. # (2) راجع ج 16 ص 30. (1) راجع ج 9 ص 245 فما بعد. (1) راجع ج 7 ص 261 فما بعد. # (2) في ه‍: في هذا. (1) راجع ج 6 ص 28 فما بعد. # (2) الخريطة: هنة مثل الكيس تكون من الخرق والأدم تشرج على ما فيها. ~~اللسان. (1) راجع ج 9 ص 29. # (2) راجع ج 18 ص 312. # (3) من ع. # (4) من ع وك وه‍. (1) راجع ج 1 ص 127. (1) راجع ج 1 ص 387. # (2) راجع ج 1 ص 389. # (3) راجع ج 5 ص 90. (1) أي تشتهي الفحل. # (2) في ع وك وه‍: قعد. # (3) في ع: لا سيد له. # (4) راجع ج 1 ص 381 فما بعد. (1) من ع وه‍. # (2) راجع ج 19 ص 125 فما بعد. # (3) العقوة والعقاة: الساحة وما حول الدار والمحلة وجمعها عقاء. ~~والقرواح: الأرض البارزة للشمس. (1) البيضاء: الدرع والنهى (بالفتح والكسر): الغدير وكل موضع يجتمع فيه ~~الماء. والموضونة: الدرع المنسوجة. والقونس: أعلى بيضة في الحديد. # (2) في ع وه‍: مشى والمفاضة (بضم أوله): الدرع الواسعة. والجدلاء: الدرع ~~المحكمة النسيج. (1) كذا في الأصول. والظاهر أنها (تشك). (1) راجع ص 340 من هذا الجزء. (1) راجع ج 15 ص 121. # (2) راجع ج 10 ص 113. (1) راجع ج 7 ص 330 (2) راجع ج 9 ص 341. (1) من ع. # (2) راجع ms7121 ج 8 ص 28، وقد تكلم عنه المؤلف في البقرة مستوفى راجع ج 2 ص ~~129. (1) أي يستأثر عليكم فيفضل غيركم في نصيبه من الفئ. # (2) النثا في الكلام يطلق على القبيح والحسن. (1) راجع ص 109 من هذا الجزء. وفى رواية عن ابن عباس أنها مكية كلها وهو ~~قول الحسن وعكرمة ومجاهد وابن زيد وقتادة. # (2) في و: خوف. # (3) راجع ج 19 ص 48. # (4) في ع و و: تلطف. (1) من ع. # (2) راجع ص 107 من هذا الجزء. # (3) راجع ج 8 ص 304. # (4) راجع ج 4 ص 10. (1) راجع ج 4 ص 58 وص 210 (2) راجع ج 3 ص 156 (1) راجع ص 50 فما بعد من هذا الجزء. (١) في الأصل: " تثنوي " بغير نون بعد الواو في وزن تنطوي، وهو يخالف ما في ~~صحيح البخاري وتفسير الطبري عن محمد عن بن عباد، فلذا صوبناه عنهما، وأما ~~رواية " تثنوي " المذكورة بالأصل فقد نسبها ابن عطية إلى ابن عينية، ويعضده ~~ما في (إعراب القرآن للنحاس) حيث قال: وروى ~~غير محمد بن عباد عن ابن عباس " ألا إنهم تثنوي صدورهم " بغير نون بعد ~~الواو في وزن تنطوي...... إلخ، وهي العبارة الآتية بالأصل. وتعقب بعض ~~المفسرين هذه القراءة بأنها غلط في النقل لا تتجه. راجع المعاني والبحر ~~وتفسير ابن عطية. (1) راجع ج 5 ص 273. # (2) من ع. # (3) راجع ج 17 ص 41. # (4) راجع ج 1 ص 177 فما بعد. (1) أرملوا من الزاد: أي نفذ زادهم، وأصله من الرمل كأنهم لصقوا بالرمل، ~~كما قيل للفقير الترب. (1) راجع ج 13 ص 72 وص 82. # (2) راجع ج 7 ص 218 فما بعد. # (3) الزيادة عن صحيح البخاري. # (4) في ع: نسألك عن هذا الدين ونسألك عن أول هذا الأمر. (1) من ع وو. # (2) راجع ج 10 ص 303. (1) راجع ج 13 ص 267 (2) راجع ج 10 ص 197 وص 62 (3) راجع ج 16 ص 74 (4) ~~راجع ص 201 من هذا الجزء. # (5) (يبعث زيد أمة) لأنه كان تبرأ من أديان المشركين، وآمن بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم قبل مبعثه. # (6) في ع: جامع. (1) كذا ms7122 في الأصول. ولعل الصواب: يبس ييبس: بالموحدة بعد الياء. وهو الحرف ~~الرابع (2) من ع. # (3) في ع: اللفظين. (1) راجع ج 6 ص 242. # (2) من و. # (3) راجع ج 6 ض 28 فما بعد. # (4) راجع ج 8 ص 344 (1) في ع: المخاطب. # (2) قال في البحر: ولعله لا يصلح إذ لو كانت زائدة لكان فعل الشرط " يريد ~~" وكان يكون مجزوما. (1) راجع ج 8 ص 161. # (2) من ع وو. # (3) راجع ج 16 ص 18 (4) راجع ج 4 ص 226 فما بعد. # (5) راجع ج 10 ص 235 فما بعد (1) راجع ج 2 ص 308. # (2) راجع ج 6 ص 422. # (3) راجع ج 10 ص 127 (4) راجع ج 5 ص 245 وص 422. # (5) في الأصل (المعاصي) وهو تحريف، والمراد بالحديث الماضي حديث أبي ~~هريرة المتقدم في عمل المرائي " صمتم وصليتم... ". # (6) راجع ج 11 ص 69 (1) من ع. (1) راجع ج 7 ص 297 (1) زيادة عن صحيح مسلم. # (2) راجع ج 5 ص 197. (1) البيت لعمرو بن معدى كرب الزبيدي. أراد (بالخير) فحذف ووصل الفعل ونصب. ~~والنشب: المال الثابت كالضياع ونحوها. وقيل: النشب جميع المال، فيكون عطفه ~~على الأول مبالغة وتأكيدا. (شواهد سيبويه) (1) في ع: يفهموا. # (2) في ع وو وى: في رأس جذع. (1) في ع: فيها. # (2) الزيادة عن النحاس. (1) في ع، ى: على التفسير. # (2) قال ابن عطية: وفى هذا نظر، وإنما هي حكاية مخاطبة لقومه، وليس هذا ~~حقيقة الخروج من غيبة إلى مخاطبة، ولو كان الكلام أن أنذرهم أو نحوه لصح ~~ذلك. # (3) راجع ج 7 ص 280. # (4) راجع ج 3 ص 243 (1) هو أبو محجن الثقفي وتمام البيت: بيضاء قد متعتها بطلاق الغريرة: ~~المغترة بلين العيش. ومتعها: أعطاها ما تستمتع به عند طلاقها. # (2) التقليس: استقبال الولاة عند قدومهم بأصناف اللهو. (1) كذا في ع، والذي في غيره بالإفراد. # (2) من ى. # (3) راجع ج 7 ص 294. (1) راجع ج 6 ص 438 (2) قراءة نافع. (1) البيت لامرئ القيس، والشاهد فيه تسكين الباء من قوله (أشرب) في حال ~~الرفع والوصل. احتقب الإثم واستحقبه احتمله. والواغل الداخل على الشراب ولم ~~يدع له. يقول: حلت لي ms7123 فلا آثم بشربها إذ قد وفيت بنذري فيها. وكان قد نذر ~~ألا يشربها حتى يدرك ثأر أبيه. # (2) الزيادة عن النحاس. # (3) من ع وك وى. # (4) راجع ج 6 ص 431 وما بعدها. # (5) قراءة نافع. (1) راجع ج 1 ص 189 وما بعدها. (1) راجع ج 7 ص 77 وص 174. # (2) راجع ج 8 ص 226 فما بعد. # (3) راجع ج 1 ص 149. وج‍ 4 ص 20. # (4) راجع ج 11 ص 125. (1) من ع وى. # (2) البيت للهيردان السعدي أحد لصوص بنى سعد. (اللسان). # (3) راجع ج 18 ص 312. (1) راجع ج 19 ص 175. # (2) راجع ج 17 ص 52. # (3) راجع ج 11 ص 195. (1) كذا في الطبري والدر المنثور والكشاف، وفى الأصل (قبر سام بن نوح). # (2) في ع: عن. # (3) في ع وى: شاخ. # (4) جاء في البحر: واختلفوا في هيئتها من التربيع والطول، وفى مقدار مدة ~~عملها، وفى المكان الذي عملت فيه، ومقدار طولها وعرضها على أقوال متعارضة ~~لم يصح منها شئ. # وقال الفخر الرازي: اعلم أن هذه المباحث لا تعجبني، لأنها أمور لا حاجة ~~إلى معرفتها البتة، ولا يتعلق بمعرفتها فائدة أصلا. # (5) الكوثل: مؤخر السفينة وفيه يكون الملاحون ومتاعهم. وقيل: هو السكان. # (6) راجع ج 15 ص 90. (1) ورد في اللسان: قد قالوا سو يكون فحذفوا اللام، وسا يكون فحذفوا اللام ~~وأبدلوا العين طلب الخفة، وسف يكون فحذفوا العين. (1) راجع ج 17 ص 131. # (2) قلت: وردزنره: ملأه، وتزنر: دق: والسنر محركة: شراسة الخلق، وشنر ~~عليه: عابه. # (3) من ع. (1) راجع ج 17 ص 116 وج‍ 12 ص 14. # (2) الكنه (بالفتح): امرأة الابن أو الأخ. (1) راجع ص 198 فما بعد من هذا الجزء. (1) راجع ج 15 ص 277. # (2) في ع و و: على ما. # (3) راجع ج 1 ص 97. (1) البيت للشماخ، والشاهد في (كأنه) حذف الواو ضرورة. وتمامه: إذا طلب ~~الوسيقة أو زمير يصف حمار وحش هائجا يطلب وسيقته، وهي أنثاه التي يضمها ~~ويجمعها، من وسقت الشئ أي جمعته. (شواهد سيبويه). # (2) كذا في الشواذ، ويدل عليه ما يأتي عن أبي حاتم، وأما رسم ابنه بالواو ~~فليس بشاذ. (1) راجع ص 69 من ms7124 هذا الجزء. # (2) راجع ج 20 ص 4. (1) البيت للحطيئة يهجو الزبرقان. # (2) في ع: أغلقه. # (3) راجع ج 18 ص 262. (١) في ع: فابتلعته. # (٢) في المصباح: غاض: نضب أي ذهب في ~~الأرض. # (3) أي باشمام الكسرة الضم. (1) نسبه اللسان لأمية بن أبي الصلت وفى (معجم الياقوت): هو لزيد بن عمرو، ~~وقيل: لورقة بن نوفل. # وفى ع: الجمد، كخدم جمع خادم، ولعله الأشبه. # (2) من ع (3) راجع ج 13 ص 332. (1) راجع ج 18 ص 300 (2) من ع. (1) من و. # (2) كذا في و، وفى ع وا وج‍: سبأ. (1) التدرج كحبرج: طائر يغرد في البساتين بأصوات طيبه، وموطنه بلاد فارس. ~~(حياة الحيوان) (1) من ع. # (2) البيت للخنساء تصف ناقة ذهب عنها ولدها، وهو من قصيدة ترثي بها أخاها ~~صخرا. # (3) راجع ج 18 ص 201. (1) راجع ج 15 ص 89. (1) راجع ج 12 ص 205. # (2) من ع و و. # (3) راجع ج 15 ص 89. (1) راجع ج 5 ص 2 فما بعد. # (2) من ك. # (3) من و. (1) راجع ج 7 ص 235 فما بعد. # (2) راجع ج 20 ص 44. (1) راجع ج 7 ص 236. # (2) من ع و و. # (3) راجع ج 12 ص 47. (1) راجع ج 8 ص 362. (1) راجع ج 20 ص 124. # (2) من ع. # (3) بالباء وسكون الراء قراءة. راجع ج 7 ص 334. (1) راجع ج 17 ص 50. # (2) راجع ج 12 ص 127. # (3) في ع: ينقاد. # (4) صدر البيت: إذا رحلت فاجعلوني وسطا. (1) تقدم شرح البيت في هامش ج 6 ص 14 (2) البيت لعدي بن الرقاع يمدح الوليد ~~بن عبد الملك، والشاهد فيه ترك صرف قريش حملا على معنى القبيلة، والصرف ~~فيها أكثر وأعرف لأنهم قصدوا بها قصد الحي، وغلب ذلك عليها. (شواهد ~~سيبويه). (1) راجع ج 1 ص 279 فما بعد. # (2) راجع ج 6 ص 287 فما بعد. # (3) في و: وجدته. (1) الزيادة عن أبن العربي. # (2) راجع ج 1 ص 212 وص 299. # (3) مبتولة: ماضية غير راجعة إلى الواهب، من بتله، قطعه وأبانه. (1) راجع ج 13 ص 112. # (2) راجع ج 15 ص 89 وص 112. # (3) راجع ج 2 ص 308 فما بعد. (1) راجع ص 344 من هذا الجزء. ms7125 # (2) من ع. # (3) هو خالد بن زهير الهذلي كما في اللسان، وصدر البيت الأول: # يا قوم ما لي وأنا ذؤيب (4) (يبز ثوبي): يجذبه إليه. (1) كذا في و والطبري، وفى تاج: كتابة: كرمانة. وفى ك: الكاثية. # (2) من ع. # (3) راجع ج 7 ص 240 فما بعدها. # (4) راجع ج 12 ص 11 وص 330 ج 15. (1) راجع ج 5 ص 357. # (2) راجع ج 7 ص 242. (1) في ع: يفور. # (2) أي لازق النسب به. # (3) راجع ج 10 ص 382. # (4) من ع. (1) راجع ج 13 ص 67. # (2) راجع ص 312 من هذا الجزء. # (3) راجع ج 15 ص 284 فما بعد. # (4) كذا في الأصل والمسائل المذكورة هي في آية 70 و 71 أيضا لافى هذه ~~الآية فحسب. # (5) في ع: أكثر. (1) وحنيذ موضع قريب من مكة أيضا. # (2) راجع ج 2 ص 98. # (3) من و، فليتأمل. (1) قداح (جمع قدح بالكسر) السهم قبل أن ينصل ويراش. # (2) في ع: أو مسارقة. (1) كذا في ع وى وفى الفريد، وفى ك: ضيافة. # (2) من ا وع وك و و. # (3) البيت للأعشى. (1) وفسر الضحك هنا بالعسل أو الشهد. راجع اللسان مادة (ضحك). # (2) من ع. # (3) صدر البيت: غمر الرداء إذا تبسم ضاحكا (1) التور: إناء تشرب فيه العرب، ويتوضأ منه، ويصنع من صفرا وحجارة. # (2) في ع: يستخدمها. # (3) الزيادة عن ابن العربي. # (4) في ع: متمتعا. (1) والوجه عنده (وأمس بعمرو). # (2) كذا في ا وك ع وو وى. # (3) من ع. (1) من ع. # (2) راجع ج 15 ص 98 فما بعد. (1) راجع ج 14 ص 178. (1) الكلاب: صاحب الكلاب. يصف الشاعر ثورا وحشيا بأنه بات من الخوف الذي ~~أدركه، والبرد الذي أصابه مبيت سوء، ومبيته على ذلك الحال يسر أعداءه. # (2) راجع ج 13 ص 341 فما بعد. (1) راجع ج 8 ص 274. (1) في مفردات الراغب: ومعصوب الخلق أي مدلج الخلقة). (1) كذا في الأصول والآلوسي، وفى الطبري: رثيا. # (2) في الأصل (النساء) وهو تحريف. # (3) في ع: سائغ. # (4) أي أظهر دينك. (1) (خزاية) أي من الخزاية. والحبل هو حبل الرمل. والكلام في وصف ثور وحشى ~~تطارده الكلاب. وقبله: # حتى إذا دومت في الأرض راجعة ms7126 * كبر ولو شاء نجى نفسه الهرب يعنى أن الثور ~~أنف من الهرب فرجع إلى الكلاب. (1) راجع ج 3 ص 298. # (2) راجع ج 17 ص 143. (1) راجع ج 20 ص 42. # (2) راجع ج 10 ص 204. # (3) ويروى (سرت). يقول: إن السحابة سرت في الجوزاء: فلذلك شبهها ~~بالجوزاء. (1) هو مالك بن كنانه. # (2) راجع ج 13 ص 241. (1) وفى ع وز وك: قاموارا ورادما وصعو، وفى ضبط هذه القرى اختلاف. # (2) في ى: ينكشف. # (3) راجع ج 7 ص 243 (4) كذا في ا، وفى ز وع وك وو وى: (البخاري). # (5) سيأتي البيت بتمامه في ص 83. (1) راجع ج 17 ص 47. # (2) راجع ج 12 ص 289. # (3) راجع ج 19 ص 254. # (4) البيت للفضل بن عباس بن عتبة بن أبي لهب. وأصل المساجلة. أن يستقى ~~ساقيان فيخرج كل واحد منهما في سجله (دلوه) مثل ما يخرج الآخر فأيهما نكل ~~فقد غلب، فضربته مثلا العرب للمفاخرة. والكرب: الحبل الذي يشد على الدلو ~~بعد المنين وهو الحبل الأول. (1) وروى في اللسان: (يضربون البيض عن عرض). # (2) البيت لأسيد بن عنقاء الفزاري يمدح عميلة حين قاسمه ماله، وبعده: # كأن الثريا علقت فوق نحره * وفى جيده الشعرى وفى وجهه القمر وقوله: (له ~~سيماء لا تشق على البصر) أي يفرح به من يراه. (1) راجع ج 7 ص 257. # (2) من ع. (1) راجع ج 7 ص 248. (1) حذف الشئ قطعه من أطرافه. # (2) راجع ج 16 ص 151. # (3) الجون هنا الأسود. # (4) في ع: القردة والخنازير. وقد مضى في ج 6 ص 236 أنه أيضا من قول ~~المسلمين لهم. (1) راجع ج 13 ص 215. # (2) في ع: بالمدينة، وفى و: أمير المؤمنين. # (3) من ع وز وك وو وى. (1) من ع وى. # (2) من ع وفى ز وو وى: أحب. # (3) في ع: أفتأمرونني. (١) من ع وو وى. # (٢) راجع ج ٦ ص ٤٤ وما بعدها. # (٣) راجع ج ٢ ص ١٤٣. # (٤) الرسول هنا بمعنى الرسالة. وفى ~~الديوان: مبلغ قبسا. # (5) من ع. (1) عبارة الأصول هنا مضطربة، وصوبت عن كتب اللغة، وعبارة الأصل: فقه يفقه ~~إذا فهم فقها وفقها وحكى الكسائي: فقها، وفقه فقها إذا صار ms7127 فقيها، (2) ليس ~~شعيب الرسول عليه السلام ضريرا لأن هذا الوصف ينافي العصمة مما يقدح وإنما ~~شعيب الضرير هو صاحب موسى وليس بنبي وبينهما ثلاثمائة سنة. (1) راجع ج 2 ص 40. # (2) راجع ج 7 ص 89. # (3) راجع ج 3 ص 62. # (4) هو عمرو بن أبي ربيعة. (1) راجع ج 4 ص 233. (1) البيت للطرماح كما في اللسان. # (2) راجع ج 1 ص 309 وما بعدها. (1) راجع ج 19 ص 164. # (2) راجع ج 15 ص 73 فما بعد، في الأصول " يتلاومون " وليست في المعنى ~~المراد هنا. # (3) راجع ج 10 ص 193. # (4) راجع ج 17 ص 173. (1) راجع ج 7 ص 314. # (2) هو العجاج والبيت من قصيدة له يصف فيها المفازة مطلعها: # قاتم الأعماق خاوي المخترق * مشتبه الأعلام لماع الخفق (3) في ع: في ~~الصدر، والسحيل: الصوت الذي يطور في صدر الحمار. (١) قال في النهاية: شاهق عال. # (2) راجع ج 15 ص 274. # (3) راجع ج 5 ص 12. (1) الحمم: الرماد والفحم وكل ما احترق من النار، والواحدة حمة. # (2) راجع ج 5 ص 332 (3) وعبارة البحر: لي عندك ألفا درهم إلا الألف التي ~~كنت أسلفتك بعني سوى تلك الألف. # (4) يلاحظ أنه لم يذكر المصنف السابع ولعله هو هذا. # (5) راجع ص 382 من هذا الجزء (1) راجع ج 16 ص 147 وص 289. # (2) راجع ج 2 ص 128. # (3) البيت لعمرو ابن معدى كرب. وقيل هو لحضرمي بن عامر. ويجوز أن تكون " ~~إلا " هنا بمعنى غير. قال سيبويه: كأنه قال وكل أخ غير الفرقدين مفارقه ~~أخوه، فقد نعت " كلا " بها. # (4) راجع ج 5 ص 103. (1) البيت للنابغة الذبياني يصف فيه السيوف. ويروى (تقد - ويوقدن). ~~والسلوقي: الدرع المنسوب إلى سلوق، قرية باليمن. والمضاعف: الذي نسج ~~حلقتين. والصفاح: الحجارة العراض. والحباحب: ذباب له شعاع بالليل، وقيل: ~~نار الحباحب ما اقتدح من شرر النار في الهواء بتصادم حجرين. # (2) من ا وو وى. (1) هو: ابن صريم اليشكري، وصدر البيت: # ويوما توافينا بوجه مقسم يجوز نصب الظبية بكأن تشبيها بالفعل إذا حذف ~~وعمل، والخبر محذوف لعلم السامع. ويجوز جر الظبية على تقدير: # كظبية، وأن زائدة مؤكدة. # (2) قال الطبري: ms7128 وذلك أن العرب لا تنصب بفعل بعد لام اليمين اسما قبلها. (1) راجع ج 15 ص 245. (راجع ج 5 ص 225 وص 12. # (3) راجع ج 20 ص 52. (1) راجع ج 20 ص 3. # (2) البيت لرؤبة. # (3) راجع ج 12 ص 124. # (4) من و وى. # (5) من ا وج‍ و و. # (6) وردت العبارة الآتية بإحدى النسخ تصويبا لعبارة القرطبي، ومذيلة ~~بكلمة. # (حاشية): (صواب ما ذكره الشيخ رحمه الله أن يقول: إلا أن هذا القول " إن ~~" فيه نافيه والقول المتقدم " إن " فيه مخففة من الثقيلة فافترقا). # (7) في ى: وإن كلا إلا ليوفينهم. وفى الشواذ: وإن كل بفتح الكاف وتخفيف ~~اللام لما. (1) من ا. # (2) في الأصل (الشتوي) وصوب عن (الدر المنثور). # (3) راجع ج 18 ص 262. (1) الأدهان: المصانعة. # (2) والآية من باب تعب. # (3) راجع ج 6 ص 12 وج‍ 5 ص 417، وص 217. # (4) هو طرفة بن العبد. # (5) راجع ج 4 ص 57. # (6) في ى: أغراضهم ومرافقهم. (1) (حزبه): نزل به مهم، أو أصابه غم. # (2) كذا في ع و و. والذي في ابن العربي: لم يتناول ذلك لا واجبا فإنها ~~خمس صلوات ولا نفلا. # (3) لفظ المثل كما في الصحاح وغيره (صارت القوس ركوة) ويضرب في الإدبار ~~وانقلاب الأمور. # (4) البرجاس (بالضم): غرض على رأس رمح أو نحوه مولد. # والغلوة: قدر رمية سهم. (1) من ك (1) الزيادة عن الترمذي. # (2) الذي في صحيح الترمذي (صحيح) بدل (غريب) (1) راجع ج 12 ص 161 وص 98. # (2) راجع ج 10 ص 303 وص 343 وص 108. # (3) راجع ج 14 ص 14. # (4) راجع ج 11 ص 260. # (5) راجع ج 3 ص 213. # (6) راجع ج 7 ص 353. # (7) من ا وع. (1) راجع ج 6 ص 61. # (2) راجع ج 11 ص 263. # (3) راجع ج 8 ص 383. (1) راجع ج 6 ص 342 فما بعدها. # (2) راجع ج 8 ص 346. (1) من ع، ا، و، ى. # (2) راجع ج 1 ص 448. # (3) راجع ج 13 ص 72. # (4) راجع ج 10 ص 343. # (5) راجع ج 8 ص 353. # (6) من ع. (1) في ع: المواعظ. (1) راجع ج 15 ص 248. # (2) راجع ج 1 ص 154 فما بعد. # (3) من ع. (1) الرجز للعجاج، وصدر البيت. # * تقول بنتي قد أنى ms7129 أناكا * (2) من ع. # (3) راجع ج 13 ص 254. (1) من ع وى. # (2) راجع ص 277 وص 255 من هذا الجزء. (1) في حاشية الجمل: جريان - بفتح الجيم وكسر الراء وتشديد التحتية منقول ~~من اسم طوق القميص. وقابس مقتبس النار وعمودان تثنية عمود والفليق نجم ~~منفرد والمصبح ما يطلع قبل الفجر والفرع بفاء وراء مهملة ساكنة وعين: # نجم عند الدلو. ووثاب بتشديد المثلة سريع الحركة وذو الكتفين تثنية كتف ~~نجم كبير. وهذه نجوم غير مرصودة. # (2) كذا في " عقد الجمان " للعيني، وفى الأصل " النطح ". # (3) وفى الجمل " الصروخ ". (1) راجع ج 7 ص 344. (1) السبرات (جمع سبرة) بسكون الباء: شدة البرد. # (2) راجع ج 10 ص 278. # (3) كذا في الأصول وصوابه: الصفاقسي. # (4) في ع: الغزنوي. # (4) راجع ج 8 ص 458. (1) في ع وى: هذا الخلاف. # (2) راجع ج 7 ص 3 فما بعدها. (1): ع حيز. # (2) أي امرأة سوداء، كما في رواية النسائي. # (3) المهيعة: هي الجحفة، ميقات أهل الشام. (1) من ع وو وى. # (2) في ع: الرجل. (1) الزيادة عن " الجامع الصغير ". # (2) في ع: قص. # (3) راجع ج 8 ص 458. (1) تقدم أن الذبيح هو إسماعيل وهو الحق وسيأتي في " والصافات " أيضا، وفى ~~ع: والفدا من الذبح. (1) من ع وز ك وى. # (2) في ع: آية. بالتوحيد وهو المطابق للتفسير. راجع ج 5 ص 116. (1) البيت لساعدة بن جؤية وقد وصف فيه رمحا لين الهز، فشبه اضطرابه في نفسه ~~أو في حال هزه بعسلان الثعلب في سيره، والعسلان: سير سريع في اضطراب. ~~واللدن الناعم اللين. ويروى: لذ أي مستلذ عند الهز للينه. # (شواهد سيبويه). # (2) في ع: أرضه. (1) من ع. # (2) الزيادة عن النحاس. # (3) اللجف: الناحية من الحوض أو البئر يأكله الماء فيصير كالكهف. # (4) بعده كما في الديوان: # ليستدرجنك القول حتى تهره * وتعلم أنى عنك لست بمجرم وتشرق بالقول الذي ~~قد أذعته * كما شرقت صدر القناة من الدم (1) البيت للأعشى، وهو يخاطب يزيد بن مسهر الشيباني، وكانت بينهما مباينة ~~ومهاجات، فيقول له: يعود عليك مكروه ما أذعت عنى من القول ونسبته إلى من ~~القبيح، فلا تجد منه مخلصا. والشرق بالماء كالغصص ms7130 بالطعام. # (2) سرار الشهر (بفتح السين المهملة وكسرها) وسرره: آخر ليلة منه. (1) من ع وك وى. (1) في ع وك وو وى: تشهد. # (2) كذا في الأصول. # (3) في ع: الطبري. (1) العفاص: الوعاء الذي سكون به النفقة، جلدا كان أو غيره. والوكاء هو ~~الخيط الذي يشد به الوعاء. # والمراد بالعفاص والوكاء أن يعلم الملتقط صدق واصفها من كذبه، وبالحذاء ~~خفها، فهي تقوى بأخفافها على السير وورود الماء والشجر. (1) (إن لم تعرف): أي لم تعرف صاحبها. (1) من ع وى. وفى ا و و: وغفلته. (1) البيت للخنساء ترثي بها أخاها صخرا. ومعنى: (ترتع) ترعى. تصف ناقة أو ~~بقرة فقدت ولدها، فكلما غفلت عنه رتعت، فإذا ادكرته حنت إليه فأقبلت ~~وأدبرت، فضربتها مثلا لفقدها أخاها صخرا. # (2) هو القطامي. # (3) الخطاب لجابر بن عبد الله، وذكر ملا على عن القرطبي: أن الملاعبة ~~عبارة عن الإلفة التامة، فأن الثيب قد تكون معلقة القلب بالزوج الأول، فلم ~~تكن محبتها كاملة، بخلاف البكر. ويروى: تداعبها وتداعبك. والدعابة ~~الممازجة. (1) (يرتع)، والذي في تفسير ابن عطية والآلوسي وأبى حيان عن مجاهد وقتادة ~~هو (بالنون) وجزم (نلعب) قال ابن عطية: (وقراءة مجاهد وقتادة " نرتع " بضم ~~النون وكسر التاء، " ونلعب " بالنون والجزم). # (2) في ع: البراري، ورد في روح المعاني أن هذا الاشتقاق عند الزمخشري، ~~وقال الأصمعي: إن تذاءبت مشتق من الذئب، لأن الذئب يفعله في عدوه، وتعقب ~~بأن أخذ الفعل من الأسماء الجامدة قليل مخالف للقياس. (1) أعيا الرجل في المشي: كل. (1) الصحيح أن الواو في هذه الآية ليس زائدا وإنما هو للحال مع تقدير قد ~~وذلك لإفادة أن أهل الجنة هيأ الله لهم ما يزيد سرورهم بخلاف أهل النار ~~فتحت لهم عند حضورهم زيادة في حسرتهم. راجع ج 15 ص 284 وص 104 (2) راجع ج 9 ~~ص 30. # (3) تمام البيت. بنا بطن خبت ذي قفاف عقنقل. # (4) راجع ج 10 ص 133. # (5) من ع. (1) في ع: أتوارى به وأستر عورتي. (1) من ع. (1) ذي قرد: موضع قريب من المدينة أغاروا فيه على لقاح رسول الله عليه ~~الصلاة والسلام فغزاهم. (1) تضمير ms7131 الخيل: هو أن يظاهر عليها بالعلف حتى تسمن، ثم لا تعلف إلا قوتا ~~لتخف. وقيل تشد عليها سروجها، وتجلل بالأجلة حتى تعرق تحتها، فيذهب رهلها ~~ويشتد لحمها، ويكون ذلك لغزو أو سباق. # (2) الزيادة عن (موطأ مالك). والحفياء (بالمد والقصر): موضع بالمدينة ~~بينه وبين ثنية الوداع ستة أميال أو سبعة. # (3) الثنية في الجبل كالعقبة فيه، وقيل: هو الطريق العالي فيه، وقيل أعلى ~~المسيل في رأسه، وثنية الوداع مشرفة على المدينة سميت بذلك، لأن من سافر ~~إلى مكة يودع ثم، ومنها إلى مسجد بنى زريق ميل. # (4) " لاسبق ": هو بفتح الباء ما يجعل للسابق على سبقه من المال، بالسكون ~~مصدر. قال الخطابي: # الصحيح رواية الفتح، أي لا يحل أخذ المال بالمسابقة إلا في هذه الثلاثة. # (5) في ع وك وى: العلماء. (1) في ع وك وو وى: تؤول عليه. # (2) خسق السهم وخزق إذا أصاب الرمية ونفذ فيها. # (3) في ع: السبق (1) الهادي: العنق لتقدمه، والجمع (هواد) (1) في ع: أو نحوه. # (2) في ع: التخريق. (1) في ع: له. (1) من ع وك وى. # (2) في ع وك و و: بفخذه. (1) ويروى (صبر جميل) في البيت، وتحمل على إظهار مبتدأ أو خبر. ويروى (صبرا ~~جميل) على نداء الجمل. # (2) راجع ص 244 من هذا الجزء. # (3) دعر: هو بالدال المهملة وبالذال تصحيف كما في القاموس. (1) في ع: ردوه. # (2) من ع. # (3) راجع ج 13 ص 25. (1) راجع ج 15 ص 22. # (2) في ع: اشتريتك منهم. أي على الالتفات. (1) هو يزيد بن مفزع الحميري، و (برد) اسم عبد كان له ندم على بيعه. # (2) البيت للشماخ، قاله في رجل باع قوسه من رجل. وحامز: عاصر، وقيل: أي ~~ممض محرق. ويروى: من الوجد. (اللسان). # (3) في ع وك و و: وقالوا. # (4) في ع وك وى: وافية كاملة. (1) البيت للفرزدق، وصف ناقة سريعة السير في الهواجر، قشبه خروج الحصى من ~~تحت مناسمها بارتفاع الدراهم عن الأصابع إذا نقدت. # (2) في ع وى: يوزن. # (3) من ع وك وى. # (4) في ع وك وو وى: العدد. (1) المخشلبة: خرز أبيض يشاكل اللؤلؤ. (1) راجع ج 1 ص ms7132 21. # (2) راجع ج 15 ص 312. # (3) الدم العبيط: الطري. (1) راجع ج 4 ص 233. # (2) راجع ج 14 ص 118 فما بعد وص 188 فما بعد. # (3) ج 10 ص 42 فما بعد. # (4) راجع ج 13 ص 271. (1) من ع وك وو وى. # (2) هو عنترة العبسي وشد النهار: أي أشده، يعني أعلاه. واللبان: # الصدر، وقيل: وسطه، وقيل: ما بين الثديين، ويروى: " البنان ". والعظلم ~~عصارة شجر أو نبت يصبغ به، أو الوسمة، وهي شجرة ورقها خضاب. (1) راجع ج 5 ص 34 فما بعد. # (2) راجع ج 7 ص 134 فما بعد. (1) في عين النبطية. (1) القيطون: المخدع، أعجمي، وقيل: بلغة أهل مصر والبربر. # (2) من ى. (1) في ع: رأى البرهان برهان. # (2) هذا هو اللائق بالمعصوم دون سواه من المعاني. # (3) الهيمان شداد السراويل. (1) راجع ج 15 ص 218 وج‍ 11 ص 327 (2) راجع ج 20 ص 173 (3) من ع وك و و. (1) من ع. # (2) من جراى: أي من أجلى، وفى نسخة من صحيح مسلم " من جرائي ". (1) من ع، ك. # (2) في ع وك: على. # (3) راجع ج 10 ص 253. # (4) في ع: وعن. # (5) راجع ج 19 ص 245. # (6) من ع. (1) يصف السيوف، وقد تقدم شرح البيت بهامش ص 103 من هذا الجزء. # (2) في ع وك: في. # (3) كذا العبارة في الأصول وفى " البحر المحيط " ولم نقف على مادة (وارط ~~ووالط ولاط) بمعنى (ألفى) في معاجم اللغة. # (4) من الكيد. (1) في ع: الحسن. # (2) من ع. (1) في ع: سمعنا. # (2) من ع وى. # (3) هو بالكسر وقد يفتح. (1) راجع ج 19 ص 287 (2) التلوم: التنظر للأمر تريده. # (3) الكشح: الجنب، ويقال طوى كشحه على كذا إذا أضمره. والمستكنة: الحقد. ~~ويروى: (ولم يتجمجم). (1) راجع ج 7 ص 386. # (2) راجع ج 5 ص 280. # (3) راجع ج 13 ص 207. # (4) راجع ج 18 ص 204. # (5) في ع وك وى: حلم. (1) في ع وك وى: أبو عبيدة. # (2) يعنى أصابع المطببين، يقول: قد حال عن البكاء على الديار هم دخل في ~~الفؤاد، حتى أصابه منه داء. (1) في ى والطبري: أتقتلني. وهو الأشبه. # (2) المهنوءة: المطلية بالقطران، وإذا هنئ البعير بالقطران يجد له ms7133 لذة مع ~~حرقة، كحرقة الهوى مع لذته. # (3) في ع و و: الكبد. وليس بصحيح. (1) كذا في الأصول: ولعل الصواب أبو عبيدة كما يؤخذ من اللسان. # (2) كذا البيت في الأصول. # (3) من ع. # (4) الزماورد: الرقاق الملفوف باللحم وغيره، أو هو شئ يشبه الأترج. # (5) خفض الجارية: ختنها، وكذا الصبي، والعرف أن الخفض للجارية خاصة ~~والختان للصبي. # (6) هو جميل ابن معمر، والقلل جمع قلة، والقلة الحب العظيم. وقيل: الجرة ~~الكبيرة. وقيل: الكوز الصغير. وقيل غير ذلك. (1) من ع. # (2) عيث في السنام بالسكين أثر. (1) في هامش ع: معنى " أكبرنه " أي عظمنه ودهشن من حسنه. # (2) القارة: الجبل الصغير المنقطع عن الجبال، وقيل: الصخرة العظيمة، وقيل ~~غير ذلك. # (3) قال ابن عطية وقوله: " أكبرنه " معناه أعظمنه واستهولن جماله هذا قول ~~المشهور. وقال عبد الصمد بن علي الهاشمي عن أبيه عن جده: معناه حضن وأنشد: # نأتى النساء على أطهارهن ولا نأتى النساء إذا أكبرن إكبارا قال القاضي ~~أبو محمد: وهذا قول ضعيف ومعناه منكور والبيت مصنوع مختلق، لذلك قال الطبري ~~وغيره من المحققين: # ليس عبد الصمد من رواة العلم رحمه الله. من هامش ع. # (4) من ع وك. (1) صدر البيت: ولا أرى فاعلا في الناس يشبهه وهو من قصيدة يمدح بها ~~النعمان ويعتذر إليه. # (2) في ع ك و و: سمع. # (3) كلام منثور. # (4) هو سبرة بن عمرو الأسدي، وقيل: هو للجميح الأسدي، واسمه منقذ بن ~~الطماح. والملحاة: اللوم. وفى ع: # ابن مروان. كذا في إحدى روايتي اللسان: أبى مروان. وفى ك وى: ثروان. # (5) راجع ج 17 ص 272. (1) في ع: أجاز أيضا. # (2) في ع: إن يوسف أحسن صورة من البشر. # (3) راجع ج 20 ص 113. (١) هو رجل من عبد القيس جاهلي، يمدح بعض الملوك، قيل: هو النعمان، وقال ~~ابن السيرافي: هو لأبي وجزة يمدح به عبد الله بن الزبير. وملك - كما قال ~~الكسائي - أصله مألك بتقديم الهمزة، من الألوكة، وهي الرسالة، ثم قلبت وقدمت اللام فقيل: ملاك، ~~ثم تركت همزته لكثرة الاستعمال فقيل: ملك، فلما جمعوه ردوها إليه فقالوا: # ملائكة وملائك أيضا. ms7134 (اللسان). # (2) راجع ج 6 ص 317. # (3) في ه‍ ع: واعلم أنها لما أظهرت عذرها عند النسوة في شدة محبتها له ~~كشفت عن حقيقة الحال فقالت: ولقد راودته عن نفسه فاستعصم. (1) في ع: حجاب (2) راجع ج 20 ص 125. # (3) صدر البيت: وذا النصب المنصوب لا تنسكنه وهو من قصيدة يمدح بها سيدنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. (1) هو زيد بن ضبة. (1) من ع. وفى روح المعاني والفخر الرازي عن مقاتل اثنى عشر سنة. # (2) راجع ج 1 ص 321. # فما بعد. # (3) راجع ج 20 ص 134. # (4) من ع. # (5) راجع ج 12 ص 99. # (6) راجع ج 10 ص 182 فما بعد. (1) في ع وك وى: الفتو شاذة. # (2) مقطعات النيران: هي على نحو قوله تعالى: " قطعت لهم ثياب من نار " أي ~~خيطت وسويت وجعلت لبوسا لهم. # (3) هذا دليل الوضع لأن الذبيح قطعا إسماعيل عليه السلام. # (4) في ع: يحبس. (1) من ع. (1) الزيادة عن صحيح الترمذي، قال شارحه: لما تبعته نظري ظهر إلى أن المخبر ~~بما لم ير عقد من الكلام عقدا باطلا لم يشعر به. أي لم يعلمه، فقيل له: ~~اعقد بين شعيرتين ولا ينعقد له ذلك أبدا، عقوبة لعقده بين كلمات لم يكن ~~منها شئ، لتكون العقوبة من جنس المعصية. (1) من ى. وفى أ وح‍ وك وع: ليستعدا به. # (2) كذا في ع. وفى ا وك وى: نعمه بالتوحيد. (1) راجع ج 13 ص 219. (1) هو لبيد، ومجد: ابنة تيم بن غالب بن فهر، وهي أم كلاب وكليب بنى ربيعة. ~~وفاعل سقى هو المطر. # (2) راجع ج 29 ص 158. # (3) محدث: ملهم، أو يلقى في روعه الشئ، أو يجرى الصواب على لسانه من غير ~~قصد. (القسطلاني). والمحدث: الذي يحدثه الملك أيضا. أي يلقى في نفسه . # (4) من ع وك وو وى. (1) راجع ج 10 ص 42. # (2) ويروى: (يناشد بالمهارق) يقول: إذا نوشد بما في الكتب أجاب، أي إذا ~~سئل أعطى. والمهرق: الصحيفة. (1) من ع. (1) فاستشفعت. # (2) في ع وى: إلا رحمتني. # (3) من ع. # (4) راجع ج 10 ص 28. (1) كذا في ع وك. وهو الذي عليه اللسان. وفى ms7135 ا وى: ابن زيد. # (2) الخطر (بالتحريك): # الرهن والحظ والحديث في شأن مراهنة أبى بكر الصديق رضي الله عنه لقريش ~~على غلبة الروم، وكان المسلمون يحبون غلبة الروم على فارس، لأنهم وإياهم ~~أهل كتاب، وكانت قريش لا تحب ذلك، لأنهم وفارس ليسوا بأهل كتاب ولا إيمان ~~يبعث، وقد جعل أبو بكر الأجل بينه وبينهم ست سنين على رواية، وثلاث سنين ~~على أخرى، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " اذهب فزائد في الخطر ومادد ~~في الأجل " وكان ذلك قبل تحريم الرهان. راجع صحيح الترمذي في تفسير أول ~~سورة الروم. (1) راجع ج 18 ص 208. # (2) راجع ج 1 ص 216. # (3) في ع: اشتقاق البقرة. # (4) في ع و و: سنين رخاء. # (5) صياصي البقر: قرونها. (1) في ع وى: يخبر. # (2) رفيدة: أبو حي من العرب، يقال لهم الرفيدات، كما يقال لآل هبيرة ~~الهبيرات. اللسان. (1) راجع ص 9 من هذا الجزء. # (2) هو عبد الله بن جعفر بن درستويه (بضم الدال والراء) وضبطه ابن مأكولا ~~(بفتحها). (1) في ع: أمه ووامه. ذاهب العقل. والذي في اللسان: أمه الرجل فهو مأموه ~~وهو الذي ليس عقله معه. # (2) العلج: الكافر من العجم. (1) اللغتان " دأبا " بتحريك الهمزة و " دأبا " بسكونها وهي قراءة الجمهور ~~من السبعة كما في تفسير ابن عطية. # (2) هو امرؤ القيس، وتمام البيت: وجارتها أم الرباب بمأسل (3) راجع ج 4 ص ~~22 فما بعد. # (4) كذا في ا وع ك وى. (1) هذا فيه نظر إن كان المراد الغلاء، لما روى عنه عليه الصلاة والسلام " ~~من احتكر حكرة يريد أن يغلى بها على المسلمين فهو خاطئ وقد برئت منه ذمة ~~الله ورسوله " رواه أحمد والحاكم عن أبي هريرة في روايات في النهى عن ~~الاحتكار. # (2) من ع. (1) قاله في رثاء ابن أخته وكان مات عطشا في طريق مكة. # (2) من ع. # (3) راجع ج 19 ص 169. (1) من ع. وفى ا وك وى: للملك. # (2) الزيادة عن صحيح الترمذي. # (3) كذا في ع وك وى. # (4) الحديث في تفسير الطبري يختلف في اللفظ عما هنا. (1) البيضة: الخوذة، والتهجاع: النومة الخفيفة. # (2) في ms7136 ع: بيانة. # (3) في ع: في. (1) من ع. # (2) في ع: خرجت. (1) من ع. # (2) راجع ج 17 ص 110. # (3) راجع ج 5 ص 246 فما بعد وص 12. # (4) في ع وو وى: قال ثانيا. (1) من ع وى. # (2) من ع. # (3) تشخب: تسيل. # (4) في ع وى: يبسه. (1) في ع: فما ترى في هذه الرؤيا. # (2) في ع: العظمى. # (3) كذا في ع وى وك: هو بيت كبير يجمع فيه طعام السلطان. وهي مخازن ~~الحبوب اليوم. وفى ا وح‍ أمرائك. # (4) من ع وى. (1) رداه بسيفه: قلده به. # (2) المرفقة (بالكسر): المتكأ والمخدة (1) من ع، ك، ى. # (2) في ع: أقدمك على صدور قومي. # (3) خفض عيش: في سعة وراحة. (1) من ع. (1) قلصت: انقبضت وانزوت. # (2) من ع. # (3) من ع وى. (1) من ع، ك، ى. # (2) راجع ج 15 ص 212. # (3) الحديث: هو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا على خيبر، ~~فجاءه بتمر جنيب، وهو نوع جيد من أنواع التمر، فقال له رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " كل تمر خيبر هكذا " فقال لا والله يا رسول الله، إنا لنأخذ ~~الصاع من هذا بالصاعين بالثلاثة، فقال: " لا تفعل بع الجمع بالدراهم ثم ~~ابتع بالدراهم جنيبا ". (البخاري). # (4) راجع ج 6 ص 391. (1) من ع. (1) من ع وك وو وى. # (2) الوسق ستون صاعا، والأصل في الوسق الحمل. (1) من ع وك وى. (1) في الأصول: يبعدوا، يعودوا. ولم يظهر وجه لحذف النون. # (2) من ع وك و و. (1) في ع: أجراء أو كانوا. وهو الحق. # (2) في ع وك: بثمن. (1) الحمالة: الكفالة. (1) الخرار: ماء بالمدينة. # (2) برك: قال بارك الله فيه، وهذا القول يبطل تأثير العين وسيأتي معناها. # (3) في ع: مع الناس. # (4) من ع. (1) راجع ج 2 ص 55. # (2) في ع وك وى: هنا. # (3) الضارع: النحيف الضاوى الجسم. (1) من ع. # (2) البيت تقدم في ص 178 من هذا الجزء. برواية: نشرب الإثم. (1) كذا في ا وع وك وى. ولعله الأشبه، وفى و: مالك. # (2) الديسق: خوان من فضه. # والبيت من قصيدة يمدح بها المحلق مطلعها. # أرقت وما هذا السهاد المورق * وما بي من سقم ms7137 وما بي معشق (3) في ع: أبى ~~جعفر. والذي في شواذ ابن خالويه: صواغ سعيد بن جبير. بغين معجمة، وابن ~~عطية. (1) راجع ج 13 ص 93. # (2) هو امرؤ القيس. والفرانق: سبع يصيح بين يدي الأسد كأنه ينذر الناس ~~به، وهو فارسي معرب. والأزور: المائل في شق، أي إن ملكني قيصر فإني أسير ~~سيرا شديدا يميل منه الفرانق من شدته بجانب. # (3) كذا في الأصل ولعله ترثى توبة. وفى صفته بخرق القميص أقوال: الأول - ~~أن ذلك إشارة إلى جذب العفاة له. الثاني - أنه يؤثر بجيذ ثيابه فيكسوها ~~ويكتفى بمعاوزها. الثالث - أنه غليظ المناكب، وإذا كان كذلك أسرع الخرق إلى ~~قميصه. الرابع - أنه كثير الغزوات متصل في الأسفار، فقميصه منخرق لذلك. (1) كذا في " أمالي القالى " والشعر والشعراء " و " الحماسة ". وفى الأصول: ~~يوم الهياج. # (2) من ع. (1) من ع وى. # (2) الحديث: روى سلمة بن الأكوع أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بجنازة ~~فقال: # " هل عليه من دين " قالوا: نعم، قال: " هل ترك شيئا " قالوا: لا، قال: " ~~صلوا على صاحبكم " قال أبو قتادة: # صل عليه يا رسول الله وعلى دينه، فصلى عليه. (1) في ع: تجب. (1) راجع ج 6 ص 162. # (2) في ع: ويقال. (1) في ع: فرق. # (2) في ع: بتفويته. # (3) من ع وى. (1) في ع وى: بأي وجه منعها. # (2) راجع ج 15 ص 212. (١) الجمع: تمر مختلط من أنواع متفرقة، وليس مرغوبا فيه. # (٢) كذا في الأصل وفى " أحكام القرآن لابن ~~العربي " ولعل العبارة كما في ع: حريرة بالمهملة. # (3) راجع ج 7 ص 30 فما بعدها. (1) العرق (بالفتح) هنا القطعة من اللحم المطبوخ. (1) من ع. # (2) هو قطفير. # (3) قد مضى أنهم ليسوا بأنبياء على الصحيح. # (4) من ع. (1) راجع ج 11 ص 113. # (2) هو سحيم بن وثيل اليربوعي يصف قوما أتعبهم السير والسفر فرقدوا على ~~ركابهم واضطربوا عليها، وشد بعضهم على ناقته حذار سقوطه. وقيل: إنما ضربه ~~مثلا لنزول الأمر المهم. # والأرشية الحبال التي يستقى بها، والمواد أنه ثابت الجأش. و (أوصيني ولا ~~توصي) بالياء لأنه يخاطب مؤنثا. (1) في ى: أي من الأرض. ms7138 # (2) نفجت: ثارت بقوة. (1) في ى: غيظه. # (2) في ع وى: لجنبه وفى و: لحينه. (١) هو العباس بن الفضل بن شاذان، كما في " غاية النهاية ". (1) راجع ج 16 ص 122. # (2) راجع ج 3 ص 399. # (3) من ع. # (4) من ك وى. (1) في ى: أنت نبي والله ينطق الجماد لك. # (2) كذا في الأصول. ولعل الواو زائدة فيكون يصرح خير أن. # (3) يقلبها: يردها. (1) من ع. وفى ى: بأيوب، بدل يعقوب. وهو من أغلاط الناسخ. # (2) راجع ج 2 ص 174، 175. # (3) من ع وك وى. (1) في و وى: وا حزناه. (1) راجع ج 18 ص 253. # (2) البيت لأمري القيس و " يمين " بالرفع على الابتداء واضمار الخبر، ~~والتقدير: يمين الله لازمني، وبالنصب على إضمار فعل، وهو كثير في كلام ~~العرب كقولهم: أمانة الله. وقد وصف أنه طوق محبوبته فخوفته الرقباء، وأمرته ~~بالانصراف، فقال لها هذا، وأراد: لا أبرح فحذف " لا ". # والأوصال (جمع وصل) وهي المفاصل. (1) في ع: موجبا. # (2) هو أوس بن حجر التميمي الجاهلي. # (3) الضمير للخيل. (1) الأذواد: جمع ذود، وهو القطيع من الإبل الثلاث إلى التسع. والبكر: ~~الفتى من الإبل، يقول: أرى المرء ذا المال يدركه الهرم والمرض، والفناء بعد ~~ذلك فلا تغنى كثرة ماله، كما أن البكر يدركه ذلك. # (2) أسقيه أدعو له بالسقيا. # (3) من و وى. (1) راجع ج 15 ص 267. (1) من ع. # (2) الزبد، وهوما يلقيه البعير من فمه، وغما: سقط، يقال: غما البعير إذا ~~رماه ينفض رأسه ومشفره. # (3) هجر: مدينة بالبحرين. # (4) راجع ج 12 ص 287. # (5) من ع وى. # (6) كذا في الأصول وفى البحر: قديد وحش. (1) في ى: يا بن حسان. # (2) المعاريض: جمع معراض، من التعريض وهو خلاف التصريح من القول. # (3) الصبرة: الطعام المجتمع كالكومة. # (4) من ع. (1) من ع وو وى. # (2) أي تصديق قول الله، كما في تفسير الفخر وفى ع: قال الرب. # (3) من ع. (1) راجع ج 13 ص 93. (١) كذا في الأصل وأعراب القرآن للنحاس. ~~ويلاحظ أن عين الفعل واو لا ياء، وعليه فالأصل أثور، نقلت حركة الواو إلى ~~ما قبلها فقلبت ألفا، ثم حذفت - عند اتصال الفعل بضمير متحرك - لالتقاء ms7139 ~~الساكنين. (1) هو جرير. # (2) الزيادة عن النحاس. (1) من ى. # (2) في ى: هبت. (1) من و وى. # (2) صفقت الريح الشئ وصفقته إذا قلبته يمينا وشمالا ورددته. # (3) شبه الشاعر النعمان بسيدنا سليمان عليه السلام لعظم ملكه، وقبل ~~البيت: ولا أرى فاعلا في الناس يشبهه * ولا أحاشى من الأقوام من أحد ويروى: ~~فارددها. واحددها: احبسها. والفند أيضا الخطأ في الرأي. والظلم أيضا. # (4) أود: عوج. (1) راجع ج 8 ص 282 فما بعد. (١) حذق الغلام القرآن: مهر فيه. في ع: جواز ~~الفرح بحذاق الصبيان. # (2) من ا، ع، ك، و، ى. # (3) في ع وك: منه. # (4) مظلمة (بكسر اللام) وحكى فتحها. (1) من ا وع وى. (1) راجع ج 7 ص 220. (1) في ا وع وك وى: الرابعة. ويلاحظ أن المسائل ثلاث. # (2) في ع، و، ى: سنة. (1) من ع وك. # (2) شغب: موضع بين المدينة والشام. و (بدا) يروى منونا وغير منون. # (3) راجع ج 16 ص 16. (1) أي منعه يعقوب عليه السلام لأن القادم يسلم، قاله العيني في " عقد ~~الجمان ". وقال الآلوسي: ليعلم أن يعقوب أكرم على الله منه. # (2) من ع. # (3) في ع وك ى: تسعا. والمشهور ما ذكر. (1) قيل: وجه صحة عطفه على النفي من حيث إنه بمعنى النهى. وقال ابن حجر: ~~فيه إيماء إلى أن الأول نهى على بابه، ويكون قد جمع بين لغتي حذف حرف العلة ~~وإثباته. # (2) راجع ج 12 ص 54. (1) راجع ج 2 ص 86 فما بعد. # (2) راجع ج 60 ص 130 فما بعد. (١) قال الراغب في مفردات القرآن: الحرص فرط ~~الشره وفرط الإرادة. (1) راجع ج 4 ص 228 فما بعد. # (2) راجع ج 2 ص 192 فما بعد. # (3) راجع ج 16 ص 123. (1) راجع ج 8 ص 325 وص 317. # (2) راجع ج 15 ص 373 وص 38. # (3) راجع ج 16 ص 132. # (4) من ع، وفى ع: أصابهم. # (5) مجللة: عامة التغطية. # (6) راجع ج 13 ص. (1) وقراءة نافع والجمهور: يوحى. بالبناء للمجهول. # (2) راجع ج 6 ص 393. # (3) راجع ج 4 ص 82 فما بعد. وج‍ 6 ص 251. # (4) راجع ج 19 ص 8 فما بعد. (1) وفى ms7140 رواية: " فإنك لو حللت ديار عبس " في ع وك وى: عرفت الدار. # (2) راجع ص 241 من هذا الجزء. # (3) من ع وح‍ الجمل عن القرطبي. وفى ا وح‍ وك ى: بالعقاب. (1) من ع. وهو الصواب، وفى غيرها البشر. # (2) راجع ج 3 ص 33 فما بعد، وص 273. # (3) الزيادة من صحيح البخاري. (1) من ع. # (2) قراءة نافع وكذا باقي السبعة بنونين ما عدا عاصما كما يأتي. # (3) يعنى في الرسم. # (4) من ع وك. (1) الزيادة من تفسير البحر. # (2) راجع ج 2 ص 162 فما بعد. # (3) القرم (بفتح القاف): السيد، والكتيبة: الجيش، المزدحم: محل الازدحام. (1) ويروى: وخبر الجن. وخيس: ذلل، وتدمر: بلد بالشام بناها سيدنا سليمان ~~عليه السلام. والصفاح حجارة عراض رقاق. وعمد: جمع عمود. # (2) راجع ج 7 ص 219. (1) قبل البيت: # وعرفت أن منيتي إن تأتني * لا ينجني منها الفرار الأسرع (2) أبو قبيس: ~~جبل مشرف على مسجد مكة. (1) راجع ج 10 ص 159 فما بعد. (1) التمر الفارسي: نوع جيد نسبة إلى فارس. # (2) الدقل: ردئ التمر. (1) في ح‍ الجمل عن القرطبي: العجب تغير النفس بما تخفى أسبابه وذلك في حق ~~الله تعالى محال. # (2) راجع ج 15 ص 332. # (3) راجع ج 7 ص 398. (1) من ا. # (2) راجع ج 7 ص 1 فما بعد. (1) في الطبعة الأولى: قاله ابن عباس قال ابن القصار. وليست عبارة الأصول ~~كذلك لهذا حذفناها. (1) من ا. وفى و: ابن المبارك. (1) جعد قطط، شديد الجعودة. # (2) سرر الصبي: ما تقطعه القابلة. # (3) قال محققه: ورد في الحديث أقل الحيض وأكثره، روى الطبراني عن أبي ~~أمامة عنه صلى الله عليه وسلم " أقل الحيض ثلاث وأكثره عشرة " ورواه بن ~~الربيع بن حبيب في مسنده عن أنس. (1) أنفاق (جمع نفق): وهو سرب في الأرض إلى موضع آخر، واستعاره امرؤ القيس ~~لحجرة الفئرة والودق: المطر. وغيث مجلب: مصوت، ويروى محلب (بالحاء). # (2) من ا وح‍ و و (3) هو الأخنس ابن شهاب التغلبي ويريد أن الناس أقاموا ~~في موضع واحد لا يجترئون على النقلة، وحبسوا فحلهم عن أن يتقدم فتبعه إبلهم ~~خوفا أن يغار عليها، ونحن ms7141 أعزاء خلعنا قيد فحلنا ليذهب حيث شاء. # (4) هو قيس بن الحطيم، وتمام البيت: وتقرب الأحلام غير قريب. (1) قال الزمخشري: جمع معقب أو معقبة بتشديد القاف فيهما، والياء عوض من ~~حذف إحدى القافين في التكسير. وقال ابن جنى: إنه تكسير معقب كمطعم ومطاعيم، ~~كأنه جمع على معاقبة، ثم حذفت الهاء من الجمع وعوضت الياء عنها، قال ~~الآلوسي: ولعله الأظهر. " روح المعاني " (2) راجع ج 13 ص 160. # (3) الحديث في الدعاء وهو بتمامه في " صحيح مسلم " معقبات لا يخيب قائلهن ~~دبر كل صلاة مكتوبة ثلاث وثلاثون تسبيحة وثلاث وثلاثون تحميدة وأربع ~~وثلاثون تكبيرة ". سميت معقبات لأنها عادت مرة بعد مرة، أو لأنها تقال عقب ~~كل صلات. # (4) من ا وح‍ و و. # (5) مراد (بالضم وآخره دال مهملة): قبيلة من قبائل العرب سميت باسم ~~أبيها. (1) راجع ج 20 ص 209. # (2) راجع ج 10 ص 323. (1) الحديث في ابن عطية: " يتعاقب فيكم ملائكة " والبحث في رواية القرطبي ~~سندا ومتنا في العسقلاني ج 2 ص 28. # (2) الزيادة من تفسير الطبري. (1) راجع ج 17 ص 11. # (2) الزيادة من تفسير الطبري وغيره. # (3) المراد بالخبث الفسق والفجور. (1) راجع ج 1 ص 216 فما بعد. # (2) راجع ج 5 ص 372. (1) أصحر الرجل: إذا خرج إلى الصحراء. # (2) أذراه: قلعه ورمى به. # (3) كبد: شدة وعناء. # (4) النجد: السريع الإجابة. (1) قرن أعضب: مكسور. # (2) في العبارة سقط والذي في تفسير البغوي: عن ابن عباس: # من سمع صوت الرعد فقال. الحديث ثم قال: فإن أصابته صاعقة فعلى ديته. ~~محققه. # (3) البرد (بالتحريك): حب الغمام. # (4) راجع ج 1 ص 216 فما بعد. (1) أي والياء في ذوات الياء كالمعير والمزيل. كما في اللسان. # (2) أي الأزهري كما في اللسان مادة " محل ". (1) هو ذو الرمة، والبيت من قصيدة يمدح بها بلال بن أبي بردة بن أبي موسى. ~~واللبس: الاختلاط. والشغازب، قال الأصمعي: الشغزبية ضرب من الحيلة في ~~الصراع، وهو أن يدخل الرجل بين رجلي صاحبه فيصرعه، والمعنى: # فكل رجل من القوم أعد له حجة وكيدا. # (2) الحلال (بالكسر): القوم المقيمون المتجاورون، يريد بهم سكان الحرم. ~~ويروى: غدوا: الغدو أصل ms7142 الغدو وهو اليوم الذي يأتي بعد يومك فحذفت لامه. ~~اللسان. ويروى: أبدأ محالك. البحر. # (3) راجع ج 10 ص 291. (1) راجع ج 7 ص 203. (1) راجع ج 10 ص 266 وص 111. (1) من ا وو وح‍. # (2) راجع ج 15 ص 358. (1) في زوى: ينضب. بالمعجمة. (1) هو: أبو معشر عبد الكريم بن عبد الصمد الطبري، نزيل مكة المكرمة، ~~المتوفى بها سنة 478 وكتابه " سوق العروس " في علم القراءات. (كشف الظنون). # (2) هو كعب بن سعد الغنوي يرثي أخاه أبا المغوار، وصدر البيت: وداع دعا ~~يامن يجيب إلى الندى. (1) راجع ج 4 ص 21 فما بعد. # (2) السبخي: (بفتحتين) نسبة إلى السبخة موضع بالبصرة. # (3) من ى. (1) في و: ببيعته. # (2) الزيادة من كتب الحديث. (1) راجع ج 1 ص 179. (1) راجع ص 110 من هذا الجزء. # (2) في ى: خير. # (3) الحبرة (بكسر الحاء المهملة وفتحها): ضروب من البرود اليمنية المخطط. # (4) راجع ج 10 ص 395 فما بعد. (1) فرضة الشعب: فوهته. والشعب: ما انفرج بين جبلين. والشهداء كانوا بجبل ~~أحد. # (2) في الأصل: " أنه قال ". (1) راجع ج 18 ص 170. # (2) السكرجة: إناء صغير يؤكل فيه الشئ القليل من الأدم، وهي فارسية. (1) راجع ج 10 ص 342. # (2) راجع ج 13 ص 64. (1) هو قصي بن كلاب. # (2) راجع ج 7 ص 66. (1) ذكر في " لسان العرب " أن قائل البيت هو سحيم بن وثيل اليربوعي،: وذكر ~~بعض العلماء أنه قال لولده جابر ابن سحيم بدليل قوله فيه: " أنى ابن فارس ~~زهدم " وزهدم: فرس سحيم. وقوله: ييسرونني من إيسار الجزور، أي يجتزرونني ~~ويقتسمونني، وذكر ذلك لأنه كان قد وقع عليه سباء فضربوا عليه بالميسر ~~يتحاسبون على قسمة فدائه. # (2) راجع ج 3 ص 53. # (3) من البحر لأبي حيان، وكتاب الرد. (1) هو الأقيشر الأسدي، واسمه المغيرة بن عبد الله. والتلاد: المال القديم ~~الموروث. والنشب: الضياع والبساتين وما جدده بعمله. والقوافيز (جمع قافوزة) ~~وهي أوان يشرب بها الخمر. (1) راجع ج 1 ص 207 فما بعد. # (2) راجع ج 4 ص 286 فما بعد. (1) كذا في الأصول. ويبدو أن في العبارة نقصا، ولعل الرابع ما في البحر: ~~وقيل.. أم ms7143 متصلة والتقدير أم تنبؤنه بظاهر من القول لا حقيقة له. # (2) راجع ج 8 ص 25. # (3) راجع ج 16 ص 283. # (4) راجع ص 223 من هذا الجزء. (1) راجع ج 16 ص 192. # (2) راجع ج 10 ص 119. (1) راجع ج 16 ص 8. # (2) في ى: ليس كهو سئ. (١) راجع ج ١٠ ص ٣٤٢. # (٢) راجع ج ١١ ص ٢٨٧. # (٣) في ح‍ وا وى: أبو خليد: وهو عتبة بن حماد الحكمي وروى عن نافع. غاية ~~النهاية. (1) راجع ج 4 ص 72 فما بعد. # (2) روى ابن الجوزي في العلل " ومن تزوج فقد أحرز نصف دينه فليتق الله في ~~النصف الباقي " وراجع الحديث بطرقه في ج 2 كشف الخفا ص 239 ففيه بحث. (1) من ى. # (2) راجع ج 4 ص 72، وج‍ 6 ص 260 فما بعد. # (3) من ع. (1) راجع ج 7 ص 11. # (2) راجع ج 14 ص 185. # (3) راجع ص 362 من هذا الجزء. # (4) في ا و و: إلا ستا. (١) الأثر: الأجل. سمى به لأنه يتبع العمر. وأصله من أثر مشيه في الأرض فإن ~~مات لا يبقى له أثر ولا يرى لأقدامه في الأرض أثر النهاية. # (2) راجع ج 6 ص 387. (1) راجع ج 7 ص 201. # (2) الزيادة من " البحر المحيط ". # (3) راجع ج 13 ص 77. (1) راجع ج 10 ص 227. # (2) راجع ج 15 ص 265 وص 22. # (3) راجع ج 12 ص 120 فما بعد. # (4) من ى. (1) راجع ج 11 ص 349. (1) الحش: موضع قضاء الحاجة. # (2) من ى. # (3) راجع ج 2 ص 434 فما بعد. (1) من ى. # (2) في ى: ولعله تحريف عن حصين. (1) قيل: السورة مدنية إلا " ولو أن قرآنا " الآيتين. قاله قتادة. وفيها ~~مدني كثير كقصة بن الطفيل وأربد. ابن عطية. # (2) في كشف الخفا بحث، قيم في هذا الحديث ج 1 ص 203 فما بعد. وجزم ابن ~~تيمية بأنه من وضع الشيعة. (1) في و وى. (1) راجع ج 2 ص 7 فما بعد. (1) راجع ج 4 ص 154. # (2) راجع ج 14 ص 300. (1) راجع ج 13 ص 252. # (2) الآيات التسع هي: الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والعصا ويده ~~والسنين ونقص من الثمرات. # (3) راجع ج ms7144 15 ص 151. # (4) البيت من معلقته وتمامه: # عصينا الملك فيها أن ندينا وقد يكون تسميتها غرا لعلوهم على الملك ~~وامتناعهم منه، فأيامهم غر لهم، وطوال على أعدائهم، وعليه فلا دليل في ~~البيت على أن الأيام بمعنى النعم. وأيام بالجر عطف على (بأنا) في البيت ~~قبله، ويجوز أن تجعل الواو بدلا من رب. (1) في ا و و: النقمة والمحنة. # (2) راجع ج 19 ص 207. (1) راجع ج 1 ص 331. # (2) راجع ج 2 ص 171 فما بعد. (1) القائل هو: قيس بن زهير، وتمام البيت: بما لاقت لبون بنى زياد * وبعده: # ومحبسها على القرشي تشرى * بأدرع وأسياف حداد وبنو زياد: الربيع بن زياد ~~وإخوته، أخذ لقيس درعا فاستاق قيس إبل الربيع لمكة وباعها لعبد الله بن ~~جدعان - وهو مراده بالقرشي - بدروع وسيوف. (1) من ى، وهي رواية ابن عباس. وفى ا وح‍ و و: عضا. # (2) راجع ج 4 ص 182. # (3) من ى. # (4) التخدد: أن يضطرب اللحم من الهزال. (1) أزمة: عضا، والوظيف لكل ذي أربع: ما فوق الرسغ إلى مفصل الساق. (1) راجع ج 10 ص 301. # (2) راجع ج 7 ص 350. # (3) راجع ص 322 من هذا الجزء. (1) راجع ج 2 ص 26 فما بعد. # (2) راجع ج 7 ص 398. # (3) راجع ج 13 ص. 341 (4) راجع ج 7 ص 240. (1) من و. # (2) ويروى: مهرب. # (3) راجع ج 2 ص 29. # (4) كذا في ديوانه واللسان، وفى الأصل: " إن بلغت منيتي ". (1) راجع ج 11 ص 34. # (2) راجع ج 16 ص 237. # (3) راجع ج 10 ص 39. # (4) راجع ج 1 ص 455. # (5) راجع ج 12 ص 27. # (6) كذا في الأصل، ولعله " لا يجيزه ولا يمر به ". (1) راجع ج 15 ص 242. # (2) تلسبه: تلدغه، وتسفعه تسود وجهه. # (3) راجع ج 11 ص 225. # (4) راجع ج 14 ص. # (5) راجع ج 8 ص 298 فما بعد. (1) من ا وز وو وى والبحر. # (2) هذه القراءة بإضافة يوم إلى عاصف، ومن قرأ بها أقام الصفة مقام ~~الموصوف، أي في يوم ريح عاصف. وقراءة نافع وابن جعفر: الرياح. على الجميع. (١) قال في المصباح: امرأة برزه عفيفة ~~تبرز للرجال وتتحدث معهم وهي المرأة ms7145 التي أسنت وخرجت عن حد المحجوبات. ~~وامرأة برزة بارزة المحاسن. قال الراغب: لأن رفعتها بالعفة لا إن اللفظة ~~اقتضت ذلك. # (2) بقر: شق ووسع (1) راجع ج 11 ص 105. # (2) كذا في الأصول. (1) الظنابيب (جمع) ظنبوب، وهو حرف الساق اليابس من قدم. وقرع الظنبوب أن ~~يقرع الرجل ظنبوب البعير لينوخ له فيركبه، والمراد هنا سرعة الإجابة. # (2) أي من الفراء (1) كذا في ع، وفى ا وج‍ و و: ابن بجر. # (2) راجع ج 18 ص 212. # (3) راجع ج 8 ص 241 وص 313. # (4) أي ما دلت عليه محقق الحصول من الله. (1) القناع: الطبق من عسب النخل يوضع فيه الطعام والفاكهة. # (2) أي قال الترمذي: والحديث الموقوف أصح. (1) أي يجب أن يرحل إليها لروايتها. # (2) السكة: الطريقة المصطفة من النخل، والمهرة المأمورة الكثيرة النسل ~~والنتاج، أراد خير المال نتاج أو زرع. # (3) راجع ج 10 ص 15. # (4) من ى. # (5) البيت في وصف حيه، و " تناذرها الراقون " أي أنذر بعضهم بعضا ألا ~~يتعرضوا لها. ومعنى: " تطلقه حينا وحينا تراجع " أنها تخفى الأوجاع عن ~~السليم تارة، وتارة تشتد عليه. ويروى: " من سوء سمعها " أي لا تجيب الراقي ~~لا أنها صماء، لقولهم: أسمع من حية. (1) الزهو: البسر الملون. # (2) راجع ج 19 ص 119. # (3) راجع ج 11 ص 350. # (4) صرام النخلة: حين يقطع ثمرها. # (5) راجع ج 1 ص 321 فما بعد. (1) تمامه: # ولا نسيم ولا ظل ولا تمر يريد أنهم لا حسب لهم ولا نسب. رواية اللسان ~~والتاج: هو الكشوث. # (2) هو لقيط بن معمر الأيادي، والبيت من قصيدة بعث بها إلى قومه يحذرهم ~~كسرى وجيشه، فلم يلتفتوا إلى قوله، فظفر بهم كسرى وهزمهم. (1) أي قول البراء. # (2) في ى: قال البراء. # (3) في التهذيب غير هذا فليراجع. # (4) في الأصول " عثمان " ومثله في كتاب " التذكرة " للمؤلف. والذي في " ~~تهذيب التهذيب " أنه كان يبغض عليا. (1) قيل في معنى " ولا تليت ": ولا تلوت، أي لا قرأت، من تلا يتلوا، وقالوا ~~تليت بالياء ليعاقب بها الياء في دريت. # (2) المقامع: سياط من حديد رؤوسها معوجة. (1) راجع ج 1 ص 230 فما بعدها. # (2) راجع ج 12 ms7146 ص 16، وج‍ 56، وج‍ 15 ص 237. (1) راجع ج 3 ص 332 فما بعد وص 266 فما بعد. # (2) قاله امرء القيس، وصدر البيت: # صرفت الهوى عنهن من خشية الردى. (1) راجع ج 2 ص 194. # (2) راجع ج 13 ص 108. # (3) راجع ج 10 ص 160. # (4) من ا وج‍ وو وى. (1) راجع ج 2 ص 117 فما بعد. # (2) ف ى: لا تعقل. # (3) المنطق: النطاق وهو أن تلبس المرأة ثوبها ثم تشد وسطها بشئ، وترفع ~~وسط ثوبها وترسله على الأسفل عند معاناة الأشغال لئلا تعثر في ذيلها (١) في ى و و: أنيس. # (٢) يتلبط: يتمرغ. # (٣) غواث: (بالفتح) كالغياث (بالكسر) من الإغاثة وهي الإعانة. # (4) " وتقول بيدها هكذا ": هو حكاية فعلها وهو من إطلاق القول على الفعل. ~~(قسطلاني). (1) جمع عكنة: وهي ما انطوى وتثنى من لحم البطن سمنا. # (2) سخفة الجوع: رقته وهزاله. # (3) هزمة جبريل: أي ضربها برجله فنبع الماء. # (4) العصر: المنع والحبس. # (5) تضلع: أكثر من الشرب حتى تمدد جنبه وأضلاعه. (1) راجع ج 2 ص 120 فما بعد. # (2) راجع ج 6 ص 325. # (3) من ى. (1) من ى. هو موسى بن عبد الله الجهني الكوفي. # (2) في ى: حفظ فيهما حديثان. (1) قال الآلوسي: مضارع هوى بمعنى أحب عدى بإلى. # (2) أي كأنه أبصر ورأى شيئا لم يعهده. (1) في و: عنهما. # (2) العائف هنا هو الذي يتردد على الماء ولا يمضى. # (3) الجري: الرسول. # (4) ألفى أي وجد ذلك الحي الجرهمي أم إسماعيل، أو ألفى استئذان جرهم ~~بالنزول أم إسماعيل والحال أنها تحب الأنس، ففاعل ألفى (ذلك) و (ذلك) إشارة ~~إلى الاستئذان. (1) راجع ج 15 ص 326. # (2) راجع ج 2 ص 309 فما بعد. (1) راجع ج 17 ص 130. # (2) الإقناع في الصلاة أن يرفع المصلى رأسه حتى يكون أعلى من ظهره. (1) أنغض رأسه: حركه. # (2) العضاة: كل شجر يعظم وله شوك. والحدأ (بفتح الحاء) وقيل (بكسرها) جمع ~~حدأة، وهي الفأس ذات الرأسين، والوقيع: المحدد. شبه الشاعر أسنان الإبل ~~بالفؤس في الحدة. # (3) أي على الرأس من المرأة. # (4) في و: محترقة. # (5) المجوف والمجوف: الجبان الذي لا قلب له. والنخب: من النخب بمعنى ~~النزع. يقال: ms7147 رجل نخب أي جبان، كأنه منتزع الفؤاد. (1) " فوق صعل " شبه الناقة في سرعتها بالظليم وهو ذكر النعام، فكأن رحلها ~~فوقه. والصعل: الصغير الرأس، وبذلك يوصف الظليم والجؤجؤ الصدر. # (2) راجع ج 13 ص 254. # (3) راجع ج 10 ص 105. # (4) راجع ج 15 ص 296. (1) راجع ج 14 ص 95 وص 351. # (2) راجع ج 12 ص 153. # (3) راجع ج 19 ص 164. (1) راجع ج 8 ص 382. # (2) راجع ج 11 ص 275. # (3) راجع ج 16 ص 119 وص 208. # (4) هذا السند في كل الأصول ولم نقف عليه رغم البحث. استعجلت: غلطت. (1) تعقب هذه القصة ابن عطية في تفسيره بعد أن حكاها عن الطبري بقوله: " ~~وذلك عندي لا يصح عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وفى هذه القصة ضعف من ~~طريق المعنى، وذلك إنه من غير الممكن أن تصعد الأنسر كما وصف، وبعيد أن ~~يغرر أحد بنفسه في مثل هذا ". # (2) عبارة الثعلبي في " قصص الأنبياء ": (كفيت شغل إله السماء). (1) راجع ج 18 ص 306. # (2) يصف الشاعر هاجرة قد ألجأت الثيران إلى كنسها، فترى الثور مدخلا رأسه ~~في ظل كناسه لما يجده من الحرارة، وسائره بارز للشمس. (1) أديم عكاظي: منسوب إلى عكاظ، وهو مما حمل إليها فبيع فيها. وعكاظ: اسم ~~سوق من أسواق الجاهلية مشهورة كانت بقرب مكة. والأمت: المكان المرتفع ~~والتلال الصغار والانخفاض والارتفاع. # (2) عبارة الأصل هنا ناقصة ومحرفة، والزيادة والتصويب من تفسير الطبري ~~وكتاب " التذكرة " للمؤلف. # (3) راجع ج 18 ص 284. # (4) راجع ج 17 ص 173. # (5) الجسر: الصراط. (1) النقي: الدقيق الحوارى. والحواري: ما حور أي بيض. والعلم الأثر (2) ~~راجع ج 11 ص 272. # (3) معنى أبيت اللعن: أي أبيت أن تأتى شيئا تلعن عليه، وصدر البيت: # هذا الثناء فإن تسمع لقائله (4) الذرا (بالفتح): الدار ونواحيها، وكل ما ~~استترت به، تقول: أنا في ذرا فلان أي في كنفه وستره. (1) راجع ج 25 ص 72. # (2) تهنأ به: ترهن. # (3) نتح العرق خرج من الجلد. # (4) " قطر " ضبطه في " روح المعاني " بفتح القاف وكسر الطاء وتنوين ~~الراء، ومثله في " البحر المحيط "، وضبط بفتح القاف وكسرها مع سكون الطاء، ~~ففيه ثلاث ms7148 لغات. # (5) راجع ج 11 ص 62. # (6) راجع ج 17 ص 175. (1) راجع ج 8 ص 304. # (2) لبيت لعدى بن الرعلاء الغساني. وبصرى: بلدة قرب الشام، هي كرسي ~~حوران، كان يقوم فيها سوق للجاهلية. قال صاحب خزانة الأدب: "... وإنما صح ~~إضافة بين إلى بصرى لاشتمالها على متعدد من الأمكنة، أي بين أماكن بصرى ~~ونواحيها. وروى الشريف الحسيني في حماسته: " دون بصرى " ودون هنا بمعنى قبل ~~أو بمعنى خلف. وقال العيني: بمعنى عند ". راجع الخزانة في الشاهد التاسع ~~والتسعين بعد السبعمائة. # (3) قال ابن هشام في المغنى: " وفى رب ست عشرة لغة: ضم الراء وفتحها، ~~وكلاهما مع التشديد والتخفيف. # والأوجه الأربعة مع تاء التأنيث، ساكنة أو محركة، مع التجريد منها، فهذه ~~اثنتا عشرة. والضم والفتح مع إسكان الياء وضم الحرفين مع التشديد ومع ~~التخفيف ". (1) أي لا تغنى، يقال: ما يجدى عنك هذا، أي ما يغنى. وفى بعض نسخ الأصل: لا ~~تجزى، بالزاي، وهي بمعنى لا تغنى. (1) في ى: يروى. # (2) راجع ج 7 ص 201. (١) البيت لجرير يهجو الفرزدق. والعقر: ضرب قوائم الناقة بالسيف. والنيب ~~(بكسر النون): جمع ناب، وهي الناقة المسنة. وضوطرى: هو الرجل الضخم اللئيم ~~الذي لا غناه عنده، وهي كلمة ذم وسب. والكمى: الشجاع المتكمى في سلاحه، ~~لأنه كمي نفسه أي شدها بالدرع والبيضة. والمقنع: الذي على رأسه البيضة والمغفر. # (2) راجع ج 20 ص 133. (1) راجع ج 6 ص 188 (2) في ى: الصالحة. # (3) في و: أبى بكر. # (4) من ى. (1) راجع ج 6 ص 242. # (2) راجع ج 7 ص 9. (1) هذا عجز البيت، كما في السان وشعراء النصرانية: # * وكنت خصمك لم أعرد * (2) في الأصول: " وقرأ ". (1) في اللسان مادة سكر: " جذلت " بالجيم والذال المفتوحتين، ومعنى " جذل " ~~انتصب وثبت لا يبرح. وليلة طلق: مشرق لا برد فيها ولا حر، ولا مطر ولا قر. # (2) عبارة أبن الأعرابي كما في نسخ الأصل: # (سكرت مئلت، وسكرت ملكت) ولم نر ما يؤيد هذا، ولعله تكرير من النساخ مع ~~تحريف. (1) السمادير: ضعف البصر. وقيل: هو الذي يتراءى للانسان من ضعف بصره عند ~~السكر من الشراب. ms7149 # (2) سكونها بعد الهبوب. # (3) راجع ج 5 ص 284. (1) وهي - حسب ترتيبها التصاعدي -: القمر، عطارد: الزهرة، الشمس، المريخ، ~~المشترى، زحل. # (2) راجع ج 18 ص 210. # (3) راجع ج 9 ص 91. # (4) راجع ج 15 ص 64، ج 19 ص 10 (5) راجع ج 13 ص (1) الخيل (بسكون الياء): فساد الأعضاء. # (2) راجع ج 13 ص 156. # (3) أي إثر الشيطان، ومسوم: معلم. ومنقضب: منقض من مكانه. # (4) راجع ج 14 ص 295. (1) راجع ج 19 ص 10، وص 201. (1) راجع ج 71 ص 52. # (2) راجع ج 9 ص 280. # (3) راجع ج 4 ص 69. # (4) الرقاق الأرغفة الرقيقة الواسعة والخردل المضروب بالزبيب يؤتدم به. # (5) راجع ج 7 ص 167. # (6) راجع ج 01 ص، 252. (1) راجع ج 12 ص 291. # (2) راجع ج 1 ص 300 (3) راجع ج 5 ص 3 فما بعد. # (4) راجع ج 16 ص 27. (1) راجع ج 15 ص 234. # (2) راجع ج 17 ص 260. # (3) السبب: الأرض المستوية البعيدة. # (4) مرت الريح السحاب: إذ أنزلت منه. # (5) راجع ج 7 ص 228. (1) قم البيت: كنسه. (1) كذا في الأصول واللسان. وفى ى: منيتي. # (2) الهوامل: الإبل المهملة. والتأنان: الأنين. # والناب: الناقة المسنة. والحائل: التي لم تحبل. # (3) راجع ج 1 ص 417. # (4) راجع ج 13 ص 39 فما بعده. # (5) راجع ج 11 ص 109. (1) في ى: الصحيح. (1) أي إلا أن يقترعوا. # (2) راجع ج 15 ص 137 فما بعد. (1) راجع ج 1 ص 287، وص 279. # (2) هذا عجز البيت. وتمامه كما في اللسان: # عنتريس تعدو إذا مسها الصوت * كعدو المسلسل الجوال (1) راجع ج 3 ص 288 (2) راجع ج 16 ص 236 (3) في السان: الخضراء. # (4) الزيادة عن السان. # (5) في نهاية ابن الأثير: " ابن عمر ". # (6) السنة: الصورة. والمقرفة: التي دنت من الهجينة. والندب: الأثر من ~~الجراح والقراخ. وقوله: # غير مقرنة، أي غير هجينة، عفيفة كريمة. خال: شامة، وندب: أثر الجرح. (1) أي لا يملك نفسه ويحبسها عن الشهوات. وقيل: لا يملك دفع الوسواس عنه. # (2) الهدة: صوت وقع الحائط ونحوه، والهدة: صوت ما يقع من السحاب. (1) من ى (2) راجع ج 1 ص 261، وص 291 قما بعد. # (3) راجع ج 6 ص 22 (1) راجع ج 7 ص 169. # (2) راجع ج 1 ms7150 ص 294. # (3) في ى: جميع. (1) راجع ج 17 ص 206. # (2) راجع ص 419 من هذا الجزء. # (3) لم يذكر المؤلف رحمة الله عليه قول النابغة، أو لعله سقط من الناسخ. ~~وكأنه يشير إلى قوله: # حلقت يمينا غير ذي مثنوية * ولا علم إلا حسن ظن بصاحب وهذا البيت أورده ~~سيبويه في كتابه شاهدا على نصب ما بعد إلا على الاستثناء المنقطع، لان حسن ~~الظن ليس من العلم. # والمثنوية: الاستثناء في اليمين. والمعنى: حلفت غير مستثن في يميني حسن ~~ظن منى بثا حبى قام عندي مقام العلم الذي بوجب اليمين. (راجع كتاب سيبويه). # (4) راجع ج 7 ص 170 (5) راجع ج 15 ص 228 (1) راجع ج 17 ص 164. # (2) راجع ج 7 ص 174 و 195. (1) راجع ج 20 ص 50. (1) راجع ج 1 ص 11 وص 321 وج‍ 4 ص 24. # (2) راجع ج 4 ص 243. # (3) في ى: العفو (4) راجع ص 175 من هذا الجزء. (1) راجع ج 4 ص 424. # (2) راجع ج 15 ص 318. # (3) راجع ج 6 ص 368. # (4) في كتاب الدر المنقور للسيوطي: " قال كعب رضي الله عنه: للشهيد نور، ~~ولمن قاتل الحرورية عشرة أنوار. وكان يقول: لجهنم سبعة أبواب: باب منها ~~للحرورية. قال: " ولقد خرجوا في زمان داود عليه السلام ". (1) في ى: الوثنية. # (2) الوجبة: صوت الشئ يسقط فيسمع له كالهدة. (1) راجع ج 19 ص 123، 139 - 140 - 262. # (2) راجع ج 7 ص 274. (1) البيت للنمر بن أبيات في أم أولاده. وكان من حديثها أن أخاه الحارث بن ~~تولب سيد قومه أغار غلى بنى أسد فسبى منهم يقال لها: " حمزة بنت نوفل " ~~فوهبها لأخيه النمر ففركته فحبستها حتى استقرت وولدت له أولادا، ثم قالت له ~~في بعض أيامها: إني قد اشتقت إلى أهلي، فقال لها: إني أخاف أن صرت إلى أهلك ~~أن تغلبيني على نفسك فواثقته لترجعن إليه، ثم خانت عهده. (راجع الأغاني ج ~~19 ص 158 طبع بولاق). وفى التاج: # جمرة. بجيم. فركته: أبغضته. # (2) راجع ج 4 ص 255 (3) صنعاء: موضعان، أحدهما باليمين وهي العظمى، وأخرى ~~قرية بالغوطة. والجابية: قرية من أعمال دمشق. ms7151 وعدن: مدينة مشهورة على ساحل ~~بحر الهند من ناحية اليمن. وأيلة: مدينة على ساحل البحر الأحمر. (عن معجم ~~البلدان). (1) راجع ج 9 ص 324. # (2) راجع ج 15 ص 218. # (3) راجع ج 1 ص 139. (1) راجع ج 9 ص 62، ص 64 فما بعد، ص 75 3. # (2) ضاف السهم: عدل عن الهدف أو الرمية. # (3) في ى: حكيم. # (4) راجع ج 7 ص 28. (1) راجع ج 7 ص 243. # (2) راجع ج 9 ص 62. # (3) القائل هو الحارث بن حلزة. والكسع: ضرب ضرع الناقة بالماء البارد ~~ليجف لبنها ويتراد في ظهرها فيكون أقوى لها على الجدب في العام القابل. ~~والشول: جمع شائلة وهي من الإبل التي أتى عليها من حملها أو وضعها شبعة ~~أشهر فخف لبنها. والأغبار: جمع الغبر، وهي بقية اللبن في الضرع. # (4) راجع ج 13 ص 219. (1) راجع ج 9 ص 79. (1) راجع ج 6 ص 427 (2) راجع ج 9 ص 41 وص 77 فما بعد. # (3) راجع ج 7 ص 245 (1) أراد بالأقارع بنى عوف، وكانوا قد وشوا به إلى النعمان. # (2) البيت لطرفه بن العبد. والطول: الحبل. وثنياه: ما ثنى منه. # (3) راجع ج 7 ص 269 وما بعدها. # (4) راجع ج 20 ص 110 وص 72 وص 59. # (5) راجع ج 17 ص 58 وص 81. (1) تأمل هذا مع قوله عليه الصلاة والسلام " من كان حالفا فليحلف بالله أو ~~ليصمت ". # (2) راجع ج 9 ص 81. (1) هو طريف بن تمم العنبري (عن شواهد سيبويه) (1) في ى: تاجرا. # (2) من ى. (1) راجع ج 7 ص 247. # (2) راجع ج 13 ص 58. # (3) راجع ج 20 ص 42. (1) أس زجر صلى الله عليه وسلم ناقته. (1) الناضج: البعير يستقى عليه. # (2) الرواية المشهورة: " وما حب الديار ". والبيتان لمجنون ليلى. # (راجع خزانة الأدب في الشاهد التسعين بعد المأتين). (1) في الموطأ: " لأنها يستتر بها للبول والغائط، فلا تكاد تسلم مباركها من ~~النجاسة ". # (2) أي ناقة واحدة. (1) في و وى. # (2) راجع ج 16 ص 261. (1) راجع ج 8 ص 255. (1) راجع ج 8 ص 254 فأبعد. # (2) أراد ثامن المسائل التي استنبطها الفقهاء. والحائط الحديقة. (1) راجع ج 11 ص 12. # (2) وبالفتح وبه قرأ الحسن وذكر ms7152 في المثلثات أن المتواتر هو الصحيح. # (3) راجع ج 15 ص 96. (4 راجع ج 9 ص 61 وج‍ 7 ص 242. (١) راجع ج ١٧ ص ١٠٥. # (٢) راجع ج ١٩ ص ٤٤. # (٣) راجع ج ٥ ص ٣١٠. # (٤) كذا في الأصول وتفسير الطبري. وفى الكتاب الجامع الصغير: " بالجهاد ". # (5) كذا في الأصول. # (6) راجع ج 1 ص 108. (1) راجع ج 15 ص 248. # (2) راجع ج 1 ص 112. # (3) راجع ج 3 ص 213. (1) راجع ج 1 ص 12. # (2) راجع ج 11 ص 261. # (3) كذا في سنن النسائي ومسند الإمام أحمد. والذي في الأصول: " حبب إلى ~~من دنياكم ثلاث... الخ " وبكلمة " ثلاث " لا يستقيم الكلام. راجع كشف الخفا ~~ج 1 ص 338 ففيه بحث شيق واف. # (4) أي الانقطاع الكلى عن الدنيا فإنه من معاني الرهبانية. (1) أي رؤوسها. # (2) راجع ج 11 ص 190. # (3) راجع ج 15 ص 346. # (4) راجع ج 16 ص 7. (1) الأعقاب ما بعد مكة من الطرق يفد منها الناس، والأنقاب: منافذ الجبال، ~~والفجاج: الطرق الواسعة. # (2) راجع ج 13 ص 216. (1) راجع ج 15 ص 72. # (2) راجع ج 20 ص 38. (1) راجع ج 13 ص 315. # (2) راجع ج 17 ص 173. # (3) راجع ج 2 ص 234. # (4) راجع ج 19 ص 257. # (5) راجع ج 20 ص 174. # (6) راجع ج 14 ص 21. # (7) الربابة: الجلدة التي تجمع فيها السهام. واليسر: صاحب الميسر الذي ~~يضرب بالقداح. (1) راجع ج 8 ص 72. # (2) السبل (بالتحريك): الثياب المسبلة، يفعل ذلك كبرا واختيالا. # (3) السبرق: نبي حجازي يؤكل، وله شوك. (1) المخط: السيلان والخروج. # (2) راجع ص 97 من هذا الجزء (3) الرواية " فأكثروا " كما في الجامع ~~الصغير. (١) في ى: وقد. # (٢) راجع ج ٢ ص ٣٣. # (٣) راجع صحيح البخاري ج ٣ ص ١٥١ طبعة ~~بولاق. (1) راجع ج 200 من هذا الجزء، وص 202، وص 192، وص 106، وص 173. # (2) راجع ج 7 ص 209. (1) راجع ج 2 ص 112. # (2) راجع ج 9 ص 30. # (3) راجع ج 17 ص 125. # (4) راجع ج 11 ص 266. (1) راجع ج 20 ص 133. # (2) راجع ج 15 ص 299. # (3) راجع ج 16 ص 82. (1) راجع ج 15 ص 57، 58. (1) ذات الأصابع والجوزاء: موضعان بالشام. وعذراء: قرية بغوطة دمشق. # (2) الحساس: # اسم رجل. والروامس: الرياح التي تثير ms7153 التراب وتدفن الآثار. # (3) راجع ص 122 من هذا الجزء. # (4) راجع ج 12 ص 117. # (5) القطف (جمع قطيفة) كساء له خمل، أي وبر. # (6) أثباج: جمع ثبج، وهو أوسطها. وقيل: ما بين كلها وظهرها. (1) شئ مقارب (بكسر الراء): وسط بين الجيد والردئ. # (2) هذا صدر البيت، وعجزه كما في اللسان: # * سنلقي من تحب فنستريح * (1) راجع ج 20 ص 147، ولعل الأثقال في الزلزلة: الكنوز. (1) هو النمر بن تولب، كما في السان مادة شقيق: وفى جوى: يقنى. # (2) الرسل بالسر): اللبن. (1) قوله " في السنة " أي في القحط وانعدام نبات الأرض في يبسها. والنقى ~~(بكسر النون وسكون القاف) هو المخ. ومعناه: أسرعوا في السير بالإبل لتصلوا ~~إلى المقصد وفيها بقية من قوتها، إذ ليس في الأرض ما يقويها على السير. # (2) راجع ج 4 ص 32. (1) المنهل: المشرب، ثم كثر ذلك حتى سميت منازل السفارة على المياه مناهل. (1) راجع ج 15 ص 334. (1) راجع ج 7 ص 115 فما بعد. # (2) هو غورك بن الحضري أبو عبد الله. (عن الدارقطني) (1) راجع ج 5 ص (2) الغمر: الماء الكثير. ورجل الغمر الرداء، وغمر الخلق، ~~أي واسع الخلق. كثير المعروف سخى. (1) الفدادون: أصحاب الإبل الكثيرة الذين يملك أحدهن المأتين من الإبل إلى ~~الألف، في ى: أهل الإبل. # (2) كذا في الأصول. والمتبادر سادس. (1) الرضاض: الحصى. # (2) في ى: يحترثون. # (3) راجع ج 7 ص 137 (1) هذا عجر بيت، وصدره كما في تفسير الطبري: # * مثل ابن بزعة أو كآخر مثله * (1) في ج: بنبت الشجر غرسته. # (2) أبو حي من اليمن واسمه عمرو بن مالك. # (3) الذي في القاموس: الينبوت شجر الخشخاش أو شجر آخر الخروب. # (4) راجع ج 7 ص 99 فما بعدها. # (5) راجع ج 13 ص 308 (6) في ج. (1) من ج. # (2) راجع ج 2 ص 29. # (3) أي في حديث عمر رضى الله وقد كتب إلى خالد:. وإني لأظنكم آل المغيرة ~~ذرء النار. (1) راجع ج 1 ص 288. # (2) راجع ج 7 ص 113. (1) في الأصول: " فلما أن أم الجميع ". يريد: فلما أن قصد بالجميع إلى ~~اللحم. # (2) راجع ج 17 ص 202 فما بعد وص 161 ms7154 فما بعد. # (3) راجع ج 6 ص 419 فما بعد. # (4) في ج وى: اللبن. # (5) في ى: وهذا حسن. (1) اللطيمة: الجمال التي تحمل العطر. وقيل: اللطيمة العنبرة التي لطمت ~~بالمسك فتفتقت به حتى نشبت رائحتها، وهي اللطيمة. # (2) راجع ج 12 ص 28. # (3) حديقة بالقرب من مسجد قباء. (1) راجع ج 9 ص 329. # (2) راجع ج 1 ص 388 وج‍ 2 ص 194. (1) البيت لعنترة العبسي. يقول: حبست نفسا عارفة، أي صابرة. وقبله: # وعلمت أن منيتي إن تأتني * لا ينجني منها الفرار الأسرع (1) البيت لذي الرمة. ومعنى " استقل " طلع في آخر الليل. وفى ديوانه: " ~~أحصد " بدل " غودر ". # وأحصد: حان حصاده. (1) راجع ج 2 ص 160 (1) راجع ج 7 ص 342. # (2) راجع ج 11 ص 203. # (3) راجع ج 13 ص 98. # (4) راجع ج 14 ص 58 وص 355. # (5) راجع ج 16 ص 179. # (6) راجع ج 9 ص 367. (1) راجع ج 11 ص 343. (1) راجع ج 1 ص 296. # (2) راجع ج 9 ص 20. # (3) في ج وى: لهم. (1) في ج وى: إنزال. # (2) راجع ج 6 ص 405. # (3) راجع ج 3 ص 36. # (4) راجع ج 13 ص 25، ص 330. # (5) راجع ج 7 ص 157. (1) راجع ج 9 ص 381. # (2) راجع ج 1 ص 283. (1) راجع ص ج 57 من هذا الجزء. # (2) رجح بعض اللغويين بالذال المعجمة وجوز بعضهم الوجهين. (1) كذا في ج وى. وفى أ وو: أعمالهم. # (2) راجع ج 15 ص 335. # (3) راجع ج 8 ص 28. # (4) راجع ج 7 ص 144 وما بعدها. (1) راجع ج 15 ص 75. (1) راجع ج 1 ص 239. # (2) في الطبري: أبو صخر أنه سمع. # (3) استنقع الماء: اجتمع وثبت. أي إذا اجتمعت نفس المؤمن في فيه تريد ~~الخروج، كما يستنقع الماء في قراره، وأراد بالنفس الروح. (1) راجع ج 7 ص 128. (1) راجع ج ص 342. (1) أي يبعثهم المقدر. # (2) راجع ج 2 ص 58 (1) راجع ج 2 ص 90. (1) راجع ج 5 ص 347 وما بعدها. # (2) راجع ج 19 ص 142. (1) راجع ج 4 ص 296. # (2) راجع ج 13 ص 317. (1) البارح: الريح الحارة في الصيف التي فيها تراب كثير. # (2) هذا عجز البيت، وصدره كما في اللسان: # * عذافرة تقمص بالردا في ms7155 * (3) كذا في الأصول، والذي في اللسان أنه لابن ~~مقبل وقيل: لذي الرمة. # (4) القرد: معناه هنا: المتراكم بعضه فوق بعض من السمن. والنبعة: شجرة من ~~أشجار الجبال يتخذ منها القسي. (1) راجع ج 16 ص 315. # (2) راجع ج 9 ص 302. # (3) كذا في كتب اللغة. # يقال: انجحر الضب إذا دخل الحجر. والذي في الأصول وديوان ذي والبرمة: " ~~متحجر في غير أرضك في حجر " بتقديم الحاء على الجيم في الكلمتين، وكذا في ~~ج. (١) القائل هو سيدنا على رضي الله عنه. ونافع: سجن بالكوفة كان غير مستوثق ~~البناء وكان من قصب، وكان المحبوسون يهربون منه. وقيل: إنه نقب وأفلت منه ~~المحبوسون، فهدمه على رضي الله عنه وبنى المخيس لهم من مدر. # (٢) أي قائل في غير القرآن. # (3) راجع ج 1 ص 189. # (4) راجع ج 6 ص 117. # (5) البيت لجرير. ورواية ديوانه: تدعوك تيم وتيم في قرئ سبأ *... الخ (6) ~~هكذا وردت هذه الجملة في الأصول. ولعل صوابها: لان الشمس إذا طلعت وأنت ~~متوجه إلى القبلة انبسط الظل عن اليمين في حال، ثم يميل إلى جهة الشمال في ~~حالات، فسماها شمائل. # والذي في البحر لأبي حيان: " وقيل: وحد اليمين وجمع الشمائل لان الابتداء ~~عن اليمين، ثم ينقبض شيئا فشيئا حالا بعد حال، فهو بمعنى الجمع، فصدق على ~~كل حال لفظة الشمال فتعدد تعدد الحالات ". (1) راجع ج 17 ص 185. # (2) راجع ج 2 ص 190 وما بعدها. # (3) راجع ج 1 ص 332. (1) راجع ج 15 ص 64. # (2) الشعر لأعشى باهله. والشطر الأول من بيت، والثاني من بيت آخر. ~~والبيتان: # لا يتأرى لما في القير يرقبه * ولا يعض على شر سوفه الصفر لا يغمز الساق ~~من أين ولا نصب * ولا يزال أمام القوم يقتفر تأرى بالمكان: أمام به. والشر ~~سوف: غضروف - كل عضم رخص يؤكل - معلق بكل ضلع مثل غضروف الكتف. والشقر ~~(بالتحريك): داء في البطن يصفر منه الوجه. وقيل: الصفر هنا الجوع. وافتقر ~~الأثر: تتبعه. (1) راجع ج 7 ص 284 وص 8 و 235 ج 11. # (2) كذا في الأصول. والذي في اللسان مادة " ضيف " وكتاب ms7156 سيبويه ج 2 ص 174 ~~أنه للنابغة الجعدي. # (3) في الأصول: " تطيف " بالطاء. # والتصويب عن اللسان وكتاب سيبويه. وتضيف: تشفق ومحذر والنكير: الانكار. ~~والجؤار: الصياح. والمعنى: # أن هذه البقرة فقدت ولدها فطافت تطلبه ثلاث ليال وأيامها، ولا إنكار ~~عندها ولا انتصار مما عدا على ولدها إلا أن تشفق وتحذر وتصيح. # (4) راجع ج 8 ص 317. # (5) هذا عجز بيت من معلقة عنترة، وصدره: # * نبئت عمرا غير شاكر نعمتي * (1) راجع ج 7 ص 89. # (2) راجع ج 9 ص 249. (1) قال محققة: في الشواذ أن الجحدري يقرأ كذلك. كأن المصنف لم يقف عليها. # (2) الرواية: وجدى، وأن صعصعة بن ناجية جد الفرزدق كما في الاستيعاب. # (3) في ج: فخبرته. (1) الخور: جمع خوارة على غير قياس،. هي الناقة الغزيرة اللبن. # (2) راجع ج 17 ص 102. (1) في ج وو: الواضعين. # (2) راجع ج 16 ص 7. # (3) راجع ج 12 ص و 22. # (4) راجع ص 146 من هذا الجزء. # (5) راجع ج 1 ص 287 وج‍ 2 ص 131. (1) الجعلان (بكسر الجيم جعل، كصرد): دابة سوداء من دواب الأرض. # (2) راجع ج 16 ص 30. # (3) راجع ج 7 ص 202. # (4) في صحيح مسلم. " على أعمالهم ". # (5) راجع ج 6 ص 352 وج‍ 7 ص 157. (1) راجع ص 195 من هذا الجزء. # (2) راجع ج 9 ص 20. (1) راجع ج 7 ص 111. # (2) راجع ج 18 ص 5. # (3) راجع ج 1 ص 418. (1) راجع ج 7 ص، 111. # (2) راجع ج 18 ص 5. # (3) راجع ج 1 ص، 418 (1) راجع ج 91 ص 213. # (2) راجع ج 12 ص، 118 (3) رمل لا تدرك أطرافه عن يمين مطلع الشمس من حجر ~~اليمامة. (ياقوت). # (4) من ج. # (5) راجع ج 5 ص 111. (1) راجع ج 71 ص 128. # (2) الأردان: جمع ردن (بضم الراء وسكون الدال) وهو أصل الحكم. # راجع ج 20 ص 4. # (4) راجع ص 142 من هذا الجزء. (1) أي المسلم. # (2) راجع ج 5 ص 111. # (3) راجع ج 9 ص 349. (1) راجع ج 6 ص 260 وما بعدها، و ج 7 ص 191. # (2) الفالوذج: حلواء تعمل من الدقيق والماء والعسل. (عن الألفاظ الفارسية ~~المعربة). # (3) غوت: ضلت وفسدت. # (4) من ج. (1) راجع ج 11 ص 287. # (2) راجع ms7157 ج 9 ص 251. # (3) الاغتلام مجاوزة الحد، أي إذا جاوزت حدها الذي لا يسكر إلى حدها الذي ~~يسكر. (1) راجع ص 176 من هذا الجزء (1) راجع ج 18 ص 177. # (2) راجع ج 285. # (3) لعل ما يشربه النخعي وهو إمام - ليس من النبيذ المسكر فإن منه ما لم ~~يبلغ حد الاسكار. (1) في حاشية السندي على سنن النسائي: " قوله الشامات، كأنه جمع على إرادة ~~البلاد الشامية ": (1) راجع ج 3 ص 51. # (2) راجع ج 4 ص 85. # (3) راجع ج 20 ص 75. وص 145. (1) الصرد: طائر ضخم الرأس والمنقار له ريش عظيم نصفه أبيض ونصفه أسود يصيد ~~صغار الطير. # (2) راجع ج 13 ص 169 فما بعد. # (3) كذا في ى. وفى أ: مالك. # (4) الأجباح: خلايا النحل في الجبل وفيها تعسل. (1) اليعسوب: هو الملكة وليس للنحل غيرها رئيسا وذكر النخل هو الذي يلقح ~~الملكة ثم يموت، هذا الذي يقرره العلماء بهذا الجنس. # (2) الجرس: الاكل. والعرفط (بالضم): شجر الطلح، وله صمغ كريه الرائحة، ~~فإذا أكلته النحل حصل في عسلها من ريحه. أي شربت عسلا أكلت نحلة من شجر ~~الطلح. (1) راجع ج 17 ص 6. والظاهر أن المراد بالمبارك ماء المطر فإنه في غاية ~~النقاء فهو شفاء من الأمراض مطهر من الجراثيم. محققة. # (2) راجع ج 12 ص 262. (1) السكنجبين: شراب معرب، أي خل وعسل (عن الألفاظ الفارسية المعربة) (1) الهيضات: جمع هيضة، وهي انطلاق البطن. (1) اللقوة (بالفتح): مرض يعرض للوجه فيميله إلى أحد جانبيه. # (2) الترياق: ما يستعمل لدفع السم من الأدوية والماجين، وهو معرب. # (3) أي دخلوا مجتمعين، ينقض أخرهم على أولهم. وقال ابن الأعرابي: إن القض ~~الحصى الصغار، أي دخلوا بالكبير والصغير. # (4) راجع ج 17 ص 194. # (5) الأكحل: عرق في وسط الذراع. # (6) راجع ص 315 من هذا الجزء. (1) في ج وى: " خمسة أفراق ". # (2) لم يصح هذا عند النحالين. محققة. (١) راجع ج ١٤ ص ٢٢. # (٢) يريد بعد قليل. " آنفا " إنما تستعمل في الماضي القريب لا في ~~المستقبل القريب. # (٣) راجع ج ٨ ص ٣٠١. # (٤) كذا في نسخ الأصول وأحكام القرآن لابن ~~العربي، والصواب أنه عمرو بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن ms7158 مناة، قال علياء بن ~~أرقم: # يا قبحا لله بنى السعلاة * عمرو بن يربوع شرار النات راجع شرح التنوير ~~على سقط الزند في شرح بيت أبى العلاء المعرى: # إذا لاح إيماض شرت وجوهها * كأني عمرو والمطى سعالى (5) السعلاة: أخبث ~~الغيلان. (1) الاكساء: جمع كسى (بالضم) وهو مؤخر العجز. (1) هو جميل. # (2) في البحر: لأصاب. # (3) تقدم استشهاد ابن عباس به فلا يصح أن يكون لكثير عزة. (1) راجع ج 9 ص 68. # (2) راجع ج 7 ص 337. # (3) يفلى ثوبه مما يناله من بعض الجلساء أن عنصره صلوات الله عليه في ~~غاية الصفا والنقا الخالص. # (4) من ابن العربي. # (5) كذا في ابن العربي والعبارة له. (1) من ى. # (2) الأسر: الخلق. # (3) راجع ج 14 ص 40. (1) العقيدة: اسم كتاب لأبي منصور الماتريدي، وهو محمد بن محمد بن محمود ~~مات بسمرقند سنة 333 ه‍. # راجع كشف الظنون وتاج التراجم في زبقات الحنيفة. # (2) راجع ج 1 ص 177. (1) راجع ص 180 وما بعدها من هذ الجزء. (1) من ى. # (2) راجع ج 9 ص 177. # (3) راجع ج 18 ص 283. # (4) راجع ج 1 ص 224. (1) راجع ج 12 ص 311. # (2) راجع ج 15 ص 234. # (3) راجع ج 17 ص 105. # (4) راجع ج 1 ص 148. (1) في ج وو: رسلهم. # (2) اضطربت الأصول في عد هذه المسائل. (1) النجعة والانتجاع: طلب الكلأ ومساقط الغيث. # (2) من ج وى. (1) راجع ج 12 ص 289. # (2) راجع ج 7 ص 182. # (3) البيت من معلقة امرئ القيس. والفرع: الشعر التام و. والمتن والمتنة: ~~ما عن يمين الصلب وشماله من العصب واللحم. والفاحم: الشديد السواد. والقنو ~~(بالكسر والضم): العذق وهو شمراخ. والمتعثكل: الذي قد دخل بعضه في بعض ~~لكثرته. (1) والحديث المشهور " أيها أهاب دبغ قد طهر " رواه أحمد والترمذي والنسائي ~~وابن ماجة. # (2) راجع ج 6 ص 47. # (3) راجع ج 15 ص 58. (1) راجع ج 3 ص 288. # (2) راجع ج 12 ص 108. # (3) راجع ج 91 ص 188. # (4) في أ، ج، ح‍، و: الجمل. # (5) اضطربت الأصول في عد هذه المسائل. (1) لفظة " بشهر " ساقطة من سنن أبي داود. (1) المسك (بالفتح وسكون السين): الجلد. وخص بعضهم به جلد السخلة، ثم كثر ~~صار كل ms7159 جلد مسكا، والجمع مسك ومسوك. # (2) أي عن أن تقرش جلودها على السرج والرحال للجلوس عليها لما فيه من ~~التكبر أو لأنه زي العجم، أو لان الشعر نجس لا يقبل الدباغ. (عن شرح سنن ~~النسائي). المياثر: جلود محشوة تجعل على الرحل. (1) راجع ج 1 ص 321 وج‍ 9 ص 360 فما بعد. (1) في ج وو: مكثأ. # (2) أي حاذق سريع الفهم، لقن حسن التلقن لما يسمعه. # (3) من الكيد، أي يطلب بهما ما فيه المكروه. # (4) أي شاة تحلب إناء بالغداة وإناء بالعشى. # (5) الرضيف: اللبن المرضوف، وهو الذي طرح فيه الحجارة المحماة ليذهب ~~وخمه. وينعق: يصيح. # (6) يقول محققة: ذكر الله لهم تلك النعم وهي دالة على ما يقابلها على ~~سبيل الاكتفاء. والقطن مشهور باليمن ومنه الثياب السحولية وكذا صحار ومنه ~~كفن عليه السلام في ثوبين صحاريين. وكذا الثلج في جبال ببلاد العرب. (1) في ى: على العبد. # (2) لامة الحرب: أداته، وقد تترك الهمزة تخفيفا. في ى: حربه. (1) راجع ج 13 ص 156. # (2) راجع ج 5 ص 197. # (3) راجع ج 19 ص 164. # (4) راجع ج 30 ص فما بعد من هذا الجزء. (1) ورد هذا الحديث في صحيح مسلم عن أبي هريرة. راجع كتاب الايمان باب ~~معرفة طريق الرؤية. # (2) راجع الحديث في سنن الترمذي في باب صفة الجنة. (1) البخاتي: جمال طوال الأعناق. # (2) هو كاهن بنى ذئب، كان يتكهن في الجاهلية، واسمه: # ربيع بن ربيعة. (راجع سيرة ابن هشام ص 9 طبع أوربا). # (3) راجع ج 3 ص 154 وج‍ 5 ص 197. # (4) راجع ج 6 ص 419. (1) راجع ج 19 ص 205. # (2) في ى: عزوف. (1) راجع ج 13 ص... # (2) راجع ج 8 ص 355. # (3) راجع ص 247 من هذا الجزء (4) راجع صحيح البخاري في كتاب التفسير في ~~سورة محمد وكتاب الأدب والتوحيد. وصحيح مسلم في كتاب الأدب. (1) راجع ج 8 ص 324. # (2) راجع ج 12 ص 89. # (3) راجع ص 200 من هذا الجزء. # (4) راجع ج 16 ص 38. # (5) راجه ج 4 ص 37. (1) في سيرة ابن هشام: " لشرفه وسنه ". # (2) في سيرة ابن هشام: " لئن دعا به ". (1) راجع ج 16 ms7160 ص 44. # (2) من و. # (3) راجع ج 6 ص 364. (1) في ى: كبيرة. (1) في نسخ الأصل: * ليس التقى بمن يمير بأهله * وفى ى: يميز، والتثويب عن ~~أدب الدنيا والدين ص 212 طبع بولاق. # (2) الذي في كتب الصحابة في ترجمة امرى القيس بن عابس أنه ربيعة بن ~~عيدان. وقال صاحب كتاب الإصابة في ترجمة عيدان بن أسوغ: " ذكر مقاتل في ~~تفسيره أنه الذي حاصر امرأ القيس بن عابس الكندي في أرضه، وفيه نزلت " إن ~~الذين يشترون بعهد الله... " الآية. (1) الهمزة: النخس والغمز، وكل شئ دفعته فقد همزته. والنفخ: الكبر، لان ~~المتكبر يتعاظم ويجمع نفسه ونفسه فيحتاج أن ينفخ. والنفث: قال ابن الأثير: ~~جاء تفسيره في الحديث أنه الشعر، لأنه ينفث من الفم. # (2) راجع ج 5 ص 373. # (3) راجع ج 7 ص 137. # (4) راجع ج 14 ص 227. # (5) راجع ج 6 ص 80. # (6) راجع ج 1 ص 86. (1) راجع ج 27 من هذا الجزء فما بعد. # (2) راجع ج 7 ص 348. # (3) راجع ج 2 ص 61 وما بعدها. (1) راجع ج 1 ص 116. (1) الصيقل: شحاذ السيوف وجلاؤها (2) راجع ج 7 ص 328. (1) في الأصول: " عبد الله بن أمس بن خطل " وهو تحريف. (1) الرفث: الفحش من القول. # (2) الأخشبان: الجبلان المطيفان بمكة،. هما أبو قبيس والأحمر. (1) راجع ج 4 ص 57. # (2) راجع ج 5 ص 345. (1) راجع ج 2 ص 79. (1) راجع ج 12 ص 255. # (2) عبارة الموطأ: " أو جاءت تدمى إن كانت بكرا أو استغاثت حتى أوتيت ~~وعلى ذلك... " الخ. (1) ينظر هذا على ما رواه أبو داود والترمذي والنسائي، وابن ماجة وفيه " من ~~قتل دون أهله شهيد ". كشف الخفا ج ص 269. # (2) ذكر المؤلف هذا الحديث مختصرا، في شرح القسطلاني، كتاب البيوع ج 4 ص ~~122 طبعة بولاق. الغط هنا هو العصر الشديد والكبس، والركض الضرب بالرجل. (1) ويؤيد هذا ما رواه أحمد والترمذي عن ابن عمر " من قتل دون كاله فهو ~~شهيد " كشفا الخفا ج 2 ص 296. # (2) المعاريض: التورية بالشئ عن الشئ. وأعرض الكلام ومعارضة ومعاريضه: ~~كلام يشبه بعضه بعضا في المعاني. (1) ومنه الحديث: " لا تصلوا على النبي " أي ms7161 على الأرض المرتفعة المحدودبة. # (2) هو طليحة ابن خويلد بن نوفل الأسدي، ارتد بعد النبي صلى الله عليه ~~وسلم وادعى النبوة ثم أسلم. # (3) الرتم (بالتاء والثاء): الدق والكسر. ويريد بالنبئ المكان المرتفع. ~~والكائب: الرمل المجتمع. # (4) يريد الاسلام. (1) راجع ج 19 ص 284. # (2) عبارة الدر المنثور: (" أما صاحبك فمضى على إيمانه ". (1) في ج وى: يستسقى. (1) وذلك كما في كتاب الملاحن لابن دريد. # (2) البعث: الجيش. # (3) هذا المصدر لم تورده كتب اللغة في هذه المادة. (1) راجع ج 9 ص 20. # (2) راجع ص 180 من هذا الجزء. (1) من ج وى، وفى و: قال. (1) راجع ج 13 ص 299. # (2) من ج وى. (1) في ج: كاتبوا. # (2) في ى: أمر الناس. # (3) راجع ج 2 ص 216 وما بعدها. (1) راجع ص 120 من هذا الجزء. (1) هي الذهب والفضة والبر والشعير والتمر والملح. # (2) راجع ج 7 ص 124. # (3) راجع ج 6 ص 12. # (4) راجع ج 5 ص 92. # (5) راجع ج 2 ص 127. (1) ج 2 ص 86 وج‍ 3 ص 213. # (2) ذكر في الانعام في موضعين، (ج 7 ص 28، 152) ولم يذكر المؤلف اشتقاقه ~~فيهما، وإنما تكلم عليه في سورة البقرة ج 2 ص 139 فراجعه. # (3) راجع ج 2 ص 133. # (4) راجع ج 6 ص 211. (1) كذا في ى. وفى أ وج‍ وو: في الأصول. # (2) الدرك: التبعة. # (3) راجع ج 7 ص 35. (1) راجع ج 2 ص 355. (1) راجع ج 3 ص 355. # (2) راجع ج 4 ص 98. # (3) راجع ج 1 ص 207 (4) هذا عجز بيت للأعشى. وصدره في اللسان وديوانه: # * قلئن ربك من رحمته * (1) في أسد الغابة: حيان. بالياء. وكذا في ج. وفى التاج وى: حبان. ~~بالموحدة. # (2) راجع ص 301، وص 321، وص 281 فما بعد، وص 340 من هذا الجزء. (1) كذا في جميع الأصول، ويلاحظ أن المسائل ست. # (2) البيت للأعشى. يقول هذا لعلقمة بن علاثة الجعفري في منافرته لعامر بن ~~الطفيل، وكان الأعشى قد فضل عامرا وتبرأ من علقمة وفخره على عامر (هن ~~الشنتمري). # (3) القرفصاء: جلسة المحتبى بيديه. والصماء، ضرب من الاشتمال الصماء: أن ~~تجلل جسدك بثوبك نحو شملة الاعراب بأكسيتهم، وهو أن يرد من قبل ms7162 يمينه على ~~يده اليسرى وعاتقه الأيسر ثم يرده ثانية من خلقه على يده اليمنى وعاتقه ~~الأيمن فيغطيهما جميعا. (1) راجع ج 1 ص 417. # (2) البيت للنابغة الذبياني، من قصيدته التي مطلعها: يا دارمية بالعلياء. # (3) البيت لحسان بن ثابت. # (4) راجع ج 1 ص 232. # (5) في و: اسمه عبد الله (1) في الأصول: " يخطر فان " والتصويب عن الدر المنثور. # (2) في ج وو وى: انتهينا. (1) الشمط في الشعر: اختلافه بلونين من سواد وبياض. # (2) راجع ج 17 ص 92. (1) أي لم أعرفها حق، يقال: أثبت الشئ وثابته إذا عرفه حق المعرفة. # (2) راجع ص 282 من هذا الجزء. (1) في ج: المسألة الخامسة، والمسألة السادسة بدل المسألة الثانية ~~والثالثة. فيكون الترقيم على ما قال المصنف أولا: ثمان مسائل. (1) في ج هذه المسألة السابعة. # (2) راجع ج 6 ص 224. # (3) ج 4 ص 137. (1) في ج: المسألة الثامنة. # (2) من ى. # (3) راجع ج 5 ص 258. (1) كذا في نسخ الأصل، ولم نعثر عليه في المظان. وفى الشواذ: ذرية بالكسر ~~الأصل. # (2) من ج. (١) راجع كتاب قصص الأنبياء، المسمى بالعرائس ص ٢٥٩ طبع بولاق وتاريخ الطبري ج ٢ قسم أول ص 638 ~~وما بعدها طبع أوربا. # (2) الجوامع: الأغلال، والواحد جامعة. # (3) مرج الامر: فسد واختلط والتبس المخرج فيه. (1) هذا عجز بيت لربيعة بن مكدم. وصدره: # * وهتمت بالرمح الطويل إهانة * وقب هذا البيت: فصرفت راحلة الظعينة نحوه ~~* عمدا ليعلم بعض ما لم يعلم وبعده: # ومنحت آخر بعده جياشة * نجلاء فاغرة كشدق الأضخم وهذه الآيات قبلت يوم ~~الظعينة. راجع أمالي القالي ج 2 ص 270 طبع دار الكتب. # (2) راجع ج 20 ص 149. (1) راجع ج 3 قسم أول ص 713 طبع أوربا. (1) راجع ج 11 ص 88 فما بعد. # (2) الذي في تاريخ الطبري: " كيرش " ولم نوفق لتصويبه. # (3) في الطبري: " ثلاثمائة وثلاث سنين ". راجع ص 718 من القسم الأول. (1) في ج: جردوش. ولعله تحريف من الناسخ. # (2) في تاريخ الطبري ص 721: " منذ ثمنمائة سنة ". # (3) زيادة عن تاريخ الطبري. (1) كذا في الطبري والدر المنثور. وفى أو ج وو وى: يا في. وهذا خطأ النساخ. (1) في ms7163 هامش ج: قال الشيخ المصنف: ويروى: وعصابة. (1) راجع ج 1 ص 338. # (2) راجع ج 4 ص 75. # (3) راجع ج 8 ص 314. # (4) راجع ج 7 ص 398 وج‍ 8 ص 315. (1) راجع ج 20 ص 126 (2) راجع ج 16 ص 24. # (3) راجع ج 5 ص 425. # (4) راجع ج 17 ص 27 وص 128. # (5) راجع ج 11 ص 288. # (6) راجع ج 1 ص 281. (1) راجع ج 2 ص 192. (1) راجع ج 8 ص 360. # (2) راجع ص 164 من هذا الجزء. # (3) راجع ج 6 ص 420. # (4) في ج وى: محل. (1) من ى، وفى أو ح‍: قدرناه إلزام، وفى ج: قلدناه إلزام. (1) راجع ج 7 ص 155. # (2) راجع ج 6 ص 413. # (3) يبدو هنا سقط لفظ وازرة بدليل ما بعدها. (1) راجع ج 18 ص 194 وص 212. # (2) راجع ج 1 ص 251. (1) المحققون على ما قال ابن عباس كما في البحر: أمرناهم فعصوا وفسقوا ~~وسيأتي. وهذا هو المطابق كقوله تعالى إن الله لا يأمر بالفحشاء. أما ما ~~ذكره القرطبي كالزمخشري فيحتاج إلى تأويل. محققة. # (2) من ج وى. (1) السكة: الطريقة المصطفة من النخل. والمأبورة: الملقحة، يقال: أبرت ~~النخلة وأبرتها، فهي مأبورة ومؤبرة. السكة سكة الحرث، والمأبورة المصلحة ~~له. المراد: خير المال نتاج وزرع. (ابن الأثير). # (2) هذا عجز بيت للأعشى وصدره: # * طرفون ولا دون كل مبارك * الزرف والزريف: الكثير الاباء إلى الجد ~~الأكبر. والقعدد: القليل الاباء إلى الجد الأكبر. # (3) يقول: # إن غبطوا يوما فأنهم يموتون. و " يهبزوا " ها هنا يموتوا. ويروى: " إن ~~غبطوا يعبطوا " يموتوا عبطة، كأنهم يموتون من غير مرض. (راجع الديوان). في ~~ج وى: والفند. (1) يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان المشركون يقولون للنبي صلى ~~الله عليه وسلم " ابن أبي كبشة " شبوه بأبي كبشة، رجل من خزاعة خالف قريشا ~~من عبادة الأوثان. أو هي كنية وهب بن عبد مناف جده صلى الله عليه وسلم من ~~قبل أمه، لأنه كان نزع إليه في الشبه. أو كنية زوج حليمة السعدية (2) عمر ~~كفرح. # (3) في هامش ج: الصحيحين. خ. (1) راجع ج 7 ص 791. # (2) راجع ج 6 ص 391. # (3) راجع ج 2 ص ms7164 35. # (4) في ه‍ ج: خ: عن المنعوت بالنعت. # (5) راجع ج 9 ص 13. (1) راجع ج 16 ص 9. # (2) راجع ج 15 ص 342. # (3) راجع ج 11 ص 225. # (4) راجع ج 9 ص 193. # (5) راجع ج 2 ص 431. # (6) راجع ج 18 ص 108. # (7) راجع ج 4 ص، 92 (8) راجع ج 13 ص 291. (1) راجع ج 14 ص 65. (1) كذا في الأصول. # (2) راجع ج 18 ص 58 وج‍ 14 ص 63. # (3) قوله راغبة: أي راغبة في بري وصلتي، أو راغبة عن الاسلام كارهة له. (1) في ج: فأيدرا. (1) راجع ج 11 ص 302. # (2) في ى: ينسبها. # (3) كذا في الأصول. والذي في ابن جرير والدر المنثور " أبو الهداج ". (1) راجع ج 13 ص 118 فما بعد. # (2) راجع ج 11 ص 159. # (3) ج 8 ص 272. (1) إيه (بكسر الهاء): كلمة استزادة واستنطاق. وإذا قلت " إيها " بالنصب ~~والتنوين فإنما تأمره بالسكوت. # وقال ابن سيده: " وإيه (بالكسر) كلمة زجر بمعنى حسبك، وتنؤن فيقال إيها ~~". وحكى عن الليث: " ايه وايه في الاستزادة والاستنطاق. وإيه وإيها في ~~الزجر، كقولك: أيه حسبك، وإيها حسبك ". (1) نسبت هذه الأبيات في أشعار الحماسة لأمية بن أبي الصلت. قال التبريزي: ~~" وتروى لابن الاعلى. # وقيل: لأبي العباس الأعمى " (2) وفى الأصول: " وصنتك ". وفى أشعار ~~الحماسة: " وعلتك " أي قمت بمؤونتك. و " يافعا " شابا. و " تعل " منعلة ~~يعله، سقاه ثانية. و " أجنى " أكسب. و. تنهل " من أنه له، سقاه أول سقية. # (3) في الحماسة: # إذا ليلة نابتك بالشكو لم أبت * لشكواك......... الخ (1) الخلاء: الخلوة. # (2) هي أن تحمى الرمضاء، وهي الرمل، فتبرك الفصال من شدة حرها وإخراقها ~~أخفافها. # (3) من ج. (1) راجع ج 16 ص 322. # (2) في ى: والفرار من فتنتهم. ولا يبدو له معنى. (1) في ج في ه‍: الغنى. (1) أي انتشرت عنه الجبة. # (2) أي أثر مشية لسبوغها. # (3) أي انضمنت وارتفعت. # (4) العرب تجعل القول عبارة عن جميع الأفعال وتطلقه على غير الكلام ~~واللسان، فتقول: قال بيده، أي أخذ. # وقال برجله، أي مشى. وكل ذيك على المجاز والاتساع. # (5) في ج وه‍: ولقد رأيته. # (6) جواب لو محذوف، أي لتعجبت. (1) الوجد (مثلثة الواو): اليسار والسعة. # (2) راجع ج 18 ص ms7165 209. # (3) هذا الآية لم يتكلم عليها المؤلف ولم تذكر في النسخ التي بين أيدينا ~~ولعله تكلم عليها وحصل سقط من النساخ. # وعبارة ابن جرير الطبري في كلامه على الآية كما وردت في تفسيره: " يقول ~~تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم إن ربك يا محمد يبسط الرزق لمن ~~يشاء من عباده فيوسع عليه. ويقدر على من يشاء.، ويقول: ويقتر على من يشاء ~~منهم فيضيق عليه: " إنه كان بعباده خبيرا " يقول: إن ربك ذو خبرة بعباده، ~~ومن الذي تصلحه السعة في الرزق وتفسده، ومن الذي يصلحه الاقتار والضيق ~~ويهلكه. " بصيرا " يقول هو ذو بصر بتدبيرهم وسياستهم. ويقول: # فإنه يا محمد إلى أمرنا فيما أمرناك ونهيناك من بسط يدك فيما تبسطها فيه ~~وفيمن تبسطها له، ومن كفها عمن تكفها عنه وتكفيها فيه، فنحن أعلم بصالح ~~العباد منك ومن جميع الخلق وأبصر بتدبيرهم ". (1) راجع ج 7 ص 30. # (2) صدر البيت: # * لما رأيت العدم قيد نائلي * (3) في الأصول: " وإن ما أهلكت مالي ". ~~والتصويب عن كتاب الشعر والشعراء لابن قتيبة وطبقات الشعراء لابن سلام في ~~ترجمة أوس بن غلفاء، ولسان العرب في مادة " صوب ". وقيل هذا البيت: # ألا قالت أمامة يوم غول * تقطع يا بن غلفاء الحبال يقول: وإن الذي أهلكت ~~إنما هو مال، والمال يستخف ولم أتلف عرضا. # وغول، وكان كان فيه وقعة للعرب لضبة على بنى كلاب. (راجع معجم ياقوت). (1) أخر: بعني يتأخر، ويجوز " أخر " بضم الهمزة وشد الخاء مع الكسر. (١) قوله: " اتى بامرأة " أي مر عليها في بعض أسفاره. و " المحج " (بميم ~~مضمومة وجيم مكسورة وحاء مهملة) صفة لامرأة، وهي الحامل التي قربت ولادتها. ~~وقوله: وقال لعله... الخ فيه حذف تقديره: فسأل عنها فقالوا أمة فلان، أي ~~مسبيته. ومعنى " يلم بها ": أي يطأوها، وكانت حاملا مسبية، لا يحل جماعها ~~حتى تضع. وقوله " كيف يورثه... الخ " معناه.. أنه قد تتأخر ولادتها ستة ~~أشهر، بحيث يحتمل كون الولد من هذا السابي، ويحتمل أنه كان ممن قبله، فعلى ~~تقدير كونه من السابي يكون ولدا له ويتوارثان. ms7166 وعلى تقدير كونه من غير ~~السابي لا يتوارثان هو ولا السابي لعدم القرابة، بل له استخدامه لأنه ~~مملوكه. فتقدير الحديث.. أنه قد يستلحقه ويجعله أبنا له ويورثه معه أنه لا ~~يحل له توريثه لكونه ليس منه، ولا يحل توريثه ومزاحمته لباقي الورثة. وقد ~~يستخدمه أستخدام العبيد ويجعله عبدا يتملكه، ومع أنه لا يحل له ذلك لكونه ~~منه إذا وضعته لمدة محتمله كونه مع كل واحد منهما، فيجب عليه الامتناع منه ~~وطئها خوفا من هذا المحضور. (راجع شرح النووي على صحيح مسلم، كتاب النكاح باب تحريم وطأ الحامل ~~المسبية). # (2) راجع ج 7 ص 130. (1) راجع ج 8 ص 202 وص 55 وص 58. # (2) في ج: أظهرها. # (3) راجع ج 2 ص 244 فما بعد. (1) المروى عن الحسن أنها مدينة كما في الآلوسي. وهو المتبادر لأنها عن ~~الاحكام. # (2) راجع ج 7 ص 130. # (3) راجع ج 1 ص 332. # (4) راجع ج 18 ص 196. # (5) راجع ج 19 ص 230 فما بعد. (1) راجع ج 7 ص 130. # (2) راجع ج 9 ص 254. # (3) في أ وخ‍ وو وى: بمعدلة وفى ج بمعدلة. # (4) في ج: عند الله. (1) في الشواذ: الفواد بفتح الفاء والواو. والجراح قاضي البصرة. (1) راجع ج 14 ص 118. # (2) راجع ج 12 ص 191. (1) راجع ج 15 ص 48، وص 349. # (2) راجع ج 9 ص 122. (1) في ح‍: " في اليوم البارد ". (1) في ج وى: كأنه. (1) شمست الدابة شردت وجمعت. # (2) من ج وى. # (3) راجع ص 365 من هذا الجزء. # (4) راجع ج 14 ص 51 فما بعد. (1) راجع ص 235 من هذا الجزء. # (2) راجع ج 16 ص 195. (1) راجع ص 139 من هذا الجزء. # (2) راجع ج 13 ص 57 وص 294 فما بعد. # (3) راجع ج 1 ص 436. (1) راجع ج 1 ص 276. (1) راجع ج 15 ص 158 فما بعد. # (2) راجع ج 1 ص 462 فما بعد. # (3) راجع ج 11 ص 155 فما بعد. (1) راجع ص 191 من هذا الجزء. # (2) في أو ج وى: الشريعة. وهي من أسماء الجاثية. # (3) راجع ج 16 ص 166 فما بعد. # (4) في أ وج‍ وى: " الكلبي ms7167 ". # (5) راجع ج 15 ص 9. # (6) كذا في الأصول. # (7) لفظة فرانسيية، معناها: جنى. ولعله كذلك في لغة اللاتين. (1) راجع ج 6 ص 404. # (2) في ج: يرد. # (3) راجع ج 1 ص 9 فما بعد. (1) راجع ج 12 ص 144. (1) أوضع الرجل في السير إذا أسرع. وقوله: " لأمر غيب " يريد الموت وأنه قد ~~غيب عنا وقته ونحن نلهى عنه. # بالطعام والشراب. # (2) تريد أنه مات صلى الله عليه وسلم وهو مسند إلى صدرها وما يحاذي سحرها ~~وهو (الرئة). (1) أقنع فلان رأسه: وهو أن يرفع بصره ووجه إلى ما حيال رأسه من السماء. # (2) راجع ج 14 ص 284. # (3) راجع ج 16 ص 15. (1) في ج: وسفيان. # (2) راجع ج 15 ص 284 وص 39. # (3) راجع ج 9 ص 366. (1) راجع ج 7 ص 60 و 347. # (2) راجع ج 9 ص 267. # (3) راجع ج 2 ص 209. (1) راجع ج 18 ص 213. # (2) راجع ج 3 ص 261 فما بعد. (1) من ج وو. # (2) زيادة عن صحيح مسلم. (1) راجع ج 13 ص 301. # (2) في ديوان جرير: " ما تكمل الخلج ". (1) راجع ج 6 ص 387 وج‍ 9 ص 60. # (3) أي السريع الفاش لا يكاد الناس يتدافنون. (1) راجع ج 16 ص 289. (1) راجع ج 11 ص 350. (1) شمست الدابة والقرس تشمس: شردت وجمحت ومنعت ظهرها. (١) هذه عبارة الفخر الرازي. والذي في الأصول: " فأنت قطط من لعنة الله ". ~~والصواب ما في النهاية: # فأنت فضض من لعنة. أي قطعة منها. (1) راجع ج 1 ص 279. 161 وج‍ 7 ص 168 و 171. # (2) أي أذهبت. # (3) راجع ج 14 ص 291. (1) لم نجد في كتب اللغة " تفزز الثوب " بزايين بهذا المعنى، وإنما هو " ~~تفزر " بزاي ثم راء. فليلاحظ. (1) راجع ج 17 ص 180 وص 188. # (2) المساماة: المباراة والمفاخرة. مسألة التزاوج بين الإنس والجن لا ~~يقرها العلم. محققة. (1) راجع ج 5 ص 120. # (2) راجع ج 14 ص 51 فما بعد.) (3) راجع ص 28 من هذا الجزء. (1) راجع ج 12 ص 287 فما بعد. # (2) هو رويشد بن كثير الطائي، كما في اللسان. # (3) راجع ج 2 ص 195، وص 413. # (4) كذا في الأصول. أي البحر الملح. (1) أولى أن يقال: ms7168 غاب نورها. (1) راجع ج 2 ص 244. # (2) يلاحظ أن المسائل أربع. (1) راجع ج ص 26. (1) راجع ج 3 ص 261. # (2) راجع ج 1 ص 289. # (3) القولنج: مرض معوى مؤلم يعسر معه خروجا لثفل والريح، معرب. (1) الفالوذج: حلواء تعمل من الدقيق والماء والعسل. وفيه لغات (عن الألفاظ ~~الفارسية). # (2) راجع ج 6 ص 260. # (3) راجع ج 7 ص 195. # (4) راجع ج 17 ص 262 فما بعد. # (5) راجع ج 16 ص 174 (1) الدفاف: الضارب بالدف. وفى الأصول: " الزفاف " بالزاي المعجمة. (1) راجع ج 15 ص 11 فما بعد. # (2) راجع ج 5 ص 248. # (3) راجع ص 290 فما بعد من هذا الجزء. # (4) راجع ج 11 ص 257 فما بعد. (1) كذا في الأصول: ولعل الحق: عمى، لان فعله عمى كما قال نفطويه: يقال عمى ~~عن رشده. ومنه يصاغ أفعل التفضيل. (1) راجع ج 14 ص 173. # (2) راجع ج 7 ص 205. # (3) راجع ج 9 ص 241 فما بعد. # (4) راجع ج 16 ص 235. # (5) في الأصول: " إليهم " وهو تحريف. راجع ج 8 ص 216 (1) راجع ص 64 من هذا الجزء. # (2) راجع ج 1 ص 164. # (3) كذا في الأصول. والصواب عن أسماء النساء. # (4) أي باء الجر. (1) هذا ضبط التقريب، والذي في الخلاصة: بفتح المعجمة والمثلثة بينهما ~~تحتانية ساكنة وهذا هو المشهور. (1) راجع ج 1 ص 117 فما بعد. (1) العلة (هنا): ما يتعلل به، مثل التعلة. # (2) راجع ج 17 ص 217. (1) راجع ج 19 ص 32 فما بعد. # (2) جثا (جمع جثوة كخطوة وخطا) أي جماعات. (1) راجع ج 19 ص 105. (1) راجع ج 7 ص 356. # (2) راجع ج 8 ص 202. # (3) راجع ج 13 ص (1) راجع ج 18 ص 129. # (2) راجع ج 12 ص 119. (1) ما يختصره الانسان بيده فيمسكه من عصا أو عكاز أو مقرعة أو قصيب وقد ~~يتكئ عليه. # (2) راجع ج 14 ص 313 (3) النقرة: السبيكة. # (4) الذي تقدم لابن عمر أنه أفسد على الأولاد أدوات اللعب. راجع ج 8 ص ~~340. (1) القلاص (بكسر القاف وجمع القلوص بفتحها) وهب الناقة الشابة. # (2) راجع ج 13 ص 221. # (3) كذا في الأصول. ولعل: ونون خفيفة. (1) في بعض الأصول: " المذبح " ولم نوقف لتصويبه. ms7169 # (2) أبو فترة (بكسر القاف وسكون التاء): كنية إبليس. (1) في ج: بوصبكم: أي بوجعكم. وتكون رقية منصوبة على الاغراء. # (2) الصفد: العطاء. # (3) راجع ج 7 ص 218. # (4) راجع ج 8 ص 367. # (5) راجع ج 11 ص 221 فما بعد. # (6) في ج: بوصبكم. # (7) السائل هو عروة بن الزبير راوي الحديث. (1) العرمض: الخضرة التي تعلوا الماء وهي الرمض والعلق والطحلب. والمائح ~~(بالهمز): الذي ينزل البئر فيملأ الدلو. والمائح (بالتاء): الذي يجذب ~~الدلو. # (2) راجع ج 20 ص 257 فما بعد. # (3) لم نقف على هذه الرواية، والمشهورة كما في البخاري وعيره: " شفاء ~~أمتي في ثلاث شرطة محجم أو شربة عسل أوكية نار.. "، (4) كذا في ج، وفى أ ~~وح‍ وو وى: يجئ. (1) من ى. (1) راجع ج 15 ص 368. (1) راجع ج 15 ص 220 فما بعد وص 289. # (2) راجع ص 34 من هذا الجزء (1) راجع ج 15 ص 267. # (2) راجع ج 7 ص 9 ص فما بعد. # (3) أي ما دعاكم إلى سؤال تخشون عاقبته بأن يستقبلكم بشئ تكرهونه. # (4) راجع ج 16 ص 54 فما بعد. (1) أي هو المنفرد بخلق الروح والعالم بسره لا يدركه أحد من الناس. (1) راجع ج 14 ص 76. (1) هو صلة بن زفر العبسي، أحد رجال سند الحديث. (1) راجع ج 1 ص 69. رواية خزانة الأدب في الشاهد الرابع والثلاثين بعد ~~التسعمائة: أصم في نهار القيظ... " الخ. (1) في ج: بما. (1) راجع ج 19 ص 88. (1) راجع ج 6 ص 393. (1) راجع ج 11 ص 3. # (2) راجع ج 13 ص 7. # (3) راجع ج 12 ص 153. (1) راجع ص 269 من هذا الجزء. (1) راجع ج 1 ص 439. # (2) راجع ج 7 ص 267. # (3) راجع ج 8 ص 373 فما بعد. (١) من ج. # (٢) راجع ج ١٣ ص ١٥٦ فما بعد. # (٣) من ج وى. في النهاية: # بالضم والفتح - اللحى. تمام الحديث " ورجليه دخل الجنة " يريد من حفظ ~~لسانه وفرجه. (1) من ج وى. # (2) من ج. وفى ى: إما بالقتل وإما بالابعاد. (1) راجع ج 2 ص 297. (1) في الأصول: " المؤدى ". # (2) راجع ج 1 ص 27. # (3) في ج: ترتيل. # (4) أي نزل آية وسورة سورة. (1) من ج ms7170 وى. (1) راجع ج 1 ص 374، وج‍ 12 ص 103. (1) راجع ج 13 ص 191 فما بعد. (1) في ج: تنزيه الله. # (2) راجع ج 1 ص 175. (1) في ج: يخبركم. # (2) أي لم يقل - صلى الله عليه وسلم - إن شاء الله. # (3) أرجف القوم: # خاضوا في الاخبار السيئة وذكر الفتن وفى ج: أوجف وهو الاضطراب، ولعله وهو ~~من الناسخ. (1) راجع ج 11 ص 128. # (2) مطلعها: # لمبة أطلال بحزوى دوائر * عفتها السوافي بعدنا والمواطر (1) يعنى بالدبابة: الخمر. والخرطوم: الخمر وصفوتها. # (2) مطلعها: # أعن ترسمت من خرقاء منزله * ماء الصبابة عن عينيك مسجوم (3) المحز: الضرب ~~والدفع. والجراشع: الغلاظ، الواحد شرجع. # (4) مطلعها: # يا دار سلمى يا اسلمي ثم اسلمي * بسمسم أو عن يمين سمسم (5) من ج. (١) مطلعها: ودع هريرة أن الركب مرتحل * وهل تطيق وداعا أيها الرجل (٢) في ~~اللسان مادة " سمهدر " أنه أبو الزحف الكليني. واستدرك عليه مصحح اللسان ~~بقوله: " قوله الكليني نسبه لكلين كأمير بلدة بالري ". ومما يقوى أنه ~~الكليبي (بالياء) ما ذكره ابن قتيبة في كتابه الشعر والشعراء أنه أبو الزحف ~~بن عطاء بن الخطفى بن عم جرير من بنى كليب. # (٣) قبله: # * ودون ليلى بلد سمهدر * وبلد سمهدر: بعيد مضلة واسع. والمندى: حيث يرتع ~~ساعة من النهار. والأزور: الطريق المعوج. وأنضى البعير: # هزله بكثر السير. والخمس (بكسر السين) من ~~أظماء الإبل، أن ترعى ثلاثة أيام وترد اليوم الرابع. والعشنزر: الشديد. # (4) يعنى بالبيتين هنا شطرى الرجز. # (5) القوز (بالفتح): العالي من الرمل كأنه جبل. والفوارس: رمال بالدهناء. # (6) مطلعها: # ألم تسأل اليوم الرسوم الدوارس * بحزوى وهل تدرى القفار البسابس (1) في سيرة ابن هشام: " عبيد بن وهب ". # (2) راجع سيرة ابن هشام ص 192 طبع أوروبا وج‍ 1 ص 321 طبع مطبعة الحلبي. (1) أي معنى قوله " قيما ". # (2) راجع ج 4 ص 154. # (3) راجع ج 5 ص 288. # (4) راجع ج 15 ص 252 (5) هذا عجز بيت لغيلان بن حريث. وصيره كما فيا ~~للسان: # * يستوعب البوعين من جريرة * والمنحور (بالحاء المهملة وضم الميم) لغة في ~~النحر، وهو الصدر. وقد وردت هذه الكلمة في الأصول وصحاح الجوهري واللسان ms7171 ~~مادة " نخر "، ولدن " بالخاء المعجمة، وهو الانف. وقد استدرك عليه ابن بري ~~فقال: وصواب إنشاده كما أنشده سيبويه " إلى منحوره " بالحاء. وصف الشاعر ~~بعيرا أو فرسا بطول العنق، فجعله يستوعب من حبله الذي يوثق به مقدار باعين ~~فيما بين لحييه ونحره: الباع. والجرير: الحبل. (1) الحديث كما في كشف الخفا: " الدنيا خضرة... فناظر كيف... " رواه مسلم. # (2) أي يتطلع إليه وطمع فيه. (١) ص ٣٤٨ من هذا الجزء. # (2) في ج: وسيف جراز. وفى اللسان: سيف جراز بالضم قاطع. (1) في الكلمة أربع لغات: جرز، جرز، جرز، جرز. (١) في ج: وبنى من كانوا. # (٢) راجع ج ١٩ ص ٢٥٤. # (٣) راجع صحيح مسلم ج ٨ ص ٨٩ طبع الآستانة. ~~وشرح القسطلاني على صحيح البخاري ج ٤ ص ٢١٧، ج 5 ص ~~509 وج‍ 9 ص 5 طبع بولاق. (1) الإثارة: البقية. # (2) من ج. (1) في ج هامش: حتى رؤوسهم. # (2) في ج: في مجلسه. (1) من ج: (2) في ج: الدخول بها. # (3) في ج: ما قدمناه. راجع ص 159 من هذا الجزء. # (4) راجع ج 8 ص 143 وما بعدها. (1) الحجر: الموضع. وكل ما حجرته من حائط فهو جحر. (1) راجع ص 367 من هذا الجزء. # (2) يعجب: كيسمع، أي يرضى منه ويثيبه. # (3) الشظية (بفتح الشين وكسر الظاء): قطعة مرتفعة في رأس الجبل (4) أي ~~إذا نزل به مهم أو أصابة غم. # وفى الأصول: " إذا أحزنه " والتصويب عن كتب الحديث. (1) واحد الأسداد: سد، وهو ذهاب البصر، يقول: سدت على الطريق، أي عميت على ~~مذاهبي. (1) راجع ج 7 ص 371. (1) راجع ج 14 ص 69 فما بعد. # (2) راجع ص 260 من هذا الجزء. (1) صياقلة: شحاذو السيوف. # (2) من ج... (1) والبيت بتمامه كما في ديوانه: # وخفض عنى الصوت أقبلت مشية ال‍ * حباب وشخصي خشية الحي أزور والحباب ~~(بالضم): الحية. وقيل هذا بيت: # فلما فقدت الصوت منهم وأطفئت * مصابيح شبت بالعشاء وأنؤر وغاب قمير كنت ~~أهوى غيوبه *. روح رعيان ونوم سمر (2) وتماته: * وشكا إلى بعبرة وتحمم * ~~واللبان (بالفتح): الصدر. والتحمحم: صوت مقطع ليس بالصهيل. (1) ميل: جمع ms7172 أميل وهو والجبان. وله معالن. (1) في ج: إلا تضرب. # (2) زيادة من كتاب حياة الحيوان. # (3) في حياة الحيوان: # " سلام على نوح ". # (4) في ج: تبر. # (5) من ج. (1) راجع ج 6 ص، 65 (1) راجع ص 293 من هذا الجزء. # (2) في بعض نسخ الأصل بعد قوله " طليعة لهم ": " قال ابن عطية: فسمى بأسم ~~الحيوان الملازم لذلك الموضوع " ونراها غير لازمة. والذي في حياة الحيوان ~~للدميري في اسم الكلب: " وقالت فرقة: كأن أحدهم وكان قد فعد عند باب الغار ~~طليعة يهم، فسمى باسم الحيوان الملازم لذلك الموضع من الناس كما سمى النجم ~~التابع للجوزاء كلبا لأنه منها كالكلب من الانسان، وهذا القول يضعفه... " ~~الخ. # (3) الجبار: اسم الجوزاء. (1) مكان وحش: خال. # (2) في ج: قاله ابن عطية. (1) البيت لأمري القيس. والسحرة (بالضم): السحرة وقيل: أعلى السحر. وقيل: ~~هو من ثلث الليل الآخر إلى طلوع الفجر. (1) الربع (كمضر): الفصيل ينتج في الربيع. # (2) زيادة يقتضيها السياق. (1) راجع ج 8 ص 177. # (2) راجع ج 9 ص 258. # (3) راجع ج 7 ص 156. # (4) الترقوة: العظم الذي بين ثغره النحر والعاتق. (1) راجع ج 3 ص 62. (1) شموا جيش الخبط لأنهم خرجوا في سرية إلى أرض جهينة فأصابهم جوع فأكلوا ~~الخبط، فسموا به وهو خبط ورق العضاة من الطلح ونحوه وهو إسقاط ورقه بالخيط. # (2) راجع ج 12 ص 317. # (3) في ج: ورقة. (1) في ج وو حاشية الجمل عن القرطبي: مصنعا. # (2) في ج: " عن عبيد بن عمير ". # (3) من الجمل عن المصنف. (1) قوله: " إذا أغتم " أي تسخن بالخميصة وأخذ بنفسه من شدة الحر. # (2) أي في حالة الطرح والكشف. # (3) أي يحذر أمته أن يصنعوا بقبره مثل صنيع اليهود بقبور أنبيائهم. # (4) قوله " ألا " بتشديد اللام التحضيض. وقيل: بفتحها للتنبيه. # (5) لاطئة: لاصقة بالأرض. (1) الركية البئر. (1) أرض سبخة: ذات ملح ونز. # (2) من ج. # (3) في ج: نهاية. (1) راجع ج 8 ص 269. # (2) راجع ج 5 ص 284. # (3) راجع ج 18 ص 193. # (4) راجع ج 18 ص 45. # (5) البين من معلقة زهير. # (6) راجع ص 3 من هذا الجزء. # (7) راجع ج 13 ص... (1) القلطي (كعربي): القصير من الناس والسنانير والكلاب. قال ms7173 الدميري: " ~~والقلطي: كلب صيني ". # (2) هذا عجر بيت لأبي ذؤيب. وصدره. # * وعيرها الواشون أنى أحبها (1) راجع ج 6 ص 264. (1) في ى وه‍ ج: المغير. # (2) في ى: أي صل صلاة نسيتها إذا ذكرتها. # (3) في ج: بعد الانتشار. (1) في ج وى: لنسق. # (2) في ج وى: الأمم. ولعل هذا أوجه لان الأمم لا تستعمل إلا الشمسية. (1) راجع ج 6 ص 432. (1) كذا في الأصول أراد: قرأ هؤلاء هنا وفى الانعام " الغدوة ". # (2) في كتاب روح المعاني: # " وقرأ الحسن (ولا تعد عينيك) بضم التاء وسكون العين وكسر الدال المخففة، ~~من أعداء، ونصب العينيين. وعنه وعن عيسى والأعمش أنهم قرأوا (ولا تعد ~~عينيك) بضم التاء وفتح العين وتشديد الدال المكسورة، من عداه يعديه " ونصب ~~العينين أيضا. # (3) راجع ج 15 ص 276. (1) راجع ج 8 ص 164. (1) الكرفس: القطن. # (2) كذا في الأصل واللسان، واستدرك عليه صاحب اللسان بأنه الكذب ~~الحرمازي، وتابعه على هذا سيبويه والأعلم الشنتمري. مدح الراجز أحد بنى ~~المنذر بن الجارود العبدي، وحكم هذا أحد ولاة البصرة لهشام بن عبد الملك. ~~وسمى جده الجارود لأنه أعار على قوم فاكتسح أموالهم: فشبه بالسيل الذي يجرد ~~ما مر به. # (3) بفتح الواو وكسرها، ملك من ملوك الفرس. # (4) راجع ج 19 ص 160. # (5) راجع ج 17 ص 212. (1) الكثف: جمع كثيف، وهو الثخين الغليظ. # (2) الدردى (بالضم): ما يبقى في الأسفل. # (3) راجع ج 9 ص 51 3. # (4) راجع ج 16 ص 236. (1) غزالة الضحى وغزالاته: بعد ما تنبسط الشمس وتضحى. وقيل: هو أول الضحا ~~إلى مد النهار الأكبر حتى يمضى من النهار نحو من خمسه. # (2) رواية الديوان: " مشتجرا " والمشتجر: الذي قد شجر نفسه ووضع يده تحت ~~شجرة على حنكه أو على فمه. والشجر: ما بين اللحيين. ومذبوح،. شقوق. (1) راجع ج 1 ص 239. # (2) راجع ج 12 ص 28. # (3) راجع ج 14 ص... # (4) راجع ج 19 ص 141. # (5) راجع ج 16 ص 100. (1) الرقيق أي من الديباج. (1) الحجال، جمع الحجلة (بفتحتين) كالقبة، وموضع يزين بالثياب والستور ~~والأسرة للعروس. (1) راجع ج 15 ص 81 فما بعد. # (2) في ج وى: يستأجر. (1) من ج وى (1) راجع ms7174 ج 15 ص 81 فما بعد. # (2) راجع ج 15 ص 84 2 فما بعد. # (3) كذا في الأصول والصحاح للجوهري وقد نقله عنه صاحب اللسان. وكان ~~الأولى أنى قال: " فإذا وليه اسم ظاهر... ". (1) السلامي كحبارى: عظام الأصابع في اليد والقدم. # (2) كذا في الأصول واللسان مادة " كلا ". # وفى ديوانه المطبوع: " يوم صدق ". والبيت من قصيدة مطلها: # ألا حي المنازل والخياما * وسكنا طال فيها ما أقاما (3) في ج الجنتان ~~كلتاهما. (1) راجع ج 9 ص 324. # (2) راجع ج 7 ص 49. # (3) من ج وفى ى: حدثنا. # (4) في هذا الكلمة اثنا عشر لغة: نعم عين ونعمة ونعام ونعيم (بفتحتين) ~~ونعمى ونعامى ونعام ونعم ونعمة (بضمهن) ونعمة ونعام (بكسرها). وتنصب الكل ~~بإضمار الفعل، أي أفعل ذلك أنعاما لعينك وإكراما. (1) من ج وى. # (2) في ج وى: ويرميني بالطرف أي أنت مذنب. ويقليني لكن إياه لا أقلى. # (3) هو أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد. وهذه النسبة إلى مسيلة (كسفينة) ~~بلدة بالقطر الجزائري. # (4) راجع ج 11 ص 340. # (5) راجع ج 20 ص 244. (1) راجع ج 17 152. (1) راجع ج 9 ص 245 فما بعد. (1) راجع ج 18 ص 238. # (2) راجع ج 13 ص 216 فما بعد. # (3) راجع ج 20 ص 344. فما بعد. # (4) راجع ج 4 ص 24. (1) راجع ج 3 ص 282 فما بعد. # (2) راجع ج 16 ص 234. # (3) راجع ج 19 ص 247. (1) راجع ج 8 ص 326. (1) في ج: سنوات. # (2) في كتاب سيبويه: " فيدنك " وهي رواية أخرى في البيت. وقد نسبه سيبويه ~~إلى عمرو بن عمار الطائي. ومعنى صوب: خذ القصد في السير وارفق بالفرس ولا ~~تجهد. وأخرى القطاة: آخرها والقطاة: وقعد الرديف. (أي مؤخر الظهر حيث يكون ~~ردف الراكب) يقول هذه لغلامه وقد حمله على فرسه ليصيد له. # (راجع الشنتمري على كتاب سيبويه). (1) راجع ج 18 ص 140. # (2) راجع ج 13 ص 21 ص فما بعد. (1) من ج وى. (1) راجع ص 117 من هذا الجزء. # (2) راجع ج 211 ص 33 فما بعد. # (3) راجع ج 13 ص... # (4) راجع ج 17 ص 194 فما بعد. # (5) راجع ج 19 ms7175 ص 225 فما بعد. (1) راجع ج 19 ص 267 فما بعد. # (2) راجع ج 20 ص 147. # (3) راجع ج 11 ص 215 فما بعد. # (4) راجع ج 7 ص 42 (1) راجع ج 7 ص 42. (1) راجع ج 18 ص 268 فما بعد. # (2) راجع ج 19 ص 170. # (3) راجع ج 13 ص 175. # (4) راجع ج 5 ص 158. (1) راجع ج 1 ص 291. (1) في ج: وشوط. (1) في ج: المواظبين. (1) من ج وفي ا: ينخرط وفي ك وى والبحر: يتخرص. # (2) في ك: أبا عبد الله بن عبد الله. (1) راجع ج 1 ص 284. # (2) راجع ج 8 ص 333. (١) في الأصول: يزيد وهو تحريف والتصويب عن (التهذيب). # (٢) الزيادة من ك و (إعراب القرآن) ~~للنحاس. # (3) هو دريد بن الصمة، وتمام البيت: * سراتهم في الفارسي المسرد * (1) راجع ج 1 ص 375 فما بعد. # (2) الزيادة من تفسير (البحر المحيط). (1) راجع ج 10 ص 264 فما بعد. # (2) من ج. (1) راجع ج 7 ص 398. # (2) هذه قراءة (نافع) التي كان يقرأ بها المفسر رحمه الله تعالى. # (3) في ك: كأنه. # (4) راجع ج 10 ص 58. # (5) تحل: تقع ويؤذن فيها وهو (بكسر الحاء) وقيل: (بضمها). النووي. (1) راجع ج 3 ص 156 فما بعد. # (2) راجع ص 269 من هذا الجزء. # (3) راجع ج 16 ص 82. # (4) راجع ج 19 ص 80. # (5) راجع ج 10 ص 271. # (6) راجع ج 5 ص 245. # (7) راجع ج 7 ص 11. # (8) راجع ج 9 ص 328. (١) الزيادة من (إعراب القرآن) للنحاس. # (2) هذه قراءة الجمهور كما في البحر وغيره. # (3) من ك. # (4) ضرب الجمل الناقة يضربها إذا نزا عليها وأتت الناقة على مضربها: أي ~~على الزمن والوقت الذي ضربها الفحل فيه جعلوا الزمان كالمكان. (1) راجع ج 6 ص 130 فما بعد. # (2) راجع ج 9 ص 270 فما بعد. # (3) هو خداش بن زهير يقول: لا أزال أجنب فرسي جوادا ويقال: إنه أراد قولا ~~يستجاد في الثناء على قومي وفي (اللسان): (على الأعداء) يدل (بحمد الله). # (4) الكر والرس: نهران. # (5) في ج وك: إنما رسم له بحرتا. (1) في ى: عليه. # (2) الزيادة من كتب التفسير. # (3) في ج وك: فكيف. ms7176 # (4) في البحر: الحقب السنون. (1) راجع ج 9 ص 194 وص 176 وص 222. (1) من ك. # (2) راجع ج 17 ص 161. # (3) راجع ج 7 ص 85. # (4) أي قال ابن جريج - هو أحد رواة الحديث - ليست تسمية الفتى عن سعيد بن ~~جبير. (قسطلاني). # (5) ثريان: يقال مكان ثريان وأرض ثريا إذا كان في ترابهما بلل وندى. # (6) تضرب: اضطرب وتحرك إذ حيى في المكمل. (1) أي قال ابن جريج قال لي عمرو... الخ. # (2) من ج وك وى. # (3) الطاق: عقد البناء. # (4) الأغمار جمع غمر (بالضم): وهو الجاهل الغر الذي لم يجرب الأمور. # (5) راجع ج 2 ص 411 فما بعد. (1) في ك: صاحبه. # (2) سقط من ك وى: ليست. (1) في ك: ميتا. # (2) في الأصول: (نبغي) بالياء وهي قراءة (نافع). # (3) في ك: # لما مر الحوت وفقده. # (4) الذي في كتاب (العرائس) للثعلبي. (فقال أنا موسى، فقال: موسى بني ~~إسرائيل؟ # قال نعم، قال يا موسى لقد كان لك في بني إسرائيل شغل... الخ) ولعل ما هنا ~~زيادة في بعض النسخ. (1) في ك: المشترك. # (2) راجع ج 6 ص 365. # (3) راجع ج 14 ص 185. (1) الزيادة من البخاري. # (2) الزيادة من كتب اللغة. (1) راجع ج 3 ص 268. # (2) راجع ج 13 ص 252. # (3) الزيادة من كتب اللغة. (1) لأنها لم تبلغ الحلم وهو تفسير لقوله: (زكية) أي أقتلت نفسا زكية لم ~~تعمل الحنث بغير نفس. # ولأبي ذر: لم تعمل الخبث (بخاء معجمة وموحدة مفتوحتين). قسطلاني كذا في ~~ك. # (2) هو سفيان بن عيينة كما في القسطلاني. وقيل: كانت هذه أشد من الأولى ~~لما فيها من زيادة (لك). # (3) في ك وى: بيد غلام. (1) البيت من قصيدة مدحت بها الحجاج بن يوسف وقبله: # إذا نزل الحجاج أرضا مريضة * تتبع أقصى دائها فشفاها (2) قد كان حسان رضي ~~الله عنه قال شعرا يعرض فيه صفوان بن المعطل ويمن أسلم من العرب من مضر ~~فاعترضه ابن المعطل وضربه بالسيف وقال البيت. (راجع القصة في سيرة ابن ~~هشام). (1) في ك: الاعذار. # (2) في ك وى: التلوم. ولعله الأشبه. (1) كذا في ج وك وى. وفي ا: الداراني. وهو غلط. # (2) في ج ms7177 وك وى: ترك الحرمة. (1) في ك وى: في المجالس. # (2) في ك: متبعا. # (3) في ك: والقوة. # (4) في ك: للجهال من المتصوفة. (1) راجع ج 9 ص 64 فما بعد. # (2) هو صاحب المقامات المشهورة والبيت الذي لمح فيه إلى الآية من مقامته ~~(الصعدية)، في ك: تسخف. # (3) الكدية: تكفف الناس. # (4) الحديث في مخاصمة الزبير لرجل من الأنصار في سيول شريج الحرة فقال ~~صلى الله عليه وسلم: " إسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر " ~~أراد ما دفع حول المزرعة كالجدار. (1) الشطط: الجور والظلم يقول لا ينهى الظالم عن ظلمه إلا الطعن الجائف ~~الذي يغيب فيه الفتل. # (2) أي عنترة وتمام البيت: # * ولكان لو علم الكلام مكلمي * (1) راجع ج 12 ص 210. # (2) راجع ج 17 ص 18. # (3) راجع ج 13 ص 6. # (4) راجع ج 18 ص 286 فما بعد. # (5) ليعذر: بالبناء للفاعل من الاعذار والمعنى: ليزيل الله عذره من قبل ~~نفسه. # (6) الزيادة من صحيح الترمذي. # (7) زيادة يقتضيها السباق. # وفي الأصول: (أدخل قرآنا... الخ). (1) كذا في ك وى. وفي ا و ج و ح: التكليف. # (2) ألوى: ذهب بها حيث أراد. # شذب العروق: ظاهر العروق لقلة اللحم، من قولهم: رجل مشذب أي خفيف قليل ~~اللحم. (1) راجع ج 14 ص 196. # (2) في الأصول: (دانيال) وهو تحريف. # (3) من ج وك وى. # (4) راجع ج 15 ص 357. # (5) في ك وى: أن يعرفه. (1) راجع ج 7 ص 319 (2) وقيل: أمر عليهم مرثد بن أبي مرثد الغنوي (3) قال ~~القسطلاني: هذا وهم، وإنما هو خال عاصم لان أم عاصم جميلة بنت ثابت (4) ~~فدفد: رابية مشرفة (5) الرجل الآخر هو عبد الله بن طارق (1) من ج وك وى. # (2) من ج وى. # (3) في ك: لطولتهما. # (4) الدبر: الزنابير أو ذكور النحل. # (5) في ج وى: الشهيد. # (6) القحف: الجمجمة. (1) من ج وك وى. وهذا أشبه. # (2) حرة: أرض ذات حجارة سود. والشرجة: طريق الماء ومسيله. # (3) المسحاة: المجرفة من الحديد. # (4) راجع ج 13 ص 267. (1) راجع ج 8 ص 168 فما بعد. # (2) من ج وك وى: أي على شرف هلاك أو خوف. في ط الأولى قلة ms7178 وليست بصواب. (1) في ج وك وى: الحادث المقدم الوجود. # (2) الحديث في الجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة. # (3) راجع ج 16 ص 159. # (4) من ج وك وى. # (5) هو سوار بن المضرب. (1) الزيادة من صحيح البخاري. # (2) راجع ج 3 ص 39 وص 137. # (3) من ج وك وى. (1) في ج وك وى: أصيرم. # (2) راجع ج 2 ص 14. # (3) القرية هي مدينة الرسول عليه الصلاة والسلام، ومعنى أكلها القرى ما ~~يفتح على أيدي أهلها من المدن ويصيبون من غنائمها. # (4) راجع ج 8 ص 123. # (5) دنية: لحا وهو الأب الأقرب. # (6) في روح المعاني: دهنا. # (7) في ى: النحاس. (1) في هامش ج: ذويه. # (2) راجع ج 7 ص 342. # (3) في ج وك: سفينته. # (4) راجع ج 13 ص 110. (1) في ج وك وى: قاله. # (2) راجع ج 4 ص 55. # (3) راجع ج 7 ص 134 فما بعد. # (4) كذا في الأصول وهو واضح. # (5) في ج وك وى: رسالاته. (1) راجع ج 12 ص 98. # (2) هذه قراءة نافع التي كان يقرأ بها المفسر. راجع ج 7 ص 79. # (3) راجع ج 3 ص 30. # (4) من ج وك وى. # (5) الحديث كما في الأصول تصحيحه بما يأتي بعد. (1) وهل إلى الشئ كضرب أي غلط وذهب وهمه إلى خلاف الصواب والمعنى أن ~~الصحابة رضي الله عنهم غلطوا وذهب وهمهم إلى خلاف الصواب في تأويل مقالة ~~النبي صلى الله عليه وسلم فكان بعضهم يقول: تقوم الساعة عند انقضاء مائة ~~سنة فبين ابن عمر مراد النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: يريد بذلك أن ينخرم ~~ذلك القرن. ويجوز وهل كتعب. # (2) من ج وى. # (3) منفوسة: مولودة. # (4) في ج وى: بعض العمر. # (5) الجساسة: دابة الأرض التي تخرج آخر الزمان وسميت جساسة لتجسسها ~~الاخبار للدجال. (1) في ج وك: والخضر على جميع الأقوال. # (2) الزيادة والتصويب من (عقد الجمان) للعيني نقلا عن الثعلبي. وفي ج وك ~~وى: روى محمد بن المتوكل عن ضمرة عن عبد الله بن سوار ". # (3) في ج وك وى: يقال (4) كذا في ا وك وفي ج: يوقفه (5) راجع ج 15 ص 115. (1) راجع ج 4 ص 297. # (2) في ج: عرف اسمه. # (3) في ك: إلى ms7179 نفسه. (1) من ج وك وى. (1) من ج وك وى. # (2) في ج: عفوا. # (3) كذا في الأصول وفي قصص الأنبياء الثعلبي (رفائيل) وفي الدر المنثور ~~(زرافيل). # (4) الساهرة: أرض يجددها الله يوم القيامة. (1) هو عمر بن أبي ربيعة والنزيف: المحموم الذي منع من الماء والسكران. ~~والحشرج: النقرة في الجبل يجتمع فيها الماء فيصفو، والكوز الصغير اللطيف ~~أيضا. # (2) راجع ج 3 ص 289. (1) راجع ج 8 ص 128 وص 291. و ج 18 ص 86. # (2) راجع ج 15 ص 64. (1) راجع ج 13 ص 105. # (2) من ك. # (3) حرمد (بالفتح والكسر) كجعفر وزبرج. (1) في ك: المراد. # (2) في ك: هود. ولعله خطأ من الناسخ. (1) راجع ج 6 ص 182 فما بعد. # (2) راجع ج 16 ص 225 فما بعد. (1) راجع ج 17 ص 232. # (2) راجع ج 10 ص 100 (3) كذا في ك وى. # (4) في ك: إنهم. # (5) في ج: جابرلقا. جابرسا. # (6) كذا في الأصول. وتقدم تأويل. ولعل هذا تحريف من النساخ. (1) في ك: تهربوا. (1) من ج وك. # (2) الزيادة من الدر المنثور. (1) الأرز: شجر الصنوبر. # (2) النغف (بالتحريك): دود يكون في أنوف الإبل والغنم واحدتها نغفة. # (3) ينشفون الماء: أي ينزحونه. # (4) هذا من كلام الراوي. (هامش ابن ماجة). (1) قراءة نافع. # (2) من ك. # (3) تمامه: * أم هل عرفت الدار بعد توهم * (4) في ك: ينكلون. (1) في ج وك: بالأيدي. # (2) في ك: معونتهم. (1) هو عمرو بن معدى كرب الزبيدي والبيت بتمامه: # أمرتك الخير فافعل ما أمرت به * فقد تركتك ذا مال وذا نشب (2) التناوح: ~~التقابل. (1) راجع ج 14 ص 268. (1) من ك وى. وفي ا و ح و ج: فستحفرونه. # (2) وقال النحاس: لا يقدر أحد أن يتعلق بها، لان السين ساكنة والطاء ~~المدغمة ساكنة، وقال سيبويه: هذا محال. # (3) راجع 20 ص 54. (1) راجع ج 7 ص 20 فما بعد. (1) في ج: العرب. # (2) في ك وى: من صدر الآية. # (3) في ج: بفتح الباء. (1) في ك: يوم القيامة. # (2) راجع ج 16 ص 234. # (3) راجع ج 7 ص 191 فما بعد وص 165. # (4) حمش الساق: دقيقها. (1) راجع ج 10 ص 323. (1) راجع ج 15 ص 357. # (2) راجع ج 10 ص ms7180 5 وص 18 وص 198. # (3) راجع ج 13 ص 76. (1) راجع ج 9 ص 14. # (2) راجع ج 5 ص 180 فما بعد. # (3) من ج وك وى. (1) راجع ج 5 ص 181. # (2) راجع ج 12 ص 132. # (3) في ك: قال. (1) راجع ج 6 ص 285 فما بعد. # (2) من ج وك وى. (1) راجع ج 1 ص 154 فما بعد. # (2) من ك. (1) من ج وك وفي ا و ج وى: كتبها. # (2) في ك: نقص. # (3) راجع ج 4 ص 70. (1) راجع ج 7 ص 223 فما بعد. # (2) راجع ج 4 ص 74. # (3) كذا في الأصول إلا أنها ثلاث غيرك ففيها مسئلتان. (1) من ج وك. (1) هو الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب وهو من شعراء بني هاشم في عهد ~~بني أمية. # (2) راجع ج 13 ص 163. (1) راجع ج 4 ص 85 وص 79. # (2) راجع ص 34 وما بعدها من هذا الجزء. # (3) المراد بالقول الأول هنا قول القتبي. # (4) راجع ج 16 ص 48. (1) في ا و ج: ويسأله (2) راجع ج 4 ص 72 فما بعد. # (3) راجع ج 18 ص 140 فما بعد. # (4) من ج وك وى. (1) في ج وك وى: مستفيضة. # (2) راجع ج 8 ص 1. (1) من ج وك. # (2) راجع ج 4 ص 75 فما بعد. (1) راجع ص 130 من هذا الجزء. # (2) من ج وك. # (3) راجع ج 4 ص 74 وص 79. # (4) الجميلة. (1) في ج وك: حبلها. # (2) راجع ج 4 ص 80 فما بعد. (1) من ج وك. # (2) في ج: جذبه. # (3) في ج وك: أوصى. (1) الطمطمي: الأعجم الذي لا يفصح. # (2) راجع ج 4 ص 81. (1) راجع ج 1 ص 437. # (2) من ج وك. # (3) من ك. # (4) راجع ج 4 ص 86. # (5) في ج: الشر. # (6) (حنانك ذا الحنان) معناه: رحمتك يا رحمن. رواية اللسان: ويمنعها. (1) في ج وك: وعظم الهول. (1) راجع ج 10 ص 220. (1) راجع ج 2 ص 40 وص 305 ج 4. # (2) في ج وك: المتعبد. # (3) من ج وك. # (4) راجع ج 4 ص 83 وما بعدها. (1) في ج: ستا وخمسين. # (2) من ك. # (3) في ج: مقدورا. (1) من ج وك. # (2) في ك جاءه وأجاءه. ms7181 # (3) راجع ج 9 ص 269. (1) راجع ج 4 ص 74. # (2) في ج وك: عرف البشر. # (3) من ك. (1) السلم: الدلو التي لها عروة واحدة كدلو السقائين. والمدالي: المستقى ~~بالدلو. والهرهرة: صوت الماء إذا جرى. # (2) أي شق العير والأتان النبت الذي على الماء. ومسجورة: عين مملوءة. ~~والمتجاور المتقارب والقلام: نبت وقيل: هو القصب. والبيت من معلقته. # (3) أي على قراءة من فتح من وتحتها. # (4) راجع ج 12 ص 22. (1) البرني: ضرب من التمر أصفر مدور وهو أجود التمر واحد برنية. # (2) في ج وك: الجذع. (1) راجع ج 4 ص 69. # (2) راجع ج 7 ص 50 وما بعدها. # (3) في ج وك: جمعنا. # (4) الزيادة من الكشاف للزمخشري. (1) أي قبل التوكيد ودخول الجازم وهي بوزن تمنعين. # (2) تمامه: * طرت صبح تحت أذيال الدجى * (3) تمامه: * مأس زمان ذي انتكاس ~~مئوس * (1) الحديث كما في البخاري عن ابن عباس قال: بينا النبي صلى الله عليه وسلم ~~يخطب إذا هو برجل قائم فسأل عنه فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد ~~ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # (مره فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه). (1) راجع ج 18 ص 70 فما بعد. # (2) هو زرارة بن صعب بن دهر يخاطب العامرية وكان قد خرج معها في سفر ~~يمتارون من اليمامة فلما امتاروا وصدروا جعل زرارة بن صعب يأخذه بطنه فكان ~~يتخلف خلف القوم فقالت العامرية: # لقد رأيت رجلا دهريا * يمشى وراء القوم سيتهيا * كأنه مضطغن صبيا * يريد ~~أنه امتلأ بطنه فأجابها زرارة بالأبيات. و (حجريا) منسوب إلى حجر اليمامة ~~وهو قصبتها. (1) في الأصول: (تطعمينه) ولعله تصحيف. (1) هو زياد بن الحرث الصدائي كان قد أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~يؤذن لصلاة الفجر فأذن فأراد بلال أن يقيم فقال صلى الله عليه وسلم: " إن ~~أخا صداء قد أذن... " الحديث. # (2) راجع ج 12 ص 159 فما بعده (3) قال في (البحر): يجعل الخبر المعرفة ~~والاسم النكرة وحسن ذلك قليلا كونها فيها مسوغ جواز الابتداء بالنكرة وهو ~~الإضافة. (1) في ج وك: المضي. # (2) الزيادة من كتب التفسير. ms7182 # (3) هو الفرزدق وصدر البيت: # * فكيف إذا رأيت ديار قوم * (4) راجع ج 3 ص 371. # (5) راجع ج 13 ص 6. (1) في ك: الفشيري. # (2) من ج وك. (1) راجع ج 4 ص 81 وص 68. (1) في ج: زمانه. # (2) زيادة يقتضيها المقام. # (3) من ج وك. # (4) راجع ج 16 ص 195 فما بعد. (1) راجع ج 10 ص 100 فما بعد. # (2) راجع ج 7 ص 17 فما بعد. # (3) راجع ج 4 ص 46. (1) بضاحية المطرية. # (2) في ك: ذلك المكان. # (3) الأشمونين: إحدى قرى مركز ملوى. # (4) قسقام: هي القوصية الآن إحدى قرى مركز منفلوط. # (5) المحرقة: وتعرف اليوم بالدير المحرق بمركز منفلوط. # (6) راجع ج 2 ص 87 فما بعد. # (7) راجع ج 19 ص 19 (1) راجع ج 6 ص 21 فما بعد وص 374 فما بعد. (1) الأملح: الذي بياضه أكثر من سواده وقيل النفي البياض. # (2) راجع ج 10 ص 18 فما بعد. (1) راجع ج 5 ص 272. # (2) راجع ج 1 ص 233 و ج 2 ص 132. # (3) راجع ج 7 ص 22. # (4) راجع ج 9 ص 121. (1) من ك. # (2) راجع ج 13 ص 67 فما بعد. # (3) راجع ج 18 ص 58 فما بعد. (1) راجع ج 18 ص 58 فما بعد، وص 55 فما بعد. # (2) في ج وك: معاذ. # (3) في الطبعة الأولى: أسامة وليس بصحيح. (1) راجع ج 1 ص 130. # (2) راجع ج 10 ص 367. # (3) راجع ج 1 ص 121. (1) بكسر اللام قراءة (نافع). # (2) راجع ص 191 فما بعد من هذا الجزء. # (3) راجع ج 15 ص 98 فما بعد. # (4) كذا في ج وا و ح وك. وفي ى: المتراحف وصوابه: المتراصف: أي المنتظم. (1) راجع ج 8 ص 212 فما بعد. # (2) الوأي، الوعد. (1) في ى: لا يلزم فيها بشئ. # (2) قاله في (التاريخ الأوسط) كما في (تهذيب التهذيب). # (3) أي في تثنية الرضا. # (4) راجع ج 13 ص 36. (1) راجع ج 7 ص 232 فما بعد. # (2) يتأمل هذا مع ما ثبت من نبوة آدم وشيث. # (3) من ج وك وى. # (4) في ج: من حديث شريف. (1) في ج: حمله ملك الشمس. (1) في ج: فأذن الله له. # (2) في ج وك: ms7183 بعد حين. # (3) راجع ج 4 ص 297. # (4) راجع ص 135 من هذا الجزء: إن صح هذا فهو دليل على ورود النظر. # (5) راجع ج 10 ص 33. (1) راجع ج 10 ص 341 فما بعد. # (2) هو عبد الله بن رواحة يبكى حمزة بن عبد المطلب رحمه الله وأنشده أبو ~~زيد لكعب بن مالك في أبيات. (1) من ك. (1) راجع ج 7 ص 310 فما بعد. # (2) أي نقص والتطفيف يكون بمعنى الزيادة والنقص. (1) من ب و ج وط وز وك. (1) راجع ج 1 ص 190 فما بعد. # (2) من ب و ج وز وط وك. # (3) كذا في روح المعاني وهو الصواب وفي الأصول وكثير من المراجع: (من بني ~~الشديد). # (4) في ى: وركب المقطور. ولعله أشبه. # (5) البيت للمرقش كما في اللسان. # (6) راجع ج 13 ص 76. # (7) من ب و ج وز وط وك. (1) في ى: إلا أنه. # (2) هو رؤبة ونسبه ابن بري العجاج. (اللسان). (1) راجع ج 14 ص 268. # (2) راجع ج 17 ص 210. # (3) من ب وز وط وك. (1) راجع ج 14 ص... # (2) الرواجب: ما بين عقد الأصابع من داخل أو مفاصل أصول الأصابع واحدتها ~~راجبة. (1) راجع ج 20 ص 91 فما بعد. # (2) من ب و ج وز وط وك وى. # (3) راجع ج 1 ص 448. (1) في ط الأولى: أي. خطأ. # (2) راجع ج 1 ص 103 فما بعد. (1) راجع ج 15 ص 340. (1) راجع ج 15 ص 72 فما بعد. # (2) كذا في ا وفي ب و ج وز وط وك. يقرن. وفي ى: يحشر. # (3) في ز: حزنهم. # (4) العتل: الدفع والارهاق بالسوق العنيف. قعد مستوفز أي غير مطمئن. # (5) راجع ج 16 ص 174. # (6) من ج وط وك. # (7) الاستيفاز: عدم الاطمئنان قال الجوهري: # (8) في ج: ولما يدهمهم. (1) راجع ج 15 ص 254. (1) راجع ج 14 ص 1 فما بعد. (1) من ب و ج وز وك. # (2) (صليا) بضم الصاد قراءة (نافع) وعليها التفسير. # (3) راجع ج 19 ص 270. # (4) ونسبه في اللسان مادة (فيه) إلى الزفيان، وأورده في أبيات هي: # ما بال عين شوقها استبكاها * في رسم دار لبست بلاها ms7184 تالله لولا النار أن ~~نصلاها * أو يدعو الناس علينا الله * لما سمعنا لأمير قاها * ألقاه: ~~الطاعة. (1) (إلا تحلة القسم): أي لا يدخل النار ليعاقبه بها ولكنه يجوز عليها فلا ~~يكون ذلك إلا بقدر ما يبر الله به قسمه. # (2) راجع ج 17 ص 29. # (3) من ب و ج وز وط وك. # (4) الحضر (بالضم): # العدو وشد الرجل: عدوه أيضا. (1) راجع ص 345 من هذا الجزء. # (2) دحض مزلة: هما بمعنى وهو الموضع الذي نزل فيه الاقدام ولا تستقر. # (3) راجع ج 13 ص 267. # (4) يقال: ماء أزرق إذا كان صافيا. وجمام جمع جم وجمة وهو الماء المجتمع. ~~والحاضر: النازل على الماء. والمتخيم: المقيم وأصله من تخيم إذا نصب ~~الخيمة. # يصف زهير الظعائن بأنهن في أمن ومنعة فإذا نزلن نزلن آمنات كنزول من هو ~~في أهله ووطنه. والبيت من معلقته. (1) الزيادة من (تهذيب التهذيب) وتفسير الطبري. # (2) كذا في ب و ج وك: بالمعجمة. وفي ا وز وط بالمهملة. # (3) راجع ج 19 ص 141 فما بعد. (1) راجع ج 8 ص 324 فما بعد. # (2) (كان): بالافراد واسمها ضمير يعود. # على الموت المفهوم مما سبق أي كان موتهم له حجابا. ولأبي ذر عن الكشميهني ~~(كانوا له حجابا). (قسطلاني). (1) من ب وز وط وك. # (2) في ا وب و ج وز وط وك. وفي ى: يعني. (1) راجع ج 2 ص 29. # (2) الزيادة من (الصحاح) للجوهري. # (3) هو امرؤ القيس. والفرع: الشعر التام. والمتن ماعن يمين الصلب وشماله ~~من العصب واللحم. والفاحم الشديد السواد. وأثيث: كثير أصل النبات. والقنو: ~~العذق وهو الشمراخ. والمتعثكل الذي قد دخل بعضه في بعض لكثرته. وقيل: ~~المتدلي. (1) الذي في الشواذ لسعيد بن جبير. # (2) في التهذيب: الكوفي. (1) راجع ج 4 ص 286 فما بعد. # (2) راجع ج 7 ص 65. (1) راجع ج 4 ص 280 فما بعد. # (2) راجع ج 10 ص 414 فما بعد. # (3) القين: الحداد والصائغ. (1) من ب و ج وز وط وك وى. (١) راجع ج ١٣ ص ٢١٩ فما بعد. # (٢) راجع ج ٧ ص ١١٣. # (٣) أي من القرآن قال الآلوسي: (وهذا ms7185 أول ~~موضع فيه من القرآن وقد تكرر في النصف ~~الأخير فوقع في ثلاثة وثلاثين موضعا). # (4) راجع ج 12 ص 149 فما بعد. # (5) راجع ج 13 ص 91. # (6) راجع ج 19 ص 82. (1) المطر الجود: الغزير. # (2) في ك: قالوا. # (3) راجع ج 13 ص 303 فما بعد. (1) راجع ج 20 ص 122 فما بعد. (1) راجع ج 10 ص 288. (1) راجع ج 15 ص 97. # (2) في ج وب وز وك: أوفاد. # (3) راجع ج 6 ص 423. # (4) من ب و ج وز وط وك وى. (1) راجع ج 15 ص 284 فما بعد. # (2) الغرل (جمع الأغرل): وهو الأقلف. # (3) راجع ج 4 ص 273. (1) في ا: أفواجا. # (2) الزيادة من (اللسان). # (3) القليب: البئر. # (4) صدره: # * صبحن من وشحى قليبا سكا * وشحى: اسم بئر. والسك: الضيقة. والتك الورد: ~~ازدحم وضرب بعضه بعضا. وطمت البئر تطمو طموا وتطمى طميا: امتلأت. (1) راجع ج 19 ص 82. # (2) في ب و ج وز وك: الرب. # (3) راجع ج 3 ص 268 فما بعد. # (4) أي من حوله وقوته لله. # (5) الزيادة من رواية الترمذي. (1) راجع ج 18 ص 306. # (2) أي من نفست به فأدمى النفاس عقبيك فهو ابنك. (1) في الأصول: الاد القوة والشدة في ج الاد: أيضا القوة. وصوابه كما في ~~اللسان: الاد بالكسر الشدة والاد بالفتح الغلبة والقوة. # (2) الصمل الشديد الصلب. وورد في كتب اللغة: (صملا نهدا) والنهد: # القوى الشديد. # (3) ليس في الأصول أبو عبد الله إلا نسخة ا. # (4) راجع ج 16 ص 4. (1) راجع 19 ص 242 وص 47 فما بعد. # (2) البيت للعباس بن عبد المطلب رضي الله عنه. # والحراقف (جمع حرقفة): مجتمع رأس الفخذ. والنطق (جمع نطاق): ما تشد به ~~الأوساط. # (3) أي قال عون كما في (الدر المنثور) وغيره. # (4) كذا في الأصول ولعله (غالب بن حجرة) وط هنا تحريف. (1) راجع ج 2 ص 85. # (2) هو ابن أحمر الباهلي يصف جبلا. والخلقاء: الصخرة ليس فيها وصم ولا ~~كسر أي الملساء. والعنقاء: أكمة جبل مشرف. (1) راجع ج 13 ص 239 فما بعد. # (2) كذا في ج وفي ا و ح: العبد. # (3) تقدم الحديث في ج ms7186 2 ص 85 بلفظ آخر. (1) راجع ج 18 ص 213 فما بعد. # (2) كذا في الأصول إلا ا: ينفعه. # (3) راجع ج 13 ص 113 فما بعد. # (4) راجع ج 7 ص 89 فما بعد. (1) في ب و ج وز وط: المقه: والمقه بكسر الميم وآخره هاء: المحبة وفي ك: ~~الشفقة. # (2) من ب و ج وط وك. (1) من ب و ج وز وط وك. # (2) راجع ج 3 ص 14 فما بعد. # (3) من ب و ج وط وك وز. # (4) توجست: تسمعت البقرة صوت الناس فأفزعها ولم تر الناس. والأنيس سقامها ~~معناه: والأنيس هلاكها: # أي يصيدها. # (5) يصف طرفة في هذا البيت أذني ناقته يعنى أذنيها لا تكذبها النبأة. ~~والمندد صفة للصوت والصوت المندد المبالغ في النداء. ويروى: (لصوت مندد) ~~بالإضافة وكسر الدال والأولى هي الرواية الجيدة. (1) من ب و ج وز وط وك. # (2) صبا الرجل: خرج من دين إلى دين آخر. (1) الهينمة: الكلام الخفي لا يفهم. # (2) من ب و ج وط وز وك. (1) راجع ج 19 ص 50 فما بعد. # (2) في ب و ج وط وز وك: هذا الامر. # (3) راجع ج 10 ص 193 فما بعد. # (4) هو متمم بن نويرة وواءل: طلب النجاة. (1) في الأصول جميعا: يا هادي الخلق إلى الملة. # (2) راجع ج 4 ص 232 فما بعد. # (3) راجع ج 18 ص 3 فما بعد. (1) الزيادة من تفسير الزمخشري. # (2) الشعر للفرزدق وتمام البيت: # راحت بمسلمة البغال عشية * فارعي فزارة لا هناك المرتع قال هذا حين عزل ~~مسلمة بن عبد الملك عن العراق ووليها عمر بن هبيرة الفزاري فهجاهم الفرزدق ~~ودعا لقومه ألا يهنئوا النعمة بولايته. وأراد بغال البريد التي قدمت بمسلمة ~~عند عزله. (شواهد سيبويه). # (3) الزيادة من كتب التفسير. (1) راجع ج 10 ص 353. # (2) من ب و ج وط وز وك. # (3) كذا في ب و ج وط وز وى. # أي تورمت كذا في ا. (1) راجع ج 7 ص 219 فما بعد. # (2) هذه الرواية وما شاكلها رواها عن ابن عباس رواة غير ثقات وقد تكلم ~~العلماء في ms7187 هذه الرواية وأمثالها. (1) في ب و ج وز وط وك وى: غلظه. # (2) من ب و ج وز وط وك وى. # (3) راجع ج 10 ص 342. # (4) راجع ج 7 ص 325 فما بعد. (1) في ى: توره. (1) راجع ج 13 ص 280. # (2) راجع ج 5 ص 33 فما بعد. # (3) الزيادة من الترمذي. (1) قوله في التعبير: يعنى تعبير الرؤيا. # (2) من ب و ج وز وط وى. # (3) راجع ج 19 ص 58 فما بعد. # (4) في ب و ج وز وط: نزع. (1) راجع ج 7 ص 188 فما بعد. # (2) في ك: من قبل. (1) راجع ج 10 ص 156 فما بعد. # (2) راجع ج 8 ص 262 فما بعد. (1) راجع ج 15 ص 243 فما بعد. # (2) راجع ج 10 ص 272. # (3) راجع ج 7 ص 353. (1) راجع ج 18 ص 97 فما بعد. # (2) في ج وط وك وى. ابن أبي الحجاج وما أثبتناه في الأصل هو ما عليه ~~التهذيب. # (3) من ج وك. # (4) راجع ج 10 ص 302 فما بعد. (1) راجع ج 1 ص 344 فما بعد. # (2) راجع ج 8 ص 199 فما بعد. # (3) راجع ج 18 ص 43. # (4) راجع ج 2 ص 61. # (5) من ج وك وط وى. # (6) في ب وز وك: بأسانيد. (1) عمر بن أبي عمر: هو أحد رواة هذا الحديث عن مكحول عن ابن عباس. ولفظ ~~الحديث في الدارقطني هكذا: # (إذا نس أحدكم الصلاة فذكرها وهو في صلاة مكتوبة فليبدأ بالتي هو فيها ~~فإذا فرغ منها صلى التي نسى) كذا في ب وز وك. # (2) إن نافية أي ما صليتها. # (3) بطحان (بالضم أو الصواب الفتح وكسر الطاء): موضع بالمدينة. (1) في ك وط وى. # (2) الزيادة من الدارقطني. # (3) هذه النسبة إلى بيع الخرق والثياب. (1) هو الأخفش الأكبر عبد الحميد بن عبد المجيد. # (2) خفاهن: أظهرهن. والانفاق: # (جمع نفق): وهو الحجر. والودق: المطر. والمجلب: الذي له جلبة. وقبله: # ترى الغار في مستيفع القاع لاحبا * على جدد الصحراء من شد ملهب يقول: وقع ~~حوافر الفرس على الأرض أخرج الفأر من حجرتها لأنه ظنه مطرا. # (3) قاله وهو محبوس ms7188 حبسه سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه لهجائه بعض ~~بني جرول بن نهشل ولم يزل في حبسه إلى أن مات. (1) من ك وز. # (2) راجع ج 12 ص 283 فما بعد. # (3) هو زيد الخيل. # (4) راجع ج 1 ص 452 فما بعد. (1) من ج وط وك وى. (1) راجع ج 9 ص 152 وص 357. # (2) راجع ج 7 ص 152. # (3) راجع ج 9 ص 357. # (4) في ج وط وك وى: المسؤول. # (5) وروى عن النخعي أيضا أنه قرأ: (وأهش) بضم الهمزة والشين من (أهش) ~~رباعيا. (1) المهيع: الطريق الواضح الواسع البين. # (2) راجع ج 7 ص 325 وص 327 فما بعد. # (3) راجع ج 14 ص 264 فما بعد. (١) في ج: لصلواتي. # (٢) العنزة: مثل نصف الرمح أو أكبر شيئا وفيها سنان مثل سنان الرمح. # (٣) المخصرة بالخاء المعجمة والصاد المهملة: ما يختصره الانسان بيده ~~فيمسكه من عصا أو عكازة أو مقرعة أو قضيب وقد يتكئ عليه. النهاية. (1) هذا من حديث فاطمة بنت قيس حيث جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فذكرت له أن أبا جهم بن حذيفة ومعاوية بن أبي سفيان خطباها فقال: (أما أبو ~~جهم فرجل لا يرفع عصاه عن النساء وأما معاوية فصعلوك لا مال له) الترمذي. # (2) راجع ج 5 ص 174. (1) راجع ج 13 ص 283. # (2) راجع ج 7 ص 293 فما بعد. (1) في ب وز وك: يغشى. بالمعجمة. # (2) في ك: أي. # (3) هذه العبارة يجب اطراحها في كلام الباري فالكبرى معناها العظمى. ~~محققه. (1) راجع ج 16 ص 99. (1) في ج وز وك: يفقهوه. # (2) معناه لا يعلم ولا يفهم. ونقهت الحديث أنقهه إذا فهمته. # (3) في ج وى: عمى. # (4) راجع ج 16 ص 295. # (5) هذا البيت من قصيدة له قالها في أمر الشعب والصحيفة. (1) في ب و ج وز وط وك وى: سبب العقلة في لسانه. ولهذا اللفظ وجه. # (2) من ب وط وز وك. # (3) من ب و ج وى. (1) من ج وك. # (2) راجع ج 13 ص 330 فما بعد. (1) فوهة الوادي بالضم والشد: فمه كفوهته. # (2) في ب و ج وز وط ms7189 وك وى: عطية. # (3) راجع ج 13 ص 250 فما بعد. (1) راجع ص 81 فما بعد من هذا الجزء. (1) راجع ج 6 ص 18. # (2) هو العجاج. (1) من ب و ج وى. # (2) مسح معناه يصب الجرى صبا. والسابحات اللاتي عدوهن سباحة والسباحة في ~~الجري بسط الأيدي. والكديد: الموضع الغليظ. والمركل: الذي يركل بالأيدي. ~~ومعنى البيت: # أن الخيل السريعة إذا فترت فأثارت الغبار بأرجلها من التعب جرى هذا الفرس ~~جريا مهلا. (1) في ج وك: وقيل. # (2) راجع ج 19 ص 189 فما بعد. # (3) من ب و ج وي وك وى. # (4) راجع ج 2 ص 16 فما بعد. # (5) راجع ج 1 ص 227. (1) راجع ج 8 ص 377 فما بعد. (1) من ك. # (2) راجع ج 13 ص 264 فما بعد وص 259. # (3) البعداء: أي في النسب. # البغضاء: أي في الدين وقول أسماء: كذبت يا عمر أي أخطأت وقد استعملوا كذب ~~يعنى أخطأ. (1) الزيادة يقتضيها السياق. # (2) في ا: يستحى. # (3) من ب و ج وط وك وى. (1) كذا في ب وط وى وهو الصواب. وأبو نضرة المنذر بن مالك بن قطعة. # (2) الأعماق: موضع من أطراف المدينة ودابق: اسم موضع سوق بها. والشك من ~~الراوي. (1) راجع ج 7 ص 280 فما بعد وص 296. # (2) راجع ص 349 من هذا الجزء. # (3) راجع ج 17 ص 149. # (4) في ب و ج وز وط ك وى: تحفظه. # (5) لا فرق في اللغة بين المداد والحبر ولعل المراد الكتابة بالحبر ~~الأسود خاصة فالتفرقة بحسب اللون على ما يبدو. # (6) الخلوق: طيب معروف يتخذ من الزعفران وغيره. (1) في (أدب الدنيا والدين): عبيد الله بن سليمان. # (2) راجع ج 14 ص 91. (1) (مهادا) بالجمع: قراءة (نافع) وعليها الأصل. # (2) من ب و ج وز وي وك وى. # (3) راجع ج 19 ص 169 فما بعد. # (4) راجع ج 18 ص 306. # (5) راجع ج 16 ص 64. (1) السختيت: دقاق التراب: وهو الغبار الشديد الارتفاع. ويروى: (الشختيتا ~~بالشين المعجمة. # (2) راجع ج 6 ص 387 فما بعد. (1) راجع ج 13 ص 163. (1) راجع ج 10 ص 29 فما بعد. # (2) راجع ج 9 ص ms7190 81 (2) راجع ج 2 ص 153 (1) كذا في جميع الأصول. # (2) راجع ج 9 ص 281. (1) راجع ج 15 ص 39 فما بعد. (1) الزيادة من كتب التفسير. # (2) ويروى: (إلا مسحت) ومن وراه كذلك جعل معنى. (لم يدع) لم يتقار ومن ~~رواه (إلا مسحتا) جعل (لم يدع) بمعنى لم يترك. ورفع (مجلف) بإضمار كأنه ~~قال: أو هو مجلف. # (اللسان). # (3) المجلف: الذي بقيت منه بقية. # (4) راجع ج 5 ص 382 فما بعد. (1) من ك: (2) راجع ج 6 ص 13، وص 246. راجع ما نقله القرطبي في رد هذا ~~الكلام ج 6 ص 15. وكان إغفال المصنف لهذا أولى لأنه قدح في خط المصحف ~~المروى عن أئمة اللغة الثقات. (1) راجع ج 8 ص 320 فما بعد. # (2) هو المتلمس كما في (اللسان). # (3) صمم الشجاع في عضته: أي عض ونيب فلم يرسل ما عض. # (4) هو هوبر الحارثي. والهابي من التراب ما ارتفع ودق. # (5) قيل: هو لبعض أهل اليمن وأن قبله: # أي قلوص راكب تراها * طأروا علاهن فطر علاها واشدد بمثنى حقب حقواها * ~~ناجية وناجيا أباها والحقو: الخاصرة. والناجية: السريعة. # (6) نسبه الجوهري لأبي النجم وأن قبله: # واها لسلمى ثم واها واها * هي المنى لو أننا نلناها يا ليت عيناها لنا ~~وفاها * بثمن نرضى به أباها إن أباها... الخ. ونسبه بعضهم لرؤبة. وقيل: ~~لبعض أهل اليمن وأن قبله: # أي قلوص راكب تراها * طاروا علاهن... الخ. (١) راجع ج ١٧ ص ٣٠٥. # (٢) الزيادة من (إعراب القرآن) للنحاس. # (3) من ب و ج وط وك (1) من ب و ج وط وك. # (2) الزيادة يقتضيها السياق. # (3) في ب وك: الا ثبت. (1) راجع ج 15 ص 304 فما بعد. # (2) نبايع: اسم مكان أو جبل أو واد في بلاد هذيل ويجمع على (نبايعات). (1) تلقف بالتشديد قراءة (نافع). # (2) راجع ج 7 ص 257 فما بعد. (1) العبارة هنا على إطلاقها تفيد أن هذه قراءة الجمهور. والجمهور قرأ: ~~(كيد ساحر) برفع (كيد) كما في (البحر) وغيره قال في البحر: وقرأ الجمهور: ~~(كيد) بالرفع. # (2) راجع ج 2 ص 43 فما بعد. # (3) راجع ج 7 ms7191 ص 259. # (4) راجع ج 13 ص 339. (1) في ب وا و ج وط وك: مرت. # (2) في ا وب وط وك وي: وليس فيها روح. # (3) في ب و ج وط: (تجوفت أو لم تتجوف - ما تجوفت) بالجيم. (1) من ب و ج وط وك وى. # (2) راجع ج 7 ص 258. # (3) البيت للأخطل وهو نصراني. (1) راجع ج 5 ص 253. # (2) راجع ج 10 ص 396. # (3) راجع ج 1 ص 389 فما بعد. (1) من ب و ج وز وط وك وى. # (2) راجع ج 14 ص 249. # (3) هو عبد يغوث بن وقاص من شعراء الجاهلية. وصدر البيت: # * وتضحك مني شيخة عبشمية * (4) البيت من أبيات لقيس بن زهير بن جذيمة بن ~~رواحة العبسي وكان قد نشأت بينه وبين الربيع بن زياد شحناء في شأن درع ~~فاستاق إبل الربيع وباعها بمكة من عبد الله بن جدعان القرشي. (1) راجع ج 13 ص 100 فما بعد. # (2) راجع ج 15 ص 305 فما بعد. (1) راجع ج 1 ص 394 وص 406. # (2) من ب وط وى. (1) راجع ج 9 ص 33. # (2) بالتصغير بن ماتع (بالتاء المثناة الفوقية) الأصبحي. # (3) راجع ج 19 ص 72. # (4) في ك: قعره. (1) من ى. وفي ك: تعالى. # (2) من ا وب و ج وز وط وك وى. (1) في ب و ج وك وى: وصرفه. # (2) المراد بالرقة هنا التعطف. # (3) راجع ج 7 ص 294 فما بعد. # (4) أي من أهل الهند كما في بعض الاخبار. (1) راجع ج 7 ص 286 فما بعد. # (2) في ب و ج وز وط وك: غضب الرب. (1) كذا في ب و ج وط وى. والذي في ا: من الذين. # (2) راجع ج 7 ص 277. # (3) من ب وط وى. (1) في ب و ج وط وك: وجوه. (1) راجع ج 7 ص 289 فما بعد وص 286 وص 253. # (2) من ب و ج وط وك. # (2) الرمكة: الفرس والبرذونة التي تتخذ النسل معرب. وهي هنا الفرس. ~~والوديق: التي تشتهى الفحل. (1) راجع ج 7 ص 274. # (2) أي من بين مثر ومقل. # (3) من ك. (1) كذا في الأصول ولم نقف عليه. # (2) في ك: وصاحبيه. # (3) كذا ms7192 في النحاس. والذي في الأصول: فعلت المرأة. (1) هو أبو زبيد والشوس (بالتحريك) قال ابن سيده: أن ينظر بإحدى عينيه ~~ويميل وجهه في شق العين التي ينظر بها ويكون ذلك خلقة ويكون من الكبر ~~والتيه والغضب. (1) في ب وز: منصوب. # (2) راجع ج 16 ص 93. (1) راجع ج 7 ص 20 فما بعد. # (2) من ك. # (3) راجع ج 10 ص 333. # (4) من ب و ج وط وك. (1) من ك. (1) في ك: ماء. # (2) البيت للأعشى وقد وصف بعد المسافة بينه وبين الممدوح الذي قصده ~~ليستوجب بذلك جائزته. والدكداك: من الرمل المستوى. الأعقاد (جمع) عقدة وهو ~~المنعقد من الرمل المتراكب. # (3) زيادة يقتضيها المعنى. # (4) في ك: نافعا بالله ولله الحمد. وفي ز: نافعا بإذن الله والحمد لله. (1) راجع ج 17 ص 26. # (2) سمى الفيل والجاموس أقهبين للونهما وهو الغيرة. (1) في ك: الخضوع. (1) أنشده الفراء لكثير كما في (اللسان). # (2) راجع ج 3 ص 271 فما بعد. (1) راجع ج 16 ص 93. # (2) راجع ج 19 ص 104. # (3) راجع ج 5 ص 168. (1) راجع ج 18 ص 43. # (2) زيادة يقتضيها السياق. (1) راجع ج 16 ص 220. # (2) راجع ج 1 ص 291 فما بعد. (1) في الأصول في هذه الآية مسألتان ولكن المثبت مسألة واحدة. ولعل الثانية ~~هي القراءة. (1) راجع ج 7 ص 177 وص 180. # (2) راجع ج 1 ص 308 فما بعد وص 305. # (3) في ب و ج وز وط: رتبهم. (1) راجع ج 6 ص 238. # (2) في الأصول: اللفظ للبخاري. والتصويب عن صحيح مسلم. # (3) من ب و ج وك. # (4) ثلاثا: أي قال النبي صلى الله عليه وسلم (فحج آدم موسى) ثلاث مرات. # (5) راجع ج 4 ص 243. # (6) راجع ج 14 ص 63. # (7) راجع ص 111 من هذا الجزء. () راجع ج 1 ص 319 وص 328 فما بعد. (1) عيش أرفغ ورافغ ورفيغ. # (2) راجع ج 10 ص 174 وص 333. # (3) في ك: دلائلنا. (1) راجع ج 18 ص 188. # (2) راجع ج 10 ص 56 فما بعد. (1) راجع ج 15 ص 32 فما بعد. (١) عبست في أبوالها: هو أن تجف أبوالها وأبعارها على أفخاذها وذلك إنما ~~يكون من الشحم. ms7193 # (٢) الزيادة من (النهاية) لابن الأثير. # (3) راجع ج 17 ص 55. (1) من ب و ج وز وط وك وى. # (2) راجع ج 3 ص 66. (1) راجع ج 1 ص 146 فما بعد. (1) راجع ج 4 ص 242. # (2) راجع ج 20 ص 37. (1) راجع ج 18 ص 255 فما بعد وص 297 (2) راجع ج 16 ص 257 (3) راجع ج 19 ص ~~136 (4) هو كثير عزة أي تلوح آثاره وتتبين تبين الوشى في خلل السيوف، وهي ~~أغشية الأغماد واحدتها خلة. (1) راجع ج 6 ص 247. # (2) هو الفرزدق يهجو عمرو بن عفراء. ودياف: موضع بالجزيرة، وهم نبط ~~الشام. والسليط، الزيت. # (3) من ب و ج وز وط وك وى. (1) (قل) على الامر قراءة (نافع). # (2) راجع ج 9 ص 200 فما بعد. (1) راجع ج 7 ص 388. # (2) راجع ج 18 ص 276. # (3) (يوحى) بالياء قراءة نافع. (1) راجع ج 13 ص 4. # (2) صدر البيت: * فلا لعمر الذي مسحت كعبته * أقسم بالله أولا ثم بالدماء ~~التي كانت تصب في الجاهلية على الأنصاب. (1) راجع ج 16 ص 93 فما بعد. (1) وتروى حضوراء (بالألف الممدودة) وفي ح الجمل بوزن شكور. # (2) كذا في الأصول: الأب ففيه ضئن كثير الملح صححه في الهامش. # (3) هو ذو الرمة يذكر غزالا شبهه وهو نائم بدملج فضة قد طرح ونسي. ونبه: ~~أي منسي نسيته العذارى في الملعب. (1) راجع ج 15 ص 211. # (2) راجع ج 12 ص 121 فما بعد. (1) هو زهير بن أبي سلمى والبيت من معلقته وتمامه: * أنيق لعين الناظر ~~المتوسم * (2) راجع ج 14 ص... (1) راجع ج 2 ص 7 فما بعد. # (2) راجع ج 7 ص 95 فما بعد. (1) راجع ج 1 ص 289 فما بعد. (1) (يوحى) بالياء قراءة (نافع). (1) راجع ج 3 ص 261 فما بعد. # (2) راجع ج 14 ص 356. (1) في ب و ج وك: توسطتها. # (2) زيادة يقتضيها السياق. # (3) راجع ج 18 ص 194. (1) من ب و ج وز وك. # (2) راجع ج 1 ص 258 فما بعد. # (3) راجع ج 18 ص 174. # (4) راجع ج 20 ص 10. # (5) راجع ج 13 ص 184. (1) راجع ج 16 ص 205 ms7194 فما بعد. # (2) راجع ج 10 ص 90 وص 10. # (3) راجع ج 12 ص 92 فما بعد. (1) راجع ج 10 ص 227 فما بعد. # (2) راجع ج 19 ص 188. # (3) راجع ج 9 ص 122. # (4) راجع ج 17 ص 145. (1) هو أبو خراش الهذلي ورفاه سكته من الرعب يقول: سكنوني. اعتبر بمشاهدة ~~الوجوه وجعلها دليلا على ما في النفوس. # (2) راجع ج 4 ص 297 فما بعدها. (1) راجع ج 10 ص 62. # (2) قاله لامرأة له من بجيلة كانت تلومه في فرس كان يؤثره على خيله ~~ويطعمه ألبان إبله. # (3) راجع ج 14 ص 46. (1) صدر البيت: * والنبع في الصخرة الصماء منبته * (2) البيت: للجعدي ~~وصدره: * كانت فريضة ما تقول كما * (3) في ب و ج وط وك وى: نظير هذه الآية. ~~راجع ج 10 ص 226. # (4) راجع ج 7 ص 398. (1) هو كعب بن زهير وعجزه. * وآمرت نفسي أي أمري أفعل * (2) راجع ج 9 ص 58 ~~فما بعد. (1) في ج: (حكاه الثعلبي). # (2) راجع ج 9 ص 333. (1) هو قيس بن الخطيم الأنصاري. # (2) هو للرماح بن ميادة مدح به الوليد بن يزيد بن عبد الملك. (1) راجع ج 7 ص 165. # (2) راجع ج 10 ص 418. # (3) راجع ج 14 ص 66 فما بعد. # (4) كذا في الأصول. # (5) كذا في ك. وفي غيرها من الأصول: إذ. # (6) من ب و ج وز وط وك. (1) راجع ج 15 ص 64. # (2) راجع ج 6 ص 208. # (3) راجع ج؟ ص 20. (1) راجع ص 74 من هذا الجزء فما بعد. # (2) راجع ج 4 ص 40 فما بعد. (1) هو مالك بن خالد الخناعي الهذلي. وحيد هنا (كعنب): كل نتوء في الجبل. ~~والمشمخر: الجبل العالي. # والظبان: ياسمين البر. والمعنى: لا يبقى. # (2) راجع ج 15 ص 94. # (3) راجع ج 18 ص 129. (1) في الأصول: (أي) وهو تحريف. # (2) في الأصول: (فيكون مبتدأ وخبره محذوف وهو تحريف. # (3) من ب و ج وز وط وك. (1) راجع ص 110 من هذا الجزء. # (2) راجع ج 7 ص 25. # (3) راجع ج 15 ص 19 فما بعد. (١) راجع ج ٧ ص ٢٥ فما بعد. # (٢) الزيادة من (أحكام القرآن) لابن ~~العربي. # (3) راجع ms7195 ج 15 ص 232 فما بعد. (1) كذا في ب و ج وز وى. وفي ا وط: عبادتهم. (1) وقيل: اسمه (هيزن) كما في تاريخ الطبري وتفسيره. وقيل: (هيون). (1) الزربية: الطنفسة وقيل: البساط ذو الخمل وزايها مثلثة. (1) من ب و ج وز وط وك وى. # (2) سبق أن نبهنا على أن ابن عباس يكذب عليه بعض الرواة. # (3) من ك. # (4) كذا في ك. وفي غيرها من النسخ: لوط. وهو خطأ. # (5) راجع ج 15 ص 97 فما بعد. (1) كذا في ب وز وك. وهو الأشبه. والشراة جبل بنجد لطيئ. وفي ا و ج وط: ~~السراة بالمهملة: جبل من عرفات إلى حد نجران. # (2) في ك: نجد بالحجاز. # (3) كذا في ك: وفي ب و ج وز وط: حذف. بالمهملة. # (4) راجع ج 18 ص 312. # (5) راجع ج 17 ص 131. (1) في ك: سعيد. # (2) من ب و ج وز وط وى. (1) كذا في ك. وفي ب و ج وز وط وى: عليه. (1) في ج وز: دليلا بل. # (2) راجع ج 10 ص 174. (1) في ك: القضية. # (2) من ب و ج وز وط وى. # (3) ضامن بمعنى مضمون. (1) في ز: لم ينازع. (1) راجع ج 19 ص 170. # (2) راجع ج 14 ص 308. # (3) راجع ج 7 ص 44. (1) في ك: الزروع. (1) في ا وب و ج و ح وز وط وك: (أضرت) والتصويب من (الموطأ). (1) كذا في ب و ج وز وط وك. وكذا في التهذيب. # (2) قراح: مزرعة. (1) راجع ج 14 ص 264 فما بعد. # (2) هو أبو كبير الهذلي واسمه عامر بن الحليم؟؟ من قصيدة أولها: # أزهير هل عن شيبة من معدل * أم لا سبيل إلى الشباب الأول والبئيس: ~~الشجاع. والروق: القرن. وذو نعاج: يعني ثورا والنعاج: البقر من الوحش. # (3) البيت لبيهس الفزاري. # (4) (ليحصنكم) بالياء قراءة نافع. (1) كذا في ب و ج وز وط وك وى، وهو الصواب. # (2) راجع ج 13 ص 12 فما بعد وص 72. (1) في ك: فمدت. # (2) راجع ج 15 ص 198 فما بعد. (1) راجع ج 15 ص 207. # (2) في ك: سقطت من جلده فطلبها ليردها فلم يجدها. ms7196 فسيأتي. (1) راجع ج 7 ص 286 فما بعد. (1) في ج: الشيطان. # (2) من ك. # (3) راجع ج 15 ص 212 فما بعد. (1) في ك: كريم النوال. # (2) من ب و ج وز وط وك. # (3) راجع ج 3 ص 230. # (4) راجع ج 1 ص 404 و ج 7 ص 295. # (5) في ج: جار. (1) في ج وز وك وى. # (2) من ب. # (3) الزيادة من صحيح الترمذي. (1) في الأصول: عمرو بن عبد الله. والتصويب من التهذيب. (1) الربع: ما ولد من الإبل في الربيع. (1) راجع ج 18 ص 253. # (2) راجع ج 15 ص 121. (1) راجع ج 15 ص 121. # (2) راجع ج 4 ص 233 فما بعد. # (3) راجع ج 9 ص 313 فما بعد. # (4) راجع ج 18 ص 170. (1) راجع ج 14 ص (2) في الأصل (سليمان بن المعتمر) وهو تحريف والتصويب من ~~(تهذيب التهذيب). (1) راجع ج 15 ص 127. # (2) راجع ج 9 ص 132. # (3) كذا في الأصول، ولعله (عبد الله بن إدريس) فإن عبد الله المذكور حدث ~~عنه العبدي كما في (تهذيب التهذيب). (1) راجع ج 2 ص 308 فما بعد. # (2) راجع ج 7 ص 223 فما بعد وص 180. # (3) راجع ج 15 ص 121. (١) قفيرة (كجهينة): أم الفرزدق. والبيت لجرير من قصيدة يهجو بها الفرزدق. # (٢) راجع ج ٣ ص ٣٦٢. # (٣) الزيادة من (إعراب القرآن) للنحاس. # (4) راجع ج 7 ص 150. # (5) راجع ج 4 ص 158. (1) راجع ج 4 ص 74 فما بعد. # (2) راجع ص 81 من هذا الجزء. # (3) راجع ج 7 ص 224 فما بعد. (1) في ك: ألة الدعاء. لعله الأصل. (1) راجع ج 8 ص 193 فما بعد. # (2) راجع ج 6 ص 22 فما بعد. (1) كذا في ب و ج وط وى. # (2) راجع ج 4 ص 318. (1) في الأصول: سليم بن حيان وكذا في التهذيب بالفتح ولعل صوابه: سليمان ~~كما في التهذيب أيضا إذ هو الراوي عن ابن أبي هند. والله أعلم. (1) راجع ج 9 ص 245 فما بعد. # (2) البيت من معلقته وصدره: # * وإن تك قد ساءتك منى خليقة * (3) وقيل: هو للبيد كما في (اللسان) مادة ~~(عسل). # (4) القارب: السائر ليلا. (1) راجع ج ms7197 15 ص 39 فما بعده وص 99 فما بعد وص 232 فما بعد. # (2) البيت لامرئ القيس وهو من معلقته وتمامه: * بنا بطن خبت ذي قفاف ~~عقنقل * (3) راجع ج 12 ص 76 فما بعد. (1) كذا في ط وك: جهلوها. وفي غيرهما: جهلوا. # (2) في ك: يا بن الزبعري. # (3) راجع ج 16 ص 102. (1) راجع ج 1 ص 235 فما بعد. # (2) راجع ج 9 ص 78 فما بعد. (1) راجع ج 10 ص 333. # (2) راجع ج 12 ص 153. # (3) راجع ص 135. # وص 152 ص 149 من هذا الجزء. # (4) راجع ج 9 ص 93 فما بعد. (1) من ب و ج وط وز وك. # (2) راجع ج 15 ص 357. (1) راجع ج 15 ص 277 فما بعد. # (2) (الكتاب) بالافراد قراءة نافع. # (3) الكرب: حبل يشد على عراقي الدلو ثم يثنى ثم يثلث ليكون هو الذي يلي ~~الماء فلا يعفن الحبل الكبير. (1) راجع ج 19 ص 225. وص 47. # (2) هذا القول يحتاج إلى تدبر كما قال الآلوسي. # (3) راجع ج 9 ص 383. # (4) راجع ج 7 ص 42. # (5) راجع ج 10 ص 417. (1) راجع ج 15 ص 284 فما بعد. # (2) راجع ج 7 ص 272. (1) راجع ج 6 ص 285 فما بعد. # (2) راجع ج 8 ص 31. (1) (قل) على صيغة الامر قراءة نافع. # (2) راجع ج 7 ص 250 فما بعد. (1) راجع ص 79 وص 87 من هذا الجزء. # (2) يعنى غالبه مكي. (1) الرقمة الهنة الناشئة في ذراع الدابة. # (2) الشامة: علامة تخالف البدن الذي هي فيه. # (3) في بعض النسخ: " تسعمائة وتسعة وتسعون " فالنصب على المفعولية، ~~والرفع على الخبرية. (1) راج ج 1 ص 161. # (2) راجع ج 3 ص 33. (1) في الأصول: " بضرب " والتصويب عن سيرة ابن هشام. وقبله: # نحن قتلنا كم على تأويله * كما قتلنا كم على تنزيله والرجز لعبد الله بن ~~رواحة، ارتجزه وهو يقود ناقة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل ~~مكة في عمرة القضاء. - راجع سيرة ابن هشام). # (2) راجع ج 19 ص 47. # (3) راجع ج 3 ص 33 فما بعد. (1) في الأصول: " بطريان ". (1) الأثر: الاجل، وسمى به لأنه يتبع العمر. (1) راجع ms7198 ج 7 ص 168. # (2) راجع ص 108 فما بعد من هذا الجزء. # (3) راجع ج 18 ص 132. # (4) راجع ج 15 ص 326. # (5) راجع ج 20 ص 113 فما بعد. وص 119. # (6) في الأصول: الطبائع. (1) من ك. # (2) الغرة عند الفقهاء: ما بلغ ثمنه نصف عشر الدية من العبيد والإماء. # (3) راجع ج 18 ص 162 فما بعد. (1) زيادة عن سنن ابن ماجة. (1) راجع ص 226 من هذا الجزء فما بعد. # (2) راجع ج 5 ص 23 فما بعد. # (3) الوهد والوهدة: # المطمئن من الأرض كأنه حفرة. # (4) راجع ج 15 ص 184 فما بعد. # (5) راجع ج 7 ص 124. # (6) راجع ج 15 ص 38 فما بعد. # (7) المكتب المعلم. # (8) راجع ج 10 ص 140. (1) المخمل: الذي يخمل نفسه، أي يسيرها ويخفيها لئلا يشعر به الصيد والغضى: ~~الشجر، والعرب تقول: # أخبث الذئاب ذئب الغضى، وإنما صار كذلك لأنه لا يباشر الناس إلا إذا أراد ~~أن يغير. والضراء (بالفتح والمد): # الشجر الملتف في الوادي يستر من دخل فيه. وفلان يمشى الضراء: إذا مشى ~~مستخفيا فيما يواري من الشجر. # (2) راجع ص 91 من هذا الجزء. # (3) في ك: الحق في أفعاله. وفي ط: " وقيل الحق أي بمعنى كذا في أفعاله " (1) راجع ج 14 ص 57. # (2) راجع ج 18 ص 126 فما بعد وص 231. # (3) راجع ج 10 ص 321 وص 114. # (4) راجع ج 19 ص 111 فما بعد وص 231. # (5) راجع ج 13 ص 250. # (6) راجع ج 20 ص 234. # (7) راجع ج 1 ص 157. (1) راجع ج 14 ص 298. (1) راجع ج 8 ص 321. # (2) راجع ج 15 ص 232. # (3) الأشطان: جمع شطن، وهو حيل البئر. واللبان (بفتح اللام): الصدر. ~~والأدهم: الفرس. يريد أن الرماح في صدر هذا الفرس بمنزلة حبال البئر من ~~الدلاء، لان البئر إذا كانت كثيرة الجرفة اضطربت الدلو فيها فيجعل لها ~~حبلان لئلا تضطرب. (عن شرح المعلقات). (1) راجع ج 16 ص 96. # (2) من ك. # (3) راجع ج 11 ص 186. # (4) هذا البيت أول أبيات ليزيد بن ربيعة بن مفرغ الحميري. وعدس: زجر ~~للبغل ليسرع. وعباد هو ابن زياد أخو عبيد الله بن زياد الذي قاتل ms7199 الحسين بن ~~علي رضي الله عنهما في كربلاء. هجا ابن مفرغ هذا عبادا فحقد عليه وجفاه، ~~فأخذه أخوه عبيد الله وحبسه وعذبه، فلما طال حبسه دخل أهل اليمن إلى معاوية ~~فشفوا فيه فأطلق سراحه. (راجع الشعر والشعراء لابن قتيبة وخزانة الأدب في ~~الشاهد الثالث بعد الثلثمائة والثامن والعشرين بعد الأربعمائة). # (5) راجع ج 20 ص 149. (1) في الأصول الفقيمي والتصويب عن تفسير الطبري. (1) راجع ج 1 ص 433. # (2) ويروى: " تزجى " بالزاي والجيم، والازجاء السوق. # والخواتيم جمع الخاتام لغة في الخاتم. يريد أن سلاطين الآفاق يرسلون إليه ~~خواتمهم خوفا منه فيضاف ملكهم إلى ملكه. وهذا البيت من قصيدة لجرير يمدح ~~بها عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك. (عن خزانة الأدب). (1) راجع ج 1 ص 291. # (2) راجع ج 10 ص 112. # (3) راجع ج 19 ص 150. # (4) راجع ج 15 ص 26 فما بعد. (1) راجع ج 6 ص 374. # (2) راجع ج 9 ص 385، والقطر النحاس المذاب والآني الذي انتهى إلى حره. (1) راجع ج 19 ص 169 فما بعد. # (2) تروى تسوق إليه الماء، أي تصير له كالراوية. # واللقى (بالفتح): الشئ الملقى لهوانه. والصفصف: المستوي من الأرض. # (3) القارص: الحامض من ألبان الإبل خاصة. وقيل: القارص اللبن الذي يحذي ~~اللسان، ولم يخصص. (1) هذا على مذهب الأخفش والكوفيين الذين يجيزون زيادة " من " في الايجاب. ~~أما الذين لا يجيزون زيادتها في الايجاب فقال بعضهم إنها للتبعيض إنها ~~للابتداء، وبعضهم إنها بيانية. (راجع البحر المحيط) وروح المعاني في الكلام ~~عن هذه الآية). # (2) راجع ج 14 ص... (1) راجع ج 19 ص 141. # (2) راجع ج 14 ص.... # (3) الذي في المصحف طبعة الحكومة المصرية أنها بالألف في الموضعين. # (4) المصمت: الذي لا يخالطه غيره. # (5) في ك: عن. (1) راجع ج 10 ص 397. (1) من ك. # (2) راجع ج 9 ص 314. (1) راجع ج 16 ص 283. # (2) راجع ج 4 ص 237. # (3) في ك: الأئمة. (1) راجع ج 6 ص 153. # (2) أحد رجال سند الحديث. (1) أثبتها ورش عن نافع في الوصل دون الوقف. (1) عدن: مدينة مشهورة واقعة بالقرب من مدخل البحر الأحمر، وتضاف إلى " ~~أبين " وهي بخلاف عدن. # (2) راجع ms7200 ج 18 ص 241. # (3) راجع ص 14 من هذا الجزء. # (4) الفلج (بتحريك ثانية): # موضع لبني جعدة بن قيس بنجد، وهو في أعلى بلاد قيس (راجع معجم ما استعجم ~~وكتاب خزانة الأدب في الشاهد التاسع والثمانين بعد السبعمائة). # (5) القائل هو قيس بن زهير العبسي، شاعر جاهلي. وهو من قصيدة دالية قالها ~~فيما كان شجر بينه وبين الربيع بن زياد العبسي. (راجع خزانة الأدب في ~~الشاهد السادس والثلاثين بعد الستمائة). (1) الشث: شجر طيب الريح مر الطعم يدبغ به. والمرخ: شجر كثير النار. ~~والشبهان: نبت شائك له ورد لطيف أحمر. # (2) راجع ج 13 ص 230. # (3) راجع ج 2 ص 122. # (4) البيت من قصيدة لعمرو بن معديكرب الزبيدي. (1) راجع ج 9 ص 259. # (2) راجع ص 53 من هذا الجزء فما بعد. # (3) راجع ج 8 ص 104 وص 69. (1) راجع ج 20 ص 153. (1) خلط الهرولة (بالكسر) أي شيئا مخلوطا بالهرولة، بأن يمشى حينا ويهرول ~~حينا أو معتدلا. # (2) راجع ج 2 ص 195. (3 * راجع ج 11 ص 285. # (4) هذا أول أرجوزة من أراجيز رؤية بن العجاج، وبعده: # * مشتبه الاعلام لماع الخفق * (1) راجع ج 2 ص 413. # (2) راجع ج 3 ص 1. (1) راجع ج 7 ص 152 وص 72 فما بعد. (1) من ك. (1) في ب وج‍ وك: بظاهر الامر. (1) كذا في جميع الأصول. والمتبادر أنه استدلال للقول الثاني. فليتأمل. (1) قراءة نافع راجع ج 6 ص 302. # (2) راجع ج 2 ص 365 فما بعد. (1) الدافة: القوم يسيرون جماعة سيرا ليس بالشديد. والدافة: قوم من الاعراب ~~يريدون المصر، يريد أنهم قوم قدموا المدينة عند الأضحى، فنهاهم عن ادخار ~~لحوم الأضاحي ليفرقوها ويتصدقوا بها فينتفع أولئك القادمون بها. # (ابن الأثير). (1) في ك: بعد. (1) راجع ج 20 ص 216. # (2) رثى له النبي صلى الله عليه وسلم أن مات بمكة. يعنى في الأرض التي ~~هاجر منها: (راجع ترجمته في كتاب الاستيعاب). (3) راجع ج 7 ص 0008؟؟؟ (1) من معاني النحب: الحاجة والنذر. # (2) ساخين: تاركين. (1) في ب وج‍ وط وك: عريب. (1) المؤلل: المحدد. والربرب: القطيع من بقر الوحش، وقيل الظباء. وهذه ~~الرواية في البيت مخالفة ms7201 لما في ديوانه ومعلقته. والرواية فيهما: # مؤللتان تعرف العتق فيهما * كسا معتى شاة بحومل مفرد ؟؟؟ بالشاة هنا ~~الثور الوحشي. (1) راجع ج 6 ص 31. # (2) في ك: جنس الأوثان. (1) راجع ج 10 ص 368. # (2) راجع ج 18 ص 212. (1) في الأصول: " وأضاف إلى القلب ". (١) راجع ج ٢ ص ٣٦٥ فما بعد. # (٢) مثلثة النون، وبضمتين. # (٣) الانتصار: الانتقام. (1) البيت بتمامه: الحافظو عورة العشيرة لا * يأتيهم من ورائنا نطف (2) ~~راجع ج 7 ص 365. # (3) راجع ج 15 ص 248. (1) راجع ج 6 ص 258. (أي أكثروا عليه. وأحفى في السؤال وألحف بمعنى ألح. # (3) أرم الرجل: سكت، فهو مرم. # (4) الزيادة عن صحيح مسلم. # (5) راجع ج 7 ص 366. # (6) راجع ج 10 ص 298 (1) " فاعل " الذي لا يجمع على " فواعل " إذا كان وصفا لمذكر عاقل، أما " ~~صافن " فليس وصفا لعاقل. # (2) في شرح الأشموني على ألفية ابن مالك أنها فارس وناكس وهالك وغائب ~~وشاهد. # (3) راجع ج 15 ص 192. (1) هذه رواية البيت كما في ديوانه. وروايته في الأصول: # ألم تكسف الشمس ضوء النهار * والبدر للجبل الواجب ويريد بالجبل: فضالة بن ~~كلدة. وهو من قصيدة يرثيه بها، وفيها: # لهلك فضالة لا تستوى * الفقود ولا خلة الذاهب (2) البيت من معلقة عترة. ~~والجزر: جمع جزرة، وهي الشاة والناقة تذبح وتنحر. (1) هذا صدر بيت، وعجزه كما في ديوانه: # * وحملت مهري وسطها فمضاها * (2) هذه اللغة لم تجدها في المعاجم، على أن ~~في العبارة ها هنا اضطرابا. والذي في كتب اللغة أنه يقال: قنع الرجل يقنع ~~(بفتح النون فيهما) قنوعا إذا سأل. وقنع يقنع (بكسر النون في الماضي وفتحها ~~في المستقيل) قناعة وقنعا وقنعانا - كما ذكر المؤلف - إذا رضى. راجع معاجم ~~اللغة. (1) في ك: يدبرها. # (5 - 12) (1) الأملح: الذي بياضه أكثر من سواده. وقيل: النفي البياض. # (2) الصفاح (بكسر الصاد) الجوانب، المراد الجانب الواحد من وجه الأضحية، ~~وإنما ثنى إشارة إلى أنه فعل ذلك في كل منهما. # (3) راجع ج 2 ص 120. # (4) أي خصيين. # (5) كذا في كل الأصول. راجع ج ؟؟ وص 152. # (6) في الأصول: وإليك. (1) راجع ج 8 ص 33. # (2) في ك: " فلان بن فلان ms7202 ". (1) في ك، وصفح. # (2) يلاحظ أن الذي تقدم في الجزء الثاني ص 347 عند قوله تعالى: # " وقاتلوا في سبيل الله... " خلاف ما هنا. (١) راجع ج ١٠ ص ٢٣١. # (٢) هذا دليل قاطع بأن الجهاد شرع ~~لحماية الدعوة. # (3) راجع ج 8 ص 143. (1) من ب. # (2) كذا في ب وز وط وك. وفى ا وج‍ " بينته ". # (3) بالتخفيف قراءة نافع. (1) ما بين المربعات عبارة أبى حيان. والذي في ا و ج وب: صلوثيا بكسر الصاد ~~والثاء المثلثة. (1) في ج وك: لهم. # (2) راجع ج 14 ص.... (1) راجع ج 4 ص 228. # (2) راجع ج 10 ص 410. # (3) البيت للشماخ. كما في اللسان من البسيط وليس برجز. والغمر (بفتح ~~الغين وكسر الميم) لغة في الغمر (بضم الغين وسكون الميم) وهو الغر الذي لم ~~يجرب الأمور. # (4) هذا عجز البيت. وصدره: * وتيهاء لم يترك بها جذع نخلة * (5) راجع ج 5 ~~ص 282. (1) في ب وك: وأنه إله لهم. # (2) أصفقوا على الامر: اجتمعوا عليه. (1) السدر من الشجر، وهو سدران: أحدهما بري لا ينتفع بثمره ولا يصلح ورقه ~~للغسول ثمره عفص لا يسوغ في الخلق، والعرب تسميه الضال. والسدر الثاني: ~~ينبت الماء وثمره النبق وورقه غسول. # (2) العضاه: # كل شجر يعظم وله شوك، واحدها عضاهة وعضهة وعضة. # (3) القتاد: شجر صلب له شوك كالإبر. # (4) راجع ج 11 ص 274. (1) راجع ج 10 ص 298. # (2) راجع ج 7 ص 237 وص 398. (1) راجع ج 1 ص 184. (1) راجع ج 2 ص 5. # (2) المحدثون (بفتح الدال وتشديدها) قال ابن الأثير: إنهم الملهمون، ~~والملهم هم الذي يلقى في نفسه الشئ فيخبر به حدسا وفراسة، وهو نوع يختص به ~~الله عز وجل من يشاء من عباده الذين اصطفى مثل عمر، كأنهم حدثوا بشئ ~~فقالوه. # (3) هو سارية بن زنيم بن عبد الله. وكان من قصته أن عمر رضي الله عنه ~~أمره على جيش وسيره إلى فارس سنة ثلاث وعشرين، فوقع في خاطر سيدنا عمر وهو ~~يخطب يوم الجمعة أن الجيش المذكور لاقى العدو وهم في بطن واد وقد هموا ~~بالهزيمة، وبالقرب منهم جبل، فقال في أثناء خطبته: يا ms7203 سارية، الجبل الجبل! ~~ورفع صوته، فألقاه الله في سمع سارية فانحاز بالناس إلى الجبل وقاتلوا ~~العدو من جانب واحد، ففتح الله عليهم. (راجع ترجمته في كتب الصحابة). (1) في ج: حديث حسن. # (2) راجع ج 17 ص 99. (1) في ك: لمن. # (2) كذا في ب. # (3) راجع ج 10 ص 300. # (4) راجع ج 17 ص 99. # (5) راجع ج 15 ص 355 فما بعد. (1) من ك. (1) راجع كتاب الشفا للقاضي عياض ج 2 ص 116، 131 طبع الآستانة. # (2) راجع ج 13 ص 93. # (3) راجع ج 9 ص 356. (1) راجع ج 10 ص 299. # (2) راجع ج 5 ص 381 فما بعد. (1) راجع ج 17 ص 102. # (2) راجع ج 2 ص 143. (1) راجع ج 17 ص 50. (1) راجع ج 5 ص 347 فما بعد. # (2) القعص: أن يضرب الانسان فيموت مكانه. # وأراد بوجوب المآب حسن المرجع بعد الموت. # (3) راجع ج 10 ص 313. (1) راجع ج 16 ص 38 فما بعد. # (2) راجع ج 2 ص 354. # (3) راجع ج 4 ص 56. (1) راجع ج 14 ص 78. # (2) راجع ص 6 من هذا الجزء. # (3) البيت لجميل بن عبد الله صاحب بثينة. والقواء (بفتح القاف): القفر. ~~والبيداء: القفر أيضا، الذي يبيد من سلك فيه. والسملق (بفتح السين وسكون ~~الميم وفتح اللام): الأرض التي لا تنبت، وهي السهلة المستوية. (شواهد ~~العبنى). (١) كذا في ب وط وك وى. وفى أ وج‍: بحيلنه. # (٢) راجع ج ١٤ ص ٢٧٦. # (٣) راجع ج ٧ ص ٧٢. # (٤) ص ٥٨ من هذا الجزء. (1) كذا في أ وب وج‍ وط وك وى. (1) راجع ج 4 ص 232. (1) في ك: حول البيت. # (2) ما نقله المؤلف رحمه الله عن الجوهري مذكور كله في الصحاح إلى قوله: # "... شر ذبذبه ". والذي يبدو أن نسخة المصنف من الجوهري غير مشتملة على ~~هذه الجمل. وفى ج: وفى التنزيل يدل وفى الحديث. # (3) في ب وك: قرض. # (7 - 12) (1) راجع ج 7 ص 36. # (2) راجع ج 15 ص 11. # (3) راجع ج 1 ص 344. (1) راجع ج 18 ص 144. # (2) راجع ج 4 ص 157. (1) راجع ج 7 ص 80 وص 300. # (2) راجع ج 15 ص 326. # (3) راجع ج 2 ص 155 وج‍ ms7204 3 ص 430. (1) راجع ج 2 ص 126 وص 153 فما بعد. # (2) في ك: علماء. # (3) راجع ج 1 ص 164، 343 وج‍ 4 ص 156. # (4) من ك. (1) من ك. (1) راجع ج 1 ص 181 وص 374. # (2) راجع ج 2 ص 158. (١) الآراب: جمع الإرب (بكسر فسكون) وهو العضو. # (٢) كذا في أ وب وج‍ وط وك. # (٣) كذا في كل الأصول وهي لغة الحجاز والتذكير لغة نجد وبها جاء القرآن. # (4) هو أحد رجال سند الحديث المتقدم. # (5) راجع ج 1 ص 343، ج 3 ص 99. (1) راجع ج 14 ص 51 فما بعد. (1) في ب: البهى. # (2) في ب وط: يجاوزن. # (3) راجع ج 5 ص 129. # (4) في ك: من لا تحل. # (5) راجع ج 7 ص 242 فما بعد. (1) راجع ج 1 ص 164 فما بعد. # (2) كذا في ب‍ وج‍ وك. (1) راجع ج 15 ص 195 فما بعد. # (2) هذا عجز بيت من معلقة امرئ القيس. وصدره: # * وإن تك قد ساءتك منى خليقة * (3) البيت لحسان بن ثابت. # (4) نسب صاحب لسان العرب هذا البيت لهند بنت النعمان (مادة سلل). # وتجللها: علاها. وقوله: " بغل " قال ابن بري: وذكر بعضهم أنها تصحيف، وأن ~~صوابه " نغل " بالنون وهو الخسيس من الناس والدواب، وفى ب و ج وك: تحللها. ~~بالمهملة وهو المشهور. # (5) راجع ج 6 ص 387. # (6) راجع ص 6 من هذا الجزء. (1) راجع ج 7 ص 39. # (2) البيت لزهير بن أبي سلمى يمدح هرم بن سنان. والفري: القطع. # (3) كذا في ك وز. وفى ب وج‍ وط: مسألة. (1) في الدر المنثور: " أعجزتم أن تقولوا كما قال هذا الغلام ". # (2) كذا في الأصول، وسياق الكلام يقتضى أن تكون العبارة هكذا: فأراد ابن ~~عباس بقوله: " خلق ابن آدم من سبع هذه الآية... " الخ. # (3) راجع ج 19 ص 218 فما بعد. # (4) كذا في ك. وفى ب وج‍ بالافراد. # (5) راجع ج 3 ص 271. (1) راجع ج 10 ص 14. # (2) راجع ج 18 ص 222. (1) راجع ج 13 ص 39. (1) راجع ج 17 ص 185. # (2) راجع ج 19 ص 220. # (3) راجع ج 3 ص 264، ج 7 ص 287. (1) أيلة: تعرف اليوم باسم " العقبة ms7205 ". # (2) راجع ج 2 ص 361. # (3) كذا في الأصول ولسان العرب مادة " سور " بالخاء المعجمة. وأورده صاحب ~~خزانة الأدب بالحاء المهملة، قال: " والأحمرة جمع حمار (بالحاء المهملة) ~~جمع قلة، وخص الحمير لأنها رذال المال وشره... وقد صحف الدما مبنى هذه ~~الكلمة بالخاء المعجمة، وقال والأخمرة جمع خمار، وهو ما تستر به المرأة ~~رأسها ". (راجع الشاهد الخامس بعد السبعمائة من الخزانة) (1) في ب وج‍ وز وط وك: في معنى الزيتونة. # (2) في ك: يلوث. (1) كذا في الأصول من المجاورة. (1) راجع ج 10 ص 68، 89. # (2) راجع ج 9 ص 30. # (3) راجع ج 2 ص 195. # (4) راجع ج 7 ص 233. # (5) كذا في ج وك. وفى ط وب وى: أي. (1) قنائدة: موضع بعينه. والثل: الطرد. والشرد: جمع شرود. # (2) راجع ج 9 ص 34. # (3) راجع ج 1 ص 131. (1) يلاحظ أن " منزلها " بالنصب مفعول ثان لذكرتك. " جمل " فاعل بالمصدر، ~~وهو المنزل (2) راجع ج 9 ص 48. # (3) راجع ج 2 ص 173. (1) راجع ج 9 ص 59. # (2) في ب وج‍ وك " كذبوا ب‍ " آياتنا و " لقاه ". (1) الأعيان والقنع وكتمان، كلها مواضع. وفى ب وج‍ وك بدل " الأعيان " ~~الاعيار. وكذا في اللسان مادة أيه. وفى مادة هيه " الاعراض " والكل مواضع. # (2) كذا في الأصول والذي في اللسان: وهيهات هيهاتا - بالفتح والتنوين. # (3) في ب وج‍ وط وك: التكثير. # (4) راجع ج 2 ص 413. (1 * راجع ج 4 ص 84 فما بعد. (1) راجع ج 7 ص 201. # (2) من ب وط وك. # (3) راجع ج 14 ص 290. (١) راجع ج ٩ ص ٩٣. # (٢) راجع ج ١٣ ص ٤٨. # (٣) أي في غير القرآن. # (4) راجع ج 11 ص 295، وص 337. # (5) راجع ج 3 ص 315. # (6) الرملة مدينة عظيمة بفلسطين وكانت قصبتها، وكانت رباطا للمسلمين. # (7) في ب وط وك: تعاودي. (1) راجع ج 2 ص 215. (2 (هذه الجملة من كلام الراوي، والضمير فيه للنبي صلى ~~الله عليه وسلم. # (3) الرجل، بالرفع مبتدأ، مذكور على وجه الحكاية من لفظ سيدنا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: ويجوز أن ينصب على أنه مفعول " ذكر ". # (4) راجع ج 4 ص 279. (1) راجع ج 1 ص 177. # (2) راجع ج 7 ص ms7206 198، وص 223. (1) راجع ج 2 ص 127 وج‍ 3 ص 30. # (2) راجع ج 16 ص 74. # (3) راجع ج 19 ص 19. # (4) راجع ج 20 ص 200. # (5) كذا في ب وج‍ وك‍ والمعنى المراد واضح، وهو أن هذا التقدير يقلق ~~ويقطع الاتصال بين الاثنين. (1) راجع ج 6 ص 210. # (2) راجع ج 11 ص 60. (1) في ب وك: أدركت. # (2) راجع ج 9 ص 204 فما بعد. (1) كذا في ب وج‍ وفى ك وط: الغرض وفى ا: الفرض. # (2) راجع ج 2 ص 165. # (3) راجع ج 20 ص 148 فما بعد. # (4) البيت للأعشى. والتجانف: الانحراف والجو ما اتسع من الأدوية. (1) راجع ج 3 ص 427. # (2) كذا في الأصول. والذي في كتب اللغة: " ورجل غمر وغمر لا تجربة له ~~بحرب ولا أمر، ولم تحنكه التجارب. (1) راجع هامش ص 115 من ج 10. # (2) راجع ج 7 ص 284. (1) في الأصول: " إنهم " والبيت لا يتزن إلا بدخول الباء، وهي هنا زائدة، ~~كقول النابغة: # * زعم الغداف بأن رحلتنا غدا * والبيت في ط وك من الخفيف: # زعموا أنهم على سبل الق؟؟ * وأنا نكص على الأعقاب (2) هذا عجز بيت لامرئ ~~القيس. وصدره: * فقالت سباك الله إنك فاضحي * (1) في ب وك: زوجنا. # (2) راجع ص 6 من هذا الجزء (1) راجع ج 13 ص 38. (1) راث: أبطأ. # (2) راجع ج 4 ص 323 فما بعد. # (3) راجع ج 5 ص 288 فما بعد. (1) راجع ج 6 ص 426. (1) راجع ج 7 ص 23. (1) الأجرد من الخيل والدواب: القصير الشعر. # (2) من ب. # (3) راجع ج 3 ص 286. (1) من ب. # (2) من ب وج‍ وط وك. (1) راجع ج 11 ص 247. # (2) راجع ج 7 ص 347. # (3) راجع ج 1 ص 86. (1) راجع ج 8 ص 28. # (2) راجع ج 17 ص 294، وص 16. # (3) راجع ج 18 ص 130. (1) راجع ج 6 ص 10. (1) راجع ج 15 ص 81. (1) راجع ج 5 ص 194 فما بعد. # (2) راجع ج 7 ص 166. # (3) راجع ج 11 ص 292 فما بعد. # (4) كذا في معاجم اللغة. وفى الأصول: ضربته حقيقة وهو تحريف. (1) راجع ج 5 ص 53 (1) راجع ج 15 ص 224 فما بعد. (1) من ب. # (2) راجع ج ms7207 19 ص 265 فما بعد. (1) راجع ج 19 ص 114 فما بعد. (1) في روح المعاني: " الكريم بالرفع على أنه صفة الرب، وجوز أن يكون صفة ~~للعرش على القطع ". (1) كذا في الأصول. والمعروف أن هذا البيت للنابغة الذيباني من قصيدة يمدح ~~بها النعمان ويعتذر. # (2) راجع ج 1 ص 65. # (3) هو الربيع بن ضبيع بن وهب (عن شرح الشواهد الكبرى للعيني). (1) كذا في ك. # (2) راجع ج 5 ص 82 فما بعد وص 361 فما بعد. (1) في هذه العبارة تساهل، فإن التقدير الذي يقتضى أن يكون مبتدأ محذوف ~~الخير، كما ذكر ذلك غير واحد من المفسرين. # (2) زيادة من كتب التفسير. # (3) راجع ج 6 ص 159. # (4) في الأصول: " الحجبة " (5) راجع ج 5 ص 87. (1) في ص 88 - 89 ج 9 ذكر بعض أحكام التأديب ولعل المصنف توهم أنه ذكر ~~التفاصيل وراجع ج 5 ص 86. # (2) راجع ج 6 ص 159. # (3) الثمرة: الطرف يريد أن طرفه محدد لم تنكسر حدته ولم يخلق بعد. # (4) يريد قد انكسرت حدته ولم يخلق ولا بلغ من اللين مبلغا لا يألم من ضرب ~~به. (راجع الموطأ كتاب الحدود). # (11 - 12) (1) في الأصول: " الجارود " وهو تحريف، لان الذي ضربه سيدنا عمر رضي الله ~~عنه هو قدامة بن مظعون، وقد ذكر المؤلف رحمه الله تعالى قصته في ج 6 ص 297 ~~فراجعه هناك، وراجع ترجمته في كتب الصحابة. # (2) من ب وج‍ وط وك. # (3) هو صبيغ (كأمير) بن عسل، كان يعنت الناس بالغوامض والسؤالات، فنفاه ~~سيدنا عمر إلى البصرة. (1) من ب وك. (1) بحاء مهملة مضمومة وضاد معجمة. # (2) قال النووي في شرح هذا الحديث " الحار: الشديد المكروه والقار: ~~البارد الهنئ الطيب. وهذا مثل من أمثال العرب، ومعناه: ول شدتها وأوساخها ~~من تولى هنيئها ولذاتها، والضمير عائد إلى الخلافة والولاية، أي كما أن ~~عثمان وأقاربه يتولون هنئ الخلافة ويختصون به يتولون نكدها وقاذوراتها. ~~ومعناه: ليتول هذا الجلد عثمان بنفسه أو بعض خاصة أقاربه الأدنين ". # (3) أي في حضرتهم. # (4) راجع ج 6 ص 297. # (5) الضراوة: العادة وشدة الشهوة. # (6) في ب وج‍ وط وك: الجلد. ms7208 # (7) زيادة عم ابن العربي. (1) الحديث ذكر في صحيح مسلم في (كتاب الصوم. باب النهى عن الوصال الصوم). ~~وصحيح البخاري في (كتاب الاعتصام. باب ما يكره من التعمق والتنازع... الخ). (1) راجع ج 9 ص 235 فما بعد. # (2) كذا في ج وط وك. وفى ب: إلا من يستحق. ولعله الأشبه. # (3) راجع ج 8 ص 293 فما بعد. # (4) راجع ج 16 ص 315. (1) يلاحظ أن الأصول إحدى وعشرون مسألة عداك فاثنتان وعشرون، كما هو مثبت. (1) راجع ج 3 ص 146. # (2) في ب وج‍: بقايا. (1) راجع ص 239 من هذا الجزء. # (2) الثابت عن جابر بن زيد تحريم المزني بها عمن زنى بها محققه. (1) عبارة ابن العربي كما في أحكامه: " مثل رجل سرق ثمرة ثم اشتراها ". (1) في ك: وهذا على أن الآية منسوخة. ولم يظهر له وجه محققه. (1) البيت لابن أحمر. والعلوي: البئر. # (2) في الأصول: " من حيث هو أهم ". وعبارة البحر المحيط لأبي حيان أبين، ~~وهي: " وخص النساء بذلك وإن كان الرجال يشركونهن في الحكم لان القذف فيهن ~~أشنع وأنكر للنفوس، ومن حيث هن هوى الرجال " الخ. # (3) راجع ج 5 ص 120. وص 139 فما بعد. # (4) راجع ج 11 ص 337 فما بعد. (1) راجع ج 9 ص 87. # (2) راجع ج 16 ص 151. # (3) راجع ج 11 ص 99. # (4) راجع ج 6 ص 7 فما بهد. # (5) راجع ج 14 ص 298. (1) في ك: اختلافا. # (2) راجع ج 5 ص 136. # (3) من ج وط وك وى. أي عامة. (1) في ابن العربي: " غلب ". (1) سيأتي الكلام على هذه الجملة بعد قليل. # (2) راجع ج 5 ص 72. (1) كذا في ب وط وك. وفى ج وأ: مسقوطا. # (2) من ب وك. (1) في ك: عبد الرحمن. والصواب: عبد الله. # (2) وردت هذا الكلمة مضطربة في نسخ الأصل، ففي ب وك حسب، وفى ط: وحت. # (3) راجع ج 5 ص 73. (1) راجع ج 11 ص 231. # (2) في ك: وترجيح القول بالتوبة إنما يكون الخ. (1) الوقار (كسحاب): لقب زكريا بن الفقيه المصري. # (2) في ب وك: تشبيه. # (3) في ك: يتأكد. (1) عبارة الأصل: " الاستثناء راجع إلى الفسق والتوبة جميعا... " والتصويب ~~عن ms7209 كتب الفقه. # (2) راجع ج 6 ص 147 فما بعد. (1) من ك. (1) أي الشهادة الخامسة موجبة للعذاب الأليم إن كانت كاذبة. # (2) أريد باليوم الجنس أي جمع الأيام. # (3) الأورق من الإبل: الذي في لونه بياض إلى سواد. (1) في أسد الغابة عن الطبري: عويمر بن الحارث بن زيد بن حارثة بن الجد. # (2) الخمل هدب القطيفة ونحوها مما ينسج وتفضل له فضول كحمل الطنفسة. (1) أي قول عويمر، أو غيره على الخلاف المتقدم. وفى الأصول: " وفى قوله صلى ~~الله عليه وسلم وجد.... الخ " وهو تحريف. # (2) راجع ج 6 ص 359. # (3) راجع ج 18 ص 120. # (4) راجع ج 17 ص 303 فما بعد. (1) في سنن الدارقطني: " يرفعاه ". # (2) راجع ج 11 ص 101. (1) زيادة يقتضيها المقام. # (2) راجع ج 7 ص 242 فما بعد. # (3) راجع ص 106 من هذا الجزء. (1) زيادة عن ابن العربي. (1) المصراة: الناقة أو البقرة أو الشاة تصر أخلافها ولا تحلب أياما حتى ~~يجتمع اللبن في ضرعها، فإذا حلبها المشترى استغزرها. ومنه الحديث: (من ~~اشترى مصراة فهو بخير النظرين) أي خير الامرين له، إما إمساك المبيع أو ~~رده. (1) راجع ج 9 ص 175 فما بعد. (1) في ك: إلا بمطالبة المقذوف. # (2) من ب وك. وفى أ وج‍ وط: مثل. # (13 - 12) (1) كذا في ب وك وط. (1) يلاحظ أن المسائل سبع وعشرون في جميع الأصول. # (2) أي برعشة. # (3) إذ قال في محنته: والله المستعان... الخ. (1) أي بالذي قرأت به. # (2) الذي في البخاري " النعمان بن راشد ". # (3) قوله: " مسلما " بكسر اللام المشددة من التسليم، أي ساكتا في شأنها. ~~وقيل: بفتح اللام، من السلامة من الخوض فيه. # (4) من ك. # (5) في ك: وأخرجه. (1) الجزع (بفتح الجيم وسكون الزاي): خرز معروف في سواده بياض كالعروق. ~~وظفار (كخضار): # مدينة باليمن. # (2) يستوشبه: يستخرجه بالبحث والمسألة ثم يفشيه ويشيعه ويحركه. # (3) لبب فلان فلانا: أخذ بتلبيبه، أي جمع ثيابه عند صدره ونحره في ~~الخصومة ثم جره. # (4) من ك. (1) في ك: عصيبة بالتصغير. # (2) الحصان: العفيفة. ورزان: ذات ثبات ووقار وعفاف. # وغرثى: جائعة. ما تزن: ماتتهم. الغوافل: جمع غافلة، أي لا ترتع في ms7210 أعراض ~~الناس. # (3) الخيم (بالكسر): الشيمة والطبيعة والخلق والأصل. (1) في ك وط: السابعة قال الماوردي... الخ. # (2) أي جاء بأمر مفرط في الاثم. (1) في ك: عدو الله. # (2) في الأصول وتفسير ابن عطية: " عاتب الله تعالى على المؤمنين ". # (3) كذا في ك. (1) في ك: المر.. # (2) يريد آية 10 وهي قوله تعالى: " وهي قوله تعالى: (ولولا فضل الله ~~عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم ". (1) العنس: الناقة القوية. (1) زيادة عن ابن العربي. # (2) في الأصول " لئن كان كما زعمتم أن أهل " والتصويب عن ابن العربي. # (3) في الأصول وابن العربي: " أن " بدون فاء. (1) في الأصول: " الآية ". # (2) في الأصل: " ولو أن رجلا سب عائشة بعين - في ك: ببعض ما برأها الله ~~منه لكان جزاؤه الكفر ". والتصويب عن ابن العربي. (1) راجع ج 15 ص 276 وص 267. # (2) راجع ج 6 ص 264 فما بعد. # (3) راجع ج 3 ص 103. # (4) راجع ج 4 ص 178. # (5) راجع ج 14 ص 201. # (6) راجع ج 16 ص 20. (1) راجع ج 16 ص 16. # (2) راجع ج 20 ص 95. # (3) هذا صدر بيت لامرئ القيس، وتمامه. * ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي * ~~(4) راجع ج 5 ص 120. # (14 - 12) (1) في ك: مجازيهم. # (2) راجع ج 14 ص 288. # (3) راجع ج 5 ص 72. (1) في ك: يعنى منزهون. # (2) من ط وك. # (3) فيتفرقون عليه. # (4) في ك: لقد خلقت من طيبة عند طيب. (1) راجع ج 10 ص 200 فما بعد. # (2) راجع ج 5 ص 26. (1) كذا في ط وك. وهو الصواب. وج‍ وأ: فما الاستئذان. # (2) راجع ج 15 ص 366 فما بعد. # (3) راجع ج 10 ص 5. (1) زيادة عن سنن أبي داود يقتضيها السياق. # (2) في ى: منزل لنا. # (3) في ج: خفيفا. # (4) في ج: دعه. # (5) في ك: التسليم. # (6) قف البئر: هو الدكة التي تجعل حولها. وأصل القف: ما غلظ من الأرض ~~وارتفع. (1) في ك: في العادة. # (2) هو عبد العزيز بن محمد بن عبيد بن أبي عبيد. (راجع ترجمته في كتاب ~~تهذيب التهذيب). # (3) الجداية: الذكر والأنثى من أولاد الظباء إذا بلغ ستة أشهر أو سبعة، ~~بمنزلة الجدي من المعز. # والضغا بيس القثاء، واحدها ضغبوس. وقيل: هي ms7211 نبت ينبت في أصول الثمام، ~~يسلق بالخل والزيت ويؤكل. # (4) زيادة عن سنن أبي داود. (1) من ط وك. # (2) المدرى والمدراة: شئ يعمل من حديد أو خشب على شكل سن من أسنان. # المشط وأطول منه يسرح به الشعر. # (3) الخذف: رميك حصاة أو نواة تأخذها بين سبابتيك وترمى بها. # (4) أولى أن يقال: يجب. (1) في ك: الاذن. # (2) راجع ج 14 ص 202. (1) في ط: فتقول. # (2) زيادة عن صحيح البخاري. # (3) راجع ج 18 ص 276. # (4) من ب وك. (١) نفرت العين وغيرها من الأعضاء تنفر نفورا: هاجت وورمت. # (٢) في ك: محرم. # (٣) أي في غير القرآن. (1) في ك: " أن لا يراها أحد ". # (2) في ك: ميازرهم. (1) الرحضاء: العرق في أثر الحمى. # (2) صفيق: متين جيد النسج وفى ك: ضيق. وليس بصحيح. # (3) في ك: يعجبه. # (15 - 12) (1) من ك: (1) النغل (بالتحريك): الفساد. ونغل الأديم إذا عفن وتهرى في الدباغ فينفسد ~~ويهلك. # (2) في البخاري: " عن ابن عباس قال: كان الفضل رديف النبي صلى الله عليه ~~وسلم فجاءت امرأة من خثعم، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، فجعل النبي ~~صلى الله عليه وسلم يصرف وجه الفضل إلى الشق الاخر، فقالت: # إن فريضة الله أدركت أبى شيخا كبيرا لا يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال ~~نعم ". (1) في ج وط وك: السياق. وصوابه الذراع على ما يأتي. # (2) الفتخ (بفتحتين جمع الفتحة): # خواتيم كبار تلبس في الأيدي. (1) عركت المرأة: حاضت. # (2) راجع ج 7 ص 188 فما بعد. (1) من ك وط. # (2) أي النساء المهاجرات. وهو نحو شجر الأراك، أي شجر هو الأراك. (1) راجع ج 10 ص 250. # (2) جواب " لو " محذوف، أي لعجبت. # (3) راجع ص 105 من هذا الجزء. (1) راجع ج 14 ص 231. (1) راجع ج 5 ص 105 وما بعدها. # (2) مرية المرأة: ما يعرى منها وينكشف. (1) الوغد: الدنى من الرجال الذي يخدم بطعام بطنه. وقيل: الخفيف العقل. # (2) راجع ج 11 ص 187. # (3) الحوب (بضم الحاء وفتحها): الاثم. والخنا: الفحش. (1) أي صارت كالمبناة من سمنها وعظمها. قال ابن الأثير: أي فرجت رجليها ~~لضخم ركبها (فرجها)، كأنه شبهها بالقبة من الادم. # (2) يعنى تقبل ms7212 بأربع عكن وتدبر بثمان عكن. والعكن والاعكان: ما انطوى ~~وتثنى من لحم البطن سمنا. # (3) يعنى ضخم ركبها (فرجها) ونهوده كأنه إناء مكبوب. # (4) يقول: من نظر إليها استغرقت طرفه وبصره وشغلته عن النظر إلى غيرها، ~~وهي لاهية غير محتفلة. والترف (بضم فسكون، وحرك هنا لضرورة الشعر): خروج ~~الدم. وفى شرح ديوان قيس: " أراد أن في لونها مع البياض صفرة، وذلك أحسن ". (1) الشكول: الضروب. وقصد: ليست بالجسيمة ولا النحيفة. والجبلة: الغليظة، ~~من جبل (كفرج) فهو جبل وجبل. والقضف: الدقة وقلة اللحم. # (2) طويس لقب غلب عليه، واسمه عيسى بن عبد الله، مولى بنى مخزوم، وهو أول ~~من غنى بالعربي بالمدينة، وأول من ألقى الخنث بها. (راجع ترجمته في الأغالي ~~ج 3 ص 37 طبع دار الكتب). # (3) في الأصول: " قيل المخنت " والتصويب عن الأغاني. # (4) راجع ج 1 ص 149. (1) في ب وك: ابن عامر. # (2) من ب. # (3) راجع ج 7 ص 172. # (4) من ك. (1) البرة: الخلخال، وكل حلقة من سوار وقرط. # (2) الجزع (بفتح الجيم) ضرب من الخرز. # (3) راجع ج 5 ص 90. (1) راجع ج 6 ص 31. # (2) راجع 16 ص 96. # (3) راجع ج 17 ص 168. # (4) راجع ج 3 ص 72. (1) السفع: السواد والشحوب. أراد أنها بذلت نفسها وتركت الزينة والترفه حتى ~~شحب لونها واسود، إقامة على ولدها بعد وفاة زوجها. # (2) راجع ص 167 من هذا الجزء. (1) العرض (بالتحريك): متاع الدنيا وحطامها. (1) راجع ج 6 ص 423. # (2) راجع ج 9 ص 318 فما بعد. # (3) راجع ج 5 ص 404. (1) من ك. # (2) في ك: يعذر. # (3) الوجاء - بالكسر - الخصاء. أي الصوم يقطع الشهوة كما يقطعها الخصاء. # (4) الحاذ الحال تفسيره ما بعده. # (5) راجع ج 5 ص 136 فما بعد. # (6) من ب وك. (1) راجع ص 10 فما بعد من هذا الجزء. (١) في ك: تعلق. # (٢) لعل كلمة " والخير " مقحمة. ولعل المراد بالخير سائر الخصال المحمودة. (1) وصب الشئ: دام. (1) استوسق: اجتمع. # (2) في ك: وتجوز الكتابة الحالة. قاله الخ. (1) أصحاب هذا القول يرون أنه استرد حريته لأنها الأصل في الانسان محققة. # (2) في ك: يؤدوا. (1) في ك: أشهب. (1) في ب وك: ms7213 وهذان التأويلان أشبهه ما لهم وفيهما. الخ. (1) راجع ج 10 ص 165. # (2) راجع ج 8 ص 182. (1) في ب: ولا يكتفون. (1) الحبر (بالفتح والكسر): العالم ذميا كان أو مسلما. وكعب الحبر ~~(بالكسر): منسوب إلى الحبر الذي يكتب به، لأنه صاحب كتب. في ك: كعب ~~الأحبار. # (2) في ابن عطية: " من علمه ". # (3) راجع ج 15 ص 246. (1) في ك: شيوخ شييخ. # (2) من ب وك. (1) راجع ج 14 ص 199 فما بعد. (1) راجع ج 7 ص 25. # (2) راجع ج 2 ص 134. (1) راجع ج 2 ص 346. # (2) راجع ج 18 ص 147 فما بعد وص 304. (1) راجع ج 8 ص 260. # (2) راجع ج 2 ص 120. (1) الساج: شجر يعظم جدا، لا ينبت ببلاد الهند، وخشبه رزين، لا تكاد الأرض ~~تبليه. # (2) من ك. # (3) أي لا تفارقه. (1) في ك: يشهد. # (2) في ك: والقول الباطل. # (3) راجع ج 8 ص 90. (1) في ك: ويصان المسجد. # (2) أي من وجد ضالتي، وهو الجمل الأحمر فدعاني إليه. # (3) أ ي لا تقطعوا عليه بوله، يقال: زرم البول (بالكسر) انقطع، وأرزمه ~~غيره. # (4) الشن: الصب المنقطع، أي رشه عليه رشا متفرقا. # (5) الذي في صحيح مسلم: " إن هذه الصلاة... الخ ". (1) الذي في الترمذي: " أحمد ". # (2) المخراق: ثوب يلف ويضرب به الصبيان بعضهم بعضا. (1) من مجزوه الرمل وإنشاده: طوفي يا نفس كي * أقصد فردا صمدا. # (2) العداب (بالفتح والدال المهملة): ما استرق من الرمل. وقيل: جانبه ~~الذي يرق ويلي الجدد من الأرض. الواحد والجمع سواه؟. (1) موضع مظلل في أخريات المسجد النبوي تأوى إليه المساكين. # (2) السوادء:...؟ سوداء كانت لحى من العرب، فاتهموها بسرقة وشاح وطفقوا ~~يفتشون حتى فتشوا قبلها. قالت: والله إني لقائمة معهم إذ مرت الحدياة ~~فألقته بينهم... فجاءت إلى رسول الله عليه وسلم فأسلمت، فكان لها خباء في ~~المسجد...... # راجع صحيح البخاري (باب المساجد). # (3) الخباء: الخيمة من صوف أو وبر. والحفش (بكسر الحاء وسكون الفاء): بيت ~~صغير. (1) الذي في سنن أبي داود (فليسلم على النبي صلى الله عليه وسلم). # (2) في ك: الفقهاء. (1) من ب وك. # (2) نشط الحبل: ربطه. # (3) كذا في ب وك. وهو الصواب. (1) اختلف في ms7214 قائله، ونسبه صاحب الخزانة لنهشل بن حرى. وهذا البيت من أبيات ~~في مرثية أخيه يزيد، ومطلعها: # لعمري لئن أمسى يزيد بن نهشل * حشا جدت تسفى عليه الروائح وقوله: " ضارع ~~" من الضراعة، وهو الخضوع والتذلل. و " المختبط " الذي يسألك من غير معرفة ~~كانت بينكما، وأراد به هنا المحتاج. و " تطيح " تذهب وتهلك. و " الطوائح " ~~جمع مطيحة، وهي القواذف. و " الحشا. # ما في البطن. و " حديث " بفتح الجيم والثاء: القبر. و " الروامح ": ~~الأيام الروائح. (1) راجع ج ص 355 فما بعد. # (2) زيادة عن سنن أبي داود. # (3) النهز: الدفع. (1) راجع ج 8 ص 90. (1) قال ابن الأثير: " أي يرى ساعة ما يطلع لعظمه ووضوحه من أن يتطلب. وهو ~~بفتح القاف والباء ". # (2) الابدال: قوم من الصالحين، بهم يقيم الله الأرض: أربعون في الشام ~~وثلاثون في سائر البلاد، لا يموت منهم أحد إلا قام مكانه آخر، فلذلك سموا ~~أبدالا. وواحد الابدال العباد بدل وبدل. وقال ابن دريد: الواحد بديل. # (3) النخاعة، النخامة. # (4) في الأصول: " عن أبي سعيد الخدري " وهو تحريف، لان فرج ابن فضالة لم ~~يرو عن أبي سعيد الخدري، وإنما روى عن أبي سعد الحميري، وأبو سعد هذا صاحب ~~واثلة بن الأسقع. (1) راجع ج 18 ص 97. (1) راجع ج 17 ص 15. # (2) راجع ج 14 ص 249. # (3) راجع ج 7 ص 65. # (4) وجب القلب وجيبا: اضطرب. (1) في الأصول: " طويل الطول " والتصويب عن ديوان امرئ القيس. والأمق: ~~الطويل. قال الوزير أبو بكر عاصم بن أيوب (شارح الديوان): وفى البيت ما ~~يسأل عمه من طريق العربية، وهو إضافة " أمق " إلى " الطول ". # فيتوهم أنه من إضافة الشئ إلى نفسه، لان الأمق هو الطويل، وليس على ما ~~يتوهم، إنما هو كما تقول: " بعيد البعد ". (1) راجع ج 1 ص 215. # (2) راجع ج 3 ص 282. (1) راجع ج 13 ص 208. (1) راجع ج 17 ص 266. (1) راجع ج 9 ص 295. # (2) راجع ج 17 ص 77. (1) في ب وج‍ وك: البعير. ولعلها رواية في المثل أو تحريف الناسخ. # (2) راجع ج 2 ص 201. # (19 - 12) (1) راجع ج 1 ص 218. # (2) راجع ج 9 ص 298. # (3) السليط: الزيت. ms7215 والذبال: جمع ذبالة، وهي الفنيلة. # (4) كذا في ب وج‍ وك. (1) راجع ج 18 ص 48. # (2) راجع ج 6 ص 383. # (3) راجع ج 7 ص 337. # (4) راجع ج 2 ص 196. # (5) من ك. # (6) راجع ج 10 ص 23 فما بعد. (1) في ك: تتصرف وتتحرك. # (2) راجع ج 9 ص 281. (1) راجع ج 6 ص 184. (1) راجع ج 4 ص 227. # (2) راجع ج 11 ص 101. # (3) من ك. # (4) في ك: ما شأنك أسلمت. ولعلها زيادة ناسخ. (1) راجع ج 7 ص 62. (1) من ك. (1) زيادة عن ابن العربي. والخطاب لسعيد بن حمدان راوي الحديث عن سفينة. (1) راجع ج 7 ص 272. (1) راجع ج 6 ص 63. # (2) راجع ج 8 ص 358. # (3) راجع ج 10 ص 176. # (4) راجع ج 5 ص 425. # (5) راجع ج 9 ص 382. # (6) راجع ج 18 ص 244. (1) كذا في ك. # (2) راجع ج 7 ص 88. (1) كذا في ك. وهو الموجود. (1) في تهذيب التهذيب: " قال ابن حبان اختلط في آخر عمره، فكان يقلب ~~الأسانيد ويرفع المراسل، ويأتي عن الثقات بما ليس من حديثهم. وقال البزار: ~~كأن أحد العباد، إلا أنه أصابة اختلاط فاضطرب حديثه... الخ ". # (2) زيادة عن سنن أبي داود. في ك: ولا نعمل بها. # (3) الحجال: جمع الحجلة (بالتحريك) وهو بيت كالقبة يستر بالثياب ويكون له ~~أزرار كبار. (1) كذا في ب. وفى ك وح‍ وأ: يزيد. ولا وجه له. (1) كذا في نسخ الأصل، وظاهر أن في العبارة سقطا. # (2) كذا في اللسان مادة " بيض ". والذي في نسخ الأصل. # أبو بيضات رائح أو مغتد * عجلان ذا زاد وغير مزود وهذا البيت للنابغة ~~الذبياني، وصواب إنشاده: أمن آل مية رائح أو مغتد *......... الخ. (1) قوله: " أو الطوافات " يحتمل أن يكون على معنى الشك من الراوي. ويحتمل ~~أن يكون صلى الله عليه وسلم قال ذلك، يريد أن هذا الحيوان لا يخلو أن يكون ~~من جملة الذكور الطوافين أو الإناث الطوافات (عن الباجي). # (2) راجع ج 14 ص 147. # (3) راجع ج 1 ص 287. (1) من ك. (1) يقترئ بمعنى يقرأ. # (2) كذا في ك. (1) راجع ج 7 ص 184. # (2) الذي في صحيح مسلم: " يعرضون وعليهم... ". (1) هذا صدر بيت لأمري القيس، ms7216 وعجزه كما في ديوانه: # * وأوجههم عند المشاهد غران * (1) راجع ج 2 ص 337. (1) في ب وك: " إن معنى ". (1) من ج وك. وفى أ: محرزا. # (2) راجع ج 7 ص 1. # (3) راجع ج 13 ص 110. (1) راجع ج 14 ص 223. # (2) الحب (بضم الحاء المهملة): الجرة الضخمة، والخابية. # وقال ابن دريد: هو الذي يجعل فيه الماء، فلم ينوعه. # (3) راجع الكلام على ضبطها في معجم البلدان لياقوت. # (4) الخبة: معطف الإزار وطرف الثوب، أي لا يأخذ منه في ثوبه. # (5) راجع ج 13 ص 117. # (6) راجع ج 5 ص 410 فما بعدها. (1) كذا في ك: وهو الأشبه. وفى أ وب وج‍ وى: ضيفكم. (١) راجع ج ١٠ ص ٤٠٦. # (٢) كذا في الأصول. وقد ورد معنى هذا الحديث في كتاب الأدب المفرد للبخاري من رواية جابر. (1) راجع ج 4 ص 250. (1) في ب وج‍ وك: المحدث. # (2) راجع ج 8 ص 154. (1) راجع ج 16 ص 328. # (2) في الأصول: " منكم " والتصويب عن الديوان، والرواية فيه، وقريش تلوذ ~~منا لواذا * لم يقيموا وخفف منها الحلوم (1) هذا من معلقة امرئ القيس. والبيت بتمامه: # وتضحى فتيت المسك فوق فراشها * نئوم الضحى لم تنتطق عن تفضل (2) راجع ج ~~10 ص 419 فما بعد. (1) راجع ج 1 ص 184 طبعة ثانية أو ثالثة. (1) راجع ج 7 ص 229 طبعة أولى أو ثانية. (1) راجع ج 10 ص 177 وما بعدها طبعة أولى أو ثانية. (1) راجع ج 10 ص 328 طبعة أولى أو ثانية. # (2) راجع ج 7 ص 299 طبعة أولى أو ثانية. # (3) الصفق: التبايع. (1) راجع ج 10 ص 272 طبعة أولى أو ثانية. (1) السفط: الذي يعنى فيه الطيب وما أشبهه من أدوات النساء. وقيل: ~~كالجوالق. (1) الزج (بالضم): الحديدة التي في أسفل الرمح. # (2) راجع ج 9 ص 384 طبعة أولى أو ثانية. # (3) الرواية في البيت: " مصفدينا ". (1) هو حسان بن ثابت - رضي الله عنه - يمدح النبي صلى الله عليه وسلم ويهجو ~~أبا سفيان، وصدر البيت: * أتهجوه ولست له بكفء * (1) في روح المعاني: " ذلول " بدل " ركوب ". # (2) الجو: البر الواسع. وضامزة: ساكنة، وكل ساكت فهو ms7217 ضامز. والأراجيل: ~~جمع أرجال كأناعيم جمع أنعام، وأرجال جمع رجل. يصف الشاعر أسدا بأن الأسود ~~والرجال تخافه، فالأسود ساكنة من هيبته والرجال ممتنعة عن المشي بواديه. (1) الدرك (يسكن ويحرك): التبعة. # (2) الحديث رواه الطبراني عن أبي أمامة والخطيب عن أبي هريرة وضعفه ~~السيوطي. # (3) القهرمان: هو كالخازن والوكيل الحافظ لما تحت يده والقائم بأمور ~~الرجل، بلغة الفرس. # (4) سواه: أي سوى الله تعالى. (1) البيت لأبي ذؤيب وتقدم شرحه في ج 8 ص 311 طبعة أولى أو ثانية. # (2) البيت من قصيدة لخبيب بن عدي قالها حين بلغه أن الكفار قد اجتمعوا ~~لصلبه. (1) قاله رجل كانت له امرأة فطلقها وتزوجها أخوه، أي أصبحت أخا زوجها بعد ~~ما كانت زوجها. (1) البيت للمتلمس، والنخلة القصوى: واد. والدهاريس: الدواهي. يقول لناقته: ~~هذا الذي حننت إليه ممنوع. وبعده: أمي شآمية إذا لا عراق لنا * قوما نودهم ~~إذ قومنا شوس (1) كذا في الأصل، وعبارة ابن عطية: " أسنده إليه لأنه عن أمره ". # (2) قال النحاس: # والتقدير عنده هبئ. # (3) قوله " خلفها " أي خلف الناقة. والرجع: رجع قوائمها. والوقع: وقع ~~خفافها. # والمنين: الغبار الدقيق الذي تثيره. # (4) الدقيق: ما دق من التراب، والواحد منه الدقى كما تقول الجلي والجلل. # (5) كذا في الأصل، وفى " روح المعاني ": يعلى بن عبيد. # (6) راجع ص 9 من هذا الجزء. (1) في قوله تعالى: " يوم تشقق الأرض عنهم سراعا... " آية 44 (1) الكروبيون (بفتح الكاف): سادة الملائكة، منهم جبريل وميكائيل وإسرافيل ~~هم المقربون. # والكرب القرب. (1) راجع ج 9 ص 69 طبعة أولى أو ثانية. # (2) راجع ج 5 ص 400 طبعة أولى أو ثانية. (١) أحذاه: أعطاه. # (٢) الخبيص: حلواء تعمل من التمر والسمن. # (٣) في الأصل: # " من تعلم القرآن وعلمه وعلق مصحفا... " ~~وتصحيح هذا الأثر من روح المعاني والبيضاوي والشهاب على أنهم تكلموا في ~~صحته إذ في سنده أبو هدبة وهو كذاب. (1) زيادة يقتضيها المقام. (1) راجع ج 10 ص 333 طبعة أولى أو ثانية. (1) راجع ج 11 ص 192 وما بعدها طبعة أولى أو ثانية. (1) هو النابغة الجعدي. (1) راجع ج 12 ص 75 طبعة أولى ms7218 أو ثانية. (1) ج 10 ص 45 طبعة أولى أو ثانية. (1) السرحة: واحدة السرح، وهو شجر كبار عظام لا ترعى وإنما يستظل فيه. (١) في الأصول: " في الظلام ". والتصويب من " أحكام القرآن لابن العربي ". (1) راجع ج 7 ص 228 و " نشرا " بالنون قراءة نافع. (1) في ابن العربي واللسان مادة رجح ": # * إلى رجح الأكفال هيف خصورها * وامرأة رجاح وراجح، ثقيلة العجيزة، من ~~نسوة رجح. (1) هذا صدر بيت من قصيدة لأبي طالب بن عبد المطلب يمدح بها مسافر بن عمر ~~والقرشي، وتمامه. # * إذا عدموا زادا فإنك عاقر * (2) هذا عجز بيت من معلقة امرئ القيس، ~~وصدره: # * ويضحى فنيت المسك فوق فراشها * والانتطاق: الائتزاز للعمل. والتفضل: ~~التوشح، وهو لبسها أدنى ثيابها. (1) بئر بضاعة: بئر بالمدينة. ويقال إن بضاعة اسم المرأة نسبت إليها البئر. # (2) يثعب: يجري. (1) الثغامة: نبات أبيض الثمر والزهر يشبه بياض الشيب به. (1) دسم الشئ يدسمه دسما: سده. والقباطي (بالضم): ثياب من كتان رقيق يعمل ~~بمصر، نسبة إلى القبط على غير قياس. والمطارف: جمع مطرف، وهو رداء من خز ~~مربع ذو أعلام. # (2) الجدجد كهدهد طوير شبه الجرادة. # (3) الركاء (جمع ركوة): إباء صغير من جلد يشرب فيه الماء. (1) أي مسترسل طويل. # (2) العرب تجعل القول عبارة عن جميع الأفعال، وتطلقه على غير الكلام ~~واللسان، فتقول: قال بيده، أي أخذ. وقال برجله، أي مشى. وقال بالماء على ~~يده، أي قلب. وقال بثوب، أي رفعه. وكل ذلك على المجاز والاتساع. (1) الذنوب (بالفتح): الدلو. (1) الحيض: الخرق التي يمسح بها دماء الحيض، ويقال لها المحايض. (1) الإداوة (بالكسر): إناء صغير من جلد يتخذ للماء. (1) راجع ج 6 ص 105 وما بعدها طبعة أولى أو ثانية. (1) الفرق (بالتحريك): مكيال يسع ستة عشر رطلا. وبالسكون مائة وعشرون رطلا. # (2) القمقمة والقمقم (كهدهد): ما يسخن فيه الماء من نحاس وغيره. (1) راجع ج 10 ص 156 طبعة أولى أو ثانية. # (2) في الأصول: " بضم النون ". وهو تحريف والتصويب عن أبي حيان وغيره. # (3) القرقر: ضرب من السفن. وقيل: هي السفينة العظيمة أو الطويلة. (1) راجع ج 2 ص 197 ms7219 طبعة ثانية. (1) الحديث في الفتنة. (1) راجع ج 5 ص 114 وما بعدها طبعة أولى أو ثانية. (1) راجع ج 4 ص 189 طبعة أولى أو ثانية. (1) راجع ج 7 ص 218 ما بعدها طبعة أولى أو ثانية. # (2) البيت من معلقة عنترة. # (3) في نسخ الأصل: " وقال امرؤ القيس " وهو تحريف. والبيت من قصيدة ~~لعلقمة مطلعها: # طحا بك قلب في الحسان طروب * بعيد الشباب عصر حان مشيب (1) راجع ج 10 ص 9 طبعة أولى أو ثانية. # (2) العين (بالكسر) جمع أعين وعينا، وهي بقر الوحش، سمية بذلك لسعة ~~أعينها. والاطلاء: جمع طلا، وهو ولد البقرة وولد الظبية الصغير. والمجثم: ~~الموضع الذي يجثم فيه، أي يقام فيه. (1) هو يزيد بن معاوية. # والماطرون: موضع بالشام قرب دمشق. (1) راجع ج 10 ص 205 طبعة أولى أو ثانية. (1) راجع ج 7 ص 324 وما بعدها طبعة أولى أو ثانية. # (2) الايضاع: سير مثل الخبب. (1) الأطلس من الذئاب: هو الذي تساقط شعره، وهو أخبث ما يكون. وقيل: هو ~~الذي في لونه غبرة إلى السواد. # (2) هذا من كلام أبى جعفر المنصور الخليفة في مدح عمرو بن عبيد الزاهد ~~المشهور. وتمامه: # * غير عمرو بن عبيد *. (1) راجع ج 11 ص 111 وما بعدها طبعة أولى أو ثانية. # (2) الفطير: خلاف الخمير، وهو العجين الذي لم يختمر. والهجير: الفائق ~~الفاضل. والنمير: الناجع في الري. (1) في نسخ الأصل: " قال أمرؤ القيس ". وهو تحريف. والبيت من قصيدة لزهير ~~مطلعها: # صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله * وعرى أفراس الصبا ورواحله (1) راجع ج 7 ص 133 طبعة أولى أو ثانية. (1) الشاهد في حمل يؤخذ غلى تبايع وإبداله منه. وأراد بقوله " الله " ~~والمعنى إن على والله فلما حذف الجار النصب. # (2) راجع ج 5 ص 332 وما بعدها طبعة أولى أو ثانية. # (3) راجع ج 6 ص 273 طبعة أولى أو ثانية. (1) أبو طويل: كنية شطب المدود، رجل من كندة. (1) الشبابة (بالتشديد): نوع من المزمار (مولد). # (2) راجع ج 12 ص 55 طبعة أولى أو ثانية. # (3) راجع ج 3 ص 99 وما بعدها ms7220 طبعة أولى أو ثانية. (1) راجع ج 7 ص 359 طبعة أولى أو ثانية. (1) راجع ج 4 ص 72 وما بعدها طبعة أولى أو ثانية. # (2) راجع ج 2 ص 107 طبعة ثانية. # (3) راجع ج 4 ص 73 وج‍ 11 ص 80 طبعة أولى أو ثانية. (1) هو أبو زبيد يصف أسدا، كما في اللسان مادة " عبأ ". ورواه هكذا: # كأن ينحره وبمنكبيه * عبيرا بات يعبؤه عروس (1) العادية: القوم يعدون على أرجلهم، أي فحملتهم لزام كأنهم لزموه لا ~~يفارقون ما هم فيه. وشبه حملتهم بتهدم الحوض إذا تهدم. ويروي: * فلم ير غير ~~عادية لزاما * (١) راجع ج ١١ ص ١٦٨ طبعة أولى أو ثانية. # (٢) هو المتنبي، والبيت مطلع قصيدة له مدح بها أبا الحسن علي بن عبد الله ~~العدوي. وأشجاه: أحزنه. والطاسم: الدارس. والساجم: السائل. والمعنى: طلب ~~وفاءهما بالاسعاد وهو الإعانة على البكاء والموافقة، ولذلك قال: (والدمع ~~أشفاه ساجمه) والمعنى ابكيا معي بدمع في غاية السجوم فهو أشفى للوجد، فإن ~~الربع في غاية الطسوم وهو أشجى للمحب. وأراد بالوفاء هنا البكاء لأنهما ~~عاهداه على الاسعاد. " شرح التبيان ج ~~٢ للعكبري ". (1) راجع ج 1 ص 154 طبعة أولى أو الثانية. # (2) راجع ج 10 ص 348 طبعة أولى أو ثانية. (1) تقدم البيت في ج 7 ص 264 طبعة أولى أو ثانية. # (2) راجع ج 11 ص 268 وما بعدها طبعة أولى أو ثانية. (1) في نسخة: كثيرة التثمير. (1) راجع ج 11 ص 192 طبعة أولى أو ثانية. (1) هو كثير. ويروى أيضا في اللسان مادة " رسل ": # * بليلي ولا أرسلتهم برسيل * (1) هو الأسعر الجعفي. عن فتاحتكم: أي عن حكمكم. (1) هو أبو خراش الهذلي، وقد تقدم شرح البيت في ج 11 ص 287 طبعة أولى أو ~~ثانية. (1) راجع ج 7 ص 256 وما بعدها طبعة أولى أو ثانية. # (2) البيت لخداش بن زهير، واستشهد به سيبويه في كتابه على جعل اسم كان ~~نكرة وخبرها معرفة ضرورة. والمعنى: لا تبالي بعد قيامك بنفسك واستغنائك عن ~~أبويك من انتسبت إليه من شريف أو وضيع، ms7221 وضرب المثل بالظبي أو الحمار. (1) ويقال هو اسم ابنه. ويروى (التواق) بالتاء. (1) هو امرؤ القيس. # (2) وهو بحر يوسف عليه السلام. # (3) هو عبد الله بن السلام ابن عبد الله بن أبي الرداد المؤذن، قدم مصر ~~من البصرة وحدث بها، وجعل على قياس النيل في ولاية يزيد بن عبد الله التركي ~~- وكانت النصارى تتولى قياسه - وأجرى عليه سبعة دنانير في كل شهر، واستقر ~~قياسه في بنيه زمانا طويلا. وتوفى أبو الرداد سنة 266 ه‍. عن خطط المقريزي ~~ج 1 ص 58 (1) يطردان: أي يجريان، وهما يفتعلان من الطرد. (1) راجع ج 8 ص 123 طبعة أولى أو ثانية. # (2) هو زهير بن أبي سلمى، وينتابها: أي يقال فيها الجميل ويفعل به. (1) كذا في نسخ الأصل. # (2) وكسر الراء - كما في البحر وروح المعاني والكشاف - على وزن ، مفتعلون ~~وهو لازم بمعنى الفناء والاضمحلال، من أدرك الشئ إذا تتابع ففنى. (1) راجع ج 1 ص 389 وما بعدها طبعة ثانية أو ثالثة. # (2) راجع ج 8 ص 378 طبعة أولى أو ثانية. (1) راجع ج 9 ص 270 طبعة أو ثانية. (1) هو زهير بن أبي سلمى. والبيت من قصيدة يمدح بها هرم بن سنان. وأحكمت: ~~جعلت لها حكمات من القد. # والحكمات جمع حكمة وهي ما تكون على أنف الدابة. ودوابرها: مؤخر حوافرها. ~~ومنكوب: أي أصابت الحجارة دوابرها وأدمتها. (1) راجع ج 4 ص 323 طبعة أولى أو ثانية. (1) راجع ج 1 ص 187 وما بعدها طبعة ثانية أو ثالثة. (1) هو جرير. # (2) عنى بجذيلها المحك الأصل من الشجرة - أو عود ينصب - تحتك به الإبل ~~فتشتفي به، أي جربتني الأمور ولى علم ورأى يشتفى بهما كما تشتفي هذه الإبل ~~الجربى بهذا الجذيل. والترجيب هنا إرفاد النخلة من جانب ليمنعها من السقوط، ~~أي إن لي عشيرة تعضدني وتمنعني. والعذيق تصغير عذق (بالفتح) وهي النخلة ~~بحملها. (1) راجع ص 1 3 من هذا الجزء. # (2) راجع ج 7 ص 235 طبعة أولى أو ثانية. (1) راجع ج 9 ص 23 وما بعدها طبعة أولى أو ثانية. (1) كذا في ms7222 جميع نسخ الأصل، وهنا سقط لعله بيت من الشعر أورده المؤلف شاهدا ~~على أن الرجم معناه الشتم، كما أورد بيت الجعدي شاهدا على ذلك عند تفسير ~~قوله تعالى: " ولولا رهطك لرجمناك ". راجع ج 9 ص 91 (1) هو ذو الرمة يصف بازيا. وفي ديوانه - طبع أوربا - " واقع " بدل " مشرق ~~". (1) مبنى للمفعول مخففا ومشددا. # (2) البحرية: هم من المماليك الأتراك الذين استخدمهم الملك الصالح ~~الأيوبي، وأسكنهم جزيرة الروضة. وأول ملوكهم عز الدين أيبك. وكانت مدة ~~حكمهم من سنة 648 - 784 ه‍. (1) العينة أن تبيع من رجل سلعة بثمن معلوم إلى أجل معلوم ثم تشتريها منه ~~بأقل من الثمن الذي بعتها به. (1) راجع ج 10 ص 45 وما بعدها طبعة أولى أو ثانية. (1) صدر البيت. * هصرت بفودي رأسها فتمايلت * (2) البرني: ضرب من الثمر وهو ~~أجوده، واحدته برنية. (1) الزيادة من " قصص الأنبياء " للثعلبي. # (2) في تفسير قوله تعالى: " وكان في المدينة تسعة رهط ". # (3) في نسخ الأصل: امرؤ القيس، والتصويب من ديوان لبيد. # (4) صدر البيت: # * أرانا موضعين لأمر غيب * موضعين: مسرعين. وأمر غيب يريد الموت وأنه قد ~~غيب منا وقته ونحن نلهى عنه بالطعام والشراب. # (5) ناقة عشراء: مضى لحملها عشرة أشهر. (1) زيادة يقتضيها المعنى. # (2) هو الأعشى وتمامه: # * شيموا فكيف يشيم الشارب الثمل * ودرنا (بضم الدال والفتح) موضع زعموا ~~أنه بناحية اليمامة. اللسان. (1) راجع ج 7 ص 243 وما بعدها وج‍ 9 ص 73 وما بعدها طبعة أولى أو ثانية. (1) هو امرؤ القيس، وصدر البيت: # * صرفت الهوى عنهن من خشية الردى * (2) هو الحرث بن حلزة، وكسع الناقة ~~بغبرها وترك في ضرعها بقية من اللبن. # وبعده: واحلب لأضيافك ألبانها * فإن شر اللبن الوالج يقول: لا تغزر إبلك ~~تطلب بذلك قوة نسلها، واحلبها لأضيافك، فلعل عدوا يغير عليها فيكون نتاجها ~~له دونك. # (3) هو العجاج. (1) راجع ج 7 ص 247 وما بعدها طبعة أولى أو ثانية. (1) " كسفا " بإسكان السين قراءة نافع. # (2) راجع ج 10 ص 330 طبعة أولى أو ثانية. (1) راجع ج 10 ص 7 طبعة أولى أو ثانية. (1) حلاها: منعها ms7223 من ورود الماء. والسجال: (جمع سجل) وهي الدلو الضخمة ~~المملوءة ماء. وتبترد: # تشرب الماء لتبرد به كبدها. والبيت قاله بعض النسوة لبعض لما زرن امرأة ~~قد تزوجت من رجل كان عاشقا لها. (1) راجع ج 10 ص 10 وما بعدها طبعة أولى أو ثانية. (1) " سأبلها ببلالها ": أي أصلكم في الدنيا ولا أغنى عنكم من الله شيئا. (1) راجع ج 12 ص 271 طبعة أولى أو ثانية. # (2) الزيادة من صحيح مسلم. (1) كذا في الأصول. # (2) طبق: قرن. أراد إذا مضى قرن ظهر قرن آخر. (1) قال ذلك في رثاء النبي صلى الله عليه وسلم. (1) مصرعات: سكارى. (1) تجذو: تقوم على أطراف الأصابع. # (2) الجوسق: القصر، فارسي معرب. (1) في نسخة: خصيف. # (2) رن: صاح صيحة حزينة. (1) السخينة: طعام حار يتخذ من دقيق وسمن - وقيل من دقيق وتمر - أغلظ من ~~الحساء وأرق من العصيدة، وكانت قريش تكثر من أكلها فعيرت بها حتى سموا ~~سخينة. # (2) زيادة يقتضيها السياق. (1) البيت لرؤبة، ويروى: بالجاهلين العمة. # (2) راجع ج 10 ص 352 طبعة أولى أو ثانية. (1) آنست: أحست. والنبأة: الصوت الخفي. (1) الصعدة: القناة التي تنبت مستقيمة. (1) الزيادة من تفسير الطبري. (1) لعل تأنيث الضمير بتأويل النور بالأنوار. (هامش ابن ماجة). (١) الزيادة من " إعراب القرآن " للنحاس. # (2) راجع ج 1 ص 308 وما بعدها طبعة ثانية وثالثة. (1) راجع ج 11 ص 191 طبعة أولى أو ثانية. # (2) وفي رواية: " وهل يعمن ". (1) الطمس: طمس الشئ إذهابه عن صورته. وقد صير الله أموالهم ودراهمهم ~~حجارة. راجع ج 8 ص 374 طبعة أولى أو ثانية. (1) راجع ج 11 ص 81 وما بعدها طبعة أولى أو ثانية. (1) العبارة في " قصص الأنبياء " للثعلبي: " قالت لأنك سليم ركنت إلى ما ~~أوتيت بسلامة صدرك، وحق لك أن تلحق بأبيك داود ". (1) راجع ج 7 ص 270 طبعة أولى أو ثانية. # (2) السكينة: سحابة كما في القصة. وفي حديث على رضي الله عنه إن السكينة ~~ريح سريعة الممر. وليس بواضح. # (3) راجع ج 10 ص 134 طبعة أولى أو ثانية. (1) زيادة يقتضيها السياق. # (2) راجع ج 10 ص 266 وما ms7224 بعدها طبعة أولى أو ثانية. # (3) " أحرق المسلمين " أي أثخن فيهم، وعمل فيهم نحو عمل النار. " هامش ~~مسلم ". (1) في تفسير قوله تعالى: " وظن داود أنما فتناه " آية 24 من السورة ~~المذكورة. (1) سرغ (بسكون الراء وفتحها): قرية بوادي تبوك من طريق الشام. (١) في بعض النسخ: " ورهبانا ". # (٢) في أحكام القرآن لابن العربي: " إذا ~~فقدوا آمالهم.... الخ ". (1) راجع ج 10 ص 289 طبعة أولى أو ثانية. (1) البرزة هنا: الكهلة التي لا تحتجب احتجاب الشواب، وهي مع ذلك عفيفة ~~عاقلة تجلس للناس وتحدثهم. (1) الآلوسي: " ألا " بالتخفيف على أنها للاستفتاح و " يا " حرف نداء، ~~والمنادى محذوف، أي ألا يا قوم اسجدوا وسقطت ألف يا وألف الوصل في " اسجدوا ~~" وكتبت الياء متصلة بالسين على خلاف القياس. (1) الزيادة من " الكشاف ". # (2) في نسخ الأصل بالباء، وهي قراءة العامة كما سيأتي. (1) الردة بمعنى الصاحب. (١) في الأصول " جفاء " والتصويب من " أحكام القرآن " لابن العربي. (1) راجع ج 4 ص 105 وما بعدها طبعة أولى أو ثانية. (1) في الأصل: " وفي قراءة أبى " وهو مخالف لما عليه كتب التفسير، فالمروي ~~عن أبي أنه قرأ " أن من سليمان وأن بسم الله الرحمن الرحيم " بفتح الهمزة ~~وتخفيف النون وحذف الهاء. (1) زيادة يقتضيها المقام. # (2) الوبيص: البريق واللمعان. (1) راجع ج 3 ص 243 طبعة أولى أو ثانية. (1) الزيادة من " قصص الأنبياء " للثعلبي. (1) هو حسان بن المنذر يهجو بنى عائذ بن عمرو بن مخزوم وقبله: # وإن تصلح فإنك عائذي * وصلح العائذي إلى فساد (1) بغام الظبية: صوتها. (1) الرهج: الغبار. # (2) المغافصة: الاخذ على غرة (1) وفى ديوانه طبع أوربا " مسوم " بدل " مصوب " وهو بمعنى معلم منقضب ~~والبيت في وصف ثور وحشي، كأن الثور كوكب مصوب منقضب في إثر عفرية في سواد ~~الليل. # (2) البيت لرؤبة من قصيدة يمدح بها مسلمة بن عبد الملك (1) الفتك: الاخذ في غفلة وخديعة. # (2) فدعته: أي دفعته دفعا شديدا. وفي رواية " فذعته " بالذال المعجمة ~~ومعناه خنقته. # (3) " تفلت " أي تعرض لي فلتة أي بغتة. # (4) الزيادة من (الموطأ). (١) الزيادة من إعراب القرآن للنحاس. # (2) البيت للفرزدق، وأراد بعبد الله ms7225 القبيلة، وهي عبد الله بن دارم. (1) البيت لأبي ذؤيب وهو بتمامه: # على طرق كنحور الظبا * تحسب أعلامهن الصروحا يقول: هذه الطرق كنحور ~~الظباء في بيانها (1) الحديث مروى في البخاري والنسائي والترمذي من طريق أبى بكرة في ابنة ~~كسرى، وذلك أنه لما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن فارسا ملكوا ابنة كسرى ~~لما هلك قال صلى الله عليه وسلم: " ولن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة ". (1) في نسخة " الجسمين " (1) الوكنات (بضم الكاف وفتحها وسكونها) جمع وكنة (بالسكون) وهي عش الطائر ~~ووكره. ويروى: " على مكناتها ". # (2) راجع ج 6 ص 60 طبعة أولى أو ثانية. (1) " مهلك " بضم الميم وفتح اللام قراءة الجمهور. # (2) في الأصل: " وقرأ حفص "... الخ " وحفص يقرأ بفتح الميم وكسر اللام. (1) راجع ج 7 ص 247 طبعة أولى أو ثانية. # (2) راجع ج 9 ص 81 وما بعدها طبعة أولى أو ثانية. (1) هو حسان بن ثابت رضي الله عنه. (1) " نشرا " بالنون على قراءة نافع. وفيه سبع قراءات، راجع ج 7 ص 922 طبعة ~~أولى أو ثانية. (1) راجع ج 7 ص 1 وما بعدها طبعة أولى أو ثانية. # (2) راجع ج 4 ص 17 طبعة أولى أو ثانية. # (3) لم تذكر كتب التفسير الأخرى الأعمش في هذه القراءة. ولعل هذه رواية ~~أخرى عنه غير الرواية المتقدمة. (1) قال ابن عطيه: (ممدود الألف) ومثله في " البحر " و " روح المعاني ". (1) راجع ج 12 ص 145 طبعة أولى أو ثانيه. # (2) راجع ج 10 58 طبعة أولى أو ثانية. # (3) راجع ج 10 ص 203 طبعة أولى أو ثانية. (1) أي عائشة رضي الله عنها. (1) الزيادة من صحيح مسلم. (1) راجع ج 7 ص 20 طبعة أولى أو ثانية. (١) الزيادة من " إعراب القرآن " للنحاس. (1) راجع ج 10 ص 111 طبعة أو أو ثانية. (1) زريق: اسم قبيلة وهو منادى. والندل هنا الاخذ باليدين. والندل أيضا ~~السرعة في السير. " ندل الثعالب ": # يقال في المثل: (هو أكسب من ثعلب) لأنه يدخر لنفسه، ويأتي على ما يعدو ~~عليه من الحيوان إذا أمكنه. والبيت في وصف تجار ms7226 وقيل لصوص، وقبله: # يمرون بالدهنا خفافا عيابهم * ويرجعن من دارين بجر الحقائب (1) في الأصل: " أفصح " وهو تحريف. والتصويب من كتب اللغة. # (2) راجع ج 1 ص 384 وما بعدها طبعة ثانية أو ثالثة. (1) راجع ج 8 ص 188 وما بعدها طبعة أولى أو ثانية. # (2) وقيل في اسمها أيضا: يوخابذ. وقيل: يوخابيل، وقيل غير ذلك. (1) راجع ج 11 ص 195 وما بعدها طبعة أولى أو ثانية. (1) هو نقادة الأسدي، كما في اللسان مادة " لقط ". # (2) راجع ج 9 ص 134 وما بعدها طبعة أولى أو ثانية. # (3) التفخيم في اصطلاح القراء: الفتح. (١) الزيادة من " إعراب القرآن " للنحاس. (1) راجع ج 11 ص 192 وما بعدها طبعة أولى أو ثانية. (1) راجع ج 9 ص 377 وما بعدها طبعة أولى أو ثانية. (1) هو علقمة بن عبده، قاله يخاطب به الحرث بن جبلة يمدحه، وكان قد أسر ~~أخاه شأسا - وأراد بالنائل إطلاق أخيه شأس من سجنه - فأطلق له أخاه شأسا ~~ومن أسر معه من بني تميم. # (2) الزيادة من كتب التفسير. # (3) جالت: قلقت. يقول: ذهبت الناقة بقلقها ونشاطها لتصرعني فلم تقدر على ~~ذلك لحذقي بالركوب ومعرفتي به. (1) راجع ج 7 ص 134 وما بعدها طبعة أولى أو ثانية. # (2) راجع ج 2 ص 131 طبعة ثانية. (1) ويروى: " عن الجلي ". والذلول ضد الصعب. ويروى: " ذليل ". وأجماع جمع ~~(جمع) وهو ظهر الكف إذا جمعت أصابعك وضممتها. # (2) هو جرير. والأشجع يريد به الشجاع من الحيات. وصدر البيت: # * أيفايشون وقد رأوا حفائهم * (1) راجع ج 11 ص 202 طبعة أولى أو ثانية. # (2) هو سلامة بن جندل. والطنابيب (جمع ظنبوب): وهو حرف العظم اليابس من ~~الساق. والمراد سرعة الإجابة. (1) تقدم شرح هذا البيت في هامش ج 11 ص 137 طبعة أولى أو ثانية. (1) هو جرير. والعصم (جمع الأعصم): وهو من الظباء الذي في ذراعه بياض، ~~وقيل: في ذراعيه، والفادر: # المسن منها. وقيل: العظيم. ويروى: " من شعف العقول ". وقبله: # يا أم طلحة ما لقينا مثلكم * في المنجدين ولا بغور الغائر (2) راجع ج 7 ص ~~247 طبعة ms7227 أولى أو ثانية. # (3) قليذادن، أي ليطردن. ويروى: " فلا تذادن " أي لا تفعلوا فعلا يوجب ~~طردكم عنه، قال أين الأثير: والأول أشبهه. # (4) في الأصل: " إذا ذهب " وهو تحريف. # (5) هو سويد بن كراع يذكر تنقيحه شعره. # (6) هو جرير يهجو الفرزدق. (1) السمرة: شجرة صغيرة الورق، قصيرة الشوك، لها برمة صفراء يأكلها الناس. (1) في الأصل: أبو إسحاق والتصويب عن تفسير ابن عطية والطبري. # (2) السلفع من النساء: # الجريئة على الرجال. # (3) راجع ج 7 ص 247 طبعة أولى أو ثانية. (١) الزيادة من " أحكام القرآن لابن ~~العربي). (1) سلع: جبل المدينة. (1) الزيادة من اللسان، وفي الأصل: " هي الثعل " ولعله تحريف، إذ أن عبارة ~~اللسان " وتلك السن الزائدة يقال لها الراءول ". # (2) زيادة يقتضيها المعنى. (١) راجع ج ١٠ ص ١٧ وما بعدها طبعة أولى أو ثانية. # (٢) الزيادة من " أحكام القرآن لابن ~~العربي ". (1) هو زهير بن أبي سلمى. ويروى: ومن شهر. (1) راجع ج 3 ص 79 وما بعدها طبعة أولى أو ثانية. (1) الخوار هنا العود الذي يتقصف والمدعر الذي إذا وضع على النار لم يستوقد ~~ودخن. # (2) ويروى: * شديدا عليها حرها والتهابها * (1) راجع ج 1 ص 304 طبعة ثانية أو ثالثة. # (2) الدراعة: ضرب من الثياب التي تلبس. وقيل جبة مشقوقة المقدم. (1) راجع ج 12 ص 231 طبعة أولى أو ثانية. # (2) الزرمانقة: جبة من صوف وهي عجمية معربة. (1) أرمى وأربى لغتان. (1) لا يخيل: أي لا يشكل. (1) قراءة نافع: " ساحران تظاهرا " وعليهما المصنف. (1) رواية البحر وروح المعاني: ما بال ذمتي * بحبل...... الخ (2) درير: ~~مستدر في العدو، يصف سرعة جري فرسه. والخذروف شئ يدوره الصبي في يده ويسمع ~~له صوت ويسمى الخرارة. وأمره أحكم فتله. (1) راجع ج 6 ص 255 وما بعدها طبعة أولى أو ثانية. (1) راجع ج 8 ص 272 وما بعدها طبعة أولى أو ثانية. (1) الخافة العيبة ومنه الحديث " المؤمن كمثل خافة الزرع ". (1) انظر ج 9 ص 274 طبعة أولى أو ثانية. (1) في بعض نسخ الأصل: وما للعبد لا يتخير. والتصحيح من النسخة الخيرية. # (2) لعل صواب البيت: وينجو بحمد الله من ms7228 ليس يحذر. وهذا ما يفيده معنى ~~التوكل. (1) الغمة: الامر الذي لا يهتدى له، والمعنى، لا أتحير في أمري نهارا ~~وأؤخره ليلا فيطول على الليل. (1) في نسخة، فيظهر حزنهم. (1) هو ذو الرمة. يريد تنيئها عجيزتها إلى الأرض لضخامتها وكثرة لحمها في ~~أردافها. (1) ويروى: ولا جازع من صرفها المتحول. # (2) التصحيح من النسخة الخيرية. # (3) أنشده أبو عبيدة لبيعس العذري. (1) في الأصول " طالوت " وهو تحريف. والتصويب من كتب التفسير. (1) في نسخة: أرموا بالنفوس. وفي نسخة أخرى أرسوا بالنفوس النواجذ. ولم ~~نعثر عليه. (1) هو زيد بن عمر بن نفيل. (1) هو ذو الرمة. # (2) ويروي بالضرب... من أنوف المحازم. # (3) راجع ج 12 ص 79 وما بعدها طبعة أولى أو ثانية. # (4) هو عمرو بن كرب، ويروي لسوار بن المضرب. # شواهد سيبويه. (1) وردت هذه الكلمة في سنن ابن ماجة بالهاء المهملة، وقال هامشه: " يحوبها ~~" من حبى بحاء مهملة وباء موحدة أي يجعل لها جيبا. ووردة في الجامع الصغير ~~للسيوطي بالجيم وقال شارحه: هي بجيم وواو. وحده أي يخرقها ويقطعها، وكل شئ ~~قطع وسطه فهو مجوب. ورواية الجامع الصغير هي المتبادرة. (1) هو زهير بن أبي سلمى. وعثر بشد المثلثة اسم موضع. (1) تمام البيت.. * وحالفها في بيت نوب عوامل * وروى: عواسل. (1) شجروا فاها: أي أدخلوا في شجرة عودا حتى يفتحوه به. (1) البيت لمدثار بن شيبان النمري وقبله: # تقول خليلتي لما اشتكينا * سيدركنا بنو القرم الهجان (1) راجع ج 4 ص 275 وما بعدها طبعة أولى أو ثانية. (1) راجع ج 9 ص 42 وما بعدها طبة أولى أو ثانية. (1) أي الضعاف التي في المشي ولا تسرع. # (2) راجع ج 5 ص 349 وما بعدها طبعة أولى أو ثانية. # (3) راجع ج 2 ص 133 طبعة ثانية. (1) راجع ج 7 ص 245 وما بعدها طبعة أولى أو ثانية. # (2) راجع ج 9 ص 79 طبعة أولى أو ثانية. (1) بفتح الموحدة وتشديد الزاي كما في التقريب. # (2) في كل النسخ: مجاهد ومنصور. # والتصويت عن تفسير الطبري وغيره. # (3) تنقيض الأصابع قرقعتها. # (4) الجلاهق كعلابط البندق الذي يرمى به. والخذف بالخاء المعجمة ms7229 الحذف ~~به. (1) راجع ج 7 ص 247 وما بعدها وج‍ 9 ص 85 وما بعدها طبعة أولى أو طبعة ~~ثانية. (1) ويقال أيضا: عنكباة بتقديم النون على الكاف. (1) راجع ج 1 ص 258 وما بعدها طبعة أولى أو ثانية. # (2) راجع ج 1 ص وما بعدها طبعة ثانية أو ثالثة. # (3) راجع ج 1 ص 164 وما بعدها طبعة ثانية أو ثالثة. (1) عبارة الأصل هنا: " فهؤلاء المشركون في سقوط الجزية... الخ " والتصويب ~~مستفاد من كتب التفسير. (1) محا الشئ يمحوه ويمحاه محوا ومحيا أذهب أثره. # (2) السمنان هو أبو عمرو الفلسطيني. وأبو ذر هو عبد الله بن أحمد الهروي، ~~والباجي هو أبو الوليد. (1) تمام البيت: * حتى شتت همالة عيناها * (1) زيادة يقتضيها السياق. # (2) راجع ج 4 ص 297 وما بعدها طبعة أولى أو ثانية. (1) هذه رواية أبي سعيد الخدري، كما في صحيح مسلم. # (2) الزيادة من كتاب " أسباب النزول " للواحدي. (1) البيت للعجاج وتمامه: * وإذ زمان الناس دغفلي * (1) في نسخة الترمذي: (هذا حديث حسن غريب...). (1) في ج وك: (أو سبع). # (2) الفصيل: ولد الناقة إذا فصل عن أمه. (1) في ج: (الرهان). # (2) القلائص: جمع القلوص، وهي الفتية من الإبل. # (3) الخطر (بالتحريك): الرهن وما يخاطر عليه. # (4) قمرت الرجل: غلبته. # (5) راجع هذا الخبر في تاريخ الطبري (ج 4 ص 1005 من القسم الأول طبع ~~أوربا). # (6) هكذا ورد في كتب التفسير. والذي في تاريخ الطبري: (شهربراز). (1) زيادة عن النحاس. # (2) في ك: بفتح الياء. # (3) في ش: (كالمسلمين، فهم أقرب من أهل الأوثان...). (1) أي لا يشكل وهو من أخال الشئ اشتبه. # (2) راجع ج 9 ص 197. (1) آية 33 سورة الرعد. ج 9 ص 323. (1) راجع ج 1 ص 453. (1) المكرس: الذي قد بعرت فيه الإبل وبولت فركب بعضه بعضا. (1) في ش و ج (مهما يكن). # (2) رياض الحزن أحسن من رياض الخفوض لارتفاعها. # (3) قوله: (يضاحك الشمس) أي يدور معها حيثما دارت. وكوكب كل شئ معظمه، ~~والمراد هنا الزهر. ومؤزر: # مفعل من الازار. والشرق: الريان الممتلئ ماء. والعميم: التام السن. ~~والمكتهل: الذي قد بلغ وتم. # (4) النشر: الرائحة الطيبة. والأصل: جمع ms7230 أصيل وخص هنا الوقت لان المنبت ~~يكون فيه أحسن ما يكون لتباعد الشمس والفئ عنه. (1) النضو: الدابة التي أهزلتها الاسفار. # (2) اليحبور: الناعم من الرجال. # (3) أعرقت الكأس وعرقتها: أقللت ماءها. # (4) السماع: الغناء. (1) في ك: (ويحليها) بالحاء المهملة. وفي كتاب التذكرة: (ويخليها) بالخاء ~~المعجمة. # (2) راجع ص 103 من هذا الجزء. # (3) في الأصول: (الأجراس). (1) راجع ج 9 ص 110. (1) راجع ج 10 ص 210. # (2) راجع ج 1 ص 377 فما بعد. # (3) من ك. # (4) في ج: (والعشاء). (1) راجع ج 4 ص 56. (1) راجع ج 6 ص 387. # (2) كذا في الأصل. # (3) راجع ج 13 ص 132. (1) راجع ج 1 ص 251. # (2) بفتح اللام قراءة نافع، وبها كان يقرأ المؤلف. # (3) هو ابن مقبل، كما في شواهد سيبويه والخزانة. (1) رواية البيت كما في اللسان: # دعوت جليدا دعوة فكأنما * دعوت به ابن الطود أو هو أسرع قال: وابن الطود: ~~الجلمود الذي يتدهدى من الطود. والطود: الجبل العظيم. وتدهده الحجر: تدحرج. # في كتاب ما يعول عليه: دعوت خليدا... بالخاء المعجمة. # (2) راجع ج 15 ص 279. (١) راجع ج ٧ ص ١٨١ فما بعد. # (٢) زيادة عن إعراب القرآن للنحاس. # (3) راجع ج 19 ص 252. (1) راجع ج 19 ص 294. # (2) راجع ج 7 ص 187 فما بعد. # (3) القائل هو معن بن أوس. # (4) البيت للأحوص بن محمد الأنصاري. (1) راجع ج 9 ص 324. # (2) راجع ج 1 ص 287. و ج 2 ص 131. (1) راجع ج 17 ص 55. # (2) راجع ج 10 ص 217. # (3) راجع ص 42 من هذا الجزء. # (4) أي سليمة من العيوب مجتمعة الأعضاء كاملتها. (1) في ج، ش: ك: أبواب. # (2) راجع ج 7 ص 188 فما بعد. (1) راجع ج 7 ص 324. # (2) أي والمس عالية. # (3) لفظ (مسلمة) ساقط من ج، ش. (1) راجع ج 16 ص 205. # (2) راجع ج 6 ص 425. # (3) راجع ج 14 ص 318 فما بعد. # (4) راجع ج 15 ص 17. # (5) راجع ج 11 ص 296. # (6) راجع ج 6 ص 335. (1) راجع ج 10 ص 151. # (2) راجع ج 17 ص 62 فما بعد. # (3) راجع ج 19 ص 82 فما بعد. # (4) راجع ج 10 ص 231 فما بعد. # (5) راجع ج 7 ms7231 ص 187 فما بعد. # (6) لفظة (شعبة) ساقطة من ج. (1) لفظة (فيه) ساقطة من ج. # (2) قراءة نافع، وبها كان يقرأ المؤلف. # (3) راجع ج 7 ص 314 فما بعد. (1) راجع ج 5 ص 389 فما بعد. # (2) لفظة (من الذنوب) ساقطة من ج. # (3) لفظة (مأخوذ) ساقطة من ج (1) راجع ج 18 ص 147. # (2) ما بين المربعين ساقط من ج. # (3) راجع ج 5 ص 180 و ج 11 ص 96. # (4) راجع ج 7 ص 149 وص 240. (1) راجع ج 10 ص 392 فما بعد. (1) راجع ج 4 ص 233. # (2) راجع ج 13 ص 176 فما بعد. # (3) في ك، ش: (الفرح) بالحاء. # (4) راجع ج 10 ص 35. (1) ما بين المربعين ساقط من ك. # (2) راجع ج 8 ص 1. # (3) راجع ج 2 ص 15 و 241. و ج 8 ص 11 و ج 9 ص 64. (1) راجع ج 1 ص 181. # (2) راجع ج 3 ص 348 فما بعد. # (3) في ج: (وليس فيه أجر). (1) ما بين المربعين ساقط من ش. # (2) راجع ج 19 ص 66. # (3) لفظة يطلب ساقطة من ج وش. (1) اللقحة (بكسر اللام وفتحها): الناقة الحلوب. # (2) راجع ج 3 ص 311. (1) راجع ج 5 ص 410. # (2) راجع ج 3 ص 237 وص 314. # (3) راجع ج 8 ص 324. (1) في ج، ك: (في الفقه). (1) راجع ج 9 ص 245 فما بعد. (1) البيت لمتمم بن نويرة اليربوعي من قصيدة يرثي بها أخاه مالكا مطلعها: # لعمري وما دهري بتأبين هالك * ولا جزع مما أصاب فأوجعا وقوله: (كندماني ~~جذيمة) يعنى جذيمة الأبرش وكان ملكا. ونديماه: يقال لهما مالك وعقيل. ويضرب ~~بهما المثل لطول ما نادماه فقد نادمناه أربعين سنة ما أعادا عليه حديثا. (1) راجع ج 10 ص 15. # (2) راجع ج 1 ص 388 و 397 و ج 2 ص 194 فما بعد. # (3) في ج، ش: (أي أخبرنا به ولا...). (1) راجع ج 2 ص 197 فما بعد. # (2) ما بين المربعين زيادة من ش وك. # (3) راجع ج 2 ص 200 فما بعدها. (1) راجع ج 9 ص 376 فما بعد. (1) راجع ج 13 ص 233. (1) أي في رأيه ونظره ms7232 في مصالح نفسه. # (2) ما بين المربعين ساقط من ش (3) راجع ج 19 ص 207 فما بعد (1) راجع ج 17 ص 305 فما بعد. # (2) راجع ج 6 ص 402. (1) راجع ج 15 ص 351 فما بعد. # (2) راجع ج 1 ص 148. (1) راجع ص 76 من هذا الجزء. # (2) راجع ج 7 ص 238. # (3) راجع ج 5 ص 399. # (4) راجع ج 1 ص 162 فما بعد. و ج 6 ص 221. (1) راجع ج 9 ص 245 فما بعد. # (2) كذا في جميع نسخ الأصل. وفي كتاب النحاس: (أو يكون التقدير: لما كان ~~إنما يشتريها ويبالغ في ثمنها كأنه اشترى اللهو). وفي العبارتين غموض ولعل ~~العبارة هكذا: # أو يكون التقدير أنه لما كان إنما يشتريها ويبالغ في ثمنها لأجل لهوها ~~كان كأنه اشترى اللهو. # (3) راجع ج 17 ص 121 فما بعد. # (4) راجع ج 10 ص 290. (1) راجع ج 8 ص 335 فما بعد. # (2) في آخر كتاب الاستئذان. (1) راجع ج 1 ص 210. # (2) ما بين المربعين ساقط من الأصل المطبوع. # (3) الآنك: الرصاص. # (4) في ج، ش: " رياض الجنة ". (1) هو عبد أسود كان يسوق أو يقود بنساء النبي صلى الله عليه وسلم عام حجة ~~الوداع، وكان حسن الحداء، وكانت الإبل تزيد في الحركة بحدائه. # (2) الشبابة (بالتشديد): قصبة الزمر وهي مولدة. # (3) اليراعة: مزمار الراعي. # (4) ما بين المربعين ساقط من ج، ش. (1) لفظة: (كان) ساقطة من ج. (1) راجع ج 7 ص 3. (1) هذا البيت لجرير من قصيدة يهجو بها الأخطل مطلعها: # أمسيت إذ رحل الشباب حزينا * ليت الليالي قبل ذاك فنينا (2) راجع ج 6 ص ~~404. # (3) راجع ج 1 ص 198 و 238 فما بعد. # (4) راجع ج 1 ص 287 و ج 2 ص 131 فما بعد. (1) راجع ج 9 ص 279. # (2) ما بين المربعين ساقط من ش. (1) في تفسير ابن عطية: (... والعمل). (1) يقال: فلان حرى بكذا، وحرى بكذا وحرى بكذا، وبالحرى أن يكون كذا، أي ~~جدير وخليق. # (2) زيادة يقتضيها السياق. # (3) عزائم الله: فرائضه التي أوجبها على عباده. (1) اللحيان: حائط الفم وهما العظمان اللذان فيهما الأسنان من داخل الفم من ms7233 ~~كل ذي لحى. (1) راجع ج 1 ص 397. # (2) راجع ج 7 ص 29 فما بعد. (1) في نسخ الأصل: (يوسف) وهو تحريف. راجع ج 9 ص 39. # (2) راجع ج 13 ص 328. (1) لفظة (أقوى ساقطة من الأصل المطبوع). # (2) راجع ج 10 ص 239. (1) راجع ج 3 ص 160. (1) راجع ج 15 ص 237 فما بعد. وص 243 فما بعد. (1) زيادة عن ابن عطية. # (2) في ج: (الجوزي). # (3) في ج: (الجوزي). # راجع ج 7 ص 150. # (4) البيت لذي الرمة. و (تسفهت): استخفت والسفه خفة العقل وضعفه. # و (النواسم): الضعيفة الهبوب. وصف نساء فيقول: إذا مشين اهتززن في مشيهن ~~وتثنين فكأنهن رماح نصبت فمرت عليها الرياح فاهتزت وتثنت. (1) راجع ج 20 ص 117. # (2) راجع ج 10 ص 204. # (3) راجع ج 1 ص 367. # (4) راجع ج 4 ص 47، و ج 6 ص 243. (1) يريد: فتقوم أنت. # (2) قبل هذا البيت كما في معجم العراء للمرزباني: # فعاطى الملوك الحق ما قصدوا بنا * وليس علينا قتلهم بمحرم قال المرزباني: ~~وهذا البيت - بيت الشاهد - يروى من قصيدة المتلمس التي أولها: # يعيرني أمي رجال ولن ترى * أخا كرم إلا بأن يتكرما (1) في ج (ومن هذا الباب). # (2) راجع ج 10 ص 260. # (3) ورد هذا الاسم مضطربا في نسخ الأصل. والتصويب عن تهذيب التهذيب. (1) راجع ج 13 ص 68. # (2) في الأصول: (معمر) بالميم بدل الياء وهو تحريف. (1) الرجلة (بضم فسكون): المشي راجلا. # (2) الملاحاة: الملاومة والمباغضة. # (3) لفظة (أنه) ساقطة من ج. # (4) في ك: (وفي هذه الآية أذن من الله تعالى بترك الصوت والصياح). # (5) في ج: (تهازيا). # (6) الرواء (بالضم والمد): المنظر الحسن. والنعم: الإبل. # (7) الأين: الاعياء. والخلق العمم: التام. (1) راجع ج 9 ص 366 فما بعد. # (2) راجع ج 6 ص 80 فما بعد. (1) راجع ج 12 ص 5 و 15 (2) راجع ج 9 ص 298. # (3) راجع ج 7 ص 77. # (4) راجع ج 11 ص 248 فما بعد. # (5) راجع ج 3 ص 279. # (6) راجع ج 4 ص 45. (1) راجع ج 2 ص 74 فما بعد. (1) راجع ج 11 ص 68. # (2) راجع ج 10 ص 324. (1) راجع ج 1 ص 209 و ج 4 ms7234 ص 194 فما بعد. # (2) راجع ج 11 ص 68. # (3) راجع ج 2 ص 131. (1) راجع ج 9 ص 245 فما بعد. # (2) كذا في نسخ الأصل. وهي روح المعاني: (وأبي الأسود). # (3) في الأصل: (الحج والانعام) وهو تحريف. راجع ج 12 ص 90 و ج 4 ص 56. (1) راجع ج 17 ص 39. (1) راجع ج 8 ص 325. (1) راجع ج 1 ص 377. # (2) أي لم يبلغوا مبلغ الرجال ويجرى عليهم القلم فكتب عليهم الحنث، وهو ~~الاثم. # (3) راجع ص 322 من هذا الجزء. # (4) راجع ج 17 ص 247. # (5) راجع ج 5 ص 395. (1) راجع ج 7 ص 1 وص 2 فما بعد. # (2) الأنواء: جمع نوء، وهو سقوط نجم في المنازل في المغرب مع الفجر وطلوع ~~آخر من المشرق يقابله في ساعته. وكانت العرب تضيف الأمطار والرياح والحر ~~والبرد إلى الساقط منها. (1) القائل هو عامر بن جوين الطائي. وصف أرضا مخصبة لكثرة ما نزل بها من ~~الغيث. والمزنة: السحابة. # والودق: المطر. (1) راجع ج 15 ص 3 فما بعد. (1) راجع ج 6 ص 121. (1) راجع ج 7 ص 219 و ج 1 ص 254. # (2) راجع ج 9 ص 279 فما بعد. # (3) راجع ج 13 ص 57. (1) راجع ج 18 ص 278. (1) البيت لسلامة بن جندل. والتأويب في كلام العرب: سير النهار كله إلى ~~الليل. يقال: أوب القوم تأويبا أي ساروا بالنهار. (1) راجع ص 87 و 88 من هذا الجزء. # (2) راجع ج 15 ص 98. # (3) راجع ج 15 ص 347 فما بعد. # (4) راجع ج 1 ص 157 فما بعد. (1) راجع ج 13 ص 239 فما بعد. # (2) راجع ج 5 ص 120. # (3) راجع ج 11 ص 203 فما بعد. # (4) راجع ج 12 ص 109. (1) راجع ج 6 ص 22. # (2) راجع ص 313 من هذا الجزء. (1) قوله تعالى: (إنا) قراءة نافع وعليها جرى المؤلف. (1) راجع ج 2 ص 38. # (2) راجع ج 15 ص 260 فما بعد. (1) راجع ج 8 ص 28. # (2) راجع ج 7 ص 6 وص 99. # (3) راجع ج 18 ص 206. # (4) راجع ج 12 ص 7 وص 99. # (5) راجع ج 7 ص 301 فما بعد. (1) راجع ج ms7235 8 ص 266 فما بعد. # (2) راجع ج 6 ص 409 فما بعد. (1) راجع ج 19 ص 239 فما بعد وص 150. # (2) ما بين المربعين ساقط من ج، ك. # (3) كذا في نسخ الأصل: (ولعلها مقرونة). # (4) هذا عجز بيت وصدره: # * ولا تغل في شئ من الامر واقتصد * (1) راجع ج 3 ص 424 فما بعد. # (2) راجع ج 11 ص 251. # (3) راجع ج 7 ص 177 فما بعد. # (4) السفود: حديدة يشوى عليها اللحم. الشرب (بالفتح): جماعة القوم ~~يشربون. والمفتأد. موضع النار الذي يشوى فيه. والبيت من معلقة النابغة ~~الذبياني. (1) راجع ج 15 ص 182. (1) راجع ج 12 ص 308. (1) الذي في كتب الاملاء أنه يجوز. (1) في بعض النسخ: (المسلمات). # (2) قال النووي: (أما أردت فبضم التاء، ومعناه اخترت واصطفيت. وأما غرست ~~كرامتهم بيدي الخ فمعناه اصطفيتهم وتوليتهم فلا يتطرق إلى كرامتهم تغيير). (1) بله: من أسماء الافعال وهي مبنية على الفتح مثل كيف ومعناها: دع عنكم ~~ما أطلعكم عليه فالذي لم يطلعكم أعظم وكأنه أضرب عنه استقلالا له في جنب ما ~~لم يطلع عليه. (شرح النووي). # (2) الملاحاة: المقاولة والمخاصمة. # (3) راجع ج 16 ص 311. (1) راجع ج 4 ص 321. # (2) راجع ج 12 ص 27. # (3) راجع ص 98 و 99 من هذا الجزء. (1) راجع ص 95 من هذا الجزء. # (2) راجع ج 6 ص 80 فما بعد. (1) راجع ج 8 ص 84 فما بعد. (1) في الأصول: (واديان). والودان: البلل. (1) راجع ج 7 ص 250 فما بعد. # (2) راجع ج 2 ص 3 فما بعد. # (3) في ش: (هزموا). # (4) راجع ج 7 ص 72. (1) راجع ج 2 ص 61 فما بعد. (1) في ج وك: (بايعه). # (2) في الأصول: (عمر). # (3) في أسباب النزول (ومنفعة). (1) راجع ج 16 ص 380 فما بعد. (1) البضعة (بالفتح وقد تكسر) القطعة من اللحم. # (2) اللمة (بالفتح) الهمة والخطرة تقع في القلب. # (3) راجع ج 1 ص 187 فما بعد. # (4) في بعض النسخ: (والطمأنينة والاعتدال). (1) راجع ج 17 ص 279 فما بعد. # (2) بجل: كنعم زنة ومعنى. وأبجله الشئ: كفاه. (1) راجع ص 188 من هذا الجزء. # (2) راجع ج 16 ص ms7236 322. (1) في ش: (خطأ من الخطأ الذي..). # (2) هذه المسألة هكذا وردت في جميع نسخ الأصل. ويلاحظ أنها مقحمة هنا ~~وموضعها الآية السابقة. (1) راجع ج 4 ص 267 و ج 7 ص 118 فما بعد. # (2) قوله: (محمدا) نصب على البدل من الضمير المنصوب في قوله: (سمعته ~~أذناي). (1) مرجع الضمير في هذه الرواية المستوقد المفهوم من الكلام. (1) راجع ص 164 من هذا الجزء. # (2) ما بين المربعين زيادة يقتضيها السياق ليست في نسخ الأصل. # (3) كذا في ج. وفي ك: (الفهم). وفي ش: (المفهوم). (1) راجع ج 8 ص 55 فما بعد. # (2) الارتثاث: أن يحمل الجريح من المعركة وهو ضعيف قد أثخنته الجراح. # (3) الضح (بالكسر): ضوء الشمس إذا استمكن من الأرض. أراد لو مات عما طلعت ~~عليه الشمس وجرت عليه الريح وكنى بهما عن كثرة المال. # (4) راجع ج 8 ص 59. (1) راجع ج 5 ص 109 و ج 4 ص 154 شرح الموطأ. (1) الصفق: التبايع. # (2) راجع ج 9 ص 79 فما بعد. (1) راجع ج 16 ص 9 فما بعد. # (2) راجع ج 4 ص 124 فما بعد. (1) راجع ج 7 ص 164. # (2) راجع ج 6 ص 374. # (3) سميت غزوة الخندق لأجل الخندق الذي حفر حول المدينة بأمر الرسول صلى ~~الله عليه وسلم. وأما تسميتها بالأحزاب: فلاجتماع طوائف من المشركين على ~~حرب المسلمين وهم قريش وغطفان واليهود. (1) أي مستخفين ومستترين بعضهم ببعض. (1) راجع ج 4 ص 249 فما بعد. و ج 13 ص 194. # (2) أي المعتق من النار. # (3) راجع ج 7 ص 71. # (4) ندر: سقط. (1) في النسائي: (ديارهم). # (2) سلع: جبل بالمدينة. (1) الجهام: السحاب لا ماء فيه. (1) في سيرة ابن هشام: (بصوابي). # (2) في سيرة ابن هشام: (فصددت حين تركته...). # (3) المتجدل: اللاصق بالأرض. والدكادك: جمع دكداك، وهو الرمل اللين. ~~والروابي: جمع رابية وهو ما ارتفع من الأرض. # (4) المقطر: الذي ألقى على أحد قطريه أي جنبيه وبزني: سلبني وجردني. # (5) في سيرة ابن هشام: (بالشعر). (1) مقلصة: مجتمعة منضمة. # (2) الأكحل: عرق في وسط الذراع. # (3) العرقة (بفتح العين وكسر الراء): أم حبان واسمها قلابة بنت سعيد بن ~~سعد تكنى ms7237 أم فاطمة وسميت العرقة لطيب ريحها، وهي جدة خديجة. # (4) في الأصول: (جبارة) والتصويب عن سيرة ابن هشام وشرح المواهب. (١) في ك: (أن نقاتل معنا). وفي ج: (مقامك). قوله: (خدعة) في النهاية لابن الأثير: # (يروى بفتح الخاء وضمها مع سكون الدال وبضمها مع فتح الدال. فالأول ~~معناه: أن الحرب ينقضي أمرها بخدعة واحدة من الخداع أي أن المقاتل إذا خدع ~~مرة واحدة لم تكن لها إقالة. وهي أفصح الروايات وأصحها. ومعنى الثاني: هو ~~الاسم من الخداع. ومعنى الثالث: أن الحرب تخدع الرجال وتمنيهم ولا تفي لهم ~~كما يقال: فلان رجل لعبة وضحكة أي كثير اللعب والضحك. # (2) النهزة: الفرصة تجدها من صاحبك. # (3) ما بين المربعين كذا ورد في ك. والذي في ج، ش: (... وغطفان رهنا ~~رجالا ونسلمهم). (1) مثلث الغين. # (2) الكراع: اسم يجمع الخيل. والخف: اسم يجمع الإبل. # (3) الذعر: الفزع يريد لا تعلمهم بنفسك وامش في خفية لئلا ينفروا منك ~~ويقبلوا علي. (1) يقول: كأنما أمشى في حر لم يصبني برد ولا من تلك الريح الشديدة شئ ~~ببركة توجيه النبي صلى الله عليه وسلم. # (2) راجع ج 11 ص 311. # (3) الأطم: حصن مبني بحجارة. # (4) في الأصول: # (في الأطم الذي فارع). وفارع حصن بالمدينة يقال إنه حصن حسان بن ثابت. # (5) مقلصة: مجتمعة منضمة. (1) راجع ج 7 ص 394. # (2) راجع ج 8 ص 242. # (3) الاسعاف: قضاء الحاجة. # (4) أرقعة جمع رقيع والرقيع السماء سميت بذلك لأنها رقعت بالنجوم. # (5) أي بلون الورد حين أن ينفتح. (1) الملحمة: الوقعة العظيمة القتل. (1) ويقال، فيه (خنافة) بالخاء المعجمة. # (2) راجع ج 8 ص 1. # (3) في المواهب اللدنية والإصابة: (ثعلبة بن عنمة بفتح العين المهملة ~~والنون). # (4) قال ابن هشام: (سهم غرب وسهم غرب (بإضافة وغير إضافة) وهو الذي لا ~~يعرف من أين جاء ولا من رمى به). (1) الهوى (بالفتح): الزمان الطويل. # (2) راجع ج 3 ص 223. # (3) راجع ج 11 ص 180. (1) محوة: من أسماء الشمال لأنها تمحو السحاب وتذهب بها وهي معرفة لا تنصرف ~~ولا تدخلها ألف ولام. (1) القائل هو بشار بن برد. # (2) القرح: جمع القارح وهي الناقة أول ما ms7238 تحمل. # (3) هذا يدل على أن رسم المصحف: (ولا؟؟؟) بزيادة ألف. (1) في الأصول: (وهو موجود في اللفظ ويثبت في اللفظ وهو...). # (2) البيت لبشر بن أبي خازم. واعترف القوم: سألهم. (1) في كتاب معجم البلدان لياقوت: (يثرب بن قانعة بن مهلائيل بن إرم عبيل ~~بن عوض بن إرم بن سام بن نوح عليه السلام). # (2) في معجم البلدان: (وقال الكلبي: أن العماليق أخرجوا بني عقيل وهم ~~إخوة عاد فنزلوا الجحفة...). (1) اضطربت الأصول هنا فقد ذكر في ش: (ورجل أعور أي لا شئ له). وفي ج: (رجل ~~عور كور...) بالكاف. وفي ك: (ورجل عور لور...) باللام. ولعل الكلمة الأخيرة ~~اتباع على أننا لم نجدها في مظانها. # (2) أي ذو ريح وذو مال. # (3) راجع ج 4 ص 185. (1) أي هم قليل يشبعهم رأس واحد وهو جمع آكل. (1) ما بين المربعين من كتاب النحاس وهو واضح. وعبارة الأصول: (ولا يأتون ~~البأس إلا قليلا يأتونه أشحة أي أشحة على الفقراء بالغنيمة جبناء). (1) ويروى: (المسلاق). # (2) في الأصول: (أشحة عليكم). # (3) عبارة الأصول: (لو وصف الله عز وجل بالكفر) وهو خطأ. (1) زيادة عن سنن الترمذي. (1) راجع ج 3 ص 33. (1) قبله: * يا عمرو يا بن الأكرمين نسبا * (2) هذا عجز بيت للبيد، وصدره: ~~* ألا تسألان المرء ماذا يحاول * (1) هذه الكلمة توضع موضع الاعجاب بالشئ. # (2) أوجب الرجل: إذا فعل فعلا وجبت له به الجنة أو النار. (1) البيت لعبد بني الحسحاس وقد أورده صاحب اللسان شاهدا على أن صياصي ~~البقر قرونها وروايته في البيت: # فأصبحت الثيران غرقى وأصبحت * نساء تميم يلتقطن الصياصيا أي يلتقطن ~~القرون لينسجن بها يريد لكثرة المطر غرق الوحش. (1) في كتب الصحابة أقوال فيمن كان قبل. (1) قوله (رازقيين) بالتثنية صفة موصوف محذوف للعلم. في رواية (رازقيتين) ~~والرازقية: ثياب من كان بيض طوال. (1) كذا في الأصول وأسد الغابة، وعبارته: (وقد برأها الله بالردة) والذي في ~~شرح المواهب: # (.. وارتدت مع أخيها فبرئت من الله ورسوله.. الخ). # (2) في المواهب: (جابر بن عوف). # (3) أي ذات صبيان. (1) أي يصيحوا ويضجوا. (1) راجع ج 3 ص 200 فما بعد. (1) راجع ج ms7239 3 ص 125 (1) راجع ج 5 ص 418. (1) راجع ص 219 وص 228 وص 237 من هذا الجزء. # (2) راجع ج 12 ص 197 فما بعد وص 166. # (3) راجع ج 12 ص 162. (1) راجع ص 250 وص 306 من هذا الجزء. # (2) راجع ج 12 ص 176. (1) راجع ج 2 ص 86 و ج 3 ص 213. # (2) لفظ الحديث كما في كتاب البخاري في تفسير سورة الممتحنة: (قال: كنا ~~عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (أتبايعوني على ألا تشركوا بالله شيئا ~~ولا تزنوا ولا تسرقوا - وقرأ آية النساء (يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات ~~يبايعنك - فمن وفى منكم فأجره على الله. ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به فهو ~~كفارة له. ومن أصاب منها شيئا من ذلك فستره الله فهو إلى الله إن شاء عذبه ~~وإن شاء غفر له.) ". (1) كذا في الأصول، يريد أنه نفى عام للمذكر والمؤنث. # (2) راجع ج 4 ص 82 (3) في الأصول: (بفتح الياء). (1) في نسخة: (الفراء). (1) في ج: وش، وك: (زعم). # (2) راجع ج 12 ص 309. (1) في ش: (خلمها) والخلم (بالكسر): الصديق الخالص. # (2) في الأصول: (حجبة). # (3) التبذل: ترك التزين والتهيؤ بالهيئة الحسنة الجميلة على جهة التواضع. (1) زيادة عن ابن العربي. # (2) راجع ج 5 ص 382. # (3) راجع ج 16 ص 315. (1) راجع ج 10 ص 73 فما بعد. (1) راجع ج 9 ص 70. (1) هي بسرة بنت صفوان بن نوفل روت عن النبي صلى الله عليه وسلم. (1) المكره (بفتح الميم): المكروه. والمنشط: وهو الامر الذي تنشط له وتخف ~~إليه وتؤثر فعله وهو مصدر بمعنى النشاط. (1) الكمت: جمع أكمت وهي حمرة تضرب إلى السواد. والمدماة: شديدة الحمرة مثل ~~الدم. والمتون: جمع متن وهو الظهر. واستشعرت: جعلت شعارها. والمذهب: المموه ~~بالذهب. والبيت لطفيل الغنوي (عن سيبويه والعيني). # (2) راجع ج 1 ص 331 و ج 4 ص 82 و 310. (1) راجع ج 13 ص 221. # (2) راجع ج 4 ص 121. # (3) راجع ج 16 ص 53. # (4) في الأصول وابن العربي: (هند) والتصويب عن كتب الصحابة. # (5) راجع ج 3 ص 69 و ج 13 ص 278. # (6) راجع ص ms7240 121 من هذا الجزء. (1) زيادة عن صحيح الترمذي. (1) تفضلت المرأة: لبست ثياب مهنتها. أو كانت في ثوب واحد. (١) هو القاضي بكر بن محمد بن العلاء القشيري الفقيه المالكي ولي قضاء ~~العراق. له كتاب في الاحكام والرد على المزني والأشربة ورد فيه على الطحاوي ~~وكتاب في الأصول والرد على القدرية والرد على الشافعي. توفى سنة ٣٤٣ ه‍ ~~(الوافي بالوفيات للصفدي). (1) آمره في أمره ووامره واستأمره: شاوره. # (2) زيادة من مسلم. (1) في ش: (حقوقها). # (2) راجع ص 118 من هذا الجزء. (1) في الأصول: (... وهذا الفخر منه) بزيادة لفظة (منه). # (2) لفظة (اسمه) ساقطة من الأصل المطبوع. # (3) راجع ج 13 ص 271. (1) راجع ج 3 ص 72 فما بعدها. # (2) السرق (بفتحتين): شقق الحرير الأبيض. (1) في ج، ش: (الأئمة). (1) في ك: (بأطراف النهار). # (2) راجع ج 7 ص 355 (3) راجع ج 10 ص 210 (4) في ا، ج، ش: (فضيلتها). # (5) راجع ج 4 ص 170 (6) راجع ج 15 ص 293 فما بعد. (1) في ا، ج: ش: (كلام) من كلام. # (2) راجع ج 8 ص 313 (1) في ا وش: (القديمة). (1) السليط: الزيت. (1) راجع ج 16 ص 20. # (2) في الأصول: (على إذايتك إياهم). (1) الخمر: تؤنث وتذكر والتأنيث أكثر. # (2) الذي سماهم البخاري في (باب لا طلاق قبل النكاح) أربعة وعشرون. # (3) راجع ج 8 ص 211. # (4) حرج: أثم. (1) راجع ج 18 ص 162. # (2) راجع ج 3 ص 112 فما بعد، وص 200 فما بعد. (1) راجع ج 3 ص 204 وص 125. # (2) قالت: إني امرأة مصبية (ذات صبيان). وفي بعض الروايات: قالت يا رسول ~~الله لأنت أحب إلى من سمعي وبصري وحق الزوج عظيم. فأخشى أن أضيع حق الزوج. (1) راجع ج 3 ص 273 و 226 (1) راجع ج 17 ص 185 (1) راجع ج 8 ص 55. (1) في ابن العربي (الحرة). # (2) راجع ج 5 ص 127 فما بعد. (1) أي أمر غير جائز. # (2) راجع ج 13 ص 272. # (3) في ابن العربي: (وهيبة له). # (4) راجع ج 19 ص 30. # (5) راجع ج 10 ص 307 (6) الخائنة بمعنى الخيانة وهي من المصادر التي جاءت ~~على لفظ الفاعلة ms7241 كالعافية فإذا كف الانسان لسانه وأوما بعينه فقد خان وإذا ~~كان ظهور تلك الحالة من قبل العين سميت خائنة الأعين. (1) راجع كتاب البخاري ومسلم (باب الأدب). # (2) اللامة (وقد يترك همزها): الدرع. وقيل السلاح. # (3) راجع ج 13 ص 351. # (4) راجع ج 11 ص 261. # (5) راجع ج 5 ص 59. # (6) راجع ج 11 ص 18. (1) ما بين المربعين ساقط من ج وك. # (2) في ش: (بنفسه) بالباء بدل اللام والجملة غير ظاهرة. (1) راجع ج 3 ص 174 و 226. (1) في ش وك: (العدل). # (2) كذا في ش وك، والذي في البخاري: ليتعذر) قال القسطلاني: (بالعين ~~المهملة والذال المعجمة أي يطلب العذر فيما يحاوله من الانتقال إلى بيت ~~عائشة. وعند القابسي (يتقدر) بالقاف والدال المهملة أي يسأل عن قدر ما بقى ~~إلى يومها ليهون عليه بعض ما يجد لان المريض يجد عند بعض أهله ما لا يجده ~~عند بعض من الانس والسكون). (1) تريد بين جنبي وصدري. والسحر: الرئة فأطلقت على الجنب مجازا من باب ~~تسمية المحل باسم الحال فيه. والنحر: الصدر. # (2) راجع ج 5 ص 407. (١) راجع ج ٤ ص ٦ فما بعد. # (٢) راجع ج ١١ ص ١٦٥ فما بعد. # (٣) راجع ج ١ ص ١٨٧. # (٤) ص ١١٧ من هذا الجزء. (١) ص ٢٠٧ من هذا الجزء. # (2) راجع ج 3 ص 226. (1) راجع ج 3 ص 174، 226 (1) أي أحرى أن تدوم المودة بينكما. يقال: أدم الله بينهما يأدم أدما أي ~~ألف ووفق. # (2) الرمص (بالتحريك): وسخ يجتمع في الموق فإن سال فهو غمص وإن جمد فهو ~~رمص. (1) راجع ج 18 ص 65. (1) أي التي كانت امرأة زيد ثم طلقها وانقضت عدتها منه. (1) راجع ص 182 من هذا الجزء. (1) (أنى) هنا فعل ماض بمعنى أدرك وبلغ كما في اللسان وشرح القاموس. (1) في ح، ش: (إليهم). # (2) العواري: جمع العارية، ما تداولوه بينهم. (1) في ش: (وحاشاهم عن مثله... وإنما... والكذب في نقله) وموضع النقط في ~~الأصل بياض. # وفي ك: (وحاشاهم عن مثله وإنما الكذب في نقله). (1) في ابن العربي (منقطعة) وهو تحريف. # (2) راجع ج 2 ص ms7242 138. # (3) راجع ج 12 ص 226 (1) راجع ج 11 ص 159 (1) راجع ج 13 ص 221. (1) في الأصول: (وفعل قولا..). # (2) راجع ج 5 ص 380. (1) راجع ص 162 فما بعد من هذا الجزء. (1) راجع ج 20 ص 234. # (2) السقط: بتثليت السين والكسر أكثر. (1) في ح: (المتنعمات). # (2) وردت هذه الكلمة محرفة في نسخ الأصل ولعلها (فتمتعن به). # (3) الأطمار: جمع الطمر (بكسر الطاء وسكون الميم) وهو الثوب الخلق. (1) راجع ج 1 ص 385 وص 192. (1) في ز: (الاهتمام) وفي ش: الاغمام. # (2) قال ابن بري: البيت لمطرود بن كعب الخزاعي يرثي عبد المطلب جد سيدنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبله: # يا أيها الرجل المحول رحله * هلا نزلت بآل عبد مناف (3) البيت للعين ~~المنقري يهجو به العجاج أو رؤبة. والرواية المعروفة فيه: # أبالأراجيز يا بن اللؤم توعدني * وفي الأراجيز خلت اللؤم والخور ~~والأراجيز: جمع أرجوزة بمعنى الرجز وهو بحر من بحور الشعر. وجاء به علماء ~~النحو شاهدا على أن (خلت) من الافعال التي يلغى عملها لتوسطها بين ~~مفعوليها. ولو نصبت قوله (اللؤم والخور) على المفعولية لجاز. (راجع كتاب ~~سيبويه ج 1 ص 61 وباب ظن وأخواتها في كتب النحو). # (4) راجع ج 8 ص 218. (1) راجع ج 5 ص 183 فما بعد. # (2) زيادة عن النحاس. (1) راجع ج 4 ص 303. # (2) راجع ج 7 ص 227. # (3) راجع ج 2 ص 25. (1) راجع ص 145 من هذا الجزء. # (2) راجع ج 13 ص 25 فما بعد. (1) راجع ج 2 ص 184 فما بعد. # (2) الأدره (وزان الغرفة): انتفاخ الخصية. # (3) أي دع ثوبي يا حجر. (1) في مسلم: (مرة). # (2) جرى أشد الجري. # (3) الندب (بالتحريك): أثر الجرح إذا لم يرتفع عن الجلد فشبه به أثر ~~الضرب في الحجر. # (4) قال ياقوت: الفحص كل موضع يسكن سهلا كان أو جبلا بشرط أن يزرع. ~~والتيه: هو الموضع الذي ضل فيه موسى بن عمران عليه السلام وقومه. وهو أرض ~~بين أبلة (العقبة) ومصر وبحر القلزم (البحر الأحمر). وهو الآن قلب شبه ~~جزيرة طور سينا. (1) راجع ج 9 ص 175. (1) في ش وك: (محمد بن ms7243 زيد) ولم نقف على تصويبه. (1) كذا وردت هذه الجملة في نسخ الأصل. والذي في نوادر الأصول: (فلا تبسل ~~منها شيئا إلا بحقها) والابسال هنا التضييع وهو رواية الدر المنثور قال: ~~(فلا تضيعها إلا في حقها). يقال: أبسلت فلانا إذا أسلمته للهلكة. (1) راجع ج 13 ص 330 فما بعد. # (2) راجع ج 9 ص 245 فما بعد. (1) راجع ج 18 ص 44. # (2) الشفق والاشفاق: الخوف. (1) في ا: (وما تسليطه). # (2) الحقو (بفتح الحاء وكسرها): الخاصرة. (1) راجع ج 1 ص 131. # (2) راجع ج 15 ص 284 فما بعد وص 245. # (3) راجع ج 8 ص 313. # (4) الكفات: الموضع الذي يضم إليه الشئ ويقبض. (1) راجع ج 10 ص 102. (1) راجع ج 1 ص 415 فما بعد. # (2) راجع ج 16 ص 159 فما بعد. (1) في الأصول: (وأثبت أيضا رؤية الذين..). (1) الطنز: السخرية. # (2) في الكشاف والبحر: (التحلي) باللام. # (3) راجع ج 11 ص 147 (1) راجع ج 10 ص 330. # (2) راجع ج 13 ص 163 فما بعد. # (3) راجع ج 15 ص 158 (1) راجع ج 15 ص 184 وص 188 و 159. # (2) راجع ص 318 فما بعد من هذا الجزء. # (3) راجع ج 1 ص 11 فما بعد. (1) الفترة: الضعف. # (2) راجع ج 11 ص 320 (1) القلق: ألا يستقر في مكان واحد. (1) رواية البيت كما في ديوانه: # شككن بأحشاء الذنابي على هدى * كما تابعت......... الخ (2) الروق: القرن. ~~والنقال: جمع النقل (بالتحريك) والنقل وهو الخف الخلق. # (3) في الأصول: (به). # (4) أي لم يعرج ولم ينثن يوصف به الذكر والأنثى. # (5) قضاهما أحكمهما أو فرغ منهما. والصنع (بالتحريك): الحذق في العمل. ~~والصنع هاهنا تبع وهو ملك من ملوك حمير. ويروى: (أو صنع السوابغ). (1) الصفاح (كرمان): حجارة عريضة رقيقة. # (2) الحد: المنع. والفند: الخطأ. # (3) خيس: ذلل. (1) الضمد: الحقد. # (2) في الأصول: (رأفة) والتصويب عن البحر وروح المعاني. (1) البيت لامرئ القيس. والأقيال: جمع قيل وهو الملك. # (2) راجع ج 15 ص 165. # (3) راجع ج 11 ص 14 (1) راجع ج 18 ص 307 فما بعد. # (2) البيت لامرئ القيس. # (3) حاك السيف حيكا: أثر وعمل. (1) الرقم: النقش والوشى. # (2) الهتك: الخرق والشق. # (3) النمرقة (بضم ms7244 النون والراء وبكسرهما وبغير هاء): الوسادة. # (4) القرام: الستر الرقيق. (1) السهوة: بيت صغير منحدر في الأرض قليلا شبيه بالمخدع والخزانة. وقيل: ~~هو كالصفة تكون بين يدي البيت. وقيل: شبيه بالرف أو الطاق يوضع فيه الشئ. # (2) العنق: القطعة. # (3) راجع ج 13 ص 219 (1) أي يتغيبن ويدخلن في بيت أو من وراء ستر حياء وهيبة له عليه السلام. # (2) أي يرسلهن ويبعثهن (3) البيت للأعشى. والفهق: الامتلاء. وخص العراقي ~~لجهله بالمياه لأنه حضري فذا وجدها ملا جابيته وأعدها ولم يدر متى يجد ~~المياه وأما البدوي فهو عالم بالمياه فهو لا يبالي ألا يعدها. # (4) السيح: الماء الظاهر الجاري على وجه الأرض. (1) الأثافي (جمع الأثفية): ما يوضع عليه القدر. # (2) راجع ج 1 ص 397 فما بعد. # (3) راجع ج 9 ص 343. (1) راجع ج 15 ص 165 فما بعد. # (2) تفطر: تتشقق. # (3) الخشكار: ما خشن من الطحين (فارسية). # (4) الدرمك: دقيق الحوارى. وهو الدقيق الأبيض. (1) الأمون: التي يؤمن عثارها. والاران: تابوت الموتى. واللاحب: الطريق ~~الواضح والبرجد: كساء مخطط (2) في نسخ الأصل: (وهو واحد). (1) في ج، ح، ك: (فإنها مما يأتيها بها). (1) أي لا يحركه. # (2) راجع ج 4 ص 137 (3) راجع ج 10 ص 211 (4) (في مساكنهم) قراءة نافع ~~وبها كان يقرأ المؤلف رحمة الله عليه. # (5) في الأصول والترمذي: # (القطيفي) بالقاف بدل الغين وهو تحريف. (1) راجع ج 13 ص 181. # (2) راجع ج 1 ص 185. # (3) راجع ج 17 ص 149 (1) المكتل: شبه الزنبيل. # (2) راجع ج 1 ص 177 (1) في ج: (الحبس) والحبس (بكسر الحاء): حجارة أو خشب تبنى في مجرى الماء ~~لتحبسه كي يشرب القوم ويسقوا أموالهم والجمع أحباس. (1) في المخصص لابن سيده: (.. فهو قوهة صاحب العين: فوهة بالفاء). وفي كتب ~~اللغة (القوهة بالضم): اللبن تغير قليلا وفيه حلاوة. والفوهة (كقبرة: اللبن ~~فيه طعم الحلاوة. # (2) ما بين المربعين ساقط من نسخ الأصل. وهو من كتب اللغة. # (3) الخلة: التي جاوزت القدر فخرجت من حال الخمر إلى حال الحموضة والخل. ~~والشروب: الندامى. يقول: هي في لون اللحم النئ. # (4) ما بين المربعين ساقط من ش. (1) راجع ج ms7245 16 ص 38 فما بعد. # (2) الاصطلام: الاستئصال. # (3) في نسخ الأصل: (لا يثاب). (1) راجع ج 19 ص 270. (1) راجع ج 1 ص 422 فما بعد. # (2) راجع ج 8 ص 398 (3) يقال للرجل إذا شدت يداه ورجلاه أو أمسكه رجل آخر ~~حتى يضرب عنقه أو حبس على القتل حتى يقتل: # قتل صبرا. (1) راجع ج 1 ص 371 و 397 (١) راجع ج ٧ ص ١٧٤. # (٢) راجع ج ١٠ ص ٢٧ (٣) كذا في نسخ الأصل وكتاب إعراب القرآن للنحاس. وفي روح المعاني والبحر المحيط: ~~(أبو الجهجاء). (1) راجع ج 10 ص 287 فما بعد وص 28 (1) راجع ج 10 ص 98. # (2) راجع ج 4 ص 170. # (3) راجع ج 6 ص 147 فما بعد. # (4) راجع ج 2 ص 156 فما بعد. (1) راجع ج 11 ص 281. (1) الصفوان: الصخر الأملس. (1) راجع ج 10 ص 10. # (2) راجع ج 19 ص 10 فما بعد. (1) رواية الديوان وكتاب سيبويه: (والخشابا). # (2) راجع ج 20 ص 229. (1) راجع ج 18 ص 299 فما بعد. # (2) راجع ج 7 ص 201 فما بعد. # (3) راجع ج 8 ص 360. # (4) راجع ج 17 ص 248 فما بعد. # (5) راجع ج 1 ص 230 (6) هذه رواية البيت كما في نسخ الأصل والديوان ~~وروايته كما في المعلقات: تجاوزت أحراسا إليها ومعشرا * على حراصا لو يشرون ~~مقتلي (يشرون) بالشين المعجمة: يظهرون. (1) راجع ج 8 ص 352. # (2) راجع ج 13 ص 117. # (3) راجع ج 11 ص 215. # (4) أل: دفع في قفاه. وغل: جن فوضع في عنقه الغل. (1) راجع ج 4 ص 72 و ج 11 ص 80 و ج 13 ص 82 وص 114 و 359. # (2) راجع 7 ص 150 (1) راجع ج 8 ص 204 و ج 13 ص 83 و 359. # (2) راجع ج 3 ص 308 فما بعد (1) راجع ج 7 ص 239. # (2) راجع ج 17 ص 55. # (3) قوله (نحشرهم، نقول) بالنون قراءة نافع. # (4) راجع ص 302 من هذا الجزء. (1) راجع ج 6 ص 374. # (2) راجع ج 15 ص 134 (1) راجع ج 16 ص 74 (1) راجع ج 5 ص 402 (1) قال القسطلاني في قوله (ورهطك ms7246 منهم المخلصين): هو من عطف الخاص على ~~العام وكان قرآنا فنسخت تلاوته. # (2) قوله: (يا صباحاه) بسكون الهاء وهي كلمة يقولها المستغيث وأصلها إذا ~~صاحوا للغارة لأنهم أكثر ما كانوا يغيرون عند الصباح ويسمون الغارة يوم ~~الصباح. # (3) راجع ج 20 ص 234. (1) راجع ج 15 ص 225. # (2) عبارة روح المعاني: (... الغيوب (بالكسر) كالبيوت). # وعبارة البحر (... أما الضم فجمع غيب، وأما الكسر فكذلك استثقلوا ضمتين ~~والواو فكسروا لتناسب الكسر مع الياء والضمة التي على الياء مع الواو وأما ~~الفتح فمفعول للمبالغة كالصبور). # (3) راجع ج 18 ص 216. (١) في مختار الصحاح: (بالكسر ~~فيهما) والذي في اللسان: (ضللت بالكسر أضل). (1) كبش القوم: رئيسهم وسيدهم وحاميتهم والمنظور إليه فيهم. # (2) في كتاب التذكرة (على ميلين). (1) البيت لغيلان بن حريث: والضمير في قوله (فهي) للإبل. وتنوش الحوض: ~~تتناول ملأه. وقوله: # (من علا) أن من فوق. يريد أنها عالية الأجسام طوال الأعناق وذلك النوش ~~الذي تناله هو الذي يعينها على قطع الفلوات. والأجواز: جمع جوز وهو الوسط. # (2) راجع ج 19 ص 155. (1) في اللسان مادة نأش: (ويحدث من بعد..). # (2) في ش، ك: (الخير) بالياء المثناة. # (3) في اللسان: ذامه يذيمه ذيما وذاما عابه وذمته أذيمه وأذمته وذممته ~~كله بمعنى. # (4) حق الامر يحقه وأحقه: كان منه على يقين. (1) زيادة عن كتاب النحاس يقتضيها السياق. # (2) راجع ج 9 ص 279 ج 6 ص 397 (3) عقيقة البرق: شعاعه. والكمع (بكسر ~~فسكون) والكميع: الضجيع. # (4) في كتاب البحر: (وقيل أولى أجنحة) معترض، و (مثنى) حال والعامل فعل ~~محذوف يدل عليه (رسلا)، أي يرسلون مثنى وثلاث ورباع). (1) المخاض: الحوامل من النوق واحدتها خلقة على غير قياس ولا واحد لها من ~~لفظها كما قالوا لواحدة النساء: امرأة ولواحدة الإبل: ناقة أو بعير. # (2) راجع ج 5 ص 15 فما بعد. # (3) راجع (باب كيفية التلاوة ولكتاب الله تعالى). # (4) ما فيه التواء وتقبض. أو القصير منه. # (5) تأتي فلان لحاجته: إذا ترفق لها وأتاها من وجهها. (1) راجع ج 5 ص 168. # (2) راجع ج 46 من هذا الجزء. # (3) زيادة عن النحاس. # (4) راجع ج 9 ص ms7247 354 (1) راجع ج 7 ص 157. # (2) راجع ج 3 ص 371. (1) راجع ص 9 من هذا الجزء فما بعد آية 11 سورة يس. # (2) راجع ج 6 ص 327. (1) راجع ج 9 ص 324. (1) صدر البيت: * الدهر لا يبقى على حدثانه * (1) هذه رواية الأصول. والبيت كما ورد في ديوانه طبع مطبعة الاستقامة: # واليد سابحة والرجل ضارحة * والعين قادحة والمتن سلحوب والماء منهمر ~~والشد منحدر * والقصب مضطمر واللون غربيب قوله (سابحة) يعنى إذا جرى فرسه ~~مد يديه فكأنه سابح في الماء. وضرحت الدابة برجلها: رمحت. وقدحت العين: ~~غارت. والمتن: الظهر. وقوله (سلحوب) بالسين وفسر بأنه أملس قليل اللحم. ~~وهذا التفسير لم نجده لهذه الكلمة في المظان التي بين أيدينا. والرواية فيه ~~(ملحوب) بالميم. ولحب متن الفرس وعجزه: املاس في حدور. # ومتن لحوب. و (والشد) العدو. و (القصب) بالضم: الخصر. و (مضطمر) ضامر. # (2) الغاطية: الشجرة التي طالت أغصانها وانبسطت على الأرض. و (ملاحى): ~~أبيض. (1) في الأصول: (جرير بن يزيد) وهو تحريف راجع تهذيب التهذيب وسنن الدارمي. # (2) راجع ج 1 ص 19 فما بعد. (1) راجع ج 1 ص 26 فما بعد. # (2) راجع ج 12 ص 279. # (3) راجع ج 6 ص 26 (1) راجع ج 9 ص 245 وص 27. # (2) راجع ج 2 ص 134 فما بعد. # (3) راجع ج 13 ص 163 فما بعد. # (4) راجع ج 11 ص 73 فما بعد. (1) راجع ج 18 ص 440. (1) راجع ج 12 ص 68. # (2) راجع ج 7 ص 309. # (3) راجع ج 16 ص 48. # (4) راجع ج 12 ص 28. (1) كذا في ش و ح. وفي ب. وك: - يتلافاهم). # (2) راجع ج 5 ص 396 (1) راجع ج 1 ص 227. # (2) راجع ج 5 ص 253. # (3) راجع ج 19 ص 164 (4) البيت لسلامة بن جندل. والظنابيب (جمع الظنبوب) ~~وهو مسمار يكون في جبة السنان. (1) الموتان (بضم الميم وفتحها وسكون الواو): الموت. # (2) راجع ج 16 ص 194 (3) كيف هذا وقد عاش صلى الله عليه وسلم ثلاثا وستين ~~سنة؟؟ (4) راجع ج 7 ص 276 (1) راجع ج 6 ص 18. # (2) راجع 10 ص 230. (1) راجع ج 6 ص 409 (1) راجع ms7248 ص 45 من هذا الجزء. (1) راجع ج 11 ص 282. # (2) راجع ج 11 ص 155. (1) تمامه: * بالدو أمثال السفين العوم * الدو: الصحراء. وأمثال السفين، ~~رواحل محملة تقطع الصحراء قطع السفين البحر. # (2) البيت لامرئ القيس. والمستحقب: المكتسب للإثم الحامل له. والواغل: ~~الداخل على القوم يشربون ولم يدع. قال هذا حين قتل أبوه ونذر ألا يشرب ~~الخمر حتى يثأر به فلما أخذ ثأره حلت له يزعمه فلا يأثم في شربها إذ قد وفى ~~بنذره فيها. (1) راجع ج 4 ص 216. # (2) راجع ج 10 ص 302. # (3) راجع ج 13 ص 326. (1) راجع ج 2 ص 186 طبعة ثانية. (1) البيت لقيس بن الحطيم الأنصار راجع ج 1 ص 201 طبعة ثانية أو ثالثة. (1) كذا في نسخ الأصل والذي في الدر المنثور: أبي الدرداء. (1) قال ابن الأثير: ما حل أي خصم مجادل مصدق. (1) الزيادة من " نوادر الأصول " للترمذي الحكيم. (1) راجع ج 11 ص 165 وما بعدها طبعة أولى أو ثانية. و ج 1 ص 67 وما بعدها ~~طبعة ثانية. (1) زيادة يقتضيها المقام، ويدل عليها ما ورد في " الدر المنثور " السيوطي ~~عن كعب. (1) البيت لذي الرمة وتمامه: # شتمور بضبعيها وترمى بجوزها * حذارا من الايعاد والرأس مكمح (2) قمح ~~السويق (بكسر الميم) إذا استفه. (1) يقول: رجع الفتى عما كان عليه من فتوته، وصار كأنه كهل، فاستراح ~~العواذل لأنهم لا يجدن ما يعذلن فيه. سوى العدل. أي سوى الحق. (1) راجع ج 10 ص 269 طبعة أولى أو ثانيه. # (2) راجع ج 11 ص 59 طبعة أولى أو ثانيه. # (3) راجع ج 1 ص 191 طبعة ثانيه أو ثالثه. # (4) هو الحطيئة وتمام البيت: # تجد خير نار عندها خير موقد (5) راجع ج 8 ص 184 طبعة ثانية أو ثالثة. (1) سلمة بكسر اللام بطن من الأنصار. # (2) الزيادة من صحيح الترمذي. (1) يجمع (بالتشديد) من التجمع، أي يصلى فيه الجمعة. (1) الزيادة من حاشية جمل ان القربى. # (2) وفي السان: أجد إذا ضمرت. ويروى في غيره: عنس إذا ضمرت. (1) زيادة يقتضيها السياق. # (2) راجع ج 9 ص 91 طبعة أولى أو ثانيه. # (3) قال أبو ms7249 حيان في هذه القراءة: " اطيركم " مصدر اطير الذي فأدغمت ~~التاء في الطاء، فاجتلبت همزة الوصل في الماضي والمصدر. (1) الزيادة من تفسير الآلوسي. (1) القصب المعي. (1) راجع ج 4 ص 268 وما بعدها طبعة أولى أو ثانيه. (1) البيت للأحوص، وتمامه: * وسفت عليها الريح بعدك مورا * (1) راجع ج 9 ص 105 وما بعدها طبعة أولى أو ثانية. (1) راجع ج 2 ص 216 وما بعدها طبعة ثانيه. # (2) راجع ج 7 ص 49 وما بعدها طبعة أولى أو ثانيه. (1) كذا في الأصول وفى صحيح الترمذي والعلة تحريف، إذ لا تعرف قراءة بهذا ~~النص، وقراءة عبد الله بن مسعود " والشمس تجرى لا مستقر لها " كما سيأتي. (1) " راجع ج 10 ص 9 طبعة أولى أو ثانيه. (1) كذا في الأصل ولم نعثر عليه في ديوانه، ويحتمل أن يكون: شرق العنبر ~~والمسك بها. # (2) البزيون: السندس. وقيل هو رقيق الديباج. (1) راجع ج 2 ص 341 وما بعدها طبعة ثانية. # (2) راجع ج 7 ص 145 وما بعدها طبعة أولى أو ثانية. (1) راجع ج 7 ص 146 طبعة أو ثانية. (١) " ذرياتهم " بالجمع قراءة نافع. # (٢) راجع ج ٢ ص ١٠٧ وما بعدها طبعة ثانية. # (٣) راجع ج ٨ ص ٣٢٤ طبعة أو ثانية. # (٤) كذا في كل نسخ الأصل وفى إعراب القرآن ~~للنحاس: (1) الحدوج حدج وهو مركب من مراكب النساء. والمالكية منسوبة إلى مالك بن ~~سعد بن ضبيعة. # والتواصف جمع ناصفة وهي الرحبة الواسعة تكون في الوادي. ودد موضع. (1) انظر ج 1 ص 192 طبعة ثانية أو ثالثة. (1) راجع ج 8 ص 341 طبعة أولى أو ثانيه. # (2) يليط حوضه وفى رواية بلوط حوضه أي يطينه. # (3) راجع ج 13 ص 239 طبعة أولى أو ثانيه. (1) راجع ج 7 ص 20 وما بعدها طبعة أولى أو ثانيه. # (2) البيت للبيد، وقيل هو للنابغة الجعدي. (1) راجع ج 6 ص 184 طبعة أو ثانية. راجع ج ص 230 طبعة أولى أو ثانيه. (1) الزيادة من صحيح مسلم (1) راجع ج 10 ص 140 وما بعدها طبعه أولى أو ثانيه. (1) أقراء الشعر: ms7250 أنواعه وطرقه وبحوره ومقاصده. (1) هو عنترة بن شداد. (1) هذا يخالف مذهب الحنيفة وما تقدم للمؤلف في ج 10 ص 155 من أن أبا حنيفة ~~يقول بطهارة عظم الميتة. (1) استمجد المرخ والعفار: أي استكثرا وأخذا من النار ما هو حسبهما. وهو ~~مثل يضرب في تفضيل بعض الشئ على بعض. (1) هو سلبة بن ذهل ويعرف بابي زيابة وزيابة أبوه، وقيل اسم أمه. يقول يا ~~لهف أبى على الحرث إذا صبح قومي بالغارة فغنم وآب سالما ألا أكون لقيته ~~فقتلته. ويريد يا لهف نفسي. والحرث هو الحرث بن همام الشيباني كما في شرح ~~أشعار الحماسة. وبعد هذا البيت: # والله لو لاقيته خاليا * لآب سيقانا مع الغالب (1) راجع ص 27 وما بعدها من هذا الجزء. (١) الزيادة من اعراب القرآن للنحاس. والبيت ~~لجرير وتمامه: # كلامكم على إذن حرام (١) راجع ج ٧ ص ٣ وما بعدها طبعة أولى أو ثانيه. # (٢) راجع ج ١٠ ص ١٠ وما بعدها طبعة أولى أو ثانيه. # (٣) راجع ١٤ ص ٢٩٦ طبعة أولى أو ثانيه. # (٤) زيادة يقتضيها السياق، ويدل عليها ما في إعراب القرآن للنحاس. (1) قوله: وغم مع الاشراق كرواية اللسان. ورواية الطبري: وغثى مع الاشراق. # (2) الزيادة من تفسير الآلوسي. (1) الزيادة من البخاري وفى الأصل بياض. # (2) راجع ج 7 ص 253 طبعة أولى أو ثانيه. (1) راجع ج 10 ص 60 طبعة أولى أو ثانيه. (1) راجع ج 8 ص 329 وما بعدها طبعة أو أولى ثانيه. (1) هو الراعي. ويروى: # ولذ كطعم الصرخدي طرحته * عشية خمس القوم والعين عاشقه والصرخد موضع ينسب ~~إليه الشراب. أراد أنه لما دخل ديار أعدائه لم ينم حذارا لهم. # (2) البهر: الكلال وانقطاع النفس. # (3) الختر: ضعف يأخذ عنه شراب الدواء أو السم. يقول هي سكرى من الشراب، ~~إذا قامت به لوجه وجدت فتورا في عظامها وكسلا، فهي تدارى فؤادها وتراشيه ~~ألا يعذبها في مشيها. # (4) هو جميل بن معمر. وقيل البيت: لعمر بن أبي ربيعة. والحشرج نقرة في ~~الجبل يجتمع فيها الماء فيصفو. (1) نسبه الجوهري إلى الأبيردي. وأبجر هو ms7251 أبجر بن جابر العجلي وكان ~~نصرانيا. (1) راجع ج 10 ص 399 وما بعدها طبعة أولى أو ثانية. (1) تمامه: جميعا وأيدي المعتفين رواهقه يقول: غشيه المعنفون وهم السائلون، ~~واحتضره الناس جميعا للعطاء، فجلس لهم جلوس متصرف متبذل غير مرتفق. # (2) وروى: أحضري، خطاب للمرأة، وهو الوجه، على ما أورده الرضى في خزانة ~~الأدب حيث قال: ورواء العيني أحضروا بو أو الجمع ولاوجه له. والرجز أورده ~~السكري في أشعار هذيل لرجل منهم بلفظ: أقائلون أعجل الشهودا. # (3) الحبر والسبر: اللون والهيئة. (1) راجع ج 4 ص 321 طبعة أولى أو ثانيه. (1) راجع ج 1 ص 283 طبعة أولى أو ثانيه. # (2) أراد بالمسنونة الزرق سهاما محددة الأزجة صافية. وصدر البيت: # أيقتلني والمشرف مضاجعي (1) كذا غب الأصل ولعل العبارة والبيت هنا تكرار مع ما سبق، وصواب العبارة ~~الأولى " قال الشاعر يصف زمام تافته " بزيادة لفظ زمام. (1) راجع ج 1 پ ص 28 طبعة أولى أو ثانيه. (1) راجع ج 9 ص 35 طبعة أولى أو ثانية. # (2) في الأصول: " والأبر " ولعله تحريف إذا لا تعرف أمة من ولد يافث بهذا ~~الاسم والذي ذكره المسعودي وغيره واللان من ولد يافث. (1) راجع ج 7 ص 22 طبعة أولى أو ثانية. (1) ذكر هذا الاسم الطبري تاريخه ج 2 ص 346 طبعة ليدن م 1. (1) راجع ج 11 ص وما بعدها طبعة أولى أو ثانيه. # (2) رواء الديلمي في مسند الفردوس حديثا عن ابن عباس بإسناد ضعيف. # (3) راجع ج 11 ص 300 و ج 13 طبعة أولى أو ثانيه. (1) القريع: الفحل المختار للضراب. الشول من النوق جمع شائلة على غير قياس. ~~وهي الناقة التي أتى عليها، حملها أو وضعها سبعة أشهر فجف لبنها. وإفالها: ~~صغارها. ويزف: يعدو. يريد أن القريع بفر من شدة البرد وكذا الإفال. # (2) البيت للمخبل السعدي يهجو الزبرقان وقومه، وهم المعروفون بالجذاع. ~~والأصمعي يرويه كما في اللسان مادة قهر، قد أذل وأقهرا بالبناء للمعلوم، أي ~~صار أمره إلى الذل والقمر. (١) الزيادة من إعراب القرآن للنحاس. (1) راجع ج 11 ص 303 طبعة ms7252 أولى أو ثانيه. # (2) تقدم في ج 11 ص 303 أن اسمه هيزر. # (3) راجع ج 10 ص 36. وما بعدها طبعة أولى أو ثانية. (1) راجع ج 4 ص 73 طبعة أولى أو ثانية. # (2) راجع ج 9 ص 62 طبعة أولى أثانية. # (3) في تفسير آية 28 من السورة المذكورة. (1) في التهذيب قال ابن أبي خيثمة سمعت ابن معين يقول عبد الرحمن بن عبد ~~لله بن سابط ومن قال عبد الرحمن ابن سابط فقد أخطأ، وكذا ذكره البخاري. وفى ~~اسم أبيه خلاف. # (2) في نسخة: النقاش. (1) راجع ج 13 ص 22 طبعة أولى أو ثانية. # (2) راجع ج 9 ص 121 طبعة أولى أو ثانية. و ج 2 ص 136 طبعة ثانيه. (1) تمامه: بنا بطن خبت ذي قفاف عقنقل (1) صدر البيت: جزى الله بالاحسان ما فعلا بكم (1) راجع ج 12 ص 42 وما بعدها طبعة أولى أو ثانية. # (2) راجع ج 7 ص 155 طبعة أولى أو ثانية. # (3) راجع ج 6 ص 50 وما بعدها طبعة أولى أو ثانية. (1) النقي: مخ العظام وشحمها. يريد أنه لا يوجد فيها شحم لهزالها وضعفها. # (2) نستشرف، يعنى نتطلع العين والأذن، ونبحث عنهما لئلا يكون فيهما عيب. (1) عقب صاحب لسان العرب في مادة " سنن " على رواية القتبي وتفسيره بقوله: ~~" وقد وهم القتبي في الرواية والتفسير، لأنه روى الحديث " لم تسنن " بفتح ~~النون الأولى، وإنما حفظه من محدث لم بضبطه، وأهل الثبت والضبط رووه " لم ~~تسنن " بكسر النون وهو الصواب في العربية، والمعنى لم تسن فأظهر التضعيف ~~لسكون النون الأخيرة، كما يقال: لم يجلل. وإنما أراد ابن عمر أنه بضحى ~~بأضحية لم تئن، أي لم تصر ثنية وإذا أسنت فقد أسنت. # ثم قال: وأما خطأ القتبي من الجهة الأخرى فقوله: سننت البدنة إذا نبتت ~~أسنانها وسنها الله غير صحيح، وقوله: # لم يلين ولم يسمن أي لم لبنا وسمنا غير صحيح، وإنما معنا هما لم يطعم ~~سمنا ولم يسق لبنا ". (1) في حاشية الجمل نقلا عن القرطبي: بشر بنبوته ووقعت البشارة به مرتين. (1) راجع ج ms7253 6 ص 12 طبعة أولى أو ثانية. (1) قال بعض المفسرين هو ابن عم اليسع. (1) راجع ج 11 ص 43 طبعة أولى أو ثانيه. (1) هكذا في كل نسخ الأصل ونسبه في الكامل لعبد الله بن الزبعرى ورواء كما ~~في المعاجم: يا ليت زوجك في الوغى الخ وقد مضى للمصنف. (1) تمامه: ليس الإمام بالشحيح الملحد والبيت من أرجوزة لحميد الأرقط بمدح ~~عبد الملك بن مروان، و يعرض بعبد الله بن الزبير، يرميه بالبخل والإلحاد في ~~الحرم. وقيل هو لأبي بحدلة. (١) الزيادة من إعراب القرآن لنحاس. (1) راجع ج 7 ص 245 و ج 9 ص 75 وما بعدها طبعة أولى أو ثانيه. (1) ج 8 ص 384 طبعة أولى أو ثانية. # (2) ج 11 ص 329 وما بعدها طبعة أولى أو ثانيه. (1) وذلك لأنه زال عنه شبه الفعل بخلاف يعفر فإنه على وزن يقتل فمنع الصرف. # (2) راجع ج 2 ص 194 طبعة ثانية. (1) راجع ج 4 ص 86 طبعة أولى أو ثانيه. (1) راجع ج 11 ص 329 وما بعدها طبعة أولى أو ثانيه. (1) الأروية: الأنثى من الوعول. # (2) تفشج: تفرج ما بين رجليها. (1) الزيادة من إعراب القران للنحاس، وهي عبارته عن الأخفش. (1) راجع ج 8 ص 384 طبعة أولى أو ثانيه. # (2) راجع ج 1 ص 463 وما بعدها طبعة ثانيه أو ثالثه. (1) راجع ج 11 ص 147 طبعة أولى أو ثانية (1) الزيادة من صحيح الترمذي. (1) راجع ج 10 ص 19 وما تعدها طبعة أولى أو ثانية. (1) الخميس الجيش. # (2) راجع ج 1 ص 276 و 85 2 وما بعدها طبعة ثانية أو ثالثة و ج 2 ص 76 وما ~~بعدها طبعة ثانية. (1) راجع ج 1 ص 155 طبعة ثانيه أو ثالثه. (1) البيت في وصف جمل، يقول: يغلب هذا الجمل الإبل على لزوم الطريق، فشبه ~~حرصه على لزوم الطريق، و إلحاحه على السير بحرص هذا الخليع على الضرب ~~بالقداح لعله يسترجع بعض ما ذهب من ماله. والخليع المخلوع المقمور ماله. # (2) راجع ج 2 ص 143 طبعة ثانية. ms7254 # (3) النزو: ضرب من العدو. (1) تمامه: فتقصر عنها خطوة وتبوص والبوص بالباء الموحدة التقدم. (1) هو جميل بن معمر وبعده: إن خير الموصلين صفا ومن يوافي خليله حيث كانا. (١) الزيادة من إعراب القرآن للنحاس. (1) في نسخ الأصل: يسألك ذا السوء. وفى أبى المسعود: يسألونك السواء ~~والانصاف. وفي البيضاوي كما في الكشاف: يسألونك السؤال. وعلق عليه الشهاب ~~بقوله: والظاهر أنه تحريف وأنه السواء أي العدل كما وقع في غيره من ~~التفاسير اه. (1) صدر البيت: ومن هاب أسباب المنايا ينلنه (2) راجع ج 14 ص 128 وما تعدها ~~طبعة أو ثانية. (1) البيت لأبي محمد الفقعسي. والضمير في لاقت ضمير الإبل. # (2) راجع ج 13 ص 134 وما بعده طبعة أولى أو ثانية. (1) البيت في ذم علماء الدنيا. والثعل زيادة في أطباء الناقة والبقرة ~~والشاة، وهو لا يدر وإنما ذكره للمبالغة. (1) هو العجاج. وآناد العود يناد انئيادا فهو إذا انثنى واعوج. وصدر البيت: # من أن تبدلت بادي آدا (1) هو عبيد بن الأبرص. # (2) زيادة يقتضيها المعنى. # (3) راجع ج 14 ص 265 وما بعدها طبعة أولى أو ثانيه. # (4) راجع ج 10 ص 268 طبعة أولى أو ثانيه. (1) راجع ج 8 ص 171 طبعة أولى أو ثانية. (1) راجع ج 1 ص 65 وما بعدها طبعة ثانية أو ثالثة. # (2) راجع ج 4 ص 71 و ج 11 ص 84 وما بعدها طبعة أولى أو ثانية. (١) ما أورده القرطبي هنا في حق داود عليه الصلاة والسلام من قبيل ~~الإسرائيليات ولا صحة لها، وهو هراء وافتراء كما قال البيضاوي، ومما يقدح ~~في عصمة الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام. ولقد أحسن أبو حيان وأجاد حيث يقول: ويعلم قطعا أن الأنبياء عليهم ~~السلام معصومون من الخطايا لا يمكن وقوعهم في شئ منها، ضرورة أنا لو جوزنا ~~عليهم شيئا من ذلك بطلت الشرائع، ولم نثق بشئ مما يذكرون أنه أوحى الله به ~~إليهم، فما حكى الله تعالى في كتابه يمر على ما أراده تعالى، وما حكى ~~القصاص مما فيه غض من منصب النبوة طرحناه، ونحن ms7255 كما قال الشاعر: # ونؤثر حكم العقل في كل شبهة * إذا آثر الأخبار جلاس قصاص والرقاشي مطروح ~~الرواية هند التحقيق. وسيأتي للمؤلف أن ينقل عن النحاس في صفحة 175 ما يؤيد ~~ما أوردناه. (1) مدينة بلقاء يريد بها قصبة البلقاء. (1) في النسخة الخيرية: وكان سيوف الله هكذا ثلاثة. # (2) راجع ج 5 ص 19 طبعة أولى أو ثانية. (1) في الأصول: " فأوحى. " (1) هو الأعشى. # (2) قوله: " إنه وتلد زنى " أولى بقول سعد بن أبي وقاص. راجع الحديث في " ~~الموطأ " ج 6 ص 4 طبعة السلطان عبد الحفيظ. (1) هو الأمير أبو بكر سير من أمراء المرابطين أحد قواد يوسف بن تاشفين ~~المشاهير تركه بالأندلس حين عزم الرجوع إلى بلاده. 1 ه‍ نفح الطيب. (1) زيادة يقتضيها السياق. (١) الزيادة من أحكام القرآن لابن العربي. (١) الزيادة من أحكام القرآن لابن العربي. (1) التشزن التأهب والتهيؤ للشئ. (1) هذه الزيادة يقتضيها المقام ويدل عليها ما ورد في آخر القصة. (1) لعل الأصل: حتى تنفذ دموعه من سبعة الخ. # (2) راجع ج 1 ص 263 وما بعدها طبعة ثانية أو ثالثة. (1) راجع ج 5 ص 375 وما بعدها و ج 6 ص 109 وما بعدها وص 212 طبعة أو ثانية. # (2) يفلج على صاحبه: نظفر ويفون. (1) راجع ج 3 ص 405 طبعة أولى أو ثانية. (1) الهذ: سرعة القراءة. # (2) وفي الآلوسي أن عليا قرأ " ليتدبروا " بتاء بعد الياء آخر الحروف ~~وكذا في البحر لأبي حيان. (1) هو أبو شهاب الهذلي ورواه ابن السكيت: والعرض وافر، وروى: جواد بزاد ~~الركب والعرق زاخر. وامرأة صناع أي ماهرة حاذقة عمل اليدين، والإشفى المخصف ~~للنعال وعنى أن مرفقها حديد كالإشفى. والشكر الفرج. والعرق زاخر أراد به ~~الجوع يعنى تجود بقوتها مع شدة الجوع. # (2) ورد في اللسان في مادة صفن أن قوله مما يقوم لم يرد من قيامه، وإنما ~~أراد من الجنس الذي يقوم على الثلاث، وجعل " كسيرا " حالا من ذلك النوع ~~الزمن لا من الفرس المذكور. (1) هو أبو محمد الفقعسي، وصدر البيت: حلت عليه بالقفيل ضربا والقفيل ~~السوط. وفي كتب ms7256 اللغة: ضرب بعير السوء... الخ. (1) راجع ج 8 ص 36 وما بعدها طبعة أولى أو ثانية. # (2) راجع ج 10 ص 76 وما بعدها طبعة أولى أو ثانية. (1) راجع ج 9 ص 145 وما بعدها طبعة أولى أو ثانية. (1) هذه الأقوال لا تصح قطعا لمنا فاتها للعصمة التي هي من أخص صفات ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. # ولو صح شئ منها لكان الوحي محل الشك والارتياب، وقد قال أبو حيان في ~~تفسيره: نقل المفسرون في هذه الفتنة وإلقاء الجسد أقوالا يجب براءة ~~الأنبياء منها، يوقف عليها في كتبهم، وهي مما لا يحل نقلها، وهي إما من ~~أوضاع اليهود أو الزنادقة، ولم يبين الله الفتنة ما هي ولا الجسد الذي ~~ألقاه على كرسي سليمان. إلى أن قال: لم يكن ليذكر من يتأسى به ممن نسب ~~المفسرون إليه ما يعظم أن يتفوه به، ويستحيل عقلا وجود بعض ما ذكروه، كتمثل ~~الشيطان بصورة نبي، حتى يلتبس أمره عند الناس، ويعتقدوا أن ذلك المتصور هو ~~النبي. ولو أمكن وجود هذا لم يوثق بإرسال نبي، وإنما هذه مقالة مسترقة من ~~زنادقة السوفسطائية نسأل الله سلامة أذهاننا وعقولنا منها. # وقال الآلوسي: ومن أقبح ما فيها زعم تسلط الشيطان على نساء نبيه حتى ~~وطئهن وهن حيض. الله أكبر!! # هذا بهتان عظيم، وخطب جسيم. وسيأتي للمؤلف تضعيف هذا القول أيضا. (1) هو النابغة الذبياني: ويروى إذ قال المليك له. ويروى فازجرها عن الفند. ~~أي الخطاء. وخيس أي ذلل. # والصفاح جمع صفاحة بشد الفاء وهي حجارة رقاق عراض. # (2) هو عمرو بين كلثوم والبيت من معلقته. # (3) قال أبو حيان في تفسيره: ولعله لا يصح عن ابن عباس لأنه لم يجر هنا ~~ذكر النساء، ولا ما أوتى من القدرة على ذلك. (1) صحح المحققون أنه من بني إسرائيل كما جزم به الآلوسي وغيره. والبثنية ~~بالتحريك وكسر النون وياء مشددة قرية بدمشق بينها وبين أذرعات. # (2) الزيادة من قصص الأنبياء للثعلبي. # (3) زيادة يقتضيها السياق. (1) الفدم من الناس القليل الفهم والفطنة. (1) حول بمعنى مسخ، راجع قصة دانيال في ms7257 قصص الأنبياء للثعلبي. # (2) راجع ج 11 ص 323 وما بعدها طبعة أولى أو ثانيه. (1) راجع ج 5 ص 172 وما بعدها طبعة أولى أو ثانيه. (1) راجع ج 6 ص 272 وما بعدها طبعة أولى أو ثانية. (1) في نسخة الا نحن. # (2) كذا في الأصل وفى بعض النسخ " بالمخاد " بالخاة المعجمة. (1) الضمير يعود على سليمان عليه السلام. # (2) راث: أبطأ. # (3) التمام: نبت ضعيف له خوص أو شبيه بالخوص. # (4) السحل الانصباب المتواصل. # (5) الأندر: # الموضع الذي يدرس فيه القمح وغيره. # (6) القطاني: الحبوب التي تدخر كالحمص والعدس واللوبيا وما شاكلها. (1) راجع ج 2 ص 133 في تفسير قوله تعالى 6 " ولقد اصطفيناه في الدنيا " ~~فقيه الكلام على اشتقاق الفظ وليس في الآية المذكورة. (1) راجع ج 7 ص 33 طبعة أولى أو ثانية. # (2) راجع ج 11 ص 327 طبعة أولى أو ثانية. # (3) تقدمت هذه الرواية في ج 9 ص 311 بهذا اللفظ وهي توافق ما في تفسير ~~الطبري وغيره عن عبد الله بن عمرو، ولفظ الأصل هنا " جنة عدن قصر في الجنة ~~" الخ. # (4) الحبرة " بكسر الحاء المهملة وفتحها " ضرب من البرود اليمنية مخطط. # (5) البيت للنابغة والشاهد فيه نصب الظهر بأجب على نية التنوين، وقد وصف ~~مرض النعمان بن المنذر وأنه إن هلك صار الناس في أسوأ حال وأضيق عيش، ~~وتمسكوا منه بمثل ذنب بعير أجب وهو الذي لا سنام له من الهزال. # (6) راجع ص 80 من هذا الجزء. (1) قائله امرؤ القيس. المحول: الصغير. والإتب: درع المرأة. وبرده تشق ~~فتلبس من غير كمين ولا جبب. (1) رواه السمين: أضاء البرق. # (2) قائله زهير بن أبي سلمى يصف الناقة. إلى يستقى عليها. وقتب وغرب ~~للمتاع. والقتب أداة السانية، الغرب الدلو العظيمة. وانسحقا أي مضى وبعد ~~سيلانه. (1) لعله من العين. (1) يقال امرأة ذات شكل (بالكسر) أي ذات دلال، وهو حسن الحديث وحسن المزح ~~والهيئة. (1) السبرات جمع سبرة بسكون الباء وهي شدة البرد. # (2) راجع ص 12 وما بعدها من هذا الجزء. (1) زيادة يقتضيها المقام وذكرها أبو حيان في تفسيره. # (2) راجع ج 6 ص ms7258 22 وما بعدها طبعة أولى أو ثانيه. # (3) راجع ج 1 ص 293 طبعة ثانيه أو ثالثه. # (4) راجع ج 1 ص 296 وما بعدها طبعة ثانيه أو ثالثه. (1) في الأصول ذلفاء وهو تحريف. والبيت لعروة بن حزام. (1) راجع ج 7 ص 171 طبعة أولى أو ثانيه. # (2) راجع ج 10 ص 28 طبعة أولى أو ثانيه. (1) البيت لأمري القيس من معلقته وتمامه: # فألهيتها عن ذي تمائم محول (١) المقراة الحوض الذي يجتمع فيه الماء. النهاية لابن الأثير. # (2) راجع ج 13 ص 45 طبعة أولى أو ثانيه. # (3) راجع ج 1 ص 321 وما بعدها طبعة ثانية أو ثالثة. # (4) راجع ج 9 ص 360 وما بعدها طبعة أولى أو ثانية. (1) راجع ج 3 ص 307 طبعة أولى أو ثانيه. # (2) راجع ج 5 س 425 طبعة أولى أو ثانيه. # (3) راجع ج 11 ص 69 وما بعدها طبعة أولى أو ثانيه. (1) تقدم في غير موضع ج 1 ص 149 طبعة ثانيه أو ثالثه و ج 9 ص 340 طبعة أولى ~~أو ثانيه. (1) في نسخ الأصل: حتى. # (2) راجع ص 29 وما بعدها من هذا الجزء طبعة أولى أو ثانية. # (3) راجع ج 7 ص 337 طبعة أولى أو ثانية. (1) راجع ج 7 ص 113 طبعة أولى أو ثانية. (1) راجع ج 1 ص 397 وما بعدها طبعة ثانية أو ثالثة، و ج 2 ص 172 طبعة ~~ثانية. # (2) في الأصول: ورش عن نافع، وفي البيضاوي: وقرأ ابن كثير ونافع في رواية ~~الخ يعنى ورواية أخرى بالاختلاس كما هو المشهور في رواية ورش. # (3) راجع ج 7 ص 157 طبعة أولى أو ثانية. و ج 10 ص 230 طبعة أولى أو ~~ثانية. # (4) البيت لزهير، ويروى: هنالك إن يستخبلوا المال يخبلوا. والإخبال ~~الإعارة أي يستعيرون الناقة للانتفاع بألبانها وأوبارها والفرس للغزو ~~عليها. وإن ييسروا يغلوا: أي إذا قامروا بالميسر يأخذون. # سمان الإبل فيقامرون عليها. (1) راجع ج 1 س 161 طبعة أو ثالثه. # (2) راجع ج 5 ص 348 وما بعدها طبعة أولى أو ثانيه. ms7259 (1) راجع ج 2 ص 174 وما بعدها طبعة ثانيه. (1) راجع ج 5 ص 280 طبعة أولى أو ثانيه. (1) راجع ج 12 ص 122 طبعة أولى أو ثانيه. (1) قائله عنترة: ويروى، غضوب حرة. وتمامه: زيافة مثل الفنيق المقرم (2) ~~راجع ج 10 ص 330 طبعة أولى أو ثانيه. (1) هو مرة بن شراحيل الهمداني يروى عن أبي بكر وعمر وعلى وأبي ذر وحذيفة ~~وابن مسعود الخ... التهذيب. (1) ليل التمام: أطول ما يكون من ليالي الشتاء. (1) راجع ج 2 ص 79 طبعة ثانيه. (1) الزيادة من حاشية الجمل نقلا عن القرطبي. (1) راجع ج 4 ص طبعة أولى أو ثانيه. (1) راجع ج 1 ص 212 طبعة ثانيه أو ثالثه. (1) الزيادة من حاشية الجمل نقلا ع القرطبي. # (2) راجع ج 4 ص 189 وص 253 طبعة أولى أو ثانية. # (3) يقول الشاعر للنعمان بن المنذر وكان واجدا عليه: كن حكيما في أمري ~~كحكم زرقاء اليمامة في حزرها للحمام التي مرت طائرة بها. وخبرها مشهور. ~~والشراع: الموضع الذي ينحدر منه إلى الماء والثمد: الماء القليل على وجه ~~الأرض. # (4) راجع ج 7 ص 89 طبعة أولى أو ثانية. (1) راجع ج 8 ص 388 وما بعدها طبعة أولى أو ثانية. # (2) في نسخة: قاله أبو عيسى. (1) شق بصره: أي انفتح. (1) كبة الغزل: ما جمع منه. # (2) راجع ج 1 ص 323 وما بعدها طبعة أولى أو ثانية. (1) الثقاف ما تقوم به الرماح. وعشوزنة صلبة شديدة. والزبون الدفوع. والبيت ~~في وصف قناة، وقبله: # فإن قناتنا يا عمرو أعيت * على الأعداء قبلك أن تلينا (2) راجع ما قبل في ~~هذا الكلام من منافاته للعصمة وتأويلات في قوله تعالى في سورة الحج: " وما ~~أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته " ج ~~12 ص 79 وما بعدها (1) راجع ج 4 ص 131 طبعة أولى أو ثانية. # (2) راجع ج 9 ص 307 طبعة أولى أو ثانية. (1) راجع ج 7 ص 88 طبعة أولى أو ثانيه. و ج 8 ص 351 طبعة أولى أو ms7260 ثانيه. (1) الاضاة غدير. # (2) راجع ج 13 ص 76 وما بعدها طبعة أولى أو ثانيه. (1) راجع ج: 1 ص 322 وما بعدها طبعة أولى أو ثانية. # (2) راجع ج 9 ص 285 طبعة أولى أو ثانية. # (3) راجع ج 10 ص 36 طبعة أولى أو ثانية. (1) الناجية: السريعة. وفى تفسير الفراء ناهية بدل ناجية وكذا روى في ~~اللسان وشرح القاموس في مادة سنا. # والسانية هنا مصدر على فاعلة بمعنى الاستسقاء، أراد قربته للسناية (١) فسرها ابن الأثير في النهاية بالنقص ~~أو التبعة (1) قائله ميسون بنت مجدل الكلبية (1) راجع ج 1 ص 296 طبعة ثانية أو ثالثة (1) راجع ج 7 ص 29 طبعة أولى أو ثانية. # (2) البيت من معلقة طرفة وتمامه: # * وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي * (1) راجع ج 3 ص 48 طبعة أولى أو ثانية (1) قائله الحطيئة، وقيل هو للشماخ (1) كذا في الأصول ولم نعثر على هذين البيتين فيما لدينا من المراجع. # (2) راجع ج 1 ص 142 طبعة ثانية أو ثالثة. # (3) راجع ج 13 ص 239 وما بعدها طبعة أولى أو ثانية. # (4) راجع ج ط ص 20 طبعة أولى أو ثانية (1) الظرب ككتف الجبل الصغير والجمع ظراب، وقد يجمع في القلة على أظرب. # (2) راجع ج 13 ص 241 طبعة أولى أو ثانية (1) باطش بجانب العرش: أي متعلق به بقوة (1) في الأصول: مباينة المحسوسات وهو تحريف. (1) آية 21 من السورة المذكورة. (1) راجع ج 10 ص 30 وما بعدها طبعة أولى أو ثانيه. # (2) راجع ج 10 ص 100 طبعة أولى أو ثانيه. (1) البين لأمري القيس. " وتموت جميعة " بمعنى أنه مريض فنفسه لا تخرج بمرة ~~ولكنها تموت شيئا بعد شئ وهو معنى تساط أنفسا. # (2) راجع ج 8 ص 271 طبعة أولى أو ثانيه. # (3) راجع ج 10 ص 382 وما بعدها طبعة أولى أو ثانيه. (1) يبلغ الوضوء: يوصل الوضوء إلى مواضعه، إلى مواضعه فالوضوء. فيه مفتوح ~~الواو. ومعنى يسبع الوضوء يكمله على الوجه المسنون، فالوضوء فيه مضموم ~~الواو. (هامش مسلم). (1) الآية التي ذكرها هي قوله تعالى " قل ms7261 لا أسألكم عليه أجرا الا المودة ~~في القربى " يقول الشاعر: من تأول هذه الآية لم يسعه الا التشيع لآل النبي ~~صلى الله عليه وسلم من بنى هاشم، وإبداء. المودة. وتقى: ساكت عنه للتقية. # ويروى: تقى معرب، كمكلم أي مبين لما في نفسه. # (2) صدره: وبالطواسين التي قد ثلثت. (1) قائله شريح بن أوفى العبسي - وقيل هو للأشتر النخعي. (1) قائله القطامي وصدره: وكنا كالحريق أصاب غابا (1) في تفسير السمين: وكم من واحد يهوى خلودي (1) راجع ج 3 ص 276 وما بعدها طبعة أولى أو ثانيه. (1) هذه الخبر وأشباهه من الإسرائيليات التي يحشرها أهل القصص وليس مما ~~يصح. (1) راجع ج 9 ص 312 طبعة أولى أو ثانيه. # (2) بل هو دعاء لأنه من الخلق إلى الخالق. (1) راجع ج 11 ص 246 طبعة أولى أو ثانية. (1) راجع ج 2 ص 435 طبعة ثانيه. (1) آية 57 من سورة النجم. (1) عبد الله بن أبي سرح: كان يكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~ثم ارتد ولحق بالمشركين، فامر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله يوم فتح ~~مكة. راجع قصته في ج 7 ص 40 طبعة أولى أو ثانيه. (1) راجع ج 9 ص 324 طبعة أولى أو ثانيه. # (2) راجع ج 10 ص 335 وما بعدها طبعة أولى أو ثانيه. (1) في هامش الطبري حبرك، وفي نسخة جبرك. # (2) الزيادة أوردها الجمل في حاشيته عن القرطبي. (1) ويروى: أو يعتلق بدل يرتبط كما في اللسان وغيره. # (2) هو عمر القطامي. (1) وجاء يجؤه وجأ ضربه. والتلتلة التحريك والإقلاق والزعزعة. (1) هو طرفة. في اللسان: نواديه أمشى. يقول: إبل باركة نيام، ونواديها أي ~~ما ند منها. ويروى هواديها أي أوائلها. أي أثارت مخافتي نوادي هذا البرك ~~حال مشى إليه بالسيف. (1) هو جارية بن الحجاج الإيادي. وقيل اسمه حنظلة بن الشرقي، وكان في عصر ~~كعب بن مامة الإيادي الذي يضرب به المثل في الجود. " الشعر والشعراء لابن ~~قتيبة ". (1) راجع ج 3 ص 288 وما بعدها طبعة أولى أو ثانية. # (2) البيت من معلقة زهر بن أبي سلمى ms7262 (1) راجع ج 13 ص 288 وما بعدها طبعة ولى أو ثانية. (1) البيت للنابغة الذبياني وتمامه: * وليل أقاسيه بطي الكواكب * (2) ~~العواج: بياع العاج. والبتات: بياع البت وهو كساء غليظ. (1) راجع ج 9 ص 20 طبعة أولى أو ثانيه. (1) في نسخ الأصل ميمون بن ميسرة وهو تحريف، والتصويب عن " التهذيب ". (1) هو امرؤ القيس والبيت من معلقته، وتمامه: # بسقط اللوى بين الدخول فحومل (1) رواه سهل ين معاذ بن أنس عن أبيه. النحاس. (1) زيادة يقتضيها السياق. # (2) راجع ج 4 ص 89 وما بعدها وص 100 طبعة أولى أو ثانيه. (1) راجع ج 2 ص 309 طبعة ثانيه. (1) راجع ج 10 ص 111 و ج 13 ص 242 طبعة أولى أو ثانيه. # (2) راجع ج 6 ص 386 وما بعدها طبعة أولى أو ثانيه. # (3) راجع ج 1 ص 229 طبعة ثانيه أو ثالثه. (1) الزيادة من الصحاح الجوهري لا يتم الكلام الا بها. # (2) راجع ج 7 ص 223 طبعة أولى أو ثانيه. و ج 1 ص 136 طبعة ثانيه أو ~~ثالثه. # (3) مضى هذا الكلام للمصنف في تفسير الفاتحة ج 1 ص 136 فليراجع هناك لا ~~في البقرة ولعل ما في الأصل تحريف. (1) راجع ج 12 ص 11 وما بعدها طبعة أولى أو ثانية. # (2) راجع ج 7 ص 134 وما بعدها طبعة أولى أو ثانية. # (3) هو عبيد بن الأبرص. # (4) الرقوب: التي ترقب ولدها خوف أن يموت. البيت في وصف فرسه، وتمامه: # * باتت على أرم عذوبا * (5) الزيادة من كتب اللغة. (1) راجع ج 2 ص 87 ثانية. (1) الشجعم: الضخم من الحيات. (١) راجع ج ١٠ ص ٢٦٠ طبعة أولى أو ثانيه. # (٢) الحديث في النهاية " إن الله ليبغض ~~أهل البيت اللحمين ". (1) الضراوة في قول عمر العادة في النفس الطلابة لاكل اللحم، وهي حال ناشئة ~~عن الاعتياد. # (2) راجع ج 10 ص 30 وص 100 طبعة أولى أو ثانيه. (1) راجع ج 10 ص 96 وما بعدها طبعة أولى أو ثانيه. # (2) راجع ج 10 ص 71 طبعة أولى أو ثانيه. (١) الزيادة من اعراب القرآن ms7263 للنحاس. # (2) راجع ج 5 ص 92 وما بعدها طبعة أولى أو ثانيه. # (3) راجع ج 8 ص 384 طبعة أولى أو ثانيه. (1) الزيادة من سيرة ابن هشام. (1) راجع ج 2 ص 25 طبعة ثانيه. (1) لم يذكر المصنف إلا أربعة أقوال ولعل الخامس ما ذكره الكشاف: " فاعمل ~~في إبطال أمرنا إننا عاملون في إبطال أمرك. " (1) الزيادة من تفسير الزمخشري. # (2) اللمظة في اللغة: النكتة من بياض أو سواد، والمراد بها هنا الشئ ~~اليسير من حطام الدنيا. # (3) ويروى: ولا زادي بممنون. # (4) البيت من قصيدة يمدح بها هرم بن سنان. # (5) صدر البيت: * لمعفر قهد تنازع شلوه * وقد وقع هذا البيت غلطا في بعض ~~نسخ الجوهري فراجع تحقيقه في اللسان مادة " من. " (1) راجع ج 1 ص 254 وما بعدها طبعة ثانية أو ثالثة. (1) راجع ج 7 ص 344 و ج 9 ص 122 طبعة أولى أو ثانية. (1) هو أبو ذؤيب الهذلي. والصنع بفتحتين الحاذق. # (2) راجع ج 7 ص 219 طبعة أولى أو ثانية. # (3) راجع ج 6 ص 384 طبعة أولى أو ثانية. (1) راجع ج 10 ص 10 طبعة أولى أو ثانية. # (2) راجع ج 1 ص 255 وما بعدها طبعة ثانية أو ثالثة. (1) راجع ج 7 ص 236 طبعة أولى أو ثانية. # (2) الزيادة من اللسان عن ابن السكيت لأن هذا الكلام له. # (3) هو امرؤ القيس يصف فرسه. (1) راجع ج 7 ص 238 طبعة أولى أو ثانيه. (1) راجع ج 13 ص 167 وما بعدها طبعة أولى وثانيه. # (2) كذا في الأصول ولم نعثر على هذين البيتين. (1) الزيادة من صحيح مسلم. # (2) ليعذر من نفسه: على بناء الفاعل من الاعذار والمعنى ليزيل الله عذره ~~من قبل نفسه بكثرة ذنوبه، ولشهادة أعضائه عليه، بحيث لم يبق له عذر. (هامش ~~مسلم). (1) كذا في الأصول وفي كتاب " أدب الدنيا والدين ": عبد الاعلى بن عبد الله ~~الشامي. (1) راجع ج 2 ص 236 طبعة ثانيه. (1) هو عمرو بن أذينة. (1) راجع ج 3 ص 99 طبعة أولى أو ثانيه. (1) هكذا في نسخ الأصل وصوابه في البقرة في ms7264 ج 2 ص 127 طبعة ثانيه. (1) راجع ج 4 ص 321 طبعة أولى أو ثانية. (١) راجع ج ٩ ص ٢٦٦ طبعة أولى أو ثانية. # (٢) الأبيات التالية معزوة في كتاب " أدب الدنيا والدين " ص ٢٥٢ طبع ~~وزارة المعارف إلى الخليل بن أحمد (1) راجع ج 7 ص 347 وما بعدها طبعة أولى أو ثانيه. # (2) راجع ج 2 ص 192 وما بعدها طبعة ثانيه. (1) هذه النسبة إلى يامة بطن من همدان. (1) شبه الرماد بكحل العين لسواده فإنه يسود متى تقادم عهده واصابته ~~الأمطار. والنؤى حفير حول الخيمة. # والجذم الأصل. وأثلم مهدوم. وخاشع تداعت آثاره واستوى بالأرض. يريد أن ~~ذلك الرماد تغير ولم أتبينه الا بعد لأي أي بعد جهد ومشقه. # (2) راجع ج 13 ص 13 طبعة أولى أو ثانيه. # (3) راجع ج 14 ص 45 طبعة أولى أو ثانيه. (1) زيادة يقتضيها السياق. (1) راجع ج 10 ص 315 وما بعدها طبعة أولى أو ثانيه. (1) راجع ج 9 ص 59 طبعة أولى أو ثانيه. (1) في تفسير قوله تعالى: " والنخل ذات الأكمام " آية 11. # (2) هو الحرث بن حلزة، والبيت مطلع معلقته. (1) راجع ج 13 ص 303 وما بعدها طبعة أولى أو ثانيه. (1) راجع ج 12 ص 109 طبعة أولى أو ثانيه. (1) آية 23 (1) أي حق من حقوقه. # (2) وروى بفتح أوله وطائه. # (3) في بعض النسخ. " حكمه " بالكاف. (1) في نسخة من الأصل: " وقربه يوم القيامة من الملك... ". # (2) رواية البيت كما في كتاب سيبويه وخزانة الأدب: # لبيك يزيد ضارع لخصومة * ومختبط مما تطيح الطوائح وهذا البيت نسبه سيبويه ~~للحارث بن نهيك. ونسبه صاحب خزانة الأدب لنهشل بن حري في مرثية يزيد. (راجع ~~الشاهد الخامس والأربعين). # (3) راجع ج 2 ص 69 طبعة ثانية. وج‍ 3 ص 278. (1) راجع ج 1 ص 156. # (2) آية 116 سورة البقرة. # (3) آية 7 (1) آية 41 سورة فاطر. # (2) آية 6 سورة الرعد. # (3) راجع ج 15 ص 295 (1) راجع ج 6 ص 397، ج 9 ص 270 و 346، ج 14 ص 24 وما بعدها. 319 (1) راجع ج 7 ص 113 طبعة ms7265 أولى أو ثانية. # (2) الصاليات: الأثافي، وهي الأحجار التي ينصب عليها القدر. ومعنى ~~يؤثفين: ينصبن للقدر. (راجع خزانة الأدب في الشاهد الخامس والثلاثين بعد ~~المائة وكتاب سيبويه). # (3) آية 137 سورة البقرة. (1) راجع ج 15 ص 274. # (2) راجع ج 1 ص 261 طبعة ثانية أو ثالثة. وج‍ 9 ص 314 (1) راجع ج 6 ص 211 طبعة أولى أو ثانية. # (2) في نسخ الأصل: " كما أن آدم أول رسول نبي بغير إشكال، إلا أن آدم " ~~والتصويب عن ابن العربي. (1) في ابن العربي: " ويتناشر ". (1) آية 42 راجع ج 14 ص 357 (2) آية 89 راجع ج 2 ص 27 طبعة ثانية. # (3) آية 46 سورة القمر. (1) راجع ج 1 ص 157 طبعة ثانية أو ثالثة. # (2) آية 66 سورة غافر. # (3) آية 29 سورة التوبة. (1) آية 73 سورة مريم. (1) آية 25 سورة الحديد. # (2) آية 56 سورة الأعراف. راجع ج 7 ص 227. (1) آية 60 سورة المؤمنون. (1) آية 34 سورة إبراهيم. # (2) آية 20 سورة لقمان. # (3) آية 78 سورة الحج. # (4) آية 28 سورة النساء. # (5) راجع ج 7 ص 57 طبعة أولى أو ثانية. (1) آية 32 سورة الزخرف. # (2) آية 20 سورة الفرقان. راجع ج 13 ص 18 (3) آية 18 وما بعدها سورة ~~الإسراء. (1) آية 18 (2) راجع ج 9 ص 14 (1) راجع ج 14 ص 11 (1) آية 109 و 127 و 145 و 164 و 180 سورة الشعراء. # (2) آية 47 سورة سبأ. # (3) آية 86 سورة ص. # (4) آية 72 سورة المؤمنون. # (5) آية 40 سورة الطور وآية 46 (1) أي لم يشم ريحها، يقال: راح يريح، وراح يراح، وأراح يريح. والثلاثة قد ~~روى بها الحديث. # (2) تقدم أنه قزعة بن سويد، وهو ممن يروى عن ابن أبي نجيح. (راجع تهذيب ~~التهذيب). (1) راجع ج 7 ص 70 (1) آية 15 من هذه السورة. # (2) آية 17 من هذه السورة. # (3) آية 18 سورة العلق. # (4) آية 11 سورة الإسراء. (1) راجع ج 5 ص 90 وما بعدها. # (2) آية 104 راجع ج 8 ص 250 (3) راجع ج 2 ص 308 وما بعدها طبعة ثانية. (1) الوسمى: مطر ms7266 أول الربيع. والنبع والشوحط: شجر من أشجار الجبال تتخذ منه ~~القسي. وفي النسخ الأصل وبعض كتب التفسير: "... بني رومان ". ودودان: أبو ~~قبيلة من أسد. (1) راجع ج: 1 ص 36، 67 وج‍ 14 ص 34 (1) آية 8 سورة النحل. (1) آية 121 سورة الأنعام. (1) ضبط كسكارى (بالفتح) أو أحد الحواريين (شرح القاموس). # (2) ج 5 ص 369 (1) راجع ج 2 ص 69 طبعة ثانية. # (2) آية 11 سورة الحاقة. (1) في الأصول: " ظللت أظل " بالظاء المعجمة. والتصويب عن الكشاف. # (2) راجع ج 8 ص 325 وج‍ 13 ص 223 (3) راجع ج 2 ص 195 طبعة ثانية. (1) آية 14 (2) آية 142 سورة آل عمران. # (3) أبو قابوس: كنيته النعمان بن المنذر، يريد أنه كان كالربيع في الخصب ~~لمجتديه، وكالشهر الحرام لجاره، أي لا يوصل إلى من أجاره. والمعنى: إن يمت ~~النعمان يذهب خير الدنيا لأنها كانت تعمر به وبجوده وعدله ونفعه للناس، ومن ~~كان في ذمته وسلطانه فهو آمن على نفسه محقون الدم كما يأمن الناس في الشهر ~~الحرام على أموالهم ودمائهم. # (4) ذناب كل شئ: عقبه ومؤخره. وأجب الظهر مقطوع السنام. يقول: إن مات ~~بقينا في طرف عيش قد مضى صدره ومعظمه وختره، وقد بقي منه ذنبه. (1) آية 31 ج 5 ص 158 وما بعدها. # (2) آية 34 سورة إبراهيم. و 18 سورة النحل. # (3) آية 32 (1) آية 134 راجع ج 4 ص 206 (1) البيتان لبشار بن برد. والخوافي: ريشات إذا ضم الطائر جناحيه خفيت. ~~والقوادم: عشر ريشات في مقدم الجناح وهي كبائر الريش. # (2) في الأصول " نافع ". # (3) ح‍ 4 ص 224 (1) آية 159 راجع ج 4 ص 248 وما بعدها. # (2) راجع ج 1 ص 178 وما بعدها. (1) آية 39 راجع ج 12 ص 67 (2) آية 237 سورة البقرة. # (3) آية 45 سورة المائدة. # (4) آية 22 سورة النور. (1) راجع ج 2 ص 335. # (2) راجع ج 4 ص 207 (1) آية 91. # (2) في ابن العربي: " أثبتها ". (1) في بعض الأصول: " ويستسرون " وفي البعض الآخر: " ويستشرون ". # (2) قال النووي " الأول بهمزة ممدودة على الاستفهام، والثاني بلا مد، ~~والهاء فيهما مكسورة. ms7267 قال القاضي: ورويناه بفتحهما معا، وأكثر أهل العربية ~~لا يجيزون إلا الكسر ". # (3) في ابن العربي: " التحلل " وقد كتب على هامش نسخة من الأصل بخط ~~الناسخ: " يقال تمحل أي احتال فهو متمحل قاله الجوهري ". (1) راجع ج 12 ص 108 (1) في لسان العرب: " قال أبو دهبل يمدح عبد الله بن الأزرق المخزومي. وقيل ~~هو للحزين الليثي ". (1) القول الأصح أن الذكور ثلاثة: القاسم وعبد الله (ويسمى بالطيب والطاهر) ~~وإبراهيم. راجع شرح المواهب اللدنية. # (2) قال القسطلاني: " أي يذللها تذليل من يوضع تحت الرجل، والعرب تضع ~~الأمثال بالأعضاء ولا تريد أعيانها كقولها للنادم: سقط في يده ". # (3) قوله: " قط قط " بكسر الطاء وسكونها فيهما، ويجوز التنوين مع الكسر ~~والمعنى: حسبي حسبي قد اكتفيت. (1) روى بالمد وتخفيف النون وبالقصر وتشديد النون. # (2) قوله: " تربت يداك ". معناه: # ما أصبت! وهو في الأصل بمعنى صار في يدك التراب ولا أصبت خيرا أي افتقرت، ~~لكن لا يريدون به الدعاء على المخاطب، كما يقولون: قاتله الله، إلى غير ~~ذلك. قوله " وألت ": أي صاحت لما أصابها من شدة هذا الكلام. # وروى بضم الهمزة مع التشديد، أي طعنت بالأدلة وهي الحربة. قال ابن ~~الأثير: وفيه بعد، لأنه لا يلائم لفظ الحديث. (1) في ابن العربي: " ومعتمدها ". ويقال أنه عاش ثلاثمائة عام. (1) راجع ج 5 ص 65 فما بعدها. (1) الروع (بالضم): القلب والعقل. والروع (بالفتح): الفزع. (1) راجع ج 11 ص 86 (1) كذا في الأصل. # (2) آية 12 سورة مريم. # (3) آية 39 سورة آل عمران. (1) آية 79 سورة الأنبياء. # (2) آية 51 سورة الأنبياء. # (3) في الأصول: # " خمسة عشر شهرا " راجع ج 7 ص 25. # (4) آية 5 سورة يوسف. # (5) آية 14 سورة القصص. (1) في الأصول: " عندهما ". (1) الموضع الذي يجتمعون للسمر فيه. # (2) كذا في الأصول. # (3) في الأصول: " المطيب ". # قال ابن الأثير: " أصل الحلف المعاقدة والمعاهدة على التعاضد والتساعد ~~والاتفاق. فما كان منه في الجاهلية على الفتن والقتال بين القبائل ~~والغارات، فذلك الذي ورد النهي عنه في الاسلام بقوله صلوات الله عليه: (لا ~~حلف في الاسلام). # وما كان منه في الجاهلية على نصرة ms7268 المظلوم وصلة الأرحام كحلف المطيبين ~~وما جرى مجراه فذلك الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: (وأيما حلف ~~كان في الجاهلية لم يزده الاسلام إلا شدة) يريد من المعاقدة على الخير ~~ونصرة الحق، وبذلك يجتمع الحديثان، وهذا هو الحلف الذي يقتضيه الاسلام. ~~والممنوع منه ما خالف حكم الاسلام ". # ويلاحظ أنه قال صلى الله عليه وسلم: (شهدت غلاما مع عمومتي حلف ~~المطيبين). اجتمع بنو هاشم وبنو زهرة وتيم في دار ابن جدعان في الجاهلية ~~وجعلوا طيبا في جفنة وغمسوا أيديهم فيه وتحالفوا على التناصر والاخذ من ~~المظلوم للظالم، فسموا المطيبين. وقال عليه السلام: (شهدت في دار عبد الله ~~بن جدعان حلفا لو دعيت إلى مثله في الاسلام لأجبت). قال ابن الأثير: يعني ~~حلف الفضول. (راجع نهاية ابن الأثير مادة حلف. طيب. فضل). (1) آية 135 سورة البقرة. # (2) آية 123 سورة النحل. # (3) آية 13 من هذه السورة. (1) آية 48 سورة العنكبوت. # (2) آية 105 سورة البقرة. (1) آية 45. # (2) راجع ج 15 ص 289. # (3) آية 103 سورة المائدة. (1) آية 77 سورة الواقعة. # (2) آية 21 سورة البروج. # (3) راجع ج 5 ص 72 (1) آية 278 سورة البقرة. # (2) هو كثير عزة. # (3) آية 25 سورة الدخان. (1) راجع ج 6 ص 384 وما بعدها. # (2) راجع ج 11 ص 209 (1) راجع ج 7 ص 230. # (2) آية 7 سورة ق. # (3) آية 7 سورة الشعراء. (1) أي أبو بكر وعمر لم يكونا حاضرين. # (2) راجع ج 10 ص 72 (1) آية 41 سورة هود. # (2) تقحم الفرس براكبه ألقاء على وجهه. # (3) في الأصول: # " فهلكت ". # (4) وجد على هامش نسخة من الأصل بخط ناسخه: " الرازم من الإبل: الثابت ~~على الأرض الذي لا يقوم من الهزال. وقد رزمت الناقة ترزم وترزم رزوما ~~ورزاما قامت من الاعياء والهزال فلم يتحرك فهي رازم. قاله الجوهري في ~~الصحاح ". # (5) هذه عبارة ابن العربي والأصول: ويلاحظ أن القعود مذكر (1) الطلاء: ما طبخ من عصير العنب حتى ذهب ثلثاه. وبعض العرب يسمى الخمر ~~الطلاه، يريد بذلك تحسين اسمها. (1) وتمامه كما في اللسان مادة جزأ: * للعوسج اللدن في أبياتها ms7269 زجل * (1) آية 21 سورة النجم. # (2) راجع ج 10 ص 116. # (3) في رواية " جمرة " بالجيم. # وفي بلوغ الإرب للآلوسي: " لأبي والذلقاء ". (1) راجع ج 10 ص 116 (1) آية 26 سورة الأنبياء. # (2) آية 102 سورة الكهف. # (3) آية 194 سورة الأعراف. # (4) آخرة سورة الأعراف. # (5) آية 19 سورة الأنبياء. (1) رسمنا هكذا تصويرا للنطق. # (2) راجع ج 7 ص 128. # (3) راجع ج 15 ص 37 (1) راجع ج 2 ص 211 فما بعدها، طبعة ثانية. # (2) آية 43 سورة فصلت. (1) ما بين المربعين من الآية السابقة. (1) آخر سورة الحج. # (2) آية 132. # (3) آية 124 سورة البقرة. # (4) آية 35 سورة إبراهيم. # (5) آية 84 سورة الشعراء. # (6) العمرى (كحبلى): تمليك الشئ مدة العمر. (1) آية 11 سورة النساء. # (2) آية 23 سورة النساء. # (3) راجع ج 7 ص 31 (1) في نسخة من الأصل: " مشبهاتها ". وفي ابن العربي " مسمياتها ". # (2) آية 84 سورة الأنعام. راجع ج 7 ص 31. # (3) راجع ج 2 ص 107 طبعة ثانية. (1) آية 2 سورة الواقعة. # (2) راجع ج 7 ص 31. (1) في الأصول: " ومن دخل في العقد ". وفي ابن العربي: " ومن دخل في العقدة ~~" وقد أثبتناه كما ترى استئناسا بما في شرح الباجي على الوطأ، وعبارته: ~~"... ولا يدخل في ذلك الخالات. ومعنى ذلك عندي العصبة أو من كان في قعددهن ~~من النساء ". والقعدد (بضم أوله وسكون ثانيه وضم ثالثه وفتحه): القربى. # (2) آية 23 سورة الشورى. # (3) آية 214 سورة الشعراء. راجع ج 13 ص 143 (1) رواية البيت كما في كتاب الأغالي ج 5 ص 8 طبع دار الكتب المصرية: * ~~بلغنا السماء مجدنا وجدودنا * وروايته كما في جمهرة أشعار العرب: * بلغنا ~~السما مجدا وجودا وسؤددا * وروايته كما في اللسان مادة " ظهر " * بلغنا ~~السماء مجدنا وسناؤنا * (1) راجع ج 7 ص 391 فما بعدها. # (2) راجع ج 4 ص 86 فما بعدها. # (3) راجع ج 10 ص 331 (1) راجع ج 1 ص 243. # (2) راجع ج 7 ص 142 (1) في اللسان مادة " وفد ": " والوافدان اللذان في شعر الأعشى هما ~~الناشزان من الخدين عند المضغ، فإذا هرم الانسان غاب وافداه ". # (2) البيت للحطيئة. # (3) آية 5 (1) في الأصول: " عن التعرض ms7270 ". # (2) آية 17 سورة الرحمن. # (3) البيت لامرئ القيس: # وحدرة: مكتنزة صلبة، وقيل الواسعة الجاحظة. وبدرة: تبدر بالنظر، وقيل ~~تامة كالبدر. (1) آية 10 سورة الأنبياء. (1) الجمام (بالتثليث): ما علا رأس المكيال من الطفاف. (1) انفتل عن الصلاة: إذا انصرف عنها. (1) آية 130 سورة الأعراف. (1) راجع ج 12 ص 238 (2) في كتاب روح المعاني للآلوسي: " والأنهار: الخلجان ~~التي تخرج من النيل المبارك، كنهر الملك ونهر دمياط ونهر تنيس، ولعل نهر ~~طولون كان منها إذ ذاك، لكنه اندرس فجدده أحمد بن طولون ملك مصر في الاسلام ~~". (1) راجع ج 11 ص 192. # (2) القائل هو ذو الرمة. وللوعساء: رملة لينة. وجلاجل: موضع بعينه. ~~والنقاء: الكثيب من الرمل. (1) آية 60 سورة الروم. (1) آية 57 سورة الأحزاب. # (2) آية 33 سورة المائدة. (1) آية 98 سورة الأنبياء. # (2) آية 101 سورة الأنبياء. # (3) راجع ج 11 ص 343 فما بعدها. (1) راجع ج 8 ص 141 (1) أي شقتين أو حلتين. # (2) لد (بالضم والتشديد): قرية قرب بيت المقدس من نواحي فلسطين. # (3) في روح المعاني: " أفيق بفاء وقاف بوزن أمير، وهي هنا بالقدس الشريف ~~نفسه... ". # (4) الممصرة من الثياب: التي فيها صفرة خفيفة. (1) راجع ج 2 ص 209 طبعة ثانية. (1) آية 28 سورة غافر. # (2) يريد ثعلبة بن سيار. # (3) آية 50 سورة آل عمران. (1) راجع ج 11 ص 106، 108. # (2) راجع ج 1 ص 197 طبعة ثانية أو ثالثة. # (3) آية 58 من هذه السورة. # (4) الصبر: نصب الانسان للقتل. (1) زيادة لا يستقيم المعنى إلا بها. # (2) راجع ج 14 ص 12 (1) آية 35 سورة الأحزاب. راجع ج 14 ص 185. # (2) قوله " في صحافها " على حد قوله تعالى: # " والذين يكتنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها... فالضمير " عائد على ~~الفضة، ويلزم حكم الذهب بطريق الأولى. # (3) راجع ج 12 ص 29. # (4) آية 15 سورة الانسان. (1) في ابن العربي: " أجر ". # (2) الطنبور: من آلات الطرب ذو عنق طويل وستة أوتار من نحاس، معرب. (1) الصريفية: الخمر المنسوبة إلى صريفون، وهي قرية عند عكبراء، أو لأنها ~~أخذت من الدن ساعتئذ كاللبن الصريف (الحليب الحار ساعة يصرف من الضرع). # (2) هو عدي بن زيد. # (3) زيادة ms7271 عن سنن الترمذي. (1) راجع ج 12 ص 108. # (2) راجع ج 7 ص 208. # (3) راجع ج 6 ص 426 (1) البيت لزهير بن أبي سلمى، وهو من قصيدة يخاطب بها الحارث بن ورقاء ~~الصيداوي وكان أغار على بني عبد الله ابن غطفان فغنم وأخذ إبل زهير وراعيته ~~يسارا، فطالبهم بذلك ليردوا عليه ما أخذوه وتوعدهم بالهجاء... الخ، راجع ~~شرح ديوان زهير ص 164 المطبوع بدار الكتب المصرية. # (2) يروى " أصاح ". والحبي: السحاب المعترض بالأفق. والمكلل: المتراكب. # (3) فاطمة هي ابنة عبيد بن ثعلبة بن عامر. والصرم (بالضم): القطيعة. # (4) هو الفرزدق يخاطب مروان بن الحكم وكان واليا على المدينة فوفد عليه ~~مادحا له، فأبطأ عليه جائزته... والحباء (بكسر الحاء المهملة): العطاء. ~~وجعل الرجل للناقة وهو يريد نفسه مجازا. (شرح الشواهد للشنتمري). (1) في قوله تعالى: " أو يكون لك بيت من زخرف " آية 93 سورة الإسراء. راجع ~~ج 10 ص 331 (2) آية 49 سورة غافر. (1) هذا عجز بيت لزهير بن أبي سلمى. والبيت كما في ديوانه: # يمينا لنعم السيدان وجدتما * على كل حال من سحيل ومبرم والسحيل، الغزل ~~الذي لم يبرم. # (2) آية 45 من هذه السورة. (1) راجع ج 15 ص 351. # (2) آية 24 سورة سبأ. راجع ج 14 ص 298 (1) راجع ج 11 ص 155 (1) آية 45. # (2) آية 42. # (3) في بعض نسخ الأصل: "... في السماء اله وفي الأرض... " (4) راجع ج 1 ص ~~287 طبعة ثانية أو ثالثة. # (5) راجع ج 7 ص 223 (1) راجع ج 1 ص 378 طبعة ثانية أو ثالثة. (1) راجع ج 3 ص 389. # (2) آية 22 سورة الأحقاف. # (3) آية 80 من هذه السورة. # (4) في آية 80. (1) أي ناحيتيها. # (2) في الأصول: " الأول ". # (3) آية 122. # (4) آية 5. (1) آية 15 (1) راجع ص 61 من هذا الجزء. # (2) آية 185 راجع ج 2 ص 290 طبعة ثانية. (١) هو عيسى بن سليمان أبو موسى الحجازي، كان حجازيا ثم انتقل إلى شيزر ~~(كحيدر، بلدة قرب حماة) وأقام بها إلى أن مات فنسب إليها، أخذ القراءة عرضا ~~وسماعا من الكسائي، وله عنه انفرادات. (غاية النهاية). (1) في كتب اللغة: " النقمة بالكسر والفتح ms7272 وكفرحة جمع نقم ككلم وعنب وكلمات ~~". (1) آية 35 سورة القصص. # (2) آية 26 سورة العنكبوت. # (3) أي مكفوفا عنى شركم. (1) راجع ج 9 ص 79. # (2) راجع ج 1 ص 389 وما بعدها. وج‍ 8 ص 377 وما بعدها. # وج‍ 11 ص 227 وما بعدها. وج‍ 13 ص 105 وما بعدها. # (3) قوله: " يسري " أي يسير عامة الليل. و " يدلج " أي سار من أول الليل. ~~وربما استعمل لسير آخر الليل. # (4) قوله: " في السنة " أي في القحط وانعدام نبات الأرض من يبسها. والنقي ~~(بكسر النون وسكون القاف) هو المخ، ومعناه أسرعوا في السير الإبل لتصلوا ~~إلى المقصد وفيها بقية من قوتها. # (5) راجع ج 10 ص 73 (1) البيت للنابغة الذبياني. و " تمزع ": تمرمرا سريعا. وقد وردت هذه ~~الكلمة في الأصل محرفة، ففي بعضها " تمرح " بالراء والحاء. وفي البعض ~~الآخر: " تمرع " بالراء والعين. ويروى: " غربا " بدل " رهوا " أي حدة. و " ~~الشؤبوب ": السحاب العظيم القطر. # (2) الهينة (بالكسر): السكينة والوقار. # (3) الفناء: فناء الدار، هو ما امتد معها من جوانبها. والمنقبة: هي ~~الطريق بين الدارين. وقيل: # هو الطريق الذي يعلو أنشاز الأرض. والركح (بالضم): ناحية البيت من ورائه، ~~وربما كان فضاء لا بناء فيه. (1) راجع ج 13 ص 102 وما بعدها. (1) آية 137 سورة الأعراف. (1) البيت ليزيد بن مغرغ الحميري. ورد هذا البيت في الأصول محرفا، والتصويب ~~عن وفيات الأعيان وشرح الكامل. # (2) هو جرير. # (3) الخارجية هي ليلى بنت طريف الشيباني ترثي أخاها الوليد ابن طريف، ~~وكان رأس الخوارج وأشدهم بأسا وصولة. (1) راجع ج 10 ص 220. (1) راجع ج 10 ص 266 وج‍ 11 ص 157 وج‍ 15 ص 344. # (2) آية 4 سورة القصص. (1) آية 110 سورة آل عمران. # (2) آية 17 سورة الأنفال. # (3) صدره: # * رأي الله بالاحسان ما فعلا بكم *. # (4) آية 35 سورة الأنبياء. (1) آية 155 سورة الأعراف. # (2) آية 29 سورة الأنعام. # (3) راجع ج 11 ص 278 (4) آية 99 سورة المؤمنون. (1) البيت لسعدي - وقيل لسلمى - الجهنية ترثي أخاها أسعد. والحضيرة ~~والنقيضة: جماعة القوم، وقيل: # النفر يغزي بهم. وقيل غير هذا. واسمأل الظل: قصر وضمر، ms7273 وذلك عند نصف ~~النهار. # (2) وردت هذه الأسماء محرفة. (1) اضطربت الأصول في هذا الكتاب وفي اسم مؤلفه، ولم نعثر عليه. # (2) الحبرات (بالكسر فقتح جمع حبرة وحبرة): ضرب من برود اليمن منمر. (1) راجع ج 11 ص 276. # (2) آية 3 سورة الممتحنة. # (3) آية 14 سورة الروم. # (4) آية 17 سورة النبأ. (1) آية 48 سورة البقرة. # (2) آية 3 سورة غافر. (1) راجع ج 10 ص 283 وج‍ 15 ص 85 (2) القائل هو أبو النجم، وقيله: # طار عن المهر ينسله * عن مفرع الكتفين حر عطله (1) آية 19 سورة الحج. # (2) آية 87 سورة هود. # (3) راجع ج 9 ص 87 (1) هذا أول معلقة لبيد. وتمامه: * بمنى تأبد غولها فرجامها * (2) راجع ج ~~10 ص 397. # (3) راجع ج 15 ص 5 (4) العيس (بالكسر): بياض يخالطه شئ من شقرة. (1) العيط (جمع عيطاء). الناقة الفتية التي لم تحمل. # (2) الثاقب: المضئ. # (3) في الأصول: * بأعين محورات بيض * والتصويب عن أراجيز العجاج. وقيله: ~~* إذ ترتمي من خلل الخدور * وبعده: * خزر بألباب إلى صور * (4) أبو قرصافة ~~(بكسر أوله) اسمه جندرة بن خيشنة الكناني. (1) في كتاب سيبويه: * من كان أشرك * والقائل هو عنز بن دجاجة المازني. ~~وفالج هذا، هو فالج بن مازن بن مالك. سعى عليه بعض بني مالك وأساء إليه حتى ~~رحل عنهم، ولحق ببني ذكوان بن بهثة فنسب إليهم. وكانت بنو مازن قد ضيقوا ~~على رجل منهم يسمى " ناشرة " حتى انتقل عنهم إلى بني أسد، فدعا هذا الشاعر ~~المازني على بني مازن حيث اضطروه فألجئ إلى الخروج عنهم. واستثنى " ناشرة " ~~منهم، لأنه لم يرض فعلهم، ولأنه قد امتحن محنة " فالج " بهم. واللبون: ذوات ~~اللبن، وتقع للواحد والجماعة. ومعنى " أغدت " صارت فيها الغدة، وهي من ~~أدواء الإبل كالذبحة. والغلواء: النماء والارتفاع. # والمنبت: المنمى والمغذى. ويروى بكسر الباء، ومعناه النابت النامي. (عن ~~شرح الشواهد) (1) آية 22 سورة النساء. # (2) آية 17، 22، 32، 40 سورة القمر. (1) آية 14. # (2) آية 5 سورة التوبة. # (3) راجع ج 1 ص 287 وج‍ 2 ص 131 طبعة ثانية. (1) راجع ج 2 ص 191 وما بعدها. وج‍ 14 ص 58. # (2) البيت لأبي ms7274 دؤاد الأيادي. (1) العانة: الاتان (الحمارة). # (2) ويروي: إلى وارق السلم. وهذا عجز بيت لابن صريم اليشكري. # وصدره كما في كتاب سيبويه والمقاصد النحوية: * ويوما توافينا بوجه مقسم * ~~والمقسم: المحسن. # و " تعطو ": تتناول. و " السلم ": شجر بعينه. وصف امرأة حسنة الوجه ~~فشبهها بظبية مخصبة المرعى. (1) راجع ج 14 ص 57. # (2) راجع ج 1 ص 198 و 238 طبعة ثانية أو ثالثة. # (3) آية 16 سورة إبراهيم. # (4) آية 10 سورة آل عمران. (1) آية 59 سورة البقرة. # (2) آية 16 سورة إبراهيم. (1) آية 245 سورة البقرة. # (2) آية 13 سورة نوح. (1) راجع ج 11 ص 334. # (2) قائله جرير يهجو الفرزدق. وقفيزة (كجينة): أم الفرزدق. (1) راجع ج 16 ص (1) آية 97 سورة هود. # (2) آية 123 سورة النحل. (1) راجع ج 6 ص 66. # (2) آية 50 سورة فصلت. (1) آية 176 سورة الأعراف. # (2) آية 28 سورة الكهف. # (3) آية 29 سورة الروم. # (4) آية 50 سورة القصص. # (5) آية 26 سورة ص. (1) آية 40 سورة النازعات. # (2) في بعض نسخ الأصل: " الهوى " بالواو. # (3) راجع ج 1 ص 191 طبعة ثانية أو ثالثة. # (4) راجع ج 1 ص 186. (1) في كتاب الاشتقاق لابن دريد (ص 75 طبع أوربا): " بنو قيس بن عدي كانوا ~~من رجال قريش يلقبون الغياطل، وكان قيس سيد قريش في دهره غير مدافع ". قال: ~~" والغياطل: جمع غيطلة، وهو الشجر الملتف، واختلاط الظلام ". (1) هذا عجز بيت لعمرو بن معد يكرب. وصدره: * وخيل قد دلفت لها بخيل * ~~يقول: إذا تلاقوا في الحرب جعلوا بدلا من تحية بعضهم لبعض الضرب الوجيع. ~~ودلفت: زحفت. والدليف: # مقاربة الخطو في المشي. (1) راجع ج 11 ص 132. # (2) مثلثة الجيم. # (3) الصم: الصلب. والمنضد: الذي جعل بعضه على بعض. # (4) الكوم: المواضع المشرفة. (1) آية 49 سورة الكهف. # (2) آية 62 سورة المؤمنون. # (3) راجع ج 10 ص 418 وج‍ 12 ص 134. (1) آية 35 سورة القلم. (1) راجع ج 10 ص 162 وج‍ 14 ص 49 وج‍ 15 ص 353 (1) آية 20 سورة السجدة. # (2) راجع ص 156 من هذا الجزء. (1) اضطربت الأصول في كتابة هذه النسبة. (1) البيت للبيد. والرواية فيه: " الطوارق " بدل " الضوارب ms7275 ". والطرق: ~~الضرب بالحصا. والطوارق المنكهنات. # (2) الحازي: الكاهن. (1) راجع ج 6 ص 59 وما بعدها. # (2) راجع ج 7 ص 2 (1) آية 63 سورة القصص. (1) هذا عجز بيت للراعي، وصدره كما في معجم البلدان لياقوت في " حقيل ": # * من ذي الأبارق إذ رعين حقيلا * وذو الأبارق وحقيل: موضع واحد. يقول: كن ~~كظوما من العطش (والكاظم من الإبل الذي أمسك عن الجرة)، فلما ابتل ما في ~~بطونها أفضن بجرة. (1) هذا رواية البيت كما في نسخ الأصل. والذي في شعراء النصرانية: # فلست بمن يخشى حوادث تعتري * رجالا فبادروا بعد بؤس وأسعد (2) آية 2 سورة ~~الفتح. # (3) آية 5 سورة الفتح. # (4) آية 47 سورة الأحزاب. (1) آية 188 سورة الأعراف. (1) آية 33 سورة التوبة. # (2) آية 33 سورة الأنفال. (1) راجع ج 9 ص 335 (1) راجع ج 9 ص 335. # (2) كذا في نسخ الأصل. ويلاحظ أن المؤلف رحمه الله ذكر خمسة أقوال. # (3) زنيرة (بكسر الزاي وتشديد النون المكسورة): رومية، وكانت من السابقات ~~إلى الاسلام، وممن يعذب في الله، وكان أبو جهل يعذبها، وهي من السبعة الذين ~~اشتراهم أبو بكر الصديق وأنقذهم من التعذيب. (1) آية 22 سورة يونس. # (2) آية 39 سورة يونس. (1) راجع ج 15 ص 357. # (2) آية 151 سورة الأنعام، 23 سورة الإسراء. # (3) آية 8 (1) راجع ج 13 ص 328. # (2) آية 216. # (3) راجع ج 3 ص 160 وما بعدها. # (4) آية 189 سورة الأعراف. # (5) راجع ج 14 ص 64 وما بعدها. (1) راجع ج 7 ص 134 وما بعدها. # (2) راجع ج 13 ص 328 وج‍ 14 ص 63 (1) آية 95 سورة الواقعة. # (2) راجع ج 9 ص 356. (1) راجع ج 10 ص 242. # (2) أراد أن البيعة لأولاد الملوك سنة ملوك الروم، وهرقل: اسم ملك الروم. # (3) كل ما انقطع من شئ أو تفرق فهو فضض، أراد أنك قطعة وطائفة منها. (1) راجع ج 7 ص 18 (1) راجع ج 7 ص 198 (1) الغمر (بضم الأول وفتح الثاني): القدح الصغير. # (2) المشربة (بفتح الميم والراء): الموضع الذي يشرب منه الناس. (بضم ~~الراء وفتحها): الغرفة. # (3) بضم الهمزة والهاء، وبفتحهما على غير قياس، جمع إهاب، وهو ms7276 الجلد. # (4) الغريض: الطري. # (5) في نسخة من الأصل: " متقلع " بالقاف. والمتفلع: المشقق. # (6) العناق: الأنثى من ولد المعز، والجمع أعنق وعنوق. # (7) الصلاء (بالكسر): الشواء. (1) في بعض نسخ الأصل: " أجاد ". # (2) القفار (بالفتح): الطعام بلا أدم. (1) هذا الرجز نسبه الطبري في تفسيره إلى العجاج، ولم نعثر عليه في شعر ~~الأعشى ولا في أراجيز العجاج. # والأرطاة: جمعه أرطي، وهو شجر من شجر الرمل. # (2) النقا: الكثيب من الرمل. (1) قال ابن بري: " أي حسمى قد أحاط به القتام كالحزام له ". # (2) في معجم البلدان لياقوت وكتب اللغة أن الإبل المهرية تنسب إلى مهرة ~~بن حيدان أبو قبيلة. # (3) هاج البقل: إذا أخذ في اليبس. (1) الظعينة: الجمل يظعن عليه. والهودج فيه امرأة أم لا. # (2) الأيام الحسوم: الدائمة في البشر. # (3) جمع لهاة، وهي اللحمة المشرفة على الحلق في أقصى سقف الفم. (1) الصبا (بالفتح): ريح الشمال. والدبور: ريح الجنوب. # (2) في نهاية ابن الأثير واللسان مادة (رمد) وتاريخ الطبري: " خذها رمادا ~~رمددا، لا تذر من عاد أحدا " والرمد (بالكسر): المتناهي في الاحتراق ~~والدقة. (1) البيت لفروة بن مسيك المرادي. والطب: الشأن والعادة والشهوة والإرادة. (1) آية 18 سورة يونس. # (2) الضمير الراجع. (1) يمرط: ينزع. (1) في سيرة ابن هشام: " بعيد ". # (2) أي يلقاني بالغلظة والوجه الكريه. (1) أسودة (جمع السواد) والسواد والأسودات والأساود: جماعة الناس. وقيل هم ~~الضروب المتفرقون. # (2) الاستثفار: أن يدخل الانسان إزاره بين فخذيه ملويا ثم يخرجه. # (3) العظم الحائل: المتغير، قد غيره البلى. # (4) تدارأ: اختلف. # (5) الإداوة: إناء صغير من جلد. (1) الزط: جيل أسود من السند. وقيل: إعراب " جت " بالهندية، وهم جيل من أهل ~~الهند. # (2) في كتاب اللغة: " شصار " ككتاب. (1) في بعض الأصول: " الأهيم ". # (2) لم نوفق لتحقيق هذه الأسماء. والأصول والمصادر التي بين أيدينا ~~مضطربة فيها. (1) آذن: أعلم. (1) آية 132 سورة الأنعام. # (2) آية 130 سورة الأنعام. (1) البيت لعبيد بن الأبرص. # (2) السدة: الفناء. # (3) آية 20 سورة المؤمنون. # (4) آية 81 سورة يس. (1) آية 90 سورة الأنعام. (1) آية 131 سورة البقرة. # (2) آية 61 سورة الشعراء. (1) آخر سورة إبراهيم. # (2) آية 106 سورة الأنبياء. # (3) آخر سورة النازعات. # (4) في تفسير الطبري: " تعلموا ما يهلك ms7277 على الله الا هالك ولي الاسلام ~~ظهره، أو منافق صدق بلسانه وخالف بعمله ". (1) آية 13 (1) اللطمية: العنبرة التي لطمت بالمسك فتفتقت به حتى نشبت رائحتها. ~~والدأي: فقر الكاهل والظهر. (1) راجع ج 8 ص 45 وما بعدها. (1) آية 5 سورة التوبة. # (2) آية 57 سورة الأنفال. # (3) آية 36 سورة التوبة. (1) آية 67 سورة الأنفال. # (2) راجع ج 8 ص 45 وما بعدها. (1) هذه رواية البيت في الأصول. وروايته في كتاب " الأعشين ": # ومن نسج داود موضونة * تساق مع الحي عيرا فعيرا والموضونة: الدرع ~~المنسوجة. وفي شعراء النصرانية:... على أثر العيس... # (2) آية 55 سورة ص. (1) راجع ج 4 ص 234. # (2) آية 23 سورة الصافات. (1) زيادة عن صحيح البخاري. # (2) اللطائم (جمع لطيمة): قطعة مسك. (1) راجع ج 12 ص 72. # (2) راجع ج 7 ص 377. # (3) آية 11 سورة السجدة. # (4) آية 40 سورة الروم. # (5) آية 2 سورة الملك. # (6) لعا: كلمة يدعى بها للعاثر معناه الارتفاع. # (7) في اللسان وكتاب الأعشين: " أدنى " بدل " أولى ". وصدره: # * بذات لوث عفرناة إذا عثرت * واللوث (بالفتح): القوة ". عفرناة: قرية. (1) القطيفة: دثار. والخميصة: كساء أسود مربع له أعلام وخطوط. # (2) قوله " شيك " أي أصابته شوكة. و " فلا انتقش " أي فلا خرجت شوكته ~~بالمنقاش. (1) البيت من معلقة لبيد. ويروى " فعدت " بالعين المهملة. أخبر أنها (أي ~~البقرة) خائفة من كلا جانبيها من خلفها وأمامها. والفرج: الواسع من الأرض. ~~والفرج: الثغر المخوف، وهو موضع المخافة. # (2) راجع ص 230 من هذا الجزء. (1) راجع ج 4 ص 228 (1) راجع ج 9 ص 324. # (2) أي في الماضي. # (3) وفيه رواية أخرى: " يغادر القرن ". (1) رنق الماء: كدره. (1) كذا في الأصول. وفي سيرة ابن هشام وابن الأثير طبع أوربا: " اللصيت " ~~بالتاء المثناة من فوق. # وفي تاريخ الطبري (طبع أوربا قسم أول ص 1699: " اللصيب " بالباء الموحدة. # (2) هو الحطيئة. (1) هو لقيط بن زرارة. والنشيل: ما طبخ من اللحم بغير تابل. والرغف جمع ~~رغيف. ويقال: أرغفة ورغفان. # (2) في الأصول: " حنف " والتصويب عن اللسان مادة " قطف ". وقد ورد هذا ~~الشطر في اللسان مادة " نشل ": " للضاربين الهام والخيل قطف ". وقطفت ~~الدابة: أساءت السير وأبطأت. ms7278 # (3) تمامه: * لا حق الأيطل محبوك ممر * (1) النبعة (واحدة النبع): شجرة من أشجار الجبال يتخذ منها القسي. (1) آية 25 سورة الفتح. # (2) الجربة (بالفتح والتشديد): القطيع من حمر الوحش. وقد يقال للأقوياء ~~من الناس إذا كانوا جماعة متساوين: جربة. (1) آية 20 سورة الحديد. # (2) آية 28 سورة الأنفال. # (3) في قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا ~~لكم فاحذروهم " آية 14 سورة التغابن. # (4) آية 41 سورة الأنفال. # (5) يريد مثل جمع الكف، وهو أن يجمع الأصابع ويضمها. # (6) زيادة عن صحيح مسلم. والخيلان: # جمع خال، وهو الشامة في الجسد. والثآليل: وهو ثؤلول، وهي حبيبات تعلو ~~الجسد. (1) راجع ج 3 ص 244 (1) آية 27 سورة البقرة. # (2) آية 93 سورة الأنبياء. # (3) ج 3 ص 244 (4) الأزب (بالفتح والتشديد): الكثير الشعر. (1) آية 10 سورة الحجرات. (1) راجع ج 1 ص 226. # (2) آية 11 سورة لقمان. (1) آية 21 سورة الحشر. # (2) الخفارة (بالضم والكسر): الذمام. (1) آية 9 سورة الفتح. # (2) آية 9 سورة نوح. # (3) راجع ج 8 ص 28 وج‍ 10 ص 99 (1) المغرض: جانب البطن أسفل الأضلاع. و " رئاس السيف ": مقبضه. و " الشاسف ~~": اليابس من الضمر والهزال. # (2) راجع ج 8 ص 196. # (3) آية 105 سورة النساء. # (4) في نسخ الأصل: " يشكونهم ". (1) في اللسان: " لحنت ". (1) راجع ج 2 ص 156 طبعة ثانية. # (2) آية 36 سورة الأنفال. (1) راجع ج 3 ص 48. # (2) المراد به قليب بدر. # (3) هذا عجز بيت لطرفة، وصدره: # * وإذا تلسنني ألسنها * (1) راجع ج 4 ص 230 (2) آية 61 سورة الأنفال. راجع ج 8 ص 39 (3) 69 سورة ~~العنكبوت. (1) راجع ج 6 ص 414. # (2) آية 57 سورة الفرقان. (1) أي ألححت عليه وبالغت في السؤال. # (2) أي ما لبثت وما تعلقت بشئ. (1) آية 9 سورة الأحقاف. # (2) في تفسير الطبري: " البراء ". # (3) في تفسير الطبري: " خمس مائة ". (1) آية 15 من هذه السورة. # (2) آية 20 من هذه السورة. # (3) الايجاف: سرعة السير. # (4) كراع الغميم: موضع بناحية الحجاز بين مكة والمدينة. # (5) أي فتحت بالقتال، قوتل أهلها حتى غلبوا عليها. # (6) راجع ج 8 ص 2 (1) راجع ج 1 ص 308 طبعة ms7279 ثانية أو ثالثة. (1) آية 17 سورة الأنفال. (1) راجع ج 3 ص 248. # (2) راجع ج 4 ص 280 (3) آية 3 سورة المائدة. # (4) آية 20 من هذه السورة. (1) آية 47 سورة الروم. # (2) آية 56 سورة الأحزاب. # (3) آية 43 سورة الأحزاب. (1) يلاحظ أن الذي مضى في سورة النساء هو: سعيد بن المسيب. راجع ج 5 ص 197 ~~وما بعدها. # (2) راجع ج 1 ص 184، 238 طبعة ثانية أو ثالثة. (1) راجع ج 14 ص 198. # (2) البيت لأبي ذؤيب. # (3) آية 80 سورة النساء. (1) راجع ج 8 ص 216 (1) أي هم قليل يشبعهم رأس واحد. # (2) ورد هذا البيت في الأصول محرفا. (1) هذه العبارة الأصل وصحاح الجوهري. وعبارة اللسان: " والعرب قد أماتت ~~المصدر من " يذر " والفعل الماضي، فلا يقال... " الخ. (1) آية 83 سورة التوبة. # (2) آية 144 سورة الأعراف. # (3) راجع ج 8 ص 149 (1) آية 83 سورة التوبة. (1) البيت لامرئ القيس. # (2) راجع ج 8 ص 226 وج‍ 12 ص 312 (1) عسفان (بضم أوله وسكون ثانيه): منهلة من مناهل الطريق بين الحجفة ومكة. ~~وقيل: على مرحلتين من مكة على طريق المدينة. (معجم البلدان). (1) خلات الناقة: حزنت وبركت من غير علة. # (2) الرواء: الكثير. (1) السمرة: شجر الطلح. (1) أمحاه: لغة في أمحوه. # (2) زيادة عن مسلم. # (3) قوله: " أما باسم الله... " أي فنحن ندريه. وأما البسملة التي تذكرها ~~بتمامها فما ندريها. (1) آية 24 من هذه السورة. (1) آية 12 سورة الطلاق. (1) البيت لخالد بن عتبة الهذلي. # (2) التنعيم: موضع بمكة في الحل، وهو بين مكة وسرف. # (3) الغرة (بالكسر): الغفلة، أي يريدون أن يصادفوا منه صلى الله عليه ~~وسلم ومن أصحابه غفلة من التأهب لهم. # (4) رواية مسلم: " فأخذهم سلما فاستحياهم ". وقوله " سلما " قال ابن ~~الأثير: " يروي بكسر السين وفتحها، وهما لغتان في الصلح، وهو المراد في ~~الحديث على ما فسره الحميدي في غريبه. وقال الخطابي: إنه السلم، بفتح السين ~~واللام، يريد الاستسلام والاذعان.... وهذا هو الأشبه بالقضية، فإنهم لم ~~يؤخذوا عن صلح وإنما أخذوا قهرا وأسلموا أنفسهم عجزا... ". (1) الظفر (بالضم): طرف القوس. # (2) راجع ج 12 ص 33 (1) في الأصول: " واقفا ms7280 ". # (2) راجع ج 2 ص 371 طبعة ثانية. (1) راجع ج 2 ص 383 طبعة ثانية. # (2) ج 2 ص 378. (1) راجع ج 5 ص 323. # (2) آية 18 سورة النمل. (1) الكشم: قطع الأنف باستئصال. (1) آية 23 سورة الكهف. # (2) آية 278 سورة البقرة. (1) راجع ج 2 ص 381 طبعة ثانية. (1) أي قطر سقفه. (1) البهمى: نبت تجد الغنم وجدا شديدا ما دام أخضر. (1) المحنية (بالتخفيف): واحدة المحاني، وهي معاطف الأودية. والضال (بتخفيف ~~اللام): شجرة السدر. (1) آية 30 سورة الحج. # (2) آية 82 سورة الإسراء. # (3) الدمنة: آثار الناس وما سودوا بالرماد. لم تكلم: لم تبين، والعرب ~~تقول لكل ما بين من أثر وغيره: تكلم، أي ميز، فصار بمنزلة المتكلم. # (4) البيت لأعشى باهلة. (1) آية 23 سورة الأحزاب. # (2) آية 8 سورة الحشر. # (3) آية 9 سورة الحشر. (1) الصرف: التوبة. وقيل النافلة. والعدل: الفدية. وقيل الفريضة. (1) النطع (بالكسر): بساط من الأديم. # (2) زيادة عن كتاب تاريخ بغداد في ترجمة عمر بن حبيب. (1) انكفأ القوم انكفاء: رجعوا وتبددوا. # (2) افتات الكلام: ابتدعه. وافتات عليه في الامر: حكم عليه. وافتات ~~برأيه: استبد به. (1) في الأصول: " وذلك أن العلماء... " والتصويب عن ابن العربي. # (2) سريع البكاء والحزن. وقيل: هو الرقيق. # (3) قال القسطلاني: " أي مثلهن في إظهار خلاف ما في الباطن، فإن عائشة ~~أظهرت أن سبب إرادتها صرف الإمامة عن الصديق لكونه لا يسمع المأمومين ~~القراءة لبكائه، ومرادها زيادة على ذلك، وهو ألا يتشاءم الناس به. # وهذا مثل زليخا استدعت النسوة وأظهرت الاكرام بالضيافة وغرضها أن ينظرن ~~إلى حسن يوسف ويعذرنها في محبته، فعبر بالجمع في قوله " إنكن " والمراد ~~عائشة فقط. وفي قوله " صواحب " والمراد زليخا كذلك. (1) قوله " عن أبيه " يريد جده لامه أسماء. # (2) راجع ج 4 ص 88. # (3) هذا التفات من الحاضر إلى الغائب، والأصل: كنت أرفع صوتي. # (4) هو ابن أنس، أحد رجال سند الحديث. # (5) الحرة: أرض بظاهر المدينة بها حجارة سود كبيرة، تعرف بحرة واقم، وبها ~~كانت الوقعة في سنة ثلاث وستين من الهجرة أيام يزيد بن معاوية حين أنهب ~~المدينة عسكره من أهل الشام الذين ندبهم لقتال أهل ms7281 المدينة من الصحابة ~~والتابعين، وأمر عليهم مسلم بن عقبة المري. (1) في سيرة ابن هشام: "... أو بأرض الأعاجم " والمرباع: ما يأخذه الرئيس ~~وهو ربع الغنيمة. # (2) هبلتم: فقدتم. والخول: حشم الرجل وأتباعه. # (3) آية 18 سورة لقمان. (1) استن الفرس: قمص وعدا إقبالا وإدبارا. والطول والطيل (بالكسر): الحبل ~~الطويل يشد أحد طرفيه في وتد أو غيره والطرف الآخر، ليدور فيه ويرعى ولا ~~يذهب لوجهه. (1) آية 204 سورة الأعراف. # (2) الجرس (بفتح الجيم وكسرها): الصوت. (1) أبو عروة: كنية العباس. # (2) السرار (بالكسر): المسارة، أي كصاحب السرار، أو كمثل المساررة لخفض ~~صوته، والكاف صفة لمصدر محذوف. (1) الرذايا: جمع رذية، وهي الناقة المهزولة من السير. والكلال: الاعياء. ~~والآطال: جمع إطل، وهو الخاصرة. # (2) في الطبري: " في جناحه ". (1) الشتر (بفتحتين): انقلاب في جفن العين. # (2) آية 28 سورة الكهف. # (3) راجع ج 7 ص 347 (4) وفيه لغة ثالثة: سكون الجيم. (1) في بعض النسخ: " أبو الحسين ". # (2) زيادة عن ابن العربي. (1) زيادة عن ابن العربي. # (2) في ابن العربي: " منهم ". (1) راجع ج 5 ص 137 (2) راجع ج 8 ص 302 (3) راجع ج 1 ص 245 (4) آية 39 سورة ~~الروم. (1) في شرح شواهد الكشاف للمرحوم الأستاذ أبي عليان: " الظاهر أن الشاعر ~~يصف الديار بأنها لم يبق فيها غير وتد الحبال المقلد بالحبل وغير الأثافي ~~المغير لونها بالنار. والوشم والتوشيم تغيير اللون، أي التي احترقت بضوئها ~~أي حرها. و " من صم الرشاد " بيان لها. والصم: جمع صماء، أي صلبة. وقيل: ~~يصف مطايا بأنها مطبوعة على العمل غير محتاجة للزمام، وأنها غيرها أثر ~~السير، قوية بحيث يظهر الشرر من شدة وقع خفافها على الصخر الصلب ". (1) تدارأ القوم: تدافعوا في الخصومة ونحوها واختلفوا. # (2) راجع خبر حربهما في كتاب الكامل لابن الأثير ج 1 ص 494 طبع أوربا. # (3) تجالدوا: تضاربوا. # (4) راجع ج 8 ص 294 (5) آية 2 سورة النور. (1) هو عمار بن ياسر: (راجع خبره في كتب الصحابة). (1) زيادة عن ابن العربي. # (2) الحوطة والحيطة: الاحتياط. # (3) في ابن العربي: " الامن ". (1) الإشاطة: الاهلاك. يقال: أشاط فلان دم فلان إذا عرضه للهلاك. # (2) الدرك (بفتح ms7282 الراء وسكونها): التبعة. # (3) استشرى الرجل في الامر: لج. والأمور: # تفاقمت وعظمت. (1) تذفيف الجريح: الاجهاز عليه وتحرير قتله. (1) 134 سورة البقرة. (1) التحسس (بالحاء): الاستماع لحديث القوم. والتناجش: أن تزيد في ثمن سلعة ~~ولا رغبة لك في شرائها. # وقيل: هو تحريض الغير على الشراء. # (2) آية 64 سورة المائدة. (1) آية 32 سورة الزخرف. راجع ص 83 من هذا الجزء. وج‍ 12 ص 154 وج‍ 15 ص ~~225 (1) عض فلان الشئ: لزمه واستمسك به. # (2) رجل لبق ولبيق: حاذق رفيق بكل عمل. # (3) راجع ج 1 ص 400 طبعة ثانية أو ثالثة. (1) أول سورة نوح. # (2) حكيت فلانا وحاكيته: فعلت مثل فعله. # (3) العرب تجعل القول عبارة عن جميع الأفعال وتطلقه على غير الكلام ~~واللسان، على المجاز والاتساع. (1) راجع ج 8 ص 166. # (2) آية 29 سورة النساء. # (3) آية 61 سورة النور. # (4) القذاة: هو ما يقع في العين والماء والتراب من تراب أو تبن أو وسخ أو ~~غير ذلك. (1) في أدب الدنيا والدين: " لا تلمس من مساوي ". # (2) أبو زيد من رجال سند هذا الحديث. (1) هو صالح بن محمد بن عمرو بن حبيب أبو علي البغدادي الحافظ. روى الخطيب ~~البغدادي بسنده... سمعت صالحا - يعني جزرة - يقول: قدم علينا بعض الشيوخ من ~~الشام، فقرأت أنا عليه: حدثكم جرير بن عثمان قال: # كان لأبي أمامة خرزة يرقى بها المريض، فصحفت " الخرزة " فقلت: كان لأبي ~~أمامة " جزرة " وإنما هي " خرزة ". راجع تاريخ بغداد في المجلد التاسع ص ~~322 في ترجمة صالح هذا. (1) بئر قديمة بالمدينة غزيرة الماء. (1) آية 12 سورة النور. # (2) آية 12 سورة الفتح. (1) راجع هذه القصة في ج 3 ص 108 من هذا الكتاب. (1) الظهر: ما غاب عنك. # (2) البيت للمقنع الكندي، واسمه محمد بن عميرة. (1) الجعد في صفات الرجال يكون مدحا وذما، فالمدح أن يكون معناه شديد الأسر ~~(القوة) والخلق. أو يكون جعد الشعر، وهو ضد السبط. # وأما الذم فهو القصير المتردد الخلق. وقد يطلق على البخيل أيضا، يقال: ~~رجل جعد اليدين. والقطط: القصير الجعد من الشعر. (1) راجع ج 4 ص 268. # (2) آية ms7283 13 سورة النور. # (3) الخبال: الفساد، ويكون في الافعال والأبدان والعقول. و " طينة الخبال ~~": عصارة أهل النار. (1) آية 40 سورة الشورى. # (2) الواجد: القادر على قضاء دينه (1) هو ابن حذيفة بن غانم القرشي. وقوله: " لا يضع عصاه " أي أنه ضراب ~~للنساء. وقيل: هو كناية عن كثرة أسفاره، لان المسافر يحمل عصاه في سفره. # (2) هي أخت الضحاك بن قيس، كانت من المهاجرات الأول، وكانت ذات جمال وعقل ~~وكمال، وكانت عند أبي عمرو بن حفص بن المغيرة فطلقها فخطبها معاوية وأبو ~~جهم، فاستشارت النبي عليه السلام فيهما فأشار عليها بأسامة بن زيد فتزوجته. (1) آية 11 سورة المجادلة. (1) راجع ج 5 ص 1 وما بعدها. (1) آية 20، 21 سورة المرسلات. # (2) آية 8 سورة السجدة. # (3) آية 37 سورة القيامة. # (4) آية 6، 7 سورة الطارق. # (5) راجع ص 50 من هذا الجزء. # (6) آية 12 سورة القمر. (1) قوله: " فكاب على حر الجبين " أي خار على وجهه. و " المدرية ": القرن، ~~وهي المدري والمدراة، والجمع مدار ومداري. و " ذلق " ذلق كل شئ: حده. و " ~~مشعب " مثقب. # (2) تمام الحديث كما في اللسان: " فكانت تؤخذ منه الجزية، فأمر عمر ألا ~~تؤخذ منه ". # (3) هذا القول منسوب إلى ابن جبير. والمأثور عن ابن عباس أن " الشعوب ~~الجماع " والجماع (بضم الجيم وتشديد الميم): مجتمع أصل كل شئ.. أراد: منشأ ~~النسب وأصل المولد. وقيل: أراد به الفرق المختلفة من الناس. # (4) هو طرفة بن العبد. # (5) الجبل: الأمة من الخلق والجماعة من الناس، وفيه لغات كثيرة. راجع ج ~~15 ص 47 من هذا التفسير. (1) القذذ (جمع قذة): ريش السهم. # (2) راجع ص 93 من هذا الجزء. (1) في بعض النسخ: " عمرو ". (1) وتسمى فاطمة. (1) آية 21 سورة الطور. # (2) البيت لعدي بن زيد. # (3) الوسمي: مطر الربيع الأول، سمى به لأنه يسم الأرض بالنبات. (1) راجع ج 1 ص 155 (2) الزيادة من حاشية الجمل عن القرطبي. # (3) راجع ج 19 ص 184 (1) المرخ والعفار: شجرتان فيهما نار ليس في غيرهما من الشجر، ويسوى من ~~أغصانهما الزناد فيقتدح بها. (1) راجع ج 11 ص 205 (1) الحارك الكاهل. والكتد مجمع الكتفين ms7284 من الانسان والفرس. # (2) البيت للداخل الهذلي، ويروى فراغت بدل فجالت والضمير للبقرة. وبه أي ~~بالهم. # (3) هو عبد الله بن عمرو بن العاص كما في مسند أبى داود. (1) البيت في وصف فرسه، وصدره: # * لها ذنب مثل ذيل العروس * (2) راجع ج 9 ص 280. # (3) راجع ج 12 ص 14. # (4) هكذا في الأصول، ولعل صواب العبارة أن تكون كما قال السمين: (والنخل) ~~منصوب على العطف أي وأنبتنا النخل، و (باسقات) حال. (1) في ح، ز، ى: اللبأ وهو وزان عنب، أول اللبن عند الولادة. # (2) راجع ج 1 ص 177 وص 211 (1) عشرق كز برج: شجر ينفرش على الأرض عريض الورق وليس له شوك، وثمرته قشرة ~~إذا هبت الريح فلقت تلك القشرة فتخشخشت فسمعت للوادي الذي تكون به زجلا ~~ولجة تفزع الإبل. # (2) راجع ج 7 ص 177 (3) راجع ج 10 ص 230 (1) في رواية أخرى عن علي رضي الله عنه: (ان الملكين قاعدان على ناجذي ~~العبد... الخ). # (2) هو قيس بن الخطيم. # (3) راجع ج 13 ص 93. # (4) راجع ج 18 ص 191 (5) ألكني إليها: أرسلني إليها، والأصل في ألكني ~~ألئكني فحولت كسرة إلى اللام وحذفت الهمزة. (1) راجع ج 9 ص 178 (1) في ا، ح، ن، ه‍: (واذكراني). # (2) صدر البيت: * لعمرك ما يغنى الثراء ولا الغنى * (1) راجع ج 13 ص 239 و ج 15 ص 279 (1) كذا في جميع الأصول والدر المنثور، والظاهر أن يكون (ذانك). # (2) أنشط الكتاب: حل عقدته. (1) في الأصول: (تدعواني) وما أثبتناه هو ما عليه الرواية في تفسير الطبري ~~والآلوسي والفراء وغيرها. # أكمل ما في الأصول رواية أخرى. # (2) راجع ج 9 ص 184 (3) راجع ج 20 ص 125 (1) راجع ج 7 ص 150. # (2) راجع ج 14 ص 96. # (3) راجع ج 12 ص 16 و ج 15 ص 370. (1) في ن، ه‍: (التعظيم). # (2) راجع ج 13 ص 10. (1) ينزوي بعضها إلى بعض: أي تنقبض على من فيها، وتشتغل بعذابهم، وتكف عن ~~سؤال هل من مزيد. # (هامش مسلم). # (2) الزيادة من ن. (1) راجع ج 14 ص 264 (1) راجع ج 13 ص 114. # (2) راجع ج 8 ms7285 ص 330. (1) راجع ج 15 ص 55 (2) راجع ج 11 ص 176 (3) راجع ج 7 ص 218 (1) في ح، ه‍ ن: (يراد). # (2) راجع ج 11 ص 261. (1) ابتدروا السواري: أي سارعوا إليها، والسواري جمع السارية وهي العمود، ~~أي يقف كل مصل خلف العمود لئلا يقع المرور بين يديه في صلاته منفردا. # (2) تعار: استيقظ. (١) (ولا ينفع ذا الجد منك الجد) أي لا ينفع ذا الغنى منك غناه وانما ينفعه ~~الايمان والطاعة. (النهاية لابن الأثير). (1) راجع ج 15 ص 310. # (2) راجع ج 11 ص 34. # (3) الخارزنجي: نسبة إلى خارزنج قرية بنواحي نيسابور. # (4) راجع ج 20 ص 37. # (5) الزيادة من الصحاح الجوهري. (١) هو صبيغ - كأمير - بن عسل - بكسر العين - كان يعنت الناس بالغوامض ~~والسؤلات من متشابه القرآن فنفاه عمر إلى ~~البصرة بعد ضربه، وكتب إلى وإليها الا يؤويه، ونهى عن مجالسته (التاج). (1) في ل، ن: (الخوارق). # (2) في ز، ل، ن: (النازل). # (3) الزيادة من كتب اللغة. (1) راجع ج 6 ص 404. (1) النجم: كل شئ من النبات ليس له ساق ينبت حول الماء كالا كليل. ريح ~~خريق: شديدة. لضاحى مائه: ماضحا للشمس من الماء أي برز. والبيت في وصف ~~غدير. # (2) راجع ج 19 ص 169 (3) الإطل: الخاصرة كلها. وقيل: غير ذلك. # (4) البيت لأبي دؤاد يصف فرسا. والكتد - بفتح التاء وكسرها -: مجتمع ~~الكتفين من الانسان والفرس. (1) راجع ج 16 ص 205 (1) راجع ج 7 ص 71 (1) في ز، ل، ن: (أبو بكر). # (2) راجع ج 19 ص 32 (1) راجع ج 4 ص 38 (1) راجع ج 18 ص 291 (1) راجع ج 14 ص 17 (2) في الأصل المطبوع: (وما فيها من العقول). # (3) جست اليد تيبست عظامها وقل لحمها. # (4) راجع ج 12 ص 110 (5) راجع ج 2 ص 202 (1) هو معود الحكماء معاوية بن مالك، وسمى معود الحكماء لقوله في هذه ~~القصيدة: # أعود مثلها الحكماء بعدي * إذا ما الحق في الحدثان نابا (2) راجع ج 9 ص 6 ~~(3) الدوخلة (بتشديد اللام وتخفيفها): سفيفة من خوص يوضع فيها التمر ~~والرطب. (1) القشر هنا الثياب. # (2) راجع ج 9 ms7286 ص 6 (3) راجع ج 14 ص 66 (١) الزيادة من اعراب القرآن للنحاس. # (2) راجع ج 19 ص 116 (3) راجع ج 9 ص 62 (4) راجع ج 10 ص 35 (5) راجع ج 11 ~~ص 281 (1) راجع ج 10 ص 34 (2) هو الأعشى. # (3) راجع ج 15 ص 94 (4) راجع ج 9 ص 63 و 68 (5) في ن: (كالمستحي). (1) راجع ج 15 ص 99 (2) في ن: (الناس). (1) ويروى فألحقنا والبيت من معلقته، والهاديات أوائل بقر الوحش، وجواحرها ~~متخلفاتها، ولم تزيل، أي لم تتفرق، يقول: لما لحق هذا الفرس أوائل بقر ~~الوحش بقيت أواخرها لم تتفرق. # (2) هو مدرك بن حصن. وتمامه: * فشن بالسلح فلما شنا * (3) راجع ج 9 ص 69 (1) راجع ج 9 ص 82 وص 79 وص 215 (2) راجع ج 1 ص 193 (1) راجع ج 13 ص 343. # (2) في ح (المشفقون). # (3) راجع ج 9 ص 78. # (4) في رواية: ولا وصلت إلي يد الزمان. # (5) راجع ج 10 ص 321. (1) طهية - كسمية -: حي من تميم نسبوا إلى أمهم، والخشاب: بطون من تميم ~~أيضا. # (2) راجع ج 19 ص 147 (3) راجع ج 5 ص 17 (4) هو جرير يرثي ابنه. (1) من ن. # (2) راجع ج 16 ص 206. # (3) راجع ج 9 ص 60. # (4) في ح، ز، ل، ن: (إذا ألقت). # (5) راجع ج 1 ص 219. (1) راجع ج 3 ص 203 (1) لفظة (لهم) ساقطة من ز. # (2) راجع ج 16 ص 8 (1) راجع ج 7 ص 324 (2) راجع ج 16 ص 348 (3) راجع ج 8 ص 119 (1) راجع ج 16 ص 123 وص 64 (2) راجع ج 14 ص 80 (3) هو طرفة بن العبد، ~~والبيت من معلقته وصدره: # * تبارى عتاقا ناجيات وأتبعت * الوظيف عظم الساق. وقوله أتبعت وظيفا ~~وظيفا أي أتبعت وظيف يدها وظيف رجلها، ويستحب من الناقة أن تجعل رجلها في ~~موضع يدها إذا سارت. والمور: الطريق. (1) راجع ج 3 ص 359 (2) راجع ج 9 ص 61 (3) قائله أبو ذؤيب. # (4) راجع ج 7 ص 237 و ج 9 ص 27 (1) الملاحم: غزوة بدر وأحد والخندق وخيبر. # (2) الزيادة من ms7287 ن. (1) راجع ج 1 ص 436. # (2) راجع ص 224 وص 308 من هذا الجزء. # (3) راجع ج 10 ص 229. # (4) راجع ج 19 ص 232. # (5) لم تعثر على هذا البيت في ديوان المتلمس. (1) (آخر) برفع الراء ونصبها، فالنصب على الظرف والرفع على تقدير ذلك آخر ~~ما عليهم، والرفع أوجه. # (هامش مسلم). # (2) في ح، ز، ل، ن: (إلى السماء السابعة). (1) راجع ج 13 ص 36 (2) راجع ج 11 ص 285 (3) الساسم غير مهموز: شجر يتخذ ~~منه القسي والسهام، والنبع مثله. # (4) راجع ج 19 ص 228 وص 242 (5) ما بين المربعين ساقط من ه‍. (1) في ن (ان عذاب الله بي لواقع الخ). (1) الشكل: ما فيه بياض وحمرة. # (2) البيت من معلقته وتمامه: # تبارى عتاقا ناجيات (أتبعت * وظيفا فوق مور معبد تبارى: تعارض. والعتاق: ~~النوق الكرام. والناجيات: السريعات. والوظيف: عظم الساق. والمعبد: المذلل. # (3) راجع ج 13 ص 242 (4) راجع ج 10 ص 416 (1) راجع ج 8 ص 201 (2) راجع ج 20 ص 211 (3) راجع ج 9 ص 355 (1) هو الحطيئة. # (2) راجع ج 16 ص 139 (3) راجع ج 15 ص 152 (4) راجع ج 16 ص 152 (1) هذا الحديث كان قبل قوله صلى الله وسلم: (سألت ربى فأعطاني أولاد ~~المشركين خدما لأهل الجنة). (1) راجع ج 16 ص 348 (2) راجع ج 19 ص 85 (3) مربج: ينحر لضيفانه الربح وهي ~~الفصلان، ويروى: مرتج وهو الذي كأسه ملاى بالخمر فيسكر ولا يتغير عن أخلاقه ~~الحميدة. والحصور الضيق البخيل مثل الحصير. والسوار هو المعربد الوثاب، ~~ويروى بستأر وهو الذي إذا شرب ترك بقية في قعر الاناء. والدجاج هنا المراد ~~به الديكة يريد وقت السحر، يقال هذا دجاج فيريدون الديوك. وهذه دجاج ~~فيريدون الأنثى. ووقعة الساري - ويروى وقفة الساري - من وقعت الإبل إذا ~~بركت. # والساري هو السائر بالليل. وفى نسخ الأصل كلها: في الكأس نازعني. ~~والتصحيح كما أثبتناه في صدر الكتاب من ديوان الأخطل طيع اليسوعيين. # (4) راجع ج 15 ص 77... ففيها الكلام على الكأس. (1) راجع ج 3 ص 267 (2) راجع ج 16 ص 111 (3) راجع ms7288 ج 15 ص 77 (4) راجع ص 202 ~~من هذا الجزء. # (5) هذه الكلمة ساقطة من ل. (1) الزيادة من ن. # (2) تفسير البر بالمحسن أولى كما في روح المعاني وغيره من التفسير. (1) هو الأعشى. (1) هو من بنى نهشل واسمه علباء بن جوشن. والوقبى. كجمزى ماء لنبي مالك بن ~~مازن مشهور بوقائع عديدة وهو على طريق المدينة من البصرة. # (2) الذي في نسخ الأصل: قال ابن عباس وليس بشئ، وفى سائر كتب التفسير قال ~~الشاعر كما أثبتناه. # (3) يروى: ودهر مفند. وهي الرواية المشهورة. متبل مسقم أو يذهب بالأهل ~~والولد. وخبل ككتف ملتو على أهله لا يرون فيه سررا. (1) هو كعب بن سعد الغنوي. (1) في ل: (قال ابن الكميت). (1) راجع ج 1 ص 147 (2) ويروى: # * ومن هاب أسباب المنايا ينلنه * وهي الرواية المشهورة. (1) راجع ج 11 ص 224 (2) راجع ج 6 ص 435 (3) راجع ج 14 ص 358 (1) راجع ح 13 ص 136 (2) راجع ج 10 ص 33 (3) في ن: (وقال غيره عند النفخة ~~الأولى). (1) الزيادة من ز، ل، ن، ه‍. # (2) راجع ج 11 ص 196. (1) من قوله تعالى: (ان في خلق السماوات والأرض...) آية. 19. (1) راجع ج 7 ص 153 (2) راجع ص 65 من هذا الجزء. (1) في ن: (أشد معاهدة منه على ركعتي الفجر قبل الصبح). # (2) في ل: (هو). # (3) الزيادة: من ز، ل. # (4) راجع ج 7 ص 357 (1) في ز، ل: (وواحد منها) بزيادة كلمة: (منها). (1) في: ا (من يرجع الان). # (2) شج: علا. والبيت في وصف عير وأثنه، أي لما وجد العير أن صنيبعاث قد ~~انقطع ماؤها انتقل عنها إلى عيرها فجعل يعلو بالأتن الأماعز وهي حزون الأرض ~~الكثيرة الحصى. (1) قائله أبو بكر بن عبد الرحمن بن المسور بن محرمة كان متوجها إلى الشام ~~فلما كان بالبلاكث - بالمثلثة - تذكر زوجته وكان شغوفا بها فكر راجعا فقال ~~الأبيات، وبعد البيتين: # قلت لبيك إذ دعاني لك الشوق * وللحاديين حثا المطيا (2) قائله يزيد بن ~~الحكم الثقفي. وقلة كل شئ: أعلاه. والنيق - بكسر النون -: أرفع. وضع في ~~الجبل. # وقيل: الطويل منه. ms7289 # (3) قائله المرقش. # (4) راجع ج 16 ص 55 (1) راجع ج 13 ص 63 وص 228 (2) راجع ج 1 ص 37 (3) النبع: شجر في الجبال ~~تؤخذ منه القسي. والخروع معروف. والمتقصف: المتكسر. (1) السوى: الصحيح الأعضاء. # (2) في ح، س: (من الماء الأسود). # (3) قائله العباس بن مرداس. وفى التاج: وفى أثوابه رجل مزير. بالزاي. ~~ويروى: أسد مزير. والمزير كأمير الشديد القلب القوى النافذ في الأمور. # (4) كذا في الأصول (لارتا) والرتة ردة قبيحة في اللسان من العيب. # والذي في ديوان لقيط بآخر كتاب منتهى الطلب: (لا قحما). والقحم: الشيخ ~~الهرم يعتريه خرق وخرف. والضرع: # اللبن الذليل. (1) راجع ج 19 ص 239 (1) راجع ج 7 ص 219 و ج 1 ص 254 (2) راجع ج 15 ص 374 (3) قائله عمرو بن ~~قنعاس المرادي. والشكة السلاح. وفى اللسان: وتحمل بزتى. والكميت من الخيل ~~ما خلط حمرته سواد غير خالص. (1) البيت في وصف فرس. أراد أنه نزل من مربائه وهو على فرسه راكب. # (2) راجع ص 125 من هذا الجزء (3) اختلف في القائل وصدر البيت: * فأدرك ~~ابقاء العرادة ظلعها * وفى ز: (خزيمة) بالخاء المعجمة، وهو تحريف. وحزيمة ~~(بالمهملة): اسم فارس من فرسان العرب. # والعرادة: اسم فرس من خيل العرب في الجاهلية. (1) راجع ج 15 ص 130 (1) السمت: الطريق ومعناه قطعته على طريق واحد. # (2) قائله القلاخ بن حزن. وتمامه: * صغدية تنزع الأنفاسا * والأساور: جمع ~~أسوار وهو المقدم من أساورة الفرس. والصغد: جيل من العجم ويقال انه اسم ~~بلد. (مادة قوس). # (3) قائله جرير. وصدره: * لا وصل إذ صرفت هند ولو وقفت * (4) يمد ويقصر ~~فالمقصور الوحي كالوغى ومعناه البدار البدار. راجع ج 4 ص 85 و ج 10 ص 133 ~~في معنى الوحي والقول فيه. # (5) ما بين المربعين ساقط من ح، ز، ل، ه‍. (1) راجع ج 7 ص 54. (1) وروى: هجوت. # (2) راجع ج 10 ص 209. (1) ويروى: (جراد من ذهب). والفراش: دويبة ذات جناحين تهافت في ضوء السراج ~~واحدتها فراشة. # (2) المقحمات: الذنوب العظام التي تقحم أصحابها في النار، أي تلقيهم ~~فيها. (1) في ب، ح، ز، ms7290 س، ه‍: (لأنه تأوى إليها). (1) في ب، ح، ز، ل،: (الرابعة) وكذا هو في حاشية الجمل عن القرطبي. # (2) ساقطة من ز، ل، ه‍. (1) بعد هذا نقل الجمل عن القرطبي في تفسيره ما يأتي: وقيل ملائكة تغشاها ~~كأنهم طيور يرتقون إليها متشوقين متبركين زائرين كما يزور الناس الكعبة، ~~وروى في حديث المعراج عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # (ذهب بي جبر يل إلى سدرة المنتهى وأو راقها كأذان الفيلة وإذا ثمرها ~~كقلان هجر) قال: (فلما غشيها من أمر الله ما غشيها تغيرت فما أحد من خلق ~~الله تعالى قدر أن ينعتها من حسنها فأوحى إلى ما أوحى ففرض على خمسين صلاة ~~في كل يوم وليلة) وقيل: يغشاها أنوار الله تعالى لان النبي صلى الله عليه ~~وسلم لما وصل إليها تجلى ربه لها كما تجلى للجبل فظهرت الأنوار لكن السدرة ~~كانت أقوى من الجبل وأثبت فجعل دكا ولم تتحرك الشجرة، وخر موسى صعقا ولم ~~يتزلزل محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: أبهمه تعظيما له. والغشيان يكون ~~بمعنى التغطية. # (2) راجع ج 18 ص 256 (1) في ب، ز، ح، س، ل، وه‍: (أدب للنبي). # (2) في ب، ح، س: (وارتفعت). # (3) راجع ج 10 ص 204 (1) راجع ج 11 ص 187 (2) في ب، ح، ز، س، ل، ه‍: (وقيل). # (3) اتفقت نسخ الأصل على القول بأن مناة لبني هلال ولم نره لغير المؤلف. # (4) الزيادة من كتاب الأصنام لابن الكلبي. # (5) في كتاب الأصنام (فيه) بدل (منها). (1) دبية بالدال المهملة بن حرمس ويروى ابن حرمي ثم السلمى. # (2) في ب، ز، ه‍ ول: (بيت). # (3) في ب، ح، ز، س، ل، ه‍: (اسم الله). # (4) يسلى: يجمع. الاقط لبن مجفف يابس مستحجر يطبخ به. والرسل اللبن. # (5) الحيس: الطعام المتخذ من التمر والا قط والسمن. # (6) هو شداد بن عارض الجشمي قاله في أبيات حين هدمت اللات وحرقت، ينهى ~~ثقيفا عن العود إليها، والغضب لها (1) الذي ذكره النحاس في اعراب قوله تعالى: (ولات حين مناص) أن الفراء قال ~~عن الكسائي: ms7291 أحسبه أنه سأل أبا السمال كيف يقرأ فيقف على (ولات) فوقف عليها ~~بالها. وعبارة الفراء في هذه السورة من تفسيره: وكان الكسائي يقف عليها ~~بالهاء وأنا أقف على التاء. ا ه‍. ولم يذكر أبا فقعس. (1) الزيادة من الصحاح واللسان. # (2) زيادة يقتضيها السياق. # (3) من ب، ح، ز، س، ل ه‍. # (4) في الأصل (وان تغب) والتصويب عن اللسان. وروى فحظك بدل فقسمك. # (5) قائله امرؤ القيس. (1) راجع ج 18 ص 276. (1) راجع ج 5 ص 158 (2) في ب: (سلمه الله). # (3) راجع ج 9 ص 111، ففيه بيان الاجمال في هذا الحديث برواية أخرى. (1) من ب، ى. # (2) روى هذا الحديث الترمذي بهذا الاسناد وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب. # (3) هو أمية بن الصلت قاله عند احتضار. # (4) راجع ج 4 ص 209 وص 215. (1) في ا: (وأبوه) وما أثبتناه يوافق ما في تفسير أبى حيان والطبري). # (2) راجع ج 5 ص 116 (3) راجع ج 3 ص 329 (1) راجع ج 12 ص 227. # (2) هو ابن مقبل. والواو في (وذلك) زائدة كقول أبى كبير الهذلي: # فإذا وذلك ليس الا حينه * وإذا مضى شئ كأن لم يفعل (1) كذا في ا، ز. وفى ح، ه‍، س (فهل كان أحد). وفى ب: (فهل كان قبله أحد). # (2) راجع ج 6 ص 388. # (3) وصدره: * ذراعي حرة أدماء بكر * وهي رواية أبى عبيدة. # أي لم تضم في رحمها ولدا قط. (1) راجع ج 5 ص 246 (2) من ب ول. # (3) في ب وس وه‍: (مللهم). # (4) الزيادة من أسباب النزول للواحدي. (1) في ب، ح، ز، س، ه‍: (إذا محلت). # (2) في النسخ السابقة: (وكدت يده). (1) راجع ج 20 ص 13. # (2) في ل: (بجريمة). # (3) راجع ج 2 ص 98 وص 134 (4) في ز، ل: (فوجد وافيا). # (5) راجع ج 14 ص 14. (1) راجع ج 7 ص 157 وص 215. # (2) راجع ص 66 من هذا الجزء. # (3) راجع ج 5 ص 74. # (4) راجع ج 3 ص 428. # (5) راجع ج 4 ص 151. # (6) هكذا في الأصول ولم نعثر على هذا المعنى في السورة المذكورة. # (7) في ب، ح، ز، س، ل وه‍: (فليس يجب). (1) راجع ms7292 ج 7 ص 348. # (2) من أفكر لغة في فكر بالتضعيف. # (3) راجع ج 13 ص 175. # (4) راجع ج 8 ص 217. (1) راجع ج 18 ص 206 (2) راجع ج 7 ص 78 و ج 6 ص 418 (1) قائله أبو قلابة الهذلي. وصدره: * ولا تقولن لشئ سوف أفعله * وقيل هو ~~لسويد بن عامر المصطلقي. # وقبله: # لا تأمن الموت في حل وفى حرم * ان المنايا توافي كل انسان واسلك طريقك ~~فيها غير محتشم * حتى الخ............... # (2) راجع ج 14 ص 307 (3) راجع ج 3 ص 237 (1) في ب، ح س وه‍: (من نسل عاد). # (2) راجع ج 7 ص 238. (1) راجع ج 10 ص 542 (1) راجع ج 18 ص 284. (1) قائله رزبة بن العجاج يصف إبلا. (١) هذه الأخبار من المفتريات على المعصوم سيد الخلق عليه الصلاة والسلام، ~~ولا يمكن أن ينطق بما هو نقيض القرآن، ولا ~~يمكن أن ينطق على لسانه الشيطان. وكل ما كان من هذا المعنى فهو باطل وضعته ~~الملاحدة للدخول به إلى الطعن في سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أوفى الوحي ~~أو في القران وهو الذي لا ينطق عن الهوى. راجع ما كتبه المصنف عن هذا ~~الحديث في ج 12 ص 80. # (2) راجع ج 7 ص 357. (1) راجع ص 122 من هذا الجزء. (1) في تفسير الجمل نقلا عن القرطبي: (زوال الظلمة). (1) راجع ص 89 من هذا الجزء. # (2) راجع هامش ص 86 من هذا الجزء في شرح البيت. # (3) البيت لأمري القيس وصدره: * الا انما الدنيا ليال وأعصر * (1) راجع ج 8 ص 386 (2) راجع ج 19 ص 194 (3) راجع ج 15 ص 45. # (4) راجع ج 18 ص 248 (5) هو الحرث بن دوس الأيادي، ويروى لأبي دؤاد ~~الأيادي. (١) الزيادة من اعراب القرآن للسمين. # (٢) راجع ج ٢٠ ص ١٦٥. # (٣) الزيادة من مفصل اعراب القرآن وغيره. # (4) في اللسان: (أهلها). # (5) قائله تبع. (1) راح: أي عاد في الرواح، كأن المطر كان في أول النهار ثم عاد في آخره. ~~وتمريه: تستدره، وأصله من مري الضرع وهو مسحه ليدر. والشؤبوب: الدفعة من ~~المطر. وخص الصبا لأنهم يمطرون ms7293 بها. # (2) الزيادة من ط. # (3) الكلكل: الصدر. (1) راجع ج 9 ص 30. # (2) عوج بن عنق هو المشهور والذي صوبه صاحب القاموس هو ابن عوق لاعنق. (1) الزيادة من حاشية الجمل عن القرطبي. # (2) راجع ج 8 ص 117. # (3) في ط، ل: المسلمين، وما أثبتناه في ا وب و ج وه‍. # (4) في ى: (للاستغراق). (1) راجع ج 15 ص 347. # (2) راجع ج 2 ص 313. (1) في ى: (المصلحين). # (2) زيادة من ى. # (3) جعفه: صرعه وضرب به الأرض. (1) راجع ج 11 ص 321. # (2) راجع ج 8 ص 325. # (3) راجع ج 18 ص 261. # (4) من ب، ى. # (5) هذه رواية أخرى عن أبي السمال كما في (روح المعاني) وغيره وفى ب، ز، ~~ول (أبو السماك) بالكاف وليس بصحيح. (1) زيادة من ب، ه‍. # (2) هو طرفة. # (3) في ا، ز، ل: السعير. # (4) الفغم: المولع بالصيد الحريص عليه. داجن: ألوف للصيد. وفكر أي منكر ~~عالم. وقيل نكر أي كريه الصورة. # (5) الألص الذي التصقت أسنانه بعضها إلى بعض. (1) هي مية بنت ضرار الضبي ترثي أخاها. وأزهف الطعن أبطالها أي صرعها. وقبل ~~البيت: # تراه على الخيل ذا قدمة * إذا سربل الدم أكفالها (1) راجع ج 4 ص 170. # (2) راجع ج 11 ص 144. # (3) في الأصول جرداء والذي في قصص الأنبياء للثعلبي وغيره من كتب التفسير ~~(وبراء) فلذا أثبتناه. # (4) راجع ج 13 ص 127. (1) راجع ج 7 ص 241. # (2) الذي في شعراء النصرانية: (أو بعده). # (3) القدار: الجزار. والنقيعة: ما ينحر للضياقة. والقدام: القادمون من ~~سفر جمع قادم. وقيل: القدام الملك. ويروى: * انا لنضرب بالصوارم هامهم * (1) تنتج لكم يعنى الحرب. (غلمان أشأم) في معنى غلمان شؤم أو كلهم في الشؤم ~~كأحمر عاد. (ثم ترضع فتفطم) يريد أنه يتم أمر الحرب، كالمرأة إذا أرضعت ثم ~~فطمت فقد تممت. # (2) راجع ج 9 ص 61. (1) راجع ج 1 ص 429. # (2) راجع ج 9 ص 263. (1) راجع ج 9 ص 73. # (2) زيادة من ى. (1) في الأصول: (نجيلها) وهو تحريف والتصويب من سيرة ابن هشام. (1) راجع ج 8 ص 163. (1) في ب، ح، س، ه‍: (قبل أن يفعلوه ليجازوا ومكتوب إذا فعلوه). # (2) هو قيس بن الخطيم يصف طعنة. وملكت ms7294 أي شددت وقويت. (1) في ز. (1) راجع ج 20 ص 120. # (2) راجع ج 9 ص 279. # (3) راجع ج 10 ص 408. # (4) هو نهيك الفزاري يخاطب عامر بن الطفيل، والبيت بتمامه: # لتقيت بالوجعاء طعنة مرهف * مران أو لئويت غير محسب الوجعاء الاست. يقول: ~~لو طعنتك لوليتني دبرك واتقيت طعنتي بوجعائك، ولئويت هالكا غير مكرم. (1) في ب، ح، س، ه‍: (وسجودهما سجود..). # (2) راجع ج 10 ص 111. # (3) قائله الراعي. # (4) راجع ج 7 ص 166. (1) راجع ج 6 ص 29. # (2) راجع ج 15 ص 151. # (3) الزيادة من ب، ح، س، ه‍. # (4) في حاشية الجمل نقلا عن القرطبي (أبو عبيدة) بدل ابن عيينة. # (5) راجع ج 9 ص 85. (1) الزيادة من الصحاح للجوهري. # (2) راجع ج 20 ص. (1) قائله العجاج. وصدر البيت: * قد يكسب المال الهدان الجافي * والهدان ~~الأحمق. (1) رواية الترمذي المتقدمة تخالف هذه الرواية في اللفظ وهذه رواية الحاكم. # (2) راجع ج 15 ص 195. # (3) راجع ص 16 من هذا الجزء. # (4) البيت مطلع معلقة امرى القيس وتمامه: # قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل * بسقط اللوى بين الدخول فحومل (5) البيت ~~مطلع قصيدة لأمري القيس أيضا والبيت بتمامه: # خليلي مرا بي على أم جندب * نقض لبانات الفؤاد المعذب (1) راجع ج 7 ص 237. # (2) راجع ص 121 من هذا الجزء. (1) الصرورة: الذي لم يحج قط. # (2) راجع ج 10 ص 21. (1) راجع ج 15 ص 63 وص 68. # (2) راجع ج 4 ص 102. # (3) راجع ج 20 ص 4. # (4) راجع ج 18 ص 270. (1) راجع ج 13 ص 58. # (2) في ب، ح، ز، س، ل، ه‍: (اليبس). (1) راجع ج 19 ص 242 (2) ما بين المربعين ساقط من ز، ل. # (3) راجع ج 7 ص 85 (4) راجع ج 18 ص 304 (5) راجع ج 16 ص 82 (1) قائله جرير، وتمام البيت: # * حتى تناهين بنا إلى الحكم * وبعده: خليفة الحجاج غير المتهم * في ضئضئ ~~المجد وبؤبؤ الكرم (2) راجع ج 16 ص 23 (1) راجع ج 13 ص 322. # (2) راجع ج 2 ص 83. (1) الزيادة من ب، ح ز، س، ل، ه‍. # (2) في ب، ح، ز، س، ل، ه‍: (أقواما). (1) راجع ج 15 ص 330 (2) راجع ms7295 ج 6 ص 143 (3) راجع ج 17 ص (1) أي جرير. # (2) الجباجب: منازل منى (3) الإزب: ضبطه الحلبي في سيرته بكسر الهمزة ~~واسكان الزاي، وهو هنا اسم شيطان. (١) راجع ج ٢٠ ص ١٤٧. # (٢) راجع ج ١٣ ص ٢١٤. # (٣) راجع ج ١٢ ص ٢٥ وص ٢٣٨ و ج ١٦ ص ٩٧ (٤) أي في غير القرآن. (1) في ب، ز، ح، س، د: (في جوف ذلك الصف). # (2) في ب: (إلى سلطاني). # (3) راجع ج 9 ص 267. # (4) هو كثير عزة. (1) وفى التاج بدل هذا البيت: # مجللة تعممه شنارا * مضرمة تأجج كالشواظ والفسل من الرجال: الرذل الذي لا ~~مروءة له ولا جلد. والمفسول مثله. (1) زيادة يقتضيها السياق. # (2) النجار - بكسر النون وضمها - الأصل والحسب. # (3) الذي في الأصول: (بالضم فيهن) وما أثبتناه هو ما عليه كتب التفسير أي ~~بضمتين وكسر السين. # (4) راجع ج 10 ص 91. # (5) راجع ج 4 ص 233. (1) راجع ج 13 ص 316 (2) راجع ج 10 ص 59 (3) أي فل: معناه يا فلان وليس ~~ترخيما له، وانما هي صيغة ارتجلت في النداء، ولا تقال الا بسكون اللام. # وقال قوم: انه ترخيم فلان. # (4) راجع ج 15 ص 48 وص 350 (1) راجع ج 11 ص 244. # (2) راجع ج 4 ص 166. # (3) نجيع الجوف: يعنى الدم الخالص. وقبل البيت: # فان يقدر عليك أبو قبيس * تمط بك المعيشة في هوان (1) في ب، ح، ز، س، ل، ه‍: (من بكائك). # (2) راجع ج 9 ص 322. # (3) راجع ج 7 ص 202. (1) راجع ج 18 ص 299 (2) في ز، ل: (نور على نور). (١) قبل هذا البيت: # أسائلها وقد سفحت دموعي * كأن مفيضهن غروب شن (٢) الزيادة من النهاية لابن الأثير. (1) راجع ج 14 ص 103 (1) هو عمرو بن عدي اللخمي ابن أخت جذيمة الأبرش، وهو مثل يضرب للرجل يؤثر ~~صاحبه بخيار ما عنده. # (2) راجع ج 15 ص 80 (1) في ب: (دفعن). # (2) راجع ج 13 ص 211 (3) راجع ج 10 ص 289 (1) الزيادة من صحيح الترمذي. # (2) كذا في الأصول، والعهود أن المرجان أحمر. # (3) راجع ج 19 ص 306 (4) راجع ج 7 ص ms7296 209 (5) راجع ج 6 ص 292 (6) راجع ج ~~10 ص 103 (1) وجاءوا به: يعنى قتادة بن مسلمة الحنفي. # (2) في ب. (النعيم). (1) راجع ج 3 ص 208 (2) راجع ج 2 ص 36 (3) في حاشية الجمل نقلا عن القرطبي: ~~والرمان كالشراب الخ. # (4) العجم - بالتحريك -: النوى (١) هو الخمار وقيل المعجر النهاية. (1) هو عبد الرحمن بن زياد بن أنعم (بفتح أوله وسكون النون وضم المهملة). # (2) راجع ج 15 ص 80 (3) في ب: (حتى إذا أحل ولى الله بالخيمة). (1) البحاتر: جمع بحترة بضم الباء القصيرة المجتمعة الخلق. # (2) في نسخ الأصل بنت عبيد والتصحيح من التهذيب. # (3) مصاحبتهم في الزوجية والعشرة (1) في الأصول كلها: إذا ضجرن الخ والضجر لا يجوز في الجنة ولذا أثبثنا بدل ~~ضجرن قصرن. # (2) المحابس: جمع محبس كمقعد ثوب يطرح على ظهر الفراش النوم عليه. وفى ل: ~~المجالس وكلا المعنيين صحيح كما في اللغة. (1) زيادة من كتب اللغة. (1) صدر البيت: * ومن فاد من إخوانهم وبنيهم * (1) راجع ج 13 ص 1 (2) راجع ص 165 من هذا الجزء. # (3) في ب: (والشياطين). (1) راجع ج 10 ص 65 (2) راجع ص 125 من هذا الجزء. # (3) راجع ج 20 ص 33 (4) في ب: (ليس لها كذب). # (5) في ب: (الحسن). (1) راجع ج 14 ص 302 (1) راجع ج 11 ص 245 (2) أي يسوقون عيالهم. # (3) بياض بالأصول في موضع الشاهد من قول الأغلب العجلي الراجز ولم نعثر ~~عليه. # (4) الرهج بالفتح وبالاسكان الغبار. # (5) راجع 13 ص 22 (6) راجع ج 2 ص 196 (١) حديث أم زرع رواه مسلم في فضائل ~~الصحابة عن عائشة رضي الله عنها أنه: جلس إحدى عشرة امرأة فتعاهدن ~~وتعاقدن ألا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئا، فقالت إحداهن: زوجي مالك وما ~~مالك! مالك خير من ذلك...... الخ. الحديث. # (2) في ب، ز، ح، س، ل، ه‍: (يؤتون كتابهم). # (3) راجع ج 8 ص 235 (4) راجع ج 4 ص 203 (5) راجع ج 12 ص 133 (1) ما بين المربعين ساقط من ح، ز، س، ل، ه‍. # (2) راجع ج 14 آية 32 (2) راجع ص 65 ms7297 من هذا الجزء. # (3) مرمولة: منسوجة. (1) الضمير يعود على الناقة، أراد أنها قد هزلت ودقت للسير عليها. # (2) الأقاوز جمع قوز وهو كثيب من الرمل صغير، شبه به أرداف النساء، ~~فالإضافة البيان. (1) راجع ج 16 ص 112 (2) راجع ج 15 ص 77 (3) راجع ج 14 ص 42 (4) هو الحطيئة ~~وقد تقدم البيت في ج 15 ص 79 (1) في نسخ الأصل: أكلتها أنعم منها. وما أثبتناه هو في صحيح الترمذي. (1) راجع ص 65 من هذا الجزء و ج 16 ص 152 (1) شقائق النعمان: نبات أحمر الزهر. الواحدة شقيقة النعمان. (1) الذي في اللسان: و ج موضع بالبادية. وقيل: بلد بالطائف، وقيل هي ~~الطائف. (1) راجع ص 94 وص 5 من هذا الجزء. # (2) كذا في الأصول (الحداة) بالحاء المهملة والذي في تفسير الطبري ~~(الجداة) بالجيم. # (3) الاحبال جمع حبلة بالضم: ثمر السلم والبال والسمر أو ثمر العضاه ~~عامة. # (4) زيادة يقتضيها السياق. # (5) راجع ج 13 ص 127 (1) زيادة من ب. # (2) راجع ج 13 ص 37. (1) زيادة من ب. # (2) راجع ج 19 ص 137. # (3) راجع ج 2 ص 316. (1) زيادة من ب. # (2) في الديوان: (وفى الحروج) جمع الحرج، وهو الهودج. # (3) الشكلة (بفتح الشين وكسر الكاف): ذات الدل. # (4) أي مطاوعة لزوجها محبة له. (1) راجع ج 16 ص 237. # (2) راجع ج 15 ص 243. # (3) راجع ج 10 ص 15. (1) راجع ج 15 ص 85. (1) شعث: رجال ساءت حالهم من الجهد والسفر. وأطلاح: إبل مهازيل والواحد ~~طليح. والعيدي: إبل منسوبة إلى فحل، ويقال منسوبة إلى قوم يقال لهم العيد. # (2) أي خففت وكسرت الهاء لأجل الياء. # (3) راجع ج 8 ص 128 (4) راجع ج 4 ص 321 (1) في ب: (سعيد بن المسيب). # (2) راجع ج 13 ص 337 (1) زيادة يقتضيها السياق. # (2) الزيادة: من ب، ز، ح، س، ل، ه‍. # (3) راجع ج 9 ص 194 (1) راجع ج 10 ص 409 (2) تكتم: اسم من يشبب بها. # (3) قائله بشر بن أبي خازم. النسار موضع وقيل: هو ماء لبني عامر. ~~والجفار: موضع وقيل: هو ماء لبني تميم. ويوم النسار ويوم الجفار: يومان من ~~أيام العرب مشهوران. ms7298 (1) المحض: اللبن الخالص: والماء الشبم: البارد. # (2) نصاب كل شئ: أصله. ورجل كهام وكهيم: ثقيل، لا غناء عنده. (1) البيت لأوس بن حجر. وتقمع: تحرك رؤوسها لتطرد القمعة وهي ذباب أزرق ~~يدخل في أنوف الدواب. # (2) في ل: (زعاقا) ومعنا هما واحد، وهو الماء الشديد المرارة والملوحة. (1) هو حاتم طي. # (2) زيادة من ب. (1) قائله امرؤ القيس، وتمامة: # * وهل ينهمن من كان في العصر الخالي * (1) راجع ج 19 ص 213 (1) راجع ج 11 ص 163 (2) راجع ج 3 ص 91 (1) في ب، ح، ز، س، ه‍: (لان حال تعلمه حال الصغر). # (2) راجع ج 18 ص 230 (1) الفهة: العي. والهاع هنا: سوء الحرص مع ضعف. # (2) راجع ج 7 ص 400 (1) على اثر سماء: أي بعد مطر. وفى (اثر) لغتان: كسر الهمزة وسكون الثاء ~~وفتحهما. # (2) في ب: (صراحا). # (3) زيادة يقتضيها السياق. (1) راجع ج 14 ص 321 (1) راجع ج 4 ص 246 (2) راجع ج 16 ص 170 (3) راجع ج 15 ص 82 (4) ويروى ~~سوست، يخاطب أمه. # (5) راجع ج 1 ص 143. (1) راجع ج 1 ص 327 (1) راجع ص 157 من هذا الجزء. # (2) راجع ج 10 ص 101 (1) راجع ج 15 ص 87 (2) راجع ج 9 ص 275 (1) راجع ج 10 ص 266 (2) راجع ج 11 ص 307 (1) راجع ج 10 ص 266 فما بعد. (1) راجع ج 7 ص 218. # (2) راجع ج 4 ص 56. (1) السابق: الأول. والمصلى: الثاني. (١) هو لابن عبد الصمد السرقسطي كما في (أحكام القرآن) لابن العربي. (1) راجع ج 3 ص 237 (2) قائله لبيد، ومعنى البيت: إذا أسدى إليك معروف ~~فكافى عليه. # (3) كل نسخ الأصل بلفظ أبى حيان والظاهر أن صوابه: ابن حيان. # (4) راجع ج 3 ص 325 (1) راجع ج 3 ص 332 وص 311 (2) راجع ج 4 ص 132 (1) راجع ج 5 ص 421. (1) راجع ج 7 ص 211 (1) في ب، ز، س، ل، ه‍: (عبد الله بن عياش). (1) راجع ص 18 من هذا الجزء. (1) راجع ج 9 ص 118. # (2) راجع ج 15 ص 248. (1) الزيادة من تفسير الطبري. ms7299 # (2) في بعض التفاسير: مقاتل بن سليمان وهو المفسر. (1) هكذا في الأصول ولم نقف عليها بعد البحث. (1) راجع ج 5 ص 271. وص 197. # (2) (أنعما) أي زادا وفضلا. وقيل معناه: صارا إلى النعيم ودخلا فيه. (1) راجع ج 6 ص 414 (2) الدهقان - بكسر الدال وضمها -: التاجر، فارسي معرب. # (3) مأخوذ من الكفر - بفتح الكاف - وهو التغطية. # (4) راجع ج 8 ص 327 (5) راجع ج 10 ص 412 (1) راجع ج 4 ص 204 (1) راجع ج 4 ص 206 (2) راجع ج 7 ص 209 (1) راجع ج 14 ص 69. (1) يريد ما يأكلونه من الناس باسم الدين من الأموال. # (2) راجع ج 4 ص 293 (1) راجع ص 154 من هذا الجزء. (1) راجع ج 15 ص 235 (1) راجع ج 4 ص 5 (1) راجع ج 8 ص 122 (1) راجع ج 10 ص 360 (1) راجع ج 13 ص 297 (2) راجع ج 4 ص 295 (1) راجع ج 14 ص 187 (2) راجع ج 7 ص 150 و ج 13 ص 244 (1) راجع ج 11 ص 236. # (2) روى قطرب عن الحسن أيضا كما في السمين وغيره، فتكون للحسن قراءتان ~~فتح اللام وكسرها مع اسكان الياء فيهما. (1) ما بين المربعين ساقط من ح، س، ط، ه‍. (1) عروة هو راوي حديث عائشة المتقدم. # (2) اللم: طرف من الجنون يلم بالانسان أي يعثر به. (1) الزيادة من ح، ز، ل، ه‍. # (2) الزيادة من الاحكام لابن العربي. (1) نسخ الأصل على (يظهرون) وهي قراءة نافع التي يقرأ بها المؤلف فيما ~~يأتي. # (2) راجع ج 14 ص 118 ولم يذكر هناك شيئا بل أحال الكلام على هذه السورة. (1) راجع ج 8 ص 210. # (2) راجع ج 18 ص 157. # (3) الزيادة من ابن العربي. # (4) لفظ (أمي) ساقط من ح، ز، س، ه‍. (1) في ح، ز، س، ل: (أحوجته) بالواو بدل الراء. # (2) راجع ج 5 ص 203 (1) يريد بالبتة منا الطلاق الثلاث كما يفهم من العبارة بعد وكما في ابن ~~العربي حيث قال: إذا طلقها ثلاثا بعد الظهار ثم عادت إليه بنكاح جديد لم ~~يطأ حتى يكفر. (1) ليس في الأحزاب كلام على ms7300 اللائي ويبدو أن سقطا وقع في نسخ الأصل التي ~~بأيدينا. (١) الزيادة من أحكام القرآن لابن العربي. (1) راجع ج 7 ص 208 (2) راجع ج 15 ص 83 (3) راجع ج 20 ص 149 (4) راجع ج 9 ص ~~29 (5) في ح، ز، س، ط، ل: (شعبة رق) والمعنى واحد. (1) لم يتقدم العود في حديث أوس، وانما هو في مظاهر آخر وهو القائل: رأيت ~~خلخالها في ضوء القمر. (1) لفظة (فأفطر) ساقطة من ز، ل. # (2) ما بين المربعين ساقط من ح، ز، س، ه‍، ل. (1) راجع ج 6 ص 265 (2) ما بين المربعين ساقط من أو الأصل المطبوع. (1) في ل: (يدعوا) بدل (يلغوا). (1) في ح، ز، س، ه‍: (لقلبه). # (2) في ح، ز، س، ل، ه‍: (والله الموفق لا رب غيره). (1) راجع ج 18 ص 6 (1) مذحج - كمسجد -: أبو قبيلة باليمن. # (2) راجع ج 10 ص 272 (1) راجع ج 3 ص 266 فما بعد. (1) في ل: (خوفا منه). (1) راجع ج 10 ص 235 (1) في ح، ز، ه‍: (أو إذا رأوا اجماعهم). (1) في ح، ز، س، ل، ه‍: (الغوث). # (2) الأصول على قراءة نافع (في المجلس) بالافراد. # (3) في ل: (الأول فالأول). # (4) راجع ج 4 ص 184 (1) الزيادة من ل، وأسباب النزول وبعض التفاسير وفى ز: (قم أنت يا فلان ~~وأنت يا فلان). # (2) زيادة من ل. # (3) الزيادة من حاشية الجمل نقلا عن القرطبي. (1) في ز، س، ه‍، ل بياض في هذه النسخ، بعد قوله: (من المسجد) نبه عليه ~~الناسخ بالهامش بقوله: # بياض بالأصل. (1) راجع ج 7 ص 272 وص 273. # (2) والمعنى يرفع الذين أوتوا العلم من المؤمنين. (1) في ح، ز، س، ل، ه‍: (فيرفع المرء). # (2) راجع ج 20 ص 229. # (3) راجع ج 7 ص 357. # (4) راجع ج 1 ص 6. # (5) راجع ج 14 ص 343. # (6) من س وط. (1) زيادة من ح، ز، س، ل، ه‍. # (2) كلمة: (فبي) ساقطة من ل. (1) راجع ج 18 ص 123. (1) في ح، ز، س، ه‍، ل: (فنزلت الآية قوله تعالى). # (2) راجع ج 6 ص 401 (1) في ح، ز، س، ل، ms7301 ه‍: (فان الرسول غالب). # (2) راجع ج 15 ص 139 (1) راجع ج 8 ص 194 (2) زيادة لازمة، فقد كان عبد الله بن عبد الله بن أبي ~~ابن سلول رضي الله عنه من فضلاء الصحابة وخيارهم وكان أبو عبد الله رأس ~~المنافقين وفيه نزلت الآية. (1) راجع ج 4 ص 97 (2) راجع ج 7 ص 296 (3) راجع ج 11 ص 224 (1) في أ، ح: " من قرأ سورة الحشر... ". وفى ه‍: " من قرأ آخر الحشر... ". # (2) كلمة " به " ساقطة من ه‍. # (3) راجع ج 17 ص 235. (1) السبط: ولد الولد. والسبط من اليهود: كالقبيلة من العرب. # (2) ما بين المربعين ساقط من ه‍. (1) ما بين المربعين ساقط من ه‍. (1) في ه‍: " أحزنته وحزنته ". # (2) في ح، ه‍: " الذي بعث الله في التوراة ". # (3) في: ه‍: " أو العمود " بزيادة لفظ " أو ". (1) ما بين المربعين ساقط من ه‍. (1) راجع ج 7 ص 379. # (2) في ح، ه‍: " أو لسعة ". # (3) في ح، س، ه‍: " المسلمون ". (1) في سيرة ابن هشام: " وأحلافها ". # (2) في سيرة ابن هشام: " تعاهد ". # (3) في السيرة: " أتيتم ". # (4) في السيرة: " في طرائقها ". (1) (البرنى بفتح فسكون): ضرب من التمر أحمر مشرب بصفرة كثير اللحاء، عذب ~~الحلاوة. # (2) الوصيف: الخادم، غلاما كان أو جارية. # (3) في ح، س، ه‍: " بالأكمام ". (1) ما بين المربعين ساقط من ح، س. (1) قوله " في الكراع ": في الدواب التي تصلح للحرب. (1) راجع ج 8 ص 11. # (2) المتأثل: الجامع. (1) في المطبوعة: " بشهادة الله بالأولى أولى ". # (2) في ز، ل: " هي النضير ". # (3) في ح، ز، س، ط، ه‍: " وهو أقوى منا من القول... ". # (4) راجع ج 8 ص 67. (1) راجع ج 8 ص 9. # (2) راجع ج 14 ص 205. # (3) راجع ج 7 ص 195. (1) البيت بتمامه: # لك المرباع منها والصفايا * وحكمك والنشيطة والفضول وهو لعبد الله بن ~~عنمة الضبي يخاطب بسطام بن قيس. والنشيطة ما أصاب الرئيس في الطريق قبل أن ~~يصل إلى مجتمع الحي. والفضول: ما فضل من القسمة مما لا تصح قسمته على عدد ~~الغزاة كالبعير والفرس ونحوهما. (1) الغلول: الخيانة في المغنم، والسرقة من الغنيمة. (1) راجع ج 5 ص 259 وص 392. # (2) المتنمصات: ms7302 (جمع متنمصة) وهي التي تنتف الشعر من وجهها. والمتفلجات: ~~(جمع متفلجة) وهي التي تتكلف أن تفرق بين منها من الثنايا والرباعيات. (1) بلدة دمشق. (1) راجع ج 8 ص 362. (1) سرو حمير: منازل حمير بأرض اليمن. والسرو من الجبل: ما ارتفع عن مجرى ~~السيل وانحدر عن غلظ الجبل. # (2) سواد البلدة: ما حولها من الريف والقرى. (1) جملة " والله أعلم " ساقطة من س. # (2) في ح، س: " وعلى هذا يجئ ". (1) راجع ص 11 من هذا الجزء. # (2) علله بكذا: شغله ولهاه به. # (3) أي عظم ذلك عنده وكبر عليه، وإطلاق العجب على الله مجاز، لأنه لا ~~يخفى عليه أسباب الأشياء. (1) العذاق - بكسر العين جمع عذق بفتحها - ومعناها النخلات. (1) أي أنها كانت ملفوفة بالرغف، وسيأتي معناه بأوضح من هذا. وقولها: " ما ~~كان يهدى لنا " تريد أن عائشة رضي الله عنها لم تعلم بذلك ولم تحتسب به ~~فتتق به وتعول عليه، ولكن الله سبحانه عوضها من حيث لا تحتسب. # (شرح الموطأ). (1) بعد كلمة " عليها " بياض في ح، ز، س، ه‍، نبه عليه الناسخ بقوله: بياض ~~في الأصل. # (2) راجع ج 2 ص 243. (1) هو من بيت لمسلم بن الوليد، صدره: # * تجود بالنفس إذ أنت الضنين بها * يقول: تجود بنفسك في الحرب إذ أنت ~~الضنين بها في الذم. ويروى: # * يجود بالنفس إذ ضن الجواد بها * (1) جملة " قوله تعالى " ساقطة من س. # (2) في شرح التبريزي: " اللحز: الضيق البخيل. # وقيل: هو السئ الخلق اللئيم. وقوله: إذا أمرت عليه. أي أديرت، والمعنى: ~~أن الخمر إذا كثر دورانها عليه أهان ماله، يقال: فلا مهين لماله، إذا كان ~~سخيا. وفلان معز لماله، إذا كان بخيلا ". (1) راجع ج 4 ص 293. (1) ما بين المربعين ساقط من س، ه‍. (1) كذا في الأصول. والمراد جعلها عامة شاملة بين المسلمين. # (2) في صحيح مسلم: " أنا قد رأينا... ". (1) في أ: " عجب ". # (2) راجع ج 6 ص 410. (1) كلمة " أليم " ساقطة من ه‍. (1) راجع ج 19 ص 238. (1) كذا في الأصول. ولعلها " أطاعهم ". (1) أي استعانوا به فأنصفهم منه. (1) أي يظهرون الصلح والاتفاق وباطنهم بخلاف ذلك. # (2) في أ: " وعدهم ". # (3) راجع ms7303 ج 8 ص 26. (1) في فرائد اللآل: أن قائل هذا هو فراد بن أجدع للنعمان بن المنذر. ولفظ ~~البيت: # فإن بك صدر هذا اليوم ولى * فإن غدا لناظره قريب (1) راجع ج 6 ص ص 327. # (2) راجع ج 14 ص 105. # (3) راجع ج 15 ص 101. # (4) جملة " والحمد لله " ساقطة من أ. (1) راجع ج 1 ص 103. # (2) من معنى السانية: الدلو وأدواته. والمراد هنا الأدوات إلى يستخرج بها ~~الماء. (1) السفود: حديدة يشوى عليها اللحم، والجمع سفافيد. والكلوب: حديدة معطوفة ~~كالخطاف. والتنور: # الكانون يخبز فيه. والسمور: حيوان بري يشبه السنور يتخذ من جلده فراء ~~ثمينة للينها وخفتها وادفائها وحسنها. # والشبوط: سمك رقيق الذنب عريض الوسط لين المس صغير الرأس. والجمع شبابيط. # (2) الذروح: دويبة حمراء منقطة بسواد تطير، وهي من السموم القاتلة. # (3) راجع ج 20 ص 209. # (4) العائذات: ما عاذ بالبيت من الطير. والغيل: الشجر الكثير الملتف. ~~والسند: ما قابلك من الجبل وعلا عن السفح. # (5) راجع ج 4 ص 40. (1) راجع ج 6 ص 210. # (2) راجع ج 2 ص 131. # (3) سوامق: مرتفعات. والاثيث: الملتف. والقنوان: العذق. (1) كذا في نسخ الأصل. والذي في كتب اللغة: " برأ الله الخلق برءا وبروءا ~~". # (2) راجع ج 6 ص 362. # (3) راجع ج 1 ص 287 وج‍ 2 ص 131 وج‍ 10 ص 266 (1) راجع ص 61 من هذا الجزء. (1) موضع بين مكة والمدينة على اثنى عشر ميلا من المدينة. # (2) الظعينة: هي المرأة في الهودج. ولا يقال ظعينة إلا وهي كذلك. # (3) أي تجرى. (1) الحجزة: معقد الإزار. وموضع التكة من السراويل. (1) راجع ج 4 ص 57 و 178 وج‍ 6 ص 216. (1) راجع ج 13 ص 75. # (2) في ح، ز، س: " لحبيب ". (1) راجع ج 6 ص 483. # (2) ج 16 ص 147. (1) رخال: جمع رخل، الأنثى من أولاد الضأن. والرباب: جمع الربى، الشاة التي ~~وضعت حديثا. # وقيل: إذا مات ولدها. (1) راجع ج 8 ص 274. # (2) راجع ص 17 من هذا الجزء. (1) العريكة: الطبيعة. ولانت عريكته: إذا انكسرت نخوته. والشكيمة: الانفة. ~~ومن اللجام: الحديدة المعترضة في الفم. (1) راجع ج 8 ص 136. (1) وهل عن الشئ وفى الشئ - بالكسر -: إذا ms7304 غلط فيه رمها. (١) في الأصل المطبوع: " سببعة " وهو تحريف. راجع أسد الغابة ج ٥ ص ٧٤٥. (1) الاجتهاد: بذل الوسع في طلب الامر. (1) الأصل في " تراءى " تتراءى. والترائي تفاعل من الرؤية، يقال: تراءى ~~القوم إذا رأى بعضهم بعضا وإسناد الترائي إلى النارين مجاز. أي يلزم المسلم ~~ويجب عليه أن يباعد منزله عن منزل المشرك، ولا ينزل بالموضع الذي إذا أوقدت ~~فيه ناره تلوح وتظهر لنار المشرك إذا أوقدها في منزله. ولكنه ينزل مع ~~المسلمين في دارهم. # وإنما كره مجاورة المشركين لأنهم لا عهد لهم ولا أمان وحث المسلمين على ~~الهجرة. (عن نهاية ابن الأثير). (1) ما بين المربعين هكذا ورد في جميع نسخ الأصل، وهو مضطرب. وقد نقل ~~المؤلف رحمه الله هذه المسألة من كتاب الناسخ والمنسوخ لأبي جعفر النحاس ~~ونصها فيه: وإن شرط الامام رد النساء كان الشرط منتقضا. ومن قال هذا قال: ~~إن شرط رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل الحديبية فيه إن يرد من جاء ~~منهم، وكان النساء منهم كان شرطا صحيحا، فنسخه الله ورد العوض، فلما قضى ~~الله عز وجل ثم رسوله صلى الله عليه وسلم ألا يرد النساء كان شرط شرط رد ~~النساء منسوخا وليس عليه أن يعوض، لان شرطه المنسوخ باطل ولا عوض الباطل ". (1) في ح، ز، س: " كما قاله رحمه الله ". # (2) ما بين المربعين ساقط من ح، ز، ه‍. # (3) في س: " بشرط الاسلام، لان المهر والاسلام... ". # (4) كلمة: " ذلك " ساقطة من ح، س. (1) مر الظهران: قرية قرب مكة. (1) راج ج 1 ص 287 (1) في ح، ز، س، ط، ل، ه‍ " إلى الكفار الذين ليس بينكم وبينهم عهد " ~~بزيادة " ليس ". (1) هو عياض بن غنم بن زهير بن أبي شداد القرشي الفهري. (1) ما بين المربعين ساقط من ل، ز. (1) الدباء: هو القرع اليابس. والحنتم: الجرة. والنقير: أصل النخلة ينقر ~~فيتخذ منه وعاء. والمزفت: # الاناء الذي طلى بالزفت. قال الزرقاني في شرح المواهب اللدنية: " عن أبي ~~بكرة قال: أما الدباء فإن أهل الطائف كانوا يأخذون ms7305 القرع فيخرطون فيه العنب ~~ثم يدفنونه حتى يهدر ثم يموت. وأما النقير فإن أهل اليمامة كانوا ينقرون ~~أصل النخلة ثم ينبذون الرطب والبسر ثم يدعونه حتى يهدر ثم يموت. وأما ~~الحنتم فجرار كانت تحمل إلينا فيها الخمر. # وأما المزفت فهي الأوعية التي فيها الزفت... ومعنى النهى عن الانتباذ في ~~هذه الأوعية بخصوصها لأنه يسرع إليها الاسكار فربما يشرب منها من إلا يشعر ~~بذلك. ثم ثبتت الرخصة في الانتباذ في كل وعاء مع النهى عن شرب كل مسكر ". (1) الارنان: الصيحة الشديدة والصوت الحزين عند الغناء أو البكاء، يقال: ~~رنت المرأة ترن رنينا، وأرنت، صاحت. # (2) راجع ج 11 ص 350. # (3) هو الحسن بن مسلم راوي الحديث. # (4) الفتخ (بفتحات وآخره خاء معجمة): الخواتيم العظام، أو حلق من فضة لا ~~فص فيها. (1) راجع ج 16 ص 170 (1) راجع ج 17 ص 235. # (2) هذا الحديث كما ورد في مسند الدارمي. وقد ذكر في الأصول مضطربا. (1) راجع ص 87 من هذه السورة. # (2) الذي في صحيح مسلم: حدثني سويد بن سعيد حدثنا على ابن مسحر؟ عن داود ~~عن أبي حرب بن أبي الأسود عن أبيه قال: بعث أبو موسى... الخ ". (1) زيادة عن ابن العربي. # (2) في ابن العربي: " بمطلقه ". (1) كذا في أ، وفى ح، س: " من أين "، ولعل صوابها: " وهبت له ما يؤدى إليكم ~~". # (2) راجع ج 2 ص 239. # (3) راجع ج 11 ص 114. # (4) راجع ج 1 ص 365. # (5) راجع ج 9 ص 89 (6) وفت: تت وطللت. # (7) في أ، ط، ه‍: " تأمروني " وفى ح، س: " تأمرونني ". (1) راجع ج 2 ص 361. # (2) راجع ج 14 ص 250. # (3) راجع ج 13 ص 210. # (4) راجع ج 7 ص 273. # (5) راجع ج 6 ص 8 12. # (6) راجع ج 7 ص 294 (1) راجع ج 14 ص 200. # (2) راجع ج 6 ص 401 وج‍ 7 ص 39 (1) كلمة " وقرأ " ساقطة من ج، س. # (2) راجع ج 4 ص 297 (1) القلاص (بكسر القاف): الناقة الشابة. (1) راجع ج 8 ص 267. # (2) راجع ج 1 ص 198 (1) اختلف في قائله، فقيل إنه لحسان، وقيل لأبي طالب عم الرسول صلوات الله ms7306 ~~عليه، وقيل للأعشى. # (راجع خزانة الأدب في الشاهد الثمانين بعد السمائة). والتبال: سوء ~~العاقبة، وهو بمعنى الوبال. # وقد ورد صدر هذا البيت في ح، وز، وس، ط مضطربا وغير واضح. (1) راجع ج 4 ص 97، ويلاحظ أنه لم تذكر أسماؤهم، بل ذكر سبب تسميتهم. (1) القصار: محور الثياب ومبيضها راجع ج 4 ص 97 وص 100 (2) يلاحظ أن هذه ~~الأسماء وردت محرفة في نسخ الأصل، وأثبتناها كما وردت في تاريخ الطبري (ج 3 ~~قسم أول ص 737 طبع أوربا). # (3) ما بين المربعين ساقط من ح، ز، س، ط (1) زيادة عن صحيح مسلم. # (2) " بيد ": بمعنى غير. (1) راجع ج 2 ص 5 وص 136 (1) في ح، ز، س، ه‍: " أم ز بل ". # (2) هو مروان بن سليمان بن يحيى بن أبي حفصة، يهجو قوما من رواة الشعر. (1) الوسق (بفتح الواو وسكون السين): حمل البعير. # (2) الغرائر: جمع الغرارة (بالكسر) الجوالق. # (3) كذا في الأصول، مع هذه الزيادة التي يستقيم بها الوزن. ويحتمل أن ~~يكون صوابه: # * أكان ما فيها جمانا أو بري * والجمان (بالضم): اللؤلؤ. والبرى: التراب. # (4) في نسخة: " قدر ". # (5) وتمامه: * فضيت ثمت قلت لا يعنيني * (1) راجع ج 2 ص 33. # (2) ما بين المربعين ساقط من ح، س. (1) راجع ج 15 ص 58 (١) زيادة عن تاريخ الطبري والبداية والنهاية. # (٢) ج ٤ ص ٥٩ (٣) ج ١٧ ص ١٧. # (٤) ص ١٦٦ من هذا الجزء. (1) آية 58 سورة المائدة. # (2) راجع ج 6 ص 224 وما بعدها. # (3) أي أول الوقت عند الزوال. # وسماه ثالثا باعتبار كونه مزيدا على الاذان بين يدي الامام والإقامة ~~للصلاة. فهو أول باعتبار الوجود، ثالث باعتبار مشروعية عثمان له باجتهاده ~~وموافقة سائر الصحابة له بالسكوت وعدم الانكار. # (4) الزوراء: موضع بالسوق بالمدينة، قيل إنه مرتفع كالمنارة. وقيل: حجر ~~كبير عند باب المسجد. (1) راجع ج 10 ص 235. # (2) راجع ج 20 ص 82. # (3) راجع ج 17 ص 114 (4) وعجزه: * فلم يفعلوا ولم يلاموا ولم يألوا * (5) ~~في شرح ديوان زهير: " الساعيان ": الحارث بن عوف، وهرم بن سنان، سعيا في ~~الديات. وقيل: # خارجة ms7307 بن سنان والحارث بن عوف، " سعيا " أي عملا حسنا. و " غيظ بن مرة ": ~~حي من غطفان بن سعد. # و " تبزل بالدم ": أي تشقق. يقول: كان بينهم صلح فتشقق بالدم. يقول: سعيا ~~بعد ما تشقق فأصلحا. (1) التكملة عن ابن العربي. # (2) رجل صيت: شديد الصوت عاليه. # (3) أي يحضرونها نوبا. # وفى رواية " يتناوبون ". # (4) في ح، ز، س " في العباء " بفتح العين المهملة والمد، جمع عباءة. (1) راجع ج 6 ص 6. # (2) ما بين المربعين لم يرد في صحيح مسلم. # (3) أي سواه للسجود غير مرة في الصلاة. # (4) اللغو: الكلام المطرح الساقط. # (5) الحديث كما ورد في الموطأ وشرحه: " دخل رجل من أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم المسجد يوم الجمعة وعمر يخطب. فقال عمر: أية ساعة هذه؟ ~~(إشارة إلى أن هذه الساعة ليست من ساعات الرواح إلى الجمعة لأنه وقت طويت ~~فيه الصحف) - فقال: يا أمير المؤمنين، انقلبت من السوق فسمعت النداء فما ~~زدت على أن توضأت - (اعتذار منه على أنه لم يشتغل بغير الفرض مبادرة إلى ~~سماع الخطبة والذكر) - فقال عمر: الوضوء أيضا! وقد علمت أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كان يأمر بالغسل. (معناه أنك مع ما فاتك من التهجير فاتتك ~~فضيلة الغسل الذي قد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر به) ~~(6) في الأصول: " فأقر " بالقاف. والتصويب عن ابن العربي. (1) العوالي: أما كن بأعلى أراضي المدينة وأدناها من المدينة على أربعة ~~أميال، وأبعدها من جهة نجد ثمانية. # (2) راجع ج 10 ص 160 (1) راجع ج 6 ص 44 (1) راجع ج 2 ص 171. # (2) العير - بكسر العين -: الإبل محمل الميرة، ثم غلب على كل قافلة. ~~وانفئل الناس: انصرفوا. # (3) أحجار الزيت: مكان في سوق المدينة. (1) البقيع: مقبرة بالمدينة. # (2) في س، ز، ط، ل، ه‍: " قدم بتجارته ". (1) راجع ج 12 ص 322. # (2) راجع ج 8 ص 35. # (3) في أ: " يزمرن ". # (4) في بعض المصادر: " سلمان ". (1) ما بين المربعين كذا ورد في نسخ الأصل. # (2) الهزم: ما اطمأن من الأرض. وحرة بنى بياضة: قرية على ميل من المدينة. ~~و ms7308 " بياضة ": بطن من الأنصار. (1) الزيادة عن الدارقطني. # (2) هو الحكم بن عبد الله، أحد رجال سند هذا الحديث. (1) راجع ج 12 ص 36. وص 265 (1) راجع ج 16 ص 116. # (2) راجع ج 17 ص 1 (1) زيادة عن مراسيل أبى داود. # (2) في الأصول: " لعجلة آت " والتصويب عن مراسيل أبى داود. (1) أي وليخفف أداءهما. # (2) بياض في أ. (1) أي يشير إلى قلة تلك الساعة وعدم امتدادها. # (2) الكثيب: الرمل المستطيل. # (3) راجع ج 17 ص 21 (1) في: ح، س، ط، ل، ه‍: " مثل دنياكم ". # (2) أي الطالبون وجه الله وثوابه. (1) بساط من جلد. # (2) في الترمذي: " فانتزع قباض الماء ". # (3) في الترمذي: " وأنا ردف رسول الله صلى الله عليه وسلم ". # (4) في الترمذي: " والمسلمون ". # (5) في الترمذي: " فوقع على من الهم ما لم...... ". (1) راجع ج 8 ص 212. # (2) في أ: " لأمر معين ". (1) راجع ج 1 ص 192. # (2) راجع ج 8 ص 164 وص 206 (1) راجع ج 3 ص 92 وج‍ 4 ص 79 (1) راجع ج 1 ص 184. # (2) راجع ج 13 ص 125 (1) راجع ج 8 ص 218 (1) جملة " إذا بلغ المال " ساقطة من س، ح. # (2) راجع ج 4 ص 153 (1) راجع ج 7 ص 334. # (2) ما بين المربعين ساقط من ز، ب. (1) راجع ج 12 ص 290. # (2) راجع ج 14 ص 24 (1) راجع ج 6 ص 384 وج‍ 7 ص 19. # (2) راجع ص 48 من هذا الجزء. # (3) راجع ج 20 ص 113. # (4) راجع ج 1 ص 198 (1) راجع ج 11 ص 145. (1) راجع ج 1 ص 210. # (2) راجع ج 12 ص 108 (1) في ابن العربي: " عليها " (2) الخلابة: الخديعة. # (3) في ابن العربي: " في الشرع ". (1) راجع ج 15 ص 354. # (2) قوله: " تعس " هلك. و " الخميصة ": كساء أسود مربع له أعلام وخطوط. و ~~" القطيفة ": دثار له أهداب. " وانتكس " عاوده المرض كما بدأ به. أو انقلب ~~على رأسه، وهو دعاه عليه بالخيبة. و " شيك ": أصابته شوكة. و " فلا انتقش " ~~أي فلا خرجت شوكته بالمنقاش. (1) لفظة " عموم " ساقطة من ح، س. (1) راجع ج 4 ص 157 (1) راجع ج 5 ص 354. (1) راجع ج 5 ص 258. # (2) راجع ج 10 ms7309 ص 227. # (3) راجع ص 29 من هذا الجزء. # (4) راجع ج 3 ص 237 وج‍ 17 ص 242 (1) راجع ج 1 ص 397. # (2) راجع ج 15 ص 232 (3) راجع ج 8 ص 305 (1) لفظة: " النساء " ساقطة من ح، س. # (2) راجع ج 8 ص 324. (1) راجع ج 6 ص 285. # (2) زيادة عن سنن الدارقطني. (1) راجع ج 14 ص 202. # (2) في ط " في أخر " وكلنا هما غير واضحة. (1) في ط: " فخالف السنة ". # (2) راجع ص 1 من هذا الجزء. (1) راجع ج 3 ص 113. # (2) أي في إقباله وأوله حين يمكنها الدخول في العدة والشروع فيها فتكون ~~لها محسوبة، وذلك في حالة الطهر. # (3) في: ح، س " الطهر ". # (4) راجع ج 3 ص 1 وص 112 (1) راجع ج 14 ص 182. # (2) الجداد (بفتح الجيم وكسرها): صرام النخل، وهو قطع ثمرها. (١) ويقال فيه: " أبو عمرو بن حفص ". راجع كتاب الإصابة ج ٧ ص ~~٤٤، 136 (طبع الشرفية). (1) قوله " فتنت الناس " يريد أنها فتنت الناس بذكرها حديثها أن النبي عليه ~~السلام أمرها أن تنتقل من بيت مطلقها على وجه يوقع الناس في الخطا. وقوله " ~~لسنة " بكسر السين: أي كانت تأخذ الناس وتجرحهم بلسانها. # وقوله " فوضعت " أي أخرجت من بيت زوجها وجعلت كالوديعة عند ابن أم مكتوم. (1) راجع ج 3 ص 155 وص 118. # (2) في أ: " أمر باملاء الاشهاد... ". (1) راجع ج 3 ص 377. # (2) في ح، س " نبوت الرجعية ". (1) راجع ج 3 ص 394. # (2) راجع ج 3 ص 401 (1) ما بين المربعين ساقط من ح، س. # (2) في الأصول: " يعنى قاض " (1) راجع ص 139 وص 161، 146 من هذا الجزء. # (2) راجع ج 4 ص 156 (3) راجع ج 2 ص 308. # (4) ج 3 ص 112 (1) راجع ج 3 ص 174. # (2) راجع ج 9 ص 284 (1) زيادة عن سنن الدارقطني. (1) الواو مثلثة. # (2) في أ، وط: " وأصحابه. # (3) راجع ج 3 ص 185. (1) راجع ج 3 ص 160 وج‍ 5 ص 108 (1) راجع ج 3 ص 160. (1) الشقيقة: تصغير شقة، وهي جنس من الثياب. وقيل هي نصف ثوب. والسنبلاني ~~(من الثياب): # السابغ الطويل الذي قد أسبل. وسنبل ثوبه: ms7310 إذا أسبله وجره من خلفه أو ~~أمامه. # (2) المنبوذ: اللقيط، وسمى اللقيط منبوذا لان أمه رمته على الطريق. # (3) في ابن العربي: " أجزنا ". (1) راجع ج 4 ص 228. # (2) يلاحظ أن الذي مضى هو في سورة " القمر " لا في سورة الكهف. # راجع ج 17 ص 129. # (3) راجع ج 7 ص 209 (1) راجع ج 11 ص 273. # (2) راجع ج 16 ص 39. # (3) راجع ج 10 ص 205 (1) راجع ج 1 ص 258. # (2) جرت عادة المحدثين أنه إذا كان للحديث إسنادان أو أكثر، كتبوا عند ~~الانتقال من إسناد إلى إسناد " ح " وهي حاء مهملة مفردة، (راجع مقدمة ~~النووي على صحيح مسلم). # (3) في ح، س " وحدثنا محمد... ". # (4) في ا، ح، س، ط، ه‍: " فيمن ". (1) قوله: " ومكنته " يريد " وإمكانه " ولم ترد في كتب اللغة. # (2) ما بين المربعين ساقط من ح، ط. (1) سيذكر المؤلف رحمه الله معنى هذه الكلمة والكلمات الآتية في هذا ~~الحديث. (1) قولها: " أن أبادئه "، أي أبدؤه وأناديه وهو لدى الباب لم يدن منى بعد ~~بالكلام الذي علمتنيه. # و " فرقا " أي خوفا من لومك. # (2) أي منعناه شربة عسل. # (3) أنصنا (بالفتح ثم السكون وكسر الصاد المهملة والنون، مقصور): مدينة ~~من نواحي الصعيد على شرقي النيل. (1) راجع ج 6 ص 260. # (2) راجع ج 8 ص 354 (3) راجع ج 10 ص 195 (1) كلمة " وإن لم يدخل " ليست في ابن العربي. وعبارة البحر لأبي حيان (ج 8 ~~ص 289): " هي ثلاث في الوجهين ولا ينوى في شئ " ونسبه أيضا لعبد الملك بن ~~الماجشون وابن أبي ليلى. (1) في ى: " محمد بن الحكم ". # (2) في ابن العربي: " ولا يتعدد ". (1) في ابن العربي: " ولم تكن ". (1) راجع ج 6 ص 264. # (2) زيادة عن الكشاف يقتضيها السياق. (1) راجع ج 14 ص 195 (1) راجع ج 6 ص 173 (1) الأراك: الشجر، واحدته أراكة. # (2) أي يضربون به الأرض، كفعل المهموم المفكر. # (3) ما بين المربعين ساقط من أ، ح، س. (1) أي عليك بوعظ بنتك حفصة. والعيبة: وعاء يجعل الانسان فيه أفضل ثيابه ~~ونفيس متاعه، فشبهت ابنته بها. # (2) الأسكفة: العتبة. # (3) الأفيق: هو الجلد الذي لم يتم دباغه. (1) زيادة من ms7311 صحيح مسلم. # (2) أي أبدى أسنانه تبسما. # (3) راجع ج 5 ص 291. # (4) راجع ج 2 ص 37 (1) راجع ج 5 ص 271. # (2) راجع ص 284 من هذا الجزء. # (3) راجع ج 14 ص 163 (1) راجع ص 191 من هذا الجزء. # (2) راجع ج 16 ص 258 (3) راجع ج 2 ص 86 وج‍ 3 ص 213 (1) راجع ج 8 ص 269. # (2) رجز مشهور لم يعرف قائله. وتمامه: # * حتى شتت همالة عيناها * راجع كتاب الانصاف وشرح الشواهد. وج‍ 6 ص 95. (1) راجع ج 12 ص 314. # (2) راجع ج 6 ص 46 (1) راجع ج 11 ص 263. # (2) راجع ج 13 ص 143 (3) راجع ج 1 ص 235 (1) راجع ج 14 ص 49. # (2) راجع ج 5 ص 90 (1) الثلاثة الذين خلفوا هم: كعب بن مالك، مرارة بن ربيعة العامري، هلال بن ~~أمية الواقفي. راجع ج 8 ص 282 وج‍ 2 ص 907 من سيرة ابن هشام طبع أو ربا. # (2) ذو الاذنين: لقب أنس بن مالك رضي الله عنه، قال له النبي صلى الله ~~عليه وسلم ذلك قيل: معناه الحض على حسن الاستماع والوعي. وقيل: إن هذا ~~القول من جملة مزحه صلوات الله وسلامه عليه. (1) راجع ج 2 ص 253 (1) راجع ج 6 ص 174. # (2) ما بين المربعين من ط. وبياض فيما هداها (1) راجع ج 17 ص 243. # (2) راجع ج 17 ص 245 (1) في ل: " قتة ". وفى تفسير الطبري: " قيس ". (1) راجع ج 17 ص 6. # (2) راجع ج 6 ص 22 (3) راجع ج 11 ص 91. # (4) راجع ج 4 ص 83. # (5) أخرج الطبراني عن سعد بن جنادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " إن الله زوجني في الجنة مريم بنت عمران وامرأة فرعون وأخت موسى ". # (6) في ب، ح، ز، س، ط، ل، ه‍: " كلمة ". # في ب، ح، ز، س، ط، ل، ه‍: " حليمة ". (1) راجع ج 7 ص 223 (1) راجع ج 16 ص 48. # (2) هذه عبارة الكشاف أيضا. وعبارة الخطيب الشربيني في تفسيره: # " وقيل إنما قدم الموت على الحياة لان من نصب الموت بين عينيه كان أقوى ~~الدواعي إلى العمل. (1) راجع ms7312 ج 11 ص 239. # (2) راجع ج 14 ص 93. # (3) راجع ج 8 ص 28. # (4) راجع ج 7 ص 7. # (5) راجع ج 15 ص 260. # (6) راجع ج 10 ص 395. # (7) راجع ص 247 من هذا الجزء. (1) راجع ج 9 ص 201. # (2) أي يفعل في شأنين شئ بغير أمره. قال هذا عند ما علم أن أخته السيدة ~~عائشة زوجت ابنه وهو غائب من المنذر بن الزبير. والرواية في الحديث: " أمثل ~~بفتات " بدل " يتفوت ". (1) لم يكد يبصر. (1) هذا عجز بيت لقيس بن خويلد الهذلي. وصدره: * إن العسير بها داه مخامرها ~~* والعسير: الناقة التي لم ترض (لم تذلل). (1) راجع ج 15 ص 66. # (2) كلمة " سبيلا " ساقطة من ح، ز، س، ل، ه‍. # (3) راجع ج 9 ص 98 (1) راجع ج 17 ص 73 (1) راجع ج 17 ص 20 (1) الغيضة: الشجر الكثير الملتف. (1) كلمة " العذاب " ساقطة من ح، س، ه‍. (1) راجع ج 8 ص 64. # (2) راجع ج 11 ص 224 (1) راجع ج 12 ص 73. # (2) كذا في نسخ الأصل. وواءل الطائر: لجأ وخلص. # والى المكان: بادر. والذي في ديوان أشعار الهذليين وكتب اللغة: " فهو ~~مهابذ " والمهابذة: الاسراع. (1) لم يعلم قائله، وهو من الرجز المسدس. و " يعشيها " أي يطعمها العشاء. ~~ويروى: " يغشيها " بالغين المعجمة من الغشاء كالغطاء، أي يشملها ويعمها. ~~وضمير المؤنث للإبل، وهو في وصف كريم بادر بعقر إبله لضيوفه. # والعضب: السيف. و " يقصد ": من القصد وهو ضد الجور. و " أسوقها ": جمع ~~ساق، وهو ما بين الركبة إلى القدم. و " جائر " من جار إذا ظلم. أي يجور. ~~(راجع خزانة الأدب في الشاهد السادس والخمسين بعد الثلثمائة). (1) ما بين المربعين ساقط من س، ه‍. # (2) الاعتساف: ركوب المفازة وقطعها بغير قصد ولا هداية، ولا توخى قصد ولا ~~طريق مسلوك. (1) راجع ج 8 ص 349. # (2) راجع ج 7 ص 335 (3) راجع ج 4 ص 166 (1) راجع ج 15 ص 157. # (2) راجع ج 7 ص 398. # (3) كلمة " أي " ساقطة من ح، س. # (4) راجع ج 17 ص 71 (1) راجع ج 10 ص 409. # (2) راجع ج 2 ص 112. # (3) في ه‍: " ختمت السورة والحمد الله رب العالمين ms7313 ". # (4) آية 16. # (5) آية 33. # (6) آية 47. # (7) آية 50 (1) ضبطه الآلوسي في تفسيره فقال: " اليهموت بفتح الياء المثناة التحتية ~~وسكون الهاء ". # (2) اضطربت الأصول والمراجع التي بين أيدينا في هذه الأسماء. وقد خرج ~~المؤلف رحمه الله عما اشترطه في مقدما كتابه (ص 3) حيث قال: "... وأضرب عن ~~كثير من قصص المفسرين، وأخبار المؤرخين... " الخ. # (3) راجع ج 14 ص 43 (1) راجع ج 20 ص 117. (1) راجع ج 10 ص 4. # (2) الربدة (بضم فسكون): الغيرة. ورواية الديوان في هذا البيت: # وقد كنت في أكناف جار مضنة * ففارقني..... الخ. # و " جار مضنة ": جار يضن به. # (3) هذا عجز للبيد. واختلف في صدره. راجع مادة (متن) في اللسان. والغبسة: ~~لون الرماد. (1) راجع ج 12 ص 103. # (2) راجع ج 7 ص 433. (1) المتشدق: الذي يتطاول على الناس في الكلام ويبذو عليهم. # (2) زيادة عن صحيح الترمذي. (١) راجع ج ١٢ ص ١١٤. # (٢) راجع ج ١٩ ص ١٢٤ (٣) الفلج (بفتح الفاء واللام): مدينة بأرض اليمامة ~~لبني جعدة. ويجوز فيه: * نحن بنى... * بالنصب على الاختصاص. (راجع الشاهد التاسع والثمانين ~~بعد السبعمائة في خزانة الأدب). # (4) راجع ج 17 ص 31 (1) مايلة ممايلة: مالأه. # (2) راجع ج 10 ص 300. (1) في الأصول: " مأثوم ". # (2) راجع ج 16 ص 15. # (3) هو أبو النجم الراجز. وفرع فرسه فرعا: كبحه وكفه. (1) روى بكسر العين وفتحها. والمشهور الفتح. ومعناه: يستضعفه الناس ~~ويحتقرونه ويتجبرون عليه لضعف حاله في الدنيا. ورواية الكسر معناها: متواضع ~~متذلل خامل واضع من نفسه. قال القاضي: وقد يكون الضعف هنا رقة القلوب ~~ولينها وإخباتها للايمان. (1) هو الوليد بن المغيرة المخزومي. # (2) السنخ (بالكسر والخاء المعجمة): الأصل. (1) الحيس: الطعام المتخذ من التمر والأقط (الجبن المتخذ من اللين الحامض) ~~والسمن. # (2) راجع ج 15 ص 340 (1) في الأصول: " وخراريقهم " بالقاف. # (2) راجع ج 6 ص 05 4 (1) راجع ج 4 ص 166. # (2) راجع ج 11 ص 244. # (3) راجع ج 17 ص 175. # (4) البعيث: هو خداش بن بشر (ويقال بشير) من بنى مجاشع، كان يهاجي جريرا. # (5) عليه يعلبه علبا وعلوبا: أثر فيه ووسمه أو خدشه. (1) هو العجاج. # (2) كل هذا من أسماه الخمر. وقبله: * فغمها حولين ثم ms7314 استودفا * وغممت ~~الشئ: غطيته. واستودف اللبن: صبه في الاناء. # (3) تحميم الوجه: تسخيمه بالفحم. # (4) عبارة ابن العربي في أحكامه: "... لغيره لمن يرجى تجنبه يمن يرى من ~~عقوبة... ". # (5) في ابن العربي: " سببا لحياة الأبد " (1) الصدف (بالفتح ثم الكسر): مخلاف من اليمن منسوب إلى القبيلة. # (2) في ط: " عين ". # (3) راجع ج 7 ص 99. (1) الخفت (بوزن السبت): إسرار المنطق. # (2) السدقة: الظلمة، والضوء. وطائفة من الليل. # وقيل: اختلاط الضوء والظلمة جميعا. (1) راجع ج 12 ص 34. # (2) راجع ج 4 ص 215. # (3) في اللسان مادة صرم: # * فما ينجاب عن ليل صريم * (1) الذي في كتب اللغة: الغلل: الماء الذي يجرى في أصول الشجر، أو الماء ~~الظاهر الجاري. (1) زغر: بضم الزاي وفتح الغين المعجمة وآخرها راء. # (2) راجع ج 5 ص 245 (1) في ح. ز، ط، ل، ه‍ " وليرجعوا ". (1) راجع ج 3 ص 228. # (2) زيادة يقتضيها السياق. (1) البيت لحاتم الطائي. ويروى: أخو الحرب. وأخا الحرب. # (2) العراق بضم العين: العظم بغير لحم، فإن كان عليه لحم فهو عرق بفتحها. (1) صياصي البقر: قرونها. # (2) أي إذا وصف نفسه بصفة تحققه بها. # (3) السفافيد: جمع السفود (وزن التنور): الحديدة التي يشوى بها اللحم. (1) راجع ج 1 ص 348. # (2) أي يمشى بينهما معتمدا عليهما لضعفه وتمايله، من " تهادت المرأة في ~~مشيتها ": إذا تمايلت. (1) مثلث الميم. # (2) راجع 7 ص 329 (1) راجع ج 8 ص 383. # (2) راجع ج 11 ص 239. # (3) راجع ج 15 ص 121 (4) راجع ج 9 ص 259 (1) راجع ج 15 ص 123 (2) المكتل: زبيل يعمل من الخوص يحمل فيه التمر وغيره. (1) في اللسان " يزيل " وكلاهما صحيح. # (2) راجع 16 ج ص 99 (1) راجع ج 7 ص 236. # (2) راجع ج 17 ص 142 (1) وردت هذه الكلمة في نسخ الأصل: " نسفة " بالفاء. والذي في الزمخشري: " ~~سفية ". # (2) البين: من الأضداد، يطلق على الوصل وعلى الفرقة. # (3) المعضد والمعضاد (بكسر الميم): من السيوف الممتهن في قطع الشجر. (1) راجع ج 15 ص 346. # (2) في اللسان مادة كسع أنه أبو شبل الأعرابي. # (3) الكسع: شدة المر. وكسعه بكذا وكذا إذا جعله تابعا له ومذهبا به. # (4) الشهلة: العجوز. # (5) في اللسان: فإذا انقضت ms7315 أيام شهلتنا. # (6) في اللسان: " هربا ". # (7) النجر: الحر. (1) راجع ج 17 ص 137. # (2) راجع ج 13 ص 218. # (3) راجع ج 16 ص 207 (1) راجع تاريخ الطبري ص 343 من القسم الأول طبع أوربا. # (2) راجع ج 13 ص 93. # (3) هو كثير عزة. (1) في قوله تعالى: " وأرنا مناسكا " راجع ج 2 ص 127 (2) راجع ج 17 ص 23 (1) راجع ج 11 ص 282 (1) راجع ج 7 ص 278. # (2) راجع ج 13 ص 23 (1) راجع ج 17 ص 169. # (2) الوعل - بكسر العين - التيس الجبلي. (1) في الأصول هنا: " تصبح ". # (2) في الأغاني ج 4 ص 130 طبعة دار الكتب المصرية: # * حمراء مطلع لونها متورد (3) في الأغاني: * تأبى فلا تبدو لنا في رسلها ~~* (4) راجع ج 1 ص 259 (5) الكروبيون: سادة الملائكة، وهم المقربون، مأخوذ ~~من الكرب وهو القرب. (1) راجع ج 9 ص 61 (1) هو ابن الدمينة. # (2) وفيها لغات أخرى فارجع إليها في كتب اللغة. (1) كذا في نسخ الأصل. ولعلها " فيعذبني " وقد أورد الخطيب في تفسيره هذا ~~القول ولم يذكر فيه هذه الكلمة. # (2) راجع ج 19 ص 134. (1) راجع ج 10 ص 396. # (2) البيت من قصيدة للقطامي مدح بها زفر بن الحارث الكلابي. قال ابن ~~قتيبة في الشعر والشعراء: " كان القطامي أسره زفر في الحرب التي كانت بين ~~قيس وتغلب فأرادت قيس قتله فحال زفر بينهم ومن عليه وأعطاه مائة من الإبل ~~وأطلقه، فقال: أكفرا الخ ". والرتاع (بكسر الراء): التي ترتع. # (راجع خزانة الأدب في الشاهد التاسع والتسعين بعد الخمسمائة). (1) راجع ج 20 ص 29 (1) راجع ج 19 ص 238 (1) هو عرابة بن أوس بن قيظي الأوسي الحارثي الأنصاري. من سادات المدينة ~~الأجواد المشهورين. أدرك حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وأسلم صغيرا وتوفى ~~بالمدينة نحو سنة ستين. (1) شرق (من باب طرب): غص. # (2) راجع ج 3 ص 424 (1) راجع ج 1 ص 161 (1) راجع ج 12 ص 114. # (2) راجع ج 11 ص 94. # (3) راجع ج 81 ص 398 (4) الصبر: نصب الانسان للقتل. (1) راجع ج 13 ص 63. (1) لم تجد البيت في شعر الأعشى. وفى كتاب سيبويه (ج 1 ms7316 ص 291، ج 2 ص 170) ~~أنه لزيد بن عمرو ابن نفيل القرشي. وعلق عليه الأعلم الشنتمري أنه يروى ~~لنبيه بن الحجاج. # (2) لم يستعن، أي لم يحلق عانته. وحوامي الموت وحوائمه: أسبابه. # قال ابن بري: أنشده أبو على الباهلي غيث بن عبد الكريم لبعض العرب يصف ~~رجلا شريفا، أرتث في بعض المعارك فسألهم أن يمتعوه بقميصه، أي لا يسلب. # (3) البيت لحسان بن ثابت. (1) راجع ج 16 ص 85. # (2) راجع ج 13 ص 138 (3) راجع ج 15 ص 97 (1) راجع ج 14 ص 86. # (2) الشجاع (بالضم والكسر): الحية الذكر. (1) راجع ج 13 ص 22. # (2) راجع ج 14 ص 78. # (3) قال ابن بري: نسب الجوهري هذا البيت ليزيد بن الطثرية، وصوابه لشبرمة ~~بن الطفيل. (انظر لسان العرب مادة صفق). والزق: وعاء من جلد. ويريد بدم ~~الزق الخمر. والمزاهر: العيدان. واصطفقت المزاهر: # جاوب بعضها بعضا. (1) راجع ج 10 ص 394 وج‍ 16 ص 149 (2) الفنا (مقصور والواحدة فناة): عنب ~~الثعلب. وقيل: هو شجر ذو حب أحمر ما لم يكسر يتخذ منه قراريط يوزن بها، كل ~~حبة قيراط. وقيل: يتخذ منه القلائد. وقوله: " لم يحطم " أراد أن حب الفنا ~~صحيح، لأنه إذا كسر ظهر له لون غير الحمرة. (1) المهيل: الذي يحرك أسفله فينهال عليه من أعلاه. # (2) راجع ج 19 ص 222 وص 84 (1) راجع ج 16 ص 345. # (2) راجع ج 7 ص 74 (3) راجع ص 230 من هذا الجزء. (1) راجع ج 11 ص 147. # (2) راجع ج 20 ص 86. # (3) راجع ج 2 ص 29. (1) الزيادة من لسان العرب. # (2) أي غليظ القوائم. # (3) الشظى: عظم لازق بالذراع. وقيل: انشقاق العصب. و " عبل الشوى " غليظ ~~اليدين والرجلين. و " الشنج " محركة: تقبض الجلد والأصابع. و " النساء " ~~مقصور: عرق في الفخذ، وفرس شنج النساء: منقبضه، وهو مدح له. و " الحجبات ": ~~رؤوس عظام الوركين. و " الفال ": لغة في الفائل وهو اللحم الذي على الورك. (1) وردت هذه الكلمة في نسخ الأصل مضطربة، ففي ح، ط: " العضيض " بالعين ~~المهملة والضاد المعجمة. # وفى ل: " الفصيص " بالفاء والصاد المهملة وفى ز: " الفضيض " بالفاء ~~والضاد،. ms7317 وفى ه‍: " العصيص " بالعين والصاد المهملتين. ولم نهتد إلى المعنى ~~الذي ذكره لواحد من هذه الكلمات في كتب اللغة. (1) في اللسان مادة هلع: " وأنشد الباهلي للمسيب بن علس يصف ناقة شبهها ~~بالنعامة " وذكر البيت. قال الباهلي: قوله " صكاء " شبهها بالنعامة، " ثم ~~وصف النعامة بالصكك وليس الصكاء من وصف الناقة ". (1) الكل - بالفتح -: الثقل من كل ما يتكلف. والكل: العيال. والكل: اليتيم. # (2) راجع ج 17 ص 38. # (3) راجع ج 1 ص 141 (4) راجع ج 12 ص 102. # (5) زيادة عن الخطيب الشربيني. (1) راجع ج 3 ص 415. # (2) راجع ج 5 ص 255. # (3) راجع ج 14 ص 71 (4) راجع ج 12 ص 107 (1) الخناطيل: لا واحد لها من جنسها، وهي جماعات من الوحش والطير في تفرقة. # (2) أضاخ (بالضم): جبل يذكر ويؤنث. وقيل: هو موضع بالبادية يصرف ولا ~~يصرف. ومعنى " ضرحن " نحين ودفعن. (1) المطرف (بكسر الميم وضمها): واحد المطارف، وهي أردية من خز مربعة لها ~~أعلام. (1) المذر: الفساد. # (2) زيادة عن الخطيب الشربيني. # (3) السهك - محركة - ريح كريهة تجدها من الانسان إذا عرق. (1) راجع ج 15 ص 40 وص 207. (1) راجع ج 6 ص 57. # (2) هذا عجز بيت، وصدره: # * ومن فاد من إخوانهم وبنيهم * (3) راجع ج 8 ص 330 (1) راجع ج 7 ص 232. # (2) راجع ج 13 ص 332 (3) راجع ج 1 ص 184 (1) راجع ج 13 ص 332 (1) راجع ج 13 ص 119. (1) هو معود الحكماء، معاوية بن مالك. (1) راجع ج 9 ص 51 (2) قال ابن الأثير: " المجاديح " واحدها مجدح والياء ~~زائدة للاشباع. والقياس أن يكون واحدها مجداح. # والمجدح: نجم من النجوم، وهو عند العرب من الأنواء الدالة على المطر. ~~فجعل الاستغفار مشبها بالأنواء مخاطبة لهم بما يعرفونه، لا قولا بالأنواء. ~~وجاء بلفظ الجمع لأنه أراد الأنواء جميعها التي يزعمون أن من شأنها المطر. # (3) راجع ج 8 ص 227. (1) راجع ج 4 ص 39. # (2) راجع ج 14 ص 178. # (3) راجع ج 12 ص 108. (1) الذي في ديوان امرى القيس ص 50 ط هندية " أحدث ". (1) راجع ج 6 ص 279. # (2) راجع ج 4 ص 69. # (3) في ح، ز، ل: " وقال ابن ms7318 بحر ". (1) راجع ج 11 ص 285 وج‍ 12 ص 40. # (2) راجع ج 2 ص 194. # (3) في اللسان (مادة قرأ): " الغوى " بالغين المعجمة. (1) قوله: " رأيتها " بنون الجمع على أن أقل الجمع اثنان. أو على أنه كان ~~معهما غيرهما من النسوة. (القسطلاني). # (2) قوله " لرسول الله صلى الله عليه وسلم " متعلق ب‍ " ذكرتا لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. (1) زيادة عن تفسير الثعلبي. # (2) الحرد (بالتحريك): داء في القوائم إذا مشى البعير نفض قوائمه فضرب ~~بهن الأرض كثيرا. # (3) موضع باليمن. (1) الضمير في " تظهر " للديمة (المطر) في البيت قبل هذا. والود (بالفتح) ~~الوتد. و " أشجذت " أقلعت وسكنت. و " تعتكر " تشتد، يقال: اعتكر المطر إذا ~~اشتد. ويروى: " تشتكر " أي تحتفل. يريد: أن هذه السحابة توارى أوتاد البيوت ~~إذا اشتدت وتبديها إذا كفت وأقلعت. # (2) راجع ج 14 ص 127. # (3) راجع ج 9 ص 368. # (4) راجع ج 17 ص 147. # (5) هكذا في نسخ الأصل، وهي قراءة. (1) راجع ج 14 ص 77. # (2) هو حسان بن ثابت. # (3) في ا، ح: " خطاياهم ". # (4) راجع ج 15 ص 319 (1) راجع ج 9 ص 29. # (2) الزيادة عن ابن العربي. # (3) راجع ج 13 ص 31. # (4) راجع ج 2 ص 188 (1) الدرك (يسكن ويحرك): التبعة. # (2) في حاشية الجمل " لمك " بفتحتين أو بفتح فسكون. # و " متوشلخ " بضم الميم وفتح التاء والواو وسكون الشين وكسر اللام. و " ~~شمخى " بوزن سكرى. (1) راجع ج 1 ص 351. # (2) راجع ج 7 ص 273 في الأصول (وحى)، والصواب ما أثبتناه وهو موافق لما جاء في (تاج العروس: ~~وحى) قال: وقرأ جؤية الأسدي: (قل أحي إلي) ولم ينسب القراءة لابن أبي عبلة. # (2) لفظ (إشاح) ساقط من الأصل المطبوع. # (3) اللفظ لمسلم وأما الترمذي ففي لفظه زيادة. (1) كذا في ا، ح، ط وهو الصواب. # (2) في ح: (إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى قرآنا عجبا).. الخ. # (3) في ح: (ويسجدون معه..). # (4) كلمة (فيها) ساقطة من الأصل المطبوع. # (5) كلمة (الامر) ساقطة من الأصل المطبوع. # (6) في ط (عن) في موضع (من). (1) كلمة (الحدث) ساقطة من الأصل المطبوع. # (2) لم نجد نصيبين التي ذكرها المؤلف في معجم ما استعجم ms7319 للبكري ولا في ~~معجم البلدان لياقوت ولا فيما نقله صاحب تاج العروس عن ياقوت. # (3) راجع ج 16 ص 211. # (4) في التاج: استطير فلان: ذعر. (1) شعب أبي دب يقال فيه مدفن آمنة بنت وهب أم النبي صلى الله عليه وسلم. # (2) يحدرون الحجارة بضم الدال وكسرها: يحطونها من علو إلى سفل. (1) الزط: جنس من الهنود لونهم ضارب إلى السواد. # (2) المكاكي: جمع مكوك وهو طاس يشرب فيه أعلاه ضيق ووسطه واسع ومكيال ~~معروف لأهل العراق بهذه الصفة أيضا. ولعله من باب قول العرب: ضرب مكوك رأسه ~~على التشبيه. # (3) راجع ج 10 ص 15 فما. # (4) راجع ج 8 ص 259 فما. (1) راجع ج 17 ص 181. # (2) الواحد الواحد: كذا في بعض الأصول وفي بعضها بلا تكرار. وفي ~~الشوكاني: - إنما الواحد الله سبحانه). # (3) هذا ينبغي أن يكون قبل الحديث السابق له كما في ابن العربي. # (4) راجع ج 1 ص 315 (5) في هامش ح: (لا لأنه). (1) كلمة (وهو) موجود في الأصول ح، و، ط، ص وليست موجودة في الأصل ا. ~~والضمير راجع إلى النصب. # (2) كلمة (كله) ساقطة من ح. (1) كذا في الأصل على قراءة نافع. وقراءة حفص (قل). # (2) كذا في ا، ح، ط. وفي الطبعة الأولى: (جد ربنا). (1) في ا، ح: (أبي بردة عن أبي موسى). تحريف. # (2) يممك: قصدك. والوخط: الطعن بالرمح ومن معانيه أيضا: الشيب. (1) قال الآلوسي: (تقول): أصله تتقول بتاءين فحذفت إحداهما فكذبا مصدر مؤكد ~~لان الكذب هو التقول (2) الزيادة من الدر المنثور للسيوطي. # (3) يشتد: يعدو. # (4) في ا، ح وفتح القدير للشوكاني: (عاشق). (1) جملة: (إلى خلقه) ساقطة من ح، و. # (2) راجع ج 10 ص 10 (3) راجع ج 15 ص 66. (1) كذا في ا، ط، و، ح: في موضع أو. # (2) هو امرؤ القيس. ويروى: * تجاوزت أحراسا إليها ومعشرا * وتمام البيت ~~وهو من معلقته: * على حراصا لو يشرون مقتلي * (3) الفعل (قال) زائد في ط. ~~والصواب إسقاطه كما في ا، ح، و. (1) في ط: (وقد زيد). وفي ا، ح: (لقد زيد). # (2) راجع ج 15 ص 65. (1) كذا في ط، وهو الصواب. ms7320 وفي سائر الأصول: أو. (1) في ز: (مربد). وفي سائر الأصول: (زيدا) وهو تحريف. والتصويب عن شرح ~~القاموس. # (2) يقول لبيد: لم تبلغ العين من البكاء على أربد كل ما تريد في هذه ~~الليلة التي فيها الخيل كالقدد من شدة السير والأتعاب. (1) هو لبيد صاحب البيت الذي قبله كما في فتح القدير للشوكاني. # (2) راجع ج 9 ص 274 (1) في ا، ح: (ويحبى عن إبراهيم). (1) وفي حاشية الجمل نقلا عن القرطبي (قال ابن الأنباري: ومن قرأ بالكسر ~~فيما تقدم وفتح (وأن لو استقاموا): # أضمر قسما تقديره: والله (أن لو استقاموا على الطريقة، أو عطفه على (أنه ~~استمع) أو على (آمنا به). # وعلى هذا يكون جميع ما تقدم معترضا بين المعطوف والمعطوف عليه). (1) الزيادة من صحيح الترمذي. # (2) زيادة من ا، ح، ل. (1) آراب: أعضاء واحدها (إرب) بالكسر ثم السكون. # (2) راجع ج 10 ص 211 والرواية المشهورة في الصحاح (لا تشد الرجال) كما مر ~~للقرطبي. # (3). كلمة هذا ساقطة من الأصل المطبوع. # (4) راجع ج 9 ص 371 (5) في معجم البلدان لياقوت: الحفياء: بالفتح ثم ~~السكون وياء وألف ممدودة: موضع قرب المدينة أجرى منه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الخيل في السباق. وقال سفيان بين الحفياء إلى الثنية خمسة أميال. (1) كذا في ابن العربي. وفي ط: للمار إليها. # (2) راجع ج 8 ص 104 (3) راجع 12 ص 265. # (4) كذا في الأصول كلها يريد: ولا غيره. # (5) الجد بالفتح: الحظ والغنى كما في اللسان. (1) في تاج العروس: (نخلة): موضع بين مكة والطائف ويقال له (بطن نخلة). # (2) في ا، ح: (صفوفه). وفي ط (صفه). (1) كلمة (أيضا) ساقطة من ا، ز، ح: ط. # (2) هذا عجز البيت وسيأتي بتمامه. # (3) في الأصول: (الجولق) تحريف. # (4) في ا، ح، ل: (جمعا). # (5) الزيادة من اللسان مادة (لبد). # (6) هو الراعي: والبزلاء أيضا الحاجة التي أحكم أمرها والجثامة الذي لا ~~يبرح من محله وبلدته. وصدره كما في اللسان والتاج: # * من أمر ذي بدوات لا تزال له * (7) ما بين المربعين ساقط من ا، ح، و، ط. (1) قال شارح القاموس: هو ms7321 بالعين المهملة، ويوجد في بعض نسخ الصحاح (بقرات) ~~بالقاف. والذي في نسخ القاموس هو الأشبه إذ لا تتولد البقر من الظباء. (1) أزجلهم: أي أدفعهم. وفي ز، ط، ل: أزجلهم بالحاء أي أنحيهم. (1) راجع ج 5 ص 333. # (2) ما بين المربعين ساقط من الأصل المطبوع، ط. # (3) راجع ج 1 ص 163. (1) راجع ج 4 ص 95. # (2) في ح: (من غيبه بطريق الوحي إليهم ليكون..). (1) جملة: (من بعده) ساقطة من ا، ح. (1) هذا الكلام ينافي قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله قد عصمني من الإنس ~~والجن) (الحديث ج 6 ص 244) وأن الشياطين لا يمكن أن ينالوا منه عليه السلام ~~فكيف يلقون إليه حتى لا يفرق بين ما يلقونه وبين الوحي إلى أن تبينه ~~الملائكة. # (2) في، ح: (موضع الرقب). (1) في ط: (تمت السورة بحمد الله وعونه. (1) لعل هذا ما أراده بعض المفسرين بقولهم: قرأ بعض السلف (المزمل) بفتح ~~الزاي وتخفيفها وفتح الميم وشدها. # (2) القماش: أرد أمتاع البيت ويقال له: سقط المتاع. # (3) صدر البيت: # * كأن أبانا في أفانين ودقه * (4) المرعزاء (بكسر الميم والعين): الزغب ~~الذي تحت شعر العنز. (1) في ا، ح، ل: (والتأنيس). (1) راجع ج 2 ص 192 (١) أكلفوا: تحملوا: النهاية لابن الأثير. # (2) جملة: (لا تعجل) ساقطة من ح. # (3) راجع ج 1 ص 17. (1) راجع ج 1 ص 8. (1) أي الوحي. # (2) زيادة تقتضيها العبارة، وهي كذلك في كتب التفسير. # (3) في ا، ح، ل: (غريبة) راجع ج 1 ص 68 فما بعدها. (1) في ل: (وأنقي). (1) جملة: (قوله تعالى) ساقطة من ح. # (2) مسح: معناه يصب الجري صبا. وهذه الكلمة وردت محرفة في ط وهي ساقطة من ~~سائر الأصول. والتصويب من الديوان واللسان. والونى: الفتور والكلال. # والكديد: الموضع الغليظ. والمركل: الذي يركل بالأرجل. ومعنى البيت: إن ~~الخيل السريعة إذا فترت فأثارت الغبار بأرجلها من التعب جرى هذا الفرس جريا ~~سهلا كما يسح السحاب المطر. (1) زيادة من نهاية ابن الأثير. # (2) في ا، ح، ل، و: (الجن) بالجيم والنون وهو تحريف. # (3) في ا، ح، ز، ط، (تهواه). (1) راجع ج 13 ص 65. # (2) البيت ms7322 من معلقة امرى القيس ومعناه: إذا ابتسمت بالليل رأيت لثناياها ~~بريقا وضوءا وإذا برزت في الظلام استنار وجهها حتى يغلب ظلمة الليل. وممسى ~~راهب: أي إمساؤه. # (3) راجع ج 6 ص 261. # (4) حطام الدنيا: كل ما فيها من مال يفنى ولا يبقى. (1) راجع ج 20 ص 144. # (2) الزيادة من نهاية ابن الأثير. # (3) في ا، ح، ل: (المهطعين). # (4) راجع ج 8 ص 53. (1) في ا، ح، و: (وهو منع). # (2) في ديوان الخنساء: ظن. (1) ويروى (في الرق) والوحي هنا: الكتابة. والقشيب: الجديد. شبه حسان رضي ~~الله عنه آثار الديار بالسطور. # (2) هو عباس بن مرداس. وقد ورد في ا، ه‍، و: (والحال أنك) الخ. (1) الزيادة من حاشية الجمل نقلا عن القرطبي ونص بأنها عبارته. (1) في ا، ح، و: (رقامها). # (2) يلندد: شديد الخصومة. وصدر البيت: # * فمرت كهاة ذات خيف جلالة * (1) راجع ج 11 ص 3. # (2) في نسخ الأصل: (كالنعامة) بالنون والعين. والثغامة (بالثاء المفتوحة ~~والعين): شجرة تبيض كأنها الثلج. (1) مجازها: معناها. (1) في ز: (قال النقاش). # (2) أي أعطى من الأجر قنطارا. (1) راجع ج 1 ص 9 (1) قافية الرأس مؤخره وقيل: وسطه أراد تثقيله في النوم وإطالته. (1) الثلغ: وهو ضربك لشئ الرطب بالشئ اليابس حتى ينشدخ. # (2) يرفضه: يتركه. # (3) لم ترع: لا روع ولا خوف عليك بعد ذلك. (1) راجع ج 1 ص 123. # (2) راجع ج 17 ص 252 (3) جملة: (قوله تعالى) ساقطة من ا، ح، ط. # (4) راجع 2 ص 73. (1) في ل: (ختمت السورة والحمد لله). (1) جئثت أي ذعرت وخفت. # (2) الزيادة من ابن العربي. (١) كذا في أحكام القرآن تفسير ابن العربي ~~المطبوع بالقاهرة سنة ١٣٣١ ه‍. وفيما نقله المؤلف عن ابن العربي هنا تصرف ~~في اللفظ بزيادة ونقص فليراجع (ج ٢ / ٢٨٧). # (٢) كذا في أحكام القرآن وفي ح، ز، و: ~~(إعلاما) بالميم. # (3) راجع ج 1 ص 175. (1) ثياب دسم: متلطخة بالذنوب. وفي، ح، ز: (أو دم) بالدال المهملة وهو ~~تحريف. ومعنى البيت: أنه حج وهو متدنس بالذنوب. وأوذم الحج: أوجبه. # (2) في ا، ح: (المؤمن). # (3) صدر البيت: * وإن كنت قد ساءتك منى خليقة * (1) نسب المؤلف ms7323 هذا البيت فيما سيأتي لابن أبي كبشة مرة ولامرئ القيس مرة ~~أخرى وفي (اللسان) و (شرح القاموس) أنه لامرئ القيس ولم نعثر عليه في ~~ديوانه وقد نسبه ابن العربي لابن أبي كبشة. والشطر الأخير في ا، ز، ح، ط: * ~~وأوجههم عند المشاهد غران * (1) انظر الحاشية رقم 3 ص 62 من هذا الجزء. # (2) البيت من قصيدة مدح بها عمرو بن الحارث الغساني. وأراد برقاق النعال ~~أنهم ملوك لا يخصفون نعالهم وبطيب حجزاتهم عفتهم. والسباسب يوم (الشعانين) ~~وهو يوم عيد عند النصارى وكان الممدوح نصرانيا. (1) الإزرة بالكسر: الحالة وهيئة الائتزار. # (2) الزيادة من ابن العربي (ج 2 / 288) طبع السعادة بالقاهرة. # (3) في ابن العربي: بالأقصياء. # (4) راجع ج 8 ص 63. (١) قوله (بنصب الراء...) كذا في نسخ الأصل ولم نظفر به في المراجع التي ~~بأيدينا. # (٢) ا، ح: (فيه عشر تأويلات). # (٣) عبارة ابن العربي في أحكام القرآن (2 ~~/ 288): # ولا تضعف عن الخير أن تستكثر منه. (1) في، ا ح، ز، ط: (ولهذا). # (2) الكراع بوزن غراب: وهو مستدق الساق من الرجل. # وهو من البقر والغنم بمنزلة الوظيف من الفرس والبعير. (1) البيت لطرفة بن العبد من معلقته وتمامه: * وأن أشهد اللذات هل أنت ~~مخلدي * (2) زيادة يقتضيها المعنى. # (3) في ا، ح، ل: (ما أديت). (1) راجع ج 13 ص 339. # (2) راجع ج 7 ص 30. (1) في ا، ح، و: (أفردت). # (2) كلمة (له) ساقطة من ا، ح، ل. # (3) في ز، ط، ل: (لا يتبين). # (4) جمع حجرة وهي الأنثى من الخيل. (1) رواية لسان العرب: * إذا رحلت فاجعلوني وسطا * (2) نوى غربة: بعيدة. # (3) راجع ج 9 ص 349. # (4) راجع ص 28 من هذا الجزء. (1) تخلج المجنون في مشيته: تجاذب يمينا وشمالا. # (2) هو امرؤ القيس. # (3) كلمة: (مخففا) ساقطة من الأصل المطبوع. # (4) الجفار: موضع. وقيل هو ماء لبني تميم. (1) هو توبة بن الحمير. وزاد بعض النسخ بعد هذا البيت ما يأتي كحاشية: قوله ~~(بشهباء): أراد بكتيبة شهباء ومنه قول عنترة: # وكتيبة لبستها بكتيبة * شهباء باسلة يخاف رداها ويقال: كتيبة ململمة ~~وملمومة أيضا أي مجتمعة مضموم بعضها إلى بعض. وصخرة ملمومة ms7324 وململمة أي ~~مستديرة صلبة قاله الجوهري. # (2) راجع 2 ص 43. # (3) يقول: لو أتاني هذا النبأ عن حديث غيره لقلت قولا يشيع في الناس ~~ويؤثر عنى آخر الدهر. والنثا: ما يحدث به من خير وشر. والمسند: الدهر. # (4) الذي في ديوان الأعشى طبع أوربا: (تداريتما). # (5) في ز: (من قول أبي اليسر سيار). (1) كلمة: (أمر) ساقطة من الأصل المطبوع. # (2) الهواجر: جمع هاجرة وهي شدة الحر عند منتصف النهار. (1) السمائم: جمع سموم وهي الريح الحارة. # (2) لوحه السفر غيره وأضمره. والبدن: السمن واكتناز اللحم. والسنق: الشبع ~~حتى يكون كالتخمة. الضامر: # الفرس. يطوى: يجوع لأجل السباق. (1) المرزبة: عصية من حديد والمطرقة الكبيرة التي للحداد. (1) كذا في ا، ح، ط، و. وفي نسخة: وبم؟ # (2) كذا في نسخ الأصل: (الأسود). والذي في حاشية الجمل ص 457 ج 4: (أبو ~~الأشد). (1) ورد في الأصول ست قراءات فقط ولعل السابعة قراءة سليمان بن قتة (تسعة ~~أعشر) بضم التاء وهمزة مفتوحة وسكون العين وضم الشين وجر الراء. وتعقب ~~السمين هذه القراءات فقال: (في هذه الكلمة قراءات شاذة وتوجيهات تشاكلها). (١) كذا في الأصول. والصواب: اثنا عشر. # (٢) الأطيط: صوت الأقتاب (إكاف البعير). وأطيط الإبل: أصواتها وحنينها. ~~أي أن كثرة ما فيها من الملائكة قد ثقلها حتى أطت. وهذا مثل وإيذان بكثرة ~~الملائكة وإن لم يكن ثم أطيط. (النهاية). (1) النعف من الأرض: المكان المرتفع في اعتراض. والبيت من قول عبد الرحمن ~~بن زيد العذري وقد قتل أخوه وعرضت عليه الدية فأبى أن يأخذها وأخذ بثأره. (1) راجع ج 10 ص 64. # (2) في ح، ل: (وعيسى). (1) غرب (كسكر): اسم موضع وجبل دون الشام في بلاد بني كلاب. # (2) جملة (قوله تعالى) وكلمة (هربت) ساقطتان من ا، ح. # (3) في الأصول: (أبو حيان) وهو تحريف. والتصحيح من تفسير الثعلبي ~~(والتهذيب). (1) ما بين المربعين زيادة من ط. # (2) سورة الحجر ج 10 ص 4. # (3) سورة القلم ج 18 ص 253. (1) الزيادة من تفسير الفراء. # (2) الزيادة من تفسير ابن عطية وغيره. (1) رواية الشطر الأخير كما في اللسان: * عنم على أغصانه لم يعقد * والعنم: ~~شجر لين الأغصان ms7325 لطيفها يشبه به البنان. () النقب: قرحة تخرج في الجنب. والجرب والدبر: قرحة الدابة والبعير. (1) كلمة (تحير) ساقطة من الأصل المطبوع. # (2) قائله: طرفة. # (3) في غير القرطبي: لما أتاني ابن صبيح. والعيس الصهاب هي الإبل التي ~~خالط بياضها حمرة وهي تعد عند العرب من أشرفها. (1) راجع ج 7 ص 146. # (2) الزيادة من كتب التفسير. (1) تمام البيت: * كجلمود صخر حطه السيل من عل * (1) راجع ج 13 ص 330. # (2) راجع ج 10 ص 96. (1) راجع ج 12 ص 210. (1) راجع ج 6 ص 401. # (2) راجع ج 17 ص 289. # (3) راجع ج: 15 ص 35 ففيه معنى ما أشار إليه القرطبي وأما الحديث فقد ~~أورده في سورة الأنعام ج 6 ص 402 (4) قائله الجموح الظفري. وقيل: هو راشد ~~بن عبد ربه. وعذرى مقصور. وفي اللسان: صواب إنشاده لولا حددت. على إرادة أن ~~تقديره: لولا أن حددت لان لولا التي معناها امتناع الشئ لوجود غيره هي ~~مخصوصة بالأسماء وقد تقع بعدها الافعال على تقدير أن. (1) تقدم البيت برواية: ها إن ذي - مشارك الكمد. وهما روايتان. # (2) راجع ج 4 ص 124. # (3) راجع ج 8 ص 240. # (4) كلمة (الدين) ساقطة من ز، ط، ل، المتطوع. (1) ما بين المربعين ساقط من الأصل المطبوع. (1) جملة (ويوم حنين) ساقطة من ز، ط والمطبوع. # (2) اللفظ في رواية لأبي داود. (1) يشتد: يعدو. # (2) التصحيح من ابن العربي. وفي الأصول (الذمة). (1) راجع ج 11 ص 250. (1) راجع ص 148 من هذا الجزء. # (2) يروى الحديث بالتخفيف والتشديد من النضارة وهي في الأصل حسن الوجه ~~والبريق. # (3) راجع ج 8 ص 330 (1) الزيادة من مسند أبي داود. (1) تشب: توقد. والقفال جمع قافل وهو الراجع من السفر. البيت من قصيدة ~~لامرئ القيس. # (2) في نسخ الأصل نظرة والصواب ما ذكرنا كما في ديوان قائله وهو عمر بن ~~ربيعة. (1) راجع ج 7 ص 54. # (2) هكذا في كل الأصول. # (3) ضبعت الناقة: اشتهت الفحل. # (4) الجرير: حبل من أدم يخطم به البعير. (1) راجع ج 15 ص 195 و ج 17 ص 230. # (2) كذا في الأصل. والبيت لابنته عمرة من قصيدة لها ترثي بها أباها كما ms7326 ~~في شعراء النصرانية. (1) صدر البيت: * صبرا أمام إنه شر باق * (2) راجع ج 18 ص 248. (1) صدر البيت: * وكان طوى كشحا على مستكنة * (2) المطيطاء يمد ويقصر قال ~~ابن الأثير: وهي من المصغرات التي لم يستعمل لها مكبر. # (3) في ز، ط، ل: (ذات ليلة). (1) في ا (على ألة) بفتح فشد وهي الحربة. وصوابه آلة أي حالة. # (2) هو امرؤ القيس والبيت بتمه: # ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة * فقالت لك الويلات إنك مرجلي (1) من: ساقطة من الأصول. # (2) في (اللسان: ولى) وأسند الحكاية إلى ابن جنى. قال: # وحكى ابن جنى: أولاة الآن فأنت أولى. قال: وهذا يدل على أنه اسم لا فعل. (1) راجع ج 17 ص 118 وص 216 (2) راجع ج 16 ص 48 (3) راجع ج 5 ص 3 (4) في ح: ~~(المضفة). # (5) في ا، ح: (سبحانك اللهم وبحمدك). # (6) في ح: (والحمد لله على كل حال). (1) الآية 23. # (2) في ح: (تقديره). (1) الشنة: القربة. (1) هو عمرو بن الداخل الهذلي. وفي (اللسان: مشج) زهير بن حرام الهذلي. سيط ~~به: أي خرج قذذ من الريش مختلط من الدم والماء. # (2) وفي حاشية الجمل نقلا عن القرطبي ما يأتي: # والمعنى: (من نطفة قد امتزج فيها الماءان وكل منهما مختلف الاجزاء متباين ~~الأوصاف في الرقة والثخن والقوام، والخواص تجتمع من الأخلاط وهي العناصر ~~الأربعة ماء الرجل غليظ أبيض وماء المرأة رقيق أصفر فأيهما علا كان الشبه ~~له). (1) راجع ج 1 ص 147 وص 160. # (2) في ا، ح، و: (وكثرة كفره). (1) راجع ج 18 ص 272. (1) الرواية المشهورة في المعلقات: صددت الكأس. # (2) في ا، ح: (شرابها). # (3) السبيئة: الخمر. وسميت بذلك لأنها تسبأ أي تشترى لتشرب وفي: (كأن ~~خبيئة) وهي المصونة المضنون بها لنفاستها. وبيت رأس: موضع بالأردن مشهور ~~بالخمر. (1) قائله أبو ذؤيب يصف السحابات والباء في (بماء) بمعنى (من) و (متى) ~~معناها (في) في لغة هذيل ونئيج: أي مر سريع مع صوت. (1) هذا السند في الأصول: أبو مقاتل عن صالح بن سعيد عن أبي سهل الخ ~~وصوبناه من التذكرة للقرطبي. # (2) الزيادة من الدر المنثور. # (3) الزيادة من التذكرة ms7327 والدر المنثور. (1) في ا، ح، ل، و: (قاسيا) وهو تحريف. # (2) ويروى: أورثت. # (2) سراة بني لؤي أي خيارهم. والبويرة: موضع ببني قريظة يشير إلى ما فعله ~~المسلمون ببني قريظة. (1) راجع ج 2 ص 14 فما بعدها وص 21. (1) هذه الأبيات والتي بعدها كل النسخ مجمعة على تحريفها ولقد أحسن أبو ~~حيان إذ يقول فيها: وذكر النقاش في ذلك حكاية طويلة جدا ظاهرة الاختلاق ~~وفيها أشعار للمسكين واليتيم والأسير يخاطبون بها بيت النبوة وأشعار لفاطمة ~~رضي الله عنها تخاطب كل واحد منهم ظاهرها الاختلاق لسفساف ألفاظها وكسر ~~أبياتها وسخافة معانيها. # وسيأتي للمؤلف رحمه الله ما يضعف هذا لحديث ويزيفه. (1) كذا في الأصل. (1) النسع - بالكسر -: سير يضفر على هيئة أعنة النعال تشد به الرحال. (1) البيت لحذيفة بن أنس الهذلي والذي في ديوان الهذليين: # بنو الحرب أرضعنا بها مقمطرة * ومن يلق منا يلق سيد مدرب أرضعنا مبنى ~~للمجهول. مقمطرة: من اقمطرت الناقة إذا لقحت. ويلق بني للمجهول في اللفظين. ~~والسيد عند هذيل: # الأسد. والمدرب: الضاري. (1) في ا، ح: (وروى). (1) راجع ج 12 ص 19. # (2) راجع ج 10 ص 398. # (3) المعزاء: الأرض الصلبة. يقول: من شدة الحاجة إلى النوم يرون الأرض ~~الصلبة ذات الحجارة مثل الفرش على الأرائك وهي السرر. يروى: (خدودا) على ~~أنه مفعول لفعل في البيت قبله. # (4) الذي في ديوان الأعشى طبع أوربا. مبتلة الخلق مثل المهاة... الخ. (1) راجع ج 11 ص 127 (1) كذا في نسخ الأصل. والذي في المطبوع: (أبو حنيفة). # (2) الأنبوب: البردي. والسقى: النخل المسقى. شبه ساق المرأة ببردى قد نبت ~~تحت نخل فالنخل يظله من الشمس وذلك أحسن ما يكون منه. وصدر البيت: وكشح ~~لطيف كالجديل مخصر. # (3) يروى: تخفق. بدل تقرع. # (4) راجع ج 16 ص 111 (1) أي في بياضها. # (2) قائله المتلمس. ويروى: أطعمه. والرواية الصحيحة في (آليت) بالفتح ~~لأنه يخاطب عمرو بن هند الملك وكان قد أقسم ألا يطعم المتلمس حب العراق. ~~فقال له المتلمس مستهزئا آليت على حب العراق لا أطعمه وقد وجدت منه بالشام ~~ما يغنى عما عندك فمنه هناك كثير ms7328 بحيث يأكله السوس. وأراد بالقرية الشام. (1) الذي في ديوان الأعشى هذا البيت لا الذي بعده وفيه: خالط فاها... الخ ~~والظاهر أن البيتين واحد واختلفت الرواية. والأرى: العسل. (1) البريص: نهر بدمشق. وبردى نهر آخر بدمشق أيضا أي ماء بردى. ويصفق: ~~يمزج. والرحيق: # الخمر البيضاء. # (2) راجع ج 17 ص 202. # (3) في ل، و: (واللؤلؤ إذ نثر كان أحسن...). (1) في ا، ح، ل: (فقاربوا له). (1) زيادة يقتضيها المعنى. # (2) جملة: (سبحان المنعم): في الأصل المطبوع. # (3) جملة:: (أن يكون) ساقطة من الأصل. (1) زيادة تقتضيها العبارة. # (2) زيادة من ا، ح. # (3) في الأصل إستبرق وهو تحريف والتصويب من القاموس الفارسي. وفي الألفاظ ~~الفارسية وشرح القاموس أصله: (استبره). # (4) راجع ج 10 ص 397 و ج 17 ص 179 (1) راجع ج 13 ص 39 (1) في ا، ح، و: (بعد هذا). # (2) في ز، ط، ل: يتعطف. (1) راجع ج 13 ص 29. # (2) العجول من النساء والإبل: الواله التي فقدت ولدها سميت بذلك لعجلتها ~~في جيئتها وذهابها جزعا وهي هنا الناقة. والربع: كمضر: الفصيل ينتج في ~~الربيع. (1) راجع ص 38 من هذا الجزء. # (2) قاله أبو ذؤيب الهذلي. # (3) راجع ج 7 ص 355. (1) ورد في اللسان مادة (حبك) أنشد بيت لبيد على هذه الصورة: مشرف الحارك ~~محبوك الكفل (وكذلك هو في ديوانه) ومحبوك الكفل: مدمجه. وفي مادة حرك أنشد ~~الشطر: # * مغبط الحارك محبوك الكفل * أما الشطر الذي في التفسير هنا فهو لأبي ~~دواد وقد مر في ج 17 ص 32. # (2) مجتنب: مفتعل من الجنيبة وهي الفرس تقاد ولا تركب وكانوا يركبون ~~الإبل ويجنبون الخيل فإذا صاروا إلى الحرب ركبوا الخيل. # (3) الجدجد: الأرض الصلبة. ولا تقي: لا تتوقى ولا تتهيب. (1) عكمت المتاع شددته والعكام الخيط الذي يعكم به وعكمت البعير شددت عليه ~~العكم. # (2) في ب، ز، ط: إلى الخير. (1) راجع ج 1 ص 198 (1) كذا في الأصول ولعل المناسب الاستشهاد بقوله تعالى: (جاءتها ريح عاصف) ~~كما أشار إليه أبو حيان بقوله: وأن العصف من صفات الريح... الخ. (1) الزيادة من اللسان عن الجوهري مادة (فرق). # (2) تبوج البرق: تفتحه وتكشفه. ms7329 علجوم: شديد السواد. (1) وضح المؤلف هذا البدل عند قوله تعالى: (قل أوحى) في أول هذا الجزء. # (2) زيادة يقتضيها المقام. (1) راجع ج 12 ص. (١) راجع ج ٢ ص ١٠٢. # (٢) لم يذكر في الأصول لفظ المسألة الثانية والمتبادر أن هنا موضعها كما ~~يستفاد من أحكام القرآن لابن العربي. # (3) راجع ج 6 ص 168 (١) راجع ج ١٧ ص ٢١٣. # (٢) كذا في الأصول ولعل اللفظ تلفحهم. # (٣) بنصب ثلاثة ويجوز إضافة بقصر إليها أي بقدر ثلاثة أذرع. ولفظ الحديث ~~في (النهاية قصر): (كنا نرفع الخشب للشتاء ~~ثلاث أذرع أو أقل وتسميه القصر). (1) هو الأعشى. # (2) في نسخة: اليزيدي. وهو تصحيف. (1) راجع ج 7 ص 207 (2) قائله كثير عزة. وموزن كمقعد: بلد بالجزيرة. (1) راجع ج 12 ص 153 (1) راجع ج 15 ص 44. (١) في نسخة: تمكن من السجود. # (٢) كذا في أحكام القرآن لابن العربي طبعة ~~السعادة. (1) في الأصول: ليعلمون. والفعل مؤكد بالنون الثقيلة بعد القسم. (1) هو حميد بن ثور والسبت: السير السريع. والذميل: السير اللبن. # (2) هذه الزيادة عن أبي حيان دل عليها إجماع نسخ الأصل على ذكر أبي ~~النجم. # (3) البيت لعمر بن أبي ربيعة. (1) هو البعيث كما في اللسان وروايته للبيت: # وذي أشر كالأقحوان تشوفه * ذهاب الصبا والمعصرات الدوالح والدوالح ~~السحائب التي أثقلها الماء: والذهاب بكسر الذال: الأمطار الضعيفة. # (2) هو منصور بن مرثد الأسدي (3) راجع ج 9 ص 205. # (4) قاله في رثاء ابن أخته وكان مات عطشا في طريق مكد. (1) البيت في وصف المطر ومنصاح: منشق بالماء. وفي الديوان: فالتج أعلاه. # (2) قوله: والجمع لف بضم اللام راجع إلى جنة لفاء بدليل قوله: مثل حمر ~~لأنه جمع الحمراء وأما لف بالكسر والفتح فجمعه ألفاف. (1) في ا، ح: متقاربة الأغصان من كل.. الخ. # (2) [بن جبل]: ساقطة من الأصل المطبوع. (1) وفي الدر المنثور: حق الله والفقراء... الخ. (1) ا، ح، ل، و: (أبى سفيان). (1) [لابثين]: ساقط من ا، ز، ل، ط. (1) راجع ج 7 ص 206 (2) صدر البيت: * ولا حمول غدت ولا دمن * (1) هو العرجي: عبد الله بن عمر بن عمرو بن ms7330 عثمان بن عفان. ونسب إلى العرج ~~وهو موضع قبل الطائف كان ينزل به. والنقاخ كغراب: الماء الطيب. # (2) قائله حميد بن ثور يصف سرحة وكنى بها عن امرأة. # (3) كذا في الأصل. وفي كتب اللغة مادة (فيأ) ولا الفئ من برد العشى... ~~الخ. (١) راجع ج ١٥ ص ٢٢١ فما بعدها. # (٢) الزيادة من معاني القرآن للفراء. # (3) قال الشهاب: وضمير صدقتها وكذبتها للنفس. والمراد: أنه يصدق نفسه: ~~تارة بأن يقول إن أمانيها محققة وتكذيبها بخلافه أو على العكس. (1) راجع ج 17 ص 211. # (2) في (اللسان: دهق): والدهق (بالتحريك): ضرب من العذاب. # وهو بالفارسية: (أشكنجة). ودهقت الشئ: كسرته وقطعته. اه‍. # (3) التصحيح من كتب اللغة وفي الأصول: خشبتان يعصر بهما. (1) يروى هكذا في اللسان مادة (دهق). وفي الأصول (مراجله). والمناقع: ~~القدور الصغار واحدها: متقع ومنقعة. # (2) قائلته امرأة من بني قشير. ونقفيه: أي نؤثره بالقفية وهي ما يؤثر به ~~الضيف والصبي. (1) هكذا رسم الشوكاني الكلمة في تفسيره فتح القدير (5 / 258) ولم يضبطها. (1) هذه القراءة ذكرها القرطبي وابن عطية ولم يذكرا قراءة عاصم بالجر فيهما ~~وهي رواية حفص وقد ذكرها أبو حيان والآلوسي فتكون القراءات عن عاصم على هذا ~~ثلاثا رفع فيهما وجر فيهما وجر (رب) ورفع (الرحمن). # (2) في نسخة: السماء السابعة. (1) ما بين القوسين: ساقط من ز، ط، ل. (1) راجع ج 17 ص 169 (1) في نسخ الأصل: تنزع من الكلأ. وفي البحر: تنزع إلى... الخ. # (2) الزيادة من تفسير الثعلبي. (1) جمع وهق بحركتين وقد يسكن: الحبل تشد به الإبل والخيل لئلا تند ويقال ~~في طرفه أنشوطة. (1) مسح: بصب الجرى. الوني: الفتور. الكديد: الموضع الغليظ. المركل: الذي ~~يركل بالأرجل. ومعنى البيت: إن الخيل السريعة إذا فترت فأثارت الغبار ~~بأرجلها من التعب جرى هذا الفرس جريا سهلا كما يسح السحاب المطر. (1) راجع ج 13 ص 239 فما بعدها. (1) قائله منازل بن ربيعة المنقري في هجو رؤبة والعجاج: والرواية المشهورة ~~للبيت كما في كتب النحو كشرح التصريح وغيره هي: # أبا الأراجيز يا بن اللؤم توعدني * وفي الأراجيز - خلت - اللؤم والخور ~~والأراجيز ms7331 جمع أرجوزة وهي القصائد الجارية على بحر الرجز: وفي الأراجيز خبر ~~مقدم واللؤم مبتدأ مؤخر وتوسط (خلت) بين المبتدأ والخبر أبطل عملها وهو ~~موضع الشاهد في البيت عند النحاة. وقيل لا يمتنع النصب على أن يقدر مبتدأ ~~أي (أما). # (2) مرتكضة: مضطربة. (1) قائله الهمداني يوم القادسية. (1) هذه الأبيات للهمداني يوم القادسية وقد تقدم ذكرها. محاج: اسم فرس ~~الشاعر. وفي اللسان مادة (نخر) أقدم أخانهم. ولا تهولنك رؤوس. وفي السمين: ~~بادره. # (2) الجميم بالجيم: النبت الذي قد نبت وارتفع قليلا ولم يتم كل التمام ~~والعميم المكتمل التام من النبت والأسداف: جمع غدف بالتحريك وهو ظلمة ~~الليل. # (3) هذا كما تزعم العرب في الجاهلية. # (4) وصدر البيت: * لا نقص فيه غير أن خبيئة * (5) كذا في نسخ الأصل التي ~~بأيدينا. والذي في اللسان مادة (سهر): أو فلقة. (1) ذكره الطبري أيضا. (1) راجع ج 7 ص 256 فما بعدها و ج 11 ص 200 فما بعدها و ج 13 ص 250 فما ~~بعدها. # (2) قائله عدى بن زيد. # (3) راجع ج 11 ص 175. # (4) الزيادة من الطبري وهي لازمة. (1) زيادة تقتضيها العبارة. # (2) راجع ص 45 من هذا الجزء. # (3) الذي في اللغة المسمكات كمكرمات وورد كذلك في الخبر. وصحح التاج أن ~~المسموكات لغة لا لحن وبها ورد الخبر عن طريق آخر. (1) هذه الزيادة من اللسان عن الفراء قال: ظلم الليل بالكسر وأظلم بمعنى. # (2) الفياد بفتح الفاء وضمها: ذكر البوم. # (3) راجع ج 1 ص 255. # (4) مضى هذا البيت في ج 15 ص 310 بلفظ: سكانها. والمعنى واحد. (1) القرى مجرى الماء في الروضة والجمع أقرية وأقراء وقريان ويضرب المثل ~~عند تجاوز الشئ حده. # (2) الركية: البئر أي جرى سيل الوادي. (1) في ط: ما يعملون. # (2) كذا في ا، ح، ز، ل. وفي بعض الأصول: وصنيعته. (1) قال الفراء: كقولك قام العدل وقام الحق أي ظهر وثبت. # (2) راجع ج 8 ص 335 فما بعدها. (1) الرواية هنا وفي ابن العربي يا محمد والمشهور في التفسير يا رسول الله ~~علمني مما علمك الله. وفي رواية: # يا رسول الله أرشدني: كما سيأتي للمصنف. ms7332 # (2) الدمى: جمع دمية وهي الصورة يريد بها الأصنام. # (3) ما بين المربعين ساقط من ب. (1) راجع ج 8 ص 45 فما بعدها. # (2) في أ، ح: تعليما. (1) قال الزمخشري وقرئ (آأن) بهمزتين وألف بينهما. # (2) الأسوار (بكسر الهمزة وضمها) قائد الفرس وقيل: هو الجيد الرمي ~~بالسهام وقيل: هو الجيد الثبات على ظهر الفرس والجمع أساورة وأساور. (1) كذا في الأصول وهو مخالف لما في كتب اللغة. الصواب: (مصونة). انظر تاج ~~العروس. (1) الزيادة من صحيح البخاري (2) راجع ج 17 ص 522 (1) كذا لفظ الحديث في الأصول ورواية أبي حيان له: (اللهم ابعث عليه كلبك ~~يأكله " ثم قال: # فلما انتهى إلى الغاضرة... الخ. (1) العوافي: طلاب الرزق من الانس والدواب والطير والمراد هنا: الوحوش ~~والبهائم. (١) قزحه: أي تبله من القزح وهو التابل الذي يطرح في القدر كالكمون ~~والكزبرة ونحو ذلك. # والمعنى: إن المطعم وإن تكلف الانسان التنوق في صنعته وتطييبه فإنه عائد ~~إلى حال يكره ويستقذر فكذلك الدنيا المحروص على عمارتها ونظم أسبابها راجعة ~~إلى خراب وإدبار) (النهاية). (1) في ب، ز: قرأ بعض القراء. # (2) آبك: أتاك. الريب: صروغ الدهر. # (3) السلت (بالضم): ضرب من الشعير. (1) الكحيل: نوع من القطران تطلى به الإبل للجرب ولا يستعمل إلا مصغرا. وجل ~~الدابة: الذي تلبسه لتصان به والجمع جلال وأجلال. # (2) الجذم (بكسر الجيم): الأصل. والمكرع: مفعل من الكرع أراد به الماء ~~الصالح للشرب. (1) السوام والسائمة: المال الراعي من الإبل والغنم وغيرهما. (١) لم نجد كلام ابن العربي هذا في النسخة المطبوعة بمطبعة السعادة من ~~كتابه (أحكام القرآن). (1) الزيادة من صحيح الترمذي. (1) هكذا البيت في نسخ الأصل التي بأيدينا والذي في ديوان العجاج رواية ~~الأصمعي نسخة الشنقيطي: قال يمدح عمرو بن عبيد الله بن معمر: قد جبر الدين ~~الاله فجبر. إلى أن قال: # دانى جناحيه من الطور فمر * تقضى البازي إذا البازي كسر أبصر خربان فضاء ~~فانكدر * اشكى الكلاليب إذا أهوى اطفر الطور: الجبل وعنى هنا الشام يقول: ~~انقض ابن معمر انقضاضة من الشام انقضاض البازي ضم جناحيه. وخربان: # جمع خرب وهو ms7333 ذكر الحبارى والكلاليب المخالب واطفر: أصله اظتفر فأبدلت ~~التاء طاء فأدغمت في الظاء. (1) في ا، ح، و: لزلزالها. # (2) راجع ج 11 ص 245. # (3) صدره: * وضربت قرني كبشها فتجدلا * (1) في ط: بزل. # (2) راجع ج 6 ص 421. (1) يوم: ساقطه من ب، ز، ط. (1) كذا روى البيت ونسب إلى متمم بن نويرة في الأصول ونسبه اللسان وشرح ~~القاموس مادة (عوز) إلى حسان رضي الله عنه وروى فيهما: # وموؤودة مقرورة في معاوز * بآمتها مرموسة لم توسد والآمة: ما يعلق بسرة ~~المولود إذا سقط من بطن أمه. والمعاوز: خرق يلف بها الصبي. (1) راجع ج 10 ص 117 (2) ويروى: وجدى الذي منع الوائدات... الخ. (1) راجع ج 10 ص 230. (1) في ز: أدنيت. (1) الزيادة من صحيح مسلم. (1) تقمع: تحرك رؤوسها من القمعة وهي ذباب أزرق يدخل في أنوف الدواب أو يقع ~~عليها فيلسعها. # (2) قال: (كناسى) لان الحيوان يستكن بالغداة في ظلها وبالعشي في فيئها. ~~والضال: السدر البري الواحدة ضالة. والأطر: العطف. والمؤيد: المقوى. يقول ~~الشاعر: كأن كناسى ضالة يكنفان هذه الناقة لسعة ما بين مرفقيها وزورها. # (3) تعشى: دخل في العشاء وهو أول الليل. ظلوفه: حوافره. (1) تسعسعا: أدبر وفنى والسرعرع: الشاب الناعم. # (2) كذا في الأصول كلها ولم نجده في ديوانه. وفي السان: كان له من ضوئه ~~مقبس. ثم قال: أنشده أبو البلاد النحوي وقال: وكانوا يرون أن هذا البيت ~~مصنوع. وادنا أصله: إذ دنا فأدغم. # (3) تمامه، * كأني أنادى أو أكام أخرسا * (4) الزيادة من الصحاح. (1) في نسخ الأصل (تنفست القوس والنفوس: أي تصدعت. واللغة لا ذكر فيها ~~لكلمة النفوس ولعلها زيادة من الناسخ. (1) في (اللسان: وصع) الوصع: هو العصفور الصغير. (1) راجع ج 17 ص 94 وقول ابن مسعود هناك هو: أن محمدا صلى الله عليه وسلم ~~رأى جبريل والذي قال بأنه رأى ربه هو ابن عباس رضي الله عنهما. # (2) الجد: البئر تكون في موضع كثير الكلأ. الفراتي: المنسوب إلى الفرات. ~~والبوصى: ضرب من سفن البحر والملاح أيضا. والماهر: السابح. (1) في تفسير الثعلبي: بضعة وثمانين. (1) العقيقة: شعاع البرق الذي يبد وكالسيف. والكمع: ms7334 الضجيع. # (2) راجع ج 16 ص 4 (1) الزيادة من تفسير الثعلبي والطبري والدر المنثور. والحديث كما رواه ~~الثعلبي بعد السند: قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجده (ما ولد ~~لك)؟ قال: يا رسول الله وما عسى أن يولد لي إما غلاما أو جارية. قال (فمن ~~يشبه) قال: فمن يشبه أمه أو أباه فقال النبي صلى الله عليه وسلم. (لا تقل ~~هكذا إن النطفة... الحديث). (1) في ا، ب ح، ط، ل: الخزاية ورواية روح المعاني (ح 9 ص 317): لا ~~يفارقونكم إلا عند إحدى الغائط والجنابة والغسل. # (2) الزيادة من الدر المنثور وفيه. سبب ورود الحديث أنه عليه السلام رأى ~~رجلا يغتسل بفلاة من الأرض...... الخ. # (3) راجع ج 17 ص 11. # (4) راجع 4 ص 310 فما بعدها. (1) كذا في الأصول: أي لا تغش وفي ابن العربي (ولا تجلب). # (2) في ا، ح، ز، ط، ل، وابن العربي: (استوى). (1) هجر في نومه ومرضه يهجر هجرا: هذى. (1) أي في الماء. # (2) راجع ج 18 ص 282. (1) راجع ج 9 ص 265 فما بعدها. (1) الذي في التاج نقلا عن الجوهري: * ورجلة يضربون الهام عن عرض * (2) ~~راجع ج 1 ص 68. # (3) القراح بوزن سحاب: الماء الذي لا ثقل به. (1) راجع ج 2 ص 11 (١) راجع ج ١ ص ١٨٨ فما بعدها. # (٢) [وعلاك]: زيادة من (اللسان: ران) تتميما لكلام أبي عبيد. # (٣) في النهاية لابن الأثير: أي أحاط ~~الدين بماله. # (4) البيت في (اللسان: ران) منسوبا لأبي زبيد يصف سكرانا غلبت عليه ~~الخمر. (1) الرين: هو الختم أي الطبع على القلب كما في (اللسان) مادة (رين). (1) فيستقبلونه: كذا في ا، ب، ح، ط، ل. (1) كذا في الأصول كلها ولعل الصواب: أصفى الحمر. (1) تقدم شرح البيت بهامش ص 141 من هذا الجزء. # (2) هو أبو كبير الهذلي. # (3) صدر البيت: * فبتن جنابتي مصرعات * (4) صدره: * وصهباء طاف يهوديها * (1) راجع ص 120 من هذا الجزء. (1) راجع ج 5 ص 226. (1) راجع ج 16 ص 139. # (2) راجع ج 12 ص 155. # (3) راجع ج 1 ص 208 (1) راجع ج 9 ص 383. # (2) راجع ص 196 ms7335 من هذا الجزء. (1) أي حور في حور فمحاورة: مصدر ميمي بمعنى الحور. # (2) قائله سبيع بن الخطيم يريد الاكل يذهب والذم يبقى. # (3) هو العجاج. (١) الكون هنا: مصدر كان التامة بقال: كان يكون كونا: أي وجد واستقر. (النهاية). (1) هو لإسحاق بن خلف. وقيل هو لابن المعلى. اللسان. (1) راجع ج 2 ص 318 فما بعدها. (1) هو العجاج كما في اللسان مادة (وسق). # (2) قائله الأسود بن يعفر وصدره: * كذبت عليك لا تزال تقوفني * (1) راجع ج 17 ص 14. (1) رواية البخاري (لتتبعن) بدل (لتركبن). # (2) في ا، ح، ط، ل: طبقة. (1) [المعنى]: ساقطة من ا، ح، و. (1) راجع ج 18 ص 263. # (2) راجع ج 15 ص 341. # (3) تقدم هذا البيت بلفظ: فترى حتفها من الرجع والع * منينا... الخ. # (4) راجع ج 2 ص 169. (1) سرر الشهر (بفتحتين): آخر ليلة منه وهو مشتق من قولهم: استمر القمر أي ~~خفى ليلة السرار فربما كان ليلة وربما كان ليلتين. # (2) راجع ج 5 ص 82 (1) الزيادة من صحيح الترمذي. # (2) في كتاب الأنساب للسمعاني: (العمى) بفتح العين المهملة وتشديد الميم ~~هذه النسبة إلى العم وهو بطن من تميم. وفي التهذيب: (قال علي بن مصعب: سمى ~~زيد العمى لأنه كان كلما سئل عن شئ قال حتى أسأل عمى). # (3) راجع ج 9 ص 96 (1) راجع ج 5 ص 287، 197. # (2) راجع ج 6 ص 399. # (3) راجع ج 14 ص 199. # (4) راجع ج 2 ص 153. # (5) راجع ج 6 ص 376 (1) راجع ج 4 ص 124 (1) القرقور) بضم القافين: السفينة الصغيرة. # (2) الكنانة (بالكسر): جعبة السهام تتخذ من جلود لا خشب فيها أو من خشب ~~لا جلود فيها. (1) في الأصول: (.. إلا الله عبد الله...) وهو تحريف. (1) النفط (بالكسر وقد بفتح): زيت معدني سريع الاحتراق توقد به النار ~~ويتداوى به. (1) في ا، ح، و، تاريخ الطبري: (فيمون) بالفاء. # (2) القدح (بالكسر): السهم قبل أن ينصل ويراش جمعه قداح. (1) في ز، ل: (تسعين ألفا). # (2) هو كغراب أو كرمان ويكسر. وهو أول من كسا البيت الحرام. (1) راجع ج 10 ص 180 وص 202. # (2) راجع ج 14 ص 68 (3) راجع ms7336 ج 10 ص 180 (1) البيت لأعشى قيس وصدره: # * تشب لمقرورين يصطليانها * (2) في بعض النسخ: (أي بالخلد) بدل (ثم ~~بالجد). # (3) راجع ج 8 ص 207 (1) الحرة (بفتح الحاء المهملة): أرض ذات حجارة سود نخرة. # (2) في ا، ح، ز، ط، ل: وكانوا. # (3) ا، ح، ولا يشابهه شئ. (1) راجع ج 9 ص 95 (1) راجع ج 12 ص 157. # (2) المرخ والعقار: شجرتان من أكثر الشجر نارا يتخذ منها الزناد والعرب ~~تضرب بهما المثل في الشرف العالي. و (استمجد). استكثر. # (3) راجع ج 7 ص 220 (4) هو سعيد بن يحمد الهمداني. (1) في روح المعاني: (ساطربون). (1) لعل المراد به: أبو بكر العطار: محمد بن الحسن بن مقسم. # (2) زيادة عن الطبري (1) البيت لامرئ القيس. والتمائم: التعاويذ التي تعلق في عنق الصبي. وذو ~~التمائم: هو الصبي. والمغيل: # الذي تؤتى أمه وهي ترضعه. ويروي: (محول) بدل (مغيل) وهو الذي أتى عليه ~~الحول. # (2) الاستحداد: حلق العانة بالحديد. والمغيبة: التي غاب عنها زوجها. ~~والشعثة: التي تلبد شعرها. # (3) لم نعثر على هذين البيتين في ديوان ابن الرومي. وقد أورد الجاحظ ~~البيت الأول في كتابه (الحيوان ج 6 ص 508 طبع مطبعة الحلبي) غير منسوب. ولم ~~يعرف أن الجاحظ يستشهد بشعر ابن الرومي. وقد توفى الجاحظ وكانت سن ابن ~~الرومي 34 على أن هذا الشعر ليس من روح ابن الرومي. وقد أورد أيضا الغزالي ~~في (الاحياء ج 3 ص 180 طبع الحلبي) البيت الأول ضمن ستة أبيات من وزنه ~~وقافيته. # (4) هي هند بنت بياضة بن رباح بن طارق الأيادي، قالت هذا الرجز يوم أحد ~~تحض على الحرب، والزجر بأكله في (اللسان: طرق). (1) آية 10 سورة الصافات. # (2) أي لم يرد به نجم معين، كالثريا أو زحل، كما قال بعض المفسرين. (١) راجع ج ٩ ص ٢٩١. # (٢) آية ٦٥ سورة يوسف. # (٣) آية ٥٢ سورة الأنبياء. # (٤) بل يقال ذلك، ونقله صاحب اللسان عن الليث. وانظره أيضا في المصباح المنير للفيومي. (1) بل هي ثلاث فقط، أما صلب بضمتين، فضمة العين اتباع للفاء، وليست لغة ~~ثابتة (انظر تاج العروس: # صلب). # (2) هو ms7337 ابن عبد المطلب، يمدح النبي صلى الله عليه وسلم، وتمام البيت: # * إذا مضى عالم بدا طبق * (3) البيت من معلقة امرئ القيس. والمهفهفة: ~~الخفيفة اللحم: التي ليست برهلة ولا ضخمة البطن. والمفاضة: # المسترخية البطن. والسجنجل: المرآة. وقيل: سبيكة الفضة، أو الزعفران، أو ~~ماء الذهب. # (4) في بعض نسخ الأصل: (أنها عظام النهد والصدر). # (5) البيت للخبل. وشرق الجسد بالطيب امتلأ فضاق. واللبات (جمع لبة): موضع ~~القلادة. (1) تمام البيت: # * وعن أعين قتلتنا كل مقتل * (2) القائل: هو الأغلب العجلي. وعجز البيت: # * لم يعدوا التفليك في النتوب * وتفلك ثدي الجارية: استدار. والنتوب: ~~النهود، وهو ارتفاعه. # (3) كذا في بعض النسخ والطبري. وفي بعضها: " يسر " بالراء. وفي روح ~~المعاني: (يبين). وفي اللسان وشعراء النصرانية (يلوح). # (4) في اللسان مادة (ترب): "... ليس له غضون ". والبيت من قصيدة مكسورة ~~القافية، مطلعها: # أفاطم قبل بينك متعيني * ومنعك ما سألت كأن تبيني (5) ما بين المربعين ~~ساقط من بعض نسخ الأصل. # (6) راجع ج 4 ص 7. # (7) راجع ج 16 ص 343 (1) وقال الأستاذ الامام في تفسير جزء (عم): كنى بالصلب عن الرجل، ~~وبالترائب عن المرأة. # (2) أنظر ما سبق في ص 5. # (3) تمام البيت * إذا بدا عالم بدا طبق * وهو من قول للعباس بن عبد ~~المطلب في مدح النبي صلى الله عليه وسلم. (١) هو شاعر إسلامي، منسوب إلى " طهية "، بضم الطاء، وهي أم قبيلة من ~~العرب. # (٢) كذا ورد في بعض نسخ الأصل و (خزانة الأدب ج ١ ص ٣٢٢) وفي بعض ~~نسخ الأصل، والشعرا والشعراء، و (كتاب الأغاني ج 4 ص 242 طبع دار الكتب ~~المصرية): " ستبلى لكم... ". (1) في ابن العربي: " أخذته ". (1) ما بين المربعين ذكر في هامش بعض نسخ الأصل. والمحتفل: أعظم موضع في ~~الجسد. ويختلي: يقطع. # (2) البيت للمتنخل الهذلي. قال السكري في شرح هذا البيت: " رباء يربأ ~~فوقها، يقول لا يدنو لقلتها، أي لرأسها: أي لا يعلو هذه الهضبة من طولها ~~إلا السحاب والأوب. والأوب: رجوع النحل. والسبل: # القطر حين يسبل ". (1) آية 26 سورة عبس. # (2) راجع ج 1 ص 5 طبعة ثانية أو ms7338 ثالثة. # (3) صدر البيت: # * أرانا على حب الحياة وطولها * (4) راجع ج 1 ص 208 طبعة ثانية أو ثالثة. (1) في بعض النسخ " يريده ". # (2) آية 5 سورة التوبة. # (3) هذا عجز بيت للجموح الظفري. وصدره: # * تكاد لا تثلم البطحاء وطأتها * (4) آية 4 سورة محمد. (1) تمامه: * ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر * والبيت من قصيدة له، يخاطب ~~بها ابنتيه، مطلعها: # تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهما * وهل أنا إلا من ربيعة أو مضر (1) المكاء: الصفير. والتصدية التصفيق. قال ابن عباس: " كانت قريش تطوف ~~بالبيت عراة يصفقون ويصفرون، فكان ذلك عبادة في ظنهم ". # (2) راجع ج 19 ص 224. # (3) التثبيج: التخليط. # (4) آية 50. الرازيانج: شجرة يسميها أهل اليمن (السمار)، ومن خصائصها أن عصارة أغصانها ~~وأوراقها تخلط بالأدوية التي تحد البصر وتجلوه (انظر المعتمد في الأدوية ~~المفردة لملك اليمن يوسف بن رسول. طبع مصطفى البابي الحلبي وأولاده ~~بالقاهرة). # (2) أي بعيد. # (3) آية 81 سورة النحل. # (4) آية 52 سورة الشورى. # (5) آية 2 سورة الفرقان. # (6) هو زفر بن الحارث. والدمن: السرقين - الزبل - المتلبد بالبعر. ~~والثرى: التراب والأرض. (1) القماش (بالضم): ما كان على وجه الأرض من فتات الأشياء. وقماش كل شئ: ~~فتاته. # (2) كذا رواه صاحب اللسان في (طما)، وقال: طمية: جبل وفي بعض النسخ ~~ومعلقة امرئ القيس: # * كأن ذرا رأس المجيمر غدوة * وقد أشار التبريزي شارح المعلقة إلى ~~الرواية الأولى. قال: " والمجيمر ": أرض لبني فزارة. وطمية: جبل في بلادهم. ~~يقول: قد امتلأ المجيمر فكأن الجبل في الماء فلكة مغزل لما جمع السيل حوله ~~من الغثاء. # (3) في المعلقة: " الغثاء " قال التبريزي: ورواه الفراء " من السيل ~~والاغثاء ": جمع الغثاء، وهو قليل في الممدود. # قال أبو جعفر: من رواه الاغثاء فقد أخطأ لان غثاء لا يجمع على أغثاء ~~وإنما يجمع على أغثية لان أفعلة جمع الممدود وأفعالا جمع المقصور نحو رحا ~~وأرحاء. # (4) في الأصول: (وانجفى)، وهو تحريف عن (جفأ). والجفاء كغراب: ما يرمى به ~~الوادي. # (5) كذا في جميع نسخ الأصل وهو خطأ. والبيت لذي الرمة كما في ديوانه ~~واللسان. والياء من الشفاء: # اللطيفة القليلة الدم. واللعس (بفتحتين) لون ms7339 الشفة إذا كانت تضرب إلى ~~السواد قليلا، وذلك يستملح. والشنب: # برودة وعذوبة في، ورقة في الأسنان. (1) الوسمى: مطر أول الربيع لأنه يسم الأرض بالنبات. نسب إلى الوسم. ~~والتلاع: جمع التلعة، وهي أرض مرتفعة غليظة يتردد فيها السيل، ثم يدفع منها ~~إلى تلعة أسفل منها. وهي مكرمة من المنابت: وقيل: التلعة مجرى الماء من ~~أعلى الوادي إلى بطون الأرض وتبطنته: دخلته. والشظيم: الطويل الجسيم الفتى ~~من الناس والخيل. والصلتان: # النشيط الحديد الفؤاد من الخيل. # (2) آية 108 سورة هود. (1) يريد الألف في (تنسى)، وأصلها الياء (نسى ينسى). (1) آية 81 سورة النحل. # (2) آية 139 سورة آل عمران. (1) راجع ج 5 ص 196 (1) راجع ج 1 ص 343 فما بعد. (1) راجع ج 1 ص 571 فما بعد. # (2) الثبر: الحبس، أي ما الذي صدهم ومنعهم عن طاعة الله. (١) قوله (ما عدلوا): ما ساووا بها شيئا. وقوله (ولا ميلوا): أي ما شكوا ~~ولا ترددوا (عن النهاية لابن الأثير). # (2) راجع ج 4 ص 320 (1) زيادة من الدر المنثور. # (2) في الدر المنثور: (يحاسب فيها نفسه، ويتفكر فيها صنع...) (3) آية 1 ~~سورة الانسان. (1) آية 50 سورة إبراهيم. # (2) آية 108 سورة طه. # (3) هو ساعدة بن جؤية. وقوله (شآها): أي ساقها. والكليل: البرق الضعيف. ~~والموهن: القطعة من الليل. وباتت طرابا: أي باتت البقر العطاش طرابا إلى ~~السير إلى الموضع الذي فيه البرق. وبات البرق الليل أجمع لا يقر: فعبر عن ~~البرق بأنه لم ينم، لاتصاله من أول الليل إلى آخره (راجع هذا البيت والكلام ~~عليه في خزانة الأدب الشاهد الرابع بعد الستمائة). (١) أي شعث وسخ، يقال: أقهل الرجل، وتقهل. (النهاية لابن الأثير). (1) اللعو: السيئ الخلق. والشره الحريص: # (2) أي تعدون صلاتكم حقيرة بالنظر إلى صلاتهم. # (3) راجع ج 19 ص 270 (١) آية ٨ سورة الملك. # (٢) آنية: متناهية في شدة الحر، من أنى يأني، كرمى يرمى، وليس من ~~(الايناء) مصدر آنى بمعنى آخر قال الطبري في تفسير الآية: (تسقى أصحاب هذه ~~الوجوه من شراب عين قد أنى حرها، وبلغ غايته في شدة ms7340 الحر. # (٣) أي في الحديث في صلاة الجمعة، ~~إذ أنه قال لرجل جاء يوم الجمعة يتخطى رقاب الناس: # لقد آنيت وآنيت. ومعنى (آنيت): أخرت المجئ وأبطأت. و (آذيت) أي آذيت ~~الناس بتخطيك. # (4) آية 44 سورة الرحمن. (1) لم نعثر على هذا البيت في ديوان أبي ذؤيب. # (2) في بعض نسخ الأصل: (بان عنه النحائص). والنحائص: جمع النحوص (بفتح ~~النون)، وهي الأتان الوحشية الحائل. وقيل: هي التي في بطنها ولد. وقيل: ~~التي لا لبن لها. # (3) هو قيس بن عيزارة، كما في اللسان. # (4) هزم الضريع: ما تكسر منه. والحدباء: الناقة التي بدت حراقفها، وعظم ~~ظهرها. والحرود: التي لا تكاد تدر. (1) آية 35 و 36 سورة الحاقة. # (2) آية 55 سورة الرحمن. # (3) آية 80 سورة يس. # (4) آية 97 سورة الإسراء. (1) آية 56 سورة النساء. # (2) آية 50 سورة إبراهيم. # (3) آية 2 سورة المزمل. # (4) في بعض النسخ: (لا يشبه). (1) قبله: * ورب أسراب حجيج كظم * قائله رؤبة. ونسبه ابن بري للعجاج. # (2) راجع ج 19 ص 124، 104 (1) راجع ج 16 ص 113. # (2) آية 164 سورة البقرة. (1) في البحر المحيط: (قرأ الجمهور بكسر الباء وتخفيف اللام. الأصمعي عن ~~أبي عمرو وبإسكان الباء. وعلى وابن عباس بشد اللام، ورويت عن أبي عمرو وأبي ~~جعفر والكسائي، وقالوا إنها السحاب). (1) الكناسة: سوق الكوفة ترد إليها الإبل بأحمال البضائع، أو تصدر عنها، ~~وهي كالمربد للبصرة. # (2) آية 31 سورة الأنبياء. (1) آية 37 سورة الطور. وقد أورده صاحب اللسان وشرحه. # (2) كذا في نسخ الأصل وتفسير ابن عادل نقلا عن القرطبي. والذي في الصحاح: ~~(وأصله من السطر، لان الكتاب مسطر...). # (3) تمامه: * ولا سيما يوم بدارة جلجل * (1) في بعض نسخ الأصل: " سبع وعشرون " وفي بعضها: " تسع وعشرون ". # (2) في بعض النسخ: " ابن مسعود ". (1) جمع: هي مزدلفة. # (2) آية 142 سورة الأعراف. # (3) في الجمل عن القرطبي: لأنها أفضل أيام السنة. # (4) في تفسير الآلوسي: " وقرأ ابن عباس بالإضافة نضبطه بعضهم (وليال عشر) ~~بلام دون ياء، وبعضهم (وليالي) بالياء، وهو القياس). # (5) قال الإمام محمد عبده في تفسيره: هي عشر الليالي في أول كل شهر. (1) آية ms7341 8 سورة النبأ. # (2) آية 49 سورة الذاريات. # (3) آية 203 سورة البقرة. (1) آية 3 سورة الليل. # (2) آية 7 سورة المجادلة. # (3) الذحل: الحقد والعداوة. (1) هذا البيت من قصيدة لجرير يرد بها على الفرزدق. # (2) آية 33 سورة سبأ. # (3) البيت في (اللسان: لبق) غير منسوب لقائله. وفي تفسير الطبري (طبعة ~~الحلبي 12 / 116). (1) آية 28 سورة مريم. (1) راجع ج 19 ص 295 (1) في بعض النسخ: (القرية). # (2) آية 50 سورة النجم. (1) الخرثى ككرسي: سقط متاع البيت وأثاثه (أردؤه). # (2) آية 15 سورة فصلت. (1) في الأصول: " يزيد " وهو تحريف. # (2) الأساطين: جمع الأسطوانة، وهي العمود والسارية. # (3) أي الجارية. # (4) يريد: كعبا الحبر: عالم أهل الكتاب. # (5) حكاه الطبري. # (6) كذا بفتح الهمزة والراء. حكاه الشوكاني في فتح القدير (5 / 432). # (7) قوله (جعلهم رميما) بيان للمعنى، وليس تفسيرا للاشتقاق. (1) آية 82 سورة الحجر. # (2) راجع ج 18 ص 202. # (3) راجع ج 15 ص 154 (1) اختلف في (ثمود) فمنهم من صرفه ومنهم من لم يصرفه، فمن صرفه ذهب به إلى ~~الحي لأنه اسم عربي مذكر سمى بمذكر. ومن لم يصرفه ذهب به إلى القبيلة وهي ~~مؤنثة. # (2) الرواية في البيت كما في ديوانه وشعراء النصرانية: * ورب عليه ~~الله... الخ * قال البطليوسي شارح الديوان: ربه أتمه. وأصله أن يقال: رببت ~~معروفي عند فلان أربه ربا: إذا أدمته عليه وتممته لديه. و (رب عليه): دعاء ~~معطوف على ما قبله. وهو مدح في النعمان. وعلى هذه الرواية لا شاهد في ~~البيت. # (3) في الأصل: (سوطه) بصيغة المصدر. وصيغة الفعل الثلاثي الماضي أمكن ~~هنا. (1) راجع ج 8 ص 73 (1) في بعض الأصول والزمخشري: " ثوبيه ". # (2) آية 7 سورة الطلاق. (1) كذا في نسخ الأصل ومعجم الشعراء للمرزباني. قال المرزباني: (وأحسبه ~~لقبا). وفي لسان العرب: (قال فدكي بن أعبد يمدح...). وفي كتاب إشعار ~~الحماسة: (وقال رجل من بهراء) واسمه فدكي يمدح...). # (2) في اللسان والحماسة ومعجم الشعراء: (ورمني) بالراء بدل (ولمني) ~~باللام، وعلى هذا لا شاهد فيه. # وقوله (ورمني): أي أصلح حالي وشأني. و (الهدى): العروس تهدي إلى زوجها: ~~فإذا زفت تكلف أهلها في حسن تجهيزها، لئلا ms7342 يعير أهل زوجها خللا وقع في ~~أمرها. (1) هو أبو خراش الهذلي. # (2) راجع ج 7 ص 278 و ج 11 ص 63 و ج 18 ص 264 (3) الغار: الجمع الكثير من ~~الناس. (1) آية 210 سورة البقرة. # (2) في بعض الأصول: (واستوت). (1) هكذا وردت في جميع نسخ الأصل. وفي تفسير ابن عادل: " ومن همته الدنيا ~~". (1) هذا عجز بيت للقطامي، من قصيدة مدح بها زفر بن الحارث، وصدره: # * أكفرا بعد رد الموت عنى * والرتاع: الإبل الراتعة. (1) آية 38 سورة الرعد. # (2) هي بئر بالمدينة. (1) آية 9 سورة العنكبوت. # (2) راجع ج 19 ص 90 (3) آية 12 سورة الأعراف راجع ج 7 ص 170. # (4) آية 75. (1) آية 30 سورة الزمر. # (2) في بعض نسخ الأصل: (شائع). # (3) هو عبد الله، كان معلقا بأستار الكعبة فقتله أبو برزة الأسلمي بأمر ~~الرسول صلوات الله عليه. (1) عضد الشجرة وغيرها: قطعها بالمعضد والمعضد: سيف يمتهن في قطع الشجرة. # (2) في بعض نسخ الأصل: (وأما الطالحون). (1) في نسخة من نسخ الأصل وحاشية الجمل: " ثم يكابد شغل التزيج والتعجيل ~~فيه، والتزويج ". # (2) كذا في نسخ الأصل. وفي الكشاف وروح المعاني والبيضاوي والثعلبي: " ~~أبو الأشد ". (1) راجع ج 19 ص 22 وما بعدها. (1) كذا في الأصل وديوان امرئ القيس: وفي اللسان (مادة نجد): # * غداة غدوا فسالك بطن نخلة * والجازع: القاطع. وبطن نخلة: موضع بين مكة ~~والطائف. وكبكب: الجبل الأحمر الذي تجده بظهرك إذا وقفت بعرفة. (1) آية 31 سورة القيامة. # (2) الكشح: الخاصرة. ومستكنة: على نية أكنها في نفسه. (1) راجع ج 8 ص 183. (1) كذا في الأصول وابن العربي، ولعلها المرة من الوهل، وهو الغلط. وهل إلى ~~الشئ (بالفتح) يهل (بالكسر) وهلا (بالسكون): إذا ذهب وهمه إليه. ويجوز أن ~~يكون بمعنى غلطة أو سهوة. # (2) كذا في الأصول. يريد: فلو كنت جارا قائما بحق الجوار لما حدث هذا. (1) راجع ج 2 ص 14 طبعة ثانية. (1) آية 54 سورة التوبة. # (2) آية 82 سورة طه. # (3) أي نتقرب بها إلى الله. (1) آية 28، 42 سورة الواقعة. # (2) كان ينكر على الكسائي همز (مؤصدة). (1) كذا في حاشية الجمل نقلا عن القرطبي. ms7343 وفي نسخ الأصل وتفسير ابن عادل: ~~(فوق الصخور). # تحريف. يريد أن الضحا: أشد ارتفاعا من الضحو والضحوة (كما في اللسان: ~~ضحا). # (2) الصرد: طائر فوق العصفور. والنغر: فرخ العصفور. # (3) أصله (رئي): قدمت الياء على الهمزة. (1) آية 32 سورة ص. # (2) آية 27 سورة يس. (1) آية 10 سورة البلد. (1) في بعض الأصول: (مما يستقبلون به... الخ). # (2) أي لامتحن عقلك وفهمك ومعرفتك. (1) راجع ج 1 ص 343 طبعة ثانية أو ثالثة. # (2) المعتفى: كل طالب فضل أو رزق. # (3) الأولاج: ما كان من كهف أو غار يلجأ إليه. والاهضام: أسافل الأودية. # (4) الزمر: القليل. # (5) الذي في اللسان (مادة دسا): # وأنت الذي دسيت عمرا فأصبحت * نساؤهم فيهم أرامل ضسيع وقال: دسيت: أغويت ~~وأفسدت. وعمرو: قبيلة. (1) راجع ج 7 ص 241. # (2) العارم: الجبار المفسد الخبيث. # (3) آية 73 سورة الأعراف. # (4) راجع ج 13 ص 131. # (5) راجع ج 17 ص 141 (١) وفي كتاب الأحكام لابن العربي ما نصه: (هذا مما لا يلتفت إليه بشر إنما ~~المعول عليه ما في المصحف فلا تجوز مخالفته لاحد ثم بعد ذلك يقع النظر فيما ~~يوافق خطه مما لم يثبت ضبطه حسب ما بيناه في موضعه فإن القرآن لا يثبت بنقل الواحد وإن كان عدلا وإنما ~~يثبت بالتواتر الذي يقع به العلم وينقطع معه العذر وتقوم به الحجة على ~~الخلق). (1) هذه رواية الحديث كما قي الثعلبي. والذي في نسخ الأصل: (الناس غاديان: ~~فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها). (1) كذا في كتاب أسباب النزول وروح المعاني. وفي نسخ الأصل: (ما يريد). وفي ~~تفسير الثعلبي ورواية أخرى في أسباب النزول: (لو كنت تبتاع من يمنع ظهرك ~~قال: منع ظهري أريد). # (2) آية 26 سورة يونس. (1) راجع ج 4 ص 291. # (2) آية 3 سورة البقرة. # (3) آية 274 سورة البقرة. (1) آية 21 سورة آل عمران. # (2) البيت لأبي سيدة الدبيري. وقبله. # إن لنا شيخين لا ينفعاننا * غنيين لا يجدي علينا غناهما (1) آية 9 سورة النحل. # (2) آية 26 سورة آل عمران. # (3) آية 83 سورة يس. # (4) آية 81 سورة النحل. # (5) آية 134 سورة النساء. (1) كذا في الأصول ms7344 وأساس البلاغة للزمخشري. والذي في تفسير الفراء ولسان ~~العرب - مادة كذب -: # (لحدهم) بالحاء المهملة. وحد الرجل: بأسه ونفاذه في نجدته. # (2) آية 2 سورة الواقعة. # (3) هم المرجئة، وهم فرقة من فرق الاسلام، يعتقدون أنه لا يضر مع الايمان ~~معصية. كما أنه لا ينفع مع الكفر طاعة. سموا مرجئة لاعتقادهم أن الله أرجأ ~~تعذيبهم على المعاصي أي أخره عنهم. وقيل: المرجئة فرقة من المسلمين يقولون: ~~الايمان قول بلا عمل كأنهم قدموا القول وأرجئوا العمل أي أخروه لأنهم يرون ~~أنهم لو لم يصلوا ولم يصوموا لنجاهم إيمانهم. # (4) آية 48 سورة النساء. (1) آية 27 سورة الروم. (1) الجآذر (جمع جؤذر) وهو ولد البقرة الوحشية. والظلمان (بالكسر والضم): ~~جمع الظليم، وهو الذكر من النعام. # (2) اليعافير: جمع يعفور: وهو ولد الظبية، وولد البقرة الوحشية أيضا. ~~والعيس: إبل بيض تخالط بياضها شقرة، جمع أعيس وعيساه. # (3) آية 66 سورة النساء. راجع ج 5 ص 270. (1) راجع ج 3 ص 237. (1) راجع ص 72 وما بعدها من هذا الجزء. # (2) آية 97، 98. # (3) آية 59 سورة طه. # (4) في اللسان: (يسجو سجوا وسجوا). # (5) في ديوان الأعشى: * أتوعدني أن جاش... * والدعامص: جمع الدعموص: وهو ~~دويبة صغيرة تكون في مستنقع الماء. (1) هي العوراء بنت حرب أخت أبي سفيان، وهي حمالة الحطب، زوج أبي لهب. (1) آية 23 سورة الكهف. # (2) الرواجب (واحدها راجبة): وهي ما بين عقد الأصابع. # والبراجم (واحدها برجمة بالضم): هي العقد التي في ظهور الأصابع يجتمع ~~فيها الوسخ. (1) آية 64 سورة مريم. # (2) المثقفة والمثقف: الرمح. # (3) كذا في اللسان. وفي الأصول: (يا رب). وبعده كما في اللسان: # * ولو تشاء قبلت عيناها * (4) هو كثير عزة. # (5) صدر البيت: # * صرفت الهوى عنهن من خشية الردى * (6) آية 35 سورة الأحزاب. (1) آية 36 سورة إبراهيم. # (2) آية 118 سورة المائدة. (1) رواية الحديث كما ورد في صحيح مسلم: كتاب الايمان: (أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم تلا قول الله عز وجل في إبراهيم (رب إنهن أضللن كثيرا من الناس ~~فمن تبعني فإنه مني) الآية وقول عيسى عليه السلام (إن تعذبهم فإنهم عبادك ~~وإن تغفر لهم ms7345 فإنك أنت العزيز الحكيم) فرفع يديه وقال: (اللهم أمتي أمتي)، ~~وبكى فقال الله عز وجل: # (يا جبريل إذهب إلى محمد وربك أعلم، فسله ما يبكيك) فأتاه جبريل عليه ~~الصلاة والسلام فسأله فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال وهو ~~أعلم فقال الله: (يا جبريل اذهب إلى محمد فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا ~~نسوءك). # (2) آية سورة الزمر. # (3) آية 52 سورة طه. # (4) آية 3 سورة يوسف. (1) آية 52 راجع ج 16 ص 55. # (2) آية 282 سورة البقرة. # (3) آية 144 سورة البقرة. # (4) آية 95 سورة يوسف. # (5) المفرق (كمقعد ومجلس): وسط الرأس. والعارض: صفحة الخد. (1) آية 44 سورة النحل. # (2) آية 64 سورة النحل. (1) مثل هذه الأقوال لا يصح نسبتها إلى سيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه ~~ولا لاحد من الأنبياء، لان العصمة ثابتة لهم قبل النبوة وبعدها من الكبائر ~~والصغائر على الصحيح. # (2) راجع ج 16 ص 55 فما بعدها. # (3) آية 10 سورة السجدة. (1) في بعض نسخ الأصل: (لا تسطو). (1) كذا في الأصول ط، ب، ح، ص. # (2) القلب (بضم وسكون) السوار. # (3) القائل هو أبو هارون العبدي. (1) كذا في الأصول، ولعل اللفظ (بعد) في مكان (بين). (1) راجع ج 95 ص 247. # (2) وهذه رواية الترمذي في كتاب التفسير. # (3) في صحيح مسلم: # (أحد الثلاثة بين الرجلين) روى أنه صلى الله عليه وسلم كان نائما معه ~~حينئذ عمه حمزة بن عبد المطلب وابن عمه جعفر ابن أبي طالب. راجع شرح هذا ~~الحديث في صحيح مسلم (باب الاسراء). وفي شرح القسطلاني في كتاب بدء الخلق ~~(باب ذكر الملائكة). (1) كذا في بعض نسخ الأصل. وفي بعضها الآخر: (غدرة) بالغين المعجمة والدال ~~المهملة. ولم نقف على هذا اللفظ لغير القرطبي. ولعله محرف عن (علقة). # (2) آية 8 سورة التين. # (3) آية 36 سورة الزمر. (1) في شواذ ابن خالويه: (وحططنا عنك وزرك) عن أنس بن مالك. (وحللنا ~~وحططنا) جميعا عنه، وعن ابن مسعود. (1) آية 3 سورة ألهاكم. # (2) البيت للخنساء. ويروى: * هممت بنفسي كل الهموم * (3) أي في روايته عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. ms7346 (1) آية سورة آل عمران. (1) أي همز الوصل لا القطع لان ماضيه ثلاثي: (نصب ينصب). # (2) قونس الفرس: ما بين أذنيه. وقيل مقدم رأسه. والبيت لطرفة ويقال إنه ~~مصنوع عليه. (1) آية 20 سورة المؤمنون. # (2) العجم (بالتحريك): النوى. # (3) الحفر (بفتح الحاء وسكون الفاء وفتحها): صفرة تعلو الأسنان. (1) البيت بتمامه كما في كتاب الملاحن لابن دريد وشعراء النصرانية: # صهب الظلال أتين التين عن عرض * يزجين غيما قليلا ماؤه شبما والصهب ~~والصهبة: الحمرة. والعرض: الاعتراض أو الجانب. ويزجين: يسقن. والشبم ~~البارد. والبيت في وصف سحائب لا ماء فيها. وقد نسبه المؤلف لزهير. # (2) آية 22 سورة الأعراف. # (3) كذا في الأصول ولم نجده في معاجم اللغة. (1) آية 35 سورة النور. راجع ج 12 ص 263. # (2) أي يأتدمون به. # (3) راجع ج 12 ص 116. # (4) زيادة عن ابن العربي. # (5) في نسخ الأصل: (فيها). (1) آية 67 سورة العنكبوت. (1) في بعض نسخ الأصل وابن العربي: (أجمع فيه). (1) آية 24 سورة النازعات. # (2) آية 33 سورة الزمر. # (3) آية 48 سورة الشورى. (1) في حاشية الجمل نقلا عن القرطبي: (فهم لا يخرفون ولا تذهب عقولهم). # (2) في بعض نسخ الأصل: (ملائكة) وفي بعضها: (ملكين). # (3) في تفسير الشوكاني طبعة مصطفى البابي الحلبي (5: 453): من سالف. (1) من قصيدة لجرير يمدح عبد الملك بن مروان. وتمامه: * وأندى العالمين ~~بطون راح * (2) راجع ج 19 ص 58 من الطبعة الأولى و ج 19 ص 59 من الطبعة ~~الثانية. (1) آية 151 سورة الأنعام. # (2) كذا في الأصول ومسلم. وفي البخاري: (الصالحة). # (2) يتحنث: أي يتعبد. يقال: فلان يتحنث أي يفعل فعلا يخرج به من الاثم ~~والحرج. # (4) زيادة عن الصحيحين. # (5) الغط: العصر الشديد والكبس. (1) هذا عجز بيت للراعي وصدره: * هن الحرائر لا ربات أحمرة * (1) في الأصول: (ألا) في موضع (لم لا)، ولعله تحريف. (1) زيادة لتكملة العبارة. # (2) آية 10 سورة الانفطار. # (3) راجع ج 13 ص 351 (1) آية 31 سورة البقرة. # (2) راجع ج 1 ص 279 طبعة ثانية (3) آية 113 سورة النساء. # (4) في نسخة: المشكل. # (5) آية 78 سورة النحل. (1) آية 281 سورة البقرة. # (2) في نسخة من الأصل: (يقبلون). (١) أي تعجيبا ms7347 منه، وهو إيقاع المخاطب وحمله على التعجب (عن حاشية الجمل). (1) آية 41 سورة الرحمن. # (2) البيت لحميد بن ثور الهلالي الصحابي ويروى: (ما بين ملجم...) (3) ~~هكذا ورد البيت في جميع نسخ الأصل وتفسير ابن عادل وهو ملفق من قصيدتين. ~~فالشطر الأول من معلقة زهير. والبيت كما في ديوانه ومعلقته: # أثافي سفعا في معرس مرجل * ونؤيا كجذام الحوض لم يتثلم والشطر الثاني من ~~قصيدة للنابغة: والبيت كما في ديوانه: # رماد ككحل العين لأيا أبينه * ونؤى كجذم الحوض أثلم خاشع والأثلم: ~~المتثلم. الخاشع: اللاصق بالأرض. والأثافي: الحجارة التي تجعل عليها القدر ~~الواحدة أثفية. # والسفع: السود. والمعرس: الموضع الذي فيه المرجل. والمرجل: كل قدر يطبخ ~~فيها من حجارة أو حديد أو خزف أو نحاس. والنؤى: حاجز يرفع حول البيت من ~~تراب لئلا يدخل البيت الماء من خارج. وجذم الحوض: حرفه وأصله. # ولم يتثلم: يعني النؤى قد ذهب أعلاه ولم يتثلم ما بقى منه أي يتكسر. (1) الخاطئ: من تعمد لما لا ينبغي أي القاصد للذنب. والمخطئ: من أراد ~~الصواب فصار إلى غيره. # (2) آية 23 سورة القيامة. # (3) هي بيع الرطب في رؤوس النخل بالتمر ونهى عنها لما يقع فيها من الغبن ~~والجهالة. # (4) غلب: جمع أغلب وهو الغليظ الرقبة. والعرب تصف السادة بغلظ الرقبة ~~وطولها. # والحلوم: جمع الحلم وهو العقل. (1) تمامه: * سواسية أحرارها وعبيدها * والبيت لذي الرمة لا لجرير. و ~~(صهب): حمر. و (السبال): الشعر الذي عن يمين الشفة العليا وشمالها. # (2) تمام البيت: * وأندية ينتابها القول والفعل * المقامات: المجالس، ~~وإنما سميت المقامات لان الرجل كان يقوم في المجلس فيحض على الخير ويصلح ~~بين الناس. # وأندية: جمع الندى وهو المجلس أيضا وفيه الشاهد. # (3) هذا عجز بيت المهلهل يرثي أخاه كليبا. وصدره: # * نبئت أن النار بعدك أوقدت * (1) يقال: قمن وقمن بفتح الميم وكسرها والذي بالكسر يثنى ويجمع كقمين أي ~~خليق وجدير. (1) آية 185 سورة البقرة. # (2) أول سورة الدخان. (1) السفرة: هم الملائكة جمع سافر. والسافر في الأصل: الكاتب سمى به لأنه ~~يبين الشئ ويوضحه. # (2) يعني جزءا جزءا الآية والآيتين. ms7348 # (3) راجع ج 2 ص 297 طبعة ثانية. # (4) يريد أنه يظهر ما قضاه في الأزل من الأمور لا أنه يقدر ابتداء. # (5) راجع ج 16 ص 125 (1) آية 7 سورة الطلاق. # (2) راجع ج 18 ص 257 و ج 19 ص 247 وص 3 من هذا الجزء. # (3) آية 96 سورة البقرة. (1) اللحى (بفتح اللام وتشديدها وسكون الحاء): عظم الحنك وهو الذي عليه ~~الأسنان. وعبارة الطبري في تاريخه (طبع أوربا قسم أول ص 794): " وكان إذا ~~لقيهم لقيهم بلحى بعير، لا يلقاهم بغيره: فإذا قاتلوه وقاتلهم. وتعب وعطش ~~انفجر له من الحجر الذي في اللحى ماء عذب... الخ ". بإفراد " اللحى " في ~~الموضعين. # (2) كذا في الأصل والمعروف في العربية أن البصريين قالوا: ما كان من ~~العدد مضافا أدخل الألف واللام في آخره فقط وأجاز الكوفيون إدخال الألف ~~واللام على الأول والثاني وعلى ذلك فيقال هنا: ألف الولد أو الألف الولد. (1) آية 2 سورة النحل. # (2) آية 11 سورة الرعد. (1) الكبكبة (بالفتح): الجماعة المتضامة من الناس وغيرهم. (1) أي جزم في حلفه بلا استثناء فيه بأن يقول عقب يمينه إن شاء الله. # (2) آية 41 سورة الأنفال. (1) لفظ الحديث كما رواه مالك في الموطأ: (كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يعتكف العشر الوسط من رمضان فاعتكف عاما حتى إذا كان ليلة حدى وعشرين ~~وهي الليلة التي يخرج فيها من صبحها من اعتكافه): قال (من كان اعتكف معي ~~فليعتكف العشر الأواخر وقد رأيت هذه الليلة ثم أنسيتها: وقد رأيتني أسجد من ~~صبحها في ماء وطين: فالتمسوها في العشر الأواخر والتمسوها في كل وتر " قال ~~أبو سعيد: فأمطرت السماء تلك الليلة وكان المسجد على عريش فوكف المسجد ~~(قطر) قال أبو سعيد: فأبصرت عيناي رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف وعلى ~~جبينه وأنفه أثر الماء والطين من صبح ليلة إحدى وعشرين ". (1) جمع شفع وهو العدد الذي يقبل القسمة على اثنين. (1) ما بين المربعين زيادة من الموطأ. # (2) الذي في نسخة تفسير الثعلبي التي بين أيدينا: " من صلى المغرب ~~والعشاء الآخرة من ليلة ms7349 القدر فقد أخذ... " الحديث. ولم يذكر: (في جماعة). # (3) في مصاحفنا: # (ثمان آيات). وفي تفسير الآلوسي: وآيها تسع في البصري وثمان في غيره). # (4) في بعض نسخ الأصل: # (قبل خلق السماوات...) (1) في الرواية الأولى للحديث ص 138: (فتعلموها). (1) كذا في بعض نسخ الأصل. وفي بعضها: (فك السالم وهي قال طرفة). بياض بعد ~~(وهي). # وفي تفسير الثعلبي: (وفك السالم وهي حروف الفطن قال طرفة). ولم نهتد لوجه ~~الصواب فيه. # (3) الكشح: الجنب والعضب: السيف القاطع. ومهند: أي مشحذ والتهنيد: ~~التشحيذ. ويقال: سيف مهند: إذا عمل ببلاد الهند. (1) الحراجيج (جمع حرجوج): وهي الناقة الطويلة الضامرة. والخسف: أن تبيت ~~على غير علف. يقول: # ما تنفصل من بلد إلى بلد الا مناخة على الخسف. # (2) آية 89 سورة البقرة. # (3) الصلا: وسط الظهر من الانسان ومن كل ذي أربع. وقيل: هو ما انحدر من ~~الوركين. وقيل: # هو ما عن يمين الذنب وشماله. (1) آية 13 سورة عبس. # (2) راجع ج 17 ص 225 فما بعدها. (1) آخر سورة البروج. # (2) آية 21 سورة المجادلة. # (3) كذا في الأصل، ولم نقف على هذا البيت فيما لدينا من المراجع. ولعل ~~صوابه: * ومال الولاة بالبلاء فملتم.. الخ * (4) آية 14 سورة الشورى. (1) آية 26 سورة النساء. # (2) آية 8 سورة الصف. # (3) آية 71 سورة الأنعام. # (4) آية 11 سورة الزمر. (1) آية 22 سورة الحديد. # (2) آية 47 سورة البقرة. # (3) راجع ج 1 ص 289 طبعة ثانية أو ثالثة. (1) في حاشية الشهاب: (آيها تسع أو ثمان). (1) آية 6 سورة النازعات. # (2) القلقال: من قلقل الشئ إذا حركه. والجرجار: من جرجر البعير إذا ردد ~~صوته في حنجرته. # (3) الأسطوان: جمع أسطوانة وهي السارية والعمود وشبهه بالأسطوان لعظمه ~~وكثرته. (1) راجع ج 14 ص 83. # (2) آية 14 سورة الروم (3) آية 43 سورة الروم. (1) آية 40 سورة النساء. راجع ج 5 ص 195. # (2) كذا في الأصل وبعض كتب التفسير بإثبات الياء والراجح حذفها. # (3) آية 30 سورة الشورى. # (4) آية 8 سورة الانسان. # (5) الجوزة: واحدة الجوز الذي يؤكل فارسي معرب. # (6) آية 30 سورة آل عمران. (1) قال أبو أحمد العسكري: (وقد وهم بعضهم في ms7350 صعصعة بن معاوية عم الأحنف بن ~~قيس فقال: # صعصعة عم الفرزدق وهو غلط). والمعروف أن صعصعة بن ناجية هو جد الفرزدق ~~وليس له عم يسمى صعصعة. # راجع كتاب الإصابة وأسد الغابة في ترجمة صعصعة. # (2) هرشى: ثنية في طريق مكة قريبة من الجحفة يرى منها البحر ولها طريقان ~~فكل من سلك واحدا منهما أفضى به إلى موضع واحد. في معجم البلدان لياقوت: ~~خذا أنف هرشى... وفي اللسان: خذا جنب هرشى... (1) الكعام: شئ يجعل على فم البعير. # (2) آية 72 سورة الحجر. # (2) قوله: (قال أهل اللغة...) إلى آخر البيت. هكذا ورد في جميع نسخ الأصل ~~وظاهر أن فيه سقطا يوضحه أبو حيان في البحر بقوله: # (قال أهل اللغة: أصله للثعلب فاستعير للخيل...) الخ. على أن المؤلف أورده ~~فيما يأتي. # (4) البيت لسلامة بن جندل. والاسابي: الطرق من الدم. وأسابي الدماء: ~~طرائقها. والترحيب: أن تدعم الشجرة إذا كثر حملها لئلا تتكسر أغصانها. قال ~~ابن منظور: (فإنه شبه أعناق الخيل بالمرجب. وقيل: شبه أعناقها بالحجارة ~~التي تذبح عليها النسائك). # (5) البيت لمضرس الأسدي. والملهوج من الشواء: الذي لم يتم نضجه. ~~واللهبان: اتقاد النار واشتعالها. (1) في القاموس: (والضبح بالكسر الرماد). # (2) التمارى والمماراة: المجادلة. (1) في اللسان مادة (عدا): (وحكى الأزهري عن ابن السكيت (وإبل عادية: ترعى ~~الخلة ولا ترعى الحمض..) وقال: وكذلك العاديات) وساق البيت. وفي اللسان ~~أيضا مادة (رضع): (وناقة واضع وواضعة ونوق واضعات: # ترعى الحمض حول الماء. وأنشد ابن برى قول الشاعر...) الخ. ولفظ (القوامس) ~~هكذا ورد في اللسان وشرح القاموس. وبعض نسخ الأصل. وفي نسخة: (القرامس) ~~بالراء. ولعل الصواب: (العرامس) جمع عرمس (بكسر العين): وهي الناقة الصلبة ~~الشديدة. # (2) في نسخة: (جندل) وهي رواية في البيت. # (3) في رواية صائح. ولا شاهد فيه. # (4) في اللسان: (زقا يزقو ويزقى زقوا وزقاء وزقوا وزقيا وزقيا وزقيا. (1) راجع ج 17 ص 221. # (2) آية 64 سورة المائدة. (1) السلوقي: الدرع المنسوبة إلى سلوق قرية باليمن. والصفاح: جمع صفاحة وهي ~~الحجر العريض. # (2) آية 177 سورة الصافات. # (3) ثبير: جبل بقرب مكة وهو على يمين الذاهب إلى ms7351 عرفة. أي ادخل في الشروق ~~وهو ضوء الشمس. # (4) كداء (بفتح الكاف ومد الدال): جبل بمكة. والهاء في تروها: راجعة إلى ~~الخيل المفهومة من السياق. # ورواية صدر البيت في الشوكاني 5 / 469: (عدمنا خيلنا...). # (5) آية 32 سورة ص. (1) آية 9 سورة الروم. (1) الرفد (بكسر الراء): العطاء والصلة. (1) ماط الأذى ميطا وأماطه: نجاه ودفنه. يقول إن تنحيت عنى باني صلب الفؤاد ~~وصول لمن وصل، كفور لمن كفر. ورواية صدر البيت في اللسان. فميطى أي تنحى ~~وأذهبي. # (2) المعتاد: الذي يعود مرة بعد أخرى. # (3) تقدم أن هذا البيت للأعشى وهو في ديوان، ولم نجده في ديوان كثير الذي ~~بين أيدينا. (1) آية 180 سورة البقرة. # (2) كاربها: غامها من كربه الامر: اشتد عليه. # (3) آية 268 سورة البقرة. # (4) في بعض نسخ الأصل: (شرا وخيرا). # (5) آية 174 سورة آل عمران. (1) آية 18 سورة إبراهيم. (1) في كتاب روح المعاني: وآيها إحدى عشرة آية في الكوفي وعشر في الحجازي ~~وثمان في البصري والشامي. # (2) في بعض النسخ: (لراحت) بالراء. # (3) المروة: حجر يقدح منه النار. # (4) آية 31 سورة الرعد. # (5) راجع ج 18 ص 257. (1) في بعض النسخ: (عليهم). # (2) آية 7 سورة القمر. # (3) آية 20 سورة القمر. # (4) الزيادة من تفسير ابن عادل يقتضيها السياق. # (5) آية 7 سورة الحاقة. # (6) آية 6 سورة الواقعة. # (7) راجع ج 18 ص 284. (1) راجع ج 7 ص 165 وما بعدها. و ج 11 ص 66 وص 293 (2) صدر البيت: * ملك ~~تقوم الحادثات لعدله * (3) راجع ج 11 ص 293. # (4) آية 23 سورة الحاقة. # (5) آية 6 سورة الانسان. (1) البيت في اللسان: (أمم). # (2) راجع ج 18 ص 269 (1) هذا عجز بيت من معلقة امرئ القيس وصدره: # * فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع * ويروى: (تمام محول)، أي قد أتى عليه الحول. ~~و (المغيل): الذي تؤتى أمه وهي ترضعه. (1) ما بين المربعين من رواية أبي هريرة في سند آخر لا من رواية مطرف (راجع ~~صحيح مسلم). (١) ذكر البيت صاحب تاج العروس مع بيت بعده (قبر) ونسبهما إلى عبد الله بن ~~قطبة الحنفي. # (٢) قال ابن قنينة في المعارف: أبو ms7352 ~~سعيد المقبري: اسمه كيسان روى عن عمر. وتوفى سنة مئة. # (3) راجع ج 19 ص 217 (1) هاذم (بالذال المعجمة) بمعنى قاطع، والمراد الموت إما لان ذكره يزهد ~~فيها وإما لأنه إذا جاء لا يبقى من لذائذ الدنيا شيئا. (1) في نسخة: (تزودهم المآب). (1) آية 95 سورة الواقعة. # (2) كذا في نسخ الأصل. (1) راجع ج 11 ص 147 فما بعدها. # (2) آية 71 سورة مريم. # (3) راجع ج 11 ص 137. (1) كذا في جميع نسخ الأصل. # (2) في نسخة من الأصل: (وخير نبي جاء). # (3) في نسخة من الأصل: (أمرا). # (4) المقطع. (1) أي ذو خسران فيهما. والنعمة: ما يتنعم به الانسان ويستلذه. والغبن: أن ~~يشتري بأضعاف الثمن. # أو يبيع بدون ثمن المثل. فمن صح بدنه: وتفرغ من الاشغال العائقة ولم يسع ~~لصلاح آخرته فهو كالمغبون في البيع. # والمقصود: بيان أن غالب الناس لا ينتفعون بالصحة والفراغ، بل يصرفونهما ~~في غير محالهما. (عن شرح سنن ابن ماجة). # (2) آية 36 سورة الإسراء. (1) أي بدأ فيه الأرطاب. # (2) آية 17 سورة سبأ وهذه قراءة نافع. # (3) الأسودان: التمر والماء. (1) آية 118، 119 سورة طه. # (2) آية 164 سورة آل عمران. # (3) آية 78 سورة الحج. # (4) آية 17 سورة القمر. (1) راجع ج 3 ص 210 (1) آية 9 سورة الطلاق. # (2) راجع ج 1 ص 80 طبعة ثانية أو ثالثة. (1) راجع ص 71 من هذا الجزء. # (2) راجع ج 2 ص 7 طبعة ثانية. # (3) في بعض نسخ الأصل (المفرقون). # (4) رواية البيت كما في ديوانه: # مجللة تعممه شنارا * مضرمة تأجج كالشواظ كهمزة ضيغم يحمى عربنا * شديد ~~مغارز الأضلاع خاظى (1) آية 58 سورة التوبة. (1) كذا في نسخ الأصل. والذي في الطبري: (جميل بن عامر الجمحي). وفي سيرة ~~ابن هشام (ص 229 طبع أوربا) وتاريخ الكامل لابن الأثير (ج 2 ص 66 طبع ~~أوربا) وبعض كتب التفسير: (جميل بن معمر الجمحي). # (2) آية 25 سورة ق، وآية 12 سورة ن. # (3) آية 18 سورة المعارج. # (4) في اللسان وكتاب سيبويه: (مهلا أعاذل). وقد نسياه لقعنب بن أم صاحب. (1) راجع ج 11 ص 147. (1) آية 74 سورة طه. # (2) آية 17 ms7353 سورة المعارج. # (3) آية 12 سورة الفرقان. # (4) راجع ص 72 من هذا الجزء. # (5) صفق الباب وأصفقه: أغلقه. (1) الأديم. الجلد المدبوغ. والأفيق: الجلد الذي لم يدبغ. وقيل: هو الذي لم ~~تتم دباغته. # (2) آية 2 سورة الرعد. (1) من تتمة قول ابن السكيت. # (2) في اللسان: (وصاحبها). (1) في سيرة ابن هشام: (من النسأة أحد بني فقيم بن عدي...... والنسأة: ~~الذين كانوا ينسئون الشهور على العرب في الجاهلية فيحلون الشهر من أشهر ~~الحرم ويحرمون مكانه الشهر من أشهر الحل ويؤخرون ذلك الشهر ففيه أنزل الله ~~تبارك وتعالى: (إنما النسئ زيادة في الكفر). (راجع سيرة ابن هشام طبع أوربا ~~ص 29). # (2) بنو كنانة: قبيلة ذلك الرجل الذي أحدث في الكنيسة. # (3) في سيرة ابن هشام: (واللات: بيت لهم بالطائف كانوا يعظمونه نحو تعظيم ~~الكعبة). (1) المغمس: موضع قرب مكة في طريق الطائف. # (2) كذا في بعض نسخ الأصل وتفسير الثعلبي وتاريخ الطبري (قسم أول ص 937 ~~طبع أوربا) وتاريخ ابن الأثير (ج 1 ص 321 طبع أروبا). # وفي بعض الأصول: تفسير الطبري وسيرة ابن هشام (ص 33 طبع أوربا): " مفصود ~~" بالفاء بدل القاف. # (3) في هامش نسخة: " عن سيد هذا البيت ". (1) شعف الجبال: رؤوسها. # (2) المعرة الأذى. ومعرة الجيش: أن ينزلوا بقوم فيأكلوا من زروعهم بغير ~~علم. وقيل: وطأتهم من مروا به من مسلم أو معاهد وإصابتهم إياهم في حريمهم ~~وأموالهم وزروعهم بما لم يؤذن لهم فيه. # (3) الحلال (بالكسر): القوم المقيمون المتجاورون. يريد بهم سكان الحرم. # (4) " عدوا " بالعين المهملة ومعناه الاعتداء وفي السان مادة (غدا): ~~(غدوا) بالغين المعجمة. # قال: (الغدو أصل الغد وهو اليوم الذي يأتي بعد يومك فحذفت لامه ولم ~~يستعمل تاما إلا في الشعر. ولم يرد عبد المطلب الغد بعينه وأنما أراد ~~القريب من الزمان). (1) الهجمة: القطعة الضخمة من الإبل. قيل هي ما بين الثلاثين والمائة. وقيل ~~أولها الأربعون. وقيل ما بين السبعين إلى المائة (انظر كتب اللغة). ~~وتقليدها أنه جعل في عنقها شعارا ليعلم أنه هدى. # (2) حراء وثبير: جبلان بمكة. والبيد: جمع البيداء وهي الفلاة. وتطريد ~~الإبل: تتابعها. # (3) السهيلي: " طماطم ms7354 سود " يعني العلوج. # (4) ما بين المربعين لم يذكره ابن إسحاق في روايته. # (5) أخفره: أي انقض عهده وعزمه فلا تؤمنه. # (6) الطبر (محركة): الفأس من السلاح (معربة). والطبرزين آلة من السلاح ~~تشبه الطبر. وقيل هو الطبر بعينه. (١) المحجن: العصا المنعطفة الرأس كالصولجان. # (٢) بزغوه: شرطوه. # (٣) في اللسان والنهاية مادة (بلس): ~~(قال عباد بن موسى أظنها الزرازير). # (4) الأشرم: أبرهة سمى بذلك لأنه جاءه حجر فشرم أنفه فسمى الأشرم. # (5) زيادة عن سيرة ابن هشام. # (6) في سيرة ابن هشام: (منهل) () أي ينتثر جسمه والانملة طرف الإصبع. ~~ويعبر بها عن الصغير من الأشياء. # (8) مث السقاء: رشح. (1) اليعسوب: أمير النحل. # (2) في نسخة: (أقبلت). # (3) الخذف: الرمي بالحصى الصغار بأطراف الأصابع. # (4) انصاع الرجل: انفتل راجعا ومر مسرعا. # (5) هي بيضة الحديد. # (6) المفاتنة: اختلاف الناس في الآراء وما يقع بينهم من القتال. (1) الحادر: المجتمع الخلق. # (2) في نسخة: " شباط " (بالشين المعجمة كغراب)، وورد بالسين المهملة. # (3) في بعض نسخ الأصل: " أبو شاهين حفص ". (1) الظاهر أنه جمع (أحبش) بوزن أحمر، وإن لم ينطقوا به. قال في تاج ~~العروس: كأنه جمع أحبش (بوزن أحمر). # (2) في روح المعاني، (الاحبالا) بالحاء. # (3) في روح المعاني (منهم) بدل (لهم). # (4) كذا في نسخ الأصل وغيرها من المصادر. # (5) زيادة عن سيرة ابن هشام. (1) هي التي أغربت في البلاد فنأت ولم تحس ولم تر. # (2) الجبار من النخل: ما طال وفات اليد. # (3) الجرد (بالضم كالجريدة): خيل لا رجالة فيها. والجرد - أيضا -: قصر ~~شعر الجلد في الفرس، وهو من الأوصاف المحمودة في الخيل. # (4) كذا في نسخ الأصل، (بالخاء المعجمة والنون). وفي تفسير الثعلبي:... ~~تحت دجن مسحر. (بالحاء المهملة والراء). وقد نسبه إلى امرئ القيس، ولم نجده ~~في ديوانه. # ولعل صوابه:... تحت دجن مسخر. (بالخاء المعجمة والراء). (1) الضغث: قبضة من حشيش مختلطة الرطب باليابس. والإبالة: الحزمة من الحطب. ~~في فرائد اللآل: # يضرب لمن حملك مكروها ثم زادك عليه. # (2) آية 33 سورة الذاريات. # (3) صدر البيت كما في اللسان: * ورجلة يضربون البيض عن عرض * (4) راجع ج ~~9 ص 81. # (5) آية 17 سورة الأنفال. (1) راجع ج 17 ص 156. # (2) المذانب: ms7355 مسايل الماء. والعصيفة: الورق المجتمع الذي يكون فيه ~~السنبل. وحدورها: ما انحدر منها واطمأن. والآتي (كغنى): الجدول. والمطموم: ~~المملوء بالماء. # (3) آية 11 سورة الشورى. # (4) هو نفيل بن حبيب كما في تاريخ الطبري وابن الأثير. # (5) في نسخ الأصل: (ولو ترانا) وهو تحريف لأنه يخاطب امرأة. والابيات كما ~~أوردها الطبري (ص 942 قسم أول طبع أوربا) وابن الأثير (ج 1 ص 322 طبع ~~أوربا): # ألا حييت عنا يا ردينا * نعمناكم مع الاصباح عينا أتانا قابس منكم عشاء * ~~فلم يقدر لقابسكم لدينا ردينة لو رأيت ولم تريه * لدى جنب المحصب ما رأينا ~~إذن لعذرتني وحمدت رأيي * ولم تأسى على ما فات بينا حمدت الله إذ عاينت ~~طيرا * وخفت حجارة تلقى علينا لكل القوم يسأل عن نفيل * كأن علي للحبشان ~~دينا (1) الذي في كتاب الفراء: " قال بعضهم كانت موصولة ب‍ " - ألم تر كيف فعل ~~ربك " الخ. (1) أي لجلب الطعام. # (2) كذا في نسخ الأصل بالرفع على الخبر. وفي اللسان وشرح القاموس: ~~(قريشا) بالنصب على البدل. (1) تمامه * سريع إلى داعي الندى والتكرم * (2) هذا عجز بيت لعدي بن الرقاع ~~يمدح الوليد بن عبد الملك. وصدره كما في اللسان: # * غلب المساميح الوليد سماحة * (3) قفا فلان فلانا: إذا قذفه بما ليس فيه ~~أي لا نتهمها ولا نقذفها، وقيل: معناه لا نترك النسب إلى الآباء، وننتسب ~~إلى الأمهات. (1) ضبطه في التاج بكسر الجيم. # (2) الحاج: جماعة الحجاج. والخلة (بالفتح): الحاجة والفقر. # (3) البيت للحارث بن حلزة اليشكري في معلقته. وروايته كما في شرح ~~المعلقات: # أيها الناطق المرقش عنا * عند عمرو وهل لذاك بقاء قال التبريزي: (المرقش: ~~المزين القول بالباطل ليقبل منه الملك باطله. ويقال إنه يخاطب بها عمرو بن ~~كلثوم. # ومعنى (وهل لذاك بقاء): (إن الباطل لا يبقى). وعلى هذه الرواية لا شاهد ~~فيه. # (4) أي سريعا. # (5) الخموش: (جمع الخمش) وهو مثل الخدش يكون في البدن والوجه. (١) في بعض نسخ الأصل: (الإجارة والخفارة) ولم نجد هذا في كتاب التهذيب ~~للأزهري ولا في غيره من كتب اللغة. والإجارة: الإغاثة والحماية. والخفارة (مثلثة الخاء): ms7356 ~~الأمان. # (2) الحمولة (بالفتح): الإبل التي تحمل. # (3) المخمصة: المجاعة. (1) الترب (بالكسر): اللدة ومساويك في السن ومن ولد معك. # (2) في اللسان مادة عفد: (الاعتفاد: # أن يغلق الرجل بابه على نفسه فلا يسأل أحدا حتى يموت جوعا). # (3) في اللسان: (عمرو العلا...) (4) مسنتون: أي أصابتهم السنة. والسنة: ~~الجدب والقحط. (١) في ابن العربي: (في القرآن). # (2) في ابن العربي: (تنزع). # (3) راجع ج 1 ص 10 فيما بعد. (1) هو ربيعة الرأي أدرك بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والأكابر من ~~التابعين وكان صاحب الفتوى بالمدينة وعنه أخذ مالك بن أنس وغيره. توفى سنة ~~136 ه‍. # (2) كذا في الأصول وابن العربي. # أي من عدد شهورهم (3) كذا في ابن العربي. وفي نسخ الأصل: (وأرى). # (4) في ابن العربي: (قبل الصيف). # (5) الهقعة: ثلاثة كواكب نيرة قريب بعضها من بعض فوق منكب الجوزاء، وهي ~~منزل من منازل القمر. (1) في الأصول: (لان قسمة الله الزمان قسمين، ولم يجعل لهما ثالثا) وهي غير ~~مستقيمة. وفي ابن العربي (لأجل قسمة الله الزمان قسمين... الخ) () في كتاب ~~شفاء العليل للشهاب الخفاجي: (الباد هنج) معرب باد خون أو باد كير، منفذ ~~الهواء في سقف البيت. # (3) في ابن العربي: (اليانوس). ولم نجد في المعاجم العربية هذه المادة. (1) يريد: يقموا بمكة: ويتركوا الرحلة... الخ. # (2) آية 126 سورة البقرة. # (3) آية 57 سورة القصص. # (4) التكملة عن تفسير الخطيب. (1) راجع ج 1 ص 143. # (2) آية 13 سورة الطور. راجع ج 17 ص 64 (1) راجع ج 5 ص 46. # (2) راجع ج 2 ص 14 طبعة ثانية. # (3) آية 34 راجع ج 18 ص 272. # (4) آية 47 سورة يس. # (5) راجع ج 2 ص 7 طبعة ثانية. # (6) راجع ج 11 ص 121 (1) آية 142 سورة النساء. # (2) في نسخة من الأصل: (الشياطين). والشطار: جمع شاطر، وهو الذي ترك ~~موافقة أهله وأعياهم لؤما وخبثا. # (3) في اللسان: السمت: حسن القصد والمذهب في الدين والدنيا. (1) راجع ج 5 ص 181 و ج 9 ص 13 و ج 11 ص 70. # (2) أي لا تستر ولا تخفى فرائضه، وإنما تظهر وتعلن ويجهر بها. # (3) راجع ms7357 ج 3 ص 332. # (4) في بعض نسخ الأصل: (أبو عمر) وفي بعضها: (أبو عبد). وفي ابن العربي: ~~(أبو بكر بن عبد العزيز). (1) في اللسان: # قوم على التنزيل لما يمنعوا * ما عونهم ويبدلوا التنزيلا (2) كذا في بعض ~~نسخ الأصل. وفي بعضها الآخر: (حكاه الطبري وابن عيسى). # (3) هذا مثل يضرب لمن لا مال له. والسعن: الكثير. # (4) هذا القول يأباه القياس اللغوي. (1) في تفسير الثعلبي: * متى تجاهدهن * وهي الأوجه. # (2) البرين (بضم الباء وكسرها): # جمع برة وهي هنا الحلقة في أنف البعير. وهي أيضا: كل حلقة من سوار وقرط ~~وخلخال. # (3) آية 142 سورة النساء. # (4) آية 54 سورة التوبة. (1) هذا عجز بيت لحسان بن نشبة. وصدره كما في اللسان: # * أبوا أن يبيحوا جارهم لعدوهم * (1) في صحيح مسلم طبع الآستانة وبولاق: (بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى...) الحديث. # (2) أي ينتزع ويقتطع. # (3) في بعض نسخ الأصل: (تسهيل). (1) ملحوب: ماء لبني أسد بن خزيمة. وصاحبه: عوف بن الأحوص. والرداع ~~(بالكسر): اسم ماء أيضا. والكوثر أيضا: السيد الكثير الخير. # (2) جمع: المزدلفة. (1) في اللسان: نحر: (هل) في موضع (ما). # (2) الذي في كتاب الفراء: (منازلنا تتناحر: نحر هذا... أي قبالته). وفيه ~~تحريف. والذي في اللسان: # وقال الفراء: (سمعت بعض العرب يقول: منازلهم تتناحر: هذا بنحر هذا، أي ~~قبالته). (1) في (اللسان: حرى): والحري: الخليق: كقولك: بالحري إن يكون ذلك. وإنه ~~لحرى بكذا، وحر: وحرى. # (2) راجع ج 15 ص 107 وما بعدها. # (3) راجع ج 12 ص 42 وما بعدها. (1) في بعض الأصول: (ابن الزبير). (1) الزيادة من الدارقطني. (1) في نسخة الصنبور. وسيأتي للمصنف بيان معناه. # (2) آية 51 سورة النساء. (1) مثعب الحوض: مسيله. # (2) الازاء: مصب الماء في الحوض. # (3) الإداوة: إناء صغير من جلد يتخذ للماء. # (4) بذ الهيئة: رثها. (1) الهناء (بالكسر): القطران. () قفل الجلد: يبس. # (3) استلم الحجر: لمسه بالقبلة أو باليد. (١) لفظ الحديث كما في صحيح مسلم (باب الفضائل): (... أنه سمع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على المنبر وهو يقول: إن بنى هشام بن المغيرة استأذنوني أن ~~ينكحوا ms7358 ابنتهم علي بن أبي طالب فلا آذن لهم ثم لا آذن لهم، ثم لا آذن لهم ~~إلا أن يجب ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم فإنما ابنتي بضعة مني ~~يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها) والبضعة (بالفتح وقد تكسر): القطعة من ~~اللحم. # (2) البيت من أبيات المهلهل بن ربيعة قالها بعد أن أخذ بثأر أخيه كليب ~~(راجع الشاهد العاشر بعد المائة في خزانة الأدب). # (3) البيت لجرير بن عبد الله البجلي. وقيل لعمرو بن خثارم البجلي. (راجع ~~خزانة الأدب في الشاهد الحادي والثمانين بعد الخمسمائة). (1) في حاشية الجمل نقلا عن القرطبي: ثم تعبد آلهتنا، ونعبد إلهك، فنجري ~~على هذا أبدا: سنة وسنة، فنزلت... الخ. (1) آية 55 سورة القصص. # (2) آية 78 سورة الشعراء. # (3) آية 50 سورة آل عمران. # (4) هو الراعي يخاطب خيلا. (عن اللسان مادة نصر.) (1) أي طاقة. (1) قال ابن الأثير: (هو مستعار من نفس الهواء الذي يرده التنفس إلى الجوف ~~فيبرد من حرارته ويعدلها. # أو من نفس الريح الذي يتنسمه فيستروح إليه. أو من نفس الروضة وهو طيب ~~روائحها فيتفرج به عنه يقال: أنت في نفس من أمرك واعمل وأنت في نفس من عمرك ~~أي في سعة وفسحة قبل المرض والهرم ونحوهما. (1) الذي في الطبري والكشاف: (سنتين). # (2) أي غضب. # (3) أي من جهة ذكائه وزيادة معرفته. أو من جهة قرابته من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. (1) آية 3 سورة المائدة. # (2) آخر سورة النساء. # (3) آية 128 سورة التوبة. # (4) آية 281 سورة البقرة. # (5) راجع ج 3 ص 375 (1) آية 214 سورة الشعراء. # (2) قال النووي في شرح مسلم: (وظاهر هذه العبارة أن قوله ورهطك منهم ~~المخلصين كان قرآنا أنزل ثم نسخت تلاوته). # (3) الفهر (بالكسر): الحجر ملء الكف وقيل الحجارة مطلقا. (1) في بعض نسخ الأصل: * فتبا للذي صنعوا * (2) آية 10 سورة الحج. (1) يقال طريق مهيع: أي واضح واسع بين. # (2) الجذعة: ولد الشاة في السنة الثانية. # (3) العس (بالضم): القدح الكبير. (1) في الأصول: (أغويت). # (2) أي غلبه بالحجة. # (3) راجع ج 11 ص 256 (4) أي غلبه بقوة حجته. ms7359 (1) راجع ج 19 ص 160. # (2) آية 94 سورة الواقعة. # (3) آية 30 سورة النساء. # (4) آية 163 سورة الصافات. (1) (حمالة) بالرفح قراءة نافع وبها يقرأ المؤلف. # (2) التوريش: التحريش يقال: ورشت بين القوم وأرشت. # (3) الحرب (بالتحريك): نهب مال الانسان وتركه لا شئ له. (1) الإبالة: الحزمة الكبيرة. # (2) الحسك، نبات له ثمرة ذات شوك تعلق بأصواف الغنم والسعدان. # (3) آية 31 سورة الأنعام. # (4) آية 61 سورة الأحزاب. (1) الجيد: العنق. والريم: الظبي الأبيض الخالص البياض. و (نصته) رفعته. ~~والمعطل: الذي لا حلى عليه. وقوله (بفاحش) أي ليس بكريه المنظر. # (2) قال التبريزي (مقذوفة: أي مرمية باللحم. والدخبس: الذي قد دخل بعضه ~~في بعض من كثرته. # والنحض: اللحم وهو جمع نحضة. والبازل: الكبير. والصريف: الصباح. والقعو: ~~ما يضم البكرة إذا كان خشبا فإذا كان حديدا فهو خطاف. ويروى: له صريف صريف ~~القعو (بالضم) على البدل والنصب أجود). # (3) الأشمط: من خالط بياض رأسه سواد. والمقسئن: الذي قد انتهى في سنه ~~فليس به ضعف كبر ولا قوة شباب. وقيل: هو الذي في آخر شبابه وأول كبره. ~~والرجز ثلاثة أبيات في (اللسان: مسد) ولم ينسبه إلى قائله. # (4) أمر الحبل: فتله فتلا شديدا. وأيانق: جمع أينق وأينق جمع ناقة. ~~والأنياب: جمع ناب، وهي الناقة الهرمة. والحقائق: جمع حقة وهي التي دخلت في ~~السنة الرابعة وليس جلدها بالقوى. والرجز ثلاثة أبيات في اللسان. ونسبه ~~الأصمعي لعمارة بن طارق. وقال أبو عبيدة: هو لعقبة الهجيمي. وقوله (ليس): ~~كذا في (اللسان: # مسد) وأعاده في (حقق): (لسن) بالنون. وهو الصواب. (1) مرث الودع يمرثه مرثا: مصه. # (2) هو رؤبة. # (3) الأسر: الخلق. # (4) أمر الحبل: فتله فتلا شديدا. والايانق: جمع ناقة. والصهب: جمع الأصهب ~~هو بعير ليس بشديد البياض. # وعتاق: جمع عتيق وهو الكريم. وزهق المخ: إذا اكتنز (اجتمع) لحمه فهو ~~زاهق. # (5) الأكفاء في الشعر: # المخالفة بين ضروب إعراب قوافيه. ومن الأكفاء أيضا المخالفة بين هجاء ~~قوافيه إذا تقاربت مخارج الحروف أو تباعدت. (1) أي مجدولة الخلق. # (2) وقد يهمز فيقال مسأب كمنبر. # (3) كذا في الأصول والظاهر أن اللفظ محرف عن (الوفاة). # (4) العدسة: بثرة ms7360 تخرج بالبدن فتقتل. # (5) هي لبابة الكبرى بنت الحارث بن حزن الهالية أخت ميمونة أم المؤمنين. # (6) المثاورة: المواثبة. (اللسان: ثور). # (7) رضموا: أي جعلوا الحجارة بعضها على بعض. (1) صدر البيت كما في معلقته: # * كأن رحلي وقد زال النهار بنا * و (ذو الجليل) مكان ينبت الجليل وهو ~~الثمام. والثمام: نبت ضعيف قصير لا يطول. # (2) هذا عجز بيت لأبي الأسود الدؤلي. وصدره: # * فألفيته غير مستعتب * (1) آية 53 سورة النحل. # (2) ويروى: بخيري. وهو الصواب لأنه ذكر بعده اثنين. # (3) وهذا لا يجوز على الله تعالى. # (4) علكت الدابة اللجام تعلكه (من باب قتل) علكا: لاكته وحركته. والكشيم ~~والشكيمة: الحديدة المعترضة في فم الفرس. (1) في نسخة من الأصل: (فأسقط آية وأبطل المعنى وصحف افتراء على الله عز ~~وجل...) الخ. # (2) بالهمزة قراءة نافع وهي قراءة المؤلف. # (3) راجع ج 1 ص 447 طبعة ثانية أو ثالثة. # (4) آية 15 سورة الزخرف راجع ج 16 ص 69 (١) أي يعتقد أنها قليلة في العمل لا في التنقيص. # (٢) في شرح العيني على البخاري في فضائل القرآن: # (قوله الله الواحد الصمد: كناية عن قل هو الله أحد). # (3) من باب قتل وضرب ويستعمل متعديا ولازما. # (4) أي اجتمع من اجتمع. # (5) زيادة عن الخطيب. (1) الرواية في الترمذي عن أبي هريرة. # (2) في الترمذي: (حسن غريب). (1) راجع ج 1 ص 114 طبعة أو ثالثة. (1) زيادة عن سنن النسائي. # (2) الطش (بفتح الطاء وتشديد الشين): المطر الضعيف. # (3) الذي في سنن النسائي: (فانتظرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي ~~بنا، ثم ذكر... الخ). # (4) زيادة عن سنن النسائي. (1) زيادة عن الصحيحين. # (2) المطبوب: المسحور. # (3) في بعض نسخ الأصل وبعض كتب الحديث: (ومشاقة) بالقاف بدل الطاء وهو ما ~~يستخرج من الكتان. والمشط: الآلة التي يمشط بها الشعر. # (4) الجف (بضم الجيم وتشديد الفاء): الغشاء الذي يكون على الطلع ويطلق ~~على الذكر والأنثى فلذا قيده بقوله (ذكر). # (6) ويقال: (بئر ذروان)، وهي بئر بالمدينة في بستان بني زريق. # (7) أي في روايته. # (8) في بعض نسخ الأصل: (الماتح) بالتاء المثناة من فوق وهو المستقي. # من البئر بالدلو. من أعلى ms7361 البئر. أما المائح بالهمز فهو: الذي يكون في ~~أسفل البئر يملا الدلو. (1) في نسخة: فدنت. # (2) راجع ج 2 ص 43 فما بعدها طبعة ثانية. # (3) هو عبد الله بن يزيد المعافري. # (4) المرتفق: المتكئ على مرفق يده. (1) صدر البيت: * وعبد أبي قابوس في غير كنهه * والضواجع: جمع ضاجعة وهي ~~منحني الوادي. # (2) البيدر: الموضع الذي يداس فيه الحبوب. # (3) ورد هذا البيت في الأصول محرفا. وهو من أرجوزة رؤبة بن العجاج التي ~~مطلعها: * وقائم الأعماق خاوي المخترق * وقوله: (أون) أي أكل وشرب حتى ~~امتلأ بطنه. والعقق: جمع عقوق كرسول ورسل وهي التي تكامل حملها، وقرب ~~ولادها. وصف صائدا لما أحس بالصيد - وهي الأتن التي وردت الماء فشربت حتى ~~امتلأت خواصرها - وأراد رؤبة: وسوس نفسه بالدعاء حذر الخيبة. # (4) آية 96 سورة الأنعام. # (5) آية 95 سورة الأنعام. # (6) كذا في الأصول واللسان. والذي في الديوان: (ماجلا). وقال ابن بري: ~~الرواية الصحيحة: # * حتى إذا ما جلا عن وجهه شفق * وقوله تعالى (هاديه) أي أوله مأخوذ من ~~الهادي وهو مقدم العنق. (1) المقطرة (بكسر الميم): خشية فيها خروق كل خرق على قدر سعة الساق يدخل ~~فيها أرجل المحبوسين مشتق من قطار الإبل. # (2) زيادة من اللسان مادة (علق) يقتضيها السياق. وفي الأساس مادة (فلق): # (وجاء بعلق) على التركيب كخمسة عشر. (1) الضمرز (كزبرج): الناقة المسنة. ومن النساء الغليظة. وقد وردت هذه ~~الكلمة في نسخ الأصل محرفة، ففي بعضها (صمود) في بعضها الآخر: (ضمور) وهو ~~تحريف. وفي البيت إقواء وهو اختلاف حركات الروى. # (2) العضه (كعنب): الكذب والسحر والبهتان. والعاضه: الساحر. (١) أي من علق شيئا من التعاويذ والتمائم معتقدا أنها تجلب إليه نفعا أو ~~تدفع عنه ضررا. وقيل: المراد تمائم الجاهلية مثل الخرزات وأظفار السباع. ~~أما ما يكون من القرآن والأسماء الإلهية فهو ~~خارج عن هذا الحكم. # (شرح سنن النسائي). # (2) راجع ج 10 ص 315 فما بعدها. (1) معنى الحسد تقدم في سورة البقرة ج 2 ص 71 طبعة ثانية. وراجع أيضا سورة ~~النساء ج 5 ص 251 (2) هذا مذكور في سورة النساء. فليراجع. ms7362 (1) شئز الرجل: قلق من مرض أو هم. والثأد: الندى والقر والامر القبيح. ~~وتذؤب الريح: هبوبها من كل وجه وهو مأخوذ من خداع الذئب. والهضب (بكسر ~~الهاء): الأمطار. # (2) العشرق (كزبرج): نبت له ورق فإذا يبس طار. ونبت زجل: صوتت فيه الريح. # (3) زيادة عن نوادر الأصول للترمذي الحكيم. (1) زيادة عن الترمذي الحكيم. () آية 15 سورة التكوير. # (3) في نسخة من الأصل (ابن آدم). # (4) في اللسان: (عنك). # (5) يمتعس: يتحرك. # (6) في بعض الأصول (جتتته) وبعضها (جننته) وفي بعضها بدون إعجام. (1) آية 112 من سورة الأنعام. (1) آية 6 سورة الجن. # (2) وذلك في قوله تعالى: (وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن...) آية 29 سورة ~~الأحقاف. ms7363